‫‪http://www.balligho.

com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫تم تحميل هذا الكتاب‬
‫من مكتبة موقع‬
‫"بّلغوا عّني ولو آية"‬

‫رسالتنا‪ :‬يصل الكثير من الناس بعض الرسائل اللكترونية عن السلم ويقومون‬
‫صصنا هذه‬
‫بحذفها أو تجاهلها بحجة أنها طويلة ويثقل عليهم قراءتها‪ .‬لذلك خ ّ‬
‫الصفحة للشتراك في عظة يومية قصيرة أو حديث شريف أو آية تصل إلى بريد‬
‫المشترك بحيث لن يصعب قرائتها والستفادة منها راجيا من المولى عز وجل‬
‫الجر والثواب‪ .‬مثال ‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪" :‬بلّـغوا عنّـي ولو‬
‫‪".‬آية‬
‫للشتراك في هذه الخدمة الرجاء زيارة موقعنا "بلّـغوا عنّـي ولو آية" في السفل‬
‫‪ :‬وتسجيل البريد اللكتروني‬
‫‪http://www.balligho.com‬‬
‫‪ :‬أو عن طريق إرسال رسالة ولو فارغة إلى‬
‫‪subscribe@balligho.com‬‬
‫‪.‬ويمكنكم أيضا أن تتصفحوا الرشيف بالحاديث المرسلة مسبقًا‬
‫ن في السلم سنة حسنة‪ ،‬فعمل بها‬
‫قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪" :‬من س ّ‬
‫بعده‪ ،‬كتب له مثل أجر من عمل بها‪ .‬ول ينقص من أجورهم شيء‪ ...‬الحديث‪.‬‬
‫فاحرصوا يرحمكم ال على نشرها فكل من يزور الموقع ويستفيد منه عن طريقك‬
‫تكسب من الجر الكثير وإن قام بدوره بالعمل بها ونشرها أيضا فكلنا نكسب أمثل‬
‫‪.‬أجورهم ول ينقص من الجر شيئا‬

‫والسّنة‬
‫منهاجنا‪َ :‬‬
‫و َ‬
‫دة إلى الك َِتا ِ‬
‫ب َ‬
‫ع ْ‬
‫ف ال ُ‬
‫بِ َ‬
‫مة‬
‫سل َ ِ‬
‫هم ِ َ‬
‫ف ْ‬
‫ّ‬
‫‪1‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ةة ةةةةة ةةة ةةةةةة ةةةة ةةةةةة ةةةةةةة ةةةةةةة‬
‫)ةةةة ةةة ةةةةةةةة ةةة ةةةة ةةةةةةة ةةةةةةة ةةة‬
‫ةةةةةةةة(‬
‫الكتاب ‪ :‬موسوعة البحوث والمقالت العلمية‬
‫جمع وإعداد الباحث في القرآن والسنة‬
‫حوالي خمسة آلف وتسعمائة مقال وبحث‬
‫علي بن نايف الشحود‬
‫لبد أن تنازع القدر بالقدر ـ كما قال بعض أهل العلم ـ ننازع الجهل بالعلم‪،‬‬
‫والفقر بالمال‪ ،‬والمرض بالعلج‪ ،‬والفوضى بالتخطيط‪ ،‬والتعطيل ننازعه‬
‫بالمكاشفة‪ ،‬والتعبئة ‪ .‬ولبد من تحديد المسئولية بدقة‪ ،‬كلنا مسئولون ـ ل‬
‫شك ـ عما يقع لنا على مستوى المة‪ ،‬لكن درجة المسئولية تتفاوت‪ :‬فليست‬
‫مسئولية الفرد العادي كمسئولية العالم‪ ،‬أو مسئولية الحاكم‪ ،‬أو مسئولية‬
‫المفكر‪ ،‬كل إنسان يتحمل من المسئولية بقدر طاقته ‪ .‬أما تحميل المسئولية‬
‫لجهة معينة‪ :‬الحكام‪ ،‬أو العلماء‪ ،‬فهذا أيضا ً من المهارب النفسية التي نلجأ‬
‫إليها للخروج من أزمة معينة ‪ ،‬ونخرج نحن أبرياء ‪ .‬وقد نحتج بالحديث‬
‫الضعيف الذي رواه أبو نعيم‪] :‬صنفان من أمتي إذا صلحوا صلح الناس وإذا‬
‫فسدوا فسد الناس العلماء والمراء [ وهذا الحديث ل يصح سندًا‪ ،‬ول متنا ‪.‬‬
‫وبناءا ً على تحديد المسئولية؛ نكون جميعا ً مطالبون بالعمل على الخروج من‬
‫الزمة‪ ،‬كل في مجال اختصاصه‪ :‬كل متخصص في مجال يقدم ورقة‪ ،‬ويرفع‬
‫راية‪ ،‬و يخط طريقة‪ ،‬و يجر وراءه من يستطيع ‪.‬‬
‫أخيرًا‪ :‬إذا رسمنا الهداف بدقة وبدأنا الطريق إليها‪ ،‬فسنجد أننا بعد عقد‪ ،‬أو‬
‫عقدين من الزمان ـ أمام أمة قد دبت فيه الحياة بصورة صحيحة‪ ،‬وعرف‬
‫المرء فيها سبيله‪ ،‬وأدرك كل إنسان ما هو الدور الذي ينتظر منه‪ ،‬واتجه إليه‬
‫بقدر ما يستطيع‪ ،‬و ركز على ما يحسن‪ ،‬وأفرغ جهده في سبيل الدعوة إلى‬
‫الله عز وجل ‪ .‬وحينئذ تكون المة قد قامت بواجب الجهاد على كافة‬
‫المجالت‪ ،‬والصعدة‪ ،‬و أصبحت أهل ً لن يتحقق فيها قول الله عز وجل‪{ :‬‬
‫صُره ُ ]‪ } [40‬سورة الحج ‪.‬‬
‫صَر ّ‬
‫ه َ‬
‫ن الل ّ ُ‬
‫من َين ُ‬
‫وَل ََين ُ‬
‫كيف ننصر الله عز وجل ؟ ليس معنى نصر الله هو فقط ‪ :‬أن ننصر الله في‬
‫معركة حربية ل‪ ،‬ننصر الله ؛ بأن نحقق السلم في جميع نواحي الحياة‪:‬في‬
‫المجال الفردي‪ ،‬وعلى مستوى المة ‪ .‬فإذا فعلنا ذلك كله‪ ،‬وحققنا السلم‬
‫أخيرا ً في مجال الحرب‪ ،‬فخضنا الحر؛ ينصرنا الله؛ لننا نصرناه في كافة‬
‫المجالت‪,‬‬
‫فهذا المجال الخير ‪ ،‬وهو مجال القتال نحتاج فيه إلى عون الله‪ ،‬و نصره؛‬
‫لننا مهما بذلنا لن نكون على مستوى قوة عدونا‪ ،‬فحينئذ ً ينصرنا الله عز وجل‬
‫ن ِإن‬
‫ه لَ َ‬
‫زيٌز ]‪ [40‬ال ّ ِ‬
‫صُره ُ إ ِ ّ‬
‫صَر ّ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ه َ‬
‫ن الل ّ ُ‬
‫من َين ُ‬
‫ولذلك قال‪ { :‬وَل ََين ُ‬
‫ذي َ‬
‫قوِيّ عَ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫وا الّز َ‬
‫ن‬
‫م ِفي اْل َْر‬
‫معُْرو ِ‬
‫مُروا ِبال ْ َ‬
‫كاة َ وَأ َ‬
‫ض أَقا ُ‬
‫مك ّّناهُ ْ‬
‫ّ‬
‫موا ال ّ‬
‫ف وَن َهَ ْ‬
‫صَلة َ َوآت َ ُ‬
‫وا عَ ِ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫مورِ ]‪ } [41‬سورة الحج ‪.‬‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ة‬
‫ب‬
‫ق‬
‫عا‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ل‬
‫و‬
‫ر‬
‫ك‬
‫من‬
‫ل‬
‫ا ُ ِ َِ ِ َ َِ ُ‬
‫ُ‬
‫لقد تثبت الحداث أحيانا ً ‪ :‬أن الله تعالى لو منحنا نصرا ً رخيصا ً بسبب حرب‪،‬‬
‫‪2‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫أو قتال ما استطعنا أن نقوم بتكاليف هذا النصر ‪ ،‬و تبعاته‪ ,‬و ننصر الله عز‬
‫وجل بعد ما مكننا‪ ،‬فنقيم الصلة‪ ،‬ونؤتي الزكاة‪ ،‬ونأمر بالمعروف‪ ،‬وننهى عن‬
‫المنكر ‪.‬وأل نتوقع أننا سنحصل للسلم على نصر هين‪ ،‬رخيص يتحقق من‬
‫خلله معركة نخوضها‪ ،‬ثم نستلم الراية‪ ،‬ونبدأ الفتح‪ ,‬فهذا تصور فيه قرب ‪ ،‬و‬
‫بساطة‪ ،‬و ل يتناسب مع خط سير الحداث‪ .‬واستغفر الله لي‪ ،‬ولكم‪ ،‬ولسائر‬
‫المسلمين من كل ذنب‪ ،‬وأصلي‪ ,‬وأسلم على عبده‪ ،‬ورسوله محمد‪ ،‬وآله‪،‬‬
‫وصحبه أجمعين‪.‬‬
‫من محاضرة‪ :‬نظرة في مستقبل الدعوة السلمية للشيخ‪/‬سلمان العودة‬
‫)‪(10 /‬‬
‫ي‬
‫وف السلم ّ‬
‫نظرة في مفهوم التص ّ‬
‫د‪ .‬بدران بن الحسن ‪3/7/1425‬‬
‫‪19/08/2004‬‬
‫ي‪،‬‬
‫ي يقتضي منا الحديث عن جذره اللغو ّ‬
‫وف السلم ّ‬
‫الحديث عن مفهوم التص ّ‬
‫وتأصيله من الناحية التاريخّية‪ ،‬وتتبع مساراته‪ ،‬ودراسة مضمون النتاج‬
‫ي لهذا التجاه في حقل المعرفة السلمّية‪ ،‬كما يقتضي التنقيب عن‬
‫المعرف ّ‬
‫مضامينه الروحّية والعقلّية‪ ،‬وتتبع مدى أصالة انتمائه إلى حقل العلوم‬
‫والمعارف الشرعّية‪ ،‬ومدى علمّية ما يطرحه المتصوفة من رؤى عن الله عز‬
‫ي في المعرفة‬
‫وجل‪ ،‬ثم عن الكون والحياة والنسان‪ ،‬وتحليل المنهج الصوف ّ‬
‫والتلقي‪ ،‬مع مراعاة أدوات المعرفة الصوفّية وموقع العقل والبداهة منها‪،‬‬
‫وقبل ذلك تعاملها مع الوحي كمصدر مركزيّ للمعرفة‪ ،‬ودور العقل في‬
‫التعامل مع المعطيات والحقائق‪ ،‬واستكناه حقيقة القول بأولوّية المعرفة‬
‫اللدّنية‪ ،‬أو الذاتّية‪ ،‬والتجربة‪ ،‬والتذوق في الوصول إلى الحقيقة‪ ،‬ومدى قابلّية‬
‫ما للناس‬
‫ي –إن صح تسميته منه ً‬
‫جا‪ -‬للتعميم‪ ،‬ليكون عا ً‬
‫هذا المنهج الصوف ّ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫كلهم‪ ،‬وسبيل موصل ومفضل على العقل والبرهان‪.‬‬
‫ن البحث في هذا المستوى يحتاج إلى اطلع واسع‪ ،‬وتأمل دقيق في التجربة‬
‫إ ّ‬
‫ً‬
‫ن مقالنا هذا لن يهتم بالجذر اللغويّ كثيرا‪ ،‬وإثبات مدى‬
‫الصوفّية‪ ،‬لذا فإ ّ‬
‫ً‬
‫ي‪ -‬وإنما سننظر إليه كظاهرة‬
‫الصالة الشرعّية تاريخيا لهذا المنهج –الصوف ّ‬
‫ملية‪.‬‬
‫سلوكّية وعبادّية وتأ ّ‬
‫وف من حيث هو ظاهرة سلوكّية وعبادّية‪ ،‬وتطهير‬
‫ومن هذا الوجه‪ ،‬فالتص ّ‬
‫للنفس النسانّية وتأمل وفكر في الوجود‪ ،‬أصيل في السلم‪ .‬فالتربية‬
‫ي وصياغة شخصّية النسان في ظلها لكي تحفظ‬
‫الروحّية في المجتمع النسان ّ‬
‫توازنها أمام مغريات الحياة‪ ،‬كانت من المهمات الواضحة للوحي )القرآن‬
‫والسنة(‪.‬‬
‫ً‬
‫فالقرآن الكريم قائم أساسا على الدعوة إلى الله تعالى وعبادته‪ ،‬وتطهير‬
‫مارة بالسوء‪ ،‬وبيان سبل الستقامة والسلوك الموزون في الحياة‪.‬‬
‫النفس ال ّ‬
‫ي المجرد بخالق الكون ثم بالقيم والفضائل التي تنبعث من‬
‫وإ ّ‬
‫ن اليمان العقل ّ‬
‫ن يجعل من النسان يقظ الحس‪ ،‬رقيق الوجدان‪،‬‬
‫هذا اليمان ل يمكن أ ْ‬
‫ً‬
‫مستقيم السلوك‪ ،‬رباني المشاعر‪ ،‬متطلعا إلى رضوان الله بشوق وانتظار‪.‬‬
‫ونحن إذا قرأنا القرآن الكريم وجدنا آيات كثيرة تدعو النسان إلى الجانب‬
‫ي المتكامل‪.‬‬
‫ي من حياته‪ ،‬ضمن الطار العام في الكيان النسان ّ‬
‫الروح ّ‬
‫فقول الله تعالى‪) :‬واعبد ربك حتى يأتيك اليقين( ]الحجر‪ ،[99 :‬وقوله عز‬
‫وجل‪) :‬تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوًفا وطمًعا( ]السجدة‪:‬‬

‫‪3‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫‪ ،[16‬وقوله تعالى‪) :‬قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها( ]الشمس‪-9 :‬‬
‫‪ ،[10‬وآيات كثيرة شواهد على اهتمام السلم بتربية الروح وتعويد النفس‬
‫على الطاعة عن طريق العبادة الشاملة في الحياة كلها‪.‬‬
‫ولقد أحدثت التربية النبوّية الشريفة تغييرا ً كليا ً في النفوس‪ ،‬وأيقظت‬
‫الرواح‪ ،‬ووجه الرسول صلى الله عليه وسلم صحابته وأمته من بعده إلى‬
‫تأمل كتاب الله‪ ،‬فأشرقت قلوب صحابته‪ ،‬واقتدوا به صلى الله عليه وسلم‬
‫في عدم إعطاء حياة الشهوات أكثر من حجمها‪ ،‬وعدم التذّلل لها‪ ،‬وتمّيز من‬
‫صفوا‪ -‬رهباًنا بالليل فرسانا ً‬
‫بينهم جمع من خالص أصحابه‪ ،‬كانوا ‪-‬كما وُ ِ‬
‫بالنهار‪ ،‬استغرقوا في العبادة والصلة وقراءة القرآن والكفاح اليومي على‬
‫وة والقتداء الكامل برسول الله صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫نهج النب ّ‬
‫صحابة في مسلكهم في العبادة كبار التابعين وتابعيهم‪،‬‬
‫ثم ورث هؤلء ال ّ‬
‫ي‪ ،‬نتيجة تطور‬
‫واستمر هذا التجاه الذي س ّ‬
‫مي بالزهد في المجتمع السلم ّ‬
‫أوضاعه‪.‬‬
‫إذ كلما استبدت المغريات المادية بالناس‪ ،‬وكثرت الثام‪ ،‬وظهرت المفاسد‪،‬‬
‫مارة بالسوء‪.‬‬
‫وانتشرت المظالم‪ ،‬علت الدعوة إلى محاربة النفس ال ّ‬
‫عاظ وأهل الزهد والرشاد ينبهون الناس إلى الثغرات الروحّية في‬
‫وكان الو ّ‬
‫الحياة وكيفّية معالجتها‪ ،‬وكانوا ينطلقون من منطلقات قرآنّية‪.‬‬
‫ي‪ ،‬حتى بعد تطوره إلى فكر‪،‬‬
‫وبقي التجاه الروحي على صفائه السلم ّ‬
‫ي‪ ،‬حيث‬
‫وف" بوضوح ابتداء من القرن الثالث الهجر ّ‬
‫واتخاذه مصطلح "التص ّ‬
‫مي بعلوم الخواطر أو الحوال أو‬
‫وف إلى علم قائم بذاته‪ ،‬س ّ‬
‫انقلب التص ّ‬
‫المكاشفات)‪. (1‬‬
‫يقول ابن خلدون‪:‬‬
‫ّ‬
‫"هذا العلم من علوم الشريعة الحادثة في الملة‪ .‬وأصله أن طريقة هؤلء‬
‫صحابة والتابعين ومن بعدهم‬
‫القوم لم تزل عند سلف المة وكبارها من ال ّ‬
‫طريقة الحقّ والهداية‪ ،‬وأصلها العكوف على العبادة والنقطاع إلى الله تعالى‬
‫والعراض عن زخرف الدنيا وزينتها‪ ،‬والزهد فيما يقبل عليه الجمهور من ل ّ‬
‫ذة‬
‫صحابة‬
‫ومال وجاه‪ ،‬والنفراد في الخلوة للعبادة‪ .‬وكان ذلك عا ّ‬
‫ما في ال ّ‬
‫والسلف‪ .‬فلما فشا القبال على الدنيا في القرن الثاني وما بعده وجنح‬
‫الناس إلى مخالطة الدنيا‪ ،‬اختص المقبلون على العبادة باسم الصوفّية‬
‫والمتصوفة")‪.(2‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫مقون في حقائق الدين ول يكتفون بظاهرها فحسب‬
‫وعندما بدأ الصوفّية يتع ّ‬
‫ور الذي عده ابن‬
‫ي‪ ،‬هذا التط ّ‬
‫ي كأحد مظاهر الفكر السلم ّ‬
‫ظهر الفكر الصوف ّ‬
‫ي وامتداده‪ ،‬ونشوء ظواهر جديدة‬
‫ور حركة المجتمع السلم ّ‬
‫خلدون بسبب تط ّ‬
‫كالترف والبذخ‪ ،‬والقبال على الدنيا‪.‬‬
‫ي‬
‫ور التجاه العقل ّ‬
‫وف كما تط ّ‬
‫ي الذي انتهى إلى علم التص ّ‬
‫ور الروح ّ‬
‫فكان التط ّ‬
‫ي إلى الفقه وأصول‬
‫ور التجاه العمل ّ‬
‫النظريّ إلى علم الكلم والفلسفة‪ ،‬وتط ّ‬
‫الفقه والمدارس الفقهّية المعروفة‪.‬‬
‫ما‬
‫ما على الكتاب والسنة‪ ،‬ملتز ً‬
‫ي في مبتدأ أمره قائ ً‬
‫كان في الفكر الصوف ّ‬
‫بضوابط الشرع‪ ،‬عند أمثال معروف الكرخي )ت ‪255‬هـ( والحارث المحاسبي‬
‫)ت ‪243‬هـ( وسير السقطي )ت ‪253‬هـ( والجنيد البغدادي )ت ‪298‬هـ(‬
‫وغيرهم‪.‬‬

‫‪4‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫مل العميق في التوحيد والعبودّية الّتامة لله تعالى‬
‫ذلك أّنه كان يقوم على التأ ّ‬
‫عن طريق تصفية القلب‪ ،‬واستقامة السلوك‪ ،‬ومجانبة الدواعي النفسانّية‪،‬‬
‫والتعّلق بالعلوم المستنبطة من الكتاب والسنة‪.‬‬
‫ن من لم يحفظ القرآن ولم يكتب‬
‫يقول الجنيد البغدادي رحمه الله‪" :‬إ ّ‬
‫ن عملنا هذا مقّيد بالكتاب‬
‫وف( ل ّ‬
‫الحديث ل ُيقتدى به في هذا المر )أي التص ّ‬
‫سنة")‪.(3‬‬
‫وال ّ‬
‫ي عميق في هذه المدرسة الصوفّية‪ ،‬حول‬
‫ولقد تبلور فكر صوّفي إسلم ّ‬
‫حقيقة العبادة والتوحيد واتباع السلوك الصحيح إلى الحقّ تبارك وتعالى‪،‬‬
‫ووصف مراتب النفس وتصفيتها‪ ،‬وأمراض القلوب وشفاءها‪ ،‬وحقيقة هذه‬
‫الحياة وموقع النسان فيها‪ ،‬والخلص من الرذائل‪ ،‬ونبذ العبودّية للدنيا‪،‬‬
‫ي ومراتبها‪.‬‬
‫ومعرفة مظاهر الشرك الخف ّ‬
‫ي السليم الذي تضبطه ضوابط القرآن الكريم‬
‫غير أ ّ‬
‫ن هذا الفكر الصوف ّ‬
‫وف‪ ،‬بل ظهرت منذ‬
‫سنة النبوّية‪ ،‬لم يستطع أ ْ‬
‫وال ّ‬
‫ن يسيطر على عالم التص ّ‬
‫َ‬
‫"الجنيد" بوادر انحرافات واضحة‪ ،‬تمثلت في َ‬
‫شطحات الحلج التي كانت‬
‫نتيجة الغنوصّية الشرقّية )الهندّية والمجوسّية ‪ (...‬التي دخلت المجتمع‬
‫ي‪ ،‬ودعت إلى الحلول عند الحلج‪ ،‬والشراق عند السهروردي الزنديق‬
‫السلم ّ‬
‫المقتول‪ ،‬ووحدة الوجود عند ابن الفارض والجيلي وابن سبعين وابن عربي‪،‬‬
‫هذا الخير الذي قال بوحدة الديان وأّول الحقائق الشرعّية تأويل منكًرا‪ ،‬ودعا‬
‫إلى نظرّية التحاد بين الخالق والمخلوق‪ ،‬وغيرها)‪.(4‬‬
‫حا‬
‫هذه النظرّيات لم تكن تجربة روحّية إسلمّية‪ ،‬بل كانت مظهًرا واض ً‬
‫لدراسات فلسفّية حلولّية وغنوصّية ل علقة لها بروحانّية السلم عند‬
‫وفة ال َُول المستقيمين من المتمسكين بكتاب الله وسنة رسوله صلى‬
‫المتص ّ‬
‫الله عليه وسلم وضوابط فهمهما الصحيح‪.‬‬
‫ي خلت من‬
‫ول يعني وجود هذا النحراف أ ّ‬
‫ي الصوف ّ‬
‫ن ساحة الفكر السلم ّ‬
‫ي المنضبط بضوابط ال ّ‬
‫شرع‪ ،‬بل استمر عند القشيري وعبد‬
‫التيار الصوف ّ‬
‫القادر الجيلني‪ ،‬والشيخ زروق وغيرهم‪ .‬الذين حاربوا تيار الشرافية‪ ،‬ووحدة‬
‫وا إلى كتاب الله تعالى وسّنة رسوله صلى الله عليه‬
‫الوجود‪ ،‬والباحية‪ ،‬ودعَ ْ‬
‫وسلم‪.‬‬
‫وف يقوم‬
‫ن ما يمكن ملحظته من الناحية المعرفّية والمنهجّية أ ّ‬
‫غير أ ّ‬
‫ن التص ّ‬
‫ربة الذاتّية‪ ،‬وما يسمى "بالكشف"‪ ،‬وهذا يش ّ‬
‫ّ‬
‫كل حاجًزا كبيًرا‬
‫والتج‬
‫ذوق‬
‫ال‬
‫على‬
‫ِ‬
‫جا مشتر ً‬
‫قق منه ومن‬
‫كا بين الناس يمكن التح ّ‬
‫ي منه ً‬
‫أ ْ‬
‫ن يكون المنهج الصوف ّ‬
‫س‪ ،‬وهذا ما يشترك‬
‫ي ول على ال ِ‬
‫ح ّ‬
‫علمّيته‪ ،‬إذ إّنه ل يقوم على النظر العقل ّ‬
‫فيه الناس جميًعا‪ ،‬وإنما يقوم هذا المنهج على التجربة الذاتّية والمجاهدة‬
‫وسلوك طريق الحوال والمقامات‪ ،‬وهي فضل ً عن غرابتها من الناحية‬
‫الشرعّية‪ ،‬فإنها غير قابلة للتعميم‪ ،‬ول يمكن البرهنة على صدقها‪ ،‬ولذلك‬
‫ن تكون صادقة ومقبولة عند صاحبها‪،‬‬
‫تبقى قاصرة عن التعميم‪ .‬وقد يمكن أ ْ‬
‫ولكن ل تعتبر قانونا ً عاما ّ يحتكم إليه الجميع‪ ،‬ويتصف بالموضوعّية وإمكان‬
‫المحاججة كما هو الشأن في مناهج علم الحديث أو الفقه أو التاريخ أو أصول‬
‫الفقه مث ً‬
‫ل‪.‬‬
‫ن يصطبغ بصبغة‬
‫ي في العصر الحديث حاول أ ْ‬
‫وبالرغم من أن الفكر الصوف ّ‬
‫ّ‬
‫تجديدّية على أيدي كثير من الصوفّية العلماء؛ أمثال العلمة محمد إقبال‬
‫ن‬
‫والشيخ عبد الحليم محمود والشيخ فريد الدين شهيدي الهندي وغيرهم‪ ،‬إل أ ّ‬
‫ما طرحه "إقبال" مثل ً من تجديد الفكر الديني في السلم‪ ،‬وبالساس‬
‫ي القائم على‬
‫وف‪ ،‬مازال يواجه أسئلة تقدح في صميم المنهج الصوف ّ‬
‫التص ّ‬
‫‪5‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫البداهة والذاتّية والعلم الذاتي غير المكتسب بالطرق المتعارف عليها‬
‫والمعهودة بين أهل العلم‪ ،‬بحيث إذا ما قورن بضوابط الشرع أو العقل يواجه‬
‫بأسئلة كثيرة على المستوى المعياري‪ ،‬والمستوى المعرفي )البستمولوجي(‪،‬‬
‫والمستوى الوجودي )النطولوجي(‪.‬‬
‫ن اعتبار التجربة الذوقّية واللهام المصدر الحقيقي للمعرفة‪ ،‬ليس له‬
‫ذلك أ ّ‬
‫في الحقيقة معنى منطقّيا‪ .‬فما هو معيار اختبار هذه التجربة الباطنّية؟ وما هو‬
‫المبرر العلمي لصرف ظواهر النصوص الشرعّية وإعطائها معاني تخالف‬
‫ن العربّية لغة الوحي‪ ،‬كما‬
‫قواعد التأويل العرّبي من الناحية اللغوّية باعتبار أ ّ‬
‫تع ّ‬
‫طل الحدود وتسقط الرسوم وتؤّدي إلى التحّلل من العبادة؟‬
‫)‪(2 /‬‬
‫ن العبادة الصل فيها الحضر إل‬
‫كما أّنه من المّتفق عليه بين كل المسلمين أ ّ‬
‫إذا د ّ‬
‫وفة‬
‫ل الشرع الحكيم عليها وعلى تشريعها‪ .‬من هنا فإ ّ‬
‫ن اختراع المتص ّ‬
‫لحوال وطرق ومسالك لم تؤثر عن صاحب الشرع يجعلهم في موقف‬
‫مناقض لصل التوحيد‪ ،‬والدخول في البتداع‪.‬‬
‫ن القول باللهام كمصدر للمعرفة‪ ،‬أمر غير مضبوط‪ ،‬وفيه طعن لخاتمّية‬
‫كما أ ّ‬
‫ي صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫الرسالة المحمدّية التي اكتملت بوفاة النب ّ‬
‫ن يكون خ ّ‬
‫طا فكرّيا‪ُ ،‬ولد مبك ًّرا في المجتمع‬
‫وف ل يعدو أ ْ‬
‫أخيرا ً نقول‪ :‬إ ّ‬
‫ن التص ّ‬
‫وره تش ّ‬
‫كلت فيه مدرستان؛‬
‫ورات ها ّ‬
‫مة‪ ،‬وأثناء تط ّ‬
‫ي‪ ،‬ومّر بمراحل وتط ّ‬
‫السلم ّ‬
‫سني التي يمكن اعتبارها "مدرسة تربية الّروح‪ ،‬وتزكية‬
‫وف ال ّ‬
‫مدرسة التص ّ‬
‫النفس‪ ،‬وتطهير القلب‪ ،‬وهذه تحتاج إلى قليل من المراجعة ليستفاد منها في‬
‫ميدان علم النفس والتربية والجتماع والسلوك"‪.‬‬
‫وف الفلسفي التي اخترقتها تيارات‬
‫أ ّ‬
‫ما المدرسة الثانية‪ ،‬فهي مدرسة التص ّ‬
‫الشراق والغنوصّية والحلول والفلطونّية‪ ،‬فابتعدت عن معايير العقل فضل ً‬
‫حدة‬
‫عن الوحي‪ .‬وهذه الخيرة هي التي قالت بالحلول‪ ،‬والتحاد‪ ،‬وال َ‬
‫فْيض‪ ،‬ووَ ْ‬
‫الوجود‪ ،‬والحقيقة الباطنّية‪ ،‬وأسقطت ظاهر الشريعة من العتبار‪ ،‬وهذه‬
‫ي‬
‫تحتاج إلى نقد وتفكيك ومواجهة علمّية‪ ،‬لهدم ما يبدو فيها من تناسق علم ّ‬
‫ي على غير أساس متين‪.‬‬
‫ومنطق ّ‬
‫والله أعلم وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم‪.‬‬
‫)‪ (1‬محمد جلل شرف‪ ،‬دراسات في التصوف السلمي‪ ،‬ص ‪.28‬‬
‫)‪ (2‬عبد الرحمن بن خلدون‪ ،‬المقدمة‪ ،‬ج ‪/3‬ص ‪ ،1063‬تحقيق‪ :‬علي عبد‬
‫الواحد واف‪.‬‬
‫)‪ (3‬الجنيد البغدادي‪ ،‬نقل عن كتاب "دليل الباحثين إلى المفاهيم النفسية في‬
‫التراث"‪ ،‬المعهد العالمي للفكر السلمي‪ ،‬ج ‪ /1‬ص ‪.270‬‬
‫)‪ (4‬محمد الغزالي‪ ،‬تراثنا الفكري في ميزان الشرع والعقل‪ ،‬ص ‪ 60‬وما‬
‫بعدها‪.‬‬
‫)‪(3 /‬‬
‫)‪(8‬‬
‫َ‬
‫نظريات وافدة ك َ‬
‫ف الفكر السلمي َزيفها‬
‫ش َ‬
‫ً‬
‫في حوالي القرن الخير )‪ 1870‬تقريبا إلى( اليوم ألقى الفكر السلمي‬
‫والثقافة العربية نظريات ومذاهب وافدة كثيرة‪ ،‬في مختلف مجالت اللغة‬

‫‪6‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫والدين والجتماع والحضارة التربية والتراث‪.‬‬
‫وهي نظريات فرضت في الغلب فرضا ً تحت ضغط ظروف الغزو‬
‫الستعماري والحتلل البريطاني والفرنسي للعالم السلمي‪ .‬وقد ألقيت هذه‬
‫النظريات من خلل الرساليات ومعاهدها وفروعها‪ ،‬وكان مجال الصحافة‬
‫والتعليم والثقافة أبرز ميادينها‪.‬‬
‫وقد غلف الدعاة إلى هذه النظريات دعوتهم بحماسة الرغبة في النهضة‬
‫والتجديد والستجابة لروح العصر‪ ،‬والخروج من الجمود‪ ،‬وكسر قيود التقليد‬
‫ومقاومة الرجعية والتماس مناهج الغرب الناهض في خطوه‪ ،‬لمساواته‬
‫ومحاذاته‪.‬‬
‫ً‬
‫وقد حملت هذه الدعوات أساسا فكرة واضحة‪ ،‬هي أن أمتنا وأوطاننا ليست‬
‫من العرب ول متصلة بأفريقيا وآسيا ول تربطها بالصحراء العربية رابطة‪،‬‬
‫ولكنها متصلة باليونان قديمًا‪ ،‬وبالغرب حديثًا‪.‬‬
‫وقد امتدت هذه النظريات إلى العقل فقالت أن العقل المصري والسوري‬
‫والمغربي هو عقل أوروبي‪ ،‬وأن الفكر السلمي هو فكر يوناني‪ ،‬وما إلى‬
‫ذلك من مجازفات خارجة عن أدنى حدود العلم والمنطق والتدقيق‪ .‬وكلها‬
‫تهدف إلى عزل كل وطن عربي عن العرب كأمة وعرق من ناحية وعن‬
‫السلم كفكر وثقافة من ناحية أخرى‪.‬‬
‫وقد صدرت مؤلفات تحمل مثل هذه الراء أريد بها إحداث ضجة كبرى‪،‬‬
‫كعامل هام في سبيل ترديد هذه النظريات الوافدة وإعادة غرسها في‬
‫العقول والنفوس‪ .‬وقد جرت المساجلت ساخنة ومثيرة‪ ،‬حول هذه الفكار ثم‬
‫انتقلت هذه القضايا من أعمدة الصحف إلى منابر الجماعات إلى مجال‬
‫البرلمان‪ ،‬وكان نفوذ الستعمار وقواه تعمل في مجال البرامج التعليمية‬
‫والمناهج الجامعية والصحف الكبرى والسماء اللمعة من أجل إقرار هذه‬
‫الراء‪.‬‬
‫ً‬
‫غير أن هذه النظريات لم تلبث طويل حتى تحطمت‪ ،‬وما عتمت هذه التيارات‬
‫أن قضي عليها‪ ،‬وفشلت في تحقيق الهدف منها‪ ،‬ذلك أن ذاتية الفكر العربي‬
‫السلمي المستمدة من قيمه ومقوماته الصيلة عميقة الجذور قد رفضت‬
‫هذه المحاولت التغريبية لخراج هذه المة من جلدها وإذابتها في الفكر‬
‫الممي الشعوبي‪ ،‬غير أن المر لم يتوقف بالتغريب عند حد الهزيمة فإنه‬
‫سرعان ما جدد هذه الدعوات وألبسها صورة جديدة وقدمها مرة أخرى وما‬
‫تزال رحى المعركة دائرة بين الزيف والصحيح‪ ،‬وبين الصالة والتبعية‪.‬‬
‫في مقدمة هذه النظريات تكريم أدب الغريق وإعلء أدب اليونان على الدب‬
‫العربي‪ ،‬ودعم شأن القليميات الضيقة‪ :‬كالمصرية والفينيقية والبربرية‬
‫وغيرها من الدعوات‪ ،‬والنهي على العرب ومحاولة انتقاص وجودهم وكيانهم‪،‬‬
‫وإثارة الخلف ومحاولة تمزيق الرابطة العضوية بين العروبة والسلم‪،‬‬
‫ومعارضة الشريعة السلمية وإثارة الشبهات حول أصالتها‪ ،‬ومقاومة اللغة‬
‫العربية الفصحى والدعوة إلى العامية‪ ،‬هذا إلى المحاولت الضخمة المبذولة‬
‫من أجل دحر الحقيقة الواضحة الكبرى وهي أن السلم دين ونظام اجتماعي‬
‫معًا‪ ،‬هذا فضل ً عن محاولة توجيه النقد إلى القرآن ووصفه بأنه كتاب أوربي‬
‫أو كتاب وضعه النبي محمد وكذلك إلى إسقاط الحضارة السلمية وإنكار‬
‫عطائها للحضارة العربية‪ ،‬والدعوة إلى ما يسمى عالمية الثقافة‪ ،‬وهو تذويب‬
‫قيم الثقافة العربية في أتون الفكر الغربي مع الفروق الواضحة بينهما‪.‬‬
‫ومحاولة توسيد قيم وافدة في مجال التربية والتعليم تتعارض مع ذاتية المة‬
‫ومزاجها النفسي‪ ،‬وذلك إلى مهاجمة التراث العربي السلمي وإثارة‬
‫‪7‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫الشكوك حوله وانتقاصه‪.‬‬
‫كما عهدت حركة التغريب إلى إذاعة نظريات فرويد تتعارض مع قيم الفكر‬
‫السلمي‪ ،‬ومن أبرز هذه المخططات العمل على انتقاص أعلم السلم‬
‫وأبطاله‪ ،‬فضل ً عن طرح مفاهيم غربية في البطولة نفسها تستمد طابعها من‬
‫مفهوم المسيحية الغربية القائم على ما يسمونه الخلص‪ ،‬وكذلك إذاعة‬
‫الدب المكشوف والباحية الفكرية مع الدعوة إلى اللحاد من خلل مفاهيم‬
‫الفلسفة المادية‪ ،‬هذا بالضافة إلى محاولة إعلء اتجاه التعبير المادي في‬
‫مجالت التاريخ والقتصاد والجتماع‪.‬‬
‫ً‬
‫وقد راجت هذه الفكار رواجا ً شديدا‪ ،‬ووجد النفوذ الستعماري عن طريق‬
‫أدواته العديدة‪ ،‬وفي مقدمتها المدرسة والصحيفة مجال ً كبيرا ً لذاعة هذه‬
‫الفكار ودعمها‪.‬‬
‫وصدرت في ذلك كتب عديدة وأثيرت مساجلت ومعارك أدبية متعددة‪.‬‬
‫غير أن هذه النظريات لم تلبث في ضوء الحقيقية أن سقطت وتحطمت‪.‬‬
‫حاولت هذه الكتابات أن تنقل وجهات النظر التغريبية إلى مجال الفكر‬
‫العربي السلمي في مختلف مفاهيمه واعتمدت على وجهات نظر المبشرين‬
‫والمستشرقين وهي وجهات نظر خطيرة مغرضة مصاغة بعناية وحذر يراد بها‬
‫إغراء القارئ العربي ‪-‬وخاصة ذلك الذي لم يعرف كثيرا ً عن الفكر السلمي‪-‬‬
‫حتى يتقبلها بسرعة‪ ،‬وقد استخدم لها باحثون ألقيت إليهم أضواء واسعة من‬
‫الشهرة والمكانة‪.‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫وقد اتصلت هذه الكتابات بالتاريخ والدب والجتماع واللغة العربية‪ ،‬وحاولت‬
‫أن يتجرد من كل صلة لهذه العلوم بالسلم في محاولة للتعمية والتضليل‪.‬‬
‫ولما كان الفكر السلمي يمثل وحدة كاملة‪ ،‬وكانت هذه العلوم أجزاء منه‬
‫يتكامل بعضها مع البعض الخر‪ ،‬دون أن ينفصل أحدها أو يشكل وحدة‬
‫مستقلة‪ ،‬فقد رأى دعاة التغريب في مكر بالغ‪ ،‬أن يبتعدوا عن )السلم(‬
‫كدين بصورة واضحة‪ ،‬وأن يجعلوا ضرباتهم موجهة إلى هذه الجوانب حتى‬
‫يكونوا في مأمن من حملت العلماء‪ ،‬وحتى يتحقق لهم بهدم هذه النواحي‬
‫إصابة السلم في قلبه وأعماقه‪.‬‬
‫فهذا كتاب يريد أن يصل صاحبه في بحث له طابع علمي براق إلى أن‬
‫الخلقة ليست أصل ً من أصول السلم وأن نظام الحكم كان حرا ً طليقًا‪ ،‬إلى‬
‫هنا والمسألة في نظر الباحث غير المتعمق ‪-‬يسيرة وربما مقبولة‪ ،‬ولكن‬
‫هناك هدف المحق وراء ذلك‪ ،‬ذلك هو الدعاء بأن السلم كان دينا ً روحيا ً‬
‫خالصا ً وأن شئون السياسة والمجتمع والحكم لم تكن منه جزءا ً ل يتجزأ‪،‬‬
‫وبذلك أحدث الكتاب ثلمة خطيرة في أدق مقومات السلم الساسية التي‬
‫تفرق بينه وبين الديان القائمة على العقائد وحدها دون الشريعة‪ ،‬وعلى‬
‫اللهوت وحده دون نظام المجتمع‪ ،‬ولكي نعرف مدى خطر هذا الرأي أن‬
‫تلقفه المستشرقون ومضوا يصرخون بأن في السلم مذهبين وليس مذهب‬
‫واحد أحدهما يقول بأن السلم دين وليس له دولة‪ ،‬وحيث أن مستشرقا ً لم‬
‫يجرؤ على هذا الدعاء قبل أن يصدر مثل هذا الكتاب‪ ،‬وهذا الكتاب ما يزال‬
‫في اليدي‪ ،‬وهناك أكثر من بحث للرد عليه ودحض مزاعمه‪ ،‬ولقد كان علينا‬
‫أن نعلم ما هي خفايا هذا البحث والغرض منه هنالك نجد أنه عمل سياسي‬
‫أص ً‬
‫ل‪ ،‬أريد به معارضة اتجاه لحياء الخلفة ومن ثم فقد انتصرت الدعوة في‬

‫‪8‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫مجال الخصوم الحزبية والسياسية ولكنها تركت آثارا ً مريرة في مجال الفكر‬
‫السلمي‪ ،‬فقد أدخل مفهوما ً ليس إسلمي الصل‪ ،‬من مفاهيم الفكر الوربي‬
‫المسيحي القائل بالفصل بين الدين والدولة وهو ما لم يعرفه تاريخ السلم‪،‬‬
‫ومن عجب أن كتابا ً في الفقه السلمي ل تجد فيه مرجعا ً واحدا ً من كتب‬
‫الفقه؛ وإنما يعتمد على مثل الغاني والعقد الفريد !!‬
‫وهناك كتاب شهير أراد صاحبه أن يدعو الباحثين والدباء إلى أن يحجبوا دينهم‬
‫وقوميتهم وهم بسبيل البحت في الدب‪ ،‬وكان ذلك جريا ً وراء تغريب الدب‬
‫العربي بإخراجه من وضعه الصحيح في الفكر السلمي كجزء منه ل ينفصل‪،‬‬
‫ول يمكن دراسته إل في موضعه الصحيح؛ فلقد كان للسلم في الدب‬
‫العربي أثر ضخم بعيد المدى‪ ،‬ومن هنا فإنه من العسير أشد العسر أن‬
‫ينفصل الدب عن الفكر السلمي ولن أن= يدرس حرا ً من هذا الرتباط‬
‫الجتماعي والخلقي‪ ،‬وهو ارتباط عضوي أصيل‪.‬‬
‫ً‬
‫ولقد جنى الدب العربي من هذا المذهب الوافد في النقد الدبي آثارا مريرة‬
‫عظيمة‪ ،‬فقد فتح الباب أمام إنكار نصوص الكتب المنزلة وفي مقدمتها‬
‫القرآن‪ ،‬كما فتح الباب أمام محاولة نقد آيات القرآن وانه جزا الدباء على‬
‫التركيز على أبي نواس وبشار والضحاك على أنهم نماذج الدب العربي‪ ،‬بينما‬
‫أبعدت آثار الغزالي وابن تيمية وابن حزن‪ ،‬فضل ً أنه فتح الباب أمام الباحيات‬
‫والدب المكشوف وإعلنه‪ ،‬والجرأة على قيم السلم‪ ،‬فضل ً عن خطأ إعطاء‬
‫الدب هذه الحرية في الحكم على أمور ل تدخل تحت نفوذه‪ ،‬وفي التوسع‬
‫لفرض سلطانه على قضايا المجتمع والدين والتربية والخلق‪ ،‬وهذا ما لم‬
‫يكن من مفهوم الفكر العربي السلمي المتكامل الشامل‪.‬‬
‫ولقد كان ذلك اتجاها ً خطيرا ً في خطة التغريب يهدف إلى تحقيق نتائج‬
‫مضللة تنكشف‪ ،‬فنحن نرى كيف أصبح مثل كتاب )الغاني( مرجعا ً من مراجع‬
‫البحث العلمي والتاريخي تؤخذ منه النصوص لُيستدل بها في قضايا الدين‬
‫والجتماع والتاريخ‪ ،‬بينما لم يكن هذا الكتاب في الواقع إل مجموعة من‬
‫الصوات الغنائية وقد وضعه مؤلفه للملوك والخلفاء لزجاء فراغهم بقصص‬
‫ذوي الهواء وأهل الفن وأنه في ذلك ل يدخل في باب المراجع الموثوق بها‬
‫ول المصادر العلمية‪ ،‬وهو إلى ذلك ل يستطيع أن يمثل صورة حقيقية للحياة‬
‫السياسية والجتماعية في مجتمع زاخر بالقوى الفكرية من الفقهاء والعلماء‬
‫والفلسفة والصوفية والمؤرخون‪ ،‬وقد تأكد أكثر من مصدر أن أبا الفرج‬
‫الصفهاني ليس مؤرخا ً ول يصلح كتابه لن يكون مادة تاريخ؛ وإنما هو جماع‬
‫لقصص فيه الصحيح والزائف جمعه من السواق‪ ،‬وقد شهد عليه كثيرون‬
‫بالنحراف‪ :‬فقال اليوسفي المؤرخ‪" :‬إن أبا الفرج أكذب الناس؛ لنه كان‬
‫يدخل سوق الوراقين وهي مملوءة بالكذب فيشتري منها شيئا ً كثيرا ً من‬
‫الصحف ويحملها إلى بيته‪ ،‬ثم تكون رواياته كلها منه"‪ ،‬بل إن المؤرخين قد‬
‫وصفوه بأنه رجل عار عن الثقة به‪.‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫والحق أن الباحثين المسلمين قد التفتوا منذ وقت بعيد إلى خطر المصادر‬
‫من‬
‫الدبية كمراجع للبحوث العلمية والتاريخية‪ ،‬وقد أشار العلماء إلى َ‬
‫أسموهم "أهل الغفلة والهوى الذين اعتمدوا في تاريخهم على كتب الدباء‬
‫وأسفار الخبار"‪ ،‬فأهل الدب كما يقول القاضي أبو بكر ابن العربي‪" :‬هم‬
‫الذين غلبت عليهم صناعة الدب فمالوا إلى كل غريب من الخبار دون أن‬

‫‪9‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫يتحروا الصدق ويهتموا بالرواية والسناد"‪ ،‬يقول القاضي ابن العربي في كتابه‬
‫العواصم من القواصم‪" :‬لتحذروا من أهل الدب؛ فإنهم أهل جهالة بحرمات‬
‫الدين أو على بدعة مصرين فل تبالوا بما رووا"‪.‬‬
‫من خلل العتماد على مثل كتاب الغاني )وكتب المحاضرات جميعها مردودة‬
‫كمصادر علمية وتاريخية( وصل بعض الباحثين إلى القول بأن القرن الثاني‬
‫من الهجرة كان عصر شك ومجون‪ ،‬وأن هذا الحكم قد صدر اعتمادا ً على‬
‫دراسة بعض الشعراء المجان‪ ،‬فاستطاع هذا الكاتب في جرأة عجيبة أن‬
‫يقول بأن هؤلء الشعراء يمثلون عصرهم ويخولون له الحق في إصدار حكم‬
‫على العصر كله‪ ،‬بينما يوجد في ذلك العصر عشرات من الدباء والعلماء‬
‫والمفكرين والباحثين‪ ،‬ول يمكن أن تتم صورة عصر إل بدراسة النماذج‬
‫المختلفة فيه‪.‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫وبعد فإن على شبابنا المثقف وكتابنا وأدبائنا أن يقفوا موقفا علميا كلما‬
‫صدفهم مرجعا ً أو مصدرا ً من المصادر الشهيرة‪ ،‬وأن يسألوا أنفسهم سؤال ً‬
‫صريحًا‪:‬‬
‫ألم تصدر في مناقشة هذه الراء ردود أو معارضات‪.‬‬
‫ثم عليهم بعد ذلك أن يبحثوا عن هذه الكتب ويقرأوها‪.‬‬
‫فإذا كان من مصادر الكاتب أو الباحث كتب مثل‪ :‬الشعر الجاهلي أو السلم‬
‫وأصول الحكم أو فلسفة ابن خلدون الجتماعية أو تحرير المرأة أو نظرية‬
‫التطور أو حديث الربعاء أو هامش السيرة أو مع المتنبي‪ ،‬أو مستقبل الثقافة‬
‫أو الخلق عند الغزالي أو النثر الفني‪ ،‬أو غيرها من مؤلفات‪ ،‬فإن ضرورة‬
‫التحقيق العلمي تقضي على القارئ أن يراجع كل ما كتب عن هذه البحاث‬
‫من ردود ومعارضات؛ ذلك أن هذه البحاث لم تكتب إل في ضوء تحديات‬
‫خطيرة‪ ،‬هي تحديات الغزو الفكري والتغريب‪ ،‬وأن ُ‬
‫كتابها يجب أن يعرضوا‬
‫على قانون "الجرح والتعديل"‪.‬‬
‫في عام ‪ 1971‬كتبت إلى مجلة دعوة الحق الزاهرة البحث الول في هذا‬
‫الموضوع‪ ،‬ثم شغلت عنه وكان الهدف هو لفت نظر الباحث المسلم إلى أن‬
‫هناك نظريات وافدة طرحت في أفق الفكر السلمي وقد تناولها الباحثون‬
‫بالنقد والرد والتفنيد في وقتها‪ ،‬غير أن ذلك لم يجمع في حينه في كتاب‪،‬‬
‫ومن ثم ظلت هذه الكتب التي تحمل النظريات متداولة كأنما هي حقائق‬
‫ثابتة وأعيد طبعها مرات ومرات‪ ،‬ولقد لحظت ذلك وتأثرت به حين رأيت‬
‫الكثيرين من شبابنا المسلمين القادمين من كل مكان في العالم السلمي‬
‫يبحثون عن سلمة موسى وطه حسين وعلي عبد الرازق ومحمود عزمي‪،‬‬
‫فيجدون مقالتهم المليئة بالشكوك مجموعة في كتب أنيقة ثم ل يجدون ما‬
‫ُوجه إليها من ردود وما ُفند من اتهامات؛ لنها ل تزال مدفونة في بطون‬
‫الصحف والدوريات‪ ،‬ولقد دعاني هذا أن أجمع في مجلدين كبيرين أغلب هذه‬
‫المعارك تحت عنوان )المعارك الدبية( وتحت عنوان )المساجلت والمعارك‬
‫الدبية(‪ ،‬وذلك في محاولة لكي أضع تحت عين القارئ وجهة النظر الخرى‬
‫التي كانت غائبة عنه والتي تكشف أن لكل رأي ردا ً وأن مثل هذه المحاولت‬
‫في فرض نظريات وافدة قد استشرى في فترة الثلثينيات وما بعدها‪ ،‬واتسع‬
‫نطاقه حتى شمل مختلف ميادين الفكر‪ ،‬ولكن الحق أن قضية ما من هذه‬
‫القضايا لم تمر دون تمحيص؛ =ككتاب طه حسين عن الشعر الجاهلي ووجه‬
‫بالرد من كثيرين وصدرت كتب عديدة في تفنيده منها )تحت راية القرآن(‬
‫لمصطفى صادق الرافعي‪ ،‬كما صدر كتاب محمد فريد وجدي وكتاب محمد‬
‫لطفي جمعة وكتاب للشيخ الخضر حسين وكتاب )النقد التحليلي( للدكتور‬
‫‪10‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫محمد أحمد الغمراوي‪ ،‬هذا بالضافة إلى عشرات الموضوعات والبحوث التي‬
‫ي المذكوَرين عن المعارك‬
‫حفلت بها الصحف وجمعت بعد أطرافها في كتاب ّ‬
‫الدبية‪ .‬كذلك صدرت في السنوات الخيرة أطروحة الدكتور ناصر الدين‬
‫السد عن حقيقة الموقف في الشعر الجاهلي وانتحاله‪.‬‬
‫وبالنسبة إلى كتاب علي عبد الرازق عن السلم وأصول الحكم صدرت في‬
‫حين صدوره رسائل مطبوعة للشيخ الخضر حسين ومحمد الطاهر عاشور‬
‫والشيخ رشيد رضا‪ ،‬وصدر في العام الماضي كتاب ضخم مفصل عن هذه‬
‫القضية للدكتور ضياء الدين الريس‪.‬‬
‫أما بالنسبة لما أثاره سلمة موسى عن اللغة العربية فقد نوقش وجمع‪،‬‬
‫وكذلك ما اتصل بآراء ساطع الحصري ومحمود عزمي‪.‬‬
‫ولقد عورضت نظريات لطفي السيد عن القليمية المصرية وآرائه عن‬
‫التعليم‪ ،‬ووجدت نظرية ثقافة البحر التي أثارها طه حسين ومحمود عزمي‬
‫تفنيدا ً وتصحيحًا‪ ،‬وكذلك عارض الباحثون نظرية أمين الخولي عن إقليمية‬
‫الدب‪ ،‬ورد الدكتور محمد أحمد الغمراوي على محاولت نقد النص القرآن‬
‫التي قام بها زكي مبارك‪ ،‬وكذلك رد كثيرون على محمد أحمد خلف الله‬
‫ورسالة القصص الفني في القرآن‪.‬‬
‫)‪(3 /‬‬
‫أما النظرية المادية التي عرضها شبلي شميل وسلمة موسى من بعد فإنها‬
‫ض بدون نقد ومراجعة وكذلك نظريات الدين في التربية‪.‬‬
‫لم تم ِ‬
‫وكانت أكثر الشبهات التي طرحت في أفق الفكر السلمي تستهدف السيرة‬
‫النبوية والقرآن واللغة العربية والحضارة السلمية والتاريخ السلمي‪ ،‬وفي‬
‫معظم هذه النظريات فقد غلفها بريق كاذب وحاول صياغتها ووضعها في‬
‫إطار علمي وصاحبتها دعوة طنانة إلى النهضة والتجديد والستجابة لروح‬
‫العصر والخروج من الجمود وكسر قيد التقليد ومقاومة الرجعية‪ ،‬وفي‬
‫أعماقها دعوة صريحة إلى التبعية والنصهار في الفكر الغربي؛ إيمانا ً بأن هذا‬
‫هو الطريق الوحيد لمساواته ومحاذاته‪ ،‬وقد حملت هذه الدعوات أساسا ً‬
‫فكرة أن أمتنا ليست من العرب وأن السلم قد مر عليها كما تمر كل‬
‫الدعوات وأن العقل المصري أو السوري أو المغربي هو عقل أوربي وأن‬
‫الفكر السلمي أصل ً هو فكر يوناني‪ ،‬وما إلى ذلك من مجازفات تستهدف‬
‫عزل المسلمين عن فكرهم الصيل وعن كيانهم الخاص وذاتهم التي تتماثل‪.‬‬
‫وقد صدرت مؤلفات أحدثت ضجة كبرى‪ ،‬لم تكن هذه الضجة بالقبول ولكنها‬
‫كانت بالرفض‪ ،‬وجرت مساجلت ساخنة ومثيرة انتقلت من أعمدة الصحف‬
‫إلى أندية الجمعيات إلى منابر الجامعات‪ ،‬ولكن هذه النظريات لم تجد قدرتها‬
‫على الحياة؛ لنها دخيلة وزائف ونبت ل يقوى على الحياة في أرض لم تمتصه‬
‫وطقس لم يستسيغه‪ ،‬ولذلك ما لبثت أن تحطمت‪ ،‬وإن عمد الدعاة إليها إلى‬
‫تجيدها مرة بعد مرة وإثارتها في صورة وأخرى‪ ،‬ومن هذه النظريات‪:‬‬
‫)‪ (1‬إعلء أدب الغريق على الدب العربي ومحاولة فرض الذوق الهليني على‬
‫العرب‪.‬‬
‫)‪ (2‬إعلء شأن القليميات الضيقة كالمصرية والفينيقية والبربرية وغيرها‪.‬‬
‫)‪ (3‬النعي على العرب والمسلمين ومحاولة انتقاص وجودهم وكيانهم‪.‬‬
‫)‪ (4‬معارضة الشريعة السلمية وإثارة الشبهات حول أصالتها‪.‬‬
‫)‪ (5‬مقاومة اللغة العربية الفصحى والدعوة إلى العاميات‪.‬‬

‫‪11‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫)‪ (6‬التنكر للحقيقة الواضحة وهي أن السلم دين ونظام مجتمع في آن‪.‬‬
‫)‪ (7‬محاولة توجيه النقد إلى أسلوب القرآن ووصفه بأنه كتاب أدبي‪.‬‬
‫)‪ (8‬محاولة إسقاط الحضارة السلمية وإنكار إعطائها للحضارة الغربية‪.‬‬
‫)‪ (9‬الدعوة إلى ما يسمى "عالمية الثقافة" ومحالة تذويب قيم الثقافة‬
‫السلمية في أتون الفكر الغربي مع تجاهل الفوارق الواضحة بينهما‪.‬‬
‫)‪ (10‬محاولة إثارة الشبهات حول العلقات الجذرية بين السلم والعروبة‪.‬‬
‫)‪ (11‬محاولة توسيد قيم مقتبسة في مجال التربية والتعليم تتعارض مع ذاتية‬
‫المة ومزاجها النفسي‪.‬‬
‫)‪ (12‬مهاجمة التراث العربي السلمي وإثارة الشكوك حوله وانتقاصه‪.‬‬
‫)‪ (13‬إذاعة نظريات فرويد في النفس وسارتر في الوجودية ودور كايم‬
‫الجتماع‪ ،‬وكلها تتعارض مع قيم الفكر السلمي‪.‬‬
‫)‪ (14‬انتقاص أعلم السلم وأبطاله‪.‬‬
‫)‪ (15‬إذاعة الدب المكشوف والباحية الفكرية مع الدعوة إلى اللحاد‪.‬‬
‫)‪ (16‬محاولة إعلء اتجاه المادية في مجالت التاريخ والقتصاد والجتماع‪.‬‬
‫وقد راجت هذه الفكار رواجا ً شديدا ً وكثير ترديدا حتى كادت أن تصبح من‬
‫المسلمات‪ ،‬ووجدت النفوذ الستعماري عن طريق أدواته العديدة‪ ،‬وفي‬
‫مقدمتها المدرسة والصحيفة مجال ً كبيرا ً لذاعة هذه الفكار ودعمها‪.‬‬
‫وصدرت في ذلك كتب عديدة‪ ،‬منها‪ :‬مؤلفات جورجي زيدان )التمدن‬
‫السلمي(‪ ،‬ومؤلفات طه حسين )حديث الربعاء – في الدب الجاهلي –‬
‫مستقبل الثقافة – مع المتنبي – هامش السيرة(‪ ،‬ومؤلفات سلمة موسى‬
‫)اليوم والغد – البلغة العصرية(‪ ،‬وعلي عبد الرازق )السلم وأصول الحكم(‪،‬‬
‫ولطفي السيد )ترجمات أرسطو(‪ ،‬بالضافة إلى بعض كتابات توفيق الحكيم‬
‫ومحمود عزمي‪ ،‬وزكي مبارك وإبراهيم مدكور وأمين الخولي وحسين فوزي‬
‫ولويس عوض وزكي نجيب محمود‪.‬‬
‫غير أن هذه النظريات لم تلبث أن انكشف فسادها وزيفها وعرف المثقفون‬
‫الهداف القائمة وراء إذاعتها وترديدها‪.‬‬
‫ولقد أحدث الشيخ علي عبد الرازق "ثلمة" في السلم سيظل يحمل وزرها‬
‫أمدا ً طوي ً‬
‫ل؛ فلول مرة يجرؤ عالم أزهري مسلم إلى القول بأن السلم دين‬
‫روحي وأنه ل صلة له بنظام الحكم‪ ،‬مهما كان سياق الدعوة أو ظروفها‬
‫السياسية التي أراد أن يخدم بها حزب الحرار الدستوريين أو النجليز أو‬
‫المعارضين للملك فؤاد‪ ،‬فإنه في سبيل غاية هينة قد استخدم نصوصا ً أراد بها‬
‫أن يحجب حقيقة أساسية هي أن السلم نظام مجتمع ومنهج حياة متكامل‪،‬‬
‫ومنذ ذلك اليوم يكتب المستشرقون فيقولون‪ :‬إن في السلم نظريتين‪:‬‬
‫إحداهما تقول بأن السلم دين ودولة‪ ،‬والخرى تقول أن السلم دين روحي‬
‫من سار على طريقه من بعده‬
‫وصاحب هذه النظرية هو علي عبد الرازق و َ‬
‫ومن خريجي الزهر أيضا ً مع السف‪.‬‬
‫)‪(4 /‬‬
‫هذه الثلمة تكذبها كل الوقائع التاريخية وكل النصوص والسانيد‪ .‬ومن يقرأ‬
‫بحث علي عبد الرازق الذي حاول دعاة التغريب في السنوات الخيرة إعادة‬
‫طبعه ونشره بعد أن مات وانطوى أكثر من أربعين عامًا‪-‬يجدون أنه لم يعتمد‬
‫على كتاب من كتب الصول؛ وإنما كان اعتماده على مراجع أدبية كالعقد‬
‫جل اعتماد علي عبد الرازق على بعض الكتب التي‬
‫الفريد وغيره‪ .‬وقد كان ُ‬

‫‪12‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫صدرت في تركيا لتبرير إلغاء الخلفة وهي مؤلفات كتبها اليهود الدونمة الذين‬
‫كانوا يطمعون في تحطيم هذا البناء منذ وقت طويل؛ حتى يستطيعوا أن‬
‫ينفذوا إلى فلسطين بعد أن وقف السلطان عبد الحميد في وجههم سدا ً‬
‫منيعًا‪ ،‬وكل ما جاء به علي عبد الرازق نقل ً من هؤلء إنما هو مستمد من‬
‫نظريات الفكر المسيحي حول البابوية والفصل بين الدين والدولة وهو النهج‬
‫جل‬
‫الذي وصلت إليه أوربا بعد الصراع الطويل بين الكنيسة والشعب‪ ،‬وكان ُ‬
‫اعتماده في نصوصه المنقولة على شطائر تؤيد وجهة نظره استعان بها وترك‬
‫الجزاء الباقية مغالطة منه وتبريرا ً لوجهة نظره‪ ،‬بالضافة إلى اعتماده على‬
‫كتب المحاضرات والدب وهي ليست مراجع للبحث الفقهي الجاد‪.‬‬
‫والحق أن الباحثين المسلمين قد التفتوا منذ وقت طويل إلى خطر المصادر‬
‫الدبية كمراجع للبحوث العلمية والتاريخية‪ ،‬وقد أشار كثيرون إلى "أهل العقل‬
‫والهوى الذين اعتمدوا في تاريخهم على كتب الدب وأسفار الخبار"‪ ،‬فأهل‬
‫الدب كما يقول القاضي أبو بكر ابن العربي في كتابه "العواصم من‬
‫القواصم"‪" :‬هم الذين غلبت عليهم صناعة الدب فمالوا إلى كل غريب من‬
‫الخبار دون أن يتحروا الصدق ويهتموا بالرواية والسناد‪ ،‬وهم أهل جهالة‬
‫بحرمات الدين أو على بدعة مصريين"‪.‬‬
‫أما كتاب في الشعر الجاهلي والدب الجاهلي من بعده‪ ،‬فإن القضية الكبرى‬
‫والساسية التي حاول مؤلفه أن يفرضها هي أن على الباحثين أن يحجبوا‬
‫دينهم وقوميتهم وهم بسبيل إلى البحث العلمي‪ ،‬نقول )حتى إذا كان دينهم‬
‫هو السلم( الذي هو مصدر كل مناهج البحث وأساس علوم المعرفة والذي‬
‫هدى البشرية إلى نقد الرواة وإلى الجرح والتعديل وإلى التأكد من سلمة‬
‫المصادر‪.‬‬
‫ً‬
‫ولكن المؤلف لم يكن ليؤمن بذلك أساسا؛ لنه حاول إنكار نصوص من‬
‫القرآن عن إبراهيم وإسماعيل وقال‪" :‬مهما تحدثنا التوراة ويحدثنا القرآن عن‬
‫إبراهيم وإسماعيل فإن الحقيقة التاريخية تقول إنهما من الشخصيات التي لم‬
‫توجد أساسًا"‪ ،‬ولقد كان الهدف الرئيسي في الشعر الجاهلي أساسا ً هو‬
‫انتقاص هذه السس في السلم وانتقاص رسوله الكريم الذي قال عنه‪:‬‬
‫من يراجع الكتب التي تصدت‬
‫)لمرٍ ما كان لبد أن يكون محمد من قريش(‪ ،‬و َ‬
‫لهذا الكتاب والبحاث والمعارك التي دارت حوله يجد تحديا ً واضحا ً صريحا ً‬
‫للحقائق السلمية والسنة الصحيحة ولكل ما يتصل بتاريخ رسول الله‬
‫وأصحابه‪ ،‬فإذ ربطنا هذا بكتاب هامش السيرة وجدنا جانبا ً آخر أراد طه‬
‫حسين أن يطعن فيه؛ ذلك هو إعادة الساطير مرة أخرى إلى هذه السيرة‬
‫بعد أن نقاها المسلمون منها وحرروها‪ ،‬ونحن لسنا الذين نقول ذلك ونأخذه‬
‫عليه؛ ولكن ذلك ما يقوله رفيق شبابه الدكتور محمد حسين هيكل صاحب‬
‫كتاب حياة محمد‪ .‬ونجد الجانب الثالث من العمل الخطير متمثل ً في كتاب‬
‫)الفتنة الكبرى(‪ ،‬وهنا نجد طه حسين يحاكم صحابة رسول الله على أنهم‬
‫بعض السياسيين في العصر الحديث ورجال الحزاب وأصحاب المطامع‬
‫والمؤامرات ومحاولة إزاحة ذلك الجو الرفيع الذي يجب أن ينظر فيه إلى‬
‫هؤلء الصحابة الكرام‪ ،‬وتلك هي أهداف طه حسين كما أشار إليها هو نفسه‬
‫في أكثر من موضع "إسقاط التقديس لكل قديم"‪.‬‬
‫وإذا كان هذا من الطروحات الغربية التي عرفها الفكر الوربي بعد الثورة‬
‫الفرنسية وتحت ضغط خلفات عميقة بين رجال العلم ورجال الدين وتحت‬
‫تأثير جمود الفكرة الدينية وفسادها في الغرب‪ ،‬فما شأننا به نحن في عالم‬
‫السلم حيث نجد الفكر السلمي بسماحته وسعته وقدرته الوافرة على‬
‫‪13‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫العطاء في كل المجالت‪ ،‬وحيث ل يصطدم الدين بالعلم‪ ،‬وحيث ل تتعارض‬
‫الثوابت والمتغيرات‪ ،‬وحيث أن القديم ليس فكرا ً بشريا ً يكتنفه الفساد‬
‫والضطراب؛ ولكن القديم هو ذلك الهدي الرباني الكريم )ل يأتيه الباطل من‬
‫بين يديه ول من خلفه(‪.‬‬
‫تلك كانت غاية طه حسين واضحة في كتاباته السلمية كلها من الدب‬
‫الجاهلي إلى هامش السيرة إلى الفتنة الكبرى‪) :‬إسقاط التقديس لكل‬
‫قديم(‪ ،‬دون تحديد لهذا القديم هل هو الصل الرباني الموحى به أم العمل‬
‫الفكري الذي قام عليه‪ ،‬فضل ً عن إحيائه لتراث الزنادقة والشعوبية وإعادته‬
‫طبع إخوان الصفا ومقدمة ابن المقفع لكتاب كليلة ودمنة‪ ،‬والدعوة الملحة‬
‫التي ظل يدعوها طوال حياته بفضل الهلينية والفكر الغريقي على الفكر‬
‫السلمي وهي دعوة زائفة مبطلة كذبتها مدرسة كاملة قادها الشيخ‬
‫مصطفى عبد الرازق وتابعها كثير من العلم في مقدمتهم الدكتور علي‬
‫سامي النشار ومحمود قاسم‪.‬‬
‫)‪(5 /‬‬
‫ولو كان طه حسين ناقدا ً سليم القلب لفرق بين الميراث السلمي السماوي‬
‫والسنة الصحيحة وصادق ما كتب أهل السنة والجماعة وبين التراث السلمي‬
‫المتصل بالشعوبية والزندقة والباطنية‪ ،‬ولكنه كما يبدو واضحا ً من كل كتاباته‬
‫إنما كان يغمغم في هذه الدعوى وهو يقصد‪ :‬الوحي والنبوة والقرآن‪ ،‬وإن‬
‫كان ل يقدر على أن يكشف عن ذلك خوفا ً وفرقا ً مما كاد يصيبه عندما أصدر‬
‫كتاب في الشعر الجاهلي‪ ،‬لقد فتح الباب لكل شبهة وحملت مؤلفاته أوشال‬
‫الشعوبية القديمة وزيف آراء المستشرقين في كل الجوانب التي يمكن أن‬
‫يصل إليها الباحث لم غادر منها واحدا ً مستعمل ً أسلوب )الشك الفلسفي(؛‬
‫لبث الشبهات والتساؤلت دون أن يدل أحدا ً على ضوء من رأي صحيح‪،‬‬
‫ولكنها المحاولة المستمرة للتشكيك؛‬
‫فهو الداعي إلى الفرعونية والدب المكشوف وأن عصر السلم الول عصر‬
‫شك ومجون‪ ،‬وهو الذي سخر بابن خلدون علمة فكرنا‪ ،‬ووصف المتنبي‬
‫شاعرنا الكبر بأنه لقيط ليس له أب‪ ،‬وهو الذي قال لطلبته في كلية الداب‬
‫أن القرآن كتاب أدب يوضع موضع النقد ويقال أن هذه الية كذا وكذا‪ ،‬وهو‬
‫داعية )عالمية الثقافة( لينصهر الفكر السلمي في بوتقة الممية‪ ،‬وداعي‬
‫نقل مناهج التعليم والتربية الغربية‪ ،‬وهو الذي اتخذ من كتاب الغاني مصدرا ً‬
‫لدراسة المجتمع السلمي وهو كتاب غير مؤهل لهذه الدراسة‪ .‬وهو الذي‬
‫من الحق أن‬
‫فتح البواب لهؤلء جميعا ً الذين جرأوا على مواريث السلم‪ ،‬و ِ‬
‫يقال أن الباحثين المسلمين لم يؤمنوا لحظة بمذهب تقديس السلف سواء‬
‫في التاريخ أو غيره؛ ولكنهم كانوا يؤمنون ول يزالون بحماية هذا الميراث‬
‫العظيم الذي أعطاهم السلم وتكريم هؤلء الصفوة من الصحابة العلم‬
‫الذين شادوا هذا المجد‪ ،‬وتجاوزهم البحث في هذا الخلف الذي دخلته زيوف‬
‫كثيرة وأكاذيب كثيرة‪ ،‬وكانت وجهتهم دائما ً إلى القرآن وحده وإلى التماس‬
‫السوة من الرسول صلى الله عليه وسلم‪ ،‬فهو المعصوم والمؤيد بالوحي‪،‬‬
‫وقد فضلوا دائما ً بين )منهج السلم( وبين )تاريخ السلم(‪ ،‬ولكنهم لم يكونوا‬
‫ليجرؤا على تناول تراثهم على هذا النحو من الحتقار والسخرية والمهانة‬
‫التي حاول طه حسين أن يتناوله بها‪.‬‬
‫أنور الجندي‬

‫‪14‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫)‪(6 /‬‬
‫)‪(8‬‬
‫َ‬
‫نظريات وافدة ك َ‬
‫ف الفكر السلمي َزيفها‬
‫ش َ‬
‫ً‬
‫في حوالي القرن الخير )‪ 1870‬تقريبا إلى( اليوم ألقى الفكر السلمي‬
‫والثقافة العربية نظريات ومذاهب وافدة كثيرة‪ ،‬في مختلف مجالت اللغة‬
‫والدين والجتماع والحضارة التربية والتراث‪.‬‬
‫وهي نظريات فرضت في الغلب فرضا ً تحت ضغط ظروف الغزو‬
‫الستعماري والحتلل البريطاني والفرنسي للعالم السلمي‪ .‬وقد ألقيت هذه‬
‫النظريات من خلل الرساليات ومعاهدها وفروعها‪ ،‬وكان مجال الصحافة‬
‫والتعليم والثقافة أبرز ميادينها‪.‬‬
‫وقد غلف الدعاة إلى هذه النظريات دعوتهم بحماسة الرغبة في النهضة‬
‫والتجديد والستجابة لروح العصر‪ ،‬والخروج من الجمود‪ ،‬وكسر قيود التقليد‬
‫ومقاومة الرجعية والتماس مناهج الغرب الناهض في خطوه‪ ،‬لمساواته‬
‫ومحاذاته‪.‬‬
‫ً‬
‫وقد حملت هذه الدعوات أساسا فكرة واضحة‪ ،‬هي أن أمتنا وأوطاننا ليست‬
‫من العرب ول متصلة بأفريقيا وآسيا ول تربطها بالصحراء العربية رابطة‪،‬‬
‫ولكنها متصلة باليونان قديمًا‪ ،‬وبالغرب حديثًا‪.‬‬
‫وقد امتدت هذه النظريات إلى العقل فقالت أن العقل المصري والسوري‬
‫والمغربي هو عقل أوروبي‪ ،‬وأن الفكر السلمي هو فكر يوناني‪ ،‬وما إلى‬
‫ذلك من مجازفات خارجة عن أدنى حدود العلم والمنطق والتدقيق‪ .‬وكلها‬
‫تهدف إلى عزل كل وطن عربي عن العرب كأمة وعرق من ناحية وعن‬
‫السلم كفكر وثقافة من ناحية أخرى‪.‬‬
‫وقد صدرت مؤلفات تحمل مثل هذه الراء أريد بها إحداث ضجة كبرى‪،‬‬
‫كعامل هام في سبيل ترديد هذه النظريات الوافدة وإعادة غرسها في‬
‫العقول والنفوس‪ .‬وقد جرت المساجلت ساخنة ومثيرة‪ ،‬حول هذه الفكار ثم‬
‫انتقلت هذه القضايا من أعمدة الصحف إلى منابر الجماعات إلى مجال‬
‫البرلمان‪ ،‬وكان نفوذ الستعمار وقواه تعمل في مجال البرامج التعليمية‬
‫والمناهج الجامعية والصحف الكبرى والسماء اللمعة من أجل إقرار هذه‬
‫الراء‪.‬‬
‫غير أن هذه النظريات لم تلبث طويل ً حتى تحطمت‪ ،‬وما عتمت هذه التيارات‬
‫أن قضي عليها‪ ،‬وفشلت في تحقيق الهدف منها‪ ،‬ذلك أن ذاتية الفكر العربي‬
‫السلمي المستمدة من قيمه ومقوماته الصيلة عميقة الجذور قد رفضت‬
‫هذه المحاولت التغريبية لخراج هذه المة من جلدها وإذابتها في الفكر‬
‫الممي الشعوبي‪ ،‬غير أن المر لم يتوقف بالتغريب عند حد الهزيمة فإنه‬
‫سرعان ما جدد هذه الدعوات وألبسها صورة جديدة وقدمها مرة أخرى وما‬
‫تزال رحى المعركة دائرة بين الزيف والصحيح‪ ،‬وبين الصالة والتبعية‪.‬‬
‫في مقدمة هذه النظريات تكريم أدب الغريق وإعلء أدب اليونان على الدب‬
‫العربي‪ ،‬ودعم شأن القليميات الضيقة‪ :‬كالمصرية والفينيقية والبربرية‬
‫وغيرها من الدعوات‪ ،‬والنهي على العرب ومحاولة انتقاص وجودهم وكيانهم‪،‬‬
‫وإثارة الخلف ومحاولة تمزيق الرابطة العضوية بين العروبة والسلم‪،‬‬
‫ومعارضة الشريعة السلمية وإثارة الشبهات حول أصالتها‪ ،‬ومقاومة اللغة‬
‫العربية الفصحى والدعوة إلى العامية‪ ،‬هذا إلى المحاولت الضخمة المبذولة‬
‫من أجل دحر الحقيقة الواضحة الكبرى وهي أن السلم دين ونظام اجتماعي‬

‫‪15‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫معًا‪ ،‬هذا فضل ً عن محاولة توجيه النقد إلى القرآن ووصفه بأنه كتاب أوربي‬
‫أو كتاب وضعه النبي محمد وكذلك إلى إسقاط الحضارة السلمية وإنكار‬
‫عطائها للحضارة العربية‪ ،‬والدعوة إلى ما يسمى عالمية الثقافة‪ ،‬وهو تذويب‬
‫قيم الثقافة العربية في أتون الفكر الغربي مع الفروق الواضحة بينهما‪.‬‬
‫ومحاولة توسيد قيم وافدة في مجال التربية والتعليم تتعارض مع ذاتية المة‬
‫ومزاجها النفسي‪ ،‬وذلك إلى مهاجمة التراث العربي السلمي وإثارة‬
‫الشكوك حوله وانتقاصه‪.‬‬
‫كما عهدت حركة التغريب إلى إذاعة نظريات فرويد تتعارض مع قيم الفكر‬
‫السلمي‪ ،‬ومن أبرز هذه المخططات العمل على انتقاص أعلم السلم‬
‫وأبطاله‪ ،‬فضل ً عن طرح مفاهيم غربية في البطولة نفسها تستمد طابعها من‬
‫مفهوم المسيحية الغربية القائم على ما يسمونه الخلص‪ ،‬وكذلك إذاعة‬
‫الدب المكشوف والباحية الفكرية مع الدعوة إلى اللحاد من خلل مفاهيم‬
‫الفلسفة المادية‪ ،‬هذا بالضافة إلى محاولة إعلء اتجاه التعبير المادي في‬
‫مجالت التاريخ والقتصاد والجتماع‪.‬‬
‫ً‬
‫وقد راجت هذه الفكار رواجا ً شديدا‪ ،‬ووجد النفوذ الستعماري عن طريق‬
‫أدواته العديدة‪ ،‬وفي مقدمتها المدرسة والصحيفة مجال ً كبيرا ً لذاعة هذه‬
‫الفكار ودعمها‪.‬‬
‫وصدرت في ذلك كتب عديدة وأثيرت مساجلت ومعارك أدبية متعددة‪.‬‬
‫غير أن هذه النظريات لم تلبث في ضوء الحقيقية أن سقطت وتحطمت‪.‬‬
‫حاولت هذه الكتابات أن تنقل وجهات النظر التغريبية إلى مجال الفكر‬
‫العربي السلمي في مختلف مفاهيمه واعتمدت على وجهات نظر المبشرين‬
‫والمستشرقين وهي وجهات نظر خطيرة مغرضة مصاغة بعناية وحذر يراد بها‬
‫إغراء القارئ العربي ‪-‬وخاصة ذلك الذي لم يعرف كثيرا ً عن الفكر السلمي‪-‬‬
‫حتى يتقبلها بسرعة‪ ،‬وقد استخدم لها باحثون ألقيت إليهم أضواء واسعة من‬
‫الشهرة والمكانة‪.‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫وقد اتصلت هذه الكتابات بالتاريخ والدب والجتماع واللغة العربية‪ ،‬وحاولت‬
‫أن يتجرد من كل صلة لهذه العلوم بالسلم في محاولة للتعمية والتضليل‪.‬‬
‫ولما كان الفكر السلمي يمثل وحدة كاملة‪ ،‬وكانت هذه العلوم أجزاء منه‬
‫يتكامل بعضها مع البعض الخر‪ ،‬دون أن ينفصل أحدها أو يشكل وحدة‬
‫مستقلة‪ ،‬فقد رأى دعاة التغريب في مكر بالغ‪ ،‬أن يبتعدوا عن )السلم(‬
‫كدين بصورة واضحة‪ ،‬وأن يجعلوا ضرباتهم موجهة إلى هذه الجوانب حتى‬
‫يكونوا في مأمن من حملت العلماء‪ ،‬وحتى يتحقق لهم بهدم هذه النواحي‬
‫إصابة السلم في قلبه وأعماقه‪.‬‬
‫فهذا كتاب يريد أن يصل صاحبه في بحث له طابع علمي براق إلى أن‬
‫ً‬
‫الخلقة ليست أصل ً من أصول السلم وأن نظام الحكم كان حرا ً طليقا‪ ،‬إلى‬
‫هنا والمسألة في نظر الباحث غير المتعمق ‪-‬يسيرة وربما مقبولة‪ ،‬ولكن‬
‫هناك هدف المحق وراء ذلك‪ ،‬ذلك هو الدعاء بأن السلم كان دينا ً روحيا ً‬
‫خالصا ً وأن شئون السياسة والمجتمع والحكم لم تكن منه جزءا ً ل يتجزأ‪،‬‬
‫وبذلك أحدث الكتاب ثلمة خطيرة في أدق مقومات السلم الساسية التي‬
‫تفرق بينه وبين الديان القائمة على العقائد وحدها دون الشريعة‪ ،‬وعلى‬
‫اللهوت وحده دون نظام المجتمع‪ ،‬ولكي نعرف مدى خطر هذا الرأي أن‬

‫‪16‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫تلقفه المستشرقون ومضوا يصرخون بأن في السلم مذهبين وليس مذهب‬
‫واحد أحدهما يقول بأن السلم دين وليس له دولة‪ ،‬وحيث أن مستشرقا ً لم‬
‫يجرؤ على هذا الدعاء قبل أن يصدر مثل هذا الكتاب‪ ،‬وهذا الكتاب ما يزال‬
‫في اليدي‪ ،‬وهناك أكثر من بحث للرد عليه ودحض مزاعمه‪ ،‬ولقد كان علينا‬
‫أن نعلم ما هي خفايا هذا البحث والغرض منه هنالك نجد أنه عمل سياسي‬
‫أص ً‬
‫ل‪ ،‬أريد به معارضة اتجاه لحياء الخلفة ومن ثم فقد انتصرت الدعوة في‬
‫ً‬
‫مجال الخصوم الحزبية والسياسية ولكنها تركت آثارا مريرة في مجال الفكر‬
‫السلمي‪ ،‬فقد أدخل مفهوما ً ليس إسلمي الصل‪ ،‬من مفاهيم الفكر الوربي‬
‫المسيحي القائل بالفصل بين الدين والدولة وهو ما لم يعرفه تاريخ السلم‪،‬‬
‫ومن عجب أن كتابا ً في الفقه السلمي ل تجد فيه مرجعا ً واحدا ً من كتب‬
‫الفقه؛ وإنما يعتمد على مثل الغاني والعقد الفريد !!‬
‫وهناك كتاب شهير أراد صاحبه أن يدعو الباحثين والدباء إلى أن يحجبوا دينهم‬
‫وقوميتهم وهم بسبيل البحت في الدب‪ ،‬وكان ذلك جريا ً وراء تغريب الدب‬
‫العربي بإخراجه من وضعه الصحيح في الفكر السلمي كجزء منه ل ينفصل‪،‬‬
‫ول يمكن دراسته إل في موضعه الصحيح؛ فلقد كان للسلم في الدب‬
‫العربي أثر ضخم بعيد المدى‪ ،‬ومن هنا فإنه من العسير أشد العسر أن‬
‫ينفصل الدب عن الفكر السلمي ولن أن= يدرس حرا ً من هذا الرتباط‬
‫الجتماعي والخلقي‪ ،‬وهو ارتباط عضوي أصيل‪.‬‬
‫ولقد جنى الدب العربي من هذا المذهب الوافد في النقد الدبي آثارا ً مريرة‬
‫عظيمة‪ ،‬فقد فتح الباب أمام إنكار نصوص الكتب المنزلة وفي مقدمتها‬
‫القرآن‪ ،‬كما فتح الباب أمام محاولة نقد آيات القرآن وانه جزا الدباء على‬
‫التركيز على أبي نواس وبشار والضحاك على أنهم نماذج الدب العربي‪ ،‬بينما‬
‫أبعدت آثار الغزالي وابن تيمية وابن حزن‪ ،‬فضل ً أنه فتح الباب أمام الباحيات‬
‫والدب المكشوف وإعلنه‪ ،‬والجرأة على قيم السلم‪ ،‬فضل ً عن خطأ إعطاء‬
‫الدب هذه الحرية في الحكم على أمور ل تدخل تحت نفوذه‪ ،‬وفي التوسع‬
‫لفرض سلطانه على قضايا المجتمع والدين والتربية والخلق‪ ،‬وهذا ما لم‬
‫يكن من مفهوم الفكر العربي السلمي المتكامل الشامل‪.‬‬
‫ولقد كان ذلك اتجاها ً خطيرا ً في خطة التغريب يهدف إلى تحقيق نتائج‬
‫مضللة تنكشف‪ ،‬فنحن نرى كيف أصبح مثل كتاب )الغاني( مرجعا ً من مراجع‬
‫البحث العلمي والتاريخي تؤخذ منه النصوص لُيستدل بها في قضايا الدين‬
‫والجتماع والتاريخ‪ ،‬بينما لم يكن هذا الكتاب في الواقع إل مجموعة من‬
‫الصوات الغنائية وقد وضعه مؤلفه للملوك والخلفاء لزجاء فراغهم بقصص‬
‫ذوي الهواء وأهل الفن وأنه في ذلك ل يدخل في باب المراجع الموثوق بها‬
‫ول المصادر العلمية‪ ،‬وهو إلى ذلك ل يستطيع أن يمثل صورة حقيقية للحياة‬
‫السياسية والجتماعية في مجتمع زاخر بالقوى الفكرية من الفقهاء والعلماء‬
‫والفلسفة والصوفية والمؤرخون‪ ،‬وقد تأكد أكثر من مصدر أن أبا الفرج‬
‫الصفهاني ليس مؤرخا ً ول يصلح كتابه لن يكون مادة تاريخ؛ وإنما هو جماع‬
‫لقصص فيه الصحيح والزائف جمعه من السواق‪ ،‬وقد شهد عليه كثيرون‬
‫بالنحراف‪ :‬فقال اليوسفي المؤرخ‪" :‬إن أبا الفرج أكذب الناس؛ لنه كان‬
‫يدخل سوق الوراقين وهي مملوءة بالكذب فيشتري منها شيئا ً كثيرا ً من‬
‫الصحف ويحملها إلى بيته‪ ،‬ثم تكون رواياته كلها منه"‪ ،‬بل إن المؤرخين قد‬
‫وصفوه بأنه رجل عار عن الثقة به‪.‬‬
‫)‪(2 /‬‬

‫‪17‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫والحق أن الباحثين المسلمين قد التفتوا منذ وقت بعيد إلى خطر المصادر‬
‫من‬
‫الدبية كمراجع للبحوث العلمية والتاريخية‪ ،‬وقد أشار العلماء إلى َ‬
‫أسموهم "أهل الغفلة والهوى الذين اعتمدوا في تاريخهم على كتب الدباء‬
‫وأسفار الخبار"‪ ،‬فأهل الدب كما يقول القاضي أبو بكر ابن العربي‪" :‬هم‬
‫الذين غلبت عليهم صناعة الدب فمالوا إلى كل غريب من الخبار دون أن‬
‫يتحروا الصدق ويهتموا بالرواية والسناد"‪ ،‬يقول القاضي ابن العربي في كتابه‬
‫العواصم من القواصم‪" :‬لتحذروا من أهل الدب؛ فإنهم أهل جهالة بحرمات‬
‫الدين أو على بدعة مصرين فل تبالوا بما رووا"‪.‬‬
‫من خلل العتماد على مثل كتاب الغاني )وكتب المحاضرات جميعها مردودة‬
‫كمصادر علمية وتاريخية( وصل بعض الباحثين إلى القول بأن القرن الثاني‬
‫من الهجرة كان عصر شك ومجون‪ ،‬وأن هذا الحكم قد صدر اعتمادا ً على‬
‫دراسة بعض الشعراء المجان‪ ،‬فاستطاع هذا الكاتب في جرأة عجيبة أن‬
‫يقول بأن هؤلء الشعراء يمثلون عصرهم ويخولون له الحق في إصدار حكم‬
‫على العصر كله‪ ،‬بينما يوجد في ذلك العصر عشرات من الدباء والعلماء‬
‫والمفكرين والباحثين‪ ،‬ول يمكن أن تتم صورة عصر إل بدراسة النماذج‬
‫المختلفة فيه‪.‬‬
‫وبعد فإن على شبابنا المثقف وكتابنا وأدبائنا أن يقفوا موقفا ً علميا ً كلما‬
‫صدفهم مرجعا ً أو مصدرا ً من المصادر الشهيرة‪ ،‬وأن يسألوا أنفسهم سؤال ً‬
‫صريحًا‪:‬‬
‫ألم تصدر في مناقشة هذه الراء ردود أو معارضات‪.‬‬
‫ثم عليهم بعد ذلك أن يبحثوا عن هذه الكتب ويقرأوها‪.‬‬
‫فإذا كان من مصادر الكاتب أو الباحث كتب مثل‪ :‬الشعر الجاهلي أو السلم‬
‫وأصول الحكم أو فلسفة ابن خلدون الجتماعية أو تحرير المرأة أو نظرية‬
‫التطور أو حديث الربعاء أو هامش السيرة أو مع المتنبي‪ ،‬أو مستقبل الثقافة‬
‫أو الخلق عند الغزالي أو النثر الفني‪ ،‬أو غيرها من مؤلفات‪ ،‬فإن ضرورة‬
‫التحقيق العلمي تقضي على القارئ أن يراجع كل ما كتب عن هذه البحاث‬
‫من ردود ومعارضات؛ ذلك أن هذه البحاث لم تكتب إل في ضوء تحديات‬
‫خطيرة‪ ،‬هي تحديات الغزو الفكري والتغريب‪ ،‬وأن ُ‬
‫كتابها يجب أن يعرضوا‬
‫على قانون "الجرح والتعديل"‪.‬‬
‫في عام ‪ 1971‬كتبت إلى مجلة دعوة الحق الزاهرة البحث الول في هذا‬
‫الموضوع‪ ،‬ثم شغلت عنه وكان الهدف هو لفت نظر الباحث المسلم إلى أن‬
‫هناك نظريات وافدة طرحت في أفق الفكر السلمي وقد تناولها الباحثون‬
‫بالنقد والرد والتفنيد في وقتها‪ ،‬غير أن ذلك لم يجمع في حينه في كتاب‪،‬‬
‫ومن ثم ظلت هذه الكتب التي تحمل النظريات متداولة كأنما هي حقائق‬
‫ثابتة وأعيد طبعها مرات ومرات‪ ،‬ولقد لحظت ذلك وتأثرت به حين رأيت‬
‫الكثيرين من شبابنا المسلمين القادمين من كل مكان في العالم السلمي‬
‫يبحثون عن سلمة موسى وطه حسين وعلي عبد الرازق ومحمود عزمي‪،‬‬
‫فيجدون مقالتهم المليئة بالشكوك مجموعة في كتب أنيقة ثم ل يجدون ما‬
‫ُوجه إليها من ردود وما ُفند من اتهامات؛ لنها ل تزال مدفونة في بطون‬
‫الصحف والدوريات‪ ،‬ولقد دعاني هذا أن أجمع في مجلدين كبيرين أغلب هذه‬
‫المعارك تحت عنوان )المعارك الدبية( وتحت عنوان )المساجلت والمعارك‬
‫الدبية(‪ ،‬وذلك في محاولة لكي أضع تحت عين القارئ وجهة النظر الخرى‬
‫التي كانت غائبة عنه والتي تكشف أن لكل رأي ردا ً وأن مثل هذه المحاولت‬
‫في فرض نظريات وافدة قد استشرى في فترة الثلثينيات وما بعدها‪ ،‬واتسع‬
‫‪18‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫نطاقه حتى شمل مختلف ميادين الفكر‪ ،‬ولكن الحق أن قضية ما من هذه‬
‫القضايا لم تمر دون تمحيص؛ =ككتاب طه حسين عن الشعر الجاهلي ووجه‬
‫بالرد من كثيرين وصدرت كتب عديدة في تفنيده منها )تحت راية القرآن(‬
‫لمصطفى صادق الرافعي‪ ،‬كما صدر كتاب محمد فريد وجدي وكتاب محمد‬
‫لطفي جمعة وكتاب للشيخ الخضر حسين وكتاب )النقد التحليلي( للدكتور‬
‫محمد أحمد الغمراوي‪ ،‬هذا بالضافة إلى عشرات الموضوعات والبحوث التي‬
‫ي المذكوَرين عن المعارك‬
‫حفلت بها الصحف وجمعت بعد أطرافها في كتاب ّ‬
‫الدبية‪ .‬كذلك صدرت في السنوات الخيرة أطروحة الدكتور ناصر الدين‬
‫السد عن حقيقة الموقف في الشعر الجاهلي وانتحاله‪.‬‬
‫وبالنسبة إلى كتاب علي عبد الرازق عن السلم وأصول الحكم صدرت في‬
‫حين صدوره رسائل مطبوعة للشيخ الخضر حسين ومحمد الطاهر عاشور‬
‫والشيخ رشيد رضا‪ ،‬وصدر في العام الماضي كتاب ضخم مفصل عن هذه‬
‫القضية للدكتور ضياء الدين الريس‪.‬‬
‫أما بالنسبة لما أثاره سلمة موسى عن اللغة العربية فقد نوقش وجمع‪،‬‬
‫وكذلك ما اتصل بآراء ساطع الحصري ومحمود عزمي‪.‬‬
‫ولقد عورضت نظريات لطفي السيد عن القليمية المصرية وآرائه عن‬
‫التعليم‪ ،‬ووجدت نظرية ثقافة البحر التي أثارها طه حسين ومحمود عزمي‬
‫تفنيدا ً وتصحيحًا‪ ،‬وكذلك عارض الباحثون نظرية أمين الخولي عن إقليمية‬
‫الدب‪ ،‬ورد الدكتور محمد أحمد الغمراوي على محاولت نقد النص القرآن‬
‫التي قام بها زكي مبارك‪ ،‬وكذلك رد كثيرون على محمد أحمد خلف الله‬
‫ورسالة القصص الفني في القرآن‪.‬‬
‫)‪(3 /‬‬
‫أما النظرية المادية التي عرضها شبلي شميل وسلمة موسى من بعد فإنها‬
‫ض بدون نقد ومراجعة وكذلك نظريات الدين في التربية‪.‬‬
‫لم تم ِ‬
‫وكانت أكثر الشبهات التي طرحت في أفق الفكر السلمي تستهدف السيرة‬
‫النبوية والقرآن واللغة العربية والحضارة السلمية والتاريخ السلمي‪ ،‬وفي‬
‫معظم هذه النظريات فقد غلفها بريق كاذب وحاول صياغتها ووضعها في‬
‫إطار علمي وصاحبتها دعوة طنانة إلى النهضة والتجديد والستجابة لروح‬
‫العصر والخروج من الجمود وكسر قيد التقليد ومقاومة الرجعية‪ ،‬وفي‬
‫أعماقها دعوة صريحة إلى التبعية والنصهار في الفكر الغربي؛ إيمانا ً بأن هذا‬
‫هو الطريق الوحيد لمساواته ومحاذاته‪ ،‬وقد حملت هذه الدعوات أساسا ً‬
‫فكرة أن أمتنا ليست من العرب وأن السلم قد مر عليها كما تمر كل‬
‫الدعوات وأن العقل المصري أو السوري أو المغربي هو عقل أوربي وأن‬
‫الفكر السلمي أصل ً هو فكر يوناني‪ ،‬وما إلى ذلك من مجازفات تستهدف‬
‫عزل المسلمين عن فكرهم الصيل وعن كيانهم الخاص وذاتهم التي تتماثل‪.‬‬
‫وقد صدرت مؤلفات أحدثت ضجة كبرى‪ ،‬لم تكن هذه الضجة بالقبول ولكنها‬
‫كانت بالرفض‪ ،‬وجرت مساجلت ساخنة ومثيرة انتقلت من أعمدة الصحف‬
‫إلى أندية الجمعيات إلى منابر الجامعات‪ ،‬ولكن هذه النظريات لم تجد قدرتها‬
‫على الحياة؛ لنها دخيلة وزائف ونبت ل يقوى على الحياة في أرض لم تمتصه‬
‫وطقس لم يستسيغه‪ ،‬ولذلك ما لبثت أن تحطمت‪ ،‬وإن عمد الدعاة إليها إلى‬
‫تجيدها مرة بعد مرة وإثارتها في صورة وأخرى‪ ،‬ومن هذه النظريات‪:‬‬
‫)‪ (1‬إعلء أدب الغريق على الدب العربي ومحاولة فرض الذوق الهليني على‬

‫‪19‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫العرب‪.‬‬
‫)‪ (2‬إعلء شأن القليميات الضيقة كالمصرية والفينيقية والبربرية وغيرها‪.‬‬
‫)‪ (3‬النعي على العرب والمسلمين ومحاولة انتقاص وجودهم وكيانهم‪.‬‬
‫)‪ (4‬معارضة الشريعة السلمية وإثارة الشبهات حول أصالتها‪.‬‬
‫)‪ (5‬مقاومة اللغة العربية الفصحى والدعوة إلى العاميات‪.‬‬
‫)‪ (6‬التنكر للحقيقة الواضحة وهي أن السلم دين ونظام مجتمع في آن‪.‬‬
‫)‪ (7‬محاولة توجيه النقد إلى أسلوب القرآن ووصفه بأنه كتاب أدبي‪.‬‬
‫)‪ (8‬محاولة إسقاط الحضارة السلمية وإنكار إعطائها للحضارة الغربية‪.‬‬
‫)‪ (9‬الدعوة إلى ما يسمى "عالمية الثقافة" ومحالة تذويب قيم الثقافة‬
‫السلمية في أتون الفكر الغربي مع تجاهل الفوارق الواضحة بينهما‪.‬‬
‫)‪ (10‬محاولة إثارة الشبهات حول العلقات الجذرية بين السلم والعروبة‪.‬‬
‫)‪ (11‬محاولة توسيد قيم مقتبسة في مجال التربية والتعليم تتعارض مع ذاتية‬
‫المة ومزاجها النفسي‪.‬‬
‫)‪ (12‬مهاجمة التراث العربي السلمي وإثارة الشكوك حوله وانتقاصه‪.‬‬
‫)‪ (13‬إذاعة نظريات فرويد في النفس وسارتر في الوجودية ودور كايم‬
‫الجتماع‪ ،‬وكلها تتعارض مع قيم الفكر السلمي‪.‬‬
‫)‪ (14‬انتقاص أعلم السلم وأبطاله‪.‬‬
‫)‪ (15‬إذاعة الدب المكشوف والباحية الفكرية مع الدعوة إلى اللحاد‪.‬‬
‫)‪ (16‬محاولة إعلء اتجاه المادية في مجالت التاريخ والقتصاد والجتماع‪.‬‬
‫وقد راجت هذه الفكار رواجا ً شديدا ً وكثير ترديدا حتى كادت أن تصبح من‬
‫المسلمات‪ ،‬ووجدت النفوذ الستعماري عن طريق أدواته العديدة‪ ،‬وفي‬
‫مقدمتها المدرسة والصحيفة مجال ً كبيرا ً لذاعة هذه الفكار ودعمها‪.‬‬
‫وصدرت في ذلك كتب عديدة‪ ،‬منها‪ :‬مؤلفات جورجي زيدان )التمدن‬
‫السلمي(‪ ،‬ومؤلفات طه حسين )حديث الربعاء – في الدب الجاهلي –‬
‫مستقبل الثقافة – مع المتنبي – هامش السيرة(‪ ،‬ومؤلفات سلمة موسى‬
‫)اليوم والغد – البلغة العصرية(‪ ،‬وعلي عبد الرازق )السلم وأصول الحكم(‪،‬‬
‫ولطفي السيد )ترجمات أرسطو(‪ ،‬بالضافة إلى بعض كتابات توفيق الحكيم‬
‫ومحمود عزمي‪ ،‬وزكي مبارك وإبراهيم مدكور وأمين الخولي وحسين فوزي‬
‫ولويس عوض وزكي نجيب محمود‪.‬‬
‫غير أن هذه النظريات لم تلبث أن انكشف فسادها وزيفها وعرف المثقفون‬
‫الهداف القائمة وراء إذاعتها وترديدها‪.‬‬
‫ولقد أحدث الشيخ علي عبد الرازق "ثلمة" في السلم سيظل يحمل وزرها‬
‫أمدا ً طوي ً‬
‫ل؛ فلول مرة يجرؤ عالم أزهري مسلم إلى القول بأن السلم دين‬
‫روحي وأنه ل صلة له بنظام الحكم‪ ،‬مهما كان سياق الدعوة أو ظروفها‬
‫السياسية التي أراد أن يخدم بها حزب الحرار الدستوريين أو النجليز أو‬
‫المعارضين للملك فؤاد‪ ،‬فإنه في سبيل غاية هينة قد استخدم نصوصا ً أراد بها‬
‫أن يحجب حقيقة أساسية هي أن السلم نظام مجتمع ومنهج حياة متكامل‪،‬‬
‫ومنذ ذلك اليوم يكتب المستشرقون فيقولون‪ :‬إن في السلم نظريتين‪:‬‬
‫إحداهما تقول بأن السلم دين ودولة‪ ،‬والخرى تقول أن السلم دين روحي‬
‫من سار على طريقه من بعده‬
‫وصاحب هذه النظرية هو علي عبد الرازق و َ‬
‫ومن خريجي الزهر أيضا ً مع السف‪.‬‬
‫)‪(4 /‬‬

‫‪20‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫هذه الثلمة تكذبها كل الوقائع التاريخية وكل النصوص والسانيد‪ .‬ومن يقرأ‬
‫بحث علي عبد الرازق الذي حاول دعاة التغريب في السنوات الخيرة إعادة‬
‫طبعه ونشره بعد أن مات وانطوى أكثر من أربعين عامًا‪-‬يجدون أنه لم يعتمد‬
‫على كتاب من كتب الصول؛ وإنما كان اعتماده على مراجع أدبية كالعقد‬
‫جل اعتماد علي عبد الرازق على بعض الكتب التي‬
‫الفريد وغيره‪ .‬وقد كان ُ‬
‫صدرت في تركيا لتبرير إلغاء الخلفة وهي مؤلفات كتبها اليهود الدونمة الذين‬
‫كانوا يطمعون في تحطيم هذا البناء منذ وقت طويل؛ حتى يستطيعوا أن‬
‫ينفذوا إلى فلسطين بعد أن وقف السلطان عبد الحميد في وجههم سدا ً‬
‫منيعًا‪ ،‬وكل ما جاء به علي عبد الرازق نقل ً من هؤلء إنما هو مستمد من‬
‫نظريات الفكر المسيحي حول البابوية والفصل بين الدين والدولة وهو النهج‬
‫جل‬
‫الذي وصلت إليه أوربا بعد الصراع الطويل بين الكنيسة والشعب‪ ،‬وكان ُ‬
‫اعتماده في نصوصه المنقولة على شطائر تؤيد وجهة نظره استعان بها وترك‬
‫الجزاء الباقية مغالطة منه وتبريرا ً لوجهة نظره‪ ،‬بالضافة إلى اعتماده على‬
‫كتب المحاضرات والدب وهي ليست مراجع للبحث الفقهي الجاد‪.‬‬
‫والحق أن الباحثين المسلمين قد التفتوا منذ وقت طويل إلى خطر المصادر‬
‫الدبية كمراجع للبحوث العلمية والتاريخية‪ ،‬وقد أشار كثيرون إلى "أهل العقل‬
‫والهوى الذين اعتمدوا في تاريخهم على كتب الدب وأسفار الخبار"‪ ،‬فأهل‬
‫الدب كما يقول القاضي أبو بكر ابن العربي في كتابه "العواصم من‬
‫القواصم"‪" :‬هم الذين غلبت عليهم صناعة الدب فمالوا إلى كل غريب من‬
‫الخبار دون أن يتحروا الصدق ويهتموا بالرواية والسناد‪ ،‬وهم أهل جهالة‬
‫بحرمات الدين أو على بدعة مصريين"‪.‬‬
‫أما كتاب في الشعر الجاهلي والدب الجاهلي من بعده‪ ،‬فإن القضية الكبرى‬
‫والساسية التي حاول مؤلفه أن يفرضها هي أن على الباحثين أن يحجبوا‬
‫دينهم وقوميتهم وهم بسبيل إلى البحث العلمي‪ ،‬نقول )حتى إذا كان دينهم‬
‫هو السلم( الذي هو مصدر كل مناهج البحث وأساس علوم المعرفة والذي‬
‫هدى البشرية إلى نقد الرواة وإلى الجرح والتعديل وإلى التأكد من سلمة‬
‫المصادر‪.‬‬
‫ً‬
‫ولكن المؤلف لم يكن ليؤمن بذلك أساسا؛ لنه حاول إنكار نصوص من‬
‫القرآن عن إبراهيم وإسماعيل وقال‪" :‬مهما تحدثنا التوراة ويحدثنا القرآن عن‬
‫إبراهيم وإسماعيل فإن الحقيقة التاريخية تقول إنهما من الشخصيات التي لم‬
‫توجد أساسًا"‪ ،‬ولقد كان الهدف الرئيسي في الشعر الجاهلي أساسا ً هو‬
‫انتقاص هذه السس في السلم وانتقاص رسوله الكريم الذي قال عنه‪:‬‬
‫من يراجع الكتب التي تصدت‬
‫)لمرٍ ما كان لبد أن يكون محمد من قريش(‪ ،‬و َ‬
‫لهذا الكتاب والبحاث والمعارك التي دارت حوله يجد تحديا ً واضحا ً صريحا ً‬
‫للحقائق السلمية والسنة الصحيحة ولكل ما يتصل بتاريخ رسول الله‬
‫وأصحابه‪ ،‬فإذ ربطنا هذا بكتاب هامش السيرة وجدنا جانبا ً آخر أراد طه‬
‫حسين أن يطعن فيه؛ ذلك هو إعادة الساطير مرة أخرى إلى هذه السيرة‬
‫بعد أن نقاها المسلمون منها وحرروها‪ ،‬ونحن لسنا الذين نقول ذلك ونأخذه‬
‫عليه؛ ولكن ذلك ما يقوله رفيق شبابه الدكتور محمد حسين هيكل صاحب‬
‫كتاب حياة محمد‪ .‬ونجد الجانب الثالث من العمل الخطير متمثل ً في كتاب‬
‫)الفتنة الكبرى(‪ ،‬وهنا نجد طه حسين يحاكم صحابة رسول الله على أنهم‬
‫بعض السياسيين في العصر الحديث ورجال الحزاب وأصحاب المطامع‬
‫والمؤامرات ومحاولة إزاحة ذلك الجو الرفيع الذي يجب أن ينظر فيه إلى‬
‫هؤلء الصحابة الكرام‪ ،‬وتلك هي أهداف طه حسين كما أشار إليها هو نفسه‬
‫‪21‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫في أكثر من موضع "إسقاط التقديس لكل قديم"‪.‬‬
‫وإذا كان هذا من الطروحات الغربية التي عرفها الفكر الوربي بعد الثورة‬
‫الفرنسية وتحت ضغط خلفات عميقة بين رجال العلم ورجال الدين وتحت‬
‫تأثير جمود الفكرة الدينية وفسادها في الغرب‪ ،‬فما شأننا به نحن في عالم‬
‫السلم حيث نجد الفكر السلمي بسماحته وسعته وقدرته الوافرة على‬
‫العطاء في كل المجالت‪ ،‬وحيث ل يصطدم الدين بالعلم‪ ،‬وحيث ل تتعارض‬
‫الثوابت والمتغيرات‪ ،‬وحيث أن القديم ليس فكرا ً بشريا ً يكتنفه الفساد‬
‫والضطراب؛ ولكن القديم هو ذلك الهدي الرباني الكريم )ل يأتيه الباطل من‬
‫بين يديه ول من خلفه(‪.‬‬
‫تلك كانت غاية طه حسين واضحة في كتاباته السلمية كلها من الدب‬
‫الجاهلي إلى هامش السيرة إلى الفتنة الكبرى‪) :‬إسقاط التقديس لكل‬
‫قديم(‪ ،‬دون تحديد لهذا القديم هل هو الصل الرباني الموحى به أم العمل‬
‫الفكري الذي قام عليه‪ ،‬فضل ً عن إحيائه لتراث الزنادقة والشعوبية وإعادته‬
‫طبع إخوان الصفا ومقدمة ابن المقفع لكتاب كليلة ودمنة‪ ،‬والدعوة الملحة‬
‫التي ظل يدعوها طوال حياته بفضل الهلينية والفكر الغريقي على الفكر‬
‫السلمي وهي دعوة زائفة مبطلة كذبتها مدرسة كاملة قادها الشيخ‬
‫مصطفى عبد الرازق وتابعها كثير من العلم في مقدمتهم الدكتور علي‬
‫سامي النشار ومحمود قاسم‪.‬‬
‫)‪(5 /‬‬
‫ولو كان طه حسين ناقدا ً سليم القلب لفرق بين الميراث السلمي السماوي‬
‫والسنة الصحيحة وصادق ما كتب أهل السنة والجماعة وبين التراث السلمي‬
‫المتصل بالشعوبية والزندقة والباطنية‪ ،‬ولكنه كما يبدو واضحا ً من كل كتاباته‬
‫إنما كان يغمغم في هذه الدعوى وهو يقصد‪ :‬الوحي والنبوة والقرآن‪ ،‬وإن‬
‫كان ل يقدر على أن يكشف عن ذلك خوفا ً وفرقا ً مما كاد يصيبه عندما أصدر‬
‫كتاب في الشعر الجاهلي‪ ،‬لقد فتح الباب لكل شبهة وحملت مؤلفاته أوشال‬
‫الشعوبية القديمة وزيف آراء المستشرقين في كل الجوانب التي يمكن أن‬
‫يصل إليها الباحث لم غادر منها واحدا ً مستعمل ً أسلوب )الشك الفلسفي(؛‬
‫لبث الشبهات والتساؤلت دون أن يدل أحدا ً على ضوء من رأي صحيح‪،‬‬
‫ولكنها المحاولة المستمرة للتشكيك؛‬
‫فهو الداعي إلى الفرعونية والدب المكشوف وأن عصر السلم الول عصر‬
‫شك ومجون‪ ،‬وهو الذي سخر بابن خلدون علمة فكرنا‪ ،‬ووصف المتنبي‬
‫شاعرنا الكبر بأنه لقيط ليس له أب‪ ،‬وهو الذي قال لطلبته في كلية الداب‬
‫أن القرآن كتاب أدب يوضع موضع النقد ويقال أن هذه الية كذا وكذا‪ ،‬وهو‬
‫داعية )عالمية الثقافة( لينصهر الفكر السلمي في بوتقة الممية‪ ،‬وداعي‬
‫نقل مناهج التعليم والتربية الغربية‪ ،‬وهو الذي اتخذ من كتاب الغاني مصدرا ً‬
‫لدراسة المجتمع السلمي وهو كتاب غير مؤهل لهذه الدراسة‪ .‬وهو الذي‬
‫من الحق أن‬
‫فتح البواب لهؤلء جميعا ً الذين جرأوا على مواريث السلم‪ ،‬و ِ‬
‫يقال أن الباحثين المسلمين لم يؤمنوا لحظة بمذهب تقديس السلف سواء‬
‫في التاريخ أو غيره؛ ولكنهم كانوا يؤمنون ول يزالون بحماية هذا الميراث‬
‫العظيم الذي أعطاهم السلم وتكريم هؤلء الصفوة من الصحابة العلم‬
‫الذين شادوا هذا المجد‪ ،‬وتجاوزهم البحث في هذا الخلف الذي دخلته زيوف‬
‫كثيرة وأكاذيب كثيرة‪ ،‬وكانت وجهتهم دائما ً إلى القرآن وحده وإلى التماس‬

‫‪22‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫السوة من الرسول صلى الله عليه وسلم‪ ،‬فهو المعصوم والمؤيد بالوحي‪،‬‬
‫وقد فضلوا دائما ً بين )منهج السلم( وبين )تاريخ السلم(‪ ،‬ولكنهم لم يكونوا‬
‫ليجرؤا على تناول تراثهم على هذا النحو من الحتقار والسخرية والمهانة‬
‫التي حاول طه حسين أن يتناوله بها‪.‬‬
‫أنور الجندي‬
‫)‪(6 /‬‬
‫نظرية السمنت‬
‫بالطبع سمعت قبل ذلك عن السمنت! إنه ذلك المسحوق الرمادي الذي يتم‬
‫خلطه مع الماء والرمل والحجارة ليصبح مادة رابطة شديدة القوة يتم بها‬
‫الربط بين أسياخ الحديد في أي بناء لذلك ل نجد بناًء قوًيا ومتماس ً‬
‫كا إل‬
‫ويدخل في تركيبه السمنت كمادة رابطة بين أجزائه وبعضها البعض‪.‬‬
‫ضا على البناء البشري‪ ،‬أي بناء النسان‪ ،‬فل بد من وجود‬
‫هذا الكلم ينطبق أي ً‬
‫شيء يربط بين أجزاء النسان بعضها البعض‪ ،‬بين أجزائه العضلية والعصبية‬
‫وبين مشاعره وأحاسيسه وأفكاره‪ ،‬وأنت ل تجد إنساًنا على وجه الرض إل‬
‫ويوجد شيء ما يحركه ويربط بين أفكاره وأفعاله ومشاعره وجسده فهذا‬
‫يحركه حب المال وهذا يحركه حب النساء والخر حب الجاه والسلطان‬
‫ما مشتر ً‬
‫كا‬
‫وهكذا‪ ....‬وكل هؤلء الشخاص أيها الخ الكريم تجد بينهم قاس ً‬
‫وهو عدم الشعور بالسعادة والراحة النفسية ولكن الشيء الوحيد الذي‬
‫يستطيع أن يربط بين جميع مكونات البناء البشري‪ ،‬ويحقق التوازن بينها كما‬
‫يحقق أقصى استفادة ممكنة من إمكانيات النسان هو الدين!‬
‫قد تظن أني مبالغ بعض الشيء ولكن حين تكمل القراءة معي ستعلم أني‬
‫على حق تعالى معي لنتكلم بتفصيل أكثر قليل ً ولثبت لك أن التزامك بدين‬
‫الله عز وجل هو السبيل الوحيد لكي تتحكم في مشاعرك وجسدك وأفكارك‬
‫وتستخرج منها الطاقات المخزونة وتستغلها أفضل استغلل في خدمة نفسك‬
‫ومجتمعك‪:‬‬
‫فمثل ً في الجانب العضلي‪:‬‬
‫فأنت لو التزمت بدين الله عز وجل ستجد الكثير من اليات والحاديث‬
‫والمثلة التي تحث على أن يكون بنيان المسلم قوًيا وصحته على خير ما‬
‫يرام‪ ،‬فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول‪' :‬المؤمن القوي خير وأحب عند الله‬
‫ضا التي‬
‫من المؤمن الضعيف' والقوة هنا قوة اليمان والقوة الجسدية أي ً‬
‫تستغلها في خدمة دين الله‪ ،‬وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول‪:‬‬
‫'علموا أولدكم السباحة والرماية وركوب الخيل' والله عز وجل يسألنا يوم‬
‫القيامة عن عمرنا فيما أفنيناه وعن شبابنا فيما أبليناه وسيسألنا عن صحتنا‬
‫هل حافظنا عليها أم لم نحافظ عليها لذلك عند التزامك بدين الله سيكون‬
‫سعيك في تقوية جسدك والحفاظ على صحتك أحد الطاعات التي تؤديها‬
‫خلل يومك لو أخلصت فيها النية لله سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫ولنا في صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم أفضل المثلة على ذلك فمثل ً‬
‫دا فيروي أنه عند إسلمه أخذ يقاتل‬
‫كان عمر بن الخطاب قوي البنيان ج ً‬
‫المشركين من الظهر إلى المغرب وحده وهذا يدل على قوة بنيانه كما أن‬
‫علي بن أبي طالب رضي الله عنه كما كان يصفه أهل السير إذا سلم عليك‬
‫وضغط على يديك بقوة تشعر بالختناق‪ .‬والقعقاع بن عمرو الذي كان صوته‬
‫في المعركة بألف رجل فما بالك به شخصًيا‪.‬‬

‫‪23‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ضا في الجانب العقلي‪' :‬إضافة 'نور البصيرة'‬
‫وأي ً‬
‫قا يسعى إلى تنمية قدراته العقلية وإلى‬
‫تجد أن الشخص الملتزم بدين الله ح ً‬
‫الهتمام بالتفكير السليم لخدمة دينه ومجتمعه وكيف ل والله عز وجل ذم‬
‫القوم الذين ل يعقلون' كما أن الله عز وجل خص عباده العقلء بفهم آياته‬
‫م الل ّي ْ َ‬
‫ل َوالن َّهاَر َوال ّ‬
‫مَر‬
‫س ّ‬
‫الكونية فقال الله عز وجل‪} :‬وَ َ‬
‫س َوال ْقَ َ‬
‫ش ْ‬
‫خَر ل َك ُ ُ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫ن ِفي ذ َل ِ َ‬
‫ن{ ]النحل‪ .[12:‬كما‬
‫ت لِ َ‬
‫س ّ‬
‫قوْم ٍ ي َعْ ِ‬
‫ك َليا ٍ‬
‫قُلو َ‬
‫مرِهِ إ ِ ّ‬
‫َوالن ّ ُ‬
‫جو ُ‬
‫م َ‬
‫ت ب ِأ ْ‬
‫خَرا ٌ‬
‫م ُ‬
‫أن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم تدل على أنه كان عبقرية فذة وأنه كان‬
‫دائم التفكير في قضايا المة فتارة يفكر في الرسائل التي يبعث بها في‬
‫الملوك والسلطين‪ ،‬وتارة يفكر في حماية المة من الخطار الخارجية‪ ،‬وتارة‬
‫يفكر في جهاد أعداء الله ونشر السلم في بقاع الرض‪ ،‬وتارة يفكر في‬
‫مشاكل المة الداخلية كما أنه كان بحث الصحابة على التفكير‪ ،‬ويمتدح‬
‫صاحب العقل الراجح‪ ،‬فعن خالد بن الوليد أنه حين أسلم قال له النبي صلى‬
‫الله عليه وسلم‪' :‬الحمد لله الذي هداك للسلم فقد كنت أرى لك عقل ً‬
‫ضا قد تجد بعض الملتزمين ل يحرصون على‬
‫رجوت أل يسلمك إل لغير' وأي ً‬
‫تنمية عقولهم وتفكيرهم‪ ،‬ولكن مع ذلك ايها الخ الكريم كفاهم نور اليمان‬
‫ونور البصيرة التي يقذفها الله تعالى في قلوبهم عند التزامهم بدين الله‪،‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن َ‬
‫شي ب ِهِ ِفي‬
‫م ِ‬
‫حي َي َْناه ُ وَ َ‬
‫مْيتا ً فَأ ْ‬
‫كا َ‬
‫ه ُنورا ً ي َ ْ‬
‫جعَل َْنا ل َ ُ‬
‫ن َ‬
‫فالله عز وجل يقول‪} :‬أوَ َ‬
‫م ْ‬
‫من َْها{ ]النعام‪.[122:‬‬
‫س بِ َ‬
‫خارٍِج ِ‬
‫ما ِ‬
‫ه ِفي الظ ّل ُ َ‬
‫مث َل ُ ُ‬
‫ن َ‬
‫س كَ َ‬
‫ت ل َي ْ َ‬
‫م ْ‬
‫الّنا ِ‬
‫وفي الجانب العاطفي أو الروحي‪:‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫ما على تزكية نفسه وروحه والسمو‬
‫نجد أن الشخص الملتزم حريص دائ ً‬
‫بمشاعره وأحاسيسه لكي يكون أهل ً لدخول جنة رب العالمين وقد مدح الله‬
‫َ‬
‫ها‬
‫عز وجل من يعمل ذلك فقال‪} :‬وَن َ ْ‬
‫جوَر َ‬
‫وا َ‬
‫مَها فُ ُ‬
‫ما َ‬
‫ها]‪[7‬فَأل ْهَ َ‬
‫س وَ َ‬
‫س ّ‬
‫ف ٍ‬
‫َ‬
‫ن َز ّ‬
‫ضا الذين‬
‫وَت َ ْ‬
‫كا َ‬
‫وا َ‬
‫ها{ ]الشمس‪7:‬ـ ‪ [9‬بل وذم الله أي ً‬
‫ها]‪[8‬قَد ْ أفْل َ َ‬
‫ح َ‬
‫م ْ‬
‫ق َ‬
‫ها{‬
‫يهملون هذا الجانب الروحي في حياتهم فقال‪} :‬وَقَد ْ َ‬
‫سا َ‬
‫خا َ‬
‫ن دَ ّ‬
‫ب َ‬
‫م ْ‬
‫ضا مدح الله في أكثر من موضع أصحاب القلوب الرقيقة‬
‫]الشمس‪ .[9:‬وأي ً‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫رْ‬
‫ُ‬
‫خ َ‬
‫ن تَ ْ‬
‫ن ل ِل ِ‬
‫مُنوا أ ْ‬
‫شعَ قلوب ُهُ ْ‬
‫نآ َ‬
‫التي تتأثر بكتاب الله عز وجل‪} :‬أل ْ‬
‫ذي َ‬
‫م ي َأ ِ‬
‫م ل ِذِك ِ‬
‫ما ن ََز َ‬
‫ق{ ]الحديد‪ [16:‬والمتأمل لسيرة النبي صلى الله عليه‬
‫ل ِ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ح ّ‬
‫الل ّهِ وَ َ‬
‫م َ‬
‫وسلم يجد أنه كان أرحم الناس وأعطفهم على المسلمين‪ ،‬فعنه تقول عائشة‬
‫رضي الله عنها 'ما خير النبي صلى الله عليه وسلم بين أمرين إل اختار‬
‫ما' مما يدل على عطفه الشديد على أمته‪ .‬وهكذا أيها‬
‫أيسرهما ما لم يكن إث ً‬
‫الخ الكريم هل تأكدت الن من كلمي هل عرفت أن اللتزام بدين الله عز‬
‫وجل هو السبيل الوحيد لكي تبني نفسك بنياًنا قوًيا يحتمل الزمات ويسير‬
‫لخطى ثابتة نحو النجاح في الدنيا والخرة‬
‫وأخيًرا أيها الخ الكريم أنت الن تأكدت من أن الدين قادر أن يربط بين جميع‬
‫ضا أن مكوناتك‬
‫مكوناتك ليحقق لك ما تريد في الدنيا والخرة‪ ،‬وعلمت أي ً‬
‫البشرية ل بد لها من رابط يربط بينها فاختر لنفسك أي الروابط تشاء وأي‬
‫َ‬
‫ن‬
‫البناء تريد أن تبني نفسك واحذر من أن تتدخل تحت قول الله تعالى‪} :‬أفَ َ‬
‫م ْ‬
‫خير أ َم م َ‬
‫َ‬
‫ه عََلى َ‬
‫فا‬
‫ش َ‬
‫ه عََلى ت َ ْ‬
‫وى ِ‬
‫ن الل ّهِ وَرِ ْ‬
‫نأ ّ‬
‫أ ّ‬
‫س ب ُن َْيان َ ُ‬
‫س ب ُن َْيان َ ُ‬
‫س َ‬
‫س َ‬
‫ن َ ٌْ ْ َ ْ‬
‫وا ٍ‬
‫ض َ‬
‫م َ‬
‫ق َ‬
‫م{ ]التوبة‪ [109:‬فإما بناء على التقوى يصل‬
‫ف َ‬
‫هارٍ َفان َْهاَر ب ِهِ ِفي َنارِ َ‬
‫جُر ٍ‬
‫ُ‬
‫جهَن ّ َ‬
‫إلى الجنان‪............‬‬
‫وإما بناء على غير ذلك ينهار بك والعياذ بالله في النيران‪........‬‬

‫‪24‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫)‪(2 /‬‬
‫نظرية الوتار الفائقة ‪ ...‬سبقناهم !‬
‫عزيز محمد أبوخلف‬
‫>‪TD/‬‬
‫كلما مرت فترة من الزمان يطلع علينا العلم التجريبي بنظريات واكتشافات‬
‫تبهر العقول‪ ،‬وقد تصيبها أحيانا ً بالحيرة والذهول‪ .‬والحضارات المستقرة التي‬
‫يكون لها حظ في قيادة العالم‪ ،‬من الطبيعي ان تتسلم أيضا ً قيادة التقدم‬
‫العلمي‪ .‬لهذا كان من المتوقع من الحضارة السلمية‪ ،‬وقد سادت الدنيا‬
‫قرونا ً عديدة‪ ،‬ان تبهر الناس بمثل هذه الحوادث العلمية الكبيرة‪ ،‬فهي أحق‬
‫بها من الناحية المنطقية‪ .‬ولكن الذي حدث هو أن المنطق نفسه كان عامل‬
‫تأخير وتخلف لهذه المة‪ ،‬مما جعلها تغيب بكل قدراتها عن أي إبداع علمي‬
‫يذكر‪ ،‬إذا استثنينا بعض النجازات القيمة من علماء لم يجعلوا معيار تقدمهم‬
‫يستند إلى المنطق الرسطي وعلم الكلم اليوناني‪.‬‬
‫شهد العلم الحديث تطورات هائلة في أفكاره كان بعضها أشبه بالثورات‬
‫العارمة‪ ،‬وقد صاحب ذلك اختراعات واكتشافات ل تقل أهمية عن النظريات‬
‫التي أسست لها أو انبثقت عها‪ .‬واكثر ما يشغل العلم ول يزال تركيب الكون‬
‫والقوانين التي تحكمه‪ ،‬حيث انطلق من تأملت القدمين مرورا ً بقوانين‬
‫الحركة والنظرية الذرية واجزاء الذرة والنسبية والكوانتا والحقول‪ ،‬وأخيرا‪،‬‬
‫وربما آخرا ً !‪ ،‬نظرية الوتار الفائقة‪ .‬وقلنا آخرا ً ولم نقل وليس آخرًا‪ ،‬لن من‬
‫أبدع هذه النظرية يرى أنها تفسر كل شيء أي هي بمثابة النظرية الم‪ .‬ولكن‬
‫ل تتعجلوا‪ ،‬وكالعادة ووفق قاعدة سبقناهم‪ ،‬فلن نعدم من يزعم ان علماءنا‬
‫أشاروا أو نبهوا إلى هذه النظرية كما نبهوا إلى غيرها‪ .‬وأيضا لن نعدم جانبا ً‬
‫من العجاز العلمي سبقناهم إليه في آيات القرآن أو أحاديث المصطفى عليه‬
‫السلم‪.‬‬
‫ما هي نظرية الوتار الفائقة؟‬
‫نظرية الوتار الفائقة ‪superstring theory‬هي أفكار جديدة حول تركيب الكون‬
‫من إبداع الفيزياء النظرية‪ ،‬تستند في صلبها إلى معادلت رياضية معقدة‪،‬‬
‫تحاول تفسير أمور مجربة‪ .‬تقول هذه النظرية ان الشياء مكونة من أوتار‬
‫حلقية أو مفتوحة متناهية في الصغر ل سمك لها‪ .‬هذه الوتار تتذبذب فتصدر‬
‫نغمات يتحدد بناء عليها طبيعة وخصائص الجسيمات الكبر منها مثل البروتون‬
‫والنيوترون واللكترون وغيرها‪ .‬وتكمن ميزة هذه النظرية في أنها تأخذ في‬
‫الحسبان كافة قوى الطبيعة‪ :‬الجاذبية والكهرومغناطيسية والقوى النووية‪،‬‬
‫فتوحدها في نظرية واحدة‪ ،‬تسمى النظرية الم‪.‬‬
‫الكون في تصور هذه النظرية هو عالم ذو عشرة أبعاد‪ ،‬على خلف البعاد‬
‫الربعة التي نحس بها‪ .‬ويقول أصحاب هذه النظرية بأن البعاد الخرى‬
‫متكورة على نفسها فهي غير محسوسة لنا‪ ،‬ول يتأتى ذلك إل في ظل كميات‬
‫هائلة من الطاقة تحتاج إلى مسرعات نووية بحجم المجرة!‪ .‬فهذه النظرية‬
‫تقدم تصورا ً جميل ً للكون ضمن إطار موسيقي يقول لنا بأن كل شيء هو‬
‫نتاج نغمات وذبذبات لوتار صغيرة‪ .‬ما نحن إذا ً إل نتاج الموسيقى وفق هذه‬
‫النظرية الحديثة‪ .‬ولكن ل بد من التأكيد على أن هذه النظرية هي نظرية في‬
‫حد ذاتها‪ ،‬أي ليست تخبر عن واقع تجريبي‪ ،‬والتأكد منها يحتاج إلى جهود‬
‫جبارة من الطاقة توازي ما حدث في اللحظات الولى من النفجار العظيم‪.‬‬
‫أصلها عندنا‪ :‬الوتر الفرد‬

‫‪25‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ل نستبعد أن يطلع علينا أحدهم فيقول‪ :‬سبقناهم في هذه النظرية كما‬
‫سبقناهم في غيرها!‪ .‬وهذا السبق قد تتبناه أكثر من جهة‪ .‬فالذرة التي ورد‬
‫ذكرها في القرآن الكريم تعني أصغر ما يمكن من النمل‪ ،‬أو الفتائل المتناهية‬
‫في الصغر‪ ،‬أو الهباء المصاحب للشعة‪ .‬وهكذا فالذرة هي أصغر شيء‬
‫بأشكال متعددة‪ ،‬والوتر الصغير هذا يمكن اعتباره أصغر شيء!‪ .‬أيضا ً الجوهر‬
‫الفرد الذي تبناه علماء الكلم ليؤسسوا به لعقائد السلم والدفاع عنها‪ ،‬هو‬
‫شيء متناهي في الصغر‪ ،‬متحيز لكن ليس له مكان‪ ،‬وهو آخر ما تصل إليه‬
‫المادة بعد التقسيم المضني‪ .‬فلم ل يكون هو نفسه الوتر المتناهي في‬
‫الصغر؟ ويجوز لنا والحالة هذه أن نسميه بالوتر الفرد!‪.‬‬
‫نحن ل نشكك في اخلص أهل العجاز العلمي‪ ،‬ول في نوايا علماء الكلم‬
‫الذين اجتهدوا في الدفاع عن عقائد الدين‪ ،‬لكننا نرفض ربط السلم‬
‫بالنظريات العلمية وجعلها أساسا ً في عقائده‪ ،‬بل لقد وصل المر بعلم الكلم‬
‫إلى أن جعلها أمورا مقدسة ل يتطرق إليها شك‪ .‬وهذا واقع فعل ً في تبني‬
‫علم الكلم لنظرية الجوهر الفرد ذات الصل اليوناني‪ ،‬وفي تبنيه لحرفيات‬
‫المنطق الرسطي الذي ل يورث غير التخلف والتعالي عن ركب التقدم‬
‫العلمي‪ .‬اما أهل العجاز العلمي فإننا نطالبهم إذا كانوا على حق ان يأتوا‬
‫بالجديد في الوسط العلمي باقتراح النظريات والفكار العلمية‪ ،‬ل بالنتظار‬
‫على أبواب العلم حتى إذا ما طرحوا فكرة أو نظرية قلنا‪ :‬سبقناكم!‪.‬‬
‫صلة الجنازة على الجوهر الفرد‬
‫)‪(1 /‬‬
‫هل نقول بأنه آن الوان أن نقبر هذه الفكار العقيمة التي أضرت بالمة‬
‫وعوقتها عن التقدم‪ ،‬مثل نظرية الجوهر الفرد‪ ،‬وأفكار المنطق الرسطي غير‬
‫المجدية‪ ،‬وكلها ذات علمة تجارية يونانية؟‪ .‬إن المنطق الذي يتمسك به من‬
‫يأخذ بهذه الفكار يحتم عليهم أن يتركوها وأن يفسحوا المجال للفكار‬
‫الجديدة كي تحل محلها‪ .‬أليست نظرية الجوهر الفرد انعكاسا ً للفكار العلمية‬
‫التي كانت سائدة ومتداولة في تلك اليام‪ ،‬وقد تبناها علم الكلم للدفاع عن‬
‫العقائد‪ ،‬وها نحن أمام أفكار جديدة ترفض مثل هذه النظريات جملة وتفصيل‪.‬‬
‫من المنطقي أن من يربط العقيدة بالنظريات العلمية السائدة ان تكون‬
‫عقائده متحولة‪ ،‬لن النظريات العلمية نفسها قابلة للتعديل والتطوير‬
‫باستمرار‪ .‬فما الذي ُيبقي عقائد السلم مرتبطة بنظرية الجوهر الفرد؟‪ .‬إن‬
‫على من يتبنى مثل هذه الفكار أن ينعاها في صحائف الفكر‪ ،‬وأن يدعو‬
‫للتكيبر عليها أربعًا‪ ،‬من اجل وأدها في مقابر الفكر‪ ،‬دون أن يسأل عنها بأي‬
‫ذنب قتلت!‪.‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫نظرية الغماء بين تناقضات ديدات و سرقات غلم قاديان‬
‫فؤاد العطار‬
‫‪Anti_ahmadiyya@yahoo.com‬‬
‫لقد قامت نظريات و تفسيرات عديدة حول كيفية نجاة المسيح عليه السلم‬
‫من الصلب‪ .‬بعض التفسيرات هي للعلماء المسلمين أنفسهم و بعضها لغير‬
‫المسلمين من نصارى و قاديانيين و غيرهم‪ .‬و من عجائب هذا الزمان ترديد‬

‫‪26‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫بعض المسلمين لبعض الراء الدينية لغير المسلمين دون وزنها بميزان‬
‫السلم و دون عرضها على المنطق السليم‪ .‬و من تلك النظريات السقيمة‬
‫ادعاء ميرزا غلم أحمد القادياني – نبي الطائفة القاديانية ‪1839‬م _‪1908‬م ‪-‬‬
‫علق على الصليب لكنه أغمي عليه فتركه‬
‫بأن المسيح عليه السلم كان قد ُ‬
‫اليهود ظنا ً منهم بأنه مات‪ .‬لكنه قام من قبره بعد الغماء و هاجر إلى كشمير‬
‫حيث عاش هناك ما يقرب من تسعين عامًا‪.‬‬
‫و قد ادعى غلم قاديان بأن الله أوحى له بهذا التفسير‪ .‬لكن من الواضح أن‬
‫الغلم كان قد سرق الجزء الول من نظريته – و هو الغماء على الصليب –‬
‫من بعض المفكرين النصارى الذين كانوا قد قالوا بهذه النظرية من قبل‪ .‬و‬
‫قد انتشرت نظرية الغماء تلك في أوروبا خلل القرن التاسع عشر فيما‬
‫عرف بالنقد العصري للكتاب المقدس‪ ،‬و تفيد المصادر الكنسية بأن اللماني‬
‫شلير ماخر في كتابه "حياة يسوع" الذي ُنشر في بداية القرن التاسع عشر‬
‫كان قد أنكر المعجزات وخاصة قيامة يسوع وذكر أنها رجوع إلى الوعي بعد‬
‫إغماء طويل‪ .‬و بالستقراء نؤكد بأن كتاب المدعو شلير ماخر هو من أوحى‬
‫للغلم بالفكرة وليس الله تعالى‪ .‬وقد أيد هذه النظرية أيضا ً في القرن التاسع‬
‫عشر الناقد اللماني "فنتوريني" فربما يكون قد ساهم بدوره في هذا الوحي‪.‬‬
‫و من الذين تأثروا بنظرية الغماء على الصليب الداعية أحمد ديدات –رحمه‬
‫الله ‪-‬و علي الجوهري )مترجم كتب ديدات(‪ .‬أما أحمد ديدات فكان يستخدم‬
‫هذه النظرية في مناظراته و كتبه عن النصرانية‪ .‬و اتضح جليا ً تأثره بالكتابات‬
‫القاديانية و اللهورية و خاصة عندما ساق ما ادعاه من أدلة إنجيلية على‬
‫نظرية الغماء تلك‪ .‬و قد ساق ديدات ثلثين من تلك الستنباطات في كتابه‬
‫"صلب المسيح بين الحقيقة و الفتراء"‪ .‬وقد تطابق ‪ 13‬استنباطا ً منها مع كل‬
‫الستنباطات التي ساقها محمد علي اللهوري – أحد أتباع غلم قاديان – في‬
‫تفسيره الباطني للقرآن الكريم و الذي ينفي فيه معجزات المسيح عليه‬
‫السلم مثل ولدته من غير أب و تكلمه في المهد و إحيائه الموتى بإذن الله‪.‬‬
‫و قد سارع البعض إلى اتهام أحمد ديدات بأنه قادياني أو لهوري خاصة بعد‬
‫أن راجت إشاعات في بلده جنوب إفريقيا بأنه كان يوزع الترجمة الكافرة‬
‫للقرآن الكريم و التي كتبها محمد أسد‪ .‬مما اضطر أحمد ديدات أن يصدر‬
‫توضيحا ً حول هذا المر بتاريخ ‪1987-7-23‬م أكد فيه تكفيره لميرزا غلم‬
‫أحمد القادياني‪ .‬كما و أعلن تكفيره لكل أتباع الغلم من قاديانيين و‬
‫لهوريين‪ .‬و نفى أن يكون قد قام بتوزيع تلك الترجمة المنحرفة للقرآن‬
‫الكريم‪.‬‬
‫و نحن نستغرب من أولئك الذين أصروا على اتهام ديدات – رحمه الله ‪-‬‬
‫بالنتماء للقاديانية مع أنه أصدر إعلن البراءة من تلك التهمة‪ .‬و ل ندافع بهذا‬
‫عن أخطاء ديدات و لكننا نقبل من الناس ظاهرهم و تصريحاتهم كما علمنا‬
‫السلم‪ .‬و نعرض كتاباته و كتابات غيره على كتاب الله و سنة رسوله‪ .‬و‬
‫ً‬
‫للحق فإن الباحث في كتابات ديدات يجد أنه استعمل نظرية الغماء فعل في‬
‫معظم جداله مع النصارى‪ .‬لكنه في كتابه "عيسى إله أم بشر أم أسطورة"‬
‫ص ‪ 138‬يقول‪:‬‬
‫صلب هو شخص آخر يشبهه‪ .‬أما إنجيل برنابا فيؤيد النظرية التي‬
‫))إن الذي ُ‬
‫ً‬
‫تقول أن شخصا آخر قتل محله على الصليب‪ .‬و هذا يتفق مع وجهة نظرنا‬
‫نحن المسلمين‪ .‬فهنا الشبهة التي حصلت بقتلهم شخصا ً آخر يشبهه((‪.‬‬
‫و مع أن ما قاله ل يمثل وجهة نظر جميع المسلمين إل أنه ل يتعارض مع‬
‫القرآن الكريم‪ .‬إذا ً فهذا الكلم ينفي عن ديدات العتقاد بصحة نظرية الغماء‬
‫‪27‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫السخيفة‪ .‬لكنه ل يعفيه من تبني تلك النظرية خلل جداله مع النصارى‪ .‬فل‬
‫يجوز للمسلم أن يحتج بما يخالف القرآن الكريم في جداله مع الكفار‪ .‬خاصة‬
‫و أن كلم ديدات في مناظراته و كتبه يدعم بشدة تلك النظرية الظالمة التي‬
‫ل تأبه بتأكيد القرآن الكريم أن المسيح عليه السلم لم يوضع على الصليب‪.‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫و من الملحظ أن نظرية الغماء تعتمد كليا ً على بعض النصوص النجيلية‬
‫حول قصة صلب المسيح عليه السلم‪ .‬و تضرب تلك النظرية بعرض الحائط‬
‫كل النصوص التي ساقها كتبة الناجيل أنفسهم حول أحداث قيامة المسيح و‬
‫نزوله من السحاب بعد عملية الصلب و غيرها من الروايات التي ل تتفق أبدا ً‬
‫مع فرضية الغماء تلك‪ .‬فكيف يصدق أولئك المقلدون روايات الصلب و‬
‫يكذبون معظم الروايات في أحداث انشقاق حجاب الهيكل والصعود إلى‬
‫السماء و الملئكة التي تدحرج الحجر عن القبر المفترض للمسيح‪..‬إلخ !!؟‪.‬‬
‫يقول إنجيل متى مثل ً واصفا ً اللحظة التي فارق فيها المصلوب الحياة ))وإذا‬
‫حجاب الهيكل قد انشق إلى اثنين من فوق إلى أسفل‪ ،‬والرض تزلزلت‪،‬‬
‫والصخور تشققت‪ ،‬والقبور تفتحت‪ ،‬وقام كثير من أجساد القديسين‬
‫الراقدين‪ ،‬وخرجوا من القبور بعد قيامته‪ ،‬ودخلوا المدينة المقدسة‪ ،‬وظهروا‬
‫لكثيرين ‪ -‬إنجيل متى ‪ .(( 53 - 27/51‬و هذه الحداث ل يعترف بها أصحاب‬
‫نظرية الغماء أبدا ً فلماذا اعترفوا بتفاصيل عملية الصلب نفسها يا ترى ؟!!!‪.‬‬
‫خاصة و أن الناجيل نفسها تدعي هرب تلميذ المسيح قبيل حادثة الصلب‬
‫المزعومة !!‪ .‬يقول إنجيل مرقس بخصوص تلميذ المسيح‪)):‬فتركه الجميع‬
‫وهربوا ‪ -‬مرقس ‪ .(( 14/50‬فإن جاز تصديق التلميذ لمكن تصديقهم في‬
‫أحداث ما بعد الصلب و ليس في أحداث الصلب نفسها‪ .‬لكن أصحاب نظرية‬
‫الغماء يفعلون العكس تمامًا‪ .‬و ل ندري لماذا يلزمنا أصحاب تلك النظرية‬
‫المتداعية أن نصدق تلك القصة التي لم يحضر أي من رواتها الصليين‬
‫الحداث التي جرت فيها‪ .‬بل إن اثنين من رواتها الربعة – و هما مرقس و‬
‫لوقا ‪-‬لم يكونا من تلميذ المسيح عليه السلم أصل ً و لم يروا المسيح أبدا ً‬
‫فكيف تقبل شهادتهم في أمر جلل مثل قصة الصلب المزعومة !!‪ .‬و كيف‬
‫تقبل تفاصيل تلك القصة مع تناقض رواتها فيها و عدم معرفة الوسيلة التي‬
‫حصلوا فيها على تلك التفاصيل كلها رغم غيابهم عن الحادثة ؟!!‪ .‬ناهيك عن‬
‫التناقضات في النسخ الموجودة للنجيل الواحد نفسه‪ .‬يقول أحد المحققين‬
‫النصارى في تاريخ الناجيل ‪ -‬اينوك باول ‪ -‬في كتابه " تطور الناجيل " ‪:‬‬
‫))قصة صلب الرومان للمسيح لم تكن موجودة في النص الصلي للناجيل((‪.‬‬
‫وقد استند في ذلك على إعادته ترجمة نسخة إنجيل متى اليونانية‪ ،‬فتبين له‬
‫أن هناك أجزاء وردت مكررة في هذا النجيل‪ ،‬مما يوحي بأنه أعيدت كتابتها‬
‫في مرحلة تالية‪.‬‬
‫و نحن إذ نلوم النصارى على تبني بعضهم تلك النظرية الغبية فإننا نستهجن‬
‫أيما استهجان أن يتبناها من يعلن إسلمه و إيمانه بكل ما أخبر به القرآن‬
‫الكريم‪ .‬خاصة و أن من النصارى أنفسهم من اضطر إلى العتراف العلني‬
‫بأن النجيل الذي بين أيدينا تعرض إلى التحريف و التبديل‪ .‬و كلم المحقق‬
‫اينوك باول مثال واضح على ما نقول‪ .‬و نضرب على هذا مثال ً آخر و هو ما‬
‫خلص إليه أصحاب كتاب " ‪ "The Holy Blood and The Holy Grail‬حيث قالوا‬
‫مثل ً في صفحة ‪:279‬‬

‫‪28‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫))إن الكتاب المقدس – كما هو عليه اليوم – إن هو إل نتاج لعملية انتقائية و‬
‫تعسفية نوعا ً ما‪ .‬ليس هذا و حسب و إنما خضع إلى شيء من التحرير و‬
‫الحذف و التنقيح((‪.‬‬
‫و ما صلبوه‬
‫و إن كان التناقض هو ظاهر حال أحمد ديدات فيما يتعلق بنظرية الغماء فإن‬
‫موقف مترجم كتبه إلى العربية ‪ -‬علي الجوهري – كان واضحا ً ل غموض فيه‪.‬‬
‫فقد دافع الجوهري بشدة عن نظرية الغماء التي ساقها أحمد ديدات في‬
‫كتابه "صلب المسيح بين الحقيقة و الفتراء" و الذي ترجمه الجوهري بنفسه‬
‫إلى العربية‪ .‬و قد كان الجوهري شديد الحماس لتلك النظرية إلى درجة أنه‬
‫عاب على المسلمين عدم تبنيها !!‪ .‬و يرى الجوهري أن هذه النظرية ل‬
‫تعارض الية الكريمة ))و ما قتلوه و ما صلبوه و لكن شبه لهم – سورة‬
‫النساء ‪ ((157‬و هو بهذا يوافق القاديانيين و اللهوريين في تفسيراتهم‬
‫الباطنية للقرآن الكريم‪ .‬و مما قاله علي الجوهري تأييدا ً لهذا التفسير الشاذ‬
‫ما يلي‪:‬‬
‫صلب(‪ .‬يقال عن‬
‫))جدير بنا أن ندقق في معنى الفعل المبني للمجهول ) ُ‬
‫ُ‬
‫صلب إذا كان مات على الصليب ويقال عن شخص إنه أغرق إذا‬
‫شخص إنه ُ‬
‫كان قد مات إغراقا ً تحت الماء‪ ،‬أما إذا كان حاول بعض الناس إغراق شخص‬
‫تحت سطح الماء بهدف قتله ولم يمت هذا الشخص تحت الماء لي سبب‬
‫فإنهم لم يغرقوه‪ .‬يجوز أن يكونوا قد شرعوا في قتله بإغراقه‪ ،‬ولكنهم في‬
‫حقيقة المر )ما قتلوه وما أغرقوه)‪ ،‬حيث أنه لم يمت تحت سطح الماء من‬
‫ضع‬
‫جراء إغراقهم له‪ ،‬في محاولتهم قتله تحت سطح الماء‪ .‬وهكذا لو وُ ِ‬
‫شخص على الصليب ولم يمت من جراء الصلب ل يجوز أن نقول عنه أنه‬
‫صلب‪ .‬ربما كان هذا شروعا ً في قتله صلبًا‪ ،‬ولكنهم )ما صلبوه(‪ .‬كتاب "هل‬
‫ُ‬
‫مات المسيح على الصليب؟" ترجمة على الجوهري‪ .‬ص ‪.((16‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫قلت‪ :‬إن هذا التفسير يخالف اللغة و المشاهدة‪ .‬فمعلوم أن الغراق و‬
‫الصلب و الرمي بالرصاص و الذبح و الشنق و الصعق كلها أساليب للموت و‬
‫ليست الموت نفسه‪ .‬فلو أنك رميت شخصا ً بالرصاص على رأسه فأصبته و‬
‫لم يمت لما كان لك أن تقول )لم أرمه بالرصاص و لم أقتله( لنك فعليا ً‬
‫رميته بالرصاص و لم تقتله‪ .‬و كذلك لو صعقته بالكهرباء أو أغرقته في الماء‬
‫أو ذبحته و نجى‪ .‬فل يقبل القاضي منك أن تقول لم أغرقه و لم أصعقه و لم‬
‫أذبحه‪ .‬لكنه يقبل منك أن تقول )لم أقتله( و حسب‪.‬‬
‫لذلك نرى الحكام بالعدام )شنقا ً حتى الموت( أو )رميا ً بالرصاص حتى‬
‫الموت( و هكذا لن هذه أساليب للموت و ليست الموت نفسه‪ .‬فكيف‬
‫بالصلب الذي هو و سيلة طويلة شاقة للموت‪.‬‬
‫و ل أدري لماذا يطلب منا علي الجوهري أن ندقق في الفعل المبني‬
‫صلب( مع أنه لم يرد في الية الكريمة إل الفعل الماضي !! و ل‬
‫للمجهول ) ُ‬
‫أدري كيف يدعي أن الغراق هو القتل مع أننا نسمع عن إغراق السفن و‬
‫القوارب‪ .‬فهل للسفن أرواح كما للبشر؟ فالمعلوم أن الغراق هو النزال‬
‫قسرا ً تحت الماء‪ .‬فإغراق السفن و الركاب يكون بإنزالهم قسرا ً تحت الماء‬
‫و ل بد‪ .‬و قد ينتشل المنقذون تلك السفن فتجري في البحر مرة أخرى‪ .‬و قد‬
‫ينقذ الناس أولئك الركاب بعد أن أغرقوا فينجون‪ .‬و قد ظهر تناقض الجوهري‬

‫‪29‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫جليا ً حين قال ))يجوز أن يكونوا قد شرعوا في قتله بإغراقه‪ ((..‬فهو في‬
‫جملته هذه يستعمل الغراق كوسيلة للقتل فقط ل تعني الموت أو القتل‬
‫نفسه‪ .‬و لو كان يعني بالغراق القتل نفسه لجاز لنا أن نسوق جملة‬
‫الجوهري تلك بقولنا ))يجوز أن يكونوا شرعوا في قتله بقتله(( و هذا كلم‬
‫سخيف ل يقوله عاقل‪ .‬و المر نفسه ينطبق على جملة الجوهري التالية‬
‫))حيث أنه لم يمت تحت سطح الماء من جراء إغراقهم له((‪ .‬فإن كان‬
‫الغراق يعني القتل حقا ً فهل لنا أن نصوغ الجملة بقولنا ))حيث أنه لم يمت‬
‫تحت سطح الماء من جراء قتلهم له((؟!!‬
‫ً‬
‫و من الطريف أنني شاهدت فيلما و ثائقيا عن عمليات جراحة العصاب‪.‬‬
‫حيث قام الجراح بفصل رأس قرد عن جسده و تركيب رأس قرد آخر مكانه‪.‬‬
‫و عاش القرد بعدها فترة من الزمن‪ .‬فهل يجوز للجراح أن يقول و قتها )لم‬
‫أقطع رأسه و لم أقتله( لمجرد نجاة القرد من الموت؟ فتأمل‪.‬‬
‫و المثلة اللغوية على أن الصلب وسيلة للموت و ليس هو الموت نفسه‬
‫كثيرة‪ .‬و نكتفي هنا بكلم أفصح العرب رسول الله صلى الله عليه و سلم‪.‬‬
‫ففي صحيح مسلم حديث عن رسول الله صلى الله عليه و سلم يحكي فيه‬
‫قصة أصحاب الخدود‪ .‬و فيها أن الملك صلب الغلم ثم قام بقتله بعد ذلك‪ .‬و‬
‫هو ما يدل على أن الصلب وسيلة للموت و ليس هو الموت نفسه‪ .‬و هذا‬
‫جزء من الحديث كما ورد في صحيح مسلم‪:‬‬
‫))‪ ..‬فقال للملك‪ :‬إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به‪ .‬قال وما هو؟‬
‫قال‪ :‬تجمع الناس في صعيد واحد وتصلبني على جذع ثم خذ سهما من كنانتي‬
‫ثم ضع السهم في كبد القوس ثم قل باسم الله رب الغلم ثم ارمني فإنك‬
‫إذا فعلت ذلك قتلتني‪ .‬فجمع الناس في صعيد واحد وصلبه على جذع ثم أخذ‬
‫سهما من كنانته ثم وضع السهم في كبد القوس ثم قال‪ :‬باسم الله رب‬
‫الغلم‪ .‬ثم رماه فوقع السهم في صدغه فوضع يده في صدغه في موضع‬
‫السهم فمات‪ .‬فقال الناس‪ :‬آمنا برب الغلم آمنا برب الغلم آمنا برب‬
‫الغلم ‪.((..‬‬
‫و ما دام الصلب أسلوب للموت و ليس هو الموت نفسه فإن نفي الله تعالى‬
‫لوقوع عملية الصلب هو نفي لوقوع أسلوب الموت و ل بد‪ .‬فهم لم يرفعوا‬
‫المسيح عليه السلم على الصليب قط‪.‬‬
‫و الناجيل نفسها التي يحتج بها أصحاب نظرية الغماء تتعامل مع الفعل‬
‫ب" بمعنى التعليق على الصليب بغض النظر عن تحقق الموت من‬
‫"صل َ َ‬
‫عدمه‪ .‬و إليك ما تقوله الناجيل الربعة‪:‬‬
‫)‪ (1‬يقول إنجيل يوحنا‪:‬‬
‫))ثم ان العسكر لما كانوا قد صلبوا يسوع اخذوا ثيابه وجعلوها اربعة اقسام‬
‫لكل عسكري قسما – إنجيل يوحنا ‪ (( 19/23‬ثم يقول بعد ذلك بقليل ‪:‬‬
‫))فلما رأى يسوع امه والتلميذ الذي كان يحبه واقفا قال لمه يا امرأة هوذا‬
‫ابنك ‪ -‬إنجيل يوحنا ‪ .((19/26‬ثم يقول بعد ذلك )) فلما اخذ يسوع الخل قال‬
‫قد اكمل ‪.‬ونكس راسه واسلم الروح ‪ -‬إنجيل يوحنا ‪ .((19/30‬فجملة )صلبوا‬
‫ن لحد بأنه قد فارق الحياة‪.‬‬
‫يسوع( لم تع ِ‬
‫)‪ (2‬يقول إنجيل متى‪:‬‬
‫))ولما صلبوه اقتسموا ثيابه مقترعين عليها – إنجيل متى ‪ .((27/35‬و بعد‬
‫عدة أحداث قال متى ))فصرخ يسوع ايضا بصوت عظيم واسلم الروح ‪-‬‬
‫ن لحد بأنه قد فارق الحياة‪.‬‬
‫إنجيل متى ‪ .((27/50‬فجملة )صلبوه( لم تع ِ‬
‫)‪ (3‬يقول إنجيل مرقس‪:‬‬
‫‪30‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫))ولما صلبوه اقتسموا ثيابه مقترعين عليها ماذا يأخذ كل واحد – إنجيل‬
‫مرقس ‪ .((15/24‬و بعد ذلك بقليل يقول مرقس ))فركض واحد ومل‬
‫اسفنجة خل وجعلها على قصبة وسقاه قائل اتركوا ‪.‬لنر هل يأتي ايليا لينزله‪.‬‬
‫فصرخ يسوع بصوت عظيم واسلم الروح ‪ -‬إنجيل مرقس ‪.(( 37-15/36‬‬
‫ن لحد بأنه قد فارق الحياة‪.‬‬
‫فجملة )صلبوه( لم تع ِ‬
‫)‪ (4‬يقول إنجيل لوقا‪:‬‬
‫)‪(3 /‬‬
‫))ولما مضوا به الى الموضع الذي يدعى جمجمة صلبوه هناك مع المذنبين‬
‫واحدا عن يمينه والخر عن يساره ‪ –.‬إنجيل لوقا ‪ .((23/33‬و بعد ذلك بقليل‬
‫يقول لوقا ))واظلمت الشمس وانشقّ حجاب الهيكل من وسطه ‪ .‬ونادى‬
‫يسوع بصوت عظيم وقال يا ابتاه في يديك استودع روحي ‪.‬ولما قال هذا‬
‫ن لحد بأنه قد‬
‫اسلم الروح ‪ -‬إنجيل لوقا ‪ .((46-23/45‬فجملة )صلبوه( لم تع ِ‬
‫فارق الحياة‪.‬‬
‫أما من تبنوا نظرية الغماء ‪ -‬ممن يدعون اليمان بالقرآن الكريم ‪ -‬ففهموا‬
‫من الناجيل كلها أن جملة "صلبوه" تعني "علقوه على الصليب"‪ .‬لكنهم‬
‫فهموا من نفس الجملة "صلبوه" في القرآن أنها تعني "قتلوه"‪ .‬و نحن نفهم‬
‫قبول القاديانيين و اللهوريين لهذه الباطنية و التناقض فدينهم دين الطاغوت‬
‫المتناقض المليء بالسخافات‪ .‬لكننا نعجب ممن يدين عبيد غلم قاديان لكنه‬
‫يقلدهم فيما اقترفوه من تفسير أعوج لهذه الية الكريمة‪.‬‬
‫ب" في القرآن فلم يأت إل بمعنى "علق على الصليب"‪ ،‬لكن‬
‫صل َ َ‬
‫أما الفعل " َ‬
‫السياق في اليات أفاد بأن المفعول به قد مات أو أنه يجب أن يموت‪ ،‬و أنا‬
‫أورد هنا اليات الخرى التي ورد فيها الفعل صلب‪:‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫قت ّلوا‬
‫ن يُ َ‬
‫جَزاُء ال ّ ِ‬
‫ساًدا أ ْ‬
‫سعَوْ َ‬
‫حارُِبو َ‬
‫ن يُ َ‬
‫ما َ‬
‫ض فَ َ‬
‫ه وَي َ ْ‬
‫ه وََر ُ‬
‫سول َ ُ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫))إ ِن ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫ن ِفي الْر َِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫م‬
‫ف أوْ ي ُن ْ َ‬
‫صلُبوا أوْ ت ُ َ‬
‫ن ِ‬
‫وا ِ‬
‫م ِ‬
‫قطعَ أي ْ ِ‬
‫خل ٍ‬
‫م وَأْر ُ‬
‫ض ذ َل ِك لهُ ْ‬
‫جلهُ ْ‬
‫ديهِ ْ‬
‫أوْ ي ُ َ‬
‫م َ‬
‫ف ْ‬
‫م ْ‬
‫ن الْر ِ‬
‫خَرةِ عَ َ‬
‫م(( المائدة ‪33‬‬
‫م ِفي اْل ِ‬
‫ِ‬
‫ب عَ ِ‬
‫ذا ٌ‬
‫ظي ٌ‬
‫خْزيٌ ِفي الد ّن َْيا وَل َهُ ْ‬
‫الية فيها تخيير للحاكم المسلم بإقامة إحدى العقوبات المذكورة حسب حال‬
‫المحارب‪ .‬و الراجح أن الصلب يكون إذا جمع الشخص جريمة القتل إضافة‬
‫إلى جريمة الحرابة‪ ،‬و الصلب يكون بعد القتل حتى ل يحال بين المصلوب و‬
‫بين الصلة‪ .‬و الله أعلم‪.‬‬
‫و قد اختلف العلماء في صلب المحارب‪ ،‬فمنهم من رأى القتل ثم الصلب‪ ،‬و‬
‫منهم من رأى الصلب ثم القتل‪ ،‬و قال بعض أهل الظاهر أن الصلب هنا يكون‬
‫بدون قتل‪ ،‬و نفوا أن يكون الصلب هو القتل لن المصلوب برأيهم يموت‬
‫حتف أنفه‪ ،‬و ل يجوز إنزاله عن الصليب حيا ً لن الله لم يذكر مدة محددة‬
‫للصلب ))و ما كان ربك نسيًا((‪ ،‬لكن الواجب دفن الميت في النهاية عمل ً‬
‫بالوامر الخرى الواردة في هذا الشأن‪.‬‬
‫و قد روي عن الشافعي أنه أفتى بصلب المحارب لثلثة أيام بعد قتله ليكون‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ب َوقت ِ َ‬
‫ل عََلى‬
‫صل َ‬
‫عبرة لغيره‪ .‬وَقال أبو يوسف ‪ِ :‬إذا أخذ المال وقتل ُ‬
‫َ‬
‫ل قُت ِ َ‬
‫اْلخشَبة ; َقال الّليث ‪ :‬يقتل ِباْلحربة مصلوبا ‪ .‬وَقال أبو حنيفة ‪ :‬إ َِذا قَت َ َ‬
‫ل‪،‬‬
‫وِإذا َأخذ اْلمال وَلم َيقتل قُط َِعت َيده ورجله من خلف‪ ،‬وِإذا َأخذ المال وقََتل‬
‫َفالسل َ‬
‫ن َ‬
‫شاَء َلم يقطع وقَت ََله‬
‫طان مخّير فيه ‪ِ ،‬إن شاء قَط َعَ يده وَِرجله وَإ ِ ْ‬
‫ه‪ .‬و روي هذا أيضا ً عن ابن عباس رضي الله عنه‪ .‬و قال المام الطبري‬
‫َوصل َب َ ُ‬
‫رحمه الله بأنه ليس للحاكم أن يصلب المحارب حيا ً و يتركه على الخشبة‬

‫‪31‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫مصلوبا ً حتى يموت من غير قتله‪ ،‬و ادعى الطبري الجماع على هذا بينما‬
‫الحقيقة أن هذا هو رأي الجمهور‪.‬‬
‫فجمهور العلماء لم يقولوا بترك المحارب ليموت على الصليب بل الحاكم‬
‫مخيربقتله ثم تعليقه على الخشبة أو قتله بدون تعليقه‪ .‬و هذا هو الولى و‬
‫الله أعلم‪ .‬و ل ينبغي تعليق الشخص على الصليب لفترة ثم إنزاله حيا ً لن‬
‫الصلب و سيلة للقتل‪ ،‬فما دامت مذكورة للعقاب فل ينبغي صرف الوسيلة‬
‫إلى التعذيب فقط‪ ،‬خاصة و أن المصلوب ستفوته الصلوات إن بقي حيا ً على‬
‫َ‬
‫َ‬
‫صّلى الّله‬
‫ن يُ ْ‬
‫الصليب‪ .‬قال الشافعي )أكَره أ ْ‬
‫ي َر ُ‬
‫قتل َ‬
‫سول الّله َ‬
‫مصُلوبا ل َِنه ِ‬
‫مثَلة(‪ .‬و من ناحية أخرى فإن الصلب يلجأ إليه إن جمع‬
‫عََليه و َ‬
‫سّلم عن ال ْ ُ‬
‫المحارب بين جريمتي القتل و الحرابة‪ ،‬فل يجوز إسقاط حد القتل عن‬
‫المحارب القاتل‪ ،‬فيجب قتله قبل أو بعد صلبه‪.‬‬
‫و من العلماء من قال بأنه ل يجوز الجمع بين عقوبتين للحرابة في وقت واحد‬
‫لن الية تعطي الخيار للحاكم باختيار عقوبة واحدة فقط‪ ،‬و هذا القول‬
‫صحيح‪ ،‬لكن الناظر إلى تطبيقات الفقهاء ل يراهم يجمعون أكثر من عقوبة‬
‫للحرابة بل هم يجمعون بين عقوبة واحدة للحرابة و عقوبات أخرى للجرائم‬
‫التي قد يكون المحارب قد اقترفها‪ .‬فإن جمع المحارب بين جريمتي الحرابة‬
‫و القتل جاز لنا قتله حدا ً لجريمة القتل ثم صلبه حدا ً لجريمة الحرابة‪ .‬أما قتله‬
‫على الصليب فجائز و الله أعلم إن كان بطريقة تنفيذ قصاص القتل‪ ،‬أما‬
‫طعنه بالحربة أو ما شابه ذلك فل ينبغي لننا مأمورون بالحسان في كل‬
‫شيء‪.‬‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ب فَت َأك ُ ُ‬
‫ل‬
‫ما ال َ‬
‫ه َ‬
‫صا ِ‬
‫س ِ‬
‫صل ُ‬
‫ما أ َ‬
‫س ْ‬
‫ما فَي َ ْ‬
‫ي ال ّ‬
‫مًرا وَأ ّ‬
‫خ ْ‬
‫قي َرب ّ ُ‬
‫حد ُك ُ َ‬
‫نأ ّ‬
‫خُر فَي ُ ْ‬
‫))َيا َ‬
‫حب َ ِ‬
‫ج ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ذي ِفيهِ تستفتيان(( – سورة يوسف ‪41‬‬
‫مُر ال ِ‬
‫سهِ قُ ِ‬
‫ن َرأ ِ‬
‫الط ّي ُْر ِ‬
‫ي ال ْ‬
‫ض َ‬
‫م ْ‬
‫واضح من الية أن الرجل الذي سوف يصلب لن ينزل عن الصليب حيًا‪،‬‬
‫فالطير ل تأكل من رأس الحي على الصليب بل تجرؤ على ذلك بعد موته و‬
‫تحلل جسده‬
‫)‪(4 /‬‬
‫و لو قال )و أما الخر فيلقى في البحر فتأكل السماك من رأسه( لفهمنا‬
‫أيضا ً أنه سيقتل‪ ،‬مع أن اللقاء في البحر ل يعني الموت بالضرورة‪.‬‬
‫ل آمنتم ل َه قَب َ َ‬
‫ُ‬
‫ن‬
‫م ال ّ ِ‬
‫س ْ‬
‫ن آذ َ َ‬
‫لأ ْ‬
‫))َقا َ َ ْ ُ ْ ُ ْ‬
‫م ال ّ‬
‫مك ُ ُ‬
‫ذي عَل ّ َ‬
‫ه ل َك َِبيُرك ُ ُ‬
‫م إ ِن ّ ُ‬
‫ن ل َك ُ ْ‬
‫حَر فََلقَط ّعَ ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ن أي َّنا أ َ‬
‫ج ُ‬
‫ذوِع الن ّ ْ‬
‫ن ِ‬
‫م ِ‬
‫شد ّ‬
‫م ِفي ُ‬
‫خَل ٍ‬
‫م وَأْر ُ‬
‫ل وَل َت َعْل َ ُ‬
‫صل ّب َن ّك ُ ْ‬
‫جل َك ُ ْ‬
‫أي ْدِي َك ُ ْ‬
‫ف وََل َ‬
‫م ّ‬
‫خ ِ‬
‫م ْ‬
‫عَ َ‬
‫قى (( – سورة طه ‪71‬‬
‫ذاًبا وَأ َب ْ َ‬
‫هدد فرعون السحرة الذين أسلموا بتقطيع العضاء من خلف و من ثم‬
‫تعليقهم على الصلبان ليتعفنوا هناك‪ ،‬و ذلك ظاهر من تهديده بالعذاب الشديد‬
‫الباقي‪ ،‬فل يتصور أنه كان ينوي إنزالهم عن الصليب أحياء و ينجوا بفعلتهم‪.‬‬
‫و لو قال لهم فرعون )و لدَقن أجسادكم في جذوع النخل و لتعلمن أينا أشد‬
‫عذابا ً و أبقى( لفهمنا أيضا ً أنه لن ينزلهم أحياء بعد تعليقهم‪ ،‬و إل لما كان‬
‫ن أجسادكم في الصحراء ‪ (..‬فإننا‬
‫تهديده شديدًا‪ .‬و كذلك لو قال لهم )و للقي ّ‬
‫سنفهم من تهديده أنه سيتركهم هناك ليموتوا حرا ً و جوعا ً و عطشًا‪ ،‬و هكذا‪.‬‬
‫ب" في القرآن لم يأت بمعنى قتل‪ ،‬و لكن السياق أفاد بموت‬
‫صل َ َ‬
‫إذا ً فالفعل " َ‬
‫الضحية‪ ،‬و أنا أريد أن أقارن بين الفعل "صلب" و الفعل "جلد" حيث ألفت‬
‫انتباه القاريء الكريم إلى اليتين التاليتين‪:‬‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫م ي َأُتوا ب ِأْرب َعَةِ ُ‬
‫داء‬
‫صَنا ِ‬
‫)‪ (1‬قال تعالى ))َوال ّ ِ‬
‫شهَ َ‬
‫م ْ‬
‫مو َ‬
‫مل ْ‬
‫تث ّ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫ن ي َْر ُ‬
‫ح َ‬
‫ذي َ‬
‫‪32‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫جل ْد َة ً – سورة النور‪ ((4 :‬لنتف ّ‬
‫كر قليل ً في هذه العقوبة‬
‫ن َ‬
‫جل ِ ُ‬
‫َفا ْ‬
‫م ثَ َ‬
‫دوهُ ْ‬
‫ماِني َ‬
‫"الجلد"‪.‬‬
‫الجلد هو وسيلة للعقاب الهدف منها التعذيب أو اليلم‪ .‬و لو قام أحدهم بجلد‬
‫جِلد‪ .‬لكن‬
‫شخص ما لكنه لم يؤلمه لما استطعنا أن ننفي ان الشخص قد ُ‬
‫سياق الية يبّين الغاية من جلد الذين يقذفون المحصنات و هو التعذيب و‬
‫ن الجلد في العادة وسيلة للتعذيب‪.‬‬
‫اليلم حيث أ ّ‬
‫لذلك ل يجوز للمسلمين مثل ً أن يقوموا بتخدير القاذف قبل جلده و معالجة‬
‫جروحه قبل أن يصحو من التخدير‪ .‬و لو فعلوا فجلدوه و هو تحت البنج أو‬
‫در لما استطاع شخص أن ينفي أنهم قد جلدوه بالفعل‪ .‬لكن سياق الية‬
‫المخ ّ‬
‫يذكر وسيلة للتعذيب فل يجوز استخدامها هنا بدون التعذيب بل قرينة‪.‬‬
‫ن ِفي‬
‫جَزاء ال ّ ِ‬
‫سعَوْ َ‬
‫حارُِبو َ‬
‫ن يُ َ‬
‫ما َ‬
‫ه وَي َ ْ‬
‫ه وََر ُ‬
‫سول َ ُ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫)‪ (2‬و قال تعالى ))إ ِن ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫فوْا ْ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ف أوْ ُين َ‬
‫صلُبوا أوْ ت ُ َ‬
‫ساًدا َأن ي ُ َ‬
‫ن ِ‬
‫قطعَ أي ْ ِ‬
‫خل ٍ‬
‫م وَأْر ُ‬
‫ض فَ َ‬
‫جلُهم ّ‬
‫ديهِ ْ‬
‫قت ُّلوا أوْ ي ُ َ‬
‫م ْ‬
‫الْر ِ‬
‫َ‬
‫ض – سورة المائدة ‪ .((34 :‬لنتفكر قليل ً في هذه العقوبات‬
‫ِ‬
‫م َ‬
‫ن الْر ِ‬
‫"التصليب" و "تقطيع اليدي و الرجل"‪.‬‬
‫التصليب في الية هو وسيلة للعقاب الهدف منها هو القتل في النهاية‪ .‬و لو‬
‫قام أحدهم بدق جسد شخص على الصليب لكنه لم يقتله لما استطعنا أن‬
‫صّلب‪ .‬لكن سياق الية يبين الغاية من تصليب‬
‫ننفي أن الشخص قد ُ‬
‫المحاربين لله و رسوله و هو القتل بعد الصلب أو الصلب بعد القتل‪ ،‬حيث أن‬
‫التصليب في العادة هو وسيلة للقتل أو التشهير و الهانة ليعتبر الخرون‪.‬‬
‫و كذلك الحال بالنسبة لتقطيع الطراف من خلف فهي وسيلة للتعذيب‬
‫الشديد و إلحاق عاهة بالمعا َقب‪ .‬و لو قام أحدهم بتخدير شخص و تقطيع‬
‫م إعادتها عن طريق عملية جراحية لما استطعنا أن‬
‫يديه و رجليه من خلف ث ّ‬
‫ننفي أن الشخص قد ق ّ‬
‫طعت أطرافه من خلف‪ .‬لكن سياق الية يبين الغاية‬
‫من تقطيع الطراف و هو التعذيب حيث أن تقطيع الطراف من خلف هو‬
‫في العادة وسيلة للتعذيب‪.‬‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ه( يدرك أن الية تنفي أمرين اثنين‬
‫صلُبو ُ‬
‫ما قَت َلوه ُ وَ َ‬
‫و الناظر إلى الية ) وَ َ‬
‫ما َ‬
‫عن المسيح عليه السلم هما القتل و الصلب و ليس "القتل و القتل"‬
‫ب" يعني "عّلق على الصليب"‪ ،‬و هذا المعنى اتفق عليه‬
‫صل َ َ‬
‫إذا ً فالفعل " َ‬
‫علماء اللغة و الفقهاء في القديم و الحديث‪ ،‬و لم يخالفه إل الهندي ميرزا‬
‫َ‬
‫ب"‬
‫ل‬
‫ص َ‬
‫غلم أحمد القادياني و من قلده من بعده‪ .‬و أنا أورد هنا معنى الفعل " َ‬
‫في بعض المعاجم و القواميس العربية القديمة و الحديثة‪:‬‬
‫‪ .1‬المحيط )تأليف أديب اللجمي‪-‬شحادة الخوري ‪-‬البشير بن سلمة‪-‬عبد‬
‫اللطيف عب‪ -‬نبيلة الرزاز (‬
‫حّر‪.‬‬
‫صل ًْبا‪ِ -:‬‬
‫ت وطالت؛ صلبته الشمس‪ /‬صلبه ال َ‬
‫ت ال ُ‬
‫صل ُ ُ‬
‫صل َ َ‬
‫مى‪ :‬اشتد ّ ْ‬
‫ح ّ‬
‫ب َ‬
‫ب يَ ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫الجان‬
‫‬‫دسمه‪.‬‬
‫واستخرج‬
‫ه‬
‫شوا‬
‫م‪:‬‬
‫لح‬
‫ال‬
‫‬‫ي‪ :‬عّلقه ممدود َ اليدين مشدود َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫جلين‪.‬‬
‫الّر ْ‬
‫‪ .2‬الوسيط )مجمع اللغة العربية بجمهورية مصر العربية(‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ب‪.‬‬
‫صل ٌ‬
‫صل ُ ْ‬
‫صل ُ ُ‬
‫صل ِ ْ‬
‫صل ِ ُ‬
‫صل َ َ‬
‫صل َب ْ ُ‬
‫ب(‪ ،‬مص‪َ .‬‬
‫ب‪ ،‬ا ُ ْ‬
‫ب )أ ْ‬
‫ب‪ ،‬ا ِ ْ‬
‫ت‪ ،‬أ ْ‬
‫ب ‪] -‬ص ل ب( ‪َ .‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫جل َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫ي‬
‫ت‬
‫د‬
‫دو‬
‫ش‬
‫م‬
‫ه‬
‫ي‬
‫ر‬
‫و‬
‫ن‬
‫ي‬
‫ت‬
‫د‬
‫دو‬
‫م‬
‫م‬
‫ه‬
‫ي‬
‫د‬
‫ي‬
‫ق‬
‫ث‬
‫و‬
‫أ‬
‫ي‬
‫أ‬
‫ه‪،‬‬
‫د‬
‫ش‬
‫ح"‪:‬‬
‫و‬
‫ل‬
‫لى‬
‫ع‬
‫ه‬
‫ب‬
‫ل‬
‫ص‬
‫"‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ْ ْ‬
‫ِ َ ِ‬
‫ِ‬
‫ْ ٍ‬
‫ي بن أحمد بن حبقة‬
‫‪ .3‬لسان العرب )لبن منظور محمد بن ُ‬
‫مكّرم بن عل ّ‬
‫النصاري الفريقي(‬
‫صلب‪ :‬جعله مصلوبا ً‬
‫المصلوب ‪ :‬المعّلق على الصليب‬
‫و لكن شبه لهم‬
‫‪33‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫)‪(5 /‬‬
‫أما قوله تعالى )و لكن شبه لهم( فوردت فيه عدة تفسيرات‪ .‬و أستشهد هنا‬
‫بأحد التفسيرات المهمة لهذه الية الكريمة و هو ما أورده ابن حزم في كتابه‬
‫)الفصل في الملل و الهواء و النحل( حيث يقول رحمه الله ‪)) :‬إنما عنى‬
‫ساق الذين دبروا هذا الباطل وتواطئوا عليه أنهم‬
‫بذلك تعالى أن أولئك الف ّ‬
‫ّ‬
‫كذبة‪ ،‬وهم شّبهوا على من قلدهم وكذبوا عليهم‪ .‬فأخبروهم أنهم صلبوه و‬
‫قتلوه و هم كاذبون في ذلك‪ .‬عالمون أنهم كذبة‪ - .‬الفصل‪ .‬الجزء الول ص‬
‫‪.((76‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ثم يضرب ابن حزم مثال بحادثة حصلت معه شخصيا‪ .‬حيث حضر هو و جمع‬
‫غفير من الناس دفن المؤيد هشام بن الحكم المستنصر‪ .‬فرأى هو و غيره‬
‫شخصا ً مكفنا ً في نعش‪ .‬و صلى عليه ابن حزم مع اللف من الناس‪ .‬لكن‬
‫المؤيد ظهر بعد حوالي سبعة شهور حيا ً و بايعه الناس بعد ذلك على الخلفة‪.‬‬
‫و يضيف ابن حزم في شرح جملة ))شبه لهم(( قائ ً‬
‫ل‪)) :‬إنما هو إخبار عن‬
‫الذين يقولون بتقليد أسلفهم من النصارى و اليهود‪ :‬أنه عليه السلم قتل و‬
‫صلب‪ .‬فهؤلء شبه لهم القول‪ .‬أي أدخلوا في شبهة منه‪ .‬و كان المشبهون‬
‫لهم شيوخ السوء في ذلك الوقت و شَرطهم المدعون لهم أنهم قتلوه و‬
‫صلبوه و هم يعلمون أنه لم يكن ذلك‪ .‬و إنما أخذوا من أمكنهم فقتلوه و‬
‫صلبوه في استتار و منع من حضور الناس‪ .‬ثم أنزلوه و دفنوه تمويها ً على‬
‫العامة الذين شبه لهم الخبر‪ -‬الفصل‪ .‬الجزء الول ص ‪.((77‬‬
‫و هناك تفسيرات عديدة لمسألة التشبيه على الناس في مسألة الصلب‪ .‬و‬
‫نلخص التفسيرات التي تستحق الدراسة و ل تعارض القرآن الكريم بما يلي‪:‬‬
‫)‪ (1‬لم يصلب اليهود أحدا ً لكنهم ادعو ذلك ليشبهوا على من قلدهم و يكذبوا‬
‫عليهم بعد أن نجى الله المسيح عليه السلم من مكرهم‪.‬‬
‫و يقوي هذا الحتمال ما نقله إنجيل يوحنا بأن يسوع تحدى اليهود بأنهم‬
‫سيطلبونه ول يجدونه ))فقال لهم يسوع انا معكم زمانا يسيرا بعد ثم امضي‬
‫الى الذي ارسلني ‪.‬ستطلبونني ول تجدونني وحيث اكون انا ل تقدرون انتم‬
‫ان تأتوا ‪ -‬يوحنا ‪.(( 35-7/34‬‬
‫و نتساءل الن‪ :‬ماذا لو عرف اليهود بأنه عليه السلم قد مات و دفن أو‬
‫اختفت جثته قبل أن يقبضوا عليه؟‬
‫ل بد بأنهم سيتبجحون بأنهم هم الذين قتلوه بل بأنهم قد صلبوه ليلعنوه‪.‬‬
‫)‪ (2‬صلب اليهود واحدا من الناس و ادعوا أنه هو المسيح بن مريم عليه‬
‫السلم ليشبهوا المر على الناس بعد أن نجى الله نبيه عليه السلم‪ .‬و هذا‬
‫التفسير هو ما ذهب إليه ابن حزم و غيره‪.‬‬
‫و ذهب قريبا ً من هذا الستنتاج النصراني ملمن في كتابه " تاريخ الديانة‬
‫النصرانية " حيث يقول ‪ )) :‬إن تنفيذ الحكم كان وقت الغلس‪ ،‬وإسدال ثوب‬
‫الظلم‪ ،‬فيستنتج من ذلك إمكان استبدال المسيح بأحد المجرمين الذين كانوا‬
‫في سجون القدس منتظرين تنفيذ حكم القتل عليهم كما اعتقد بعض‬
‫الطوائف‪ ،‬وصدقهم القرآن ((‪.‬‬
‫)‪ (3‬صلب اليهود أحد تلميذ المسيح عليه السلم الذين افتدوا نبيهم بأنفسهم‪.‬‬
‫فادعى التلميذ بأنه هو المسيح عليه السلم عندما طلبه الجنود‪ .‬فشبه المر‬
‫لليهود بأن ظنوا أنهم صلبوا المسيح عليه السلم و قتلوه‪ .‬و ذهب إلى هذا‬
‫التفسير الصحابي عبد الله بن عباس رضي الله عنه‪ .‬و اختاره بعض‬
‫المفسرين أمثال ابن كثير و غيره‪ .‬و يقوي هذا التفسير ما أوردته الناجيل‬

‫‪34‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫نفسها عن الذين جاءوا للقبض على المسيح عليه السلم‪ .‬حيث كان من‬
‫الواضح أنهم لم يكونوا على علم بشكله فقد احتاجوا لعلمة من يهوذا الذي‬
‫أسلمه ليعلموا من هو الشخص المطلوب‪ .‬و العلمة هي أن يقّبل يهوذا‬
‫اليسوع‪ .‬يقول إنجيل مرقس مث ً‬
‫ل‪)) :‬وكان مسلمه قد اعطاهم علمة قائل‬
‫الذي اقّبله هو هو‪ .‬أمسكوه وامضوا به بحرص‪ .‬فجاء للوقت وتقدم اليه قائل‬
‫يا سيدي يا سيدي ‪.‬وقّبله ‪ .‬فألقوا ايديهم عليه وامسكوه ‪ -‬إنجيل مرقس‬
‫‪ .((46-45-14/44‬أما إنجيل يوحنا فيوضح بجلء أن الشخص المقبوض عليه‬
‫هو من ادعى أنه المسيح عليه السلم حيث لم يعلم الجنود و ل خدام اليهود‬
‫شكله‪ .‬يقول يوحنا‪)) :‬فأخذ يهوذا الجند وخداما من عند رؤساء الكهنة‬
‫والفريسيين وجاء الى هناك بمشاعل ومصابيح وسلح ‪ .‬فخرج يسوع وهو‬
‫عالم بكل ما يأتي عليه وقال لهم من تطلبون ‪ .‬اجابوه يسوع الناصري ‪.‬قال‬
‫لهم يسوع انا هو ‪.‬وكان يهوذا مسلمه ايضا واقفا معهم ‪ -‬إنجيل يوحنا –‬
‫‪((5-4-18/3‬‬
‫قال بعض المفسرين بأن المصلوب هو جرجس و قال آخرون بأنه شمعون‪ .‬و‬
‫قال البعض بأن الله جعل اليهود يرونه على هيئة المسيح عليه السلم‪ .‬و يؤيد‬
‫هذه القصة ما ورد في إنجيل توما‪ .‬و النسخ المكتشفة من إنجيل توما تعود‬
‫إلى حوالي العام ‪150‬م كما قدر بعض خبراء المخطوطات‪ .‬و يرجع المحقق‬
‫كويستر هذا النجيل إلى منتصف القرن الول الميلدي‪ ،‬وأرجعه المحقق‬
‫ضح بأن بديل ً عن‬
‫كيسيبل إلى العام ‪140‬م‪ .‬و يذكر إنجيل توما بعد أن و ّ‬
‫صلب ‪ -‬و الكلم على لسان سيدنا عيسى عليه‬
‫المسيح عليه السلم هو من ُ‬
‫السلم كما يرويه توما‪:‬‬
‫)‪(6 /‬‬
‫))لم أخضع لهم كما أرادوا ‪ .‬و أنا لم أمت في الواقع بل في الظاهر لكيل‬
‫يلحقوا بي العار‪ .‬لن موتي الذي ظنوا أنهم أوقعوه بي إنما أوقعوه بأنفسهم‬
‫في خطئهم و العمى‪ .‬إذ مسمروا رجلهم على موتهم ‪ .‬لقد كان شخصا ً آخر‬
‫الذي شرب المر و الخل‪ .‬لم يكن إياي‪ .‬ضربوني بالقصب ! لقد كان شخصا ً‬
‫آخر هو شمعون‪ .‬الذي حمل الصليب على كتفه‪ .‬لقد كان شخصا ً آخرالذي‬
‫وضعوا على رأسه التاج و الشوك‪ .‬و أنا كنت أضحك من جهلهم – كتاب ‪The‬‬
‫‪.((Holy Blood and The Holy Grail‬‬
‫)‪ (4‬صلب اليهود أحد الذين وشوا بالمسيح عليه السلم بعد أن جعل اليهود‬
‫يرونه على صورة المسيح عليه السلم‪ .‬فظنه اليهود بأنه هو المسيح عليه‬
‫السلم فصلبوه و قتلوه‪ .‬فشبه المر لليهود بأن ظنوا أنهم صلبوا المسيح‬
‫عليه السلم و قتلوه‪ .‬و يؤيد هذه القصة ما ورد في إنجيل برنابا‪ .‬فقد ادعى‬
‫إنجيل برنابا أن الله ألقى شبه عيسى على يهوذا وأنه ُرفع إلى السماء‪ .‬و قد‬
‫مهد لدعواه باعلن أن المسيح عليه السلم سوف يحيا إلى نحو منتهى العالم‬
‫‪ ،‬وأن جبريل قد أخبره بخيانة يهوذا‪ .‬ثم أعلن يسوع أن الله سيصعده من‬
‫الرض وسيغير منظر الخائن )يهوذا( حتى يظنه كل أحد أنه يسوع )برنابا‬
‫‪ .(15: 112‬ثم يؤكد إنجيل برنابا القول بأن المسيح عليه السلم لم يوضع‬
‫على الصليب أبدا ً ‪ ،‬بل القى الله شبهه على يهوذا السخريوطي فصلب بديل‬
‫عنه‪ .‬و مما قاله برنابا‪:‬‬
‫))الحق أقول إن صوت يهوذا و شخصه ووجهه بلغت من الشبه بيسوع أن‬
‫اعتقد تلميذه و المؤمنون به كافة أنه يسوع ‪ -‬إنجيل برنابا ‪ :‬تحقيق سيف‬

‫‪35‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫الله أحمد فاضل ص ‪.((292‬‬
‫أما إنجيل بطرس فيقول عن يسوع ما يلي‪)) :‬رأيته يبدو كأنهم يمسكون به‪،‬‬
‫وقلت‪ :‬ما هذا الذي أراه يا سيد ؟ هل هو أنت حقا ً من يأخذون ؟‪ ..‬أم أنهم‬
‫ي ويديّ شخص آخر؟‪ ..‬قال لي المخلص‪ ..‬من ُيدخلون المسامير‬
‫يدقون قدم ّ‬
‫في يديه وقدميه هو البديل‪ ،‬فهم يضعون الذي بقي في شبهة في العار !‬
‫ي‪ ،‬وانظر إليه ((‪.‬‬
‫انظر إل ّ‬
‫و يقوي هذه القصة تناقض الروايات الخرى في نهاية يهوذا السخريوطي‪.‬‬
‫فيقول مثل ً إنجيل متى عن يهوذا ))فطرح الفضة في الهيكل وانصرف‪ ،‬ثم‬
‫مضى وخنق نفسه – إنجيل متى ‪ .((5-27/2‬فإنجيل متى يؤكد موت يهوذا‬
‫قبيل عملية الصلب المزعومة و لم تذكر الناجيل الثلثة الخرى – مرقس و‬
‫يوحنا و لوقا – أي شيء عن نهاية يهوذا مع أنه شخصية هامة في تلك‬
‫الحداث‪ .‬بينما يحكي سفر أعمال الرسل نهاية أخرى ليهوذا فيقول‪)) :‬وإذ‬
‫سقط على وجهه انشق من الوسط‪ ،‬فانسكبت أحشاؤه كلها‪ ،‬وصار ذلك‬
‫معلوما ً عند جميع سكان أورشليم‪ ،‬حتى دعي ذلك الحقل في لغتهم حقل‬
‫دما‪ ،‬أي حقل دم – أعمال الرسل ‪ .((20-1/16‬إذا ً فهناك غموض و تناقض‬
‫واضح حول حقيقة نهاية يهوذا‪.‬‬
‫و من الملحظ أن غلم قاديان نفسه كان قد وصف إنجيل برنابا بأنه وثيقة‬
‫تاريخية هامة و بأن النصارى رفضوه بل دليل‪ .‬يقول غلم أحمد القادياني في‬
‫كتابه )المسيح الناصري في الهند(‪:‬‬
‫و قد أوهم القاريء هنا بأن إنجيل برنابا يؤيد ما ذكره الغلم بأن المسيح عليه‬
‫السلم قد وضع على الصليب فعل ً لكنه أغمي عليه فظن اليهود بأنه مات‪ .‬و‬
‫أنا أرى أن الغلم نقل هذه المغالطة من نفس المكان الذي نقل منه نظريته‬
‫عن إغماء المسيح عليه السلم‪ .‬فيبدوا أن المنادين بهذه النظرية في الغرب‬
‫لم يكونوا على اطلع على إنجيل برنابا بل علموا أنه ينفي صلب المسيح‬
‫عليه السلم فظنوا أنه ينفي موته فحسب و لم يعلموا أن إنجيل برنابا ينفي‬
‫أن المسيح عليه السلم قد وضع على الصليب أص ً‬
‫ل‪.‬‬
‫و الناظر إلى التفسيرات الربعة أعله يرى عدم تعارضها مع الية ))و ما‬
‫قتلوه و ما صلبوه و لكن شبه لهم – سورة النساء ‪ .((157‬لكن النظريتين‬
‫الخيرتين تعتمدان في الغلب على أناجيل النصارى الذين ل نصدقهم في‬
‫ادعاءاتهم‪ .‬و ل نكذبهم حيث لم يخالفوا في قصتهم عن شبيه المسيح نصا ً‬
‫من نصوص الشريعة السلمية من قرآن أو حديث‪.‬‬
‫أما بالنسبة للترجيح العقلي بين التفسيرات فإن التفسيرين )‪ (3‬و )‪(4‬‬
‫مستبعدين في حال لم يصلب اليهود أحدا ً بل شبهوا على الناس بادعائهم‬
‫ذلك‪ .‬أما إن كانوا قد صلبوا أحدا ً ما و ظنوه المسيح فيكون كل التفسيرين‬
‫مقبول ً عقل ً و شرعا ً لن الله قادر على كل شيء‪.‬‬
‫)‪(7 /‬‬
‫أما اعتراض القاديانيين بأن ))جملة )شبه لهم( ل تعني بالضرورة إلقاء الشبه‬
‫على شخص آخر في حال أن اليهود قد ظنوا المصلوب هو المسيح عليه‬
‫السلم(( فهو قول مرفوض عقل ً في حال أن اليهود كانوا فعل ً قد صلبوا‬
‫شخصا ً ما و رأوه على هيئة المسيح‪ .‬فعملية الصلب تكون بتثبيت الضحية‬
‫على الصليب بالمسامير أو بغيرها لفترة طويلة‪ .‬و هذه العملية ل يمكن‬
‫الشتباه بوقوعها فهي كالذبح و ل شك‪ .‬أما القتل بالرمي بالرصاص فقد‬

‫‪36‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫يصيب عائقا ً على جسد الضحية فينجو‪ .‬و بهذا ل يمكن )عقليًا( تأكيد نجاة‬
‫شخص من وقوع عملية التعليق على الصليب أو عملية الذبح عليه بعد أن‬
‫يكون قد رفع فعل ً على الصليب أو قد قطع حلقومه أو رأسه إل بوقوع هذه‬
‫العملية على شخص آخر‪.‬‬
‫و أنا هنا أسوق هذا الفتراض التالي للتوضيح فقط‪:‬‬
‫لو كان اليهود قد ذبحوه شخصيا ً بقطع حلقومه أو رأسه لكنه أغمي عليه‬
‫ونجى بعد ذلك‪ .‬ثم قال شخص بأن اليهود )ما ذبحوه و ما قتلوه و لكن شبه‬
‫لهم( لما كان كلمه صحيحا لن الحقيقة ستكون وقتها هي أنهم )ذبحوه و‬
‫لكن شبه لهم أنهم قتلوه(‪ .‬و إذا كان المخبر صادقا بقوله )ما ذبحوه و ما‬
‫قتلوه و لكن شبه لهم( فإن أي عاقل سيعلم بأنهم إما قد ذبحوا غيره و ظنوه‬
‫المسيح عليه السلم أو ادعوا أنه المسيح‪ .‬أو أنهم لم يذبحوا أحدا ً أصل ً و‬
‫ادعى البعض بأنهم ذبحوا المسيح عليه السلم‪ .‬هذا الفتراض سقته لتقريب‬
‫الموضوع إلى الذهان باستخدام وسيلة أخرى للقتل هي الذبح بدل ً من‬
‫الصلب‪.‬‬
‫و هذا دليل عقلي ل يحتاج لغيره‪ .‬فكيف إذا وجد مرجع تاريخي هام كإنجيل‬
‫برنابا ‪ -‬على حد وصف الغلم نفسه ‪ -‬أو إنجيل توما ليؤكد بأن عيسى عليه‬
‫السلم لم يوضع على الصليب قط‪ .‬و أنا ل أجزم هنا بصحة قصة برنابا أو‬
‫قصة توما لن القرآن و السنةلم يحددا كيفية نجاة المسيح عليه السلم‪ .‬بل‬
‫نفيا أن يكون المسيح عليه السلم قد صلب أو قتل‪ .‬و لكننا نستأنس بهذه‬
‫الشهادة التاريخية التي نفت حدوث عملية الصلب للنبي نفسه‪ .‬و إنجيل برنابا‬
‫هو النجيل المتبقي الوحيد الذي يذكر نبينا )محمد( صلى الله عليه و سلم‬
‫باسمه و بأنه )آخر النبياء( مما يؤكد بأن إنجيل برنابا هو أقل الناجيل‬
‫الموجودة تعرضا ً للتحريف‪.‬‬
‫و كما قلت سابقا ً فإن لجوءنا العقلي لهذا التفسير )أي قتل شبيه للمسيح(‬
‫هو فقط في حال ثبت صحة الدعاء بأن اليهود كانوا قد صلبوا شخصا ً ما و‬
‫حسبوه المسيح عليه السلم‪ .‬فقد يكون الواقع شيئا ً آخر‪ .‬و هذا كله غيب ل‬
‫نقطع به بدون خبر ثابت عن الله تعالى‪ .‬لكن لنا أن نحلله حسب المعلومات‬
‫المتوفرة‪ .‬أما إن كان اليهود قد شبهوا للناس بأنهم قد قتلوا المسيح عليه‬
‫السلم إما باختلق القصة أو بصلب شخص آخر و الدعاء بأنه المسيح عليه‬
‫السلم – إن كان هذا هو ما حدث ‪ -‬فإنه أيضا ً يوافق إخبار الله عنهم بأنهم ما‬
‫صلبوا المسيح عليه السلم و ما قتلوه و لكن شبه لهم‪.‬‬
‫دعون أن قصة تعليق المسيح عليه السلم‬
‫و يعترض القاديانيون مرة أخرى في ّ‬
‫على الصليب حقيقة تاريخية متواترة و ل يجوز إنكارها‪ .‬لكن الناظر إلى‬
‫الوثائق التاريخية ل يجد أي دليل تاريخي موثوق يؤكد قصة وضع المسيح عليه‬
‫السلم على الصليب‪ .‬لكنه سيجد في كتب التاريخ و كتب النصارى أنفسهم‬
‫تأكيدات بأن كثيرا ً من الطوائف النصرانية ظلت تعتقد طوال القرون الولى‬
‫بأن المسيح عليه السلم لم يعلق على الصليب قط‪.‬‬
‫فمثل ً يقول القديس الفونسوس ماريا دي ليكوري أن من بدع القرن الول‬
‫قول فلوري‪)) :‬إن المسيح قوة غير هيولية‪ ،‬وكان يتشح ما شاء من الهيئات‪،‬‬
‫ولذا لما أراد اليهود صلبه؛ أخذ صورة سمعان القروي‪ ،‬وأعطاه صورته‪،‬‬
‫فصلب سمعان‪ ،‬بينما كان يسوع يسخر باليهود((‪ .‬و يقول المفسر جون‬
‫فنتون شارح إنجيل متى‪)) :‬إن إحدى الطوائف الغنوسطية التي عاشت في‬
‫القرن الثاني قالت بأن سمعان القيرواني قد صلب بدل ً من يسوع((‪.‬‬
‫و قد ظهرت كثير من الفرق المسيحية ‪ -‬بين عهد المسيح عليه السلم و‬
‫‪37‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ظهور السلم ‪ -‬التي كانت تنكر حدوث عملية الصلب تلك‪ .‬و من تلك الفرق‪:‬‬
‫الباسيليديون والكورنثيون والكاربوكرايتون والساطرينوسية والماركيونية‬
‫والبارديسيانية والسيرنثييون والبارسكاليونية والبولسية والماينسية‪،‬‬
‫والتايتانيسيون والدوسيتية والمارسيونية والفلنطانيائية والهرمسيون‪ .‬و من‬
‫أهم الفرق المنكرة لصلب المسيح الباسيليديون؛ الذين نقل عنهم كل من‬
‫"سيوس" والمفسر "جورج سايل" القول بنجاة المسيح‪ ،‬وأن المصلوب هو‬
‫سمعان القيرواني‪ ،‬وسماه بعضهم سيمون السيرناي‪.‬‬
‫ومن الفرق التي قالت بصلب غير المسيح بدل ً عنه‪ :‬الكورنثيون‬
‫والكربوكراتيون والسيرنثيون‪ .‬يقول جورج سايل ))إن السيرنثيين‬
‫والكربوكراتيين‪ ،‬وهما من أقدم فرق النصارى‪ ،‬قالوا ‪ :‬إن المسيح نفسه لم‬
‫يصلب ولم يقتل‪ ،‬وإنما صلب واحد من تلميذه‪ ،‬يشبهه شبها ً تامًا‪ ،‬وهناك‬
‫الباسيليديون يعتقدون أن شخصا ً آخر صلب بدل ً من المسيح‪((.‬‬
‫)‪(8 /‬‬
‫وثمة ِفرق نصرانية أخرى قالت بأن المسيح عليه السلم نجا من الصلب‪،‬‬
‫وأنه رفع إلى السماء‪ ،‬ومنهم الروسيتية والمرسيونية والفلنطنيائية‪.‬‬
‫وقد استمر إنكار صلب المسيح لحقا ً أيضًا‪ ،‬فكان من المنكرين الراهب‬
‫تيودورس )‪560‬م( والسقف يوحنا ابن حاكم قبرص )‪610‬م( وغيرهم‪.‬‬
‫نائب الفاعل في الية )و لكن شبه لهم(‬
‫ب( إعترض أحدهم‬
‫في نقاشي مع بعض القاديانيين حول معنى الفعل )صل َ َ‬
‫قائ ً‬
‫ل‪)) :‬إسناد الفعل ) ُ‬
‫ه( إلى الرجل الشبيه المصلوب غير جائز((‪.‬‬
‫شب ّ َ‬
‫أقول‪ :‬هذا العتراض صحيح‪ ،‬لكننا ل نقول بأن نائب الفاعل هو الرجل‬
‫المصلوب أو )الشبيه(‪ ،‬فنائب الفاعل محذوف في الجملة و يمكن تقديره‬
‫بعدة تقديرات‪ .‬و أرجح تقديره كالتي )شبه لهم المر(‪ .‬فالمر هو نائب‬
‫الفاعل‪ .‬و هذه الجملة تشمل كل نظريات نجاة المسيح عليه السلم‪.‬‬
‫و يمكن تقدير نائب الفاعل بالجملة المحذوفة )أنهم قتلوه و صلبوه هو(‪.‬‬
‫فتكون الجملة )و ما قتلوه و ما صلبوه و لكن شبه لهم أنهم قتلوه هو و‬
‫صلبوه هو(‪.‬‬
‫ً‬
‫و يمكن أيضا تقدير نائب الفاعل بالكثير من الجمل المحذوفة‪ .‬أذكر منها ما‬
‫يلي‪:‬‬
‫ )و ليس المقتول و المصلوب هو المسيح و لكن شبه لهم أنه المقتول و‬‫المصلوب( أو‬
‫ )و ما قتلوه و ما صلبوه و لكن شبه لهم أنه هو الشخص المقتول و‬‫المصلوب( أو‬
‫ )و ما قتلوا المسيح و ما صلبوا المسيح و لكن شبه لهم أنهم قتلوا المسيح‬‫و صلبوا المسيح نفسه( أو‬
‫ )و ما قتلوه و ما صلبوه و لكن شبه لهم أنهم قتلوه و صلبوه هو(‪ .‬لحظ أن‬‫الضمير )هو( هنا تكرار يمكن حذفه بدون أن يتغير المعنى‪ .‬فتصبح الجملة )و‬
‫ما قتلوه و ما صلبوه و لكن شبه لهم أنهم قتلوه و صلبوه(‪.‬‬
‫فالجمل أعله هي تكرار لمعنى الية و هي تنفي أن يكونوا قد علقوه هو على‬
‫الصليب‪.‬‬
‫كما و يمكن تقدير جملة )و لكن شبه لهم( كالتالي‪) :‬و لكن شبه لهم أنه هو‬
‫المصلوب(‬

‫‪38‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫والمعنى من الجملة هو أن اليهود ظنوا المسيح هو المصلوب و المقتول بينما‬
‫هم قد صلبوا و قتلوا غيره في الواقع‪.‬‬
‫و أرجو التدبر أكثر في قصة ابن حزم التي أوردتها في موضوعي الصلي‪.‬‬
‫فابن حزم ظن أنهم صلوا على الحاكم و دفنوه بينما الواقع كان أنهم )ما‬
‫صلوا عليه و ما دفنوه و لكن شبه لهم المر( حيث صلوا على غيره و دفنوه‬
‫ظنا ً منهم أنه هو‪ .‬فهم إذا ً )ما صلوا عليه و ما دفنوه و لكن شبه لهم أنهم‬
‫صلوا عليه هو و دفنوه هو( أو )ما صلوا عليه و ما دفنوه و لكن خيل لهم أنه‬
‫هو من صلوا عليه و دفنوه(‪ .‬و كذلك أهل الكتاب فهم )ما قتلوا المسيح و ما‬
‫صلبوه و لكن شبه لهم أنهم قتلوه هو و صلبوه هو( أو )ما قتلوا المسيح و ما‬
‫صلبوه و لكن شبه لهم أنه هو من قتلوا و صلبوا(‪.‬‬
‫هجرة المسيح عليه السلم إلى كشمير !!‬
‫أما ادعاء ميرزا غلم أحمد القادياني بأن المسيح عليه السلم كان قد هاجر‬
‫إلى الهند و عاش فيها إلى عمر ‪ 120‬عاما ً فهو ادعاء في غاية التداعي‪ .‬و قد‬
‫أورد ميرزا غلم أحمد القادياني افتراءات عديدة لدعم قصته الخرافة تلك في‬
‫كتابه "المسيح الناصري في الهند"‪ .‬و من تلك الفتراءات ادعاؤه بأن البوذيين‬
‫كانوا قد تعلموا اعتزال النساء من المسيح عليه السلم نفسه حين عاش‬
‫بينهم في الهند و اختلط بهم‪ .‬و لم يعلم مؤسس الجماعة الحمدية بأن‬
‫النصارى هم الذين ابتدعوا مسألة الرهبنة و اعتزال النساء‪ .‬و لم يأبه ميرزا‬
‫غلم أحمد القادياني إن كانت هذه هي رسالة نبي الله عيسى عليه السلم أم‬
‫أنها كانت رسالة التوحيد‪ .‬و ل أدري كيف يقبل عاقل بأن المسيح عليه السلم‬
‫كان يعلم بدعة اعتزال النساء للبوذيين الكفرة بينما هو إله معبود في‬
‫الغرب ؟ لقد أكد ميرزا غلم أحمد القادياني نفسه أن بولس الذي مات سنة‬
‫‪ 64‬ميلدية هو من أول من فتح أبواب الكفر بادعاء ألوهية المسيح عليه‬
‫السلم و موته على الصليب‪ .‬فكيف ل يكسر المسيح عليه السلم الصليب و‬
‫ل يحاربه لمدة ‪ 90‬عاما ً ؟‪ .‬كيف يقبل الختباء ‪ 90‬عاما دون أن ينقض‬
‫التحريف الذي أحدثه الضالون و نشروه على أنه هو كلم الله‪ .‬و دون أن‬
‫يقوم حتى بنشر إنجيل الله الحقيقي في الشرق؟ و كيف ينشغل المسيح‬
‫عليه السلم بنشر بدعة اعتزال النساء التي ابتدعها النصارى بعده ؟ إن هذا‬
‫التهام لنبي الله عيسى عليه السلم هو البهتان العظيم‪.‬‬
‫و الناظر إلى كتاب "المسيح الناصري في الهند" الذي ألفه الميرزا غلم‬
‫يستغرب من الستنتاجات المضحكة التي ساقها الميرزا لثبات ادعائه حتمية‬
‫هجرة المسيح عليه السلم و أمه إلى كشمير‪ .‬و أنا أعطيكم هنا بعض المثلة‬
‫على استنتاجاته المتهافتة تلك‪:‬‬
‫هجرة مريم "المتزوجة" إلى كشمير !!‬
‫ل أدري كيف يقبل الحمديون فكرة هجرة مريم عليها السلم إلى كشمير‬
‫تاركة وراءها زوجها و أولدها و بناتها في فلسطين‪ ،‬فمع أن الميرزا يقر‬
‫بولدة المسيح عليه السلم من غير أب إل أنه يدعي بأن مريم عليها السلم‬
‫تزوجت بيوسف النجار أثناء فترة حملها العجازي‪ ،‬و أنجبت منه أولدا ً و بناتا‪ً.‬‬
‫يقول الميرزا غلم أحمد القادياني‪:‬‬
‫)‪(9 /‬‬
‫))كان سمو مريم بأنها أقلعت عن الزواج لمدة طويلة‪ ،‬لكنها و تحت الصرار‬
‫المتصاعد من وجهاء المجتمع ‪ -‬بسبب حملها ‪ -‬قررت الزواج‪ .‬و قد أثار‬

‫‪39‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫الناس اعتراضات حول زواجها أثناء فترة الحمل‪ ،‬فهكذا زواج يخالف تعاليم‬
‫سم العزوبية‪ .‬و أيضا ً جادل‬
‫التوراة‪ .‬و تساءل الناس عن سبب حنث مريم لق َ‬
‫الناس حول سبب وضع مبدأ تعدد الزوجات‪ .‬و بعبارة أخرى‪ :‬لماذا وافقت‬
‫مريم أن تتزوج بيوسف النجار رغم أن لديه زوجة أخرى؟‪ .‬لكنني أقول بأن‬
‫تلك الظروف كانت قاهرة‪ .‬نعم كانت الظروف قاهرة‪ ،‬فبهذه الطريقة كانوا‬
‫يتعرضون للنقد فقط بدل ً من أن تعتبر أعمالهم مثيرة للكراهية(( الخزائن‬
‫الروحانية ج ‪ 19‬ص ‪18‬‬
‫و يقول الميرزا أيضًا‪)) :‬خروج مريم مع خطيبها قبل عقد القران كان شاهدا ً‬
‫على هذه العادة السرائيلية‪ .‬فالخروج مع خطيب من بين النبلء عند بعض‬
‫القبائل قد تجاوز الحد إلى أن أصبح من الممكن الحمل قبل عقد القران((‬
‫الخزائن الروحانية ج ‪ 14‬ص ‪300‬‬
‫و يقول الميرزا أيضًا‪)) :‬يسوع المسيح كان له أربعة إخوة و أختين اثنتين‪ ،‬كل‬
‫منهم كان أخوه الحقيقي و أخته الحقيقية‪ ،‬أعني أنهم كانوا ذرية يوسف و‬
‫مريم(( الخزائن الروحانية ج ‪ 19‬ص ‪18‬‬
‫من الواضح أن محاولة الميرزا التقليل من أهمية معجزة ولدة المسيح عليه‬
‫السلم هو ما أدى به إلى تبني هكذا آراء سقيمة‪ ،‬فهو يحاول أن يظهر‬
‫المعجزة بمظهر الفضيحة التي حاولت مريم عليها السلم أن تتستر عليها‪ .‬و‬
‫هو بهذا ينفي أن الله سبحانه كان قد أنطق المسيح عليه السلم في المهد‬
‫ليظهر نبوته و ولدته العجازية و ليبريء مريم عليها السلم من أية شبهة‪.‬‬
‫فالميرزا يقول بأن نبوة المسيح عليه السلم استمرت فترة بسيطة‪ ،‬و هو‬
‫بهذا ينفي أن يكون المسيح قد أعلن نبوته و هو في المهد‪ .‬يقول الميرزا في‬
‫كتابه "المسيح الناصري في الهند" ص ‪:68‬‬
‫َ‬
‫))كما أن المسيح لم تكن له قبل النبوة عظمة تذكر حتى يحتفظ بذكراه‪،‬‬
‫خاصة و إن عصر نبوته لم يتجاوز ثلثة أعوام و نصف((‬
‫و الحمديون لم يتساءلوا عن كيفية هجرة و اختفاء مريم عليها السلم دون‬
‫أن يذكر ذلك كتبة النجيل أو المؤرخون عبر التاريخ ! و كيف تهاجر امرأة‬
‫متزوجة و لها أولد ‪-‬حسب ادعاء الميرزا ‪-‬إلى أرض بعيدة دون أن تأخذ معها‬
‫أولدها و زوجها؟ و لماذا تهاجر و يهاجرون أصل ً ؟‬
‫أولد المسيح الفغان !!‬
‫يقول الميرزا في كتابه "المسيح الناصري في الهند" ص ‪ 76‬بأنه ل يستبعد‬
‫أن تكون إحدى القبائل الفغانية هم أولد عيسى عليه السلم نفسه‪ ،‬و ذلك‬
‫لن اسم القبيلة هو "عيسى خيل" !! فانظروا أي حجاج عقلي هذا بل أي‬
‫استخفاف بالعقول!!‬
‫تعاليم بوذا و تعاليم المسيح‬
‫أما التشابه الذي ادعاه بين تعاليم المسيح عليه السلم و تعاليم بوذا فهو من‬
‫التهافت الذي تأباه العقول‪ .‬و برأيه فإن هذا التشابه دليل على هجرة المسيح‬
‫عليه السلم )و ليس هجرة تعاليمه !!( إلى كشمير‪ .‬و إليك هنا بعض المثلة‬
‫التي ساقها الميرزا‪:‬‬
‫شياطين الجن عند بوذا و عند المسيح !!‬
‫أنظر مثل ً إلى قول الميرزا في كتابه كتاب "المسيح الناصري في الهند"‬
‫صفحة ‪ )) :82‬و كذلك تماما ً يعترف علماء المسيحية بأن الشيطان الذي‬
‫قابل عيسى عليه السلم لم يأته بصورة بشر مار بالطرقات و الزقة بين‬
‫أيدي اليهود‪ ،‬و لم يحدث المسيح كحديث الناس فيما بينهم بحيث يسمعه‬
‫الخرون أيضًا‪ ،‬بل كان ذلك اللقاء أيضا ً صورة من الكشف رآها المسيح‬
‫‪40‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وحده‪ ،‬و كان الحوار بينهما وحيا ً شيطانيا ً ‪ ...‬أي أن الشيطان بحسب عادته‬
‫القديمة‪ ،‬ألقى في قلب المسيح بشكل الوسواس‪ ،‬و لكن قلب المسيح لم‬
‫يقبل هذه الوساوس الشيطانية‪ ،‬بل رفضها كما فعل بوذا((‬
‫و برأي الميرزا فإنه ما دامت قصة وسوسة الشيطان هذه مذكورة عند بوذا‬
‫أيضا ً فإنها تجزم بأن عيسى عليه السلم عاش في كشمير مع البوذيين فترة‬
‫طويلة !! و العجيب أن القاديانيين ينفون وجود الجن الذي يوسوس للناس‬
‫أصل ً و مع ذلك يرون حجة زعيمهم هذه باهرة و مقنعة!!‬
‫بوذا العاق لبنه و المسيح العاق لمه ‪ -‬حاشاه !!‬
‫أما قصة المدعو "راحولة" ابن بوذا الذي تركه بوذا و هرب فهي تشبه في‬
‫نظر الميرزا قصة عقوق المسيح عليه السلم لمه و كلمه معها بألفاظ نابية‬
‫ حاشاه!!! و مع أن الميرزا ينفي صحة قصة عقوق المسيح عليه السلم‬‫لمه و ينفي أيضا ً قصة عقوق بوذا لولده إل أنه يستدل بتشابه هذه القصة مع‬
‫قصة "راحولة" على أن المسيح عليه السلم قد هاجر إلى كشمير !! أنظر‬
‫ص ‪ 96‬من كتاب "المسيح الناصري في الهند"‪.‬‬
‫تناسخ الرواح عند بوذا و عند المسيح ‪ -‬حاشاه!!‬
‫يقول الميرزا في الصفحة ‪ 99‬في نفس الكتاب "المسيح الناصري في‬
‫الهند"‪:‬‬
‫))وكان بوذا يعتقد بالتناسخ‪ ،‬و لكن تناسخه ل يخالف تعاليم النجيل‪ ،‬إذ‬
‫التناسخ عنده على ثلثة أقسام‪:‬‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬أن عزيمة النسان على المزيد من العمال تقتضي جسما ً آخر بعد‬
‫الموت‬
‫)‪(10 /‬‬
‫ثانيًا‪ :‬هو ما يعتقد أهل التبت بوجوده في زعمائهم الدينيين "لمات"‪ ،‬و هو أن‬
‫جزءا ً من روح بوذا أو زعيم بوذي آخر يحا في "لماتهم"‪ ..‬أي أن قوته و‬
‫طبيعته و خواصه الروحية تنتقل إلى "لما" الحالي‪ ،‬و روحه تؤثر فيه‪.‬‬
‫ثالثًا‪ :‬أن النسان ل يزال يمر في حياته في الدنيا بأنواع الولدة إلى أن يصبح‬
‫إنسانا ً حقيقيا ً حسب خواصه الذاتية‪ ،‬حيث ينعدم وجوده الول و يكتسب‬
‫وجودا ً ثانيا ً بحسب أعمال وجوده الول ‪...‬إلخ((‬
‫إن جعل هذه العقيدة الكفرية ‪ -‬و التي أقّرها الميرزا ‪ -‬وجها ً للتشابه بين‬
‫تعاليم المسيح عليه السلم و تعاليم بوذا لهو من التهافت و الشناعة التي‬
‫ترفضوها قلوب المؤمنين و تأباه عقولهم‪ .‬و بالنسبة للميرزا فإن هذا التشابه‬
‫في اليمان بعقيدة التناسخ هو دليل على هجرة المسيح عليه السلم بنفسه‬
‫إلى كشمير !! فانظروا هداكم الله إلى هذه المحاكمات العقلية الفارغة‪.‬‬
‫عمر المسيح عليه السلم‬
‫أما بالنسبة لعمر المسيح عليه السلم عند وفاته فقد اعتمد ميرزا غلم أحمد‬
‫القادياني على حديث ضعيف غريب ذكر فيه ))إنه لم يكن نبي كان بعده نبي‬
‫إل عاش نصف عمر الذي كان قبله‪ ،‬وإن عيسى بن مريم عاش عشرين‬
‫ومائة وإني ل أراني إل ذاهبا على رأس الستين ‪ -‬المعجم الكبير للطبراني((‪.‬‬
‫و هذا القول بأن كل نبي قد عاش نصف مدة النبي الذي سبقه قد ثبت‬
‫خطؤه‪ .‬ولو كان صحيحا لكان عمر سيدنا آدم و إبراهيم و غيرهم من النبياء‬
‫مليين المليين من السنين‪ .‬وأنا ل أنفي هنا موت المسيح عليه السلم بل‬
‫العمر الوارد في الحديث لن الحديث ضعيف السناد و متنه يخالف العقل و‬

‫‪41‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫المشاهدة‪ .‬و بهذا يتضح سقوط هذا الستدلل‪.‬‬
‫و بالمناسبة فإنني أقول للحمديين المصرين على إثبات هذا الحديث الضعيف‬
‫‪ :‬إن نبيكم المزعوم لم يمت في الثلثين من عمره كما يشير هذا الحديث‪.‬‬
‫فل أدري مغزى تعلقكم به ؟!!‪.‬‬
‫و الحمديون يدعون أن النبوة باقية بعد محمد صلى الله عليه و سلم‪ .‬فهل‬
‫يعقل أن النبي القادم ‪ -‬على حد زعمهم ‪ -‬سيموت بعمر ‪ 15‬سنة !!!‪ .‬و الذي‬
‫بعده سيموت و عمره ‪ 7‬سنوات !!! مع أن الله ل يرسل إلى البشر إل رجال ً‬
‫يوحي إليهم!! أل يتقي هؤلء الله في عقولهم ؟!!‪.‬‬
‫و ميرزا غلم أحمد القادياني نفسه قال بأن الله بشره بأنه سيحييه ثمانين‬
‫عاما ً أو أكثر عددًا‪ .‬أنظر إلى ما يقوله في كتابه )مواهب الرحمن (‪::‬‬
‫لكن الله أبى إل أن يكذبه و يزهق باطله فأهلكه قبل سنوات مما كان يأمل‪.‬‬
‫ل َ‬
‫ن ال َْباط ِ َ‬
‫حقّ وََزهَقَ ال َْباط ِ ُ‬
‫) وَقُ ْ‬
‫هوًقا (‪.‬‬
‫ن َز ُ‬
‫كا َ‬
‫ل إِ ّ‬
‫جاء ال ْ َ‬
‫ل َ‬
‫و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‪.‬‬
‫)‪(11 /‬‬
‫نظرية السامية مؤامرة على الحنفية البراهيمية‬
‫الستاذ أنور الجندي‬
‫في النصف الثاني من القرن الثامن عشر ابتكر "شلوسر" مصطلح‬
‫"السامية" واعتمد في هذه التسمية على نص من التوراة‪ ،‬وكانت الصهيونية‬
‫من وراء هذه الفكرة‪ ،‬ومن ثم فقد اتسع نطاق هذه المقولة الزائفة‪ ،‬وأقام‬
‫عليها الكتاب الموالون للصهيونية والستعمار ما أطلق عليه اسم‪" :‬عام‬
‫الجناس"‪.‬‬
‫ولغياب الفكر السلمي في هذه المرحلة فقد اتسع نطاق الفكرة‬
‫ً‬
‫السرائيلية‪ ،‬وسيطرت على مناهج الجامعات ودراسات الثقافة جميعا‪ ،‬وفي‬
‫كليات الداب بالبلد العبربية تقررت دراسات اللغات السامية وقام على هذه‬
‫الدراسات مستشرقون يهود‪ ،‬في مقدمتهم يوسف شاختـ وإسرائيل‬
‫ولفنسون‪ ،‬اللذان أخذا يخدعان الشباب المسلمين والعرب بقولهم‪" :‬إن‬
‫العربية ليست سوى عبرية مقلوبة‪ ،‬وإن العرب إنما اتخذوا اسمهم من‬
‫ً‬
‫)عربة( للصلة بين العرب واليهود من ناحية‪ ،‬وبإعطاء اليهود مكانا ً زائفا في‬
‫مجال الداب والعلوم‪.‬‬
‫البداية‪:‬‬
‫ومنطلق البحث‪ :‬أنه قبل بروز فكرة الصهيونية في العصر الحديث "كمخطط‬
‫متجدد‪ ،‬ومبتعث من )التوراة( التي كتبها حكماء اليهود إبان السبي البابلي‪ ،‬و‬
‫)التلمود( الذي جاء بعد تدمير الرومان للقدس"‪.‬‬
‫هذا المخطط هو )بروتوكولت صهيون( التي عرفت لول مرة عام ‪ 1897‬م‪،‬‬
‫وفي خلل إعداد هذا المخطط كانت هناك محاولت جبارة تعمل على وضع‬
‫مفهوم الصهيونية التلمودية في داخل كتب التاريخ والموسوعات العالمية‪.‬‬
‫وإدخالها في مناهج المدارس والجامعات الغربية‪ .‬وبثها عن طريق معاهد‬
‫المفكرين الذين احتوتهم الصهيونية‪ ،‬شلوسر وبروكلمان ورينان ودور كايم‬
‫ودوزي‪ .‬وذلك بالضافة إلى الستشراق اليهودي الصهيوني‪ :‬مارجليوث‪ ،‬جولد‬
‫تسيهر‪ ،‬برنارد لويس‪.‬‬
‫السامية إحدى دعاوي الستشراق اليهودي‪:‬‬
‫امتصاص الفضل‪:‬‬

‫‪42‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وقد حاولت هذه الخطة تحقيق عدة أهداف‪:‬‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬نشر فكر السامية التي نسبت إليها كل أمجاد التاتريخ العربي القديم‪،‬‬
‫وسلبه من أصحابه الحقيقيين وخاصة إسماعيل بن إبراهيم وأبنائه وأحفاده‪،‬‬
‫وأضافت هذا كله إلى مصدر غامض ليس له سند علمي‪ ،‬ويستمد مصدره‬
‫الساسي من "التوراة" التي كتبها اليهود بأيديهم‪ ،‬وليست التوراة الحقيقية‬
‫المنزلة على موسى عليه السلم‪ ،‬وذلك بهدف إشراك اليهود مع العرب في‬
‫هذه المجاد‪ ،‬بينما ل يوجد لليهود أي اتصال ببدء هذه الحضارة‪ ،‬ويستتبع هذا‬
‫الخطر‪ :‬إيجاد صلة ما بين العربية والعبرية على النحو الذي حاوله الكتاب‬
‫الذين ما أسموه "تاريخ اللغات السامية" وقاموا بتدريسه في الجامعات وهم‪:‬‬
‫إسرائيل ولفنسون وشاخت ثم الدكتور مراد كامل‪.‬‬
‫التشكيك في الحق‪:‬‬
‫ثانيًا‪ :‬محاولة التشكيك في رحلة إبراهيم عليه الصلة والسلم إلى الحجاز‬
‫وإقامة ابنه إسماعيل وزوجته هاجر في مكة‪ ،‬وهذا يبدو واضحا ً من تجاهل‬
‫التوراة "الزائفة" لهذه الواقعة التاريخية ومحاولة إثارة الشبهات حولها‪ .‬وقد‬
‫ردد الدكتور طه حسين هذا القول في كتابه "في الشعر الجاهلي"‪.‬‬
‫ثالثًا‪ :‬محاولة اعتبار التوراة "الزائفة" مرجعا ً للبحث العلمي‪ ،‬مع أن شهادات‬
‫كل علماء الغرب تؤكد أن التوراة الموجودة الن كتبها علماء اليهود‪ ،‬منها ما‬
‫كتب أيام المملكة السرائيلية‪ ،‬ومنها ما كتب قبل الميلد بنحو ثلثة قرون‪.‬‬
‫ظهور الهدف‪:‬‬
‫رابعًا‪ :‬محاولة خلق تصور زائف اليهود في الجزيرة العربية وفي الدب‬
‫العربي‪.‬‬
‫خامسًا‪ :‬محاولة إيجاد ترابط بين العرب واليهود‪ ،‬والقول بأنهما أبناء عمومة‪،‬‬
‫وذلك كله يستهدف التمهيد للدعوة إلى إقامة وطن قومي لليهود في‬
‫فلسطين‪.‬‬
‫سادسًا‪ :‬إعلء شأن "إسحاق" على "إسماعيل" وهما ابنا إبراهيم عليهم‬
‫الصلة والسلم‪ ،‬وأكبرهما إسماعيل الذي هاجر به وأمه إلى مكة‪ ،‬والذي أقام‬
‫معه القواعد من البيت الحرام‪ ،‬والذي امتحن بذبحه وجاءه بالفداء من‬
‫السماء‪ ،‬والهدف هو إخراج أبناء إسماعيل من حقوق الوعد الذي تلقاه‬
‫إبراهيم عليه السلم من ربه‪ ،‬وقصر الوعد على أبناء إسحق تحت اسم‬
‫أسطورة "شعب الله المختار"‪.‬‬
‫التزييف القديم‪:‬‬
‫هذه هي أهم أطراف المؤامرة الخطيرة لتزييف تاريخ السلم والعرب قبل‬
‫بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم لحساب الصهيونية التلمودية‪ ،‬وقد جرى‬
‫تطعيم دوائر المعارف وكتب التاريخ ومناهج المدارس والجامعات بهذه‬
‫المفاهيم‪ ،‬واستكتاب عشرات الكتاب البحوث المتعددة التي تدور حول هذه‬
‫الشبهات‪ ،‬لخلق أدلة مضللة لتثبيتها في الذهان‪.‬‬
‫وتكاد تكون فكرة "السامية" أخطر هذه الشبهات‪ ،‬وهي مصطلح لم يرد‬
‫مطلقا ً في كتابات العرب والمسلمين على مدى التاريخ‪ ،‬وقد استمد أساسا ً‬
‫من نص من نصوص التوراة المكتوبة بأيدي الحبار‪ ،‬في ظل تقسيم واه‬
‫للجناس البشرية مستمد من أسماء أبناء نوح حفيد آدم أبي البشر سام‬
‫وحام ويأفث‪.‬‬
‫التزييف الحديث‪:‬‬
‫)‪(1 /‬‬

‫‪43‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وقد برز هذا المعنى في ظل تقسيم مستحدث‪ ،‬ظهر في أوربا إبان استعلء‬
‫نزعة العنصرية الوروبية التي قسمت العالم إلى ساميين وآريين لتضع العرب‬
‫والمسلمين في قائمة موازية للجنس الري‪ ،‬صانع الحضارة الذي وصف بكل‬
‫أوصاف العبقرية والعظمة والستعلء على البشر وخضوع الجناس الخرى‬
‫له‪.‬‬
‫وكان هذا التنظير الذي ألبس ثوب العلم‪ ،‬إنما يستهدف إعطاء الستعمار‬
‫"مبررًا" علميا ً لسيطرته على المم غير الرية أوروبية‪.‬‬
‫غير أن المحاولة التي حاولت أن تضع عبارة "السامي" والسامية بديل ً‬
‫للبراهيمية والحنيفية وللعرب وللعربية‪ ،‬كانت محاولة ماكرة خطيرة‬
‫استهدفت أمجاد التاريخ القديم عن العرب‪ ،‬ونسبتها إلى اسم قديم ل يعرف‬
‫التاريخ الصحيح له مصدرا ً واضحًا‪.‬‬
‫والغربيون يعرفون أن التوراة التي بين أيدي الناس اليوم‪ ،‬هي توراة مكتوبة‬
‫بأيدي الحبار‪ ،‬وأن صلتها بالتوراة الصحيحة مشكوك فيها‪ ،‬ولذلك فإن‬
‫العتماد عليها في إقامة نظرية تعطي كل هذا القدر من التوسع والنمو‬
‫والسيطرة في دوائر الثقافة والعلم والجامعات‪ ،‬هو أمر ل أساس له من‬
‫منهج العلم الصحيح‪ ،‬ولقد كانت اليهودية الصهيونية من وراء هذه النظرية‪،‬‬
‫في سبيل طمس التاريخ العربي السابق للسلم‪ ،‬وإحياء اللغة العربية‬
‫وإعطائها رصيدا ً زائفا ً من الصلة باللغة العبرية هو أكبر بكثير من حجمها‬
‫الطبيعي‪.‬‬
‫معنى السامية والكاذيب‪:‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫وفكرة السامية تدور حول القول بأن هناك أصل ً واحدا مشتركا للعرب‬
‫واليهود‪ ،‬ومحاولة إعطاء العربية أثرا ً ومكانة غير صحيحة في حضارات‬
‫الشرق القديم‪.‬‬
‫وقد كانت الصهيونية وراء هذه الفكرة في محاولة لعطاء اليهود فضل ً زائفا ً‬
‫في مجالت كثيرة‪ ،‬ومن ذلك القول بأن اليهود هم الذين وضعوا شريعة‬
‫حمورابي‪ ،‬إبان نفيهم في بابل‪ .‬بينما وثائق التاريخ تكذب ذلك‪ ،‬وتثبت أن‬
‫اليهود إبان النفي كانوا يبحثون في حضارات المم‪ ،‬عن خيوط يضمونها إلى‬
‫نسيجهم المهلهل‪ ،‬ليتمكنوا من القول بأن لهم فلسفة معينة‪ ،‬وقد كانت‬
‫فلسفتهم ومنهجهم الفكري فيما بعد جماع الفلسفة البابلية القديمة والهلينية‬
‫ومدرسة الفلطونية المحدثة وبقايا المجوسية والغنوصية والشرقية‪ ،‬وذلك‬
‫بعد أن فقدوا أصلهم الصيل وهو‪" :‬توراة موسى" علية الصلة والسلم كذلك‬
‫فقد كان هدف هذه المحاولت القول بأن اليهود والعرب أبناء عمومة تربطهم‬
‫أواصر الرحم والقربى‪ ،‬وتاريخ اليهود بعد السلم في المدينة يكشف عن‬
‫طبيعة هذه الرحم والقربى في مؤامراتهم وغدرهم الذي امتد طوال تاريخهم‪.‬‬
‫ولقد حاول دوزي ومرجليوت إدعاء هذه الصلت واختلق تشابه بين قبائل‬
‫قريش وأسباط اليهود والقول بأن موطن اليهود هو بلد اليمن‪ ،‬اعتمادا ً على‬
‫ألفاظ ملتقطة من لغة سبأ البائدة‪ ،‬تشبه ألفاظا ً عبرية‪.‬‬
‫ولقد استع نطاق هذه الكتابات في الفكر الغربي في هذه الفترة المبكرة‪،‬‬
‫تمهيدا ً للفكرة الصهيونية‪ ،‬حتى أن بعض العلماء الغربيين لم تخدعهم هذه‬
‫التلفيقات فكشفوا زيفها‪ ،‬أمثال جوستاف لوبون الذي قال‪" :‬ل جرم أن‬
‫الشبه قليل بين العربي أيام حضارته‪ ،‬واليهودي الذي عرف منذ قرون بالنفاق‬
‫والبخل والجبن‪ ،‬وأن من الهانة للعربي أن يقاس باليهودي‪ ،‬ول ننسى أن‬
‫طرق الحياة الخاصة التي خضع اليهود لحكمها منذ قرون كثيرة‪ ،‬أمة تكون‬
‫عرضة لمثل ما أصاب اليهود‪ ،‬ول عمل لها غير التجارة والربا‪ ،‬وتحتقر كل‬
‫‪44‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫مكان تنتقل إليه‪ ،‬تلك الغرائز المنحطة بالوراثة المتتابعة مدة عشرين قرنًا‪،‬‬
‫وأكثر‪ ،‬فتتأصل فيها وتصير إلى ما صار إليه اليهود ل محالة" أ‪ .‬هـ‪.‬‬
‫الشبهات حول العربية‪:‬‬
‫ولقد كانت مؤامرة "السامية" هذه موضع نظر الباحثين العرب والمسلمين‬
‫منذ وقت طويل‪ ،‬فلم نقتهم تلك الخطة الماكرة التي استهدفت اعتبارها‬
‫منهجا ً من مناهج الدراسة الجامعية‪ ،‬وإعطاء شبهاتها صيغة المسلمات‪.‬‬
‫وقد استخدم الدكتور طه حسين في هذا المر استخداما ً خطيرًا‪ ،‬فقد استغل‬
‫دراسته في تجديد الدب العربي ودراسة الشعر الجاهلي‪ ،‬لقرار عدة مفاهيم‬
‫تخدم وجهة النظر الصهيونية‪ ،‬ومنها القول بأن اللغة العربية لم تكن لغة‬
‫واحدة في الجزيرة العربية‪ ،‬وأنه قد كانت لغة في الجنوب ولغة في‬
‫الشمال‪ ,.‬وهي محاولة مضللة استهدفت التشكيك في وحدة اللغة العربية‬
‫قبل السلم وإثارة الشبهات حول نموها واتجاهها إلى اتخاذ مكانها الذي أهلها‬
‫لتكون لغة القرآن ولسان السلم‪.‬‬
‫كذلك فإن الدكتور طه قد هيأ لشاب يهودي استقدمه من فرنسا لعداد‬
‫دراستين‪ :‬إحداهما عن اليهود في جزيرة العرب والخرى عن تاريخ اللغات‬
‫السامية‪ ،‬ليحشد فيها كل تلك المخططات التي أعدتها الصهيونية لتزييف‬
‫التاريخ السلمي‪ ،‬وقد قدمت إحدى هذه الدراسات على أنها أطروحة‬
‫دكتوراه قدمها "إسرائيل ولفنسون" وكان ذلك مقدمة لتصبح هذه السموم‬
‫"مسلمات" تدرس في الجامعات ول تزال‪.‬‬
‫من هذا الباب دخلت الفكرة‪:‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫وبذلك استطاعت الصهيونية العالمية أن تدخل نظريتها المسمومة إلى قلب‬
‫الفكر السلمي والدب العربي‪ ،‬لتضرب به ذلك المفهوم الصيل الذي عرفه‬
‫المسلمون واستوعبته آثارهم وتراثهم‪.‬‬
‫كذلك فقد عاش الدكتور طه حسين حياته كلها يحاول إقناع المسلمين‬
‫والعرب‪ ،‬بأن لليهود فضل ً على أدبهم وتاريخهم‪ ،‬فهو يعرض لليهود واليهودية‬
‫كلما عرض للغة العربية وآدابها‪ ،‬ولقد عمل باكرا ً لتحقيق هذا الهدف حين‬
‫أعلن بأن وجود إبراهيم وإسماعيل ل تثبته المصادر العلمية والتاريخية وأنكر‬
‫أن ورود اسمهما وخبرهما في القرآن يعد سندا ً صحيحًا‪.‬‬
‫ومن العجب أن تجد نظرية السامية مثل هذا التساع والشهرة وهي تعتمد‬
‫على نص من التوراة التي كتبها أحبار اليهود‪ ،‬ويقرها طه حسين على ذلك‪،‬‬
‫ولكنه ل يقر القرآن المنزل على وجود إبراهيم وإسماعيل‪ ،‬والقرآن هو النص‬
‫الموثق الذي نزل من السماء والذي لم يصبه أي تحريف‪.‬‬
‫كذلك فقد تحدث الدكتور طه عما أسماه أثر اليهود في الحياة العربية والدب‬
‫العربي‪ ،‬ومحاضراته متعددة في هذا الصدد وأهمها محاضرته التي سجلتها له‬
‫مجلة الجامعة المصرية في عددها الول من سنتها الثالثة عام ‪ 1952‬م عن‬
‫أثر اليهود‪:‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬أن اليهود أثروا في الدب العربي أثرا كبيرا جنى على ظهوره ما كان‬
‫بين العرب واليهود‪.‬‬
‫ً‬
‫ثانيًا‪ :‬إن اليهود قالوا كثيرا من الشعر في الدين وهجاء العرب وقد أضاعه‬
‫مؤلفو العرب‪.‬‬
‫ً‬
‫ثالثًا‪ :‬إن اليهود انتحلوا شعرا لثبات سابقتهم في الجاهلية على لسان‬

‫‪45‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫شعرائهم وشعراء العرب‪.‬‬
‫كشف الغطاء‪:‬‬
‫وفي مقدمة كتاب إسرائيل ولفنسون )الذي أصبح الن يشرف على البعوث‬
‫السرائيلية في أفريقيا( يقول الدكتور طه حسين‪:‬‬
‫"ليس من شك أن المستعمرات اليهودية قد أثرت تأثيرا ً قويا ً على الحياة‬
‫العقلية والدبية للجاهليين من أهل الحجاز‪ ،‬وليس من شك في أن الخصومة‬
‫كانت عنيفة أشد العنف بين السلم ويهودية هؤلء اليهود وفي أنهار قد‬
‫استحالت من المحاجة والمجادلة إلى حرب بالسيف انتهت بإجلء اليهود عن‬
‫البلد العربية‪.‬‬
‫ويعلن الدكتور طه حسين اغتباطه إلى أن إسرائيل ولفنسون )قد وفق إلى‬
‫تحقيق أشياء كثيرة لم تكن قد حققت من قبل(‪.‬‬
‫ولكن هذه هي الحقيقة؟؟ أن )الدكتور فؤاد حسنين علي( أكبر المتخصصين‬
‫في مصر في اللغة العربية وتاريخ اليهود يقول‪ :‬إن هذا البحث حلقة من‬
‫حلقات كتب الدعاية الصهيونية التي كانت الشعبة الثقافية للمؤتمر الصهيوني‬
‫بإشراف )مارتن برير( تدعو إلى نشرها‪ ،‬وما نقله إسرائيل ولفنسون في‬
‫سرالته من آراء‪ ،‬كان القصد منه إطلع اليهود الشرقيين وقراء العربية على‬
‫ما جاء في المصادر الجنبية‪ ،‬وأن هذه الرسالة التي ما زالت في أيدي‬
‫المثقفين والباحثين مشحونة بالخطاء‪ ،‬وهي بعيدة عن المراجع العبرية‪ ،‬وقد‬
‫أخذ بالنتائج التي وصل إليها الباحث دون التحقق منها بعض الذين يجيدون‬
‫هذا النوع من الدراسات‪ ،‬والمانة العلمية كانت تقتضي غير هذا‪ ،‬ذلك أن‬
‫البحث العلمي يجب أل يصبغ بصبغة القومية المتعصبة‪ ،‬كما ل يتخذ وسيلة من‬
‫وسائل الدعاية السياسية أو الكسب المادي الرخيص"‪.‬‬
‫ولريب أن هذا مقتل من مقاتل طه حسين الكثيرة التي غابت عن كثير من‬
‫الباحثين‪.‬‬
‫ما هي قيمة تراثهم‪:‬‬
‫وإلى قيمة تراث اليهود وصلته بالتراث السلمي‪ ،‬يقول الدكتور فؤاد حسنين‪:‬‬
‫"في مصر بزغ فجر الضمير‪ ،‬ومنها أخذ اليهود ما أخذوا‪ ،‬وفي بابل وآشور‬
‫كانت شريعة حمورابي وفيها الشيء الكثير من هذا التراث الذي نقلوا معهم‬
‫عن سصفر التثنية‪ ،‬ولما عاد اليهود من المنفى نقلوا معهم عن العرب‬
‫البابليين الشيء الكثير مما نجده في كتابهم المقدس وكان عند المعينيين‬
‫والسبنيين العمارة وهندسة الري والتجارة‪ ،‬وقصة ملكة سبأ والدور الذي‬
‫تلعبه في تاريخ السرائيليين‪ ،‬وحياتهم القتصادية ل تخفى على أحد‪ ،‬ويشير‬
‫الدكتور فؤاد حسنين إلى آثار اليهودية والمسيحية والسلم‪ :‬وما استتبعه ذلك‬
‫من تفتق العقل البشري فأنتج أدبا ً وشعرا ً ونثرا ً وقصصا ً وفسلفة وحكما ً‬
‫وأمثا ً‬
‫ل‪.‬‬
‫وكان من نتائج هذه الثورات العربية والروحية أن رمت العروبة ببعض أبنائها‬
‫شعوب العالم القديم من شرقيين وغربيين فحطموا مخلفاتهم العفنة البالية‬
‫وأقاموا على أنقاضها هذه الدول الفتية التي جاءت بالمعجزات‪ /‬فالعرب ل‬
‫اليونان أو اليهود هم الذين بعثوا العالم من حالة الجمود إلى حياة أفضل‪،‬‬
‫مكنته من التحكم في مصائر الكون‪ ،‬فأطلق العربي الفكار من عقالها‬
‫وحررها من جمود رجال المعبد اليهودي والكنيسة المسيحية وظهرت طائفة‬
‫من القرابين حيث أنكر هؤلء التلمود وتعاليمه كما انكمش سلطان الكنيسة‬
‫وتورات وراء جدران المعابد وقد مهد هذا التطور بدوره إلى ظهور حركة‬

‫‪46‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫الصلح الديني وبعث النهضة العلمية‪.‬‬
‫تسامح النسانية‪:‬‬
‫)‪(3 /‬‬
‫وكما عاون العرب على الضطلع بهذه الرسالة تسامحهم ومبادؤهم النسانية‬
‫التي أزالت الفوارق بين الشرق والغرب‪ ،‬كما أنهم لمن يمكنوا اللون من أن‬
‫يكون عامل ً من عوامل التفرقة والتمييز العنصري والحط من القيم النسانية‪،‬‬
‫والدين السلمي هو الذي ثبت مبادئ الحقوق النسانية ولذلك نجح العربي‬
‫في تحقيق ما عجز عنه اليوناني والفلسفة اليونانية‪.‬‬
‫ومذهب النسانية لم يقو ولم ينتصر إل بفض العرب‪ ،‬ولم تعرفه أوربا إل في‬
‫العصور الوسطى وعلى يد العرب وبعد أن تتلمذ أوربا على العرب في العصر‬
‫السلمي‪.‬‬
‫التضليل‪:‬‬
‫ويصل الدكتور فؤاد حسنين إلى القول‪ :‬بأن الحالقين على العرب والسلم‪،‬‬
‫والناسبين التراث العربي إلى اليونان واليهود‪ ،‬يضللون أنفسهم وغيرهم‪،‬‬
‫والعكس هو الصحيح‪ ،‬فالمسلمون هم أصحاب الفضل على اليونان واليهود‬
‫والتاريخ اليهودي يحدثنا أن العرب أحسنوا معاملة اليهود عندما كانوا يهربون‬
‫من وجه الطغاة من حكامهم في فلسطين‪ ،‬أو فزعا ً من اضطهاد اليونان‬
‫والرومان‪ ،‬فقد نزل أولئك اليهود الجزيرة العربية فوجدوا سه ً‬
‫ل‪ ،‬وهذه القبائل‬
‫اليهودية التي كانت تنزل يثرب وخيبر ووادي القرى‪ ،‬وفد إقرارها على العرب‬
‫بعد أن أفقدتهم القرون التي مرت بهم منذ زوال دولتهعم ولغتهم المقدسة‪،‬‬
‫تذوق اللغة العبرية وتجديدها حتى أصبح من المألوف لدى اليهودي أن يعبر‬
‫عن أفكاره وشعوره في لغة ركيكة هي خليط من العبرية والكلدانية‬
‫واليونانية‪ ،‬فحالت ظروفه هذه دون خلق آداب عبرية فما كان أولئك اليهود‬
‫بمستطيعين قول الشعر أو إجادة النثر‪ ،‬فغير نزولهم بين العرب هذه‬
‫الوضاع‪ ،‬وبخاصة أن العربي معجب بلغته معني بها نثرا ً وشعرًا‪ ،‬حريص على‬
‫المحافظة عليها فصيحة نقية‪.‬‬
‫لغة غير اللغة وطباع غير الطباع‪:‬‬
‫أخذ اليهود من جيرانهم العرب فن الكلم والنطق الصحيح وفصاحة التعبير‬
‫فلما رحل بنو قينقاع والنضير وقريظة ويهود خيبر ووادي القرى وغيرهم إلى‬
‫العراق والشام وفلسطين كانوا يتكلمون بلغة عربية ويتأدبون بأدب عربي‬
‫ويتطبعون بطباع عربية‪ ،‬يقولون الشعر في مختلف فنونه‪ ،‬ويعبرون عن‬
‫خواطرهم في لغة هي لغة أهل الحجاز وقد حبب إلى اليهود ظاهرة‬
‫المحافظة على عربية القرآن الكريم‪ ،‬فاقتفوا فيها أثر العرب‪ ،‬وقد فتح‬
‫العرب أمام اليهود دون العلم على مصاريعها ولم يفرقوا بينهم وبين غيرهم‬
‫ويحدثنا التاريخ اليهودي أن السلم أحسن معاملة اليهود‪ ،‬حتى أولئك الذين‬
‫اضطر النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدون إلى إجلئهم عن قلب‬
‫الجزيرة العربية تأمينا ً لرسالة السلم وأتباعه‪ ،‬فأقطعهم أمثير المؤمنين عمر‬
‫بن الخطاب والمام علي كرم الله وجهه الراضي الواسعة بالقرب من‬
‫الكوفة‪ ،‬وعلى ضفاف الفرات‪ ،‬مما دفع المؤرخ اليهودي "جريتز" إلى الشادة‬
‫بعدالة العرب وإنسانيتهم في كتابه تاريخ اليهود‪ ،‬قال‪ :‬لقد وزع عمر أراضي‬
‫اليهود على المسلمين المحاربين‪ ،‬وعوض اليهود المطرودين – وهذه هي‬
‫العدالة – أخرى بالقرب من الكوفة على الفرات حوالي عام ‪ 640‬م‪ ،‬حقا ً‬

‫‪47‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫رب ضارة نافعة‪.‬‬
‫يقول الدكتور حسنين‪ :‬هذه بعض حسنات العرب على اليهود‪ ،‬فالعرب هم‬
‫الذين أهدوهم العربية بعد أن كانوا يرطنون خليطا ً ل شرقيا ً ول غربيًا‪،‬‬
‫والعرب هم الذين هذبوا ذوقهم اللغوي‪ ،‬ورفعوا مستواهم الدبي فمكنوهم‬
‫من خلق ملكة أدبة‪ ،‬وثالثا ً وليس أخيرا ً احتذى اليهود حذو المسلمين مع‬
‫القرآن الكريم‪ ،‬فعنوا بدراسة كتابهم وشرعوا في وسع نحو لغتهم صيانة لها‬
‫من اللحن والضياع‪ .‬هذه هي الحقيقة العلمية أسوقها للدكتور طه حسين‬
‫وتلميذه الدكتور إسرائيل ولفنسون‪.‬‬
‫سر الحقد‪:‬‬
‫نقول‪ :‬هذا هو سر الحقد الشديد الذي بينته الصهيونية العالمية للعرب‪ ،‬واللغة‬
‫العربية‪ ،‬فتعمل على محو ذلك التاريخ الطويل‪ ،‬ورفع اسم العرب عنه ونسبته‬
‫إلى رمز مضلل هو "السامية"‪ ،‬فينقل ذلك التاريخ الزاخر من مصدره الصيل‬
‫إلى مصدر غامض‪ ،‬يقوم على نص من التوراة التي كتبها أحبار اليهود‪ ،‬التي ل‬
‫ترقى إلى مستوى الحقائق الثابتة التي قدمها القرآن الكريم الذي لم يصبه‬
‫أي تحريف‪.‬‬
‫إن الهدف هو طمس الرابطة بين السلم الذي جاء به محمد بن عبد الله‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم في القرن السادس الميلدي‪ ،‬وبين دعوة‬
‫إبراهيم التي بدأت منذ عام ‪ 1750‬قبل الميلدي‪ ،‬ذلك أن إقامة إبراهيم ابنه‬
‫إسماعيل في قلب الجزيرة العربية في مكة‪ ،‬وإسماعيل هو جد العرب وجد‬
‫محمد صلى الله عليه وسلم‪ ،‬وبناء البيت الحرام الكعبة‪ ،‬ودعوة الله سباحه‬
‫وتعالى إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلى إتباع ملة إبراهيم‪" .‬وأوحينا إليك‬
‫أن ابتع ملة إبراهيم حنيفًا"‪.‬‬
‫)‪(4 /‬‬
‫هذا ما يريد اليهود والصهيونية طمسه وتزييفه‪ ،‬وقد أثبتت الحافير التي‬
‫كشف عنها أخيرًا‪ :‬أن إبراهيم عليه السلم كان يتكلم العربية وإن لم تكن‬
‫العربية التي نزل بها القرآن أو التي نتكلمها اليوم‪ .‬كما أثبتت الحافير‪ :‬أن‬
‫اللغة التي كانت مستعملة في اليمن والعراق والشام والحجاز لغة واحدة‪،‬‬
‫وأن اختلفت لهجاتها كما تخلف لهجات المم العربية في هذه اليام‪ ،‬وقد‬
‫استشهد عبد الحميد السحار – رحمه الله – الذي أورد في كتابه "محمد‬
‫رسول الله ‪ -‬صلى الله عليه وسلم – والذين معه" بالية الكريمة‪" :‬كان‬
‫الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب‬
‫بالحق ليحكم بين الناس"‪.‬‬
‫وقد جاء في كتاب العلمة )ألبرايت( عن أحافير فلسطين قوله‪" :‬تتقارب‬
‫اللغات العربية القديمة عدا الكادية في الجرومية والنطق بحيث تشترك كل‬
‫لهجة وما جاورها ول يلحظ النتقال من لهجة إلى لهجة إل كما يلحظ مثل هذا‬
‫النتقال اليوم بين اللهجات الفرنسية والجرمانية"‪.‬‬
‫سكتت التوراة‪ .‬لماذا؟؟‬
‫والملحظ أن التوراة لم تورد ذكر ذهاب إبراهيم عليه السلم إلى الحجاز‪،‬‬
‫وسكتت هذه المصادر سكوتا ً متعمدا ً عن علقة إبراهيم بالجزيرة العربية‬
‫ومكة وبناء الكعبة‪ ،‬بل وسكتت أيضا ً عن ذكر هود وصالح من أنبياء العرب‬
‫القدامى كأنما لم يكن عاد وثمود على مقربة من فلسطين‪ ،‬وقد حدد‬
‫بطليموس في أطسله موقع ثمود وعاد‪ ،‬وكشفت الحفريات عن مدائن صالح‪،‬‬

‫‪48‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وعثر على بعض الخطوط الثمودية في ثمود وفي الطائف وقد كان اليهود‬
‫ينفسون على العرب أن صار لهم بيت محرم منذ أيام إبراهيم‪ ،‬بينما لم يصبح‬
‫لهم هيكل في بيت المقدس إل في أيام سليمان بن داود‪ ،‬فكان هذا السكوت‬
‫المتعمد‪ ،‬وقد عمد اليهود إلى طمس حقيقة وعد الله تبارك وتعالى لبراهيم‪،‬‬
‫فجعلوه قاصرا ً على إسحق ولذلك تجاهلوا ابنه الكبر إسماعيل‪ ،‬وحاولوا‬
‫إخراجه وإخراج أبنائه من حقوق الوعد الذي تلقاه إبراهيم من ربه‪ ،‬وابتكروا‬
‫الكذوبة التي تقول‪ :‬إن بني إسرائيل وحدهم شعب الله المختار‪.‬‬
‫يقول الستاذ السحار‪ :‬حرم اليهود أبناء إسماعيل حقوق الوعد الذي تلقاه‬
‫إبراهيم من ربه‪ ،‬وأرادوا أن يسلبوا إسماعيل كل فضل فزعموا أن الذبيح هو‬
‫إسحق‪ ،‬مع أن التقاليد تقضي بتقديم البن الكبر قربانا ً لله"‪.‬‬
‫ولريب أن إنكار إسماعيل وأبنائه يحرف تاريخ العرب قبل السلم تحريفا ً‬
‫شديدًا‪ ،‬فإن أبناء إسماعيل الثنى عشر قد انبثوا في هذه المنطقة‪.‬‬
‫الدليل حقيقة واقعة‪:‬‬
‫وقد أعلنت ألواح الطين التي كتبت بالخط المساري والتي وجدت في أطلل‬
‫بابل ونينوي‪ ،‬وبلد ما بين للنهرين أن بني إسماعيل كانوا حقيقة واقعة وأن‬
‫أبناءه الثنى عشر صاروا قبائل قوية تناوئ بابل وآشور ومصر والغريق‬
‫والرومان‪.‬‬
‫والواقع أن تاريخ هذه المنطقة منذ عهد إبراهيم عليه السلم )‪ 1750‬قبل‬
‫الميلد( هو تاريخ العرب الذين كانت تطلقهم الجزيرة العربية‪ ،‬في موجات‬
‫مهاجرة امتدت من حدود الفرات إلى المغرب وشملت هذه المنطقة كلها‪،‬‬
‫وإن فكرة السامية الزائفة لم تكن شيئا ً معروفا ً أم مقررًا‪ ،‬ول توجد أي‬
‫إشارة إليها في أي من الكتب أو الحفريات أو السانيد المكتوبة على العمدة‬
‫أو الثار القديمة‪.‬‬
‫خاتمة‪:‬‬
‫ومن خلل هذا العرض نصل إلى أن جزيرة العرب أخذت باسم العروبة‬
‫الصريحة‪ ،‬في كتب اليونان والرومان وأسفار العهد القديم منذ )ألفين‬
‫وخمسمائة سنة( واسم العرب الصريح أخذ يطلق على أهلها‪ ،‬وعلى‬
‫المستعمرين في داخلها وتخومها الشمالية جزئيا ً ثم كليا ً منذ ألفين‬
‫وخمسمائة سنة كذلك‪ ،‬بل قبل ذلك مما تدل عليه النقوشات والمدونات‬
‫القديمة‪ ،‬واللغة العربية التي تكلم بها سكان الجزيرة والنازحون منذ ألفين‬
‫وخمسمائة سنة كذلك هي اللغة العربية الصريحة‪ ،‬بقطع النظر عن تعدد‬
‫لهجاتها‪ ،‬كذلك فإنت الحقائق تؤكد أن اليهود لم يكن لهم دوؤ صريح أو وضع‬
‫صريح أو أثر صريح في أي نهضة من نهضات هذا التاريخ الطويل‪ ،‬وأنهم زيفوا‬
‫تاريخهم وتاريخ العرب وعمدوا إلى حجب إسماعيل حتى يقصروا الوعد على‬
‫أبناء إسحق‪.‬‬
‫ً‬
‫وأن كلمة السامية هي تعبير اصطنعه اليهود ليحصلوا من عمومه دورا لهم‬
‫أكثر وضوحًا‪ ،‬من دور العرب أصحاب الشأن الحقيقي وأن يجعلوا منه تكاة‬
‫لمعارضة خصومهم باسم معاداة السامية‪.‬‬
‫)‪(5 /‬‬
‫نظرية المقاصد عند المام الشاطبي‬
‫دراسة في بنية التشكل المعرفي لعلم المقاصد]‪[1/3‬‬
‫د‪ .‬بدران بن الحسن ‪21/10/1426‬‬

‫‪49‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫‪23/11/2005‬‬
‫تمهيد‪:‬‬
‫إتجهت أنظار الكثير من العلماء إلى الطرح المقاصدي في الفكر السلمي‬
‫واعتبروه أطروحة بديلة قد تساهم في حل الزمة المعرفية التي تعيشها‬
‫منهجية الجتهاد الصولي الحديثة‪ ،‬ولكن بما أن أبعاد الزمة المعرفية ل يمكن‬
‫تحديدها علميا ً من زاوية واحدة فقط‪ ،‬كأن تقول مثل أنها أزمة الفقه أو‬
‫الخلق أو الجتهاد‪ ،‬لنها تمثل وحدة تتداخل فيها عدة عوامل بدرجات‬
‫متفاوتة يصعب عزل أحدها عن الخر‪ ،‬لهذا يتطلب المر منا قراءة هذه‬
‫النماط من الفكار قراءةً معرفية نستطيع من خللها أن نكتشف نسبة التأثير‬
‫ة معرفية‬
‫لكل عامل من تلك العوامل‪ ،‬ومدى إعتبار معالجة تلك الشكالية نقل ً‬
‫تنقل الفكر الصولي من عامل معرفي قديم إلى عامل معرفي جديد‪.‬‬
‫على ضوء هذه الرؤية تحاول هذه الورقة أن تحلل نظرية المقاصد عند‬
‫الشاطبي من الزاوية التي يمكن من خللها أن نحدد إلى أي مدى يمكن‬
‫إعتبارها منهجية تستطيع أن تنقذ الجتهاد الصولي وتطبيقاته في المجتمع‬
‫السلمي المعاصر‪.‬‬
‫للجابة على هذه التساؤلت قسمت البحث إلى أربعة مباحث‪ :‬في الول‬
‫بينت فيه مفهوم المقاصد‪ .‬ثم في المبحث الثاني تطرقت إلى الجذور‬
‫المعرفية للمقاصد وعوامل نشأتها التي حصرتها في بعدين؛ الصولي‬
‫والجتماعي‪ .‬أما المبحث الثالث فحاولت تحليل النظام الداخلي للنظرية‬
‫وبيان المفاهيم الساسية التي ليمكن الستغناء عنها لفهمها‪ .‬وأما في‬
‫المبحث الرابع فقد حاولت أن أبين القيمة المعرفية للمقاصد‬
‫في الخاتمة حاولت أن أبين كيفية مساهمة نظرية المقاصد في حل الزمة‬
‫المعرفية في علم الصول خصوصا وفي حقل المعرفة عموما‪.‬‬
‫المبحث الول‪ :‬مفهوم المقاصد‬
‫لقد حاول الذين جاءوا بعد الشاطبي أن يحددوا المجال الدللي والمفهومي‬
‫لهذا المصطلح‪ ،‬ذلك أن الشاطبي لم يعط المفهوم تعريفا جامعا مانعا‪ ،‬ولعله‬
‫أعتبر المر واضحًا‪ ،‬ولعل مازهده في تعريف المقاصد كونه كتب كتابه‬
‫للعلماء‪ ،‬بل للراسخين في علوم الشريعة )‪ .(1‬وبالرغم من هذا‪ ،‬فإن أسبابا ً‬
‫أخرى خفية علينا جعلته يتخذ هذا الموقف‪ ،‬ذلك لن تحديد المفاهيم من‬
‫الولويات الساسية لبناء أي نموذج معرفي جديد‪ ،‬لهذا أعتقد أن سبب عدم‬
‫إيراده لمفهوم المقاصد يعود إلى الطبيعة الساسية لمشروعه الفكري الذي‬
‫كان ينظر إليه على أنه ليس بحثا في المعرفة فقط بل هو مشروع وظيفي‬
‫يحاول أن يحدث به تغيرا ً اجتماعيا ً ومنظورا جديدا يفهم من خلله خطاب‬
‫الشارع الحكيم‪ .‬ولهذا‪ ،‬فإننا تواجهنا صعوبة في تحديد "مفهوم المقاصد"‪،‬‬
‫ولهذا نجد مؤخرا ً تأويلت وأحكام مختلفة حول المفهوم نفسه‪.‬‬
‫غير اننا لحاجة منهجية في ضبط المفهوم نورد بعض تعاريف المتأخرين‪ ،‬التي‬
‫قد تساعدنا في فهم التجاه العام الذي تسير عليه نظرية المقاصد‪.‬‬
‫ولقد انتبه الطاهر ابن عاشور إلى هذه الشكالية وحاول تحديدها بمفهوم عام‬
‫يقول فيه أن "مقاصد التشريع العامة هي المعاني والحكم الملحوظة للشارع‬
‫في جميع أحوال التشريع أو معظمها بحيث ل تختص ملحظتها بالكون في‬
‫نوع خاص من أحكام الشريعة‪ ،‬فيدخل في هذا ما في الشريعة وغايتها العامة‬
‫والمعاني التي ليخلو التشريع من ملحظاتها‪ ،‬ويدخل في هذا أيضا ً معاني من‬
‫الحكم ليست ملحوظة في سائر أنواع الحكام ولكنها ملحوضة في أنواع‬
‫كثيرة" )‪.(2‬‬
‫‪50‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ويقسمها الى معان حقيقية‪ ،‬تتحقق في نفسها‪ ،‬ومعاني عرفية عامة تدل‬
‫على المجريات التي ألفتها نفوس الجماهير واستحسنتها‪ .‬ولثبات معاني‬
‫المقاصد يشترط فيها تحقق أربع صفات‪ :‬الثبوت‪ ،‬والظهور‪ ،‬والنضباط‪،‬‬
‫والطراد‪.‬‬
‫لكن إذا اعتمدنا على هذا التحديد فقط‪ ،‬قد ل يسمح لنا أن نرى النظرية من‬
‫بعدها الخارجي حتى نتمكن بطريقة علمية أن نحدد موقعها المعرفي الذي‬
‫نحاول أن نقف عنده بقدر المستطاع‪ .‬ومن أجل توضيح هذا القصد حاول طه‬
‫عبدالرحمن أن يستخرج المعاني الممكنة من ذلك المفهوم‪ ،‬وتوصل إلى بيان‬
‫ن أساسية؛ كل واحد منها يتعلق بنمط معين من المحتوى‪ ،‬وهي كلها‬
‫ثلث معا ٍ‬
‫تمثل فصول خاصة وضعها الشاطبي في كتابه "الموافقات"‪.‬‬
‫فالمعنى الول يستعمل الفعل قصد بمعنى ضد الفعل "لغا" "يلغو"‪ .‬ولما كان‬
‫اللغو هو الخلو من الفائدة أو صدق الدللة فإن المقصد يكون على عكس‬
‫ذلك "هو معلول الفائدة أو معقول الدللة" )‪ ،(3‬وهذا المضمون الدللي يعود‬
‫إلى الفصل الذي وضعه الشاطبي تحت عنوان "مقاصد وضع الشريعة‬
‫للفهام"‪ ،‬وقد ناقش فيه قضيتين أساسيتين حاول فيهما اثبات صفة العربية‬
‫والمية للشريعة اللسلمية )‪.(4‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫والمعني الثاني "يستعمل الفعل "قصد" أيضا بمعنى ضد فعل "سها"‬
‫"يسهو"‪ .‬ولما كان السهو هو فقدان التوجه أو الوقوع في النسيان‪ ،‬فان‬
‫المقصد يكون على خلف ذلك‪ ،‬وهو حصول التوجه والخروج من النسيان )‬
‫‪ .(5‬هذا المعنى يدل على البعد الشعوري والرادي الذي تعكسه الفصول التي‬
‫وضعها الشاطبي تحت فصل "مقاصد وضع الشريعة للمتثال" و"مقاصد‬
‫المكلف"‪.‬‬
‫في المعني الثالث " يستعمل فعل "قصد" ضد الفعل "لها " "يلهو"‪ ،‬لما كان‬
‫اللهو هو خلو من الغرض الصحيح و فقدان الباعث المشروع‪ ،‬فان المقصد‬
‫يكون على العكس من ذلك هو حصول الغرض الصحيح و قيام الباعث‬
‫المشروع" )‪ .(6‬هذه الدللة كما بينها طه عبد الرحمان تعكس "المضمون‬
‫القيمي" وهو الذي ناقشه الشاطبي في فصل "مقاصد وضع الشريعة ابتداءا‬
‫"‪.‬‬
‫من خلل هذا التحليل يتبين لنا أن دللة نظرية المقاصد يصعب حصرها في‬
‫بعد واحد لحتوائها على قابلية عجيبة للفهم المتعدد‪ ،‬لهذا وصل في الخير‬
‫إلى القول "و على الجملة فان الفعل "قصد" قد يكون بمعنى "حصل فائدة"‬
‫أو "حصل نية " أو بمعنى "حصل الغرض"‪ ،‬فيشمل "علم المقاصد" إذ ذاك‬
‫على ثلث نظريات أصولية متمايزة فيما بينها‪ ،‬أولها نظرية المقصودات‪ ،‬وهي‬
‫تبحث في المضامين الدللية للخطاب الشرعي والثانية نظرية القصود‪ ،‬وهي‬
‫تبحث في مضامين الشعورية أو الرادية‪ ،‬والثالثة نظرية المقاصد‪ ،‬وهي تبحث‬
‫في المفاهيم القيمية للخطاب الشرعي )‪. (7‬‬
‫بهذا المعنى يتضح أن الفهم الصحيح للمقاصد ينبني على هذه الشمولية التي‬
‫تفرضها النظرية نفسها‪ ،‬لذا تقتضي منا الضرورة أن ل نتقيد بالتعريف الذي‬
‫وضعه الطاهر ابن عاشور‪.‬‬
‫من جهة أخرى فإن هذه القابلية للفهم المتعدد لم تمنع الشاطبي من إرساء‬
‫نظام قيمي دقيق نظم في داخله ما يحمله ذلك المصطلح من الدللة‪ ،‬إذ‬

‫‪51‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ذهب إلى االتركيز على تحديد مفهوم المصلحة تحديدا يعبر عن تلك الدقة‪،‬‬
‫حيث يقسمها إلي نوعين‪:‬‬
‫فالول يعتبر من جهة قصد الشارع في وضع الشريعة إبتداءا‪ ،‬ومن جهة‬
‫قصده في وضعها للفهام‪ ،‬ومن جهة قصده في وضعها للتكليف بمقتضاها‪،‬‬
‫ومن جهة قصده دخول المكلف تحت حكمها" )‪.(8‬‬
‫أما النوع الثاني فيتمثل في مقاصد المكلف االتي بينها في "أن العمال‬
‫بالنيات‪ ،‬والمقاصد معتبرة في التصرفات‪ ،‬من العبادات والعادات" و "قصد‬
‫الشارع من المكلف أن يكون قصده في العمل موافقا لقصده في التشريع"‬
‫)‪.(9‬‬
‫هذه المقولت تنبني عليها قضايا فرعية أخرى ل يتسع المر لذكرها لكن‬
‫تبقى محتواة في الولى‪ .‬وهذا العتبار هو الذي منح نوعا ً من النسجام بين‬
‫مقاصد الشارع ومقاصد المكلف‪.‬‬
‫إضافة إلى هذ التقسيم المنهجي‪ ،‬عمد الشاطبي إلى بيان أن المقاصد في‬
‫حد ذاتها تنقسم إلى ضرورية وحاجية وتحسينية‪ ،‬وهذا بطبيعة الحال يعكس‬
‫النظام القيمي الذي على أساسه تتوزع وتترتب عملية تحقق المقاصد في‬
‫أبعادها الشرعية والجتماعية‪ .‬ولذلك وضع خمس قواعد أساسية؛ هي‪:‬‬
‫القاعدة الولى‪ :‬أن الضروري أصل لما سواه من الحاج والتكميلي‪.‬‬
‫القاعدة الثانية‪ :‬أن اختلل الضروري يلزم منه اختلل الباقين بإطلق‪.‬‬
‫القاعدة الثالثة‪ :‬أنه ليلزم من اختلل الباقين اختلل الضروري‪.‬‬
‫القاعدة الرابعة‪ :‬أنه قد يلزم لختلل التحسيني بإطلق أو الحاجي اختلل‬
‫الضروري بوجه ما‪.‬‬
‫القاعدة الخامسة‪ :‬أنه ينبغي المحافظة على الحاجي والتحسيني للضروري )‬
‫‪.(10‬‬
‫بهذا نصل إلى خلصة واضحة وهي أن الشاطبي له مبرراته الموضوعية التي‬
‫دفعته إلى عدم وضع تعريف جامع مانع لمفهوم المقاصد‪ ،‬بل عمد إلى إيراد‬
‫إيضاحات إجرائية متعلقة بالجانب التطبيقي لهذا المفهوم‪.‬‬
‫________________________________________‬
‫)‪ (1‬أحمد الريسوني‪ ،‬نظرية المقاصد عند المام الشاطبي‪ ،‬ط ‪ ،2‬الدار‬
‫العالمية للكتاب‪ ،1996 ،‬ص ‪.5‬‬
‫)‪ (2‬ابن عاشور‪ ،‬مقاصدالشريعة السلمية‪،‬الشركة التونسية للتوزيع‪،1978 ،‬‬
‫ص ‪.52‬‬
‫)‪ (3‬ابن عاشور‪ ،‬نفس المرجع‪ ،‬ص ‪.52‬‬
‫)‪ (4‬طه عبد الرحمان‪ ،‬تجديد المنهج في تقويم التراث‪،‬ط ‪،1‬دار الكتب‬
‫العلمية‪ ،1991،‬ص ‪.98‬‬
‫)‪ (5‬الشاطبي‪ ،‬الموافقات‪ ،‬ج ‪ ،2‬ط ‪ ،1‬دار الكتب العلمية‪.76،‬‬
‫)‪ (6‬طه عبد الرحمان‪ ،‬نفس المرجع‪ ،‬ص ‪.98‬‬
‫)‪ (7‬المرجع السابق‪ ،‬ص ‪. 98‬‬
‫)‪ (8‬المرجع السابق‪ ،‬ص ‪99‬‬
‫)‪ (9‬الشاطبي‪ ،‬المرجع السابق‪،‬ج ‪،2‬ص ‪.4‬‬
‫)‪ (10‬الشاطبي‪ ،‬المرجع السابق‪،‬ج ‪،2‬ص ‪.4‬‬
‫نظرية المقاصد عند المام الشاطبي؛‬
‫دراسة في بنية التشكل المعرفي لعلم المقاصد ]‪[2/3‬‬
‫د‪ .‬بدران بن الحسن ‪12/11/1426‬‬
‫‪14/12/2005‬‬
‫‪52‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫المبحث الثاني‪ :‬الجذور المعرفية لنظرية المقاصد‬
‫لقد توجهت دراسات فلسفة العلوم والدراسات البستولوجية الحديثة إلى‬
‫إبراز عوامل جديدة في تكوين العلوم والمعارف‪ ،‬وأثبتت أن العلوم‬
‫والمعارف ناتج لتفاعل العالم البشري والعالم المادي‪ ،‬أي تفاعل المفكر مع‬
‫موضوعه ومحيطه الجتماعي‪ .‬فهناك عوامل متعددة تدخل في عملية إنتاج‬
‫المعرفة وتشكيلها وصياغتها وتوجيهها وتحديد بنيتها وبنائها‪.‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫وفي ضوء هذا‪ ،‬يكون تحليلنا لبعض المضامين التي بناها الشاطبي في‬
‫"الموافقات"‪ ،‬حيث يبرز مصدران ترجع إليهما –معرفيا‪ -‬نظرية الشاطبي في‬
‫المقاصد‪ ،‬وأولهما "جذر البنية الصولية"‪ ،‬أما الثاني فهو "جذر البنية‬
‫الجتماية"‪.‬‬
‫)‪ -(1‬جذر البنية الصولية‪ :‬نكتشف هذا البعد عندما نحاول أن نفهم العلقة‬
‫التي تجمع بين نظرية المقاصد والزمة التي عاشها علم الصول في عصر‬
‫الشاطبي‪ ،‬وهي مشكلة من عدة ظواهر أهمها "ذهول "علم الصول عن‬
‫مقاصد الشريعة إلى درجة جعلت بعض أدواته الوظيفية كاللغة من أهم‬
‫المباحث التي أستهلك فيها جهدا ً كبيرًا‪ .‬يقول ابن عاشور مشيرا إلى هذه‬
‫المسألة‪" ،‬أن علم الصول ل يرجع إلى خدمة الشريعة ومقصدها‪ ،‬ولكنها‬
‫تدور حول محور استنباط الحكام من ألفاظ الشارع‪ ،‬بواسطة قواعد تمكن‬
‫العارف بها من انتزاع الفروع منها‪ ،‬أو من انتزاع أوصاف تأذن بها تلك‬
‫اللفاظ‪ ...‬وتلك كلها في تصاريف مباحثها بمعزل عن بيان حكمة الشريعة‬
‫وعن المعاني التي انبنت عليها اللفاظ‪ ،‬وهي علل الحكام القياسية")‪.(1‬‬
‫بالضافة إلى هذا‪ ،‬فقد تشكلت ظاهرة الختلف التي استهلكت مجهودات‬
‫الفقهاء والصوليين‪ ،‬وقد أشار إليها الشاطبي في مواضع عدة من‬
‫"الموافقات"‪ ،‬حيث يقول في إحداها "لقد كنا قبل شروق هذا النور نتخبط‬
‫خبط عشواء‪ ،‬وتجري عقولنا في اقتناص مصالحنا على غير السواء‪ ،‬لضعفها‬
‫عن حمل هذه العباء‪ ،‬ومشاركة عاجلت الهواء على ميدان النفس التي هي‬
‫من بين المنقلبين مدار السواء‪ ،‬فنضع السموم على الدواء مواضع الدواء‪،‬‬
‫طالبين للشفاء كالقابض على الماء‪ ،‬ول زلنا نسبح بينها في بحر الوهم فنهيم‬
‫ونسرح من جهلنا بالدليل‪ ،‬في ليل بهيم‪ ،‬ونستنتج القياس العقيم‪ ،‬ونطلب آثار‬
‫الصحة من الجسم السقيم‪ ،‬ونمشي أكبابا ً على الوجوه ونظن أننا نمشي‬
‫على الصراط المستقيم")‪.(2‬‬
‫دد نظام الدلة الشرعية‪ ،‬والذي وعاه الشاطبي‬
‫نتيجة لهذا الظطراب الذي ه ّ‬
‫تمام الوعي‪ ،‬جعل قضية القطع أو اليقين مسألة محورية في مشروعه بحيث‬
‫أقرها مباشرةً في المقدمة التي يقول فيها "إن أصول الفقه في الدين‬
‫ة إلى كليات الشريعة‪ ،‬وما كان‬
‫قطعية ل ظنية‪ ،‬والدليل على ذلك أنها راجع ٌ‬
‫كذلك فهو قطعي")‪.(3‬‬
‫بهذا المعنى نجد أن العلقات التي تجمع بين مظامين نظرية المقاصد من‬
‫جهة والوضعية العامة للفكر الصولي الذي ينظم إنتاج المعرفة الجتهادية في‬
‫ذلك العصر بدأت تظهر‪.‬‬
‫وبسبب هذا التناسب الوارد ذهب عبدالمجيد الصغير إلى القول بأن بعض‬
‫مباحث المقاصد تشكل مشروع النقاذ المعرفي‪ ،‬فيقول مثل في بيان قضية‬
‫اليقين عنده "لقد فتح الشاطبي‪ ...‬في علم الصول الطريق المضمون‬

‫‪53‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫اليقين‪ ،‬الموصل مباشرةً إلى إدراك مقاصد الشرع وحكمته‪ ،‬وذلك بفعل تغير‬
‫منهجي عميق كان من خلله واعيا ً منذ البداية بضرورة مراجعة علم أصول‬
‫الفقه‪ ،‬ونقد أدبياته المتأخرة خاصة‪ ،‬مبينا ً حدود الستفادة منها‪ ،‬وضرورة‬
‫تطويرها لجل إنقاذ علم الصول ذاته‪ ،‬ما دام علماء الصول قد ظلوا في‬
‫غفلة عن القيمة الجرائية")‪ .(4‬هذا الفهم تؤكده إشارات أخرى وضعها‬
‫الشاطبي يبّين فيها أن نظرية المقاصد تمثل فعل ً مشروع تطهير لعلم‬
‫الصول‪.‬‬
‫هذه العملية كما بينها طه عبد الرحمن مبنية في ذهنية الشاطبي على كيفية‬
‫تحويل العلقات الستمدادية التي تربط علم الصول بالعلوم الخرى من‬
‫"حالة التداخل البتذالي" إلى حالة "التداخل الجرائي")‪ .(5‬وقد أشار إلى‬
‫هذه الفكرة الشاطبي نفسه في المقدمة الرابعة التي وضعها في‬
‫"الموافقات"‪ ،‬وهي تنص على أن "كل مسألة مرسومة في أصول الفقه‬
‫لينبني عليها فروع فقهية أو آداب شرعية أو لتكون عونا ً في ذلك فوضعها‬
‫في أصول الفقه عارية")‪ ،(6‬والتداخل الجرائي يقصد من حصر تلك الباحث‬
‫الثانوية كاللغة في إطارها الوظيفي الجرائي‪ ،‬بمعنى أنه ينظر إليها كأدوات‬
‫تخدم غايات أعلى منها وهي المقاصد‪.‬‬
‫ومن أجل تحقيق هذا التحول المعرفي في بنية الخطاب الصولي اعتمد‬
‫الشاطبي على معيارين؛‬
‫المعيار الول‪ :‬ينص على التمييز في المعارف المندرجة في أصول الفقه بين‬
‫المسائل المتأصلة والمسائل العارية‪.‬‬
‫المعيار الثاني‪ :‬يقوم على التمييز بين ما يدخل في الفقه وما يدخل في‬
‫أصوله‪ ،‬وبين ما يدخل في الفقه ول يدخل في أصوله‪،‬فـ"ليس كل ما يفتقر‬
‫إليه الفقه يعد من أصوله ")‪.(7‬‬
‫ويوضح طه عبد الرحمن مآل هذه الجراءات بقوله "فبمقتضى المعيار الول‬
‫أخرج أبو إسحاق من المعارف المتداخلة مع الصول كل المعارف الخادمة‬
‫لهذا العلم أو بإصطلحه المعارف العارية‪ ...‬وبمقتضى المعيار الثاني أخرج‬
‫من المعارف المتداخلة مع الصول كل المعارف التي تدخل في الفقه ول‬
‫تدخل في أصوله مثل بعض المسائل الكلمية التي اقحمت في هذا العلم‬
‫والتي تبحث فيها علوم مستقلة معتبرة")‪.(8‬‬
‫)‪(3 /‬‬
‫والنقطة الخيرة التي توضح لنا هذا الرتباط الوثيق بين المقاصد وعلم‬
‫الصول تتمثل في قضية الختلف التي أشرنا إليها حيث لمح إليها الشاطبي‬
‫قائل‪" :‬ليكون هذا الكتاب عونا ً لك في سلوك الطريق وشارحا ً لمعاني الوفاق‬
‫والتوفيق ل ليكون عمدتك في كل تحقق وتحقيق ومرجعك في جميع ما يعن‬
‫لك من تصور وتصديق إذ قد صار علما ً من جملة العلوم ورسما ً كسائر‬
‫الرسوم وموردا ً لختلف العقول وتعارض الفهوم")‪.(9‬‬
‫هذا النص يوحي بعلقة مضمون المقاصد مع ظاهرة الختلف التي تمثل‬
‫جزءا ً من أزمة علم الصول‪ .‬بل إنه حتى المتأخرين الذين تكلموا عن موضوع‬
‫المقاصد مثل ابن عاشور قد أشاروا إلى هذه الظاهرة التي تمثل الدافع‬
‫المعرفي الذي أنتج الفكر المقاصدي‪.‬‬
‫يقول ابن عاشور في مقدمة كتابه "مقاصد الشريعة"‪" :‬هذا الكتاب قصدت‬
‫منه إلى إجلء مباحث جليلة من مقاصد الشريعة السلمية‪ ،‬والتمثيل لها‬

‫‪54‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وللحتجاج والثبات لتكون نبراسا ً للمحققين في الدين ومرجعا ً بينهم عند‬
‫اختلف النظار وتبدل العصار‪ ،‬وتوسل ً إلى إقلل الختلف بين فقهاء‬
‫المصار‪ ...‬وقد يظن ظان أن في مسائل علم أصول الفقه غنية لمتطلب هذا‬
‫الغرض بيد أنه إذا تمكن من علم الصول رأى رأي اليقين أن معظم مسائله‬
‫مختلف فيها بين النظار‪ ،‬مستمر بينهم الخلف في الفروع لن قواعد الصول‬
‫انتزعوها من صفات تلك الفروع‪ ،‬إذ كان علم الصول لم يدون إل بعد تدوين‬
‫الفقه بزهاء قرنين‪ ...‬لذلك لم يكن لعلم الصول منتهى ينتهي إليه حكم‬
‫المختلفون في الفقه وتعذر الرجوع إلى وحدة أو تقريب الحال")‪.(10‬‬
‫هذا النص بّين لنا فيه ابن عاشور ملمح معرفية أخرى تسببت في تشكل‬
‫ظاهرة الختلف‪ ،‬وهي أو ً‬
‫ل‪ :‬بناء الصول على فروع بحيث يصعب الحسم فيها‬
‫ً‬
‫مستدل ً بدليل تاريخي كما هو واضح‪ .‬وثانيا‪ :‬أوضح أن طبيعة الصول نفسها‪-‬‬
‫نتيجة لذلك‪ -‬ينقصها الطار الكلي وعبر عنه ب"المنتهى" الذي يحسم في‬
‫القضية المختلف فيها‪.‬‬
‫)‪ -(2‬جذر البنية الجتماعية‪ :‬والمقصود بها العوامل الجتماعية التي شكلت‬
‫بوضوح مباحث ومنهجية أعتمد عليها الشاطبي في "الموافقات" سواًء كان‬
‫ذلك بطريقة مباشرة أو غير مباشرة‪ .‬وبعبارة أخرى ما هو الدورالذي قام به‬
‫التفاعل الناتج عن التصور القائم عن "البدعة" كمفهوم مركزي له دللته بين‬
‫أفراد وسلطات معينة في المجتمع السلمي يسهم في تشكيل نمط معين‬
‫من الخطاب المعرفي الذي يحاول أن يبني نظم التصال والفهم بخطاب‬
‫الوحي‪ ،‬والذي يراه الشاطبي حل ّ لنقاذ ‪-‬ليس للجانب النظري من الزمة‬
‫فقط‪ -‬بل كذلك الجانب التطبيقي‪ ،‬أي "حركة التأسي الجتماعية" ‪.‬‬
‫ينظر الشاطبي إلى البدعة في تميزها عن المعصية ‪-‬التي ل تعدو أن تكون‬
‫تعطيل للشرع وتهاونا في اللتزام به دون ادعاء تشريع لموقف آخر‪ -‬بحيث‬
‫يعرفها "بأنها طريقة في الدين مخترعة تضاهي الطريقة الشرعية يقصد‬
‫بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه")‪ .(11‬وأشار الشاطبي إلى‬
‫هذا المعرقل المعرفي "البدعة" بقوله ‪":‬كثرت البدعة وعم ضرها‪،‬‬
‫واستطالت شرورها‪ ،‬ورام النكباب على العمل بها وسكت المتأخرون على‬
‫النكار لها‪ ،‬وخلفت بعده خلوف وشرائع جهلوا أو غفلوا عن القيام بفرض‬
‫القيام فيها‪ ،‬فصارت كأنها سنن مقررات وشرائع من صاحب الشرع‬
‫محددات‪ ،‬فاختلط المشروع بغيره‪ ،‬فعاد الراجع الى محض السنة كالخارج‬
‫عنها")‪.(12‬‬
‫نفهم من هذا النص أن ما "قبل المعرفي" الذي كان يوجه فكر الشطبي كان‬
‫جزء منه نابع من تقلب الحوال والعصار بتعبير ابن خلدون‪ ،‬التي أّثرت بل‬
‫شك على تحديد مفهوم التأسي الذي يجب أن يتوافق مع دللت الوحي‪ ،‬وأن‬
‫هذا التأثر هو الذي يعطي للمقاصد بعدها الصلحي‪" ،‬أما كيف أسس مذهبه‬
‫الصلحي على مقاصد الشريعة‪ ،‬فان ابن عاشور يحلل هذا الجنب‪ ،‬فيذكر أنه‬
‫لما رأى ما عليه المجتمع السلمي من انحلل‪ ،‬نهضت في نفسه همة‬
‫الصلح‪ ،‬ولكنه بقي حائرا في اختيار المنهج الذي يتوخاه لصلحه‪ ،‬وكانت‬
‫حيرته بين منهجين هما‪ :‬مذهب إخوان الصفا ومذهب الصوفية‪ ،‬لكنه عدل‬
‫عنهما معا‪ .‬فقد رأى عند إخوان الصفا نزعة نظرية تفصل الفكر عن العمل‪،‬‬
‫ورأى عند الصوفية طريقة بعيدة الصواب‪ ،‬حيث ينتهون الى الباطن ويعرضون‬
‫عن الفكر وعن الواقع معا")‪.(13‬‬
‫قد يصعب إرجاع هذا التأسيس إلى هذا التعليل الشعوري المبني على‬
‫"الحيرة"‪ ،‬لن هذا المفهوم الخير مفهوم بسيط ل يمكن أن ينتج وحده‬
‫‪55‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫معرفة مركبة مثل نظرية المقاصد‪ .‬إذ لهذا الغرض يشترط أن تتوفر عوامل‬
‫أخرى موضوعية أقوى من هذا السبب البسيط‪.‬‬
‫وفي هذه الحالة يكون تفسير المقاصد في إطار تطور الفكر الصولي على‬
‫طريقة تغير النساق إتجاها ً بناءا لفهم هذه الظاهرة الفكرية‪ ،‬التي بّينا أنها‬
‫تداخلت في تشكيلها عدة عوامل موضوعية ل يمكن الستغناء عنها‪.‬‬
‫________________________________________‬
‫)‪ (1‬المرجع السابق‪،‬ص ‪.246‬‬
‫)‪ (2‬المرجع السابق‪،‬ص ‪.13‬‬
‫)‪(4 /‬‬
‫)‪ (3‬إن تداخل العوامل الجتماعية في النظام السلمي المعرفي له مفاهيم‬
‫و نواضم معرفية شرعية تختلف تماما على النحو الذي تتبناه البستمولوجية‬
‫الغربية‪ ،‬مثل إبستمولوجية التطورية عند بوبر التي تعتبر المجتمع ل يؤثر‬
‫فقط في المعرفة بل يولدها كذلك أي يخلقها بدرجة أن أصبح مرجعية‬
‫"مطلقة"بمعنى ما‪.‬‬
‫)‪ (4‬المرجع السابق‪،‬ج ‪،1‬ص ‪.13‬‬
‫)‪ (5‬المرجع السابق‪،‬ج ‪،1‬ص ‪.19‬‬
‫)‪ (6‬عبد المجيد صغير‪،‬الفكر الصولي وإشكالية السلطة العلمية في‬
‫السلم‪،‬ط ‪،1‬دار المنتخب العربي‪،1994،‬ص ‪.470‬‬
‫)‪ (7‬أنظر طه عبد الرحمان‪ ،‬المرجع السبق‪،‬ص ‪.95‬‬
‫)‪ (8‬الشاطبي‪،‬المرجع السابق‪،‬ج ‪،1‬ص ‪.42‬‬
‫)‪ (9‬طه عبد الرحمان‪،‬المصدر السابق‪،‬ص ‪.94‬‬
‫)‪ (10‬الشاطبي الموافقات‪،‬ج ‪،1‬ص ‪.23‬‬
‫)‪ (11‬عبد المجيد الصغير‪،‬المرجع السابق‪،‬ص ‪.498‬‬
‫)‪ (12‬الطاهر ابن عاشور‪،‬المرجع السابق‪،‬ص ‪5‬و ‪.6‬‬
‫)‪ (13‬الشاطبي‪ ،‬العتصام‪ ،‬ط ‪ ،1‬دار المعرفة‪ ،‬بيروت‪.1989،‬‬
‫نظرية المقاصد عند المام الشاطبي؛‬
‫دراسة في بنية التشكل المعرفي لعلم المقاصد )‪(3/3‬‬
‫د‪ .‬بدران بن الحسن ‪23/11/1426‬‬
‫‪25/12/2005‬‬
‫المبحث الثالث‪ :‬الليات الداخلية لنظرية المقاصد‪.‬‬
‫إن التأسيسات النسقية الشاملة كالتي قام بها الشاطبي في نظرية المقاصد‬
‫في مجال أصول الفقه تتضمن مجموعة من الليات البنائية الداخلية يتأسس‬
‫عليها الطار العام للفكرة‪ ،‬وتتولد عنها معارف جديدة تستهدفها الشروط‬
‫التي قامت من أجلها تلك النظرية‪.‬‬
‫لهذا السبب يصبح اكتشاف العلقات الوظيفية التي تنبني عليها هذه الليات‬
‫ضرورة ملحة‪ ،‬لنها تفتح بابا لفهم أعمق‪ ،‬كما أن ممارسة عملية البحث‬
‫والتقصي والحفر في المحيط المعرفي الذي تشغله قد يؤدي إلى اكتشاف‬
‫آليات ثانوية على مستوى المصطلحات الفردية‪.‬‬
‫ولبيان معنى هذه الفكرة أحاول أن حلل مفهومين أساسين اعتمد عليهما‬
‫الشاطبي في تأسيس مشروعه وهما‪ :‬مفهوم الستقراء‪ ،‬ومفهوم المصلحة‪.‬‬
‫‪ .1‬مفهوم الستقراء‪:‬‬
‫اعتمد الشاطبي كثيرا على الستفراء لتأسيس ما سماه البعض بمعقولية أدلة‬

‫‪56‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫الستنباط الشرعية المنبنية على القطع ل على الظن كما ذهب إليه إعتقاد‬
‫كثير من الصوليين‪ ،‬إذ منذ البداية أعلن الشاطبي أن تأسيساته الصولية‬
‫العامة مبنية على هذا لمنهج الذي ارتضى البعض أن يسميه منهج "تراكم‬
‫الدلة"‪ ،‬حيث يقول‪" :‬ولما بدا لي من مكنون السر ما بدا ووفق الله الكريم‬
‫لما شاء منه وهدى لم أزل أقيد من أوابده وأضم من شواهده تفاصيل وجمل‬
‫وأسوق من شواهده في مصادر الحكم وموارده مبينا ل مجمل معتمدا على‬
‫الستقراءات الكلية غير مقتصر على الفراد الجزئية ومبينا أصولها النقلية‬
‫بأطراف من القضايا العقلية حسبما أعطته الستطاعة والمنة")‪.(1‬‬
‫والقطع في منهج الستقراء كما يراه الشاطبي يتأسس من خلل قانون‬
‫تظافر أو تعاضد الدلة الجزئية الظنية‪" ،‬وإنما الدلة المعتبرة هنا المستقرئة‬
‫من جملة أدلة ظنية تظافرت على معنى واحد حتى أفادت فيه القطع‪ ،‬فإن‬
‫للجتماع من القوة ما ليس للفتراق‪ ،‬ولجله أفاد التواتر القطع‪ ،‬وهذا نوع‬
‫منه‪ ،‬فإذا حصل استقراء أدلة المسألة مجموعا يفيد العلم فهو الدليل‬
‫المطلوب‪ ،‬وهو شبيه بالتواتر المعنوي")‪.(2‬‬
‫كما يرى الشاطبي أن إهمال بعض قدماء الصوليون الشارة إلى أهمية‬
‫الستقراء لدلة الشريعة التفصيلية وقواعدها الكلية ومقاصدها العامة وقلة‬
‫إعتنائهم بربط تلك الدلة بعضها ببعض قد جعلهم مقصرين في تنبيه غيرهم‬
‫من الخلف إلى قطعية الدلة المستقرأة من أصول الشريعة‪ ،‬بل إن ذلك‬
‫الهمال أبقى المتأخرين في بحثهم عن كل مسألة فقهية أو أصولية سجناء‬
‫للفتن‪ ،‬بعيدين عن اليقين والتفاق‪ ،‬قريبين من الظن والختلف والفتراق‪،‬‬
‫غافلين عن روح المسألة المستفادة حتما من الستقراء‪ ،‬والمراد إثبات‬
‫القطع لها‪ ،‬بفضل الربط بين أغلب جزئياتها‪ ،‬وإدراك الجامع بينها")‪.(3‬‬
‫والقطع في هذا النسق يجب أن يفهم كذلك في إطار مضمون الفكر‬
‫المقاصدي‪ ،‬بمعنى أخذه بالدللة المضمونية ل الصورية‪ ،‬إذ هذا يفسر لقارئ‬
‫كتاب "الموافقات" سبب بروز أسلوب الحتجاج الذي يمارسه الباحث في‬
‫العلوم الحية كالعلوم النسانية‪ ،‬لنه إذا أخذنا القطع بالمفهوم الصوري فإنه ل‬
‫ينبغي أن يظهرذلك السلوب بهذه الدرجة‪ .‬ويبدو واضحا أن الشاطبي يقول‬
‫بالضرب الثاني‪ ،‬فالقطع الذي يعنيه هو يقين القضايا الكلية الذي يستفاد‬
‫بطريقة الستقراء من أدلة الشريعة‪ ،‬ويتصف بالطراد والثبات والحاكمية‪،‬‬
‫فقد كان ل يضره على الطلق أن يتوسل فيه بأليات الستدلل المشروعة‬
‫والمنقولة عن الصوليين‪ ،‬فضل عن أليات استدللية أخرى اختص بها ل تقل‬
‫حجاجية عن هذه الستدللت المنقولة‪ ،‬بل التساق جائز كل الجواز بين‬
‫المضمون القطعي والستدلل الحجاجي)‪.(4‬‬
‫)‪(5 /‬‬
‫ونان آلية الستقراء يدوران‬
‫ولعله من المهم الشارة إلى أن القطبين الذين يك ّ‬
‫بين ما سماه كليات الشريعة وبين جزئياتها‪ ،‬والشاطبي في تحديده النظام‬
‫الذي يحتضنه كان في قمة الذكاء والعبقرية‪ ،‬إذ في الوقت الذي يؤكد أن‬
‫الكلي نصل إليه عن طريق الحالت الجزئية‪ ،‬يبّين في الوقت نفسه أن الكلي‬
‫له سلطة أقوى من تلك الجزئيات‪ ،‬فخرم هذه الخيرة ل يؤدي أبدا إلى انهيار‬
‫القضايا الكلية‪ .‬بالرغم من أن هذا قد ل يتناسب مع الفقه الذي تدور مباحثه‬
‫حول أفراد جزئية‪ ،‬فإن هذه المقولة يبقى لها أثر معرفي هام قد يساعد على‬
‫اكتشاف نظام جديد لمنهجية الستقراء‪ .‬وهذا التوجه يخالف ما ذهبت إليه‬

‫‪57‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫البتسمولوجيا المعاصرة خاصة في نظرية بوبر "الدحض والتكذيب" التي تقر‬
‫أنه بمجرد مخالفة عينة واحدة للقضية الكلية فإن القيمة العلمية لهذه الخيرة‬
‫تسحب منها‪.‬‬
‫وفي هذه النقطة يقول الشاطبي مبينا نظامه الستقرائي‪" :‬وكانت الجزئيات‬
‫هي أصول الشريعة فما ‪ .....‬مستمدة من تلك الصول الكلية ‪ -‬شأن‬
‫الجزئيات مع كلياتها في كل نوع من أنواع الموجودات ‪ -‬فمن واجب اعتبار‬
‫تلك الجزئيات بهذه الكليات ‪ ...‬إذ محال أن تكون الجزئيات مستغنية عن‬
‫كلياتها فمن أخذ بالنص مثل في جزء معرضا عن كلي فقد أخطأ‪ ،‬كذلك من‬
‫أخذ بالكلي معرضا عن الجزئي")‪.(5‬‬
‫والحاصل أنه ل بد من اعتبار خصوص الجزئيات مع اعتبار كلياتها وبالعكس‪،‬‬
‫وهو منتهى نظر المجتهدين بالطلق ‪ ...‬وما قرر في سؤال على الجملة‬
‫صحيح‪ ،‬إذ الكلي ل ينخرم بجزئي ما‪ ،‬والجزئي محكوم عليه بالكلي‪ ،‬لكن‬
‫بالنسبة إلى ذات الكلي والجزئي ل بالنسبة للمور الخارجية" "لن المتخلفات‬
‫الجزئية ل ينتظم منها كلي يعارض هذا الكلي الثابت)‪.(6‬‬
‫‪ .2‬مفهوم المصلحة‪:‬‬
‫يأخذ مفهوم المصلحة موقع المركز)‪ (7‬في نظرية المقاصد‪ ،‬إذا كان معتبرا ً‬
‫من جانبين؛‬
‫الجانب النظري نشأ حين ناقش الشاطبي خطاب الوحي وأعتبر أن "وضع‬
‫الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والجل معًا‪ ،‬وهذه الدعوة لبد من‬
‫ة أو فسادا ً ‪ ...‬والمعتمد انما هو أن المقر بين من‬
‫إقامة البرهان عليها صح ً‬
‫الشريعة انما وضعت لمصالح العباد إستقراًء لينازع فيه الرازي)‪ ".(8‬هذا‬
‫الحصر للشريعة في تحقيق المصالح تجعل تحديد مفهوم المصلحة في‬
‫المستويات المختلفة ‪ -‬الفردية والجماعية ‪ -‬من المباحث الساسية التي يجب‬
‫أن نحدد معالمها‪.‬‬
‫أما الجانب العلمي‪ ،‬فإنه يتشكل من الوجه الذي يدل على أحد المفاهيم التي‬
‫تشكل بنيوية التفاعل الجتماعي وحركته‪ .‬إذ تفهمه في إطار النظام الشامل‬
‫الذي يصوغ "الوعي الجماعي" لمجتمع بوجه الذي يساعد على قيام محاولة‬
‫الصلح فيه‪ .‬بعبارة أخرى‪ ،‬أن تنظيم تحقق هذا المفهوم واقعيا ً بين الفراد‬
‫والجماعات‪ ،‬خاصة في الفضاء الجتماعي‪ ،‬الذي تتداخل فيه سلطات متباينة‬
‫في اتجاه الصراع و المنافسة ‪-‬التي ميزت المجتمع السلمي في فترات‬
‫متعددة من تاريخ تطوره حتى ا ّ‬
‫لن ‪-‬تمثل في الحقيقة نصف مشروع‬
‫المقاصد‪.‬‬
‫نتيجة لطبيعة التموقع الدللي الذي شغله هذا المفهوم أولى الشاطبي له‬
‫إهتماما خاصا‪ ،‬بحيث بّين فيه مختلف جوانب التداخل الدللي‪ ،‬والفهم الذي‬
‫يمكن أن يحصل من هذا المصطلح‪ ،‬معتمدا في ذلك على عمليات التقسييم‬
‫والترتيب‪.‬‬
‫وقد عرف الشاطبي المصلحة قائل‪" :‬وأعني بالمصالح ما يرجع إلى قيام حياة‬
‫النسان وتمام عيشه ونيله ما تقتضيه أوصافه الشهوانية والعقلية على‬
‫الطلق حتى يكون منعما على الطلق)‪".(9‬‬
‫ولم يقف عند الحد الذي كان الجانب المادي فيه بارزا‪ ،‬بل ذهب إلى بيان‬
‫التمييز بين أنواعها‪ ،‬وقسم المصلحة إلى قسمين؛ القسم الول مصلحة‬
‫تتعلق "بمواقع الوجود" وهي مصلحة إضافية نسبية غير ذاتية نتيجة لتداخلها‬
‫مع المفسدة‪ ،‬فحسب قوله "هذه الدار وضعت على المتزاج بين الطرفين‬
‫والختلط بين القبلتين ولهذا قال تعالى‪" :‬ونبلوكم بالشر والخير فتنة"‪ .‬ولما‬
‫‪58‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫كان المر كذلك فالتمييز بينهما حسب رأيه يقوم على قاعدة " الفهم على‬
‫مقتضى ما غلب")‪.(10‬‬
‫أما القسم الثاني من المصالح فيدل على جهة تعلق الخطاب الشرعي بها‪،‬‬
‫وهي خالصة "غير مشوبة بشيء من المفاسد ل قليل ول كثير‪ ،‬وإذا توهموا‬
‫بأنها مشوبة فليس في الحقيقة الشرعية كذلك لن المصلحة المغلوبة أو‬
‫المفسدة المغلوبة إنما المراد بها بما يجري باعتبار الكسب من غير الخروج‬
‫إلى زيادة تقتضي تلفت الشارع إليها عن الجملة)‪".(11‬‬
‫لهمية هذا المصطلح يقول عبد المجيد الصغير‪" :‬إن محاولة الشاطبي‬
‫تستهدف إعادة النظر وتعميق الرؤيا إلى نفس المفهوم‪ ،‬مفهوم المصالح‬
‫الذي سيصبح بجانب مفهوم المقاصد المركز والمحور الذي يدور حوله‬
‫مشروع الشاطبي بكامله‪ ،‬في حين تأتي سائر المفاهيم الخرى مجتمعة‬
‫بدللت منهجية ترمي إلى تأسيس رؤية جديدة حول المفهوم المركزي")‬
‫‪.(12‬‬
‫)‪(6 /‬‬
‫والشاطبي في نظامه المقاصدي إنما يسعى إلى تأسيس المصلحة في‬
‫مفهومها الثاني لنها تمثل أكمل وجه يمكن أن يتحقق فيها‪ ،‬يقول‪" :‬المصالح‬
‫المجتلبة شرعا والمفاسد المستدفعة إنما تعتبر من حيث تقام الحياة الدنيا‬
‫للحياة الخرى ل من حيث أهواء النفوس في جلب المصالح العادية أو درء‬
‫المفاسد العادية)‪."(13‬‬
‫بهذا يتبين لنا اتجاه المشروع المقاصدي في تحديد مفهوم خاص بالمصلحة‬
‫والتي يعتمد عليها كوسيلة أساسية لصلح الفوضى الجتماعية الناتجة عن‬
‫غموض دللته التي يجب أن تكون مطابقة للوحي‪ .‬هذا المقصد هو الذي‬
‫تسعى إليه النظرية لتأسيسه في نظام صارم دقيق يحدد معالمه النظرية‬
‫وتطبيقياته في الفضاء الجتماعي الذي يشغله‪.‬‬
‫المبحث الرابع‪ :‬القيمة المعرفية لنظرية المقاصد‪.‬‬
‫بصفة عامة إن التجاهات التي تناولت مبحث المقاصد بالتحليل والنقد يمكن‬
‫حصرها في اتجاهين؛ التجاه الول يعتبر المقاصد جزئا متميزا من أصول‬
‫الفقه فينضم بذلك إلى القسام الخرى كقسم الدلة وقسم الحكام)‪،(14‬‬
‫أما التجاه الثاني فهو الذي ينظر إليها باعتبارها نظاما كليا جديدا يحمل‬
‫مميزاته الذاتية القادرة على إحداث "قفزة معرفية" علمية‪ ،‬تحدث تغييرات‬
‫جذرية في مفاهيم المعرفة‪ ،‬وذلك مثل ً من خلل آلية "الكلية والجزئية"‪.‬‬
‫ظهرت في هذا التجاه الثاني وجهات نظر متعددة تؤكد مرة أخرى الكلم‬
‫الذي ذهبنا إليه في المقدمة بأن نظرية المقاصد يجب النظر إليها وتقييمها‬
‫بمعيار "العامل المعرفي" الذي تدخل في تركيبه عوامل عدة مشكلة "عقبة‬
‫معرفية"‪ ،‬وتجاوز هذه الخيرة هو المبدأ الذي يقوم علية معيار التقييم‪.‬‬
‫فقد ذهب عابد الجابري إلى اعتبار المقاصد نقلة في النظام المعرفي‬
‫بالمعنى الذي يعتبر فيه أنه علم يخرج أحكام الفقه من المعالجة البيانية إلى‬
‫التنسيق البرهاني)‪ .(15‬وهو يستند في ذلك إلى بعض المحاولت التي سعى‬
‫الشاطي لبنائها‪ ،‬ومثال ذلك‪ ،‬مفهوم المعقولية التي يريد إضفائها على‬
‫الحكام الشرعية بناءا على مفهوم القطع‪ .‬هذه العملية حسب الجابري توازي‬
‫تشكل اليقين في العقليات‪ ،‬إذ يقول‪" :‬كيف يمكن بناء معقولية في‬
‫الشرعيات على القطع وهو يوازي اليقين في العقليات ونحن نعلم أنها تعتمد‬

‫‪59‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫النقل وليس من إنشاء العقل؟ يجيب الشاطبي إن ذلك ممكن جدا إذا نحن‬
‫اعتمدنا على الطريقة البرهانية فبنينا أصول الفقه على كليات الشريعة وعلى‬
‫مقاصد الشرع‪ ،‬وإن كليات الشريعة تقوم مقام الكليات العقلية في العلوم‬
‫النظرية‪ ،‬أما مقاصد الشرع فهي السبب الغائي الناظم للمعقولية)‪."(16‬‬
‫بل يذهب الجابري إلى أبعد من ذلك‪ ،‬حين حاول أن يكشف عن هذه العلقة‬
‫بعد بيان أنواع المقاصد التي حددها الشاطبي وهي أربعة‪ :‬المصلحة والفهم‬
‫والتكليف وإخراج المكلف من داعية هواه حتى يكون عبدا لله إختيارا كما‬
‫كان عبدا لله إضطرارا‪ .‬قال‪" :‬وما يهمنا منها هنا هو علقتها ببناء المعقولية‬
‫في ميدان الفقه‪ ،‬فهي لها علقة بالسباب عند أرسطو وهي أربعة كذلك‪ ،‬هل‬
‫نطابق مثل بين السبب المادي وبين قدرة المكلف‪ ،‬وبين السبب الصوري‬
‫ومعهود العرب‪ ،‬وبين السبب الفاعل وإخراج المكلف من داعية هواه‪ ،‬وبين‬
‫السبب الغائي ومصالح العباد؟ لنكتف بالقول أن نموذج المعقولية في‬
‫الطريقة البرهانية خلل القرون الوسطى كان نموذج أرسطو‪ ،‬ولذلك فليس‬
‫غريبا أن نجد ملمح هذا النموذج في كل محاولة لفضاء المعقولية على‬
‫البناءات الفكرية‪ ،‬سواءا منها ما له طابع فكري كالعقليات عند ابن رشد أو ما‬
‫يؤطر العقل كأصول الفقه عند الشاطبي)‪."(17‬‬
‫أما طه عبد الرحمن فذهب إلى رأي مخالف‪ ،‬نظر فيه إلى المقاصد على‬
‫أساس أنها نظرية عامة تقدم الجانب القيمي اللزم توفره في تأسيس علم‬
‫ما تأسيسا "شرعيا"‪ .‬ويرد قول الجابري بحجة يوضحها في قوله "لننا سوف‬
‫نرى أن المضامين المقصدية تندرج في نظام معرفي أنزله الجابري مرتبة‬
‫هي دون مرتبة البيان‪ ،‬إذ ينكشف على أنها مضامين عرفانية‪ ،‬فيكون النتقال‬
‫الذي حصل في علم الصول ليس انتقال إلى الفضل أي إرتفاعا في القيمة‬
‫العلمية كما إدعى هذا النقد‪ ،‬بل إنتقال إلى الخس)‪ ."(18‬ويرى أن هذه‬
‫النظرية شاملة إذا ما حاولنا أن نستقرئ فيها البعاد الخلقية في دللتها‬
‫النسقية‪ ،‬حيث يقول‪" :‬وحاصل الكلم في الوصاف الخلقية للمقاصد‬
‫الشرعية أي أن المقصود الشرعي معنوي وفطري‪ ،‬وأن القصد إرادي‬
‫وتجريدي‪ ،‬وأن المقصد حكمي ومصلحي‪ ،‬علما بأن المصلحة هي المحل‬
‫المعنوي لتحقيق الصلح‪ ،‬وعلى هذا يكون علم المقصد هو الصورة التي‬
‫اتخذها علم الخلق للندماج في علم الصول)‪."(19‬‬
‫بعد هذا يختم طه عبد الرحمن تصوره قائل‪" :‬وما الشاطبي عندنا إل أب‬
‫التداخل بين علم الخلق وعلم الصول‪ ،‬فاتحا بذلك طريقا في بناء العلم‬
‫السلمي على أسس التنسيق المتكامل الذي ل نعلم له نظيرا في السابق‬
‫ول في اللحق)‪."(20‬‬
‫خاتمة‪:‬‬
‫)‪(7 /‬‬
‫بعد هذا العرض المتواضع لبعض دللت نظرية المقاصد التي تساعدنا نسبيا‬
‫في تاريخية تشكلها وبنيتها وتحديد قيمتها العلمية‪ ،‬تبين أن العوامل التي‬
‫تظافرت وشكلت "العامل المعرفى" الذي دفع بنظرية المقاصد إلى التشكل‬
‫والتطور يكمن في عامل التطور الداخلي للفكر الصولي‪ ،‬والعامل الجتماعي‬
‫الذي شكل محفزا من هلل المشكلت التي طرحها في وجه المنهج الصولي‬
‫واضطره للبحث عن آليات جديدة ومنهج جديد لحل تلك الشكالت‪.‬‬
‫كما أن هذه النظرية يتعطل فهمها بدون فهم العلقات البنائية الوثيقة التي‬

‫‪60‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫تربطها بأصول الفقه وإشكالياته‪ ،‬كما أن المحتوى المعرفي لهذه النظرية ل‬
‫يلئم إل الغاية التي ساهمت في قيام النظرية نفسها‪ ،‬وهي تطهير علم‬
‫الصول‪.‬‬
‫ولقد تحقق تحول كبير يمكن أن يعتبر "نقلة معرفية "حين نستحضر مسار‬
‫التطور التارخي لعلم الصول‪ ،‬بحيث كانت بدايته الحاسمة مع المام‬
‫الشافعي في كتابه "الرسالة"‪ ،‬ثم تأتي محطة أخرى شيدها المام الجويني‬
‫والغزالي بمناقشة الصول في إطار النظم المنطقية‪ ،‬وبعدها تأتي المر حلة‬
‫الثالثة التي تتمثل في المقاصد التي بدأت حسب بعض التحقيقات التاريخية‬
‫مع العز بن عبد السلم ثم الشاطبي وأخيرا إبن عاشور وعلل الفاسي‬
‫والجيل الحديد من الباحثسن المعاصرين‪.‬‬
‫قد ل تكون الدلة العلمية لدينا واضحة حول قيمة هذا التطور‪ ،‬لكن نستطيع‬
‫أن نبين من خلله فكرة مهمة وهي إثبات طبيعة التطور نفسه‪ ،‬بمعنى أنه ل‬
‫يمكن أن تصمد أدلة الذين يرفضون قيام عمليات التجديد في ّآليات هذه‬
‫العلوم‪ .‬هذا الموقف يتعارض مع طبيعة هذه العلوم نفسها‪ ،‬لن هذه الخيرة‬
‫تخضع لمبدأ تاريخانية الفكار‪.‬‬
‫وأعتقد أنه إذا فهمنا هذه الحركة الخفية نتمكن من فهم مشروعية وضرورة‬
‫تطوير كثير من المناهج والدوات التي نستعملها لفهم خطاب الوحي والواقع‪،‬‬
‫لكن فلسفة هذا التطور العلمي توصف بأنها تواصلية ل إنقطاعية‪ ،‬بعبارة‬
‫أخرى أن التطوير يلزم أن يكون مبنيا على المتراكم قبليا من الفكر‪ .‬بهذا‬
‫المفهوم ننظر إلى نظرية المقاصد على أنها مشروع معرفي جزئي مرتبط‬
‫بإشكاليات ظهرت في مرحلة معينة من صيرورة الفكر السلمي‪ ،‬قد تكون‬
‫غير مستمرة في وقتنا الحاضر أو معلومة‪ ،‬لهذا فإن اعتبارها منهجية كلية‬
‫عامة يمكن العمل بها في العلوم الخرى فيه نوع من المغالطة‪ ،‬لكن تبقى‬
‫الستفادة منها مشروعة علميا و ضرورية تفرضها القواعد التي تنظم‬
‫المعارف في داخل المنظومة السلمية العلمية‪.‬‬
‫هذا أما إذا أردنا أن نفهمها بحجم ذلك التساع‪ ،‬فأعتقد أن الموقف الذي‬
‫ذهب إليه طه عبد الرحمان هو الصح‪ ،‬بمعنى أن شمولية منهجية المقاصد‬
‫تظهر فقط من زاوية الجانب القيمي والخلقي‪ .‬فإذا كانت كما عبر عنها بأنها‬
‫محاولة إدماج علم الخلق في علم الصول‪ ،‬فإنه ل يوجد مانع منهجي‬
‫لحداث نفس العملية في العلوم الخرى‪ .‬وفي هذا السياق يكون طرح‬
‫موضوع علقة النظرية بالعلوم النسانية طرحا ً بناءا‪ ،‬أما محاولة تطبيقها‬
‫ميدانيا ً لحل المشكلت الحديثة المعقدة‪ ،‬فإن هذا يدل على "ذهول منهجي"‬
‫في البنية الحقيقية للفكر والواقع معًا‪.‬‬
‫وهكذا يمكن أن نصل إلى نتيجة تركيبية تجعل نظرية المقاصد "نظرية جزئية‬
‫في المعرفة" تخص علم أصول الفقه‪ ،‬ونظرية أخلقية عامة يمكن إدراجها‬
‫في مختلف العلوم مع إبقاء إمكانية الستفادة الجزئية من بعض مضامينها‬
‫العلمية التي تخص فلسفة المعرفة بصفة عامة‪ .‬والله أعلم ‪,,,‬‬
‫قائمة المصادر والمراجع‪:‬‬
‫‪ -1‬أبو إسحق الشاطبي‪ ،‬الموافقات في أصول الفقه‪ ،‬ط ‪،1‬دار الكتب‬
‫العلمية‪1991 ،‬م‪.‬‬
‫‪ -2‬محمد الطاهر ابن عاشور‪ ،‬مقاصد الشريعة السلمية‪ ،‬الشركة‬
‫التونسيةللتوزيع‪.1978 ،‬‬
‫‪ -3‬محمد عابد الجابري‪ ،‬التراث و الحداثة‪ ،‬مركزالدراسات العربية‪ ،‬بيروت‪،‬‬
‫‪.1991‬‬
‫‪61‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫‪ -4‬محمد عابد الجابري‪ ،‬بنية العقل العربي‪ ،‬مركز الدراسات العربية‪. 1991 ،‬‬
‫‪ -5‬طه عبد الرحمان‪ ،‬تجديد المنهج في تقويم التراث‪ ،‬ط ‪ ،1‬المركز الثقافي‬
‫العربي‪ ،‬المغرب‪1994 ،‬‬
‫‪ -6‬عبد المجيد الصغير‪ ،‬الفكر ال صولي و إشكالية السلطة العلمية في‬
‫السلم‪ ،‬ط ‪ ،1‬دار المنتخب العربي‪ ،‬بيروت‪. 1994 ،‬‬
‫________________________________________‬
‫)‪ (1‬عبد المجيد الصغير‪،‬المرجع السابق‪،‬ص ‪.131‬‬
‫)‪ (2‬الشاطبي‪ ،‬الوافقات‪ ،‬ج ‪ ،1‬ص ‪.16‬‬
‫)‪ (3‬عبد المجيد الصغير‪،‬المرجع السابق‪،‬ص ‪.131‬‬
‫)‪ (4‬عبد المجيد الصغير‪،‬المرجع السابق‪،‬ص ‪.131‬‬
‫)‪ (5‬الشاطبي‪،‬الموافقات‪،‬ج ‪،1‬ص ‪.24‬‬
‫)‪ (6‬الشاطبي‪،‬الموافقات‪،‬ج ‪،3‬ص ‪ 5‬إلى ‪.9‬‬
‫)‪ (7‬عبد المجيد الصغير‪،‬المصدر السابق‪،‬ص ‪.116‬‬
‫)‪ (8‬الشاطبي‪ ،‬الموافقات‪،‬ج ‪،2‬ص ‪.6‬‬
‫)‪ (9‬نفس المرجع‪،‬ص ‪.25‬‬
‫)‪ (10‬نفس المرجع‪،‬ص ‪.25‬‬
‫)‪ (11‬نفس المرجع‪،‬ص ‪.26‬‬
‫)‪ (12‬عبد المجيد‪،‬المرجع السابق‪،‬ص ‪.472‬‬
‫)‪ (13‬نفس المرجع‪،‬ص ‪.27‬‬
‫)‪ (14‬نفس المرجع‪،‬ص ‪.29‬‬
‫)‪ (15‬الجابري‪،‬بنيةالعقل العربي‪،‬ص ‪.554‬‬
‫)‪ (16‬الجابري‪ ،‬التراث و الحداثة‪ ،‬مركز الدرسات الوحدة العربية‪ ،1991،‬ص‬
‫‪.210‬‬
‫)‪ (17‬الجابري‪،‬نفس المرجع‪،‬ص ‪.211‬‬
‫)‪ (18‬طه عبد الرحمان‪ ،‬المرجع السابق‪،‬ص ‪.97‬‬
‫)‪ (19‬نفس المرجع‪،‬ص ‪.97‬‬
‫)‪ (20‬نفس المرجع‪،‬ص ‪.122 ،97‬‬
‫)‪(8 /‬‬
‫نظرية طه حسين فى الشعر الجاهلى سرقة أم ملكية صحيحة؟‬
‫د‪.‬إبراهيم عوض‬
‫‪ibrahim_awad9@yahoo.com‬‬
‫ت أذكر تلك المحاضرة التى كنت ألقيها بين العصر والمغرب فى أحد‬
‫ما زل ُ‬
‫اليام من خريف سنة ‪1989‬م على طلب الفرقة الرابعة )قسم اللغة العربية‬
‫ب ممن‬
‫وآدابها فى كلية الداب بجامعة عين شمس بالقاهرة( حين قام طال ٌ‬
‫سِعدون أساتذَتهم بمناقشتهم فيما يقولون ول يكتفون بالسماع السلبى‬
‫يُ ْ‬
‫ّ‬
‫ت كتبُته عن الدكتور طه حسين فى كتابى "معركة‬
‫القاتل‪ ،‬فعلق على ما كن ُ‬
‫ت‬
‫الشعر ا لجاهلى بين الرافعى وطه حسين" قائل‪ :‬يبدو لى أنك قد ظلم َ‬
‫الدكتور طه فى اتهامك إياه بأنه أخذ نظريته التى تشكك فى الشعر الجاهلى‬
‫وشعرائه من المستشرق البريطانى ديفيد صمويل مرجليوث‪ .‬وكعادتى فى‬
‫مثل تلك الظروف توقفت قليل وأنا أبتسم للطالب قبل أن أرد عليه بما يشبه‬
‫اللهام‪ :‬غريبة! كيف فاتنى أن أرجع لما كتبه الدكتور طه فى كتابه "قادة‬
‫الفكر" عن الشاعر الغريقى هوميروس صاحب اللياذة قبل أن أضع كتابى‬

‫‪62‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫هذا؟ ثم أردفت قائل‪ :‬أرجو منك أن تنزل الن فتستعير ذلك الكتاب من مكتبة‬
‫الكلية وتحضره لى حتى نستكمل النقاش فى مكتبى‪ ،‬إذ يغلب على ظنى أن‬
‫طه حسين قد تطرق إلى الحديث عن الشعر الجاهلى فى أول فصول ذلك‬
‫الكتاب الذى كنت قرأته من زمن غير قريب‪ ،‬وأريد أن أرى ماذا قال فى ذلك‬
‫الموضوع‪ .‬ولم يك ّ‬
‫ذب الطالب خبرا‪ ،‬فما إن انتهت المحاضرة وعدت إلى‬
‫مكتبى وبرفقتى بعض الطلب المتحمسين لمتابعة النقاش حتى وجدته‬
‫ينتظرنى وفى يده الكتاب المستعار‪ .‬فشكرته وأخذته منه وشرعت أقلب‬
‫ص‬
‫صفحات الفصل المشار إليه‪ ،‬ولم يطل بنا النتظار‪ ،‬فقد وقع ُ‬
‫ت على ن ّ‬
‫م جدا للدكتور طه يقول فيه إنه ما كانت الحضارة السلمية‪ ،‬التى ظهر‬
‫مه ّ‬
‫جد لو لم توجد البداوة‬
‫ن ظهر ِ‬
‫ن الخلفاء والعلماء وأفذاذ الرجال‪ ،‬ل ُِتو َ‬
‫فيها َ‬
‫م َ‬
‫م ْ‬
‫العربية التى سيطر عليها امرؤ القيس والنابغة والعشى وزهير وغيرهم من‬
‫الشعراء الذين نبخسهم أقدارهم ول نعرف لهم حقهم‪ .‬هكذا بالنص على ما‬
‫ت ذلك‪ ،‬وأنا أضحك‪ ،‬بسؤال‬
‫ص للطلب ثم شفع ُ‬
‫سوف يأتى بيانه‪ .‬فأري ُ‬
‫ت الن ّ‬
‫جر المسألة قائل‪" :‬أوما تزال عند اتهامك لى بأنى ظلمت طه‬
‫الطالب الذى ف ّ‬
‫حسين؟ إن هذا الكتاب‪ ،‬كما يتضح من مقدمته‪ ،‬قد صدر قبل ظهور البحث‬
‫الذى وضعه مرجليوث عن الشعر الجاهلى بأسابيع قليلة جدا جدا مما يدل‬
‫على أن الدكتور طه لم يكن‪ ،‬حتى ظهور دراسة مرجليوث‪ ،‬يشك أدنى شك‬
‫فى صحة الشعر الجاهلى أو فى وجود شعرائه‪ .‬ثم إنه لم يكتف بذلك‪ ،‬بل ها‬
‫جدت الحضارة السلمية‪ .‬وهو كلم‬
‫هو ذا يؤكد أنه لول وجود ذلك الشعر ما وُ ِ‬
‫كبير وخطير!"‪.‬‬
‫وبعدها بقليل فوجئت بالستاذ عبد الرشيد صادق محمودى )الذى كنت قد‬
‫ت عليه فى كتابى المذكور بأن الدكتور طه ل يمكن أن يكون قد استقى‬
‫ردد ُ‬
‫عى هو(‬
‫شكه فى الشعر الجاهلى من الكاتب الفرنسى إرنست رينان كما يد ّ ِ‬
‫فوجئت به يكتب فى شهر سبتمبر بـ"الهرام" ثلث حلقات يتناول فيها ما‬
‫ن ظّنها مفحمة مما دفعنى‬
‫قلته عنه معّزًزا رأيه السابق فى الموضوع ببراهي َ‬
‫ت‪ ،‬بما‬
‫إلى التعليق على ما كتب‪ ،‬مستشهدا فى تعليقى‪ ،‬ضمن ما استشهد ُ‬
‫ت‬
‫قرأته مع طلبى من كلم الدكتور طه فى كتابه "قادة الفكر"‪ ،‬ثم أرسل ُ‬
‫الجزَء الول من هذا التعليق للصحيفة مع أحد الشخاص‪ ،‬لكن الرسول عاد‬
‫وأخبرنى‪ ،‬والعهدة عليه‪ ،‬بأنه قد فهم من كلمهم أنهم ل ينوون أن ينشروا ما‬
‫مَعاًرا إلى‬
‫ت به إليهم‪ .‬وكنت أستعد فى ذلك الحين للسفر إلى السعودية ُ‬
‫بعث ُ‬
‫جامعة أم القرى بالطائف فانشغلت بتجهيز أوراق السفر وما إلى ذلك عن‬
‫متابعة المر‪ .‬وها هى ذى السنون تدور‪ ،‬ويثير الخوان الكرام فى جريدة‬
‫"شباب مصر" هذه القضية فأجدها فرصة سانحة لمحاولة نشر ما كنت كتبته‬
‫ودة‬
‫آنذاك بعد أن حصلت‪ ،‬بشق النفس من خلل البريد المشباكى‪ ،‬على مس ّ‬
‫ة من المقال‬
‫ة المن ّ‬
‫قح َ‬
‫ودة الجزء الثانى فقط‪ ،‬ل النسخ َ‬
‫الجزء الثانى منه )مس ّ‬
‫كله(‪ ،‬وهى فى حال ي ُْرَثى لها من التهويش والتفكك بعد ذلك الزمن الطويل‪.‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫وتدور نظرية عبد الرشيد الصادق محمودى على أن إفادة طه حسين‬
‫الرئيسية فيما يتعلق بش ّ‬
‫كه فى الشعر الجاهلى مستلَهمة من المستشرق‬
‫الفرنسى إرنست رينان‪ ،‬الذى يؤكد الستاذ المحمودى أن الدكتور طه كان‬
‫على علم‪ ،‬قبل أن يضع كتابه "فى الشعر الجاهلى" بسنوات طويلة‪ ،‬بما كتبه‬
‫هو ورصفاؤه اللمان عن ذلك الشعر )انظر مقاله "منابع ألمانية وفرنسية‬

‫‪63‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫لشكوك العميد" بالصفحة الثقافية من "أهرام" الجمعة ‪ 8‬سبتمبر ‪1989‬م(‪.‬‬
‫والستاذ المحمودى يريد‪ ،‬فيما هو واضح‪ ،‬أن يخفف من التفاف الحبل حول‬
‫ن فرقٌ بين‬
‫عنق طه حسين‪ .‬إنه ل ينفى إفادته من كتابات المستشرقين‪ ،‬لك ْ‬
‫ق‬
‫سار‬
‫إفادةٍ وإفادة‪ :‬فطه حسين‪ ،‬فى حالة ثبوت الفادة من مرجليوث‪،‬‬
‫ٌ‬
‫ة ل يمكن أبرعَ المحامين أن يبّرئ ساحته منها‪ ،‬أما فى حالة الفادة من‬
‫سرق ً‬
‫رينان فلن يكون المر أمر سرقة‪ ،‬فرينان ل ينكر الشعر الجاهلى‪ ،‬بل تنحصر‬
‫الفادة فى أن طه حسين قد استخدم الفكرة التى وجدها عنده حسبما قال‪،‬‬
‫لنى لم أ َط ِّلع بنفسى على الدراسة المذكورة )وهى أن ذلك الشعر ل يعكس‬
‫دم لنا صورة الحياة الدينية‬
‫اختلف اللهجات العربية فى الجاهلية ول يق ّ‬
‫أوانذاك( استخدمها فى نقض الشعر الجاهلى‪ ،‬وعلى هذا فإنه رغم إفادته منه‬
‫دتها‪ ،‬أو‬
‫ج َ‬
‫ن بَ ْ‬
‫يبقى مفكًرا أصيل ً ل يرّدد آراء غيره‪ .‬أى أن طه حسين هو اب ُ‬
‫على القل صاحب مشاركة أصيلة فى المر ل سارقٌ يسطو على أفكار‬
‫الخرين‪ .‬وهذا هو مربط الفرس!‬
‫وقد أصدر رينان كتابه "‪Histoire Generale et Systeme Compare des Langues‬‬
‫‪ ،" Semitiques‬الذى تعّرض فيه للشعر الجاهلى فى ‪1853‬م )بالنسبة للجزء‬
‫الول(‪ ،‬و ‪1869‬م )للجزء الثانى(‪ ،‬كما عََرض رينيه باسيه آراَء المستشرقين‬
‫اللمان حول ذلك الموضوع فى كتابه عن "الشعر العربى قبل السلم" عام‬
‫‪1880‬م )انظر‪ ،‬فى تاريخ صدور الكتابين‪ ،‬نجيب العقيقى‪ /‬المستشرقون‪ /‬ط‬
‫‪ /3‬دار المعارف‪1964 /‬م‪ .223 ،202 /1 /‬ويجد القارئ ترجمة لهذه البحاث‬
‫وغيرها من البحاث المشابهة فى كتاب د‪ .‬عبد الرحمن بدوى‪" :‬دراسات‬
‫المستشرقين حول صحة الشعر الجاهلى"(‪ .‬وبالمناسبة فهاتان الحجتان‪ ،‬أو‬
‫قل‪ :‬هاتان الشبهتان‪ ،‬ل تصمدان للنظر‪ ،‬فنحن العرب الن مثل نتكلم فى‬
‫سر فهمها على غير‬
‫حياتنا اليومية اللهجات العامية المختلفة التى كثيرا ما يتع ّ‬
‫أصحابها‪ ،‬لكننا حين نكتب نصطنع اللغة الفصحى التى يفهمها الجميع‪ ،‬ول‬
‫تعارض بين هذا وذاك‪ ،‬ول يمكن أن يأتى باحث بعد عدة مئات من السنين‬
‫فينفى صحة هذا التراث العلمى والدبى الضخم بحجة أنه ل يعكس ما كنا‬
‫نتخاطب به من لهجات‪ .‬ويؤكد هذا أنه سبحانه وتعالى قد وصف القرآن‬
‫ى مبين"‪ ،‬ولم يقل‪:‬‬
‫الكريم فى أكثر من موضع منه بأنه نزل بـ"لسا ٍ‬
‫ن عرب ّ‬
‫ى‬
‫ى" مثل‪ ،‬وهذا يعنى أنه كان هناك لسا ٌ‬
‫ى أو حجاز ّ‬
‫"بلسا ٍ‬
‫ن قوم ّ‬
‫ن قرش ّ‬
‫للعرب جميعا يتواصلون به رغم اختلف القبائل واللهجات‪ .‬كما أن القول‬
‫بخلو الشعر الجاهلى من الموضوعات الدينية هو دعوى غير صحيحة‪ .‬وحتى‬
‫لو كانت صحيحة فليس معنى ذلك أن هذا الشعر مزّيف‪ ،‬فأقصى ما يمكن أن‬
‫يقال فيه حينئذ أنه شعر ناقص ل أنه شعر زائف‪ .‬هذا هو حكم المنطق‪ ،‬ولكن‬
‫خّلنا فيما نحن فيه‪ ،‬فذلك موضوع آخر!‬
‫ّ‬
‫وأريد الن أن أتتبع أفكار رينان والمستشرقين اللمان فيما كتبه المؤلفون‬
‫صرون الذين تناولوا ذلك الشعر حتى أخرج طه حسين‬
‫المصريون والمتم ّ‬
‫كتابه المذكور وكانوا متصلين بكتابات المستشرقين وبيئاتهم كى نعرف مدى‬
‫انتباه النقاد ورجال الدب لهذه الفكار واهتمامهم بها‪ .‬وأقدم هؤلء‪ ،‬فيما‬
‫نعرف‪ ،‬حسن توفيق العدل )‪1904 -1862‬م(‪ ،‬الذى كان من أوائل المبعوثين‬
‫إلى ألمانيا لدراسة الداب والتربية بجامعاتها‪ ،‬والذى اختاره اللمان للتدريس‬
‫بالمدرسة الشرقية ببرلين‪ ،‬ثم حاضر بعد ذلك فى كمبردج سنة ‪1903‬م‪،‬‬
‫وظل هناك حتى سنة ‪1904‬م‪ .‬وقد كتب العدل "تاريخ آداب اللغة العربية"‬
‫وطبعه على البالوظة عام ‪1904‬م‪ ،‬وتوجد منه نسخة مخطوطة بدار الكتب‪.‬‬
‫عنا أنه لم يكن يدور بذهنه أى‬
‫فإذا ما قرأنا ما كتبه عن الشعر الجاهلى را َ‬
‫‪64‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫حا‬
‫شك فى ذلك الشعر مع أنه عاشر المستشرقين فى أوربا طالبا وأستاذا َرد َ ً‬
‫من الزمن كما رأينا‪ .‬وبالنسبة للنقطة الخاصة بلغة الشعر الجاهلى نراه يقول‬
‫بأن أصحابه كانوا يستعملون لهجة قريش لكونها لغة العرب الدبية ولحرصهم‬
‫على شيوع شعرهم بين القبائل العربية جميعا )انظر عبد الحى دياب‪ /‬التراث‬
‫النقدى قبل مدرسة الجيل الجديد‪ /‬دار الكاتب العربى‪ /‬القاهرة‪1968 /‬م‪/‬‬
‫‪ ،93 -90‬ود‪ .‬عبد العزيز الدسوقى‪ /‬تطور النقد العربى الحديث فى مصر‪/‬‬
‫الهيئة المصرية العامة للكتاب‪1977/‬م ‪.(186 -183/‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫معَّرب اللياذة الذى كتب مقدمة ضافية لها‬
‫ولدينا كذلك سليم البستانى ُ‬
‫عرض فيها للشعر الجاهلى وقرر وثاقة الطريقة التى انتقل بها‪ ،‬ومن ثم‬
‫فذلك الشعر منذ المهلهل بن ربيعة صحيح لديه‪ ،‬وإن لم يخل بعضه من النقد‬
‫والشبهات )وهذا نص عبارته(‪ .‬وبالمثل نراه يقّرر أن العرب‪ ،‬وإن اختلفت‬
‫لهجاتهم‪ ،‬كانوا يؤلفون شعرهم ونثرهم بلهجة قريش لنها أفصح اللهجات‪،‬‬
‫فضل عن أن سدانة هذه القبيلة للكعبة ك ََتب للهجتها السيادة‪ .‬كما أكد أن‬
‫الشعر الجاهلى يصور الحياة العربية فى ذلك الوقت أدق تمثيل )انظر‬
‫ترجمته لللياذة‪ /‬مطبعة الهلل‪1904 /‬م‪ .(121 -120 ،107،111 /1 /‬ومن‬
‫هذا يتضح لنا أنه ل يوجد أى انعكاس لشكوك المستشرقين فيما كتب‬
‫البستانى عن ذلك الشعر‪ .‬بل إنه لم يذكر أّيا منهم‪ ،‬اللهم إل رينان‪ ،‬وفى‬
‫معرض الثناء على شعر هوميروس مما ل علقة له بقضية الشك فى الشعر‬
‫حظ أنه كان مطمئنا تمام الطمئنان للشعر‬
‫الجاهلى البتة )ص ‪ .(24‬والمل َ‬
‫الجاهلى فى ذات الوقت الذى كان يعى فيه أن بعض الدارسين الغربيين فى‬
‫أواخر القرن الثامن عشر كانوا يشكون فى وجود هوميروس )ص ‪.(25‬‬
‫ومن هؤلء المؤلفين المطلعين على كتابات المستشرقين والمتصلين بهم‬
‫اتصال مباشرا أيضا جرجى زيدان‪ ،‬الذى تبحث فيما س ّ‬
‫طره عن الشعر‬
‫الجاهلى فى كتابه "تاريخ آداب اللغة العربية" المملوء بالمراجع الستشراقية‬
‫عن أثر لما كتبه رينان أو نولدكه أو آلفارت عن هذا الشعر ومدى صحته أو‬
‫عدمها‪ ،‬فل تجد لشىء من ذلك ظل ّ أىّ ظل‪ .‬وحتى فى المسألة الفرعية‬
‫المتصلة بالمعّلقات وهل عُّلقت فعل ً على أستار الكعبة أ َوْ ل َ نراه يرفض شك‬
‫المستشرقين فى ذلك المر‪ .‬وقد يظن بعض القراء أن جورجى زيدان ربما‬
‫لم ي ّ‬
‫طلع على كتابات أولئك المستشرقين فى ذلك الموضوع‪ ،‬فأسارع إلى‬
‫طمأنتهم بأنه قد ذكر بين مراجعه دراسات هؤلء المستشرقين الثلثة‬
‫وغيرهم حو ل هذا الشعر )انظر كتابه"تاريخ آداب اللغة العربية"‪ /‬دار الهلل‪/‬‬
‫تعليق د‪ .‬شوقى صيف‪ (167 /‬حيث يشير إلى ما كتبه نولدكه وآلفارت وليال‬
‫وسلن‪...‬إلخ‪ ،‬وكذلك كتابه "العرب قبل السلم"‪ /‬دار الهلل‪ /‬تعليق د‪ .‬حسين‬
‫مؤنس‪ 35 /‬حيث ذكر ك َِتاب رينان الذى نحن بصدده(‪.‬‬
‫أما د‪ .‬أحمد ضيف‪ ،‬ولعله أول من عََرض من المصريين لش ّ‬
‫ك بعض‬
‫المستشرقين فى الشعر الجاهلى‪ ،‬فإنه لخص موقف هؤلء المستشرقين من‬
‫ن فى ثلث فقرات ليس غير‪.‬‬
‫و‪ ،‬ولك ْ‬
‫ذلك الشعر وناقشه ورفض ما فيه من غل ّ‬
‫والملحظ أنه لم يذكر أسماء هؤلء المستشرقين بل اكتفى بالقول بأنهم‬
‫"جماعة من المستشرقين‪ ،‬خصوصا اللمانيين منهم"‪ .‬والملحظ أيضا أنه لم‬
‫م رينان فى هذا السياق‪ ،‬وإنما سماه فى سياق آخر‪ ،‬وهو مناقشته لمدى‬
‫يُ َ‬
‫س ّ‬
‫تمتع العرب بالخيال القادر على خلق الخرافات والساطير أو حرمانهم منه‬

‫‪65‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫)انظر كتابه "مقدمة لدراسة بلغة العرب"‪ /‬القاهرة‪1921/‬م‪.(62 -57 /‬‬
‫وإذا كان د‪ .‬أحمد ضيف هو أول من عرض من المصريين لشك بعض‬
‫المستشرقين فى الشعر الجاهلى فيما أعلم‪ ،‬فإن الرافعى هو أيضا‪ ،‬فى‬
‫حدود ما قرأت وما أذكر‪ ،‬أول من عرض لشك علمائنا القدامى فى ذلك‬
‫الشعر‪ ،‬وذلك فى كتابه "تاريخ آداب العرب"‪ ،‬الذى صدر سنة ‪1911‬م‪ .‬أى أن‬
‫الرافعى قد تعرض لقضية الشك فى الشعر الجاهلى قبل طه حسين بنحو‬
‫خمسة عشر عاما‪ ،‬الرافعى المت َّهم بتقديس القديم لمجرد أنه قديم ومعاداة‬
‫الجديد لمجرد أنه جديد‪ .‬ولكى يكون القارئ على بينةٍ من قيمة ما صنع‬
‫الرافعى أسوق له وصف د‪ .‬ناصر الدين السد للباب الذى عقده فى كتابه‬
‫لهذا الموضوع‪ ،‬إذ أكد أنه قد "حشد فيه من المادة ما لم يجتمع مثله من قبله‬
‫م فيه شتات الموضوع‬
‫بل ّ‬
‫ول من بعده حتى يومنا هذا فى صعيد واحد من كتا ٍ‬
‫من أطرافه كلها واستقصاه استقصاًء"‪ ،‬وإن ذكر أنه لم يتعرض لما قاله‬
‫المستشرقون فى هذا السبيل )د‪ .‬ناصر الدين السد‪ /‬مصادر الشعر الجاهلى‬
‫وقيمتها التاريخية‪ /‬ط ‪ /5‬دار المعارف بمصر‪1978 /‬م‪ ،(377 /‬وهو ما يشير‬
‫إلى أن ما كتبه أولئك القوم لم يكن له من الهمية ما يلفت أنظار كّتابنا فى‬
‫ذلك الوقت‪.‬‬
‫فماذا عن طه حسين‪ ،‬الذى يزعم عبد الرشيد الصادق محمودى رغم كل ذلك‬
‫أنه لبد أن يكون قد ا ّ‬
‫طلع على ما كتبه رينان والمستشرقون اللمان قبل أن‬
‫يكتب كتابه "فى الشعر الجاهلى" بأعوام طوال؟ وفى الجواب عن هذا‬
‫السؤال سوف أتتبع كتابات طه حسين فى الفترة الممتدة ما بين دخوله‬
‫الجامعة المصرية سنة ‪1908‬م واتصاله من ثم بالمستشرقين اتصال ً مباشًرا‬
‫فى قاعات الدرس وخارجها إلى تاريخ تأليفه لكتابه‪" :‬فى الشعر الجاهلى"‪،‬‬
‫الذى نحن بصدده‪.‬‬
‫)‪(3 /‬‬
‫لقد تناول طه حسين كتاب جرجى زيدان "تاريخ آداب اللغة العربية" فى عدة‬
‫مقالت بمجلة "الهداية" )أعداد يونيه ويوليه‪ ،‬وأغسطس وسبتمبر‪ ،‬وأكتوبر‬
‫ونوفمبر ‪1911‬م( وتعّرض لبعض ما قاله زيدان حول الشعر الجاهلى‪ ،‬لكن‬
‫ة واحدةٌ يحيط بها طائف من الشك فى ذلك الشعر‪ ،‬بل‬
‫ن فيه كلم ٌ‬
‫لم تبدر ِ‬
‫م ْ‬
‫ّ‬
‫إن كلمه ليدل على أنه كان يأخذ صحته قضية مسلمة‪ :‬ففى المقال الول‬
‫مثل ل يخرج ما قاله فى ذلك الصدد عن العتراض على زيدان لتقسيمه‬
‫ن وصعالي َ‬
‫ك وأصحاب معلقات بدل من‬
‫شعراء الجاهلية إلى أمراَء وفرسا ٍ‬
‫تقسيمهم على أساس من أشعارهم وما تتأثر به هذه الشعار من طبيعة‬
‫القليم والدين والخلق والعادات ونحو ذلك‪ ،‬أو العتراض عليه بأن زوجة‬
‫امرئ القيس لم يكن اسمها "جندب" بل "أم جندب"‪ .‬وفى المقال الثانى‬
‫نراه يتحدث عن امرئ القيس وزهير وابن أم كلثوم وعنترة وغيرهم من‬
‫أصحاب المعلقات حديث المطمئن تمام الطمئنان إلى حقيقتهم التاريخية‬
‫وتمثيل أشعارهم للبيئة التى ظهروا فيها خير تمثيل‪.‬‬
‫وفى محاضرةٍ ألقاها فى ‪ 19‬شهر أكتوبر من العام نفسه بعنوان "هل تسترد ّ‬
‫شرت فى المجلة ذاتها فى عدد أكتوبر‪ -‬نوفمبر من‬
‫اللغ ُ‬
‫دها القديم؟" ون ُ ِ‬
‫ة مج َ‬
‫ذلك العام نراه يتعرض لشعر الجاهليين بما يدل دللة جازمة على أنه كان‬
‫خالى البال تماما من الشك فيه‪ :‬فهو مثل يتحدث عن اللغة العربية فى‬
‫الجاهلية مؤكدا أنها لغة فخمة اللفاظ ضخمة المعانى متينة الساليب رصينة‬

‫‪66‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫التراكيب كاملة القوى استطاعت أن تعّبر آداُبها الوجدانية عن كل ما كان‬
‫العرب يريدون التعبير عنه فى أى مجال من مجالت القول‪ ،‬وأن أشعارها‬
‫تتفوق على الشعر المصرى فى عصره‪ ،‬ضاربا مثل على هذا التفوق من شعر‬
‫امرئ القيس نفسه‪ ،‬الذى سينفى وجوده فيما بعد فى كتابه "فى الشعر‬
‫الجاهلى"‪ ،‬ومستشهدا على ما يريد تقريره من أفكار وآراء بأشعار الملك‬
‫ضّليل وغيره من شعراء الجاهلية كالعشى وكبشة أخت عمرو بن‬
‫ال ّ‬
‫معديكرب‪...‬وهكذا‪ .‬بل إنه قد عّرج فى تلك الخطبة على ابن سلم وكتابه‬
‫صل نظرية الشك فى الشعر الجاهلى‪،‬‬
‫"طبقات الشعراء"‪ ،‬وهو أول كتاب يؤ ّ‬
‫حل فى ذلك‬
‫سا‪ ،‬إلى الكلم عن الن ّ ْ‬
‫ومع هذا لم يتطرق بكلمة واحدة‪ ،‬ولو هم ً‬
‫الشعر! ليس ذلك فحسب‪ ،‬إذ نسمعه يقول فى الشعر الجاهلى هذه الكلمة‬
‫الخطيرة الدللة‪" :‬فى ذلكم العصر التهبت جذوة الشعر واستطار شرره‬
‫فال ْت ََهم ك ّ‬
‫ة إل له‪ ،‬ول رأىٌ إل‬
‫ل شىء واحتكم فى كل إنسان‪ ،‬ولم تكن كلم ٌ‬
‫عنه‪ ،‬ول اعتماد ٌ إل عليه‪ .‬وكان يكفى للشاعر أن يمدح الوضيع فيرفعه‪ ،‬أو يذم‬
‫وى‪ ،‬أو يدعو إلى‬
‫الرفيع فيضعه‪ ،‬أو يغرى بالحرب فتتهالك النفوس وتتفانى ال ُ‬
‫ق َ‬
‫سًيا منسّيا"‪ .‬كما تعّرض لبن سلم وكتابه‬
‫سْلم فتصبح الضغائن والحقاد ن َ ْ‬
‫ال ّ‬
‫المذكور فى مقاله المنشور بـ"الجريدة" فى عدد ‪ 17‬مايو ‪1911‬م بعنوان‬
‫"الداب العربية فى الجامعة"‪ ،‬لكن دون أن يتطرق إلى قضية الشك فى‬
‫الشعر الجاهلى رغم إشارته البرقية إلى تكذيب ابن سلم لبن إسحاق فيما‬
‫رواه من أخبار وأشعار عن عاد وثمود وطسم وجديس‪.‬‬
‫ومعروف أنه قد انتقد فى عام ‪1911‬م كتاب مصطفى صادق الرافعى "تاريخ‬
‫حل فى‬
‫صص فيه مؤلفه صفحات طويلة لقضية الن ّ ْ‬
‫آداب العرب"‪ ،‬الذى خ ّ‬
‫الشعر الجاهلى‪ ،‬ومع ذلك ل تحس فيما كتبه عن هذا الكتاب أنه كان يدور فى‬
‫خَلده أى شك فى ذلك الشعر‪ .‬ومعروف كذلك أن هذا الكتاب الذى لم يعجب‬
‫َ‬
‫طه حسين آنذاك قد أعجبه بعد ذلك بخمسة عشر عاما حين أثنى عليه‬
‫ومدحه فى كتابه "فى الشعر الجاهلى"‪ .‬وقد قلت‪ ،‬فى تفسير هذا التغير‬
‫در الرافعى حتى ل يتعرض بالنقد لما‬
‫الحاد فى موقفه ذاك‪ ،‬إنه أراد أن يخ ّ‬
‫كتبه عن القرآن والنبى فى ذلك الكتاب‪ ،‬وإن هذا التقرب لم يخدع الرافعى‬
‫ة )انظر كتابى "معركة الشعر الجاهلى بين الرافعى‬
‫ة صاعق ً‬
‫ن عليه حمل ً‬
‫فش ّ‬
‫وطه حسين"‪ /‬القاهرة‪1987 /‬م‪ .(16 -15 /‬كما نجده‪ ،‬فى كتابه "تجديد‬
‫ذكرى أبى العلء"‪ ،‬الذى نشره فى عام ‪1914‬م‪ ،‬يستشهد بقصيدة للمرقش‬
‫ن ل يجد فيها ول فى الشعر الجاهلى ما يمكن‬
‫من "المف ّ‬
‫ضليات" استشهاد َ َ‬
‫م ْ‬
‫أن يثير شكوكه )انظر الكتاب المذكور‪ /‬دار الكتاب اللبنانى‪ /‬بيروت‪1974 /‬م‪/‬‬
‫‪.(64‬‬
‫)‪(4 /‬‬
‫هذا قبل أن يسافر د‪ .‬طه إلى فرنسا‪ .‬ثم سافر وعاد‪ ،‬فهل نجد فى كتاباته‬
‫دل عن موقفه‬
‫قبل أن يؤلف بحثه "فى الشعر الجاهلى" ما يدل على أنه عَ َ‬
‫من هذا الشعر بتأثير إقامته فى فرنسا عدة سنوات وإتقانه اللغة الفرنسية‬
‫وزيادة اقترابه من المستشرقين وكتاباتهم؟ الجواب‪ :‬ل‪ .‬وربما أعاننا على‬
‫فهم المسألة أن نعرف أن بعثة طه حسين إلى فرنسا إنما كانت لدراسة‬
‫التاريخ‪ ،‬وأن الكتب التى ذكر فى الجزء الثالث من "اليام" أنه قرأها هناك ل‬
‫تتضمن أى شىء يتعلق بالدب العربى ول بالشعر الجاهلى على وجه‬
‫الخصوص‪ ،‬وأن اسم رينان أو نولدكه أو آلفارت لم يرد بين عشرات السماء‬

‫‪67‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫التى وردت فى ذلك الكتاب أو فى كتاب زوجته "معك"‪ ،‬وهو الكتاب الذى‬
‫روت فيه حياتها معه‪ ،‬وأن الدكتور طه عندما عاد إلى مصر واشتغل‬
‫بالتدريس فى الجامعة إنما كان يدّرس التاريخ الوربى القديم حتى العام‬
‫ول إلى تدريس الدب العربى )الشعر‬
‫الدراسى ‪1926 -1925‬م حيث تح ّ‬
‫الجاهلى بالذات(‪ ،‬وأن كل الكتب التى ظهرت للدكتور طه منذ عودته من‬
‫فرنسا حتى ظهور كتابه "فى الشعر الجاهلى" إنما كانت تتعلق على نحوٍ أو‬
‫على آخر بالتاريخ الوربى القديم‪ .‬ومنها كتابه "صحف مختارة من الشعر‬
‫التمثيلى عند اليونان" )المكتبة التجارية‪1920 /‬م‪ ،(49 /‬وفيه يشير إلى‬
‫معلقة امرئ القيس إشارة المطمئن تمام الطمئنان إلى صحتها‪.‬‬
‫وفى إبريل ‪1923‬م سافر طه حسن إلى بلجيكا ممثل للجامعة المصرية فى‬
‫مؤتمر العلوم التاريخية ببروكسل حيث دارت مناقشة بين أستاذين أوربيين‬
‫أحدهما دوبريل البلجيكى‪ ،‬والخر لفيفر الفرنسى‪ ،‬وكان من رأى الول أن‬
‫سقراط شخصية خرافية ل علقة لها بالتاريخ مثلما هو الحال بالنسبة إلى‬
‫هوميروس صاحب اللياذة‪ .‬وكان وقع هذا التشكيك على الدكتور طه شديد‬
‫الصعوبة ‪ ،‬وكان من رأيه أن الشك فى الشخصيات التاريخية على هذا النحو‬
‫يمكن أن يؤدى عاجل أو آجل إلى الشك فى أفلطون وأرسطو بل ونابليون‬
‫نفسه‪ ،‬وهو ما دفعه إلى مطالبة المؤرخين بالتريث وعدم الجرى فى طريق‬
‫الفلسفة المنكرين الشا ّ‬
‫حا إلى أن ما‬
‫مل ْ ِ‬
‫م ً‬
‫كين‪ .‬وقد حمل على الستاذ دوبريل ُ‬
‫فى نظريته تلك الغريبة من جاذبية خلبة لمخالفتها ما استقر عليه الجماع‬
‫مسه لها‬
‫ولما يمكن أن تؤمنه لصاحبها من خلود قد يكون هو السبب فى تح ّ‬
‫وعمله على نشرها )طه حسين‪ /‬من بعيد‪ /‬المجلد ‪ 12‬من "المجموعة‬
‫الكاملة لمؤلفات الدكتور طه حسين"‪.(73 -67 /‬‬
‫ة من المقالت عن الشعرين العباسى‬
‫ت طائف ً‬
‫ثم كتب بعد ذلك بسنوا ٍ‬
‫والموى‪ .‬وقد تعّرض‪ ،‬فى عدد ٍ من هذه المقالت‪ ،‬للكلم عن الشعر الجاهلى‬
‫وشعرائه‪ ،‬ولكن بطريقة من يؤمن بصحة هذا الشعر إيمانا تاما ول يتخيل‬
‫للحظة أنه يمكن أن يكون موضع شك‪ ،‬مما يقطع بأن كل ما قاله أ‪ .‬عبد‬
‫الرشيد الصادق من أن طه حسين ل بد أنه ا ّ‬
‫طلع على رينان والمستشرقين‬
‫الذين ش ّ‬
‫كوا فى ذلك الشعر ل يستند إلى أساس‪ .‬وبالمناسبة لم ي َرِد ْ لرينان‬
‫ول لغيره من المستشرقين الشا ّ‬
‫كين فى ذلك الشعر أىّ ذكر فى هذه‬
‫المقالت‪ .‬وإلى القراء الكرام بعضا مما قاله عن الشعر الجاهلى فيها‪:‬‬
‫‪ -1‬يقول فى مقال منشور بجريدة "السياسة" بتاريخ أول أكتوبر ‪1924‬م عن‬
‫الغزل فى صدر السلم‪" :‬غزل الجاهليين كان ماديا خالصا فى حين كان فى‬
‫غزل السلميين شىء غير المادة‪ .‬ما الذى كان ي ُعَْنى به امرؤ القيس أو‬
‫النابغة أو العشى إذا تغّزلوا وذ َ َ‬
‫ضْرًبا من‬
‫كروا النساء؟‪...‬كان الغزل عندهم ّ‬
‫الوصف‪ ،...‬وقلما تجد عندهم عناية بالعاطفة أو حرصا على تمثيلها‪ ،‬فإن‬
‫ت عندهم هذه العناية لم تلبث أن تزدرى هذه العاطفة ازدراًء لنها كانت‬
‫وَ َ‬
‫جد ْ َ‬
‫عاطفة مادية غليظة‪ ...‬كانت عواطفهم تصدر عن الشهوات وإيثار اللذة قبل‬
‫كل شىء"‪.‬‬
‫‪ -2‬وفى" "السياسة" أيضا بتاريخ ‪ 17‬أكتوبر ‪1924‬م‪ ،‬وتحت عنوان"عَوْد ٌ إلى‬
‫ضاح اليمن"‪ ،‬نسمعه يقول‪" :‬أريد أن أحدثك عن هذا الشاعر الذى‬
‫الغزلين‪ -‬و ّ‬
‫ُ‬
‫دثين حتى‬
‫ح َ‬
‫م ْ‬
‫يلقبونه بـ"و ّ‬
‫ضاح اليمن"‪ ،‬والذى فِتن به بعض أساتذة الدب ال ُ‬
‫سوا أن‬
‫ُ‬
‫خّيل إليهم أنه اخترع الشعر التمثيلى وأضافه إلى تراثنا القديم‪ ...‬ون َ ُ‬
‫سوا أيضا أن‬
‫الحوار ليس هو التمثيل‪ ،‬وإنما هو أصل من أصول التمثيل‪ ،‬ون َ ُ‬
‫ضاح قد سبق إليه الشعراُء جميعا فى‬
‫هذا الحوار الذى يجدونه فى شعر و ّ‬
‫‪68‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫جاهليتهم وإسلمهم‪ ،‬فحاور امرؤ القيس عشيقاته وحاور ابن أبى ربيعة‬
‫أخدانه"‪.‬‬
‫‪ -3‬وفى نفس الجريدة بتاريخ ‪ 10‬ديسمبر ‪1924‬م نجده يؤكد أن شعراء‬
‫ون بالغزل إل بوصفه "وسيلة شعرية إلى ما كانوا‬
‫الجاهلية لم يكونوا ي ُعْن َ ْ‬
‫يذهبون فيه من مذاهبهم الشعرية المختلفة‪ .‬ول نكاد نعرف بين الجاهليين‬
‫صر حياَته الشعرية على الغزل‪ .‬بل قلي ٌ‬
‫دا عدد ُ القصائد الجاهلية‬
‫لج ّ‬
‫شاعرا قَ َ‬
‫التى لم يتناول فيها أصحاُبها إل الغز َ‬
‫ل وحده"‪.‬‬
‫)‪(5 /‬‬
‫ثم أخيًرا نراه فى الفصل الذى خصصه للشاعر الغريقى هوميروس من كتابه‬
‫"قادة الفكر"‪ ،‬الذى صدر فى إبريل ‪1925‬م‪ ،‬وهو نفس الشهر الذى وضع‬
‫فيه مرجليوث دراسته التى يشك فيها فى الشعر الجاهلى جميعه‪ ،‬نراه‬
‫يستطرد للمقارنة بين بداوة اليونان وأشعارها وبين بداوة عرب الجاهلية‬
‫وأشعارهم‪ ،‬فل نجده يشك فى أشعار الجاهلية أى مقدار من الشك‪ ،‬بل يؤمن‬
‫بها ويؤكد أنها أساس حضارة السلم‪ ،‬ولولها ما كان الخلفاء والعلماء والقواد‬
‫حا كبيرا‪ ،‬فى الوقت الذى ذكر‬
‫ح على هذه الفكرة إلحا ً‬
‫المسلمون‪ .‬وقد أل ّ‬
‫معها ش ّ‬
‫ك بعض الباحثين الوربيين المحدثين فى وجود هوميروس‪ .‬وهذا نص‬
‫م تقوم الحياة العربية فى بداوة العرب وأو ل عهدهم بالسلم؟‬
‫عبارته‪" :‬عَل َ َ‬
‫ن ظهر‬
‫على الشعر‪ ...‬هل كانت تو َ‬
‫جد الحضارة السلمية التى ظهر فيها َ‬
‫م ْ‬
‫جد البداوة العربية التى سيطر‬
‫ِ‬
‫ن الخلفاء والعلماء وأفذاذ الرجال لو لم تو َ‬
‫م َ‬
‫عليها امرؤ القيس والنابغة والعشى وغيرهم من الشعراء الذين نبخسهم‬
‫أقدارهم ول نعرف لهم حقهم؟" )قادة الفكر‪ /‬ط ‪ /9‬دار المعارف بمصر‪-10 /‬‬
‫وه فى‬
‫‪ .(11‬والعجيب أن طه حسين‪ ،‬فى رده بعد ذلك على من انتقدوا غُل ُ ّ‬
‫ج عليهم بأنهم يجهلون أن النحل غير‬
‫الشك فى الشعر الجاهلى‪ ،‬قد احت ّ‬
‫مقصور على العرب‪ ،‬بل عرفه اليونان والرومان‪ ،‬وأن الدراسات الحديثة قد‬
‫نسفت اطمئنان القدمين إلى صحة إلياذة هوميروس وأوديساه )فى الدب‬
‫الجاهلى‪ /‬دار المعارف‪ .(116 -113 /1964 /‬وفاته أنه هو نفسه كان يعرف‬
‫ذلك قبل‪ ،‬لكنه لم ينتفع به‪ ،‬إذ ظل على اطمئنانه إلى الشعر الجاهلى إلى أن‬
‫ظهرت دراسة مرجليوث‪.‬‬
‫ظل هذا هو موقف طه حسين‪ ،‬كما قلنا‪ ،‬حتى إبريل ‪1926‬م على القل‪ ،‬وهو‬
‫الشهر الذى كتب فيه مرجليوث مقاله الذى يشكك به فى الشعر الجاهلى‪،‬‬
‫والذى نشره فى يوليه من ذلك العام‪ ،‬وإذا بالدكتور طه بعد هذا المقال بنحو‬
‫عشرة أشهر يصدر كتابه "فى الشعر الجاهلى" مستديرا بزاوية مقدارها مائة‬
‫وثمانون درجة‪ ،‬إذ انطلق كالعصار الهائج يش ّ‬
‫ك فى ذلك الشعر ل يكاد ي ُْبقى‬
‫جد ّ إل‬
‫ج ّ‬
‫منه على شىء‪ .‬ويتساءل الباحث‪ :‬ترى ما الذى َ‬
‫د؟ والجواب‪ :‬لم ي َ ِ‬
‫مّر عليه عشرات العوام‪ ،‬فضل ً عن أنه لم‬
‫مقال مرجليوث‪ ،‬فكتاب رينان قد َ‬
‫يش ّ‬
‫ك فى ذلك الشعر‪ ،‬وأقل قليل من ذلك الزمن مّر على ما كتبه نولدكه‬
‫َ‬
‫وآلفارت وباسيه‪ ،‬وليس فيه اختلف ي ُذ ْكر عما قاله نقادنا القدماء‪ .‬كما مّرت‬
‫ت على صدور كتاب أحمد ضيف‪ ،‬الذى لم يكن فيه مع هذا ما‬
‫َ‬
‫س سنوا ٍ‬
‫خ ْ‬
‫م ُ‬
‫َ‬
‫يثير العقل العربى لعدم خروج آراء المستشرقين التى عرض لها عما وصلنا‬
‫جا لفًتا حسبما سبق القول‪ ،‬علوة على أن الدكتور‬
‫من نقادنا القدماء خرو ً‬
‫صل القول فى عَْرض تلك الراء التى كان قد مضى عليها فوق‬
‫ضيف لم يف ّ‬
‫ذلك زمن طويل‪ ،‬بل عرضها فى ثلث فقرات ليس إل‪ .‬أما مقال مرجليوث‬

‫‪69‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫فقد كان طازجا‪ ،‬وكان له دوىّ شديد بسبب إغراقه فى التطرف‪ ،‬فضل ً عن‬
‫أن موقف طه حسين وأفكاره فى كتابه عن الشعر الجاهلى يشبهان إلى حد‬
‫كبير موقف مرجليوث وأفكاره‪.‬‬
‫حرِىّ بالذ ّ ْ‬
‫كر أن مرجليوث‪ ،‬الذى دافع عن طه حسين وحاول أن ينفى تهمة‬
‫و َ‬
‫تأثره به كما سنبين بعد قليل‪ ،‬لم يقل إن د‪ .‬طه قد انطلق من رينان أو‬
‫نولدكه أو آلفارت‪ .‬بل إن الدكتور طه هو نفسه لم يقل هذا‪ ،‬ول قالته زوجته‬
‫بعد مرور عشرات السنين رغم أنها خاضت فى هذه القضية فى كتابها‬
‫"معك" فى أكثر من موضع‪ ،‬ول قاله كذلك أي من الباحثين الذين تناولوا هذه‬
‫القضية‪ ،‬وكثير منهم تلميذه‪ ،‬ول قاله أيضا أحد من المستشرقين الذين‬
‫تناولوا هذا الجانب من كتابات الدكتور طه مما يمكن أن يجد القارئ عينة منه‬
‫فى كتاب "طه حسين كما يعرفه كّتاب عصره"‪ .‬كما أن معظمهم يربطون‬
‫ت فى كتابى "معركة الشعر الجاهلى بين‬
‫بينه وبين مرجليوث حسبما بين ُ‬
‫ّ‬
‫الرافعى وطه حسين"‪ .‬إنما تحكك هو بعد ذلك بالخوين كروازيه ليدفع اتهامه‬
‫بالسرقة من مرجليوث‪ ،‬والخوان كروازيه ل علقة لهما بالشعر الجاهلى‪ ،‬بل‬
‫بالشك فى شعر هوميروس‪ ،‬وقد رأينا كيف ظل الدكتور طه على ما هو عليه‬
‫من الطمئنان التام لشعر الجاهلية وشعرائها حتى بعد قراءته ما كتبه هذان‬
‫الخوان‪ ،‬بل حتى بعد أن كتب هو الفصل الخاص بذلك الشاعر الغريقى‬
‫الذى كانا يشكان فىوجوده‪ .‬ولو كان منطلقه من رينان لسارع إلى ذكر هذا‬
‫دن الدكتور طه أن يصرح بمن يخالفهم فى الرأى‪ ،‬أما من‬
‫منذ البداية‪ ،‬لن دي َْ َ‬
‫يقتبس أفكارهم فإنه يغفلهم تماما‪ ،‬وموقف رينان وأفكاره يختلفان عن‬
‫موقفه هو وأفكاره‪ ،‬فوق أن المستشرقين قد ذكروا استمداد د‪ .‬طه لفكاره‬
‫من مرجليوث‪ ،‬ولم يشيروا إلى رينان أو غيره‪ ،‬ومنهم المستشرق اللمانى‬
‫بروكلمان فى كتابه عن تاريخ الدب العربى )كارل بروكلمان‪ /‬تاريخ الدب‬
‫العربى‪ /‬دار المعارف‪ /1 /‬ترجمة د‪ .‬عبد الحليم النجار‪ .(64 /‬وقد كان أحرى‬
‫به‪ ،‬لو كان طه حسين قد تأثر بنولدكه أو آلفارت اللمانيين‪ ،‬أن يذكر هذا‬
‫التأثر انطلقا على القل من اعتزازه بألمانيته‪.‬‬
‫)‪(6 /‬‬
‫ومن أغرب الغرائب أن ينبرى مرجليوث مع ذلك كله للدفاع عن طه حسين‬
‫ضد من َرأ َُوا التماثل الشديد بين كتاب الدكتور طه "فى الشعر الجاهلى"‬
‫ومقاله‪ ،"The Origines of Arabic Poetry" :‬الذى نشره قبل ذلك الكتاب‬
‫بعشرة شهور على القل فى يوليه ‪1925‬م بـ"‪Journal of Asiatic Royal‬‬
‫دا فى صفاقة أن الدراستين قد ظهرتا فى نفس الوقت تقريبا‪،‬‬
‫‪ ،"Society‬مؤك ً‬
‫متجاهل بهذه الطريقة أن فرق عشرة أشهر ليس بالذى يمكن أن يقال معه‬
‫إن الدراستين قد صدرتا تقريبا فى ذات الوقت‪ .‬لكنه أكد رغم ذلك أن الفكرة‬
‫فى كتاب طه حسين مماثلة إلى حد كبير للفكرة التى أدار حولها بحثه عن‬
‫"أصول الشعر الجاهلى" )انظر كلمته عن كتاب "فى الدب الجاهلى" لطه‬
‫حسين فى عدد يوليه ‪1927‬م من "‪.("Journal of Asiatic Royal Society‬‬
‫ص أشد الحرص على‬
‫والعهد بالعلماء والكتاب وكل طوائف البشر أنهم ِ‬
‫حرا ٌ‬
‫إبراز ريادتهم وسبقهم فى مجالت تخصصهم مهما كانت تفاهة ما سبقوا إليه‪،‬‬
‫سل بالباطل من أجل بلوغ هذا الهدف‪ ،‬فما‬
‫بل إن كثيرا منهم يلجأ إلى التو ّ‬
‫بال مرجليوث يسارع إلى التخلى عن سبقه إلى نظرية الشك فى الشعر‬
‫جور؟ والهدف واضح بطبيعة الحال‪ ،‬فإن‬
‫الجاهلى بهذه البساطة وبذلك ال ُ‬
‫ف ُ‬

‫‪70‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫جلهم‪ ،‬وهم‬
‫إنقاذ رأس طه حسين يستحق هذه التضحية وأكثر منها‪ .‬إنه َر ُ‬
‫حريصون على عدم فضيحته‪ ،‬فضل عن أن صدور إنكار الشعر الجاهلى من‬
‫ى الذى‬
‫كاتب‬
‫ينتمى إلى السلم مصحوًبا بالتشكيك فى القرآن الكريم والنب ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ف مرة من صدوره عنه وعن أمثاله من غير العرب‬
‫أل‬
‫وأقوى‬
‫عل‬
‫ف‬
‫أ‬
‫به‬
‫أتى‬
‫َ‬
‫َ‬
‫والمسلمين‪ .‬وهذا هو المراد‪ ،‬وكل شىء بجانبه يهون!‬
‫)‪(7 /‬‬
‫كذلك انبرى أيضا د‪ .‬إبراهيم عبد الرحمن ليدفع عن الدكتور طه التهمة التى‬
‫ت ُط ِْبق على عنقه قائل إن مرجليوث قد ذكر أن آراء طه حسين تناقض آراءه‬
‫هو )انظر كلمته "إلى خصوم طه حسين ومؤيديه‪ :‬النص الكامل لمقالة‬
‫مرجليوث فى براءة عميد الدب العربى"‪ /‬الهرام‪ /‬الجمعة ‪ 7‬فبراير ‪1986‬م‪/‬‬
‫الصفحة الثقافية(‪ .‬وهذا‪ ،‬بطبيعة الحال‪ ،‬غير صحيح‪ ،‬والستاذ الدكتور نفسه‬
‫قد سبق فأورد ترجمة كلم المستشرق البريطانى مرةً باعتبار أن الفكرتين‬
‫متشابهتان‪ ،‬ومرة ً باعتبار أنهما متماثلتان إلى حد كبير )انظر كتابه "بين‬
‫القديم والجديد‪ -‬دراسات فى الدب والنقد"‪ /‬مكتبة الشباب‪1983 /‬م‪-440 /‬‬
‫‪ .(441‬إل أن المسألة ل تنتهى فصولها عند هذا الحد‪ ،‬إذ كتب الستاذ الدكتور‬
‫أن طه حسين كان يحاضر طلبه فى موضوع انتحال الشعر الجاهلى والشك‬
‫ما بعد عام قبل أن ينشر مرجليوث دراسته فى ذات الموضوع فى‬
‫فيه عا ً‬
‫‪1925‬م‪ ،‬حتى إذا ثبت له صحة ما انتهى إليه فى رواية هذا الشعر أذاعه على‬
‫ب سنة ‪1926‬م )المرجع السابق‪ .(440 /‬ويؤسفنى أن‬
‫الناس فى شكل كتا ٍ‬
‫أقول هنا أيضا إن هذا الكلم غير صحيح البتة‪ ،‬لسبب بسيط جدا هو أن طه‬
‫حسين لم يسبق له أن حاضر فى الجامعة ل فى هذا الموضوع ول فى أى‬
‫موضوع آخر من موضوعات الدب العربى‪ ،‬إذ كان‪ ،‬كما سبق القول‪ ،‬يدّرس‬
‫حتى ذلك العام مادة التاريخ اليونانى واللتينى‪ .‬بل لم يسبق له أيضا أن‬
‫حاضر فى هذا الموضوع قط خارج الجامعة أو كتب فيه أى شىء‪ ،‬كتابا كان‬
‫ذلك الشىء أو مقال‪ .‬أما الذى كان يقوم بتدريس مقرر الدب العربى فى‬
‫الجامعة قبل ذلك فهو د‪ .‬أحمد ضيف حسبما جاء فى كتاب د‪ .‬حمدى‬
‫السكوت ود‪ .‬مارسدن جونز‪" :‬أعلم الدب المعاصر فى مصر" )ط ‪ /2‬دار‬
‫الكتاب المصرى بالقاهرة‪ ،‬ودار الكتاب اللبنانى ببيروت‪1402 /‬هـ‪1982 -‬م‪/‬‬
‫‪ .(30‬مقطع الحق أن طه حسين قد سطا على بحث مرجليوث‪ :‬لقد كان ل‬
‫يشك فى الشعر الجاهلى‪ ،‬ثم بعد أن ظهر بحث مرجليوث عن ذلك الشعر‬
‫أصبح فجأة من الشا ّ‬
‫كين فيه‪ .‬كما أن شكه قد شمل تقريبا كل هذا الشعر‬
‫بحيث إن الفرق بينه وبين مرجليوث فى مقدار ذلك الشك ل يكاد ي ُذ ْ َ‬
‫كر‪.‬‬
‫كذلك فإنه اعتمد فى شكه على عدد من الدلة ارتكن إليها مرجليوث فى‬
‫نفى شعر الجاهليين‪ ،‬وعلى رأسها الدليل اللغوى والدليل الدينى‪ .‬ثم ل ننس‬
‫دى فى كتاب طه حسين والتى تذ ّ‬
‫كرنا بما كان يظهره‬
‫الروح العدائية التى تتب ّ‬
‫ض ضد السلم ونبيه‪ ،‬وانحياز‬
‫المستشرق البريطانى المتطاول الحقود من بغ ٍ‬
‫إلى صفوف اليهود‪ .‬وأخيرا فقد اتصل د‪ .‬طه بأعمال مرجليوث منذ وقت‬
‫بعيد‪ ،‬فكتاب "الفصول والغايات"‪ ،‬الذى حققه هذا المستشرق لبى العلء‬
‫المعرى‪ ،‬كان أحد مراجعه الساسية فى رسالته عن الشاعر العباسى‬
‫دم بها للجامعة المصرية سنة ‪1914‬م قبل سفره إلى فرنسا‪.‬‬
‫الكفيف التى تق ّ‬
‫شر فيها بحث مرجليوث كانت قد وصلت‬
‫وفوق هذا وذاك فإن المجلة التى ن ُ ِ‬
‫إلى مصر ولفتت أنظار المصريين المهتمين بهذه المسائل كيعقوب صروف‬

‫‪71‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وأحمد تيمور ومصطفى صادق الرافعى ومحمود شاكر قبل صدور كتاب د‪.‬‬
‫طه بشهور‪ .‬ومن الطبيعى أن تصل هذه المجلة فور صدرورها إلى مصر‪،‬‬
‫على القل لن فريقا من المستشرقين كانوا أساتذة فى الجامعة المصرية‪،‬‬
‫ول بد أنهم كانوا مشتركين فى مثل هذه المجلة التى ل يكتبها إل هم ول ي ُعَْنى‬
‫ما لهم يسهرون‬
‫بها أحد ٌ آخُر عنايَتهم‪ ،‬وكان طه حسين زميل ً وصدي ً‬
‫قا حمي ً‬
‫َ‬
‫ت زوجته فى كتابها "معك" )انظر ص ‪،33‬‬
‫حد كما َ‬
‫عنده مساء كل أ َ‬
‫حك َ ْ‬
‫وكذلك الفصل الذى عنوانه‪" :‬هل كان طه حسين على علم بمقالة مرجليوث‬
‫فى الشعر الجاهلى؟" من كتابى "معركة الشعر الجاهلى بين الرافعى وطه‬
‫ة فى الجامعة قد‬
‫حسين"‪ .(77 -64 /‬بل إنى ل أستبعد أن تكون هناك أيد ٍ خفي ٌ‬
‫أزاحت د‪ .‬احمد ضيف من تدريس الدب العربى‪ ،‬الذى كان متخصصا فيه‪،‬‬
‫ن ينتسب‬
‫ووضعت فى مكانه طه حسين غير المتخصص كى يدعو لسا ٌ‬
‫للسلم والعروبة بدعوة مرجليوث المنكرة‪ ،‬مع توبلتها بشىء من الهجوم‬
‫الحاّر على القرآن والرسول الذى أنزله الله عليه فيكون قد "شهد شاهد ٌ من‬
‫أهلها"!‬
‫)‪(8 /‬‬
‫على أن المدافعين عن طه حسين ل يسّلمون بسهولة‪ ،‬وفيهم أساتذة فضلء‬
‫ل أدرى لماذا يحاولون أن يخففوا خطاياه مع معرفتهم التامة بما سببته من‬
‫بلبلة فكرية ليس لها أساس من علم أو منطق‪ ،‬إذ نراهم يقولون إنه‪ ،‬رغم‬
‫جه إليه من نقد‪ ،‬قد حّرك بكتابه ذاك العقول وهّز جماهير‬
‫كل ما يمكن أن يو ّ‬
‫القراء‪ ،‬وبخاصةٍ المحافظون منهم‪ .‬ومن هؤلء د‪ .‬حمدى السكوت ود‪.‬‬
‫مارسدن جونز فى كتابهما "أعلم الدب المعاصر فى مصر" )ص ‪ .(20‬وقد‬
‫طالعت نفس الفكرة فى مادة "طه حسين" من "الموسوعة العربية"‬
‫صف كتاب "فى الشعر الجاهلي" بأنه‬
‫المنشورة على موقع "كلمات"‪ ،‬إذ وُ ِ‬
‫"رغم أن الدراسات الحديثة أثبتت خطأه فى بعض الجوانب‪ ،‬إل أن قيمة‬
‫الكتاب الفكرية تظل من حيث تشجيعه للموقف النقدى من التراث الدبى‬
‫والبلغى واللغوى العربى والكشف عن خضوع هذا التراث كغيره لقانون‬
‫التطور التاريخى"‪ .‬وقد سبق طه حسين هؤلء جميعا إلى ترديد هذه الحجة‬
‫جه إليه أثناء زيارته للمغرب سنة ‪1958‬م‪،‬‬
‫العجيبة المتهالكة رّدا على سؤال وُ ّ‬
‫إذ قيل له‪ :‬ما بالك ارتددت عما كنت تقول به فى مستهل دخولك على‬
‫العلم؟ فكان جوابه‪ :‬يكفى أنى أثرت بما كنت أقول به إذ ذاك العقو َ‬
‫ل إلى‬
‫البحث وإلى النظر )د‪ .‬نجيب محمد البهبيتى‪ /‬المدخل إلى دراسة التاريخ‬
‫والدب العربيين‪.(186 /‬‬
‫ولعلى قرأت أيضا شيئا مثل هذا للدكتور ناصر الدين السد رغم أنه قد عرض‬
‫ضا رائًعا‪ ،‬فى كتابه القيم "مصادر الشعر الجاهلى وقيمتها التاريخية"‪ ،‬ك ّ‬
‫ل‬
‫عر ً‬
‫ما ك ُِتب من دراسات وأبحاث تفضح ما فى كتاب طه حسين من سرقة‬
‫وضعف وتهافت وتسرع وافتئات على حق العلم والتاريخ والدين‪ .‬بل إنه عند‬
‫المقارنة بين الرافعى وطه حسين فى هذه المسألة لم يجد مناصا من أن‬
‫صا أكثر مما يحتمل‪ ،‬ولم يعتسف الطريق‬
‫يحكم للول بأنه "لم يح ّ‬
‫مل ن ّ‬
‫اعتساًفا إلى الستنتاج والستنباط ول إلى الظن والفتراض‪ ،‬ولم يجعل من‬
‫ة" )مصادر‬
‫ة شامل ً‬
‫ة‪ ،‬ول من الحالت الفردية نظري ً‬
‫م ً‬
‫الخبر الواحد قاعدة ً عا ّ‬
‫الشعر الجاهلى وقيمتها التاريخية‪ ،(379 /‬أما فى الثانى فعلى رغم الكلم‬
‫حره نجده يحكم على منهجه قائل‪" :‬ثم‬
‫الجميل الذى قاله عن أسلوبه و ِ‬
‫س ْ‬

‫‪72‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫دا لم يعرفه‬
‫ى الدكتور طه حسين فخلق منه شيًئا جدي ً‬
‫استقّر الموضوع بين ي َد َ ِ‬
‫َ‬
‫ب المحدثون من قبله‪ ،‬ثم أنكره بعد ُ‬
‫القدماء‪ ،‬ولم يقتحم السبيل إليه العر ُ‬
‫كثير من المحدثين إنكاًرا خصًبا يتمثل فى هذه الكتب التى ألفوها فى الرد‬
‫قض كتابه‪ .‬وقد استقى الدكتور طه حسين أكثر مادته‪ ،‬حيث يستشهد‬
‫عليه ون َ ْ‬
‫ويتمثل بالخبار والروايات‪ ،‬من العرب القدماء‪ ،‬وسلك بها سبيل مرجليوث‬
‫فى الستنباط والستنتاج والتوسع فى دللت الروايات والخبار وتعميم‬
‫الحكم الفردى الخاص واتخاذه قاعدة عامة‪ ،‬ثم صاغ تلك المادة وهذه‬
‫الطريقة بإطار من أسلوبه الفنى وبيانه الخاذ‪ ،‬حتى انتهى إلى ما انتهى إليه‬
‫من أن الكثرة المطلقة مما نسميه أدًبا جاهلّيا ليست من ا لجاهلية فى‬
‫شىء‪ ،‬وإنما هى منحولة بعد ظهور السلم‪ ...‬فنحن إذن بإزاء نظرية عامة لم‬
‫نرها فيما عرضنا من آراء العرب القدماء‪ ،‬ونحسب أنها لم تخطر لهم على‬
‫بال‪ ،‬ولكننا رأيناها واضحة المعالم فيما عرضنا من آراء مرجليوث‪ ،‬ولم يكتف‬
‫حا فى عبارات متكررة‬
‫صا صري ً‬
‫ص عليها ن ّ‬
‫بالشارة إليها إشارة عابرة‪ ،‬وإنما ن ّ‬
‫تختلف ألفاظها وتتفق مراميها‪ ،‬وجاء الدكتور طه حسين فلم يقنع كما قنع‬
‫صل لنا القول فى‬
‫مرجليوث بأن يدلنا عليها فى مقالة أو مقالتين‪ ،‬وإنما ف ّ‬
‫ل قائم ٍ بذاته" )المرجع السابق‪.(380 -379 /‬‬
‫كتا ٍ‬
‫ب كام ٍ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫خموا‪ ،‬من فرط‬
‫وض‬
‫حسين‬
‫طه‬
‫صنعه‬
‫ما‬
‫على‬
‫دا‬
‫شدي‬
‫ً‬
‫ء‬
‫ثنا‬
‫وا‬
‫ن‬
‫ث‬
‫أ‬
‫الذين‬
‫ومن‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫َ ْ‬
‫دا د‪ .‬محمد‬
‫ما شدي ً‬
‫تحمسهم‪ ،‬دوره فى حقل الدب والدراسات النقدية تضخي ً‬
‫زكى العشماوى‪ ،‬الذى يقول إن الدكتور طه "فى منهجه في دراسة الدب‬
‫ونقده‪...‬يعتبر حدا فاصل بين عهدين‪ ،‬فما قبل طه حسين كانت دراسة الدب‬
‫ونقد الدب مختلفة اختلفا كليا لنها كانت تهتم بالشروح اللغوية للكلمات‪،‬‬
‫ولم تكن تتعمق فى تحليل النص وفهمه ودراسته وفق منهج يعتمد على‬
‫الذوق والذوق المعّلل‪ ،‬وإنما مجرد أحكام جارفة أو كاسحة ل تنهض على‬
‫مقدمات أو دلئل مقنعة‪ .‬فلما جاء أرسى دعائم المنهج التحليلى النقدى‬
‫السليم الذي ينهض على الحتكام إلى العقل وعلى تذوق الثر الفنى وتحليله‬
‫وفق منهج يلتزم الموضوعية وينتهى إلى أحكام دقيقة ومقنعة بحيث خرج‬
‫ح ْ‬
‫كم من حيز الخصوص إلى حيز العموم‪ ...‬هذا المنهج الذى أرسى دعائمه‬
‫ال ُ‬
‫د‪ .‬طه حسين هو الذى استفاد منه أساتذة الجامعات من بعده‪ ،‬وهو الذى‬
‫دل الكثير من الفكار التى كانت شائعة ومستبدة بحقل النقد الدبى" )من‬
‫ع ّ‬
‫م ْ‬
‫شَباكّية(‪.‬‬
‫ال‬
‫والعالم"‬
‫"الجمهورية‬
‫جريدة‬
‫فى‬
‫معه‬
‫حوار‬
‫ِ‬
‫)‪(9 /‬‬
‫والحق الذى ل جدال فيه‪ ،‬مع احترامى الشديد للدكتور العشماوى ورغم حبى‬
‫لقراءة طه حسين واستمتاعى بأسلوبه وصوته‪ ،‬هو أنه كان هناك نقاد كبار‬
‫سبقوا أو عاصروا طه حسين وأضافوا مثلما أضاف فى حقل النقد‬
‫والدراسات الدبية‪ ،‬وفى بعض الحالت أفضل مما أضاف‪ ،‬ومنهم حسن‬
‫توفيق العدل وإبراهيم اليازجى وجرجى زيدان والرافعى وأمين الريحانى‬
‫وروحى الخالدى وخليل سكاكينى ومحمد حسين هيكل ومحمد لطفى جمعة‬
‫وأحمد ضيف وميخائيل نعيمة والعقاد وشكرى والمازنى وزكى مبارك وأمين‬
‫الخولى ومحمد فريد الشوباشى وأحمد حسن الزيات وتوفيق الحكيم‪...‬إلخ‪.‬‬
‫حل فى الشعر‬
‫فضل عن أن طه حسين لم يكن هو الذى افترع قضي َ‬
‫ة الن ّ ْ‬
‫ض الط ّْرف عن خطاياه العلمية والمنهجية والخلقية‬
‫الجاهلى حتى نغ ّ‬
‫ت فى كتابى‬
‫الضخمة التى ارتكس فيها وهو يتناول ذلك الموضوع كما بين ُ‬
‫‪73‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫"معركة الشعر الجاهلى بين الرافعى وطه حسين"‪ ،‬فقد سبقه من القدماء‬
‫أبو عمرو بن العلء وأبو عمرو الشيبانى والصمعى وأبو عبيدة والسجستانى‬
‫والجاحظ وابن قتيبة‪ ،‬ناهيك عن ابن هشام فى "السيرة النبوية"‪ ،‬وكذلك ابن‬
‫سلم فى كتابه "طبقات الشعراء"‪ ،‬الذى تناول فيه هذه المسألة باستفاضة‬
‫ومنهجية منضبطة تدلن على أستاذية وتمكن حقيقى ل بهلوانية فارغة ك ّ‬
‫ل‬
‫ث الضجيج والضحك على ذقن الجمهور‪ .‬كما سبقه من المحدثين‬
‫همها إحدا ُ‬
‫مصطفى صادق الرافعى‪ ،‬الذى عرض فى كتابه "تاريخ آداب العرب" ذلك‬
‫ق‬
‫الموضوع َ عَْرض البصير الخبير الذى يزن كل كلمة من كلمه بميزا ٍ‬
‫ن دقي ٍ‬
‫واٍع حساس‪ ،‬فضل عمن ط ََرق من المستشرقين تلك القضية كما سبق أن‬
‫أشرنا‪ .‬وقد فصل القو َ‬
‫ل فى هذه النقطة د‪ .‬ناصر الدين السد فى الفصل‬
‫الثانى والثالث والرابع من الباب الرابع من كتابه "مصادر الشعر الجاهلى‬
‫ت‬
‫ت هذه الفقرة بيومين رجع ُ‬
‫وقيمتها التاريخية"‪ .‬والطريف أننى بعد أن كتب ُ‬
‫إلى كتاب د‪ .‬السكوت ود‪ .‬جونز عن مؤلفات طه حسين فوجدتهما يقولن ما‬
‫قلته‪ ،‬بل ويذكران أيضا عددا من السماء التى ذكرُتها مما يؤكد كلمى بأن‬
‫إسهام طه حسين فى مجال الدراسات الدبية والنقدية لم ينشأ فى فراغ‬
‫)انظر كتابهما "أعلم الدب المعاصر فى مصر"‪.(30 -27 /‬‬
‫ولعل هذا الموضع أن يكون مناسبا لعرض دفاع د‪ .‬عبد الرحمن بدوى‬
‫ومشايعه سامح كريم عن طه حسين‪ .‬ذلك أن الدكتور طه‪ ،‬فى رأيهما‪ ،‬لم‬
‫ى فى كتابه "طبقات الشعراء"‪ ،‬وعلى هذا‬
‫م ِ‬
‫يأت إل بما أتى به ابن سلم ال ُ‬
‫ج َ‬
‫ح ّ‬
‫فليس ثمة معنى للضجة التى قوبلت بها آراء الدكتور طه ول لتهامه بالمروق‬
‫والنسياق وراء مؤامرات المستشرقين )انظر د‪ .‬عبد الرحمن بدوى‪ /‬دراسات‬
‫المستشرقين حول صحة الشعر الجاهلى‪ /‬دار العلم للمليين‪1979 /‬م‪-10 /‬‬
‫‪ ،11‬ومقال سامح كريم فى ذات الموضوع بالصفحة الثقافية بـ"أهرام"‬
‫الجمعة ‪ 17‬يناير ‪1986‬م(‪ .‬وجوابنا على هذا هو أن كلم ابن سلم‪ ،‬بفرض أن‬
‫طه حسين لم يقل شيئا أكثر مما قاله‪ ،‬كان بين يدى الدكتور طه كما بي ّّنا‬
‫قب ً‬
‫ل‪ ،‬فلماذا لم يتأثر به إل بعد ظهور دراسة مرجليوث؟ بل لقد عرض‬
‫ضا مستقصًيا كما رأينا قبل قليل‪ ،‬فكيف لم يلتفت‬
‫الرافعى هذه القضية عر ً‬
‫طه حسين إلى ما كتب الرافعى أيضا وظل غافل عن هذه القضية إلى أن‬
‫ن سلم‬
‫ظهرت دراسة مرجليوث؟ كذلك هناك فرق هائل بين ما قاله اب ُ‬
‫المدققُ المحققُ المستأنى فى بحثه وحكمه‪ ،‬الواضعُ نصب عينيه بلوغَ‬
‫ف إلى أعداء السلم‪ ،‬وإثارةَ الضجيج والعجيج والبلبلة دون‬
‫الصواب ل التزل َ‬
‫مه‬
‫م فى مجال التشكيك فى القرآن الكريم واتها ِ‬
‫وجه حقّ أو عدلٍ‪ ،‬والتق ّ‬
‫ح َ‬
‫بالكذب وبمراءاة اليهود والرغبةِ فى التقرب إليهم‪ ،‬وبين ما كتبه طه حسين‬
‫بما فيه من مآخذ قاتلة! ثم إن ابن سلم إنما يشك فى بعض الشعر الجاهلى‪،‬‬
‫وحين تتوفر لديه دواعى هذا الشك فقط‪ ،‬أما طه حسن فينثر الريبة فى كل‬
‫هذا الشعر تقريبا بناًء على خطرات غير ناضجة وأوهام‪ ،‬فضل عن أنه قد أثار‬
‫مسائ َ‬
‫ل لم يتطرق إليها ابن سلم كقضية اختلف اللهجات بين القبائل‬
‫واتخاذها تكأة للتشكيك فى الشعر الجاهلى‪ ،‬وكذلك الزعم بأن ذلك الشعر ل‬
‫يعكس عقائد أصحابه‪...‬إلخ‪ ،‬فكيف بالله يقال إن هذا هو ذاك؟ وقد انتهى‬
‫َ‬
‫ن هجرها الدارسون ولم يعد‬
‫المر بهذه الوهام والخطرات المتهافتة إلى أ ْ‬
‫أحد يردد شيئا من الكلم الساذج الذى زعمه طه حسين فى كتابه وأصبح من‬
‫مخّلفات الماضى ل يجد من يقبل عليه أو يعيره أ ُذ ًُنا رغم الجهود الهائلة التى‬
‫مرون لحياء العَ ْ‬
‫ميم! وقد وصف د‪ .‬حمدى‬
‫ظم الّر ِ‬
‫يبذلها المطّبلون والمز ّ‬
‫السكوت ود‪ .‬مارسدن جونز ما ورد فى كتاب الدكتور طه من آراء بأن بعضها‬
‫‪74‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫مأخوذ من النقاد العرب القدامى‪ ،‬بينما معظمها للمستشرقين‪ ،‬وليس له‬
‫شىء فيها تقريبا )انظر كتابهما "أعلم الدب المعاصر فى مصر"‪.(20 /‬‬
‫)‪(10 /‬‬
‫م كثيٌر وكبيٌر عن الشك الديكارتى‪ ،‬الذى اتخذه طه حسين‪،‬‬
‫ولقد قيل كل ٌ‬
‫دعى مشايعوه‪ ،‬منهجا فى هذا البحث لتحرير العقول من الجمود‬
‫حسبما ي ّ‬
‫ومن تقديس القديم لمجرد كونه قديما‪ .‬إل أن الذين يطنطنون بهذا الكلم‬
‫م هذا المنهج‪ ،‬ومن ثم فاته النتفاع‬
‫ح ِ‬
‫ون أن طه حسين لم ي ُ ْ‬
‫سن استخدا َ‬
‫ي َن ْ َ‬
‫س ْ‬
‫به كما ينبغى‪ ،‬إذ لم يكن يشك إل فى الروايات التى ل تعجبه ول تؤدى إلى ما‬
‫مب ْل ِغَُته غايَته من التشكيك‬
‫يريد تقريره منذ البداية‪ ،‬أما الروايات التى يرى أنها ُ‬
‫جرها‬
‫جرها وب ُ َ‬
‫فى الشعر الجاهلى والساءة إلى القرآن والدين فإنه يقبلها بعُ َ‬
‫دون أى تمحيص حسبما لحظ الرافعى رحمه الله )مصطفى صادق الرافعى‪/‬‬
‫تحت راية القرآن‪ /‬ط ‪ /3‬مطبعة الستقامة‪ /‬القاهرة‪1953 /‬م‪ .(175/‬وفى‬
‫كتابى "معركة الشعر الجاهلى بين الرافعى وطه حسين" استطعت‪ ،‬من‬
‫خلل النصوص التى اقتطفُتها من كتاب "فى الشعر الجاهلى"‪ ،‬أن أبين أن‬
‫الدكتور طه لم يهضم أصل ً منهج الفيلسوف الفرنسى‪ ،‬كما أنه لم يطبق إل‬
‫جانًبا واحدا فحسب من جوانبه المتعددة )معركة الشعر الجاهلى بين الرافعى‬
‫وطه حسين‪ /‬مطبعة الفجر الجديد‪ /‬القاهرة‪1987 /‬م‪.(115 -105 /‬‬
‫والن نترك القارئ مع النصين التاليين اللذين تعرض فى أولهما الدكتور طه‬
‫ما إياه بأنه قد استعان بالساطير‬
‫حسين بحماقةٍ وغشم ٍ للقرآن الكريم مته ً‬
‫الكاذبة بغرض التقرب من اليهود‪ ،‬وفى ثانيهما للرسول عليه السلم يغمز‬
‫منه ومن الجلل الذى يشعر المسلمون به تجاهه ويحاول دون أى أساس أن‬
‫ذف هذان النصان من الطبعة‬
‫ح ِ‬
‫يقلل من شأنه صلى الله عليه وسلم!!!! وقد ُ‬
‫الثانية من كتابه "فى الشعر الجاهلى" سنة ‪1927‬م بعد أن غُّير عنواُنه‬
‫م‬
‫س َِ‬
‫ى‪" :‬فى الدب الجاهلى"‪ .‬وبطبيعة الحال ل يمكن أن يرّدد هذا الكل َ‬
‫و ُ‬
‫م َ‬
‫من يؤمن بأن القرآن وحى من عند رب العالمين أو يشعر بالتبحيل للنبى‬
‫الذى نزل عليه‪ :‬فالله ل يصطنع الساطير لغراض سياسية أو غير سياسية‪،‬‬
‫ول هو بحاجة للتقرب من اليهود أو المريكان‪ ،‬كما أن الرسول الكريم كان‬
‫فى الذؤابة من قومه نسًبا وشرًفا كما قالت كلمة التاريخ!!!! وقد نقلنا هذين‬
‫النصين من أحد المواقع التى تظن أنها تستطيع أن تحارب السلم بكتاب‬
‫الدكتور طه وتهزمه!!!! نقلناهما حتى يتبين الحقّ من الباطل ويعرف القاصى‬
‫ر‬
‫والدانى ما فى كلم الذين يشّنون الغارة على ناقدى الدكتور طه من مك ٍ‬
‫والتواٍء حين يقولون إن الرجل لم يتعرض للقرآن ول للنبى بشىء‪ ،‬وإن من‬
‫ينتقدونه إنما يرددون كلما ل أصل له!!!!‬
‫الشعر الجاهلي واللغة‬
‫على أن هناك شيئا آخر يحظر علينا التسليم بصحة الكثرة المطلقة من هذا‬
‫الشعر الجاهلي ‪ ،‬ولعله أبلغ في اثبات ما نذهب اليه ‪ .‬فهذا الشعر الذي رأينا‬
‫أنه ل يمثل الحياة الدينية والعقلية للعرب الجاهليين بعيد كل البعد على أن‬
‫يمثل اللغة العربية في العصر الذي يزعم الرواة أنه قيل فيه والمر هنا يحتاج‬
‫إلى شيء من الروية والناة ‪ .‬فنحن إذا ذكرنا اللغة العربية نريد بها معناها‬
‫الدقيق المحدود الذي نجده في المعاجم حين نبحث فيها عن لفظ اللغة ما‬
‫معناه ‪ ،‬نريد بها اللفاظ من حيث هي ألفاظ تدل على معانيها ‪ ،‬تستعمل‬
‫حقيقة مرة ومجازا مرة أخرى ‪ ،‬وتتطور تطورا ملئما لمقتضيات الحياة التي‬

‫‪75‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫يحياها أصحاب هذه اللغة ‪.‬‬
‫نقول أن هذا الشعر الجاهلي ل يمثل اللغة الجاهلية ‪ .‬ولنجتهد في تعرف‬
‫اللغة الجاهلية هذه ما هي ‪ ،‬أو ماذا كانت في العصر الذي يزعم الرواة أن‬
‫شعرهم الجاهلي هذا قد قيل فيه ‪ .‬أما الرأي الذي اتفق عليه الرواة أو كادوا‬
‫يتفقون عليه فهو أن العرب ينقسمون إلى قسمين ‪ :‬قحطانية منازلهم الولى‬
‫في اليمن ‪ ،‬وعدنانية منازلهم الولى في الحجاز ‪.‬‬
‫وهم متفقون على أن القحطانية عرب منذ خلقهم الله فطروا على العربية‬
‫فهم العاربة ‪ ،‬وعلى أن العدنانية قد اكتسبوا العربية اكتسابا ‪ ،‬كانوا يتكلمون‬
‫لغة أخرى هي العبرانية أو الكلدانية ‪ ،‬ثم تعلموا لغة العرب العاربة فمحت‬
‫لغتهم الولى من صدورهم وثبتت فيها هذه اللغة الثانية المستعارة ‪ .‬وهم‬
‫متفقون على أن هذه العدنانية المستعربة إنما يتصل نسبهم باسماعيل بن‬
‫ابراهيم ‪ .‬وهم يروون حديثا يتخذونه أساسا لكل هذه النظرية ‪ ،‬خلصته أن‬
‫أول من تكلم بالعربية ونسى لغة أبيه اسماعيل بن ابراهيم ‪.‬‬
‫على هذا كله يتفق الرواة ‪ ،‬ولكنهم يتفقون على شيء آخر أيضا أثبته البحث‬
‫الحديث ‪ ،‬وهو أن هناك خلفا قويا بين لغة حمير )وهي العرب العاربة( ولغة‬
‫عدنان )وهي العرب المستعربة( ‪ .‬وقد روى عن أبي عمرو بن العلء أنه كان‬
‫يقول ‪ :‬ما لسان حمير بلساننا ول لغتهم بلغتنا ‪.‬‬
‫وفي الحق أن البحث الحديث قد أثبت خلفا جوهريا بين اللغة التي كان‬
‫يصطنعها الناس في جنوب البلد العربية ‪ ،‬واللغة التي كانوا يصطنعونها في‬
‫شمال هذا البلد ‪ .‬ولدينا الن نقوش ونصوص تمكننا من اثبات هذا الخلف‬
‫في اللفظ وفي قواعد النحو والتصريف أيضا ‪ .‬وإذن فلبد من حل هذه‬
‫المسألة ‪.‬‬
‫)‪(11 /‬‬
‫إذا كان أبناء اسماعيل قد تعلموا العربية من أولئك العرب الذين نسميهم‬
‫العاربة فكيف بعد ما بين اللغة التي كان يصطنعها العرب العاربة واللغة التي‬
‫كان يصطنعها العرب المستعربة ‪ ،‬حتى استطاع أبو عمرو بن العلء أن يقول‬
‫إنهما لغتان متمايزتان ‪ ،‬واستطاع العلماء المحدثون أن يثبتوا هذا التمايز‬
‫بالدلة التي ل تقبل شكا ول جدال ! والمر ل يقف عند هذا الحد ‪ ،‬فواضح جدا‬
‫لكل من له المام بالبحث التاريخي عامة وبدرس الساطير والقاصيص خاصة‬
‫أن هذه النظرية متكلفة مصطنعة في عصور متأخرة دعت إليها حاجة دينية‬
‫أو اقتصادية أو سياسية ‪.‬‬
‫للتوراة أن تحدثنا عن ابراهيم واسماعيل ‪ ،‬وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضا ‪،‬‬
‫ولكن ورود هذين السمين في التوراة والقرآن ل يكفي لثبات وجودهما‬
‫التاريخي ‪ ،‬فضل عن اثبات هذه القصة التي تحدثنا بهجرة اسماعيل بن‬
‫ابراهيم إلى مكة ونشأة العرب المستعربة فيها ‪ .‬ونحن مضطرون إلى أن‬
‫نرى في هذه القصة نوعا من الحيلة في اثبات الصلة بين اليهود والعرب من‬
‫جهة ‪ ،‬وبين السلم واليهودية والقرآن والتوراة من جهة أخرى‪ .‬وأقدم عصر‬
‫يمكن أن تكون قد نشأت فيه هذه الفكرة إنما هو هذا العصر الذي أخذ اليهود‬
‫يستوطنون فيه شمال البلد العربية ويثبتون فيه المستعمرات ‪ .‬فنحن نعلم‬
‫أن حروبا عنيفة شبت بين هؤلء اليهود المستعمرين وبين العرب الذين كانوا‬
‫يقيمون في هذه البلد ‪ ،‬وانتهت بشيء من المسالمة والملينة ونوع من‬
‫المحالفة والمهادنة ‪ .‬فليس يبعد أن يكون هذا الصلح الذي استقر بين‬

‫‪76‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫المغيرين وأصحاب البلد منشأ هذه القصة التي تجعل العرب واليهود أبناء‬
‫أعمام ‪ ،‬ل سيما وقد رأى أولئك وهؤلء أن بين الفريقين شيئا من التشابه غير‬
‫قليل ؛ فأولئك وهؤلء ساميون ‪.‬‬
‫ولكن الشيء الذي ل شك فيه هو أن ظهور السلم وما كان من الخصومة‬
‫العنيفة بينه وبين وثنية العرب من غير أهل الكتاب ‪ ،‬قد اقتضى أن تثبت‬
‫الصلة الوثيقة بين الدين الجديد وبين الديانتين القديمتين‪ :‬ديانة النصارى‬
‫واليهود ‪.‬‬
‫فأما الصلة الدينية فثابتة واضحة ‪ ،‬فبين القرآن والتوراة والناجيل اشتراك‬
‫في الموضوع والصورة والغرض ‪ ،‬كلها ترمي إلى التوحيد ‪ ،‬وتعتمد على‬
‫أساس واحد هو هذا الذي تشترك فيه الديانات السماوية السامية ‪ .‬ولكن‬
‫هذه الصلة الدينية معنوية وعقلية يحسن أن تؤيدها صلى أخرى مادية‬
‫ملموسة أو كالملموسة بين العرب وبين أهل الكتاب‪ .‬فما الذي يمنع أن‬
‫تستغل هذه القصة قصة القرابة المادية بين العرب العدنانية واليهود ؟‬
‫وقد كانت قريش مستعدة كل الستعداد لقبول مثل هذه السطورة في‬
‫القرن السابع للمسيح فقد كانت أول هذا القرن قد انتهت إلى حظ من من‬
‫النهضة السياسية والقتصادية ضمن لها السيادة في مكة وماحولها وبسط‬
‫سلطانها المعنوي على جزء غير قليل من العربية الوثنية ‪ .‬وكان مصدر هذه‬
‫النهضة وهذا السلطان أمرين‪ :‬التجارة من جهة ‪ ،‬والدين من جهة أخرى ‪.‬‬
‫فأما التجارة فنحن نعلم أن قريشا كانت تصطنعها في الشام ومصر وبلد‬
‫الفرس واليمن وبلد الحبشة‪ .‬وأما الدين فهذه الكعبة التي كانت تجتمع حولها‬
‫قريش ويحج اليها العرب المشركون في كل عام ‪ ،‬والتي أخذت تبسط على‬
‫نفوس هؤلء العرب المشركين نوعا من السلطان قويا ‪ ،‬والتي أخذ هؤلء‬
‫العرب المشركون يجعلون منها رمزا لدين قوي كأنه كان يريد أن يقف في‬
‫سبيل انتشار اليهودية والمسيحية من ناحية أخرى ‪ .‬فنحن نلمح في الساطير‬
‫أن شيئا من المنافسة الدينية كان قائما بين مكة ونجران ‪ .‬ونحن نلمح في‬
‫الساطير أيضا أن هذه المنافسة الدينية بين مكة وبين الكنيسة التي أنشأها‬
‫الحبشة في صنعاء هي التي دعت إلى حرب الفيل التي ذكرت في القرآن ‪.‬‬
‫فقريش إذن كانت في هذا العصر ناهضة نهضة مادية تجارية ‪ ،‬ونهضة دينية‬
‫وثنية ‪ .‬وهي بحكم هاتين النهضتين كانت تحاول أن توجد في البلد العربية‬
‫وحدة سياسية وثنية مستقلة تقاوم تدخل الروم والفرس والحبشة ودياناتهم‬
‫في البلد العربية ‪.‬‬
‫وإذا كان هذا حقا – ونحن نعتقد أنه حق – فمن المعقول جدا أن تبحث هذه‬
‫المدينة الجديدة لنفسها عن أصل تاريخي قديم يتصل بالصول التاريخية‬
‫الماجدة التي تتحدث عنها الساطير ‪ .‬وإذن فليس ما يمنع قريشا من أن‬
‫تقبل هذه السطورة التي تفيد أن الكعبة من تأسيس اسماعيل وابراهيم ‪،‬‬
‫كما قبلت روما قبل ذلك ولسباب مشابهة أسطورة أخرى صنعها لها اليونان‬
‫تثبت أن روما متصلة باينياس ابن بريام صاحب طروادة ‪.‬‬
‫)‪(12 /‬‬
‫أمر هذه القصة إذن واضح ‪ .‬فهي حديثة العهد ظهرت قبيل السلم واستغلها‬
‫السلم لسبب ديني‪ ،‬وقبلتها مكة لسبب ديني وسياسي أيضا ‪ ،‬وإذن‬
‫فيستطيع التاريخ الدبي واللغوي أل يحفل بها عند ما يريد أن يعترف أصل‬
‫اللغة العريبة الفصحى ‪ .‬وإذن فنستطيع أن نقول أن الصلة بين اللغة العربية‬

‫‪77‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫الفصحى التي كانت تتكلمها العدنانية واللغة التي أنت تتكلمها القحطانية في‬
‫اليمن إنما هي كالصلة بين اللغة العربية وأي لغة أخرى من اللغات السامية‬
‫المعروفة ‪ ،‬وإن قصة العاربة والمستعربة وتعلم اسماعيل العربية من‬
‫جرهم ‪ ،‬كل ذلك حديث أساطير ل خطر له ول غناء فيه ‪.‬‬
‫والنتيجة لهذا البحث كله تردنا إلى الموضوع الذي ابتدأنا به منذ حين ‪ ،‬وهو‬
‫أن هذا الشعر الذي يسمونه الجاهلي ل يمثل اللغة الجاهلية ول يمكن أن‬
‫يكون صحيحا ‪ .‬ذلك لننا نجد بين هؤلء الشعراء الذين يضيفون إليهم شيئا‬
‫كثيرا من الشعر الجاهلي قوما ينتسبون إلى عرب اليمن إلى هذه القحطانية‬
‫العاربة التي كانت تتكلم لغة غير لغة القرآن ‪ ،‬والتي كان يقول عنها أبو عمرو‬
‫بن العلء ‪ :‬إن لغتها مخالفة للغة العرب ‪ ،‬والتي أثبت البحث الحديث ‪ ،‬أن لها‬
‫لغة أخرى غير اللغة العربية ‪.‬‬
‫ولكننا حين نقرأ الشعر الذي يضاف إلى شعراء هذه القحطانية في الجاهلية‬
‫ل نجد فرقا قليل ول كثيرا بينه وبين شعر العدنانية ‪ .‬نستغفر الله ! بل نحن ل‬
‫نجد فرقا بين لغة هذا الشعر ولغة القرآن ‪ .‬فكيف يمكن فهم ذلك أو تأويله؟‬
‫أمر ذلك يسير ‪ ،‬وهو أن هذا الشعر الذي يضاف إلى القحطانية قبل السلم‬
‫ليس من القحطانية في شيء ‪ ،‬لم يقله شعراؤها وإنما حمل عليهم بعد‬
‫السلم لسباب مختلفة سنبينها حين نعرض لهذه السباب التي دعت إلى‬
‫انتحال الشعر الجاهلي في السلم ‪.‬‬
‫الدين وانتحال الشعر‬
‫‪ ...‬ونوع آخر من تأثير الدين في انتحال الشعر وإضافته إلى الجاهليين ‪ ،‬وهو‬
‫ما يتصل بتعظيم شأن النبي من ناحية أسرته ونسبه في قريش ‪ .‬فلمرٍ ما‬
‫اقتنع الناس بأن النبي يجب أن يكون صفوة بني هاشم ‪ ،‬وأن يكون بنو هاشم‬
‫صفوة بني عبد مناف ‪ ،‬وأن يكون بنو عبد مناف صفوة بني قصي ‪ ،‬وأن يكون‬
‫قصي صفوة قريش ‪ ،‬وقريش صفوة مضر ‪ ،‬ومضر صفوة عدنان ‪ ،‬وعدنان‬
‫صفوة العرب ‪ ،‬والعرب صفوة النسانية كلها ‪ .‬وأخذ القصاص يجتهدون في‬
‫تثبيت هذا النوع من التصفية والتنقية وما يتصل منه بأسرة النبي خاصة ‪،‬‬
‫فيضيفون إلى عبد الله وعبد المطلب وهاشم وعبد مناف وقصي من الخبار‬
‫ما يرفع شأنهم ويعلي مكانتهم ويثبت تفوقهم على قومهم خاصة وعلى‬
‫العرب عامة ‪ .‬وأنت تعلم أن طبيعة القصص عند العرب تستتبع الشعر ‪ ،‬ول‬
‫سيما إذا كانت العامة هي التي تراد بهذا القصص ‪..‬‬
‫)‪(13 /‬‬
‫نظرية علمية جديدة ‪ :‬النسان أصله صرصار‬
‫أ‪.‬د‪/‬‬
‫جابر قميحة‬
‫‪komeha@menanet.net‬‬
‫»النسان أصله قرد‪ ,‬ثم ارتقي تدريجًيا ‪-‬علي مدار مليين السنين‪ -‬حتي أخذ‬
‫صورته البشرية«‪ ,‬هذا ما يقوله »دارون«‪ ,‬ويمثل نخاع نظريته في »النشوء‬
‫والرتقاء«‪ ,‬وإن كان هناك من ينسب هذه المقولة لتلميذه »لمارك«‪ ,‬وإن لم‬
‫ينكروا أن دارون ذهب إلي أن النسان »في الصل« كانت صورته تشبه‬
‫القرد إلي حد بعيد ‪ .‬وعلي أية حال نري أن الخلف لفظي‪ ,‬ول تترتب عليه‬
‫أية نتيجة عملية ‪.‬‬
‫ً‬
‫ونحن المسلمين نرفض هذه النظرية جملة وتفصيل‪ ,‬لتعارضها مع عقيدتنا في‬

‫‪78‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫الخْلق بصفة عامة‪ ,‬وخلق النسان بصفة خاصة ‪ .‬غير أني أقول إني ُ‬
‫شغلت‬
‫بالقراءة في هذه النظرية‪ ,‬والقراءة عنها في مطلع الخمسينيات ‪ ,‬وأنا طالب‬
‫بالسنة الخامسة من المرحلة الثانوية )شعبة أدبي ‪ -‬فلسفة(‪ ,‬وأذكر من‬
‫الكتب التي قرأتها آنذاك كتاب »ملقي السبيل في نظرية النشوء والرتقاء«‬
‫لسماعيل مظهر‪ ,‬و»رسالة في الرد علي الدهريين لجمال الدين الفغاني«‪,‬‬
‫وكذلك ما كتبه محمد عبده ‪,‬ومحمد فريد وجدي ‪ ,‬وغيرهما‪.‬‬
‫ومن عجب أن يخرج أحد العلماء اللمان بنظرية جديدة مناقضة‪ ,‬فيقول‪ :‬إن‬
‫النسان لم يكن قرًدا وارتقي‪ ,‬ولكن القرد كان أشبه ما يكون بالنسان‪,‬‬
‫وانحدر علي مدي مليين السنين‪.‬‬
‫نظرية جديدة ‪%100‬‬
‫ُ‬
‫خلص منه إلي‬
‫وأعتذر للقارئ عن هذا الستطراد‪ ,‬ولكني ذكرت ما ذكرت‪ ,‬ل ٍْ‬
‫ما يدعو »للفخر الفاخر« و»العجاب الغامر«‪ ,‬وهو أن مصريا من جلدتنا‪,‬‬
‫يتكلم لغتنا‪ ,‬خرج علينا بنظرية جديدة تهدم كل ما سبق‪ ,‬بل تنسف النظرية‬
‫أو النظريات السابقة‪ ,‬بل تنسف دارون نفسه‪ ,‬وكذلك لمارك‪ ,‬وزرجن‬
‫ضا‪.‬‬
‫بارجن‪ ,‬و»اللي خلفوهم« أي ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫دا‪ ,‬ول حتي‬
‫وخلصة هذه النظرية هي ‪ :‬أن النسان ليس أصله قرًدا‪ ,‬ول أس ً‬
‫وّزة‪ .‬ولكن أصله »صرصاًر«‪ ,‬وصاحب هذه النظرية هو »الفلتة« الدكتور‬
‫محمد مجدي مرجان ‪ .‬وقد دأب علي تكرار مضمون نظريته هذه في‬
‫»أهرام« كل أربعاء‪ .‬ولكن ‪-‬إنصاًفا لهذا المرجان الفلتة‪ -‬نقول‪ :‬إنه وضع عدة‬
‫قيود وضوابط علي نظريته في »صرصارية النسان«‪ .‬وأهمها‪:‬‬
‫‪ -1‬أنه يقصد بالنسان‪ ..‬النسان المصري فقط‪ ,‬ول يدخل في نطاق النظرية‬
‫الجناس الخري‪.‬‬
‫‪ - 2‬وكذلك ل يقصد النسان المصري ‪-‬بإطلق‪ -‬ولكن من يعارض الرئيس‬
‫حسني مبارك‪ ,‬وقد وصفهم بأنهم قلة قليلة تافهة‪ ...‬حشرات‪ ...‬هوام‪...‬‬
‫ضائعون‪ ...‬مضللون‪ ...‬أغبياء‪ ...‬جبناء‪ ...‬لصوص‪ ..‬خونة‪ ...‬عملء‪ .‬مع أنهم في‬
‫الواقع يمثلون أغلبية الشعب‪ ,‬وأغلبهم من المواطنين الجلء الذين يحرصون‬
‫علي إنقاذ مصر ونهوضها من نكباتها‪ ,‬وما نزل بها في العهد المباركي‪.‬‬
‫‪ - 3‬أن هذه »الصراصير« قادرة علي التشكل في صور حيوانات أو حشرات‬
‫أخري‪ ..‬سنعرفها بعد قليل‪.‬‬
‫من كلمات مرجان الفلتة‬
‫فا‪ :‬إن مرجان »الفلتة« ‪-‬في أغلب مقالته الهرامية‪ -‬مغرم بتشبيه‬
‫قلت آن ً‬
‫»المعارضين بالصراصير« ‪ ,‬ومن آخر ما كتبه في »أهرام ‪...» :«6/7/2005‬‬
‫ولكن هذا هو قدر مبارك الذي لم يكن غيره بقادر أن يتحمل هذا الثمن‬
‫الباهظ‪ ,‬ويطبق هذا السفاف الصفيق‪ ,‬افتتح )مبارك( المزاد )!!!!(‪ ,‬وتسابق‬
‫المهرجون والبهلوانات‪ ,‬واندس العملء واللصوص‪ ,‬وتحولت »الصراصير« إلي‬
‫حسن‪ ,‬وتكافئ‬
‫م ْ‬
‫عقارب‪ ,‬والفئران أسودا‪ ...‬وللسف بلخلق تعاقب ال ُ‬
‫المسيء‪ ,‬وتقتات من كل الموائد‪ ...‬إنهم فئة من الفاشلين والحاقدين‬
‫والعملء‪.«...‬‬
‫ونسي »مرجان الفلتة« أن في هؤلء أساتذة دّرسوا له القانون‪ ...‬وفيهم من‬
‫المثقفين »المتعففين« حائزون علي أرقي الشهادات العالمية ‪ .‬ولكني ل‬
‫أملك إل أن أقول‪ :‬لعن الّله النفاق‪ ,‬وأقول‪ :‬إذا لم تستحي فاصنع‪ ,‬وقل ما‬
‫شئت«‪.‬‬
‫وإلي المتحانات تسرب النفاق‬
‫وشعرت بخزي فادح وجزع أليم ‪ ,‬وأنا أري »هيمنة النفاق« علي بعض‬
‫‪79‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫امتحانات التربية والتعليم ‪ .‬وبين يديّ ورقة امتحان الفصل الدراسي الثاني )‬
‫‪ (2005-2004‬في مادة التربية الفنية للصف الول الثانوي بمدرسة العريش‬
‫الثانوية للبنين )محافظة شمال سيناء( ‪,‬ونص الورقة‪ :‬أو ً‬
‫ل‪ :‬التعبير الفني‪:‬‬
‫تشهد اليام القليلة القادمة منعطف )كذا( خطيًرا في مصر للرؤية‬
‫المستقبلية للشعب المصري لتحديد الهداف والولويات لتحسين حياة الفرد‪.‬‬
‫والرئيس حسني مبارك قائد له تاريخ مستمر )كذا(‪ ,‬واستطاع أن ينقل مصر‬
‫نقلت حضارية في القتصاد والسياسة والتعليم والثقافة والزراعة والستقرار‬
‫والمان‪ ,‬وحرص علي عدم المساس بأصحاب الدخل المحدود‪ ,‬وسعي‬
‫لتحسين أحوال المعيشة‪ ,‬ووضع خططا خمسية متتالية لزدهار التنمية‪,‬‬
‫وحرص علي إقامة مدن جديدة‪ ,‬ومشروعات ضخمة مثل )توشكي‪ ,‬شرق‬
‫العوينات‪ ,‬ترعة السلم( لرفع معيشة أبناء الوطن ‪ .‬ول يحتاج الرئيس لدعاية‬
‫انتخابية‪ ,‬والكل سيقول كلمته )نعم( يوم النتخابات للرئيس مبارك‪.‬‬
‫المطلوب‪ :‬عّبر بقلمك وألوانك عن إحدي )كذا( المشاهد التالية‪:‬‬
‫‪ - 1‬مشهد من مشاهد التأييد النتخابي للرئيس مبارك في الشوارع أو داخل‬
‫اللجنة النتخابية ‪.‬‬
‫‪ - 2‬مشهد من مشاهد الصلح والخدمات في مصر علي يد الرئيس مبارك ‪.‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫ثانًيا‪ :‬التصميم البتكاري‪ :‬داخل مستطيل مساحته ‪20‬سم ھ ‪ 15‬سم‪:‬‬
‫ما الرموز‬
‫* صمم شعار تأييد للرئيس مبارك في النتخابات القادمة‪ ,‬مسخد ً‬
‫المناسبة‪.‬‬
‫* علي أن تكتب عبارة )نعم لمبارك( داخل التصميم‪.‬‬
‫* )استخدم اللوان التي تناسب الشعار( )انتهي(‪.‬‬
‫حي‪ ,‬فضع من السئلة ما‬
‫ول أملك إل أن أقول‪ :‬لعن الّله النفاق‪ .‬وإذا لم تست ْ‬
‫شئت‪.‬‬
‫حتي أنت يا بيومي‪...‬‬
‫وفي مثل هذا الفلك يدور أزهري عتيد هو الشيخ عبد المعطي بيومي )عضو‬
‫مجلس الشعب بالتعيين(‪ ...‬إنه يعترض علي المقولة النّيرة )الّله أكبر ولّله‬
‫الحمد(‪ .‬ويزعم أنها شعار حزبي ينم علي تعصب ديني‪ ,‬ومن ثم يجب أن‬
‫تكون من الشعارات المحظورة أثناء قيام المرشحين بالدعاية في النتخابات‪.‬‬
‫والشيخ بيومي يعتقد أنه برأيه هذا سيرضي الدكتور فتحي سرور ‪-‬رئيس‬
‫مجلس الشعب‪ -‬في حكومتنا العلمانية‪ ,‬ولكن »نقبه طلع علي شونة« ورفض‬
‫الدكتور سرور ما قاله الشيخ بيومي‪ .‬وقال بالنص‪» :‬ل يا أخي‪ ..‬كلنا بنقول‪:‬‬
‫الّله أكبر ولّله الحمد«‪ ,‬وهتف الخوان جميًعا في مجلس الشعب ومعهم‬
‫أعضاء آخرون‪ ..‬أكثر من عشر مرات »الّله أكبر ولّله الحمد«‪ ...‬وتوالت‬
‫اللطمات علي الشيخ الذي » ُ‬
‫صا عندما سقط سقطة علمية‬
‫كبت«‪ ...‬وخصو ً‬
‫فاضحة حينما حاول التخفيف من شدة الكّر عليه فزعم »أنه يعلم أن النبي‬
‫قال ‪" :‬كلمتان حبيبتان إلى الرحمن ‪ ,‬ثقيلتان في الميزان ‪ ,‬خفيفتان على‬
‫اللسان ‪ ,‬هما ‪ :‬الّله أكبر ولّله الحمد« ‪ .‬ورده إلي الصواب أحد نواب الخوان‪,‬‬
‫خا ول أزهرًيا ‪ , -‬فذكر أن الكلمتين – بنص الحديث الشريف‬
‫ وهوليس شي ً‬‫هما ‪ " :‬سبحان الله وبحمده ‪ ,‬سبحان الله العظيم " ‪ ,‬وليستا ‪ " :‬الله أكبر ‪,‬‬
‫ولله الحمد " ‪ ,‬كما ذكر الشيخ بيومي ‪ .‬آااه‪ ..‬يا شيخ بيومي‪ ...‬هل المسلمون‬
‫الذين يهتفون في العيدين »‪...‬الّله أكبر‪ ..‬الّله أكبر‪ ..‬ولّله الحمد« أهؤلء‬

‫‪80‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫حزبيون‪ ..‬يا أيها الشيخ " العالم " جدا ?!!‬
‫سفلة هم من يأكلون‬
‫ولكن لك الفضل إذ جعلتني أترحم علي من قال‪ :‬ال ّ‬
‫ة السفلة هم من يأكلون بدينهم«‪ .‬ونقول لمن يرفض‬
‫س ْ‬
‫فل ُ‬
‫بالطبل والمزمار‪ ,‬و ِ‬
‫أو يتحرج من هذا الهتاف أو هذا الشعار »الّله أكبر ولّله الحمد«‪» :‬الّله أكبر‬
‫فك‪ ..‬وبصرك‪ ..‬ووجهك‪ ...‬وكلك في الرغام‪ ,‬ولعن الّله‬
‫ولّله الحمد«‪ ...‬وأن ٍ ُ‬
‫حي فقل‪ ...‬وازعم ما شئت‪.‬‬
‫النفاق‪ ..‬وإذا لم تست ْ‬
‫إنها مسئولية الشعوب‬
‫والواقع التاريخي يقول‪ :‬إن نفاق الرعية يفسد الحكام‪ ,‬ويحولهم بالتدريج إلي‬
‫وحوش ضارية‪ .‬وصدق خليل مطران شاعر القطرين إذ قال )عن الطاغية‬
‫نيرون حارق روما(‪:‬‬
‫من يلم نيرون إني لئم‬
‫ُأمة لو قهرته ارتد قهًرا‬
‫كل قوم خالقو نيرونهم‬
‫قيصر قيل له أو قيل كسري‬
‫إن المة في هذه الحالة تكون أمة بل كيان‪ ,‬وذلك باستسلمها للطاغية‪..‬‬
‫ولهذا الستسلم صور ثلث هي‪:‬‬
‫‪ - 1‬الستسلم السلبي بالسكوت علي مخازي الطاغية دون مقاومة‪ ,‬أو حتي‬
‫رفع صوت بالعتراض‪.‬‬
‫‪ - 2‬الستسلم اليجابي‪ ,‬بمنافقة الطاغية‪ ,‬وتزيين الشر له‪ ,‬وإظهار باطله‬
‫علي أنه حق ناصع عادل مبين‪ .‬وهنا تتشكل »بطانة السوء«‪ ,‬وقد قلت في‬
‫هؤلء – من قصيدة متواضعة نظمتها ‪: -‬‬
‫إن قال سيدهم »ل« فْهي ك ِْلمتهم‬
‫م«‬
‫م‪ .‬نع ُ‬
‫م« قالوا »نع ْ‬
‫وإن يقل »نع ٌ‬
‫م‬
‫ي عن النور في آذانهم صم ٌ‬
‫عم ٌ‬
‫م‬
‫ل ينطقون بحق‪ ..‬إنهم ُبك ُ‬
‫يرضون بالدون والدنيا إذا نعموا‬
‫عهم نقموا‬
‫حرموا أطما َ‬
‫أما إذا ُ‬
‫ُ‬
‫كأنهم في مسار العمر قد خلقوا‬
‫بل عقول‪ ,‬فهم في عيشهم غنم‬
‫خسُئوا يا خفافيش النفاق فقد‬
‫فلت ْ‬
‫عشتم وكلكمو في مصرنا قََزم‬
‫‪ - 3‬أما النوع الثالث فهو الستسلم النفاقي اليجابي »السيكوباتي« أو‬
‫الجرامي‪ ,‬بالعدوان واليذاء قول ً وفع ً‬
‫ل‪ ,‬وتحريض الطاغية علي أن يعصف‬
‫دا بزعم خوف هؤلء المنافقين علي حياته‪.‬‬
‫بمعارضيه قتل ً وسجًنا وتشري ً‬
‫وبالتدريج ينفصل الطاغية عن الشعب‪ ,‬ويغرس كراهيته في قلوب الناس‪ .‬أما‬
‫بطانة السوء فهي الفائزة الغانمة مكاسب الدنيا‪ ,‬ورغد العيش‪.‬‬
‫وهاكم نيرون مثل ً‬
‫والمثل التاريخي الذي يقطع بصدق هذا الحكم هو »نيرون« الذي شهد له‬
‫أستاذه »سنكا« بأنه عاقل نجيب فيه ذكاء ورحمة‪ .‬ولكن بدأت جوقة النفاق‬
‫صا علي منفعتها‪ -‬تعمل عملها‪ .‬فصورت رذائله فضائل‪ ,‬ونقائصه كمال ‪,‬‬
‫حر ً‬‫وصارت ُتضخم فيه إلي أن بلغ لهذا أقصي غايات الغرور‪ .‬وأعطانا خليل‬
‫جا لهذا النفاق المخزي في هذه المحاورة التي دارت بين‬
‫مطران نموذ ً‬
‫المبراطور نيرون‪ ,‬وبين بطانة المنافقين‪:‬‬
‫قال بي حسن‪ ,‬فقالت‪ :‬وبه‬
‫‪81‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫يا فقيد الشبه فقت الناس ُ‬
‫طرا‬
‫فترقي‪ ,‬قال‪ :‬إني مطرب‬
‫ْ‬
‫سكرا‬
‫فأجابت‪ :‬وتعيد الصحو ُ‬
‫فتمادي‪ ,‬قال‪ :‬في التصوير لي‬
‫مرا‬
‫غَُرر‪ ,‬قالت‪ :‬وُتؤتي الرسم ع ْ‬
‫فتغالي‪ ,‬قال‪ :‬في التمثيل ل‬
‫تن ْ‬
‫شرا‬
‫ِ‬
‫شْبه لي‪ ,‬قالت‪ :‬وتحيي المي ْ َ‬
‫فتباهي‪ ,‬قال‪ :‬إني شاعر‬
‫فأجابت‪ :‬إنما تنظم ‪ ..‬درا‬
‫خم بدأ جنون العظمة وشهوة البطش‬
‫وانطلقا من هذا النفاق الموهم المض ّ‬
‫والطغيان تأخذ طريقها إلي نفس نيرون‪ .‬وهي صورة ل يخلو منها تاريخ أمة‬
‫من المم والنهاية هي الخراب والدمار‪.‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫نظرّية المؤامرة والوعي السياسي‬
‫عبد الله الصبيح ‪3/5/1426‬‬
‫‪10/06/2005‬‬
‫كثير من مثقفينا سواء كانوا إسلميين أو ليبراليين أو أيا ً ما كانوا ينطلقون في‬
‫رؤاهم وتحليلتهم السياسية من نظرية المؤامرة؛ إذ يرون أن كل مافي‬
‫الوجود من أحداث إنما هي عن تخطيط مقصود من طرف فاعل‪ ،‬وهو موجه‬
‫ضدنا معشر العرب أو المسلمين‪.‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ونظرية المؤامرة ليست خاطئة تماما‪ ،‬ولكنها ليست صوابا تماما‪ .‬وهي في‬
‫كل الحوال لتستطيع أن تفسر ما يقع من حوادث‪ ،‬وينشأ من ظواهر في‬
‫المحيط السياسي‪.‬‬
‫ومن ركن إليها أفضت به إلى عمى في البصيرة عن قواه الذاتية الكامنة‪،‬‬
‫وضخمت عنده قدرات خصمه فأورثته عجزا ً ويأسًا‪ .‬والعاجز اليائس إما أن‬
‫يستسلم لرادة خصمه أو ينزوي عن مسرح الحداث‪.‬‬
‫وفي كلتا الحالتين هو الجاني على نفسه‪.‬‬
‫إن الوعي السياسي ُيراد به ليس فقط معرفة أهداف الخصم‪ ،‬وإنما تحديد‬
‫الخيارات المتاحة للريادة في تكوين الحدث أو رد الفعل تجاه الحدث‪.‬‬
‫ونظرية المؤامرة تحدثك عن أهداف الخصم وتضخمها أمامك‪ ،‬وتغلق عليك‬
‫منافذ الخيارات التي ينبغي لك أن تسلكها في التأثير في المسرح السياسي‪.‬‬
‫تصوْر ذلك الذي يحدثك عن الصهيونية العالمية ومؤامراتها الضخمة في البر‬
‫والبحر والحرب والسلم‪ ،‬وسيطرتها على السياسة والفن والعلم وسوق‬
‫المال والمجال الكاديمي‪ ،‬وغير ذلك مما تعلمه وما لتعلمه‪ ،‬تصوّْر أن ذهنك‬
‫مى ببروتوكولت‬
‫أصبح مشبعا ً بما حدثك به‪ ،‬ثم أضفت إليه دراسة ما ُيس ّ‬
‫ضغثا ً على إّبالة!!‬
‫حكماء صهيون‪ ،‬فأضفت ِ‬
‫ترى هل ترك لك ذلك التثقيف فسحة للتصرف السليم‪ ،‬أم أنه حدد طريقا ً‬
‫واحدا ً وهو العجز واليأس وليس ثمة طريق آخر سواه؟‬
‫وهل أتاح لك بذلك فرصة لتفحص ذاتك وتعّرف مواطن القوة والضعف‬
‫عندك‪ ،‬أم أنك استغرقت في تهويمات عن أهداف خصمك‪ ،‬وما يريده فقط‪،‬‬
‫وغفلت عن دراسة مواطن القوة والضعف الفعلية عنده؟‬
‫وإن مما يزيد من بلئنا مع هذا النوع من التحليل أن البعض يسميه وعيا ً‬

‫‪82‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫سياسيا ً أو وعيا ً للواقع‪ ،‬بينما هو ل يعدو عن أن يكون اعتقال ً للذات في‬
‫مشروعات العدو وارتهانا ً لطاقات العقل المبدعة ضمن إستراتيجية الخصم‪.‬‬
‫إن التحليل السليم لينفصل عن الواقع إطلقا ً ول يعيش في الخيال‪ ،‬ومن‬
‫مس الباحث العوامل الواقعية المؤثرة في الحدث‪،‬‬
‫الرتباط بالواقع أن يتل ّ‬
‫ويحولها إلى أرقام إحصائية‪ ،‬ويتتّبع مساراتها وتغّيراتها‪.‬‬
‫وكل عامل واقعي ليكاد يكون حكرا ً على طرف في المسرح السياسي دون‬
‫طرف آخر‪ ،‬بل كل فريق يستطيع أن يستفيد منه بمقدار ما عنده من تخطيط‬
‫سليم ودراسة واقعية‪.‬‬
‫مى بالوعي السياسي الناتج من‬
‫والتخطيط السليم ل يكون عن طريق ما ُيس ّ‬
‫جمع قصاصات من الصحف هنا وهناك‪ ،‬وإنما يكون عن طريق الدراسة‬
‫المتأنية المتخصصة طويلة المدى‪.‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫إن المطالعة الصحفية قد تنتج لنا مثقفا سياسيا‪ ،‬ولكنها لن تنتج فقيها بالواقع‪،‬‬
‫عالما ً بالسياسة‪ ،‬يستطيع رسم الستراتيجيات السياسية إل إذا كانت مطالعة‬
‫بعض النشرات الطبية كافية لخراج طبيب عالم يستطيع التشخيص والعلج‬
‫وإجراء العمليات الجراحية‬
‫)‪(1 /‬‬
‫نظرّية الملحمة في الدب الملتزم بالسلم‬
‫بقلم الدكتور عدنان علي رضا النحوي‬
‫‪... ...‬‬
‫‪...‬‬
‫كان أرسطو يحصر الشعر في المحاكاة التي تعرض أفعال البشر‪ ،‬خيرها‬
‫وشرها ترتيبا ً يبرز أهميتها وضرورتها‪ ،‬ويبرز توالد بعضها من بعض‪ .‬وكان‬
‫م وزنا ً للشعر الغنائي ول‬
‫يعتبر" هوميروس" اليوناني شاعرا ً عظيمًا‪ ،‬ولم ُيق ْ‬
‫لشعرائه‪.‬‬
‫ً‬
‫لقد أّثرت نظريات أرسطو في أوروبا كثيرا وكذلك الفكر اليوناني الوثني‪،‬‬
‫م امتد ّ بعد ذلك في ميادين‬
‫وبرز هذا التأثير في الدب الكلسيكي الوروبي‪ ،‬ث ّ‬
‫كثيرة‪.‬‬
‫إل أن نظرّية المحاكاة التي اعتمدها أرسطو كقاعدة للشعر ل تنهض كنظرية‬
‫مقبولة في التصور اليماني‪ ،‬ول في اللغة العربية وأدبها‪ .‬وفكر أرسطو‬
‫وآراؤه كانت وليدة تجربة وثنية في مجتمع وثني‪ ،‬حملت معها روح الوثنية‪.‬‬
‫والملحمة عند أرسطو محاكاة بالقصة الشعرّية‪ ،‬تروي الحداث رواية يقرؤها‬
‫القارئ‪ ،‬ول يشاهدها النظارة كما يشاهدونها في المأساة‪.‬‬
‫‪1‬ـ لمحة عن نشوء" السطورة" عند اليونانيين ‪:‬‬
‫اتخذ أرسطو" هوميروس" نموذجا ً للسطورة‪ ،‬وعلى أساس ذلك وضع‬
‫قواعدها وأسماها" ‪ "EPIKOS‬وأصبحت في النكليزية" ‪ ،"EPIC‬وتعريفها في‬
‫المعاجم ‪ :‬هي قصيدة تحتفل بشعر منظوم أعمال البطال واللهة وأنصاف‬
‫كرة ُ‬
‫ورات مب ّ‬
‫لناس وهميين‬
‫اللهة‪ .‬وقد نشأت الساطير" ‪ "EPICS‬من تص ّ‬
‫وتجاربهم مع الطبيعة‪ .‬وكانت تبتدئ هذه الساطير من الشعب نفسه ثم‬
‫تنتقل من جيل إلى جيل‪ ،‬وتنمو مع انتقالها بخرافات عن اللهة ودورها في‬
‫م يأتي شاعر أو أكثر يجمع هذه الساطير‬
‫أحداث تاريخية في حياة الشعب‪ .‬ث ّ‬
‫ويضع لها الصياغة النهائية التي تعرض الحداث التاريخية بصورة خرافية‪ ،‬وقد‬
‫ل تعرضها‪ .‬هكذا بدأت الوديسا وهكذا نمت وهي تجمع من خلل ذلك الفكر‬

‫‪83‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫اليوناني الوثني عن اللهة والطبيعة والنسان‪.‬‬
‫والساطير الهندية خرجت بنفس السلوب الوثني‪ ،‬مثل أسطورة "‬
‫ماهابهاراتا" والسطورة البابلية ‪ ":‬أسطورة الخلق"‪ ،‬وأسطورة الرومان‬
‫وضعها شاعرهم فيرجيل ‪ ":‬أسطورة الينيادا"‪ .‬وحذا حذو هذه الساطير‬
‫الوثنية ميلتون النجليزي في" الفردوس المفقود"‪ ،‬ثم أخذ الغرب الوربي‬
‫دم بدل ً منها قصائد اجتماعية مثل‬
‫يتنازل عن خصائص هذه الساطير ويق ّ‬
‫قصيدة الشاعر النجليزي" بوب" ‪."Rape of The Lock ":‬‬
‫‪2‬ـ خطأ في الترجمة يجب أن نتحّرر منه ومن التبعّية للوثنّية اليونانّية ‪:‬‬
‫لقد ُترجمت كلمة" ‪ ،"epikos‬و" ‪ "epic‬خطأ ً إلى" الملحمة"‪ .‬والترجمة القرب‬
‫للصحة هي" السطورة"‪ ،‬فكلمة الملحمة في اللغة العربية وفي المعاجم‬
‫وفي أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم تحمل معاني أج ّ‬
‫ل وأرقى من‬
‫معاني السطورة‪.‬‬
‫ورا ً‬
‫من هنا أصبح واجبنا‪ ،‬مع انطلقة الدب الملتزم بالسلم‪ ،‬أن نق ّ‬
‫دم تص ّ‬
‫جديدا ً للملحمة في أدبنا ينبع من الكتاب والسّنة واللغة العربّية وتاريخ‬
‫السلم‪ ،‬بعيدا ً عن الخرافات والساطير‪ ،‬وبعيدا ً عن التبعّية العمياء للساطير‬
‫الوثنّية‪.‬‬
‫ومعاني كلمة الملحمة في اللغة العربّية كما هي في المعاجم ‪ :‬الوقعة‬
‫العظيمة في الفتنة‪ ،‬الحرب ذات القتل الشديد‪ ،‬ومنها لحم القوم‪ ،‬وألحمت‬
‫ي الملحمة‪ .‬وفي كل هذه المعاني ابتعاد عن الخرافات والساطير‪.‬‬
‫القوم‪ ،‬ونب ّ‬
‫وفي أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ‪ ....":‬فعندئذ تغدر الروم وتجمع‬
‫للملحمة‪ ،"....‬وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال ‪ :‬قال رسول الله صلى‬
‫الله عليه وسلم ‪ ) :‬عمران بيت المقدس خراب يثرب وخراب يثرب خروج‬
‫الملحمة‪ ،‬وخروج الملحمة فتح القسطنطينية‪ ،‬وفتح القسطنطينية خروج‬
‫ن هذا لحقّ كما‬
‫دثه أو منكبه وقال ‪ ) :‬إ ّ‬
‫الدجال ( ثم ضرب بيده على فخذ مح ّ‬
‫أنك هاهنا (‪.‬‬
‫وأحاديث أخرى جمعها أبو داود في سننه في كتاب أسماه" الملحم"‪.‬‬
‫فمن هنا نرى أن كلمة الملحمة تمّثل قتال ً حقيقيا ً ل خرافة فيه ول وهم‪،‬‬
‫وترتبط بأرض القتال‪ ،‬وبالنبوة‪ ،‬وبتأليف المة وإصلحها‪ ،‬وهي مرتبطة‬
‫بالتوحيد ورسالته‪ ،‬وبمعارك السلم الحقيقية‪.‬‬
‫ور الوثني‬
‫‪3‬ـ التصور الذي نطرحه للملحمة في الدب السلمي لمفارقة التص ّ‬
‫‪:‬‬
‫أ ـ الطول ‪ :‬ل حاجة لن تلتزم الملحمة آلف البيات الشعرّية أو عشرات‬
‫اللف‪ ،‬فهذا متعب للقارئ وللشاعر دون أي فائدة توازي ذلك التعب والملل‪،‬‬
‫يكفي أن يّتفق على الحد الدنى لبيات الملحمة‪ ،‬ويترك الطول دون فرض‬
‫وإلزام‪.‬‬
‫ب ـ الموضوع ‪ :‬ينحصر في قضايا المة المسلمة وتاريخها ورسالتها وواقعها‪،‬‬
‫خالية من الخرافات والساطير‪ .‬ففي الواقع أحداث أهم من الساطير وأجدى‬
‫وأكثر متعة وفائدة‪.‬‬
‫ج ـ الزمن ‪ :‬الفترة الزمنية للملحمة يجب أن تكون فترة تترابط فيها‬
‫الحداث‪.‬‬
‫دمة أو الفتتاح‪ ،‬الموضوع أو القضية‪ ،‬ثم الخاتمة‪.‬‬
‫د ـ الجزاء ‪ :‬المق ّ‬
‫هـ ـ الهدف ‪ :‬ل بد من هدف واضح حتى ل يضيع هذا الجهد الكبير في متعة‬
‫تائهة‪ .‬فالهدف يمكن أن يكون مشاركة المة في أفراحها وأحزانها‪ ،‬أو إبرازا ً‬
‫لرسالة المة ونشرا ً لها‪ ،‬أو دعما ً لجهادها وقوتها‪ ،‬الهدف يجب أن يكون‬
‫‪84‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫إيمانيًا‪.‬‬
‫‪ 4‬ـ شروط الملحمة في الدب الملتزم بالسلم ‪:‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫أ ـ تطهيرها من الساطير والخرافات وأفكار الوثنّية‪.‬‬
‫ب ـ أن ينبثق تصورها من اليمان والتوحيد‪ ،‬أو من الكتاب والسّنة‪ ،‬ومن اللغة‬
‫العربّية‪ ،‬تحمل الصدق‪ ،‬وتساهم في البناء والعداد‪ ،‬على طريق النصر‪.‬‬
‫ج ـ أن يكون موضوعها ملحمي ّا ً مأخوذا ً من تاريخ السلم القديم والحديث‪.‬‬
‫د ـ أن تقوم على الصدق‪.‬‬
‫هـ ـ أن تحمل الخصائص الفنّية التي ترفعها إلى مستوى الدب‪ ،‬وأن تحمل‬
‫الخصائص اليمانية لتكون أدبا ً إسلمي ًّا‪.‬‬
‫‪5‬ـ مواقف مختلفة ‪:‬‬
‫ّ‬
‫لقد دار حوار حول هذه القضّية بعد إثارتها في الصحف والمجلت‬
‫والمؤتمرات والندوات‪ .‬وكانت الراء مختلفة بين مؤّيد ومعارض‪ .‬ولكن مع‬
‫متابعة الموضوع والكتابة فيه أخذت الصورة تزداد وضوحا ً والقناعة بها تنمو‪.‬‬
‫فلم تجر العادة أن ي ُ ْ‬
‫قَبل مثل هذا الطرح الجديد فورًا‪ .‬فل بد من مؤي ّدٍ‬
‫ور لم ينقضها أحد‪ ،‬فهي‬
‫ومعارض‪ .‬إل أن الحجج المق ّ‬
‫دمة من أجل هذا التص ّ‬
‫حجج مبنية على حقائق تاريخية ل افتراء فيها‪ ،‬وعلى قواعد إيمانّية ل خلف‬
‫ن أوروبا تأثرت بالفكر اليوناني تأثرا ً‬
‫حولها‪ .‬ولكن جوهر المشكلة نابعٌ من أ ّ‬
‫كبيرا ً قريبا ً من التقديس‪ ،‬حتى إن الحداثة التي ترفض الماضي كّله ظّلت‬
‫سكة بالخرافة والساطير والعتزاز بها‪ .‬وكذلك فإن كثيرا ً مّنا قد تأثر‬
‫متم ّ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫بأوربا العلمانية تأثرا كبيرا‪ ،‬وزاد من أسباب هذا التأثر الغزو والحتلل وفرض‬
‫أدبهم وفكرهم بأسلوب مباشر وغير مباشر‪ .‬وكانت الملحمة اليونانية‬
‫ق‪.‬‬
‫وتصورها هي التي تدّرس في الجامعات على أساس أ ّ‬
‫ن هذا هو الح ّ‬
‫ُ‬
‫ي‬
‫ن مع الصرار وزيادة اليضاح نرجو أ ْ‬
‫ن ينأى الدباء المسلمون عن أ ّ‬
‫ولك ْ‬
‫دموا‬
‫ن مهمة الدباء المسلمين اليوم أن يق ّ‬
‫ور وثني مهما كان مصدره‪ .‬إ ّ‬
‫تص ّ‬
‫ً‬
‫للعالم التصورات اليمانّية نظرّية وتطبيقا‪ ،‬حتى نوفي بالمانة التي نحملها‪.‬‬
‫َ‬
‫ل ُيعقل أن نظ ّ‬
‫ور‬
‫وراته‪ ،‬ونحن نحمل أ ْ‬
‫جمل تص ّ‬
‫ل تبعا ً حتى في الدب وتص ّ‬
‫للدب وأغناه‪.‬‬
‫‪6‬ـ كيف نقدم تصورنا للملحمة ؟‬
‫صلة مع الدّلة والبّينة‪ ،‬بوضوح وجلء‪ ،‬وحسم ٍ وحزم ٍ دون‬
‫إّننا نقدم نظرّية مف ّ‬
‫م نشرها‪:‬‬
‫ور في ملحم ت ّ‬
‫أي ترّدد‪ .‬ونقدم مع النظرّية تطبيقا ً عملي ّا ً لهذا التص ّ‬
‫ملحمة الغرباء‪ ،‬ملحمة فلسطين‪ ،‬ملحمة القصى‪ ،‬ملحمة البوسنة والهرسك‪،‬‬
‫ملحمة السلم في الهند‪ ،‬ملحمة القسطنطينية‪ ،‬ملحمة الجهاد الفغاني‪،‬‬
‫ملحمة أرض الرسالت‪ ،‬ملحمة السلم من فلسطين إلى لقاء المؤمنين‪،‬‬
‫وغيرها‪.‬‬
‫فطرح النظرّية والتطبيق لها أقوى حجة وأعدل قضية‪ .‬وإّننا نأمل أن يأخذ هذا‬
‫ور‬
‫التحّرر من التبعّية للوثنّية اليونانّية وغيرها منزلته العادلة‪ ،‬وأن ي ُ ْ‬
‫صبح تص ّ‬
‫الملحمة وتطبيقها مقاربا ً أو مطابقا ً لما نعرضه‪ ،‬ونعرض التفصيلت في‬
‫دراسة أوسع من هذا الموجز في كتاب ‪":‬الدب السلمي إنسانيته وعالميته"‪،‬‬
‫دمة بعض الملحم الخرى‪.‬‬
‫وفي مق ّ‬
‫ً‬
‫دنا بعزيمة من‬
‫وندعو الله أن يتقبل عملنا هذا خالصا لوجهه الكريم وأن يم ّ‬
‫سميع العليم‪.‬‬
‫عنده‪ ،‬إنه هو ال ّ‬

‫‪85‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫)‪(2 /‬‬
‫نظف أسنانك فستحتاج إليها يوم القيامة ‪ -‬إشارات في التحذير من رفقة‬
‫السوء!!‬
‫المكان‪ :‬أرض بيت المقدس‪.‬‬
‫الزمان‪ :‬يوم الحساب‪.‬‬
‫التوقيت‪ :‬مع اقتراب الشمس من الرؤوس‪.‬‬
‫المشهد‪:‬‬
‫أنت واقف تحت الشمس وقد بلغ منك العرق بمقدار ذنوبك إلى الكعبين أو‬
‫الساقين أو الصدر أو الفم فيغمرك العرق وكل أعلى بمقدار كم سيغرق‬
‫وأنت في هذا الموقف تتمنى أن ينتهي بأسرع ما يمكن وبأي طريقة وحولك‬
‫يقف أصدقاؤك الذين كنت معهم على غير طاعة الله ل يستطيعون أن يفعلوا‬
‫لك شيئا ول حتى أن يكونوا كما كانوا يفعلون في الدنيا ' رجال ' في مواقف‬
‫المعصية فهم مشغولون بأنفسهم أيضا‪.‬‬
‫وبينما أنت في هذا الموقف العصيب تنظر على مقربة منك فترى ظل عظيما‬
‫ممتدا يقف تحته الكثير من الناس كنت تعرفهم بأشكالهم بل حتى منهم من‬
‫تعرفه باسمه بل ومنهم من وقفت وتكلمت معه مرات ومرات ما بالهم هناك‬
‫وأنا هنا ؟؟؟ بل ما لهم مستظلين وأنا في عرق ذنوبي غريق‪ .‬نعم أليسوا هم‬
‫من كانوا يدعونني إلى صحبتهم ويلحون علي في ذلك أليسوا هم من كانوا‬
‫يحذرونني من صحبة رفاقي ويخبرونني بهذا المشهد ويرجونني أل أكون في‬
‫موضعي هذا‪.‬‬
‫حينها يمل الندم قلبك ' ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع‬
‫الرسول سبيل يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلنا خليل ' فهل علمت أخي الحبيب‬
‫من الذي سيحتاج إلى أسنانه يوم الحساب أسأل الله أل تكون منهم‪.‬‬
‫قال رسول الله صلي الله عليه وسلم‪ ':‬الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم‬
‫من يخالل '‪.‬‬
‫وقال صلي الله عليه وسلم ‪ ':‬ل تصاحب إل مؤمنا ول يأكل طعامك إل تقي '‬
‫وكما وجه الحبيب صلي الله عليه وسلم كل قابل لنصحه ومستجيب لمره‬
‫إلى من يكون الخليل والصاحب ومن يدخل بيتك ويأكل طعامك كذا بين‬
‫الثواب العظيم للصحبة الحسنة في الدنيا والخرة فقال صلي الله عليه‬
‫وسلم في حديث آخر ‪ ':‬إن من عباد الله لناسا ما هم بأنبياء ول شهداء‬
‫يغبطهم ] يحسدهم الحسد المحمود [ النبياء والشهداء بمكانهم من الله عز‬
‫وجل قالوا‪ :‬يا رسول الله ] صلي الله عليه وسلم [ من هم ؟ قال‪ :‬هم قوم‬
‫تحابوا بروح الله على غير أرحام بينهم ول أموال يتعاطونها فوالله إن‬
‫وجوههم لنور وإنهم على نور ل يخافون إذا خاف الناس ول يحزنون إذا حزن‬
‫الناس ثم تل الية‪ ':‬أل إن أولياء الله ل خوف عليهم ول هم يحزنون '‪.‬‬
‫وقال رسول الله صلي الله عليه وسلم في حديث آخر ‪ ':‬إذا خلص الله‬
‫المؤمنين من النار وأمنوا فما مجادلة أحدكم لصاحبه في الحق يكون له في‬
‫الدنيا أشد مجادلة من المؤمنين لربهم في إخوانهم الذين أدخلوا النار قال‬
‫يقولون‪ :‬ربنا إخواننا كانوا يصلون معنا ويصومون معنا ويحجون معنا فأدخلتهم‬
‫النار فيقول الله تعالى ‪ :‬اذهبوا فأخرجوا من عرفتم منهم فيأتونهم فيعرفونهم‬
‫بصورهم ل تأكل النار صورهم فمنهم من أخذته النار إلى أنصاف ساقيه‬
‫ومنهم من أخذته إلى كعبيه فيخرجونهم فيقولون ‪ :‬ربنا أخرجنا من قد أمرتنا‬
‫فيقول الله تعالى‪ :‬أخرجوا من كان في قلبه وزن دينار من اليمان ثم من‬

‫‪86‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫كان في قلبه وزن نصف دينار ثم من كان في قلبه مثقال حبة من خردل'‬
‫فانظر أعزك الله إلى شفاعة المؤمنين في إخوانهم وأصحابهم وأهليهم‬
‫وأصدقائهم يوم القيامة وفضلها العظيم‪.‬‬
‫وتعال معي عزيزي الشاب إلى محور حديثنا الساس وهو السبيل إلى اختيار‬
‫الصحاب والصدقاء لكي ننال الثواب العظيم ولعل من أفضل العبارات التي‬
‫تصوغ شكل الصاحب والرفيق عبارة المام ابن الجوزي رحمه الله تعالى من‬
‫القرن السادس الهجري حيث قال رحمه الله‪ ':‬ينبغي أن يكون فيمن تؤثر‬
‫صحبته خمس خصال‪ :‬أن يكون عاقل حسن الخلق غير فاسق ول مبتدع ول‬
‫حريص على الدنيا '‪.‬‬
‫ونلمح في العبارة ان المنهي عنه في الصاحب أكثر من المأمور به وهي‬
‫إشارة إلى أن الصفة الحسنة إن وجدت في الصاحب فليست كفاية للحكم‬
‫بصلحه لصحبتك بل الهم انتفاء المنهيات حيث أنها علمة الهلك‪.‬‬
‫‪ _1‬أما العقل فهو رأس المال ول خير في صحبة الحمق لنه يريد أن ينفعك‬
‫فيضرك ونعني بالعاقل الشخص الذي يفهم المور على ما هي عليه إما‬
‫بنفسه أو يكون بحيث إذا شرح له فهم وهذا مفهوم بالفطرة فل نظن أن‬
‫هناك من يحب مصاحبة الحمقي الذين ل يعرفون ما ل يفعلون‪.‬‬
‫‪ _2‬وأما حسن الخلق فل بد منه فرب عاقل يغلبه غضب أو شهوة فيطيع‬
‫هواه فل خير في صحبته فل يغرنك صاحب العقل الراجح إن ساؤت أخلقه‬
‫فسيؤذيك أنت أول بأخلقه قبل أن ينفعك بعقله وإن لم يفعل تنطبع أخلقه‬
‫على أخلقك ولو بعد حين‪.‬‬
‫‪ _3‬وأما الفاسق فإنه ل يخاف الله ومن ل يخاف الله تعالى ل تؤمن غائلته ول‬
‫يوثق به وهذا والله من درر كاللم فأمر طبيعي للغاية أن من ل يراعي‬
‫حرمات الله تعالى هل سيراعي حرماتك وهل تأمنه على نفسك ومالك ؟ كل‬
‫والله وإن ظهر منه عكس ذلك فعند الملمات والخطوب تظهر الحقائق‬
‫وتنكشف وعندها ل ينفع الندم‪.‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫‪ _4‬وأما المبتدع فيخاف من صحبته بسراية بدعته فصاحب البدعة يسرب‬
‫إليم فهمه الخاطئ للسلم وبدعته ول تشعر فمثل كثرة مخالطتك للقبورييين‬
‫ورؤيتك لما يفعلونه تقذف في القلوب العتقاد في القبور والتبرك بها والذبح‬
‫والنذر لها والدعاء عندها وهذا من أخطر المور‪.‬‬
‫‪ _5‬واما الحريص على الدنيا فإن واجب المؤمن أن يتجنب عشرة طلب‬
‫الدنيا فإنهم يدلونه على طلبها وجمعها ومنعها عن أصحاب الحق فيها وذاك‬
‫الذي يبعد العبد عن طلب نجاته ويقطعه عنها ويجتهد في صحبة أهل الخير‬
‫ومن يدله على طلب الخرة وينبغي الحذر من هذه الصفة بالذات فصاحبها‬
‫قد يكون صاحب عقل راجح وخلق رفيع وليس مبتدعا ول فاسقا ولكنه غافل‬
‫عن الله تعالى وليس حريصا على مرضاته فتصبح مثله بعد فترة من الوقت‬
‫ل يهمك في هذه الدنيا إل ذات الدنيا العمل والدراسة والكلية والبيت وغيرها‬
‫من المور الدنيوية ول يصبح في عقلك ول فكرك حيز ول مجال لمرضاة الله‬
‫تعالى والسعي إليها فيقسو قلبك أعاذنا الله تعالى وإياك من ذلك‪,‬‬
‫ويختم ابن الجوزي رحمه الله تعالى فيقول‪ ':‬ومن اجتمعت فيه هذه الخصال‬
‫كلها فإن صحبته ل ينتفع بها في الدنيا فقط بل ينتفع بها في الخرة وعلى هذا‬
‫يحمل كلم بعض الصحابة والتابعين رحمهم الله تعالى ‪ :‬استكثروا من‬

‫‪87‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫الخوان فإن لكل مؤمن شفاعة يوم القيامة '‪.‬‬
‫وخير ختام لهذا الكلم قول الله تعالى ‪ ':‬الخلء يومئذ بعضهم لبعض عدو إل‬
‫المتقين '‬
‫أخي الحبيب ‪ :‬إنها دعوة لعادة النظر في أصدقائك وتوصيفهم تبعا للقواعد‬
‫التي ذكرناها سابقا فإما أن تنال بهم الشفاعة يوم القيامة وتكون معهم في‬
‫تلك المكانة العظيمة وإما أن تبدأ بالخذ بنصيحتي وتستعد بتنظيف أسنانك‬
‫فستحتاج إليها في ذلك المقام‪.‬‬
‫حفظك الله تعالى ومن تحب من كل سوء وشر وأعانك على الخير ونيل‬
‫رضاه‬
‫وإلى لقاء قريب لكم منا خير التحية وأطيب المنيات والسلم عليكم ورحمة‬
‫الله وبركاته‪.‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫نعم للحاسب ولكن!‬
‫انتشر اليوم استخدام الحاسب اللي في أنحاء العالم‪ ،‬والعالم السلمي جزء‬
‫من هذا العالم الواسع‪ ،‬حتى أصبحت مقولة المية أل تعرف الحاسب مقولة‬
‫قابلة للنقاش على القل في عصرنا‪.‬‬
‫ورافق القفزات الهائلة في هذا العالم الحاسوبي انتشار طائفة من البرامج‬
‫العلمية والشرعية‪ ،‬وانتشار مواقع دعوية على الشبكة العنكبوتية )النترنت(‪،‬‬
‫وما من شك أن هذا الجهاز له أهميته وفوائده حين يحسن استخدامه‪.‬‬
‫فتتيح البرامج العلمية والموسوعات قدرات وإمكانات هائلة في البحث‬
‫والمراجعة‪ ،‬وتتيح إمكانات النسخ واللصق وقتا ً لولئك الذين يستخدمون‬
‫الحاسب في تحرير أبحاثهم وتدوينها‪ ،‬كما تخدم برامج تحرير النصوص‬
‫وقواعد البيانات طائفة ممن يسعون لضبط أعمالهم وإدارتها‪ ،‬فهي تهيء‬
‫للباحث إمكانات وقدرات لتهيئها له غيرها من الوسائل والدوات‪ ،‬وتوفر له‬
‫قدرا ً من الوقت والجهد‪.‬‬
‫والحاسب اليوم أصبح يتخطى حواجز كثيرة‪ ،‬ويخاطب فئات ل يمكن‬
‫مخاطبتها بالوسائل العادية‪ ،‬ويوفر قدرا ً من الموال والجهود التي تصرف في‬
‫غيره من وسائل الخطاب‪.‬‬
‫ويخدم الحاسب اليوم في التعلم الذاتي‪ ،‬فيستفيد منه طائفة ممن لتتيسر‬
‫لهم أسباب التعلم‪.‬‬
‫إل أن التعامل مع هذا الجهاز ينبغي أن يكون باعتدال‪ ،‬فمع التأكيد على أهمية‬
‫الستفادة منه واستثمار إمكاناته إل أن هناك جوانب عدة يجب أن توضع في‬
‫العتبار‪:‬‬
‫الول‪ :‬لبد من الحذر من أن تطغى مساحة الهتمام والتعامل مع هذا الجهاز‬
‫على المساحة المتاحة للكتابة والقراءة؛ فل غنى لطالب العلم عن القراءة‬
‫والجلد فيها والمكابدة‪ ،‬والحاسب بما يوفره من متعة وسهولة في التعامل‬
‫ربما كان أكثر إغراًء ‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬يخدم الحاسب في سرعة الوصول إلى المعلومة‪ ،‬بل ربما ليمكن‬
‫الحصول عليها من غير طريقه‪ ،‬لكن لبد من الحذر من العتماد عليه وحده‬
‫في البحث؛ إذ ذلك يعني أل تكون للباحث صلة بالكتاب‪ ،‬وأل يعرف طريقة‬
‫المؤلف في ترتيبه وتبويبه‪.‬‬
‫ً‬
‫الثالث‪ :‬نظرا ً لن الحاسب يعمل بطريقة آلية صرفة‪ ،‬فكثيرا ما ينفي الباحث‬

‫‪88‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وجود معلومة في الكتاب‪ ،‬والسبب في ذلك أنه أخطأ في إدخال الكلمة‪ ،‬أو‬
‫خل النص وقع في تصحيف أو‬
‫مد ِ‬
‫استخدم كلمة مرادفة لما في الصل‪ ،‬أو أن ُ‬
‫تحريف وما أكثر ذلك‪.‬‬
‫الرابع‪ :‬كان السلف يحذرون كثيرا ً من التصحيف والتحريف في الكتب‪ ،‬ولذا‬
‫كان الوقوع في آفتي التصحيف والتحريف من مؤيدات مقولة"من كان‬
‫أستاذه كتابه كان خطؤه أكثر من صوابه"‪ ،‬ولئن كانت الكتب المطبوعة تعاني‬
‫من هذه الفات‪ ،‬فالبرامج الحاسوبية اليوم لها النصيب الكبر ما بين سقط‪،‬‬
‫وخطأ في إحالة وخطأ في تخريج وتصحيف وتحريف‪ ،‬خاصة أن كثيرا ً من‬
‫أعمال الحاسب تم إدخالها على أيدي فنيين ونساخ غير مختصين‪ ،‬إضافة إلى‬
‫أن حمى المنافسة تدفع للتسرع في إخراجها قبل نضجها‪.‬‬
‫ولعل من الخطاء الطريفة في ذلك ما وقع في أحد برامج الحديث الشريف‬
‫في كتاب صحيح مسلم "باب جواز إرداف المرأة النجليزية" والصواب‬
‫"الجنبية"‪.‬‬
‫الخامس‪ :‬الجرأة على استخدام البرامج غير الصلية‪ ،‬والعتداء على حقوق‬
‫المؤلفين‪ ،‬وقد أفتت مجامع عدة بتحريم ذلك ومنعه‪ ،‬فل أقل من الورع‪،‬‬
‫خاصة في استخدام البرامج الشرعية‪.‬‬
‫السادس‪ :‬الحاسب يضيع وقتا ً هائل ً على بعض من يتعامل معه‪ ،‬فلبد من‬
‫الحذر من استهلك الوقت وضياع ساعات العمر‪.‬‬
‫‪A‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫نعم للوسطية‪ ،‬ولكن ما هي الوسطية؟ الشيخ المين الحاج محمد أحمد*‬
‫ينادي البعض في هذه اليام بالوسطية‪ ،‬وقد عقدوا لذلك المؤتمرات‪،‬‬
‫والندوات العلنية بعد السرية‪ ،‬وأنشأوا من أجل ذلك معاهد ومحاضن‪،‬‬
‫للتسويق لسلم جديد مغاير ومناقض للسلم الذي بعث به سيد البرية محمد‬
‫صلى الله عليه وسلم‪ ،‬وهو عبارة عن خلطة بين ما تهواه أنفس أولئك الدعاة‬
‫المشبوهين‪ ،‬وبين ما أفرزته الحضارة الكافرة‪ ،‬إسلم أمريكي‪ ،‬ليتمكنوا من‬
‫تفريخ عدد من علماء سوء مفسدين مضلين‪ ،‬وأنصاف دعاة مهرجين‬
‫مخربين‪.‬‬
‫يصدق على مثل هذه الدعوات المشبوهة التي تحركها أيد خبيثة معروفة‪،‬‬
‫وينفذها بعض المنافقين والمخدوعين المستغلين‪ ،‬أنها دعوات حق يريدون بها‬
‫باط ً‬
‫ل‪ ،‬وكلمات صدق يرمى من ورائها إلى تبديل الدين وتطويعه‪.‬‬
‫الوسطية الحقة هي ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ ،‬وصحبه‬
‫الكرام‪ ،‬والتابعون لهم بإحسان في القرون الثلثة الفاضلة‪ ،‬والعصار الزاهية‪،‬‬
‫قبل أن تنبت الفرق الكلمية‪ ،‬وتظهر العقائد الخلفية‪ ،‬كما جعلهم ربهم‪:‬‬
‫ك جعل ْناك ُ ُ‬
‫َ‬
‫س ً‬
‫س وَي َ ُ‬
‫طا ل ّت َ ُ‬
‫سو ُ‬
‫كوُنوا ْ ُ‬
‫ل‬
‫م ً‬
‫كو َ‬
‫شهَ َ‬
‫ن الّر ُ‬
‫ة وَ َ‬
‫مأ ّ‬
‫"وَك َذ َل ِ َ َ َ َ ْ‬
‫داء عَلى الّنا ِ‬
‫م َ‬
‫دا"‪ ،1‬ومن سار على نهجهم واتبع سبيلهم إلى يوم الدين‪.‬‬
‫شِهي ً‬
‫عَل َي ْك ُ ْ‬
‫ولهذا يمثل الوسطية أهل السنة والجماعة‪ ،‬كما قال شيخ السلم ابن تيمية‬
‫رحمه الله‪) :‬كما أن المسلمين نقاوة بين المم‪ ،‬كذلك أهل السنة نقاوة بين‬
‫الفرق(‪.‬‬
‫ً‬
‫فالوسطية والخيرية إذا هي اللتزام بما كان عليه رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم والسلف الصالح في العتقاد‪ ،‬والتصور‪ ،‬والعبادة‪ ،‬والسلوك‪" :‬ما أنا‬
‫عليه وأصحابي اليوم" الحديث‪ ،‬أي العتصام بكتاب الله‪ ،‬وسنة رسول الله‬

‫‪89‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫صلى الله عليه وسلم‪ ،‬وما أجمعت عليه المة‪.‬‬
‫يعتقد بعض المتفلتين أن الوسطية ما هي إل التلفيق بين السلم وما أفرزته‬
‫الحضارة المادية الكافرة‪ ،‬كما يزعم دعاتها‪ :‬الجمع بين الصل والعصر‪.‬‬
‫وما هي إل الخذ بهفوات وسقطات بعض أهل العلم‪ ،‬والبحث والتفتيش عن‬
‫القوال الشاذة‪ ،‬والراء المهجورة‪ ،‬وصدق من قال‪" :‬من تتبع رخص العلماء‬
‫وزلتهم تزندق أوكاد‪ ،‬وتجمع فيه الشر كله"‪.‬‬
‫رموز الوسطية لفيف من العلمانيين والمنافقين ذوي النكهة السلمية‪،‬‬
‫أوالمزاج السلمي‪ ، ،‬والمنهزمين التوفيقيين‪ ،‬من دعاة إزالة الفوارق بين‬
‫الديان‪ ،‬ورفع الكفر عن اليهود والنصارى‪ ،‬والتقارب بين السنة والشيعة‪،‬‬
‫المجيزين لكثير من المحظورات‪ ،‬المحللين لجل المحرمات‪ :‬الغناء‪،‬‬
‫الموسيقى‪ ،‬التمثيل‪ ،‬التصوير‪ ،‬تولي المرأة المامة الكبرى والقضاء‪ ،‬الساعين‬
‫لشاعة الفاحشة في المجموعات الطاهرة‪ ،‬المتجاسرين على رد سنن خير‬
‫النبياء‪.‬‬
‫تتضح وسطية أهل السنة‪ ،‬واعتدالهم‪ ،‬وخيريتهم في التي‪:‬‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬اليمان بأسماء الله وصفاته‪ ،‬فهم وسط بين المشبهة من ناحية وبين‬
‫الجهمية المعطلة نفاة الصفات من ناحية أخرى‪ ،‬فمذهبهم إثبات من غير‬
‫تشبيه‪ ،‬وتنزيه من غير نفي‪.‬‬
‫ثانيًا‪ :‬في الصحابة‪ ،‬فهم وسط بين الشيعة والخوراج الذين كفروا وفسقوا‬
‫دعون‬
‫كثيرا ً من الصحابة من ناحية‪ ،‬وبين الشيعة وغلة الصوفية الذين ي ّ‬
‫العصمة لبعضهم‪ ،‬فالصحابة عند أهل السنة بشر‪ ،‬ولكنهم أفضل البشر بعد‬
‫النبياء والمرسلين‪ ،‬تجوز عليهم الكبائر والصغائر كسائر الخلق‪ ،‬مع ندرة‬
‫حدوث ذلك منهم‪.‬‬
‫ثالثًا‪ :‬فقهاء أهل السنة كذلك وسط بين المتعمقين في القياس والرأي من‬
‫ناحية‪ ،‬وبين نفاة القياس كليا ً من ناحية أخرى‪.‬‬
‫رابعًا‪ :‬في الشفاعة في الخرة‪ ،‬فهم وسط بين الخوارج والمعتزلة الذين نفوا‬
‫عددا ً من شفاعاته صلى الله عليه وسلم من ناحية‪ ،‬وبين غلة الصوفية الذين‬
‫جعلوا الشفاعة في الخرة كالشفاعة في الدنيا من ناحية أخرى‪.‬‬
‫خامسًا‪ :‬في الحكم على الناس‪ ،‬إذ أنهم يحكمون على الناس بما ظهر منهم‪،‬‬
‫ويدعون علم سرائرهم لعلم الغيوب‪.‬‬
‫سادسًا‪ :‬في الكفار‪ ،‬فهم وسط بين الخوارج والمعتزلة الذين يكفرون بكل‬
‫كبيرة من ناحية‪ ،‬وبين المرجئة الذين جعلوا المر فوضى والتكاليف عبثًا‪،‬‬
‫الذين يقولون‪) :‬ل نكفر إل من انتفى القرار والتصديق من قلبه( من ناحية‬
‫أخرى‪ ،‬إذ يكفرون من تعاطى سببا ً من أسباب الكفار‪ ،‬ويمنعون الكفار بكل‬
‫معصية‪.‬‬
‫هذه هي الوسطية الحقة‪ ،‬وما سواها تفلت عن الشرع‪ ،‬وسعي لتبديل وتغيير‬
‫دين محمد صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫الفضل للمرء أن ينسلخ عن دين السلم‪ ،‬ويكفر بما أنزل عليه بالكلية‪ ،‬بدل ً‬
‫عن أن يشرع دينا ً ما أنزل الله به من سلطان‪ ،‬تحت مسميات مختلفة‪،‬‬
‫ومصطلحات مفضوحة مختلقة‪.‬‬
‫لقد ضاق دعاة تطوير الدين وتبديله حتى يماشي ما عليه الكفار بالعتيق‬
‫ذرعًا‪ ،‬ولهذا سعوا لستيراد "نظم الحكم" من الكفار كما استورد سلفهم‬
‫عمرو بن لحي الخزاعي صنما ً من الشام‪ ،‬عندما ضاق بالحنيفية السمحة‬
‫فتولى ك ِب َْر تبديلها‪ ،‬كما يريد هؤلء تولي ك ِب َْر تبديل شرع محمد العتيق‪ ،‬ولهذا‬
‫رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم يجر "قصبه"‪ ،‬أي أمعاءه في جهنم‪.‬‬
‫‪90‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫)‪(1 /‬‬
‫فهنيئا ً لدعاة تبديل الدين‪ ،‬وتبصر بمصير شيخهم شيخ السوء عمرو بن لحي‬
‫الخزاعي‪ ،‬والله جامع الكافرين والمافقين في جهنم جميعًا‪.‬‬
‫وليعلم هؤلء أن دين الله محفوظ‪ ،‬وشرعه باق ما بقيت السموات والرض‪،‬‬
‫وأنهم بسعيهم الباطل هذا‪ ،‬وعملهم الخاسر‪ ،‬ل يضرون إل أنفسهم‪ ،‬فهنيئا ً‬
‫لهم برضى الكفار الموجب لغضب الجبار‪ ،‬المفضي إلى الخلود في النار‪،‬‬
‫والويل ثم الويل لمن باع آخرته بدنياه‪ ،‬وربما بدنيا غيره‪.‬‬
‫اللهم من أرادنا وأراد إسلمنا بسوء اللهم فعليكه فإنه ل يعجزك‪ ،‬وصلى الله‬
‫وسلم وبارك على محد‪ ،‬وآله‪ ،‬وصحبه‪ ،‬والتابعين لهم من بعده‪.‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫نعم‪ ...‬نعم يا محمد‪..‬‬
‫بقلم‪ :‬الدكتور جابر قميحة‬
‫‪komeha@menanet.net‬‬
‫ما حل موسم الحج‪ ,‬وما تلوت سورة النفال إل وتذكرت الواقعة الغريبة التي‬
‫أقصها علي القارئ بعد قليل‪ ,‬كما أعرضها كذلك علي العلماء والفقهاء‪ ,‬آمل ً‬
‫أن أجد لها تفسيًرا علمًيا مقنًعا‪ .‬وعلي أية حال تبقي هذه الواقعة دليل ً علي‬
‫أن هناك مجهولت كثيرة أمام العقل البشري‪ ,‬ل أقول في الفضاء ‪ -‬الذي‬
‫يزعم النسان بغروره أنه قهره ‪ -‬ولكن في الرض التي يدب عليها‪ ,‬وفي‬
‫المحيط الذي يعيش فيه‪.‬‬
‫‪...‬‬
‫سا في انتظار‬
‫كان ذلك مساء يوم الجمعة )أول ديسمبر ‪ ,(1967‬كنت جال ً‬
‫أذان العشاء بالجامع الكبير في المنزلة دقهلية ‪ -‬مسقط رأسي ‪ -‬ورأيت رجل ً‬
‫نحي ً‬
‫ل‪ ,‬أبيض البشرة‪ ,‬يرتدي جلباًبا رمادًيا‪ ...‬جلس إلي يساري‪ ,‬لم يشد نظري‬
‫إليه إل أنه كان يضع علي رأسه عمامة خضراء‪ .‬وأهل المنزلة يطلقون علي‬
‫»العمامة الخضراء« وصف »الشرف الخضر«‪ ,‬فيقولون »فلن لبس شرف‬
‫أخضر« أي معمم بعمامة خضراء‪ ,‬والسبب أن هذا اللون اختصت به عمائم‬
‫الشراف الذين ينتسبون ‪ -‬كما يقولون ‪ -‬إلي الرسول الله صلي الله عليه‬
‫وسلم وآل البيت‪.‬‬
‫ هذا رجل غريب عن المنزلة ول شك‪ ..‬دار في ذهني هذا الخاطر‪ ,‬لن‬‫أصحاب العمائم الخضراء من أهل البلد‪ ,‬كنت أعرفهم جميًعا‪ ,‬وهم ل‬
‫يتجاوزون سبعة أشخاص‪.‬‬
‫فا صغيًرا‪ ,‬وشرع يتلو سورة النفال‬
‫أخرج الرجل الغريب من جيبه مصح ً‬
‫بصوت خفيض‪ ,‬ولكنه كان ينساب إلي أذني كماء الذهب‪ .‬وأشهد أنني ما‬
‫سمعت في حياتي تلوة أجمل وأبهي من تلوة هذا الرجل‪ ,‬حتي إنني أملت‬
‫رأسي علي كتفه اليمني كيل يفلت مني حرف واحد مما يتلو‪ ,‬وشعرت بتيار‬
‫من الدفء يغمر أعماقي في هذه الليلة الباردة‪ ,‬إلي أن وصل الرجل إلي‬
‫قوله تعالي‪ } :‬يا أيها ّالذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول اذا دعاكم لما‬
‫يحييكم ‪] {.....‬النفال‪ .[24 :‬وقف الرجل عند هذا الجزء من الية‪ ...‬وأخذ‬
‫جا‪ ,‬وفي كل‬
‫يكرره عدة مرات‪ ,‬وفي كل مرة كان صوته يزداد خشو ً‬
‫عا‪ ,‬وتهد ً‬
‫مرة يزداد شعوري بالدفء‪ ,‬إلي أن تحول صوته إلي ما يشبه النشيج الباكي‪,‬‬
‫وأخذ يردد »أنا مستجيب يا محمد‪ ...‬نعم نعم يا محمد‪ ...‬نعم يا حضرة‬

‫‪91‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫النبي«‪ ..‬نظرت إلي وجه الرجل فرأيت الدموع تنهمر علي وجنتيه وذقنه‬
‫الحليقة‪ ,‬ووجدتني أردد معه بصوت مهموس »نعم يا محمد‪ ..‬نعم يا حضرة‬
‫النبي«‪.‬‬
‫وبعد الذان‪ ...‬أعاد الرجل مصحفه إلي جيبه‪ .‬ومن جيبه الصغير في أعلي‬
‫رود‬
‫رود« كم ٍ‬
‫الجهة اليسري من ثوبه أخرج زجاجة صغيرة‪ ,‬وفتحها عن »م ٍ‬
‫المكحلة‪ ,‬ومسح باطن كفي اليمني بهذا المرود الزجاجي المحمل ببلل من‬
‫عطر فواح‪.‬‬
‫وبعد التحيات‪ ..‬وُبعٍيد التسليمة اليمني‪ ..‬أدرت رأسي بالتسليمة اليسري‪...‬‬
‫سا ‪-‬‬
‫ت واق ً‬
‫فا ‪ -‬وكان أغلب المصلين مازالوا جلو ً‬
‫فلم أجد الرجل‪ ..‬انتفض ُ‬
‫أدرت نظري في كل أنحاء المسجد بحًثا عن صاحب العمامة الخضراء ‪ -‬بل‬
‫عن أي لون أخضر ‪ -‬دون جدوي‪ ..‬واستبد بي شعور من الحباط والفزع‪,‬‬
‫ما عزيًزا علي نفسي‪ ...‬وفي ذهول سألت من كان‬
‫وكأنني فقدت شيًئا عظي ً‬
‫يصلي علي يميني‪:‬‬
‫ أين الرجل?‬‫ أي رجل?‬‫ الرجل الذي كان يصلي علي يساري‪ ...‬صاحب »الشرف الخضر«‪.‬‬‫ لم يحضر الصلة أحد تعمم بشرف أخضر‪.‬‬‫ما?‪ .‬آه‪...‬‬
‫بدأت أشعر بانكسار شديد‪ ,‬أيمكن أن يكون كل ما رأيت خيال ً أو وه ً‬
‫واحة جميلة‪ ...‬قد يكون ذلك‬
‫والعطر?! رفعت كفي إلي أنفي‪ ...‬الرائحة ف ّ‬
‫م بمغادرة المسجد وقربت باطن كفي‬
‫ضا‪ .‬قصدت صدي ً‬
‫وهما أي ً‬
‫قا كان يه ّ‬
‫اليمني من أنفه دون أن أتكلم فهتف‪ ..:‬الله!! الله!!! منين اشتريت هذا‬
‫العطر??!! ولم أجب‪ ...‬وغادرت الجامع ولساني يردد بنبرات هامسة‪ :‬نعم يا‬
‫محمد‪ ...‬نعم يا حضرة النبي‪.‬‬
‫‪...‬‬
‫وبعد قرابة ست سنين توجهت لداء فريضة الحج‪ ,‬وبدأنا بالمدينة المنورة‪,‬‬
‫وبعد أن صليت العشاء بالمسجد النبوي الشريف مساء الربعاء )غرة ذي‬
‫الحجة ‪ 26 - 1393‬من ديسمبر ‪ ..(1973‬جلست في أحد المقاهي التي‬
‫كانت تتناثر حول المسجد النبوي‪...‬‬
‫كان الجو شديد البرودة‪ ..‬رفعت فنجان القهوة إلي فمي‪ ,‬ولكني توقفت‪...‬‬
‫دا« فعلى حافة الفنجان وجزء من جداره‬
‫اكتشفت أن الفنجان لم يغسل جي ً‬
‫العلى الخارجي »بصمة شفة« الشارب السابق‪ .‬ودارت في ذهني خواطر‬
‫مفزعة‪ ,‬والفنجان قريب من فمي‪ ,‬أل يمكن أن يكون »صاحب البصمة«‬
‫ضا بالسل‪ ,‬أو الكوليرا‪ ,‬أو بمرض آخر مٍعد خطير?‪ ..‬وهممت بوضع‬
‫مري ً‬
‫الفنجان علي المنضدة ولكني شعرت بمن ينقر علي كتفي من الخلف‪ ..‬وهو‬
‫يردد بصوت خافت »اشرب‪ ...‬اشرب القهوة يا حاج‪ ..‬توكل علي الله‪ ,‬فهو‬
‫ي‬
‫الحامي‪ ..‬الشافي«‪ .‬وكأن الرجل كان يقرأ أفكاري‪ ,‬ورأيت يده تمتد إل ّ‬
‫رود« مبلل بالعطر‪ ...‬فتحت يدي اليسري لستقبال العطر‪...‬‬
‫»بم ٍ‬
‫ ل‪ ..‬هات اليمني يا حاج‪ ...‬تيامنوا‪...‬‬‫نقلت فنجان القهوة إلى يدي اليسري‪ ,‬وفردت كفي اليمني لتستقبل عطر‬
‫الرجل الفواح‪ ...‬كل ذلك وأنا مشغول عن وجه الرجل بالقهوة‪ ...‬وبكفي‪...‬‬
‫وهو يقول‪:‬‬
‫ نفحة من نفحات النبي صلي الله عليه وسلم‪ ...‬نعم يا محمد‪ ..‬نعم يا‬‫حضرة النبي‪...‬‬

‫‪92‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫)‪(1 /‬‬
‫فا‪ ...‬ياه‪ ...‬إنه هو‪ ...‬الرجل النحيل البيض‪ ,‬ذو الجلباب الرمادي‬
‫نهضت واق ً‬
‫والعمامة الخضراء‪ ...‬وسقط الفنجان من يدي علي الرض وصار فتاًتا‪...‬‬
‫وصاح عامل المقهي »حاسب رجليك والزجاج« وفي اللحظة التي نظرت‬
‫فيها إلي موطئ قدمي كان الرجل قد اختفي كأنه شعاع خاطف من البرق‪,‬‬
‫وأرسلت نظري إلي أقصي مدي الرؤية‪ ..‬بحًثا عن أي لون أخضر فلم أجد‪...‬‬
‫وأخذ لساني يردد كأن قوة غيبية تديره »نعم«‪ ..‬نعم يا محمد‪ ...‬نعم يا حضرة‬
‫النبي‬
‫)‪(2 /‬‬
‫نعمة الستقرار‬
‫د‪ .‬محمد عمر دولة‬
‫كثيرا ً ما يغفل النسان عن النعمة التي حباه الله بها‪ ،‬فينسى شكرها‪ ،‬ويغفل‬
‫عن ذكرها‪ ،‬ويقصر في الستفادة منها‪ .‬وربما حسب هذه النعمة مما يحصل‬
‫عليها كل أحد من العالمين‪!!.‬‬
‫ولكنه ما إن ُيبتلى بفقد تلك النعمة؛ حتى يعلم قدرها‪ ،‬لدراكه حينئذ عظمة‬
‫فقدها‪ ،‬وفداحة ضياعها بعد تحصيلها‪.‬‬
‫وحينئذ يشعر المرء بالذين ابتلهم الله بالحرمان من تلك النعم‪ ،‬فتنفتح‬
‫العيون حينئذ على المرضى والمدينين والفقراء والمساكين وأصحاب الهموم‪،‬‬
‫بعد أن كان غافل ً عنهم حينما كان يرتع في النعم‪ ،‬ولم يخطر بباله أن يقول‬
‫الحمد لله الذي عافانا مما أبتلى به كثيرا ً من الناس‪.‬‬
‫تذكرت هذه المعاني وأنا أغادر بيتا ً أقمت فيه زمنا ً طويل ً فسكنت بيتا ً غيره‪..‬‬
‫لم استطع القامة فيه إل أياما قليلة ثم غادرته إلى غيره‪..‬‬
‫لقد حضرني شعور غامر تملك على أرجاء نفسي‪ ،‬شعور غريب بالعدمية‬
‫وفقدان الوجود‪ ،‬حتى كأنني خرجت من هذا العالم‪.‬‬
‫كنت مثل الشجرة التي اقتلعت من جذورها‪ ..‬وغرست في غير تربتها‪..‬‬
‫فقد ضاقت علي الرض بما رحبت وضاقت علي نفسي‪ ..‬ل استقرار ول راحة‬
‫ول طمأنينة حتى لم أقدر على فتح كتاب من الكتب أياما ً متتالية‪ ..‬فضاعت‬
‫حلوة الحياة وما عاد شيء يستساغ‪.‬‬
‫دلها بأحسن منها فعاد للقلب استقراره‪ ،‬وراحته‪،‬‬
‫ول الله تلك اليام‪ ..‬وب ّ‬
‫ثم ح ّ‬
‫وسرى الحساس بالحياة من جديد‪ ..‬سبحان الله‪ ..‬كم تستغرقنا الحوال التي‬
‫تمر بنا‪ ..‬حتى إننا ننسى كل ما عدها ول نفكر إل فيما يتعلق بها فهذا من‬
‫مقتضى البشرية )خلق النسان ضعيفا(‪.‬‬
‫إن هذا الستقرار الذي نتفيأ ظلله‪ ،‬ليس من صنعنا‪ ،‬بل هو من رحمة الله بنا‪،‬‬
‫ونعمته علينا التي ل نعرف لها حدًا‪ ،‬ول نحصيها عدًا‪ .‬كما قال ‪ -‬عز وجل ‪-‬‬
‫)وما بكم من نعمة في الله(‪ .‬ولو ل هذا الستقرار‪ ،‬الذي يتنعم به كل من‬
‫أصبح آمنا في سربه معافا ً في بدنه عنده قوت يومه‪ ،‬لم نشعر بقيمة الحياة‬
‫ولذتها ولم نقدر أن نعمل شيئا ً مفيدا ً نافعًا‪.‬‬
‫فإذا ذهب الستقرار‪ ..‬أظلم القلب‪ ،‬وضاقت النفس‪ ،‬وتعطلت الجوارح‪ ،‬حتى‬
‫يصير المرء عاجزا ً عن القيام الواجبات‪ ،‬وأداء العبادات على الوجه الكمل‪.‬‬
‫إن توفيق الله وحده هو الذي يوفر لنا الستقرار والراحة والطمأنينة فننشغل‬
‫بما بنفع الناس‪ .‬إن تجربة كهذه التجربة تستثقلها النفس عند وقوعها‪ ،‬لشدتها‬

‫‪93‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وغياب المألوف عنها‪ ،‬ولكن بعد تحصيل الستقرار المفقود؛ تكون التجربة‬
‫أنفع الفائدة أوقع‪ ،‬لقد أدركت بعض المعاني التي كانت خافية عل ّّ‬
‫ي من قول‬
‫الني ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪ -‬في الصحيحين ))السفر قطعة من العذاب((‬
‫فعرفت الن هذه الحقيقة النبوية والحكمة النسانية الخالدة وعشتها بنفسي‬
‫فالسفر )قطعة من العذاب( على قلب ابن آدم‪ ،‬والعذاب النفسي أشد من‬
‫العذاب الجسدي‪ .‬ومما ل يمكن أن أنساه في هذه التجربة ما قاله أحد‬
‫الفضلء وقد رأى مشقة الرحيل‪ ،‬وتعب النتقال‪ ،‬وشدة مفارقة الجيران‬
‫الذين عرفناهم وألفناهم؛ فتمثل من وحي اللحظة بقول النبي ‪ -‬صلى الله‬
‫عليه وسلم ‪) -‬اللهم ل عيش إل عيش الخرة(‪ .‬فقد كان لهذه العبارة النبوية‬
‫وقعٌ بليغ في نفسي )ل عيش( ل حياة حقيقة ول استقرار ول سعادة خالية‬
‫من الضنك والتعب والنصب )إل عيش الخرة( إل في جنة الفردوس‪ ،‬وأما في‬
‫هذه الدنيا فل راحة على الحقيقة إل ومعها التعب‪ ،‬ول استقرار إل ومعه‬
‫الرحيل والتحول والسفار‪ ،‬ولهذا قد استفتح البخاري رحمة الله كتاب‬
‫)الرقائق( بهذه الترجمة )باب ما جاء في الرقائق وأن ل عيش إل عيش‬
‫الخرة( فالعاقل يدرك نعمة الستقرار ويستعد لدار القرار‪ ،‬ورحم الله‬
‫التهامي حين قال‪:‬‬
‫ُ‬
‫طبعت على كدر وأنت تريدها *** صفوا ً من القدار والكدار‬
‫فاقضوا مأربكم عجالى *** إنما أعماركم سفر من السفار‬
‫)‪(1 /‬‬
‫نعمة الثبات على الهداية‬
‫أخي الحبيب‪-:‬‬
‫فإن من أعظم نعم الله على العبد الثبات على الهداية‪ ..‬فالقلب أشد تقلبا ً‬
‫من القدر إ ذا استجمع غليانه وهو كالريشة تقلبها الريح‪ ..‬فبين العبد وبين‬
‫قلبه مسافات قد يصل إليه في لحظة أو لحظات أو عام أو أعوام وربما‬
‫يقضى عمره كله وما وصل إلى قلبه بل يكون كالسائمة ل يلوى على شيء ل‬
‫ن )‪(99‬‬
‫يصل إل عند لحظة خروج الروح فينادى كما قال تعالى‪َ }.‬ر ّ‬
‫ب اْر ِ‬
‫جُعو ِ‬
‫َ‬
‫م ُ‬
‫ت { ]سورة المؤمنون ‪,([23/99‬ولكن الجواب‬
‫ما ت ََرك ْ ُ‬
‫صاِلحا ً ِفي َ‬
‫ل َعَّلي أعْ َ‬
‫ل َ‬
‫م ب َْرَز ٌ َ‬
‫م ٌ‬
‫ة هُوَ َقائ ِل َُها وَ ِ‬
‫ن وََرائ ِهِ ْ‬
‫يأتي على غير المراد ‪ }.‬ك َل ّ إ ِن َّها ك َل ِ َ‬
‫م ْ‬
‫خ إ ِلى ي َوْم ِ‬
‫ن )‪] {(100‬سورة المؤمنون ‪.[23/100‬‬
‫ي ُب ْعَُثو َ‬
‫وإذا وصل النسان إلى قلبه وعرف الله عز وجل وتحرك فيه مشهد اليقظة‬
‫فقد نال العز في الدنيا والخرة‪ ..‬وربما إذا وصل إلى قلبه ل يستطيع أن يصل‬
‫آلي ربه‪ ..‬فبين القلب والرب مسافات قد يحول بينها الشيطان والنفس‬
‫والهوى فكم من إنسان عرف الله عز وجل ولكن الشهوات أقعدته عن‬
‫مواصلة السير إليه وكلما تثاقلت الشهوات وتعاظمت الذنوب طالت المسافة‬
‫بين القلب وبين ربه سبحانه وتعالى فهناك عوائق إذا تعداها العبد وتخطاها‬
‫حط برحله في الجنة إنشاء الله‪..‬‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫سو َ‬
‫فاكهِةٍ َقا َ‬
‫م‬
‫ن أ َِبي ال َ‬
‫س ِ‬
‫ه عَلي ْهِ وَ َ‬
‫ت َر ُ‬
‫ل َ‬
‫ن َ‬
‫سل َ‬
‫صلى الل ُ‬
‫معْ ُ‬
‫ل اللهِ َ‬
‫عَ ْ‬
‫سب َْرةَ ب ْ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫قا َ‬
‫قو ُ‬
‫ن ال ّ‬
‫م‬
‫س لم ِ ف َ َ‬
‫م ب ِأطُرقِهِ فَ َ‬
‫يَ ُ‬
‫شي ْطا َ‬
‫ل إِ ّ‬
‫ن آد َ َ‬
‫ل تُ ْ‬
‫ق ال ِ ْ‬
‫سل ِ ُ‬
‫قعَد َ ل ُ‬
‫ه ب ِط ِ‬
‫ري ِ‬
‫ن قَعَد َ ِلب ْ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ة‬
‫جَر ِ‬
‫ق الهِ ْ‬
‫صاه ُ فَأ ْ‬
‫م قَعَد َ ل ُ‬
‫م ثُ ّ‬
‫سل َ‬
‫ن آَبائ ِك َوآَباِء أِبيك فَعَ َ‬
‫وَت َذ َُر ِدين َك وَِدي َ‬
‫ه ب ِط ِ‬
‫ري ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫مث َ ُ‬
‫قا َ‬
‫س ِفي‬
‫ل ال َ‬
‫فَ َ‬
‫جُر وَت َد َع ُ أْر َ‬
‫ضك وَ َ‬
‫جرِ ك َ‬
‫مَها ِ‬
‫ل ال ُ‬
‫ما َ‬
‫ماَءك وَإ ِن ّ َ‬
‫س َ‬
‫ل ت َُها ِ‬
‫مث َ ِ‬
‫فَر ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫قا َ‬
‫س‬
‫جهْد ُ الن ّ ْ‬
‫جَهاد ِ ف َ‬
‫جاهِد ُ فهُوَ َ‬
‫ل تُ َ‬
‫صاه ُ فَها َ‬
‫ق ال ِ‬
‫م قعَد َ ل ُ‬
‫جَر ث ُ ّ‬
‫ل فعَ َ‬
‫الطوَ ِ‬
‫ه ب َِط ِ‬
‫ف ِ‬
‫ري ِ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫سولُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫جاهَد َ ف َ‬
‫مْرأة ُ وَي ُ ْ‬
‫قات ِل فت ُ ْ‬
‫ل فت ُ َ‬
‫صاه ُ ف َ‬
‫قت َل فت ُن ْك ُ‬
‫قال َر ُ‬
‫ق َ‬
‫م ال َ‬
‫س ُ‬
‫ح ال َ‬
‫َوال ْ َ‬
‫مال فعَ َ‬
‫ما ِ‬
‫‪94‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫قا عََلى الل ّه عَز وج ّ َ‬
‫ك َ‬
‫ل ذ َل ِ َ‬
‫ن فَعَ َ‬
‫ن‬
‫ح ّ‬
‫لأ ْ‬
‫ِ ّ َ َ‬
‫ن َ‬
‫كا َ‬
‫ه عَل َي ْهِ وَ َ‬
‫م فَ َ‬
‫سل ّ َ‬
‫صّلى الل ّ ُ‬
‫الل ّهِ َ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫ل َ‬
‫ج ّ‬
‫ن قُت ِ َ‬
‫ق‬
‫ح ّ‬
‫ن غَرِ َ‬
‫جن ّ َ‬
‫ن ي ُد ْ ِ‬
‫جن ّ َ‬
‫ي ُد ْ ِ‬
‫ة وَإ ِ ْ‬
‫ه ال ْ َ‬
‫لأ ْ‬
‫قا عََلى الل ّهِ عَّز وَ َ‬
‫ن َ‬
‫كا َ‬
‫ه ال ْ َ‬
‫خل َ ُ‬
‫ة وَ َ‬
‫خل َ ُ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫ح ّ‬
‫ح ّ‬
‫جن ّ َ‬
‫ن ي ُد ْ ِ‬
‫قا عَلى اللهِ أ ْ‬
‫ن َ‬
‫ه كا َ‬
‫ه ال َ‬
‫قا عَلى اللهِ أ ْ‬
‫ن َ‬
‫كا َ‬
‫ه َداب ّت ُ ُ‬
‫صت ْ ُ‬
‫خل ُ‬
‫ة أوْ وَق َ‬
‫ة‪ ( 1) .‬الطول‪:‬الحبل يربط للدابة في وتد فترعى وهي مقيدة فيه‪.‬‬
‫جن ّ َ‬
‫ي ُد ْ ِ‬
‫ه ال ْ َ‬
‫خل َ ُ‬
‫البداية نقطة ‪-:‬‬
‫والبداية نقطة أو قطرة من وجدها فقد وجد الخير كله ومن حرمها فقد حرم‬
‫الخير كله ‪..‬فإياك ومعوقات السفر وإياك وقلة الزاد‪..‬‬
‫قا َ َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫سو َ‬
‫ة َقا َ‬
‫ه‬
‫مَر فَ َ‬
‫حذ َي ْ َ‬
‫ل ك ُّنا ِ‬
‫ف َ‬
‫ه عَلي ْ ِ‬
‫س ِ‬
‫ن ُ‬
‫معَ َر ُ‬
‫م َ‬
‫صلى الل ُ‬
‫ل أي ّك ُ ْ‬
‫عن ْد َ عُ َ‬
‫ل اللهِ َ‬
‫عَ ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫قا َ‬
‫قا َ‬
‫ل ِفي‬
‫معَْناه ُ فَ َ‬
‫ن فَ َ‬
‫ن فِت ْن َ َ‬
‫س ِ‬
‫م ي َذ ْك ُُر ال ِ‬
‫ة الّر ُ‬
‫م ت َعُْنو َ‬
‫م نَ ْ‬
‫ل قَوْ ٌ‬
‫ن َ‬
‫وَ َ‬
‫ل لعَلك ُ ْ‬
‫سل َ‬
‫ج ِ‬
‫ح ُ‬
‫فت َ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ل ت ِل َ‬
‫ل َقا َ‬
‫ج ْ‬
‫م‬
‫ك ت ُك ّ‬
‫صد َقَ ُ‬
‫فُر َ‬
‫جارِهِ َقالوا أ َ‬
‫أهْل ِهِ وَ َ‬
‫صَيا ُ‬
‫ن أي ّك ْ‬
‫م َوال ّ‬
‫صلة ُ َوال ّ‬
‫ها ال ّ‬
‫ة وَلك ِ ْ‬
‫حرِ َقا َ‬
‫ل‬
‫م ي َذ ْك ُُر ال ْ ِ‬
‫س ِ‬
‫ج ال ْب َ ْ‬
‫مو ْ َ‬
‫مو ُ‬
‫ه عَل َي ْهِ وَ َ‬
‫َ‬
‫ج َ‬
‫ن ال ِّتي ت َ ُ‬
‫سل ّ َ‬
‫صّلى الل ّ ُ‬
‫ي َ‬
‫فت َ َ‬
‫معَ الن ّب ِ َ ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫سو َ‬
‫ت ل ِلهِ أُبوك َقا َ‬
‫ت أَنا َقا َ‬
‫ل‬
‫حذ َي ْ َ‬
‫م فَ ُ‬
‫ت ال َ‬
‫حذ َي ْ َ‬
‫ف ُ‬
‫ف ُ‬
‫س ِ‬
‫ل ُ‬
‫ُ‬
‫قو ْ ُ‬
‫ت َر ُ‬
‫ة َ‬
‫ة فَأ ْ‬
‫معْ ُ‬
‫ل أن ْ َ‬
‫قل ُ‬
‫سك َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫قو ُ‬
‫عوًدا‬
‫ن عَلى ال ُ‬
‫م يَ ُ‬
‫صيرِ ُ‬
‫ح ِ‬
‫ض ال ِ‬
‫ب كال َ‬
‫ه عَلي ْهِ وَ َ‬
‫سل َ‬
‫صلى الل ُ‬
‫قلو ِ‬
‫ل ت ُعَْر ُ‬
‫اللهِ َ‬
‫فت َ ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫بأ ْ‬
‫ة‬
‫ُ‬
‫ت ِفيهِ ن ُكت َ ٌ‬
‫ب أن ْكَر َ‬
‫ت ِفيهِ ن ُكت َ ٌ‬
‫ة َ‬
‫ها ن ُك ِ َ‬
‫شرِب ََها ن ُك ِ َ‬
‫سوَْداُء وَأيّ قل ٍ‬
‫عوًدا فأيّ قل ٍ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ت‬
‫ص َ‬
‫ضّره ُ فِت ْن َ ٌ‬
‫ض ِ‬
‫حّتى ت َ ِ‬
‫فا فل ت َ ُ‬
‫ضاُء َ‬
‫ب َي ْ َ‬
‫م ْ‬
‫ما َدا َ‬
‫ة َ‬
‫ل ال ّ‬
‫ن عَلى أب ْي َ َ‬
‫مث ِ‬
‫صيَر عَلى قلب َي ْ َ ِ‬
‫َ‬
‫معُْروًفا وَلَ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ج ّ‬
‫ض َوال َ‬
‫خًيا ل ي َعْرِ ُ‬
‫م َ‬
‫خُر أ ْ‬
‫ال ّ‬
‫ف َ‬
‫مْرَباّدا كالكوز ُ‬
‫سوَد ُ ُ‬
‫ماَوا ُ‬
‫س َ‬
‫ت َوالْر ُ‬
‫ة ِوحدث ْته أ َ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫قا‬
‫مغْل َ ً‬
‫با‬
‫با‬
‫ها‬
‫ن‬
‫ي‬
‫ب‬
‫و‬
‫ك‬
‫ن‬
‫ي‬
‫ب‬
‫ن‬
‫َ‬
‫ف‬
‫ي‬
‫ذ‬
‫ح‬
‫ل‬
‫قا‬
‫ه‬
‫وا‬
‫ه‬
‫ن‬
‫م‬
‫ب‬
‫ر‬
‫ش‬
‫أ‬
‫ما‬
‫ل‬
‫إ‬
‫را‬
‫ك‬
‫ن‬
‫م‬
‫ر‬
‫ُ ْ ُ َ َ ّ ُ ُ ّ ََْ‬
‫ََََْ َ ً ُ‬
‫ِ َ ِ ْ َ َ ُ‬
‫ي ُن ْك ِ ُ ُ ْ ً ِ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫يوش ُ َ‬
‫ه َ‬
‫سًرا َل أَبا ل َ َ‬
‫سَر َقا َ‬
‫ت َل‬
‫ُ ِ‬
‫كا َ‬
‫ه فُت ِ َ‬
‫كأ ْ‬
‫مُر أك َ ْ‬
‫ن ي ُك ْ َ‬
‫ن ي َُعاد ُ قُل ْ ُ‬
‫ح ل َعَل ّ ُ‬
‫ك فَل َوْ أن ّ ُ‬
‫ل عُ َ‬
‫ل أَ‬
‫ل يك ْسر وحدث ْته أ َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ط َقا َ‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫ٌ‬
‫َ‬
‫ل‬
‫لي‬
‫غا‬
‫ل‬
‫با‬
‫س‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ثا‬
‫دي‬
‫ح‬
‫ت‬
‫مو‬
‫ي‬
‫و‬
‫ت‬
‫ْ‬
‫ق‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ج‬
‫ر‬
‫ب‬
‫با‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ك‬
‫ل‬
‫ذ‬
‫ن‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ْ َ ُ ُ َ ِ‬
‫ُ َ‬
‫َ َ َ ُ‬
‫بَ ْ ُ َ ُ َ َ ّ ُ ُ ّ‬
‫ْ َ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫مْرَباّدا َقا َ‬
‫خال ِدٍ فَ ُ‬
‫أ َُبو َ‬
‫وادٍ‬
‫ل ِ‬
‫مال ِ ٍ‬
‫ض ِفي َ‬
‫ما أ ْ‬
‫ت لِ َ‬
‫سوَد ُ ُ‬
‫ك َ‬
‫سعْد ٍ َيا أَبا َ‬
‫قل ْ ُ‬
‫س َ‬
‫شد ّةُ الب ََيا ِ‬
‫من ْ ُ‬
‫ما ال ْ ُ‬
‫خًيا َقا َ‬
‫َقا َ‬
‫سا ‪.(2 ).‬‬
‫ج ّ‬
‫م َ‬
‫كو ً‬
‫ل َ‬
‫كوُز ُ‬
‫ت فَ َ‬
‫ل قُل ْ ُ‬
‫أنظر لهذا الحديث كم ذكر من معوقات من فتنة الرجل في أهله وجاره إلى‬
‫الفتن التي تموج كموج البحر‪...‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫سلم الهدايه‬
‫فالهداية ذروة الشرف فعز النسان وشرفه أن يضع قلبه على ُ‬
‫ثم يرتقى فيعرف الله عز وجل بأسمائه وصفاته ويعبده حق عبادته فالله عز‬
‫وجل أمرك أن تواصل السير حتى آخر رمق قال عز وجل }َواعْب ُد ْ َرب ّ َ‬
‫حّتى‬
‫ك َ‬
‫ي َأ ْت ِي َ َ‬
‫ن )‪] {(99‬سورة الحجر ‪" [15/99‬بينما حال من لم يضع قلبه على‬
‫ك ال ْي َ ِ‬
‫قي ُ‬
‫سلم الهداية واتبع طريق الغواية يقول عنه سبحانه وتعالى }وَك ُّنا ن ُك َذ ّ ُ‬
‫ب ب ِي َوْم ِ‬
‫َ‬
‫ن )‪] {(47‬سورة المدثر ‪[47-74/46‬‬
‫حّتى أَتاَنا ال ْي َ ِ‬
‫ن )‪َ (46‬‬
‫ال ّ‬
‫قي ُ‬
‫دي ِ‬
‫الصراط المستقيم سبيل المهتدين‪.‬‬
‫َ‬
‫سب ُ َ‬
‫ن هَ َ‬
‫م‬
‫ل فَت َ َ‬
‫ست َ ِ‬
‫صَرا ِ‬
‫ذا ِ‬
‫قال تعالى }وَأ ّ‬
‫قيما ً َفات ّب ُِعوه ُ َول ت َت ّب ُِعوا ال ّ‬
‫م ْ‬
‫فّرقَ ب ِك ُ ْ‬
‫طي ُ‬
‫ن )‪] {(153‬سورة النعام ‪[6/153‬‬
‫م ت َت ّ ُ‬
‫قو َ‬
‫ن َ‬
‫م ب ِهِ ل َعَل ّك ُ ْ‬
‫صاك ُ ْ‬
‫سِبيل ِهِ ذ َل ِك ُ ْ‬
‫م وَ ّ‬
‫عَ ْ‬
‫فالهداية للصراط المستقيم والمضي قدما بالقلب واللسان وباقي الجوارح‬
‫نهايته الفوز برضى الرحمن والتنعم بالجنان‪.‬‬
‫والهداية ل بد فيها من تواطىء القلب مع اللسان مع الجوارح‪ ---‬ل ‪ ..‬بل كل‬
‫ذرة فيك ل بد أن تستشعر أنها تريد الله وأنها ل غنى لها طرفة عين عن الله‬
‫عز وجل ‪ ..‬تبدأ الهداية بيقظة القلب ثم سجود القلب لله سجدة ل يقوم منها‬
‫أبدا ً ‪0‬وهذا هو الثبات نسأل الله أن يثبتنا جميعا على الهداية‪.‬‬
‫والقلب هو الملك والجوارح هي الرعية فبخضوع القلب وُذله لله عز وجل‬
‫تتبعه جميع الجوارح‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫قول "‬
‫م يَ ُ‬
‫س ِ‬
‫ن بَ ِ‬
‫ه عَلي ْهِ وَ َ‬
‫ت َر ُ‬
‫شيرٍ قال َ‬
‫سل َ‬
‫صلى الل ُ‬
‫معْ ُ‬
‫فعن الن ّعْ َ‬
‫سول اللهِ َ‬
‫ما ِ‬
‫ن بْ ِ‬
‫‪95‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫حمى الل ّه في أ َرضه محارم َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن ل ِك ُ ّ‬
‫ك ِ‬
‫سد ِ‬
‫ِ ِ‬
‫ن ِفي ال ْ َ‬
‫ه أَل وَإ ِ ّ‬
‫مى أَل إ ِ ّ‬
‫مل ِ ٍ‬
‫أَل وَإ ِ ّ‬
‫ج َ‬
‫ْ ِ ِ َ َ ِ ُ ُ‬
‫ن ِ َ‬
‫ح ً‬
‫ل َ‬
‫ة إَذا صل َحت صل َح ال ْجسد ك ُل ّه وإَذا فَسدت فَسد ال ْجسد ك ُل ّ َ‬
‫ي‬
‫َ َ َ َ ُ‬
‫َ َ ُ‬
‫َ َ ْ َ َ‬
‫م ْ‬
‫ُ‬
‫َ َ ْ‬
‫ُ‬
‫ه أَل وَهِ َ‬
‫ُ َِ‬
‫ضغَ ً ِ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ب‪ " (3 ).‬فليس للقلب معبود إل الله فإذا ترك العبادة وأعرض عن‬
‫ال َ‬
‫قل ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫م‬
‫ح‬
‫ر‬
‫ال‬
‫ذ‬
‫خ‬
‫ت‬
‫ا‬
‫لوا‬
‫قا‬
‫و‬
‫}‬
‫وجل‬
‫عز‬
‫الله‬
‫قال‬
‫العابدين‪..‬‬
‫سبيل‬
‫من‬
‫خرج‬
‫الهداية‬
‫ّ َ‬
‫ّ ْ َ ُ‬
‫َ‬
‫شق ال َ‬
‫ّ‬
‫شْيئا ً إ ِد ّا ً )‪ (89‬ت َ َ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫ض‬
‫ر‬
‫تن‬
‫و‬
‫ه‬
‫ن‬
‫م‬
‫ن‬
‫ر‬
‫ط‬
‫ت ي َت َ َ‬
‫وََلدا ً )‪ (88‬ل َ َ‬
‫ف ْ َ ِ ْ ُ ََ‬
‫كاد ُ ال ّ‬
‫ّ‬
‫وا ُ‬
‫س َ‬
‫جئ ْت ُ ْ‬
‫قد ْ ِ‬
‫ْ ُ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫جَبا ُ‬
‫ن‬
‫وَت َ ِ‬
‫نأ ْ‬
‫ما ي َن ْب َِغي ِللّر ْ‬
‫وا ِللّر ْ‬
‫ل هَد ّا ً )‪ (90‬أ ْ‬
‫ح َ‬
‫ن وََلدا ً )‪ (91‬وَ َ‬
‫ح َ‬
‫خّر ال ْ ِ‬
‫ن د َعَ ْ‬
‫م ِ‬
‫م ِ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫َ‬
‫ن كُ ّ‬
‫ن عَْبدا )‬
‫ي َت ّ ِ‬
‫وا ِ‬
‫ض إ ِل ّ آِتي الّر ْ‬
‫خذ َ وَلدا )‪ (92‬إ ِ ْ‬
‫ن ِفي ال ّ‬
‫ح َ‬
‫س َ‬
‫ل َ‬
‫م َ‬
‫م ْ‬
‫م ِ‬
‫ت َوالْر ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫س ُ‬
‫م ت ََر أ ّ‬
‫ه يَ ْ‬
‫ه َ‬
‫جد ُ ل ُ‬
‫ن الل َ‬
‫‪] {(93‬سورة مريم ‪ "[93-19/88‬وقال تعالى }أل ْ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫جَبا ُ‬
‫ل َوال ّ‬
‫ض َوال ّ‬
‫جُر‬
‫س َوال ْ َ‬
‫وا ِ‬
‫ش َ‬
‫مُر َوالن ّ ُ‬
‫جو ُ‬
‫ِفي ال ّ‬
‫م َوال ِ‬
‫ق َ‬
‫ش ْ‬
‫ت وَ َ‬
‫س َ‬
‫م ُ‬
‫م ْ‬
‫م َ‬
‫ن ِفي الْر ِ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫حقّ عَلي ْهِ العَ َ‬
‫ن‬
‫ه ِ‬
‫ب وَكِثيٌر ِ‬
‫ذا ُ‬
‫س وَكِثيٌر َ‬
‫َوالد َّوا ّ‬
‫ما ل ُ‬
‫ه فَ َ‬
‫ن الل ُ‬
‫ب وَ َ‬
‫م ْ‬
‫ن ي ُهِ ْ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫ّ‬
‫فعَ ُ‬
‫ما ي َ َ‬
‫شاُء )‪] {(18‬سورة الحج ‪ "[22/18‬فينبغى للسالك‬
‫ه يَ ْ‬
‫مك ْرِم ٍ إ ِ ّ‬
‫ل َ‬
‫ن الل َ‬
‫ُ‬
‫إلى الله أن يخالف أصحاب الجحيم ويستأنس بأصحاب النعيم ويثبت على‬
‫كانت ل َك ُ ُ‬
‫م‬
‫سن َ ٌ‬
‫ة ِفي إ ِب َْرا ِ‬
‫سوَة ٌ َ‬
‫ح َ‬
‫مأ ْ‬
‫هي َ‬
‫ْ‬
‫المر إلى منتهاه‪ ..‬قال عز وجل }قَد ْ َ َ ْ‬
‫فْرَنا‬
‫ن الل ّهِ ك َ َ‬
‫ه إ ِذ ْ َقاُلوا ل ِ َ‬
‫ن ِ‬
‫م وَ ِ‬
‫م إ ِّنا ب َُرآُء ِ‬
‫قو ْ ِ‬
‫َوال ّ ِ‬
‫دو َ‬
‫ما ت َعْب ُ ُ‬
‫م ّ‬
‫من ْك ُ ْ‬
‫مهِ ْ‬
‫معَ ُ‬
‫ن َ‬
‫ن ُدو ِ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫حد َه ُ إ ِل ّ قَوْ َ‬
‫ل‬
‫حّتى ت ُؤْ ِ‬
‫مُنوا ِبالل ّهِ وَ ْ‬
‫ضاُء أَبدا ً َ‬
‫داوَة ُ َوال ْب َغْ َ‬
‫م ال ْعَ َ‬
‫م وَب َ َ‬
‫دا ب َي ْن ََنا وَب َي ْن َك ُ ْ‬
‫ب ِك ُ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫يٍء َرب َّنا عَل َي ْ َ‬
‫ك لَ َ‬
‫مل ِ ُ‬
‫ن لَ َ‬
‫ن َ‬
‫ك ت َوَك ّل َْنا‬
‫ن الل ّهِ ِ‬
‫ك ِ‬
‫ست َغْ ِ‬
‫إ ِب َْرا ِ‬
‫فَر ّ‬
‫م لِبيهِ ل ْ‬
‫ما أ ْ‬
‫ك وَ َ‬
‫هي َ‬
‫ش ْ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ك أَ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫صيُر )‪] {(4‬سورة الممتحنة ‪ [60/4‬وقال تعالى " }وَإ ِذ ْ‬
‫م‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ك‬
‫ي‬
‫ل‬
‫إ‬
‫و‬
‫نا‬
‫ب‬
‫ن‬
‫َ ِ‬
‫ََْ َِ ْ‬
‫وَإ ِل َي ْ‬
‫َ‬
‫َقا َ‬
‫ه‬
‫ن )‪ (26‬إ ِل ّ ال ّ ِ‬
‫مهِ إ ِن ِّني ب ََراٌء ِ‬
‫م لِبيهِ وَقَوْ ِ‬
‫ل إ ِب َْرا ِ‬
‫دو َ‬
‫ما ت َعْب ُ ُ‬
‫ذي فَط ََرِني فَإ ِن ّ ُ‬
‫م ّ‬
‫هي ُ‬
‫َ‬
‫ما َرأى‬
‫سي َهْ ِ‬
‫َ‬
‫ن )‪] {(27‬سورة الزخرف ‪ [27-43/26‬وقال تعالى }فَل َ ّ‬
‫دي ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ما‬
‫م‬
‫ٌ‬
‫ء‬
‫ري‬
‫ب‬
‫ني‬
‫إ‬
‫م‬
‫و‬
‫ق‬
‫يا‬
‫ل‬
‫قا‬
‫ت‬
‫ل‬
‫ف‬
‫أ‬
‫ما‬
‫ل‬
‫ف‬
‫ر‬
‫ب‬
‫ك‬
‫أ‬
‫ذا‬
‫ه‬
‫بي‬
‫ر‬
‫ذا‬
‫ه‬
‫ل‬
‫قا‬
‫ة‬
‫غ‬
‫ز‬
‫با‬
‫س‬
‫م‬
‫ش‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ِ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ ّ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫َُ‬
‫َ ِ‬
‫ال ْ َ َ ِ‬
‫ْ ِ ِ‬
‫نيفا ً وما أناَ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫شرِ ُ‬
‫تُ ْ‬
‫ح ِ‬
‫َ َ َ‬
‫وا ِ‬
‫جِهي ل ِل ِ‬
‫ض َ‬
‫ت وَ ْ‬
‫ن )‪ (78‬إ ِّني وَ ّ‬
‫كو َ‬
‫ذي فَطَر ال ّ‬
‫س َ‬
‫جهْ ُ‬
‫ت َوالْر َ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ن )‪] {(79‬سورة النعام ‪[79-6/78‬وقال تعالى }قُ ْ‬
‫م ْ‬
‫ل َيا أي َّها‬
‫شرِ ِ‬
‫ِ‬
‫ن ال ُ‬
‫كي َ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ما أعْب ُد ُ )‪َ (3‬ول أَنا َ‬
‫م َ‬
‫عاب ِد ٌ‬
‫دو َ‬
‫عاب ِ ُ‬
‫دو َ‬
‫ما ت َعْب ُ ُ‬
‫الكافُِرو َ‬
‫ن َ‬
‫ن )‪َ (2‬ول أن ْت ُ ْ‬
‫ن )‪ (1‬ل أعْب ُد ُ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ن )‪] {(6‬سورة‬
‫م َ‬
‫دو َ‬
‫عاب ِ ُ‬
‫م ِدين ُك ْ‬
‫ما أعْب ُد ُ )‪ (5‬لك ْ‬
‫ن َ‬
‫م )‪َ (4‬ول أن ْت ُ ْ‬
‫ما عََبدت ّ ْ‬
‫َ‬
‫م وَل ِ َ‬
‫ي ِدي ِ‬
‫الكافرون ‪[6-109/1‬‬
‫فإذا بالعبد يمضى إلى ربه تبارك وتعالى ل يستوحش قلة السالكين ول‬
‫ُ‬
‫جا ٌ‬
‫صد َقوا‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫يسقطه كثرة الناكبين عن الصراط قال تعالى } ِ‬
‫ن رِ َ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫ل َ‬
‫مِني َ‬
‫م ْ‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫ديل )‬
‫ما َ‬
‫ما ب َد ّلوا ت َب ْ ِ‬
‫ه وَ ِ‬
‫ه عَل َي ْهِ فَ ِ‬
‫ضى ن َ ْ‬
‫ن قَ َ‬
‫عاهَ ُ‬
‫ن ي َن ْت َظ ُِر وَ َ‬
‫م َ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫حب َ ُ‬
‫م َ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫دوا الل ّ َ‬
‫َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫‪]{(23‬سورة الحزاب ‪"[33/23‬‬
‫سلمة المنهج دليل على صحة الهداية‪-:‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫فأصحاب الصراط المستقيم تمر بهم الزمات وتحيط بهم المعوقات وتثقلهم‬
‫الصعاب وهم ماضون ل يلتفتوا قد علموا أن الطريق الذي هم فيه هو درب‬
‫النبياء والصالحين فاستأنسوا بهم واشتاقوا إلى اللحوق بركبهم فاستعذبوا‬
‫ل فَأ ُوْل َئ ِ َ‬
‫سو َ‬
‫ع‬
‫م َ‬
‫ه َوالّر ُ‬
‫ك َ‬
‫ن ي ُط ِعْ الل ّ َ‬
‫الصعب ليصلوا إلى المراد قال تعالى }وَ َ‬
‫م ْ‬
‫ال ّذي َ‬
‫ن َوال ّ‬
‫ن‬
‫صال ِ ِ‬
‫دي ِ‬
‫م ِ‬
‫ن وَ َ‬
‫شهَ َ‬
‫ص ّ‬
‫ح ُ‬
‫ه عَل َي ْهِ ْ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫ن أن ْعَ َ‬
‫داِء َوال ّ‬
‫ن َوال ّ‬
‫س َ‬
‫حي َ‬
‫قي َ‬
‫ن الن ّب ِّيي َ‬
‫م ْ‬
‫ِ َ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫أ ُوْل َئ ِك َرِفيقا )‪] {(69‬سورة النساء ‪"[4/69‬‬
‫قلبه حط في ركابهم ومازال يعدو للحوق بهم أحس بغربة الدنيا وأنه سلب‬
‫من وطنه فهو مشتاق دائما إلى الوصول ‪.‬‬
‫مر النبي صلى الله عليه وسلم بأحد شباب الصحابة فوعظه موعظة من‬
‫ّ‬
‫ي‬
‫مَر َر ِ‬
‫ن عُ َ‬
‫ض َ‬
‫كلمات أثرت فيه لخر عمره رضي الله عنه‪ ..‬فعَ ْ‬
‫ن عَب ْدِ اللهِ ب ْ ِ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫سو ُ‬
‫ما َقا َ‬
‫ن ِفي‬
‫من ْك ِِبي ف َ‬
‫ل أَ َ‬
‫ه عَل َي ْهِ وَ َ‬
‫خذ َ َر ُ‬
‫م بِ َ‬
‫سل َ‬
‫صّلى الل ّ ُ‬
‫ه عَن ْهُ َ‬
‫الل ّ ُ‬
‫ل الل ّهِ َ‬
‫قال ك ْ‬
‫‪96‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫َ‬
‫ل وَ َ‬
‫الد ّن َْيا ك َأ َن ّ َ‬
‫قو ُ‬
‫ت فََل ت َن ْت َظ ِْر‬
‫مَر ي َ ُ‬
‫ب أ َوْ َ‬
‫كا َ‬
‫ري ٌ‬
‫م َ‬
‫عاب ُِر َ‬
‫سي ْ َ‬
‫ل إ َِذا أ ْ‬
‫ن عُ َ‬
‫ن اب ْ ُ‬
‫سِبي ٍ‬
‫ك غَ َ ِ‬
‫حَيات ِ َ‬
‫ض َ‬
‫حت ِ َ‬
‫ك‬
‫ساَء وَ ُ‬
‫ك وَ ِ‬
‫مَر ِ‬
‫ن ِ‬
‫خذ ْ ِ‬
‫ن َ‬
‫ص ّ‬
‫صب َ ْ‬
‫صَبا َ‬
‫م َ‬
‫ك لِ َ‬
‫ت فََل ت َن ْت َظ ِْر ال ْ َ‬
‫ح َ‬
‫ح وَإ َِذا أ ْ‬
‫ال ّ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫موْت ِك‪(4 ).‬‬
‫لِ َ‬
‫فإذا صحت الهداية في قلب العبد وأبصر الوعد والوعيد والجنة والنار وما أعد‬
‫الله في هذه لوليائه وفى هذه لعدائه وأبصر الناس خرجوا من قبورهم‬
‫لدعوة الحق وقد نزلت ملئكة السماوات فأحاطت بهم ووضع الكتاب وجيء‬
‫بالنبيين والشهداء وقد نصب الميزان وتطايرت الصحف واجتمع الخصوم‬
‫وتعلق كل غريم بغريمه ولح الحوض وأكوابه وكثر العطاش وقل الوارد‬
‫ونصب الجسر على جهنم للعبور ودفع الناس إليه وقسمت النوار دون‬
‫ظلمته للعبور عليه والنار يحطم بعضها بعضا تحته والمتساقطون فيها أضعاف‬
‫الناجين عندئذ ينفتح في قلبه عينا يبصر بها ذلك ويقوم بقلبه شاهدا من‬
‫شواهد الخرة ‪ ----‬يرى الخرة دوما لتغيب عنه ‪ -‬ويرى الدنيا وسرعة‬
‫انقضائها ‪..‬‬
‫الصحة والفراغ أعظم مغنم لمواصلة السير‪.‬‬
‫فإذا رزق النسان بدنا يحمله على طاعة الله ووقتا يؤدى فيه هذه الطاعة‬
‫ما‬
‫س َر ِ‬
‫ه عَن ْهُ َ‬
‫ي الل ّ ُ‬
‫ض َ‬
‫فهذا من أعظم النعم وأجلها وفى الحديث عَ ْ‬
‫ن عَّبا ٍ‬
‫ن اب ْ ِ‬
‫َ‬
‫ل َقا َ‬
‫َقا َ‬
‫س‬
‫نا‬
‫ال‬
‫ن‬
‫م‬
‫ر‬
‫ثي‬
‫ك‬
‫ما‬
‫ه‬
‫في‬
‫ن‬
‫بو‬
‫غ‬
‫م‬
‫ه عَل َي ْهِ وَ َ‬
‫ن َ ْ ُ ٌ ِ ِ َ‬
‫م ن ِعْ َ‬
‫سل ّ َ‬
‫صّلى الل ّ ُ‬
‫ي َ‬
‫مَتا ِ‬
‫ل الن ّب ِ ّ‬
‫ِ ٌ ِ ْ ّ ِ‬
‫فَراغ ُ ‪ "(5 ).‬الغبن‪:‬النقص غبنه أنقصه أو غلبه ويعبر عنها في البيع‪.‬‬
‫ة َوال ْ َ‬
‫ح ُ‬
‫ص ّ‬
‫ال ّ‬
‫فالوقوف على المنهج الصحيح قد ييسر للعبد ولكن الثبات على الطريق‬
‫ن‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫والعمل لله ديمة بل انقطاع قل من يوفق إليه قال تعالى} ِ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫مِني َ‬
‫م ْ‬
‫جا ٌ‬
‫ما‬
‫ما َ‬
‫ه وَ ِ‬
‫ه عَل َي ْهِ فَ ِ‬
‫ضى ن َ ْ‬
‫ن قَ َ‬
‫عاهَ ُ‬
‫رِ َ‬
‫ن ي َن ْت َظ ُِر وَ َ‬
‫م َ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫حب َ ُ‬
‫م َ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫دوا الل ّ َ‬
‫صد َُقوا َ‬
‫ل َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ُ‬
‫ديل ً )‪]{(23‬سورة الحزاب ‪[33/23‬‬
‫ب َد ّلوا ت َب ْ ِ‬
‫المحن تمحص الرجال‪-:‬‬
‫تأمل قصة طالوت وما مر بأصحابه من محن واختبار ليميز الله الخبيث من‬
‫الطيب‪.‬‬
‫)‪(3 /‬‬
‫يبين سبحانه وتعالى فيها مشقة الطريق وأن الذين يصلون قليل‪...‬فتأمل‬
‫معي هذه القصة وما فيها من عبر‪.‬فهي من أحكم الحاكمين ورب العالمين‬
‫َ‬
‫سَراِئي َ‬
‫ي‬
‫ل ِ‬
‫مل ٍ ِ‬
‫مو َ‬
‫ن ب َِني إ ِ ْ‬
‫ن ب َعْد ِ ُ‬
‫م ت ََر إ َِلى ال ْ َ‬
‫‪.‬قال تعالى}أل َ ْ‬
‫سى إ ِذ ْ َقاُلوا ل ِن َب ِ ّ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ل هَ ْ‬
‫ل الل ّهِ َقا َ‬
‫قات ِ ْ‬
‫م‬
‫مِلكا ً ن ُ َ‬
‫م اب ْعَ ْ‬
‫ن ك ُت ِ َ‬
‫م إِ ْ‬
‫ل عَ َ‬
‫ل ِفي َ‬
‫ب عَل َي ْك ُ ْ‬
‫سي ْت ُ ْ‬
‫ث ل ََنا َ‬
‫ل َهُ ْ‬
‫سِبي ِ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫قات ِ َ‬
‫قَتا ُ‬
‫ن دَِيارَِنا‬
‫ما ل ََنا أل ّ ن ُ َ‬
‫ل أل ّ ت ُ َ‬
‫ل الل ّهِ وَقَد ْ أ ْ‬
‫جَنا ِ‬
‫ال ْ ِ‬
‫خرِ ْ‬
‫ل ِفي َ‬
‫قات ُِلوا َقاُلوا وَ َ‬
‫م ْ‬
‫سِبي ِ‬
‫َ‬
‫م ِبال ّ‬
‫قَتا ُ‬
‫ن)‬
‫ظال ِ ِ‬
‫وا إ ِل ّ قَِليل ً ِ‬
‫م ال ْ ِ‬
‫ما ك ُت ِ َ‬
‫ه عَِلي ٌ‬
‫م َوالل ّ ُ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫ب عَل َي ْهِ ْ‬
‫وَأب َْنائ َِنا فَل َ ّ‬
‫مي َ‬
‫ل ت َوَل ّ ْ‬
‫م َ‬
‫مِلكا ً َقاُلوا أ َّنى ي َ ُ‬
‫‪ (246‬وََقا َ‬
‫ه‬
‫ه قَد ْ ب َعَ َ‬
‫كو ُ‬
‫م إِ ّ‬
‫ن لَ ُ‬
‫ت َ‬
‫طاُلو َ‬
‫ث ل َك ُ ْ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫م ن َب ِي ّهُ ْ‬
‫ل ل َهُ ْ‬
‫َ‬
‫هّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫مل ْ ُ‬
‫ل َقا َ‬
‫سعَ ً‬
‫ة ِ‬
‫ك ِ‬
‫ل إِ ّ‬
‫مل ِ‬
‫نأ َ‬
‫ك عَل َي َْنا وَن َ ْ‬
‫ت َ‬
‫ن الل َ‬
‫ن ال َ‬
‫م ي ُؤْ َ‬
‫ه وَل ْ‬
‫من ْ ُ‬
‫حقّ ِبال ُ‬
‫ال ْ ُ‬
‫ما ِ‬
‫م ْ‬
‫ح ُ‬
‫ن يَ َ‬
‫شاُء‬
‫صط َ َ‬
‫سط َ ً‬
‫ج ْ‬
‫م وََزاد َه ُ ب َ ْ‬
‫ه َ‬
‫مل ْك َ ُ‬
‫ه ي ُؤِْتي ُ‬
‫سم ِ َوالل ّ ُ‬
‫ة ِفي ال ْعِل ْم ِ َوال ْ ِ‬
‫فاه ُ عَل َي ْك ُ ْ‬
‫ا ْ‬
‫م ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫م )‪ (247‬وََقا َ‬
‫ن آي َ َ‬
‫ت ِفيهِ‬
‫ه َوا ِ‬
‫ملك ِهِ أ ْ‬
‫م إِ ّ‬
‫م الّتاُبو ُ‬
‫ن ي َأت ِي َك ْ‬
‫ة ُ‬
‫م ن َب ِي ّهُ ْ‬
‫ل لهُ ْ‬
‫سعٌ عَِلي ٌ‬
‫َوالل ُ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫سى َوآ ُ‬
‫ما ت ََرك آ ُ‬
‫ن ِفي‬
‫ملئ ِك ُ‬
‫ل َ‬
‫قي ّ ٌ‬
‫كين َ ٌ‬
‫ح ِ‬
‫ة ِ‬
‫م وَب َ ِ‬
‫ة ِ‬
‫س ِ‬
‫ة إِ ّ‬
‫ن تَ ْ‬
‫هاُرو َ‬
‫مو َ‬
‫َ‬
‫ه ال َ‬
‫مل ُ‬
‫ل ُ‬
‫م ّ‬
‫ن َرب ّك ْ‬
‫م ْ‬
‫هّ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫جُنود ِ َقا َ‬
‫ص َ‬
‫ذ َل ِك لي َ ً‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫ل إِ ّ‬
‫ت ِبال ُ‬
‫م إِ ْ‬
‫ن الل َ‬
‫ل طالو ُ‬
‫ن )‪ (248‬فَل ّ‬
‫م ُ‬
‫ن كنت ُ ْ‬
‫ة لك ْ‬
‫ما فَ َ‬
‫مِني َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ن َ‬
‫ن‬
‫ه ِ‬
‫س ِ‬
‫ب ِ‬
‫شرِ َ‬
‫مّني إ ِل َ‬
‫ه فَإ ِن ّ ُ‬
‫م ُ‬
‫م ي َطعَ ْ‬
‫نل ْ‬
‫مّني وَ َ‬
‫من ْ ُ‬
‫م ب ِن َهَرٍ فَ َ‬
‫مب ْت َِليك ُ ْ‬
‫ُ‬
‫ه فَلي ْ َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ة ب ِي َدِهِ فَ َ‬
‫ه‬
‫ف غْرفَ ً‬
‫اغت ََر َ‬
‫جاوََزهُ هُوَ َوال ِ‬
‫ه إ ِل قَِليل ِ‬
‫شرُِبوا ِ‬
‫ما َ‬
‫معَ ُ‬
‫مُنوا َ‬
‫نآ َ‬
‫م فَل ّ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫من ْ ُ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫جُنودِهِ قا َ‬
‫م‬
‫َقاُلوا ل طاق َ‬
‫ل ال ِ‬
‫ن ي َظّنو َ‬
‫ت وَ ُ‬
‫م بِ َ‬
‫ة لَنا الي َوْ َ‬
‫ملقو اللهِ ك ْ‬
‫م ُ‬
‫ن أن ّهُ ْ‬
‫جالو َ‬
‫ذي َ‬
‫ما ب ََرُزوا‬
‫ت فِئ َ ً‬
‫ِ‬
‫ن )‪ (249‬وَل َ ّ‬
‫ه َ‬
‫ن الل ّهِ َوالل ّ ُ‬
‫ن فِئ َةٍ قَِليل َةٍ غَل َب َ ْ‬
‫معَ ال ّ‬
‫ري َ‬
‫ة ك َِثيَرة ً ب ِإ ِذ ْ ِ‬
‫م ْ‬
‫صاب ِ ِ‬
‫‪97‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫َ‬
‫َ‬
‫صْرَنا عََلى ال ْ َ‬
‫ت أقْ َ‬
‫ت وَ ُ‬
‫لِ َ‬
‫دا َ‬
‫صْبرا ً وَث َب ّ ْ‬
‫جاُلو َ‬
‫مَنا َوان ْ ُ‬
‫جُنودِهِ َقاُلوا َرب َّنا أفْرِغ ْ عَل َي َْنا َ‬
‫قوْم ِ‬
‫ه ال ُْ‬
‫ت َوآَتاهُ الل ُّ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫مل ْكَ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن اللهِ وَقت َل َداُوود ُ َ‬
‫جالو َ‬
‫موهُ ْ‬
‫ن )‪ (250‬فهََز ُ‬
‫م ب ِإ ِذ ْ ِ‬
‫ري َ‬
‫ال ْكافِ ِ‬
‫َ‬
‫ما ي َ َ‬
‫ض‬
‫ض لَ َ‬
‫م َ‬
‫َوال ْ ِ‬
‫ه ِ‬
‫س ب َعْ َ‬
‫ف َ‬
‫سد َ ْ‬
‫ضهُ ْ‬
‫م ّ‬
‫م ُ‬
‫ة وَعَل ّ َ‬
‫حك ْ َ‬
‫ت الْر ُ‬
‫ول د َفْعُ الل ّهِ الّنا َ‬
‫شاُء وَل َ ْ‬
‫م ب ِب َعْ ٍ‬
‫ها عَل َي ْ َ‬
‫ن )‪ (251‬ت ِل ْ َ‬
‫ق‬
‫ت الل ّهِ ن َت ُْلو َ‬
‫ل عََلى ال َْعال َ ِ‬
‫ك ِبال ْ َ‬
‫ه ُذو فَ ْ‬
‫ح ّ‬
‫ك آَيا ُ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫مي َ‬
‫ض ٍ‬
‫وَل َك ِ ّ‬
‫وَإ ِن ّ َ‬
‫ن )‪] {(252‬سورة البقرة ‪[252-2/246‬‬
‫ك لَ ِ‬
‫مْر َ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫سِلي َ‬
‫م ْ‬
‫فانظر إلى هذا البتلء العظيم ملك معه جيش عرمرم خرجوا وهم عاقدين‬
‫العزم علي الجهاد في سبيل الله فلما اختبر الله صدق عزمهم ما صدق إل‬
‫قليل‪..‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ن الب ََراِء َقا َ‬
‫عد ّةَ‬
‫ن ِ‬
‫حد ّ ُ‬
‫ثأ ّ‬
‫م ن َت َ َ‬
‫م َ‬
‫حا َ‬
‫ص َ‬
‫ه عَلي ْهِ وَ َ‬
‫سل َ‬
‫صلى الل ُ‬
‫ح ّ‬
‫ب ُ‬
‫مد ٍ َ‬
‫ل ك ُّنا أ ْ‬
‫فعَ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫جاوِْز‬
‫ب ب َد ْرٍ عَلى ِ‬
‫ت ال ِ‬
‫م يُ َ‬
‫ن َ‬
‫ص َ‬
‫ص َ‬
‫ه الن ّهََر وَل ْ‬
‫معَ ُ‬
‫جاوَُزوا َ‬
‫ب طالو َ‬
‫حا ِ‬
‫عد ّةِ أ ْ‬
‫حا ِ‬
‫أ ْ‬
‫ذي َ‬
‫ة عَ َ‬
‫ة‪(6 ) .‬‬
‫شَر وَث ََل َ‬
‫ضعَ َ‬
‫مائ َ ٍ‬
‫ث ِ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫ن بِ ْ‬
‫ه إ ِّل ُ‬
‫معَ ُ‬
‫َ‬
‫م ٌ‬
‫‪.‬فالسعيد من ثبته الله على الهداية وأقامه على الصراط المستقيم قال‬
‫ذي أ َن َْز َ‬
‫م‬
‫كين َ َ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫س ِ‬
‫تعالى}هُوَ ال ّ ِ‬
‫ل ال ّ‬
‫مان ِهِ ْ‬
‫معَ ِإي َ‬
‫مانا ً َ‬
‫ن ل ِي َْزَداُدوا ِإي َ‬
‫ب ال ْ ُ‬
‫ة ِفي قُُلو ِ‬
‫مِني َ‬
‫َ‬
‫ت َوالْرض وَ َ‬
‫كيما ً )‪] {(4‬سورة الفتح‬
‫ح ِ‬
‫وا ِ‬
‫ه عَِليما ً َ‬
‫كا َ‬
‫وَل ِل ّهِ ُ‬
‫جُنود ُ ال ّ‬
‫ن الل ّ ُ‬
‫س َ‬
‫م َ‬
‫ِ‬
‫‪[48/4‬‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫سى َفاِرغا ً‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫صب َ َ‬
‫ح فؤاد ُ أ ّ‬
‫مو َ‬
‫م ُ‬
‫*وقال تعالى في شأن أم موسى عليه السلم }وَأ ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ن َرب َط َْنا عََلى قَل ْب َِها ل ِت َ ُ‬
‫ن َ‬
‫ْ‬
‫ن )‪{(10‬‬
‫ني‬
‫م‬
‫ؤ‬
‫م‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ن‬
‫ن ِ‬
‫ت ل َت ُب ْ ِ‬
‫كو َ‬
‫ول أ ْ‬
‫إِ ْ‬
‫كاد َ ْ‬
‫ُ ِ ِ َ‬
‫م ْ‬
‫دي ب ِهِ ل َ ْ‬
‫]سورة القصص ‪"[28/10‬‬
‫َ‬
‫ص عَل َي ْ َ‬
‫م‬
‫ن نَ ُ‬
‫م ِبال ْ َ‬
‫*وقوله تعالى في شأن أصحب الكهف }ن َ ْ‬
‫حقّ إ ِن ّهُ ْ‬
‫ك ن َب َأهُ ْ‬
‫ق ّ‬
‫ح ُ‬
‫قاُلوا َرب َّنا‬
‫موا فَ َ‬
‫فِت ْي َ ٌ‬
‫م هُ ً‬
‫م إ ِذ ْ َقا ُ‬
‫دى )‪ (13‬وََرب َط َْنا عََلى قُُلوب ِهِ ْ‬
‫م وَزِد َْناهُ ْ‬
‫مُنوا ب َِرب ّهِ ْ‬
‫ةآ َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫َ‬
‫قد ْ قُلَنا ِإذا َ‬
‫شططا )‪{(14‬‬
‫ن ُدون ِهِ إ ِلها ل َ‬
‫ن ن َد ْعُوَ ِ‬
‫وا ِ‬
‫َر ّ‬
‫ب ال ّ‬
‫س َ‬
‫م ْ‬
‫ضل ْ‬
‫م َ‬
‫ت َوالْر ِ‬
‫]سورة الكهف ‪[14-18/13‬‬
‫)‪(4 /‬‬
‫يقول تعالى في أهل الكهف وربطنا على قلوبهم إذا قاموا فقالوا ربنا رب‬
‫السموات والرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا‪ ..‬وهذا من‬
‫أحسن الستدلل والستشهاد فإن هؤلء كانوا بين قومهم الكفار في خدمة‬
‫ملكهم الكافر فما هو إل أن وجدوا حقيقة اليمان والتوفيق وذاقوا حلوته‬
‫وباشر قلوبهم فقاموا من بين قومهم وقالوا ربنا رب السموات والرض‬
‫الية ‪ .‬والربط على قلوبهم يتضمن الشد عليها بالصبر والتثبيت وتقويتها‬
‫وتأييدها بنور اليمان حتى صبروا على هجران دار قومهم ومفارقة ما كانوا‬
‫فيه من خفض العيش وفروا بدينهم إلى الكهف والربط على القلب عكس‬
‫الخذلن فالخذلن حله من رباط التوفيق فيغفل عن ذكر ربه ويتبع هواه‬
‫ويصير أمره فرطا والربط على القلب شده برباط التوفيق فيتصل بذكر ربه‬
‫ويتبع مرضاته ويجتمع عليه شمله ‪(7 ).‬‬
‫]من كتاب "الثبات علي الهداية" للشيخ [‬
‫________________________________________‬
‫)‪( 1‬صحيح‪ :‬رواه النسائي)‪ ( 3083‬أحمد)‪(15528‬‬
‫) ‪ (2‬رواه مسلم )‪(207‬‬
‫) ‪ (3‬رواه البخاري)‪ ( 52‬مسلم ) ‪(1599‬‬
‫) ‪ (4‬رواه البخاري) ‪( 6416‬‬
‫) ‪ (5‬رواه البخاري)‪( 5933‬‬

‫‪98‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫)‪ ( 6‬رواه البخاري)‪( 3958‬‬
‫) ‪ (7‬تهذيب مدارج السالكين )ص ‪(473‬‬
‫)‪(5 /‬‬
‫نعمة العدل‬
‫الحمد لله شمل النام بواسع رحمته‪ ،‬وصّرف العالم ببالغ حكمته‪ ،‬ل يشغله‬
‫ن عن شأن وهو الحكيم الخبير‪ .‬أحمده سبحانه وأشكره وأتوب إليه‬
‫شأ ٌ‬
‫وأستغفره‪ ،‬وأشهد أن ل إله إل الله وحده ل شريك له‪ ،‬وأشهد أن سيدنا ونبينا‬
‫دا عبده ورسوله‪ ،‬أصدق الناس في القوال‪ ،‬وأسدهم في الفعال‪،‬‬
‫محم ً‬
‫وأعدلهم في الحكام‪ ،‬صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه خير‬
‫ب وآل‪ ،‬والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم المآل‪.‬‬
‫صح ٍ‬
‫بالعدل قامت السماوات والرض؛ فالعدل أساس الملك والحكم‪ .‬قال الله‪:‬‬
‫َ‬
‫}ل َ َ َ‬
‫س‬
‫ن ل ِي َ ُ‬
‫ب َوال ْ ِ‬
‫سل ََنا ِبال ْب َي َّنا ِ‬
‫ميَزا َ‬
‫م ال ْك َِتا َ‬
‫قو َ‬
‫سل َْنا ُر ُ‬
‫قد ْ أْر َ‬
‫معَهُ ُ‬
‫ت وَأنَزل َْنا َ‬
‫م الّنا ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫س َ‬
‫ش ِ‬
‫ح ِ‬
‫س ِ‬
‫ِبال ْ ِ‬
‫ط وَأنْزل َْنا ال ْ َ‬
‫ق ْ‬
‫صُرهُ‬
‫ه َ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫س وَل ِي َعْل َ َ‬
‫ديد ٌ وَ َ‬
‫من َين ُ‬
‫ديد َ ِفيهِ ب َأ ٌ‬
‫مَنافِعُ ِللّنا ِ‬
‫زيٌز ]الحديد‪.[25:‬‬
‫ب إِ ّ‬
‫وَُر ُ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫سل َ ُ‬
‫ه ِبال ْغَي ْ ِ‬
‫ه قَوِىّ عَ ِ‬
‫وإن الحضارات النسانية ل تبلغ أوج عزها‪ ،‬ول ترقى إلى عز مجدها إل حين‬
‫يعلو العدل تاجها‪ ،‬ويتلل به مفرقها‪ .‬تبسطه على القريب والبعيد‪ ،‬والقوي‬
‫والضعيف‪ ،‬والغني والفقير‪ ،‬والكبير والصغير‪ .‬والعدل جاءت به جميع الشرائع‪،‬‬
‫ورضيته العقول الحكيمة‪ ،‬وتعلقت به الفطر السوية‪ .‬وتباهى به ملوك المم‬
‫وقادتها‪ ،‬وعظماؤها وساستها‪ ،‬ومدحوا به‪.‬‬
‫لقد دلت الدلة الشرعية وسنن الله في الولين والخرين أن العدل دعامة‬
‫بقاء المم‪ ،‬والدول‪ ،‬وبه تمتد المن‪ ،‬وتعلو أبنية العز والمجد‪ ،‬ويكون النصر‬
‫والتمكين‪.‬‬
‫حسن العدل وحبه مستقر في الفطر‪ ،‬فكل نفس تنشرح لمظاهر العدل‬
‫ل عن هوى يغلبها في قضية خاصة تخصها‪.‬‬
‫مادام بمعز ٍ‬
‫القسط والعدل هو غاية الرسالت السماوية كلها‪:‬‬
‫بالعدل قامت السموات والرض‪ ،‬وللظلم يهتز عرش الرحمن‪ .‬العدل مفتاح‬
‫الحق‪ ،‬وجامع الكلمة‪ ،‬ومؤلف القلوب‪.‬‬
‫مر‪ .‬إن الدول لتدوم مع الكفر‬
‫مر‪ ،‬وإذا ارتفع عن الديار د ّ‬
‫إذا قام في البلد ع ّ‬
‫مادامت عادلة‪ ،‬ول يقوم مع الظلم حقٌ ول يدوم به حكم‪.‬‬
‫العدل في حقيقته تمكين صاحب الحق ليأخذ حقه‪ .‬في أجواء العدل يكون‬
‫الناس في الحق سواء ل تمايز بينهم ول تفاضل‪ ،‬بالعدل يشتد أزر الضعيف‬
‫ن وَل َ‬
‫مو َ‬
‫ويقوى رجاؤه‪ ،‬وبالعدل يهون أمر القوي وينقطع طمعه‪ .‬ل َ ت َظ ْل ِ ُ‬
‫ن ]البقرة‪.[279:‬‬
‫مو َ‬
‫ت ُظ ْل َ ُ‬
‫ة‬
‫وإن أمة السلم هي أمة الحق والعدل‪ ،‬والخير والوسط‪ ،‬نصبها ربها قوام ً‬
‫على المم في الدنيا‪ ،‬شاهدة ً عليهم في الخرة‪ ،‬خير أمةٍ أخرجت للناس‪،‬‬
‫يهدون بالحق وبه يعدلون‪ ،‬يتواصون بالحق والصبر‪ ،‬ويتنافسون في ميادين‬
‫الخير والبر‪ ،‬ويتسابقون إلى موجبات الرحمة والجر‪.‬‬
‫هّ‬
‫أم ٌ‬
‫ما‪} :‬إ ِ ّ‬
‫ن الل َ‬
‫ما لز ً‬
‫ما وحت ً‬
‫ة أمرها ربها بإقامة العدل في كتابه أمًرا محك ً‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ل‬
‫ماَنا ِ‬
‫س أن ت َ ْ‬
‫ت إ ِلى أهْل َِها وَإ َِذا َ‬
‫حك ُ‬
‫مت ُ ْ‬
‫حك ْ‬
‫م أن ُتؤّدوا ال َ‬
‫مُرك ْ‬
‫ي َأ ُ‬
‫موا ِبالعَد ْ ِ‬
‫م ب َي ْ َ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫ه َ‬
‫صيرا ً ]النساء‪.[58:‬‬
‫ميعا ً ب َ ِ‬
‫س ِ‬
‫كا َ‬
‫م ب ِهِ إ ِ ّ‬
‫إِ ّ‬
‫ن َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ما ي َعِظ ُك ُ ْ‬
‫ه ن ِعِ ّ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫فسك ُم أوَ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ط ُ‬
‫س ِ‬
‫ن ِبال ِ‬
‫وا ِ‬
‫َياأي َّها ال ِ‬
‫شهَ َ‬
‫ق ْ‬
‫ن ءا َ‬
‫مي َ‬
‫مُنوا كوُنوا ق ّ‬
‫ذي َ‬
‫داء للهِ وَلوْ عَلى أن ُ ِ ْ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫وى أن‬
‫ن غن ِي ّا أوْ ف َ‬
‫ه أوْلى ب ِهِ َ‬
‫قيرا فالل ُ‬
‫ما فل ت َت ّب ُِعوا الهَ َ‬
‫ن ِإن ي َك ْ‬
‫ن َوالقَرِبي َ‬
‫الوال ِد َي ْ ِ‬
‫‪99‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫َ‬
‫ه َ‬
‫خِبيرا ً ]النساء‪.[135:‬‬
‫ن َ‬
‫مُلو َ‬
‫كا َ‬
‫ضوا ْ فَإ ِ ّ‬
‫ووا ْ أوْ ت ُعْرِ ُ‬
‫ما ت َعْ َ‬
‫ن بِ َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ت َعْدُِلوا ْ وَِإن ت َل ْ ُ‬
‫ل أعدل ول أتم ول أصدق ول أوفى من عدل شريعة الله‪ ،‬فهي مبنية على‬
‫المصالح الخالصة أو الراجحة‪ ،‬بعيدة عن أهواء المم وعوائد الضلل‪ ،‬ل تعبأ‬
‫بالنانية والهوى‪ ،‬ول بتقاليد الفساد‪ .‬إنها لمصالح النوع البشري كله ليس‬
‫لقبيلة أو بلد أو جنس‪.‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫فَل ِذ َل ِ َ‬
‫ما أنَز َ‬
‫م وَقُ ْ‬
‫ه‬
‫ما أ ِ‬
‫ست َ ِ‬
‫ك َفاد ْع ُ َوا ْ‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫ت بِ َ‬
‫من ُ‬
‫ل ءا َ‬
‫واءهُ ْ‬
‫مْر َ‬
‫م كَ َ‬
‫ق ْ‬
‫ت وَل َ ت َت ّب ِعْ أهْ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫م لَ‬
‫ت ل ِعْدِ َ‬
‫ب وَأ ِ‬
‫ِ‬
‫مالك ُ ْ‬
‫م أعْ َ‬
‫مالَنا وَلك ُ ْ‬
‫م لَنا أعْ َ‬
‫ه َرب َّنا وََرب ّك ُ ْ‬
‫م الل ُ‬
‫ل ب َي ْن َك ُ ُ‬
‫مْر ُ‬
‫من ك َِتا ٍ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫صيُر ]الشورى‪.[15:‬‬
‫ج َ‬
‫م ِ‬
‫ه يَ ْ‬
‫ح ّ‬
‫ُ‬
‫معُ ب َي ْن ََنا وَإ ِلي ْهِ ال َ‬
‫ج َ‬
‫م الل ُ‬
‫ة ب َي ْن ََنا وَب َي ْن َك ُ ُ‬
‫ً‬
‫دقا وَعَد ْل ً ل ّ‬
‫ة َرب ّ َ‬
‫إن السلم صدقٌ كله‪ ،‬خيره وحكمه عد ٌ‬
‫م ُ‬
‫ك ِ‬
‫ص ْ‬
‫ت ك َل ِ َ‬
‫م ْ‬
‫ل‪ :‬وَت َ ّ‬
‫م ]النعام‪.[115:‬‬
‫س ِ‬
‫مات ِهِ وَهُوَ ال ّ‬
‫ميعُ ال ْعَِلي ُ‬
‫ل ل ِك َل ِ َ‬
‫ُ‬
‫مب َد ّ ِ‬
‫عدل السلم يسع الصدقاء والعداء‪ ،‬والقرباء والغرباء‪ ،‬والقوياء والضعفاء‪،‬‬
‫المرؤوسين والرؤساء‪ .‬عدل السلم ينظم كل ميادين الحياة ومرافقها‬
‫ودروبها وشؤونها‪ .‬في الدولة والقضاء‪ ،‬والراعي والرعية‪ ،‬والولد والهلين‪.‬‬
‫عد ٌ‬
‫ل في حق الله‪ .‬وعدل في حقوق العباد في البدان والموال‪ ،‬والقوال‬
‫ٌ‬
‫والعمال‪ .‬عدل في العطاء والمنع‪ ،‬والكل والشرب‪ُ .‬يحق الحق ويمنع البغي‬
‫في الرض وفي البشر‪) .‬كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته( ) رواه‬
‫البخاري‪ :‬رقم‪،(893) :‬و)‪.(1829‬‬
‫وروي في الحديث الخر‪) :‬ما من أحد يكون على شيء من أمور هذه المة‬
‫فلم يعدل فيهم إل كبه الله في النار( أخرجه الحاكم‪.‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫وإن من أولى ما يجب العدل فيه من الحق حق الله سبحانه في توحيده‬
‫عا وتذل ً‬
‫ضا بحكمه‬
‫وعبادته‪ ،‬وإخلص الدين له كما أمر وشرع خضو ً‬
‫ل‪ ،‬ور ً‬
‫وقدره‪ ،‬وإيماًنا بأسمائه وصفاته‪ .‬وأظلم الظلم الشرك بالله عز وجل‪ ،‬وأعظم‬
‫دا وهو خلقك‪.‬‬
‫الذنب أن تجعل لله ن ً‬
‫ة أو بدنية‪ ،‬قولية أو‬
‫ثم العدل في حقوق العباد ُتؤدى كاملة موفورة‪ ،‬مالي ً‬
‫ل ما عليه مما تحت وليته في ولية المامة الكبرى ثم‬
‫عملية‪ .‬يؤدي كل وا ٍ‬
‫نواب المام في القضاء والعمال في كل ناحية أو مرفق‪.‬‬
‫في الحديث الصحيح‪) :‬إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين‬
‫الرحمن – وكلتا يديه يمين – الذين يعدلون في حكمهم وفي أهلهم وما ولوا(‬
‫أخرجه مسلم)‪.(1827‬‬
‫وإن ولة أمور المسلمين حق عليهم أن يقيموا العدل في الناس‪ .‬وقد جاء‬
‫في مأثور الحكم والسياسات‪ :‬ل دولة إل برجال‪ ،‬ول رجال إل بمال‪ ،‬ول مال‬
‫إل بعمارة‪ ،‬ول عمارة إل بعدل‪.‬‬
‫حكم كله عدل ورحمة في خفض الجناح ولين الجانب‪ ،‬وقوة الحق‪ ،‬عد ٌ‬
‫ل‬
‫فا قبل أن‬
‫ومساواة تكون فيه المسؤوليات والوليات والعمال والمهمات تكلي ً‬
‫ة‬
‫تكون تشري ً‬
‫فا‪ ،‬وتبعات ل شهوات‪ ،‬ومغارم ل مغانم‪ ،‬وجهاًدا ل إخلًدا‪ ،‬وتضحي ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ف‬
‫ة‪ ،‬وميداًنا ل ديواًنا‪ ،‬وأعمال ل أقوال‪ ،‬وإيثاًرا ل استئثاًرا‪ .‬إنصا ٌ‬
‫ل تحلي ً‬
‫للمظلوم‪ ،‬ونصرة للمهضوم‪ ،‬وقهٌر للغشوم‪ ،‬وردع للظلوم‪ ،‬رفع المظالم عن‬
‫كواهل المقروحة أكبادهم‪ ،‬ورد العتبار لمن أذلهم البغي اللئيم‪ ،‬ل تأخذهم‬
‫دا يقام في الله خير من أن‬
‫في الحق لومة لئم‪ ،‬ول تعويق واهم‪ ،‬وإن ح ً‬
‫حا‪.‬‬
‫يمطروا أربعين صبا ً‬
‫وفي مثل هذا صح الخبر عنه أنه قال‪)) :‬أهل الجنة ثلثة‪ :‬ذو سلطان مقسط‬

‫‪100‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫متصدق موفق‪ ،‬ورج ٌ‬
‫م رقيق القلب لكل ذي قربى‪ ،‬ومسلم عفيف‬
‫ل رحي ٌ‬
‫متعفف ذو عيال( أخرجه البخاري‪ ،(660) ،‬ومسلم‪.(1031) :‬‬
‫أما نزاهة القضاء ونقاء ضمائر القضاة فحسبك به من عدل وقسط‪ ،‬صاحب‬
‫الحق في جو القضاء العادل يشعر بالثقة والمان‪ ،‬في أروقة المحاكم وفي‬
‫ن إلى عدالة القضية ونزاهة الحكم وشرف سرائر‬
‫دواوين القضاء‪ ،‬مطمئ ٌ‬
‫الحكام‪ .‬والمتهم بريء حتى تثبت إدانته‪ ،‬ولن يخطئ الحاكم في العفو خيٌر‬
‫من أن يخطئ في العقوبة‪ ،‬هذا تعرفه دنيا الحضارات ودين أهل السلم‪.‬‬
‫القاضي العادل يواسي الناس بلحظه ولفظه‪ ،‬وفي وجهه ومجلسه‪ ،‬ل يطمع‬
‫شريف في حيفه‪ ،‬ول ييأس ضعيف من عدله‪ ،‬ل يميل مع هوى‪ ،‬ول يتأثر بود‪،‬‬
‫ول ينفعل مع بغض‪ .‬ل تتبدل التعاملت عنده مجاراة ً لصهر أو نسب‪ ،‬ول لقوة‬
‫أو ضعف‪ ،‬يزن بالقسطاس‪ ،‬وبالعدل يقضي‪ .‬يدني الضعيف حتى يشتد قلبه‬
‫وينطلق لسانه‪ ،‬وبتعاهد الغريب حتى يأخذ حقه‪ ،‬وما ضاع حق غريب إل من‬
‫ترويعه وعدم الرفق به‪.‬‬
‫جاء في الخبر عنه ‪) :‬إن الله مع القاضي ما لم يجر فإذا جار تخلى الله عنه‬
‫ولزمه الشيطان( ) حسن‪ ،‬أخرجه الترمذي‪.(1330)،‬‬
‫هذا هو العدل العالمي الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم منذ أكثر من‬
‫أربعة عشر قرًنا عد ٌ‬
‫ل يتم فيه ضبط النفس والتحكم في المشاعر‪ .‬إنه القمة‬
‫العليا والمرتقى الصعب الذي ل يبلغه إل من رضي بالله رًبا‪ ،‬وبالسلم ديًنا‪،‬‬
‫وبمحمدٍ نبًيا ورسو ً‬
‫ما‪ .‬إنه عدل محمد ‪ ،‬مكيا ٌ‬
‫ل واحد ٌ‬
‫ل‪ ،‬وبدينه دستوًرا وحك ً‬
‫د‪.‬‬
‫ن واح ٌ‬
‫وميزا ٌ‬
‫ما الن في أرض الله‪ ،‬مثل أمريكا وروسيا‪ ،‬آتاها الله بسطة في القوة‬
‫إن أم ً‬
‫والسيطرة فما أقامت عد ً‬
‫قا‪ ،‬وي ٌ‬
‫ل لهم وما يطففون‪ ،‬إذا‬
‫ل‪ ،‬ول حفظت ح ً‬
‫اكتالوا لنفسهم يستوفون‪ ،‬وإذا كالوا لغيرهم أو وزنوهم يخسرون‪ .‬ولكن‬
‫هدي محمد صلى الله عليه وسلم يأبى إل الحق‪:‬‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ت ل َِعْدِ َ‬
‫ما َأنَز َ‬
‫} وَقُ ْ‬
‫م ]الشورى‪.[15:‬‬
‫ب وَأ ِ‬
‫ه ِ‬
‫ل ب َي ْن َك ُ‬
‫مْر ُ‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫ت بِ َ‬
‫من ُ‬
‫ل ءا َ‬
‫من ك َِتا ٍ‬
‫إن المة ل تصل إلى هذا القدر من السمو ونصب ميزان العدل إل حينما‬
‫َ‬
‫ب‬
‫ة بالقسط لله خالص ً‬
‫تكون قائم ً‬
‫ة مخلصة‪ ،‬بلباس التقوى‪} :‬اعْدُِلوا ْ هُوَ أقَْر ُ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ن ]المائدة‪.[8:‬‬
‫وى َوات ّ ُ‬
‫ِللت ّ ْ‬
‫ه َ‬
‫ملو َ‬
‫ه إِ ّ‬
‫ما ت َعْ َ‬
‫خِبيٌر ب ِ َ‬
‫ن الل َ‬
‫قوا الل َ‬
‫ق َ‬
‫والفئة الباغية إذا فاءت إلى أمر الله ودخلت في الطاعة فإن حقها في العدل‬
‫َ‬
‫َ‬
‫س ُ‬
‫ب‬
‫ه يُ ِ‬
‫ل وَأقْ ِ‬
‫ح ّ‬
‫طوا ْ إ ِ ّ‬
‫صل ِ ُ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫حوا ْ ب َي ْن َهُ َ‬
‫محفوظ‪ :‬فَِإن َفاء ْ‬
‫ت فَأ ْ‬
‫ما ِبال ْعَد ْ ِ‬
‫ن ]الحجرات‪.[9:‬‬
‫م ْ‬
‫س ِ‬
‫ق ِ‬
‫ال ْ ُ‬
‫طي َ‬
‫وكما يكون العدل في العمال والموال فهو مطلوب في القوال واللفاظ‪:‬‬
‫م َفاعْدُِلوا ْ وَل َوْ َ‬
‫ن َذا قُْرَبى ]النعام‪ .[152:‬ولعل العدل في القوال‬
‫كا َ‬
‫}وَإ َِذا قُل ْت ُ ْ‬
‫أدق وأشق‪ .‬وصاحب اللسان العدل يعلم أن الله يحب الكلم بعلم وعدل‪،‬‬
‫ل وظلم‪:‬‬
‫ويكره الكلم بجه ٍ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫}ق ُ ْ‬
‫ق‬
‫ي ال َ‬
‫فوا ِ‬
‫ما ظهََر ِ‬
‫ى ب ِغَي ْرِ ال َ‬
‫ما َ‬
‫حّر َ‬
‫ح ّ‬
‫ن َوال ِث ْ َ‬
‫من َْها وَ َ‬
‫ش َ‬
‫ل إ ِن ّ َ‬
‫ح َ‬
‫ما ب َط َ‬
‫م َرب ّ َ‬
‫م َوالب َغْ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫م ي ُن َّز ْ‬
‫وََأن ت ُ ْ‬
‫ن‬
‫سلطانا وَأن ت َ ُ‬
‫مو َ‬
‫ل ب ِهِ ُ‬
‫ما ل ت َعْل ُ‬
‫قولوا عَلى اللهِ َ‬
‫ما ل ْ‬
‫شرِكوا ِباللهِ َ‬
‫]العراف‪.[33:‬‬
‫لقد أعلن النبي حكمه على كلمة قالها شاعر حال كفره حين قال عليه‬
‫الصلة والسلم‪) :‬أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد‪ :‬أل كل شيء ما خل الله‬
‫باطل(‪ .‬أخرجه البخاري )‪ ،(3841‬ومسلم‪.(2256) :‬‬
‫)‪(2 /‬‬

‫‪101‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ثم هاهو صاحبه عثمان بن مظعون رضي الله عنه يسمع البيت كام ً‬
‫ل؛ يترسم‬
‫النهج في نفسه في التقويم والعدل ُفيحق الحق ويقول القسط‪ ،‬فقال في‬
‫ت‪ ،‬ولما قال الشطر الثاني‪) :‬وكل نعيم ل محالة زائل(‬
‫شطره الول صدقْ َ‬
‫قال‪ :‬كذبت‪ ،‬نعيم الجنة ليس بزائل‪ .‬فلم يكن كذب الشاعر في الشطر‬
‫الثاني بمانع عثمان رضي الله عنه من أن يقر له بالصدق والحق في شطره‬
‫الول‪.‬‬
‫وهذا علي رضي الله عنه يقاتل من خرج عليه‪ ،‬فلما سئل عنهم‪ :‬أمشركون‬
‫هم؟ قال‪ :‬هم من الشرك فروا‪ .‬قيل‪ :‬أفمنافقون هم؟ قال‪ :‬إن المنافقين ل‬
‫يذكرون الله إل قلي ً‬
‫ل‪ .‬قيل‪ :‬فما هم يا أمير المؤمنين؟ قال‪ :‬هم إخواننا بغوا‬
‫علينا فقاتلناهم ببغيهم‪.‬‬
‫ومن لغير هذا العدل من القول غير أبي الحسن رضي الله عنه وعن ذريته‬
‫الطيبين الطاهرين؟! وهل بعد هذا النصاف من إنصاف؟!‬
‫والنووي رحمه الله يقول‪ :‬وينبغي ذكر فضل أهل الفضل ول يمنع منه شنآن‬
‫أو عداوة‪ .‬والعبد إذا رزق العدل وحب القسط علم الحق‪ ،‬ورحم الخلق‪ ،‬واتبع‬
‫الرسول‪ ،‬واجتنب مسالك الزيغ والبدع‪ ،‬هكذا يقول شيخ السلم ابن تيميه‬
‫رحمه الله‪.‬‬
‫حفظت الحقوق‪ ،‬ونصر المظلوم وولت الهموم‪ ،‬وأدبرت‬
‫العدل‬
‫إذا ساد‬
‫ُ‬
‫الغموم‪.‬‬
‫أما حينما يتجافى الناس عن العدل ويقعون في حمأة الظلم ينبت فيهم الحقد‬
‫والقطيعة والفرقة وذهاب الريح‪.‬‬
‫ومن تجافى عن العدل دخل دائرة الظلم‪ ،‬يأخذ ول يعطي‪ ،‬ويطلب ول يبذل‪،‬‬
‫يأخذ الذي يستحق‪ ،‬ويمتنع عما يحق‪ ،‬تغلبه مسالك المنافقين‪:‬‬
‫َ‬
‫جاهِل ِي ّةِ ]آل عمران‪،[154:‬‬
‫م أ َن ْ ُ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ن ِبالل ّهِ غَي َْر ال ْ َ‬
‫م ي َظ ُّنو َ‬
‫ف ُ‬
‫سهُ ْ‬
‫مت ْهُ ْ‬
‫}قَد ْ أهَ ّ‬
‫حق ّ ظ َ ّ‬
‫ن‬
‫وَإ َِذا د ُ ُ‬
‫ضو َ‬
‫معْرِ ُ‬
‫سول ِهِ ل ِي َ ْ‬
‫عوا ْ إ َِلى الل ّهِ وََر ُ‬
‫م ّ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫ريقٌ ّ‬
‫م ب َي ْن َهُ ْ‬
‫حك ُ َ‬
‫ن وَِإن ي َك ُ ْ‬
‫م إ َِذا فَ ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ن ]النور‪.[49 ،48:‬‬
‫مذ ْ ِ‬
‫م ال ْ َ‬
‫حقّ ي َأُتوا إ ِلي ْهِ ُ‬
‫ل ّهُ ُ‬
‫عِني َ‬
‫إن الظلم وسلب الحقوق وإهدار الكرامات مبعث الشقاء ومثار الفتن‪ .‬إن‬
‫ما يفشو فيهم الظلم والتظالم‪ ،‬وينحسر عنهم الحق والعدل إما أن‬
‫قو ً‬
‫فا‪،‬‬
‫ينقرضوا بفساد‪ ،‬وإما أن يتسلط عليهم جبروت المم يسومونهم خس ً‬
‫فا‪ ،‬فيذوقون من مرارة العبودية والستذلل ما هو أشد‬
‫ويستبدون بهم عس ً‬
‫من مرارة النقراض والزوال‪ .‬إن الظلم خراب العمران‪ ،‬وخراب العمران‬
‫خراب المم والدول‪.‬‬
‫وأحق الناس بالعدل أبناؤك‪ .‬فمن ابتغى بر أبنائه وبناته يحبونه في حياته‬
‫ويترحمون عليه بعد مماته وتصفو قلوبهم فيما بينهم فليتق الله وليقم العدل‬
‫فيما بينهم‪ ،‬يساوي بينهم في العطية والمعاملة والنظرة والبتسامة‪ .‬وليتق‬
‫الله أولئك الذين يحرمون بعض المستحقين من الذرية في عطية أو وصية‬
‫فذلك حرام وجور وظلم‪ ،‬والوصية به وصية ظلم وجنف‪ ،‬مخالفة للعدل‬
‫والحق ل يجوز نفاذها‪ ،‬فتلك أفعا ٌ‬
‫م مهلك‪ ،‬تقوم به الخصومات‪،‬‬
‫ل شنيعة‪ ،‬وظل ٌ‬
‫وتثور به الحقاد‪ ،‬وتقع به المظالم‪ ،‬وتتقطع به الرحام‪.‬‬
‫عن النعمان بن بشير رضي الله عنه أن أباه أتى به رسول الله فقال‪) :‬إني‬
‫ما كان لي‪ .‬فقال رسول الله ‪ :‬أفعلت هذا بولدك كلهم؟‬
‫نحلت ابني هذا غل ً‬
‫قال‪ :‬ل‪ .‬قال‪ :‬اتقوا الله واعدلوا في أولدكم‪ .‬قال‪ :‬فرجع أبي فرد ّ تلك‬
‫الصدقة( البخاري‪ ،(2586) :‬ومسلم‪.(1623) :‬‬
‫والمام العادل سابع سبعةٍ يظلهم الله في ظله يوم ل ظل إل ظله‪.‬‬
‫ب في النفقة والكسوة‬
‫ض وحقٌ واج ٌ‬
‫والعدل في المعاملت الزوجية فر ٌ‬
‫‪102‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫والمعاملة والعشرة كما يفعل الكرماء من ذوي العقل والدين والمروءة‬
‫والكمال‪ .‬تطعمها مما تطعم‪ ،‬وتكسوها مما تكتسي‪.‬‬
‫وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال‪)) :‬من كانت‬
‫عنده امرأتان فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وشقه ساقط(( وفي رواية‬
‫)وشقه مائل(‪.‬‬
‫أيها الخوة‪ ،‬حينما تتشرب النفوس العدل فيكون سجية لها فإنه يقودها إلى‬
‫محاسن الخلق ومكارم المروءات‪ ،‬عدل في السلوك كله‪ ،‬وسط بين‬
‫الفراط والتفريط‪ ،‬جود وسخاء من غير سرف ول تقتير‪ ،‬وشجاعة وقوة من‬
‫غير جبن ول تهور‪ ،‬وحلم وأناة من غير غضب ماحق أو مهانة مردية‪ .‬وكل‬
‫س‬
‫تعامل فَ َ‬
‫قد َ العدل فهو ضرر وإضرار‪ ،‬وفساد وإفساد وَل َ ت َب ْ َ‬
‫خ ُ‬
‫سوا ْ الّنا َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫أَ ْ‬
‫ن ]الشعراء‪.[183:‬‬
‫م ْ‬
‫س ِ‬
‫ف ِ‬
‫ض ُ‬
‫شَياءهُ ْ‬
‫دي َ‬
‫م وَل ت َعْث َوْا ِفى الْر ِ‬
‫وفي ديننا‪ ،‬مرتبة فوق العدل قد أمر الله بها مقترنة بالعدل‪ .‬مرتبة تأتي‬
‫لتجمل حدة العدل الصارم ووجهه الجازم الحازم‪ ،‬إنها مرتبة الحسان حين‬
‫حا لمن يريد أن يتسامح في بعض حقوقه إيثاًرا لود القلب‬
‫تدع الباب مفتو ً‬
‫ً‬
‫ت‬
‫حا‪ ،‬ويكسب فضل‪ ،‬ويرتفع عند ربه درجا ٍ‬
‫وشفاء غل الصدور‪ ،‬ليداوي جر ً‬
‫عل‪.‬‬
‫ُ‬
‫اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة‪ ،‬وكلمة الحق في الغضب‬
‫والرضا‪ ،‬ونسألك القصد في الفقر والغني‪ ،‬ونسألك الرضا بعد القضاء‪،‬‬
‫ونسألك برد العيش بعد الموت ونسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم في غير‬
‫ضراء مضرة ول فتنة مضلة‪ ،‬اللهم زينا بزينة اليمان‪ ،‬واجعلنا هداةً مهتدين‬
‫استجب اللهم يا رب العالمين‪.‬‬
‫)‪(3 /‬‬
‫صحيح‪ ،‬أخرجه أحمد )‪ ،(2/347‬والترمذي ‪ :‬كتاب النكاح – باب ‪ :‬ما جاء في‬
‫التسوية بين الضرائر ‪ ،‬حديث )‪ ،(1141‬وابن ماجه‪ :‬كتاب النكاح – باب‬
‫القسمة بين النساء‪ ،‬حديث )‪ ،(1969‬وصححه ابن الجارود في المنتقى )‬
‫‪ ،(722‬وابن حبان )‪ ،(4207‬والحاكم )‪ (2/186‬واللباني‪ .‬صحيح سنن‬
‫الترمذي )‪.(912‬‬
‫صحيح‪ ،‬أخرجه أبو داود ‪ :‬كتاب النكاح – باب‪ :‬في القسم بين النساء‪ ،‬حديث )‬
‫‪ ،(2133‬والدارمي ‪ ،‬كتاب‪ :‬النكاح – باب ‪ :‬في العدل بين النساء‪ ،‬حديث )‬
‫‪.(2206‬‬
‫)‪(4 /‬‬
‫نعمة ل قمامة‬
‫أ ‪ /‬إبراهيم بن محمد بن سليمان السعوي‬
‫>‪TD/‬‬
‫من لطف الله بهذا العبد الضعيف أن أنعم عليه نعم ل تحصى في مجالت‬
‫م{‪،‬‬
‫ه ل َغَ ُ‬
‫فوٌر ّر ِ‬
‫صو َ‬
‫م َ‬
‫ها إ ِ ّ‬
‫ة الل ّهِ ل َ ت ُ ْ‬
‫شتى ‪ ،‬قال تعالى ‪} :‬وَِإن ت َعُ ّ‬
‫حي ٌ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫دوا ْ ن ِعْ َ‬
‫ح ُ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ما ب ِ ُ‬
‫ه‬
‫ضّر فَإ ِلي ْ ِ‬
‫مةٍ فَ ِ‬
‫م ال ّ‬
‫م ّ‬
‫سك ُ‬
‫م إ َِذا َ‬
‫ن اللهِ ث ُ ّ‬
‫من ن ّعْ َ‬
‫كم ّ‬
‫وقال سبحانه }وَ َ‬
‫م َ‬
‫ت َ‬
‫ن{ ‪ ،‬بل أنه سبحانه سخر هذا الكون السفلي وما فيه من مخلوقات‬
‫جأُرو َ‬
‫َ ْ‬
‫لتكون فداء لغراض هذا النسان ليحقق الغاية من إيجاده في هذه الحياة ‪،‬‬
‫ن‬
‫خل َ ْ‬
‫ما َ‬
‫ت ال ْ ِ‬
‫ق ُ‬
‫وهي الذل والخضوع والنقياد ‪ ،‬فقد قال عز من قائل ‪} :‬وَ َ‬
‫ج ّ‬

‫‪103‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫م ال ّ‬
‫ن‬
‫س َوال ْ َ‬
‫س ّ‬
‫س إ ِّل ل ِي َعْب ُ ُ‬
‫ن{ ‪ ،‬وقال تعالى }وَ َ‬
‫ق َ‬
‫ش ْ‬
‫خر ل َك ُ ُ‬
‫م َ‬
‫لن َ‬
‫مَر َدآئ َِبي َ‬
‫دو ِ‬
‫َوا ْ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫خَر ل َ ُ‬
‫م الل ّي ْ َ‬
‫ما ِفي‬
‫س ّ‬
‫س ّ‬
‫م ت ََرْوا أ ّ‬
‫ه َ‬
‫وَ َ‬
‫كم ّ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ل َوالن َّهاَر{ وقال تعالى ‪ } :‬أل َ ْ‬
‫خَر ل َك ُ ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ة{‪.‬‬
‫ه ظاهَِرةً وََباط ِن َ ً‬
‫ماَوا ِ‬
‫ض وَأ ْ‬
‫ال ّ‬
‫م ُ‬
‫م ن ِعَ َ‬
‫سب َغَ عَلي ْك ْ‬
‫ت وَ َ‬
‫س َ‬
‫ما ِفي الْر ِ‬
‫فالنسان يصبح ويمسي فهو َينعم بنعمه سبحانه ‪ :‬نعمة الهداية ‪ ،‬وكمال‬
‫العقل ‪ ،‬ورغد في العيش ‪ ،‬وأمن في الوطان و‪ ....‬قال ‪ " : ‬من أصبح‬
‫ً‬
‫ى في جسده عنده قوت يومه فكأنما حيزت له‬
‫منكم آمنا في سربه معاف ً‬
‫الدنيا "‪.‬‬
‫ن بها الرب‬
‫فلقمة العيش التي َيسد بها النسان رمقه من أعظم النعم التي َ‬
‫م ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ب هَ َ‬
‫من‬
‫ت * ال ّ ِ‬
‫ذا ال ْب َي ْ ِ‬
‫دوا َر ّ‬
‫على أهل مكة ؛ قال سبحانه ‪} :‬فَل ْي َعْب ُ ُ‬
‫مُهم ّ‬
‫ذي أطعَ َ‬
‫ف{ ‪.‬‬
‫ن َ‬
‫خو ْ ٍ‬
‫ُ‬
‫من َُهم ّ‬
‫جوٍع َوآ َ‬
‫م ْ‬
‫ومن نعمه سبحانه على أهل هذه المنطقة توفر العيش من مأكل ومشرب ‪،‬‬
‫من قوت ومدخر ‪ ،‬ما لذ ّ وطاب ‪ ،‬من معروف وغير معروف ‪ ،‬أصناف يعجز‬
‫حرم كثير‬
‫جبيت من جميع أقطار الرض التي ُ‬
‫المرء عن حصرها وتعدادها ‪ُ ،‬‬
‫من أهل الرض منها ‪.‬‬
‫والواجب على العبد تجاه هذه النعم شكر المنعم سبحانه ‪ ،‬فقال تعالى ‪:‬‬
‫ت الل ّهِ ِإن ُ‬
‫حلل ً ط َي ًّبا َوا ْ‬
‫} فَك ُُلوا ْ ِ‬
‫ه َ‬
‫م إ ِّياهُ‬
‫كنت ُ ْ‬
‫م َ‬
‫شك ُُروا ْ ن ِعْ َ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫ما َرَزقَك ُ ُ‬
‫م ّ‬
‫َ‬
‫م َوا ْ‬
‫ن{‪.‬‬
‫شك ُُروا ْ ِلي وَل َ ت َك ْ ُ‬
‫دو َ‬
‫ت َعْب ُ ُ‬
‫ن{ ‪ ،‬وقال تعالى ‪َ} :‬فاذ ْك ُُروِني أذ ْك ُْرك ُ ْ‬
‫فُرو ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م ل َِئن َ‬
‫م وَل َِئن‬
‫وقطع سبحانه بالمزيد مع الشكر }وَإ ِذ ْ ت َأذ ّ َ‬
‫م لِزيد َن ّك ُ ْ‬
‫شك َْرت ُ ْ‬
‫ن َرب ّك ُ ْ‬
‫ذاِبي ل َ َ‬
‫ن عَ َ‬
‫ديد ٌ { ‪.‬‬
‫كَ َ‬
‫ش ِ‬
‫م إِ ّ‬
‫فْرت ُ ْ‬
‫والشكر ينتظم من علم وحال وعمل ‪ ،‬فالعلم معرفة النعمة من المنعم ‪،‬‬
‫والحال هو الفرح الحاصل بإنعامه المتعلق باللسان بالتحميدات الدالة على‬
‫شكره سبحانه ‪ ،‬والعمل هو القيام بما هو مقصود المنعم ومحبوبه المتعلق‬
‫بالجوارح باستعمال هذه النعم في طاعته ‪ ،‬والتوقي من الستعانة بها على‬
‫معصيته ‪.‬‬
‫ً‬
‫ض المقصود منها فقد كفر‬
‫فكل من عمل في نعمه سبحانه عمل يخالف الغر َ‬
‫بهذه النعمة ‪.‬‬
‫فالحفاظ على الطعمة بأي شكل من أشكال الحفظ ؛ هو المتحتم من كل‬
‫إنسان سيما المؤمن بالله ربا ً ‪ ،‬وبمحمد نبيا ً ‪ ،‬وبالسلم دينا ً يكون فيه شكر‬
‫َ‬
‫مُنوا ْ ك ُُلوا ْ‬
‫لهذه النعم ‪ ،‬والعكس بالعكس ‪ ،‬قال الله تعالى ‪َ} :‬يا أي َّها ال ّ ِ‬
‫نآ َ‬
‫ذي َ‬
‫شك ُُروا ْ ل ِل ّهِ ِإن ُ‬
‫م َوا ْ‬
‫ن{ ‪.‬‬
‫من ط َي َّبا ِ‬
‫ِ‬
‫دو َ‬
‫م إ ِّياه ُ ت َعْب ُ ُ‬
‫كنت ُ ْ‬
‫ما َرَزقَْناك ُ ْ‬
‫ت َ‬
‫وأما الستهانة في النعم ورميها مع النفايات غاية في السراف والتبذير ‪،‬‬
‫الذي هو سمة المتغطرسين ‪ ،‬والمتكبرين ومن ل يقدر للمور قدرها ‪ ،‬قال‬
‫شَرُبوا ْ وَل َ‬
‫عند َ ك ُ ّ‬
‫جدٍ وك ُُلوا ْ َوا ْ‬
‫خ ُ‬
‫م ُ‬
‫م ِ‬
‫الله تعالى }َيا ب َِني آد َ َ‬
‫م ْ‬
‫س ِ‬
‫ل َ‬
‫ذوا ْ ِزين َت َك ُ ْ‬
‫ن{‪.‬‬
‫ه ل َ يُ ِ‬
‫ح ّ‬
‫م ْ‬
‫تُ ْ‬
‫ب ال ْ ُ‬
‫سرُِفوا ْ إ ِن ّ ُ‬
‫سرِِفي َ‬
‫كاُنوا ْ‬
‫ْ‬
‫ن َ‬
‫وأخبر سبحانه عن منزلة المبذر بقوله ‪ } :‬وَل َ ت ُب َذ ّْر ت َب ْ ِ‬
‫ذيًرا * إ ِ ّ‬
‫ن ال ُ‬
‫مب َذ ِّري َ‬
‫شي ْ َ‬
‫ن وَ َ‬
‫ن ال ّ‬
‫ن ال ّ‬
‫فوًرا{ ‪.‬‬
‫ن ل َِرب ّهِ ك َ ُ‬
‫إِ ْ‬
‫شَيا ِ‬
‫طا ُ‬
‫كا َ‬
‫وا َ‬
‫خ َ‬
‫طي ِ‬
‫ونتيجة السراف والتبذير ‪ ،‬والكفر بالنعم نتيجة سيئة للغاية ‪ :‬دمار وخراب ‪،‬‬
‫قد ْ َ‬
‫سب َإ ٍ ِفي‬
‫وتفرق وشتات ‪ ،‬نحو ما ذكره الله عن قوم سبأ ‪ } :‬ل َ َ‬
‫كا َ‬
‫ن لِ َ‬
‫م َوا ْ‬
‫ن َ‬
‫ه ب َل ْد َةٌ‬
‫م آي َ ٌ‬
‫ل ك ُُلوا ِ‬
‫ن وَ ِ‬
‫عن ي َ ِ‬
‫ة َ‬
‫م ْ‬
‫شك ُُروا ل َ ُ‬
‫ق َرب ّك ُ ْ‬
‫ش َ‬
‫سك َن ِهِ ْ‬
‫َ‬
‫ما ٍ‬
‫جن َّتا ِ‬
‫من ّرْز ِ‬
‫مي ٍ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫سي ْ َ‬
‫م‬
‫بغ ُ‬
‫ل العَرِم ِ وَب َد ّلَنا ُ‬
‫طي ّب َ ٌ‬
‫هم ب ِ َ‬
‫فوٌر * فَأعَْر ُ‬
‫ة وََر ّ‬
‫م َ‬
‫ضوا فَأْر َ‬
‫جن ّت َي ْهِ ْ‬
‫سلَنا عَلي ْهِ ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ل وَ َ‬
‫ل {‪.‬‬
‫ل َ‬
‫من ِ‬
‫م ٍ‬
‫َ‬
‫يٍء ّ‬
‫خ ْ‬
‫سد ْرٍ قِلي ٍ‬
‫ش ْ‬
‫ط وَأث ْ ٍ‬
‫ن ذ ََواَتى أك ٍ‬
‫جن ّت َي ْ ِ‬
‫والستهانة بالنعم ‪ ،‬ورميها مع النفايات طلقات من العيار الثقيل لكسر قلوب‬
‫الفقراء والمساكين ؛ فكيف هم ل يجدون ما يسدون به رمقهم ‪ ،‬وهذه النعم‬
‫ترمى مع النفايات ‪ ،‬وما يرمى من بعض البيوت قد يكفي لعائلة كاملة من‬
‫‪104‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫)‪(1 /‬‬
‫وبما أن الجميع متفقون على أن التساهل ببقايا الطعام ‪ ،‬ورميها مع النفايات‬
‫غير سائغ شرعا ً ‪ ،‬ول عقل ً نجد نسبة كبيرة من المجتمع ل ُيلقون لهذه النعم‬
‫أي اهتمام ‪ ،‬وتزيد هذه النسبة في مجتمع وتقل في مجتمع آخر ‪ ،‬وأكثر ما‬
‫تزيد في المدن الكبيرة والمتطورة ‪ ،‬والماكن التجارية التي تقدم للمجتمع‬
‫الطعام ؛ كالمطاعم ‪ ،‬والوجبات السريعة و‪.......‬وأماكن المأوى والمبيت‬
‫كالفنادق والشقق المفروشة‪.‬‬
‫فهناك دراسة على نفايات مستوى دول الخليج مفادها أن نسبة الطعمة من‬
‫نفايات هذه الدول )‪ (040/0‬من مجموع هذه النفايات ‪.‬‬
‫وهذا التساهل نجده يقع وللسف الشديد ممن عليهم سمات الخير والصلح ‪،‬‬
‫وإنه ليحزنك حينما تأتي لحد الصالحين في بيته تجد بقايا الطعام مع النفايات‬
‫‪ ،‬حتى أن روائح الطعام تفوح من مكان النفايات ‪ ،‬وعندها بعض الحيوانات‬
‫قريبة من مكان النفايات ‪.‬‬
‫وتواجد بعض الحيوانات داخل الحياء تسرح وتمرح قريبة من المنازل ظاهرة‬
‫غير حضارية ‪ ،‬ول صحية ‪ ،‬وغير لئقة بالمجتمعات المتقدمة ‪ ،‬وهذه من‬
‫النتائج السلبية لرمي هذه الطعمة مع النفايات ‪.‬‬
‫وشكر النعمة ‪ ،‬والحفاظ عليها مسؤولية الجميع كل بحسبه ‪ :‬فالب داخل‬
‫البيت ‪ ،‬ومن تجارتهم قائمة على تقديم الطعام للناس ‪ ،‬كالمطابخ ‪،‬‬
‫والمطاعم ‪ ،‬والوجبات الخفيفة على نطاق متجرهم ‪ ،‬وكذا أصحاب محلت‬
‫الخضرة و الفواكه ‪.‬‬
‫وأصحاب الفنادق ‪ ،‬والشقق المفروشة ليسو بمنأى عن مسؤولية ما يرمى‬
‫مع نفايات منتجعاتهم من الطعمة ‪.‬‬
‫والقائمون على محاضن التربية والتعليم على كاهلهم مسؤولية عظيمة تجاه‬
‫ما يرمى من الطعمة من بعض المدارس ؛ فإن هناك للسف الشديد كثير‬
‫من المدارس ل يهتمون بما يبقى من الطعام من الطلب ‪ ،‬فترمى مع‬
‫النفايات ‪.‬‬
‫فالمانات والبلديات على قمة هرم المسؤولية فليأخذ هذا الموضوع حيزا ً‬
‫كبيرا ً من اهتماماتهم وشؤونهم ليجد حلول ً مجدية كغيره من الموضوعات‬
‫الشائكة التي تم علجها لما لقيت الصدق والجد ‪ ،‬وعلج ظاهرة رمي‬
‫الطعمة مع النفايات لن يجد صعوبة تذكر إذا صدق القائمون على المانات‬
‫والبلديات في تلفي هذه الظاهرة ‪ ،‬وهذا هو المؤمل منهم ‪.‬‬
‫ً‬
‫وأما جمعيات البر والمستودعات الخيرية فقد قطعوا مشوارا يشكرون عليه‬
‫في هذا المضمار مع قلة يد العون فلهم جهود في جمع ما بقي من ولئم‬
‫الفراح و المناسبات ‪ ،‬وبقايا الخبز ؛ إل أن الناس ما زالوا يطمعون في‬
‫توسيع هذا المشروع حتى يشمل بقية الطعام ‪ ،‬والمحافظات والقرى ؛ حتى‬
‫يساهموا في إعانة الناس على تقدير هذه النعم ‪.‬‬
‫ونشاطر الرأي أن مثل هذا المشروع ُيعد أهم من بعض العمال التي تقدمها‬
‫هذه الجمعيات ‪ ،‬وفي كل خير ‪.‬‬
‫وإنه لمحزن حقا ً أن بقايا الطعام بهذه النسبة العالية )‪ (040/0‬من مجموع‬
‫نفايات منطقة أهل الخليج ل يمكن الستفادة منه اقتصاديا ً فهناك كبريات‬
‫الشركات في أوربا والوليات المتحدة قائمة على الستفادة من بقايا‬
‫الطعمة بدل ً من أن ترمى مع النفايات يتم تحويلها إلى أعلف للحيوانات‬
‫وأسمدة عالية الجودة ‪.‬‬

‫‪105‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫مع أن المسلمين أجدر وأحق بهذا التصرف الحميد ‪ ،‬فنهيب أصحاب رؤوس‬
‫الموال من أهل هذه المنطقة إلى المسارعة إلى مثل هذا العمل مع التعاون‬
‫مع المانات والبلديات ولن يتوانوا في ذلك بل يستبشرون ويسارعون في‬
‫تقديم ما يستطيعونه في هذا العمل الخيري الحضاري ‪ .‬وسيجمع الله لهم‬
‫بين الحسنتين ‪ :‬فتح لهم في دنياهم ‪ ،‬وأجر مدخر لهم في أخراهم متى ما‬
‫جمعوا بين الصدق والخلص ‪.‬‬
‫وسائل وطرق في الحفاظ على هذه النعم ‪:‬‬
‫‪1‬ـ التوسط في المأكل والمشرب بل إسراف يؤدي إلى التخمة والمراض ‪،‬‬
‫ول يقصر فيضر بصحته أخ ً‬
‫ذا بوصية الحبيب صلى الله عليه وسلم ‪ " :‬ما مل‬
‫ابن آدم وعاء شرا ً من بطنه بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه ‪ ،‬فإن كان ل‬
‫محالة فثلث لطعامه ‪ ،‬وثلث لشرابه ‪ ،‬وثلث لنفسه " ‪.‬‬
‫وعند الخذ بهذه الوصية فلن يحتاج النسان إلى رمي ما بقي من الطعام ‪.‬‬
‫‪2‬ـ عزل ما يمكن أن تكون الفائدة منه كبيرة مثل بقايا الخبز عن بقية بقايا‬
‫الطعام ‪ .‬ومن ثم تعطى من يستقبلها نحو الجمعيات والمستودعات الخيرية ‪.‬‬
‫‪3‬ـ البعد عن إطالة تخزين بقايا الطعام كأن تجلس يومين فأكثر ومن ثم ينتج‬
‫عنه روائح فيريد النسان أن يتخلص من هذه الروائح فيلجأ إلى رميها مع‬
‫النفايات ‪.‬‬
‫‪4‬ـ فصل أماكن بقايا الطعام عن أماكن بقايا النفايات داخل المنزل ‪ .‬وعلى‬
‫أصحاب الفنادق ‪ ،‬والشقق المفروشة تقديم خدمات للنزلء بهذا الخصوص‬
‫كأن يكون هناك حاويات ‪ ،‬وأكياس مميزة ببقايا الطعمة فهي خدمة أولى‬
‫وأفضل بل شك من كثير من الخدمات التي تقدم لنزلء هذه الماكن ‪.‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫‪5‬ـ مما يعين على الستفادة من بقايا الطعام أن أصحاب المواشي يستقبلون‬
‫هذه الطعمة ‪ ،‬ول يمانعون من ذلك فيتحرى النسان عن هذه المواشي ‪،‬‬
‫وقد يجد من يكون من أهل الحي الذي يقطن فيه عنده مواشي فيستقبل‬
‫هذه الطعمة لسيما التي ليس لها روائح ‪ ،‬وقد يكون أحد أهل الحي خصص‬
‫سيارة لبقايا الطعمة ‪ .‬بل قد يتعدى إحسانه إلى أبعد من ذلك فتجده يمر‬
‫على الطعمة التي وضعها أصحاب البيوت عند أبوابهم وخاصة جيرانه‬
‫القربين فجزاء الله خيرا ً من كان هذا صنيعه ـ ‪.‬‬
‫أو أن هناك مواشي قريبة من بعض الحياء في بعض المدن يستقبل أهلها‬
‫هذه الطعمة فما عليك أخي إل أن تمشي خطوات معدودة احتراما ً لهذه‬
‫النعم ‪.‬‬
‫‪6‬ـ بما أن كثيرا ً من المدن ل يبعد عنها البر مسافة تذكر فما عليك أخي إلى‬
‫أن تحتسب الجر عند الله فتذهب بهذه الطعمة إلى هذا البر ‪ ،‬ومن ثم قد‬
‫تأتي حيوانات تأكل هذه الطعمة فتظفر بأجرين من رحمته سبحانه ـ إن شاء‬
‫الله ـ ‪ :‬أجر لحترام هذه النعم ‪ ،‬وأجر إطعام هذه الحيوانات ‪ ،‬وفضل الله‬
‫يؤتيه من يشاء ‪.‬‬
‫مع التنبه لخول هذه الطعمة مما يضر بالحيوانات كقطع الحديد والزجاج ‪.‬‬
‫وصلى وسلم على المبعوث رحمة للعالمين ‪ ،‬وعلى آله وصحبه أجمعين ‪،‬‬
‫ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ‪.‬‬
‫إعداد‬

‫‪106‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫أ ‪ /‬إبراهيم بن محمد بن سليمان السعوي‬
‫القصيم ـ بريدة‬
‫)‪(3 /‬‬
‫نعيم الجنة وعذاب النار‬
‫للشيخ ‪ /‬محمد صالح المنجد‬
‫عناصر الدرس‪:‬‬
‫• ‪ ...‬هل يجوز الشهادة لمعين بالنار‬
‫• ‪ ...‬أناس وردت تسميتهم من أهل النار‬
‫• ‪ ...‬أسباب الخلود في النار‬
‫• ‪ ...‬مصير أعمال الكفار الصالحة‬
‫• ‪ ...‬حال الموحدين من أهل الكبائر في النار‬
‫• ‪ ...‬عذاب العصاة من غير المشركين و الكفار‬
‫• ‪ ...‬شفاعة المؤمنين‬
‫• ‪ ...‬إخراج الله لناس من النار بقبضته‬
‫• ‪ ...‬أسوأ الناس عذابا ً الذين يدعون إلى النار‬
‫• ‪ ...‬حفت النار بالشهوات‬
‫• ‪ ...‬أسباب الوقاية من النار‬
‫• ‪ ...‬تجنب أشياء توصل إلى النار‬
‫• ‪ ...‬فعل أعمال صالحة للتقاء من النار‬
‫• ‪ ...‬المواضع التي يسن فيها الستعاذة من النار‬
‫• ‪ ...‬حال من يخشى عقاب الله‬
‫)المقدمة(‪:‬‬
‫الحمد لله رب العالمين‪ ،‬وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه‬
‫أجمعين‪.‬‬
‫وبعد‪:‬‬
‫ن العذاب‬
‫فقد تقدم في الدرس الماضي في عذاب النار ‪-‬نعوذ بالله منه‪ -‬أ ّ‬
‫حسي ومعنوي‪ ،‬جسدي ونفسي‪ ،‬وأن الستهزاء والحتقار والزدراء مع الحرق‬
‫ن الخزي والتشهير والفضيحة‪ ،‬وسواد الوجه‪ ،‬وأن الله ل‬
‫والضرب والسحب أ ّ‬
‫ينظر إليهم‪ ،‬ول يستجيب دعائهم‪ ،‬وينساهم‪ ،‬يتركهم في العذاب ويتخلى‬
‫عنهم‪ ،‬وتبرؤ بعضهم من بعض‪ ،‬ولعن بعضهم بعضًا‪ ،‬وعدم استفادتهم من‬
‫اشتراكهم في العذاب‪ ،‬والتنكر لمن لهم بهم علقات‪ ،‬والخسارة التي خسروا‬
‫ب‬
‫بها أنفسهم وأهليهم‪ ،‬وانقلب الصداقات إلى عداوات في النار‪ ،‬وكذلك الس ّ‬
‫والشتم من بعضهم لبعض‪ ،‬هذا كله من عذاب النار‪.‬‬
‫وعرفنا أن النار التي يدخلها الموحدون هي النار التي فيها الكفار‪ ،‬ولكن‬
‫العذاب يتفاوت‪ ،‬وجهنم دركات‪ ،‬وعذاب الكفار مؤبد‪ ،‬وعذاب عصاة الموحدين‬
‫ن كفرة الجن في النار‪ ،‬وأن هذه النار عذاب الله وانتقامه من‬
‫مؤقت‪ ،‬وأ ّ‬
‫ً‬
‫أعدائه في ذلك اليوم الذي يغضب فيه غضبا ل يغضب بعده مثله‪.‬‬
‫هل يجوز الشهادة لمعين بالنار؟‬
‫القاعدة عند أهل الحق‪ ،‬أهل السنة‪ ،‬أهل السلم والتوحيد‪ :‬أنه ل يجوز‬
‫الشهادة لمعين بالنار إل إذا جاء ذلك في الشرع؛ فمث ً‬
‫ل‪ :‬من الشخاص الذين‬
‫جاء ذكرهم بأعيانهم من أهل النار‪:‬‬
‫َ‬
‫مذ ْ ُ‬
‫حوًرا{ يعني من‬
‫إبليس‪ ،‬وهو الشيطان الرجيم‪َ} :‬قال ا ْ‬
‫ج ِ‬
‫مد ْ ُ‬
‫خُر ْ‬
‫ما ّ‬
‫ؤو ً‬
‫من َْها َ‬
‫‪107‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ك منهم ل َملن جهنم منك ُ َ‬
‫ن{ ]سورة العراف)‪.[(18‬‬
‫مأ ْ‬
‫ج َ‬
‫من ت َب ِعَ َ ِ ْ ُ ْ ْ ّ َ َ ّ َ ِ ْ‬
‫الجنة‪} :‬ل ّ َ‬
‫مِعي َ‬
‫َ‬
‫وفرعون وقومه‪} :‬ي َ ْ‬
‫م ال ْ ِ‬
‫س ال ْوِْرد ُ‬
‫ه ي َوْ َ‬
‫قد ُ ُ‬
‫مةِ فَأوَْرد َهُ ُ‬
‫قَيا َ‬
‫م ُ‬
‫م قَوْ َ‬
‫م الّناَر وَب ِئ ْ َ‬
‫موُْروُد{ ]سورة هود)‪.[(98‬‬
‫ال ْ َ‬
‫وزوجتا نوح ولوط‪} :‬وَِقي َ‬
‫ن{ ]سورة التحريم)‪.[(10‬‬
‫ل اد ْ ُ‬
‫دا ِ‬
‫معَ ال ّ‬
‫خَل الّناَر َ‬
‫خِلي َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ه{ ]سورة التوبة)‪.[(114‬‬
‫ه عَد ُوّ ل ِل ّهِ ت َب َّرأ ِ‬
‫من ْ ُ‬
‫ه أن ّ ُ‬
‫ن لَ ُ‬
‫وآزر أبو إبراهيم‪} :‬فَل َ ّ‬
‫ما ت َب َي ّ َ‬
‫عمير وسعيد بن جبير‪ :‬إنه يتبرأ منه في يوم القيامة حين يلقاه‪.‬‬
‫عبيد بن ُ‬
‫قال ُ‬
‫وقد روى البخاري ‪-‬رحمه الله تعالى‪ -‬في صحيحه عن النبي ‪-‬صلى الله عليه‬
‫وسلم‪ -‬أنه قال‪َ) :‬يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة‬
‫وغبرة‪ ،‬فيقول له إبراهيم‪ :‬ألم أقل لك ل تعصني؟ فيقول أبوه‪ :‬فاليوم ل‬
‫أعصيك‪ ،‬فيقول إبراهيم‪ :‬يا رب إنك وعدتني أن ل تخزيني يوم يبعثون‪ ،‬فأي‬
‫ي أخزى من أب البعد؟‪ .‬فيقول الله ‪-‬تعالى‪ :-‬إني حرمت الجنة على‬
‫خز ٍ‬
‫الكافرين‪ ،‬ثم يقال‪ :‬يا إبراهيم ما تحت رجليك؟ فينظر فإذا هو بذيٍخ( ‪-‬يعني‬
‫ضبع‪) -‬ملتطٍخ( يعني قذرٍ متسخ‪) ،‬فيؤخذ بقوائمه فُيلقى في النار(‪] .1‬رواه‬
‫البخاري[‪ .‬والذيخ ذكر الضباع ل يقال له ذلك إل إذا كان كثير ال ّ‬
‫شعر‪ ،‬ملتطخ‬
‫في رجيع أو دم ٍ أو طين‪.‬‬
‫مسخ الله آزر على هيئة هذا الحيوان البغيض الكريه‪ ،‬قال العلماء‪ :‬الحكمة‬
‫من ذلك‪ ،‬الحكمة في مسخه لتنفر نفس إبراهيم منه‪ ،‬ولئل يبقى في النار‬
‫على صورته الدمية فيكون فيه غضاضة على إبراهيم‪.‬‬
‫وفي الضبع حمق‪ ،‬وآزر من أحمق البشر؛ لنه رأى اليات البينات ولم يؤمن‪.‬‬
‫ومن الناس الذين وردت تسميتهم من أهل النار‪:‬‬
‫ت‬
‫عمرو بن لحي الخزاعي‪ ،‬الذي قال فيه النبي‪ -‬صلى الله عليه وسلم‪) :-‬رأي ُ‬
‫عمرو بن عامر بن ُلحي الخزاعي يجر قصبه( يعني أمعاءه )في النار‪ .‬وكان‬
‫أول من سّيب السوائب(‪] .2‬رواه البخاري ومسلم[‪.‬‬
‫هذا رجل عاش في الجاهلية قبل بعثة النبي ‪-‬عليه الصلة والسلم‪ -‬افتعل‬
‫أمرا ً منكرًا؛ لنه قام بتغيير دين إبراهيم الخليل‪ ،‬وكانت له رحلة إلى الشام‪،‬‬
‫وكان بها يومئذ ٍ العماليق‪ ،‬وهم عباد الصنام‪ ،‬فلما رائهم يعبدونها استوهبهم‬
‫هبل‪ ،‬فجاء به إلى جزيرة العرب‪ ،‬ونصبه عند الكعبة‪ ،‬ودعا‬
‫واحدا ً منها‪ ،‬وهو ُ‬
‫الناس إلى عبادته‪.‬‬
‫َ‬
‫جَر بامرأة‪ ،‬يقال لها‪ :‬نائلة في الكعبة‬
‫وقيل‪ :‬إن رجل ً إن اسمه إساف ف َ‬
‫فمسخهم الله حجرين‪ ،‬فأخذهما عمرو بن ُلحي‪ ،‬فنصبهما حول الكعبة‪ ،‬فصار‬
‫من يطوف يتمسح بهما ‪ .3‬هذا أول من سّيب السوائب عمرو بن لحي‪.‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫والسوائب من بهيمة النعام ينذر الواحد مثل ً بعيره أو ناقته للصنم‪ ،‬فل تحبس‬
‫عن مرعى ول عن ماء ول تركب‪ ،‬تسيب هكذا‪ ،‬ول ينتفع منها بشيء‪ ،‬تقربا ً‬
‫إلى الصنم بزعمهم‪ ،‬من الذي عملهم هذا؟ عمرو بن لحي الخزاعي‪ .‬أول من‬
‫غير ملة إبراهيم في جزيرة العرب‪ ،‬ولذلك كان من أهل النار‪.‬‬
‫ورد في بعض الحاديث‪ :‬قارون وهامان وأبي بن خلف‪ ،‬وهو الحديث المشهور‬
‫المرفوع إلى النبي ‪-‬عليه الصلة والسلم‪ -‬أّنه ذكر الصلة يوما ً فقال‪) :‬من‬
‫حافظ عليها كانت له نورا ً وبرهانا ً ونجاةً يوم القيامة‪ ،‬ومن لم يحافظ عليها لم‬
‫يكن له نور ول برهان ول نجاة وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان‬
‫وأبي بن خلف( ‪ .4‬وهذا الحديث لهل العلم كلم في تصحيحه وتضعيفه حتى‬
‫من المعاصرين كالشيخ اللباني‪-‬رحمه الله‪ -‬ضّعفه في الترغيب والترهيب‪،‬‬

‫‪108‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وكتب أخرى‪ ،‬وحسنه في الثمر المستطاب‪ ،‬وفقه السنة والكتاب‪ ،‬ومشكاة‬
‫المصابيح‪.‬‬
‫على أية حال حديث مشهور معروف فيه أسماء هؤلء الثلثة‪ :‬قارون وهامان‬
‫وأبي بن خلف أنهم من أهل النار‪.‬‬
‫قارون الذي اغتر بماله وكفر بالله‪ .‬فرعون الذي نازع الله في ربوبيته‪.‬‬
‫جمحي الذي آذى‬
‫وهامان وزيره ومعينه على الظلم والشر‪ .‬وأبي بن خلف ال ُ‬
‫النبي ‪-‬عليه الصلة والسلم‪ -‬حتى أنه عليه الصلة والسلم قصده فقتله بيده‪،‬‬
‫ولم يقتل شخصا ً غيره بيده ‪.5‬‬
‫)وكذلك( الوليد بن المغيرة ممن ثبت أنهم من أهل النار في كتاب الله‬
‫مالً‬
‫خل َ ْ‬
‫ن َ‬
‫ت وَ ِ‬
‫دا* وَ َ‬
‫حي ً‬
‫ه َ‬
‫ت لَ ُ‬
‫جعَل ْ ُ‬
‫ق ُ‬
‫تعالى‪ ،-‬فإن الله ‪-‬عز وجل‪ -‬قال‪} :‬ذ َْرِني وَ َ‬
‫م ْ‬
‫ُ‬
‫قَر{ ]سورة المدثر )‪ .[(26-11‬قال ابن كثير‪" :‬وهذا‬
‫س َ‬
‫م ُ‬
‫صِليهِ َ‬
‫دوًدا * ‪َ ...‬‬
‫م ْ‬
‫ّ‬
‫سأ ْ‬
‫المذكور في هذا السياق هو الوليد بن المغيرة المخزومي أحد رؤساء قريش"‬
‫ما قرأ ‪-‬عليه الصلة والسلم‪ -‬القرآن بدأ يلين‪ ،‬فجاء أبو جهل‬
‫‪ .6‬هذا الذي ل ّ‬
‫ً‬
‫قال‪ :‬قريش تريد أن تجمع لك مال‪ ،‬لماذا؟ قال‪ :‬يعطونكه‪ ،‬يتصدقون عليك‪،‬‬
‫قال‪ :‬قد علمت قريش أني أكثرها ما ً‬
‫ل!‪ .‬فقال‪ :‬إنهم علموا أنك تطلب المال‪،‬‬
‫فقال له كلما ً معناه‪ :‬إّنه علموا أنك أعجبت بمحمد‪ ،‬وأنك تعرضت له تطلب‬
‫منه شيئًا‪ ،‬استفّزه‪ ،‬فعند ذلك قال‪ :‬والله ما يشبه الذي يقوله شيئا ً من ذلك‪،‬‬
‫يعني من الشعار ول من كلم الجن‪ ،‬والله إن لقوله الذي يقول لحلوة‪ ،‬وإنه‬
‫ليحطم ما تحته‪ ،‬وإنه ليعلو وما يعلى‪ ،‬وقال‪ :‬والله ل يرضى قومك حتى تقول‬
‫فيه‪ ،‬أبو جهل يقول له‪ ،‬قال‪ :‬فدعني حتى أفكر‪ ،‬فلما ف ّ‬
‫ن هَ َ‬
‫ذا إ ِّل‬
‫كر قال‪} :‬إ ِ ْ‬
‫حٌر ي ُؤْث َُر{ ]سورة المدثر )‪ .[(24‬يعني إذا ما كان من قول الشعراء‪ ،‬ول من‬
‫ِ‬
‫س ْ‬
‫قول الجن‪ ،‬فما هو؟! ف ّ‬
‫ن‬
‫كر ودّبر وعبس‪ ،‬وبسر‪ ،‬أدبر‪ ،‬واستكبر‪ ،‬وقال‪} :‬إ ِ ْ‬
‫هَ َ‬
‫حٌر ي ُؤْث َُر{‪..‬‬
‫ذا إ ِّل ِ‬
‫س ْ‬
‫ت‬
‫ممن ورد عليهم النص أنهم في النار‪ :‬أبو لهب وزوجته؛ كما قال تعالى‪} :‬ت َب ّ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ب*‬
‫س َ‬
‫ب وَت َ ّ‬
‫يَ َ‬
‫ب* َ‬
‫ما ك َ َ‬
‫صَلى َناًرا َذا َ‬
‫ه وَ َ‬
‫مال ُ ُ‬
‫ه َ‬
‫ما أغَْنى عَن ْ ُ‬
‫ب* َ‬
‫ت ل َهَ ٍ‬
‫سي َ ْ‬
‫دا أِبي ل َهَ ٍ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫حب ْ ٌ‬
‫د{ ]سورة المسد)‪.[(5-1‬‬
‫جيدِ َ‬
‫مال َ‬
‫س ٍ‬
‫ها َ‬
‫ة ال َ‬
‫ه َ‬
‫م َ‬
‫من ّ‬
‫ل ّ‬
‫ب* ِفي ِ‬
‫ح ّ‬
‫مَرأت ُ ُ‬
‫َوا ْ‬
‫حط ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ب{ أم جميل‪:‬‬
‫مال َ‬
‫ة ال َ‬
‫ه َ‬
‫ح ّ‬
‫مَرأت ُ ُ‬
‫}تبت يدا{ خسرت وخابت‪ ،‬وظل سعيه؛ }َوا ْ‬
‫حط ِ‬
‫أروى بنت حرب بن أميه أخت أبي سفيان‪ ،‬كانت من سادات نساء قريش‬
‫لكن ذلك ما نفعها عند الله؛ لنها كانت عونا ً لزوجها على كفره‪ ،‬وجحوده‪،‬‬
‫وعلى إيذاء المؤمنين‪ ،‬فهي في النار حمالة حطب‪ ،‬تأخذ حطب من النار‬
‫وتلقيه على زوجها‪ ،‬ليزداد فيه ما فيه من العذاب‪ ،‬وتعذب معه أيضًا‪ِ} :‬في‬
‫ها{ وعنقها حبل من النار‪.‬‬
‫جيدِ َ‬
‫ِ‬
‫ممن ورد عليهم النص أنهم في النار‪ :‬أبو طالب؛ كما قال عليه الصلة‬
‫والسلم‪) :‬هو في ضحضاح من نار‪ ،‬ولول أنا لكان في الدرك السفل من‬
‫النار(‪] .7‬رواه البخاري ومسلم[‪ .‬وقد تقدم ذلك‪.‬‬
‫ب‬
‫وجاء في الصحيحين أ ّ‬
‫ن النبي ‪-‬عليه الصلة والسلم‪ -‬لما حضرت أبا طال ٍ‬
‫الوفاة جاءه‪ ،‬فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫ة أحاج لك بها عند الله‪ ،‬فقال أبو جهل وعبد‬
‫)أي عم قل‪ :‬ل إله إل الله كلم ً‬
‫الله بن أبي أمية‪ :‬أترغب عن ملة عبد المطلب؟!( تموت على غير ملة‬
‫أبيك؟!‪ .‬هذا قرناء السوء‪ ،‬هذه حالهم‪ ،‬عند الموت يثبتونه على الكفر‪ ،‬فلم‬
‫يزل رسول الله ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬يعرضها عليه ويعيدانه‪ ،‬يعيدان‬
‫كلمهما بتلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم‪ :‬على ملة عبد‬
‫المطلب‪ ،‬ومات‪ ،‬وأبى أن يقول‪ :‬ل إله إل الله‪ .‬قال رسول الله ‪-‬صلى الله‬
‫ما َ‬
‫ن‬
‫كا َ‬
‫عليه وسلم‪) :-‬والله لستغفر ّ‬
‫ن لك ما لم أنه عنك(‪ .‬فأنزل الله‪َ } :‬‬
‫‪109‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ُ‬
‫َ‬
‫ن وَل َوْ َ‬
‫م ْ‬
‫ما‬
‫كاُنوا ْ أوِْلي قُْرَبى ِ‬
‫شرِ ِ‬
‫ست َغْ ِ‬
‫ي َوال ّ ِ‬
‫مُنوا ْ أن ي َ ْ‬
‫من ب َعْد ِ َ‬
‫فُروا ْ ل ِل ْ ُ‬
‫نآ َ‬
‫كي َ‬
‫ذي َ‬
‫ِللن ّب ِ ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫م{‪] .8‬سورة التوبة)‪.[(113‬‬
‫ج ِ‬
‫ب ال َ‬
‫حا ُ‬
‫ص َ‬
‫م أن ّهُ ْ‬
‫ن لهُ ْ‬
‫مأ ْ‬
‫ت َب َي ّ َ‬
‫حي ِ‬
‫مه‪ ،‬من أقرب الناس إليه‪ ،‬ودافع عنه‪ ،‬لكن ما نجاه ذلك؛ لن التوحيد‬
‫هذا ع ّ‬
‫هو الصل‪ ،‬ما في توحيد ما في نجاة من النار‪.‬‬
‫ُ‬
‫ك أو كفرٍ أكبر عملوه وإنما‬
‫ذكر آخرون من أهل النار لكن ليس في سياق شر ٍ‬
‫في كبائر اقترفوها؛ فمث ً‬
‫ل‪:‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫المرأة التي عذبت الهرة‪ ،‬قال عليه الصلة والسلم‪ُ ) :‬‬
‫عذبت امرأة في هرةٍ‬
‫سجنتها حتى ماتت‪ ،‬فدخلت فيها النار‪ ،‬ل هي أطعمتها ول سقتها إذ حبستها‪،‬‬
‫ول هي تركتها تأكل من خشاش الرض(‪] .9‬الحديث رواه مسلم[‪.‬‬
‫منهم كذلك‪ :‬سارق الحجيج‪ ،‬وسارق بدنتي النبي ‪-‬عليه الصلة والسلم‪ ،-‬وقد‬
‫ن النبي ‪-‬عليه الصلة‬
‫جاء في حديث عبد الله بن عمرو في الكسوف أ ّ‬
‫ت يدي تناولت من قطوفها‪،‬‬
‫ي الجنة حتى لو مدد ُ‬
‫والسلم‪ -‬قال‪) :‬عرضت عل ّ‬
‫ي النار فجعلت أنفخ خشية أن يغشاكم حّرها‪ ،‬ورأيت فيها سارق‬
‫وعرضت عل ّ‬
‫بدنتي رسول الله ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ ،-‬ورأيت فيها أخا بني ُدعدع سارق‬
‫الحجيج(‪ .‬ماذا كان يفعل؟ عنده عصا مثل الع ّ‬
‫كاز‪ ،‬محجن‪ ،‬يمشي بها مع‬
‫الطائفين ويتعمد إدخال طرفها في متاع الحاج‪ ،‬ويمضي في الزحام‪ ،‬فإن لم‬
‫ينتبه له مضى به‪ ،‬وإن انتبه له قال‪ :‬إنما تعلق بمحجني‪ ،‬قال عليه الصلة‬
‫والسلم‪) :‬فإذا ُفطن له قال هذا عمل المحجن(‪ .10‬هذا سارق الحجيج رائه‬
‫في النار‪ .‬فهذه العصابات المنتشرة في الحج والعمرة وي ٌ‬
‫ل لهم من النار‪.‬‬
‫]والحديث رواه النسائي وهو حديث صحيح[‪.‬‬
‫كر َ‬
‫كرة أو َ‬
‫وكذلك‪َ :‬‬
‫كرة‪ ،‬كما ذكروا في ضبط اسمه سارق وغال‬
‫كر ِ‬
‫كرة أو ِ‬
‫كر ِ‬
‫للعباءة من المغانم‪ ،‬بعد الجهاد‪ ،‬اشترك في الجهاد؛ فعن عبد الله بن عمرو‬
‫رضي الله عنهما‪ -‬قال‪ :‬كان على ثقل النبي ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬رجل‬‫يقال له‪ :‬كركرة فمات‪ ،‬فقال رسول الله ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪) :-‬هو في‬
‫النار(‪ ،‬فذهبوا ينظرون إليه فوجدوا عباءة ً قد غّلها ‪] .11‬رواه البخاري[‪ .‬سرق‬
‫عباءة من المغانم قبل أن تقسم فراح في النار‪.‬‬
‫قال ابن حجر ‪-‬رحمه الله‪" :-‬يعذب على معصيته‪ ،‬أو المراد هو في النار إن‬
‫لم يعف الله عنه"‪.12‬‬
‫ذكر الرسول ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬أيضا ً رجل ً قتل نفسه‪ ،‬انتحر‪ ،‬وحديثه عن‬
‫ن رسول الله ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬التقى هو‬
‫سهل بن سعد الساعدي أ ّ‬
‫والمشركون فاقتتلوا‪ ،‬فلما مال رسول الله ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬إلى‬
‫عسكره‪ ،‬ومال الخرون إلى عسكرهم‪ ،‬وفي أصحاب رسول الله ‪-‬صلى الله‬
‫عليه وسلم‪ -‬رجل‪ .‬يعني من شجاعته‪ ،‬من قوته‪ ،‬من بلئه العظيم‪ ،‬ل يدع لهم‬
‫يعني للكفار شاذة ً إل اتبعها يضربها بسيفه‪ ،‬فقالوا أي قال المسلمون‪ :‬ما‬
‫أجزأ مّنا اليوم أحد كما أجزأ فلن‪ ،‬فقال رسول الله ‪ -‬صلى الله عليه وسلم‪:-‬‬
‫)أما إّنه من أهل النار(‪ .‬طبعا ً تعجب الصحابة جدًا‪ ،‬كل هذا القتال‪ ،‬وهذه‬
‫الشجاعة‪ ،‬وهو من أهل النار؟! فقال رجل من القوم‪ :‬أنا صاحبه‪ ،‬أنا سأتكفل‬
‫أن ألزمه حتى آتيكم بخبره‪ ،‬فقال رجل من القوم‪ :‬أنا صاحبه أبدًا‪ ،‬فخرج‬
‫معه‪ ،‬كل ما وقف وقف معه‪ ،‬وإذا أسرع أسرع معه‪ ،‬قال‪ :‬فجرح الرجل جرحا ً‬
‫شديدا ً فاستعجل الموت‪ ،‬فوضع نصلتيه في الرض‪ ،‬وذبابه بين ثدييه‪ ،‬ثم‬
‫تحامل على سيفه فقتل نفسه‪ ،‬فخرج الرجل‪ ،‬أي المراقب المتبع إلى رسول‬

‫‪110‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫الله ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬يقول‪ :‬أشهد أنك رسول الله‪ ،‬قال‪) :‬وما ذاك؟(‪.‬‬
‫قال‪ :‬الرجل الذي ذكرته آنفا ً أنه من أهل النار‪ ،‬فأعظم الناس ذلك‪ .‬فقلت‪ :‬أنا‬
‫لكم به‪ ،‬فخرجت في طلبه حتى جرح جرحا ً شديدا ً فاستعجل الموت فوضع‬
‫نصلتيه في الرض وذبابه بين ثدييه ثم تحامل عليه فقتل نفسه‪ ،‬فقال رسول‬
‫ن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة‬
‫الله ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬عند ذلك‪) :‬إ ّ‬
‫فيما يبدو للناس وهو من أهل النار‪ ،‬وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما‬
‫يبدو للناس وهو من أهل الجنة(‪] .13‬رواه البخاري ومسلم واللفظ لمسلم[‪.‬‬
‫"تغييب خاتمة العبد عنه فيه حكمة لطيفة"؛ كما قال ابن حجر‪-‬رحمه الله‪:-‬‬
‫"لن لو علم كل واحد خاتمه سلفا ً فلعله ُيفضي إلى عجب من علم أنه من‬
‫أهل الجنة أو تكاسل أو تراخي عن العمل‪ ،‬وإلى أن يزداد عتوا ً وبطشا ً من‬
‫علم أنه من أهل النار ‪.14‬‬
‫لم يثبت أن صاحب هذه القصة هو قزمان كما اشتهر ذلك في السيرة‪ ،‬لكنه‬
‫رجل معين كان يعرفه الصحابة‪.‬‬
‫وأحيانا ً يتعمد الصحابة كتمان أسماء بعض الشخاص لمصالح معينة‪ ،‬ويحذفه‬
‫الراوي من القصة‪ ،‬يحذف اسمه‪.‬‬
‫ذكر لنا ربنا ‪-‬عز وجل‪ -‬أقواما ً من أهل النار‪:‬‬
‫ُ‬
‫)أو ً‬
‫خُلوا َناًرا{ ]سورة نوح)‪.[(25‬‬
‫ما َ‬
‫م أ ُغْرُِقوا فَأد ْ ِ‬
‫خ ِ‬
‫ل(‪ :‬كقوم نوح‪ِ } :‬‬
‫طيَئات ِهِ ْ‬
‫م ّ‬
‫حَياةِ الد ّن َْيا وَل َعَ َ‬
‫م عَ َ‬
‫ة‬
‫ذي َ‬
‫ب اْل ِ‬
‫ب ال ْ ِ‬
‫خَر ِ‬
‫)ثانيًا(‪ :‬وقوم عاد‪} :‬ل ّن ُ ِ‬
‫ذا ُ‬
‫ي ِفي ال ْ َ‬
‫ذا َ‬
‫قهُ ْ‬
‫خْز ِ‬
‫ن{ ]سورة فصلت)‪.[(16‬‬
‫أَ ْ‬
‫صُرو َ‬
‫خَزى وَهُ ْ‬
‫م َل ُين َ‬
‫َ‬
‫م‬
‫م ال ْ َ‬
‫)ثالثًا(‪ :‬وكذلك بنو النضير اليهود‪} :‬وَل َوَْل أن ك َت َ َ‬
‫جَلء ل َعَذ ّب َهُ ْ‬
‫ه عَل َي ْهِ ُ‬
‫ب الل ّ ُ‬
‫خَرةِ عَ َ‬
‫ب الّناِر{ ]سورة الحشر)‪.[(3‬‬
‫م ِفي اْل ِ‬
‫ذا ُ‬
‫ِفي الد ّن َْيا وَل َهُ ْ‬
‫ن كل من مات على الكفر والشرك بعد‬
‫وأهل السنة‪ ،‬أهل التوحيد يقطعون أ ّ‬
‫إقامة الحجة عليه فهو من أهل النار الخالدين فيها‪.‬‬
‫أما المخلدون في النار فجرائمهم على تنوع‪:‬‬
‫)‪(3 /‬‬
‫وأولهم‪ :‬الكفار‪ ،‬والمشركون‪ ،‬وعباد الطواغيت‪ ،‬والنداد‪ ،‬هذا أول وأعظم‬
‫ت ل ِل ْ َ‬
‫ن{ ]سورة آل‬
‫ري‬
‫سبب للخلود في النار‪َ} :‬وات ّ ُ‬
‫قوا ْ الّناَر ال ِّتي أ ُ ِ‬
‫كافِ‬
‫عد ّ ْ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫من ي ُ ْ‬
‫مأَواهُ الّناُر{‬
‫شرِك ِباللهِ ف َ‬
‫جن ّ َ‬
‫ه عَليهِ ال َ‬
‫قد ْ َ‬
‫حّر َ‬
‫ة وَ َ‬
‫م الل ُ‬
‫ه َ‬
‫عمران)‪} .[(131‬إ ِن ّ ُ‬
‫]سورة المائدة)‪ .[(72‬وقال عليه الصلة والسلم‪) :‬من مات وهو يدعو لله‬
‫ندا ً دخل النار(‪] .15‬رواه البخاري[‪ .‬والّند هو المثل‪.‬‬
‫ويدخل في هذا الشرك الكبر الموجب للخلود في النار‪ :‬دعاء الموات‬
‫ضّر َ‬
‫فعُ َ‬
‫ك‬
‫ما ل َ َين َ‬
‫والستغاثة بهم من دون الله‪} :‬وَل َ ت َد ْع ُ ِ‬
‫ك وَل َ ي َ ُ‬
‫ن الل ّهِ َ‬
‫من ُدو ِ‬
‫ن ال ّ‬
‫ت فَإ ِن ّ َ‬
‫ن{ ]سورة يونس )‪ .[(106‬الكفار الذين قالوا‬
‫ظال ِ ِ‬
‫ك إ ًِذا ّ‬
‫فَِإن فَعَل ْ َ‬
‫مي َ‬
‫م َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫فى{‬
‫قّرُبوَنا إ ِلى اللهِ ُزل َ‬
‫م إ ِل ل ِي ُ َ‬
‫ما ن َعْب ُد ُهُ ْ‬
‫المشركون عللوا عملهم هذا بقولهم‪َ } :‬‬
‫]سورة الزمر)‪ .[(3‬فمن أثبت وسائط بين الله وبين خلقه؛ كما قال شيخ‬
‫السلم ابن تيمية‪" :‬كالوسائط التي تكون بين الملوك والرعية فهو مشرك‪،‬‬
‫بل هذا دين المشركين عباد الوثان كانوا يقولون إنها تماثيل النبياء‬
‫والصالحين‪ ،‬وأنها وسائل يتقربون بها إلى الله‪ ،‬وهو من الشرك الذي أنكره‬
‫الله على النصارى"‪.16‬‬
‫ً‬
‫من أسباب الخلود في النار أيضا‪ :‬التكذيب بالبعث والنشور‪ ،‬ويوم القيامة‪،‬‬
‫َ‬
‫قال تعالى‪} :‬ب َ ْ‬
‫سِعيًرا{ ]سورة‬
‫من ك َذ ّ َ‬
‫ساعَةِ َ‬
‫ب ِبال ّ‬
‫ل ك َذ ُّبوا ِبال ّ‬
‫ساعَةِ وَأعْت َد َْنا ل ِ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م أئ ِ َ‬
‫ذا كّنا ت َُراًبا أئ ِّنا‬
‫ج ٌ‬
‫ب فعَ َ‬
‫ج ْ‬
‫الفرقان)‪ .[(11‬وقال عز وجل‪} :‬وَِإن ت َعْ َ‬
‫ب قوْلهُ ْ‬
‫‪111‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫َ‬
‫في َ ْ‬
‫م وَأ ُوْل َئ ِ َ‬
‫م وَأ ُوْل َئ ِ َ‬
‫ديد ٍ أ ُوْل َئ ِ َ‬
‫ك ال َغْل َ ُ‬
‫ك‬
‫ن كَ َ‬
‫ك ال ّ ِ‬
‫ج ِ‬
‫لَ ِ‬
‫ق َ‬
‫ل ِفي أعَْناقِهِ ْ‬
‫فُروا ْ ب َِرب ّهِ ْ‬
‫ذي َ‬
‫خل ٍ‬
‫َ‬
‫ن{ ]سورة الرعد)‪.[(5‬‬
‫م ِفيَها َ‬
‫خاِلدو َ‬
‫حا ُ‬
‫ص َ‬
‫ب الّنارِ هُ ْ‬
‫أ ْ‬
‫ما‬
‫من السباب للخلود في النار‪ :‬التكذيب بآيات الله‪} :‬ال ّ ِ‬
‫ب وَب ِ َ‬
‫ن ك َذ ُّبوا ِبال ْك َِتا ِ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫س ُ‬
‫ن * إ ِذِ اْل َغَْل ُ‬
‫ل‬
‫سو ْ َ‬
‫سَل ِ‬
‫مو َ‬
‫م َوال ّ‬
‫سل ََنا فَ َ‬
‫سل َْنا ب ِهِ ُر ُ‬
‫أْر َ‬
‫ل ِفي أعَْناقِهِ ْ‬
‫ف ي َعْل َ ُ‬
‫ن{ ]سورة غافر)‪) (71) (70‬‬
‫ح ِ‬
‫جُرو َ‬
‫س َ‬
‫ن * ِفي ال ْ َ‬
‫حُبو َ‬
‫س َ‬
‫م ِفي الّنارِ ي ُ ْ‬
‫يُ ْ‬
‫ميم ِ ث ُ ّ‬
‫‪ .[(72‬يوجد الن أعدادا ً من الناس يقولون‪ :‬ل بعث ول رسل ول نبوات ول‬
‫وحي‪ ،‬ول شيء‪ ،‬أرحام تدفع وأرض تبلع‪ ..‬وهكذا‪ ..‬هؤلء يوم القيامة ملعونين‬
‫في النار‪.‬‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫يوجد من يكذب بالقرآن والنبياء‪} :‬وََقا َ‬
‫مُعوا ل ِهَ َ‬
‫ن‬
‫ذا ال ُ‬
‫ن كَ َ‬
‫ل ال ِ‬
‫فُروا ل ت َ ْ‬
‫س َ‬
‫قْرآ ِ‬
‫ذي َ‬
‫شديدا ول َنجزينهم أ َسوأ َ‬
‫َ‬
‫فُروا عَ َ‬
‫نك َ‬
‫ذي َ‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫ن * فَل َن ُ ِ‬
‫م ت َغْل ُِبو َ‬
‫وا ِفيهِ ل َعَل ّك ُ ْ‬
‫ذاًبا َ ِ ً َ َ ْ ِ َ ّ ُ ْ ْ َ‬
‫ذي َ‬
‫ق ّ‬
‫َوال ْغَ ْ‬
‫َ‬
‫ذي َ‬
‫ن * ذ َل ِ َ‬
‫ما‬
‫م ِفيَها َداُر ال ْ ُ‬
‫ال ّ ِ‬
‫خل ْد ِ َ‬
‫جَزاء أعْ َ‬
‫ك َ‬
‫مُلو َ‬
‫جَزاء ب ِ َ‬
‫داء الل ّهِ الّناُر ل َهُ ْ‬
‫كاُنوا ي َعْ َ‬
‫َ‬
‫ن{ ]سورة فصلت)‪.[(28) (27) (26‬‬
‫دو َ‬
‫ح ُ‬
‫ج َ‬
‫كاُنوا ِبآَيات َِنا ي َ ْ‬
‫من السباب‪ :‬التفريق في اليمان بين الكتب التي أنزلها الله ‪-‬عز وجل‪-‬‬
‫واليمان ببعض والكفر ببعض؛ كما يفعل اليهود والنصارى وغيرهم‪ ،‬وقد قال‬
‫َ‬
‫ل ذ َل ِ َ‬
‫فعَ ُ‬
‫ك‬
‫من ي َ ْ‬
‫ب وَت َك ْ ُ‬
‫تعالى‪} :‬أفَت ُؤْ ِ‬
‫ما َ‬
‫ن ب ِب َعْ‬
‫فُرو َ‬
‫ن ب ِب َعْ‬
‫مُنو َ‬
‫جَزاء َ‬
‫ض فَ َ‬
‫ض ال ْك َِتا ِ‬
‫ٍ‬
‫ِ‬
‫شد ّ ال ْعَ َ‬
‫ن إ َِلى أ َ َ‬
‫ب{ ]سورة‬
‫م إ ِل ّ ِ‬
‫م ال ْ ِ‬
‫ِ‬
‫مةِ ي َُرّدو َ‬
‫خْزيٌ ِفي ال ْ َ‬
‫حَياةِ الد ّن َْيا وَي َوْ َ‬
‫قَيا َ‬
‫منك ُ ْ‬
‫ذا ِ‬
‫البقرة)‪ .[(85‬كذلك الذي يؤمن ببعض القرآن ويكفر ببعض‪ ،‬ويقول القرآن‬
‫دخله خرافات‪ ،‬والقرآن أصابه التحريف مث ً‬
‫ل‪ ،‬ويقول‪ :‬هذا صح وهذا لم يصح‪،‬‬
‫هذا من أهل النار الخالدين فيها‪.‬‬
‫من السباب )التي يخلد صاحبها في النار( كذلك‪ :‬التكذيب بنوبة النبي‪-‬عليه‬
‫الصلة والسلم‪-‬؛ لن هذا من المعلوم من الدين بالضرورة من رسالة‬
‫السلم‪ ،‬والنبي ‪-‬عليه الصلة والسلم‪ -‬بّين أن الذي ل يؤمن به سيكون من‬
‫أصحاب النار يوم القيامة‪ :‬يهودي‪ ،‬نصراني‪ ،‬من غيرهم من الطوائف‪ ،‬يسمع‬
‫ديني على الوجه الصحيح‪ ،‬تصله الرسالة بشكل واضح‪ ،‬ثم ل يؤمن‪ ،‬هذا من‬
‫أهل النار‪.‬‬
‫كذلك من أسباب الخلود في النار‪ :‬قتل النبيين‪ ،‬وقتل الذين يأمرون بالقسط‬
‫ه‬
‫ن ي َك ْ ُ‬
‫ت الل ّ ِ‬
‫ن ِبآَيا ِ‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫فُرو َ‬
‫من الناس‪ ،‬قتل الدعاة إلى الله‪ ،‬قال تعالى‪} :‬إ ِ ّ‬
‫ذي َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫س فب َ ّ‬
‫هم‬
‫حقّ وَي َ ْ‬
‫وَي َ ْ‬
‫شْر ُ‬
‫ط ِ‬
‫س ِ‬
‫ن ِبال ِ‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫مُرو َ‬
‫قت ُُلو َ‬
‫ن ب ِغَي ْرِ َ‬
‫قت ُُلو َ‬
‫ق ْ‬
‫ن ي َأ ُ‬
‫م َ‬
‫ذي َ‬
‫ن الن ّب ِّيي َ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫َ‬
‫ب ِعَ َ‬
‫م{ ]سورة آل عمران)‪.[(21‬‬
‫ذا ٍ‬
‫ب أِلي ٍ‬
‫وكذلك من السباب‪ :‬الرتداد عن السلم ‪-‬والعياذ بالله‪-‬؛ كما قال عز وجل‪:‬‬
‫َ‬
‫ت وَهُوَ َ‬
‫كافٌِر فَأ ُوْل َئ ِ َ‬
‫م ِفي‬
‫م َ‬
‫من ي َْرت َدِد ْ ِ‬
‫ك َ‬
‫مال ُهُ ْ‬
‫ت أعْ َ‬
‫حب ِط َ ْ‬
‫م ْ‬
‫عن ِدين ِهِ فَي َ ُ‬
‫منك ُ ْ‬
‫}وَ َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫خَرةِ وَأوْل َئ ِ َ‬
‫ن{ ]سورة البقرة)‪.[(217‬‬
‫م ِفيَها َ‬
‫الد ّن َْيا َوال ِ‬
‫دو َ‬
‫خال ِ ُ‬
‫حا ُ‬
‫ص َ‬
‫ب الّنارِ هُ ْ‬
‫كأ ْ‬
‫)‪(4 /‬‬
‫ضلل‪ ،‬وزعماء الكفر في كفرهم‪ ،‬واتباعهم‬
‫من السباب‪ :‬طاعة الرؤساء ال ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ن ال َ‬
‫ن وَأعَد ّ‬
‫على ذلك؛ كما قال تعالى في سورة الحزاب‪} :‬إ ِ ّ‬
‫ن الل َ‬
‫ري َ‬
‫ه لعَ َ‬
‫كافِ ِ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫م‬
‫م تُ َ‬
‫سِعيًرا * َ‬
‫ن وَل ِّيا وََل ن َ ِ‬
‫خال ِ ِ‬
‫ب وُ ُ‬
‫قل ُ‬
‫دو َ‬
‫ج ُ‬
‫ن ِفيَها أب َ ً‬
‫صيًرا * ي َوْ َ‬
‫م َ‬
‫جوهُهُ ْ‬
‫دا ّل ي َ ِ‬
‫ل َهُ ْ‬
‫دي َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫سوَل{ ]سورة الحزاب)‪) (64‬‬
‫ِفي الّنارِ ي َ ُ‬
‫قوُلو َ‬
‫ه وَأط َعَْنا الّر ُ‬
‫ن َيا ل َي ْت ََنا أط َعَْنا الل ّ َ‬
‫‪.[(66) (65‬‬
‫كذلك )من السباب التي يخلد صاحبها في النار(‪ :‬الكذب على الله‪ ،‬والفتراء‬
‫َ‬
‫هون وتص ُ َ‬
‫سَنى ل َ‬
‫ف أل ْ ِ‬
‫ما ي َك َْر ُ َ َ َ ِ‬
‫م ال ْ ُ‬
‫بأ ّ‬
‫م ال ْك َذِ َ‬
‫جعَُلو َ‬
‫عليه‪} :‬وَي َ ْ‬
‫ح ْ‬
‫ن ل َهُ ُ‬
‫سن َت ُهُ ُ‬
‫ن ل ِل ّهِ َ‬
‫َ‬
‫جر َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ن{ ]سورة النحل)‪ .[(62‬الذين جعلوا‬
‫م ْ‬
‫فَرطو َ‬
‫مأ ّ‬
‫َ َ َ‬
‫م الّناَر وَأن ُّهم ّ‬
‫ن ل َهُ ُ‬
‫ً‬
‫الملئكة إناثا‪ ،‬وعبدوهم من دون الله‪ ،‬ونحو ذلك من الذين يفترون على الله‬

‫‪112‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫الكذب وهم يعلمون‪.‬‬
‫ْ‬
‫ن‬
‫مَنافِ ِ‬
‫النفاق الكبر طبعا ً من أسباب التخليد في النار‪} :‬وَعَد َ الله ال ُ‬
‫قي َ‬
‫م‬
‫ت َوال ْك ُ ّ‬
‫مَنافِ َ‬
‫م َ‬
‫خال ِ ِ‬
‫قا ِ‬
‫ي َ‬
‫فاَر َناَر َ‬
‫ح ْ‬
‫ه وَل َهُ ْ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫م وَل َعَن َهُ ُ‬
‫سب ُهُ ْ‬
‫جهَن ّ َ‬
‫َوال ْ ُ‬
‫ن ِفيَها هِ َ‬
‫دي َ‬
‫ن َوال ْ َ‬
‫عَ َ‬
‫ن ِفي‬
‫مَنافِ ِ‬
‫جا ِ‬
‫م ِ‬
‫ه َ‬
‫م{ ]سورة التوبة)‪} .[(68‬إ ِ ّ‬
‫ذا ٌ‬
‫معُ ال ْ ُ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫قي ٌ‬
‫ب ّ‬
‫ري َ‬
‫قي َ‬
‫كافِ ِ‬
‫ميًعا{ ]سورة النساء)‪.[(140‬‬
‫ج ِ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫جهَن ّ َ‬
‫كذلك من السباب‪ :‬الستكبار عن عبادة الله‪ ،‬وعن سماع آياته؛ كما قال عز‬
‫وجل‪} :‬وال ّذين ك َذ ّبوا ْ بآيات ِنا واستك ْبروا ْ عَنها أ ُول َئ ِ َ َ‬
‫م ِفيَها‬
‫حا ُ‬
‫ص َ‬
‫ب الّنارِ هُ ْ‬
‫كأ ْ‬
‫َْ ْ‬
‫ُ ِ َ َ َ ْ َ َُ‬
‫َ ِ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ه‬
‫َ‬
‫ن{ ]سورة العراف)‪ .[(36‬ماذا يفعل الواحد منهم؟‪} :‬وَإ َِذا ت ُت ْلى عَلي ْ ِ‬
‫دو َ‬
‫خال ِ ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫شْرهُ ب ِعَ َ‬
‫ن ِفي أذ ُن َي ْهِ وَقًْرا فَب َ ّ‬
‫ب أِليم ٍ *‬
‫معَْها ك َأ ّ‬
‫م يَ ْ‬
‫م ْ‬
‫س َ‬
‫ست َك ْب ًِرا ك َأن ل ْ‬
‫آَيات َُنا وَلى ُ‬
‫ذا ٍ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫شْرهُ ب ِعَ َ‬
‫معَْها فَب َ ّ‬
‫ب‬
‫م يُ ِ‬
‫معُ آَيا ِ‬
‫م يَ ْ‬
‫م ْ‬
‫يَ ْ‬
‫س َ‬
‫ست َكب ًِرا كأن ل ْ‬
‫صّر ُ‬
‫ت اللهِ ت ُت ْلى عَلي ْهِ ث ُ ّ‬
‫س َ‬
‫ذا ٍ‬
‫َ‬
‫م{ ]سورة لقمان)‪ .[(8)(7‬النار ماذا قالت لما احتجت مع الجنة؟ قالت‪:‬‬
‫أِلي ٍ‬
‫)يدخلني الجبارون والمتكبرون(‪.17‬‬
‫الكفار الذين علموا أعمال ً صالحة‪ ،‬ما هو مصير هذه العمال؟‬
‫بعضهم كفل أيتام‪ ،‬أعان مساكين‪ ،‬أطعم جياع‪ ،‬آوى مشردين‪ ،‬بر والدين‪،‬‬
‫وصل رحمه‪ ،‬أحسن إلى جيرانه‪ ..‬ما دام الساس باطل كفر بالله فماذا ينفعه‬
‫مُلوا ِ‬
‫ما عَ ِ‬
‫ل فَ َ‬
‫جعَل َْناهُ‬
‫ن عَ َ‬
‫مَنا إ َِلى َ‬
‫عمله ذلك؟ ل شيء‪ .‬قال تعالى‪} :‬وَقَدِ ْ‬
‫م ٍ‬
‫م ْ‬
‫ُ‬
‫ي إ ِل َي ْ َ‬
‫ن‬
‫منُثوًرا{ ]سورة الفرقان)‪ .[(23‬وقال‪} :‬وَل َ َ‬
‫قد ْ أو ِ‬
‫ن ِ‬
‫ك وَإ َِلى ال ّ ِ‬
‫هََباء ّ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫ح َ‬
‫َ‬
‫مل ُ َ‬
‫قَب ْل ِ َ‬
‫نأ ْ‬
‫ك{ ]سورة الزمر)‪ .[(65‬هذا قاله لنبيه ‪-‬عليه‬
‫ت ل َي َ ْ‬
‫ن عَ َ‬
‫شَرك ْ َ‬
‫حب َط َ ّ‬
‫ك ل َئ ِ ْ‬
‫الصلة والسلم‪ ،-‬فكيف بأولئك المشركين؟‬
‫ن أغنى رجل في العالم قد وهب نصف ثروته في أعمال‬
‫طبعا ً نسمع اليوم أ ّ‬
‫الخير‪ ،‬واقتدى به رجل آخر من أغنياء العالم فجعل مؤسسة خيريه بنصف‬
‫ممتلكاه‪ ،‬وفلن‪ ..‬وفلن‪ ،‬لكن إذا كانوا كفرة يدعون المسيح من دون الله‪،‬‬
‫ويعبدون الصليب‪ ،‬ول يدخلون في السلم‪ ،‬وهم قد سمعوا به سماعا ً حقيقيا ً‬
‫صحيحًا‪ ،‬إذا ً ما الذي ينفعهم؟ ل ينفعهم شيئًا‪..‬‬
‫لكن من عدل الله أنه يعطي الكافر في الدنيا على أعماله الصالحة‪ ،‬فيعطيه‬
‫مزيدا ً من الموال على أشياء تصدق بها‪ ،‬يعطيه صحة‪ ،‬يعطيه أولدًا‪ ،‬يعطيه‬
‫ة‪ ،‬يستوفي كل شيء في الدنيا حتى إذا جاءه يوم القيامة‬
‫جاهًا‪ ،‬وذكرًا‪ ،‬وسمع ً‬
‫ة تنفعه‪ ،‬قال ابن القيم ‪-‬رحمه الله‪" :-‬والله‪-‬سبحانه‪ -‬يجازي‬
‫لم يجد حسن ً‬
‫عدوه مما يفعله من الخير والمعروف في الدنيا‪ ،‬ويخفف به عنه يوم القيامة"‬
‫‪ .18‬هذا أبو طالب خفف عنه‪ ،‬لكن مخلد في النار‪ ،‬وشفاعة النبي ‪-‬عليه‬
‫الصلة والسلم‪ -‬سبب في ذلك‪.‬‬
‫ما هي حال الموحدين من أهل الكبائر؟‬
‫ن أول من يدخل النار من عصاة الموحدين‪ :‬المرائين‪ ،‬قارئ للقرآن‪،‬‬
‫تقدم أ ّ‬
‫ومقاتل في المعركة مع المسلمين‪ ،‬ويجاهد الكفار‪ ،‬ومتصدق منفق‪ ،‬لماذا؟‬
‫كما تقدم‪ ،‬هذا فعل ليقال‪ :‬فلن شجاع‪ ،‬وهذا فعل ليقال‪ :‬فلن كريم‪ ،‬وهذا‬
‫فعل ليقال‪ :‬فلن قارئ أو فلن عالم‪.‬‬
‫أخذتم في الدنيا نصيبكم والناس تكلموا بذلك وأثنوا ومدحوا فليس لكم الن‬
‫ما سمع هذا الحديث‬
‫إل النار‪ ،‬فيسحبون إليها‪ ،‬قال معاوية ‪-‬رضي الله عنه‪ -‬ل ّ‬
‫أبو هريرة أغمي عليه كم مرة لما أراد أن يحدث به؟!‪.‬‬
‫قال معاوية‪ :‬قد فعل بهؤلء هذا فكيف بمن بقي من الناس؟ ثم بكى بكاًء‬
‫شديدا ً حتى ظننا أنه هالك‪ ،‬ثم أفاق ومسح عن وجهه‪ ،‬وقال‪ :‬صدق الله‬
‫ف إل َيه َ‬
‫من َ‬
‫م‬
‫ريد ُ ال ْ َ‬
‫كا َ‬
‫م ِفيَها وَهُ ْ‬
‫مال َهُ ْ‬
‫م أعْ َ‬
‫حَياةَ الد ّن َْيا وَِزين َت ََها ن ُوَ ّ ِ ْ ِ ْ‬
‫ورسوله‪َ } :‬‬
‫نُ ي ُ ِ‬
‫صن َُعوا ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ِفيَها ل َ ي ُب ْ َ‬
‫م ِفي ال ِ‬
‫ن * أوْلئ ِك ال ِ‬
‫خَرةِ إ ِل الّناُر وَ َ‬
‫سو َ‬
‫خ ُ‬
‫حب ِط َ‬
‫س لهُ ْ‬
‫ما َ‬
‫ن لي ْ َ‬
‫ذي َ‬
‫ما َ‬
‫ِفيَها وََباط ِ ٌ‬
‫ن{ { ]سورة هود)‪.[(15)(16‬‬
‫مُلو َ‬
‫كاُنوا ْ ي َعْ َ‬
‫ل ّ‬
‫‪113‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ن أول من تسعر بهم النار الولية النسبية بالنسبة للعصاة من‬
‫وتقدم أ ّ‬
‫الموحدين هؤلء‪ .‬وأما الكفار فقد سحبوا إلى النار من قبل‪.‬‬
‫)‪(5 /‬‬
‫الُعصاة من غير المشركين الكفار لهم ألوان من التعذيب في النار‪ ،‬ولهم‬
‫ألوان من العذاب مع أنهم ليسوا بكفار لكن الله يعذب من العصاة وأهل‬
‫الكبائر؛ فمن عذابه‪) :‬ثلثة ل يكلمهم الله يوم القيامة‪ ،‬ول ينظر إليهم‪ ،‬ول‬
‫ن‪ ،‬وليس في ثورة شباب‪،‬‬
‫ن(‪ .‬تقدم به الس ّ‬
‫يزكيهم ولهم عذاب أليم‪ :‬شيخ زا ٍ‬
‫ول داعي الشهوة عنده قوي‪ ،‬ومع ذلك زاني‪.‬‬
‫)وملك كذاب( يعني عنده سلطان ما يحتاج إلى الكذب‪ ،‬ل يخاف من رعيته‪،‬‬
‫فلماذا يكذب؟ هذا كذب متأصل في نفسه‪ ،‬ثم هو قدوة الناس ويكذب على‬
‫المل‪.‬‬
‫)وعائل مستكبر(‪] .19‬والحديث رواه مسلم[‪ .‬يعني فقير ومتكبر‪ ،‬يتكبر على‬
‫ماذا؟ يعني المال الذي دعا المتكبرين للتكبر هو فاقده‪ ،‬فهو فاقد سبب‬
‫التكبر ويتكبر‪ ،‬هذا معناه أن التكبر متأصل في نفسه‪.‬‬
‫مث ً‬
‫ل‪ :‬المتجسس على المسلمين‪ ،‬قال عليه الصلة والسلم‪) :‬ومن استمع‬
‫إلى حديث قوم ٍ وهم له كارهون‪ ،‬أو يفرون منه( ‪-‬وهو مصر يستمع‪ -‬قال‪:‬‬
‫ب في أذنه النك يوم القيامة(‪] .20‬الحديث رواه البخاري[‪ .‬النك‪:‬‬
‫)ص ّ‬
‫الرصاص المذاب‪ .‬وقيل‪ :‬خالص الرصاص‪ .‬وقيل‪ :‬هو القصدير‪ .‬قالوه‬
‫الداوودي ‪.21‬‬
‫الذين نجوا من النار يعرفون أنهم فقدوا )أ( ناسا ً كانوا معهم مسلمين في‬
‫الدنيا فهل يتخلون عنهم أو ماذا يفعلون؟!‪.‬‬
‫قال النبي ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬في الحديث الطويل في ذكر الصراط‪:‬‬
‫)حتى إذا خلص المؤمنون من النار‪ ،‬فوا الذي نفسي بيده ما منكم من أحدٍ‬
‫بأشد مناشدة ً لله في استقصاء الحق من المؤمنين لله يوم القيامة لخوانهم‬
‫الذين في النار(‪ .‬فالذين نجوا من النار يناشدون ربهم في هؤلء‪ ،‬في إخوانهم‬
‫الذين سقطوا في النار‪ ،‬يريدون أن يشفعوا لهم‪ ،‬لكي يخرجوا منها‪..‬‬
‫ومعنى الحديث‪ :‬أي ما منكم من أحد يناشد الله في الدنيا في استيفاء حقه‬
‫أو استقصاءه وتحصيله من خصمه‪ ،‬والمتعدي عليه بأشد من مناشدة‬
‫المؤمنين لله ‪-‬تعالى‪ -‬في الشفاعة لخوانهم هؤلء الذين سقطوا في النار‬
‫يوم القيامة‪.‬‬
‫فماذا يقولون في مناشدتهم لربهم؟ يقولون‪) :‬ربنا كانوا يصومون معنا‪،‬‬
‫ويصلون‪ ،‬ويحجون‪ ،‬فيقال لهم‪ :‬أخرجوا من عرفتم؟(‪ .‬لكن طبعا ً أدركه من‬
‫العذاب ما أدركه‪ ،‬وناله ما ناله‪ ،‬ولو لحظة‪ ،‬كم هي شديدة؟‬
‫)فتحّرم صورهم على النار(‪ ،‬يعني هؤلء الذين سقطوا في النار‪ ،‬النار ما تأكل‬
‫وجوههم على القل‪ ،‬كانوا يصلون وآثار السجود‪ ،‬دارات وجوههم‪ ،‬ولتكون‬
‫علمة يعرف بها هؤلء الشافعون إخوانهم من بقية أهل النار‪ ،‬ولذلك حّرم‬
‫الله على النار أن تأكل آثار السجود‪ ،‬قال النبي‪-‬عليه الصلة والسلم‪:-‬‬
‫)فيخرجون خلقا ً كثيرا ً قد أخذت النار إلى نصف ساقيه‪ ،‬وإلى ركبتيه(‬
‫احترقت تمامًا‪) -‬ثم يقولون‪ :‬ربنا ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا بهم‪ ،‬فيقول‪:‬‬‫ارجعوا فمن وجدتم في قلبه( ‪-‬يعني ارجعوا إلى النار‪) -‬فمن وجدتم في قلبه‬
‫مثقال( يعني زنة مقدار )دينارٍ من خير فأخرجوه‪ ،‬فيخرجون خلقا ً كثيرًا‪ ،‬ثم‬
‫يقولون‪ :‬ربنا لم نذر فيها أحدا ً ممن أمرتنا‪ ،‬ثم يقول‪ :‬ارجعوا فمن وجدتم في‬

‫‪114‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه‪ ،‬فيخرجون خلقا ً كثير ًًا‪ ،‬ثم يقولون‪:‬‬
‫ربنا لم نذر فيها ممن أمرتنا أحدًا؟ ثم يقول‪ :‬ارجعوا فمن وجدتم في قلبه‬
‫مثقال ذرةٍ من خير فأخرجوه‪ .‬فيخرجون خلقا ً كثيرًا‪ ،‬ثم يقولون‪ :‬ربنا لم نذر‬
‫فيها خيرا ً أو خّيرًا؟(‪ .‬وكان أبو سعيد الخدري راوي الحديث عن النبي ‪-‬صلى‬
‫ن‬
‫الله عليه وسلم‪ -‬يقول‪ :‬إن لم تصدقوني بهذا الحديث فاقرؤوا إن شئتم‪} :‬إ ِ ّ‬
‫فها ويؤْت من ل ّدن َ‬
‫ل ذ َّرةٍ وَِإن ت َ ُ‬
‫قا َ‬
‫ما{‬
‫مث ْ َ‬
‫ضا ِ‬
‫سن َ ً‬
‫جًرا عَ ِ‬
‫ع ْ َ َُ ِ ِ‬
‫م ِ‬
‫هأ ْ‬
‫ة يُ َ‬
‫ك َ‬
‫ح َ‬
‫ظي ً‬
‫ُْ ُ‬
‫ه ل َ ي َظ ْل ِ ُ‬
‫الل ّ َ‬
‫]سورة النساء)‪ .[(40‬بعد ما تنتهي شفاعات الكل ممن أذن لهم بالشفاعة‪،‬‬
‫قال‪) :‬فيقول الله ‪-‬عز وجل‪ :-‬شفعت الملئكة وشفع النبيون‪ ،‬وشفع‬
‫ة من النار فيخرج منها‬
‫المؤمنون‪ ،‬ولم يبق إل أرحم الراحمين‪ ،‬فيقبض قبض ً‬
‫قوما ً لم يعملوا خيرا ً قط(‪ .‬ومعنى‪) :‬لم يعملوا خيرا ً قط(‪ .‬يعني عندهم أصل‬
‫التوحيد‪ ،‬ولكن ما عملوا الخيرات‪ ،‬ويشترط كذلك أن ل يكونوا قد ارتكبوا‬
‫شيئا ً يخرجهم من الملة‪ ،‬أو تركوا شيئا ً يخرجهم تركه من الملة‪ ،‬كالصلة التي‬
‫من تركها بالكلية كفر‪ ،‬هذا يخرج‪ ،‬ويستثنى بالنصوص الخرى‪ ،‬ويفهم بالجمع‬
‫مع النصوص الخرى‪.‬‬
‫)‪(6 /‬‬
‫حممًا(‪ .‬يعني صاروا‬
‫قال عليه الصلة والسلم في هذه القبضة‪) :‬قد عادوا ُ‬
‫فحما ً من شدة الحتراق‪ ،‬وماتوا )فيلقيهم( يعني الله ‪-‬عز وجل‪) -‬في نهرٍ في‬
‫أفواه الجنة( يعني أوائل الجنة‪ ،‬مفتت مسالك‪ ،‬وطرق‪ ،‬وشوارع في الجنة‪،‬‬
‫)يقال له نهر الحياة( فينبتون‪ ،‬ويخرجون قال‪) :‬فيخرجون كما تخرج الحبة في‬
‫حميل السيل(‪ ،‬بذور الصحراء‪ ،‬يحملها السيل إلى جانب الوادي فتنبت‪ ،‬قال‬
‫عليه الصلة والسلم‪) :‬أل ترونها تكون إلى الحجر أو الشجر ما يكون منها‬
‫إلى الشمس أصيفر وأخيضر‪ ،‬وما يكون منها إلى الظل يكون أبيض(‪ .‬فقالوا‬
‫يا رسول الله‪ :‬كأنك كنت ترعى في البادية‪ ..‬يعني وصف لهم وصفا ً دقيقا ً‬
‫هذه الشياء التي تخرج في البادية‪ ،‬قال‪) :‬فيخرجون كاللؤلؤة في رقابهم‬
‫الخواتم(‪ .‬خلص الن صاروا خلقا ً آخر‪ ،‬هذه أشياء من ذهب تعلق في رقابهم‬
‫يعرفهم أهل الجنة‪ ،‬فيقولون‪) :‬هؤلء عتقاء الله الذين أدخلهم الله الجنة بغير‬
‫ل عملوه ول خيرٍ قدموه‪ ،‬ثم يقول‪ :‬ادخلوا الجنة‪ ،‬فما رأيتموه فهو لكم‪،‬‬
‫عم ٍ‬
‫ً‬
‫فيقولون‪ :‬ربنا أعطيتنا ما لم تعط أحدا من العالمين‪ ،‬فيقول لكم‪ :‬عندي لكم‬
‫أفضل من هذا‪ ،‬فيقولون‪ :‬يا ربنا أي شيٍء أفضل من هذا؟ فيقول‪ :‬رضاي فل‬
‫أسخط عليكم بعده أبدا(‪] .22‬رواه البخاري ومسلم واللفظ له[‪.‬‬
‫ن‬
‫ن من عقيدة أهل السنة‪ ،‬وأهل التوحيد‪ ،‬أهل الحق أ ّ‬
‫طبعا ً نعرف)نعلم( أ ّ‬
‫الذي ل يعمل عمل خير أبدًا‪ ،‬تارك العمل بالكلية‪ ،‬ل صلة‪ ،‬ول صيام‪ ،‬ول‬
‫زكاة‪ ،‬ول حج‪ ،‬ول بر‪ ،‬ول دعاء‪ ،‬ول ذكر‪ ،‬ول تلوة‪ ،‬تارك العمل بالكلية كافر‬
‫كفرا مخلد في النار‪ ،‬هذا كفر إعراض‪ ،‬لما أعرض عن الدين بالكلية خلده‬
‫الله في النار‪ ،‬فما معنى‪) :‬لم يعملوا خيرا ً قط(‪.‬‬
‫)أجاب العلماء على ذلك بما يلي‪ :‬أو ً‬
‫ل(‪ :‬قال بعض العلماء‪ :‬إنه على عادة‬
‫ً‬
‫العرب في استعمال هذه الكلمة‪ ،‬فمثل يقولون لمن عمل ولم يتقن عمله‪ :‬لم‬
‫تعمل شيئا ً قط‪ ،‬ما عملت شيئًا!‪ .‬وليس المقصود أنه ما عمل شيئا ً بالكلية‪،‬‬
‫لكن جرت عادتهم بمثل هذا‪ ،‬ما صنعت شيئًا‪ .‬قال ابن خزيمة‪-‬رحمه الله‪:-‬‬
‫"هذه اللفظة‪) :‬لم يعملوا خيرا ً قط( من الجنس الذي تقول العرب ُينفى‬
‫السم عن الشيء لنقصه عن الكمال والتمام‪ .‬فمعنى هذه اللفظة على هذا‬
‫الصل‪) :‬لم يعملوا خيرا ً قط( على التمام والكمال ل على ما أوجب عليه‪،‬‬

‫‪115‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وأمر به ‪.23‬‬
‫ً‬
‫ثانيًا‪ :‬أنه من باب العام المخصص‪ ،‬مخصص بماذا مثل؟ بتكفير تارك الصلة‬
‫بالكلية‪ ،‬فيكون عام‪) :‬لم يعملوا خيرا ً قط(‪ .‬وأما الذي عمل شيئا ً يخرجه من‬
‫الملة أو ترك شيئا ً تركه يخرج من الملة فإنه سيخلد في النار‪ ،‬قال الشيخ ابن‬
‫عثيمين ‪-‬رحمه الله‪ -‬في قوله‪) :‬لم يعملوا شيئا ً قط(‪ .‬يعني ما عملوا أعمال ً‬
‫صالحة لكن اليمان قد وقر في قلوبهم‪ ،‬فإما أن يكون هؤلء قد ماتوا قبل‬
‫التمكن من العمل‪ ،‬آمنوا ثم لم يتمكنوا‪ ،‬وحينئذ ٍ يصدق عليهم أنهم لم يعملوا‬
‫خيرا ً قط‪.‬‬
‫ن الذي يقول الشهادتين يؤمن‬
‫لكن هذا يلزم أن يقال مع تقصيرهم‪ ،‬وإل فإ ّ‬
‫ويموت فجأة ً ل يدخل النار؛ لنه لم يتمكن من العمل بعذر‪ ،‬وليس أنه لم‬
‫يعمل وهو قادر على العمل‪.‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫قال الشيخ ‪-‬رحمه الله‪ -‬أيضا‪" :‬وإما أن يكون هذا الحديث مقيدا بمثل‬
‫ً‬
‫الحاديث الدالة على أن بعض العمال الصالحة تركها كفر كالصلة مثل‪ ،‬فإن‬
‫من لم يصلي‪- ،‬يعني بالكلية‪ -‬فهو كافر ولو زعم أنه مؤمن بالله ورسوله‪،‬‬
‫والكافر ل تنفعه شفاعة الشافعين يوم القيامة‪ ،‬وهو خالد مخلد في النار أبد‬
‫البدين ‪-‬والعياذ بالله‪.-‬‬
‫ن هذا الحديث إما أن يكون في قوم ٍ آمنوا ولم يتمكنوا من العمل‬
‫مأ ّ‬
‫فالمه ّ‬
‫فماتوا فور إيمانهم فما عملوا خيرا ً قط‪ ،‬وإما أن يكون هذا عاما ً ولكنه‬
‫يستثنى منه ما دلت النصوص الشرعية على أنه لبد أن ُيعمل كالصلة‪.‬‬
‫ثالثًا‪ :‬من القوال التي قالها بعض أهل السنة في هذه اللفظة أنه يحمل على‬
‫حالةٍ خاصة‪ ،‬وأناس مخصوصين تركوا العمل لعذرٍ منعهم منه لكن اقترفوا‬
‫سيئات‪ .‬وهذا فيه جمع بعض ما تقدم‪ ،‬فيقال‪ :‬معنى‪) :‬لم يعملوا خيرا ً قط(‬
‫يعني أصل اليمان وقر في قلوبهم‪ .‬يعني عندهم إيمان ما هو أنهم كفارا ً ل‬
‫يؤمنوا بالله‪ ،‬لكن ما عملوا خيرا ً قط لعذر لكن عملوا سيئات كثيرة أدخلتهم‬
‫النار‪.‬‬
‫فإذا ً يحمل على حالة خاصة‪ ،‬وقوم مخصوصين؛ لنه في النهاية ل يمكن أن‬
‫يكون واحد ما كان في قلبه خير قط‪ ،‬ول عمل أي أعمل خير قط أبدا ً ويدخل‬
‫الجنة‪ ،‬أبدًا‪ ،‬ما يمكن‪.‬‬
‫ول يمكن أن تتصور أن واحدا ً يقول إنه مسلم وهو ل يصلي‪ ،‬ول يصوم‪ ،‬ول‬
‫يزكي‪ ،‬ول يحج‪ ،‬ول يذكر الله أبدًا‪ ،‬ول يتلو القرآن‪ ،‬ول قرأ ول آية في حياته‪،‬‬
‫ع‪ ،‬ولم يرفع كفيه لله‪ ،‬ول بر‪ ،‬ول وصل رحم‪ ،‬ول تصدق‪ ،‬ول عمل أي‬
‫ولم يد ُ‬
‫ن في قلبه؟! لو كان‬
‫خير إطلقا ً ثم تقول هذا ممكن يخرج من النار!! أي إيما ٍ‬
‫في قلبه ذرة إيمان كان ظهرت بعمل؟ كان ظهرت بعمل‪ ،‬لكن الذي ما عمل‬
‫خير قط أبدا ً كذا على إطلقها مطلقا ً هذا ما هو مؤمن‪ ،‬ولذلك يخلد في النار‪.‬‬
‫)‪(7 /‬‬
‫فإذا ً هذا يحمل مثل ً على‪) :‬لم يعملوا خيرا ً قط( ناس معينين عندهم أصل‬
‫اليمان‪ ،‬ما تمكنوا من العمل لعذر لكن عندهم سيئات‪ ،‬فدخلوا النار‪ ،‬عذبوا‬
‫إلى أن أخرجوا في النهاية‪.‬‬
‫نهاية من يخرج من الموحدين‪ ،‬هؤلء الجهنميون الذين يخرجهم الرحمن‬
‫بقبضة من النار‪ ،‬هذه مّنة من الله عليهم‪ ،‬بقي أرحم الراحمين‪ ،‬فأدركت‬
‫هؤلء‪ ،‬فهم آخر أهل النار خروجا ً منها ممن يخرج‪..‬‬
‫وأما المخلدون ل يموت)ون( ول يحيا)ون(‪ ،‬وما هم منها بمخرجين‪ ،‬وقد ورد‬

‫‪116‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫في بعض هؤلء من المور التي لها مدلول أن بعضهم يدعون الله في النار‪،‬‬
‫وهم في النار‪ ،‬من بقايا الموحدين هؤلء الذين دخلوا النار‪ ،‬فقد روى المام‬
‫مسلم عن أنس ‪-‬رضي الله عنه‪ -‬عن النبي ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬قال‪:‬‬
‫)يخرج من النار أربعة‪ ،‬فيعرضون على الله‪ ،‬فيلتفت أحدهم فيقول‪ :‬يا رب إذ‬
‫أخرجتني منها فل تعدني فيها فينجيه الله منها(‪.24‬‬
‫وجاء عند ابن حبان‪) :‬فيلتفت فيقول‪ :‬يا رب ما كان هذا رجائي فيك‪ ،‬فيقول‪:‬‬
‫ما كان رجاؤك؟ قال‪ :‬كان رجائي إذ أخرجتني منها أن ل تعيدني فيها‪ ،‬فيرحمه‬
‫الله فيدخله الجنة(‪] .25‬وهو حديث صحيح على شرط مسلم[‪ .‬أي رواية ابن‬
‫حبان هذه‪.‬‬
‫إذا ً الذين يدعون من المخلدين ل يستجاب دعاءهم‪ ،‬لكن بعض هؤلء العصاة‬
‫البقية ينفعهم دعاؤهم فقد ينفعهم دعاؤهم‪ ،‬ويكون سببا ً في خروجهم‪ ،‬وعدم‬
‫عودتهم إلى النار‪.‬‬
‫ً‬
‫ن أسوأ الناس عذابا الذين يدعون إلى النار‪:‬‬
‫لشك أ ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن ال ّ‬
‫ن‬
‫شي ْطا ُ‬
‫وعلى رأس هؤلء إبليس لعنه الله‪ ،‬وله جنود وأعوان‪} :‬أوَلوْ كا َ‬
‫م إ َِلى عَ َ‬
‫ر{ ]سورة لقمان)‪ .[(21‬و)كذلك( من سار على‬
‫ي َد ْ ُ‬
‫ب ال ّ‬
‫عوهُ ْ‬
‫ذا ِ‬
‫سِعي ِ‬
‫شاكلته كفرعون الذي هو من الدعاة إلى جهنم‪.‬‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن إ َِلى‬
‫عو‬
‫د‬
‫ي‬
‫ك‬
‫ئ‬
‫ل‬
‫و‬
‫أ‬
‫}‬
‫فيهم‪:‬‬
‫وكذلك المشركون والمشركات الذين قال الله‬
‫ْ ِ َ ْ ُ َ‬
‫الّناِر{ ]سورة البقرة)‪.[(221‬‬
‫والئمة المضلون‪ ،‬والرؤساء المنافقون كما عرفنا‪) ..‬النار حفت بالشهوات(‪،‬‬
‫وفي ناس يدعون إلى الشهوات‪ ،‬وقد قال عليه الصلة والسلم‪) :‬حجبت النار‬
‫بالشهوات(‪] .26‬رواه البخاري[‪ .‬فهي محفوفة بالشهوات والمحرمات‪ ،‬فمن‬
‫أراد طريق النار سلك سبيل الشهوات‪ ،‬فلما قال‪) :‬حفت النار بالشهوات(‪.‬‬
‫ما قال‪) :‬حفت الجنة بالمكاره(‪ .27‬لبد أن‬
‫لبد أن الطريق يمر بها‪ ،‬ول ّ‬
‫الطريق إلى الجنة يمر بالمكاره‪ ،‬وإرغام النفس‪ ،‬ومجاهدة النفس على ما‬
‫تكرهه من مثل الوضوء في البرد‪ ،‬ومقاومة النوم لصلة الفجر‪ ،‬والثبات في‬
‫ن النفس تكره القتل والجرح‪ ،‬والصبر على إخراج المال في‬
‫القتال مع أ ّ‬
‫الزكاة والنفقة الواجبة مع أن النفس تحب المساك‪ ،‬قال النبي ‪-‬عليه الصلة‬
‫ما خلق الله الجنة قال لجبريل‪ :‬اذهب فانظر إليها( الحديث‪..‬‬
‫والسلم‪) :-‬ل ّ‬
‫ما خلق الله النار قال يا جبريل‪ :‬اذهب فانظر إليها‪ ،‬فذهب فنظر‬
‫وفيه‪) :‬فل ّ‬
‫فها‬
‫إليها ثم جاء فقال‪ :‬أي ربي وعزتك ل يسمع بها أحد فيدخلها‪ ،‬فح ّ‬
‫بالشهوات‪ ،‬ثم قال‪ :‬يا جبريل اذهب فانظر إليها‪ ،‬فذهب فنظر إليها ثم جاء‬
‫فقال‪ :‬أي ربي وعزتك لقد خشيت أن ل يبقى أحد إل دخلها(‪] .28‬رواه أبو‬
‫داود والترمذي وهو حديث صحيح[‪ .‬هذه الشهوات المحرمة‪.‬‬
‫أما الشهوات المباحة فليست داخلة إل إذا أدت إلى ترك واجبات أو فعل‬
‫خل ْ ٌ َ‬
‫صَلة َ َوات ّب َُعوا‬
‫ضا ُ‬
‫م َ‬
‫محرمات؛ قال الله ‪-‬تعالى‪} :-‬فَ َ‬
‫خل َ َ‬
‫ف ِ‬
‫فأ َ‬
‫من ب َعْدِهِ ْ‬
‫عوا ال ّ‬
‫ال ّ‬
‫ن غَّيا{ ]سورة مريم)‪ .[(59‬فاتباع الشهوات من‬
‫ف ي َل ْ َ‬
‫سو ْ َ‬
‫وا ِ‬
‫قو ْ َ‬
‫ت فَ َ‬
‫شهَ َ‬
‫أسباب دخول النار‪.‬‬
‫ن هذه الية في هذه المة حيث سيكون‬
‫وقد ذكر جمع من أهل التفسير أ ّ‬
‫آخرها متبعين للشهوات من شرٍ وفواحش‪ ،‬حتى أنهم يزنون في عرض‬
‫الشوارع‪ ،‬وأمام الناس‪ ،‬قال مجاهد ‪-‬رحمه الله‪ -‬في هذه الية‪" :‬يتراكبون‬
‫تراكب النعام والحمر في الطرق‪ ،‬ل يخافون الله في السماء‪ ،‬ول يستحيون‬
‫من الناس في الرض"‪.29‬‬
‫قال ابن القيم ‪-‬رحمه الله‪" :-‬وفي هذا المقام تفاوتت عقول الخلئق‪،‬‬
‫وظهرت حقائق الرجال" ‪-‬يعني في الصمود أمام الشهوات‪" -‬فأكثرهم آثر‬
‫‪117‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫الحلوة المنقطعة على الحلوة الدائمة التي ل تزول‪ ،‬ولم يتحمل مرارة‬
‫ساعة لحلوة البد‪ ،‬ول ذل ساعة لعّز البد‪ ،‬ول محنة ساعة لعافية البد" ‪-‬ما‬
‫ن الحاضر عنده شهادة‪ ،‬والمنتظر‬
‫تحمل الساعة المؤقتة دخلوا فيها‪" -‬فإ ّ‬
‫غيب" ‪-‬ليش ما تحملوا؟؛ لنه يقول هذه الشهوة أمامي أما الحور العين ما‬
‫شفناها‪ ،‬الحاضر عنده ثقيل في حسه‪ ،‬فلذلك يجذبه بقوة؛ لن اليمان بالغيب‬
‫ضعيف‪ ،‬يقول ذاك في الخرة ما شفناه‪ ،‬ما عايناه‪ ،‬ما أحسسنا به‪ ،‬وهكذا‪..‬‬
‫قال‪" :‬فإن الحاضر عنده شهادة‪ ،‬والمنتظر غيب‪ ،‬واليمان ضعيف‪ ،‬وسلطان‬
‫الشهوة حاكم‪ ،‬فيتولد من هذا إيثار العاجلة ورفض الخرة‪ ،‬هذا حال النظر‬
‫الواقع على ظواهر المور وأوائلها ومبادئها‪ ،‬وأما النظر الثاقب الذي يخرق‬
‫حجب العاجلة ويجاوزه إلى العواقب والغايات فله شأن آخر"‪.‬‬
‫)‪(8 /‬‬
‫ثم قال ‪-‬رحمه الله‪" :-‬فادع نفسك إلى ما أعد الله لوليائه وأهل طاعته من‬
‫النعيم المقيم‪ ،‬والسعادة البدية‪ ،‬والفوز الكبر‪ ،‬وما أعد لهل البطالة‬
‫والضاعة من الخزي والعقاب‪ ،‬والحسرات الدائمة‪ ،‬ثم اختر أي القسمين‬
‫أليق بك‪ ،‬وكل يعمل على شاكلته‪ ،‬وكل أحد يصبو إلى ما يناسبه‪ ،‬وما هو‬
‫الولى به"‪.30‬‬
‫وهنا يجب أن نعلم كيف يتقي النسان النار؟ وما هي أسباب النجاة منها؟؛‬
‫َ‬
‫م‬
‫مُنوا ُقوا َأن ُ‬
‫ما أوجب علينا اتقاء النار بأمره‪َ} :‬يا أي َّها ال ّ ِ‬
‫ف َ‬
‫سك ُ ْ‬
‫نآ َ‬
‫لن الله ل ّ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫ة{ ]سورة التحريم)‪ .[(6‬لبد أن نعرف ما‬
‫جاَر ُ‬
‫س َوال ْ ِ‬
‫م َناًرا وَُقود ُ َ‬
‫ح َ‬
‫وَأهِْليك ُ ْ‬
‫ها الّنا ُ‬
‫ت ل ِل ْ َ‬
‫ن{ ]سورة آل‬
‫هي أسباب الوقاية‪ ،‬ولما قال‪َ} :‬وات ّ ُ‬
‫قوا ْ الّناَر ال ِّتي أ ُ ِ‬
‫عد ّ ْ‬
‫ري َ‬
‫كافِ ِ‬
‫عمران)‪ .[(131‬لبد أن نعرف ما هي أسباب الوقاية؟‪ .‬قال أبو حنيفة ‪-‬رحمه‬
‫ت ل ِل ْ َ‬
‫ن{؛ "هذه أخوف آية في‬
‫الله‪ -‬في قوله‪َ} :‬وات ّ ُ‬
‫قوا ْ الّناَر ال ِّتي أ ُ ِ‬
‫عد ّ ْ‬
‫ري َ‬
‫كافِ ِ‬
‫القرآن" ‪-‬لماذا؟‪ -‬قال‪" :‬حيث أوعد الله المؤمنين بالنار المعدة للكافرين إن‬
‫لم يتقوه في اجتناب محارمه"‪ .31‬ولذلك قال‪} :‬واتقوا النار{‪ .‬واتقوا يا أيها‬
‫المؤمنون التي أعدت للكافرين‪ ،‬يعني إذا ما اتقيتموها ستدخلوها‪.‬‬
‫ومن رحمته ‪-‬عز وجل‪ -‬أنه بّين لنا السباب التي تؤدي للنار لنجتنبها‪،‬‬
‫هّ‬
‫َ‬
‫ما كا َ‬
‫ن الل ُ‬
‫والسباب التي تحمي من النار لكي نتخذها لنمنع أنفسنا منها‪} :‬وَ َ‬
‫ه ب ِك ُ ّ‬
‫ض ّ‬
‫ل َ‬
‫م{‬
‫ما ي َت ّ ُ‬
‫ل ِي ُ ِ‬
‫ن إِ ّ‬
‫قو َ‬
‫م َ‬
‫ما ب َعْد َ إ ِذ ْ هَ َ‬
‫يٍء عَِلي ٌ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ن ل َُهم ّ‬
‫داهُ ْ‬
‫ل قَوْ ً‬
‫ش ْ‬
‫حّتى ي ُب َي ّ َ‬
‫]سورة التوبة)‪.[(115‬‬
‫ضح‪ ،‬عّلمنا‪ ،‬أنزل في الكتاب‪ ،‬أرسل الرسل؛‬
‫و‬
‫ين‪،‬‬
‫ب‬
‫وجل‪-‬‬
‫وهذا من عدله ‪-‬عز‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ليبين‪.‬‬
‫)لما( خلق النار‪ ،‬قال هذه السباب‪ ،‬وهذه المسالك المؤدية إليها‪ ،‬ولذلك أهل‬
‫الجنة الذين سلكوا السبل التي تقيهم النار يشعرون بالمّنة‪} :‬وَأ َقْب َ َ‬
‫م‬
‫ل ب َعْ ُ‬
‫ضهُ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن * َقاُلوا إ ِّنا ك ُّنا قَب ْ ُ‬
‫م ْ‬
‫ه عَل َي َْنا‬
‫ف ِ‬
‫ش ِ‬
‫ساءُلو َ‬
‫ض ي َت َ َ‬
‫ن الل ّ ُ‬
‫ن* فَ َ‬
‫ل ِفي أهْل َِنا ُ‬
‫م ّ‬
‫قي َ‬
‫عَلى ب َعْ ٍ‬
‫وَوََقاَنا عَ َ‬
‫م{ ]سورة الطور)‪ .[(27)(26) (25‬كّنا نشفق من عذاب‬
‫ذا َ‬
‫ب ال ّ‬
‫س ُ‬
‫مو ِ‬
‫النار‪.‬‬
‫ما هي الشياء التي تجعل النسان المسلم من ذكرٍ وأنثى يجتنب النار؟‬
‫يتجنب عذاب النار؟ كيف نتقي النار؟‪.‬‬
‫نتقي النار بأشياء نجتنبها‪ ،‬وأشياء نعملها‪.‬‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫أو ً‬
‫من ي ُ ْ‬
‫ه‬
‫شرِك ِباللهِ فَ َ‬
‫ه عَلي ِ‬
‫قد ْ َ‬
‫حّر َ‬
‫م الل ُ‬
‫ه َ‬
‫ل‪ :‬التي نجتنبها‪ :‬الشرك بالله‪} ،‬إ ِن ّ ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ما ِلل ّ‬
‫صاٍر{ ]سورة المائدة)‪.[(72‬‬
‫جن ّ َ‬
‫ن ِ‬
‫ظال ِ ِ‬
‫ال ْ َ‬
‫مأَواهُ الّناُر وَ َ‬
‫ة وَ َ‬
‫ن أن َ‬
‫م ْ‬
‫مي َ‬
‫من العمال المحرمة)التي نجتنبها(‪ :‬الستهزاء بالمؤمنين‪ ،‬وازدراء الصالحين؛‬

‫‪118‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ن‬
‫لنهم يوم القيامة يقال لهم في النار لما يتوسلون‪َ} :‬رب َّنا أ َ ْ‬
‫جَنا ِ‬
‫من َْها فَإ ِ ْ‬
‫خرِ ْ‬
‫عُد َْنا فَإّنا َ‬
‫ه َ‬
‫س ُ‬
‫ن‬
‫ن{‪ .‬يقال لهم‪} :‬ا ْ‬
‫كا َ‬
‫مو َ‬
‫خ َ‬
‫ريقٌ ّ‬
‫ن* إ ِن ّ ُ‬
‫ؤوا ِفيَها وََل ت ُك َل ّ ُ‬
‫ظال ِ ُ‬
‫م ْ‬
‫مو ِ‬
‫ن فَ ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫م‬
‫عَباِدي ي َ ُ‬
‫ن * َفات ّ َ‬
‫ت َ‬
‫خي ُْر الّرا ِ‬
‫ِ‬
‫ح ِ‬
‫مّنا َفاغْ ِ‬
‫فْر ل ََنا َواْر َ‬
‫قوُلو َ‬
‫موهُ ْ‬
‫خذ ْت ُ ُ‬
‫مَنا وَأن َ‬
‫ح ْ‬
‫ن َرب َّنا آ َ‬
‫مي َ‬
‫خرِّيا{ ]سورة المؤمنون )‪ .[(110-107‬فلما سخروا من عباده أدخلهم‬
‫س‬
‫ِ ْ‬
‫النار‪ ،‬هذه من السباب التي يجب تجنبها‪ ،‬الزدراء والسخرية بالصالحين‪.‬‬
‫من أسباب دخول النار‪ :‬عقوق الوالدين‪ :‬قال عليه الصلة والسلم‪) :‬رغم‬
‫أنفه‪ ،‬رغم أنفه‪ ،‬رغم أنفه(‪ .‬من يا رسول الله؟ قال‪) :‬من أدرك والديه عند‬
‫الكبر أو أحدهما فدخل النار(‪] .32‬حديث صحيح[‪.‬‬
‫ً‬
‫)وقد( ساق القرطبي ‪-‬رحمه الله‪ -‬أثرا ً فقال‪" :‬إن رجل ً كان عاقا لوالديه يقال‬
‫له‪ :‬علقمة فقيل له عند الموت‪ :‬قل ل إله إل الله فلم يقدر على ذلك حتى‬
‫جاءته أمه فرضيت عنه ‪ .33‬فاستطاع أن يقولها‪.‬‬
‫من العمال التي يجب اتقاؤها للنجاة من النار‪ :‬الحذر من مخالفة هدي النبي‬
‫عليه الصلة والسلم‪ ،-‬وهدي المؤمنين‪ ،‬وإجماع المؤمنين؛ لن الله ‪-‬عز‬‫سو َ‬
‫من ي ُ َ‬
‫ل‬
‫ل ِ‬
‫ه ال ْهُ َ‬
‫دى وَي َت ّب ِعْ غَي َْر َ‬
‫ق الّر ُ‬
‫ن لَ ُ‬
‫من ب َعْد ِ َ‬
‫وجل‪ -‬قال‪} :‬وَ َ‬
‫سِبي ِ‬
‫ما ت َب َي ّ َ‬
‫شاقِ ِ‬
‫ّ‬
‫صيًرا{ ]سورة النساء)‪.[(115‬‬
‫م ِ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫صل ِهِ َ‬
‫م وَ َ‬
‫ت َ‬
‫ساء ْ‬
‫جهَن ّ َ‬
‫ن ن ُوَل ّهِ َ‬
‫ال ْ ُ‬
‫ما ت َوَلى وَن ُ ْ‬
‫مِني َ‬
‫هذه عاقبة الذي يخالف الهدي النبوي‪ ،‬ويخالف ما أجمع عليه المسلمون‪.‬‬
‫وكثير اليوم ممن تظهر فتاويهم في القنوات الفضائية مخالفين لجماع‬
‫م{‪.‬‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫صل ِهِ َ‬
‫المسلمين‪} :‬وَي َت ّب ِعْ غَي َْر َ‬
‫جهَن ّ َ‬
‫ن ن ُوَل ّهِ َ‬
‫ل ال ْ ُ‬
‫ما ت َوَّلى وَن ُ ْ‬
‫مِني َ‬
‫سِبي ِ‬
‫ومن العمال كذلك التي يجب اتقاؤها‪ :‬الركون إلى الظالمين‪ ،‬والكفرة‬
‫م الّناُر{‬
‫وموالة هؤلء‪ ،‬قال تعالى‪} :‬وَل َ ت َْرك َُنوا ْ إ َِلى ال ّ ِ‬
‫م ّ‬
‫سك ُ ُ‬
‫موا ْ فَت َ َ‬
‫ن ظ َل َ ُ‬
‫ذي َ‬
‫هّ‬
‫ما ن َّز َ‬
‫ن ك َرِ ُ‬
‫]سورة هود)‪ .[(113‬وقال عز وجل‪َ} :‬قاُلوا ل ِل ّ ِ‬
‫ل الل ُ‬
‫هوا َ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫ر{ ]سورة محمد)‪ .[(26‬هؤلء المداهنين‪ .‬المداهنون‬
‫سن ُ ِ‬
‫َ‬
‫ض اْل ْ‬
‫طيعُك ُ ْ‬
‫م ِ‬
‫م ِفي ب َعْ ِ‬
‫هؤلء‪} :‬قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض المر{‪ .‬نمشي‬
‫معكم قلي ً‬
‫ل‪ ،‬نوافق على بعض ما تريدونه‪} :‬سنطيعكم في بعض المر{‪.‬‬
‫فأّدى بهم ذلك إلى النار‪.‬‬
‫)‪(9 /‬‬
‫مما يقي النسان من النار‪ :‬اجتناب الشهوات‪ ،‬والمقصود المحرمة كما عرفنا‪،‬‬
‫فالخمر له شهوة‪ ،‬والزنا له شهوة‪ ،‬وهكذا السرقة‪ ،‬أخذ المال له شهوة بغير‬
‫حق‪ ،‬من غير تعب‪.‬‬
‫من المور المهمة‪ :‬حفظ الفرج والفم؛ لنها ُتعين‪ ،‬سئل النبي ‪-‬عليه الصلة‬
‫والسلم‪ -‬عن أكثر ما يدخل الناس الجنة‪ ،‬فقال‪) :‬تقوى الله وحسن الخلق(‪.‬‬
‫وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار‪ ،‬قال‪) :‬الفم والفرج(‪] .34‬رواه‬
‫الترمذي‪ ،‬وهو حديث صحيح[‪..‬‬
‫اللسان أسهل العضاء حركة فيجب ضبطه‪ ،‬والشهوة عند الهيجان تذهب‬
‫العقول أمامها إل من رزقه الله الثبات‪ ،‬وكان عنده خوف من الله‪ ،‬فإن‬
‫الخوف من الله يطفئ الشهوة المحرمة إذا ثارت‪ ،‬قال عليه الصلة والسلم‪:‬‬
‫)من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة(‪.35‬‬
‫)والخلصة في السباب التي نجتنبها لنتقي النار( حماية جناب التوحيد من‬
‫الشرك‪ ،‬والحذر من الكبائر‪ ،‬والصرار على الصغائر‪ ،‬هذه الشياء التي تجنب‬
‫العبد النار‪.‬‬
‫وهناك أعمال صالحة نفعلها لنتقي النار‪:‬‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬تحقيق التوحيد‪) :‬فإن الله قد حرم على النار من قال‪ :‬ل إله إل الله‬

‫‪119‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫يبتغي بذلك وجه الله(‪] .36‬رواه البخاري ومسلم[‪ .‬فإذا ليس من قالها من‬
‫طرف لسان بدون يقين في القلب‪ ،‬وإنما قال ل إله إل الله يبتغي بذلك وجه‬
‫ة ل يقولها عبد حقا ً من‬
‫الله‪) .‬وقال صلى الله عليه وسلم(‪) :‬إني لعلم كلم ً‬
‫قلبه إل حرم على النار(‪ .37‬ما هي؟ كلمة‪ :‬ل إله إل الله‪] .‬وهو حديث‬
‫صحيح[‪ .‬هذه الكلمة التي أرادها من عمه عند الموت فلم يجبه‪.‬‬
‫فمن حقق التوحيد وقى نفسه من النار‪ ،‬ولذلك تجوب العالم شركيات كثيرة‪،‬‬
‫وأشياء تقدح في التوحيد‪ ،‬وتخدش التوحيد؛ فمن أراد النجاة فليحقق التوحيد‪.‬‬
‫من ُْهم‬
‫مما يقي النسان من النار‪ :‬الستعاذة بالله منها؛ كما قال عز وجل‪} :‬وِ ِ‬
‫قو ُ‬
‫ة وَقَِنا عَ َ‬
‫ب الّناِر{‬
‫من ي َ ُ‬
‫سن َ ً‬
‫ة وَِفي ال ِ‬
‫سن َ ً‬
‫ذا َ‬
‫خَرةِ َ‬
‫ل َرب َّنا آت َِنا ِفي الد ّن َْيا َ‬
‫ح َ‬
‫ح َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫مّنا‬
‫آ‬
‫نا‬
‫ن‬
‫إ‬
‫نا‬
‫ب‬
‫ر‬
‫ن‬
‫لو‬
‫قو‬
‫ُ‬
‫ي‬
‫ن‬
‫ذي‬
‫ل‬
‫}ا‬
‫المؤمنين؟‪:‬‬
‫دعاء‬
‫هو‬
‫ما‬
‫([‪.‬‬
‫‪201‬‬
‫البقرة)‬
‫]سورة‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫فْر ل ََنا ذ ُُنوب ََنا وَقَِنا عَ َ‬
‫ب الّناِر{ ]سورة آل عمران)‪ .[(16‬فيتوسلون إلى‬
‫َفاغْ ِ‬
‫ذا َ‬
‫َ‬
‫هذا‬
‫خل ْ‬
‫ما َ‬
‫ت َ‬
‫ق َ‬
‫ربهم بإيمانهم ليغفر ذنوبهم‪ ،‬وينجيهم من عذاب السعير‪َ} :‬رب َّنا َ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫حان َ َ‬
‫قَنا عَ َ‬
‫ن‬
‫ن يَ ُ‬
‫ب الّناِر{ ]سورة آل عمران)‪َ} .[(191‬وال ِ‬
‫ك فَ ِ‬
‫قولو َ‬
‫ذا َ‬
‫سب ْ َ‬
‫َباط ِل ً ُ‬
‫ذي َ‬
‫ذاب ََها َ‬
‫ن عَ َ‬
‫ف عَّنا عَ َ‬
‫ما{ ]سورة الفرقان)‪.(65‬‬
‫صرِ ْ‬
‫كا َ‬
‫م إِ ّ‬
‫ب َ‬
‫ذا َ‬
‫ن غََرا ً‬
‫جهَن ّ َ‬
‫َرب َّنا ا ْ‬
‫النبي ‪-‬عليه الصلة والسلم‪ -‬في دعائه‪) :‬اللهم إني أعوذ بك من الكسل‬
‫والهرم‪ ،‬والمغرم والمأثم‪ ،‬اللهم إني أعوذ بك من عذاب النار‪ ،‬وفتنة النار‪،‬‬
‫وفتنة القبر‪] .38( ...‬الحديث رواه البخاري[‪ .‬وهو عليه الصلة والسلم كان‬
‫مرةً بجانب بستان لبني النجار على بغلةٍ له‪ ،‬والصحابة معه‪ ،‬فحادت به البغلة‬
‫حتى كادت أن تلقيه‪ ،‬فإذا أقبر ستة أو خمسة أو أربعة‪ ،‬فقال عليه الصلة‬
‫والسلم‪) :‬من يعرف أصحاب هذه القبر؟(‪ .‬فقال رجل‪ :‬أنا‪ ،‬قال‪) :‬فمتى مات‬
‫هؤلء؟( قال‪ :‬ماتوا في الشراك‪ ،‬فقال‪) :‬إن هذه المة تبتلى في قبورها‪،‬‬
‫فلول أن ل تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب الله الذي أسمعه‬
‫منه(‪ .‬ثم أقبل علينا بوجهه‪ ،‬وقال‪) :‬تعوذوا بالله من عذاب النار(‪ .‬قالوا‪ :‬نعوذ‬
‫بالله من عذاب النار ‪ .39‬الحديث‪ ..‬رواه مسلم[‪.‬‬
‫وجاء أيضا ً أن النبي ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬قال لرجل‪) :‬كيف تقول في‬
‫الصلة؟(‪ .‬قال‪ :‬أتشهد وأقول‪ :‬اللهم إني أسألك الجنة‪ ،‬وأعوذ بك من النار‪،‬‬
‫أما إني ل أحسن دندنتك ول دندنة معاذ‪- ..‬يعني الدعية الكثيرة التي تعرفانها‬
‫أنتما‪ ،‬أنا ل أعرفها‪ -،‬فقال النبي ‪-‬عليه الصلة والسلم‪) :-‬حولها ندندن(‪.40‬‬
‫]رواه أبو داود وهو حديث صحيح[‪.‬‬
‫ن النبي ‪-‬عليه الصلة والسلم‪ -‬قال‪) :‬ما‬
‫وقد تقدم معنا الحديث الصحيح أ ّ‬
‫سأل رجل مسلم الله عز وجل الجنة ثلثا ً إل قالت الجنة‪ :‬اللهم أدخله الجنة‪،‬‬
‫ومن استجار من النار ثلثا ً إل قالت النار‪ :‬اللهم أجره من النار(‪ .41‬وفي‬
‫رواية‪) :‬ما استجار عبد من النار سبع مرات إل قالت النار‪ :‬يا رب إن عبدك‬
‫فلنا ً استجار مني فأجره‪ .42(...‬الحديث‪ ..‬وهو صحيح[‪ .‬قال أبو مسلم‬
‫الخولني ‪-‬رحمه الله‪" :-‬ما عرضت لي دعوة إل ذكرت جهنم‪ ،‬فصرفتها إلى‬
‫الستعاذة منها"‪.‬‬
‫وعن مجاهد قال‪" :‬يؤمر بالعبد إلى النار يوم القيامة فتنزوي‪ ،‬فيقول‪ :‬ما‬
‫شأنك؟ فتقول‪ :‬إنه قد كان يستجير مني‪ ،‬فيقول‪ :‬خلوا سبيله"‪.43‬‬
‫وقال عطاء الخرساني‪" :‬من استجار بالله من جهنم سبع مرات‪ ،‬قالت جهنم‪:‬‬
‫ل حاجة لي فيك"‪.44‬‬
‫ن‪ ،‬ويشرعُ فيها الستعاذة من النار؟‬
‫ما هي المواضع التي يس ّ‬
‫ت وحين‪ ،‬لكن هل ورد أشياء مؤكدة؟ أوضاع‪ ،‬أحوال‪ ،‬أوقات‬
‫طبعا ً في كل وق ٍ‬
‫مؤكدة؟‪ .‬نعم‪.‬‬

‫‪120‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫)‪(10 /‬‬
‫أو ً‬
‫ه‬
‫مَنا ِ‬
‫ل‪ :‬عند الفراغ من مناسك الحج‪} :‬فَإ َِذا قَ َ‬
‫م َفاذ ْك ُُروا ْ الل ّ َ‬
‫سك َك ُ ْ‬
‫ضي ُْتم ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫هَ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫قو ُ‬
‫م أوْ أ َ‬
‫من ي َ ُ‬
‫شد ّ ذِكًرا فَ ِ‬
‫ما ل ُ‬
‫ل َرب َّنا آت َِنا ِفي الد ّن َْيا وَ َ‬
‫س َ‬
‫م آَباءك ْ‬
‫ك َذِكرِك ْ‬
‫م َ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫قو ُ‬
‫ة‬
‫من ي َ ُ‬
‫ن َ‬
‫ة وَِفي ال ِ‬
‫سن َ ً‬
‫ِفي ال ِ‬
‫خَر ِ‬
‫ق* وِ ِ‬
‫خَرةِ ِ‬
‫ل َرب َّنا آت َِنا ِفي الد ّن َْيا َ‬
‫ح َ‬
‫من ُْهم ّ‬
‫م ْ‬
‫خل َ ٍ‬
‫ة وَقَِنا عَ َ‬
‫ب الّناِر{ سورة البقرة )‪.[(201) (200‬‬
‫سن َ ً‬
‫ذا َ‬
‫َ‬
‫ح َ‬
‫ً‬
‫ثانيا‪ :‬بين الركنين؛ فعن عبد الله بن السائب الصحابي أنه قال سمعت النبي‬
‫صلى الله عليه وسلم‪ -‬يقول ما بين الركنين‪) :‬ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي‬‫الخرة حسنة وقنا عذاب النار(‪] .45‬رواه أبو داود‪ ،‬وهو حديث صحيح[‪.‬‬
‫ثالثًا‪ :‬في نهاية التشهد‪ ،‬وقبل السلم‪ ،‬قال عليه الصلة والسلم‪) :‬إذا تشهد‬
‫أحدكم فليستعذ بالله من أربع‪ ،‬يقول‪ :‬اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم‪(...‬‬
‫‪] .46‬الحديث‪ ..‬رواه مسلم[‪.‬‬
‫رابعًا‪ :‬بعد النتهاء من الصلة‪ ،‬وفي مجالس الذكر‪ ،‬فقد روى البراء بن عازب‬
‫رضي الله عنه‪ -‬قال‪ :‬كّنا إذا صلينا خلف رسول الله ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪-‬‬‫أحببنا أن نكون عن يمينه‪ ،‬يقبل علينا بوجهه‪ ،‬قال‪ :‬فسمعته يقول‪) :‬رب قني‬
‫عذابك يوم تبعث عبادك(‪] .47‬رواه مسلم[‪ .‬وجاء في البخاري حديث الملئكة‬
‫الذين يلتمسون مجالس الذكر‪ ،‬فيسألهم ربهم عن هؤلء في حلقة الذكر؟‬
‫ماذا يقولون؟ قال‪) :‬فمم يتعوذون؟ قال‪ :‬يقولون من النار؟ قال يقول‪ :‬وهل‬
‫رأوها؟ قال‪ :‬يقولون‪ :‬ل والله يا رب ما رأوها؟ قال يقول‪ :‬فكيف لو رأوها؟‬
‫قال يقولون‪ :‬لو رأوها كانوا أشد منها فرارًا‪ ،‬وأشد لها مخافة‪ ،‬فيقول‪:‬‬
‫فأشهدكم أني قد غفرت لهم(‪] .48‬رواه البخاري[‪.‬‬
‫خامسًا‪ :‬عند قراءة القرآن‪ ،‬وآيات العذاب‪ ،‬فقد جاء في صحيح مسلم عن‬
‫حذيفة ‪-‬رضي الله عنه‪ -‬قال‪ :‬صليت مع النبي ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬ذات‬
‫ليلة فافتتح البقرة‪ ،‬جعل يقرأ مترسل ً إذا مر بآيةٍ فيها تسبيح سبح‪ ،‬وإذا مر‬
‫ة‪ ..‬فافتتح البقرة ‪ ..‬إلى أن‪ ..‬قال‪ :‬يقرأ مترسل ً إذا مر بآيةٍ فيها تسبيح‬
‫بآي ٍ‬
‫ل سأل‪ ،‬وإذا مرة بتعوذٍ تعوذ ثم ركع ‪.49‬‬
‫سبح‪ ،‬وإذا مر بسؤا ٍ‬
‫سادسًا‪ :‬عند النوم‪ ،‬قال حذيفة ‪-‬رضي الله عنه‪ :-‬كان النبي ‪-‬صلى الله عليه‬
‫وسلم‪ -‬إذا أراد أن ينام وضع يده تحت رأسه ثم قال‪) :‬اللهم قني عذابك يوم‬
‫تبعث عبادك(‪] .50‬رواه الترمذي وهو حديث صحيح[‪.‬‬
‫ومن العمال التي يقوم بها المسلم لتنجيه من النار‪ :‬الثبات على الدين‪:‬‬
‫ن فيه حرم على النار وحرمت النار عليه‪ :‬إيمان بالله‪ ،‬وحب الله‪،‬‬
‫)ثلث من ك ّ‬
‫ب إليه من أن يرجع في الكفر(‪] .51‬رواه أحمد‬
‫وأن يلقى في النار فيحرق أح ّ‬
‫وأبو يعلى وإسناده حسن[‪.‬‬
‫كذلك )من العمال التي تنجي المسلم من النار(‪ :‬المحافظة على الصلوات‬
‫الخمس‪ ،‬قال النبي ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪) :‬من حافظ على الصلوات‬
‫حرم‬
‫الخمس على وضوئها ومواقيتها وركوعها وسجودها يراها حقا ً لله عليه ُ‬
‫على النار(‪] .52‬رواه أحمد وهو حديث حسن لغيره[‪ .‬و)قد( مّر أن الله‬
‫سبحانه وتعالى‪ -‬حرم على النار أن تأكل من ابن آدم أثر السجود ‪.53‬‬‫ومن السباب الواقية )من النار ما جاء في الحديث الصحيح(‪) :‬من صام يوما ً‬
‫في سبيل الله باعد الله وجهه من النار سبعين خريفًا(‪] .54‬رواه البخاري‬
‫ومسلم مرفوعًا[‪) .‬ومعنى(‪) :‬في سبيل الله( هو في الجهاد أو في طاعة‬
‫الله؟ كلمها قولن للعلماء‪ ،‬الصيام هذا عظيم‪ ،‬قال عليه الصلة والسلم‪:‬‬
‫)من صام يوما ً في سبيل الله جعل الله بينه وبين النار خندقا ً كما بين السماء‬
‫والرض(‪] .55‬رواه الترمذي‪ ،‬وهو حديث صحيح[‪.‬‬

‫‪121‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫أيضا ً )من السباب(‪ :‬الجهاد )في سبيل الله(‪ ،‬قال عليه الصلة والسلم‪) :‬من‬
‫اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار(‪] .56‬رواه البخاري[‪.‬‬
‫أيضًا)من السباب الواقية من النار(‪ :‬الحراسة في سبيل الله‪ ،‬والبكاء من‬
‫خشية الله‪) :‬عينان ل تسمهما النار‪ :‬عين بكت من خشية الله‪ ،‬وعين باتت‬
‫تحرس في سبيل الله(‪] .57‬رواه الترمذي‪ ،‬وهو حديث صحيح[‪.‬‬
‫أيضا ً )من أسباب الوقاية من النار(‪ :‬الصدقة ولو بالقليل‪ ،‬والكلمة الطيبة‪:‬‬
‫)فاتقوا النار ولو بشق تمرة(‪] .58‬متفق عليه[‪ .‬وفي رواية‪) :‬اتقوا النار ولو‬
‫بشق تمرة‪ ،‬فإن لم تجد فبكلمة طيبة(‪] .59‬متفق عليه[‪.‬‬
‫وأيضا ً )من السباب الواقية من النار(‪ :‬المحافظة على النوافل بعد الفرائض‪،‬‬
‫وسنة الظهر القبلية والبعدية‪ ،‬قال عليه الصلة والسلم‪) :‬من صّلى أربعا ً قبل‬
‫الظهر وأربعا ً بعدها حّرم الله لحمه على النار(‪] .60‬رواه أحمد وأبو داود‪ ،‬وهو‬
‫حديث صحيح[‪.‬‬
‫ً‬
‫)ومن السباب أيضا( الرقة واللين والسهولة في التعامل مع عباد الله‪ ،‬قال‬
‫عليه الصلة والسلم‪) :‬أل أخبركم بمن يحرم على النار؟ أو بمن تحرم عليه‬
‫ن سهل(‪] .61‬رواه الترمذي وأحمد‪ ،‬وهو حديث‬
‫النار؟ على كل قري ٍ‬
‫ب هي ٍ‬
‫صحيح[‪ .‬وقد قال في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم‪) :‬أل‬
‫ظ مستكبر(‪.62‬‬
‫ل جوا ٍ‬
‫أخبركم بأهل النار؟ كل عت ٍ‬
‫)‪(11 /‬‬
‫خ َ‬
‫ب ل َُهم‬
‫ن يَ ْ‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫شو ْ َ‬
‫أثنى الله على الذين يخشون عقابه‪} :‬إ ِ ّ‬
‫ن َرب ُّهم ِبال ْغَي ْ ِ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫جٌر ك َِبيٌر{ ]سورة الملك)‪ .[(12‬هؤلء‪َ :‬‬
‫ه وَي َ َ‬
‫مغْ ِ‬
‫خاُفو َ‬
‫ن َر ْ‬
‫جو َ‬
‫}ي َْر ُ‬
‫فَرةٌ وَأ ْ‬
‫مت َ ُ‬
‫ح َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫م ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ن{‬
‫شفِ ُ‬
‫هم‬
‫ب‬
‫ر‬
‫ة‬
‫ي‬
‫ش‬
‫خ‬
‫ن‬
‫م‬
‫هم‬
‫ن‬
‫ذي‬
‫ل‬
‫}ا‬
‫هؤلء‪:‬‬
‫([‪.‬‬
‫‪57‬‬
‫السراء)‬
‫]سورة‬
‫ه{‬
‫ب‬
‫ذا‬
‫ع‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫قو َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ ِ ّ‬
‫ُ‬
‫ّ ْ‬
‫َ‬
‫]سورة المؤمنون)‪ .[(57‬هؤلء‪ :‬الذين كانوا قبل في أهلهم مشفقين‪ .‬قال‬
‫إبراهيم التيمي ‪-‬رحمه الله‪ :-‬ينبغي لمن لم يحزن أن يخاف أن يكون من أهل‬
‫َ‬
‫فوٌر‬
‫ن َرب َّنا ل َغَ ُ‬
‫مد ُ ل ِل ّهِ ال ّ ِ‬
‫ن إِ ّ‬
‫حَز َ‬
‫ب عَّنا ال ْ َ‬
‫ذي أذ ْهَ َ‬
‫النار؛ لن أهل الجنة قالوا‪} :‬ال ْ َ‬
‫ح ْ‬
‫ش ُ‬
‫َ‬
‫كوٌر{‪] .63‬سورة فاطر)‪ .[(34‬لكن الحزن مم؟ الخوف والشفاق والبكاء‬
‫من خشية الله ومن عذابه‪.‬‬
‫قال عبد الله بن الرومي‪ :‬بلغني أن عثمان ‪-‬رضي الله عنه‪ -‬قال‪ :‬لو أني بين‬
‫الجنة والنار ول أدري إلى أيتهما يؤمر بي لخترت أن أكون رمادا ً قبل أن‬
‫أعلم إلى أيتهما أصير ‪.64‬‬
‫وقال سعد بن الخرم‪ :‬كنت أمشي مع ابن مسعود فمر بالحدادين‪ ،‬وقد‬
‫أخرجوا حديدا ً من النار فقام ينظر إليه ويبكي‪.‬‬
‫وعن ابن أبي الذباب أن طلحة وزيدا ً مرا بكير حدادٍ فوقفا ينظران إليه‬
‫يبكيان‪.‬‬
‫وكان هرم بن حيان‪ :‬إذا أصبح غدا‪ ،‬فمّر بأكورة الحدادين فنظر إلى الحديد‬
‫كيف ينفخ‪ ،‬فيقف يبكي‪ ،‬ويستجير من النار ‪.65‬‬
‫وكان كثير من الصالحين يذكر النار‪ ،‬وأنواع عذابها برؤية ما يشّبه به في‬
‫الدنيا؛ كرؤية البحر وأمواجه‪ ،‬والرؤوس المشوية‪.‬‬
‫يعني حتى الطعام إذا أخرج من الفرن‪ ،‬وبكاء الطفال‪ ،‬يتذكر بكاء أهل النار‪،‬‬
‫والحر والبرد‪ ،‬ليس لن الطفال من أهل النار‪ ،‬لكن لن بكاء الطفال ذ ّ‬
‫كره‪.‬‬
‫)و( بعضهم كان يذكر النار عند الطعام والشراب‪ ،‬يذكر طعام أهل النار‬
‫وشراب أهل النار؛ عن العلء بن محمد قال‪ :‬دخلت على عطاء السلمي‬
‫فرأيت مغشيا ً عليه فقلت لمرأته‪ :‬ما شأنه؟ قالت‪ :‬سجرت جارة لنا التنور‪،‬‬

‫‪122‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫في فرن عند الجيران‪ ،‬وضعت فيه حطب‪ ،‬أوقدته‪ -،‬فلما نظر إليه ُ‬‫غشي‬
‫عليه ‪.66‬‬
‫قال شيخ السلم ‪-‬رحمه الله‪" :-‬وقد يشاهد كثير من المؤمنين من جلل الله‬
‫وعظمته وجمالها أمورا ً عظيمة‪ ،‬تصادف قلوبا ً رقيقة فتحدث غشيا ً وإغماء‪.‬‬
‫ومنها ما يوجب الموت‪ ..‬وإن كان الكاملون منهم ل يعتريهم هذا‪ ..‬لكن‬
‫يعتريهم عند قوة الوارد على قلوبهم وضعف المحل المورود عليه‪.67"..‬‬
‫يعني بعض من ضعف محل القلب عنده‪ ،‬والوارد قوي فيسقط‪.-..‬‬‫وهذا جواب من قال‪ :‬ولماذا لم يقع للصحابة مثل هذا الغشي والغماء؟‬
‫ع‪ ،‬بكوا طوي ً‬
‫ل‪ ،‬وغشي على بعضهم‪ ،‬لكن قد ل يكون قد نقل عن‬
‫فيقال‪ :‬وَقَ َ‬
‫أحد ٍ منهم أنه مات‪ ،‬بينما ُنقل عن بعضهم من التابعين وغيرهم أنه ورد عليه‬
‫شيء من عذاب الله فوقع ‪-‬مات‪ -‬لماذا؟؛ لن قوة القلب عند الصحابة لما‬
‫ورد عليه الوارد القوي كما ورد على عمر مثل ً في اليات في الصلة‪ ،‬ونحو‬
‫ذلك‪ ،‬قلُبه كان قويًا‪ ،‬فتحمل الوارد القوي‪ ،‬فكان بكاًء‪ ،‬أو دموعًا‪ ،‬أو غشيًا‪،‬‬
‫ب أضعف قد يموت‪.‬‬
‫لكن إذا ورد الوارد القوي على قل ٍ‬
‫وهذا طبعا ً حسن خاتمة على أية حال لو مات من خشية الله‪ ،‬لكن الشاهد‬
‫كيف كان حالهم بالمقارنة مع حالنا‪ ،‬وربما ل تكاد دمعة تذرف من العين‪ ،‬لقد‬
‫أطار الخوف من الله النوم من جفونهم‪.‬‬
‫)فهذا( كان طاووس‪-‬رحمه الله‪ :-‬يفترش فراشه ثم يضطجع عليه فيتقلى كما‬
‫تقلى الحبة على المقلى‪ ،‬ثم يثب فيدرجه ‪-‬ويلفه‪ ،‬ويقوم‪ -‬ويستقبل القبلة‬
‫حتى الصباح‪ ،‬ويقول‪ :‬طّير ذكر جهنم نوم العابدين‪.‬‬
‫وقال الحّر بن حصين الفزاري‪ :‬رأيت شيخا ً من بني فزارة أمر له خالد بن‬
‫عبد الله بمائة ألف فأبى أن يقبلها‪ ،‬وقال‪ :‬أذهب ذكر جهنم حلوة الدنيا من‬
‫قلبي‪.‬‬
‫وكان يقول إذا قام من النوم ‪-‬يذكر الناس ليوقظهم لصلة الفجر‪ :-‬النار الناَر‬
‫النار‪.‬‬
‫م ركوعُ‬
‫إذا ما الليل أظلم كابدوه *** فيسفر عنهم وه ُ‬
‫م فقاموا *** وأهل النوم في الدنيا هجوعُ‬
‫أطار الخوف نومه ُ‬
‫ولذلك كان الفراش والزاد من الدنيا قليل‪ ،‬قال ابن المبارك‪:‬‬
‫وما فرشهم إل أيا من أزرهم *** وما وسائدهم إل ملء وأذرع‬
‫)الزار هو الذي يفترشه(‪.‬‬
‫ف *** وما نومهم إل عشاش مروعُ‬
‫وما ليلهم فيهن إل تخو ٌ‬
‫ع‬
‫وألوانهم صفر كأن وجوههم *** عليها جساد هي بالورس مشب ُ‬
‫ع‬
‫ج ُ‬
‫سرى *** إلى الله في الظلماء والناس ه ّ‬
‫نواحل قد أزرى بها الجهد وال ّ‬
‫ع‬
‫وم الناس الحنين المرج ُ‬
‫ويبكون أحيانا ً كأن عجيجهم *** إذا ن ّ‬
‫ع‬
‫ومجلس ذكرٍ فيهم قد شهدته *** وأعينهم من رهبة الله تدم ُ‬
‫كان عباد بن زياد التيمي له إخوة متعبدون فجاء الطاعون فاخترمهم جميعا‪ً،‬‬
‫فقال في رثائهم‪:‬‬
‫ة يعرف التخ ّ‬
‫شع فيهم *** كلهم أحكم القرآن غلما‬
‫فتي ٌ‬
‫ً‬
‫فَرا وعظاما‬
‫ص ِ‬
‫قد برى جلده التهجد حتى *** عاد جلدا م َ‬
‫تتجافى عن الفراش من الخو*** ف إذا الجاهلون باتوا نياما‬
‫ب *** ويظلون بالنهار صياما ‪.68‬‬
‫بأنين وعبرةٍ ونحي ٍ‬
‫ومن السلف من منعه خوف النار من الضحك‪ ،‬قال الحجاج لسعيد بن جبير‬
‫بلغني أنك لم تضحك؟ قال‪ :‬كيف أضحك وجهنم قد سعرت‪ ،‬والغلل قد‬
‫نصبت‪ ،‬والزبانية قد أعدت‪.‬‬
‫‪123‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫)‪(12 /‬‬
‫وقال عثمان بن عبد الحميد‪ :‬وقع في جيران غزوان حريق‪ ،‬فذهب يطفئه‬
‫فوقعت شرارة على إصبٍع من أصابعه‪ ،‬فقال‪ :‬أل أراني قد أوجعتني نار الدنيا‪،‬‬
‫والله ل يراني ضاحكا ً حتى أعرف أينجيني من نار جهنم أم ل!‪ .69‬ومرض‬
‫بعضهم‪ ،‬وسقط خوفا ً من النار‪ ،‬فعطاء صار صاحب فراش سنين‪ ،‬ما به علة‬
‫معروفة‪.‬‬
‫كانوا يرون أنه بدأ مرض عمر بن عبد العزيز الذي مات فيه من الخوف‪.‬‬
‫قال الحسن البصري ‪-‬رحمه الله تعالى‪ :-‬إن لله ‪-‬عز وجل‪ -‬عبادا ً كمن رأى‬
‫أهل الجنة في الجنة مخلدين‪ ،‬وكمن رأى أهل النار في النار مخلدين؛ قلوبهم‬
‫محزونة‪ ،‬وشرورهم مأمونه‪ ،‬حوائجهم خفيفة‪ ،‬وأنفسهم عفيفة‪ ،‬صبروا أياما‬
‫قصارا تعقب راحة طويلة‪ ،‬أما الليل فمصافة أقدامهم‪ ،‬تسيل دموعهم على‬
‫خدودهم‪ ،‬يجأرون إلى ربهم ربنا ربنا‪ ،‬وأما النهار فحلماء علماء‪ ،‬بررة أتقياء؛‬
‫كأنهم القداح ينظر إليهم الناظر فيحسبهم مرضى وما بالقوم من مرض‪ ،‬أو‬
‫خولطوا ولقد خالط القوم من ذكر الخرة أمر عظيم ‪.70‬‬
‫وروي من غير وجه أن علي بن الفضيل بن عياض ‪-‬رحمه الله‪ -‬مات من‬
‫ت‬
‫فوا ْ عََلى الّنارِ فَ َ‬
‫سماع آية‪} :‬وَل َوْ ت ََرىَ إ ِذ ْ وُقِ ُ‬
‫ب ِبآَيا ِ‬
‫قاُلوا ْ َيا ل َي ْت ََنا ن َُرد ّ وَل َ ن ُك َذ ّ َ‬
‫َرب َّنا وَن َ ُ‬
‫ن{ ]سورة النعام)‪.[(27‬‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫ن ِ‬
‫كو َ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫مِني َ‬
‫م َ‬
‫سأل ابن خزيمة يونس بن عبد العلى عن سبب موت ابن وهب؟ قال‪ :‬قرأ‬
‫حمل إلى‬
‫عبد الله كتاب الهوال‪ ،‬فمر في صفة النار فشهق فغشي عليه‪ ،‬ف ُ‬
‫منزله فعاش أياما ً ثم مات ‪.71‬‬
‫)قال يحيى ابن أبي كثير(‪ " :‬قطع قلوب الخائفين طول الخلودين في الجنة‬
‫أو النار"‪.‬‬
‫)وقال ابن السماك(‪" :‬قطع قلوب العارفين طول الخلودين في الجنة والنار‪.‬‬
‫وخطب أبو موسى الشعري الناس بالبصرة‪ ،‬فذكر في خطبته النار فبكى‬
‫حتى سقطت دموعه على المنبر‪ ،‬وبكى الناس يومئذ ٍ بكاًء شديدًا‪.‬‬
‫ل عنده متغير اللون‪ ،‬فقال‪ :‬ما الذي أرى‬
‫ونظر عمر بن عبد العزيز إلى رج ٍ‬
‫بك؟ قال‪ :‬أسقام وأمراض يا أمير المؤمنين‪ ،‬إن شاء الله‪ .‬فأعاد عليه عمر‪،‬‬
‫فأعاد عليه الرجل مثل ذلك ثلثًا‪ ،‬فقال‪ :‬إذا أبيت إل أن أخبرك فإني ذقت‬
‫حلوة الدنيا فصغر في عيني زهرتها وملعبها‪ ،‬واستوى عندي حجارتها وذهبها‪،‬‬
‫ورأيت كأن الناس يساقون إلى الجنة‪ ،‬وأنا أساق إلى النار‪ ،‬فأسهرت لذلك‬
‫ليلتي‪ ،‬وأضمأت له نهاري‪ ،‬وكل ذلك صغير حقير في جانب عفو الله وثواب‬
‫الله ‪-‬عز وجل‪ -‬وجنب عقابه ‪.72‬‬
‫كان عمر بن عبد العزيز ساكتا ً وأصحابه يتحدثون‪ ،‬قالوا‪ :‬مالك ل تتكلم يا أمير‬
‫المؤمنين؟ قال‪ :‬كنت مفكرا ً في أهل الجنة كيف يتزاورون فيها‪ ،‬وفي أهل‬
‫النار كيف يصطرخون فيها‪ ،‬ثم بكى‪.‬‬
‫قال مغيث بن السود‪ :‬زوروا القبور كل يوم ٍ بفكركم‪ .‬تفكروا في جوامع‬
‫الخير كل يوم ٍ بعقولكم‪ ،‬وشاهدوا الموقف كل يوم ٍ بقلوبكم‪ ،‬وانظروا إلى‬
‫المنصرف‪- ،‬يعني من أرض المحشر الناس ينصرفون‪ -‬بالفريقين إلى الجنة‬
‫والنار بهممكم‪ ،‬واشعروا قلوبكم وأبدانكم ذكرى النار ومقامعها وأطباقها‪.‬‬
‫وقال صالح المري‪ :‬للبكاء دواعي‪ :‬الفكرة في الذنوب‪ ،‬فإن أجابت على ذلك‬
‫القلوب وإل نقلتها إلى الموقف‪ ،‬وتلك الشدائد والهوال‪ ،‬فإن أجابت إلى ذلك‬
‫يعني نفسك وارعوت وذلت لله‪ -‬وإل فأعرض عليها التقلب بين أطباق‬‫النيران‪.‬‬

‫‪124‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫دق عبد بالنار قط إل ضاقت عليه الرض بما‬
‫وقال سعيد الجرمي‪ :‬والله ما ص ّ‬
‫رحبت‪ ،‬وإن المنافق لو كانت النار خلف ظهره لم يصدق بها حتى يهجم‬
‫عليها‪- .‬يعني مهما وعظ‪ ،‬ومهما ذ ّ‬
‫كر ل يذكر‪.-‬‬
‫قال ابن عيينة‪ :‬قال إبراهيم التيمي‪ :‬مثلت نفسي في الجنة آكل من ثمارها‪،‬‬
‫وأعانق أبكارها‪ ،‬ثم مثلت نفسي في النار آكل من زقومها‪ ،‬وأشرب من‬
‫صديدها‪ ،‬وأعالج سلسلها وأغللها‪ ،‬فقلت لنفسي‪ :‬أي شيٍء تريدين؟ قالت‪:‬‬
‫ت في المنية ‪-‬ل زلت في‬
‫أريد أن أرد إلى الدنيا فأعمل صالحًا‪ ،‬قال‪ :‬فأن ِ‬
‫الدنيا‪ -‬فاعملي ‪.73‬‬
‫نسأل الله ‪-‬سبحانه وتعالى‪ -‬أن يرزقنا الجنة بمّنه‪ ،‬وأن يعافينا من النار بفضله‬
‫–سبحانه‪.-‬‬
‫ونسأله ‪-‬عز وجل‪ -‬أن يجعلنا من البرار‪ ،‬وأن يدخلنا برحمته في القوم‬
‫الصالحين‪ ،‬وأن يغفر لنا ذنوبنا أجمعين‪ ،‬وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله‬
‫وصحبه وسلم‪.‬‬
‫)‪(13 /‬‬
‫نعيم المرأة في الجنة‬
‫السؤال ‪:‬‬
‫بسم الله الرحمن الرحيم‪:‬‬
‫إذا كان الرجال في الجنة يكرمهم الله بالحور العين جزاًء لهم فما نصيب‬
‫ما يلي ‪:‬‬
‫المرأة التي دخلت الجنة في كل حالةٍ م ّ‬
‫‪ -1‬إذا كانت متزوجة في الدنيا ‪ ،‬و دخلت الجنة هي وزوجها ‪.‬‬
‫جها فدخل النار أعاذنا‬
‫‪‘ -2‬ذا كانت متزوج ً‬
‫ما زو ُ‬
‫ة في الدنيا و دخلت الجنة ‪ ،‬أ ّ‬
‫الله و إياكم منها ‪.‬‬
‫‪ -3‬إذا توفيت قبل أن تتزوج في الدنيا ‪.‬‬
‫‪ -4‬إذا تزّوجت أكثر من مّرة في الدنيا ‪.‬‬
‫الجواب ‪:‬‬
‫ً‬
‫أقول مستعينا بالله تعالى ‪:‬‬
‫خلها فقد استحقّ من نعيمها ما ُيناسب‬
‫الجّنة دار النعيم المقيم ‪ ،‬و من د َ َ‬
‫ّ‬
‫ن ) النساء شقائق‬
‫منزلته فيها ‪ ،‬و هذا للرجال و النساء كل بحسبه ‪ ،‬ل ّ‬
‫ي صلى الله عليه و سّلم فيما رواه أبو داود و‬
‫الرجال ( كما أخبر بذلك النب ّ‬
‫م المؤمنين عائشة بنت الصديق رضي‬
‫أ‬
‫عن‬
‫صحيح‬
‫الترمذي و أحمد بإسناد‬
‫ّ‬
‫الله عنهما ‪.‬‬
‫مع الله تعالى في الذكر ‪ ،‬و الوعد بالجر و الثواب بين الرجال و‬
‫و قد ج َ‬
‫م‬
‫النساء في آيا ٍ‬
‫جا َ‬
‫ست َ َ‬
‫ت ُتتلى من كتابه العزيز ؛ منها قوله تعالى ‪َ ) :‬فا ْ‬
‫ب ل َهُ ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ربه َ‬
‫ّ‬
‫م َ‬
‫ن‬
‫ل َ‬
‫ض َفال ِ‬
‫م ِ‬
‫م ِ‬
‫ل ِ‬
‫عا ِ‬
‫م أّني ل أ ِ‬
‫ن ذ َك َرٍ أوْ أن َْثى ب َعْ ُ‬
‫ضك ُ ْ‬
‫من ْك ُ ْ‬
‫ضيعُ عَ َ‬
‫َ ُّ ْ‬
‫ذي َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫م ٍ‬
‫ن ب َعْ ُ ٍ‬
‫خرجوا من ديارهم و ُ‬
‫هاجروا و أ ُ‬
‫ُ‬
‫ن‬
‫سِبيِلي وَ َقات َُلوا وَ قُت ُِلوا لك َ ّ‬
‫في‬
‫ذوا‬
‫أو‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫فَر ّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ِ ْ َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ َ ُ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫عن ْدِ اللهِ َو‬
‫ن ِ‬
‫م وَ لد ْ ِ‬
‫واًبا ِ‬
‫ري ِ‬
‫جّنا ٍ‬
‫ن تَ ْ‬
‫ت تَ ْ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫خلن ّهُ ْ‬
‫سي َّئات ِهِ ْ‬
‫عَن ْهُ ْ‬
‫م ْ‬
‫حت َِها الن َْهاُر ث َ َ‬
‫م ْ‬
‫ج ِ‬
‫ب ( ] آل عمران ‪. [ 195 :‬‬
‫ه ِ‬
‫عن ْد َه ُ ُ‬
‫ح ْ‬
‫الل ّ ُ‬
‫وا ِ‬
‫ن الث ّ َ‬
‫س ُ‬
‫قال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الية ‪ ) :‬أي قال لهم مخبرا ً أنه ل‬
‫يضيع عمل عامل منكم لديه بل يوفي كل عامل بقسط عمله من ذكر أو أنثى‬
‫ض (( أي ‪ :‬جميعكم في ثوابي سواء ( ‪.‬‬
‫م ِ‬
‫‪ ،‬و قوله )) ب َعْ ُ‬
‫ضك ُ ْ‬
‫م ْ‬
‫ن ب َعْ ٍ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م ْ‬
‫ن‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫ت ِ‬
‫حا ِ‬
‫ل ِ‬
‫صال ِ َ‬
‫ن ذ َكرٍ أوْ أنَثى وَ هُوَ ُ‬
‫ن ي َعْ َ‬
‫و قال تعالى ‪ ) :‬وَ َ‬
‫ن ال ّ‬
‫م ٌ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫فَأ ُوْل َئ ِ َ‬
‫قيًرا ( ] النساء ‪. [ 124 :‬‬
‫ك ي َد ْ ُ‬
‫جن ّ َ‬
‫ن نَ ِ‬
‫مو َ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫خُلو َ‬
‫ة وَ ل ي ُظل ُ‬
‫‪125‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫قال ابن كثير ‪ :‬في هذه الية بيان إحسانه و كرمه و رحمته في قبول العمال‬
‫الصالحة من عباده ذكرانهم و إناثهم بشرط اليمان ‪.‬‬
‫ف دللته‬
‫ت ‪ :‬و اليات الدالة على المراد غير ما ذكرنا كثيرة ‪ ،‬و منها ما ُتعَر ُ‬
‫قل ُ‬
‫ُ‬
‫ة‬
‫ر‬
‫ما‬
‫ع‬
‫م‬
‫أ‬
‫ن‬
‫ع‬
‫نه‬
‫س‬
‫ح‬
‫د‬
‫بإسنا‬
‫الترمذي‬
‫روى‬
‫فقد‬
‫‪،‬‬
‫نزوله‬
‫سبب‬
‫بمعرفة‬
‫ّ َ َ ْ ّ ُ َ َ َ‬
‫ٍ‬
‫قال َت ما أ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫يٍء إ ِل ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ش‬
‫ل‬
‫ك‬
‫رى‬
‫َ‬
‫ف‬
‫م‬
‫صارِي ّةِ أن َّها أت َ ِ‬
‫ي صلى الله عَل َي ْهِ وَ َ‬
‫سل ّ َ‬
‫الن ْ َ‬
‫ْ‬
‫ْ َ َ‬
‫ت الن ّب ِ ّ‬
‫َ‬
‫ن بِ َ‬
‫ن‬
‫ت هَذِهِ الي َ َ‬
‫سل ِ ِ‬
‫ة ‪ ) :‬إِ ّ‬
‫ساَء ي ُذ ْك َْر َ‬
‫ِللّر َ‬
‫م ْ‬
‫ما أَرى الن ّ َ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫يٍء فَن ََزل َ ْ‬
‫ل وَ َ‬
‫مي َ‬
‫ش ْ‬
‫جا ِ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ة‪.‬‬
‫ت ( الي َ َ‬
‫مَنا ِ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫ما ِ‬
‫م ْ‬
‫ن َوال ُ‬
‫ت َوال ُ‬
‫سل ِ َ‬
‫َوال ْ ُ‬
‫مِني َ‬
‫و ما دام السؤال منصب ّا ً على نعيم المرأة في الجّنة فنقول ‪ ،‬و بالله التوفيق ‪:‬‬
‫هم‬
‫ن الله تعالى يجمعُ بينهما فيها ‪ ،‬بل يزيد ُ‬
‫إذا كان الزوجان من أهل الجّنة فإ ّ‬
‫حقُ بهم أبناءهم ‪ ،‬و يرفع َدرجات الدنى منهم فُيلحقه بمن فاقه‬
‫من فضِله فُيل ِ‬
‫في الدرجة ‪ ،‬بدللة إخباره تعالى عن حملة العرش من الملئكة أّنهم يقولون‬
‫من صلح‬
‫في ُ‬
‫دعائهم للمؤمنين } ‪ ...‬ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم و َ‬
‫من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم { ] غافر ‪. [ 8 :‬‬
‫ِ‬
‫و قوله تعالى } والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما‬
‫ألتناهم من عملهم من شيء ‪ ] { ...‬الطور ‪.[ 21 :‬‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫ما أن يكون كافرا ‪ ،‬فهذا ُيخلد فيها ‪،‬‬
‫ما إن كان أحد الزوجين من أهل النار فإ ّ‬
‫أ ّ‬
‫ن الله تعالى قضى على الكافرين‬
‫ل‬
‫‪،‬‬
‫نة‬
‫الج‬
‫أهل‬
‫من‬
‫قرينه‬
‫كون‬
‫ينفعه‬
‫ل‬
‫و‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫م ال ْعَ َ‬
‫ن ( ] البقرة ‪162 :‬‬
‫خ ّ‬
‫ن ِفيَها ل ي ُ َ‬
‫أّنهم ) َ‬
‫ف ُ‬
‫خال ِ ِ‬
‫م ي ُن ْظ َُرو َ‬
‫ذا ُ‬
‫ب و ل هُ ْ‬
‫ف عَن ْهُ ُ‬
‫دي َ‬
‫و آل عمران ‪. [ 88 :‬‬
‫ن كافرات يوم القيامة ‪،‬‬
‫و قضى تعالى بالتفريق بين النبياء و زوجاتهم إن ك ّ‬
‫َ‬
‫فروا ا َ‬
‫ُ‬
‫ط َ‬
‫كان ََتا‬
‫مَرأة َ لو ٍ‬
‫مث َل ً ل ِل ّ ِ‬
‫ضَر َ‬
‫فقال سبحانه ‪َ ) :‬‬
‫مَرأة َ ُنوٍح وَ ا ْ‬
‫ْ‬
‫ه َ‬
‫ب الل ّ ُ‬
‫ن كَ َ ُ‬
‫ذي َ‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ن اللهِ َ‬
‫شْيئا َو‬
‫ن فَ َ‬
‫ن ِ‬
‫ما ِ‬
‫ن ِ‬
‫صال ِ َ‬
‫تَ ْ‬
‫م ي ُغْن َِيا عَن ْهُ َ‬
‫ما فَل ْ‬
‫خان ََتاهُ َ‬
‫ح َ‬
‫عَبادَِنا َ‬
‫م َ‬
‫م ْ‬
‫حي ْ ِ‬
‫ت عَب ْد َي ْ ِ‬
‫ِقي َ‬
‫ن ( ] التحريم ‪ ، [ 10:‬فكان التفريق بين سائر‬
‫ل اد ْ ُ‬
‫دا ِ‬
‫معَ ال ّ‬
‫خل الّناَر َ‬
‫خِلي َ‬
‫الناس لختلف الدين أولى ‪.‬‬
‫قال الحافظ ابن كثير ] في تفسيره ‪ [ 394 / 4 :‬عند هذه الية الكريمة ‪:‬‬
‫قال تعالى ) َ‬
‫ن ( أي ‪ :‬نبيين رسولين عندهما‬
‫ن ِ‬
‫ن ِ‬
‫صال ِ َ‬
‫كان ََتا ت َ ْ‬
‫ح َ‬
‫عَبادَِنا َ‬
‫م ْ‬
‫حي ْ ِ‬
‫ت عَب ْد َي ْ ِ‬
‫في صحبتهما ليل ً ونهارا ً يؤاكلنهما و يضاجعانهما و يعاشرانهما أشد العشرة و‬
‫ما ( أي ‪ :‬في اليمان لم يوافقاهما على اليمان ‪ ،‬و ل‬
‫الختلط ‪ ) ،‬فَ َ‬
‫خان ََتاهُ َ‬
‫دقاهما في الرسالة ‪ ،‬فلم ُيجدِ ذلك كله شيئا ً ‪ ،‬و ل دفع عنهما محذورا ً ‪ ،‬و‬
‫ص َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫شْيئا ً ( أي ‪ :‬ل ُ‬
‫َ‬
‫ن الل ّهِ َ‬
‫كفرهما ‪ ،‬و قيل‬
‫م‬
‫ما‬
‫ه‬
‫ن‬
‫ع‬
‫يا‬
‫ن‬
‫غ‬
‫ي‬
‫م‬
‫ل‬
‫ف‬
‫)‬
‫تعالى‬
‫قال‬
‫لهذا‬
‫ْ ُْ َِ َُْ َ ِ َ‬
‫ن ( ‪.‬اهـ ‪.‬‬
‫للمرأتين ) اد ْ ُ‬
‫دا ِ‬
‫معَ ال ّ‬
‫خل الّناَر َ‬
‫خِلي َ‬
‫)‪(1 /‬‬
‫ح ّ‬
‫ل زواجه‬
‫ن من فارَقها بطلق ُ‬
‫أما إن كان للمرأة في الدنيا أكثر من زوٍج ‪ ،‬فإ ّ‬
‫ما إن مات‬
‫بطلقه ‪ ،‬فتعّين افتراقهما في الخرة كما افترقا في الدنيا ‪ ،‬و أ ّ‬
‫عنها و هي في عصمته ‪ ،‬ثم تزّوجت غيره بعده ‪ ،‬فلهل العلم ثلثة أقوال في‬
‫من تكون معه في الجّنة ‪:‬‬
‫ً‬
‫خلقا و عشرةً معها في الدنيا ‪ ،‬و ل‬
‫• القول الول ‪ :‬أّنها مع من كان أحسن َُهم ُ‬
‫جة عليه ‪.‬‬
‫دليل على هذا القول ‪ ،‬إل حدي ٌ‬
‫ث منكٌر ل يصلح ح ّ‬
‫ً‬
‫• و الثاني ‪ :‬أنها ُتخّير فتختار من بينهم من تشاء ‪ ،‬و ل أعرف دليل لمن قال‬
‫به ‪.‬‬
‫و هذان القولن ذكرهما المام القرطبي في كتابه الشهير التذكرة في أحوال‬
‫الموتى و أمور الخرة ] ‪ . [ 278 : 2‬و اختار الثاني منهما الشيخ محمد‬

‫‪126‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫الصالح العثيمين رحمه الله ‪ ،‬و بعض المعاصرين ‪.‬‬
‫• و القول الثالث ‪ :‬أنها تكون في الجّنة مع آخر زوٍج لها في الدنيا ‪ ،‬أي مع‬
‫من ماتت وهي في عصمته ‪ ،‬أو مات عنها و لم تنكح بعده ‪ ،‬و يد ّ‬
‫ل على هذا‬
‫القول ما رواه البيهقي في سننه ] ‪ [ 69 / 7‬عن حذيفة رضي الله عنه ثم أنه‬
‫قال لمرأته إن شئت أن تكوني زوجتي في الجنة فل تزوجي بعدي فإن‬
‫المرأة في الجنة لخر أزواجها في الدنيا فلذلك حرم الله على أزواج النبي‬
‫صلى الله عليه وسلم أن ينكحن بعده لنهن أزواجه في الجنة ‪ ،‬و حديث أبي‬
‫ن رسول الله صلى الله عليه و سّلم قال ‪ ) :‬أيما‬
‫الدرداء رضي الله عنه أ ّ‬
‫امرأة توفي عنها زوجها ‪ ،‬فتزوجت بعده ‪ ،‬فهي لخر أزواجها ( و قد صححه‬
‫الع ّ‬
‫لمة اللباني رحمه الله ] في السلسلة الصحيحة ‪ ، [1281‬و لم أقف على‬
‫َ‬
‫تصحيح أحد ٍ َقبله له ‪.‬‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫دل عنه إلى غيره ‪ ،‬و ل ُيعد َ ُ‬
‫ل به غيُره ‪ ،‬فلذلك كان‬
‫و إذا صح الحديث فل ُيع َ‬
‫حها ‪ ،‬و الله أعلم ‪.‬‬
‫ج َ‬
‫القول الثالث أولى القوال بالعتبار ‪ ،‬و أر َ‬
‫أما إذا لم ي ُ‬
‫ن الله تعالى يزّوجها‬
‫ج من أهل الدنيا في حياتها ؛ فإ ّ‬
‫كن للمرأة زو ٌ‬
‫ن الزواج من جملة النعيم الذي ُوعد به أهل‬
‫بمن تقّر به عيُنها في الجّنة ‪ ،‬ل ّ‬
‫ّ‬
‫ما تشتهيه النفوس ‪ ،‬و تتطلع إليه ‪ ،‬و قد قال تعالى ‪ ) :‬وَ ِفيَها‬
‫الجّنة ‪ ،‬و هو م ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ما ت َ ْ‬
‫ن ( ] الزخرف ‪. [ 71 :‬‬
‫دو‬
‫ل‬
‫خا‬
‫ها‬
‫في‬
‫م‬
‫ت‬
‫ن‬
‫أ‬
‫و‬
‫ن‬
‫ي‬
‫ع‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ذ‬
‫ل‬
‫ت‬
‫و‬
‫س‬
‫شت َِهيهِ ال َن ْ ُ‬
‫ف ُ ََ‬
‫ُْ ُ َ ُْ ْ ِ َ َ ِ ُ َ‬
‫َ‬
‫و ينبغي للمسلم أن يشتغل بسؤال الله تعالى الجّنة و نعيمها على وجه‬
‫خ َ‬
‫خلها فحق‬
‫ة فَ َ‬
‫قد ْ َفاَز ( ‪ ،‬و من د َ‬
‫جن ّ َ‬
‫ن الّنارِ وَ أ ُد ْ ِ‬
‫ل ال ْ َ‬
‫حزِ َ‬
‫ن ُز ْ‬
‫الجمال ‪ ) ،‬فَ َ‬
‫م ْ‬
‫ح عَ ِ‬
‫على الله أن ُيرضيه ‪ ،‬و الله الموّفق ‪.‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫نغمات عودي‬
‫شعر‪ :‬بدوي الجبل‬
‫ن ََغمات عودي ل ُتم ّ‬
‫ل ‪ii‬لنها‬
‫شعٌر يفيض عواطفا ً ‪ii‬وشعورا‬
‫ت عودي ل تم ّ‬
‫ل ‪ii‬لنها‬
‫نغما ُ‬
‫لغة الملئك إذ ُتناجي ‪ii‬الحورا‬
‫ت بها الرواح في ملكوتها‬
‫همس ْ‬
‫دوا ً أرقّ من الصبا وزفيرا‬
‫ش ْ‬
‫ي من الخيال ‪ii‬بدائعا ً‬
‫يوحي إل ّ‬
‫في ظلمة الحزان من ‪ii‬نغماته‬
‫أحنو عليه معانقا ً ‪ii‬متنهدا ً‬
‫وأبّثه شكوى الهوى ‪ii‬فأخاله‬
‫سله عن الزمن الخئون ‪ii‬وأهله‬
‫شهد القرون الماضيات ‪ii‬وصافحت‬
‫ق ‪ii‬وجللها‬
‫ورأى حضارة ِ‬
‫جل ٍ‬
‫إذ ماء جلقَ كالرحيق ‪ii‬عذوبة‬
‫سلب الزمان ملو َ‬
‫ن ‪ii‬بها‬
‫ك غسا ٍ‬
‫حّبه‬
‫يا لثما ً فيها الثرى من ‪ُ ii‬‬
‫ومعانقا ً أغصانها من ‪ii‬شوقه‬
‫ع‪ii ،‬إنه‬
‫ح الدين فاخش ْ‬
‫هذا صل ُ‬
‫ف الجلل به مليكا ً ‪ii‬فاتحا ً‬
‫طا َ‬
‫‪127‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ة‬
‫ت ‪ii‬خميل ً‬
‫فالثم ثراه فقد لثم َ‬
‫ف لدى القبر النديّ ‪ii‬مرّددا ً‬
‫واهت ْ‬
‫لي ُ‬
‫ث المعامِع وهو أّول ‪ii‬آسرٍ‬
‫‪ ...‬ويهّز أعطافي هوىً وسرورا‬
‫نفسي الحزينة تستعير ‪ii‬النورا‬
‫م صغيرا‬
‫فكأنني أ ّ‬
‫م تض ّ‬
‫ي متيما ً ‪ii‬مهجورا‬
‫يبكي عل ّ‬
‫ت ََره عليما ً بالزمان ‪ii‬خبيرا‬
‫ح ‪ii‬والمنصورا‬
‫أوتاُره السفا َ‬
‫والملك في تلك الربوع ‪ii‬كبيرا‬
‫وظباُء جّلق كالشموس ‪ii‬سفورا‬
‫تاجا ً ُيشعُ سناؤه ُ ‪ii‬وسريرا‬
‫ت أنك تلثم الكافورا ‪ii‬؟‬
‫أعلم َ‬
‫خصورا‬
‫ت ‪ُ ii‬‬
‫أعلمت أنك قد ضمم َ‬
‫مل ُ‬
‫مغيرا‬
‫ك الملوك مسالما ً ‪ii‬و ُ‬
‫حي ًّا‪ ،‬وطاف بلحده ‪ii‬مقبورا‬
‫ت ‪ii‬عبيرا‬
‫للمكرمات وقد نشق َ‬
‫بفناِئه التهلي َ‬
‫ل والتكبيرا‬
‫صيد َ الفوارس كيف صار ‪ii‬أسيرا؟ً‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫)‪(1 /‬‬
‫نفاق الغرب ورياء العرب‬
‫البروفسور ديتيران*‬
‫بعد أسابيع طويلة من اندلع أزمة الرسوم الكاريكاتورية المسيئة إلى النبي‬
‫محمد ما زلنا نتساءل عن الدوافع الحقيقية التي تقف وراء القضية‪ ،‬خاصة‬
‫وأننا ألفينا بعض الجهات الغربية وأخرى إسلمية تبذل جهدها من أجل‬
‫استغلل القضية‪ ،‬مما أدى إلى إفلت المسألة من عقالها‪ .‬وتابع الكثير هنا في‬
‫الغرب تطورات الحداث وكأنهم تعذر عليهم التزان أمام هذا الكوم الهائل‬
‫من الحجج والبراهين والمواقف الغريبة الشكل‪ .‬وفي المقابل‪ ،‬صدرت عن‬
‫الجانب العربي والسلمي ردود فعل لم تقل في كثير من الحيان غرابة‬
‫وإثارة للشك من المواقف الغربية‪.‬‬
‫على الصعيد الغربي‪ ،‬سمعنا القيمين على الجريدة الدانمركية صاحبة مبادرة‬
‫الكاريكاتير المشؤومة ومعها وسائل العلم التي أعادت نشر الرسوم‪ ،‬تبادر‬
‫بالقول أنها تدافع عن حرية التعبير وحقها في تعاطي جميع المواضيع دون‬
‫رقابة بما فيها المحرمات الدينية‪ .‬وسرعان ما انضمت إلى هذا الموقف‬
‫مجموعة واسعة جدا من السياسيين والمفكرين والقطاعات الجتماعية التي‬
‫شجبت المظاهرات الصاخبة "المنظمة" في بعض الدول السلمية والدعوات‬
‫إلى مقاطعة البضائع الدانمركية والوروبية وما تخللها من أعمال العتداء‬
‫)المحدودة( على السفارات والبعثات الوروبية في البلد السلمية‪ .‬وتفاوتت‬
‫شدة هذه المواقف من بلد أوروبي إلى آخر فالقضية تأججت بشكل ملفت‬
‫في الدول السكندينافية وفرنسا وربما ألمانيا بينما لم تتجاوز حدود النقاش‬
‫العلني خلل عدد من السابيع في بلدان أخرى كإسبانيا‪ .‬وبمعزل عن أحقية‬
‫عرض هذه الرسوم والدعوة إلى احترام جميع الراء فإن المبادرات الوروبية‬

‫‪128‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫السياسية والثقافية والجتماعية والعلمية التي شددت على إعادة نشر‬
‫الرسوم وطرح قضية حرية التعبير‪ ،‬علوة على ما ُزعم عن معاداة الدين‬
‫السلمي للتسامح وتعدد الراء‪ ،‬تحمل في أحشائها تناقضات كثيرة يصعب‬
‫على المراقب المحايد التجاوز عنها‪ .‬فلم نلبث أن علمنا أن الصحيفة الرائدة‬
‫في نشر الرسوم فعلت ذلك بعد أن وجه مفكر دانمركي دعوة مفتوحة إلى‬
‫القراء من أجل إرسال رسوم تصور رسول السلم تصويرا ساخرا‪ .‬وإن صح‬
‫هذا الخبر وفعل لقد أكده جامع الرسوم ذاته فإن المسألة ل ترتبط بعمل فني‬
‫تلقائي ينبع من منطلقات فكرية وثقافية مستقلة وإنما هي متعلقة بمحاولة‬
‫مبرمجة تهدف إلى إحداث البلبلة‪ .‬ومما يدعو إلى التأمل والحسبان أن‬
‫صاحب الملف نفسه اعترف بأن الفكرة طرأت عليه بعد أن تناهى إلى‬
‫سمعه أن دارا من دور النشر أخفقت في إيجاد رسام واحد يقبل تصوير النبي‬
‫محمد‪ .‬ومرة أخرى يجب أن نسأل عن أسباب هذه الدعوة الغريبة وكأن‬
‫تصوير مرسل من مرسلي الديان التوحيدية فريضة من الفرائض على رّواد‬
‫فن الكاريكاتور الحديث‪ ،‬ول بد أن يشار هنا إلى أن الفن التصويري الغربي‬
‫يزخر بسوابق عديدة تم فيها تصوير النبي محمد بطريقة مشينة ومجحفة في‬
‫غالب الحيان‪ ،‬كما تحفل الدبيات الوروبية بأوصاف وهمية لمظهر النبي‬
‫محمد وحتى طباعه الخلقية وُتعد ّ الكوميديا اللهية للكاتب اليطالي دانتي‬
‫ألياري أحد العمال الكثر تركيزا على النقطة‪ .‬لذلك ل يجوز الدعاء بأن‬
‫الفنون الغربية امتنعت في وقت من الوقات عن مثل هذه المقومات‬
‫التصويرية‪ ،‬وذلك على الرغم من أن الدين السلمي يحظر تمثيل خاتم‬
‫النبياء بأي شكل من أشكال‪ .‬ومن يشك في ما نقول نحيله إلى الكتابات‬
‫واللوحات وحتى النقوش المنتجة في أوروبا من العصور الوسطى إلى يومنا‬
‫هذا فالمثلة متوفرة‪ .‬لذلك ل نفهم الحجج والبراهين التي ساقها المدافعون‬
‫عن حق التعبير‪ .‬ونزداد حيرة إذا أخذنا بعين الحسبان أن غالبية الجهات‬
‫الوروبية المصممة على إعادة نشر الرسوم المشؤومة تمتنع كل المتناع عن‬
‫نشر آراء وأقوال ومواقف تهين معتقدات وشخصيات يرفضون المساس بها‪.‬‬
‫فالجريدة الدانماركية صاحبة المبادرة كانت قد رفضت سابقا نشر رسوم‬
‫تتطاول على المسيح رسول الدين المسيحي العظم‪ ،‬كما أن هناك وسائل‬
‫إعلم متدينة منسوبة إلى التيار المسيحي القل اعتدال أقدمت على احتضان‬
‫القضية من أجل رعاية حرية الرأي‪ ،‬بينما هي تأبى وتشجب أي مظاهر‬
‫تحسبها معتدية على منطلقاتهم العقائدية‪ .‬وعلى الصعيد السياسي ل بد أن‬
‫نذكر ردود الفعل المتصلبة للحكومة الدانماركية قبل انفجار الزمة إذ استمعنا‬
‫إلى تصريحات رسمية غير لئقة حول السلم والمسلمين في أوروبا هي‬
‫بعيدة كل البعد عن الكياسة الدبلوماسية المألوفة لدى دول الشمال‬
‫الوروبي‪ .‬وكان الولى بالحكومة أن تدافع عن حق الجرائد المحلية في نشر‬
‫ما تراه مناسبا والمتثال إلى القضاء حالة انتهاكها الداب أو مشاعر المؤمنين‬
‫فهذا أمر منوط بالمحاكم‪ ،‬وليس العمل على تحويل القضية إلى قضية‬
‫سياسية تتطلب تدخلها الشخصي‪.‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫ثم لدينا واقعة شائكة أخرى تعكس بشكل صريح حجم النفاق الذي أحاط‬
‫بالمسألة منذ الوهلة الولى وهي ازدواجية المعايير بشأن تحديد الخطوط‬
‫الحمراء التي ل ينبغي تجاوزها في مجال التعبير‪ ،‬إذ أن بعض الدول الوروبية‬

‫‪129‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫سنت قوانين تمنع منعا باتا التطرق "بصورة منبوذة" إلى مواضيع حساسة‬
‫كالمحارق النازية مع أن الخيرة مسألة تاريخية تحولت بحكم المصالح‬
‫السياسية واليديلوجية إلى حرام ممنوع القتراب إليه‪ .‬وليس من الصدف أن‬
‫نجد العناصر الغربية الكثر امتعاضا من احتجاجات الشارع في الدول‬
‫السلمية تبادر إلى الغلو والتعدي السافر على الدين السلمي لمجرد أنهم‬
‫مقتنعون بأن هناك صراعا مديدا بين الحضارة المسيحية المتطورة السموحة‬
‫والحضارة السلمية الكظيمة المتحجرة !! )أو "الكيان السلمي" كيفما‬
‫يفضلون تسميتها لنهم يحجمون عن إعدادها حضارة(!!‪ .‬ولسنا نحن من‬
‫الداعين إلى معاقبة المسؤولين عن نشر وقائع يراها البعض مشينة وإنما‬
‫نطالب باحترام السس التي تضمن حرية الرأي مشددين في الوقت ذاته‬
‫على حق كل إنسان يعتبر نفسه مهانا أو معرضا للشنيعة في اللجوء إلى‬
‫الوسائل القانونية المعترف بها‪ ،‬إل أنه من غير المستحسن تجريح المشاعر‬
‫ة لمصالح مشكوك فيها تهدف أكثر ما تهدف إلى تغذية نظرية‬
‫الدينية خدم ً‬
‫الصطدام والقطيعة وتحويل السلم إلى عدو العصر الحديث‪.‬‬
‫ومما يثبت هذا النفاق الغربي السافر القرارات التي اتخذتها بعض الحكومات‬
‫في سبيل منع فضائيات عربية وإسلمية أن تباشر بثها الفضائي في أوربة‬
‫لنها تنشر على حد زعم تلك الحكومات الكذب والبهتان على القيم الحضارية‬
‫الغربية‪ ،‬أو الملحقة التي تعرضت لها قناة الجزيرة الموصومة بتشجيع‬
‫الرهاب لبثها خطابات الزعماء السلميين المتطرفين "المجرمين" أو لتقديم‬
‫أخبار معينة عن تجاوزات القوات المحتلة في أفغانستان والعراق‪ ،‬وكأن تلك‬
‫الحكومات مستعدة لتعددية الراء ما دامت الراء تتوافق بشكل أو آخر‬
‫بمنظورها الخاص للواقع‪ .‬والسوأ بالنسبة لسمعة اللية الدعائية الغربية أن‬
‫قسما من المواطنين الغربيين خصوصا الوروبيين باتوا يخشون أن تكون‬
‫الخبار المشاعة من وسائل العلم السلمية صحيحة أو شبه صحيحة وإن‬
‫كانت لهجتها مفعمة بالنشائية والغلو‪ ،‬أي أن سبب الحملة عليها ليس دحض‬
‫الباطل وإنما الحيلولة دون إجراء تحليل دقيق للسياسة الخارجية الغربية في‬
‫العالم السلمي‪.‬‬
‫بيد أن مظاهر النفاق الغربية تلقى موقفا انعكاسيا مقابل وموازيا لها في‬
‫التطرف والتعصب في الجانب المقابل حيث لمسنا رغبة جلية لدى بعض‬
‫الدوائر السلمية الرسمية وغير الرسمية في تحريك القضية والصيد في‬
‫المياه العكرة‪ .‬ومما يزيدنا تشكيكا في دوافع تلك الدوائر أن الرسوم عرضت‬
‫في بعض الصحف الردنية واليمنية والمصرية في وقت سابق دون أن تثير‬
‫لغوا يذكر إل عندما اتسعت رقعة الزمة وتذكر الجميع أن جرائد معينة قد‬
‫أفسحت المجال لهذه الحملة الشنيعة على الدين السلمي‪ .‬ولقد استمعنا‬
‫إلى تصريحات رؤساء التحرير لدى الجرائد المعنية فألفيناهم جميعا مشددين‬
‫على ضرورة إظهار هذه الرسوم لثبات بشاعتها ومدى سخفها في آن واحد‬
‫وليس الساءة إلى أحد‪ .‬وأشار البعض إلى أن مشاركة عدد من النظمة‬
‫العربية في الجدال وتقديم الحتجاج الرسمي أمام الحكومة الدانمركية دليل‬
‫على اضطرار النظمة العربية إلى منافسة الحركات السلمية الصاعدة‬
‫وتجريدها من ورقة النفراد بالدفاع عن قيم المة ومقدساتها‪ .‬وربما يفسر‬
‫هذا العتقاد أحداث الشغب المسجلة في سوريا وليبيا حيث أجريت مسيرات‬
‫شعبية ُيعتقد أنها حظيت أساسا بمباركة السلطات المحلية‪ ،‬والكل يعرف أن‬
‫النظمة العربية خبيرة في سبل منع المظاهرات وإرهاب المشاركين فيها إذا‬
‫دت هذه المسيرات تهديدا لمصالحها أو لروابطها القوية بالقوى الحليفة‬
‫أع ّ‬
‫‪130‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫كالوليات المتحدة‪ .‬إن محاولة السيطرة على القضية الدينية وتهميش‬
‫السلميين في هذا المجال محاولة سبق أن باءت بالفشل في العقود‬
‫الماضية‪ .‬وليس من المعقول أن يسمح الحكم للتيار السلمي بقدر من‬
‫البطولة الجتماعية المقيدة لحتواء الغليان الشعبي في حين تسعى السلطة‬
‫إلى وضع العراقيل أمام انضمام القوى السياسية المناهضة إلى اللعبة‬
‫السياسية‪ ،‬ولقد تراجعت المسيرة النفتاحية الصلحية إلى ظاهرة شكلية ل‬
‫معنى لها في معظم الدول العربية إن لم نقل جميعها‪ .‬ويحيرنا أن نرى‬
‫الجماهير الملتهبة تجوب الشوارع دفاعا عن شعائرها الدينية‪ ،‬وثمة ما يبرر‬
‫ن هذه الرسوم مشبوهة الغرض مست لديها الرمز‬
‫غضب هذه الجماهير ل ّ‬
‫العظم لعقيدتها ودينها ‪ ،‬بينما لم نكد نلحظ مسيرات حاشدة تبلغ الحدة‬
‫نفسها في أعقاب قصف أفغانستان أو احتلل العراق أو فضائح أبي غريب‬
‫والساآت المتكررة للقرآن الكريم في غوانتانمو أو أي من المواقع التي قتل‬
‫وجرح وعذب وأهين فيها ألوف المسلمين البرياء‪.‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫خلصة القول‪ ،‬ل نعرف من هو أكثر تيها وضلل‪ ،‬المواطن الغربي الممتعض‬
‫مطالب المحتقن باتخاذ‬
‫الذي هرول إلى المتاجر لشراء السلع الدانمركية وال ُ‬
‫إجراءات صارمة للتصدي للموجة السلمية المعادية للحضارة الغربية وهي‬
‫مطالبة تنبثق مما تكرره وسائل إعلم غربية جاهلة خبيثة‪ ،‬أو المواطن‬
‫المسلم المقاطع للسلع نفسها والموقن بأن هناك حملة صليبية جديدة تهدف‬
‫إلى محو السلم والستيلء على قدرات المة السلمية‪ .‬وتتمثل طليعة هذه‬
‫الحملة المتجددة في التشهير بأركان الدين السلمي من خلل حفنة من‬
‫الرسوم لم يطلع عليها ابن الشارع لنه اطلع غير مباح! والمؤسف أن هناك‬
‫جهات "غامضة" على كل الجانبين تحاول أن تجني ثمارا من الزمة عن‬
‫طريق التضخيم والغلو والفك‪ .‬ولحسن الحظ لم تنجر أكثرية الوروبيين إلى‬
‫البغض والكراهية‪ ،‬وفي المقابل لم نر مظاهرات عنيفة إل في عدد قليل جدا‬
‫من المدن السلمية بلغ فيها السيل الزبى لسباب داخلية وخارجية على حد‬
‫سواء‪ .‬هكذا أمسينا محاصرين بين تناقضين متعارضين‪ ،‬تناقض النظمة‬
‫الغربية التي تنصب نفسها حماة لحرية الرأي والتعبير وهي الضاربة بها عرض‬
‫الحائط كلما كانت حرية التعبير ذاتها تمس مصالحها‪ ،‬وَتناقض النظمة العربية‬
‫التي تدعو إلى استخدام الكلمة والصورة ضمن حدود معقولة وأخلقية بينما‬
‫هي عاجزة عن استيعاب المضمون الحقيقي للعقلنية والخلق وحرية‬
‫التعبير‪.‬‬
‫*البروفسور إغناثيوس غوتيريث دي تيران‪ ،‬مستعرب إسبانيا يدرس التاريخ‬
‫السلمي المعاصر في جامعة أوتونما بمدريد‪.‬‬
‫)‪(3 /‬‬
‫در وبركات البيت‪ ..‬ولكن!‬
‫نفحات رمضان ونسمات ال َ‬
‫ق ْ‬
‫بقلم ‪ :‬د‪ .‬توفيق الواعي‬
‫ً‬
‫يأتي رمضان الذي يتعشقه الُعباد‪ ،‬ويترقبه بغاة الخير‪ ،‬فينزل بردا على‬
‫القلوب وسلما ً على النفوس وهدوءا ً على الضمائر‪ ،‬وسعادة للروح‪ ،‬وبهجة‬
‫للحياة‪ ،‬يستقبله الناس بالفراح والهازيج‪ ،‬والذكار والتراتيل بعفوية فيها‬

‫‪131‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫جلل اليمان وعمق العادة وطبيعة الخير‪ ،‬وسجية المؤمن‪.‬‬
‫يأتي رمضان‪ ،‬فيذكر المسلم بزيادة الجر ومضاعفة الثواب‪ ،‬وشرف اليام‬
‫والليالي‪ ،‬وينبه إلى فضل الله وعطائه العميم‪ ،‬ومنحه ورزقه الكريم‪ ،‬لينهل‬
‫ويتزود ويتضلع من الخير والزاد والبركة‪ .‬يأتي رمضان‪ ،‬يظلله القرآن وترفرف‬
‫عليه الهداية‪ ،‬وتعلوه نسائم المغفرة وأجواء التوبة‪ ،‬فينهل منه الجميع‪ :‬العالم‬
‫النحرير‪ ،‬بما يوحيه القرآن ويعلمه التنزيل‪ ،‬ويمليه الفرقان‪ ،‬والعاصي بما يناله‬
‫من مغفرة للذنوب‪ ،‬وتوبة من الخطايا ورجوع إلى الطريق المستقيم‪.‬‬
‫كما يأتي رمضان بذكريات الخير وبشريات النصر والفتح‪ ،‬فتطل علينا "بدر"‬
‫بعظمتها وعظمة رجالها‪ ،‬وفتح مكة بهالتها وبطولتها وخضوعها واستسلمها‪،‬‬
‫وهتافها‪ :‬وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا)‪) (81‬السراء(‪.‬‬
‫هذه الجواء العظيمة يجب أن تنتج العظماء‪ ،‬وهذه الروحانيات الكبيرة ينبغي‬
‫أن تهيئ النفوس الكبار‪ ،‬ولكن الرياح تأتي بما ل تشتهي السفن‪ ،‬فرمضان‬
‫بروحانياته ودفعاته اليمانية لم يستطيع كثير من المؤمنين بأثقالهم وأوزارهم‬
‫الستفادة منها أو الرتفاع إلى مستواه‪ ،‬فمن الناس من أحاطت به ظروف‬
‫جعلت عبء الحياة عليه شديد الوطأة فناء تحت كلكلها‪ ،‬ومنهم من أحاطت‬
‫به أحمال جعلته يحمل عبء سواه‪ ،‬فهو في كفاح دائم ونضال مستمر وعمل‬
‫ل ينقطع‪ ،‬وكذلك المم في حياتها تتقلب بها الحادثات وتنتابها عوامل‬
‫الجتماع‪ ،‬فهي أحيانا ً وادعة مستسلمة‪ ،‬وأحيانا ً كادحة مجاهدة‪ ،‬وإنما يحمل‬
‫عبء الجهاد فيها أصحاب الدعوات الخالصة والمبادئ السليمة‪ ،‬ورجال‬
‫الصلح والعزائم‪ ،‬الذين آمنوا بوجوب العمل‪ ،‬واعتقدوا ضرورة الحاجة إلى‬
‫إيقاظ هؤلء النفر اللهين والنائمين من أبناء المة‪ .‬ودعاة الحق والصلح‬
‫وأصحاب النفوس الكبيرة لبد أن يجاهدوا ولبد أن يعرفوا أن الكفاح قدرهم‬
‫فيستعدوا لكفاح طويل ل نهاية له‪ ،‬فإن حاجات المم أطول من أعمارها مهما‬
‫طالت‪ ،‬وعليهم أل يقصروا أو ينوا في أداء المهمة العظيمة التي كان من‬
‫حظهم أن يحملوا عبئها وُينتدبوا للقيام بها‪.‬‬
‫وهم إذا فعلوا ذلك فقد أعد الله لهم أعظم الجر لقاء جهدهم الدائب‪ ،‬وهم‬
‫إذا حرموا أنفسهم لذائذ الدنيا الفانية في حياتهم القصيرة‪ ،‬فقد أعد الله لهم‬
‫في خلد جنته ما ل عين رأت ول أذن سمعت ول خطر على قلب بشر‪ ،‬فإن‬
‫سمت أنفسهم عن الزائل وجاهدوا في الله حق جهاده‪ ،‬رأوا في لذة العمل‬
‫الصالح وفي سعادة النجاح وسادة المجتمع ثواب عملهم وجهادهم في الدنيا‬
‫قبل الخرة‪ ،‬وفي الحياة الفانية قبل الباقية ولن يضيع الله ذلك الجر‪ ،‬بل‬
‫سيضاعفه‪ .‬وشتان بين ثواب الله ورضاه‪ ،‬وبين ما يفنى ويزول‪ ،‬بين لذة‬
‫الحياة الدنيا‪ ،‬ولذة الخرة فما متاع الحياة الدنيا في الخرة إل قليل ‪38‬‬
‫)التوبة( "ولموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها" )رواه‬
‫البخاري(‪.‬‬
‫فإذا أبوا إل القعود واستسلموا للضعف‪ ،‬وسلموا الراية وخانوا المانة‪ ،‬فهناك‬
‫العذاب الليم والجزاء الوفاق في الدنيا قبل الخرة‪.‬‬
‫ملة‪ ،‬ولن يترك إسلمه ودعوته بغير‬
‫ولن يدع الله إن شاء الله الراية بغير َ‬
‫ح َ‬
‫ً‬
‫أنصار‪ ،‬بل يديل الله منهم ويستبدل قوما غيرهم‪ ،‬ويكون إثم المقصرين‬
‫القاعدين الذين كرهوا العمل وسئموا الكفاح على أنفسهم‪ ،‬والضرر حائق‬
‫بهم ول يحيق المكر السيئ إل بأهله)فاطر‪.(43:‬‬
‫وعلى المجاهدين أن يعلموا أن شرف العمل عظيم وفضله كبير من حيث‬
‫اختارهم الله لحمل المانة ونصرة دعوته‪ ،‬ولو لم يكن من الثواب إل هذا‬
‫التكريم لكان فيه الكفاية والغناء‪ ،‬فإن الله ل يختار لهذا الشرف إل من‬
‫‪132‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫أحبهم‪ ،‬وماذا يرجو مؤمن بعد‪ ،‬أن يكون لربه حبيبا ً ومن رسوله قريبًا‪ ،‬فيشكر‬
‫الله على هذه المنة‪ ،‬ول يرى لنفسه فضل ً في شيء؟ بل الله يمن عليكم أن‬
‫هداكم لليمان إن كنتم صادقين ‪) 17‬الحجرات‪.(17:‬‬
‫وبعد‪ :‬فهل هناك اليوم عذر لقاعد عن العمل للسلم أو أمته‪ ،‬أو متقاعس‬
‫عن الدفاع عن بيضته‪ ،‬أو مفرط في دينه وعقيدته؟ بعد هذه الحوادث‬
‫الجسام التي تعيشها المة وتكاد تستأصل شأفتها وتمحو عزتها! إنه لمن‬
‫المفروض والمؤكد على كل مؤمن اليوم أن يضع نفسه تحت تصرف أمته‪،‬‬
‫دفاعا ً على عقيدته التي آمن بها‪ ،‬يذود عنها ويعمل لها‪ ،‬ويجاهد في سبيلها‬
‫بنفسه وماله‪ ،‬ول عذر لحد في ذلك‪.‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫قرأ أبو طلحة رضوان الله عليه سورة براءة‪ ،‬فآتى على هذه الية انفروا‬
‫خفافا وثقال وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله )التوبة‪ (41:‬فقال‪:‬‬
‫أرى ربنا قد استنفرنا شيوخا ً وشبانًا‪ ،‬جهزوني يا َبني‪ ،‬فقال بنوه‪ :‬يرحمك الله‬
‫قد غزوت مع رسول الله ص حتى مات‪ ،‬ومع أبي بكر حتى مات‪ ،‬ومع عمر‬
‫حتى مات‪ ،‬فنحن نغزو عنك‪ ،‬فأبى وركب البحر ومات مجاهدا ً في سبيل الله‪.‬‬
‫وشهد أبو أيوب النصاري مع رسول الله ص بدرا ً ثم لم يتخلف عن غزوة‬
‫للمسلمين إل عاما ً واحدًا‪ ،‬قال ابن سيرين‪ :‬وكان أبو أيوب يقول‪ :‬قال الله‬
‫تعالى انفروا خفافا وثقال فل أجدني إل خفيفا ً أو ثقي ً‬
‫ل‪ ،‬ومازال رضي الله عنه‬
‫المجاهد القوي‪ ،‬والجندي الفتي‪ ،‬حتى مات ابن يثرب ربيب الصحراء شهيدا ً‬
‫على أسوار القسطنطينية‪ ،‬ونام شهيدا ً سعيدا ً قرير العين هادي النفس على‬
‫ضفاف البسفور‪ ...‬هؤلء هم رجال رمضان ورجال القرآن الذين استفاوا‬
‫الكثير من هذه النفحات العلوية‪ ،‬وهذه الجواء اليمانية فعاشوا كرامًا‪ .‬فهل‬
‫نفقه الدروس والعبر؟‪ ..‬نسأل الله ذلك‪.‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫نفحات من شهر الصيام‬
‫الحمد لله الذي أعظم على عباده المنة ‪ ,‬بما دفع عنهم كيد الشيطان وفنه ‪,‬‬
‫ورد أمله وخيب ظنه ‪ ,‬إذ جعل الصوم حصنا لوليائه وجنة ‪ ,‬وفتح لهم به‬
‫أبواب الجنة ‪ ,‬وعرفهم أن وسيلة الشيطان إلى قلوبهم الشهوات المستكنة ‪,‬‬
‫وأن بقمعها تصبح النفس المطمئنة ‪ ,‬ظاهرة الشوكة في قصم خصمها قوية‬
‫المنة ‪ ,‬والصلة والسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ذوي البصار‬
‫الثاقبة ‪ ,‬والعقول المرجحة وسلم تسليما كثيرا ‪.‬‬
‫تعريف الصيام ‪:‬‬
‫لغة ‪ :‬من صام بمعنى أمسك ‪ ,‬فالمساك والصيام في اللغة بمعنى واحد ‪.‬‬
‫قال تعالى ‪}:‬فَإما ترين من ال ْب َ َ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫حدا ً فَ ُ‬
‫ت ِللّر ْ‬
‫شرِ أ َ‬
‫ِّ ََ ِ ّ ِ َ َ‬
‫ح َ‬
‫قوِلي إ ِّني ن َذ َْر ُ‬
‫ن َ‬
‫وما ً فَل ْ‬
‫ص ْ‬
‫م ِ‬
‫ُ‬
‫سي ّا ً { ]سورة مريم ‪[26 :‬‬
‫م ِإن ِ‬
‫م ال ْي َوْ َ‬
‫أك َل ّ َ‬
‫وشرعا ً ‪ :‬هو التعبد لله تعالى بالمساك عن الكل والشرب وسائر المفطرات‬
‫من طلوع الفجر إلى غروب الشمس ‪.‬‬
‫حكمه ‪ :‬الوجوب ‪.‬‬
‫مرتبته ‪ :‬أحد أركان السلم ‪.‬‬
‫ومن حكمة الله تعالى أن نوع العبادات على العباد ليختبر حال المكلف وكيف‬

‫‪133‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫يكون امتثاله ‪ ,‬فمن العباد من يفتح له في الصلة ول يطيق الصوم ومنهم من‬
‫يفتح عليه في الصلة والصوم ول يفتح له في الزكاة فنوع الله العبادات‬
‫ليسابق من شاء الله له الهداية ويأطر نفسه على جميع الطاعات ‪ ,‬مهما‬
‫كانت بعيدة عن هوى النفس ‪.‬‬
‫مقاصد الصيام ‪:‬‬
‫‪ -1‬نرى أنه مرتبط باليمان الحق ‪ ,‬فهو قضية قلبية لنه بين العبد وربه ‪ ,‬ومن‬
‫أعظم معاني الصوم تربية اليمان وتحقيق التقوى ‪ ,‬والتطلع إلى الدار الخرة‬
‫‪.‬‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫من‬
‫ن ِ‬
‫ب عَلى ال ِ‬
‫قال تعالى ‪َ}:‬يا أي َّها ال ِ‬
‫ما ك ُت ِ َ‬
‫مُنوا ك ُت ِ َ‬
‫صَيا ُ‬
‫م كَ َ‬
‫ب عَلي ْك ُ ُ‬
‫نآ َ‬
‫م ال ّ‬
‫ذي َ‬
‫ذي َ‬
‫ن { ]سورة البقرة ‪[183 :‬‬
‫م ت َت ّ ُ‬
‫قو َ‬
‫م ل َعَل ّك ُ ْ‬
‫قَب ْل ِك ُ ْ‬
‫‪ -2‬وقاية من النار ‪,‬‬
‫َ‬
‫عَ َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫م َقا َ‬
‫سو َ‬
‫ل‬
‫ن أِبي هَُري َْرةَ َر ِ‬
‫هأ ّ‬
‫ه عَلي ْهِ وَ َ‬
‫ن َر ُ‬
‫سل َ‬
‫صلى الل ُ‬
‫ه عَن ْ ُ‬
‫ي الل ُ‬
‫ل اللهِ َ‬
‫ض َ‬
‫ْ‬
‫ة ‪].‬رواه البخاري )‪ (1904‬ومسلم )‪[(1151‬‬
‫جن ّ ٌ‬
‫م ُ‬
‫صَيا ُ‬
‫ال ّ‬
‫عَ َ‬
‫ه َقا َ‬
‫ه‬
‫سِعيدٍ ال ْ ُ‬
‫ه عَل َي ْ ِ‬
‫س ِ‬
‫خد ْرِيّ َر ِ‬
‫ل َ‬
‫ن أِبي َ‬
‫صّلى الل ّ ُ‬
‫معْ ُ‬
‫ه عَن ْ ُ‬
‫ي الل ّ ُ‬
‫ي َ‬
‫ت الن ّب ِ ّ‬
‫ض َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ن‬
‫م يَ ُ‬
‫ه وَ ْ‬
‫صا َ‬
‫ن الّنارِ َ‬
‫ما ِفي َ‬
‫وَ َ‬
‫جهَ ُ‬
‫ل اللهِ ب َعّد َ الل ُ‬
‫م ي َوْ ً‬
‫قول َ‬
‫سل َ‬
‫ن َ‬
‫سب ِْعي َ‬
‫ه عَ ْ‬
‫سِبي ِ‬
‫م ْ‬
‫فا ]رواه البخاري )‪ (2840‬مسلم )‪[(1153‬‬
‫ري ً‬
‫َ‬
‫خ ِ‬
‫‪ -3‬سبيل إلى الجنة‬
‫م َقا َ‬
‫ن‬
‫سعْد ٍ َر ِ‬
‫ل إِ ّ‬
‫ه عَل َي ْهِ وَ َ‬
‫ن َ‬
‫ن َ‬
‫سل ّ َ‬
‫صّلى الل ّ ُ‬
‫ه عَن ْ ُ‬
‫ي الل ّ ُ‬
‫ي َ‬
‫ن الن ّب ِ ّ‬
‫ه عَ ْ‬
‫ض َ‬
‫سهْ ٍ‬
‫عَ ْ‬
‫ل بْ ِ‬
‫خ ُ‬
‫خ ُ‬
‫قا ُ‬
‫ه‬
‫جن ّةِ َباًبا ي ُ َ‬
‫مةِ َل ي َد ْ ُ‬
‫ن ي َد ْ ُ‬
‫ل ِ‬
‫م ال ْ ِ‬
‫ل ِ‬
‫مو َ‬
‫ه الّرّيا ُ‬
‫ِفي ال ْ َ‬
‫ن ي َوْ َ‬
‫من ْ ُ‬
‫قَيا َ‬
‫صائ ِ ُ‬
‫من ْ ُ‬
‫ل لَ ُ‬
‫ه ال ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫خ ُ‬
‫قا ُ‬
‫خُلوا‬
‫ن فَي َ ُ‬
‫م يُ َ‬
‫م فَإ َِذا د َ َ‬
‫ن َل ي َد ْ ُ‬
‫ل ِ‬
‫هأ َ‬
‫مو َ‬
‫مو َ‬
‫أ َ‬
‫حد ٌ غَي ُْرهُ ْ‬
‫من ْ ُ‬
‫قو ُ‬
‫صائ ِ ُ‬
‫حد ٌ غَي ُْرهُ ْ‬
‫ن ال ّ‬
‫ل أي ْ َ‬
‫ل من َ‬
‫ُ‬
‫حد ٌ ‪ ].‬رواه البخاري )‪ (1896‬مسلم )‪[(1152‬‬
‫م ي َد ْ ُ‬
‫هأ َ‬
‫خ ْ ِ ْ ُ‬
‫أغْل ِقَ فَل َ ْ‬
‫قال ابن القيم رحمه الله ‪:‬‬
‫أ َبوابها حق ث َمان ِي ٌ َ‬
‫ت‬
‫ْ َ َُ َ ّ َ َ‬
‫ة أت َ ْ‬
‫ن‬
‫صا ِ‬
‫ص وِ ِ‬
‫ب ال ِ ْ‬
‫ح َ‬
‫ح ِ‬
‫هي ل ِ َ‬
‫سا ِ‬
‫ِفي الن ّ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ها‬
‫جَهاد ِ وََذاك ‪ii‬أعْل َ‬
‫َبا ُ‬
‫ب ال ِ‬
‫ْ‬
‫ن‬
‫م ي ُد ْ َ‬
‫عى الَبا ُ‬
‫وََبا ُ‬
‫صو ْ ُ‬
‫ب ال ّ‬
‫ب ‪ِii‬بالّرّيا ِ‬
‫وَل ِك ُ ّ‬
‫ب‬
‫صال ٍِح َبا ٌ‬
‫ل َ‬
‫ي َ‬
‫سعْ ٍ‬
‫َ‬
‫خ ٌ‬
‫ن‬
‫ه َدا ِ‬
‫سْعي ِ‬
‫وََر ُ‬
‫ب ال ّ‬
‫ل ‪ii‬ب ِأ َ‬
‫من ْ ُ‬
‫ما ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫واب َِها‬
‫سو ْ َ‬
‫ف يُ ْ‬
‫وَل َ َ‬
‫دعى ال َ‬
‫مْرُء من ‪ii‬أب ْ َ‬
‫ن‬
‫م ًَعا إ َِذا وَّفى ُ‬
‫َ‬
‫ج ْ‬
‫ليما ِ‬
‫حَلى ‪ii‬ا ِ‬
‫‪ -4‬وقاية من الشهوات‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ه‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ع‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ال‬
‫لى‬
‫ص‬
‫ي‬
‫ب‬
‫ن‬
‫ال‬
‫ع‬
‫م‬
‫نا‬
‫ك‬
‫‪:‬‬
‫ل‬
‫قا‬
‫ه‬
‫ن‬
‫ع‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ال‬
‫ي‬
‫ض‬
‫ر‬
‫د‬
‫ُ َ ْ ِ‬
‫م ْ‬
‫ُ َْ ُ‬
‫ن َ‬
‫ّ َ َ ِّ ّ َ‬
‫سُعو ٍ َ ِ َ‬
‫عَ ْ‬
‫ن عَب ْدِ اللهِ ب ْ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ست َ َ‬
‫قا َ‬
‫فْرِج ‪,‬‬
‫ن ل ِل ْ َ‬
‫م فَ َ‬
‫صرِ وَأ ْ‬
‫طاعَ ال َْباَءة َ فَل ْي َت ََزوّ ْ‬
‫نا ْ‬
‫وَ َ‬
‫ج ‪ ,‬فَإ ِن ّ ُ‬
‫ل‪َ :‬‬
‫سل ّ َ‬
‫ح َ‬
‫ض ل ِل ْب َ َ‬
‫ه أغَ ّ‬
‫ص ُ‬
‫م ْ‬
‫جاٌء ‪ ] .‬رواه البخاري )‪ (1905‬مسلم‬
‫ه وِ َ‬
‫م يَ ْ‬
‫ه لَ ُ‬
‫صوْم ِ فَإ ِن ّ ُ‬
‫ن لَ ْ‬
‫وَ َ‬
‫ست َط ِعْ فَعَل َي ْهِ ِبال ّ‬
‫م ْ‬
‫)‪[ (1400‬‬
‫‪ -5‬كفارة للذنوب‬
‫عَ َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫م َقا َ‬
‫ن‬
‫ن أِبي هَُري َْرةَ َر ِ‬
‫ه عَلي ْهِ وَ َ‬
‫ل‪َ :‬‬
‫سل َ‬
‫صلى الل ُ‬
‫ه عَن ْ ُ‬
‫ي الل ُ‬
‫ي َ‬
‫م ْ‬
‫ن الن ّب ِ ّ‬
‫ه عَ ْ‬
‫ض َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ه‪ ].‬رواه البخاري )‬
‫م‬
‫م‬
‫د‬
‫َ‬
‫ق‬
‫ت‬
‫ما‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ر‬
‫ف‬
‫غ‬
‫با‬
‫سا‬
‫ت‬
‫ح‬
‫وا‬
‫نا‬
‫ما‬
‫إي‬
‫ن‬
‫ضا‬
‫م‬
‫ر‬
‫م‬
‫ِ‬
‫ن ذ َن ْب ِ ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ ُ َ‬
‫ِ َ‬
‫صا َ َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫‪ (1901‬مسلم )‪[(760‬‬
‫‪ -6‬سبب للسعادة في الدارين‬
‫عَ َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫سو ُ‬
‫ل َقا َ‬
‫ه َقا َ‬
‫م‪:‬‬
‫ن أِبي هَُري َْرةَ َر ِ‬
‫ه عَلي ْهِ وَ َ‬
‫ل َر ُ‬
‫سل َ‬
‫صلى الل ُ‬
‫ه عَن ْ ُ‬
‫ي الل ّ ُ‬
‫ل اللهِ َ‬
‫ض َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ه‪ ].‬رواه‬
‫ن يَ ْ‬
‫م ِ‬
‫صو ْ ِ‬
‫ح وَإ َِذا ل َ ِ‬
‫ه فَرِ َ‬
‫ما إ َِذا أفْط ََر فَرِ َ‬
‫فَر ُ‬
‫صائ ِم ِ فَْر َ‬
‫ي َرب ّ ُ‬
‫حهُ َ‬
‫ح بِ َ‬
‫ِلل ّ‬
‫ق َ‬
‫حَتا ِ‬
‫البخاري )‪ (1904‬مسلم )‪[(1151‬‬
‫‪ -7‬خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك‬
‫‪134‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫عَن أ َبي هُريرةَ رضي الل ّه عَن َ‬
‫م َقا َ‬
‫سو َ‬
‫ل‪:‬‬
‫هأ ّ‬
‫ه عَل َي ْهِ وَ َ‬
‫ن َر ُ‬
‫سل ّ َ‬
‫صّلى الل ّ ُ‬
‫ُ ْ ُ‬
‫ْ ِ‬
‫ل الل ّهِ َ‬
‫َ َْ َ ِ َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ك‪.‬‬
‫ذي ن َ ْ‬
‫سي ب ِي َدِهِ ل ُ‬
‫ب ِ‬
‫خلو ُ‬
‫ن ِريِح ال ِ‬
‫عن ْد َ اللهِ ت ََعالى ِ‬
‫ف ِ‬
‫َوال ّ ِ‬
‫س ِ‬
‫صائ ِم ِ أطي َ ُ‬
‫م ْ‬
‫ف فم ِ ال ّ‬
‫م ْ‬
‫] رواه البخاري )‪ (1894‬مسلم )‪[(1151‬‬
‫‪ -8‬شهر القرآن‬
‫قال تعالى ‪:‬‬
‫ُ‬
‫ن هُ ً ّ‬
‫ن ال ّذِيَ أنزِ َ‬
‫} َ‬
‫دى‬
‫ل ِفيهِ ال ْ ُ‬
‫س وَب َي َّنا ٍ‬
‫ن ال ْهُ َ‬
‫قْرآ ُ‬
‫ضا َ‬
‫م َ‬
‫ت ّ‬
‫شهُْر َر َ‬
‫م َ‬
‫دى للّنا ِ‬
‫ن{ ]سورة البقرة ‪[185 :‬‬
‫َوال ْ ُ‬
‫فْرَقا ِ‬
‫)‪(1 /‬‬
‫ل َ‬
‫سو ُ‬
‫ما َقا َ‬
‫م‬
‫س َر ِ‬
‫كا َ‬
‫ه عَل َي ْهِ وَ َ‬
‫ن َر ُ‬
‫سل ّ َ‬
‫صّلى الل ّ ُ‬
‫ه عَن ْهُ َ‬
‫ي الل ّ ُ‬
‫ل الل ّهِ َ‬
‫ض َ‬
‫عَ ْ‬
‫ن عَّبا ٍ‬
‫ن اب ْ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ري ُ‬
‫ري ُ‬
‫ل‬
‫ن ي َل َ‬
‫ن ِ‬
‫ل وَكا َ‬
‫ضا َ‬
‫م َ‬
‫ما ي َكو ُ‬
‫نأ ْ‬
‫س وَكا َ‬
‫أ ْ‬
‫ن ِ‬
‫قاه ُ ِ‬
‫ن ِفي َر َ‬
‫جوَد ُ َ‬
‫حي َ‬
‫جب ْ ِ‬
‫جب ْ ِ‬
‫جوَد َ الّنا ِ‬
‫سو ُ‬
‫قاه ُ ِفي ك ُ ّ‬
‫ه ال ْ ُ‬
‫ي َل ْ َ‬
‫ه عَل َي ْهِ‬
‫ل ل َي ْل َةٍ ِ‬
‫قْرآ َ‬
‫ن فَي ُ َ‬
‫ضا َ‬
‫م َ‬
‫ن فَل ََر ُ‬
‫دارِ ُ‬
‫صّلى الل ّ ُ‬
‫س ُ‬
‫ن َر َ‬
‫ل الل ّهِ َ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫ري ُ‬
‫سل َةِ ‪ ].‬رواه البخاري )‬
‫ن ي َل ْ َ‬
‫جوَد ُ ِبال ْ َ‬
‫م ِ‬
‫خي ْرِ ِ‬
‫لأ ْ‬
‫مْر َ‬
‫وَ َ‬
‫ن الّريِح ال ْ ُ‬
‫قاه ُ ِ‬
‫سل ّ َ‬
‫م ْ‬
‫حي َ‬
‫جب ْ ِ‬
‫‪ (3220‬مسلم )‪[(2450‬‬
‫‪ -9‬شهر الجهاد‬
‫فناهيك أن أعظم معركتين كانتا في رمضان ‪ :‬بدر ‪ ,‬وفتح مكة ‪.‬‬
‫‪ -10‬شهر النفقة والنفاق‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫م‬
‫ل‬
‫س‬
‫و‬
‫ه‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ع‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ال‬
‫لى‬
‫ص‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ال‬
‫ل‬
‫سو‬
‫ر‬
‫ن‬
‫كا‬
‫ل‬
‫قا‬
‫ما‬
‫ه‬
‫ن‬
‫ع‬
‫س َر ِ‬
‫َ َ ُ‬
‫ُ َ ْ ِ َ َ َ‬
‫ه َُْ َ‬
‫ي الل ّ ُ‬
‫ِ َ‬
‫ض َ‬
‫عَ ْ‬
‫ن عَّبا ٍ‬
‫ن اب ْ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ما ي َ ُ‬
‫س وَ َ‬
‫ن‪ ].‬رواه البخاري )‪ (3220‬مسلم‬
‫ضا َ‬
‫م َ‬
‫كو ُ‬
‫نأ ْ‬
‫كا َ‬
‫أ ْ‬
‫ن ِفي َر َ‬
‫جوَد ُ َ‬
‫جوَد َ الّنا ِ‬
‫)‪[(2450‬‬
‫‪ -11‬شهر التوبة‬
‫فيه ثلثة أمور تكفر الذنب ‪:‬‬
‫ةَ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫سو ُ‬
‫ل َقا َ‬
‫ن أ َِبي هَُري َْرة َ َقا َ‬
‫ن يَ ُ‬
‫م لي ْل َ‬
‫ه عَلي ْهِ وَ َ‬
‫ل َر ُ‬
‫ق ْ‬
‫م َ‬
‫سل َ‬
‫صلى الل ُ‬
‫ل اللهِ َ‬
‫م ْ‬
‫‪ - 1‬عَ ْ‬
‫َ‬
‫ه‪ ].‬رواه البخاري )‪ (35‬مسلم )‬
‫ما ت َ َ‬
‫ال ْ َ‬
‫ن ذ َن ْب ِ ِ‬
‫م ِ‬
‫ساًبا غُ ِ‬
‫ماًنا َوا ْ‬
‫قد ّ َ‬
‫حت ِ َ‬
‫ه َ‬
‫فَر ل ُ‬
‫قد ْرِ ِإي َ‬
‫م ْ‬
‫‪[(760‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫م َقا َ‬
‫سو َ‬
‫ن‬
‫ضا َ‬
‫م َ‬
‫ن أِبي هَُري َْرة َ أ ّ‬
‫ن َقا َ‬
‫ه عَلي ْهِ وَ َ‬
‫ن َر ُ‬
‫م َر َ‬
‫ل َ‬
‫سل َ‬
‫صلى الل ُ‬
‫ل اللهِ َ‬
‫م ْ‬
‫‪ - 2‬عَ ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ه‪ ].‬رواه البخاري )‪ (37‬مسلم )‪[(760‬‬
‫ما ت َ َ‬
‫ن ذ َن ْب ِ ِ‬
‫م ِ‬
‫ساًبا غ ِ‬
‫ماًنا َوا ْ‬
‫قد ّ َ‬
‫حت ِ َ‬
‫ه َ‬
‫فَر ل ُ‬
‫ِإي َ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫سو ُ‬
‫ل قا َ‬
‫ن أِبي هَُري َْرة َ قا َ‬
‫م‬
‫صا َ‬
‫ه عَلي ْهِ وَ َ‬
‫ل َر ُ‬
‫م َ‬
‫سل َ‬
‫صلى الل ُ‬
‫ن َ‬
‫ل اللهِ َ‬
‫م ْ‬
‫‪ - 3‬عَ ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ه‪ ].‬رواه البخاري )‪ (38‬مسلم‬
‫ما ت َ َ‬
‫ن ذ َن ْب ِ ِ‬
‫م ِ‬
‫ساًبا غ ِ‬
‫ماًنا َوا ْ‬
‫ضا َ‬
‫م َ‬
‫قد ّ َ‬
‫حت ِ َ‬
‫ه َ‬
‫فَر ل ُ‬
‫ن ِإي َ‬
‫َر َ‬
‫م ْ‬
‫)‪[(760‬‬
‫‪ -12‬شهر الدعاء‬
‫سأ َل َ َ‬
‫عَباِدي‬
‫ك ِ‬
‫فقد وسط سبحانه الدعاء آيا ت الصوم فقال تعالى ‪} :‬وَإ َِذا َ‬
‫ُ‬
‫مُنوا ْ ِبي‬
‫داِع إ َِذا د َ َ‬
‫جيُبوا ْ ِلي وَل ْي ُؤْ ِ‬
‫ب د َعْوَةَ ال ّ‬
‫جي ُ‬
‫ري ٌ‬
‫ن فَل ْي َ ْ‬
‫ست َ ِ‬
‫بأ ِ‬
‫عا ِ‬
‫عَّني فَإ ِّني قَ ِ‬
‫م ي َْر ُ‬
‫ن )‪] {(186‬سورة البقرة ‪[186 :‬‬
‫دو َ‬
‫ش ُ‬
‫ل َعَل ّهُ ْ‬
‫هناك خمسة أسباب لجابة الدعاء ‪:‬‬
‫‪ -1‬اختيار الزمان الفاضل ) وقت السحر – دبر الصلوات المكتوبات – بين‬
‫الذان والقامة – آخر ساعة من يوم الجمعة – عند الصيام – يوم عرفة (‬
‫‪ -2‬اختيار الماكن الفاضلة ) المساجد – مكة ‪( -‬‬
‫‪ -3‬صفة الداعي ككونه مسافرا ً – أو أبا ً يدعوا لولده – أو صائم – أو مجاهد –‬
‫أو مظلوما ً – أو مضطرا ً منقطعا ً لله تبارك وتعالى انقطاعا ً تاما ً‬
‫‪ -4‬صفة الدعاء مثل أن يكون الداعي متوضأ مستقبل القبلة وداعيا ً باسم الله‬
‫العظم وبصفاته الحسنى‬
‫ل للحرام وغيره ‪.‬‬
‫‪ -5‬زوال المانع من أك ٍ‬
‫‪135‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫فائدة ‪ :‬العتداء في الدعاء منهي عنه ) مثل الدعاء بقطيعة رحم والدعاء بغير‬
‫الله ‪( ...‬‬
‫حال العباد في رمضان ‪:‬‬
‫الصنف الول ‪:‬‬
‫يفرحون بهذا الشهر فرح القادم بغائبه وحبيبه ويسرون بقدومه ‪ ,‬لما علموا‬
‫فيه من زيادة اليمان وفتح أبواب البر ‪ ,‬وتعظيم الطاعات ‪.‬‬
‫فهؤلء علموا أن المتناع عن اللذات في الدنيا سببا ً لحصوله في الجنة ‪ ,‬وأن‬
‫الله يجزي فيه من الجر ما ليس في غيره ‪ ,‬ويعلمون أن الصفقة مع الله ‪-‬‬
‫عز وجل ‪ -‬رابحة ‪ ,‬ويعلمون أن ذلك استسلم لله ‪ -‬عز وجل ‪ -‬وأنه من كمال‬
‫العبودية أداء فرض الله ‪ ,‬ويقومون الليل إيمانا ً واحتسابا ً ويقرأون القرآن‬
‫ويخرجون من رمضان وقد أدوا ما افترض الله عليهم ‪.‬‬
‫الصنف الثاني ‪:‬‬
‫قوم يستعظمون قدوم هذا الشهر فتضيق نفوسهم وتعظم شهواتهم فيغرونه‬
‫بجميع أنواع الملذات ويستغرقون في كل الشهوات ‪.‬‬
‫متى ُفرض الصيام ؟‬
‫ُفرض في السنة الثانية من الهجرة ‪.‬‬
‫ويجب صوم رمضان برؤية الهلل‬
‫فلو أجمع علماء الفلك أن الليلة من رمضان والهلل لم ير فل يجوز الصيام‬
‫ولكن وجب الصيام مع أهل البلد حتى ل تحدث الفرقة بين البلد الواحد ‪.‬‬
‫أقوال العلماء في بدأ الصوم ‪:‬‬
‫القول الول ‪:‬‬
‫حد ّث ََنا‬
‫إذا رآه أهل بلد لزم الناس كلهم الصوم لقوله ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪َ -‬‬
‫َ‬
‫ن زَِيادٍ َقا َ‬
‫حد ّث ََنا ُ‬
‫ه‬
‫شعْب َ ُ‬
‫ت أَبا هَُري َْرةَ َر ِ‬
‫س ِ‬
‫م َ‬
‫ة َ‬
‫م َ‬
‫آد َ ُ‬
‫ل َ‬
‫ه عَن ْ ُ‬
‫ي الل ّ ُ‬
‫معْ ُ‬
‫ح ّ‬
‫حد ّث ََنا ُ‬
‫ض َ‬
‫مد ُ ب ْ ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ل َقا َ‬
‫م أوْ َقا َ‬
‫ل َقا َ‬
‫قو ُ‬
‫ه‬
‫ل أُبو ال َ‬
‫يَ ُ‬
‫ه عَلي ْ ِ‬
‫قا ِ‬
‫ه عَلي ْهِ وَ َ‬
‫صلى الل ُ‬
‫سل َ‬
‫صلى الل ُ‬
‫سم ِ َ‬
‫ي َ‬
‫ل الن ّب ِ ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫عد ّة َ َ‬
‫ن‬
‫ملوا ِ‬
‫م فَأك ِ‬
‫شعَْبا َ‬
‫موا ل ُِرؤْي َت ِهِ وَأفْط ُِروا ل ُِرؤْي َت ِهِ فَإ ِ ْ‬
‫وَ َ‬
‫ي عَلي ْك ْ‬
‫صو ُ‬
‫سل َ‬
‫م ُ‬
‫ن غُب ّ َ‬
‫ن‪ ].‬رواه البخاري )‪ (1909‬مسلم )‪[(1081‬‬
‫ث ََلِثي َ‬
‫وذلك أقرب لتحاد المسلمين ‪ ,‬فلو ثبتت رؤية الهلل في أي بلد مسلم وجب‬
‫على أهل الرض الصيام ‪.‬‬
‫القول الثاني ‪:‬‬
‫ل يجب إل على من رآه ومن في حكمه ‪ ,‬والتوقيت يختلف من مكان إلى آخر‬
‫‪.‬‬
‫القول الثالث ‪:‬‬
‫الناس تبع للمام فإذا صام صاموا وإذا أفطر أفطروا ‪.‬‬
‫والراجح أن كل بلد يصوموا مع بلدهم وهذا لتوحيد الكلمة ‪ ,‬وهذا ما أفتى به‬
‫الشيخ عبد العزيز بن باز والشيخ اللباني رحمهما الله ‪.‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫والذي يرى الهلل ل بد أن يكون عدل مؤديا ً للواجبات تاركا ً للكبائر ولم يصر‬
‫على صغيرة ‪ ,‬وأن يكون قوي البصر‪.‬‬
‫دخول رمضان بشاهد ‪ ,‬والخروج بشاهدين ‪.‬‬
‫من رآه بنفسه ولم يعتد بقوله يصوم سرا ً وفي الفطر ل يفطر بمفرده بل‬
‫يفطر مع باقي المسلمين الصوم يوم تصومون‬
‫َ‬
‫عَ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫مو َ‬
‫ن أِبي هَُري َْرةَ أ ّ‬
‫م ي َوْ َ‬
‫صو ْ ُ‬
‫ه عَل َي ْهِ وَ َ‬
‫صو ُ‬
‫سل ّ َ‬
‫صّلى الل ّ ُ‬
‫م تَ ُ‬
‫م قال ال ّ‬
‫ي َ‬
‫ن الن ّب ِ ّ‬
‫ْ‬
‫‪136‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ن ]رواه الترمذي )‪ [(697‬وَقا َ‬
‫ل‪:‬‬
‫م تُ ْ‬
‫َوال ْ ِ‬
‫حو َ‬
‫ض ّ‬
‫م تُ َ‬
‫ض َ‬
‫ن َواْل َ ْ‬
‫فط ُِرو َ‬
‫حى ي َوْ َ‬
‫فط ُْر ي َوْ َ‬
‫َ‬
‫قا َ‬
‫ل ال ْعِل ْم ِ هَ َ‬
‫هَ َ‬
‫معَْنى‬
‫ث فَ َ‬
‫دي َ‬
‫دي ٌ‬
‫ح ِ‬
‫ح ِ‬
‫ذا ال ْ َ‬
‫ري ٌ‬
‫ث َ‬
‫ذا َ‬
‫ب وَفَ ّ‬
‫ح َ‬
‫ما َ‬
‫ل إ ِن ّ َ‬
‫سَر ب َعْ ُ‬
‫ض أهْ ِ‬
‫س ٌ‬
‫ن غَ ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫هَ َ‬
‫س‪.‬‬
‫م َوال ِ‬
‫معَ ال َ‬
‫ذا أ ّ‬
‫صو ْ َ‬
‫ج َ‬
‫فطَر َ‬
‫ن ال ّ‬
‫ماعَةِ وَعُظم ِ الّنا ِ‬
‫أحكام الصيام ‪:‬‬
‫المفطرات ‪:‬‬
‫‪ -1‬الكل ‪.‬‬
‫‪ -2‬الشرب ‪.‬‬
‫‪ -3‬الجماع ‪.‬‬
‫فمن تعمد فعل شيء من هذه الشياء فقد أفطر بالجماع ‪.‬‬
‫ومن المفطرات أيضا‬
‫‪ -4‬القيء العمد ‪.‬‬
‫‪ -5‬الستمناء بأي وسيلة ‪.‬‬
‫من أفطر في رمضان ‪ ,‬ماذا عليه ؟‬
‫ إن كان بأكل أو بشرب فعليه التوبة وصيام يوم مكانه ‪.‬‬‫ وإن أفطر بالجماع فعليه أربعة أشياء ‪:‬‬‫• عليه المساك بقية يومه ل يأكل ول يشرب ‪.‬‬
‫• عليه التوبة ‪.‬‬
‫• عليه القضاء ‪.‬‬
‫• عليه الكفارة ) عتق رقبة ‪ ,‬صيام شهرين ‪ ,‬إطعام ستين مسكينا ً ‪ ,‬فمن لم‬
‫يجد سقطت الكفارة(‬
‫رخص الصيام ‪:‬‬
‫‪ -1‬من أكل وشرب ناسيا ً‬
‫عَ َ‬
‫م َقا َ‬
‫ي‬
‫ل إ َِذا ن َ ِ‬
‫ن أِبي هَُري َْرةَ َر ِ‬
‫ه عَل َي ْهِ وَ َ‬
‫سل ّ َ‬
‫صّلى الل ّ ُ‬
‫ه عَن ْ ُ‬
‫ي الل ّ ُ‬
‫ي َ‬
‫س َ‬
‫ن الن ّب ِ ّ‬
‫ه عَ ْ‬
‫ض َ‬
‫َْ‬
‫َ‬
‫ه الل ُّ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫قاه ُ ‪ ]. .‬رواه البخاري )‬
‫س َ‬
‫م‬
‫ع‬
‫ط‬
‫أ‬
‫ما‬
‫ن‬
‫إ‬
‫ف‬
‫ه‬
‫م‬
‫و‬
‫ص‬
‫م‬
‫ت‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ف‬
‫ب‬
‫ر‬
‫ش‬
‫و‬
‫ل‬
‫فَأك‬
‫ِ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ه وَ َ‬
‫َ ُ‬
‫ّ َ ْ َ ُ ِ َ‬
‫َ ِ‬
‫‪ (1933‬مسلم )‪[(1155‬‬
‫‪ -2‬من أصبح جنبا ً فل شيء عليه‬
‫ة وأ ُم سل َم َ َ‬
‫م َ‬
‫سو َ‬
‫عائ ِ َ‬
‫جُر‬
‫ه ال ْ َ‬
‫ن َ‬
‫ف ْ‬
‫كا َ‬
‫ةأ ّ‬
‫ه عَل َي ْهِ وَ َ‬
‫ن َر ُ‬
‫ن ي ُد ْرِك ُ ُ‬
‫سل ّ َ‬
‫صّلى الل ّ ُ‬
‫ش َ َ ّ َ َ‬
‫ل الل ّهِ َ‬
‫عَ ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫م‪ ].‬رواه البخاري )‪ (1926‬مسلم )‬
‫م ي َغْت َ ِ‬
‫ب ِ‬
‫جن ُ ٌ‬
‫وَهُوَ ُ‬
‫صو ُ‬
‫ن أهْل ِهِ ث ّ‬
‫سل وَي َ ُ‬
‫م ْ‬
‫‪[(1109‬‬
‫‪ -3‬السواك‬
‫وا ُ‬
‫م َقا َ‬
‫عائ ِ َ‬
‫مط ْهََرةٌ ل ِل ْ َ‬
‫ن َ‬
‫ش َ‬
‫ل ال ّ‬
‫ه عَل َي ْهِ وَ َ‬
‫ك َ‬
‫سل ّ َ‬
‫صّلى الل ّ ُ‬
‫ي َ‬
‫س َ‬
‫ن الن ّب ِ ّ‬
‫ة عَ ْ‬
‫عَ ْ‬
‫فم ِ‬
‫ب‪ ].‬رواه البخاري تعليقا[‬
‫ضاةٌ ِللّر ّ‬
‫مْر َ‬
‫َ‬
‫‪ -4‬المضمضة والستنشاق مع عدم المبالغة‬
‫سو ُ‬
‫ل َقا َ‬
‫صب َِرة َ َقا َ‬
‫م ‪ :‬وََبال ِغْ ِفي‬
‫قي ِ‬
‫ن لَ ِ‬
‫ط بْ‬
‫ه عَل َي ْهِ وَ َ‬
‫ل َر ُ‬
‫سل ّ َ‬
‫صّلى الل ّ ُ‬
‫ل الل ّهِ َ‬
‫ن َ‬
‫عَ ْ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ن تَ ُ‬
‫ست ِن ْ َ‬
‫ما ‪].‬رواه الترمذي )‪ (788‬النسائي )‪ (86‬أبو داود‬
‫كو َ‬
‫ق إ ِل أ ْ‬
‫اِل ْ‬
‫صائ ِ ً‬
‫ن َ‬
‫شا ِ‬
‫)‪ (2366‬ابن ماجة )‪ (407‬أحمد )‪[(15945‬‬
‫ي على نفسه‬
‫‪ -5‬تقبيل الزوجة وعناقها ومباشرتها دون الجماع إل أن ُ‬
‫خش ّ‬
‫الوقوع في الجماع فيتجنب ذلك ‪.‬‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫قب ّ ُ‬
‫سو ُ‬
‫عائ ِ َ‬
‫ل‬
‫م يُ َ‬
‫ن َ‬
‫ش َ‬
‫ة َر ِ‬
‫ت كا َ‬
‫ه عَلي ْهِ وَ َ‬
‫ن َر ُ‬
‫سل َ‬
‫صلى الل ُ‬
‫ه عَن َْها َقال َ ْ‬
‫ي الل ّ ُ‬
‫ل اللهِ َ‬
‫ض َ‬
‫عَ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ه‪ ].‬رواه البخاري )‪(1927‬‬
‫م ِل ِْرب ِ ِ‬
‫م وَي َُبا ِ‬
‫ملكك ْ‬
‫هأ ْ‬
‫م وَلك ِن ّ ُ‬
‫صائ ِ ٌ‬
‫صائ ِ ٌ‬
‫شُر وَهُوَ َ‬
‫وَهُوَ َ‬
‫مسلم )‪[(1106‬‬
‫‪ -6‬تعاطي الدوية التي ل تصل إلى الجوف ‪ ,‬إل البخاخة عند الضرورة ‪.‬‬
‫‪ -7‬الكتحال والتقطير في العين ‪.‬‬
‫‪ -8‬بلع الريق مما جرت العادة بجريانه من الفم أو النف إلى الحلق ‪.‬‬
‫‪137‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫‪ -9‬المسافر له أن يفطر ‪.‬‬
‫‪ -10‬المرأة الحامل والمرضع تفطر وعليها أن تطعم إذا خافت على أولدها ‪.‬‬
‫‪ -11‬الكبير الذي ل يستطيع الصوم عليه الفدية ‪.‬‬
‫‪ -12‬ذوق الطعام‬
‫‪ -13‬الغتسال والتبرد بالماء وكذا المضمضة التي ترطب الفم والسان ‪.‬‬
‫‪ -14‬الحجامة ما لم تؤدي إلى ضعفه فقد احتجم النبي ‪ -‬صلى الله عليه‬
‫وسلم ‪ -‬وهو صائم وحديث أفطر الحاجم والمحجوم أفتى العلماء بنسخه ‪.‬‬
‫‪ -15‬ويستحب تعجيل الفطر وتأخير السحور ‪.‬‬
‫أخطاء بعض الصائمين ‪:‬‬
‫‪ -1‬القبال على العبادة في رمضان وتركها في غيره ‪.‬‬
‫‪ -2‬القبال على ما حرم الله وترك ما أحل الله ‪ ,‬أي الصيام عن الكل‬
‫والشرب والجماع ولكنهم ل يتركون قول الزور والسب والشتم و سائر‬
‫المحرمات ‪.‬‬
‫‪ -3‬كثير من الصائمين يصبح عندهم سوء خلق بسبب الجوع والعطش‬
‫ويقسون على أهلهم وكل هذا بسبب أنهم صائمون ‪.‬‬
‫‪ -4‬المبالغة في الطعمة والشربة بألوانها المختلفة وهذا ينافي حكمة الصيام‬
‫‪.‬‬
‫قيام رمضان مغفرة للذنوب ‪:‬‬
‫َ‬
‫عَ َ‬
‫م َقا َ‬
‫سو َ‬
‫ن‬
‫ضا َ‬
‫م َ‬
‫ن أِبي هَُري َْرةَ أ ّ‬
‫ن َقا َ‬
‫ه عَل َي ْهِ وَ َ‬
‫ن َر ُ‬
‫م َر َ‬
‫ل َ‬
‫سل ّ َ‬
‫صّلى الل ّ ُ‬
‫ل الل ّهِ َ‬
‫م ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ه‪ ].‬رواه البخاري )‪ (37‬مسلم )‪[(760‬‬
‫م‬
‫م‬
‫د‬
‫َ‬
‫ق‬
‫ت‬
‫ما‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ر‬
‫ف‬
‫غ‬
‫با‬
‫سا‬
‫ت‬
‫ح‬
‫وا‬
‫نا‬
‫ما‬
‫ِ‬
‫ن ذ َن ْب ِ ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ً‬
‫َ ْ َ ً‬
‫ّ َ‬
‫َ ُ َ‬
‫ِإي َ‬
‫ْ‬
‫وقد بينت عائشة ‪ -‬رضي الله عنه ‪ -‬عدد ركعات القيام‬
‫)‪(3 /‬‬
‫ة بن عَبد الرحم َ‬
‫عَ َ‬
‫ف َ‬
‫سأ َ َ‬
‫عائ ِ َ‬
‫ت‬
‫ل َ‬
‫ه عَن َْها ك َي ْ َ‬
‫ش َ‬
‫ة َر ِ‬
‫ه َ‬
‫ن أِبي َ‬
‫كان َ ْ‬
‫ي الل ّ ُ‬
‫ن أن ّ ُ‬
‫سل َ َ‬
‫ض َ‬
‫ْ‬
‫م َ ْ ِ ْ ِ ّ ْ َ ِ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ما َ‬
‫َ‬
‫زيد ُ ِفي‬
‫ت‬
‫ل‬
‫قا‬
‫َ‬
‫ف‬
‫ن‬
‫ضا‬
‫م‬
‫ر‬
‫في‬
‫م‬
‫ل‬
‫س‬
‫و‬
‫ه‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ع‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ال‬
‫لى‬
‫ص‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ال‬
‫ل‬
‫سو‬
‫ر‬
‫ة‬
‫ل‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ن ي َِ‬
‫كا َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ َ‬
‫َ َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ص َ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ن‬
‫ع‬
‫ل‬
‫س‬
‫ت‬
‫ل‬
‫ف‬
‫عا‬
‫ب‬
‫ر‬
‫أ‬
‫لي‬
‫ص‬
‫ي‬
‫ة‬
‫ع‬
‫ك‬
‫ر‬
‫ة‬
‫ر‬
‫ش‬
‫ع‬
‫دى‬
‫ح‬
‫إ‬
‫لى‬
‫ع‬
‫ه‬
‫ر‬
‫ي‬
‫غ‬
‫في‬
‫ل‬
‫و‬
‫ن‬
‫ضا‬
‫م‬
‫َر‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫س ْ‬
‫صلي ث َلًثا‬
‫ن ُ‬
‫ُ‬
‫ح ْ‬
‫صلي أْرب ًَعا فَل ت َ َ‬
‫ح ْ‬
‫ن ثُ ّ‬
‫ن ثُ ّ‬
‫م يُ َ‬
‫م يُ َ‬
‫ن وَطول ِهِ ّ‬
‫سن ِهِ ّ‬
‫ل عَ ْ‬
‫ن وَطول ِهِ ّ‬
‫سن ِهِ ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن ُتوت َِر قا َ‬
‫م قب ْ َ‬
‫سو َ‬
‫عائ ِ َ‬
‫م‬
‫فَ ُ‬
‫ل َيا َ‬
‫ش ُ‬
‫ة إِ ّ‬
‫لأ ْ‬
‫ن وَل ي ََنا ُ‬
‫ل اللهِ أت ََنا ُ‬
‫ت َيا َر ُ‬
‫ي ت ََنا َ‬
‫قل ُ‬
‫ما ِ‬
‫ن عَي ْن َ ّ‬
‫قَل ِْبي‪ ].‬رواه البخاري )‪ (2013‬مسلم )‪[(738‬‬
‫العشر الواخر من رمضان‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫خ َ‬
‫َ‬
‫عائ ِ َ‬
‫ل‬
‫د‬
‫ذا‬
‫إ‬
‫م‬
‫ل‬
‫س‬
‫و‬
‫ه‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ع‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ال‬
‫لى‬
‫ص‬
‫ي‬
‫ب‬
‫ن‬
‫ال‬
‫ن‬
‫كا‬
‫ت‬
‫ل‬
‫قا‬
‫ها‬
‫ُ َ ْ ِ َ َ َ ِ َ َ‬
‫ن َ‬
‫ش َ‬
‫ة َر ِ‬
‫ْ‬
‫ي الل ّ ُ‬
‫َ ِّ ّ َ‬
‫ه عَن ْ َ‬
‫ض َ‬
‫عَ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ق َ‬
‫شُر َ‬
‫ال ْعَ ْ‬
‫ظ أهْل َُهوكان يجتهد في العشر الواخر ما لم‬
‫ه وَأي ْ َ‬
‫شد ّ ِ‬
‫مئ َْزَره ُ وَأ ْ‬
‫حَيا ل َي ْل َ ُ‬
‫يجتهد في غيره ‪ ] .‬رواه البخاري )‪ (2024‬مسلم )‪[(1174‬‬
‫ليلة القدر ‪:‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ةَ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ما أد َْرا َ‬
‫ة ال َ‬
‫قال تعالى ‪} :‬إ ِّنا أنَزلَناه ُ ِفي لي ْلةِ ال َ‬
‫قد ْرِ )‪ (2‬لي ْل ُ‬
‫ما لي ْل ُ‬
‫ك َ‬
‫قد ْرِ )‪ (1‬وَ َ‬
‫خير م َ‬
‫ْ‬
‫من ك ُ ّ‬
‫شهْرٍ )‪ (3‬ت َن َّز ُ‬
‫ف َ‬
‫ل‬
‫ال ْ َ‬
‫ملئ ِك َ ُ‬
‫ة َوالّرو ُ‬
‫ن أل ْ ِ‬
‫ن َرب ِّهم ّ‬
‫ل ال َ‬
‫ح ِفيَها ب ِإ ِذ ْ ِ‬
‫قد ْرِ َ ْ ٌ ّ ْ‬
‫َ‬
‫جرِ )‪] {(5‬سورة القدر ‪[5-1 :‬‬
‫مط ْل َِع ال ْ َ‬
‫ف ْ‬
‫ي َ‬
‫سل ٌ‬
‫مرٍ )‪َ (4‬‬
‫حّتى َ‬
‫أ ْ‬
‫م هِ َ‬
‫سو ُ‬
‫ل َقا َ‬
‫ن أ َِبي هَُري َْرةَ َقا َ‬
‫قد ِْر‬
‫ة ال ْ َ‬
‫ن يَ ُ‬
‫م ل َي ْل َ َ‬
‫ه عَل َي ْهِ وَ َ‬
‫ل َر ُ‬
‫ق ْ‬
‫م َ‬
‫سل ّ َ‬
‫صّلى الل ّ ُ‬
‫ل الل ّهِ َ‬
‫م ْ‬
‫عَ ْ‬
‫َ‬
‫ه‪ ].‬رواه البخاري )‪ (35‬مسلم )‪[(760‬‬
‫ما ت َ َ‬
‫ن ذ َن ْب ِ ِ‬
‫م ِ‬
‫ساًبا غُ ِ‬
‫ماًنا َوا ْ‬
‫قد ّ َ‬
‫حت ِ َ‬
‫ه َ‬
‫فَر ل ُ‬
‫ِإي َ‬
‫م ْ‬
‫ولذا يستحب تحريها والدعاء فيها ‪.‬‬
‫علمات ليلة القدر ‪:‬‬
‫‪ -1‬أن الشمس تطلع صبحتها ل شعاع لها ‪.‬‬
‫‪ -2‬ل حارة ول باردة وأن الشمس حمراء ضعيفة وقيل ل يرمى فيها بنجم أي‬

‫‪138‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ل تتساقط الشهب ‪.‬‬
‫*ما ورد أن الكلب ل تنبح في هذه الليلة فل أصل له‬
‫الدعاء في ليلة القدر‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫عائ ِ َ‬
‫ما‬
‫ر‬
‫د‬
‫َ‬
‫ق‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ة‬
‫ل‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ة‬
‫ل‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ي‬
‫أ‬
‫ت‬
‫م‬
‫ل‬
‫ع‬
‫ن‬
‫إ‬
‫ت‬
‫ي‬
‫أ‬
‫ر‬
‫أ‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ال‬
‫ل‬
‫سو‬
‫ر‬
‫يا‬
‫ت‬
‫ن َ‬
‫ّ ْ ٍ ْ ُ‬
‫ش َ‬
‫ت قُل ْ ُ َ َ ُ‬
‫ْ ِ َ‬
‫ِ َ ْ َ ِ ْ َِ ْ ُ‬
‫ة َقال َ ْ‬
‫عَ ْ‬
‫م إ ِن ّ َ‬
‫ل ِفيَها َقا َ‬
‫أ َُقو ُ‬
‫ف عَّني ]الترمذي )‬
‫ب ال ْعَ ْ‬
‫ك عُ ُ‬
‫فوَ َفاعْ ُ‬
‫م تُ ِ‬
‫ح ّ‬
‫ري ٌ‬
‫ل ُقوِلي الل ّهُ ّ‬
‫فو ّ ك َ ِ‬
‫‪َ[(3513‬قا َ‬
‫سى هَ َ‬
‫ح‬
‫ص ِ‬
‫دي ٌ‬
‫ل أ َُبو ِ‬
‫ح ِ‬
‫حي ٌ‬
‫ث َ‬
‫ذا َ‬
‫ح َ‬
‫عي َ‬
‫ن َ‬
‫س ٌ‬
‫نسأل الله أن يتقبل منا صالح أعمالنا‬
‫كتبه‬
‫أبو محمد‬
‫)‪(4 /‬‬
‫نفسك‬
‫مواعظ و أذكار يا ابن ادام اتق اله واعلم يرعاك الله‬
‫ان الله مطلعا عليك ناظرا اليك واعلم يرعاك الله‬
‫ان نفسك التى بين جنبيك ان لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل‬
‫واتق الله فى نفسك وفى اهلك و فى والديك وفى بيتك وفى عملك و فى‬
‫كل وقت وحين‬
‫واذا خلوت الدهر يوما لتقل خلوت ولكن قل عليا رقيبا‬
‫واعلم ان الله غفورا رحيما و اقبل على الله وجدد التوبة دائما واكثر من قول‬
‫لالة ال انت سبحانك انى كنت من الظالمين‬
‫ولحول ول قوة ال بالله‬
‫و اعلم ان من يتق الله يجعل لة مخرجا ويرزقة من حيث ل يحتسب ومن‬
‫يتوكل على الله فهو حسبة‬
‫فاتق الله وتوكل على الله وعد الى الله وجاهد نفسك و الشيطان فان‬
‫النفس كالطفل الصغير فان تعلقت بالذنوب فافطمها عنها و استعن بالله‬
‫عليها وعلى الشيطان وعلى الله التوكل والية المصير‬
‫)‪(1 /‬‬
‫نفقة اللقيط‬
‫اللقيط نفس محترمة ل يجوز تركه وتعريضه للهلك‪ ،‬لن في ترك النفاق‬
‫عليه هلكه‪ ،‬وحفظه من ذلك واجب كإنقاذه من الغرق‪ ،‬وهو فرض كفاية‪.‬‬
‫فمن هو المكلف بالنفاق على اللقيط ؟ وما هي الخطوات التي يجب‬
‫مراعاتها في النفاق على اللقيط ؟‬
‫أول‪ :‬الرواية الواردة في ذلك ‪:‬‬
‫قال يحيى‪ :‬قال مالك‪ ،‬عن بن شهاب‪ ،‬عن سنين أبي جميلة ‪ -‬رجل من بني‬
‫سليم‪: -‬أنه وجد منبوذا في زمان عمر بن الخطاب‪ -‬رضي الله عنه‪-‬‬
‫قال‪:‬فجئت به إلى عمر بن الخطاب‪ ،‬فقال‪ :‬ما حملك على أخذ هذه النسمة؟‬
‫فقال‪ :‬وجدتها ضائعة فأخذتها‪ ،‬فقال له عريفه‪ :‬يا أمير المؤمنين‪ :‬إنه رجل‬
‫صالح‪ ،‬فقال له عمر‪ :‬أكذلك ؟ قال‪ :‬نعم‪ ،‬فقال عمر بن الخطاب‪ ":‬اذهب فهو‬
‫حر ولك ولؤه وعلينا نفقته" وفي لفظ ‪" :‬وعلينا رضاعه ")‪.(1‬‬
‫ثانيا ‪ :‬الخطوات التي ينبغي مراعاتها في النفاق على اللقيط ‪:‬‬
‫الخطوة الولى‪ :‬نفقة اللقيط في ماله ‪ ،‬وذلك لن له مال عام أو خاص ‪:‬‬

‫‪139‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫‪ -1‬المال العام ‪:‬وهو المال الموقوف على اللقطاء‪ ،‬والموصى لهم ‪ .‬فهذا‬
‫مال يستحقه بكونه لقيطا‪.‬‬
‫‪ -2‬المال الخاص ‪ :‬وهو ما اختص به اللقيط من ثياب أو حلي عليه ‪ ،‬أو تحته‬
‫من فراش أو سرير‪ ،‬أو في يده من نفقة أو عنان دابة أو مشدود في ثيابه أو‬
‫ببعض جسده أو مجعول فيه كدار وخيمة فهو له لنه آدمي حر فما في يده له‬
‫كالبالغ‪،‬وإن كان مطروحا بعيدا منه أو قريبا مربوطا بغيره لم يكن له لنه ل‬
‫يد له عليه‪.‬‬
‫فإذا لم يوجد مع اللقيط شيء لم يلزم الملتقط النفاق عليه في قول عامة‬
‫أهل العلم‪.‬‬
‫قال ابن المنذر ‪ :‬أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن نفقة‬
‫اللقيط غير واجبة على الملتقط كوجوب نفقة الولد وذلك لن أسباب وجوب‬
‫النفقة من القرابة والزوجية والملك والولء منتفية فاللتقاط إنما هو تخليص‬
‫له من الهلك وتبرع بحفظه فل يوجب ذلك النفقة كما لو فعله بغير اللقيط)‬
‫‪.(2‬‬
‫أقوال الفقهاء في أن نفقة اللقيط من ماله ‪:‬‬
‫ مغني المحتاج ‪ :‬ونفقته ‪:‬أي اللقيط ومؤنة حضانته ليست على الملتقط بل‬‫في ماله‪:‬‬
‫‪ -1‬المال العام كالوقف على اللقطاء والوصية لهم‪ ،‬فإن قيل‪ :‬كيف يصح‬
‫الوقف عليهم ووجودهم ل يتحقق بخلف الوقف على الفقراء؟ وأجيب‪ :‬بأن‬
‫الجهة ل يشترط فيها الوجود وإل لم يصرف إلى من حدث فالموقوف عليه‬
‫الجهة ويكفي إمكانها‪.‬‬
‫وأما إضافة المال إلى اللقيط ففيه تجوز! فإنه في الحقيقة ليس هو ماله بل‬
‫مال الجهة العامة‪ ،‬ولكن المراد أنه يصرف إليه منه‪ ،‬وإن لم يكن ملكه لعموم‬
‫كونه لقيطا أو موصى له‪ ،‬وقد يكون المال له بخصوصه كالوقف عليه نفسه‬
‫أو الهبة أو الوصية له‪ ،‬ويقبل له القاضي من ذلك ما يحتاج إلى القبول‪.‬‬
‫‪ -2‬المال الخاص‪ :‬وهو ما اختص به كثياب ملفوفة عليه‪ ،‬وملبوسة له‪،‬‬
‫ومفروشة تحته‪ ،‬ومغطى بها‪ ،‬ودابة مشدودة في وسطه‪ ،‬أو عنانها بيده‪ ،‬أو‬
‫راكبا عليها ‪ ،‬وما في جيبه من دراهم وغيرها ‪ ،‬كذهب وحلي‪ ،‬ومهده وهو‬
‫سريره الذي هو فيه‪ ،‬ودنانير منثورة فوقه ومنثورة تحته‪ ،‬فهذا كله ماله لن‬
‫له يدا واختصاصا كالبالغ)‪ ،(3‬والذي يلحظ غالبا في هذا الزمان وجود اللقيط‬
‫وبجانبه مال يضعه من وضع اللقيط زيادة في تحفيز من رآه ليأخذه‪ ،‬ورحمة‬
‫بهذا الصبي ‪.‬‬
‫تنبيه ‪:‬عند وجود المال العام والخاص للقيط ‪:‬الصح – والله أعلم _‪ :‬تقديم‬
‫الخاص لنه مقصور عليه‪ ،‬ولنه لو كانت حضانته على أبيه الموسر وله مال‬
‫كانت نفقته في ماله فهذا أولى‪ ،‬ولن النفاق عليه من بيت المال للضرورة و‬
‫ل ضرورة إذا كان له مال‪ ،‬فل ينفق من العام إل عند فقد الخاص ‪.‬‬
‫ العدة شرح العمدة‪ :‬وما يوجد عليه من الثياب والحلي‪ ،‬أو تحته من فراش‬‫أو سرير أو غيره فهو له‪ ،‬وكذلك كل ما عنده من المال ‪،‬فهو خاص به لنه‬
‫آدمي حر فأشبه البالغ)‪.(4‬‬
‫ القناع ‪ :‬وما وجد معه من فراش تحته‪ ،‬أو ثياب‪ ،‬أو مال في جيبه‪ ،‬أو تحت‬‫فراشه أو مدفونا تحته طريا أو مطروحا قريبا منه ‪ :‬كثوب موضوع إلى جانبه‬
‫أو حيوان مشدود بثيابه فهو له وأن كان في خيمة أو دار فهي له)‪.(5‬‬
‫ الكافي في فقه ابن حنبل‪ ) :‬وما يوجد معه فهو له‪ ،‬وأما المدفون تحته‬‫فليس له لن البالغ لو جلس على دفين لم يكن له‪ ،‬وقال ابن عقيل‪ :‬إن كان‬
‫‪140‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫الحفر طريا فهو له لن الظاهر أنه حفر النابذ له‪ ،‬وإن وجد بقربه مال‬
‫موضوع ففيه وجهان ‪:‬‬
‫أحدهما ‪ :‬هو له إن لم يكن له غيره لن النسان يترك ماله بقربه‪.‬‬
‫الثاني ‪ :‬ليس هو له لنه ل يد له عليه()‪.(6‬‬
‫كفاية الخيار‪ :‬اللقيط قد يكون له مال عام أو خاص‪ ،‬فالول‪ :‬كالوقف على‬‫اللقطاء والوصية لهم ‪ ،‬والثاني‪ :‬ما يوجد تحت يده فيكون مختصا به‪ ،‬لن‬
‫للصغير يدا واختصاصا كالبالغ إذ الصل الحرية ما لم يعرف غيرها‪ ،‬والمختص‬
‫به كالثياب التي هي ل بسها‪ ،‬ومفروشة تحته‪ ،‬وملفوفة عليه‪ ،‬وكذا ما غطي‬
‫به كاللحاف وغيره ‪ ،‬وكذا ما شد عليه أو جعل في جيبه من دراهم وحلي‬
‫وغيرهما‪ ،‬وكذا دابة عنانها بيده ولو كان في خيمته فهي له ‪ ،‬أو في دار ليس‬
‫فيها غيره ‪ ،‬أو في بستان وجهان ‪ :‬حكاهما الماوردي)‪.(7‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫ زاد المستقنع ‪) :‬وما وجد معه أو تحته ظاهرا أو مدفونا طريا أو متصل به‬‫كحيوان وغيره أو قريبا منه فله‪ ،‬وينفق عليه منه(‪(8).‬‬
‫ بدائع الصنائع‪ :‬ولو كان معه مال مشدود عليه فهو له‪ ،‬لن الظاهر أنه ماله‬‫فيكون له كثيابه التي عليه‪ ،‬وكذا إذا وجد مشدودا على دابة فالدابة له‪ ،‬وهكذا‬
‫كل ما اتصل به‪ ،‬وعليه فتكون النفقة عليه من ماله‪ ،‬وليس على الملتقط أن‬
‫ينفق عليه من مال نفسه لنعدام السبب الموجب للنفقة عليه‪ ،‬ولو أنفق‬
‫عليه من مال نفسه‪ :‬فإن فعل بإذن القاضي له أن يرجع عليه‪ ،‬وإن فعل بغير‬
‫إذنه ل يرجع عليه لنه يكون متطوعا فيه)‪.(9‬‬
‫ الروض المربع‪ :‬وما وجد معه من فراش تحته‪ ،‬أو ثياب عليه‪ ،‬أو مال في‬‫جيبه‪ ،‬أو تحته ظاهرا أو مدفونا طريا أو متصل به كحيوان وغيره مشدودا‬
‫بثيابه أو مطروحا قريبا منه فهو له عمل بالظاهر‪ ،‬ولن له يدا صحيحة كالبالغ‬
‫وينفق عليه منه ملتقطه بالمعروف لولية عليه)‪.(10‬‬
‫ المهذب‪) :‬ولهذا لو وجد لقيط ومعه مال كان المال له()‪.(11‬‬‫ المغني ‪ :‬إذا وجد مع اللقيط شيء فهو له‪ ،‬وينفق عليه منه‪ ،‬وهذا قول‬‫الشافعي وأصحاب الرأي‪ ،‬والسبب في ذلك أن الطفل يملك وله يد صحيحة ‪،‬‬
‫بدليل أنه يرث ويورث‪ ،‬ويصح أن يشتري له وليه ويبيع فكل من له ملك‬
‫صحيح فله يد صحيحة كالبالغ فكل مال اتصل به أو تعلق بمنفعته فهو تحت‬
‫يده ويكون ملكا له في الظاهر وذلك مثل‪ :‬ما كان لبسا له أو مشدودا في‬
‫ملبوسه أو في يديه أو مجعول فيه كالسرير‪ ،‬وما فيه من فرش أو دراهم‪،‬‬
‫والثياب التي تحته والتي عليه‪ ،‬وإن كان مشدودا على دابة أو كانت مشدودة‬
‫في ثيابه أو كان في خيمة أو في دار فهي له)‪.(12‬‬
‫ الكافي في فقه ابن حنبل ‪ :‬وينفق عليه من ماله لنه حر فينفق عليه من‬‫ماله كالبالغ‪ ،‬ويجوز للولي النفاق عليه من غير إذن الحاكم لنه ولي‪ ،‬ولن‬
‫هذا من المر بالمعروف فاستوى فيه المام وغيره ‪ ،‬ويستحب استئذانه لنه‬
‫أنفى للتهمة‪ ،‬فإن بلغ اللقيط واختلفا في النفقة‪ ،‬فالقول قول المنفق)‪.(13‬‬
‫وروي عن أحمد‪ :‬في رجل أودع رجل مال وغاب وطالت غيبته وله ولد ول‬
‫نفقة له هل ينفق عليهم هذا المستودع من مال الغائب ؟ فقال‪ :‬تقوم امرأته‬
‫إلى الحاكم حتى يأمره بالنفاق عليهم‪ ،‬فلم يجعل له النفاق عليهم من غير‬
‫إذن الحاكم‪ ،‬فقال بعض الحنابلة‪ :‬هذا مثله) أي ل يجوز النفاق عليه من غير‬
‫إذن الحاكم(‪ ،‬والصحيح‪ :‬أن هذا مختلف على الول من وجهين‪ ،‬أحدهما ‪ :‬أن‬

‫‪141‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫الملتقط له ولية على اللقيط وعلى ماله فإن له ولية أخذه وحفظه‪،‬‬
‫والثاني ‪ :‬أنه ينفق على اللقيط من ماله فمتى لم يجد حاكما فله النفاق بكل‬
‫حال لنه حال ضرورة‪ ،‬وقال الشافعي‪ :‬ليس له أن ينفق بغير إذن الحاكم في‬
‫موضع يجد حاكما‪ ،‬وإن أنفق ضمن بمنزلة ما لو كان لب الصغير ودائع عند‬
‫إنسان فأنفق عليه منه وذلك لنه ل ولية له على ماله وإنما له حق الحضانة‬
‫وإن لم يجد حاكما ففي جواز النفاق وجهان‪ ،‬والصحيح ‪-‬والله أعلم _‪ :‬أن‬
‫للملتقط ولية على مال اللقيط‪ ،‬فيستحب أن يستأذن الحاكم في موضع يجد‬
‫حاكما فيه لنه أبعد عن التهمة‪ ،‬وفيه خروج من الخلف‪ ،‬وحفظ لما له من أن‬
‫يرجع عليه بما أنفق )‪.(14‬‬
‫ منار السبيل ‪ :‬والنفاق عليه فرض كفاية‪ ،‬وذلك لقوله تعالى ‪ ?:‬وَت ََعاوَُنوا ْ‬‫وى ? ]المائدة ‪ . [2:‬وما معه فهو ماله‪ ،‬وينفق عليه مما معه)‬
‫عََلى اْلبّر َوالت ّ ْ‬
‫ق َ‬
‫‪.(15‬‬
‫ كفاية الخيار ‪ :‬فإن وجد اللقيط ومعه مال أنفق عليه الحاكم منه)‪.(16‬‬‫ الشرح الكبير ‪ :‬ما وجد مع اللقيط فهو له‪ ،‬فينفق على اللقيط مما وجد‬‫معه‪ ،‬وما حكم له به‪ ،‬فإن كان فيه كفايته لم تجب نفقته على أحد لنه ذو‬
‫مال فأشبه غيره من الناس وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي)‪.(17‬‬
‫مسألة ‪ :‬وجود اللقيط في دار‪ :‬إن وجد في دار ونحوها كحانوت ول يعرف لها‬
‫مستحق ليس فيها غيره فهي أي الدار ونحوها له ليد ول مزاحم‪ ،‬وإن وجد‬
‫فيها غيره كلقيط آخر فهي لهما‪ ،‬أما لو كانا على دابة فلو ركبها أحدهما‬
‫ومسك الخر زمامها‪ ،‬فهي للراكب فقط لتمام الستيلء)‪.(18‬‬
‫مسألة‪ :‬وجوده في بستان ‪ :‬ل يحكم للقيط ببستان وجد فيه بخلف الدار لن‬
‫سكناها تصرف‪ ،‬والحصول في البستان ليس تصرفا ول سكنى‪ ،‬وقضية هذا‬
‫التعليل أنه إذا كان يسكن عادة يكون كالدار و يكون له صلحية التصرف فيه‪،‬‬
‫ودفع المنازع له‪،‬وقيل‪ :‬يحكم له به‪،‬والصحيح – والله أعلم‪:-‬هو الول )‪.(19‬‬
‫مسألة‪:‬وجود مال مدفون تحت اللقيط ‪ :‬وجود المال المدفون تحت اللقيط‪:‬‬
‫اختلف فيه الفقهاء على أقوال‪:‬‬
‫‪ -1‬ليس له ذلك‪ ،‬ولو كان تحته وفيه رقعة مكتوب فيها أن الدفين له‪ ،‬لن‬
‫الكبير العاقل لو كان جالسا على أرض تحتها دفين لم يحكم له به وحكم هذا‬
‫المال‪ :‬إن كان من دفين الجاهلية فركاز‪ ،‬وإل فلقطة )‪.(20‬‬
‫‪ -2‬إن كان الحفر طريا‪ ،‬أو متصل به‪ -‬خيط متصل بالدفين مربوط ببعض بدنه‬
‫أو ثيابه‪ -‬فهو له‪ ،‬وإل فل ‪ ،‬أو ورقة مكتوب فيها أن الدفين له فهو له)‪، (21‬‬
‫وهو الصحيح‪ -‬والله أعلم‪. -‬‬
‫مسألة‪:‬وجود مال أو متاع منفصل عنه ‪:‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫المال‪ :‬إما أن يكون متصل باللقيط أو منفصل عنه‪ ،‬فما اتصل به فهو له بدون‬
‫خلف ‪ ،‬وما انفصل عنه‪:‬‬
‫‪ -1‬ليس له ذلك في الصح‪ ،‬لن يده ل تثبت إل على ما اتصل به‪ ،‬بخلف‬
‫الموجود بقرب المكلف فإنه يحكم بملكه له‪.‬‬
‫‪ -2‬أنه له عمل بالظاهر)‪.(22‬‬
‫قال ابن قدامة ‪) :‬وأما المنفصل عنه فإن كان بعيدا منه فليس في يده‪ ،‬وإن‬
‫كان قريبا منه كثوب موضوع إلى جانبه ففيه وجهان‪ :‬أحدهما ‪ :‬ليس هو له‬
‫لنه منفصل عنه فهو كالبعيد‪ ،‬والثاني ‪ :‬هو له وهو أصح لن الظاهر أنه ترك‬

‫‪142‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫له فهو له بمنزلة ما هو تحته ولن القريب من البالغ يكون في يده‪ ،‬أل ترى‬
‫أن الرجل يقعد في السوق ومتاعه بقربه ويحكم بأنه في يده‪ ،‬والحمال إذا‬
‫جلس لستراحة ترك حمله قريبا منه()‪(23‬‬
‫تنبيه ‪ :‬الذي يضبط القرب والبعد العرف ‪.‬‬
‫الخطوة الثانية ‪ :‬إن لم يوجد مع اللقيط مال ‪ ،‬فل يلزم الملتقط النفاق عليه‬
‫في قول عامة أهل العلم‪ ،‬وتقدم قول ابن المنذر ‪ :‬أجمع كل من نحفظ عنه‬
‫من أهل العلم على أن نفقة اللقيط غير واجبة على الملتقط كوجوب نفقة‬
‫الولد)‪ ،(24‬وذلك لن أسباب وجوب النفقة من القرابة والزوجية والملك‬
‫والولء منتفية‪ ،‬فاللتقاط إنما هو تخليص له من الهلك وتبرع بحفظه‪ ،‬فل‬
‫يوجب ذلك النفقة كما لو فعله بغير اللقيط‪.‬‬
‫ومن أنفق عليه متبرعا فل شيء له سواء كان الملتقط أو غيره‪ ،‬وإن لم‬
‫يتبرع بالنفاق عليه فأنفق عليه الملتقط أو غيره محتسبا بالرجوع عليه إذا‬
‫أيسر وكان ذلك بأمر الحاكم لزم اللقيط ذلك إذا كانت النفقة قصدا‬
‫بالمعروف‪ ،‬وبهذا قال الثوري والشافعي وأصحاب الرأي‪ ،‬وإن أنفق بغير أمر‬
‫الحاكم محتسبا بالرجوع عليه‪ ،‬فقال أحمد‪ :‬تؤدى النفقة من بيت المال‪،‬‬
‫والسبب‪ :‬أنه أداء مال واجب على غيره فكان له الرجوع على من كان‬
‫الوجوب عليه كالضامن‪ ،‬وقال شريح والنخعي‪ :‬يرجع عليه بالنفقة إذا أشهد‬
‫عليه‪ ،‬وقال عمر بن عبد العزيز ‪ :‬يحلف ما أنفق احتسابا فإن حلف استسعى‪،‬‬
‫وقال الشعبي ومالك‬
‫والثوري والوزاعي وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن والشافعي وابن المنذر ‪:‬‬
‫هو متبرع به)‪ ،(25‬وهذا هو الصحيح – والله أعلم‪ ، -‬لن إذن الحاكم في ذلك‬
‫ضمان لرجوع حقه دون خلف‪.‬‬
‫فليس على الملتقط نفقته إل على سبيل التبرع‪ ،‬لقول عمر‪ -‬رضي الله‬
‫عنه‪":-‬وعلينا نفقته" ‪ ،‬ولنه ل نسب بينهما‪ ،‬ول ملك‪ ،‬فأشبه الجنبي‪ ،‬ولنه‬
‫آدمي حر له حرمة فوجب على السلطان القيام به عند حاجته كالفقير‪.‬‬
‫قال ابن وهب ‪ ):‬من أنفق على لقيط كان متطوعا ()‪.(26‬‬
‫ في القناع ‪ ) :‬ول يجب نفقته على ملتقطه( )‪.(27‬‬‫ في اللباب شرح الكتاب‪) :‬والملتقط متبرع في النفاق عليه لعدم الولية‪،‬‬‫إل أن يأمره القاضي به ليكون دينا عليه لعموم وليته()‪. (28‬‬
‫وأما المالكية‪ :‬فيوجبون على الملتقط النفاق على اللقيط إن لم يكن له مال‬
‫خاص‪ ،‬ولم يتيسر أخذ النفقة من بيت المال ‪،‬وإنما جعلوا هذا اللزام بسبب‬
‫التقاطه للقيطه ‪ ،‬ويستمر إلى بلوغ اللقيط قادرا على الكسب ‪ ،‬وإن كانت‬
‫أنثى إلى أن تتزوج )‪.(29‬‬
‫الخطوة الثالثة ‪ :‬إن لم ينفق عليه أحد – ل الملتقط ول غيره على وجه‬
‫التبرع‪ -‬فتكون نفقته على بيت المال ‪ ،‬والسبب في ذلك أن بيت المال يرث‬
‫اللقيط‪ ،‬فميراثه وديته لبيت المال‪ ،‬فلما كان مال اللقيط عائدا إلى بيت‬
‫المال‪ ،‬فيكون الغنم بالغرم‪.‬‬
‫وحكم نفقته على بيت المال‪ :‬واجبة‪ ،‬لقول عمر ‪ -‬رضي الله عنه‪ -‬في حديث‬
‫أبي جميلة‪ ":‬اذهب فهو حر‪ ،‬ولك ولؤه‪ ،‬وعلينا نفقته"‪ ،‬وفي رواية‪ ":‬من بيت‬
‫المال"‪.‬‬
‫فإن تعذر النفاق عليه من بيت المال‪ :‬السبب في تعذر النفاق عليه من بيت‬
‫المال إن لم يكن في بيت المال شيء‪ ،‬فيستقرض له القاضي من بيت‬
‫المال‪ ،‬أو كان هناك ما هو أهم من نفقة اللقيط كسد ثغر‪ ،‬استقرض له‬
‫القاضي‪ ،‬فإن لم يجد من يقرضه جمع القاضي الناس‪ ،‬وقام المسلمون‬
‫‪143‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫بكفايته قرضا‪ ،‬وعد نفسه منهم‪ ،‬وقسط نفقته على أهل الثروة‪ ،‬ثم إن بان‬
‫رقيقا رجع على سيده‪ ،‬أو حرا وله مال أو قريب رجع عليه‪ ،‬وإن بان حرا ل‬
‫مال له ول قريب ول كسب قضى المام حقه من سهم الفقراء والمساكين‬
‫والغارمين كما يرى)‪.(30‬‬
‫اقترض عليه_ أي ‪ :‬على بيت المال _ الحاكم‪ ،‬وانفق عليه منه ‪.‬‬
‫أقوال الفقهاء في ذلك‪:‬‬
‫ الروض المربع ‪ :‬وإن لم يكن مع اللقيط شيء‪ ،‬ولم ينفق عليه الملتقط‬‫فمن بيت المال‪ ،‬لقول عمر‪ -‬رضي الله عنه‪ " : -‬اذهب فهو حر ولك ولؤه‬
‫وعلينا نفقته وفي لفظ وعلينا رضاعه " ول يجب على الملتقط)‪.(31‬‬
‫ عمدة القاري ‪ :‬ونفقته تكون في بيت المال)‪.(32‬‬‫ كفاية الخيار ‪ :‬فإن لم يكن له مال وجبت نفقته في بيت المال‪ ،‬وتكون من‬‫سهم المصالح‪ ،‬لن عمر ‪-‬رضي الله عنه‪ :-‬استشار الصحابة في نفقة اللقيط‪،‬‬
‫فأجمعوا على أنها في بيت المال‪ ،‬ولن البالغ المعسر ينفق عليه منه‪ ،‬وهذا‬
‫أولى)‪.(33‬‬
‫ القناع ‪ :‬وينفق عليه من بيت المال إن لم يكن معه ما ينفق عليه‪ ،‬فإن‬‫تعذر اقترض الحاكم على بيت المال‪ ،‬وإن اقترض الحاكم ما أنفق عليه‪ ،‬ثم‬
‫بان رقيقا‪ ،‬أو له أب موسر رجع عليه‪ ،‬فإن لم يظهر له أحد ففي بيت المال)‬
‫‪.(34‬‬
‫)‪(3 /‬‬
‫ اللباب في شرح الكتاب ‪ :‬ونفقته من بيت المال لنه مسلم عاجز عن‬‫التكسب‪ ،‬ول مال له ول قرابة‪ ،‬ولن ميراثه عائد لبيت المال‪ ،‬والخراج‬
‫بالضمان)‪. (35‬‬
‫ المبسوط ‪ :‬ونفقة اللقيط في بيت المال‪ ،‬لنه عاجز عن الكسب‪ ،‬ومحتاج‬‫إلى النفقة‪ ،‬ومال بيت المال معد للصرف إلى المحتاجين‪ ،‬وهو منهم)‪.(36‬‬
‫ بدائع الصنائع ‪ :‬اللقيط إن لم يكن معه مال فنفقته في بيت المال)‬‫‪،(37‬ولن ولءه له)‪ ، (38‬و قد قال عليه الصلة و السلم ‪" :‬الخراج بالضمان‬
‫")‪.(39‬‬
‫ الشرح الكبير ‪ :‬وينفق عليه من بيت المال إن لم يوجد معه شيء ينفق‬‫عليه‪ ،‬ولم ينفق عليه الملتقط)‪.(40‬‬
‫ مغني المحتاج ‪ :‬إن لم يوجد مع اللقيط مال فنفقته في بيت المال)‪.(41‬‬‫الخطوة الرابعة ‪ :‬إن تعذر النفاق عليه من بيت المال‪ ،‬وذلك إما‪:‬‬
‫‪ -1‬لكونه ل مال فيه‪.‬‬
‫‪ -2‬أو كان في مكان ل إمام فيه‪.‬‬
‫‪ -3‬أو لم يعط شيئا‪.‬‬
‫فعلى من علم حاله من المسلمين النفاق عليه لقول الله تعالى ‪ ?:‬وَت ََعاوَُنوا ْ‬
‫وى ? ]المائدة ‪ [2:‬ولن في ترك النفاق عليه هلكه‪ ،‬وهذا‬
‫عََلى اْلبّر َوالت ّ ْ‬
‫ق َ‬
‫فرض كفاية إذا قام به قوم سقط عن الباقين‪ ،‬فإن تركه الكل أثموا جميعا‪.‬‬
‫أقوال الفقهاء في هذه الخطوة ‪:‬‬
‫ الروض المربع ‪:‬فإن تعذر النفاق عليه من بيت المال فعلى من علم بحاله‬‫من المسلمين‪ ،‬فإن تركوه أثمو)‪.(42‬‬
‫ منار السبيل ‪:‬فإن تعذر القتراض أو الخذ من بيت المال‪ ،‬فعلى من علم‬‫بحاله من المسلمين النفاق عليه لن به بقاءه‪ ،‬فوجب كإنقاذ الغريق‪ ،‬لقوله‬

‫‪144‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وى?]المائدة ‪.(43)[2:‬‬
‫تعالى ‪ ?:‬وَت ََعاوَُنوا ْ عََلى اْلبّر َوالت ّ ْ‬
‫ق َ‬
‫وإن تعذر النفاق عليه من بيت المال فعلى من علم حاله النفاق عليه فرض‬
‫كفاية لن به بقاءه فوجب كإنقاذ الغريق فإن اقترض الحاكم ما أنفق عليه ثم‬
‫بان رقيقا أو له أب موسر رجع عليه لنه أدى الواجب عنه فإن لم يظهر له‬
‫أحد وفي من بيت المال)‪.(44‬‬
‫ الكافي في فقه ابن حنبل ‪ :‬فإن تعذر النفاق عليه‪ ،‬فعلى من علم حاله‬‫النفاق مجانا‪ ،‬ول يرجع لنها فرض كفاية)‪.(45‬‬
‫مسألة‪ :‬هل يقبض الملتقط للقيط‪:‬‬
‫في المدونة الكبرى ‪:‬أرأيت اللقيط إذا تصدق عليه بصدقة أو وهبت له هبة‬
‫أيكون الذي هو في حجره القابض له ولم يجعله له السلطان ناظرا ول وصيا‬
‫قال ‪ :‬نعم)‪.(46‬‬
‫مسألة ‪:‬أقام رجل البينة أن اللقيط ابنه‪ ،‬فهل يرجع الملتقط عليه بالنفقة‪:‬‬
‫قال مالك‪ :‬إذا أنفق عليه الملتقط‪ ،‬ثم أقام رجل البينة أنه ابنه‪ ،‬فإن الملتقط‬
‫يرجع على الب إن كان طرحه متعمدا‪ ،‬وكان موسرا‪ ،‬وإن لم يكن طرحه‪،‬‬
‫ولكن ضل منه فل شيء على الب‪ ،‬والملتقط متطوع بالنفقة‪ ،‬وقال الليث‪:‬‬
‫إنه يرجع الملتقط بالنفقة على أبيه إذا ادعاه)‪.(47‬‬
‫جمع وإعداد ‪ /‬يونس عبد الرب الطلول‬
‫)‪ (1‬ذكر هذه الرواية البخاري‪ :‬باب إذا زكى رجل رجل كفاه ) ‪ ( 2/946‬رقم‬
‫‪ ،2518‬الموطأ ) ‪ (2/738‬رقم ‪ ، ،1417‬وصححه اللباني في مختصر إرواء‬
‫الغليل ج ‪ 1‬ص ‪ 310‬برقم ‪.1573 ،‬‬
‫)‪ (2‬انظر‪ :‬المغني )جزء ‪ - 6‬صفحة ‪ ،( 407‬الشرح الكبير )جزء ‪ - 6‬صفحة‬
‫‪.(404‬‬
‫)‪ (3‬انظر‪ :‬مغني المحتاج )‪.(2/417‬‬
‫)‪ (4‬العدة شرح العمدة ) جزء ‪ - 1‬صفحة ‪.(259‬‬
‫)‪ (5‬انظر‪ :‬القناع )جزء ‪ - 2‬صفحة ‪.( 405‬‬
‫)‪ (6‬الكافي في فقه ابن حنبل) جزء ‪ - 2‬صفحة ‪.( 203‬‬
‫)‪ (7‬انظر‪:‬كفاية الخيار ) جزء ‪ - 1‬صفحة ‪( 431‬‬
‫)‪ (8‬زاد المستقنع ) ‪. (1/450‬‬
‫)‪ (9‬انظر‪:‬بدائع الصنائع ) ‪. (5/291‬‬
‫)‪ (10‬انظر‪ :‬الروض المربع )‪.(1/450‬‬
‫)‪ (11‬المهذب ) جزء ‪ - 3‬صفحة ‪.( 353‬‬
‫)‪ (12‬انظر‪ :‬المغني ) جزء ‪ - 6‬صفحة ‪.( 407‬‬
‫)‪(13‬الكافي في فقه ابن حنبل ) جزء ‪ - 2‬صفحة ‪.( 203‬‬
‫)‪ (14‬المغني ) جزء ‪ - 6‬صفحة ‪( 407‬‬
‫)‪ (15‬انظر‪ :‬منار السبيل ) ‪.(1/235‬‬
‫)‪(16‬انظر‪ :‬كفاية الخيار ) جزء ‪ - 1‬صفحة ‪.( 431‬‬
‫)‪ (17‬الشرح الكبير) جزء ‪ - 6‬صفحة ‪.( 406‬‬
‫)‪ (18‬انظر‪ :‬مغني المحتاج ) ‪.(2/417‬‬
‫)‪ (19‬انظر‪ :‬مغني المحتاج ) ‪( 421 / 2‬بتصرف‪ ،‬كفاية الخيار ) جزء ‪- 1‬‬
‫صفحة ‪.( 431‬‬
‫)‪ (20‬انظر‪ :‬مغني المحتاج ) ‪( 421 / 2‬بتصرف‪ ،‬الكافي في فقه ابن‬
‫حنبل) جزء ‪ - 2‬صفحة ‪.( 203‬‬
‫)‪ (21‬انظر‪ :‬الروض المربع )‪ ،(1/450‬زاد المستقنع ) ‪ ،(1/450‬الكافي في‬
‫فقه ابن حنبل) جزء ‪- 2‬صفحة ‪ ،( 203‬المغني ) جزء ‪ - 6‬صفحة ‪.( 407‬‬
‫‪145‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫)‪ (22‬انظر‪ :‬مغني المحتاج ) ‪ ( 421 / 2‬بتصرف‪.‬‬
‫)‪ (23‬المغني ) جزء ‪ - 6‬صفحة ‪.( 407‬‬
‫)‪ (24‬المغني ) جزء ‪ - 6‬صفحة ‪ ،( 407‬الشرح الكبير ) جزء ‪ - 6‬صفحة ‪404‬‬
‫(‪.‬‬
‫)‪ (25‬انظر‪ :‬المغني ) جزء ‪ - 6‬صفحة ‪ ،( 407‬الشرح الكبير ) جزء ‪- 6‬‬
‫صفحة ‪.( 404‬‬
‫)‪ (26‬المدونة الكبرى) جزء ‪ - 4‬صفحة ‪( 263‬‬
‫)‪ (27‬القناع ) جزء ‪ - 2‬صفحة ‪.( 405‬‬
‫)‪(28‬اللباب في شرح الكتاب ) جزء ‪ - 2‬صفحة ‪.( 55‬‬
‫)‪ (29‬الشرح الصغير للدرير ) ج ‪2‬ص ‪. (326‬‬
‫)‪ (30‬انظر‪ :‬كفاية الخيار ) جزء ‪ - 1‬صفحة ‪( 431‬بتصرف ‪ ،‬النصاف ) جزء‬
‫‪ - 6‬صفحة ‪ ،( 433‬مغني المحتاج ) جزء ‪ - 2‬صفحة ‪. ( 421‬‬
‫)‪(31‬انظر‪ :‬الروض المربع ) ‪. (1/450‬‬
‫)‪(32‬انظر‪:‬عمدة القاري ) جزء ‪ - 13‬صفحة ‪.( 237‬‬
‫)‪ (33‬كفاية الخيار ) جزء ‪ - 1‬صفحة ‪.( 431‬‬
‫)‪ (34‬انظر‪ :‬القناع ) جزء ‪ - 2‬صفحة ‪.( 405‬‬
‫)‪(4 /‬‬
‫)‪ (35‬انظر‪:‬اللباب في شرح الكتاب ) جزء ‪ - 2‬صفحة ‪.( 55‬‬
‫)‪ (36‬المبسوط ) جزء ‪ - 6‬صفحة ‪.( 146‬‬
‫)‪(37‬بدائع الصنائع ) جزء ‪ - 3‬صفحة ‪.( 453‬‬
‫)‪ (38‬بدائع الصنائع ) ‪. (5/291‬‬
‫)‪(39‬أخرجه أبو داود ج ‪2‬ص ‪ 306‬برقم ‪ ،3508‬والترمذي ج ‪3‬ص ‪ 581‬برقم‪،‬‬
‫والنسائي ج ‪ 7‬ص ‪.254‬برقم ‪ ،.4490‬وابن ماجه ج ‪ 2‬ص ‪ 754‬برقم‬
‫‪ ، 2243‬وحسنه اللباني في مختصر إرواء الغليل ج ‪ 1‬ص ‪ 257‬برقم‬
‫‪. 1315‬‬
‫)‪(40‬انظر‪:‬الشرح الكبير ) جزء ‪ - 6‬صفحة ‪.(404‬‬
‫)‪(41‬انظر‪ :‬مغني المحتاج ) جزء ‪ - 2‬صفحة ‪.(417‬‬
‫)‪(42‬انظر‪:‬الروض المربع ) ‪. (1/450‬‬
‫)‪(43‬منار السبيل ) ‪. (1/235‬‬
‫)‪(44‬الكافي في فقه ابن حنبل ) جزء ‪ - 2‬صفحة ‪.(203‬‬
‫)‪(45‬القناع ) جزء ‪ - 2‬صفحة ‪.(405‬‬
‫)‪ (46‬المدونة الكبرى) جزء ‪ - 4‬صفحة ‪( 263‬‬
‫)‪ (47‬التمهيد ) جزء ‪ - 3‬صفحة ‪.( 129‬‬
‫)‪(5 /‬‬
‫نفوس مصطفاة‬
‫الكاتب‪ :‬الشيخ أ‪.‬د‪.‬عبدالوهاب بن ناصر الطريري‬
‫عاد صلى الله عليه وسلم من غار حراء بعد أول مقابلة مع روح القدس‬
‫مؤذنة بدء تنّزل الوحي اللهي‪ ،‬وقد أخذه الّروع وخشي على نفسه‪ ،‬وكان من‬
‫صنع الله له أن كان منقلبه إلى تلك المرأة العاقلة الرشيدة زوجه خديجة‬
‫ص عليها القصص وبثها مشاعره النسانية "لقد‬
‫‪-‬رضي الله عنها‪ -‬فما إن ق ّ‬

‫‪146‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫خشيت على نفسي"؛ حتى بادرته الجواب بوثوق جازم حازم مستشرف لسّنة‬
‫صيقة‬
‫ي‪ ،‬ومعرفة ل َ ِ‬
‫ي‪ ،‬واستقراء تاريخ ّ‬
‫ي‪ ،‬ونضج عمر ّ‬
‫إلهية هداها إليها نظر عقل ّ‬
‫ً‬
‫فت لها‬
‫بزوجها الذي عاشت معه خمسة عشر عاما فخبرت دخيلَته‪ ،‬وش ّ‬
‫عشرته عن آفاق نفسه ومعدن أخلقه‪ ،‬ولذا جاء جوابها هذا سريعا ً حاسما ً‬
‫سم مع ّ‬
‫ظم يد ّ‬
‫ل على غاية الوثوق واليقين "كل والله ل يخزيك الله أبدًا؛ إنك‬
‫ب َ‬
‫ق َ‬
‫لتصل الرحم‪ ،‬وتحمل الك َ ّ‬
‫ل‪ ،‬وُتكسب المعدوم‪ ،‬وتقري الضيف‪ ،‬وتعين على‬
‫نوائب الحق"‪.‬‬
‫منا خديجة وهي تد ّ‬
‫ي‪ ،‬وهو أن الله يحفظ من‬
‫إ ّ‬
‫نأ ّ‬
‫ل على هذا الناموس الكون ّ‬
‫عباده من يكون بهم ِقوام العباد ونفعهم؛ فل يخزيهم ول يحزنهم‪ ،‬وأن الله‬
‫إنما طبعهم على هذه المكارم السمحة لكيما يجعلهم أهل إعزازه وإحسانه‪،‬‬
‫كما أنها دلت أيضا ً على هذا الخلق المحمديّ الذي كان ملزما ً للنبي ‪-‬صلى‬
‫الله عليه وسلم‪ -‬منذ نشأته الولى‪ ،‬وقبل أن ينزل عليه وحي رّبه‪ ،‬ولذا فإن‬
‫دا‪ ،‬وإذا نظرت إلى هذه الشمائل الكريمة التي‬
‫البرار أمثاله ل ُيخذلون أب ً‬
‫ذكرتها خديجة ‪-‬رضي الله عنها‪ -‬وجدت أن القاسم بينها نفعُ الناس‪ ،‬وقضاء‬
‫حوائجهم‪ ،‬وسد ّ خّلتهم؛ فذو الرحم يوصل‪ ،‬والعاجز ُيحمل‪ ،‬والمعدوم ُيكسب‪،‬‬
‫والضيف ُيقرى‪ ،‬والنوائب ُتقضى‪.‬‬
‫إنها أصول مكارم الخلق التي تصدر عن نفوس كريمة وقلوب رحيمة تتحمل‬
‫فاتهم‪ ،‬وكل هذه‬
‫وبهم‪ ،‬وتغيث لهَ َ‬
‫هموم الناس‪ ،‬وتتل ّ‬
‫مس حاجاتهم‪ ،‬وتقضي ن ُ َ‬
‫كانت صفات فطرّية لمحمد ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬قبل أن ينّبأ بما في‬
‫الصحف الولى‪ ،‬عرفتها خديجة عن خبرة عميقة‪ ،‬وصلة وثيقة‪ ،‬إنها صلة‬
‫الزوج بزوجها‪.‬‬
‫وثمة مشهد نبوي آخر كاشف عن هذه الحقيقة‪ ،‬وهو مشهد موسى ‪-‬عليه‬
‫ما ورد ماء مدين‪ ،‬فوجدهم يسقون أغنامهم‪ ،‬ومن دونهم امرأتان‬
‫السلم‪ -‬ل ّ‬
‫ً‬
‫تذودان غنمهما عن ورود الماء‪ ،‬وكان منظرا أثار استغرابه وتساؤله‪ ،‬ولذا‬
‫قصد إليهما سائ ً‬
‫ل‪):‬ما خطبكما قالتا ل نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ‬
‫كبير(‪ ،‬ما الذي يجعل نفس موسى تستغرب وتستنكر هذا المنظر؟ إنها‬
‫استقامة أخلقّية ترى حق الضعيف الرعاية والتقديم وليس القصاء والتأخير‬
‫)فسقى لهما(‪ .‬إنها المبادرة السريعة لدواعي المروءة والشهامة والكرامة‬
‫الخلقّية‪ ،‬ولذا عّبر القرآن بالفاء التي تقتضي الترتيب والتعقيب‪ ،‬مما يوحي‬
‫بسرعة الستجابة لرعاية هذه الحال‪ ،‬وإنك لتعجب من رجل غريب في أرض‬
‫ل يعرفها‪ ،‬وأناس ل سند له فيهم ثم هو لغب مجهود‪ ،‬قادم من سفر طويل‬
‫بل زاد ول استعداد‪ ،‬مطاَرد من عدو باطش ل يرحم؛ فهو من أحواله هذه في‬
‫شغل شاغل‪ ،‬ولكنه مع هذا كله استغرب ما تنكره أخلقه‪ ،‬وتجاوب مع دواعي‬
‫مهم‬
‫مروءته الفطرّية‪ ،‬في حين أن أهل حيهما وجيرتهما لم يبالوا بهما ولم يه ّ‬
‫شأنهما‪.‬‬
‫إن هذه المشاهد تدل على حقيقة مهمة‪ ،‬وهي أن الله يصطفي لرسالته‬
‫دب على الناس‪،‬‬
‫العظيمة نفوسا ً عظيمة‪ ،‬ومن أعظم جوانب عظمتها الح ْ‬
‫وتبّني قضاياهم‪ ،‬والسعي الحثيث في حوائجهم‪ ،‬وأن رحمتهم بالناس جعلتهم‬
‫قى العطف‬
‫مثابة للضعيف والمعدوم؛ فكل ذي نائبة يجد منهم العون‪ ،‬ويتل ّ‬
‫والرحمة‪ ،‬ولذا فإن تكليفهم باستنقاذ البشرية من الضلل‪ ،‬وهدايتهم إلى‬
‫الحق يلقي في نفوسهم شوًقا إلى نفع الناس والبّر بهم‪ ،‬والحسان إليهم‪،‬‬
‫إنها قلوب كريمة عامرة برحمة الخلق والرأفة بهم‪.‬‬
‫ي الواضح في حياة أنبياء الله ورسله ينبغي أن يكون‬
‫إن هذا المعنى الجل ّ‬
‫حاضرا ً في نفوس ورثة النبياء؛ فإنه بقدر تخّلقهم بأخلق النبوة يكون أداؤهم‬
‫‪147‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫لميراث النبياء؛ فأهل العلم والدعوة ل بد أن يكون لهم عمق اجتماعي‬
‫يجعلهم ملًذا للناس في قضاء حوائجهم‪ ،‬وتبني قضاياهم‪ ،‬والسعي في‬
‫أمورهم‪ ،‬ورحمُتهم بالناس هي من آثار رحمة الله بخلقه )فبما رحمةٍ من الله‬
‫ت لهم( وبدون ذلك يكون دورهم في المة محدودا ً وأثرهم في الناس‬
‫لن َ‬
‫منقوصًا‪.‬‬
‫لقد كان من سعادة أعمارنا أن عرفنا إمام عصرنا سماحة الشيخ ابن باز –‬
‫رحمه الله‪ -‬فرأينا ثم ذاك التناغم الجميل بين أخلق النبوة وميراثها في‬
‫في للثر النبوي؛ فكان ‪-‬رحمه الله‪ -‬آية‬
‫صورة رائعة من صور القتداء والتق ّ‬
‫في بذل نفسه وجاهه وماله في نفع الناس والعطف عليهم وقضاء حوائجهم‪،‬‬
‫كما كان كذلك في تعليمهم وإرشادهم ودعوتهم ولذا عظم أثره‪ ،‬وكان له من‬
‫المكانة في الناس ما لم يكن لغيره‪ ،‬ول أرى أصحاب التأثير في المة إل‬
‫أولئك الذي جمعوا إلى علم النبوة هذه المكارم الخلقّية النبوّية؛ فرحم الله‬
‫بهم الخلق وجعلهم للناس مثابة وأمنا‬
‫)‪(1 /‬‬
‫نقد الطار المعرفي التربوي اللبرالي‬
‫‪18-6-2006‬‬
‫بقلم د‪ .‬علي خليل أبو العينين‬
‫"‪...‬إن المعرفة التربوية الغربية المعاصرة وتطبيقاتها قد وصلت بإنسانها إلى‬
‫طريق مسدود‪ ،‬وتعيش أزمة حادة بالرغم من مظاهر الصحة والحيوية التي‬
‫قد تبدو عليها‪"...‬‬
‫يعتبر هذا الطار المعرفي للرؤية التربوية الليبرالية الغربية سليل ثلثة أصول‪،‬‬
‫إليها ترتد أصوله‪ ،‬ومنها تتكون كافة اتجاهاته ومفرداته وتوجيهاته وتجلياته‬
‫وهي ‪ :‬الفكر الغريقي‪ ،‬والفكرة الرومانية‪ ،‬والديانة المسيحية ‪.‬‬
‫أما الفكر الغريقي ‪ :‬فنشأ في بيئة جغرافية ألقت بظللها على النظام‬
‫الفكري والجتماعي‪ ,‬فيما يطلق عليه‪ ) :‬المدينة‪ /‬الدولة (‪ ،‬وكان لكل مدينة‬
‫دولة نمت نموها الخاص بها‪ ،‬حسب الظروف المحيطة بها وبالتالي أثرت في‬
‫تكوينها الفكري اليديولوجي وانعكس هذا على تصوراتها عن النسان والله‬
‫والوجود الحضارة‪ ،‬وبإيجاز شديد يمكن عرض ما تميز به الفكر الغريقي فيما‬
‫يلي‪:‬‬
‫)أ( العقلنية ‪ :‬بمعنى التعلق بالعقل واليمان المطلق به‪ ,‬بحيث تكون كل‬
‫ألوان النشاط النساني محكومة بالعقل ونشاطه‪ ,‬وهذا ما تفرد به الغريق ‪،‬‬
‫فلم يكن هناك فكر ثابت‪ ,‬بل متحرك متغير‪ ,‬متجدد بفعل المؤثرات الخارجية‪,‬‬
‫وقامت هذه العقلنية على أساس القياس والستنتاج والتوليد‪ ,‬والخضوع‬
‫لمباديء عقلية صرفة مثل استحالة الجمع بين النقيضين‪ ,‬وربط السباب‬
‫بمسبباتها‪ ،‬وبلغ هذا ذروته في منطق أرسطو الذي هو نتاج عقلي لتنظيم‬
‫عمل العقل‪ ,‬ونشاط إنساني ووظيفة بشرية ‪.‬‬
‫)ب( النسانية ‪ :‬وقد ظهر أثرها فيما أنتجه الفكر الغريقي من علم وفلسفة‬
‫وفن بشكل ميزهم عن غيرهم‪ ،‬حيث اتخذ الغريق من النسان موضوعا‬
‫لهتمامهم‪ ،‬فجعلوه موضوع تأملهم ودراساتهم‪ ,‬بل وتناولوا كل موضوع آخر‬
‫من زاوية علقته بالنسان‪ ،‬حتى أنهم قالوا ‪ :‬إن النسان هو المقياس الوحيد‬
‫الذي يقاس به كل شيء آخر في الكون ‪ ،‬ول يخفى بعد ذلك نزعتهم التي‬
‫"مجدت القدرات النسانية‪ ،‬وشحذت من المكانيات البشرية‪ ،‬وسارت في‬

‫‪148‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ذلك إلى نهاية الشوط الذي يغلب النزعة النسانية على كل شيء‪ ،‬ونعني‬
‫بالنزعة النسانية هنا‪ ،‬هو ذلك النسان في مقابل الكون والوجود القوة العليا‪،‬‬
‫قد يحاربه القدر العمى‪ ،‬وقد يسقط ولكن سقوط أبطال التراجيديا يثير‬
‫الشفقة والرحمة"]‪. [1‬‬
‫حتى اللهة‪ ،‬فقد اكسبوها ثوبا ً إنسانيا ً يكاد يلغي البعد بينها وبين النسان حتى‬
‫قيل إن اللة عند هومير بشر‪ ،‬والبشر آلهة‪ ،‬ووجدت عشرات اللهة التي‬
‫تحارب بعضها‪ ،‬وتغضب وتثور‪ ،‬وتهدد وتنذر ثم تهدأ وتلعب وتشرب الخمر ‪.‬‬
‫)ج( النزعة الفردية ‪ :‬وهي انعكاس للنسانية‪ ،‬حيث يدل تراث هذا الفكر على‬
‫عظمة النسان الفرد‪ ،‬وقدرته على غلبة الطبيعة‪ ،‬وكان المجال واسعا ً لنمو‬
‫"الشخصية الفردية في جميع مظاهرها السياسية منها والخلقية والعلمية‬
‫والفنية" ]‪. [2‬‬
‫إن هذا النعكاس واضح لطبيعة لم تعرف الوحدة السياسية بين بلدانها إل في‬
‫حالت نادرة‪ ،‬فقد كانت كل مدينة دولة تحاول "أن تنتصر على الطبيعة وأن‬
‫تجعلها في متناول النسان وفي خدمته‪ ،‬ومن ثم كان الطابع العام للنسان‬
‫الغريقي هو حب التملك‪ ،‬والتفكير في نفسه وفي وحدته الصغيرة‪ ،‬قبل أن‬
‫يفكر في الخرين الذين يعيشون في عزلة عنه" ]‪ ،[3‬حتى النتاج الفني‬
‫يعكس هذا ويجسده في كتب التماثيل للنسان واللهة‪ ،‬وأدبهم معبر عن هذه‬
‫الفردية ‪.‬‬
‫)د( الحياة السعيدة ‪ :‬أن يعيش الغريق حياة كلها سعادة "تشبه حياة اللهة‬
‫أثناء وجودهم على الرض" كان كل هدفهم‪ ،‬الذي ليس مرده رغبة اللهة‪ ،‬بل‬
‫مرده إلى "نوع الحياة التي وافقوا عليها أنفسهم"]‪[4‬ومن ثم جاءت تربيتهم‬
‫أبناءهم على نفس الشاكلة‪ ،‬تدريب الناشئة على تنمية الملكات الفردية‬
‫بحيث يحصلون السعادة لنفسهم ‪.‬‬
‫أما الفكرة الرومانية ‪ :‬فقد كانت ربيبة الفكر الغريقي‪ ،‬إن كان ثمة فكر‬
‫يوناني خارج إطار القانون الروماني‪ ،‬وقد تميزت هذه الفكرة بعدة مميزات‪:‬‬
‫السرة في مقابل الفردية ‪ :‬حيث كانت السرة هي رابطة بين الشخاص‬
‫والشياء واللهة‪ ،‬وكانت هي المركز الذي يلتف حوله الدين والخلق والنظام‬
‫كله‪ ،‬وكيان الدولة‪ ،‬بل كانت هي المنبع الذي تستمد منه كافة مقومات الحياة‬
‫‪.‬‬
‫اللهة مع تعددها مجرد معنويات مجردة‪ ،‬كالصحة والشباب‪ ،‬ولكل عمل في‬
‫الحياة إله خاص به يتولء ويشرف عليه وكان لكل أسرة آلهتها الخاصة بها‪،‬‬
‫مع أن الديانة كانت رسما ً من رسوم الدولة العامة التي تعمل على توثيق‬
‫الروابط بين السرة والدولة والحكومة والفراد ‪.‬‬
‫تكوين المبراطورية كان صدي لليمان بالسرة ‪ :‬ومن ثم ظهرت عبقريتهم‬
‫في التطبيق والدارة والتنظيم‪ ،‬وعلى وجه خاص في التنظيم السياسي‬
‫والداري والقانوني‪ ،‬وانعكس هذا على تربية الشباب على الطاعة‪ ،‬والنفعية‪،‬‬
‫والجماعية‪ ،‬فلم يكن للفرد نصيب وافر من الظهور‪ ،‬بل كانت السرة‬
‫مقدسة‪ ،‬والحياة الجتماعية هي الساس‪ ،‬فالب يفرض والبن يطيع‪ ،‬والدولة‬
‫تفرض والفراد يطيعون ‪.‬‬
‫)‪(1 /‬‬
‫أما الديانة المسيحية ‪ :‬فبعد انتقالها إلى الغرب غدت ديانة المبراطورية‬
‫الرومانية‪ ،‬ولكنها تحولت عن جوهرها الحقيقي‪ ،‬لتطوع للطابع المادي‬

‫‪149‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫للحضارة اليونانية‪/‬الرومانية‪ ،‬ولقد صدق القاضي عبدالجبار بن أحمد )‬
‫‪415‬هـ‪ ( 124 /‬عندما سبر غور هذه الحقيقة فعبر عنها بعبارته الجامعة التي‬
‫يقول‪" :‬إن النصرانية عندما دخلت روما لم تتنصر روما ‪ ،‬ولكن المسيحية هي‬
‫التي ترومت" ]‪ ، [5‬وما كان لها أن تعيش في الغرب لول ما ساندها من‬
‫القوانين الرومانية‪ ،‬والنظمة التي فرضتها ليعيش الناس تحت لوائها‪ ،‬وكذلك‬
‫"لول القلق الذي أوجده تفكك المبراطورية الرومانية‪ ،‬ما أتيح لها أن تنتشر‬
‫على النحو الذي انتشرت به في أوروبا" ]‪. [6‬‬
‫وعموما فقد تميزت الديانة المسيحية ‪ -‬في أوربا ‪ -‬بخاصتين ‪) :‬الولى( ‪:‬‬
‫الزدواج العقدي الذي يفصل بين الدين والواقع التاريخي‪ ،‬و)الثاني( ‪ :‬هيمنة‬
‫الكنيسة على الضمائر والسلوك والعقول ‪.‬‬
‫وعمومًا‪ ،‬يتمثل الثر الذي تركته الكنيسة في الفكر الغربي في ناحيتين ‪:‬‬
‫)أحداهما( ‪ :‬إيجابية‪ ،‬وهي حفظ اللغة اللتينية من التدهور والندثار‪ ،‬مما حفظ‬
‫التراث الغريقي في الفلسفة والفكر والذي كان أساسا لبناء اللهوت‬
‫المسيحي‪ ،‬واحتفاظها بالقانون الروماني الذي تقي أساسا لحكومة الكنيسة‬
‫بعد ذلك ‪.‬‬
‫و)ثانيتهما( ‪ :‬سلبية ‪ :‬تمثلت في تجميد الحياة والفكر ومصادرتهما لحساب‬
‫الكنيسة وبأبواتها‪ ،‬مما أدى إلى الخروج على الكنيسة بعد ذلك في ردة بالغة‬
‫النحراف نحو المادية الغريقية بنزعتها العقلية والنسانية وتمجيد الفردية‬
‫وغلبة الطبيعة وقهرها ‪.‬‬
‫لقد التقت هذه العناصر الثلثة في الحياة الوروبية‪ ،‬منذ عصر النهضة‪ ،‬وظل‬
‫كل واحد منها يعمل عمله مستقل عن الخر‪ ،‬وبينما اقتصر تأثير الدين‬
‫المسيحي على دائرة ضيقة غلب تأثير التراث الغريقي فلسفة وفكرا على‬
‫الحياة الوروبية‪ ،‬بحيث أصبح العامل الحاسم في رسم معالم الفكر الوروبي‬
‫الحديث‪ ،‬وشكل صورته التي هو عليها الن‪ ،‬فالنظرة إلى الحياة والنسان‬
‫ومكانته في الكون‪ ،‬وطرق التفكير وأساليب التعبير‪ ،‬ومجالت الفكر كل ذلك‬
‫مما استمده الفكر الوروبي الحديث من التراث الغريقي ول يخفي أثر‬
‫السلم والفكر السلمي الذي أحدث لدى الوروبيين من صدمة‪ ،‬وبالتالي‬
‫نقلوا عنه الكثير‪ ،‬ولكنهم ركزوا على الجوانب المادية وأهملوا الجوانب‬
‫الخرى‪ ،‬فهم لم يأخذوا كل ما في السلم‪ ،‬وإنما أخذوا منها ما يفيد ماديتهم‬
‫الغربية الموروثة عن اليونان ‪.‬‬
‫وعادت إلى الظهور بقوة اتجاهات الفكر الغريقي المادي‪ ،‬حيث ساد اليمان‬
‫بالعقل والتجريب المادي الرافض للدين‪ ،‬ولي شيء وراء المادة‪ ،‬وساد‬
‫اليمان بالنسان‪ ،‬وأن أساس التعامل النساني هو المصلحة والمنفعة‪ ،‬وأن‬
‫التعاون و الخوة النسانية إنما تقوم على أساس عقلني‪ ،‬وأصبحت العقلنية‬
‫الوروبية هي صاحبة الحق الكامل في الشراف على اتجاهات الحياة‪ ،‬حيث‬
‫هي القادرة على فهم الكون وتوجيه الحياة‪ ،‬وتلبية الحاجات النسانية و‬
‫إخضاع كل شيء حتى الطبيعة واللة والدين‪ ،‬وحاول الفكر الوروبي‬
‫والمريكي ‪ -‬باعتباره امتدادا ً للفكر الوروبي ‪ -‬خلق عالم جديد مؤسس على‬
‫العقل والحقيقة المادية‪ ،‬ومن هنا كانت هذه الحقيقة هي الهدف الرئيسي‬
‫لهذا الفكر في العصر الحديث والمعاصر ‪.‬‬
‫إن الحضارة الوروبية تقوم على التراث الغريقي‪ ،‬بل تعمقه وتذهب به كل‬
‫مذهب‪ ،‬من حيث الشغف بالعلم الطبيعي‪ ،‬والكتشافات الجغرافية‪ ،‬والتفكير‬
‫فيما هو في مقدور النسان واعتبار الميتافيزيقا والقيم والرادة دراسات غير‬
‫مفيدة‪،‬حتى المذهب النساني‪ ،‬والذي أخذ يتأكد من جديد‪ ،‬ويبشر به مبشرون‬
‫‪150‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫في الفكر الغربي ما هو إل اهتمام بالنسان وما في مقدوره‪ ،‬ثم اعتبار‬
‫النسان بما هو غربي ل بما هو من خصوصيته‪ .‬حتى الدين‪ ،‬قد أصبح شيئا‬
‫إنسانيًا‪ ،‬فهو خاضع للفحص النساني الحر‪ ،‬وكل إمرىء له الحق في تفسير‬
‫العقيدة المسيحية‪ ،‬حتى تحولت إلى مجرد عاطفة خالية من كل مضمون‪،‬‬
‫حتى الكنائس ما هي إل إمتداد لصخب الحياة وعالم الشارع يذهب إليها‬
‫النسان كما قد يكون ذاهبا ً إلى فسحة أو نزهة يسمع الموسيقى‪ ،‬ويشتري‬
‫الرسومات‪ ،‬لقد أصبح الدين إنسانيا ً هو الخر ‪.‬‬
‫)‪(2 /‬‬
‫ولم يكن الفكر التربوي بعيدا ً عن هذه الروح‪ ،‬ومع تولد الكثير من التجاهات‬
‫والفلسفات التربوية‪ ،‬فإنها ترتد في النهاية إلى تمجيد النسان وتمجيد‬
‫قدراته‪ ،‬والنتصار على الطبيعة‪ ،‬بل والعالم كله‪ ،‬وكثرت البحاث والدراسات‬
‫النفسية التي تزكي هذا وتدعمه‪ ،‬حتى أنها سخرت جميع الوسائل الممكنة‬
‫من أجل تحقيق هذاالنسان‪ ،‬حتى وصل المر إلى إنسان ذي بعد واحد ‪ -‬على‬
‫حد تعبير ماركيوز ‪ -‬وإن الناظر إلى خريطة الفكر التربوي المعاصر يسترعي‬
‫نظره تعدد المدارس الفكرية وتباينها بل وتناقضها‪ ،‬البراجماتية‪ ،‬التوماوية‪،‬‬
‫الفرويدية‪ ،‬التجاه الجتماعي القتصادي‪ ،‬المستقبلي ‪ ...‬الخ‪ ،‬وكل له اتجاهاته‬
‫وآراؤه التي يبشر بها ويدعو إليها‪ ،‬حتى التجاه النساني أخذ يبرز طارحا ً‬
‫قضاياه بقوة‪ ،‬ناقدا ً النظرة المادية التي كانت أساسا ً للنظر للنسان وحياته‬
‫وسلوكه محاول العودة إلى إنسانية النسان وتأكيدها ‪.‬‬
‫وأيا ً كان المر فإن المعرفة التربوية الغربية المعاصرة وتطبيقاتها قد وصلت‬
‫بإنسانها إلى طريق مسدود‪ ،‬وتعيش أزمة حادة بالرغم من مظاهر الصحة‬
‫والحيوية التي قد تبدو عليها‪ ،‬من مظاهر تلك الزمة‪ ،‬ضعف جاذبيتها‪ ،‬وضعف‬
‫تأثير المذاهب والفلسفات التربوية‪ ،‬واهتزاز الثقة في العلوم التربوية‬
‫ونتائجها‪ ،‬والنفصال بين الفكر والواقع التعليمي والجتماعي‪ ،‬والعجز عن‬
‫مواجهة المشكلت الجتماعية والتعليمية الجديدة ‪،‬فضل ً عن أن هذا الفكر‬
‫وتلك المعرفة لقلة جدواها أصبحت تشكل عائقا في طريق نمو التعليم‬
‫وتطوره‪ ،‬بل وتزيد من حدة المشكلت الجتماعية ‪.‬‬
‫يدل هذا على استحكام أزمة المعرفة التربوية وإطارها المعرفي بلدها‬
‫وبيئاتها‪ ،‬وتعرض لها الناقدون بأعمال نقدية كثيرة‪ ،‬والغريب أنه ما زال بيننا‬
‫من يبشر ويدعو وينتج الفكر التربوي في ظل معطيات هذا الطار‪ ،‬الذي‬
‫مهما كان صلحه‪ ،‬فإن صلحه لن يتعدى بيئته‪ ،‬ولن يصلح لبيئة أخرى‪ ،‬لنه‬
‫نتاج إنساني محكوم بالزمان والمكان‪ ،‬وخاضع لمبدأ وقانون التغير ‪ ،‬فبأي‬
‫دعوى يقيم المبشرون به في الزمان والمكان العربي السلمي‪ ،‬إل دعوى‬
‫العلمية والعالمية التي أخذت تتهاوى وتتساقط في الونة الخيرة‪ ،‬والتي ل‬
‫تتفق بهذا الشكل من بداهة العقل ‪.‬‬
‫ـــــــــــــــــــــــــ‬
‫الهوامش ‪:‬‬
‫]‪ [1‬عبدالحميد إبراهيم )انطونيو‪ :‬وكليوباترا دراسة مقارنة بين شكبير‬
‫وشوقي ط ‪ 2‬ـ السعودية ـ الدار السعودية للنشر والتوزيع( ‪.‬‬
‫]‪ [2‬عبدالله عبدالدائم‪ :‬تاريخ التربية‪ .‬دمشق ـ مطبعة جامعة دمشق‪/1379 .‬‬
‫‪ ،1959‬ص ‪. 22‬‬
‫]‪ [3‬عبدالحميد إبراهيم ) مرجع سابق (‪ ،‬ص ‪ .9 .648‬راجع‪ :‬المره‪ .‬وايلدز‪،‬‬

‫‪151‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وكينيث ف‪ .‬لوتش‪ :‬أصول التربية الحديثة‪.‬‬
‫]‪ [4‬المرجع السابق‪ ،‬ص ‪11 .12‬‬
‫]‪ [5‬عبدالغني عبود‪ :‬المسلمون وتحديات العصر ‪ .‬الكتاب )‪ (15‬من سلسلة‬
‫السلم وتحديات العصر ـ ط ‪ 1‬ـ القاهرة ـ دار الفكر ـ ‪1985‬م‪ ،‬ص ‪.189‬‬
‫]‪ [6‬راجع‪ :‬عبدالحكيم عثمان ) مرجع سابق (‪ ،‬ص ‪.49 ،47‬‬
‫)‪(3 /‬‬
‫نقد القومية العربية على ضوء السلم والواقع‬
‫الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز‬
‫بسم الله الرحمن الرحيم‬
‫الحمد لله‪ ،‬والصلة والسلم على رسول الله وبعد‪:‬‬
‫فل يشك مسلم له أدنى بصيرة بالتاريخ السلمي في فضل العرب‬
‫المسلمين‪ ،‬وما قاموا به من حمل رسالة السلم في القرون المفضلة‪،‬‬
‫وتبليغه لكافة الشعوب‪ ،‬والصدق في الدعوة إليه‪ ،‬والجهاد لنشره والدفاع‬
‫عنه‪ ،‬وتحمل المشاق العظيمة في ذلك‪ ،‬حتى أظهرها الله على أيديهم‬
‫وخفقت رايته في غالب المعمورة‪ ،‬وشاهد العالم على أيدي دعاة السلم في‬
‫صدر السلم أكمل نظام وأعدل حاكم‪ ،‬ورأوا في السلم كل ما يريدون‬
‫وينشدون من خير الدنيا والخرة‪ ،‬ووجدوا في السلم تنظيم حياة سعيدة‬
‫تكفل لهم العزة والكرامة والحرية من عبادة العبيد‪ ،‬وظلم المستبدين‪،‬‬
‫والولة الغاشمين‬
‫ووجدوا في السلم تنظيم علقتهم بالله سبحانه‪ :‬بعبادة عظيمة تصلهم بالله‪،‬‬
‫وتطهر قلوبهم من الشرك والحقد والكبر‪ ،‬وتغرس فيها غاية الحب لله وكمال‬
‫الذل له والتلذذ بمناجاته‪ ،‬وتعرفهم بربهم وبأنفسهم‪ ،‬وتذكرهم بالله وعظيم‬
‫حقه كلما غفلوا أو كادوا أن يغفلوا وجدوا في السلم تنظيم علقتهم‬
‫بالرسول صلى الله عليه وسلم وماذا يجب عليهم من حقه والسير في‬
‫سبيله‪ ،‬ووجدوا في السلم أيضا تنظيم العلقات التي بين الراعي والرعية‪،‬‬
‫وبين الرجل وأهله‪ ،‬وبين الرجل وأقاربه‪ ،‬وبين الرجل وإخوانه المسلمين‪،‬‬
‫وبين المسلمين والكفار‪ ،‬بعبارات واضحة وأساليب جلية ووجدوا من الرسول‬
‫صلى الله عليه وسلم ومن الصحابة وأتباعهم بإحسان تفسير ذلك بأخلقهم‬
‫الحميدة وأعمالهم المجيدة‪ ،‬فأحب الناس السلم وعظموه ودخلوا فيه‬
‫أفواجا‪ ،‬وأدركوا فيه كل خير وطمأنينة وصلح وإصلح‬
‫والكلم في مزايا السلم وما اشتمل عليه من أحكام سامية وأخلق كريمة‪،‬‬
‫تصلح القلوب‪ ،‬وتؤلف بينها وتربطها برباط وثيق من المودة في الله سبحانه‪،‬‬
‫والتفاني في نصر دينه‪ ،‬والتمسك بتعاليمه‪ ،‬والتواصي بالحق والصبر عليه‪ ،‬ل‬
‫ريب أن الكلم في هذا الباب يطول والقصد في هذه الكلمة الشارة إلى ما‬
‫حصل على أيدي المسلمين من العرب في صدر السلم من الجهاد والصبر‪،‬‬
‫وما أكرمهم الله به من حمل مشعل السلم إلى غالب المعمورة‪ ،‬وما حصل‬
‫للعالم من الرغبة في السلم‪ ،‬والمسارعة إلى الدخول فيه‪ ،‬لما اشتمل عليه‬
‫من الحكام الرشيدة والتعاليم السمحة‪ ،‬والتعريف بالله سبحانه وبأسمائه‬
‫وصفاته وعظيم حقه على عباده‪ ،‬ولما اتصف به حملته والدعاة إليه من‬
‫تمثيل أحكام السلم في أقوالهم وأعمالهم وأخلقهم‪ ،‬حتى صاروا بذلك خير‬
‫ُ‬
‫ت‬
‫مةٍ أ ُ ْ‬
‫م َ‬
‫خرِ َ‬
‫ج ْ‬
‫خي َْر أ ّ‬
‫أمة أخرجت للناس‪ ،‬وحققوا بذلك معنى قوله تعالى‪ :‬ك ُن ْت ُ ْ‬
‫ْ‬
‫ن ِبالل ّهِ ومعنى الية كما‬
‫من ْك َرِ وَت ُؤْ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫ف وَت َن ْهَوْ َ‬
‫معُْرو ِ‬
‫مُرو َ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫ن ِبال ْ َ‬
‫س ت َأ ُ‬
‫ن عَ ِ‬
‫ِللّنا ِ‬
‫‪152‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫قال أبو هريرة رضي الله عنه كنتم خير الناس للناس‬
‫ل يشك مسلم قد عرف ما كان عليه المسلمون في صدر السلم فيما‬
‫ذكرناه‪ ،‬فهو من الحقائق المعلومة بين المسلمين‪ ،‬ول يشك مسلم في ما‬
‫للمسلمين غير العرب من الفضل والجهاد المشكور في مساعدة إخوانهم‬
‫من العرب المسلمين في نشر هذا الدين والجهاد في إعلء كلمته‪ ،‬وتبليغه‬
‫سكان المعمورة‪ ،‬شكر الله للجميع مساعيهم الجليلة‪ ،‬وجعلنا من أتباعهم‬
‫بإحسان‪ ،‬إنه على كل شيء قدير‬
‫وإنما الذي ينكر اليوم ويستغرب صدوره عن كثير من أبناء السلم من‬
‫العرب‪ ،‬انصرافهم عن الدعوة إلى هذا الدين العظيم‪ ،‬الذي رفعهم الله به‪،‬‬
‫وأعزهم بحمل رسالته‪ ،‬وجعلهم ملوك الدنيا وسادة العالم‪ ،‬لما حملوا لواءه‬
‫وجاهدوا في سبيله بصدق وإخلص‪ ،‬حتى فتحوا الدنيا‪ ،‬وكسروا كسرى‪،‬‬
‫وقصروا قيصر‪ ،‬واستولوا على خزائن مملكتيهما‪ ،‬وأنفقوها في سبيل الله‬
‫سبحانه‪ ،‬وكانوا حينذاك في غاية من الصدق والخلص والوفاء والمانة‬
‫والتحاب في الله سبحانه والمؤاخاة فيه‪ ،‬ل فرق عندهم بين عربي وعجمي‪،‬‬
‫ول بين أحمر وأسود‪ ،‬ول بين غني وفقير‪ ،‬ول بين شرقي وغربي‪ ،‬بل هم في‬
‫ذلك إخوان متحابون في الله‪ ،‬متعاونون على البر والتقوى‪ ،‬مجاهدون في‬
‫سبيل الله‪ ،‬صابرون على دين السلم ل تأخذهم في الله لومة لئم‪ ،‬يوالون‬
‫في السلم‪ ،‬ويعادون فيه‪ ،‬ويحبون عليه‪ ،‬ويبغضون عليه‪ ،‬ولذلك كفاهم الله‬
‫مكايد أعدائهم‪ ،‬وكتب لهم النصر في جميع ميادين جهادهم‪ ،‬كما وعدهم الله‬
‫سبحانه بذلك في كتابه المبين حيث يقول سبحانه‪ :‬وَ َ‬
‫صُر‬
‫ح ّ‬
‫ن َ‬
‫كا َ‬
‫قا عَل َي َْنا ن َ ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ت‬
‫ن وقال تعالى‪َ :‬يا أي َّها ال ّ ِ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫مُنوا إ ِ ْ‬
‫م وَي ُث َب ّ ْ‬
‫صْرك ُ ْ‬
‫صُروا الل َ‬
‫نآ َ‬
‫ال ْ ُ‬
‫ه ي َن ْ ُ‬
‫ن ت َن ْ ُ‬
‫ذي َ‬
‫مِني َ‬
‫َ‬
‫م‬
‫أقْ َ‬
‫مك ُ ْ‬
‫دا َ‬
‫)‪(1 /‬‬
‫ثم بعد هذا الشرف العظيم والنصر المؤزر من المولى سبحانه لعباده‬
‫المؤمنين من العرب وغيرهم‪ ،‬نرى نفرا من أبنائنا يخدعون بالمبادئ‬
‫المنحرفة‪ ،‬ويدعون إلى غير السلم‪ ،‬كأنهم لم يعرفوا فضل السلم وما‬
‫حصل لسلفهم بالسلم من العزة والكرامة‪ ،‬والمجد الشامخ والمجتمع‬
‫القوي الذي كتبه الله لهل السلم الصادقين‪ ،‬حتى إن عدوهم ليخافهم وهو‬
‫عنهم مسيرة شهر‪ ،‬نسي هؤلء أو تناسوا هذا المجد المؤثل والعز العظيم‬
‫والملك الكبير‪ ،‬الذي ناله المسلمون بالسلم‪ ،‬فصار هؤلء البناء يدعون إلى‬
‫التكتل والتجمع حول القومية العربية‪ ،‬ويعرفونها بأنها اجتماع وتكاتف لتطهير‬
‫البلد من العدو المستعمر‪ ،‬ولتحصيل المصالح المشتركة‪ ،‬واستعادة المجد‬
‫السليب‬
‫وقد اختلف الدعاة إليها في عناصرها‪ ،‬فمن قائل‪ :‬أنها الوطن والنسب واللغة‬
‫العربية ومن قائل‪ :‬أنها اللغة فقط ومن قائل‪ :‬أنها اللغة مع المشاركة في‬
‫اللم والمال ومن قائل غير ذلك وأما الدين فليس من عناصرها عند‬
‫أساطينهم والصرحاء منهم‪ ،‬وقد صرح كثير بأن الدين ل دخل له في القومية‪،‬‬
‫وصرح بعضهم أنها تحترم الديان كلها من السلم وغيره وهدفها كما يعلم‬
‫من كلمهم هو التكتل والتجمع والتكاتف ضد العداء ولتحصيل المصالح‬
‫المشتركة كما سلف‪ ،‬ول ريب بأن هذا غرض نبيل وقصد جميل‬
‫فإذا كان هذا هو الهدف‪ ،‬ففي السلم من الحث على ذلك والدعوة إليه‪،‬‬
‫وإيجاب التكاتف والتعاون لنصر السلم‪ ،‬وحمايته من كيد العداء ولتحصيل‬

‫‪153‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫المصالح المشتركة‪ ،‬ما هو أكمل وأعظم مما يرتجى من وراء القومية‬
‫ومعلوم عند كل ذي لب سليم أن التكاتف والتعاون الذي مصدره القلوب‪،‬‬
‫واليمان بصحة الهدف‪ ،‬وسلمة العاقبة في الحياة وبعد الممات كما في‬
‫السلم الصحيح ‪ -‬أعظم من التعاون والتكاتف على أمر اخترعه البشر ولم‬
‫ينزل به وحي السماء‪ ،‬ول تؤمن عاقبته ل في الدنيا ول في الخرة‪ .‬وأيضا‬
‫فالتكاتف والتعاون الصادر عن إيمان بالله‪ ،‬وصدق في معاملته ومعاملة‬
‫عباده‪ ،‬مضمون له النصر وحسن العاقبة ‪ -‬كما في اليات الكريمات التي‬
‫أسلفنا ذكرها ‪ -‬بخلف التكاتف والتعاون المبني على فكرة جاهلية تقليدية‪،‬‬
‫لم يأت بها شرع ولم يضمن لها النصر‪.‬‬
‫وهذا كله على سبيل التنزل لدعاة القومية‪ ،‬والرغبة في إيضاح الحقائق‬
‫لطالب الحق وإل فمن خبر أحوال القوميين‪ ،‬وتدبر مقالتهم وأخلقهم‬
‫وأعمالهم‪ ،‬عرف أن غرض الكثيرين منهم من الدعوة إلى القومية‪ ،‬أمور‬
‫أخرى يعرفها من له أدنى بصيرة بالواقع وأحوال المجتمع‪ ،‬ومن تلك المور‪،‬‬
‫فصل الدين عن الدولة‪ ،‬وإقصاء أحكام السلم عن المجتمع‪ ،‬والعتياض عنها‬
‫بقوانين وضعية ملفقة من قوانين شتى‪ ،‬وإطلق الحرية للنزعات الجنسية‬
‫والمذاهب الهدامة ‪ -‬ل بلغهم الله مناهم ‪ -‬ول ريب أن دعوة تفضي إلى هذه‬
‫الغايات‪ ،‬يرقص لها الستعمار طربا‪ ،‬ويساعد على وجودها ورفع مستواها ‪-‬‬
‫وإن تظاهر بخلف ذلك ‪ -‬تغريرا للعرب عن دينهم‪ ،‬وتشجيعا لهم على‬
‫الشتغال بقوميتهم‪ ،‬والدعوة إليها والعراض عن دينهم‬
‫ومن زعم من دعاة القومية أن الدين من عناصرها‪ ،‬فقد فرض أخطاء على‬
‫القوميين‪ ،‬وقال عليهم ما لم يقولوا لن الدين يخالف أسسهم التي بنوا‬
‫القومية عليها‪ ،‬ويخالف صريح كلمهم ويباين ما يقصدونه من تكتيل العرب‪،‬‬
‫على اختلف أديانهم تحت راية القومية‬
‫ولهذا تجد من يجعل الدين من عناصر القومية يتناقض في كلمه‪ ،‬فيثبته تارة‬
‫وينفيه أخرى‪ ،‬وما ذلك إل أنه لم يقله عن عقيدة وإيمان‪ ،‬وإنما قاله مجاملة‬
‫لهل السلم‪ ،‬أو عن جهل بحقيقة القومية وهدفها‪ ،‬وهكذا قول من قال‪ :‬إنها‬
‫تخدم السلم أو تسانده‪ ،‬وكل ذلك بعيد عن الحقيقة والواقع‪ ،‬وإنما الحقيقة‬
‫أنها تنافس السلم وتحاربه في عقر داره‪ ،‬وتطلي ببعض خصائصه ترويجا لها‬
‫وتلبيسا أو جهل وتقليدا‬
‫ولو كانت الدعوة إلى القومية يراد منها نصر السلم وحماية شعائره‪ ،‬لكرس‬
‫القوميون جهدهم في الدعوة إليه ومناصرته‪ ،‬وتحكيم دستوره النازل من‬
‫فوق سبع سماوات‪ ،‬ولبادروا إلى التخلق بأخلقه‪ ،‬والعمل بما يدعو إليه‪،‬‬
‫وابتعدوا عن كل ما يخالفه؛ لنه الصل الصيل والهدف العظم‪ ،‬ولنه السبيل‬
‫الذي من سار عليه‪ ،‬واستقام عليه‪ ،‬وصل إلى شاطئ السلمة‪ ،‬وفاز بالجنة‬
‫والكرامة‪ ،‬ومن حاد عن سبيله باء بالخيبة والندامة‪ ،‬وخسر الدنيا والخرة‪ ،‬فلو‬
‫كان دعاة القومية يقصدون بدعوتهم إليها تعظيم السلم وخدمته‪ ،‬ورفع‬
‫شأنه‪ ،‬لما اقتصروا على الدعوة للخادم دون المخدوم‪ ،‬وكرسوا لهذا الخادم‬
‫جهودهم‪ ،‬وغضبوا من صوت دعاة السلم إذا دعوا إليه‪ ،‬وحذروا مما يخالفه‬
‫أو يقف حجرا في طريقه‬
‫)‪(2 /‬‬
‫لو كان دعاة القومية يريدون بدعوتهم إعلء كلمة السلم‪ ،‬واجتماع العرب‬
‫عليه‪ ،‬لنصحوا العرب ودعوهم إلى التمسك بتعاليم السلم‪ ،‬وتنفيذ أحكامه‪،‬‬

‫‪154‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ولشجعوهم على نصره ودعوة الناس إليه‪ ،‬فإن العرب أولى الناس بأن‬
‫ينصروا السلم‪ ،‬ويحموه من مكايد العداء ويحكموه فيما شجر بينهم‪ ،‬كما‬
‫قد ْ أ َن َْزل َْنا‬
‫فعل أسلفهم؛ لنه عزهم وذكرهم ومجدهم‪ ،‬كما قال الله تعالى‪ :‬ل َ َ‬
‫إل َيك ُم كتابا فيه ذك ْرك ُ َ‬
‫ك إ ِن ّ َ‬
‫ي إ ِل َي ْ َ‬
‫س ْ‬
‫ك‬
‫ذي ُأو ِ‬
‫ك ِبال ّ ِ‬
‫م ِ‬
‫م أَفل ت َعْ ِ‬
‫قُلو َ‬
‫ن وقال َفا ْ‬
‫ست َ ْ‬
‫ِ ْ ْ َِ ً ِ ِ ِ ُ ْ‬
‫ح َ‬
‫ك وسوف تسأ َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن وإذا عرفت أيها‬
‫لو‬
‫م‬
‫و‬
‫َ‬
‫ق‬
‫ل‬
‫و‬
‫ك‬
‫ل‬
‫ر‬
‫ك‬
‫ذ‬
‫ل‬
‫ه‬
‫ن‬
‫إ‬
‫و‬
‫َِ ْ ِ‬
‫ست َ ِ‬
‫صَرا ٍ‬
‫عََلى ِ‬
‫َ‬
‫َ َ ْ َ ُ ْ‬
‫م ْ‬
‫ط ُ‬
‫قيم ٍ َ ِ ّ ُ ِ ٌ‬
‫القارئ ما تقدم‪ ،‬فاعلم أن هذه الدعوة‪ :‬أعني الدعوة إلى القومية العربية‪،‬‬
‫أحدثها الغربيون من النصارى‪ ،‬لمحاربة السلم والقضاء عليه في داره‪،‬‬
‫بزخرف من القول‪ ،‬وأنواع من الخيال‪ ،‬وأساليب من الخداع‪ ،‬فاعتنقها كثير‬
‫من العرب من أعداء السلم‪ ،‬واغتر بها كثير من الغمار ومن قلدهم من‬
‫الجهال‪ ،‬وفرح بذلك أرباب اللحاد وخصوم السلم في كل مكان‬
‫نشرة صدرت في كتاب عن المكتب السلمي في بيروت ودمشق عام‬
‫‪ 1400‬هـ الطبعة الرابعة‪.‬‬
‫ومن المعلوم من دين السلم بالضرورة أن الدعوة إلى القومية العربية أو‬
‫غيرها من القوميات‪ ،‬دعوة باطلة وخطأ عظيم‪ ،‬ومنكر ظاهر‪ ،‬وجاهلية وكيد‬
‫سافر للسلم وأهله‪ ،‬وذلك لوجوه‬
‫الول أن الدعوة إلى القومية العربية تفرق بين المسلمين‪ ،‬وتفصل المسلم‬
‫العجمي عن أخيه العربي‪ ،‬وتفرق بين العرب أنفسهم ؛ لنهم كلهم ليسوا‬
‫يرتضونها‪ ،‬وإنما يرضاها منهم قوم دون قوم‪ ،‬وكل فكرة تقسم المسلمين‬
‫وتجعلهم أحزابا فكرة باطلة‪ ،‬تخالف مقاصد السلم وما يرمي إليه؛ وذلك لنه‬
‫يدعو إلى الجتماع والوئام‪ ،‬والتواصي بالحق والتعاون على البر والتقوى‪ ،‬كما‬
‫َ‬
‫ن‬
‫حق ّ ت ُ َ‬
‫مُنوا ات ّ ُ‬
‫يدل على ذلك قوله سبحانه‪َ :‬يا أي َّها ال ّ ِ‬
‫ه َ‬
‫قات ِهِ َول ت َ ُ‬
‫قوا الل ّ َ‬
‫نآ َ‬
‫موت ُ ّ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫ه‬
‫ميًعا َول ت َ َ‬
‫م َ‬
‫ة الل ّ ِ‬
‫ج ِ‬
‫ن َواعْت َ ِ‬
‫ل الل ّهِ َ‬
‫موا ب ِ َ‬
‫مو َ‬
‫م ْ‬
‫فّرُقوا َواذ ْك ُُروا ن ِعْ َ‬
‫ص ُ‬
‫سل ِ ُ‬
‫م ُ‬
‫ِإل وَأن ْت ُ ْ‬
‫حب ْ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫عَل َيك ُم إذ ْ ك ُنت َ‬
‫م عََلى‬
‫مت ِهِ إ ِ ْ‬
‫داًء فَأل ّ َ‬
‫صب َ ْ‬
‫م أعْ َ‬
‫واًنا وَك ُن ْت ُ ْ‬
‫م ب ِن ِعْ َ‬
‫حت ُ ْ‬
‫ن قُُلوب ِك ُ ْ‬
‫ُْ ْ‬
‫م فَأ ْ‬
‫خ َ‬
‫ف ب َي ْ َ‬
‫ْ ْ ِ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫ن الّنارِ فَأن ْ َ‬
‫ح ْ‬
‫ش َ‬
‫م ِ‬
‫فَرةٍ ِ‬
‫دو َ‬
‫م ت َهْت َ ُ‬
‫فا ُ‬
‫م آَيات ِهِ لعَلك ْ‬
‫ه لك ْ‬
‫ن الل ُ‬
‫قذ َك ْ‬
‫من َْها كذ َل ِك ي ُب َي ّ ُ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ما‬
‫ف ْ‬
‫م لوْ أن ْ َ‬
‫ن وَأل َ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫وقال تعالى‪ :‬هُوَ ال ِ‬
‫ت َ‬
‫ق َ‬
‫ن قُلوب ِهِ ْ‬
‫صرِهِ وَِبال ُ‬
‫ذي أي ّد َك ب ِن َ ْ‬
‫ف ب َي ْ َ‬
‫مِني َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫م‬
‫ما أل ْ‬
‫ِفي اْل َْر‬
‫ه أل َ‬
‫ح ِ‬
‫ج ِ‬
‫زيٌز َ‬
‫ض َ‬
‫كي ٌ‬
‫م إ ِن ّ ُ‬
‫ف ب َي ْن َهُ ْ‬
‫ن الل َ‬
‫ن قُلوب ِهِ ْ‬
‫ف َ‬
‫ميًعا َ‬
‫م وَلك ِ ّ‬
‫ت ب َي ْ َ‬
‫ه عَ ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫صلة َ َول ت َ ُ‬
‫م ْ‬
‫ن‬
‫ن إ ِل َي ْهِ َوات ّ ُ‬
‫ن ِ‬
‫شرِ ِ‬
‫كوُنوا ِ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫قوه ُ وَأِقي ُ‬
‫وقال تعالى‪ُ :‬‬
‫موا ال ّ‬
‫م َ‬
‫كي َ‬
‫م َ‬
‫مِنيِبي َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ن‬
‫شي ًَعا كل ِ‬
‫م وَكاُنوا ِ‬
‫ال ّ ِ‬
‫حو َ‬
‫م فرِ ُ‬
‫ما لد َي ْهِ ْ‬
‫ب بِ َ‬
‫ن فَّرُقوا ِدين َهُ ْ‬
‫حْز ٍ‬
‫ذي َ‬
‫فانظر أيها المؤمن الراغب في الحق كيف يحارب السلم التفرق والختلف‪،‬‬
‫ويدعو إلى الجتماع والوئام‪ ،‬والتمسك بحبل الحق والوفاة عليه‪ ،‬تعلم بذلك‬
‫أن هدف القومية غير هدف السلم‪ ،‬وأن مقاصدها تخالف مقاصد السلم‪،‬‬
‫ويدل على ذلك أيضا أن هذه الفكرة‪ ،‬أعني الدعوة إلى القومية العربية‬
‫وردت إلينا من أعدائنا الغربيين‪ ،‬وكادوا بها المسلمين‪ ،‬ويقصدون من ورائها‬
‫فصل بعضهم عن بعض‪ ،‬وتحطيم كيانهم‪ ،‬وتفريق شملهم‪ ،‬على قاعدتهم‬
‫المشئومة )فرق تسد( وكم نالوا من السلم وأهله بهذه القاعدة النحيسة‪،‬‬
‫مما يحزن القلوب ويدمي العيون‬
‫وذكر كثير من مؤرخي الدعوة إلى القومية العربية‪ ،‬ومنهم مؤلف الموسوعة‬
‫العربية‪ :‬أن أول من دعا إلى القومية العربية في أواخر القرن التاسع عشر‬
‫الميلدي‪ ،‬هم الغربيون على أيدي بعثات التبشير في سوريا‪ ،‬ليفصلوا الترك‬
‫عن العرب‪ ،‬ويفرقوا بين المسلمين‪ ،‬ولم تزل الدعوة إليها في الشام‬
‫والعراق ولبنان تزداد وتنمو‪ ،‬حتى عقد لها أول مؤتمر في باريس من نحو‬
‫ستين سنة‪ ،‬وذلك عام ‪ 1910‬م‪ ،‬وكثرت بسبب ذلك الجمعيات العربية‪،‬‬
‫وتعددت التجاهات‪ ،‬فحاول التراك إخمادها‪ ،‬بأحكام العدام التي نفذها جمال‬
‫باشا في سورية في ذلك الوقت‪ ،‬إلي آخر ما ذكروا‪ ،‬فهل تظن أيها القارئ أن‬
‫‪155‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫خصومنا وأعداءنا يسعون في مصالحنا‪ ،‬بابتداعهم الدعوة إلى القومية‬
‫العربية‪ ،‬وعقد المؤتمرات لها‪ ،‬وابتعاث المبشرين بها‪ ،‬ل والله‪ ،‬إنهم ل يريدون‬
‫بنا خيرا ول يعملون لمصالحنا‪ ،‬إنما يعملون ويسعون لتحطيمنا وتمزيق شملنا‪،‬‬
‫والقضاء على ما بقي من ديننا‪ ،‬وكفى بذلك دليل لكل ذي لب‪ ،‬على ما يراد‬
‫من وراء الدعوة إلى القومية العربية‪ ،‬وأنها معول غربي استعماري‪ ،‬يراد به‬
‫تفريقنا وإبعادنا عن ديننا كما سلف‬
‫)‪(3 /‬‬
‫ومن العجب الذي ل ينقضي‪ ،‬أن كثيرا من شبابنا وكتابنا ‪ -‬ألهمهم الله‬
‫رشدهم ‪ -‬خفيت عليهم هذه الحقيقة‪ ،‬حتى ظنوا أن التكتل والتجمع حول‬
‫القومية العربية‪ ،‬والمناصرة لها‪ ،‬أنفع للعرب وأضر للعدو‪ ،‬من التجمع والتكتل‬
‫حول السلم ومناصرته‪ ،‬وهذا بل شك ظن خاطئ‪ ،‬واعتقاد غير مطابق‬
‫للحقيقة‪.‬‬
‫نعم ل شك أنه يحزن المستعمر ويقلق راحته كل تجمع وتكتل ضد مصلحته‪،‬‬
‫ولكن خوفه من التجمع والتكتل حول السلم أعظم وأكبر‪ ،‬ولذلك رضي‬
‫بالدعوة إلى القومية العربية‪ ،‬وحفز العرب إليها‪ ،‬ليشغلهم بها عن السلم‪،‬‬
‫وليقطع بها صلتهم بالله سبحانه‪ .‬لنهم إذا فقدوا السلم حرموا ما ضمنه الله‬
‫لهم من النصر‪ ،‬الذي وعدهم به في اليتين السابقتين‪ ،‬وفي قوله تعالى‪:‬‬
‫َْ‬
‫ض‬
‫ه لَ َ‬
‫زيٌز * ال ّ ِ‬
‫ن إِ ْ‬
‫صُره ُ إ ِ ّ‬
‫صَر ّ‬
‫مك ّّناهُ ْ‬
‫ن َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ه َ‬
‫ن الل ّ ُ‬
‫ن ي َن ْ ُ‬
‫وَل َي َن ْ ُ‬
‫ذي َ‬
‫م ْ‬
‫قوِيّ عَ ِ‬
‫م ِفي الْر ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫وا الّز َ‬
‫ة‬
‫من ْك َرِ وَل ِل ّهِ َ‬
‫عاقِب َ ُ‬
‫معُْرو ِ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫مُروا ِبال ْ َ‬
‫كاةَ وَأ َ‬
‫أَقا ُ‬
‫موا ال ّ‬
‫ف وَن َهَ ْ‬
‫صلة َ َوآت َ ُ‬
‫وا عَ ِ‬
‫ُ‬
‫موِر‬
‫اْل ُ‬
‫ومعلوم عند جميع العقلء أنه إذا كان ل بد من أحد ضررين‪ ،‬فارتكاب الدنى‬
‫منهما أولى‪ ،‬حذرا من الضرر الكبر‪ ،‬وقد دل الشرع والقدر على هذه‬
‫القاعدة‪ ،‬وقد عرفها المستعمر وسلكها في هذا الباب وغيره فتنبه يا أخي‬
‫واحذر مكايد الشيطان والستعمار وأوليائهما‪ ،‬تنج من ضرر عظيم‪ ،‬وخطر‬
‫كبير‪ ،‬وعواقب سيئة عافاني الله وإياك والمسلمين من ذلك‬
‫ومما تقدم يعلم القارئ اليقظ أن الدعوة إلى القومية العربية ‪ -‬كما أنها‬
‫إساءة إلى السلم ومحاربة له في بلده ‪ -‬فهي أيضا إساءة إلى العرب‬
‫أنفسهم‪ ،‬وجناية عليهم عظيمة‪ .‬لكونها تفصلهم عن السلم الذي هو مجدهم‬
‫الكبر‪ ،‬وشرفهم العظم ومصدر عزهم وسيادتهم على العالم‪ ،‬فكيف يرضى‬
‫عربي عاقل بدعوة هذا شأنها وهذه غايتها‪:‬؟! ولقد أحسن الكاتب السلمي‬
‫الشهير‪ :‬أبو الحسن الندوي في رسالته المشهورة‪) :‬اسمعوها مني صريحة‪:‬‬
‫أيها العرب( حيث يقول في صفحة ‪ 27‬و ‪ 28‬ما نصه‪:‬‬
‫)فمن المؤسف المحزن المخجل أن يقوم في هذا الوقت في العالم العربي‪،‬‬
‫رجال يدعون إلى القومية العربية المجردة من العقيدة والرسالة‪ ،‬وإلى قطع‬
‫الصلة عن أعظم نبي عرفه تاريخ اليمان‪ ،‬وعن أقوى شخصية ظهرت في‬
‫العالم‪ ،‬وعن أمتن رابطة روحية تجمع بين المم والفراد والشتات‪ ،‬إنها‬
‫جريمة قومية تبز جميع الجرائم القومية‪ ،‬التي سجلها تاريخ هذه المة‪ ،‬وإنها‬
‫حركة هدم وتخريب‪ ،‬تفوق جميع الحركات الهدامة المعروفة في التاريخ‪،‬‬
‫وإنها خطوة حاسمة مشئومة‪ ،‬في سبيل الدمار القومي والنتحار الجتماعي(‬
‫انتهى‪.‬‬
‫فتأمل‪ :‬أيها القارئ كلمة هذا العالم العربي الحسني الكبير الذي قد سبر‬
‫أحوال العالم وعرف نتائج الدعوة إلى القوميات وسوء مصيرها‪ ،‬تدرك بعقلك‬

‫‪156‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫السليم ما وقع فيه العرب والمسلمون اليوم‪ ،‬من فتنة كبرى ومصيبة عظمى‪،‬‬
‫بهذه الدعوة المشئومة‪ ،‬وقى الله المسلمين شرها‪ ،‬ووفق العرب وجميع‬
‫المسلمين للرجوع إلى ما كان عليه أسلفهم المهديون‪ ،‬إنه سميع مجيب‬
‫ثم ل يخفاك أيها القارئ الكريم غربة السلم اليوم‪ ،‬وقلة أنصاره‬
‫والمتحمسين لدعوته‪ ،‬وكثرة المحاربين له والمتنكرين لحكامه وتعاليمه‪،‬‬
‫فالواجب على أبناء السلم بدل من التحمس للقومية والمناصرة لدعاتها‪ :‬أن‬
‫يكرسوا جهودهم للدعوة إلى السلم وتعظيمه في قلوب الناس‪ ،‬وأن‬
‫يجتهدوا في نشر محاسنه وإعلن أحكامه العادلة‪ ،‬وتعاليمه السمحة الصافية‪،‬‬
‫نقية من شوائب الشرك والخرافات والبدع والهواءه حتى يعيدوا بذلك ما‬
‫درس من مجد أسلفهم‪ ،‬وحماستهم للسلم‪ ،‬وتكريس قواهم لنصرته‬
‫وحمايته‪ ،‬والرد على خصومه بشتى الساليب الناجعة‪ ،‬وأنواع الحجج‬
‫والبراهين الساطعة ول شك أن هذا واجب متحتم‪ ،‬وفرض لزم على جميع‬
‫أبناء السلم‪ ،‬كل منهم بحسب ما أعطاه الله من المقدرة والمكانات‪ ،‬التي‬
‫يستطيع بها القيام بما أوجب الله عليه من النصر لدينه والدعوة إليه‪ ،‬فنسأل‬
‫الله أن يمن على الجميع بذلك‪ ،‬وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا‪ ،‬وأن يقر أعين‬
‫المسلمين جميعا بنصر السلم الصافي من الشوائب‪ ،‬وظهوره على جميع‬
‫خصومه في القريب العاجل‪ ،‬إنه سبحانه خير مسئول وأقرب مجيب‬
‫)‪(4 /‬‬
‫الوجه الثاني‪ :‬أن السلم نهى عن دعوى الجاهلية وحذر منها‪ ،‬وأبدى في ذلك‬
‫وأعاد في نصوص كثيرة بل قد جاءت النصوص تنهى عن جميع أخلق‬
‫الجاهلية‪ ،‬وأعمالهم إل ما أقره السلم من ذلك‪ ،‬ول ريب أن الدعوة إلى‬
‫القومية العربية من أمر الجاهلية‪ ،‬لنها دعوة إلى غير السلم‪ ،‬ومناصرة لغير‬
‫الحق‪ ،‬وكم جرت الجاهلية على أهلها من ويلت وحروب طاحنة‪ ،‬وقودها‬
‫النفوس والموال والعراض‪ ،‬وعاقبتها تمزيق الشمل وغرس العداوة‬
‫والشحناء في القلوب‪ ،‬والتفريق بين القبائل والشعوب قال شيخ السلم‪ :‬ابن‬
‫تيمية رحمه الله )كل ما خرج عن دعوى السلم والقرآن من نسب أو بلد أو‬
‫جنس أو مذهب أو طريقة‪ ،‬فهو من عزاء الجاهلية‪ ،‬بل لما اختصهم مهاجري‬
‫وأنصاري‪ ،‬فقال المهاجري‪ :‬يا للمهاجرين‪ ،‬وقال النصاري‪ :‬يا للنصار‪ ،‬قال‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم‪ :‬أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم وغضب لذلك‬
‫غضبا شديدا ( انتهى‬
‫ن‬
‫ن َول ت َب َّر ْ‬
‫ومما ورد في ذلك من النصوص قوله تعالى‪ :‬وَقَْر َ‬
‫ج َ‬
‫ن ِفي ب ُُيوت ِك ُ ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ن الّز َ‬
‫ه وقال‬
‫ج ال ْ َ‬
‫ت َب َّر َ‬
‫ه وََر ُ‬
‫سول َ ُ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫جاهِل ِي ّةِ اْلوَلى وَأقِ ْ‬
‫ن ال ّ‬
‫كاة َ وَأط ِعْ َ‬
‫صلةَ وآِتي َ‬
‫م َ‬
‫جعَ َ‬
‫ة‬
‫ن كَ َ‬
‫مي ّ َ‬
‫مي ّ َ‬
‫جاهِل ِي ّ ِ‬
‫ح ِ‬
‫ح ِ‬
‫ل ال ّ ِ‬
‫ة ال ْ َ‬
‫ة َ‬
‫م ال ْ َ‬
‫تعالى‪ :‬إ ِذ ْ َ‬
‫فُروا ِفي قُُلوب ِهِ ُ‬
‫ذي َ‬
‫وفي سنن أبي داود ‪ ،‬عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‪ :‬ليس منا من‬
‫دعا إلى عصبية وليس منا من قاتل على عصبية وليس منا من مات على‬
‫عصبية وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‪ :‬إن الله‬
‫أوحى إلي أن تواضعوا حتى ل يبغي أحد على أحد ول يفخر أحد على أحد ول‬
‫ريب أن دعاة القومية يدعون إلى عصبية ويغضبون لعصبية ويقاتلون على‬
‫عصبية‪ ،‬ول ريب أيضا أن الدعوة إلى القومية تدعو إلى البغي والفخر؛ لن‬
‫القومية ليست دينا سماويا يمنع أهله من البغي والفخر‪ ،‬وإنما هي فكرة‬
‫جاهلية تحمل أهلها على الفخر بها والتعصب لها على من نالها بشيء‪ ،‬وإن‬
‫كانت هي الظالمة وغيرها المظلوم‪ ،‬فتأمل أيها القارئ ذلك يظهر لك وجه‬

‫‪157‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫الحق‬
‫ومن النصوص الواردة في ذلك ما رواه الترمذي وغيره‪ ،‬عن النبي صلى الله‬
‫عليه وسلم أنه قال‪ :‬إن الله قد أذهب عنكم عصبية الجاهلية وفخرها بالباء‬
‫إنما هو مؤمن تقي أو فاجر شقي الناس بنو آدم وآدم خلق من تراب ول‬
‫َ‬
‫فضل لعربي على عجمي إل بالتقوى وهذا الحديث يوافق قوله تعالى‪َ :‬يا أي َّها‬
‫ُ‬
‫شُعوًبا وَقََبائ ِ َ‬
‫م ُ‬
‫ن‬
‫خل َ ْ‬
‫س إ ِّنا َ‬
‫م ِ‬
‫ل ل ِت ََعاَرُفوا إ ِ ّ‬
‫ن ذ َك َرٍ وَأن َْثى وَ َ‬
‫جعَل َْناك ُ ْ‬
‫قَناك ُ ْ‬
‫الّنا ُ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫م أوضح سبحانه بهذه الية الكريمة أنه جعل الناس‬
‫عن ْد َ اللهِ أت ْ َ‬
‫م ِ‬
‫قاك ُ ْ‬
‫مك ُ ْ‬
‫أك َْر َ‬
‫شعوبا وقبائل للتعارف ل للتفاخر والتعاظم‪ ،‬وجعل أكرمهم عنده هو أتقاهم‪،‬‬
‫وهكذا يدل الحديث المذكور على هذا المعنى ويرشد إلى سنة الجاهلية التكبر‬
‫والتفاخر بالسلف والحساب‪ ،‬والسلم بخلف ذلك‪ ،‬يدعو إلى التواضع‬
‫والتقوى والتحاب في الله‪ ،‬وأن يكون المسلمون الصادقون من سائر أجناس‬
‫بني آدم‪ ،‬جسدا واحدا‪ ،‬وبناء واحدا يشد بعضهم بعضا‪ ،‬ويألم بعضهم لبعض‪،‬‬
‫كما في الحديث الصحيح‪ ،‬عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‪ :‬المؤمن‬
‫للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا وشبك بين أصابعه وقال صلى الله عليه‬
‫وسلم‪ :‬مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا‬
‫اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر فأنشدك بالله أيها‬
‫القومي‪ :‬هل قوميتك تدعو إلى هذه الخلق الفاضلة‪ ،‬من الرحمة للمسلمين‬
‫من العرب والعجم‪ ،‬والعطف عليهم والتألم للمهم؟ ل والله‪ ،‬وإنما تدعو إلى‬
‫موالة من انخرط في سلكها‪ ،‬ونصب العداوة لمن تنكر لها‪ ،‬فتنبه أيها‬
‫المسلم الراغب في النجاة‪ ،‬وانظر إلى حقائق المور بمرآة العدالة والتجرد‬
‫من التعصب والهوى‪ ،‬حتى ترى الحقائق على ما هي عليه‪ ،‬أرشدني الله‬
‫وإياك إلى أسباب النجاة‬
‫ومن ذلك ما ثبت في الصحيح أن غلما من المهاجرين وغلما من النصار‬
‫تنازعا‪ ،‬فقال المهاجري‪ :‬يا للمهاجرين وقال النصاري‪ :‬يا للنصار فسمع ذلك‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم فقال‪ :‬أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم فإذا‬
‫كان من انتسب إلى المهاجرين واستنصر بهم على إخوانهم في الدين‪ ،‬أو إلى‬
‫النصار واستنصر بهم على إخوانهم في الدين يكون قد دعا بدعوى الجاهلية‪،‬‬
‫مع كونهما اسمين محبوبين لله سبحانه‪ ،‬وقد أثنى الله على أهلهما ثناء‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ن‬
‫ساب ِ ُ‬
‫صارِ َوال ِ‬
‫ن ِ‬
‫ن اْل َوُّلو َ‬
‫قو َ‬
‫عظيما في قوله تعالى‪َ :‬وال ّ‬
‫مَها ِ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫ن َواْلن ْ َ‬
‫ذي َ‬
‫ري َ‬
‫م َ‬
‫ج ِ‬
‫ه الية‪ ،‬فكيف تكون حال من‬
‫ن‬
‫ع‬
‫ضوا‬
‫ر‬
‫و‬
‫م‬
‫ه‬
‫ن‬
‫ع‬
‫ن َر ِ‬
‫ه َُْ ْ ََ ُ‬
‫م ب ِإ ِ ْ‬
‫ح َ‬
‫َْ ُ‬
‫ي الل ّ ُ‬
‫ات ّب َُعوهُ ْ‬
‫ض َ‬
‫سا ٍ‬
‫انتسب إلى القومية واستنصر بها وغضب لها؟ أفل يكون أولى ثم أولي بأن‬
‫يكون قد دعا بدعوى الجاهلية؟ ل شك أن هذا من أوضح الواضحات‬
‫)‪(5 /‬‬
‫ومن ذلك ما ثبت في الحديث الصحيح عن الحارث الشعري ‪ ،‬أن النبي صلى‬
‫الله عليه وسلم قال‪ :‬إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس أن يعمل بهن ويأمر‬
‫بني إسرائيل أن يعملوا بهن فذكرها‪ ،‬ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم‪ :‬وأنا‬
‫آمركم بخمس الله أمرني بهن السمع والطاعة والجهاد والهجرة والجماعة‬
‫فإنه من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة السلم من عنقه إل أن يراجع‬
‫ومن دعا بدعوى الجاهلية فهو من جثي جهنم" قيل يا رسول الله وإن صلى‬
‫وصام؟ قال "وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم فادعوا بدعوى الله الذي‬
‫سماكم المسلمين المؤمنين عباد الله وهذا الحديث الصحيح من أوضح‬
‫الحاديث وأبينها في إبطال الدعوة إلى القومية‪ ،‬واعتبارها دعوة جاهلية‪،‬‬

‫‪158‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫يستحق دعاتها أن يكونوا من جثي جهنم‪ ،‬وإن صاموا وصلوا‪ ،‬وزعموا أنهم‬
‫مسلمون فيا له من وعيد شديد‪ ،‬وتحذير ينذر كل مسلم من الدعوات‬
‫الجاهلية‪ ،‬والركون إلى معتنقيها‪ ،‬وإن زخرفوها بالمقالت السحرية‪ ،‬والخطب‬
‫الرنانة الواسعة‪ ،‬التي ل أساس لها من الحقيقة‪ ،‬ول شاهد لها من الواقع‪،‬‬
‫وإنما هو التلبيس والخداع والتقليد العمى‪ ،‬الذي ينتهي بأهله إلى أسوأ‬
‫العواقب‪ ،‬نسأل الله السلمة من ذلك‬
‫وهنا شبهة يذكرها بعض دعاة القومية أحب أن أكشفها للقارئ‪ ،‬وهي أن بعض‬
‫دعاة القومية زعم أن النهي عن الدعوة إلى القومية العربية والتحذير منها‬
‫يتضمن تنقص العرب وإنكار فضلهم‪.‬‬
‫والجواب أن يقال‪ :‬ل شك أن هذا زعم خاطئ واعتقاد غير صحيح‪ ،‬فإن‬
‫العتراف بفضل العرب‪ ،‬وما سبق لهم في صدر السلم من أعمال مجيدة ل‬
‫يشك فيه مسلم عرف التاريخ كما أسلفنا‪ ،‬وقد ذكر غير واحد من أهل العلم‪،‬‬
‫ومنهم أبو العباس بن تيمية في كتابه‪) :‬اقتضاء الصراط المستقيم( أن مذهب‬
‫أهل السنة تفضيل جنس العرب على غيرهم‪ ،‬وأورد في ذلك أحاديث تدل‬
‫على ذلك‪ ،‬ولكن ل يلزم من العتراف بفضلهم أن يجعلوا عمادا يتكتل حوله‪،‬‬
‫ويوالي عليه ويعادي عليه‪ ،‬وإنما ذلك من حق السلم الذي أعزهم الله به‪،‬‬
‫وأحيا فكرهم ورفع شأنهم‪ ،‬فهذا لون وهذا لون‪ ،‬ثم هذا الفضل الذي امتازوا‬
‫به على غيرهم‪ ،‬وما من الله به عليهم من فصاحة اللسان‪ ،‬ونزول القرآن‬
‫الكريم بلغتهم‪ ،‬وإرسال الرسول العام بلسانهم‪ ،‬ليس مما يقدمهم عند الله‬
‫في الخرة‪ ،‬ول يوجب لهم النجاة إذا لم يؤمنوا ويتقوا‪ ،‬وليس ذلك أيضا يوجب‬
‫تفضيلهم على غيرهم من جهة الدين‪ ،‬بل أكرم الناس عند الله أتقاهم‪ ،‬كما‬
‫تقدم في الية الكريمة والحديث الشريف‪ ،‬بل هذا الفضل عند أهل التحقيق‬
‫يوجب عليهم أن يشكروا الله سبحانه أكثر من غيرهم‪ ،‬وأن يضاعفوا الجهود‬
‫في نصر دينه الذي رفعهم الله به‪ ،‬وأن يوالوا عليه ويعادوا عليه‪ ،‬ودون أن‬
‫يلتفتوا إلى قومية أو غيرها من الفكار المسمومة‪ ،‬والدعوات المشئومة‪ ،‬ولو‬
‫كانت أنسابهم وحدها تنفعهم شيئا لم يكن أبو لهب وأضرابه من أصحاب‬
‫النار‪ ،‬ولو كانت تنفعهم بدون اليمان لم يقل لهم النبي صلى الله عليه وسلم‬
‫في الحديث الصحيح‪ :‬يا معشر قريش اشتروا أنفسكم من الله ل أغني عنكم‬
‫من الله شيئا وبذلك يعلم القارئ المسلم من الهوى أن الشبهة المذكورة‬
‫شبهة واهية ل أساس لها من الشرع المطهر‪ ،‬ول من المنطق السليم البعيد‬
‫من الهوى‪.‬‬
‫وهنا شبهة أخرى وهي قول بعضهم‪ :‬أنه قد روي عن النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم أنه قال‪ :‬إذا ذل العرب ذل السلم ورواه بعضهم بلفظ‪ :‬إذا عز العرب‬
‫عز السلم قالوا‪ :‬وهذا يدل علي أن انتصار القومية العربية والدعوة إليها‬
‫انتصار للسلم ودعوة إليه‪ ،‬والجواب أن يقال‪ :‬يعلم كل ذي لب سليم‬
‫وبصيرة بالسلم‪ ،‬أن هذه سفسطة في السمعيات‪ ،‬ومغالطة في الحقائق‪،‬‬
‫وتأويل للحديث على غير تأويله‪ ،‬سواء صح أم لم يصح‪ ،‬فإن الواقع يشهد‬
‫بخلف ما ذكره القائل‪ ،‬فقد ذل العرب يوم بدر ويوم الحزاب‪ ،‬وصار في‬
‫ذلهم عز السلم وظهوره‪ ،‬وانتصر العرب يوم أحد وصار في انتصارهم ذل‬
‫المسلمين والمضرة عليهم‪ ،‬ولكن الله سبحانه لطف بأوليائه وأحسن لهم‬
‫العاقبة‪ ،‬فهل يستطيع هذا القائل أن يدعي خلف هذا الواقع؟ وهل يمكن أن‬
‫يقول‪ :‬إن انتصار العرب الكافرين بالله‪ ،‬المحاربين لدينه‪ ،‬انتصار للسلم‪ ،‬من‬
‫قال هذا فقد قال خلف الحق‪ ،‬وهو إما جاهل أو متجاهل‪ ،‬يريد أن يلبس‬
‫الحق بالباطل ويخدع ضعفاء البصائر‪ ،‬سبحان الله ما أعظم شأنه‬
‫‪159‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫ثم أعود فأوضح للقارئ أن الحديث المذكور ضعيف السناد‪ ،‬ول يصح عن‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم قال الحافظ أبو الحسن الهيثمي في‪) :‬مجمع‬
‫الزوائد( لما ذكر هذا الحديث بلفظ‪ :‬إذا ذلت العرب ذل السلم رواه أبو يعلى‬
‫‪ ،‬وفي إسناده محمد بن الخطاب ضعفه الزدي وغيره‪ ،‬ووثقه ابن حبان (‬
‫انتهى‪.‬‬
‫)‪(6 /‬‬
‫وقال الحافظ الذهبي في )الميزان( في ترجمة محمد المذكور‪) :‬قال أبو‬
‫حاتم ‪ :‬ل أعرفه وقال الزدي ‪ :‬منكر الحديث( انتهى قلت‪ :‬وفي إسناده أيضا‬
‫علي بن زيد بن جدعان ‪ ،‬وهو ضعيف عند جمهور من المحدثين ل يحتج‬
‫بحديثه‪ ،‬لو سلم السناد من غيره‪ ،‬فكيف وفي السناد من هو أضعف منه‪،‬‬
‫وهو محمد بن الخطاب المذكور وأما توثيق ابن حبان له‪ ،‬فل يعتمد عليه لنه‬
‫معروف بالتساهل وقد خالفه غيره‪ .‬ولو صح الحديث لكان معناه‪ :‬إذا ذل‬
‫العرب الحاملون راية السلم والدعوة إليه‪ ،‬ل العرب المتنكرون له الداعون‬
‫إلى غيره ول يجوز أن يرد في سنة رسول الله كل ما يخالف القرآن الكريم‬
‫والحاديث الصحيحة أبدا‪ ،‬فإن كلم الله ل يتناقض‪ ،‬وكلم رسول الله صلى‬
‫الله عليه وسلم كذلك‪ ،‬والسنة ل تخالف القرآن بل تصدقه وتوافقه‪ ،‬وتدل‬
‫على معناه وتوضح ما أجمل فيه‬
‫وقد علق الله سبحانه في القرآن النصر على اليمان بالله والنصر لدينه‪ ،‬فل‬
‫يجوز أن يرد في السنة ما يناقض ذلك‪ ،‬فتنبه أيها المؤمن‪ ،‬واحذر من‬
‫الشبهات المضللة‪ ،‬والحاديث المكذوبة‪ ،‬والراء الفاسدة والفكار المسمومة‪،‬‬
‫فإن الخطر عظيم‪ ،‬والمعصوم من عصمه الله سبحانه‪ ،‬فاعتصم به وتوكل‬
‫عليه وتفقه في دينه‪ ،‬واستقم عليه تفز بالنجاة والعاقبة الحميدة‪.‬‬
‫وهذه الشبه وأمثالها تفسر لنا ما صح به الحديث عن النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم من حديث حذيفة‪ :‬أنه قال‪ :‬كان الناس يسألون الرسول صلى الله‬
‫عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني فقلت يا‬
‫رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير‬
‫من شر؟ قال "نعم" قلت فهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال "نعم وفيه دخن"‬
‫قلت ما دخنه؟ قال "قوم يستنون بغير سنتي ويهدون بغير هديي تعرف منهم‬
‫وتنكر" قلت فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال "نعم" دعاة على أبواب جهنم‬
‫من أجابهم إليها قذفوه فيها" قلت يا رسول الله صفهم لنا قال "هم من‬
‫جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا" قلت فما تأمرني يا رسول الله إن أدركني ذلك؟‬
‫قال لتلزم جماعة المسلمين وإمامهم" قلت فإن لم يكن لهم جماعة ول‬
‫إمام؟ قال فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك‬
‫الموت وأنت على ذلك رواه البخاري ومسلم واللفظ للبخاري ‪ ،‬فهذا الحديث‬
‫العظيم الجليل يرشدك أيها المسلم إلى أن هؤلء الدعاة اليوم‪ ،‬الذين يدعون‬
‫إلى أنواع من الباطل كالقومية العربية‪ ،‬والشتراكية والرأسمالية الغاشمة‪،‬‬
‫وإلى الخلعة والحرية المطلقة وأنواع الفساد كلهم دعاة على أبواب جهنم‪،‬‬
‫سواء علموا أم لم يعلموا‪ ،‬من أجابهم إلى باطلهم قذفوه في جهنم‪ ،‬ول شك‬
‫أن هذا الحديث الجليل من أعلم النبوة‪ ،‬ودلئل صحة رسالة محمد صلى الله‬
‫عليه وسلم حيث أخبر بالواقع قبل وقوعه فوقع كما أخبر‬
‫فنسأل الله لنا ولسائر المسلمين العافية من مضلت الفتن‪ ،‬ونسأله سبحانه‬
‫أن يصلح ولة أمر المسلمين وزعماءهم حتى ينصروا دينه‪ ،‬ويحاربوا ما خالفه‬

‫‪160‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫إنه ولي ذلك والقادر عليه‬
‫الوجه الثالث من الوجوه الدالة على بطلن الدعوة إلى القومية العربية‬
‫هو أنها سلم إلى موالة كفار العرب وملحدتهم من غير المسلمين‪ ،‬واتخاذهم‬
‫بطانة‪ ،‬والستنصار بهم على أعداء القوميين من المسلمين وغيرهم ومعلوم‬
‫ما في هذا من الفساد الكبير‪ ،‬والمخالفة لنصوص القرآن والسنة‪ ،‬الدالة على‬
‫وجوب بغض الكافرين من العرب وغيرهم‪ ،‬ومعاداتهم وتحريم موالتهم‬
‫واتخاذهم بطانة والنصوص في هذا المعنى كثيرة منها قوله تعالى‪َ :‬يا أ َي َّها‬
‫ذوا ال ْيهود والنصارى أ َول ِياَء بعضه َ‬
‫خ ُ‬
‫م‬
‫مُنوا ل ت َت ّ ِ‬
‫ال ّ ِ‬
‫ن ي َت َوَل ّهُ ْ‬
‫ض وَ َ‬
‫ْ َ َْ ُ ُ ْ‬
‫نآ َ‬
‫م ْ‬
‫َُ َ َ ّ َ َ‬
‫ذي َ‬
‫م أوْل َِياُء ب َعْ ٍ‬
‫م ال ّ‬
‫م‬
‫دي ال ْ َ‬
‫ن * فَت ََرى ال ّ ِ‬
‫ظال ِ ِ‬
‫ه ل ي َهْ ِ‬
‫ه ِ‬
‫ِ‬
‫م إِ ّ‬
‫قو ْ َ‬
‫ن ِفي قُُلوب ِهِ ْ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫م فَإ ِن ّ ُ‬
‫من ْك ُ ْ‬
‫ذي َ‬
‫مي َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫خ َ‬
‫صيب ََنا َدائ َِرةٌ الية سبحان الله ما‬
‫م يَ ُ‬
‫ن نَ ْ‬
‫سارِ ُ‬
‫ن تُ ِ‬
‫شى أ ْ‬
‫قولو َ‬
‫عو َ‬
‫ض يُ َ‬
‫ن ِفيهِ ْ‬
‫َ‬
‫مَر ٌ‬
‫أصدق قوله وأوضح بيانه‪،‬‬
‫هؤلء القوميون يدعون إلى التكتل حول القومية العربية مسلمها وكافرها‪،‬‬
‫يقولون‪ :‬نخشى أن تصيبنا دائرة‪ ،‬نخشى أن يعود الستعمار إلى بلدنا‪ ،‬نخشى‬
‫أن تسلب ثرواتنا بأيدي أعدائنا‪ ،‬فيوالون لجل ذلك كل عربي من يهود‬
‫ونصارى‪ ،‬ومجوس ووثنيين وملحدة وغيرهم‪ ،‬تحت لواء القومية العربية‪،‬‬
‫ويقولون‪ :‬إن نظامها ل يفرق بين عربي وعربي‪ ،‬وإن تفرقت أديانهم‪ ،‬فهل‬
‫هذا إل مصادمة لكتاب الله‪ ،‬ومخالفة لشرع الله‪ ،‬وتعد لحدود الله‪ ،‬وموالة‬
‫ومعاداة‪ ،‬وحب وبغض على غير دين الله؟ فما أعظم ذلك من باطل‪ ،‬وما‬
‫أسوأه من منهج والقرآن يدعو إلى موالة المؤمنين ومعاداة الكافرين أينما‬
‫ل أ َأ َنت َ‬
‫م‬
‫م أعْل َ ُ‬
‫كانوا وكيفما كانوا‪ ،‬وشرع القومية العربية يأبى ذلك ويخالفه‪ :‬قُ ْ ْ ُ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫خ ُ‬
‫م أوْل َِياَء‬
‫مُنوا ل ت َت ّ ِ‬
‫ه ويقول الله سبحانه‪َ :‬يا أي َّها ال ّ ِ‬
‫ذوا عَد ُّوي وَعَد ُوّك ُ ْ‬
‫نآ َ‬
‫أم ِ الل ّ ُ‬
‫ذي َ‬
‫ض ّ‬
‫ل‬
‫م فَ َ‬
‫ن يَ ْ‬
‫ت ُل ْ ُ‬
‫ه ِ‬
‫قد ْ َ‬
‫قو َ‬
‫واَء ال ّ‬
‫ل َ‬
‫من ْك ُ ْ‬
‫فعَل ْ ُ‬
‫موَد ّةِ إلى قوله تعالى وَ َ‬
‫م ِبال ْ َ‬
‫ن إ ِل َي ْهِ ْ‬
‫سِبي ِ‬
‫س َ‬
‫م ْ‬
‫)‪(7 /‬‬
‫ونظام القومية يقول‪ :‬كلهم أولياء مسلمهم وكافرهم والله يقول‪َ :‬‬
‫م‬
‫شَرع َ ل َك ُ ْ‬
‫َ‬
‫حي َْنا إ ِل َي ْ َ‬
‫سى‬
‫صي َْنا ب ِهِ إ ِب َْرا ِ‬
‫حا َوال ّ ِ‬
‫ِ‬
‫ذي أوْ َ‬
‫صى ب ِهِ ُنو ً‬
‫ن ال ّ‬
‫مو َ‬
‫م وَ ُ‬
‫هي َ‬
‫ك وَ َ‬
‫ن َ‬
‫ما وَ ّ‬
‫ما وَ ّ‬
‫م َ‬
‫دي ِ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ن َول ت َت َ َ‬
‫سوَةٌ‬
‫وَ ِ‬
‫موا ال ّ‬
‫سى أ ْ‬
‫مأ ْ‬
‫عي َ‬
‫ت لك ْ‬
‫فّرُقوا ِفيهِ ويقول سبحانه قَد ْ كان َ ْ‬
‫ن أِقي ُ‬
‫دي َ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫ه إ ِذ ْ قالوا ل ِ َ‬
‫سن َ ٌ‬
‫م وَ ِ‬
‫م إ ِّنا ب َُرآُء ِ‬
‫قو ْ ِ‬
‫م َوال ِ‬
‫ة ِفي إ ِب َْرا ِ‬
‫دو َ‬
‫ما ت َعْب ُ ُ‬
‫َ‬
‫ح َ‬
‫م ّ‬
‫من ْك ْ‬
‫مهِ ْ‬
‫معَ ُ‬
‫ن َ‬
‫هي َ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫مُنوا‬
‫ن اللهِ ك َ‬
‫حّتى ت ُؤْ ِ‬
‫ِ‬
‫دا َ‬
‫ضاُء أب َ ً‬
‫داوَة ُ َوالب َغْ َ‬
‫م العَ َ‬
‫م وَب َ َ‬
‫دا ب َي ْن ََنا وَب َي ْن َك ُ‬
‫فْرَنا ب ِك ْ‬
‫ن ُدو ِ‬
‫م ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫ن ِباللهِ َوالي َوْم ِ ال ِ‬
‫ما ي ُؤْ ِ‬
‫واّدو َ‬
‫مُنو َ‬
‫ِباللهِ وَ ْ‬
‫ن َ‬
‫جد ُ قوْ ً‬
‫حد َهُ وقال تعالى‪ :‬ل ت َ ِ‬
‫م ْ‬
‫خرِ ي ُ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م وشرع‬
‫ه‬
‫ت‬
‫ر‬
‫شي‬
‫ع‬
‫و‬
‫أ‬
‫م‬
‫ه‬
‫ن‬
‫وا‬
‫خ‬
‫إ‬
‫و‬
‫أ‬
‫م‬
‫ه‬
‫َ‬
‫ء‬
‫نا‬
‫ب‬
‫أ‬
‫و‬
‫أ‬
‫م‬
‫ه‬
‫َ‬
‫ء‬
‫با‬
‫آ‬
‫نوا‬
‫كا‬
‫و‬
‫ل‬
‫و‬
‫ه‬
‫ل‬
‫سو‬
‫ر‬
‫و‬
‫ه‬
‫حاد ّ الل ّ َ َ َ ُ ُ َ ْ ُ‬
‫َ‬
‫َ ُ ْ ْ َْ ُ ْ ْ ِ ْ َ َُ ْ ْ َ ِ َ َُ ْ‬
‫القومية أو بعبارة أخرى شرع دعاتها يقول‪ :‬أقصوا الدين عن القومية‪،‬‬
‫وافصلوا الدين عن الدولة‪ ،‬وتكتلوا حول أنفسكم وقوميتكم‪ ،‬حتى تدركوا‬
‫مصالحكم وتستردوا أمجادكم‪ ،‬وكأن السلم وقف في طريقهم‪ ،‬وحال بينهم‬
‫وبين أمجادهم‪ ،‬هذا والله هو الجهل والتلبيس وعكس القضية‪ ،‬سبحانك هذا‬
‫بهتان عظيم‬
‫واليات الدالة على وجوب موالة المؤمنين‪ ،‬ومعاداة الكافرين‪ ،‬والتحذير من‬
‫توليهم كثيرة ل تخفى على أهل القرآن‪ ،‬فل ينبغي أن نطيل بذكرها وكيف‬
‫يجوز في عقل عاقل أن يكون أبو جهل ‪ ،‬وأبو لهب ‪ ،‬وعقبة بن أبي معيط ‪،‬‬
‫والنضر بن الحارث وأضرابهم من صناديد الكفار في عهد النبي صلى الله‬
‫عليه وسلم وبعده إلي يومنا هذا‪ ،‬إخوانا وأولياء لبي بكر وعمر وعثمان وعلي‬
‫وسائر الصحابة‪ ،‬ومن سلك سبيله من العرب إلى يومنا هذا‪ .‬هذا والله من‬
‫أبطل الباطل وأعظم الجهل وشرع القومية ونظامها يوجب هذا ويقتضيه‪،‬‬

‫‪161‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫وإن أنكره بعض دعاتها جهل أو تجاهل وتلبيسا‪ ،‬فل حول ول قوة إل بالله‬
‫العلي العظيم‪.‬‬
‫وقد أوجب الله على المسلمين‪ :‬أن يتكاتفوا ويتكتلوا تحت راية السلم‪ ،‬وأن‬
‫يكونوا جسدا واحدا‪ ،‬وبناء متماسكا ضد عدوهم‪ ،‬ووعدهم على ذلك النصر‬
‫والعز والعاقبة الحميدة‪ ،‬كما تقدم ذلك في كثير من اليات‪ ،‬وكما في قوله‬
‫َْ‬
‫ض‬
‫خل ِ َ‬
‫ست َ ْ‬
‫حا ِ‬
‫م وَعَ ِ‬
‫مُنوا ِ‬
‫ه ال ّ ِ‬
‫صال ِ َ‬
‫ت ل َي َ ْ‬
‫فن ّهُ ْ‬
‫من ْك ُ ْ‬
‫نآ َ‬
‫تعالي‪ :‬وَعَد َ الل ّ ُ‬
‫مُلوا ال ّ‬
‫ذي َ‬
‫م ِفي الْر ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م‬
‫ست َ ْ‬
‫خل َ َ‬
‫م ال ِ‬
‫ن ِ‬
‫ف ال ّ ِ‬
‫ذي اْرت َ َ‬
‫ما ا ْ‬
‫م وَلي ُب َد ّلن ّهُ ْ‬
‫ضى لهُ ْ‬
‫م ِدين َهُ ُ‬
‫ن لهُ ْ‬
‫م وَلي ُ َ‬
‫ن قَب ْل ِهِ ْ‬
‫كَ َ‬
‫مك ّن َ ّ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫شرِ ُ‬
‫ن ِبي َ‬
‫دون َِني ل ي ُ ْ‬
‫شي ًْئا الية وقال تعالى‪ :‬وَل َ‬
‫ن ب َعْد ِ َ‬
‫ِ‬
‫قد ْ‬
‫كو َ‬
‫مًنا ي َعْب ُ ُ‬
‫مأ ْ‬
‫خوْفِهِ ْ‬
‫م ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ن‬
‫سب َ َ‬
‫م الَغال ُِبو َ‬
‫ن ُ‬
‫ن وَإ ِ ّ‬
‫صوُرو َ‬
‫مْر َ‬
‫َ‬
‫جن ْد ََنا لهُ ُ‬
‫م ال َ‬
‫م لهُ ُ‬
‫ن إ ِن ّهُ ْ‬
‫مت َُنا ل ِعَِبادَِنا ال ُ‬
‫ت ك َل ِ َ‬
‫ق ْ‬
‫من ْ ُ‬
‫سِلي َ‬
‫فوعد الله سبحانه عباده المرسلين‪ ،‬وجنده المؤمنين بالنصر والغلبة‪،‬‬
‫واستخلفهم في الرض والتمكين لدينهم‪ ،‬وهو الصادق في وعده‪ ،‬وَعْد َ الل ّهِ ل‬
‫ميَعاد َ وإنما يتخلف هذا الوعد في بعض الحيان بسبب تقصير‬
‫يُ ْ‬
‫خل ِ ُ‬
‫ه ال ْ ِ‬
‫ف الل ّ ُ‬
‫المسلمين‪ ،‬وعدم قيامهم بما أوجب الله عليهم من اليمان بالله‪ ،‬والنصر‬
‫لدينه‪ ،‬كما هو الواقع‪ ،‬فالذنب ذنبنا ل ذنب السلم‪ ،‬والمصيبة حصلت بما‬
‫َ‬
‫ما‬
‫م ِ‬
‫م ِ‬
‫صيب َةٍ فَب ِ َ‬
‫ن ُ‬
‫صاب َك ُ ْ‬
‫كسبت أيدينا من الخطايا‪ ،‬كما قال تعالى‪ :‬وَ َ‬
‫ما أ َ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫ر‬
‫م وَي َعْ ُ‬
‫ت أي ْ ِ‬
‫كَ َ‬
‫ديك ُ ْ‬
‫سب َ ْ‬
‫فو عَ ْ‬
‫ن ك َِثي ٍ‬
‫فالواجب على العرب وغيره‪ :‬التوبة إلى الله سبحانه‪ ،‬والتمسك بدينه‪،‬‬
‫والتواصي بحقه‪ ،‬وتحكيم شريعته‪ ،‬والجهاد في سبيله‪ ،‬والستقامة على ذلك‬
‫من الرؤساء وغيرهم‪ ،‬فبذلك يحصل لهم النصر ويهزم العدو‪ ،‬ويحصل التمكين‬
‫في الرض‪ ،‬وإن قل عددنا وعدتنا‪ ،‬ول ريب أن من أهم الواجبات اليمانية‪:‬‬
‫أخذ الحذر من عدونا‪ ،‬وأن نعد له ما نستطيع من القوة‪ ،‬وذلك من تمام‬
‫اليمان‪ ،‬ومن الخذ بالسباب التي يتعين الخذ بها‪ ،‬ول يجوز إهمالها‪ ،‬كما في‬
‫َ‬
‫خ ُ‬
‫ما‬
‫مُنوا ُ‬
‫م وقوله تعالى‪ :‬وَأ َ ِ‬
‫ذوا ِ‬
‫قوله تعالى‪َ :‬يا أي َّها ال ّ ِ‬
‫ع ّ‬
‫م َ‬
‫دوا ل َهُ ْ‬
‫حذ َْرك ُ ْ‬
‫نآ َ‬
‫ذي َ‬
‫ة‬
‫ن قُوّ ٍ‬
‫م ِ‬
‫ا ْ‬
‫ست َط َعْت ُ ْ‬
‫م ْ‬
‫)‪(8 /‬‬
‫وليس للمسلمين أن يوالوا الكافرين أو يستعينوا بهم على أعدائهم‪ ،‬فإنهم‬
‫من العداء ول تؤمن غائلتهم وقد حرم الله موالتهم‪ ،‬ونهى عن اتخاذهم‬
‫بطانة‪ ،‬وحكم على من تولهم بأنه منهم‪ ،‬وأخبر أن الجميع من الظالمين‪ ،‬كما‬
‫سبق ذلك في اليات المحكمات‪ ،‬وثبت في‪) :‬صحيح مسلم (‪ ،‬عن عائشة‬
‫رضي الله عنها قالت‪ :‬خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بدر فلما‬
‫كان بحرة الوبرة أدركه رجل قد كان يذكر منه جرأة ونجدة ففرح أصحاب‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأوه فلما أدركه قال لرسول الله‬
‫جئت لتبعك وأصيب معك وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم لتؤمن‬
‫بالله ورسوله؟ قال ل قال "فارجع فلن استعين بمشرك قالت ثم مضى حتى‬
‫إذا كنا بالشجرة أدركه الرجل فقال له كما قال أول مرة فقال له النبي صلى‬
‫الله عليه وسلم كما قال أول مرة فقال ل قال "فارجع فلن استعين بمشرك"‬
‫قالت ثم رجع فأدركه في البيراء فقال له كما قال أول مرة "تؤمن بالله‬
‫ورسوله؟" قال نعم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم "فانطلق"‬
‫فهذا الحديث الجليل‪ ،‬يرشدك إلى ترك الستعانة بالمشركين‪ ،‬ويدل على أنه‬
‫ل ينبغي للمسلمين أن يدخلوا في جيشهم غيرهم‪ ،‬ل من العرب ول من غير‬
‫العرب؛ لن الكافر عدو ل يؤمن‪ .‬وليعلم أعداء الله أن المسلمين ليسوا في‬
‫حاجة إليهم‪ ،‬إذا اعتصموا بالله‪ ،‬وصدقوا في معاملته‪ .‬لن النصر بيده ل بيد‬

‫‪162‬‬

‫‪http://www.balligho.com‬‬

‫مكتبيييييييية موقييييييييع بّلغييييييييوا عّنييييييييي ولييييييييو آييييييييية‬

‫غيره‪ ،‬وقد وعد به المؤمنين‪ ،‬وإن قل عددهم وعدتهم كما سبق في اليات‬
‫وكما جرى لهل السلم في صدر السلم‪،‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ن‬
‫خذوا ب ِطان َ ً‬
‫مُنوا ل ت َت ّ ِ‬
‫ة ِ‬
‫ويدل على تلك أيضا قوله تعالى‪َ :‬يا أي َّها ال ّ ِ‬
‫نآ َ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫ْ‬
‫خباًل ودوا ما عَن ِتم قَد بدت ال ْبغْضاُء م َ‬
‫في‬
‫ما ت ُ ْ‬
‫خ ِ‬
‫ّ ْ ْ َ َ ِ َ َ‬
‫َ ّ‬
‫م َ َ‬
‫م وَ َ‬
‫واهِهِ ْ‬
‫َ‬
‫م ل ي َأُلون َك ُ ْ‬
‫ُدون ِك ُ ْ‬
‫ن أفْ َ‬
‫ِ ْ‬
‫َ‬
‫م فانظر أيها المؤمن إلى كتاب ربك‬
‫م اْلَيا ِ‬
‫ت إِ ْ‬
‫ص ُ‬
‫ن ك ُن ْت ُ ْ‬
‫م أك ْب َُر قَد ْ ب َي ّّنا ل َك ُ ُ‬
‫دوُرهُ ْ‬
‫ُ‬
‫وسنة نبيك عليه الصلة والسلم كيف يحاربان موالة الكفار‪ ،‬والستعانة بهم‬
‫واتخاذهم بطانة‪ ،‬والله سبحانه أعلم بمصالح عباده‪ ،‬وأرحم بهم من أنفسهم‪،‬‬
‫فلو كان في اتخاذهم الكفار أولياء من العرب أو غيرهم والستعانة بهم‬
‫مصلحة راجحة‪ ،‬لذن الله فيه وأباحه لعباده‪ ،‬ولكن لما علم الله ما في ذلك‬
‫من المفسدة الكبرى‪ ،‬والعواقب الوخيمة‪ ،‬نهى عنه وذم من يفعله‪ ،‬وأخبر في‬
‫آيات أخرى أن طاعة الكفار‪ ،‬وخروجهم في جيش المسلمين يضرهم‪ ،‬ول‬
‫َ‬
‫ن‬
‫طيُعوا ال ّ ِ‬
‫ن تُ ِ‬
‫يزيدهم ذلك إل خبال‪ ،‬كما قال تعالى‪َ :‬يا أي َّها ال ّ ِ‬
‫مُنوا إ ِ ْ‬
‫نآ َ‬
‫ذي َ‬
‫ذي َ‬
‫خي ُْر‬
‫م فَت َن ْ َ‬
‫م عََلى أ َع ْ َ‬
‫كَ َ‬
‫م وَهُوَ َ‬
‫قل ُِبوا َ‬
‫خا ِ‬
‫ولك ُ ْ‬
‫ه َ‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫قاب ِك ُ ْ‬
‫فُروا ي َُرّدوك ُ ْ‬
‫م ْ‬
‫ن بَ ِ‬
‫ري َ‬
‫س ِ‬
‫َ‬
‫م‬
‫م ِإل َ‬
‫ن وقال تعالى‪ :‬ل َوْ َ‬
‫ضُعوا ِ‬
‫الّنا ِ‬
‫خَباًل وََلوْ َ‬
‫خَر ُ‬
‫خلل َك ُ ْ‬
‫ما َزاُدوك ُ ْ‬
‫م َ‬
‫جوا ِفيك ُ ْ‬
‫ري َ‬
‫ص ِ