‫الكتاب ‪ :‬رسالة الغفران‬

‫الؤلف ‪ :‬أحد بن عبد ال بن سليمان بن ممد بن سليمان العري‪ ،‬التنوخي (التوف ‪449 :‬هـ)‬
‫بسم ال الرحن الرحيم‬
‫اللهم يسّر وأعن‬
‫قد علم الب الذي نسب إليه جبيل‪ ،‬وهو كلّ اليات سبيل‪ ،‬أن ف مسكن حاطة ما كانت قطّ أفانية‪ ،‬ول الناكزة با غانيةّ‪ ،‬تثمر من مودّة مولي‬
‫الشيخ الليل‪ ،‬كبت ال عدوّه‪ ،‬وأدام رواحه إل الفضّل وعدّوه‪ ،‬ما لو حلته العالية من الشجر‪ ،‬لدنت إل الرض غصونا‪ ،‬وأذيل من تلك الثمرة‬
‫مصونا‪.‬‬
‫والماطة ضرب من الشجر‪ ،‬يقال لا إذا كانت رطبة‪ :‬أفانية‪ ،‬فإذا يبست فهي حاطة‪ .‬قال الشاعر‪:‬‬
‫إذا أ ّم الوليّد ل تطعن ‪ ...‬حنوت لا يدي بعصا حاط‬
‫وقلت لا‪ :‬عليك بن أقيش‪ ،‬فإنّك غي معجبة الشّطاط وتوصف الماطة بإلف اليّات لا‪ ،‬قال الشاعر‪:‬‬
‫أتيح لا‪ ،‬وكان أخا عيال‪ ... ،‬شجاع ف الماطة مستكن‬
‫وإن الماطة الت ف مقرّي لتجد من الشوق حاطة‪ ،‬ليست بالصادفة إماطة‪ .‬والماطة حرقة القلب‪ ،‬قال الشاعر‪:‬‬
‫وهمّ تل الحشاء منه‬
‫فأما الماطة البدوء با فهي حبة القلب‪ ،‬قال الشاعر‪:‬‬
‫رمت حاطة قلب غي منصرفٍ ‪ ...‬عنها‪ ،‬بأسهم لظلم تكن غربا‬
‫وإنّ ف طمري لضبا ‪ ...‬وك ّل بأذات‪ ،‬لو نطق لذكر‬
‫شذات‪ ،‬ما هو بساكن ف الشقاب‪ ،‬ول بتشرف على‬
‫النقاب‪ ،‬ما ظهر ف شتاء وصيف‪ ،‬ول مرّ ببل ول خيف‪،‬‬
‫يضمر من مبة مولي الشيخ الليل‪ ،‬ثبت ال أركان العلم بياته‪،‬‬
‫ما ل تضمره للولد أمّ‪ ،‬أكان سّها يدّكر أم فقد عندها السّم‪ .‬وليس هذا الضب مانسا للّذي عناه الراجز ف قوله‪ :‬وقد تطويت انطواء الضب وقد‬
‫علم‪ ،‬أدام ال جال الباعة بسلمته‪ ،‬أن الضب ضرب من اليات‪ ،‬وأنّه يقال لبة القلب حضب‪.‬‬
‫وإنّ ف منل لسود‪ ،‬وهو أع ّز عل ّي من عنترة على زبيبة‪ ،‬وأكرم عندي من السّليك‪ ،‬عند السّلكة‪ ،‬وأحق بإيثاري من خفاف السّلميّ ببايا ندبة وهو‬
‫أبدا مجوب‪ ،‬ل تاب عنه الغطية ول يوب‪ ،‬لو قدر لسافر إل أن يلقاه‪ ،‬ول يد عن ذلك لشقاء يشقاه‪ .‬وإنه إذ يذكر‪ ،‬ليؤنّث ف النطق ويذكر‪ ،‬وما‬
‫يعلم أنّه حقيقي التذكي‪ ،‬ول تأنيثه العتمد بنكي‪ .‬ل أفتأ دائبا فيما رضي‪ ،‬على أنّه ل مدفع لا قضي‪ .‬أعظمه أكثر من إعظام لم السود بن النذر وكندة‬
‫السود بن معد يكرب‪ ،‬وبن نشل بن دارم السود بن يعفر ذا القال الطرب‪ .‬ول يبح مولعا بذكره كإيلع سحيم بعمية ف مضره ومبداه‪ ،‬ونصيب‬
‫مول أمّية بسعداه‪.‬‬
‫وقد كان مثله مع السود بن زمعة‪ ،‬والسود بن عبد يغوث ‪ ...‬والسودين اللذين ذكرها اليشكري ف قوله‪:‬‬
‫فهداهم بالسودين وأمر ال بلغ يشقى به الشقياء‬
‫ومع أسودان الذي هو نبهان بن عمرو بن الغوث بن طيءّ‪ ،‬ومع أب السود الذي ذكره امرؤ القيس‪ ،‬ف قوله‪:‬‬
‫وذلك من خبٍ جاءن‪ ،‬ونبّئته عن أب السود‬
‫وما فارقه أبو السود الدؤل ف عمره طّرفة عي‪ ،‬ف حال الراحة ول الين وقارن سويد بن أب كاهل يرد به على الناهل‪ .‬وحالف سويد بن الصامت‪،‬‬
‫ما بي البتهج والشامت‪ .‬وساعف سويد بن صميع‪ ،‬ف أيّام الرّتب والرّيع وسويد هذا‪ ،‬هو الذي يقول‪:‬‬
‫إذا طلبوا من اليمي‪ ،‬منحتهم ‪ ...‬يينا كبد التميّ المزق‬

‫وإن أحلفون بالطّلق‪ ،‬أتيتها ‪ ...‬على خي ما كنّا‪ ،‬ول نتفرق‬
‫وإن أحلفون بالعتاق‪ ،‬فقد درى ‪ ...‬عبيد غلمي أنّه غي معتق‬
‫وكان يألف فراش سودة بن زمعة بن قيس امرأة النبّ‪ ،‬صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ويعرف مكانه الرسول‪ ،‬ول ينحرف عنه السّول‪ ،‬ودخل الدث مع سوادة‬
‫بن عديّ‪ ،‬وما ذلك بزول بديّ‪ ،‬وحضر ف نادٍ حضره السودان اللّذان ها النم والاء‪ ،‬والرة الغابرة والظّلماء‪ .‬وإنّه لينفر عن البيضي‪ ،‬إذا كانا ف‬
‫الرّهج معرّضي‪ ،‬البيضان اللذان ينفر منهما‪ :‬سيفان‪ ،‬أو سيف وسنان‪ ،‬ويصب عليهما إذا وجدها‪ ،‬قال الراجز‪:‬‬
‫البيضان أبردا عظامي‪ ،‬الاء والفتّ بل إدام‬
‫ويرتاح إليهما ف قول الخر‪:‬‬
‫ولكنه يضي ف الول كلّه ‪ ...‬وما ل إلّ البيضي شراب‬
‫فأمّا البيضان اللذان ها شحم وشباب‪ ،‬فإنّما تفرح بما الربّاب‪ ،‬وقد يبتهج بما عند غيي‪ ،‬فأمّا أنا فيئسا من خيي‪ .‬وكذلك الحامرة والحران‬
‫يعجب لما أسود ران‪ ،‬فيتبعه حليف سترٍ‪ ،‬ما نزل به حادث هتر‪.‬‬
‫وصول الرسالة‬
‫وقد وصلت الرسالة الت برها بالكم مسجور ومن قرأها مأجور‪ ،‬إذ كانت تأمر بتقبّل الشرع‪ ،‬وتعيب من ترك أصلً إل فرع‪.‬‬
‫وغرقت ف أمواج بدعها الزاخرة‪ ،‬وعجبت من اتسّاق عقودها الفاخرة‪ ،‬ومثلها شفع ونفع‪ ،‬وقرّب عند ال ورفع‪ .‬وألفيتها مفتحةً بتمجيدٍ‪ ،‬صدّر عن‬
‫بليغٍ ميد‪ ،‬وف قدرة ربّنا‪ ،‬جلّت عظمته‪ ،‬أن يعل ك ّل حرف منها شبح نورٍ‪ ،‬ل يتزج بقال الزّور؛ يستغفر لن أنشأها إل يوم الدين‪ ،‬ويذكره ذكر مبٍ‬
‫خدين‪ .‬ولعلّه‪ ،‬سبحانه‪ ،‬قد نصب لسطورها النجية من اللّهب‪ ،‬معاريج من الفضة أو الّذهب‪ ،‬تعرج با اللئكة من الرض الراكدة إل السماء‪،‬‬
‫وتكشف سجوف الظلماء‪ ،‬بدليل الية‪ :‬إليه يصعد الكلم الطّيب والعمل الصّال يرفعه‪.‬‬
‫شجرة طيبة‬
‫ي بإذن‬
‫سمّاء‪ ،‬تؤت أكلها كلّ ح ٍ‬
‫وهذه الكلمة الطيبة كأنّها العنيّة بقوله‪ :‬أل تر كيف ضرب ال مثلً كلمّة طيّبةً كشجر ًة طيّبةٍ‪ ،‬أصلها ثابت وفرعها ف ال ّ‬
‫ربا‪.‬‬
‫وف تلك السطور كلم كثي‪ ،‬كلّه عند الباري‪ ،‬تقدّس‪ ،‬أثي‪ .‬فقد غرس لولي الشيخ الليل‪ ،‬إن شاء ال‪ ،‬بذلك الثناء‪ ،‬شجر ف النة لذيذ اجتناءً‪ ،‬كلّ‬
‫ط ليست ف العي كذات أنواطٍ‪ .‬وذات أنواطٍ‪ ،‬كما يعلم‪ ،‬شجرة كانوا يعظمونا ف الاهلية‪ .‬وقد‬
‫شجر ٍة منه تأخذ ما بي الشرق إل الغرب بظلّ غا ّ‬
‫روي أن بعض الناس قال‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬اجعل لنا ذات أنواطٍ كما لم ذات أنواطٍ‪ ،‬وقال بعض الشعراء‪:‬‬
‫لنا الهيمن يكفينا أعادينا‪ ... ،‬كما رفضنا إليه ذات أنواط‬
‫والولدان الخلّدون ف ظلل تلك الشجر قيام وقعود‪ ،‬وبالغفرة نيلت السّعود؛ يقولون‪ ،‬وال القادر على كلّ شيء عزيز‪ :‬نن وهذه الشجر صلّة من ال‬
‫لعل ّي بن منصور‪ ،‬نبأ له إل نفخ الصّور‪.‬‬
‫وتري ف أصول ذلك الشجر‪ ،‬أنار تتلج من ماء اليوان‪ ،‬والكوثر يدّها ف كلّ أوانٍ؛ من شرب منها النّغبة فل موت‪ ،‬قد أمن هنالك الفوت‪ .‬وسعد‬
‫من اللب متخرّفات‪ ،‬ل تغيّر بأن تطول الوقات‪ .‬وجعافر من الرحيق الختوم‪ ،‬عزّ القتدر على كلّ متوم‪ .‬تلك الراح الدائمة‪ ،‬ل الذميمة ول الذائمة‪ ،‬بل‬
‫هي علقمة مفتريا‪ ،‬ول يكن لعفوٍ مقتريا‪:‬‬
‫تشفي الصّداع ول يؤذيه صالبها‪ ... ،‬ول يالط منها الرأس تدوي‬
‫ويعمد إليها الغترف بكؤوس من العسجد‪ ،‬وأباريق خلقت من الزبرجد‪ ،‬ينظر منها الناظر إل بديّ‪ ،‬ما حلم به أبو النديّ‪ ،‬رحه ال‪ ،‬فلقد آثر شراب‬
‫الفانية‪ ،‬ورغب ف الدّنية الدّانية‪ .‬ول ريب أنّه يروي ديوانه‪ ،‬وهو القائل‪:‬‬
‫سيغن أبا النديّ عن وطب سا ٍل ‪ ...‬أباريق ل يعلق با وضر الزّبد‬
‫مفدمة قزّا كأنّ رقابا ‪ ...‬رقاب بنات الاء أفزعها الرعد‬
‫هكذا ينشد على القواء وبعضهم ينشد‪:‬‬
‫رقاب بنات الاء ريعت من الرعد‬

‫والرواية الول إنشاد النحويي‪ .‬وأبو الندي إسلميّ‪ ،‬واسه عبد الؤمن بن عبد القدّوس‪ ،‬وهذان اسان شرعيان‪ ،‬وما استشهد بذا البيت إل وقائله عند‬
‫ي من كتب وعرف حروف العجم فقد أساء ف القواء‪ ،‬وإن كان بن البيات على السكون‪ ،‬فقد ص ّح قول سعيد‬
‫الستشهد فصيح‪ ،‬فإن كان أبو الند ّ‬
‫بن مسعدة‪ ،‬ف أن الطويل من الشعر له أربعة أضرب‪.‬‬
‫ولو رأى تلك الباريق أبو زبيد لعلم أنّه كالعبد الاهن أو العبيد‪ ،‬وأنّه ما تشبّث بيٍ‪ ،‬ورضي بقليل الي وهزىء بقوله‪:‬‬
‫وأباريق مثل أعناق طي ال ‪ ...‬ماء قد جيب فوقهن خنيف‬
‫هيهات ! هذه أباريق‪ ،‬تملها أباريق‪ ،‬كأنّها ف السن الباريق‪.‬‬
‫فالول هي الباريق العروفة‪ ،‬والثانية من قولم‪ :‬جارية إبريق‪ ،‬إذا كانت تبق من حسنها‪ :‬قال الشاعر‪:‬‬
‫وغيداء إبري ٍق كأن رضابا ‪ ...‬جن النحل مزوجا بصهباء تاجر‬
‫والثالثة‪ ،‬من قولم‪ :‬سيف إبريق‪ ،‬مأخوذ من البيق‪ .‬قال ابن أحر‪:‬‬
‫تقلدت إبريقا‪ ،‬وعلقت جعب ًة ‪ ...‬لتهلك حيّا ذا زهاءٍ وجامل‬
‫ولو نظر إليها علقمة لبق وفرق‪ ،‬وظنّ أنه قد طرق‪ ،‬وأين يراها السكي علقمة‪ ،‬ولعله ف نار ل تغي‪ ،‬ماؤها للشارب وغيٌ؟ ما ابن عبدة وما فريقه؟؟؟!‬
‫خسر وكسر إبريقه! أليس هو القائل‪:‬‬
‫كأن إبريقهم ظبٌ برابي ٍة ‪ ...‬مللٌ‪ ،‬بسبا الكتّان مفدوم‬
‫أبيض أبرزة للضّحّ راقبه ‪ ...‬مقلد قضب الرّيان‪ ،‬مفغوم‬
‫نظرٌة إل تلك الباريق‪ ،‬خ ٌي من بيت الكرمة العاجلية‪ ،‬ومن كل ريقٍ‪ ،‬ضمنته هذه الدار الادعة‪ ،‬الت هي لكلّ شمٍ جادعةٌ‪.‬‬
‫ت من‬
‫ولو بصر با عدي بن زيد‪ ،‬لشغل عن الدام والصّيد‪ ،‬واعترف بأن أباريق مدامه‪ ،‬وما أدرك من شرب الية وندامه‪ ،‬أمرٌ هيٌ‪ ،‬ل يعدل بناب ٍ‬
‫حصيص‪ ،‬أو ما حقر من خربصيص‪.‬‬
‫وكنت بدينة السّلم‪ ،‬فشاهدت بعض الورّاقي يسأل عن قافية عدي ابن زيد الت أوّلا‪:‬‬
‫بكر العاذلت ف غلس الصّب ‪ ...‬ح يعاتبنه أما تستفيق؟‬
‫ودعا بالصّبوح فجرا‪ ،‬فجاءت ‪ ...‬قينةٌ ف يينها إبريق‬
‫ي فلم توجد‪ .‬ثّ سعت بعد ذلك رجلً من أهل أستراباذ‪،‬‬
‫وزعم الورّاق أن ابن حاجب النعمان سأل عن هذه القصيدة وطلبت ف نس ٍخ من ديوان عد ّ‬
‫يقرأ هذه القافية ف ديوان العباديّ‪ ،‬ول تكن ف النسخة الت ف دار العلم‪ :‬فأمّا القّيشر السديّ فإنه من بقاشر‪ ،‬وشقي إل يومٍ حاشر‪ ،‬قال ولعله سيندم‪،‬‬
‫إذا تفرّى الدم‪:‬‬
‫أفن تلديّ‪ ،‬وما جعت من نشبٍ ‪ ...‬قرع القوازيز أفواه الباريق‬
‫ما هو وما شرابه؟ تقضّت ف الانية آرابه‪ .‬لو عاين تلك الباريق ليقن أنّه فت بالغرور‪ ،‬وس ّر بغي موجب للسّرور‪ .‬وكذلك إياس بن الرتّ‪ ،‬إن كان‬
‫عجب لباريق كإوزّ ال ّطفّ فإن الوادث بسطت له أقبض كفّ‪ .‬فكأنه ما قال‪:‬‬
‫كأن أباريق الدامة بينهم ‪ ...‬إوزّ بأعلى ال ّطفّ‪ ،‬عوج الناجر‬
‫ورحم ال العجّاج‪ ،‬فإنّه خلط ف رجزه العلبط والسّجاج‪ ،‬أين إبريقه الذي ذكر فقال‪:‬‬
‫قطّف من أعنابا ما قطفّا‪ ... ،‬فغمّها حولي‪ ،‬ثّ استودفا‬
‫صهباء‪ ،‬خرطوما‪ ،‬عقارا‪ ،‬فرقفا‪ ... ،‬فسنّ ف البريق منها نزفا‬
‫ت خلق على خلق الفور‪ ،‬من أصفر وأحر وأزرق‪ ،‬يال إن لس أحرق‪،‬‬
‫ل رصفا وكم على تلك النار من آنية زبرجدٍ مفور‪ ،‬وياقو ٍ‬
‫من رصفٍ نازع سي ً‬
‫كما قال الصنوبريّ‪:‬‬
‫تيّله ساطعا وهجه‪ ... ،‬فتأب الدّنو إل وهجه‬
‫وف تلك النار أوانٍ على هيئة الطي السابة‪ ،‬والغانية عن الاء السائحة‪ ،‬فمنها ما هو على صور الكراكي‪ ،‬وأخر تشاكل الكاكيّ‪ ،‬وعلى خلق طواويس‬
‫وبطّ‪ ،‬فبعضٌ ف الارية وبعضٌ ف الشّطّ‪،‬‬

‫خر النة‬
‫ث ف الزمن‬
‫ينبع من أفواهها شرابٌ‪ ،‬كأنه من ال ّرقّة سرابٌ‪ ،‬لو جرع جرعةً منه الكميّ لكم أنّه الفوز القدميّ‪ .‬وشهد له كلّ وصّاف المر‪ ،‬من مد ٍ‬
‫وعتيق المر‪ ،‬أنّ أصناف الشربة النسوبة إل الدار الفانية‪ ،‬كخمر عانة وأذرعات‪ ،‬وهي مظنّ ٌة للّنعّات؛ وغزّة وبيت راس والفلسطية ذوات الحراس؛ وما‬
‫جلب من بصرى ف الوسوق‪ ،‬تبغى به الرابة عند سوق‪ ،‬وما ذخره ابن برة ب وجّ‪ ،‬واعتمد به أوقات الجّ‪ ،‬قبل أن ترّم على الناس القهوات‪ ،‬وتظر‬
‫لوف ال الشهوات‪ .‬قال أبو ذؤيب‪:‬‬
‫ولو أنّ ما عند ابن برة عندها ‪ ...‬من المر‪ ،‬ل تبلل لات بناطل‬
‫وما اعتصر ب صرخد أو أرض شبام لكلّ ملكٍ غي عبام؛ وما تردّد ذكره من كميت بابل وصريفي واتّخذ للشراف النيفي؛ وما عمل من أجناس‬
‫ت للشارب وموكّرات‪ ،‬كالعة والبتع والزر والسّكركة ذات الوزر؛ وما ولد من النخبل‪ ،‬لكر ٍي يعترف أو بيل‪ ،‬وما صنع ف أيّام آدم‬
‫السكرات‪ ،‬مفوّقا ٍ‬
‫وشيثٍ إل يوم البعث من معجّلٍ أو مكيث إذ كانت تلك النّطفة ملكةً‪ ،‬ل تصلح أن تكون برعاياها مشتبكة‪.‬‬
‫ويعارض تلك الدامة أنارٌ من عس ٍل مصفّى ما كسبته النحل الغادية إل النوار‪ ،‬ول هو ف مو ٍم متوارٍ‪ ،‬ولكن قال له العزيز القادر‪ :‬كن فكان‪ ،‬وبكرمه‬
‫ل ل يكن بالنار مبسل لو جعله الشارب الحرور غذاءه طول البد ما قدر له عارض موم‪ ،‬ول لبس ثوب الحموم؛‬
‫أعطي المكان‪ .‬واها لذلك عس ً‬
‫وذلك كلّه بدليل قوله‪ :‬مثل النة الت وعد التّقون‪ ،‬فيها أنار من ماءٍ غي آسنٍ‪ ،‬وانا ٌر من لبٍ ل يتغي طعمه‪ ،‬وأنارٌ من خرٍ لذّ ٍة للشّاربي‪ ،‬وأنارٌ من‬
‫عس ٍل مصفّى‪ ،‬ولم فيها من كلّ الثّمرات‪ ،‬فليت شعري عن النّمر بن تولبٍ العكليّ‪ ،‬هل يقدر له أن يذوق ذلك الري‪ ،‬فيعلم أن شهد الفانية إذا قيس‬
‫غليه وجد يشاكه الشّري؛ وهو لّا وصف أ ّم حصٍن وما رزقته ف الدّعة والمن‪ ،‬ذكر حوّارى بسمن‪ ،‬وعس ٍل مصفّى؛ فرحه الالق متوّفىً‪،‬فقد كان أسلم‬
‫وروي حديثا منفردا‪ ،‬وحسبنا به للكلم مسردّا‪ .‬قال السكي النمر‪:‬‬
‫ق من أمّ حصن‬
‫أ ّل بصحبت‪ ،‬وهم هجوعٌ‪ ... ،‬خيالٌ طار ٌ‬
‫ل مصّفى‪ ... ،‬إذا شاءت‪ ،‬وحوّارى بسمن‬
‫لا ما تشتهي‪ :‬عس ً‬
‫وهو‪ ،‬أدام ال تكينه‪ ،‬يعرف حكاية خلفٍ الحر مع أصحابه ف هذين البيتي‪ ،‬ومعناها أنّه قال لم‪ :‬لو كان موضع أ ّم حصن أمّ حفص‪ ،‬وما كان يقول‬
‫ف البيت الثان؟ فسكتوا‪ ،‬فقال‪ :‬حوّاريّ بلمص‪ ،‬يعن الفالوذ ويفرّع على هذه الكاية فيقال‪ :‬لو كان مكان أ ّم حصن أمّ جزء وآخره هزةٌ‪،‬ما كان يقول‬
‫ف القافية الثانية؟ فإنّه يتمل أن يقول‪ :‬وحوارى بكشء ٍ‪ ،‬من قولم‪ :‬كشأت اللحم إذا شويته حت ييبس‪ ،‬ويقال‪ :‬كشأ الشواء إذا أكله‪ .‬أو يقول بوزء‪،‬‬
‫من قولم‪ :‬وزأت اللحم إذا شويته‪ .‬ولو قال‪ :‬حوّارى بنسء‪ ،‬لاز وأحسن ما يتأؤّل فيه‪ ،‬أن يكون من نسأ ال ف أجله‪ ،‬أي لا خب ٌز مع طول حياة‪ ،‬وهذا‬
‫أحسن من أن يمل على أن النسء اللب الكثي الاء‪ ،‬وقد قيل‪ :‬إن النسء المر‪ ،‬وفسروا بيت عروة بن الورد على الوجهي‪:‬‬
‫ب وزور‬
‫سقون النّسء ث تكنّفون‪ ... ،‬عداة ال من كذ ٍ‬
‫ث أنه رأى بسيل ملك الروم‬
‫ولو حل حوّ؟ارى بنسء‪ ،‬على اللب أو المر‪ ،‬لاز‪،‬لنّها تأكل الوارى بذلك‪ ،‬أي لا الوّارى مع المر‪ ،‬وقد حدّث مدّ ٌ‬
‫وهو يغمس خبزا ف خرٍ ويصيب منه‪ ،‬ولو قيل‪ :‬حوّارى بلزء‪ ،‬من قولم‪ :‬لزأ إذا أكل‪ ،‬لا بعد‪ ،‬وتكون الباء ف بلزء بعن ف‪.‬‬
‫ول يكن أن يكون رويّ هذا البيت ألفا‪ ،‬لنّها ل تكون إ ّل ساكنة‪ ،‬وما قبل الرويّ ها هنا ساكنٌ‪ ،‬فل يوز ذلك‪.‬‬
‫فإن خرج إل الباء‪ :‬من أمّ حرب‪ ،‬جاز أن يقول‪ :‬وحوّارى بصرب‪ ،‬وهو اللب الامض‪ ،‬ويوز بإرب‪ ،‬أي بعضوٍ من شوا ٍء أو قديد‪ ،‬ويوز بكشب وهو‬
‫أكل الشواء‪.‬‬
‫فإن قال‪ :‬من أ ّم صمت‪ ،‬جاز أن يقول‪ :‬وحواري بكمت‪ ،‬يعن جع تر ٍة كميت‪ ،‬وذلك من صفات التمر‪ ،‬وينشد للسود ابن يعفر‪:‬‬
‫ت جلدةٍ ل توسّف‬
‫وكنت إذا ما قرّب الزاد مولعا ‪ ...‬بكلّ كمي ٍ‬
‫وقال الخر‪:‬‬
‫ولست أبال بعدما اكمتّ مربدي ‪ ...‬من التمر‪ ،‬أن ل يطر الرض كوكب‬
‫ويوز وحوّارى بمت‪ ،‬من قولم‪ :‬ترٌ حتٌ‪ ،‬أي شديد اللوة‪.‬‬
‫فإن أخرجه إل الثاء فقال‪ :‬من أ ّم شثّ‪ ،‬قال‪ :‬وحوّارى ببثّ‪ ،‬والبثّ‪ :‬ت ٌر ل يد كنه فهو متفرق‪.‬‬
‫فإن أخرجه إل اليم فقال‪ :‬أ ّم لّ‪ ،‬جاز أن يقول‪ :‬وحوّارى بدجّ‪ ،‬وال ّدجّ‪ :‬الفرّوج‪ ،‬جاء به العمانّ ف رجزه‪.‬‬

‫فإن خرج إل الاء‪ ،‬فقال‪ :‬من أمّ شحّ‪ ،‬جاز أن يقول‪ :‬وحوارى بحّ‪ ،‬وببحّ‪ ،‬وبرّح‪ ،‬وبحّ‪ ،‬وبسحّ‪ .‬فالحّ‪ :‬محّ البيضة‪ ،‬وبحّ‪ :‬جع أبحّ‪ ،‬من قولم‪ :‬كسرٌ‬
‫أبحّ‪ ،‬أي كثي الدّسم‪ ،‬وقال‪:‬‬
‫وعاذلة هبّت عل ّي تلومن‪ ... ،‬وف كفّها كسرٌ أب ٌح رذوم‬
‫ويوز أن يعن بالبحّ القداح‪ ،‬أي هذه الرأة أهلها أيسار‪ ،‬كما قال السّلميّ‪:‬‬
‫قروا أضيافهم ربا ببحّ‪ ... ،‬يعيش بفضلهنّ اليّ‪ ،‬سر‬
‫ورحّ‪ :‬جع أرحّ‪ ،‬وهو من صفات بقر الوحش‪ ،‬أي يصاد لذه الرأة‪ ،‬ويقال لظلف البقر‪ :‬رحّ‪ ،‬قال الشاعر العشى‪:‬‬
‫ورحّ بالزّماع مردّفاتٌ‪ ... ،‬با تنضو الوغى وبا ترود‬
‫والسحّ‪ :‬ترٌ صغي يابس‪ .‬والحّ‪ :‬صغار البطيخ قبل أن ينضج‪.‬‬
‫فإن قال‪ :‬أ ّم دخّ‪ ،‬قال‪ :‬حوّارى بخّ‪ ،‬ونو ذلك‪.‬‬
‫فإن قال‪ :‬أ ّم سعد‪ ،‬قال‪ :‬حوّارى بثعد‪ ،‬وهو الرّطب الذي لن كلّه‪.‬‬
‫فإن قال‪ :‬أ ّم وقذ‪ ،‬قال‪:‬حوارى بشقذ‪ ،‬وهي فراخ الجل‪.‬‬
‫فإن قال‪ :‬أ ّم عمرو‪ ،‬فإنّ أشبه ما يقول‪ :‬حوّارى بتمر‪.‬‬
‫فإن قال‪ :‬أمّ كرز‪ ،‬فإن أشبه ما يقول‪ :‬وحوّارى بأرز‪ ،‬وفيه لغات ستّ‪ :‬أر ٌز على وزن أشدّ‪ ،‬وأرزّ على صملّ‪ ،‬وأر ٌز على وزن شغل‪ ،‬وأر ٌز ف وزن قفل‪،‬‬
‫ورزّ مثل جدّ‪ ،‬ورنز‪ ،‬بنونٍ وهي رديئة‪.‬‬
‫فإن قال‪ :‬أمّ ضبس‪ ،‬قال‪ :‬وحوّارى بدبس‪ .‬والعرب تسمّي العسل دبسا‪ .‬وكذلك فسروا قول أب زبيد‪:‬‬
‫فنهزٌة من لقوا حسبتهم ‪ ...‬أشهى إليه من بارد الدبس‬
‫حرّك للضرورة‪.‬‬
‫ب من الب‪ ،‬ويوز أن يكون مولّدا‪ ،‬وبه سّي ورشٌ الذي يروي عن نافع واسه‬
‫فإن قال‪ :‬من أ ّم قرشٍ‪ ،‬جاز أن يقول‪ :‬حوّارى بورش‪ ،‬والورش‪ :‬ضر ٌ‬
‫عثمان بن سعيد‪.‬‬
‫والصاد قد مضت‪.‬‬
‫فإن قال‪ :‬أمّ غرض‪ ،‬جاز أن يقول‪ :‬حوّارى بفرض‪ ،‬والفرض‪ :‬ضربٌ من التمر‪ ،‬قال الراجز‪:‬‬
‫إذا أكلت لبنا وفرضا ‪ ...‬ذهبت طولً وذهبت عرضا‬
‫وف نصب طول وعرض اختلفٌ بي البّد وسيبويه‪.‬‬
‫فإن قال‪ :‬من أمّ حظّ‪ ،‬فإن الطعمة تقلّ فيها الظاء‪ ،‬كقلّتها ف غيها‪ ،‬لن الظاء قليلةٌ جدّا‪ ،‬ويوز أن يقول‪ :‬حوّارى بكظّ‪ ،‬أي يكظّها الشّبع‪ ،‬أو نو‬
‫ذلك من الشياء الت تدخل على معن الحتيال‪.‬‬
‫فإن قال‪ :‬أ ّم طلع‪ ،‬جاز أن يقول‪ :‬حوّارى بلع‪ ،‬واللع‪ :‬هو اللحم الذي كان يطبح ويملونه ف القروف وهي أوعي ٌة من أدم‪ ،‬وينشد‪:‬‬
‫كلي اللحم الغريض‪ ،‬فإنّ زادي ‪ ...‬لن خل ٍع تضمنّه القروف‬
‫فإن قال‪ :‬أمّ فرع‪ ،‬جاز أن يقول‪ :‬حوّارى بضرع‪ ،‬لن الضروع تطبخ‪ ،‬وربّا تطرب إل أكلها اللوك فإن قال‪ :‬أ ّم مبغ‪ ،‬قال‪ :‬حوّارى بصبغ‪ ،‬والصبّغ ما‬
‫ق أو زيت أو خلّ‪.‬‬
‫تغمس فيه اللقمة من مر ٍ‬
‫فإن قال‪ :‬أمّ نف‪ ،‬قال‪ :‬حوّارى برخف‪ ،‬والرخف زبدٌ رقيق‪ ،‬والواحدة رخفة‪ ،‬قال الشاعر‪:‬‬
‫لنا غنمٌ يرضي النيل حليبها‪ ... ،‬وزحفٌ يغاديه لا وذبيح‬
‫فإن قال‪ :‬أمّ فرق‪ ،‬قال‪ :‬حوّارى بعرقٍ‪ ،‬والعرق‪ :‬عظمٌ عليه ل ٌم من شواءٍ أو قديد‪.‬‬
‫فإن قال‪ :‬أمّ سبك‪ ،‬جاز أن يقول‪ :‬حوّارى بربك‪ ،‬أو بلبك‪ ،‬من قولم‪ :‬ربكت الطعام أو لبكته‪ ،‬إذا خلطته‪ ،‬وكان ذلك مّا فيه رطوبةٌ‪ ،‬مثل أن يالطه لبٌ‬
‫أو سنٌ‪ ،‬أو نو ذلك‪ ،‬ول يقال‪ :‬ربكت الشعي بالنطة‪ ،‬إ ّل أن يستعار‪.‬‬
‫فإن قال‪ :‬أمّ تل‪ ،‬قال‪ :‬حوّارى برخل‪ ،‬يريد النثى من أولد الضأن‪ ،‬وفيه أربع لغات‪ :‬رَخِل ورَخْ ٌل ورِخْلٌ ورِخِلٌ‪.‬‬

‫فإن قال‪ :‬أمّ صرم‪ ،‬قال‪ :‬حوارى بطرم‪ ،‬والطرم‪ :‬العسل‪ ،‬وقد يسمّى السمن طرما‪.‬‬
‫وقد مضت النون ف أمّ حصن‪.‬‬
‫فإن قال‪ :‬أم دوّ‪ ،‬قال‪ :‬حو؟ّارى بوّ‪ ،‬والوّ‪ :‬الدي‪ ،‬فيما حكى بعض أهل اللغة ف قولم‪ :‬ما يعرف حوّا من لوّ‪ ،‬أي جديا من عناقٍ‪.‬‬
‫فإن قال‪ :‬أمّ كره‪ ،‬قال‪ :‬حوّارى بوره‪ ،‬يريد جع أوره‪ ،‬من قولم‪ :‬كبشٌ أوره‪ ،‬أي سي‪.‬‬
‫فإن قال‪ :‬أمّ شري‪ ،‬قال‪ :‬حوارى بأري‪ ،‬أي عسل‪.‬‬
‫وهذا فصل يتّسع‪ ،‬وإنّا عرض ف قول تامٍ‪ ،‬كخيال طرق ف النام‪.‬‬
‫ولو خالط منا من عسل النان‪ ،‬وما خلقه ال‪ ،‬سبحانه‪ ،‬ف هذه الدار الادعة‪ ،‬كالصاب‪ ،‬والقر‪ ،‬والسّلع‪ ،‬والعدة‪ ،‬والشّيح‪ ،‬والبيد‪ ،‬لعاد ذلك كلّه‪،‬‬
‫وغيه من العقبات‪ ،‬يعدّ من اللذائذ الرتقيات‪ ،‬فآض ما كره من الصّاب‪ ،‬كأنّه العتصر من الصاب‪ ،‬والصاب‪ :‬قصب السكر‪ ،‬وأمسى الدج وكأنّه‬
‫التخذّ بالهواز‪ ،‬إلّ يكن السّكرّ‪ ،‬فإنه موازٍ؛ ولصارت الراعية ف البل‪ ،‬إذا وجدت النظلة أتفت با السيدة الحظلة‪ ،‬وهي الت تعظم عليها الغية‪ ،‬من‬
‫قولم‪ :‬حظل نساءه‪ ،‬إذا أفرط ف الغية عليهنّ‪ ،‬قال الراجز‪:‬‬
‫ول ترى بعلً ول حلئل ‪ ...‬كه‪ ،‬ول كهنّ إل حاظل‬
‫وانقطعت معايش أرباب القصب ف ساحل البحر‪ ،‬وصنع من ال ّر الفالوذ الحكم بل سحر أي بل خدع‪.‬‬
‫ولو أن الارث بن كلدة طعم من ذلك الطّري لعلم أن الذي وصفه يري من هذا النعوت‪ ،‬مرى الدّفلى الشّاقة من الرّعديد‪ ،‬ومدوف‪ ،‬ما يكره من‬
‫القنديد‪ ،‬وذكرت الارث بقوله‪:‬‬
‫فما عسلٌ ببارد ماء مزنٍ ‪ ...‬على ظماءٍ‪ ،‬لشاربه يشاب‬
‫بأشهى من لقيكم إلينا‪ ... ،‬فكيف لنا به‪ ،‬ومت الياب‬
‫وكذلك السّلوى الت ذكرها الذل هي عند عسل النّة كأنّها قارٌ رمليّ‪ ،‬والقار‪ :‬شج ٌر م ّر ينبت بالرّمل‪ ،‬قال‪ :‬بشرٌ‪:‬‬
‫يرجون الصّلح بذات كهفٍ‪ ... ،‬وما فيها لم سلعٌ وقار‬
‫وعنيت قول القائل‪:‬‬
‫فقاسها بال جهدا لنتم ‪ ...‬ألذّ من السّلوى إذا ما نشورها‬
‫وإذا من ال تبارك اسه بورود تلك النهار‪ ،‬صاد فيها الوارد سك حلوةٍ‪ ،‬ل ير مثله ف ملوة‪ ،‬لو بصر به أحد بن السي لحتقر الد؟ّية الت أهديت إليه‬
‫فقال فيها‪:‬‬
‫أقل ما ف أقلّها سكٌ‪ ... ،‬يلعب ف بركةٍ من العسل‬
‫فأمّا النار المريّة‪ ،‬فتلعب أسا ٌك هي على صور السّمك بريّةٌ ونريّة‪ ،‬وما يسكن منه ف العيون النّبعية‪ ،‬ويظفر بضروب النّبت الرّعية‪ ،‬إلّ أنّه من‬
‫الذّهب والفضّة وصنوف الواهر‪ ،‬القابلة بالنّور الباهر‪ .‬فإذا م ّد الؤمن يده إل واحدةٍ من ذلك السّمك‪ ،‬شرب من فيها عذبا لو وقعت الرعة منه ف‬
‫البحر الذي ل يستطيع ماءه الشارب‪ ،‬للت منه أسافل وغوارب؛ ولصار الصمّر كأنّه رائحة خزامى سهلٍ‪ ،‬طلتّه الدّاجنة بدهل‪ ،‬والدّهل‪ :‬الطائفة من‬
‫اللّيل‪ ،‬أو نشر مدا ٍم خوّارةٍ‪ ،‬سيّارةٍ ف القلل سوّارة‪.‬‬
‫وكأنّي به‪ ،‬أدام ال المّال ببقائه‪ ،‬إذا استحقّ تلك الرّتبة‪ ،‬ببقي التوبة‪ ،‬وقد اصطفى له نامى من أدباء الفردوس‪ :‬كأخي ثالة‪ ،‬وأخي دوسٍ‪ ،‬ويونس بن‬
‫ضبّ‪ ،‬وابن مسعدة الجاشعيّ‪ ،‬فهم كما جاء ف الكتاب العزيز‪ " :‬ونزعنا ما ف صدورهم من غ ّل إخوانا على سررٍ متقابلي‪ ،‬ل يسّهم فيها‬
‫حبيب ال ّ‬
‫نصبٌ وما هم منها بخرجي " فصدر أحد بن يي هنالك قد غسل من القد على ممد بن يزيد‪ ،‬فصارا يتصافيان ويتوافيان‪ ،‬كأنّا ندمانا جذية‪ :‬مالكٌ‬
‫وعقيل‪ ،‬جعها مبيتٌ ومقيل وأبو بشر‪ ،‬عمرو بن عثمان سيبويه‪ ،‬قد رحضت سويداء قلبه من الضغن على علي بن حزة الكسائي وأصحابه‪ ،‬لا فعلوا به‬
‫ف ملس البامكة‪ .‬وأبو عبيدة صاف الطويّة لعبد اللك بن قريب‪ ،‬قد ارتفعت خلتّهما عن الرّيب‪ ،‬فهما كأربد ولبيد أخوان‪ ،‬أو ابن نويرة فيما سبق من‬
‫الوان‪ ،‬أو صخ ٍر ومعاوية‪ :‬ولدي عمرو‪ ،‬وقد أخدا من الحن كلّ جر‪ .‬واللئكة يدخلون عليهم من كل بابٍ‪ ،‬سلمٌ عليكم با صبت فنعم عقب الدّار‪.‬‬
‫وهو أيّد ال العلم بياته‪ ،‬معهم كما قال البكريّ‪:‬‬
‫نازعتهم قضب الرّيان مرتفقا‪،‬‬

‫وقهوةً مزّةً‪ ،‬راووقها خضل‬
‫ل يستفيقون منها وهي راهنةٌ‬
‫إل بات‪ ،‬وإن علّوا وعن نلوا‬
‫يسعى با ذو زجاجات له نطفٌ‬
‫مقلّص أسفل السّربال‪ ،‬معتمل‬
‫ومستجيبٌ لصوت الصّنج يسمعه‬
‫إذا ترجع فيه القنية الفضل وأبو عبيدة يذاكرهم بوقائع العرب ومقاتل الفرسان‪ ،‬والصمعيّ ينشدهم من الشعر ما أحسن قائله كلّ الحسان‪.‬‬
‫ش نفوسهم للّعب فيقذفون تلك النية ف أنار الرّحيق‪ ،‬ويصفقّها الاذي العترض أي تصفيق‪ ،‬وتقترع تلك النية‪ ،‬فيسمع لا أصواتٌ‪ ،‬تبعث بثلها‬
‫وت ّ‬
‫ش لّا نوجّه‬
‫الموات‪ .‬فيقول الشيخ‪ ،‬حسّن ال اليّام بطول عمره‪ :‬آه لصرع العشى ميمون وكم أعمل من مطيّةٍ أمون!!ولقد وددت أنّه ما صدّته قري ٌ‬
‫إل النب صلى ال عليه وسلم وإنّما ذكرته الساعة لّا تقارعت هذه النية بقوله ف الائيّة‪:‬‬
‫وشول تسب العي‪ ،‬إذا ‪ ...‬صفّقت‪ ،‬جندعها نور الذّبح‬
‫مثل ريح السك ذاكٍ ريها‪ ... ،‬صبّها الساقي إذا قيل‪ :‬توح‬
‫من زقاق التّجر‪ ،‬ف باطيةٍ ‪ ...‬جونةٍ‪ ،‬حاريّةٍ ذات روح‬
‫ذات غورٍ‪ ،‬ما تبال يومها‪ ... ،‬غرف البريق منها والقدح‬
‫وإذا ما الرّاح فيها أزبدت ‪ ...‬أفل الزباد عنها‪ ،‬فمصح‬
‫وإذا مكوكها صادمه ‪ ...‬جانباها‪ ،‬ك ّر فيها فسبح‬
‫ج معملٍ ‪ ...‬يلف النّازح منها ما نزح‬
‫فترامت بزجا ٍ‬
‫وإذا غاضت رفعنا زقّنا ‪ ...‬طلق الوداج فيها فانسفح‬
‫ولو أنّه أسلم‪ ،‬لاز أن يكون بيننا ف هذا الجلس‪ ،‬فينشدنا غريب الوزان‪ ،‬مّا نظم ف دار الحزان‪ ،‬ويدّثنا حديثه مع هوذة بن عليّ‪ ،‬وعامر بن‬
‫الطّفيل‪ ،‬ويزيد بن مسهر وعلقمة بن علئة‪ ،‬وسلمة بن ذي فائش‪ ،‬وغيهم مّن مدحه أو هجاه‪ ،‬وخافه ف الزمن أو رجاه‪.‬‬
‫ت ودرّ‪ ،‬ف سجسجٍ بعد عن‬
‫ثّ إنّه‪ ،‬أدام ال تكينه‪ ،‬يطر له حديث شي ٍء كان يسمّى النّزهة ف الدار الفانية‪ ،‬فيكب نيبا من نب النّة خلق من ياقو ٍ‬
‫ال ّر والقرّ‪ ،‬ومعه إناء فيهج‪ ،‬فيسي ف النّة على غي منهج‪ ،‬ومعه شي ٌء من طعام اللود‪ ،‬ذخر لوالد سعد أو مولودٍ‪ ،‬فإذا رأى نيبه يلع بي كثبان العنب‪،‬‬
‫ل بقول البكريّ‪:‬‬
‫وضيمرانٍ وصل بصعبٍ‪ ،‬رفع صوته متمثّ ً‬
‫ليت شعري مت تبّ بنا النّا ‪ ...‬قة نو العذيب فالصّيبون‬
‫مقبا زكرةً‪ ،‬وخبز رقاقٍ‪ ... ،‬وحباقا‪ ،‬وقطعةً من نون‬
‫يعن بالباق جرزة البقل‪.‬‬
‫فيهتف هاتفٌ‪ :‬أتشعر أيّها العبد الغفور له لن هذا الشّعر؟ فيقول الشيخ‪ :‬نعم‪ ،‬حدّثنا أهل ثقتنا‪ ،‬عن أهل ثقتهم‪ ،‬يتوارثون ذلك كابرا عن كابر‪ ،‬حت‬
‫يصلوه بأب عمرو بن العلء‪ ،‬فيويه لم عن أشياخ العرب‪ ،‬حرشة الضّباب ف البلد الكلدات وجناة الكمأة ف مغان البداة‪ ،‬الذين ل يأكلوا شياز‬
‫اللبان ول يعلوا الثمر ف الثّبان‪ ،‬أنّ هذا الشّعر ليمون بن قيس ابن جندلٍ أخي بن ربيعة بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة ابن صعب بن عليّ بن‬
‫بكر بن وائ ٍل فيقول الاتف‪ :‬أنا ذلك الرّجل‪ ،‬من ال عليّ بعدما صرت من جهنّم على شفي‪ ،‬ويئست من الغفرة والتّكفي‪ .‬فيلتفت إليه الشيخ هشّا بشّا‬
‫مرتاحا‪ ،‬فإذا هو بشابّ غرانق غب ف النّعيم الفانق‪ ،‬وقد صار عشاه حور معروفا‪ ،‬وانناء ظهره قواما موصوفا‪ ،‬فيقول‪ :‬أخبن كيف كان خلصك من‬
‫النار‪ ،‬وسلمتك من قبيح الشنار؟ فيقول‪ :‬سحبتن الزبانية إل سقر‪ ،‬فرأيت رجلً ف عرصات القيامة يتلل وجهه تللؤ القمر‪ ،‬والنّاس يهتفون به من كلّ‬
‫ت لكذا ونتّ بكذا‪ .‬فصرخت ف أيدي الزبانية‪ :‬يا ممّد أغثن فإنّ ل بك حرمةً! فقال‪ :‬يا عليّ بادره فانظر‬
‫أوبٍ‪ :‬يا ممّد يا ممّد‪ ،‬الشفاعة الشّفاعة! ن ّ‬
‫ما حرمته؟ فجاءن عليّ بن أب طالبٍ‪ ،‬صلوات ال عليه‪ ،‬وأنا أعتل كي ألقى ف الدّرك السفل من النّار‪ ،‬فزجرهم عن‪ ،‬وقال‪ :‬ما حرمتك؟ فقلت‪ :‬أنا‬
‫القائل‪:‬‬

‫أل أيّهذا السّائلي أين يّمت‪ ... ،‬فإنّ لا ف أهل يثرب موعدا‬
‫فآليت ل أرثي لا من كللة‪ ... ،‬ول من حفىً‪ ،‬حت تلقي ممّدا‬
‫مت ما تناخي عند باب ابن هاشمٍ ‪ ...‬تراحي‪ ،‬وتلقي من فواضله ندى‬
‫أجدّك ل تسمع وصاة م ّمدٍ ‪ ...‬نبّ الله حي أوصى وأشهدا‬
‫إذا أنت ل ترحل بزا ٍد من التّقى ‪ ...‬وأبصرت بعد الوت من قد تزودّا‬
‫ندمت على أن ل تكون كمثله‪ ... ،‬وأنّك ل ترصد لا كان أرصدا‬
‫فإيّاك واليتات ل تقربنّها! ‪ ...‬ول تأخذن سهما حديدا لتفصدا‬
‫ول تقرب ّن جارةً إن سرّها ‪ ...‬عليك حرامٌ‪ ،‬فانكحن أو تأبّدا‬
‫نبّ يرى مال يرون‪ ،‬وذكره ‪ ...‬أغار لعمري ف البلد وأندا‬
‫وهو‪ ،‬أكمل ال زينة الحافل بضوره‪ ،‬يعرف القوال ف هذا البيت‪ ،‬وإنّما أذكرها لنّه قد يوز أن يقرأ هذا الذيان ناشىءٌ ل يبلغه‪ :‬حكى الفرّاء وحده‬
‫أغار ف معن غار‪ ،‬إذا أتى الغور‪ ،‬وإذا صحّ هذا البيت للعشى فلم يرد بالغارة إل ضدّ الناد‪ .‬وروي عن الصمعيّ روايتان‪ :‬إحداها أ ّن أغار ف معن‬
‫عدا عدوا شديدا‪ ،‬وأنشد ف كتاب الجناس‪:‬‬
‫فعدّ طلبا وتسلّ عنه ‪ ...‬بناجيةٍ إذا زجرت تغي‬
‫والخرى أنّه كان يقدّم ويؤخّر فيقول‪ :‬لعمري غار ف البلد وأندا فيجيء به على الزّحاف‪ .‬وكان سعيد بن مسعدة يقول‪ :‬غار لعمري ف البلد وأندا‬
‫فيخرمه ف النصف الثان‪.‬‬
‫ايان العشى‬
‫ويقول العشى‪ :‬قلت لعّليٍ‪ :‬وقد كنت أومن بال وبالساب وأصدّق بالبعث وأنا ف الاهليّة الهلء‪ ،‬فمن ذلك قول‪:‬‬
‫فما أيبلي على هيكلٍ‪ ... ،‬بناه وصلّب فيه وصارا‬
‫يراوح من صلوات الليك ‪ ...‬طورا سجودا وطورا جؤارا‬
‫بأعظم منك تق ًى ف الساب ‪ ...‬إذا النّسمات نفضن الغبارا‬
‫ب مرسلٌ‪.‬‬
‫فذهب عليّ إل النب صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فقال‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬هذا أعشى قيس قد روي مدحه فيك‪ ،‬وشهد أنّك ن ّ‬
‫فقال‪ :‬هلّ جاءن ف الدّار السّابقة؟ قال‪ :‬عليّ‪ :‬قد جاء‪ ،‬ولكن صدّته قريشٌ وحبّه للخمر‪ .‬فشفع ل‪ ،‬فأدخلت النّة على أن ل أشرب فيها خرا؛ فقرّت‬
‫عيناي بذلك‪ ،‬وإنّ ل منادح ف العسل وماء اليوان‪ .‬وكذلك من ل يتب من المر ف الدار الساخرة‪ ،‬ل يسقها ف الخرة‪.‬‬
‫وينظر الشيخ ف رياض النّة فيى قصرين منيفي‪ ،‬فيقول ف نفسه‪ :‬لبلغنّ هذين القصرين فأسأل لن ها؟ فإذا قرب إليهما رأى على أحدها مكتوبا‪:‬‬
‫هذا القصرلزهي بن أب سلمى الزن وعلى الخر‪ :‬هذا القصر لعبيد بن البرص السديّ فيعجب من ذلك ويقول‪ :‬هذان ماتا ف الاهليّة‪ ،‬ولكّن رحة‬
‫ربنّا وسعت ك ّل شيء؛ وسوف ألتمس لقاء هذين الرّجلي فأسألما ب غفر لما‪ .‬فيبتدىء بزهي فيجده شابّا كالزّهرة النيّة‪ ،‬قد وهب له قصرٌ من ونيّة‪،‬‬
‫كأنّه ما لبس جلباب هرمٍ‪ ،‬ول تأفّف من البم‪ .‬وكأنّه ل يقل ف اليمّية‪:‬‬
‫سئمت تكاليف الياة ومن يعش‬
‫ثاني حولً‪ ،‬ل أبا لك‪ ،‬يسأم! ول يقل ف الخرى‪:‬‬
‫أل ترن عمّرت تسعي حجّةً‪،‬‬
‫وعشرا تباعا عشتها‪ ،‬وثانيا؟ فيقول‪ :‬جي جي! أنت أبو كعب وبي؟ فيقول‪ :‬نعم‪ .‬فيقول‪ ،‬أدام ال عزّه‪ :‬ب غفر لك وقد كنت ف زمان الفترة والنّاس‬
‫هلٌ‪ ،‬ل يسن منهم العمل؟ فيقول‪ :‬كانت نفسي من الباطل نفورا‪ ،‬فصادفت ملكا غفورا‪ ،‬وكنت مؤمنا بال العظيم‪ ،‬ورأيت فيما يرى النّائم حبلً نزل‬
‫ن وقلت لم عند الوت‪ :‬إن قام قائمٌ يدعوكم إل عبادة ال‬
‫من السّماء‪ ،‬فمن تعلق به من سكّان الرض سلم‪ ،‬فعلمت أنّه أم ٌر من أمر ال‪ ،‬فأوصيت ب ّ‬
‫فأطيعوه‪ .‬ولو أدركت ممّدا لكنت أوّل الؤمني‪.‬‬
‫ب بالران‪:‬‬
‫وقلت ف اليميّة‪ ،‬والاهليّة على السّكنة والسّفه ضار ٌ‬

‫فل تكتمن ال ما ف نفوسكم‬
‫ليخفى‪ ،‬ومهما يكتم ال يعلم‬
‫يؤخّر‪ ،‬فيوضع ف كتابٍ‪ ،‬فيدّخر‬
‫ليوم الساب‪ ،‬أو يعجّل فينقم فيقول‪ :‬ألست القائل‪:‬‬
‫وقد أغدو على ثبةٍ كرا ٍم ‪ ...‬نشاوى واجدين لا نشاء‬
‫يرّون البود وقد تشّت ‪ ...‬حيّا الكأس فيهم والغناء‬
‫أفأطلقت لك المر كغيك من أصحاب اللود؟ أم حرّمت عليك مثلما حرّمت على أعشى قيس فيقول زهيٌ‪ :‬إن أخا بكرٍ أدرك ممّدا فوجبت عليه‬
‫الجّة‪ ،‬لنّه بعث بتحري المر‪ ،‬وحظر ما قبح من أمر؛ وهلكت أنا والمر كغيها من الشياء‪ ،‬يشربا أتباع النبياء‪ ،‬فل حجّة عليّ‪.‬‬
‫فيدعوه الشّيخ إل النادمة؛ فيجد من ظراف النّدماء‪ ،‬فيسأله عن أخبار القدماء‪.‬‬
‫ومع النصف باطيةٌ من الزّمرّد‪ ،‬فيها من الرّحيق الختوم شيءٌ يزج بزنبيل‪ ،‬والاء أخذ من سلسبيل‪ .‬فيقون‪ ،‬زاد ال ف أنفاسه‪ :‬أين هذه الباطية من الت‬
‫ذكرها السّرويّ ف قوله‪:‬‬
‫ولنا باطي ٌة ملوءٌة ‪ ...‬جونةٌ‪ ،‬يتبعها برذينها‬
‫فإذا ما حاردت أو بكأت ‪ ...‬فتّ عن خات أخرى طينها‬
‫ث ينصرف إل عبيد فإذا هو قد أعطي بقاء التأبيد‪ ،‬فيقول‪ :‬السلم عليك يا أخا بن أسدٍ‪ .‬فيقول‪:‬وعليك السلم‪ ،‬وأهل النّة أذكياء‪ ،‬ل يالطهم الغبياء‪،‬‬
‫لعلّك تريد أن تسألن ب غفر ل؟ فيقول‪ :‬أجل‪ ،‬وإنّ ف ذلك لعجبا! أألفيت حكما للمغفرة موجبا‪ ،‬ول يكن عن الرّحة مجّبا؟ فيقول عبيدٌ‪ :‬أخبك أنّي‬
‫دخلت الاوية‪ ،‬وكنت قلت ف أيّام الياة‪:‬‬
‫من يسأل الناس يرموه ‪ ...‬وسائل ال ل ييب‬
‫وسارهذا البيت ف آفاق البلد‪ ،‬فلم يزل ينشد ويفّ عن العذاب حت أطلقت من القيود والصفاد‪ ،‬ث كرّر إل أن شلتن الرحة ببكة ذلك البيت‪ ،‬وإنّ‬
‫ربّنا لغفور رحيم‪.‬‬
‫فإذا سع الشّيخ‪ ،‬ثبّت ال وطأته‪ ،‬ما قال ذانك الرّجلن‪ ،‬طمع ف سلمة كثي من أصناف الشعراء‪.‬‬
‫فيقول لعبيدٍ‪ :‬ألك علم بعديّ بن زيدٍ العباديّ؟ فيقول‪ :‬هذا منله قريبا منك‪ .‬فيقف عليه فيقول‪ :‬كيف كانت سلمتك على الصّراط وملصك من بعد‬
‫الفراط؟ فيقول‪ :‬إنّي كنت على دين السيح ومن كان من أتباع النبياء قبل أن يبعث ممد فل بأس عليه‪ ،‬وإنّما التّبعة على من سجد للصنام‪ ،‬وع ّد ف‬
‫الهلة من النام‪ .‬فيقول الشيخ‪ :‬يا أبا سوادة‪ ،‬أل تنشدن الصاديّة‪ ،‬فإنا بديعة من أشعار العرب؟ فينبعث منشدا‪:‬‬
‫أبلغ خليلي عبد هند فل ‪ ...‬زلت قريبا من سواد الصوص‬
‫موازي القرّة‪ ،‬أو دونا‪ ... ،‬غي بعيدٍ من غمي الّلصوص‬
‫ب تندى ف أصّول القصيص‬
‫تن لك الكمأة ربعّية‪ ... ،‬بال ّ‬
‫تقنصك اليل‪ ،‬وتصطادك ال ‪ ...‬طّي‪ ،‬ول تنكع لو القنيص‬
‫تأكل ما شئت‪ ،‬وتعتلّها ‪ ...‬حراء ملحص كلون الفصوص‬
‫غيبت عنّي عبد ف ساعة ال ‪ ...‬شّر وجنّبت أوان العويص‬
‫ف بالذوف النّحوص‬
‫ل تنسي ذكري على لذّة ال ‪ ...‬الكأس وطو ٍ‬
‫ق ‪ ...‬مالفا هدي الكذوب اللّموص‬
‫إنّك ذو عهد وذو مصد ٍ‬
‫يا عبد هل تذكرن ساع ًة ‪ ...‬ف موكب‪ ،‬أو رائدا للقنيص‬
‫يوما مع الرّكب‪ ،‬إذا أوفضوا ‪ ...‬نرفع فيهم من ناء القلوص‬
‫قد يدرك البطيء من حظّه‪ ... ،‬والي قد يسبق جهد الريص‬
‫فل يزل صدرك ف ريبةٍ‪ ... ،‬يذكر من تلفي أو خلوص‬

‫يا نفس أبقي‪ ،‬واتّقي شتم ذي ال ‪ ...‬أعراض‪ ،‬إ ّن اللم ما إن ينوص‬
‫يا ليت شعري وإن ذو عجةٍ ‪ ...‬مت أرى شربا حوال أصيص‬
‫بيت جلوفٍ‪ ،‬بار ٍد ظلّه‪ ... ،‬فيه ظباء‪ ،‬ودواخيل خوص‬
‫والرّبرب‪ ،‬الكفوف أردانه ‪ ...‬يشي رويدا‪ ،‬كتوقيّ الرّهيص‬
‫ينفخ من أردانه السك‪ ،‬وال ‪ ...‬عنب‪ ،‬والغلوى‪ ،‬ولبن قفوص‬
‫والشرف الشمول نسقي به‪ ... ،‬أخضر‪ ،‬مطموثا باء الريص‬
‫ذلك خي من فيوجٍ على ال ‪ ...‬باب‪ ،‬وقيدين‪ ،‬وغلّ قروص‬
‫أو مرتقى نيقٍ على نقنقٍ‪ ... ،‬أدبر‪ ،‬عو ٍد ذي إكافٍ قموص‬
‫ل يثمن البيع‪ ،‬ول يمل ال ‪ ...‬رّدف‪ ،‬ول يعطى به قلب خوص‬
‫أو من نسو ٍر حول موتى معا‪ ... ،‬يأكلن لما من طريّ الفريص‬
‫فيقول الشيخ‪ :‬أحسنت وال أحسنت‪ ،‬لو كنت الاء الراكد لا أسنت‪ .‬وقد عمل أديب من أدباء السلم قصيدة على هذا الوزن‪ ،‬وهو العروف بأب بكر‬
‫بن دريدٍ‪ ،‬قال‪:‬‬
‫يسعد ذو الدّ ويشقي الريص‪ ... ،‬ليس لل ٍق عن قضاء ميص‬
‫ويقول فيها‪:‬‬
‫أين ملوك الرض من ح ٍي ‪ ...‬أكرم من نصّت إليهم فلوص‬
‫جيفر الوهّاب أودى به‪ ... ،‬دهر على هدم العال حريص‬
‫إلّ أنّك يا أبا سوادة أحرزت فضيلة السّبق‪.‬‬
‫وما كنت أختار لك أن تقول‪:‬‬
‫يا ليت شعري وان ذو عجّةٍ‬
‫لنّك ل تلو من أحد أمرين‪ :‬إمّا أن تكون قد وصلت هزة القطع وذلك رديء‪ ،‬على أنّهم قد أنشدوا‪:‬‬
‫أن لن أقاتل‪ ،‬فألبسون برقعا‪ ... ،‬وفتخاتٍ ف اليدين أربعا‬
‫ويزيد ما فعلت من إسقاط المزة بعدا أنّك حذفت اللف الت بعد النون‪ ،‬فإذا حذفت المزة من أوّل الكلمة بقيت على حرفٍ واحدٍ‪ ،‬وذلك با‬
‫إخلل‪.‬‬
‫وإمّا أن تكون حقّقت المزة فجعلتها بي بي‪ ،‬ث اجترأت على تصييها ألفا خالصةٍ‪ ،‬وحسك بذا نقضا للعادة‪ ،‬ومثل ذلك قول القائل‪:‬‬
‫ل ليس للشيخ عيّ ٌل ‪ ...‬فها أنا قد أعيلت وان رقوب‬
‫يقولون‪ :‬مه ً‬
‫ولو قلت‪:‬‬
‫يا ليت شعري أنا ذو عجّةٍ‬
‫فحذفت الواو‪ ،‬لكان عندي أحسن وأشبه‪ .‬فيقول عديّ ابن زيد‪ :‬إنّما قلت كما سعت أهل زمن يقولون‪ ،‬وحدثت لكم ف السلم أشياء ليس لنا با‬
‫علم‪ ،‬فيقول الشيخ‪ :‬ل أراك تفهم ما أريده من الغراض‪ ،‬ولقد همت أن أسألك عن بيتك الذي استشهد به سيبويه‪ ،‬وهو قولك‪:‬‬
‫أرواح مودع أم بكور‪ ،‬أنت‪ ،‬فانظر ليّ حا ٍل تصي‬
‫ي بن زيدٍ‪ :‬عن من هذه‬
‫فإنه يزعم أ ّن أنت يوز أن يرتفع بفعلٍ مضمرٍ يفسره قولك‪ :‬فانظر‪ ،‬وأنا استبعد هذا الذهب ول أظنّك أردته‪ .‬فيقول عد ّ‬
‫الباطيل‪ ،‬ولكن كنت ف الدار الفانية صاحب قنص‪ ،‬ولعلّه قد بلغك قول‪:‬‬
‫ولقد أغدوا بطرفٍ زانه ‪ ...‬وجه منوفٍ وخدّ كالسن‬
‫ذي تليلٍ‪ ،‬مشنقٍ قائده‪ ... ،‬يسر ف الكفّ‪ ،‬ندٍ‪ ،‬ذي غسن‬
‫مدمجٍ كالقدح‪ ،‬ل عيب به‪ ... ،‬فيى فيه‪ ،‬ول صدع أبن‬

‫رمّه الباري‪ ،‬فسوّى درأه ‪ ...‬غمز كفيّه‪ ،‬وتليق السّفن‬
‫أيّ ثغرٍ ما يف يندب له‪ ... ،‬ومت يل من القود يصن‬
‫كربيب البيت يفري جلّه‪ ... ،‬طاعة العضّ‪ ،‬وتسحي اللّب‬
‫فبلغنا صنعه حت شتا‪ ... ،‬ناعم البال لوجا ف السنن‬
‫فإذا جال حار موحش‪ ... ،‬ونعام نافر بعد عنن‬
‫شاءنا ذو ميعةٍ يبطرنا ‪ ...‬خر الرض وتقدي النن‬
‫يدأب الشدّ بس ّح مرسلٍ ‪ ...‬كاحتفال الغيث بالرّ اليفن‬
‫أنسل الذّرعان غرب خذم ‪ ...‬وعل الرّبرب أزم ل يدن‬
‫فالذي يسكه بمده يمده‪ ... ،‬تثق كالسيّد‪ ،‬متدّ الرّسن‬
‫وإذا نن لدينا أربع ‪ ...‬يهتدي السائل عنّا بالدّخن‬
‫وقول ف القافية‪:‬‬
‫ومو ٍد قد أسجهرّ تناوي ‪ ...‬كلون العهون ف العلق‬
‫عن خريف سقاه نوء من الدّل ‪ ...‬و تدلّى‪ ،‬ول توار العراقي‬
‫ل يعبه إل الداح ّي فقد وب ‪ ...‬ر بعض الرّئال ف الفلق‬
‫ج ‪ ...‬مطفلتٍ‪ ،‬يمي بالوراق‬
‫وإران الثّيان حول نعا ٍ‬
‫وتراهن كالعزّة ف الح ‪ ...‬فل‪ ،‬أو حي نعمةٍ وارتفاق‬
‫قد تبطّنته بك ّفيّ خرّا ‪ ...‬ج من اليل‪ ،‬فاضل ف السّباق‬
‫يسر ف القياد ند‪ ،‬ذقيف ال ‪ ...‬عدو‪ ،‬عبل الشّوى أمي العراق‬
‫ل يقيّل حرّ القيظ‪ ،‬ول يل ‪ ...‬جم لطوفٍ‪ ،‬ول فساد نزاق‬
‫ب إن قلّصت عن ساق‬
‫غي تيسيه لرغباء إن كا ‪ ...‬نت‪ ،‬وحر ٍ‬
‫وله النّعجة الريّ تاه ال ‪ ...‬رّكب‪ ،‬عد ًل بالنّابء الخراق‬
‫ب العاري الزّوائد ملحفا ‪ ...‬ن‪ ،‬دان الدّماغ للماق‬
‫والد ّ‬
‫فهل لك أن نركب فرسي من خيل النّة فنبعثهما على صيانا‪ ،‬وخيطان نعامها‪ ،‬وأسراب ظبائها‪ ،‬وعانات حرها‪ ،‬فإن للقنيص لذّة قد تنغصت لك با؟‬
‫فيقول الشيخ‪ :‬إنّما أنا صاحب قلم وسلمٍ‪ ،‬ول أكن صاحب خيل‪ ،‬ول مّن يسحب طويل الّليل‪ ،‬وزرتك إل منلك مهنئا بسلمتك من الحيم‪،‬‬
‫وتنعمّمك بعفو الرحيم‪ .‬وما يؤمنن إذا ركبت طرفا زعلً رتع ف رياض النّة فآض من الشر مستسعلً‪ ،‬وأنا كما قال القائل‪:‬‬
‫ل يركبوا اليل إ ّل بعدما كبوا ‪ ...‬فهم ثقال على أكنافها عنف‬
‫أن يلحقن ما لق جلما صاحب التجرّدة لّا حل على اليحموم‪ ،‬والتّعرض لا ل تسبق بع العادة من الوم وقد بلغك ما لقي ولد ره ٍي لّا وقص عن العتد‬
‫ذي الي‪ ،‬فسلك ف طريقٍ وعبٍ‪ ،‬وما انتفع ببكاء كعب؛ وكذلك ولدك علقمة‪ ،‬حلّت ف العاجلة به النقمة‪ ،‬لّا ركب للصّيد فأصبح كجدّه زيد‪ ،‬وقلت‬
‫فيه‪:‬‬
‫ي ‪ ...‬أثويت اليوم ل ترحل!‬
‫أنعم صباحا علقم بن عد ّ‬
‫وإنّي لحار يا معاشر العرب ف هذه الوزان الت نقلها عنكم الثّقات‪ ،‬وتداولتها الطبّقات؛ ومن كلمتك الت على الرّاء‪ ،‬وأوّلا‪:‬‬
‫قد آن أن تصحو أو تقصر‪ ... ،‬وقد أتى لا عهدت عصر‬
‫عن مبقات بالبين‪ ،‬وتب ‪ ...‬دو بالكف اللمعات سور‬
‫بيض عليه ّن الدّمقس وبال ‪ ...‬أعناق من تت الكفة درّ‬
‫ويوز أن يقذفن السابح على صخور زمردٍ فيكسر ل عضدا أو ساقا‪ ،‬فأصي ضحكةً ف أهل النان‪.‬‬

‫فيبتّسم عديّ ويقول‪ :‬ويك! أما علمت أ ّن النة ل يرهب لديها السّقم‪ ،‬تنل بسكنها النّقم؟ فيكبان سابي من خيل النة‪ ،‬مركب ك ّل واحدٍ منهما‬
‫لو عدل بمالك العاجلة الكائنة من أوّلا إل آخرها لرجح با‪ ،‬وزاد ف القيمة عليها‪ .‬فإذا نظر إل صوار ترتع ف دقاري الفردوس‪ ،‬والدّقاريّ‪ :‬الرياض‪،‬‬
‫صوب مولي الشيخ الطرد‪ ،‬وهو الرّمح القصي‪ ،‬لخنس ذيّال قد رتع هناك طويل أيام وليال؛ فإذا ل يبق بي السنان وبينه إل قيد ظفرٍ‪ ،‬قال‪ :‬أمسك‪،‬‬
‫ن كنت ف ملة الغرور أرود ف بعض القفار‪ ،‬فمرّ ب ركب‬
‫رحك ال‪ ،‬فإن لست من وحش النّة الت أنشأها ال سبحانه ول تكن ف الدار الزائلة‪ ،‬ولك ّ‬
‫مؤمنون قي كري زادهم‪ ،‬فصرعون واستعانوا ب على السّفر‪ ،‬فعوضن ال‪ ،‬جلّت كلمته‪ ،‬بأن أسكنن ف اللود‪ .‬فيكفّ عنه مولي الشيخ الليل‪.‬‬
‫ويعمد لعل ٍج وحشيّ‪ ،‬ما التلف عنده بخشيّ‪ ،‬فإذا صار الرص منه بقدر أنلة قال‪ :‬أمسك يا عبد ال‪ ،‬فإن ال أنعم عل ّي ورفع عن البؤس‪ ،‬وذلك أنّي‬
‫صادن صائد بخلب‪ ،‬وكان إهاب له كالسلب‪ ،‬فباعه ف بعض المصار‪ ،‬وصراه للسّانية صارٍ‪ ،‬فاتّخذ منه غربٌ‪ ،‬شفي بائة الكرب‪ ،‬وتطّهر بنيعه‬
‫الصّالون‪ ،‬فشملتن برك ٌة من أولئك‪ ،‬فدخلت النّة أرزق فيها بغي حساب‪ .‬فيقول الشيخ‪:‬ى فينبغي أن تتميزّن‪ ،‬فما كان منكنّ دخل الفانية فما يب‬
‫أن يتلط بوحوش النّة‪ .‬فيقول ذلك الوحشيّ‪ :‬لقد نصحتنا نصح الشقيق‪ ،‬وسوف نتثل ما أمرت‪.‬‬
‫وينصرف مولي الشيخ الليل وصاحبه عديّ فإذا ها برج ٍل يتلب ناقةً ف إنا ٌء من ذهب‪ ،‬فيقولن‪ :‬من الرّجل؟ فيقول‪ :‬أبو ذؤيب الذلّ‪ .‬فيقولن‪:‬‬
‫حييّت وسعدت‪ ،‬ل شقيت ف عيشك ول بعدت‪ ،‬أتتلب مع أنار لب؟ كأنّ ذلك من الغب‪ .‬فيقول‪ :‬ل بأس! إنا خطر ل ذلك مثلما خطر لكما‬
‫القنيص‪ ،‬وإن ذكرت قول ف الدّهر الول‪:‬‬
‫وإنّ حديثا منك‪ ،‬لو تعلمينه‪،‬‬
‫جن النّحل ف ألبان عو ٍذ مطافل‬
‫مطافيل أبكارٍ‪ ،‬حديث نتاجها ‪ ...‬تشاب باٍ مثل ماء الفاصل‬
‫فقيّض ال بقدرته ل هذه النّاقة عائذا مطفلً‪ .‬وكان بالنّعم متكفّلً‪ ،‬فقمت أحتلب على العادة‪ ،‬وأريد أن أشوب ذلك بضّرب نلٍ‪ ،‬تبعن ف النّة طريقة‬
‫الفحل‪.‬‬
‫فإذا امتل إناؤه من الرّسل‪ ،‬كوّن الباري‪ ،‬جلّت عظمته‪ ،‬خليّةً من الوهر‪ ،‬رتع ثولا ف الزّهر‪ ،‬فاجتن ذلك أبو ذؤيب‪ ،‬ومزج حليبه بل ريب‪ ،‬فيقولك‬
‫أل تشربان؟ فيجرعان من ذلك الحلب جرعا لو فرّقت على أهل سقر لفازوا باللد شرعا‪ .‬فيقول عديّ‪ :‬المد ل الذي هدانا لذا وما كنا لنهتدي لول‬
‫أن هدانا ال‪ .‬لقد جاءت رسل ربنا بالقّ‪.‬‬
‫ونودوا أن تلكم النّة‪ ،‬أورثتموها با كنتم تعملون‪.‬‬
‫ويقول‪ ،‬أدام تكينه‪ ،‬لعديّ‪ :‬جئت بشيئي ف شعرك‪ ،‬وددت أنّك ل تأت بما‪ ،‬أحدها قولك‪:‬‬
‫فصاف‪ ،‬يفرّي جلّه عن سراته‬
‫يبذّ الرّهان فارها متشابعا والخر قولك‪:‬‬
‫فليت دفعت المّ عنّي ساعة ‪ ، ...‬فنمسي على ما خيّلت ناعمي بال‬
‫فيقول عديّ بعباديته‪ :‬يا مكبور‪ ،‬لقد رزقت ما يكب أن أن يشغلك عن القريض‪ ،‬إنا ينبغي أن تكون كما قيل لك‪ " :‬كلوا واشربوا هنيئا با كنتم‬
‫تعملون " قوله يامكبور‪ ،‬يريد‪ :‬يامبور‪ ،‬فجعل اليم كافا‪ ،‬وهي لغةٌ رديئ ٌة يستعملها أهل اليمن‪ .‬وجاء ف بعض الحاديث‪ :‬أن الارث بن هانء بن أب‬
‫شر بن جبلة الكندي‪ ،‬استلحم يوم ساباط فنادى‪ :‬يا حكر يا حكر‪ ،‬يريد‪ :‬يا حجر بن عديّ الدبر‪ .‬فعطف عليه فاستنفذه‪ .‬ويكب‪ :‬ف معن يب‪.‬‬
‫فيقول‪ ،‬زاد ال ف أنفاسه‪ :‬إنّي سألت ربّي عزّ سلطانه‪ ،‬أ ّل يرمن ف النّة تلذّذا بأدب الذي كنت أتلذّذ به ف عاجلت‪ ،‬فأجابن إل ذلك‪ ،‬وله المد ف‬
‫السّموات والرض وعشيّا وحي تظهرون‪.‬‬
‫النابغتان‬
‫ويضي ف نزهته تلك بشابيّن يتحادثان‪ ،‬كلّ واح ٍد منهما على باب قص ٍر من درّ؛ قد أعفي من البؤّس والضّرّ‪ .‬فيسلّم عليهما ويقول‪ :‬من أنتما رحكما‬
‫ال‪ ،‬وقد فعل؟ فيقولن‪ :‬نن النابغتان‪ ،‬نابغة بن جعدة ونابغة بن ذبيان‪ .‬فيقول‪ ،‬ثبّت ال وطأته‪ :‬أمّا نابغة جعدة فقد أستوجب ما هو فيه بالنيفيّة‪ ،‬وأمّا‬
‫أنت يا أبا أمامة فما أدري ما هيّانك؟ أي ما جهتك‪ ،‬فيقول الذّبيانّ‪ :‬إن كنت مقرّا بال‪ ،‬وحججت البيت ف الاهليّة‪ ،‬أل تسمع قول‪:‬‬
‫فل لعمر الذي قد زرته حججا‪،‬‬

‫وما هريق على النصاب من جسد‬
‫والؤمن العائذات الطي تسحها ‪ ...‬ركبان مكّة بي الغيل والسّند‬
‫وقول‪:‬‬
‫حلفت فلم أترك لنفسك ريبةً‪،‬‬
‫وهل يأثن ذو إمّ ٍة وهو طائع‬
‫ت من لصافٍ وثبةٍ‪،‬‬
‫بصطحبا ٍ‬
‫يردن أللً‪ ،‬سيه ّن تدافع ول أدرك الّنبّ صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فتقوم الجّة عليّ بلفه‪ .‬وإنّ ال تقدّست أساؤه‪ ،‬ع ّز ملكا وجلّ‪ ،‬يغفر ما عظم با قلّ‪.‬‬
‫فيقول‪ ،‬ل زال قوله عاليا‪ :‬يا أبا سوادة‪ ،‬ويا أبا أمامة‪ ،‬ويا أبا ليلى‪ ،‬اجعلوها ساعة منادمةٍ‪ ،‬فإ ّن من قول شيخنا العباديّ‪:‬‬
‫أيّها القلب تعلّل بددن ‪ ...‬إنّ هّي ف ساعٍ وأذن‬
‫وشرابٍ خسرواّنيٍ‪ ،‬إذا ‪ ...‬ذاقه الشيخ تغنّى وأرجحن‬
‫وقال‪:‬‬
‫ي مشار‬
‫وساعٍ يأذن الشّيخ له ‪ ...‬وحديثٍ مثل ماذ ّ‬
‫فكيف لنا بأب بصي؟ فل تتّم الكلمة إل وأبو بص ٍي قد خسهم‪ ،‬فيسبّحون ال ويقدّسونه ويمدونه على أن جع بينهم‪ ،‬ويتلو‪ ،‬جّل ال ببقائه‪ ،‬هذه الية‪:‬‬
‫" وهو على جعهم إذا يشاء قدير " ‪.‬‬
‫فإذا أكلوا من طيّبات النّة‪ ،‬وشربوا من شرابا الذي خزنه ال لعباده التّقي قال‪ ،‬كتّ ال أنف مبغضه‪ :‬يا أبا أمامة إنّك لصيف الرأي لبيبٌ‪ ،‬فكيف‬
‫حسّن لك لبّك أن تقول للنّعمان بن النذر‪:‬‬
‫زعم المام بأنّ فاها باردٌ ‪ ...‬عذبٌ‪ .‬إذا ما ذقته قلت ازدد‬
‫زعم المام‪ ،‬ول أذقه‪ ،‬بأنّه ‪ ...‬يشفى ببد لثاتا العطش الصدى‬
‫ثّ استمرّ بك القول‪ ،‬حت أنكره عليك خاصّ ٌة وعامّةٌ؟‬
‫فيقول النابغة بذكا ٍء وفهم‪ :‬لقد ظلمن من عاب عليّ‪ ،‬ولو أنصف لعلم أنّن احترزت أشد احترازٍ‪ .‬وذلك أنّ النعمان كان مستهترا بتلك الرأة‪ ،‬فأمرن أن‬
‫أذكرها ف شعري‪ ،‬فأردت ذلك ف خلدي فقلت‪ :‬إن وصفتها وصفا مطلقا‪ ،‬جاز أن يكون بغيها معلّقا‪ .‬وخشيت أن أذكر اسها ف النّظم‪ ،‬فل يكون‬
‫ذلك موافقا للملك‪ ،‬لنّ اللوك يأنفون من تسمية نسائهم‪ ،‬فرأيت أن أسند الصّفة إليه فأقول‪ :‬زعم المام‪ ،‬إذ كنت لو تركت ذكره لظنّ السّامع أن‬
‫صفت على الشاهدة‪ ،‬والبيات الت جاءت بعد‪ ،‬داخل ٌة ف وصف المام‪ ،‬فمن تأمّل العن وجده غي متلّ‪ .‬وكيف ينشدون‪ :‬وإذا نظرت فرأيت أقمر‬
‫مشرقا وما بعده؟ فيقول‪ ،‬أرغم ال أنف شانئه‪ :‬ننشد‪ :‬وإذا نظرت‪ ،‬وإذا لست‪ ،‬وإذا طعنت‪ ،‬وإذا نزعت‪ ،‬على الطاب‪ .‬فيقول النابغة‪ :‬قد يسوغ هذا‪،‬‬
‫ولكنّ الجود أن تعلوه إخبارا عن الكلّم‪ ،‬لنّ قول‪ :‬زعم المام يؤدّي معن قولنا‪ :‬قال المام‪ ،‬فهذا أسلم‪ ،‬إذ كان اللك إنا يكي عن نفسه‪ .‬وإذا‬
‫جعلتموه على الطاب قبح‪ :‬إن نسبتموه إلّ فهو منديةٌ‪ ،‬وإن نسبتموه إل النّعمان فهو إزرا ٌء وتنقّض‪ .‬فيقول‪ :‬أي ّد ال الفضل بزيادة مدتّه‪ :‬ال درّك يا‬
‫كوكب بن مرّة‪ .‬ولقد صحف عليك أهل العلم من الرواة‪ ،‬وكيف ل بأبوي عمرو‪ :‬الازنّ والشّيبانّ‪ ،‬وأب عبيدة‪ ،‬وعبد اللك‪ ،‬وغيهم من النّقلة‬
‫لسألم‪ :‬كيف يروون‪ ،‬وأنت شاهدٌ‪ ،‬لتعلم أن غي التحرّض ول الولّغ؟ فل يقرّ هذا القول ف حذنّة أب أمامة إ ّل والرواة أجعون قد أحضرهم ال‬
‫القادر‪ ،‬من غي مشقّةٍ نالتهم‪ ،‬ول كلفةٍ ف ذلك أصابتهم‪ ،‬فيسلّمون بلطفٍ ورفقٍ‪ .‬فيقول‪ ،‬أعلى ال قوله‪ :‬من هذه الشّخوص الفردوسيّة؟ فيقولون‪ :‬نن‬
‫الرّواة الذين شئت إحضارهم آنفا فيقول‪ :‬ل إله إ ّل ال مكونّا مدوّنا‪ ،‬وسبحان ال باعثا وارثا‪ ،‬وتبارك ال قادرا ل غادرا!! كيف تروون أيّها‬
‫الرحومون قول النابغة ف الداليّة‪ :‬وإذا نظرت‪ ،‬وإذا لست‪ ،‬وإذا طعنت‪ ،‬وإذا نزعت‪ ،‬أبفتح التاء أم بضمّها؟ فيقولون‪ :‬بفتحها‪ .‬فيقول‪ :‬هذا شيخنا أبو‬
‫ضمّ‪ ،‬ويب أنّه حكاه عن النّعمان‪ .‬فيقولون‪ :‬هو كما جاء ف الكتاب الكري‪ " :‬والمر إليك فانظري ماذا تأمرين " فيقول‪ ،‬ثبّت ال كلمته‬
‫أمامة يتار ال ّ‬
‫على التوفيق‪ :‬مضى الكلم ف هذا يا أبا أمامة‪ ،‬فأنشدنا كلمتك الت أوّلا‪:‬‬
‫ألّا على الطمورة التأبّدة‪ ... ،‬أقامت با الربع التجرّدة‬
‫مضمّخة بالسك مضوبة الشّوى‬

‫بدرٍ وياقوتٍ لا متقلّدة‬
‫كأنّ ثناياها‪ ،‬وما ذقت طعمها‪،‬‬
‫ماجة ن ٍل ف كميتٍ مبّده‬
‫ليقرر با النّعمان عينا فإنّها ‪ ...‬له نعمةٌ‪ ،‬ف كل يومٍ مدده‬
‫ي قطّ‪ .‬فيقول مولي الشيخ‪ ،‬زيّن ال أيّامه ببقائه‪ :‬إن ذلك لعجبٌ‪ ،‬فمن الذي تطوّع فنسبها إليك؟‬
‫فيقول أبو أمامة‪ :‬ما أذكر أنّي سلكت هذا القر ّ‬
‫فيقول‪ :‬إنّها ل تنسب إلّ على سبيل التّطوع‪ ،‬ولكن على معن الغلط والتّوهمّ‪ ،‬ولعلّها لرجل من بن ثعلبة بن سعد‪ .‬فيقول نابغة بن جعدة‪ :‬صحبن شابّ‬
‫ف الاهليّة ونن نريد الية‪ ،‬فأنشدن هذه القصيدة لنفسه‪ ،‬وذكر أنّه من ثعلبة بن عكابة‪ ،‬وصادف قدومه شكا ًة من النّعمان فلم يصل إليه‪ .‬فيول نابغة‬
‫بن ذبيان‪ :‬ما أجدر ذلك أن يكون! ويقول الشيخ‪ ،‬كتب ال لو مثوبة التقيّن‪ ،‬لنابغة بن جعدة‪ :‬يا أبا ليلى ‪ ،‬أنشدنا كلمتك الت على الشي الت تقول‬
‫فيها‪:‬‬
‫ب أنفٍ‪ ... ،‬قبل أن يظهر ف الرض ربش‬
‫ولقد أغدو بشر ٍ‬
‫معنا زقّ إل سهمةٍ‪ ... ،‬تسق الكال من رطبٍ وهشّ‬
‫فنلنا بلي ٍع مقفرٍ ‪ ...‬مسّه طل من الدّجن ورشّ‬
‫ولدينا قين ٌة مسمعةٌ ‪ ...‬ضخمة الرداف من غي نفش‬
‫وإذا نن بإجل نافرٍ‪ ... ،‬ونعامٍ خيطه مثل البش‬
‫فحملنا ماهنا ينصفنا‪ ... ،‬فوق يعبوب من اليل أجش‬
‫ّث قلنا‪ :‬دونك الصّيد به ‪ ...‬تدرك الحبوب منّا وتعش‬
‫فأتانا بشبوبٍ ناشط ‪ ...‬وظليمٍ‪ ،‬ومعه أ ّم خشش‬
‫فاشتوينا من غريض طّيبٍ ‪ ...‬غي منونٍ‪ ،‬وأبنا بغبش‬
‫ط رويّا‪ ،‬وف هذا الشعر ألفاظٌ ل أسع با قطّ‪ :‬ربشٌ‪ ،‬وسهمة‪ ،‬وخششٌ‪.‬‬
‫فيقول نابغة بن جعدة‪ :‬ما جعلت الشّي ق ّ‬
‫فيقول مولي الشيخ الديب الغرم بالعلم‪ :‬يا أبا ليلى‪ ،‬لقد طال عهدك بألفاظ الفصحاء‪ ،‬وشغلك شرابٌ ما جاءتك بثله بابل ول أذرعات‪ ،‬وثنتك لوم‬
‫الطّي الرّاتعة ف رياض النّة‪ ،‬فنسيت ما كنت عرفت‪ ،‬ول ملمة إذا نسيت ذلك‪ " ،‬إنّ أصحاب النّة اليوم ف شغلٍ فاكهون‪ ،‬هم وأزواجهم ف ظللٍ‬
‫على الرائك متّكئون‪ ،‬لم فيها فاكه ٌة ولم ما يدّعون " ‪.‬‬
‫ض ربشاء إذا ظهرت فيها قط ٌع من النّبات وكأنّها مقلوبةٌ عن برشاء‪ ،‬وأمّا السهمة فشبيه ٌة بالسّفرة تتّخذ من الوص‪ ،‬وأمّا‬
‫أما ربش‪ ،‬فمن قولم‪ :‬أر ٌ‬
‫ن ذكر ف كتاب الاء أن الشش ولد الظبّية‪.‬‬
‫خشش فإنّ عمرو الشّيبا ّ‬
‫فكيف تنشد قولك‪:‬‬
‫وليس بعروف لنا أن نردّها ‪ ...‬صحاحا‪ ،‬ول مستنكرا أن تعقّرا‬
‫أتقول‪ :‬ول مستنكرا‪ ،‬أم مستنكرٍ؟ فيقول العديّ‪ :‬بل مستنكرا‪ .‬فيقول الشيخ‪ :‬فإن أنشد منشدٌ‪ :‬مستنكرٍ‪ ،‬ما تصنع به؟ فيقول‪ :‬أزجره وأزبره‪ ،‬نطق‬
‫بأمرٍ ل يبه‪.‬‬
‫فيقول الشيخ‪ ،‬طول ال له أمد البقاء‪ :‬إنّا ل وإنّا إليه راجعون‪ ،‬ما أرى سيبويه إ ّل وهم ف هذا البيت‪ ،‬لنّ أبا ليلى أدرك جاهليةً وإسلما‪ ،‬وغذي‬
‫بالفصاحة غلما‪.‬‬
‫وينثن إل أعشى قيس فيقول‪ ... :‬يا أبا بص ٍي أنشدنا قولك‪:‬‬
‫أمن قتلة بالنقا ‪ ...‬ء دارٌ غي ملولة‬
‫كأن ل تصحب ال ّي ‪ ...‬با بيضاء عطبوله‬
‫أناةٌ ينل القوسيّ ‪ ...‬منها منظرٌ هوله‬
‫وما صهباء من عانة ‪ ...‬ف الذارع مموله‬

‫تولّى كرمها أصه ‪ ...‬ب يسقيه ويغدو له‬
‫ثوت ف الرس أعواما‪ ... ،‬وجاءت‪ ،‬وهي مقتوله‬
‫باء الزنة الغرّا ‪ ...‬ء راحت‪ ،‬وهي مشموله‬
‫بأشهى منك للظّمآ ‪ ...‬ن لو أنّك مبذوله‬
‫فيقول أعشى قيس‪ :‬ما هذه مّا صدر عنّي‪ ،‬وإنّك منذ اليوم لولعٌ بالنحولت‪.‬‬
‫وي ّر رفٌ من إوزّ النّة‪ ،‬فل يلبث أن ينل على تلك الرّوضة ويقف وقوف منتظر لمرٍ‪ ،‬ومن شأن طي النّة أن يتكلّم‪ ،‬فيقول‪ :‬ما شأنكنّ؟ فيقلن‪ :‬ألمنا‬
‫أن نسقط ف هذه الرّوضة فنغنّي لن فيها من شربٍ‪ .‬فيقول‪ :‬على بركة ال القدير‪ .‬فينتفضن‪ ،‬فيصرن جواري كواعب يرفلن ف وشي النّة‪ ،‬وبأيديهنّ‬
‫الزاهر وأنواع ما يلتمس به اللهي‪ .‬فيعجب‪ ،‬وح ّق له العجب‪ ،‬وليس ذلك ببدي ٍع من قدوة ال جلّت عظمته‪ ،‬وعزّت كلمته‪ ،‬وسبغت على العال نعمته‪،‬‬
‫ووسعت ك ّل شي ٍء رحته‪ ،‬ووقعت بالكافر نقمته‪ .‬فيقول لحداهنّ على سبيل المتحان‪ :‬اعملي قول أب أمامة‪ ،‬وهو هذا القاعد‪:‬‬
‫أمن آل ميّة رائ ٌح أو مغتد‪ ... ،‬عجلن ذا زادٍ وغي مزوّد؟‬
‫ل أوّل‪ .‬فتصنعه‪ ،‬فتجيء به مطربا‪ ،‬وف أعضاء السامع متسربّا‪ .‬ولو نت صنمٌ من أحجار‪ ،‬أو دفّ أشر عند الّنجّار‪ ،‬ثّ سع ذلك الصوت لرقص‪،‬‬
‫ثقي ً‬
‫وإن كان متعاليا هبط ول يراع أن يوقص‪ .‬فيد عليه‪ ،‬أورد ال قلبه الحابّ‪ ،‬زولٌ‪ ،‬تعجز عنه اليل والول‪ ،‬فيقول‪ :‬هلمّ خفيف الثّقيل الوّل! فتنبعث‬
‫فيه بنغمٍ لو سعه الغريض‪ ،‬لقرّ أنّ ما ترنّم به مريضٌ‪ .‬فإذا أجادته‪ ،‬وأعطته الهرة وزادته‪ ،‬قال‪ :‬عليك بالثقيل الثان‪ ،‬ما بي مثالثك والثان؛ فتأت به على‬
‫ي لو سعه عبد ال بن جعفر لقرن أغانّ بديحٍ إل هدير ذي الشفر‪ .‬فإذا رأى ذلك قال‪ :‬سبحان ال! كل ما كشفت القدرة بدت لا عجائب‪ ،‬ل‬
‫قر ّ‬
‫تثبت لا النجائب؛ فصيي إل خفيف الثقيل الثان‪ ،‬فإنّك لجيدةٌ مسنة‪ ،‬تطرد بغنائك السّنة‪ .‬فإذا فعلت ما أمر به‪ ،‬أتت بالبحي‪ ،‬وقالت للنفس‪ :‬أل‬
‫ترحي؟ ّث يقترح عليها‪ :‬الرّمل وخفيفه‪ ،‬وأخاه الزج وذفيفة؛ وهذه أللان الثمانية‪ ،‬للذن تنيها الانية‪.‬‬
‫فإذا تيقّن لا حذافةً‪ ،‬وعرف منها بالعود لباقةً‪ ،‬هلّل وكبّر‪ ،‬وأطال حد ربّه واعتب‪ .‬وقالك ويك! أل تكون السّاعة إوزّةً طائرة‪ ،‬وال خلقك مهديّة ل‬
‫حائرة؟ فمن أين لك هذا العلم‪ ،‬كأنّك لذل النفس خلم؟ لو نشأت بي معبدٍ وابن سريج‪ ،‬لا هجت السامع بذا اليج‪ ،‬فكيف نفضت بله إوزّ‪ ،‬وهززت‬
‫إل الطّرب أشدّ الزّ؟ فتقول‪ :‬وما الذي رأيت من قدرة بارئك؟ إنّك على سيف برٍ‪ ،‬ل يدرك له عبٌ‪ ،‬سبحان من ييي العظام وهي رميم‪.‬‬
‫لبيد‬
‫ب ف يده مجن ياقوت‪ ،‬ملكه بالكم الوقوت‪ ،‬فيسلّم عليهم فيقولون‪ :‬من أنت؟ فيقول‪ :‬أنا لبيد بن ربيعة بن كلّب‪.‬‬
‫فبينا هم كذلك‪ ،‬إذ مرّ شا ٌ‬
‫ش قصّر أن يصفه‬
‫فيقولون‪ :‬أكرمت أكرمت! لو قلت‪ :‬لبيدٌ وسكتّ‪ ،‬لشهرت باسك وإن صمت‪ .‬فما بالك ف مغفرة ربّك؟ فيقول‪ :‬أنا بمد ال ف عي ٍ‬
‫الواصفون‪ ،‬ولديّ نواصف وناصفون‪ ،‬ل هرم ول برم‪ .‬فيقول الشيخ‪ :‬تبارك اللك القدّوس‪ ،‬ومن ل تدرك يقينه الدوس‪ ،‬كأنّك ل تقل ف الدار الفانية‪:‬‬
‫ولقد سئمت من الياة وطولا وسؤال هذا النّاس‪ :‬كيف لبيد ول تفه بقولك‪:‬‬
‫فمت أهلك فل أحفله ‪ ...‬بلى الن من العيش بل!‬
‫من حيا ٍة قد مللنا طولا ‪ ...‬وجديرٌ طول عيشٍ أن يلّ؟‬
‫فأنشدنا ميميتّك العلّقة‪ ... .‬فيقول‪ :‬هيهات! إنّي تركت‬
‫الشعر ف الدار الادعة‪ ،‬ولن أعود إليه ف الدار الخرة‪ ،‬وقد عوضّت ما هو خيٌ وأبرّ‪.‬‬
‫فيقول‪ :‬أخبن عن قولك‪:‬‬
‫ترّاك أمكنةٍ‪ ،‬إذا ل أرضها‪ ... ،‬أو‪ ،‬يرتبط بعض النّفوس حامها‬
‫هل أردت ببعض معن كلّ؟ فيقول لبيدٌ‪ :‬كل‪ ،‬إنّما أردت نفسي‪ ،‬وهذا كما تقول للرّجل‪ :‬إذا ذهب مالك‪ ،‬أعطاك بعض الناس مالً‪ ،‬وأنت تعن نفسك‬
‫ف القيقة‪ ،‬وظاهر الكلم واقعٌ على ك ّل إنسان‪ ،‬وعلى ك ّل فرقة تكون بعضا للناس‪..‬فيقول‪ ،‬ل فتء خصمه مفحما‪ :‬أخبن عن قولك‪ :‬أو يرتبط‪ ،‬هل‬
‫مقصدك‪ :‬إذا ل أرضها أو يرتبط‪ ،‬فيكون‪ :‬ل يرتبط؟ أم غرضك‪ :‬أترك النازل إذا ل أرضها‪ ،‬فيكون يرتبط كالحمول على قولك‪ :‬ترّاك أمكنةٍ؟ فيقول‬
‫لبيدٌ‪ :‬الوجه الوّل أردت‪.‬‬
‫فيقول‪ ،‬أعظم ال حظّه ف الثواب‪ :‬فما مغزاك ف قولك‪:‬‬

‫وصبوح صافيةٍ وجذب كرينة ‪ ...‬بوتّر تأتاله إبامها؟‬
‫فإن الناس يروون ف هذا البيت على وجهي‪ :‬منهم من ينشده تأتاله‪ ،‬يعله تفتعله‪ ،‬من آل الشيء يؤوله إذا ساسه‪ ،‬ومنهم من ينشد‪ :‬تأتاله من التيان‪.‬‬
‫فيقول لبيدٌ‪ :‬كل الوجهي يتمله البيت‪ ،‬فيقول‪ ،‬أرغم ال حاسده‪ :‬إنّ أبا عل ّي الفارسيّ كان يدّعي‪ ،‬ف هذا البيت‪ ،‬أنّه مثل قولم‪ :‬استحى يستحي‪ ،‬على‬
‫ب ظريفٌ‪ ،‬لنّه‬
‫مذهب الليل وسيبويه لنما يريان أ ّن قولم‪ :‬استحيت‪ ،‬إنا جاء على قولم استحاي‪ ،‬كما أن استقمت على استقام‪ ،‬وهذا على مذه ٌ‬
‫يعتقد أنّ تأتى مأخوذٌة من أوى‪ ،‬كأنّه بن منها افتعل‪ ،‬فقيل‪ :‬ائتاي‪ ،‬فأعلّت الواو كما تع ّل ف قولنا‪ :‬اعتان من العون‪ ،‬واقتال من القول‪ .‬ثّ قيل‪ :‬ائتيت‪،‬‬
‫ض لعننٍ ل يعنه‪ ،‬المر أيسر مّا ظنّ هذا التكلّف‪.‬‬
‫فحذفت اللف‪ ،‬كما يقال‪ :‬اقتلت‪ .‬ثّ قيل ف الستقبل‪ ،‬بالذف‪ ،‬كما قيل‪ :‬يستحى‪ .‬فيقول لبيدٌ‪ :‬معتر ٌ‬
‫ويقول لبيدٌ‪ :‬سبحان ال يا أبا بصي‪ ،‬بعد إقرارك با تعلم‪ ،‬غفر لك وحصلت ف جنّة عدن؟ فيقول مولي الشيخ متكلّما عن العشى‪ :‬كأنّك يا أبا عقيلٍ‬
‫تعن قوله‪:‬‬
‫وأشرب بالرّيف حت يقا ‪ ...‬ل‪ :‬قد طال بالرّيف ما قد دجن‬
‫ب ودنّ‬
‫صريفيّةً طيّبا طعمها‪ ... ،‬تصفّق ما بي كو ٍ‬
‫وأقررت عين من الغانيا ‪ ...‬ت‪ ،‬إمّا نكاحا وإمّا أزنّ‬
‫وقوله‪:‬‬
‫فبتّ الليفة من بعلها‪ ... ،‬وسيّد تيّا ومستادها‬
‫وقوله‪:‬‬
‫فظللت أرعاها‪ ،‬وظلّ يوطها ‪ ...‬حت دنوت إذ الظّلم دنا لا‬
‫فرميت غفلة عينه عن شاته‪ ... ،‬فأصبت حبّة قلبها وطحالا‬
‫ونو ذلك مّا روي عنه؛ فل يلو من أحد أمرين‪ :‬إمّا أن يكون قاله تسينا للكلم على مذهب الشّعراء‪ ،‬وإمّا أن يكون فعله فغفر له‪ .‬قل يا عبادي الذّين‬
‫أسرفوا على أنفسهم ل تقطنوا من رحة ال‪ ،‬إ ّن ال يغفر الذّنوب جيعا‪ ،‬إنّه هو الغفور الرّحيم‪ ..‬إنّ ال ل يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لن‬
‫يشاء‪ ،‬ومن يشرك بال فقد ض ّل ضللً بعيدا‪.‬‬
‫ويقول‪ ،‬رفع ال صوته‪ ،‬لنابغة بن جعدة‪ :‬يا أبا ليلى‪ ،‬إنّي لستحسن قولك‪:‬‬
‫طيبّة النّشر‪ ،‬والبداهة‪ ،‬وال ‪ ...‬علّت‪ ،‬عند الرّقاد والنّسم‬
‫كأنّ فاها‪ ،‬إذا تنبّه‪ ،‬من ‪ ...‬طيب مشيمّ وحسن مبتسم‬
‫يس ّن بالضّرو من براقش‪ ،‬أو ‪ ...‬هيلن‪ ،‬أو ضامرٍ من العتم‬
‫ركزّ ف السام والزّبيب‪ ،‬أقا ‪ ...‬حيّ كثيب‪ ،‬تعلّ بالرّهم‬
‫باء مزنٍ‪ ،‬من ماء دومة قد ‪ ...‬جرّد ف ليل شال شبم‬
‫شجّت به قرقفٌ من الرّاح‪ ،‬إس ‪ ...‬فنط عقارٍ‪ ،‬قليلة النّدم‬
‫ألقي فيها فلجان من مسك دا ‪ ...‬رين‪ ،‬وفلجٌ من فلفل ٍ ضرم‬
‫ردّت إل أكلف الناكب‪ ،‬مر ‪ ...‬سومٍ‪ ،‬مقيم ف الطّي؛ متدم‬
‫جونٍ كجوز المار‪ ،‬جرّدة ال ‪ ...‬بيطار‪ ،‬ل ناقسٍ‪ ،‬ول هزم‬
‫تدر فيه‪ ،‬وساورنه كما‬
‫ب قطم أين طيب هذه الوصوفة‪ ،‬من طيب من تشاهده من التراب العرب؟ كلّ وال! أين الهل من الغرب؟ وأين فوها الذكّر‪ ،‬من‬
‫رجّع هدرٌ من مصع ٍ‬
‫أفوا ٍه ما ولب إليها النكر؟ إنّها لتفضل على تلك‪ ،‬فضل الدّرة الختزنة على الصاة اللقاة‪ ،‬واليات اللتمسة على العراض التّقاة‪.‬‬
‫ما سامك أيّها الرّجل وزبيبك؟ ما حسن ف العاجلة حبيبك‪ .‬وإنّ ثغرا يفتقر إل قضيب البشام ليجشم حليفه بعض الجشام! لول أنّه ضري بالب ما‬
‫افتقر إل ضرو مطلوب‪ ،‬أو غصنٍ من العتم ملوب‪ .‬وما الاء الذي وصفته من دومة‪ ،‬وغيه يناف اللّومة؟ أليس هو إن أقام أجن‪ ،‬ول يدوم للماكث إذا‬
‫دجن؟ وإن فقد برد الشّمأل؛ رجع كغيه من السّمل‪ .‬تلقي الغسر فيه الابة‪ ،‬وتشبّه الغرّاء الشابّة‪ .‬والغرّاء‪ :‬الاجرة ذات السّراب‪.‬‬

‫وما قرقفك هذه الشجوجة‪ ،‬ولو أنّها للشّربة مجوبة؟ قربت من حاجتك فل تنط‪ ،‬ل كانت الفيهج ول السفنط؛ طالا ثلت ف وفقتك فندمت‪،‬‬
‫وأنفقت ما تلك فعدمت‪.‬‬
‫ما عقارك وما فلجاك؟ زالت عن مقلتك دجاك ؟! ولو دخل مسك دارين‪ ،‬جنة ربّنا الوهوبة لغي المارين‪ ،‬لعدّ ف ترابا الذّفر كصيق القتول‪ ،‬أو دنس‬
‫قدمٍ مبتول‪.‬‬
‫زعمت أنّها تطيّب بالفلفل‪ ،‬وشبهّها غيك بنسيم القرنفل ! إنّ ف هذه النلة لنشرا‪ ،‬ل يزيد على نشر الفانية عشرا‪ ،‬ولكن يشفّ بعددٍ ل يدرك‪ ،‬ليس‬
‫وراءه مترك‪.‬‬
‫نزاهة لذه القهوة أن تدّخر ف أكلف مناكب‪ ،‬من حفظه عدّ النّاكب! أصبح بطينها مرسوما‪ ،‬وضع ف التربص وسوما‪ ،‬فهو جون كجوز المار‪ ،‬ل‬
‫س ولكن منقوص‪ ،‬ذمّه التحنّف ومن فناؤه القوس تدر فيه الصهباء العتصرة وهي قرب نتاج‪ ،‬كالسّقاب الوضوعة بغي‬
‫سلم ذخرا للخمّار! ليس بناق ٍ‬
‫خداج‪ .‬فإذا وصلت سنّ البازل بطل الدير‪ ،‬وأدارها ف الكأس مدير‪.‬‬
‫ويطر له‪ ،‬جعل ال الحسان إليه مربوبا‪ ،‬وودّه ف الفئدة مشبوبا‪ ،‬غناء القيان بالفسطاط ومدينة السّلم‪ .‬ويذكر ترجيعهنّ‬
‫ميميّة الخبّل السّعدي‬
‫فتندفع تلك الواري الت نقلتهنّ القدرة من خلق الطّي اللقطة‪ ،‬إل خلق حورٍ غي متساقطة‪ ،‬تلحّن قول الخبّل السّعديّ‪:‬‬
‫ذكر الربّاب وذكرها سقم ‪ ...‬وصبا‪ ،‬وليس لن صبا عزم‬
‫وإذا أ ّل خيالا طرفت ‪ ...‬عين‪ ،‬فماء شؤونا سجم‬
‫كاللّؤلؤ السجور توبع ف ‪ ...‬سلك النّظام‪ ،‬فخانه النّظم‬
‫فل يرّ حرف ول حركة‪ ،‬إ ّل ويوقع مسرّةً لو عدلت بسرّات أهل العاجلة‪ ،‬منذ خلق ال آدم إل أن طوى ذرّيته من الرض‪ ،‬لكانت الزائدة على ذلك‪،‬‬
‫زيادة اللّج التموج على دمعة الطّفل‪ ،‬والضب الشامخ على الباءة النتفضة من الكفل‪.‬‬
‫ويقول لندمائه‪ :‬أل تسمعون إل قول السّعديّ‪:‬‬
‫وتقول عاذلت‪ ،‬وليس لا ‪ ...‬بغدٍ‪ ،‬ول ما بعده علم‬
‫إنّ الثوّاء هو اللود‪ ،‬وإ ‪ ...‬نّ الرء‪ ،‬يكرب يومه العدم‬
‫ولئن بنيت ل الشقّر ف ‪ ...‬عنقاء‪ ،‬تقصر دونا العصم‬
‫لتنقّب عن النيّة إ ‪ ...‬نّ ال ليس كحكمه حكم‬
‫فيقول إنّه السكي‪ ،‬قال هذه البيات‪ ،‬وبنو آدم ف دار الحن والبلء‪ ،‬يقبضون من الشّدائد على السّلّء؛ والوالدة تاف النيّة على الولد‪ ،‬ول يزال رعبها‬
‫ف اللد؛ والفقر يرهب ويتّقى‪ ،‬والال يطلب ويستبقى؛ والسّغب موجود والظّماء‪ ،‬والكمه معروف والكماء؛ ول يكفف للغي عنان‪ ،‬ول سكنت بالعفو‬
‫النان‪ .‬فالمد ل الذي أذهب عنّا الزن إ ّن ربّنا لغفور شكور‪ .‬الذي أحلّنا دار القامة من فضله‪ ،‬ل يسّنا فيها نصب ول يسّنا فيها لغوب‪.‬‬
‫فتبارك ال القدّوس! نقل هؤلء السمعات من زيّ ربّات الجنحة‪ ،‬إل زيّ ربات الكفال الترجّحة؛ ثّ ألمه ّن بالكمة حفظ أشعارٍ ل ترر قبل‬
‫بسامعهنّ‪ ،‬فجئن با متقنةً‪ ،‬ممولة على الطّرائق ملحّنة‪ ،‬مصيبةً ف لن الغناء‪ ،‬منّهةً عن لن الجناء‪ .‬ولقد كانت الارية ف الدار العاجلة‪ ،‬إذا تفرّست‬
‫فيها النّجابة‪ ،‬وأحضرت لا اللحّنة لتلقي إليها ما تعرف من ثقي ٍل وخفيف‪ ،‬وتأخذها بأخذٍ غي ذفيف؛ تقيم معها الشّهر كريتا‪ ،‬قبل أن تلقّن كذبا‬
‫حنبيتا‪ :‬بيتا من الغزل أو بتيت‪ ،‬ث تعطى الائة أو الائتي‪ .‬فسبحان القادر على كل عزيز‪ ،‬والميّز لفضله كلّ مزيز‪.‬‬
‫رباب‬
‫ويقول نابغة بن جعدة‪ ،‬وهو جالس يستمع‪ :‬يا أبا بصي أهذه الربّاب الت ذكرها السّعديّ‪ ،‬هي ربابك الت ذكرتا ف قولك‪:‬‬
‫بعاصي العواذل‪ ،‬طلق اليدي ‪ ...‬ن يعطي الزيل‪ ،‬ويرخي الزارا‬
‫فما نطق الدّيك حت مل ‪ ...‬ت كوب الزّباب له فاستدارا‬
‫إذا انكبّ أزهر بي السّقا ‪ ...‬ة تراموا به غربا أو نضارا‬

‫فيقول أبو بصيٍ‪ :‬قد طال عمرك يا أبا ليلى‪ ،‬وأحسبك أصابك الفند‪ ،‬فبقيت على فندك إل اليوم! أما علمت أ ّن اللوات يسمّي بالرّباب أكثر من أن‬
‫يصي؟ أفتظن أنّ الربّاب هذه‪ ،‬هي الت ذكرها القائل‪:‬‬
‫ما بال قومك يا رباب ‪ ...‬خزرا كأنّهم غضاب‬
‫غاروا عليك‪ ،‬وكيف ذا ‪ ...‬ك ودونك الرق اليباب‬
‫أو الت ذكرها امرؤ القيس ف قوله‪:‬‬
‫دار لندٍ‪ ،‬والربّاب‪ ،‬وفرتن‪ ... ،‬وليس‪ ،‬قبل حوادث اليام‬
‫ولعلّ أمّها أمّ الربّاب الذكورة ف قوله‪:‬‬
‫وجارتا أمّ الربّاب بأسل‬
‫فيقول نابغة بن جعدة‪ :‬أتكلمن بثل هذا الكلم يا خليع بن ضبيعة‪ ،‬وقد ُمتّ كافرا‪ ،‬وأقررت على نفسك بالفاحشة‪ ،‬وأنا لقيت النبّ‪ ،‬صلى ال عليه‬
‫وسلّم‪ ،‬فأنشدته كلمت الت أقول فيها‪:‬‬
‫بلغنا السّماء مدنا وسناءنا‪ ... ،‬وإنّا لنبغي فوق ذلك مظهرا!‬
‫فقال‪ :‬إل أين يا أبا ليلى؟ فقلت‪ :‬إل النّة بك يا رسول ال! فقال‪ :‬ل يفضض ال فاك‪.‬‬
‫أغرّك أن عدّك بعض الهّال رابع الشّعراء الربعة؟ وكذب مفضّلك‪ ،‬وإنّي لطول منك نفسا‪ ،‬وأكثر تصرّفا‪ .‬ولقد بلغت بعدد البيوت ما ل يبلغه أحد‬
‫من العرب قبلي‪ ،‬وأنت ل ٍه بعفارتك‪ ،‬تفتري على كرائم قومك‪ .‬وإن صدقت فخزيا لك ولقارّك! ولقد وفّقت الزّانيّة ف تليتك‪ :‬عاشرت منك النّابح‪،‬‬
‫عشي فطاف الحوية على العظام النتبذة‪ ،‬وحرص على انتباث الجداث النفردة‪.‬‬
‫فيغضب أبو بصي فيقول‪ :‬أتقول هذا وإنّ بيتا مّا بنيت ليعدل بائةٍ من بنائك؟ وإن أسهبت منطقك‪ ،‬فإنّ السهب كحاطب الليل‪ .‬وإنّي لفي الرثومة من‬
‫ربعية الفرس‪ ،‬وإنّك لن بن جعدة‪ ،‬وهل جعدة إ ّل رائدة ظليم نفور؟ أتعيّرن ف مدح اللوك؟ ولو قررت يا جاهل على ذلك لجرت إليه أهلك وولدك‪،‬‬
‫ولكنّك خلقت جبانا هدانا‪ ،‬ل تدل ف الظّلماء الدّاجية‪ ،‬ول تجّر ف الوديقة الصاخدة‪ .‬وذكرت ل طلق الزّانية ولعلّها بانت عن مسرّة الكمد‪،‬‬
‫والطّلق ليس بنكرٍ للسّوق ول للملوك‪.‬‬
‫فيقول العديّ‪ :‬اسكت يا ضلّ بن ضلّ‪ ،‬فأقسم أنّ دخولك النّة من النكرات‪ ،‬ولكنّ القضية جرت كما شاء ال! لقّك أن تكون ف الدّرك السفل‬
‫من النّار‪ ،‬ولقد صلي با من هو خي منك‪ ،‬ولو جاز الغلط على ربّ العزّة‪ ،‬لقلت‪ :‬إنّك غلط بك! ألست القائل‪:‬‬
‫ت دون ثيابا‬
‫فدخلت إذ نام الرّقي ‪ ...‬ب‪ ،‬فب ّ‬
‫حت إذا ما استرسلت ‪ ...‬للنّوم‪ ،‬بعد لعابا‬
‫قسّمتها نصفي ك ‪ ...‬لّ مسوّدٍ يرمى با‬
‫فثنيت جيد غريرةٍ‪ ... ،‬ولست بطن حقابا‬
‫كالقّة الصّفراء صا ‪ ...‬ك عبيها بلبا‬
‫وإذا لا تامورة ‪ ...‬مرفوعة لشرابا‬
‫واستقللت ببن جعدة‪ ،‬وليوم من أيّامهم يرجح بساعي قومك‪ .‬وزعمتن جبانا وكذبت! لنا أشجع منك ومن أبيك‪ ،‬وأصب على إدلج الظلمة ذات‬
‫الريز‪ ،‬وأشدّ إيغالً ف الاجرة أ ّم الصّخدان‪.‬‬
‫ويثب نابغة بن جعدة على أب نصي فيضربه بكوز من ذهب‪ .‬فيقول‪ :‬أصلح ال به وعلى يديه‪ :‬ل عربدة ف النان‪ ،‬إنّما يعرف ذلك ف الدار الفانية بي‬
‫السّفلة والجاج‪ ،‬وإنّك يا أبا ليلى لتنّع‪ .‬وقد روى ف الديث‪ ،‬أنّ رجلً صاح بالبصرة‪ :‬يا آل قيسٍ! فجاء النابغة العديّ بعصيّةٍ له‪ ،‬فأخذه شرط اب‬
‫موسى الشعريّ فجلده لنّ النبّ‪ ،‬صلّى ال عليه وسلّم‪ ،‬قال‪ :‬من تعزىّ بعزاء الاهليّة فليس منّا‪ .‬ولو ل أنّ ف الكتاب الكري‪ " :‬ل يصدّعون عنها ول‬
‫ينفون " لظننّاك أصابك نزف ف عقلك‪ .‬فأمّا أبو بص ٍي فما شرب إ ّل اللّب والعسل‪ ،‬وإنّه لوقور ف الجلس‪ ،‬ل يفّ عند حلّ البوة‪ .‬وإنّما مثله معنا‬
‫س ف قوله‪:‬‬
‫مثل أب نوا ٍ‬
‫أيّها العاذلن ف الراح لوما ‪ ...‬ل أذوق الدام إلّ شيما‬

‫نالن بالعتاب فيها إمام ‪ ...‬ل أرى ل خلفه مستقيما‬
‫إنّ حظيّ منها‪ ،‬إذا هي دارت‪ ... ،‬أن أراها‪ ،‬وأن أشمّ النّسيما‬
‫فاصرفاها إل سواي‪ ،‬فإنّي ‪ ...‬لست إل على الديث نديا‬
‫فكأنّي وما أحسّن منها‪ ... ،‬قعديّ يسّن التّحكيما‬
‫ل يطق حله السّلح إل الر ‪ ...‬ب‪ ،‬فأوصى الطيق أ ّل يقيما‬
‫فيقول نابغة بن جعدة قد كان النّاس ف أيّام الادعة يظهر عنهم السّفه بشرب الّلب‪ ،‬ل سيّما إذا كانوا أرقّاء لئاما‪ ،‬كما قال الراجز‪:‬‬
‫ف وقرن‬
‫يا ابن هشام أهلك النّاس اللّب ‪ ...‬فكلّهم يغدو بسي ٍ‬
‫وقال آخر‪:‬‬
‫ما دهر ضبّة‪ ،‬فاعلم‪ ،‬نت أثلتنا ‪ ...‬وإنّما هاج من جهّالا اللّب‬
‫وقيل لبعضهم‪ :‬مت ياف شرّ بن فلنٍ؟ قال‪ :‬إذا ألبنوا‪ .‬فييد‪ ،‬بلّغه ال إرادته‪ ،‬أن يصلح بي النّدماء‪ ،‬فيقول‪ :‬يب أن يذر من ملكٍ يعب فيى هذا‬
‫الجلس‪ ،‬فيفع حديثه إل البار العظم‪ ،‬فل يرّ ذلك إلّ ما تكرهان‪ ،‬واستغن ربّنا أن ترفع الخبار إليه‪ ،‬ولكن جرى مرى الفظة ف الدار العاجلة‪ ،‬أما‬
‫علمتما أنّ آدم خرج من النّة بذنبٍ حقي‪ ،‬فغي آم ٍن من ولد أن يقدر له مثل ذلك‪.‬‬
‫فسألتك يا أبا بصي بال هل يهجس لك تنّي الدام؟ فيقول‪ :‬كل وال! إنا عندي لثل القر ل يطر ذكرها باللد‪ .‬فالمد ل الذي سقان عنها‬
‫السّلوانة‪ ،‬فما أحفل بأمّ زنبقٍ أخرى الدهر‪.‬‬
‫وينهض نابغة بن جعدة مغضبا‪ ،‬فيكره‪ ،‬جنّبه ال الكاره‪ ،‬انصرافه على تلك الال‪ ،‬فيقول‪ :‬يا أبا ليلى‪ ،‬إنّ ال‪ ،‬جلّت قدرته‪ ،‬منّ علينا بؤلء الور العي‬
‫ق اللّحان‪ .‬وتسمعك ضروب اللان‪ .‬فيقول لبيد بن‬
‫اللوات حوّلنّ عن خلق الوز‪ ،‬فاختر لك واحدة منهنّ فلتذهب معك إل منلك‪ ،‬تلحنك أر ّ‬
‫ربيعة‪ :‬إن أخذ أبو ليلى قينةً‪ ،‬وأخذ غيه مثلها‪ ،‬أليس ينتشر خبها ف النّة‪ ،‬فل يؤمن أن يسمّى فاعلو ذلك أزواج الوزّ‪.‬‬
‫فتضرب الماعة عن اقتسام أولئك القيان‪.‬‬
‫حسان بن ثابت‬
‫وي ّر حسّان بن ثابت فقولون‪ :‬أهلً أبا عبد الرحن‪ ،‬أل تدّث معنا ساعة؟ فإذا جلس إليهم قالوا‪ :‬أين هذه الشروبة من سبيئتك الت ذكرتا ف قولك‪:‬‬
‫كأن سبيئة من بيت رأس ‪ ...‬يكون مزاجها عسل وماء‬
‫ض ‪ ...‬من التّفاح هصّره اجتناء‬
‫على أنيابا‪ ،‬أو طعم غ ّ‬
‫على فيها‪ ،‬إذا ما اللّيل قلّت ‪ ...‬كواكبه‪ ،‬ومال با الغطاء‬
‫إذا ما الشربات ذكرن يوما ‪ ...‬فهنّ لطيّب الرّاح الفداء‬
‫ويك! ما استحييت أن تذكر مثل هذا ف مدحتك رسول ال‪ ،‬صلى ال عليه وسلم؟ فيقول‪ :‬إنّه كان أسحج خلقا مّا تظنّون‪ ،‬ول أقل إل خيا‪ ،‬ل أذكر‬
‫ل ل‪ ،‬ويكن أن أقوله على للظّنّ‪ .‬وقد شفع صلى ال عليه‬
‫أنّي شربت خرا‪ ،‬ول ركبت مّا حظر أمرا‪ ،‬وإنّما وصفت ريق امرأةٍ‪ ،‬يوز أن يكون ح ً‬
‫وسلم ف أب بص ٍي بعد ما تكّم ف مواطن كثية‪ ،‬وزعم أنّه مسترٍ‪ ،‬مفتريا أو ليس بفترٍ‪ .‬وما سع بأكرم منه صلى ال عليه وسلم‪ :‬لقد أفكت فجلدن مع‬
‫مسط ٍح ث وهب ل أخت مارية فولدت ل عبد الرحن‪ ،‬وهي خالة ولده إبراهيم‪.‬‬
‫وهو‪ ،‬زين ال الداب ببقائه‪ ،‬يطر ف ضميه أشياء‪ ،‬يريد أن يذكرها لسّان وغيه‪ ،‬ث ياف أن يكونوا لا طلب غي مسني‪ ،‬فيضرب عنها إكراما‬
‫للجليس‪ ،‬مثل قول حسّان‪:‬‬
‫يكون مزاجها عسل وماء‬
‫يعرض له أن يقول‪ :‬كيف قلت يا أبا عبد الرحن‪ :‬أيكون مزاجها عسل وماء‪ ،‬أم مزاجها عسلً وماء‪ ،‬أم مزاجها عسل وماء على البتداء والب؟ وقوله‪:‬‬
‫فمن يهجو رسول ال منكم ‪ ...‬ويدحه وينصره؛ سواء‬
‫يذهب بعضهم إل أ ّن من مذوفة من قولك‪ :‬ويدحه وينصره‪ ،‬على أن ما بعدها صلة لا‪ .‬وقال قوم‪ :‬حذفت على أنّها نكرة‪ ،‬وجعل ما بعدها وصفا لا‪،‬‬
‫فأقيمت الصفة مقام مقام الوصوف‪.‬‬

‫ويقول قائل من القوم‪ :‬كيف جبنك يا أبا عبد الرّحن؟ فيقول‪ :‬أل يقال هذا وقومي أشجع العرب؟ ماذا اراد ستّة منهم أن ييلوا على أهل الوسم‬
‫بأسيافهم‪ ،‬وأجاروا النبّ‪ ،‬صلى ال عليه وسلّم‪ ،‬على أن ياربوا معه كلّ عنودٍ؛ فرمتهم ربيعة ومضر وجيع العرب عن قوس العداوة‪ ،‬وأضمروا لم ضغن‬
‫الشّنآن‪ .‬وإن ظهر منّي ترّز ف بعض الواطن‪ ،‬فإنّما ذلك على طريقة الزم‪ ،‬كما جاء ف الكتاب الكري‪ :‬ومن يولم يومئذ دبره إل متحرّفا لقتالٍ أو‬
‫متحيّزا إل فئةٍ‪ ،‬فقد باء بغضبٍ من ال‪ ،‬ومأواه جهنّم وبئس الصي‪.‬‬
‫عوران قيس‬
‫ويفترق أهل ذلك الجلس‪ ،‬بعد أن أقاموا فيه كعمر الدّنيا أضعافا كثيةً‪ ،‬فبينا هو يطوف ف رياض النّة‪ ،‬لقيه خسة نف ٍر على خس أينق‪ ،‬فيقول‪ :‬ما‬
‫رأيت أحسن من عيونكم ف أهل النان! فمن انتم خلد عليكم النّعيم؟ فيقولون‪ :‬نن عوران قيسٍ‪ :‬تيم بن مقبلٍ العجلنّ وعمرو بن أحر الباهليّ‬
‫شمّاخ‪ ،‬معقل بن ضرار‪ ،‬أحد بن ثعلبة بن سعد بن ذبيان‪ ،‬وراعي البل‪ ،‬عبيد بن الصي النّمييّ‪ ،‬وحيد ابن ثور الللّ‪.‬‬
‫وال ّ‬
‫قصيدة الشماخ‬
‫شمّاخ بن ضرارٍ‪ :‬لقد كان ف نفسي أشياء من قصيدتك الت على الزاي‪ ،‬وكلمتك الت على اليم‪ ،‬فأنشدنيهما ل زلت ملّدا كريا‪.‬‬
‫فيقول لل ّ‬
‫فيقول‪ :‬لقد شغلن عنهما النّعيم الدائم فما أذكر منهما بيتا واحدا‪ .‬فيقول لفرط حبّه الدب وإيثاره تشييد الفضل‪ :‬لقد غفلت أيّها الؤمن وأضعت! أما‬
‫علمت أنّ كلمتيك‪ ،‬أنفع لك من ابنتيك؟ ذكرت بما الوطن‪ ،‬وشهرت عند راكب السّفر والقاطن؛ وإنّ القصيدة من قصائد النابغة‪ ،‬لنفع له من ابنته‬
‫عقرب‪ ،‬ولعل تلك شانته‪ ،‬وما زانته‪ ،‬وأصابا ف الاهلية سباء‪ ،‬وما وفر لجلها الباء‪ .‬وإن شئت أن أنشدك قصيدتيك‪ ،‬فإن ذلك ليس بتعذ ٍر عليّ‪.‬‬
‫فيقول‪ :‬أنشدن‪ ،‬ضفت عليك نعمة ال‪ ،‬فينشده‪:‬‬
‫عفا من سليمى بطن قوٍ‪ ،‬فعالز‪ ... ،‬فذات الغضا‪ ،‬فالشرفات النّواشز‬
‫فيجده با غي عليم‪ .‬ويسأله عن أشياء منها‪ ،‬فيصادفه با غي بصي‪ ،‬فيقول‪ :‬شغلتن لذائذ اللود عن تعهّد هذه النكرات‪ " :‬إن التّقي ف ظللٍ وعيونٍ‪،‬‬
‫وفواكه مّا يشتهون‪ ،‬كلوا وأشربوا هنيئا با كنتم تعملون " ‪ ،‬إنّما كنت أسق هذه المور‪ ،‬وأنا آمل أن أفقر با ناقةً‪ ،‬أو أعطى كيل عيال سنةً‪ ،‬كما قال‬
‫الراجز‪:‬‬
‫لو شاك من رأسك عظم يابس‪ ... ،‬لل منك جل حارس‬
‫سوى عليك الكيل شيخ بائس‪ ... ،‬مثل الصى يعجب منه اللمس‬
‫وأنا الن ف تفضّل ال‪ ،‬أغترف ف مرافد العسجد من أنار اللّب‪ :‬فتارةً ألبان البل‪ ،‬وتارةً ألبان البقر‪ ،‬وإن شئت لب الضأن فإنّه كثي جمّ‪ ،‬وكذلك لب‬
‫العيز‪ ،‬وإن أحببت وردا من رسل الرواي‪ ،‬فربّ نرٍ منه كأنه دجلة أو الفرات‪ .‬ولقد أران ف دار الشّقوة أجهد أخلف شياهٍ لباتٍ‪ ،‬ل يتلىء منهنّ‬
‫القعب‪.‬‬
‫فيقول‪ ،‬ل زال مقو ًل للخي‪ :‬فأين عمرو بن أحر؟ فيقول عمروٌ‪ :‬ها أنا ذا‪ .‬فيقول‪ :‬أنشدن قولك‪:‬‬
‫بان الشّباب‪ ،‬وأخلف العمر‪ ... ،‬وتغيّر الخوان والدّهر‬
‫وقد اختلف الناس ف تفسي العمر‪ ،‬فقيل‪ :‬إنّك أردت البقاء‪ ،‬وقيل‪ :‬إنّك أردت الواحد من عمور السنان‪ ،‬وهو اللّحم الذي بينها‪ .‬فيقول عمرو متمثلً‪:‬‬
‫خذا وجه هرشى أو كلها‪ ،‬فإنّه ‪ ...‬كل جانب هرشى ل ّن طريق‬
‫ول تترك فّ أهوال القيامة غبّرا للنشاد‪ ،‬أما سعت الية‪ " :‬يوم ترونا تذهل ك ّل مرضعةٍ عمّا ارضعت‪ ،‬وتضع كل ذات حلٍ حلها‪ ،‬وترى النّاس‬
‫سكارى وما هم بسكارى ولكنّ عذاب ال شديد " وقد شهدت الوقف‪ ،‬فالعجب لك إذ بقي معك شيء من روايتك! فيقول الشيخ‪ :‬إنّي كنت أخلص‬
‫الدّعاء ف أعقاب الصلوات‪ ،‬قبل أن أنتقل من تلك الدار‪ ،‬أن يتعن ال بأدب ف الدّنيا والخرة‪ ،‬فأجابن إل ما سألت وهو الميد الجيد‪ :‬ولقد يعجبن‬
‫قولك‪:‬‬
‫ولقد غدوت‪ ،‬وما يفزّعن ‪ ...‬خوف أحاذره ول ذعر‬
‫رؤد الشّباب‪ ،‬كأنّن غصن ‪ ...‬برام مكّة‪ ،‬ناعم نضر‬
‫كشراب قيلٍ عن مطيّته ‪ ...‬وكلّ أمرٍ واقعٍ قدر‬
‫مدّ النّهار له‪ ،‬وطال علي ‪ ...‬ه الليل واستنعت به المر‬

‫ومسفة دهاء داجنة ‪ ...‬ركدت‪ ،‬وأسبل دونا السّتر‬
‫وجرادتان تغنّيانم ‪ ...‬وتلل الرجان والشّذر‬
‫وملجل دا ٍن زبرجده ‪ ...‬حدب كما يتحدّب الدّبر‬
‫ونّان حنّانان‪ ،‬بينهما ‪ ...‬وتر أجشّ‪ ،‬غناؤه زمر‬
‫وبعيهم ساجٍ برّته‪ ... ،‬ل يؤذه غرث ول نفر‬
‫فإذا ترّد‪ ،‬شق بازله‪ ... ،‬وإذا أصاخ فإنّه بكر‬
‫خلّوا طريق الديدبون فقد ‪ ...‬ولّى الصّبا وتفاوت النّجر‬
‫فما أردت بقولك‪ :‬كشراب قيلٍ؟ الواحد من القيال؟ أم قيل ابن عتر من عاد؟ فيقول عمرو‪ :‬الوجهي ليتصوّران‪ .‬فيقول الشيخ‪ ،‬بلغه ال المانّ‪ :‬مّا يدل‬
‫على أنّ الراد قيل بن عتر‪ ،‬قولك‪ :‬وجرادتان تغنيّانم‪ ،‬لن الرادتي‪ ،‬فيما قيل‪ ،‬مغنّيتان غنتا لوفد عا ٍد عند الرهيّ بكة‪ ،‬فشغلوا عن الطواف بالبيت‬
‫وسؤال ال‪ ،‬سبحانه وتعال‪ ،‬فيما قصدوا له فهلكت عاد وهم سامدون‪.‬‬
‫ولقد وجدت ف بعض كتب الغان صوتا يقال غنّته الرادتان‪ ،‬فتفكّنت لذلك‪ ،‬والصوت‪:‬‬
‫أقفر من أهله الصيف‪ ... ،‬فبطن عردة‪ ،‬فالغريف‬
‫هل تبلغنّي ديار قومي ‪ ...‬مهريّة‪ ،‬سيها تلقيف‬
‫يا أ ّم عثمان نوّلين ‪ ...‬هل ينفع النّائل الطّفيف‬
‫وهذا شعر على قريّ‪ :‬أقفر من أهله ملحوب ومن الذي نقل إل الغني ف عصر هارون وبعده أنّ هذا الشعر غنّته الرادتان؟ إنّ ذلك لبعيد ف العقول‪،‬‬
‫وما أجدره أن يكون مكذوبا‪.‬‬
‫وقولك‪ :‬ومسفة دهاء داجنة‪ ،‬ما أردت به؟ وقولك‪ :‬وملجل دانٍ زبرجده؟ فيقول ابن أحر‪ :‬أمّا ذكر الرادتي فل يدلّ على أن خصصت قيل بن عترٍ‬
‫ل على أ ّن قينة ف الدّهر الول كانت تدعى الرادة‪ .‬قال الشاعر‪:‬‬
‫وإن كان ف الوفد الذي غنّته الرادتان‪ ،‬لن العرب صارت تسمّي كلّ قينةٍ جرادةً‪ ،‬ح ً‬
‫تغنّينا الراد‪ ،‬ونن شرب ‪ ...‬نعلّ الرّاح خالطها الشور‬
‫وأمّا السفّة الدّهاء‪ ،‬فإنّها القدر‪ .‬وأمّا الجلجل الدان زبرجده‪ ،‬فهو العود‪ ،‬وزبرجده ما حسن منه‪ ،‬أما تسمع القائل يسمّي ما تلوّن من السحاب زبرجا؟‬
‫ومن روى‪ :‬ملجل‪ ،‬بكسر اليم‪ ،‬أراد السحاب‪.‬‬
‫فيعجب الشيخ من هذه القالة‪ ،‬ويقول‪ :‬كأنّك أيّها الرجل وأنت عرب صميم يستشهد بألفاظك وقريضك‪ ،‬تزعم أن الزبرجد من الزّبرج‪ ،‬فهذا يقوّي ما‬
‫ادّعاه صاحب العي من أنّ الدال الزائدة ف قولم‪ :‬صلخدم‪ ،‬وأهل البصرة ينفرون من ذلك‪.‬‬
‫فيلهم ال القادر ابن أحر علم التصريف‪ ،‬ليي الشيخ برهان القدرة‪ ،‬فيقول ابن أحر‪ :‬وماذا الذي أنكرت أن يكون الزبرج من لفظ الزّبرجد؟ كأ ّن فعلً‬
‫ف من الصول‪ ،‬فقيل‪ :‬يزبرج‪ ،‬ث بن من ذلك الفعل‬
‫صرّف من الزّبرجد‪ ،‬فلم يكن أن ياء بروفه كلّها‪ ،‬إذا كانت الفعال ل يكون فيها خسة أحر ٍ‬
‫اسم فقيل‪ :‬زبرج‪ ،‬أل ترى أنّهم إذا صغّروا فرزدقا قالوا‪ :‬فريزد‪ ،‬وإذا جعوه قالوا‪ :‬قالوا‪ :‬فرازد؟ وليس ذلك بدليل على أن القاف زائدة‪ .‬فيقول‪ ،‬خلّد ال‬
‫ألفاظه ف ديوان الدب‪ :‬كأنّك زعمت أ ّن فعلً أخذ من الزّبرجد‪ ،‬ث بن منه الزّبرج‪ ،‬فقد لزمك على هذا‪ ،‬أن تكون الفعال قبل الساء‪ .‬فيقول ابن‬
‫أحر‪ :‬ل يلزمن ذلك‪ ،‬لن جعلت زبرجدا أصلً‪ ،‬فيجوز أن يدث منه فروغ ليس حكمها كحكم الصول‪ .‬أل ترى أنم يقولون‪ :‬إ ّن الفعل مشتقّ من‬
‫الصدر؟ فهذا أصل‪ ،‬ث يقولون‪ :‬الصّفة الارية على الفعل‪ ،‬يعنون‪ :‬الضارب والكري وما كان نوها‪ ،‬فليس قولم هذه القالة بدلي ٍل على أ ّن الصفة مشتقة‬
‫ع أن يقول‪ :‬الفعل مشتقّ من الصدر فهو‬
‫من الفعل‪ ،‬إذا كانت اسا‪ ،‬وح ّق الساء أن تكون قبل الفعال‪ ،‬وإنّما يراد أنّه ينطق بالفعل منها كثيا‪ .‬ولدّ ٍ‬
‫فرع عليه‪ ،‬والصّفة فرع آخر‪ ،‬فيجوز أن يتقدّم أحد الفرعي على صاحبه‪.‬‬
‫ثّ يذكر له أشياء من شعره‪ ،‬فيجده عن الواب مستعجما‪ ،‬إن نطق نطق مجما‪.‬‬
‫تيم بن أب‬
‫فيقول‪ :‬أيكم تيم بن أبّ؟ فيقول رجل منهم‪ :‬ها أنا ذا‪ .‬فيقول أخبن عن قولك‪:‬‬
‫يا دار سلمى خلءً ل أكلّفها ‪ ...‬إ ّل الرانة حت تسأم الدنيا‬

‫ما أردت بالرانة؟ فقد قيل‪ :‬إنّك أردت اسم امرأة‪ ،‬وقيل‪ :‬هي اسم ناقةٍ‪ ،‬وقيل‪ :‬العادة‪ .‬فيقول تيم‪ :‬وال ما دخلت من باب الفردوس ومعي كلمة من‬
‫الشعر ول الرّجز‪ ،‬وذلك أنّي حوسبت حسابا شديدا‪ ،‬وقيل ل‪ :‬كنت فيمن قاتل عل ّي بن أب طالب‪ .‬وانبى ل النّجاشي الارثيّ‪ ،‬فما أفلتّ من اللّهب‬
‫حت سفعن سفعات‪.‬‬
‫وإن حفظك لبقىً عليك‪ ،‬كأنّك ل تشهد أهوال الساب‪ ،‬ومنادي الشر يقول‪ :‬أين فلن ابن فلن؟ والشّوس البابرة من اللوك تذبم الزّبانية إل‬
‫الحيم‪ ،‬والنسّوة ذوات التّيجان يصرن بألسنة الوقود‪ ،‬فتأخذ ف فروعه ّن وأجسادهنّ‪ ،‬فيصحن‪ :‬هل من فداء؟ هل من عذرٍ يقام؟ والشباب من أولد‬
‫الكاسرة يتضاغون ف سلسل النار ويقولون‪ :‬نن أصحاب الكنوز‪ ،‬نن أرباب الفانية‪ ،‬ولقد كانت لنا إل الناس صنائع وأيادٍ فل فادي ول معي!‬
‫فهتف داعٍ من قبل العرش‪ " :‬أول نعمّركم ما يتذكّر فيه من تذكّر وجاءكم النّذير فذوقوا فما للظالي من نصي " لقد جاءتكم الرسل ف زمانٍ بعد‬
‫زمانٍ‪ ،‬وبذلت ما وكّد من المان‪ ،‬وقيل لكم ف الكتاب‪ " :‬واتقوا يوما ترجعون فيه إل ال ث توفّى ك ّل نفسٍ ما كسبت وهم ل يظلمون " فكنتم ف‬
‫لذات السّاخرة واغلي‪ ،‬وعن أعمال الخرة متشاغلي‪ ،‬فالن ظهر النبأ‪ ،‬ل ظلم اليوم إ ّن ال قد حكم بي العباد‪.‬‬
‫فيقول‪ ،‬أنطقه ال بكل فضل‪ ،‬إن شاء ربّه أن يقول‪ :‬أنا أقص عليك قصّت‪ :‬لا نضت أنتفض من الرّي‪ ،‬وحضرت حرصات القيامة‪ ،‬والرصات مثل‬
‫العرصات‪ ،‬أبدلت الاء بالعي ذكرت الية‪ " :‬تعرج اللئكة والرّوح إليه ف يومٍ كان مقداره خسي ألف سنةٍ‪ ،‬فاصب صبا جيلً فطال علي المد‪،‬‬
‫واشتد الظمأ والومد‪ ،‬والومد‪ :‬شدّة الرّ وسكوت الرّيح‪ ،‬كما قال أخوكم النّميي‪:‬‬
‫كأن بيض نعا ٍم ف ملحفها ‪ ...‬جله طلّ وقيظ ليله ومد‬
‫وأنا رجل مهياف أي سريع العطش‪ ،‬فافتكرت فرأيت أمرا ل قوام لثلي به‪ .‬ولقين اللك الفيظ با زبر من فعل الي‪ ،‬وجدت حسنات قليلة كالنّفا ف‬
‫العام الرمل والنفأ الرياض‪ ،‬والرمل قليل الطر‪ .‬إل أن التوبة ف آخرها كأنا مصباح أبيلٍ‪ ،‬رفع لسالك السبيل‪ .‬فلمّا أقمت ف الوقف زهاء شهر أو‬
‫شهرين‪ ،‬وخفت ف العرق من الغرق‪ ،‬زينت ل النفس الكاذبة أن أنظم أبياتا‬
‫مدح رضوان‬
‫ف رضوان‪ ،‬خازن النان‪ ،‬عملتها ف وزن‪:‬‬
‫قفا نبك من ذكرى حبيب وعرفان‬
‫ووستها برضوان‪ .‬ثّ ضانكت الناس حت وقفت منه بيث يسمع ويرى‪ ،‬فما حفل ب‪ ،‬ول أظنّه أبه لا أقول‪.‬‬
‫فغبت برهة‪ ،‬نو عشرة أيام من أيّام الفانية‪ ،‬ث عملت أبياتا ف وزن‪:‬‬
‫بان الليط ولو طووعت ما بانا ‪ ...‬وقطّعوا من حبال الوصل أقرانا‬
‫ووستها برضوان‪ ،‬ثّ دنوت منه ففعلت كفعلي الوّل‪ ،‬فكأن أحرك ثبيا‪ ،‬وألتمس من الغضرم عبيا‪ ،‬والغضرم‪ :‬تراب يشبه الصّ‪ ،‬فلم أزل أتتبع‬
‫الوزان الت يكن أن يوسم با رضوان حت أفنيتها‪ ،‬وأنا ل أجد عنده مغوثةً‪ ،‬ول ظننته فهم ما أقول‪ ،‬فلمّا استقصيت الغرض فما أنحت‪ ،‬دعوت بأعلى‬
‫صوت‪ :‬يا رضوان‪ ،‬يا أمي البّار العظم على لفراديس‪ ،‬أل تسمع ندائي بك واستغاثت إليك؟ فقال‪ :‬لقد سعتك تذكر رضوان وما علمت ما مقصدك‪،‬‬
‫فما الذي تطلب أيها السكي؟ فأقول‪ :‬أنا رجل ل صب ل على اللواب أي العطش وقد استطلت مدة الساب‪ ،‬ومعي صل بالتوبة‪ ،‬وهي للذنّوب كلّها‬
‫ماحية‪ ،‬وقد مدحتك بأشعارٍ كثية ووستها باسك‪ .‬فقال‪ :‬وما الشعار؟ فإن ل أسع بذه الكلمة قطّ إل الساعة‪ .‬فقلت‪ :‬الشعار جع شعرٍ‪ ،‬والشعر‬
‫كلم موزون تقبله الغريزة على شرائط‪ ،‬إن زاد أو نقص أبانه السّ‪ ،‬وكان أهل العاجلة يتقربّون به إل اللوك والسادات‪ ،‬فجئت بشيء منه إليك لعلك‬
‫تأذن ل بالدّخول إل النة ف هذا الباب‪ ،‬فقد استطلت ما الناس فيه‪ ،‬وأنا ضعيف مني؛ ول ريب أنّي من يرجو الغفرة‪ ،‬وتصحّ له بشيئة ال تعال‪.‬‬
‫فقال‪ :‬إنك لغبي الرأي! أتأمل أن آذن لك بغي إذن من رب العزة؟ هيهات هيهات! وأنّى لم التناوش من مكان بعيد‪.‬‬
‫مدح زفر‬
‫فتركته وانصرفت بأملي إل خازن آخر يقال له زفر‪ ،‬فعملت كلم ًة ووستها باسه ف وزن قول لبيد‪:‬‬
‫وقربت منه فأنشدتا‪ ،‬فكأن إنّما أخاطب ركودا صمّاء‪ ،‬لستنل أبودا عصماء‪ .‬ول أترك وزنا مقيّدا ول مطلقا يوز أن يوسم بزفر إل وسته به‪ ،‬فما‬
‫نع ول غيّر‪ .‬فقلت‪ :‬رحك ال! كنّا ف الدار الذاهبة نتقرّب إل الرئيس واللك بالبيتي أو الثلثة‪ ،‬فنجد عنده ما نب‪ ،‬وقد نظمت فيك ما لو جع لكان‬
‫ديوانا‪ ،‬وكأنّك ما سعت ل زجةً أي كلمة‪ ،‬فقال‪ :‬ل أشعر بالذي حمت أي قصدت‪ ،‬وأحسب هذا الذي تيئن به قرآن إبليس الارد‪ ،‬ول ينفق على‬

‫اللئكة‪ ،‬إنّما هو للجان وعلّموه ولد آدم‪ ،‬فما بغيتك؟ فذكرت له ما أريد‪ ،‬فقال‪ :‬وال ما أقدر على نفع ول أملك للق من شفع‪ ،‬فمن أي المم أنت؟‬
‫فقلت‪ :‬من أمة ممّد بن عبد ال بن عبد الطّلب‪ .‬فقال‪ :‬صدقت ذلك‪ ،‬نب العرب‪ ،‬ومن تلك الهة أتيتن بالقريض‪ ،‬لنّ إبليس اللعي نفثه ف إقليم العرب‬
‫فتعلّمه نساء ورجال‪ .‬وقد وجب عليّ نصحك‪ ،‬فعليك بصاحبك لعلّه يتوصّل إل ما ابتغيت‪.‬‬
‫فيئست مّا عنده‪ ،‬فجعلت أتلل العال‪،‬‬
‫حزة بن عبد الطلب‬
‫فإذا أنا برجل عليه نور يتلل‪ ،‬وحواليه رجال تأتلق منهم أنوار‪ .‬فقلت‪ :‬من هذا الرجل؟ فقيل‪ :‬هذا حزة بن عبد الطّلب صريع وحشيّ‪ ،‬وهؤلء الذين‬
‫حوله من استشهد من السلمي ف أحدٍ‪ .‬فقلت لنفسي الكذوب‪ :‬الشّعر عند هذا أنفق منه خازن النان‪ ،‬لنّه شاعر‪ ،‬وإخوته شعراء‪ ،‬وكذلك أبوه‬
‫ك الت رثى با حزة‪ ،‬وأوّلا‪:‬‬
‫وجدّه‪ ،‬ولعلّه ليس بينه وبي معدّ بن عدنان إل من قد نظم شيئا من موزون‪ ،‬فعملت أبياتا على منهج أبيات كعب بن مال ٍ‬
‫صفية قومي ول تعجزي‪ ... ،‬وبكّي النّساء على حزة‬
‫وجئت حت وليت منه فناديت‪ :‬يا سيّد الشهداء‪ ،‬يا ع ّم رسول ال صلّى ال عليه سلّم‪ ،‬يا ابن عبد الطّلب! فلّما أقبل عليّ بوجهه أنشدته البيات‪ .‬فقال‪:‬‬
‫ويك! أف مثل هذا الوطن تيئن بالديح؟ أما سعت الية‪ " :‬لكلّ امرىء ٍمنهم يومئذ شأ ٌن يغنيه " فقلت‪ :‬بلى قد سعتها‪ ،‬وسعت ما بعدها‪ " :‬وجوهٌ‬
‫يومئذ سفرةٌ‪ ،‬ضاحك ٌة مستبشرةٌ‪ ،‬ووجوٌه يومئذٍ عليها غبةٌ‪ ،‬ترهقها قترةٌ‪ ،‬أولئك هم الكفرة الفجرة " ‪ .‬فقال‪ :‬إنّي ل أقدر على ما تطلب‪ .‬ولكن أنفذ‬
‫ص قصتّي على أمي‬
‫معك تورا‪ ،‬أي رسولً إل ابن أخي عليّ بن أب طالبٍ‪ ،‬ليخاطب النبّ‪ ،‬صلّى ال عليه وسلّم‪ ،‬ف أمرك‪ .‬فبعث معي رجلً‪ ،‬فلمّا ق ّ‬
‫الؤمني‪ ،‬قال‪ :‬أين بيّنتك؟ يعن صحيفة حسنات‪ .‬وكنت قد رأيت ف الحشر شيخًا لنا كان يدرّس النحو ف الدار العاجلة‪ ،‬يعرف بأب عليّ الفارسيّ‪،‬‬
‫وقد امترس به قومٌ يطالبونه‪ ،‬ويقولون‪ :‬تأوّلت علينا وظلمتنا‪ .‬فلمّا رآن أشار إلّ بيده ‪ ،‬فجئته فإذا عنده طبقةٌ‪ ،‬منهم يزيد بن الكم الكلبّ‪ ،‬وهو يقول‪:‬‬
‫ويك‪ ،‬أنشدت عن هذا البيت برفع الاء‪ ،‬يعن قوله‪:‬‬
‫فليت كفافا كان شرّك كلّه‪ ... ،‬وخيك عن ارتوى الاء مرتوي‬
‫ول أقل إلّ الاء‪.‬وكذلك زعمت أنّي فتحت اليم ف قول‪:‬‬
‫ل ب‪ ،‬كشكلك شكله‪،‬‬
‫تبدّل خلي ً‬
‫فإنّي خليلً صالا ًبك مقتوي وإنّما قلت‪ :‬مقتوي بضمّ اليم‪.‬‬
‫وإذا هناك راجزٌ يقول‪ :‬تأوّلت عليّ أنّي قلت‪:‬‬
‫يا إبلي ما ذنبه فتأبيه؟ ‪ ...‬ماءٌ روا ٌء ونصيّ حوليه‬
‫فحرّكت الياء ف تأبيه ووال ما فعلت ول غيي من العرب وإذا رجلٌ آخر يقول‪ :‬ادّعيت عليَ أن الاء راجعةٌ على الدّرس ف قول‪:‬‬
‫هذا سراقة للقرآن يدرسه‪،‬‬
‫والرء عند الرّشا إن يلقها ذيب أفمجنونٌ أنا حتّى أعتقد ذلك؟‬
‫قاضي حلب‬
‫وإذا جاع ٌة من هذا النس كلّهم يلومونه على تأويله‪ .‬فقلت‪ :‬يا قوم‪ ،‬إن هذه أمورٌ هيّنةٌ‪،‬فل تعتنوا هذا الشيخ‪ ،‬فإنّه يتّ بكتابه ف القرآن العروف‬
‫بكتاب الجّة‪ ،‬وإنه ما سفك لكم دما‪،‬ول أحتجن عنكم مالً‪ ،‬فتقرّقوا عنه‪ .‬وشغلت بطابم والنّظر ف حويرهم‪ ،‬فسقط منّي الكتاب الذي فيه ذكر‬
‫التّوبة‪ ،‬فرجعت أطلبه فما وجدته‪ ،‬فأظهرت الوله والزع‪ ،‬فقال أمي الؤمني‪ :‬ل عليك‪ ،‬ألك شاهدٌ بالتّوبة؟ فقلت‪ :‬نعم‪ ،‬قاضي حلب وعدولا‪ .‬فقال‪:‬‬
‫بن يعرف ذلك الرجل؟ فأقول‪ :‬بعبد النعم بن عبد الكري قاضي حلب‪ ،‬حرسها ال‪ ،‬ف أيّام شبل الدّولة‪ ،‬فأقام هاتفا يهتف ف الوقف‪ :‬يا عبد النعم بن‬
‫عبد الكري قاضي حلب ف زمان شبل الدّولة‪ ،‬هل معك علمٌ من توبة عل ّي بن منصور بن طالب اللبّ الديب؟ فلم ييبه أحد‪ .‬فأحذن اللع والقلّ‪ ،‬أي‬
‫الرعدة ث هتف الثانية‪ ،‬فلم ييبه ميب‪ ،‬فليح ب عند ذلك أي صرعت إل الرض ثّ نادى الثالثة‪ ،‬فأجابه قاتلٌيقول‪ :‬نعم‪ ،‬قد شهدت توبة عليّ بن‬
‫منصور‪،‬‬
‫توبة علي بن منصور‬

‫وذلك بأخرةٍ من الوقت‪ ،‬وحضرت متابة عندي جاع ٌة من العدول‪ ،‬وأنا يومئذٍ قاضي حلب وأعمالا‪ ،‬وال الستعان‪ .‬فعندها نضت وقد أخذت الرّمق‪،‬‬
‫فذكرت لمي الؤمني‪ ،‬عليه السّلم‪ ،‬ما ألتمس‪ ،‬فأعرض عنّي وقال‪ :‬إنّك لتروم حددا متنعا‪ ،‬ولك أسوةٌ بولد أبيك آدم‪ .‬وهت بالوض‪ ،‬فكدت ل‬
‫ت ل ظمأ بعدها؛وإذا الكفرة يملون أنفسهم على الورد‪ ،‬فتذودهم الزّبانية بعص ّي تضطرم نارا‪ ،‬فيجع أحدهم وقد احترق‬
‫أصل إليه‪ ،‬ثّ نغبت منه نغبا ٍ‬
‫وجهه أو يده وهو يدعو بوي ٍل وثبور‪ .‬فطفت على العترة النتجيب فقلت‪ :‬إنّي كنت ف الدار الذاهبة إذا كتبت كتابا وفرغت منه‪ :‬قلت ف آخره‪ :‬وصّلى‬
‫ال على سيّدنا ممّد خات النّبيّي‪ ،‬وعلى عيته الخيار الطّيبي‪ .‬وهذه حرمةٌ ل ووسيلةٌ‪،‬‬
‫فاطمة بنت ممد‬
‫ي مقداره أربعٌوعشرون ساع ًة من الدّنيا‬
‫فقالوا‪:‬ما نصنع بك؟ فقلت‪ :‬إ ّن مولتنا فاطمة‪ ،‬عليها السلم‪ ،‬قد دخلت النّة مذ دهرٍ‪ ،‬وإنّها ترج ف كلّ ح ٍ‬
‫الفانية فتسلّم على أبيها‪ ،‬وهو قائ ٌم لشهادة القضاء‪ّ ،‬ث تعود إل مستقرّها من النان‪ ،‬فإذا هي خرجت كالعادة‪ ،‬فاسألوا ف أمري بأجعكم‪ ،‬فلعلّها تسأل‬
‫ف فلمّا حان خروجها ونادى الاتف‪ :‬أن غضّوا أبصاركم يا أهل الوقف حت تعب فاطمة بتت ممد‪ ،‬صلّى ال عليه وسلم‪ ،‬اجتمع من آل أب‬
‫أباها ّ‬
‫طالبٍ خلقٌ كثيٌ‪ ،‬من ذكورٍ وإناثٍ‪ ،‬مّن ل يشرب خرا‪ ،‬ول عرف قطّ منكرا‪ .‬فلقوها ف بعض السّبيل‪ ،‬فلّما رأتم قالت‪ :‬ما بال هذه الزّرافة؟ ألكم‬
‫حالٌ تذكر؟ فقالوا‪ :‬نن بيٍ‪ ،‬إنّا نلتذّ بتحف أهل النّة‪ ،‬غي أنّا مبوسون للكلمة السابقة‪ ،‬ول نريد أن نتسرّع إل النّة من قبل اليقات‪،‬إذ كنّا آمني‬
‫ناعمي بدليل قوله‪ " :‬إنّ الذين سبقت لم منّا السن أولئك عنها مبعدون‪ .‬ل يسمعون حسيسها وهم ف ما اشتهت أنفسهم خالدون‪ .‬ل يزنم الفزع‬
‫الكب‪ ،‬وتتلقّاهم اللئكة‪ :‬هذا يومكم الذي كنتم توعدون " وكان فيهم عليّ بن السي وابناه م ّمدٌ وزيدٌ‪ ،‬وغيهم من البرار الصالي‪ .‬ومع‬
‫فاطمة‪،‬عليها السّلم‪ ،‬امرأة أخرى جري مراها ف الشرف والللة‪ ،‬فقيل‪ :‬من هذه؟ فقيل‪ :‬خدية ابنة خويلد ابن أسد بن بد العزّى‪،‬ومعها شبابٌ على‬
‫س من نورٍ‪ .‬فقيل‪ :‬عبد ال‪ ،‬والقاسم‪ ،‬والطّيب‪ ،‬والطاهر‪ ،‬وإبراهيم‪ :‬بنو ممدٍ‪ ،‬صلّى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫أفرا ٍ‬
‫ل من أوليائنا‪ ،‬قد صحّت توبته‪ ،‬ول ريب أنّه من أهل النّة‪ ،‬وقد توسّل بنا إليك‪ ،‬صلّى ال عليك‪ ،‬ف أن يراح‬
‫فقالت تلك الماعة الت سألت‪ :‬هذا و ّ‬
‫من أهوال لوقف‪ ،‬ويصي إل النّة فيتعجلّ الفوز‪ .‬فقلت لخيها إبراهيم‪ ،‬صلّى ال عليه‪ :‬دونك الرجل‪ .‬فقال ل‪ :‬تعلّق بركاب‪ .‬وجعلت تلك اليل تلّل‬
‫الناس وتنكشف لا المم والجيال‪،‬فلّما عظم الزّحام طارت ف الواء‪ ،‬وأنا متعلّق بالرّكاب‪ ،‬فوقفت عند م ّمدٍ‪ ،‬صلّى ال عليه وسلم‪ ،‬فقال‪ :‬من هذا‬
‫التاويّ؟ أي الغريب فقالت له‪ :‬هذا رجلٌ سأل فل ٌن وفلنٌ ‪ -‬وسّت جاع ًة من الئمة الطاهرين ‪ -‬فقال‪ :‬حتّى ينظر ف عمله‪ .‬فسأل عن عملي فوجد‬
‫ف الدّيوان العظم وقد ختم بالتوبة‪ ،‬فشفع ل‪ ،‬فأذن ل ف الدّخول‪ .‬ولّا انصرفت الزّهراء‪ ،‬عليها السلم‪ ،‬تعلّقت بركاب إبراهيم‪ ،‬صلّى ال عليه‪.‬‬
‫فلمّا خلصت من تلك الطّموش‪ ،‬قيل ل‪ :‬هذا الصّراط فاعب عليه‪ .‬فوجدته خاليا ل عريب عنده فبلوت نفسي ف العبور‪ ،‬فوجدتن ل أستمسك‪ .‬فقالت‬
‫الزّهراء‪ ،‬صلّى ال عليها‪ ،‬لاري ٍة من جواريها‪ :‬فلنة أجيزيه‪ .‬فجعلت تارسن وأنا أتساقط عن ييٍ وشالٍ‪ ،‬فقلت‪ :‬يا هذه‪ ،‬إن أردت سلمت فاستعملي‬
‫معي قول القائل ف الدار العاجلة‪:‬‬
‫ستّ إن أعيك أمري‪ ... ،‬فاحلين زقفونه‬
‫فقالت‪ :‬وما زقفونه؟ قلت‪ :‬أن يطرح النسان يديه على كتفي الخر‪ ،‬ويسك الامل بيديه‪ ،‬ويمله وبطنه إل ظهره‪ ،‬أما سعت قول الحجلول من أهل‬
‫كفرطابٍ‪:‬‬
‫صلحت حالت إل اللف حت ‪ ...‬صرت أمشي إل الورى زقفونه‬
‫فقالت‪ :‬ما سعت بزقفونه‪ ،‬ول الحجلول‪ ،‬ول كفرطابٍ‪ ،‬إلّ الساعة‪ .‬فتحملي وتوز كالبق لاطف‪ .‬فلمّا جزت‪ ،‬قالت الزّهراء‪ ،‬عليها السلم‪ :‬قد‬
‫وهبنا لك هذه الارية فخذه كي تدمك ف النان‪.‬‬
‫فلمّا صرت إل باب النّة‪ ،‬قال ل رضوان‪ :‬هل معك من جوازٍ؟ فقلت‪ :‬ل‪ .‬فقال ل سبيل لك إل الدخول إلّ به فبعلت بالمر‪ ،‬وعلى باب النَة من‬
‫داخ ٍل شجرة صفصافٍ‪ ،‬فقلت‪:‬أعطن ورقةً من هذه الصّفصافة حت أرجع إل الوقف فآخذ عليها جوازا‪ ،‬فقال‪ :‬ل أخرج شيئا من النّة إلّ بإذنٍ من‬
‫العليّ العلى‪ ،‬تقدّس وتبارك‪ .‬فلمّا دجرت بالنازلة‪ ،‬قلت‪ :‬إنّا ل وإنّا إليه راجعون! لو أن للمي أب الرجّى حازنا مثلك‪ ،‬لا وصلت أنا ول غيي إل‬
‫قرقوفٍ من خزانته‪ .‬والقرقوف‪ :‬الدّرهم‪.‬‬
‫ل فجذبن جذبة حصّلن با ف النة‪.‬‬
‫والتفت إبراهيم‪ ،‬صلّى ال عليه‪ ،‬فرآن وقد تلفت عنه‪ ،‬فرجع إ ّ‬
‫وكان مقامي ف الوقف مدّة ستّة أشه ٍر من شهور العاجلة‪ ،‬فلذلك بقي عل ّي حفظي ما نزفته الهوال‪ ،‬ول نكه تدقيق الساب‪.‬‬

‫فأنكم راعي البل؟ فيقولون‪ :‬هذا‪ .‬فيسلّم عليه الشيخ ويقول‪ :‬أرجو أن ل أجدك مثل أصحابك صفرا حفظك وعربيتك‪ .‬فيقول‪ :‬أرجو ذلك‪ ،‬فاسألن‬
‫ول تطيلنّ‪ .‬فيقول‪ :‬أح ّق ما روى عنك سيبويه ف قصيدتك الت تدح با عبد اللك بن مروان من أنّك تنصب الماعة ف قولك‪:‬‬
‫أيّام قومي والماعة كالّذي ‪ ...‬لزم الرّحالة أن تيل ميل‬
‫فيقول‪ :‬حقّ ذلك‪.‬‬
‫حيد بن ثور‬
‫وينصرف عنه رشيدا إل حيد بن ثور فيقول‪ :‬إيه يا حيد! لقد أحسنت ف قولك‪.‬‬
‫أرى بصري قد رابن بعد صحّة‪ ... ،‬وحسبك دا ًء أن تصح وتسلما‬
‫ولن يلبث العصران‪ :‬يومٌ وليلةٌ ‪ ...‬إذا طلبا‪ ،‬أن يدركا ما تيمما‬
‫فكيف بصرك اليوم؟ فيقول‪ :‬إنّي لكون ف مغارب النّة‪ ،‬فألح الصّديق من أصدقائي وهو بشارقها‪ ،‬وبين وبينه مسية ألوف أعوا ٍم للشمس الت عرفت‬
‫سرعة مسيها ف العاجلة! فتعال ال القادر على كلّ بديع‪.‬‬
‫فيقول‪ :‬لقد أحسنت ف الدالية الت أوّلا‪:‬‬
‫جلبانةٌ ورهاء‪ ،‬تصي حارها‬
‫بفي من بغىخيا لديها اللمد‬
‫ش ل يزال نطاقها‬
‫إزاء معا ٍ‬
‫شديدا‪ ،‬وفيها سورةٌ‪،‬وهي قاعد‬
‫تتابع أعوامٌ عليها هزلنها‪،‬‬
‫وأقبل عامٌ ينعش النّاس واحد فيقول حيدٌ‪ :‬لقد ذهلت عن ك ّل ميمٍ ودال‪ ،‬وشغلت بلعبة حورٍ خدال‪ .‬فيقول‪ :‬أمثل هذه الدالية ترفض وفيها‪:‬‬
‫عضمّرةٌ فيها بقاءٌ وشدّةٌ‬
‫ووالٍ لا‪ ،‬بادي النّصيحة جاهد‬
‫إذا ما دعا‪ :‬أجياد؟؟؟؟! جاءت خناجرٌ‬
‫لاميم‪ ،‬ل يشي إليه ّن قائد‬
‫فجاءت بعيوف الشّريعة مكلعٍ‬
‫أرشّت عليه بالكفّ السّواعد وفيها الصّفة الت ظننت القطاميّ أخذها منك‪ ،‬وقد يوز أن يكون سبقك لنّكما ف عصرٍ واحد‪ ،‬وذلك قولك‪:‬‬
‫س وقرّةٍ‪،‬‬
‫تأدّبا‪ ،‬ف ليل ن ٍ‬
‫خليلي أبو الشخاش‪ ،‬والليل بارد‬
‫فقام يصاديها‪ ،‬فقالت‪ :‬تريدن‬
‫على الزّاد؟ شكلٌ بيننا متباعد؟!‬
‫إذا قال‪ :‬مهلً‪ ،‬أسجحي‪ ،‬لحت له‬
‫بزرقاء ل تدخل عليها الراود‬
‫كأنّ حجاجي رأسها ف ملّثمٍ‪،‬‬
‫من الصخر‪ ،‬جونٍ أخلقته الراود هذه الصّفة ن ٌو من قول القطاميّ‪:‬‬
‫تلفّعت ف ط ّل وري ٍح تلفّن‪،‬‬
‫وف طرمساء غي ذات كواكب‬
‫إل حيزبونٍ توقد النّار بعدما‬
‫تصوّبت الوزاء قصد الغارب‬

‫فما راعها إ ّل بغام مطيةٍ‪،‬‬
‫تروح بحصو ٍر من الصوت لغب‬
‫وجنّت جنونا من دلثٍ مناخةٍ‪،‬‬
‫ومن رج ٍل عاري الشاجع شاحبٍ‬
‫تقول‪ ،‬وقد قرّبت كوري وناقت‪:‬‬
‫إليك! فل تذعر عليّ ركائب والبيات معروفةٌ‪ ،‬وقلتهذه القصيدة‪:‬‬
‫فجاء بذي أوني أعب شأنه‪،‬‬
‫وعمّر حت قيل‪ :‬هل هو خالد؟؟!‬
‫فعزّاه‪ ،‬حت أسنداه كأنّه‪،‬‬
‫على القرو‪ ،‬علفوفٌ من التّرك ساند وفيها ذكر الزّبدة‪:‬‬
‫فلمّا تلّى اللّيل عنها وأسفرت‪،‬‬
‫وف غلس الصّبح الشّخوص الباعد‬
‫رمى عينه منها بصفراء جعدةٍ‬
‫عليها تعاينه‪ ،‬وعنها تراو ٌد فيقول حيدٌ‪ :‬لقد شغلت عن زبدٍ‪ ،‬وطرد النّافرة من الرّبد‪ ،‬با وهب ربّي الكري‪ ،‬ول خوف عليّ ول حزن‪.‬‬
‫ولقد كان الرجل منا يعمل فكره السّنة أو الشهر‪ ،‬ف الرّجل قد آتاه ال الشّرف والال‪ ،‬فربّما رجع باليبة‪ ،‬وإن أعطى فعطاءٌ زهيدٌ‪ ،‬ولكنّ النّظم فضيلة‬
‫العرب‪.‬‬
‫ت ثلثةٍ ليس ف النّة نظيها باءً‬
‫ب معه‪ ،‬يتمشون قليلً‪ ،‬فإذا هم بأبيا ٍ‬
‫ويعرض لم لبيد بن ربيعة فيدعوهم إل منله بالقيسيّة‪ ،‬ويقسم عليهم ليذه ّ‬
‫وحسنا‪ ،‬فيقول لبيدٌ‪ :‬أتعرف أيّها الديب اللبّ هذه البيات؟ فيقول‪ :‬ل والذي حجّت القبائل كعبته! فيقول‪ :‬أمّا الول فقول‪:‬‬
‫إ ّن تقوى ربّنا خي نفل‪ ... ،‬وبإذن ال ريثى وعجل‬
‫وأمّا الثان فهو قول‪:‬‬
‫أحد ال‪ ،‬فل ندّ له‪ ... ،‬بيديه الي‪ ،‬ما شاء فعل‬
‫وأمّا الثالث فقول‪:‬‬
‫من هداه سبل الي اهتدى ‪ ...‬ناعم البال‪ ،‬ومن شاء أضلّ‬
‫صيّرها ربّي اللّطيف البي أبياتا ف النَة‪ ،‬أسكنها أخرى البد وأنعم نعيم الخلّد‪.‬‬
‫فيعجب هو وأولئك القوم ويقولون‪ :‬إنّ ال قدي ٌر على ما أراد‪.‬‬
‫ويبدو له‪ ،‬أيّد ال مده بالتأييد‪ ،‬أن يصنع مأدب ًة ف النان‪ ،‬يمع فيها من أمكن من شعراء الضرمة والسلم‪ ،‬والذين أصلّوا كلم العرب‪ ،‬وجعلوه‬
‫مفوظا ف الكتب‪ ،‬وغيهم مّن يتأنس بقليل الدب‪ .‬فيخطر له أن تكون كمآدب الدار العاجلة‪ ،‬إذ كان البارىء‪ ،‬جلّت عظمته‪ ،‬ل يعجزه أن يأتيهم‬
‫بميع الغراض‪ ،‬من غي كلفةٍ ول إبطاءٍ‪ ،‬فتنشأ أرحا ٌء على الكوثر‪ ،‬تعجع لطحن ب ّر من برّ النّة‪ ،‬وإنّه لفضل من برّ الذلّ الذي قال فيه‪:‬‬
‫ل د ّر درّي إن أطعمت رائدهم‬
‫قرف التّ وعندي ال ّب مكنوز بقدارٍ تفضل به السموات والرضي‪ ،‬فيقترح‪ ،‬أمضى القادر له اقتراحه‪ ،‬أن تضر بي يديه جوا ٍر من الور العي‪ ،‬يعتملن‬
‫بأرحاء اليد‪ :‬فرحىً من درّ‪ ،‬ورحىً من عسجدٍ‪ ،‬وأرحا ٌء ل ير أهل العاجلة شيئا من شكل جواهرهنّ‪ .‬فإذا نظر إليهنّ‪ ،‬حد ال سبحانه على ما منح‪،‬‬
‫وذكر قول الرّاجز‪:‬‬
‫أعددت للضّيف وللجيان ‪ ...‬جريتي تتعاوران‬
‫ل ترأمان وها ظئران يصف رحى اليد‪.‬‬
‫ت على شائلكنّ‪ ،‬أما سعتّ قول القائل‪:‬‬
‫ويبتسم إليهنّ ويقول‪ :‬اطحنّ شزرا وبتّا‪ .‬فيقلن‪ :‬ما شزرٌ وما بتّ؟ فيقول‪ :‬الشّزر على أيانكنّ‪ ،‬والب ّ‬

‫ونصبح بالغداة أت ّر شيءٍ‪ ... ،‬ونسي بالعشيّ طلنفحينا‬
‫ونطحن بالرّحى شزرا وبتّا ‪ ...‬ولو نعطى الغازل ما عيينا‬
‫ويقال‪ :‬إن هذا الشّعر لرجل أسر فكتب إل قومه بذلك‪.‬‬
‫ويبس ف صدره‪ ،‬عمّره ال بالسّرور‪ ،‬أرحا ٌء تدور فيها البهائم‪ ،‬فيمثل بي يديه ما شاء ال من البيوت‪ ،‬فيها أحجا ٌر من جواهر النّة‪ ،‬تدير بعضها جالٌ‬
‫ف للمأدبة‪،‬‬
‫ف من البغال والبقر وبنات صعدة‪ ،‬فإذا اجتمع من الطّحن‪ ،‬ما يظنّ أنّه كا ٍ‬
‫تسوم ف عضاه الفردوس‪ ،‬وأين ٌق ل تعطف على اليان‪ ،‬وصنو ٌ‬
‫تفرّق خدمه من الولدان الخلّدين فجاؤوا بالعماريس‪ ،‬وهي الداء وضروب الطّي الت جرت العادة بأكلها‪ :‬كأباج العكارم‪ ،‬وجوازل الطّواويس‪،‬‬
‫والسّمي من دجاج الرّحة وفراريج اللد‪ ،‬وسيقت البقر والغنم والبل لتعتبط؛ فارتفع رغاء العكر ويعار العز‪،‬وتؤاج الضأن‪ ،‬وصياح الدّيكة‪ ،‬لعيان‬
‫الدية‪ .‬وذلك كلّه‪ ،‬بمد ال‪ ،‬ل أل فيه‪ ،‬وإنّما هو جدّ مثل اللّعب‪ ،‬فل إله إلّ بال الذي ابتدع خلقه من غي رويّةٍ‪ ،‬وصوّره بل مثال‪.‬‬
‫فإذا حصلت النّحوض فوق الوفاض‪ ،‬والوفاض مثل الوضام بلغة طيّء قال‪ ،‬زاد ال أمره من النّفاذ‪ :‬أحضروا من ف النّة من الطّهارة السّاكني بلب‬
‫على مرّ الزمان‪ ،‬فتحضر جاعةٌ كثيةٌ‪ ،‬فيأمرهم باتّخاذ الطعمة‪،‬وتلك لذّةٌ يهبها ال‪ ،‬عزّ سلطانه‪ ،‬بدليل قوله‪ " :‬وفيها ما تشتهيه النفس وتلذّ العي‬
‫وأنتم فيها خالدون‪ .‬وتلك النّة الت أورثتموها با كنتم تعملون‪ .‬لكم فيها فاكه ٌة كثيٌة منها تأكلون " ‪.‬‬
‫فإذا أتت الطعمة‪ ،‬افترق غلمانه الّذين كأنّهم اللّؤلؤ الكنون‪ ،‬لحضار الدعوّين‪ ،‬فل يتركون ف لنّة شاعرا إسلميا‪ ،‬ول مضرما‪ ،‬ول عالا بشي ٍء من‬
‫أصناف العلوم‪ ،‬ول متأدّبا‪ ،‬إلّ أحضّروه‪ .‬فيجتمع بدٌ عظي ٌم والبجد‪ :‬اللق الكثي‪ ،‬قال الشاعر‪:‬‬
‫تطوف البجود بأبوابه‪ ... ،‬من الضّر ف أزمات السّنينا‬
‫فتوضع الون من الذهب‪ ،‬والفواثي من اللُجي‪ ،‬ويلس عليها الكلون‪ ،‬وتنقل إليهم الصّحاف‪ ،‬فتقيم الصّحفة لديهم وهم يصيون مّا ضمَنته كعمر‬
‫ي وسريّ وها النّسران من النّجوم‪.‬‬
‫كو ّ‬
‫فإذا قضوا الرب من الطّعام‪ ،‬جاءت السّقاة بأصناف الشربة‪ ،‬والسمعات بالصوات الطربة‪.‬‬
‫ويقول‪ ،‬ل فتء ناطقا بالصواب‪ :‬عليَ بن ف النة من الغنيّن والغنّيات‪ :‬مّن كان ف الدار العاجلة‪ ،‬فقضيت له التّوبة‪.‬‬
‫فتحضر جاعةٌ كثيٌة من رجالٍ ونساءٍ‪ :‬فيهم الغريض‪ ،‬ومعبدٌ وابن مسجحٍ‪ ،‬وابن سريجٍ؛ إل أن يضر إبراهيم الوصليّ وابنه إسحاق‪ .‬فيقول قائ ٌل من‬
‫الماعة‪ ،‬وقد رأى أسراب قيانٍ قد حضرن‪ ،‬مثل بصبص ودناني وعنان‪ :‬من العجب أن الرادتي ف أقاصي النّة‪ .‬فإذا سع ذلك ل برح سعه مطروقا با‬
‫يبهجه‪ ،‬قال‪ :‬لبدّ من حضورها‪ .‬فيكب بعض الدم ناقةً من نوق النّة‪ ،‬ويذهب إليهما على بعد مكانما فتقبلن على نيبي أسرع البق اللمع‪ .‬فإذا‬
‫ش بما وقال‪ :‬كيف خلصتما إل دار الرحة بعدما خبطتما ف الضلل؟ فتقولن‪ :‬قدرت لنا التّوبة ومتنا على دين النبياء‬
‫حصلتا ف الجلس‪ ،‬حيَاها وب ّ‬
‫الرسلي‪ .‬فيقول‪ :‬أحسن ال إليكما‪ ،‬أسعانا شيئا من الت تروى لعبيد مرة ولوس أخرى وما سعتا قطَ بعبيدٍ ول أوسٍ‪ ،‬فتلهمان أن تغنيّا بالطلوب‪،‬‬
‫فتلحّنان‪:‬‬
‫ودع ليس وداع الوامق اللحي‬
‫قد فنّكت ف فسا ٍد بعد إصلح‬
‫إذ تستبيك بصقولٍ عوارضه‬
‫حش اللّثمات عذابٍ غي ملح‬
‫كأنّ ريقتها بعد الكرى اغتبقت‬
‫من ماء أدكن ف الانوت نضّاح‬
‫ومن مشعشعةٍ ورهاء نشوتا‬
‫ومن أنابيب رمّا ٍن وتفّاح‬
‫هبّت تلوم‪ ،‬وليست ساعة اللحي‪،‬‬
‫هلّ انتظرت بذا اللّوم إصباحي؟‬
‫قاتلها ال‪ ،‬تلحان‪ ،‬وقد علمت‬

‫أنّي لنفسي إفسادي وإصلحي!‬
‫إن أشرب المر‪ ،‬أو أرزأ لا ثنا‪،‬‬
‫فل مالة يوما أننّي صاح‬
‫ول مالة من قبٍ بحنيةٍ‪،‬‬
‫أو ف مليعٍ كظهر التّرس وضّاح فتطربان من سع‪ ،‬وتستفزّان الفئدة بالسّرور‪ ،‬ويكثر حد ال‪ ،‬سبحانه‪ ،‬كما أنعم على الؤمني والتّائبي‪ ،‬وخلّصهم من‬
‫دار الشّقوة إل ملّ النّعيم‪.‬‬
‫ويعرض له‪ ،‬أدام ال المال ببقائه‪ ،‬الشّوق إل نظر كالسحابٍ كالساب الذي وصفه قائل هذه القصيدة ف قوله‪:‬‬
‫إنّي أرقت‪ ،‬ول تأرق معي صاح‬
‫لستكفّ‪ ،‬بعيد النّوم‪ ،‬لّاح‬
‫قد نت عنّي وبات البق يسهرن‬
‫ي بصباح‬
‫كما استضاء يهود ّ‬
‫تدي النوب بأوله وناء به‬
‫أعجاز مزنٍ‪ ،‬يسوق الاء دلّح‬
‫كأنّ ريّقه‪ ،‬لّما عل شطبا‪،‬‬
‫أقراب أبلق ينفي اليل رمّاح‬
‫كأنّ فيه عشارا جلّةً شرفا‪،‬‬
‫عوذا مطافيل‪ ،‬قد هّت بإرشاح‬
‫دانٍ‪ ،‬مسفّ فويق الرض هيدبه‬
‫يكاد يدفعه من قام بالرّاح‬
‫فمن بنجوته كمن بعقوته‪،‬‬
‫والستكنّ كمن يشي بقرواح‬
‫وأصبح الرّوض والقيعان مرعةً‬
‫ما بي منفت ٍق منه ومنصاح فينشىء ال‪ ،‬تعالت آلؤه‪ ،‬سحاب ًة كأحسن ما يكون من السّحب‪ ،‬من نظر إليها شهد أنّه ل ير قطّ شيئا أحسن منها‪ ،‬ملّةً‬
‫بالبق ف وسطها وأطرافها‪ ،‬تطر باء ورد النّة من ط ّل وطشّ‪ ،‬وتنثر حصى الكافور كأنّه صغار البد‪ ،‬فعزّ إلنا القدي الذي ل بعجزه تصوير المانّ‬
‫وتكوين الواجس من الظُنون‪.‬‬
‫ويلتفت فإذا هو‬
‫جران العود‬
‫بران العود النّمييّ‪ ،‬فيحييّه ويرحّب به‪ ،‬ويقول لبعض القيان ‪ :‬أسعينا قول هذا الحسن‪:‬‬
‫حلن جران العود حت وضعنه‬
‫بعلياء ف أرجائها ال ّن تعزف‬
‫وأحرزن منّا ك ّل حجزة مئزرٍ‬
‫لنّ‪ ،‬وطاح النّوفليّ الزخرف‬
‫وقلن‪ :‬تتّع ليلة النّأي هذه‬
‫فإنّك مرجومٌ غدا أو مسيّف وهذا البيت يروى لسحيم فتصيب تلك القينة وتيد‪.‬‬
‫فإذا عجبت الماعة من إحسانا وإصابتها قالت‪ :‬أتدرون من أنا؟ فيقولون‪ :‬ل وال الحمود! فتقول‪ :‬أنا أمّ عمروٍ الت يقول فيها القائل‪:‬‬

‫تصدّ الكأس عنّا أمّ عمروٍ ‪ ...‬وكان الكأس مراها اليمينا‬
‫وما شرّ الثّلثة أمّ عمر ٍو ‪ ...‬بصاحبك الذي ل تصبحينا‬
‫ي اللّخمي؟ أم لعمرو بن كلثوم التغلبّ؟ فتقول‪ :‬أنا شهدت ندمان جذية‪:‬‬
‫فيزدادون با عجبا‪ ،‬ول إكراما‪ ،‬ويقولون‪ :‬لن هذا الشعر؟ ألعمرو بن عد ّ‬
‫مالكا وعقيلً‪ ،‬وصبحتهما المر الشعشعة‪ ،‬لّا وجدا عمرو بن عديّ‪ ،‬فكنت أصرف الكأس عنه‪ ،‬فقال هذين البيتي‪ ،‬فلعلّ عمرو بن كلثو ٍم حسّن بما‬
‫كلمه واستزادها ف أبياته‪.‬‬
‫ويذكر‪ ،‬أذكره ال بالصّالات‪ ،‬البيات الت تنسب إل الليل بن أحد‪ .‬والليل يومئذٍ ف الماعة‪ ،‬وأنَها تصلح لن يرقص عليها‪ ،‬فينشىء ال‪ ،‬القادر‬
‫بلطف حكمته‪ ،‬شجر ًة من غف ٍر والغفر الوز فتونع لوقتها‪ ،‬ثّ تنفض عددا ل يصيه إلّ ال سبحانه‪ ،‬وتنشقّ ك ّل واحدةٍ منه عن أربع جوارٍ يرقن الرائي‪،‬‬
‫منّ قرب والنّائي‪،‬يرقصن على البيات النسوبة إل الليل‪ ،‬وأوّلا‪:‬‬
‫إ ّن الليط تصدّع ‪ ...‬فطر بدائك أوقع‬
‫لول جوا ٍر حسانٌ ‪ ...‬مثل الآذر أربع‬
‫أمّ الرّباب وأسا ‪ُ ...‬ء والبغوم وبوزع‬
‫لقلت للظّاعن‪ :‬اظعن ‪ ...‬إذا بدا لك‪ ،‬أو دع!‬
‫فتهت ّز أرجاء النّة‪ ،‬ويقول‪ ،‬ل زال منطقا بالسّداد‪ :‬لن هذه البيات يا أبا عبد الرحن؟ فيقول الليل‪ :‬ل أعلم‪ .‬فيقول‪ :‬إنّا كنّا ف الدار العاجلة نروي هذه‬
‫البيات لك‪ .‬فيقول الليل‪ :‬ل أذكر شيئا من ذلك‪ ،‬ويوز أن يكون ما قيل حقّا‪ .‬فيقول‪ :‬أفنسيت يا أبا عبد الرحن وأنت أذكر العرب ف عصرك؟‬
‫فيقول الليل‪ :‬إ ّن عبور السّراط ينفض اللد مّا استودع‪ .‬ويطر له ذكر الفقّاع الذي كان يعمل ف الدار الادعة‪ ،‬فيجري ال بقدرته أنارا من فقّاعٍ‪،‬‬
‫الرعة منها لو عدلت بلذّات الفانية‪ ،‬منذ خلق السموات والرض إل يو ٍم تطوي المم الخرة‪ ،‬لكانت أفضل وأشفّ‪ .‬فيقول ف نفسه‪ :‬قد علمت أنّ ال‬
‫قديرٌ‪ ،‬والذي أريد‪ ،‬نو ما كنت أراه مع ال ّطوّافي ف الدار الذاهبة‪ .‬فل تكمل هذه القالة‪ ،‬حت يمع ال ك ّل فقّاعيّ ف النّة من أهل العراق والشام‬
‫وغيها من البلد‪ ،‬بي أيديهم الولدان الخلّدون يملون السّلل إل أهل ذلك الجلس‪ .‬فيقول‪ ،‬حفظ ال على أهل الدب حوباءه‪ ،‬لن حضره من أهل‬
‫العلم‪ :‬ما تسمّى هذه السّلل بالعربيّة؟ فيمّون أي يسكتون ويقول بعضهم‪ :‬هذه تسمّى البواسن‪ ،‬واحدتا باسنةٌ‪ ،‬فيقول قائ ٌل من الاضرين‪ :‬من ذكر‬
‫هذا من أهل اللغة؟ فيقول‪ ،‬ل انفكّت الفوائد واصلةً منه إل اللساء‪ :‬قد ذكرها ابن درستويه‪ ،‬وهو يومئذٍ ف الضرة‪ .‬فيقول له الليل‪ :‬من أين جئت‬
‫بذا الرف؟ فيقول ابن درستوية‪ :‬وجدته ف كتب النضر بن شيل‪ :‬فيقول الليل‪ :‬أتقّ هذا يا نضر‪ ،‬فأنت عندنا الثّقة؟ فيقول النّضر‪ :‬قد التبس عليّ‬
‫المر‪ ،‬ول يك الرجل‪ ،‬إن شاء ال‪ ،‬إ ّل حقّا‪.‬‬
‫ويعب بي تلك الكراس أي الماعات طاووسٌ من طواويس النّة يروق من رآه حسنا‪ ،‬فيشتهيه أبو عبيدة مصوصا‪ ،‬فيتكون ذلك ف صفح ٍة من‬
‫الذّهب‪ .‬فإذا قضي منه الوطر‪ ،‬انضمّت عظامه بعضها إل بعضٍ‪ ،‬ثّ تصي طاووسا كما بدأ‪ .‬فتقول الماعة‪ :‬سبحان من يي العظام وهي رميم‪ .‬هذا‬
‫كما جاء ف الكتاب الكري‪ " :‬وإذ قال إبراهيم ربّ أرن كيف تيي الوتى قال‪ :‬فخذ أربع ًة من الطيّر فصرهنّ إليك ثّ اجعل على كلّ جب ٍل منهنّ جزءا‪،‬‬
‫ثّ ادعه ّن يأتينك سعيا‪ ،‬واعلم أنّ ال عزي ٌز حكيمٌ‪.‬‬
‫ويقول هو‪ ،‬آنس ال بياته‪ ،‬لن حضر‪ :‬ما موضع يطمئنّ؟ فيقولون‪ :‬نصبٌ بلم كي‪ .‬فيقول‪ :‬هل يوز غي ذلك؟ فيقولون ل يضرنا شيءٌ‪ .‬فيقول‪ :‬يوز‬
‫أن يكون ف موضع جزمٍ بلم المر‪ ،‬ويكون مرج الدّعاء‪ ،‬كما يقال‪ :‬يا ربّ أغفر ل‪ ،‬ولتغفر ل‪ .‬وأمّا قوله الكاية عن عازار‪ :‬قال أعلم أنّ ال على‬
‫كلّ شيء قدي ٌر فقد قُرِىَء برفع اليم وسكونا‪ ،‬فالرفع على الب‪ ،‬والسكون على أنّه أم ٌر من ال‪ ،‬جلّ سلطانه‪ .‬وأجاز أبو عليّ الفارسيّ أن يكون أعلم‬
‫ماطبةً من عازر لنفسه‪ ،‬لن مثل هذا معروفٌ‪ .‬يقول القائل‪ ،‬وهو يعن نفسه‪ :‬ويك ما فعلت وما صنعت! ومنه قول الادرة الذّبيانّ‪:‬‬
‫بكرت سيّة غدوة فتمتّع‪ ... ،‬وغدت غد ّو مفارق ل يربع‬
‫وت ّر إوزٌّة مثل البختية‪ ،‬فيتمنّاها بعض القوم شواءً‪ ،‬فتتمثّل على خوا ٍن من الزّمردّ‪ ،‬فإذا قضيت منها الاجة‪ ،‬عادت‪ ،‬بإذن ال إل هيئة ذوات الناح‪،‬‬
‫ويتارها بعض الاضرين كردناجا‪ ،‬وبعضهم معمول ًة بسمّاقٍ‪ ،‬وبعضهم معمولةً بلبٍ وخلّ‪ ،‬وغي ذلك‪ ،‬وهي تكون على ما يريدون‪ .‬فإذا تكرّرت بينهم‬
‫قال أبو عثمان الازنّ لعبد اللك بن قريب الصمعيّ‪ :‬يا أبا سعيدٍ‪ ،‬ما وزن إوزّة؟ فيقول الصمعيّ‪ :‬أل تعرّض بذا يا فصعل‪ ،‬وطال ما جئت ملسي‬
‫بالبصرة وأنت ل يرفع بك رأسٌ؟! وزن إوزّةٍ ف الوجود إفعلةٌ‪ ،‬ووزنا ف الصل إفعلةٌ‪ .‬فيقول الازنّ‪ :‬ما الدّليل على أنّ المزة فيها زائدةٌ‪ ،‬وأنّها ليست‬

‫بأصليّةٍ ووزنا ليس فعلّةً؟ فيقول الصمعيّ‪ :‬أمّا زيادة المزة ف أوّلا‪ ،‬فيد ّل عليه قولم وزّ‪ .‬فيقول أبو عثمان‪ :‬ليس ذلك بدليلٍ على أنّ المزة زائدةٌ‪،‬‬
‫لنّهم قد قالوا ناسٌ‪ ،‬واصله أناٌس‪ ،‬وميه ٌة لدريّ الغنم‪ ،‬وإنّما هو أميهةٌ‪ ،‬فيقول الصمعيّ‪ :‬أليس أصحابك من أهل القياس يزعمون أنّها إفعلةٌ‪ ،‬وإذا بنوا‬
‫من أوى اسا على وزن إوزّةٍ قالوا‪ :‬إيّاه؟ ولو أنّها فعلّةٌ قالوا‪ :‬إويّةٌ‪ ،‬ولو جاؤوا با على إفعلةٍ‪ ،‬بسكون العي‪ ،‬قالوا‪ :‬إييّةٌ‪ ،‬والياء الت بعد المزة‪ ،‬وهي هزة‬
‫أوى‪ ،‬جعلت ياءً لجتماع المزتي‪ ،‬ولنّ قبلها مكسورا وهي مفتوحةٌ‪ .‬وإذا خففّت هزة مئزرٍ‪ ،‬جعلتها يا ًء خالصةً‪ .‬فيقول الازنّ‪ :‬تأوّل من أصحابنا‬
‫وادّعاءٌ‪ ،‬ل ّن إوزة ل يثبت أنّ المزة فيها زائدةٌ‪ .‬فيقول الصمعيّ‪:‬‬
‫ل فرمى ‪ ...‬جر ها منهنّ فوقٌ وغرار‬
‫ريّشت جرهم نب ً‬
‫تبعتهم مستفيدا‪ّ ،‬ث طعنت فيما قالوه معيدا‪ ،‬ما مثلك ومثلهم إلّ كما قال الوّل‪:‬‬
‫أعلمّه الرّماية ك ّل يومٍ‪ ... ،‬فلمّا أستد ساعده رمان‬
‫وينهض كالغضب‪ ،‬ويفترق أهل ذلك الجلس وهم ناعمون‪ .‬ويلبو‪ ،‬ل أخله ال من الحسان‪ ،‬بوريّتي له من الور العي‪ ،‬فإذا بره ما يراه من‬
‫المال قال‪ :‬أعزز عليّ بلك الكنديّ‪ ،‬إنّي لذكر بكما قوله‪:‬‬
‫كدأبك من أمّ الويرث قبلها‪،‬‬
‫وجارتا أمّ الرّباب بأسل‬
‫إذا قامتا تضوّع السك منهما‬
‫نسيم الصّبا جاءت بريا القرنفل وقوله‪:‬‬
‫كعاطفتي من نعاج تبالةٍ ‪ ...‬على جؤذرين‪ ،‬أو كبعض دمى هكر‬
‫إذا قامتا تضوّع السك منهما ‪ ...‬وأصورٌة من اللّطيمة والقطر‬
‫وأين صاحبتاه منكما ل كرامة لما ول نعمة عيٍ؟ للس ٌة معكما بقدار دقيقةٍ من دقائق ساعات الدّنيا‪ ،‬خ ٌي من ملك بن آكل الرار وبن نصر بالية‬
‫وآل جفنة ملوك الشّام‪.‬‬
‫ي مسكيٌ! تترق عظامه ف السّعي وأنا أتثّل بقوله‪:‬‬
‫ويقبل على كل ّواحدةٍ منهما يترشّف رضا با ويقول‪ :‬إنّ امرأ القيس لسك ٌ‬
‫كأنّ الدام وصوب الغمام ‪ ...‬وريح الزامى ونشر القطر‬
‫يعلّ به برد أنيابا‪ ... ،‬إذا غرّد الطّائر الستحر‬
‫وقوله‪:‬‬
‫أيّام فوها كلّما نبّهتها ‪ ...‬كالسك بات وظلّ ف الفدّام‬
‫أنفٌ كلون دم الغزال معتّ ٌق ‪ ...‬من خر عانة أو كروم شبام‬
‫فتستغرب إحداها ضحكا‪ .‬فيقول‪ :‬ممّ تضحكي! فتقول‪ :‬فرحا بتفضلّ ال الذي وهب نعيما‪ ،‬وكان بالغفرة زعيما‪ ،‬أتدري من أنا يا عليّ بن منصور؟‬
‫فيقول‪ :‬أنت من حور النان اللّوات خلقكن ال جزا ًء للمتّقي‪ ،‬وقال فيكنّ‪ :‬كأنّهنّ الياقوت والرجان فتقول‪ :‬أنا كذلك بإنعام ال العظيم‪ ،‬على أنّي‬
‫كنت ف الدار العاجلة أعرف بمدونة‪ ،‬وأسكن ف باب العراق بلب وأب صاحب رحىً‪ ،‬وتزوّجن رجلٌ يبيع السّقط فطلّقن لرائحةٍ كرهها من فّ‪،‬‬
‫وكنت من أقبح نساء حلب‪ ،‬فلمّا عرفت ذلك زهدت ف الدنيا الغرّارة‪ ،‬وتوفّرت على العبادة‪ ،‬وأكلت من مغزل ومردن‪ ،‬فصيّرن ذلك إل ما ترى‪.‬‬
‫وتقول الخرى‪ :‬أتدري من أنا يا عل ّي بن منصور؟ أنا توفيق السّوداء الت كانت تدم ف دار العلم ببغداد على زمان أب منصورٍ ممّد بن عليّ الازن‬
‫وكنت أخرج الكتب إل النّساخ‪.‬‬
‫فيقول‪ :‬ل إله إلّ ال‪ ،‬لقد كنت سوداء فصرت أنصع من الكافور‪ ،‬وإن شئت القافور‪ .‬فتقول‪ :‬أتعجب من هذا‪ ،‬والشاعر يقول لبعض الخلوقي‪:‬‬
‫لو أ ّن من نوره مثقال خردلةٍ‬
‫ك من اللئكة‪ ،‬فيقول‪ :‬يا عبد ال‪ ،‬أخبن عن الور العي‪ ،‬أليس ف الكتاب الكري‪ " :‬إنّا أنشأناه ّن إنشاءً‪،‬‬
‫ف السّود كلّهم‪ ،‬لبيضّت السّود وي ّر مل ٌ‬
‫ب نقله ال من الدار‬
‫ب خلقه ال ف النّة ل يعرف غيها‪ ،‬وضر ٌ‬
‫فجعلناهنّ أبكارا‪ ،‬عربا أترابا‪ ،‬لصحاب اليمي " ‪ .‬فيقول اللك‪ :‬هنّ على ضربي‪ :‬ضر ٌ‬
‫العاجلة لّا عمل العمال الصالة‪ .‬فيقول‪ ،‬وقد فكر مّا سع‪ ،‬أي عجب‪ :‬فأين اللّوات ل يكنّ ف الدار الفانية؟ وكيف يتميّزن من غيهنّ؟ فيقول اللك‪:‬‬

‫قف أثري لترى البديء من قدره ال‪ .‬فيتبعه‪ ،‬فيجيء به إل حدائق ل يعرف كنهها إلّ ال‪ ،‬فيقول اللك‪ :‬خذ ثرةً من هذا الثمر فاكسرها فإنّ هذا‬
‫الشجر يعرف بشجر الور‪.‬‬
‫فيأخذ سفرجلةً‪،‬أو رمّانةً‪ ،‬أو تفّاحةً‪ ،‬أو ما شاء ال من الثمار‪ ،‬فيكسرها‪ ،‬فتخرج منها جاريةٌ حوراء عيناء تبق لسنها حوريّات النان‪ ،‬فتقول‪ :‬من أنت‬
‫يا عبد ال؟ فيقول‪ :‬أنا فلن بن فلنٍ‪ .‬فتقول‪ :‬إنّي أمنّى بلقائك قبل أن يلق ال الدّنيا بأربعة آلف سنة‪ .‬فعند ذلك يسجد إعظاما ل القدير ويقول‪ :‬هذا‬
‫ي رأت‪ ،‬ول أذنٌ سعت‪ ،‬وبله ما أطلعتهم عليه وبل ف معن‪ :‬دع وكيف‪.‬‬
‫كما جاء ف الديث‪ :‬أعددت لعبادي الؤمني ما ل ع ٌ‬
‫ويطر ف نفسه‪ ،‬وهو ساجدٌ‪ ،‬أنّ تلك الارية‪ ،‬على حسنها‪ ،‬ضاويةٌ‪ ،‬فيفع رأسه من السّجود وقد صار من ورائها ردفٌ يضاهي كثبان عالٍ‪ ،‬وأنقاء‬
‫الدّهناء‪ ،‬وأرملة يبين وبن سعدٍ‪ ،‬فيهال من قدرة اللّطيف البي ويقول‪ :‬يا رازق الشرقة سناها‪ ،‬ومبلغ السائلة مناها‪ ،‬والذي فعل ما أعجز وهال‪ ،‬ودعا‬
‫إل اللم الهّال‪ ،‬أسألك أن تقصر بوص هذه الوريّة على ميلٍ ف ميل‪ ،‬فقد جاز با قدرك حدّ التأميل‪ .‬فيقال له‪ :‬أنت ميّر ف تكوين هذه الارية كما‬
‫تشاء‪ .‬فيقتصر من ذلك على الرادة‪.‬‬
‫ويبدو له أن يطّلع إل أهل النّار فينظر إل ما هم فيه ليعظم شكره على النّعم‪ ،‬بدليل قوله تعال‪ " :‬قال قائ ٌل منهم‪ :‬إنّي كان ل قرينٌ‪ ،‬يقول أئنّك لن‬
‫الصدّقي‪ ،‬أئذا متنا وكنّا تربا وعظاما أئنّا لدينون‪ .‬قال هل أنتم مطّلعون‪ .‬فاطّلع فرآه ف سواء الحيم‪ ،‬قال‪ :‬تال إن كدت لتردين‪ ،‬ولول نعمة ربّي‬
‫لكنت من الحضرين " ‪.‬‬
‫فيكب بعض دوابّ النّة ويسي‪ ،‬فإذا هو بدائن ليست كمدائن النّة‪ ،‬ول عليها النّور الشّعشعانّ‪ ،‬وهي ذات أدحالٍ وغماليل‪ .‬فيقول لبعض اللئكة‪:‬‬
‫ما هذه يا عبد ال؟ فيقول‪ :‬هذه جنّة العفاريت الذين آمنوا بحمّد‪ ،‬صلّى ال عليه وسلّم‪ ،‬وذكروا ف القحاف‪ ،‬وف سورة النّ‪ ،‬وهم عد ٌد كثيٌ‪.‬‬
‫فيقول‪ :‬لعدّلنّ إل هؤلء فلن أخلو لديهم من أعجوبةٍ‪ .‬فيعوج عليهم‪ ،‬فإذا هو بشي ٍخ جالسٍ على باب مغارةٍ‪ ،‬فيسلّم عليه فيحسن الرّ ّد ويقول‪ :‬ما جاء‬
‫بك يا إنسيّ؟ إنّك ب ٍي لعسيّ‪ ،‬مالك من القوم سيّ! فيقول‪ :‬سعت أنّكم جنّ مؤمنون فجئت ألتمس عندكم أخبار النّان‪ ،‬وما لعلّه لديكم من أشعار‬
‫الردة‪.‬‬
‫فيقول ذلك الشيخ‪ :‬لقد أصبت العال ببجدة المر‪ ،‬ومن هو منه كالقمر من الالة ل كالاقن من الهالة‪ ،‬فسل عمّا بدا لك‪.‬‬
‫فيقول‪ :‬ما أسك أيّها الشيخ؟ فيقول‪ :‬أنا اليثعرر أحد بن الشّيصبان‪،‬ولسنا من ولد إبليس ولكنّا من النّ الذين كانوا يسكنون الرض قبل ولد آدم‪،‬‬
‫صلّى ال عليه‪.‬‬
‫فيقول‪ :‬أخبن عن أشعار النّ‪ ،‬فقد جع منها العروف بالرزبانّ قطعةً صالة‪ .‬فيقول ذلك الشيخ‪ :‬إنّما ذلك هذيانٌ ل معتمد عليه‪ ،‬وهل يعرف البشر‬
‫من النّظيم إلّ كما تعرف البقر من علم اليئة ومساحة الرض؟ وإنّما لم خسة عشر جنسا من الوزون ق ّل ما يعدوها القائلون‪ ،‬وإنّ لنا للف أوزانٍ ما‬
‫سع با النس‪ .‬وإنّما كانت تطر بم أطيفالٌ منّا عارمون فتنفث إليهم مقدار الضّوازة من أراك نعمان‪ .‬ولقد نظمت الرّجز والقصيد قبل أن يلق ال آدم‬
‫بكورٍ أن كورين‪ .‬وقد بلغن أنّكم معشر النس تلهجون بقصيدة امريء القيس‪:‬‬
‫ب ومنل‬
‫قفا نبك من ذكرى حبي ٍ‬
‫آداب النّ‬
‫تفّظونا الزاورة ف الكاتب‪ ،‬وإن شئت أمليتك ألف كلمةٍ على هذا الوزن على مثل‪ :‬منل وحومل‪ ،‬وألفا على ذلك القبيّ ييء على منل وحومل‪،‬‬
‫وألفا على منلً وحوملً‪ ،‬وألفا على‪ :‬منله وحومله‪ ،‬وألفا على‪ :‬منله وحومله‪ ،‬وألفا على‪ :‬منله وحومله‪ .‬وكلّ ذلك لشاع ٍر منّا هلك وهو كافرٌ‪ ،‬وهو‬
‫الن يشتعل ف أطباق الحيم‪ .‬فيقول‪ ،‬وصل ال أوقاته بالسعادة‪ :‬أيّها الشيخ‪ ،‬لقد بقي عليك حفظك! فيقول‪ :‬لسنا مثلكم يا بن آدم يغلب علينا النّسيان‬
‫والرّطوبة‪ ،‬لنّكم خلقتم من حا ٍء مسنونٍ‪ ،‬وخلقنا من مارجٍ من نار‪ .‬فتحمله الرّغبة ف الدب أن يقول لذلك الشّيخ‪ :‬أفتم ّل عليّ شيئا من تلك الشعار؟‬
‫فيقول الشيخ‪ :‬فإذا شئت أمللتك ما ل تسقه الرّكاب‪ ،‬ول تسعه صحف دنياك‪.‬‬
‫فيه ّم الشّيخ‪ ،‬ل زالت هتّه عاليةً‪ ،‬بأن يكتتب منه‪ّ ،‬ث يقول‪ :‬لقد شقيت ف الدار العاجلة بمع الدب‪ ،‬ول أحظ منه بطائلٍ‪ ،‬وإنّما كنت أتقرّب به إل‬
‫الرؤساء‪ ،‬فأحتلب منهم درّبكيء وأجهد أخلف مصورٍ‪ ،‬ولست بوفّقٍ إن تركت لذّات النّة وأقبلت أتنسخ آداب ال ّن ومعي من الدب ما هو كان‬
‫لسيما وقد شاعالنسيان ف أهل أدب النة‪ ،‬فصرت من أكثرهم رواية وأوسعهم حفظا‪ ،‬ول المد‪.‬‬

‫ويقول لذلك الشيخ‪ :‬ما كنيتك لكرمك بالتّكنية؟ فيقول‪ :‬أبو هدرش‪ ،‬أولدت من الولد ما شاء ال‪ ،‬فهم قبائل‪ :‬بعضهم ف النّار الوقدةٍ‪ ،‬وبعضهم ف‬
‫النان‪ .‬فيقول‪ :‬يا أبا هدرش‪ ،‬مال أراك أشيب وأهل النّة شبابٌ؟ فيقول‪ :‬إنّ النس أكرموا بذلك وأحرمناه‪ ،‬لنّا أعطنا الولة ف الدار الاضية‪ ،‬فكان‬
‫أحدنا إن شاء صار حيّ ًة رقشاء‪ ،‬وإن شاء صار عصفورا‪ ،‬وإن شاء صار حامة‪ ،‬فمنعنا التصوّر ف الدار الخرة‪ ،‬وتركنا على خلقنا ل نتغيّر‪ ،‬وعوّض بنو‬
‫آدم كونم فيما حسن من الصور‪ .‬وكان قائل النس يقول ف الدار الذاهبة‪ :‬أعطينا اليلة‪ ،‬وأعطي ال ّن الولة‪.‬‬
‫ولقد لقيت من بن آدم شرّا‪ ،‬ولقوا منّي كذلك‪ ،‬دخلت مرَةً دار أناسٍ أريد أن أصرع فتا ًة لم‪ ،‬فتصوّرت ف صورة عضلٍ أي جر ٍذ فدعوا ل الضّياون‪،‬‬
‫ل أرقم ودخلت ف قطيلٍ هناك‪ ،‬فلمّا علموا ذلك كشفوه عن‪ ،‬فلمّا خفت القتل صرت ريا هفّاف ًة فلحقت بالرّوافد ونقضوا‬
‫فلمّا أرهقتن توّلت ص ً‬
‫تلك الشب والجذال فلم يروا شيئا‪ .‬فجعلوا يتفكّنون ويقولون‪ :‬ليس هاهنا مكانٌ يكن أن يستتر فيه‪ .‬فبيناهم يتذاكرون ذلك عمدت لكعابم ف‬
‫الكلّة‪ ،‬فلمّا رأتن أصابا الصّرع‪ ،‬واجتمع أهلها من كلّ أوبٍ‪ ،‬وجعوا لا الرقاة‪ ،‬وجاؤوا بالطبّة وبذلوا النفسات‪ ،‬فما ترك راقٍ رقيةً إلّ عرضها عليّ‬
‫وأنا ل أجيب‪ ،‬وغبت الساة تسقيها الشفية وأنا سدكٌ با ل أزول‪ ،‬فلمّا أصابا المام طلبت ل سواها صاحبةً‪ ،‬ثّ كذلك حت رزق ال النابة وأثاب‬
‫الزيل‪،‬فل أفتأ له من الامدين‪:‬‬
‫ط أوزاري ومزّقها‬
‫حدت من ح ّ‬
‫عنّي‪ ،‬فأصبح ذنب اليوم مغفورا‬
‫وكنت آلف من أتراب قرطبة‬
‫خودا‪ ،‬وبالصّي أخرى بنت يغبورا‬
‫أزور تلك وهذي‪ ،‬غي مكترث‬
‫ف ليلةٍ‪ ،‬قبل أن أستوضح النّورا‬
‫ول أم ّر بوحشيّ ول بشرٍ‪،‬‬
‫إلّ وغادرته ولان مذعورا‬
‫أروّع الزّنج إلاما بنسوتا‬
‫والرّوم والتّرك والسّقلب والغورا‬
‫وأركب اليق ف الظّلماء معتسفا‬
‫ب ريادٍ بات مقرورا‬
‫أول‪ ،‬فذ ّ‬
‫وأحضر الشّرب أعروهم بآبدةٍ‬
‫يزجون عودا ومزمارا وطنبورا‬
‫فل أفارقهم حتّى يكون لم‬
‫فعلٌ‪ ،‬يظلّ به إبليس مسرورا‬
‫وأصرف العدل ختلً عن أمانته‬
‫حت يون‪ ،‬وحت يشهد الزّورا‬
‫وكم صرعت عوانا ف لظى لبٍ‬
‫قامت تارس للطفال مسجورا‬
‫وذادن الرء نوحٌ عن سفينته‪،‬‬
‫ضربا‪ ،‬إل أن غدا الظّنبوب مكسورا‬
‫وطرت ف زمن الطّوفان معتليا‬
‫ف الوّ حت رأيت الاء مسورا‬
‫وقد عرضت لوسى ف تفرّده‬

‫بالشاء ينتج عمروسا وفرفورا‬
‫ل أخله من حديثٍ مّا‪ ،‬ووسوسةِ‬
‫إذ دكّ ربّك ف تكليمه الطّورا‬
‫أضللت رأي أب ساسان عن رشدٍ‬
‫وسرت مستخفيا ف جيش سابورا‬
‫وساد برام جور وهو ل تبعٌ‬
‫أيّام يبن على علّته جورا‬
‫فتارةً أنا صلّ ف نكارته‪،‬‬
‫وربّما أبصرتن العي عصفورا‬
‫تلوح ل النس عورا أو ذوي حولً‬
‫من بعد ما عشت بالعصيان مشهورا‬
‫حت إذا انفضّت الدّنيا ونودي‪ :‬إس‬
‫ل تنفخ الصّورا‬
‫رافيل ويك‪ ،‬ه ّ‬
‫أماتن ال شيئا‪ ،‬ثّ أيقظن‬
‫ب ل يفهمون عن الروم‪،‬‬
‫لبعثي‪ ،‬فرزقت اللد مبورا فيقول‪ :‬ل درّك يا أبا هدرش؟ لقد كنت تارس أوابد ومندياتٍ‪ ،‬فكيف ألسنتكم؟ أيكون فيكم عر ٌ‬
‫ورو ٌم ل يفهمون عن العرب‪ ،‬كما ند ف أجيال النس؟ فيقول‪ :‬هيهات أيّها الرحوم؟ إنّا أهل ذكاءٌ وفطنٍ‪ ،‬ولبدّ لحدنا أن يكون عارفا بميع اللسن‬
‫النسيّة‪ ،‬ولنا بعد ذلك لسانٌ ل يعرفه النيس‪ .‬وانا لذي أنذرت ال ّن بالكتاب النل‪ :‬أدلت ف رفقةٍ من الابل نريد اليمن‪ ،‬مررنا بيثرب ف زمان العو‬
‫أي الرّطب ف سعنا قرآنا عجبا يهدي إل الرّشد فآمنّا به ولن نشرك بربنا أحدا‪ :‬وعدت قومي فذكرت لم ذلك‪ ،‬فتسرعت منهم طوائف إل اليان‪،‬‬
‫وحثّهم على ما فعلوه أنّهم رجوا عن استراق السّمع بكواكب مرقاتٍ‪.‬‬
‫فيقول‪ :‬يا أبا هدرش‪ ،‬أخبن‪ ،‬وأنت البي‪ ،‬هل كان رجم النّجوم ف الاهليّة؟ فإنّ بعض النّاس يقول إنّه حدث ف السلم‪ .‬فيقول‪ :‬هيهات؟ أما سعت‬
‫قول الوديّ‪:‬‬
‫كشهاب القذف يرميكم به ‪ ...‬فارسٌ‪ ،‬ف كفّه للحرب نار‬
‫وقول ابن حجرٍ‪:‬‬
‫فانصاع كالدّرّيّ يتبعه ‪ ...‬نقعٌ يثور‪ ،‬تاله طنبا‬
‫ولكنّ الرَجم زاد ف أوان البعث‪ ،‬وإنّ التّخرّص لكثيٌ ف النس والنّ‪ ،‬وإنّ الصّدق لعوزٌ قليلٌ‪ ،‬وهنيئا ف العاقبة للصّادقي‪.‬‬
‫وف قصِة الرّجم أقول‪:‬‬
‫مكّة أقوت من بن الدّردبيس‬
‫فما لّنيّ با من حسيس‬
‫وكسّرت أصنامها عنوةً‪،‬‬
‫ت بنصيلٍ رديس‬
‫فك ّل جب ٍ‬
‫وقام ف الصّفوة من هاشمٍ‬
‫أزهر ل يغفل حقّ الليس‬
‫يسمع ما أنزل من ربّه ال‬
‫قدّوس وحيا مثل قرع الطّسيس‬
‫يلد ف المر‪ ،‬ويشتدّ ف ال‬

‫أمر‪ ،‬ول يطلق شرب الكسيس‬
‫ويرجم الزّان ذا العرس ل‬
‫يقبل فيه سؤلةً من رئيس‬
‫وكم عروسٍ بات حرّاسها‬
‫كجرهمٍ ف عزّها أو جديس‬
‫زفّت إل زوجٍ لاء سّيدٍ‬
‫ما هو بالنّكس ول بالضّبيس‬
‫غرت عليها‪ ،‬فتخلّجتها‬
‫بواشك الصّرعة قبل السيس‬
‫وأسلك الغادة مجوبةً‬
‫ف الدر‪ ،‬أو بي جوارٍ تيس‬
‫ل أنتهي عن غرضي بالرّقى‪،‬‬
‫إذا انتهى الضّيغم دون الفزيس‬
‫وأدل الظّلماء ف فتيةٍ‬
‫ملجنّ فوق الاحل العربسيس‬
‫ف طاسمٍ تعزف جنّانه‪،‬‬
‫أقفز إ ّل من عفاريت ليس‬
‫بيضٍ‪ ،‬با ليل‪ ،‬ثقالٍ‪ ،‬يعا‬
‫ليل‪ ،‬كرامٍ‪ ،‬ينطقون السيس‬
‫تملنا ف النح خيلٌ لا‬
‫أجنحةٌ‪ ،‬ليست كخيل النيس‬
‫وأين ٌق تسبق أبصاركم‬
‫ملوق ٌة بي نعامٍ وعيس‬
‫تقطع من علوة ف ليلها‬
‫إل قرى شاسٍ بسيٍ هيس‬
‫ل نسك ف أيّامنا عندنا‬
‫بل نكس الدّين فما إن نكيس‬
‫فالحد العظم‪ ،‬والسّبت كال‬
‫إثني‪ ،‬والمعة مثل الميس‬
‫ل مسٌ نن‪ ،‬ول هوّدٌ‬
‫ول نصارى يبتغون الكنيس‬
‫نزّق التّوراة من هونا‪،‬‬
‫ونطم الصّلبان حطم اليبيس‬
‫نارب ال جنودا لب‬
‫ليس أخي الرأي الغبي النّجيس‬

‫نسلّم الكم إليه إذا‬
‫قاس‪ ،‬فنرضى بالضّلل القيس‬
‫نزين للشارخ والشيخ أن‬
‫يفرغ كيسا ف النا بعد كي‬
‫ونفتري ج ّن سليمان كي‬
‫نطلق منها كلّ غاوٍ حبيس‬
‫صيّر ف قارورةٍ رصّصت‬
‫فلم تغادر منه غي النّسيس‬
‫ونرج السناء مطرودةً‬
‫من بيتها عن سوء ظنّ حديس‬
‫نقول‪ :‬ل تقنع بتطليقةٍ‬
‫وأقبل نصيحا ل يكن بالدّسيس‬
‫حت إذا صارت إل غيه‬
‫عاد من الوجد ب ّد تعيس‬
‫نذكره منها‪ ،‬وقد زوّجت‪،‬‬
‫ثغرا كدرّ ف مدامٍ غريس‬
‫وندع القسيّيس ف فصحه‬
‫من بعد ما ملّىء بالنقليس‬
‫أصبح مشتاق إل لذّةٍ‬
‫ل بالصّرف أو بالفيس‬
‫معلّ ً‬
‫أقسم ل يشرب إ ّل دوي‬
‫ن السّكر‪ ،‬والبازل تال السّديس‬
‫قلنا له‪ :‬أزدد قدحا واحدا‬
‫ما أنت أن تزداده بالوكيس‬
‫يميك ف هذا الشّفيف الذي‬
‫يطفىء بالقرّ التهاب الميس‬
‫فعبّ فيها‪ ،‬فوهى لبّه‬
‫و ُع ّد من آل اللّعي الرّجيس‬
‫حتّى يفيض الفم منه على‬
‫نرقتيه بالشّراب القليس‬
‫ونسخط اللك على الشفق ال‬
‫مفرط ف النّصح إذا اللك سيس‬
‫وأعجل السّعلة عن قوتأ‬
‫ف يدها كشح مهاةٍ نيس‬
‫ل أتّقي البّ لهواله‬

‫وأركب البحر أوان القريس‬
‫نادمت قابيل وشيثا وها‬
‫بيل على العاتقة الندريس‬
‫وصاحب لك لدى الزهر ال‬
‫معملِ ل يعي بزيرٍ جسيس‬
‫ورهط لقمان وأيساره‬
‫عاشرت من بعد الشّباب اللّبيس‬
‫ثّت آمنت‪ ،‬ومن يرزق ال‬
‫إيان يظفر بالطي النّفيس‬
‫جاهدت ف بدرٍ وحاميت ف‬
‫أح ٍد وف الندق رعت الرّئيس‬
‫وراء جبيل وميكال نخ‬
‫ل الام ف الكبّة خلي اللّسيس‬
‫حي جيوش النّصر ف الوّ‪ ،‬وال‬
‫طاغوت كالزّرع تناهى‪ ،‬فديس‬
‫عليهم ف هبوات الوغى‬
‫عمائمٌ صف ٌر كلون الوريس‬
‫صهيل حيزوم إل الن ف‬
‫سعي أكرم بالصان الرّغيس‬
‫ل يتبع الصّيد ول يألف ال‬
‫قيد ول يشكو الوجى والدّخيس‬
‫فلم تبن حرّةٌ عانسٌ‪،‬‬
‫ول كعابٌ ذات حس ٍن رسيس‬
‫وأيقنت زين منّي الّتقى‪،‬‬
‫ول تف من سطوات ليس‬
‫وقلت للجنّ‪ :‬أل يا اسجدوا‬
‫ل‪ ،‬وانقادوا انقياد السيس‬
‫فإنّ دنياكم لا مدّةٌ‬
‫غادرةٌ بالسّمح أو بالشّكيس‬
‫بلقيس أودت ومضى ملكها‬
‫عنها‪ ،‬فما ف الذن من هلبسيس‬
‫وأسرة النذر حاروا عن ال‬
‫ب رميس‬
‫حية ك ّل ف ترا ٍ‬
‫إنَا لسنا بعدكم فاعلموا‬
‫برقع‪ ،‬فاهتاجت بشرّ بئيس‬

‫ترمي الشّياطي بنيانا‬
‫حت ترى مثل الرّماد الدّريس‬
‫فطاوعتن أمّ ٌة منهم‬
‫فازت‪ ،‬وأخرى لقت الرّكيس‬
‫وطار ف اليموك ب سابحٌ‬
‫ب وطع ٍن خليس‬
‫والقوم ف ضر ٍ‬
‫حتّى تلّت عنّي الرب كال‬
‫جرة ف وقدة ذاك الوطيس‬
‫والمل النكد شاهدته‬
‫بئس نتيج النّاقة العنتريس‬
‫بي بن ضبّة مستقدما‬
‫والهل ف العال داءٌ نيس‬
‫وزرت صفّي على شبط ٍة‬
‫جرداء‪ ،‬ما سائسها بالريس‬
‫مدّلً بالسّيف أبطالا‬
‫وقاذفا بالصّخرة الرمريس‬
‫وسرت قدّام عليّ غدا‬
‫ة النّهر حت فلّ غرب الميس‬
‫ظ توبةً‬
‫صادف منّي واع ٌ‬
‫فكانت اللّقوة عند القبيس فيعجبٌ‪ ،‬ل زال ف الغبطة والسّرور‪ ،‬لا سعه من ذلك النّ‪ ،‬ويكره الطالة عنده فيودّعه‪.‬‬
‫ويمّ فإذا هو بأسدٍ يفترس من صيان النّة وحسيلها فل تكفيه هنيدةٌ ول هندٌ أي مائة ول مائتان فيقول ف نفسه‪ :‬لقد كان السد يفترس الشاة‬
‫العجفاء‪ ،‬فيقيم عليها اليّام ل يطعم سواها شيئا‪.‬‬
‫فيلهم ال السد أن يتكلّم‪ ،‬وقد عرف ما ف نفسه‪ ،‬فيقول‪ :‬يا عبد ال‪ ،‬أليس أحدكم ف النّة تقدّم له الصّحفة وفيها البهطّ والطّري مع النّهيدة‪ ،‬فيأكل‬
‫منها مثل عمر السّموات والرض‪ ،‬يلتذّ با أصاب فل هو مكتفٍ‪ ،‬ول هي الفانية؟ وكذلك أنا افترس ما شاء ال‪ ،‬فل تأذى الفريسة بظفرٍ ول نابٍ‪،‬‬
‫ولكن تد من اللّذة كم أجد بلطف ربّها العزيز‪ .‬أتدري من أنا أيّها البزيع؟ أنا أسد القاصرة الت كانت ف طريق مصر‪ ،‬فلمّا سافر عتبة بن أب لبٍ يريد‬
‫تلك الهة‪ ،‬وقال النبّ صلى ال عليه وسلم‪ " :‬الله ّم سلّط عليه كلبا من كلبك " ‪ ،‬ألمت أن أتوّع له أيّاما‪ ،‬وجئت وهو نائ ٌم بي الرّفقة فتخللّت‬
‫الماعة إليه‪ ،‬وأدخلت النّة با فعّلت‪.‬‬
‫وي ّر بذئبٍ يقتنص ظبا ًء فيفن السّربة بعد السّربة‪ ،‬وكلّما فرغ من ظبٍ أو ظبية‪ ،‬عادت بالقدرة إل الال العهودة‪ ،‬فيعلم أنّ خطبه كخطب السد‪،‬‬
‫ب صلى ال عليه وسلم‪ ،‬كنت أقيم عشر ليا ٍل أو أكثر‪ ،‬ل أقدر على‬
‫فيقول‪ :‬ما خبك با عبد ال؟ فيقول‪ :‬أنا الذئب الذي كلّم السلمي على عهد الن ّ‬
‫العكرشة ول القواع‪ ،‬وكنت إذا هّمت بعجيّ العيز‪ ،‬آسد الراعي عليّ الكلب‪ ،‬فرجعت إل الصاحبة مرّق الهاب‪ .‬فتقول‪ :‬لقد خطئت ف أفكارك‪ ،‬ما‬
‫خي لك ف ابتكارك‪ ،‬وربّا رميت بالسّروة فنشبت ف القراب‪ ،‬فأبيت ليلت لا ب‪ ،‬حت تنتزعها السّلقة وأنا بآخر النّسيس‪ ،‬فلحقتن بركة ممّد صلى ال‬
‫عليه وسلم‪.‬‬
‫ت ف أقصى النة‪ ،‬كأنّه حفش أمةٍ راعيةٍ‪ ،‬وفيه رجلٌ ليس عليه نور سكّان النّة‪ ،‬وعنده شجرٌة قميئةٌ‬
‫فيذهب‪ ،‬عرّفه ال الغبطة ف ك ّل ِسبيل‪ ،‬فإذا هو ببي ٍ‬
‫ق من شقاءٍ‪ ،‬وشفاعةٍ من قريشٍ‬
‫ثرها ليس بزاكٍ‪ .‬فيقول‪ :‬يا عبد ال‪ ،‬لقد رضيت بق ٍي شقنٍ‪ .‬فيقول‪ :‬وال ما وصلت إليه إ ّل بعد هياطٍ ومياطٍ وعر ٍ‬
‫وددت أنّها ل تكن‪ :‬فيقول‪ :‬من أنت؟ فيقول أنا الطيئة العبسي فيقول‪ :‬ب وصلت إل الشّفاعة؟ فيقول بالصّدق‪.‬‬

‫ي شيءٍ؟ فيقول‪ :‬ف قول‪:‬‬
‫فيقول‪ :‬ف أ ّ‬
‫أبت شفتاي اليوم إل تكلمّما ‪ ...‬بجرٍ‪ ،‬فما أدري لن أنا قائله‬
‫أرى ل وجها شوّه ال خلقه‪ ... ،‬فقبّح من وجهٍ‪ ،‬وقبّح حامله‬
‫فيقول‪ :‬ما بال قولك‪:‬‬
‫من يفعل الي ل يعدم جوازيه ‪ ...‬ل يذهب العرف بي ال والنّاس‬
‫ل يغفر لك به؟ فيقول‪ :‬سبقن إل معناه الصّالون‪ ،‬ونظمته ول أعمل به‪ ،‬فحرمت الجر عليه‪ .‬فيقول‪ :‬ما شأن الزبرقان ابن بدرٍ؟ فيقول الطيئة‪ :‬هو‬
‫س ف الدّنيا والخرة‪ ،‬انتفع بجائي ول ينتفع غيه بديي‪.‬‬
‫رئي ٌ‬
‫النساء السّلميّة‬
‫فيخلّفه ويضي‪ ،‬فإذا هو بامرأة ف أقصى النّة‪ ،‬قريبةٍ من الطلّ إل النار‪ .‬فيقول‪ :‬من أنت؟ فتقول‪ :‬أنا النساء السّلميّة‪ ،‬أحببت أن أنظر إل صخرٍ‬
‫فاطلّعت فرأيته كالبل الشّامخ والنار تضطرم ف رأسه‪ ،‬فقال ل؟ لقد صحّ مزعمك فّ؟ يعن قول‪:‬‬
‫وإنّ صخرا لتأتّ الداة به ‪ ...‬كأنّه عل ٌم ف رأسه نار‬
‫فيطلّع فيى إبليس‪ ،‬لعنه ال‪ ،‬وهو يضطرب ف الغلل والسّلسل ومقامع الديد تأخذه من أيدي الزّبانية‪ .‬فيقول‪ :‬المد ل الذي أمكن منك يا عدو‬
‫ال وعدوّ أوليائه! لقد أهلكت من بن آدم طوائف ل يعلم عددها إلّ ال‪ .‬فيقول‪ :‬من الرجل؟ فيقول‪ :‬أنا فلن ابن فلنٍ من أهل حلب‪ ،‬كانت صناعت‬
‫الدب‪ ،‬أتقرّب به إل اللوك‪ .‬فيقول‪ :‬بئس الصّناعة؟ إنّها تب غفّ ًة من العيش‪ ،‬ل يتّسع با العيال‪ ،‬وإنّها لزلّ ٌة بالقدم وكم أهلكت مثلك! فهنيا لك إذ‬
‫نوت‪ ،‬فأول لك ثّ أول؟! وإنّ ل إليك لاجةً‪ ،‬فإن قضيتها شكرتك يد النون‪ .‬فيقول‪ :‬إنّي ل أقدر لك على نفعٍ‪ ،‬فإن الية سبقت ف أهل النّار‪ ،‬أعن‬
‫قوله تعال‪ " :‬ونادى أصحاب النّار أصحاب النّة أن أقبضوا علينا من الاء أو مّا رزقكم ال‪ ،‬قالوا إنّ ال حرّمهما علىالكافرين " ‪.‬‬
‫فيقول‪ :‬إنّي لأسألك ف شي ٍء من ذلك‪ ،‬ولكن أسألك عن خبٍ تبينه‪ :‬إ ّن المر حرّمت عليكم ف الدّنيا وأحلّت لكم ف الخرة‪ ،‬فهل يفعل أهل النّة‬
‫بالولدان الخلّدين فعل أهل القريات؟ فيقول‪ :‬عليك البهلة؟! أما شغلك ما أنت فيه؟ أما سعت قوله تعلى‪ " :‬ولم فيها أزواجٌ مطهّر ٌة وهم فيه خالدون‬
‫" ؟ فيقول‪ :‬وإنّ ف النّة لشربةً كثيةً غي المر‪ ،‬فما فعل بشّار بن بردٍ؟ فإ ّن له عندي يدا ليست لغيه من ولد آدم‪ :‬كان يفضّلن دون الشعراء‪ ،‬وهو‬
‫القائل‪ :‬؟إبليس أفضل من أبيكم آدمٍ فتبيّنوا يا معشر الشرار‬
‫النّار عنصره‪ ،‬وآدم طينةٌ‪ ... ،‬والطّي ل يسمو سوّ النّار‬
‫لقد قال القّ‪ ،‬ول يزل قائله من المقوتي‪.‬‬
‫فل يسكت من كلمه‪ ،‬إ ّل ورجلٌ ف أصناف العذاب يغمّض عينيه حت ل ينظر إل ما نزل به من النّقم‪ ،‬فيفتحها الزّبانية بكلليب من نارٍ‪ ،‬وإذا هو بشّار‬
‫بن بردٍ قد أعطي عيني بعد الكمه‪ ،‬لينظر إل ما نزل به من النّكال‪.‬‬
‫فيقول له‪ ،‬أعلى ال درجته‪ :‬يا أبا معاذٍ‪ ،‬لقد أحسنت ف مقالك‪ ،‬وأسأت ف معتقدك‪ ،‬ولقد كنت ف الدّ؟ار العاجلة أذكر بعض قولك فأترحّم عليك‪،‬‬
‫ظنّا نّ التَوبة ستلحقك‪ ،‬مثل قولك‪:‬‬
‫ارجع إل سك ٍن تعيش به ‪ ...‬ذهب الزّمان وأنت منفرد‬
‫ترجو غدا‪ ،‬وغدٌ كحامل ٍة ‪ ...‬ف ال ّي ل يدرون ما تلد؟!‬
‫وقولك‪:‬‬
‫واها لساء ابنة الشدّ ‪ ...‬قامت تراءى إذ رأتن وحدي‬
‫كالشّمس بي الزّبرج النقدّ ‪ ...‬ضنّت بدّ‪ ،‬وجلت عن خدّ‬
‫ثّ انثنت كالنّفس الرتدّ؛ ‪ ...‬وصاحب كال ّدمّل المدّ‬
‫أرقب منه مثل حّى الورد‪ ... ،‬حلته ف رقعةٍ من جلدي‬
‫ال ّر يلحى‪ ،‬والعصا للعبد‪ ... ،‬وليس للملحف مثل الرّدّ‬

‫الن وقع منك اليأس! وقلت ف هذه القصيدة‪ :‬السّبد‪ ،‬ف بعض قوافيها‪ ،‬فإن كنت أردت جع سُبدٍ‪ ،‬وهو طائرٌ‪ ،‬فإنّ فعلً ل يمع على ذلك؛ وإن كنت‬
‫سكنت الباء فقد أسأت‪ ،‬ل ّن تسكي الفتحة غي معروفٍ‪ ،‬ول حجّة لك ف قول الخطل‪:‬‬
‫وما ك ّل مغبونٍ إذا سلف صفقةً ‪ ...‬براجع ما قد فاته برداد‬
‫ول ف قول الخر‪:‬‬
‫ب خلقه ال آدما‬
‫وقالوا‪ :‬ترابّ‪ ،‬فقلت‪ :‬صدقتم ‪ ...‬أب من ترا ٍ‬
‫لنّ هذه شواذّ‪ ،‬فأمّا قول جيل‪:‬‬
‫ي من بثينة‪ ،‬والنّوى ‪ ...‬جيعٌ بذات الرَضم صردٌ مجّل‬
‫وصاح بب ٍ‬
‫ص من قولم‪ :‬احبك حبا صردا‪ ،‬أي خالصا‪،‬‬
‫فإ ّن من أنشده بضمّ الصَاد مطىء‪ ،‬لنّه يذهب إل أنّه أراد الصّرد فسكّن الراء‪ ،‬وإنّما هو صردٌ أي خال ٌ‬
‫يعن غرابا أسود ليس فيه بياضٌ‪ ،‬وقوله‪ :‬مجّ ٌل أي مقيّد‪ ،‬لنّ حلقة القيد تسمّى حجلً‪،‬‬
‫ي بن زيد‬
‫قول عد ّ‬
‫أعاذل قد لقيت ما بزع الفت‬
‫وطابقت ف الجلي مشي القيّد والغراب يوصف بالتّقييد لقصر نساه‪ ،‬قال الشاعر‪:‬‬
‫ومقّيدٍ بي الدّيار كأنّه ‪ ...‬حبشيّ داجنةٍ ي ّر ويعتلي‬
‫فيقول بشّارٌ‪ :‬يا هذا! دعن من أباطيلك فإنّي لشغولٌ عنك‪ .‬ويسأل عن امرىء القيس بن حجر‪ ،‬فيقل‪ :‬ها هو ذا بيث يسمعك‪ .‬فيقول‪ :‬يا أبا هند إنّ‬
‫رواة البغداديي ينشدون ف قفا نبك‪ ،‬هذه البيات بزيادة الواو ف أوّلا‪ ،‬أعن قولك‪:‬‬
‫وكأنّ ذرى رأس الجيمر غدوةً‬
‫وكذلك‪:‬‬
‫وكأنّ مكاكيّ الواء‬
‫ي فرقٍ يقع بي النّظم والنّثر؟ وإنا ذلك شي ٌء فعله من ل غريزة له‬
‫وكأنَ السّباع فيه غرقى فيقول‪ :‬أبعد ال أولئك! لقد أساؤوا الرواية‪ ،‬وإذا فعلوا ذلك فأ ّ‬
‫ل ف النظوم‪ ،‬وهيهات هيهات! فيقول‪ :‬أخبن عن قولك‪ :‬كبكر القاناة البياض بصفرةٍ ماذا أردت بالبكر؟‬
‫ف معرفة وزن القريض‪ ،‬فظنّه التأخّرون أص ً‬
‫فقد اختلف التأوّلون ف ذلك فقالوا‪ :‬البيضة‪ ،‬وقالوا‪ :‬ال ّدرّة‪ ،‬وقالوا‪ :‬الرّوضة‪ ،‬وقالوا الزّهرة‪ ،‬وقالوا‪ :‬البديّة‪.‬‬
‫وكيف تنشد‪ :‬البياضِ‪ ،‬أم البياضَ‪ ،‬أم البياضُ؟ فيقول‪ :‬كلّ ذلك حسنٌ‪ ،‬وأختار البياض‪ ،‬بالكسر‪ ،‬فيقول‪ :‬فرّغ ال ذهنه للداب‪ :‬لو شرحت لك ما قال‬
‫النحويّون ف ذلك لعجبت‪ .‬وبعض العلّمي ينشد قولك‪.‬‬
‫من السّيل والغثاء فلكة مغزل‬
‫فيشدّد الثاءً‪ .‬فيقول‪ :‬إنّ هذا لهولٌ‪ .‬وهو نقيض الذين زادو الواو ف أوائل البيات‪ :‬أولئك أرادوا النّسق‪ ،‬فأفسدوا الوزن‪ :‬وهذا البأس أراد أن يضحّح‬
‫الزّنة فأفسد اللّفظ‪ .‬وكذلك قول‪:‬‬
‫فجئت وفد نضّت لنومٍ ثيابا‬
‫منهم من يشدّد الضاد‪ ،‬ومنهم من ينشد بالتخفيف‪ ،‬والوجهان من قولك‪ :‬نضوت الثّوب‪ .‬إلّ أنك إذا شد؟؟ّ؟دت الضاد‪ ،‬أشّبه الفعل من النّضيض‪ ،‬يقال‪:‬‬
‫هذه نضيضةٌ من الطر أي قليلٌ‪ ،‬والتخفيف أحبّ إلّ‪ ،‬وإنا حلهم على التشديد كراهة الزّحاف‪ ،‬وليس عندنا بكروه‪.‬‬
‫فيقول‪ :‬ل برح منطقيا بالكم‪ :‬فأخبن عن كلمتك الصاديّة والضاديّة والنّونيّة الت أوّلا‪:‬‬
‫ط زبورٍ ف عسيب يان‬
‫لن طللٌ أبصرته فشجان ‪ ...‬كخ ّ‬
‫لقد جئت فيها بأشياء ينكرها السّمع‪ ،‬كقولك‪:‬‬
‫ب رخو اللّبان‬
‫ب غارة ‪ ...‬شهدت على أق ّ‬
‫فإن أمس مكروبا فيا ر ّ‬
‫وكذلك قولك ف الكلمة الصّادية‪:‬‬
‫على نقنقٍ هي ٍق له ولعرسه‬

‫ض رصيص وقولك‪:‬‬
‫بنقطع الوعساء بي ٌ‬
‫فأسقي به أخت ضعيفة‪ ،‬إذ نأت‪،‬‬
‫وإذ بعد الزداد غي القريض ف أشباه لذلك‪ ،‬هل كانت غرائزكم ل تسّ بذه الزّيادة؟ أم كنتم مطبوعي على إتيان مغامض الكلم وأنتم عالون با يقع‬
‫فيه؟ كما أنّه ل ريب أنّ زهيا كان يعرف مكان الزّحاف ف قوله‪:‬‬
‫يطلب شأو امرأين قدّما حسبا ‪ ...‬نال اللوك‪ ،‬وبذّا هذه السّوقا‬
‫فإنّ الغرائز تسّ بذه الواضع‪ ،‬فتبارك ال أحسن الالقي‪.‬‬
‫فيقول امرؤ القيس‪ :‬أدركنا الوّلي من العرب ل يفلون بجيء ذلك‪ ،‬ول أدري ما شجن عنه‪ ،‬فأمّا أنا وطبقت فكنّا نرّ ف البيت حت نأت إل آخره‪،‬‬
‫فإذا فن أو قارب تبيّن أمره للسامع‪.‬‬
‫فيقول‪ ،‬ثبّت ال تعال الحسان عليه‪ :‬أخبن عن قولك‪:‬‬
‫ل ‪ ...‬ول سيما يو ٌم بدارة جلجل‬
‫ب يومٍ منهنّ صا ٍ‬
‫أل ر ّ‬
‫أتنشده‪ :‬لك منهنّ صالٍ فتزاحف الكفّ؟ أم تنشده على الرواية الخرى؟ فأمّا يومٌ‪ ،‬فيجوز فيه النّصب والفض والرفع فأما النصب فعلى ما يب‬
‫للمفعول من الظّروف‪ ،‬والعامل ف الظّرف هاهنا فع ٌل مضمرٌ‪ ،‬وأمّا الرفع فعلى أن تعل ما كافّةً‪ ،‬وما الكافّة عند بعض البصريّي نكرةٌ‪ ،‬وإذا كان المر‬
‫كذلك ف هو بعدها مضمرةٌ‪ ،‬وإذا خفض يومٌ‪ ،‬ف ما من الزّيادات‪ .‬ويشدّد س ّي ويفّف‪ :‬فأمّا التشديد فهو اللغة العالية‪ ،‬وبعض النّاس يفّف‪ ،‬ويقال‪:‬‬
‫إ ّن الفرزدق مرّ وهو سكران على كلبٍ متمعةٍ‪ .‬فسلّم عليها فلمّا ل يسمع لواب أنشأ يقول‪:‬‬
‫فما ردّ السّلم شيوخ قو ٍم ‪ ...‬مررت بم على سكك البيد‬
‫ول سيّما الذي كانت عليه ‪ ...‬قطيفه أرجوانٍ ف القعود‬
‫فيقول امرؤ القيس‪ :‬أمّا أنا فما قلت ف الاهليّة إلّ بزحافٍ‪ :‬لك منهّن صالٍ‪ .‬وأمّا العلّمون ف السلم فغيّروه على حسب ما يريدون‪ ،‬ول بأس بالوجه‬
‫الذي اختاروه‪ .‬والوجوه ف يوم متقاربةٌ‪ ،‬وسيّ تشديدها أحسن وأعرف‪ .‬فيقول‪ :‬أجل‪ ،‬إذا خففّت صارت على حرفي أحدها حرف علّةٍ‪.‬‬
‫ويقول‪ :‬أخبن عن التّسميط النسوب إليك‪ ،‬أصحيحٌ هو عنك؟ وينشده الذي يرويه بعض النّاس‪:‬‬
‫يا صحبنا عرّجوا ‪ ...‬تقف بكم أسج‬
‫مهريّةٌ دل‪ ... ،‬ف سيها معج‬
‫طالت با الرّحل‬
‫فعرّجوا كلّهم ‪ ...‬وال ّم يشغلهم‬
‫والعيس تملهم ‪ ...‬ليست تعلّلهم‬
‫وعاجت الرّمل‬
‫يا قوم إنّ الوى ‪ ...‬إذا أصاب الفت‬
‫ف القلب ثّ ارتقى ‪ ...‬فهدّ بعض القوى‬
‫فقد هوى الرّجل فيقول‪ :‬ل وال ما سعت هذا قطّ‪ ،‬وإنّه لقريّ ل أسلكه‪ ،‬وإنّ الكذب لكثي‪ ،‬وأحسب هذا لبعض شعراء السلم‪ ،‬ولقد ظلمن وأساء‬
‫إلّ! أبعد كلمت الت أوّلا‪:‬‬
‫أل أنعم صباحا أيّها الطّلل البال‪،‬‬
‫وهل ينعمن من كان ف العصر الال؟‬
‫خليليّ مرّا ب على أمّ جندب ‪ ...‬لقضي حاجات الفؤاد العذّب‬
‫يقال ل مثل ذلك؟ والرّجز من أضعف الشّعر‪ ،‬وهذا الوزن من أضعف الرّجز‪.‬‬
‫فيعجب‪ ،‬مل ال فؤاده بالسّرور‪ ،‬لا سعه من امرىء القيس ويقول‪ ::‬كيف ينشد‪:‬‬
‫جالت لتصرعن فقلت لا‪ :‬قرى‬

‫إنّي امرؤ صرعى عليك حرام أتقول‪ :‬حرام‪ ،‬فتقوي؟ أم تقول‪ :‬حرام‪ ،‬فتخرجه مرج حذام وقطام؟ وقد كان بعض علماء الدّولة الثانية يعلك ل يوز‬
‫القواء عليك‪ .‬فيقول امرؤ القيس‪ :‬ل نكرة عندنا ف القواء‪ ،‬أما سعت البيت ف هذه القصيدة‪:‬‬
‫فكأ ّن بدرا واص ٌل بكتفةٍ‪ ... ،‬وكأنّما من عاق ٍل إرمام‬
‫فيقول‪ :‬لقد صدقت يا أبا هند‪ ،‬لنّ إرماما هاهنا‪ ،‬ليس واقعا موقع الصّفة فيحمل على الجاورة‪ ،‬لنّه ممول على كأنّما‪ ،‬وإضافته إل ياء النّفس تضعّف‬
‫الغرض‪ .‬وقد ذهب بعض الناس إل الضافة ف قول الفرزدق‪:‬‬
‫فما تدري إذا قعدت عليه ‪ ...‬أسعد ال أكثر أم جذام‬
‫فقالوا‪ :‬أضاف كما قال جريرٌ‪:‬‬
‫تكلم قريشي والنصار أنصاري‬
‫وكذلك قوله‪:‬‬
‫وإذا غضبت رمت ورائي مازنٌ ‪ ...‬أولد جندلت كخي الندل‬
‫وبعضهم يروي‪ :‬أولد جندلة كخي الندل وجندلة هذه هي أ ّم مازن بن مالك بن عمرو بن تيم وهي من نساء قريش‪.‬‬
‫وإنّا لنروي لك بيتا ما هو ف كلّ الرّوايات‪ ،‬وأظنّه مصنوعا لنّ فيه ما ل تر عادتك بثله‪ ،‬وهو قولك‪:‬‬
‫وعمرو بن درماء المام إذا غدا ‪ ...‬بصارمه‪ ،‬يشي كمشية قسورا‬
‫فيقول‪ :‬أبعد ال الخر‪ ،‬لقد اخترص‪ ،‬فما اترّص! وإ ّن نسبة مثل هذا إلّ لعدّه إحدى الوصمات‪،‬فإن كان من فعله جاهليّا‪ ،‬فهو من الذين وجدوا ف‬
‫النّار صليّا‪ ،‬وإن كان من أهل السلم‪ ،‬فقد خبط ف ظلم‪.‬‬
‫وإنّما أنكر حذف الاء من قسورة‪ ،‬لنّه ليس بوضع الذف‪ ،‬وقلّ ما يصاب ف أشعار العرب مثل ذلك‪ .‬فأمّا قول القائل‪:‬‬
‫إ ّن ابن حارث إن أشتق لرؤيته ‪ ...‬أو أمتدحه‪ ،‬فإنّ النّاس قد علموا‬
‫فليس من هذا النّحو‪ ،‬إذ كان التّغيي إل الساء الوضوعة أسرع منه إل الساء الت هي نكراتٌ‪ ،‬إذ كانت النّكرة أصلً ف الباب‪.‬‬
‫عنترة العبسيّ‬
‫وينظر فإذا عنترة العبسيّ متلدّ ٌد ف السّعي‪ ،‬فيقول‪ :‬ما لك يا أخا عبسٍ؟ كأنّك ل تنطق بقولك‪:‬‬
‫ولقد شربت من الدامة بعدما‬
‫ركد الواجر‪ ،‬بالشوف العلم‬
‫بزجاجةٍصفراء ذات أسرّةٍ‬
‫قرنت بأزهر ف الشّمال مفدّم وإنّي إذا ذكرت قولك‪ :‬هل غادر الشّعراء من متردّم لقول‪ :‬إنّما قيل ذلك وديوان الشّعر قليلٌ مفوظٌ‪ ،‬فأمّا الن وقد‬
‫كثرت على الصائد ضباب‪ ،‬وعرفت مكان الهل الرّباب‪ .‬ولو سعت ما قيل بعد مبعث النّب‪ ،‬صلى ال عليه وسلّم‪ ،‬لعتبت نفسك على ما قلت‪،‬‬
‫وعلمت أ ّن المر كما قال حبيب بن أوسٍ‪:‬‬
‫فلو كان يفن الشّعر أفناه ما قرت‬
‫حياضك منه ف العصور الذّواهب‬
‫ولكنّه صوب العقول إذا انلت‬
‫سحائب منه‪ ،‬أعقبت بسحائب فيقول‪ :‬وما حبيبكم هذا؟ فيقول‪ :‬شاع ٌر ظهر ف السلم‪ .‬وينشده شيئا من نظمه‪ :‬فيقول‪ :‬أمّاالصل فعربّ‪ ،‬وأمّا الفرع‬
‫ك مستبشرٌ‪ :‬إنّما ينكر عليه الستعار‪ ،‬وقد جاءت العارية ف أشعار كثيٍ‬
‫فنطق به غبّ‪ ،‬وليس هذا الذهب علىما تعرف قبائل العرب‪ .‬فيقول‪ ،‬وهو ضاح ٌ‬
‫من التقدّمي‪ ،‬إل إنا لتتمع كاجتماعها فيما نظمه حبيب بن أوسٍ‪.‬‬
‫فما أردت بالشوف العلم؟ الدّينار أم الرّداء؟ فيقول‪ :‬أيّ الوجهي أردت‪ ،‬فهو حسنٌ ول ينتقض‪.‬‬
‫فيقول‪ ،‬جعل ال سعه مستودعا كل الصالات‪ :‬لقد ش ّق عل ّي دخول مثلك إل الحيم‪ ،‬وكأنّ أذن مصغيةٌ إل قينات الفسطاط وهي تغرّد بقولك‪:‬‬
‫أمن سيّة دمع العي تذريف؟ ‪ ...‬لو أ ّن ذا منك قبل اليوم معروف‬

‫تلّلتن إذ أهوى العصا قبلي‪ ... ،‬كأنّها رشأٌ ف البيت مطروف‬
‫العبد عبدكم‪ ،‬والال مالكم ‪ ...‬فهل عذابك عنّي اليوم مصروف‬
‫وإنّي لتثّل بقولك‪:‬‬
‫ولقد نزلت‪ ،‬فل تظنّي غيه‪ ... ،‬منّي بنلة الحبّ الكرّم‬
‫ولقد وفّقت ف قولك‪ :‬الحبّ‪ ،‬لنّك جئت باللّفظ على ما يب ف أحببت‪ ،‬وعامّة الشّعراء يقولون‪ :‬أحببت‪ ،‬فإذا صاروا إل الفعول قالوا‪ :‬مبوبٌ‪ .‬قال‬
‫زهي بن مسعو ٍد الضّّبيّ‪:‬‬
‫واضحة الغرّة مبوب ٌة ‪ ...‬والفرس الصّال مبوب‬
‫وقال بعض العلماء‪ :‬ل يسمع بحبّ إل ف بيت عنترة‪.‬‬
‫وإنّ الذي قال‪ :‬أحببت‪ ،‬ليجب عليه أن يقول‪ :‬مبّ‪ ،‬إل أنّ العرب اختارت‪ :‬أحبّ ف الفعل‪ ،‬وقالت ف الفعول‪ :‬مبوب‪ .‬وكان سيبويه ينشد هذا البيت‬
‫بكسر المزة‪:‬‬
‫إحبّ لبّها السودان حت ‪ ...‬إحبّ لبّها سود الكلب‬
‫فهذا على رأي من قال‪ :‬مغية‪ ،‬فكسر اليم على معن التباع‪ ،‬وليس هو عنده على‪ :‬حببت أحبّ‪.‬‬
‫وقد جاء حببت‪ ،‬قال الشاعر‪:‬‬
‫ووال لول تره ما حببته ‪ ...‬ول كان أدن من عبيدٍ ومرشق‬
‫ويقال‪ :‬إنّ أبا رجاءٍ العطارديّ قرأ‪ :‬فاتّبعون يببكم ال بفتح الياء‪.‬‬
‫ضمّ‪ ،‬كقولك‪ :‬عددت أعدّ‪ ،‬ورددت أردّ‪ ،‬وقد جاءت أشياء نوادر كقولم‪ :‬شددت البل أشد؟ وأشدّ‪،‬‬
‫والباب فيما كان مضاعفا متعدّيا أن ييء بال ّ‬
‫ونمت الديث أنّ وأنّ‪ ،‬وعللت القول أع ّل وأعلّ‪.‬‬
‫وإذا كان غي متعدّ فالباب الكسر‪ ،‬كقولم‪ :‬حلّ عليه الدّين يلّ‪ ،‬وجلّ المر يلّ‪.‬‬
‫شبّ‪ ،‬وصحّ المر َيصِحّ وَيصُحّ‪ ،‬وفحتِ‬
‫شبّ وَي ِ‬
‫والضمّ ف غي التعديّ أكثر من الكسر فيما كان متعدّيا‪ ،‬كقولم‪ :‬شَ ّح َيشُ ّح وَيشِحّ‪ ،‬وشبّ الفرس َي ُ‬
‫جدّ ف حروفٍ كثيةٍ‪.‬‬
‫ج ّد وَي ُ‬
‫جمّ‪ ،‬وجدّ ف المر ّي ِ‬
‫جمّ وَي ُ‬
‫اليّة َتفِ ّح وتفُحّ‪ ،‬و ّجمّ الاء َي ِ‬
‫ب ف السان طروب والت‬
‫وينظر فإذا علقمة بن عبيدة فيقول‪ :‬أعزز عليّ بكانك! ما أغن عنك سطا لؤلؤك‪ .‬يعن قصيدته الت على الباء‪ :‬طحا بك قل ٌ‬
‫على اليم‪ :‬هل ما علمت وما استودعت مكتوم فبالذي يقدر على تليصك‪ ،‬ما أردت بقولك‪:‬‬
‫فل تعدل بين وبيي مغمّرٍ ‪ ...‬سقتك روايا الزن حي تصوب‬
‫ط لا من ثرمداء قليب‬
‫وما القلب‪ ،‬أم ماذكرها ربعيّة ‪ ...‬ي ّ‬
‫أعنيت بالقليب هذا الذي يورد‪ ،‬أم القب؟ ولكلٍ وجهٌ حسنٌ‪.‬‬
‫فيقول علقمة‪ :‬إنّك لتستضحك عابسا‪ ،‬وتريد أن تن الثّمر يابسا‪ ،‬فعليك شغلك أيّها السّليم!‬
‫فيقول‪ :‬لو شفعت لحدٍ أبياتٌ صادق ٌة ليس فيها ذكر ال‪ ،‬سبحانه‪ ،‬لشفعت لك أبياتك ف وصف النّساء‪ ،‬أعن قولك‪:‬‬
‫فإن تسألون بالنسّاء فإننّي ‪ ...‬بصيٌ بأدواء النّساء طبيب‬
‫إذا شاب رأس الرء‪ ،‬أو ق ّل ماله‪ ... ،‬فليس له ف ودّهنّ نصيب‬
‫يردن ثراء الال حيث علمنه‪ ... ،‬وشرخ الشّباب عنده ّن عجيب‬
‫ولو صادفت منك راحةً لسألتك عن قولك‪:‬‬
‫ش من نداك ذنوب‬
‫وف كلّ ح ّي قد خبطّ بنعم ٍة ‪ ...‬فحُقّ لشا ٍ‬
‫أهكذ نطقت با طا ًء مشدّدةً‪ ،‬أم قالا كذلك عربّ سواك؟ فقد يوز أن يقول الشاعر الكلمة‪ ،‬فيغيّرها عن تلك الال الرواة‪.‬‬
‫وإنّ ف نفسي لاجةً من قولك‪:‬‬
‫كأس عزي ٌز من العناب عتّقها ‪ ...‬لبعض أربابا حانيّ ٌة حوم‬

‫فقد اختلف النّاس ف قولك حوم‪ ،‬فقيل‪ :‬أراد ُحمّا‪ ،‬أي سودا‪ ،‬فأبدل من إحدى اليمي واوا‪ .‬وقيل‪ :‬أراد حوما أي كثيا فضمّ الاء للضّرورة‪ ،‬وقيل‪:‬‬
‫حومٌ‪ ،‬يام با على الشّرب أي يطاف‪.‬‬
‫وكذلك قولك‪:‬‬
‫يهدي با أكلف الدّين مت ٌب ‪ ...‬من المال كث ٌي اللّحم عيثوم‬
‫فروي‪ :‬يهدي‪ ،‬بالدّال غي معجمةٍ‪ ،‬ويهذي بذا ٍل معجمةٍ‪.‬‬
‫وقيل‪ :‬متبٌ‪ ،‬من اختبار الوائل من اللواقح‪ ،‬وقيل‪ :‬هو من البي أي الزّبد‪ ،‬وقيل‪ :‬البي اللحم‪ ،‬وقيل‪ :‬هو الوبر‪.‬‬
‫عمرو بن كلثوم‬
‫فليت شعري ما فعل عمرو بن كلثوم‪ ،‬فيقال‪ :‬ها هوذا من تتك‪ ،‬إن شئت أن تاوره فحاوره‪.‬‬
‫فيقول‪ :‬كيف أنت أيّها الصطبح بصن الغانية‪ ،‬والغتبق من الدّنيا الفانية؟ لوددت أنّك ل تساند ف قولك‪:‬‬
‫كأنّ متون ّن متون غدرٍ ‪ ...‬تصفّقها الرّياح إذا جرينا‬
‫فيقول عمروٌ‪ :‬إنك لقرير العي ل تشعر با نن فيه‪ ،‬فأشغل نفسك بتمجيد ال واترك ما ذهب فإنّه ل يعود‪ .‬وأمّا ذكرك سنادي‪ ،‬فإنّ الخوة ليكونون‬
‫ثلثةً أو أربعةً‪ ،‬ويكون فيهم العرج أو البق فل يعابون بذلك‪ ،‬فكيف إذا بلغوا الائة ف العدد‪ ،‬ورهاقها ف الدد؟ فيقول‪:‬أعزز عليّ بأنّك قصرت على‬
‫شرب حيم‪ ،‬وأخذت بعملك الذّميم‪ ،‬من بعد ماكانت تسبأ لك القهوة من خُصٍ أو غي خصّ‪ ،‬تقابلك بلون الصّ‪.‬‬
‫وقالوا ف قولك سخينا قولي‪ :‬أحدها أنّه فعلنا من السّخاء والنون نون التكلمي‪ ،‬والخر أنّه من الاء السّخي لنّ لندرين وقاصرين كانتا ف ذلك‬
‫الزمن للرّوم‪ ،‬ومن شأنم أن يشربوا المر بالاء السّخي ف صيفٍ وشتاءٍ‪.‬‬
‫ولقد سئل بعض الدباء بدينة السّلم عن قولك‪:‬‬
‫ب ‪ ...‬أضلّته فرجعت النينا‬
‫فما وجدت كوجدي أ ّم سق ٍ‬
‫ول شطاء ل يترك شقاها ‪ ...‬لا من تسعة إ ّل جنينا‬
‫هل يوز نصب شطاء‪ .‬فلم يب بشيء‪ ،‬وذلك يوز عندي من وجهي‪ :‬أحدها على إضمار فعلٍ دلّ عليه السامع معرفته به‪ ،‬كأنّك قلت‪ :‬ول أذكر‬
‫شطاء‪ ،‬اي إنّ حنينها شديدٌ‪ ،‬ويوز أن يكون على قولك‪ :‬ول تنسَ شطاء‪ ،‬أو نو ذلك من الفعال‪ ،‬وهذا كقولك‪ :‬إ ّن كعب بن مامة جوادٌ ول حاتا‪،‬‬
‫أي ول أذكر حاتا‪ ،‬أي إنّه جوادٌ عظيم الود‪ ،‬قد استغنيت عن ذكره باشتهاره‪.‬‬
‫والخر‪ ،‬أن يكون من وله الطر إذا سقاه السّقية الثانية‪ ،‬أي هذا الني اتّفق مع حنين‪ ،‬فكأنّه قد صار له وليّا‪ ،‬ويتمل أن يكون من ول يلي‪ ،‬وقلب‬
‫الياء على اللغة الطائيّة‪.‬‬
‫وينظر فإذا الارث اليشكريُ فيقول‪ :‬لقد أتبعت الرّواة ف تفسي قولك‪:‬‬
‫زعموا أنّ ك ّل من ضرب العي ‪ ...‬ر موالٍ لنا‪ ،‬وأنّا الولء‬
‫وما أحسبك أردت إل العي المار‪.‬‬
‫ولقد شنّعت هذه الكلمة بالقواء ف ذلك البيت‪ ،‬ويوز أن تكون لغتك أن تقف علىآخرالبيت ساكنا‪ ،‬وإذا فعلت ذلك‪،‬اشتبه الطلق بالقيّد‪ ،‬وصارت‬
‫هذه القصيدة مضافةً إل قول الراجز‪:‬‬
‫دارٌ لظميا وأين ظميا ‪ ...‬أهلكت أم هي بي الحبا‬
‫وبعض الناس من ينشد قولك‪:‬‬
‫فعشن ب ٍي ل يضر ‪ ...‬ك النّوك ما أعطيت جدّا‬
‫فيجمع بي تريك الشّي وحذف الياء‪ ،‬من‪ :‬عاش يعيش‪ ،‬وذلك رديٌ‪ .‬ومنه قول الخر‪:‬‬
‫مت تشئي يا أ ّم عثمان تصرمي ‪ ...‬وأوذنك إيذان الليط الزايل‬
‫وإنّما الكلم‪ :‬مت تشائي‪ ،‬لنّ هذا السّاكن إذا حُرّك عاد الساكن الحذوف‪.‬‬
‫ولقد أحسنت ف قولك‪:‬‬

‫ل تكسع الشّول بأغبارها ‪ ...‬إنّك ل تدري من النّاتج‬
‫وقد كانوا ف يالاهليّة يعكسون ناقة اليت على قبة‪ ،‬ويزعمون أنّه إذا نض لشره وجدها قد بعثت له فيكبها فليته ل يهص بثقله منكبها‪ .‬وهيهات!‬
‫بل حشروا عراةً حفاةً بما أي غر ًل وتلك البليّة ذكرت ف قولك‪:‬‬
‫أتلهّى با الواجر إذ ك ‪ ...‬لّ ابن ه ّم بليّةٌ عمياء‬
‫طرفة بن العبد‬
‫ويعمد لسؤال طرفة بن العبد فيقول‪ :‬يا ابن أخي يا طرفة خفّف ال عنك‪ ،‬أتذكر قولك‪:‬‬
‫كري يروّي نفسه ف حياته ‪ ...‬ستعلم إن متنا غدا أيّنا الصّدي‬
‫وقولك‪:‬‬
‫ي ف البطالة مفسد‬
‫أرى قب نّامٍ بيلٍ با له ‪ ...‬كقب غو ّ‬
‫وقولك‪:‬‬
‫مت تأتن‪ ،‬صبحك كأسا رويّةً‬
‫وإن كنت عنها غانيا‪ ،‬فاغن وازدد فكيف صبوحك الن وغبوقك؟ إنّي لحسبهما حيما‪ ،‬ل يفتأ من شربما ذميما‪.‬‬
‫ى بن زيدٍ‪ ،‬وهو بكلمك أشبه‪ ،‬والبيت‪:‬‬
‫وهذا البيت يتنازع فيه‪ :‬فينّسبه إليك قومٌ‪ ،‬وينسبه آخرون إل عد ّ‬
‫واصفر مضبوحٍ نظرت حويره‬
‫ف ممد وشدّ ما اختلف النّحاة ف قولك‪:‬‬
‫على النار‪ ،‬واستودعته ك ّ‬
‫أألأيّهاذا الزّاجري أحضر الوغى‪،‬‬
‫وأن أشهد اللّذات‪ ،‬هل أنت ملدي؟ وأمّا سيبويه فيكره نصب أحضر‪ ،‬لنّه يعتقد أنّ عوامل الفعال ل تضمر‪ .‬وكان الكوفيّون ينصبون أحضر بالرف‬
‫القدّر‪ ،‬ويقوّي ذلك‪ :‬وأن أشهد اللّذات‪ ،‬فجئت بأن‪ ،‬وليس هذا بأبعد من قوله‪:‬‬
‫مشائيم ليسوا مصلحي قبيلةً‪ ... ،‬ول ناعبٍ إلّ ببيٍ غرابا‬
‫وقد حكى الازنّ عن عليّ بن قطربٍ أنّه سع أباء قطربا‪ ،‬يكي عن بعض العرب نصب أحضر‪.‬‬
‫ولقد جئت بأعجوب ٍة ف قولك‪:‬‬
‫ك ‪ ...‬يعصر فينا‪ ،‬كالّذي تعصر‬
‫لو كان ف أملكنا مل ٌ‬
‫ف أمونٍ‪ ،‬دفّها أزور‬
‫لجتبت صحن العراق على ‪ ...‬حر ٍ‬
‫متّعن يوم الرّحيل با ‪ ...‬فرعٌ تنقّاه القداح يسر‬
‫ي كلمة الرقّش‪:‬‬
‫ولكنّك سلكت مسالك العرب‪ ،‬فجئت بقر ّ‬
‫هل بالدّيار أن تيب صمم؟ ‪ ...‬لو كان حيّا ناطقا كلّم‬
‫وقول العشى‪ :‬أقصر فك ّل طالبٍ سيم ّل على أنّ مرقّشا خلط ف كلمته فقال‪:‬‬
‫ماذا علينا أن غزا ملكٌ ‪ ...‬من آل جفنة ظا ٌل مرغم‬
‫وهذا خروجٌ عمّا ذهب إليه الليل‪.‬‬
‫ولقد كثرت ف أمرك أقاويل النّاس‪ :‬فمنهم من يزعم أنّك ف ملك النّعمان اعتقلت‪ ،‬وقال قومٌ‪ :‬بل الذي فعل بك ما فعل عمرو بن هندٍ‪.‬‬
‫ولو ل يكن لك أث ٌر ف العاجلة إل قصيدتك الت على الدال‪ ،‬لكنت قد أبقيت أثرا حسنا‪.‬‬
‫فيقول طرفة‪ :‬وددت أنّي ل أنطق مصراعا‪،‬وعدمت ف الدار الزّائلة إمراعا‪ ،‬ودخلت النّة مع المج والطّغام‪ ،‬ول يعمد لرسي بالرغام‪،‬وكيف ل بدءٍ‬
‫وسكون‪ ،‬أركن إليه بعض الركون؟ " وأمّا القاسطون فكانوالهنّم حطبا " ‪.‬‬
‫ويلفت عنقه يتأمّل‪ ،‬فإاذ هو بأوس بن حجر‪ ،‬فيقول‪ :‬يا أوس‪ ،‬إ ّن أصحابك ل ييبون السائل فهل ل عندك من جوابٍ؟ فإنّي أريد أن أسألك عن هذا‬
‫البيت‪:‬‬

‫وفارقت وهي ل ترب‪ ،‬وباع لا‬
‫من الفصافص بالّن ّميّ سفسي فإنّه ف قصيدتك الت أوّلا‪:‬‬
‫هل عاج ٌل من متاع اليّ منظور‬
‫أم بيت دومة بعد الوصل مهجور ويروي ف قصيدة النّابغة الت أوّلا‪:‬‬
‫ودّع أمامة والتّوديع تعذير‪،‬‬
‫وماوداعك من قفّت به العي وكذلك البيت الذي قبله‪ :‬قد عرّيت نصف حولٍ اشهرا حددا يسفي على رحلها ف الية الور وكذلك قوله‪:‬‬
‫إنّ الرّحيل إل قومٍ‪ ،‬وإن بعدوا‪،‬‬
‫ي شيءٍ يمل ذلك؟ فلم تزل تعجبن لميّتك الت ذكرت فيها الرجة وهي الريطة من‬
‫أمسوا ومن دونم ثهلن فالنّي وكلكما معدودٌ ف الفحول‪ ،‬ا ّ‬
‫الدم فقلت لّا وصفت القوس‪:‬‬
‫فجئت ببيعت موليا ل أزيده ‪ ...‬عليه با‪ ،‬حتَى يؤوب النخّل‬
‫ثلثة أبرادٍ جيادٍ‪ ،‬وجرجةٌ‪ ... ،‬وأدكن من أري الدّبور معسّل‬
‫فيقول أوسٌ‪ :‬قد بلغن أنّ نابغة بن ذبيان ف النّة‪ ،‬فأسأله عمَا بدا لك فلعلّه يبك‪ ،‬فإنّه أجدر بأن يعي هذه الشياء‪ ،‬فأمّا أنا فقد ذهلت‪ :‬نا ٌر توقد‪ ،‬وبنانٌ‬
‫يعقد؛ إذا غلب عليّ الظّمأ‪ ،‬رفع ل شيءٌ كالنّهر‪ ،‬فإذا اغترقت منه لشرب‪ ،‬وجدته سعيا مضطرما‪ ،‬فليتن أصبحت درما‪ ،‬وهو الذي يقال فيه‪ :‬أودى‬
‫ب بن مرّة بن ذهل بن شيبان ولقد دخل النّة من هو ش ّر منّي‪ ،‬ولكنّ الغفرة أرزاقٌ‪ ،‬كأنّها النّشب ف الدار العاجلة‪ .‬فيقول‪ ،‬صار‬
‫درمٌ‪ .‬وهو من بن د ّ‬
‫وليّه من التبوعي‪ ،‬وشانئه بالسفّه من السبوعي‪ :‬إنّما أردت أن آخذ عنك هذه اللفاظ‪ ،‬فأتف با أهل النّة فأقول‪ :‬قال ل أوسٌ‪ ،‬وأخبن أبو شريح‪.‬‬
‫وكان ف عزمي أن أسألك عمّا حكاه سيبويه ف قولك‪:‬‬
‫تواهق رجلها يداه‪ ،‬ورأسه ‪ ...‬لا قتبٌ خلف القيبة رادف‬
‫فإنّي ل أختار أن ترفع الرّجلن واليدان‪ ،‬ول تدع إل ذلك ضرورةٌ‪،‬لنّك لو قلت‪ :‬تواهق رجليها يداه ل يزغ الوزن؛ ولعلّك‪ ،‬إن ص ّح قولك لذلك‪ ،‬أن‬
‫تكون طلبت الشاكهة‪ ،‬وهذا الذهب يقوى إذا روي‪ :‬يداها بالضافة إل الؤنّث‪ ،‬فأمّ ف حال الضافة إل ضمي الذكّر فر قوّة له‪.‬‬
‫وإنّي لكارهٌ قولك‪ :‬واليل خارج ٌة من القسطال أخرجت السم إل مثا ٍل قليلٍ‪ ،‬لنّ فعلً ل ييء ف غي الضاعف‪ ،‬وقد حكي‪ :‬ناقةٌ با خزعالٌ أي با‬
‫ظلعٌ‪.‬‬
‫ويرى رجلً ف النّار ل ييّزه من غيه‪ ،‬فيقول‪ :‬من أنت أيّها الشّقيّ؟ فيقول‪ :‬أنا أبو كبيٍ الذل‪ ،‬عامر بن الليس‪ ،‬فيقول‪ :‬إنّك لن أعلم هذيلٍ‪ ،‬ولكن ل‬
‫أوثر قولك‪:‬‬
‫أزهي هل عن شيب ٍة من معدل ‪ ...‬أم ل سبيل إل الشّباب الوّل‬
‫وقلت ف الخرى‪:‬‬
‫أزهي هل عن شيب ٍة من مصرف ‪ ...‬أم ل خلود لعاج ٍز متكلّف‬
‫وقلت ف الثّالثة‪ :‬أزهي هل عن شيبةٍ من معكم أي من مبس فهذا يد ّل على ضيق عطنك بالقريض‪ ،‬فهلّ ابتدأت ك ّل قصيدة بفنّ؟ والصمعيّ ل يرو لك‬
‫إلّ هذه القصائد الثلث‪ ،‬وقد حُكي أنّه يروي عنك الرائية الت أوّلا‪ :‬أزهي هل عن شيب ٍة من مقصر وأحسن بقولك‪:‬‬
‫ولقد وردت الاء ل يشرب به ‪ ...‬بي الشّتاء إل شهور الصّيّف‬
‫إلّ عواسل كالراط معيدةً ‪ ...‬باللّيل مورد أّيمٍ متغضّف‬
‫زقبٌ يظ ّل الذّئب يتبع ظلّه ‪ ...‬فيه‪ ،‬فيستّ استنان الخلف‬
‫فصددت عنه ظامئا‪ ،‬وتركته ‪ ...‬يهت ّز غلفقه‪ ،‬كأن ل يكشف‬
‫فيقول أبو كب ٍي الذلّ‪ :‬كيف ل أن أقضم على جراتٍ مرقاتٍ‪ ،‬لرد عذابا غدقاتٍ؟ وإنّما كلم أهل سقر ويلٌ وعويلٌ‪ ،‬ليس لم إلّ ذلك حويلٌ‪،‬‬
‫فاذهب لطيّتك‪ ،‬واحذر أن تشغل عن مطيّتك‪.‬‬

‫فيقول‪ ،‬بلّغه ال أقاصي المل‪ :‬كيف ل أجذل وقد ضمنت ل الرّحة الدائمة‪ ،‬ضمنها من يصدق ضمانه‪ ،‬ويعمّ أهل اليفة أمانة؟ فيقول‪ :‬ما فعل صخر‬
‫الغيّ؟ فيقال‪ :‬هاهو حيث تراه‪ .‬فيقول‪ :‬يا صخر الغىّ ما فعلت دهاؤك؟ ل أرضك لا ول ساؤك! كانت ف عهدك وشبابا رؤدٌ‪ ،‬يأخذك من حبابا‬
‫الزّؤد‪ ،‬فلذلك قلت‪:‬‬
‫إنّي بدهاء عزّ ما أجد ‪ ...‬يعتادن من حبابا زؤد!‬
‫وأين حصل تليدك؟ شغلك عنه تليدك‪ ،‬وحقّ لك أن تنساه‪ ،‬كما ذهل وحش ّي دمي نساه‪.‬‬
‫ل للجمر‪ ،‬كم طربت السّادات‬
‫وإذا هو برج ٍل يتضوّر‪ ،‬فيقول‪ :‬من هذا؟ فيقال‪ :‬الخطل التّغلبّ‪ ،‬فيقول له‪ :‬ما زالت صفتك للخمر‪ ،‬حت غادرتك أك ً‬
‫على قولك‪:‬‬
‫ت كأنّها ‪ ...‬رجالٌ من السّودان ل يتسربلوا‬
‫أناخوا فجرّوا شاصيا ٍ‬
‫فقلت‪ :‬اصبحون‪ ،‬ل أبا لبيكم ‪ ...‬وما وضعوا الثقال إ ّل ليفعلوا‬
‫فصبوا عقارا ف الناء كأنّها‪ ... ،‬إذا لحوها‪ ،‬جذوةٌ تتأكّل‬
‫وجاؤوا ببيسانيّ ٍة هي‪ ،‬بعدما ‪ ...‬يعلّ با السّاقي‪ ،‬ألذّ وأسهل‬
‫ت ُر با اليدي سنيحا وبارحا‪ ... ،‬وتوضع باللّهم حيّ‪ ،‬وتمل‬
‫فتوقف أحيانا‪ ،‬فيفصل بيننا ‪ ...‬غناء مغنّ‪ ،‬أو شواءٌ مرعبل‬
‫ب ‪ ...‬وراجعن منها مراحٌ وأخيل‬
‫فلذّت لرتاحٍ‪ ،‬وطابت لشار ٍ‬
‫فما لبّثتنا نشوةٌ لقت بنا ‪ ...‬توابعها مّا نُعلّ وننّهل‬
‫تدبّ دبيبا ف العظام كأنّه ‪ ...‬دبيب نا ٍل ف نقا يتهيّل‬
‫ربت وربا ف كرمها ابن مدينةٍ ‪ ...‬مكبّ على مسحاته يتركّل‬
‫إذا خاف من نمٍ عليها ظماء ًة ‪ ...‬أدّب إليها جدولً يتسلسل‬
‫فقلت‪ :‬اقتلوها عنكم بزاجها‪ ... ،‬وحبّ با مقتولةً حي تقتل‬
‫فقال التّغلبّ‪ :‬إنّي جررت الذّارع‪ ،‬ولقيت الدّارع‪ ،‬وهجرت البدة‪ ،‬ورجوت أن تدعى النّفس العابدة‪ ،‬ولكن أبت القضية‪.‬‬
‫فيقول‪ ،‬أحلّ ال اللكة ببغضيه‪ :‬أخطأت ف أمرين‪ ،‬جاء السلم فعجزت أن تدخل فيه‪ ،‬ولزمت أخلق سفيه؛ وعاشرت يزيد بن معاوية‪ ،‬وأطعت‬
‫نفسك الغاوية؛ وآثرت ما فن على باقٍ‪ ،‬فكيف لك بالباق؟ فيزفر الخطل زفرةً تعجب لا الزّبانية‪ ،‬ويقول‪ :‬آه على أيّام يزيد أسوف عنده عنبا‪ ،‬ول‬
‫أعدم لديه سيسنبا؛ وأمزح معه مزح خليل‪ ،‬فيحتملن احتمال الليل؛ وكم ألبسن من موشيّ‪ ،‬أسحبه ف البكرة أو العشيّ‪ ،‬وكأنّي بالقيان الصّدحة بي‬
‫يديه تغنّيه بقوله‪:‬‬
‫ولا بالاطرون إذا ‪ ...‬أنفذ النّمل الذي جعا‬
‫خلفةٌ حت إذا ظهرت ‪ ...‬سكنتت من جلّقٍ بيعا‬
‫ف قبابٍ حول دسكر ٍة ‪ ...‬حولا الزّيتون قد ينعا‬
‫وقفت للبدر ترقبه‪ ... ،‬فإذا بالبدر قد طلعا‬
‫ولقد فاكهته ف بعض اليّام وأنا سكران ملتخّ فقلت‪:‬‬
‫اسلم سلمت أبا خال ٍد ‪ ...‬وحيّاك ربّك بالعنقز‬
‫اكلت الدّجاج فأفنيتها‪ ... ،‬فهل ف النانيص من مغمز‬
‫فما زادن عن ابتسام‪ ،‬واه ّن للصّلة كاهتزاز السام فيقول‪ ،‬أدام ال تكينه‪ :‬من ثّ أتيت! أما علمت أنّ ذلك الرجل عاندٌ‪ ،‬وف جبال العصية ساندٌ؟ فعلم‬
‫اطّلعت من مذهبه‪ :‬أكان موحّدا‪ ،‬أم وجدته ف النّسك ملحدا؟ فيقول الخطل‪ :‬كانت تعجبه هذه البيات‪:‬‬
‫أخالد هات خبّرين وأعلن ‪ ...‬حديثك‪ ،‬إنّي ل أسرّ التنّاجيا‬
‫حديث أب سفيان لّا سا با ‪ ...‬إل أح ٍد حت أقام البواكيا‬

‫وكيف بغى أمرا عليّ ففاته ‪ ...‬وأورثه ال ّد السّعيد معاويا‬
‫وقومي فعلّين على ذاك قهوةً ‪ ...‬تلّبها العيسيّ كرما شآميا‬
‫إذا ما نظرنا ف أمورٍ قدي ٍة ‪ ...‬وجدنا حللً شربا التواليا‬
‫فل خلف بي النّاس أنّ ممّدا ‪ ...‬تبوّأ رمسا ف الدينة ثاويا‬
‫فيقول‪ ،‬جعل ال أوقاته كلّها سعيدةً‪ :‬عليك البهلة! قد ذهلت الشّعراء من أهل النّة والنّار عن الدح والنّسيب‪ ،‬وما شُدهت عن كفرك ول إساءتك‪.‬‬
‫وإبليس يسمع ذلك الطاب كلّه فيقول للزّبيانية‪ :‬ما رأيت أعجز منكم إخوان مالكٍ! فيقولون‪ :‬كيف زعمت ذلك يا أبا مرّة؟ فيقول‪ :‬أل تسمعون هذا‬
‫التكلّم با ل يعنيه؟ قد شغلكم وشغل غيكم عمّا هو فيه! فلو أ ّن فيكم صاحب نيز ٍة قويّةٍ‪ ،‬لوثب وثب ًة حت يلحق به فيجذبه إل سقر‪ .‬فيقولون‪ :‬ل‬
‫تصنع شيئا يا أبا زوبعة! ليس لنا على أهل النّة سبيلٌ‪.‬‬
‫فإذا سع‪ ،‬أسعه ال ماّبه‪ ،‬ما يقول إبليس‪ ،‬أخذ ف شتمه ولعنه وإظهار الشّماتة به‪ .‬فيقول‪ ،‬عليه اللّعنة‪ :‬أل تنهوا عن الشّمات يا بن آدم؟ ولكنّكم‪ ،‬بمد‬
‫ال‪ ،‬ما زجرت عن شي ٍء إ ّل وركبتموه‪ .‬فيقول‪ ،‬واصل ال الحسان إليه‪ :‬أنت بدأت آدم بالشّماتة‪ ،‬والبادىء أظلم‪ّ :‬ث يعود إل كلم الخطل فيقول‪:‬‬
‫أأنت القائل هذه البيات‪:‬‬
‫ولست بصائمٍ رمضان طوعا ‪ ...‬ولست بآكل لم الضاحي‬
‫ولست بقائمٍ كالعي أدعو ‪ ...‬قبيل الصّبح‪ :‬حيّ على الفلح!‬
‫ولكنّي سأشربا شو ًل ‪ ...‬زأسجد عند منبلج الصّباح!‬
‫فيقول‪ :‬أجلٌ‪ ،‬وإنّي لناد ٌم سادمٌ‪ ،‬وهل أغنت النّدامة عن أخي كسعٍ؟ وي ّل من خطاب أهل النّار‪ ،‬فينصرف إل قصره الشيد‪ ،‬فإذا صار على مي ٍل أو ميلي‪،‬‬
‫ذكر أنّه ما سأل عن مهلهل التّغلبّ ول عن الرقّشي وأنّه أغفل الشّنفرى وتأبّط شرّا‪ ،‬فيجع على أدراجه‪ ،‬فيقف بذلك الوقف ينادي‪ :‬أين عديّ ابن‬
‫ربيعة؟ فيقال‪ :‬زد ف البيان‪ .‬فيقول‪ :‬الذي يستشهد النّحويّون بقوله‪:‬‬
‫ل وقالت‪ ... :‬يا عديّا لقد وقتك الواقي‬
‫ضربت صدرها إ ّ‬
‫وقد استشهدوا له بأشياء كقوله‪:‬‬
‫ولقد خبطن بيوت يشكر خبطةً‪ ... ،‬أخوالنا‪ ،‬وهم بنو العمام‬
‫وقوله‪:‬‬
‫الندامى‬
‫ما أرجّي بالعيش بعد ندامى ‪ ...‬كلّهم قد سقوا بكأس حلق‬
‫فيقال‪ :‬إنّك لتعرّف صاحبك بأمرٍ ل معرفة عندنا به‪ ،‬ما النّحويّون؟ وما الستشهاد؟ وما هذا الذيان؟ نن خزنة النّار‪ ،‬فبيّن غرضك تُجب إليه‪.‬‬
‫فيقول‪ :‬أريد العروف بهلهلٍ التّغلبّ‪ ،‬أخي كُليب وائلٍ الذي كان يضرب به الثل‪.‬‬
‫فيقال‪ :‬ها هو ذا يسمع حوارك‪ ،‬فقل ماتشاء‪.‬‬
‫فيقول‪ :‬يا عديّ بن ربيعة‪ ،‬أعزز عليّ بولوجك هذا الؤل! لو ل آسف عليك إل لجل قصيدتك الت أوّلا‪:‬‬
‫أليلتنا بذي حسمٍ أنيي ‪ ...‬إذا أنت انقضيت فل توري‬
‫لكانت جديرةً أن تطيل السف عليك‪ ،‬وقد كنت إذا أنشدت أبياتك ف ابنتك الزوّجة ف جنب تغرورق من الزن عيناي‪ ،‬فأخبن ِلمَ ُسمّيت مهلهلً؟‬
‫ي رقّقه‪.‬‬
‫فقد قيل‪ :‬إنّك ُسمّيت بذلك لنّك أوّل من هلهل الشّعر أ ّ‬
‫ب الكلبّ‪ ،‬فتبعه أخي ف زراف ٍة من قومه‪ ،‬فقال ف ذلك‪:‬‬
‫خ يقال له امرؤ القيس فأغار علينا زهيبن جنا ٍ‬
‫فيقول‪ :‬إنّ الكذب لكثيٌ‪،‬وإنّما كان ل أ ٌ‬
‫لا توقّل ف الكراع هجينهم ‪ ...‬هلهلت أثار مالكا أو صنبل‬
‫وكأنّه بازٌ علته كبٌة ‪ ...‬يهدي بشكّته الرّعيل الوّل‬
‫هلهلت‪ :‬أي قاربت‪ ،‬ويقال‪ :‬توقّفت‪ ،‬يعن بالجي زهي بن جنابٍ‪ .‬فسمّي مهلهلً فلمّاهلك شبّهت به فقيل ل‪ :‬مهلهل‪ .‬فيقول‪ :‬الن شفيت صدري‬
‫بقيقة اليقي‪.‬‬

‫فأخبن عن هذا البيت الذي يروى لك‪:‬‬
‫أرعدوا ساعة الياج وأبرق ‪ ...‬نا كما توعد الفحول الفحول‬
‫فإنّ الصمعيّ كان ينكره ويقول‪ :‬إنّه مولّدٌ‪ ،‬وكان أبو زيدٍ يستشهد به ويثبته‪.‬‬
‫فيقول‪ :‬طال البد على لبدٍ! لقد نسيت ما قلت ف الدار الفانية‪ ،‬فما الذي أنكر منه؟ فيقول‪ :‬زعم الصمعيّ أنّه ل يقال أرعد وأبرق ف الوعيد ول ف‬
‫السّحاب‪.‬‬
‫فيقول‪ :‬إنّ ذلك لطٌأ من القول‪ ،‬وإنّ هذا البيت ل يقله إ ّل رج ٌل من جذم الفصاحة‪ ،‬إما أنا وإمّا سواي‪ ،‬فخذ به وأعرض عن قول السّفهاء‪.‬‬
‫ويسأل عن الرقّش الكب‪ ،‬فإذا هو به ف أطباق العذاب‪ ،‬فيقول‪ :‬خفّف ال عنك أيّها الشّاب الغتصب‪ ،‬فلم أزل ف الدار العاجلة حزينا لا أصابك به‬
‫الرّجل الغفُليّ‪ ،‬أحد بن غفيلة ابن قاسطٍ‪ ،‬فعليه بلة ال! وإنّ قوما من أهل السلم كانوا يستزرون بقصيدتك اليميّة الت أوّلا‪:‬‬
‫هل بالدّيار أن تيب صمم ‪ ...‬لو كان حيّا ناطقا كلّم‬
‫وإنّها عندي لن الفردات‪ ،‬وكان يعض الدباء يرى أنّها واليميّة الت قالا الرقّش الصغر ناقصتان عن القصائد الُفضّليّات‪ ،‬ولقد وهم صاحب هذه‬
‫القالة‪.‬‬
‫وبعض النّاس يروي هذا الشّعر لك‪:‬‬
‫تيّرت من نعمان عود أراكةٍ‪،‬‬
‫لندٍ‪ ،‬ولكن من يبلغه هندا؟‬
‫خليلي ّجورا بارك ال فيكما‪،‬‬
‫وإن ل تكن هندٌ لرضكما قصدا‬
‫وقول لا‪ :‬ليس الضّلل أجارنا‬
‫ولكننّا جُرنا لنلقاكم عمدا ول أجدها ف ديوانك‪ ،‬فهل ما حُكي صحيحٌ عنك؟ فيقول‪ :‬لقد قلت أشياء كثيةً‪ ،‬منها ما نُقل إليكم ومنها ما ل يُنقل‪ ،‬وقد‬
‫يوز أن أكون قلت هذه البيات ولكن سرفتها لطول البد‪ ،‬ولعلّك تنكر أنّها ف هندٍ‪ ،‬وأنّ صاحبت أساء‪ ،‬فل تنفر من ذلك‪ ،‬فقد ينتقل الُشبّب من‬
‫ص آخر‪ ،‬أل تسمع إل قول‪:‬‬
‫السم إل السم‪ ،‬ويكون ف بعض عُمره مُستهترا بشخصٍ من النّاس‪ّ ،‬ث ينصرف إل شخ ٍ‬
‫سفهٌ تذكّره خويلة بعدما ‪ ...‬حالت ذُرا نران دون لقائها‬
‫وينعطف إل الُرقّش الصغر فيسأله عن شأنه مع بنت النذر وبنت عجلن فيجده غي خبيٍ‪ ،‬قد نسي لترادف الحقاب فيقول‪ :‬أل تذكر ما صنع بك‬
‫جنابٌ الذي تقول فيه‪:‬‬
‫ب حلفةً فأطعته‪ ... ،‬فنفسك و ّل اللّوم إن كنت لئما‬
‫فآل جنا ٌ‬
‫فيقول‪ :‬وما صنع جناب؟ لقد لقيت القورين‪ ،‬وسقيت المرّين‪ ،‬وكيف ل بعذاب الدّار العاجلة!‪.‬‬
‫فإذا ل يد عنده طائلً تركه‪ ،‬وسأل عن الشّنفرى الزديّ فألفاه قليل التّشكّي والتّألّم لا هو فيه‪ ،‬فيقول‪ :‬إنّي ل أراك قلقا مثل قلق أصحابك‪ .‬فيقول‪:‬‬
‫أجل‪ ،‬إنّي قلت بيتا ف الدّار الادعة فأنا أتأدّب به حييّ الدهر‪ ،‬وذلك قول‪:‬‬
‫غوى فغوت‪ ،‬ث ارعوى بعد وارعوت‬
‫وللصب إن ل ينفع الشكو أجل وإذا هو قري ٌن مع تأبّط شرّا‪ ،‬كما كان ف الدّار الغرّارة‪.‬‬
‫فيقول‪ ،‬أسن ال حظّه من الغفرة‪ ،‬لتأبّط شرّا‪ :‬أحقّ ما روي عنك من نكاح الغيلن؟ فيقول‪ :‬لقد كنّا ف الاهليّة نتقوّل ونتخرّض‪ ،‬فما جاءك عنّا مّا‬
‫ينكره العقول فإنّه من الكاذيب‪ ،‬والزّمن كلّه على سجيّةٍ واحدةٍ‪ ،‬فالذي شاهده معدّ بن عدنان كالذي شاهد نضاضة ولد آدم‪ .‬والنّضاضة آخر ولد‬
‫الرّجل‪.‬‬
‫فيقول‪ ،‬أجزل ال عطاءه من الغفران‪ :‬نّقلت إلينا أبياتٌ تنُسب إليك‪:‬‬
‫أنا الذي نكح الغيلن ف بلدٍ ‪ ...‬ما طلّ فيه ساكيّ ول جاد‬
‫ف حيث ل يعمت الغادي عمايته ‪ ...‬ول الظّليم به يبغي تبّادا‬

‫وقد لوت بصقولٍ عوارضها ‪ ...‬بك ٍر تُنازعن كأسا وعنقادا‬
‫ثّ انقضى عصرها عنّي وأعقبه ‪ ...‬عصر الشيب‪ ،‬فقل ف صال‪ :‬بادا‬
‫فاستدللت على أنّها لك لّا قلت‪ :‬تبّادا‪ ،‬مصدر تبّد الظليم إذا أكل البيد‪ ،‬فقلت‪ :‬هذا مثل قوله ف القافيّة‪:‬‬
‫طيف ابنة الرّ إذ كُنّا نواصلها‬
‫ل ف الشعر‪ ،‬كما قال أبو زبيدٍ‪:‬‬
‫ثّ اجتننت با بعد التّفرّاق مصدر تفرّقوا تفرّاقا‪ ،‬وهذا مطّردٌ ف تفعّل‪ ،‬وإن كان قلي ً‬
‫فثار الزّاجرون فزاد منهم ‪ ...‬تقرّابا‪ ،‬وصادفه ضبيس‬
‫فل ييبه تأبّط شرا بطائلٍ‪.‬‬
‫فإذا رأى قلة الفوائد لديهم‪ ،‬تركهم ف الشّقاء السّرمد‪ ،‬وعمد لحلّه ف النان‪ ،‬فيلقى آدم‪ ،‬عليه السّلم‪ ،‬ف الطّريق فيقول‪ :‬يا أبانا‪ ،‬صلّى ال عليك‪ ،‬قد‬
‫روي لنا عنك شعرٌ‪ :‬منه قولك‪:‬‬
‫نن بنو الرض وسكّانا ‪ ...‬منها خُلقنا‪ ،‬وإليها نعود‬
‫والسّعد ل يبقى لصحابه ‪ ...‬والنّحس تّمحوه ليال السّعود‬
‫فيقول‪ :‬إنّ هذا القول حقّ‪ ،‬وما نطقه إ ّل بعض الكماء‪ ،‬ولكنّي ل أسع به حت السّاعة‪.‬‬
‫فيقول‪ :‬وفرّ ال قسمه ف الثّواب‪ :‬فلعلّك يا أبانا قُلته ّث نسيت‪ ،‬فقد علمت أنّ النّسيان متسرّعٌ إليك‪ ،‬وحسبك شهيدا على ذلك الية التلوّة ف فرقان‬
‫م ّمدٍ‪ ،‬صلّى ال عليه وسلم‪ " :‬ولقد عهدنا إل آدم من قبل فنسي ول ند له عزما " وقد زعم بعض العلماء أنّك إنّما سّيت إنسانا لنسيانك‪ ،‬واحتجّ‬
‫على ذلك بقولم ف التّصغي‪ :‬أنيسيان‪ ،‬وف المع‪ :‬أناسيّ‪ ،‬وقد روي أنّ النسان من النّسيان عن ابن عبّاس‪ ،‬وقال الطائيّ‪:‬‬
‫ل تنسي تلك العهود وإنّما ‪ ...‬سُميّيت إنسانا لنّك ناس‬
‫وقرأ بعضهم‪ " :‬ثّ أفيضوا من حيث أفاض النّاس بكس السّي‪ ،‬يريد النّاسي‪ ،‬فحذف الياء‪ ،‬كما حذفت ف قوله‪ :‬سواء العاكف فيه والباد‪ .‬فأمّا البصريّون‬
‫فيعتقدون أ ّن النسان من النس‪ ،‬وأنّ قولم ف التّصغي‪ :‬أنيسيان‪ ،‬شاذ‪ ،‬وقولم ف المع‪ :‬أناسيّ‪ ،‬أصله أناسي‪ ،‬فأبدلت الياء من النون‪ .‬والقول الوّل‬
‫أحسن‪.‬‬
‫آدم كان ينطق العربية ف النة‬
‫فيقول آدم‪ ،‬صلّى ال عليه‪ :‬أبيتم إلّ عقوقا وأذيّةً‪ ،‬إنّما كنت أتكلّم بالعربيّة وأنا ف النّة‪ ،‬فلمّا هبطت إل الرض نُقل لسان إل السّريانيّة‪ ،‬فلم أئطق‬
‫ي نظمت هذا الشعر‪ :‬ف العاجلة أم الجلة؟ والذي قال ذلك يب أن‬
‫بغيها إل أن هلكت‪ ،‬فلمّا ردّن ال‪ ،‬سبحانه وتعال‪ ،‬عادت عليّ العربيّة‪ ،‬فأيّ ح ٍ‬
‫يكون قاله وهو ف الدار الاكرة‪ ،‬أل ترى قوله‪ :‬منها خُلقنا وإليها نعود فكيف أقول هذا القال ولسان سُريانّ؟ وأمّا النّة قبل أن أخرج منها فلم أكن‬
‫أدري بالوت فيها‪ ،‬وأنّه مّا حُكم على العباد‪ ،‬صُيّر كأطواق حام‪ ،‬وما رعى لحدٍ من ذمامٍ‪ ،‬وأمّا بعد رجوعي إليها‪ ،‬فل معن لقول‪ :‬وإليها نعود‪ ،‬لنّه‬
‫كذبٌ ل مالة‪ ،‬ونن معاشر أهل النّة خالدن ملّدون‪.‬‬
‫فيقول‪ ،‬قُضي له بالسّعد الؤرّب‪ :‬إن بعض أهل السّي يزعم أنّ هذا الشّعر وجده يعرب ف متقدم الصّحف بالسّريانيّة‪ ،‬فنقله إل لسانه‪ ،‬وهذا ل يتنع أن‬
‫يكون‪.‬‬
‫وكذلك يروون لك‪ ،‬صلّى ال عليك‪ ،‬لّا قتل قابيل هابيل‪:‬‬
‫تغيّرت البلد ومن عنيها ‪ ...‬فوجه الرض مغبّ قبيح‬
‫وأودى ربع أهلها‪ ،‬فبانوا ‪ ...‬وغودر ف الثّرى الوجه الليح‬
‫ل من بعض ولدك يعرف بإبن دريد أنشد هذا الشعر‪،‬‬
‫وبعضهم ينشد‪ :‬وزال بشاشة الوجه الليح على القواء‪ .‬وف حكايةٍ‪ ،‬معناها على ما أذكر أنّ رج ً‬
‫وكانت روايته‪:‬وزال بشاشة الوجه الليح فقال‪ :‬أوّل ما قال‪ :‬أقوى‪.‬‬
‫وكان ف الجلس أو سعيد السّيافّ فقال‪ :‬يوز أن يكون قال‪ :‬وزال بشاشة الوجه الليح بنصب بشاشة على التّمييز‪ ،‬وبذف التّنوين للتقاء السّاكني‪،‬‬
‫كما قال‪:‬‬

‫فتقول‪ :‬لقد سعته يقرأ هذه القراءة‪ ،‬وكنت عليها بره ًة من الدّهر‪ ،‬فلمّا توفّي‪ ،‬رحه ال‪ ،‬انتقلت إل جدا ٍر ف دار أب عمرو بن العلء‪ ،‬فسمعته يقرأ‪،‬‬
‫فرغبت عن حروفٍ من قراءة السن كهذين الرفي‪ ،‬وكقوله‪ :‬النيل‪ ،‬بفتح المزة‪ .‬فلمّا توفّي أبو عمرو كرهت القام‪ ،‬فانتقلت إل الكوفة‪ ،‬فأقمت ف‬
‫جوار حزة بن حبيبٍ‪ ،‬فسمعته يقرأ بأشياء ينكره عليه أصحاب العربيّة‪ ،‬كخفض الرحام ف قوله تعال‪ " :‬واتّقوا ال الذّي تساءلون به والرحام "‬
‫وكسر الياء ف قوله تعال‪ " :‬وما أنتم بصرخيّ " وكذلك سكون المزة ف قوله تعال‪ " :‬استكبارا ف الرض ومكر السّيء " وهذا إغلقٌ لباب العربيّة‪،‬‬
‫لنّ الفرقان ليس بوضع ضرورةٍ‪ ،‬وإنّما حُكي مثل هذا ف النظوم‪ .‬وقد روي أنّ امرأ القيس قال‪:‬‬
‫ب ‪ ...‬إثا من ال‪ ،‬ول واغل‬
‫فاليوم أشرب غي مستحق ٍ‬
‫وبعضهم يروي‪ :‬فاليوم أسقى‪ ،‬وإذا روي‪ :‬فاليوم أشرب‪ ،‬فيجوز أن يكون ثّ إشارةٌ إل الضمّ ل حكم لا ف الوزن‪ ،‬فقد زعم سيبويه أنّهم يفعلون ذلك‬
‫ف قول الراجز‪:‬‬
‫مت أنام ل يؤرّقن الكرى‪ ... ،‬ليلً ول أسع أصوات الطي‬
‫وهذا يدل على أنّهم ل يكونوا يفلون بطرح العراب‪ ،‬فأمّا قول الرّاجز‪:‬‬
‫إذا اعوججن قلت‪ :‬صاحب قوّم‬
‫ف ال ّدوّ‪ ،‬أمثال السّفي العوّم فإنّه من عجيب ما جاء‪ ،‬وقد بله قائله عن أن يقول‪ :‬صاح قوّم‪ ،‬فل يكون بالوزن إخللٌ‪ ،‬ولكنّ الذين يتجّون له يزعمون‬
‫أنّه أراد أن يعادل بي الزئي‪ ،‬ل ّن قوله‪ :‬حب قوّم‪ ،‬ف وزن قوله‪ :‬نل عوّم‪ ،‬وهذا يشبه ما ادّعوه ف قول الذل‪:‬‬
‫أبيت على معاري فاخرات ‪ ...‬ب ّن ملوّب كدم العباط‬
‫يزعم النّحويّون أ ّن قوله‪ :‬معاري‪ ،‬بفتح الياء‪ ،‬حله عليه كراهه الزّحاف‪ ،‬وهذا قولٌ ينتقض‪ ،‬لنّ ف هذه الطائيّة أبياتا كثيةً ل تلو من زحافٍ‪ ،‬وكلّ‬
‫قصيدةٍ للعرب وغيها على هذا القريّ‪.‬‬
‫وكذلك قوله‪:‬‬
‫ق ‪ ...‬علماتٍ كتحبي النّماط‬
‫ث فنعاف عر ٍ‬
‫عرفت بأجد ٍ‬
‫فيه زحافان من هذا النس‪ ،‬ثّ ييء ف كلّ البيات إل أن يندر شيءٌ‪ .‬وقد روي عن الصمعيّ أنّه ل يسمع العرب تنشد إل‪ :‬أبيت على معارٍ‪ ،‬بالتّنوين‪،‬‬
‫وهذا ل ينقض مذهب أصحاب القياس‪ ،‬إذا كانوا يروون عن أهل الفصاحة خلفه‪.‬‬
‫ويهكر‪ ،‬أزلفه ال مع البرار التّقي‪ ،‬لا سع من تلك اليّة‪ ،‬فتقول هي‪ :‬أل تقيم عندنا بره ًة من الدّهر؟ فإنّي إذا شئت انتفضث من إهاب فصرت مثل‬
‫أحسن غوان النّة‪ ،‬لو ترشّفت رضاب لعلمت أنّه أفضل من الدّرياقة الت ذكرها ابن مقب ٍل ف قوله‪:‬‬
‫سقتن بصهباء درياق ٍة ‪ ...‬مت ما تليّن عظامي تلن‬
‫ولو تنفّست ف وجهك لعلمتك أ ّن صاحبة عنترة تفلةٌ صدوفٌ والصّدوف‪ :‬الكريهة رائحة الفم‪ ،‬وإنّما تعن قوله‪:‬‬
‫وكأنّ فارة تاج ٍر بقسيمةٍ‬
‫سبقت عوارضها إليك من الفم ولو أدنيت وسادك إل وسادي‪ ،‬لفضّلتن على الت يقول فيها الوّل‪:‬‬
‫باتت رقودا سار الرّكب مدّلا‪،‬‬
‫وما الوانس ف فك ٍر لسارينا‬
‫ك على ضربٍ‪،‬‬
‫كأنّ ريقتها مس ٌ‬
‫شيبت بأصهب من بيع الشآمينا‬
‫يا ربّ‪ ،‬ل تسلبن حبّها أبدا‪،‬‬
‫ويرحم ال عبدا قال‪ :‬آمينا فيذعر منها‪ ،‬جعل ال أمنه متّصلً‪ ،‬والطّالب شأوه من تقصي منتصلً‪ ،‬ويذهب مهرولً ف النّة ويقول ف نفسه‪ :‬كيف يركن‬
‫سمّ‪ ،‬ولا بالفتكة همّ؟ فتناديه‪ :‬هُل ّم إن شئت الّلذّة‪ ،‬فإنّي لفضل من حيّة ابنة مالكٍ الت ذكرها العبسيّ ف قوله‪:‬‬
‫إل حيّةٍ شرفها ال ّ‬
‫ك ‪ ...‬سفاحا‪ ،‬ول قول أحاديث كاذب‬
‫ما ولدتن حيّة ابنة مال ٍ‬
‫وأحد عشارا من حيّة ابنة أزهر الت يقول فيها القائل‪:‬‬

‫إذا ما شربنا ماء مز ٍن بقهو ٍة ‪ ...‬ذكرنا عليها حيّة ابنة أزهرا‬
‫ولو أقمت عندنا إل أن تب ودّنا وإنصافنا‪ ،‬لندمت إن كنت ف الدّار العاجلة قتلت حّيةً أو عثمانا‪.‬‬
‫فيقول وهو يسمع خطابا الرّائق‪ :‬لقد ضيّق ال عليّ مراشف الور السان‪ ،‬إن رضيت بترشّف هذه اليّة‪.‬‬
‫فإذا ضرب ف غيطان النّة‪ ،‬لقيته الارية الت خرجت من تلك الثّمرة فتقول‪ :‬إنّي لنتظرك منذ حيٍ فما الذي شجنك عن الزار؟ ما طالت القامة معك‪،‬‬
‫فأم ّل بالحاورة مسمعك‪ ،‬قد كان ي ّق ل أن أوثر لديك على حسب ما تنفرد به العروس‪ ،‬يصّها الرّجل بشيءٍ دون الزواج‪.‬‬
‫فيقول‪ :‬كانت ف نفسي مآرب من ماطبة أهل النّار‪ ،‬فلمّا قضيت من ذلك وطرا عدت إليك‪ ،‬فاتبعين بي كثب العنب وأنقاء السك‪.‬‬
‫ي ف قوله‪:‬‬
‫فيتخلّل با أهاضيب الفردوس ورمال النان؛ فتقول‪ :‬أيّها العبد الرحوم‪ ،‬أظنّك تتذي ب فعال الكند ّ‬
‫فقمت با أمشي‪ ،‬ترّ وراءنا‬
‫على إثرنا أذيال مرطٍ مرحّل‬
‫فلمّا أجزنا ساحة اليّ‪ ،‬وانتحى‬
‫بنا بطن خبثٍ ذي قفافٍ عقنقل‬
‫هصرت بفودي رأسها فتمايلت‬
‫عل ّي هضيم الكشح ريّا الخلخل فيقول‪ :‬العجب لقدرة ال! لقد أصبت ما خطر ف السّويداء‪ ،‬فمن أين لك علمٌ بالكنديّ وإنّما نشأت ف ثر ٍة تبعدك من‬
‫ج ّن وأنيس؟ فيقول‪ :‬إنّ ال على ك ّل شي ٍء قديرٌ‪.‬‬
‫ويعرض له حديث امرىء القيس ف داره جلجلٍ‪ ،‬فينشىء ال‪ ،‬جلّت عظمته‪ ،‬حورا عينا يتماقلن ف ن ٍر من أنار النّة‪ ،‬وفيه ّن من تفضلهنّ كصاحبة‬
‫امرىء القيس‪ ،‬فيترامي بالثّرمد‪ ،‬وإنّما هو كأج ّل طيب النّة‪ ،‬ويعقر لنّ الرّاحلة‪ ،‬فيأكل ويأكلن من بضيعها ما ليس تقع الصّفة عليه من إمتاعٍ ولذاذةٍ‪.‬‬
‫وي ّر بأبياتٍ ليس لا سوق أبيات النّة‪ ،‬فيسأل عنها فيقال‪ :‬هذه جنّة الرّجز‪ ،‬يكون فيها‪ :‬أغلب بن عج ٍل والعجّاج ورؤبة وأبو النّجم وحيدٌ الرقط‬
‫وعذافر بن أوسٍ وأبو نيلة وك ّل من غفر له من الرّجاز‪ ،‬فيقول‪ :‬تبارك العزيز الوّهاب! لقد صدق الديث الرويّ إنّ ال يبّ معال المور ويكره‬
‫سفسافها؛ وإنّ الرّجز لن سفساف القريض‪ ،‬قصّرت أيّها النّفر فقصر بكم‪.‬‬
‫ويعرض له رؤبة فيقول‪ :‬يا أبا الحّاف‪ ،‬ما أكلفك بقوافٍ ليست بالعجبة تصنع رجزا على الغي ورجزً على الطاء وعلى الظاء‪ ،‬وعلى غي ذلك من‬
‫ظ يستحسن عذبٍ‪.‬‬
‫الروف النّافرة‪ ،‬ول تكن صاحب مث ٍل مذكورٍ‪ ،‬ول لف ٍ‬
‫فيغضب رؤبة ويقول‪ :‬أل تقول هذا وعنّي أخذ الليل‪ ،‬وكذلك أبو عمرو بن العلء‪ ،‬غبت ف الدّار السّالفة تفتخر بالّلفظة تقع إليك مّا نقله أولئك‬
‫عنّي وعن أشباهي؟ فإذا رأى‪ ،‬ل زال خصمه مغلّبا‪ ،‬ما ف رؤبة من النتخاء قال‪ :‬لو سبك رجزك ورجزا أبيك‪ ،‬ل ترج منه قصيدةٌ مستحسنةٌ‪ ،‬ولقد‬
‫بلغن أ ّن أبا مسلم كلّمك بكلمٍ فيه ابن ثأداء‪ ،‬فلم تعرفها حت سألت عنها باليّ‪ ،‬ولقد كنت تأخذ جوائز اللوك بغي استحقاق‪ ،‬وإنّ غيك أول‬
‫بالعطية والصّلت‪.‬‬
‫فيقول رؤبة‪ :‬أليس رئيسكم ف القدي‪ ،‬والذي ضهلت إليه القاييس‪ ،‬كان يستشهد بقول ويعلن له كالمام؟ فيقول‪ ،‬وهو بالقول منطقٌ‪ :‬ل فخر لك أن‬
‫استشهد بكلمك‪ ،‬فقد وجدناهم يستشهدون بكلم أمةٍ وكعاء يمل القطل إل النّار الوقدة ف السّبة الت نفض عليها الشّبم ريشه‪ ،‬وهدم وأجلّ أيامها‬
‫أن تن عساقل ومغرودا‪ ،‬وتتلو نعما مطرودا‪ ،‬وإ ّن بعلها ف الهنة لسّيء العذير‪ ،‬غلظ عن الفطن والتّحذير‪ ،‬وكم روى النّحاة عن طفلٍ‪ ،‬ماله ف الدب‬
‫من كفلٍ‪ ،‬وعن امرأةٍ‪ ،‬ل تعدّ يوما الدّرأة‪.‬‬
‫فيقول رؤبة‪ :‬أجئت لصامنا ف هذا النل؟ فامض لطيّتك‪ ،‬فقد أخذت بكلمنا ما شاء ال‪ .‬فيقول‪ ،‬أسكت ال مادلة‪ :‬أقسمت ما يصلح كلمكم للثنّاء‪،‬‬
‫ول يفضل عن الناء‪ ،‬تصكّون مسامع المتدح بالندل‪ ،‬وإنّما يطرب إل الندل ومت خرجتم عن صفة جلٍ‪ ،‬ترثون له من طول العمر‪ ،‬إل صفة فرسٍ‬
‫سابحٍ‪ ،‬أو كلبٍ للقنص نابح‪ ،‬فإنّكم غي الرّاشدين فيقول رؤبة‪ :‬إ ّن ال سبحانه وتعال قال‪ " :‬يتنازعون فيها كأسا ل لغوٌ فيها ول تأثيم‪ ،‬وإن كلمك‬
‫لن اللغو‪ ،‬ما أنت إل النصغة بذي صغو‪.‬‬
‫العجّاج‬
‫فإذا طالت الخاطبة بينه وبي رؤبة‪ ،‬سع العجّاج فجاء يسأل الحاجزة‪.‬‬

‫ويذكر‪ ،‬أذكره ال بالصّالات‪ ،‬ما كان يلحق أخا النّدام‪ ،‬من فتور ف السد من الدام‪ ،‬فيختار أن يعرض له ذلك من غي أن ينف له لبّ‪ ،‬ول يتغي‬
‫عليه خبّ فإذا هو يال ف العظام النّاعمة دبيب نلٍ‪ ،‬أسرى ف القمرة على رملٍ‪،‬فيترنّم بقول إياس بن الرتّ‪:‬‬
‫أعاذل لو شربت المر حت ‪ ...‬يظلّ لكلّ أنل ٍة دبيب‬
‫إذا لعذرتن وعلمت أنّي ‪ ...‬لا أتلفت من مال مُصيب‬
‫ش من السّندس‪ ،‬ويأمر الور العي أن يملن ذلك الفرش فيضعنه على سريرٍ من سرر أهل النّة‪ ،‬وإنّما هو زبرجدٌ أو عسجدٌ‪ ،‬ويكوّن‬
‫ويتّكىء على مفر ٍ‬
‫البارىء فيه حلقا من الذّهب تطيف به من كلّ الشرار حت يأخذ كلّ واح ٍد م الغلمان‪ ،‬وكلّ واحد ٍة من الواري الشبّهة بالمان‪ ،‬واحد ًة من تلك‬
‫ك ما جن من دماء‬
‫اللق‪ ،‬فيُحل على تلك الال إل ملّه الُشيّد بدار اللود‪ ،‬فكلّما مرّ بشجر ٍة نضخته أغصانا باء الورد قد خلط باء الكافور‪ ،‬وبس ٍ‬
‫الفور‪ ،‬بل هو بتقدير ال الكري‪.‬‬
‫ب هو مستلقٍ على الظّهر‪ :‬هل لك يا أبا السن‪ ،‬هل لك؟ فإذا أراد عنقودا من العنب أو غيه انقضب من الشّجرة بشيئة‬
‫وتناديه الثّمرات من كلّ أو ٍ‬
‫ال‪ ،‬وحلته القدرة إل فيه‪ ،‬وأهل النّة يلقونه بأصناف التّحيّة وآخر دعواهم أن المد ل ربّ العالي‪ :‬ل يزال كذلك أبدا سرمدا‪ ،‬ناعما ف الوقت‬
‫التطاول منعمّا‪ ،‬ل تد الغي فيه مزعما‪ .‬وقد أطلت ف هذا الفصل‪ ،‬ونعود الن إل الجابة عن الرّسالة‪ :‬فهمت قوله‪ :‬جعلن ال فداءه‪ ،‬ل يذهب به إل‬
‫النّفاق‪ ،‬وبعد ابن آدم من الوفاق‪ ،‬وهذه غريزةٌ خصّ با الشيخ دون غيه‪ ،‬وتعايش العال بداع‪ ،‬وأضحوا من الكذب ف إبداع‪ .‬لو قالت شيين اللكة‬
‫لكسرى‪ :‬جعلن ال فداءك ف إقامة أو سرى‪ ،‬لالبته ف ذلك ونافقته‪ ،‬وإن راقته بالعطل ووافقته‪ ،‬على أنّه أخذها من حالٍ دنيّة‪ ،‬فجعلها ف النّعمى‬
‫السّنّية‪ ،‬وعتبه ف ذلك الحبّاء‪ ،‬وجرت لم ف ذلك قصصٌ وأنباءٌ‪ ،‬وقيل له‪ ،‬فيما ذكر‪ ،‬وال معال بن جدب أو شكر‪ :‬كيف تطيب نفس اللك لذه‬
‫الومس‪ ،‬وهي الوالة ف الغمّس؟ فضرب لم الثل بالقدح‪ ،‬وإذا حظيت الغانية فليست بالفتقرة إل الصّدح‪ ،‬جعل ف الناء الشّعر والد؟ّم‪ ،‬وقال للحاضر‬
‫ول ندم‪ :‬أتيب نفسك لشرب ما فيه؟ وإنّما ينح إل تلفيه‪ .‬إنّها ل تطيب‪ ،‬وهي بالناس قطيب‪.‬‬
‫فأراق ذلك الشيء وغسله‪ ،‬وهذّب وعاءه ثّ عسله‪ ،‬وجعل فيه من بعد مداما‪ ،‬وعرضها على النّدامى‪ ،‬فكلّهم بش أن يشرب‪ ،‬ومن يعاف العاتقة‬
‫والغرب؟ فقال‪ :‬هذا مثل شيين‪ ،‬فل تكونوا ف السّفه مسيين‪.‬‬
‫كم من شبل نافق أسدا‪ ،‬وأضمرا له غلّ وحسدا؟ ولبوءةٍ تداجي هرماسا‪ ،‬تنبذ إليه القة وتبغض له لاسا؟ وضيغ ٍم نقم على فرهود‪ ،‬وودّ لو دفنه‬
‫بالوهود؟ والفرهود ولد السد بلغة أسد شنوءة‪ ،‬وهو‪ ،‬آنس ال الفليم بقربه‪ ،‬أجلّ من أن يشرح له مثل ذلك‪ ،‬وإنّما أفرق من وقوع هذه الرّسالة ف يد‬
‫غلمٍ مترعرعٍ‪ ،‬ليس إل الفهم بتسرّع‪ ،‬فتستعجم عليه اللّفظة‪ ،‬فيظ ّل معها ف مثل القيد‪ ،‬ل يقدر على العجل ول الرّويد‪.‬‬
‫وكم خالبت الذّئاب السّلق‪ ،‬وف الضّمائر تُك ّن الفلق أي الدّواهي‪ ،‬ومنه قول خلفٍ‪.‬‬
‫موت المام فلق ٌة من الفلق والسّلق‪ ،‬جع سلقةٍ‪ :‬وهي أنثى الذئب‪.‬‬
‫وملكٍ سان ملكةً‪ّ ،‬ث صنعت له مهلكةً؟؟! يقول القائل‪ :‬بأب أنت‪ ،‬جاد عملك وأتقنت!ولو قدر لبتّ الودج‪ ،‬وإنّما جامل وسدج‪.‬‬
‫ولعل بعض العتارف يلفظ إل البائضة حبّة البّ‪ ،‬ويأنس با ف ح ّر وقرّ‪ ،‬وف فؤاده من الضّغن أعاجيب‪ ،‬وتكثر وتقلّ الناجيب‪ ،‬والناجيب ها هنا تتمل‬
‫أمرين‪ :‬أحدها من النّجابة‪ ،‬والخر من قولم‪ :‬مناجيب أي ضعافٌ‪ ،‬من قول الذلّ‪:‬‬
‫بعثته ف سواد اللّيل يرقبن ‪ ...‬إذ آثر النّوم والدّفء الناجيب‬
‫والعن‪ :‬أنّ الناجيب من النّجابة تقلّ‪ ،‬والناجيب من الوهن تكثر‪.‬‬
‫ولعلّ ذلك الصّاقع يرقب لمّ الكيكة حاما‪ ،‬ول يرقب لا ذماما‪ .‬يقول ف النّفس التحدّثة‪ :‬ليت الذّابح بكرّ على النقضة‪ ،‬فإنا عي البغضة‪ .‬أو يقول‪ :‬لو‬
‫أنّي جعلت ف قدرٍ‪ ،‬أو ف بعض الوطس فلحقت بالدر‪ ،‬لتزوّجت هذه من الدّيكة شابّا مقتبلً‪ ،‬يسن لا حبّا قبلً‪.‬‬
‫وأنا أذكره بالكلمة العارضة‪ ،‬إذ كان قد بدأ باليناس‪ ،‬وترك مكايد النّاس‪ :‬أل يعجب من قول العرب‪ :‬فدا ٍء لك‪ ،‬بالكسر والتنوين كما قال الرّاجز‪:‬‬
‫ويها فدا ٍء لك يا فضاله ‪ ...‬أجرّه الرّمح‪ ،‬ول تباله‬
‫ويروى تاله‪.‬‬
‫وذكر أحد بن عبيد بن ناصحٍ‪ ،‬وهو العروف بأب عصيدة‪ ،‬أنّ قولم فدا ٍء لك بالكسر‪ ،‬إذا كان لا مرافع ل يز فيها الكسر والتّنوين‪ .‬ول ريب أنّه‬
‫يكي ذلك عن العلماء الكوفييّن‪ .‬وعينّنه ف قول النّابغة‪:‬‬

‫مهّلً فداءٍ لك القوام كلّهم ‪ ...‬وما أثّر من ما ٍل ومن ولد‬
‫فأمّا البصريّون فقد رووا ف هذا البيت‪ :‬فداءٌ لك‪.‬‬
‫وكيف يقول الليل الخلص‪ ،‬وهو عن الجران متقلّص‪ :‬إ ّن حنينه حني واله من النّوق‪ ،‬وهي الذّاهلة إن حل عليها بعض الوسوق‪ ،‬وإنّما تسجع ثلثا أو‬
‫أربعا‪ّ ،‬ث يكون سلوّها متبعا؟ فأما المامة الاتفة فقد رزقها الباريء صيتا شائعا‪ ،‬وظ ّل وصفها بالسف ذائعا‪ ،‬تنهض إل التقاط حبّ‪ ،‬وتعود إل جوز‬
‫لا ذات أب‪ ،‬فإن هي صادفته أكيل بازٍ أو سوذانق‪ ،‬ليس من أبصر اثره بالنق غدا به ظفر شاهي‪ ،‬وهي‪ ،‬البائسة‪ ،‬من اللّهي‪ ،‬فما هي إل مثل اليوان‪،‬‬
‫ت ّل حالا ف أقصر أوان‪.‬‬
‫وقد زعم زاعمٌ‪ ،‬ل يصدّق‪ ،‬أنّ المائم ف هذا العصر‪ ،‬يبكن مقعدا هلك ف عهد نوحٍ‪ ،‬أبرح له البارح أم رمي بالسّنوح‪ ،‬وإنّ دوامها على ذلك لدليل‬
‫الوفاء‪ ،‬وما العوض عن خليل الصّفاء؟ ل عوض ول نائب إلّ فيه‪ ،‬وكيف يعتب الزّمن على تافيه؟ وإنّما حشي بش ّر وغدر‪ ،‬وكتب له العزّ ف القدر‪.‬‬
‫وأمّا الظّبية فإنّها ل توصف بني‪ ،‬ولكن تبتقل بلبّ مني‪ .‬ومن لا باليانع من الراك‪ ،‬ول تقول لفارس اليل الشّازبة‪ :‬دراك ومن كان وجده يعدل عن‬
‫اللد‪ ،‬فإنّه إذا جنب إل الولد‪ ،‬فسوف تذره الدد ناسيا‪ ،‬كأنّه ما جزع آسيا‪...‬‬
‫وما أقلّ صدق اللّف‪ ،‬ولو بيعوا من الذّهب‪،‬ل الورق‪ ،‬بآلفٍ‪:‬‬
‫وليس خليلي باللول‪ ،‬ول الذّي ‪ ...‬إذا غبت عنه‪ ،‬باعن بليل‬
‫وأحسب كثيّرا تفوّه بذه القالة على غرّة‪ ،‬وما عرف مكان الشّرّة‪ ،‬فكيف يقدر على إخاء اللك‪ ،‬أم كيف يرتفع إل الفلك؟ وأمّا ما ذكره من حال‪،‬‬
‫غطّي شخصه أن يلحظ بنواظر الغي‪ ،‬ومتّع من مالٍ بي أي كثي‪ ،‬قال الرّاجز‪:‬‬
‫يا ربنّا من سرّه أن يكبا ‪ ...‬فسق له ياربّ مالً حيا‬
‫فطالا أعطي الوثن سعودا‪ ،‬فصار حضوره للجهلة موعودا! فإن سررت بالباطل‪ ،‬فشهرت باتّخاذ النياطل‪ ،‬وإنّ الصابر مأجو ٌر ممود‪ ،‬ول ريب أن‬
‫ب مثمود‪ .‬وأحلف كيمي امرىء القيس لّا رغب ف مقامه عند الوموقة‪ ،‬ول يفرق من الرامقة ول الرموقة‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫سيقدر لن ظعن شر ٌ‬
‫فقلت‪ :‬يي ال‪ ،‬أبرح قاعدا ‪ ...‬ولو قطعوا رأسي لديك وأوصال‬
‫والخرى الت أقسم با زهيٌ‪ ،‬إذ عصفت بالرب القائمة هي‪ ،‬أعن قوله‪:‬‬
‫فأقسمت بالبيت الذي طاف حوله‬
‫ش وجرهم‬
‫رجا ٌل بنوه‪ ،‬من قري ٍ‬
‫يينا لنعم السّيدّان وجدتأ‬
‫على كلّ حا ٍل من سحيلٍ ومبم وبالذّاء الت نطق با ساعدة‪ ،‬والهجة إل ملكها صاعدةٌ‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫حلف أمرىٍء ب ّر سرفت يينه‬
‫ولكلّ من ساس المور مرّب وأول مع ذلك أليّة الفرزدق لّا رهب وقوع انتقام‪ ،‬فاغتنم ما بي الكعبة والقام‪ ،‬ووصف ما صنع فقال‪:‬‬
‫أل ترن عاهدت ربّي وإننّي ‪ ...‬لبي رتاجٍ قائما ومقام‬
‫ف زور كلم‬
‫على حلفةٍ‪ ،‬ل أشتم الدّهر مسلما ‪ ...‬ول خارجا من ّ‬
‫صبّ‪.‬‬
‫ضبّ وله بالكلدة إرباب ال ّ‬
‫إنّي لكذوب عليه كما كذبت العرب على الغول‪ ،‬وإنّها عمّا يؤثر لفي شغول‪ ،‬وكما تقوّلت المثال السائرة على ال ّ‬
‫وكما تكلّمت على لسان الضّبع وهي خرساء‪ ،‬ما أطلق لسانا الوضح ول الساء‪.‬‬
‫يظ ّن أنّن من أهل العلم‪ ،‬وما أنا له بالصاحب ول اللم‪.‬‬
‫وتلك لعمري بليّةٌ‪ ،‬تفتقد معها الليّة‪ .‬والعلوم تفتقر إل مراسٍ‪ ،‬ودارسٍ للكتب أخي دراس‪.‬‬
‫ويقال إننّي من أهل الدّين‪ ،‬ولو ظهر ما وراء السّدين‪ ،‬ما اقتنع ل الواصف بسبّ‪ ،‬وودّ أن يسقين جوز ًل بشبّ‪ ،‬وكيف يدّعى للعلج الوحشيّ‪ ،‬وإنّما‬
‫أبد ف الرّوض البشي‪ ،‬أن تغريده ف السّحر أشعار موزونةٌ‪ ،‬تأذن لنظيها الحزونة؟ وهل يصوّر لعاقلٍ لبيب‪ ،‬أنّ الغراب النّاعب صدح بتشبيب‪ ،‬وأنّ‬
‫العصافي الطّائرة بأجنحةٍ‪ ،‬كعصافي النذر الكائنة للتّمنحة؟ وكيف يظنّ الظانّ أن للطائر أساجيع حامة‪ ،‬وإنّه لخرس مع الدّمامة؟ فبعد من زعم أنّ‬
‫الجر متكلّمٌ‪ ،‬وأنّه عند الضّرب متألّم‪ .‬ومن ألتمس من اللّغام كسوةً‪ ،‬فإنّه ل يد إسوةً‪.‬‬

‫ولو أنّى ل أشعر با يقال فّ‪ ،‬لرحت من إنكاري وتلفّ‪ ،‬وكنت كالوثن‪ :‬سواءٌ عليه إن وقّر من الوقار‪ ،‬وإن أوقر من الوقار وكالرض السّبخة ما‬
‫تفل أن قيل‪ :‬هي مريعة‪ ،‬أو قيل لا‪ :‬بئست الزّريعة؛ وكالفرير العتبط‪ :‬ما يأبه لقول الكل‪ :‬إنّه لساحّ ول إذا قصب‪ :‬إنّه بالدّكة شاحٌ‪ .‬وال الستنصر‬
‫على اللقيّ‪ ،‬ل توزن الراكدة بالواق ّي واللقيّ منسوبٌ إل اللق وهو البق الكاذب وكيف أغتبط إذا ترّص عليّ‪ ،‬وعزيت العرفة إلّ؟ ولست آمنا‬
‫ف العاقبة‪ ،‬فضيحةً غي مصاقبة‪ ،‬ومثلي‪ ،‬إن جذلت بذلك‪ ،‬مثل من اتّهم بالٍ‪ ،‬فاعتقد أ ّن ما ذاع من الب يأتيه بمال‪ ،‬فسرّه قول الهلة‪ :‬إنّه للف‬
‫اليسار‪ .‬فطلب منه بعض السّلطي أن يمل إليه جلةً وافرةً‪ ،‬فصادف كذوبةً زافرة‪ ،‬وضربة كي يقرّ‪ ،‬وقتل ف العقوبة ول يعظ البّ‪.‬‬
‫وقد شهد ال أنّي أجذل بن عابن‪ ،‬لنّه صدق فيما رابن‪ ،‬وأهتمّ لثنا ٍء مكذوب‪ ،‬يتركن كالطّريدة العذوب‪ ،‬ولو نطحت بقرن الرادة‪ ،‬لمتنعت من كلّ‬
‫إرادة‪ ،‬فأمّا روق الوعل‪ ،‬فأعوزه عندي نطيحٌ‪ ،‬لنّي بروق الظّب أطيح‪ .‬فغفر ال لن ظنّ حسنا بالسيء‪ ،‬وجعله حجّة ف النّسيء‪ .‬ولول كراهت حضورا‬
‫بي النّاس‪ ،‬وإيثاري أن أموت ميتة علهبٍ ف كناس‪ ،‬فاجتمع معي أولئك الائلون‪ ،‬لصحّ أنّهم عن ال ّرشِد حائلون‪ ،‬وأتار لم القّ الطّامس وقبض على‬
‫القتاد اللّمس‪.‬‬
‫وأمّا وروده حلب‪ ،‬حرسها ال‪ ،‬فلو كانت تعقل لفرحت به فرح الشّمطاء النهبلة‪ ،‬ليست بالبلة ول الؤتبلة‪،‬شحط سليلها الواحد‪ ،‬وما هو لقّها‬
‫جاحدٌ‪ .‬وقدم بعد أعوامٍ‪ ،‬فنقعت به فرط أوامٍ‪ ،‬وكانت معه كالنساء ذات البغز‪ ،‬رتعت به ف الصيل‪ ،‬وليس هو لشفٍ بوصيل‪ ،‬فلمّا رأت الكان‬
‫آمنا‪ ،‬ول تش للسّراح المع كامنا‪ ،‬انبسطت ف الراد الواسع وخلّفته‪ ،‬ياول أنفا تكل؟فته‪ ،‬لتج ّر لذلك الولد ما ف الخلف‪ ،‬ول تلف بعيد التّلف‪،‬‬
‫فعادت السكينة فلم تصبه‪ ،‬فقالت للصّمد‪ :‬ل تنصبه إن كان وقع ف مالب الذّيب‪ ،‬ومن ببعض التّعذيب‪ ،‬فأنت القادر عل تعويض الطفال‪ ،‬والعال‬
‫بعقب الطّية والفال‪ .‬فبينما هي تردّد بي العلة والوله بغم لا الفقيد من حقفٍ اتذ فيه مربضا‪ ،‬ول يرَ من الرّماة منبضا‪ ،‬هكع لا شبع‪ .‬فما ساءه القدر‬
‫ول سبع‪ .‬فغمر فؤادها ابتهاجٌ‪ ،‬من بعد ما وضح لا النهاج‪.‬‬
‫ولو رجع القارظ إل عنة‪ ،‬ما بان فيها الطّرب للرّجعة‪ ،‬وما قدر من زوال الفجعة‪ ،‬إل دون ما أنا مضمرٌ منّ‪ ،‬من السرّة بدن ّو الدّيار‪ .‬وإلقائه عصا‬
‫ل من علم‪ ،‬ف أيّام‬
‫التّسيار‪ ،‬فالمد ل الذي أعاد البارق إل الغمام الوسيّ‪ ،‬وأتى الومض بلى السّميّ وإنّ حلب النصورة لتختلّ إل من يعرف قلي ً‬
‫الحاربة والسّلم‪ ،‬فما باله يّد ال الداب بأن يزيده ف الدة فإنا لغرابا كالعدّة‪.‬‬
‫وإن لعجب من تالؤ جاعة‪ ،‬على أم ٍر ليس بالسن ول الطاعة‪ ،‬ول ثبت له يقيٌ‪ ،‬فيشوفه الصّنع أو يقي قد كدت ألق برهط العدم‪ ،‬من غي السف‬
‫ول النّدم‪ ،‬ولكنّما أرهب قدومي على البّار‪ ،‬ول أصلح نلي بإبار‪ .‬وقيل لبعض الكماء‪ :‬إنّ فلنا تلطّف حت قتل نفسه‪ ،‬ول يطق ف الدّار الالية‬
‫عفسه‪ ،‬وكره أن يارس بدائع الشّرور‪ ،‬وأحبّ النّقلة إل منازل السّرور‪ ،‬فقال الكيم قولً معناه‪ :‬أخطأ ذلك الشابّ القتبل‪ ،‬وله ولمّه يقّ البل‪ ،‬هلّ‬
‫ت هدم! ولول حكمة ال جلّت قدرته‪ ،‬وأنّه حجز الرّجل عن‬
‫صب على صروف الزّمان‪ ،‬حت ينو له القدر مانٍ؟ فإنّه ل يشعر علم يقدم‪ ،‬ولكلّ بي ٍ‬
‫الوت‪ ،‬بالوف من العلز والفوت‪ ،‬لرغب كلّ من احتدم غضبه‪ ،‬وكلّ عن ضريب ٍة مقضبه‪ ،‬أن تنع له من الوت كؤوسٌ‪ ،‬وال العال با يؤوس‪.‬‬
‫ي البشر من الطوب مفديّ‪ ،‬فصاحب غزلٍ وتبطّل‪ ،‬وتوفّرٍ على الرّد وتعطّل‪ ،‬وما أشكّ أ ّن الشّيخ‪ ،‬أق ّر ال عي الدب‬
‫وأمّا أبو القطران السديّ‪ ،‬وأ ّ‬
‫بالز؟ّيادة ف عمره أشدّ شوقا إل أحد بن يي مع صمعه‪ ،‬وأب السن الثرم مع ثرمه‪ ،‬من الرّار بن سعيد عند رجاء العدة وخوف الوعيد‪ ،‬وهو ذلك‬
‫ب وخداعٌ‪ ،‬وللكمد ف هواه‬
‫التهيّم إل وحشيّة‪ ،‬وإن فقد لبينها الشيّة‪ ،‬وادّكر ثغرا كالٌغريض‪ ،‬وخدّا ًيعدل بلون الحريض وإنّما ودّ الغانية خل ٌ‬
‫ابتداعٌ‪ .‬ولو هلكت تلك الرة والرّار يعيش‪ ،‬لعدّ أنّه بتلفها نعيش‪ ،‬ول سيّما بعد السّنّ العالية‪ ،‬وقوّة النّفس اللية‪ .‬ولعلّ ابا القطران لو متّع بذه الذكورة‬
‫ما يكون قدره مائة حقبةًٍ‪ ،‬على غي الزع والرّقبة‪ ،‬لاز أن يغرض من الوصال‪ ،‬إذا علم أنّ حبله ف اتّصال‪ .‬ولو نزل با شي ٌء تتغيّر به عن العهد‪ ،‬لتمننّى‬
‫أن تقذف إل غي الهد‪ ،‬لنّ ابن آدم بي ٌل ملول‪ ،‬نسري به إل النيّة أمونٌ ذلول‪ .‬ولو أصابا العور‪ ،‬بعد أن سكن عينها الور‪ ،‬لظنّ أن ذلك نبأ ل يغفر‬
‫ول يكفّر‪ ،‬فكيف يعتب على الفاهي‪ ،‬وينتقم من القوم السّاهي؟ وال سبحانه‪ ،‬قد رفع ذلك عن سا ٍه ما علم‪ ،‬ونائمٍ إذا أحسّ بالؤل أل‪.‬‬
‫ومن أين لذلك الشّخص السدي‪ ،‬ما وهبه ال للشيخ من وفا ٍء لو علم به السّموءل لعترف أنّه من الغادرين‪ ،‬أو الارث ابن ظال لشهد أنّه من‬
‫السّادرين؟؟؟! من قولم فعل كذا وكذا سادرا‪ ،‬أي ل يهتمّ لشيء‪ ،‬وإنّما عاشر أبو القطران أعبدا ف البل وآميا‪ ،‬ونظر إل عقبه داميا‪ ،‬مّا يطأ على‬
‫هراسٍ‪ ،‬ومن له ف الكلة بالفراس؟ وهو التّمر السود‪ ،‬ومن أبيات العان‪:‬‬
‫إذا أكلوا الفراس رأيت شاما ‪ ...‬على النباث منهم والغيوب‬
‫ت ‪ ...‬كصوت الرّعد ف العام الصيب‬
‫ك تسمع قاصفا ٍ‬
‫فما تنف ّ‬

‫ولعلّه لو صادف غاني ًة على وحشيّة بشقّ البلمة لسلها غي الؤلة‪ ،‬وإنّما ديدن ذلك الرّجل ونظرائه صفقه ناقةٍ أو ربع‪ ،‬وما شجره الغترس بالنّبع‪ .‬إذا‬
‫جن الكمأة بح‪ ،‬وخال أنّه قد نح! ولو حضر أخونة حضرها الشّيخ لعاد كما قال القائل‪:‬‬
‫فلو كنت عذريّ العلقة ل تبت‬
‫بطينا‪،‬وأنساك الوى كثرة الكل وهو‪ ،‬قدّر ال له ما أحبّ‪ ،‬قد جالس ملوك مصر الت قال فيها فرعون‪ :‬أليس ل ملك مصر وهذه النار تري من تت‬
‫أفل تبصرون؟ وقد أقام بالعراق زمنا طويلً‪ ،‬وأدام على الدب تعويلً‪ ،‬وبالعراق ملكة فارس‪ ،‬وهم أهل الشّرف والظّرف‪ ،‬يوف صرفهم ف الطعمة على‬
‫كلّ صرف‪ ،‬ول ريب أنّه قد جالس بقاياهم‪ ،‬واختب ف العاشرة سجاياهم‪ ،‬وعاطوه الكؤس ألت التّصاوير‪ ،‬على عاد الرازبة والساوير‪ ،‬كما قال‬
‫الكميّ‪:‬‬
‫تدور علينا الكأس ف عسجديّةٍ ‪ ...‬حبتها بأنواع التصاوير فارس‬
‫قرارتا كسرى‪ ،‬وف جنباتا ‪ ...‬مها تدّريها بالقسيّ الفوارس‬
‫ك أنّه‪ ،‬أمتع ال‬
‫وأبو القطران كان يستقي النّطفة بلبةٍ‪ ،‬ويعلها ف الغمر أو العلبة‪ ،‬وإذا طعم فمن له باللّهدة‪ ،‬وإن أخصب شرع ف النّهيدة‪ .‬وما أش ّ‬
‫الداب ببقائه‪ ،‬لو رزق ماورة أب السود على عرجه وبله التناذر وجرجه‪ ،‬لكانت مقتة له أبلغ من مقة مهديّ ليله ول أقول رؤبة أبيله‪ .‬ولو أدرك‬
‫ماضرة أب الطّاب لكان بدوش عينيه أش ّد شغفا من الادرة بسميّة‪ ،‬ومن غيلن بيّة لنّه قال‪:‬‬
‫ي بلمى بثينة‪.‬‬
‫وعيان قال ال‪ :‬كونا‪ ،‬فكانتا‪ ،‬فعولن باللباب ما تفعل المر وهو بلع أب السن سعيد بن مسعدة‪ ،‬أعجب من كثيّر بشنب عزّة‪ ،‬والعذر ّ‬
‫ولو كان أبو عبيدة أذفر الفم‪ ،‬لا أمنت مع كلفه بالخبار‪،‬أن يقبّله ش ّق البلسة بل استكبار‪ ،‬وف الديث عن عائشة‪ ،‬رحة ال عليها‪ :‬كان رسول ال‪،‬‬
‫صلّى ال عليه وسلّم‪ ،‬يقبّلن شقّ التينة‪ .‬وروى بعضهم‪ :‬شقّ التمرة‪ .‬وذلك أن يأخذ الشّفة العليا بيده‪ ،‬والسّفلى بيده الخرى‪،‬ويقبّل ما بي الشفتي‪.‬‬
‫وأما من فقده من الصدقاء لّا دخل حلب‪ ،‬حرسها ال‪ ،‬فتلك عادة الزّمن‪ ،‬ليس على لسال بؤتن‪ ،‬يبدّل من البيات السكونة قبورا‪ ،‬ول يلحق بعثرة‬
‫جبورا‪ .‬وإ ّن رمس الالك لبيت القّ‪ ،‬وإن طرق باللمّ الشقّ‪ .‬على أنّه يغن الثّاوي بعد عدمٍ‪ ،‬ويكفيه الؤونة مع القدم‪ .‬وإنّ السد لن شرّ خبءٍ‪ ،‬يبعد‬
‫ضبّ‪:‬‬
‫من سبٍ وسبء‪ .‬قال ال ّ‬
‫ف عليّ ول عدم‬
‫ولقد علمت بأن قصري حفرٌة ‪ ...‬ما بعدها خو ٌ‬
‫فأزور بيت ال ّق زورة ماكث ‪ ...‬فعلم أحفل ما تقوّض واندم؟‬
‫وما زالت العرب تسمّي القب بيتا‪ ،‬وإن كان النتقل إليه ميتا‪ ،‬قال الرّاجز‪:‬‬
‫ب بيت حسبٍ بنيته‬
‫اليوم يُبن لدويد بيته ‪ ...‬يا ر ّ‬
‫ومعصمٍ ذي بر ٍة لويته ‪ ...‬لو كان للدّهر بلىً أبليته‬
‫أو كان قرن واحدا ًكفيته فأمّا الفصل الذي ذكر فيه الليل‪،‬فقد سقط منه اسم الذي غل فّ‪ ،‬وقرن بالنّجوم الصّلفّ‪ ،‬ومن كان‪ ،‬فغفر ال جرائمه‪،‬‬
‫ب ليس يتحصّل!؟ وإنّي‬
‫وحفظ له ف البد كرائمه‪ ،‬فقد أخطأ على نفسه فيما زعم وعليّ‪ ،‬ونسب مال أستوجب إلّ‪ .‬وكم أعتذر وأتنصّل‪ ،‬من ذن ٍ‬
‫لكره بشهادة ال تلك الدّعوى البطلة‪ ،‬كراهة السيح من جعله ربّ العزّة‪ ،‬فما ترك للفت من مهزّة بدليل قوله تعال‪ " :‬وإذ قال ال يا عيسى ابن مري‬
‫أأنت قلت للنّاس اّتذون وأمّي إلي من دون ال‪ ،‬قال سبحانك ما يكون ل أن أقول ما ليس ل بقّ‪ ،‬إن كنت قلته فقد علمته‪ ،‬تعلم ما ف نفسي ول‬
‫أعلم ما ف نفسك‪ ،‬إنّك أنت علّم الغيوب " ‪.‬‬
‫وأمّا أبو الفرج الزّهرجيّ فمعرفته بالشّيخ تقسم أنّه للدب حليفٌ‪،‬وللطّبع اليّر أليفٌ‪.‬‬
‫ووددت أنّ الرّسالة وصلت إلّ‪ ،‬ولكن ما عدل ذلك العديل‪ ،‬فبعدما تغنّى هديل‪ ،‬هلّ اقتنع بنفقةٍ أو ثوبٍ‪ ،‬وترك الصّحف عن نوب!؟ فأرب من يديه‪،‬‬
‫ول اهتدى ف اللّيلة بفرقديه‪ .‬لو أنّه أحد لصوص العرب الذّين رويت لم المثال السّائرة‪ ،‬وتدّثت بم النجدة والغائرة‪ ،‬لا اغتقرت ما صنع با نظم‪،‬‬
‫لنّه أفرط وأعظم‪ ،‬أي أتى عظيمة وبتك من القلئد نظمةً‪.‬‬
‫وقد وفّق أبو الفرج وولده‪ ،‬وصار كالّلجّة ثده‪ ،‬لّا درس عليه الكتب‪ ،‬وحفظ عنه ما يكون الترّتب‪ ،‬فسلّم العاتكة إل القاريّ‪ ،‬والنّافجة إل الرء الدّاريّ‪،‬‬
‫والرّمح الطول إل ابن الطّفيل‪ ،‬والعنّة إل أحلس اليل‪.‬‬

‫وإن كان الشّيخ مارس من التّعب أمّ الرّبيق‪ ،‬فقد جدّد عهده الوّل بقويق‪ ،‬وإنّه لنعم النّهر‪ ،‬ل يغرق السّابح ول يبهر‪ ،‬وبناته الخطوبات صغارٌ‪ ،‬يؤخذن‬
‫منه ف الغفلة ول يغار‪ .‬يعلوهنّ‪ ،‬والقدر يغولنّ‪ ،‬سترن النفس فما تبّجن‪ ،‬ولكن بالرّغم خرجن‪ .‬خدوره ّن من ماء‪ ،‬زارتنّ اللموءة باللاء واللموءة‬
‫ب سبت من ولد أم رومٌ‪ ،‬ول يفل با تروم‪ .‬ولقد ذكره البحتريّ‪ ،‬ونعته‬
‫الشّبكة‪ ،‬يقال‪ :‬ألأ على الشيء إذا أخذه كلّه ما يشعر قويقٌ السكي‪ ،‬أعر ٌ‬
‫الصنّوبريّ‪ ،‬وإخال أ ّن الشّيخ أفسدته عليه دجلة وصراتا‪ ،‬وأعانا على ذلك فُراتا‪.‬‬
‫وأمّا حلب‪ ،‬فإنّها المّ البّة‪ ،‬تعقد با السرّة‪ ،‬وما أحسبها‪ ،‬إن شاء ال‪ ،‬تظاهر بذميم العقوق‪ ،‬أو تغفل الفترض من القوق ووحشيّة يتمل أن يكون‪،‬‬
‫آنس ال الداب ببقائه‪ ،‬جعلها نائبة عمن فقده من الخوان‪ ،‬الذين عُدم نظيهم ف الوان‪ .‬وكذلك تري أمثال العرب‪ :‬يكنون فيها بالسم عن جيع‬
‫الساء‪ ،‬مثال ذلك أن يقول القائل‪:‬‬
‫فل تشلل ي ٌد فتكت بعمروٍ‪ ... ،‬فإنّك لن تُذ ّل ولن تضاما‬
‫ل قد فتك بن اسه حسّان أو عطاردٌ أو غي ذلك‪ ،‬فيتمّثل بذا البيت‪ ،‬فيكون عمرو فيه واقعا على جيع من يتمثّل له به‪.‬‬
‫يوز أن يرى الرجل رج ً‬
‫وكذلك قول الرّاجز‪:‬‬
‫ل ل يكمه‪ ،‬فيجوز أن يُقال لن اسه خالدٌ أو بكرٌ أو ما شاء ال من الساء‪ .‬ويضعون ف هذا‬
‫ل لكلّ عمل عم ً‬
‫أوردها سع ٌد وسع ٌد مشتمل صار ذلك مث ً‬
‫الباب الؤنّث موضع الذكّر‪ ،‬والذكّر موضع الؤنّث‪ ،‬فيقولون للرّجل‪ :‬أطرّي فإنّك ناعلةٌ‪ ،‬والصيّف ضيعّت اللّي‪ ،‬مسنة فهيلي‪ ،‬وابتدئيه ّن بفعال سبيت‪.‬‬
‫وإذا أرادوا أن يبوا بأنّ الرأة كانت تفعل الي ثّ هلكت فانقطع ما كانت تفعله‪ ،‬جاز أن يقولوا‪ :‬ذهب الي مع عمرو ابن حمة‪ .‬وجائزٌ أن يقولوا لن‬
‫يذّرونه من قرب النّساء‪ :‬ل تبت من بكريّ قريبا؛ والبكريّ أخوك فل تأمنه‪ .‬ومثل هذا كثي‪.‬‬
‫وأمّا شكواه إلّ‪ ،‬فإننّي وإيّاه لكما قيل ف الثل‪ :‬الثّكلى تعي الثكلى‪ ،‬وعل ذلك حّل الصمعيّ قول أب داود‪:‬‬
‫ويصيخ أحيانا كما اس ‪ ...‬تع الضلّ دعاء ناشد‬
‫كلنا بمد ال مضلّ‪ ،‬فعلى من نمل وعلى من ندلّ؟ أمّا الطيّة فآلية‪ ،‬وأمّا الزادة فخاليةٌ‪ ،‬والرّكب يفتقر إل الصاة‪ ،‬وكلّهم بش للوصاة‪:‬‬
‫ل جلي طرل السّرى ‪ ...‬ص ٌب جيلٌ‪ ،‬فكلنا مبتلى‬
‫يشكو إ ّ‬
‫إن اشتكت السّمرة سفن العاضد إل السّيالة‪ ،‬فإنّها تشكو النّازلة إل شاكٍ‪ ،‬والصّدق أفضل من البتشاك‪ .‬ول أرتاب أنّه يفظ قول الفزازيّ منذ خسي‬
‫حجّة أو أكثر‪:‬‬
‫أعيي هلّ إذ بلت ببّها ‪ ...‬كنت استعنت بفارغ العقل‬
‫أقبلت تبغي الغوث من رج ٍل ‪ ...‬والستغاث إليه ف شغل!‬
‫ول يزل أهل الدب يشكون الغي ف ك ّل جيل‪ ،‬ويصّون من العجائب بسج ٍل سجيلٍ‪ .‬وهو يعرف الكاية أ ّن مسلمة بن عبد اللك أوصى لهل الدب‬
‫بز ٍء من ماله‪ ،‬وقل‪ :‬إنّهم أهل صناعةٍ مفوّةٍ‪ .‬وأحسب أنّهم والرفة خلُقا توأمي‪ ،‬وإنا ينجح بعضهم ف ذات الزّمي‪ّ ،‬ث ل تلبث أن تزل قدمه‪ ،‬ويتفرّى‬
‫بالقدر أدمه‪.‬وقد سع ف مصر بقصّة أب الفضل وسعيد‪ ،‬وما كان أحدها من الخر ببعيد‪ .‬وإذا كان الدب على عهد بن أميّة يقصد أهله بالفوة‪،‬‬
‫فكيف يسلمون من باسٍ‪ ،‬عند ملكة بن العبّاس؟ وإذا أصابتهم الحن ف عدّان الرشيد فكيف يطمع لم بالظّ الشيد؟ أليس أبو عبيدة قدم مع الصمعيّ‬
‫وكلها يريد النّجعة‪ ،‬ول يلتمس إل البصرة رجعة‪ ،‬فتشبّث بعبد اللك‪ ،‬وردّ معمرٌ‪ ،‬ومن يعلم با ينّ المر‪.‬‬
‫ومن بغى أن يتكسّب بذا الفنّ‪ ،‬فقد أودع شرابه ف شنّ‪ ،‬غي ثقةٍ على الوديعة‪ ،‬بل هي منه ف صاحب خديعة‪.‬‬
‫سيبويه‬
‫وقد روي أن سيبويه لّا أختب شأنه وراز‪ ،‬رغب ف ولية الظال بشياز‪ ،‬وأنّ الكسائيّ توّب مّا صنع به‪ ،‬فأعانه كي يشحط على مطلبه‪.‬‬
‫س فهلك وهو بالوصل على البيد‪ :‬وصاحب الدب حليف التّصريد‪.‬‬
‫فأمّا حبيب بن أو ٍ‬
‫وأمّا الذين ذكرهم من الصحّفي‪ ،‬فغي البرة ول النصفي‪ .‬وما زال التتّفل يعرض لذاة السد‪ ،‬وما أحسبه يشعر بكان السد‪ ،‬فإذا أدّل وردٌ هوس‪،‬‬
‫تشقى به التامكة‪ ،‬أو اللّموس‪ ،‬فثعالة به منذرٌ‪ ،‬كأنّه للمفترس مذّر‪ ،‬ول يراه الضّيغم موضعا للعتاب‪ ،‬ويعل أمره فيما يتمل من الطب النتاب‪ .‬وكم‬
‫من أغلب مثارٍ‪ ،‬يسهّد لغناء الطّيثار‪ ،‬وإذا هو بلي ٍل تغنّى‪ ،‬فالقسور به معنّى‪:‬‬
‫ما يضرّ البحر أمسى زاخرا ‪ ...‬أن رمى فيه غلمٌ بجر‬

‫أو كلّما طنّ الذّباب أروعه؟ ‪ ...‬إنّ الذّباب إذا عليّ كري!‬
‫ومازال المج يقولون‪ ،‬ويقصرون عن الكرمة فل يطولون‪ ،‬وإنم عما أثّل متثاقلون‪ ،‬وطلّب الدب ف حباله واقلون‪.‬‬
‫من انفرد بفضيلةٍ أثيةٍ‪ ،‬فإنّه يتقدّم بناقب كثيةٍ‪ ،‬وإن حسّاد البارع لكما قال الفرزدق‪:‬‬
‫ش ّم من يذبل‬
‫فإن تج آل الزّبرقان‪ ،‬فإنّما ‪ ...‬هجوت الطّوال ال ّ‬
‫وقد ينبج الكلب النّجوم ودونا ‪ ...‬فراسخ تقصي ناظر التأمّل‬
‫يعدو على الاسد حسده‪ ،‬ويذوب من كبتٍ جسده‪:‬‬
‫فهل ضربة الرّوميّ جاعلةٌ لكم ‪ ...‬أبا عن كليبٍ‪ ،‬أو أبا مثل دارم؟‬
‫فأمّا ما ذكره من قول أب الطّيب‪ :‬أذمّ إل هذا الزّمان أهيله فقد كان الرّجل مولعا بالتّصغي‪ ،‬ل يقنع من ذلك بلسة الغي؛ كقوله‪:‬‬
‫من ل بفهم أهيل عصر يدعي ‪ ...‬أن يسب الندي فيهم باقل؟‬
‫وقوله‪:‬‬
‫حبيببتا قلب‪ ،‬فؤادي هيا جل‬
‫وقوله‪:‬‬
‫مقال للحيمق يا حليم‬
‫وقوله‪:‬‬
‫ونام الويدم عن ليلنا‬
‫وقوله‪:‬‬
‫أف كل يوم تت ضبن شويعر‬
‫وغي ذلك ما هو موجود ف ديوانه‪ ،‬ول ملمة عليه‪ ،‬إنا هي عادة صارت كالطبع‪ ،‬فما حسن با مألوف الربع‪ ،‬ولكنها تغتفر مع الحاسن‪ ،‬والشام قد‬
‫يظهر على الراسن‪.‬‬
‫وهذا البيت الذي أوله‪:‬‬
‫أذم إل هذا الزمان أهيله‬
‫إنا قاله ف علي بن ممد بن سيار بن مكرم بأنطاكية قبل أن يدح سيف الدولة علي بن عبد ال بن حدان‪ ،‬والشعراء مطلق لم ذلك‪ ،‬لن الية شهدت‬
‫عليهم بالتخرص وقول الباطيل‪ " :‬أل تر أنم ف كل وا ٍد بيمون‪ ،‬وأنم يقولون ما ل يفعلون؟ " وأهل كلمة أصل وضعها للجماعة‪ ،‬فيقال‪ :‬ارتل أهل‬
‫الدار‪،‬فيعلم السامع أن التكلم ل يقصد واحدا با قال‪ ،‬إل أن هذه الكلمة قد استعملت للحاد‪ ،‬فقيل‪ :‬فلن أهل الي وأهل الحسان‪ ،‬قال حات الطائي‪:‬‬
‫ظلت تلوم على بكر سحت به‬
‫إن الرزيئة ف الدنيا ابن مسعود‬
‫غادره القوم بالعزاء منجدلً‪،‬‬
‫وكان أهل الندى والزم والود وكأن هذه اللفظة أصلها أن تكون للجمع‪ ،‬ث نقلت إل الواحد‪ ،‬كما أن صديقا وأميا ونوها إنا وضعن ف الصل‬
‫للفراد‪ ،‬ث نقلن إل المع على سبيل التشبيه‪ .‬وكذلك قولم‪ :‬بنو فلن أخ لنا‪ .‬ويقال‪ :‬أهل وأهلة‪ ،‬وأهلت ف المع‪ ،‬قال الشاعر‪:‬‬
‫فهم أهلت حول قيس بن عاصم‬
‫إذا أدلوا بالليل‪ ،‬يدعون كوثرا وقال بعض النحويي ف تصغي آل الرجل‪ :‬يوز أويل وأهيل‪ ،‬كأنه يذهب إل أن الاء ف أهل أبدلت منها هزة‪ ،‬فلما‬
‫اجتمعت المزتان جعلت الثانية ألفا‪ ،‬ومثل هذا ل يثبت‪.‬‬
‫والشبه أن يكون آل الرجل‪ ،‬مأخوذا من آل يؤول‪ ،‬إذا رجع‪ ،‬كأنم يرجعون إليه أو يرجع إليهم‪.‬‬
‫أما ما ذكره من حكاية القطربلي وابن أب الزهر‪ ،‬فقد يوز مثله‪ ،‬وما وضح أن ذلك الرجل حبس بالعراق‪ ،‬فأما بالشام فحبسه مشهور‪.‬‬

‫وحدثت أنه كان إذا سئل عن حقيقة هذا اللقب‪ ،‬قال‪ :‬هو من النبوة‪ ،‬أي الرتفع من الرض‪ .‬وكان قد طمع ف شيء قد طمع فيه من هو دونه‪ .‬وإنا‬
‫هي مقادير‪ ،‬يديرها ف العلو مدير‪ ،‬يظفر با من وفق‪ ،‬ول يراع بالجتهد أن يفق‪.‬‬
‫وقد دلت أشياء ف ديوانه أنه كان متألا‪ ،‬ومثل غيه من الناس متدلا فمن ذلك قوله‪:‬‬
‫ول قابلً إل لالقه حكما‬
‫وقوله‪:‬‬
‫ما أقدر ال يزي بريته ‪ ...‬ول يصدق قوما ف الذي زعموا‬
‫وإذا رجع إل القائق‪ ،‬فنطق اللسان ل ينبء عن اعتقاد النسان‪ ،‬لن العال مبول على الكذب والنفاق‪ ،‬ويتمل أن يظهر الرجل بالقول تدينا‪ ،‬وإنا‬
‫يعل ذلك تزينا‪ ،‬يريد أن يصل به إل ثناء‪ ،‬أو غرض من أغراض الالبة أم الفناء‪ ،‬ولعله قد ذهب جاعة هم ف الظاهر متعبدون‪ ،‬وفيما بطن ملحدون‪.‬‬
‫دين دعبل‬
‫وما يلحقن الشك ف أن دعبل بن علي ل يكن له دين‪ ،‬وكان يتظاهر بالتشيع‪ ،‬وإنا غرضه التكسب‪ ،‬وكم أثبت نسبا بنسب ول أرتاب أن دعبلً كان‬
‫على رأي الكمي وطبقته‪ ،‬والزندقة فيهم فاشية‪ ،‬ومن ديارهم ناشية‪.‬‬
‫وقد اختلف ف أب نواس‪ :‬ادعي له التأله وأنه كان يقضي صلوات ناره ف ليله‪ ،‬والصحيح أنه كان على مذهب غيه من أهل زمانه‪ ،‬وذلك أن العرب‬
‫جاءها النب صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وهي ترغب إل القصيد‪ ،‬وتقصر همها عن الفصيد‪ ،‬فاتبعه منها متبعون‪ ،‬وال أعلم با يوعون‪ ،‬فلما ضرب السلم‬
‫برانه‪ ،‬واتسق ملكه على أركانه‪ ،‬مازج العرب غيهم من الطوائف‪ ،‬وسعوا كلم الطباء وأصحاب اليئة وأهل النطق‪ ،‬فمالت منهم طائفة كثية‪.‬‬
‫ول يزل اللاد ف بن آدم على مر الدهور‪ ،‬حت إن أصحاب السي يزعمون أن آدم صلى ال عليه وسلم‪ ،‬بعث إل أولده فأنذرهم على ذلك النهاج إل‬
‫اليوم‪.‬‬
‫وبعض العلماء يقول إن سادات قريش كانوا زنادقة‪ .‬وما أجدرهم بذلك! وقال شاعرهم يرثي قتلى بدر‪ ،‬وتروي لشداد بن السود الليثي‪:‬‬
‫ألت بالتحية أم بكر ‪ ...‬فحيوا أم بكر بالسلم‬
‫وكائن بالطوي طوي بدر ‪ ...‬من الحساب والقوم الكرام‬
‫وكائن بالطوي طوي بدر ‪ ...‬من الشيزى تكلل بالسنام‬
‫أل يا أم بكر ل تكرى ‪ ...‬على الكأس بعد أخي هشام‬
‫وبعد أخي أبيه‪ ،‬وكان قرما ‪ ...‬من القوام شراب الدام‬
‫أل من مبلغ الرحن عن ‪ ...‬بأن تارك شهر الصيام‬
‫إذا ما الرأس زايل منكبيه‪ ... ،‬فقد شبع النيس من الطعام‬
‫أيوعِدونا بن كبشة أن سنحيا؟ ‪ ...‬وكيف حياة أصداء وهام؟‬
‫أتترك أن ترد الوت عن‪ ... ،‬وتيين إذا بليت عظامي؟‬
‫ول يدعي مثل هذه الدعاوي إل من يستبسل وراءها للحمام‪ ،‬ول يأسف له عند اللام‪.‬‬
‫وحدثت أن أبا الطيب أيام كان إقطاعه " بصف " رؤي يصلي بوضع بعرة النعمان يقال له كنيسة العراب وأنه صلى ركعتي‪ ،‬وذلك ف وقت العصر‪،‬‬
‫فيجوز أن يكون رأى أنه على سفر‪ ،‬وأن القصر له جائز‪.‬‬
‫وحدثن الثقة عنه حديثا معناه‪ :‬أنه لا حصل ف بن عدي وحاول أن يرج فيهم‪ ،‬قالوا له وقد تبينوا دعواه‪ :‬ها هنا ناقة صعبة‪ ،‬فإن قدرت على ركوبا‬
‫أقررنا أنك مرسل‪ .‬وأنه مضى إل تلك الناقة وهي رائحة ف البل‪ ،‬فتحيل حت وثب على ظهرها‪ ،‬فنفرت ساعة وتنكرت برهة‪ ،‬ث سكن نفارها ومشت‬
‫مشي السمحة‪ ،‬وأنه ورد با اللة وهو راكب عليها‪ ،‬فعجبوا له كل العجب‪ ،‬وصار ذلك من دلئله عندهم‪.‬‬
‫وحدثت أيضا أنه كان ف ديوان اللذقية‪ ،‬وأن بعض الكتاب انقلبت على يده سكي القلم فجرحته جرحا مفرطا‪ ،‬وأن أبا الطيب تفل عليها من ريقه‪،‬‬
‫وشدها غي منتظر لوقته‪ ،‬وقال للمجروح‪ :‬ل تلّها ف يومك‪ .‬وعد له أيّاما وليال‪ ،‬وإن ذلك الكاتب قبل منه‪ ،‬فبىء الرح‪ ،‬فصاروا يعتقدون ف أب‬
‫الطيب أعظم اعتقاد‪ ،‬ويقولون‪ :‬هو كمحيي الموات‪.‬‬

‫وحدث رجل‪ :‬كان أبو الطيب قد استخفى عنده ف اللذقية أو ف غيها من السواحل‪ ،‬أنه أراد النتقال من موضع إل موضع‪ ،‬فخرج بالليل ومعه ذلك‬
‫الرجل‪ ،‬ولقيهما كلب أل عليهما ف النباح ث انصرف‪ ،‬فقال أبو الطيب لذلك الرجل وهو عائد‪ :‬إنك ستجد ذلك الكلب قد مات‪ .‬فلما عاد الرجل‬
‫ألفى المر على ما ذكر( ول يتنع أن يكون أعد له شيئا من الطاعم مسموما وألقاه له وهو يفي عن صاحبه ما فعل‪ .‬والريق سم الكلب معروف)‪.‬‬
‫وأما القطربلي وابن أب الزهر فمن الزول اجتماعهما على تأليف كتابٍ‪ ،‬وقل ما يعرف مثل ذلك‪ .‬ونو منه قصة " الالديي " اللذين كانا ف الوصل‬
‫وها شاعران‪ ،‬وقد كانا عند سيف الدولة وانصرفا على حد مغاضبة‪ .‬ولما ديوان ينسب إليهما ل ينفرد فيه أحدها بشيء دون الخر إل ف أشياء قليلةٍ‪.‬‬
‫وهذا متعذر ف ولد آدم إذا كانت البلة على اللف وقلة الوافقة‪.‬‬
‫فأما أن يعمل الرجل شيئا من كتابٍ‪ ،‬ث يتمّه الخر‪ ،‬فهو أسوغ ف العقول من أن يتمع عليه الرجلن‪ .‬والبغداديون يكون أن أبا سعيد السياف عمل‬
‫من كتابه العروف بالقنع أو القناع إل باب التصغي‪ ،‬ث توف وأتّمه بعده ولده أبو ممد‪.‬‬
‫وقد يوز مثل هذا‪ ،‬وليس عندهم فيه ريب‪ ،‬وحكى ل الثقة أن أبا علي الفارسي كان يذكر أن أبا بكر بن السراج عمل من ( الوجز ) النصف الول‬
‫لرجل بزاز‪ ،‬ث تقدم إل أب علي بإتامه‪ ،‬وهذا ل يقال أنه من إنشاء أب علي لن الوضوع من ( الوجز )‪ ،‬هو منقول من كلم ابن السراج ف ( الصول‬
‫) وف ( المل )‪ ،‬فكأن أبا علي جاء به على سبيل النسخ‪ ،‬ل أنه ابتدع شيئا منه عنده‪.‬‬
‫والذين رووا ديوان أب الطيب يكون عنه أنه ولد سنة ثلث وثلثمائة‪ .‬وكان طلوعه إل الشام سنة إحدى وعشرين‪ ،‬فأقام فيه برهة ث عاد إل العراق ول‬
‫تطل مدته هنالك‪ .‬والدليل على صحة هذا الب أن مدائحه ف صباه إنا هي ف أهل الشام إل قوله‪:‬‬
‫كفي أران ويك لومك ألوما‬
‫وأما شكيته أهل الزمان إليه‪ ،‬فإنه سلك ف ذلك منهاج التقدمي‪ ،‬وقد كثر القال ف ذم الدهر حت جاء ف الديث‪ " :‬ل تسبوا الدهر فإن ال هو الدهر‬
‫" وقد عرف معن هذا الكلم‪ ،‬وأن باطنه ليس كظاهره‪ ،‬إذ كان النبياء عليهم السلم‪ ،‬ل يذهب أحد منهم إل أن الدهر هو الالق‪ ،‬ول العبود‪.‬‬
‫وقد جاء ف الكتاب الكري‪ " :‬وما يهلكنا إل الدّهر " وقول بعض النّاس‪ :‬الزمان حركة الفلك‪ ،‬لفظ ل حقيقة له‪ .‬وف كتاب سيبويه ما يدل على أن‬
‫الزمان عنده‪ :‬مضي الليل والنهار‪ .‬وقد تعلق عليه ف هذه العبارة‪.‬‬
‫وقد حددته حدا ما أجدره أن يكون قد سبق إليه إل أن ل أسعه‪ ،‬وهو أن يقال‪ :‬الزمان شيء أقل جز ٍء منه يشتمل على جيع الدركات‪ ،‬وهو ف ذلك‬
‫ضد الكان‪ ،‬لن أقل جزءٍ منه ل يكن أن يشتمل على شي كما تشتمل عليه الظروف‪ ،‬فأما الكون فل بد من تشبثه با قل وكثر‪.‬‬
‫والذين قالوا‪ " :‬وما يهلكنا إل الدهر " وغي ذلك من القال‪ ،‬مثل البيت النسوب إل الخطل‪ ،‬وذكره حبيب بن أوسٍ لشمعلة التغلب‪ ،‬وهو‪:‬‬
‫فإن أمي الؤمني وفعله ‪ ...‬لكالدهر ل عار با فعل الدهر‬
‫وقول الخر‪:‬‬
‫الدهر لءم بي ألفتنا‪ ... ،‬وكذاك فرق بيننا الدهر‬
‫وقل أب صخر‪:‬‬
‫عجبت لسعي الدهر بين وبينها‬
‫فلما انقضى ما بيننا‪ ،‬سكن الدهر ل يدع أن أحدا منهم كان يقرب للفلك القرابي‪ ،‬ول يزعم أنا تعقل‪ ،‬وإنا ذلك شيء يتوارثه المم ف زمان بعد‬
‫زمان‪.‬‬
‫شات الدهر‬
‫وكان ف عبد القيس شاعر يقال له " شات الدهر " ‪ ،‬وهو القائل‪:‬‬
‫ولا رأيت الدهر وعرا سبيله‪ ... ،‬وأبدى لنا وجها أزب مدعا‬
‫وجبهة قرد كالشراك ضئيلة‪ ... ،‬وأنفا‪ ،‬ولوى بالعثاني أخدعا‬
‫ذكرت الكرام الذاهبي أول الندى ‪ ...‬وقلت لعمرو والسام‪ :‬أل دعا‬
‫وأما غيظه على الزنادقة واللحدين فأجره ال عليه‪ ،‬كما أجره على الظمأ ف طريق مكة‪ ،‬واصطلء الشمس بعرفة‪ ،‬ومبيته بالزدلقة‪ .‬ول ريب أنه ابتهل‬
‫إل ال‪ ،‬سبحانه‪ ،‬ف اليام العدودات والعلومات‪ ،‬أن يثبت هضاب السلم‪ ،‬ويقيم لن اتبعه الني من العلم‪ .‬ولكن الزندقة داء قدي‪ ،‬طالا حلم با‬

‫الدي‪ .‬وقد رأى بعض الفقهاء أن الرجل إذا ظهرت زندقته ث تاب فزعا من القتل‪ ،‬ل تقبل توبته‪ .‬وليس كذلك غيهم من الكفار‪ ،‬لن الرتد إذا رجع‬
‫قبل منه الرجوع‪.‬‬
‫ول ملة إل ولا قوم ملحدون‪ ،‬يرون أصحاب شرعهم أنم موالفون وهم فيما بطن مالفون‪ ،‬ول بد أن ينهتك مادع‪ ،‬وتبدو من الشر جنادع‪.‬‬
‫وقد كانت ملوك فارس تقتل على الزندقة‪ ،‬والزنادقة هم الذين يسمون الدهرية‪ ،‬ل يقولون بنبوة ول كتاب‪.‬‬
‫وبشار إنا أخذ ذلك عن غيه‪ ،‬وقد روي أنه وجد ف كتبه رفعة مكتوب فيها‪ :‬إن أردت أن أهجو فلن بن فلن الاشي فصفحت عنه لقرابته من‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ .‬وزعموا أنه كان يشار سيبويه‪ ،‬وأنه حضر يوما حلقة يونس بن حبيبٍ فقال‪ :‬هل ههنا من يرفع خبا؟ فقالوا‪ :‬ل‬
‫فأنشدهم‪:‬‬
‫بن أمية هبوا من رقادكم ‪ ...‬إن الليفة يعقوب بن داود‬
‫ليس الليفة بالوجود فالتمسوا ‪ ...‬خليفة ال بي الناي والعود‬
‫وكان ف اللقة سيبويه‪ ،‬فيدعي بعض الناس أنه وشى به‪.‬وسيبويه‪ ،‬فيما أحسب كان أجل موضعا من أن يدخل ف هذه الدنيات‪ ،‬بل يعمد لمور سنيات‬
‫وحكى عنه أنه عاب عليه قوله‪:‬‬
‫على الغزل من السلم‪ ،‬فطال ما ‪ ...‬لوت با ف ظل مضرة زهر‬
‫فقال سيبويه‪ :‬ل تستعل العرب الغزل‪ ،‬فقال بشار‪ :‬هذا مثل قولم البشكى والمزي‪ ،‬ونو ذلك‪.‬‬
‫وجاء بشار ف شعره بالنينان( جع نونٍ من السمك) فيقال إنه أنكره عليه‪ ،‬وهذه أخبار ل تثبت‪ .‬وفيما روي ف كتاب سيبويه أن النون يمع على نينان‪،‬‬
‫فهذا نقض للخب‪.‬‬
‫وذكر من نقل أخبار بشار أنه توعد سيبويه بالجاء‪ ،‬وأنه تلفاه واستشهد بشعره‪ .‬ويوز أن يكون استشهاده به على نو ما يذكره التذاكرون ف‬
‫الجالس ومامع القوم‪ .‬وأصحاب بشارٍ يروون له هذا البيت‪:‬‬
‫ت نصحه بلبيب‬
‫وما كل ذي لبٍ بؤيتك نصحه‪ ... ،‬وما كل مؤ ٍ‬
‫وف كتاب سيبويه نصف هذا البيت الخر‪ ،‬وهو ف باب الدغام ل يسم قائله‪ .‬وزعم غيه أنه لب السود الدؤل‪.‬‬
‫ويقال‪ :‬إن يعقوب بن داود وزير الهدي تامل بشار حت قتل‪ ،‬واختلف ف سنه‪ :‬فقيل كان يومئذ ابن ثاني سنة‪ ،‬وقيل أكثر‪ ،‬وال العال بقيقة المر‪.‬‬
‫ول أحكم عليه بأنه من أهل النار‪ ،‬وإنا ذكرت ما ذكرت فيما تقدم لن عقدته بشيئة ال‪ ،‬وإن ال لليم وهاب‪.‬‬
‫وذكر صاحب كتاب الورقة جاعة من الشعراء ف طبقة أب نواس ومن قبله‪ ،‬ووصفهم بالزندقة‪ ،‬وسرائر الناس مغيبة‪ ،‬وإنا يعلم‪ ،‬با علم الغيوب‪.‬‬
‫وكانت تلك الال تكتم ف ذلك الزمان خوفا من السيف‪ ،‬فالن ظهر نيث القوم‪ ،‬وانغاصت التريكة عن أخبث رأل‪.‬‬
‫وكان ف ذلك العصر رجل له أصدقاء من الشيعة وصديق زنديق‪ ،‬فدعا التشيعة ف بعض اليام‪ ،‬فجاء الزنديق فقرع حلقة الباب وقال‪:‬‬
‫أصبحت جم بلبل الصدر‪ ... ،‬متقسم الشجان والفكر‬
‫فقال صاحب النل‪ :‬ويك! مم ذا؟ فتركه الزنديق ومضى‪ ،‬فلقيه صاحب الأدبة فقال له‪ :‬يا هذا‪ ،‬أردت أن توقعن فيما أكره( خوفا من أن يظن‬
‫أصدقاؤه أنه زنديق) فقال‪ :‬ادعهم ثانية وأعملن بكانم‪ .‬فلما حصلوا عنده‪ ،‬جاء الزنديق فقال‪:‬‬
‫أصبحت جم بلبل الصدر‪ ... ،‬متقسم الشجان والفكر‬
‫فقالوا‪ :‬ويك! ما ذا؟ فقال‪:‬‬
‫ما جناه على أب حسن ‪ ...‬عمر وصاحبه أبو بكر‬
‫وانصرف‪ .‬ففرح الشيعة بذلك‪ ،‬ولقيه صاحب النل فقال‪ :‬جزيت عن خيا‪ ،‬فقد خلصتن من الشبهة! وكان يلس ف ملس البصرة جاعة من أهل‬
‫العلم‪ ،‬وكان فيهم رجل زنديق له سيفان‪ ،‬قد سى أحدها " الي " والخر " الفلح " فإذا سلم عليه رجل من السلمي قال‪:‬‬
‫صبحك الي ومساك الفلح‬
‫ث يلتفت لصحابه الذين قد عرفوا مكان السيفي فيقول‪:‬‬
‫سيفان كالبق إذا البق لح‬

‫ل من بن الارث كان معروفا بالزندقة والظرف‪ ،‬وكان له‬
‫فأما قول الكمي‪ :‬تيه مغن وظرف زنديق فقد عيب عليه هذا العن‪ ،‬وقيل‪ :‬إنه أراد رج ً‬
‫موضع من السلطان‪.‬‬
‫وقوله ف صدر هذا البيت‪:‬‬
‫ندي قي ٍل مدثه ملكٍ‬
‫فهو نو من قول امريْ القيس‪:‬‬
‫فاليوم أشرب غي مستحقب‪ ... ،‬إثا من ال ول واغل‬
‫وليس ينبغي أن يمل على قول من وقف على الاء كما قال‪:‬‬
‫يا بيذره‪ ،‬يا بيذره‪ ،‬يا بيذره‬
‫وكما قال الخر‪:‬‬
‫يا رب أباز من العصم صدع ‪ ...‬تقبض الظل عليه فاجتمع‬
‫لا رأى أل دعه ول شبع ‪ ...‬مال إل أرطأة حقف فاضطجع‬
‫لن هذأ حسن فيه إظهار الاء‪ ،‬إذ كان الكلم تاما يسن عليه السكوت‪ ،‬وقوله‪ :‬مدثه ملك‪ ،‬مضاف ومضاف إليه‪ ،‬فل يسن فيه مثل ذلك‪ ،‬إذ كان‬
‫السان كاسم واحد‪.‬‬
‫صال بن عبد القدوس‬
‫وأما صال بن عبد القدوس فقد شهر بالزندقة‪ ،‬ول يقتل‪ ،‬ول العلم‪ ،‬حت ظهرت عنه مقالت توجب ذلك‪ .‬ويروى لبيه عبد القدوس‪:‬‬
‫كما أهلكت ملكة من زائ ٍر ‪ ...‬خربا ال وأبياته‬
‫ل رزق الرحن أحياءها ‪ ...‬وأشوت الرحة أمواتا‬
‫وقد كان لصال ولد حبس على الزندقة حبسا طولً‪ ،‬وهو الذي يروى له‪:‬‬
‫خرجنا من الدنيا ونن من أهلها‬
‫فما نن بالحياء فيها ول الوتى‬
‫إذا ما أتانا زائر متفقد‬
‫فرحنا‪ ،‬وقلنا‪ :‬جاء هذا من الدنيا وأما رجوعه عن الزندقة لا أحس بالقتل‪ ،‬فإنا ذلك على سبيل التل‪ .‬فصلى ال على ممد‪ ،‬فقد روي عنه أنه قال‪" :‬‬
‫بعثت بالسيف‪ ،‬والي ف السيف‪ ،‬والي بالسيف " ‪ .‬وف حديث آخر‪ :‬ل تزال أمت بي ما حلت السيوف " ‪ .‬والسيف حل صالا على التصديق‪،‬‬
‫ورده عن رأي الزنديق‪ ،‬وتلك آية من آيات ال إذا هي ظهرت للنفس الكافرة‪ ،‬فقد فن ل ريب زمانا‪ ،‬ول يقبل هناك إيانا‪ " :‬ل تكن آمنت من قبل "‬
‫وللسفه طل ووبل‪.‬‬
‫وأما " القصار " فجهل يمع ويصار‪ ،‬ولو تبع حقا مقروبا‪ ،‬لكفي سا مشروبا‪ ،‬ولكن الغرائز أعاد‪ ،‬ول بد من لقاء اليعاد‪.‬‬
‫وأما النسوب إل الصناديق‪ ،‬فإنه يسب من الزناديق‪ .‬وأحسبه الذي كان يعرف بالنصور‪ ،‬ظهر سنة سبعي ومائتي‪ ،‬وأقام برهة باليمن‪ ،‬وف زمانه‬
‫كانت القيان تلعب بالدف وتقول‪:‬‬
‫خذي الدف يا هذه والعب ‪ ...‬وبثي فضائل هذا النب‬
‫تول نب بن هاشم ‪ ...‬وقام نب بن يعرب‬
‫فما نبتغي السعي عند الصفا‪ ... ،‬ول زورة القب ف يثرب‬
‫إذا القوم صلّوا فل تنهضي‪ ... ،‬وإن صوّموا فكلي واشرب‬
‫ول ترمي نفسك الؤمني ‪ ...‬من أقربي ومن أجنب‬
‫فكيف حللت لذاك الغريب ‪ ...‬وصرت مرمة للب؟‬
‫أليس الغراس لن ربّه ‪ ...‬وروّاه ف عامه الجدب؟‬

‫وما المر إل كماء السحا ‪ ...‬ب طلق‪ ،‬فقد ست من مذهب‬
‫فعلى معتقد هذه القالة بلة البتهلي‪.‬‬
‫وهذه الطبقة‪ ،‬لعنها ال‪ ،‬تستعبد الطغام بأصناف متلفة‪ ،‬فإذا طمعت ف دعوى الربوبية ل تتئب ف الدعوى‪ ،‬ول لا عما قبح رعوى‪ ،‬وإذا علمت أن ف‬
‫النسان تيزا‪ ،‬أرته إل ما يسن تيزا‪.‬‬
‫وقد كان باليمن رجل يتجب ف حصن له‪ ،‬ويكون الواسطة بينه وبي الناس خادما له أسود قد ساه جبيل‪ ،‬فقتله الادم ف بعض اليام وانصرف‪ .‬فقال‬
‫بعض الجان‪:‬‬
‫تبارك ال ف عله ‪ ...‬فر من الفسق جبئيل‬
‫فطل من تزعمون ربا ‪ ...‬وهو على عرشه قتيل‬
‫ويقال إنه حله على ذلك ما كان يكلفه من الفسق‪.‬‬
‫وإذا طمع بعض هؤلء‪ ،‬فإنه ل يقتنع بالمامة ول النبوة‪ .‬ولكنه يرتفع صعدا ف الكذب‪ ،‬ويكون شربه من تت العذب ( أي الطّحلب‪ ).‬ول تكن العرب‬
‫ف الاهلية تقدم على هذه العظائم‪ ،‬والمور غي النظائم‪ .‬بل كانت عقولم تنح إل رأي الكماء‪ .‬وما سلف من كتب القدماء‪ .‬إذ كان أكثر الفلسفة‬
‫ل يقولون بنب‪ ،‬وينظرون إل من زعم ذلك بعي الغب‪.‬‬
‫وكان ربيعة بن أمية بن خلفٍ المحي‪ ،‬جرى له مع أب بكر الصديق‪ ،‬رحة ال عليه‪ ،‬خطب‪ ،‬فلحق بالروم‪ ،‬ويروى أنه قال‪:‬‬
‫لقت بأرض الروم غي مفكرٍ ‪ ...‬بترك صلة من عشاء ول ظهرِ‬
‫فل تتركون من صبوح مدامةٍ ‪ ...‬فما حرم ال السلف من المرِ‬
‫إذا أمرت تيم بن مرة فيكم ‪ ...‬فل خي ف أرض الجاز ول مصرِ‬
‫فإن يك إسلمي هو الق والدى ‪ ...‬فإن قد خليته لب بكرِ‬
‫وافت الناس ف الضللة حت استجازوا دعوى الربوبية‪ ،‬فكان ذلك تنطسا ف الكفر‪ ،‬وجعا للمعصية ف الزاد الوفر‪ .‬وإنا كان أهل الاهلية يدفعون النبوة‬
‫ول ياوزون ذلك إل سواه‪.‬‬
‫ل من يهود خيب يعرف بسمي بن أدكن‬
‫ولا أجلى عمر بن الطاب‪ ،‬رحة ال عليه‪ ،‬أهل الذمة عن جزيرة العرب‪ ،‬شق ذلك على الالي‪ ،‬فيقال إن رج ً‬
‫قال ف ذلك‪:‬‬
‫يصول أبو حفصٍ علينا بدر ٍة ‪ ...‬رويدك إن الرء يطفو ويرسب‬
‫كأنك ل تتبع حولة ماقطٍ ‪ ...‬لتشبع‪ ،‬إن الزاد شيء مبب‬
‫فلو كان موسى صادقا ما ظهرت ‪ ...‬علينا ولكن دولة ث تذهب‬
‫ونن سبقناكم إل الي فاعرفوا ‪ ...‬لنا رتبة البادي الذي هو أكذب‬
‫مشيتم على آثارنا ف طريقنا ‪ ...‬وبغيتكم ف أن تسودوا وترهبوا‬
‫وما زال اليمن منذ كان‪ ،‬معدنا للمتكسبي بالتدين‪ ،‬والحتالي على السحت بالتزين‪ .‬وحدثن من سافر إل تلك الناحية‪ ،‬أن به اليوم جاعة كلهم يزعم‬
‫أنه القائم النتظر‪ ،‬فل يعدم جباية من مالٍ‪ ،‬يصل با إل خسيس المال‪.‬‬
‫وحكي ل أن للقرامطة بالحساء بيتا يزعمون أن إمامهم يرج منه‪ ،‬ويقيمون على باب ذلك البيت فرسا بسرجٍ ولام‪ ،‬ويقولون للهمج والطغام‪ :‬هذا‬
‫ع وتعليل‪ ،‬وتوصل إل الملكة وتضليل‪.‬‬
‫الفرس لركاب الهدي‪ ،‬يركبه مت ظهر بق بديٍ‪ .‬وإنا غرضهم بذلك خد ُ‬
‫ومن أعجب ما سعت أن بعض رؤساء القرامطة ف الدهر القدي‪ ،‬لا حضرته النية جع أصحابه وجعل يقول لم لا أحس بالوت‪ :‬إن قد عزمت على‬
‫النقلة‪ ،‬وقد كنت بعثت موسى وعيسى وممدا‪ ،‬ول بد ل أن أبعث غي هؤلء! فعليه اللعنة‪ ،‬لقد كفر أعظم الكفر‪ ،‬ف الساعة الت يب أن يؤمن فيها‬
‫الكافر‪ ،‬ويؤوب إل آخرته السافر‪.‬‬
‫وأما الوليد بن يزيد فكان عقله عقل وليد‪ ،‬وقد بلغ سن الكهل الليد‪ ،‬ما أغنته نية سابة‪ ،‬ول نفعت البنابة‪ .‬وشغل عن الباطية‪ ،‬بريرة النفس الاطية‪.‬‬
‫دحاه إل سقر داحٍ‪ ،‬فما يغترف بالقداح‪ .‬وقد رويت له أشعار‪ ،‬يلحق به منها العار‪ ،‬كقوله‪:‬‬

‫أدنيا من خليلي ‪ ...‬عبد ل دون الزار‬
‫فلقد أيقنت أن ‪ ...‬غي مبعوثٍ لنار‬
‫واتركا من يطلب الن ‪ ...‬ة يسعى ف خسار‬
‫سأروض الناس حت ‪ ...‬يركبوا دين المار‬
‫فالعجب لزمان صي مثله إماما‪ ،‬وأورده من الملكة جاما ولعل غيه من ملك يعتقد مثله أو قريبا‪ ،‬ولكن يساتر وياف تثريبا‪ .‬وما يروى له‪:‬‬
‫أنا المام الوليد مفتخرا ‪ ...‬أجر بردي‪ ،‬وأسع الغزل‬
‫أسحب ذيلي إل منازلا‪ ... ،‬ول أبال من لم أو عذل‬
‫ما العيش إل ساع مسنةٍ ‪ ...‬وقهوة تترك الفت ثل‬
‫ل أرتي الور ف اللود وهل ‪ ...‬يأمل حور النان من عقل؟‬
‫إذا حبتك الوصال غانية ‪ ...‬فجازها بذلا كمن وصل‬
‫ويقال إنه لا أحيط به‪ ،‬دخل القصر وأغلق بابه وقال‪:‬‬
‫دعوا ل هندا والرباب وفرتن‬
‫ومسمعة‪ ،‬حسب بذلك مال‬
‫خذوا ملككم‪ ،‬ل ثبت ال ملككم‬
‫فليس يساوي بعد ذاك عقال‬
‫وخلوا سبيلي قبل عي وما جرى‪،‬‬
‫ول تسدون أن أموت هزال فألب عن تلك النلة أي ألب‪ ،‬ورئي رأسه ف فم كلب‪.‬‬
‫كذلك نقل بعض الرواة‪ ،‬وال القائم بزاء الغواة‪ .‬ول حيلة للبشر ف أم دفرٍ‪ ،‬أعيت كل حض ٍر وسفرٍ‪ .‬كان حق اللفة أن تفضي إل من هو بنسكٍ‬
‫معروف‪ ،‬ل تصرفه عن الرشد صروف‪ ،‬ولكن البلية خلقت مع الشمس‪ ،‬فهل يلص من سكن ف رمس؟ وأما أبو عيسى بن الرشيد‪ ،‬فليس بالناشد ول‬
‫النشيد‪ .‬وإن صح ما روي عنه فقد باين بذلك أسلفه‪ ،‬وأظهر لهل الديانة خلفه‪.‬‬
‫وما يفل ربه بالعبيد صائمي للخيفة ول مفطرين‪ ،‬ولكن النس غدوا مظرين‪ .‬وربا كان الاهل أو التجاهل‪ ،‬ينطق بالكلمة وخلده بضدها آهل‪ ،‬وإنا‬
‫أقول ذلك راجيا أن أبا عيسى ونظراءه‪ ،‬ل يتبعوا ف الغي أمراءه‪ ،‬وأنم على سوى ما علن يبيتون‪ ،‬لقد وعظهم اليتون‪.‬‬
‫ورأى بعضهم عبد السلم بن رغبان‪ ،‬العروف بديك الن‪ ،‬ف النوم وهو بسن حالٍ‪ ،‬فذكر له البيات الفائية الت فيها‪:‬‬
‫هي الدنيا‪ ،‬وقد نعموا بأخرى‪ ... ،‬وتسويف الظنون من السواف‬
‫أي ( اللك ) فقال‪ :‬إنا كنت أتلعب بذلك ول أكن أعتقده‪ .‬ولعل كثيا من شهر بذه الهالت تكون طويته إقامة الشريعة‪ ،‬والرتاع برياضها‬
‫الريعة‪ .‬فإن اللسان طماحُ‪ ،‬وله بالفند إساح‪ .‬وكان أبو عيسى الذكور يستحسن شعره ف البيتي والثلثة‪ ،‬وأنشد له الصول ف نوادره‪:‬‬
‫لسان كتومُ لسراره‪ ... ،‬ودمعي نوم بسري مذيع‬
‫ولول دموعي‪ ،‬كتمت الوى‪ ... ،‬ولول الوى‪ ،‬ل يكن ل دموع‬
‫فإن كان فر من صيام شهر‪ .‬فلعله يقع ف تعذيب الدهر‪ ،‬و " لييأس من روح ال إل القوم الكافرون " ‪.‬‬
‫وأما الناب فلو عوقب بلد بن يسكنه‪ ،‬لار أ‪ ،‬تؤخذ به " جنابة " ‪ ،‬ول يقبل لا إنابة‪ .‬ولكن حكم الكتاب النل أجدر وأحرى‪ " :‬أل تزر وازرة وزر‬
‫أخرى " ‪ .‬وقد اختلف ف حديث الركن معه‪ :‬فزعم من يدعي البة به أنه أخذه ليعبده ويعظمه‪ ،‬لنه بلغه أنه يد الصنم الذي جعل على خلق زحل‪.‬‬
‫وقيل‪ :‬جعله موطئا ف مرتفق‪ ،‬وهذا تناقض ف الديث‪ .‬وأي ذلك كان‪ ،‬فعليه اللعنة ما رسا " ثبي " وهى صبي‪.‬‬
‫وأما العلوي البصريّ فذكر بعض الناّس أنّه كان قبل خروجه يذكر أنّه من عبد القيس ثّ من أنار‪ .‬وكان أسه أحد‪ ،‬فلمّا خرج تسمّى عليّا‪ .‬والكذب‬
‫كثي جمّ‪ ،‬كأنه ف النّظر طود أشم؛ والصدّق لديه كالصاة‪ ،‬توطأ بأقدام عصااة‪ .‬تلك البيات النمنسوبة إليه مشهورة وهي‪.‬‬
‫أيا حرفة الزمن أل بك الرّدى‬

‫أمال ل خلص منك والشمّل جامع‬
‫لئن قنعت نفسي بتعليم صبية‬
‫يد الدهّر إن بالذلة قانع‬
‫وهل يرضي ح ّر بتعليم صبية‬
‫وقد ظنّ أ ّن الرزّق ف الرض واسع؟ وما أمنع أن يكون حلة حب الطام‪ ،‬على أن غرق ف ب ٍر طامٍ‪ ،‬يسبح فيه ما دامت السموات والرض إلّ ما شاء‬
‫ك فعّال لا يريد‪ .‬وقد رويت له أبيات تدل على تألهٍ‪ ،‬وما أدفع أن تكون قيلت على لسانه‪ ،‬لن من خب هذا العال حكم عليه بفجور ومي‪،‬‬
‫ربّك إن رب ّ‬
‫وأخلق تبعد من الزّين‪ .‬والبيات‪:‬‬
‫قتلت النّاس إشقاقا ‪ ...‬على نفسي كي تبقى‬
‫وحزت الال بالسّيف ‪ ...‬لكي أنعم ل أشقى‬
‫فمن أبصر مثواي‪ ... ،‬فل يظلم إذا خلقا‬
‫فواويلي إذا ما متّ ‪ ...‬عند ال ما ألقى‬
‫أخلدا ف جوار ال ّل ‪ ...‬ه أم ف ناره ألقى؟‬
‫وأنشدن بعضهم أبياتا قافّية طويلة الوزن‪ ،‬وقافيتها مثل هذه القافية‪ ،‬قد نسبت إل عضد الدّولة‪ .‬وقيل إنّه أفاق ف بعض اليّام‪ ،‬فكتبها على جدار الوضع‬
‫الذي كلن فيه‪ ،‬وقد ني با نو أبيات البصريّ‪ .‬وأشهد أنّها متكلّفة‪ ،‬صنعها رقيع من القوم‪ ،‬وأنّ عضد الدولة ما سع با قط‪.‬‬
‫وأمّا الكاية عن أصحاب الديث أنّهم صحفوا زخة فقالوا‪ :‬رحة‪ ،‬فل أصدّق با يري مراها‪ ،‬والكذب غالب ظاهر‪ ،‬والصدق‪ ،‬خفي متضائل‪ ،‬فإنا ل‬
‫وإنا إليه راجعون‪ .‬وكذلك أدعاء من يدّعي أنّ عليا‪ ،‬عليه السلم‪ ،‬قال‪ :‬تلك البصرة بالزنج؛ فصحّفها أهل الديث‪ :‬بالريح‪ ،‬ل أؤمن بشيء من ذلك‪.‬‬
‫ول يكن عليّ‪ ،‬عليه السلم‪ ،‬ول غيه من يكشف له علم الغيب‪ ،‬وف الكتاب العزيز‪ :‬قل ل يعلم من ف السموات والرض الغيب إل ال وف الديث‬
‫الأثور‪ :‬أنه سع جواري يغنيّن ف عرس ويقلن‪:‬‬
‫وأهدى لنا أكبشا ‪ ...‬تبحبح ف الربد‬
‫وزوجك ف النّادي ‪ ...‬ويعلم ما ف غد‬
‫فقال‪ :‬ل يعلم ما ف غ ٍد إل ال‪.‬‬
‫ول يوز أن يب منذ مائة سنة أن أمي حلب‪ ،‬حرسها ال‪ ،‬ف سنة أربع وعشرين وأربعمائة‪ ،‬أسه فلن بن فلن‪ ،‬وصفته كذا؛ فإن أدعى ذلك مدّعٍ فإنّا‬
‫هو متخرّص كاذب‪.‬‬
‫وأمّا النجوم فإنّا لا تلويح ل تصريح‪ ،‬وحكي أنّ الفضل ابن سهل كان يتمثل كثيا بقول الراّجز‪:‬‬
‫لئن نوت ونت ركائب من غالب ومن لفيف غالب‬
‫إنّي لنجّاء من الكرائب وأنّ غالبا كان فيمن قتله‪ ،‬فهذا ينّفق مثله‪ .‬وأجدر بذه الكاية أن تكون مصنوعة‪ .‬فأما تثله بالشعر فغي مستنكر‪ ،‬وربا أتفق أن‬
‫يكون ف الوقت جاعة يسمون بذا السم‪ ،‬فيمكن أن يقترن معن بلفظٍ‪ ،‬على أ ّن ف اليام عجائب‪ ،‬وفوق ك ّل ذي علم عليم‪.‬‬
‫وقد حكي أ ّن إياس بن معاوية القاضي كان يظن الشياء فتكون كما ظن‪ ،‬ولذه العلّة قالوا‪ :‬رجل نقاب وألعيّ‪ ،‬قال أوس‪ :‬اللعيّ‬
‫الذي يظن بك الظ ‪ ...‬ن كأن قد رأى وقد سعا‬
‫وقال‪ :‬نقاب يدّث بالغائب‪.‬‬
‫فأمّا السي بن منصور فليس جهله بالحصور‪ .‬وإذا كانت الم ّة ربّما عبدت الجر‪ ،‬فكيف يأمن الصيف البجر؟ أراد أن يدير الضّللة على القطب‪،‬‬
‫فانتقل عن تدبي العطب‪ ،‬ولو انصرف إل علج البس‪ ،‬ما بقي ذكر عنه ف طرس‪ ،‬ولكنّها مقادير‪ ،‬تغشى النّاظر با سادير‪ .‬فكون ابن آدم حصاة أو‬
‫صخرة‪ ،‬أجل به أن يعل سخرةّ‪ .‬النّاس إل الباطل سراع‪ ،‬ولم إل الفت إشراع‪.‬‬
‫وكم افتري للحلج‪ ،‬والكذب كثي اللج‪ ،‬وجيع ما ينسب إليه ما ل تر العادة بثله فإنّه اليّن النبيت‪ ،‬ل أصدّق به ولو كريت‪ .‬ومّا يفتعل عليه أنّه‬
‫قال للّي قتلوه‪ :‬أتظنون انكم إيّاي تقتلون؟ أنّا تقتلون بغلة الادران وأنّ البغلة وجدت ف إصطبلها مقتولة‪.‬‬

‫وف الصّوفية إل اليوم من يرفع شأنه‪ ،‬ويعل من النجّم مكانه‪ .‬وبلغن أنّ ببغداد قوما ينتظرون خروجه‪ .‬وأنم يقفون بيث صُلب على دجلة يتوقّعون‬
‫ظهوره‪ .‬وليس ذلك ببدع من جهل النّاس‪ ،‬ولو عبد عابد ظب كناس‪ ،‬فقد نزل حظ على قرد‪ ،‬فظفر بأكرم الورد‪ .‬وقالت العامة‪ :‬اسجد للقرد ف زمانه‪.‬‬
‫ن دخل ف جلة السلّمي فقتله‪ .‬وقد‬
‫وأنا أتوّب من ذكر القرد الذي يقال‪ :‬إنّ القوا ّد ف ومن زبيدة كانوا يدخلون للسلم عليه وأنّ يزيد ابن مزيد الشّيبا ّ‬
‫روي أن يزيد بن معاوية كان له قرد يمله على أتا ٍن وحشيةٍ ويرسلها مع الليل ف اللبة‪.‬‬
‫وأمّا البيات الت على الياء‪:‬‬
‫يا س ّر يدقّ حتّى ‪ ...‬يل عن وصف كلّ حيّ‬
‫وظاهرا باطنا تبدّى ‪ ...‬من ك ّل شيء لكل شيء‬
‫يا جلة الكل‪ ،‬لست غيي ‪ ...‬فما اعتذاري إذا إل؟‬
‫فل بأس بنظمها ف القوّة‪ ،‬ولكن قوله‪ :‬إلّ‪ ،‬عاهة ف البيات‪ :‬إن قيد فالتقيد لثل هذا الوزن ل يوز عند بعض النّاس‪ ،‬وإن كسر الياء من إل فذلك‬
‫رديء قبيح‪.‬‬
‫وأصحاب العربية ممعون على كراهة قراءة حزة‪ :‬وما أنتم بصرخيّ‪ :‬بكسر الياء‪ .‬وقد روي أنّ أبا عمرو بن العلء سئل عن ذلك فقال‪ :‬أنه لسن‪ ،‬تارة‬
‫إل فوق‪ ،‬وتارة إل أسفل‪ ،‬يعن فتح الياء ف مصرخيّ وكسرها والذين نقلوا هذه الكاية يتجون با لمزة ويذهبون إل أن أبا عمرو أجاز الكسر‬
‫للتقاء الساكني‪ .‬وإن صحت الكاية عنه‪ ،‬فما قالا إل متهّزئا على معن العكس‪ ،‬كما الغنوي وهو سهل بن خنظلة‪:‬‬
‫ل ينع النّاس منّ ما أرادت‪ ،‬ول ‪ ...‬أعطيهم ما أرادوا‪ ،‬حسن ذا أدبا‬
‫أي ليس ذلك بسن وهذا كما يقول الرّجل لولده إذا رآه قد فعل فعلً قبيحا‪ :‬ما أحسن هذا! وهو يريد ض ّد السن‪ .‬ول يأت كسر هذه الياء ف شعر‬
‫فصيح‪ .‬وقد طعن الفراء على البيت الذي أنشده‪:‬‬
‫قال لا‪ :‬هل لك يا تا فّ؟ ‪ ...‬قالت له‪ :‬ما أنت بالرضيّ‬
‫ل وعليّ‪ ،‬ونو ذلك‪ ،‬وهو دليل على ضعف النّة وركاكة الغريزة؟ وكذلك قوله‪ :‬الكلّ‪ ،‬وإدخاله اللف واللمّ مكروه‪.‬‬
‫وقد سعت ف أشعار الحدثي‪ :‬إ ّ‬
‫وكان أبو علي ييزه ويدعي إجازته على سيبويه‪ ،‬فأما الكلم القدي فيفتقد فيه الكل والبعض‪ ،‬وقد أنشدوا بيتا لسحيم‪:‬‬
‫رأيت الغنّ والفقي كليهما‬
‫إل الوت يأت الوت للكل معمدا‬
‫اللج‬
‫وينشد لفت كان ف زمن اللّج‪:‬‬
‫إن يكن مذهب اللول صحيحا ‪ ...‬فإلي ف حرمة الزّجّاج‬
‫عرضت ف غللة بطراز ‪ ...‬بي دار العطّار والثلّج‬
‫زعموا ل أمرا وما ص ّح لكن ‪ ...‬هو من إفك شيخنا اللجّ‬
‫وهذه الذاهب قدية‪ ،‬تنتقل ف عصر بعد عصر‪ ،‬ويقال إن فرعون كان على مذهب اللولية‪ ،‬فلذلك ادّعى أنه رب العزّة‪.‬‬
‫وحكي عن رج ٍل منهم أنّه كان يقول ف تسبيحه‪:‬‬
‫سبحانك سبحان ‪ ...‬غفرانك غفران‬
‫وهذا هو النون الغالب‪ ،‬إنّ من يقول هذا القول مسدود ف النعام‪ ،‬ما عرف كنه النعام‪ .‬وقال بعضهم‪:‬‬
‫أنا أنت بل شكّ ‪ ...‬فسبحانك سبحان‬
‫وإسخاطك إسخاطي ‪ ...‬وغفرانك غفران‬
‫ول أجلد يا ربّي‪ ،‬إذا قيل هو الزّان وينو آدم بل عقول‪ ،‬وهذا أمر يلقنه صغي عن كبي‪ ،‬فيكون باللكة أوف صبي‪ :‬أم تسب أن أكثرهم يسمعون أو‬
‫يعقلون‪ ،‬إن هم إل كالنعام‪ ،‬بل هم أضل سبيلً‪.‬‬
‫ويروي لبعض أهل هذه النخلة‪:‬‬

‫رأيت ربّي يشي بل لكلة ‪ ...‬ف سوق يي فكدت أنفطر‬
‫فقلت‪ :‬هل ف اتصالنا طمع؟ ‪ ...‬فقال‪ :‬هيهات! ينع الذر‬
‫ولو قضى ال ألفة بوى ‪ ...‬ل يك إلّ السجود والنّظر‬
‫وتؤدّي هذه النّحلة إل التناسخ‪ ،‬وهو مذهب عتيق يقول به أهل الند‪ ،‬وقد كثر ف جاعة من الشّيعة‪ ،‬نسأل ال التوفيق والكفاية‪.‬‬
‫وينشد لرجل من النصّيية‪:‬‬
‫أعجبن أمنّا لصرف اللّيال ‪ ...‬جعلت أختنا سكينة فاره‬
‫فازجري هذه السّناني عنها ‪ ...‬واتركيها وما تضم الغراره‬
‫وقال آخر منهم‪:‬‬
‫تبارك ال كاشف الحن ‪ ...‬فقد أرانا عجائب الزّمن‬
‫حار شيبان شيخ بلدتنا ‪ ...‬صيّه جارنا أبو السكن‬
‫بدل من مشيه بلته ‪ ...‬مشيته ف الزام والرّسن‬
‫س وف الترهات‪.‬‬
‫ويصوّر لم الرأي الفاسد أباجي ومشبهّات‪ ،‬فيسلكون ف تغل ّ‬
‫وحكى ل عن بعض ملوك الند‪ ،‬وكان شابّا حسنا‪ ،‬أنّه جدّر فنظر إل وجهه ف الرآة وقد تغي‪ ،‬فأحرق نفسه وقال‪ :‬أريد أن ينقلن ال إل صورة‬
‫أحسن من هذه‪.‬‬
‫وحدثن قوم من الفقهاء‪ ،‬ما هم ف الكاية بكاذبي‪ ،‬ول ف أسباب النحّل جاذبي‪ ،‬أنّهم كانوا ف بلد ممود وكان معه جاعة من الند قد وثق‬
‫ل منهم سافر ف جيشٍ جهزه ممود‪ ،‬فجاء خبه أنّه قد‬
‫بصفائهم‪ ،‬يفيض عليهم العطية لوفائهم‪ ،‬ويكونون أقرب الند إليه إذا حلّ وإذا ارتل‪ ،‬وأن رج ً‬
‫هلك بوت أو قتل‪ ،‬فجمعت امرأته لا حطبا كثيا وأوقدت نارا عظيمة واقتحمتها والنّاس ينظرون‪ ،‬وكان ذلك الب باطلً‪ ،‬فلمّا قدم الزّوج أوقد له‬
‫نارا جاحة ليحرق نفسه حت يلحق بصاحبته‪ ،‬فاجتمع خلق كثي للنّظر إليه‪ ،‬وأنّ أصحابه من الند كانوا ييئون إليه فيوصونه بأشياء إل أمواتم‪ :‬هذا إل‬
‫أبيه وهذا إل أخيه‪ .‬وجاءه إنسان منهم بوردة وقال‪ :‬أعط هذه فلنا يعن ميتا له‪ ،‬وقذف نفسه ف تلك النّار‪.‬‬
‫وحدّث من شاهد إحراقهم نفوسهم أنّهم إذا لذعتهم النّار أرادوا الروج فيدفعهم من حضر إليها بالعص ّي والشب‪ .‬فل إله إ ّل ال‪ ،‬لقد جئتم شيئا إدّا‪.‬‬
‫وف الناس من يتظاهر بالذهب ول يعتقده‪ ،‬يتوصّل به إل الدنيا الفانية‪ ،‬وهي إغدر من الورهاء الزّانية‪.‬‬
‫وكان لم ف الغرب رجل يعرف بابن هانئ وكان من شعرائهم الجيدين‪ ،‬فكان يغلة ف مدح العزّ أب تيم معدّ‪ ،‬غلوا عظيما حت قال ياطب صاحب‬
‫الظلّة‪:‬‬
‫أمديرها من حيث دار لش ّد ما ‪ ...‬زاحت تت ركابه جبيل‬
‫وقال فيه وقد نزل بوضع يقال له رقّادة‪:‬‬
‫حلّ برقادة السيح ‪ ...‬حلّ با آدم ونوح‬
‫ح ّل با ال ذو العال‪ ... ،‬وكل شيءٍ سواه ريح‬
‫وحضر شاعر يعرف بابن القاضي بي يدي ابن أب عامر صاحب الندلس فأنشده قصيدة أوّلا‪:‬‬
‫ما شئت ل ما شاءت القدار ‪ ...‬فاحكم‪ ،‬فأنت الواحد القهار‬
‫ويقول فيها أشياء‪ ،‬فانكر عليه ابن أب عامر‪ ،‬وأمر بلده ونفيه‪.‬‬
‫ج أن يكون شعوذيا‪ ،‬ل ثاقب الفهم ول أحوذيا‪ ،‬على أ ّن الصوفيّة تعظمّه منهم طائفة‪ ،‬ما هي لمره شائفة‪.‬‬
‫وأدل رتب الل ّ‬
‫وأمّا ابن أب عون فإنهّ أخذ ف لون بعد لون‪ ،‬غرّ البائس بأب جعفر‪ ،‬فما جعل رسله ف أوفره؛ وقد تد الرّجل حاذقا ف الصناعة‪ ،‬بليغا ف النّظر والجة‪،‬‬
‫فإذا رجع إل الدّيانة ألفي كأنّه عي مقتاد‪ ،‬وإنّا يتبع ما يعتاد‪.‬‬
‫والتأله موجود ف الغرائز‪ ،‬يسب من اللاء الرائز‪ ،‬ويلقن الطّفل الناشئ ما سعه من الكابر‪ ،‬فليبث معه ف الدّهر الغابر‪.‬‬

‫والذين يسكنون ف الصوامع‪ ،‬متعبدون ف الوامع‪ ،‬يأخذون ما هم عليه كنقل الب عن الخب‪ ،‬ل ييّزون الصدّق من الكذب لدى العبّر‪ ،‬فلو أ ّن بعضهم‬
‫ألفى السرة من الجوس لرج موسيا‪ ،‬أو من الصّابئة لصبح لم قرينا سيا‪ .‬وإذا الجتهد نكب عن التقّليد‪ ،‬فما يظفر بغي التبليد‪ .‬وإذا العقول جعل‬
‫هادبا‪ ،‬نقع بريه صاديا‪ ،‬ولكن أين من يصب على أحكام العقل‪ ،‬ويصقل فهمه أبلغ صقل؟ هيهات! عدم ذلك ف من تطلع عليه الشمس‪ ،‬ومن ضمنه ف‬
‫ل أن يشذّ رجل ف المم‪ ،‬يص من فضل بعمم‪.‬‬
‫الرّمم رمس‪ ،‬إ ّ‬
‫ربّا لقينا من نظر ف كتب الكماء‪ ،‬وتبع بعض آثار القدماء‪ ،‬فألفيناه يستحسن قبيح المور‪ ،‬ويبتكر بلبّ مغمور‪ ،‬إ ّن قدر على فظيع ركبه‪ ،‬وإن عرف‬
‫واجبا نكبّه‪ ،‬كأنّ العال سعوا له ف إفقاد‪ ،‬فهو يعتقد شرّ اعتقاد؛ وإنّ أودع وديعه خان‪ ،‬وإن سئل عن شهادة مان‪ ،‬وإن وصف لعليل صف ّة فما يفل‬
‫أقتلته با قال‪ ،‬أم ضاعف عليه الثقال؛ بل غرضه فيما يكتسب‪ ،‬وهو إل الكمة منتسب‪.‬‬
‫ب با لديهم فرحون " ‪.‬‬
‫ب زارٍ بالهالة على أهل ملّة‪ ،‬وعلتّه الباطنة أدهى علّة‪ ،‬وإن البشر لكما جاء ف الكتاب العزيز " كل حز ٍ‬
‫ور ّ‬
‫والمامية تقّربوا بالتعّفي‪ ،‬فعدّه بعض التدينةٍ ذنبا ليس بغفي‪ ،‬ويضر الجالس أناس طاغون‪ ،‬كأنذم للرّشد باغون‪ ،‬وأولئك‪ ،‬علم ال‪ ،‬أصحاب البدع‬
‫والكر‪ ،‬ومن لك بزن ٍح ف دكر! كم متظاهر باعتزال‪ ،‬وهو مع الخالف ف نزال! بزعم أ ّن ربّه على ال ّذرّة يلد ف النار‪ ،‬بله الدّرهم وبله الدّينار ‪ ،‬وما‬
‫ينفكّ يتقب الآث عظائم‪ ،‬ويقع با ف أطائم‪ .‬ينهمك على العهار والغسق‪ ،‬ويظعن من الوزار الوبقة بأوف وسق‪ ،‬ويقنت على رهط الجبار‪ ،‬ويسند إل‬
‫عبد البار‪ .‬يطيل الدأب ف النهّار واللّيل‪ ،‬ويضمر أنّ شيخ العتزلة غي طاهر الرّدن ول الذّيل‪ ،‬فقد صيّر الدل مصيدة‪ ،‬ينظم به الغ ّي قصيدة‪.‬‬
‫وحدّثت عن إمام لم يوقرّ ويتبع‪ ،‬وكأنه من الهل ربع أنّه كان إذا جلس ف الشرّب‪ ،‬ودارت عليهم السكرة ذات الغرب‪ ،‬وجاءه القدح شربه‬
‫فاستوفاه‪ ،‬وأشهد من حضرة على التوبة لا اقتفاه‪.‬‬
‫والشعري إذا كشف ظهر ني‪ ،‬تلعنه الرض الرّاكدة والسمي‪ ،‬إنّما مثله مثل راعٍ حطمة‪ ،‬ويبط ف الدهاء الظلمة‪ ،‬ل يفل علم هجم بالغنم‪ ،‬وأن‬
‫يقع با ف الينم‪ ،‬وما أجدره أن تأت با سراحي‪ ،‬تضمن لميعها أن يي! فمن له أيسر حجى‪ ،‬كأنّا وضع ف دجى‪ ،‬إل من عصمه ال باتباع السّلف‪،‬‬
‫وتمل ما يشرع من الكلف‪:‬‬
‫وإنّا‪ ،‬ول كفران ل ربنّا‪،‬‬
‫لكالبدن‪ ،‬ل تدري مت حتفها البدن إن شعر قلد‪ ،‬السكي‪ ،‬سواه فإنّا وثق بن أغواه‪ ،‬وإن بث عن السّرّ وتبّصر‪ ،‬أقصر عن الب وقصّر‪.‬‬
‫والشيعة يزعمون أمنّ عبد ال بن ميمون القدّاح‪ ،‬وهو من باهلة‪ ،‬كان من علية أصحاب جعفر بن ممدٍ؟‪ ،‬عليه السلّم‪ ،‬وروى عنه شيئا كثيا‪ ،‬ث رتدّ‬
‫بعد ذلك‪ ،‬فحدثن بعض شيوخهم أنّهم يروون عنه ويقولون‪ :‬حدّثنا عبد ال بن ميمون القدّاح كأحسن ما كان‪ ،‬أي قبل أن يريدّ‪ .‬ويروون له‪:‬‬
‫هات اسقن المرة يا سنب ‪ ...‬فليس عندي أنّن أنشر‬
‫أما ترى الشّيعة ف فتنة ‪ ...‬يغرها من دينها جعفر؟‬
‫قد كنت مغرورا به بره ًة ‪ ...‬ثّ بدا ل خب يستر‬
‫ومّا ينسب إليه‪:‬‬
‫مشيت إل جعفر حقبةً ‪ ...‬فألفيته خادعا يلب‬
‫يرّ العلء إل نفسه ‪ ...‬وكلّ إل حبله يذب‬
‫فلو كان أمركم صادقا ‪ ...‬لا ظل مقتولكم يسحب‬
‫ول غضّ منكم عتيق ول ‪ ...‬سا عمر فوقكم يطب‬
‫واللولّي ّه قريبة من مذهب التناسخ‪ ،‬وحدّثت عن رجلٍ من رؤساء النجمي من أهل حرانّ أقام ف بلدنا زمانا‪ ،‬فخرج مرّة من قومّ يتنهون‪ ،‬فمروا بثورٍ‬
‫يكرب‪ ،‬فقال لصحابه‪ :‬ل أشك ف أنّ هذا الثور رجل كان يعرف بلفٍ برّان‪ ،‬وجعل يصيح به‪ :‬يا خلف‪ ،‬فيتفّق أن يوز ذلك الثّور‪ ،‬فيقول‬
‫لصحابه‪ :‬أل ترون إل صحّة ما خبتكم به؟ وحكي ل عن رج ٍل آخر مّن يقول بالتنّاسخ أنّه قال‪ :‬رأيت ف النّوم أب وهو يقول ل‪ :‬يا بنّ‪ ،‬إ ّن روحي‬
‫قد نقلت إل جلٍ أعور ف قطار فلنٍ‪ ،‬وإنّ قد اشتهيت بطيخةّ‪ .‬قال‪ :‬فاخذت بطيخة وسألت عن ذلك القطار وجدت فيه جلً أعور‪ ،‬فدنوت منه‬
‫بالبطيخة‪ ،‬فأخذها أخذ مريد مشتهٍ! أفل يرى مولي الشّيخ إل ما رمي به هذا البشّر من سوء التمّييز‪ ،‬وتيزهم إل ما يتنع من التحييز؟ وأمّا ابن‬
‫الرّواندي فلم يكن إل الصلحة بهدي‪ ،‬وأمّا تاجه فل يصلح أن يكون نعلً‪ ،‬ول يد من عذابٍ وعلً أي ملجأ‪ ،‬قال ذو الرّمة‪.‬‬

‫حتّى إذا ل يد وعلّ وننجها ‪ ...‬مافة الرّمي حت كلهّا هيم‬
‫ويوز أن ينظم تاجه عقارب‪ ،‬فما كان الحسن ول القارب‪ ،‬فكيف له إذا توج شبواتٍ‪ ،‬أليس يينه عن تلك الصبوات؟ وهل تاجه إلّ كما قالت‬
‫ف وتف‪ ،‬وجورب وخف!؟ قيل‪ :‬وما جورب وخف؟ قالت واديان يهنم‪.‬‬
‫الكاهنة‪ :‬أ ّ‬
‫ما تاجه بتاج ملك‪ ،‬ولكن دعي بالهلك‪ ،‬ول اتّذ من الذّهب‪ ،‬وسوف يصوّر من اللهّب‪ ،‬ول نظم من درّ‪ ،‬بل وقع من عناء بقرّ‪ ،‬يقال‪ :‬صابت بقرٍ‪ ،‬إذا‬
‫وقعت ف موضعها‪ ،‬وأكثر ما يستعمل ذلك ف الشرّ‪ .‬قال الشاعر‪:‬‬
‫ترجيّها وقد صابت بق ٍر ‪ ...‬كما ترجوا أصاغرها عتيب‬
‫ما توّج من الفضة‪،‬ول يقنع له بالقضّة‪ ،‬ما هو كتاج كسرى‪ ،‬لكن طرق بسوء السرى‪ ،‬ول تاج اللك انوشروان‪ ،‬ولكل أثقل وجرّ الوان‪ ،‬ذلك تاج‬
‫ي حذّر‪ ،‬ول هو كخرزات النعّمان‪ ،‬بل شي يدخر ف الزمان‪ .‬وما يفقر‬
‫فرس عنقا‪ ،‬فظن على من توّج به منقا‪ .‬ليس هو كتاج النذر‪ ،‬ولكن مندية غو ّ‬
‫مثبه إل أن ينقض منه وبه تقوضّ‪.‬‬
‫وأمّا الدامغ فما إخاله دمغ إ ّل من الفّه‪ ،‬وبسوء اللفة خلفه‪ .‬وف العرب رجل يعرف بدميغ الشيطان‪ ،‬وهذا الرّجل كذاوي اليطان‪ .‬وإنّا النكر‪ ،‬أنّه ف‬
‫الونة يذكر‪ .‬د ّل من وضعه على ضعف دماغ‪ ،‬فهل يؤذن لصوت ماغٍ؟ من قولم‪ :‬مغت الرة إذا صاحت‪.‬‬
‫رمان بأمرٍ كنت منه ووالدي بريئا ومن جول الطوّي رمان رجع عليه حجره‪ ،‬وطال ف الخرة بره‪ .‬بئس ما نسب إل راوند‪ ،‬فهل قدح ف دباوند؟ إنّا‬
‫هتك قميصه‪ ،‬وأبان للنظر خيصه‪.‬‬
‫وأجع ملحد ومهتد‪ ،‬وناكب عن الحجّة ومقتدِ‪ ،‬أنّ هذا الكتاب الذي جاء بن ممد صلى ال عليه وسلم كتاب بر بالعجاز‪ ،‬ولقي عدّوه بالرجاز‪.‬‬
‫ما حذي على مثال‪ ،‬ول أشبه غريب المثال‪ .‬ما هو من القصيد الوزون‪ ،‬ول الرّجز من سه ّل وحزون‪ .‬ول شاكل خطابة العرب‪ ،‬ول سجع الكهنة‬
‫ذوي الرب‪ .‬وجاء كالشمس اللئحة‪ ،‬نورا للمسرّة والبائحة؛ لو فهمه الضب الرّاكد لتصدع‪ ،‬أو الوعول العصمة لراق الفادرة والصدّع‪ " :‬وتلك‬
‫المثال نضبها للنّاس لعلهم يتفكرون " وإنّ الية منه أو بعض الية‪ ،‬لتعترض ف أفصح كلم يقدر عليهم الخلوقون‪ ،‬فتكون فيه كالشّهاب التللئ ف‬
‫جنح غسق‪ ،‬والزّهرة البادية ف جدوبٍ ذات نسق؛ فتبارك ال أحسن الالقي‪.‬‬
‫وأمّا القضيب فمن عمله أخسر صفقة من قضيب‪ .‬وخي له من إنشائه‪ ،‬لو ركب قضيبا عند عشائه‪ ،‬فقذفت به على قتاد‪ ،‬ونزعت الفاصل كنع‬
‫الوتاد‪:‬‬
‫إن الط ّرمّاح يهجون لشتمه‬
‫هيهات هيهات‪ ،‬عيلت دونه القضب كيف للنّاطق به أن يكون اقتضب وهو يافع‪ ،‬إذ ماله ف العاقبة شافع‪ .‬وو ّد لو أنّه قضبه‪ ،‬أو تلتئم عليه الضبة‪.‬‬
‫وقد صد أن يكون مثل القائل‪:‬‬
‫وروحة دنيا بي حييّن رحتها ‪ ...‬أسي عروضا‪ ،‬أو قضيبا أروضها‬
‫وقضيب وا ٍد كانت فيه وقعة ف الاهلية بي كندة وبي بن الارث ابن كعب فكيف لذا الائق أن يكون قتل ف قضيب‪ ،‬وسقط ف إهابه الضيب‪ .‬فهو‬
‫عليه ش ّر من قضيب الشجرّة على السّاعية‪ ،‬ومن له ان يظفر بنطق الناّعية؟ وكيف له أن يدّع بقضيب هندي ويلبس مّا لفظ به ثوب الفديّ؟ لقد أنزل‬
‫ال به من النكّال‪ ،‬ما ل يدفع بمل النكال؛ فهو كما قال الوّل‪:‬‬
‫فلم أر مغلوبي يفري فرينا‪ ... ،‬ول وقع ذاك السّيف وقع قضيب‬
‫وهذا البيت يستشهد به‪ ،‬كما علم‪ ،‬لنّه قال‪ :‬مغلوبي يفري‪ ،‬وإنّا يب أن يقال‪ :‬يفريان‪ ،‬ولكنّه أجرى الثني مرى المع‪ .‬ومثله قول الرّاجز‪:‬‬
‫مثل القارخ نتقت حواصله‬
‫ي بن ربيعة بن معاوية الكب‬
‫وأما الفريد فأفرده من كلّ خليل‪ ،‬وألبسه ف البد برد الذّليل‪ .‬وف كنده ح ّي يعرفون باليّ الفريد‪ ،‬وهم بنو الرث بن عد ّ‬
‫بن الرث الصغر ابن معاوية بن الرث الكب بن معاوية بن ثور بن مرتّع بن معاوية ابن ثورٍ‪ ،‬وهر كندّة؛ وأصحاب النّسب يقولون‪ :‬كنديّ بن غفي‬
‫بن عديّ بن الارث بن مرّة بن أددّ بن زيد بن يشجب ابن عريب بن زيد بن كهلن بن سبإ‪ ،‬وإنّا قيل لم اليّ الفريد‪ ،‬لنّ بن وههبٍ حالفوا بن أب‬
‫ب وبن الثل ول يدخل معهم بنو الارث ول مع بن عديّ‪ ،‬فقيل لم الي الفريد‪.‬‬
‫كر ٍ‬

‫ومن انفرد بعزّةٍ لوقارته‪ ،‬فإن فريد ذلك الاحد ينفرد لقارته‪ ،‬كأنّه الجرب إذا طلي بالعنية‪ ،‬ف ّر من دنوه من يرغب عن الدنيّة‪ .‬وإذا جذلت الغانية‬
‫بفريد النظّام‪ ،‬فهو قلدة مآث عظام‪ .‬وذكر أبو عبيدة أ ّن ف ظهر الفرس فقارة يقال لا الفريدة‪ ،‬وهي أعظم الفقار‪ .‬فلو حل فريد ذلك التمرّد على جواد‬
‫لطم فريدته‪ ،‬أو زينّ به الحبّ الغانية لهلك خريدته‪.‬‬
‫وأما الرجان فإذا قيل إنّه صغار اللؤلؤ‪ ،‬فمعاذ ال أن يكون مرجانه صغار حصى‪ ،‬بل أخس من أن يذكر فينتصى‪ .‬وإذا قيل إنّه هذا الشيء الحر الذي‬
‫ييء به من الغرب‪ ،‬فإن ذلك له قيمة وخسارة كتابه مقيمة‪ ،‬وإنّا هو مرجان‪ ،‬من مرجت اليل بعضها مع بعض‪ ،‬وتركتها كالهملة ف الرض أو لعلّه‬
‫مرجّان من جن الشجّرة أو مرجانّ من الشياطي الفجرة‪ ،‬أو جان من اليات القتولة بأيسر المر‪ ،‬والبغضة إل النفرد والعمر أي الماعة من النّاس‪.‬‬
‫ابن الرّومي‬
‫وأمّا ابن الرّومي فهو أحد من يقال‪ :‬إنّ أدبه كان أكثر من عقله‪ ،‬وكان يتعاطى علم الفلسفة‪ ،‬واستعار من أب بكر ابن السراج كتابا فتقاضاه به أبو‬
‫بكرٍ‪ ،‬فقال ابن الرّومي‪ :‬لوّ كان الشتري حدثا لكان عجولً‪.‬‬
‫والبغداديّون يدّعون انّه متشّيع‪ ،‬ويستشهدون على ذلك بقصيدته اليميّة‪ ،‬وما أراه إ ّل على مذهب غيه من الشعراء‪.‬‬
‫ومن أولع بالطيّرة‪ ،‬ل ير فيها من خية‪ ،‬وإنّا هو شر متعجل‪ ،‬وللنفس أجل مؤجّل‪ ،‬وكلّ ذلك حذر من الوت الذي هو ربق ف أعناق اليوان‪ ،‬حكم‬
‫لقاؤه ف كلّ أوان‪.‬‬
‫وف النّاس من يظنّ أ ّن الشيء إذا قيل جاز أن يقع‪ ،‬ولذلك قالت العامّة‪ :‬الرجاف أوّل الكون‪ .‬ويقال‪ :‬إن النب صلى ال عليه وسلم‪ ،‬تثل بذا البيت ول‬
‫يتممه‪:‬‬
‫تفاءل با توى يكن‪ ،‬فلقلمّا ‪ ...‬يقال لشيء‪ :‬كان إلّ تقّقا‬
‫ومهما ذهب إليه اللّبيب‪ ،‬فالي ف هذه الدّنيا قليل جدّا‪ ،‬والشرّ يزيد عليه بأجزا ٍء ليست بالحصاة‪ ،‬وما أشبه ذوي التقى بالعصاة‪ ،‬كلّهم إل التّلف‬
‫يساقون‪ ،‬يلقون ما كره ول يعاقبون‪ ،‬ولعلّ ال‪ ،‬جلّت قدرته‪ ،‬ييزهم ف النقلب‪ ،‬ويسعف براده أخا الطّلب‪.‬‬
‫وقال علقمة‪:‬‬
‫من تعرّض للغربان يزجرها ‪ ...‬على سلمته ل بد مشؤوم‬
‫وكان ابن الرّومي معروفا بالتّطي‪ ،‬ومن الذي أجري على التّخيّر؟ وقد جاءت عن النب صلى ال عليه وسلم‪ ،‬أخبار كثية تدل على كراهة السم الذي‬
‫ليس بسنٍ‪ ،‬مثل مرّة وشهاب والباب لنّه يتأوله ف معن الّية‪.‬‬
‫ونو من حكاية ابن الرّومي الت حكاها النّاجم ما حكي عن امرأة من العرب أنّها قالت للخرى‪ :‬سّان أب غاضبة‪ ،‬وإنّا تلك نار ذات غضى‪ ،‬فالمد‬
‫ب على ما قضى‪ ،‬وتزوجت من بن جرة رجلً أحرق‪ ،‬وما أمرق‪ .‬أي ل يكثر مرقه وكان اسه توربا وإنّا ذلك تراب‪ ،‬فشمتت ب التراب‪ ،‬وكان‬
‫لر ّ‬
‫يدعى جندلة فمضضت عنده بالندل‪ ،‬ول شمت رائحة مندل‪ ،‬وكان اسم أمّه سوّارة فلم تزل تساورن ف الصام‪ ،‬ول تنفعن بعصام‪.‬‬
‫فقالت الخرى‪ :‬لكن سّمان أب صافية‪ ،‬فصفوت من ك ّل قذى‪ ،‬وجنّبت مواقع الذى‪ ،‬وزوجّن ف بن سعد بن بكر فبك ّر عليّ السعد‪ ،‬وأنز ل الوعد‪.‬‬
‫ي الصّالة‪ ،‬فقد حاسن وما لسن‪ ،‬واسم أبيه وقاف‪ ،‬رعاه ال‪ ،‬فقد وقف عليّ خيه‪ ،‬ولكثر لديّ ميه‪ ،‬واسم أمّه راضية‪،‬‬
‫واسم زوجي ُمحَاسِن‪ ،‬جز َ‬
‫رضيت أخلقي‪ ،‬ول تنح إل طلقي‪.‬‬
‫وإذا كان الرّجل خثارما‪ ،‬ل يزل ف الكثكث آرما‪ :‬إن رأى سامةّ من الطي‪ ،‬حسبها من السّمام‪ ،‬أو حامةّ فرق من المام‪ ،‬كما قال الطاّئي‪:‬‬
‫هنّ المام‪ ،‬فإن كسرت‪ ،‬عيافةًَ‪ ... ،‬من حائهنّ‪ ،‬فإنّهن حام‬
‫وإن عرضت له خنساء من البشر‪ ،‬فإنّه ل يأمن من البشر‪ ،‬يقول‪ :‬أخاف من رفيقٍ ينس‪ ،‬وأمرٍ يدنس‪ .‬وإن كانت النساء من الوحوش‪ ،‬نفر قلبه من‬
‫الوش‪ ،‬إنّ رآها سانةً‪ ،‬هزّت من رعبه جانة‪ .‬يقول‪ :‬قد ذهب أهل عقلٍ وافر‪ ،‬من أرباب الناسم وصحب الافر‪ ،‬يتطيون بالسنّيح‪ ،‬ويرهبون معه‬
‫النيح‪ .‬وإن أتته بقدرٍ بارحة‪ ،‬عاين با النجّلء الارحة‪ ،‬يقول‪ :‬أل يك ذوو خي ٍل وسروج‪ ،‬يشون الغائلة من البوج؟ وإن لقي رجلً يدعى أخنس‪،‬‬
‫فكأنّما لقي هزبرا تبهنس‪ .‬يقول‪ :‬ما يؤمنن أن يكون كأخنس بن زهر ٍة فرّ بلفائه عن وفر‪ ،‬وطرحت القتلى ف الفر؟! وإن استقبل من يولع بذلك‬
‫أعفر‪ ،‬فإنّه ينتظر أن يعفرّ‪ ،‬وإن بصر بالدماء‪ .‬أيقن بسفك الدّماء‪ ،‬وإنّ جبهه ذيّال‪ ،‬فكأنّه الصور العيّال؛ يقول‪ :‬ما ؟أقربن من إذالةٍ‪ ،‬تبطل كلم‬
‫العدّالة؟! وإن آنس نعام ًة بقفرٍ‪ ،‬وهو مع الرّكب السّفر‪ ،‬فما يأخذها من النعيم‪ ،‬ويعلها باللكة مثل الزّعيم‪ .‬يقول‪ ،‬من الفند العيّ‪ :‬أوّلا نعى وإنّا ذلك‬

‫من الن ّعيّ‪ .‬وإن ع ّن له ف الرق ظليم‪ ،‬فذلك العذاب الليم‪ .‬يقول‪ :‬ليت شعري من الذي يظلمن‪ .‬أيأخذ نشب أم يكلمن؟ وإن نظر إل عصفورٍ‪ ،‬قال‪:‬‬
‫عصف من الوادث بوفورٍ‪ ،‬فهو طول أبده ف عناء‪ ،‬ول بد له من الفناء‪.‬‬
‫ولذه الطوّية جعل ابن الرّومي جعفرا من الوع والفرار ولو هدي صرفه إل النهر الرار‪ ،‬لن العفر النّهر الكثي الاء‪ ،‬ولكنّ إخوان هذه الليقة‪ ،‬ل‬
‫يملون الشياء الواردة على القيقة‪.‬‬
‫وأراد بعضهم السّفر ف أولّ السنّة فقال‪ :‬إن سافرت ف الحرم‪ ،‬كنت جديرا أن أحرم‪ ،‬وإن رحلت ف صفر‪ ،‬خشيت على يدي أن تصفر‪ ،‬فأخّر سفره‬
‫إل شهر ربيعٍ‪ ،‬فلمّا سافر مرض ول يظ بطائل‪ ،‬فقال‪ :‬ظننته من ربيع الرّياض‪ ،‬فإذا هو من ربع المراض‪.‬‬
‫وأمّا إعداده الاء الثلوج فتعلّة‪ ،‬وما ينفع باليل غلة‪ ،‬وتقريبه النجر ترّر من جبان‪ ،‬وتنقض القضية وما بن البان؛ ورب رجلٍ يتفر له قبا بالشام‪ ،‬ثّ‬
‫يشمه القدر بعيد الجشام‪ ،‬فيموت باليمن أو الند‪ ،‬والتف بالغائرة والفند‪ " :‬ما تدري نفس بأب أرض توت‪ ،‬إن ال عليم خبي " ‪.‬‬
‫وكما أ ّن النفّس جهلت مدفن عظامها‪ ،‬فهي الاهلة بالقاطع لنظامها‪ .‬كم ظاّن أنّه يهلك بسيف‪ ،‬فهلك بجر من خيفٍ‪.‬‬
‫وموقن أ ّن شجبه يقدر على مهادٍ‪ ،‬فألقته السل ببعض الوهاد‪.‬‬
‫والبيتان اللّذان رواها النّاجم عن أب الرّومي مقيدان‪ ،‬وما علمت انّه جاء عن الفصحاء هذا الوزن مقيدا‪ ،‬وإلّ ف بيت واحدٍ يتداوله رواة اللّغة‪ ،‬والبيت‪:‬‬
‫كأن القوم عشّوا لم ضأن‪ ... ،‬فهم نعجون قد مالت طلهم‬
‫وهذا البيت مؤسس‪ ،‬والذي قال ابن الروميّ بغي تأسيسٍ‪.‬‬
‫وما يدري النّاجم‪ ،‬ولعّله بالفكر راجم‪ ،‬أف الّنة حصل ذلك الشيّخ أم ف السّعي‪ ،‬وما اثقل وسوق العي‪.‬‬
‫وأما أبو تّام‪ ،‬فما أمسك من الدّينّ بزمام‪ ،‬والكاية عن ابن رجا ٍء مشهورة‪ ،‬والهجة بعينها مبهورة‪ .‬فغن قذف ف النّار حبيب‪ ،‬فما تغن الدح ول‬
‫التشّبيب‪ .‬ولو أنّ القصائد لا علم‪ ،‬وتأسف لا يشكو اللم‪ ،‬لقامت عليه المدودتان اللتّان ف أوّل ديوانه‪ ،‬مأتا يعجب لسوانه‪ .‬فسناحتا عليه كابنت‬
‫ب ف قوله‪:‬‬
‫لبيد‪ ،‬وجرعتاها من الثكل نظي البيد‪ ،‬وقالتا ما زعمّه الكل ّ‬
‫وقول‪ :‬هو اليت الذّي ل حريه ‪ ...‬أضاع‪ ،‬ول خان الصديق ول غدر‬
‫إل الول‪ ،‬ثّ اسم السلّم عليكما ‪ ...‬ومن بيك حولً كاملً‪ ،‬فقد اعتذر‬
‫وكأنّي بما لو قضي ذلك‪ ،‬لجتمعت إليهما المدودات‪ ،‬كما تتمع نساء معدودات‪ .‬فيجئن من كلّ اواب‪ ،‬ويتوعدون الحفل على نوب‪.‬‬
‫ولو فعلن ذلك لبهارتن الباثّيات بأت أعظم زنينا‪ ،‬وأشد ف الندس حنينا‪ ،‬كما قال العبقسي‪:‬‬
‫ياوبن الكلب بك ّل فجر ‪ ...‬فقد صحلت من النوح اللوق‪.‬‬
‫وإذا كان مأت المدودات ف مائة مّن يعدهن ويظاهر‪ ،‬وجب أن يكون مأت البائيّات ف الفٍ تعلن وتاهر لنّ الباء طريق ركوب‪ ،‬والد ف القصائد‬
‫سبيل منكوب‪.‬‬
‫وما نظمه على التّاء‪ ،‬فإنه ل يعجز عن اليتاء‪.‬‬
‫وتيء الثّائيتان وكلتاها كابنة الون‪ ،‬وتبتدر ف حالك اللّون‪ .‬ولو صوّرتا من الدميات‪ ،‬لزادنا على قينت ابن خطلٍ ف الرئيّات‪ ،‬وإنّ الثاء لقليلة ف شعر‬
‫العرب إلّ أ ّنمّا تستعينان كلمة كثيّرٍ‪:‬‬
‫حبال سلمة أضحت رثاثا ‪ ...‬فسقيا لا جددا أو رماثا‬
‫وبأراجيز رؤبة وما كان نوها من القواف التكلفّة‪ ،‬والشعار التعسّفة‪ ،‬ولما فيما نظم ابن دريدٍ‪ ،‬أعوان بالعجل والرّويد‪ .‬فأمّا الدّاليات والرّائيّات وما بن‬
‫على الروف الذلل‪ :‬كاليم والعي واللم وما جرى مراهنّ‪ ،‬فلو اجتمع كلّ حيّ ٍز منهن وهو فراد‪ ،‬لضاق عنهنّ الصدرّ واليراد‪ ،‬وزدن على ما ذكر أنّه‬
‫اجتمع ف جنازة أحد بن حنبل من النسّاء والرجال‪ ،‬ويقال أنّه ل يتمع ف الاهلية ول السلم جع أكثر مّا اجتمع ف موت أحد‪ ،‬حزر الرّجال بألف‬
‫ألفٍ‪ ،‬والنسّاء بستمّائة ألفٍ‪ ،‬وال العال بيقي الشياء‪.‬‬
‫وإن كان حبيب ضيّع صلواته‪ ،‬فإنّه لضال بفلواته‪ ،‬ل يبلغ فيه كيد العداة‪ ،‬ما بلغ إهال غداة‪ .‬كم ضدّ نكص عنه ذا بر‪ ،‬وليس كذلك صلة الظّهر‪ ،‬إنّ‬
‫ك ف النة متأرّج لصلّي الغرب ليس بالرج‪ ،‬وحور‬
‫تركها فإنّها شاهدة‪ ،‬وف الشكيّة له جاهدة‪ .‬وكم من قصرٍ‪ ،‬يشيد ف النة بصلة العصر‪ ،‬ومس ٍ‬

‫أشئن ببديع النشاء‪ ،‬لن حافظ على صلة العشاء‪ ،‬وقد جاء ف الديث النهّي أن تسمى العتمة‪ .‬وروي‪ " :‬ل تدعوا عن اسم صلتكم فإنّا يعتم بلب‬
‫البل " وف حديثٍ آخر‪ " :‬إ ّن العتمة اسم بنت الشيطان " ‪.‬‬
‫وإنّ من يعجز عن اداء تلك الرّكعات‪ ،‬ليشتمل على نيّة عات‪.‬‬
‫فليت حبيبا قرن بي الصلتي‪ ،‬فجعلها كهاتي‪ ،‬كما قال القائل‪ :‬قرن الظّهر إل العصر كما تقرن القّة بالق الذّكر وإنّي لضن بتلك الوصال أن يظل‬
‫جسدها وهو بالوقدة صال‪ ،‬لنه كان صاحب طريقةٍ مبتدعة‪ ،‬ومعان كاللّؤلؤ متتبعة‪ ،‬يستخرجها من غامض بارٍ‪ ،‬ويغض عنها الستغلق من الحار‪.‬‬
‫وإن ابتدرته مهنة مالك‪ ،‬فقد نبذ ف الهالك‪ ،‬فليته كالعديّ‪ ،‬أو سلك به مسلك عديّ‪ ،‬أو كان مذهبه مذهب حات فقد كان متألّها‪ ،‬ومن الشية‬
‫متولّا‪ ،‬وقال‪:‬‬
‫ي بيت مسقّف‬
‫وإنّي لجزي با أنا عامل ‪ ...‬ويضطمن ماو ّ‬
‫أو ليته لق يزيد بن مهلهلٍ‪ ،‬قد وفد على النب صلى ال عليه وسلم‪ ،‬و طرح عنه ثوب الغب‪.‬‬
‫الفشي‬
‫ع من الميم‪ ،‬ويتمل من القال الذميم‪ ،‬وقد خلد له ف الكتب ما يوجب‪ ،‬لعنه إل يوم الدّين‪ ،‬وأنّي‬
‫وأمّا الازيار‪ ،‬فحلّل بالسّفه سيار‪ ،‬وحسبه ما يتجر ّ‬
‫له أن يعل كأدي ودي ٍن ورحم ال ابن أب داؤد‪ ،‬فلقد شفى النفس من الواد‪ ،‬وكشف حال الفشي‪ ،‬فعلم انّه آلف شيٍ‪ ،‬مالف رشا ٍد وزين‪.‬‬
‫بابك‬
‫وبابك فتح باب الطغّيان‪ ،‬ووجد من شرار الرّعيان‪ ،‬واظن جهاده‪ ،‬عليه التبّار‪ ،‬أفضل جهادٍ عرف‪ ،‬وذنبه أكب ذنبٍ اقترف‪ .‬ولعلهّ يود ف الخرة أنّه ذبح‬
‫عن ك ّل من قتل ف عدّانه‪ ،‬مائة مرّة ف نل مدّانه‪ ،‬ث خلص من العذاب الطبق‪ ،‬واستنفذ عنقه من الربّق‪.‬‬
‫والعجب لب مسلم‪ ،‬خبط ف النان الظلم‪ ،‬وظنّ أنّه على شيء‪ ،‬فكان كالعتمد على الفيء‪ ،‬حطب لنارٍ أكلته‪ ،‬وقتل ف طاعة ول ٍة قتلته‪ .‬وليس بأول‬
‫من دأب لسواه‪ ،‬وأغواه الطمّع فيمن أغواه‪ .‬وإنّا سهر لمّ دفرٍ وتبع سرابا ف قفرٍ‪ ،‬فوجد ذنبه غي الغتفر‪ ،‬عند صاحب الدولة أب جعفر‪.‬‬
‫ع للفانية ل ب ّد له من الندّم‪ ،‬ف أوان الفرقة وحي العدم‪ ،‬فذمنّا يسب من الضّلل‪ ،‬كما تنّى القنع أخو القلل‪ ،‬وهذه زيادة ف النّضب‪ ،‬وفاز‬
‫وك ّل سا ٍ‬
‫بالسبّق حائز القصب‪ .‬نذمهّا على غي جناية‪ ،‬ول تب أحدا بالعناية‪ ،‬بل أبناؤها ف الحن سواء‪ ،‬ل تاعفهم الهواء‪ ،‬فرب حام ٍل حزمة عضيدٍ ليس رثده‬
‫ش مقوت‪ ،‬يلج سلء ف قدمه‪ ،‬ويصبه الشائك بدمه‪ ،‬وهو أقل أشجانا من الواثب على السرير‪ ،‬ينعم‬
‫بالنضيد‪ ،‬يعجز ثنها عن القوت‪ ،‬ويكايد شظف عي ٍ‬
‫برشأ غرير‪ ،‬يمع له الذهب من غي حلّ‪ ،‬بإعنات المم وإسخاط اللّ‪ ،‬وإذا مل بطنه من طعام‪ ،‬وسبح ف ب ٍر من الترف عامٍ‪ ،‬فتلك النعّم ولذاته‪ ،‬تدث‬
‫لجلها أذاته‪ ،‬يتلجه القدر على غفولٍ‪ ،‬وغاية السّفر إل قفول‪ .‬وما يدري العاقل‪ ،‬إذا افتكر‪ ،‬أي الشخصي أفضل‪ :‬أربيب عقد عليه إكليل‪ ،‬أم ارقش‬
‫ظله ف الك ظليل؟ كلها بلغ آرابا‪ ،‬وأحدها يأكل ترابا‪ ،‬الخر يعل بالراح‪ ،‬ويتهد له ف الفراح‪.‬‬
‫وما علمنا النّسك موقيا‪ ،‬ول ف السباب الراّفعة مرقياّ‪ ،‬والعال بقدرٍ عاملون‪ ،‬أخطأهم ما هم آملون‪ ،‬ما آمن أن تكون الخرة بإرزاق‪ ،‬فتغدو الرّاجحة‬
‫إل الهراق‪ ،‬على أن السّر مغيب‪ ،‬وكلنا ف اللتمس ميب‪ ،‬والاهل وفوق الاهل‪ ،‬من ادّعى العرفة بغبّ الناهل‪ ،‬واللّعنة على الكاذبي‪.‬‬
‫الكيسانية‬
‫أمّا الذين يدعون ف عليّ‪ ،‬عليه السلم‪ ،‬ما يدعون‪ ،‬فتلك ضللة قدية‪ ،‬ودية من الغواية تتّصل با دية‪ ،‬وقد روي أنّه حرقّ عبد ال ابن سبأ لّا هاجر‬
‫بذلك النبإ‪.‬‬
‫واعتقاد الكيسانية ف ممد بن النفية عجيب‪ ،‬ل يصدق بثله نيب‪ ،‬وقد روي أنّ أبا جعفر النصور رفعت له نا ّر ف طريق مكّة ف اللّيلة الت مات فيها‪،‬‬
‫فقال‪ :‬قاتل ال المييّ‪ ،‬لو رأى هذه النّار لظن أنا نار ممد بن النفية!‪.‬‬
‫وعلي له سابقة‪ ،‬وماسن كثية رائقة‪ ،‬وكذلك جعفر بن ممد ليس شرفه بالثمد‪.‬‬
‫وقد بلغن أنّ رجلً بالبصرة يعرف بشاباس‪ ،‬تزعم جاعة كثية أنّه رب العزّة‪ ،‬وتب إليه الموال المّة‪ ،‬ويمل إل السّلطان منها قسما وافرا‪ ،‬لكون با‬
‫طلب ظافرا‪ ،‬وهو إذا كشف‪ ،‬ساقط لقط‪ ،‬يبذه إل الفضل الاقط‪ ،‬والاقط الذي يكرى من بلدٍ إل بلد‪ .‬وحدّثت أنّ امرأة بالكوفة يدعى لا مثل ذلك‪.‬‬
‫ابن الراوندي‬

‫وقد سعت من يب أ ّن لبن الرّاوندي معاشر تذكر إنّ اللهّوت سكنه‪ ،‬وأنّه من عل ٍم مكنه‪ ،‬ويترصون له فضائل يشهد الالق وأهل العقول‪ ،‬أنّ كذبا‬
‫غي مصقول‪ ،‬وهو ف هذا أحد الكفرة‪ ،‬ل يسب من الكرام البرة‪ ،‬وقد أنشد له منشد‪ ،‬وغيه التقي الرشد‪:‬‬
‫قسمت بي الورى معيشتهم ‪ ...‬قسمة سكران بيّن الغلط‬
‫لو قسم الرّزق هكذا رجل ‪ ...‬قلنا له‪ :‬قد جننت فاستعط‬
‫ولو تثل هذان البيتان لكانا ف الصر يطولن أرمي مصر‪ ،‬فلو مات الفطن كمدا لا عتب‪ ،‬فأين مهرب العاقل من شقاءٍ رتب؟! أكل ما خدم خادع‪،‬‬
‫أرسلت من الكفر مصادع؟ والصادع‪ :‬السهام وما حسنت السوداء الغالبة بسفيهٍ دعواه‪ ،‬إل وافق جهولً عواه أي عطفه‪.‬‬
‫وقد ظهر ف الضيعة العروفة بالنّيب القاربة لسرمي رجل يعرف بأب جوف‪ ،‬ل يستتر من الهل بوف‪ ،‬والوف أزير من أد ٍم مشقق الطراف السّافلة‬
‫تتزر به الارية وهي صغية وكان يدّعي النّبة‪ ،‬ويب بأخبار مضحكة‪ ،‬وتثبت نيته على ذلك ثبات الحكة‪ ،‬وكان له قطن ف بيت فقال‪ :‬إنّ قطن ل‬
‫يترق وأمر ابنه أن يدن سراجا إليه‪ ،‬أخذ ف العطب‪ ،‬وصرخت النّساء‪ ،‬واجتمعت الية‪ ،‬وإنّا الغرض إطفاء! وحدثّن من شاهد‪ ،‬أنّه كان يكثر‬
‫ث معجب‪ ،‬فقيل له‪ :‬ممّ تضحك؟ فقال كلما معناه‪ :‬إ ّن النسان ليفرح بيّنٍ قليل‪ ،‬فكيف من وصل إل العطاء‬
‫الضّحك بغي موجب‪ ،‬ول عند حدّ ٍ‬
‫الليل؟ وكان بيّن النون‪ ،‬ليس خبله بالكنون‪ ،‬فاتبعه الغبياء‪ ،‬وكذب ما يقوله النبياء‪ ،‬حت قتله وال حلب‪ ،‬حرسها ال‪ ،‬وذلك بعد مقتل البطريق‬
‫ث على قتله جيش بن ممد بن حصامة ل ّن خبه رقي إليه‪ ،‬فأرسل إل سلطان حلب‪ ،‬حرسها ال‪،‬‬
‫العروف بالدّوقس ف بلد أفامية‪ ،‬وكان الذي ح ّ‬
‫يقول‪ :‬أقتله وإ ّل أنفذت إليه من يقتله؛ وكان السّلطان يتهاون به لنّه حقي‪ ،‬وربّ شاةٍ نتج منها الوقي‪ ،‬أي قطيع الغنم‪.‬‬
‫وبعض الشّيعة يدّث أ ّن سلمان الفرسيّ ف نفرّ معه جاؤوا يطلبون عليّ بن أب طالبٍ‪ ،‬سلم ال عليه‪ ،‬فلم يدوه ف منله‪ ،‬فبينما هم كذلك جاءت‬
‫بارقة تتبعها راعدة‪ ،‬وإذا عل ٌي قد نزل على إجاّر البيت‪ ،‬ف يده سيف مضوب بالدّم‪ ،‬فقال‪ :‬وقع بي فئتي من اللئكة‪ ،‬فصعدت إل السماء لصلح‬
‫بينهما! والذين يقولون هذه القالة يعتقدون أن السن والسي ليسا من ولده‪ ،‬فحاق بم العذاب الليم‪.‬‬
‫أفل يرى إل هذه المّة كيف افتنت ف الضّللة‪ ،‬كافتنان الرّبيع ف إخراج الكلء‪ ،‬والوحش الرّائعة الطلء!؟ وللكذب سوق ليست للصدّق‪ ،‬تعل‬
‫السدّ من أبناء الفرق‪.‬‬
‫وأمّا الذي ذكره ن بلوغ السّنّ‪ ،‬فإن ال‪ ،‬سبحانه‪ ،‬خلق مقرا وشهدا‪ ،‬ورغبة ف العاجلة وزهدا‪ ،‬وإذا اللّبيب أنعم النّظر‪ ،‬ل ير الياة إلّ تذبه إل الضّي‪،‬‬
‫وتث جسده على السيّر؛ فالقيم كأخي ارتال‪ ،‬ل تثبت القضية به على حال‪ :‬صبح يتبسّم وإمساء‪ ،‬ل يلبث معهما النّساء‪ ،‬كأنّهما سيدا ضراء والعمر‬
‫ثلّة ف اقتراء‪ ،‬وها على السّارح يغيان‪ ،‬فيفنيان السّائمة ويبيان‪.‬‬
‫وإن كان‪ ،‬مكنّ ال وطأة الدب ببقائه‪ ،‬قد أماط الشبيبة فإنا أنفقها ف طلب علومٍ وآداب‪ ،‬ص ّي طلبا ألزم دابٍ‪ ،‬ولو كان لا على ال ّي تلبث‪ ،‬كان لا‬
‫بنفسه النفّيسة تشبث‪ ،‬ولكنها بعض العراض‪ ،‬ل تشعر بياة وانقراض‪.‬‬
‫وإذا كنّا على ذمّ هذه النلة ممعي‪ ،‬ولقراقها مزمعي‪ ،‬فلم نأسف على نأي الوّانة؟ إن الشاءة لن العوانة‪ ،‬والشاءة النخّلة الصغية‪ ،‬والعوانة النخّلة‬
‫الطوّيلة ومت اخلص قرين الغفلة توبةً‪ ،‬فإنّها ل تترك حوبةّ‪ ،‬تغسل ذنوبه غسل النّاسكة جزيز الفرار‪ ،‬ف متدفق سحاب مدرار‪ ،‬كثر فيه القهل والدّنس‪،‬‬
‫فأحبّ رحضه النس‪ ،‬وكان قد أخذ عن أثباج غنمٍ بيض‪ ،‬تفوق ما يرتع من الربيض‪ ،‬فعاد وكأنه كافور الطيّب‪ ،‬أو ما ضحك من كافورٍ رطيب‪،‬‬
‫والكافور‪ :‬الطّلع‪ ،‬وقيل هو وعاء الطّلعة‪.‬‬
‫فأمّا الغانيات بعد السبّعن‪ ،‬فالشيب لديهن كالعاسل يباكر العي‪ ،‬وقد حكي أنّ أبا عمرو بن العلء كان يضب‪ ،‬فاشتكى ف بعض اليام‪ ،‬فعاده بعض‬
‫أصحابه‪ ،‬فال‪:‬تقوم إن شاء ال تعال من علتّك‪ .‬فقال‪ :‬ما آمل بعد ستٍ وثاني‪ .‬وعاد إليه وقد تاثل فقال‪ :‬ل تدث با قلت لك‪ .‬وهذا من ظريف‬
‫ماروي‪ ،‬رغب ف توي ّه بالضاب‪ ،‬وكتم سنه عن ك ّل الصحاب‪.‬‬
‫وقد تدّث بعض طلّب الدب انّه‪ ،‬أدام ال تزيي الحافل بضوره‪ ،‬ذكر التزويج يريد الدمة‪ ،‬فسرن ذلك‪ ،‬لنّه دل على إقامة بالوطن‪ ،‬وف قربه‬
‫الفرحة لذوي الفطن‪ .‬إذ كان كالشجّرة الوارف ظللما ف الواجر‪ ،‬والبارد هواؤها ف ناجر‪ ،‬والطّيب ثرها للذّائق‪ ،‬والرج نسيمها للناشق‪.‬‬
‫وهو يعرف حكاية الليل عن العرب‪ :‬إذا بلغ الرجل الستي فإياه وإيّا الشوابّ؛ ول خية عند التّواب‪ ،‬ولكن النّصف‪ ،‬منّ يوصف‪:‬‬
‫لتنكحن عجوزا إن أتيت با ‪ ...‬واخلع ثيابك عنها معنا هربا‬
‫وإن أتوك وقالوا‪ :‬إنّا نصف ‪ ...‬فإنّ أطيب نصفيها الذي ذهبا‬

‫ل فارض ول بكر عوان بي ذلك فافعلوا ما تؤمرون ولعله تقدر له كصاحبة أب السود أمّ عمروٍ‪ ،‬ورب خ ٍي تت المر‪:‬‬
‫كثوب اليمان قد تقادم عهده ‪ ...‬ورقعته ماشئت ف العي واليد‬
‫أو كما قال الخر‪:‬‬
‫ضناك على نيين أمست لداتا ‪ ...‬بلي بلى الريّطات وهي جديد‬
‫وحكي عن أب حاتٍ سهل بن ممد أنّه قرأ على الصمعي شعر حساّن بن ثابت‪ ،‬فلمّا انتهى إل قوله‪:‬‬
‫ل تفتها شس النّهار بشيء ‪ ...‬غي أن الشباب ليس يدوم‬
‫قال الصمعي‪ :‬وصفها وال بالكب‪ ،‬وقد يوز ما قال‪ ،‬والشبه أن يكون قال هذا وهي شابّة‪ ،‬على سبيل التأسف‪ ،‬أي أن الشياء ل بقاء لا‪ ،‬كما قال‬
‫الخر‪:‬‬
‫أنت نعم التاع‪ ،‬لو كنت تبقى؛ ‪ ...‬غي أن ل بقاء للنسان‬
‫ولو نشط لذه الأربة‪ ،‬لتنافست فيه العجز والكتهلت‪ ،‬وعلت خطبة النهبلت‪ ،‬لن العاقلة ذات الحصاف‪ ،‬تنب إل معاشرة حليف النصاف‪ .‬وهل‬
‫هو كما قال الوّل‪:‬‬
‫يا عز هل لك ف شيخ فت أبدا ‪ ...‬وقد يكون شباب عي فتيان‬
‫فليس بأوّل من طلب نوزا‪ ،‬فتزوج على السنّ عجوزا‪ ،‬كما قال‪:‬‬
‫إذا ما أعرض الفتيان عنّي ‪ ...‬فمن ل أن تساعفن عجوز‬
‫كأنّ مامع الّلحيي منها ‪ ...‬إذا حسرت عن العرني كوز؟‬
‫ويروي للحادث بن جازّة‪ ،‬ول أجده ف ديوانه‪:‬‬
‫وقالوا مانكحت؟ فقلت‪ :‬خيا ‪ ...‬عجوزا من عرينة ذات مال‬
‫نكحت كبية‪ ،‬وغرمت مالً‪ ... ،‬كذاك البيع‪ :‬مرتص وغال‬
‫وأعوذ بال مّا قال الخر‪:‬‬
‫عجوزا لو أن الاء يسقى بكفّها ‪ ...‬لا تركتنا بالياه نوز!‬
‫وما زالت العرب تمد اليزبون والشهلة‪ ،‬ول تكره مع لشرخ الكهلة‪ .‬وقد تزوج النب صلى ال عليه وسلم‪ ،‬خدية ابنة خويلدٍ وهو شاب‪ ،‬وهي طاعنة‬
‫ف السّن‪ .‬وقالت له أم سلمة ابنة أب أمية‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬إن امرأة قد كبت وما أطيق الغية‪ .‬فقال‪ :‬أمّا قولك‪ :‬قد كبت‪ ،‬فإنا أكب منك‪ ،‬وأمّا الغية‪،‬‬
‫فإننّي سوف أدعو ال أن يزلا عنك‪ .‬وقال الشاعر‪:‬‬
‫فما أنا ابن رهمٍ قد علمتم ‪ ...‬ول ابن العاملية فاحذرون‬
‫س ‪ ...‬لشمطاء الذوائب حيزبون‬
‫ولكن ولدت بنجمٍ شك ٍ‬
‫ول أشك أنّه قد استخدم ف مصر أصناف حوارٍ‪ ،‬وهن للمآرب موارٍ‪ ،‬ولول أنّ أخا الكبة يفتقر إل معيٍ‪ ،‬لكانت الزامة أن يقتنع بورد ألعي‪ ،‬فهو‬
‫بعرف قول القائل‬
‫ما العيش إل القفل وألفتاح ‪ ...‬وغرفة ترقها الرّياح‬
‫ل صخب فيها ول صياح‬
‫وحدّثن ابن القنسري القرئ‪ ،‬أنّه سعه يسأل عن غلمٍ للخدمة‪ ،‬وربا كان استخدام الحرار‪ ،‬ينع من القرار‪ ،‬فقد قال أبو عبادة‪:‬‬
‫أنا من ياسر ويسر ونح ‪ ...‬لست من عامرٍ ول عمّار!‬
‫ما بأرض العراق يا قوم ح ّر ‪ ...‬يفتدين من خدمة الحرار؟‬
‫وأن يدم نفسه الوحيد‪ ،‬خي من أن يلج بيته العبيد؛ فطالا أحوجوا الالك إل ضرب‪ ،‬وأن يتقّيهم بالعرب‪.‬‬
‫ورب نازلٍ من أهل الدب ف خان‪ ،‬ليس بالائن ول الستخان‪ ،‬بدمه صب من الرّق حرّ‪ ،‬وف خدمته السرّق والضرّ‪ .‬وإذا أرسله بالبتك‪ ،‬بنات الدرّهم‬
‫ليأتيه بالطبيخة حي يكثر الطبيخ ويتيح‪ ،‬سعره الشتعل متيح‪ ،‬سرق ف السّبيل القطع‪ ،‬وانتهى ف اليانة وتنطع‪ ،‬ثّ وقف بالبائع‪ ،‬فغبنه غب الرّائع‪ ،‬فأخذ‬

‫صغية من بطيخ‪ ،‬ل تلقى النّاظر بثل الورس اللطيخ‪ .‬ث انصرف با لعبا‪ ،‬كأنّا هدى كاعبا‪ ،‬فلم يزل يتلقف با ف الطريق‪ ،‬حت كسرها بي فريق؛‬
‫فاختلط حبّها بالصباء‪ ،‬وزهد ف قربا كلّ الرباء‪ .‬ويوز أن يملها ف حال السّلمة‪ ،‬ويضي ليسبح مع الفتيان‪ ،‬فإذا نزل ف الاء اختطفها بعض العرمة‬
‫من الصبيان‪ ،‬فأكلها وهو يراه‪ ،‬ل يفل بأديها إذ فراه‪ .‬وقد يرسله بالغضارة يلتمس لبنا‪ ،‬فيقال من سوء الّرأي غبنا‪ ،‬فإذا حصل فيها الدبد‪ ،‬عثر فإذا هو‬
‫على الصحّراء متلبدّ‪ ،‬وصارت الفخارة خزفا ل يراد‪ ،‬يلغيه النسّكة والرادّ‪ ،‬فإن كان صاحبه يذهب مذهب ابن الروميّ عدّ أن تطم الغضارة‪ ،‬فناء عيشه‬
‫ذي الغضارة؛ فدعا بالرب‪ ،‬وشده عن فوات الرب‪ ،‬وما يصنع بذلك الصمقرّ‪ ،‬وقد حان الرتل إل القرّ؟ وكان ف بلدنا غلمٌ لبعض الند يزعم‪،‬‬
‫ويصدق فيما يزعم‪ ،‬أنّه كان ملوكا لب أسامة جنادة بن ممّد الرويّ بصر‪ ،‬وكان يأسف لفراقه‪ ،‬ويعجب من جيل أخلقه‪ ،‬ويقول إنّه باعه من أجل‬
‫العوم‪ ،‬فما أوقع غلءً ف السّوم‪.‬‬
‫وإنّما ذكرت ذلك لنّه‪ ،‬عرّف ال الوقت بياته أي طيّبه‪ ،‬مّن قد عرف جناده وجرّبه‪.‬‬
‫وأمّا أهل بلدي‪ ،‬حرسهم ال‪ ،‬فإذا كان الظّ قد أعطان حسن ظنّ الغرباء‪ ،‬فل يتنع أن يعطين تلك النلة من الرّهط القرباء‪ .‬ولكنّهم كطلّب الطبة‬
‫من الخرس‪ ،‬وح ّر ناج ٍر من شهر القرس‪.‬‬
‫وسيّدي الشّيخ أبو العبّاس المتّع‪ :‬ف السّنّ ولدٌ‪ ،‬وف الودّة أخٌ‪ ،‬وف فضله جدّ أو أبٌ‪ .‬وإنّه ف أدبه‪ ،‬لكما قال تعال‪ " :‬وما لح ٍد عنده من نعمةٍ تُجزى‬
‫"‪.‬‬
‫وأمّا إشفاق الشّيخ ‪ -‬عمر ال خلده بالذل‪ ،‬وأراح سعه من كلّ عذل ‪ -‬فتلك سجية النيس‪ ،‬ل يتص با أخو الب عن الشّجاع البئيس‪ .‬ومن‬
‫القسوط‪ ،‬تعرّض بالقنوط‪ " .‬قل يا عبادي الّذين أسرفوا على أنفسهم ل تقنطوا من رحة ال " ‪.‬‬
‫كم من أديبٍ شرب وطرب ثّ تاب وأجاب العتّاب‪ .‬فقد يضلّ الدّليل‪0‬ف ضوء القمر‪ ،‬ثّ يهديه ال بأحد المر‪ ،‬وكم استنقذ من اللّجّ غريقٌ‪ ،‬فسلم وله‬
‫تشريق‪.‬‬
‫وقد كان الفضيل بن عياضٍ‪ ،‬يسيم ف أوبل رياض‪ ،‬ثّ حسب ف الزّهّاد‪ ،‬وجعل من أهل الجتهاد‪.‬‬
‫ب خليعٍ وهو فت‪ ،‬تصدّر لّا كب وأفت‪ ،‬ومغنّ بطنبور أو عود‪ ،‬قدر له تولّي السّعود‪ ،‬فرقي منبا للعظات‪ ،‬من بعد إرسال اللّحظات‪.‬‬
‫ور ّ‬
‫عمر بن عبد العزيز‬
‫ولعلّه قد نظر ف طبقات الغّني فرأى فيهم عمر بن عبد العزيز‪ ،‬ومالك بن أنسٍ‪ ،‬هكذا ذكر ابن خرداذبة‪ ،‬فإن يك كاذبا فعليه كذبه‪.‬‬
‫والكاية معروفةٌ أن أبا حنيفة كان يشارب حّاد عجرد وينادمه‪ ،‬فنسك أبو حنيفة وأقام حّا ٌد ف الغيّ‪ ،‬فبلغه أن أبا حنيفة يذمّه ويعيبة‪ ،‬فكتب إليه حّاد‪:‬‬
‫إن كان نسكك ل يت ّم ‪ ...‬بغي شتمي وانتقاصي‬
‫فاقعد وقم ب كيف شئ ‪ ...‬ت مع الدان والقاصي‬
‫فلطالا زكّيتن‪ ... ،‬وأنا القيم على العاصي‬
‫أيّام تعطين وتأ ‪ ...‬خذ ف أباريق الرّصاص‬
‫عمر بن الطاب‬
‫أليس الصّحابة‪ ،‬عليهم رضوان ال‪ ،‬كلّهم كان على ضللٍ‪ ،‬ثّ تداركهم القتدر ذو اللل؟ وف بعض الرّوايات أن عمر بن الطّاب خرج من بيته يريد‬
‫ب ولسلمنّ‪.‬‬
‫ممعا كانوا يتمعون فيها للقمار‪ ،‬فلم يد فيه أحدا فقال‪ :‬لذهبّ إل المّار‪ ،‬لعلّي أجد عنده خرا‪ .‬فلم يد عنده شيئا‪ .‬فقال‪ :‬لذه ّ‬
‫ب صلى ال عليه وسلم‪ " :‬ووجدك ضالّ فهدى " ‪.‬‬
‫والتوفيق ييء من ال سبحانه وتعال بإجبار‪ ،‬وفيما خوطب به الن ّ‬
‫ب صلّى ال عليه وسلّم‪ ،‬ذبح ذبيحةً للصنام فأخذ شيئا منها فطبخ له‪،‬وحله زيد بن حارثة‬
‫وذكر أبو معشر الدن ف كتاب البعث حديثا معناه أنّ الن ّ‬
‫ومضيا ليأكله ف بعض الشّعاب‪ ،‬فلقيهما زيد بن عمرو ابن نفيل‪ ،‬وكان من التألّهي ف الاهليّة‪ ،‬فدعاه النب صلى ل عليه وسلم‪ ،‬ليأكل من الطعام‪،‬‬
‫فسأله عنه فقال‪ :‬هو من شيءٍ ذبناه للتنا‪ .‬فقال زيد بن عمرو‪ :‬انّي ل آكل شيءٍ ذُبح للصنام‪ ،‬وإنّي على دين إبراهيم صلى ال عليه‪،‬فأمر النبّ صل‬
‫ال عليه وسلم‪ ،‬زيد بن حارثة بإلقاء ما معه‪.‬‬
‫ب صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ف ك ّل سن ٍة رواي ًة من خر‪،‬‬
‫س الدّاريّ‪ ،‬والدّار قبيل ٌة من لم كان يهدي إل الن ّ‬
‫وف حديث آخر‪ ،‬وقد سعته بإسنادٍ‪ :‬أن تيم بن أو ٍ‬
‫فجاء با ف بعض السّني‪ ،‬وقد حرجت المر‪ ،‬فأراقها‪ ،‬وبعض أهل اللّغة يقول‪ :‬فبعّها‪.‬‬

‫والطبوخ وإن أسكر فهو جارٍ مرى المر‪ ،‬على أنّ كثيا من الفقهاء قد شربوا المهوريّ والبختج والنصّف‪ ،‬وذكر‪ ،‬عند أحد بن يي ثعلبٍ‪ ،‬أحد بن‬
‫حنبل وإن كان شرب النّبيذ قطّ؟ والنّبيذ عند الفقهاء غي المر‪ ،‬فقال ثعلب‪ :‬أنا سقيته بيدي ف ختانةٍ كانت للف بن هشام البزّاز‪.‬‬
‫فأمّا الطّلء فقد كان عمر بن الطّاب‪ ،‬عليه السّلم‪ ،‬جزّأ منه على نصارى الشّام لنود السلمي‪ ،‬والثل السّائر‪:‬‬
‫هي المر تكن الطّلء ‪ ...‬كما الذّئب يُكن أبا جعدة‬
‫وهذا البيت يُروى ناقصا كما علم‪ ،‬وهو ينسب إل عبيد ابن البرص وربّما وجد ف النّسخة من ديوانه‪ ،‬وليس ف كلّ النّسخ‪ .‬والذي أذهب إليه أن هذا‬
‫البيت قيل ف السلم عدما حُرّمت المر‪.‬‬
‫وإنّما لذّة الشّرب فيما يعرض لم من السكر‪ ،‬ولول ذلك لكان غيها من الشربة أعذب وأدفأ‪ ،‬وقال التغلبّ‪:‬‬
‫علّلن بشرب ٍة من طلءٍ ‪ ...‬نعمت النّيم ف شبا الزّمهرير‬
‫ويروى لدعبل‪:‬‬
‫علّلن بسماعٍ وطل‪ ... ،‬ونصيفٍ جائعٍ يبغي القرى‬
‫وهذا يد ّل على أن الطّل يسكر ويروي للهذلّ‪:‬‬
‫ق فيه نّ أو نضيج‬
‫ض ‪ ...‬وز ّ‬
‫إذا ما شئت باكرن غري ٌ‬
‫وقال آخر‪:‬‬
‫ل تسقن المر إ ّل نيئة قدمت ‪ ...‬تت الام‪ ،‬فش ّر لخر ما طبخا‬
‫وإن كان‪ ،‬هيّأ ال له الحابّ‪ ،‬قد شرب نيّا‪ ،‬وقال له الندمان‪ :‬هنيّا‪ ،‬فله أسوةٌ بشيخ الزد ممد بن السن إذ قال‪:‬‬
‫ب ليلٍ جعت قطريه ل ‪ ...‬بنت ثاني عروسٌ تتلى‬
‫بل ر ّ‬
‫ّث قال ف آخر القصيدة‪:‬‬
‫فإن أمت فقد تناهت لذّت ‪ ...‬وكلّث شيءٍ بلغ الدّ انتهى‬
‫وما أختار له أن يأخذ بقول الكمي‪:‬‬
‫قالوا كبت فقلت ما كبت يدي ‪ ...‬عن أن تسي إل فمي بالكاس‬
‫وهو يعرف البيت‪:‬‬
‫وما طبخوها‪ ،‬غي أنّ غلمهم ‪ ...‬سعى ليلةً ف كرمها بسراج‬
‫وقول عبد ال بن العتزّ‪:‬‬
‫ذكر العلج أنّهم طبخوها‪ ... ،‬فرضينا ولو بعود خلل‬
‫وقدما طلب النّدامى مطبوخا‪ ،‬شبّانا ف العمر وشيوخا‪ ،‬ينافقون بالصّفة ويوارون‪ ،‬وعن الصّهباء العاتقة يدارون‪ ،‬وأبيات السي بن الضّحاك الليع الت‬
‫س معروفةٌ‪:‬‬
‫تنسب إل أب نوا ٍ‬
‫ت ‪ ...‬كريه‪ ،‬شاب الجون بالنّسك‬
‫ي اللّسان متلق ال ّ‬
‫وشاطر ّ‬
‫بات بغمّى يرتاد صالية ال ‪ ...‬نّار ويكن عن ابنة اللك‬
‫ف خّار حانةٍ أفك‬
‫دسست حراء كالشّهاب له ‪ ...‬من ك ّ‬
‫ب موسى ومنشىء الفلك‬
‫يلف عن طبخها بالقه‪ ... ،‬ور ّ‬
‫كأنّما نصب كأسها قم ٌر ‪ ...‬يكرع ف بعض أنم الفلك‬
‫ومن النّفاق أن يظهر النسان شرب ما أجاز شربه بعض الفقهاء‪ ،‬ويعمد إل ذات القهاء‪ ،‬فقد أحسن الكميّ ف قوله‪:‬‬
‫فإذا نزعت عن الغواية‪ ،‬فليكن ‪ ...‬ل ذاك النّزع‪ ،‬ل النّاس‬
‫وقد آن لولي الشّيخ أن يزهد ف شيمة حيد‪ ،‬وينصرف عن مذهب أب زبيدٍ وإنّما عنيت حيدا الميّ قائل هذه البيات‪:‬‬
‫شربت الدام‪ ،‬فلم أقلع ‪ ...‬وعوتبت فيها فلم أرجع‬

‫حيد الّذي أم ٌج داره‪ ... ،‬أخو المر ذو الشّيبة الصلع‬
‫عله الشيب عى حبّها‪ ... ،‬وكان كريا فلم ينع‬
‫وقال آخر‪:‬‬
‫تعاتبن ف الرّاح أمٌ كبيةٌ ‪ ...‬وما قولا‪ ،‬فيما أراه‪ ،‬مصيب‬
‫تقول‪ ،‬أل تفو الدام فعندنا ‪ ...‬من الرّزق ترٌ مكثبٌ وزبيبُ؟‬
‫فقلت‪ :‬رويدا مالزّبيب مفرّحي‪ ... ،‬وليس لتمرٍ ف العظام دبيب‬
‫فإنّ حيدا علّها ف شبابه ‪ ...‬ول يصح منها حي لح مشيب‬
‫وإذا تسامعت الحافل بتوبته‪ ،‬اجتمع عليه الشّبان القتبلون‪ ،‬والدباء التكلمون‪ ،‬وك ّل أشيب ل يبق من عمره إ ّل ظمء حارٍ‪ ،‬كما اجتمع لسمر أصناف‬
‫سمّار‪ ،‬فيقتبسون من آدابه‪ ،‬ويصغون السامع لطابه‪ ،‬وجلس لم ف بعض الساجد بلب‪ ،‬حرسها ال‪ ،‬فإنّها من بعد أب عبد ال بن خالويه عطلت من‬
‫ال ّ‬
‫خلخالس وسوار‪ ،‬ونارت من الدب أشدّ النّوار‪.‬‬
‫وإذا كان لك بتفضلّ ال‪ ،‬أع ّد معه خنجرا كخنجر ابن الرّوميّ‪ ،‬أو الذي عناه ابن هرمة ف قوله‪:‬‬
‫ل أمتع العوذ بالفصال ول ‪ ...‬أبتاع إلّ قريبة الجل‬
‫ل غنمي ف الياة مدّ لا ‪ ...‬إلّ دراك القرى‪ ،‬ول إبلي‬
‫كم ناقةٍ قد وجأت منحرها ‪ ...‬بسته ّل الشّؤبوب‪ ،‬أو جل‬
‫فإذ جلس ف منله‪ ،‬ملسه الذي يلتقط أهله زهر أسحار‪ ،‬بل لؤلؤ بار‪ ،‬فيكون ذلك النجر قريبا منه‪ ،‬فإذا قضي أن ي ّر بباب السجد الكهل الرقّب‬
‫الذي أراده القائل بقوله‪:‬‬
‫إذا الكهل الرقّب غاض ألنا ‪ ...‬إل سي ّء له ف القرو ثان‬
‫ب من رجال الدّيبلن‬
‫كأنّ الذّارع الغلول منها ‪ ...‬سلي ٌ‬
‫وثب إليه وثبة نرٍ‪ ،‬إل متخلّفة وقي أمرٍ‪ ،‬أو أمر بعض أصحابه بالوثوب إليه‪ ،‬فوجأه بذلك النجر وجأ ًة فانبعث بثل الدّم‪ ،‬أو الالص من العندم‪ ،‬وقرأ‬
‫هذه الية‪ " :‬إنّ السنات يذهب السّيئات‪ ،‬ذلك ذكرى للذّاكرين " ‪.‬‬
‫فإذا مضى صاحبه مستعديا إل السّلطان فقال‪ :‬من فعل ذلك بك؟ فسمّاه له‪ ،‬قال السّلطان بشيئة ال‪ :‬ل حرّ بوادي عوفٍ‪ ،‬ما أصنع بنث الدب وبقيّة‬
‫أهله؟ ووطئها تت قدمه‪ ،‬وحسبها من زعانف أدمه‪ .‬ما يفعل ذلك مرّةً أو اثنتي‪ ،‬إ ّل وحله الذّوارع قد اجتنبت تلك النّاحية‪ ،‬كما اجتنب أبو سفيان بن‬
‫ب طريقه من خوف النب صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فقال حسّان‪:‬‬
‫حر ٍ‬
‫إذا أخذت حوران من رمل عالٍ‬
‫فقول لا‪ :‬ليس الطّريق هنالك‬
‫ل يشتمل عليه ف الكمّ‪ ،‬فإذا ضرب به ذارع المر‪ ،‬ذكر من نظر ف كتاب البتدإ حديث طالوت لّا أمر ابنته وهي امرأة‬
‫ول بأس إن كان العدّ مشم ً‬
‫داود‪ ،‬صلّى ال عليه‪ ،‬أن تدخله عليه وهو نائمٌ ليقتله‪ .‬فجعلت له ف فراش داود زق َ! خرٍ ودسته عليه‪ ،‬وضربه بالسيف وسالت المر‪ ،‬فظ ّن أنّها الدّم‪،‬‬
‫فأدركه السف والنّدم‪ ،‬فأومأ بالسيف ليقتل نفسه ومعه ابنته‪ ،‬فأمسكت يده‪ ،‬وحدّثته ما فعلته‪ ،‬فشكرها على ذلك‪.‬‬
‫ويكون السّكران إذا أ ّل بذلك السجد‪ ،‬ترتر ومزمز‪ ،‬كما ف الديث‪ ،‬واستنكه‪ ،‬فإن أوجبت الصورة أن يلد جلد‪ ،‬ول يقتصر له الشّيخ‪ ،‬أغراه ال‪ ،‬أن‬
‫يأمر بالعروف وينهى عن النكر‪ ،‬على أربعي ف الدّ على مذهب أهل الجاز‪ ،‬ولكن يلده ثاني على مذهب أهل العراق‪ ،‬فإنّها أوجع وأفجع‪ .‬ويقال‬
‫ب صلى ال عليه وسلم‪ ،‬جلد أربعي‪ ،‬فلمّا صار المر إل عمر بن الطّاب‪ ،‬عليه السّلم‪ ،‬استقلّها‪ ،‬فشاور عليا‪ ،‬عليه السّلم‪ ،‬فجعلها ثاني‪.‬‬
‫إن الن ّ‬
‫وإذا صحّت الخبار النقولة بأنّ أهل الخرة يعلمون أخبار أهل العاجلة‪ ،‬فلعلّ حواريّه العدّات له ف اللد‪ ،‬يسألن عن أخباره من يرد عليهنّ من‬
‫ك من أهل حلب أخبهن‬
‫الصّلحاء‪ ،‬فيسمعن مرّةً أنّه بالفسطاط‪ ،‬وتارةً أنّه بالبصرة‪ ،‬ومرّةً أنّه ببغداد‪ ،‬وخطرةً أنّه بلب‪ .‬فإذا شاع أمر التّوبة‪ ،‬ومات ناس ٌ‬
‫بذلك‪ ،‬فسررن وابتهجن‪ ،‬وهنّأه ّن جاراتنّ‪ .‬ول ريب أنّه قد سع حكاية البيتي الثابتي ف كتاب العتبار‪:‬‬
‫أنعم ال باليالي عينا ‪ ...‬وبسراك يا أميم إلينا!‬

‫عجبا ما جزعت من وحشة اللّح ‪ ...‬د ومن ظلمة القبور علينا!‬
‫وأعوذ بال من قومٍ يثّهم الشيب على أن يستكثروا من أمّ زنبقٍ‪ ،‬كأنّها النجية من بنت طبق‪،‬كما قال حات‪:‬‬
‫وقد علم القوام لو أنّ حاتا ‪ ...‬أراد ثراء الال‪ ،‬كان له وفر‬
‫يفكّ به العان‪ ،‬ويؤكل طيّبا ‪ ...‬وليست تعرّيه القداح ول اليسر‬
‫أماويّ إن يصبح صداي بقفرةٍ ‪ ...‬من الرض‪ ،‬ل ما ٌء لديّ ول خر‬
‫تري أ ّن ما أهلكت ل يك ضرّن ‪ ...‬وأ ّن يدي مّا بلت به صفر‬
‫وقال طرفة‪:‬‬
‫فإن كنت ل تستطيع دفع منيّت ‪ ...‬فدعن أبادرها با ملكت يدي‬
‫وقال عبد ال بن العتز‪:‬‬
‫ل تطل بالكؤوس مطلي وحبسي ‪ ...‬ليس يومي‪ ،‬يا صاحب‪ ،‬مثل أمسي‬
‫لتسلن وسل مشيب عنّي‪ ... ،‬مذ عرفت المسي أنكرت نفسي‬
‫فهذا حثتّه كثرة سنيه على أن يستكثر من السّلفة‪ ،‬وما حفظ ح ّق اللفة‪ ،‬وإنّ العجب طمعه أن يبلي‪ ،‬كأنّه ف العبادة شحب وبلي‪ ،‬ولكنّ القائل قال‬
‫لعاوية بن يزيد‪:‬‬
‫تلقّاها يزيدٌ عن أبيه‪ ... ،‬فخذها يا معاوي عن يزيدا!‬
‫وقد كان ممّد بن يزيد البّد ينادم البحتريّ ثّ ترك‪.‬وأنا أضنّ به‪ ،‬ميزّ ال من الغيظ قلب عدوّه‪ ،‬أن يكون كأب عثمان الازن‪ :‬عوتب ف الشّراب فقال‪:‬‬
‫إذا صار أكب ذنوب تركته‪.‬‬
‫وأمّا إبراهيم بن الهديّ فقد أساء ف تعريضه بالكأس لحمّد بن حازم‪ ،‬ولكن من عبث بالبمّ والزّير‪ ،‬ل يكن ف الدّيانة أخا تعزير‪ .‬وقد روي أ ّن العتصم‬
‫دعا إبراهيم كعادته فغنّاه البيتي اللذين يقال فيهما‪ :‬غنّى صوت ابن شكلة‪ ،‬وبكى إبراهيم‪ ،‬فقال له التعصم‪ :‬ما يبكيك؟ فقال‪ :‬كنت عاهدت ال إذا‬
‫بلغت ستي سنةً أن أتوب‪ ،‬وقد بلغتها‪ .‬فأعفاه العتصم من الغناء وحضور الشراب‪.‬‬
‫والتّوبة إذا ل تكن نصوحا‪ ،‬ل يلف خلقها منصوحا‪ .‬وكان ف بلدنا رج ٌل مغرمٌ بالقهوة‪ ،‬فلمّا كب رغب ف الطبوخ‪ ،‬وكان يضر مع نداماه وبي يديه‬
‫ي فيه مطبخةٌ‪ ،‬وعندهم قدحٌ واحدٌ‪ ،‬فيشرب هو من الطبوخ ويشرب صحابه من النء‪ ،‬فإذا جاء القدح إليه ليشرب‪ ،‬غسله من أثر المر وشرب‬
‫خرداذ ّ‬
‫فيه‪ ،‬فإذا فرغ خرداذيّ الطبوخ رجع فشرب من شراب إخوانه‪.‬‬
‫وأمّا ماطبته غيه وهو يعن نفسه‪ ،‬فهو كقولم ف الثل‪ :‬إيّاك أعن واسعي يا جارة‪ .‬ول عندد عن البلّة‪ ،‬يريد التنسّك أن ينصرف حبّه عن العاجلة‪،‬‬
‫وليس يقدر على ذلك‪ ،‬كما لو ل تقدر الظبية أن تصي لبؤةً‪ ،‬ول الصاة أن تتصوّر لؤلؤةً‪ :‬يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنّك كنت من‬
‫الاطئي‪ .‬وقول القائل ف الدّعاء‪ :‬اللّهم اجعل وصعي بازيا‪ ،‬يكون للسّفه مواذيا‪.‬‬
‫ولقد علمت ول أناك عن خلق ‪ ...‬أن ل يكون امرؤ إلّ كما خلقا‬
‫وإنّا لنجد الرّجل موقنا بالخرة‪ ،‬مصدّقا بالقيامة‪ ،‬معترفا بالوحدانية وهو يجأ على النّابح بعظمٍ‪ ،‬وعلى الارية بعارية نظمٍ‪ ،‬كأنّه ف الرض ملدٌ‪ ،‬وإن‬
‫فن سهلٌ وجلدٌ‪.‬‬
‫وكثي من الذين يتلون الية‪ " :‬مثل الذين ينفقون أموالم ف سبيل ال كمثل حبّةٍ أنبتت سبع سنابل ف ك ّل سنبلة مائة حبّةٍ‪ ،‬وال يضاعف لن يشاء‪ ،‬وال‬
‫واس ٌع عليم " ‪ .‬وهم با مصدّقون‪ ،‬ومن خشية إلهم مشفقون‪ ،‬يضنّون بالقليل التافه ول يسمحون للسّائل ول الوافه‪ ،‬فكيف تكون حال من ينكر‬
‫ب صلّى ال وسلّم‪ ،‬وكان‬
‫حديث الزاء‪ ،‬ول يقبل عن الفانية حسن العزاء؟ وقد مرّ به حديث أب طلحة‪ ،‬أو أب قتادة ومعناه أن ّه خاصم يهوديّا إل الن ّ‬
‫ي خلفٌ ف نلةٍ واحدةٍ‪ .‬فقال النبّ صلى ال عليه وسلم‪ ،‬لليهوديّ‪ :‬أتسمح له بالنخلة حت أضمن لك نلةً ف‬
‫لب طلحة حديقة نلٍ‪ ،‬وبينه وبي اليهود ّ‬
‫لنّة؟ ونعتها رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬بنعوت أشجار النّة‪ .‬فقال اليهوديّ‪ :‬ل أبيع عاجلً بآجل‪ .‬فقال أبو طلحة‪ :‬أتضمن ل يا رسول ال كما‬
‫ضمنت له حت أعطه الديقة؟ فقال‪ :‬نعم‪ .‬فرضي أبو طلحة بذلك‪ .‬وأخذ اليهوديّ وذهب إل حديقته‪ ،‬فوجد فيها امرأته وأبناءه وهم يأكلون من‬

‫جناها‪ ،‬فجعل يدخل إصبعه ف أفواههم فيخرج ما فيها من التمر‪ ،‬فقالت امرأته‪ِ :‬لمَ تفعل هذا ببنيك؟ فقال‪ :‬إنّي قد بعت الديقة‪ .‬فقالت‪ :‬إن كنت‬
‫بعتها بعاج ٍل فبئس ما فعلت! فقصّ عليها الب‪ ،‬ففرحت بذلك‪.‬‬
‫ولو قيل لبعض عبّاد هذا العصر‪ :‬أعط لبنةً ذات قضّةٍ‪ ،‬لتعطى ف الجلة لبنةً من فضّة‪ ،‬لا أجاب‪ .‬لو سئل أمةً عوراء‪ ،‬يعوّض منها ف الخرة بوراء‪ ،‬لا‬
‫فعل‪ .‬على أنّه من الصدّقي‪ ،‬فكيف من غذي بالتكذيب‪ ،‬وجحد وقوع التّعذيب؟ وأمّا فاذوه فلقي طائر الي‪ ،‬متكفيا من بي جناحي‪ ،‬فل إله إلّ ال‪،‬‬
‫ما أع ّد الهراس‪ ،‬ليفضح به الرأس‪ ،‬ولكن لكلّ أجل كتابٌ‪ ،‬والشرّ يبكر وينتاب‪ .‬منته نفسه التّوبة‪ ،‬فكانت كصاحبة امرىء القيس لّا قال لا‪:‬‬
‫منّيتنا بغدٍ وبعد غدٍ ‪ ...‬حت بلت كأسوإ البخل‬
‫أب الذيل العلف‬
‫ويكى عن أب الذيل العلّف أنّه كان يرّ ف السواق على حارٍ ويقول‪ :‬يا قوم احذروا توبة غلمي‪.‬وكان له غلمٌ يعد نفسه التّوبة‪ ،‬فسقطت عليه‬
‫آجرٌة فقتلته‪ ،‬والدّنيا الغرّارة ختلته‪.‬‬
‫وأوّل ما سعت بأخبار الشّيخ‪ ،‬أدام ال تأثيل لفضل ببقائه‪ ،‬من رجلٍ واسط ّي يتعرّض لعلم العروض‪ ،‬ذكر أنّه شاهده بنصيبي‪ ،‬وفيها رج ٌل يعرف بأب‬
‫السي البصري‪ ،‬معلما لبعض العلويّة‪ ،‬وكان غل ٌم يتلف إليه يعرف بابن الدن‪ ،‬وقد اجتاز الشّيخ ببلدنا والواسط ّي يومئذٍ فيه‪ .‬وقد شاهدت عند أب‬
‫أحد عبد السّلم بن السي العروف بالواجكا رحه ال‪ ،‬فلقد كان من أحرار النّاس كتبا عليها ساعٌ لرج ٍل من أهل حلب‪ ،‬وما أشكّ أنّه الشّيخ‪ ،‬أيّد‬
‫ال شخصه بالتّوفيق‪ ،‬وهو أشهر من البلق العقوق‪ ،‬ل يفتقر إل تعريف بالقريض‪ ،‬بل يصدح شرفه بغي التّعريض‪ .‬قال البكريّ النّسابة لرؤبة‪ :‬من أنت؟‬
‫قال‪ :‬أنا ابن العجّاج‪ .‬قال‪ :‬قصّرت وعرّفت‪ .‬وإنّما هو ف الشتهار‪ ،‬كما سطع من ضوء نارٍ‪ ،‬وكما قال الطائيّ‪:‬‬
‫تميه للؤه أو لو ذعيتّه‪ ... ،‬من أن يذال بن أو مّن الرّجل؟‬
‫وإن تناسخت المم ف العصور‪ ،‬فهو عل ّي بن منصور الذي مدحه العفيّ‪ ،‬فقال والالق وفّ‪:‬‬
‫ف رتبةٍ حجب الورى عن نيلها ‪ ...‬وعل‪ ،‬فسمّوه عليّ الاجبا‬
‫حجب طلب الدب عن تلك الرّتبة‪ ،‬ونزل بالشّامة ل العتبة‪ .‬وأمّا العلماء الذين لقيهم‪ ،‬فأولئك مصابيح النّاجية وكواكب الدّاجية‪ ،‬وإنّ ف النّظر إليهم‬
‫لشرفا‪ ،‬فكيف بن اغترف من كلّ برٍ وجد غرفا؟ وإنّما أقول ذلك على القتصار‪ ،‬ولعلّه قد نزف بارهم بالقلم والفهم‪ ،‬وفتحوا له أغلق البهم جع‬
‫ب سور التنّزيل‪ ،‬وفاز بثواب جزيل‪،‬فكأنا لقنّه إيّاه الرّسول‪ ،‬وبدون تلك الدّرجة يبلغ السّول‪ .‬أو‬
‫بمةٍ وهو المر الذي ل يهتدى له فأخذ عن الكتا ّ‬
‫أخذها عن جبئيل‪،‬ف غي ول تبديل‪ .‬وسهّلوا له ما صعب من جبال العربيّة‪ ،‬فصارت حزونة كتاب سيبويه عنده كالدّمات‪ ،‬وغن ف اللّجج عن ركوب‬
‫الرماث‪.‬‬
‫وأمّا انيازه إل أب السن‪ ،‬رحه ال‪ ،‬فقد كان ذلك الرّجل سيّدا‪ ،‬ولن ضعف من أهل الدب مؤيّدا‪ ،‬ولن قوي منهم وادّا‪ ،‬ودونه لللنوب مادا‪ ،‬وكان‬
‫كما قال القائل‪:‬‬
‫وإذا رأيت صديقه وشقيقه ‪ ...‬ل تدر أيهما ذوو الرحام‬
‫وكما قال الطّائيّ‪:‬‬
‫كلّ شعبٍ كنتم به آل وهب ‪ ...‬فهو عب وشعب كل أديب‬
‫والثل السّائر‪ :‬على أهلها تن براقش‪ .‬وذكر الصّولّ أنّه دخل على التّقي بعدما قتل بنو حدان ممّد بن رائق‪ ،‬فسأله عن أبيات نشل بن حرّيّ‪:‬‬
‫ومولّ عصان واستب ّد برأيه ‪ ...‬كما ل يطع بالبفتي قصي‬
‫فلما رأى ما غب أمري وأمره ‪ ...‬وناءت بأعجاز المور صدور‬
‫تنّى نئيشا أن يكون أطاعن ‪ ...‬وقد حدثت بعد المور أمور‬
‫يقال‪ :‬فعل كذا نئيشا‪ ،‬أي بعدما فات‪ ،‬قال الشاعر‪:‬‬
‫إنّك يا قطي ولت منهم ‪ ...‬للم مالك عقبا وريشا‬
‫تناءت منكم عدس بن زي ٍد ‪ ...‬فلم تعرفكم إل نئيشا‬

‫وما زال الشّبان الحسون من أنفسهم بالنهضة‪ ،‬يبغون ما شرف من الراهص‪ ،‬وكيف بالسّلمة من الواهص؟ والثل السّائر‪ :‬رأي الشّيخ خي من مشهد‬
‫الغلم‪ .‬ورمّا سار الطّالب سورّة‪ ،‬فواجهت من القدر زورةّ‪ ،‬إ ّن الغفة من العيش‪ ،‬لتغن الجتهد عن البي والرّيش‪ ،‬ولكن ل موئل من القضاء الحتوم‪،‬‬
‫وآ ٍه من عمرٍ بالتّلف متوم‪:‬‬
‫وسورة عل ٍم لن تسّدد‪ ،‬فأصبحت ‪ ...‬وما يتمارى أنّها سورة الهل‬
‫وأمّا حججه المس فهو‪ ،‬إن شاء ال‪ ،‬يستغن ف الحشر بالول منهن‪ ،‬وينظر ف التأخرين من أهل العلم‪ ،‬فل ريب أنّه يد فيهم من ل يجج‪ ،‬فيتصدّق‬
‫عليهم بالربع‪.‬‬
‫وكأنّي به وعماعم الجيج‪ ،‬يرفعون التّلبية بالعجيج‪ ،‬وهو يفكر ف تلبيات العرب وأنّها جاءت على ثلثة أنواع‪ :‬مسجوع ل وزن له‪ ،‬ومنهوك‪،‬‬
‫ومشطورٍ‪.‬‬
‫فالسجوع كقولم‪:‬‬
‫ليبك ربنّا لّبيك‪ ... ،‬والي كله بيديك‬
‫والنهوك على نوعي‪ :‬أحدها من الرّجز‪ ،‬والخر من النسرح‪ ،‬فالذي من الرّجز كقولم‪:‬‬
‫لبيك إن المد لك‪ ... ،‬واللك ل شريك لك‬
‫إل شريك هو لك ‪ ...‬تلكه وما ملك‬
‫ت بفدك فهذه من تلبيات الاهليّة‪ ،‬وفداك يومئذ فيها أصنام‪ ،‬وكقولم‪.‬‬
‫أبو بنا ٍ‬
‫لبيك يا معطي المر‪ ... ،‬لبيّك عن بن النّمر‬
‫جئناك ف العام الزّمر ‪ ...‬نأمل غيثا ينهمر‬
‫يطرق بالسيّل المر‪.‬‬
‫والذي من النسوج جنسان‪ :‬أحدها ف آخره ساكنان‪ ،‬كقولم‪:‬‬
‫ط ومن دان‬
‫لبيك ربّ هدان‪ ... ،‬من شاح ٍ‬
‫ف مذعان‬
‫جئناك نبغي الحسان ‪ ...‬بكلّ حر ٍ‬
‫نطوي إليك الغيطان‪ ... :‬نأمل فضل الفغران‬
‫والخر ل يتمع فيه ساكنان كقولم‪:‬‬
‫لبيك عن بيلة ‪ ...‬الفخمة الرّجيلة‬
‫ونعمت القبيلة ‪ ...‬جاءتك بالوسيله‬
‫نؤّمل الفضيله وربّما جاؤوا به على قوافٍ متلفة‪ ،‬كما رورا ف تلبية بكر بن وائل‪:‬‬
‫لبيك حقا حقا ‪ ...‬تعبّدا ورقا‬
‫جئناك النّصاحه ‪ ...‬ل نأت للرّقاحه‬
‫والشطور جنسان‪ :‬أحدها عند الليل من الرّجز‪ ،‬كما روي ف تلبية تيم‪:‬‬
‫لبيك لول أنّ بكرا دونكا ‪ ...‬يشكرك الناس ويكفرونكا‬
‫ما زال منّا عثج يأتونكا والخر من السريع وهو نوعان‪ :‬أحدها يلتقي فيه ساكنان كما يروون ف تلبية هدان‪:‬‬
‫لبيك مع كل قبيلٍ لبوك ‪ ...‬هدان أبناء اللوك تدعوك‬
‫قد تركوا أصنامهم وأنتابوك‪ ... ،‬فاسع دعا ًء ف جيع الملوك‬
‫قوهم‪ :‬لبَوك‪ ،‬أي لزموا أمرك‪ ،‬ومن روى‪ :‬لبّوك‪ ،‬فهو سناد مكروه‪.‬‬
‫والشطور الذي ل يتمع فيه ساكنان كقولم‪:‬‬
‫لبيك عن سعدٍ وعن بنيها ‪ ...‬وعن نساءٍ خلفها تعنيها‬

‫سارت إل الرّحة تتنيها والوزون من التلبية يب أن يكون كل ّه من الرجز عند العرب‪ ،‬ول تأت التلبية بالقصيد‪ .‬ولعّلهم قد لبّوا به ول تنقله الرّواة‪.‬‬
‫وكأن به لّا اعتزم على استلم الرّكن‪ ،‬وقد ذكر البيتي اللذّين ذكرها الفجع ف حدّ العراب‪:‬‬
‫لو كان حيّا قبلهن ظعائنا‪ ... ،‬حيّا الطيم وجوه ّن وزمزم‬
‫لكنّه عمّا يطيف بركنه ‪ ...‬منهنّ صمّاء الصدى مستعجم‬
‫فيعجب من خروجه من الذكّر إل الؤنث‪ .‬وإذا حل هذا على إقامة الصفّة مقام الوصوف ل يبعد‪.‬‬
‫وكذلك يذكر قول الخر‪:‬‬
‫ذكرتك والجيج له عجي ٌج ‪ ...‬بكثة والقلوب لا وجيب‬
‫فقلت ونن ف بلدٍ حرامٍ ‪ ...‬به ل أخلصت القلوب‬
‫أتوب إليك يا ربّاه مّا ‪ ...‬جنيت فقد تظاهرت الذّنوب‬
‫فأمّا من هوى ليلى وحبّي ‪ ...‬زيارتا‪ ،‬فإنّي ل أتوب‬
‫فيقول‪ :‬أليس قال البصريون إنّ هاء النّدبة ل تثبت ف الوصل والاء ف قوله‪ :‬يا ربّاه‪ ،‬مثل تلك الاء ليس بينهما فرقٌ؟ ولكن يوز أن يكون مغزاهم ف‬
‫ذلك النثور من الكلم‪ ،‬إذ كان النظوم يتمل أشياء ل يتملها سواه‪.‬‬
‫ولعلّه قد ذكر هذه البيات ف الطّواف‪:‬‬
‫أطوّف بالبيت فيمن يطوّف‪ ... ،‬وأرفع من مئزري السبل‬
‫وأسجد باللّيل حت الصّباح‪ ... ،‬وأتلو من الحكم النل‬
‫عسى فارج الكرب عن يوسفٍ ‪ ...‬يسخّر ل ربّة الحمل‬
‫فقال‪ :‬ما أيسر لفظ هذه البيات لول أنّه حذف أن من خب عسى! فسبحان ال‪ ،‬ل تعدم السناء ذاما‪ ،‬وأيّ الرّجال الهذّب‪.‬‬
‫وذكر عند النّفر وتفرّق الناس هذين البيتي‪:‬‬
‫ودّعي القلب يا قريب وجودي ‪ ...‬لحبّ فراقه قد أحّا‬
‫ليس بي الياة والوت إ ّل ‪ ...‬أن يرّدوا جالم فتزمّا‬
‫وقول قيس بن الطيم‪:‬‬
‫ديار الت كادت ونن على من ‪ ...‬ت ّل بنا‪ ،‬لول ناء الرّكائب‬
‫ول أرها إ ّل ثلثا على من ‪ ...‬وعهدي با عذراء ذات ذوائب‬
‫تبدّت لنا كالشّمس تت غمامةٍ ‪ ...‬بدا حاجبٌ منها‪ ،‬وضنّت باجب‬
‫وميّز بي هذين الوجهي ف قوله‪ :‬تلّ بنا‪ ،‬لنَّه يتمل أن يكون‪ :‬ت ّل فينا‪ ،‬وقد يوز أن يريد‪ :‬تلنا‪ ،‬كما يقال‪ :‬انزل بنا هاهنا‪ ،‬أي أنزلنا‪ ،‬ومنه قوله‪:‬‬
‫كما زلّت الصّفواء بالتنل‬
‫وإن كانت الجج الت أتى بامع ماورةٍ‪ ،‬فقد أقام بكّة حت صار أعلم با من ابن داية بوكره‪ ،‬والكدريّ بأفاحيصه‪ ،‬والرباء بتنضبته‪.‬‬
‫وإن كان سافر إل اليمن أو غيه‪ ،‬وجعل يجّها ف ك ّل سنة‪ ،‬فذلك أعظم درجة ف الثّواب‪ ،‬وأجدر بالوصول إل ملّ الوّاب‪ .‬ولعلّه قد وقف بالغمّس‬
‫وترحّم على طفي ٍل الغنوي لقوله‪:‬‬
‫هل حبل شاء بعد الجر موصول ‪ ...‬أم أنت عنها بعيد الدّار مشغول؟‬
‫إن هي أحوى من الرّبعي‪ ،‬حاجبه‪ ... ،‬والعي بالثد الاري مكحول‬
‫ترعى أسرة موّليٍ أطاع لا ‪ ...‬بالزع‪ ،‬حيث عصى أصحابه الفيل‬
‫وإنّما أطلقت التّرحّم على طفيلٍ إذ كان بعض الرّواة يزعم أنّه أدرك السلم‪ ،‬وروى له مدحٌ ف النب صلّى ال عليه وسلم‪ ،‬ول أسعه ف ديوانه‪ ،‬وهو‪:‬‬
‫وأبيك خيٍ إ ّن إبل م ّمدٍ ‪ ...‬عزلٌ تاوح أن تبّ شال‬
‫وإذا رأين لدى الفناء غريب ًة ‪ ...‬فاضت ل ّن من الدّموع سجال‬

‫وترى لا ح ّد الشّتاء على الثّرى ‪ ...‬رخا‪ ،‬وما تيا لنّ فصال‬
‫وأنشد أبيات ابن أب الصّلت الثّقفي‪:‬‬
‫ت ‪ ...‬ما تارى فيهنّ إل الكفور‬
‫إن آيات ربنا ظاهرا ٌ‬
‫حبس الفيل بالغمّس حت ‪ ...‬ظلّ يبو‪ ،‬كأنّه معقور‬
‫كلّ دين يوم القيامة عند ال ‪ ...‬إلّ دين النفية بور‬
‫وما عدم أن تطر له أبيات نفيلٍ‪:‬‬
‫أل حييت عنّا ردينا ‪ ...‬نعمناكم مع الصباح عينا‬
‫ردينة لو رأيت‪ ،‬فل تريه‪ ... ،‬لدى جنب الغمّس ما رأينا‬
‫إذا لعذرتن ورضيت أمري‪ ... ،‬ول تأسي على مافات بينا‬
‫حدت ال إذ أبصرت طيا ‪ ...‬وحصب حجارةً تلقى علينا‬
‫وك ّل القوم يسل عن نفيلٍ ‪ ...‬كأنّ عل ّي للحبشان دينا!‬
‫وليت شعري أقارنا أهلّ أم مفردا؟ وأرجو أن ل تكون لقيته بكّة شهلةٌ تعرض عليه فتيا ابن عبّاسٍ‪ ،‬حلف ما با من باسٍ‪ ،‬فتذكّر قول القائل‪:‬‬
‫قالت‪ ،‬وقد طفت سبعا حول كعبتها‪:‬‬
‫هل لك يا شيخ ف فتيا ابن عبّاس؟‬
‫هل لك ف رخصة الطراف ناعمةٍ‬
‫تسي ضجيعك حت مصدر النّاس فأمّا النتسبون إل جوهرٍ‪ ،‬فالوهر بعد إدراك الظّ‪ ،‬يرجع إل تغيي وتشظّ‪ ،‬كم درّةٍ ف تاج ملك‪ ،‬لّا رمي بالهلك‪،‬‬
‫فضتّها من السف حظاياه‪ ،‬وهل تثن من الجل سراياه؟ وأخرى على نر كعاب‪ ،‬شطّت عن الدّنس والعاب‪ ،‬منيت بالنقابة أو النّحاز‪ ،‬فجعلتها الوالدة‬
‫ف منحاز‪.‬‬
‫وكأنّي به وقد مرّ بأنطاكية فذكر قول امرىء القيس‪:‬‬
‫علون بأنطاكيّ ٍة فوق عقمةٍ‪ ... ،‬كجرمة نلٍ أو كجنّة يثرب‬
‫وخطر له أن النّطك وهو اللّفظ الذي يب أن يشتق منه أنطاكية لو كانت عربيّةً‪ ،‬مهملٌ ل يكه مشهورٌ من الثّقات‪ .‬ولّا مرّ بلطية أنكر وزنا وقال‪:‬‬
‫فعلية‪ ،‬مثالٌ ل يذكر‪ ،‬وإذا حلناها على التّصريف وجب أن تكون ياؤها زائدةً لن قبلها ثلث ًة من الصول‪.‬‬
‫وأمّا صديقه الذي جدب عند السّب‪ ،‬فهو يعرف الثل‪ :‬أعرض عن ذي قب‪ ،‬إذا حجز دون الشّخص ترابٌ‪ ،‬فقد تقضّت الراب‪ ،‬من ليم ف حال حياته‪،‬‬
‫استحقّ العذرة ف ماته‪ ،‬ولعله نطق با نطق ف معن انبساطٍ‪ ،‬ل وهو بالكلم ساطٍ‪ ،‬ومن غفر ذنب حيّ وهو يلحق به الذاة‪ ،‬فكيف ل يغفر له بعد اليتة‬
‫س من مالسٍ‪ ،‬يعدل بألف تسليمةٍ ف الجالس‪ ،‬وهو يعرف ما قالوه ف معن البيت‪:‬‬
‫وقد عدم منه الشّذاة؟ وسلمٌ على رم ٍ‬
‫وآت صاحب حيث ودّعا‬
‫أي أزور قبه‪.‬‬
‫وأمّا الذي أنكره من البديه‪ ،‬فمولي الشّيخ مكرّ ٌر ف الدب تكرير السن والسي ف آل هاشم‪ ،‬والوشم الرجّع بكفّ الواشم‪ ،‬وهل يعجب لسعجةٍ من‬
‫قمريّ‪،‬أو قطر ٍة تسبق من السّحاب الريّ؟ ولو باده خزامى عالٍ بالرائحة لاز أن يرعف غضيضها‪ ،‬أو البوق الوامضة لا امتنع أن يعجل وميضها‪ .‬وف‬
‫النّاس من يكون طبعه الماظّة‪ ،‬فيؤذي الليس‪ ،‬ويكثر التّدليس وهو يعلم أنّه فاضل‪ ،‬ل ينضله ف الرّمي مناضل‪.‬‬
‫والبديه ينقسم أفاني‪ ،‬ويصرّف للنّفر أظاني‪.‬فمنه القبل‪ ،‬ولعلّه فيه أجرى من سبل‪ ،‬أو هو السّبل‪ .‬والراد بسبل الفرس النثى العروفة‪ ،‬والسّبل‪ :‬الطر‪.‬‬
‫وبديه التّمليط‪ ،‬ول تود الرّاسية بالسّليط‪.‬‬
‫وبديه العنات‪ ،‬وذلك الوقظ من السّنات‪ ،‬وهو يتلف كاختلف الشكال‪ ،‬ول ينهض به ذو الوكال‪.‬‬
‫وأمّا أبو عبد ال بن خالويه وإحضاره للبحث النّسخ‪ ،‬فإنّه ما عجز ول أفسخ أي نسي ولكن الازم يريد استظهارا‪ ،‬ويزيد على الشّهادة الثانية ظهارا‪:‬‬
‫أرى الاجات عند أب خبيبٍ‪ ... ،‬نكدن‪ ،‬ول أميّة ف البلد‬

‫أين كأب عبد ال؟ لقد عدمه الشّام! فكان كمكّة إذ فقد هشام‪ ،‬عنيت هشام بن الغية‪ ،‬لنّ الشاعر رثاه فقال‪:‬‬
‫أصبح بطن مكّة مقشعرّا ‪ ...‬كأنّ الرض ليس با هشام‬
‫ط ‪ ...‬وفوق جفانه شحمٌ ركام‬
‫يظ ّل كأنّه أثناء سو ٍ‬
‫فللكباء أكلٌ كيف شاءوا ‪ ...‬وللصّغراء حلٌ واقتثام‬
‫وأبو الطيب اللّغوي اسه عبد الواحد بن عليّ‪ ،‬له كتابٌ ف التباع صغي على حروف العجم ف أيدي البغداديي‪ ،‬وله كتابٌ يعرف بكتاب البدال‪ ،‬قد‬
‫ب يعرف بشجر الدرّ‪ ،‬سلك به مسلك أب عمر ف الداخل‪ ،‬وكتابٌ ف الفرق قد أكثر فيه وأسهب‪ .‬ول شكّ‬
‫نا به نو كتاب يعقوب ف القلب‪ ،‬وكتا ٌ‬
‫أنّه قد ضاع كث ٌي من كتبه وتصنيفاته‪ ،‬لنّ الرّوم قتلوه وأباه ف فتح حلب‪ .‬وكان ابن خلويه يلقبّه قرموطة الكبثل‪ ،‬يريد دحروجة المل‪ ،‬لنّه كان‬
‫قصيا‪.‬‬
‫وحدّثن الثقه أنّه كان ف ملس أب عبد ال بن خالويه وقد جاءه رسول سيف الدّولة يأمره بالضور ويقول له‪ :‬قد جاء رج ٌل لغويّ‪ ،‬يعن أبا الطّيب‬
‫هذا‪ ،‬قال الحدّث‪ :‬فقمت من عنده ومضيت إلىالتنب فحكيت له الكاية‪ ،‬فقال‪ :‬السّاعة يسلء الرّجل عن شوط براحٍ‪ ،‬والعلّوض‪ ،‬ونو ذلك‪ ،‬يعن أنّه‬
‫يعنته‪.‬‬
‫وكان أبو الطيب اللّغوي بينه وبي أب العبّاس بن كاتب البكتمريّ مودٌّة ومؤانسةٌ‪ ،‬وله يقول‪:‬‬
‫يا عبد إنّك عند القلب جنتّه ‪ ...‬حبّا‪ ،‬وإّنَك عند الطّرف ناظره‬
‫أزمعت سيا‪ ،‬فقل ما أنت قائله ‪ ...‬واذكر لراعي الوى‪ ،‬ما أنت ذاكره‬
‫ل أشتكي سهرا طالت مسافته ‪ ...‬اللّيل يعلم أنّي الدّهر ساهره‬
‫ي بن زيد ف البيات الصادية الت مضت‪:‬‬
‫قوله‪ :‬يا عبد‪ ،‬يريد‪ :‬يا عبد الواحد‪ ،‬كما قال عد ّ‬
‫غيبّت عنّ؟ي عبد ف ساعه الشّرّ ‪ ...‬وجنّبت أوان العويص‬
‫يريد عبد هندٍ‪.‬‬
‫وقد كان أبو الطيب يتعاطى شيئا من النّظم‪.‬‬
‫وقد علم ال أنّي ل ف العي ول ف النّفي‪ ،‬ومن للجارمة بالتّكفي؟ كلّما رغبت ف المول‪ ،‬قدّر ل غي الأمول‪ ،‬كان ح ّق الشّيخ إذ أقام ف معرّة النّعمان‬
‫سن ًة ان ل يسمع ل بذكرٍ‪ ،‬ول أخطر له على فكر‪ ،‬والن فقد غمر إفضاله‪ ،‬وأظلّن دوح أدبه ل ضاله‪ ،‬وجاءتن منه فرائد لو تثّلت لواحدة منها تومةً‪،‬‬
‫ل تكن بالصحف مكتومةً‪ ،‬ولستغن بثمنها القبيل‪ ،‬وعمر إليها السّبيل؛ ينظر منها النّاظر ل جوهرةٍ‪ ،‬مثل الزّهرة‪ ،‬كما قال الرّاجز‪:‬‬
‫ذهب لّا أن رآها تزمره ‪ ...‬وقال‪ :‬يا قوم‪ ،‬رأيت منكرة‬
‫شذرة واد إذ رأيت الزّهرة وبعضهم يروي‪ :‬ترمله‪ ،‬مكان‪ :‬تزمره‪ ،‬وهي أكثر الرّوايتي على ما فيها من الكفاء‪.‬‬
‫وهو‪ ،‬أدام ال عزّ الدب بياته‪ ،‬كري الطّبع والكري يدع‪ ،‬ومن سع جاز أن يال‪ ،‬والندل ل ينتج الرّخال‪.‬‬
‫وأمّا ما ذكره من ميله ف مصر إل بعض اللّذات‪ ،‬فهو يعرف الديث‪ :‬أريوا القلوب تع الذّكر‪ .‬وقال أحيحة بن اللح‪:‬‬
‫صحوت عن الصّبا واللهو غول ‪ ...‬ونفس الرء آونة ملول‬
‫وكان ينبغي أن يكون ف هذا الوقت يضبط ما معه من الدب بدرس من يدرس عليه‪ ،‬إذ كانت السّنّ لبدّ لا من تأثي‪ ،‬وأن ترمي بقلّةٍ كلّ كثيٍ‪ ،‬ولكنّ‬
‫قطرته الفاردة تغرّق‪ ،‬ونفسه إذا برد يرّق‪ ،‬وقال رج ٌل من قريش‪:‬‬
‫ل درّي حي أدركن البلى ‪ ...‬على أيّما تأت الوادث أندم؟؟؟؟!‬
‫أل أجتل البيضاء يبق حجلها ‪ ...‬لا بشرٌ صافٍ ووجهٌ مقسّم؟‬
‫ول أصطبح قبل العواذل شرب ًة ‪ ...‬مشعشعةً‪ ،‬كأنّ عاتقها الدّم‬
‫ولعلّه قد قضى الرب من ذلك كلّه‪ ،‬والشياء لا أواخر‪ ،‬وإنّما العاجلة سرابٌ ساخر‪ ،‬وقد عاشر ملوكا ووزراء‪ ،‬فل منقصة ول إزراء‪ ،‬وقد سع نبأ‬
‫ي ف قوله‪:‬‬
‫النّعمان الكب‪ ،‬إذ فارق ملكه فراق العب‪ ،‬وتعوّض من الرير السوح‪ ،‬ورغب ف أن يسوح‪،‬وإيّاه عن العباد ّ‬
‫وتذكّر ربّ الورنق إذ فكّ ‪ ...‬ر يوما وللهدى تفكي‬

‫سرّه ملكه وثرة ما ي ‪ ...‬لك والبحر معرضا والسّدير‬
‫فارعوى جهله فقال‪ :‬وما غب ‪ ...‬طة ح ّي إل المات يصي؟‬
‫والسّكر م ّرمٌ ف ك ّل اللل‪ ،‬ويقال‪:‬إنّ الند ل يلّكون عليهم رجلً يشرب مسكرا‪ ،‬لنّهم يرونه منكرا‪ ،‬ويقولون‪ :‬يوز أن يدث ف الملكة نبأٌ اللك‬
‫سكران‪ ،‬فإذا اللك التبع هكران‪.‬‬
‫لعنت القهوة‪ ،‬فكم تبط با رهوةٌ؛ ل خية ف المر‪ ،‬توطىء على مثل المر‪ .‬من اصطبح فيهجا‪،‬فقد سلك إل الدّهية منهجا‪ .‬من اغتبق أ ّم ليلى‪ ،‬فقد‬
‫سحب ف الباطل ذيلً‪ .‬من غري بأمّ زنبق‪ ،‬فقد سح بالعقل الوبق‪ .‬من حل بالرّاحة راحا‪ ،‬فقد أسرع للرّشد سراحا‪ .‬من رضي بصحبة العقار فقد خلع‬
‫ثوب الوقار‪ .‬من أدمن قرقفا‪ ،‬فليس على الواضحة موقفا‪ .‬من سدك بالرطوم‪ ،‬رجع إل حال الفطوم‪ .‬الواظبة على العانّي‪ ،‬تنع بلوغ المان‪ .‬اليبة‬
‫لسبيئةٍ‪ ،‬ترج من سرّ ك ّل خبيئةٍ‪ .‬ل فائدة ف الكميت‪ ،‬جعل حيّها مثل اليت‪ .‬من بلي بالصّرخديّ‪ ،‬ل يكن من الفاضحة بالفديّ‪ .‬ما أخون عهود‬
‫السّلف‪ ،‬تنفض مرير الحلف‪ .‬أمّا السّلفة‪ ،‬فسلّ وآفة‪ .‬كم شابّ ف بن كلبٍ‪ ،‬مات غبطةً‪،‬وما بلغ من الدّنيا غبطة؟! رماه بسحافٍ قاتلٍ‪ ،‬إدمان‬
‫ث زأر ف العرينة‪ .‬كم بربطٍ‪ ،‬عصف بعد وسبط! كم‬
‫العتقّة ذات الخاتل‪ .‬من بكر إل الشّمول‪ ،‬فرأيه ينظر بطرف مسمول‪ .‬أقلّ عنتا من كرينة‪ ،‬لي ٌ‬
‫مزهرٍ‪ ،‬أوقع هاجدا ف السّهر! وهو يعرف أبيات التنخّل‪:‬‬
‫مّا أقضّي ومار الفت ‪ ...‬للضبع والشيبة والقتل‬
‫إن يس نشوان بصروف ٍة ‪ ...‬منها بنءٍ‪ ،‬وعلى مرجل‬
‫ط له ذلك ف الحبل‬
‫ل تقه الوت وقيّاته ‪ ...‬خ ّ‬
‫وينبغي أن يزّهده ف الصّهباء الصّافية‪ ،‬أن نداماه الكرمي أصبحوا ف الجداث العافية‪ ،‬كم جلس مع فتيانٍ‪ ،‬أتى عليهم الزّمن كلّ التيان‪ ،‬فكان كما‬
‫قال العديّ‪:‬‬
‫تذكّرت والذّكرى تيج ل الوى‬
‫ومن حاجة الحزون أن يتذكّرا‬
‫نداماي عند النذر بن مرّقٍ‬
‫فأصبح منهم ظاهر الرض مقفرا وهو يعرف البيات الت أوّلا‪:‬‬
‫خليليّ هبّا طال ما قد رقدتا‪ ... ،‬أجدّكما ل تقضيان كراكما؟‬
‫وهل يعجز أن يكون كما قال الخر‪:‬‬
‫أمّا الطّلء فإنّى لست ذائقها ‪ ...‬حت ألقي بعد الوت جبّارا‬
‫كأنّه كان نديه على الطّلء‪ ،‬فلمّا رماه التّلف من غي بلء‪ ،‬حرّم عليه شربا‪ ،‬حت تسكنه الرّاكدة تربا‪.‬‬
‫وسرّتن فيئة الدّناني إليه‪ ،‬فتلك أعوانٌ‪ ،‬تشتبه منها اللوان‪ ،‬ولا على النّاس حقوقٌ‪ ،‬تبّ إن خيف عقوق‪.‬‬
‫قال عمرو بن العاص لعاوية‪ :‬رأيت ف النّوم أن القيامة قد قامت وجيء بك وقد ألمك العرق‪ .‬فقال معاوية‪ :‬هل رأيت ّث من دناني مصر شيئا؟ وهذه‬
‫ل ريب من دناني مضر ل تيء من عند السّوق‪ ،‬ولكن من عند اللوك‪ ،‬ول تكن مهر هلوك‪ ،‬فالمد ل الذي سلّمها إل هذا الوقت ول تكن كذهبٍ‬
‫مزونٍ‪ ،‬صار إل المّارة مع الوزون‪ ،‬كما قال‪:‬‬
‫ت الجوس ‪ ...‬ترى الزّقّ ف بيتها شائل‬
‫وخّارةٍ من بنا ٍ‬
‫وزنّا لا ذهبا جامدا‪ ... ،‬فكالت لنا ذهبا سائل‬
‫ول ألغز عنها هذا البيت‪:‬‬
‫دنانينا من قرن ثورٍ‪ ،‬ول تكن ‪ ...‬من الذهب الضروب بي الصّفائح‬
‫لو رآها الرقّش لعلم أنّها أحسن من وجوه حبائبه‪ ،‬لّا غدا الظّاعن بربائبه‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫النّشر مسكٌ‪ ،‬والوجوه دنا ‪ ...‬نيٌ‪ ،‬وأطراف الكفّ عنم‬
‫وإنا لحسن من الوجوه الت ذكرها العدي‪ ،‬وزعم أن حسنها بديّ‪ ،‬فقال‪:‬‬

‫ف فت ٍو شمّ العراني أمثا ‪ ...‬ل الدّناني شفن بالثقال‬
‫أخذت من جوائز كرامٍ صيدٍ‪ ،‬تار ًة بالدمة وتارة بالقصيد‪ ،‬ول تكن ف العيدية مرهناتٍ‪ ،‬ول عند الغرض موهناتٍ‪ ،‬كما قال ردّادٌ الكلبّ‪:‬‬
‫يطوي ابن سلمى با عن راكبٍ بعرا ‪ ...‬عيديّة‪ ،‬أرهنت فيها الدّناني‬
‫وهي عند البله والكيس‪ ،‬أجود من الات الذي ذكره ابن فيسٍ‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫إن ختمت جاز طي خاتها‪ ... ،‬كما توز العبديّة العتق‬
‫أراد بالعبدية دناني نسبها إل عبد اللك بن مروان‪ ،‬ويقال إنّه أول من ضرب الدّناني ف السلم‪.‬‬
‫وجلتّ عن نقد الصّيف‪ ،‬وهي الرّواجح لدى اليزان الوفّي‪ ،‬حاش ال أن تكون كما قال الفرزدق‪:‬‬
‫تنفى يداها الصى ف ك ّل هاجر ٍة ‪ ...‬نفي الدّناني تنقاد الصّياريف‬
‫وهذا البيت ينشد على وجهي‪ :‬الدّناني والدّارهيم‪.‬‬
‫ول هي من دناني أيلة‪ ،‬باع با البائع نيله‪ ،‬وإنّا ذكروا دناني أيلة لنّا كانت ف حيّز الرّوم فتأتيها الدّنانر من الشام‪ ،‬قال‪:‬‬
‫وما هبزي من دناني أيل ٍة ‪ ...‬بايدي الوشاة مشرقا يتأكّل‬
‫ب مرزٌ‪ ،‬لشهد أنّا حي تبز‪ ،‬أجلّ من تلك القسمات وإن كانت ف أوجه ذي ساتٍ‪ ،‬قال‪:‬‬
‫الوشاة‪ :‬النقاشون الذين يشونه ولو رآها الض ّ‬
‫كأن دنانيا عى قسماتم‪ ... ،‬وإن كان قد شفّ الوجوه لقاء‬
‫ومعاذ ال أن نقرن بوذان وادٍ‪ ،‬سقته روائح وغوادٍ‪ ،‬حت إذا القيظ وهج‪ ،‬تزّق ما لبس وانج‪ ،‬قال الشاعر‪:‬‬
‫وربّ وا ٍد سقاه كوكب أمر ‪ ...‬فيه الوابد والدم اليعافي‬
‫هبطته غاديا والشّمس شارقة ‪ ...‬كأن حوذانه فيه الدّناني‬
‫ولو أخذ مثلها النّادم على بيع كميته‪ ،‬لسكنت البهجة ف خلده وبيته‪ ،‬ول يأسف أن عوض حارا من فرس‪ ،‬ولوجد على الشّكوى ذا خرسٍ‪ ،‬ول يقل‪:‬‬
‫ندمت على بيع الكميت‪ ،‬وأنّا ‪ ...‬حياة الفت هم له وخسار‬
‫وامّا أتان بالدنّاني سائمي‪ ... ،‬أصاخت وهشت للبياع نوار‬
‫وقالت‪ :‬أت البيع واشتر غيه‪ ... ،‬فحولك ف الشت بنون صغار‬
‫فأنفقت فيهم ما أخذت‪ ،‬ول يزل ‪ ...‬لدي شراب راهن وقتار‬
‫إل أن تداعى الند بالغزو وانلت ‪ ...‬غوم شتاء سحبهن غزا‬
‫وأعوزن مهر يكون مكانه ‪ ...‬كأن ليس ين العالي مهار‬
‫وسار على الل الغذّة صحبت ‪ ...‬وسرت وتت للشقاء حار‬
‫ول النّة كما نّاها بالقدر من بكورٍ‪ ،‬ليس من بكره بالشكور‪ ،‬يمل معه دناني‪ ،‬ول يصحب من القوم صناني‪ ،‬أي بلء فيقيم بم ف الدّسكرة أيامّا‪،‬‬
‫أيقاظا ف السكر أو نياما‪ ،‬فتفن الذّهب أقداح‪ ،‬كأنّها جزور اليسر وهي القداح قال العدي‪:‬‬
‫ود سكرةٍ صوت أبوابا ‪ ...‬كصوت الواتح ف الوأب‬
‫سبقت إليها صياح الدّيوك ‪ ...‬وصوت نواقي ل تضرب‬
‫وقال آخر‪:‬‬
‫وقبضةٍ من دناني غدوت با ‪ ...‬للدّسكري وحول فتية مح‬
‫ول يزل ثّ يسقينا ويأخذها ‪ ...‬حت استق ّل با ف الصّرّة القدح‬
‫ولو كان الشيخ أدرك من تقدم من اللوك‪ ،‬لكن كلّ واخد منها كالذي قال فيه القائل‬
‫وأصفر من ضرب دار اللوك ‪ ...‬يلوح على وجهه جعفر‬
‫يزيد على مائة واحدا‪ ... ،‬إذا ناله معشرٌ أيسروا‬
‫ودنانيه‪ ،‬بإذن ال‪ ،‬مقدّسات‪ ،‬ما ه ّن بالرج ملدسات‬

‫والزامة من سومه وشيمه‪ ،‬فل يدفع إل مقارض شيئا من عيمه أي متاراته وف الكتاب العزيز‪ " :‬ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك‪،‬‬
‫ومنهم من إن تأمنه بدينار ل يؤدّه إليك " وهذا قيل لرسول ال صلى ال عليه وسلم‪ :‬وقد كان ف زمانه من ترج‪ ،‬يتضمخ بالنسك ويتأرخ‪ ،‬فأما اليوم‬
‫فلو أمن كتاب على نيَّ‪ ،‬لسرعت إليه الظنّن إسراع رميّ والرّمي ههنا سحاب سريع القشاع‪ ،‬من قول الذل‪:‬‬
‫أولئك و دعوت أتاك منهم ‪ ...‬رجال مثل أرمية الميم‬
‫وما عنيت بالكتاب‪ ،‬من نسب إل توارةٍ وإنيل‪ ،‬دون من نسب إل القرآن البجيل‪.‬‬
‫على أنّه ل بدّ من أمان ٍة مفترقة ف البلد‪ ،‬تكون للخيّر من التّلد‪ ،‬وإنّها ف الخرة لشرف‪ ،‬وأرحض لا يقترف‪ ،‬فليشفق على الصّبابة‪ ،‬إشفاق الندّس ذي‬
‫اللّبابة‪ ،‬فكل واح ٍد منها دينار أعزةٍ‪ ،‬يبعث الرّاب على الزّة‪ ،‬كما قال سحيم‪:‬‬
‫تريك غداة البي كفا ومعصما ‪ ...‬ووجهاّ كدينار العزّة صافيا‬
‫ولو نظر إليه قيس بن الطيم لا شبّه به وجه كنوده‪ ،‬وجعله من أنصر جنوده‪ ،‬ول يسمح أن يقول‪:‬‬
‫صرمت اليوم حبلك من كنودا ‪ ...‬لتبدل وصلها وصلً جديدا‬
‫عشيّة طالعت فأرتك قصرا ‪ ...‬ماسن فخمة منها وجيدا‬
‫ووجها خلته لّا بدا ل ‪ ...‬غداة البي دينارا نقيدا‬
‫ف مقدّم‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫ولثله قصد ربيعة بن الكدّم‪ ،‬لّا أيقن بت ٍ‬
‫ي علىّ العصب أ ّن سيّار ‪ ...‬فقد رزيت فارسا كالدّينار‬
‫شد ّ‬
‫أو ملكه مالك بن دينار مع زهده‪ ،‬وبلوغه ف الورع أقصى جهده‪ ،‬لاز أن يجأ به على دينار أبيه‪ ،‬وقد يكذب قائل ف التشبيه‪.‬‬
‫وك ّل هبزيٍ من هذه الصّفر الباركة‪ ،‬أبلغ ف قضاء الاجة من دينارٍ الذي اختاره للمأربة قائل هذا البيت‪:‬‬
‫هل أنت باعث دينارٍ لاجتنا ‪ ...‬أو عبد ربٍ أخا عون بن مراق‬
‫وهذا البيت يتداوله النحويوّن‪ ،‬وزعم بعض التأخرين من أهل العلم أنّه مصنوع‪ ،‬وما أجدره بذلك! فأمّا قول الفرزدق‪:‬‬
‫رأيت ابن دينارٍ يزيد رمى به ‪ ...‬إل الشام يوم العن‪ ،‬وال قاتله‬
‫لو كان دينار هذا الذكور كأحد هذه الدّناني‪ ،‬لرب به أن ينسب إليه يزيد‪.‬‬
‫وأين هي من دناني الّنخّة الت قال ف واحدها القائل‪:‬‬
‫عميّ الذي منع الدّينار ضاحيّةّ‪ ... ،‬دينار نّة جر ٍم وهو مشهود‬
‫ودينار الّنخّة دينار كان يأخذه الصدّق إذا فرغ من الباية‪.‬‬
‫ش من هذه الرّاجعة بعد اليأس‪ ،‬أنقع لغليل الصّديان‪ ،‬من دينار الذي دعاه لسقيه راكب فلةٍ‪ ،‬وهو على كور علةٍ فقال‪:‬‬
‫وكل نقي ٍ‬
‫أقول لدينارٍ وهنَ شوائل‪ ... ،‬بنا كنعامٍ طالبات رئال‬
‫لكّ الويل أدركن بشربة آجن ‪ ...‬من الاء‪ ،‬ما مشروبا بزلل‬
‫فما كاد دينار يغيث بنطفة ‪ ...‬حشاشة نفسٍ آذنت بزوال‬
‫ول هو كدينار الخطل الذي ذكره ف قوله‪ :‬؟كمت ثلثة أحوال بطينتها حت اشتراها عبادي بدينار‬
‫لو وقع إل عبادي لا مذل ‪ ...‬به لمّار‪ ،‬ولو حسب ف الضمّار‬
‫ول كالدّينار ف البيت الذي أنشده أبو عمرو الزّاهد‪:‬‬
‫ظ ف الدّينار للكاروكه‬
‫وف الكتاب أسطر مكوكه‪ ... ،‬ل ح ّ‬
‫زعم أن الكاروكة القوادة‪.‬‬
‫والعجب لا تفر من بنان السّارق‪ ،‬فرار دناني الشّارق‪ ،‬وصفها أبو الطيب فقال‪:‬‬
‫وألقى الشّرق منها ف ثياب ‪ ...‬دنانيا تفر من البنان‬
‫لو رآها كث ّي عزة لل أوكد أليةٍ‪ ،‬أنّها أحسن من الرقليّة‪ ،‬الت شبه بنفردها نفسه فقال‪:‬‬

‫يروق عيون النّاظرين كأنّه ‪ ...‬هرقلي وزنٍ‪ ،‬أحر التبّر‪ ،‬راجح‬
‫وإن كانت زائدة على الثماني‪ ... ،‬فقد أوفت على عدّة أصحاب‬
‫موسى الذين جاء فيهم‪ " :‬واختار موسى قومه سبعي رجلً ليقاتنا " وعلى عدّة الستغفار الذكور ف قوله‪ " :‬إن تستغفر لم سبعي مرّة فلن يغفر ال لم‬
‫" ‪ ،‬وعلى عدّة أذرع السّلسلة ف قوله تعال‪ " :‬ف سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه " ‪.‬‬
‫ولو كان النسان ف قليب عمقه ثانون قامةً‪ ،‬جاز أن تستنقذه هذه الصفرّة من غي مرضٍ‪ ،‬والزّائلة با يعترض من الرض وإنّما ذكرت ذلك لقول‬
‫العشى‪:‬‬
‫ولو كنت ف جبٍ ثاني قامةً ‪ ...‬ورقيّت أسباب السّماء بسّلم‬
‫ولو كانت سنو زهي مثلها لا وصف نفه بالسآمة‪ ،‬ولكانت له أنض قامة والقامة العوان‪ ،‬كأنّها جع قائم‪ .‬قال الرّاجز‪:‬‬
‫وقامن ربيعة بن كعب ‪ ...‬حسبك ما عندهم وحسب‬
‫ولو أدركه عروة بن حزام وهو يقول‪:‬‬
‫يكلفّن عمّي ثاني ناقة ‪ ...‬وما ل يا عفراء غي ثان‬
‫ق له فيغيثه من هذه الثّماني ببعضها أو يسمح له بكلّها‪ ،‬لنّه كري طبع‪ ،‬وعوده ف النّوب عود نبعٍ؛ ولو صارت ف يد عروة هذه الثمانون‪،‬‬
‫لاز أن ير ّ‬
‫لبلغ با المنية لنّ النّاقة ف ذلك الزّمان كانت ربّما اشتريت بعشرةٍ دراهم‪.‬‬
‫الفرزدق‬
‫ف وخسمائة درهم‪ ،‬بعدما عن به‪ ،‬وزيد ف الثمن‪ .‬وقد‬
‫وف بعض أخبار الفرزدق‪ ،‬أ ّن رجلً من ملوك بن أمية أعطاه مائة من إيل الصّدقة‪ ،‬فباعها بأل ٍ‬
‫مرّت به الكاية الت يذكرها أصحاب التاريخ‪ ،‬أن المل كان يباع ف زمن أب جعفر النصور بدرهمٍ‪ ،‬وأنّه صادر قوما من أصحابه‪ ،‬وكانت لم نعج‪،‬‬
‫ج بدرهم‪ .‬هذا مّا وجد بط الرزبانّ ف تاريخ ابن شجرة‪ .‬وهي أنصر من الثمّاني الت ذكرها العلوي البصري ف قوله‪:‬‬
‫فباعوها ثان نعا ٍ‬
‫عبت إليهم ف ثاني فارسا‪ ... ،‬فأدركت منهم بغيت ومراديا‬
‫ولول خشية الغلوّ لقلت‪ :‬ومن ثاني ألفا ذكرها السّنبسيّ ف قوله‪:‬‬
‫ثانون ألفا‪ ،‬ول أحصهم‪ ... ،‬وقد بلغت رجها أو تزيد‬
‫وكيف لمّام بن غالبٍ أن ترميه الوادث بذه الثماني‪ ،‬كما رمته بسنيه ف قوله‪:‬‬
‫رمتن بالثّماني اللّيال‪ ... ،‬وسهم الدّهر أقتل سهم رام‬
‫ل صافيا‪ ،‬وثوبا من الدّّعة ضافيا‪.‬‬
‫ولو ملكها راعي ثاني الذي يقال فيه‪ ،‬أحق من أعي ضأنٍ ثاني‪ ،‬لعلت له عق ً‬
‫والثل السّائر‪ :‬وجدان الدّعة والرّقي‪ ،‬يذهب أفن أفي‪ ،‬ويروى‪ :‬يغطّي أفن ألفي‪ .‬وليس للرّقة‪ ،‬شرف هذه الشكال الشرقة‪ ،‬وللذهب على الفضّة‬
‫صرف‪ ،‬والكارم لا عرف‪.‬‬
‫وهو يعرف حكاية الطيئة مع سعيد بن العاص لّا قال له‪ :‬أيّ النّاس أشعر؟ قال‪ :‬الذي يقول‪ ،‬وهو أبو دؤادٍ الياديّ‪:‬‬
‫ل أعدّ القتار عدما ولكن ‪ ...‬فقد من قد رزئته العدام‬
‫قال‪ّ :‬ث من؟ قال‪ :‬الذي يقول وهو حسان بن ثابت‪:‬‬
‫ب علمٍ أضاعه الا ‪ ...‬ل وجهلٍ غطّى عليه النّعيم‬
‫ر ّ‬
‫قال‪ :‬ثّ‪ :‬قال‪ :‬الذي يقول وهو أعشى قيس‪:‬‬
‫بيضاء ضحوتا وصف ‪ ...‬راء العشيّة كالعراره‬
‫قال‪ّ :‬ث من؟ قال‪ :‬ثّ حسبك ب إذا وضعت رجلً على رجل‪ ،‬ث عويت ف آثار القواف‪ ،‬كما يعوي الفصيل ف آثار البل‪.‬‬
‫وقال الشاعر‪:‬‬
‫وجدت بن العراء قوما أذلّ ًة ‪ ...‬ومن ل يهنهم يس وغدا مهضّما‬
‫وأحق من راعي ثاني ترتعي ‪ ...‬ينب السّتار بقل روضٍ موسّما‬

‫وتلك الثمانون‪ ،‬ألقي فيها الرّيع إل أن يصي قياطها قنطارا‪ ،‬ول فتئ كلّها معطارا أي هو قريب من عطر‪ ،‬ل يعدم ف صيامٍ ول فطر‪ ،‬أوفر حظّا ف‬
‫الحمدة من الت ذكرها الرّان السّلمي‪ ،‬أبو الحلمّ عوف بن الحلم ف قوله‪:‬‬
‫إنّ الثّماني‪ ،‬وبلّغتها‪ ... ،‬قد أحوجت سعي إل ترجان‬
‫وبدّلتن بالشّطاط النا ‪ ...‬وكنت كالصّعدة تت السّنان‬
‫لن الت ذكرها تضعف‪ ،‬وهذه تنعش وتسعف‪ ،‬وتلك تعل الرّجل بعد كونه كالقناة‪ ،‬كأنّه قوس ف أيدي الناة‪ ،‬وهذه تقيم الود‪ ،‬وتسر السود‪.‬‬
‫والبيت النسوب إل أب العتريف معروف‪:‬‬
‫حبشي له ثانون عيبا ‪ ...‬كسبته مهابة وجال‬
‫ولعّله قد اجتاز ف أرض الوصل‪ ،‬بالقرية الت تعرف بثماني وهي قريبة من البل العروف بالوديّ‪ ،‬فإن كانت ثانون القرية وطن أناسٍ‪ ،‬فهذه تري‬
‫مرى الوطن ف اليناس‪ ،‬كما قال‪:‬‬
‫الفقر ف أوطاننا غربة‪ ... ،‬والال ف الغربة أوطان‬
‫ل درّ الذّهب من خليلٍ‪ ،‬فإنّه يفيء بظ ّل ظليلٍ؛ وإن دفن ل يبال‪ ،‬ما هو كغيه بالٍ؛ أعطي نفيس القدار‪ ،‬فما همّ شرفه باندار؛ والدر إذا كسر ذهبت‬
‫ب ذهب ف سوار‪ ،‬غب زمانا غي متوار‪ّ ،‬ث جعل ف خلخال‪ ،‬تتال بلبسه ذات الال‪ّ ،‬ث نقل إل جامٍ أو كاسٍ‪،‬‬
‫قيمته‪ ،‬ول يفظ إن تنحطم كريته‪ ،‬ور ّ‬
‫وهو بسنه كاسٍ‪ ،‬ما تغيّر لبشار النّيان‪ ،‬ول غدر بوفّ اليان‪.‬‬
‫ولعّل هذه الثمّاني‪ ،‬قد أدرك ذهبها قارون‪ ،‬وموسى الرسل وأخاه هارون‪ ،‬وليس للهلكة به اتّصال‪ ،‬ول من العزة له انفصال‪ ،‬يعظمّ ف أرض السند‪،‬‬
‫وبلد الند‪.‬‬
‫وأمّا ابنة الخت‪ ،‬أدام ال لا الصيانة‪ ،‬فإنّها أدلّت على الال إذ كان أحد الوالدين‪ ،‬فهمّت أن تأكل بيدين‪ ،‬وما هي بأختٍ للّرجل الذي قال فيه القائل‪:‬‬
‫ووراء الثأر منّي ابن أختٍ ‪ ...‬مصع‪ ،‬عقدته ما تل‬
‫ول تعلها أختا للهجرس لنّه طالب خاله بثأرٍ‪ ،‬فلم يقبح ما فعل من الثار‪ ،‬ولكن تشبه أن تكون أختا لبن مضرسٍ حي فاتتها الخوة من الجر‪ ،‬وهو‬
‫العروف بالنوت واسه توبة‪ ،‬وكان له أخ يقال له طارق رهط خاله‪ ،‬فرأى أن يقتل خاله‪ ،‬وقال‪:‬‬
‫بكت جزعا أم ّي رميله أن رأت‬
‫دما من أخيها ف الهنّد باديا‬
‫فقلت لا‪ :‬ل تزعي إ ّن طارقا‬
‫حيمى الذي كان الليل الصافيا‬
‫وما كنت‪ ،‬لو أعطت ألفي نيبةٍ‬
‫وأولدها لغوا تساق‪ ،‬وراعيا‬
‫لرضى بوت ٍر منهم دون أن أرى‬
‫دما من بن عوفٍ على السيف جاريا‬
‫وما كان ف عوفٍ دم لو أصبته‬
‫ليوفين من طارقٍ غي خاليا وهو القائل‪:‬‬
‫لتبك النسّاء العولت لطارقٍ‬
‫ويبكي مرداسا قتيل قنان‬
‫قتيلن ل تبكي الخاض عليهما‪،‬‬
‫إذا شبعت من قرملٍ وأفان‬
‫ويوز أن يكون قد رشح إل هذه الرأة شيء من آداب الؤولة‪ ،‬فليتق معرّة بيانا‪ ،‬أكثر من اتقّائه خلسة بنانا‪ .‬فهو يعلم أنّ الشعر ورثه زهي بن أب‬
‫سلمى من خاله بشامة بن الغدير ول يكن مزينة شعر يذكر‪ ،‬وحضره زهي عند الوفاة فأراد أن يعطيه شيئا من ماله‪ ،‬فال بشامة‪ :‬أما بكفيك أنّي ورّثتك‬

‫غرائب القصيد؟ وربّا كان ف نساء حلب‪ ،‬حرسها ال‪ ،‬شواعر‪ ،‬فل يأمن أن تكون هذه منهنّ‪ ،‬فطالا كنّ أجود غرائز من رجالنّ‪ ،‬وحدّث رجل ضرير‬
‫من أهل آمد يفظ القرآن‪ ،‬يأنس بأشياء من العلم‪ ،‬انّه كان وهو شاب له امرأة مقينة تزين النساء ف العراس‪ ،‬وكان ينجم ف القرع‪ ،‬وكان يعتمد حفظ‬
‫تلك الشعار ويدرسها ف بيته‪ ،‬ول غريزة له ف معرفة الوزان‪ ،‬فيكر البيت‪ .‬فتقول له امرأته الاشطة‪ :‬ويلي !ما هذا جيد! فيلجها ويزعم أنّها مطئة‪.‬‬
‫فإذا أصبح مضى فسأل من يعرف ذلك‪ ،‬فأخبه أنّ الصواب معها‪ ،‬وعرفّه كيف يب أن يكون‪ ،‬فإذا لقنه عنه‪ ،‬عاد ف اللّيلة الثانية‪ ،‬فذكره وقد أصلح‪،‬‬
‫فتقول الاشطة‪ :‬هذا الساعة جيد‪.‬‬
‫ي من أهل البادية عرف بعلوان وله امرأة تزعم أنّها من طيّ‪ ،‬فكان ل يعرف موزون البيات من غيه‪ ،‬وكانت الرأة تس بذلك‪ .‬وكانت‬
‫وكان ل كر ّ‬
‫تتأسف على طفلٍ مات لا يقال له رجب‪ ،‬وكانت تنشد هذا البيت‪:‬‬
‫إذا كنت من جرّا حبيبك موجعا‬
‫فل ب ّد يوما من فراق حبيب فقالت يوما‪:‬‬
‫إذا كنت من جرّا رجيب موجعا‬
‫فعلمت أنّ الوزن متلّ‪ ،‬فقالت‪:‬‬
‫إذا كنت من جرّا رجيب موجعا‬
‫فحركت التنوين وأنكرت تريكه بالطبع‪ .‬فقالت‪:‬‬
‫إذا كنت من جرّا رجيبك موجعا‬
‫فأضافته إل الكاف فاستقام الوزن واللّفظ‪.‬‬
‫وف الكتاب العزيز " يا أيّها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولدكم عدوّا لكم فاحذروهم‪ ،‬وإنّ تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن ال غفور رحيم " ‪.‬‬
‫مذهب اللولّ‬
‫وأمّا أبو بكر الشبلي‪ ،‬رحه ال‪ ،‬فل ريب أنّه من أهل الفضل‪ ،‬وأرجو أن يكون سالا من مذهب اللولّية‪.‬‬
‫وأنشدن له منشد‪:‬‬
‫باح منون عامرٍ بواه‬
‫وكتمت الوى‪ ،‬قفزت بوجدي‬
‫وإذا كان ف القيامة نودي‬
‫أين أهل الوى؟ تقدمت وحدي هكذا أنشدته‪ :‬نودي بسكون الياء‪ ،‬ول أحب ذلك وإن كان جائزا‪ ،‬وإنّما يوجد ف أشعار الضّعفة من الحدثي‪.‬‬
‫فإن صحّ أن هذين البيتي له‪ ،‬فل يتنع أن يعترض عليه قائل فيقول‪ :‬من زعم أنّه صافٍ‪ ،‬فما يب أن يأت بغي النصاف‪ ،‬وادّعاؤه النفراد من العال ل‬
‫يسلمّه إليه البشر‪ ،‬إن كان هواه للمخلوقي أو الالق ول يقي‪ ،‬فله ف المم نظراء كثي‪.‬‬
‫وأنا أعتذر إل مولي الشيخ الليل من تأخي الجابة‪ ،‬فإن عوائق الزّمن منعت من إملء السوداء‪ ،‬كأنّها سوداء الت عناها القائل‪:‬‬
‫نبئّت سوداء تنآن وأتبعها‬
‫لقد تباعد شكلنا وما اقتربا‬
‫وجدتا ف شباب غي مطلبةٍ‪،‬‬
‫فكيف والرّأس جون‪ ،‬تسعف الطلبا وأنا مستطيع بغيي‪ ،‬فإذا غاب الكاتب‪ ،‬فل إملء‪ .‬ول ينكر الطالة عليّ‪ ،‬فإنّ الالص من النّضار العي‪ ،‬طالا‬
‫اشتري بأضعافه ف الزّنة من اللجي‪ ،‬فكيف إذا كان الثمن من النميات يوجدن ف الطّرق مرميّات؟ وعلى حضرته اليلة سلم يتبع قرومه إفاله‪ ،‬وتلحق‬
‫بعوذه أطفاله‪.‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful