‫)( انظر سير أعلم النبلء ‪21...........................................................................

17/193‬‬
‫)( اعتقاد المام المبجل ابن حنبل ‪129.......................295-294‬‬
‫)( العنصر‪ :‬مادة مفردة ل يمكن تفتيتها كيميائًيا إلى مواد أكثر بساطة‪ ،‬ومن أمثلة العناصر‪ :‬الزنك‪،‬‬
‫والكسجين‪ ،‬والذهب‪ .‬ويوجد في الطبيعة حوالي ‪ 90‬عنصًرا؛ وحوالي ‪ 20‬أخرى يتم إنتاجها صناعًيا‪،‬‬
‫ولكن لم يتم التعرف على كل تلك المواد‪ .‬تتكون العناصر من ذرات قابلة للنقسام والذرة من جزئين‬
‫الول نواة صغيرة الحجم نسبيا في المركز ذات شحنة موجبة والثاني إلكترونات خارج النواة سالبة‬
‫الشحنة ‪ ..‬تتكون الذرة من نواة موجبة الشحنة تتركز فيها كتلة الذرة ويحيط بها ضباب من‬
‫اللكترونات‪ .‬وهذه النواة هي الجزء المركزي من الذرة وتتكون من جسيمات ذات شحنة موجبة وهي‬
‫البروتونات وجسيمات ذات شحنة متعادلة الشحنة وهي النيوترونات‪ .‬وهذا الضباب من اللكترونات‬
‫يدور حول النواة بسرعة هائلة تصل إلى سبعة مليين دورة في الثانية انظر الطاقة الذرية ‪ ،‬للدكتور‬
‫خضر عبد العباس ‪173.....................................................................................18-17‬‬
‫)( أسرار الذرة‪ ،‬لوميد شمشكك‪،‬وترجمه أورخان محمد علي ‪173 9‬‬
‫)( إذا ما اتحدت ذرتان أو أكثر‪ ،‬فإنهما تكونان جزيئا‪ .‬وقد تكون الذرتان من نفس العنصر أو من‬
‫عناصر مختلفة‪ .‬وإذا احتوت الجزيئات على ذرات من عنصرين أو أكثر تكون النتيجة مركًبا‪ .‬وعند‬
‫كسر الجزيء فإنه ينشق إلى ذرات من العناصر التي تكون منها‪ .‬ومن الممكن أن يتكون الجزيء من‬
‫ذرتين أو آلف الذرات فعلى سبيل المثال‪ :‬يحتوي جزيء الكسجين على ذرتين فقط‪ ،‬بينما يحتوي‬
‫جزيء المطاط على ما بين ‪ 13000‬إلى ‪ 65000‬ذرة‪،.‬جزيء الكسجين‪ :‬ذرتان‪،‬وجزيء الماء‪3 :‬‬
‫ذرات‪ ،‬وجزيء المطاط‪ 65000 - 13000 :‬ذرة انظر الذرات واللكترونات ‪173...................81‬‬
‫)( موسوعة المعرفة‪ ،‬الذرات واللكترونات‪174.....................61،‬‬
‫)( انظر شهادة الكون‪ ،‬لعبد الودود رشيد محمد‪174.............102 ،‬‬
‫)( النيوترون جزء من النواة متعادل الشحنة‪ .‬وقد يتغير عدد النيوترونات في الذرة دون أن يغير‬
‫العنصر من خصائصه‪.‬انظر الذرة من اللف إلى الياء ‪176.............................................284‬‬
‫)(القوة العظمى ‪178............................................................................... .26- 25‬‬
‫)( أسرار الذرة ‪ .115‬وانظر القوة العظمى ‪181................. 221‬‬
‫)( للل لللل لللللل للل لللللل للل لللللل‬
‫لللللل للل للللل لل للللللل ‪ .459 -5/458‬للللل‬
‫للل للللللل لل للل للللل للللللل لللللل‬
‫‪473 ..................................................................................................... .18/474‬‬
‫)( أقاويل الثقات ‪498...............................................94-93‬‬
‫)( صحيح البخاري ‪ .(6978)6/2697‬وأخرجه المام أحمد في المسند )‪1/429 (4087‬والترمذي )‬
‫‪ 5/371 (3238‬وعبد ال في السنة )‪ 1/264 (448‬وأخرجه برقم )‪ 1/264 (489‬عن أبيه عن يحيى‬
‫عن سفيان عن العمش عن منصور به وجعله من قول النبي فقال‪):‬عن عبد ال عن النبي صلى ال‬
‫عليه وسلم أن ال يمسك السموات على إصبع قال أبي رحمه ال جعل يحيى يشير بأصابعه وأراني‬
‫أبي كيف جعل يشير بأصابعه يضع إصبعا إصبعا حتى أتى على آخرها( وهو مخالف لما رواه الثقات‬
‫عن يحيى‪ ،‬واللوم فيه على عبد ال بن أحمد إن صحت نسبة الكتاب إليه‪ .‬وأخرجه البزار في مسنده )‬
‫‪1‬‬

‫‪ 5/182 (1779‬وقال‪):‬وهذا الحديث رواه منصور عن إبراهيم عن عبيدة عن عبد ال‪ .‬وقال العمش‬
‫عن إبراهيم عن علقمة عن عبد ال‪ .‬وأخطأ فيه عمرو بن طلحة فرواه عن أسباط عن منصور عن‬
‫خيثمة عن علقمة عن عبد ال( والنسائي في السنن الكبرى )‪6/446 (11451‬وقال‪):‬خالفه عيسى بن‬
‫يونس رواه عن العمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد ال( ‪ ،‬والطبراني في المعجم الكبير )‬
‫‪499.................................................................................10/164 (10334) (10335‬‬
‫)( انظر القول المفيد على كتاب التوحيد ‪ 392‬وانظر نحوه في‬
‫شروح كتاب التوحيد تحقيق التجريد لحسن العواجي ‪ 2/565‬والدر‬
‫النضيد لسعيد الجندول ‪ 228‬والقول السديد لعبد الرحمن بن ناصر‬
‫السعدي ‪ .207‬وانظر أيضا ً معارج القبول ‪501..................2/783‬‬
‫)( لللللللل للل لللللللل ‪ (66 ) 1/77‬ل) ‪ .(67‬لللللل‬
‫للل لللل لل لللل للل للللللل ‪ (26 )1/47‬لللل للل‬
‫للللل‪.‬لللل للل لللل لل للل للل للل للل لللل‬
‫للللللل للل لللللل‪510 ..............................................................‬‬
‫)( نقض عثمان بن سعيد ‪ 433 ،412 ،1/399‬وأخرجه عبد الله في‬
‫السنة ‪ (586)1/301‬و ‪ (1021) 2/454‬والهروي في الربعين في‬
‫دلئل التوحيد ‪ .56‬من طرق عن وكيع عن سفيان عن عمار الدهني‬
‫عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال الكرسي‬
‫موضع القدمين والعرش ل يقدره إل الله عز وجل‪ .‬وخالف سلم بن‬
‫جنادة الثقات من أصحاب وكيع في لفظه فقال "الكرسي موضع‬
‫قدميه "أخرجه ابن خزيمة في التوحيد ‪ .108‬وسلم بن جنادة هو أبو‬
‫السائب الكوفي ‪ 254‬هـ ثقة يخالف في حديثه وهذه من مخالفاته‬
‫انظر ترجمته في تهذيب التهذيب ‪524...........................4/129‬‬
‫)( ‪ .(1209)2/526‬ونقل الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ‪ 8/6‬عن العوام بن حوشب قال سألت أبا‬
‫مخلد عن الرجل يجلس فيضع إحدى رجليه على الخرى فقال ل بأس به قال إنما كره ذلك اليهود ‪571‬‬
‫)( الرد على الجهمية ‪ .1/53‬وعزاه ابن كثير في تفسيره ‪319/ 4‬‬
‫إلى ابن أبي حاتم في تفسيره وقال‪) :‬هذا منقطع بين أبي يزيد‬
‫وعمر بن الخطاب( ‪586.....................................................‬‬
‫)( اجتماع الجيوش ‪ 66‬ينقله من إثبات صفة العلو لبن قدامة ‪ 52‬و‬
‫‪ .98‬وانظر الستشهاد به أيضا ً في لمعة العتقاد ‪13‬ومعارج‬
‫القبول ‪607...........................................................1/179‬‬
‫لللللل للل للللل لل لللللل ‪ (559 )3/1039‬لل للللل‬
‫لللل لل لللللل لل لللل لل للللل‪634 ..............................‬‬
‫)( انظر أصول السنة لبن أبي زمنين ‪ 104‬والعلو للعلي الغفار ‪ 1/61‬واجتماع الجيوش ‪ 48‬وشرح‬
‫العقيدة الطحاوية لبن أبي العز ‪ 1/248‬والتحفة المدنية في العقيدة السلفية لحمد بن ناصر ‪ 41‬وقطف‬
‫الثمر في بيان عقيدة أهل الثر للقنوجي ‪659............................................................1/116‬‬
‫‪2‬‬

‫وانظر الحتجاج به في التنبيه والرد على أهل الهواء والبدع‬
‫للملطي ‪101‬و ‪ 112‬وكتب ورسائل ابن تيمية في العقيدة ‪5/464‬‬
‫والعلو للعلي الغفار ‪1/128‬واجتماع الجيوش ‪161‬ومعارج القبول‬
‫‪662.....................................................................1/182‬‬
‫)( كتب ورسائل ابن تيمية في العقيدة ‪ .5/464‬وانظر الدر المنثور‬
‫للسيوطي ‪ 5/515‬وفي بعض ماروي فيه ما يؤكد إسرائيلية أصله‪.‬‬
‫منه قولهم‪ :‬أردفه جبريل حتى سمع صرير القلم والتوراة تكتب له‬
‫وقولهم‪ :‬أدخل في السماء فكلم ‪662...................................‬‬
‫)( صحيح البخاري ‪673............................................................................(406)1/161‬‬
‫)( لللل لللل ‪673 ................................................................ (547 )1/388‬‬

‫‪3‬‬

‫المقدمة‬
‫الحمد لله الذي دل على وجوده أن كل شيء في‬
‫الكون هادف‪ ،‬فخلق من كل شيء زوجين ليدل على‬
‫صر عباده‬
‫وحدانيته بانتفاء الواحدية عن جميع خلقه‪ ،‬ثم ب ّ‬
‫بمبلغهم من العلم إذ شغل أبدانهم بروح ل يحيطون بها علما ً‬
‫ٍ‬
‫وليثبتون لها تحيزًا‪ ،‬فتعالى رب العرش الكريم عن وجوه‬
‫التشبيه ولوازم التجسيم‪ ،‬وأتم الصلة والبركة والتسليم‬
‫على من شهد لربه بالعجز عن إحصاء الثناء عليه‪.‬‬
‫وبعد‪ :‬فإن وصف الباري سبحانه بشيء من أوصاف‬
‫الجسام المادية أمر استنكف منه العقلء وأصحاب الفطر‬
‫السليمة‪ .‬والكلم في مقالة التجسيم نفيا ً وإثباتا نبت من‬
‫الكلم في ما تشابه من نصوص القرآن والسنة‪ .‬فلما خاض‬
‫قوم في المتشابه خوضا أثبتوا فيه وصف الباري بلوازم‬
‫الجسام وخواصها قام أهل السنة بدفع البدعة ونقض‬
‫الشبهة‪ ،‬وسلكوا في هذه النصوص مسلكا أرادوا به النجاة‬
‫من إثبات هذه النصوص على نحو يثبت تجسيم الباري‬
‫سبحانه‪ ،‬وبينوا ما أوصل إليه الخوض في المتشابه من‬
‫التحريف والفتنة‪ .‬وأقاموا القواطع العقلية والنقلية التي تنزه‬
‫الباري سبحانه عن الجسمية ولوازمها‪.‬‬
‫ل صحيح‬
‫والصراع في هذه المقالة صراع ٌ قديم يدور بين عق ٍ‬
‫س يتشوف ووهم ٍ يتطلع إلى وصف‬
‫مؤيد بنقل صريح وبين ح ٍ‬
‫الباري سبحانه بأحكام المحسوسات من الجسام‪ ،‬هذا‬
‫الصراع الذي قطع فيه العقل والنقل بتنزيه الله عن‬
‫الجسمية ولوازمها‪ ،‬ثم تفاوتت النفوس البشرية في هجر‬
‫العقل والذعان لحكم الحس والوهم‪ ،‬وتدرج فيه المذعنون‬
‫بين مصرح بإثبات التجسيم وبين مثبت لبعض لوازمه لم‬
‫يستجب لقواطع العقل والنقل إل بنفي اللفظ مع المكابرة‬
‫بإثبات اللزم والصرار على نفي اللزوم‪.‬‬
‫‪4‬‬

‫ول يخفى على أحد خطر مقالة التجسيم‪ ،‬ولكن لم يكن‬
‫خطر هذه المقالة في يوم من اليام مستمدا ً من نضوجها‬
‫الفكري واستنادها العقلي‪ ،‬لنها مقالة أساسها أخبار منكرة‬
‫متشابهة وشبهات واهية باردة في مقابلة نصوص محكمة‬
‫ن خطر هذه المقالة يظهر في دأب معتنقيها‬
‫متواترة‪ .‬لك ّ‬
‫الذي يختار الكمون والسرار حال وجود العلماء وقوة‬
‫السلطان السياسي في دولة السلم‪ ، ،‬ثم إذا غاب دور‬
‫العلماء وضُعفت سلطة السلم وجد الخائضون في‬
‫المتشابه متنفسا لتباع المتشابه وأحسنوا اسستغلل هذا‬
‫الضعف للمجاهرة بخوضهم بين العوام الذين يغترون بظهور‬
‫الزهد والنسك ورفع شعارات البراءة من الفلسفة وعلم‬
‫الكلم‪ ،‬فيتترس الخائضون بالعوام الغيورين على ما‬
‫يعتقدونه دينًا‪ ،‬وُيستغل العوام باسم محاربة البدعة في إثارة‬
‫ط على علماء المة بما يقدرون عليه من‬
‫الفتن والتسل ِ‬
‫الذى‪ .‬ويحفظ التاريخ أن ظهور هذه المقالة مقرون بضعف‬
‫حال المسلمين‪ ،‬وأن ظهور المسلمين على أعدائهم يقترن‬
‫بظهور التنزيه‪ .‬وليس أدل على ذلك من أن الملك نور الدين‬
‫زنكي بلغه أن إنسانا ً بدمشق أظهر شيئا ً من التشبيه وغلفه‬
‫بشيء من الزهد والنسك‪ ،‬وقد كثر حوله التباع من العوام‬
‫فأحضره وأركبه حمارا ً وأمر بصفعه فطيف به في البلد‬
‫جميعها ونودي عليه هذا جزاء من أظهر في الدين البدع‪،‬‬
‫ح بيت المقدس ناصرا ً‬
‫وما زال الناصر صلح الدين فات ُ‬
‫للتوحيد وقامعا ً جميع أهل البدع‪ ،‬يدني أهل التنزيه ويقصي‬
‫)‪(1‬‬
‫أهل التشبيه‪.‬‬
‫أهمية البحث وسبب اختياره‪:‬‬
‫سبق أن الكلم في التجسيم نفيا ً وإثباتا نبت من الخوض‬
‫في المتشابه‪ ،‬ومن يقلب كثيرا من مؤلفات العقيدة في هذا‬
‫العصر يقف على ما فيها من آثار الخوض في المتشابه‪ ،‬ول‬
‫‪ ()1‬انظركتاب الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلحية‬
‫‪ 1/50‬و ‪.4/380‬‬
‫‪5‬‬

‫يخفى عليه ما حوته من تفسيق وتبديع وتضليل؟ وليخفى‬
‫على أحد ما جناه بعض المحققين على كثير من مصادر‬
‫تفسير القرآن الكريم وشروح الحديث الشريف من اتهام‬
‫المؤلف بالتنكب عن منهج السلف والزلل في العتقاد؟ ولما‬
‫قلبت نظري في الزلل الذي وقع به هؤلء في وصف الباري‬
‫سبحانه وعدت به كرة أخرى فرأيت فتنة التبديع تصل إلى‬
‫الئمة وكبار العلماء بحثت عن جواب هاتين المشكلتين في‬
‫كتابات المعاصرين فرأيت هذا الجواب المعاصر يعدل عن‬
‫الموضوعية أحيانا ويميل إلى النفعال ورد السيئة بالسيئة‪،‬‬
‫ول يعبأ بتململ عامة المسلمين من هذه الصراعات الفكرية‬
‫الجانبية فعزمت على أن أكتب في مقالة التجسيم بحثا ل‬
‫يغفل عن حاجة المسلمين وواقعهم‪ ،‬يتنزه عن الغرض وحظ‬
‫النفس‪ ،‬يتمسك بالموضوعية والمنهجية العلمية‪ ،‬وليؤثر‬
‫على ذلك عاجل ول آجل إل ما أعده الله عز وجل لمن نصح‬
‫لمة السلم‪ .‬وآثرت فيه الرفق مع المخالف من غير مداهنة‬
‫ول مواربة ول تملق‪ ،‬لن بعض هذه الخلق يقوي الباطل‬
‫ويذهب هيبة الحق في نفوس أتباعه‪ .‬فما أسمى أن ندفع‬
‫عن المفسرين والمحدثين والمتكلمين من أهل السنة تهمة‬
‫البدعة ومخالفة السلف‪ ،‬وأن ندفع عن العوام خطر مآل‬
‫الخوض في المتشابه‪ .‬وما أسمى أن نلتقط المخالف من‬
‫الحوم حول حمى التشبيه والتجسيم‪.‬‬
‫الجواب عن المر بالسكوت وتجنب الفتنة‬
‫والخلفيات‪:‬‬
‫ل بد من العتراف بثقل الخوض في مثل هذه المباحث‪ ،‬بل‬
‫لم تكن الكتابة فيها مستساغة لول انتشار مقالت التبديع‬
‫ومطبوعاته‪ .‬وهذا ما أراه يرفع الحرج عن البحث في مسألة‬
‫التجسيم‪ ،‬بل ل أرى أنه يسع المسلمين السكوت عن انتشار‬
‫الخوض في المتشابه مع رمي جملة علماء المسلمين الذين‬
‫كرهوا الخوض فيه بالبدعة‪ .‬وقد رأيت في كلم سلطان‬
‫العلماء عبد العزيز بن عبد السلم ما ثّبت هذا المعنى في‬
‫‪6‬‬

‫النفس حيث أجاب من أمره بالسكوت والقتداء بالسلف‬
‫فقال‪):‬وكيف ُيدعى على السلف أنهم يعتقدون التجسيم‬
‫والتشبيه أو يسكتون عند ظهور الِبدع ‪...‬والعلماء ورثة‬
‫النبياء فيجب عليهم من البيان ما وجب على النبياء‪ ،‬وقال‬
‫ْ‬
‫من ُ‬
‫تعالى )َولت ُ‬
‫ن‬
‫مة يد ُ‬
‫مُرو َ‬
‫عو َ‬
‫ن إ َِلى الخير ويأ ُ‬
‫كم أ ّ‬
‫كن ّ‬
‫ر( ومن أنكر المنكرات‬
‫بالمعُروف وينهون عن‬
‫المن ُك َ ِ‬
‫َ‬
‫ه ومن أفضل المعروف التوحيد ُ والتنزيه‪.‬‬
‫م والتشبي ُ‬
‫الّتجسي ُ‬
‫سلف قبل ُ‬
‫ب السماء ذات‬
‫ظهور البدع فور ّ‬
‫وإّنما سكت ال ّ‬
‫ما‬
‫مر ال ّ‬
‫سلف للبدع ل ّ‬
‫صدع لقد تش ّ‬
‫الّرجع والرض ذات ال ّ‬
‫جهاده‪.‬‬
‫م القمِع‪...‬فجاهدوا في الله َ‬
‫حقّ ِ‬
‫ظهرت فقمعوها أت ّ‬
‫ب بالسيف‬
‫ضر ٌ‬
‫ب بالجدل والبيان و َ‬
‫ضر ٌ‬
‫والجهاد ُ ضربان َ‬
‫حشوّية‬
‫مجادلة ال َ‬
‫وال ّ‬
‫سنان فليت شعري فما الفرقُ بين ُ‬
‫سئل أحدهم عن مسألة من‬
‫وغيرهم من أهل البدع ‪...‬وإذا ُ‬
‫س ُ‬
‫كوت عن ذلك وإذا سئل عن غير‬
‫مسائل الحشو أمر بال ّ‬
‫الحشو من البدع أجاب فيه بالحقّ ولول ما انطوى عليه‬
‫باطُنه من التجسيم والتشبيه لجاب في مسائل الحشو‬
‫بالتوحيد والتنزيه‪ .‬ولم تزل هذه الطائفة المبتدعة قد ضربت‬
‫فوا‪...‬ل تلوح لهم ُفرصة إل طاروا إليها‬
‫عليهم الذ ّّلة أينما ُثق ُ‬
‫م في مثل هذا يطول ولول ما‬
‫ول فتنة إل أكّبوا عليها‪...‬والكل ُ‬
‫وجب على العلماء من إعزاز الدين وإخمال المبتدعين وما‬
‫من ال ّ‬
‫طعن في‬
‫ولت به الحشوّية ألسنتهم في هذا الزمان ِ‬
‫ط ّ‬
‫ت‬
‫أعراض المو ّ‬
‫حدين والزراء على كلم المنزهين لما أطل ُ‬
‫ه بالجهاد‬
‫س في مثل هذا مع إيضاحه ولكن قد أمرنا الل ُ‬
‫الّنف َ‬
‫ن‬
‫في نصرة دينه‪ ،‬إل أن سلح العال ِم ِ ِ‬
‫مه ولساُنه كما أ ّ‬
‫عل ُ‬
‫سلح المِلك سي ُ‬
‫فه و ِ‬
‫سناُنه فكما ل يجوز للملوك إغماد ُ‬
‫أسلحتهم عن الملحدين والمشركين ل يجوز للعلماء إغماد ُ‬
‫ألسنتهم عن الزائغين والمبتدعين فمن ناضل عن الله‬
‫وأظهر دين الله كان جديرا أن يحُرسه الله بعينه التي ل تنام‬
‫حو َ‬
‫طه بركنه الذي ل ُيرام‬
‫وي ُِعزه بعزه الذي ل ُيضام وي ُ‬
‫ويحفظه من جيمع النام ‪...‬وما زال المنزهون والموحدون‬
‫‪7‬‬

‫ُيفتون بذلك على رؤوس الشهاد في المحافل والمشاهد‬
‫ويجهرون به في المدارس والمساجد وِبدعة الحشوية كامنة‬
‫سونها إلى جهلة‬
‫خفية ل يتمكنون من المجاهرة بها بل يد ُ ّ‬
‫العوام وقد جهروا بها في هذا الوان فنسأل الله تعالى أن‬
‫جل بإخمالها كعادته(‬
‫ُيع ّ‬
‫ونحن نعلم اليوم أن تبديع العلماء وانتشار الخوض في‬
‫المتشابه وتمكن الخائضين فيه أعظم مما كان عليه في أيام‬
‫سلطان العلماء‪ .‬وقد أوقفت المطالع على بعض ذلك في‬
‫المبحث السادس من الفصل التمهيدي‪ .‬فلو جعلت هذا‬
‫المبحث في أول سطر من الكتاب لكان أنفع لن التعصب‬
‫للمعروف والتسليم للموروث والغترار بالمتداول يذهل عن‬
‫خطر الخوض في المتشابه وخطر السكوت على انتشار‬
‫الطعن بالكابر فيحتاج إلى التنبيه على ما ارتكبه القوم من‬
‫ذلك‪ ،‬لكن المقام هنا ل يتسع لبيان هذه الحملة على التنزيه‬
‫وأهله‪ .‬لكني أرجو من المطالع أن ل يغفل عن هذا المبحث‪.‬‬
‫ومن الخطأ أن نعتقد أن المنزهين استفتحوا الكلم في نفي‬
‫التجسيم قبل أن يحوم فريق من المسلمين حول حمى‬
‫التشبيه والتجسيم‪ ،‬ومن الخطأ أيضا أن نطالب بالسكوت‬
‫عن النفي بعد الغرق في الثبات‪ .‬ونحن نعلم أن المخالف‬
‫في أصل هذه المسألة لم يرض بالسكوت بل عاب على من‬
‫أمره بالسكوت أيضا‪ .‬ومن ذلك قول ابن قتيبة الذي ينسب‬
‫إلى المنهج السلفي )…ولم أر أقل عذرا ً ممن أمر‬
‫بالسكوت والتجاهل بعد هذه الفتنة‪ ،‬وإنما يجوز أن‬
‫ُيؤمر بهذا قبل تفاقم المور ووقوع الشحناء‪،‬‬
‫وليس في غرائز الناس احتما ُ‬
‫ل المساك عن أمر‬
‫في الدين قد انتشر هذا النتشار‪ ،‬ولو أمسك‬
‫عقلؤهم ما أمسك جهلؤهم‪ ،‬ولو أمسكت اللسنة‬
‫ما أمسكت القلوب‪ ،‬وأما قولهم هذه بدعة لم‬
‫يتكلم الناس فيها فل تتكلفوها فإنما يفزع الناس‬
‫إلى العالم في البدعة ل فيما جرت فيه السنة‬
‫‪8‬‬

‫وتكلم فيه الوائل‪ ،‬والكلم ل يعاَرض بالسكوت‬
‫والشك ل يداوى بالوقوف والبدعة ل ُتدفع بالسنة‪،‬‬
‫وإنما يقوي الباط َ‬
‫ل أن تبصره وتمسك عنه‪ .‬فإن‬
‫قيل إن الثوري وابن المبارك لم يتكلموا ؟ قلنا‬
‫)‪(1‬‬
‫لكل زمان رجال…(‬
‫فإن كان السكوت مذموما عند الفريقين فنسأل الله عز‬
‫وجل أن يوفقنا لحسن القول‪.‬‬
‫متاعب البحث وصعوباته‪:‬‬
‫أصعب ما في هذا البحث هو التنازع بين منهجين يحكمان‬
‫مثل هذا البحث الجدلي الفكري‪ .‬المنهج الول يخاطب‬
‫المحققين ويرضي النظار ويعتمد على إحكام الدلة ودفع‬
‫الشبه من كل وجه‪ ،‬وآفة هذا المنهج تململ الكثرين مما‬
‫يتطلبه النظر في الدلة والغوص في الحجج من إعمال‬
‫الفكر والتأني في القراءة‪ .‬والمنهج الثاني منهج يرضي‬
‫الكثرين بميله إلى الخطابيات ومراعاة الوقع في السماع‬
‫بحيث ل تكل عن فهمه والتفطن لمقاصده أكثر الطباع‬
‫ويحصل به القناع لكل ذي حجى وفطنة وان لم يكن متبحرا‬
‫في العلوم‪ .‬ولكن هذا المنهج من جوالب المدح والطراء‬
‫ولكن من الظاهريين‪ ،‬وآفته أنه من دواعي القدح والزراء‬
‫ولكن من الغواصين‪ .‬ولعل الله يوفق في العتدال بين‬
‫)‪(2‬‬
‫المنهجين بما يرضي النظار وغيرهم‪.‬‬
‫الجديد في البحث‪:‬‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬وقفت على كثير من ردود العلماء على ابن تيمية‬
‫رحمه الله ولكن معظم هذه الردود إجمالي لم يغن عن‬
‫جواب مفصل لكل ما فصل به ابن تيمية اعتراضا واستدلل‪،‬‬
‫وحسبي أن أحد أساتذتي أنكر علي ترك العزو في كثير من‬
‫هذه الجوبة واستصغرني دون هذا الجواب‪ ،‬ولكن يعلم‬
‫المدقق والمحقق أن تفصيل هذه المناقشات والعتراضات‬
‫‪ ()1‬الختلف في اللفظ ‪51-47‬‬
‫‪ ()2‬مقتبس بتصرف من فضائح الباطنية للحجة الغزالي ص ‪8-7‬‬
‫‪9‬‬

‫ليس موجودا في كتاب يمكنني الرجوع إليه‪ .‬والحمد لله‬
‫أول ً وأخيرا‪.‬‬
‫ثانيًا‪ :‬عرض منازعات الفريقين من خلل النظر إلى تجسيم‬
‫الباري‪ ،‬فخوف التجسيم هو الذي ألجأ الراسخين في العلم‬
‫إلى تحايد المتشابه‪ ،‬والخوض فيه هو الذي أورث الفتنة‬
‫وأدى إلى تأويله على نحو يوهم التجسيم أو يثبته ويعرض‬
‫عن دلئل العقول والسمع التي تظاهرت على تنزيه الباري‬
‫سبحانه من نقائص التشبيه والتجسيم‪.‬‬
‫ثالثًا‪ :‬إحكام بعض الدلة العقلية والسمعية التي تنزه الباري‬
‫سبحانه عن الجسمية‪ ،‬وبيان سبيل القطع بدللتها على‬
‫المطلوب مع الجواب عن ما أورد عليها من العتراض‪.‬‬
‫رابعًا‪ :‬بيان مطابقة أدلة التنزيه لمكتشفات العلم الحديث‪،‬‬
‫والتنبيه على نفاذ بصيرة المنزه وغفلة المخالف ووقوعه‬
‫في مخالفة مقتضيات هذه المكتشفات‪.‬‬
‫منهجي في هذا البحث‪:‬‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬في النقل والتنصيص‪:‬‬
‫قلبت كثيرا من دفع المخالفين لما أورده عليهم أهل التنزيه‬
‫لعلي أقف على أجوبة علمية تحتاج إلى جواب جديد لكني‬
‫وجدت المخالف يعتمد في تحايد هذه المناقشات الفكرية‬
‫على التشكيك في الفهم والتكذيب في النقل‪ ،‬وهذا ما‬
‫اضطرني إلى مراعاة هذه الخصوصية بتدعيم هذا البحث‬
‫بالنصوص المنقولة المتكاثرة التي تثبت الفهم الصحيح ولو‬
‫في مسألة واحدة‪ .‬وربما احتجت إلى نقل نص مطول من‬
‫كلم المخالف كان يسعني اختصاره واختزاله لكني تجنبت‬
‫ذلك لما علمته من دأب بعض المخالفين في العتماد على‬
‫الطعن بالفهم والتكذيب في النقل‪.‬‬
‫ولما كانت عنايتي بالفكرة وإيصالها لم أتحرج من التعبير‬
‫عنها بنقل نص يؤديها فكم أحسن علماؤنا إحسانا ً آسرا ً ل‬
‫يكاد يحسن فيه التصرف أحيانًا‪ ،‬بل ربما رجعت إلى بعض‬
‫‪10‬‬

‫الفكار التي سبق مني اعتمادها في البحث فعزوتها إلى أحد‬
‫ما وجدتها في كلمه‪.‬‬
‫العلماء ل ّ‬
‫ثانيًا‪ :‬تنوع المنهج في عدد من الفصول بحسب ما تقتضيه‬
‫مصلحة البحث في كل فصل‪ .‬ففي الكلم على أدلة التنزيه‬
‫السمعية آثرت إحكام عدد من الدلة على جمع كل ما‬
‫استدلوا به‪ .‬فاكتفيت بالقواطع من الدلة واستغنيت بها عن‬
‫الدلة التي يمكن للمخالف أن يقدح في دللتها‪.‬‬
‫وعند الكلم على الدلة العقلية وجدت أنه لم يعتن أحد من‬
‫المتكلمين بالرد على المجسمة كما اعتنى بذلك الفخر‬
‫الرازي‪ ،‬ولم أجد أحدا من المسلمين يبذل جهدا كالجهد‬
‫الذي بذله ابن تيمية رحمه الله في العتراض على هذه‬
‫الدلة‪ .‬فرأيت أن الفائدة تتجلى في المحاكمة بين تأسيس‬
‫هذه الدلة ومناقشة العتراضات التي أوردها ابن تيمية‬
‫عليها‪.‬‬
‫والكلم في الشبه السمعية يحتم أن نناقش السانيد وأن‬
‫نبين نكارة المتون وهو منهجي في مناقشة الشبه السمعية‪.‬‬
‫ثالثًا‪ :‬ابن تيمية رحمه الله في هذا البحث‪:‬‬
‫اعتنيت بمناقشات ابن تيمية رحمه الله لن منزلته عند‬
‫المعاصرين ل تخفى على أحد‪ .‬ولن حال معظم الرسائل‬
‫الجامعية والمناقشات العلمية اليوم يشهد على القوم‬
‫بتقليده في المباحث العقلية‪ .‬ول أعلم أن أحدا من‬
‫المعاصرين المخالفين أحكم دليل أو اعتراضا لم يكن فيه‬
‫عالة على ابن تيمية‪ .‬ولم يكن غرضي في مناقشاته أن‬
‫أحكم عليه بشيء كما اهتم بذلك عدد من المعاصرين‪ .‬لكن‬
‫العناية بكتبه ومنزلة رأيه ومكانته المعروفة عند فريق من‬
‫المسلمين يوجب العناية بمناقشته‪ .‬ولم أغفل أيضًاعن كلم‬
‫من يشار إليهم بالبنان في هذا العصر ممن أطبق المخالف‬
‫على الشهادة لهم بسلمة العقيدة السلفية‪ .‬وأسأل الله أن‬
‫ل يجعل في قلوبنا غل لحد من أمة محمد صلى الله عليه‬
‫‪11‬‬

‫وسلم وأن يمن علينا وعلى جميع المة بالشفاعة التي تليق‬
‫بكرم الله وإكرامه لنبيه صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫خطة البحث‪:‬‬
‫صلت هذا البحث في أربعة فصول بدأتها بفصل تمهيدي‬
‫ف ّ‬
‫تحته ستة مباحث أولها مبحث في التجسيم في عقيدة‬
‫السابقين الوليين إلى التجسيم من اليهود‪ ،‬وفيه مطلب في‬
‫التجسيم في عقيدة اليهود‪ ،‬ومطلب في أثر تجسيم أهل‬
‫الكتاب في عقائد بعض المسلمين‪ .‬والمبحث الثاني في‬
‫فرق المجسمة في الفكر السلمي‪ .‬والمبحث الثالث في‬
‫التجسيم في فكر المحدثين‪ ،‬ويليه مبحث في التجسيم في‬
‫فكر الحنابلة‪ .‬يليه مبحث في التعريف بالجسم وبعض‬
‫المصطلحات التي ترتبط به في هذا البحث‪ .‬وآخر مباحث‬
‫هذا الفصل هو المبحث السادس في التجسيم في الفكر‬
‫السلمي الحديث‪.‬‬
‫ثم أتبعت الفص َ‬
‫ل التمهيدي بالفصل الول في أدلة التنزيه‪،‬‬
‫وتحته مبحث في الدلئل السمعية ومبحث في الدلئل‬
‫العقلية أفردت فيه لكل دليل مطلبًا‪.‬‬
‫ثم الفصل الثاني في شبه المجسمة وحكم إثبات التجسيم‬
‫وتحته مبحث في الشبه العقلية‪ ،‬جعلت كل شبهة منها في‬
‫مطلب‪ .‬ومبحث في الشبه السمعية بينت فيه أن ما ُيحتج به‬
‫في هذا المطلب متون منكرة وأسانيد واهية ل تفيد الظن‬
‫الراجح الذي يفيده الخبر الحادي إذا صح سنده‪ ،‬فلو سلمنا‬
‫أن خبر الحاد ُيحتج به في هذا المطلب فل يعني أن نقبل‬
‫من كل من هب ودب‪ ،‬ول أن نترك القواطع ونتمسك‬
‫بتصرفات الرواة عند المخالفة‪ ،‬واستغنيت عن التفصيل في‬
‫حجية خبر الحاد هنا بما ذكرته في رسالتي )الحتجاج‬
‫بخبرالحاد في مسائل العتقاد(‪ .‬وقد جعلت تحت هذا‬
‫المبحث ثلثة مطالب‪ ،‬المطلب الول في الكلم على ما‬
‫استدلوا به على كون الباري سبحانه ذا أبعاض وتحته‬
‫مسائل‪ .‬والمطلب الثاني في ما استدلوا به على إثبات‬
‫‪12‬‬

‫التحيز‪ .‬والمطلب الثالث في إثبات قبول العراض‪ .‬ثم‬
‫المبحث الثالث في حكم إثبات التجسيم‪ .‬وختمت البحث‬
‫بخاتمة فيها أبرز النتائج وبعض التوصيات‪.‬‬
‫وفي الختام أنبه إلى أنه ليس من غرض البحث تكفير‬
‫أحد من المسلمين ول تبديعهم بل ول تلمس عثراتهم‪ ،‬بل‬
‫نقول كما قال أحمد وكما أوصى ربنا‪) :‬ربنا اغفر لنا‬
‫ولخواننا(‪ .‬وقد أخذ علي بعض من اطلع على البحث أني‬
‫ترحمت فيه على من اجتهدت في الرد عليه‪ ،‬وربما اتهمت‬
‫بالمجاملة والمسايرة‪ ،‬لكن ذلك لم يخرجني عن الغرض‬
‫العلمي فقد اجتهدت بالنظر والنقد وبذلت في ذلك من‬
‫فكري ومن عمري وقتا ليس بالقصير‪ ،‬وقد مل الغرض‬
‫العلمي نفسي فلم ألتفت إلى إرضاء أحد أو سخطه ولم‬
‫أراع ما يتقتضية غرض من فكر بالكسب المادي من بحثه‪،‬‬
‫فلعل كثيرا من الناس يتثاقل من النظر في الدلة ودفع‬
‫العتراض عنها‪ ،‬ولعل كثيرا منهم يقعده سمك الكتاب عن‬
‫اقتناءه أو الطلع على ما فيه‪ ،‬لكني لم ألتفت إلى هذا كله‬
‫وآثرت على ذلك أن أجتهد في خدمة بحث علمي أنصح فيه‬
‫لكل مسلم تجرد عن حظوظ النفس وتجمل بالنصاف‬
‫وتنزه عن التعصب والغرض‪ ،‬وأحتسب بهذا الجتهاد واليثار‬
‫أن يرزقني الله عز وجل من يبصرني بعيوبي وتقصيري وأن‬
‫ل يبتليني بتكفير أحد من المسلمين أو تبديعه أو غيبته وأن ل‬
‫بيتلي أحدا من المسلمين بشيء من ذلك في حق نفسي أو‬
‫في حق أحد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫وأسأل الله عز وجل أن يجعل هذا البحث خالصا ً لوجهه‬
‫ة في صفحة والدي ومن له حق‬
‫الكريم‪ ،‬وأن يجعله حسن ً‬
‫علي من المشايخ والساتذة الكرام‪ .‬ول يفوتني أن أعبر عن‬
‫عظيم الشكر والمتنان لفضيلة الستاذ الدكتورالمتكلم‬
‫البارع محمد رمضان عبد الله بقيةِ العلماء المتمكنين‬
‫الجامعين‪ ،‬وكم تمنيت على الله عز وجل أن يمن علي‬
‫بإشرافه على بحثي‪ ،‬ولم ينقطع رجائي مع علمي بانشغاله‬
‫‪13‬‬

‫الشديد وتزاحم الطلب من معارفه وخاصة تلمذته‬
‫الساعين إلى إشرافه‪ ،‬وكان اغتباطي عظيما ً إذ من الله عز‬
‫وجل علي بقبول الستاذ الدكتور أن يعد هذا البحث تحت‬
‫إشرافه فالحمد لله أول ً وأخيرًا‪ .‬وجزاه الله عني خير‬
‫الجزاء‪.‬‬
‫وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلة والسلم‬
‫على أشرف المرسلين‬

‫‪14‬‬

‫الفصل التمهيدي‬ ‫وفيه تمهيد‬ ‫و مباحث‬ ‫المبحث الول‪ :‬التجسيم في عقيدة اليهود‬ ‫المبحث الثاني‪ :‬في فرق المجسمة في الفكر‬ ‫السلمي‬ ‫المبحث الثالث‪ :‬التجسيم في فكر المحدثين‬ ‫المبحث الرابع‪ :‬التجسيم في فكر الحنابلة‬ ‫المبحث الخامس‪ :‬التعريف بالجسم وبعض‬ ‫المصطلحات التي ترتبط به‬ ‫المبحث السادس‪:‬التجسيم في الفكر السلمي‬ ‫الحديث‬ ‫‪15‬‬ .

‬ولو تتبعنا آثار‬ ‫التجسيم في الفكر السلمي لنعرف أصله ونشأته لوصلنا‬ ‫إلى مطلع القرن الهجري الثاني‪ ،‬هذا العصر الذي داهمت‬ ‫فيه العقيدة السلمية أعشاش الوثنية والنصرانية‬ ‫والمجوسية وغيرها من الملل والنحل فكشفت عن زيغها‬ ‫وعوارها حتى تركها من كان مقيما ً عليها كابرا ً عن كابر إلى‬ ‫دين السلم ودخل أهلها فيه أفواجا ً أفواجًا‪ .‬ولكن مع انتشار‬ ‫السلم هذا النتشار النفجاري السريع ظهرت مشاك ُ‬ ‫ل‬ ‫ة لم تكن معروفة في زمن الرسالة‪ ،‬ومن أهم هذه‬ ‫فكري ٌ‬ ‫المشاكل اختل ُ‬ ‫ط العرب بالعجم وظهوُر اللحن الذي دفع‬ ‫العرب إلى جمع اللغة ووضِع علومها وتقعيدها‪ .‬ولهذا كان في السلف من ينكر‬ ‫التحديث بمثل هذه الحاديث الموهمة إشفاقا ً على هؤلء‬ ‫من توهم ِ التجسيم‪ .‬وفي ذلك يقول القاضي عياض‬ ‫العجم ِ‬ ‫‪16‬‬ .‫تمهيد‬ ‫لم تخل النفس البشرية يوما من اليام من تشوقها إلى‬ ‫معرفة كنه خالقها الذي حجب العقول عن معرفة كنه ذاته‬ ‫كما حجب البصار عن إدراكه‪ ،‬وكان الوحي السماوي هو‬ ‫الذي يضع السوار أمام العقل إذا تشوق متطلعا إلى تلك‬ ‫السرار‪ .‬وصار من كان معتنقا ً لهذه‬ ‫الملل يشكل عليه هذه وجود هذه اللفاظ فصارت في حقه‬ ‫موهمة للتجسيم والتشبيه‪ .‬وكلما ابتعدت البشرية عن اليمان بوحي الله أو‬ ‫فهم نصوصه ركنت إلى تشوق النفوس فأسبغت على‬ ‫وصف الخالق بعض ما تألفه من أحكام الجسام وأوصافها‬ ‫كالثقل والحجم والمقدار والتمكن في المكان‪ .‬وهذه‬ ‫المشكلة اللغوية كانت عامل ً مهما ً من عوامل ظهور‬ ‫التجسيم في الفكر السلمي‪ ،‬فلما دخل في دين السلم‬ ‫أفواج من أمم لم يتذوقوا بيان العربية وقفوا على بعض‬ ‫اللفاظ القرآنية مجردة ً عن سياقها وسباقها ثم ساعد على‬ ‫وهمهم في فهمها وجود جذور لمخالفة التنزيه في الوثنية‬ ‫والديان المحرفة والمخترعة‪ .

‬والنبي صلى الله عليه وسلم‬ ‫أوردها على قوم عرب يفهمون كلم العرب على‬ ‫وجهه وتصرفاتهم في حقيقته ومجازه واستعارته‬ ‫وبليغه وإيجازه فلم تكن في حقهم مشكلة‪ ،‬ثم‬ ‫جاء من غلبت عليه العجمة وداخلته المية فل يكاد‬ ‫صها‬ ‫يفهم من مقاصد العرب إل ن ّ‬ ‫وصريحها‪.) :‬رحم الله المام مالكا ً فلقد كره‬ ‫التحديث بمثل هذه الحاديث الموهمة للتشبيه‬ ‫والمشكلة المعنى‪ .‬فتفرقوا في تأويلها أو حملها على‬ ‫ظاهرها شذر مذر فمنهم من آمن ومنهم من كفر(‬ ‫)‪(1‬‬ ‫ومما يؤكد ما سبق أن أول ظهور لمقالة التشبيه والتجسيم‬ ‫كان في بلد بعيدةٍ عن مركز الفكر السلمي ومنبعه‪ ،‬وذلك‬ ‫في بلخ من بلد خراسان حيث أظهر مقاتل بن سليمان‬ ‫مقالته فقال‪ :‬إن الله جسم وله جوارح وأعضاء من يد‬ ‫ورجل وعينين‪ ،‬وهناك أيضا ظهرت مقالة هشام بن الحكم‬ ‫)‪(2‬‬ ‫فقال‪ :‬إن لله جسما ً يقوم ويتحرك‬ ‫وهناك أيضا ظهرت مقالة الجهم بن صفوان الذي تصدى‬ ‫لمقالة مقاتل وهشام‪ ،‬غير أنه أفرط في النفي كما أفرط‬ ‫خصومه في الثبات‪ ...13/164‬‬ ‫‪17‬‬ .‬وجرت بين الفريقين مناظرات انتقل‬ ‫صداها إلى علماء المسلمين من السلف الصالح رضوان الله‬ ‫عليهم لما سارع العوام إليهم يسألون عن الحق في ما‬ ‫أحدثه هذا النزاع من الفراط والتفريط‪ ..‫رحمه الله‪.2/542‬‬ ‫‪ ()2‬انظر ص )‪ (64‬و )‪ (76‬من هذا الكتاب في ترجمتهما وتفصيل‬ ‫مقالتهما‬ ‫‪ ()3‬انظر تاريخ بغداد ‪.‬وفي ذلك يقول‬ ‫المام أبو حنيفة رحمه الله‪) :‬أتانا من المشرق رأيان‬ ‫ل ومقات ٌ‬ ‫م معط ٌ‬ ‫ل مشبه()‪ (3‬ويقول أيضا‪):‬أفرط‬ ‫خبيثان‪ ،‬جه ٌ‬ ‫‪ ()1‬الشفا ‪.

‫جهم في النفي حتى قال إنه ليس بشيء وأفرط مقاتل في‬ ‫)‪(1‬‬ ‫الثبات حتى جعل الله تعالى مثل خلقه(‬ ‫وكان موقف السلف في أول ظهور هذه البدعة هو‬ ‫إظهار الطعن والبراءة من الخائض فيها من الفريقين كما‬ ‫سبق عن المام أبي حنيفة)‪ (2‬وكانوا أيضا ً يبدعون السائل‬ ‫ويزجرونه‪ ،‬ومن ذلك الحكاية المشهورة عن المام مالك‬ ‫رحمه الله في ما أخرج البيهقي‪) :‬أن رجل ً دخل على المام‬ ‫مالك فقال‪ :‬يا أبا عبد الله " الرحمن على العرش استوى‬ ‫")‪ (3‬كيف استواؤه؟ قال‪ :‬فأطرق مالك وأخذته الّرخصاء‪ ،‬ثم‬ ‫رفع رأسه فقال‪ :‬الرحمن على العرش استوى كما وصف‬ ‫نفسه‪ ،‬ول يقال كيف‪ ،‬وكيف عنه مرفوع‪ ،‬وأنت رجل‬ ‫سوء صاحب بدعة‪ ،‬أخرجوه‪ ،‬فُأخرج الرجل( وفي رواية‬ ‫)‪(4‬‬ ‫)والكيف غير معقول(‬ ‫ولكن لما عمت البلوى وانتشرت البدعة نهض العلماء‬ ‫لقمعها وخاضوا في ما كرهوا الخوض فيه‪ ،‬وكانوا أغنى‬ ‫الخلق عن هذا البحث لول انتشار البدعة‪ ،‬ولم يعد مقبول ً‬ ‫سكوت المة عن هذه البدعة فتعين على بعضها الفرض‬ ‫الكفائي في الذب عن السنة ومحاربة هذه البدعة‪.‬‬ ‫واتفق جميع أهل المذاهب على ترك السكوت فتكلم في‬ ‫من تكلم حتى كثر‬ ‫ذلك من المحدثين والفقهاء والمتكلمين َ‬ ‫فيه الكلم والختلف وتمايزت فيه فرقٌ ومقالت صارت‬ ‫مستقلة معروفة فيما بعد‪ .10/251‬‬ ‫‪ ()2‬وانظر نحو هذا الموقف عن غيره من السلف في مراجع الفقرة‬ ‫السابقة والسنة لعبد الله بن أحمد ‪.‬وتباينت المواقف في القرب من‬ ‫أحد المذهبين‪ .515‬‬ ‫‪18‬‬ .‬فظهرت المعتزلة التي أنكرت القول‬ ‫بالتجسيم والتشبيه ومالوا إلى رأي الجهم في نفي بعض‬ ‫الصفات والقول بخلق القرآن‪ ،‬ولما أفرط المعتزلة بالنفي‬ ‫قابلهم بعض المحدثين بالغلو في الثبات فأثبتوا بعض الخبار‬ ‫‪ ()1‬انظر تاريخ بغداد ‪ 13/164‬وسير أعلم النبلء ‪ 7/202‬وتهذيب‬ ‫التهذيب ‪.1/108‬‬ ‫‪ ()3‬الية )‪ (5‬من سورة طه‪.‬‬ ‫‪ ()4‬السماء والصفات ‪.

‬وسموا هذه‬ ‫ت بالتوحيد أو السنة أو الرد على الجهمية‪ .3/395‬‬ ‫‪19‬‬ .‬واستطاع المذهب الشعري‬ ‫أن يسود ويغلب لنه نشأ في عاصمة الخلفة بغداد وملتقى‬ ‫علماء المة ورجالها فسهل الله له منهم من يقوم بنصرة‬ ‫المذهب وتنقيحه وتأصيله‪.‬ولم يكن‬ ‫المصنفا ِ‬ ‫هذا الفراط المقابل بالتفريط إل وبال ً على فكر المسلمين‪،‬‬ ‫مق به الخلف والتنازع‪ ،‬واشتد به الصراع الفكري‪ ،‬وبعدت‬ ‫تع ّ‬ ‫الشقة بين المتنازعين حتى أقبل القرن الرابع الهجري‪،‬‬ ‫وظهرت فيه التيارات الوسطية المعتدلة في عدد من بقاع‬ ‫العالم السلمي فظهرت الطحاوية في مصر على يد أبي‬ ‫جعفر الطحاوي‪ (1)،‬والماتريدية في سمرقند نسبة إلى المام‬ ‫أبي منصور الماتريدي‪ (2)،‬والشاعرة في بغداد على يد‬ ‫المام أبي الحسن الشعري‪ .‬انظر طبقات‬ ‫الحنفية ‪1/130‬‬ ‫‪ ()3‬انظر تبيين كذب المفتري لبن عساكر ‪ 105 -100‬وطبقات‬ ‫الشافعية الكبرى ‪398 .‬فمن ثناء‬ ‫المحدثين على أبي الحسن الشعري قول محدث زمانه‬ ‫وشيخ السنة فى وقته الحافظ البيهقي في كلم طويل نقله‬ ‫‪()1‬هو أحمد بن محمد بن سلمة أبو جعفرالطحاوي المصري الفقيه‬ ‫الحنفي وكان ثقة نبيل فقيها له كتاب شرح الثار)‪321‬هـ( وهو‬ ‫صاحب العقيدة المشهورة بالعقيدة الطحاوية‪ ،‬صحب المزني وتفقه‬ ‫به ثم ترك مذهبه وصار حنفي المذهب انظر طبقات الحنفية ‪1/102‬‬ ‫‪ ()2‬هو محمد بن محمد بن محمود أبو منصور الماتريدي من كبار‬ ‫العلماء كان يقال له إمام الهدى له كتاب التوحيد وكتاب المقالت‬ ‫وكتاب تأويلت القرآن وهو كتاب ل يوازيه فيه كتاب بل ل يدانيه‬ ‫شيئ من تصانيف من سبقه فى ذلك الفن‪ ،‬مات سنة ثلث وثلثين‬ ‫وثلث مائة بعد وفاة أبي الحسن الشعري بقليل‪ .‫الواهية المنكرة وجمعوا الصحيح مع الضعيف المنكر في‬ ‫مصنفات جمعوا فيها ما يسمونه أخبار الصفات‪ .‬‬ ‫وكان على رأسهم من أخرجه الله عز وجل من نسل أبى‬ ‫موسى الشعري رضى الله عنه إماما ً قام بنصرة دين الله‬ ‫وجاهد بلسانه وبيانه‪ ،‬وزاد في التبيين لهل اليقين أن ما جاء‬ ‫به الكتاب والسنة وما كان عليه سلف هذه المة مستقيم‬ ‫)‪(3‬‬ ‫على العقول الصحيحة‬ ‫وبظهور المذهب الشعري انحسر تيار المعتزلة وتوالف‬ ‫المحدثون والحنابلة مع المتكلمين الشاعرة‪ .

.‬‬ ‫‪20‬‬ ..3/395‬وينبغي على كل من جهل منزلة الشعري عند‬ ‫أهل الحديث أن يطلع على أقوالهم التي جمعها ابن عساكر في تبيين‬ ‫كذب المفتري‪.‫الحافظ ابن عساكر‪.):‬ل يخفى حال شيخنا أبى الحسن‬ ‫ة الله عليه ورضواُنه وما يرجع إليه من شرف‬ ‫الشعرى رحم ُ‬ ‫الصل وكبر المحل فى العلم والفضل وكثرة الصحاب من‬ ‫الحنفية والمالكية والشافعية الذين رغبوا فى علم الصول‬ ‫وأحبوا معرفة دلئل العقول‪..‬وصار رأسا ً فى العلم من أهل السنة فى قديم‬ ‫)‪(1‬‬ ‫الدهر وحديثه(‬ ‫واستحسن العلماء من المحدثين والفقهاء والمفسرين‬ ‫ة أبي الحسن الشعري‪ .‬لكنى أذكر بمشيئة الله‬ ‫تعالى من شرفه بآبائه وأجداده وفضله بعلمه وحسن‬ ‫اعتقاده وكبر محله بكثرة أصحابه ما يحمل على الذب عنه‬ ‫وعن أتباعه…‪ -‬ثم أخذ البيهقى فى ذكر ترجمة الشيخ وذكر‬ ‫نسبه ثم قال ‪ -‬فلم يحدث فى دين الله حدثا ً ولم يأت فيه‬ ‫من بعدهم من‬ ‫ببدعة بل أخذ أقاويل الصحابة والتابعين و َ‬ ‫الئمة فى أصول الدين فنصرها بزيادة شرح وتبيين‪ ،‬وأن ما‬ ‫قالوا وجاء به الشرع فى الصول صحيح فى العقول بخلف‬ ‫ما زعم أهل الهواء من أن بعضه ل يستقيم فى الراء‪،‬‬ ‫فكان فى بيانه وثبوته ما لم يدل عليه أهل السنة والجماعة‪،‬‬ ‫ونصر أقاويل من مضى من الئمة كأبى حنيفة وسفيان‬ ‫الثورى من أهل الكوفة والوزاعى وغيره من أهل‬ ‫الشام‪..‬وكيف يمكن ذلك وهم الجمهور العظم‬ ‫من علماء المة وساداتها‪ ،‬كما قال ابن عساكر‪) :‬هل من‬ ‫الفقهاء الحنفية والمالكية والشافعية إل موافق للشعري‬ ‫ن بكثرة‬ ‫ومنتس ٌ‬ ‫ض بحميد سعيه في دين الله و ُ‬ ‫مث ٍ‬ ‫ب إليه ورا ٍ‬ ‫‪ ()1‬تبيين كذب المفتري لبن عساكر ‪ 105 -100‬وطبقات الشافعية‬ ‫الكبرى ‪ 398 .‬وقد اجتهد ابن‬ ‫والمتكلمين طريق َ‬ ‫ن عساكر وغيرهم في ترجمة رجال‬ ‫السبكي و ِ‬ ‫من قبله اب ُ‬ ‫هذا المذهب فلم يأتوا على ذكر أكابره فضل ً عن المنتسبين‬ ‫أو المستحسنين‪ .‬وفضائل الشيخ أبى الحسن‬ ‫ومناقبه أكثر من أن يمكن ذكرها‪ ..

‫العلم عليه غيُر شرذمة قليلة تضمر التشبيه وتعادى كل‬ ‫)‪(1‬‬ ‫موحد يعتقد التنزيه(‬ ‫واستمر التوافق بين الحنابلة والشاعرة بعد أبي الحسن‪،‬‬ ‫حتى أن شيخ الحنابلة ببغداد أبا الفضل التميمي حضر جنازة‬ ‫المام الباقلني شيخ الشاعرة بعد أبي الحسن وأمر مناديا ً‬ ‫يقول بين يدي جنازته هذا ناصر الدين والذاب عن الشريعة‬ ‫هذا الذي صنف سبعين ألف ورقة‪ ،‬ثم كان يزور قبره كل‬ ‫)‪(2‬‬ ‫عام‬ ‫والحاصل أنه بظهور مذهب الشعري انحصر خلف‬ ‫العقلء المتنزهين عن الهوى والعصبية في اللفاظ الموهمة‬ ‫في مسلكين‪ :‬التفويض والتأويل‪ ،‬واستنكف بعض المحدثين‬ ‫مما أقام الشاعرة على حجيته قواطع العقل والنقل‬ ‫وشواهد َ العربية وأبى إل أن يختار مذهبا ً ملفقا ً غير منضبط‬ ‫ول ضابط ثم أغرب في عزوه إلى السلف‪ .‬‬ ‫مسالك أهل السنة في ما تشابه من نصوص‬ ‫القرآن والسنة‪:‬‬ ‫المسلك الول‪ :‬تفويض العلم بالمراد إلى الله عز‬ ‫وجل‪.‬‬ ‫‪ ()1‬انظر تبيين كذب المفتري ‪ 410‬وطبقات الشافعية الكبرى‬ ‫‪3/374‬‬ ‫‪ () 2‬انظر سير أعلم النبلء ‪17/193‬‬ ‫‪ ()3‬انظر شرح جوهرة التوحيد للباجوري ‪ 149‬والنظام الفريد مع‬ ‫إتحاف المريد لمحمد محيي الدين عبد الحميد ‪129‬‬ ‫‪ ()4‬الية )‪ (11‬من سورة الشورى‬ ‫‪21‬‬ .‬فل بد من‬ ‫الحديث عن هذه المسالك الثلثة‪.‬‬ ‫والمراد به اليمان بما ورد مع صرف اللفظ الموهم عن‬ ‫ظاهره ورد ّ العلم بالمراد إلى الله تعالى)‪ (3‬ولبد في‬ ‫التفويض من أمور ستة‬ ‫الول‪ :‬تنزيه الله عز وجل تصديقا ً لقوله تعالى " ليس كمثله‬ ‫)‪(4‬‬ ‫شيء "‬ ‫الثاني‪ :‬التصديق بما جاء في القرآن والسنة الصحيحة‪ ،‬وأنه‬ ‫حق على المعنى الذي أراده الله ورسوله‪.

‬فنمسك‬ ‫عن تفسيرها بلغة أخرى لن من اللفاظ العربية ما ل‬ ‫ة‬ ‫ب لغوي ٌ‬ ‫يطابقها في غير العربية‪ ،‬وفي اللغة العربية تراكي ُ‬ ‫تدل على معان ل تدل عليها بترجمة ألفاظها‪.‬وهذه اللفاظ‬ ‫صدرت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في أوقات‬ ‫متفرقة متباعدة محفوفة بقرائن تشير إلى معان صحيحة‬ ‫يضر بها هذا الجمع ويجردها عن قرائنها ويجعل معها قرينة‬ ‫عظيمة في تأكيد الظاهر وإيهام التشبيه‪ .‬‬ ‫الرابع‪ :‬السكوت عما سكت عليه السابقون الولون‪ ،‬والكف‬ ‫عن السؤال عنه كما كفوا‪ ،‬وأن ل نخوض فيه‪.‬‬ ‫ونمسك عن تجميع ماتفرق من هذه اللفاظ‪ .‫الثالث‪ :‬العتراف بالعجزعن معرفة ذات الله عز وجل‬ ‫والحاطة بوصفه‪.‬وقد أخطأ‬ ‫بعض المصنفين لما جمعوا في كتاب واحد أخبارا ً تحت باب‬ ‫خصوه لثبات اليد‪ ،‬وخصوا بابا ً لثبات الرجل وبابا ً لثبات‬ ‫الوجه فقوي بذلك اليهام وغَلب الحس‪ .‬‬ ‫ونمسك عن القياس والتفريع على اللفظ الوارد‪ ،‬فل نفّرع‬ ‫ت الخنصر والبهام على إثبات اليد كما تجاسر عليه‬ ‫إثبا َ‬ ‫بعضهم‪.‬‬ ‫ونمسك عن تصريفها فل نقول في قوله تعالى "الرحمن‬ ‫على العرش استوى ")‪ (1‬هو المستوي على العرش لن‬ ‫الفعل يدل على استواء مرتبط بزمان‪ ،‬واسم الفاعل ليس‬ ‫كذلك ففي مثل هذا التصريف زيادة ُ معنى ربما ل يكون‬ ‫مرادا ً في اللفظ الوارد‪.‬وصار الشكال في‬ ‫أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم ينطق بما يوهم خلف‬ ‫الحق‪ ،‬بل قال كلمة يتطرق إليها احتمال موهم مرجوح فإذا‬ ‫انضم إليها كلمة ثانية وثالثة ورابعة من جنس واحد ضُعف‬ ‫النتباه إلى هذا الحتمال‪ ،‬لنه يثبت للحاد حال النضمام ما‬ ‫‪ ()1‬الية )‪ (5‬من سورة طه‪.‬‬ ‫‪22‬‬ .‬‬ ‫الخامس‪ :‬المساك عن التصرف في تلك اللفاظ‪ .

(2‬ونزع ُ لف ِ‬ ‫ة غيَرها لم يكن‬ ‫يحتمله السياق احتمال ً قويا ً ويوهم فوقي ً‬ ‫لُيفطن إليها لول هذا التجريد عن السياق‪ .‬بل قولنا "هو‬ ‫القاهر فوق غيره" ليس كقولنا "القاهر فوق عباده " لن‬ ‫ذكر العبودية مع كونه موصوفا ً بأن القاهَر فوقه يؤكد فوقية‬ ‫)‪(3‬‬ ‫السيادة والقهر‪.‬‬ ‫‪23‬‬ .‫ل يثبت لها حال النفراد‪ ،‬كما قيل حصول التواتر برواية‬ ‫الحاد المتفقين في الرواية‪.‬‬ ‫دليل هذا المسلك‪:‬‬ ‫واحتج أهل التفويض بما أخرجه المام البخاري بسنده‬ ‫عن عبد الله بن عمرو أنه قال‪):‬سمع النبي صلى الله عليه‬ ‫وسلم قوما ً يتدارؤون فقال‪ :‬هلك من كان قبلكم بهذا ضربوا‬ ‫كتاب الله بعضه ببعض‪ ،‬وإنما نزل كتاب الله يصدق بعضه‬ ‫بعضا ً فل تضربوا بعضه بعضًا‪ ،‬ما علمتم منه فقولوا وما ل‬ ‫)‪(4‬‬ ‫فكلوه إلى عالمه(‬ ‫وبما أخرجه بسنده عن عائشة رضي الله عنها قالت‪) :‬تل‬ ‫رسول الله صلى الله عليه وسلم "هو الذي أنزل عليك‬ ‫الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات‬ ‫فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء‬ ‫الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إل الله والراسخون في‬ ‫العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إل أولوا‬ ‫‪ ()1‬الية )‪ (18‬من سورة النعام‬ ‫‪ ()2‬الية )‪ (127‬من سورة العراف‬ ‫‪ ()3‬انظر إلجام العوام لحجة السلم الغزالي ‪84-64‬‬ ‫‪ ()4‬خلق أفعال العباد ‪ ،46‬وهو في مسند أحمد ‪(6741)2/185‬‬ ‫والمعجم الوسط ‪ (2995)227 /3‬وغيرهما‪.‬‬ ‫ونمسك عن تجريد اللفظ عن سياقه وسباقه لن كل كلمة‬ ‫سابقة ولحقة تؤثر في إفهام المراد فإذا بلغنا قول الله عز‬ ‫وجل " وهو القاهر فوق عباده ")‪ (1‬فل يجوز أن نقول "هو‬ ‫فوق عباده " لن لفظ القاهر قبله يشير إلى فوقية الرتبة‬ ‫والقهر‪ ،‬كما قال تعالى على لسان فرعون "وإنا فوقهم‬ ‫ظ القاهر يعطل هذا المعنى الذي‬ ‫قاهرون ")‪ .

‬وإذا تأملته وجدته تكذيبا ً للقرآن وتجهيل ً للرسول(‬ ‫وقال آخر‪) :‬ما التفويض إل أحبولة شيطانية تعانقت مع‬ ‫)‪(6‬‬ ‫التأويل لتعطيل صفات العلي العظيم(‬ ‫و سبب هذا الهجوم العنيف على مسلك التفويض أن هذا‬ ‫المذهب يكف عن الخوض في المتشابه ول يوصل إلى ما‬ ‫‪ ()1‬الية )‪ (7‬من سورة آل عمران‬ ‫‪ ()2‬صحيح البخاري ‪ ،(4273)1655 /4‬وهو في صحيح مسلم ‪/4‬‬ ‫‪ (2665)2053‬وغيرهما‪...‬‬ ‫من ذلك قول ابن عثيمين‪) :‬التفويض من شر أقوال أهل‬ ‫)‪(5‬‬ ‫البدع‪ .110‬وانظر نحوه في جواب أهل السنة لعبد الله بن محمد‬ ‫بن عبد الوهاب ‪ ،100‬وعقيدة المسلمين وما يضادها للدكتور صالح‬ ‫فوزان الفوزان ‪ ،85‬وفتح رب البرية لبن عثيمين ‪ ،176‬وعلقة‬ ‫الثبات والتفويض بالصفات للدكتور رضا نعسان ‪ ،20‬ومختصرالعقيدة‬ ‫السلمية لطارق السويدان ‪ ،69‬والماتريدية لحمد اللهيبي ‪175‬‬ ‫‪24‬‬ .‬‬ ‫وتابعه المعاصرون على البراءة من هذا المسلك وأفصحوا‬ ‫عن مثل ما أفصح به من ذم هذا المذهب مع أنه مذهب‬ ‫السلف الذي ل يثبت غيره عن السلف‪....) :‬أما أهل‬ ‫التجهيل فهم كثير من المنتسبين إلى السنة واتباع السلف‬ ‫ي ما أنزل الله إليه من‬ ‫يقولون إن الرسول لم يعرف معان َ‬ ‫)‪(4‬‬ ‫آيات الصفات‪.‬‬ ‫‪ ()3‬درء التعارض ‪1/205‬‬ ‫‪ ()4‬مجموع الفتاوى ‪5/34‬‬ ‫‪ ()5‬المحاضرات السنية ‪1/67‬‬ ‫‪ ()6‬التوضيحات الثرية لبي العالية فخر الدين بن الزبير‪ ،‬وقدم له‬ ‫أحد أساتذة جامعة محمد بن سعود وهوالدكتور محمد عبد الرحمن‬ ‫الخميس ‪ .) :‬فتبين أن قول‬ ‫أهل التفويض الذين يزعمون أنهم متبعون للسنة والسلف‬ ‫)‪(3‬‬ ‫من شر أقوال أهل البدع واللحاد(‬ ‫وسمى أه َ‬ ‫ل التفويض بأهل التجهيل فقال‪.‫اللباب")‪ (1‬قالت‪ :‬قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‬ ‫فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين عنى‬ ‫)‪(2‬‬ ‫الله فاحذروهم(‬ ‫طعن ابن تيمية رحمه الله في هذا المسلك‪:‬‬ ‫وهذا المسلك هو الذي نسبه أهل السنة إلى السلف‬ ‫الصالح‪ ،‬غير أن ابن تيمية رحمه الله اشتد في إنكاره‪ ،‬وأنكر‬ ‫نسبته إلى السلف الصالح فقال في ذلك‪..‬ول السابقون الولون عرفوا ذلك‪(.

‬فإذا أخرج أحدهم نصا منها وسلك به‬ ‫مسلك التأويل لزمه جواز التأويل في غيره إل أن يذكر فرقا ً‬ ‫بين النصوص ودونه خرط القتاد‪.‬فكيف وهم يحكون‬ ‫هذا المذهب عن جميع السلف؟ كيف وهم أنفسهم يختلفون‬ ‫في عد هذه الصفات‪ .‬وهذا الختلف يهدم هذا المسلك‬ ‫لنهم لم يذكروا ضابطا لهذه النصوص التي يعدونها من‬ ‫نصوص الصفات‪ .‬وواقع حالهم يثبت استحالة‬ ‫اتفاقهم على حصر هذه النصوص وعد ّ صفات الله عز وجل‬ ‫ة أن يجمعوا في كل نص‬ ‫التي تثبت بها‪ ،‬وأبعد ُ منه استحال ً‬ ‫ة عن واحد من الصحابة أوالتابعين ينص‬ ‫أثبتوا به صفة رواي ً‬ ‫فيها على عدها من صفات لله عز وجل‪ .‬وهذا‬ ‫المسلك يرد عليه اعتراضات كثيرة‪.‬‬ ‫المسلك الثاني‪ :‬تفويض الكيفية‬ ‫ومبنى هذا المسلك على إثبات اللفاظ الموهمة المتشابهة‬ ‫ت الكيفية مع نفي العلم‬ ‫دها من صفات الله تعالى وإثبا ِ‬ ‫وع ّ‬ ‫بها وتفويض العلم بهذه الكيفية إلى الله عز وجل كما هو‬ ‫)‪(1‬‬ ‫مشهور من مذهب ابن تيمية رحمه الله‬ ‫ويبنون هذا المسلك على ما ينسبونه إلى المام مالك رحمه‬ ‫الله أنه قال‪ :‬الستواء معلوم والكيف مجهول‪ (2).‫يسمونه مذهب الثبات‪ ،‬وهو المسلك الثاني الذي يختاره‬ ‫ابن تيمية رحمه الله وينسبه إلى السلف‪.‬‬ ‫العتراضات على مسلك ابن تيمية رحمه الله في‬ ‫هذه اللفاظ‪:‬‬ ‫العتراض الول‪ :‬أنه مسلك أدى إلى الضطراب‬ ‫والركاكة في إثبات الصفات‪:‬‬ ‫هذا المسلك لم يضبط عقيدة القوم في صفات الله عز‬ ‫وجل فربما يقف أحدهم على أحد اللفاظ الموهمة‬ ‫وينكشف له وجه التأويل فل يثبت بلفظه صفة أثبتها غيره‬ ‫من صفات الله عز وجل‪ .‬‬ ‫‪ ()1‬انظر مجموع الفتاوى ‪ 13/309‬ودرء التعارض ‪5/234‬‬ ‫‪ ()2‬انظر مجموع الفتاوى ‪13/309‬‬ ‫‪25‬‬ .

.‬ولو قلنا إنه‬ ‫لبد أن ينصوا على كل نص بعينه لم يكن لهذه‬ ‫القاعدة فائدة()‪. (1‬‬ ‫شناعة هذه القاعدة والركاكة التي انتهى إليها هذا المسلك‬ ‫في إثابت الصفات‪:‬‬ ‫ويكفي أن تعلم شناعة هذه القاعدة إذا تأملت تطبيقها عند‬ ‫ابن عثيمين وهو يقول‪) :‬إذا كان هذا الحديث يدل على أن‬ ‫لله ملل ً فإن ملل الله ليس كمثل مللنا‪ ،‬بل هو ملل ليس‬ ‫)‪(2‬‬ ‫فيه شيء من النقص‪ ...‬‬ ‫‪ ()1‬مجموع فتاوى ابن عثيمين ‪1/185‬‬ ‫‪ ()2‬المصدر السابق ‪ 1/174‬وانظر صفة الملل في إبطال التأويلت‬ ‫‪2/370‬‬ ‫‪ ()3‬مجموع فتاوى ابن عثيمين ‪172 /1‬‬ ‫‪ ()4‬تنبيهات على أهم المهمات لعلي صلح الجيلي ‪31‬‬ ‫‪26‬‬ .‬فل تستوحش يا أخي من شيء أثبته‬ ‫الله تعالى لنفسه‪ ،‬واعلم أنك إذا نفيت أن يأتي هرولة‬ ‫ة أن يقال إن الله ل يأتي‬ ‫فسيكون مضمون هذا النفي صح َ‬ ‫)‪(3‬‬ ‫هرولة وفي هذا ما فيه(‬ ‫ب ل ُيحتاج في إبطاله إلى أكثَر من حكايته كما في‬ ‫أي مذه ٍ‬ ‫هذا المذهب! وأثبت القوم مثل هذه الوهام فذكروا في‬ ‫ب الحقيقي والضح َ‬ ‫ح‬ ‫ك والفر َ‬ ‫صفات الله عز وجل العج َ‬ ‫والغضب والستهزاء والكراهية‪ ،‬فمن ذلك قول أحدهم‪:‬‬ ‫)يغضب غضبا ً حقيقيا ً يليق به سبحانه ول يشابه غضب‬ ‫المخلوقين ول يعلم كيفيته إل هو سبحانه وتعالى وهكذا‬ ‫)‪(4‬‬ ‫الرضى والضحك‪(.‬فإنه ملل يليق به عز وجل(‬ ‫وقوله‪) :‬صفة الهرولة‪ .‫وها هو ابن عثيمين رحمه الله يعترف بأن إخراج نص من‬ ‫النصوص يبطل هذه القاعدة بالكلية فيقول‪) :‬نصوص‬ ‫الصفات تجري على ظاهرها اللئق بالله تعالى بل كيف‪،‬‬ ‫وهذه القاعدة تجري على كل فرد من أفراد النصوص وإن‬ ‫لم ينصوا عليه بعينه‪ ،‬ول يمكننا أن نخرج عنها نصا ً‬ ‫واحدا ً إل بدليل عن السلف أنفسهم‪ ..

‬وهو‬ ‫)‪(2‬‬ ‫جب حقيقي يليق بالله تعالى(‬ ‫عَ َ‬ ‫ش من صفات الله عز‬ ‫بل عد القاضي أبو يعلى الفراء الفرا‬ ‫َ‬ ‫وجل بخبر زعموا فيه أن محمدا ً صلى الله عليه وسلم رأى‬ ‫ربه على صورة مذكورة فيه دونه فراش من ذهب فحكى‬ ‫أبو يعلى تفسير الفراش في اللغة ثم قال‪) :‬فهذا حد‬ ‫الفراش في الشاهد فأما الفراش المذكور في الخبر فل‬ ‫نعقل معناه كغيره من الصفات()‪ (3‬ولما اطلعت على هذا‬ ‫الكتاب محققا ً ووقفت على النص السابق انتبهت إلى إشارة‬ ‫من المحقق بالرجوع إلى الحاشية فلم يخطر ببالي إل أن‬ ‫المحقق يريد أن ينبه على ضعف هذا القول وعدم رضاه‬ ‫عنه ولو بتضعيف سنده‪ ،‬لكني وجدت في الحاشية هذا‬ ‫التعليق‪):‬بل الصواب أن أهل السنة والجماعة يعقلون معاني‬ ‫الصفات اللهية لكنهم يفوضون الكيفية‪ ،‬أما تفويض المعنى‬ ‫فليس هو مذهب أهل السنة بل هو مذهب ِبدعي كما تقدم(‬ ‫)‪ (4‬فهل وفق المحقق بإدراج هذه الديباجة في ترقيع عد‬ ‫ش‬ ‫ص الخبر فرا ٌ‬ ‫الفراش من صفات الله تعالى مع أنه في ن ّ‬ ‫من ذهب!‬ ‫العتراض الثاني‪ :‬أنه ل بد فيه من إثبات الكيفية‬ ‫وهي من خواص الجسام‪:‬‬ ‫‪ ()1‬الصفات اللهية للدكتور لمحمد أمان ‪ 295‬وانظر فتاوى اللجنة‬ ‫الدائمة للبحوث والفتاء ‪3/142‬و ‪ 3/153‬والتعليقات على متن لمعة‬ ‫العتقاد لعبد الله الجبرين ‪ ،45‬وفرق معاصرة وموقف السلم منها‬ ‫للدكتور غالب العواجي ‪2/1137‬‬ ‫‪ ()2‬العقيدة الصافية لسيد سعيد السيد ‪386‬‬ ‫‪ ()3‬إبطال التأويلت ‪149 /1‬‬ ‫‪ ()4‬انظر حاشية إبطال التأويلت ‪1/149‬‬ ‫‪27‬‬ .‫وقول آخر‪) :‬العجب معلوم المعنى‪ ،‬مجهول الكيفية‪،‬‬ ‫)‪.(1‬‬ ‫واليمان به واجب‪ ،‬والتعمق والتشكك به بدعة(‬ ‫ويقول آخر‪) :‬الَعجب صفة من صفات الله تعالى‪ ..

‫وقد لهجوا بإثبات الكيفية)‪ (1‬ثم أرادوا أن يتخلصوا من قبيح‬ ‫ما يلزمهم فزعموا أنها كيفية مجهولة‪ .‬فقوله هيأة يشمل العراض كلها وقوله قارة في الشيء‬ ‫احتراز عن الهيأة غير القارة كالحركة والزمان والفعل والنفعال‬ ‫وقوله ل يقتضي قسمة يخرج الكم وقوله ول نسبة يخرج باقي‬ ‫العراض النسبية‪ .‬فأي كمال في إثبات‬ ‫الكيفية ؟ فمثل ً يقول ابن عثيمين‪) :‬السلف ل ينفون الكيف‬ ‫مطلقا ً لن نفي الكيف مطلقا ً نفي للوجود‪ ،‬وما من‬ ‫موجود إل وله كيفية لكنها قد تكون معلومة وقد تكون‬ ‫مجهولة‪ ،‬وكيفية ذات الله تعالى وصفاته مجهولة لنا‪ .‬والرابعة‬ ‫الكيفيات الستعدادية وهي إما أن تكون استعدادا ً نحو القبول كاللين‬ ‫أو نحو اللقبولى كالصلبة‪ .‬وإذا كان الظن بالمعاصرين‬ ‫أنهم ل يدركون ما يقتضيه إثبات الكيفية فإن ابن تيمية‬ ‫رحمه الله ينص على إثبات الكيفية التي تستلزم الكمية‬ ‫والشك َ‬ ‫ل‪ ،‬وينسب ذلك إلى قول أكثر أهل الحديث والسنة‬ ‫قول السلف‪.‬‬ ‫ولواز َ‬ ‫لكنهم اكتفوا بشهرة إثباتها عن ابن تيمية في سائر كتبه‪،‬‬ ‫فتابعوه من غير توقف ول نظر‪ .‬والذي يبدو‬ ‫ول يخفى أن في إثبات الكيفية أعظ َ‬ ‫لي والله أعلم أن هؤلء المعاصرين ل يدركون معنى الكيفية‬ ‫مها‪ ،‬ولو أدركوا ذلك ربما لم يتجاسروا على إثباتها‪.2/1395‬‬ ‫‪ ()2‬مجموع فتاوى ابن عثيمين ‪ 1/194‬وانظر المحاضرات السنية‬ ‫لبن عثيمين ‪1/232‬‬ ‫‪28‬‬ ..‬والثانية‬ ‫الكيفيات النفسانية)المختصة بذوات النفس( وهي أيضا إما راسخة‬ ‫كصناعة الكتابة للمتدرب فيها وتسمى ملكات أو غير راسخة كالكتابة‬ ‫لغير المتدرب وتسمى حالت‪ .‬انظر التعريفات ‪ 241‬والتعاريف للمناوي‬ ‫‪614‬وكشاف الصطلحات للتهانوي ‪.‬وعلى‬ ‫هذا فنثبت له كيفية ل نعلمها … ونفي الكيفية عن‬ ‫الستواء مطلقا ً هو تعطيل محض لهذه الصفة لنا‬ ‫إذا أثبتنا الستواء حقيقة لزم أن يكون له كيفية وهكذا في‬ ‫)‪(2‬‬ ‫بقية الصفات(‬ ‫م الخطر‪ .‬‬ ‫‪ ()1‬الكيفية لغة لفظ ينسب إلى كيف التي يسأل بها عن الحال‪،‬‬ ‫والكيف اصطلحًا‪ :‬هيأة قارة في الشيء ل يقتضي قسمة ول نسبة‬ ‫لذاته‪ .‬والثالثة الكيفيات المختصة بالكميات‬ ‫وهي إما أن تكون مختصة بالكميات المتصلة كالتثليث والتربيع‬ ‫والستقامة والنحناء أو المنفصلة كالزوجية والفردية‪ .‬وقوله لذاته ليدخل فيه الكيفيات المقتضية‬ ‫للقسمة أو النسبة بواسطة اقتضاء محلها بذاك‪ .‬وهي أربعة أنواع‬ ‫الول الكيفيات المحسوسة فهي إما راسخة كحلوة العسل وملوحة‬ ‫غير راسخة كحمرة الخجل وصفرة‬ ‫ماء البحر وتسمى انفعاليات‪ ،‬وإما‬ ‫الوجه وتسمى انفعالت لكونها أسبابا ً لنفعالت النفس‪ .

‬وأما قوله "الكيفية تقتضي الكمية والشكل"‬ ‫فإنه إن أراد أنها تستلزم ذلك فمعلوم أن الذين أثبتوا‬ ‫الكيفية إنما أرادوا الصفات التي تخصه كما تقدم‪ ،‬وإذا كان‬ ‫هذا مستلزما ً للكمية فهو الذي يذكره المنازعون‬ ‫در يخصه‪ ،‬وأكثر‬ ‫أنه ما من موصوف بصفة إل وله ق ْ‬ ‫أهل الحديث والسنة من أصحاب المام أحمد رحمه الله‬ ‫وغيرهم ل ينفون ثبوت الكيفية في نفس المر بل يقولون ل‬ ‫نعلم الكيفية‪..‬وهذا تفسيُر ُ‬ ‫الش َ‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫خصيصا ليلّبسوا به لفظ الكيفية التي أثبتوها‪ ،‬لن التكييف‬ ‫ة كانت أو مجهولة‪ .25‬ومثله قول عبد العزيز بن ناصر في التنبيهات السنية‬ ‫‪) 24‬التكييف تعيين كنه الصفة وكيفيتها فل يعلم كيف هو إل هو(‬ ‫‪29‬‬ .‫ابن تيمية ينص على إثبات الكيفية التي تستلزم‬ ‫الكمية والشك َ‬ ‫ل‪ ،‬وينسب ذلك إلى السلف‪:‬‬ ‫يقول رحمه الله معترضا ً على من ينفي الكيفية من‬ ‫المتكلمين )‪.‬ومعلوم أن الموجود ُينظر في‬ ‫نفسه وفي صفته وفي قدْره‪ ،‬وإن كان اسم الصفة يتناول‬ ‫علم بصريح العقل أنه ل بد له‬ ‫دره ويستلزم ذاته أيضًا‪ ،‬فإذا ُ‬ ‫ق ْ‬ ‫من وجود خاص أو حقيقة يتميز بها ول بد له من صفات‬ ‫)‪(1‬‬ ‫تختص به ل يشركه فيها أحد فيقال وكذلك قدره(‬ ‫ض المعاصرين على لوك هذه‬ ‫ض ابن تيمية بع َ‬ ‫وقد جرأ خو ُ‬ ‫المصطلحات فخرجوا إلى أقوال ل يخفى قبحها‪ ،‬من ذلك‬ ‫ن كنهِ الصفة‪ ،‬يقال‪ :‬كّيف‬ ‫زعم أحدهم أن )التكييف تعيي ُ‬ ‫)‪(2‬‬ ‫صِنع‬ ‫يء أي جعل له كيفية معلومة( ‪ ....‬وهو موافق لقول السلف رضي الله عنهم‬ ‫والئمة كما قالوا ل يعلم كيف هو إل هو‪ ،‬وكما قال مالك‬ ‫الستواء معلوم والكيف مجهول وأمثال هذا كثير في كلمهم‬ ‫ومنهم من ينفي ذلك ويقول ل ماهية له فتجري في مقال‬ ‫ول كيف فيخطر ببال وهذا قول ابن عقيل وغيره وهذا‬ ‫موافق لقول نفاة الصفات‪.‬ومنهم من جعل‬ ‫إثبات لكيفية معلوم ً‬ ‫‪ ()1‬بيان تلبيس الجهمية ‪1/347‬‬ ‫‪ ()2‬مختصر الجوبة الصولية على الواسطية لعبد العزيز المحمد‬ ‫السلمان ‪ .

‬‬ ‫وقوله "والكيف غير معقول" معناه أن ذات الله ل توصف‬ ‫بما وضعت له العرب لفظ كيف‪ ،‬وهو الحوال المتنقلة‬ ‫والهيئات الجسمية‪.‬فإذا كان المام مالك‬ ‫دع السائ َ‬ ‫ل عن الكيفية ويأمر بإخراجه من مجلسه فما‬ ‫يب ّ‬ ‫عساه أن يفعل بمن أثبت الكيفية بل بمن نسبها إليه؟‬ ‫وسيأتي من النقل المشهور المعروف من مذهب السلف ما‬ ‫)‪(4‬‬ ‫يخالف إثبات الكيفية‪.‬فليعقل ذلك في حقه لستحالته في‬ ‫جهة الربوبية()‪ (3‬وأما عن غيره من السلف وأهل الحديث‬ ‫فلم ولن يظفر بنقله عن واحد منهم لن السلف لم يخوضوا‬ ‫في ما خاض فيه ابن تيمية رحمه الله‪ .‬وإنما يوجد بسند موضوع عن وهب بن منبه وهو من‬ ‫مسلمة أهل الكتاب يزعم أنه موجود في التوراة)‪ (2‬وقد‬ ‫سبق المحفو ُ‬ ‫ظ عن المام مالك وهو صريح بنفي الكيف عن‬ ‫الله وصفاته‪ .‬كما نبه عليه بعض المالكية‪ ،‬من ذلك قول‬ ‫القرافي‪) :‬ومعنى قول مالك الستواء غير مجهول أن عقولنا‬ ‫دلتنا على الستواء اللئق بالله وجلله وعظمته وهو‬ ‫الستيلء دون الجلوس ونحوه مما ل يكون إل في الجسام‪.‫التكييف هو ذكر هذه الكيفية‪ ،‬قال ابن عثيمين‪) :‬التكييف‬ ‫)‪(1‬‬ ‫ذكر كيفية الصفة سواء ذكرتها بلسانك أو بقلبك(‬ ‫الرد على ما في هذا الموضع من نسبة التكييف‬ ‫إلى السلف والتنبيه على خطر إثبات الشكل‬ ‫والكمية والمقدار‪:‬‬ ‫أول ً‪ :‬ل بد أن نعلن هنا براءة أهل الحديث والسنة والسلف‬ ‫من إثبات الكيفية والكمية والشكل والمقدار‪ ..13/84‬‬ ‫‪30‬‬ .‬‬ ‫‪ ()1‬المحاضرات السنية لبن عثيمين ‪1/96‬‬ ‫‪ ()2‬أخرجه أبو الشيخ في العظمة ‪ 2/706‬بسند حكم بوضعه الذهبي‬ ‫في العلو ‪1/125‬وحكم بركاكة متنه أيضا‬ ‫‪ ()3‬الذخيرة لشهاب الدين أحمد القرافي ‪13/242‬‬ ‫‪ ()4‬انظر نفي الكيفية وحكايَته عن السلف في اعتقاد أئمة الحديث‬ ‫لبي بكر السماعيلي ‪ 63‬و اعتقاد أهل السنة لللكائي ‪503/ 3‬‬ ‫والعتقاد للبيهقي ‪ 117‬والعلو للعلي الغفار ‪ 1/156‬و ‪ 1/179‬و‬ ‫‪ 1/188‬وسير أعلم النبلء ‪.‬أما ما ذكره‬ ‫ابن تيمية رحمه الله عن المام مالك فلم أجده عنه بهذا‬ ‫اللفظ‪ .

‬والكم إما متصل أو منفصل لن أجزاءه إما أن‬ ‫تشترك في حدود يكون كل منها نهاية جزء وبداية آخر وهو المتصل‬ ‫أو ل وهو المنفصل انظر التعريفات للجرجاني ‪ 239‬وكشاف‬ ‫الصطلحات ‪.‬ويكفي في إثبات‬ ‫ذلك كل أن نعتني بما نقلوه من أقوال السلف محتجين به‬ ‫على مطلوبهم لن احتجاجهم بهذه النقول قد كفانا مؤونة‬ ‫تطويلهم في تضعيف أسانيدها‪.‬انظر‬ ‫التعاريف للمناوي ‪ 435‬وكشاف الصطلحات للتهانوي ‪1093 /1‬‬ ‫‪ ()3‬الية )‪ (115‬من سورة النساء‬ ‫‪31‬‬ ..‬وما أحوجنا إلى استيعاب النقل‬ ‫في حكاية مذهبهم لرد هذه الحملة الواسعة على مسلك‬ ‫التفويض لكن مجلدا ً كبيرا ً لن يستوعب الغرض‪ ،‬فلنذكْر‬ ‫ض ما َيثبت به المطلوب مع الحالة على عدد من‬ ‫بع َ‬ ‫المواضع التي لن يتسع المقام لذكرها‪ .‬‬ ‫ن بصفات الله تعالى‬ ‫فمن سبيلهم في العتقاد اليما ُ‬ ‫‪ ()1‬الكم‪ :‬هو العرض الذي يقتضي النقسام لذاته‪ .‬‬ ‫تواتر عن السلف خلف هذا المسلك الذي يحكيه ابن تيمية‬ ‫عنهم‪ ..‬أي يكون معروضا ً‬ ‫للقسمة بل واسطة أمر آخر فخرج بهذا القيد الكم بالعرض كالعلم‬ ‫بمعلومين فإنه قابل للقسمة لكن ل لذاته بل لتعلقه بالمعلومين‬ ‫المعرضين للعدد‪ .‬‬ ‫أول ً ما احتج ابن تيمية بنقله عن السلف وهو حجة‬ ‫لمخالفه‬ ‫من ذلك أنه سئل )ما قولكم في مذهب السلف في العتقاد‬ ‫ومذهب غيرهم من المتأخرين‪ ،‬ما الصواب منهما؟ وما‬ ‫تنتحلونه أنتم من المذهبين؟‪..2/1381‬‬ ‫‪ ()2‬الشكل‪ :‬هيأة حاصلة للجسم بسبب إحاطة حد واحد بالمقدار‬ ‫كما في الكرة أو حدود كما في المضلعات من مربع ومسدس‪ .‬‬ ‫ فأجاب‪.‬‬ ‫ق من إثبات التجسيم إل لفظه‪.‬‬ ‫ومن يثبتها لم ُيب ِ‬ ‫العتراض الثالث‪ :‬تواتر عن السلف خلف ما حكاه‬ ‫ابن تيمية عنهم‪.‫ثانيا ً‪ :‬الكيفية التي تستلزم الكمية)‪(1‬والشكل)‪(2‬والمقدار من‬ ‫لوازم الجسام التي ل يخفى على عاقل لزومها للجسم‪.‬بل ما ينقلونه من أقوال السلف هو دليل يثبت عدم‬ ‫فهمهم مذهب السلف‪ ،‬وهو حجة على أن أهل التفويض هم‬ ‫السلفيون في هذه المسألة‪ .-‬قال الله تعالى‪" :‬ومن يشاقق الرسول من بعد‬‫)‪(3‬‬ ‫ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى" ‪.

‫وأسمائه التي وصف بها نفسه في كتابه وتنزيله أو على‬ ‫ص منها‪ ،‬ول تجاوٍز‬ ‫لسان رسوله‪ ،‬من غير زيادة عليها ول نق ٍ‬ ‫ل لها بما يخالف ظاهرها‪ ،‬ول‬ ‫لها‪ ،‬ول تفسير لها‪ ،‬ول تأوي ٍ‬ ‫تشبيهٍ لها بصفات المخلوقين ول سمات المحدثين‪ ،‬بل‬ ‫أمّروها كما جاءت‪ ،‬وردوا علمها إلى قائلها ومعناها‬ ‫إلى المتكلم بها‪ .‬وقال بعضهم ويروى عن الشافعي‪:‬‬ ‫آمنت بما جاء عن الله وبما جاء عن رسول الله‬ ‫صلى الله عليه وسلم على مراد رسول الله‪،‬‬ ‫وعلموا أن المتكلم بها صادق ل شك في صدقه فصدقوه‪،‬‬ ‫ولم يعلموا حقيقة معناها فسكتوا عما لم يعلموه‪،‬‬ ‫وأخذ ذلك الخر عن الول …ولما سئل مالك بن أنس رحمه‬ ‫الله تعالى‪ ،‬فقيل له يا أبا عبدالله "الرحمن على العرش‬ ‫استوى" كيف استوى؟ فأطرق مالك وعله الرحضاء يعني‬ ‫العرق وانتظر القوم ما يجيء منه فيه‪ ،‬فرفع رأسه إلى‬ ‫السائل وقال‪ :‬الستواء غير مجهول والكيف غير معقول‬ ‫واليمان به واجب والسؤال عنه بدعة وأحسبك رج َ‬ ‫ل سوء‬ ‫وأمر به فُأخرج‪.‬‬ ‫فانظر رحمك الله إلى هذا المام كيف حكى الجماع في‬ ‫هذه المسألة‪ ،‬ول خير فيما خرج عن إجماعهم ولو لزم‬ ‫‪32‬‬ .‬‬ ‫… وثبت عن محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة أنه قال‪:‬‬ ‫اتفق الفقهاء كلهم من الشرق والغرب على اليمان بالقرآن‬ ‫والحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله صلى الله‬ ‫عليه وسلم في صفة الرب عز وجل من غير تفسير ول‬ ‫وصف ول تشبيه‪ ،‬فمن فسر شيئا ً من ذلك فقد خرج‬ ‫مما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وفارق‬ ‫الجماعة فإنهم لم يصفوا ولم يفسروا ولكن آمنوا بما في‬ ‫الكتاب والسنة ثم سكتوا فمن قال بقول جهم فقد فارق‬ ‫الجماعة‪.

‬‬ ‫‪ ()2‬الية )‪ (64‬من سورة المائدة‪.‬وأي كلم أصرح مما نص عليه‬ ‫المام الشافعي من وجوب اليمان بما جاء عن الله ورسوله‬ ‫صلى الله عليه وسلم على مراد الله ورسوله‪ ،‬وأنهم علموا‬ ‫‪ ()1‬كون السكوت مستلزما ً للتجسيم لم يذهب إليه أحد من أهل‬ ‫العلم‪ ،‬وإنما يلزم التجسيم من الخوض في هذه النصوص وسوء‬ ‫الفهم‪.‬وانظر‬ ‫الستدلل بكلم ابن سريج في العلو للعلي الغفار للذهبي ‪-1/207‬‬ ‫‪209‬‬ ‫‪33‬‬ ...‬وقال سحنون‪ :‬من العلم‬ ‫بالله السكوت عن غير ما وصف به نفسه‪ .‬وثبت عن‬ ‫الحميدي أبي بكر عبدالله بن الزبير أنه قال‪ :‬أصول السنة‬ ‫فذكر أشياء ثم قال وما نطق به القرآن والحديث مثل‬ ‫"وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم‪ (2)".‬وما أشبه‬ ‫هذا من القرآن والحديث ل نزيد فيه ول نفسره ونقف‬ ‫على ما وقف عليه القرآن والسنة ونقول "الرحمن‬ ‫على العرش استوى" ومن زعم غير هذا فهو جهمي‪.‬‬ ‫‪ ()3‬مجموع الفتاوى ‪ 7-4/1‬وانظر نحوه في لمعة العتقاد لبن‬ ‫قدامة ‪10‬واجتماع الجيوش السلمية ‪139 – 137‬‬ ‫الجيوش ‪ 99‬كلما ً عن شيخ‬ ‫وانظر نقل ابن القيم في اجتماع‬ ‫الشافعية ابن سريج وهو حجة عليه أيضا ً لنه نص فيه على التسليم‬ ‫فيها‪ ،‬ونهى عن الزيادة عليها والنقصان منها وتفسيرها وترجمتها بلغة‬ ‫غير العربية والشارة إليها بخواطر القلوب وحركات الجوارح‪ .‬‬ ‫فمذهب السلف رضوان الله عليهم إثبات الصفات وإجراؤها‬ ‫ي الكيفية عنها لن الكلم في الصفات‬ ‫على ظاهرها ونف ُ‬ ‫ت وجود ٍ ل‬ ‫فرع عن الكلم في الذات‪ ،‬وإثبات الذات إثبا ُ‬ ‫)‪(3‬‬ ‫إثبات كيفية فكذلك إثبات الصفات(‬ ‫ت الصفات مع‬ ‫وأنت إذا تأملت هذه القوال لم تجد فيها إثبا َ‬ ‫ص على الوقوف على ما‬ ‫نفي الكيفية‪ .‫التجسيم من السكوت عن تأويلها لفروا منه)‪ (1‬وأولوا ذلك‪،‬‬ ‫فإنهم أعرف المة بما يجوز على الله وما يمتنع عليه‪..‬بل وجدت فيها الن ّ‬ ‫وقف عليه القرآن والسنة والمسا َ‬ ‫ك عن الزيادة على هذه‬ ‫ي عن تجاوزها وتفسيرها ورد ّ‬ ‫ص منها والنه َ‬ ‫اللفاظ أو النق ِ‬ ‫العلم بمعناها بها إلى قائلها‪ .‬الحمد لله الذي من اليمان‬ ‫به الجه ُ‬ ‫ل بغير ما وصف به نفسه‪ .‬وثبت‬ ‫عن الحسن البصري أنه قال‪ .

.86‬‬ ‫‪34‬‬ .‬‬ ‫ثانيًا‪ :‬ما احتج ابن القيم بنقله عن السلف وهو‬ ‫حجة عليه‬ ‫قال رحمه الله ‪) :‬قول شيخ السلم موفق الدين أبي محمد‬ ‫عبد الله بن أحمد المقدسي الذي اتفقت الطوائف على‬ ‫قبوله وتعظيمه وإمامته خل جهمي أو معطل …قال في‬ ‫عقيدته ومن السنة قول النبي‪ " :‬ينزل ربنا إلى سماء‬ ‫الدنيا"‪ .‬وأما إيماننا باليات وأخبار الصفات فإنما هو إيمان‬ ‫بمجرد اللفاظ التي ل شك في صحتها ول ريب في‬ ‫صدقها‪ ،‬وقائُلها أعلم بمعناها فآمنا بها على المعنى‬ ‫الذي أراد ربنا تبارك وتعالى فجمعنا بين اليمان الواجب‬ ‫ونفي التشبيه المحرم … وأما قوله‪ :‬هاتوا أخبرونا ما الذي‬ ‫يظهر لكم من معنى هذه اللفاظ الواردة في الصفات؟‬ ‫‪ ()1‬اجتماع الجيوش ‪.‫أن المتكلم بها صادق فصدقوه ولم يعلموا حقيقة معناها‬ ‫فسكتوا عما لم يعلموا ؟‬ ‫وهذا المسلك الذي يحكيه ابن تيمية ل يقف على ما وقف‬ ‫عليه القرآن والسنة بل يزيد على ذلك بعد ّ هذه اللفاظ من‬ ‫الصفات ويثبت لها كيفية مجهولة ويشتق من ألفاظها‬ ‫فيتجاوزها إلى تصاريفها وينكر نفي العلم بمعناها‪..‬فهذا وما أشبهه مما صح سنده وعدلت روايته نؤمن‬ ‫به ول نرده ول نجحده ول نعتقد فيه تشبيهه بصفات‬ ‫المخلوقين ول سمات المحدثين‪ ،‬بل نؤمن بلفظه ونترك‬ ‫)‪(1‬‬ ‫التعرض لمعناه‪ ،‬وقراءُته تفسيره(‬ ‫فأي حاجة إلى بيان دللته على التفويض مع التصريح‬ ‫باليمان باللفظ وترك التعرض لمعناه والكتفاِء بالقراءة في‬ ‫تفسيره؟ وأين هذا من مذهب يسمي التفويض تجهيل ً‬ ‫ن بألفاظ ل يعرف المفوض معناها؟‬ ‫ويعيب اليما َ‬ ‫ومما يؤكد أن ابن قدامة يختار التفويض بالمعنى الذي ذكره‬ ‫ن‬ ‫ص على أن اليمان في هذا الموطن إيما ٌ‬ ‫أهل السنة أنه ن ّ‬ ‫بمجرد اللفاظ مع تفويض العلم بمعناها إلى الله فقال‪:‬‬ ‫)‪.

397‬‬ ‫وانظر نحوه عن عامة السلف في ‪448‬و ‪ .1/140‬وأخرجه البيهقي في سننه‬ ‫الكبرى ‪ 2/ 3‬والسماء والصفات ‪ .189-186‬‬ ‫وانظر تصريح الذهبي بتفويض المعنى والسكوت عن ما سكت عليه‬ ‫السلف في ميزان العتدال ‪4/96‬‬ ‫‪35‬‬ .516‬وانظر نهي سفيان بن عيينة‬ ‫عن تفسيرها بالعربية أو الفارسية في السماء والصفات ‪.537‬وانظر تحقيق مذهب‬ ‫المام أبي حنيفة النعمان في إشارات المرام للبياضي ‪.‫فهذا قد تسرع في التجاهل والتعامي كأنه ل يعرف معتقد‬ ‫أهل السنة وقوَلهم فيها وقد تربى بين أهلها وعرف أقوالهم‬ ‫فيها وإن كان الله سبحانه وتعالى قد أبكمه وأعمى قلبه إلى‬ ‫هذا الحد بحيث ل يعلم مقالتهم فيها مع معاشرته لهم‬ ‫واطلعه على كتبهم‪ .‬وقد سبق أيضا أنه كان ينهى عن‬ ‫التحديث بالمتشابه وينكره إنكارا ً شديدا ً)‪ (2‬ونقل الذهبي‬ ‫نحوه عنه وعن غيره من السلف فقال‪) :‬وقال الوليد بن‬ ‫مسلم سألت الوزاعي ومال َ‬ ‫ن الثوري‬ ‫ك بن أنس وسفيا َ‬ ‫ت فكلهم‬ ‫واللي َ‬ ‫ث بن سعد عن الحاديث التي فيها الصفا ُ‬ ‫)‪(3‬‬ ‫قالوا لي أمروها كما جاءت بل تفسير(‬ ‫ن حنبل أنه نفى الكيف‬ ‫ومن ذلك ما صح عن المام أحمد َ ب ِ‬ ‫والمعنى فقال في قول النبي صلى الله عليه وسلم" إن‬ ‫الله ينزل إلى سماء الدنيا" وما أشبهه من الحاديث‪) :‬نؤمن‬ ‫‪ ()1‬تحريم النظر في كتب الكلم ‪ 59‬وانظر ذم التأويل ‪11‬‬ ‫‪ ()2‬انظر التمهيد لبن عبد البر ‪7/148‬‬ ‫‪ ()3‬العلو للعلي الغفار للذهبي ‪ .‬‬ ‫ثالثا ً‪ :‬نقل التفويض عن السلف‬ ‫من ذلك ما سبق عن المام الشافعي وما سبق عن المام‬ ‫مالك في الستواء‪ ..‬وبين أنه إذا سأَلنا سائل عن‬ ‫معنى هذه اللفاظ قلنا‪ :‬ل نزيدك على ألفاظها‬ ‫زيادة تفيد معنى بل قراءُتها تفسيرها من غير‬ ‫معنى بعينه ول تفسير بنفسه‪ ،‬ولكن قد علمنا أن‬ ‫لها معنى في الجملة يعلمه المتكلم بها فنحن‬ ‫نؤمن بها بذلك المعنى‪ ،‬ومن كان كذلك كيف‬ ‫)‪(1‬‬ ‫يسأل عن معنى وهو يقول ل أعلمه؟(‬ ‫وبالجملة فأقوال السلف والئمة في هذا الباب ل تخفى‬ ‫على طالب فنكتفي بما سبق ونزيد عليه من أقوال الئمة‬ ‫التي تدل على اختيارهم مسلك التفويض‪.

‬ومن المعلوم أن‬ ‫مذهب السلف إن كان يعرف بالنقل عنهم فلُيرجع في ذلك‬ ‫إلى الثار المنقولة عنهم‬ ‫وإن كان إنما يعرف بالستدلل المحض بأن يكون ك ُ‬ ‫ل من‬ ‫رأى قول ً عنده هو الصواب قال هذا قول السلف لن‬ ‫‪ ()1‬انظر لمعة العتقاد لبن قدامة ‪ 9‬وتحريم النظر في كتب الكلم‬ ‫‪ .209 -1/207‬‬ ‫‪36‬‬ .1/431‬وعزاه إلى الخلل في السنة يرويه عن المام أحمد بسند‬ ‫صحيح‪.‬‬ ‫‪ ()2‬ص ‪ ..‬فهذا وما شاكله‬ ‫)‪(2‬‬ ‫محفوظ عنه وما خالف ذلك فكذب عليه وزور(‬ ‫ويكفي هذا القدر من الحكاية عن السلف لنعرف أن ابن‬ ‫تيمية رحمه الله قال كلما ً في مخالفه هو الحق به إذ قال‬ ‫)وإن عنيت أن مذهب السلف هو التوحيد والتنزيه الذي‬ ‫ل من تأمل أقوا َ‬ ‫يعنيه بعض الطوائف فهذا يعلم بطلَنه ك ُ‬ ‫ل‬ ‫السلف الثابتة عنهم الموجودة َ في كتب آثارهم فليس في‬ ‫ة توافق ما تختص به هذه‬ ‫كلم أحد من السلف كلم ٌ‬ ‫الطوائف ول كلمة تنفي الصفات الخبرية‪ .307‬وانظر نحو هذا التصريح عن طائفة من السلف في‬ ‫سنن البيهقي الكبرى ‪ 3/3‬و شعب اليمان ‪ 1/105‬والتمهيد لبن عبد‬ ‫البر ‪ 7/148‬والعلو للعلي الغفار للذهبي ‪ 1/153‬و ‪.‫بها ونصدق بها ل كيف ول معنى‪ ،‬ول نرد شيئا ً منها‪،‬‬ ‫ونعلم أن ما جاء به الرسول حق ول نرد على رسول الله‬ ‫ه بأكثَر مما وصف به‬ ‫صلى الله عليه وسلم‪ ،‬ول نصف الل َ‬ ‫نفسه بل حد ٍ ول غاية "ليس كمثله شيء وهو السميع‬ ‫البصير"‪ .‬ونقول كما قال ونصفه بما وصف به نفسه ل‬ ‫نتعدى ذلك ول يبلغه وصف الواصفين نؤمن بالقرآن كله‬ ‫مه ومتشاب َِهه ول نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة‬ ‫محك ِ‬ ‫)‪(1‬‬ ‫ُ‬ ‫ن والحديث(‬ ‫شّنعت ول نتعدى القرآ َ‬ ‫وقال شيخ الحنابلة أبو الفضل التميمي في اعتقاد المام‬ ‫المبجل ابن حنبل‪) :‬وسئل قبل موته بيوم عن أحاديث‬ ‫الصفات فقال تمّر كما جاءت وي ُ ْ‬ ‫ؤمن بها ول يرد منه شيءٌ‬ ‫إذا كانت بأسانيد صحاح ول يوصف الله بأكثر مما وصف‬ ‫به نفسه بل حد ول غاية " ليس كمثله شيء وهو السميع‬ ‫البصير" ومن تكلم في معناها ابتدع ‪.39‬وانظر استدلل ابن تيمية بهذا القول في بيان تلبيس الجهمية‬ ‫‪ .

‬والحق أنها ألفاظ أضيفت إلى الله تعالى‪ .‬فإن‬ ‫الصفات التي لبد أن يكون لها كيفي ٌ‬ ‫كان مذهب السلف يعرف بالنقل عنهم فقد اكتفينا بما حكاه‬ ‫هو نفسه وما حكاه متابعوه مما هو نص في إثبات مسلكنا‬ ‫ول يصلح للستشهاد به على مسلكه‪ ،‬وإن كان كل من رأى‬ ‫قول ً هو الصواب عنده قال هذا قول السلف فهذا هو الذي‬ ‫عابه على غيره وهو الذي يستحقه‪.47-43‬‬ ‫‪37‬‬ .‬ومعلوم‬ ‫ة‪ ،‬فإنه قال سبحانه وتعالى‪:‬‬ ‫أنه ليس كل مضاف صف ً‬ ‫"ونفخت فيه من روحي" )‪ ،(2‬وليس لله صفة تسمى روحًا‪،‬‬ ‫فقد ابتدع من سمى المضاف صفة )‪ (3‬وأو ُ‬ ‫عرف عنه‬ ‫ل من ُ‬ ‫ة هذه المضافات بهذه التسمية هو عبد الله بن ُ‬ ‫كلب‬ ‫تسمي ُ‬ ‫القطان)‪ (4‬وإنما عدها ابن كلب من الصفات لغرضين‪ ،‬ليقابل‬ ‫بذلك ما انتشر في عصره من إثباتها على سبيل الجوارح‬ ‫‪ ()1‬مجموع الفتاوى ‪4/151‬‬ ‫‪ ()2‬الية )‪ (29‬من سورة الحجر‬ ‫‪ ()3‬انظر الرشاد لمام الحرمين الجويني ‪ 151‬ودفع شبه التشبيه‬ ‫لبن الجوزي ‪.‬‬ ‫العتراض الرابع‪ :‬لنسلم أن هذه اللفاظ تدل على‬ ‫الصفات‬ ‫عمد المخالف إلى النصوص التي اشتملت على بعض‬ ‫اللفاظ المتشابهة التي أضيفت إلى الله عز وجل وعدها من‬ ‫صفاته‪ .‬وفي المقابل ليس عند ابن تيمية رحمه‬ ‫ة واحدة عن السلف في عد ّ هذه اللفاظ من‬ ‫الله كلم ٌ‬ ‫ة هي مجهولة لنا‪ .‫السلف ل يقولون إل الصواب وهذا هو الصواب فهذا هو‬ ‫الذي يجرىء المبتدعة على أن يزعم كل منهم أنه على‬ ‫مذهب السلف فقائل هذا القول قد عاب نفسه بنفسه حيث‬ ‫انتحل مذهب السلف بل نقل عنهم بل بدعواه أن قوَله هو‬ ‫)‪(1‬‬ ‫الحق(‬ ‫ففي كلم السلف كثير مما يوافق ما تختص به هذه‬ ‫الطوائف من تفويض العلم بالمراد إلى الله والمساك وترك‬ ‫التفسير والتعرض للمعنى والجابة عن السؤال بالثر ونحوه‬ ‫من أركان التفويض‪ .

‬وانظر ترجمته في سير أعلم النبلء ‪ 11/74‬ولسان الميزان‬ ‫‪3/290‬‬ ‫‪ ()1‬مقالت السلميين ‪217‬‬ ‫‪()2‬المصدر السابق ‪ 1/548‬وانظر أيضا ‪1/169‬‬ ‫‪38‬‬ .‬ومن كلم ابن كلب ظهر‬ ‫ما اشتهر بعده من تقسيم الصفات إلى صفات عقلية يمكن‬ ‫إثباتها بالعقل مع النقل وصفات خبرية يستقل الخبر بإثباتها‬ ‫ول مدخل للعقل في إثباتها كاليد والوجه ونحوها‪ ..‬فإذا قال المعارض مثل ً الوجه‬ ‫ض قيل الوجه صفة ول تستلزم ذلك‬ ‫يستلزم الجزاء والبعا َ‬ ‫كما أثبتم العلم ولم يستلزم ذلك‪ .‫والعضاء‪ ،‬وليقطع المناظرة في هذه المسألة فكل ما‬ ‫أورده المناظر في هذه المسألة يرد عليه مثله إذا ثبت أنها‬ ‫من صفات الله عز وجل‪ .‬وقال عبد الله بن كلب أطلق اليد والعين‬ ‫والوجه خبرًا()‪ (1‬وقال أيضا‪) :‬وقال ابن كلب في الوجه‬ ‫والعين واليدين إنها صفات لله ل هى الله ول هى غيره كما‬ ‫ً )‪(2‬‬ ‫قال في العلم والقدرة غير أنه تثبت هذه خبرا(‬ ‫‪ ()4‬قال ابن السبكي في ترجمته في طبقات الشافعية الكبرى‬ ‫‪) :1/299‬أحد أئمة المتكلمين‪ ،‬وكلب مثل خطاف لفظا ومعنى بضم‬ ‫الكاف وتشديد اللم لقب به لنه كان لقوته فى المناظرة يجتذب من‬ ‫يناظره كما يجتذب الكلب الشئ ‪ .‬وكان هذا‬ ‫المذهب على ما يفهم من حكاية المام الشعري مغايرا ً‬ ‫لقول أهل الحديث لكنه صار فيما بعد قو َ‬ ‫ل جمهور المحدثين‬ ‫ِلما تميز به من تخلصه من اللزامات والعتراضات التي‬ ‫يثيرها المخالف وما تميز به من عدم الحاجة معه إلى كثير‬ ‫من الخوض في هذه المسألة في الحتجاج ودفع العتراض‬ ‫كما سبق‪ ..‬وقال أصحاب الحديث لسنا نقول في‬ ‫ذلك إل ما قاله الله عز وجل أو جاءت به الرواية من رسول‬ ‫الله صلى الله عليه وسلم فنقول وجه بل كيف ويدان‬ ‫وعينان بل كيف‪ .‬ووفاة ابن كلب فيما يظهر بعد‬ ‫الربعين ومائتين بقليل‪ .‬ورأيت المام ضياء الدين الخطيب والد‬ ‫المام فخر الدين الرازى قد ذكر عبد الله ابن سعيد فى آخر كتابه‬ ‫غاية المرام فقال ومن متكلمي أهل السنة فى أيام المأمون عبد الله‬ ‫بن سعيد التميمى الذي دمر المعتزلة فى مجلس المأمون وفضحهم‬ ‫ببيانه‪ (..‬فالمام الشعري لما حكى قول ابن كلب حكاه‬ ‫مقابل ً لقول المجسمة وقول أهل الحديث فقال‪) :‬قالت‬ ‫المجسمة له يدان ورجلن ووجه وعينان وجنب يذهبون إلى‬ ‫الجوارح والعضاء‪ .

‬لكن ل تقبل التفريق‬ ‫والنفصال كما أن علمه وقدرته ل تقبل الزوال عن ذاته‬ ‫وإن كان المخلوق يمكن مفارقة ما هو قائم به وما هو منه‬ ‫‪39‬‬ .‬والمر الثاني‪ :‬أنهم‬ ‫خلطوا بين لفظ الصفات ولفظ البعاض خلطا ً عجيبًا‪ ،‬فإذا‬ ‫كان ابن كلب قد عد ّ هذه اللفا َ‬ ‫ظ من الصفات ليقابل‬ ‫مذهب المجسمة الذين عدوها من الجزاء والبعاض فإن‬ ‫هؤلء لكوا هذين المصطلحين حتى غدا لفظ الصفات في‬ ‫كلمهم كأنه مصطلح خاص في لفظ البعاض‪ ،‬فيظهر من‬ ‫صنيعهم وكلمهم عدم التفريق بين المصطلحين كأنهما‬ ‫مترادفان على معنى واحد ولكن يحتفظون بلفظ الصفة‬ ‫للتترس به في المناظرة‪ .‬‬ ‫ولبد من الشارة إلى بعض المثلة التي خلطوا فيها بين‬ ‫المعنيين‪.‬بل ربما عدوا أبعاض المخلوقين‬ ‫من صفاته أيضا ً وهذا يشير إلى عكسه في الخالق‪.‬‬ ‫أول ً‪ :‬من ذلك قول ابن تيمية رحمه الله في أثناء الجواب‬ ‫عن ما حكاه الفخر الرازي عن الحنابلة أنهم يلتزمون‬ ‫الجزاء والبعاض‪) :‬فإذا كان هذا قوله فمعلوم أن هذا القول‬ ‫الذي حكاه هو قول من يثبت هذه بالمعنى الذي سماه هو‬ ‫ة بنفسها كما‬ ‫ت قائم ٌ‬ ‫أجزاًء وأبعاضا ً فتكون هذه صفا ٍ‬ ‫هي قائمة بنفسها في الشاهد‪ ،‬كما أن العلم والقدرة‬ ‫قائم بغيره في الغائب والشاهد‪ .‫لكن هذا المذهب لما صار إلى بعض المنتسبين إلى أهل‬ ‫الحديث ابتعدوا به عن أصله فأفقدوا لفظ الصفة بعضا ً من‬ ‫الهيبة بأمرين الول‪ :‬أنهم عدوا كل مضاف إلى الله صفة‬ ‫له‪ ،‬فحتى ما اختلفت فيه الروايات فورد مرة مضافا ً ومرة‬ ‫من ّ‬ ‫كرا كلفظ الساق عدوه من الصفات‪ .‬بل ربما عدوا من‬ ‫الصفات ما لم يرد مضافا ً أصل ً كالفراش مث ً‬ ‫ل‪ ،‬ل يضبطهم‬ ‫فيه ضابط‪ ،‬فإذا وفق أحدهم إلى تفسير أحد هذه الخبار‬ ‫بما تقتضيه العربية تنبه إلى أن التسليم لهذا التفسير‬ ‫يقتضي جواَز مثِله في سائر الخبار فيستدرك ويسارع إلى‬ ‫عده تعطيل ً لصفات الله عز وجل‪ .

‫يمكن مفارقة بعض ذلك بعضا ً فجواز ذلك على المخلوق ل‬ ‫علم أن الخالقَ ليس مماثل ً‬ ‫يقتضي جوازه على الخالق‪ .‬وهذا هو عين مذهب‬ ‫المجسمة الهشامية كما سيأتي‪ .‬وقد ُ‬ ‫ت وإن كانت أعيانا ً فليست‬ ‫للمخلوق وأن هذه الصفا ِ‬ ‫لحما ً ول عصبا ً ول دما ً ول نحو ذلك ول هي من جنس‬ ‫شيء من المخلوقات‪ .‬‬ ‫ثانيًا‪ :‬وقال أيضًا‪.(1)(.‬فل تغفل عن نسبة‬ ‫الشتراك بين الخالق والمخلوق في التصاف بهذين النوعين‬ ‫من الصفات‪.) :‬جميع الناس من المثبتة والنفاة‬ ‫متفقون على أن هذه المعاني التي حكيناها عن‬ ‫خصمك هي التي تظهر للجمهور ويفهمونها من‬ ‫هذه النصوص من غير إنكار منهم لها ول قصور في‬ ‫خيالهم ووهمهم عنها‪ ،‬والنفاة المعتقدون انتفاَء هذه الصفات‬ ‫العينية لم يعتقدوا انتفاءها لكونها مردودة ً في التخيل‬ ‫والتوهم‪ ،‬ولكن اعتقدوا أن العين التي تكون كذلك‬ ‫هو جسم واعتقدوا أن الباري ليس بجسم فنفوا‬ ‫ذلك‪..‬وطوائف كثيرون من‬ ‫أهل الكلم يقدحون في ذلك كله ويقولون بل قامت‬ ‫‪ ()1‬بيان تلبيس الجهمية ‪1/92‬‬ ‫‪40‬‬ .‬‬ ‫ً‬ ‫ومعلوم أن كون الباري ليس جسما ليس هو مما‬ ‫تعرفه الفطرة بالبديهة ول بمقدمات قريبة من الفطرة‬ ‫ول بمقدمات بينة في الفطرة‪ ،‬بل بمقدمات فيها خفاء‬ ‫ة ول متفقا ً على قبولها بين‬ ‫ت بين ً‬ ‫وطول وليست مقدما ٍ‬ ‫العقلء‪ ،‬بل كل طائفة من العقلء تبين أن من المقدمات‬ ‫التي نفت بها خصومها ذلك ما هو فاسد معلوم الفساد‬ ‫بالضرورة عند التأمل وترك التقليد‪ ..‬ول تغفل عن عدم جدوى ترقيع هذا التشبيه‬ ‫بالتفريق بين صفات المخلوق التي تقبل التفريق وصفات‬ ‫الخالق العينية التي تتنزه عن كونها من جنس اللحم والدم‪.‬وحاصله أنه أثبت المعنى الذي‬ ‫سماه الرازي أبعاضا ً واعترف بأنها أعيان قائمة بنفسها ل‬ ‫تقبل التفريق والنفصال عن الذات‪ .

‫القواطع العقلية على نقيض هذا المطلوب وأن‬ ‫الموجود القائم بنفسه ل يكون إل جسما ً وما ل‬ ‫يكون جسما ً ل يكون إل معدوما ً ومن المعلوم أن‬ ‫)‪(1‬‬ ‫هذا أقرب إلى الفطرة والعقول من الول(‬ ‫فأنت ترى في هذا النص أن ابن تيمية رحمه الله يعد ّ هذه‬ ‫ة بنفسها في‬ ‫ة بنفسها في الغائب كما هي قائم ٌ‬ ‫الصفات قائم ً‬ ‫الشاهد‪ ،‬ويؤكد هذا المعنى بأن هذه الصفات وإن كانت‬ ‫أعيانا ً فليست لحما ً ول عصبا ً لكنها صفات عينية‪ ،‬ثم يعيب‬ ‫على من نفاها لعتقاده أن العين التي تكون كذلك تكون‬ ‫جسما ً والباري ليس بجسم فنفاها عنه‪ .) :‬بل نقول كما يعلم الفرق في صفاتنا بين‬ ‫العلم والقدرة وبين الوجه واليد ونحوهما‪ -‬فإن الحقائق ل‬ ‫تختلف شاهدا ً ول غائبا ً كما يفرق في حقنا بين العلم‬ ‫والقدرة والسمع والبصر فلكل صفة من هذه خاصة ليست‬ ‫للخرى ‪-‬كذلك هذه العقيدة في حق الله وإن قيل إن‬ ‫ذلك يقتضي التكثر والتعدد‪ .‬وكذلك نفرق بين الوجه واليد‬ ‫والعين وبين العلم والقدرة ونحو ذلك وإن قيل هذا يقتضي‬ ‫التجسيم والتركيب والتأليف… لكن علمنا أن ذاته ليست‬ ‫عها‬ ‫مثل ذوات المخلوقين وعلمنا أن هذه الصفات جمي َ‬ ‫ما يفهم أنه عين يقوم بغيره وما يفهم منه أنه‬ ‫م بغيره نعلم أن جميع صفات الرب ليست‬ ‫معنى قائ ٌ‬ ‫كصفات المخلوقين فإن الشرع والعقل قد نفى المماثلة‪،‬‬ ‫‪ ()1‬المصدر السابق ‪1/94‬‬ ‫‪41‬‬ ..‬ثم يمهد لهذا القول‬ ‫بالطعن في مقدمات نفي التجسيم ويقرره بأن إثباته أقرب‬ ‫إلى الفطرة والعقول من الول وأن نفيه يقتضي عدم‬ ‫الباري سبحانه‪.‬‬ ‫ثالثًا‪ :‬يحكي ابن تيمية رحمه الله عن المتكلمين من أهل‬ ‫الثبات أنهم يفرقون بين العلم والقدرة ونحوها وبين الوجه‬ ‫واليد ونحوها ويعد ّ هذه من الصفات في الغائب والشاهد‬ ‫ويثبت بينهما اختلفًا‪ ،‬وهذا الختلف واحد في الشاهد‬ ‫والغائب فيقول‪.

‬والصفا ِ‬ ‫ً‬ ‫فيها‪) :‬ل يجوز أن نصف الله بأن له بعضا ً أو جزءا لن هذا ما‬ ‫‪ ()1‬بيان تلبيس الجهمية ‪103 /1‬‬ ‫‪ ()2‬تقريب التدمرية ضمن مجموع فتاويه ‪ .‬‬ ‫رابعا ً‪ :‬إذا انتقلنا إلى كلم المعاصرين وجدنا مث َ‬ ‫ل هذا‬ ‫ط والتخليط بين المصطلحين فمن ذلك أن ابن عثيمين‬ ‫الخل ِ‬ ‫رحمه الله يخلط بين لفظ الصفات ولفظ العضاء فيقول‪:‬‬ ‫)ل يصح في ضابط الثبات العتماد على مجرد الثبات بل‬ ‫تشبيه‪ ،‬لنه لو صح ذلك لجاز أن ُيثبت المفتري لله أعضاء‬ ‫كثيرة ً مع نفي التشبيه فيقول إن لله كبدا ً ل كأكباد العباد‬ ‫وأمعاًء ل كأمعائهم ونحو ذلك مما يتنزه الله تعالى عنه كما‬ ‫)‪(2‬‬ ‫أن له وجها ً ل كوجوههم (‬ ‫ولبن عثيمين كلم عجيب غريب في تقسيم الصفات ذكر‬ ‫ة وهي الصفات التي لم يزل وليزال متصفا ً‬ ‫ت لزم ً‬ ‫فيه صفا ٍ‬ ‫ة التي لها أسباب‬ ‫ت الطارئ َ‬ ‫بها مثل العلم والقدرة‪ ،‬والصفا ِ‬ ‫مقرونة بها مثل الرضا‪ ،‬وهذا صفة طارئة وذلك إذا وجد‬ ‫سبب الرضا رضي وزعم أن هذه الصفات الطارئة طارئة‬ ‫ة وقال‬ ‫ت الخبري َ‬ ‫باعتبار آحادها لزمة باعتبار أصلها‪ .4/201‬وانظر نحو هذ‬ ‫الخلط في تعقيب لبن باز على مقالة بعنوان من أجل أن نكون أمة‬ ‫أقوى ضمن مجموع فتاويه ‪ 6/247‬وتعليقه على العقيدة الطحاوية‬ ‫ضمن مجموع فتاويه ‪2/78‬‬ ‫‪42‬‬ .‫والشرع والعقل يثبتان أصل الصفات كما يثبتان الذات فإن‬ ‫ت قائم‬ ‫ت ذات ل تقوم بنفسها ممتنع في العقل‪ ،‬وإثبا ُ‬ ‫إثبا َ‬ ‫بنفسه يمتنع وصفه بهذه الصفات ممتنع في‬ ‫العقل‪ ،‬بل العقل يوجب أن الذات القائمة بنفسها‬ ‫)‪(1‬‬ ‫ل تكون إل بمثل هذه الصفات(‬ ‫وأنت ترى ما آل إليه عد هذه اللفاظ من الصفات فقد‬ ‫استحال لفظ الصفات مرادفا ً للفظ البعاض في الخالق‬ ‫ق إثبات العيان التي‬ ‫والمخلوق في الغائب والشاهد‪ ،‬ولم ُيب ِ‬ ‫تقوم بغيرها وما تقتضيه من التكثر والتركيب بقية لمعنى‬ ‫الصفة‪.

‬‬ ‫انظر التعريفات ‪ 185‬والتعاريف للمناوي ‪489‬‬ ‫‪43‬‬ .‬‬ ‫خامسا ً‪ :‬ومن هذا الخلط أن الحجة الغزالي الذي يريد تنبيه‬ ‫أمثالهم على قواعد التنزيه بذكر التفاق على نفي الرأس‬ ‫عن الله عز وجل فيرد عليه أحدهم بقوله‪):‬أما نفي الرأس‬ ‫الذي جاء في قول الغزالي فهو من القول على الله بغير‬ ‫علم‪ ،‬إذ ليس في العقل ول في السمع ما يوجب إثبات هذه‬ ‫الصفة ول نفيها()‪ (3‬مع أن الغزالي يريد بنفي الرأس نفي‬ ‫البعاض ولم يخطر بباله صفة الرأس ل نفيا ً ول إثباتا ً وهذا‬ ‫مما يدل على خلط المصطلحين واستعمالهما استعمال ً‬ ‫مترادفا ً عند القوم‪.‫جاء في القرآن‪ ،‬نقول بأن له يدا ً يقبض بهما ويبسطهما وأن‬ ‫)‪(1‬‬ ‫له قدما ً يضعه على جهنم‪ .‬وعينا ً يبصر بها(‬ ‫وقال أيضا في هذه الصفات الخبرية‪..‬‬ ‫العتراض الخامس‪ :‬أنهم زعموا أن هذه الخبار‬ ‫تدل على الصفات بظاهرها!‬ ‫وينبغي أن يكون المراد بالظاهر هنا ما يفيد وضوح دللة‬ ‫اللفظ على المعنى‪ ،‬فيكون المراد به هنا‪ :‬ما يظهر للسامع‬ ‫من المعنى والمراد ِ بمجرد الصيغة من غير توقف على‬ ‫قرينة خارجية أو تأمل)‪ (4‬ول يخفى أن ما يسمونه أخباَر‬ ‫‪ ()1‬انظر المحاضرات السنية ‪55-1/34‬‬ ‫‪ ()2‬المصدر السابق ‪87 /1‬‬ ‫‪ ()3‬علو الله على خلقه للدكتور موسى الدويش ‪ 91‬وانظر إلجام‬ ‫العوام للحجة الغزالي ‪65‬‬ ‫‪ ()4‬وقد اختلفت عبارات الصوليين في ضبط مراتب وضوح الدللة‬ ‫وخفائها ومن هذا الختلف اختلفهم في "الظاهر" فالقرب هنا ما‬ ‫ذكرته وهو تعريف الحناف‪ .) :‬لنقول إنها أجزاء‬ ‫وأبعاض بل نتحاشا هذا اللفظ لكن مسماها لنا أجزاء‬ ‫وأبعاض لن الجزء والبعض ما جاز انفصاله عن الكل فالرب‬ ‫ل يتصور أن شيئا ً من هذه الصفات كاليد أن تزول أبدا ً لنه‬ ‫)‪(2‬‬ ‫موصوف بها أزل ً وأبدا ً ولهذا ل نقول إنها أجزاء وأبعاض(‬ ‫ت المعنى المحظور مع‬ ‫ول يخفى أن هذا النص فيه إثبا ُ‬ ‫تحاشي اللفظ‪.‬وعند غيرهم هو ما ظهر المراد منه‬ ‫للسامع بنفس الكلم أو ما دل على معنى دللة ًراجحة بحيث يظهر‬ ‫منه المراد للسامع بنفس الصيغة ويكون محتمل للتأويل والتخصيص‪..

.‫الصفات من المتشابه وهو من أقسام ما خفي دللته على‬ ‫المعنى المراد)‪ (1‬كما نبه عليه ابن الجوزي فقال‪) :‬قالوا‪ :‬إن‬ ‫هذه الحاديث من المتشابه الذي ل يعلمه إل الله تعالى‪ .‬ويقابلها مراتب الخفاء‬ ‫وأقلها خفاء الخفي ثم المشكل ثم المجمل وأشدها خفاء المتشابه‬ ‫وهو ما خفي بنفس اللفظ وانقطع رجاء معرفة المراد منه بطريقة‬ ‫من طرق الكسب فاستأثر الله عز وجل بعلمه وآثر من آثر بتعليمه‬ ‫من عباده‪ .312‬‬ ‫‪ ()2‬دفع شبه التشبيه ‪34‬‬ ‫‪ ()3‬الية )‪ (11‬من سورة الشورى‬ ‫‪ ()4‬تبديد الظلم المخيم للكوثري مع السيف الصقيل ‪156‬‬ ‫‪44‬‬ .) :‬على أن من عَرف أقسام النظم باعتبار‬ ‫الوضوح والخفاء وأقر بكون آيات الصفات وأخباِرها من‬ ‫المتشابه كيف يتصور في هذا المقام ظاهرا ً َيحمل المتشابه‬ ‫ه في الصفات على‬ ‫عليه ؟ وإنما حقه أن َيحمل المتشاب َ‬ ‫)‪(3‬‬ ‫محكم قوله تعالى " ليس كمثله شئ " بالتأويل‬ ‫الجمالي… وأنى يتصور ظاهر في متشابه؟ فالظاهر في‬ ‫اللغة يقابل الخفى فل يتصور حيث ل يكون المدلول عليه‬ ‫واضحًا‪ ،‬فل ُيعقل أن ُيلح َ‬ ‫ظ هذا المعنى في المتشابه الذي‬ ‫)‪(4‬‬ ‫م الصفات‬ ‫هو غاية في الخفاء‪ . (.‬ثم‬ ‫قالوا‪ :‬نحملها على ظواهرها‪ ،‬فواعجبا ً ما ل يعلمه إل الله أي‬ ‫ظاهر له؟ فهل ظاهر الستواء إل القعود؟ وظاهر النزول إل‬ ‫)‪(2‬‬ ‫النتقال؟(‬ ‫وقال الكوثري‪.‬انظر شرح الجلل المحلي على جمع الجوامع ‪ 268 /2‬و‬ ‫أصول الفقه للزحيلي ‪..‬ول يخفى ما يحتاجه فه ُ‬ ‫من هذه الخبار من التأمل والتوقف والستدلل والعتماد‬ ‫على القرائن الخارجية لن أحدا ً ل يمكنه أن يظفر بنقل عن‬ ‫العرب استعملوا فيه نحو لفظ اليد والصابع والساق على‬ ‫ت لمن قامت به‪ ،‬وبالمقابل فل يخفى على أحد أن‬ ‫أنها صفا ٌ‬ ‫هذه اللفا َ‬ ‫ة في اللغة لتدل على أبعاض وجوارح‪،‬‬ ‫ظ موضوع ٌ‬ ‫فل يكون إرادة الصفة منها ظاهرا ً وليتم إثباتها بهذه اللفاظ‬ ‫ف على القرائن‬ ‫إل بصرفها عن ظواهرها بعد تأمل وتوق ٍ‬ ‫‪ ()1‬ينقسم اللفظ بحسب ظهور معناه وخفائه ومراتب هذا الظهور‬ ‫والخفاء إلى واضح الدللة وخفي الدللة‪ .‬وكل من الواضح والخفي‬ ‫متفاوت في درجة الوضوح والخفاء‪ ،‬فمراتب الوضوح أربعة أدناها‬ ‫الظاهر ثم النص ثم المفسر ثم المحكم‪ .

‬إلى نحو ذلك من النفي الذي يقوله نفاة‬ ‫الصفات‪ ..‫ة الجوارح والعضاء مما‬ ‫الخارجية التي يذكرون فيها استحال َ‬ ‫تعين معه العدول به إلى معاني الصفات‪.‬فمعلوم أنه ليس في الكتب اللهية ل التوراة ول‬ ‫النجيل ول الزبور ول القرآن ول غير ذلك من النبوات من‬ ‫هذا حرف واحد‪ ،‬وكلها مملوءة مما يقول هؤلء إنه‬ ‫)‪(3‬‬ ‫تجسيم(‬ ‫ويناقضه أيضا ً ما اشتهر عن السلف غيرِ المتهمين عند ابن‬ ‫تيمية رحمه الله بالنحراف إلى التعطيل أو التمثيل من‬ ‫‪ ()1‬انظر كلمه الطويل في هذا الموضوع في مجموع فتاويه ‪/33‬‬ ‫‪172-175‬‬ ‫‪ ()2‬تعقيبات على كتاب السلفية للبوطي للدكتور صالح الفوزان ‪25‬‬ ‫‪ ()3‬الجواب الصحيح ‪4/453‬‬ ‫‪45‬‬ .) :‬‬ ‫ففي التوراة والقرآن من اليات التي ظاهرها‬ ‫التجسيم ما ل يحصى‪ ،‬وليس فيها نص بما يقوله النفاة‬ ‫من أن الله ليس بداخل العالم ول خارجه ول متصل به ول‬ ‫منفصل عنه‪ .‬أما‬ ‫المسلمون الباقون على الفطر السلمية من السلف‬ ‫والخلف فليس شيء من هذه النصوص على خلف ظاهره‬ ‫عندهم وهو الصفات)‪ (1‬ويتابعه على ذلك المعاصرون فيقول‬ ‫أحدهم‪) :‬ليس في صفات الله ما يستلزم ظاهره التجسيد‬ ‫والتشبيه وإنما ذلك فهم فهمه بعض الجهال والضلل ول‬ ‫)‪(2‬‬ ‫ينسب ذلك إلى النصوص(‬ ‫ويناقضه اعتراف ابن تيمية في موضع آخر فيقول‪..‬‬ ‫ب ابن تيمية رحمه الله في ظاهر هذه‬ ‫اضطرا ُ‬ ‫الخبار‪:‬‬ ‫ب ابن تيمية رحمه الله في‬ ‫ومما ينبغي التنبيه عليه اضطرا ُ‬ ‫ظاهر هذه الخبار فهو ينفي مرة أن يكون ظاهر الكتاب‬ ‫والسنة يوهم التجسيم عند عامة المسلمين‪ ،‬ويزعم أن‬ ‫المعنى الفاسد الذي يقتضي الحدوث أو النقص ليس‬ ‫مفهوما ً من ظاهر الية ولكن لما زاغت قلوب بعض‬ ‫المتأخرين صار يظهر لهم هذا المعنى الفاسد‪ .

‬الول‪ :‬أن ثبوت التأويل في أحد هذه‬ ‫‪ ()1‬سنن البيهقي ‪3/3‬‬ ‫‪46‬‬ .‬وغياب هذا البيان‬ ‫مع ما ثبت عن السلف يهدم المسلك الذي اختاره ابن تيمية‬ ‫رحمه الله من وجوه‪ .‬‬ ‫العتراض السادمس‪ :‬أنه يستلزم بيانا من الشارع‬ ‫ينبه على وجه دللة النص عليه ويمنع من جواز‬ ‫حمله على غيره‪.‬لكن شيئا ً‬ ‫من هذا البيان لم ينقل عن الشارع بل ول عن الصحابة‬ ‫والتابعين‪ .‬‬ ‫إن عدم جواز حمل النصوص على ما تقتضيه أساليب‬ ‫العربية المستعملة في الصدر الول يحتاج إلى بيان من‬ ‫الشارع وإلى تنبيه منه على اختصاص هذه النصوص بعدم‬ ‫جواز حملها على ما يجوز حمل مثلها عليه مما جرى به‬ ‫استعمال العرب في التعبير والبيان‪ ،‬فلو كان مراد الشارع‬ ‫ت الصفات لله عز وجل لوجب أن يصدر بيان من‬ ‫بها إثبا َ‬ ‫الشارع يحذر من حملها على ما يجوز في لغة العرب حمُلها‬ ‫عليه من التأويل‪ ،‬وينبه أيضا على الوجه الذي يرتضيه وهو‬ ‫ت لله عز وجل‪ ،‬مع الحاجة أيضا إلى التنبيه على‬ ‫إثباتها صفا ٍ‬ ‫وجه دللتها عليه لن اللغة إن احتملت الدللة على ذلك لم‬ ‫يكن هذا الحتمال قاطعا ً ول مانعا ً لحتمال غيره‪ .‫استشكال بعضهم لهذه الخبار وما يدل عليه ظاهرها من‬ ‫التشبيه فمن ذلك ما أخرجه البيهقي بسنده عن الوليد بن‬ ‫مسلم أنه قال‪) :‬سئل الوزاعي ومالك وسفيان الثوري‬ ‫والليث بن سعد عن هذه الحاديث التي جاءت في‬ ‫التشبيه فقالوا أمروها كما جاءت بل كيفية()‪ (1‬فهذا نص‬ ‫في استشكالها ونص في العتراف بوجود نوع من الدللة‬ ‫فيها على التشبيه‪.‬بل ثبت عن الصحابة حمل بعض هذه النصوص‬ ‫على ما تحتمله العربية وثبت عن التابعين التصريح بأن هذه‬ ‫النصوص ل ُتحمل على ما جاءت فيه من التشبيه مع النهي‬ ‫عن أدنى تصرف فيها والكتفاِء في تفسيرها بالقراءة‪ ،‬وثبت‬ ‫عنهم أيضا ً مث ُ‬ ‫ل ما ثبت عن بعض الصحابة‪ .

‬فحاربوا التأويل بزعمهم أن فيه تعطيل ً لصفات‬ ‫الله عز وجل وحاربوا التفويض لن فيه تجهيل ً بصفات الله‬ ‫عز وجل فهل أقاموا قاطعا ً واحدا ً على إثبات الصفات بهذه‬ ‫الظواهر ومنِع احتماِلها لغيره؟ وكيف يمكنهم ذلك ول‬ ‫يساعدهم عليه لغة ول عقل ول نقل‪ ،‬بل كل ذلك مع‬ ‫خصومهم كما هو مبسوط في الكلم على التأويل‬ ‫والتفويض‪.‬‬ ‫أن هذا المسلك يبالغ في الدعوة إلى التمسك بظاهر‬ ‫النصوص ويبالغ في النكار على من عدل عنها فينسبه إلى‬ ‫التعطيل واللحاد‪ ،‬ولكن أحدا ً من العقلء ل يمكنه الثبات‬ ‫على التمسك بجميع الظواهر‪ ،‬ول بد أن يستسيغ التأويل في‬ ‫‪47‬‬ .‬‬ ‫ت الصفات ل يتم إل بتصرف في هذه‬ ‫الثاني‪ :‬أن إثبا َ‬ ‫الظواهر يزيد على ما نص عليه السلف من التصرفات التي‬ ‫نهوا عنها كتفسيرها والترجمة بالعربية وغيرها‪ ،‬ويخالف ما‬ ‫أمروا به من إمرارها كما جاءت بل تفسير ومن إجابة‬ ‫السائل عنها بالقراءة‪ .‬وأنت ترى أن أصحا َ‬ ‫هذه المسلك لم يذكروا ما يقدح بغيره من المسالك إل بناًء‬ ‫على أن هذه الظواهر قاطعة في دللتها على إثبات‬ ‫الصفات‪ .‬‬ ‫العتراض السابع‪ :‬أن التمسك بظواهر جميع‬ ‫النصوص متعذر‪.‬ولو كان المسلك الذي اختاره ابن‬ ‫تيمية رحمه الله هو مسلكهم لما اكتفوا في هذا المقام‬ ‫الخطير بالجواب عن هذا السؤال المحير بالقراءة‪ ،‬فما الذي‬ ‫منع أحدهم من أن يقول هذه اللفاظ من صفات الله عز‬ ‫وجل تثبت بكيفية استأثر الله بالعلم بها؟‬ ‫الثالث‪ :‬لو سلمنا أن اللغة تساعد على إثبات الصفات بهذه‬ ‫الظواهر لكن هذا ل يمنع من جواز التفويض والتأويل لنه ل‬ ‫ي أن هذه الظواهَر تدل على الصفات‬ ‫يمكن لعاقل أن يدع َ‬ ‫ب‬ ‫على سبيل القطع ول تحتمل غيره‪ .‫الخبار يثبت جواز التأويل في الجميع إل إذا أثبتوا فرقا ً بين‬ ‫هذه النصوص ودون إثباته خرط القتاد‪.

‬‬ ‫‪ ()3‬انظر شرح الجوهرة‪ ،‬الباجوري ‪.‫بعض المواضع ولهذا قال إمام الحرمين الجويني‪) :‬ومما‬ ‫يجب العتناء به معارضة الحشوية بآيات يوافقون على‬ ‫تأويلها حتى إذا سلكوا مسلك التأويل عورضوا بذلك السبيل‬ ‫فيما فيه التنازع‪ ..149‬‬ ‫‪ ()4‬هو الجعد بن درهم )‪ 118‬هـ( من موالي بني الحكم‪ .‬وكان يقول بنفي‬ ‫الصفات‪..‬لنه ظن أن الشتراك في لفظ الصفات بين الخالق‬ ‫والمخلوق يستلزم التشبيه‪ .‬‬ ‫‪ ()1‬الية )‪ (4‬من سورة الحديد‪.‬‬ ‫محمد عياش ‪،92-89‬‬ ‫الخبرية‬ ‫الصفات‬ ‫‪ ()2‬الرشاد ‪ .‬انظر ميزان العتدال ‪.‬فمن ذلك‬ ‫قول ابن تيمية رحمه الله‪) :‬وأصل هذه المقالة ‪ -‬مقالة‬ ‫التعطيل في الصفات ‪ -‬إنما هو مأخوذ عن تلمذة اليهود‪.‬كان يقول‬ ‫بخلق القرآن‪ ،‬وهو أول من تكلم بذلك في دمشق‪ .1/399‬‬ ‫‪ ()5‬السماء والصفات ‪.‬فمما يعاَرضون به قوله تعالى‪ " :‬وهو‬ ‫معكم أينما كنتم ")‪ (1‬فإن راموا إجراء ذلك على الظاهر‬ ‫حلوا عقدة إصرارهم في حمل الستواء على العرش على‬ ‫الكون عليه‪ ،‬والتزموا فضائح ل يبوء بها عاقل‪ ،‬وإن حملوا‬ ‫قوله‪":‬وهو معكم أينما كنتم" على الحاطة بالخفيات فقد‬ ‫تسوغوا التأويل()‪ (2‬وبسط ذلك في الحديث على المسلك‬ ‫الثالث‬ ‫المسلك الثالث‪ :‬التأويل‬ ‫ويراد به في هذا الموضع‪ :‬حمل اللفظ على خلف ظاهره‬ ‫على سبيل القطع مع بيان المعنى الذي ي ُ َ‬ ‫ظن أنه المقصود‬ ‫)‪(3‬‬ ‫من اللفظ‬ ‫وإذا كان القوم قد بالغوا في القدح في مسلك التفويض‬ ‫فمن باب الولى أن يبالغوا في القدح في التأويل‪ .2/17‬‬ ‫‪48‬‬ .‬‬ ‫فإن أول من حفظ عنه أنه قال‪ :‬ليس الله على العرش‬ ‫حقيقة‪ ،‬وأن)استوى( بمعنى استولى ‪ -‬ونحو ذلك ‪ -‬هو الجعد‬ ‫بن درهم)‪ (4‬وأخذها عنه الجهم وأظهرها فُنسبت مقالة‬ ‫)‪(5‬‬ ‫الجهمية إليه(‪.306-298‬وقد ساق في هذه الصفحات عددا ً من اليات والحاديث‬ ‫التي اتفقت المة على صرفها عن ظاهرها‪.161‬وانظر‬ ‫‪ .

‬‬ ‫‪ ()3‬انظر ص )‪ (374‬من الرسالة‬ ‫‪ ()4‬هو حافظ نيسابور المام أبو عبد الله الحاكم محمد بن عبد الله‬ ‫صاحب المستدرك وغيره من المصنفات المشهورة في الحديث‬ ‫وعلومه‪ .33‬‬ ‫ً‬ ‫‪ ()2‬جمع ابن المعلم في كتابه نجم المهتدي ورجم المعتدي بابا سرد‬ ‫فيه جماهير المؤوليين من الصحابة والتابعين وغيرهم‪ .‫ودونك أيَ كتاب في عقيدة القوم فل ُيذكر فيه التأويل إل‬ ‫منسوبا ً للجهمية واللحاد والتعطيل والتحريف‪ .66‬وهناك أمثلة منثورة في كتاب‬ ‫السماء والصفات للبيهقي ودفع شبه التشبيه لبن الجوزي‪ ،‬وفي‬ ‫الكلم على الشبه السمعية من هذا الكتاب‪.‬انظر تعليق‬ ‫الكوثري على دفع شبه التشبيه ‪ .‬‬ ‫ونذكر بعض المثلة لبعض النصوص التي تأولها السلف)‪.‬أخرج الحافظ البيهقي في كتابه "‬ ‫مناقب المام أحمد ")عن الحاكم)‪ (4‬عن أبي عمرو بن‬ ‫السماك )‪ (5‬عن حنبل )‪ (6‬أن أحمد بن حنبل تأول قول الله‬ ‫‪ ()1‬انظر الفتوى الحموية لبن تيمية بتحقيق التويجري ‪118‬‬ ‫وجواب أهل السنة لعبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ‪ 95‬وفتح رب‬ ‫البرية لبن عثيمين ‪ 114‬والماتريدية لحمد اللهيبي ‪ 169‬و ‪173‬‬ ‫ومختصر العقيدة السلمية لطارق السويدان ‪ 60‬وملجظات على‬ ‫الباجوري لعمر بن محمود ‪ 42‬و تعقيبات على كتاب السلفية للبوطي‬ ‫للدكتور صالح الفوزان ‪.‬ويوصف بأنه‬ ‫أص ُ‬ ‫ل بدعة وأنه شٌر من التشبيه والتعطيل وأنه‬ ‫لك ِ‬ ‫(‬ ‫‪1‬‬ ‫)‬ ‫الطاغوت الكبر والحق أن أحدا ً من هؤلء الذين وصفوا‬ ‫التأويل بهذه الوصاف ل يمكنه ترك التأويل في جميع‬ ‫الخبار‪ ،‬فهل يكون اللحاد والتعطيل والتحريف والطاغوت‬ ‫مقبول ً في بعض النصوص؟ وهذا التأويل أيضا ً ثابت في‬ ‫بعض الخبارعن السلف فما المخرج معه من هذه الوصاف‬ ‫التي شنعوا فيها هذا المسلك؟ ول بد من التنبيه على بعض‬ ‫ما ثبت عن السلف من التأويل وعلى بعض المواطن التي‬ ‫التزم فيها هؤلء بما عدوه تعطيل ً وإلحادًا‪.(2‬‬ ‫ومنها تأويل ابن عباس رضي الله عنهما كشف الساق‬ ‫)‪(3‬‬ ‫بالكشف عن الشدة والهول‬ ‫ومنه تأويل المام أحمد‪.‬‬ ‫أو ً‬ ‫ل‪ :‬تأويل السلف‪.3/93‬‬ ‫‪ ()5‬قال الذهبي في سير أعلم النبلء ‪) :15/444‬الشيخ المام‬ ‫المحدث المكثر الصادق مسند العراق أبو عمرو عثمان بن أحمد‬ ‫بن السماك(‬ ‫‪ ()6‬هو حنبل بن إسحاق بن حنبل‪ ،‬أبو علي الشيباني ابن ً عم المام‬ ‫أحمد قال الخطيب في تاريخ بغداد ‪) 286 /8‬وكان ثقة ثبتا( وقال ابن‬ ‫أبي يعلى في طبقات الحنابلة ‪…)1/143‬وذكره أبو بكر الخلل فقال‬ ‫قد جاء حنبل عن أحمد بمسائل أجاد فيها الرواية وأغرب بغير شيء‬ ‫وإذا نظرت في مسائله شبهتها في حسنها وإشباعها جودتها بمسائل‬ ‫‪49‬‬ .‬انظر ترجمته في العبرفي خبر من غبر ‪.

13‬‬ ‫‪ ()3‬تعقيبات على كتاب السلفية للبوطي ‪33‬‬ ‫‪ ()4‬المصدر السابق ‪34‬‬ ‫‪ ()5‬المصدر السابق ‪36‬‬ ‫‪ ()6‬نقله الحافظ البيهقي في السماء والصفات ‪378‬‬ ‫‪50‬‬ .) :‬الحافظ‬ ‫ابن حجر أّول الضحك بالرضا‪ ،‬والحافظ رحمه الله متأثر‬ ‫بمذهب الشاعرة فلعبرة بقوله في هذا()‪ (4‬وقوله‪:‬‬ ‫)الخطابي رحمه الله ممن يتأولون الصفات فل اعتبار بقوله‬ ‫)‪(5‬‬ ‫ول حجة برأيه‪ ،‬وله تأويلت كثيرة والله يعفو عنا وعنه(‬ ‫وهذا مما ليقع به طالب علم‪ ،‬أن يضرب عرض الحائط‬ ‫ويعرض عن نقد كل رأي يخالف رأيه لمجرد مخالفته‬ ‫لمذهبه! هب أنا قبلنا الطعن بالخطابي وابن حجر لكن ما‬ ‫قوله بتأويل المام البخاري الضحك بالرحمة ؟)‪ (6‬وما قوله‬ ‫في ما نقله البخاري في)خلق أفعال العباد( عن سفيان‬ ‫)‪..‫)‪(1‬‬ ‫تعالى‪ ":‬وجاء ربك"‬ ‫إسناد ل غبار عليه(‬ ‫وقال الدكتور صالح الفوزان تعليقا ً على ذلك‪) :‬ما نسبه‬ ‫البيهقي إلى المام أحمد لم يثبت عنه ولم يوثقه من كتبه أو‬ ‫ي لذلك ل ُيعتمد لن البيهقي‬ ‫كتب بعض أصحابه‪ ،‬وِذكُر البيهق ِ‬ ‫رحمه الله عنده شيء من تأويل الصفات فل يوثق بنقله في‬ ‫)‪(3‬‬ ‫هذا الباب لنه ربما يتساهل في النقل(‬ ‫فتأمل أن الحافظ البيهقي نقله بسند صحيح لغبار عليه فل‬ ‫ُيحتاج مع هذا السناد إلى توثيقه من كتبه أو كتب بعض‬ ‫أصحابه ولم نسمع يوما ً أن هذا التوثيق من شرائط صحة‬ ‫النقل المعتبرة عند المحدثين‪ .‬فأي قيمة لهذا الحتمال مع تصريحه بسنده‬ ‫الذي ل غبار عليه؟ وتأمل كيف يغيب الحد الدنى من المنهج‬ ‫العلمي في جوابهم! تأمل ذلك الغياب في قوله‪.‬وتأمل هذا الحتمال البارد‬ ‫ت هذا النقل عن المام أحمد وهو احتمال‬ ‫الذي ضّعف به ثبو َ‬ ‫تساهل البيهقي‪ .‬ثم قال البيهقي‪ :‬وهذا‬ ‫الثرم( وانظر ترجمته في المقصد الرشد في ذكر أصحاب المام‬ ‫أحمد ‪1/365‬‬ ‫‪ ()1‬الية )‪ (22‬من سورة الفجر‬ ‫‪ ()2‬انظر البداية والنهاية ‪ 10/327‬و دفع شبه التشبيه لبن الجوزي‬ ‫بتحقيق حسن السقاف ‪.(2‬‬ ‫أنه‪ :‬جاء ثوابه‪ .

‬‬ ‫سبق أن أشرنا إلى تنبيه إمام الحرمين على أن التشبث‬ ‫بجميع الظواهر يؤدي بصاحبه إلى التزام فضائح ل يبوء بها‬ ‫عاقل ول مخلص له منها إل بالتأويل‪ .‬‬ ‫‪ ()2‬ضمن مجموعة عقائد السلف ‪.‬وسبق أن القوم إذا‬ ‫تحدثوا عن تأويل أهل السنة أسرفوا في ذمه وبالغوا في‬ ‫تقديس الظاهر والتمسك به فإذا وقفوا أمام بعض الظواهر‬ ‫ب‬ ‫التي يعاَرضون فيها وقفنا على تهاف ٍ‬ ‫ض واضطرا ٍ‬ ‫ت وتناق ٍ‬ ‫عجيب‪ .(4‬‬ ‫وجهه()‪) :(3‬إل ملكه‪ ،‬ويقال‪ :‬إل ما أريد به وجه الله(‬ ‫ثانيًا‪ :‬تأويل من عد التأويل تعطيل ً وإلحادًا‪.‬‬ ‫‪ ()4‬انظر فتح الباري ‪8/505‬‬ ‫‪ ()5‬وانظر مثال آخر وهو تأويل شارح الطحاوية ‪ 241‬لقوله تعالى‪:‬‬ ‫"أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما " دون قوله‪" :‬لما خلقت بيدي‬ ‫"‬ ‫‪51‬‬ .‫)‪(1‬‬ ‫الثوري أنه قال في قوله عز وجل‪" :‬هو معكم أينما كنتم "‬ ‫قال‪ :‬علمه)‪ (2‬وما قوله في اختيار البخاري في صحيحه‬ ‫تأويل الوجه بالملك في قوله تعالى‪):‬كل شيء هالك إل‬ ‫)‪.122‬‬ ‫‪ ()3‬الية )‪ (88‬من سورة القصص‪.‬فل‬ ‫يثبتون على طريقة واحدة ول ينكشف لهم بهذا التقارب‬ ‫ن هذين المسلكين‪ ،‬فمن ذلك)‪ (5‬صنيعهم في الحديث‬ ‫تباي ُ‬ ‫الذي أخرجه المام مسلم بسنده عن أبي هريرة أن النبي‬ ‫صلى الله عليه وسلم أمر من يريد النوم بأن يضطجع على‬ ‫شقه اليمن ثم يقول‪) :‬اللهم رب السموات ورب الرض‬ ‫ورب العرش العظيم ربنا ورب كل شيء فالق الحب والنوى‬ ‫ومنزل التوراة والنجيل والفرقان أعوذ بك من شر كل‬ ‫شيء أنت آخذ بناصيته اللهم أنت الول فليس قبلك شيء‬ ‫‪ ()1‬لية )‪ (4‬من سورة الحديد‪.‬فل بد من بعض النقل عنهم‬ ‫أمثلة يتبين فيها اضطرابهم في التاويل ورفضه‪:‬‬ ‫‪ -1‬من اضطرابهم أنهم في نص واحد ربما يلتزمون التأويل‬ ‫في موضع منه ويتمسكون بالظاهر في موضع آخر منه‪ .

‫وأنت الخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك‬ ‫)‪(1‬‬ ‫شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء(‬ ‫ففي هذا الحديث مقابلة بين وصف الله عز وجل بأنه‬ ‫فه تعالى بأنه‬ ‫الظاهر مفسرا ً بأنه ليس فوقه شيء وبين وص ِ‬ ‫الباطن مفسرا ً بأنه ليس دونه شيء‪ .‬ومن العجيب أن الحديث اشتمل قبل ذلك على‬ ‫مقابلة بين وصفين آخرين وهما الو ُ‬ ‫ل المفسر بكونه ليس‬ ‫رضوا في‬ ‫شيٌء قبله والخُر الذي ل شيء بعده فلم يعت ِ‬ ‫الستدلل بهذه المقابلة على تنزهه عن الوجود الزماني‪،‬‬ ‫ولما وصلوا إلى المقابلة التي ُيفترض أن يتنبهوا إلى إشارتها‬ ‫إلى تنزهه عن الوجود المكاني عدلوا عن ذلك ولم يراعوا‬ ‫حق هذه المقابلة التي تدل على تنزهه عن الوجود المكاني‪،‬‬ ‫لن الظاهر الذي ل يكون شيٌء فوقه إذا كان هو الباطن‬ ‫الذي ل شيَء دونه فل ُيعقل أن يكون مختصا ً بالمكان )‪ (2‬كما‬ ‫دلت المقابلة الولى على تنزهه عن الوجود الزماني‪.‬فيختارون في الوصف‬ ‫الول مسلكا ً وفي الوصف الخر مسلكا ً آخر ول يرضون‬ ‫بعكسه‪ .‬‬ ‫‪ ()2‬انظر إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل ‪ 82‬وودفع شبه‬ ‫من شبه وتمرد ‪19‬‬ ‫‪ ()3‬المحاضرات السنية لبن عثيمين ‪1/142‬‬ ‫‪52‬‬ .‬‬ ‫ونشير إلى تصريح ابن عثيمين في هذين المسلكين فيقول‪:‬‬ ‫)الظاهر من الظهور وهو العلو… الباطن كناية عن إحاطته‬ ‫بكل شيء ولكن المعنى أنه مع علوه فهو باطن فعلوه ل‬ ‫ينافي قربه عز وجل فالباطن قريب من معنى‬ ‫القريب()‪ (3‬فأنت ترى كيف كان الوصف الول على ظاهره‬ ‫وكيف صارالثاني كناية ومفسرا ً بمعنى لنعرف وجه تفسيره‬ ‫به في اللغة!‬ ‫‪ -2‬من اضطرابهم أنهم يلتزمون تأوي َ‬ ‫ظ في موضع‬ ‫ل لف ٍ‬ ‫ويتمسكون بظاهره في موضع آخر فمن ذلك أن أحدهم‬ ‫‪ ()1‬صحيح مسلم ‪ (2713)2084/ 4‬وهو في سنن الترمذي ‪)5/518‬‬ ‫‪ (3481‬وسنن أبي داود ‪ (5051)4/312‬وصحيح ابن حبان ‪)3/246‬‬ ‫‪ (966‬وغيرها‪.

‫)‪(1‬‬ ‫يتأول قول الله عز وجل‪) :‬واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا(‬ ‫فيقول‪) :‬والمعنى بمرأى منا ول تغيب عنا وليس المراد أنك‬ ‫بداخل أعيننا وقد جاءت السنة بإثبات عينين لله تعالى يبصر‬ ‫بهما كما في الحديث الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم‬ ‫قال‪" :‬إن ربكم ليس بأعور ")‪ (2‬يعني أن له عينين سليمتين‬ ‫من العور…"تجري بأعيننا ")‪ (3‬المعنى أنه سيحفظها‬ ‫)‪(4‬‬ ‫وسيحرسها ومن فيها … "ولتصنع على عيني"‬ ‫المعنى‪ :‬ستربى على مرأى مني‪ ..‬ول يتبين‬ ‫لنا كيف يميز بين هذه النصوص فما الذي جعل الحديث مثبتا ً‬ ‫للعينين دون غيره من اليات؟ ولم ل يقبل الحديث مثل ما‬ ‫قبلته اليات الكريمات؟ ول يخفى أن كلمه أبعد ما يكون‬ ‫عن التترس بالصفة لن العين الحقيقية جارحة‪ ،‬خاصة إذا‬ ‫اعتمد على ما جاء في العين بصيغة التثنية وغّلبه على ما‬ ‫جاء في باقي الصيغ وزاد على ذلك وصف العينين بالسلمة‬ ‫من العور‪.‬‬ ‫‪ ()3‬الية )‪ (14‬من سورة القمر‬ ‫‪ ()4‬الية )‪ (39‬من سورة طه‬ ‫‪ ()5‬التعليقات الزكية لعبد الله جبرين ‪ 178-177‬وانظر نحوه في‬ ‫تنبيهات في الرد على من تأول الصفات لعبد العزيز بن باز ‪30-26‬‬ ‫‪53‬‬ .‬‬ ‫‪ -3‬من غلطهم أنهم يتصرفون في بعض الظواهر بنحو‬ ‫التصرف الذي يعرف بالتأويل‪ ،‬ولكن يسمونه تفسيرا ً فمن‬ ‫‪ ()1‬الية )‪ (48‬من سورة الطور‬ ‫‪ ()2‬صحيح البخاري ‪ (2892)3/1113‬و صحيح مسلم ‪(169)155/ 1‬‬ ‫و ‪ (169)4/2245‬و غيرهما‪.‬وليس في قوله‬ ‫تعالى "على عيني " دليل على أن لله عينا ً واحدة‪ ،‬بل‬ ‫المقصود بذلك جنس العين ل عددها لنه ورد في السنة أن‬ ‫لله عينين حقيقيتين تليقان به وأما عن ورودها في القرآن‬ ‫بصيغة الجمع وبصيغة الفراد فليس فيه دليل لهل التحريف‬ ‫)‪(5‬‬ ‫الذين يحرفون معناها إلى الحفظ والرعاية(‬ ‫ول يخفى ما في هذا الكلم من التهافت والتناقض ففي‬ ‫صدر كلمه التأويل بالعناية والحراسة وفي آخره عد‬ ‫تفسيرها بالحفظ والرعاية من فعل أهل التحريف‪ .

‬‬ ‫‪ ()1‬الية )‪ (4‬من سورة الحديد‪..58 /9‬وانظر متابعة المعاصرين لبن تيمية في هذه النقطة‬ ‫في تنبيهات في الرد على من تأول الصفات لعبد العزيز بن باز ‪-26‬‬ ‫‪ .‬‬ ‫ومهما اختلفت الصطلحات في الظاهر والتفسير‬ ‫والتأويل فإنه لو عوملت جميع النصوص الواردة في الباب‬ ‫بمثل ما عوملت به آيات المعية لكان النزاع بين ابن تيمية‬ ‫والمؤولين نزاعا ً لفظيا ً فقط‪.‬ودلت الحال على أن حكم هذه المعية الطلع‬ ‫والنصر والتأييد()‪ (4‬وفي هذا النص السابق يصل ابن تيمية‬ ‫رحمه الله إلى النتيجة التي نصل إليها بالتأويل ولكن ل‬ ‫يسلم رحمه الله أن الوصول إلى هذه النتيجة يحصل بصرف‬ ‫اللفظ عن ظاهره إلى معنى يحتمله‪ ،‬ويصرح بأن الطلع‬ ‫والعلم والنصرة هي حكم المعية ومقتضاها‪ ،‬وهذا هو ما‬ ‫نسميه تأويل المعية فيكون ابن تيمية رحمه الله هنا قد‬ ‫اختار مسلك التأويل وزاد على نفسه عناء الحاجة إلى إثبات‬ ‫أن هذا الذي سماه حكم المعية هو ظاهر الخطاب وحقيقته‬ ‫فاللغة ل تساعد على ذلك‪ ،‬ولو ساعدت على ذلك لم تقتصر‬ ‫على هذا الموضع‪.2/81‬‬ ‫‪ ()3‬الية )‪ (40‬من سورة التوبة‪.‬ثم هذه المعية تختلف أحكامها‬ ‫بحسب الموارد فلما قال‪):‬يعلم ما يلج في الرض وما يخرج‬ ‫منها(‪-‬إلى قوله‪)-‬وهو معكم أينما كنتم(‪(1)..‬‬ ‫‪ ()2‬السماء والصفات ‪.‬دل ظاهر الخطاب‬ ‫على أن حكم هذه المعية ومقتضاها أنه مطلع‬ ‫عليكم‪ ،‬شهيد عليكم ومهيمن عالم بكم‪ ،‬وهذا معنى‬ ‫قول السلف‪ :‬إنه معهم بعلمه‪ ،‬وهذا ظاهر الخطاب‬ ‫وحقيقته()‪ (2‬ولما قال النبي صلى الله عليه وسلم لصاحبه‬ ‫في الغار‪):‬ل تحزن إن الله معنا()‪ (3‬كان هذا أيضا ً حقا ً على‬ ‫ظاهره‪ .‬‬ ‫‪ ()4‬السماء والصفات ‪ .211 ،2/81‬وانظر الفتوى الحموية لبن‬ ‫تيمية ‪ 171‬وانظر نقد ابن جهبل له في طبقات الشافعية لبن‬ ‫السبكي ‪ .30‬وابن رجب وأثره في توضيح عقيدة السلف للدكتور عبد الله‬ ‫الغفيلي ‪1/244‬‬ ‫‪54‬‬ .‫ذلك قول ابن تيمية رحمه الله‪) :‬إن الله معنا حقيقة‪ ،‬وهو‬ ‫فوق العرش حقيقة‪ .

‬‬ ‫‪ ()2‬السماء والصفات ‪.‬وانظر متابعته في‬ ‫الجوبة المفيدة لعبد الرحمن الجطيلي ‪.‬‬ ‫‪ ()5‬الية )‪ (64‬من سورة المائدة‪.2/349‬وانظر نحوه في شرح حديث النزول‬ ‫‪ 130‬طبعة المكتب السلمي ‪ -‬بيروت ‪1969 -‬م‪.‬وليس في‬ ‫القرآن ما يدل ظاهره على ما ذكروه فإن الله تعالى قال‬ ‫في كتابه‪ " :‬وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا‬ ‫)‪(5‬‬ ‫بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء "‬ ‫واليهود أرادوا بقولهم يد الله مغلولة أنه بخيل‬ ‫فكذبهم الله في ذلك وبين أنه جواد ل يبخل فأخبر أن يديه‬ ‫مبسوطتان كما قال )ول تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ول‬ ‫‪ ()1‬الية )‪ (16‬من سورة ق‪.‬فلم ل يقال في هذا‬ ‫الملئكة صر ٌ‬ ‫الصرف إنه تعطيل لما وصف الله تعالى به نفسه؟ ولم ل‬ ‫يقال‪ :‬التقرب معلوم والكيف مجهول واليمان به واجب؟‬ ‫)‪(4‬‬ ‫وما الفرق بين هذا وبين تأويلنا لقوله تعالى‪" :‬وجاء ربك"‬ ‫أي ملئكته أو أمره؟‬ ‫‪ -5‬ومن تأويله أيضا ماذكره في جواب النصارى فقال‪…) :‬‬ ‫ول ُيعرف عالم مشهور من علماء المسلمين ول طائفة‬ ‫مشهورة من طوائفهم يطلقون العبارة التي حكوها عن‬ ‫المسلمين حيث قالوا عنهم إنهم يقولون إن لله عينين يبصر‬ ‫بهما ويدين يبسطهما وساقا ً ووجها ً يوليه إلى كل مكان‬ ‫وجنبًا‪ ،‬ولكن هؤلء ركبوا من ألفاظ القرآن بسوء تصرفهم‬ ‫وفهمهم تركيبا ً زعموا أن المسلمين يطلقونه‪ .2/98‬‬ ‫‪ ()3‬المصدر السابق ‪ .61‬‬ ‫‪ ()4‬الية )‪ (22‬من سورة الفجر‪.‬‬ ‫‪55‬‬ .‫‪ -4‬ومن المثلة على تأويل ابن تيميه قوله في الية الكريمة‬ ‫)ونحن أقرب إليه من حبل الوريد"()‪) (1‬هو قرب ذوات‬ ‫الملئكة وقرب علم الله()‪ (2‬وقال‪) :‬وأما من ظن أن المراد‬ ‫بذلك قرب ذات الرب من حبل الوريد إذ أن ذاته أقرب فهذا‬ ‫في غاية الضعف()‪ (3‬وهذا تأويل أيضا ً لن ظاهر اللفظ يدل‬ ‫على إسناد القرب إلى الله عز وجل‪ ،‬وتفسيره بقرب‬ ‫ف للفظ عن ظاهره‪ .

(1‬فبسط‬ ‫اليدين المراد به الجواد والعطاء‪ ،‬ليس المراد ما‬ ‫توهموه من بسط مجرد ولما كان العطاء باليد‬ ‫يكون ببسطها صار من المعروف في اللغة التعبير‬ ‫)‪(2‬‬ ‫ببسط اليد عن العطاء(‬ ‫‪ -6‬ومن تأويلهم قول شارح الطحاوية ابن أبي العز الحنفي‬ ‫رحمه الله‪) :‬قال الله عز وجل‪ ":‬وكان الله بكل شيء‬ ‫محيطا ً ")‪ (3‬وليس المراد من إحاطته بخلقه أنه كالفلك …‬ ‫)‪.(4‬‬ ‫سن‬ ‫وإنما المراد إحاطة عظمته وسعة علمه وقدرته وُيح ّ‬ ‫الشيخ اللباني في تعليقه هذه العبارة ثم يقول‪) :‬وهو من‬ ‫ً )‪(5‬‬ ‫التأويل الذي ينقمه الشارح مع أنه لبد منه أحيانا(‬ ‫‪ -7‬ومنه أيضا قول ابن باز‪) :‬ويعلم أن تفسير النسيان‬ ‫بالترك ليس من باب التأويل ولكنه من باب تفسير النسيان‬ ‫في هذا المقام بمعناه اللغوي لن كلمة النسيان مشتركة‬ ‫يختلف معناها بحسب مواردها كما بين ذلك علماء التفسير(‬ ‫)‪(6‬‬ ‫‪ -8‬بل إن ابن عثيمين يصرح بجواز صرف اللفظ عن ظاهره‬ ‫ويسميه تفسيرا ً فيقول في جواب سائل سأله عن تأويل‬ ‫قوله تعالى‪ " :‬يد الله فوق أيديهم ")‪) : (7‬ينبغي أن ُيعلم أن‬ ‫التأويل عند أهل السنة ليس مذموما ً كله بل المذموم منه‬ ‫مالم يدل عليه دليل‪ ،‬وما دل عليه دليل يسمى تفسيرا ً‬ ‫سواء كان الدليل متصل ً بالنص أو منفصل ً عنه‪ ،‬فصرف‬ ‫الدليل عن ظاهره يسمى تفسيرا ً‪ ،‬فصرف الدليل عن‬ ‫‪ ()1‬الية )‪ (29‬من سورة السراء‬ ‫‪ ()2‬الجواب الصحيح ‪412/ 4‬‬ ‫‪ ()3‬الية )‪ (125‬من سورة النساء‪.‬‬ ‫‪56‬‬ .‫تبسطها كل البسط فتقعد ملوما ً محسورا()‪ .314‬تحقيق ناصر الدين اللباني طبعة‬ ‫المكتب السلمي‪-‬بيروت‪ 1399)-‬هـ(‪.‬‬ ‫‪ ()4‬شرح العقيدة الطحاوية ‪ .‬‬ ‫‪ ()5‬المصدر السابق ‪314‬‬ ‫‪ ()6‬تنبيهات في الرد على من تأول الصفات لعبد العزيز بن باز ‪42‬‬ ‫وانظر نحوه في التنبيهات السنية لعبد العزيز بن ناصر ‪1/165‬‬ ‫‪ ()7‬الية )‪ (10‬من سورة الفتح‪.

‬فظاهر‬ ‫الحديث أن الله نفسه هو الذي جاع وهو الذي مرض وهذا‬ ‫غير مراد قطعا ً ففسر الحديث بنفس الحديث()‪.‬‬ ‫‪ -9‬يصرح ابن قدامة رحمه الله بذم صرف اللفظ عن‬ ‫ظاهره ثم يزعم أن ظاهر اللفظ هو ما يسبق إلى الفهم‬ ‫‪ ()1‬صحيح مسلم ‪(2569)4/1990‬‬ ‫‪ ()2‬مجموع فتاويه ‪168 /1‬‬ ‫‪57‬‬ .‬ومثال التأويل بالدليل‬ ‫المتصل ما جاء في الحديث الثابت في صحيح مسلم في‬ ‫قوله تعالى في الحديث القدسي عن أبي هريرة قال قال‬ ‫رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ ":‬إن الله عز وجل يقول‬ ‫يوم القيامة يا ابن آدم‪ :‬مرضت فلم تعدني؟ قال يا رب كيف‬ ‫أعودك وأنت رب العالمين؟ قال‪ :‬أما علمت أن عبدي فلنا ً‬ ‫مرض فلم تعده أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده‪ ،‬يا‬ ‫ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني؟ قال يا رب وكيف‬ ‫أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال أما علمت أنه استطعمك‬ ‫عبدي فلن فلم تطعمه؟ أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت‬ ‫ذلك عندي؟ يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقني قال يا رب‬ ‫كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟ قال استسقاك عبدي فلن‬ ‫فلم تسقه‪ ،‬أما إنك لو سقيته وجدت ذلك عندي‪.(1)".‬ونحن ندعو بعد هذا التصريح إلى نبذ لفظ التأويل‬ ‫بالكلية ثم نستعرض هذه النصوص فل نعدل عن ظاهر من‬ ‫ظواهرها إل بدليل كما اشترط ابن عثيمين ول نذكر في ما‬ ‫نعدل عنه منها إل دليل ً هو من جنس الدليل الذي قبله في‬ ‫هذا التفسير غير المذموم أهو أقرب‪ ،‬فإن قبل بذلك فما‬ ‫من خبر تأوله أهل التأويل ليمكن إقامة الدلة المنفصلة‬ ‫والمتصلة على جوازه‪.‫ظاهره ليس مذموما ً على الطلق‪ .(2‬وهذا‬ ‫ينسف بالكلية كل ما صرحوا به من تقديس الظاهر‬ ‫والتمسك به وإبطال صرف اللفظ عن ظاهره‪ ،‬وفيه‬ ‫التصريح بأن من الظاهر ما هو غير مراد قطعًا‪ ،‬وفيه‬ ‫التذبذب في عد بعض التأويل محمودا ً بعد أن كان تعطيل ً‬ ‫وطاغوتا‪ .

‫ت‬ ‫منه حقيقة كان أو مجازا فيقول‪) :‬فإن قيل فقد تأولتم آيا ٍ‬ ‫وأخبارا ً فقلتم في قوله تعالى‪ ":‬وهو معكم أينما كنتم " أي‬ ‫بالعلم ونحو هذا من اليات والخبار فيلزمكم ما لزمنا؟‬ ‫قلنا نحن لم نتأول شيئًا‪ ،‬وحم ُ‬ ‫ل هذه اللفظات على هذه‬ ‫المعاني ليس بتأويل لن التأويل صرف اللفظ عن ظاهره‬ ‫وهذه المعاني هي الظاهر من هذه اللفاظ بدليل أنه‬ ‫المتبادر إلى الفهام منها‪ .‬وظاهر اللفظ هو ما يسبق‬ ‫إلى الفهم منه حقيقة كان أو مجازا()‪ (1‬فإذا كان‬ ‫اللفظ بظاهره يدل على المجاز فل يتوجه اعتراض على‬ ‫المؤول لنه في كل نص حمله على المجاز إنما حمله على‬ ‫ما يسبق إلى الفهم السليم الذي يتبادر من اللفظ أيضًا‪.‬‬ ‫ويشد على هذا المعنى ابن عثيمين فيقول‪) :‬من نفى شيئا‬ ‫من صفات الله تعالى بتكذيب أو تأويل فليس من أهل‬ ‫السنة والجماعة من أي طائفة كان وإلى أي شخص‬ ‫ينتسب()‪ (3‬فما موقف هؤلء من هذه التأويلت؟ وما موقف‬ ‫من تأولها من هذه القاعدة وهذا الحكم؟‬ ‫‪ -10‬أما ابن تيمية رحمه الله فهو حامل لواء الحرب‬ ‫والتشنيع على مسلك التأويل والدفاع عن الظاهر ونفي‬ ‫‪ ()1‬ذم التأويل ‪45‬‬ ‫‪ ()2‬جناية التأويل الفاسد على العقيدة السلمية للدكتور محمد أحمد‬ ‫لوح ‪14-13‬‬ ‫‪ ()3‬مجموع فتاويه ‪1/231‬‬ ‫‪58‬‬ ..‬‬ ‫ة‬ ‫وتسمية الظاهر مجازا هنا مناقض لما جاء في محاول ِ‬ ‫ل لمسلك التأويل قام بها أحدهم فزعم أن عامة‬ ‫تأصي ٍ‬ ‫نصوص الصفات ل يجوز فيها التأويل‪ ،‬فيقول في تقسيم‬ ‫النصوص الشرعية بحسب قبول التأويل وعدم قبوله‪:‬‬ ‫)القسم الول‪ :‬ما هو نص في مراد المتكلم ل يحتمل غيره‬ ‫فهذا يمتنع دخول التأويل فيه‪ ،‬وتحميله التأويل افتراء ظاهر‬ ‫على صاحب الشرع وتحريف للكلم عن مواضعه وهو شأن‬ ‫عامة النصوص الشرعية الصريحة في معناها كنصوص‬ ‫)‪(2‬‬ ‫الصفات‪(.

‬ثم قد يكون ظهوره بمجرد الوضع‪ ،‬وقد يكون‬ ‫بسياق الكلم()‪ (2‬ويقول أيضًا‪) :‬واعلم أن من لم يحكم‬ ‫دللت اللفظ ويعلم أن ظهور المعنى من اللفظ تارة‬ ‫يكون بالوضع اللغوى أو العرفى أو الشرعى إما‬ ‫فى اللفاظ المفردة وإما فى المركبة‪ ،‬وتارة بما‬ ‫اقترن باللفظ المفرد من التركيب الذي تتغير به‬ ‫دللته فى نفسه‪ ،‬وتارة بما اقترن به من القرائن‬ ‫اللفظية التى تجعله مجازا ً()‪ (3‬فيقال‪ :‬كيف تمنع من‬ ‫اختار التاويل إذا ادعى أن الذي يسبق إلى العقل السليم‬ ‫منه لمن يفهم بتلك اللغة إن كان ظهوره بمجرد الوضع فهو‬ ‫التشبيه لمحالة‪ ،‬وإن كان بسياق الكلم فهو التأويل‪ .‬‬ ‫المثال الثاني‪ :‬أنه يزعم أن ظاهر الكلم قد يكون ظهوره‬ ‫بسياق الكلم على خلف الوضع وهو المجاز فيقول‪) :‬ظاهر‬ ‫الكلم‪ :‬هو ما يسبق إلى العقل السليم منه لمن يفهم بتلك‬ ‫اللغة‪ .122 /5‬‬ ‫‪ ()2‬الرسالة المدنية ضمن مجموع فتاويه ورسائله في العقيدة‬ ‫‪6/356‬‬ ‫‪ ()3‬مجموع الفتاوى ‪33/182‬‬ ‫‪59‬‬ .‬فلما‬ ‫ت طرقَ الظهور‬ ‫ت إمراَر النصوص على ظاهرها وحصر َ‬ ‫أوجب َ‬ ‫ت تعين أن يكون المرار على الظاهر بالوضع أو‬ ‫بما ذكر َ‬ ‫بالتركيب والقرائن‪ ،‬وليس في أحدهما ما يدل على المسلك‬ ‫الذي اخترته لن هذه اللفاظ وضعت في اللغة لتدل على‬ ‫الجوارح والعضاء فل يكون حملها على الظاهر بالوضع دال ً‬ ‫‪ ()1‬بيان تلبيس الجهمية ‪ 1/556‬وانظر نحوه في كتب ورسائل ابن‬ ‫تيمية في العقيدة ‪.‬‬ ‫المثال الول‪ :‬أنه يتحدث عن افتراق الناس في التزام‬ ‫الظواهر فيذكر من اختار القرار بالنصوص ولم يصرف‬ ‫واحدا ً فيها عن ظاهره فيقول‪..) :‬لكنه غلط أيضًا()‪ .(1‬وهذا‬ ‫اعتراف منه بوجوب العدول عن بعض الظواهر وهو التأويل‪.‫المجاز‪ ،‬ولكن هذه خمسة أمثلة من كلمه يلزمه بها إبطال‬ ‫كل ما أطال في تقريره‪.

2/576‬‬ ‫‪ ()4‬مجموع الفتاوى ‪33/214‬‬ ‫‪60‬‬ .‬وليس حمل اللفظ على هذا المعنى من‬ ‫التأويل الذي هو صرف اللفظ عن الحتمال الراجح إلى‬ ‫الحتمال المرجوح فى شيء‪ ،‬وهذا أحد مثارات غلط‬ ‫الغالطين فى هذا الباب حيث يتوهم أن المعنى المفهوم من‬ ‫)‪(4‬‬ ‫هذا اللفظ مخالف للظاهر وأن اللفظ متأول(‬ ‫فما الذي يمنع مثل هذا التصرف في سائر النصوص؟ فبعد‬ ‫العتراف بثبوت التجوز في بعض ألفاظ الشارع ما الفرق‬ ‫بين هذا المثال الذي جوز فيه هذا التصرف وبين سائر‬ ‫‪ ()1‬صحيح البخاري ‪.(7091) 565‬‬ ‫‪ ()3‬انظر العلل المتناهية ‪.‫على الصفة‪ .‬ثم إن اقترنت به قرينة تبين‬ ‫المراد كقول النبى صلى الله عليه وسلم لفرس أبى‬ ‫طلحة‪ ":‬إن وجدناه لبحرا ً " )‪ (1‬وقوله‪ " :‬إن خالدا ً سيف من‬ ‫سيوف الله سله الله على المشركين")‪.‬‬ ‫ويذكر ابن تيمية رحمه الله تطبيقا ً عمليا ً لما سبق فيثبت‬ ‫المجاز ويحمل عليه اللفظ ويعده ظاهرا ً ل بالوضع فيقول‬ ‫في أحد أنواع اللفاظ‪) :‬ما معناه مفرد كلفظ السد والحمار‬ ‫والبحر والكلب فإذا قيل‪ :‬أسد الله وأسد رسوله أو قيل‬ ‫للبليد حمار أو للعالم أو السخي أو الجواد من الخيل بحر أو‬ ‫قيل للسد كلب فهذا مجاز‪ .‬وكل من‬ ‫سمع هذا القول علم المراد به وسبق ذلك إلى ذهنه بل‬ ‫احتمال إرادة المعنى الول‪ ،‬وهذا يوجب أن يكون نصا ً‬ ‫ل محتم ً‬ ‫ل‪ .‬وإن حملت على الظاهر بالسياق والتركيب‬ ‫فهو التأويل بالمجاز‪. (2‬وقول ابن عباس‪:‬‬ ‫"الحجر السود يمين الله فى الرض فمن استلمه وصافحه‬ ‫فكأنما بايع ربه")‪ (3‬أو كما قال ونحو ذلك فهذا اللفظ فيه‬ ‫تجوز وإن كان قد ظهر من اللفظ مراد صاحبه وهو‬ ‫محمول على هذا الظاهر فى إستعمال هذا‬ ‫المتكلم ل على الظاهر فى الوضع الول‪ ..(2484) 2/926‬‬ ‫‪ ()2‬انظر صحيح البخاري ‪ (3547)1372 /3‬و صحيح ابن حبان ‪/15‬‬ ‫‪.

.‬سلمنا في الول والثاني والثالث‬ ‫وأبطلنا تمسكه بالرابع‪.‬ثم هذا الرسول المي العربي‬ ‫ُبعث بأفصح اللغات وأبين اللسنة والعبارات ثم المة الذين‬ ‫أخذوا عنه كانوا أعمق الناس علما ً وأنصحهم للمة وأبينهم‬ ‫للسنة فل يجوز أن يتكلم هو وهؤلء بكلم يريدون به خلف‬ ‫ظاهره إل وقد نصب دليل ً يمنع من حمله على ظاهره إما‬ ‫)‪(1‬‬ ‫أن يكون عقليا ً ظاهرا ً مثل قوله " وأوتيت من كل شيء "‬ ‫‪ ()1‬الية )‪ (23‬من سورة النمل‬ ‫‪61‬‬ ..‬‬ ‫المثال الثالث‪ :‬أنه اعترف بجواز العدول عن الظواهر لكنه‬ ‫متوقف على أربعة أشياء‪ .‬‬ ‫َ‬ ‫سلم ذلك الدليل الصارف عن‬ ‫الثالث‪ :‬أنه لبد من أن ي ْ‬ ‫معارض وإل فإذا قام دليل قرآنى أو إيمانى يبين أن الحقيقة‬ ‫مرادة امتنع تركها‪...‬وهو لم يبين ما يصلح فارقا ً بين‬ ‫الثنين إل سبقَ الذهن إلى ظهور المجاز وهذا مما تختلف‬ ‫فيه الذهان ويمكن معه للمؤول في كل نص سلك به‬ ‫مسلك التأويل أن يبين سبق الظاهر المجازي إلى ذهنه‪.‬‬ ‫الرابع‪ :‬أن الرسول صلى الله عليه وسلم إذا تكلم بكلم‬ ‫ف ظاهره وضد ّ حقيقته فلبد أن يبين للمة أنه‬ ‫وأراد به خل َ‬ ‫لم يرد حقيقَته وأنه أراد مجاَزه سواء عينه أو لم يعينه ل‬ ‫سيما فى الخطاب العلمى الذي أريد منهم فيه العتقاد‬ ‫والعلم دون عمل الجوارح فإنه سبحانه وتعالى جعل القرآن‬ ‫نورا ً وهدى وبيانا ً للناس‪ .‬‬ ‫قال رحمه الله‪…):‬فصرفها عن ظاهرها اللئق بجلل الله‬ ‫سبحانه وحقيقتها المفهومة منها إلى باطن يخالف الظاهر‬ ‫ومجاز ينافى الحقيقة لبد فيه من أربعة أشياء‬ ‫أحدها‪ :‬أن ذلك اللفظ مستعمل بالمعنى المجازى لن‬ ‫الكتاب والسنة وكلم السلف جاء باللسان العربى ول يجوز‬ ‫أن يراد بشيء منه خلف لسان العرب‪.‫النصوص التي منع تأويلها‪ .‬‬ ‫الثانى‪ :‬أن يكون معه دليل يوجب صرف اللفظ عن‬ ‫حقيقته إلى مجازه‪.

.‬‬ ‫أصال ً‬ ‫)‪(2‬‬ ‫فمثل ً قول الله عز وجل‪):‬واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا(‬ ‫لم ُيسق لثبات صفة العين بل السياق في مواساة النبي‬ ‫صلى الله عليه وسلم‪ ،‬وفيها يأمر الله عز وجل نبيه صلى‬ ‫الله عليه وسلم بالصبر على أذى المشركين ويبشره الله‬ ‫)‪(3‬‬ ‫عز وجل بأنه في حفظه ورعايته وحمايته‪.‬‬ ‫الثاني‪ :‬أن ابن تيمية صرح بأن التشبث في جميع النصوص‬ ‫بظواهرها غلط‪ ،‬ونص أيضا على حمل بعض النصوص على‬ ‫ظاهرها المجازي‪ .‬‬ ‫‪ ()1‬الرسلة المدنية ‪362-6/360‬‬ ‫‪ ()2‬الية )‪ (48‬من سورة الطور‪.‬‬ ‫وأكث ِ‬ ‫الثالث‪ :‬لو سلمنا بلزوم الحاجة إلى دليل يمنع من حمله‬ ‫على ظاهره فالدليل الذي يريده ابن تيمية إما أن يكون‬ ‫عقليا ً ظاهرا ً أو سمعيا ً ظاهرا ً مثل الدللت فى الكتاب‬ ‫والسنة التى تصرف بعض الظواهر‪.‬وكيف يتصور حاجُتهم إلى التنبيه بإهمال الظواهر‬ ‫َ‬ ‫ف إهما ُ‬ ‫ن الناس إلى الحس‬ ‫التي لم َيخ َ‬ ‫ل بعضها على أرك ِ‬ ‫رهم تقديسا ً لهذه الظواهر‪.‬فإن لم يذكر الجواب عن نفسه فجوابنا‬ ‫أن أساطين الفصاحة ممن نزل القرآن بلغتهم هم أغنى‬ ‫الناس عن التنبيه إلى أساليب العربية في التجوز وهم أنزه‬ ‫أصحاب اللسنة عن الركون إلى الظواهر والجمود على‬ ‫اللفاظ‪ ..‫فان كل أحد يعلم بعقله أن المراد أوتيت من جنس ما يؤتاه‬ ‫مثلها‪.‬‬ ‫وفيه نظر من وجوه‪:‬‬ ‫الول‪ :‬أنا ل نسلم أن هذه الظواهر من الخطاب العلمى‬ ‫الذي أريد منهم فيه العتقاد والعلم‪ ،‬فهذه النصوص لم ُتسق‬ ‫ة لبيان الصفات كما هو ظاهر في جميع هذه النصوص‪.‬فأين ما يطالب به من الدليل الشرعي‬ ‫ف ظاهرها بالوضع؟‬ ‫على أن الشارع أراد بهذه النصوص خل َ‬ ‫وجوابنا هو جوابه‪ .‬أو سمعيا ً ظاهرا ً مثل الدللت فى الكتاب والسنة‬ ‫)‪(1‬‬ ‫التى تصرف بعض الظواهر‪(..‬‬ ‫‪ ()3‬انظر تنوير الذهان من تفسير روح البيان‪ ،‬إسماعيل حقي‬ ‫البروسوي اختصار وتحقيق محمد علي الصابوني ‪4/169‬‬ ‫‪62‬‬ .

) :‬غلة‬ ‫المجسمة الذين يكفرهم المسلمون أحسن حال ً منكم شرعا ً‬ ‫وعقل ً وهم أقل مخالفة للشرع والعقل منكم‪ ،‬فإذا كان‬ ‫هؤلء خيرا ً منكم فكيف تشبهون أنفسكم بمن هو خير من‬ ‫هؤلء من أهل السنة من المسلمين الذين ل يقولون ل‬ ‫بتمثيل ول بتعطيل‪ .‬وهذا‬ ‫صفا ٍ‬ ‫ج إلى البيان من صرفها بالتأويل‬ ‫الصرف إلى الصفات أحو ُ‬ ‫لن اللغة تساعد على حملها على الوجوه التي يذكرها‬ ‫المتأول‪ ،‬أما حملها على الصفات فليس من أساليب العربية‬ ‫المعروفة فيتعين أن يكون استعمال ً شرعيا ً ُيحتاج معه إلى‬ ‫بيان شرعي‪.‬‬ ‫المثال الرابع‪ :‬أن ابن تيمية رحمه الله يتجاهل كل ما‬ ‫ذكره من دعوى براءة ظواهر الكتاب مما يوهم التجسيم‪،‬‬ ‫ويدعو إلى تفويض المعنى الله عز وجل‪ ،‬ويأمر برد اللفاظ‬ ‫القليلة المشكلة إلى محكم التنزيه‪ ،‬كل ذلك يخاطب به‬ ‫النصارى في كلم طويل هو عين الكلم الذي خاطبه به أهل‬ ‫السنة فاشتد في إنكاره عليهم‪ .‫ول يخفى أن أهل التاويل كشفوا عن قواطع عقلية وقواطع‬ ‫سمعية تمنع من الحمل على الظواهر في هذا الباب‪.‬وفيها‬ ‫ألفاظ قليلة مشكلة متشابهة‪ ،‬وهي مع ذلك ل تدل‬ ‫على ما ذكرتموه من التثليث والتحاد ل نصا ً ول ظاهرا ً ولكن‬ ‫بعضها يحتمل بعض ما قلتم‪ .‬يقول رحمه الله‪.‬فأخذتم ذلك المحتمل‬ ‫‪63‬‬ .‬وإثباتها‬ ‫ت لله عز وجل فيه صرف لها عن ظواهرها‪ ..‬وبيان ذلك أن التوراة والنجيل وسائر‬ ‫كتب الله وغير ذلك مما هو مأثور عن النبياء فيه نصوص‬ ‫كثيرة صريحة ظاهرة واضحة في وحدانية الله وأنه ل إله‬ ‫غيره وهو مسمى فيها بالسماء الحسنى موصوف بالصفات‬ ‫العلى وأن كل ما سواه مخلوق له ليس فيه تثليث ول اتحاد‬ ‫الخالق بشيء من المخلوقات ل المسيح ول غيره‪ .‬‬ ‫الرابع‪ :‬أن هذا الذي ذكره من الحاجة إلى البيان يلزمه‬ ‫الحاجة إلى مثله من البيان لمنع حملها على الظواهر لن‬ ‫هذه اللفاظ على ظاهرها تفيد الجوارح والعضاء‪ .

‬‬ ‫وعرضوا كثيرا ً من الخبار التي يجري فيها التأويل على هذا‬ ‫الساس والمنهج‪ .(1‬‬ ‫يحصى…(‬ ‫والحاصل أن التأويل ثابت عن السلف ول غنى عنه‬ ‫للخلف بل ل غنى عنه لمن أنكر على أهل التأويل‪ ،‬وإنما‬ ‫ُينسب التأويل إلى المعتزلة والشاعرة والماتريدية ومن‬ ‫وافقهم لنهم توسعوا فيه ولم يتخبطوا كما تخبط فيه أولئك‬ ‫بل وضعوا له منهجا ً متكامل ً يقوم على أسس واضحة‪.‬وهؤلء عدلوا عما ُيعلم بصريح المعقول‬ ‫وعما ُيعلم بنصوص النبياء الكثيرة إلى ما تحتمله‬ ‫بعض اللفاظ لموافقته لهواهم فلم يتبعوا إل‬ ‫الظن وما تهوى النفس‪ .‬‬ ‫‪ ()1‬الجواب الصحيح ‪454-4/449‬‬ ‫‪64‬‬ .‬ويقوم هذا‬ ‫المنهج على عدة أسس‪.‬ولو‬ ‫ما صيرتموه أمان ً‬ ‫كانت كلها تحتمل جميع ما قلتم لم يجز العدول‬ ‫عن النص والظاهر إلى المحتمل‪ ،‬ولو كان بعضها‬ ‫ظاهرا ً فيما قلتم لم يجز العدول عن النصوص‬ ‫الصريحة إلى الظاهر المحتمل‪ ،‬ولو قدر أن فيها‬ ‫ة‬ ‫ة قد عارضتها نصوص أخرى صريح ٌ‬ ‫نصوصا ً صريح ً‬ ‫لكان الواجب أن ينظروا بنور الله الذي أيد به‬ ‫عباده المؤمنين فيتبعون أحسن ما أنزل الله وهو‬ ‫المعنى الذي يوافق صريح المعقول وسائَر كتب‬ ‫الله‪ ،‬وذلك النص الخر إن فهموا تفسيره وإل‬ ‫فوضوا معناه إلى الله تعالى إن كان ثابتا ً عن‬ ‫النبياء‪ .‬وأما كفار المجسمة فهؤلء‬ ‫أعذر وأقل كفرا ً من النصارى‪ .‫وضممتم إليه من الكفر الصريح والتناقض القبيح‬ ‫ة لكم أي عقيدةَ إيمان لكم‪ .‬ففي‬ ‫التوراة والقرآن من اليات التي ظاهرها التجسيم ما ل‬ ‫)‪.‬وباستقراء مواضع تأويلتهم يتضح لنا‬ ‫المنهج الراسخ الذي سلكه الشاعرة في التأويل‪ .‬فإن هؤلء يقولون ‪-‬كما يقوله‬ ‫معهم النفاة‪ -‬إن ظواهر جميع الكتب هو التجسيم‪ .

182‬والرشاد‪ ،‬الجويني ‪.160‬والمواقف‪ ،‬اليجي ‪.4/50‬‬ ‫‪ ()6‬انظر بسط ذلك في العقيدة النظامية لمام الحرمين ‪21‬‬ ‫والتمهيد‪ ،‬النسفي ‪ ...35-28‬والبداية من‬ ‫الكفاية في أصول الدين لنور الدين الصابوني )‪508‬هـ( ص ‪44‬‬ ‫والساس في التقديس ‪.‬إذ لو فتشنا‬ ‫م أنها كناية عن‬ ‫عن قلوب المؤمنين لم نجد فيها أصابع فَعُل ِ َ‬ ‫القدرة التي هي سر الصابع‪ ،‬وكّني بالصابع عن القدرة لن‬ ‫ذلك أعظم وقعا ً في تفهم تمام القتدار()‪ .45-15‬‬ ‫‪65‬‬ .‫أسس التأويل وضوابطه‪:‬‬ ‫أول ً‪ :‬ل يجوز صرف اللفظ عن ظاهره إل عند قيام‬ ‫الدليل القاطع على أن ظاهره محال ممتنع )‪ (1‬مثال ذلك‬ ‫قول النبي صلى الله عليه وسلم‪) :‬قلب المؤمن بين‬ ‫)‪(2‬‬ ‫إصبعين من أصابع الرحمن(‬ ‫قال الغزالي‪) :‬حمله على الظاهر غير ممكن‪.273-272‬‬ ‫وشرح المقاصد‪ ،‬التفتازاني ‪.18-6‬والقتصاد‪ ،‬الغزالي ‪ .160‬‬ ‫وشرح الجوهرة‪ ،‬الباجوري ‪.18‬وشرح الجوهرة‪ ،‬اللقاني ‪ .131‬ودراسات في الفرق والعقائد‪ ،‬د‪-‬‬ ‫عرفان ‪208‬‬ ‫‪ ()5‬انظر الرشاد‪ ،‬الجويني ‪ .(3‬أما إذا كان‬ ‫إجراؤه على الظاهر غير محال فل يجوز تأويله‪ ،‬ولذلك أنكر‬ ‫الغزالي على المعتزلة أنهم أولوا ما ورد من الخبار في‬ ‫أحوال الخرة كالميزان والصراط وغيرهما وقال‪) :‬هو بدعة‪،‬‬ ‫إذ لم ينقل ذلك بطريق الرواية‪ ،‬وإجراؤه على الظاهر غير‬ ‫)‪(4‬‬ ‫محال فيجب إجراؤه على الظاهر(‬ ‫ووجه جواز التأويل في النصوص التي يعارض ظاهرها‬ ‫الدليل القاطع أن دللة النص ظنية‪ ،‬فيجب القطع بصرف‬ ‫ن الوجه‬ ‫اللفظ عن الحتمال المعارض للدليل القاطع‪ ،‬ثم ي ُب َي ّ ْ‬ ‫الذي يصح حمل اللفظ عليه‪ ،‬لنه يحتمله ولمانع من حمله‬ ‫)‪(5‬‬ ‫عليه‬ ‫ثانيا ً‪ :‬من العقائد الثابتة بالدليل القاطع أن الله عّز وجل‬ ‫ليس في جهة أو حيز ل يجوز عليه التركيب ول التجسيم ول‬ ‫التشبيه ولتقوم به الحوادث)‪ ،(6‬فإذا وردت الظواهر الظنية‬ ‫‪ ()1‬انظر أساس التقديس‪ ،‬الرازي ‪ .153‬‬ ‫‪ ()2‬صحيح مسلم ‪(2654)2045 /4‬‬ ‫‪ ()3‬انظر قواعد العقائد‪ ،‬مع إحياء علوم الدين ‪.1/102‬‬ ‫‪ ()4‬المصدر السابق‪ ،‬نفس الصفحة‪ .‬وانظر القتصاد في العتقاد‬ ‫‪.

63‬‬ ‫‪ ()8‬الية )‪ (5‬من سورة طه‪.‬‬ ‫‪ ()5‬انظر الرشاد ‪.1990‬و‬ ‫شرح الفقه الكبر‪ ،‬القاري ‪ .1995‬‬ ‫‪ ()3‬انظر شرح الجوهرة‪ ،‬الباجوري ‪ .‬ول يبعد حمل‬ ‫الستواء على قصد الله إلى أمر في العرش‪ ،‬وهذا تأويل‬ ‫سفيان الثوري رحمه الله فاستشهد بقوله تعالى‪):‬ثم استوى‬ ‫إلى السماء وهي دخان()‪ (4‬معناه قصد إليها ()‪ (5‬وهذا معنى‬ ‫قولهم ‪ " :‬التأويل ظني " ويترتب على هذا أن إبطال وجه‬ ‫من وجوه تأويل اللفظ ل يدل على إبطال التأويل بالكلية‪،‬‬ ‫)‪(6‬‬ ‫لنه قد يصح تأويله على وجه آخر‬ ‫ً)‪(7‬‬ ‫خامسا ً‪ :‬يشترط لصحة التأويل أن ل يخالف أصل ً ثابتا‬ ‫ومن هذا التأويل المخالف تأويل ابن قتيبة رحمه الله‬ ‫الستواء بالستقرار‪ ،‬قال‪):‬وقالوا في قوله‪):‬الرحمن على‬ ‫العرش استوى()‪ (8‬أنه استولى‪ ،‬وليس يعرف في اللغة‬ ‫استويت على الدار‪ ،‬أي استوليت عليها‪ ،‬وإنما استوى في‬ ‫‪ ()1‬انظر المواقف‪ ،‬اليجي ‪ .27‬وشرح المقاصد‪ ،‬التفتازاني ‪.‬‬ ‫رابعا ً‪ :‬التأويل بيان المعنى الذي يظن المؤول أنه المراد‪،‬‬ ‫)‪(3‬‬ ‫لن اللفظ قد يحتمل أكثر من معنى يصح صرفه إليه‬ ‫مثال ذلك قول إمام الحرمين‪) :‬ل يمتنع منا حمل الستواء‬ ‫على القهر والغلبة‪ ،‬وذلك شائع في اللغة ‪ ..‬‬ ‫‪66‬‬ .149‬وشرح الجوهرة‪ ،‬اللقاني‬ ‫‪.191‬والتأويل اللغوي‪ ،‬حسين الصالح ‪.41‬‬ ‫‪ ()6‬انظر تعليق الكوثري على الختلف في الفظ ‪.4/50‬‬ ‫‪ ()2‬انظر فيصل التفرقة بين السلم والزندقة‪ ،‬ضمن مجموعة‬ ‫الجواهر الغوالي من رسائل الغزالي ‪.128‬‬ ‫‪ ()4‬الية )‪ (11‬من سورة فصلت‪.26‬‬ ‫‪ ()7‬انظر البرهان‪ ،‬الجويني ‪.1/536‬وفيصل التفرقة‪ ،‬الغزالي ‪-198‬‬ ‫‪.34‬والتأويل اللغوي في القرآن الكريم‪،‬‬ ‫حسين حامد الصالح ‪ 61‬رسالة دكتوراه ‪ -‬جامعة بغداد ‪..‫ة لهذه العقائد وجب الخذ بالنص الشرعي ما أمكن‬ ‫معارض ً‬ ‫فنأول الظواهر إما اجمال ً ونفوض تفصيلها إلى لله‪ ،‬وإما‬ ‫)‪(1‬‬ ‫تفصيل ً بتعيين المراد‬ ‫ثالثا ً‪ :‬يشترط لصحة التأويل أن يكون موافقا ً لساليب اللغة‬ ‫وعرف الستعمال جاريا ً على ما يقتضيه لسان العرب وما‬ ‫)‪(2‬‬ ‫يفهمونه في خطاباتها‪.199‬طبعة منير‪-‬بغداد ‪ .

‬ومما يساعد على تقدير‬ ‫ذلك أن المام الخطابي رحمه الله ذكر الحاديث التي ذكر‬ ‫فيها القدم والرجل وغيرها‪ ،‬وذكر أن مذهب السلف فيها‬ ‫التفويض ثم قال‪) :‬ونحن أحرى بأن ل نتقدم فيما تأخر عنه‬ ‫من هو أكثر علما ً وأقدم زمانا ً وسنًا‪ ،‬ولكن الزمان الذي نحن‬ ‫فيه قد صار أهله حزبين منكر لما ُيروى من نوع هذه‬ ‫الحاديث ومكذب به أص ً‬ ‫ل‪ ،‬ومسّلم للرواية فيها ذاهب في‬ ‫تحقيق الظاهر مذهبا ً يكاد يفضي إلى القول بالتشبيه‪ ،‬ونحن‬ ‫نرغب عن المرين معًا‪ ،‬ونطلب لما يرد من هذه الحاديث‬ ‫‪ ()1‬الختلف في اللفظ ‪.‬‬ ‫والذي يبدو لي أن المسلك الذي ارتضاه المام ابن تيمية‬ ‫رحمه الله أقل حكمة وسلمة من مسلكي التأويل‬ ‫والتفويض‪ ،‬لن إثبات صفة لله عّز وج ّ‬ ‫ل ل يجوز أن يكون‬ ‫بدليل ظني يحتمل الوصفية كما يحتمل غيرها‪ ،‬خاصة وقد‬ ‫انتهى هذا االمذهب في لفظ الصفة إلى معنى البعاض‪.37‬‬ ‫‪67‬‬ .‬‬ ‫الثاني‪ :‬التفويض هو اعتقاد السلف والخلف‪ ،‬والتأويل‬ ‫الوارد عن الخلف ضرورة فكرية اضطروا إليها لدفع‬ ‫الوسوسة والشكوك عن العوام والتصدي لرد مذاهب‬ ‫المبتدعة وتوضيح العقائد السلمية‪ .337‬‬ ‫‪ ()2‬انظر تعليق الكوثري عليه ‪.‫هذا المكان‪ :‬استقر)‪ (1‬ول يخفى أن في الستقرار تشبيها ً‬ ‫ة لتنزيه الباري عّز وج ّ‬ ‫ل ومثل هذا التأويل‬ ‫بالمخلوق‪ ،‬ومفارق ً‬ ‫ً)‪(2‬‬ ‫غير مقبول لنه يخالف أصل ً ثابتا‬ ‫وفي ختام الكلم على هذه المسالك لبد من‬ ‫التنبيه إلى أمرين‬ ‫الول‪ :‬أن كل المذهبين ‪ -‬التفويض والتأويل ‪ -‬يقود إلى غاية‬ ‫واحدة‪ ،‬والثمرة فيهما أن الله عّز وج ّ‬ ‫ل ل يشبهه شيء من‬ ‫مخلوقاته‪ ،‬وأنه منزه عن جميع النقائض‪ ،‬متصف بصفات‬ ‫الكمال‪.

.‬‬ ‫وفي هذا دليل على أن التأويل في حقهم ضرورة اضطروا‬ ‫قدِرها‪ ،‬والتفويض مسلكهم واختيارهم فإذا‬ ‫دروها ب َ‬ ‫إليها وقَ ّ‬ ‫خّرجوا‬ ‫احتاجوا لرد مذهب المبتدع أو لتثبيت عقيدة الضعفاء َ‬ ‫ة للدلة العقلية وقواعد اللغة‬ ‫ت موافق ً‬ ‫لهذه النصوص تأويل ٍ‬ ‫العربية‪.‬‬ ‫‪ ()1‬انظر السماء والصفات‪ ،‬البيهقي ‪.‫إذا صحت من طريق النقل والسند تأويل ً ُيخّرج على معاني‬ ‫)‪(1‬‬ ‫أصول الدين ومذاهب العلماء‪(..444-443‬‬ ‫‪68‬‬ .

1 ،13/20 ()4‬‬ ‫‪ ()5‬سفر الخروج ‪..‬ونشير إلى بعض هذه النصوص ففي‬ ‫سفر الخروج )ولما رأى الشعب أن موسى أبطأ في النزول‬ ‫من الجبل اجتمع الشعب على هارون وقالوا له قم اصنع‬ ‫)‪(3‬‬ ‫لنا آلهة تسير أمامنا(‪.1 ،32‬‬ ‫‪.‬‬ ‫‪ ()3‬الصحاح ‪.‬لكنه لم يمد يده إلى‬ ‫)‪(5‬‬ ‫أشراف بني إسرائيل فرأوا الله وأكلوا وشربوا(‬ ‫‪ ()1‬الية )‪ (138‬من سورة العراف‪.‬‬ ‫وفيه أيضا )صعد موسى وهارون‪ ..11-24/9‬‬ ‫‪69‬‬ .‬‬ ‫‪ ()2‬الية )‪ (148‬من سورة العراف‪.‬‬ ‫وفيه أيضا‪) :‬وارتحلوا من سكوت ونزلوا في طرف البرية‬ ‫وكان الرب يسير أمامهم نهارا في عمود سحاب‬ ‫)‪(4‬‬ ‫ليهديهم الطريق وليل ً في عمود نار ليضيء لهم‪(..‫المبحث الول‪ :‬التجسيم في عقيدة اليهود‬ ‫وأثره في عقائد بعض المسلمين‬ ‫المطلب الول‪:‬التجسيم في عقيدة اليهود‬ ‫ل يعرف في الملل والنحل أنزع من اليهود إلى‬ ‫التجسيم فالقرآن الكريم يحدثنا عن ارتداد اليهود إلى‬ ‫التجسيم مع وجود موسى عليه السلم بين ظهرانيهم‪ ،‬فلم‬ ‫يصبروا على التنزيه برهة فما لبثوا بعد أن جاوز الله بهم‬ ‫البحر وأنجاهم من فرعون أن طالبوا نبي الله موسى عليه‬ ‫السلم بأن يتخذ لهم إلها ً مجسما ً قال تعالى )وجاوزنا ببني‬ ‫إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم‬ ‫قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة()‪ (1‬وقال تعالى‪:‬‬ ‫)واتخذ قوم موسى من بعده من حيلهم عجل ً جسدا ً له خوار‬ ‫)‪(2‬‬ ‫فقالوا هذا إلهكم وإله موسى(‬ ‫وتشهد نصوص التوراة على اليهود بانحطاحهم من التنزيه‬ ‫إلى التجسيم أيضا‪ .‬وسبعون من شيوخ‬ ‫إسرائيل ورأوا إله إسرائيل وتحت رجليه شبه صنعة‬ ‫من العقيق الزرق الشفاف‪ .

(5‬‬ ‫‪ ()4‬آية ‪.‫وفي سفر التكوين )سافك دم النسان بالنسان يسفك دمه‬ ‫)‪(1‬‬ ‫لن الله على صورته عمل النسان(‬ ‫وفي سفر الخروج )فقال الرب لموسى ها أنا آت إليك في‬ ‫ظلم السحاب لكي يسمع الشعب حين أتكلم معك‪.(2‬‬ ‫وفي المزمور التاسع )جلست على الكرسي قاضيا عادل‪.(3‬‬ ‫(‬ ‫ضيقي دعوت الرب‪ ،‬وإلى‬ ‫وفي المزمور الثامن عشر‪) :‬في ِ‬ ‫إلهي صرخت‪ ،‬فسمع من هيكله صوتي‪ ،‬وصراخي قدامه‬ ‫دخل أذنيه‪ ،‬فارتجت الرض وارتعشت أسس الجبال‬ ‫وارتعدت لنه غضب‪ ،‬صعد دخان من أنفه ونار من‬ ‫)‪(4‬‬ ‫فمه أكلت جمرا اشتعلت منه النار(‬ ‫ويطول البحث إذا أردنا تتبع ما في التوراة من التجسيم‪..) :‬وأيضا ً فإن عندهم في توراتهم أن موسى صعد‬ ‫الجبل مع مشايخ أمته فأبصروا الله جهرة وتحت رجليه‬ ‫كرسي منظره كمنظر البلور‪ .‬لنه في‬ ‫اليوم الثالث ينزل الرب أمام عيون جميع الشعب‬ ‫على جبل سيناء()‪..‬‬ ‫ويشهد لذلك قول السموأل بن يحيى المغربي)‪570‬‬ ‫هـ(الذي كان عالما ً باليهودية ثم أسلم وألف كتابه )إفحام‬ ‫اليهود(‪.‬ويطول الكتاب إذا عددنا ما‬ ‫عندهم من كفريات التجسيم‪ ،‬على أن أحبارهم قد تهذبوا‬ ‫كثيرا ً عن معتقد آبائهم بما استفادوه من عقيدة المسلمين(‬ ‫)‪ (5‬ويعزو الشهرستاني ميل اليهود إلى التجسيم إلى كثرة‬ ‫النصوص التي توهم ذلك في كتبهم فيقول‪) :‬لنهم وجدوا‬ ‫التوراة مملوءة بالمتشابهات مثل الصورة والمشافهة‬ ‫والتكليم جهرًا‪ ،‬والنزول على طور سيناء انتقا ً‬ ‫ل‪ ،‬والستواء‬ ‫‪ ()1‬الصحاح ‪.8/1‬‬ ‫‪ ()2‬الية ‪.‬‬ ‫)‪.6/9‬‬ ‫‪..19/11‬‬ ‫‪ ()3‬آية )‪.1/131 ()5‬‬ ‫‪70‬‬ .

211‬وانظر البدء والتاريخ‪ ،‬المقدسي ‪.(1‬وبالجملة فإن نسبة التجسيم إلى اليهود مما اتفق عليه‬ ‫كتاب الملل والنحل والمؤلفون في مقارنة الديان فل نطيل‬ ‫البحث فيه‪ ،‬إل أن من الضروري التنبيه قبل أن نختم‬ ‫المطلب إلى أن كتاب الفرق يرون أن لتجسيم اليهود أثرا ً‬ ‫في ظهور التجسيم في معتقد بعض الفرق السلمية من‬ ‫ذلك قول الرازي‪:‬‬ ‫)اعلم أن اليهود أكثرهم مشبهة‪ ،‬وكان بدو ظهور التشبيه‬ ‫في السلم من الروافض مثل بيان بن سمعان الذي كان‬ ‫يثبت لله العضاء والجوارح وهشام بن الحكم وهشام بن‬ ‫سالم الجواليقي ويونس بن عبد الرحمن القمي وأبي جعفر‬ ‫الحول الذي كان يدعى شيطان الطاق‪ ،‬وهؤلء رؤساء‬ ‫علماء الروافض‪ ،‬ثم تهافت في ذلك المحدثون ممن لم يكن‬ ‫لهم نصيب من علم المعقولت‪ (2)(.‬‬ ‫‪ ()1‬الملل والنحل ‪ .‫على العرش استقرارًا‪ ،‬وجواز الرؤية فوقا ً وغير ذلك(‬ ‫)‪.‬وسوف نبحث هذه‬ ‫المسالة في المطلب القادم إن شاء الله‪.4/34‬‬ ‫‪ ()2‬اعتقادات فرق المسلمين والمشركين ‪ 34‬وانظر في الفرق بين‬ ‫الفرق‪ ،‬البغدادي ‪.28‬‬ ‫‪71‬‬ ..

‫المطلب الثاني‪ :‬أثر تجسيم أهل الكتاب في‬ ‫عقائد بعض المسلمين‬ ‫سبق أن المام الرازي أشار إلى أن بدو ظهور التشبيه‬ ‫في السلم من الروافض ثم تهافت في ذلك المنتسبون‬ ‫إلى أهل الحديث‪ .1/31‬‬ ‫‪ ()2‬تاريخ بغداد ‪ 13/164‬وسيرأعلم النبلء ‪.‬يقول الذهبي في ترجمته‪) :‬مقاتل‬ ‫‪ ()1‬مقالت السلمين ‪.‬أما الروافض الذين حكى عنهم علماء‬ ‫الفرق التجسيم فسوف نفصل مقالتهم في المطلب‬ ‫القادم‪ .7/202‬‬ ‫‪ ()3‬مقالت السلميين ‪.‬وهو مع‬ ‫ذلك ل يشبه غيره‪ ،‬ول يشبهه غيره‪ (3).‬‬ ‫وأقدم من ُيحكى عنه التجسيم في دائرة أهل الحديث هو‬ ‫مقاتل بن سليمان السدوسي)‪150‬هـ(‪ .(2‬‬ ‫وحكى عنه المام الشعري أنه قال‪ :‬إن الله جسم وله جثه‬ ‫وإنه على صورة النسان لحم ودم وشعر وعظم‪.‬ول تظهر الحاجة هنا إلى دراسة أثر تجسيم أهل‬ ‫الكتاب في هذه المقالت لسببين أحدهما أن عرض هذه‬ ‫المقالت يكفي في إثبات براءة عقيدة المسلمين منها‪ ،‬وأنها‬ ‫مقتبسة من عقائد أهل الكتاب‪ ،‬والثاني أن هذه الفرق‬ ‫انقرضت بحمد الله فهذا المام الشعري يحكي عن‬ ‫الروافض اختلفهم في التجسيم فيذكر مقالت بيان وهشام‬ ‫وغيرهما ثم ينقل عن فرقة من الروافض نفي التجسيم‬ ‫ويقول‪) :‬وقالوا في التوحيد بقول المعتزلة والخوارج وهؤلء‬ ‫قوم من متأخريهم‪ .‬فأما أوائلهم فإنهم يقولون ما حكينا‬ ‫عنهم من التشبيه()‪..(1‬‬ ‫أما أثر تجسيم أهل الكتاب في عقائد بعض المنتسبين إلى‬ ‫أهل الحديث فهو الذي يحتاج إلى دراسة وإيضاح‪.‬ولم يبرئه المحدثون‬ ‫من نسبة التجسيم إليه‪ .‬أخرج الخطيب‬ ‫البغدادي بسنده عن أبي حنيفة قال‪) :‬أتانا من المشرق‬ ‫رأيان خبيثان جهم معطل ومقاتل مشبه()‪.251‬‬ ‫‪72‬‬ .

‬فليعاب على من قصد جمع‬ ‫‪ ()1‬تذكرة الحفاظ ‪ 1/174‬وانظر نحوه في تاريخ بغداد ‪13/162‬‬ ‫والمنتظم‪ ،‬ابن الجوزي ‪.‫بن سليمان‪ .‬ويجب أن نسلم بالفرق بين لوازم وجود الروايات‬ ‫بحسب اختلف المصنفين‪ .(1‬‬ ‫كان من أوعية العلم بحرا ً في التفسير(‬ ‫ويبدو أن مقاتل بن سليمان قد تأثر بكتب أهل الكتاب‪ .(2‬‬ ‫أرى أنه كان له علم بالقرآن(‬ ‫وقال الحافظ ابن حبان‪) :‬كان يأخذ عن اليهود والنصارى‬ ‫علم القرآن الذي يوافق كتبهم وكان مشبها يشبه الرب‬ ‫)‪(3‬‬ ‫بالمخلوقين‪ .8/126‬‬ ‫‪ ()2‬تاريخ بغداد ‪.‬وكان مع ذلك يكذب في الحديث(‬ ‫على أن تسرب التجسيم إلى عقائد بعض المنتسبين إلى‬ ‫المحدثين ل ينحصر في مقاتل بن سليمان بل يمكن إثبات‬ ‫ذلك بمتابعة مرويات أهل الكتاب التي قبلها بعض المحدثين‬ ‫فلم يكتفوا بروايتها بل احتجوا بها وأنكروا على من يدفعها‬ ‫متذرعا ً بأنها من أخبار أهل الكتاب‪ .‬متروك الحديث وقد لطخ بالتجسيم مع أنه‬ ‫)‪.1/136‬‬ ‫‪ ()4‬الملل والنحل ‪.13/161‬‬ ‫‪ ()3‬المجروحون ‪ 2/15‬وانظر نحوه في وفيات العيان ‪5/255‬‬ ‫والضعفاء لبن الجوزي ‪.‬وربما زاد بعضهم على‬ ‫ذلك مقتبسا ً من عقائد اليهود كما قال الشهرستاني‪) :‬وزادوا‬ ‫في الخبار أكاذيب وضعوها ونسبوها إلى النبي عليه الصلة‬ ‫والسلم وأكثرها مقتبس من اليهود فإن التشبيه فيهم طباع‬ ‫حتى قالوا اشتكت عيناه فعادته الملئكة وبكى على طوفان‬ ‫نوح حتى رمدت عيناه وإن العرش ليئط من تحته أطيط‬ ‫)‪(4‬‬ ‫الرحل الجديد وإنه ليفضل من كل جانب أربعة أصابع(‬ ‫ويكفي لثبات تأثر بعض المحدثين بمرويات أهل الكتاب أن‬ ‫تطلع على الكتب التي صنفت تحت عنوان)السنة( ويعنون‬ ‫بها ما يقابل البدعة – وعلى الكتب التي صنفوها للرد على‬ ‫مخالفيهم ويغلب أن يسمى مثل هذا المصنف)الرد على‬ ‫الجهمية(‪ .106‬‬ ‫‪73‬‬ ..‬فقد‬ ‫أخرج الخطيب البغدادي بسنده عن المام أحمد بن حنبل‬ ‫أنه سئل عن مقاتل فقال‪) :‬كانت له كتب ينظر فيها إل أني‬ ‫)‪.

‬فل حاجة إلى مناقشته فيما ساقه من السانيد‪.‬لكنه ل يسلم إذا أخرج هذه الرواية‬ ‫في كتاب اسمه )السنة( أو )الرد على الجهمية(‪ .‬يقول‬ ‫الكوثري‪) :‬على أنه حيث سمى كتابه )السنة( يفيد أن ما‬ ‫حواه ذلك الكتاب هو العقيدة المتوارثة من الصحابة‬ ‫والتابعين‪ .‫المنقول من التفسير بالمأثور مثل أن يجمع في ما جمع‬ ‫رواية عن أهل الكتاب‪ ..‬‬ ‫فيتبين بذلك الفرق بين ذكر شيء في كتاب يسميه مؤلفه‬ ‫باسم )السنة( وبين ذكره في كتاب ل يسمى بمثل هذا‬ ‫السم‪ ،‬لن الثاني ل يدل على أن جميع ما فيه مما يعتقده‬ ‫مؤلفه‪ ،‬بل قد يكون جمع فيه ما لقي من الروايات تاركا ً‬ ‫تمحيصها للمطالع بخلف الول فل نناقش المؤلف في‬ ‫السانيد بل نوجه النقد إلى المؤلف مباشرة من جهة أن ما‬ ‫)‪.(1‬‬ ‫حواه هو معتقده(‬ ‫ونجد أن هذا المعنى مسّلم به عند من يعتد بما في هذه‬ ‫الكتب‪ ،‬يقول الدكتور رضا بن نعسان في رسالته الجامعية‪:‬‬ ‫)إن علماء السلف قد ألفوا كتبا ً كثيرة وقد أطلق على كثير‬ ‫منها اسم البانة‪ .‬‬ ‫‪74‬‬ ..326‬‬ ‫‪ ()2‬انظر هامش البابة‪ ،‬ابن بطة ‪ 1/48‬وانظر نحوه في تحقيق‬ ‫د‪..‬وأحيانا يطلقون على هذه المؤلفات‬ ‫اسم )السنة( أو )شرح السنة( – وعد كتبا ً منها كتاب السنة‬ ‫لعبد الله بن أحمد‪ ،‬والسنة لبن أبي عاصم‪ ،‬ثم قال‪ -‬ويهدف‬ ‫مؤلفو هذه الكتب إلى إبراز عقيدة السلف كما كانت خالصة‬ ‫من شوائب الفرق الخرى وشبهها‪ ،‬وذلك من خلل روايتهم‬ ‫للثار الواردة في هذه العقيدة‪.‬باسم فيصل الجوابر لكتاب السنة‪...‬‬ ‫‪ ()1‬مقالت الكوثري ‪..‬‬ ‫ويكاد يكون موضوع هذه الكتب ونهجها واحدا ً وهو كما قلنا‬ ‫رواية الحاديث الواردة في جميع أبواب العقيدة السلفية‬ ‫)‪.(2‬‬ ‫وذكر عقائد السلف الصالح(‬ ‫إذن فلننظر فيما جاء في هذه المصنفات من مرويات أهل‬ ‫الكتاب التي تفيد التجسيم ليتضح بذلك أثر هذه المرويات‬ ‫في اعتقاد بعض المسلمين‪.

2/323‬‬ ‫‪ ()8‬قال في اللسان‪) :‬الهيكل‪ :‬الضخم من كل شيء( والهيكل بيت‬ ‫للنصاري فيه صورة يرسم وعيسى عليه السلم‪ .5/1719‬‬ ‫‪ ()2‬السنة ‪..‫أول ً‪ :‬أخرج عبد الله بن أحمد بسنده عن نوف البكالي أنه‬ ‫قال‪) :‬أوحى الله عز وجل إلى الجبال أني نازل على‬ ‫جبل منك‪ ،‬قال فتطاولت الجبال وتواضع طور سيناء‪ ،‬وقال‬ ‫در لي شيء فسيأتيني‪ ،‬فأوحى الله عز وجل إليه أني‬ ‫إن قُ ّ‬ ‫)‪.‬‬ ‫)‪(4‬‬ ‫واستدل به ابن قدامه في )إثبات صفة العلو( وابن‬ ‫القيم)‪ (5‬والذهبي)‪ (6‬وأسامه القصاص من المعاصرين وقال‬ ‫شارحًا‪):‬وليس في هذا اللفظ شيء من المحظور‪ ...(1‬‬ ‫نازل عليك لتواضعك ورضاك بقدري( وأخرجه الخلل‬ ‫ً)‪(2‬‬ ‫في كتاب السنة أيضا‬ ‫ثانيا ً‪:‬أخرج الللكائي بسنده عن ثابت البناني أنه قال‪):‬كان‬ ‫داود يطيل الصلة ثم يركع ثم يرفع رأسه ثم يقول إليك‬ ‫رفعت رأسي يا عامر السماء‪ ،‬نظر العبيد إلى أربابها يا‬ ‫)‪(3‬‬ ‫ساكن السماء‪(.1/290‬‬ ‫‪75‬‬ .3/400‬‬ ‫‪.169‬‬ ‫‪ ()6‬العلو للعلي العفار‪ 1/522 ،‬و ‪ .1/116‬‬ ‫‪ ()7‬إثبات علو الرحمن من قول فرعون لهامان‪ .‬وغير اسمه‬ ‫المحقق كما أشار إلى ذلك فطبع باسم )إثبات علو الله على خلقه(‬ ‫انظر ‪.‬وانظر مختار الصحاح‪،‬‬ ‫الرزاي ‪.1/96 ()4‬‬ ‫‪ ()5‬اجتماع الجيوش ‪.2/896‬وأخرجه في )العرش(‬ ‫‪ 2/156‬وانظر احتجاج حافظ حكمي به في معارج القبول ‪.‬‬ ‫ثالثا ً‪ :‬أخرج عبد الله بن أحمد بسنده عن وهب بن منبه أنه‬ ‫قال‪) :‬إن السموات السبع والبحار لفي الهيكل)‪ (8‬وإن‬ ‫الهيكل لفي الكرسي‪ ،‬وإن قدميه لعلى الكرسي وهو‬ ‫يحمل الكرسي وقد عاد الكرسي كالنعل في قدميه(‬ ‫‪ ()1‬السنة ‪ ،2/469‬وأخرجه أبو الشيخ في العظمة ‪.‬والهيكل البناء المشرف‪ (11/700) .‬فقوله‬ ‫)يا ساكن السماء( معناه‪ :‬يا موجودا ً في السماء‪ ،‬أو‪ :‬يا‬ ‫متخذا السماء حيثية وجودك‪ ،‬أي المكان اللئق‬ ‫)‪(7‬‬ ‫باستقرارك‪(.2/469‬‬ ‫‪ ()3‬اعتقاد أهل السنة ‪.‬بما سمي به‬ ‫ويرهم‪ ..

‬‬ ‫رابعا ً‪ :‬أخرج عبد الله بن أحمد عن محمد بن كعب القرظي‬ ‫أنه قال‪):‬كأن الناس إذا سمعوا القرآن من في الرحمن‬ ‫)‪.‬فقال كعب‪ :‬دعوا الرجل فإن‬ ‫كان جاهل ً تعلم وإن كان عالما ً ازداد علمًا‪ .‬ثم‬ ‫جعل ما بين كل سماءين كما بين السماء الدنيا والرض‪،‬‬ ‫وكثفهن مثل ذلك‪ .‬فقال يا أبا إسحاق حدثني عن‬ ‫الجبار؟ فأعظم القوم قوله‪ .‫وقال المحقق‪) :‬لم أقف عليه وكلم وهب هنا لعله من‬ ‫)‪(1‬‬ ‫السرائيليات التي ل تصدق ول تكذب والله أعلم(‬ ‫ونحوه قول الذهبي بعد سياقته‪) :‬كان وهب من أوعية‬ ‫ج ّ‬ ‫ل علمه عن أخبار المم السالفة‪ ،‬كان عنده‬ ‫العلوم‪ ،‬لكن ُ‬ ‫كتب كثيرة إسرائيليات‪ ،‬كان ينقل منها لعله أوسع دائرة من‬ ‫كعب الخبار‪ ،‬وهذا الذي وصفه من الهيكل وأن الرضين‬ ‫السبع يتخللها البحر وغير ذلك فيه نظر والله أعلم‪ ،‬فل‬ ‫ً )‪(2‬‬ ‫نرده ول نتخذه دليل (‬ ‫وفي هذا الموقف نظر ليس هذا موضع بسطه‪ ،‬وما يتعلق‬ ‫بهذا الموضع هو الشارة إلى عدم استنكاف بعض المحدثين‬ ‫من بعض مرويات أهل الكتاب مع مخالفتها الظاهرة لقواطع‬ ‫تنزيه الباري سبحانه عن الجسمية‪.1/148‬‬ ‫‪ ()4‬الرد على الجهمية ضمن )عقائد السلف( ‪ .‬فما في‬ ‫السموات سماء إل لها أطيط كأطيط الرحل العلفي أول ما‬ ‫يرتحل من ثقل الجبار فوقهن()‪ (4‬وساق بعده أحاديث‬ ‫أخرى ثم قال ‪) :‬والحاديث عن رسول الله صلى الله عليه‬ ‫وسلم وعن أصحابه والتابعين ومن بعدهم في هذا أكثر من‬ ‫‪ ()1‬السنة ‪.‬ثم رفع العرش فاستوى عليه‪ .(3‬‬ ‫يوم القيامة فكأنهم لم يسمعوه قبل ذلك(‬ ‫خامسا ً‪:‬أخرج الدارمي بسنده عن عطاء بن يسار أنه قال‪:‬‬ ‫أتى رجل كعبا ً وهو في نفر‪ .277‬وأخرجه أبو‬ ‫الشيخ في )العظمة ‪ 2/611‬والذهبي في العلو ‪.2/477‬‬ ‫‪ ()2‬العلو ‪.1/130‬‬ ‫‪ ()3‬السنة ‪.‬ثم قال كعب‪:‬‬ ‫أخبرك أن الله خلق سبع سموات ومن الرض مثلهن‪ .2/866‬‬ ‫‪76‬‬ .

‬‬ ‫فهل من سبيل بعد هذا إلى نفي تأثر بعض المسلمين‬ ‫بتجسيم أهل الكتاب‪ .1/720‬‬ ‫‪77‬‬ .1/256‬وأخرجه الجري في الشريعة ‪ 4/1609‬والذهبي‬ ‫في العلو ‪.279‬‬ ‫‪ ()2‬السنة ‪ .‬‬ ‫وليس أدل على هذا التأثير اليهودي من تسرب هذه‬ ‫المرويات وتخريجها في كتب خصصت لحاديث العقيدة‬ ‫المنسوبة إلى السلف الصالح والرد على مخالفيها مع‬ ‫التصريح بالحتجاج بهذه المرويات أحيانا ً وبذل الوسع في‬ ‫النكار على مخالفيها أحيانًا‪.‬والستلقاء على هيأة نهى‬ ‫الخلق عن فعل مثلها‪ ،‬ووضع إحدى رجليه على الخرى‪.‬‬ ‫على أن هذا حصول هذا التأثير يدل عليه أيضا استشهاد‬ ‫بعضهم بنصوص التوراة التي تفيد التجسيم لتقوية خبر تالف‬ ‫منكر كما فعلوا في الخبر الذي جاء في خلق آدم على‬ ‫صورة الرحمن‪.‬على أن في ثنايا البحث ما يكشف عن‬ ‫تشابه بين ما التزمه بعض المسلمين وبين نصوص التوراة‬ ‫المحرفة التي تصرح بالتجسيم فإن لم يكن هذا التفاق دليل ً‬ ‫على تسرب شيء من عقائد اليهود إلى عقائد بعض‬ ‫‪ ()1‬الرد على الجهمية ‪.‫أن يحصيها كتابنا هذا غير أنا قد اختصرنا من ذلك ما يستدل‬ ‫)‪(1‬‬ ‫به أولو اللباب(‬ ‫سادسا ً‪ :‬أخرج ابن أبي عاصم بسنده عن عبد الله بن سلم‬ ‫أنه قال‪) :‬والذي نفسي بيده إن أقرب الناس يوم القيامة‬ ‫محمد صلى الله عليه وسلم جالس عن يمينه على‬ ‫)‪(2‬‬ ‫كرسي(‬ ‫وسيأتي كثير من المثلة السابقة في الشبه السمعية التي‬ ‫استدل بها بعض المحدثين بمرويات أهل الكتاب التي‬ ‫تتحدث عن النزول الحسي واتخاذ السماء مسكنا ً وأن له‬ ‫تعالى عن ذلك قدمين يضعهما على الكرسي‪ ،‬واثبات الفم‪،‬‬ ‫والستواء الذي يحصل منه أطيط في العرش من ثقل‬ ‫الجبار‪ ،‬والحمل والقلل‪ ،‬والجلوس‪ ،‬والكون عن يمينه وبين‬ ‫يديه‪ ،‬والجلوس معه على العرش‪ .

‬‬ ‫‪78‬‬ .‫المسلمين فإن وجود تلك المرويات كاف في إثبات ذلك‪،‬‬ ‫والله المستعان‪.

‬فرقة‬ ‫تنسب إلى هشام بن الحكم )‪ 190‬هـ( والفرقة الثانية تنسب‬ ‫إلى هشام بن سالم الجواليقي‪ (1).‬ولهذا نتكلم على التجسيم في فرق الشيعة أول ً ثم‬ ‫نتكلم على فرق المجسمة من المنتسبين إلى أهل الحديث‪.42‬‬ ‫‪ ()2‬الفرق بين الفرق ‪.47‬‬ ‫‪ ()3‬التبصير في الدين ‪.‬وهو من متكلمي الشيعة ممن فتق‬ ‫الكلم في المامة وهذب المذهب والنظر‪ ،‬وكان حاذقا ً‬ ‫‪ ()1‬انظر الفرق بين الفرق‪ ،‬البغدادي ‪ 47‬وانظر التنبيه والرد‪،‬‬ ‫الملطي ‪.‫المبحث الثاني‪ :‬فرق المجسمة في الفكر‬ ‫السلمي‬ ‫سبق أن أشرنا إلى أن اليهود هم أصل التجسيم في‬ ‫الديان السماوية وأن أول من تكلم فيه في الفكر السلمي‬ ‫هم الروافض ثم تهافت فيه بعض المنسبين إلى أهل‬ ‫الحديث‪ .‬‬ ‫أو ً‬ ‫ل‪ :‬فرق المجسمة من الشيعة‬ ‫الهشامية‬ ‫يطلق كتاب الفرق اسم )الهشامية( على فرقتين‪ .25‬‬ ‫‪ ()4‬الملل والنحل ‪.‬ولنميز كلم الرجلين مقالة هشام بن‬ ‫الحكم‪):‬وهو أبو محمد مولى بني شيبان‪ ،‬وهو كوفي تحول‬ ‫من بغداد إلى الكوفة‪ .‬وأشار البغدادي إلى أن‬ ‫هاتين الفرقتين قد ضمت إلى رأيها في المامة ضللتها في‬ ‫التجسيم وبدعتها في التشبيه)‪ (2‬وقال السفرائيني)وهم‬ ‫الصل في التشبيه()‪ (3‬وذهب الشهرستاني إلى أن الهشامية‬ ‫فرقة واحدة تنسب إلى الهشامين فقال‪) :‬الهشامية أصحاب‬ ‫الهشامين هشام بن الحكم صاحب المقالة في التشبيه‬ ‫وهشام بن سالم الجواليقي الذي نسج على منواله في‬ ‫التشبيه()‪ (4‬وسواء كانت الهشامية فرقة أو فرقتين فإن أحد‬ ‫الهشامين نسج على منوال الخر في التجسيم وإن خالفه‬ ‫في بعض المسائل‪ .184‬‬ ‫‪79‬‬ .

4/544‬‬ ‫‪ ()2‬سير أعلم النبلء ‪.‫بصناعة الكلم حاضر الجواب … وتوفي بعد نكبة البرامكة‬ ‫بمدة مستترًا‪ .‬في مكان دون مكان‪.‬قال‪ :‬فقلت له‪ :‬فأيهما أعظم‬ ‫إلهك أو هذا الجبل وأومأت إلى جبل أبي قبيس قال‪ :‬فقال‬ ‫هذا الجبل يوفي عليه‪ ،‬أي هو أعظم منه‪ .‬لونه هو طعمه‪ ،‬هو رائحته‪ ،‬ورائحته‬ ‫هي محسته‪ .4/544‬‬ ‫‪ ()3‬الفهرست ‪.‬وذكر ابن الراوندي‬ ‫أن هشام بن الحكم كان يقول‪ :‬إن بين إلهه وبين الجسام‬ ‫‪ ()1‬انظر الفهرست‪ ،‬ابن النذيم ‪ 1/141‬ونحوه في سير أعلم‬ ‫النبلء‪ ،‬الذهبي ‪.‬ولم يعينوا لونا ً ول طمعا ً هو‬ ‫غيره‪ .‬‬ ‫وذكر أبو الهذيل)‪ (4‬في بعض كتبه أن هشام بن الحكم قال‬ ‫إن ربه جسم ذاهب جاء‪ ،‬فيتحرك تارة ويسكن أخرى‪ ،‬ويعقد‬ ‫مرة ويقوم أخرى‪ ،‬وإنه طويل عريض عميق‪ ،‬لن ما لم يكن‬ ‫كذلك دخل في حد التلشي‪ .‬وزعم أن المكان هو العرش‪. (1‬‬ ‫وقال الذهبي‪) :‬هشام بن الحكم المتكلم البارع الكوفي‬ ‫)‪(2‬‬ ‫الرافضي المشبه المعثر‪ ،‬وله نظر وجدل وتواليف كثيرة(‬ ‫)‪(3‬‬ ‫وذكر ابن النديم من تواليفه كتاب المامة وكتاب التوحيد‬ ‫وقد ذكر المام الشعري مقالة هشام وفرقته في‬ ‫التجسيم فقال‪):‬الهشامية أصحاب هشام بن الحكم‬ ‫الرافضي‪ ،‬يزعمون أن معبودهم جسم له نهاية وحد طويل‬ ‫عريض طوله مثل عرضه‪ ،‬وعرضه مثل عمقه ل يوفي بعضه‬ ‫على بعضه‪ .‬وزعموا أنه هو اللون وهو الطعم‪ ،‬وأنه قد كان ل في‬ ‫مكان‪ ،‬ثم حدث المكان بأن تحرك الباري فحدث المكان‬ ‫بحركته فكان فيه‪ .‬‬ ‫كالسبيكة الصافية كاللؤلؤة المستديرة من جميع جوانبها‪.‬وقيل في خلفة المأمون()‪.‬وهو نفسه لونه‪ .‬وإنما قالوا‪:‬‬ ‫طوله مثل عرضه على المجاز دون التحقيق‪ ،‬وزعموا أنه‬ ‫نور ساطع‪ ،‬له قدر من القدار‪ .‬ولم يعينوا له طول ً غير الطويل‪ .185‬‬ ‫‪80‬‬ .1/149‬‬ ‫‪ ()4‬هو أبو الهذيل العلف كان له مناظرات مع هشام بن الحكم في‬ ‫الفصل لبن حزم ‪ 4/139‬الملل والنحل للشهرستاتي ‪.‬‬ ‫ذو لون وطعم ورائحة‪ .

10/544‬‬ ‫‪ ()2‬مقالت السلميين ‪ 208‬وانظر مقالته في الفرق بين الفرق‪،‬‬ ‫البغدادي ‪ 51‬و ‪.71‬‬ ‫‪81‬‬ .‬‬ ‫وحكي عنه خلف هذا وأنه كان يقول إنه جسم ذو أبعاض ل‬ ‫يشبهها ول تشبهه‪ ،‬وحكى عنه الجاحظ أنه قال في ربه في‬ ‫عام واحد خمسة أقاويل‪ ،‬مرة رغم أنه كالبلورة وزعم مرة‬ ‫أنه كالسبيكة‪ .34 – 31‬وانظر نحوه في التنبيه والرد‬ ‫للمطلي ‪ 24‬والفرق بين الفرق‪ ،‬البغدادي ‪ 20-47‬والبدء والتاريخ‪،‬‬ ‫المقدسي ‪ 5/132‬والتبصير في الدين‪ ،‬السفراييني ‪ 24‬و ‪ 70‬والملل‬ ‫والنحل‪ ،‬الشهرستاتي ‪ 184‬وسير أعلم النبلء الذهبي ‪.‬‬ ‫وزعم الوراق أن بعض أصحاب هشام أجابه مرة إلى أن الله‬ ‫عز وجل على العرش مماس له وأنه ل يفضل عن العرش‬ ‫)‪.(1‬‬ ‫ول يفضل العرش عنه(‬ ‫وقال أيضًا‪) :‬وحكى عنه ابن الراوندي أنه قال هو جسم ل‬ ‫كالجسام‪ ،‬ومعنى ذلك أنه شيء موجود()‪ .(2‬وحكى الرازي‬ ‫نحوه عن هشام وقال‪) :‬وكان يزعم أن الله تعالى جسم‪.115‬‬ ‫‪ ()3‬اعتقادات فرق المسلمين ‪ .‬‬ ‫وغّير مذهبه في سنة واحدة عدة تغيرات‪ .63‬وانظر نحوه في التبصير في‬ ‫الدين‪ ،‬السفرايني ‪ 24‬و ‪.‬‬ ‫واستقر رأيه عاقبة المر على أنه سبعة أشبار‪ ،‬لن هذا‬ ‫المقدار أقرب إلى العتدال ليس بجسم‪ ،‬لكن صورته صورة‬ ‫الدمي‪ ،‬وهو مركب من اليد والرجل والعين لن أعضاءه‬ ‫)‪(3‬‬ ‫ليست من لحم ول دم(‬ ‫مقالة هشام الجواليقي‪:‬‬ ‫قال المام الشعري‪) :‬الهشامية أصحاب هشام بن سالم‬ ‫الجواليقي يزعمون أن ربهم على صورة النسان‪ ،‬وينكرون‬ ‫أن يكون لحما ً ودمًا‪ ،‬ويقولون‪ :‬هو نور ساطع يتلل بياضا ً‬ ‫‪ ()1‬مقالت السلميين ‪ .‬فزعم تارة أن‬ ‫الله تعالى كالسبيكة الصافية‪ ،‬وزعم مرة أخرى أنه كالشمع‬ ‫الذي من أي جانب نظرت إليه كان ذلك الجانب وجهه‪.‬وزعم مرة أنه غير ذي صورة‪ ،‬وزعم مرة أنه‬ ‫بشبر نفسه سبعة أشبار‪ ،‬ثم رجع عن ذلك وقال هو جسم ل‬ ‫كالجسام‪.‫المشاهدة تشابها ً من جهة من الجهات‪ ،‬لول ذلك ما دلت‬ ‫عليه‪.

209‬‬ ‫‪ ()3‬المصدر السابق ‪210‬‬ ‫‪ ()4‬سير أعلم النبلء ‪.‬‬ ‫وذكر الطبري وغيره من المؤرخين في حوداث سنة )‬ ‫‪119‬هـ( خروج المغيرة بنفر من أصحابه على خالد بن عبد‬ ‫الله القسري ومنهم بيان بن سمعان في نفر فأخذهم خالد‬ ‫ذكر ساحرا ً‬ ‫فقتلهم‪ .9/323‬‬ ‫والنجوم الزاهرة‪ ،‬ابن تعزي بردي ‪.‬ولم يظهر منه جزع فقال خالد لصحابهما‪ :‬في كل‬ ‫شيء أنتم مجانين‪ ،‬هذا كان ينبغي أن يكون رئيسكم‪ ،‬ل هذا‬ ‫)‪(6‬‬ ‫الفشل‪.‬ليس بجسم‬ ‫لكن صورته صورة الدمي وهو مركب من اليد والرجل‬ ‫والعين‪ ،‬لن أعضاءه ليست من لحم ول دم()‪.(5‬ويذكر المؤرخون أن خالدا ً أوقد حزما ً من‬ ‫القصب‪ ،‬وأتى بالمغيرة ومن معه وأمرهم باعتناق حزم‬ ‫ضم‬ ‫الحطب فجُبن المغيرة عن اعتناق حزمة الحطب حتى ُ‬ ‫إليها قهرًا‪ .‬قال‬ ‫ً )‪(4‬‬ ‫الذهبي‪) :‬وكان هذا الرجل ساحرا ً فاجرا ً شيعيا ً خبيثا( ‪.(1‬‬ ‫حواسه عندهم متغايرة(‬ ‫وقال أيضا‪) :‬وحكى أبو عيسى الوراق أن هشام بن سالم‬ ‫كان يزعم أن لربه وفرة سوداء وأن ذلك نور أسود()‪. (3‬‬ ‫المغيرية‬ ‫هم أصحاب المغيرة بن سعيد العجلي)‪119‬هـ(‪ .‬أما بيان فقد بادر إلى الحزمة فاعتنقها من غير‬ ‫إكراه‪ .1/283‬‬ ‫‪82‬‬ ..175-4/147‬‬ ‫‪ ()6‬انظر تاريخ الطبري ‪ 175-4/147‬و المنتظم لبن الجوزي‬ ‫‪ 7/193‬والكامل لبن الثير ‪ 9/323‬وسير أعلم النبلء ‪.‬‬ ‫‪ ()1‬مقالت السلميين ‪ 34‬و ‪.209‬‬ ‫‪ ()2‬المصدر السابق ‪.‫وأنه ذو حواس خمس بحواس النسان‪ ،‬له يد ورجل وأنف‬ ‫وأذن وعين وفم‪ ،‬وأنه يسمع بغير ما يبصر به‪ ،‬وكذلك سائر‬ ‫)‪. (2‬‬ ‫وزاد الشهرستاني في ما حكاه عنه أنه قال إنه تعالى على‬ ‫صورة إنسان أعله مجوف وأسفله مصمت‪ .9/323‬‬ ‫‪ ()5‬تاريخ الطبري ‪.‬أما المغيرة بن سعيد فإنه كان فيما ُ‬ ‫وكان يقول‪ :‬لو أردت أن أحيي عادا ً أو ثمود َ وقرونا ً بين ذلك‬ ‫كثيرا ً لحييتهم)‪.

‬‬ ‫‪ ()4‬انظر البدء والتاريخ‪ ،‬المقدسي ‪.‬ثم إنه بعد وقوع‬ ‫التاج على رأسه كتب بإصبعه على كفه أعمال عباده‪ .‬ثم اطلع في البحر فأبصر‬ ‫ظله فذهب ليأخذه فطار فانتزع عيني ظله فخلق منها‬ ‫الشمس والقمر‪ ،‬وأفنى باقي ظله وقال‪ :‬ل ينبغي أن يكون‬ ‫معي ثم خلق الخلق من البحرين فخلق الشيعة من البحر‬ ‫العذب النير فهم المؤمنون وخلق الكفرة وهم أعداء الشيعة‬ ‫من البحر المظلم المالح()‪.‫وللمغيرة مقالت حكاها كتاب الفرق منها مقالته في‬ ‫التجسيم‪ .‬ثم‬ ‫نظر فيها فغضب من معاصيهم فعرق‪ ،‬فاجتمع من عرقه‬ ‫بحران أحدهما مالح والخر عذب‪ .5/130‬‬ ‫‪83‬‬ ..‬وتأول على ذلك‬ ‫‪ ()1‬الية )‪ (1‬من سورة العلى‪..‬‬ ‫وكان يزعم أنه يعرف السم العظم‪ ،‬وأنه يهزم به العساكر‬ ‫وأنه يدعو به الزهرة فتنجيه‪ ،‬ثم أنه زعم أن الله الزلي‬ ‫رجل من نور‪ ،‬وأنه يفنى كله غير وجهه‪ .‬قال البغدادي‪) :‬ومنها إفراطه في التشبيه‪ ،‬وذلك‬ ‫أنه زعم أن معبوده رجل من نور على رأسه تاج من نور‪،‬‬ ‫وله أعضاء على صور حروف الهجاء‪ ،‬وأن اللف منها مثال‬ ‫قدميه والعين على صورة عينيه‪.(1‬‬ ‫وتأول على ذلك قوله تعالى‪) :‬سبح اسم ربك العلى(‬ ‫وزعم أن السم العلى إنما هو ذلك التاج‪ .‬‬ ‫)‪.4/429‬‬ ‫‪ ()3‬الية )‪ (138‬من سورة آل عمران‪.(4‬قال البغدادي )وقال إنه البيان والهدى والموعظة‪.214‬وانظر الفصل لبن حزم‬ ‫‪ 4/141‬والتبصير للستقرائيني ‪ 70‬والملل للشهرستاني ‪ 176‬والبدء‬ ‫والتاريخ للمقدسي ‪ 5/130‬والكامل لبن الثير ‪.(2‬‬ ‫الببانية‪:‬‬ ‫أصحاب بيان بن سمعان)‪119‬هـ( وهو رجل من سواد‬ ‫الكوفة تأول قول الله عز وجل )هذا بيان للناس()‪ (3‬أنه‬ ‫هو)‪. ،‬ومنها أنه تكلم في بدء‬ ‫الخلق فزعم أن الله تعالى لما أراد أن يخلق العالم تكلم‬ ‫باسمه العظم فطار ذلك السم ووقع تاجا ً على رأسه‪.‬‬ ‫‪ ()2‬الفرق بين الفرق ‪ 233 – 231‬و ‪ .

228-227‬و ‪ .‬مولى آل يقطين‪،‬‬ ‫ويزعمون أن الحملة يحملون الباري‪ ،‬واحتج يونس في أن‬ ‫الحملة تطيق حمله‪ ،‬وشبههم بالديك‪ ،‬وأن رجليه تحملنه‬ ‫وهما دقيقتان()‪ (5‬وقال البغدادي‪) :‬واستدل على أنه محمول‬ ‫بقوله تعالى‪):‬ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية()‪.216‬‬ ‫‪84‬‬ .‬‬ ‫‪ ()3‬الية )‪ (27‬من سورة الرحمن‪.35‬‬ ‫‪ ()6‬الية )‪ (17‬من سورة الحاقة‪.4/29‬‬ ‫‪ ()5‬مقالت السلميين للشعري ‪.‬وقوله )ويبقى وجه ربك( معناه ويبقى ربك لنه قال‬ ‫بعد )ذو الجلل والكرام( بالرفع على البدل من الوجه ولو‬ ‫كان )الوجه( مضافا ً إلى الرب لقال )ذي الجلل( بخفض‬ ‫)ذي( لن نعت المخفوض يكون مخفوضا ً وهذا واضح في‬ ‫)‪(4‬‬ ‫نفسه والحمد لله(‬ ‫اليونسية‪:‬‬ ‫)أصحاب يونس بن عبد الرحمن القمي‪ .(6‬‬ ‫وقال أصحابنا الية دالة على أن العرش هو المحمول دون‬ ‫الرب تعالى()‪ (7‬وقال الشهرستاني )زعم أن الملئكة تحمل‬ ‫العرش والعرش يحمل الرب تعالى إذ قد ورد في الخبر أن‬ ‫الملئكة تئط أحيانا من وطأة عظمة الله تعالى على‬ ‫‪ ()1‬الية )‪ (88‬من سورة القصص‪.114‬وانظر مقالة بيان في‬ ‫التنبيه والرد للمطلي ‪ ،156 ،23‬والتبصير في الدين اللسفرائيني‬ ‫‪ .70‬والفصل لبن حزم ‪ 4/141‬والملل والنحل للشهرستاني ‪.‬‬ ‫‪ ()7‬الفرق بين الفرق ‪ 51‬و ‪.‬‬ ‫‪ ()2‬الية )‪ (26‬من سورة الرحمن‪.153‬‬ ‫والكامل لبن الثير ‪.‬‬ ‫‪ ()4‬الفرق بين الفرق ‪ .‫قوله‪) :‬كل شيء هالك إل وجهه()‪ (1‬وقوله‪) :‬كل من عليها‬ ‫)‪(3‬‬ ‫فان()‪ (2‬وقوله )ويبقى وجه ربك(‬ ‫ورِفع خبر بيان هذا إلى خالد بن عبد الله القسري في زمان‬ ‫وليته في العراق فاحتال عليه حتى ظفر به وصلبه وقال إن‬ ‫كنت تهزم الجيوش بالسم الذي تعرفه فاهزم به أعواني‬ ‫عنك…ويقال للبيانية إذا جاز فناء بعض الله فما المانع من‬ ‫فناء وجهه فأما قوله تعالى‪):‬كل شيء هالك إل وجهه(‬ ‫فمعناه راجع إلى بطلن كل عمل لم يقصد به وجه الله عز‬ ‫وجل‪ .

3/532‬‬ ‫‪ ()5‬المصدر السابق ‪.3/531‬‬ ‫‪ ()6‬قال في العين )جمم( )والجمة الشعر( ‪ ،6/27‬وفي النهاية في‬ ‫غريب الحديث لبن الثير ‪) 1/300‬الجمة من شعر الرأس ما سقط‬ ‫على المنكبين‪.188‬‬ ‫‪ ()2‬اعتقادات فرق المسلمين ‪ .‬‬ ‫‪ ()7‬مقالت السلمين ‪.‬وقالت الفرقة الثانية منهم أصحاب‬ ‫الجواربى مثل ذلك‪ ،‬غير أنه قال أجوف من فيه إلى صدره‬ ‫ومصمت ما سوى ذلك()‪ (7‬وقال الشهرستاني )يحكى عن‬ ‫داود أنه قال‪ :‬أعفوني عن الفرج واللحية‪ ،‬واسألوني عما‬ ‫وراء ذلك فإن في الخبار ما يثبت ذلك‪ .(3‬أخرج الللكائي بسنده عن وكيع بن الجراح‬ ‫أنه قال‪) :‬وصف داود الجواربي – يعني الرب‪ -‬فكفر في‬ ‫صفته فرد ّ عليه المريسي()‪ (4‬وذكر أيضا ً أن أهل واسط أتوا‬ ‫أميرهم وأخبروه بمقالته في التجسيم وأجمعوا على قتله إل‬ ‫)‪(5‬‬ ‫أنه مات قبل أن يصلوا إليه‬ ‫وذكر المام الشعري مقالته في التجسيم فقال‪) :‬حكي عن‬ ‫أصحاب مقاتل بن سليمان أن الله جسم وأن له جمة)‪ (6‬وأنه‬ ‫على صورة النسان لحم ودم شعر وعظم له جوارح‬ ‫وأعضاء من يد ورجل ورأس وعينين مصمت‪ ،‬وهو مع هذا ل‬ ‫يشبه غيره ول يشبهه‪ .152‬‬ ‫‪ ()8‬الملل والنحل ‪ .2/427‬‬ ‫‪ ()4‬شرح اعتقاد اهل السنة ‪.‫العرش()‪ (1‬وقال الرازي)وهم يزعمون أن النصف العلى‬ ‫)‪(2‬‬ ‫من الله مجوف وأن النصف السفل منه مصمت(‬ ‫الجواربية‪:‬‬ ‫وهم أتباع داود الجواربي‪) .‬رأس في الرافضة والتجسيم من‬ ‫مرامي جهنم()‪ .17‬‬ ‫‪ ()3‬انظر لسان الميزان لبن حجر ‪.105‬وانظر مقالته في التبصير في الدين‬ ‫للسفرائيني ‪ 71‬والفصل لبن حزم ‪ 4/139‬والبدء والتاريخ للمقدسي‬ ‫‪85‬‬ .‬وقال‪ :‬إن معبوده‬ ‫جسم ولحم ودم ومع ذلك جسم ل كالجسام‪ ،‬ولحم‬ ‫كاللحوم ودم ل كالدماء‪ ،‬وكذلك سائر الصفات‪ ،‬وحكي أنه‬ ‫قال هو أجوف من أعله إلى صدره مصمت ما سوى ذلك‬ ‫)‪(8‬‬ ‫وأن له وفرة ً سوداء وله شعر قطط(‬ ‫‪ ()1‬الملل والنحل ‪.65‬وانظر مقالة اليونسية في‬ ‫التبصير في الدين ‪ 24‬و ‪.

5/132‬‬ ‫‪ ()5‬سيأتي تخرجه موسعا ً مع نقاش مافيه في ص ‪ 520‬من هذا‬ ‫الكتاب‪.‬‬ ‫‪ ()3‬انظر الفهرست لبن النديم ‪ 1/250‬واعتقادات فرق المسلمين‬ ‫للرازي ‪.‬وقال إن الله تعالى على صورة‬ ‫إنسان رباني‪ ،‬ونفى أن يكون جسما ً لكنه قال‪ :‬قد ورد الخبر‬ ‫إن الله خلق آدم على صورته وعلى صورة الرحمن)‪ (5‬فل بد‬ ‫)‪.‬وكان يجلس للصرف بها‪،‬‬ ‫فيقال إنه اختصم مع آخر في درهم مزيف فغلب فقال‪ :‬أنا‬ ‫شيطان الطاق‪ .‬وكشف عورته‪ ،‬فغمض المام‬ ‫عينيه فقال الشيطان يانعمان مذ كم عمى الله بصرك؟ فقال منذ‬ ‫هتك الله سترك وخرج من الحمام يقول‬ ‫أقول ديني قولي بلغ وحكمة وما قلت قول ً جئت فيه بمنكر‪.‬وقيل إن هشام بن الحكم شيخ الرافضة لما‬ ‫)‪(1‬‬ ‫بلغه أنهم لقبوه شيطان الطاق سماه هو )مؤمن الطاق(‬ ‫وكان معاصرا ً للمام أبي حنيفة رحمة الله‪ (2).‫الشيطانية‪:‬‬ ‫هم أصحاب شيطان الطاق‪ ،‬وهو محمد بن علي بن النعمان‬ ‫البحلي الكوفي أبو جعفر‪ .63‬وسير أعلم النبلء‬ ‫‪.5/300‬‬ ‫‪ ()2‬في طبقات الحنفية ً لبن أبي الوفاء ‪ 1/476‬أن شيطان الطاق‬ ‫كان يتعرض للمام كثيرا فدخل الشيطان يوما في الحمام‪ ،‬وكان فيه‬ ‫المام‪ ،‬وكان قريب العهد بموت أستاذه حماد فقال الشيطان مات‬ ‫أستاذكم حماد فاسترحنا منه فقال أما أستاذكم فمن المنظرين إلى‬ ‫يوم الوقت المعلوم‪ ،‬فتحير الرافضي‪ .63‬‬ ‫‪ ()4‬انظر التبصير في الدين للسفرائيني‪ ،‬والبدء والتاريخ للمقدسي‬ ‫‪.‬لقب بشيطان الطاق نسبة إلى‬ ‫سوق في طاق المحامل بالكوفة‪ .‬وهم وإن كانوا ضعفاء بالنسبة إلى الله تعالى‪ .187‬‬ ‫‪ ()7‬اعتقادات فرق المسلمين ‪.63‬‬ ‫‪86‬‬ .(6‬‬ ‫من تصديقه(‬ ‫وقال الرازي‪) :‬الشيطانية أتباع شيطان الطاق وهم يزعمون‬ ‫أن الباري تعالى مستقر على العرش والملئكة يحملون‬ ‫العرش‪ .‬لكن‬ ‫الضعيف قد يحمل القوي كرجل الديك التي تحمل مع دقتها‬ ‫)‪(7‬‬ ‫جثة الديك‬ ‫‪ 5/140‬واعتقادات فرق المسلمين للرازي ‪ .‬وكان من‬ ‫متكلمي الروافض ومن رؤساء علمائهم)‪ (3‬وكان يوافق‬ ‫هشاما ً الجواليقي على كثير من بدعه)‪ (4‬وذكر الشهرستاني‬ ‫مقالته في التجسيم فقال )‪..‬‬ ‫‪ ()6‬الملل والنحل ‪.10/544‬‬ ‫‪ ()1‬انظر لسان الميزان لبن حجر ‪.

) :‬ول أشك أن تلك‬ ‫القوال قد ألصقها به خصومه من المعتزلة‬ ‫والشاعرة وغيرهم لحقدهم وحسدهم‪ .339‬وانظر نحوه في المراجعات للسيد‬ ‫شرف الدين ص ‪ 420‬حيث قال )‪.‬‬ ‫من هذه الروايات ما أخرجه الكليني بسنده عن علي بن‬ ‫أبي حمزة)‪(2‬أنه قال‪):‬قلت لبي عبد الله عليه السلم‪:‬‬ ‫سمعت هشام بن الحكم يروي عنكم أن الله جسم‬ ‫صمدي)‪(3‬نوري‪ ،‬معرفته ضرورة يمن بها على من يشاء من‬ ‫خلقه‪ ،‬فقال عليه السلم‪ :‬سبحان من ل يعلم أحد كيف هو‬ ‫‪ ()1‬الكليني والكافي ص ‪ .‬وربما اهتموا بما ينسب إلى هشام بن الحكم أكثر‬ ‫من غيره لما يذكرونه من منزلته عند الئمة وجهوده‬ ‫الكلمية ومناظراته مع المعتزلة‪ ..‬ثم جميع ما نقل‬ ‫عن هشام إنما هي محكية في كتب المخالفين‪ ،‬ولم نجد‬ ‫أي نص أو خبر في كتبنا تسيء إلى هشام بن‬ ‫)‪(1‬‬ ‫الحكم‪ ،‬أو فيها مما يخالف عقائد المامية(‬ ‫وهذا كلم من أخذته الحمية حتى غاب عن بصيرته ما في‬ ‫كتب الشيعة المشتهرة من نسبة التجسيم إلى الهشامين‬ ‫وغيرهما‪.‬ويمكن إجمال هذه التنوع‬ ‫تحت ستة مواقف‬ ‫مناقشة مواقف المامية من نسبة التجسيم إلى‬ ‫بعض متكلمي الشيعة‬ ‫الموقف الول‪ :‬إتهام المخالفين بالكذب عليهم‪.‫ومن الجدير بالذكر التنبيه إلى أن المصادر الشيعية‬ ‫تنوعت مواقفها مما نسب إلى الهشامين وغيرهما من‬ ‫التجسيم‪ .‬‬ ‫يقول عبد الرسول الغفاري بعد حكاية ما نسب إلى هشام‬ ‫من القوال التي يثبت بها التجسيم‪..‬لم يعثر أحد من سلفنا على‬ ‫شئ مما نسبه الخصم إليه‪ ،‬كما أنا لم نجد أثرا ً ما لشئ مما نسبوه‬ ‫إلى كل من زرارة بن أعين‪ ،‬ومحمد بن مسلم‪ ،‬ومؤمن الطاق‪،‬‬ ‫وأمثالهم‪ ،‬مع أنا قد استفرغنا الوسع والطاقة في البحث عن ذلك‪،‬‬ ‫وما هو إل البغي والعدوان‪ ،‬والفك والبهتان(‬ ‫‪ ()2‬قال مولي محمد صالح المازندراني في شرح أصول الكافي‬ ‫‪ :3/219‬علي بن أبي حمزة كذاب متهم فقوله ضعيف ل يقدح في‬ ‫جللة قدر هشام بن الحكم‪.‬‬ ‫‪ ()3‬في نور البراهين للسيد نعمة الله الجزائري ‪ 1/252‬تفسير ذلك‬ ‫بقوله‪) :‬صمدي يعني‪ :‬مصمت ل جوف له(‬ ‫‪87‬‬ ..

‬وقلنا‪:‬‬ ‫إن هشام بن سالم وصاحب الطاق الميثمي‬ ‫‪ ()1‬الية )‪ (11‬من سورة الشورى‪.‫إل هو‪) ،‬ليس كمثله شئ وهو السميع البصير()‪ ،(1‬ل يحد ول‬ ‫يحس ول يجس ول تدركه البصار ول الحواس ول يحيط به‬ ‫)‪(2‬‬ ‫شئ ول جسم ول صورة ول تخطيط ول تحديد(‬ ‫ومنها ما أخرجه الكليني بسنده عن محمد بن حكيم قال‪:‬‬ ‫)وصفت لبي إبراهيم عليه السلم قول هشام بن سالم‬ ‫الجواليقي وحكيت له‪ :‬قول هشام بن الحكم إنه‬ ‫ش أو‬ ‫جسم فقال‪ :‬إن الله تعالى ل يشبهه شيء‪ ،‬أي فح ٍ‬ ‫ل من يصف خالق الشياء بجسم أو‬ ‫خنى أعظ ُ‬ ‫م من قو ٍ‬ ‫صورة أو بخلقة أو بتحديد وأعضاء‪ ،‬تعالى الله عن ذلك علوا ً‬ ‫ً )‪(3‬‬ ‫كبيرا(‬ ‫ومنها ما أخرجه الكليني بسنده عن الحسن بن عبد‬ ‫الرحمن الحماني قال‪) :‬قلت لبي الحسن موسى بن جعفر‬ ‫عليه السلم‪ :‬إن هشام بن الحكم زعم أن الله جسم‬ ‫ليس كمثله شيء‪ ،‬عالم سميع بصير قادر متكلم ناطق‪،‬‬ ‫والكلم والقدرة والعلم يجري مجرى واحد‪ ،‬ليس شئ منها‬ ‫مخلوقا ً فقال‪ :‬قاتله الله أما علم أن الجسم محدود والكلم‬ ‫غير المتكلم‪ ،‬معاذ الله وأبرء إلى الله من هذا القول‪ ،‬ل‬ ‫جسم ول صورة ول تحديد وكل شيءظ سواه مخلوق‪ ،‬إنما‬ ‫تكون الشياء بإرادته ومشيئته من غير كلم ول تردد في‬ ‫)‪(4‬‬ ‫نفس ول نطق بلسان(‬ ‫ومنها ما أخرجه الكليني بسنده إلى إبراهيم الخزاز ومحمد‬ ‫بن الحسين قال‪) :‬دخلنا على أبي الحسن الرضا عليه‬ ‫السلم‪ ،‬فحكينا له أن محمدا ً صلى الله عليه وآله رأى ربه‬ ‫في هيأة الشاب الموفق في سن أبناء ثلثين سنة‪ .‬‬ ‫‪ ()2‬الكافي للكليني ‪ 1/104‬و انظر التوحيد للشيخ الصدوق ص ‪98‬‬ ‫‪ ()3‬الكافي ‪ ،1/105‬وهو في التوحيد للشيخ الصدوق ‪ ،99‬وفيه‬ ‫علي بن العباس الجراذيني قال النجاشي في ترجمته‪) :‬رمي بالغلو‬ ‫وغمز عليه‪ ،‬ضعيف جدا( انظر رجال النجاشي ص ‪.255‬‬ ‫‪ ()4‬الكافي ‪ 106 /1‬وهو في التوحيد للشيخ الصدوق ص ‪99‬‬ ‫والحتجاج للشيخ الطبرسي ‪2/155‬‬ ‫‪88‬‬ .

.‬‬ ‫على أن بعض المصادر الشيعية تشتد في النكار على من‬ ‫نسب هشاما ً إلى غير التشيع وتعده أيضا ً من كذب المخالف‬ ‫على هشام‪ ..100 /1‬وانظر نور البراهين للسيد نعمة الله‬ ‫الجزائري ‪247/ 1‬‬ ‫‪ ()2‬الكافي ‪ .‬يقول عبد الرسول الغفاري‪) :‬ثم هناك ادعاء‬ ‫في هشام أنه كان ديصانيا )‪ ،(4‬ثم رجع وأصبح جهميًا‪ ،‬ثم‬ ‫اعتنق المذهب المامي‪ ،‬وهذا ليس له دليل‪ ،‬بل إنه إمامي‬ ‫قبل أن يختط عارضه بالشعر لهذا تمادى الكتاب في‬ ‫)‪(5‬‬ ‫التهريج والتشنيع على هشام ومذهب المامية(‬ ‫‪ ()1‬الكافي ‪ 102 .‫يقولون‪ :‬إنه أجوف إلى السرة والباقي صمد‪ ،‬فخر‬ ‫ساجدًا‪ ،‬إلى أن قال‪ :‬يا محمد إن رسول الله صلى الله عليه‬ ‫وآله لما نظر إلى عظمة ربه كان في هيأة الشاب الموفق‬ ‫)‪(1‬‬ ‫في سن أبناء ثلثين سنة‪(.‬انظر الملل والنحل للشهرستاني ‪250‬‬ ‫‪ ()5‬الكليني والكافي ‪338‬‬ ‫‪89‬‬ .‬فما‬ ‫كان من خير ونفع وطيب وحسن فمن النور‪ ،‬وما كان من شر وضرر‬ ‫ونتن وقبح فمن الظلم‪ .‬‬ ‫ومنها ما أخرجه الكليني بسنده عن محمد بن حكيم قال‪:‬‬ ‫)وصفت لبي الحسن عليه السلم قول هشام الجواليقي‬ ‫وما يقول في الشاب الموفق ووصفت له قول هشام بن‬ ‫)‪(2‬‬ ‫الحكم فقال‪ :‬إن الله ل يشبهه شيء(‬ ‫الموقف الثاني‪ :‬جعل المرويات التي تنسبه‬ ‫إلى التجسيم خاصة بالفترة التي سبقت تشيعه‬ ‫يقول السيد شرف الدين‪.106 /1‬وهو في التوحيد للشيخ الصدوق ص ‪97‬‬ ‫‪ ()3‬المراجعات ‪420‬‬ ‫‪ ()4‬الديصانية‪ :‬أصحاب ديصان‪ ،‬أثبتوا أصلين نورا وظلما‪ ،‬فالنور‬ ‫يفعل الخير قصدا واختيارا والظلم يفعل الشر طبعا واضطرارا‪ .) :‬على أنه لو فرض ثبوت ما يدل‬ ‫على التجسيم عن هشام‪ ،‬فإنما يمكن ذلك عليه قبل‬ ‫استبصاره‪ ،‬إذ عرفت أنه كان ممن يرى رأي الجهمية‪ ،‬ثم‬ ‫استبصر بهدي آل محمد‪ ،‬فكان من أعلم المختصين‬ ‫)‪(3‬‬ ‫بأئمتهم(‬ ‫وهذا تخريج سقيم لنه ل يخفى ما بين التجهم الذي يعد‬ ‫إفرطا ً في النفي و التجسيم الذي يعد تفريطا ً في الثبات‪.

...‬‬ ‫من ذلك قول الخوئي بعد سياقة بعض هذه المرويات‪:‬‬ ‫)‪....‫الموقف الثالث‪ :‬تضعيف الروايات التي تنسبه إلى‬ ‫التجسيم‪.‬وقد ذكرنا في‬ ‫الفصول السابقة أن مرويات الكافي ليست كلها جامعة لشروط‬ ‫الصحة‪ ،‬وأن القسم الكبر منها يدخل في نوع الضعيف‪.... ،‬ويونس بن ظبيان من الغلة الوضاعين‬ ‫للحديث‪ ،‬وقد لعنه المام على بن موسى)ع( ومنهم علي بن العباس‬ ‫الذي يروي عن الحسن بن عبد الرحمن الحماني‪..‬وممن نسب التجسيم إلى هشام بن‬ ‫الحكم يونس بن ظبيان‪.‬‬ ‫ومهما كان الحال فالروايات التي تنسب التجسيم لهشام بن الحكم‬ ‫وغيره من أصحاب الئمة‪ ،‬والتي تعطي للئمة= =خصائص الخالق‪،‬‬ ‫وغير ذلك من الروايات المنافية لكتاب الله وسنة نبيه‪ ،‬هذا النوع من‬ ‫بين مرويات الكافي‪ ،‬لم تتوفر فيها شروط الرواية التي يصح العتماد‬ ‫عليها في الصول والفروع كما ذكرنا( وانظر شرح أصول الكافي ‪،‬‬ ‫مولي محمد صالح المازندراني ‪219 /3‬‬ ‫‪ ()3‬هو علي بن محمد بن إبراهيم بن أبان الرازي الكليني المعروف‬ ‫بعلن يكنى أبا الحسن‪ .‬أقول‪ :‬إن هذه الروايات بأجمعها ضعيفة ل يمكن العتماد‬ ‫عليها‪ ،‬ووجه الضعف في غير الرواية الولى ظاهر‪،‬‬ ‫وأماالرواية الولى فإنها أيضا ضعيفة‪ ،‬فإن راويها علي بن‬ ‫)‪(1‬‬ ‫أبي حمزة وهو البطائني‪(..‬‬ ‫وما ذكره من ظهور الضعف في المرويات التي لم يفصل‬ ‫في نقدها غير ظاهر حتى لبعض شراح الكافي ودارسيه‬ ‫الذين اهتموا بتبرئة هشام بن الحكم‪ ...‬انظر توثيقه في رجال النجاشي ص ‪ 260‬و‬ ‫نقد الرجال للتفرشي ‪ 291/ 3‬و جامع الرواة لمحمد علي الردبيلى‬ ‫‪1/596‬‬ ‫‪ ()4‬الرخجي بالراء مضمومة ثم الخاء المعجمة المفتوحة والجيم‪،‬‬ ‫عدوه من أصحاب أبي الحسن الرضا عليه السلم ووثقوه انظر رجال‬ ‫‪90‬‬ . ،‬ولكن المتتبع لتاريخ هشام بن الحكم‬ ‫بصورة خاصة يطمئن إلى برائته من هذه التهمة‪.‬ويؤيد ذلك‬ ‫أن بين هذه المرويات التي تنسب التجسيم لهشام بن الحكم رواية‬ ‫علي بن أبي حمزة التي يدعى فيها أن هشاما يقول‪ :‬إن الله جسم‬ ‫صمدي نوري‪ ،‬وعلي بن أبي حمزة من ضعفاء الرواة‪ ،‬ومتهم‬ ‫بالكذب‪ ،‬ووضع الحاديث‪.‬لنهم ربما وقفوا على روايات رجالها موثقون‬ ‫عندهم‬ ‫)‪(3‬‬ ‫منها ما أخرجه الكليني عن علي بن محمد رفعه عن‬ ‫)‪(4‬‬ ‫محمد بن الفرج الرخجي‬ ‫‪ ()1‬معجم رجال الحديث ‪20/320‬‬ ‫‪ ()2‬من ذلك قول هاشم معروف الحسيني في دراسات في الحديث‬ ‫والمحدثين ص ‪) 216– 215‬وأكثر المرويات التي ذكرها الكليني‬ ‫حول نفي التجسيم تشير إلى أن هشام بن الحكم‪ ،‬وهشام بن سالم‬ ‫كانا يذهبان إلى القول به‪. ،‬وعلي بن‬ ‫العباس من المذمومين‪ ،‬والمتهمين بالغلو كما نص على ذلك‬ ‫المؤلفون في الرجال‪...‬ومع ذلك وقفوا عند‬ ‫الجمال في الطعن في جملة الروايات ولم يفصلوا إل في‬ ‫ثلث روايات وتحايدوا ما بقي من الراويات كما فعل‬ ‫الخوئي‪ (2)..

‬‬ ‫وانظر أيضا رجال ابن داود لبن داوود الحلي ص ‪.‬‬ ‫‪ ()3‬هو علي بن إبراهيم أبو الحسن القمي قال النجاشي في‬ ‫ترجمته‪) :260 :‬ثقة في الحديث‪ ،‬ثبت‪ ،‬معتمد‪ ،‬صحيح المذهب‪.‫قال‪) :‬كتبت إلى أبي الحسن عليه السلم أسأله عما قال‬ ‫هشام بن الحكم في الجسم وهشام بن سالم في الصورة‬ ‫فكتب‪ :‬دع عنك حيرة الحيران واستعذ بالله من الشيطان‪،‬‬ ‫)‪(1‬‬ ‫ليس القول ما قال الهشامان(‬ ‫ومنها ما أخرجه الصدوق فقال‪:‬‬ ‫)‪(2‬‬ ‫)حدثنا محمد بن موسى بن المتوكل ‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا علي بن‬ ‫إيراهيم بن هاشم )‪ ،(3‬عن أبيه )‪ ،(4‬عن الصقر بن أبي دلف‬ ‫)‪ ،(5‬قال‪ :‬سألت أبا الحسن علي بن محمد بن علي بن‬ ‫موسى الرضا عليهم السلم عن التوحيد‪ ،‬وقلت له‪ :‬إني‬ ‫أقول بقول هشام بن الحكم‪ ،‬فغضب عليه السلم ثم‬ ‫قال‪ :‬مالكم ولقول هشام‪ ،‬إنه ليس منا من زعم أن الله‬ ‫عزوجل جسم‪ ،‬ونحن منه برآء في الدنيا والخرة‪ ،‬يا ابن أبي‬ ‫)‪(6‬‬ ‫دلف إن الجسم محدث‪ ،‬والله محدثه ومجسمه(‬ ‫ويشهد لهذه الراوية روايات أخرى تتحدث عن توارد‬ ‫السئلة على الئمة التي تستفسر عن صحة اعتقاد الجسم‬ ‫والصورة وينص بعضها على أن انتشار القول بالجسم هو‬ ‫الباعث على الستفسار‬ ‫من ذلك ما أخرجه الصدوق بسنده إلى إبراهيم بن محمد‬ ‫الهمداني قال‪):‬كتبت إلى الرجل يعني أبا الحسن عليه‬ ‫قبلنا من مواليك قد اختلفوا في‬ ‫من ِ‬ ‫السلم أن َ‬ ‫التوحيد‪ ،‬فمنهم من يقول جسم‪ ،‬ومنهم من يقول‬ ‫النجاشي ص ‪ 371‬ورجال الطوسي ‪ 364‬و خلصة القوال للحلي ص‬ ‫‪.97‬وانظر الفصول‬ ‫المهمة في أصول الئمة للحر العاملي ‪.135‬‬ ‫‪ ()4‬انظر توثيقه في رجال ابن داود الحلي ص ‪ 135‬و الفوائد‬ ‫الرجالية لبحر العلوم ‪1/449‬‬ ‫‪ ()5‬قال محمد على البطحى في تهذيب المقال ‪ 202 /5‬الصقر بن‬ ‫أبي دلف من أصحاب الجواد )عليه السلم( وانظر ترجمته في معجم‬ ‫رجال الحديث للخوئي ‪10/151‬‬ ‫‪ ()6‬التوحيد للصدوق ‪ 104‬وانظر نور البراهين لنعمة الله الجزائري‬ ‫‪ 265‬و بحار النوار للمجلسي ‪84/197‬‬ ‫‪91‬‬ .239‬‬ ‫‪ ()1‬الكافي ‪ 1/105‬وهو في التوحيد للصدوق ‪ .1/187‬‬ ‫‪ ()2‬قال الحلي في خلصة القوال ص ‪) :251‬محمد بن موسى بن‬ ‫المتوكل‪ ،‬ثقة(‪.

‬‬ ‫ومن الثاني قول عبد الرسول الغفاري )وأصل الشبهة إنما‬ ‫جاءت من قول هشام على سبيل الفرض والمعارضة في‬ ‫مقابلته للمعتزلة‪ ،‬فقال لهم‪ :‬إذا قلتم إن القديم تعالى شيء‬ ‫ل كالشياء‪ ،‬فقولوا إنه جسم ل كالجسام‪ ،‬وليس كل من‬ ‫عارض بشيء وسأل عنه يكون معتقدا ً له ومتدينا ً به‪ ،‬وقد‬ ‫)‪(3‬‬ ‫فهم من هذا الفرض والمعارضة أنه يدين بذلك(‬ ‫وهذا تخريج غير مقبول أيضا ً لنه ل يتصور أن ينازع هشام‬ ‫في القول بأن الله شيء ل كالشياء وهو المنقول في كتب‬ ‫)‪(4‬‬ ‫القوم عن الئمة وعن هشام نفسه‪.338‬‬ ‫‪ ()4‬انظر مستدرك سفينة البحار لعلي النمازي ‪ .‬‬ ‫‪ ()1‬التوحيد ص ‪ 99‬وانظر بعض هذه المرويات في الكافي للكليني‬ ‫‪ 104 -100/ 1‬والتوحيد للصدوق ص ‪ 103.‫صورة‪ ،‬فكتب عليه السلم بخطه‪ :‬سبحان من ل يحد‪ ،‬ول‬ ‫يوصف‪ ،‬ليس كمثله شئ وهو السميع العليم ‪ -‬أو قال‪:‬‬ ‫)‪(1‬‬ ‫البصير(‬ ‫الموقف الرابع‪ :‬محاولة تخريج ما نسب إلى‬ ‫هشام بأنه خطأ في اللفظ تارة وبأن صدور ذلك‬ ‫منه على سبيل إلزام المخالف تارة‪.2/62‬و ‪6/95‬‬ ‫‪92‬‬ .‬‬ ‫فمن الول قول محقق الكافي في تعليقه على إحدى‬ ‫الروايات التي زعم فيها هشام أن الله جسم ليس كمثله‬ ‫شئ فقال‪):‬قوله ليس كمثله شئ يومي إلى أنه لم يقل‬ ‫بالجسمية الحقيقية بل أخطا في إطلق لفظ الجسم‬ ‫)‪(2‬‬ ‫عليه تعالى ونفى عنه صفات الجسام كلها(‬ ‫وهذا تخريج ل يستقيم مع ما في الراوية من قول المام‬ ‫تعقيبا ً على السؤال‪:‬‬ ‫)قاتله الله أما علم أن الجسم محدود والكلم غير المتكلم‬ ‫معاذ الله وأبرء إلى الله من هذا القول‪ ،‬ل جسم ول صورة‬ ‫ول تحديد وكل شئ سواه مخلوق( فمثل هذا النكار ل يكون‬ ‫في حق من أخطأ في إطلق لفظ‪.99‬و بحار النوار‬ ‫للمجلسي ‪58/85‬‬ ‫‪ ()2‬انظر هامش ‪ 1/106‬من الكافي‬ ‫‪ ()3‬الكليني والكافي ‪339.

‫والقرب إلى المنطق في ميزان المقابلة واللزام ماذكره‬
‫المعتزلة من أن هشاما ً أراد أن يلزمهم بصحة إثبات كون‬
‫الباري جسما ً ل كالجسام قياسا ً على إثباتهم كونه شيئا ً ل‬
‫)‪(1‬‬
‫كالشياء‬
‫الموقف الخامس‪ :‬تبرير ما روي عن الئمة من‬
‫النكار الشديد عليه بأنهم فعلوا ذلك تقية لئل‬
‫تنكشف موالة هشام‪ ،‬من ذلك قول محقق الكافي تعليقا ً‬
‫على ما في رواية الكافي السابقة من قول المام في حق‬
‫هشام‪ " :‬قاتله الله"‪) :‬وأما قول المام في الحديث‬
‫)‪(3‬‬
‫السابع)‪(2‬قاتله الله لمصالح ذكروها في كتب التراجم (‬
‫)‪(4‬‬
‫وهذه المصالح هي التقية كما أشير إليه في كتب التراجم‪.‬‬
‫ول يخفى ما فيه لنه على تقدير تبرير الذم بالتقية يكون‬
‫الئمة معتقدين لما روي عن هشام ودونك ما كانوا فيه من‬
‫الذب عن هشام وما أوصلوا إليه من الوقيعة في الئمة‪.‬‬
‫الموقف السادس‪ :‬الشارة إلى عدم تبريء‬
‫هشام مما نسب إليه‬
‫قال أبو الفتح الكراجكي بعد إبطال قول من قال هو جسم‬
‫ل كالجسام‪..) :‬فان قال القائل أليس قد اشتهر عن أحد‬
‫متكلميكم وهو هشام بن الحكم أنه كان يقول إن معبوده‬
‫جسم على صفة الجسام فكيف خالفتموه في ذلك؟ بل‬
‫كيف لم تتبرأوا منه وهو على هذا المقال؟ قلنا أما هشام بن‬
‫الحكم رحمة الله عليه فقد اشتهر عنه الخبر بأنه كان‬
‫ينصر التجسيم ويقول إن الله تعالى جسم ل‬
‫كالجسام ولم يصح عنه ما قرنوه به من القول بأنه مماثل‬
‫‪ ()1‬قال القاضي عبد الجبار في شرح الصول الخمسة ‪) 221‬فإن‬
‫قيل أليس عنكم أنه تعالى شيء ل كالشياء ً وقادر ل كالقادرين‬
‫وعالم ل كالعالمين فهل جاز أن يكون جسما ل كالجسام ؟‪.(..‬‬
‫‪ ()2‬سبق نقله ص ‪.61‬‬
‫‪ ()3‬انظر هامش الكافي ‪1/105‬‬
‫‪ ()4‬من ذلك قول السبحاني في كليات في علم الرجال ‪) :468‬أما‬
‫الروايات الواردة في قدحه)ليث بن البختري المرادي(‪ ،‬فل تعارض ما‬
‫دلت على مدحه قطعا لنها إما مرسلة أو موثقة مع احتمال صدورها‬
‫عن تقية كما صدرت في حق سائر الجلء كزرارة وهشام بن الحكم(‬
‫وانظر نحوه في بحار النوار للمجلسي ‪.3/290‬‬
‫‪93‬‬

‫لها‪ .‬ويدل على ذلك أنا رأينا خصومه يلزمونه على قوله بأن‬
‫فاعل الجسام جسم أن يكون طويل ً عريضا ً عميقا ً فلو كان‬
‫يرى أنه مماثل للجسام لم يكن معنى لهذا اللزام‪ ،‬فأما‬
‫مخالفتنا لهذا المقام فهو اتباع لما ثبت من الحق بواضح‬
‫البرهان وانصراف عنه‪ .‬وأما موالتنا هشاما ً رحمه الله فهي‬
‫لما شاع عنه واستفاض منه من تركه للقول بالجسم الذي‬
‫كان ينصره ورجوعه عنه وإقراره بخطئه فيه وتوبته منه‬
‫وذلك حين قصد المام أبا عبد الله جعفر بن محمد الصادق‬
‫عليهما السلم إلى المدينة فحجبه وقيل له إنه قد آلى أن ل‬
‫يوصلك ما دمت قائل بالجسم فقال والله ما قلت به إل لني‬
‫ظننت أنه ِوفاق لقول إمامي‪ ،‬فأما إذا أنكره علي فإنني‬
‫تائب إلى الله منه‪ ،‬فأوصله المام عليه السلم إليه ودعا له‬
‫)‪(1‬‬
‫بخير(‬
‫وقال البرقي في ترجمته‪) :‬كان من غلمان أبي شاكر‬
‫)‪(2‬‬
‫الزنديق وهو جسمي ردئ(‬
‫وقال الشيخ المفيد‪):‬قول هشام بالتجسيم اللفظي‪ :‬ولم‬
‫يكن في سلفنا رحمهم الله من يدين بالتشبيه من طريق‬
‫المعنى وإنما خالف هشام وأصحابه جماعة أبي عبد‬
‫الله عليه السلم بقوله في الجسم‪ ،‬فزعم أن الله‬
‫تعالى‪ :‬جسم ل كالجسام‪ .‬وقد روي‪ :‬أنه رجع عن هذا‬
‫)‪(3‬‬
‫القول بعد ذلك‪(..‬‬
‫وقال الشريف المرتضى في رسائله‪):‬وقال هشام بن‬
‫الحكم‪ ،‬وعلي بن منصور‪ ،‬وعلي بن إسماعيل بن ميثم‪،‬‬
‫ويونس بن عبد الرحمن مولى آل يقطين‪ ،‬وابن سالم‬
‫الجواليقي‪ ،‬والحشوية وجماعة المشبهة‪ :‬إن الله عز وجل‬

‫‪ ()1‬كنزالفوائد ص ‪199- 198‬‬
‫‪ ()2‬انظر رجال البرقي ‪ 35‬و ‪ .48‬نقل عن رجال ابن داود الحلي‬
‫‪.200‬‬
‫‪ ()3‬الحكايات ص ‪79- 77‬‬
‫‪94‬‬

‫في مكان دون مكان‪ ،‬وأنه يتحرك وينتقل‪ ،‬تعالى الله عن‬
‫ً )‪(1‬‬
‫ذلك علوا ً كبيرا(‬
‫والحاصل أن ما يصوره بعض المدافعين عن هشام‬
‫من اختصاص كتب مخالفيه بنسبة التجسيم إليه غير صحيح‬
‫بل تعددت الروايات الشيعية التي تنسبه إلى ذلك‪ ،‬ولم يتمم‬
‫الطاعنون بصحة هذه الروايات نقد َ جميع أسانيدها‪ ،‬بل‬
‫تكلموا في ما أمكن الطعن في سنده وتغافلوا عن الباقي‪.‬‬
‫وقد ثبت صحة إسناد عدد من هذه الروايات مع تضافر‬
‫الروايات الشيعية التي تواردت على الئمة في السؤال عن‬
‫التجسيم والصورة مما يشير إلى ذيوع هذه المقالة بينهم‪.‬‬
‫حتى اعترف بنسبة التجسيم إليه بعض الشيعة وحاول‬
‫بعضهم العتذار له بتخريج أقواله‪ .‬وحاول آخرون أن يعتذروا‬
‫لما يحكى عنه وهذه المحاولت ليست بأحسن حال ً من‬
‫محاولت الطعن في السانيد واتهام الخصوم بالكذب عليه‬
‫وقد بينت ما فيها من التخبط‪.‬لكن بقي ما ل يمكن نفيه كما‬
‫لم يمكن إثباته وهو أن إثبات التجسيم كان من هشام قبل‬
‫أن يلتقي بالئمة وأنه رجع عن ذلك كما أشار إليه الشيخ‬
‫المفيد‪ .‬وقال المازندراني بعد الحكاية عن هشام‪) :‬صدور‬
‫)‪(2‬‬
‫ذلك القول منه قبل دخوله في دين الحق محتمل(‬
‫ثانيًا‪ :‬فرق المجسمة من المنتسبين إلى أهل‬
‫الحديث‬
‫المقاتلية‪:‬‬

‫‪81 /3 ()1‬‬
‫‪ ()2‬شرح أصول الكافي ‪232 /3‬‬

‫‪95‬‬

‫وهم أصحاب أبي الحسن مقاتل بن سليمان البلخي )‬
‫‪150‬هـ()‪ (1‬الذي اهتم بعلم التفسير حتى روي عن ابن‬
‫)‪(2‬‬
‫المبارك أنه قال‪) :‬ما أحسن تفسير مقاتل لو كان ثقة (‬
‫وكان مقاتل واسع الدائرة في التفسير معجبا ً بكثرة ما جمع‬
‫حتى أنه قعد في مجلسه مرة وقال‪ :‬سلوني عن ما دون‬
‫العرش‪ ،‬فقال له رجل‪ :‬آدم حين حج من حلق رأسه؟ فقال‪:‬‬
‫ليس هذا من عملكم ولكن الله أراد أن يبتليني بما أعجبتني‬
‫نفسي)‪ . (3‬ولم يتهافت أهل الحديث على كثرة ما جمع‬
‫مقاتل بل زهدوا في الرواية عنه لضعفه ولما أظهره من‬
‫)‪(4‬‬
‫التجسيم‬
‫وقد سبقت الشارة إلى إنكار السلف على مقالة مقاتل‪،‬‬
‫وهذا موضع التفصيل في مقالته‪.‬‬
‫فقد قال المام الشعري‪) :‬حكي عن أصحاب مقاتل أن الله‬
‫ة وأنه على صورة النسان لحم ودم وشعر‬
‫جسم وأن له جث ً‬
‫وعظم وجوارح وأعضاء من يد ورجل ورأس وعينين مصمت‬
‫)‪(5‬‬
‫وهو مع ذلك ل يشبه غيره ول يشبهه غيره(‬
‫وحكى عنه الشهرستاني أنه قال قد ورد في الخبر أن الله‬
‫خلق آدم على صورة الرحمن فل بد من تصديقه)‪ (6‬ومن‬
‫‪ ()1‬وهو غير أبي سليمان مقاتل بن سليمان بن ميمون الذي يحدث‬
‫عنه حماد بن الوليد الزدي قال ابن حجر في التهذيب ‪10/245‬‬
‫)‪..‬وهو متأخر في الطبقة عن مقاتل المشهور( وانظر مسائل المام‬
‫أحمد ‪ 1/495‬والفوائد لبي القاسم الرازي ‪ 49‬و الضعفاء‬
‫واللمتروكين لبن الجوزي ‪1/137‬‬
‫ومقاتل بن سليمان أيضا غير مقاتل بن حيان أبي بسطام النبطي‬
‫وله حديث في صحيح مسلم ترجمه الذهبي في سير أعلم النبلء‬
‫‪6/340‬وقال‪ ..) :‬توفي في حدود الخمسين ومئة وعاش مقاتل‬
‫المفسر الضعيف بعده أعوامًا( وانظر ترجمته في التاريخ الكبير‬
‫للمام البخاري ‪ .8/13‬وقد يستغل بعض المهتمين بالدفاع عن‬
‫المجسمة هذا التشابه لتبرئة مقاتل بن سليمان من نسبة التجسيم‬
‫إليه كما فعل السككي في البرهان ‪ 40‬فاقتضى التنبيه على ذلك‪.‬‬
‫‪ ()2‬انظر تاريخ بغداد للخطيب ‪ 163 /13‬و تهذيب الكمال للمزي‬
‫‪ 431 /28‬وميزان العتدال للذهبي ‪4/173‬‬
‫‪ ()3‬انظر تاريخ بغداد للخطيب ‪13/163‬‬
‫‪ ()4‬انظر التاريخ الكبير للبخاري ‪ 8/14‬والجرح والتعديل لبن أبي‬
‫حاتم ‪ 7/345‬وميزان العتدال للذهبي ‪ 4/172‬وقال الذهبي في‬
‫السير ‪) :7/202‬أجمعوا على تركه(‪.‬‬
‫‪ ()5‬مقالت السلميين ‪152‬و ‪ 209‬وانظر نحوه في الفصل لبن‬
‫حزم ‪ 4/155‬والبدء والتاريخ للمقدسي ‪5/141‬‬
‫‪ ()6‬الملل والنحل ‪178‬‬
‫‪96‬‬

‫مرويات مقاتل في التجسيم ما أخرجه الذهبي بسنده عن‬
‫مقاتل عن الضحاك عن ابن عباس أنه قال‪) :‬إذا كان يوم‬
‫القيامة ينادي مناد أين حبيب الله ؟ فيتخطى صفوف‬
‫الملئكة حتى يصير إلى العرش حتى يجلسه معه على‬
‫)‪(1‬‬
‫العرش حتى يمس ركبته(‬
‫ومن العجيب بعد شهرة نسبة التجسيم إلى مقاتل أن‬
‫يحاول ابن تيمية رحمه الله إنكاره فيقول‪) :‬وأما مقاتل فالله‬
‫أعلم بحقيقة حاله والشعري ينقل هذه المقالت من كتب‬
‫المعتزلة وفيهم انحراف عن مقاتل بن سليمان فلعلهم زادوا‬
‫في النقل عنه أو نقلوا عن غير ثقة وإل فما أظنه يصل إلى‬
‫هذا الحد…ومقاتل بن سليمان وإن لم يكن يحتج به في‬
‫)‪(2‬‬
‫الحديث لكن ل ريب في علمه بالتفسير وغيره(‬
‫فلو سلمنا أن المام الشعري نقل ما نقل من كتب‬
‫المعتزلة المنحرفين عن مقاتل فَلم ينحرف عنه المعتزلة إل‬
‫لمقالته التي سبق عن المام أبي حنيفة أنه أشار إلى خبثها‪.‬‬
‫وإفراطه في التشبيه ونسبة التجسيم إلى مقاتل لم ينفرد‬
‫بها المعتزلة فقد أخرج الخطيب البغدادي بسنده عن أحمد‬
‫بن سيار)‪ (3‬أنه قال‪) :‬مقاتل متروك الحديث كان يتكلم في‬
‫)‪(4‬‬
‫الصفات بما ل تحل الرواية عنه(‬
‫وأخرج بسنده عن المام أحمد أنه قال مقاتل بن سليمان‬
‫)‪(5‬‬
‫كانت له كتب ينظر فيها‬

‫‪ ()1‬ميزان العتدال ‪ 4/174‬وهو خبر موضوع كما نبه عليه الذهبي‬
‫وانظر تاريخ بغداد للخطيب ‪162 /13‬‬
‫‪ ()2‬منهاج السنة ‪2/618‬‬
‫‪ ()3‬هو أحمد بن سيار أبو الحسن المروزي إمام المحدثين في بلده‬
‫انظر ترجمته في تذكرة الحفاظ للذهبي ‪ 1/254‬وطبقات الشافعية‬
‫الكبرى لبن السبكي ‪2/193‬‬
‫‪ ()4‬تاريخ بغداد ‪13/162‬و انظر نحوه في المنتظم لبن الجوزي‬
‫‪8/126‬‬
‫‪ ()5‬تاريخ بغداد ‪162 /13‬‬
‫‪97‬‬

‫وقال ابن حبان‪) :‬كان يأخذ عن اليهود والنصارى علم القرآن‬
‫الذي يوافق كتبهم وكان مشبها ً يشبه الرب بالمخلوقين‬
‫)‪(6‬‬
‫وكان يكذب مع ذلك في الحديث(‬
‫وقال الذهبي‪) :‬ظهر بخراسان الجهم بن صفوان ودعا إلى‬
‫تعطيل صفات الله عز وجل‪ ..‬وظهر في خراسان في قبالته‬
‫مقاتل بن سليمان المفسر وبالغ في إثبات الصفات حتى‬
‫جسم وقام على هؤلء علماء التابعين وأئمة السلف وحذروا‬
‫)‪(2‬‬
‫من بدعهم(‬
‫وهؤلء ل يطعن في نقلهم بانحرافهم عن مقاتل‪ .‬وأما‬
‫استشهاد ابن تيمية رحمه الله بعلم مقاتل في التفسير فلم‬
‫يبرئه الذهبي بهذا العلم من التجسيم بل قال‪..) :‬قد لطخ‬
‫)‪(3‬‬
‫بالتجسيم مع أنه كان من أوعية العلوم بحرا ً في التفسير(‬
‫على أن الخطيب نقل في تاريخ بغداد ما يطعن في هذا‬
‫التفسير أيضا فقد نقل أنه جمع تفاسير الناس فجعلها‬
‫)‪(4‬‬
‫لنفسه وحدث بها من غير سماع‬
‫إذا تبين هذا نقول‪ :‬هل من علقة بين الرغبة في تبرئة‬
‫مقاتل واتفاق ما يسمى بعقيدة السلف مع قول مقاتل في‬
‫إثبات الصورة والقعاد على العرش ؟‬
‫الكرامية‪:‬‬
‫قبل التعريف بهذه الفرقة لبد من التنبيه إلى تميز هذه‬
‫الفرقة عن فرق المجسمة‪ ،‬فهذه الفرقة لم تمت مقالتها‬
‫بموت مؤسسها‪ ،‬وتمكنت هذه الفرقة بتلبسها لباس الزهد‬
‫والتقشف أن تخدع السلطان وتقنعه بمقالتها وتفوز‬
‫بأحضانه وقمعه لمخالفيها‪ ،‬وتميزت أيضا بتسرب بعض‬
‫مقالتها إلى المصنفات التي تنتسب إلى العقيدة السلفية‪.‬‬
‫‪ ()6‬المجروحون ‪ 2/15‬وانظر نحوه في التعديل والتجريح للباجي‬
‫‪ 1/197‬والضعفاء لبن الجوزي ‪ 1/136‬ووفيات العيان لبن خلكان‬
‫‪5/255‬‬
‫‪ ()2‬طبقات الحفاظ ‪1/159‬‬
‫‪ ()3‬طبقات الحفاظ ‪1/147‬‬
‫‪ ()4‬تاريخ بغداد ‪ 13/162‬وانظر المنتظم لبن الجوزي ‪ 8/126‬و‬
‫تهذيب الكمال للمزي ‪28/436‬‬
‫‪98‬‬

‫وتاريخ هذه الفرقة يوضح كيفية انتشار مقالة التجسيم بين‬
‫العوام لنخداعهم بما يظهر على أصحاب المقالة من زهد‬
‫وتقشف وعبادة وانخداعهم بتشنيع أصحاب المقالة على‬
‫التنزيه بدعوى موافقته للفلسفة الجنبية‪ .‬وتوضيح ما سبق‬
‫يتم بإطللة على تاريخ هذه الفرقة ودراسة مقالتها‪.‬‬
‫أما مؤسس هذه الفرقة فهو أبو عبد الله محمد بن‬
‫)‪(2‬‬
‫كرام)‪(1‬السجزي‬
‫ولد في سجستان ونشأ فيها‪ .‬ويقول الشهرستاني‪) :‬نبغ‬
‫رجل متنمس بالزهد من سجستان …قليل العلم قد قمش‬
‫من كل مذهب ضعثا ً وأثبته في كتابه وروجه على سواد بلد‬
‫خراسان‪ .‬فانتظم ناموسه وصار ذلك مذهبًا()‪(3‬ويقول ابن‬
‫السبكي‪) :‬وكان من خبر ابن كرام هذا وهو شيخ سجستاني‬
‫مجسم أنه سمع يسيرا ً من الحديث ونشأ بسجستان ثم‬
‫دخل خراسان‪...‬وعاد إلى نيسابور وباح بالتجسيم‪ .‬وكان‬
‫من إظهار التنسك والتأله والتعبد والتقشف على‬
‫جانب عظيم فافترق الناس فيه على قولين‪ ،‬منهم‬
‫المعتقد ومنهم المنتقد‪..‬قال الحاكم‪ :‬لقد بلغني أنه كان معه‬
‫جماعة من الفقراء وكان لباسه مسك ضأن مدبوغ غير‬
‫مخيط‪ .‬وعلى رأسه قلنسوة بيضاء‪ ،‬وقد نصب له دكان من‬
‫لبن وكان يطرح له قطعة فرو فيجلس عليها‬
‫فيحفظ ويذكر ويحدث قال وأثنى عليه فيما بلغني‬
‫)‪(4‬‬
‫ابن خزيمة واجتمع به غير مرة‪(..‬‬

‫‪) ()1‬كرام( بفتح الكاف وتشديد الراء على المشهور كان والده‬
‫يحفظ الكروم فقيل له الكرام وقيل )كرام( بالكسر والتخفيف على‬
‫لفظ جمع )كريم(‪ .‬انظر طبقات السبكي ‪ 2/53‬ولسان الميزان‬
‫‪ .3/353‬والتجسيم عند المسليمن وهو مذهب الكرامية سهير مختار‬
‫‪.51 – 49‬‬
‫‪ ()2‬انظر ترجمته في الفرق بين الفرق ‪ ،203‬المنتظم لبن الجوزي‬
‫‪ 12/97‬والضعفاء والمتروكين لبن الجوزي ‪ 1/95‬وطبقات الشافعية‬
‫لبن السبكي ‪ .2/53‬والبداية والنهاية لبن كثير ‪ .11/20‬والكشف‬
‫الحثيث لبي الوفاء الحلبي ولسان الميزان لبن حجر ‪.3/353‬‬
‫‪ ()3‬الملل والنحل ‪107‬‬
‫‪ ()4‬طبقات الشافعية لبن السبكي ‪.2/35‬‬
‫‪99‬‬

‫وقال تفي الدين الحصني‪..) :‬وسمع الحديث الكثير وأظهر‬
‫التقشف‪ ..‬واتخذ قطعة فرو يجلس عليها ويحفظ ويحدث‬
‫ويتخشع حتى أخذ بقلوب العوام والضعفاء من‬
‫الطلبة لوعظه وزهده‪ ،‬حتى حصر من تبعه من الناس‬
‫)‪(1‬‬
‫فإذا هم سبعون ألفًا‪(..‬‬
‫فلما أظهر ابن كرام بدعته أنكر العلماء عليه وسعوا في‬
‫سجنه وقتله‪.‬‬
‫يقول ابن السبكي‪) :‬وصاحب سجستان هو الذي نفاه‪ ،‬ولم‬
‫يكن قصد الساعين إل إراقة دمه وإنما صاحب سجستان‬
‫)‪(2‬‬
‫هاب قتله لما رأى من مخايل العبادة والتقشف(‬
‫وهذا ابن خزيمة الذي كان قد حكي عنه ثناؤه على ابن‬
‫كرام يكفر من قال مقالة الكرامية)‪ (3‬قال ابن حجر )ولما‬
‫نفي من سجستان وأتى نيسابور أجمع ابن خزيمة وغيره‬
‫من الئمة على نقله منها فسكن بيت المقدس()‪ (4‬ومات‬
‫فيها سنة خمس وخمسين ومائتين‪ .‬وكان أصحابه ببيت‬
‫المقدس نحو عشرين ألفا ً وكان له من التباع مثل ذلك في‬
‫خراسان وسجستان)‪ (5‬ومع أن ابن كرام لم يكن يحسن‬
‫العلم ول الدب فقد ألف تصانيف كثيرة كما ذكر ذلك‬
‫)‪(6‬‬
‫البغدادي ثم قال‪) :‬إل أن كلمه في غاية الركة والسقوط(‬
‫وكان مصير مؤلفاته الحرق بعدما أظهر بدعته‪ ،‬ونجا كتابه‬
‫عذاب القبر من النار إذ نقل منه البغدادي وغيره قول ابن‬
‫كرام في وصف الله عز وجل أنه أحدي الذات أحدي‬
‫)‪(7‬‬
‫الجوهر‪.‬‬
‫‪ ()1‬دفع شبه من شبه ‪.29‬‬
‫‪ ()2‬طبقات الشافعية ‪.2/53‬‬
‫‪ ()3‬لسان الميزان ‪ 3/354‬وانظر ميزان العتدال للذهبي ‪.4/21‬‬
‫‪ ()4‬لسان الميزان ‪.3/354‬‬
‫‪ ()5‬انظر التبصير في الدين للسفرائيني ‪ ،65‬والمنتظم لبن الجوزي‬
‫‪ 12/98‬والميزان‪ ،‬للذهبي ‪.4/1‬‬
‫‪ ()6‬الفرق بين الفرق ‪ 203‬وانظر الملل والنحل للشهرستاني ‪.107‬‬
‫‪ ()7‬انظر الفرق بين الفرق ‪ 203‬والملل والنحل للشهرستاني ‪108‬‬
‫والتجسيم عن المسلمين‪ .‬لسهير مختار ‪63-62‬‬
‫‪100‬‬

‫ولم تمت الكرامية بموت مؤسسها بل تهذبت مقالته في‬
‫التجسيم وُزيفت حتى كثر أتباعها واستحسنها السلطان‬
‫ض الكبار من علماء أهل‬
‫واعتنق مذهبها‪ .‬وامُتحن بذلك بع ُ‬
‫السنة المنزهين لله عز وجل عن الجسمية ولوازمها‪.‬‬
‫ومن تلميذ ابن كرام وأتباعه الذين قاموا بمذهبه إسحاق بن‬
‫محمشاد الذي صنف في فضائل ابن كرام‪ .‬يقول ابن‬
‫حجر )إسحاق بن محمشاد روى عن أبي الفضل التميمي‬
‫حديثا ً هو وضعه بقلة حياء منه‪" :‬يجيء في آخر الزمان رجل‬
‫يقال له ابن كرام تحيا السنة به"‪ .‬فانظر إلى المادح‬
‫)‪(1‬‬
‫والممدوح وسند حديثة مجاهيل(‬
‫ومن تلميذ ابن كرام وأتباعه الشاعر أبو الفتح علي بن‬
‫محمد البستي)‪402‬هـ()‪ (2‬الذي اتصل بالملك ناصر الدولة‬
‫سبكتكين)‪ (3‬وعمل في خدمته فقربه منه حتى تأثر ملك آل‬
‫سبكتكين)‪ (4‬بالكرامية فنصروا المذهب وقسوا على‬
‫مخالفيه‪.‬‬
‫ومن أتباع ابن كرام أبو عبد الله محمد بن الهيصم الذي‬
‫اجتهد في إرمام مقالة ابن كرام حتى ردها من المحال‬
‫الفاحش إلى نوع ُيفهم بين العقلء‪ ،‬فمن ذلك أنه عدل‬
‫بإثبات الجسم إلى معنى زعم أنه المراد وهوالقائم بالذات‪،‬‬

‫‪1‬‬
‫‪ ()2‬انظر ترجمته في البداية والنهاية لبن كثير ‪ 11/278‬وشذرات‬
‫الذهب لبن العماد ‪2/195‬‬
‫)صاحب بلخ وغزنة‬
‫‪:‬‬
‫‪16/500‬‬
‫النبلء‬
‫أعلم‬
‫‪ ()3‬قال الذهبي في سير‬
‫وغير ذلك مات في شعبان "‪387‬هـ" كانت دولته نحوا ً من عشرين‬

‫سنة وكان فيه عدل وشجاعة وعسف وكونه كراميًا( وذكر في‬
‫‪ 17/484‬مثال لقسوته على مخالفي المذهب فقال‪) :‬كان أبو القاسم‬
‫عبد الله بن عبد الله بن الحسن النضري قاضي مرو صلب المذهب‬
‫فدخل صاحب غزنة سبكتكين بلخ ودعا إلى مناظرة الكرامية وكان‬
‫النضري يومئذ قاضيا ً ببلخ فقال سبكتكين ما تقولون في هؤلء الزهاد‬
‫الولياء فقال النضري‪ :‬هؤلء عندنا كفرة فقال ما تقولون في ؟‬
‫فقال‪ :‬إن كنت تعتقد مذهبهم فقولنا فيك كذلك فوثب وجعل يضربهم‬
‫بالدبوس حتى أدماهم وشج النضري وقيدهم وسجنهم ثم أطلقهم‬
‫الملمة(‪ .‬وقال في ترجمة سبكتكين‪) :486 /17 :‬وكان‬
‫خوف‬
‫السلطان مائل ً إلى الثر إل أنه من الكرامية(‪.‬‬
‫‪ ()4‬اتسعت دولة آل سبكتكين حتى شملت الهند وخراسان وغزنة‬
‫وغيرها‪ ،‬كان ابتداء دولتهم )‪336‬هـ( ومدة وليتهم مئتي سنة وثلث‬
‫عسة سنة تقريبا‪ ،‬وكان ملوكهم من أحسن الملوك سيرة لسيما‬
‫السلطان محمود بن سبكتكين )‪241‬هـ( وأول ملوكهم جدهم‬
‫سبكتكين وانتهت دولتهم على يد الغوريين‪ .‬انظر الكامل لبن الثير‬
‫‪ 9/370‬و سير أعلم النبلء ‪ 17/84‬وطبقات الشافعية الكبرى لبن‬
‫السبكي ‪.317-5/314‬‬
‫‪101‬‬

‫وهذا هو الرأي الذي مال إليه ابن تيمية رحمه الله‪ .‬ومنه‬
‫أيضا ً أنه زعم أن الفوقية بمعنى العلو مع إثبات البينونة غير‬
‫المتناهية بينه وبين خلقه)‪ (1‬وقال الشهرستاني‪) :‬قد تخطى‬
‫بعض الكرامية إلى إثبات الجسمية فقال أعني بها القيام‬
‫بالنفس‪ ،‬وذلك تلبيس على العقلء … وإل فمذهب أستاذهم‬
‫مع كونه محل ً للحوادث‪..‬مستويا ً على العرش استقرارا ً‬
‫مختصة بجهة فوق مكانا ً واستعلًء فليس ينجيه من هذه‬
‫ت ابن هيصم فليس يريد بالجسمية القيام‬
‫المخازي تزويرا ُ‬
‫بالنفس‪...‬وإنما هو إصلح مذهب ل يقبل الصلح‪ .‬وكيف‬
‫يستوي الظل والعود أعوج وكيف استوى المذهب وصاحب‬
‫المقال أهوج()‪.(2‬وكان ابن الهيصم من مجالسي السلطان‬
‫محمود بن سبكتكين)‪ (3‬وكان ابن فورك)‪ (4‬هو الذي يناظر ابن‬
‫الهيصم في هذا المجلس)‪ (5‬وكانت هذه المناظرات سببا ً في‬
‫قتل ابن فورك‪ .‬قال ابن السبكي‪) :‬وكان ابن فورك شديدا ً‬
‫على الكرامية‪ ،‬وأذكر أن ما حصل له من المحنة من شغب‬
‫أصحاب ابن كرام وشيعتهم من المجسمة…فتحزبوا عليه‬
‫ونموا عليه غير مرة وهو ينتصر عليهم فلما أيست‬
‫الكرامية من الوشاية والمكايدة عدلت إلى السعي‬
‫في موته والراحة من تعبه فسلطوا عليه من سمه فمضى‬
‫ً )‪(6‬‬
‫حميدا ً شهيدا(‬
‫‪ ()1‬انظر الملل والنحل للشهرستاني ‪111‬‬
‫‪ ()2‬نهاية القدام ‪.122‬وانظر التجسيم عند المسلمين وهو مذهب‬
‫الكرامية ‪90-89‬‬
‫‪ ()3‬هو السلطان محمود بن سبكتكين أبو القاسم الملقب بيمين‬
‫الدولة صاحب بلد غزنة وما والها كان غاية في الديانة وكراهة‬
‫المعاصي وأهلها ول يجرأ أحد أن يظهر معصية ول خمرا في مملكته‬
‫واختلف في اتباعه مذهب الكرامية‪ .‬انظر البداية والنهاية لبن كثير‬
‫‪ 30– 29 /13‬و طبقات الشافعية لبن السبكي ‪5/314‬‬
‫الستاذ أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك الذي ل‬
‫‪ ()4‬هو المام‬
‫يجارى فقها ً وأصول ً ونحوا مع مهابة وورع بالغ‪ ،‬بلغت تصانيفه قريبا‬
‫من المائة سمع مسند الطيالسي‪ ،‬وروى عنه الحافظ البيهقي وأبو‬
‫القاسم القشيري‪ .‬وغيرهم انظر طبقات الشافعية لبن السبكي‬
‫‪ 4/127‬و شذرات الذهب لبن العماد ‪ 2/181‬و وفيات العيان لبن‬
‫خلكان ‪4/272‬‬
‫‪ ()5‬انظر البداية والنهاية لبن كثير ‪ 12/30‬والتجسيم عند المسلمين‬
‫وهو مذهب الكرامية لسهير مختار ‪87‬‬
‫‪ ()6‬طبقات الشافعية الكبرى ‪ 4/131‬وانظر شذرات الذهب لبن‬
‫العماد ‪4/181‬‬
‫‪102‬‬

‫وكان أبو إسحاق السفرائيني قد تعين عليه مناظرة‬
‫الكرامية بعد ابن فورك‪ .‬ومن هذه المناظرات ما ذكره أبو‬
‫المظفر السفراييني قال‪) :‬سأل بعض أتباع الكرامية في‬
‫م زمانه أبا إسحاق‬
‫مجلس السلطان محمد بن سبكتكين إما َ‬
‫السفراييني رحمه الله عن هذه المسألة –الستواء على‬
‫العرش – فقال‪:‬هل يجوز أن يقال‪ :‬إن الله تعالى على‬
‫العرش؟ وأن العرش مكان له؟ فقال‪ :‬ل‪ .‬وأخرج يديه ووضع‬
‫إحدى كفيه على الخرى‪ ،‬وقال‪ :‬كون الشيء على الشيء‬
‫يكون هكذا‪ ،‬ثم ليخلو إما أن يكون أكبر منه أو أصغر منه‬
‫فل بد من مخصص خصه وكل مخصوص يتناهى والمتناهي‬
‫ليكون إلهًا…فلم يمكنهم أن يجيبوا عنه فأغروا به‬
‫رعاعهم حتى دفعهم عنه السلطان بنفسه…ولما ورد‬
‫عليهم هذا اللزام تحيروا فقال قوم إنه أكبر من العرش‬
‫وقال قوم إنه مثل العرش‪ .‬وارتكب ابن المهاجر منهم قوله‬
‫إن عرضه عرض العرش‪ .‬وهذه القوال كلها متضمنة لثبات‬
‫)‪(1‬‬
‫النهاية وذلك علم الحدوث ليجوز أن يوصف به الصانع(‬
‫وابتلي المام الفخر الرازي بمناظرة الكرامية بعد ابن‬
‫فورك وأبي إسحاق‪ ،‬وكان رأس الكرامية في زمانه مجد‬
‫الدين بن عمر المعروف بابن القدوة وهو الذي تسبب في‬
‫محنة الفخر الرازي مستغل ً مكانته عند الغوريين الذين‬
‫خلفوا آل سبكتكين في حكم بلدهم )‪ .(2‬وحدثت بذلك فتنة‬
‫عظيمة ذكرها ابن الثير في حوادث )‪595‬هـ( فقال‪) :‬وفي‬
‫هذه السنة حدثت فتنة عظيمة بعسكر غياث الدين ملك‬
‫الغور وغزنة )‪..(3‬وسببها أن الفخر محمد بن عمر الرازي‬
‫‪ ()1‬التبصير في الدين ‪66‬‬
‫‪ ()2‬ينسب الغوريون إلى بلد الغور وهي جبال وعرة ومضايق غلقة‬
‫تجاور غزنة‪ ،‬وكان الغوريون أول المر يستغلون طبيعة مناطقهم في‬
‫الغزو وقطع الطريق ثم تجمعوا وتحزبوا ضد آل سبكتكين وقضوا‬
‫على دولتهم سنة أربعين وخمسمائة‪ .‬وانتهت دولة الغوريين سنة‬
‫خمس وخمسمائة وآخر ملوكهم هو غياث الدين محمد بن غيلث )‬
‫‪605‬هـ( انظر الكامل لبن الثير ‪ 8/62‬و ‪ 9/356‬وسير أعلم النبلء‬
‫للذهبي ‪20/406‬‬
‫‪ ()3‬هوغياث الدين محمد بن سام أبو الفتح )‪599‬هـ( أحد ملوك‬
‫الغوريين كان على مذهب الكرامية إلى أن هداه الله تعالى إلى‬
‫هجره )‪596‬هـ( وصار شافعي المذهب وبنى المدارس للشافعية‬
‫‪103‬‬

‫كان قد قدم إلى غياث الدين فأكرمه واحترمه وبنى له‬
‫مدرسة بهراة)‪ (1‬فقصده الفقهاء من البلد فعظم ذلك على‬
‫الكرامية وهم كثيرون بهراة‪ ،‬وأما الغورية فكلهم كرامية…‬
‫فاتفق الفقهاء من الكرامية والحنفية والشافعية عند غياث‬
‫الدين للمناظرة وحضر الفخر الرازي وابن القدوة وهو من‬
‫الكرامية الهيصمية وله عندهم محل كبير لزهده وعلمه‬
‫وبيته‪ ،‬فتكلم الرازي فاعترض عليه ابن القدوة‪ ،‬وطال الكلم‬
‫فاستطال عليه الفخر الرازي وسبه وشتمه وبالغ في أذاه‪،‬‬
‫وابن القدوة ليزيد على أن يقول‪ :‬ليفعل مولنا‪،‬‬
‫وأخذك الله‪ ،‬وأستغفر الله‪ ،‬فانفصلوا على هذا‪ ،‬وقام‬
‫ضياء الدين)‪ (2‬في هذه الحادثة وشكر إلى غياث الدين وذم‬
‫الفخر الرازي ونسبه إلى الزندقة ومذهب‬
‫الفلسفة فلم يصغ غياث إليه‪ .‬فلما كان الغد وعظ ابن‬
‫القدوة بالجامع فلما صعد المنبر قال بعد أن حمد الله‬
‫وصلى على النبي‪ :‬ل إله إل الله‪ ،‬ربنا آمنا بما‬
‫أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين‪ ،‬أيها‬
‫الناس إنا لنقول إل ما صح عندنا عن رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم وأما علم أرسطاليس‬
‫وكفريات ابن سينا وفلسفة الفارابي فلنعلمها‪،‬‬
‫فلي شيء ُيشتم بالمس شيخ من شيوخ السلم‬
‫يذب عن دين الله وعن سنة رسول نبيه‪ ،‬وبكى‬
‫وضج الناس وبكى الكرامية واستغاثوا…وثار الناس‬
‫من كل جانب وامتل البلد فتنة وكادوا يقتتلون‬
‫ويجري ما يهلك فيه خلق كثير فبلغ ذلك السلطان‬
‫فأرسل جماعة من عنده إلى الناس وس ّ‬
‫كنهم ووعدهم‬
‫بإخراج الفخر من عندهم وتقدم إليه بالعودة إلى هراة فعاد‬
‫ومسجدا بغزنة كما ذكره ابن الثير في الكامل ‪10/246‬‬
‫‪ ()1‬وهي من مدن خراسان انظر معجم البلدان لياقوت ‪5/97‬‬
‫‪ ()2‬هو أحد أمراء الغوريين ضياء الدين محمد الغوري وهو ابن عم‬
‫غياث الدين انظر الكامل لبن الثير ‪10/73‬‬
‫‪104‬‬

‫إليها()‪ (1‬وهذه حادثة مهمة في تاريخة التجسيم إذا أردنا أن‬
‫نأخذ من دراسته العبر‪.‬‬
‫مقالة الكرامية في التجسيم‪:‬‬
‫اختلف كتاب الملل والنحل في ذكر فرق الكرامية‬
‫فالبغدادي جعل الكرامية ثلثة أصناف‪ ،‬وجعلها الرازي ستة‬
‫فرق‪ ،‬وأوصلها الشهرستاني إلى اثنتي عشرة فرقة‪.‬‬
‫ولنطيل في تفصيل مقالتهم لسببين أولهما أن جهدا ً قد‬
‫ُبذل من قبل في مذهب الكرامية)‪ ،(2‬والثاني أن هذه الفرق‬
‫وإن كان لكل واحدة منها رأي إل أن الشهرستاني قال‪:‬‬
‫)‪..‬إل أن ذلك لما لم يصدر عن علماء معتبرين بل عن‬
‫سفهاء جاهلين)‪ (3‬لم نفردها مذهبًا‪ .‬وأوردنا مذهب صاحب‬
‫)‪(4‬‬
‫المقالة وأشرنا إلى ما يتفرع منه …(‬
‫فهذا بيان مقالة ابن كرام وما تفرع منها‪:‬‬
‫وأهم مقالته تجسيم معبوده إذ زعم أنه جسم له حد ونهاية‬
‫)‪(5‬‬
‫من تحته وهي الجهة التي يلقي منها العرش‬
‫ثم اختلف أصحابه في النهاية فمنهم من وافقه‪ ،‬ومنهم من‬
‫أثبت النهاية له من ست جهات‪ ،‬ومنهم من أنكر النهاية له‬
‫وقال هو عظيم‪.‬‬
‫ولهم في معنى العظمة خلف فقال بعضهم معنى عظمته‬
‫أنه مع وحدته على جميع أجزاء العرش والعرش تحته‪ ،‬وهو‬
‫فوق ذلك على الوجه الذي هو فوق جزء منه‪ .‬وقال بعضهم‬

‫‪ ()1‬الكامل ‪ 10/262‬وانظر البداية والنهاية لبن الثير ‪13/19‬‬
‫‪ ()2‬وهو رسالة نالت بها سهير مختار شهادة الماجستير من الزهر‬
‫الشريف بعنوان "التجسيم عند المسلمين وهو مذهب الكرامية‬
‫"واقتصرت فيها على دراسة الكرامية وتكلمت فيه على فرقها من‬
‫‪98-86‬‬
‫‪ ()3‬ولهذا لم يعبء ً المؤرخون بالترجمة لهؤلء‪ ،‬ولم أجد فيما بين‬
‫يدي من مصادر شيئا يستحق الذكر في ترجمة رؤساء هذه الفرق‬
‫غير ما سبق في تاريخ هذه الفرقة‪.‬‬
‫‪ ()4‬الملل والنحل ‪ 107‬وانظر الفرق بين الفرق للبغدادي ‪ 203‬و‬
‫اعتقادات فرق المسلمين للرازي ‪.7‬‬
‫‪ ()5‬انظر الفرق بين الفرق للبغدادي ‪ 203‬و الملل والنحل‬
‫للشهرستاني ‪ 108‬واعتقادات فرق المسلمين للرازي ‪.17‬‬
‫‪105‬‬

‫معنى عظمنه أنه يلقي مع وحدته من جهة واحدة أكثر من‬
‫)‪(1‬‬
‫واحد وهو يلقي جميع أجزاء العرش وهو العلي العظيم‪.‬‬
‫وقد سبق أن ابن كرام زعم أن معبوده أحدي الذات أحدي‬
‫الجوهر‪ .‬وقد حاول بعض أتباعه تهذيب هذا الوصف في ما‬
‫حكاه البغدادي فقال‪) :‬وأتباعه اليوم ليبوحون بإطلق لفظ‬
‫الجوهر على الله تعالى عند العامة خوفا ً من الشناعة عند‬
‫الشاعة‪ .‬وإطلقهم لفظ الجسم عليه أشنع من اسم الجوهر‬
‫وامتناعهم من تسميته جوهرا ً مع قولهم بأنه جسم كامتناع‬
‫شبطان الطاق الرافضي من تسمية الله جسما ً مع قوله‬
‫)‪(2‬‬
‫بأنه على صورة النسان(‬
‫واتفق أكثر الكرامية على إطلق لفظ الجسم‪ ،‬واجتهد‬
‫بعضهم في تزيين هذه المقالة فزعم أنه يريد بلفظ الجسم‬
‫أنه قائم بنفسه وزعم أن هذا هو حد الجسم‪ .‬قال‬
‫الشهرستاني‪) :‬وبنوا على هذا أن من من حكم القائمين‬
‫بأنفسهما أن يكونا متجاوربن أو متباينين فقضى‬
‫بعضهم بالتجاور مع العرش وحكم بعضهم بالتباين‪ .‬وبما‬
‫قالوا كل موجودين فإما أن يكون أحدهما بحيث‬
‫الخر كالعرض مع الجوهر وإما أن يكون بجهة منه‪.‬‬
‫والباري ليس بعرض إذ هو قائم بنفسه فيجب أن‬
‫يكون بجهة من العالم وأشرفها جهة فوق فقلنا‬
‫هو بجهة فوق بالذات()‪ (3‬وعين هذا الستدلل موجود‬
‫في المؤلفات التي توصف بجمع العقيدة السلفية‪ ،‬مع أن‬
‫أحدا ً من السلف لم يهمس فيه ببنت شفة إل أن يكون‬
‫الكرامية ومن اغتر بهم من المحدثين هم السلف دون‬
‫الصحابة والتابعين‪.‬‬

‫‪ ()1‬انظر الملل والنحل للشهرستاني ‪111‬‬
‫‪ ()2‬الفرق بين الفرق ‪203‬‬
‫‪ ()3‬الملل والنحل للشهرستاني ‪108‬‬
‫‪106‬‬

(1‬وأبدل‬ ‫أصحابه لفظ المماسة بلفظ الملقاة منه للعرش‪ ،‬وقالوا‬ ‫ليصح وجود جسم بينه وبين العرش إل أن يحيط به العرش‬ ‫إلى أسفل‪ ،‬وهذا هو معنى المماسة التي امتنعوا من لفظها‬ ‫كما نبه عليه البغدادي)‪ (2‬ومنهم من قال إنه على بعض أجزاء‬ ‫العرش‪ ،‬وقال بعضهم إن العرش قد امتل به‪ ،‬وصار‬ ‫)‪(3‬‬ ‫المتأخرون منهم إلى أنه بجهة فوق وأنه محاذ للعرش‬ ‫واختلفت الكرامية في المسافة التي أثبتوها بينه وبين‬ ‫العرش فمنهم من قال إن بينه وبين العرش من البعد‬ ‫در مشغول ً بالجواهر لتصلت به‪ .‬‬ ‫وزاد بعض أصحابه فزعم أن العرش مكان له وأنه لو خلق‬ ‫بإزاء العرش عروشا ً موازية لعرشه لصارت العروش كلها‬ ‫مكانا ً له لنه أكبر منها كلها‪ .‬قال البغدادي‪) :‬وهذا القول‬ ‫يوجب أن عرشه اليوم كبعضه في عرضه‪ .‬وقال ابن‬ ‫والمسافة ما لو قُ ّ‬ ‫الهيصم‪ :‬إن بينه وبين العرش بعدا ً ل يتناهى وهو مباين‬ ‫للعالم بينونة أزلية ونفى التحيز والمحاذاة وأثبت الفوقية‬ ‫والمباينة)‪ (4‬وسوف نرى تسرب هذه المقالة إلى ما يسمى‬ ‫بعقيدة السلف‪.‬‬ ‫واختلفت الكرامية في الستواء على العرش فنص ابن‬ ‫كرام على أن معبوده على العرش استقر وأنه بجهة فوق‬ ‫ذاتا ً وأن العرش مكان له‪ ،‬وجوز عليه النتقال والنزول‪.‬ومنهم من قال‪:‬‬ ‫إنه ليزيد على عرشه من جهة المماسة وليفضل منه شيء‬ ‫‪ ()1‬انظر الفرق بين الفرق للبغدادي ‪ 204‬و الملل والنحل‬ ‫للشهرستاني ‪108‬‬ ‫‪ ()2‬انظر الفرق بين الفرق ‪204‬‬ ‫‪ ()3‬انظر الملل والنحل للشهرستاني ‪108‬‬ ‫‪ ()4‬انظر المصدر السابق ‪ 108‬و اعتقادات فرق المسلمين للرازي‬ ‫‪67‬‬ ‫‪107‬‬ .‫مه أن‬ ‫ونعود إلى مقالة ابن كرام الذي زاد على ما سبق زع َ‬ ‫الله تعالى مماس لعرشه من الصفحة العليا)‪ .‬‬ ‫وسوف نرى مدى تسرب هذه المقالة إلى ما يسمى بعقيدة‬ ‫السلف أيضًا‪.

‬‬ ‫ومن مقالة أصحابه التي زادوا فيها على مقالة كبيرهم أنهم‬ ‫عدوا في صفات الله تعالى اليدين والوجه‬ ‫ة قائمة بذاته‪ ،‬وقالوا‪ :‬له يد‬ ‫ت قديم ً‬ ‫فأثبتوها صفا ٍ‬ ‫)‪(5‬‬ ‫ل كاليدي ووجه ل كالوجوه وأثبتوا جواز رؤيته‬ ‫)‪(6‬‬ ‫من جهة فوق دون سائر الجهات‬ ‫وزعم ابن الهيصم أن الذي أطلقه المجسمة من الهيأة‬ ‫والصورة والجوف وغيرها ل يشبه ما أطلق الكرامية من أنه‬ ‫خلق آدم بيديه وأنه استوى على العرش وأنه يجيء يوم‬ ‫‪ ()1‬الفرق بين الفرق ‪206‬‬ ‫‪ ()2‬الية )‪ (1‬من سورة النفطار‪.‫على العرش‪ .‬‬ ‫‪ ()3‬الفرق بين الفرق ‪207‬‬ ‫‪ ()4‬الفرق بين الفرق ‪ 207‬وانظر نحوه في التبصير في الدين‬ ‫للسفرائيني ‪68‬‬ ‫‪ ()5‬انظر الملل والنحل للشهرستاني ‪111‬‬ ‫‪ ()6‬انظر الفرق بين الفرق ‪ 109‬والملل والنحل للشهرستاني ‪111‬‬ ‫‪108‬‬ .‬وهذا يقتضي أن يكون عرضه بعرض العرش(‬ ‫)‪ (1‬وقال أيضًا‪) :‬وأعجب من هذا كله أن ابن كرام وصف‬ ‫معبوده بالثقل وذلك أنه قال في كتاب عذاب‬ ‫القبر في تفسير قوله تعالى "إذا السماء‬ ‫انفطرت")‪ (2‬إنها انفطرت من ثقل الرحمن عليها(‬ ‫)‪ (3‬وسوف نرى من وافق على ذلك من المنتسبين إلى‬ ‫السلف‪.‬‬ ‫ومن مقالة ابن كرام أنه أثبت الكيفية لله عز وجل في‬ ‫ما نقله البغدادي من كتاب عذاب القبر قال البغدادي‪) :‬ثم‬ ‫إن ابن كرام ذكر في كتابه عذاب القبر بابا ً له ترجمة عجيبة‬ ‫فقال‪ :‬باب في كيفوفية الله عز وجل‪ ،‬وليدري العاقل من‬ ‫ماذا يتعجب أمن جسارته على إطلق لفظ الكيفية في‬ ‫صفات الله عز وجل؟ أم من قبح عبارته عن الكيفية‬ ‫بالكيفوفية‪ ،‬وله من جنس هذه العبارة أشكال … وقد عبر‬ ‫عن مكان معبوده في بعض كتبه بالحيثوثية وهذه العبارات‬ ‫لئقة بمذهبه السخيف()‪ (4‬وهذه المقالة مما تسرب إلى ما‬ ‫يسمى بعقيدة السلف أيضًا‪.

‬‬ ‫العبر والفوائد التي يجب أن ل تغيب عن الذهان‬ ‫في دراسة مقالت التجسيم‪.‬‬ ‫ثانيا ً‪ :‬أن هذا الشعار ُيلّبس بتشنيع مذهب المخالف بنسبته‬ ‫إلى الفلسفة كما فعل ابن القدوة‪.‬‬ ‫أول ً‪ :‬إن اتباع الكتاب والسنة والسلف شعار يرفعه حتى‬ ‫من خالف قواطع الكتاب والسنة والسلف‪ ،‬فها هو ابن‬ ‫القدوة الكرامي يزعم أنه آمن بما أنزل وما صح‪ ،‬وهذا‬ ‫مقاتل وشيطان الطاق يزعم كل منهما أنه لم يثبت صورة‬ ‫للرحمن على صورة آدم إل اتباعا ً للثر‪.‬وسوف نرى مثل‬ ‫هذا الترميم في ما يسمى بعقيدة السلف‪.‫القيامة لمحاسبة خلقه‪ ،‬قال‪ :‬وذلك لنا ل نعتقد ذلك‬ ‫على معنى فاسد من جارحة وعضو أو مطابقة‬ ‫للمكان والستقرار بالعرش في تفسير الستواء‬ ‫ولتردد في الماكن التي تحيط به في تفسير المجيء‪ ،‬قال‪:‬‬ ‫وإنما ذهبنا في ذلك إلى إطلق ما أطلقه القرآن‬ ‫فقط من غير تكييف ول تشبيه‪ ،‬ومالم يرد به‬ ‫القرآن والخبر فل نطلقه كما أطلقه سائر‬ ‫)‪(1‬‬ ‫المشبهة‬ ‫وهذه محاولة ترقيع وترميم فاشلة لم ُيمّيز فيها بين ألفاظ‬ ‫القرآن وبين ما جاء في المتون المنكرة بالسانيد الواهية ول‬ ‫بين فهمها فهما ً صحيحا وبين فهمها فهما ً قبيحًا‪ ،‬فخلطوا‬ ‫ألفاظ القرآن مع هذه الفهوم وتلك المنكرات‪ ،‬وأثبتوا‬ ‫الجميع مرقوعا ً بزعمهم أنه على الوجه الذي يليق بجلله‬ ‫ومستورا ً بنفي التكييف والتشبيه لفظًا‪ .‬‬ ‫وقبل أن نختم القول في تاريخة المجسمة وفرقهم‬ ‫نشير إلى بعض العبر والفوائد التي يجب أن ل تغيب عن‬ ‫الذهان في دراسة مثل هذه الراء‪.‬‬ ‫ثالثا ً‪ :‬أن مثل هذه المقالت الشنيعة وَُقودها العوام الذين ل‬ ‫يحسنون الستنباط ويفتقرون إلى الفهم الدقيق‪ ،‬وربما فتن‬ ‫‪ ()1‬انظر الملل والنحل للشهرستاني ‪111‬‬ ‫‪109‬‬ .

‬وفي هذه المقالة يقول ابن السبكي‪:‬‬ ‫الله جسم ليس‬ ‫كذب ابن فاعلة يقول لجهله‬ ‫كالجسمان‬ ‫مجنون فاصغ وعد عن‬ ‫لو كان جسما كان كالجسام يا‬ ‫)‪(1‬‬ ‫بهتان‬ ‫ومن ذلك أيضا أن مقاتل بن سليمان بعد أن تجرأ على الله‬ ‫عز وجل بإثبات الجسم والصورة والعضاء والجوارح زعم‬ ‫أنه مع ذلك ل يشبهه شيء ول يشبه غيره‪.‬‬ ‫‪ ()1‬طبقات الشافعية الكبرى ‪.‬‬ ‫خامسا ً‪ :‬أن المقالة التي بان فسادها لن تعدم من يحاول‬ ‫ترميمها واستئصال ما انكشف من عوارها فيتبرأ المرمم‬ ‫مما ليمكن إصلحه أو يتلعب بألفاظها ويحملها على معان‬ ‫أخرى غير المعاني التي بان فسادها‪.‬‬ ‫سادسا ً‪ :‬أن أكثر الناس تصريحا ً بالعقائد الباطلة في هذا‬ ‫الباب يتمسكون بنفي التشبيه وإثبات ما أثبتوه على الوجه‬ ‫اللئق‪ ،‬فهذا هشام بن الحكم يزعم أنه إنما أثبت جسما ً ل‬ ‫كالجسام‪ .‫بهذه المقالة بعض ضعاف الطلبة الذين يتململون من‬ ‫إعمال الفكر فيقتنعون في اعتقادهم بتقليد من أظهر‬ ‫مخايل الزهد وأطال في النسك وأثر في الوعظ‪ ،‬ويستدلون‬ ‫بما يظهر من التدين على ما بطن من الدين‪ ،‬فها هو ابن‬ ‫كرام على شناعة مقالته ينخدع بزهده ووعظه اللف‪.3/379‬‬ ‫‪110‬‬ .‬‬ ‫رابعا ً‪ :‬أن هؤلء العوام ُيستغلون في حماية صاحب هذه‬ ‫المقالة من بطش أهل الحق تارة ‪-‬كما هاب صاحب‬ ‫سجستان قتل ابن كرام واكتفى بنفيه‪ -‬وتارة ُيستظهر بهم‬ ‫في إيذاء المخالفين وإثارة الفتن كما فعل ابن القدوة‪.‬‬ ‫وهذه النقاط ل تغيب في عصر من العصور عن فكر‬ ‫الخائضين في وصف الله عز وجل والمتبعين لما تشابه من‬ ‫كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم‪.

‬وفي هذه الدائرة يتفاوت‬ ‫هؤلء في مواقفهم من التجسيم‪ .‬وهذا يوجب أن نحرر مذهب‬ ‫أهل الحديث في مسألتنا خاصة ونضبط من يشمله عموم‬ ‫هذا النتساب ومن هوالحقيق بشرف إقرار الحديث‬ ‫الشريف له بما ادعاه من الوصال‪.‬وكتب الرجال وبيان‬ ‫حال الرواة ومصنفات المحدثين تشهد بأن في رواة الحديث‬ ‫من الحنابلة والشافعية وسائر المذاهب الفقهية‪ ،‬وفيهم من‬ ‫الحشوية والرافضة والخوارج وغيرها من المذاهب الفكرية‬ ‫من لم يخرجهم مذهبهم الفكري من دائرة المحدثين‪ ،‬وإن‬ ‫حكم عليهم بالبدعة ومخالفة السنة‪ .‬الذي‬ ‫‪111‬‬ .‬‬ ‫ة الحديث‬ ‫ض من أخطأ في فهم مذهبهم مكان َ‬ ‫وقد يستغل بع ُ‬ ‫والسلف للتشنيع على مخالفه وتقبيح مذهبه والتنفير عنه‬ ‫برميه بالتنكب عن منهجهم‪ .‬فكلهم يدعي وصل ً بالحديث‬ ‫والسلف ويطعن في فهم مخالفه لحقيقة مذهبهم‪.‬وعلى رأس هؤلء من‬ ‫المحدثين إمام دار الهجرة مالك بن أنس رحمه الله‪ .‫المبحث الثالث‪ :‬التجسيم في فكر المحدثين‬ ‫من المعروف أن أهل الحديث ليس لهم مذهب‬ ‫مستقل ل في الفقه ول في العتقاد‪ .‬وحتى المحدثون من‬ ‫ُ‬ ‫أهل السنة فيهم من اختار مذهب الشاعرة أو الماتريدية‪ ،‬و‬ ‫فيهم أيضا من اختار المذهب الذي يحكيه الشيخ ابن تيمية‬ ‫وغيره عن أهل الحديث على أنه مذهب السلف وأهل‬ ‫السنة‪ .‬ويمكن إجمال تفاوتهم في‬ ‫موقفين‬ ‫الول‪ :‬موقف من يجاهر بتنزيه الله عز وجل باختيار مذهب‬ ‫التفويض أو التأويل في المتشابه‪ .‬والدافع إلى هذا النتساب إلى الحديث والسلف هو‬ ‫ما في الحديث النبوي والسلف الصالح من القدسية‬ ‫والمكانة عند أهل السنة‪ .‬‬ ‫فأهل الحديث هم المشتغلون برواية الحديث ودرايته‪.‬‬ ‫فكل من صنف في متون الحديث النبوي وكل من اندرج في‬ ‫أسانيده وكل من غلب عليه الشتغال بعلم مصطلحه‬ ‫استحق أن يعد من أهل الحديث‪ .

‬‬ ‫‪ ()1‬انظر الشفا للقاضي عياض ‪542 /2‬‬ ‫‪5/449 ()2‬‬ ‫‪112‬‬ .‬كما‬ ‫سبق‪ .‬ول بد من الشارة إلى‬ ‫بعض هذه المصنفات مع المرور على بعض ما فيها لندرك‬ ‫البون الشاسع بين أصحاب الموقف الول وأصحاب هذا‬ ‫الموقف‪.‬وهؤلء‬ ‫الذين ساروا على نهج المام مالك وأحمد بن حنبل هم‬ ‫الجديرون بالنتساب إلى الحديث الشريف‪.‬‬ ‫ومن هذا الفريق من ألف وجمع من هذه الحاديث والخبار‬ ‫التي يسمونها أخبار الصفات‪ .‬‬ ‫الموقف الثاني‪ :‬موقف من يثبت بعض الخبار الواهية‬ ‫المنكرة التي ل تكاد تحتمل التأويل‪.‬‬ ‫ومنهم أيضا من نص على اختيار وجه من وجوه التأويل في‬ ‫أحد الحاديث كما سبق فلول أنه رأى ما يقتضيه الحمل على‬ ‫الظاهر من مخالفة أدلة التنزيه ما اختار التأويل‪.‫كان ينهى عن التحديث بالحاديث التي توهم التشبيه‬ ‫وتشكل في المعنى)‪ (1‬مثل الحديث الذي جاء في صورة آدم‬ ‫وكان ينكر ذلك إنكارا ً شديدا كما في سير أعلم النبلء‬ ‫)‪(2‬‬ ‫للذهبي‬ ‫وكان مجرد السؤال عن المتشابه موجبا ً لغضبه على السائل‬ ‫وطرده من المجلس كما هو مشهور عنه‪ ،‬فأين النكار على‬ ‫مجرد التحديث ومجرد السؤال عن التحديث بخلق آدم على‬ ‫صورة وجهه و إثبات الستواء مع الطيط ونحو ذلك مما‬ ‫يعدونه مذهبا ً لهل الحديث؟‬ ‫ومن أصحاب هذا الموقف المام أحمد بن حنبل الذي‬ ‫ثبت عنه التأويل وتفويض المعنى ولم يثبت عنه غيره‪ .‬وعلى هؤلء العمدة في تقرير‬ ‫ما يسمونه اليوم بعقيدة السلف‪ .‬ومن أصحاب هذا الموقف من حكينا عنهم اختيار‬ ‫التفويض الذي يعده ابن تيمية من شر أقوال أهل البدع كما‬ ‫سبق‪.

‬وفيهما من‬ ‫‪ ()1‬انظر ترجمته في سير أعلم النبلء ‪13/319‬‬ ‫‪113‬‬ .‬وكان شيخ السلم ابن تيمية رحمه الله يوصي‬ ‫بهذين الكتابين أشد الوصية ويعظمهما جدًا‪ .‬‬ ‫وهذان الكتابان لهما منزلة عظيمة عند ابن تيمية رحمه الله‬ ‫وتلميذه ابن القيم وقد أكثرا النقل عن هذين الكتابين ويقول‬ ‫ابن القيم بعد الثناء على الدارمي‪) :‬وكتاباه من أجل الكتب‬ ‫المصنفة في السنة وأنفعها‪ ،‬وينبغي لكل طالب سنة مراده‬ ‫الوقوف على ما كان عليه الصحابة والتابعون والئمة أن‬ ‫يقرأ كتابيه‪ .‫أو ً‬ ‫ل‪:‬كتاب الرد على الجهمية وكتاب نقض‬ ‫عثمان بن سعيد على المريسي العنيد‬ ‫)‪(1‬‬ ‫لعثمان بن سعيد الدارمي)‪ 280‬هـ(‬ ‫أما كتاب الجهمية فقد احتج فيه بكثير من السانيد الواهية‬ ‫والمتون المنكرة التي تخالف التنزيه وأثبت فيه أن العرش‬ ‫يئط من ثقل الجبار فوقه‪ ،‬وأنه ينزل في الليل إلى جنة‬ ‫عدن وهي مسكنه يسكن معه فيها النبيون والصديقون‬ ‫والشهداء‪ ،‬وأنه يهبط من عرشه إلى كرسيه ثم يرتفع عن‬ ‫كرسيه إلى عرشه‪ ،‬وعقد فيه بابا ً في تكفير الجهمية‪ ،‬وبابا ً‬ ‫في قتلهم واستتابتهم من الكفر‪ ،‬ول يخفى أن الجهمية‬ ‫مصطلح تشنيع ل يراد به فرقة انتسبت إلى الجهم بن‬ ‫صفوان لن الجهم مات وماتت معه أفكاره إل أن الدارمي‬ ‫ومن تابعه يعنون بالجهمية من خالفهم في صفات الله عز‬ ‫وجل فيدخل في هذا الوصف المعتزلة وأهل السنة من‬ ‫الشاعرة والماتريدية‪.‬‬ ‫ت الحركة لله‬ ‫أما كتابه الخر فهو مثل سابقه‪ ،‬وزاد فيه إثبا َ‬ ‫ت الحد‪ ،‬وأنه مس آدم مسيسا ً بيده‪ ،‬وأنه‬ ‫عز وجل‪ ،‬وفيه إثبا ُ‬ ‫يقعد على العرش فما يفضل منه إل قدر أربعة أصابع‪ ،‬وأنه‬ ‫قادر على الستقرار على ظهر بعوضة‪ ،‬وأنه إذا غضب ثقل‬ ‫على حملة العرش‪ ،‬وأن رأس المنارة أقرب إليه من‬ ‫أسفلها‪ ،‬وغير ذلك مما هو مبسوط في موضعه‪.

‬وقد‬ ‫‪ ()1‬اجتماع الجيوش ‪143‬‬ ‫‪ ()2‬العلو للعلي الغفار ‪195 /1‬‬ ‫‪ ()3‬انظر ترجمته في سير أعلم النبلء ‪13/430‬‬ ‫‪114‬‬ .‬‬ ‫وسوف نشير إلى مكانته عند المعاصرين في موضعه‪ .(3‬وأثبت في كتابه من الخبار‬ ‫المنكرة ما هو مذكور في موضعه‪ ،‬ومنها أن الله خلق آدم‬ ‫على صورة وجهه‪ ،‬وعلى صورة الرحمن‪ ،‬وأنه تجلى للجبل‬ ‫منه مثل الخنصر‪ ،‬وأن العرش يئط به من ثقله‪ ،‬وأنه يقعد‬ ‫محمدا ً صلى الله عليه وسلم معه على العرش‪ ،‬وأن‬ ‫المؤمنين يجالسون الله عز وجل في الجنة وغير ذلك‪.‬ويلحظ تردد الحافظ الذهبي في‬ ‫الحكم على ما أثبته الدارمي فهو يكتفي بأن ينبه إلى أن‬ ‫السكوت عنه أشبه بمنهج السلف‪ .‫تقرير التوحيد والسماء والصفات بالعقل والنقل ما ليس‬ ‫)‪(1‬‬ ‫في غيرهما(‬ ‫ومع أن الحافظ الذهبي ينقل عن الدارمي ويثني عليه إل أنه‬ ‫نبه إلى غلو الدارمي فقال‪) :‬وفي كتابه بحوث عجيبة مع‬ ‫المريسي يبالغ فيها في الثبات والسكوت عنها أشبه بمنهج‬ ‫)‪(2‬‬ ‫السلف في القديم(‬ ‫وهذا التنبيه ل يكفي لننا نحتاج أن نعلم إلى أي مدى وصل‬ ‫الدارمي في الثبات‪ .‬‬ ‫ثالثًا‪ :‬كتاب السنة المنسوب إلى عبد الله بن المام‬ ‫أحمد بن حنبل رحمه الله )‪290‬هـ (‬ ‫وأخذ هذا الكتاب من نسبته إلى ابن المام أحمد مكانة‬ ‫كبيرة عند المنتسبين إلى السلف خاصة في العصر الحديث‪.‬فهل يشتبه منهج السلف‬ ‫بإثبات الثقل والحركة والحد والقرب الحسي وغير ذلك من‬ ‫لوازم الجسم التي أثبتها الدارمي بحيث يعد السكوت عن‬ ‫إثباتها أشبه بمنهجهم؟‬ ‫ثانيًا‪:‬كتاب السنة لبن أبي عاصم‬ ‫هذا الكتاب لمؤلفه أبي بكر بن أبي عاصم أحمد بن عمرو‬ ‫بن الضحاك بن مخلد الشيباني من أهل البصرة )‪287‬هـ(‬ ‫وكان مذهبه القول بالظاهر)‪ .

‬وهذا الهروي شديد التعصب ربما ركب له إسنادا ً‬ ‫)‪(1‬‬ ‫فرواه عن أبي يعقوب إسحاق بن إبراهيم القراب الهروي‬ ‫عن شيخ مجهول عن شيخ مجهول عن المؤلف‪ .‬كما سوف يتبين في الحديث على مؤلفاته السلفية‪ .‬أما‬ ‫ابن المام أحمد فل نظن به أن يتعدى على الله وعلى‬ ‫رسوله وعلى المام أحمد والمام أبي حنيقة النعمان‪ .‬والذي يبدو لي أن هذا‬ ‫الكتاب من مؤلفات من يسمونه شيخ السلم أبا إسماعيل‬ ‫الهروي صاحب المؤلفات المعروفة في ما يسمونه العقيدة‬ ‫السلفية‪ .‬وقد‬ ‫ذكر المحقق في توثيق الكتاب وصحة نسبته إلى المؤلف‬ ‫نق َ‬ ‫ل الحنابلة عنه وأخ َ‬ ‫من‬ ‫ذهم منه‪ .‬محدث هراة ربما زاد عدد شيوخه على ألف ومائتي‬ ‫نفس وكان زاهدا مقل من الدنيا‪ .‫قطع محققه بنسبة الكتاب إلى مؤلفه وبذل وسعه في الرد‬ ‫على من نزه المام أحمد عن أن يخوض ولده الذي تربى‬ ‫في كنفه في كل ما خاض فيه المؤلف‪ .‬ولم يأت المحقق‬ ‫بشيء علمي بل اجتهد في كلم خطابي ل يدفع ما ذكره هو‬ ‫نفسه من العتراف بوجود مجهولين في طبقتين من‬ ‫طبقات إسناد هذا الكتاب إلى مؤلفه‪ .‬انظر ترجمته في سير أعلم النبلء ‪ 17/570‬وطبقات‬ ‫الشافعية الكبرى ‪264/ 4‬‬ ‫‪115‬‬ .‬‬ ‫واشتمل هذا الكتاب على أكثر من مئة وثمانين نصا ً في‬ ‫الطعن في المام أبي حنيفة‪ ،‬بل في بعضها تكفيره‪ ،‬وأنه‬ ‫خذ من لحيته كأنه تيس يدار به على الحلق يستتاب من‬ ‫أُ ِ‬ ‫الكفر أكثر من مرة‪ ،‬وأنه أفتى بأكل لحم الخنزير‪ ،‬وفيه نق ٌ‬ ‫ل‬ ‫عن المام مالك أنه ذكره بسوء‪ ،‬وقال‪ :‬كاد الدين ومن كاد‬ ‫الدين فليس من الدين ووثق المحقق رجال سند هذه‬ ‫‪ ()1‬هو إسحاق بن إبراهيم بن محمد أبو يعقوب القراب السرخسي‬ ‫ثم الهروي‪ .‬وكل من ذكر نقَلهم عنه ِ‬ ‫بعد عصر الهروي المذكور‪ ،‬فل تدفع هذه النقول هذا الشك‬ ‫في نسبة الكتاب إليه ول الشك في صحة نسبة صحته إلى‬ ‫المؤلف‪.‬توفي سنة تسع وعشرين‬ ‫وأربعمائة‪ .‬وأبو‬ ‫إسماعيل الهروي ل يستبعد منه صدور ما في هذا الكتاب‬ ‫منه‪ .

‬‬ ‫عامل الله بعدله واضعها وغفر لمحققها وناشرها‪ .‬‬ ‫ومما اشتمل عليه هذا الكتاب من الجرأة على الله عز‬ ‫فه بالجلوس على العرش‪ ،‬وإثبات صدر له‬ ‫وجل وص ُ‬ ‫وذراعين‪ ،‬وإثبات الثقل والصورة التي صور عليها آدم‪ ،‬وأنه‬ ‫على كرسي من ذهب تحمله أربعة من الملئكة‪ ،‬وأنه واضع‬ ‫رجليه على الكرسي‪ ،‬وأن الكرس قد عاد كالنعل في‬ ‫قدميه‪ ،‬وأنه إذا أراد أن يخوف أحدا ً من عباده أبدى عن‬ ‫بعضه‪ ،‬وأنه قّرب داود َ عليه السلم حتى مس بعضه وأخذ‬ ‫بقدمه وغير ذلك مما سيكشف عنه البحث‪.‬وغير ذلك مما‬ ‫لم يغب نكارته ول ضعف سنده على بعضهم‪ ،‬وسكتوا عن‬ ‫نسبة تصحيحه إلى إمامهم وابن إمامهم‪ .‬وتخريج‬ ‫هذه الرواية في كتاب صنف لجمع السنة والعقيدة المتوارثة‬ ‫خير مثال على أن الطعن بأكابر المسلمين وعلمائهم ركن‬ ‫من أركان هذه العقيدة التي تصدى لها العلماء‪ ،‬فما من‬ ‫سبيل إل الطعن بهم ورميهم بالتجهم والتنكب عن منهج‬ ‫السلف ونحو ذلك مما تركوا به الجواب العلمي واستبدلوا‬ ‫به هذا السلوب الناجح في فتنة العوام المأخوذين بما‬ ‫يظهره هؤلء من التزهد الهروي الكرامي‪ ،‬المخدوعين‬ ‫بلفتات الدعوة إلى الكتاب والسنة واتباع السلف‪.‬فحاشا لله أن‬ ‫يصحح المام أحمد هذه الخبار فيخفى عليه ضعف سندها‬ ‫وما في متنها من النكارة ومخالفة عقيدة السلف ثم يأتي‬ ‫المحقق ليكشف عن ذلك؟‬ ‫رابعًا‪ :‬كتاب السنة للخلل‬ ‫‪ ()1‬انظر السنة ‪1/199‬‬ ‫‪116‬‬ .‫الرواية)‪ (1‬وغير ذلك من المثالب التي تقشعر منها البدان‪.‬‬ ‫ومما اشتمل عليه في حق المام أحمد أنه نقل عنه‬ ‫سه عز وجل على العرش‬ ‫تصحيح الخبار التي تثبت جلو َ‬ ‫وحصو َ‬ ‫ل الطيط من هذا الجلوس‪ ،‬وأنه واضع رجليه على‬ ‫الكرسي وأن الكرسي موضع قدميه‪ ،‬وأنه يقعد على‬ ‫العرش فما يفضل منه إل قيد أربعة أصابع‪ .

‬‬ ‫ثم يقول الخلل في آخر كتابه‪) :‬وبعد هذا أسعدكم الله فلو‬ ‫ذهبنا نكتب حكايات الشيوخ والسانيد والروايات لطال‬ ‫الكتاب غير أنا نؤمل من الله عز وجل أن يكون في بعض ما‬ ‫ة لمن أراد الله به فثقوا بالله وبالنصر من عنده‬ ‫كتبنا بلغ ٌ‬ ‫)‪(3‬‬ ‫على مخالفيكم فإنكم بعين الله بقربه وتحت كنفه(‬ ‫خامسًا‪ :‬كتاب التوحيد ل بن خزيمة‬ ‫‪ ()1‬سير أعلم النبلء ‪ 14/297‬وانظر تاريخ بغداد للخطيب ‪5/112‬‬ ‫وشذرات الذهب لبن العماد ‪261/ 1‬‬ ‫‪ ()2‬انظر السنة للخلل ‪.‫وهو أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون بن يزيد البغدادي‬ ‫الخلل )‪311‬هـ(‬ ‫قال الذهبي‪) :‬أخذ الفقه عن خلق كثير من أصحاب المام‬ ‫أحمد‪.‬وفيه أيضا ً الكذب على المام أحمد وأنه‬ ‫)‪(2‬‬ ‫تلهف لسماع هذا الخبر إذ لم تحصل روايته له من علو‪...255-244‬‬ ‫‪ ()3‬السنة ‪1/265‬‬ ‫‪117‬‬ ..‬ورحل إلى فارس وإلى الشام والجزيرة يتطلب فقه‬ ‫ب عن الكبار والصغار حتى‬ ‫المام أحمد وفتاويه وأجوبته وكت َ‬ ‫كتب عن تلمذته وجمع فأوعى‪.‬وحشر مع ذلك نقول ً عن بعض المحدثين في‬ ‫تكفير منكره ورميه بالبدعة والتجهم وغير ذلك مما لو قرأه‬ ‫رجل لم يسمع عن السلم شيئا ً لظن أن هذا الخبر ركن‬ ‫من أركان السلم‪ .‬‬ ‫وفيه أن الله عز وجل ينادي‪ :‬يا داود ُادن مني فل يزال يدنيه‬ ‫حتى يمس بعضه ويقول‪ :‬كن أمامي فيقول رب ذنبي ذنبي‪،‬‬ ‫فيقول الله له كن خلفي خذ بقدمي‪.‬‬ ‫قال الخطيب في تاريخه جمع الخلل علوم أحمد وتطلبها‬ ‫وسافر لجلها وكتبها وصنفها كتبا ً لم يكن فيمن ينتحل‬ ‫)‪(1‬‬ ‫مذهب أحمد أحد ٌ أجمع لذلك منه(‬ ‫وفي كتاب السنة أطال الخلل في تقرير قعود النبي صلى‬ ‫الله عليه وسلم مع الباري سبحانه على الفضلة التي تفضل‬ ‫من العرش‪ .‬ولم يكن قبله للمام مذهب‬ ‫مستقل حتى تتبع هو نصوص أحمد ودونها وبرهنها بعد‬ ‫الثلث مئة فرحمه الله تعالى‪.

):‬وقد أثنى عليه فيما‬ ‫)‪(2‬‬ ‫بلغنى ابن خزيمة واجتمع به غير مرة(‬ ‫وقد لمه بعض المحدثين على الخوض في ما ل يحسنه‪.‬ولعله تأثر‬ ‫برأس الكرامية فقد نقل ابن السبكي عن الحاكم أنه ذكر‬ ‫في تاريخه محمد بن كرام فقال‪.‬‬ ‫فمن ذلك ما أخرجه البيهقي بسنده عن عبد الرحمن بن أبي‬ ‫حاتم الرازي أنه قال‪) :‬ما لبي بكر والكلم ؟ إنما الولى بنا‬ ‫وبه أل نتكلم فيما لم نتعلمه‪-.‬ومع أنه اشترط الصحة في ما‬ ‫يذكره إل أنه لم يلتزم بذلك فأخرج فيه متونا ً منكرة وأسانيد َ‬ ‫ة‪ ،‬منها ما جاء في أن الكرسي موضع قدميه‪ ،‬وأن‬ ‫واهي ً‬ ‫العرش يئط به‪ ،‬وأنه تجلى منه مثل طرف الخنصر‪ ،‬وأنه‬ ‫يهبط ثم يرتفع‪ ،‬وأنه ينزل إلى سماء الدنيا بروحه وملئكته‬ ‫فينتفض تعالى عن ذلك علوا ً كبيرًا‪ ،‬وأن جنة عدن مسكنه‪،‬‬ ‫وأن محمدا ً صلى الله عليه وسلم رآه في روضة خضراء‬ ‫)‪(1‬‬ ‫‪( )1‬‬ ‫‪()2‬‬ ‫‪( )3‬‬ ‫‪()4‬‬ ‫انظر ترجمته في سير أعلم النبلء للذهبي ‪14/365‬‬ ‫طبقات الشافعية الكبرى ‪304 /3‬‬ ‫السماء والصفات ‪342‬‬ ‫المصدر السابق ‪340‬‬ ‫‪118‬‬ .‬وفيه باب بعنوان إثبات الصابع لله عز وجل‪ ،‬وباب‬ ‫في إثبات القدم‪ ،‬ونحو ذلك‪ ..‬قال البيهقي ‪ -‬والقصة فيه‬ ‫طويلة وقد رجع محمد بن إسحاق إلى طريقة السلف‬ ‫)‪(3‬‬ ‫وتلهف على ما قال والله أعلم(‬ ‫واعترف ابن خزيمة على نفسه بأنه ليحسن الكلم فقد نقل‬ ‫البيهقي عنه أنه قال‪) :‬ما تنكرون على فقيه راوي حديث ل‬ ‫)‪(4‬‬ ‫يحسن الكلم(‬ ‫وكتاب التوحيد هو جزء من صحيحه على التحقيق لنه يحيل‬ ‫في أكثر من موضع على أبواب الصلة وغيرها من أبواب‬ ‫الصحيح‪ .‫وهو أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة النيسابورى)‬ ‫‪311‬هـ( صاحب الصحيح المشهود له بالفقه والرواية‬ ‫ولكن العلماء أخذوا عليه خوضه في الكلم‪ ..

‬‬ ‫سادسًا‪ :‬كتاب الصفات للدارقطني‬ ‫وهو الحافظ أبو الحسن علي بن عمر الذي انتهى إليه علم‬ ‫الثر والمعرفة بالعلل وأسماء الرجال مع الصدق وصحة‬ ‫العتقاد‪ (1).‫دونه فراش من ذهب يحمله أربعة من الملئكة‪ ،‬وغير ذلك‬ ‫مما هو مبسوط في موضعه‪.‬نقل ابن حجر‬ ‫)‪(5‬‬ ‫في ترجمته أنه كان كذابا ً ل يحتج بمثله وللئمة فيه مقال‬ ‫ويرويه ابن كادش عن محمد بن علي أبي طالب العشاري‬ ‫قال الذهبي في ترجمته‪) :‬شيخ صدوق معروف لكن أدخلوا‬ ‫عليه أشياء فحدث بها بسلمة باطن منها حديث موضوع في‬ ‫فضل ليلة عاشوراء ومنها عقيدة للشافعي ‪-‬وذكر بعض‬ ‫الباطيل عنه ثم قال ‪ -‬فقبح الله من وضعه والعتب إنما هو‬ ‫‪( )1‬‬ ‫‪()2‬‬ ‫‪() 3‬‬ ‫‪() 4‬‬ ‫‪67‬‬ ‫‪ ()5‬لسان الميزان ‪1/218‬وانظر ترجمته في المغني في الضعفاء‬ ‫للذهبي ‪47‬‬ ‫انظر ترجمته في العبر في خبر من غبر للذهبي ‪3/30‬‬ ‫انظر تبديد الظلم المخيم ‪206‬‬ ‫ميزان العتدال ‪1/259‬‬ ‫تدريب الراوي ‪ 1/329‬وانظرالمنهل الروي لبدر الدين بن جماعة‬ ‫‪119‬‬ .‬وهذا الكتاب تشهد حاله الحديثية على براءة‬ ‫الدارقطني البصير بعلل الحديث ورجاله منه‪ .‬‬ ‫الثاني‪ :‬أنه حتى على مذهب من يقبل توبته ل يلزم قبو ُ‬ ‫ل‬ ‫روايته لنه ضعيف الرواية قبل الكذب وبعده‪ .‬فل تصح نسبته إلى‬ ‫الدارقطني كما نبه عليه الكوثري)‪ (2‬لن في سنده إليه أبا‬ ‫العز بن كادش أحمد بن عبيد الله )‪526‬هـ( قال الذهبي في‬ ‫)‪(3‬‬ ‫ترجمته‪) :‬أقر بوضع حديث وتاب وأناب(‬ ‫ول يخفى أن هذه التوبة لتعني قبول روايته لمرين الول أن‬ ‫من قواعد المحدثين أن التائب من الكذب على رسول الله‬ ‫صلى الله عليه وسلم ل تقبل روايته أبدا ً وإن حسنت‬ ‫طريقته‪ ،‬حكاه السيوطي عن المام أحمد بن حنبل وغيره‬ ‫)‪(4‬‬ ‫من المحدثين‪.‬وإنما يصلح أن‬ ‫يكون من صنيع من رواه عنه‪ .

‬‬ ‫سابعًا‪:‬كتاب التوحيد لبن مندة‪.‬‬ ‫والهروي هو الذي كان المجسمة بهراة يلقبونه شيخ السلم‬ ‫نكاية بمن سمى به الحافظ أبا عثمان الصابوني‪ ،‬قال ابن‬ ‫السبكي‪) :‬وأما المجسمة بمدينة هراة فلما ثارت نفوسهم‬ ‫‪ ()1‬ميزان العتدال ‪267 /6‬وانظر ترجمته في لسان الميزان‬ ‫‪5/302‬‬ ‫‪ ()2‬انظر ترجمته في سير أعلم النبلء ‪17/38‬‬ ‫‪ ()3‬الرد على الجهمية ‪1/16‬‬ ‫‪ ()4‬انظر العبر في خبر من غبر ‪ 114 /2‬و سير أعلم النبلء ‪14/21‬‬ ‫وشذرات الذهب لبن العماد ‪1/226‬‬ ‫‪120‬‬ .‬‬ ‫ثامنا‪ :‬كتاب العرش وماروي فيه‬ ‫لمحمد بن عثمان بن أبي شيبة )‪297‬هـ( وحال الكتاب من‬ ‫حال مؤلفه الذي نقل الذهبي تضعيفه عن الجمهور وتكذيَبه‬ ‫)‪(4‬‬ ‫عن عبد الله بن أحمد بن حنبل‪.‫على محدثي بغداد كيف تركوا العشاري يروي هذه الباطيل(‬ ‫)‪(1‬‬ ‫وفي هذا الكتاب باب في إثبات القدمين‪ ،‬وفيه أن الكرسي‬ ‫موضع القدمين‪ ،‬وفيه الطيط وخلق آدم على صورة‬ ‫الرحمن ونحو ذلك‪.‬وعن غيره التهام بالوضع‬ ‫وفي هذا الكتاب أن أقرب الخلق إلى الله جبريل وميكائيل‬ ‫وإسرافيل‪ ،‬بينهم وبين ربهم مسيرة خمسمائة عام‪ ،‬وأن‬ ‫السماء منفطرة من ثقل الله‪ ،‬وأن محمدا ً صلى الله عليه‬ ‫وسلم رأى ربه في روضة خضراء ونحو ذلك مما هو‬ ‫مبسوط في موضعه‪.‬‬ ‫تاسعا‪ :‬كتاب الربعين في دلئل التوحيد لبي‬ ‫إسماعيل عبد الله بن محمد الهروي‪.‬‬ ‫)‪(2‬‬ ‫وهو أبو عبد الله محمد بن إسحاق " ابن مندة " )‪395‬هـ(‬ ‫وله أيضا كتاب الرد على الجهمية وفيه أن الله يكشف يوم‬ ‫القيامة عن ساقيه‪ ،‬وعزاه إلى البخاري ومسلم‪ ،‬مع أنه‬ ‫ليس في أحدهما)‪ (3‬وفيه أن الله خلق الملئكة من نور‬ ‫الصدر والذراعين‪ ،‬وأن الكرسي موضع قدمه‪ ،‬ونحو ذلك من‬ ‫الخبار‪.

.‫من هذا اللقب عمدوا إلى أبي إسماعيل عبد الله النصاري‬ ‫صاحب كتاب ذم الكلم فلقبوه بشيخ السلم‪ .‬وكان‬ ‫النصاري المشار إليه رجل ً كثير العبادة محدثا ً إل أنه يتظاهر‬ ‫بالتجسيم والتشبيه وينال من أهل السنة وقد بالغ في كتابه‬ ‫ذم الكلم حتى ذكر أن ذبائح الشعرية ل تحل‪.‬‬ ‫ومن مصنفاته التي فوقت نحوه سهام أهل السلم كتاب‬ ‫ذم الكلم وكتاب الفاروق في الصفات وكتاب الربعين‪،‬‬ ‫وهذه الكتب الثلثة أبان فيها عن اعتقاد التشبيه وأفصح‪.‬‬ ‫وكان شديد التعصب للفرق الحنبلية بحيث كان ينشد على‬ ‫المنبر على ما حكى عنه تلميذه محمد بن طاهر‬ ‫فوصيتي للناس أن يتحنبلوا‬ ‫أنا حنبلي ما حييت وإن أمت‬ ‫وترك الرواية عن شيخه القاضي أبي بكر الحيري لكونه‬ ‫)‪(1‬‬ ‫أشعريا ً وكل هذا تعصب زائد برأنا الله من الهواء(‬ ‫وفي كتاب الربعين أن محمدا ً صلى الله عليه وسلم رأى‬ ‫ربه في صورة شاب أمرد في قدميه خضرة‪ ..‬وفيه باب‬ ‫بعنوان وضع الله عز وجل قدمه على الكرسي‪ ،‬وباب في‬ ‫إثبات الجهات لله عز وجل‪ ،‬وباب في إثبات الحد‪ ،‬وباب في‬ ‫إثبات الخط‪ ،‬وباب في إثبات الصورة‪ ،‬وباب في إثبات‬ ‫العينين‪ ،‬وباب في إثبات الهرولة‪ ،‬ومن عناوينها يتبين ما‬ ‫تحتها من الخبار التي سيكشف عنها البحث‪.‬‬ ‫ومن كتابه ذم الكلم ينقل ابن تيمية تعثر الهروي في‬ ‫الوقيعة بالمام الشعري فيقول ابن تيمية‪) :‬وقال شيخ‬ ‫السلم أبو إسماعيل عبد الله بن محمد النصاري في كتاب‬ ‫ذم الكلم في آخره لما عقد بابا ً في ذكر هؤلء الشعرية‬ ‫المتأخرين فقال باب في ذكر كلم الشعري‪ ،‬ولما نظر‬ ‫المبرزون من علماء المة وأهل الفهم من أهل السنة طوايا‬ ‫كلم الجهمية وما أودعته من رموز الفلسفة ولم يقع منهم‬ ‫‪ ()1‬طبقات الشافعية الكبرى ‪273-272 /4‬‬ ‫‪121‬‬ .‬وكان أهل‬ ‫هراة في عصره فئتين فئة تعتقده وتبالغ فيه لما عنده من‬ ‫التقشف والتعبد وفئة تكفره لما يظهره من التشبيه‪.

‬وأن قولهم سميع بل سمع‪ . 478 /16‬‬ ‫‪122‬‬ . ،‬فقد شحنت كتاب تكفير الجهمية من‬ ‫مقالت علماء السلم ورن الخلفاء فيهم ودق عامة أهل‬ ‫السنة عليهم وإجماع المسلمين على إخراجهم من‬ ‫الملة‪..‬بل نفس ول‬ ‫شخص ول صورة‪...‬قالوا وقد شاع في المسلمين أن رأسهم علي بن‬ ‫)‪(1‬‬ ‫إسماعيل الشعري كان ل يستنجي ول يتوضأ ول يصلي(‬ ‫نقل ذلك ابن تيمية مستشهدا ً به على ذم من سماهم‬ ‫المتأخرين من أصحاب الشعري مع أن من سماه شيخ‬ ‫السلم لم يوفر منهم أحدا ً بل حكى الجماع على تكفيرهم‬ ‫وشحن كتبه في ذلك وسعى بين السلطين في فتنتهم‪،‬‬ ‫ونضح بما فيه من وصفهم ذلك الوصف الذي خرج به عن‬ ‫حدود الدب وصار من بعده سنة سيئة عليه وزرها ثم على‬ ‫ابن تيمية مثل ذلك الوزر لنه عمل بهذه السنة في أكثر من‬ ‫موضع حتى تابعه عليها ابن القيم ومن افتتن بهم من‬ ‫المعاصرين‪..‬وإنما‬ ‫اعتقادهم أن القرآن غير موجود‪ ،‬لفظية الجهمية الذكور‬ ‫بمرة والجهمية الناث بعشر مرات‪.‬‬ ‫‪.‬‬ ‫غلط هؤلء المصنفين على وجه الجمال‪:‬‬ ‫‪ ()1‬بيان تلبيس الجهمية ‪ 404 -400/ 2‬وانظر هذه الحكاية في سير‬ ‫أعلم النبلء ‪.‫إل على التعطيل البحت وأن قطب مذهبهم ومنتهى‬ ‫عقيدتهم ما صرحت به رؤوس الزنادقة قبلهم أن الفلك دوار‬ ‫والسماء خالية‪.‬يردون على اليهود قولهم يد الله مغلولة فينكرون‬ ‫الغل وينكرون اليد فيكونوا أسوأ حال ً من اليهود لن الله‬ ‫سبحانه أثبت الصفة ونفى العيب واليهود أثبتت الصفة‬ ‫وأثبتت العيب وهؤلء نفوا الصفة كما نفوا العيب‪.‬ولكن ل بد‬ ‫أن نبين هنا غلط هؤلء المصنفين على سبيل الجمال أيضًا‪..‬‬ ‫وبما سبق يتبين شيء من حال هذه المصنفات وسوف‬ ‫يكشف في ثنايا البحث عن تفصيل هذا الجمال‪ ..

‬‬ ‫ثالثا ً‪ :‬أنهم لم يفرقوا بين حديث مرفوع وبين حديث‬ ‫موقوف على صحابي أو تابعي‪ ،‬فأثبتوا بهذا ما أثبتوا بهذا‪ .‫أول ً‪ :‬أنهم جمعوا فيها أخبارا ً متفرقة فأحدث هذا الجمع في‬ ‫دللتها تقوية لظاهرها الموهم كما سبق في الكلم على‬ ‫التفويض‪.‬ومثال ذلك ما ذكروه في الستلقاء على العرش‬ ‫ووضع إحدى رجليه على الخرى وغير ذلك مما هو مبسوط‬ ‫في الشبه السمعية‪.‬‬ ‫ثانيا ً‪ :‬أنهم لم يفرقوا فيها بين النصوص التي تتفاوت دللة‬ ‫وثبوتا ً فمثل ً جعلوا قوله تعالى‪) :‬الرحمن على العرش‬ ‫استوى()‪ (1‬مع الخبار المنكرة التي تتحدث عن القعود على‬ ‫العرش وأطيط العرش من ثقل الجبار فوقه‪ ،‬وجعلوا هذين‬ ‫المتفاوتين من أدلة الستواء على العرش‪ .‬‬ ‫رابعا ً‪ :‬أنهم لم يفرقوا بين منقول بالتواتر من الكتاب‬ ‫والسنة وخبر لم يصح سنده فأثبتوا بالثاني ما أثبتوه بالول‪.‬ومثال ذلك تفسير المقام‬ ‫المحمود بالقعاد على العرش‪ .‬فمن ذلك ما فعله يحيى‬ ‫بن عمار السجزي شيخ أبي إسماعيل الهروي بالحافظ ابن‬ ‫‪ ()1‬الية )‪ (5‬من سورة طه‬ ‫‪123‬‬ .‬وبقية المثلة‬ ‫مبسوطة في الشبه السمعية‪.‬‬ ‫وقد سبق بعض المثلة لذلك وسيأتي في الشبه السمعية‬ ‫بسط ذلك‪.‬‬ ‫أمثلة تثبت وقوع الختلف والنزاع بين اهل‬ ‫الحديث بسبب العتقاد‬ ‫بعد أن ذكرنا عن أهل الحديث ما يستحيل معه حكاية‬ ‫اتفاقهم على مذهب واحد نؤكد اختلفهم ببعض ما حصل‬ ‫بين الفريقين من النزاع والتنازع‪ .‬بل‬ ‫ربما عارضوا ما هو مشهور عن رسول الله صلى الله عليه‬ ‫وسلم بمرويات عن أحد التابعين‪ .‬بل لم يفرقوا بين حديث‬ ‫نبوي وخبر إسرائيلي‪ ،‬فربما جعلوا ما لقول الرسول صلى‬ ‫الله عليه وسلم من القدسية والمكانة ثابتا ً لقول أهل‬ ‫الكتاب‪ .

‬‬ ‫وبهذا يتبين أن المحدثين ليس لهم عقيدة جامعة فيكون‬ ‫عزو عقيدةٍ إلى جماعة الحديت تمويها ً)‪ (3‬ويتبن أيضا أنه ل‬ ‫‪ ()1‬ميزان العتدال ‪.6/99‬ومن ظلم هؤلء الحنابلة وفتنهم ما ذكره‬ ‫المؤرخون في منعهم من الدخول على ابن جرير الطبري‪ ،‬انظر‬ ‫الكامل لبن الثير ‪ 7/9‬وسير أعلم النبلء ‪ 272 /14‬وطبقات‬ ‫الشافعية الكبرى ‪ 4/34‬و ‪125 /3‬‬ ‫‪ ()2‬ميزان العتدال ‪6/99‬‬ ‫‪ ()3‬انظر تبديد الظلم المخيم للكوثري ‪20‬‬ ‫‪124‬‬ .‬وإن كان نفي‬ ‫الحد موجبا ً لعدم الباري فل يسع المثبت السكوت على‬ ‫نفيه‪ .‫حبان رحمه الله‪ ،‬كما ذكره الذهبي في ترجمة ابن حبان‬ ‫فقال‪) :‬قال أبو إسماعيل النصاري شيخ السلم سألت‬ ‫يحيى بن عمار عن أبي حاتم ابن حبان فقال‪ :‬رأيته‪ ،‬ونحن‬ ‫أخرجناه من سجستان كان له علم كثير ولم يكن له كبير‬ ‫)‪(1‬‬ ‫دين قدم علينا فأنكر الحد لله فأخرجناه(‬ ‫فانظر إلى هذا التباين بين الفريقين فمن جانب ُيعد إثبات‬ ‫الحد لله عز وجل مخالفا ً لتنزيه الله عز وجل عنه لنه من‬ ‫لوازم الجسم‪ ،‬ومن جانب آخر ُيعد نفيه طعنا ً في الدين‬ ‫وموجبا ً لطرد من ينفيه‪ .‬أما ما ذكره من لزوم عدمه فهو شبهة من شبه‬ ‫التجسيم سيأتي الجواب عنها‪.‬وإن شئت فهناك موقف ثالث‬ ‫متذبذب كالذي ذكره الحافظ الذهبي تعليقا ً على قول يحيى‬ ‫بن عمار قال‪) :‬قلت‪ :‬إنكاره الحد وإثباتكم للحد نوع من‬ ‫فضول الكلم‪ ،‬والسكوت عن الطرفين أولى إذ لم يأت نص‬ ‫بنفي ذلك ول إثباته والله تعالى ليس كمثله شيء فمن أثبته‬ ‫قال له خصمه جعلت لله حدا ً برأيك ول نص معك بالحد‬ ‫والمحدود مخلوق تعالى الله عن ذلك‪ .‬وقال هو للنافي‬ ‫ساويت ربك بالشيء المعدوم إذ المعدوم ل حد له فمن نزه‬ ‫)‪(2‬‬ ‫الله وسكت سلم وتابع السلف(‬ ‫وهذا الموقف الذي ل يرضى عن الموقفين السابقين موقف‬ ‫متهافت فقد حصل النزاع في الحد نفيا ً وإثباتا ً فإن كان الحد‬ ‫من لوازم الجسم التي يجب تنزيه الله عز وجل عنها فل‬ ‫يسع النافي أن يسكت على إثبات التجسيم‪ .

) :‬ولو‬ ‫اعتصموا بالكتاب والسنة لتفقوا كما اتفق أهل السنة‬ ‫والحديث فإن أئمة السنة والحديث لم يختلفوا في شيء‬ ‫)‪(1‬‬ ‫من أصول دينهم(‬ ‫‪ ()1‬درء التعارض ‪306 /10‬‬ ‫‪125‬‬ ..‫يصح قو ُ‬ ‫ل ابن تيمية رحمه الله في المتكلمين‪.

‬فسمعوا أن الله تعالى خلق آدم على‬ ‫صورته‪ ،‬فأثبتوا له صورة ووجها ً زائدا ً على الذات‪،‬‬ ‫ت وأضراسًا‪.‬وقالوا‪ :‬ما سمعنا‬ ‫بذكر الرأس‪ .‬ويدين وأصابعَ وكفا ً وخنصرا ً‬ ‫وعينين وفما ً ولهوا ٍ‬ ‫وإبهاما ً وصدرا ً وفخذا ً وساقين ورجلين‪ .‬وقالوا‪ :‬يجوز أن ُيمس َويمس‪ ،‬ويدني العبد‬ ‫من ذاته‪ ..‬والحق أن علماء الحنابلة منزهون عن هذا الغلو‬ ‫وقد لهجوا بالبراءة منه ومن تبرئة إمامهم منه أيضًا‪.‬وقال بعضهم‪ :‬ويتنفس‪ .‬‬ ‫‪126‬‬ .‬ثم يرضون العوام بقولهم‪:‬‬ ‫‪ ()1‬وهذا الكتاب كثر الكلم فيه وفي مؤلفه القاضي أبو يعلى محمد‬ ‫بن الحسين الفراء )‪458‬هـ( وفي سير أعلم النبلء ‪ 90 /18‬أشار‬ ‫الذهبي إلى ما يقتضي رجوع أبي يعلى عنه بعد ما قام عليه العلماء‬ ‫لتأليفه هذا الكتاب ووصل المر إلى الخليفة القادر بالله العباسي‬ ‫وقال أبو يعلى على المل‪) :‬القرآن كلم الله وأخبار الصفات تمر كما‬ ‫جاءت(‪.‬‬ ‫وفي ذلك يقول ابن الجوزي رحمه الله كلما ً ينبغي أن يكتب‬ ‫بماء الذهب‪) :‬اعلم وفقك الله تعالى أني لما تتبعت مذهب‬ ‫المام أحمد رحمه الله تعالى رأيته رجل كبير القدر في‬ ‫العلوم‪ ،‬قد بالغ رحمة الله عليه في النظر في علوم الفقه‬ ‫ومذاهب القدماء‪ ،‬حتى ل تأتي مسألة إل وله فيها نص أو‬ ‫تنبيه إل أنه على طريق السلف‪ ،‬فلم يصنف إل‬ ‫المنقول‪ ،‬فرأيت مذهبه خاليا ً من التصانيف التي كثر‬ ‫جنسها عند الخصوم …ورأيت من أصحابنا من تكلم‬ ‫في الصول بما ل يصلح‪ ،‬وانتدب للتصنيف ثلثة‪ :‬أبو‬ ‫عبد الله بن حامد وصاحبه القاضي)‪ (1‬وابن الزاغوني‬ ‫فصنفوا كتبا ً شانوا بها المذهب ورأيتهم قد نزلوا‬ ‫إلى مرتبة العوام‪ ،‬فحملوا الصفات على مقتضى‬ ‫الحس‪ .‫المبحث الرابع‪ :‬التجسيم في فكر الحنابلة‬ ‫نعوذ بالله أن يكون غرضنا في عقد هذا المبحث هو‬ ‫الطعن بمذهب من مذاهب أهل السنة‪ ،‬بل المر على‬ ‫عكسه لن الذي دعا إلى تخصيص البحث في مسألة‬ ‫التجسيم في فكر الحنابلة خاصة دون غيره من المذاهب‬ ‫الفقهية هو ميل بعض الحنابلة إلى الغلو في الثبات ورغبة‬ ‫بعض مخالفيهم في عد ّ قول هؤلء الغلة قول ً لعامة‬ ‫الحنابلة‪ .

‬وكان‬ ‫كبير بغداد وجليلها وكان يقول كل الطوائف تدعيني(‪.)322‬الفقيه الواعظ شيخ الحنابلة قرأ القرآن على أبي الحسن‬ ‫الحمامي وتقدم في الفقه والتفسير والصول والعربية واللغة‪ .‬ولقد‬ ‫كسيتم هذا المذهب شينا ً قبيحا ً حتى صار ل يقال‬ ‫)‪(1‬‬ ‫حنبلي إل مجسم‪(.‫ل كما يعقل…ثم يتحرجون من التشبيه ويأنفون من‬ ‫إضافته إليهم ويقولون‪ :‬نحن أهل السنة‪ ،‬وكلمهم‬ ‫صريح في التشبيه‪ ..‬فلو‬ ‫أنكم قلتم‪ :‬نقرأ الحاديث ونسكت ما أنكر عليكم أحد‪ ،‬إنما‬ ‫ملكم إياها على الظاهر قبيح‪ ،‬فل تدخلوا في مذهب‬ ‫ح ْ‬ ‫هذا الرجل الصالح السلفي ما ليس منه‪ .....‬وانظر شذرات‬ ‫الذهب لبن العماد الحنبلي ‪2/384‬‬ ‫‪ ()3‬انظر الكامل لبن الثير ‪ 8/378‬وتبديد الظلم المخيم للكوثري‬ ‫مع السيف الصقيل للسبكي ‪148‬‬ ‫‪127‬‬ .‬وقد تبعهم خلق من العوام‪ .‬‬ ‫فإياكم أن تبتدعوا في مذهبه ما ليس منه‪ .‬‬ ‫ولهج شيوخ الحنابلة من قبل ابن الجوزي في النكار‬ ‫الشديد على أبي يعلى حتى قالوا فيه كلمة فظيعة ل نقصد‬ ‫بنقلها إل بيان غيرة أكابر هذا المذهب على مذهبهم‪ ،‬كما‬ ‫فعل شيخ الحنابلة رزق الله التميمي)‪ (2‬فقال في حق‬ ‫القاضي أبي يعلى وكتابه إبطال التأويلت‪) :‬لقد خري أبو‬ ‫)‪(3‬‬ ‫يعلى الفراء على الحنابلة خرية ل يغسلها الماء(‬ ‫وأنت إذا تأملت منزلة هذا القائل المشهود له بالرئاسة‬ ‫والتقدم في الفقه والصول والتفسير والعربية والحشمة‬ ‫والهيبة وعلو الكعب في الوعظ احتجت مع ذلك إلى الطلع‬ ‫على كتاب أبي يعلى لتعرف أن هذه الكلمة لم تصدر منه إل‬ ‫لغيرته الشديدة على مذهب الحنابلة من أمر فظيع نسب‬ ‫‪ ()1‬دفع شبه التشبيه لبن الجوزي ‪33-30‬‬ ‫‪ ()2‬هو رزق الله بن عبد الوهاب بن عبد العزيز المام أبو محمد‬ ‫التميمي )‪488‬هـ( وانظر شذرات الذهب لبن العماد الحنبلي ‪2/384‬‬ ‫قال ابن الجوزي في المنتظم ‪) 9/89‬قال إبن عقيل كان سيد‬ ‫الجماعة من أصحاب أحمد بيتا ورياسة وحشمة أبو محمد التميمي‬ ‫وكان أحلى الناس عبارة في النظر وأجراهم قلما في الفتيا‬ ‫وأحسنهم وعظا( وقال الذهبي في العبر في خبر من غبر ‪/3‬‬ ‫‪.‬فقد‬ ‫نصحت التابع والمتبوع فقلت لهم‪ :‬يا أصحابنا أنتم‬ ‫أصحاب نقل وإمامكم الكبر أحمد بن حنبل يقول‬ ‫وهو تحت السياط‪ ":‬كيف أقول ما لم يقل"‪.

‬‬ ‫ولكن بعض المعاصرين وقع في ما خاف منه أكابر الحنابلة‬ ‫على مذهبهم‪ .‫إليهم بسبب أبي يعلى‪ ..(2)(.‬‬ ‫وفي كتاب تبين كذب المفتري لبن عساكر بيان أكثر من‬ ‫هذا عن الصداقة()‪ (3‬وذكر الباقلني في غير هذا الموضع‬ ‫‪ ()1‬انظر العلو للذهبي بتحقيق حسن السقاف ‪531‬‬ ‫‪ ()2‬انظر تعليقه على العلو للذهبي ‪468‬‬ ‫‪ ()3‬العلو بتحقيقه ‪539‬‬ ‫‪128‬‬ .‬من ذلك أن السقاف إذا حكى قول ً من‬ ‫)‪(1‬‬ ‫القوال المنكرة ينسبه إلى مذهب الحنابلة والمجسمة بل‬ ‫يتطاول على المام أحمد فيقول تعليقا ً على قول وقف هو‬ ‫نفسه على عدم صحته إلى أبي ثور‪) :‬وكل هذه‬ ‫الخرافات أتى بها أبو ثور من أحمد بن حنبل‪ ،‬على‬ ‫أنه بعد هذا الولء لحمد رجع أحمد فقال إنه جهمي‪ .‬فإذا وقفت على ما في إبطال‬ ‫التأويلت من إثبات الضراس واللهوات والفخذ والساعد‬ ‫والساق والبعاض ورؤيته على صورة شاب أمرد ونحو ذلك‬ ‫مما هو مبسوط في موضعه علمت أن التميمي رحمه الله‬ ‫لم يغادر وقاره إل لمر لو سكت عنه لما بقي معه شيء‬ ‫من وقار ول حشمة‪ .‬بل‬ ‫انساقت نفسه إلى التطاول على الشاعرة أيضا ً إذا ذكروا‬ ‫مع الحنابلة فيتحدث عن المام الباقلني الذي لفت نظَره‬ ‫في ترجمته أنه كان موالفا ً لكبار الحنابلة فقال‪) :‬ذكر‬ ‫مر شيخ الحنابلة أبو الفضل التميمي‬ ‫الذهبي في ترجمته " أ َ‬ ‫مناديا ً يقول بين يدي جنازته هذا ناصر السنة والدين والذاب‬ ‫عرف به‬ ‫عن الشريعة " فهذا أمر عجب عجاب مع ما ُ‬ ‫الحنابلة من معاداتهم للشعرية وشدة بغضهم له‪،‬‬ ‫وقال الذهبي في ترجمة شيخ الحنابلة التميمي في السير‬ ‫أيضا " كان صديقا ً للقاضي أبي بكر الباقلني وموادا ً له "‪.‬وكان الغرض من هذه اللفظة لفت‬ ‫النظار إلى براءة المذهب مما نسب إليه بسبب الغالين‬ ‫فيه‪.

512– 511‬وما ذكره السقاف من الغمز‬ ‫وما وضعه من الستفهام شيء طغت به نفسه‪ .‬وحكى أبو الفضل‬ ‫التميمي اعتقاد المام أحمد بن حنبل فقال‪) :‬وأنكر على‬ ‫من يقول بالجسم وقال إن السماء مأخوذة‬ ‫بالشريعة واللغة وأهل اللغة وضعوا هذا السم‬ ‫على كل ذي طول وعرض وسمك وتركيب وصورة‬ ‫وتأليف والله تعالى خارج عن ذلك كله فلم يجز أن يسمى‬ ‫جسما لخروجه عن معنى الجسمية ولم يجىء في الشريعة‬ ‫)‪(4‬‬ ‫ذلك فبطل(‬ ‫‪ ()1‬انظر المصدر السابق ‪519‬‬ ‫‪ ()2‬انظرالمصدر السابق ‪ .‬وأنت ترى أثر ذلك‬ ‫في تصغير حجم الخط عند اسم مخالفه‪ ،‬وفي الستخفاف به كقوله‬ ‫عن ابن تيمية‪) :‬الشيخ الحراني بتشديد الراء مع ترقيقها(‪ .‬‬ ‫ول يخفى أن المتقدمين والمقدمين من أصحاب أحمد كلهم‬ ‫على مذهبه في التنزيه ل خلف بينهم وبين الحنابلة في‬ ‫ذلك‪ ،‬يقول ابن الجوزي في الكتاب الذي يحققه السقاف‪:‬‬ ‫مّروا الحاديث كما‬ ‫)وكان المام أحمد يقول‪ :‬أ ِ‬ ‫جاءت‪ ،‬وعلى هذا كبار أصحابه كإبراهيم الحربي‪،‬‬ ‫ومن كبار أصحابنا أبو الحسن التميمي‪ ،‬وأبو محمد‬ ‫)‪(3‬‬ ‫رزق الله بن عبد الوهاب وأبو الوفاء ابن عقيل(‬ ‫وهذا مما ل ينكره أحد من أهل التنزيه‪ .‫فرماه بالتجسيم صراحة)‪ (1‬ولم يوفر حتى المام الشعري‬ ‫فيقول تعليقا ً على اختلف ذكره في سنة وفاته‪) :‬فلو كان‬ ‫الشعري حقا ً وصدقا ً كما يقولون له مذهب وأتباع معروفون‬ ‫لضبط يوم موته بالساعة فضل ً عن اليوم والشهر والسنة‬ ‫فل أدري لم وقع كل هذا؟ وكل هذا يضع علمات استفهام‬ ‫على الشعري ومصنفاته وحقيقته‪ .‬ولو أن‬ ‫المحدث الكوثري كان حيا ً فبلغه غمزه المام أحمد بن حنبل ورميه‬ ‫للباقلني بالتجسيم لخذه به ونسأل الله عز وجل أن يبصرنا وإياه‬ ‫بعيوبنا‪.‬والله أعلم بحقيقة‬ ‫)‪(2‬‬ ‫الحال(‬ ‫والذي دعانا إلى ذكر هذا الكلم هو بيان ما آل إليه الوهم‬ ‫في خلط مذهب الحنابلة وإمامهم بمذهب بعض الغلة منهم‪.‬‬ ‫‪ ()3‬دفع شبه التشبيه ‪111‬‬ ‫‪ ()4‬اعتقاد المام المبجل ابن حنبل ‪295-294‬‬ ‫‪129‬‬ .

‬ولم يحصل من ملوكهم‬ ‫‪ ()1‬الية )‪ (75‬من سورة ص‪.‬بين الحنابلة والشافعية وغيرهم‬ ‫من تصريح الحنابلة بالتشبية في الذات والصفات ونسبتهم‬ ‫ذلك إلى المام أحمد وحاشاه منه فيقع الجدال والنكير ثم‬ ‫يفضى إلى الفتنة بين العوام‪.‫ومثل هذه النصوص كثيرة مذكورة في مواضعها فنبرأ إلى‬ ‫الله عز وجل من نسبة التجسيم إلى الحنابلة كما برأهم من‬ ‫ذلك الشعرية فقال الشهرستاني‪..) :‬فأما أحمد بن‬ ‫حنبل‪.‬‬ ‫وإنما عل زبد هؤلء الغلة في فترة عصيبة مرت بها الدولة‬ ‫السلمية فاستغلوا غفلة السلطان وخدعوا العوام بما هم‬ ‫عليه من التزهد وبما رفعوه من شعار السنة ونبذ البدعة‬ ‫والتجهم‪ ،‬وهذا مما شهد به المؤرخون‪ ،‬من ذلك قول ابن‬ ‫خلدون وهو يصف بغداد‪) :‬واضطربت آخر الدولة العباسية‬ ‫بالفتن وكثر فيها المفسدون والدعار‪ ....‬‬ ‫‪ ()2‬الملل والنحل ‪104‬‬ ‫‪130‬‬ .‬وأعيا على الحكام‬ ‫أمرهم وربما حدثت الفتن‪.‬وجماعة من أئمة السلف فجروا على منهاج‬ ‫السلف المتقدمين عليهم من أصحاب‬ ‫الحديث‪.‬وسلكوا طريق السلمة فقالوا نؤمن بما ورد به‬ ‫الكتاب والسنة ولنتعرض للتأويل بعد أن نعلم قطعا ً أن الله‬ ‫عز وجل ليشبه شيئا ً من المخلوقات وأن كل ما تمثل في‬ ‫الوهم فإنه خالقه ومقدره وكانوا يحترزون عن التشبيه إلى‬ ‫غاية أن قالوا من حرك يده عند قراءة قوله تعالى‪ " :‬لما‬ ‫خلقت بيدي")‪ (1‬وجب قطع يده ()‪ (2‬فهذا التوالف بين‬ ‫الحنابلة والشعرية يدل على اتفاق المذهبين على تنزيه الله‬ ‫عز وجل فأي سبب يدعو إلى الخلف والنزاع؟ وأي ضير‬ ‫وجده السقاف من الوفاق بين أهل السنة‪ .‬وإنما حصل‬ ‫النزاع والفتراق بين غلة الحنابلة والشاعرة‪ ،‬وكان مع‬ ‫الشاعرة في هذا النزاع المقدمون في مذهب المام أحمد‪...

‬‬ ‫‪131‬‬ .‬‬ ‫وكان المام ل يرى وضع الكتب وينهي عن كتابة‬ ‫كلمه ومسائله()‪ (2‬ولهذا طمع هؤلء في نسبة بعض‬ ‫أفكارهم إليه فتجد الختلف في الرواية عن المام أحمد‬ ‫كثيرًا‪ ،‬حتى أن القاضي أبا يعلى صنف في الختلف عن‬ ‫المام أحمد كتابا خاصا وهو "الروايتان والوجهان " وجعل‬ ‫آخره خاصا ً في المسائل المتعلقة بالعقيدة‪ (3).‫اهتمام لحسم ذلك لشتغالهم بما هو أعظم منه في الدولة‬ ‫)‪(1‬‬ ‫والنواحى(‬ ‫فإن قيل ما السبب في اختيار الغلة مذهب المام أحمد بن‬ ‫حنبل؟‬ ‫فالجواب لسببين‪ :‬الول‪ :‬أن المام أحمد اشتهر موقفه في‬ ‫محنة خلق القرآن وطال فيها صبره وثباته حتى صار له من‬ ‫القبول ما دفع إلى ادعاء الغلة النتساب إلى مذهبه‬ ‫متظاهرين بالتمسك بالثر والسنة كما فعل المام أحمد‪ .‬وتجد بعض‬ ‫الرسائل المنسوبة إلى المام اعتمد عليها الكثيرون مع أن‬ ‫فيها رواة مجهولين مثل رسالة مسدد بن مسرهد ورسالة‬ ‫الصطخري وغيرها)‪ (4‬بل تجد مصنفا ً معتمدا ً ومنسوبا ً إلى‬ ‫المام وفي سنده إليه رجل مجهول وهو "الرد على الزنادقة‬ ‫والجهمية " فهل انقطعت الرواية عند أهل الرواية وعن‬ ‫‪ ()1‬تاريخ ابن خلدون ‪ .‬‬ ‫الثاني‪ :‬أن المام لورعه لم يصنف إل في المنقول المأثور)‪..3/477‬وانظر بعض فتن هؤلء في الكامل‬ ‫لبن الثير ‪ 7/57‬و ‪7/114‬‬ ‫‪ ()2‬انظر دفع شبه التشبيه ‪ 30‬وسيرأعلم النبلء ‪327/ 11‬‬ ‫حقق ما يتعلق منه بمسائل الفقه وبقي الجزء المتعلق بالعقيدة‬ ‫‪ُ ()3‬‬ ‫مخطوطا في قسم المخطزطات بالمكتبة المركزية في الجامعة‬ ‫السلمية بالمدينة‪ ،‬انظر المسائل والرسائل المروية عن المام أحمد‬ ‫في العقيدة للدكتور عبد الله الحمدي ‪48‬‬ ‫‪ ()4‬جمع هذه الرسائل عبد الله الحمدي ولم يمنعه العتراف بوجود‬ ‫مجاهيل في أسانيد أكثرها من نسبتها إلى المام‪.‬ول‬ ‫يخفى أن المام لم يتمسك بالسرائيليات والخبار الضعيفة‬ ‫والمتون المنكرة كما فعل هؤلء‪ ،‬واستغلوا ما كتبه الله‬ ‫للمام من القبول عند العوام فزخرفوا مذهبهم بالنتساب‬ ‫إليه واستثاروهم بالغيرة على مذهبه‪.

‫إمام الرواية حتى لم يبق لها إل المجاهيل ؟ ونختم الكلم‬ ‫في هذه المسألة بأبيات صادقة ختم بها ابن الجوزي دفعه‬ ‫عن مذهب الحنابلة فقال‪:‬‬ ‫بمذهبه ما كل زرع‬ ‫وجاءك قوم يدعون تمذهبا‬ ‫له أكل‬ ‫وعندهم من فهم‬ ‫فل في فروع يثبتون لنصرة‬ ‫ما قاله شغل‬ ‫فواعجبا ً والقوم‬ ‫إذا ناظروا قاموا مقام مقاتل‬ ‫كلهم عزل‬ ‫وهم من‬ ‫قياسهم طردا إذا ما تصدروا‬ ‫علوم النقل أجمعها عطل‬ ‫تشابهت‬ ‫إذا لم يكن في النقل صاحب فطنة‬ ‫الحياة وانقطع الحبل‬ ‫لما نقلوه في‬ ‫ومالوا إلى التشبيه أخذا ً بصورة‬ ‫الصفات وهم غفل‬ ‫فمال إلى‬ ‫وقالوا الذي قلناه مذهب أحمد‬ ‫تصديقهم من به جهل‬ ‫مشبهة قد ضرنا‬ ‫وصار العادي قائلين لكلنا‬ ‫الصحب والخل‬ ‫ومذهبه‬ ‫فقد فضحوا ذاك المام بجهلهم‬ ‫التنزيه لكن هم اختلوا‬ ‫ً‬ ‫لعمري لقد أدركت منهم مشايخا وأكثر من‬ ‫أدركتهم ما له عقل‬ ‫من العتقاد‬ ‫وما زلت أجلو عندهم كل خصلة‬ ‫الرذل كي يجمع الشمل‬ ‫موائدهم ل‬ ‫م عندهم‬ ‫تسموا بألقاب ول عل َ‬ ‫)‪(1‬‬ ‫حرم فيها ول حل(‬ ‫‪ ()1‬مختصرا من دفع شبه التشبيه لبن الجوزي ‪78‬‬ ‫‪132‬‬ .

‬وفي هذا المبحث يتبين العذر الذي‬ ‫سوغ إعادة الكتابة في هذا المذهب المستشنع الهالك‪.‬ولبد من الشارة إلى جهودهم في التشنيع‬ ‫على من اختار هذين المسلكين لبطال ما يدرأ التجسيم‬ ‫أو ً‬ ‫ل‪ :‬جهود المعاصرين في نشر المصنفات‬ ‫التالفة وتحقيقها ونشرها وتعظيمها‬ ‫اهتم المعاصرون بما صنفه بعض المتقدمين من‬ ‫ن المنكرة‬ ‫جمعت فيها الخبار المتشابهة والمتو ُ‬ ‫الكتب التي ُ‬ ‫ة والرد َ على الجهمية‪،‬‬ ‫ب التوحيد والسن َ‬ ‫في ما يسمونه كت َ‬ ‫وقد سبق الكلم على هذه المصنفات إل أنا نريد هنا أن‬ ‫نشير إلى منزلة هذه المصنفات في فكر المعاصرين الذين‬ ‫بذلوا جهدا كبيرا ً في تحقيقها ودراستها على طريقتهم في‬ ‫رها وتوزيعها على مكتبات العالم السلمي‪.‬‬ ‫الدراسة ونش ِ‬ ‫‪133‬‬ .‫المبحث الخامس التجسيم في الفكر السلمي‬ ‫الحديث‬ ‫سبق أن قدمنا أن من المعاصرين من مل الدنيا‬ ‫شغبًاعلى مذهب أهل السنة والجماعة ومسلكيهم في ما‬ ‫تشابه من الكتاب والسنة وأنهم على كثرة ما حققوه‬ ‫ً‬ ‫ودرسوه ونشروه لم يقرورا شبهة ولم يحكموا اعتراضا ولم‬ ‫يزيدوا إل وبال ً وبل ً‬ ‫ل‪ .‬فل بد من الشارة أول ً إلى‬ ‫جهودهم في خدمة المصنفات التي خاض فيها المتقدمون‬ ‫في ما تشابه‪ .‬‬ ‫فنشير إلى صنيع المعاصرين ممن خاضوا في المتشابه‬ ‫فحاموا حول حمى التجسيم‪ ،‬ولما وقفوا على درء التفويض‬ ‫والتأويل عن حمى التشبيه بالغوا في تشنيع هذين المسلكين‬ ‫وأسرفوا في ذم جمهور أهل السنة وأكابرها من الشاعرة‬ ‫والحنفية الذين اختاروا هذين المسلكين فرموهم بالتعطيل‬ ‫والتجهم واللحاد وصرح بعضهم باستباحة دمائهم‬ ‫وأعراضهم‪ ،‬وعكفوا على بعض مصنفات السابقين الذين‬ ‫دموها على‬ ‫سبقوهم في ذلك فأشبعوها دراسة وخدمة وق ّ‬ ‫أنها مصادُر العقيدة السلفية‪ .

‬والمقصود هنا أن نشير إلى منزلة هذا الكتاب في‬ ‫قه‬ ‫فكر المعاصرين‪ .‫ب السنة المنسوب‬ ‫ب على الطلق كتا ُ‬ ‫فمن أهم هذه الكت ِ‬ ‫لعبد الله بن أحمد وكنا قد أطلنا الكلم في هذا الكتاب‬ ‫وكشفنا عن كثير من الطامات التي ضمتها صحفاته‬ ‫السوداء‪ ..‬فهو‬ ‫من هذا الجانب ذا)‪ (2‬مكانة كبيرة حيث اعتمدت‬ ‫عليه كثير من الكتب التي صنفت في عقيدة‬ ‫السلف …فهو بحق مصدر رائد برزت قيمته في‬ ‫من نقل عنه وعزا إليه …فهذا الكتاب صنو لهذه‬ ‫المصنفات التي هي اليوم تحتل مكان الصدارة بعد‬ ‫)‪(3‬‬ ‫كتاب الله في المكتبة السلمية(‬ ‫ت إحصائية لما في هذا الكتاب من الحاديث والثار‬ ‫وقد أجري ُ‬ ‫فوجدت المحقق قد ضعف من أحاديثه وآثاره ما يقارب‬ ‫ثمانية وخمسين خبرا ً من كل مئة خبر‪ ،‬وفي ما وّثق المحقق‬ ‫رجا َ‬ ‫ل إسناده من أخبار هذا الكتاب ما يزيدك علما ً بقيمة‬ ‫هذا الكتاب وتوثيق المحقق لرجاله‪ ،‬فمن ذلك مثل ً أنه وثق‬ ‫ما أخرجه المؤلف بسنده عن المام مالك بن أنس أنه ذكر‬ ‫ن ومن كاد الدين فليس‬ ‫أبا حنيفة بكلم سوء وقال‪ :‬كاد َ الدي َ‬ ‫‪ ()1‬مقدمة كتاب السنة ‪1/15‬‬ ‫‪ ()2‬الصواب )ذو مكانة( لنه خبر‬ ‫‪ ()3‬المصدر السابق ‪66-1/65‬‬ ‫‪134‬‬ .‬ومما يشير إلى أهمية هذا الكتاب تحقي ُ‬ ‫في رسالة جامعية نال فيها المحقق التقديرالممتاز في‬ ‫شهادة الدكتوراه في العقيدة السلمية‪ .‬وقد صرح الباحث‬ ‫بما يشير إلى منزلة هذا الكتاب في الفكر السلفي فقال‪:‬‬ ‫)إن هذا الكتاب من أوائل المصادر التي كتبت في‬ ‫عقيدة السلف فإخراجه للناس في هذا العصر من‬ ‫الهمية بمكان( )‪ (1‬ويقول أيضًا‪):‬هذا الكتاب من أمهات‬ ‫مصادر العقيدة في كتب السلف …لذا فهو من‬ ‫المصادر الولى إذ لم يتقدمه إل بعض الكتب الصغيرة‪.

‬وبالجملة فقد سبق نقد ُ هذا الكتاب وما‬ ‫تضمنه من المنكرات والسرائيليات التي لم تخف حتى على‬ ‫المحقق فمن العجييب أن يزعم المحقق أن هذا الكتاب‬ ‫صنوٌ لمؤلفات تحتل مكان الصدارة بعد كتاب الله في‬ ‫المكتبة السلمية‪ .‬ويعلم أن ما اختص به‬ ‫هذا الكتاب هو الطعن في السلف وإثارة الفتنة بين‬ ‫ف الله عز وجل بالجلوس على العرش‬ ‫المسلمين ووص ُ‬ ‫وحصول الطيط في العرش من ثقل الجبار فوقه ونحو ذلك‬ ‫‪()1‬‬ ‫‪()2‬‬ ‫‪()3‬‬ ‫‪()4‬‬ ‫المصدر‬ ‫المصدر‬ ‫المصدر‬ ‫المصدر‬ ‫السابق ‪1/199‬‬ ‫السابق ‪1/207‬‬ ‫السابق ‪1/193‬‬ ‫السابق ‪2/205‬‬ ‫‪135‬‬ .‫من الدين)‪ .(1‬ومنه أيضا ً عن أبي عوانة أن أبا حنيفة قال في‬ ‫المسكر حلل)‪ (2‬وأنه استتيب من الكفر مرتين)‪ (3‬ومنه أيضا ً‬ ‫أن الله عز وجل يدني داود َ عليه السلم حتى يضع يده في‬ ‫هدوا في إحياء علوم الدين‬ ‫يده)‪ (4‬فأنت ترى أن القوم ز ّ‬ ‫للحجة الغزالي متذرعين بما فيه من الحاديث الضعيفة‪ ،‬مع‬ ‫أن الغزالي لم يورد هذه الحاديث في كتاب موضوعه‬ ‫العقيدة في الله عزوجل وصفاته! بل لو كان ُيشترط في‬ ‫الخبار التي ُيحتج بها في فضائل العمال ما ُيشترط في‬ ‫ب السنة‬ ‫الخبار التي ُيحتج بها في العقائد لم ينج مؤل ُ‬ ‫ف كتا ِ‬ ‫مما نجا منه الغزالي وهو معارضة القواطع التي دلت على‬ ‫سه اعترف‬ ‫تنزيه الله عز وجل‪ ،‬فقد سبق أن المحقق نف َ‬ ‫على بعض أخبار الكتاب بأن فيه دخول ً في تكييف صفات‬ ‫الله عز وجل فيكون أسوأ َ حال ً ممن احتج بحديث ضعيف‬ ‫في فضائل العمال التي ليعارضها الشرع بل ل بد أن يشهد‬ ‫لها إجمال ً أو تفصي ً‬ ‫ل‪ .‬ومن العجيب أن القوم تظاهروا على‬ ‫عده من مصادر عقيدتهم السلفية‪ .‬ومن يتابع السلف على‬ ‫نبذ التعصب والتجرد لطلب الحق يعلم أن السلم أغنى ما‬ ‫يكون عن هذا الكتاب‪ ،‬لن شيئا ً من دين الله عز وجل لم‬ ‫يو َ‬ ‫كل إثباته إلى كتاب مجهول السند‪ .

‫من المنكرات منسوبا ً إلى المام أحمد وابنه عبد الله‪..‬‬ ‫ومن هذه الكتب كتاب السنة لبن أبي عاصم فلم يكتف‬ ‫القوم بتحقيق اللباني له فحققه الدكتور باسم بن فيصل‬ ‫الجوابرة وشهد للكتاب ولمؤلفه بالسلفية)‪ .‬وشدة الحرص على إثبات‬ ‫‪()1‬‬ ‫‪( )2‬‬ ‫‪()3‬‬ ‫‪()4‬‬ ‫انظر كتاب السنة بتحقيقه ‪1/20‬‬ ‫انظر مقدمة تحقيق الكتاب ‪1/38‬‬ ‫المصدر السابق ‪1/68‬‬ ‫انظر الكتاب بتحقيقه ‪48‬‬ ‫‪136‬‬ .‬‬ ‫ولست أرى مع طبع هذا الكتاب ونشره وتحقيقه وجها ً لمن‬ ‫تثاقل في الرد وتذرع بالورع عن الخوض في ما شجر بين‬ ‫المسلمين‪ ،‬فكيف يستقيم هذا الورع إذا كان هذا الكتاب‬ ‫واحدا ً من جملة كتب ورسائل وفتاوى تظاهرت على‬ ‫الخوض في المتشابه والطعن في علماء المة‪.(1‬ولم يكتفوا‬ ‫بتحقيق محمد خليل هراس لكتاب التوحيد لبن خزيمة حتى‬ ‫حققه الدكتور عبد العزيز إبراهيم الشهوان ونال بتحقيقه‬ ‫الدكتوراه وشهد فيها للكتاب ولمؤلفه بالسلفية)‪ (2‬ومن‬ ‫العجيب أنه أخذ على المؤلف تأويل حديث الصورة‪ ،‬ثم كاد‬ ‫ة وسبعين عذرا ً في روايته عن بعض‬ ‫أن يلتمس له سبع ً‬ ‫)‪(3‬‬ ‫الضعفاء والمجهولين ‪.‬‬ ‫ً‬ ‫وكان عثمان بن سعيد الدارمي جديرا بالعناية والهتمام‬ ‫أكثر من غيره فلم يكتف القوم بتحقيق الدكتور علي سامي‬ ‫النشار لكتابيه الرد على المريسي والرد على الجهمية ضمن‬ ‫مجموعة عقائد السلف حتى حقق رئيس جمعية أنصار‬ ‫السنة المحمدية محمد حامد الفقي كتاب الرد على‬ ‫المريسي بعد إلحاح شديد من أفاضل علماء نجد وطلبة‬ ‫الحرمين كما زعم وقال في الكتاب‪) :‬من أجل الكتب‬ ‫الداحضة لباطيل الجهمية()‪ (4‬ثم حققه الدكتور رشيد‬ ‫بن حسين في رسالة نال بها شهادة الماجستير بتقدير‬ ‫ممتاز قال فيها‪) :‬ومن تأمل كتابه سيقف على ما كان عليه‬ ‫هذا الرجل من مناصرة السنة‪.

‬‬ ‫ومثله كتاب التوحيد لبن مندة الذي اشترك في تحقيقه‬ ‫الطالبان موسى بن عبد العزيز الغصن ومحمد بن عبد الله‬ ‫ً )‪(6‬‬ ‫الوهيبي لنه من مصادر عقيدة السلف أيضا‬ ‫وحظي كتاب الربعين في دلئل التوحيد لبي إسماعيل‬ ‫الهروي بعناية الدكتور علي بن محمد الفقيهي فحققه على‬ ‫أنه من مصادر العقيدة السلفية أيضًا‪..‬وحاشا لمذهب إمام أهل الثر أن يمثله متهم‬ ‫بالوضع والتصرف في الكتب‪.‬هذا الكتاب يمثل مذهب المام أحمد بن‬ ‫حنبل‪ (5)(..(1‬وأما كتاب الرد على الجهمية فقد‬ ‫حققه أيضا ً بدر البدر وشهد له باتباع السلف ونصر السنة)‪.(4‬‬ ‫ولم يأنف بعضهم من تحقيق كتاب أحد المتهمين بالوضع‬ ‫وح ّ‬ ‫ب وهو أبو عبد الله بن بطة العكبري الذي ألف‬ ‫ك الكت ِ‬ ‫كتابه البانة عن شريعة الفرقة الناجية‪ ،‬ونال رضا نعسان‬ ‫معطي شهادة الماجستير على تحقيقه وقال‪) :‬كتاب‬ ‫البانة لبن بطة يعد أكبر موسوعة في العقيدة‬ ‫السلفية‪ .(2‬‬ ‫ي بدراسة‬ ‫وخص الطالب محمود محمد أبو رحيم الدارم ّ‬ ‫دفاعه عن عقيدة السلف في رسالة جامعية زعم فيها أن‬ ‫)‪.‬‬ ‫‪ ()1‬انظر مقدمة الكتاب بتحقيقه ‪1/14‬‬ ‫‪ ()2‬انظر مقدمة الكتاب بتحقيقه ‪10-9‬‬ ‫‪ ()3‬انظر مقدمة رسالته الموسومة " عثمان بن سعيد الدارمي‬ ‫ودفاعه عن عقيدة السلف" من رسائل جامعة أم القرى ‪1403‬‬ ‫‪ ()4‬انظر مقدمة رسالته "محمد بن عثمان بن ابي شيبة وكتابه‬ ‫العرش" ص ‪ 7‬و ‪ 221‬وقد نال به شهادة الماجستير من الجامعة‬ ‫السلمية بالمدينة المنورة‪.‫صفات الله وأسمائه()‪.‬‬ ‫‪ ()5‬انظر مقدمة الكتاب بتحقيقه ‪7-1/6‬‬ ‫‪ ()6‬انظر مقدمة الكتاب ‪1/23‬‬ ‫‪137‬‬ .(3‬‬ ‫الدارمي لم تتعثر قدمه في اقتفاء أثر سلفه الصالح‬ ‫ولم ير محمد بن خليفة التميمي بأسا ً بأن يعد من مصادر‬ ‫العقيدة السلفية أيضا ً كتاب العرش لعثمان بن أبي شيبة‬ ‫ونال شهادة الدكتوراه على تحقيقه لهذا الكتاب وشهد له‬ ‫ولمؤلفه بالسلفية)‪.

‬‬ ‫واهتموا بكتاب إبطال التأويلت لبي يعلى الفراء‬ ‫فحققه محمد بن حمد النجدي وزعم أنه كتاب فريد تضمن‬ ‫الرد على تأويلت الشاعرة والمعتزلة والجهمية لخبار‬ ‫الصفات اللهية وبيان مذهب السلف فيها )‪ (2‬وقال متحليا ً‬ ‫بالمنهج العلمي‪):‬والكتاب ل يخلو من هفوات كما هو شأن‬ ‫جميع الكتب فقد أبى الله أن يتم إل كتاَبه كما قال الشافعي‬ ‫رحمه الله()‪ (3‬فهذا المحقق يزعم أن ما عده أئمة الحنابلة‬ ‫عارا ً محسوبا ً على المذهب من الهفوات‪ ،‬فهل يعد من‬ ‫الهفوات إثبات الضراس واللهوات وإثبات الفراش والحجر‬ ‫في الصفات! ومن العجيب أن المحقق شهد للمؤلف باتباع‬ ‫المام أحمد ومذهب أهل السنة وأخذ عليه نفي التجسيم‬ ‫ده من القليل الذي وافق فيه المتكلمين من نفي أو‬ ‫وع ّ‬ ‫إثبات أو تفويض مما يخالف بزعمه كتاب الله وسنة‬ ‫)‪(4‬‬ ‫رسوله‬ ‫‪ ()1‬انظر مثل مقدمة المحقق رضاء الله بن محمد المباركفوري‬ ‫‪ 1/12‬و ‪40‬و ‪ 83‬و ‪ .‫وقد سبق الكلم على هذه المصنفات والكشف عن ما‬ ‫تضمتنه من المنكرات الواهيات التي إن كان لبد من جعلها‬ ‫مصدرا ً لشيء فل يجوز إل أن تكون مصدرا ً للخبار المنكرة‪،‬‬ ‫وليس أدل على ذلك من أن بعض القوم عد كتاب العظمة‬ ‫لبي الشيخ الصفهاني من مصادر العقيدة السلفية)‪ (1‬مع أنه‬ ‫مادة لمن صنف في جمع الحاديث الموضوعة‪.‬‬ ‫‪ ()2‬انظر مقدمة إبطال التأويلت ‪1/4‬‬ ‫‪ ()3‬المصدر السابق ‪1/6‬‬ ‫‪ ()4‬المصدر السابق ‪1/25‬‬ ‫‪138‬‬ .‬‬ ‫ً‬ ‫من عقيدة المسلمين لعلي محمد المصراتي ‪ 29‬وانظر أيضا الثار‬ ‫الواردة عن أئمة السنة= = في أبواب العتقاد من كتاب سير أعلم‬ ‫النبلء وهو رسالة جامعية نال بها جمال بن أحمد بن بشيربادي‬ ‫شهادة الدكتوراه بمرتبة الشرف الولى من الجامعة السلمية‬ ‫بالمدينة المنورة‪.85‬وانظر أيضا ً جواب أهل السنة لعبد الله بن‬ ‫محمد بن عبد الوهاب ‪ 156‬فقد عده من كتب السنة مع‬ ‫كتابي أيضا ً‬ ‫وانظر‬ ‫الدارمي وكتاب ابن بطة والهروي وسنة الخلل ونحوها‪.

‬‬ ‫ونال الطالب سعود الخلف شهادة الماجستير في رسالته‬ ‫التي أعدها تحت عنوان "القاضي أبو يعلى وكتابه مسائل‬ ‫)‪(4‬‬ ‫اليمان "‬ ‫وأكثر القوم من الثناء على هذه المؤلفات وعدها من مصادر‬ ‫)‪(5‬‬ ‫العقيدة السلفية ولم أقف على خلف بينهم في ذلك‬ ‫ثانيًا‪ :‬ذم أهل السنة من الشاعرة ورميهم‬ ‫بالبدعة واستباحة دمائهم وأعراضهم‬ ‫‪ ()5‬من رسائل جامعة المام محمد بن سعود سنة ‪1412‬هـ‬ ‫‪ ()2‬انظر "القاضي أبو يعلى وكتابه مسائل اليمان " ‪67‬‬ ‫‪()3‬المصدر السابق ‪114‬‬ ‫‪ ()4‬رسالة ماجستير في الجامعة السلمية بالمدينة المنورة‬ ‫‪1406‬هـ‬ ‫‪ ()5‬انظر فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث والفتاء ‪ 3/124‬وحواب أهل‬ ‫السنة لعبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ‪158‬وتنبيهات على من‬ ‫تأول الصفات لبن باز ‪ 22‬والعقيدة الصحيحة له ‪ 11‬ومجموع فتاوى‬ ‫ابن عثيمين ‪ 1/149‬وعقيدة التوحيد للكتور صالح الفوزان ‪220‬‬ ‫وعلقة الثبات والتفويض لرضا نعسان معطي ‪ 21‬ومن عقيدة‬ ‫المسلمين ‪ 29‬وتعرف الخلف بمنهج السلف للكتور إبراهيم بن محمد‬ ‫البريكان ‪ 271‬وإثبات علو الله لسامة القصاص ‪.‫وقد اعتنى القوم في دراسة منهج أبي يعلى فنال الطالب‬ ‫فهد بن موسى الفائز شهادة الماجستير في رسالته"منهج‬ ‫)‪(5‬‬ ‫القاضي أبي يعلى في أصول الدين"‬ ‫ونال الطالب سعود بن عبد العزيز الخلف شهادة‬ ‫الماجستير بتقدير ممتاز في رسالة شهد فيها لبي يعلى‬ ‫باتباع منهج السلف في إبطال التأويلت)‪ (2‬وقد بذل وسعه‬ ‫في دفع صولة أئمة الحنابلة على أبي يعلى وشيخه ابن‬ ‫حامد وما شانوا به المذهب فزعم أنهم في ذلك اتبعوا‬ ‫السنة واقتفوا الثر)‪ (3‬وعاب على ابن العربي أنه نسب إلى‬ ‫أبي يعلى أنه قال القول المشهور في الفرج واللحية وزعم‬ ‫أن أبا يعلى بريء منه‪ ،‬مع أن كتاب أبي يعلى الذي شهد له‬ ‫المحقق فيه باتباع منهج السلف أثبت لله عز وجل الفخذ‬ ‫والضراس واللهوات والبهام والخنصر والرجل والوجه‬ ‫واليدين والساق والصدر والحقو والذراعين وغيرها مما‬ ‫سموه بالصفات‪.17‬‬ ‫‪139‬‬ .

‫ويجب أن نتذكر أن هؤلء لم ينقموا على الشاعرة إل‬
‫التفويض والتأويل إذ ل يتم بهما الخوض في المتشابه ول‬
‫ت ما يسمونه بالصفات‪ .‬فهذا ابن تيمية رحمه الله يشير‬
‫إثبا ُ‬
‫ت‬
‫إلى موضع النزاع فيقول لحد مناظريه‪..):‬إن أمها ِ‬
‫المسائل التى خالف فيها متأخرو المتكلمين ممن‬
‫ث‬
‫ينتحل مذهب مذهب الشعرى لهل الحديث ثل ُ‬
‫ف الله بالعلو على العرش ومسألة‬
‫مسائل وص ُ‬
‫القرآن ومسألة تأويل الصفات‪ .‬فقلت له نبدأ بالكلم‬
‫على مسألة تأويل الصفات فإنها الم والباقى من‬
‫المسائل فرع عليها()‪.(1‬ويقول صالح الفوزان‪) :‬أما كون‬
‫الشاعرة لم يخرجوا عن السلم فهذا صحيح هم‬
‫من جملة المسلمين وأما أنهم من أهل السنة‬
‫والجماعة فل لنهم يخالفون أهل السنة والجماعة‬
‫)‪(2‬‬
‫في إثبات الصفات من غير تأويل(‬
‫ويقول ابن باز‪):‬فالشاعرة وأشباههم ل يدخلون في أهل‬
‫السنة في إثبات الصفات لكونهم قد خالفوهم في ذلك‬
‫وسلكوا غير منهجهم…كما أنه ل مانع أن يقال‪ :‬إن الشاعرة‬
‫ليسوا من أهل السنة في باب السماء والصفات وإن كانوا‬
‫)‪(3‬‬
‫منهم في البواب الخرى(‬
‫وقد سبق بيان هذه المسالك الثلثة وإقامة الدلة على‬
‫صحة هذين المسلكين وصحة نسبتهما إلى السلف وبراءة‬
‫الفكر السليم والسلف الصالح من هذا المسلك الذي اختاره‬
‫القوم‪ ،‬وهذا يعني أن القوم ما نقموا منهم إل أنهم لم يثبتوا‬
‫ت بالظن ولم يتبعوا ما تشابه بل حملوه على محكم‬
‫الصفا ِ‬
‫التنزيه وعلى ما يصح حمله عليه في لغة العرب وأساليبها‬
‫أو تمسكوا بتفويض العلم بالمراد إلى الله عز وجل ولم‬
‫يتصرفوا فيه بزيادة أو تغيير أو تأويل‪ .‬فهل يستحق من‬
‫‪ ()1‬مجموع الفتاوى ‪6/354‬‬
‫‪ ()2‬تنبيهات على مقالت الصابوني ‪62‬‬
‫‪ ()3‬تنبيهات في الرد على من تأول الصفات ‪ 42‬وانظر نحوه في‬
‫وسطية أهل السنة بين الفرق للدكتور محمد باكريم محمد ‪298‬‬
‫‪140‬‬

‫اختار هذين المسلكين هذه الحملة الشرسة وما حكمت به‬
‫على الشاعرة‪.‬‬
‫ف‬
‫هذه الحملة التي شارك فيها ابن تيمية رحمه الله بوص ٍ‬
‫خرج فيه عن جادة العلم فقال‪..):‬فالمعتزلة فى الصفات‬
‫مخانيث الجهمية وأما الكلبية فيثبتون الصفات في الجملة‬
‫وكذلك الشعريون ولكنهم كما قال الشيخ أبو‬
‫أسماعيل النصاري الجهمية الناث وهم مخانيث‬
‫)‪(1‬‬
‫المعتزلة(‬
‫وقال أيضًا‪ ..):‬ومن رزقه الله معرفة ما جاءت به الرسل‬
‫وبصرا ً نافذا ً وعرف حقيقة مأخذ هؤلء علم قطعا ً أنهم‬
‫يلحدون فى أسمائه وآياته وأنهم كذبوا بالرسل وبالكتاب‬
‫وبما أرسل به رسله‪ .‬ولهذا كانوا يقولون إن البدع مشتقة‬
‫من الكفر وآيلة إليه ويقولون إن المعتزلة مخانيث‬
‫الفلسفة والشعرية مخانيث المعتزلة‪ .‬وكان يحيى‬
‫بن عمار يقول المعتزلة الجهمية الذكور والشعرية الجهمية‬
‫الناث ومرادهم الشعرية الذين ينفون الصفات الخبرية‪.‬‬
‫وأما من قال منهم بكتاب البانة الذي صنفه الشعرى فى‬
‫آخر عمره ولم يظهر مقالة تناقض ذلك فهذا يعد من أهل‬
‫السنة لكن مجرد النتساب إلى الشعرى بدعة‪ .‬ل‬
‫سيما وأنه بذلك يوهم حسنا ً بكل من انتسب هذه‬
‫)‪(2‬‬
‫النسبة وينفتح بذلك أبواب شر(‬
‫ويقول ابن القيم‪) :‬ليسوا مخانيث الوجود فل إلى***‬
‫)‪(3‬‬
‫الكفران ينحازوا ول اليمان(‬
‫وقال أيضًا‪):‬في كسر الطاغوت الذي نفوا به صفات ذي‬
‫الملكوت والجبروت‬
‫طاغوت ذي التعطيل‬
‫أهون بذا الطاغوت ل عز اسمه‬
‫والكفران‬
‫‪ ()1‬انظر الحسنة والسيئة ضمن مجموع الفتاوى ‪14/348‬‬
‫‪ ()2‬المصدر السابق ‪ 6/359‬وانظر أيضا ً ‪ 8/227‬و ‪2/114‬‬
‫‪ ()3‬شرح قصيدة ابن القيم ‪2/203‬‬
‫‪141‬‬

‫تحت ذا الطاغوت في‬

‫كم من أسير بل جريح بل قتيل‬
‫الزمان‬
‫من لفظه تبا لكل جبان‬
‫وترى الجبان يكاد يخلع قلبه‬
‫تبدو عليه‬
‫وترى المخنث حين يقرع سمعه‬
‫شمائل النسوان‬
‫ولكل زنديق أخي‬
‫ويظل منكوحا ً لكل معطل‬
‫)‪(1‬‬
‫كفران(‬
‫ويقول أيضًا‪..):‬بل الذي بين أهل الحديث والجهمية‬
‫من الحرب أعظم مما بين عسكر الكفر وعسكر‬
‫)‪(2‬‬
‫السلم(‬
‫ومن ذلك ما نشره المعاصرون تحت عنوان نونية‬
‫القحطاني لبي محمد عبد الله بن محمد القحطاني‬
‫الندلسي )‪387‬هـ( بتحقيق محمد بن أحمد سيد أحمد‪ ،‬هذه‬
‫النونية التي يعتني بعض المبتدئين بحفظها وتجد نسخا منها‬
‫عند أبواب معظم المساجد!‬
‫ومن أبيات هذه النونية‪:‬‬
‫وأذيع ما كتموا من‬
‫والن أهجو الشعري وحزبه‬
‫البهتان‬
‫ش أخليتم من‬
‫عطلتم السبع السموات العل‬
‫والعر َ‬
‫الرحمن‬
‫ما دام يصحب مهجتي‬
‫لقطعن بمعولي أعراضكم‬
‫جثماني‬
‫فيسير سير البزل‬
‫ولكتبن إلى البلد بسبكم‬
‫بالركبان‬
‫يا عمي يا صم بل آذان‬
‫يا أشعرية يا أسافلة الورى‬
‫بغضا ً أقل قليله أضغاني‬
‫إني لبغضكم وأبغض حزبكم‬
‫كيل يرى إنسانكم‬
‫لو كنت أعمى المقلتين لسرني‬
‫إنساني‬
‫‪ ()1‬شرح قصيدة ابن القيم ‪2/320‬‬
‫‪ ()2‬اجتماع الجيوش السلمية ‪ 154‬وانظر الصواعق المرسلة‬
‫‪4/1333‬‬
‫‪142‬‬

‫قد عشت مسرورا ً ومت مخفرا ً‬
‫ورعاني‬
‫)‪(1‬‬
‫لم أدخر عمل ً لربي صالحا ً لكن بإسخاطي لكم أرضاني‬
‫ولم يشفع النتساب إلى المحدثين ول النتساب إلى الحنابلة‬
‫في منع تطاول القوم على مثل الحافظ البيهقي)‪ (2‬وابن‬
‫)‪(5‬‬
‫الجوزي)‪ (3‬والحافظ النووي)‪ (4‬والحافظ ابن حجر‬
‫ة الشاعرة‬
‫فيقول الدكتور محمد أمان الجامي بعد نفيه علق َ‬
‫بالسلف‪):‬وقد انخدع بهم كثير من علماء الفقه‬
‫والحديث فوافقوهم في بعض ما ابتدعوه …‬
‫فانتشرت في مصر والشام والعراق باسم عقيدة‬
‫أهل السنة والجماعة حيث خل الميدان لبي‬
‫حميدان()‪ (6‬ومراده بميدان أبي حميدان قلب الجزيرة‬
‫العربية حيث يقول‪) :‬هكذا تجسدت الدعوة السلفية في‬
‫الدولة السعودية السلمية السلفية في قلب الجزيرة‬
‫العربية‪..‬التزمت الحكومة السعودية أن يكون المنهج المقرر‬
‫بالنسبة للمواد بالنسبة للمواد الدينية المنهج السلفي في‬
‫جميع مراحل التعليم من المرحلة البتدائية إلى الدراسات‬
‫العليا فالشاب السعودي يبدأ في دراسة العقيدة على‬
‫ولقيت ربي سرني‬

‫‪ ()1‬انظر نونية القحطاني ‪ 50-54‬وانظر رمي الشاعرة بالبدعة في‬
‫معتقد أهل السنة للدكتور محمد بن خليفة التميمي ‪ 55-54‬وموقف‬
‫أهل السنة من أهل البدع للدكتور إبراهيم بن عامر الرحيلي‬
‫‪.1/154‬وقد جعل الدكتور غالب بن علي العواجي المام الشعري‬
‫في الدرجة الثالث من درجات الجهمية في كتابه فرق معاصرة‬
‫تنتسب إلى السلم ‪.2/989‬وعد رضاء الله المباركفوري الشاعرة‬
‫والماتريدية من الحركات الهدامة والفتن في مقدمة تحقيقه كتاب‬
‫العظمة ‪1/83‬‬
‫‪ ()2‬انظر مقدمة رسالة أحمد بن على الغامدي وعنوانها البيهقي‬
‫وموقفه من اللهيات وهي رسالة دكتوراه في جامعة أم القرى‬
‫‪1402‬‬
‫‪ ()3‬وقد خصه أحمد بن عطية الزهراني بالدراسة على طريقتهم في‬
‫رسالته التي نال فيها شهادة الماجستير من جامعة أم القرى‬
‫‪1397‬هـ بعنوان ابن الجوزي بين التفويض والتأويل‪.‬‬
‫‪ ()4‬انظر دعوة التوحيد للدكتور محمد خليل هراس ‪ 224‬وفتاوى‬
‫اللجنة الدائمة ‪.3/163‬‬
‫‪ ()5‬انظر نيل عبد الله بن إبراهيم آل حمد من الحافظ ابن حجر في‬
‫تحقيقه لكتاب توفيق الرحمن لفيصل بن عبد العزيز آل مبارك‬
‫‪ 2/220‬وقد رماه بمخالفة أهل السنة واتباع أهل البدع من‬
‫الشاعرة‪.‬وانظر نحوه في منهج الحافظ ابن حجر في العقيدة لمحمد‬
‫إسحاق كندو ‪ 131‬وغمزه بأنه كان ذا عقيدة يشوبها التمشعر‪.‬‬
‫‪ ()6‬الصفات اللهية ‪155‬‬
‫‪143‬‬

‫المنهج السلفي من السنة البتدائية الولى ثم يستمر في‬
‫دراسة العقيدة والشريعة على المنهج نفسه بتوسع متفاوت‬
‫ج الطلب‬
‫ومطرد إلى درجة الدكتوراه كما ينهج هذا المنه َ‬
‫الوافدون من خارج البلد للدراسة في الجامعات السعودية‬
‫ليتخرجوا على ذلك المنهج السلفي ليطبقوه في بلدهم إذا‬
‫رجعوا إليهم …فل يوجد في الجامعات السعودية ولن يوجد‬
‫إن شاء الله منهج آخر يزاحم المنهج السلفي( )‪ (1‬وهذا شاهد‬
‫على أهمية التلقين وتغيير فطر المنزهين منذ نعومة الظفار‬
‫حتى يشيب على الفكر الحسي‪ .‬وفيه التنبيه على الطريقة‬
‫التي انتشر بها هذا الفكر في بعض أنحاء العالم السلمي‪.‬‬
‫ويقول عبد الملك علي الكليب‪):‬وهؤلء الشاعرة يدافعون‬
‫عن الزنادقة مدافعة المسعور‪..‬وهذا شأنهم في الشام‬
‫والهند ومصر وكثير من بلدان المسلمين ورحم الله محمد‬
‫بن عبد الوهاب الذي طهر أكثر جزيرة العرب من الشرك‬
‫والبدع والعقائد الفاسدة الهدامة الكافرة()‪ . (2‬ويقول محمد‬
‫بن ربيع المدخلي في وصف القرن السادس الهجري‪..):‬‬
‫كان الشاعرة يلقبون أنفسهم أهل السنة والجماعة وكاد‬
‫يختفي المنهج السلفي منهج أحمد بن حنبل ومن سبقه من‬
‫أئمة السلم وأصبحت عقيدة السلف غريبة يعد أتباعها في‬
‫أنحاء العالم السلمي على الصابع()‪ (3‬وهذا من أصح‬
‫العتراف بشذوذ هذا الفكر وتطرفه وغلوه حتى ليعد له في‬
‫أنحاء العالم السلمي من التباع إل بعدد الصابع‪ .‬وهو من‬
‫أصدق الشهادة على ما سيأتي من قول ابن السبكي‪ .‬هذا‬
‫القول الذي يحصل به الجواب عن ما يستحق الجواب مما‬
‫سبق‪ .‬قال رحمه الله‪) :‬إعلم أن أبا الحسن لم يبتدع رأيا ً‬
‫ولم ينشء مذهبًا‪ ،‬وإنما هو مقرر لمذاهب السلف مناضل‬
‫عما كانت عليه صحابة رسول الله فالنتساب إليه إنما هو‬
‫‪ ()1‬المصدر السابق ‪136‬‬
‫‪ ()2‬صفات التابعين وأهل الكتاب والسنة ‪7-6‬‬
‫‪ ()3‬انظر تعليقه على كتاب الحجة في بيان المحجة لسماعيل بن‬
‫محمد التميمي)‪535‬هـ( ‪1/42‬‬
‫‪144‬‬

‫قد على طريق السلف نطاقا ً وتمسك به وأقام‬
‫باعتبار أنه ع َ َ‬
‫الحجج والبراهين عليه فصار المقتدي به فى ذلك السال ُ‬
‫ك‬
‫سبيَله فى الدلئل يسمى أشعريًا‪ .‬ولقد قلت مرة للشيخ‬
‫المام رحمه الله‪-‬والده السبكي‪ -‬أنا أعجب من الحافظ ابن‬
‫ده طوائف من أتباع الشيخ ولم يذكر إل نزرا ً‬
‫عساكر فى ع ّ‬
‫يسيرا ً وعددا ً قلي ً‬
‫ل‪ ،‬ولو وفى الستيعاب حقه لستوعب غالب‬
‫علماء المذاهب الربعة فإنهم برأي أبى الحسن يدينون الله‬
‫تعالى؟ فقال إنما ذكر من اشتهر بالمناضلة عن أبى الحسن‬
‫وإل فالمر على ما ذكرت من أن غالب علماء المذاهب‬
‫معه‪ .‬وقد ذكر الشيخ شيخ السلم عز الدين بن عبد السلم‬
‫أن عقيدته اجتمع عليها الشافعية والمالكية والحنفية وفضلء‬
‫الحنابلة ووافقه على ذلك من أهل عصره شيخ المالكية فى‬
‫زمانه أبو عمرو بن الحاجب وشيخ الحنفية جمال الدين‬
‫الحصيرى‪ ..‬ونقل الحافظ –ابن عساكر –كلم الشيخ أبى‬
‫عبد الله محمد بن موسى بن عمار الكلعى المآيرقى وهو‬
‫من أئمة المالكية فى هذا الفصل فاستوعب فيه أهل السنة‬
‫من المالكية والشافعية وأكثر الحنفية بلسان أبى الحسن‬
‫الشعرى يتكلمون وبحجته يحتجون…قال المآيرقى ولم يكن‬
‫أبو الحسن أول متكلم بلسان أهل السنة إنما جرى على‬
‫سنن غيره وعلى نصرة مذهب معروف فزاد المذهب حجة‬
‫وبيانا ً ولم يبتدع مقالة اخترعها ول مذهبا ً انفرد به أل ترى أن‬
‫مذهب أهل المدينة نسب إلى مالك‪ ،‬ومن كان على مذهب‬
‫أهل المدينة يقال له مالكى ومالك إنما جرى على سنن من‬
‫كان قبله وكان كثير التباع لهم إل أنه لما زاد المذهب بيانا ً‬
‫وبسطا ً عزي إليه‪ ،‬كذلك أبو الحسن الشعرى ول فرق‪،‬‬
‫ليس له فى مذهب السلف أكثر من بسطه وشرحه‬
‫)‪(1‬‬
‫وتواليفه فى نصرته‪(.‬‬
‫وقال أيضًا‪) :‬ذكر بيان أن طريقة الشيخ هى التى عليها‬
‫المعتبرون من علماء السلم والمتميزون من المذاهب‬
‫‪ ()1‬طبقات الشافعية الكبرى ‪67- 3/365‬‬
‫‪145‬‬

‫الربعة فى معرفة الحلل والحرام والقائمون بنصرة دين‬
‫سيدنا محمد‪ .‬قد قدمنا فى تضاعيف الكلم ما يدل على‬
‫ذلك وحكينا لك مقالة الشيخ ابن عبد السلم ومن سبقه إلى‬
‫مثلها وتله على قولها حيث ذكروا أن الشافعية والمالكية‬
‫والحنفية وفضلء الحنابلة أشعريون هذه عبارة ابن عبد‬
‫السلم شيخ الشافعية وابن الحاجب شيخ المالكية‬
‫والحصيرى شيخ الحنفية‪ .‬ومن كلم ابن عساكر حافظ هذه‬
‫المة الثقة الثبت‪ :‬هل من الفقهاء الحنفية والمالكية‬
‫والشافعية إل موافق الشعرى ومنتسب إليه وراض بحميد‬
‫ن بكثرة العلم عليه غير شرذمة‬
‫سعيه فى دين الله ومث ٍ‬
‫قليلة تضمر التشبيه وتعادى كل موحد يعتقد التنزيه أو‬
‫تضاهى قول المعتزلة فى ذمه وتباهى بإظهار جهرها بقدرة‬
‫سعة علمه‪.‬‬
‫‪..‬قلت أنا أعلم أن المالكية كلهم أشاعرة ل أستثنى أحدا‬
‫والشافعية غالبهم أشاعرة ل أستثنى إل من لحق منهم‬
‫بتجسيم أو اعتزال ممن ل يعبأ الله به‪ ،‬والحنفية أكثرهم‬
‫أشاعرة أعنى يعتقدون عقد الشعرى ل يخرج منهم إل من‬
‫لحق منهم بالمعتزلة‪ ،‬والحنابلة أكثر فضلء متقدميهم‬
‫أشاعرة لم يخرج منهم عن عقيدة الشعرى إل من لحق‬
‫بأهل التجسيم وهم فى هذه الفرقة من الحنابلة أكثر من‬
‫)‪(1‬‬
‫غيرهم(‬
‫ً‬
‫ولست أرى وجها للسكوت عن وصف الله عز وجل بشيء‬
‫مما سبق مع التغرير بنسبته إلى السلف‪ ،‬ول أرى وجها ً يبرر‬
‫السكوت على التطاول على أكابر علماء المسلمين من‬
‫الشاعرة ورميهم بالبدعة ومخالفة السلف خاصة في هذا‬
‫العصر الذي عل فيه الزبد واستحسنت فيه المسايرة و إيثار‬
‫السلمة وطمع فيه بالوظيقة ولو بمجاملة من خاض في‬
‫المتشابه وتطاول على الكابر‪ .‬وما أعجب التذرع بكراهة‬
‫‪ ()1‬طبقات الشافعية الكبرى ‪ 377-3/371‬وانظر كلم الحافظ ابن‬
‫عساكر في تبيين كذب المفتري ‪332 122-118‬و ‪362‬‬
‫‪146‬‬

‫إيقاظ الفتن مع نشر هذه المصنفات وانتشار التطاول على‬
‫جمهور أهل السنة وأكابرها على مر العصور‪ .‬فإن كان بيان‬
‫ما في هذه المصنفات من الخوض في المتشابه إيقاظا ً فهو‬
‫إيقاظ لمن غطوا في سبات الفتنة والله المستعان‪.‬‬

‫‪147‬‬

‫المبحث السادس في تعريف الجسم وبعض‬
‫المصطلحات التي ترتبط به في هذا البحث‬
‫سم" على "فّعل" بالتضعيف‪،‬‬
‫التجسيم في اللغة من "ج ّ‬
‫ة المفعول إلى‬
‫وقد ذكر أهل الصرف من معاني)فّعل( نسب َ‬
‫سقته أي نسبته إلى الفسق‪،‬‬
‫أصل الفعل وتسميَته به‪ ،‬نحو ف ّ‬
‫وكفرته إذا نسبته إلى الكفر‪ (1).‬فالتجسيم إذن هو نسبة‬
‫الجسمية إلى المفعول‪ .‬وبهذا المعنى اللغوي الذي أفادته‬
‫الصيغة مع معرفة المعنى الصطلحي في الجسم ُيعرف‬
‫المراد بالتجسيم إذا خص بالمذهب الرديء في وصف‬
‫الباري سبحانه‪ .‬وهذا يحتم علينا البحث في لفظ الجسم وما‬
‫يفيده عند أهل الصطلح المعنيين به في هذه المباحث‪.‬‬
‫أما الجسم في اللغة فهو من أصل يدل على تجمع‬
‫الشيء كما ذكره ابن فارس )‪ (2‬ومنه الجسم وهو ما يجمع‬
‫البدن أو العضاء من الناس والبل والدواب وغيرهم من‬
‫سم الشيء‬
‫النواع العظيمة الخلق‪ ،‬والجمع أجسام‪ .‬وقد َ‬
‫ج ُ‬
‫)‪(3‬‬
‫أي ع َ ُ‬
‫سم‪ :‬الضخم‪.‬‬
‫ظم فهو جسيم‪ ,‬والج َ‬
‫وقد لحظ أهل الصطلح أنه يقال في اللغة فلن أجسم من‬
‫فلن إذا كان بدنه أضخم من بدنه وأن المبالغة في اللغة ل‬
‫تجيء من لفظ اسم عند زيادة معنى إل وذلك السم‬
‫موضوع لما جاءت المبالغة من لفظ اسمه‪ ،‬فإذا كانت‬
‫الزيادة في طول شيء وعرضه وعمقه أو حجمه ومقداره‬
‫تكسبه الوصف بأنه أجسم من غيره كان هذا دال ً على أن‬
‫)‪(4‬‬
‫الجسم هو ذو الحجم والمقدار أو الطويل العريض العميق‬
‫‪ ()1‬انظر شرح الشافية للرضى الستراباذي ‪1/94‬‬
‫‪ ()2‬انظر مقاييس اللغة لبن فارس "جسم " ‪ 1/457‬وجمهرة‬
‫اللغة ‪ ،‬لبن دريد "جسم " ‪94/ 2‬و المحكم لبن سيده "جسم"‬
‫‪ ،7/200‬والمخصص له أيضا ً‪ .2/76‬والكليات لبي البقاء الكفوي‪،‬‬
‫‪.2/158‬‬
‫‪ ()3‬انظر العين للخليل ‪)60/ 6‬جسم( والكنز اللغوي لبن السكيت‬
‫الهوازي ص ‪ 165‬والصحاح للجوهري ‪) 5/1887‬جسم( ولسان‬
‫العرب لبن منظور ‪)99 /12‬جسم(‬
‫‪ ()4‬انظر الفروق اللغوية لبي هلل العسكري ‪160‬‬
‫‪148‬‬

‫أو نحو ذلك من التعاريف التي خص بها المتكلمون هذا‬
‫القسم من أقسام الموجودات‪.‬‬
‫وانقسام ما حولنا من الموجودات مما ل يخفى على‬
‫ناظر ولكن العبارة عنه تتفاوت بحسب الصطلح‪ ،‬فمنهم‬
‫ت مادية وموجودات معنوية‪،‬‬
‫من يرى أن الموجودات موجودا ٌ‬
‫ومنهم من يقول الموجودات ذوات وصفات‪ ،‬ومنهم من‬
‫يقول الموجودات حسية وعقلية‪ .‬والذي يعنينا هنا نظر‬
‫المتكلمين في هذه القسمة الظاهرة التي يذكرون في‬
‫التعبير عن أقسامها مصطلحات الجسم والجوهر والعرض‪.‬‬
‫أما الجسم فهو المصطلح الذي خصوا به أظهر هذه‬
‫الموجودات الذي ل يخفى تمييزه على أحد بما يتصف به من‬
‫الحجمية والثقل وشغل الفراغ‪ ،‬هذه الصفات التي يقع‬
‫الجسم فيها تحت إدراك الحس وقوعا ً يجد معه العاقل‬
‫تصورا ً أوليا ً لماهية الجسم وإن لم يخطر بباله ما يذكره‬
‫المتكلمون في تعريفه من التحيز والنقسام)‪ (1‬والجزء الذي‬
‫ل يتجزأ وغير ذلك من التصورات الغامضة التي ُيحتاج في‬
‫إدراكها إلى ما ُيستغنى عنه في التصور الولي لمصطلح‬
‫الجسم‪ .‬وهذا يدعونا إلى القتصاد في استقصاء ماذكره‬
‫المعنييون بهذا الصطلح في تعريف الجسم‪.‬‬
‫فاختار المحققون من المتكلمين في تعريفه أن يقال‪:‬‬
‫)‪(2‬‬
‫الجسم هو المتحيز بالذات القابل للقسمة‬
‫ويعنون بالمتحيز بالذات‪ :‬القابل للشارة الحسية‬
‫إليه بأنه هنا أو هناك‪ .‬واحتزوا بالذات عن ما يقبل‬

‫‪ ()1‬انظر مطالع النظار للصفهاني ‪110‬‬
‫‪ ()2‬انظر شرح المقاصد للتفتازاني ‪ 3/10‬وشرح المواقف للجرجاني‬
‫‪ 6/302‬وكشاف الصطلحات للتهانوي ‪ 1/536‬وحاشية الصاوي على‬
‫الخريدة ‪50‬‬
‫ومن هذه التعارف التي ذكرها المتكلمون ما اختاره الجرجاني في‬
‫التعريفات ‪103‬فقال‪):‬الجسم جوهر قابل للبعاد الثلثة ‪,‬وقيل الجسم‬
‫هو المركب المؤلف من الجوهر( وانظر التعريفات للمناوي ‪.2/345‬‬
‫واختار المعتزلة في تعريفه أن يقال هو الطويل العريض العميق‬
‫انظر شرح الصول الخمسة ‪.95‬‬
‫‪149‬‬

‫الشارة الحسية إليه ل بالذات ولكن على سبيل التبعية لما‬
‫)‪(1‬‬
‫قام به‪ ،‬كما سيأتي‪.‬‬
‫واحترزوا بقيد القابل للنقسام عن المتحيز الذي ل يقبل‬
‫النقسام‪ ،‬وهو الجوهر الفرد والجزء الذي ل يتجزأ‪ .‬وهو‬
‫العنصر الول في تكوين الجسام والحد الذي تنتهي إليه‬
‫القسمة فليقبل عندها تجزؤ ول انقسام‪.‬‬
‫والمراد بالقسمة في تعريف الجسم ما يعم القسمة‬
‫الفعلية والقسمة الوهمية‪.‬فقسمة الكل إلى أجزائه إذا‬
‫أوجبت انفصال هذه الجزاء فعل ً فهي قسمة فعلية وتسمى‬
‫انفكاكية أيضًا‪ ،‬وإذا لم توجب انفصال ً بل كانت مجرد فرض‬
‫شيء في المنقسم يغاير شيئا ً آخر منه فهي قسمة ذهنية‬
‫وتسمى قسمة وهمية أيضا‪ .‬ولخفاء في أن الجسم يقبل‬
‫القسمة الفعلية بأن يفصل بعض أجزائه بالقطع أو الكسر‪،‬‬
‫ويقبل القسمة الذهنية بأن يفرض في الذهن شيء منه غير‬
‫شيء آخر‪ (2).‬ول خفاء في أن الجوهر الفرد ل يقبل القسمة‬
‫الفعلية لكن ُيحتاج إلى التنبيه على نفي قبوله القسمة‬
‫الذهنية لن القسمة الذهنية بمعنى فرض شيء غير شيء‬
‫إنما تتصور في ما له امتداد ٌ ما‪ ،‬والجزء ليس له امتداد فل‬
‫يكون قابل ً للقسمة الفرضية‪ .‬ولو جاز انقسامه فرضا ً لجاز‬
‫انقسامه فعل ً ويقيسون هذه المسألة على الشخص فكما ل‬
‫ض اشتراكه يخرجه‬
‫يجوز أن يفرض الشخص مشتركا ً إذ فر ُ‬
‫عن كونه شخصا ً فكذلك فرض الجزء منقسما يخرجه عن‬
‫)‪(3‬‬
‫الجزئية ويجعله شيئا ً ذا امتداد‪.‬‬
‫ولكن نفي قبوله القسمة الفرضية ل يعني أن العقل ل يقدر‬
‫على تقدير قسمته فإن العقل يقدر على فرض كل شيء‬
‫‪ ()1‬وخرج بقيد الشارة الحسية الموجودات المجردة عن الحيز‬
‫والقيام بالمتحيز على تقدير وجودها لنها تقبل الشارة العقلية‪ .‬انظر‬
‫حاشية عبد الجكيم على شرح المواقف ‪2/72‬‬
‫‪ ()2‬انظر شرح المواقف للجرجاني ‪ 57-5/56‬و كشاف الصطلحات‬
‫للتهانوي ‪2/1318‬‬
‫‪ ()3‬انظر الباقلني وآراؤه الكلمية للستاذ الدكتور محمد رمضان‬
‫‪.333‬‬
‫‪150‬‬

‫وز‬
‫حتى وجود المستحيلت‪ ،‬فالمعنى إذن أن العقل ل يج ّ‬
‫)‪(1‬‬
‫القسمة فيه‪.‬‬
‫وبالجملة فالموجود الذي يشغل حيزا ً إن قبل القسمة فهو‬
‫الجسم وإن لم يقبلها فهو الجوهر الفرد‪.‬‬
‫هم المشغول بالمتحيز‬
‫والمراد بالحيز‪ :‬الفراغ المتو ّ‬
‫الذي لو لم يشغله لكان خلء كداخل الكوز المشغول‬
‫بالماء‪ (2).‬فإنما قيد بكونه متوهما لنه مشغول بالمتحيز‬
‫حقيقة‪.‬‬
‫وبناء على هذا تكون حقيقة التحيز‪ :‬الممانعة على‬
‫القدر المأخوذ من الفراغ وشغ ُ‬
‫ل هذا القدر‬
‫بالذات)‪.(3‬‬
‫والحيز عند المتكلمين أعم من المكان)‪ (4‬لن المكان‪ :‬هو‬
‫الفراغ المتوهم الذي يشغله شيء ممتد فيختص‬
‫بالجسم‪ ،‬وما يشغله الجوهر الفرد ل يعد مكانا ً لنه ل امتداد‬
‫)‪(5‬‬
‫في الجوهر الفرد‪.‬‬
‫ً‬
‫وربما استعمل بعض المتكلمين الجوهر مطلقا في‬
‫المتحيز فإذا أرادوا ما ل يقبل النقسام قيدوه بالجوهر‬
‫الفرد)‪ .(6‬وقد يذكر بعض المتكلمين مصطلحا ً يعم الجسام‬
‫والجواهر الفردة كالعيان)‪ (7‬والجرام)‪ (8‬فوجب التنبيه عليه‪.‬‬
‫وربما عدل بعض المغرضين في تعريف الجسم إلى ما‬
‫يخلصهم مما ألزمهم به المتكلمون كما سبق عن بعض‬
‫‪ ()1‬انظر كشاف الصطلحات للتهانوي ‪559‬‬
‫‪ ()2‬انظر شرح المقاصد للتفتازاني ‪ 2/198‬و المسامرة لبن أبي‬
‫شريف ‪ 25‬و كشاف الصطلحات للتهانوي ‪1/726‬‬
‫‪ ()3‬انظر حاشية الشرقاوي على أم البراهين ‪30‬‬
‫‪ ()4‬وعند الحكماء الحيز مرادف للمكان عندهم وهو السطح الباطن‬
‫من الحاوي المماس للسطح الظاهر من المحوي انظر مقاصد‬
‫الفلسفة ‪ 312‬والتعاريف للمناوي ‪ 127‬و ‪302‬‬
‫‪ ()5‬انظر شرح النسفية للتفتازاني ‪ 72‬و حاشية الدسوقي على أم‬
‫البراهين ‪43‬‬
‫‪ ()6‬انظر كشاف الصطلحات للتهانوي ‪603-1/602‬‬
‫‪ ()7‬انظر تبصرة الدلة ‪ 44‬وشرح النسفية للتفتازاني ‪48‬‬
‫‪ ()8‬انظر حاشية الدسوقي على أم البراهين ‪129‬وحاشية الشرقاوي‬
‫‪30‬‬
‫‪151‬‬

‫)‪.(1‬‬

‫المجسمة أنهم قالوا الجسم هو القائم بنفسه‬
‫وقد أقاموا بذلك شبهة عظيمة الفتنة بنوها على الشتراك‬
‫في لفظ القائم بالنفس‪ ،‬فإنه عند أهل السنة المنزهين‬
‫للباري سبحانه عن الجسم ولوازمه يطلق على الباري‬
‫سبحانه ويراد به المستغني في قيامه عن محل أو حيز يقوم‬
‫ل يكون قيامه به‪ ،‬فالمراد به حقيقة هو إثبات‬
‫به وعن فاع ٍ‬
‫الغنى المطلق في مقابلة الحتياج اللزم لجسام العالم‬
‫وأعراضه‪ ،‬فإن العرض يحتاج إلى محل يقوم به فيكون‬
‫قيامه بغيره‪ ،‬ويحتاج إلى فاعل أيضًا‪ ،‬والجسم وإن قام‬
‫بنفسه لكنه يحتاج إلى فاعل يقيمه وحيز يقوم فيه‪.‬‬
‫فالحاصل أن قيام الجسم بنفسه يراد به مقابلة العرض‬
‫الذي يكون قيامه بغيره‪.‬وفسروا القيام بالغير بالتبعية في‬
‫التحيز بأن يختص بالمتحيز بحيث تكون الشارة الحسية‬
‫إليهما واحدة كاللون مع المتلون فإن الشارة إلى أحدهما‬
‫عين الشارة إلى الخر‪ ،‬دون الكوز مع الماء فإن الشارة‬
‫إليهما ليست واحدة فإن الماء ليس قائما ً أو حال ً في الكوز‬
‫بل هو قائم بنفسه شاغل للكوب‪ (2).‬وإذا وصفنا الباري‬
‫سبحانه بأنه قائم بنفسه لم نقصد هذا المعنى‪ ،‬بل أردنا‬
‫إثبات الغنى المطلق في مقابلة الحتياج الذي ل ينفك عنه‬
‫موجود غيره‪ .‬وبهذا يحصل الجواب عن كثير مما تمسكوا به‬
‫)‪(3‬‬
‫في الشبه العقلية التي بنوها على هذه المغالطة‪.‬‬
‫وقال بعض الكرامية الجسم هو الموجود‪ .‬وقال‬
‫هشام هو الشيء‪ .‬وقد أشار المتكلمون إلى بطلن هذه‬
‫التعريفات بأن الول ينتقض بالباري سبحانه وبالجوهر الفرد‪،‬‬
‫لن الباري سبحانه قائم بنفسه بالمعنى الذي سبق والجوهر‬
‫الفرد أيضا قائم بنفسه وليس جسمًا‪ .‬والثاني منقوض‬
‫‪ ()1‬انظر الملل والنحل للشهرستاني ‪10‬‬
‫‪ ()2‬انظر شرح المواقف ‪2/74‬‬
‫‪ ()3‬انظر الغنية في أصول الدين لبي سعيد النيسابوري ‪73‬و نهاية‬
‫القدام للشهرستاني ‪ 110‬وشرح النسفية للتفتازاني مع حاشية‬
‫كستلي ‪ 47‬و إشارات المرام للبياضي ‪179‬و شرح الهدهدي على أم‬
‫البراهين ‪ 55‬وحاشية الدسوقي على أم البراهين ‪ 73‬والخريدة البهية‬
‫لحمد الدردير ‪.36‬‬
‫‪152‬‬

‫بالباري سبحانه وبالجوهر والعرض‪.‬لن الباري سبحانه‬
‫موجود والجوهر والعرض أيضا وليس في هذه الجملة‬
‫جسم‪ .‬والثالث منقوض بهذه الجملة أيضًا‪ .‬لن الشيء أعم‬
‫من الجسم ويدخل فيه الباري سبحانه والجوهر والعرض‬
‫قال أبو هلل‪) :‬الفرق بين الشئ والجسم‪ :‬أن الشئ ما‬
‫يرسم به بأنه يجوز أن يعلم ويخبر عنه‪ ،‬والجسم هو الطويل‬
‫العريض العميق‪ ،‬والله تعالى يقول " وكل شئ فعلوه في‬
‫الزبر ")‪ (1‬وليس أفعال العباد أجسامًا‪ ،‬وأنت تقول لصاحبك‬
‫لم تفعل في حاجتي شيئًا‪ ،‬ول تقول لم تفعل فيها جسمًا‪،‬‬
‫والجسم إسم عام يقع على الجرم والشخص والجسد وما‬
‫بسبيل ذلك‪ ،‬والشئ أعم لنه يقع على الجسم وغير الجسم(‬
‫)‪(2‬‬

‫على أن في هذه التعاريف فسادا ً آخر لن اللغة ل تساعد‬
‫عليها بل تخالفها‪ ،‬لن لفظ الجسم من أصل يدل على‬
‫التجمع والتركيب من العضاء والزيادة في الجزاء كما سبق‬
‫)‪(3‬‬
‫وليس في هذه القوال إنباٌء عن هذا الصل‪.‬‬
‫وإذا تبين بما سبق ما يحتاج إليه في تعريف الجسم فقد‬
‫تمهد به بيان ما يختص به الجسم من الصفات وهي التحيز‬
‫والتركيب وقبول العراض أما التحيز فقد سبق بيان المراد‬
‫به‪.‬‬
‫وأما التركيب فالمراد به‪ :‬جعل الشياء الكثيرة‬
‫بحيث يطلق عليها اسم الواحد)‪ (4‬والتركيب بهذا المعنى‬
‫مقابل للنقسام الذي سبق في تعريف الجسم‪ .‬فبملحظة‬
‫‪ ()1‬الية )‪ (52‬من سورة القمر‪.‬‬
‫‪ ()2‬الفروق اللغوية ‪ .307‬وانظر إشارات المرام للبياضي ‪.113‬‬
‫وقال الجرجاني في التعريفات ‪)170‬الشيء في اللغة هو ما يصح أن‬
‫يعلم ويخبر عنه عند سيبويه‪ .‬وقيل الشيء عبارة عن الوجود وهو‬
‫اسم لجميع المكونات عرضا كان أو جوهرا ويصح أن يعلم ويخبر‬
‫عنه‪ .‬وفي الصطلح هو الموجود الثابت المتحقق في الخارج(‬
‫‪ ()3‬انظر شرح المواقف للجرجاني ‪ 6/305‬و كشاف الصطلحات‬
‫للتهانوي ‪ 1/563‬والباقلني وآراؤه الكلمية للدكتور محمد رمضان‬
‫‪335‬‬
‫‪ ()4‬التعريفات ‪ 78‬فإن حصل لبعض أجزائه نسبة إلى البعض آخر‬
‫فهو الترتيب‪ .‬وانظر كشاف التهانوي ‪423‬‬
‫‪153‬‬

5/8‬‬ ‫وانظر النصاف للباقلني ‪ 16‬والباقلني وآراؤه الكلمية للدكتور‬ ‫محمد رمضان ‪.‬ومسألة‬ ‫تركب الجسم من الجواهر الفردة المتماثلة من أمهات‬ ‫المسائل التي أشبعها المتكلمون تقريرا ً ونظرًا‪ (1).‬والجسم عند‬ ‫المتكلمين مركب من الجواهر الفردة المتماثلة‪ .‬والدليل على أن هذا فائدة وصفها بأنها‬ ‫أعراض قوله تعالى‪") :‬تريدون عرض الدنيا والله يريد‬ ‫الخرة ")‪(3‬فسمى الموال أعراضا ً إذ كان آخرها إلى الزوال‬ ‫)‪(4‬‬ ‫والبطلن(‬ ‫والمختار في تعريف العرض أنه موجود قائم‬ ‫)‪(5‬‬ ‫بالمتحيز‪.‬‬ ‫وخرج أيضا ذات الرب وصفاته‪ .‬لنهم‬ ‫يبنون عليها كثيرا ً من مقدمات أدلتهم‪ ،‬ولما وقف ابن تيمية‬ ‫رحمه الله على ذلك اعترف بتمام أدلتهم إذا ثبتت هذه‬ ‫المسألة‪ ،‬وبذل وسعه في إبطالها‪ ،‬ولما خطا العلم الحديث‬ ‫خطواته الهائلة في ميادين البحث العلمي نقل هذه المسألة‬ ‫من العلوم النظرية إلى العلوم المؤيدة بالتجربة العلمية‪،‬‬ ‫ونقل اعتراضاته إلى حيز ال ٌ‬ ‫شبه والوهام كما سيأتي‪.‫الجزاء هو انقسام وبملحظة الكل هو تركيب‪ .‬‬ ‫‪ ()4‬التمهيد ‪18‬‬ ‫‪ ()5‬وخرج بقيد الموجود المور العدمية والسلوب لنها ليست‬ ‫موجودة‪ .‬وخرج بقيد القائم بالمتحيز الجواهر لنها قائمة بنفسها‪.339‬‬ ‫والعراض التي تقوم بالجسم إما أن تختص بالحي وهي الحياة وما‬ ‫يتبعها من الدراكات بالحواس ومن غيرها كالعلم والقدرة والرادة‬ ‫والكراهة والشهوة وسائر ما يتبع الحياة‪ .‬وإما أن ل تختص بالحي‬ ‫‪154‬‬ .‬انظر شرح المواقف للجرجاني ‪..‬‬ ‫قبول العراض‪:‬‬ ‫تبين بما سبق في تعريف الجسم أن العرض قسم من‬ ‫أقسام الموجودات‬ ‫والعرض في اللغة‪ :‬من أحداث الدهر التي تعرض للنسان‬ ‫وتزول‪ ،‬وما ل يكون له ثبات)‪ (2‬قال الراغب‪) :‬ومنه استعار‬ ‫المتكلمون العرض لما ل ثبات له إل بالجوهر كاللون‬ ‫والطعم( قال الباقلني‪):‬والعراض هي التي تعرض في‬ ‫الجواهر والجسام‪.‬‬ ‫‪ ()1‬انظر شرح المواقف ‪ 21-7/10‬وشرح المقاصد ‪51-3/25‬و ‪83‬‬ ‫‪ ()2‬انظر مقاييس اللغة ‪)4/276‬عرض(‬ ‫‪ ()3‬الية )‪ (67‬من سورة النفال‪.

‬انظر المواقف مع شرح الجرجاني ‪ .‫الفصل الول‪ :‬في أدلة التنزيه‬ ‫وفيه مبحثان‬ ‫المبحث الول في الدلئل السمعية على‬ ‫تنزيه الله عز وجل عن الجسمية‬ ‫وفيه مطلبان‬ ‫المطلب الول‪ :‬في الستدلل بنفي المثل‬ ‫بقوله تعالى‪) :‬ليس كمثله شيء( وقوله‬ ‫تعالى )هل تعلم له سميا(‬ ‫المطلب الثاني في الستدلل بسورة‬ ‫الخلص‬ ‫المبحث الثاني في الدلئل العقلية على‬ ‫تنزيه الله عز وجل عن الجسمية‬ ‫وهي الكوان المنحصرة في الحركة والسكون والجتماع والفتراق‬ ‫والمحسوسات بإحدى الحواس الخمس كالحرارة والبرودة واللوان‬ ‫والصوات‪.7/241‬‬ ‫‪155‬‬ .5/14‬وانظر امتناع‬ ‫خلو المتحيز عن قبول العراض في شرح المقاصد ‪ 3/90‬و شرح‬ ‫المواقف ‪.

‬‬ ‫ما تضمنته الية الكريمة من السرار والعجاز في‬ ‫الدللة على التنزيه‪:‬‬ ‫ذهب فريق منهم إلى وجوب الحكم بزيادة إحدى كلمتي‬ ‫التشبيه)‪(3‬إذ الغرض أنه ليشبه بالمشبه به )‪ (4‬ثم اختلفوا في‬ ‫‪ ()1‬الية )‪ (11‬من سورة الشورى‪.‬يقول‬ ‫صلة و بعضهم يسميه مقحمًا‪ .‬ول يجوز إطلقها إل بتأويل‪ ،‬كأن يكون الكلم ل يختل‬ ‫بدون الزيادة‪ ،‬وبوجودها‬ ‫معناه بحذفها أو أن أصل المعنى‬ ‫حاصلأص ً‬ ‫ل‪ ،‬فإن ذلك ل يحتمل من‬ ‫التأكيد ل أنه ل فائدة فيه‬ ‫تحصل فائدة‬ ‫متكلم اصل ً فضل ً عن كلم الحكيم سبحانه‪ .‬‬ ‫و من أمهات آيات الكتاب المحكمات التي تدل على التنزيه‬ ‫قوله عز وجل )ليس كمثله شيء وهو السميع البصير()‪ (1‬و‬ ‫هو نص قطعي الثبوت والدللة على أنه ل يماثله سبحانه‬ ‫شيء في ذاته ول في صفاته ول في أفعاله)‪ .‬انظر البرهان ‪1/305‬‬ ‫و ‪3/72‬‬ ‫‪ ()4‬انظر شرح الرضى على الكافية ‪2/380‬‬ ‫‪156‬‬ .(2‬ولهذا أطال‬ ‫علماؤنا النظر في هذه الية الكريمة واستوقفهم أسلوبها‬ ‫الذي تفردت به من بين آيات الذكر الحكيم في الجمع بين‬ ‫كلمتي التشبيه )الكاف و مثل(‪ ،‬وبذلوا الوسع في تخريج‬ ‫وجوه هذا الجمع وما يدل عليه وما يتضمنه من السرار‬ ‫البلغيه‪.‬وقد اختلف في وقوع‬ ‫الزائدة في القرآن … والدهماء من لعلماء والمفسرين على إثبات‬ ‫الصلت في القرآن وقد وجد ذلك على وجه ل يسعنا إنكاره نظرا إلى‬ ‫انه نزل بلسان العرب ومتعارفهم‪ ،‬وهو كثير لن الزيادة بازاء الحذف‬ ‫هذا للختصار والتخفيف وهذا للتوكيد والتوطئة‪ .‬‬ ‫‪ ()2‬انظر مناهل العرفان‪ ،‬الزرقاني ‪ 2/210‬البرهان في علوم‬ ‫القران للزركشي ‪2/71‬‬ ‫‪ ()3‬اختلف العلماء في وقوع الزائد في القران الكريم و معنى الزائد‬ ‫فيه‪ ،‬وقد أجاد الزركشي في عرض المسألة فأختصر من كلمه ما قد‬ ‫الزركشي‪ :‬كثير من القدماء يسمون الزائدة‬ ‫يرغب القارئ فيه‪ .‫المطلب الول‪ :‬في الستدلل بنفي المثل‬ ‫بقوله تعالى‪) :‬ليس كمثله شيء(وقوله تعالى‬ ‫)هل تعلم له سميًا(‬ ‫تعددت اليات الكريمات التي استنبط علماؤنا منها‬ ‫وجوها ً في الدللة على تنزيه الله عز وجل عن الجسمية و‬ ‫تتفاوت هذه اليات في وجوه الدللة على ما ذكرت‪.‬والولى اجتناب هذه العبارة في كتاب‬ ‫الله عز وجل فإن مراد النحويين بالزائدة من جهة العراب ل من‬ ‫جهة المعنى‪ .

‬فغاية ما فيه نفي مثل‬ ‫مثل الله تعالى‪ .‬بل أجيب عنهما من وجهين‪.‬‬ ‫يقول ابن منظور‪") :‬قوله عز وجل ليس كمثله شيء"‬ ‫تقديره والله أعلم‪ .‬ليس مثله شيء‪ ،‬ولبد من اعتقاد زيادة‬ ‫الكاف ليصح المعنى‪ ،‬لنك إن لم تعتقد ذلك أثبت له عز‬ ‫وجل مثل ً وزعمت أنه ليس كالذي هو مثله شيء فيفسد‬ ‫من وجهين‪:‬‬ ‫أحدهما‪ :‬ما فيه من إثبات المثل لمن ل مثل له عز وعل‬ ‫علوا ً كبيرًا‪.‬وذلك يستلزم أن ل يكون له مثل أص ً‬ ‫ل‪،‬‬ ‫ضرورة َ أن مث َ‬ ‫ل كل شيء فذلك الشيء مثله‪ .‬‬ ‫و الخر‪ :‬أن الشيء إذا أثبت له مثل ً فهو مثله لن الشيء إذا‬ ‫ماثله شيء فهو أيضا ً مماثل لما ماثله‪ ،‬و لو كان ذلك كذلك‬ ‫– على فساد اعتقاد معتقده – لما جاز أن يقال‪ :‬ليس كمثله‬ ‫شيء‪ ،‬لنه تعالى مثل مثله…فهذا كله يؤكد عندك أن الكاف‬ ‫)‪(3‬‬ ‫لبد أن تكون زائدة(‬ ‫ولم يسلم لزوم فساد المعنى بهذين الوجهين الذين‬ ‫ذكرهما ابن منظور وغيره‪ .‬فأخو‬ ‫زيد ملزوم‪ ،‬والخ لزمه‪ ،‬لنه لبد لخي زيد من أخ وهو زيد‪،‬‬ ‫فتنفي هذا اللزم ومرادك نفي ملزومه أي ليس لزيد أخ‪ ،‬إذ‬ ‫لو كان له أخ لكان لذلك الخ أخ هو زيد‪ ،‬فكذا نفيت أن‬ ‫‪ ()1‬انظر الفصول في الصول للجصاص ‪ 1/362‬والغريببين في‬ ‫القران والحديث للهروي ‪ 6/1725‬وتفسير النحاس ‪ 6/198‬وتفسير‬ ‫الواحدي ‪ 2/961‬واللمع للشيرازي ‪ 1/8‬والمستصفي للغزالي‬ ‫‪1/186‬‬ ‫‪ ()2‬انظر معنى اللبيب لبن هشام ‪ 1/195‬والبحر المحيط لبي حيان‬ ‫‪ 7/488‬والبرهان للزركشي ‪3/72‬‬ ‫‪ ()3‬لسان العرب ‪9/311‬‬ ‫‪157‬‬ .‬‬ ‫الول أنا ل نسلم لزوم إثبات المثل‪ .‫تعيين الزائد منهما‪ .‬وهو من باب نفي الشيء بنفي لزمه‪ ،‬لن نفي اللزم‬ ‫يستلزم نفي الملزوم‪ ،‬كما يقال‪ :‬ليس لخي زيد أخ‪ .‬فاختار الكثر الحكم بزيادة الكاف)‪ (1‬لن‬ ‫القول بزيادة الحرف أولى من القول بزيادة السم بل لم‬ ‫)‪(2‬‬ ‫تثبت زيادة السماء‪.‬فإذا انتفى‬ ‫عن شيء أن يكون مث َ‬ ‫ل عمرو انتفى عن عمرو أن يكون‬ ‫مثَله‪ .

1/93‬‬ ‫وقال القلقشندي في صبح العشى ‪ .‬‬ ‫‪ ()10‬انظر تفسيره ‪ 1/569‬وقال‪) :‬وهي قراءة جاءت مصاحف‬ ‫المسلمين بخلفها وأجمع قراء القرآن على تركها … فكأن ابن‬ ‫عباس في هذه لرواية إن صحت عنه يوجه تأويل قراءة من قرأ )فإن‬ ‫آمنوا بمثل ما آمنتم به( … فالتشبيه إنما وقع بين التصديقين‬ ‫والقرارين وهما إيمان هولء وايمان هولء( وقيل في توجيه الية مع‬ ‫عدم التسليم بزيادة )مثل( فيها أنها مؤولة على زيادة الباء في‬ ‫المفعول المطلق‪ .‬أي فإن آمنوا بكتابكم كما آمنتم بكتابهم‪.‬‬ ‫‪ ()8‬انظر ديوانه ‪ 30‬وتفسير الطبري ‪25/9‬‬ ‫‪ ()9‬الية )‪ (137‬من سورة البقرة‪.…) 1/344‬ثم استقر الشعر‬ ‫في تميم فكان منهم أوس بن حجر ولم يتقدمه أحد حتى كان النابغة‬ ‫وزهير فأهمله(‪.‬‬ ‫والخر مبني على أن هذه العبارات يلزم منها إثبات المثل‪.‬و قال الشاعر‬ ‫‪ ()1‬انظر البرهان للزركشي ‪ 1/49‬وشرح الرضى على الكافية‬ ‫‪ 2/380‬وروح المعاني لللوسي ‪0 25/19‬‬ ‫‪ ()2‬انظر البرهان للزركشي ‪ 1/490‬والتقرير والتجبير ‪2/22‬‬ ‫‪ ()3‬تفسير القران ‪5/66‬‬ ‫‪ ()4‬انظر تفسيره ‪4/121‬‬ ‫‪ ()5‬الجامع لحكام القران ‪ 2/142‬و ‪7/78‬‬ ‫‪ ()6‬انظر تفسير الطبري ‪ 25/12‬والسماء والصفات للبيهقي ‪-351‬‬ ‫‪ 352‬وتذكرة الريب في تفسير الغريب لبن الجوزي ‪1/139‬‬ ‫‪ ()7‬أوس بن حجر بن عتاب ترجمة ابن سلم على رأس الطبقة‬ ‫الثانية في كتاب طبقات فحول الشعراء )وهو المقدم عليهم( ‪.‬‬ ‫)‪(2‬‬ ‫وقد منعناه بل أحلناه من العبارة نفسها‬ ‫)‪(5‬‬ ‫)‪(4‬‬ ‫و اختار أبو مظفر السمعاني)‪ (3‬والبغوي والقرطبي‬ ‫وغيرهما)‪(6‬الحكم بزيادة لفظ )مثل( فيكون المعنى ليس هو‬ ‫كشيء‪ .‫يكون لمثل الله مث ٌ‬ ‫ل الله سبحانه و‬ ‫ل‪ ،‬و المراد نفي مث ِ‬ ‫)‪(1‬‬ ‫تعالى‪ .‬‬ ‫انظر مغني اللبيت ‪ 1/159‬والبرهان للزركشي ‪2/287‬‬ ‫‪158‬‬ .‬و استشهد القرطبي له بزيادة‬ ‫)مثل( في قوله تعالى )فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد‬ ‫اهتدوا()‪ (9‬قال‪):‬وكان ابن عباس يقرأ فيما حكى الطبري‬ ‫)‪)(10‬فإن آمنوا بالذي آمنتم به( وهذا هو معنى القراءة وإن‬ ‫خالف المصحف‪ ،‬فمثل زائدة كما هي في قوله‪):‬ليس كمثله‬ ‫شيء( أي كهو شيء‪ .‬إذ لو كان له مثل لكان هو مثل مثله‪.‬و يكون لفظ )مثل( توكيدا ً في الكلم كما قال أوس‬ ‫)‪(7‬‬ ‫بن حجر‬ ‫)‪(8‬‬ ‫يغشاهم مسبل منهمر‬ ‫و قتلى كمثل جذوع النخيل‬ ‫و معنى ذلك كجذوع النخل‪ .‬أي فإن آمنو ايمانا مثل ايمانكم وقيل )مثل( في‬ ‫الية للقرآن و)ما( للتوراة‪ .

123‬وانظر مناهل العرفان للزرقاني ‪2/336‬‬ ‫‪159‬‬ .‬وهو مع ذلك فيه إهمال لما فيه فائدة بليغة‬ ‫وقد تحمس الشيخ محمد عبد الله دراز في بيان ذلك فقال‪:‬‬ ‫)إن القرآن الكريم يستثمر دائما ً برفق أقل ما يمكن من‬ ‫اللفظ في توليد أكثر ما يمكن من المعاني‪..‫)‪(11‬‬ ‫فصيروا مثل كعصف مأكول‬ ‫وضعف الزركشي زيادة )مثل( في الية لنه يستلزم‬ ‫تقدير دخول الكاف على الضمير وهو ضعيف ليجيء إل في‬ ‫)‪(2‬‬ ‫الشعر‬ ‫وفيه نظر‪ ،‬لن الضعف في دخولها على الضمير فعل ً ل في‬ ‫دخولها في كلم مقدر‪ .‬وتأكيد النفي‬ ‫بحرف يدل على التشبيه هو من الحالة بمكان‪ .‬ل يبالي أن تكون الزيادة فيها‬ ‫معنى المزيد عليه فتصلح لتأكيده أو ل تكون‪ ،‬وليبالي أن‬ ‫يكون بالموضع حاجة إلى هذا التأكيد أو لحاجة له به…فإن‬ ‫تأكيد المماثلة في الية ليس مقصودا ً البتة‪ .‬ول موجب لترك الصل في‬ ‫)‪(4‬‬ ‫الية‪ .‬فليس فيه كلمة‬ ‫إل وهي مفتاح لفائدة جليلة وليس فيه حرف إل جاء‬ ‫لمعنى…ودع قول الذي يستخف كلمة التأكيد فيرمي بها في‬ ‫كل موطئ يظن فيها الزيادة‪.‬ولو رجعت‬ ‫إلى نفسك قليل ً لرأيت هذا الحرف في موقعه محتفظا ً بقوة‬ ‫دللته قائما ً بقسط جليل من المعنى المقصود في جملته‪،‬‬ ‫ة المعنى أو لتهدم‬ ‫وأنه لو سقط منها لسقطت معه دعام ُ‬ ‫)‪(5‬‬ ‫ركن من أركانه(‬ ‫‪ ()11‬الجامع لحكام القرآن القرطبي ‪ 2/142‬وانظر نحوه ‪7/87‬‬ ‫‪ ()2‬البرهان ‪276 /2‬‬ ‫‪ ()3‬انظر مغني اللبيب ‪160 – 1/195‬‬ ‫‪ ()4‬انظر حاشية زادة علي البيضاوي ‪272 /4‬‬ ‫‪ ()5‬النبأ العظيم ‪ .‬بل قالوا إنما زيدت )مثل( في الية‬ ‫)‪(3‬‬ ‫لتفصل الكاف عن الضمير‬ ‫والذي أراه يضعف الحكم بزيادة )مثل( هو أن الزيادة لم‬ ‫تثبت في السماء كما سبق‪ ،‬و يضعفه أيضا ً أن القول‬ ‫بالزيادة على خلف الصل‪ .

‬ولكن ل يلزم منه أن أداة الشبه مبعدة للشبه‪ ،‬ول أن‬ ‫ذكر الداتين يبعده أكثر‪ .‬لن المماثلة‬ ‫أقوى من عموم الشبه‪ .‬‬ ‫والذي يؤكد هذا أنه حيث جمعت الكاف ومثل كان الغرض‬ ‫تأكيد َ الشبه ل إبعاده‪ ،‬ول يستقيم إذا أردت التعبير عن حظ‬ ‫يسير من الجمال في هند مثل ً أن تقول هند كمثل البدر‪،‬‬ ‫‪ ()1‬معاني النحو ‪3/95‬‬ ‫‪160‬‬ .‬‬ ‫أما الشواهد الشعرية فالكاف فيها على معناها ولفظ )مثل(‬ ‫على معناه أيضا‪ ،‬وفي اجتماعهما نكتة وإفادة معنى ل يفيده‬ ‫الكتفاء بإحداهما‪ .‬وإذا قلت هي كمثل البدر تعاضدت‬ ‫الدتان للتعبيرعن قوة الشبه كأنك تخشى أن يقصر أحد‬ ‫اللفظين عما في ذهنك من شدة حسنها وارتفاع أدنى‬ ‫مخالفة بينها وبين البدر‪ .‬قال‪):‬وذلك‬ ‫لمجيئك في الثانية بأداتي تشبيه )الكاف ومثل(‪ ،‬وإذا حذفت‬ ‫أداة التشبيه كان الشبه أقرب‪ ،‬فلو قلت‪ :‬هي البدر‪ ،‬لكان‬ ‫أقرب كما هو معلوم‪ ،‬لنك تدعي أنها البدر و ليست شبيهة‬ ‫)‪(1‬‬ ‫به(‬ ‫وفيه نظر والله أعلم‪ .‬لن الشتراك بين المشبه والمشبه به‬ ‫يتفاوت قوة وضعفًا‪ .‬لنه ل ريب في أن حذف أدوات‬ ‫التشبيه أقوى وأقرب لنك تدعي أنها البدر وليست شبيهة‬ ‫به‪ .‫و الذي يبدو لي والله أعلم أن اجتماع الكاف ومثل‬ ‫يؤدي ما ل يؤديه الكتفاء بإحداهما في الشواهد الشعرية‬ ‫فضل عن الية الكريمة‪.‬على خلف ما ذهب إليه الدكتور‬ ‫الفاضل محمد فاضل من أن قول القائل‪ :‬مثل البدر أقرب‬ ‫في الشبه إلى البدر من قولك‪ :‬هي كمثل البدر‪ .‬فل يقبل التفاوت شدة‬ ‫و ضعفا ً من هذا الوجه وعند ذكر الداة يحصل التشبيه الذي‬ ‫يقبل التفاوت شدة و ضعفا‪.‬فقولك‪ :‬الحسناء كالبدر ليس كقولك‬ ‫الحسناء مثل البدر‪ ،‬أعني في قوة التشبيه‪ .‬وإنما استفاد التشبيه القوة عند‬ ‫حذف الداة من حيث أنك في ظاهر الكلم ل تدعي التشبيه‬ ‫بل تدعي اتحاد المشبه بالمشبه به‪ .

‬لن المماثلة أقوى من عموم الشبه‪.‬ومعنى ُبؤ به‪ :‬أي كن‬ ‫قتل‬ ‫رجل‬ ‫‪ ()2‬أنشده خلف الحمر في‬ ‫ممن ُيقتل به‪ ،‬وباء فلن بفلن إذا كان كفؤا ً له يقتل به‪ .‬ففي سياق الثبات تقول إذا وجدت شبها ً بين‬ ‫زيد وعمرو‪ :‬زيد كعمرو‪ .‬وذلك أن الذي يليق هنا تأكيد نفي المماثلة‪.‬فمن ذلك قول الشاعر‬ ‫لقاتل أخيه بعد أن ظفر به‬ ‫ُ‬ ‫ت قُْنعانا ً لمن‬ ‫ت لست كمثله‬ ‫و إن كن َ‬ ‫فَب ُؤ ْ بامرء ألفي َ‬ ‫)‪(2‬‬ ‫َيطلب الدما‬ ‫‪ ()1‬الكشاف – حاشية –‪3/79‬‬ ‫أخاه‪ .‬فليس النظر في‬ ‫الية بهذين النظرين()‪.‬‬ ‫و يزداد ذلك وضوحا ً بتأمل المثلة‪ .(1‬‬ ‫وهو كما قال‪ .‬‬ ‫وأما في سياق النفي فتقول‪ :‬زيد ليس كعمرو بمعنى أنه ل‬ ‫يشبهه‪ ،‬وإذا قلت زيد ليس مثل عمرو فالمعنى أنه ل يماثله‬ ‫من جميع الوجوه‪ ،‬لكن ل يمنع من وجود شبه مسكوت عنه‪،‬‬ ‫وإذا أردت المبالغة التامة في نفي الشتراك بينهما بشبه‬ ‫ولو من وجه بعيد قلت‪ :‬زيد ليس كمثل عمرو‪ .‬كأنك تنفي‬ ‫عنه مشابهته ومماثلته أيضًا‪.‬‬ ‫والكاف على هذا الوجه تؤكد المماثلة وفرق بين تأكيد‬ ‫المماثلة المنفية وبين تأكيد نفي المماثلة فإن نفي المماثلة‬ ‫المهملة عن التأكيد أبلغ وآكد في المعنى من نفي المماثلة‬ ‫المقترنة بالتأكيد إذ يلزم من نفي المماثلة غير المؤكدة نفي‬ ‫ة‬ ‫كل مماثلة ول يلزم من نفي مماثلة محققة متأكدة بالغ ٍ‬ ‫ي مماثلة دونها في التحقيق والتأكيد‪ ،‬وحيث وردت الكاف‬ ‫نف ُ‬ ‫مؤكدة للماثلة وردت في الثبات فأكدته‪ .‬‬ ‫وأما في الية فقد ضعف ابن المنير الحكم بزيادة إحدى‬ ‫الداتين فقال‪):‬وهذا الوجه مردود على ما فيه من الخلل‬ ‫بالمعنى‪ .‬‬ ‫وإذا لم تقنع بأحد اللفظين منفردا ً وأردت تمام المبالغة قلت‬ ‫زيد كمثل عمرو‪.‬ويقال فلن‬ ‫‪161‬‬ .‬وإذا قوي الشبه وتعددت وجوهه‬ ‫قلت‪ :‬زيد مثل عمرو‪ .‫وإنما تستعين بالداتين إذا أردت المبالغة التامة في التعبير‬ ‫عن الشبه‪.

‬‬ ‫وقول القبعثري)‪ (5‬مثل المير يحمل على الدهم والشهب‪.462‬وانظر مناهل العرفان ‪.2/236‬‬ ‫‪ ()2‬انظر تأويل مختلف الحديث ‪.‬انظر لسان العرب )بوأ( ‪ 1/38‬و‬ ‫)قنع( ‪8/297‬‬ ‫‪ ()1‬المفردات ‪ .‬وغرضه أن يبعد‬ ‫أدنى مكافئة و شبه بينه وبين أخيه‪.‬‬ ‫قال الراغب‪):‬فأما الجمع بين الكاف ومثل فقد قيل ذلك‬ ‫لتأكيد النفي تنبيها ً على أنه ل يصح استعمال المثل ول‬ ‫الكاف‪ ،‬فنفى بليس المرين جميعًا()‪ (1‬وقد لح لبعض‬ ‫المحققين أسرار أخرى في الجمع بين )الكاف ومثل( فلم‬ ‫)‪(3‬‬ ‫يقبلوا الحكم بالزيادة فذهب ابن قتيبة)‪ (2‬والزمخشري‬ ‫ة عن‬ ‫والرازي)‪ (4‬وغيرهم إلى أن لفظ المثل في الية كناي ٌ‬ ‫الذات )كما في قول العرب‪ :‬مثلك يجود ومثلك ل يبخل‪.‬‬ ‫وهذا هو النظر الذي يستقيم في الية الكريمة والله أعلم‪.218‬‬ ‫‪ ()3‬الكشاف ‪3/79‬‬ ‫‪ ()4‬تفسيره ‪ 27/151‬و انظر أيضا إرشاد الفحول للشوكاني‬ ‫‪.‬لنه بمنزلة إثبات الشيء أو نفيه بالدليل‬ ‫وكدعوى الشيء بالبينة‪ ،‬وذلك لن مثل الشيء أنقص حال ً‬ ‫منه كما هو القاعدة في التشبيه فالمشبه به مع كونه أنقص‬ ‫حال ً من المشبه به إذا اتصف بصفة كمال أو تباعد عن صفة‬ ‫نقص فيكون المشبه به متصفا ً بالولى ومتباعدا ً عن‬ ‫الخرى بالولى ومثله يسمى إثبات الشيء أو نفيه بالطريق‬ ‫البرهاني‪ ،‬وهذا الطريق ل يتوقف على أن يتحقق لذلك‬ ‫قنعان من فلن أي بدل منه بالدم‪ .‬‬ ‫فإن البلغاء يثبتون لمثل الشيء وصفا ً أو ينفونه عنه‬ ‫ويريدون إثبات ذلك الوصف لنفس الشيء أو نفيه عنه على‬ ‫أبلغ وجه وآكده لنه بمنزلة إثبات الشيء أو نفيه عنه على‬ ‫أبلغ وجه وآكده‪ .4/538‬‬ ‫‪ ()5‬هذه قصة يكثر الستشهاد بها في كتب الدب والبلغة قال فيها‬ ‫الغضبان بن القبعثري للحجاج لما توعده فقال لحملنك على الدهم‬ ‫والمراد به القيد فرأى القبعثري أن الدهم يصلح للقيد والفرس‬ ‫فحمل كلمه إلى الفرس وقال مثل المير يحمل على الدهم‬ ‫والشهب فصرف الوعيد بالهوان إلى الوعد بالحسان فصار مثالعلى‬ ‫حسن التلطف‪ ،‬إذ ل يليق بمن له همة عالية أن يقال له مثلك من‬ ‫يفعل الخير فيقول ل بل أفعل الشر انظر خزانة الدب ‪1/258‬‬ ‫‪162‬‬ .‫يقول‪ :‬أنت وإن كنت في حسبك مقنعا ً لكل من طالب بثأر‬ ‫لكنك ل تشبه أخي ول تعادله ول تماثله‪ .

‬كقوله تعالى‪):‬ولله ال َ‬ ‫العلى()‪ (3‬أي الصفة العليا)‪ (4‬فيكون المعنى ليس مثل‬ ‫صفته تعالى شيء من الصفات التي لغيره‪ .4/272‬قال في اللسان ‪11/610‬‬ ‫)والمثل والمثيل كالمثل …‪ .‬فإنه تعالى وإن‬ ‫وصف بكثير مما يشترك به اللفظ في وصف خلقه فليس‬ ‫تلك الصفات الثابته له تعالى كالتي تثبت لغيره‪.‫در له مث ٌ‬ ‫ل ثم‬ ‫الشيء مثل في الخارج…بل يكفي فيه أن ُيق ّ‬ ‫يحكم عليه بأن متحل بكذا أو متخل عن كذا ليفيد أن المثل‬ ‫به أولى‪ ،‬ولو توقف ذلك على ثبوت المثل والنظير في‬ ‫الخارج لكان قول القبعثري )مثل المير يحمل على الدهم و‬ ‫)‪(1‬‬ ‫الشهب أشبه بالذم منه بالمدح(‬ ‫ولح لبعضهم حمل )مثل( في الية على معنى الصفة‬ ‫العجيبة التي لعهد بمثلها‪ ،‬فيكون المعنى ليس كصفته‬ ‫العجيبة الشأن شيء قال )وهو حسن ل كلفة فيه()‪ (2‬وهو‬ ‫مثل‬ ‫مبني على أن ال ِ‬ ‫مثل و المَثل بمعنى واحد‪ ،‬ويستعمل ال َ‬ ‫مثل‬ ‫بمعنى الصفة في القرآن الكريم‪ .‬‬ ‫و لح للبيضاوي وعلي القاري وغيرهما حمل لفظ )المثل(‬ ‫على المعنيين معا ً يقول البيضاوي‪) :‬المثل في الية إما‬ ‫بمعنى الذات أوالصفة وينبغي أن يكون مستعمل في الية‬ ‫بالمعنيين معا ً على جواز استعمال المشترك في معنييه إن‬ ‫كان الطلق بطريق الشتراك أو على جواز الجمع بين‬ ‫الحقيقة والمجاز إن كان حقيقة في إحداهما مجازا ً في‬ ‫)‪(5‬‬ ‫الخر(‬ ‫جميع هذه الوجوه البلغية يقطع بالتنزيه‪:‬‬ ‫من أسرار هذه الية الكريمة أنها على جميع الوجوه التي‬ ‫ذكرها العلماء في تفسيرها ل يطمع المجسم في الظفر‬ ‫‪ ()1‬انظر حاشية قاضي زادة علي البضاوي ‪4/272‬‬ ‫‪ ()2‬التقرير والتجبير ‪ 2/22‬وانظر شرح القاري على الفقه الكبر ‪13‬‬ ‫وحاشية الشهاب الخفاجي ‪ 8/338‬والمصباح المنير للفيومي ‪2/563‬‬ ‫‪ ()3‬الية )‪ (60‬من سورة النحل‪.‬والمثل الشيء الذي يضرب لشيء مثل‬ ‫فيجعله مثله … ومثل الشيء أيضا صفاته( وانظر نحو في القاموس‬ ‫المحيط للفيروزآبادي )مثل( ‪41/ 1‬‬ ‫‪ ()5‬انظر تفسير البيضاوي مع حاشيته قاضي زادة ‪ 4/272‬وشرح‬ ‫الفقه الكبر للقاري ‪ 27‬وتفسير أبي السعود ‪8/25‬‬ ‫‪163‬‬ .‬‬ ‫‪ ()4‬انظر حاشية قاضي زادة ‪ .

‬‬ ‫أو ً‬ ‫ل‪ :‬دللة نفي المثل عن الله عز وجل على نفي‬ ‫التجسيم‬ ‫يرجع لفظ المثل في اللغة إلى )مثل( قال ابن فارس‪) :‬وهو‬ ‫أصل يدل على مناظرة الشيء بالشيء‪ ،‬وهذا مثله أي‬ ‫نظيره()‪) (2‬أي إذا نظر إليه وإلى نظيره كانا سواء()‪ (3‬وقال‬ ‫الخليل‪:‬‬ ‫)المثل شبه الشيء في المثال والقدر ونحوه حتى في‬ ‫)‪(4‬‬ ‫المعنى(‬ ‫‪ ()1‬الكشاف ‪ 3/78‬وانظر نحوه في تفسير الرازي ‪27/154‬‬ ‫‪ ()2‬مقايس اللغة )مثل( ‪5/269‬‬ ‫‪ ()3‬مقاييس اللغة )نظر( ‪ 5/444‬وانظر نحوه في مجل اللغة لبن‬ ‫فارس ‪ 4/309‬والعين للخليل )مثل( ‪ ،56 8/1‬والسان لبن منظور‬ ‫)مثل( ‪.5/219‬‬ ‫‪ ()4‬العين )مثل( ‪8/288‬‬ ‫‪164‬‬ .‬‬ ‫و بيان ذلك بإرجاع اختلف هذه الوجوه إلى ثلث نتائج‬ ‫الولى‪ :‬نفي المثل عن الله عز وجل وذلك إذا حكمنا بزيادة‬ ‫الكاف‬ ‫الثانية‪ :‬نفي التشبيه عن الله عز وجل وذلك إذا حكمنا بزياد‬ ‫لفظ )مثل( أو حملناه على الكناية‪ ،‬قال الزمخشري‪) :‬فإذا‬ ‫علم أنه من باب الكناية لم يقع في فرق بين قولنا‪ :‬ليس‬ ‫كالله شيء وبين قولنا‪ :‬ليس كمثله شيء‪ ،‬إلما تعطيه‬ ‫الكناية من فائدتها()‪ (1‬وإذا قلنا إن اجتماع الكاف ومثل لنفي‬ ‫أقل الشبه‪.‬‬ ‫و يحتاج إلى بيان كيفية دللة هذه النتائج على تنزيه الله عن‬ ‫الجسمية‪.‫منها بشبهة ينفذ بها إلى التجسيم فكان اختلف هذه الوجوه‬ ‫زيادة في مواضع مقامع التنزيه التي تنهال على رؤس‬ ‫المجسمة‪.‬‬ ‫الثالثة‪ :‬نفي التشبيه عن صفات الله عز وجل وذلك إذا‬ ‫فسرنا المثل بالصفة‪.

‬لنه ليس في الجملة الولى ما يزيد‬ ‫على ادعاء مشاركة عمر لزيد في صفة الطول‪ ،‬أما في‬ ‫الجملة الثانية ففيها ما يشير إلى مشاركته في الطول‬ ‫)‪(2‬‬ ‫واستوائه معه فيه‪ .‬أما في المشابهة فيكفي الشتراك في صفة جامعة‪.‫وقال الفيروزآبادي‪) :‬المثل بالكسر والتحريك وكأمير‪:‬الشبه(‬ ‫)‪(5‬‬ ‫ومع أن اللغويين ذكروا المشابهة في تفسير المماثلة إل أن‬ ‫في كلمهم ما يشير إلى الفرق بينهما في الستخدام‬ ‫اللغوي‪ ،‬وذلك من وجهين‪.1/41‬‬ ‫‪ ()2‬انظر لسان العرب )مثل( ‪ 11/67‬والقاموس المحيط للفيروز‬ ‫ابادي )مثل( ‪.‬‬ ‫الول‪ :‬ما تتضمنه المماثلة من اشتراط التسوية في صفة‬ ‫ن تفاوت أحد المتشابهين في هذه الصفة زيادة‬ ‫جامعة وإ ْ‬ ‫وقوة‪ .‬‬ ‫قال في المصباح المنير‪) :‬و شبهت الشيء بالشيء أقمته‬ ‫مقامه لصفة جامعة بينهما()‪ (3‬وقال الراغب‪) :‬الشبه يقال‬ ‫فيما يشارك الشيء في الكيفية‪ ،‬والمساوي يقال فيما‬ ‫يشارك في الكمية‪ ،‬والشكل فيما يشاركه في القدر‬ ‫)‪(4‬‬ ‫والمساحة‪ ،‬والمثل عام في جميع ذلك(‬ ‫‪ ()5‬القاموس المحيط )مثل( ‪.‬‬ ‫الثاني‪ :‬أن إطلق المماثلة يدل على زيادة في وجوه‬ ‫الشتراك والجمع بين الطرفين على ما تدل المشابهة على‬ ‫الشتراك به‪ .‬يدل على ذلك ما ذكره الخليل في تفسير‬ ‫المثل بأنه شبه الشيء في المثال والقدر والمعنى‬ ‫ونحوه‪.‬فليس قولك زيد يشبه عمرا في الطول كقولك‪ :‬زيد‬ ‫مثل عمر في طوله‪ .1/41‬‬ ‫‪ ()3‬انظر )مثل( ‪1/303‬‬ ‫‪ ()4‬المفردات ‪462‬‬ ‫‪165‬‬ .‬وذلك لما في )مثل( من معنى التسوية‬ ‫وما فيها من معنى المناظرة التي تستلزم الستواء كما‬ ‫سبق في تفسيرها‪.

‫وقد لحظ علماء التوحيد هذا الفارق اللغوي فحققوا الكلم‬ ‫في المثلين ثم فرعوا عليه الستدلل بقوله تعالى‪):‬ليس‬ ‫)‪(1‬‬ ‫كمثله شيء(‬ ‫تحقيق الكلم في المثلين‪:‬‬ ‫أما تحقيق الكلم في المثلين فقد نظروا في المتعدد الذي‬ ‫يصح في اللغة أن تجري فيه المماثلة فإذا قيل مث ً‬ ‫ل‪ :‬أحمد‬ ‫مثل زيد وزيد مثل عمرو‪ ،‬فما هو القدر الذي اشتركوا به‬ ‫حتى تحققت المماثلة بينهم؟‬ ‫ل يمكن أن يكون هذا القدر هو الطول مثل ً لن المماثلة ل‬ ‫ترتفع بتقدير قصر زيد‪ .‬انظر حاشية الفناري على شرح المواقف‬ ‫‪ .‬قالوا‪ :‬التماثل‬ ‫والمماثلة اتحاد الشيئين في النوع أي في تمام الماهية … وكذا عند‬ ‫البعض المتكلمين( كالرازي انظر تفسيره ‪ 27/152‬والصفهاني في‬ ‫شرح الطوالع ‪ 65‬والجرجاني في شرح المواقف ‪ 8/16‬و ‪.‬ويقال مثله في القوة والسن والقدر‬ ‫واللون والهيأة ونحوها من الصفات التي ل ترتفع المماثلة‬ ‫بتقدير اختلفهم فيها‪ .‬‬ ‫‪ ()2‬الماهية المنسوبة إلى )ماهو ؟( وتطلق على الحقيقة باعتبار‬ ‫صلوحها للجواب عن السؤال بما هو‪ ،‬كما يطلق عليها الحقيقة باعتبار‬ ‫أن تحقق الشيء بها‪ .‬ويقابلها الصفة المعنوية وهي التي تكون منزوعة من نفس‬ ‫الشيء سواء كانت موجودة كالتحيز أو معدومة كالحدوث فإن‬ ‫توصيف بها يحتاج إلى تعقل الحيز والعدم‪.‬‬ ‫‪166‬‬ .3/18‬وقال التهانوي في الكشاف ‪) :2/1424‬اعلم أن الماهية‬ ‫والحقيقة والذات تطلقان غالبا على سبيل الترادف‪ .‬بل القدر الثابت الباقي الذي ل يتغير‬ ‫بتغيير صفاتهم هو الذي تتحقق به المماثلة وتنتفي بارتفاعه‪،‬‬ ‫وهذا القدر هو الحقيقة المقومة لذات كل منهم التي‬ ‫اصطلح على تسميتها بالماهية)‪ (2‬وهي النسانية في زيد و‬ ‫عمرو وغيرهم من أفراد نوع النسان‪.‬والحقيقة والذات‬ ‫تطلقان غالبا على الماهية مع اعتبار الوجود الخارجي‪ .‬‬ ‫و قد تنوعت عباراتهم في تعريف المثلين والمماثلة وترجع‬ ‫)‪(3‬‬ ‫كلها إلى معنى واحد وهو الشتراك في تمام الماهية‬ ‫‪ ()1‬الية )‪ (11‬من سورة الشورى‪.‬والصفة النفسية هي التي ل يحتاج في توصيف‬ ‫الشيء بها إلى تعقل أمر خارج عن نفس ذلك الشيء‪ ،‬بأن يكون‬ ‫منتزعا من نفسه كالنسانية للنسان أو من جزئة كالحيوانية‬ ‫للنسان‪ .‬وعليه فالمثلن هما الموجودان المشتركان في جميع الصفات‬ ‫النفسية‪=.4/50‬‬ ‫وقال بعض المتكلمين من الشاعرة التماثل هو التحاد في جميع‬ ‫الصفات النفسية‪ .‬‬ ‫وبعبارة أخرى‪ :‬الصفة النفسية هي التي تدل على نفس الذات دون‬ ‫معنى زائدة عليها و يقابلها المعنونة التي تدل على معنى زائدة على‬ ‫الذات‪ .‬كلية كانت أو‬ ‫جزئية‪ ،‬والجزئية تسمى هوية(‬ ‫‪ ()3‬قال التهانوي في الكشاف ‪) :2/1451‬المثل بالكسر والسكون‬ ‫عند الحكماء هو المشارك للشيء في تمام الماهية‪ .

‬والماهية إنما تتحقق بمجموع الذاتيات المقومة‬ ‫= انظر الرشاد للجويني ‪ .‬فإن البياض يتصور أن يبطل‬ ‫من النسان ويبقى إنسانًا‪ .‬فليس وجوده شرطا ً لنسانيته‪.‬‬ ‫و إذا عرف ذلك نقول إن سؤال السائل عن الشيء بما هو‬ ‫طلب لحقيقته وذاته وما يقوم به دون لوازمه وعوارضه‪.‬فقد أسندنا إليه البياض‬ ‫والحيوانية والولدة وجعلناه موصوفا بهذه الوصاف الثلثة‪.‬و لكن من شرطه المتناع عن‬ ‫اعتقاد كونه غير حيوان‪.‬‬ ‫ولنسم هذا عرضا ً مفارقًا‪.‬إذ يجوز أن يح ّ‬ ‫النسان مع الغفلة عن كونه مولودًا‪ ،‬أو مع اعتقاد أنه ليس‬ ‫بمولود خطأ ً فليس من شرط فهم النسان المتناع عن‬ ‫اعتقاد كونه غيَر مولود‪ .‫وتفصيل الكلم فيه مسبوق بمقدمة أخرى وهي أن كل‬ ‫معنى ينسب إلى شيء فإما أن يكون ذاتيا ً له أي قوام ذاته‬ ‫به‪ ،‬ويسمى الذاتي المقوم‪ ،‬وإما أن يكون غير ذاتي مقوم‬ ‫لكنه لزم غير مفارق وإما أن يكون ل ذاتيا ً ول لزما ً ولكن‬ ‫يكون عرضيًا‪.74‬وحاشية السيلكوتي على شرح‬ ‫المواقف ‪ ،4/66‬وحاشية الفناري على شرح المواقف ‪ 4/67‬وكشاف‬ ‫الصطلحات الفنون للتهاوني ‪.‬‬ ‫فإنا نقول‪ :‬هذا النسان أبيض‪ ،‬ونقول هذا النسان حيوان‪.‬‬ ‫وبعبارة أخرى نقول إن السؤال بما هو طلب لماهية‬ ‫الشيء‪ .‬‬ ‫و أما كونه مولودا ً من أنثى و كونه ملونا ً مثل ً فليس نسبته‬ ‫صل في العقل معنى‬ ‫إليه كنسبة الحيوانية‪ .‬‬ ‫أما الحيوانية فضرورة للنسان‪ ،‬لننا إذا لم نفهم الحيوان لم‬ ‫نفهم النسان بل مهما فهمنا النسان فقد فهمنا حيوانا ً‬ ‫ة في مفهومه بالضرورة‪ ،‬و‬ ‫مخصوصا ً فكانت الحيوانية داخل ً‬ ‫لنسم هذا ذاتيا ً مقومًا‪.‬‬ ‫ونقول‪ :‬هذا النسان ولدته أنثى‪ .‬‬ ‫وأما تمييزه عن البياض فهو أن البياض قد يفارق النسان‬ ‫فيكون أسمر اللون‪ ،‬وكوُنه مولودا ً ل يفارق أيضا ً إل أنه يمتاز‬ ‫عن اللزم بما له من خاصية التقويم‪.2/1451‬‬ ‫‪167‬‬ .37-34‬و شرح المقاصد للنقازاني ‪،2/48‬‬ ‫وشرح النسفية للتفتازاني ‪ .‬‬ ‫ونسبة هذه الثلثة إليه متفاوتة‪ .

‫لذلك الشيء‪ .‬‬ ‫وكذلك السائل عن الماهية غير طالب لمعرفة اللوازم‪ .‬فإذا‬ ‫سئل عن زيد وحده ما هو؟ كان الجواب الصحيح أنه انسان‬ ‫لن الذي الذي يفضل في زيد بعد كونه إنسانا من كونه رجل ً‬ ‫طويل ً أو مريضا ً أو جاهل ً فكل ذلك عوارض ولوازم طرأت‬ ‫عليه بعد نشأته ولم تقترن به في أول خلقته‪ ،‬ول يمتنع علينا‬ ‫أن نقدر زوالها منه ويكون مع ذلك هو زيد بعينه‪ ،‬لن المعتبر‬ ‫في زيد هو حقيقته وذاته دون العراض والصفات القائمة‬ ‫بها‪ .‬فحقيقة زيد هي‬ ‫هويته وماهيته التي تختص به‪ ،‬ول تتغير حقيقته بتقلبه في‬ ‫أطوار العمر وانتقاله من الطفولة إلى الرجولة و الشيخوخة‬ ‫وما بينهما من مراحل‪ .‬فينبغي أن يذكر المجيب جميع الذاتيات‬ ‫المقومة للشيء حتى يكون مجيبًا‪ .‬لن الذوات ل تتغير بتغير الصفات‪ .94‬و تفسير الفخر‬ ‫الرازي ‪153-27/152‬‬ ‫‪168‬‬ .‬‬ ‫فظهر بما سبق أن المعتبر في التماثل والختلف هو حقائق‬ ‫الشياء وماهيتها ل العراض والصفات القائمة بها‪ ،‬وأن‬ ‫)‪(1‬‬ ‫المثل هو المشارك في تمام الماهية ومجموع الذاتيات‬ ‫تفريع الستدلل بالية على تحقيق الكلم في‬ ‫المثلين‪:‬‬ ‫‪ ()1‬مستفاد من معيار العلم للغزالي ‪ 105 .‬وكذلك يصح إذا نظرت إلى زيد‬ ‫وهو رضيع وإلى عمرو وهو هرم أن تقول زيد مثل عمرو مع‬ ‫شدة مابينهما من اختلف في السن والطول والقوة واللون‬ ‫والهيأة وغيرها لن المعتبر في زيد و عمرو هو الذات‬ ‫والحقيقة‪ ،‬ولن اختلف الصفات ل يوجب تغيرا ً في الذوات‪.‬ولو ترك بعض الذاتيات‬ ‫لم يتمم جوابه‪ ،‬ولم يتم ماهيته‪ ،‬فإذا أشار إلى خمر وقيل‬ ‫له‪ :‬ما هو؟ وأجاب بأنه شراب لم يتم الجواب لنه ترك ذاتيا ً‬ ‫مقوما ً وهو )مسكر( وبه كمال الجواب وتمام الماهية‪.‬ولو وضعت صورة لزيد وهو في‬ ‫مهده بجوار صورته في شيخوخته لعرفت أنه مع هذا‬ ‫الختلف الشديد في صفات زيد لم تتغير ذاته فزيد هو زيد‬ ‫في الطفولة والشيخوخة‪ .

.‬‬ ‫وبه يتم بيان وجه دللة الية على نفي التجسيم إذا حملناها‬ ‫على نفي المثل عن الله عز وجل‪.‬ولم أعثر على اعتراض أو‬ ‫إيراد على هذا الستدلل من المجسمة‪ .‫وأما تفريع الستدلل بالية على ما سبق فقد أقاموا‬ ‫البرهان القاطع على تماثل الجسام في الذوات والحقيقة‬ ‫وهو الذي أيده العلم الحديث فلو كانت ذاته تعالى جسما ً‬ ‫لكان ذلك الجسم مساويا ً لسائر الجسام في تمام الماهية‪،‬‬ ‫مثل ً له فيثبت له من المثال ما ل يحصيه‬ ‫فيكون كل جسم ِ‬ ‫عدد وهو خلف مادلت عليه الية الكريمة من نفي المثل‪.‬غير أن ابن تيميه‬ ‫طعن بأدلة نفاة التجسيم إجمال ً وتفصي ً‬ ‫ل‪،‬‬ ‫مناقشة ابن تيمية في طعنه بجملة استدلل‬ ‫المنزهين‪:‬‬ ‫طعن رحمه الله في جملة استدللهم فقال‪) :‬وفي الجملة‬ ‫فالكلم في التمثيل والتشيبيه ونفيه عن الله مقام والكلم‬ ‫في التجسيم ونفيه عن الله مقام آخر‪ .‬وأما الكلم في الجسم و الجوهر‬ ‫ونفيهما واثباتهما فبدعة ليس لها أصل في كتاب الله ول في‬ ‫سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ول تكلم أحد من السلف‬ ‫ً )‪(1‬‬ ‫والئمة بذلك نفيا ً وإثباتا(‬ ‫وقبل أن انتقل إلى طعنه في الستدلل بالية محل البحث‬ ‫أجيب على طعنه في جملة الدلة‬ ‫أول ً‪ :‬هذا الكلم أوله يناقض آخره فإن الذي يدل من كتاب‬ ‫الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع السلف‬ ‫والئمة على نفي التمثيل والتشبيه يدل على نفي التجسيم‬ ‫وهل التجسيم إل تشبيه بالجسام؟‬ ‫‪ ()1‬درء تعارض العقل مع النقل ‪ 146– 4/145‬و انظر نحوه في‬ ‫بيان تلبيس الجهيمة ‪1/100‬‬ ‫‪169‬‬ .‬فإن الول ‪-‬يعني‬ ‫التمثيل والتشبيه‪ -‬دل على نفيه الكتاب والسنة وإجماع‬ ‫السلف والئمة…وأيضا فنفي ذلك معروف بالدلئل العقلية‬ ‫التي ل تقبل النقيض‪.

‬أشير‬ ‫إلى مسألة تماثل الجسام فقد بذل ابن تيمية رحمه الله‬ ‫وسعه في نفي تماثل الجسام‪ ،‬فلم يذكر في ذلك إل ما‬ ‫يعتمد فيه على الحس الظاهر‪ ،‬فيقول‪) :‬فنحن نعلم‬ ‫‪( )1‬‬ ‫‪( )2‬‬ ‫‪() 3‬‬ ‫‪()4‬‬ ‫‪()5‬‬ ‫الية )‪ (11‬من سورة الشورى‬ ‫الية )‪ (65‬من سورة مريم‪.‬وقال‬ ‫إن السماء مأخوذة بالشريعة واللغة‪ .‬‬ ‫)‪(4‬‬ ‫وصاروا متفقين على تعظيم أحمد و جعله إماما ً للسنة(‬ ‫يقول شيخ الحنابلة أبو الفضل التميمي في )اعتقاد المام‬ ‫المبجل ابن حنبل(‪ …) :‬وأنكر على من يقول بالجسم‪ .‬‬ ‫كتب و رسائل وفتاوى ابن تيمية في العقيدة ‪6/385‬‬ ‫درء تعارض العقل مع النقل ‪10/250‬‬ ‫‪1/289‬‬ ‫‪170‬‬ ..‬وأهل اللغة وضعوا هذا‬ ‫السم على كل ذي طول وعرض وسمك وتركيب وصورة‬ ‫وتأليف والله تعالى خارج عن ذلك كله فلم يجز أن يسمى‬ ‫جسما ً لخروجه عن معنى الجسمية‪ .‬ولم يجئ في الشريعة‬ ‫)‪(5‬‬ ‫فبطل ذلك(‬ ‫مناقشة ابن تيمية في مسألة تماثل الجسام‪:‬‬ ‫قبل أن أنتقل إلى اعتراضه على دللة الية الكريمة‪ .‬‬ ‫ثالثا ً‪ :‬أما زعمه أن السلف والئمة لم يتكلموا بنفي الجسم‬ ‫فل نطيل بنقل نصوصهم في هذا الموضوع‪ ،‬وأكتفي بنقل‬ ‫نص عن المام أحمد حنبل الذي نسب ابن تيمية تعظيمه‬ ‫إلى جميع الطوائف من أهل السنة والحديث ثم قال )‪.‫ثانيا ً‪ :‬ل نسلم أن نفي الجسم والجوهر ليس له أصل في‬ ‫كتاب الله‪ ،‬بل هو مناقض لما سلم به في مكان آخر فقال‬ ‫بعد ذكر ما استدل به أهل السنة من كتاب الله على نفي‬ ‫التجسيم كقوله تعالى )ليس كمثله شيء()‪ (1‬و قوله‪) :‬هل‬ ‫تعلم له سميًا()‪ (2‬وسورة الخلص‪…) :‬وهؤلء اليات إنما‬ ‫يدللن على انتفاء التجسيم والتشبيه…()‪ (3‬و سيأتي عند‬ ‫الكلم على كل آية استدل بها أهل السنة على تنزيه الله‬ ‫عن الجسمة من كلم ابن تيمية ما يناقض به نفسه من نص‬ ‫كلمه‪.

..‬ومن عرف هذا زاحت عنه شبهات‬ ‫كثيرة في اليمان بالله تعالى وباليوم الخر‪.‫بالضرورة والحس اختلف الجسام المختلفة كما نعلم‬ ‫اختلف العراض المختلفة وما ذكره من أن الختلف عائد‬ ‫)‪(1‬‬ ‫إلى العراض ل إلى المعروض فمخالفة للحس(‬ ‫ويقول‪) :‬ودعوى من ادعى أن الجسام مركبة من جواهر ل‬ ‫تنقسم قائمة بأنفسها ليس لها شيء من هذه العراض‬ ‫ولكن لما تركبت صارت متصفة بهذه الصفات كاتصاف النار‬ ‫بالحرارة والماء بالرطوبة دعوى باطلة بالعقل والحس‪..4/176‬‬ ‫‪ ()2‬درء التعارض ‪201-5/198‬‬ ‫‪171‬‬ .‬وهذا قد بسطناه في غير‬ ‫هذا الموضع وبينا فساد قول من يقول الجسام مركبة من‬ ‫الجواهر التي ل تنقسم‪.‬‬ ‫فهذا الموضع يحتاج إلى تحقيقه كل من نظر في هذه‬ ‫المور فإنه بمعرفته تزول كثير من الشبهات المتعلقة بالله‬ ‫واليوم الخر‪ ،‬ويعرف من الكلم الذي ذمه السلف‬ ‫والمعقول الذي يقال إنه معارض للرسول ما يتبين به أن‬ ‫هؤلء خالفوا الحس والعقل‪.‬‬ ‫فإن الجسم المعين كهذه النار لم تكن أجزاؤه قط عارية‬ ‫عن كونها نارا ً بل النار لزمة لها‪.‬والذي يعقل من اجتماع الجزاء‬ ‫وافتراقها أن تفترق مع بقاء حقيقتها مثل الماء تفرق حتى‬ ‫تصير أجزاؤه في غاية الصغر وهو ماء وكذلك الزئبق ونحوه‬ ‫فإذا استحالت بعد هواء لم يبق ماء ول زئبق ومن قال إنه‬ ‫بعد انقلبه بقيت الجزاء كما تبقى إذا تصغرت‬ ‫أجزاؤه فقد خالف الحس والعقل‪ ،‬ول يعقل الماء‬ ‫ونحوه جزءا إل وهو ماء فإذا صار هواء لم يكن في الهواء‬ ‫جزء هو ماء بل جزء الهواء هواء‪..‬فبقاء الشيء مع تغير‬ ‫)‪(2‬‬ ‫أعراضه شيء وانقلب حقيقته شيء آخر(‬ ‫ويرى ابن تيمية رحمه الله أنه ليس من تمام وصف الله‬ ‫بالقدرة المطلقة القول بأن الله عز وجل يخلق أجساما ً‬ ‫متماثلة‪ ،‬ثم ل يكون الخلق بعد ذلك إل خلق أعراض مختلفة‬ ‫‪ ()1‬درء التعارض ‪..

‬ثم‬ ‫أرادوا أن يثبتوا إبداعه لجميع العيان بأن ادعوا وجود جواهر‬ ‫منفردة ل حقيقة لها وادعوا في العيان المختلفات تماثل ل‬ ‫)‪(1‬‬ ‫حقيقة له(‬ ‫وأما المتكلمون فقالوا الجسام متجانسة بالذات لتركبها من‬ ‫الجواهر الفراد وأنها متماثلة ل اختلف فيها‪ ،‬وإنما يعرض‬ ‫الختلف للجسام ل في ذواتها بل بما يحصل فيها من‬ ‫العراض بفعل القادر المختار هذا ما قد أجمعوا عليه‪.‬‬ ‫وقد أثبت العلم الحديث صحة ماذكره المتكلمون في‬ ‫مجانسة الجسام وتركبها من الجواهر الفردة المتماثلة‪.‫تختلف بها الجسام فيقول ‪..‬‬ ‫يقول الدكتور أوميد شمشكك‪) :‬بذلت النسانية طوال‬ ‫عصور عديدة جهودا ً مضنية للكشف عن اللبنة الولية التي‬ ‫تشكل مختلف أنواع المادة التي يتألف منها الكون ول تزال‬ ‫هذه الجهود تشكل الشغل الشاغل الساس لعلماء الفيزياء‬ ‫‪ ()1‬المصدر السابق ‪203-5/202‬‬ ‫‪172‬‬ .‬وهذا من أعظم‬ ‫ضلل هؤلء حيث عمدوا إلى ما هو من أعظم آيات الرب‬ ‫الدالة الشاهدة بوجوده وقدرته ومشيئته وعلمه وحكمته‬ ‫ورحمته أنكروا وجودها بالكلية وادعوا أنه ليس في ذلك‬ ‫إبداع عين ول خلق شيء قائم بنفسه وإنما هو إحداث‬ ‫أعراض والواحد منا يقدر على إحداث بعض العراض ثم‬ ‫اقتصروا في ذلك على مجرد إحداث أعراض وصفات‪ .) :‬والمقصود أن قول من‬ ‫يقول إن هذه المخلوقات التي يخلقها الله بعضها‬ ‫من بعض ليس خلقه لها إل تغيير صفتها وأن‬ ‫حقيقة كل شيء جواهر أصلية متماثلة باقية ل‬ ‫تتغير حقيقتها أصل ولكن تكثر تلك الجزاء وتقل‬ ‫كلم ل حقيقة له…فدعوى أن خلق الله لمخلوقاته من‬ ‫الحيوان والنبات والمعدن ليس إل إحداث أعراض وصفات‬ ‫ليس فيه خلق لعيان قائمة بنفسها ول إحداث لجسام‬ ‫وجواهر قائمة بنفسها كما تحرك الرياح والمياه وتفرق الماء‬ ‫في مجاريه وهو أيضا من أبطل الباطل‪ .

‬وكل شيء حولنا مكون‬ ‫من ذرات‪ .‬وهذا‬ ‫الضباب من اللكترونات يدور حول النواة بسرعة هائلة تصل إلى‬ ‫سبعة مليين دورة في الثانية انظر الطاقة الذرية ‪ ،‬للدكتور خضر عبد‬ ‫العباس ‪18-17‬‬ ‫‪ ()3‬أسرار الذرة‪ ،‬لوميد شمشكك‪،‬وترجمه أورخان محمد علي ‪9‬‬ ‫‪ ()4‬إذا ما اتحدت ذرتان أو أكثر‪ ،‬فإنهما تكونان جزيئا‪ .‬ويوجد في‬ ‫بساطة‪ ،‬ومن أمثلة العناصر‪ :‬الزنك‪،‬‬ ‫الطبيعة حوالي ‪ 90‬عنصًرا؛ وحوالي ‪ 20‬أخرى يتم إنتاجها صناعًيا‪،‬‬ ‫ولكن لم يتم التعرف على كل تلك المواد‪ .‬ونستطيع القول بشكل عام إن جميع المواد‬ ‫تتكون من ذرات)‪ (1‬لها نفس الماهية فالجسيمات‬ ‫التي تؤلف ذرة مادة معينة هي نفس الجسيمات‬ ‫التي تؤلف ذرات المواد الخرى‪ ،‬كل ما في المر‬ ‫أن هذه الجسيمات تتحد بنسب مختلفة فتكون‬ ‫ذرات المواد الساسية‪،‬ومن اتحاد هذه الذرات‬ ‫بأشكال مختلفة تتكون المواد الكثر تعقيدا ً‬ ‫)‪(3) (2‬‬ ‫"العناصر" (‬ ‫وتتناول موسوعة الذرات واللكترونات تقسيم المادة وفيها‬ ‫يتبين‪) :‬أن جميع المواد تتكون من جزيئات)‪ (4‬فإذا استطعنا‬ ‫تفتيت جزء من الملح أو قطرة من الماء عدة مرات حتى‬ ‫نحصل على أصغر جزء من أجزاء الملح فلنسمه جزيء‬ ‫الملح أو الماء‪ .‬ويوجد في الطبيعة حوالي مئة نوع من‬ ‫‪ ()1‬الذرة هي أدق وحدة في المادة يمكنها أن تشارك في أحد‬ ‫التفاعلت الكيميائية لحداث تغير كيميائي‪ .‬وليوجد‬ ‫تفاوت كبير بينها في الحجم إل أنها تتفاوت في الوزن‪ .‬تتكون العناصر من ذرات‬ ‫قابلة للنقسام والذرة من جزئين الول نواة صغيرة الحجم نسبيا في‬ ‫المركز ذات شحنة موجبة والثاني إلكترونات خارج النواة سالبة‬ ‫الشحنة ‪ .‬تتكون الذرة من نواة موجبة الشحنة تتركز فيها كتلة الذرة‬ ‫ويحيط بها ضباب من اللكترونات‪ .‬جزيء‬ ‫الكسجين‪ :‬ذرتان‪،‬وجزيء الماء‪ 3 :‬ذرات‪ ،‬وجزيء المطاط‪13000 :‬‬ ‫ ‪ 65000‬ذرة انظر الذرات واللكترونات ‪81‬‬‫‪173‬‬ .‬انظر أسرار الذرة ‪.‬وكل عنصر مكون من نوع معين من الذرات‪ ..‬وإذا قسمنا هذا الجزيء فإننا لن نحصل على‬ ‫ملح أو ماء لننا نكون قد شطرنا الجزيء إلى ذرات‬ ‫فينشطر جزيء الماء إلى ذرتين من الهيدروجين وذرة من‬ ‫الوكسجين‪ .‬وعند‬ ‫كسر الجزيء فإنه ينشق إلى ذرات من العناصر التي تكون منها‪.‬وهذه النواة هي الجزء المركزي‬ ‫من الذرة وتتكون من جسيمات ذات شحنة موجبة وهي البروتونات‬ ‫وجسيمات ذات شحنة متعادلة الشحنة وهي النيوترونات‪ .‫المعاصرين‪ .147‬‬ ‫‪ ()2‬العنصر‪ :‬مادة مفردة ل يمكن تفتيتها كيميائًيا إلى مواد أكثر‬ ‫والكسجين‪ ،‬والذهب‪ .‬والذرات من‬ ‫الصغر بحيث إن أكثر من ‪ 10‬بليين منها تكون أصغر جسم يمكن‬ ‫رؤيته تحت الميكروسكوب‪ .‬وإذا احتوت‬ ‫الجزيئات على ذرات من عنصرين أو أكثر تكون النتيجة مركًبا‪ .‬وقد تكون‬ ‫الذرتان من نفس العنصر أو من عناصر مختلفة‪ .‬‬ ‫ومن الممكن أن يتكون الجزيء من ذرتين أو آلف الذرات فعلى‬ ‫سبيل المثال‪ :‬يحتوي جزيء الكسجين على ذرتين فقط‪ ،‬بينما يحتوي‬ ‫جزيء المطاط على ما بين ‪ 13000‬إلى ‪ 65000‬ذرة‪،.

):‬فذرة من الرض ل يمكن‬ ‫تمييزها عن ذرة من حافة الكون المرئي‪ ،‬ويبدو‬ ‫واضحا أن العمليات الفيزيائية التي تقع في أبعد مناطق‬ ‫)‪(4‬‬ ‫الفضاء هي نفسها التي تقع في مجرتنا(‬ ‫ومما يبنغي التذكير به في هذا الموطن أنه قد تدرج العلم‬ ‫في الكشف عن المكونات الساسية للمادة‪ ..‫الذرات أو العناصر وباتحادها مع بعضها تتكون‬ ‫)‪(1‬‬ ‫جزيئات كل المواد(‬ ‫وقد أثبت العلم الحديث أن مادة هذا الكون المنظور‬ ‫واحدة‪ ،‬يقول الدكتور أوميد‪) :‬مادة الكون واحدة ومن‬ ‫تجمع أجزاء هذه المادة بنسب مختلفة تظهر هذه‬ ‫الجسيمات بأشكال مختلفة تظهر الجزيئات وعلى‬ ‫أساس الجزيئات أقيم بناء هذا العالم الذي يصعب عد‬ ‫)‪(2‬‬ ‫وحصر أحيائه وجماده (‬ ‫وبتحليل الطيف الشمسي أمكن معرفة العناصر التي تتكون‬ ‫منها الشمس فوجد أنها تتكون من نفس العناصر التي‬ ‫تتكون منها الرض‪ (3).‬يقول الدكتور‬ ‫أوميد ‪):‬كان العتقاد السائد حتى وقت قريب هو أننا عند‬ ‫فحص وتدقيق بنية المادة كلما نزلنا إلى الجزاء الصغرى‬ ‫كلما اقتربنا إلى البسيط وقد تدرجت الفكار حسب البحاث‬ ‫المستمرة طيلة العصور السابقة حتى الن فقد اعتقدنا حينا ً‬ ‫بأن الجزيئات هي اللبنة الساسية للمادة‪ ،‬ثم ظهرت فكرة‬ ‫العنصر‪ ،‬ولكن لم يمض وقت طويل حتى تبين أن هذه‬ ‫‪ ()1‬موسوعة المعرفة‪ ،‬الذرات واللكترونات‪61،‬‬ ‫‪ ()2‬أسرار الذرة‪ ،‬لوميد شمشكك‪،‬وترجمه أورخان محمد علي ‪11‬‬ ‫‪ ()3‬انظر شهادة الكون‪ ،‬لعبد الودود رشيد محمد‪102 ،‬‬ ‫‪ ()4‬القوة العظمى ‪222‬وانظر دائرة معارف القرن العشرين‪ ،‬محمد‬ ‫فريد وجدي ‪8/495‬‬ ‫‪174‬‬ .‬بل استدل العلماء بشمول القوانين‬ ‫الفيزيائية في الكون وبخضوعه لنفس القوانين التي يخضع‬ ‫له ما خضع لتجارب العلماء على أن هذه الجسام البعيدة‬ ‫مكونة من نفس الذرات التي نجدها على الرض‪ ،‬وفي ذلك‬ ‫يقول الدكتور باول‪.

136-135‬‬ ‫‪175‬‬ .‬ثم لما أثبت‬ ‫العلم تركب الذرة من النواة واللكترونات ظن بعض‬ ‫الدارسين أن انقسام الذرة يعني انقسام الجوهر الفرد‪ ،‬وأن‬ ‫هذا التركيب يبطل مباحث الجوهر الفرد بالكلية)‪ (2‬وهذا هو‬ ‫الخطأ الثاني الذي تسبب به هذا التدرج‪ ،‬والحق أن مثار‬ ‫الخطأ في الطرفين هو عد ّ الجزيء أو الذرة جوهرا ً فردًا‪،‬‬ ‫فانقسام الذرة يناقضه ولكن ل يبطل إثبات الجوهر الفرد‬ ‫بالكلية‪ .8/491‬‬ ‫‪ ()3‬الذرة من اللف إلى الياء ‪.‬الخطأ الول‪ :‬أن‬ ‫من أثبت الجوهر الفرد اعتقد أن الجزيء قبل أن يثبت‬ ‫انقسامه هو الجوهر الفرد‪ ،‬فلما أثبت العلم تركب الجزيئات‬ ‫من الذرات اعتقد أن الذرة هي الجوهر الفرد‪ .‫العناصر ليست اللبنة الساس التي نبحث عنها‪ ،‬وأخيرا تبين‬ ‫أنه حتى الجسيمات التي تؤلف الذرة ليس هي اللبنة‬ ‫الساس التي تؤلف المادة‪ ،‬وظهر تماما أنا كلما نزلنا في‬ ‫سلم المادة إلى الصغر فالصغر كلما تعقدت المور‬ ‫)‪(1‬‬ ‫وتشابكت(‬ ‫وقد تسبب هذا التدرج في الكشف عن مكونات المادة‬ ‫وربطه بمذهب الجوهر الفرد في خطأين‪ .‬يقول الدكتور كلدكوف‪) :‬لقد‬ ‫دام العتقاد حول محدودية الذرة وعدم قابليتها للنقسام‬ ‫أكثر من ألف سنة في حين لم يستغرق الثبات وبشكل‬ ‫جازم بأن عدم قابلية الذرة للنقسام لم يكن سوى وهم غير‬ ‫بضعة عقود من السنين‪ .‬بل إن هذا النقسام يشير من وجه إلى براءة لبنة‬ ‫المادة الولى من التركيب‪ .‬إل أنها عكست حقا ً الفكرة‬ ‫العامة لدى الفلسفة القدماء في ما يخص عدم‬ ‫)‪(3‬‬ ‫انقسامية عناصر المادة الساسية(‬ ‫ومع أن العلم الحديث قد وصل إلى أعماق سحيقة في عالم‬ ‫المادة ومكوناتها حتى وصل إلى عالم الذرة واطلع على‬ ‫تركيبها إل أن العقل البشري ل يزال يفترض التركيب في‬ ‫‪ ()1‬أسرار الذرة ‪60-58‬‬ ‫‪ ()2‬انظر دائرة معارف القرن العشرين‪ ،‬محمد فريد وجدي ‪.

‬يحتوي البروتون على ًشحنة ًكهربية موجبة‬ ‫لوحدة واحدة‪،‬وزن البروتون الواحد يقارب جزءا من مليون مليار‬ ‫مليار جزء من الغرام‪ .‬‬ ‫انظر القوة العظمى ‪96‬‬ ‫‪ ()2‬البروتون هو جزء من النواة )القلب المركزي( للذرة‪ .‬وقبل سنوات شرع العلماء‬ ‫في هجوم مبرمج ودؤوب على أسرار تركيب الجسيمات‬ ‫الولية‪ .‬انظر الذرة من الف إلى الياء‪،‬كلدكوف ‪189‬‬ ‫‪176‬‬ .‬وله شحنة سالبة لوحدة واحدة‪ .‬وكما هي الحال في الفيزياء النووية)‪ (4‬عموما فقد‬ ‫سار هذا العمل بخطين رئيسيين الول كان محاولة تفتيت أو‬ ‫سحق الجسيم الولي إلى مكوناته الولية إن كانت هناك أي‬ ‫مكونات‪ ،‬والوسيلة الوحيدة لتحقيق هذا كانت في جهاز‬ ‫يقوم على تعجيل دوران جسيمات معينة إلى سرعات‬ ‫قصوى وقذفها بواسطة هذا المعجل أو المدفع الذري على‬ ‫الجسيمات التي يراد تقسيمها‪.‬‬ ‫‪ ()1‬وهو جسيم كهربائي ليس له تركيب داخلي يتحرك حول نواة‬ ‫الذرة بسرعة فائقة‪ .‬ويتم‬ ‫التعرف على العنصر بعدد البروتونات في الذرة‪ ،‬ويسمى ذلك بالعدد‬ ‫دا فإنها تتحول‬ ‫الذري‪ .‬وإذا ما فقدت أو اكتسبت ذرة ما بروتونا واح‬ ‫إلى ذرة لعنصر مختلف‪ ..‬وقد يتغير عدد‬ ‫النيوترونات في الذرة دون أن يغير العنصر من خصائصه‪.‬انظر أسرار الذرة ‪12‬‬ ‫‪ ()3‬النيوترون جزء من النواة متعادل الشحنة‪ .284‬‬ ‫‪ ()4‬الفيزياء النووية علم يبحث في فيزياء النواة‪) ،‬قلب الذرة(‪ .‬ويبلغ‬ ‫قطر النواة ألف مليون المليون للمتر تقريًبا‪ .‬وتتكون النواة‬ ‫الذرية من بروتونات ونيوترونات‪ .‬ول يمكن للعين البشرية‬ ‫أن ترى النواة‪ ،‬إل أنه تم الحصول على معلومات عنها وعن‬ ‫الجسيمات داخلها بتحطيم النوى وملحظة النتائج‪ .‬وتتماسك النواة ببعضها البعض بواسطة‬ ‫قوة شديدة تسمى قوة التفاعل القوي أو القوة النووية الشديدة؛‬ ‫وهي القوة التي تسبب تفاعل النيوترونات والبروتونات وارتباطهما‬ ‫مًعا‪ .9‬‬ ‫بالمئة من كتلة المادة كلها‪ .‬يقول‬ ‫كلدكوف‪) :‬لسنا في حاجة اليوم لن نبرهن على أن جميع‬ ‫المواد تتألف من جزيئات‪ ،‬والجزيئات من ذرات‪ ،‬والذرات‬ ‫)‪(2‬‬ ‫من نوى وإلكترونات)‪ ، (1‬والنوى من بروتونات‬ ‫ونيوترونات)‪ ،(3‬ولكن مم تتكون البروتونات والنيوترونات؟‬ ‫وقد أطلق العلماء عليها اسم الجسيمات الولية أي‬ ‫جسيمات غير قابلة للنقسام على افتراض أن أي‬ ‫تقسيم آخر لها سوف يحولها إلى أي شيء آخر‬ ‫عدا كونها جسيمات أخرى‪ .‬انظر الذرة‬ ‫من اللف إلى الياء ‪.‬والذرات‬ ‫محايدة كهربًيا حيث إن عدد اللكترونات مساوٍ لعدد البروتونات‪.‫مركبات الذرة لينزل إلى أعمق مما وصل إليه‪ .‬وتشكل نسبة تلك الجسيمات ‪99.

‬غير أن تخمينات العلماء‬ ‫القدمين لم تترجم إلى واقع علمي حقيقي قبل‬ ‫انصرام سبعة عشر قرنا على يد الروسي العظيم‬ ‫م‪.‬كلدكوف ‪ .59‬وتشغل النواة حيزا يبلغ‬ ‫ا‪ 100.‬انظر‬ ‫الذرة من اللف إلى الياء ك‪.116‬‬ ‫‪ ()2‬الذرة من اللف إلى الياء ‪116-113‬‬ ‫‪177‬‬ ..‬ولنتصور نسبة‬ ‫حجم أجزاء الذرة نفترض أنها تضخمت حتى صارت بحجم كرة السلة‬ ‫وعندئذ يكون قطر النواة أقل من جزء بالمئة من المليمتر ولكنها مع‬ ‫ذلك تزن أكثر من ألفي ضعف وزن اللكترونات المحيطة بها‪ .‬لومونوزوف وقد اعتمد نظرية بناء المادة على وجود‬ ‫الذرات وعلى أن حركة المادة تعود إلى حركة الذرات…‬ ‫وقد أطلق على أصغر جزء من المادة يبقى محتفظا بكل‬ ‫خواص المادة اسم الجزيء‪ ،‬وعند تسخين الجزيء فإنه‬ ‫‪ ()1‬النسكتروم وحدة قياس تستعمل في البصريات والفيزياء‬ ‫النووية ويعادل جزءا من مئة مليون من السنتيمتر‪ .‬ولو شبهنا الكرة بالذرة في النظام‬ ‫الشمسي واعتبرنا الشمس هي النواة والرض أحد اللكترونات للزم‬ ‫أن تبعد الرض ‪ 500‬مرة ضعف بعدها الحالي الذي يقدر بـ ‪ 50‬مليون‬ ‫كم عن الشمس‪ .‫والوسيلة الثانية هو الفادة من قدرات المجهر اللكتروني‬ ‫الذي يتمكن به النسان من مشاهدة أجسام ل يزيد قطرها‬ ‫)‪(1‬‬ ‫على بضعة انسكترومات‬ ‫وبهاتين الوسيلتين اكتشف العلماء أربعين جسيما ً لم يكن‬ ‫معروفا ً من قبل…وطبقا ً لما أمكن التوصل إليه لحد‬ ‫الن فليس هناك من بين كل الجسيمات الولية ما‬ ‫يتحلل إلى مكونات أصغر‪ ،‬وما اعتبارها جسيمات‬ ‫أولية إل لن هذا يعني كونها خالية من أي تركيب‪.000/‬من حجم الذرة‪ .‬انظر أسرار الذرة ‪.‬‬ ‫)‪(2‬‬ ‫والذرة هي المادة الرئيسية لهذا الكتاب ولكل مادة العالم‬ ‫الذي يحيط بنا‪ .‬والفكرة القائلة بأن جميع أنواع المواد‬ ‫اللمحدودة في الطبيعة تتألف من جسيمات صغيرة جدا ً ل‬ ‫يمكن رؤيتها أو تقسيمها إلى أجزاء أصغر قد عرفها قديما‬ ‫حكماء الشرق والهند والصين والغريق‪ ،‬غير أن هذا كله قد‬ ‫تم نتيجة التفكير والتأمل والتخمين وليس نتيجة التجارب‬ ‫والستقراء العلمي ‪.

‬يقول‬ ‫الدكتور خضر عبد العباس‪) :‬الكوارك هو اللبنة‬ ‫الساسية المفترضة لتفسير تركيب الجسيمات‬ ‫الساسية في الطبيعة فالبروتون مثل يتكون من‬ ‫ثلث كواركات‪ .‬يقول الدكتور باول‪) :‬يعتقد الكثير‬ ‫من علماء الفيزياء اليوم أن اللكترونات والكواركات تمثل‬ ‫حقا ً جسيمات أولية ل تمتلك تركيبة داخلية وأنها تشيد معا ً‬ ‫جميع أشكال المادة المعروفة‪ .25‬‬ ‫‪178‬‬ .386‬يقول الدكتور أوميد‪) :‬والرأي السائد‬ ‫حاليا هو أن هذه الجسيمات تتكون من جسيمات أصغر منها تدعى‬ ‫الكوارك ‪ ،‬وبالنسبة لبعض العلماء فإن هناك ثلثة أنواع من هذه‬ ‫الكواركات ول ندري ماذا سيصادفنا أو سيواجهنا عندما ننزل إلى‬ ‫مستوى الكوارك وإلى أساسه علما بأن النزول إلى أساس الكوارك‬ ‫ليس شيئا هينا وسهل فحتى اللن ل نستطيع توليد الطاقة التي‬ ‫تستطيع تجزئة البروتون أو النيوترون إلى أجزائه( أسرار الذرة ‪-58‬‬ ‫‪60‬‬ ‫‪()3‬القوة العظمى ‪.‫يتفكك إلى مركباته من الذرات‪ ،‬وهي أصغر الجسيمات التي‬ ‫)‪(1‬‬ ‫تتألف منه جميع العناصر الكيماوية …(‬ ‫وبهذا يتبين أن العلم الحديث يفترض أن هذه‬ ‫الجسيمات التي تتركب منها الذرة تتكون من‬ ‫جسيمات ل تقبل النقسام وهي الكواركات‪ .‬ويعمل العلماء حاليا ومنذ عدة‬ ‫سنوات لكتشاف هذه الكواركات إل أنه لم يظهر‬ ‫لحد الن أي دليل تجريبي على وجودها رغم‬ ‫النفقات الباهظة واشتراك خيرة العلماء في إجراء‬ ‫التجارب واستخدام أكبر المعدات النووية المتوفرة‬ ‫حاليًا()‪ (2‬وهذا يعني أن العلم يقنع بإثبات الذرة‬ ‫وأجزائها وليس لديه أي دليل على اشتمال أجزائها‬ ‫على أي تركيب‪ .‬فالمادة إذن بناء هرمي‬ ‫فالكواركات يتكون منها البروتونات والنيوترونات التي تتكون‬ ‫منها الذرة‪ ،‬وتتحد الذرات مع بعضها لتكون الجزيئات ومن‬ ‫)‪(3‬‬ ‫ثم فإن هذه المواد الساسية جميعها تكون الجسام(‬ ‫والحاصل أن العلم الحديث قد أثبت بالتجربة والبرهان أن‬ ‫العالم مكون من مادة وطاقة فأيد بذلك ماعبر عنه‬ ‫‪ ()1‬المصدر السابق ‪136-135‬‬ ‫‪()2‬الطاقة الذرية ‪67‬و ‪ .26.

.‬إن هذا‬ ‫النظام الشمسي المصغر يشكل اللبنة الساس لجميع‬ ‫‪ ()1‬الية )‪ (22‬من سورة الروم‪.‬‬ ‫‪179‬‬ ..‬يقول‬ ‫الدكتور أوميد )ويمكن القول بأن الذرة هي حجر‬ ‫الساس للكون بأكمله‪.‬وأثبت‬ ‫العلم أيضا أن هذا الختلف الذي نشاهد في صفات‬ ‫الجسام ل ينفي تماثل ما تركبت منه هذه الجسام‪ ،‬وأن‬ ‫هذه الجسام تتركب من أجزاء خالية من أي تركيب‪ ،‬ونحن‬ ‫اليوم نعتقد أن الجسيمات الولية جواهر فردة لنه ليس‬ ‫لدينا أي دليل على إمكان انقسام هذه الجسيمات‪ ،‬ووقوع‬ ‫الفرض الذي افترضه العلماء في تركيبها ل يخرجها عن ذلك‬ ‫لنا سبق أن أشرنا إلى أن العقل له أن يفرض ما يشاء وأن‬ ‫ذلك ل ينافي تنزه الجوهر الفرد عن قبول النقسام‪.(2‬والناظر في الكون يعجب غاية العجب إذا علم أن‬ ‫ما يشاهده من الحديد والماء والنار والشمس والقمر‬ ‫وغيرها من الموجودات مكونة من مادة متماثلة‪ .‬‬ ‫وبقي أن نشير إلى ما أثاره ابن تيمية رحمه الله من الشبهة‬ ‫بأن كمال القدرة يقتضي أن يخلق ذوات مختلفة بصفات‬ ‫مختلفة‬ ‫الحواب عن زعمه أن كمال القدرة يقتضي أن يخلق ذوات‬ ‫مختلفة بصفات مختلفة‪:‬‬ ‫هذا الرأي مخاَلف بأول النظر فإن الواحد مهما قدر على‬ ‫صنع مختلفات في الصفات من مادة واحدة كان اختلف‬ ‫الصفات مع وحدة المادة أدعى للعجب من صنع مختلفات‬ ‫من مواد مختلفة‪ .‬إلى ذلك يشير قوله تعالى‪) :‬ومن آياته‬ ‫خلق السموات والرض واختلف ألسنتكم وألوانكم()‪ (1‬وقوله‬ ‫تعالى‪) :‬يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في‬ ‫الكل()‪ .‬‬ ‫‪ ()2‬الية )‪ (4‬من سورة الرعد‪.‫المتكلمون قديما ً بقولهم العالم أجسام وأعراض‪ .‬إذن فالذرة التي ألقينا على‬ ‫بنيتها نظرة عجلى تشبه نظاما ً شمسيا مصغرا وهذا النمط‬ ‫من التعريف يفيد جدا لتجسيم الذرة في خيالنا ‪.

.‬وهذه‬ ‫‪ ()1‬انظر أسرار الذرة ‪ 113‬والذرات واللكترونات ‪73-72‬‬ ‫‪180‬‬ .‬‬ ‫إن المادة الساس هي نفسها بالنسبة للكون‬ ‫بأكمله‪ ،‬ولكن مواد مختلفة وبصفات متباينة تظهر‬ ‫للوجود نتيجة اتحاد هذه المادة الساس بصيغ‬ ‫وأشكال مختلفة‪ ،‬وبتعبير آخر فإن المادة الواحدة‬ ‫التي تستعملها يد القدرة اللهية بمهارة وإبداع ل‬ ‫حد له تكون مظهرا لتجليات مختلفة تفوق خيالنا ‪.‬ويقول‪:‬‬ ‫)ل تنسوا أبدا أن ذرات الهيدروجين الموجودة في الماء‬ ‫العذب الذي نطفىء به ظمأنا ل تختلف أبدا عن ذرات‬ ‫الهيدروجين الموجودة في مركز الشمس فذرة معينة عندما‬ ‫تكون في الشمس تكون مصدرا ً للنور والحياة لرضنا‬ ‫وعندما تدخل في أوعيتنا الدموية نراها تصلح لبناء كريات‬ ‫الدم الحمراء التي هي أفضل ناقلة للوكسجين ‪ .‬‬ ‫إن أبسط مادة موجودة في الكون وأوفرها كمية هي عنصر‬ ‫الهيدروجين الذي تتكون ذرته من بروتون واحد فقط‬ ‫والكترون واحد فقط أما ذرة عنصر الهيليوم وهو أبسط‬ ‫عنصر بعد الهيدروجين فإنها تتكون من زوج من البروتونات‬ ‫ومثلها من النيوترونات واللكترونات‪ ..‬وكلما اقتربنا من‬ ‫الذرات المعقدة نرى تزايد عدد البروتونات والنيوترونات‬ ‫ويلحظ أن عدد اللكترونات يتزايد بصورة موازية لتزايد‬ ‫البروتونات‪ ،‬ومن تجمع الذرات تتكون الجزيئات فمثل تتكون‬ ‫جزيئة الهيدروجين التي يتألف منها عنصر الهيدروجين‬ ‫ويؤلف الهيدروجين ‪ % 80‬من مجموع المادة في الكون من‬ ‫ذرتي هدروجين‪ ،‬وتتكون جزيئة الماء من ذرتي هيدروجين‬ ‫مع ذرة من الوكسجين وتتكون جزيئة ثاني أوكسيد الكربون‬ ‫من ذرتين من الوكسجين مع ذرة من الكربون ‪ (1)(.‫الموجودات في الكون اعتبارا ً من الهواء الذي نتنفسه إلى‬ ‫أصغر جزء في العين إلى الدنيا التي نعيش فيها إلى‬ ‫الشمس إلى النجوم إلى العمالقة الحمر إلى كل‬ ‫الموجودات المادية التي نراها أو نحسها أو نتصور وجودها‪..

‬وهذا أثر من آثار صاحب قدرة وعلم‬ ‫)‪(1‬‬ ‫لنهائيين(‬ ‫والحاصل أن ابن تيمية رحمه الله وقف على أهمية هذه‬ ‫المسألة في أدلة التنزيه‪ .‬‬ ‫مناقشة ابن تيمية رحمه الله في اعتراضه على‬ ‫الستدلل بالية‪:‬‬ ‫اعترض ابن تيمية رحمه الله على الستدلل بقوله تعالى‬ ‫)ليس كمثله شي(فقال‪) :‬إذا قالوا الموصوفات تتماثل‬ ‫والجسام تتماثل وأرادوا أن يستدلوا بقوله تعالى)ليس‬ ‫كمثله شيء( على نفي مسمى هذه المور التي سموها‬ ‫بهذه السماء في اصطلحهم الحادث كان هذا افتراًء على‬ ‫لغة القرآن فإن هذا ليس هو المثل في لغة العرب ول لغة‬ ‫العرب ول غيرها‪ .‬وقال تعالى‪) :‬ألم تر‬ ‫كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في‬ ‫‪ ()1‬أسرار الذرة ‪ ..115‬وانظر القوة العظمى ‪221‬‬ ‫‪ ()2‬الية )‪ (38‬من سورة محمد‪.‫الذرة نفسها عندما تكون ذرة هواء تنقل الصوات‬ ‫والموجات وتستمر بها الحياة ومن هذه الذرة نفسها تصدر‬ ‫الطاقة من لهيب الفحم المحترق فيستخدم في التدفئة‬ ‫والنقل‪.‬ولم يذكر في القدح بتماثل الجسام إل‬ ‫حجة حسية قد جعلها العلم الحديث هباًء منثورًا‪ ،‬فهب أن‬ ‫المتكلمين لم يوفقوا في بيان تماثل الجسام والجواب عن‬ ‫اعتراضات ابن تيمية على أدلتهم فإنه يكفيهم ما معهم من‬ ‫اعترافه مع شهادة العلم الحديث ليدل بذلك على سبيل‬ ‫القطع على تنزيه الله عز وجل‪ .‬‬ ‫‪181‬‬ .‬واعترف بتمام الدلة إذا ثبت‬ ‫تماثل الجسام‪ .‬وهذا محل الجابة عن‬ ‫اعتراضاته‪.‬قال تعالى‪ " :‬وإن تتولوا يستبدل قوما ً‬ ‫غيركم ثم ل يكونوا أمثالكم ")‪ (2‬فنفى مماثلة هولء مع‬ ‫اتفاقهم في النسانية فكيف يقال إن لغة العرب توجب أن‬ ‫كل مشار إليه مث ٌ‬ ‫ل لكل ما يشار إليه‪ .

‬مع اشتراكهما في كثير من‬ ‫الصفات الزائدة على مطلق المقدار‪ ،‬بل قد نفي في‬ ‫ً )‪(3‬‬ ‫القرآن كون الشيء مث َ‬ ‫ل غيره مع كون كل منهما جسما(‬ ‫‪ ()1‬الية)‪ (7‬من سورة الفجر‪.‬ثم‬ ‫يقولون مع هذا إن كل ما وصف بهذه المعاني العامة فإنه‬ ‫يجب أن يكون متماثل ً مستويا ً في الحد والقدر‪ ،‬فهذا القول‬ ‫من أبعد القوال عن المعقول الذي يعرفه الناس بحسهم‬ ‫وعقلهم‪.‬‬ ‫‪ ()2‬بيان تلبيس الجهيمة ‪533-1/532‬‬ ‫‪ ()3‬تلبيس الجهمية ‪ 1/355‬وانظر نحوه في الرد القوم ‪2/384‬‬ ‫‪182‬‬ ..‫البلد()‪ (1‬فأخبر أنه لم يخلق مثلها في البلد‪ ،‬فكيف يقال إن‬ ‫كل جسم فهو مثل لكل جسم في لغة العرب حتى يحمل‬ ‫على ذلك قوله " ليس كمثله شيء")‪ (2‬وقال أيضا‪..‬‬ ‫ونحن نعلم بالضرورة من لغة العرب أنهم ل يقولون الجبل‬ ‫مثل النار ول الهواء مثل الماء‪ ..‬وأنه إذا‬ ‫قيل إن كذا مثل كذا أو ليس مثله أو ليس له مثل فإنه ليس‬ ‫المفهوم من المثل كون هذا بحيث يشار إليه أو كون كل‬ ‫منهما له قدر أو له طول وعرض وعمق ل بالمعنى اللغوي‬ ‫ول بما هو أقرب إليه فضل ً عن اصطلحهم‪.):‬ومنشأ‬ ‫الغلط من الشتباه والشتراك في لفظ الجسم ولفظ‬ ‫المثل‪ ،‬فيقال الجسم في لغة العرب هو البدن وهو عندكم‬ ‫ما يمكن الشارة إليه فالهواء والماء والنار ونحو ذلك ليس‬ ‫جسما ً في لغة العرب و هو في اصطلحكم جسم‪ ،‬وإذا كان‬ ‫الجسم في لغة العرب أخص منه في عرفكم‪ ،‬و قد علم‬ ‫بصريح العقل أن الذهب ليس مثل الفضة ول الخبز مثل‬ ‫التراب ول الدم كالذهب فما يسمى في لغة العرب جسما ً‬ ‫وجسدا ً ونحو ذلك هو مما يعلم أنه ليس متماثل ً بصريح‬ ‫العقل والحس‪ ،‬فكيف بما هو أعم من ذلك؟ مثل كونه يشار‬ ‫إليه أو كونه يقبل البعاد الثلثة الطول والعرض والعمق‪ .‬‬ ‫ثم بتقدير أن يكون كذلك فل يتمارى عاقلن أن لفظ المثل‬ ‫في لغة العرب وسائر المم ليس المراد به هذا‪ .

3/108‬‬ ‫ثقة دينًا( وانظر ترجمته في‬ ‫‪ ()2‬لسان العرب لبن منظور )مثل( ‪11/610‬‬ ‫‪ ()3‬الكلي إما ذاتي وهو الذي يدخل في حقيقة جزئياته كالحيوان‬ ‫بالنسبة إلى النسان والفرس وإما عرضي وهو الذي ل يدخل في‬ ‫حقيقة جزئياته بأل يكون جزءا أو بأن يكون خارجا كالضاحك بالنسبة‬ ‫إلى النسان‪ .‬ول تطلق أيضا على مشتركين‬ ‫في العرضيات فل يقال‪ :‬النسان المتحرك مثل الفرس‬ ‫المتحرك إل على إرادة تفيد المماثلة بالشتراك في هذا‬ ‫العرضي)‪ (3‬ووجدوا أنه حيث أطلقت المماثلة كان طرفاها‬ ‫مشتركين في ما اصطلحوا على تسميته بتمام الماهية‪،‬‬ ‫فصح أن يقال إن المثل إذا أطلق مجردا ً عن التقييد بوجه‬ ‫من الوجوه يراد في لغة العرب المشارك في تمام الماهية‪،‬‬ ‫‪ ()1‬قال الذهبي في السير‪ :‬هو المام العلمة نحوي وقته أبو محمد‬ ‫عبد الله بن بري )‪ 582‬هـ( تصدر بجامع مصر للعربية وتخرج به أئمة‬ ‫ودها جاءت في ستة مجلدات وكان‬ ‫… وله حواش‬ ‫على)الصحاح( وج ّ‬ ‫وفيات العيان لبن خلكان ‪.‬انظر التعريفات للجرجاني ‪ 239‬وص ‪ 132‬من هذا‬ ‫الكتاب‬ ‫‪183‬‬ .‬‬ ‫)‪(1‬‬ ‫قال في اللسان‪…) :‬قال ابن بري ‪ :‬إذا قيل هو مثل على‬ ‫الطلق فمعناه أنه يسد مسده وإذا قيل هو مثله في كذا‬ ‫فهو مساو له في جهة دون جهة()‪ (2‬وعندما حقق علماء‬ ‫التوحيد الكلم في المثلين لم يهملوا هذا الفارق فنظروا‬ ‫فيما يصح في اللغة أن يحكم بتماثله على الطلق دون‬ ‫التقيد بوجه من وجوه المماثلة ثم سبروا ما في المتماثلين‬ ‫من المعاني المشتركة واختبروها فوجدوا أنه ل يصح في‬ ‫اللغة أن تطلق المماثلة مجردة عن التقدير بوجه من‬ ‫وجوهها على مشتركين في اللزم فل يقال الثلج مثل البيض‬ ‫لمجرد اشتراكهما في اللون ولزومه لكليهما‪ ،‬إل أن تقول‬ ‫الثلج مثل البيض في اللون‪ .‫و هذا العتراض مبني على أمرين‪:‬‬ ‫الول‪ :‬قطع الصلة بين دللة المثل في اللغة وما ذكره أهل‬ ‫الصطلح‪ .‬ويحتاج إلى أجوبة من وجوه‪.‬‬ ‫فدللة )مثل( حال الطلق غير دللة )مثل( مقيدة ً في وجه‬ ‫من وجوه المماثلة‪.‬‬ ‫أول ً‪ :‬مما ل يخفى أن قولك‪ :‬زيد مثل عمرو غيُر قولك‪:‬‬ ‫زيد مثل عمرو في طوله مث ً‬ ‫ل‪.

‬‬ ‫انظر تفسير الواحدي ‪ 2/200‬وتفسير ابن كثير ‪3/343‬‬ ‫‪184‬‬ .‬أما قوله‬ ‫تعالى‪) :‬وإن تتولوا يستبدل قوما ً غيركم ثم ل يكونوا‬ ‫)‪(2‬‬ ‫أمثالكم()‪ (1‬فالمراد أمثالكم في التولي والزهد في اليمان‬ ‫وأما قوله تعالى‪) :‬التي لم يخلق مثلها في البلد()‪ (3‬فالمراد‬ ‫مثلها في الجبروت و الجرام)‪ (4‬ول يخفى أن إجمال وجه‬ ‫الشبه وعدم التصريح به جار على أساليب العرب المعروفة‬ ‫في التشبيه فل يخفى أن القائل محمد مثل السد ل يدعي‬ ‫أنه مثُله من كل وجه‪ ،‬بل ل فرق بين هذا القول وبين قوله‬ ‫محمد أسد وقوله محمد مثل السد في الشجاعة إل ما‬ ‫يفيده الحذف من المبالغة في المشاركة في وجه الشبه‬ ‫على ما هو معروف في البلغة‪.‫فالصطلح الحادث في تسمية ما اشترك به طرفا المماثلة‪،‬‬ ‫ل في استعمال المثل استعمال ً يخالف لغة القرآن‪.‬‬ ‫أما المثلة التي ذكرها ابن تيمية فل ترد على ما سبق‪ ،‬لن‬ ‫المثل استعمل فيها مقيدا ً بوجه من وجوه المماثلة‪ .‬‬ ‫وبالجملة فل يدل نفي المماثلة في وجه من الوجوه على‬ ‫عدم جواز إطلق المماثلة في وجه آخر ول يدل أيضا ً على‬ ‫انتفاء المماثلة المطلقة بينهما‪ ،‬ففي الية التي استشهد بها‬ ‫ابن تيمية ل يدل انتفاء المماثلة بين القومين في التولي‬ ‫والزهد في اليمان على عدم اتفاقهم في النسانية وتماثِلهم‬ ‫فيها‪ .‬‬ ‫انظر تفسير البيضاوي ‪5/197‬‬ ‫الية )‪ (8‬من سورة الفجر‪.‬ول على أن المثل في لغة القران ل يستعمل في‬ ‫المتفقين في تمام الماهية‪ ،‬إذ لمانع في اللغة والصطلح‬ ‫أن تقول‪ :‬هذا النسان الذي هو مثل هذا النسان في‬ ‫النسانية ليس مثَله في الطول ول في العرض ول في نحو‬ ‫ذلك مما هو خارج عن الحقيقة أو الماهية‪.‬‬ ‫ثانيا ً‪ :‬قوله‪):‬منشأ الغلط من الشتباه والشتراك في‬ ‫لفظ الجسم ولفظ المثل( إنما هو منشأ الشبهة التي‬ ‫‪( )1‬‬ ‫‪( )2‬‬ ‫‪( )3‬‬ ‫‪( )4‬‬ ‫الية )‪ (38‬من سورة محمد‪.

‫ذكرناها‪ .‬بل لو جاز ووجب وامتنع عليه ما يجوز ويجب ويمتنع‬ ‫على الممكنات والمحدثات لزم الجمع بين النقيضين‪.‬‬ ‫‪ ()1‬بيان تلبيس الجهمية ‪1/96‬‬ ‫‪ ()2‬درء تعارض العقل ‪.4/144‬‬ ‫‪185‬‬ .‬وكي يتحرر موضع النزاع بعيدا عن خلط المعنى‬ ‫اللغوي بالصطلحي نقول أين في لغة العرب ما يمنع أن‬ ‫نقول‪ :‬كل ما يصح الشارة إليه فهو مثل لكل ما يصح‬ ‫الشارة إليه في كونهما بحيث تجوز الشارة الحسية إليهما؟‬ ‫أو أن نقول‪ :‬كل ذي طول وعرض وعمق فهو مثل كل ذي‬ ‫طول وعرض وعمق في قبوله للبعاد الثلثة ؟ بل أين ما‬ ‫يمنع ذلك في لغات سائر المم ؟ بل أين ما يمنع ذلك من‬ ‫صريح العقل وصادق الحس؟‬ ‫ثالثا ً‪ :‬أغلب عناية ابن تيمية واعتراضاته ينصب على‬ ‫اللفاظ والصطلحات مع أن المعنى الذي يصفه بمخالفة‬ ‫الكتاب والسنة وأقوال الئمة والعقل يثبته في مكان آخر‬ ‫ولكن بنحو ألفاظ المتكلمين‪ ..‬وفي مسألة البحث يقول ابن‬ ‫تيمية‪) :‬الجسام بينها قدر مشترك وهو جنس المقدار كما‬ ‫يقولون ما يمكن فرض البعاد الثلثة فيه()‪ (1‬ثم يقول في رد‬ ‫قول من قال إنه جسم كالجسام‪) :‬وإن قال إنه كالجسام‬ ‫المخلوقة في القدر المشترك بينها بحيث يجوز عليه ما‬ ‫يجوز على الجميع ل على كل واحدة فهذا أيضا معلوم‬ ‫الفساد ول نعرف قائل ً معروفا ً يقول به فإن هذا هو التشبيه‬ ‫والتمثيل الذي يعلم تنزه الله عنه‪ ،‬إذ كان كل ما سواه‬ ‫مخلوقا ً والمخلوقات تشترك في هذا المسمى فيجوز على‬ ‫المجموع من العدم والحدوث والفتقارما يجب تنزه الله‬ ‫عنه‪ .‬فتنزيه‬ ‫الله عما يستحق التنزيه عنه من مماثلة المخلوقات يمنع أن‬ ‫يشاركها في شيء من خصائصها سواء كانت تلك الخاصة‬ ‫)‪(2‬‬ ‫شاملة لجميع المخلوقات أو مختصة ببعضها(‬ ‫و في هذا النص أربع نقاط‪.

‬وأن المشارك له فيه مث ٌ‬ ‫ل له‪ ،‬وأن الله عز وجل‬ ‫تنزه عن أن يكون له مثل وأن يشترك مع شيء في‬ ‫الحقيقة أو الماهية فل يشارك الجسم في الحكام الواجبة‬ ‫والجائزة والممتنعة ول يثُبت له شيء من خصائص الجسم‬ ‫ولوازمه ؟‬ ‫رابعا ً‪ :‬ليس أدل على تناقض ابن تيمية في هذه‬ ‫المسألة و غيرها من قوله )التشابه الذي هو التماثل ل يكون‬ ‫بالموافقة في بعض الصفات بل بالموافقة في جميع‬ ‫)‪(2‬‬ ‫الصفات الذاتية التي يقوم بها إحداهما مقام الخر( فكيف‬ ‫يستقيم هذا مع ما سبق من دعواه أن المتكلمين استعملوا‬ ‫المماثلة في معنى ليس هو في لغة العرب ول في لغة‬ ‫غيرهم ؟‬ ‫ن تحمس ابن تيمية في إنكار أن يكون المثل‬ ‫خامسا ً‪ :‬إ ّ‬ ‫مستعمل ً في لغة من لغات المم فضل ً عن لغة العرب‬ ‫‪ ()1‬قارن مع ما في درء تعارض العقل ‪ 91-5/89‬اذ يطيل ابن تيمية‬ ‫النفس في إنكار وقوع الشتراك بين الجسام‬ ‫‪ ()2‬تليس الجهيمة ‪1/477‬‬ ‫‪186‬‬ .‬‬ ‫فيقال‪ :‬هذه النقاط هي أركان الدليل الذي نفاه ابن تيمية‬ ‫رحمه الله فلم ينف إل ألفاظا ً واصطلحات مع أنه أثبت‬ ‫المعنى والدللة ولكن بعبارات غير عبارات المتكلمين ولكن‬ ‫تتضمن نفس المعنى‪ .‬‬ ‫الرابعة‪ :‬تأكيد أن نفي المماثلة ل يستقيم معه إثبات شيء‬ ‫من خصائص المخلوقات‪.‫الول‪ :‬إثبات اشتراك الجسام في قدر مشترك وهو جنس‬ ‫)‪(1‬‬ ‫المقدار أو قبول البعاد الثلثة‬ ‫الثانية‪ :‬أن هذا الشتراك يعني أن يجوز على كل واحد من‬ ‫المشتركين في هذا القدر ما يجوز على الخر وأن يجب له‬ ‫ما يجب له وأن يمتنع عليه ما يمتنع عليه‪.‬‬ ‫الثالة‪ :‬أن هذا الشتراك في هذا القدر هو التماثل الذي يعلم‬ ‫تنزه الله عنه‪.‬فما الذي يمنع أن نصطلح في هذا‬ ‫القدر المشترك وهو جنس المقدار أنه حقيقة كل جسم‬ ‫وماهيته‪ .

‫ده افتراًء على لغة‬ ‫بمعنى المشاركة في الحقيقة وما ع ّ‬ ‫القرآن تهوي ٌ‬ ‫ل يكفي في رده الستشهاد باستعمال القرآن‬ ‫الكريم للمماثلة بمعنى المشاركة في الحقيقة‪.‬‬ ‫سادسا ً‪ :‬لو تركنا ما معنا من لغة القران والعقل‬ ‫والنقل الذي يدل على نفي المثل عن الله عز وجل وعلى‬ ‫تماثل الجسام وسلمنا بما طعن به ابن تيمية في وجه‬ ‫الستدلل المنزهين على ذلك بقوله تعالى )ليس كمثله‬ ‫شيء ( فإن الية تدل من وجوه أخرى على نفي الجسمية‬ ‫عن الله عز وجل‪ ،‬وهذا موضع بيانه‪.‬‬ ‫)‪(1‬‬ ‫قال تعالى‪) :‬قالت لهم رسلهم إن نحن إل بشر مثلكم(‬ ‫وقال تعالى‪) :‬قل إنما أنا بشر مثلكم يوحي إلي()‪ (2‬وقال‬ ‫تعالى‪) :‬فقال المل الذين كفروامن قومه ما هذا إل بشر‬ ‫مثلكم يريد أن يتفضل عليكم()‪ (3‬وقال تعالى )أو لم يروا أن‬ ‫الله الذي خلق السموات والرض قادر على أن يخلق‬ ‫)‪(4‬‬ ‫مثلهم(‬ ‫ويظهر بأدنى تأمل أن اليات الكريمة تثبت المماثلة بين‬ ‫جميع البشر‪ ،‬بل بين رسل الله عز وجل وبين من كفر من‬ ‫قومهم‪ ،‬فهل ثمة اشتراك بين رسل الله عز وجل وبين‬ ‫الكفار غير الشتراك في البشرية أو النسانية؟ ما الذي‬ ‫يشترك فيه جميع البشر فتتحق به المماثلة بينهم غير‬ ‫الشتراك في الحقيقة أو النوع؟ وإذا ثبت استعمال القران‬ ‫الكريم للماثلة بمعنى المشاركة في الحقيقة فإن الستشهاد‬ ‫بلغة العرب ولغة سائر المم تطويل بل طائل‪.‬‬ ‫ثانيًا‪ :‬دللة نفي التشبيه عن الله عز وجل على‬ ‫نفي التجسيم‪:‬‬ ‫‪( )1‬‬ ‫‪( )2‬‬ ‫‪( )3‬‬ ‫‪( )4‬‬ ‫الية‬ ‫الية‬ ‫الية‬ ‫الية‬ ‫)‪ (11‬من سورة إبراهيم‬ ‫)‪ (110‬من سورة الكهف‬ ‫)‪ (24‬من سورة الؤمنون‬ ‫)‪ (99‬من سورة السراء‬ ‫‪187‬‬ .

.) :‬بل إنها كما تريد أن‬ ‫تعطيك هذا الحكم تريد في الوقت نفسه أن تلفتك إلى وجه‬ ‫حجته وطريقه برهانه العقلي‪ ،‬أل ترى أنك إذا أردت أن تنفي‬ ‫عن امرء نقيصة في خلقه فقلت‪ :‬فلن ل يكذب ول يبخل‬ ‫أخرجت كلمك عنه مخرج الدعوى المجردة عن دليلها‪ ،‬فإذا‬ ‫زدت فيه كلمة فقلت‪ :‬مثل فلن ل يكذب ول يبخل لم تكن‬ ‫مشيرا ً إلى شخص آخر يماثله مبرأ ً من تلك النقائص بل كان‬ ‫ة له هو ببرهان كلي وهو أن من يكون على مثل‬ ‫هذا تبرئ ً‬ ‫صفاته وشيمه ل يكون كذلك لوجود التنافي بين طبيعة هذه‬ ‫الصفات وبين ذلك النقص الموهوم‪ ،‬على هذا المنهج البليغ‬ ‫وصفت الية الكريمة الحكيمة قائلة‪ :‬مثله ل يكون له مثل‬ ‫يعني أن من كانت له تلك الصفات الحسنى وذلك المثل‬ ‫العلى ل يمكن أن يكون له شبيه ول يتسع الوجود لثنين‬ ‫‪188‬‬ .‫إن توضيح دللة الية الكريمة على نفي التجسيم من‬ ‫هذا الوجه يستوجب أن نستحضر في الذهان ماسبقت‬ ‫الشارة إليه من أسرار تسليط النفي على أسلوب التشبيه‬ ‫في اليه الكريمة الذي جمع بين كلمتي التشبيه‪ ..‬‬ ‫وقد أشرنا إلى أن اجتماع كلمتي التشبيه في سياق النفي‬ ‫يفيد نفي أدنى مشابهة يمكن التعبير عنها بإحدى كلمتي‬ ‫التشبيه‪ ،‬وهذا الجتماع يقطع الطريق على من يريد أن‬ ‫يتمسك بأن نفي المثل يفيد نفي المثل المكافىء من جميع‬ ‫الوجوه فل يفيد نفي الشبه من وجه‪ ،‬فكان في هذا الجتماع‬ ‫نفيا ً لدنى مشابهة أو مماثلة يمكن التعبير عنها بإحدى‬ ‫الداتين‪.‬‬ ‫أما إذا اخترنا الحكم بزيادة لفظ "مثل" أو حملناه على‬ ‫الكناية فالحاصل هو نفي التشبيه لكن هذا الحاصل وإن كان‬ ‫يكفي في التعبير عنه بأن يقال‪ :‬ليس كالله شيء‪ ،‬لكن هذا‬ ‫القدر ليس كل ما ترمي إليه الية الكريمة كما أشار إلى‬ ‫ذلك الشيخ محمد دراز فقال‪.‬ثم التنبيه‬ ‫على أسلوب الية المعجز في التعبير عن هذا الذي نفت‬ ‫عنه بأسلوب معجز أيضا‪.

‫من جنسه‪ .‬‬ ‫وإذا كانت الية الكريمة في مقام التعبير عن هذا المنفي‬ ‫لم تكتف بكلمة واحدة من كلمتي التشبيه مع أنه يمكن أن‬ ‫يدل على ما يدل الجتماع فإنها لم تكتف بأسلوب واحد في‬ ‫التعبير عن عموم ما نفت عنه الشبه والمماثلة مع أن لفظ‬ ‫الشيء يمكن أن يكون كافيا ً في الدللة على هذا العموم‪،‬‬ ‫فلم تكتف بذلك بل جاءت بهذا اللفظ منكرا ً في سياق‬ ‫النفي ليدل من وجه آخر على العموم)‪ .‬فقد عبرت الية الكريمة عنه بلفظ " شيء " وهو أعم‬ ‫اللفاظ قال الخليل‪):‬الشيء مخففا ً هو اسم الدميين‬ ‫وغيرهم من الخلق()‪ (2‬فل جرم أن ماسوى الله عز وجل من‬ ‫الموجودات مخلوق يدخل في لفظ الشيء‪ .‬ول جرم أن‬ ‫الجسم يدخل في هذا العموم فليس يشبهه ول يماثله‬ ‫سبحانه جسم ول غيره‪.‬فل جرم جيء فيها بلفظين كل واحد منهما يؤدي‬ ‫ة‬ ‫معنى المماثلة ليقوم أحدهما ركنا ً في الدعوى والخر دعام ً‬ ‫ما تصوب إليه‬ ‫لها وبرهانًا‪ ،‬فالشبه المدلول عليه بالكاف ل ّ‬ ‫النفي تأدى به أصل التوحيد المطلوب‪ ،‬ولفظ المثل المصرح‬ ‫به مقام لفظ الجللة أو ضميره فيه على برهان ذلك‬ ‫)‪(1‬‬ ‫المطلوب(‬ ‫وإذا كان أسلوب الية في التعبير عن هذا المنفي معجزا ً‬ ‫فإن أسلوبها في التعبيرعن من يشمله هذا النفي معجز‬ ‫أيضًا‪ .(3‬وكأن الية الكريمة‬ ‫تريد أن تقرر في هذا المقام دليل نفي التشبيه على وجه‬ ‫محكم ل يزيغ عنه إل هالك‪ ،‬لنه إن غفل عن وجه دللة أداة‬ ‫‪ ()1‬النبأ العظيم ‪78‬‬ ‫‪ ()2‬العين ‪6/296‬‬ ‫‪ ()3‬من القواعد المقررة في الصول أن النكرة في سياق النفي‬ ‫تدل على العموم قال الفخر الرازي في المحصول ‪) :2/563‬وذلك‬ ‫لوجهين أن النسان ً إذا قال‪ :‬أكلت اليوم شيئا ً فمن أراد تكذيبه قال‪:‬‬ ‫هذا النفي عند تكذيب ذلك الثبات يدل‬ ‫ذكرهم‬ ‫ما أكلت اليوم‬ ‫شيئا ف ِ‬ ‫كونه مناقضا ً له‪ ،‬ولو كان قوله‪ :‬ما أكلت اليوم‬ ‫على اتفاقهم على‬ ‫شيئا ل يقتضي العموم لما ناقضه لن السلب الجزئي ل يناقض‬ ‫اليجاب الجزئي مثاله من كتاب الله تعالى أن اليهود لما قالت " ما‬ ‫أنزل الله على بشر من شيء " قال تعالى "قل ًمن أنزل الكتاب‬ ‫الثاني‪ :‬لو‬ ‫الذي جاء به موسى " وإنما أورد هذا الكلم نقضا‬ ‫لقولهم‪.‬الله نفيا ً‬ ‫لم تكن النكرة في النفي للعموم لما كان قولنا ل إله إل‬ ‫لللهة سوى الله تعالى( وانظر الحكام للمدي ‪ 2/226‬وإرشاد‬ ‫الفحول للشوكاني ‪1/207‬‬ ‫‪189‬‬ .

‬‬ ‫الية الثانية‪ :‬قوله تعالى‪) :‬رب السموات‬ ‫والرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل‬ ‫)‪(2‬‬ ‫تعلم له سميا(‬ ‫ووجه الستدلل بالية‪ :‬أن الستفهام فيها يراد به النفي‪،‬‬ ‫)‪(3‬‬ ‫كالنفي في قوله تعالى‪) :‬هل يهلك إل القوم الظالمون(‬ ‫‪ ()1‬انظر أحكام القرآن ‪ 1/300‬والتوحيد للماتريدي ‪25-1/23‬‬ ‫والفصل لبن حزم ‪ 1/22‬و ‪.‬‬ ‫ثالثًا‪ :‬دللة نفي التشبيه عن صفات الله عز وجل‬ ‫على نفي التجسيم‬ ‫إذا فسرنا المثل بالصفة كما سبق تكون الية الكريمة‬ ‫قد أفادت نفي الشبه بين صفات الله عز وجل وصفات‬ ‫المخلوقين وفي هذا أوضح الدللة على نفي التجسيم لنا‬ ‫نثبت الوجود صفة لله عز وجل ونبث الوجود صفة للجسام‪،‬‬ ‫ن في‬ ‫ووجود الجسام يقتضي شغل قدر من الفراغ والكو َ‬ ‫ل الشارة الحسية وقبو َ‬ ‫الجهة وقبو َ‬ ‫ل الحركة والسكون‬ ‫والجتماع والفتراق‪ ،‬ولما كان وجود الله ليس كوجود هذه‬ ‫الجسام فقد دل على تنزيهه عن لوازم هذا الوجود‬ ‫الجسمي‪.‫وأسلوب فل يصح أن يغفل عن دللة أداة أخرى وأسلوب‬ ‫آخر إل أن يكون متغافل ركن إلى حسه وهواه‪.‬‬ ‫والحاصل أن الية الكريمة تدل على أنه ليس كمثله شيء‬ ‫في شيء كما نص على ذلك المام الشافعي وغيره)‪ (1‬فلو‬ ‫كان الباري سبحانه جسما ً لكان أكثر الموجودات مماثل ً له‬ ‫ومشابها ً له من وجوه ل من وجه لن العالم أجسام‬ ‫وأعراض قائمة بالجسام‪ ،‬وبين هذه الجسام مماثلة في‬ ‫الحقيقة وتشابه من وجوه فما يماثل جسما ً منها يكون‬ ‫مماثل ً في الحقيقة لكل ما يماثل ذلك الجسم في الحكام‬ ‫الواجبة والجائزة والممتنعة‪.‬‬ ‫‪190‬‬ .1/40‬‬ ‫‪ ()2‬الية )‪ (11‬من سورة مريم‬ ‫‪ ()3‬سورة الية )‪ (47‬من سورة النعام‪.

1/56‬‬ ‫‪191‬‬ .45‬ورواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس مرسلة‪ .205 /‬‬ ‫‪ ()9‬أخرج المام البخاري بسنده عن أبي سعيد الخدري اأن رسول‬ ‫الله صلى الله عليه وسلم قال‪) :‬والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث‬ ‫القرآن( الجامع الصحيح ‪ .‬‬ ‫‪ ()2‬انظر لسان العرب )سمي( ‪14/402‬‬ ‫‪ ()3‬رواه عنه البخاري معلقا في صحيحه ‪ 2/1262‬وقال ابن حجر‬ ‫في الفتح ‪) 6/468‬وصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة‬ ‫عن ابن عباس‪ ،‬وانظر تعليق التعليق ‪ 4/33‬وأخرجه البيهقي في‬ ‫شعب اليمان ‪ 1/143‬والطبري في تفسيره ‪ 16/105‬والبيهقي في‬ ‫العتقاد ‪ .‬والسمي هو المثل في لغة العرب‬ ‫وفسره بذلك ابن عباس رضي الله عنهما فيما رواه عنه‬ ‫البخاري)‪ ،(3‬ورواه الطبري عنه وعن عدد من التابعين‪ ،‬منه‬ ‫ما أخرجه بسنده عن مجاهد بن جبر أنه قال في الية‪):‬هل‬ ‫تعلم له سميًا()‪ (4‬قال‪ :‬هل تعلم له شبيهًا‪ ،‬هل تعلم له مثل ً‬ ‫تبارك وتعالى)‪(5‬وقال البيضاوي‪):‬المراد هل تعلم له شبيها ً‬ ‫لن المتماثلين يتشاركان في السم()‪ (6‬ولما وقع هذا اللفظ‬ ‫منكرا ً في سياق استفهام يراد به النفي دل على العموم‪.‬‬ ‫‪ ()5‬انظر تفسير الطبري ‪ 16/105‬والدر المنشور للسيوطي ‪5/531‬‬ ‫وتفسير ابن كثير ‪3/132‬‬ ‫‪ ()6‬تفسير البيضاوي ‪4/6‬‬ ‫‪ ()7‬انظر تأسيس التقديس للرازي ‪25‬‬ ‫‪ ()8‬نظر الجواب الصحيح‪.4/1915‬وانظر صحيح مسلم ‪.‬‬ ‫فيدخل في عمومه الجسم وغير الجسم‪ .‬وقال‬ ‫في الميزان ‪) :5/163‬وأخذ تفسير ابن عباس عن ابن مجاهد فلم‬ ‫يذكر مجاهدا ً بل أرسله عن ابن عباس( وانظر جامع التحصيل للعلئي‬ ‫‪ 1/240‬وتحفة التحصيل لحمد بن عبد الرحيم ‪234‬‬ ‫‪ ()4‬الية )‪ (11‬من سورة مريم‪.‬فلو كان الباري‬ ‫سبحانه جسما ً لكان كل جسم سميا ً له وقد دلت الية على‬ ‫)‪(7‬‬ ‫نفيه‬ ‫)‪(8‬‬ ‫ومع أن ابن تيمية وافق على تفسير السمي بالمثل إل‬ ‫أنه نفى أن يكون في هذه الية واليات الخرى وجه يدل‬ ‫على نفي الجسم‪ ،‬ثم عاد في موضع آخر فسلم بما نفاه من‬ ‫كل وجه فقال بعد ذكر هذه الية وما معها من اليات‪:‬‬ ‫)‪(9‬‬ ‫)وهؤلء اليات إنما يدللن على انتفاء التجسيم والتشبيه(‬ ‫‪ ()1‬الية )‪ (17‬من سورة سبأ‪.‫وقوله‪) :‬وهل نجازي إل الكفور()‪ (1‬فالمراد نفي أن يكون لله‬ ‫)‪(2‬‬ ‫عز وجل سمي‪ .

‬‬ ‫‪192‬‬ .‫وقد سبق‪.‬ولم يذكر طعنا ً في هذا الستدلل غير ما سبق‬ ‫في كلمه على نفي المثل وقد تبعه هناك جوابه أيضا ً والله‬ ‫أعلم‪.

‬‬ ‫‪1‬‬ ‫‪ ()2‬الية )‪ (41‬من سورة يوسف‪.2/650‬‬ ‫‪193‬‬ .‬‬ ‫والثالث‪ :‬أن يستعمل وصفا ً مطلقًا‪ ،‬وليس ذلك إل في وصف‬ ‫الله تعالى بقوله )قل هو الله أحد(‪.‬وأما‬ ‫المستعمل في الثبات فعلى ثلثة أوجه‪:‬‬ ‫الول‪ :‬في الواحد المضموم إلى العشرات نحو أحد عشر‬ ‫وأحد وعشرين‪.‫المطلب الثاني في الستدلل بسورة الخلص‬ ‫تحدث العلماء عن فضل هذه السورة وما جاء فيها من‬ ‫الخبار التي تنص على أنها تعدل ثلث القرآن)‪ (1‬لنها تدل‬ ‫على مجامع صفات التنزيه‪ ،‬وأشار العلماء إلى استنباط‬ ‫دللتها على نفي التجسيم من ثلثة مواضع‪ :‬الول قوله‬ ‫تعالى )قل هو الله أحد( والثاني )الله الصمد( والثالث قوله‬ ‫تعالى‪) :‬ولم يكن له كفوا أحد(‪.‬‬ ‫والثاني‪ :‬أن يستعمل مضافا ً أو مضافا ً إليه بمعنى الول‪،‬‬ ‫كقوله تعالى‪) :‬أما أحدكما فيسقي ربه خمرًا()‪ (2‬وقولهم‪:‬‬ ‫)‪(3‬‬ ‫يوم الحد أي‪ :‬يوم الول‪.‬‬ ‫‪ ()3‬انظر المفردات في غريب القرآن ‪ .30/272‬والمصباح المنير للفيومي ‪..‬‬ ‫أو ً‬ ‫ل‪ :‬الستدلل بقوله تعالى )قل هو الله أحد(‪:‬‬ ‫اختلف اللغويون في معنى )أحد( واستعماله‪ ،‬واتفقوا‬ ‫على اختصاص الله عز وجل به إذا استعمل وصفًا‪ ،‬قال‬ ‫الراغب‪):‬أحد يستعمل على ضربين أحدهما في النفي فقط‬ ‫والثاني في الثبات‪ .‬فأما المختص بالنفي فلستغراق جنس‬ ‫الناطقين‪ ،‬ويتناول القليل و الكثير على طريق الجتماع‬ ‫والفتراق نحو ما في الدار أحد‪ ،‬أي‪ :‬واحد ول اثنان فصاعدا ً‬ ‫ل مجتمعين ول مفترقين‪ ،‬ولهذا المعنى لم يصح استعماله‬ ‫في الثبات لن نفي المتضادين يصح ول يصح إثباتهما‪ ،‬فلو‬ ‫قيل‪ :‬في الدار أحد لكان فيه إثبات واحد مع إثبات ما فوق‬ ‫الواحد مجتمعين ومفترقين وذلك ظاهر الحالة‪ .12‬وانظر نحوه في لسان‬ ‫العرب ‪) 3/70‬أحد( والتفان للسيوطي ‪ 1/429‬وروح المعاني‬ ‫لللوسي ‪ .

‬انظر تفسير معاني القران‬ ‫للزجاح ‪ 2/853‬وشرح الشافية لبن الحاجب ‪ 3/79‬ولسان العرب‬ ‫لبن منظور )أحد( ‪.‬أما همزة )أحد( إذا استعمل‬ ‫في النفي ويوم )الحد( فإنها أصلية‪ .‬والموضع‬ ‫الثاني أسماء العدد للغلبة وكثرة الستعمال نحو‪ :‬أحد ٌ‬ ‫وعشرون وواحد وعشرون()‪ (4‬وأنكر القرطبي أن تكون‬ ‫السماء الحسنى التي يتقارب معناها مترادفة ل تدل إل‬ ‫على معنى واحد واستبعده غاية الستبعاد ثم قال‪):‬لن‬ ‫السم ل يراد لحروفه بل لمعانيه‪ ،‬و السامي المترادفة ل‬ ‫يختلف إل حروفها‪ ،‬وإنما فضيلة هذه السامي لما تحتها من‬ ‫المعاني فإذا خلت عن المعنى لم يبق إل اللفاظ‪ .2/853‬‬ ‫‪ ()4‬المصباح للفيومي ‪ 2/65‬وانظر نحو في لسان العرب لبن‬ ‫منظور )احد( ‪.3/70‬‬ ‫‪ ()2‬قلب الواو المفتوحة المصدرة همزة ليس بالقياس اتفاقا‪ ،‬بل‬ ‫جاء ذلك في أحرف يسيرة نحو أسماء في اسم امراة فعلء من‬ ‫الوسامة عند الكثرين وليس بجمع لن التسمية بالصفة أكثر من‬ ‫التسمية بالجمع ونحو أحد في )وحد(‪ ..3/70‬‬ ‫‪ ()5‬المقصد السنى شرح أسماء الله الحسنى ‪.1/4‬‬ ‫‪194‬‬ ...3/446‬‬ ‫‪ ()3‬مشكل إعراب القران لمكي بن ابي طالب ‪.‫وقال في القاموس‪) :‬الحد بمعنى الواحد يوم من اليام‪ ،‬أو‬ ‫الحد ل يوصف به إل الله سبحانه وتعالى لخلوص هذا السم‬ ‫الشريف له()‪ (1‬واختلفوا على قولين في معنى الحد‬ ‫المستعمل وصفًا‪ :‬هل هو بمعنى الواحد على سبيل الترادف‬ ‫أم يزيد معناه على معنى الواحد؟‬ ‫قال مكي‪):‬أصل أحد )وحد( فأبدل من الواو همزة‪ ،‬وهو‬ ‫قليل في الواو المفتوحة)‪ (2‬وأحد بمعنى الواحد‪.‬فلبد أن‬ ‫نتكلف إظهار مزية لحد اللفظين على الخر ببيان اشتماله‬ ‫على دللة ل يدل عليها الخر كالغافر والغفور لم يكن بعيدا‬ ‫أن يدل الغافر على أصل المغفرة فقط والغفور يدل على‬ ‫كثرة المغفرة بالضافة إلى كثرة الذنوب()‪ (5‬وقد اجتهد‬ ‫العلماء في بيان مزية لفظ الحد على لفظ الواحد في‬ ‫‪ ()1‬الفيروزأبادي )أحد( ‪ 2/853‬وانظر لسان العرب ‪.‬وقد قيل إن‬ ‫أحد بمعنى أول ل إبدال فيه ول تغيير بمنزلة اليوم الحد‬ ‫وكقولهم‪ :‬ل أحد في الدار()‪ (3‬وقال في المصباح المنير‪:‬‬ ‫)ويكون أحد مرادفا ً لواحد في موضعين سماعا ً أحدهما‬ ‫وصف الباري تعالى فيقال هو الواحد وهو الحد‪ .

(4‬قال ابن فارس‪:‬‬ ‫)وهو واحد قبيلته إذا لم يكن فيهم مثله قال الشاعر‪:‬‬ ‫يا واحد العرب الذي ما في النام له نظير()‪ (5‬وقال ابن‬ ‫منظور‪):‬ورجل واحد متقدم في علم أو بأس أو غير ذلك‬ ‫)‪(6‬‬ ‫كأنه ل مثل له(‬ ‫أما المتكلمون فقد نظروا في ما يصح في اللغة أن يوصف‬ ‫بالوحدة فوجدوا أنه ما من جزء من أجزاء الموجودات ينفك‬ ‫عن الوحدة باعتبار ما‪ ،‬فحتى العدد قد تعرض له الوحدة‬ ‫فالعشرة الواحدة مثل ً مع اشتمالها على كثرة عرضت لها‬ ‫الوحدة من حيث كونها عشرة‪ ،‬وكذلك المئة الواحدة واللف‬ ‫الواحد‪ ،‬فل شيء من الموجودات ينفك عن الوحدة حتى‬ ‫‪ ()1‬الية )‪ (4‬من سورة الزمر‬ ‫‪ ()2‬انظر مقاييس اللغة لبن فارس )وحد( ‪ .3/446‬‬ ‫‪ ()3‬العين )وحد( ‪.3/28‬‬ ‫‪ ()4‬انظر أساس البلغة للزمخشري )وحد( ‪.7 1/2‬‬ ‫‪195‬‬ .‬‬ ‫‪ ()6‬لسان العرب ‪ .6/90‬والبيت مسنوب في الغاني ‪3/172‬‬ ‫لبشار بن برد يمدح به عقبة بن مسلم‪.668‬‬ ‫‪ ()5‬مقاييس اللغة )وحد( ‪ .6/90‬واللسان لبن‬ ‫منطوز )وحد ‪.‫وصف الله عز وجل‪ ،‬على أن هذه المزية ل ترفع الدللة‬ ‫على نفي التجسيم عن الوصفين أو عن الحد إذا فسر‬ ‫بمعنى الواحد‪.3/446‬وانظر العين للخليل ‪)281 – 3/280‬وحد(‬ ‫والنهاية في غريب الحديث لبن الجزري ‪.‬‬ ‫فنتكلم على دللة الحد على نفي التجسيم إذا فسرناه‬ ‫بالواحد‪ ،‬أو على الدللة على ذلك في قوله تعالى‪) :‬سبحانه‬ ‫)‪(1‬‬ ‫هو الله الواحد القهار(‬ ‫دللة )الحد( على نفي التجسيم إذا فسرناه‬ ‫بالواحد‬ ‫أما الواحد في اللغة فمن )وحد( وهو أصل يدل على‬ ‫)‪(2‬‬ ‫النفراد‬ ‫قال الخليل‪) :‬الوحد‪ :‬المنفرد‪ ،‬والرجل الوحيد ذو الوحدة‬ ‫وهو المنفرد ل أنيس معه()‪ (3‬ويبدو أن استعمال الواحد قد‬ ‫تطور من استعماله بمعنى المنفرد بذاته بل أنيس معه‬ ‫ليشمل المنفرد بصفة من الصفات أيضا ً)‪ .

‬‬ ‫وتقول هذه حلقة واحدة من هذه السلسلة الواحدة التي‬ ‫تشتمل على أربعين حلقة‪ .‫وإن عرضت له الكثرة من جهة أخرى غير الجهة التي‬ ‫عرضت له الوحدة منها)‪ .‬فالموجودات تتفاوت في الوحدة‬ ‫بحسب قبولها للنقسام وعروض الكثرة لها من بعض‬ ‫الوجوه‪ .‬‬ ‫وتقول هذه نقطة واحدة فل تعرض لها الكثرة من جهة‬ ‫الجزاء ول الجزئيات‪ .4/20‬‬ ‫‪196‬‬ .‬فيقال مث ً‬ ‫ل‪ :‬النسان واحد مع أن الكثرة تعرض من‬ ‫جهة أنه مفهوم يقال على كثير من الفراد التي يصدق عليها‬ ‫كزيد وعمر وخالد وغيرها من الفراد أو الجزئيات‪ .‬ووصف الحلقة بالواحدية غير‬ ‫وصف السلسلة بها لن الواحدية قد ترتفع عن السلسلة‬ ‫بانقسامها وانفصال بعض حلقاتها فتصير سلسلتين كل‬ ‫واحدة من عشرين حلقة مث ً‬ ‫ل‪ .‬وليس وصف هذه النقطة بالوحدة‬ ‫كوصف النسان بالوحدة مث ً‬ ‫ل‪ ،‬بل ليس وصف النسان‬ ‫بالوحدة كوصف زيد بها من حيث أولوية أحدهما بوصف‬ ‫الوحدة فإن مال ينقسم إلى الجزئيات كزيد مثل ً هو واحد‬ ‫بالشخص‪ ،‬وهو أولى بالوحدة من النسان الذي يقسم على‬ ‫‪ ()1‬انظر الملل والنحل للشهرستاني ‪ 35‬وشرح المقاصد للتقتازاني‬ ‫‪ 2/28‬وشرح المواقف للجرجاني ‪.(1‬ووجدوا كذلك أن وجود معنى‬ ‫الواحد يتفاوت في أفراد الموجودات من حيث الولوية في‬ ‫التصاف بها كما أن البياض موجود في كثير من‬ ‫الموجودات‪ ،‬لكن الثلج مثل ً أولى بوصف البياض من عظم‬ ‫العاج لنه أشد منه‪ .‬أما الحلقة فل تعرض لها‬ ‫الكثرة من هذه الجهة فهي أولى بالوحدة من السلسلة التي‬ ‫تتكثر بانفصال أجزائها ول توصف بالوحدة إل باتصال الجزاء‬ ‫التي تقسم عليها‪.‬وتقول‪:‬‬ ‫هذا زيد فل تعرض له الكثرة من جهة أنه ل يصدق على فرد‬ ‫آخر‪ ،‬بل تعرض له الكثرة من جهة أخرى وهي اشتماله على‬ ‫أجزائه المختلفة من يد ورجل وجسد وروح وعقل ونفس فل‬ ‫يصير واحدا ً إل باجتماع أجزائه المختلفة التي يقسم عليها‪.

52‬وقال الرازي‪ :‬الواحد شيء ل‬ ‫ينقسم‪ ،‬وإنما قلنا شيء احتزازا عن المعدوم لن المعدوم ل ينقسم‪.‬‬ ‫وإنما قلنا ل ينقسم احتزازا عن قولنا‪ :‬رجل واحد فان يقبل القسمة‪،‬‬ ‫أما الواحد الحقيقي فإنه ليقبل القسمة بوجه البتة انظر لوامع‬ ‫البيانات ‪.‬ثم هذا‬ ‫المعنى الذي يشترك فيه أفراد هذا الكلي إن تساوى واتفق وجوده‬ ‫في الفراد ليزيد فرد منها على الخر فيما اشتركوا فيه متواطئ‬ ‫كالنسان مثل ً إذ كل فرد من أفراده ليزيد على الخر في النسانية‪.‬فيقال إنه واحد بمعنى أنه ل جزء له البتة‪ .‬ثم التفاوت قد يكون من حيث أن وجوده في أحدهما أشد من‬ ‫الخر كما سبق في البياض وقد يكون من جهة أن أحدهما أقدم‬ ‫اتصافا ً به كالوجود‪ ،‬وقد يكون من حيث الولى كالنور المنعكس على‬ ‫المرآة من المصباح فإن المصباح أولى به من النور المنعكس‪ .3/448‬‬ ‫‪197‬‬ .‬‬ ‫وإن تفاوت وجود هذا المعنى في الفراد فهو المشكك‪ .‬‬ ‫ثم الواحد بالتصال أولى بالوحدة مما يقسم على أجزاَء‬ ‫مختلفةٍ يصير واحدا ً باجتماعها‪ ،‬كهذه الشجرة التي تقسم‬ ‫على الغصان والوراق وغيرها)‪ (1‬فالواحد إذن يقال‬ ‫)‪(2‬‬ ‫بالتشكيك على أفراده‬ ‫وبهذه النظرة إلى الموجودات ووصفها المتفاوت‬ ‫بالوحدة تفاوتا ً من حيث ا َ‬ ‫لولى عّرف المتكلمون الواحد بأنه‬ ‫شيء ل ينقسم)‪ (3‬ثم قبل اللغويون بهذه النظرة العقلية‬ ‫وقبلوا هذا التعريف قال الراغب‪) :‬الوحدة‪ :‬النفراد‪ ،‬والواحد‬ ‫في الحقيقة هو الشيء الذي ل جزء له البتة()‪ (4‬وقال ابن‬ ‫منظور )الواحد هو الذي ليتجزأ ول يتثنى ول يقبل النقسام‬ ‫ول نظير له ول مثل()‪ (5‬وقال القرطبي‪) :‬الواحد هو الذي‬ ‫ليتجزأ ول يتثنى‪ ،‬أما الذي ليتجزأ فكالجوهر الواحد الذي ل‬ ‫ينقسم‪ .4/46‬‬ ‫‪ ()2‬السم عند المتكلمين إما أن يمنع نفس تصوره معناه من وقوع‬ ‫الشركة فيه فهو جزئي لنه يصدق على فرد واحد بعينه كهذه الورقة‬ ‫وزيد وعمر‪ .‫أفراده وجزئياته‪ .‬و كذا‬ ‫‪ ()1‬انظر شرح المقاصد للتفتازاني ‪ 2/32‬وشرح المواقف للجرجاني‬ ‫‪.514‬‬ ‫‪ ()5‬لسان العرب وجد ‪.1/210‬‬ ‫‪ ()3‬انظر الرشاد للجويني ‪ .308‬‬ ‫‪ ()4‬المفردات ‪.‬ثم الواحد بالشخص كهذه النقطة مثل ً ل‬ ‫ينقسم أصل فهو الواحد الحقيقي‪ ،‬وهو أولى بالوحدة مما‬ ‫يصير واحدا ً باتصال أجزائه المتشابهة كالسلسلة‪.11 1/3‬والبهاج للسبكي‬ ‫‪.‬انظر‬ ‫ميار العلم الغزالي ‪ 82‬والمحصول للرازي ‪ .‬ويسمي بذلك‬ ‫لكونه يشكك الناظر هل هو متواطئ لوحدة الحقيقة فيه أو مشترك‬ ‫يتعدد معناه ويتحد لفظه كالبياض الذي هو في الثلج أشد منه في‬ ‫العاج‪ .‬وإن لم يمنع نفس تصور معناه من وقوع الشركة فيه‬ ‫فهو كلي ل يمنع فرض صدقه على أفراد كثيرين كالنسان فإنه‬ ‫يصدق على زيد وعمر وكل فرد من أفراد النسان الكلي‪ .

‬ول يصح أن يراد بالواحد‬ ‫العدد إذ يخلو الكلم عن الفائدة فإن الباري سبحانه ليس‬ ‫ض عدد وليس معدودا ً ول بعضا ً لمعدود فهو‬ ‫عددا ً ول بع َ‬ ‫سبحانه الواحد على الحقيقة الذي ل يتكثر البتة ول يضاف‬ ‫إلى سواه‪ ،‬وكل ما وقع عليه اسم واحد مما دونه تعالى فإنه‬ ‫إذا قسم استبان أنه كان كثيرا ً ل واحدًا‪ .‬والله واحد بمعنى أن يستحيل تقدير‬ ‫النقسام في ذاته‪.3/133‬‬ ‫‪ ()2‬تفسير أسماء الله الحسنى ‪.‬فإن كان في الوجود موجود منفرد بخصوص وجوده‬ ‫تفردا ً ل يمكن أن يشاركه غيره فيه أصل ً فهو الواحد‬ ‫المطلق أزل ً وأبدا ً والعبد إنما يكون واحدا ً إذا لم يكن له في‬ ‫أبناء جنسه نظير في خصلة من خصال الخير وذلك بالضافة‬ ‫إلى أبناء جنسه وبالضافة إلى الوقت‪ ،‬إذ يمكن أن يظهر‬ ‫في وقت آخر مثله‪ ،‬وبالضافة إلى بعض الخصال دون‬ ‫الجميع()‪ (1‬وقال الزجاج‪) :‬والله تعالى هو الواحد في‬ ‫الحقيقة ومن سواه من الخلق آحاد تركبت()‪ (2‬ولما كان‬ ‫الواحد يقال بالتشكيك على أفراده وجب إذا وصف الله عز‬ ‫وجل به أن يكون المراد الواحدية الكاملة كما قلنا في‬ ‫الوجود إن معناه واحد في أشياء كثيرة مع تفاوته في تلك‬ ‫الشياء فالجوهر أولى من العرض بمعنى الوجود ووجود الله‬ ‫سبحانه هو الوجود الكامل الذي ل يلحقه نقص بوجه من‬ ‫الوجوه‪ ،‬وكل كمال ثبت في معنى معين للوجود فالله أولى‬ ‫به‪ .‬والله سبحانه هو‬ ‫المنفرد بالوحدانية المنزه عن أنحاء التركيب والتعدد وما‬ ‫‪ ()1‬المقصد السنى ‪.‬‬ ‫وأما الذي ل يتثنى فهو الذي ل نظير له كالشمس مث ً‬ ‫ل‪ ،‬فإنها‬ ‫وإن كانت قابلة للنقسام بالوهم متجزئة في ذاتها لنها من‬ ‫قبيل الجسام فهي ل نظير لها‪ .‫النقطة ل جزء لها‪ .1/57‬‬ ‫‪198‬‬ .‬فكذلك وصف الله عز وجل بالواحدية يراد بها الواحدية‬ ‫التي ل يكون أزيد منها ول أكمل‪ .‬إل أنه يمكن أن يكون لها‬ ‫نظير‪ .

..7/114‬‬ ‫‪199‬‬ .30/272‬‬ ‫‪ ()2‬تلبيس الجهمية ‪ 1/483‬وانظر نحوه في درء التعارض ‪.‬‬ ‫الثاني‪ :‬ل ريب أن العرب تصف كثيرا ً من الجسام بأنه‬ ‫واحد‪ ،‬ولكن ليس في لغة العرب ما يمنع من سلب الوحدة‬ ‫عن جسم من الجسام من كل وجه؟ بل ما من موجود‬ ‫واحد من المخلوقات إل ويصح أن يوصف بالكثرة من أحد‬ ‫‪ ()1‬انظر التوحيد للمام الماتريدي ‪ 1/43‬وبحر الكلم للنسفي‬ ‫‪ .‬فالقرآن ونحوه من الكلم العربي متطابق‬ ‫على ما هو معلوم بالضطرار في لغة العرب وسائر اللغات‬ ‫أنهم يصفون كثيرا ً من المخلوقات بأنه واحد ويكون ذلك‬ ‫جسمًا‪.‬ونذكر ما في اللغة‬ ‫من ذكر الواحد مع كونه موصوفا ً ذا مقدار‪ ،‬بل ل يوجد في‬ ‫اللغة اسم واحد إل على ذي صفة ومقدار()‪ (2‬وقبل أن‬ ‫نسترسل في اعتراضه رحمه الله نجيب على ما سبق من‬ ‫وجوه‪:‬‬ ‫الول‪ :‬أصل ما فسر به المتكلمون )الواحد( هو الفهم‬ ‫الصحيح المعتمد على استقراء استعمال الواحد في لغة‬ ‫القرآن والسنة ولغة العرب كما سبق بيانه‪ .‬‬ ‫والئمة باطل بل ريب شرعا ً وعقل ً ولغ ً‬ ‫أما في اللغة‪ ...‬وليس في‬ ‫القرآن ول في السنة ول في كلم السلف والئمة ما يعارض‬ ‫هذا التقسيم‪ ،‬وكل أدلة التنزيه من العقل والنقل شاهدة‬ ‫مؤكدة لهذا التفسير‪.124‬وتفسير البيضاوي ‪ 5/547‬والفصل لبن حرم ‪ 1/31‬وروح‬ ‫المعاني لللوسي ‪.‬وإذا كان أهل اللغة متفقين على تسمية الجسم‬ ‫الواحد واحدا ً امتنع أن يكون في اللغة معنى الواحد الذي ل‬ ‫ينقسم إذا أريد بذلك أنه ليس بجسم‪.‫يستلزم أحدها كالجسمية والتحيز الذين يستلزمان التركيب‬ ‫)‪(1‬‬ ‫والمشاركة في اللوهية التي تستلزم التعدد‬ ‫مناقشة ابن تيمية رحمه الله في اعتراضه على‬ ‫هذا الستدلل‪:‬‬ ‫قال رحمه الله‪) :‬إن ما فسر به هؤلء اسم الواحد من‬ ‫التفاسير التي ل أصل لها في الكتاب والسنة وكلم السلف‬ ‫ة‪.

‬‬ ‫الثالث‪ :‬قولك‪" :‬إذا كان أهل اللغة متفقين على تسمية‬ ‫الجسم الواحد واحدا ً امتنع أن يكون في اللغة معنى الواحد‬ ‫الذي ل ينقسم" إنما يتم إذا قلنا‪ :‬إن كل ما سموه واحدا ً ل‬ ‫ينقسم البتة‪ ،‬وإنما قلنا‪:‬الواحد على أقسام منه ما يقسم‬ ‫على جزئيات‪ ،‬ومنه ما يقسم على أجزاء‪ ،‬ومنه مال ينقسم‬ ‫البتة‪ ،‬وهو الواحد الحقيقي‪ ،‬فكل ما ستذكره مما سموه‬ ‫واحدا ً ل ينقسم من جهة ما قبل إنه واحد وإن كان كثيرا ً‬ ‫ليس واحدا ً من جهة أخرى كالنسان الواحد فإنه يستحيل‬ ‫أن يقسم من حيث هو إنسان إلى إنسان ثان‪ ،‬ولكنه يقسم‬ ‫على أجزاء وأبعاض يتركب منها ويتكثر بها‪ .‬ووصفه بالوحدة‬ ‫من جهة ل يمنع انقسامه من جهة أخرى‪ ،‬وانقسامه من جهة‬ ‫ل يرفع عنه الوحدة من جهة ل يستحيل أن ينقسم منها‪.‬فهذا الماء الواحد في هذا الكوب إذا جعل في‬ ‫كوبين قيل‪ :‬هذا ماء وهذا ماء‪ ،‬فترتفع الوحدة ويتكثر‬ ‫بانقسامه‪ ،‬أما الذي ل ينقسم ول تعرض له الكثرة من وجه‬ ‫فهو الواحد الحقيقي‪.‬‬ ‫ومنشأ الغلط من تصرفه في لفظ الواحد في قوله‪" :‬أهل‬ ‫اللغة متفقون على تسمية الجسم الواحد واحدًا" فإن أردت‬ ‫بالجسم الواحد الذي يقال إنه واحد من وجه‪ ،‬فل يمتنع لغة‬ ‫أن يكون معنى الواحد الحقيقي الذي ل ينقسم من أي وجه‪.‬‬ ‫‪200‬‬ .‫الوجوه‪ .‬‬ ‫وإن أردت بالجسم الواحد الذي يقال إنه واحد من كل وجه‬ ‫فل يتم استدللك إل إذا أثبت أنه مع ذلك منقسم وهو‬ ‫تناقض لنه يصير واحدا ً من كل وجه وكثيرا ً من أحد الوجوه‪.‬‬ ‫‪ ()2‬الية )‪ (46‬من سورة سبأ‪.‬‬ ‫الرابع‪ :‬قولك‪):‬بل ل يوجد في اللغة اسم واحد إل على ذي‬ ‫صفة ومقدار( مردود بقول الله عز وجل‪) :‬فيميلون عليكم‬ ‫)‪(2‬‬ ‫ميلة واحدة()‪ (1‬وقال تعالى‪) :‬قل إنما أعظكم بواحدة(‬ ‫وقال تعالى‪) :‬ل تدعوا اليوم ثبورا ً واحدا ً وادعوا ثبورا ً كثيرًا(‬ ‫‪ ()1‬الية )‪ (102‬من سورة النساء‪.

‬‬ ‫الخامس‪ :‬إذا لم يصح اعتراضك على تفسير الواحد الحقيقي‬ ‫بما ل ينقسم فإن كلم من سبق من اللغويين الخبيرين بلغة‬ ‫العرب ومفرداتها كالراغب وابن منظور وأبي إسحاق الزجاج‬ ‫شاهد لصحة هذا التفسير العقلي الذي استنبطه المتكلمون‬ ‫من استقراء استعمال الواحد في اللغة كما سبق توضيحه‪.‬‬ ‫ثم يقول ابن تيمية رحمه الله‪) :‬وأما الشرع فمن‬ ‫المعلوم بالضطرار أن اسم الواحد في كلم الله لم يقصد‬ ‫به سلب الصفات وسلب إدراكه بالحواس ول انفي الحد‬ ‫والقدر ونحو ذلك من المعاني التي ابتدع نفيها الجهمية‬ ‫وأتباعها ول يوجد نفيها في كتاب ول سنة ول عن صاحب ول‬ ‫)‪(3‬‬ ‫أئمة المسلمين(‬ ‫‪ ()1‬الية )‪ (14‬من سورة الفرقان‪.1/483‬‬ ‫‪ ()3‬المصدر السابق ‪.‬ليس في الخارج‬ ‫شيء موجود ل يكون له صفات ول قدر ول يتميز منه شيء‬ ‫عن شيء‪ ،‬بحيث يمكن أن ل يرى ول يدرك ول يحاط به وإن‬ ‫سماه المسمى جسمًا()‪ (2‬وقد سبق ما فيه الجواب عنه‬ ‫لكن يتعين الشارة إلى ما يلزمه لزوما بينا ً أنه سبحانه‬ ‫يشترك مع الموجودات في الخارج في أن له مقدارا ً وأنه‬ ‫يتميز منه شيء منه دون شيء‪.1/484‬‬ ‫‪201‬‬ .‬‬ ‫‪ ()2‬تلبيس الجهمية ‪.‫)‪ (1‬واستقصاء ما في لغة العرب من إطلق الواحد على غير‬ ‫الجسام مجاراة في تطويل بل طائل‪.‬‬ ‫المسادس‪ :‬إذا لم نجد في اللغة لفظ الواحد إل في ذي‬ ‫صفة ومقدار فكيف تفهم وصف الله عز وجل به؟ هل تلتزم‬ ‫بالمقدار في وصف الله عز وجل أو تفسره بمعنى لم‬ ‫تستعمله فيه العرب فيعود عليك ما أنكرته على المنزهين؟‬ ‫ثم يقول ابن تيمية رحمه الله في حملة اعتراضاته‪) :‬وأما‬ ‫العقل‪ :‬فهذا الواحد الذي وصفوه يقول لهم فيه أكثر العقلء‬ ‫وأهل الفكر السليمة إنه أمر ل يعقل ول له وجود في‬ ‫الخارج‪ ،‬وإنما هو أمر مقدر في الذهن‪ .

‬‬ ‫‪202‬‬ .‬وسيأتي بيان هذا‬ ‫السلوب الذي سنألفه من ابن تيمية رحمه الله في تهويله‬ ‫بحشر الكتاب والسنة وأقوال السلف والئمة في الجانب‬ ‫المقابل للتنزيه والمساير لثبات لوازم التجسيم‪ .‬والذي‬ ‫يعنينا في هذه النقطة هو دللة لفظ الواحد على سلب الحد‬ ‫والمقدار عن الله عز وجل‪ .‬فنقول زيادة على ما سبق من‬ ‫المعلوم بالضطرار أن الله عز وجل وصف نفسه في كلمه‬ ‫بأنه الواحد القهار‪ ،‬وتبين أن المحدود المقدر ل يكون وصفه‬ ‫بالواحد كما ً‬ ‫ل‪ ،‬بل كمال ذي الحد والمقدار بكبر حده وكثرة‬ ‫مقداره كما قال تعالى في وصف طالوت‪) :‬قال إن الله‬ ‫اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم()‪ (1‬ولو كان‬ ‫ذو الحد والقدر مقدرا ً بقدر واحد لكان حقيرا ً صغيرا ً وكان‬ ‫الكثر منه مقدارا ً أكم َ‬ ‫ل منه‪ ،‬فالوحدة صفة نقص فيه‪ .‬‬ ‫ثم يقول ابن تيمية رحمه الله‪) :‬وفي النفي الذي يذكره‬ ‫النفاة ويفسرون به اسم الواحد هو عند أهل السنة‬ ‫والجماعة مستلزم للعدم مناقض لما وصف به نفسه في‬ ‫كتابة من أنه الحد الصمد وأنه العلي العظيم وأنه الكبير‬ ‫‪ ()1‬الية )‪ (247‬من سورة البقرة‪.‬والله‬ ‫سبحانه قد تمدح بالواحد فله الكمال المطلق في أوصافه ل‬ ‫يلحقه نقص بوجه من الوجوه‪ ،‬ولو كان ذا مقدار وحد لما‬ ‫كان كمال ً وصفه بالواحد‪ ،‬فلما وصف به تمدحا ً دل على‬ ‫تنزهه عن المقدار من هذا الوجه أيضًا‪.‫والجواب أنه ل شك أن من المعلوم بصحيح النظر أن اسم‬ ‫الواحد ل يقصد به سلب الصفات وإنما يسلب به التجسيم‬ ‫ولوازمه من الحد والمقدار ‪-‬الذي يسميه ابن تيمية بالقدر‬ ‫أحيانا ً ويصرح بلفظ المقدار أحيانا ‪ -‬وغير ذلك من المعاني‬ ‫التي تستلزم التجسيم مما ابتدع المجسمة إثباتها في وصف‬ ‫الله عز وجل فانبرى العلماء ممن ينبذهم ابن تيمية بالتهجم‬ ‫ونفوا عن الله ما أثبته هؤلء مما يخالف أدلة التنزيه من‬ ‫القرآن والسنة وأقوال الئمة والسلف‪ .

‬ومعلوم أن هذا‬ ‫خلف ما في الكتاب والسنة وخلف لغة العرب قال الله‬ ‫تعالى‪ ") :‬يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس‬ ‫واحدة وخلق منها زوجها ")‪ .‬وإل فكيف تتنافى‬ ‫الواحدية الحقيقية وعدم قبول النقسام مع الكبر والعظمة‬ ‫في غير مقياس التجسيم‪ ..‬‬ ‫الية )‪ (32‬من سورة فاطر‬ ‫الية )‪ (1‬من سورة النساء‪..‬‬ ‫تلبيس الجهمية ‪489-1/488‬‬ ‫‪203‬‬ ..‬وقد وجد في كتاب الله عز وجل‬ ‫كثيرا ً مما وصف به غير الجسام بالكبر والعظمة مع أنه‬ ‫واحد قال تعالى‪) :‬قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك‬ ‫)‪(3‬‬ ‫هذا بهتان عظيم()‪ (2‬وقال تعالى‪) :‬وجاؤوا بسحر عظيم(‬ ‫)‪(4‬‬ ‫وقال تعالى‪) :‬وذلك هو الفضل الكبير(‬ ‫ثم يتابع ابن تيمية قائ ً‬ ‫ل‪) :‬وذلك يظهر الكلم على صحته من‬ ‫وجوه‪:‬‬ ‫أحدها أنه قال الجسم أقله أن يكون مركبا ً من جوهرين‬ ‫وذلك ينافي الوحدة وقوله )أحد( مبالغة في الوحدانية فكان‬ ‫قوله )أحد( منافيا ً للجسمية‪ ،‬يقال له هذا يقتضي أن شيئا ً‬ ‫مما يقال له جسم ل يوصف بالوحدة‪ .1/488‬‬ ‫الية )‪ (116‬من سورة العراف‪.. (5‬وإذا كانت حواء خلقت من‬ ‫جسد آدم وآدم جسم من الجسام وقد سماها الله نفسا ً‬ ‫)‪(6‬‬ ‫علم أن الجسم قد يوصف بالوحدة(‬ ‫واحدة ُ‬ ‫‪()1‬‬ ‫‪( )2‬‬ ‫‪( )3‬‬ ‫‪()4‬‬ ‫‪( )5‬‬ ‫‪()6‬‬ ‫تلبيس الجهمية ‪.‫المتعال وأنه استوى على العرش وأنه يصعد إليه ويوقف‬ ‫)‪(1‬‬ ‫عليه وأنه يرى في الخرة كما يرى الشمس والقمر(‬ ‫والجواب‪ :‬أن ما ذكره النفاة مما يدل )الواحد( على نفيه‬ ‫عن الله عز وجل ل ينافي ما وصف الله به نفسه في كتابه‬ ‫من أنه العلي العظيم الكبير وأنه استوى على العرش إل إذا‬ ‫حمل ذلك على ما يحمل على الجسام من العلو الذي‬ ‫يستلزم التجسيم بإثبات المكان والجهة‪ ،‬وكذلك الكبر‬ ‫والعظمة الذي توصف به الجسام‪ .‬‬ ‫الية )‪ (16‬من سورة النور‪.

) :‬وهو واحد قبيلته إذا لم‬ ‫يكن فيهم مثله()‪ (2‬وقال إمام الحرمين‪):‬الرب سبحانه‬ ‫موجود فرد متقدس عن قبول التبعيض والنقسام‪ ،‬وقد يراد‬ ‫بتسميته واحدا ً أنه ل مثل له ولنظير()‪ (3‬فلو كان الباري‬ ‫جسما ً لكان كل جسم مثل ً له‪ ،‬وقد دل اسم الواحد على‬ ‫تنزهه عن المثل والنظير فل يكون جسمًا‪..‬‬ ‫وهنا نتساءل إذا كان تفسير الواحد يدل في اللغة على نفي‬ ‫التشبيه والمثيل والنظير كما نص على ذلك اللغويون‬ ‫واشتهر استعماله وثبت في لغة العرب في شواهد ل‬ ‫تحصى)‪ (4‬وإذا كان جل اعتراض ابن تيمية علىالمنزهين لنهم‬ ‫في دعواه فسروا ألفاظ القرآن بما ل يعرفه العرب فما‬ ‫موقفه هنا من استعمالهم لفظ الواحد بما يدل على نفي‬ ‫التجسيم؟‬ ‫‪ ()1‬الوحدة الحقيقية هي كون الشيء ل ينقسم أصل كالنقطة‪.‫وليس هذا جوابا ً عن ما ذكره المام الرازي‪ ،‬وفيه تكرير‬ ‫لشبهة سبقت مع جوابها‪ ،‬فل يخفى أن قول الرازي يقتضي‬ ‫أن شيئا ً مما يقال له جسم ل يوصف بالوحدة الحقيقية‪،‬‬ ‫)‪(1‬‬ ‫وليس فيه أنه ل يوصف بالوحدة الضافية‪.2/1773‬‬ ‫‪ ()2‬مقاييس اللغة )وحد( ‪ 6/90‬وانظر نحوه في لسان لبن منظور‬ ‫)وحد( ‪3/466‬‬ ‫‪ ()3‬انظر الرشاد ‪ ،52‬وانظر العتقاد للبيهقي ‪ 1/63‬وتفسير ابن‬ ‫كثير ‪ 4/571‬وفتح الباري لبن حجر ‪13/344‬‬ ‫‪ ()4‬انظر قرى الضيف ‪ 1/38‬و ‪ 3/276‬والجمهرة لبن دريد ‪3/87‬‬ ‫والبيان للجاحظ ‪98‬‬ ‫‪204‬‬ .‬‬ ‫والوحدة الضافية هو كون الشيء بحيث ينقسم إلى أمور مشاركة‬ ‫في الماهية كالنسان الذي ينقسم إلى اليد والرجل انظر شرح‬ ‫المطالع للصفهاني ‪ .‬‬ ‫الوجه الثاني من وجوه الستدلل بأنه واحد‬ ‫سبحانه‪:‬‬ ‫وحتى لو سلمنا باعتراضات ابن تيمية على استدلل‬ ‫المنزهين بوصفه سبحانه وتعالى بالواحد وتفسيره بما ل‬ ‫ينقسم فإن وصفه بالواحد سبحانه يدل من وجه آخر‬ ‫علىالتنزيه‪ ،‬وذلك بأن يفسر الواحد بالمنفرد الذي ليس له‬ ‫مثل ول نظير كما قال ابن فارس‪.62‬وكشاف الصطلحات للتهانوي ‪.

.‬قال الرازي‪) :‬لهذا السبب لم يذكر الله سبحانه لم‬ ‫‪ ()1‬هو حسين بن محمد النجار وافق المعتزلة في أصول وانفرد في‬ ‫أصول انظر ترجمته ومقالته في مقالت السلمين للشعري‬ ‫‪ 1/136‬والفرق بين الفرق للبغدادي ‪ 196‬والفصل لبن حزم ‪.2/89‬‬ ‫‪ ()2‬انظرتلبيس الجهمية ‪1/466‬‬ ‫‪ ()3‬انظرالمصدر السابق ‪1/466‬‬ ‫‪ ()4‬المصدر السابق ‪1/502‬‬ ‫‪205‬‬ .‬‬ ‫تفسير )الحد( بما يزيد على )الواحد( و دللته‬ ‫على نفي التجسيم‪:‬‬ ‫سبق أن بعض العلماء لم يقنع بالحكم على الوصفين‬ ‫بالترادف‪ ،‬لنه قد ثبت للفظ )أحد( مزية في الستعمال‬ ‫على الواحد فالواحد يكون في الثبات اسما ً لمفتتح العدد‪،‬‬ ‫أما " أحد" فهو مبني على نفي ما يذكر معه من العدد‪ ،‬ثم‬ ‫ه‪،‬‬ ‫إن لفظ الواحد لُيحرم مخلوقٌ أن يوصف به ولو على وج ٍ‬ ‫أما لفظ )أحد( فقد استأثر الله عز وجل بإطلقه على سبيل‬ ‫الوصف‪ .‬ثم كيف نسلم بذلك وشهرة نفي‬ ‫التشبيه بل وتفسير الواحد به ل يكاد يخفي وله أمثلة ل‬ ‫تحصى وحتى ابن تيمية نص على ذلك في موضع آخر فقال‪:‬‬ ‫)ول ريب أن كونه واحدا ً يمنع أن يكون له شبيه()‪ (4‬وسيأتي‬ ‫تفسير)الحد( بذلك في موضعه‪.‫وفي الجواب نقول‪ :‬إن ابن تيمية رحمه الله جعل هذا‬ ‫التفسير رأيا ً لطائفة من المعتزلة وحسين النجار)‪ (1‬تشنيعا ً‬ ‫لهذا الرأي‪ ،‬وإيهاما ً لشذوذه فقال‪ .) :‬و ذهب حسين النجار‬ ‫وطائفة من المعتزلة إلى أن الواحد هو الذي ل شبيه له كما‬ ‫يقولون فلن واحد دهره()‪ (2‬ثم زعم أن هذا المعنى غير‬ ‫متفق عليه بين المسلمين)‪ (3‬ونحن لو سلمنا بأن تفسير‬ ‫الواحد بمن ليس له شبيه هو رأي المعتزلة فما الذي يمنع‬ ‫أن يكون حقا ً إذا وافق لغة العرب التي يغار ابن تيمية على‬ ‫فهمها بما ينفي التجسيم‪ ،‬أما إذا استعمل العرب لفظا ً من‬ ‫ألفاظ القرآن بما يدل على التنزيه فل يعاب على مخالفيه‪،‬‬ ‫وينسب الستدلل به إلى غير أهل السنة‪ ،‬ويزعم أنه محل‬ ‫خلف بين المسلمين‪ .

‫التعريف في )أحد( فقال )قل هو الله أحد( وذلك لنه صار‬ ‫نعتا ً لله عز وجل على الخصوص فصار معرفة فاستغنى عن‬ ‫التعريف()‪(1‬وقال الزهري )وأما اسم الله عز وجل فل‬ ‫يوصف شيء بالحدية غيره‪ ،‬ل يقال‪:‬رجل أحد ول درهم‬ ‫أحد‪ ،‬كما يقال‪ :‬رجل واحد أي فرد لن)أحدًا( صفة من‬ ‫صفات الله عز وجل التي استخلصها لنفسه ول يشركه فيها‬ ‫شيء‪ ،‬وليس كقولك‪ :‬الله واحد‪ ،‬وهذا شيء واحد ول يقال‪:‬‬ ‫شيء أحد()‪ .‬وقد اجتهد‬ ‫العلماء في بيان هذه الميزة‪.(2‬فل بد أن يكون الختصاص باللفظ مع المعنى‬ ‫لمعنى يزيد فيه لفظ )الحد( على )الواحد(‪ .‬‬ ‫ولكن لفظ الواحد أيضا ً يستدل به على الوحدة في الصفات‬ ‫لن الوحدة تدل في اللغة على النفراد بالذات ثم ُيتوسع‬ ‫في استعمالها لتدل على الوحدة في الصفات كما يقال‪ :‬هو‬ ‫واحد قبيلته‪ ،‬ل بمعنى أنه منفرد بذاته ليس فيهم غيره‪ ،‬بل‬ ‫يراد به أنه منفرد عنهم بصفاته التي ل يوجد فيهم من هو‬ ‫ده بذاته‬ ‫مثله فيها‪ ،‬ولما لم ينفك في شأنه سبحانه تعالى تفر ُ‬ ‫عن تفرده بصفاته قيل هو الواحد الحد سبحانه وفسر بالذي‬ ‫‪ ()1‬لوامع البيانات ‪311‬‬ ‫‪ ()2‬انظر لسان العرب ‪3/448‬‬ ‫‪ ()3‬تفسير أسماء الله الحسنى ‪ 1/57‬وانظر السماء والصفات‬ ‫للبيهقي ‪ 49‬والعتقاد له أيضا ‪ 67‬وزاد المسير لبن الجوزي ‪9/267‬‬ ‫وروح المعاني لللوسي ‪30/272‬‬ ‫‪206‬‬ .‬‬ ‫بيان المزية التي يختص بها معنى )الحد( على‬ ‫معنى )الواحد(‪:‬‬ ‫قال الزجاج‪) :‬الفرق بين الواحد و الحد أن الواحد يفيد‬ ‫وحدة الذات فقط والحد يفيده بالذات والمعاني‪ ،‬وعلى هذا‬ ‫جاء التنزيل )قل هو الله أحد( أراد المتفرد بوحدانيته في‬ ‫ذاته وصفاته وتعالى علوا ً كبيرًا()‪ (3‬والذي يبدو لي والله أعلم‬ ‫أن العمدة في هذا التفريق على كون لفظ )الواحد( يدل‬ ‫حقيقة على المنفرد بذاته ولفظ الحد يدل على كمال‬ ‫الواحدية من جميع الجهات في الذات والصفات والفعال‪.

‫ل نظير له ول وزير ول نديد ولشبيه ول عديد ول قسيم‪،‬‬ ‫تعالى عن القسام والجزاء والبعاض)‪ (1‬فكأن الله سبحانه‬ ‫أشار إلى عجز العقول عن درك وحدانيته وضيق لسان‬ ‫العرب عن وصفه بذلك فاختار سبحانه من مفرداتها ما‬ ‫تستعمله العرب لنفي العدد لُيستعمل في وصفه سبحانه‬ ‫وتعالى في الثبات ليكون في مجرد إثبات توحده نفيها عمن‬ ‫سواه‪ ،‬كما أشار إلى ذلك بقوله‪) :‬ومن كل شيء خلقنا‬ ‫زوجين لعلكم تذكرون()‪) (2‬فالله سبحانه هو الواحد في‬ ‫الحقيقة ومن سواه من الخلق آحاد تركبت()‪(3‬فإنا إذا ترقينا‬ ‫في مدارج ما يوصف من المخلوقات بالوحدة فتركنا ما‬ ‫يتكثر بكثرة أفراده ثم ما يتكثر بكثرة أجزائه فإن أولى‬ ‫مايستحقه المخلوق من الوصف بالوحدة هو هذا الجوهر‬ ‫الفرد إذ ل يتكثر بانقسامه إلى الجزاء ول تقع الشركة في‬ ‫مفهومه عند الشارة إليه فإذا أهملت الشارة إليه دبت فيه‬ ‫الكثرة وبان أن أكثر المخلوقات من موجودات هذا الكون‬ ‫هم له مثل ونظير فل يكاد يصدق عليه من الوحدة وجه‬ ‫إلمع الذهول عن تكثره من وجوه‪ ،‬فالله سبحانه و تعالى هو‬ ‫المتفرد بالوحدانية وهو المتفرد بوصفه بهذه الوحدة والتعبير‬ ‫عنها بلفظ )الحد(‪ .‬‬ ‫‪ ()3‬تفسير أسماء الله الحسنى للزجاج ‪1/57‬‬ ‫‪207‬‬ .‬فما من‬ ‫جسم إل وله ما يحصى من المثل و النظير والعديد‪ ،‬وما من‬ ‫جسم إل وهو قابل للنقسام متكثر بكثرة أجزائه فكيف‬ ‫يكون مع ذلك واحدًا؟ بل كيف يكون مع ذلك أحدًا‪،‬‬ ‫فالجسمية تنافي الوصف بالواحدية فتنافي الوصف بالحدية‬ ‫من باب الولى‪ .‬ثم بعد هذا كيف يكون جسما ً والجسم ل‬ ‫يوصف بالواحد من كل وجه فضل ً عن )الحد(‪ .‬بل ما ينافي وصف المخلوق )بالواحد( أولى‬ ‫‪ ()1‬انظر تفسير الطبري ‪ 2/60‬والعتقاد للبيهقي ‪ 67 ،63‬والجامع‬ ‫لحكام القران للقرطبي ‪ 20/244‬وتفسير ابن كثير ‪ 4/571‬وفتح‬ ‫الباري لبن حجر ‪13/345‬‬ ‫‪ ()2‬الية )‪ (49‬من سورة الذاريات‪.

‬ففي صفة القدرة مثل ً ل يعاب‬ ‫على واحد من الخلق إذا أزاح جبل ً أن يستريح ولو شهرًا‪ ،‬أما‬ ‫القدير سبحانه فقد تنزه مع خلق السموات و الرض وما‬ ‫بينهما عن أن يمسه في ذلك شيء من لغوب‪ ،‬وما ذلك إل‬ ‫لن ما ل يقدح في ناقص القدرة يقدح في كمال القدرة‪،‬‬ ‫صف أمرين بالوحدة فتقول هذا‬ ‫فكذلك الوصف بالوحدة‪ ،‬إذ ت َ ِ‬ ‫البيت واحد وتقول هذا الفرد واحد‪ .‬فيقدح في وصفه بالوحدة ما لم يقدح في غيره‪.‬ثم تقول هذا البيت كثير‬ ‫البواب وهو كثير من جهة كثرة لبناته وجدرانه أيضًا‪ ،‬ومع‬ ‫ذلك ل تقدح هذه الكثرة في وصفه بالوحدة من الجهة التي‬ ‫وصف بها‪ ،‬وبمعنى آخر ل يقدح في وصفه بالوحدة قبوله‬ ‫للنقسام إلى أجزائه التي يتكون منها‪ .‬‬ ‫وهذا معروف بالبداهة أعني أن ما يقدح في النقصان يكون‬ ‫قادحا في الكمال من باب الولى‪ ،‬ويتبعه أن ما يقدح في‬ ‫الكمال قد ل يقدح في النقصان‪.) :‬إذا كان ما ذكروه من المعاني التي يجعلونها‬ ‫كثرة وعددا ً وتركيبا ً هي ثابتة لكل موجود وذلك ل يمنع أن‬ ‫يكون المخلوق واحدا ً فكيف يمنع أن يكون الله الذي ليس‬ ‫كمثله شيء واحدًا()‪ (1‬فظاهر أن ما ل يمنع أن يكون‬ ‫المخلوق واحدا ً قد يمنع أن يكون أحدًا‪ .‬ونحن لو سلمنا بأنه‬ ‫ل يمنع ذلك من وصف المخلوق بالواحد فل داعي لستبعاد‬ ‫أن يكون ذلك مانعا ً من وصفه بالحد لن ما يقدح في‬ ‫الكمال قد ل يقدح النقصان‪ .‫أن يكون منافيا ً لوصف من يوصف بكمال هذا الوصف ول‬ ‫يسلب عنه بوجه من الوجوه‪.‬‬ ‫وبالتنبيه على هذا نتبين الوهم الذي وقع به ابن تيمية رحمه‬ ‫الله إذ حاول أن يعكس المر فعمد إلى ما ل يقدح في‬ ‫النقصان وأراد أن يجعله دليل على عدم قدحه في الكمال‬ ‫أيضا فقال‪.‬أما إذا قلت هذا‬ ‫الجوهر الفرد واحد فإن هذه الوحدة تنتفي عنه بمجرد قبوله‬ ‫للنقسام‪ .‬‬ ‫وما ذاك إل لن الجوهر الفرد أولى من البيت بالوحدة لنه‬ ‫‪ ()1‬تلبيس الجهمية ‪2/70‬‬ ‫‪208‬‬ ..

.‬‬ ‫‪ ()2‬تلبيس الجهمية ‪ 1/495‬وانظر نحوه في درء التعارض ‪ 1/114‬و‬ ‫‪7/114‬‬ ‫‪209‬‬ .‬فهذا أمر ل يخفى‪ .‫واحد حقيقي‪ ،‬وهو أولى بالوحدة من الواحد بالجتماع كما‬ ‫سبق‪ .‬وحتى ابن تيمية لم يخف‬ ‫عليه ذلك لنه هو القائل )اسم الحد ل يستعمل في حق غير‬ ‫الله إل مع الضافة أو في غير الموجب كقوله‪) :‬قال أحدهما‬ ‫‪ ()1‬الية )‪ (38‬من سورة الكهف‪.‬وبالجملة فيقدح قبول النقسام في الوحدة الحقيقية‬ ‫ول يقدح في وحدة دونها‪ .):‬إن كان لفظ الحد ل يقال على ما‬ ‫قامت به الصفات بل ول على شيء من الجسام لنها‬ ‫منقسمة لم يكن في الوجود غير الله من الملئكة والنس‬ ‫والجن والبهائم من يدخل في لفظ )أحد(‪ ،‬فإذا قيل )ولم‬ ‫يكن له كفوا أحد( لم يكن هذا نافيا ً لمكافأة الرب إل عمن ل‬ ‫وجود له أو لم يكن في الموجودات ما أخبر عنه بهذا‬ ‫الخطاب أنه ليس كفوا ً لله‪ ،‬وكذلك قوله‪) :‬ول أشرك بربي‬ ‫أحدا()‪ (1‬فإنه إذا لم يكن الحد إل ما ينقسم وكل جسم‬ ‫ومخلوق منقسم لم يكن في المخلوق ما يدخل في مسمى‬ ‫)‪(2‬‬ ‫)أحد( فيكون التقدير ول أشرك بربي ما لم يوجد(‬ ‫ول يخفى أن ابن تيمية خلط بين لفظ )أحد( الذي يستعمل‬ ‫و صفا ً لله عز وجل ويفسر بما ل ينقسم وبين لفظ )أحد(‬ ‫الذي يستعمل في النفي ليدل على استغراقه كما سبق‪.‬‬ ‫وواضح أنه ل يتم ما ذكر إل إذا كان المنزهون قد فسروا‬ ‫لفظ )أحد( الذي جاء في سياق النفي بما فسروا به )الحد(‬ ‫في وصف الله عز وجل‪ .‬ول أظن أن أحدا ً من أهل العلم‬ ‫صدر منه ذلك‪ .‬وما ل يمنع أن يكون المخلوق‬ ‫واحدا ً ل يلزم منه أن ل يمنع كون الخالق واحدًا‪.‬فيقول‪.‬‬ ‫مناقشة ابن تيمية رحمه الله في اعتراضه على‬ ‫هذا الستدلل‪:‬‬ ‫العتراض الول والجواب عنه‪:‬‬ ‫يعترض ابن تيمية على استدلل المنزهين بهذا الوجه على‬ ‫نفي الجسمية‪ .

.‬لنه يقول‪" :‬إذا لم يكن الحد إل ما‬ ‫ينقسم وكان كل مخلوق وجسم منقسما ً لم يصدق نفي‬ ‫الكفو على أحد"‪ ،‬ول بد أن يصدق النفي بالتفاق فإما أن‬ ‫يصدق الحد على ما ينقسم‪ ،‬وإما أن يكون ليس كل مخلوق‬ ‫منقسمًا‪ .‬ول يمكن أن يختار الخير لنه نص على أن كل‬ ‫مخلوق منقسم فقال‪) :‬وليس في المخلوقات إل ما يقبل أن‬ ‫يتجزأ ويتفرق وينفصل بعضه عن بعض( فيلزمه أن لفظ‬ ‫)الحد( قد يراد به الجسم أو ما ينقسم‪ .‬ويعظم الخطب إذا‬ ‫كان حاضرا ً في الذهن قولك )لفظ الحد لم يوصف به شيء‬ ‫من العيان إل الله وحده()‪ (3‬والمخرج منه في كون لفظ‬ ‫)أحد( في سياق النفي غير لفظ )الحد( الذي يستعمل‬ ‫وصفا ً لله عز وجل‬ ‫العتراض الثاني والجواب عنه‪:‬‬ ‫ً‬ ‫ثم يعترض ابن تيمية من وجه آخر فيقول مخاطبا الرازي‪:‬‬ ‫)إن طوائف كثيرة من أبناء جنسك المتكلمين الولين‬ ‫والخرين يقولون‪ :‬إنه ل موجود إل جسم أو ما قام به أو ل‬ ‫موجود إل الجسم فقط‪ ،‬وأنه ل يعقل موجود إل كذلك‬ ‫فهولء عندهم إذا فسرت الحد بما ليس بجسم ول جوهر‬ ‫يقولون لك فسرته بالمعدوم مثل أن تفسره بما ليقوم‬ ‫بنفسه أو بغيره أو تفسره بما ليس بخالق ول مخلوق‬ ‫)‪(1‬‬ ‫‪ .‬فهو أبلغ في إثبات الوحدانية‬ ‫‪ ()1‬الية)‪ (36‬من سورة يوسف‪.‬‬ ‫‪ ()2‬درء التعارض ‪7/121‬‬ ‫‪ ()3‬انظر مجموعة رسائله في التفسير ‪17/237‬‬ ‫‪210‬‬ .‫إني أراني أعصر خمرًا(‬ ‫)‪(2‬‬ ‫من اسم الواحد(‬ ‫وليت الشيخ لم يجتهد في العتراض على أدلة التنزيه‪ ،‬لنه‬ ‫سلم من الحاجة إلى الجواب عن اللزم‬ ‫لم يوفق فيه ولم ي َ ْ‬ ‫القبيح‪ ،‬إذ يلزمه أن )الحد( ليس مختصا ً بالله عز وجل وأنه‬ ‫يصدق على الجسم‪ ..

18‬وحكى البغدادي إجماع أهل السنة‬ ‫على خلفه في الفرق بين الفرق ‪ 316‬وانظر التبصير في الدين ‪-95‬‬ ‫‪ 96‬وقد ًأطلت البحث في مقالت السلميين للشعري عسى أن أجد‬ ‫فيه خلفا فلم أعثر وكيف يعثر ذلك وهو اللحاد بعينه‪.‬ورحم الله ابن تيمية‬ ‫فكم تكلف بالرد على أدلة التنزيه بكل لسان فإن رضي‬ ‫بقولهم لزمه التجسيم لن فيه حصَر الموجودات في الجسم‬ ‫وما يقوم به‪ ،‬وإن لم يرض به فليعلم أنه مذهب الملحدة‬ ‫والمجسمة‪.‬‬ ‫ثم كيف يكون تفسير الحد بما ليس بجسم ولجوهر مثل‬ ‫تفسيره بما ليقوم بنفسه أو بغيره أو تفسيره بما ليس‬ ‫بخالق ول مخلوق إل اذا كان كل وجود بما في ذلك وجود‬ ‫الخالق ينقسم إلى جسم وما يقوم بالجسم‪ ،‬ولزمه‬ ‫التجسيم أو إنكار الصانع فقوله)فيحتاج إلى إثبات موجود‬ ‫َ‬ ‫ج إلى‬ ‫غير الجسم ليمكنك تفسيره الحد به( إن كان من أحو َ‬ ‫ذلك منكرا ً لوجود غير الجسم مع إنكار الصانع فإن الرازي‬ ‫وغيره من المتكلمين سدوا هذه الحاجة فأطالوا في إثبات‬ ‫وجوده سبحانه ووحدانيته‪ ،‬وإن كان منكرا ً لوجود غير‬ ‫الجسم مع العتراف بوجود الله عز وجل فهو المجسم الذي‬ ‫ت أن‬ ‫أسسس الرازي الكلم في الرد عليه والتقديس‪ ،‬وزعم َ‬ ‫ما قام به تلبيس بذلت الوسع في بيانه والعتراض عليه بكل‬ ‫لسان‪ ،‬وكل مقدمة أنكرتها عليه في موضع سلمت بها في‬ ‫‪ ()1‬تلبيس الجهمية ‪1/498‬‬ ‫‪ ()2‬انظر الرشلد للجويني ‪ .‬‬ ‫‪211‬‬ .‫وتفسره بما ليس بقديم ول محدث فتحتاج أول ً أن تثبت‬ ‫)‪(1‬‬ ‫وجود موجود غير الجسم ليمكنك تفسير الحد به(‬ ‫و في هذا جرأة من ابن تيمية فإن المتكلمين من أهل السنة‬ ‫وغيرهم من المسلمين الولين والخرين أجمعوا على أن‬ ‫الموجود الذي ينحصر في الجسم أوما قام به الجسم هو‬ ‫الموجود الحادث أما المحدث سبحانه فهو القديم الذي يجب‬ ‫وجوده ويستحيل حدوثه‪ ،‬والذي حكاه ابن تيمية هو مذهب‬ ‫الملحدة والمجسمة ول يعرف به أحد من المتكلمين من‬ ‫المسلمين)‪ (2‬وشتان ما بين المذهبين‪ .

‬فإذا قصد بهذا اللفظ أن يبين لهم معناه ل يكون‬ ‫)‪(1‬‬ ‫جسما ً كانوا خوطبوا بنقيض معنى لغتهم(‬ ‫والجواب من وجوه‪:‬‬ ‫أول ً‪ :‬زعمت أن القوم كانوا يستعملون لفظ الحد وهم ل‬ ‫يعلمون إل الجسم وما قام به‪ ،‬ل يطلقون هذا اللفظ إل‬ ‫على ذلك وليس صحيحا‪ ،‬وجوابه من كلمك‪) :‬لفظ الحد لم‬ ‫يوصف به شيء من العيان إل الله وحده()‪ (2‬وقولك )اسمه‬ ‫الحد ل يستعمل في حق غير الله إل مع الضافة أو في غير‬ ‫)‪(3‬‬ ‫الواجب‪.‬فهوأبلغ في إثبات الوحدانية من اسم الواحد(‬ ‫ثانيا ً‪ :‬كون لفظ )الحد( ل يقال على الجسم والجوهر في‬ ‫اللغة ظاهر فقد خصوه به سبحانه دون ما يعلمونه من‬ ‫الجسم وغيره‪ ،‬وليس شيء من الجسام يوصف عندهم‬ ‫بالحدية البتة‪.‬ل سيما‬ ‫والقوم كانوا يستعملون لفظ الواحد والحد في كلمهم وهم‬ ‫ل يعلمون إل الجسم أو ما قام به ل يطلقون هذا اللفظ إل‬ ‫على ذلك‪ ..‬‬ ‫ثم يقول ابن تيمية‪) :‬كون لفظ الحد ل يقال على الجسم‬ ‫والجوهر ليس نصا ً في اللغة ول ظاهرًا‪ ،‬بل إن كان صحيحا ً‬ ‫فإنما يعلم بهذه المقدمات الخفية التي فيها نزاع عظيم بين‬ ‫أهل الرض‪ ،‬ومعلوم أن إفهام المخاطبين بمثل هذه‬ ‫الطريقة ل يجوز وليس هذا من البلغ المبين‪.‬‬ ‫ثالثا ً‪ :‬يقال لو كان جسما ً ثم وصف نفسه بأنه الواحد الحد‬ ‫لكانوا قد خوطبوا بنقيض معنى لغتهم لن الواحد في لغتهم‬ ‫هو الذي ل نظير له و لمثيل وسلمت لهم بهذا التفسير‬ ‫)‪(4‬‬ ‫فقلت )ول ريب أن كونه واحدا ً يمنع أن يكون له شبيه(‬ ‫‪( )1‬‬ ‫‪() 2‬‬ ‫‪( )3‬‬ ‫‪( )4‬‬ ‫تلبيس الجهمية ‪1/499‬‬ ‫انظر مجموعة رسائله وكتبه في التفسير ‪17/237‬‬ ‫انظر درء التعارض ‪7/121‬‬ ‫تلبيس الجهمية ‪1/502‬‬ ‫‪212‬‬ ..‫آخر فأي الفريقين أولى بأحد الوصفين؟ وسيأتي المزيد من‬ ‫نقض هذه الشبهة العقلية في موضعه‪.

‬‬ ‫ثم يعلل ابن تيمية سبب عدم جواز إفهام المخاطبين‬ ‫بمثل هذه الطريق فيقول‪) :‬فإنه يحتاج أن يقال لهم لفظ‬ ‫الحد والواحد ينفي العدد‪ ،‬فهذا ظاهر‪ ،‬ثم يقول لهم وكل ما‬ ‫ترونه من الموجودات فليس واحدا ً لن يمينه ليست بيساره‬ ‫وأعله ليس هو أسفله‪ ،‬وكل ما يتميز منه شيء عن شيء‬ ‫فليس هو بواحد ول أحد‪ ،‬ومعلوم أن هذا ل يخطر ببال عامة‬ ‫الخلق بل ل يتصوره إل بعد كلفة ومشقة‪ ،‬وإذا تصوروه‬ ‫أنكرته فطرتهم وأنكروا أن يكون هذا لسانهم الذي خوطبوا‬ ‫به‪ ،‬واستلزم ذلك أن يقال الشمس ليس واحدة ً والقمر‬ ‫)‪(2‬‬ ‫ليس واحدا ً وكل إنسان ليس بواحد(‬ ‫وجوابه من وجوه‪:‬‬ ‫أول ً‪ :‬ل نسلم أن إفهام المخاطبين بمثل هذه الطريقة‬ ‫ل يجوز لنه يحتاج أن يقال لهم لفظ الحد والواحد ينفي‬ ‫الواحد ينفي العدد فهذا ظاهر كما سلمت بذلك ثم يقال‬ ‫لهم‪ :‬وكل ما ترونه من الموجودات وتعلمونه فليس واحدا ً‬ ‫لنه له أمثال ولنه ل بد أن يكون كثيرا ً من جهة لنه مركب‬ ‫من أجزاء كثيرة‪ ،‬وهذا معروف في لغة العرب قال الزجاج‬ ‫)والله سبحانه هو الواحد في الحقيقة و من سواه من‬ ‫الخلق آحاد تركبت ()‪ (3‬وقد سلمت بذلك فقلت‪) :‬إن أحديته‬ ‫لها من الخصائص ما ل يجوز مثله لشيء من المخلوقات‬ ‫‪ ()1‬مجموعة رسائله وكتبه في التفسير ‪ 16/98‬وانظر نحوه في‬ ‫تلبيس الجهمية ‪ 2/58‬ومنهاج السنة ‪2/529‬‬ ‫‪ ()2‬تلبيس الجهمية ‪1/499‬‬ ‫‪ ()3‬تفسير اسماء الله الحسنى ‪1/57‬‬ ‫‪213‬‬ .‫وقلت )الحد( يقتضي أنه ل مثل له ول نظير)‪ (1‬فلو كان‬ ‫جسما ً وهم ل يعلمون إل الجسم وما قام به فكل ما يعلمونه‬ ‫هو له مثل ونظير‪ ،‬وليس هذا من البيان في شيء‪ .‬ل سيما‬ ‫وأن القوم ما كانوا يستعملون لفظ )الحد( في وصف شيء‬ ‫مما يعلمون فاستحدث لهم لفظا ً يدل على مبالغة في‬ ‫النفراد عن المخلوقين مع أنه إذا كان جسما ً فليس منفردا ً‬ ‫ول واحدا ً فكل ما يعلمونه هو له نظير‪.

‬فالول الص ْ‬ ‫مد إذا كان سيدا ً‬ ‫مص َ‬ ‫مدا‪ .‫فإنه ل مثل له في شيء من الشياء وأما غيره فله المثال‪.‬‬ ‫‪ ()2‬تلبيس الجهمية ‪2/71‬‬ ‫‪ ()3‬مجموعة رسائله وكتبه في التفسير ‪17/238‬‬ ‫‪214‬‬ .‬فإذا تصوروا ذلك وخاطبهم القرآن بما‬ ‫خاطبهم علموا أنه الموافق للغتهم ولسانهم ومحكمات‬ ‫كتابهم التي تقطع بنفي التجسم والتشبيه وعلموا أنه موافق‬ ‫لفطرتهم التي تنزه الله عز وجل عن الشباه وصفات‬ ‫الجسام‪.‬‬ ‫ثانيا ً‪ :‬ل نمنع أن يستلزم ذلك أن يقال الشمس ليست‬ ‫واحدة والنسان ليس واحدًا‪ ،‬بل كل مخلوق يمكن سلب‬ ‫الوحدة عنه من وجه لنه لم يوصف بها إل من وجه دون‬ ‫وجه كما سبق فالتناقض أن يسلب الوحدة من الجهة التي‬ ‫قيل إنه واحد منها فل تناقض إذا قلنا مثل ً هذا دينار واحد‬ ‫لكنه ليس بواحد إذا أردت أنه دينار واحد ليس بدينارين ول‬ ‫أكثر ولكنه ليس سكة واحدة بل عشرون كل واحدة بدرهم‪.‬وفلن ُ‬ ‫القصد يقال‪ :‬صمدته ص ْ‬ ‫)‪(1‬‬ ‫‪ ()1‬الية )‪ (49‬من سورة الذاريات‪.‬‬ ‫قال تعالى‪" :‬ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون"‬ ‫قال‪ :‬فتعلمون أن خالق الزواج واحد()‪ (2‬وقلت‪) :‬ليس في‬ ‫المخلوقات إل ما يقبل أن يتجزأ ويتفرق وينقسم وينفصل‬ ‫بعضه عن بعض والله سبحانه هو الصمد الذي ل يجوز عليه‬ ‫شيء من ذلك بل حقيقة الصمدية وكمالها له ل يمكن عدم‬ ‫صمديته بوجه من الوجوه كما ل يمكن تثنية أحديته بوجه من‬ ‫الوجوه()‪ (3‬ومعلوم أن هذا ل يخفي على عامة الخلق بل إن‬ ‫لم يكن بديهيا فبأول النظر يكتسب وبسلمة الفطرة يصدق‪،‬‬ ‫ة في تصوره بعد يسير من إعمال النظر إل‬ ‫فل يجد صعوب ً‬ ‫بليد مجسم‪ ،‬ول تنكره إل فطرة ٌ أخلد صاحبها إلى الحس‬ ‫وتلوث بآفة التجسيم‪ .‬‬ ‫الستدلل بقوله تعالى‪) :‬الله الصمد(‬ ‫الصمد في اللغة من )صمد( قال ابن فارس‪) :‬وهو أصلن‬ ‫مد‪:‬‬ ‫أحدهما القصد والخر الصلبة في الشيء‪ .

‬‬ ‫قال اللوسي بعد حكاية هذه التعاريف‪) :‬والمعول عليه‬ ‫تفسيره بالسيد الذي يصمد إليه الخلق في المطالب‬ ‫‪ ()1‬البيت في العين للخليل ‪7/104‬واللسان )صمد( ‪ 3/259‬وليس‬ ‫فيهما نسبته لحد الشعراء‬ ‫‪ ()2‬مقاييس اللغة ‪3/310‬‬ ‫‪ ()3‬الفائق ‪ 2/315‬وانظر أساس البلغة )صمد( ‪3611‬‬ ‫‪ ()4‬أنشده في الغاني لنادبة من بني أسد تندب عمرو بن مسعود‬ ‫وخالد بن المفضل وكانا نديمي المنذر بن ماء السماء قتلهما حال‬ ‫سكره‪ .‬وقيل في الصمد‪:‬‬ ‫لنه يص ِ‬ ‫علوته بحسام ثم قلت له****** خذهاحذيف فأنت السيد‬ ‫)‪(1‬‬ ‫الصمد‬ ‫)‪(2‬‬ ‫صمد وهو كل مكان صلب قال‬ ‫والصل الخر ال َ‬ ‫د‪:‬هوالسيد المصمود‬ ‫م ٌ‬ ‫ص َ‬ ‫الزمخشري‪َ ) :‬‬ ‫)‪(3‬‬ ‫قَبض( وقال ابن‬ ‫سب وال َ‬ ‫)فََعل( بمعنى مفعول كال َ‬ ‫ح َ‬ ‫مد صمدًا‪ ،‬وصمد إليه كلهما قصده‪..‬‬ ‫ً‬ ‫و قد نقل بعض المحديثن والمفسرين كثيرا من التعاريف‬ ‫التي يمكن إرجاعها إلى الصلين الذين ذكرهما ابن فارس‪.‬وقيل المصمت الذي ل جوف له‪ ،‬وهذا‬ ‫مت وهو‬ ‫ص َ‬ ‫مد لغة في ال ُ‬ ‫ص َ‬ ‫ل يجوز على الله عز وجل وال ُ‬ ‫م ْ‬ ‫م ْ‬ ‫)‪(6‬‬ ‫الذي ل جوف له‪(.‫مد أيضًا‪ ،‬والله جل ثناؤه الصمد‬ ‫ص َ‬ ‫يقصد إليه في المور‪ ،‬و َ‬ ‫مد إليه عباده بالطلب والدعاء‪ .‬انظر الغاني للصفهاني ‪22/96‬‬ ‫‪ 5‬لسان العرب )صمد( ‪ 259-3/258‬وانظر إصلح المنطق لبن‬ ‫السكيت ‪ 1/49‬والمعرب في بيان المغرب )صمد( ‪1/482‬‬ ‫والقاموس المحيط للفيروزابادي )صمد( ‪1/375‬‬ ‫‪ ()6‬اللسان )صمد( ‪358‬‬ ‫‪215‬‬ ..) :‬‬ ‫والصمد بالتحريك السيد المطاع الذي ل ُيقضى دونه أمر‪،‬‬ ‫وقيل الذي ُيصمد إليه في الحوائج‪ ،‬أي ُيقصد‪ ،‬قال‪:‬‬ ‫أل بكرالناعي بخيري بني أسد****** بعمرو بن مسعود‬ ‫)‪(4‬‬ ‫وبالسيد الصمد‬ ‫)‪(5‬‬ ‫…و المصمد الصلب الذي ليس فيه خور(‬ ‫وأما الصمد في أسماءه تعالى فقد قال فيه ابن منظور‪:‬‬ ‫)والصمد من صفاته تعالى وتقدس لنه أصمدت إليه المور‬ ‫فلم يقض فيها غيره‪ ..‬‬ ‫ص ِ‬ ‫ص َ‬ ‫مده ي ْ‬ ‫منظور‪َ .

‬والثاني قد يدل على ذلك وإن كان في ظاهره‬ ‫يحتمل إفادة التجسيم ولهذا استدل به المجسمة‪ ،‬وافتتن‬ ‫باستدللهم بعض أهل السنة‪.‬‬ ‫دللة التفسير الول على التنزيه فمن وجوه‪:‬‬ ‫الول‪ :‬أنه لما وصف الله سبحانه نفسه بأنه المصمود إليه‬ ‫في الحوائج دل على كمال هذا الوصف فهو الذي يستغني‬ ‫عن غيره مطلقًا‪ ،‬وكل ماعداه محتاج إليه‪ ،‬وروى الطبري‬ ‫بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه فسر الصمد‬ ‫مل في سؤدده‪ ،‬والشريف الذي كمل‬ ‫فقال‪) :‬السيد الذي ك ُ‬ ‫)‪(2‬‬ ‫في شرفه‪.‬والغني الذي كمل في غناه( فهذا الوصف‬ ‫يقتضي الستغناء المطلق عما سواه‪ .(1‬‬ ‫وهذان التفسيران يتعلق بهما البحث فالول يستدل به على‬ ‫التنزيه الله عن الجسمية ولوازمها كالحيز والجارجة والعضو‬ ‫والجهة‪ .‬وعبد الله ترجمه‬ ‫النسائي في الضعفاء ‪ 1/63‬وقال الذهبي في الميزان ‪)121/‬له‬ ‫مناكير( وعلي بن أبي طلحة روايته عن ابن عباس مرسلة‪ :‬انظر‬ ‫الميزان للذهبي ‪ 5/163‬وجامع التحصيل للعلئي ‪1/240‬‬ ‫‪ ()3‬انظر تأسيس التقديس ‪20-19‬وسيأتي بسط الكلم عل هذا‬ ‫الدليل في الدلة العقلية‪ ،‬وإنما دعت الحاجةإلى ذكره هنا لن مقدمة‬ ‫هذا الدليل وهي وصفه )بالغنى المطلق( نقليته عقليته‬ ‫‪ ()4‬انظر تأسيس التقديس للرازي ‪20-19‬‬ ‫‪216‬‬ .‬والجسم ل يثبت له‬ ‫الغنى بل هو مفتقر إلى جزئه لن كل جسم مركب وكل‬ ‫مركب محتاج إلى كل واحد من أجزائه ضرورة وكل واحد‬ ‫من أجزائه غيره فكل مركب محتاج إلى غيره والمحتاج إلى‬ ‫ً)‪(3‬‬ ‫الغير ل يكون غنيا ً ول صمدا ً مطلقا‬ ‫الثاني‪ :‬لو كان مركبا ً من الجوارح والعضاء لحتاج في‬ ‫البصار إلى العين وفي الفعل إلى اليد وفي المشي إلى‬ ‫ً)‪(4‬‬ ‫الرجل وذلك ينافي كونه صمدا ً مطلقا‬ ‫‪ ()1‬روح المعاني ‪ 30/273‬وسوف نأتي على ما نحتاج اليه من نقل‬ ‫هذه التعاريف في موضعه بعد قليل‬ ‫البيهقي في السماء والصفات‬ ‫وأخرجه‬ ‫‪ ()2‬انظر تفسيره ‪30/347‬‬ ‫‪ 78‬وأبو الشيخ في العظمة ‪ 1/303‬جميعا ً من طريق عبد الله بن‬ ‫صالح عن معاوية بن صالح بن أبي طلحة عنه‪ ..‫والحوائج وتفسيره بالذي ل جوف له‪ ،‬وما عداهما فإما راجع‬ ‫إليهما أوهو مما ل تساعد عليه اللغة()‪.

‬كالوجود والعدم فإذا نفينا العدم عن‬ ‫شيء ما ثبت أنه موجود‪ .‬‬ ‫‪ ()3‬الية )‪ (19‬من سورة الزخرف‪.‫وأما بيان دللته على أنه تعالى منزه عن الحيز والجهة فهو‬ ‫أنه تعالى لو كان مختصا ً بالحيز والجهة لكان محتاجا ً في‬ ‫وجوده إلى الحيز والجهة فلم يكن غنيا ً صمدا ً على‬ ‫)‪(1‬‬ ‫الطلق‬ ‫التفسير الثاني ووجه دللته على التنزيه‪:‬‬ ‫لما ثبت أن العرب ل تستعمل لفظ )الصمد( مفسرا ً بما‬ ‫)‪(2‬‬ ‫لجوف له إل في الجسام كما أشار إلى ذلك ابن منظور‬ ‫وأشار إليه ابن تيمية ونص على أن الجسام نوعان منها‬ ‫أجوف ومنها مصمت دل ذلك على أن التجويف والصمات‬ ‫من المعاني المتناقضة في الجسم‪ ،‬فل يمكن نفيها معا ً عن‬ ‫معين من الجسام ول يمكن وصفه بهما معا ً فنفي أحدهما‬ ‫يستلزم ثبوت الخر‪ .‬وكذلك القول في الجسم إذا نفينا‬ ‫تجويفه ثبت أنه مصمت‪ .‬قال تعالى‪) :‬وجعلوا الملئكة‬ ‫الذين هم عباد الرحمن إناثًا()‪ (3‬وقال تعالى‪):‬أم خلقنا‬ ‫الملئكة إناثا ً وهم شاهدون()‪ (4‬فكذلك القول في تفسير‬ ‫‪ ()1‬انظر تأسيس التقديس للرازي ‪ 20-19‬وسيأتي بسط الكلم في‬ ‫هذا الدليل عند الكلم على الدلة العقلية ‪159‬‬ ‫‪ ()2‬قال في اللسان )صمد( ‪) :3/259‬قيل الصمد هو المصمت الذي‬ ‫ل جوف له وهذا ليجوز على الله عز وجل(‪.‬هذا في حق الجسام التي تقبل‬ ‫التجويف والصمات‪ .‬‬ ‫‪217‬‬ .‬‬ ‫يوضح ذلك أن الذكورة والنوثه من المعاني المتناقضة في‬ ‫الزواج فإذا نفيت النوثة عن أحد الزواج ثبت أنه ذكر‪ ،‬أما‬ ‫ما ل يقبل الزوجية كالملئكة فل يدل نفي النوثه عنهم على‬ ‫وصفهم بالذكورة‪ ،‬بل دل نفي النوثه عنهم في القرآن‬ ‫الكريم على نفي الذكورة أيضا ً وعلى براءتهم من أوصاف‬ ‫المخلوقات التي اقتضت الحكمة اللهية أن يكون بقاء نوعها‬ ‫بالتزاوج بين ذكورها وإناثها‪ .‬أما غير الجسام مما ل يقبل التجويف‬ ‫والصمات كالعَرض مثل ً فل يدل نفي وصفه بالجوف على‬ ‫أنه عرض مصمت لنه ل يقبل الصمات ول التجويف أص ً‬ ‫ل‪.‬‬ ‫‪ ()4‬الية )‪ (150‬من سورة الصافات‪.

..‬ثم حكى استدلل المنزهين فسال‬ ‫قلمة معترضا ً من كل وجه‪ .‬وقالوا‪ :‬أصل ال ْ‬ ‫تصميد المال‪ ،‬وهذا إنما يعقل في الجسم المجتمع‪ ،‬وأما‬ ‫‪ ()1‬مقالت السلميين ‪ 209‬وانظر ص )‪ 57‬و ‪ (67‬من الرسالة‬ ‫‪218‬‬ .‬قالوا‪ :‬هو صمد والصمد ل جوف له‪ ،‬وهذا إنما‬ ‫يكون في الجسام المصمتة فإنها ل جوف لها كما في‬ ‫صمد الجتماع ومنه‬ ‫الجبال و الصخور‪.‬كما سبق نقله عن داود‬ ‫الجواربي ومقاتل بن سليمان)‪ .(1‬ولبن تيمية رحمه الله‬ ‫موقف ورأي من هذا التفسير يجب التنبيه على ما فيه‪..‫الصمد بأنه ليس بأجوف يكون دال ً على أنه ليقبل التصاف‬ ‫بصفات الجسام التي تقبل التجويف والصمات ولبد من‬ ‫اتصافها بأحد الوصفين‪ .‬‬ ‫موقف ابن تيمية من تفسير المجسمة ورأيه في‬ ‫)الصمدية( الواجبة للباري سبحانه‪:‬‬ ‫ذكر ابن تيمية في تفسير الصمدية التي تجب للباري سبحانه‬ ‫كثيرا العبارات والقرائن التي تجعل المسترشد في حيرة‬ ‫من التصريح بما تدل عليه هذه العبارت والقرائن‪ ،‬وأنا أشير‬ ‫إلى هذه العبارت والقرائن في هذا الموضع مع بعض‬ ‫المناقشة التي يتعين الجواب عنها‪.‬قال رحمه الله‪) :‬وقد احتج‬ ‫بسورة الخلص من أهل الكلم المحدث من يقول الرب‬ ‫جسم كبعض الذين وافقوا هشام بن الحكم ومحمد بن كرام‬ ‫وغيرهما‪.‬‬ ‫التفسير الثاني واستدلل المجسمة به‪:‬‬ ‫سبق أن من المجسمة من أرجع لفظ الصمد في وصف‬ ‫الباري به إلى معنى الصلب المصمت الذي ل جوف له‪،‬‬ ‫وتأوّله ليدل على إثبات التجسيم‪ .‬‬ ‫أول ً‪ :‬حكى ابن تيمية رحمه الله استدلل المجسمة به ولم‬ ‫يبذل أي جهد في إنكاره‪ ..‬نعم ُيحتاج معه إلى نفي الجسم عنه‬ ‫وعدم قبوله لما قبلته الجسام‪ ،‬فإما أن يكون الخصم‬ ‫مسّلما ً بنفي الجسم فيلزمه قبول الستدلل بتفسير الصمد‬ ‫المذكور على نفي الجسمية‪ ،‬وإما أن ينكر فنحتج عليه‬ ‫بالدله القاطعة من العقل والنقل بنفي التجسيم‪.

‬وقالوا أمثال‬ ‫هذه العبارات التي تدل على أن معناه ل يتفرق‪ ،‬واللغة تدل‬ ‫على ذلك فإن هذا اللفظ وهو لفظ )صمد( يقتضي الجمع‬ ‫والضم‪ ،‬كما يقال‪ :‬صمدت المال إذا جمعته وقد قال من‬ ‫قال من حذاق أهل الكلم وغيرهم إن هذا تفسير‬ ‫المجسمة لن الجسام نوعان أجوف ومصمت‪ ،‬قالوا هذا‬ ‫يقتضي أنه جسم مصمت ل جوف له()‪ .(2‬وقال أيضا‪):‬ولفظ‬ ‫الصمد يدل على أنه ل جوف له وعلى أنه السيد‪ ،‬ليس كما‬ ‫تقول طائفة من الناس إن الصمد في اللغة إنما هو السيد‬ ‫ويتعجبون مما نقل عن الصحابة والتابعين من أن الصمد هو‬ ‫الذي ل جوف له فإن أكثر الصحابة والتابعين فسروه بهذا‬ ‫وهم أعلم باللغة وتفسير القرآن‪ ،‬ودللة اللفظ عليه أظهر‬ ‫من دللتها على السؤدد وذلك أن لفظ )صمد( يدل على‬ ‫الجتماع و النضمام المنافي للتفرق والخلو والتجويف‪ ،‬كما‬ ‫يقال‪ :‬صمد المال إذا جمعه و ضم بعضه إلى بعض… وهو‬ ‫جمعٌ وضم ينافي النفتاح والتفريج‪ .‫النفاة فقالوا‪ :‬الصمد الذي ل يجوز عليه التفريق‬ ‫)‪(1‬‬ ‫والنقسام…(‬ ‫ثانيًا‪ :‬حكى عين شبهة المجسمة عن الصحابة والتابعين‬ ‫وعامة السلف وزعم أن نسبتها إلى المجسمة من صنيع‬ ‫أهل الكلم قال‪) :‬قد أخبر الله تعالى في كتابه أنه الصمد‬ ‫وقد قال عامة السلف من الصحابة والتابعين‬ ‫وغيرهم إن الصمد هو الذي ل جوف له‪ .‬ولهذا يقال للعظام‬ ‫)‪(3‬‬ ‫ونحوها من الجسام منها أجوف ومنها مصمت(‬ ‫ثالثا ً‪ :‬زعم أن استدلل المنزهين بالية على نفي التجسيم‬ ‫فيه قلب لدللتها قال‪) :‬وأما استدلل هولء المتأخرين بذلك‬ ‫على نفي التجسيم والحد فباطل أيضا ً وهو قلب الدللة‪،‬‬ ‫‪ ()1‬مجموعة رسائله وكتبه في التفسير ‪17/269‬‬ ‫‪ ()2‬مجموعة رسائله في التفسير ‪ 17/296‬وانظر نحوه في‬ ‫الصواعق المرسلة لبن القيم ‪3/1025‬‬ ‫‪ ()3‬تلبيس الجهمية ‪ 60-2/59‬وانظر نحوه في الجواب الصحيح‬ ‫‪ 4/407‬والمحاضرات السنية لبن عثيمين ‪1/45‬‬ ‫‪219‬‬ .

‬والحق أن وصفهم الذي تعالى الله عنه هو‬ ‫التجسيم لفرق فيه بين جسم أجوف وجسم مصمت‪.‬يقول ابن تيمية‪...‬الثاني‪ :‬أن الملئكة موصوفة‬ ‫بأنها صمد والجسام المصمتة موصوفة بأنها صمد وليست‬ ‫لحما ً ودمًا()‪ (3‬ويلحظ أن هذا الجواب ليرد على استدلل‬ ‫المجسمة الذين قالوا إنه جسم ل كالجسام‪.‬‬ ‫خامسا ً‪ :‬يلحظ أن الفخر الرازي يلزم من أثبت التحيز على‬ ‫العرش بعدد من اللوازم‪ ،‬منها لزوم إثبات الجوانب التي‬ ‫‪()1‬‬ ‫‪()2‬‬ ‫‪( )3‬‬ ‫‪() 4‬‬ ‫المصدر السابق ‪1/512‬‬ ‫زيادة مني لتستقيم العبارة ولعلها ساقطة من الصل والله اعلم‬ ‫تلبيس الجهمية ‪1/512‬‬ ‫مجموعة رسائله في العقيدة ‪5/435‬‬ ‫‪220‬‬ .‬‬ ‫ومن ذلك أيضا ً أنه يعد من النقائص التي أثبتها اليهود‬ ‫والمجسمة وصفه تعالى بأنه أجوف‪ .‫فإن كون الموصوف مصمتا ً ل يمنع أن يكون جسما ً‬ ‫)‪(1‬‬ ‫أو محدودا ً كسائر ما وصف بأنه مصمد(‬ ‫فتأمل هذا القلب‪ ،‬وتأمل بعده ذلك التعليل‪.‬‬ ‫رابعا ً‪ :‬أنه يكتفي بالعتراض على إثبات ما يقابل لوازم‬ ‫الجسم المصمت دون العتراض على مطلق التجسيم فمن‬ ‫ذلك أنه ل يعترض على استدلل المجسمة بالية لثبات‬ ‫مطلق التجسيم‪ ،‬بل على زعمهم أنه لحم وعظم‪ .) :‬‬ ‫حكى عن بعض اليهود والرافضة والمجسمة أنهم يصفونه‬ ‫بالنقائص التي تعالى عنها كوصفه أنه أجوف وأنه بكى حتى‬ ‫رمدت عيناه‪ (4)(.‬يقول‪:‬‬ ‫)وأما استدلل المجسمة الذين يقولون إن الله لحم و نحو‬ ‫ذلك والذين يجعلون الباري من جنس شيء من الجسام‬ ‫المخلوقة بهذا السم فباطل لوجوه أحدها أن هذا اللفظ‬ ‫)دل()‪ (2‬على ذلك من تفاسيره‪ .‬‬ ‫ثم يزيد ابن تيمية في تفسير الصمدية باستعمال ألفاظ‬ ‫لتستعمل إل في وصف الجسام كالجتماع والقوة التي‬ ‫تنافي التفرق والنقسام والتمزق والنفصال والنحلل‪،‬‬ ‫والنضمام المنافي للخلو والتجويف والنفتاح والتفريج‪.

‫يحاذي بها يمين العرش وتغاير الجوانب التي يحاذي بها‬ ‫يسار العرش‪ ،‬ومنها لزوم إثبات الجزاء التي تستلزم قبول‬ ‫النقسام‪ ،‬وابن تيمية رحمه الله ل ينازع في هذا اللزوم‪ ،‬بل‬ ‫يسلم بلزومه للمخلوق‪ ،‬ثم يعدل في حق الخالق إلى‬ ‫مقابلتها بإثبات الجتماع والقوة والنضمام! ألم يكن نفي‬ ‫الوازم التي ذكرها الرازي أولى من الزيادة في إيهام‬ ‫التجسيم بإثبات ما يقابلها من لوازم الجسم؟‬ ‫العتراض على صحة ما نسبه إلى أكثر الصحابة‬ ‫والتابعين‪:‬‬ ‫يبالغ ابن تيمية في عزو ما يرتضيه إلى السلف وموافقته‬ ‫للعقل والنقل والفطرة فإذا سمع بذلك غير المطلع على‬ ‫مذهب السلف تهيب مخالفة هذا الحشر واستوحش من‬ ‫فطرته إن أنكرت ما ألفوه‪ ،‬فيعود على نفسه متهما ً لها بقلة‬ ‫الفهم وقصر النظر وفساد الفطرة‪ .(1‬وهو منكر المتن سقيم‬ ‫)‪(2‬‬ ‫السند‬ ‫‪ ()1‬العظمة ‪ 1/370‬وذكره السيوطي في الدر المنثور ‪6/410‬‬ ‫‪ ()2‬فيه يحيى بن عبد الله وهو ضعيف انظر لسان الميزان ‪7/434‬‬ ‫وله ترجمة في الكشف الحثيث ‪ 280‬يرويه عن أبان عن ابن عباس‬ ‫‪221‬‬ .‬وفي مسألتنا ل يصح‬ ‫عن صحابي واحد نسبة تفسير الصمد بما ذكره‪ .‬‬ ‫المرويات عن السلف في تفسير)الصمد(‪:‬‬ ‫أول ً أخرج أبوالشيخ بسنده عن أنس رضي الله عنه‬ ‫حديثا ً طويل ً و فيه أنه قال‪):‬أتت يهود خيبر إلى النبي صلى‬ ‫الله عليه وسلم‪ ،‬فقالوا يا أبا القاسم أخبرنا عن ربك عز‬ ‫وجل؟ فلم يجبهم النبي صلى الله عليه وسلم فأتاه جبريل‬ ‫فقال‪ :‬يا محمد )قل هو الله أحد( ليس له عروق فتتشعب‬ ‫إليه)الله الصمد( ليس بالجوف()‪ .‬ولنا كلم بعد سياقة هذه‬ ‫المرويات في فهم كلمهما وتفسيره بما يخالف فهم ابن‬ ‫تيمية له‪.‬وإنما‬ ‫أخرجه بعض المحدثين والمفسرين عن بضعة نفر من‬ ‫التابعين ل يصح من تلك الثار إل ما روي عن مجاهد‬ ‫والحسن البصري رحمهما الله‪ .

‫ثانيا ً‪ :‬أخرج الطبري في تفسيره بسنده عن صالح بن‬ ‫حيان عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال ل أعلمه إل قد‬ ‫ً )‪(2‬‬ ‫رفعه قال‪ :‬الصمد الذي ل جوف له)‪ .3/446‬‬ ‫‪222‬‬ .(5‬وهو ضعيف أيضا‬ ‫خامسا ً‪ :‬أخرج ابن أبي عاصم بسنده عن ميسرة بن‬ ‫)‪(7‬‬ ‫يعقوب الطهوي أنه قال الصمد‪ :‬المصمت‬ ‫سادسا ً‪ :‬أخرج الطبري بسنده عن الضحاك بن مزاحم‬ ‫)‪(8‬‬ ‫أنه قال الصمد الذي ل جوف له‬ ‫وهو متروك انظر ترجمته في ضعفاء العقيلي ‪ 1/38‬والمجروحين‬ ‫لبن حيان ‪1/96‬‬ ‫‪ ()1‬تفسيره ‪ 30/345‬وأخرجه الروياني في مسنده ‪1/80‬‬ ‫والطبراني في المعجم الكبير ‪ 2/22‬وأبو الشيخ في العظمة ‪.1/378‬‬ ‫‪ ()2‬في سنده محمد بن رومي وهو لين الحديث انظر ترجمته في‬ ‫الجرح والتعديل ‪8/21‬وتهذيب التهذيب لبن حجر ‪ 9/230‬وفيه عبيد‬ ‫الله بن سعيد قائد العمش انظر ترجمته في ضعفاء العقيلي‬ ‫‪3/121‬وتقريب التهذيب ‪ 371‬وفيه صالح بن حيان وهو ضعيف كما‬ ‫في التقريب ‪ 271‬وانظر ترجمته في الميزان ‪ 3/401‬وانظر تضعيف‬ ‫الحديث في الكامل لبن عدي ‪ 4/54‬ومجمع الزوائد للهيثمي ‪7/144‬‬ ‫‪ ()3‬السنة ‪1/229‬‬ ‫‪ ()4‬في سنده عبد الله بن ميسرة انظر ترجمته في ضعفاء للنسائي‬ ‫‪ 1/65‬وتقريب التهذيب ‪326‬وأخرجه الطبري في تفسيره بسند فيه‬ ‫محمد بن ربيعة الكلبي له ترجمة في الميزان ‪ 6/144‬انظر تقريب‬ ‫التهذيب ‪ 478‬يروي عن سلمة بن سابور وهو ضعيف انظر المغني‬ ‫للذهبي ‪ 1/175‬ولسان الميزان ‪ 3/68‬يرويه عن عطية بن سعد عن‬ ‫ابن عباس وعطية ضعيف أيضا انظر المجروحين لبن حبان ‪2/273‬‬ ‫والمغني في الضعفاء ‪5/369‬‬ ‫‪ ()5‬تفسير الطبري ‪30/344‬وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة‬ ‫‪ 1/301‬وأبو الشيخ في العظمة ‪1/383‬‬ ‫‪ ()6‬لنه من رواية المستقيم عثمان بن عبد الملك‪ .(1‬وهو ضعيف أيضا‬ ‫ثالثا ً‪:‬أخرج ابن أبي عاصم بسنده عن ابن عباس رضي‬ ‫الله عنهما قال‪ :‬الصمد الذي ل جوف له)‪.(3‬وهو ضعيف‬ ‫ً)‪(4‬‬ ‫أيضا‬ ‫رابعا ً‪ :‬أخرج الطبري بسنده عن سعيد ابن المسيب قال‬ ‫ً)‪(6‬‬ ‫الصمد الذي ليس له حشوة)‪ .5/90‬‬ ‫السنة‬ ‫في‬ ‫عاصم‬ ‫أبي‬ ‫ابن‬ ‫أخرجه‬ ‫و‬ ‫‪30/344‬‬ ‫‪ ()8‬انظر تفسيره‬ ‫‪ 1/303‬من طريقين عنه بإسناد جوده اللباني‪ ،‬ولم أجد قدحا ً في‬ ‫رجاله إل أن الضحاك نفسه قال فيه ابن حجر في التقريب ‪280‬‬ ‫صدوق كثير الرسال‪ .‬انظر ترجمته في‬ ‫ضعفاء ابن الجوزي ‪ 2/170‬والمغني في الضعفاء ‪ 2/427‬وتهذيب‬ ‫التهذيب ‪7/124‬‬ ‫‪ ()7‬السنة ‪ 1/303‬وميسرة هو صاحب راية علي رضي الله عنه قال‬ ‫الحافظ في ترجمته في التقريب ‪) 255‬مقبول( وانظر ترجمته في‬ ‫تهذيب الكمال ‪ 14/388‬و يرويه عنه عطاء بن السائب قال الذهبي‬ ‫في ترجمته‪) :‬تغير بأخره وساء حفظه( انظر من تكلم فيه وهو موثق‬ ‫‪ 134‬و الميزان ‪.‬وانظر ترجمته في ميزان العتدال للذهبي‬ ‫‪.

‫وأخرج ابن أبي عاصم وغيره بأسانيد صحيحة عن مجاهد‬ ‫بن جبر رحمه الله أنه قال‪ :‬الصمد المصمت الذي ل جوف‬ ‫)‪(1‬‬ ‫له‬ ‫وأيضا ً أخرج هو وغيره بسند صحيح عن الحسن البصري أنه‬ ‫)‪(2‬‬ ‫قال‪:‬الصمد الذي ل جوف له‬ ‫وبعد فل يخفى مافي نسبته هذا التفسير إلى أكثر‬ ‫الصحابة والتابعين وعامة السلف من المبالغة‪ ،‬إذ لم يصح‬ ‫عن صحابي واحد وإنما صح عن اثنين من التابعين وأمام‬ ‫ذلك جمع من القوال التي يفسر فيها السلف لفظ )الصمد(‬ ‫بغير هذا التفسير)‪ (3‬فكيف يعد الول مذهبا ً لهم؟ ولم ل يعد‬ ‫الخر؟ وما صح عن بعض التابعين في تفسيره فليس فيه‬ ‫الولوج في شرحه بالخلو من التجويف والنضمام المنافي‬ ‫للنفتاح والتفريج ونحوها من صفات الجسام‪ ،‬فل يزيد ما‬ ‫نقل فيه عن التابعين على كونه تفسيرا ً لغويا ً لصل لفظ‬ ‫)الصمد( قبل وصف الباري به‪ ،‬ويعد تفسيرا ً لما يوصف به‬ ‫من الجسام‪.‬‬ ‫‪ ()1‬السنة ‪ 1/301‬وانظر تفسير الصنعاني ‪ 3/407‬وتفسيرالطبري‬ ‫‪ 30/344‬وتفسير مجاهد ‪2/794‬‬ ‫‪ ()2‬السنة ‪ 1/302‬وانظر تفسير الطبري ‪ 30/344‬وأخرجه كلهما‬ ‫من طرق عن عبد الرحمن بن مهدي قال حدثنا الربيع بن مسلم عن‬ ‫الحسن‬ ‫‪ ()3‬انظر ما نقل عن التابعن من أقوال أخرى في تفسير الصمد في‬ ‫تفسير الصنعاني ‪ 3/407‬والسنة لبن أبي عاصم ‪303-1/299‬‬ ‫وتفسير الطبري ‪ 347– 30/344‬وأبوالشيخ في العظمة ‪1/370‬‬ ‫وانظر حكاية هذه القوال في تفسير البغوي ‪ 4/445‬و تفسير ابن‬ ‫كثير ‪4/571‬‬ ‫‪223‬‬ .‬‬ ‫الستدلل بالية الثالثة‪):‬ولم يكن له كفوا أحد(‬ ‫في هذه الية ينفي سبحانه أن يكون أحد كفوا ً له‪.‬ويدخل في هذا العموم الجسم وغير الجسم‪ ،‬فما‬ ‫من مخلوق إل وهو منفي عنه أن يكون كفوا لله عز وجل‪.‬‬ ‫وسبق أن )أحد( إذا استعمل في النفي فهو نص في‬ ‫العموم‪ .

1/139‬‬ ‫‪ ()6‬لسان العرب )كفي( ‪.‬وقرأ الباقون بضم الفاء وهما‬ ‫لغتان‪ .1/239‬‬ ‫‪ ()2‬انظر تفسير الطبري ‪ 30/347‬وتفسير البغوي ‪ 4/545‬وتفسير‬ ‫الواحدي ‪ 2/241‬وزاد المسير لبن الجوزي ‪ 9/269‬وفتح القدير‬ ‫للشوكاني ‪ 5/518‬وروح المعاني لللوسي ‪.‫ثم المراد بالكفو المثل والنظير كما أشار إلى ذلك‬ ‫اللغويون)‪ (1‬ورضيه طائفة من المفسرين)‪ (2‬ونسبه الطبري‬ ‫)‪(3‬‬ ‫إلى بعض السلف‬ ‫)‪(5) (4‬‬ ‫كفء (‬ ‫قال ابن منظور‪):‬الكفو‪ :‬النظير‪ ،‬لغة في ال ِ‬ ‫فوء على‬ ‫كفء والك ُ‬ ‫فيء النظير‪ ،‬وكذلك ال ِ‬ ‫وقال أيضًا‪) :‬والك َ ِ‬ ‫)‪(6‬‬ ‫ِفعل وفعول‪ ،‬وتكافأ الشيئان تماثل‪(.30/277‬‬ ‫‪ ()3‬رواه عن ابن عباس رض الله عنهما وعن ابن جريج وأبي العالية‬ ‫رحمهما الله انظر تفسيره ‪.‬وإنما كان ذلك كذلك لنه تعالى لو كان شبيها ً لشيء‬ ‫من خلقه لقتضى من الحدث والحاجة إلى محدث له ما‬ ‫اقتضاه ذلك الذي أشبهه‪ ،‬أو اقتضى ذلك قدم ما أشبهه من‬ ‫خلقه‪ ،‬وقد قامت الدلة على حدوث جميع الخلق واستحالة‬ ‫قدمه‪ .‬وليس كونه عز وجل غير مشبه للخلق ينفي وجوده‬ ‫لن طريق إثباته كونه تعالى على ما اقتضته العقول من‬ ‫)‪(7‬‬ ‫دللة أفعاله دون مشاهدته(‬ ‫ويدل أيضا على نفي التجسيم ولوازمه كالحيز والجهة‬ ‫كما نبه عليه الفخر الرازي فقال‪) :‬لو كان تعالى جوهرا ً فردا ً‬ ‫‪ ()1‬انظر العين للخليل )كفأ( ‪ .30/347‬‬ ‫‪ ()4‬وهي قراءة فيه أيضا قال ابن زنجلة في حجة القراءات‪) :‬قرأ‬ ‫حمزة وإسماعيل )كفئا( ساكنة الفاء‪ .15/227‬‬ ‫‪ ()7‬رسالة إلى أهل الثغر ‪ .44‬‬ ‫‪224‬‬ .160-1/158‬‬ ‫‪ ()5‬لسان العرب )كفأ( ‪.‬وقرأ حفص )كفوا( مضمومة الواو مفتوحة الواو غير مهموزة‬ ‫أبدل من الهمزة واوا‪ ،‬والعرب تقول ليس لفلن كفو ول مثل ول‬ ‫نظير والله عزوجل ل نظير له ولمثل انظر السبعة في القراآت‬ ‫لمكي ‪..‬قال المام الشعري‪) :‬وأجمعوا على أنه عز وجل غير‬ ‫مشبه لشيء من العالم وقد نبه الله عز وجل على ذلك‬ ‫بقوله )ليس كمثل شيء( وبقوله عز وجل )ولم يكن له كفوا‬ ‫أحد(‪.‬‬ ‫فالحاصل أن عموم ما ُنفي عنه أن يكون كفوا ً ومثل ً ونظيرا ً‬ ‫يدل على نفي التشبيه عموما ً ويدل على نفي التجسيم‬ ‫أيضًا‪ .210‬انظر شرح هذا الستدلل في‬ ‫العتقاد للبيهقي ‪.5/414‬ومقاييس اللغة لبن فارس‬ ‫)كفأ( ‪ 5/188‬والمفردات للراغب ‪ 436‬والمغرب ‪ 2/222‬والنهاية في‬ ‫غريب الحديث لبن الجزري ‪ 4/180‬ومختار الصحاح للرازي ‪.

20‬‬ ‫‪ ()3‬انظر مجموعة رسائله في التفسير ‪.‬فدلت هذه السورة من الوجه‬ ‫الذي قررناه على أنه ليس بجسم ول بجوهر‪ .‬كما قال في آخر السورة )ولم يكن له كفوا أحد(‬ ‫فاستعملها في النفي أي ليس شيء من الشياء كفوا ً له في‬ ‫شيء من الشياء لنه أحد()‪ (4‬نقول مع أن ابن تيمية سلم‬ ‫‪ ()1‬أساس التقديس ‪.18‬‬ ‫‪()2‬المصدر السابق ‪.‫لكان كل جوهر مثل ً له‪ ،‬وذلك ينفي كونه أحدًا‪ ،‬ثم أكدوا هذا‬ ‫الوجه بقوله تعالى‪) :‬ولم يكن له كفوا ً أحد( ولو كان جوهرا ً‬ ‫لكان كل جوهر فرد كفوا ً له‪ .‬وإذا ثبت أنه‬ ‫تعالى ليس يجسم ول بجوهر وجب أن ل يكون في شيء‬ ‫من الحياز والجهات‪ ،‬لن كل ما كان مختصا ً بحيز وجهة فإن‬ ‫كان منقسما ً كان جسمًا‪ ،‬وقد بينا إبطال ذلك‪ ،‬وإن لم يكن‬ ‫منقسما ً كان جوهرا ً فردًا‪ ،‬وقد بينا أنه باطل‪ ،‬ولما بطل‬ ‫ً )‪(1‬‬ ‫القسمان ثبت أنه يمتنع أن يكون في جهة أصل(‬ ‫وقال أيضًا‪) :‬وأما قوله تعالى‪ ":‬ولم يكن له كفوا أحد" فهذا‬ ‫أيضا ً يدل على أنه ليس بجسم ول جوهر‪ ،‬لنا سنقيم الدللة‬ ‫على أن الجواهر متماثلة‪ ،‬فلو كان تعالى جوهرا ً لكان مثل ً‬ ‫لجميع الجواهر فكان كل واحد من الجواهر كفوا ً له‪ ،‬ولو‬ ‫كان جسما ً لكان مؤلفا ً من الجواهر لن الجسم يكون كذلك‬ ‫فثبت أن هذه السورة من أظهر الدلئل على أنه تعالى ليس‬ ‫)‪(2‬‬ ‫بجسم ول بجوهر ول حاصل في مكان وحيز(‬ ‫مناقشة ابن تيمية رحمه الله في اعتراضه على‬ ‫هذا الستدلل‪:‬‬ ‫مع أن ابن تيمية رحمة الله سلم بدللة الية على نفي‬ ‫المشاركة والمماثلة وعموم هذا النفي فقال‪) :‬فقوله )أحد(‬ ‫مع قوله )ولم يكن له كفوا أحد( ينفي المشاركة والمماثلة(‬ ‫)‪.17/325‬‬ ‫‪ ()4‬انظر المصدر السابق ‪.(3‬‬ ‫وقال‪) :‬فهو أحد ل يماثله شيء من الشياء بوجه من‬ ‫الوجوه‪ .17/328‬‬ ‫‪225‬‬ .

(1‬‬ ‫العالمين بهذا القدر حتى ُيحتاج هذا إلى دليل على نفيه(‬ ‫والجواب من وجوه‪:‬‬ ‫أول ً‪ :‬احتاج الفخر الرازي إلى نفي الجوهر الفرد لتمام‬ ‫دليله وإحكامه حتى َيسلم من إلزامات الخصم واعتراضه‪،‬‬ ‫فلما استدل على نفي الجسم بأنه سبحانه )أحد( لن‬ ‫الجسم مركب من جوهر وهذا ينافي الوحدة احتاج إلى نفي‬ ‫الجوهر الفرد لئل ُيلزمه ملزم بأنه جوهر فرد لن الجوهر‬ ‫الفرد أيضا ً واحد غير مركب‪ ،‬فقال ما حاصله أنه ليس‬ ‫جوهرا ً إما لن الجوهر متحيز والمتحيز منقسم عند من ينكر‬ ‫ثبوت الجوهر الفرد‪ ،‬وإما لن الحد ليس له مثل و لو كان‬ ‫جوهرا ً لكان كل جوهر مثل ً له‪.‫بالمرين إل أنه كثر كلمه في العتراض على أدلة التنزيه‬ ‫حتى ألزم نفسه بما لحاجة في التزامه‬ ‫العتراض الول وجوابه‪:‬‬ ‫وهم ابن تيمية رحمه الله في ذكر مطلوب الرازي بهذا‬ ‫الدليل فقال بعد سياقة استدلل الرازي‪) :‬المطلوب بهذا‬ ‫الدليل وهو نفي كونه جوهرا ً فردا ً وهو أمر متفق عليه بين‬ ‫الخلئق كلهم بل هو معلوم بالضرورة العقلية أن رب‬ ‫السموات والرض ليس في القدر بقدر الجوهر الفرد فإنه‬ ‫عند مثبتيه أمر ل يحسه أحد من حقارته‪ .‬‬ ‫ثانيا ً‪ :‬هذه حاجة الفخر الرازي إلى إتمام أدلة التنزيه‬ ‫وإحكامها‪ ،‬فما الذي أحوج إلى العتراض على دليل يتوصل‬ ‫به إلى تنزيه الله عن الجسيمة ولوازمها‪ ،‬خاصة وقد أدى‬ ‫إلى العتراض على إثبات الله مقدرا ً بقدر الجوهر الفرد مع‬ ‫السكوت على أصل إثباته مقدرا ً بقدرٍ ما‪ .502 – 1/501‬‬ ‫‪226‬‬ .‬‬ ‫‪ ()1‬تلبيس الجهمية ‪.‬ولول ما ذهب إليه‬ ‫الشيخ رحمه الله في إثبات المقدار لحسن المرور عليه من‬ ‫غير تنبيه عليه ول وقوف عنده‪.‬فهو أصغر من‬ ‫الذرة والهباة وغير ذلك‪ ،‬فكيف يخطر ببال أحد أن رب‬ ‫)‪.

‬‬ ‫اعتراض وجوابه‪:‬‬ ‫واعترض ابن تيمية من وجه آخر فقال‪) :‬وكذلك قوله " ولم‬ ‫يكن له كفوا أحد " فإن المعنى لم يكن أحد من الحاد كفوا ً‬ ‫له‪ ،‬فإن كان الحد عبارة عما ل يتميز منه شيء عن شيء‬ ‫ويشار إلى شيء منه دون شيء فليس في الموجودات ما‬ ‫هو أحد إل ما يدعونه من الجوهر الفرد – وهذا عند أكثر‬ ‫العقلء ممتنع وجوده – ومن رب العالمين وحينئذ ل يكون قد‬ ‫نفى عن شيء من الموجودات أن يكون كفوا ً للرب لنه لم‬ ‫يدخل في مسمى )أحد(‬ ‫والجواب‪ :‬أنه قد سبقت الشارة إلى خلط ابن تيمية رحمة‬ ‫الله بين لفظ )أحد( الذي وقع في آخر السورة في سياق‬ ‫النفي ليدل على العموم وبين لفظ )أحد( في صدرها الذي‬ ‫ل يستعمل في الوصف مطلقا ً إل في حق الواحد سبحانه‪.‬إنما تتم إذا كانت‬ ‫الجواهر المنفردة )متماثلة()‪ (1‬في حقائقها()‪ (2‬فلو لم يكن‬ ‫مع المنزهين إل هذا الدليل مع تسليم ابن تيمية بتمامه إذا‬ ‫ثبت تماثل الجسام لكفاهم‪.‬‬ ‫قال رحمه الله‪):‬ول ريب أن كونه واحدا يمنع أن يكون من‬ ‫الجواهر المتماثلة لكن هذه الدللة‪ .‬‬ ‫وقد سبقت الشارة إليه‪.‫ثالثا ً‪ :‬اعترف رحمه الله بتمام دليل الرازي إن ثبت تماثل‬ ‫الجسام وقد ثبت بالدلة العقلية النظرية والدلة التجريبية‪.1/522‬‬ ‫‪ ()2‬المصدر السابق ‪.‬‬ ‫واعتراضه مبني على أن اللفظين بمعنى واحد وليس كذلك‪.‬‬ ‫ولم يفسر أحد من العلماء لفظ )أحد( الذي في آخر‬ ‫السورة بما فسر به )أحد( في وصف الله عز وجل‪.‬‬ ‫‪ ()1‬زيادة اقتضها سلمة العبارة وتمام معناه ولعلها ساقطة من‬ ‫الصل كما يدل عليها قول ابن تيمية بعد اعتراضه على استدلل‬ ‫الرازي السابق‪) :‬ومن العجيب أن كلمه يدور في هذا الباب على‬ ‫تماثل الجسام( انظر تلبيس الجهمية ‪.1/502‬‬ ‫‪227‬‬ .

‫المبحث الثاني‪:‬‬ ‫الدلئل العقلية على تنزيه الباري سبحانه‬ ‫عن الجسمية‬ ‫وفيه مطالب‬ ‫المطلب الول‪ :‬لو كان متحيزا ً لكان مثل ً‬ ‫لسائر المتحيزات‬ ‫المطلب الثاني‪ :‬لو كان مختصا ً بالحيز‬ ‫والجهة لكان محتاجا ً‬ ‫المطلب الثالث‪ :‬لو كان إله العالم متحيزا ً‬ ‫لكان مركبا ً‬ ‫المطلب الرابع‪ :‬لو كان مختصا ً بالجهه‬ ‫والحيز لكان متناهيا ً‬ ‫المطلب الخامس‪ :‬إذا كانت الرض كرة‬ ‫امتنع كونه تعالى في الجهة‬ ‫المطلب السادس‪ :‬لو كان متحيزا ً لكان‬ ‫متحركا ً أو ساكنا ً‬ ‫‪228‬‬ .

‬‬ ‫ومن الرجال الذين تصدوا لهذه الفكرة الفخر الرازي‬ ‫الذي تعين عليه ذلك ِلما ابتلي به عصره من فتن الكرامية‬ ‫ومخازيهم‪ .‬فليس لهذه الفكرة أساس يستقل بها ولو‬ ‫من غير تقدير معارض يصادمها‪ .‬‬ ‫وما حفظه لنا كتاب الفرق من النزر اليسير عن ابن كرام‬ ‫وابن الحكم وغيرهم يعطي خير مثال على قيمة هذا الفكر‬ ‫ويمنع من السف على تضييعه‪.‬ولهذا ل نجد بين أيدينا شيئا ً يذكر من دفاع الكرامية‬ ‫وغيرهم من المجسمة عن أدلتهم‪.‬ولم تجد لها‬ ‫مناصرا ً إل مطعونا ً في دينه ومأبونا ً في عقله باع عقله‬ ‫وأخلد إلى حسه‪ .‬‬ ‫ونهض معه بمثله أساطين أهل السنة حتى ألجأوا مذهب‬ ‫الكرامية إلى النحسار والنكماش وألحقوهم بمذهب‬ ‫المجسمة الوائل الذين لم يبق من فكرهم إل ماحفظته‬ ‫صفحات التاريخ وكتب الفرق والملل‪ ،‬فلم تعد لهم شبهة‬ ‫قائمة ول حجة قادحة‪ ،‬ولم يبق لمذهبهم معتقد ول ناصر ول‬ ‫منافح‪ .‬فلم يعتن أحد من المتكلمين بالرد على‬ ‫المجسمة كما اعتنى بذلك الفخر الرازي‪ ،‬فكشف عن‬ ‫تهافت مذهبهم وأقام الحجة عليهم بقواطع النقل والعقل‪.‫المبحث الثاني‪ :‬الدلئل العقلية على تنزيه‬ ‫الباري سبحانه عن الجسمية‬ ‫تمهيد‪:‬‬ ‫ل يخفى أن فكرة التجسيم قامت على أساس ُ‬ ‫شبهٍ هشة‬ ‫تعتمد على قياس الباري سبحانه بمخلوقاته‪ .‬‬ ‫ولما جاء عصر ابن تيمية رحمه الله نظر إلى المذهب الذي‬ ‫يخالف مذهبه في المتشابه ووقف على العذر الذي ألجأ‬ ‫مخالفه إلى التأويل أو التفويض وهو الرد على مذهب‬ ‫‪229‬‬ .‬فكيف وقد هبت قواطع‬ ‫النقل والعقل متضافرة على ُ‬ ‫شبه هذه الفكرة ل تبقي منها‬ ‫خس هذه الفكرة أن أربابها لم يعبء‬ ‫من ب ْ‬ ‫ول تذر‪ .‬وإن ِ‬ ‫التاريخ بحفظ تراثهم وتقريرهم لفكرتهم واعتراضهم على‬ ‫ما يبطلها‪.

‬ول يخفى على مطلع أنه رحمه‬ ‫الله يكثر من الستطراد والتكرار فيحتاج الوقوف‬ ‫على اعتراضه إلى استخراج المراد واستخلصه‬ ‫وطرح تكريره واستطراده وجمع ما تناثر وترك ما‬ ‫تكرر‪ .‬فرأيت‬ ‫أن الفائدة تتجلى في المحاكمة بين التأسيس ونقضه‬ ‫فأذكر دليل الفخر وأناقش ما اعترض عليه ابن‬ ‫تيمية رحمه الله‪ .‬‬ ‫ول يخفى أيضا أن المتكلمين في هذا المقام إذا أبطلوا‬ ‫شبهة أبطلوها من وجوه‪ ،‬وإذا أثبتوا أمرا ً أثبتوه بوجوه ل‬ ‫يكتفون بما يبطل الشبهة ويتمم الحجة‪ ،‬بل يزيدون على‬ ‫ذلك وجوها ً للتأكيد وقطعا ً لشغب المعارض‪ .‬بل لم أجد لحد من المسلمين‬ ‫جهدا كجهد ابن تيمية في العتراض على هذه الدلة‪ .‬وربما تساهلوا‬ ‫‪230‬‬ .‫التجسيم‪ .‬ولما صرح ابن تيمية بهجر المذهبين اجتهد في‬ ‫النظر بأدلة من نزه الباري عن الجسمية ولوازمها وأدلة‬ ‫المثبتين‪ ،‬وعنون هذه المحاولة برغبته بالعدل بين الفريقين‪،‬‬ ‫ووقف على عناية الفخر الرازي بإبطال مذهب التجسيم في‬ ‫كتاب تأسيس التقديس فاعتمد هذا الكتاب أساسا ً لحملة‬ ‫اعتراضه على أدلة التنزيه حتى صار المتفرد الول‬ ‫بالعتراض على هذه الدلة‪ .‬لن نفي العم يستلزم نفي‬ ‫الخص ضرورة‪ ،‬ويستدلون بنفي الجوهر على نفي لوازمه‬ ‫كالتحيز وقبول العراض‪ ،‬ويستدلون بنفي الجسم على نفي‬ ‫لوازمه كقبول النقسام والصورة‪ ،‬ويستدلون على نفي‬ ‫الجهة بما يشتمل على نفي الجسمية ل بما يتوقف على‬ ‫نفيها‪ .‬‬ ‫ومن الملحظ أن المتكلمين اشتغلوا بتقرير الدلة العقلية‬ ‫على نفي الجسم ولوازمه من وجوه فقد يستدلون بنفي‬ ‫الجوهر على نفي الجسم‪ .‬كأن يقال لو كان متحيزا ً فإما أن يكون منقسما ً وهو‬ ‫الجسم وإما أن يكون غير منقسم وهو الجوهر الفرد‪.‬لكني لم أجد مع ذلك بدا من التطويل‬ ‫بالنقل أحيانا وترك التصرف في عباراته تجنبا‬ ‫للتهام بسوء فهم عبارته أوالتصرف فيها‪.

‬ولما لم يتسع المقام لستيفاء الكلم على جميع‬ ‫الوجوه التي يذكرها المنزهون مع جميع ما أورده عليها ابن‬ ‫تيمية رحمه الله فقد تخطيت بعض المقدمات والوجوه التي‬ ‫زادها المتكلمون للتأكيد وحصل فيها نزاع طويل فإن كانت‬ ‫الغلبة للمنازع في هذه الجولة فلن يهنأ بذلك لنا سنكشف‬ ‫عن صولة قواطع التنزيه في جولت وجولت‪.‬‬ ‫‪231‬‬ .‬وهذا ما يستغله المنازع إذ‬ ‫يمر على الوجه القوي مرور الكرام فإذا وصل إلى وجه‬ ‫ضعيف أقام في إبطاله وجوها ً لعله يجبر تقصيره في‬ ‫الجواب عن القوي‪ ،‬ويشفع له التطويل في نقض هذا‬ ‫الضعيف‪ .‫بعد التقرير بما يراد به التأكيد‪ .

‬ولكن منهم من يقول‬ ‫ليس بمركب ول منقسم ول ذي أجزاء وأبعاض‪،‬‬ ‫ومنهم من ل ينفي ذلك‪..‬‬ ‫لكن أهل السنة والحديث فيهم رعاية للفاظ النصوص‬ ‫وألفاظ السلف‪ ،‬وكثير من مبتغي ذلك يؤمن بألفاظ ل يفهم‬ ‫معناها وقد يؤمن بلفظ ويكذب بمعنى آخر غايته أن يكون‬ ‫‪232‬‬ .‬‬ ‫وقد يقولون ليس بمتحيز وهو فوق العرش إذا كان المراد‬ ‫بالمتحيز الجسم أو الجوهر الفرد‪ .‬‬ ‫وأما سلف المة وأئمتها ومن اتبعهم فألفاظهم فيها أنه‬ ‫فوق العرش وفيها إثبات الصفات الخبرية التي يعبر هؤلء‬ ‫المتكلمون عنها بأنها أبعاض وأنها تقتضي التركيب‬ ‫والنقسام‪.‬فقد تقدم أن هذا فيه نزاع مشهور بين الناس من‬ ‫مثبتة الصفات و نفاتها فإن كثيرا ً من الصفاتية من الكلبية‬ ‫والشعرية وغيرهم من الفقهاء والصوفية وأهل الحديث‬ ‫يقولون ليس بجسم وهو فوق العرش‪.‬‬ ‫قال رحمه الله ‪) :‬هذه الحجة وغيرها من الحجج كلها مبنية‬ ‫على أن القول بكونه فوق العرش يستلزم أن يكون‬ ‫متحيزًا‪.‬‬ ‫وقد ثبت عن أئمة السلف أنهم قالوا لله حد وأن‬ ‫ذلك ل يعلمه غيره وأنه مباين لخلقه‪ ،‬وفي ذلك لهل‬ ‫الحديث والسنة مصنفات وهذا هو معنى التحيز عند‬ ‫من تكلم به من الولين‪ ،‬وكثيرا ً منهم من الكرامية‬ ‫والشيعة والفقهاء والصوفية وأهل الحديث يقولون‬ ‫هو فوق العرش وهو جسم وهو متحيز‪ .‬فإن هؤلء‬ ‫كثيرا ً ما يكون النزاع بينهم لفظيًا‪.‫مناقشة ابن تيمية رحمه الله في ما بدأ بالعتراض‬ ‫به على جملة حجج التنزيه‬ ‫استفتح ابن تيمية رحمه الله اعتراضه على جميع حجج‬ ‫الرازي بمقامين‪ ،‬فهو يجمل العتراض في المقام الول ثم‬ ‫يفصله في المقام الثاني‪ .‬ونحتاج إلى جمع ما أجمله وكرره‬ ‫في المقام الول في موضع واحد‪.

‫فيه بعض معنى اللفظ الذي آمن به‪ ..‬‬ ‫والكلم على هذه الحجة في مقامين أحدهما منع المقدمة‬ ‫الولى والثاني منع المقدمة الثانية‬ ‫أما الول فهو قول من يقول هو فوق العرش وليس له حد‬ ‫ول مقدار ول هو جسم كما يقول ذلك كثير من الصفاتية من‬ ‫الكلبية أئمة الشعرية وقدمائهم ومن وافقهم من الفقهاء‬ ‫والطوائف الربعة وغيرهم وأهل الحديث والصوفية وغير‬ ‫هؤلء وهم أمم ل يحصيهم إل الله …‬ ‫وأما المقام الثاني فهو كلم من ل ينفي هذه المور التي‬ ‫يحتج بها عليه نفاة العلو على العرش ليس لها أصل في‬ ‫الكتاب والسنة بل قد يثبتها أو يثبت بعضها لفظا ً أو معنى‪ ،‬أو‬ ‫ل يتعرض لها بنفي ول إثبات‪ ..‬وهذا المقام هو الذي تكلم فيه‬ ‫سلف المة وأئمتها وجماهير أهل الحديث وطائفة من أهل‬ ‫الكلم والصوفية وغيرهم‪ ،‬وكلم هؤلء أسد في العقل‬ ‫)‪(2‬‬ ‫والدين(‬ ‫وقال أيضا‪) :‬هذه من حجج الجهمية قديما ً كما ذكر ذلك‬ ‫الئمة وذكروا أن جهما ً وأتباعه هم أول من أحدث في‬ ‫السلم هذه الصفات السلبية وإبطا َ‬ ‫ل نقيضها مثل قولهم‬ ‫ليس فوق العالم ول داخل العالم ول خارجه وليس في‬ ‫مكان دون مكان‪.‬ونحو هذه العبارات‪ .‬ولهذا يطعن كثير من‬ ‫أهل الكلم في نحو هؤلء الذين يتكلمون بألفاظ متناقضة ل‬ ‫)‪(1‬‬ ‫يفهمون التناقض فيها(‬ ‫وقال‪):‬هذه الحجة من جنس قولهم لو كان فوق العرش‬ ‫لكان إما أن يكون أصغر منه أو بقدره أو أكبر منه ببعد متناه‬ ‫أو غير متناه وهذه حجج الجهمية قديما ً كما ذكر الئمة‪.‬وإذا عرف أصل هذا‬ ‫الكلم فجميع السلف والئمة الذين بلغهم ذلك أنكروا ما فيه‬ ‫‪ ()1‬تلبيس الجهمية ‪110-2/109‬‬ ‫‪ ()2‬تلبيس الجهمية ‪548-1/547‬‬ ‫‪233‬‬ .

‬وهو إذ يحاول بذلك تكثير‬ ‫هذا الفريق ليكثر من مخالفي الرازي يشهد بذلك على تكثير‬ ‫مخالفيه‪ ،‬لنه نص على نفي الجسم والتحيز في حكاية‬ ‫مذهبهم‪.‬‬ ‫وأما من فسر فوقيته على العرش بإثبات الفوقية الحقيقية‬ ‫التي تقتضي إثبات التحيز والكون في جهة الفوق وتجويز‬ ‫الشارة الحسية إليه بأنه في تلك الجهة حصرا ً فهو الذي‬ ‫طلب الرازي نفيه ول يصح نسبته إل للكرامية والمجسمة‪.‬‬ ‫وأما من سكت عن الجسم ولوازمه نفيا ً وإثباتا ً فإما أن‬ ‫يعتقد إثبات ما سكت عنه فتكون الحجة معه أيضا ول يعبأ‬ ‫‪ ()1‬تلبيس الجهمية ‪1/600‬‬ ‫‪234‬‬ .‬‬ ‫لن المطلوب نفى لوازم الجسم المذكورة‪.‬‬ ‫وإنما أراد ابن تيمية رحمه الله أن يشد عرى اعتراضاته‬ ‫بإظهار معارضة حجة الرازي لقول الطوائف من الفقهاء‬ ‫وأهل الكلم والمحدثين وغيرهم‪ .‬ول يتصور‬ ‫في هذا المذهب الختلف في شيء من لوازم التجسيم نفيا ً‬ ‫وإثباتًا‪ .‫من هذه المعاني السلبية التي تنافي ما جاء به الكتاب‬ ‫)‪(1‬‬ ‫والسنة(‬ ‫ويمكن الجواب عن حاصل اعتراضه في هذا المقام في أربع‬ ‫نقاط‪:‬‬ ‫أو ً‬ ‫ل‪ :‬التنبيه على الجمال في قوله وهو "على‬ ‫العرش"‬ ‫يجب التنبيه على الجمال في قوله وهو "على العرش"‪:‬‬ ‫فأما من نفى الجسم والتحيز وآمن بما جاء عن الله على‬ ‫وفق مراده وفوض العلم به إلى الباري سبحانه أو حمله‬ ‫على بعض ما يحتمله في اللغة والشرع فل يعترض على‬ ‫وز من هؤلء في التعبير عن بعض نصوص‬ ‫الرازي‪ ،‬ومن تج ّ‬ ‫القرآن الكريم بأنه سبحانه فوق العرش فل يلزمه إثبات‬ ‫الجهة والحيز والشارة الحسية لنها تقيد التجسيم الذي‬ ‫يتنزه عنه الباري سبحانه في أصول هذا المذهب‪ .‬وليس في دليل الرازي ما يبطل ذلك ول يعارضه‪.

‬‬ ‫ثالثًا‪ :‬ما ذكره من نسبة الحد‪:‬‬ ‫أما ما ذكره من نسبة الحد فينبغي التنبيه على أسلوبه في‬ ‫العزو فإن إثبات الحد لم ينقل إل عن المام عبد الله بن‬ ‫المبارك رحمه الله في عبارة ل نسلم بفهم ابن تيمية لها‬ ‫فلو سلمنا له ووافقناه على فهمه فل يكون قول واحد من‬ ‫السلف قول ً لئمتهم‪ .‬‬ ‫ثانيًا‪ :‬نسبة التجسيم ولوازم الجسم إلى السلف‬ ‫وبعض أهل الحديث والفقهاء والصوفية‪:‬‬ ‫ننبه إلى أنه نسب التجسيم والتحيز والتركيب والنقسام‬ ‫والبعاض والجزاء إلى بعض أهل الحديث والفقهاء‬ ‫والصوفية‪ ،‬وفيه إيهام حسن هذه البدعة بنسبتها إلى من هم‬ ‫محل ثقة العوام‪ ،‬مع أن بدعة التجسيم تزري بقائلها‬ ‫وتخرجه من عداد العقلء فضل ً عن الفقهاء‪ .‬وإنما يريد ابن تيمية‬ ‫رحمه الله أن يشنع هذه الحجة بوضعها في مقابل كل هذه‬ ‫المذاهب ويهيأ السامع للحكم بشذوذها‪.‬أما أهل الحديث‬ ‫فل ينبغي أن يعد معهم من أظهر القول بالتجسيم وإن‬ ‫تصدر للرواية والتصنيف‪ .‬وقول ابن المبارك رحمه الله‪) :‬نعرف‬ ‫ربنا عز وجل فوق سبع سموات على العرش بائن من خلقه‬ ‫بحد ول نقول كما قالت الجهمية ههنا وأشار بيده إلى‬ ‫‪235‬‬ .‬‬ ‫ونشير إلى أن ابن تيمية لما حكى المام الشعري عن‬ ‫مقاتل بن سليمان قوله إن الله جسم استبعده واستنكف‬ ‫من نسبته إلى أحد من أهل العلم كما سبق‪ ،‬فما باله ينسبه‬ ‫هنا إلى هؤلء‪.‫عندها أهل التنزيه بمخالفته لن تنزيه الباري سبحانه فوق‬ ‫تنزيه البشر عن الخطأ في العتقاد‪ ،‬وتقديس الباري سبحانه‬ ‫فوق تقديس الرجال‪ ،‬وإما أن ل يعتقد ذلك فل تكون الحجة‬ ‫معه ول يمكن له رحمه الله تكثير صفه بهذا الفريق ما لم‬ ‫يصرحوا بإثبات الجسم أو لوازمه‪ .‬وأما الصوفية فلم يسبقه بنسبة‬ ‫التجسيم إليهم أحد ممن يتصدر لحكاية المذاهب‪.

‬وفي هذا قطع بنا شوطا كبيرا أغنانا عن‬ ‫منازعته في معنى الحيز وحقيقته‪ ،‬فهذا الحد الذي يسميه‬ ‫المتكلمون حيزا صنف أهل الحديث والسنة فيه مؤلفات‪،‬‬ ‫فإن كان إثباته إثباتا ً لما يتنزه عنه الباري سبحانه فل ينبغي‬ ‫حكايته عنهم مع السكوت عنه لنه نسبته إلى السنة‬ ‫والحديث يوهم حسن هذه البدعة‪ ،‬وهو من أعظم المنكر‬ ‫الذي يجب إنكاره‪ ،‬وإن كان إثباته حقا وكمال فلماذا يتردد‬ ‫في التصريح به فأي محظور في إثبات كمال ألف فيه أهل‬ ‫السنة والحديث مؤلفات؟‬ ‫رابعًا‪ :‬نسبة تنزيه الله عز وجل إلى الجهم وغلطه‬ ‫في فهم موقف السلف‪:‬‬ ‫نشير إلى محاولة تشنيع مذهب مخالفه بنسبته إلى الجهمية‬ ‫وتقوية مذهبه بحكايته عن السلف والئمة‪ .‬أما النسبة إلى‬ ‫مل‬ ‫الجهمية فقد أكثر رحمه الله من لوم من نفى الجسم مح ّ‬ ‫إياه وزَر الخوض فيه نفيا ً وإثباتًا‪ .‬‬ ‫و ليخفى أعظم الخطر الذي دل عليه تسويته بين معنى‬ ‫الحد ومعنى الحيز‪ ،‬وقد زعم أن لهل الحديث والسنة‬ ‫مصنفات فيه‪ .‬وهل ُيتصور من‬ ‫المسلمين إذا انتشر الكلم في إثبات ما ل يليق بالباري‬ ‫سبحانه أن يظلوا على ما كان عليه الحال قبل ظهر بدعة‬ ‫ة لم يفعلها‬ ‫التشبيه ؟ أليس السكوت عن إنكار المنكر بدع ً‬ ‫السلف؟ فكيف إذا كان من أعظم المنكرات؟‬ ‫ول يخفى أن بعض السلف قبل اشتداد الفتنة وانتشارها قد‬ ‫أنكر مجاراة أهل الباطل في الخوض في المتشابه لكن‬ ‫‪ ()1‬السنة ‪1/175‬‬ ‫‪236‬‬ .‬والحق أن إثبات الجسم هو‬ ‫السابق إلى البدعة الذي يحمل وزر الفريقين إن كان تنزيه‬ ‫الباري سبحانه عن هذه البدعة باط ً‬ ‫ل‪ .‫الرض()‪ (1‬يراد به نفي ما نسب إلى المعتزلة من إثبات‬ ‫ن فيها‪ ،‬فل ينبغي إلزام ابن‬ ‫مخالطة المخلوقات والكو ِ‬ ‫المبارك بإثبات حد لذات الله عز وجل يكون بعده حدا ً لحيز‬ ‫المخلوق‪.

‬الفريق الول هو من ينازع في‬ ‫إثبات الفوقية والمقصود بهم الرازي ومن معه‪ ،‬والفريق‬ ‫الخر هو الشعري وغيره ممن يقول إن الله نفسه فوق‬ ‫العرش ويقول إنه ليس بجسم ول متحيز‪ .‬وتبين أن الولين أعظم مخالفة للضرورة‬ ‫العقلية وأعظم تناقضا ً من هؤلء‪ ،‬وأن هؤلء ل يسع أحدهم‬ ‫في نظره ول مناظرته أن يوافق أولئك على ما سلكوه من‬ ‫النفي فرارا ً مما ألزموه إياه من التناقض لنه يكون‬ ‫كالمستجير من الرمضاء بالنار فيكون الذي وقع فيه من‬ ‫التناقض ومخالفة الفطرة الضرورية العقلية أعظم مما فر‬ ‫منه مع ما في ذلك من مخالفة القرآن والسنة وما اتفق‬ ‫عليه سلف المة‪ ..‬فأين‬ ‫أثبت أحد السلف والئمة المكان والحيز والنهاية والحد‬ ‫والجسم؟ هيهات أن يصح عن مشهود له بالدين والعقل‬ ‫ت مثل ذلك ولو كان من الخلف فضل ً عن أن يكون من‬ ‫إثبا ُ‬ ‫السلف‪.‬ول‬ ‫يخفى على عاقل أن إنكار النفي ل يكون إل بالثبات‪ ..‬‬ ‫خامسًا‪ :‬تحكيمه بين الطائفتين‪:‬‬ ‫تحدث ابن تيمية رحمه الله عن فريقين ل يرضى قول‬ ‫كل منهما‪ ،‬ثم حكم بينهما‪ .‬فقال رحمه الله‪:‬‬ ‫)‪.‬وإن كان قد يضطر إلى نوع باطل في‬ ‫الول فإنه بمنزلة قول الواقف في الرمضاء أنا أجد حرارتها‬ ‫وألمها فيقال له النار التي فررت إليها أعظم حرارة وألما ً‬ ‫وإن كنت ل تجدها حين وقوفك على الرمضاء بل تجدها حين‬ ‫تباشرها فيكون قد فر من نوع تناقض وخلف بعض‬ ‫الضرورة فوقع في أنواع من التناقضات ومخالفة الضرورات‬ ‫وبقي ما امتاز به الول في كلمه من الزندقه واللحاد‬ ‫‪237‬‬ .‫ليس هذا ما يحكيه ابن تيمية رحمه الله لنه يزعم أن هذه‬ ‫المعاني السلبية تنافي ما جاء به الكتاب والسنة وأن السلف‬ ‫والئمة أنكروا مافي كلم النفاة من المعاني السلبية‪ ..‬والمنازعون لهم في كونه فوق العرش كالرازي ومتأخري‬ ‫الشعرية وكالمعتزلة يدعون أن هذا تناقض مخالف‬ ‫للضرورة العقلية‪.

‬والثالث‪ :‬أنهم وإن لم يكن مسلكهم صوابا ً‬ ‫مطلقا ً ولكن طريقهم أقل خطأ ً من الولين‪ .‬‬ ‫والثاني‪ :‬أنه ل يرضى عن إثبات أن الله نفسه فوق العرش‬ ‫إذا اجتمع معه نفي التجسيم‪ ،‬لن في هذا المسلك نوعَ‬ ‫ة للضرورة العقلية‪ .‬ويترتب على‬ ‫ذلك أنه ل يسع أحدهم في مناظرته أن يوافق فريق الرازي‬ ‫على ما سلكوه من نفي الفوقية فرارا ً مما ألزموه إياه من‬ ‫التناقض لنه يكون كالمستجير من الرمضاء بالنار‪ .‬والثاني أنه يقع في نوع من التناقض و خلف‬ ‫بعض الضرورة‪ .‬وهذه‬ ‫المحاكمة وهذا الحكم يكشف عن أمور‬ ‫أولها‪ :‬تسليمه رحمه الله بأن الفوقية التي يريد إثباتها هي‬ ‫الفوقية التي تختص بها الجسام لنه سلم أن نفي التجسيم‬ ‫يناقض إثباتها‪ ،‬وأن هذا الثبات مع هذا النفي يخالف‬ ‫الضرورة‪ ،‬ويتعين أن تكون تلك الضرورة هي أن الفوقية من‬ ‫لوازم الجسم‪ .‬وأن المختص بجهة الفوق جسم‪.‬وإذا أردنا أن نحدد‬ ‫ض ومخالف ً‬ ‫باطل وتناق ٍ‬ ‫مثار هذا الباطل والتناقض والمخالفة فعلينا أن نتذكر أن‬ ‫حاصل هذا المسلك إثبات أن الله نفسه فوق العرش ونفي‬ ‫التجسيم ول يمكن أن يكون إثبات الفوقية على العرش من‬ ‫الباطل عند ابن تيمية لنه الموافق عنده للكتاب والسنة‪،‬‬ ‫‪ ()1‬تلبيس الجهمية ‪111-2/110‬‬ ‫‪238‬‬ .‬‬ ‫فالذي حكم به على فريق الشعري‪ ،‬ثلثة أحكام الول أن‬ ‫من أثبت الفوقية ونفى التجسيم مضطر إلى نوع باطل في‬ ‫هذا المسلك‪ .‫ومشاقة الرسول من بعد ما تبين له الهدى واتباع غير سبيل‬ ‫المؤمنين زيادة على ذلك‪.‬‬ ‫ولهذا كان في هؤلء المثبته ممن له في المة من الثناء‬ ‫ولسان الصدق ما ليس لمن هو من أولئك وإن كان قد يذمه‬ ‫من يذمه من وجه آخر فليس الغرض بيان صوابهم مطلقا ً‬ ‫ولكن بيان أن طريقهم أقل خطأ ً وطريق الولين أعظم‬ ‫)‪(1‬‬ ‫ضللة فهذا أحد المقامين وقد تقدم بيانه فل نعيده(‬ ‫ولبد من النتباه إلى ما في المحاكمة من أعظم الخطر‪.

‬فإذا عرضنا على العقل ما‬ ‫ح ّ‬ ‫كمه به ابن تيمية رحمه الله أعني إثبات الفوقية مع نفي‬ ‫ي الفوقية مع نفي التجسيم‪ ،‬فإذا نظر في‬ ‫التجسيم‪ ،‬ونف َ‬ ‫الولى فإما أن يقطع بالجواز أو بالمنع فإن كانت الفوقية‬ ‫من لوازم الجسم قطع بأن إثبات الفوقية مناقض لنفي‬ ‫الجسم وقطع بمنع إحداهما وإثبات الخرى وعد ذلك مخالفا ً‬ ‫للضرورة العقلية قطعًا‪ .‬أما أن يكون الحكم فيه رمضاء ونار‬ ‫ف لبعض الضرورة‪ ،‬أو ما ليس بصواب‬ ‫أو نوع تناقض وخل ٍ‬ ‫مطلقا وما هو أقل ضلل ً فهذا ل ُيقبل من العقل في مثل‬ ‫هذه المسألة‪.‬وإذا كان‬ ‫كذلك فينبغي أن يعلم أن الكلم في هذا الفصل مقصود‬ ‫لنفسه وفيه ينفصل أهل التوحيد من أهل اللحاد‪ ،‬فإن القول‬ ‫‪239‬‬ .‬فهل يصح أن إثبات الفوقية مع نفي‬ ‫التجسيم فيه تناقض ونوع باطل؟ وأن النجاة من التناقض‬ ‫بنفي التجسيم والفوقية استجارة بالنار للخلص من‬ ‫الرمضاء وانتقال من طريق هي أقل خطأ ً إلى طريق أعظم‬ ‫ضللة؟ وهل يتعين النجاة من التناقض بإثبات الفوقية‬ ‫واعتقاد التجسيم دون التصريح به لن إثبات هذا اللفظ‬ ‫بدعة؟ و هل في هذا المسلك الثالث الذي ل رابع له‪ ،‬خلص‬ ‫من الرمضاء والنار والخطأ والضلل؟‬ ‫والرابع‪ :‬ما أشرنا إليه من أن الحكام التي يستصدرها من‬ ‫العقل ل بد أن تكون من الوهم لن هذه الحكام فيها تذبذب‬ ‫وتردد في ما ل يتردد فيه العقل‪ .‫فيتعين أن يكون نوع الباطل هو نفي التجسيم لنه يناقض‬ ‫إثبات الثابت‪.‬وإذا نظر في الخرى قطع في‬ ‫حكمه أيضا وهو ظاهر‪ ...‬‬ ‫سادسًا‪ :‬غلطه في تحديد مقصود الرازي‪:‬‬ ‫قال رحمه الله‪) :‬وهذا الفصل يتضمن أنه ليس على العرش‬ ‫ول فوق السموات وأن الرسول لم يعرج به إليه‪.‬‬ ‫والثالث‪ :‬أن الذي يرضيه هو إثبات أن الله نفسه فوق‬ ‫العرش دون نفي التجسيم لن هذا النفي يؤدي إلى نوِع‬ ‫باطل وتناقض‪ .

‬‬ ‫ومن هذا الباب قول المؤسس ونحوه ممن فيه تجهم‪:‬‬ ‫"إقامة البراهين على أنه ليس بمختص بحيز وجهة "‪.‬فإن‬ ‫المقصود الذي يرده على منازعه بهذا الكلم أنه ليس على‬ ‫العرش ول فوق العالم كما يذكره في سائر كلمه ويحرف‬ ‫النصوص الدالة على ذلك ولكن لم يترجم للمسألة بنفي هذا‬ ‫المعنى الخاص الذي أثبتته النصوص بل عمد إلى معنى عام‬ ‫مجمل يتضمن نفي ذلك وقد يتضمن أيضا نفي معنى باطل‬ ‫فنفاهما جميعا نفي الحق والباطل‪.‫بأن الله فوق العرش هو مما اتفقت عليه النبياء كلهم وذكر‬ ‫في كل كتاب أنزل على كل نبي أرسل وقد اتفق على ذلك‬ ‫سلف المة وأئمتها من جميع الطوائف‪ ،‬وجميع طوائف‬ ‫الصفاتية تقول بذلك الكلبية وقدماء الشعرية وأئمتهم‬ ‫والكرامية وقدماء الشيعة من المامية وغيرهم‪..‬‬ ‫وهذا كله حق‪ ...‬‬ ‫‪240‬‬ .‬‬ ‫فإن القائل ليس في جهة ول حيز يتضمن نفُيه أنه ليس‬ ‫داخل العالم ول في أجواف الحيوانات ول الحشوش القذرة‪.‬‬ ‫بخلف لفظ الجسم والمتحيز فإن هذا لم يثبته السلف‬ ‫والئمة مطلقا ً ول نفوه مطلقًا…‬ ‫وإذا كان ألفاظ النصوص لها حرمة ل يمكن المظهر للسلم‬ ‫أن يعارضها فهم يعبرون عن المعاني التي تنافيها بعبارات‬ ‫أخرى ابتدعوها ويكون فيها اشتباه وإجمال كما قال المام‬ ‫أحمد فهم مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب محمعون‬ ‫على مخالفة الكتاب يقولون على الله وفي الله وفي كتاب‬ ‫الله بغير علم يتكلمون بالمتشابه من الكلم ويخدعون جهال‬ ‫الناس بما يشبهون عليهم‪.‬ويتضمن أنه ليس على العرش ول فوق‬ ‫العالم وهذا باطل وكان في نفيه نفي الحق والباطل…‬ ‫وإذا كان القول بأن الله فوق العرش وفوق العالم ولوازم‬ ‫هذا القول الذي يلزم بالحق ل بالباطل هو قول سلف المة‬ ‫وأئمتها وعامة الصفاتية لم يكن رد هذا المؤسس على‬ ‫طائفة أو طائفتين بل على هؤلء كلهم‪.

‬‬ ‫‪ ()1‬مستخلص بنفس حروفه من تلبيس الجهمية ‪45-2/8‬‬ ‫‪241‬‬ .‬وليس في كلم‬ ‫الله ول في كلم رسوله ما يثبت لوازم الجسمية‪ .‬بل‬ ‫هم مطبقون متفقون على أنه نفسه فوق العرش وعلى ذم‬ ‫من ينكر ذلك بأعظم مما يذم به غيره من أهل البدع مثل‬ ‫)‪(1‬‬ ‫القدرية والخوارج والروافض ونحوهم‪(.‬‬ ‫هذا كلم يتيبن به حدة ابن تيمية رحمه الله وجرأته في رمي‬ ‫مخالفيه من أهل السنة وغيرهم بالكفر بل باللحاد‪ .‬‬ ‫ولبد من التنبيه إلى أن المقصود في هذا الفصل ليس ما‬ ‫ذكره‪ ،‬بل المقصود نفي أن تكون الفوقية الثابتة لله عز‬ ‫وجل فوقية تستلزم الشارة الحسية والختصاص بالحيز‬ ‫والجهة لن هذه الفوقية تختص بالجسام‪ .‬وسيبقى مثل هذا النص‬ ‫حجة وشاهدا ً على غلطه في فهم مذهب مخالفيه‪.‫ول يقدر أحد أن ينقل عن أحد من سلف المة وأئمتها في‬ ‫القرون الثلثة حرفا ً واحدا ً يخالف ذلك لم يقولوا شيئا ً من‬ ‫عبارات النافية إن الله ليس في السماء والله ليس فوق‬ ‫العرش‪ ،‬ول أنه ل داخل العالم ول خارجه‪ ،‬ول أن جميع‬ ‫المكنة بالنسبة إليه سواء‪ ،‬ول أنه في كل مكان أو أنه ل‬ ‫تجوز الشارة الحسية إليه‪ ،‬ول نحو ذلك من العبارات التي‬ ‫تطلقها النفاة لن يكون فوق العرش ل نصا ً ول ظاهرًا‪ .‬‬ ‫ونقول في الجواب‪ :‬قوله‪…":‬الكلم في هذا الفصل‬ ‫مقصود لنفسه وفيه ينفصل أهل التوحيد من أهل اللحاد‪"..‬وسيبقى‬ ‫هذا النص وأمثاله سنة سيئة جرأ فيها مقلديه على التطاول‬ ‫على علماء المة بالتكفير أو التبديع‪ .‬وحمل ما‬ ‫فيهما من نصوص على ما يقتضي لوازم التجسيم باطل‬ ‫بالشرع والعقل باتفاق سلف المة وأئمتها من جميع‬ ‫الطوائف‪ ،‬وجميع طوائف الصفاتية تقول بذلك الكلبية‬ ‫والشعرية جميعهم أئمتهم وعوامهم المتأخرون منهم‬ ‫والمتقدمون ل يتصور من أحدهم خلف في ذلك‪.

‬ويصح أن يشار إلى شيء منه دون شيء لكنه ل‬ ‫يقبل التفريق والتفكيك والتمزيق والنفصال‪ .‬ومن العجيب أن‬ ‫يرمي فريق الرازي بالتطاول على ألفاظ الكتاب والسنة‪،‬‬ ‫فإن للفاظهما حرمة معروفة عند الرازي والشاعرة‬ ‫يحفظها مذهب التفويض الذي أوجب الوقوف على ألفاظ‬ ‫الشرع ومنع تفسيرها بما يظن أنه مرادف لها في لغة‬ ‫العرب أو لغة غيرهم من المم‪ ،‬بل منع من إطلق تصاريف‬ ‫هذه اللفاظ‪ ،‬فلم يرض ابن تيمية رحمه الله منهم ذلك‪.‬‬ ‫وتصرف في ألفاظها حتى قال إن الله نفسه فوق العالم‬ ‫وفسره بما يقتضي تحيزه سبحانه في جهة يشار إليه وأثبت‬ ‫ة من جميع الجوانب وحيزا ً‬ ‫لله جوانبا ً وحدودا ً وأقطارا ً ونهاي ً‬ ‫متصل ً لزما ً لذاته وحيزا ً منفصل ً معينا ً هو العرش يتحيز فيه‬ ‫باختياره‪ .":‬وإذا كان ألفاظ النصوص لها حرمة ل يمكن‬ ‫المظهر للسلم أن يعارضها فهم يعبرون عن المعاني التي‬ ‫تنافيها بعبارات أخرى ابتدعوها "‬ ‫سبقت الشارة إلى أن الذي دعا إلى نفي الجسم هو‬ ‫الخوض في إثباته على عكس ما يصوره ابن تيمية رحمه‬ ‫الله من ابتداء المنزهين بنفي الجسم‪ .‫قوله‪..‬فأي الفريقين‬ ‫أحق بالحكم على مذهبه في هذه المسألة بالعدول عن‬ ‫ألفاظ الشرع إلى ألفاظ يكون فيها إجمال واشتباه؟ فإذا‬ ‫فرضنا أن من ألفاظ الشرع أنه سبحانه فوق العرش فما‬ ‫نفاه الرازي من الختصاص بالحيز والجهة والشارة ل‬ ‫إجمال فيه‪ .‬وأين البيان في تفسير ذلك بأنه مختص بحيز‬ ‫وجهة؟ وأين البراءة من رميه لمخالفه بالعدول عن ألفاظ‬ ‫الشرع إلى معان مبتدعة؟ وأي الفريقين أحق بالحكم على‬ ‫مذهبه بالخوض في المتشابه‪ ،‬من اختار التنزيه وحمل نحو‬ ‫اللفظ المذكور على المحكم في قوله سبحانه "ليس كمثله‬ ‫شيء" أم الذي فسره بالختصاص بالحيز والجهة والشارة‬ ‫الحسية والحدود والجوانب والقطار؟‬ ‫‪242‬‬ .

.‬وخصوا المنفي بأصدق عبارة تدل عليه وأقاموا الدلة‬ ‫على نفيه فل رضيت تفويضهم ول تفصيلهم‪ .‬‬ ‫ثم أي القريقين أحق بالوصف بالتحريف‪ ،‬من عمد إلى‬ ‫معنى خاص يشترك الوصف فيه بين الجسام فنفاه عن‬ ‫الباري سبحانه ودل على براءة النصوص منه إذا أجرينا‬ ‫النص على أساليب العرب وعاداتها في الخطاب؟ أم من‬ ‫عمد إلى اللفظ المجمل "فوق عباده" فصرفه إلى ما‬ ‫يشترك فيه الجسام من الختصاص بالجهة والحيز والحدود‬ ‫والجوانب والنهايات وأعرض عن أساليب العرب في‬ ‫الخطاب وقواطع التنزيه؟‬ ‫قوله " وإذا كان القول بأن الله فوق العرش وفوق‬ ‫العالم ولوازم هذا القول الذي يلزم بالحق ل بالباطل هو‬ ‫قول سلف المة كان رد هذا المؤسس على هؤلء كلهم‪".‬و‬ ‫مالذي يريد نسبته للسلف والشعري وأتباعه فإنهم جميعا ً‬ ‫متفقون على أن الله هو القاهر فوق عباده وأنه الرحمن‬ ‫‪243‬‬ .‬‬ ‫يقال ماهي لوازمه بالحق؟ هيهات أن يلزم إثبات التحيز وما‬ ‫ذكره من لوازم الجسم إل بالباطل والعراض عن أساليب‬ ‫العربية وغض الطرف عن قواطع السمع التي تنفي التشبيه‬ ‫ك النظر في قواطع العقل التي تشارك قواطع السمع‬ ‫وتر ِ‬ ‫في منع حمل المتشابهات على ما يفيد لوازم التجسيم‪.‬والعجب أنه‬ ‫عاب عليهم التفصيل في النفي وإنما فعلوا ذلك لسباب‬ ‫منها دفع ما يتوقع من خصمهم أن يرميهم بنفي ما أثبته‬ ‫الشرع وصدقه العقل‪.‫قوله‪":‬فان المقصود الذي يرده على منازعه بهذا الكلم أنه‬ ‫ليس على العرش ول فوق العالم"‬ ‫يقال‪:‬أي توضيح في النفي أكثر من كلمه في الختصاص‬ ‫بالحيز والجهة والشارة‪ ،‬أما نفي ما ذكرت على كل وجه‬ ‫فغير دقيق‪ .‬ومقصودهم نفي الباطل الذي أثبته الحشوي‬ ‫بحمل الستواء والفوقية ونحوها على ما يفهم من استواء‬ ‫الجسام وفوقيتها‪ ،‬وقد أثبتوا ما أثبته الشرع من غير زيادة‬ ‫عليه‪ .

‫على العرش استوى مع نفي الحيز والجسمية ونحوها‪ .‬‬ ‫‪244‬‬ .‬وليس في كتاب‬ ‫الله عز وجل ول سنة رسوله حرف واحد يدل على ذلك‪ .‬وما‬ ‫ذكره المؤسس من الختصاص بالحيز والجهة هو من لوازم‬ ‫الجسمية‪ ،‬فمن الذي أنكر على المؤسس نفيها منهم؟ ول‬ ‫يقدر أحد أن ينقل عن أحد من سلف المة وأئمتها في سائر‬ ‫القرون حرفا ً واحدا ً يثبت أن الله يشار إليه بحسب الحس‬ ‫وأن لذاته حدا ً متصل ً لزما ً له وأقطارًا‪ ،‬لم يقولوا شيئا ً من‬ ‫هذه العبارات ول أن السماء والعرش مكانه ول أنه في‬ ‫مكان دون مكان‪ ،‬ول نحو ذلك من العبارات‪.‬وليس مع ابن تيمية ول مع غيره‬ ‫عن أحد من هؤلء حرف واحد يثبت فيه ما أثبته‪.‬بل‬ ‫في كتاب الله وسنة رسوله ما يقطع بأن الباري سبحانه ل‬ ‫يحكم عليه بما يحكم به على المخلوقات لنه ليس كمثله‬ ‫شيء في شيء‪ .‬وفي كلم الئمة من خير القرون ما يشهد‬ ‫بذلك ويقدح بحكايته عنهم‪ .

‬فنقول الدليل على أن ذلك ممتنع هو أنه‬ ‫بتقدير أن يكون مساويا ً لسائر المتحيزات في عموم‬ ‫المتحيزية ومخالفا ً لها في الخصوصية كان ما به الشتراك‬ ‫مغايرا ً ل محالة لما به المتياز‪ .‬‬ ‫بيان الول أنه لو كان متحيزا ً لكان مساويا ً لسائرالمتحيزات‬ ‫فى كونه متحيزًا‪ .‬‬ ‫‪245‬‬ .‬فحينئذ يكون عموم‬ ‫المتحيزية مغايرا ً لخصوص ذاته المخصوصة التي وقعت بها‬ ‫المخالفة‪.‬‬ ‫فيفتقر هنا إلى بيان أنه يمتنع أن يكون مساويا ً لسائر‬ ‫المتحيزات في عموم المتحيزية ومخالفا ً لها في ماهيته‬ ‫المخصوصة‪ .‬‬ ‫وإما أن يكون العكس وهو أن يكون المتحيز موصوفا ً وما به‬ ‫المخالفة يكون صفة‪.‬‬ ‫إذا ثبت هذا فنقول هذان المران‪-‬ما وقعت به المشاركة‬ ‫وهو المتحيزية وما وقعت به المخالفة ‪ -‬إما أن يكون كل‬ ‫واحد منهما صفة للخر‪ ،‬وإما أن ل يكون كل واحد منهما‬ ‫صفة للخر‪.‬‬ ‫ً‬ ‫وإنما قلنا إن الول باطل لنه إذا كان مساويا لسائر‬ ‫المتحيزات فى كونه متحيزا ً ومخالفا ً لها فى شيء من‬ ‫مقومات تلك الماهية‪ ،‬وما به المشاركة غير ما به المخالفة‬ ‫فكان عموم كونه متحيزا ً مغايرا ً لتلك الخصوصية التي‬ ‫وقعت بها المخالفة‪.‫المطلب الول‪ :‬لو كان متحيزا ً لكان مثل لسائر‬ ‫المتحيزات‬ ‫قال الفخر الرازي‪ :‬لو كان الباري متحيزا ً لكان مماثل ً‬ ‫لسائر المتحيزات في تمام الماهية وهذا ممتنع‪.‬ثم بعد هذا ل يخلو إما أن يقال إنه مخالف‬ ‫لسائر الجسام فى شيء من مقومات ماهيته وإما أن ل‬ ‫يكون كذلك‪ ،‬والول باطل فيبقى الثانى‪.‬‬ ‫و إما أن يكون ما به المخالفة موصوفا ً والمتحيز الذي به‬ ‫المشاركة صفة‪.

‬لن ذلك الشيء‬ ‫ل حصول له فى شيء من الحيز‪ ،‬والمتحيز واجب الحصول‬ ‫فى الحيز والشيء الذي يجب أن يكون حاصل ً في الجهات‬ ‫يمتنع أن يكون حاصل ً في الشيء الذي يمتنع حصوله في‬ ‫الجهة‪ ،‬وذلك من محالت العقول‪.‬‬ ‫وإنما قلنا إنه يمتنع أن يكون ذات الله تعالى مساوية‬ ‫لذوات الجسام في تمام الماهية لوجوه‬ ‫‪246‬‬ .‬وذلك يفيد القول بأن‬ ‫الجسام متماثلة فى تمام الماهيه‪.‬‬ ‫وان كان الثانى امتنع حصول المتحيز فيه‪ .‬‬ ‫فان كان الول فهو جسم متحيز فيلزم أن يكون جزء ماهية‬ ‫الجسم جسما ً ماديا ً وهو محال‪.‬فنقول إن‬ ‫الذي به المخالفة إما أن يكون مختصا ً بالحيز والجهة وإما أن‬ ‫ل يكون‪.‬‬ ‫وإنما قلنا إن الثانى باطل لن على هذا التقدير يكون كل‬ ‫واحد منهما ذاتا ً مستقلة بنفسها ول يكون لواحد منهما تعلق‬ ‫بالخر وكلمنا ليس إل فى الذات الواحدة‪.‬‬ ‫وإنما قلنا إن القسم الول باطل لن ذلك يقتضي أن يكون‬ ‫كل واحد منهما ذاتا ً مستقلة بنفسها ومع ذلك يكون صفة‬ ‫مفتقرة إلى غيرها وذلك باطل‪.‬‬ ‫ولن كل ما كان حاصل ً في حيز وجهة على سبيل الستقلل‬ ‫كان متحيزا ً فلو كانت تلك الخصوصية التي فرضناها خالية‬ ‫عن التحيز حاصلة في الحيز لكان الخالي عن التحيز متحيزا ً‬ ‫وذلك محال‪.‫والقسام الثلثة باطلة فيبقى الرابع‪ .‬فإذا كان المفهوم من المتحيز مفهوما ً واحدا ً‬ ‫فحينئذ تكون المتحيزات متماثلة فى تمام الماهية‬ ‫والذات‪.‬‬ ‫فتثبت بما ذكرنا فساد القسام الثلثة فلم يبق إل الرابع وهو‬ ‫أن يكون ما به المشاركة وهو المتحيزية ذاتا ً وما به‬ ‫المخالفة صفة‪ .‬وليس المطلوب إل ذلك‪.‬‬ ‫وإنما قلنا إن الثالث باطل لنا إذا افترضنا أن ما به المخالفة‬ ‫هو الذات وما به المشاركة وهو التحيز صفة‪ .

‫منها أن من حكم المتماثلين الستواء في جميع اللوازم‬ ‫فيلزم من قدم ذات الله تعالى قدم سائر الجسام أو من‬ ‫حدوث سائر الجسام حدوث ذات الله تعالى وذلك محال‪.‬‬ ‫‪247‬‬ .‬والتزمت في ذلك كله بنص العبارة‪.‬والثاني كونه مانعا ً لغيره بأن يحصل بحيث‬ ‫هو‪ .‬‬ ‫ومنها أنه لما كانت ذاته تعالى مساوية لذات سائر‬ ‫المتحيزات فكما صح في سائر المتحيزات كونها متحركة‬ ‫تارة وساكنة أخرى وجب أن يكون ذاته أيضا ً كذلك‪ ،‬فعلى‬ ‫هذا التقدير يلزم أن يكون ذاته تعالى قابلة للحركة‬ ‫والسكون‪ ،‬وكل ما كان كذلك وجب القول بكونه محدثا ً لما‬ ‫ثبت في تقرير هذه الدلئل في مسألة حدوث الجسام ولما‬ ‫)‪(1‬‬ ‫كان محدثا ً وحدوثه محال فكونه جسما محال‪.‬‬ ‫قلت‪ :‬ويضاف إلى ذلك أنه لو كانت ذاته تعالى مساوية‬ ‫لذات سائر المتحيزات لجاز عليه ما يجوزعلى سائر‬ ‫المتحيزات من جواز النقسام والجتماع والفتراق‬ ‫والختصاص بالشكل والصورة والمقدار‪ ،‬والخصم قد يتنبه‬ ‫إلى استحالة شيء من هذه اللوازم فيوافقنا في نفيه ويلزم‬ ‫من نفي أحد اللوازم نفي الجسم وسائر اللوازم ضرورة‪.‬ول شك أن كل ما يحصل في حيز فقد‬ ‫حصل له هذه المور الثلثة‪ ،‬إل أن الذات الموصوفة بهذه‬ ‫‪ ()1‬ذكر الرازي هذه الحجة في المطالب العالية ‪ 20-2/18‬وأساس‬ ‫التقديس ‪ً 35.32‬باختلف يسير فآثرت أن أجمع بين الموضعين‬ ‫جمعا ً للفائدة وتجنبا للتكرار‪ .‬وكذلك فعلت باعتراضات ابن تيمية‬ ‫رحمه الله‪ .‬والثالث كونه بحال لو ضم إليه أمثاله حصل له حجم‬ ‫كبير ومقدار عظيم‪ .‬‬ ‫قال الفخر الرازي‪ :‬فإن قيل حصول الشيء في الحيز‬ ‫وكونه مانعا ً لغيره أن يحصل بحيث هو حكم من أحكام‬ ‫الذات‪ ،‬ول يلزم من الستواء في الحكام واللوازم الستواء‬ ‫في الماهية؟‬ ‫فالجواب عنه من وجهين‪:‬‬ ‫الول أن المتحيز له ثلثة أحكام أحدها أنه حاصل في‬ ‫الحيز شاغل له‪ .

.‫الحكام الثلثة لبد وأن يكون لها في نفسها الحجم والمقدار‬ ‫وهذا المعنى معقول مشترك بين كل الحجام‪.‬‬ ‫اعتراض وجوابه‪:‬‬ ‫اعترض رحمه الله على يبان الفخر الرازي أن المساواة في‬ ‫التحيز مساواة في تمام الماهية فقال‪...‬قد‬ ‫‪ ()1‬انظرأساس التقديس ‪ 58-57‬والمطالب العالية ‪20-2/18‬‬ ‫وشرح المواقف ‪.‬ول ريب أن قولهم بتماثل الجسام‬ ‫قول باطل سواء فسروا الجسم بما يشار إليه أو بالقائم‬ ‫)‪(2‬‬ ‫بنفسه أو بالموجود‪(...):‬قوله "فيفتقر هنا‬ ‫إلى بيان أنه يمتنع أن يكون مساويا ً لسائر المتحيزات"‪ ..‬‬ ‫ونشير إلى ما تقدم في البحث من أسلوب ابن تيمية رحمه‬ ‫الله في حكاية مذهب خصمه إذ يعده من أضعف القوال‪.‬‬ ‫وقد سبق أن اكتشافات العلم الحديث أخرجت الحكم‬ ‫بتماثل الجسام من المسائل النظرية الفكرية إلى الحقيقة‬ ‫المؤيدة بالتجربة والحس والعقل‪ .‬‬ ‫ثم إنا قد دللنا على أن هذا المفهوم المشترك يمتنع أن‬ ‫يكون صفة لشيء آخر‪ ،‬بل لبد وأن يكون ذاتًا‪ ،‬وإذا كان‬ ‫كذلك فالمتحيزات في ذواتها متماثلة والختلف إنما وقع‬ ‫)‪(1‬‬ ‫في الصفات وحينئذ يحصل التقريب المذكور‬ ‫اعتراض ومناقشته‪:‬‬ ‫قال ابن تيمية رحمه الله‪ ):‬أحدها ل نسلم أنه لو كان مختصا ً‬ ‫بشيء من الحياز والجهات لكان مساويا ً للمتحيزات‪ .‬وقد تقدم‬ ‫إبطال ذلك بما ل حاجة إلى إعادته وأن القول بتماثلها من‬ ‫أضعف القوال بل من أعظمها مخالفة للحس والعقل ولما‬ ‫عليه جماهير العقلء‪.‬وما‬ ‫ذكروه من الحجة مبني على تماثل المتحيزات‪ .‬وبذلك يشهد العلم‬ ‫الحديث بأن المتكلمين نظروا بعين البصيرة المجردة‬ ‫المنزهة عن كدر الحس والوهم فأثبتوا بها ما أذعن له‬ ‫الحس بعد ما استعان بمكتشفات العلم الحديث وتجاربه‪.8/25‬‬ ‫‪ ()2‬بيان تلبيس الجهمية ‪1/595‬‬ ‫‪248‬‬ .

‬وتماثل‬ ‫الجسام صار في العلم الحديث حقيقة علمية ل يبطلها‬ ‫إبطال تقريرها بالفكر والنظر إذا سلمنا بتمام اعتراضه على‬ ‫التقرير‪.‬‬ ‫‪ ()1‬سبق في الكلم على الحجة السمعية وهي قوله تعالى "ليس‬ ‫كمثله شيء" في ص ‪101‬‬ ‫‪ ()2‬الية )‪ (8‬من سورة الرعد‪.‬قال تعالى‪" :‬وكل شيء عنده‬ ‫بمقدار")‪ (2‬وقال‪ ":‬قد جعل الله لكل شيء قدرا ً ")‪ (3‬فجعل‬ ‫المقدار والقدر للشياء لم يجعل ذلك أعيان الشياء أو ذواتها‬ ‫كما قال تعالى‪ " :‬وما ننزله إل بقدر معلوم")‪ (4‬قال‪ :‬وتبين‬ ‫أيضا أنه لو كان المقدار هو الذات لم يجب أن تكون‬ ‫المقدرات متساويات فإن بينها اختلفا ً في صفات ذاتيات لها‬ ‫وهي مختلفة في تلك الصفات الذاتيات وإن كانت مشتركة‬ ‫في أصل المقدار الذي جعله الذات‪ ،‬وغايتها أن تكون بمنزلة‬ ‫)‪(5‬‬ ‫النواع المشتركة في الجنس المتمايزة بالفصول(‬ ‫جوابه من وجوه‪:‬‬ ‫أول ً‪ :‬هذا اعتراض على بيان الملزمة فلو وفق في‬ ‫العتراض يكون قد وفق في العتراض على البيان وبقي‬ ‫أصل الدعوى مبني على تماثل الجسام كما ذكر‪ .‬‬ ‫‪ ()5‬بيان تلبيس الجهمية ‪ 193 /1‬و ‪ .‬‬ ‫ثانيا ً‪ :‬حقيقة المقدر هو الذات التي لها قدر‪ .595/ 1‬وانظر نحوه في ‪/2‬‬ ‫‪234‬‬ ‫‪249‬‬ .‫قدمنا)‪ (1‬أن هذا المشترك وهو المقدار صفة المقدر قائم به‬ ‫ل نفس المقدر وحقيقته‪ .‬وبيانه بأن‬ ‫يقال‪ :‬المقدر والقدر والمقدار ل بد أن يكون في هذه‬ ‫الجملة ما هو قائم بنفسه ويقوم به غيره‪ ،‬فأي واحد من‬ ‫هذه الجملة يقوم بنفسه وأيها يقوم بالخر؟ أو نقول ما هو‬ ‫الموصوف وما هو الصفة من هؤلء؟ والمطلوب أن القائم‬ ‫بنفسه منها له في نفسه الحجمية والمقدار وكل ذي قدر‬ ‫يشاركه بأن له ما له في نفسه الحجمية والمقدار‪.‬‬ ‫‪ ()4‬الية )‪ (21‬من سورة الحجر‪.‬‬ ‫‪ ()3‬الية )‪ (3‬من سورة الطلق‪.

‬‬ ‫رابعا ً‪ :‬إن استشهاد ابن تيمية رحمه الله باليات الكريمات‬ ‫هنا غير صحيح لن كلمنا في معان اصطلحية وما في‬ ‫در والمقدار استعملها القرآن في‬ ‫در والق َ‬ ‫اليات من لفظ الق ْ‬ ‫معنى غير المعنى الصطلحي فتكون ألفاظ القرآن هنا‬ ‫مفسرة بنحوها من اليات كقوله تعالى‪) :‬وكان أمر الله‬ ‫قدرا مقدورًا()‪ (1‬قال الراغب‪) :‬ومقدار الشيء للشيء‬ ‫المقدر له وبه وقتا ً كان أو زمانا ً أو غيرهما قال تعالى " في‬ ‫يوم كان مقداره خمسين ألف سنة" )‪ (3)((2‬وقال القرطبي‬ ‫في تفسير قوله تعالى‪") :‬ومن يتق الله يجعل له مخرجا‬ ‫ويرزقه من حيث ل يحتسب ومن يتوكل على الله فهو‬ ‫)‪(4‬‬ ‫حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا" أي‬ ‫لكل شيء من الشدة والرخاء أجل ً ينتهي إليه‪ ،‬وقيل تقديرًا‪.‬‬ ‫‪ ()2‬الية )‪ (4‬من سورة المعارج‬ ‫‪ ()3‬المفردات في غريب القرآن ‪396‬‬ ‫‪ ()4‬الية )‪ (3‬من سورة الطلق‪.‫أو نقول‪ :‬هب أنا سلمنا أن المقدار صفة قائمة بالمقدر‬ ‫فنقول هذا الذي قامت به صفة المقدار هل هو قائم بنفسه‬ ‫أو قائم بغيره ل يمكن أن يكون قائما ً بغيره لن القائم‬ ‫بغيره ل يقوم به قائم بغيره فل بد أن يكون قائما ً بنفسه‬ ‫فيكون له في نفسه الحجمية والتقدير‪ ،‬وكل مقدر ل بد أن‬ ‫يكون له مثل ذلك أعني ما له في نفسه الحجمية والتقدير‬ ‫أو ما تقوم به صفاته‪ .‬‬ ‫‪ ()5‬تفسير القرطبي ‪ 161 /18‬وانظر نحوه في تفسير البيضاوي‬ ‫‪5/350‬‬ ‫‪250‬‬ .‬‬ ‫وقال السدي‪ :‬هو قدرالحيض في الجل والعدة()‪ (5‬وقال‬ ‫‪ ()1‬الية )‪ (38‬من سورة الحزاب‪.‬‬ ‫ثالثا ً‪ :‬لو كان الباري سبحانه متحيزا ً ولم يكن ما تحيز منه‬ ‫هو الذات لكان متحيزا ً جزء ماهيته مادي متحيز‪ ،‬وهومحال‪.‬ونخلص إلى أن كل مقدر يشارك كل‬ ‫مقدر في أن كل ً منهما له في نفسه ما تقوم به صفاته ولبد‬ ‫أن يكون هذا الذي تقوم به الصفات قائما ً بنفسه وهو الذي‬ ‫عبرنا عنه بالذات‪.

‬ولكن هذا يقتضي أن يكون‬ ‫المخلوق مشاركا ً للخالق في جزء ماهيته فيكون الخالق مع‬ ‫المخلوق بمنزلة النواع المشتركة في الجنس ثم تتمايز‬ ‫‪ ()1‬الية )‪ (8‬من سورة الرعد‪..‬وغايتها أن تكون‬ ‫بمنزلة النواع المشتركة في الجنس المتمايزة بالفصول(‬ ‫وهذا متوقف على إثبات ذاتي لجسم ل يشاركه فيه جسم‬ ‫آخر وقد سبق أن الجسم له صفات ذاتية يشاركه فيها كل‬ ‫جسم وهذا ما سميناه الشتراك في تمام الماهية وهو‬ ‫التماثل كما ذكر‪.‫البيضاوي‪ ") :‬وكل شيء عنده بمقدار")‪ :(1‬بقدر ل يجاوزه ول‬ ‫ينقص عنه كقوله تعالى‪ " :‬إنا كل شيء خلقناه بقدر")‪ (2‬فإنه‬ ‫تعالى خص كل حادث بوقت وحال معينين‪(3)(.‬وهذا الشتراك اشتراك في جزء‬ ‫الماهية وليس في تمامها‪..‬فقد أراد هنا أن يتخلص من‬ ‫التزام المشاركة في تمام الماهية‪ ،‬ولم يتوصل إلى ذلك إل‬ ‫مع السكوت عل التزام إثبات المقدار والتحيز وأنه مشترك‬ ‫بين الخالق والمخلوق‪ ،‬فماذا حقق بهذا العتراض غير هذا‬ ‫الثبات مع المنازعة في كونه تمام الماهية! فعلى أقل تقدير‬ ‫لم يتخلص من شيء لن الستراك في هذا القدر يستلزم‬ ‫الشتراك في الحدوث أو القدم حتى على أصله الذي سلم‬ ‫به إذ قال" لو ُقدر أنه ماثل شيئا ً في شيء من الشياء للزم‬ ‫اشتراكهما فيما يجب ويجوز ويمتنع على ذلك الشيء‪.‬‬ ‫وهنا نشير إلى أن ما وقع به ابن تيمية رحمه الله في‬ ‫اعتراضه على أدلة التنزيه‪ .‬‬ ‫‪ ()2‬الية )‪ (49‬من سورة القمر‪.‬‬ ‫‪ ()3‬تفسيره ‪320/ 3‬‬ ‫‪251‬‬ .‬وأين هذا من‬ ‫المقدار الصطلحي المتعلق بالحجمية والجسمية؟‬ ‫خامسا ً‪:‬قوله )وتبين أيضا أنه لو كان المقدار هو الذات لم‬ ‫يجب أن تكون المقدرات متساويات‪.‬‬ ‫وسوف يأتي بعد قليل‬ ‫هب أنا سلمنا أن الباري يشارك المتحيزات في التحيز تعالى‬ ‫عن ذلك علوا كبيرًا‪ .

‬‬ ‫فقال‪) :‬فإن قيل إن الشيء إذا شابه غيره من وجه جاز‬ ‫عليه من ذلك الوجه أو وجب له ما وجب له وامتنع عليه ما‬ ‫امتنع عليه‪ .‬قيل هب أن المر كذلك‪ ،‬ولكن إذا كان ذلك‬ ‫القدر المشترك ل يستلزم إثبات ما يمتنع عن الرب سبحانه‬ ‫ول نفي ما يستحقه لم يكن ممتنعًا‪ ،‬كما إذا قيل إنه موجود‬ ‫حي عليم سميع بصير وقد سمى بعض عباده حيا ً سميعا ً‬ ‫بصيرا ً قيل لزم هذا القدر المشترك ليس ممتنعا ً على الرب‬ ‫تعالى فإن ذلك ل يقتضي حدوثا ً ول إمكانا ً ول نقصا ً ول شيئا ً‬ ‫مما ينافي صفات الربوبية‪ ،‬وذلك أن القدر المشترك هو‬ ‫‪ ()1‬بيان تلبيس الجهمية ‪2/240‬‬ ‫‪ ()2‬سيأتي نقل كلمه وبيان ما فيه مطول ً انظر ص ‪184‬‬ ‫‪252‬‬ .(1‬بل‬ ‫)‪(2‬‬ ‫صرح ابن تيمية أنه بعض المتحيز وأنه منه‬ ‫اعتراض آخر وجوابه‪:‬‬ ‫اعترض رحمه الله على امتناع أن تكون ذات الله تعالى‬ ‫مساوية لذوات الجسام في تمام الماهية إذا اعتمدنا على‬ ‫المنع بأن من حكم المتماثلين الستواء في جميع اللوازم‬ ‫وهو محال‪.‫بالفصول كما نص على ذلك؟ فإن لم يكن التشبيه بإثبات‬ ‫الشتراك بين الخالق والمخلوق في جزء الماهية فبأي شيء‬ ‫يكون؟ وكيف يستقيم قوله تعالى"ليس كمثله شيء" مع عد ّ‬ ‫الباري مشاركا ً للمخلوق في جزء ماهيته؟ وكيف يمكن لبن‬ ‫تيمية إنكار ما ينسبه إلى المنزهين من إدخال الباري‬ ‫سبحانه مع مخلوقاته تحت قضية كلية إذا كان قد أدخل‬ ‫الباري مع المخلوق تحت جنس واحد؟‬ ‫سادسا ً‪ :‬إن ابن تيمية رحمه الله وإن عد ّ المقدار من‬ ‫الصفات هنا فقد ذكر في غير هذا الموضع ما يفرق به بين‬ ‫سائر الصفات وحدود المقدار ونهايته وما يشير إلى علقته‬ ‫بالذات فقال‪) :‬الحيز الذي هو داخل في المتحيز الذي هو‬ ‫حدوده وجوانبه ونواحيه ونهاياته أبلغ في لزومه لذاته من‬ ‫بعض الصفات كالسمع والبصر والقدرة وغير ذلك()‪ .

‬‬ ‫وجوابه‪:‬‬ ‫أن هذا العتراض مبني على أمرين ‪ :‬الول التشكيك بحكمنا‬ ‫على الشيء إذا شابه غيره من وجه أنه يشاركه في الحكام‬ ‫التي ثبتت له من هذا الوجه‪ .‬وعلى تقدير كونه‬ ‫اشتراكا ً في جزء الماهية فليس الشتراك في مسمى‬ ‫كالشتراك في القدر المشترك بين الجسام‪ ،‬وقد اعترف‬ ‫‪ ()1‬بيان تلبيس الجهمية ‪1/597‬‬ ‫‪ ()2‬منهاج السنة النبوية ‪2/184‬‬ ‫‪253‬‬ ..‫مسمى الوجود أو الموجود أو الحياة أو الحي أو العلم أو‬ ‫)‪(1‬‬ ‫العليم‪(.‬‬ ‫وجوابه أن يقال‪ :‬الشتراك في القدر المشترك بين الجسام‬ ‫اشتراك في تمام الماهية وقد اعترفت بأنه يلزم منه‬ ‫الشتراك في مايجب ويجوز ويمتنع‪ .‬وقد سلم بذلك في موطن‬ ‫آخر‪ ،‬فقال فيه‪) :‬فلو قدر أنه ماثل شيئا ً في شيء‬ ‫من الشياء للزم اشتراكهما فيما يجب ويجوز‬ ‫ويمتنع على ذلك الشيء‪ ،‬وكل ما سواه ممكن قابل‬ ‫للعدم بل معدوم مفتقر إلى فاعل وهو مصنوع مربوب‬ ‫محدث‪ ،‬فلو ماثل غيره في شيء من الشياء للزم‬ ‫أن يكون هو والشيء الذي ماثله فيه ممكنا ً قابل ً‬ ‫للعدم بل معدوما ً مفتقرا ً إلى فاعل مصنوعا ً‬ ‫مربوبا ً محدثا ً‪ ،‬وقد تبين أن كماله لزم لذاته ل يمكن أن‬ ‫يكون مفتقرا ً فيه إلى غيره‪ ،‬فضل ً عن أن يكون ممكنا ً أو‬ ‫در مماثلة غيره له في شيء من‬ ‫مصنوعا ً أو محدثًا‪ ،‬فلو قُ ّ‬ ‫الشياء للزم كون الشيء الواحد موجودا ً معدوما ً ممكنا ً‬ ‫)‪(2‬‬ ‫واجبا ً قديما ً محدثا ً وهذا جمع بين النقيضين(‬ ‫والثاني‪ :‬دعواه أن مشاركته للجسام في القدر المشترك ل‬ ‫يستلزم إثبات ما يمتنع على الرب سبحانه وأن لزم هذا‬ ‫القدر المشترك ليس ممتنعا على الرب تعالى فإن ذلك ل‬ ‫يقتضي حدوثا ً لنه كالشتراك في مسمى الوجود أو الموجود‬ ‫أو الحياة‪.

.‬فتنزيه الله عما يستحق التنزيه عنه من‬ ‫مماثلة المخلوقات يمنع أن يشاركها في شيء من‬ ‫خصائصها سواء كانت تلك الخاصة شاملة لجميع‬ ‫)‪(1‬‬ ‫المخلوقات أو مختصة ببعضها(‬ ‫‪ ()1‬درء التعارض ‪4/144‬‬ ‫‪254‬‬ .‫باستحالته واستلزامه الشتراك في الحكام‪ ..‬ول نعرف قائل ً معروفا ً يقول به‬ ‫فإن هذا هو التشبيه والتمثيل الذي يعلم تنزه الله عنه إذ‬ ‫كان كل ما سواه مخلوقًا‪ ،‬والمخلوقات تشترك في هذا‬ ‫المسمى فيجوز على المجموع من العدم والحدوث‬ ‫والفتقار ما يجب تنزيه الله عنه‪ .‬بل لو جاز ووجب وامتنع‬ ‫عليه ما يجوز ويجب ويمتنع على المحدثات لزم الجمع بين‬ ‫النقيضين‪..‬فقال‪) :‬وإن‬ ‫قال إنه كالجسام المخلوقة في القدر المشترك بينها بحيث‬ ‫يجوز عليه ما يجوز على المجموع ل على كل واحد فهذا‬ ‫أيضا قول معلوم الفساد‪ .

7/83‬وقد استوفى الفخر الرازي الكلم على‬ ‫وجودية الحيز والجهة في المطالب العالية ‪.‬‬ ‫)‪(1‬‬ ‫بيان الملزمة أن الحيز والجهة أمر موجود والدليل عليه‬ ‫وجوه‪.‬‬ ‫والعدم المحض ما ليس له وجود في نفسه ول في شيء ينتزع منه‬ ‫بل هو مجرد اعتبار متوهم من الوهم‪ .‫المطلب الثاني‪ :‬لو كان مختصا ً بالحيز والجهة‬ ‫لكان محتاجا ً‬ ‫قال الرازي‪ :‬لو كان مختصا ً بالحيز والجهة لكان محتاجا ً في‬ ‫وجوده إلى ذلك الحيز وتلك الجهة وذلك محال فكونه في‬ ‫الحيز والجهة محال‪.‬‬ ‫الثالث‪ :‬أن الجوهر إذا انتقل من حيز إلى حيز فالمتروك‬ ‫مغاير ل محالة للمطلوب والمتنقل عنه مغاير للمنتقل إليه‬ ‫فثبت بهذه الوجوه الثلثة أن الحيز والجهة أمر موجود‪.90-5/65‬‬ ‫‪255‬‬ .‬انظر حاشية عبد الحكيم على‬ ‫شرح المواقف ‪ .‬‬ ‫الثاني‪ :‬هو أن الجهات مختلفة بحسب الشارات فإن جهة‬ ‫الفوق متميزة عن جهة التحت في الشارة‪ ،‬والعدم المحض‬ ‫والنفي الصرف يمتنع تميز بعضه عن بعض في الشارة‬ ‫الحسية‪.‬‬ ‫ثم إن المسمى بالحيز والجهة أمر مستغن في وجوده عما‬ ‫يتمكن ويستقر فيه‪ .‬وإذا ثبت أن هذه‬ ‫الحياز مختلفة في الماهيات وجب كونها أمورا ً موجودة لن‬ ‫العدم المحض يمتنع كونه كذلك‪.‬‬ ‫ومعنى وجودها كون الغير في الخارج بحيث تنتزع منه تلك الجهة‪.‬وأما الذي يكون مختصا ً بالحيز والجهة‬ ‫فإنه يكون مفتقرا ً إلى الحيز والجهة‪ .‬فإن الشيء الذي‬ ‫يمكن حصوله في الحيز يستحيل عقل ً حصوله ل مختصا ً‬ ‫‪ ()1‬المراد أنها موجودات في الخارج إما في نفسها أو في غيرها‪.‬‬ ‫أحدها‪ :‬أن الحياز الفوقانية مخالفة في الحقيقة والماهية‬ ‫للحياز التحتانية بدليل أنهم قالوا يجب أن يكون الله مختصا ً‬ ‫بجهة فوق ويمتنع حصوله في سائر الجهات والحياز يعني‬ ‫التحت واليمين واليسار‪ ،‬ولول كونها مختلفة في الحقائق‬ ‫والماهيات لمتنع القول بأنه يجب حصوله تعالى في جهة‬ ‫الفوق ويمتنع حصوله في سائر الجهات‪ .

‬‬ ‫الثالث لو كان الباري أزل ً وأبدا ً مختصا ً بالحيز والجهة لكان‬ ‫الحيز والجهة موجودا ً في الزل فيلزم إثبات قديم غير الله‬ ‫وذلك محال بإجماع المسلمين‪.‬‬ ‫ثم يجيب الرازي عنه فيقول‪:‬‬ ‫‪256‬‬ .‫بالجهة فثبت أنه تعالى لو كان مختصا ً بالجهة والحيز لكان‬ ‫مفتقرا ً في وجوده إلى الغير‪.‬‬ ‫ثم يفترض الرازي جوابا من مناظره فيقول‪:‬‬ ‫فإن قيل ل معنى لكونه مختصا بالحيز والجهة إل كونه مباينا ً‬ ‫عن العالم منفردا ً عنه ممتازا ً عنه‪ ،‬وكونه تعالى كذلك ل‬ ‫يقتضي وجود أمر آخر سوى ذات الله تعالى فبطل قولكم‬ ‫لو كان تعالى في الجهة لكان مفتقرا ً إلى الغير‪ ،‬والذي يدل‬ ‫على صحة ما ذكرناه أن العالم ل نزاع في أنه مختص بالحيز‬ ‫والجهة‪ ،‬وكونه مختصا ً بالحيز والجهة ل معنى له إل كون‬ ‫البعض منفردا ً عن البعض ممتازا ً عنه‪ ،‬وإذا عقلنا هذا المعنى‬ ‫ههنا فلم ل يجوز مثله في كون الله تعالى مختصا ً بالحيز‬ ‫والجهة‪.‬‬ ‫الثاني أن المسمى بالحيز والجهة أمر متركب من الجزاء‬ ‫والبعاض لما بينا أنه يمكن تقديره بالذراع والشبر ويمكن‬ ‫وصفه بالزائد والناقص‪ ،‬وكلما كان كذلك كان مفتقرا ً إلى‬ ‫غيره والمفتقر إلى غيره ممكن لذاته فالشيء المسمى‬ ‫بالحيز والجهة ممكن لذاته فلو كان الله مفتقرا ً إليه لكان‬ ‫مفتقرا ً إلى الممكن والمفتقر إلى الممكن أولى أن يكون‬ ‫ممكنا ً لذاته فالواجب لذاته ممكن لذاته وهو محال‪.‬‬ ‫وإنما قلنا إن ذلك محال لوجوه‪:‬‬ ‫الول أن المفتقر في وجوده إلى الغير يكون في وجوده‬ ‫بحيث يلزم من عدم ذلك الغير عدمه وكل ما كان كذلك‬ ‫كان ممكنا ً لذاته‪ ،‬وكل ذلك في حق واجب الوجود محال‪.‬‬ ‫فثبت بهذه الوجوه أنه لو كان في الحيز والجهة يلزم هذه‬ ‫المحذورات‪ ،‬فيلزم امتناع كونه في الحيز والجهة‪.

.‬‬ ‫وأما قوله "المراد من كونه مختصا ً بالحيز كونه منفردا ً عن‬ ‫العالم أو ممتازا ً عنه أو مباينا ً عنه" قلنا‪ :‬هذه اللفاظ كلها‬ ‫مجملة فإن النفراد والمتياز والمباينة قد تذكر ويراد بها‬ ‫المخالفة في الحقيقة والماهية‪ ،‬وذلك مما ل نزاع فيه ولكنه‬ ‫ل يقتضي الجهة‪ ،‬والدليل على ذلك هو أن حقيقة ذات الله‬ ‫ة لحقيقة الحيز والجهة‪ ،‬وهذه المخالفة‬ ‫تعالى مخالف ٌ‬ ‫والمباينة ليست بالجهة فان امتياز ذات الله تعالى عن الجهة‬ ‫ل تكون بجهة أخرى وإل لزم التسلسل‪.‬فنقول غاية ما في‬ ‫الباب أن يقال الجسام تحتاج إلى شيء آخر‪ ،‬وهذا غير‬ ‫ممتنع أما كونه تعالى محتاجا ً في وجوده إلى شيء آخر‬ ‫)‪(1‬‬ ‫فممتنع فظهر الفرق(‬ ‫اعتراض ابن تيمية رحمه الله على هذا الدليل وجوابه‪:‬‬ ‫بدأ رحمه الله بتفصيل العتراض في المقام الثاني فقال‪:‬‬ ‫)فالكلم على هذا من وجوه‪:‬‬ ‫الوجه الول أن كلم هذا وغيره في الحيز هل هو أمر‬ ‫وجودي أو عدمي أو إضافي مضطرب متناقض فإنه وإن‬ ‫كان قد قرر هنا أنه وجودي فقد قرر في غير هذا الموضع‬ ‫)‪(2‬‬ ‫أنه عدمي(‬ ‫‪ ()1‬أساس التقديس ‪ 49-47‬وانظر نحوه في المطالب العالية‬ ‫‪27-2/26‬‬ ‫‪ ()2‬تلبيس الجهمية ‪2/112‬‬ ‫‪257‬‬ .‫أما قوله الحيز والجهة ليس أمرا ً موجودا ً فجوابه أنا قد بينا‬ ‫بالبراهين القاطعة أنها أشياء موجودة‪ ،‬وبعد قيام البراهين‬ ‫على صحته ل يبقى في صحته شك‪..‬‬ ‫قوله "الجسام حاصلة في الحياز‪ ".‬‬ ‫وقد تذكر هذه اللفاظ ويراد بها المتياز في الجهة‪ ،‬وهو‬ ‫كون الشيء بحث يصح أن يشار إليه بأنه ههنا أو هناك‪،‬‬ ‫وهذا هو مراد الخصم من قولهم إنه تعالى مباين عن العالم‬ ‫أو منفرد عنه وممتاز عنه‪ ،‬إل أنا بينا بالبراهين القاطعة أن‬ ‫هذا يقتضي كون ذلك الحيز أمرا ً موجودا ً ويقتضي أن‬ ‫المتحيز محتاج إلى الحيز‪.

‬فما عده بعض المتكلمين عدميا ً وبعضهم وجوديا ً‬ ‫أثبته مرة عدميا ً ومرة وجوديًا‪ .‬‬ ‫والخر‪ :‬أنه لم يسلم من الضطراب والتناقض في هذه‬ ‫المسألة‪ .‬‬ ‫وإذا لم يثبت ذلك لم يجب أن يقال أن الباري إذا كان في‬ ‫حيز وجهة كان في أمر وجودي‪ ،‬وذلك لن الدلة التي ذكرها‬ ‫إنما تدل لو دلت على وجود تلك المور المعينة المسماة‬ ‫بالحيز والجهة‪ ،‬فلم قلت إن كل ما سمي بالحيز أو الجهة‬ ‫ً )‪(1‬‬ ‫يكون موجودا(‬ ‫جوابه‪:‬‬ ‫هنا يثبت ابن تيمية رحمه الله وجودية الجهة والحيز الذي‬ ‫يوجد فيه الجسم ويخص العدمي في ما وراء العالم فقط‪.‬وهو لم‬ ‫يقم دليل ً على أن كل ما يسمي حيزا ً وجهة فهو أمر وجودي‪.‬‬ ‫ومنه ما يكون عدميا ً مثل ما وراء العالم‪ .‬ولن ذلك يفضي إلى التسلسل‪ .‬وسيأتي في الوجه التالي من‬ ‫اعتراضه‪.‬فإن العالم إذا قيل‬ ‫إنه في حيز أو جهة فليس هو في جهة وجودية وحيز وجودي‬ ‫لن ذلك الوجودي هو العالم أيضًا‪ ،‬والكلم في جهة جميع‬ ‫المخلوقات وحيزها‪ .‫وجوابه من وجهين أحدهما ما أجاب به الفخر الرازي في‬ ‫غير هذا الموضع فنقول‪ :‬غاية هذا الوجه أن يكون حجة‬ ‫جدلية احتججت فيه بتناقض خصمك وهذا ل يكون برهانا ً‬ ‫قاطعا ً على أن الحيز أمر عدمي‪ .‬‬ ‫‪ ()1‬المصدر السابق ‪2/115‬‬ ‫‪258‬‬ .‬بل قد يقال إن المسمى‬ ‫بالجهة والحيز منه ما يكون وجوديا ً وهو المكنة الوجودية‬ ‫مثل داخل العالم فإن الشمس والقمر والفلك والرض‬ ‫والحجر والشجر ونحو هذه الشياء كلها في أحياز وجودية‬ ‫ولها جهات وجودية وهو ما فوقها وما تحتها ونحو ذلك‪.‬‬ ‫اعتراض آخر ومناقشته‪:‬‬ ‫قال رحمه الله )الوجه الثاني أن يقال ل نسلم أن كل ما‬ ‫يسمي حيزا ً وجهة فهو أمر وجودي‪ .‬ثم يقال من أين تعلم أن‬ ‫الحيز أمر عدمي‪.

‬وابن تيمية رحمه الله يسلم‬ ‫بوجودية ما يكون فيه الشمس والقمر والفلك والرض‬ ‫والحجر والشجر‪ ،‬ويسلم أن هذه الشياء كلها في أحياز‬ ‫وجودية ولها جهات وجودية‪ .‬‬ ‫أما الجواب عن قوله‪ ":‬العالم إذا قيل إنه في حيز أو جهة‬ ‫فليس هو في جهة وجودية وحيز وجودي لن ذلك الوجودي‬ ‫هو العالم أيضا والكلم في جهة جميع المخلوقات‬ ‫وحيزها‪.‬‬ ‫ثم نسأل من سمى ما وراء العالم حيزا ً غيره؟ وكيف يسميه‬ ‫بذلك وهو الذي عاب على المتكلمين كلمهم في المثل‬ ‫مهم في الحيز‬ ‫والجسم‪ ،‬بل قد عاب على المتكلمين كل َ‬ ‫والجهة لنهم خالفوا اللغة فيه مع أنه اصطلح خاص بهم لم‬ ‫يدعوا فيه أنه معنى لغوي خالص‪ ،‬فِلم يكون الصطلح‬ ‫مقبول ً في طرف وحراما ً معيبا ً على المتكلمين؟ مع أن‬ ‫اللغة تطاوعهم في هذا الصطلح أكثر من مطاوعتها له في‬ ‫تسميته ما وراء العالم حيزا ً وجهة إل إذا كان هناك جسم‪.‬‬ ‫ويجب أن نشير إلى أن هذا الفرق بين ما وراء العالم وما‬ ‫في داخل العالم من الحياز لم يفد نفي التجسيم‪ ،‬بل زاد‬ ‫في إيهام ثبوته لنه رحمه الله أثبت في غير هذا الموضع أن‬ ‫الحيز العدمي من لوازم الجسم‪.‬فمفهوم الحيز هو ما يشغله الجسم ومفهوم‬ ‫الجهة هو الحيز باعتبار عروض الضافة إلى متحيز آخر‪،‬‬ ‫فالحيز والجهة على مذهب المتكلمين قد يتحدان ذاتا ً‬ ‫ويختلفان اعتبارا ً فإذا حللت في الحيز الذي يلي يمين زيد‬ ‫‪259‬‬ .‬وبهذا يوافق من قال بوجودية‬ ‫ما أثبته البعض عدميًا‪ ،‬ولكنه لن يثبت على هذا فسيأتي‬ ‫تشكيكه بوجودية هذه الحياز والجهات التي تختص بها‬ ‫الجسام‪.‬ولن ذلك يفضي إلى التسلسل"‬ ‫فلم يفرق في هذا الكلم بين الحيز والجهة فأجملهما في‬ ‫عبارة واحدة‪ .‫ول يخفى أن الحياز والجهات التي اختلف فيها المتكلمون‬ ‫يبن قائل بوجوديتها وقائل بعدميتها هي أحياز الجسام‬ ‫وجهاتها وهي من العالم‪ .

‬وليس هناك متحيز يكون‬ ‫العالم في جهة منه‪ ،‬وليس هو في جهة بالضافة إلى متحيز‬ ‫آخر‪.‬‬ ‫وأما القول بوجودية الحيز الذي يكون العالم حاصل ً فيه فل‬ ‫يفضي إلى التسلسل لنه على هذا المذهب يكون موجودا ً‬ ‫مجردا ً كالموجودات المجردة عن الحيز التي أثبتها الفلسفة‬ ‫والغزالي والراغب وغيرهم من المتكلمين‪.‬وعلى هذا فالعالم حاصل في‬ ‫الحيز)‪ (1‬وليس حاصل ً في الجهة‪ ،‬والكلم في وجودية الجهة‬ ‫تابع للكلم في وجودية الحيز‪ .‬ولو أن ابن تيمية رحمه الله أثبت بالدليل ما زعمه‬ ‫لحتاج دليل الرازي إلى إتمام ‪ .‬فقد سبق أن ابن تيمية رحمه الله سلم بأن‬ ‫المسمى بالجهة والحيز منه ما يكون وجوديا ً وهو المكنة‬ ‫الوجودية في داخل العالم فإن الشمس والقمر في أحياز‬ ‫وجودية‪ .‫فذلك الحيز من حيث حلولك فيه هو حيزك ومن حيث كونه‬ ‫عن يمين زيد هو جهة لزيد‪ .‬‬ ‫هب أن دليل الرازي لم يشمل ماذكره ابن تيمية رحمه الله‬ ‫فإنا نقول بعد مراعاة هذا العتراض‪ :‬هذا الذي حصل فيه‬ ‫‪ ()1‬انظر حاشية الدسوقي على أم البراهين ‪131‬‬ ‫‪260‬‬ .‬ووجودية الجهة إنما تفضي‬ ‫إلى التسلسل إذا كانت وجودية الجهة غير وجودية الحيز‪ ،‬أي‬ ‫بإثبات حيز آخرغير حيز العالم تقوم به وجودية جهة كل‬ ‫العالم‪ ،‬وخصم ابن تيمية رحمه الله ليقول ذلك بل يقول‬ ‫العالم في حيز وليس في جهة‪ .‬لن الرازي ذكر الدلة التي‬ ‫تدل على وجودية ما يسمى به الله متحيزا ً فيه على رأي‬ ‫مثبتيه‪ ،‬وهو الذي أراد ابن تيمية أن يصرف شمول الدليل له‬ ‫بمجرد الدعوى‪..‬‬ ‫وأما الجواب عن قوله‪ " :‬وهو لم يقم دليل ً على أن كل‬ ‫ما يسمي حيزا ً وجهة فهو أمر وجودي‪ .‬وإذا لم يثبت ذلك لم‬ ‫يجب أن يقال إن الباري إذا كان في حيز وجهة كان في أمر‬ ‫وجودي‪ ".‬إل أنه زعم أن من الحياز نوعا ً خارج العالم يعد‬ ‫عدميا ً ثم طالب الرازي بإقامة الدليل على وجودية هذا‬ ‫النوع‪ .

‬وقد‬ ‫سلم بذلك في حق الجسام داخل العالم‪ .‬‬ ‫‪261‬‬ .‬وهذا قول كثير‬ ‫من المتكلمين الذين يفرقون بين الحيز والمكان ويقولون‬ ‫العالم في حيز وليس في مكان وما في العالم في مكان‬ ‫والحيز عندهم هو تقدير المكان بمنزلة ما قبل خلق العالم‬ ‫درا ً‬ ‫ليس بزمان ولكنه تقدير الزمان‪ ،‬وإذا كان أمرا ً مق ّ‬ ‫ومفروضا ً ل وجود له في نفسه بطل ما ذكره‪ ،‬لكن يحتاج‬ ‫إلى الجواب عن وجوهه الثلثة‪.‬‬ ‫بل هذه الدلة تدل على وجه الخصوص على وجودية ما‬ ‫يسمى بالحيز والجهة الذي خص به الباري‪ .‬وإذا ثبت أن‬ ‫هذه الحياز مختلفة في الماهيات وجب كونها أمورا ً موجودة‬ ‫لن العدم المحض يمتنع كونه كذلك‪.‬‬ ‫وأيضا فالجهات مختلفة بحسب الشارات فإن جهة الفوق‬ ‫متميزة عن جهة التحت في الشارة‪ ،‬والعدم المحض والنفي‬ ‫الصرف يمتنع تميز بعضه عن بعض في الشارة الحسية‪.‬‬ ‫فأما الوجه الول فإنه إحتجاج بقول المنازع له إنه يجب أن‬ ‫يكون الله في جهة الفوق ويمتنع حصوله في سائر الجهات‪.‬وعلى وجه‬ ‫العموم تدل على وجودية كل ما يسمى بالحيز والجهة‪ .‬ومن العجيب أن‬ ‫ابن تيمية رحمه الله في إثبات ما يختص به الباري من الحيز‬ ‫والجهة يعتمد على قياسه على المتحيزات من أجسام‬ ‫العالم فكيف ينتج القياس على حيز سلم بوجوديته حيزا ً‬ ‫عدميا!؟‬ ‫اعتراض آخر وجوابه‪:‬‬ ‫قال ابن تيمية رحمه الله‪) :‬ل نسلم أن الحيز ل يطلق إل‬ ‫على المعدوم ل يطلق على الموجود بحال‪ .‫الباري سبحانه وسميته حيزا ً عدميا ً وجهة عدمية يخالف في‬ ‫الحقيقة والماهية الحياز التحتانية بدليل أنك قلت يجب أن‬ ‫يكون الله مختصا ً بجهة فوق ويمتنع حصوله في سائر‬ ‫الجهات يعني التحت واليمين واليسار‪ ،‬ولول كونه مختلفا ً في‬ ‫الحقيقة والماهية لمتنع القول بأنه يجب حصوله تعالى في‬ ‫جهة الفوق ويمتنع حصوله في سائر الجهات‪ .

‫فإن كان قول المخالف حقا ً فقد صح مذهبه الذي تستدل‬ ‫على إبطاله ولم تسمع منه الدللة على ذلك‪ .‬ومن‬ ‫العجيب أن يعترض على الفخر الرازي تقصيره في هذا‬ ‫الموضع عن ذكر ما يثبت به وجودية الحيز ثم يقف على‬ ‫ذلك ويهمل العتراض عليه بقوله "وللخصم عنها أجوبة ل‬ ‫نحتاج إلى ذكرههنا " فل يخفى أن مبنى دليل الرازي على‬ ‫وجودية الحيز‪ .‬‬ ‫ثم يقال لك أنت من أين تعلم أو تفيد الناس الذين‬ ‫يسترشدون منك ول يتقلدون مذهبا ً أن الحيز أمر وجودي‬ ‫فإن كنت تعلم ذلك وتعلمه لقول خصمك لزم صحته وبطل‬ ‫مذهبك وإن لم تحتج بقول خصمك الذي تدفعه عنه بطلت‬ ‫هذه الحجة أن تكون طريقا ً لك إلى العلم أو إلى التعليم‬ ‫والرشاد وكان غايتها ذكر تناقض الخصم وللخصم عنها‬ ‫)‪(1‬‬ ‫أجوبة ل نحتاج إلى ذكرههنا(‬ ‫وجوابه‪ :‬أن الفخر الرازي في هذا الوجه يلزم المنازع‬ ‫بوجودية الحيز الذي أثبته‪ .‬‬ ‫‪ ()1‬تلبيس الجهمية ‪116-2/115‬‬ ‫‪ ()2‬المصدر السابق ‪2/146‬‬ ‫‪262‬‬ .‬فإن‬ ‫النزاع ما وقع إل في وجودها()‪ (2‬واعتمد في العتراض على‬ ‫إنكار ذلك إل أنه في مقام الحاجة إلى بيان الدليل غيب‬ ‫التفصيل وتذرع بعدم الحاجة إلى البيان في هذا الموطن‪.‬وإن كان باطل ً‬ ‫لم يدل على أن الحيز أمر وجودي فعلى التقديرين ل تكون‬ ‫هذه الحجة مقبولة لنها إما أن تكون باطلة أو تكون‬ ‫مستلزمة لصحة قول المنازع‪.‬ومع أن ابن تيمية رحمه الله نبه على ذلك‬ ‫بقوله )والمنازع يقول ل أسلم أن الجهة أمر موجود‪.‬‬ ‫فإن قال أنا ألزم المنازع بها‪ ،‬قيل له فغاية ما في الباب أن‬ ‫تكون حجة جدلية احتججت فيها بكذب خصمك‪ ،‬وهذا ل‬ ‫يكون برهانا ً قاطعا ً على أن الحيز أمر وجودي‪..‬وإذا سأله ابن تيمية رحمه الله‬ ‫عن ما يرشد إلى إثبات الحيز من غير اعتماد على كلم‬ ‫المنازع فقد ذكره الرازي ولم يكتف بكلم الخصم‪ ..

‬بل الحياز الموجودة‬ ‫قد ل يكون المنتقل فيها طالبا ً لحيز دون حيز بل قصده‬ ‫شيء آخر فكيف يجب أن يكون كل منتقل ومتحرك طالبا ً‬ ‫)‪(1‬‬ ‫لحيز وجودي يكون فيه وتاركا ً لحيز وجودي انتقل عنه(‬ ‫وجوابه من وجوه‪:‬‬ ‫‪ ()1‬تلبيس الجهمية ‪117-2/116‬‬ ‫‪263‬‬ .‫فإذا لم يكن ُيحتاج إلى العتراض على وجودية الحيز في‬ ‫هذا الموطن فأين يحتاج إليه ؟ مع أنا نبهنا على ما يقف‬ ‫عليه كل مطلع من تطويله في البيان والتفصيل والستطراد‬ ‫حيث ل ينتظر منه ذلك‪ .‬‬ ‫ولم يشر أحد إلى جهة عدمية بحال بل المشار إليه ليس هو‬ ‫الجهة التي ينازع فيها المنازعون‪.‬أليس الجواب ولو من وجه أولى‬ ‫مما عودنا عليه من الجابة من عشرين وجها ً وأكثر؟‬ ‫ثم قال ابن تيمية رحمه الله )وأما قوله في الوجه الثاني‬ ‫"إن جهة الفوق متميزة عن جهة التحت في الشارة‪،‬‬ ‫والعدم المحض والنفي الصرف يمتنع تميز بعضه عن بعض‬ ‫في الشارة الحسية"‪،‬‬ ‫فيقال له إن كانت الشارة إلى ما فوقنا من العالم وما تحتنا‬ ‫منه فل ريب أن هذا موجود لكن ليس ذلك هو مسمى الحيز‬ ‫والجهة الذي ينازعونك في أن الله فيه فإنهم لم يقولوا إن‬ ‫الله في جوف العالم وإنما قالوا هو خارج العالم‪ .‬ول يسلم أنه يشار إلى شيء موجود فوق العالم‬ ‫غير الله تعالى فلم تحصل الشارة إلى شيء معدوم بحال‪.‬فإن كانت‬ ‫الشارة إلى ما فوق العالم وما تحته فل نسلم أن أحدا ً يشير‬ ‫إلى ما تحت العالم أص ً‬ ‫ل‪ .‬وأما ما فوق العالم فالله هو الذي‬ ‫فوق العالم فالشارة إلى ما هناك إشارة إليه سبحانه‬ ‫وتعالى‪ .‬‬ ‫وأما قوله في الوجه الثالث "إن الجوهر إذا انتقل من حيز‬ ‫إلى حيز فالمتروك مغاير ل محالة للمطلوب‪ "،‬فيقال إن‬ ‫كان النتقال في أجسام العالم الموجودة فهذه أمور‬ ‫وجودية‪ ،‬وإن كان )النتقال( فيما ليس كذلك فل نسلم أن‬ ‫هناك شيئا ً يكون متروكا ً ومطلوبا ً أص ً‬ ‫ل‪ .

‬‬ ‫فأي معنى لختصاصه بالشارة إلى الفوق مع أن الشارة‬ ‫إلى الجهات الست تنتهي إلى خارج العالم والله موجود‬ ‫خارج العالم عنده‪.‬وإن‬ ‫انتهت إلى خارج العالم كانت إشارة إلى الله سبحانه لنه‬ ‫خارج العالم محيط به كما هو مشهور وموثق من مذهبه‪.‬‬ ‫‪264‬‬ .‬‬ ‫لكنه خص ذلك بالشارة إلى ما في داخل العالم‪ ،‬وفرق بينها‬ ‫وبين الشارة الحسية إلى ما في خارجه‪ .‫الول‪ :‬لما كان حصول التمييز بالشارة الحسية بين‬ ‫الجهات يوجب وجودية الجهة إذ من المسلم به أن العدم ل‬ ‫يشار إليه فل يعقل تمييزه بالشارة فقد التزم أن الشارة‬ ‫الحسية تكون إشارة إلى موجود في جهة وجودية بل ريب‪.‬‬ ‫فلم ل يجوز الشارة إليه إلى جهة اليمين؟ ولم ل يقال إنه‬ ‫في جهة اليمين؟ بل في الجهات الست؟ فحتى إذا أشار‬ ‫الواقف إلى ما تحت أقدامه فإن إشارته ل تنتهي إلى تحت‬ ‫العالم إذ لم يسلم أن أحدا ً يشير إلى ما تحت العالم أص ً‬ ‫ل‪.‬‬ ‫ثم من أشار إلى ما يليه من جهة اليمين وامتدت إشارته‬ ‫إلى غاية ما يمكن أن تنتهي إليه هل تنتهي إلى خارج العالم‬ ‫أم ل؟‬ ‫فإن لم تنته إلى خارج العالم فقد اختلفت الجهتان في‬ ‫الماهية وهذا يقتضي وجوديتهما لن العدميات ل تتمايز‪ .‬فالشارة إلى ما‬ ‫فوق العالم إشارة إليه سبحانه وليس هناك موجود غيره‬ ‫فيرد عليه‪ :‬أن من أشار إلى موجود في داخل العالم مما‬ ‫يلي رأسه فقد أشار إلى ما هو في جهة سلمت بوجوديتها‪،‬‬ ‫وإذا أردت منه أن يشير إلى الباري كرر الفعل الول فل‬ ‫فرق بين الشارتين في الفعل‪ ،‬لكن زعمت أنه إن أراد‬ ‫الشارة إلى ما في داخل العالم فقد أشار إلى وجودي وإن‬ ‫امتدت إشارته حتى خرجت من العالم كانت إشارة إلى الله‬ ‫في جهته العدمية وحيزه العدمي‪.

61-60‬‬ ‫‪265‬‬ .‬‬ ‫وهذه الدعوى وإن كانت في مقابل العتراض لكنها ل‬ ‫تدفعه‪ .‬فلنا أن نعيد العتراض مع مراعاة ماذكره فنقول‪:‬‬ ‫كل إشارة إلى اليمين أو اليسار أو الفوق أو التحت لبد أن‬ ‫تنتهي إلى حدود العالم ضرورة فلبد أن تنتهي إلى نقاط‬ ‫متماثلة من حيث أنها نهاية العالم فل اختصاص لجهة الفوق‬ ‫بالنتهاء إلى خارج العالم فلما خصوا جواز الشارة إليه‬ ‫بالفوق دل على تمييزهم لها عن الشارات التي لبد أن‬ ‫تنتهي إلى مثل ما انتهت إليه الشارة إلى الفوق‪ ،‬والعدم‬ ‫المحض والنفي الصرف يمتنع تميز بعضه عن بعض في‬ ‫الشارة الحسية‬ ‫والحاصل أن مجرد الشارة الحسية المعينة ل بد من انتهائها‬ ‫إلى موجود في جهة وجودية وقد ساعدنا ابن تيمية رحمه‬ ‫الله بالتسليم بذلك إذا كانت الشارة إلى ما في داخل‬ ‫العالم فيرد عليه أن مجرد الشارة الحسية ل يظهر له أثر‬ ‫في التفريق في الحالين‬ ‫الرابع‪ :‬أن في أقوال من يسميهم أهل الثبات ما ل يحتمل‬ ‫سَلم‬ ‫هذا التخريج فإن سِلم أحد أقوالهم بهذا التخريج فل ي ْ‬ ‫قول من صرح منهم بما يلزم منه وجودية الحيز بأن يثبت‬ ‫العرش مكانا ً له‪ ،‬ول قول من أثبت وجوده في إحدى‬ ‫السموات‪ ،‬ول قول من أثبت النزول وخلو العرش منه‪ ،‬ول‬ ‫قول من سماه ابن تيمية شي َ‬ ‫خ السلم الهروي إذ قال في‬ ‫)‪(1‬‬ ‫كتابه الربعين‪) :‬باب إثبات الجهات لله عز وجل( وكيف‬ ‫يسلم بهذا التخريج من أثبت له الكون في الرض كما فعل‬ ‫‪ ()1‬الربعين في دلئل التوحيد ‪.‬وهذا ليس جوابا بل دعوى‪.‫ثانيًا‪ :‬الجهات الحقيقية هي العلو والتحت وإذا كان ما تحت‬ ‫العالم ل يشار إليه فكل إشارة هي إشارة إلى خارج العالم‬ ‫وهي إشارة إلى العلو الحقيقي‪.‬‬ ‫ثالثا ً‪ :‬غاية كلمك أن الشارة إلى ما فوقنا من العالم وما‬ ‫تحتنا منه إشارة إلى حيز وجودي أما الشارة إلى الفوق‬ ‫فهي إشارة إلى حيز عدمي‪.

‬فكيف يكون مفتقرا ً إلى‬ ‫شيء وأيضا فالمحمول من العباد بشيء عال لو سقط ذلك‬ ‫العالي سقط هو والله أغنى وأجل وأعظم من أن يوصف‬ ‫بشيء من ذلك‪.‬فيقول مثل‪) :‬وفي الثر أن الله لما خلق‬ ‫العرش أمر الملئكة بحمله قالوا ربنا كيف نحمل عرشك‬ ‫وعليه عظمتك فقال قولوا ل حول ول قوة إل بالله‪.126-2/125‬‬ ‫‪266‬‬ .‬‬ ‫وأيضا فهو سبحانه خلق ذلك المكان العالي والجهة‬ ‫العالية والحيز العالي إذا قدر شيئا ً موجودا ً كما لو‬ ‫جعل ذلك اسما ً للعرش وجعل العرش هو المكان‬ ‫العالي كما في شعر حسان‬ ‫تعالى علوا ً فوق عرش إلهنا ***** وكان مكان الله أعلى‬ ‫)‪(2‬‬ ‫وأعظما‬ ‫فالمقصود أنه خلق المكان وعله وبقوته صار عاليا ً‬ ‫والشرف الذي حصل لذلك المكان العالي منه ومن فعله‬ ‫وقدرته ومشيئته فإذا كان هو عاليا ً عل ذلك وهو الخالق له‬ ‫وذلك مفتقر إليه من كل وجه وهو مستغن عنه من كل وجه‬ ‫فكيف يكون قد استفاد العلو منه ويكون ذلك المكان أشرف‬ ‫)‪(3‬‬ ‫منه(‬ ‫‪ ()1‬انظر ص )‪472‬و ‪ (515‬من هذا الكتاب‬ ‫‪ ()2‬سيأتي في الشبه السمعية في ص )‪ (475‬من هذا الكتاب‬ ‫‪ ()3‬درء التعارض ‪ 7/20‬وانظر نحوه في منهاج السنة النبوية ‪2/356‬‬ ‫وبيان تلبيس الجهمية ‪.‫ابن القيم ومن أثبت له الكون في المام والخلف! ونحو‬ ‫)‪(1‬‬ ‫ذلك مما هو مبسوط في موضعه‬ ‫الخامس‪ :‬أن ابن تيمية رحمه الله وإن زعم هنا أن الحيز‬ ‫الذي يختص به الباري سبحانه من المورالعدمية إل أنه في‬ ‫أكثر المواطن يصف ما يثبته بما يتنافى مع كونه عدميا ول‬ ‫يكون إل لوجودي‪ .‬‬ ‫فإنما أطاقوا حمل العرش بقوته تعالى‪ ،‬والله إذا جعل‬ ‫في مخلوق قوة أطاق المخلوق حمل ما شاء أن‬ ‫يحمله من عظمته وغيرها‪ ،‬فهو بقوته وقدرته‬ ‫الحامل للحامل والمحمول‪ .

‬‬ ‫الثامن‪ :‬أن نذكر بأن ابن تيمية رحمه الله في إثبات الحيز‬ ‫للباري سبحانه يصرح بالقياس على المتحيزات ويلتزم بما‬ ‫يلزمه الرازي به ولكن يزعم أن ذلك يختص بأجسام‬ ‫العالم‪.‬فإذا كان الصل في هذا القياس يثبت له النتقال في‬ ‫‪267‬‬ .‬‬ ‫السادس قوله‪" :‬إن كان النتقال في أجسام العالم‬ ‫الموجودة فهذه أمور وجودية" فيه تسليم بقول الرازي‬ ‫بوجودية حيز يكون الجسم فيه أول ً وحيز يتنقل إليه ثانيًا‪ .‬وإن كان مراده انتقال‬ ‫غير الجسام من دون أن يكون هناك حيز متروك ول حيز‬ ‫مطلوب فل يتصور إل إذا كان المنتقل غير متحيز أصل ً فإذا‬ ‫أثبته الخصم غير متحيز فقد وافق المطلوب وإذا صرح بنفي‬ ‫التحيز هان الخلف في تسمية هذا الفعل انتقال ً على سبيل‬ ‫المجاز أو الصطلح‪.‫فتأمل أنه حكم للمكان والحيز والجهة بأنها مخلوقة وأن الله‬ ‫عز وجل شرفها وعلها‪ .‬أما‬ ‫قوله بعد ذلك ‪" :‬وإن كان )النتقال( فيما ليس كذلك فل‬ ‫نسلم أن هناك شيء يكون متروكا ً ومطلوبا ً أصل ً " فهو كلم‬ ‫مضطرب‪ .‬فإن كان مراده أن النتقال في أجسام غير‬ ‫أجسام العالم فهو القول بالتجسيم‪ .‬‬ ‫السابع‪ :‬أنه في سبيل العتراض على نفي مشابهته للجسام‬ ‫في التحيز جوز عليه النتقال لكنه انتقال ل يستلزم حيزا ً‬ ‫متروكا ً ول مطلوبًا‪ ،‬فيقال‪ :‬إذا جوزت انتقال ً من غيرأن‬ ‫يستلزم ذلك أمرين يكون أولهما متروكا ً والخر مطلوبا ً فلم‬ ‫ن‬ ‫أنكرت وجود موجود غير مختص بشيء من الحياز؟ فإ ّ‬ ‫ور انتقال ل من حيز ول إلى حيز يوجب أن يكون مثل‬ ‫تص ّ‬ ‫هذا المنتقل ل في حيز ابتداء‪.‬وتأمل أنه أجاز أن يكون ذلك‬ ‫المكان العالي والجهة العالية والحيز هو العرش‪ ،‬فهل يعقل‬ ‫أن يكون العرش عدميا مع ما في الحاديث من أوصافه‬ ‫المشهورة‪ ،‬بل كيف يكون عدميا ما وصفه في كلمه بأن‬ ‫الملئكة تحمله‪ ،‬وما تبعه من هذا الوصف الخطير في‬ ‫الحامل والمحمول وحمل العظمة وغيرها‪.

.‬والجهة أصلها الوجهة الذي يتوجه إليها‬ ‫الشيء …وأما الحيز فانه فيعل من حازه يحوزه إذا جمعه‬ ‫وضمه وتحيز تفعيل كما أن يحوز يفعل كما قال تعالى‪:‬‬ ‫"ومن يولهم يومئذ دبره إل متحرفا ً لقتال أو متحيزا ً إلى‬ ‫فئة")‪ (1‬فالمقاتل الذي يترك مكانا ً وينتقل إلى آخر لطائفة‬ ‫تفيء إلى العدو فاجتمع إليها وانضم إليها فقد تحيز إليها‬ ‫وإذا كان كذلك فالجهة تضاف تارة إلى المتوجه إليها كما‬ ‫يقال في النسان له ست جهات لنه يمكنه التوجه إلى‬ ‫النواحي الست المختصة به التي يقال إنها جهاته والمصلي‬ ‫يصلي إلى جهة من الجهات لنه يتوجه إليها وهنا تكون‬ ‫الجهة ما يتوجه إليها المضاف‪،‬‬ ‫وتارة تكون الجهة ما يتوجه منها المضاف كما يقول القائل‬ ‫إذا استقبل الكعبة هذه جهة الكعبة‪.‬‬ ‫اعتراض آخر وجوابه‪:‬‬ ‫قال رحمه الله‪) :‬الوجه الرابع أن يقال ل ريب أن الجهة‬ ‫والحيز من المور التي فيها إضافة ونسبة فإنه يقال هذا‬ ‫جهة هذا وحيزه‪.‬‬ ‫‪268‬‬ .‬وذلك قد يقال على الشيء المنفصل‬ ‫عنه كداره وقبوه ونحو ذلك‪ .‬وقد يقال لنفس جوانبه‬ ‫وأقطاره إنها حيزه فيكون حيزه بعضا منه‪ .‬وهذا‬ ‫كما أن لفظ الحدود التي تكون للجسام‪ ،‬فإنهم تارة‬ ‫‪ ()1‬الية )‪ (16‬من سورة النفال‪.‬وكما يقال هذه ناحية‬ ‫الشام وهذه ناحية اليمن والمراد هذه الجهة والناحية التي‬ ‫يتوجه منها أهل الشام واليمن ؟‬ ‫فأما الحيز فلفظه في اللغة يقتضي أنه ما يحوز الشيء‬ ‫ويجمعة ويحيط به‪ .‫أحياز وجودية فكيف ينتج القياس على المتحيزات في الفرع‬ ‫انتقال ً في أحياز عدمية؟‬ ‫التاسع‪ :‬قوله‪ " :‬الحياز الموجودة قد ل يكون المنتقل فيها‬ ‫طالبا ً لحيز دون حيز بل قصده شيء آخر‪ ".‬فيه مغالطة‬ ‫ظاهرة لنه اعتمد على تفسير لفظ )المطلوب( في كلم‬ ‫منازعه بالغرض والقصد‪..

‬‬ ‫ومن قال إن حيزه هو نفس حدود ذاته ونهايتها‬ ‫فهنا الحيز ليس شيئا ً خارجا ً عنه‬ ‫‪269‬‬ .‬وقد يقال حدها من جهة القبلة ينتهي إلى‬ ‫ملك فلن ومن جهة الشرق ينتهي إلى ملك فلن فحدها هنا‬ ‫آخر المحدود ونهايته وهو متصل ليس منفصل عنه وهو أيضا‬ ‫حيزه …‬ ‫وإذا كان هذا هو المعروف من لفظ الجهة والحيز في‬ ‫الموجودات المخلوقة فنقول إذا قيل الخالق سبحانه في‬ ‫جهة فإما أن يراد في جهة له أو في جهة لخلقه‪:‬‬ ‫فإن قيل في جهة له‪:‬فإما أن تكون جهة يتوجه منها أو جهة‬ ‫يتوجه إليها‬ ‫وعلى التقديرين فليس فوق العالم شيء غير نفسه فهو‬ ‫جهة نفسه سبحانه ل يتوجه منها إلى شيء موجود‬ ‫خارج العالم ول يتوجه إليها من شيء موجود خارج‬ ‫العالم وليس هناك شيء موجود غير نفسه يتوجه‬ ‫منه ول يتوجه إليه‪ .‬‬ ‫ومن قال إنه جهة نفسه بهذا العتبار فقد قال‬ ‫معنى صحيحًا‪.‬ومن قال إن العالم هناك ليس في‬ ‫جهة بهذا العتبار فقد صدق‪.‬‬ ‫ومن قال إنه فوق المخلوقات كلها في جهة موجودة يتوجه‬ ‫إليها أو يتوجه منها خارجة عن نفسه فقد كذب‪ .‫يقولون في حدود العقار حده من جهة القبلة ملك فلن ومن‬ ‫جهة الشرق ملك فلن ونحو ذلك فهنا حد الدار هو حيزها‬ ‫المنفصل عنها‪ .‬وإن أريد بما‬ ‫يتوجه منه أو يتوجه إليه ما يراد بالحيز الذي هو تقدير‬ ‫المكان فل ريب أن هذا عدم محض‪.‬‬ ‫واما الحيز فقد يحوز المخلوق جوانبه وحدود ذاته‬ ‫وقد يحوزه غيره فمن قال إن الباري فوق العالم‬ ‫كله يحوزه شيء موجود ليس هو داخل ً في مسمى‬ ‫ذاته فقد كذب فإن كل ما هو خارج عن نفس الله‬ ‫التي تدخل فيها صفاته فإنه من العالم‪.

‬وكان رحمه الله في غنى عن هذا التطويل‬ ‫الذي لم يفد في العتراض شيئا ً ولم يصحح به مذهبا ً قائما‪ً،‬‬ ‫كما سيتبين في الوجه الثالث‪.‬‬ ‫الوجه الثاني‪ :‬ننبه فيه إلى أنه رحمه الله قد يحدث قول ً ل‬ ‫يعرف عن أحد قبله ول ينسبه إلى نفسه‪ ،‬فالقول بأن الله‬ ‫في جهة نفسه لم أجده في كتب المقالت والفرق وغيرها‬ ‫من المؤلفات التي يتوقع وجود مثل هذا القول فيها‪ ،‬ويؤخذ‬ ‫عليه أنه صحح معناه ول نعرف هل صح في اللغة أوالعقل أو‬ ‫الشرع؟‬ ‫وإذا كان المعروف من لفظ الجهة يقتضي أن يكون بين‬ ‫مضافين فتارة فكيف استقام في اللغة أن ل تكون الجهة‬ ‫معنى إضافيًا‪ ،‬وما أغرب قوله‪ :‬يتوجه إلى نفسه أو تتوجه‬ ‫إليه نفسه! أما العقل فقد أخذ من اللغة أن الجهة اعتبار‬ ‫بين مضافين فل يصحح ما ذكر‪ ،‬وأما الشرع فليس في كتاب‬ ‫الله ول سنة رسوله ول في كلم أحد من الئمة ول السلف‬ ‫والخلف ذكر هذا القول فهو بدعة مع ما فيه من مخالفة‬ ‫اللغة والعقل‪ .‬ولكن بين الجسام ول يتصور أن يكون عرض‬ ‫فوق جوهر أو تحته لن الكون في الجهة مختض الضافة‬ ‫بين الجسام‪.‬‬ ‫ول به في تنويع‬ ‫الوجه الثالث‪:‬أن يقال على كل تقدير ط ّ‬ ‫الحيز والجهة نفيا ً وإثباتا ً لم يثبت شيئا ً من ذلك لم يثبته‬ ‫للجسم‪ ،‬ولم ينف عن الباري سبحانه شيئا ً لم ينفه عن‬ ‫‪ ()1‬تلبيس الجهمية ‪119-2/118‬‬ ‫‪270‬‬ .‫وعلى كل تقدير فمن قال إنه فوق العالم لم يقل إنه في‬ ‫حيز موجود خارج عن نفسه ول في جهة موجودة خارجة‬ ‫عن نفسه وإذا كان صاحب المذهب يصرح بنفي ذلك‬ ‫فالحتجاج على أنه ليس في حيز موجود احتجاج في غير‬ ‫)‪(1‬‬ ‫محل النزاع فل يضر المنازع(‬ ‫والجواب عن هذا الوجه بخمسة وجوه‬ ‫الوجه الول‪ :‬أن يقال ل ريب أن الجهة من المور التي فيها‬ ‫إضافة ونسبة‪ .

‬‬ ‫والله سبحانه ليس هو بل ول غيره من المخلوقات مفتقرا ً‬ ‫إلى حيز وجودي بالمعنى الثاني‪.‬فهذه النظرية في التنويع لم تنف شيئا ً من لوازم‬ ‫الجسم بل زادت في توضيح لوازمه‪ .‫الجسم‪ .‬‬ ‫وأما الحيز الوجودي بالمعنى الول فهذا ل يجوز‬ ‫أن يفارق المتحيز ل في زمان ول في مكان ول‬ ‫وجود إل إذا ُ‬ ‫فّرق ذلك المتحيز‪ ،‬وحينئذ فل يكون‬ ‫هو إياه مع أن الله سبحانه صمد ل يجوز عليه التفرق‬ ‫)‪(1‬‬ ‫والنقسام(‬ ‫ومما أثبت فيه أن الحيز بعض من ذاته وهو نهايات المتحيز‬ ‫وحدوده قوله في الجواب عن ما ألزم به الفخر الرازي‬ ‫منازعه من إثبات قديم غير الله ومخالفته بذلك لجماع‬ ‫المسلمين‪):‬يقال له هؤلء إذا قالوا بأنه مختص بحيز وجودي‬ ‫أزل ً وأبدا ً فليس ذلك عندهم شيئا ً خارجا ً عن مسمى الله‬ ‫كما أن الحيز الذي هو نهايات المتحيز وحدوده‬ ‫الداخلة فيه ليس خارجا ً عنه بل هو منه‪ .‬والغرض في هذا الوجه‬ ‫أن نبين ذلك‬ ‫أول ً إثباته الحيز الذي يسميه اللزم المتصل‬ ‫مما أثبته ابن تيمية رحمه الله للمتحيزات هو حدودها‬ ‫ونهاياتها التي يسميها الحيز الوجودي الذي يكون متصل ً‬ ‫بالمتحيز وهو داخل في ذواتها‪ .‬وهو أبلغ من صفاتها الذاتية‬ ‫فل تفارقها في زمان ول مكان‪ .‬‬ ‫قال رحمه الله‪) :‬الحيز الذي هو من لوازم وجوده‬ ‫كالصفة الذاتية اللزمة له ل يفارقه بزمان ول‬ ‫مكان‪ ،‬وقد ذكرنا أن الحيز الوجودي يراد به حد الشيء‬ ‫المتحيز الذي يحوزه‪ ،‬ويراد به شيء منفصل عنه يحوزه‪.‬وهذا الحيز بعض من‬ ‫المتحيز‪ ،‬ول يقال فيه إن المتحيز مفتقر إليه وكل ذلك ثابت‬ ‫عنده للجسام ولخالق اللجسام‪.‬وعلى هذا‬ ‫التقدير فيكون إثباتهم لقدم هذا الحيز كإثبات سائر الصفاتية‬ ‫‪ ()1‬تلبيس الجهمية ‪2/130‬‬ ‫‪271‬‬ .

‬‬ ‫‪ ()1‬تلبيس الجهمية ‪2/140‬‬ ‫‪ ()2‬المصدر السابق ‪2/118‬‬ ‫‪272‬‬ .‬‬ ‫)‪(2‬‬ ‫بل يصرح ابن تيمية رحمه الله بإثبات ما يثبته للجسام‬ ‫والمتحيزات ويقرر ذلك كما لو كان الباري سبحانه فردا ً من‬ ‫أفراد الجسام والمتحيزات المخلوقات فيعدد ما يثبت لها‬ ‫وما يمتنع ثم يعد منه ما هو جائز وما هو واجب وما هو‬ ‫ممتنع في حق الباري سبحانه فيقول‪:‬‬ ‫)‪.‬‬ ‫كما ذكرنا أن لفظ الحيز والحد في المخلوقات يراد به ما‬ ‫ينفصل عن المحدود ويحيط به ويراد به نهاية الشيء‬ ‫وجوانبه فإن كلهما يحوزه‪ ،‬وقد يراد بالحيز أمر عدمي‬ ‫وهو ما يقدر فيه الجسام‪.‬وهو المعروف من لفظ‬ ‫الحيز عند المتكلمين الذين يفرقون بين لفظ الحيز والمكان‬ ‫فيقولون الحيز تقدير المكان‪.‬لفظ الحيز والجهة ونحو ذلك فيه اشتراك كما تقدم فقد‬ ‫يراد به شيء منفصل عن الله كالعرش والغمام وقد يراد به‬ ‫ما ليس منفصل ً عنه‪.‫للصفات القديمة من علمه وقدرته وحياته ل فرق بين‬ ‫تحيزه وبين قيامه بنفسه وحياته وسائر صفاته‬ ‫اللزمة‪ ،‬والحيز مثل الحياة والعلم بل أبلغ منه في‬ ‫لزومه للذات‪ ،‬كما أنه كذلك في سائر المتحيزات‪.‬‬ ‫فالحيز الذي هو داخل في المتحيز الذي هو حدوده وجوانبه‬ ‫ونواحيه ونهاياته أبلغ في لزومه لذاته من بعض الصفات‬ ‫)‪(1‬‬ ‫كالسمع والبصر والقدرة وغير ذلك(‬ ‫وقال في إثبات بعضية هذا الحيز أيضا‪) :‬وقد يقال لنفس‬ ‫جوانبه وأقطاره إنها حيزه فيكون حيزه بعضا منه‪(..‬‬ ‫وكذلك الجهة قد ُيعنى بها أمر وجودي منفصل عنه وقد‬ ‫يعنى بها ما ل يقتضي موجودا ً غيره‪ ،‬بل يكون إما أمرا ً عدميا ً‬ ‫وإما نسبيا ً وإضافيًا‪.

‬وثبت على زعمه جواز اختصاص الباري سبحانه‬ ‫بحيز وجودي منفصل عن الله تعالى بأن يكون على العرش‬ ‫‪ ()1‬تلبيس الجهمية ‪203-2/202‬‬ ‫‪273‬‬ .‬‬ ‫وحينئذ فالكلم عليها من وجوه‬ ‫الول أن يقال ما تعنى بقولك "لو حصل في شيء‬ ‫من الجهات والحياز لكان إما أن يحصل مع الوجوب أو مع‬ ‫عدم الوجوب"؟ أتعنى بالحيز ما هو من لوازم المتحيز وهي‬ ‫نهايته وحده الداخل في مسماه؟ أم تريد بالحيز شيئا ً‬ ‫موجودا ً منفصل عنه كالعرش؟ وكذلك الجهة أتريد بالجهة‬ ‫أمرا موجودا ً منفصل عنه؟ أم تريد بالجهة كونه بحيث يشار‬ ‫إليه ويمكن الحساس به وإن لم يكن هناك موجود غيره؟‬ ‫فإن أراد بالحيز المعنى الول وهو ما هو من‬ ‫لوازم كل متحيز‪ .‬وإن أراد بالجهة كونه يشار إليه من غير‬ ‫وجود شيء منفصل عنه لم نسلم أن ذلك غير واجب… بل‬ ‫يجب في سائر الذوات المتحيزة أن يكون لكل منها‬ ‫دره ونهايته التي تحيط به ويلزمه‬ ‫تحيٌز يخصه وهو ق ْ‬ ‫)‪(1‬‬ ‫الحيز الذي هو تقدير المكان وهو عدمي(‬ ‫فتأمل أنه ذكر الشتراك في لفظ الحيز والحد في‬ ‫المخلوقات وفسرها بما يحيط بالمحدود أو نهاياته وجوانبه‬ ‫أو بالمر العدمي الذي تقدر فيه الجسام‪ ،‬ثم نص على أن‬ ‫هذا الشتراك ليس شيء منه ممتنع على الله عز وجل‬ ‫فمن مسمى ذلك ما يكون واجبا ً ومنه ما يكون جائزا ً‬ ‫ثانيًا‪ :‬إثباته جواز اختصاص الباري سبحانه بحيز‬ ‫وجودي منفصل‬ ‫والمراد بهذا الحيز عنده الموجود المنفصل عن الشيء الذي‬ ‫يحوزه كداره وقميصه ونحو ذلك وهذا الحيز بزعمه ليس‬ ‫من لوازم الجسم و ل يفتقر إليه متحيز بضرورة العقل‬ ‫والحس‪ .‫وإذا كان في اللفاظ اشتراك فمن مسمى ذلك‬ ‫ما يكون واجبا ً ومنه ما يكون جائزا ً والستفصال‬ ‫يكشف حقيقة الحال‪.

‬والله سبحانه ليس هو بل ول غيره من المخلوقات‬ ‫مفتقرا ً إلى حيز وجودي بالمعنى الثاني‪..‬لن الباري يتصرف في‬ ‫مخلوقاته فيخصص بعض الحياز بما شاء من مخلوقاته‪،‬‬ ‫وتصرفه بنفسه أعظم من تصرفه بمخلوقاته فيختار لنفسه‬ ‫حيزا ً معينًا‪.‫أو يأتي في ظلل من الغمام‪ .‬‬ ‫قال رحمه الله‪):‬وقد ذكرنا أن الحيز الوجودي يراد به حد‬ ‫الشيء المتحيز الذي يحوزه‪ ،‬ويراد به شيء منفصل عنه‬ ‫يحوزه‪ .‬فليس اختصاصه بحيز معين من لوازم‬ ‫ذاته بل هو باختياره وإذا كان يخصص بعض الحياز‬ ‫بما شاء من مخلوقاته فتصرفه بنفسه أعظم من‬ ‫)‪(4‬‬ ‫تصرفه بمخلوقاته(‬ ‫‪()1‬‬ ‫‪()2‬‬ ‫‪()3‬‬ ‫‪()4‬‬ ‫المصدر السابق ‪131-2/130‬‬ ‫المصدر السابق ‪1/545‬‬ ‫تلبيس الجهمية ‪2/138‬‬ ‫درء التعارض ‪4/161‬‬ ‫‪274‬‬ ....) :‬وهذا الوجه إنما هو إقامة دليل على حيز‬ ‫وجودي منفصل عن الله تعالى مثل العرش‪ ،‬والمنازعون له‬ ‫يقولون إن ذات الله ليست مستلزمة لوجود حيز‬ ‫وجودي منفصل عنه‪ ،‬وإنما قد يقول من يقول منهم إنه‬ ‫يكون على العرش أو يأتي في ظلل من الغمام أو كان قبل‬ ‫ان يخلق العرش في عماء وهو السحاب الرقيق‪ ،‬لكن لم‬ ‫يقولوا إن ذلك لزم له بل هو من المور الجائزة عليه‬ ‫)‪(3‬‬ ‫فل يكون مفتقرا ً إليه(‬ ‫وقال )‪ .‬وأن المتحيز ل‬ ‫يفتقر إلى حيز موجود منفصل عنه بضرورة العقل والحس‬ ‫)‪(1‬‬ ‫واتفاق العقلء(‬ ‫وقال أيضا‪):‬يقال له كل جسم فإنه مختص بحيزه‪ ،‬وحيزه‬ ‫الذي هو جوانبه ونهايته وحدوده الداخل في مسماه‪ ،‬وأما‬ ‫اختصاصه بحيز وجودي ينفصل عنه فذاك شيء آخر ل يلزم(‬ ‫)‪(2‬‬ ‫وقال أيضا‪ ..

‬‬ ‫فالول هو الحيز المعين الموجود فإن كان هو مراد الرازي‬ ‫فالرب سبحانه ليس متحيزا ً بهذا العتبار عند طائفة‬ ‫معروفة‪.‬‬ ‫والثالث‪ :‬هو الحيز المطلق فإن كان هو مراد الرازي ‪-‬وهو‬ ‫مراده‪ -‬فلم يجب عنه بل عاد إلى الكلم على الحيز المعين‬ ‫موجودا ً كان أو معدوما وقال إن اختصاصه بحيز معين ليس‬ ‫من لوازم ذاته بل هو باختياره‪.‬ويتعين أن يلزمه الول لنه قال في‬ ‫الوجه الثاني عشر‪.‬‬ ‫وأما ما يحيط بها منفصل ً عنها فليس في المخلوقات ما‬ ‫يحتاج إلى حيز بعينه‪.‫ونلحظ أنه رحمه الله عدد ثلثة احتمالت لمراد الفخر‬ ‫الرازي وتكلم على الول والثاني ولما وصل إلى الثالث‬ ‫سكت عنه وتكلم على غيره‪..) :‬جيمع الموجودات حيزها إما حدودها‬ ‫المحيطة بها ونهاياتها وهي منها فتلك ل توصف بالستغناء‬ ‫عنها‪..‬‬ ‫والحاصل أنه إذا أجاز حدوث اختصاص الباري سبحانه بحيز‬ ‫معين فإما أن يلزمه قدم حيز ما وإما أن يلزمه التغيير الذي‬ ‫اعترف باستحالته‪ .‬وإذا كانت المخلوقات ل تفتقر إلى‬ ‫حيز موجود وجهة موجودة أو مكان موجود بعينه وإن كان‬ ‫فيها ما يفتقر إلى نوع ذلك على البدل‪ .‬وإما أن ل يكون‬ ‫من لوازم ذاته فتكون ذاته بحيث ل تختص بحيزما ثم تكون‬ ‫بحيث تختص بهذا الحيز المعين‪ ،‬وهذا هو النقلب والتغير‬ ‫في الذات وقد اعترف ابن تيمية رحمه الله بأن مثل هذا يعد‬ ‫انقلبا ً وعده نظير ما في الموجودات إذا صار ماليس بجسم‬ ‫جسمًا‪.‬‬ ‫والثاني‪ :‬هو الحيز المعين موجودا ً كان أو معدومًا‪ ،‬فإن كان‬ ‫هو مراد الرازي فل يسلم المنازع كونه متحيزا ً بهذا العتبار‪.‬وما يسمى لها مكانا ً‬ ‫‪275‬‬ .‬‬ ‫ويقال‪ :‬إذا كان اختصاصه بالمعين ليس من لوازم ذاته‬ ‫وإنما يختص به باختياره فإما أن يكون اختصاصه بمطلق‬ ‫الحيز من لوازم ذاته فيلزم قدم حيز ما‪ ..

‫قد يفتقر إليها وكذلك ما يسمى حيزا ً لها متصل ً أو منفصل ً‬ ‫قد يكون مفتقرا ً إليها وكذلك الجهة مفتقرة إليها في معنى‬ ‫كونها جهة وكان دعوى افتقار المتحيزات للحيز مع استغناء‬ ‫الحيز عنه في حق المخلوقات ليس على إطلقه بل إطلق‬ ‫ذلك دعوى باطلة‪ ،‬فكيف في حق الخالق الغني عن كل ما‬ ‫)‪(1‬‬ ‫سواه المفتقر إليه كل ما سواه(‬ ‫فأثبت رحمه الله في هذه العبارة أن جيمع الموجودات‬ ‫المتحيزة إما أن يكون حيزها هو حدودها المحيطة بها‬ ‫ونهاياتها وهي منها‪ ،‬فتلك ل توصف بالستغناء عنها‪ ،‬وإما أن‬ ‫تكون أحيازها مايحيط بها منفصل ً عنها‪ ،‬وليس في‬ ‫المخلوقات ما يحتاج إلى حيز منفصل بعينه وإن كان فيها ما‬ ‫يفتقر إلى نوع ذلك على البدل‪ .‬وإذا كانت المخلوقات ل‬ ‫تفتقر إلى حيز موجود بعينه فكيف يثبت في حق الخالق‬ ‫الغني الفتفار إلى حيز معين؟‬ ‫أما لزوم افتقاره إلى الحيز المطلق فقد راغ عنه في‬ ‫السابق واكتفى هنا بالسكوت عليه وإجماله مع الفتفار إلى‬ ‫معين في عبارة واحدة إذ ليس أمامه إل التسليم بلزوم‬ ‫الفتقار إلى نوع الحيز على سبيل البدل أوترك العتراض‪.‬‬ ‫ثالثًا‪ :‬إثباته الحيز العدمي‬ ‫وهو ما يقدر فيه الجسام وهو المعروف من لفظ الحيز عند‬ ‫المتكلمين و يجب في سائر الذوات المتحيزة وهو لزم‬ ‫الحيز الوجودي المتصل‪.‬‬ ‫قال رحمه الله‪) :‬وإن أريد بما يتوجه منه أو يتوجه إليه ما‬ ‫يراد بالحيز الذي هو تقدير المكان فل ريب أن هذا عدم‬ ‫)‪(2‬‬ ‫محض(‬ ‫وقال‪) :‬بل يجب في سائر الذوات المتحيزة أن‬ ‫يكون لكل منها تحيز يخصه وهو قدره ونهايته التي‬ ‫‪ ()1‬تلبيس الجهمية ‪2/127‬‬ ‫‪ ()2‬المصدر السابق ‪2/119‬‬ ‫‪276‬‬ .

‬ومخالفه يدعي أن‬ ‫هذا الذي سماه حيزا ً ل يكون وحده كافيا ً في حصول‬ ‫المتحيز بل ل بد أن يكون معه حيز منفصل يكون فيه‬ ‫المتحيز بحدوده ونهاياته‪ .‬و يجوز عليه أن يخصص حيزا ً من الحياز‬ ‫الوجودية المنفصلة فيحصل فيه كما خصص كل جسم بحيز‬ ‫وجودي يحصل فيه‪ ،‬ولما كان الحصول في هذا الحيز المعين‬ ‫بالختيار والرادة فل يكون مفتقرا ً إليه كما أن الجسم ليس‬ ‫مفتقرا ً إلى حيز معين‪.‬وفي‬ ‫كلم ابن تيمية رحمه الله ما يثبت وجوديته أيضا فقد أثبت‬ ‫الحيز المتصل وهو حدود الذات ونهاياتها‪ .‫تحيط به‪ ،‬ويلزمه الحيز الذي هو تقدير المكان وهو‬ ‫)‪(1‬‬ ‫عدمي(‬ ‫والحاصل أن تطويله في الكلم على تنويع الحيز وما يثبت‬ ‫منه وما ينتفي لم يفد شيئا ً بل زاد في تقرير الشبهة لنه‬ ‫تحدث عن الباري سبحانه كأنه فرد من أفراد المتحيزات فله‬ ‫من أنواع الحيز ما للجسام و ينفى عنه ما ينفى عن‬ ‫الجسام فيجب لذاته الحدود والنهايات وهي أبلغ من صفاته‬ ‫الذاتية كالعلم والقدرة ونحوها وهذ هو الحيز الوجودي‬ ‫المتصل‪ ،‬ويلزمه أن يكون موجودا ً في الحيز الذي يثبته‬ ‫المتكلمون للجسام وهو الحيز العدمي الذي يقدر‬ ‫تقديرالمكان‪ .‬فلما كان‬ ‫‪ ()1‬المصدر السابق‪203/‬‬ ‫‪277‬‬ .‬‬ ‫الوجه الرابع‪ :‬وهو في بيان أن الحجة التي ذكرها الرازي‬ ‫قائمة على من أثبت الحيز والجهة في وصف الباري سبحانه‬ ‫بالمعنى الذي يذكره ابن تيمية رحمه الله في هذه النظرية‪،‬‬ ‫ومبنى هذا الوجه على أن كلمه في الحيز الذي أثبته الباري‬ ‫سبحانه هو نفس الكلم في الحيز الثابت للجسام كما‬ ‫كشف عنه الوجه السابق‪ ،‬فيقال محل النزاع إذن في‬ ‫وجودية الحيز الذي يختص به الجسم وقد سبق إثباته‪ .‬وقد ساعدنا ابن تيمية رحمه الله‬ ‫ما أثبت أن الجسام كّلها تفتقر إلى‬ ‫على إثبات هذا اللزم ل ّ‬ ‫نوع الحيز المنفصل الوجودي على سبيل البدل‪ .

‬فل بد من أن نشير إلى كثيرا من أهل الثبات لم يخض‬ ‫في وجودية الحيز‪ ،‬بل لم أعثر على شيء من الكلم في‬ ‫وجودية الحيز وعدميته عند أحد من أهل الثبات قبل ابن‬ ‫‪278‬‬ .‬فيقال‪ :‬بأي حجة‬ ‫جعل التحيز لزما ً لوجود الخالق ووجود المخلوق‪ ،‬وجعل من‬ ‫لوازمه الحدود والنهايات التي تكون للذات‪ ،‬ثم جعل الحيز‬ ‫المنفصل لزما ً للمخلوق وحده مرة‪ .‫يلزم من هذا قدم الحيز المنفصل أنكره مرة‪ ،‬وأنكر وجوبه‬ ‫مرة مصرحا ً بجوازه‪ ،‬وفرق مرة بين المتحيز في داخل‬ ‫العالم والمتحيز خارج العالم وزعم أن ما في خارج العالم‬ ‫أحياز عدمية وما في داخله أحياز وجودية‪ .‬وجائزا ً للخالق‬ ‫والمخلوق مرة؟‬ ‫أو يقال‪ :‬اعتمد رحمه الله أن الخالق والمخلوق كلهما‬ ‫متحيز قائم بنفسه‪ ،‬ولذات كل منهما حدود ونهاية‪ ،‬فبعد ذلك‬ ‫كيف يحصل الول في حيزعدمي‪ ،‬والثاني يحصل في حيز‬ ‫وجودي؟ فما الذي اشترك به الخالق والمخلوق حتى أوجب‬ ‫الشترا َ‬ ‫ك في القيام بالنفس والتحيز ومحدودية الذات؟ وبعد‬ ‫هذا الشتراك ما الذي خالف به الخالق المخلوق فكان‬ ‫حصوله في حيز عدمي وكان حصول المخلوق في حيز‬ ‫وجودي؟‪.‬‬ ‫الوجه الخامس‪ :‬أن أراد في كلمه هنا أن يصور اتفاق من‬ ‫أثبت التحيز والختصاص بالجهة على التصريح بنفي الحيز‬ ‫الوجودي والجهة الوجودية ليخّلص هذا المذهب من إلزامات‬ ‫ي ورودها على غير محل النزاع كما نص على‬ ‫الرازي ويدع َ‬ ‫ً‬ ‫ذلك‪ .‬‬ ‫وهذا الفارق الذي أثبت هذا التمييز هنا كيف ل يكون مانعا ً‬ ‫من إثبات الحدود والنهايات؟ وكيف ل يمنع من إثبات أصل‬ ‫التحيز؟‬ ‫والحاصل أن هذه النقطة هي محز الخلف ومبنى الحجة‬ ‫وقد بذل وسعه في العتراض على هذا الموضع وأكثر من‬ ‫وجوه اعتراضه هنا فلم يزدد بذلك ال اضطرابا ً وتناقضا ً كما‬ ‫بينا‪.

‬وقد قلنا إن الجهة فيها معنى الضافة فالعبد يتوجه‬ ‫إلى ربه بقلبه إلى جهة العلو ل إلى جهة السفل واليمين‬ ‫واليسار‪ .‬‬ ‫يقال له الذي اتفق عليه أهل الثبات أن الله فوق العالم‬ ‫ويمتنع أن ل يكون فوق العالم سواء قدر أنه في التحت أو‬ ‫غير ذلك بل كون الله تعالى هو العلي العلى المتعالي فوق‬ ‫العالم أمر واجب ونقيضه وهو كونه ليس فوق العالم ممتنع‬ ‫فثبوت علوه بنفسه على العالم واجب ونقيض هذا العلم‬ ‫ممتنع‪ .‬بل في كلم‬ ‫بعض أهل الثبات ما يعده ابن تيمية رحمه الله حيزا ً وجوديًا‪،‬‬ ‫فتكون الحجة قائمة عليهم وواردة على موضع النزاع‬ ‫باتفاق‪ ،‬وتقوم على من يلزمه وجودية ما ادعى عدميته ولم‬ ‫ينفعه تسمية المعاني بغير مسمياتها كما لم ينفع من أثبت‬ ‫لوازم الجسم مجرد ُ التلفظ بنفي ما أثبته‪...‬‬ ‫وأما ما ذكره من قول القائل يجب أن يكون مختصا ً بجهة‬ ‫فوق ويمتنع حصوله في سائر الجهات والحياز فهؤلء‬ ‫يريدون بذلك أنه يجب أن يكون فوقنا ويمتنع أن يكون تحتنا‬ ‫أو عن يميننا أو عن شمائلنا‪ ،‬وهم ل يعنون بذلك أنه يكون‬ ‫متصل ً برؤوسنا بل يعنون أنه فوق الخلق فالعبد يتوجه إليه‬ ‫هناك ل يتوجه إليه من تحت رجليه أو عن يمينه أو عن‬ ‫شماله‪ .‬هذا هو الذي اتفق عليه أهل الثبات من سلف المة‬ ‫وأئمتها وسائر أهل الفطر السليمة المقرة بالصانع‪.‬‬ ‫اعتراض آخر وجوابه‪:‬‬ ‫ثم اعترض من وجه آخر فقال‪) :‬قوله "الحياز الفوقانية‬ ‫مخالفة بالحقيقة للحياز التحتانية‪.‫تيمية رحمه الله‪ ،‬فالغالب على مثبتيه القتصار على تشويه‬ ‫ظواهر النصوص وترك الشتغال بتقريرها عق ً‬ ‫ل‪ .‬ولول كونها مختلفة في‬ ‫الحقائق والماهيات لمتنع القول بأنه يجب حصوله في جهة‬ ‫الفوق ويمتنع حصوله في سائر الجهات"‪.‬وهم ل يريدون بذلك أنه من جهة العلو الموجودة‬ ‫في العالم دون جهة اليمين واليسار والتحت بل ليس هو‬ ‫فيما على رأس العبد من الجسام ول فيما عن يمينه ول‬ ‫‪279‬‬ ..

‬‬ ‫ولكن منشأ غلط كثير من الناس هنا أن الجهة نوعان‬ ‫إضافية متغيره وثابتة لزمة حقيقة فالولى هي بحسب‬ ‫الحيوان فإن كل حيوان له ست جهات جهة يؤمها هي أمامه‬ ‫وجهة يخلفها هي خلفه وجهة تحاذي يمينه وجهة تحاذي‬ ‫يساره وجهة فوقه وجهة تحته وهذه الجهات تتبدل وتتغير‬ ‫بحسب حركته وليس لها صفة لزمة ثابتة‪.‫فيما عن شماله فهذه الجسام المختلطة بالعبد من جهاته‬ ‫الست ليس شيء منها مما يجب أن يكون الله فيه وما‬ ‫أعلم أحدا قط يقول إنه يجب أن يكون في شيء موجود‬ ‫منفصل عنه سواء كان ذلك فوق العبد أو تحته فالرب يجب‬ ‫عندهم أن يكون فوق العالم وهي الجهة التي فوق‪ ،‬ول يجوز‬ ‫أن يكون فوق العالم وغيره بالنسبة إليه سواء‪ .‬‬ ‫وإنما الجهة اللزمة الثابتة الحقيقية هي جهتا العلو والسفل‬ ‫فقط فالعلو ما فوق العالم والسفل سجين وأسفل‬ ‫السافلين وهو أسفل العالم وقعره وجوفه‪.‬‬ ‫وإذا كان المر كذلك لزم من مباينة الله للعالم أن يكون‬ ‫فوقه وليس هناك شيء آخر يجوز أن يكون جهة لله تعالى‬ ‫ل يمين العالم ول يساره ول تحته وكلم هؤلء خارج باعتبار‬ ‫جهاتهم الضافية المتنقلة ل باعتبار الجهة اللزمة الحقيقية(‬ ‫)‪(1‬‬ ‫والجواب من وجوه‪:‬‬ ‫الول‪ :‬هذا التطويل الذي لم يدفع شيئا ً من الحجة لن الذي‬ ‫زعم أن أهل الثبات وسلف المة وأئمتها اتفقوا على إثباته‬ ‫أنه فوق العالم‪ ،‬ويمتنع أن يكون تحتنا أو عن يميننا أو عن‬ ‫شمائلنا‪ ،‬وهذا يدل على امتياز هذه الجهة التي وجبت له عن‬ ‫‪ ()1‬تلبيس الجهمية ‪122-2/121‬‬ ‫‪280‬‬ .‬وأما أن‬ ‫القوم يثبتون وراء العالم أمورا ً وجودية يقولون يجب أن‬ ‫يكون الله في واحد منها دون سائرها فهذا ما علمنا أحدا ً‬ ‫قاله وإن قاله أحد تكلم معه بخصوصه ول يجعل هذا قول‬ ‫أهل العلم واليمان الذين يقولون إن الله فوق العرش‪.

.‬والمتياز يدل على أنها وجودية لن العدم المحض ل‬ ‫يتميز‪ .‬وقد سلم بذلك ابن تيمية رحمه الله بعد صفحات إذ‬ ‫)‪(1‬‬ ‫قال‪.‬فالحاصل أن وجوب علوه هو لمعنى فيه‬ ‫سبحانه يستحق به أن يكون هو العلى الظاهر الذي ل يكون‬ ‫فوقه شيء فل يجوز أن يكون في جهة تنافي علوه‬ ‫‪ ()1‬المصدر السابق ‪2/149‬‬ ‫‪281‬‬ .‫سائر الجهات الممتنعة سواء كانت هذه الجهة اعتبارية أم‬ ‫حقيقية‪ ..‬وليخفى ما بين توجه القلب وتوجه الحس‬ ‫من اختلف اللوازم‪.) :‬فالعدم المحض ل يوجب امتياز أحدهما عن الخر(‬ ‫فهذا التفريق بين الجهات الحقيقية والعتبارية لم يخلص من‬ ‫اللزام الذي ذكره الفخر الرازي فإن كان الباري سبحانه‬ ‫حاصل ً في الجهة الحقيقية بحيث يشار إليه بالحس أنه هناك‬ ‫فهذه الجهة الفوقانية مخالفة بالحقيقة للجهة التحتانية بدليل‬ ‫أنهم قالوا يجب أن يكون الله مختصا ً بجهة فوق ويمتنع‬ ‫حصوله في جهة التحت ولول كونها مختلفة في الحقائق‬ ‫والماهيات لمتنع القول بأنه يجب حصوله في جهة الفوق‬ ‫ويمتنع حصوله في التحت‪.‬‬ ‫اعتراض آخر وجوابه‪:‬‬ ‫ً‬ ‫ثم ذكر ابن تيمية رحمه الله وجها آخر فقال‪) :‬هب أن‬ ‫وراء العالم ست جهات وقالوا يجب اختصاصه بالعلو دون‬ ‫غيره كما أنه يجب أن يكون فوقنا فالختصاص من المور‬ ‫النسبية والضافية قد يكون لمعنى فيه وفي العالم أو لمعنى‬ ‫فيه ل في العالم أو في العالم ل فيه أو لمعنى في أمر‬ ‫وجودي غيرهما‪ .‬‬ ‫الثالث‪ :‬قوله‪ " :‬فالعبد يتوجه إلى ربه بقلبه إلى جهة العلو"‬ ‫ل يليق في هذا الموضع لن الكلم في توجه العبد إلى ربه‬ ‫بالشارة الحسية إليه أنه هناك في تلك الجهة دون باقي‬ ‫الجهات سواء كان المقصود بالباقي جهة التحت أو باقي‬ ‫الجهات الست‪ .‬‬ ‫الثاني‪ :‬قوله‪":‬الجهة فيها معنى الضافة" قد بينا أن هذه‬ ‫الضافة لم تثبت إل بين جسمين‪..

‫وظهوره‪ ،‬وذلك ل يوجب أن تكون الجهة وجودية لن العلو‬ ‫والظهور نسبة بينه وبين الخلق فإذا قيل يجب أن يكون‬ ‫فوقهم وأن يكون عاليا ً عليهم ول يجوز غير ذلك لم يكن في‬ ‫هذا ما يقتضي أن يسبق ذلك ثبوت محل وجودي له بحيث‬ ‫ت جهات وأن العالم كالنسان‬ ‫لو فرض أن وراء العالم س َ‬ ‫ت جهات لكان إنما هو إيجاب لنسبة خاصة‬ ‫الذي له س ُ‬ ‫وإضافة خاصة له إلى العالم ل يقتضي ذلك أن يكون هناك‬ ‫)‪(1‬‬ ‫أمور وجودية فضل ً عن أن تكون مختلفة الحقائق(‬ ‫أو ً‬ ‫ل‪ :‬ل نسلم أن الكون في جهة هو إضافة لمعنى في‬ ‫المختص بالجهة ل لمعنى في العالم‪ ،‬لن مثل هذه الضافة‬ ‫تقتضي مضافا يكون المختص بالجهة في جهة منه ضرورة‪.‬‬ ‫ثانيًا‪ :‬هذا التطويل في تفسير الختصاص بالجهة لم يدفع‬ ‫من الحجة شيئا فقد عاد المر إلى هذه النسبة الخاصة‬ ‫أوالضافة الخاصة التي أثبتها‪ ،‬فإن وجوب حصوله فيها‬ ‫وقبول الشارة الحسية إليه فيها يدل على مخالفة ماهيتها‬ ‫لماهية النسب التي تقابلها ويمتنع حصوله فيها ول تصل‬ ‫الشارة الحسية إليه فيها‪ ،‬وهذه المخالفة تقتضي وجودية‬ ‫الجهة‪،‬لمتناع التمايز بين العدميات‪.‬‬ ‫فل يتصور أن يكون في جهة من العدم مثل‪ ،‬بل ل بد من‬ ‫موجود يتم بوجوده طرفا النسبة أوالضافة‪ .‬ولو قدرت هذا المعنى في موجود ذهني أو‬ ‫موجود مجرد لم تتحق هذه النسبة والضافة‪ ،‬وكذلك لو‬ ‫قدرت العالم موجودا ً مجردا ً أو ذهنيا ً لم تتحقق هذه النسبة‬ ‫إل أن يتحقق معنى الجسم في المتضايفين‪.‬‬ ‫اعتراض آخر وجوابه‪:‬‬ ‫‪ ()1‬تلبيس الجهمية ‪2/122‬‬ ‫‪282‬‬ .‬بل إن هذه‬ ‫الضافة ل تكون إل بين متحيزين‪ ،‬وحصول هذه الضافة مع‬ ‫تميز الجهة بالشارة الحسية يدل على وجوديتها‪ .‬فأي معنى‬ ‫قدر في المضافين لبد أن يكون معه تحقق معنى الجسم‬ ‫في المضافين‪ .

‬‬ ‫وقوله" إن المسمى بالحيز والجهة أمر مستغن في وجوده‬ ‫عما يتمكن ويستقر فيه" قياس شمول عام عدل الله فيه‬ ‫بأحقر المخلوقات فان الجسام الضعيفة من المواد‬ ‫والحيوان كالحجر والمدر والبعوضة ونحوها إذا كانت في‬ ‫مكان أو حيز فل ريب أنها قد تكون محتاجة إليه وهو‬ ‫مستغن عنها‪ .‬ص ‪564‬‬ ‫‪283‬‬ .‬وذلك أن أعظم المكنة‬ ‫العرش ول خلف بين المسلمين الذين يقولون إنه مستو‬ ‫عليه أو مستقر أو متمكن عليه والذين ل يقولون ذلك أن‬ ‫العرش مفتقر إلى الله والله غني عن العرش‪ ،‬بل هم‬ ‫متفقون على أن الله بقدرته الذي يمسك العرش وحملة‬ ‫العرش وسائر المخلوقات هذا مع ما جاء في الثار من‬ ‫إثبات مكانه تعالى كالحديث الذي رواه عن النبي صلى‬ ‫الله عليه وسلم قال‪ " :‬إن الشيطان قال وعزتك يارب ل‬ ‫أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في اجسادهم فقال‬ ‫الرب تعالى وعزتي وجللي وارتفاع مكاني ل أزال أغفر لهم‬ ‫ما استغفروني ")‪ (1‬وفي شعر حسان‬ ‫‪ ()1‬سيأتي تخريجه في الشبه السمعية‪ .‬فإن الشيء الذي‬ ‫يمكن حصوله في الحيز يسحيل عقل حصوله ل مختصا ً‬ ‫بالجهة‪.‬‬ ‫وذلك أن وجود موجود مستغن عن الله ممتنع فإن كل ما‬ ‫سواه مفتقر إليه وهو خالق كل شيء وربه ومليكه‪.‫ثم ذكر ابن تيمية رحمه الله وجوها ً مبنية على هذا‬ ‫الوجه إلى أن قال‪:‬‬ ‫)إذا قدر أن الحيز والجهة أمر موجود لم نسلم المقدمة‬ ‫الثانية وهو قوله إن المسمى بالحيز والجهة أمر مستغن في‬ ‫وجوده عما يتمكن ويستقر فيه‪ ،‬والذي يكون مختصا بالحيز‬ ‫والجهة يكون مفتقرا ً إلى الحيز والجهة‪ .‬لكن قياس الله الخالق لكل شيء الغني عن‬ ‫كل شيء الصمد الذي يفتقر إليه كل شيء بالمخلوقات‬ ‫الضعيفة المحتاجة عد ْ ٌ‬ ‫ل لها برب العالمين ومن عدلها برب‬ ‫العالمين فانه في ضلل مبين‪ .

‬فالقائمان بأنفسهما ل يتميز بعضهما عن بعض إل‬ ‫بالجهة وأما القائم بغيره فإنه تبع في الوجود للقائم بنفسه(‬ ‫)‪(2‬‬ ‫ل عام ٍ عدل الله فيه بكل المخلوقات‬ ‫أليس فيه قيا ُ‬ ‫س شمو ٍ‬ ‫من الجسام كالحيوان كالحجر والمدر ونحوها إذ كانت‬ ‫قائمة بأنفسها ل يتميز بعضهما عن بعض إل بالجهة‪ .‬وقوله‪" :‬القائمان‬ ‫بأنفسهما ل يتميز بعضهما عن بعض إل بالجهة"‪.‬أليس قياسا ً شموليا ً قوُله )كل شيئين قائمين‬ ‫بأنفسهما ل يباين أحدهما الخر إل بالجهة‪ .‬وذلك أن‬ ‫الموجودات كلها الواجب والممكن إما قائم بنفسه وإما قائم‬ ‫بغيره‪ .‬‬ ‫‪ ()1‬بيان تلبيس الجهمية ‪126-2/125‬‬ ‫‪ ()2‬المصدر السابق ‪2/147‬‬ ‫‪284‬‬ .‬فل ريب‬ ‫أن هذا قياس لله الذي ليس كمثله شيء بكل قائم بنفسه‬ ‫من المخلوقات وعد ٌ‬ ‫ل لها برب العالمين‪.‫تعالى علوا ً فوق عرش إلهنا ****** وكان مكان الله أعلى‬ ‫وأرفعا‬ ‫فقوله‪" :‬إن الحيز والجهة أمر مستغن في وجوده عما‬ ‫يتمكن ويستقر فيه" قضية عامة ضرب بها مثل ً في قياس‬ ‫شمولي ليس معه فيه إل مجرد تمثيل الخالق بالمخلوق‬ ‫)‪(1‬‬ ‫الضعيف الفقير وإن كان من الجنس الحقير(‬ ‫والجواب من وجوه‪:‬‬ ‫الول‪ :‬يقال قد عاب في هذا الوجه على الفخر الرازي‬ ‫س الشمول فلنبطل هذا القياس نفيا ً وإثباتا ً فكيف يثبت‬ ‫قيا َ‬ ‫من دون استعماله أن الله في حيز وجهة يشار إليه بحسب‬ ‫ت وحيزا ً واجبا ً متصل ً وحيزا ً جائزا ً‬ ‫الحس وأن له حدودا ً ونهايا ٍ‬ ‫منفص ً‬ ‫ل‪ .‬‬ ‫وعجيب أنه رحمه الله ينكر على الرازي أنه أدخل الباري‬ ‫على زعمه في قضية كلية وهي" كل متحيز يستغني عنه ما‬ ‫يتمكن ويستقر فيه"‪ .‬مع أنه أدخل الباري مع جملة‬ ‫المخلوقات في قوله‪" :‬الموجودات كلها الواجب والممكن‬ ‫إما قائم بنفسه وإما قائم بغيره"‪ .

‬وهذا ظاهر بأدنى تأمل معه تجرد‪.‬وبعد أن أدخل الباري‬ ‫سبحانه في جملة هذه المفردات فهل يستثنيه من هذا‬ ‫اللزم لنه ليس من الجسام الضعيفة؟‬ ‫الثاني‪ :‬أن نقول لنسلم أن الرازي اعتمد على هذا القياس‬ ‫الشمولي بل القياس الذي اعتمده ابن تيمية رحمه الله‬ ‫يتضمن المقدمة التي ذكرها إذ قال‪ ":‬الموجودات كلها‬ ‫الواجب والممكن إما قائم بنفسه وإما قائم بغيره والقائمان‬ ‫بأنفسهما ل يتميز بعضهما عن بعض إل بالجهة"‪ .‬إذا تبين هذا‬ ‫فقوله بعد ذلك‪" :‬الجسام إذا كانت في مكان أو حيز فل‬ ‫ريب أنها قد تكون محتاجة إليه وهو مستغن عنها" يدخل‬ ‫فيه الواجب والممكن كأنه قال‪" :‬والقائم بنفسه إذا كان في‬ ‫مكان أو حيز فل ريب أنه يكون محتاجا ً إليه وهو مستغن‬ ‫عنه"‪.‫ثم إذا كان الباري داخل ً عنده مع أفراد القائم بنفسه التي ل‬ ‫تتميز عن بعضها إل بالجهة يكون داخل ً بذلك مع هذه الفراد‬ ‫في قولنا‪" :‬كل متحيز مفتقر إلى حيزه"‪ .‬‬ ‫اعتراض آخر وجوابه‪:‬‬ ‫من الملحظ أن ابن تيمية رحمه الله يسند حججه العقلية‬ ‫بكثير من التقريع والخطابة ومن ذلك قوله في هذا المقام‪:‬‬ ‫‪285‬‬ .‬ثم قال‬ ‫"الجسام إذا كانت في مكان أو حيز فل ريب أنها قد تكون‬ ‫محتاجة إليه وهو مستغن عنها"‪ .‬فلفظ القائم بنفسه في‬ ‫عبارته ل يمكن أن يكون المراد به إل الجسم لن القائم‬ ‫بنفسه من الممكنات هو الجسم فلما جعل الواجب قائما ً‬ ‫بنفسه بالمعنى الذي اشترك فيه الممكنات وجعله فردا ً من‬ ‫أفراد الموجودات التي تنقسم إلى القائم بنفسه وجب أن‬ ‫يكون قائما ً بنفسه بالمعنى الذي يوصف به الجسم‪ ،‬ثم‬ ‫يقطع بذلك أنه جعل القائمين بأنفسهما ل يتميز بعضها عن‬ ‫بعض إل بالجهة وهذه من خواص الجسام‪ .‬وقد سلم ابن‬ ‫تيمية رحمه الله بأن الجسام الضعيفة من المواد والحيوان‬ ‫كالحجر إذا كانت في مكان أو حيز فل ريب أنها قد تكون‬ ‫محتاجة إليه وهو مستغن عنها‪ .

‫)وهؤلء الجهمية دائما ً يشركون بالله ويعدلون به ويضربون‬ ‫له المثال بأحقر المخلوقات بل بالمعدومات كما قدمنا‬ ‫التنبيه عليه غير مرة فلما رأوا أن المستوي على الفلك أو‬ ‫الدابة أو السرير يستغنى عنه مكانه قالوا يجب أن يكون‬ ‫الله أيضا يستغنى عنه مكانه تشبيها ً له بهذا المخلوق العاجز‬ ‫الضعيف ولما رأوا أن الحجر والمدر والشجر والنثى والذكر‬ ‫يستغنى عن حيزه ومكانه قالوا فرب الكائنات مشبه بهذه‬ ‫المتحيزات في افتقاره إلى ما هو مستغن عنه تعالى الله‬ ‫ً )‪(1‬‬ ‫عما يقول الظالمون علوا ً كبيرا(‬ ‫ونمر على رمي أهل السنة بالجهمية وعلى نسبة دوام‬ ‫الشرك إليهم لننبه على النكتة هذه النقطة وهي أن‬ ‫إثبات التحيز ونحوه بني على قياس الغائب على‬ ‫الشاهد‪ ،‬فإذا استعمل النافي هذا القياس في إثبات‬ ‫لوازم هذا القياس التي ل يخفى قبحها ويساعدنا‬ ‫المثبت على نفيها لم نقبل من المثبت أن يدعونا إلى‬ ‫ترك القياس‪ ،‬لنه ل قيام لما أثبته عند الستغناء عن‬ ‫هذا القياس‪.‬‬ ‫وكذلك الحيز قد ذكرنا أنه يراد به حدود الشيء المتصلة‬ ‫به التي تحوزه وهو جوانبه وتلك تكون داخلة فيه فل تكون‬ ‫مستغنية عنه مع حاجته إليها‪ .‬‬ ‫اعتراض آخر وجوابه‪:‬‬ ‫قال رحمه الله‪) :‬إن كثيرا ً مما سمي مكانا ً وحيزا ً وجهة‬ ‫للنسان يكون مفتقرا ً إليه بل لغير النسان أيضا‪ ،‬فمن قال‬ ‫إن المكان هو السطح الباطن من الجسم الحاوي الملقي‬ ‫للسطح الظاهر من الجسم المحوي كبطانة قميص اللبس‬ ‫كان كثير من المكنة محتاجا ً إلى المتمكن كاحتياج القميص‬ ‫إلى لبسه واستغناء صاحبه عنه‪.‬وقد يراد به الشيء المنفصل‬ ‫عنه الذي يحيط به كالقميص المخيط وهذا قد يكون مفتقرا ً‬ ‫‪ ()1‬تلبيس الجهمية ‪2/126‬‬ ‫‪286‬‬ .

..‬بل وكذلك جيمع‬ ‫الموجودات حيزها إما حدودها المحيطة بها ونهاياتها وهي‬ ‫منها فتلك ل توصف بالستغناء عنها‪ ،‬وإما ما يحيط بها‬ ‫منفصل ً عنها فليس في المخلوقات ما يحتاج إلى حيز‬ ‫بعينه‪.‫إلى النسان كقميصه‪ .‬وإذا كانت المخلوقات ل تفتقر إلى حيز موجود وجهة‬ ‫موجودة أو مكان موجود بعينه وإن كان فيها ما يفتقر إلى‬ ‫نوع ذلك على البدل‪.‬بل يعلم ببديهة العقل أن كل جسم يمكن‬ ‫حصوله في غير جهة وجودية منفصلة كما أن العالم حصل‬ ‫في غير جهة وجودية‪ .‬وكان دعوى افتقار المتحيزات للحيز‬ ‫مع استغناء الحيز عنه في حق المخلوقات ليس على إطلقه‬ ‫بل إطلق ذلك دعوى باطلة فكيف في حق الخالق الغني‬ ‫)‪(1‬‬ ‫عن كل ما سواه المفتقر إليه كل ما سواه(‬ ‫قد تقدم أن ابن تيمية رحمه الله يتحدث عن الحيز المعين‬ ‫ويدفعه في اعتراضه بما يوهم إثبات نوع الحيز فإذا وصل‬ ‫باعتراضه إلى ما يقتضي التصريح بإثباته أو نفيه سكت أو‬ ‫أجمل أو خلط‪ .‬وقد يكون مستغنيا ً عنه وإن كان‬ ‫مستغنيا ً عن النسان‪.‬وما علمنا عاقل ً قال إن كل جسم‬ ‫‪ ()1‬تلبيس الجهمية ‪127-2/126‬‬ ‫‪287‬‬ .‬وهذا الوجه ل يدل على نفي الفتقار إلى‬ ‫الحيز المطلق بل يصرح بافتقار المخلوقات إلى نوع الحيز‬ ‫على سبيل البدل‪ ،‬وهذا التصريح في سياق قياسه بالمخلوق‬ ‫فيوهم مثله في الخالق أو ل يدل على نفي الفتقار إلى‬ ‫النوع على كل تقدير‪ ..‬‬ ‫ثم قال في وجه آخر‪):‬قوله "والشيء الذي يمكن‬ ‫حصوله في الحيز يتسحيل عقل ً حصوله ل في جهة"‪ ،‬يقال‬ ‫له الجسام كلها حاصلة في الحيز كما ذكرته‪ ،‬أفتقول إنه‬ ‫يستحيل عقل ً حصول كل جسم في غير جهة وجودية فهذا ل‬ ‫يقوله عاقل‪ .‬‬ ‫لكن النسان ل يحتاج إلى حيز بعينه فليس النسان مفتقرا ً‬ ‫إلى حيز معين خارج غير ذاته بحال‪ ..‬ومعلوم أن كلم الرازي في لزوم‬ ‫افنقتار المتحيزات إلى الحيز المطلق ل إلى أحد حيز معين‪.

.‬‬ ‫وإنما الرجل غلط أو خلط في المقدمتين فإنه قد سمع‬ ‫وعلم أن الجسم ل يكون إل متحيزا ً فل بد لكل جسم من‬ ‫حيز ثم سمى حيزه جهة‪ ،‬وقد قرر قبل هذا أن الجهة أمر‬ ‫وجودي فركب أن كل جسم يفتقر إلى حيز وجودي منفصل‬ ‫عنه وهذا الغلط نشأ من جهة ما في لفظ الحيز والجهة من‬ ‫الجمال والشتراك فيأخذ أحدهما بمعنى ويسميه بالخر ثم‬ ‫يأخذ من ذلك الخر المعنى الخر ‪ .‬أما ما اتهم به الفخَر الرازي من الغلط والخلط فقد‬ ‫سبق في بيان علقة الحيز بالجهة ما يبرأ معه الفخر من‬ ‫هذا التهام‪.‬‬ ‫وأما كرة العالم ومجموعه فهي حاصلة في الحيز دون‬ ‫الجهة كما سبق‪ ،‬لكن ذلك ل يدل على أن كل جسم يكون‬ ‫كذلك‪.‬‬ ‫‪ ()3‬تلبيس الجهمية ‪128..‬فيقال لم يبعد بنا العهد عن قولك )‪..‬‬ ‫ً‬ ‫‪ ()2‬الصواب )متفقا(‪.‬‬ ‫الشمس والقمر والفلك والرض والحجر والشجر ونحو‬ ‫هذه الشياء كلها في أحياز وجودية ولها جهات وجودية(‪.‬‬ ‫ثم يوضح ابن تيمية رحمه الله هذا الوجه في وجه غيره‬ ‫فيقول‪) :‬من المعلوم لكل عاقل أن تحيز الجسم أمر قائم‬ ‫به محتاج إليه ليس هو مستغنيا عن الجسم وهذا هو الذي‬ ‫‪ ()1‬الصواب )قو ً‬ ‫ل( لنه خبر كان‪.‬ومن المعلوم أن الجهة‬ ‫التي نصر أنها وجودية وهي مستغنية عن الحاصل فيها‬ ‫)‪(3‬‬ ‫ليست هي الحيز الذي يجب لكل جسم(‬ ‫مبنى هذا العتراض وما بعده على قوله‪" :‬وما علمنا عاقل ً‬ ‫قال إن كل جسم يجب أن يكون حاصل ً في حيز وجودي‬ ‫منفصل عنه"‪ .‫يجب أن يكون حاصل ً في حيز وجودي منفصل عنه‪ ،‬وإذا كان‬ ‫كذلك كان قوله "والشيء الذي يمكن حصوله في الحيز‬ ‫يستحيل عقل حصوله ل في جهة" ‪-‬التى قد قدم أنها‬ ‫)‪(2‬‬ ‫وجودية‪ -‬قول)‪ (1‬معلوم الفساد ببديهة العقل متفق على‬ ‫فساده بين العقلء وهذا ليس مما يخفى على من تأمله‪.2/127‬‬ ‫‪288‬‬ .

‬‬ ‫وكان قد أثبت قبل صفيحات أن المتحيز إنما يستغني عن‬ ‫حيز منفصل بعينه لكنه يفتقر إلى نوعه على سبيل البدل‪.‬وننبه إلى تناقضه فيه فإنه زعم هنا أن العقل يناقض‬ ‫دعوى الفخر الرازي افتقار المتحيز إلى حيز منفصل عنه‪.‬وأما كون‬ ‫المتحيز يستحيل عقل ً حصوله في غير حيز وراء‬ ‫هذا التحيز فالعقل يعلم خلف ذلك فيعلم أن‬ ‫المتحيز ل يفتقر إلى حيز وجهة غير هذا التحيز‬ ‫الذي قام به‪.‬وكل جسم متحيز وحصول المتحيز بدون‬ ‫التحيز محال وهو مثل حصول الجسم أو حصول المقدور‬ ‫بدون تقدر أو حصول المميز بدون التميز‪ .‬‬ ‫فظهر أنه ناقض ما يعلم بالعقل خلفه بأن العقل يعلم‬ ‫افتقار المتحيز إلى حيز منفصل عنه بل يفتقر إلى حيز هو‬ ‫نهايته التي تحيط به فقلب القضية وجعل الحيز المنفصل‬ ‫الذي هو الجهة مستغنيا ً عن المتحيز والمتحيز يستحيل عقل ً‬ ‫حصوله بدونه وظهر ببطلن المقدمتين بطلن المقدمة‬ ‫الولى من الحجة وهو قوله لو كان مختصا بالحيز والجهة‬ ‫)‪(1‬‬ ‫لكان مفتقرا ً إلى غيره(‬ ‫وهذا مبني على ما قبله أيضا‪ ،‬وجوابه هنا‪ :‬أن ابن تيمية‬ ‫رحمه الله نقل الكلم إلى محل ل نزاع فيه وهو التحيز الذي‬ ‫يقوم بالمتحيز‪ ،‬فصار في المسألة أمور ثلثة ‪ :‬المتحيز وهو‬ ‫الذي يشغل أمرا ما‪ ،‬وهذا الذي سماه تحيزا وهو شغل ذلك‬ ‫المر‪ ،‬والثالث هذا المر الذي يشغله المتحيز وهو محل‬ ‫النزاع‪ .‫يستحيل عقل ً حصول المتحيز بدونه فإنه يستحيل حصول‬ ‫متحيز بدون تحيز‪ .‬‬ ‫اعتراض آخر وجوابه‪:‬‬ ‫ثم يقول في وجه آخر‪):‬قولك‪ ":‬لو كان مختصا ً بالحيز‬ ‫والجهة لكان مفتقرا ً إلى غيره" لفظ مجمل قد تقدم الكلم‬ ‫على نظيره غير مرة وهو أن لفظ الغير عند كثير من‬ ‫الصفاتية أو أكثرهم منهم أصحابك هو ما جاز مفارقة أحدهما‬ ‫‪ ()1‬تلبيس الجهمية ‪129-2/128‬‬ ‫‪289‬‬ .

‫الخر بزمان أو مكان أو وجود‪ ،‬أو ما جاز وجود أحدهما دون‬
‫الخر‪ ،‬وعند كثير من نفاة الصفات ومثبتيها ما جاز العلم‬
‫بأحدهما دون الخر‪ .‬فما الذي تريد بلفظ الغير في قولك "‬
‫لو كان مختصا ً بالحيز والجهة لكان مفتقرا ً إلى غيره"‬
‫إن أردت به‪ :‬لكان مفتقرا ً إلى ما يجوز وجوده دونه فهذا‬
‫باطل‪ .‬فليس في الموجودات ما يجوز وجوده دون الله‪،‬‬
‫وعلى هذا التقدير فيمتنع افتقار الله إلى غيره لمتناع الغير‬
‫الذي يجوز وجوده دونه كما يمتنع افتقاره إلى مثله لمتناع‬
‫مثله ويمتنع خوفه من نده لمتناع نده فالفقر والحاجة وغناه‬
‫إلى ما يستغنى عنه محال هذا إن اراد وجود ذلك الغير دونه‬
‫وإن أراد وجود الله دون ذلك الغير فيكون المعنى أنه‬
‫مفتقر إلى الغير الذي يجوز وجود الله دونه وهذا جمع بين‬
‫القيضين فإنه إذا كان هو سبحانه موجودا ً دونه لم يكن‬
‫مفتقرا إليه وإذا كان مفتقرا إليه لم يكن سبحانه موجودا ً‬
‫دونه‪.‬‬
‫فقول القائل إنه مفتقر إلى الغير الذي يوجد دونه مثل‬
‫قوله مفتقر إلى ما هو سبحانه وتعالى مستغن عنه وذلك‬
‫مثل قول القائل مفتقر ل مفتقر ويستغنى ل يستغنى‬
‫وكذلك إن أراد بالغير ما يجوز مفارقته لله بزمان‬
‫أو مكان أو وجود فالحيز الذي هو من لوازم وجوده‬
‫كالصفة الذاتية اللزمة له ل يفارقه بزمان ول‬
‫مكان‪.‬‬
‫وقد ذكرنا أن الحيز الوجودي يراد به حد الشيء‬
‫المتحيز الذي يحوزه‬
‫ويراد به شيء منفصل عنه يحوزه‬
‫والله سبحانه ليس هو بل ول غيره من المخلوقات مفتقرا ً‬
‫إلى حيز وجودي بالمعنى الثاني‬
‫وأما الحيز الوجودي بالمعنى الول فهذا ل يجوز‬
‫أن يفارق المتحيز ل في زمان ول في مكان ول‬
‫وجود إل إذا فرق ذلك المتحيز وحينئذ فل يكون هو‬
‫‪290‬‬

‫إياه مع أن الله سبحانه صمد ل يجوز عليه التفرق‬
‫والنقسام‪.‬‬
‫فإن أراد بالغير هذا المعنى كان التقدير‪ :‬لو كان مختصا‬
‫بالحيز والجهة لكان مفتقرا ً في وجوده إلى ما هو لزم لذاته‬
‫ل يجوز مفارقته له ول انفصاله عنه‪ ،‬وهكذا حكم جميع‬
‫الصفات الذاتية‪ ،‬فيكون المعنى كما لو قيل‪ :‬لو كان له صفة‬
‫ذاتية لكان مفتقرا ً إليها افتقار الموصوف إلى الصفة‪...‬‬
‫فقوله لو كان مختصا ً بالحيز والجهة لكان مفتقرا ً في وجوده‬
‫إلى ذلك مثل هذه‪ ،‬سواء إذا فهم أن الحيز الذي يلزم‬
‫المتحيز هو أمر لزم له ليس شيئا ً منفصل ً عنه وأن المتحيز‬
‫ل يفتقر إلى حيز موجود منفصل عنه بضرورة العقل‬
‫)‪(1‬‬
‫والحس واتفاق العقلء(‬
‫يقال‪ :‬مبنى هذه العتراض على إنكار ما قد أثبته أعني لزوم‬
‫الحيز الوجودي المنفصل‪.‬أما ما ادعاه من الجمال في لفظ‬
‫الغير فالمراد به المشهور من معناه اللغوي وهو المقابل‬
‫للعين فلو كان الباري مختصا ً بالحيز والجهة لكان مفتقرا ً‬
‫إلى ما يقابل ذاته وصفاته‪ .‬وما أطال به ابن تيمية رحمه الله‬
‫في نفي لزومه هو الحيز الذي يسميه متص ً‬
‫ل‪ ،‬أما الذي‬
‫يسميه منفصل ً وهو الذي يريده الرازي فقد أراح نفسه بنفيه‬
‫فلم يحقق مراده من الطعن في هذه الحجة‪ .‬ولم يجن‬
‫رحمه الله من هذا العتراض إل إثبات الباري سبحانه متحيزا ً‬
‫له حد يحوز ذاته‪ ،‬ول يفارقه بزمان ول مكان إل إذا فرق‬
‫ذلك المتحيز‪ .‬وتأمل كيف أحال هذه المفارقة بأن الله‬
‫سبحانه صمد ل يجوز عليه التفرق والنقسام!‪ .‬وهل يمكن‬
‫لناصح أن يدلنا على وجه ل يفهم من عبارته إثبات الوجود‬
‫المكاني والزماني للباري سبحانه بعد أن جوز إثبات حد‬
‫لذات الباري سبحانه هو من لوازم وجوده ل يفارقه بزمان‬
‫ول مكان‪.‬‬
‫اعتراض آخر وجوابه‪:‬‬
‫‪ ()1‬تلبيس الجهمية ‪131-2/128‬‬

‫‪291‬‬

‫ثم ذكر وجوها ً مبنية على إنكار وجودية الحيز‪ ،‬ولما‬
‫استدل الفخر الرازي بتركب المسمى بالحيز والجهة من‬
‫الجزاء والبعاض على إمكان الباري لنه يكون مفتقرا إلى‬
‫الممكن نازع ابن تيمية في ذلك فقال‪) :‬يقال له قد تقدم أن‬
‫الحيز الوجودي الذي يقال إن ذات الله مستلزمة له ليس‬
‫هو شيئا ً منفصل ً عنه حتى يقال إنه مركب من الجزاء‬
‫والبعاض أم ليس بمركب‪ .‬وهذا الوجه إنما هو إقامة دليل‬
‫على حيز وجودي منفصل عن الله تعالى مثل العرش‪،‬‬
‫والمنازعون له يقولون إن ذات الله ليست مستلزمة لوجود‬
‫حيز وجودي منفصل عنه‪.‬‬
‫وإنما قد يقول من يقول منهم إنه يكون على العرش أو‬
‫يأتي في ظلل من الغمام أو كان قبل أن يخلق العرش في‬
‫عماء وهو السحاب الرقيق لكن لم يقولوا إن ذلك لزم له‬
‫بل هو من المور الجائزة عليه فل يكون مفتقرا ً‬
‫)‪(1‬‬
‫إليه‪(...‬‬
‫وهنا لم يمنع تجويز حصول الباري سبحانه في حيز وجودي‬
‫منفصل لم يكن فيه من الزل‪ ،‬ثم قرر جوازه بأن حصوله‬
‫فيه من التجدد الذي ل يمنعه الدليل لنه من قبيل تجدد‬
‫النسب والضافات عليه وهو جائز باتفاق العقلء‪.‬وزعم أنه‬
‫إنما يلزم النقلب في ذاته لو كان في الزل مبرًء عن الحيز‬
‫اللزم المتصل وهو جوانب المتحيز ونهايته ثم تجدد ذلك فيه‬
‫ونظيره في المخلوقات أن يصير ما ليس بجسم جسمًا‪.‬‬
‫فيقال أو ً‬
‫ل‪ :‬ذات الباري سبحانه في الزل هل تقبل الحصول‬
‫في حيز منفصل أم ل؟ أي هل هي بحيث يمكن حصولها في‬
‫حيز معين؟ فإن لم تقبل ذلك لزم النقلب ضرورة وهو‬
‫ظاهر ونظيره في المخلوقات أن يصير ما ليس بجسم‬
‫جسما ً كما سلم به‪.‬وإن كان في الزل قابل ً للحصول في‬
‫حيز منفصل فقد تجددت له بخلق العرش إضافته إليه وصار‬
‫العرش حيّزه الوجودي المنفصل‪ .‬لكن هذه الضافة ل تكون‬
‫‪ ()1‬تلبيس الجهمية ‪2/139‬‬

‫‪292‬‬

‫إل بين جسم وجسم ضرورة ولبد لذلك من إثبات لوازم‬
‫الجسم التي يسميها ابن تيمية رحمه الله حدود المتحيز‬
‫وجوانبه ونهاياته‪ ،‬وهو الحيز اللزم المتصل وقد سبق أنه‬
‫أثبتها للجسم وخالق الجسم‪ .‬وإل فلو قدرنا موجودا ً غير‬
‫قابل لهذه اللوازم بأن ل يكون ذاتا ً محدودة بحد وجوانب‬
‫كأن يكون موجودا ً ذهنيا ً أو موجودا ً مجردا ً فل يتصور أن‬
‫تكون له تلك الضافة ضرورة‪.‬والحاصل أنه أراد أن يتخلص‬
‫من لزوم التغيير في الذات ولكن بالتزام الضافة التي‬
‫تختص بها الجسام‪.‬‬
‫اعتراض آخر وجوابه‪:‬‬
‫لما نفى الفخر الرازي لزوم إثبات الجهة لثبات المخالفة‬
‫بين حقيقة الباري سبحانه وحقيقة الجهة اعترض ابن تيمية‬
‫رحمه الله فقال‪):‬يقال‪ :‬المعلوم من المباينة والمتياز‬
‫بالحقيقة والماهية ل يخلو عن الجهة‪ ،‬وذلك أنه إما أن يكون‬
‫بين جوهرين وجسمين وما يقوم بهما وكل منهما مباين‬
‫للخر بالجهة‪ ،‬وإما أن يكون بين عرضين بجوهر واحد وعين‬
‫واحدة كطعمه ولونه وريحه وعلمه وقدرته أو بين العين‬
‫وبين صفاته وأعراضه كالتميز بين الجسم وبين طعمه ولونه‬
‫وريحه وهذان الموضعان ل يخلو عن المباينة بالجهة أيضا ً‬
‫فإن الجوهر هو في الحيز بنفسه بخلف العرض الذي فيه‬
‫فإنه قائم في الحيز تبعا ً لغيره وأما الصفتان والعرضان فهما‬
‫أيضا قائمان بمتحيز وإن كان أحدهما ل يتميز عن الخر‬
‫بمحله فليس في الشياء الموجودة التي يعلم تباينها‬
‫)‪(1‬‬
‫وتمايزها ما يخلو عن الجهة والحيز‪(..‬‬
‫وهذا الوجه مصادرة ظاهرة على المطلوب لنه مبني على‬
‫أنه ليس في الشياء الموجودة التي يعلم تباينها وتمايزها ما‬
‫يخلو عن الجهة والحيز كما صرح به‪ .‬وهذا المعلوم الذي‬
‫ذكره من المباينة والمتياز بالحقيقة والماهية مختص بما ل‬
‫‪ ()1‬المصدر السابق ‪ 2/146‬بتصرف يسير اقتضاه وهم المحقق‪.‬‬
‫‪293‬‬

‫يخلو عن الجهة‪ .‬ومع ذلك يرد عليه أن المجردات تباين‬
‫العراض والجواهر بالحقيقة دون الجهة‪ .‬ويرد عليه أن أحد‬
‫العرضين يباين الخر بحقيقته مع اتفاق محلهما فلم تقتض‬
‫المباينة في الحقيقة التباين في الجهة‪.‬‬
‫وقد جعل ابن تيمية رحمه الله جواب الوارد الخير وجها ً‬
‫مستقل بعده‪ .‬قال فيه‪) :‬كل شيئين قائمين بأنفسهما ل يباين‬
‫أحدهما الخر إل بالجهة وذلك أن الموجودات كلها‬
‫الواجب والممكن إما قائم بنفسه وإما قائم بغيره‬
‫فالقائمان بأنفسهما ل يتميز بعضهما عن بعض إل‬
‫بالجهة وأما القائم بغيره فإنه تبع في الوجود‬
‫للقائم بنفسه‪ .‬يوضح ذلك أن القائم بغيره هو محتاج إلى‬
‫محل ومكان‪.‬‬
‫وأيضا فقد يقال العراض نوعان أحدهما مال تشرط له‬
‫الحياة‪.‬وهي قسمان‪ ،‬أحدهما الكوان وهي الحركة والسكون‬
‫والجتماع والفتراق فهذه ل تتميز وتتباين إل بالجهة والحيز‪،‬‬
‫وإن كان تبعا ً للمحل فل يفرق بين الحركة والسكون ول بين‬
‫الجتماع والفتراق إل بالحيز والجهة‪ ،‬فإن الحركة انتقال في‬
‫حيز بعد حيز والسكون دوام في حيز واحد والجتماع يكون‬
‫بتلقي الحيزين والفتراق يكون بتباينهما‪.‬‬
‫والثاني الطعوم واللوان والروايح وهذه هي الصفات فهذه‬
‫المور ل تدرك بشيء واحد بل تتميز بحواس مختلفة فالذي‬
‫يتميز به هذا غير الذي يتميز به هذا فحقائقها ل تظهر إل‬
‫بإدراكها‪ ،‬وإدراكها من أجناس في أحياز متباينة فامتياز‬
‫الحياز التي لدراكاتها تقوم مقام امتياز أحيازها‪.‬‬
‫والقسم الثاني ما تشترط له الحياة كالعلم والقدرة فهذه‬
‫أيضا متابينة قد يحصل بين محالها التباين فقد يحصل بين‬
‫آثارها من تباين المحال ما يقوم مقام تباين محالها‬
‫وقد يقال هذه العراض كلها مفروضة الضافة إلى الغير‬
‫وذلك الغير الذي هي مضافة إليه تتباين بجهته فهي متباينة‬
‫بالضافة إلى ما تتباين جهته‪ .‬وظهر أنه ليس في‬
‫‪294‬‬

‫الموجودات ما يباين غيره بمجرد حقيقته المجردة عن الجهة‬
‫)‪(1‬‬
‫من كل وجه بل لبد من شيء يظهر تحصل به(‬
‫بعد أن بين الفخر الرازي أن المباينة بالحقيقة ل تقتضي‬
‫التباين في الجهة اعترض ابن تيمية رحمه الله وزعم أنها‬
‫تقتضي ذلك فلما ورد عليه أن العرضين القائمين بجوهر‬
‫واحد يتباينان في الحقيقة ول يتباينان في المحل ذكر هذا‬
‫الوجه الذي يفترض أن يبين فيه أن العرضين في جوهر‬
‫واحد يتباينان بالحقيقة والجهة‪ ،‬ولكنه رحمه الله عدل بعد‬
‫تطويل وتفصيل إلى أن نحو الكوان كالحركة والسكون‬
‫يتباينان بالجهة والحيز تبعا ً للمحل‪ .‬وليس المطلوب إثبات‬
‫تمايز تبعا ً للمحل‪ .‬بل إثبات تمايز بالمحل‪ .‬وأما اللوان‬
‫والروايح فقد ذكر أن امتياز أحياز ما ُتدرك به يقوم مقام‬
‫امتياز أحيازها‪ .‬وفيه نظر ظاهر لن تمايز ما ُيدرك به‬
‫عرضان قائمان بجوهر واحد ل يعني امتياز هذين العرضين‬
‫بالجهة وحصو َ‬
‫ل كل منهما في حيز‪ ،‬وإنما الذي حصل منهما‬
‫في جوهرين هو ما سماه أثرهما وإدراكهما‪ .‬وأما حياة زيد‬
‫وقدرته فهذه أيضا متابينة في الحقيقة ومحلها من قامت به‬
‫وهو زيد فلم تباين قدرة زيد لحياته في المحل‪ ،‬أما ما يقوم‬
‫مقام تباين محالها فل يعنينا لن المطلوب تباين المحل ل ما‬
‫يقوم مقامه‪.‬‬
‫وأما ما ذكره من أن العراض كلها مفروضة الضافة إلى‬
‫الغير وذلك الغير الذي هي مضافة إليه متباين بجهته فهي‬
‫متباينة بالضافة إلى ما تتباين جهته فل يعنينا أيضا لنه في‬
‫تباين الجوهر الذي قامت به العراض مع غيره والمطلوب‬
‫هو تباين عرضين قائمين بجوهر واحد تباينا ً في المحل أو‬
‫الجهة‪.‬‬
‫ولن يثبت ابن تيمية رحمه الله مقدار سطور حتى يسلم‬
‫بما ينازع فيه هنا ويصرح بأن العرضين المختلفين في محل‬
‫واحد يتباينان في الحقيقة والصفة دون الحيز فيقول في‬
‫‪ ()1‬تلبيس الجهمية ‪147-2/146‬‬

‫‪295‬‬

‫الجسام و العراض‪) :‬وأدنى ما تتباين به الختلف‬
‫في الحقيقة والصفة دون الحيز كالعرضين‬
‫)‪(1‬‬
‫المختلفين في محل واحد(‬
‫ثم قال في وجه آخر‪):‬يقال ل نسلم أنه إذا قيل هذا مباين‬
‫لهذا وممتاز عنه أو منفرد عنه فإنه ل يراد به إل أن حقيقته‬
‫ليست مثل حقيقته‪.‬‬
‫بل المراد بذلك أن هذا في ناحية عن هذا وأنه منفصل عنه‬
‫بحيث يكون حيزه غير حيزه هذا هو المعروف من هذا‪.‬‬
‫وأما الختلف في الحقيقة فمعناه عدم المماثلة فإن‬
‫الحقائق إما مختلفة وإما متماثلة‬
‫ومن المعلوم أنه إذا قيل إن الله مباين للعالم أو ممتاز عنه‬
‫ومنفرد عنه لم يرد به أن الله ليس مثل العالم‪ ... ،‬فهذه‬
‫المباينة ل يراد بها عدم المماثلة بل يراد بها أنه منفصل عنه‬
‫وتصور ذلك بديهي ظاهر‪ .‬وما يعلم في المواضع التي‬
‫يستعمل فيها لفظ مباينة الشيء لغيره وامتيازه عنه‬
‫وانفراده عنه إل ويكون ذلك مع إنفصال أحدهما عن‬
‫الخر‪...‬دليل ذلك أنه ل يعرف أن يقال اللون منفرد عن‬
‫الطعم ومباين له مع أن أحدهما ليس مثل الخر فعلم أن‬
‫المخالفة التي مضمونها عدم المماثلة فهي متضمنة‬
‫)‪(2‬‬
‫النفصال(‬
‫والجواب أنه اعتراض ل يرد على محل النزاع‪ ،‬لنه يريد به‬
‫يتمسك بإثبات الفخر الرازي للمباينة بين الخالق والمخلوق‬
‫ليلزمه إثبات النفصال بالجهة‪ ،‬لن المعروف من لفظ‬
‫المباينة يتضمن النفصال بالجهة‪ .‬وظاهر أن الفخر ل يلتزم‬
‫بإثبات النفصال بالجهة لنه لما أثبت المباينة لم يثبتها بهذا‬
‫المعنى‪ .‬ونحن نتذكر أن الفخرالرازي لما ألزم مخالفه‬
‫بإثبات حيز وجودي لزم لذات الباري أراد الخصم أن يتخلص‬
‫منه بما ذكره الرازي على لسانه بأنه قال‪ :‬ل أعني‬
‫‪ ()1‬تلبيس الجهمية ‪ 2/150‬وانظر نحوه ‪179-1/188‬‬
‫‪ ()2‬تلبيس الجهمية ‪148‬‬
‫‪296‬‬

‫باختصاصه بالجهة إل أنه مباين للعالم ممتاز عنه وهذا ل‬
‫يقتضي موجودا ً غيره فأراد الفخر الرازي أن ينبه المعترض‬
‫إلى الجمال في لفظ المباينة ونحوه من اللفاظ ليحدد‬
‫موقفه بعد رفع الجمال بتحديد المعنى الذي يريده‬
‫المعترض من هذا اللفظ المجمل‪.‬ويذكر الفخر الرازي‬
‫المعنيين الذين ُيفهمهما لفظ المباينة وهما المباينة بالحقيقة‬
‫والمباينة بالجهة ثم ينبه المخالف على أنه إذا أراد من‬
‫المباينة الول فل ينازعه فيه ولكن ينبهه على أن هذه‬
‫المباينة ل تقتضي الجهة‪ ،‬وإذا أراد الثاني وهو المباينة بالجهة‬
‫وهو الذي أراده فهذا ل ينجيه من اللزام الذي أراد الخلص‬
‫منه وهو إثبات موجود غيره‪.‬‬
‫إذا تبين ذلك فإن ما يريده ابن تيمية رحمه الله من منع‬
‫استعمال المباينة بمعنى المباينة في الحقيقة ل يدفع شيئا ً‬
‫فلو سلمنا به فالحجة قائمة ويعود اللزام المذكور‪.‬‬
‫أما إذا أراد إلزام الفخر الرازي بإثبات المباينة بالجهة لن‬
‫هذا هو المعنى المعروف من اللفظ بزعمه‪ .‬فهذا تعسف‬
‫ظاهر لن الرازي ذكر المعنى الذي يريده لما وافق على‬
‫إطلق المباينة فإذا لم يكن هذا المعنى الذي وافق عليه‬
‫الفخر معروفا ً عند ابن تيمية فليكن اصطلحا خاصا بالفخر‬
‫ول مشاحة في الصطلح‪.‬‬
‫ثم ذكر ابن تيمية رحمه الله وجها ً واحدا ً في ثلثة وجوه‬
‫بعضها من بعض‪ ،‬ظاهرها فيه إثبات أعظم المباينة بين‬
‫الخالق والمخلوق وباطنها فيه إثبات مماثلته للجسام في‬
‫تمام ماهيتها‪ .‬إذ قال رحمه الله‪) :‬من المعلوم أن مباينة الله‬
‫لخلقه أعظم من مباينة بعض الخلق بعضا ً سواء في ذلك‬
‫مباينة الجسام بعضها لبعض والعراض بعضها لبعض ومباينة‬
‫الجسام للعراض‪ .‬ثم الجسام والعراض تتباين مع تماثلها‬
‫بأحيازها وجهاتها المستلزمة لتباين أعيانها‪ ،‬وتتباين مع‬
‫اختلفها كالجسمين المختلفين والعرضين المختلفين في‬
‫‪297‬‬

‫محلين‪ ،‬وأدنى ما تتباين به الختلف في الحقيقة والصفة‬
‫دون الحيز كالعرضين المختلفين في محل واحد‪.‬‬
‫فلو لم يباين الباري خلقه إل بمجرد الختلف في الحقيقة‬
‫والصفة دون الجهة والحيز والقدر‬
‫لكانت مباينته لخلقه من جنس مباينة العرض لعرض آخر‬
‫حال في محله أو مباينة الجسم للعرض الحال في محله‪ .‬فل‬
‫تكون هذه المباينة تنفي أن يكون هو والعالم في محل‬
‫واحد‪.‬‬
‫بل إذا كان العالم قائما ً بنفسه وكانت مباينته له من هذا‬
‫الجنس‪ ،‬كانت مباينته للعالم مباينة العرض للجسم الذي قام‬
‫به ويكون العالم كالجسم وهو معه كالعرض وذلك يستلزم‬
‫أن تكون مباينته للعالم مباينة المفتقر إلى العالم وإلى محل‬
‫يحله ل سيما والقائم بنفسه مستغن عن الحال فيه وهذا من‬
‫أبطل الباطل وأعظم الكفر فإن الله غني عن العالمين كما‬
‫تقدم‪..‬‬
‫وهؤلء قد زعموا أنهم نزهوه عن الحيز والجهة فل يكون‬
‫مفتقرا ً إلى غيره فأحوجوه بهذا التنزيه إلى كل شيء‬
‫وصرحوا بهذه الحاجة كما ذكرناه في غير هذا الموضع‬
‫فسبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا‪..‬‬
‫ومع هذا فهؤلء أقرب إلى الثبات وإلى العلم من إثبات‬
‫مباينة ل تعقل بحال وهو مباينة من قال ل داخل العالم ول‬
‫خارجه فإن هذه ليست كشيء من المباينات المعروفة التي‬
‫أدناها مباينة العرض للجسم أو للعرض بحقيقته وأن ذلك‬
‫يقتضي أن يكون أحدهما في الخر أو يكونان كلهما في‬
‫محل واحد‪.‬‬
‫وإذا كان هؤلء النفاة لم يثبتوا له مباينة ُتعقل وُتعرف بين‬
‫علم أنه في موجب قولهم معدوما)‪ (1‬كما اتفق‬
‫موجودين ُ‬
‫سلف المة وأئمتها على أن ذلك حقيقة قول هؤلء الجهمية‬
‫‪ ()1‬الصواب )معدوم( لنه خبر إن‬

‫‪298‬‬

‫الذين يقولون إنه ليس فوق العرش إنهم جعلوه معدوما ً‬
‫)‪(1‬‬
‫ووصفوه بصفة المعدوم(‬
‫إلى أن قال في وجه بعده‪) :‬يقال هب أنهم أثبتوا له مباينة‬
‫ُتعقل لبعض الموجودات فالواجب أن يكون مباينته للخلق‬
‫ل فيجب أن يثبت له من‬
‫ل لك ٍ‬
‫أعظم من مباينة ك ٍ‬
‫المباينة أعظم من مباينة العرض للعرض ومباينة‬
‫الجوهر للجوهر وذلك يقتضي أن يثبت له المباينة‬
‫بالصفة التي تسمى المباينة بالحقيقة والكيفية‬
‫والمباينة بالقدر التي تسمى المباينة بالجهة أو‬
‫الكمية وإن كانت مباينته لهذين أعظم مما يعلم من مباينة‬
‫المخلوق للمخلوق إذ ليس كمثله شيء في شيء مما‬
‫يوصف به وأما إثبات بعض المباينات دون بعضها فهذا‬
‫يقتضي مماثلته للمخلوق وأن يكون شبهه ببعض المخلوقات‬
‫)‪(2‬‬
‫أعظم من شبه بعضها ببعض وذلك ممتنع (‬
‫وقال في وجه بعده‪):‬المباينة تقتضي المخالفة في الحقيقة‬
‫وهي ضد المماثلة وحيث كانت المباينة فإنها تستلزم ذلك‬
‫فإن المباينة بالجهة والحيز تقتضي أن تكون عين أحدهما‬
‫مغايرة لعين الخر وهذا فيه رفع التحاد وإثبات مخالفة‬
‫وكذلك اختلف الصفة والقدر ترفع المماثلة وتثبت المباينة‬
‫والمخالفة‪ ،‬وهو إن كان قد قال إن المباينة يعني بها المباينة‬
‫بالجهة والمخالفة في الحقيقة وقد ذكرنا أنها في المعنى‬
‫الول أظهر فإنها تستلزم الختلف في الحقيقة حيث كانت‬
‫فإن الشيئين المتماثلين ل يتصور أن يتماثل حتى يرتفع‬
‫التباين في العين بل ل بد أن تكون عين أحدهما ليست عين‬
‫الخر وأن يكون له ما يخصه من أحوال كالعرضين‬
‫المتماثلين‪ .‬بل السوادين)‪ (3‬إذا حل أحدهما في محل بعد‬
‫‪ ()1‬تلبيس الجهمية ‪151-2/149‬‬
‫‪ ()2‬المصدر السابق ‪2/151‬‬
‫‪ ()3‬الصواب السوادان‪ .‬لنه مبتدأ‪.‬‬

‫‪299‬‬

‫الخر فإن زمان هذا غير زمان الخر ولهذا يقال المباينة‬
‫تكون بالزمان وتكون بالمكان وتكون بالحقيقة…‬
‫المقصود هنا أن المباينة مستلزمة لرفع المماثلة فإذا كان‬
‫الله سبحانه ليس كملثه شيء في أمر من المور وجب أن‬
‫تكون له المباينة التامة بكل وجه فيكون مباينا ً للخلق بصفته‬
‫وقدره بحقيقته وجهته وبقدمه الذي يفارق به الكائنات في‬
‫زمانها فتكون الشياء مباينة له بمكانها وزمانها وحقيقتها‬
‫وهو سبحانه مباين لها بأزله وأبده وظهوره وبطونه فهو‬
‫الول والخر والظاهر والباطن وهو مباين لها بصفته سبحانه‬
‫)‪(1‬‬
‫وتعالى(‬
‫والجواب من وجوه‪:‬‬
‫أول ً‪ :‬ل نسلم أنه لو لم يباين الباري خلقه إل بمجرد‬
‫الختلف في الحقيقة دون الجهة والحيز والقدر لكانت‬
‫مباينته لخلقه من جنس المباينة التي ذكر‪ ،‬لن جنس‬
‫المباينة التي تثبت للجسام أو العراض إنما تثبت لهما بعد‬
‫ثبوت حقيقة العرض والجسم‪.‬‬
‫وبيان ذلك بأن العرض يباين غيره من العراض ويباين‬
‫الجسم‪ ،‬والجسم يباين غيره من الجسام ويباين العرض‪.‬‬
‫فالعرضان إذا قام كل منهما في غير ما قام به الخر تباينا‬
‫في المحل ل في الحيز‪ ،‬لن المباينة في الحيز تتحقق بأن‬
‫يكون كل منهما شاغل ً لحيز ل يشغله الخر‪ ،‬وهذه المباينة ل‬
‫تثبت إل لمتحيز‪ ،‬والعرض ليقوم بنفسه ول يستقل بشغل‬
‫الحيز بل يقوم بما يشغل الحيز فل يتصور أن يكون مباينا ً‬
‫بالحيز كما تكون الجسام مباينة لغيرها من الجسام‪.‬‬
‫والجسمان إذا قام كل واحد منهما في غير ما قام به الخر‬
‫تباينا في الحيز دون الحقيقة‪.‬‬
‫والجسم يباين العرض في الحقيقة دون المحل والحيز‪ ,‬لن‬
‫الجسم ل يكون في ما يكون فيه العرض وهو المحل‪،‬‬
‫والعرض أيضا ل يكون في ما يكون فيه الجسم وهو‬
‫‪ ()1‬تلبيس الجهمية ‪2/152‬‬

‫‪300‬‬

‫الحيز‪.‬إذا تبين هذا نقول‪ :‬جنس المباينة التي تثبت للعرض‬
‫إنما تتحقق بكونه عرضًا‪ ،‬وجنس المباينة التي تثبت للجسم‬
‫إنما تثبت له بكونه جسمًا‪ ،‬فإذا قدرنا موجودا ً ليس بجوهر‬
‫متحيز ول عرض بأن يكون مجردا ً فل يتصور أن يثبت له‬
‫المباينة التي تثبت للجسام بأن يكون شاغل لحيز ل يشغله‬
‫المتحيز المباين له لنه ليس بمتحيز أص ً‬
‫ل‪ ،‬ول يتصور أن‬
‫يثبت له المباينة التي تثبت بين العراض بأن يكون قائما‬
‫بمتحيز غير الذي قام به العرض المباين له لن حقيقة‬
‫المجرد مباينة لحقيقة العرض والجسم فل يكون شاغل ً لحيز‬
‫على سبيل الستقلل أو التبعية‪.‬‬
‫وهذه المباينة بالحقيقة أعظم من المباينة بغيرها لنها ل‬
‫تستلزم أمرا ً ثبوتيا ً مشتركا ً بين المجرد وما باينه‪ .‬أما‬
‫المباينة بالحيز فتقضي الشتراك في أمر ثبوتي وهو كونه‬
‫بحيث يشغل حيزًا‪ .‬وأما جنس مباينة العرض للعرض‬
‫فتقتضي الشتراك في أمر ثبوتي وهو التبعية للغير‪.‬‬
‫ويدل على ذلك أيضا أن مباينة الجسم للعرض بالحقيقة ل‬
‫تقتضي ثبوت الستقلل بالحيز للعرض ول ثبوت القيام‬
‫بالغير للجسم‪.‬‬
‫ثانيًا‪ :‬أن نبين أن هذا المسلك الذي يذكره هنا مناقض لصله‬
‫لنه ذكر أن التباين يقتضي أمورا ً ثبوتية في المباِين يخالف‬
‫بها المباَين فقال‪) :‬التباين بمعنى الختلف في الحقيقة‬
‫يقتضي أمورا ً ثبوتية خالف بهما أحدهما الخر مخالفة تنفي‬
‫ثماثله()‪.(1‬‬
‫وقد ذكر أن الواحد سبحانه مختص بحقيقته الثبوتية بل ليس‬
‫كمثله شئ في تلك المور الثبوتية‬
‫فقال‪):‬التوحيد إثبات لشئ هو واحد فل بد أن يكون له في‬
‫نفسه حقيقة ثبوتية يختص بها ويتميز بها عما سواه حتى‬
‫يصح أنه ليس كمثله شئ في تلك المور الثبوتية(‬
‫‪ ()1‬تلبيس الجهمية ‪2/148‬‬

‫‪301‬‬

‫)‪ .(1‬وعلى هذا فالمباينة التي تثبت للجسام تقتضي أمورا ً‬
‫ثبوتية مختصة بالجسم‪ ،‬والمباينة التي تثبت للعرض تقتضي‬
‫أمورا ً ثبوتية يختص بها العرض‪ ،‬ثم إذا أثبتنا مثل هاتين‬
‫المباينتين للباري يكون مشاركا ً للجسم والعرض في‬
‫الثبوتيات التي اقتضتها كل مباينة‪ .‬وهو مناقض لما ذكره من‬
‫أنه ليس كمثله شئ في تلك المور الثبوتية‪.‬‬
‫وعلى هذا فقوله‪ ": :‬إذا كان العالم قائما ً بنفسه وكانت‬
‫مباينته له من هذا الجنس‪ "...‬نقول‪ :‬ليست من هذا الجنس‬
‫لنه لما خالفها في الحقيقية امتنع عليه الشتراك في‬
‫الثبوتي الذي تستلزمه جنس هذه المباينة‪.‬‬
‫ثالثا ً‪ :‬وهو تنبيه على اضطرابه فهو مرة يريد أن يبحث عن‬
‫إثبات مباينة لله لخلقه مباينة تكون أعظم من مباينة بعض‬
‫الخلق بعضًا‪ ،‬ثم يعود فيطالب بإثبات مباينة من جنس‬
‫المباينات المعروفة بين الموجودات‪ .‬ثم يرجع في آخر‬
‫كلمه فينص على أن مباينته أعظم مما يعلم من مباينة‬
‫المخلوق للمخلوق‪ .‬فتأمل أن تكون هذه المباينة أعظم من‬
‫غيرها لكنها مع ذلك مباينة معروفة غير مجهولة وهي أيضا‬
‫أعظم من المباينات المعروفة!‬
‫رابعا ً‪ :‬وهو تنبيه على ما في كلمه من الخوض في ذات‬
‫الباري سبحانه‪ ،‬فتأمل كيف يسوق الستدلل وهو يجمع‬
‫الباري سبحانه مع الجسم والعرض‪ .‬وتأمل كيف يستقيم‬
‫كلمه واستدلله لو أردنا أن نتحدث عن جسم مخصوص‪.‬‬
‫فنقول‪ ":‬لو لم يباين هذا الجسم المخصوص غيره من‬
‫المخلوقات إل بمجرد الختلف في الحقيقة والصفة دون‬
‫الحيز والقدر لكانت مباينة هذا الجسم المخصوص لغيره‬
‫من المخلوقات من جنس مباينة العرض لعرض آخر حال‬
‫في محله أو مباينة الجسم للعرض الحال في محله‪ .‬فل‬
‫تكون هذه المباينة تنفي أن يكون هذا الجسم والعالم في‬
‫محل واحد‪ .‬بل إذا كان العالم قائما ً بنفسه وكانت مباينته له‬
‫‪ ()1‬المصدر السابق ‪1/483‬‬

‫‪302‬‬

‫من هذا الجنس‪ ،‬كانت مباينته للعالم مباينة العرض للجسم‬
‫الذي قام به ويكون العالم كالجسم وهو معه كالعرض‪.‬‬

‫‪303‬‬

‬وكل واحد من أجزائه غيره فكل مركب فهو مفتقر‬ ‫في الحقيقة إلى غيره‪ .‫المطلب الثالث‪ :‬لو كان إله العالم متحيزا ً لكان‬ ‫مركبا ً‬ ‫قال الفخر الرازي‪) :‬لو كان إله العالم متحيزا ً لكان مركبا ً‬ ‫وهذا محال فكونه متحيزا ً محال‬ ‫بيان الملزمة من وجهين‬ ‫أحدهما ‪-‬وهو على قول من ينكر الجوهر الفرد‪ -‬أن كل‬ ‫متحيز فل بد وأن يتميز أحد جانبيه عن الثاني وكل ما كان‬ ‫كذلك فهو منقسم‪ ،‬فثبت أن كل متحيز فهو منقسم مركب‪.‬‬ ‫الثاني‪ :‬أن كل متحيز فإما أن يكون قابل ً للقسمة أو ل‬ ‫يكون‪ ،‬فإن كان قابل ً للقسمة كان مركبا ً مؤلفا ً وإن كان غير‬ ‫قابل للقسمة فهو الجوهر الفرد وهو في غاية الصغر‬ ‫والحقارة وليس من العقلء أحد يقول هذا القول‪ ،‬فثبت أنه‬ ‫تعالى لو كان متحيزا ً لكان مؤلفا ً منقسمًا‪ ،‬وذلك محال لن‬ ‫كل ما كان كذلك فهو مفتقر في حقيقته إلى كل واحد من‬ ‫أجزائه‪ .38‬وانظر نحوه في المطالب العالية ‪2/18‬‬ ‫‪ ()2‬تلبيس الجهمية ‪ 1/610‬وانظر نحوه في درء التعارض ‪4/125‬‬ ‫‪304‬‬ .‬بل نقول إن كل موجود‬ ‫قائم بنفسه فإنه كذلك‪ .‬وكل ما كان كذلك فهو ممكن لذاته‬ ‫فكل مركب ممكن لذاته فيلزم أن يكون الممكن لذاته واجبا ً‬ ‫ً )‪(1‬‬ ‫لذاته وذلك محال فيمتنع أن يكون متحيزا (‬ ‫وقال ابن تيمية رحمه الله في العتراض عليه‪:‬‬ ‫)ولقائل أن يقول إن عنيت بالتحيزية تفرقته بعد الجتماع‬ ‫واجتماعه بعد الفتراق فل نسلم أن ما ل يكون كذلك يلزم‬ ‫أن يكون حقيرًا‪.‬‬ ‫وإن عنيت به ما يشار إليه أو يتميز منه شيء لم‬ ‫نسلم أن مثل هذا ممتنع‪ .‬وإن ما ل يكون كذلك فل يكون‬ ‫إل عرضا ً قائما ً بغيره‪ ،‬وإنه ل يعقل موجود إل ما يشار إليه‬ ‫)‪(2‬‬ ‫أو ما يقوم بما يشار إليه(‬ ‫‪ ()1‬أساس النقديس ‪ .

‬ولنسلم أنه ل‬ ‫يعقل موجود إل ما يشار إليه أو ما يقوم بما يشار إليه‪،‬‬ ‫وينتقض ذلك بالملئكة والروح بعد فراق البدن ونحوها من‬ ‫المجردات‪.‫وننبه على ما سبقت الشارة إليه من أسلوب ابن تيمية‬ ‫رحمه الله حيث يعترض على بعض الدلة من سبعين وجها ً‬ ‫أو أكثر أو أقل‪ ،‬ونجد مثل هذا الدليل فقيَر الوجوه لم‬ ‫يستحق من العتراض ما استحقه غيره من الدلة‪ .‬وهذه الشبهة من‬ ‫أبطل شبه المجسمة ومبناها على الشتراك في لفظ القائم‬ ‫بنفسه بين المستغني عن المحل والفاعل وبين المقابل‬ ‫للقائم بغيره وهو الجوهر والجسم‪ .‬‬ ‫وقد ذكر الرازي بعض مقدمات هذه الحجة في‬ ‫ترتيب حجة أخرى‬ ‫فقال‪ :‬رحمه الله )الفصل الرابع في اقامة البراهين على أنه‬ ‫ليس بمختص بحيز وجهة بمعنى أنه يصح أن يشار إليه‬ ‫‪305‬‬ .‬فلنسلم أن الباري قائم‬ ‫بنفسه بالمعنى الذي يقابل القائم بغيره‪ .‬وتأمل في كلمه أنه‬ ‫ل يعقل تنزيه الباري عن الشارة الحسية إلى شيء منه‬ ‫دون شيء بل ينص على أنه ل َيعقل موجودا ً إل قائما ً بنفسه‬ ‫هو الجسم أوقائما بغيره وهو العرض‪ .‬والسر‬ ‫في ذلك أنه إذا استشعر تمام أحد الدلة لم يطل نفسه في‬ ‫العتراض عليه بل يلتزم ما يلزمه متذرعا ً بأن نفي هذا‬ ‫اللزم يقتضي عدم الباري‪ ،‬وعدم الباري أشنع من إثباته‬ ‫مشابها ً للمخلوق في وجه من الوجوه‪ .‬‬ ‫ول تستقيم هذه الشبهة مع قواعد ابن تيمية رحمه الله الذي‬ ‫أطال في نفي جواز القياس الشمولي ومنع أن يدخل الباري‬ ‫سبحانه تحت قضية كلية يستوي فيها مع سائر أفرادها‬ ‫فكيف يتم له جعل الباري سبحانه مع سائر أفراد‬ ‫الموجودات في جواز الشارة إلى شيء منه دون شيء ؟‬ ‫وكيف يتم له مساواة الباري في أفراد القائم بنفسه الذي‬ ‫يشار إليه وهو الجسم كما هو ظاهر في مقابلته بالعرض‪.

‬‬ ‫فثبت بأن القول بأنه مشار إليه بحسب الحس يفضي إلى‬ ‫هذين الباطلين فوجب أن يكون القول به باط ً‬ ‫ل‪.‬‬ ‫وليس هذا من باب قياس الشاهد على الغائب بل هذا بناء‬ ‫على البرهان القطعي وذلك لنا إذا أشرنا إلى نقطة ل‬ ‫تنقسم فإما أن يحصل فوقها شيء آخر أو ل يحصل فإن‬ ‫حصل فوقها شيء آخر كان ذلك الفوقاني مغايرا ً له‪ ،‬إذ لو‬ ‫جاز أن يقال إن هذا المشار إليه عينه ل غيره جاز أن يقال‬ ‫‪306‬‬ .‬‬ ‫ثم أورد الفخر الرازي سؤالين على لسان المجسمة‪:-‬‬‫السؤال الول‪ :‬لم ل يجوز أن يقال إنه تعالى واحد منزه عن‬ ‫التأليف والتركيب‪ ،‬ومع كونه كذلك فإنه يكون عظيمًا؟ أما‬ ‫قول النفاة‪" :‬والعظيم يجب أن يكون مركبا منقسما في‬ ‫الشاهد‪ ،‬وذلك ينافي كونه أحدًا؟ فجوابنا عنه‪ :‬أنا سلمنا أن‬ ‫العظيم يجب أن يكون منقسما ً في الشاهد فلم قلتم إنه‬ ‫يجب أن يكون في الغائب كذلك فإن قياس الغائب على‬ ‫الشاهد من غير جامع باطل‪.‬‬ ‫السؤال الثاني‪ :‬وأيضا لم لم ل يجوز أن يكون غير منقسم‬ ‫ويكون في غاية الصغر؟ أما قول النفاة‪" :‬إنه حقير وذلك‬ ‫على الله محال" فجوابنا عنه‪ :‬أن الذي ل يمكن أن يشار‬ ‫إليه ول يحس به يكون كالعدم فيكون أشد حقارة فإذا جاز‬ ‫هذا فلم ل يجوز ذلك؟‬ ‫ثم أجاب الفخر عن السؤال الول فقال‪ :-‬والجواب عن‬‫الول أن نقول‪ :‬إنه إذا كان عظيما ً فلبد أن يكون منقسما‪ً.‬‬ ‫فإن كان منقسما ً كان مركبا ً وقد تقدم إبطاله‪.‬‬ ‫وأيضا فان من ينفي الجوهر الفرد يقول إن كل ما كان‬ ‫مشارا ً إليه بأنه ههنا أو هناك فل بد وأن يتميز أحد جانبيه‬ ‫عن الخر وذلك يوجب كونه منقسما‪.‬وذلك باطل باتفاق كل العقلء‪.‫بالحس أنه ههنا وهناك‬ ‫وذلك لنه لم يخل إما أن يكون منقسما ً أو غير منقسم‪.‬‬ ‫وإن لم يكن منقسما ً كان في الصغر والحقارة كالجزء الذي‬ ‫ل يتجزأ‪ .

‬‬ ‫فالمنقسم في اللغة العربية التي نزل بها القرآن هو ما‬ ‫فصل بعضه عن بعض كقسمة الماء وغيره بين المشتركين‬ ‫كما قال الله تعالى‪" :‬ونبئهم أن الماء قسمة بينهم")‪ (2‬وقال‬ ‫‪ ()1‬أساس التقديس ‪ 47-45‬وانظر نحوه في المطالب العالية‬ ‫‪2/24‬‬ ‫‪ ()2‬الية )‪ (28‬من سورة القمر‪.‬‬ ‫الجواب عن السؤال الثاني وهو قولهم "الذي ل يحس ول‬ ‫يشار إليه أشد حقارة من الجزء الذي ل يتجزأ‪،‬‬ ‫قلنا كونه موصوفا ً بالحقارة إنما يلزم لو كان الذي ل يحس‬ ‫ول يشار إليه له حيز ومقدار حتى يقال إنه أصغر من غيره‬ ‫أما إذا كان منزها ً عن الحيز والمقدار فلم يحصل بينه وبين‬ ‫غيره مناسبة في الحيز والمقدار فلم يلزم وصفه بالحقارة(‬ ‫)‪(1‬‬ ‫بدأ ابن تيمية رحمه الله بتفصيل العتراض على هذه الحجة‬ ‫فقال‪):‬والكلم عليها من وجوه‬ ‫أحدها أن يقال قد تقدم أن لفظ المنقسم لفظ مجمل‬ ‫بحسب الصطلحات‪.‬‬ ‫‪307‬‬ .‬‬ ‫وإما أن ل يحصل فوقها شيء آخر ول على يمينها ول على‬ ‫يسارها ول من تحتها فحينئذ تكون نقطة غير منقسمة وجزءً‬ ‫ل يتجزأ‪ ،‬وذلك باتفاق العقلء باطل‪ .‬‬ ‫واعلم أن الحنابلة القائلين بالتركيب والتأليف أسعد حال ً‬ ‫من هؤلء الكرامية وذلك لنهم اعترفوا بكونه مركبا ً من‬ ‫الجزاء والبعاض‪ ،‬وأما هؤلء الكرامية فزعموا أنه مشار‬ ‫إليه بحسب الحس وزعموا أنه غير متناه ثم زعموا أنه مع‬ ‫ذلك واحد ل يقبل القسمة فل جرم صار قولهم على خلف‬ ‫بديهة العقل‪.‫هذا الجزء عين ذلك الجزء فيفضي إلى تجويز أن الجبل‬ ‫شيء واحد أو جزء ل يتجزأ مع كونه جبل ً وذلك شك في‬ ‫البديهيات فثبت أنه لبد من التزام التركيب والنقسام‪.‬فثبت أن هذا ليس من‬ ‫باب قياس الغائب على الشاهد بل هو مبني على التقسيم‬ ‫الدائر بين النفي والثبات‪.

.‬‬ ‫‪308‬‬ .‬‬ ‫فإن أراد بلفظ المنقسم ذلك فل ريب أن كثيرا من الجسام‬ ‫ليس منقمسا ً بهذا العتبار فإن بني آدم يعجزون عن قسمته‬ ‫در العباد ُ على قسمته‬ ‫فضل ً عن أن يقال إن رب العالمين يق ِ‬ ‫وتفريقه وتمزيقه وهذا واضح‪.‫تعالى‪ ":‬لكل باب منهم جزء مقسوم")‪ .(1‬وإنما يريد‬ ‫الخاصة من العلماء والعامة من الناس بلفظ القسمة هنا‬ ‫تفصيل الشيء بعضه عن بعض بحيث يكون هذا في حيز‬ ‫وهذا في حيز منفصل عنه ليتميز أحدهما عن الخر تميزا ً‬ ‫يمكن به التصرف في أحدهما دون الخر‪.‬‬ ‫‪ ()1‬الية )‪ (44‬من سورة الحجر‪.‬‬ ‫‪ ()2‬الصواب عينين لنه خبر كان‪...‬‬ ‫وإذا كان هذا المعنى هو الظاهر في لغة الناس وعاداتهم‬ ‫بلفظ القسمة فقوله بعد ذلك‪ :‬إما أن يكون منقسما ً أو ل‬ ‫يكون‪ ،‬يختار فيه المنازع جانب النفي فإن الله ليس بمنقسم‬ ‫وليس هو شيئين أو أشياء كل واحد منهما في حيز منفصل‬ ‫عن حيز الخر‪ ،‬كالعيان المقسومة‪ ،‬وما نعلم عاقل ً يقول‬ ‫ذلك‪ .‬‬ ‫وأيضا ً فلم يقل أحد إن الله كان واحدا ً ثم إنه انفصل‬ ‫وانقسم حتى صار بعضه في حيز‪ ،‬فهذا المعنى المعروف‬ ‫من لفظ المنقسم منتف باتفاق العقلء وهو مناف لن يكون‬ ‫رب العالمين واحدا ً منافاة ظاهرة‪.‬‬ ‫فلم يقل أحد من العقلء إن مسمى الله أو رب العالمين هو‬ ‫منقسم النقسام المعروف في نظر الناس وهو أن يكون‬ ‫عينان)‪ (2‬لكل منهما حيز منفصل عن حيز الخر‪.‬وما كان منقسما ً بهذا المعنى فهو إثبات كل منهما‬ ‫قائم بنفسه ولم يقل أحد من الناس إن الله أو إن خالق‬ ‫العالم هما اثنان متميزان كل منهما قائم بنفسه‪.‬‬ ‫وقد يريد بعض الناس بلفظ المنقسم ما يمكن للناس فصل‬ ‫بعضه عن بعض وإن كان في ذلك فساد تنهى عنه الشريعة‬ ‫كالحيوان الحي والبنية ونحو ذلك‪..

‬ول ريب أن‬ ‫الرازي ونحوه ممن يحتج بمثل هذه الحجة ل يفسرون‬ ‫ل بعضه عن بعض بحيث‬ ‫النقسام بهذا الذي قررناه ِ‬ ‫من فص ِ‬ ‫يكون كل بعض في حيزين منفصلين أو إمكان ذلك فيه فان‬ ‫أحدا ً لم يقل إن الله منقسم بهذا العتبار‪.‬فإن‬ ‫ما يوصف بأنه واحد من الجسام كقوله تعالى‪ ":‬وإن كانت‬ ‫واحدة فلها النصف")‪ ،(1‬ونحو ذلك جسم واحد ومتحيز واحد‬ ‫وهو في جهة ومع ذلك ليس منقسما ً بالمعنى الول فإن‬ ‫المنقسم بالمعنى الول ل يكون إل عددا ً اثنين فصاعدا ً‬ ‫كالماء إذا اقتسموه وكالجزاء المقسومة التي لكل باب في‬ ‫جهنم جزء مقسوم وإذا كان هذا فيما يقبل القسمة‬ ‫كالنسان والذي يقدر البشر على قسمته فما ل يقبل‬ ‫القسمة أولى بذلك‪.‬وإن كان غير منقسم ل بالمعنى الول‬ ‫الذي هو وجود النقسام المعروف ول بالمعنى الثاني الذي‬ ‫هو إمكان هذا النقسام فقوله‪ :‬وإن لم يكن غير منقسم‬ ‫كان في الصغر بمنزلة الجوهر الفرد ليس بلزم حينئذ‪ .‬‬ ‫ومن المعلوم أنه ل يجوز أن يقال إن الله يمكن قسمته وأنه‬ ‫قادرعلى ذلك كما ل يجوز أن يقال إنه يمكن عدمه أو موته‬ ‫أو نومه وأنه قادر على ذلك فإنه واحد ل إله إل هو وهذه‬ ‫القسمة تجعله اثنين منفصلين كل منهما في حيز آخر‪.‫وقد يراد بلفظ المنقسم ما يمكن في قدرة الله قسمته‬ ‫لكن العباد ل يقدرون على قسمته كالجبال وغيرها‪.‬‬ ‫‪309‬‬ .‬‬ ‫وهذا ظاهر محسوس بديهي ل نزاع فيه فإن أحدا لم ينازع‬ ‫في أن الجسم العظيم الذي لم يفصل بعضه عن بعض‬ ‫فيجعل في حيزين منفصلين أو ل يمكن ذلك فيه إذا وصف‬ ‫بأنه غير منقسم لم يلزم من ذلك أن يكون بقدر الجوهر‬ ‫الفرد بل قد يكون في غاية العظم والكبر‪ .‬‬ ‫وهذا ممتنع على الله وذلك ظاهر ول نزاع بين المسلمين بل‬ ‫بين العقلء في ذلك‪ .‬‬ ‫‪ ()1‬الية )‪ (11‬من سورة النساء‪.

‬‬ ‫وإن قال أريد بالمنقسم أن ما في هذه الجهة منه غير‬ ‫ما في هذه الجهة كما نقول إن الشمس منقسمة بمعنى أن‬ ‫حاجبها اليمن غير حاجبها اليسر والفلك منقسم بمعنى أن‬ ‫ناحية القطب الشمالي غير ناحية القطب الجنوبي‪ .‬‬ ‫وتبين أن كل أحد يلزمه أن يقول بمثل هذا المعنى الذي‬ ‫سماه تركيبا ً حتى الفلسفة وأن هذا المنازع يقول مثل ذلك‬ ‫في تعدد الصفات وأنه ألزم الفلسفة مثل ذلك‪.‬وتقدم بيان ما في لفظ التركيب والحيز والفتقار من‬ ‫الجمال وأن المعنى الذي يقصدونه بذلك يجب أن يتصف به‬ ‫كل موجود سواء كان واجبا ً أو ممكنا ً وأن القول بامتناع ذلك‬ ‫يستلزم السفسطة المحضة‪.‬‬ ‫ً‬ ‫وقول من يقول من هؤلء‪ :‬ما يكون منقسما ً أو مركبا بهذا‬ ‫العتبار فإنه ل يكون واحدا ً ول يكون أحدا ً فإن الحد هو‬ ‫الذي ل ينقسم خلف لما جاء في كتاب الله وسنة رسوله‬ ‫ولغة العرب من تسمية النسان واحدا ً كقوله "وإن كانت‬ ‫ً )‪(1‬‬ ‫واحدة فلها النصف" وقوله‪ " :‬ذرني ومن خلقت وحيدا"‬ ‫ونحو ذلك‪.‬‬ ‫وتحرير هذا المقام هو الذي يقطع الشغب والنزاع فإن هذه‬ ‫الشبهة هي من أكبر أو أكبر أصول المعطلة لصفات الرب‬ ‫‪ ()1‬الية )‪ (11‬من سورة المدثر‪.‬وهذا هو‬ ‫الذي أراده فهذا مما يتنازع الناس فيه‬ ‫فيقال له قولك "إن كان منقسما ً كان مركبا ً وقد تقدم‬ ‫إبطاله" تقدم الجواب عن هذا الذي سميته مركبًا‪ .‫ول يلزم من كونه جسما ً أو متحيزا ً أو فوق العالم أو غير‬ ‫ذلك أن يكون منقسما ً بهذا العتبار‪.‬‬ ‫‪310‬‬ .‬وتبين أنه‬ ‫ل حجة أصل ً على امتناع ذلك بل تبين أن إحالة ذلك تقتضي‬ ‫إبطال كل موجود‪ ،‬ولول أنه أحال على ما تقدم لما أحلنا‬ ‫عليه‪ .

‬وأما ما تزيده المعطلة على ذلك‬ ‫من نفي صفاته التي وصف بها نفسه التي يجعلون نفيها‬ ‫تنزيها ً وإثباتها تشبيها ً ومن نفي حده وعلوه على عرشه‬ ‫وسائر صفاته التي وصف بها نفسه يجعلون نفيها تنزيها ً‬ ‫ويجعلون إثبات ذلك إثباتا ً لنقسامه وتفرقه الذي يسمونه‬ ‫تجسيما ً وتركيبا ً فهذا باطل‬ ‫وليتدبر هذا المقام فانه من أعظم الشياء منفعة في أعظم‬ ‫أصول الدين الذي جاءت به هذه السورة التي تعدل ثلث‬ ‫)‪(2‬‬ ‫القرآن وفيه أعظم اضطراب الخلئق‪(.‬‬ ‫وسورة الخلص تستوفي الحق من ذلك فان الله يقول‪":‬‬ ‫قل هو الله أحد * الله الصمد" وهذان السمان الحد‬ ‫والصمد لم يذكرهما الله إل في هذه السورة وهما ينفيان‬ ‫عن الله ما هو متنزه عنه من التشبيه والتمثيل ومن‬ ‫التركيب والنقسام والتجسيم فإن اسمه الحد ينفي المثل‬ ‫والنظير كما تقدم الكلم على ذلك في أدلته السمعية وبينا‬ ‫أن الحد في أسماء الله ينفي عنه أن يكون له مثل في‬ ‫شيء من الشياء فهو أحد في كل ما هو له‪.2/48‬‬ ‫‪ ()2‬تلبيس الجهمية ‪61-2/60‬‬ ‫‪311‬‬ .‬‬ ‫‪ ()1‬تلبيس الجهمية ‪52.‫بل المعطلة لذاته‪ ،‬وهو عند التحقيق من أفسد الخيالت‬ ‫ولكن ل حول ول قوة إل بالله فإن الشراك قد ضل به كثير‬ ‫)‪(1‬‬ ‫من الناس(‬ ‫إلى أن قال‪) :‬وذلك أن ما يذكرونه يدور على أصلين نفي‬ ‫التشبيه ونفي التجسيم الذي هو التركيب والتأليف ولهذا‬ ‫يذكر من العقائد التي يبغي فيها التنزيه العتقاد السليم من‬ ‫التشبيه والتجسيم فأصل كلمه كله يدور على ذلك‪ ،‬ول ريب‬ ‫أنهم نزهوا الله بنفي هذين المرين عن أمور كثيرة يجب‬ ‫تنزيهه عنها وما زادوه من التعطيل فإنما قصدوا به التنزيه‬ ‫والتقديس وإن كانوا في ذلك ضالين مضلين‪.‬‬ ‫واسمه الصمد ينفي عنه التفرق والنقسام والتمزق وما يتبع‬ ‫ذلك من تركيب ونحوه‪..

‬واعلم أن القسمة الوهمية من خواص الكم‪...‬فل يخفى أن الواحد الذي تجعله القسمة‬ ‫اثنين منفصلين كل منهما في حيز يلزم أن يكون في حيز‬ ‫‪ ()3‬كشاف اصطلحات الفنون ‪ 2/1318‬وانظر شرح المواقف‬ ‫‪6/56‬‬ ‫‪312‬‬ .‬‬ ‫ويجب التنبيه أيضا ً على مفهوم الوحدة في كلمه‪ ،‬فقد منع‬ ‫رحمه الله من إطلق القول بأن الله يمكن قسمته وعلل‬ ‫ذلك بأن هذه القسمة تجعله اثنين منفصلين كل منهما في‬ ‫حيز مع أنه واحد‪ .‬والثانية أعني التي ل توجب‬ ‫انفصال ً في الخارج هي القسمة الذهنية‪ ،‬وتسمى أيضا‬ ‫القسمة الفرضية والقسمة الوهمية‪ ،‬وهي فرض شيء غير‬ ‫شيء‪ .‬‬ ‫قال التهانوي‪) :‬وأما الحكماء والمتكلمون فقالوا القسمة‬ ‫وتسمى بالتقسيم أيضا ً إما قسمة الكل إلى أجزائه وإما‬ ‫قسمة الكلي إلى جزئياته‪ ،‬أما قسمة الكل إلى أجزائه فهي‬ ‫تجزئة الكل وتحليله إليها‪.‬‬ ‫)‪(3‬‬ ‫والقسمة الفكية ل يقبله الكم المتصل(‬ ‫فإذا عرف اصطلح المتكلمين في القسمة تفرغنا للتنبيه‬ ‫على اضطراب عبارته في تفسير لفظ المنقسم هنا إذ مّثله‬ ‫بالجبال التي يمكن قسمتها في قدرة الله وحده‪ ،‬والمراد‬ ‫بذلك القسمة الخارجية التي تجعله اثنين منفصلين كل‬ ‫منهما في حيز‪ ،‬وهذا في الجبل مسلم‪ ،‬ولكن ل يرفع إمكان‬ ‫قسمته وقبوله لها عقل ً فتمثيل هذه القسمة الممتنعة على‬ ‫الله بالقسمة الممتنعة على الجبل يوهم الشتراك في قبول‬ ‫النقسام وإمكانه ولعل ابن تيمية رحمه الله ل يثبته لنه من‬ ‫لوازم الجسام‪.‬ثم إن قسمة الكل إلى الجزاء‬ ‫إما أن توجب النفصال في الخارج أو ل‪ ،‬فالولى هي‬ ‫القسمة الخارجية وتسمى أيضا بالقسمة النفكاكية والفكية‬ ‫والفعلية وهي الفصل والفك ‪ ....‫وقبل الجواب عن اعتراض ابن تيمية رحمه الله ل بد‬ ‫من تحديد معنى القسمة في اصطلح المتكلمين كي ل نتيه‬ ‫في التخليط الذي ذكره في التعاريف‪.

‫ضرورة‪ ،‬فما ينفيه رحمه الله ليس كونه سبحانه بحيث ل‬
‫يكون كالعيان القائمة التي يثبت لها الحصول في الحيز‬
‫فيعرض لها قبول النقسام وحصول بعضها في حيز وبعضها‬
‫الخر في حيز آخر‪ ،‬بل ينفي وقوع هذه القسمة التي تجعل‬
‫وحدته في حيزه كثرة في أحياز منفصلة‪ ،‬وهذا إثبات لقبوله‬
‫لهذه القسمة وهي من لوازم العيان القائمة بأنفسها وهي‬
‫الجسام والجواهر‪ ،‬ونفي وقوع هذه القسمة هو إثبات‬
‫لمحل النزاع‪ ،‬وهو كونه بحيث يقبل النقسام الذي تقبله‬
‫الجسام‪ .‬ولعل ابن تيمية ل يريد ذلك لكن عبارته تحتمل‬
‫ذلك احتمال ً ل يكاد يصرف إل باحتمال الخطأ في العبارة‪.‬‬
‫ومحل المغالطة التي ذكر هو الجمال في لفظ الواحد وهذا‬
‫اللفظ له معنى اصطلحي ومعنى لغوي وابن تيمية رحمه‬
‫الله يضرب كل ً منهما بالخر‪ .‬ولبيان ذلك نقول‪ :‬ما يوصف‬
‫بأنه واحد من الجسام كقوله تعالى‪ " :‬وإن كانت واحدة‬
‫فلها النصف" هو جسم واحد في اللغة ل في الصطلح‪.‬‬
‫ووصفه بهذه الواحدية ل ينافي قبوله النقسام إلى الجزاء‬
‫أوالجزئيات كما سبق بيانه‪ .‬فل يرد ما ذكر إل إذا كان المراد‬
‫من الواحد هنا الواحد الحقيقي‪.‬‬
‫أما لفظ القسمة إذا انتفت عن الجسم العظيم فليس‬
‫المراد به أنه غير منقسم فرضا ً ول أنه ل يمكن انقسامه إل‬
‫أن يخص ذلك بالمعتاد من قدرة العباد‪.‬‬
‫ً‬
‫قوله‪ ":‬ول يلزم من كونه جسما ً أو متحيزا أو فوق‬
‫العالم أو غير ذلك أن يكون منقسما ً بهذا العتبار"‬
‫يقال أنت ذكرت إمكان انفسام ما قد يمتنع على‬
‫العباد قسمته من الجسام كالجبل العظيم قبل‬
‫قليل فكيف تثبت الفرق بين جسم وجسم في‬
‫قبول القسمة وإمكانها لجسم دون جسم‪ .‬ولعلنا‬
‫ل نطيل بما هو معروف في مذهب علماء العقيدة‬
‫من تماثل الجسام واستوائها في اللوازم بل نذكر‬
‫بما سلم به ابن تيمية رحمه الله من أن الجسام‬
‫‪313‬‬

‫يجب اشتراكها في الحكام الجائزة والواجبة‬
‫والممتنعة‪ .‬ومن أحكام الجسام قبول القسمة‬
‫الخارجية فيلزم كل جسم أن يقبل القسمة‬
‫الخارجية‪.‬‬
‫قوله‪ ":‬وإن قال أريد بالمنقسم أن ما في هذه الجهة منه‬
‫غير ما في هذه الجهة ‪..‬وهذا هو الذي أراده فهذا مما يتنازع‬
‫الناس فيه‪ .‬فيقال له قولك إن كان منقسما ً كان مركبا ً وقد‬
‫تقدم إبطاله‪"...‬‬
‫ول نطيل بإعادة ماسبق لكن نشير إلى تسليم ابن تيمية بعد‬
‫واحد وعشرين وجها ً من وجوه العتراض على هذا الدليل‬
‫بأن المشار إليه بحسب الحس يكون فيه ما سماه الرازي‬
‫تأليفا ً وانقساما ً وإن لم يكن هو المعروف من التأليف‬
‫والنقسام‪ ،‬فإن المعروف من ذلك يجب تنزيه الله عنه‪،‬‬
‫ونذكر بأن المعروف من النقسام كما ذكر هو وقوع‬
‫القسمة بحيث يفصل بعضه عن بعض فيكون هذا في حيز‬
‫وزه‬
‫وهذا في حيز منفصل عنه‪ .‬فما هو هذا النقسام الذي ج ّ‬
‫رحمه الله ؟ ل يخفى أن هذا النقسام هو الذي ألزم به‬
‫الرازي من أشار إليه بحسب الحس‪ .‬كالنقسام الذي يكون‬
‫في الشمس إذا أشير إليها فيقال الشمس منقسمة بمعنى‬
‫أن حاجبها اليمن غير حاجبها اليسر وهو النقسام الذهني‬
‫وهو من خواص الكم‪.‬‬
‫والتركيب الذي يلزم من إثبات النقسام هو التركيب‬
‫الخارجي‪ ،‬وما أحال ابن تيمية رحمه الله عليه ليس فيه إل‬
‫نفي التركيب الذهني دون التركيب الخارجي‪.‬‬
‫ونذكر بأسلوبه إذ يحكم على لفظ المنقسم بالجمال‬
‫بحسب الصطلحات‪ ،‬ثم يعدد الحتمالت ويتوسع بالرد‬
‫عليها حتى إذا وصل إلى محل النزاع استبدل ذلك بالختصار‬
‫والعجلة‪ .‬فهل يخفى على منصف أن تعدد الصطلح في‬
‫لفظ المنقسم ل يجعله مجمل ً في هذا الموضع ِلتعين حمله‬
‫على اصطلح المتكلمين‪ .‬فهل خفي ذلك على ابن تيمية‬
‫‪314‬‬

‫رحمه الله ؟ كل لم يخف عليه ذلك‪ .‬بل نص على أن ما‬
‫عدده واجتهد في نقده ليس هو مراد الرازي وهو مع ذلك‬
‫منتف باتفاق العقلء‪ .‬ولما وصل إلى اصطلح المتكلمين‬
‫المعنيين بهذا البحث التزم بعد كل هذا التطويل ما ألزمه‬
‫الرازي به بقوله "لوكان منقسما ً كان مركبا ً " وأحال على ما‬
‫تقدم في إبطاله‪ .‬ونسأل لماذا أهمل ما يستحق الذكر وذكر‬
‫ما يستحق الهمال؟ إن من يألف أسلوبه يتسائل هل أحس‬
‫ابن تيمية بضعف ثقته باعتراضاته فاعتمد على الخطابة تارة‬
‫وعلى نفش اعتراضاته بتوجيهها صوب رأي فهمه أو احتمال‬
‫افترضه حتى إذا وصل إلى محل النزاع أجمل أو اختصر أو‬
‫أحال على ما تقدم؟‬
‫ثم إذا كان ابن تيمية رحمه الله سيلتزم ما يلزمه به الرازي‬
‫إن أثبت النقسام الذي علم أنه مراد الرازي فما الذي‬
‫أحوجه إلى المغالطة في غيره؟ خاصة وقد نبهنا أن في‬
‫مغالطته ما هو أصرح بإثبات لوازم الجسم فإن سلم من‬
‫التزام ما يلزم فلم يدفع بهذا التطويل شيئًا‪.‬‬
‫قوله‪ ":‬وتقدم بيان ما في لفظ التركيب والحيز والفتقار‬
‫من الجمال‪ "...‬إلى آخر كلمه‬
‫ً‬
‫ً‬
‫يقال‪ :‬وتقدم أيضا أن الجمال في التركيب نفيا وإثباتا واقع‬
‫في عبارات ابن تيمية رحمه الله إذ ل يفرق بين التركيب‬
‫الخارجي الذي يلزم من تعدد الجزاء والتركيب الذهني الذي‬
‫يلزم من تعدد الصفات‪ .‬فالتركيب الذي نفاه وذكر أنه لزم‬
‫حتى للفلسفة هو التركيب الذهني‪ .‬والكلم في هذا الموضع‬
‫ليس فيه بل في التركيب الخارجي‪ .‬وقد سلم ابن تيمية‬
‫رحمه الله أنه ينافي الوحدة منافاة ظاهرة فقال‪ " :‬فهذا‬
‫المعنى المعروف من لفظ المنقسم منتف باتفاق العقلء‬
‫وهو مناف لن يكون رب العالمين واحدا ً منافاة ظاهرة‪.‬‬
‫وقال‪" :‬وقد يراد بلفظ المنقسم ما يمكن في قدرة الله‬
‫قسمته لكن العباد ل يقدرون على قسمته كالجبال وغيرها‪.‬‬
‫ومن المعلوم أنه ل يجوز أن يقال إن الله يمكن‬
‫‪315‬‬

‫قسمته‪...‬فإنه واحد ل إله إل هو وهذه القسمة تجعله اثنين‬
‫منفصلين كل منهما في حيز آخر‪ ،‬وهذا ممتنع على الله‬
‫وذلك ظاهر ول نزاع بين المسلمين بل بين العقلء في ذلك‬
‫"‬
‫ومن العجيب أن يكون مرة من أفسد الخيالت ومرة ظاهر‬
‫المتناع ول نزاع فيه بين المسلمين بل ول بين العقلء‪.‬‬
‫ثم يقال‪ :‬الذين شنع مذهبهم برميهم بالتعطيل لم ينفوا‬
‫صفة من صفاته إل إذا عدد من صفاته ما ذكر أنهم نفوه هنا‬
‫من الحد والعلو على العرش الذي يستلزم الجهة و جواز‬
‫الشارة الحسية إليه بأنه هناك‪ ،‬فأين دللة قوله تعالى "‬
‫الرحمن على العرش استوى" على أنه عال على العرش‬
‫وأن العرش حد له وأن الشارة الحسية إلى الفوق إشارة‬
‫إليه سبحانه؟ وهل يعقل شيء من ذلك في حق من نفت‬
‫عنه سورة الخلص النقسام والتركيب والتجسد والتجسيم‬
‫والتشبيه والتمثيل كما ذكرت ذلك كله؟‬
‫وأما ما رمى به مخالفه من التناقض فلم يسلم منه ل في‬
‫هذه المسألة ول في غيرها من مسائل هذا البحث التي‬
‫أشرنا إليها‪ .‬ول يحتاج الوقوف على ذلك إلى جهد كبير حتى‬
‫في هذه المسألة تجده يسلم بأن سورة الخلص تستوفي‬
‫الحق من نفي ما هو متنزه عنه من التشبيه والتمثيل ومن‬
‫التركيب والنقسام والتجسيم والتفرق والنقسام والتمزق‬
‫وما يتبع ذلك من تركيب ونحوه‪ .‬وتجده بعد سطور يلتزم‬
‫في ذات الباري سبحانه ما سماه الرازي تأليفا ً وانقساما ً‬
‫وإن لم يكن هو المعروف من التأليف والنقسام بزعمه‪ .‬هذا‬
‫مثال والبقية في ثنايا الكلم على هذه الحجة فنشد على‬
‫يديه رحمه الله في الدعوة إلى تدبر هذا المقام فإنه من‬
‫أعظم الشياء منفعة في أصول الدين‪ .‬ولنتبين ماذا سيصنع‬
‫ابن تيمية رحمه الله عند تعارض الحجج وتفرق الطوائف‬
‫وهل يزيل الجمال في هذه الشبهة التي عدها أص َ‬
‫ل ضلل‬
‫الولين والخرين؟‬
‫‪316‬‬

‫ثم اعترض من وجه آخر فقال‪):‬السؤال الذي أورده وهو أنه‬
‫"لم ل يجوز أن يكون غير منقسم ول يكون بقدر الجوهر‬
‫الفرد بل يكون واحدا ً عظيما ً منزها ً عن التركيب والتأليف‬
‫والنقسام"‪ .‬وهذا ليس قول من ذكره من الكرامية فقط بل‬
‫إذا كان هو قول من يقول إنه فوق العرش وهو جسم فهو‬
‫قول من يقول هو فوق العرش وليس بجسم بطربق الولى‬
‫والحرى‬
‫فإن نفي التركيب والنقسام على القول بنفي الجسم أظهر‬
‫من نفيه على القول بثبوت الجسم فإذن على ما ذكره هذا‬
‫السؤال يورده على كل من يقول إنه فوق العرش ويقول‬
‫مع ذلك إنه ليس بجسم وهذا قول الكلبية وأئمة الشعرية‬
‫وطوائف ل يحصون من الفقهاء وأهل الحديث والصوفية من‬
‫أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد كالقاضي أبي‬
‫يعلي وأبي الوفاء ابن عقيل وأبي الحسن ابن الزاغوني‬
‫وغيرهم بل قد ذكر الشعري أن هذا قول أهل السنة‬
‫وأصحاب الحديث‪..‬وقد تقدم قوله في ذلك وقول غيره‬
‫وهؤلء طوائف عظيمة وهم أجل قدرا ً عند المسلمين ممن‬
‫قال إنه ليس على العرش‪ ،‬فإن نفاة كونه على العرش ل‬
‫)‪(1‬‬
‫يعرف فيهم إل من هو مأبون في عقله ودينه عند المة(‬
‫ف الباري سبحانه بأنه فوق العرش فوقية‬
‫يقال بل وص ُ‬
‫حسية وأنه مع ذلك واحد عظيم منزه عن التركيب هو قول‬
‫الكرامية ومن وافقهم دون من ذكرت‪ .‬ومنشأ المغالطة من‬
‫إجمالك لفظ الفوق والعظمة فمن قال الباري سبحانه فوق‬
‫العرش وهو جسم عظيم حمل الفوقية والعظمة على‬
‫صفات الجسام فيلزمه التركيب والتأليف لزوما ً ل انفكاك‬
‫منه‪ ،‬وأما من نفى الجسم فل تكون العظمة والفوقية عنده‬
‫كفوقية الجسام وعظمتها فل يلزمه لوازم الجسم كالتركيب‬
‫وغيره كما لم يلزمه فوقية الجسام وعظمتها‪ .‬فهذا السؤال‬
‫الذي ذكره الرازي ل يرد على من أثبت فوقية القدرة‬
‫‪ ()1‬تلبيس الجهمية ‪2/63‬‬

‫‪317‬‬

‫والقهر ونفى مع ذلك التجسيم‪ .‬فل يتم لبن تيمية رحمه الله‬
‫ب هذا القول مع أصحاب القول الول ليتكثر‬
‫مُعه أصحا َ‬
‫ج ْ‬
‫بهم في مقابلة حجة التنزيه‪ .‬وتأمل أنه حكى نفي التجسيم‬
‫عن الطوائف والئمة وغيرهم‪.‬‬
‫ثم اعترض على ما أثبت به الفخر الرازي أن المشار‬
‫إليه إما أن تقع الشارة على شيء منه دون شيء فيكون‬
‫مركبا ً أو على تمامه فل يكون عظيما ً وما أورده من السؤال‬
‫والجواب عليه وهو قوله‪..":‬لنا إذا أشرنا إلى نقطة ل‬
‫تنقسم فإما أن يحصل فوقها شيء آخر أو ل يحصل‪ .‬فإن‬
‫حصل فوقها شيء آخر كان ذلك الفوقاني مغايرا ً له‪" ..‬‬
‫فقال‪) :‬يقال له هؤلء قد يقولون ل هو عينه ول هو غيره‬
‫كما عرف في أصولهم أن غير الشيء ما جاز مفارقته له‬
‫وأن صفة الموصوف وبعض الكل ل هو هو ول هو غيره‬
‫فطائفة هذا المؤسس هم ممن يقولون بذلك‪ ،‬وحينئذ فل‬
‫يلزم إذا لم يكن عينه أن يكون مغايرا ً له‪ ..‬ول يفضي إلى‬
‫تجويز أن الجبل شيء واحد‪.‬‬
‫وإذا جاز أن يقولوا إن الموصوف الذي له صفات متعددة هو‬
‫واحد غير متكثر ول مركب ول ينقسم جاز أيضا ً أن يقال إن‬
‫الذي له قدر هو واحد غير متكثر ول مركب ول ينقسم وإن‬
‫كان في الموضعين يمكن أن يشار إلى شيء منه‬
‫)‪(1‬‬
‫ول يكون المشار هو عين الخر(‬
‫والجواب من وجوه‬
‫الوجه الول‪ :‬أن المخالف في هذا الوجه يستجير من التزام‬
‫النقسام والتركيب الذي تقتضيه الشارة الحسية بالتزام‬
‫المقدار وتجويز أن تكون ذات الباري كل ً تشتمل على‬
‫أبعاض وهو أقبح من الول وأصرح منه بالتجسيم وهو‬
‫مخالف لما عليه سلف المة وأئمتها‪.‬‬
‫فالغيرية التي يريد الرازي إلزام مثبت الشارة الحسية‬
‫رحمه الله أن ينكر التزامها‬
‫والتحيز بها أراد ابن تيمية‬
‫‪ ()1‬تلبيس الجهمية ‪2/62‬‬

‫‪318‬‬

‫إذا فسرت الغيرية والعينية بما يطلق مثلها على العلقة بين‬
‫الصفة والموصوف‪.‬‬
‫الوجه الثاني‪ :‬أن ابن تيمية رحمه الله يريد في هذا الوجه‬
‫أن يتخلص من هذا اللزام بما تخلص به أهل السنة من‬
‫التزام تعدد القدماء لما أراد المعتزلة إلزامهم به إذا أثبتوا‬
‫الصفات‪ .‬فقال أهل السنة ل يلزم تعدد القدماء إل إذا‬
‫تغايرت الذات مع الصفات‪ ،‬والصفات هنا ليست عين الذات‬
‫ول غير الذات وفسروا العينية بأن يتحد الثنان بالمفهوم‬
‫بحيث يكون مفهوم أحدهما عين مفهوم الخر بدون تفاوت‬
‫وفسروا الغيرية بجواز النفكاك بين المرين في التعقل‬
‫بحيث يجوز العلم بأحدهما مع الجهل بالخر‪ .‬قالوا ونظير‬
‫ذلك في الجزء مع الكل فمفهوم الجزء ليس هو مفهوم‬
‫الكل‪ ،‬ول يمكن العلم بالجزء من حيث هو جزء بدون العلم‬
‫)‪(1‬‬
‫بالكل‪.‬‬
‫فيقال أما ما يطلق من ذلك على الصفة مع الموصوف فل‬
‫علقة لنا به هنا لن الكلم في الشارة الحسية والشارة‬
‫إلى الصفة إشارة عقلية ل حسية‪ ،‬فتعين ما يراد به في‬
‫العلقة بين الكل وبعضه‪ .‬وإطلق مثلها ل يتم هنا‪ .‬لن الكلم‬
‫هنا في علقة الجزء مع الجزء ل في علقة الجزء مع الكل‪.‬‬
‫فقول القائل الجزء ليس هو الكل ول هو غيره إذا كان‬
‫مقبول ً بالتفسير السابق فل يجري مثله هنا‪ .‬لن الغيرية التي‬
‫ألزم بها الرازي مخالفه هي الغيرية التي اقتضتها الشارة‬
‫الحسية بأن تقع الشارة على شيء منه دون شيء‪ .‬فل يؤثر‬
‫في الحجة الكلم على غير هذه الغيرية نفيا ً أو إثباتًا‪.‬‬
‫على أن اللزام الذي ذكره الرازي ليس مبنيا ً على الكلم‬
‫في الغيرية فيقال الشارة إما أن تقع على تمام المشار إليه‬
‫أو على شيء منه دون شيء فإذا وقعت على تمامه فهو‬
‫الجوهر الفرد الذي ل ينقسم وإن وقعت على شيء منه‬
‫‪ ()1‬انظر حاشية الكلنبوي على الدواني ‪ 1/274‬والباقلني وآراؤه‬
‫الكلمية‪ ،‬د‪ -‬محمد رمضان ‪.484‬‬
‫‪319‬‬

‫دون شيء فهو منقسم بحسب الشارة الحسية وهو‬
‫المطلوب إلزامه‪ .‬وسيأتي نص ابن تيمية رحمه الله على‬
‫تفسيره الغيرية بغير التفسير الذي ألزمه بها الرازي‪.‬‬
‫الوجه الثالث‪:‬قوله‪ ":‬إذا جاز أن يقولوا إن الموصوف الذي‬
‫له صفات متعددة هو واحد غير مركب جاز أيضا أن يقال إن‬
‫الذي له قدر هو واحد غير مركب ول ينقسم وإن كان في‬
‫الموضعين يمكن أن يشار إلى شيء منه ول يكون المشار‬
‫هو عين الخر"‬
‫يقال‪ :‬هذا خلط بين الشارة العقلية والشارة الحسية وخلط‬
‫بين أحكامهما‪ .‬فالشارة إلى الصفات إشارة عقلية ذهنية‬
‫إلى موجود في الذهن‪ .‬والشارة إلى المختص بالحيز‬
‫والجهة إشارة حسية إلى موجود في الخارج‪ .‬والشارة‬
‫الحسية هي التي تستلزم بالضرورة أن يكون المشار إليه‬
‫واحدا ً أو مركبا ً لسيما مع التصريح بأنه ذو مقدار‪ .‬أما‬
‫الشارة العقلية إلى موجود في الذهن فل تستلزم ذلك‪.‬‬
‫ثم إذا أشير إلى صفة من صفاته وقيل لهي غيره ول هي‬
‫عينه و جاز أن يقولوا إن الموصوف الذي له صفات متعددة‬
‫هو واحد غير مركب لم يجز إذا أشير إلى شيء ذي مقدار‬
‫دون شيء منه أن يقال أيضا هو واحد غير متكثر ول مركب‬
‫ول ينقسم‪ ،‬لن الشيء الذي أشير إليه من المشار إليه هنا‬
‫هو بعض المقدار‪ ،‬والمقدار يتركب منه تركيبا ً خارجيا ً يتكثر‬
‫به ويعظم به مقداره ضرورة‪.‬‬
‫والحاصل أن الشارة إلى صفات متعددة ل تقتضي الكثرة‬
‫ول التركيب الخارجي لنها إشارة عقلية ذهنية والموجود في‬
‫الذهن ليساوي الموجود في الخارج في أحكامه فإذا أشير‬
‫إلى شيء من الموجود في الخارج دون الخر لزم التركيب‬
‫الخارجي‪.‬‬
‫وقد تنبه ابن تيمية رحمه الله إلى ما يقتضيه نفي هذه‬
‫الغيرية من نفي التركيب عن جميع الجسام مع أنه خلف‬
‫الشاهد فأجاب عنه وقال‪) :‬فإن قيل فهذا يقتضي أن يكون‬
‫‪320‬‬

‫كل جسم غير مركب ول منقسم والغرض في هذا السؤال‬
‫خلفه فإن هذا السؤال فّرق فيه بين العظيم الشاهد‬
‫والعظيم الغائب وأن الشاهد منقسم بخلف الغائب‪.‬‬
‫قيل هذا الجواب هو مبني على أن غير الشيء ما جاز‬
‫مفارقته له وكل مخلوق فإن الله سبحانه قادر على أن‬
‫يفرق بعضه عن بعض وإذا جاز مفارقة بعضه لبعض جاز أن‬
‫يكون مغايرا ً لبعض كما أن علمه وقدرته لما كان قيامه به‬
‫جائزا ً ل واجبا ً كان عرضا ً أي عارضا ً للموصوف ل لزمًا‪.‬‬
‫والرب تعالى ل يجوز أن يفارقه شيء من صفاته الذاتية ول‬
‫يجوز أن يتفرق بل هو واحد صمد وإذا كان كذلك لم يلزم‬
‫)‪(1‬‬
‫عند هؤلء أن يكون بعضه مغايرا ً لبعض كما أصلوه(‬
‫ويجب التنبيه في هذا السؤال وجوابه على أمرين‬
‫الول أنه رحمه الله تنبه إلى ما في كلمه السابق من نفي‬
‫التركيب عن جميع الجسام مع أنه خلف الضرورة لن‬
‫الجسم في الشاهد مركب‪.‬فلم يجب بما ينفي الجسمية عن‬
‫الباري ليتخلص من هذا السؤال بل سكت عن ذلك‪ ،‬وأجاب‬
‫بما فيه إثبات التبعيض لكنها أبعاض ل تتفرق بزعمه لنه‬
‫صمد‪ .‬وهو بذلك يفسر الصمدية بالصلبة‪ .‬وهي من خواص‬
‫الجسام‪ .‬فتأمل كيف ساوى بين الخالق والمخلوق في‬
‫وقوع الشارة الحسية إلى شيء منه دون شيء‪ ،‬ثم تأمل‬
‫كيف فرق بين الخالق والمخلوق في تسمية ما قعت عليه‬
‫الشارة من المخلوق غيرا‪ ،‬وفي نفي الغيرية عن الشيء‬
‫الذي وقع عليه الشارة من الخالق‪ ،‬ثم تأمل دليل هذا النفي‬
‫وهو كونه تعالى صمدا ل يجوز أن يتفرق!‬
‫الثاني‪ :‬سلمت أن الشارة تقع على شيء منه دون شيء‪،‬‬
‫فهذا الذي وقعت عليه الشارة من الباري سبحانه مع‬
‫الشيء الذي هو دونه ولم تقع عليه الشارة مالعلقة‬
‫بينهما ؟ ومهما اختلفت في تسمية هذه العلقة فقد لزم أن‬
‫الشارة إليه فرقت بين شيئين منه‪ ،‬وهذا هو النقسام‬
‫‪ ()1‬تلبيس الجهمية ‪2/66‬‬

‫‪321‬‬

‫والتركيب‪ .‬ونفي حصول هذه القسمة في ذات الباري‬
‫سبحانه والمنازعة في إطلق لفظ الغير هنا ل يردنا إلى‬
‫التنزيه ول يدفع من الحجة شيئا لن التركيب الذي أحاله‬
‫الدليل يثبت بمجرد جواز وقوع الشارة الحسية إلى شيء‬
‫منه دون شيء آخر‪.‬‬
‫الثالث أنه رحمه الله جعل البعاض صفات ذاتية للباري‬
‫سبحانه‪.‬‬
‫ابن تيمية رحمه الله يعترض بالخوض في شبهة‬
‫من شبه المجسمة‪،‬ويصرح بأنه ل يعني بالقائم‬
‫بنفسه إل ما نعنيه بالجسم اصطلحا‪.‬‬
‫ثم قال رحمه الله في وجه آخر وهو يتحدث عن‬
‫المجسمة‪):‬إنهم قد ألزموا المنازع مثلما ذكره‪ ،‬وقالوا إذا‬
‫كان حيا ً عالما ً قادرا ً ولم يعقل في الشاهد من يكون كذلك‬
‫إل جسما ً منقسما ً مركبا ً وقد أثبته المنازع حيا ً علما ً قادرا ً‬
‫ليس بجسم منقسم مركب فكذلك يجوز أن يكون إذا كان‬
‫عظيما ً وكبيرا ً وعليا ً ولم يعقل في الشاهد عظيم وكبير‬
‫وعلي إل ما هو جسم مركب منقسم لم يجب أن يكون‬
‫جسما ً مركبا ً منقسما ً إل إذا كان وجب أن يكون كل حي‬
‫عليم قدير جسما ً مركبا ً منقسمًا‪ .‬وكذلك يقولون لمن يقول‬
‫إن حياته وعلمه وقدرته أعراض‪ ،‬وكذلك يقول هؤلء لمن‬
‫يسلم إثبات الصفات‪.‬‬
‫فيقال إذا كان القائم بغيره من الحياة والعلم والقدرة وإن‬
‫شارك سائر الصفات في هذه الخصائص ولم يكن عندك‬
‫عرضا ً فكذلك القائم بنفسه وإن شارك غيره من القائمين‬
‫بأنفسهم فيما ذكرته لم يجب أن يكون جسما ً مركبا ً‬
‫منقسمًا‪ ،‬ول فرق بين البابين بحال‪ ،‬فإن المعلوم من‬
‫القائم بنفسه أنه جسم ومن القائم بغيره أنه‬
‫عرض‪ ،‬وأن القائم بنفسه ل بد أن يتميز منه شيء‬
‫عن شيء والقائم بغيره لبد أن يحتاج إلى محله‪ .‬فإذا‬
‫أثبت قائما ً بغيره يخالف ما علم من حال القائم بنفسه في‬
‫‪322‬‬

‫ذلك فكذلك لزمه أن يثبت قائما ً بنفسه يخالف ما علم من‬
‫حال القائمين بأنفسهم‪.‬‬
‫وجماع المر أنه سبحانه قائم بنفسه متميز عن غيره وله‬
‫أسماء وهو موصوف بصفات فإن كان كونه عظيما ً وكبيرا ً‬
‫موجبا ً لن يكون كغيره من العظماء الكبراء في وجوب‬
‫النقسام الممتنع عليه فكذلك كونه حيا ً عالما ً قادرا ً وله حياة‬
‫)‪(1‬‬
‫وعلم وقدرة‪(.‬‬
‫وأصل هذا العتراض مأخوذ من حجج المجسمة وشبههم‬
‫وللمنزهين في الجواب عنها وجوه مشهورة‪ .‬نجمل منها ما‬
‫يكشف منشأ الشبهة‪ ,‬وما يبطلها‪ .‬وننبه على ما صرح به ابن‬
‫تيمية من العظائم في هذا الموضع‪.‬‬
‫الوجه الول ‪ :‬قوله‪" :‬جماع المر أنه سبحانه قائم بنفسه"‬
‫هو جماع الشبهة ومنشأها‪ .‬لنه فسر ما أثبتناه من القيام‬
‫بالنفس بما فسره به المجسم فما ألزمنا به إنما يلزم إذا‬
‫وافقناه في المعنى الذي يريده من لفظ القائم بالنفس‪ .‬وما‬
‫أثبتناه ل يشترك فيه المخلوق والخالق‪.‬فل يلزم ما يلزم‬
‫باشتراكهما في هذا الوصف‪.‬‬
‫ومراد المجسم منه ما يقابل القائم بغيره ويساوي الجسم‪.‬‬
‫وقد ذكر ابن تيمية ذلك فقال "المعلوم من القائم بنفسه أنه‬
‫جسم ومن القائم بغيره أنه عرض"‪ .‬ومرادنا من القائم‬
‫بنفسه إذا وصفنا به الباري سبحانه‪ :‬أنه مستغن في نفسه‬
‫غير مفتقر إلى محل يقوم به‪ ،‬وأن غناه بنفسه ل بغيره ول‬
‫باكتساب‪ .‬وهذا المعنى ل يشارك فيه المخلوق لنه مفتقر‬
‫أبدًا‪.‬‬
‫نصوص يصرح فيها ابن تيمية بأنه ل يعني بالقائم‬
‫بنفسه إل ما نعنيه بالجسم اصطلحا‪.‬‬
‫– قال رحمه الله‪ ):‬فالمثبتة يعلمون بصريح العقل امتناع أن‬
‫يكون موجودا ً معينا ً مخصوصا ً قائما ً بنفسه ويكون مع ذلك ل‬
‫داخل العالم ول خارجه وأنه في اصطلحهم ل جسم ول‬
‫‪ ()1‬المصدر السابق ‪2/67‬‬

‫‪323‬‬

‫عرض ول جسم ول متحيز‪ ،‬كما يعلمون أنه يمتنع أن يقال‬
‫إنه ل قائم بنفسه ول قائم بغيره‪.‬‬
‫فإنك إذا استفسرتهم عن معنى التحيز ومعنى الجسم‬
‫فسروه بما يعلم أنه الموصوف بأنه القائم بنفسه‪ .‬ولهذا ل‬
‫يعقل أحد ما هو قائم بنفسه إل ما يقولون هو‬
‫متحيز وجسم‬
‫فدعوى المدعين وجود موجود ليس بمتحيز ول‬
‫جسم ول قائم بمتحيز أو جسم مثل دعواهم وجود‬
‫موجود ليس قائما بنفسه ول قائما بغيره‬
‫‪...‬ومن قيل له هل تعقل شيئا ً قائما ً بنفسه ليس‬
‫في محل وهو مع هذا ليس بجسم ول جوهر ول‬
‫متحيز ومع هذا إنه ل يجوز أن يكون فوق غيره ول تحته ول‬
‫عن يمينه ول عن يساره ول أمامه ول وراءه وأنه ل يكون‬
‫مجامعا له ول مفارقا له ول قريبا منه ول بعيدا عنه ول‬
‫متصل به ول منفصل عنه ول مماسا له ول محايثا له وأنه ل‬
‫يشار إليه بأنه هنا أو هناك ول يشار إلى شيء منه دون‬
‫شيء ول يرى منه شيء دون شيء ونحو ذلك من الوصاف‬
‫السلبية التي يجب أن يوصف بها ما يقال إنه ليس بجسم‬
‫ول متحيز لقال حاكما ً بصريح عقله هذه صفة‬
‫المعدوم ل الموجود‪ ,‬كما سمعنا ورأينا إنه يقول‬
‫ذلك عامة من يذكر له ذلك من أهل العقول‬
‫الصحيحة الذكية وكما يجده العاقل في نفسه إذا‬
‫تأمل هذا القول وأعرض عما تلقنه من العتقادات السلبية‬
‫وما اعتقده من يعظمها ويعظم قائلها واعتقاده أنهم حرروا‬
‫هذه المعقولت فإن هذه العقائد التقليدية هي التي تصد‬
‫القلوب عما فطرت عليه‪.‬‬
‫وعلى كل تقدير فيجب أن يكون ما ليس بمتحيز إذا كان‬
‫قائما بنفسه أن ل يكون مانعا لغيره أن يداخله وهذا باطل‬
‫قطعا‪ ،‬وإذا كانت القلوب تعلم بالضرورة أن القائم‬
‫‪324‬‬

‫بنفسه مانع لغيره من المداخلة وهذا الحكم مختص‬
‫بالمتحيز علم أنها ل تعلم قائما بنفسه إل المتحيز‪.‬‬
‫علم به أن الموجود‬
‫الوجه السادس أن يقال ما ُ‬
‫الممكن والمحدث ل يكون إل جسما أو عرضا أو ل‬
‫يكون إل جوهرا أو جسما أو عرضا أو ل يكون إل‬
‫متحيزا ً أو قائما بمتحيز أو ل يكون إل موصوفا أو‬
‫ل يكون إل قائما بنفسه أو بغيره ُيعلم به أن‬
‫الموجود ل يكون إل كذلك‪.‬‬
‫فإن الفطرة العقلية التي حكمت بذلك لم تفرق‬
‫فيه بين موجود وموجود ولكن لما اعتقدت أن‬
‫الموجود الواجب القديم يمتنع فيه هذا أخرجته من‬
‫التقسيم ل لن الفطرة السليمة والعقل الصريح‬
‫مما يخرج ذلك‬
‫ونحن لم نتكلم فيما دل على نفي ذلك عن الباري فإن هذا‬
‫من باب المعارض وسنتكلم عليه‬
‫وإنما المقصود هنا بيان أن ما به يعلم هذا‬
‫التقسيم في الممكن والمحدث هو بعينه يعلم به‬
‫التقسيم في الموجود مطلقا‬
‫والمعتزلة ومن اتبعهم الذين يخرجون القديم من هذا‬
‫)‪(1‬‬
‫التقسيم مما اعتقدوه لما اعتقدوه(‬
‫ وقال أيضا‪) :‬وتقدير موجود قائم بنفسه ليس له‬‫صفة ول قدر هو الذي يراد بالكيفية والكمية‬
‫كتقدير موجود ليس قائما بنفسه ول بغيره وهو‬
‫)‪(2‬‬
‫الذي يراد بالعرض والجوهر(‬
‫والحاصل من هذه النصوص أنه ل يعقل ما هو قائم‬
‫بنفسه إل ما يقولون هو متحيز وجسم‪ .‬وتأمل هذه الوصاف‬
‫السلبية التي ل يستطيع بزعمه أن يسلبها عن الباري‬
‫سبحانه أهل العقول الصحيحة الذكية والقلوب التي لم‬
‫‪ ()1‬بيان تلبيس الجهمية ‪338-335 /1‬‬
‫‪ ()2‬المصدر السابق ‪1/342‬‬
‫‪325‬‬

‫تصدها العقائد التقليدية عن ما فطرت عليه‪ .‬وأن القلوب‬
‫بالضرورة ل تعلم قائما بنفسه إل المتحيز‪ .‬وأن الفطرة‬
‫العقلية والفطر السليمة والعقل الصريح تعلم أن الموجود‬
‫الممكن والمحدث ل يكون إل جسما أو عرضا‪ .‬وأن ما به‬
‫يعلم هذا التقسيم في الممكن والمحدث هو بعينه يعلم به‬
‫التقسيم في الموجود مطلقا‪ .‬وتأمل أن القائم بنفسه يشار‬
‫إلى شيء منه دون شيء‪ .‬وتأمل تفسير القائم بنفسه‬
‫بالجوهر وتفسير القائم بغيره بالعرض‪ ،‬وتأمل إثبات القدر‬
‫وتفسيره بالكمية‪.‬‬
‫الوجه الثاني‪:‬‬
‫أن ننبه على أن جماع المر عنده باطل على مذهبه لنه‬
‫مبني على قياس الباري سبحانه على الموجودات وإدخاله‬
‫في قضية واحدة يستوي فيها مع سائر أفراد القائم بنفسه‪.‬‬
‫فما بال ابن تيمية رحمه الله ل يفطن إلى ما قرره من نفي‬
‫القياس الشمولي والنكار على من أدخل الباري في قضية‬
‫كلية مع غيره يستوي فيها مع غيره الفراد‪ .‬إل إذا استعمل‬
‫في إثبات التنزيه‪ ،‬ويرضاه إذا خالفه؟‬
‫الوجه الثالث‪ :‬وهو جواب عن قولك‪" :‬إن كان كونه عظيما ً‬
‫وكبيرا ً موجبا ً لن يكون كغيره من العظماء الكبراء في‬
‫وجوب النقسام الممتنع عليه فكذلك كونه حيا ً عالما ً "‬
‫فيقال‪ :‬ليس كونه عظيما ً وكبيرا ً هو الموجب لن يكون‬
‫كغيره من العظماء الكبراء في وجوب النقسام الممتنع‬
‫عليه‪ .‬بل الذي أوجبه هو كونه عظيما ً وكبيرا ً مشارا ً إليه‬
‫بالحس‪ .‬لن النقسام يلزم من التحيز والكون في الجهة‬
‫بحيث يشار إليه إشارة حسية وليلزم من مجرد الوصف‬
‫بالعظمة‪.‬‬
‫الوجه الرابع ‪:‬‬
‫كيف تجيب عن المجسم إذا عاد عليه هذا الكلم فإنه وإن‬
‫أثبت الجسم لكنه زعم أنه ل كالجسام‪ ،‬وزعم أن مراده به‬
‫‪326‬‬

‬فيقال له‪ :‬ما أثبته إما ان يكون على خلف‬ ‫الشاهد وإما أن يكون على وفقه‪.‬‬ ‫فإن كان موافقا للشاهد فل يمكنك أن تنكر لزوم انقسامه‬ ‫أو لزوم كونه جوهرا ً فردا ً لن كل مشار إليه في الشاهد إما‬ ‫أن يكون منقسما ً مركبًا‪ ،‬وإما أن يكون في غاية الصغر‬ ‫والحقارة‬ ‫وإن كان على خلف الشاهد فلم جوزت الشارة الحسية‬ ‫إليه والكون في الجهة والختصاص في الحيز فل فرق بين‬ ‫جواز النقسام والختصاص بالحيز والجهة بحال لن الجميع‬ ‫من لوازم الجسم في الشاهد فبأي شيء فرقت بين لزم‬ ‫ولزم فنفيت أحدهما وأثبت الخر؟‬ ‫ثم قال في وجه آخر‪) :‬وأما ما ذكره من التقسيم فيقال له‬ ‫إن ما ذكرته من التقسيم يرد نظيره في كل ما يثبت للرب‬ ‫فإنه يقال إذا اشرنا إلى صفة أو معنى أو حكم كعلمه‬ ‫وقدرته أو عالميته وقادريته…ونحو ذلك فإما أن تكون‬ ‫الصفة أو المعنى والحكم الخر هو إياه أو هو غيره‪ ،‬فإن‬ ‫كان هو إياه لزم ان يكون كونه حيا ً هو كونه عالما ً وكونه‬ ‫عالما ً هو كونه قادرا ً وكونه موجودا ً هو كونه فاع ً‬ ‫ل‪ .‬وهذا‬ ‫يفضي إلى تجويز جعل المعاني المختلفة معنى واحدا ً وأن‬ ‫يكون كل عرض وصفة قامت بموصوف صفة واحدة‪ ،‬وهذا‬ ‫شك في البديهيات‬ ‫فهذا نظير ما ألزموه للمنازع فإنه يجب العتراف بثبوت‬ ‫معنيين ليس المفهوم من أحدهما هو المفهوم الخر‪ ،‬وهذا‬ ‫قد قررناه فيما تقدم فإن كان ثبوت هذه المعاني يستلزم‬ ‫التركيب والنقسام كان ذلك لزما ً على كل تقدير‪..‫أنه قائم بنفسه‪ .‬‬ ‫وإن لم يكن مستلزما للتركيب والنقسام لم يكن ما ذكره‬ ‫مستلزما ً للتركيب والنقسام فإن مدار المر على ثبوت‬ ‫شيئين ليس أحدهما هو الخر‪ ،‬وهذا موجود في الموضعين(‬ ‫)‪(1‬‬ ‫‪ ()1‬تلبيس الجهمية ‪2/68‬‬ ‫‪327‬‬ .

‬‬ ‫فليخفى أنه اعتمد في العتراض هنا على الجمال إذ زعم‬ ‫أن مدار المر على ثبوت شيئين ليس أحدهما هو الخر‪،‬‬ ‫وهذا موجود في الموضعين‪ .‬وقد مر الفرق بين الثباتين‪.‬‬ ‫‪328‬‬ ..‬‬ ‫ثم قد يقال في سائر المعاني إنه يجوز وجود أحدهما دون‬ ‫الخر فيجوز حصول الوجود دون الوجوب أو دون الفاعلية أو‬ ‫دون العلم‪.‬والحق أن الموضع الول فيه‬ ‫إثبات صفة غير صفة والموضع الثاني فيه إثبات جزء دون‬ ‫جزء‪ .‬‬ ‫فإن كان المراد بالغيرين هو الول لم يجب أن يكون ما‬ ‫فوق المشار إليه غيره إل إذا جاز وجود أحدهما دون الخر‬ ‫وهذا ممتنع في حق الله تعالى بالتفاق وبأنه واجب الوجود‬ ‫بنفسه على ما هو عليه كماهو مقرر في موضعه‪.‬وسبق أيضا أن‬ ‫الشارة الحسية تستلزم التركيب الخارجي من الجزاء دون‬ ‫الشارة العقلية‪ ،‬وأن تعدد الصفات ليس كتعدد الجزاء‪.‬فل يلزم من الشارة‬ ‫الحسية إلى شيء منه دون شيء ما يلزم من الشارة‬ ‫العقلية إلى صفة دون صفة كما سبق ‪ .‫يقال‪ :‬إن ما ذكرته من التقسيم إنما يرد علي نظيره في كل‬ ‫ما يثبت للرب إذا جازت الشارة الحسية إلى شيء مما‬ ‫أثبته والشارة التي بني عليها هذا الوجه من العتراض‬ ‫إشارة عقلية إلى صفة أومعنى أوحكم‪ .‬‬ ‫وإن كان المراد بالغيرين ما جاز العلم بأحدهما دون الخر‬ ‫كالحساس بأحدهما دون الخر كما ذكره في جواز الشارة‬ ‫إلى نقطة دون ما فوقها‪ ،‬فيقال ل ريب‪ :‬في جواز العلم‬ ‫ببعض المعاني الثابتة لله دون الخر كما قد يعلم وجوده‬ ‫دون وجوبه ويعلم وجوبه دون كونه فاعل ً ويعلم ذلك دون‬ ‫العلم بكونه حيا ً أو عالما ً أو قادرا ً أو غير ذلك‪.‬‬ ‫ثم قررالوجه السابق بوجه آخر فقال‪):‬المراد بالغيرين إما‬ ‫أن يكون ما يجوز وجود أحدهما دون الخر‪ .‬أو ما يجوز العلم‬ ‫بأحدهما دون الخر‪.

‬‬ ‫فمنشأ المغالطة إذن في الشتراك في لفظ الغيرية‪.‬والذي سوغ له ذلك أنه قاس الشارة‬ ‫الحسية إلى شيء من المشار إليه دون شيء على العلم‬ ‫بشيء من المعلوم دون شيء‪ .‬‬ ‫فتسمية ما جاز العلم بأحدهما دون الخر غيرين ليس‬ ‫كتسمية ماجاز الحساس بأحدهما دون الخر غيرين‪ .‬‬ ‫ول يلزم من اشتراكهما في استحقاق الوصف بالغيرية من‬ ‫أحد هذين الطريقين الشتراك في الحكام التي تثبت‬ ‫بالطريقين معا ً فالشارة الحسية غير التصور الذهني وما‬ ‫تستلزمه الشارة الحسية قد ل يستلزمه التصور الذهني‪.‬وسوى بين الغيرية التي‬ ‫تطلق على المعاني بالغيرية التي تطلق على الجزاء‪.‫وإذا كانت المغايرة ثابتة بهذا المعنى على كل‬ ‫تقدير وعند كل أحد ول يصح وجود موجود إل بها‬ ‫وإن كان واحدا ً محضا ً كان بعد هذا تسمية ذلك‬ ‫تركيبا ً أو تأليفا ً أو غير تركيب ول تأليف نزاعا ً‬ ‫)‪(1‬‬ ‫لفظيا ً ل يقدح في المقصود(‬ ‫ويجب التنبيه إلى أن ابن تيمية رحمه الله على عادته يعود‬ ‫بعد تطويل وجدال إلى التزام ما ألزمه به الرازي فيلتزم‬ ‫الشارة إلى نقطة منه دون ما فوقها ويثبت المغايرة بينهما‬ ‫ويزعم أنها ثابتة على كل تقدير وأن تسمية ذلك تركيبا ً‬ ‫وتأليفا ً نزاع لفظي‪ .‬أما ثبوت الغيرية لما جاز‬ ‫الحساس بأحدهما دون الخر فيستلزمه ضرورة كما يقال‬ ‫يد النسان غير رجله مث ً‬ ‫ل‪.‬‬ ‫وجه آخر في العتراض‪:‬‬ ‫ثم قال رحمه الله‪):‬يقال اصطلح هؤلء ‪-‬الذين يقولون‬ ‫واحد يشار إليه بحسب الحس وعظيم غير مركب ول‬ ‫ينقسم‪ -‬أجود فإنه إذا ثبت أن الموجودات تنقسم إلى مفرد‬ ‫‪ ()1‬تلبيس الجهمية ‪69-2/68‬‬ ‫‪329‬‬ .‬‬ ‫وتسوية العلم والتصور الذهني بالشارة الحسية‪.‬وثبوت‬ ‫الغيرية للولين ل يستلزم النقسام والتركيب الخارجي كما‬ ‫يقال العلم غير القدرة مثل‪ .

.‬ويوصف أيضا‬ ‫بالصمدية‪.‫ومؤلف أو إلى بسيط ومركب أو إلى واحد وعدد علم أن‬ ‫في الموجودات ما ليس بمركب ول مؤلف ول عدد‪ ،‬وهذه‬ ‫المعاني ل يخلو منها شيء من الموجودات فعلم أن هذه‬ ‫المعاني ل تنافي كون الشيء واحدا ً ومفردا ً فيما إذا كان‬ ‫مخلوقا ً فكيف ينافي كون الخالق واحدا ً فردا ً غير مركب ول‬ ‫مؤلف فهذا العتبار المعروف الذي فطر الله عليه عباده‪.‬وقد بينا ما يلزم من المحال بإثبات هذه‬ ‫‪ ()1‬تلبيس الجهمية ‪70-2/69‬‬ ‫‪330‬‬ .‬لكن العبد ليس له‬ ‫الكمال الذي يستحقه الله في شيء من صفاته فالله تعالى‬ ‫إذا ُوصف بأنه واحد صمد عالم قادر كان في ذلك على غاية‬ ‫الكمال الذي ل يماثله في شيء منه شيء من الشياء‪.‬‬ ‫لكن إذا كان ما ذكروه من المعاني التي يجعلونه كثرة‬ ‫وعددا ً وتركيبا ً هي ثابته لكل موجود وذلك ل يمنع أن يكون‬ ‫المخلوق واحدا ً فكيف يمنع ذلك أن يكون الله الذي ليس‬ ‫ً )‪(1‬‬ ‫كمثله شيء أحدا(‬ ‫وفي هذا العتراض نظر من وجوه سبقت الشارة إلى‬ ‫بعضها في الحجج السمعية ويقال هنا‪ :‬أول ً‪:‬هذا الوجه فيه‬ ‫مصادرة على المطلوب فإنه زعم أن كل موجود ل يخلو من‬ ‫هذه المعاني وهي التركيب والتأليف‪ .‬ولو سلم ذلك لما وقع‬ ‫نزاع واعتراض‪ ..‬فعلم أن كون الموجود جسما ً ل يمنع أن يكون‬ ‫واحدا ً وأن يكون أحد الجسام وأن يكون صمدا ً كما أن كونه‬ ‫جسما ً ل يمنع أن يكون حيا ً عالما ً قادرًا‪ .‬‬ ‫يوضح هذا ما قد قدمنا أن اسمه الحد ينفي أن يكون له‬ ‫مثل في شيء من الشياء فهو ينفي التشبيه الباطل واسمه‬ ‫الصمد ينفي أن يجوز عليه التفرق والنقسام وما في ذلك‬ ‫من التركيب والتجسد وذلك لنه سبحانه وصف نفسه‬ ‫بالصمدية كما وصف بالحدية وهو سبحانه ليس كمثله شيء‬ ‫في جميع صفاته‪ ،‬بل هو كامل في جميع نعوته كما ل يشبهه‬ ‫فيه شيء فهو كامل الصمدية كما أنه كامل الحدية‪ .‬والواحد‬ ‫من الخلق قد يوصف بأنه واحد‪ .

‬فإنه إذا قيل لو كان مشارا ً إليه بالحس لكان إما‬ ‫منقسما ً أو غير منقسم‪ ،‬أو لو كان فوق العرش لكان إما‬ ‫كذا وإما كذا أو لو كان جسما أو غير ذلك‪ ،‬فلبد في جيمع‬ ‫ذلك من قضية كلية وهو أن كل واحد بهذه المثابة وأن كل‬ ‫ما كان مشارا ً إليه بالحس ل يخرج عن القسمين ‪.‬‬ ‫ثم ذكر ابن تيمية رحمه الله وجها ً في نفي إحالة التركيب‬ ‫الذهني فل يحتاج إليه لن الذي يلزم هنا هو التركيب‬ ‫)‪(1‬‬ ‫الخارجي‬ ‫اعتراض آخر وجوابه‪:‬‬ ‫ً‬ ‫ثم ذكر ابن تيمية رحمه الله وجها آخر يعترض فيه على ما‬ ‫ذكره الفخر الرازي من نفي بناء الحجة على قياس الغائب‬ ‫على الشاهد فقال‪) :‬فيقال له كل برهان قطعي يستعملونه‬ ‫في حق الله فل بد وأن يتضمن نوعا ً من قياس الغائب على‬ ‫الشاهد‪.‬ولبد أن‬ ‫يدخلوا الله تعالى في هذه القضايا العامة الكلية ويحكمون‬ ‫عليه حينئذ بما يحكمون به على سائر الفراد الداخلة في‬ ‫‪ ()1‬انظر تلبيس الجهمية ‪2/73‬‬ ‫‪331‬‬ .‬‬ ‫ثانيًا‪ :‬ما ل يقدح في الوصف بالوحدة التي يوصف بها‬ ‫المخلوق قد يقدح بكمال الوحدة التي ل يماثلها وحدة بوجه‬ ‫من الوجوه‪ ..‬‬ ‫وأيضا الواحد الذي تنتهي إليه الشارة الحسية إن كان له‬ ‫الوحدة من جميع الوجوه وله كمال الوحدة فهو الجوهر‬ ‫الفرد الذي ل يوصف بالعظمة‪ ..‬كما سبق تفصيله‬ ‫ثالثا ً‪ :‬يقال أيضا انتهاء الشارة الحسية إلى واحد عظيم ل‬ ‫تنافي الوحدة الشخصية وإنما تنافي كمال الوحدة الحقيقية‪.‬وإن كان منتهى الشارة‬ ‫الحسية إلى واحد من وجه فنصيبه من الوحدة ليس كمالها‬ ‫فيجوز أن يوصف بالوحدة لكثرة مقداره وأجزائه‪ .‬فالمخلوق هو المختص‬ ‫بجواز التركيب والتأليف‪.‬والحاصل‬ ‫أن الشارة الحسية تستلزم التفريط بكمال أحد الوصفين‬ ‫إما الوحدة وإما العظمة‪.‫المعاني في حق الباري سبحانه‪ .

.‬‬ ‫وهذا كلم في غاية النصاف لمن فهمه فإنا لم نقل إن هذا‬ ‫البرهان باطل لكن قلنا صحة مثل هذا البرهان مستلزم‬ ‫صحة مذهب المنازع الذي يقول إنه خارج العالم ويمتنع‬ ‫وجود موجود ل داخل العالم ول خارجه فإن كان البرهان‬ ‫صحيحا صح قوله إنه فوق العرش‬ ‫‪332‬‬ .‬‬ ‫فإن جاز أن يثُبت الغائب على خلف ما ُيعقل بطل هذا‬ ‫البرهان وكان لمنازعه أن يثبت واحدا ً عظيما ً مشارا ً إليه‬ ‫منزها ً عن التركيب‪ ،‬وإن كان ذلك على خلف ما يعقل من‬ ‫معنى العظيم المشار إليه‪.‫تلك القضية ويشركون بينها وبينه في ذلك‪ ،‬ومشاركته لتلك‬ ‫الفراد في ذلك الحكم المطلق والمعلق على شرط‬ ‫مشابهته لها في ذلك هو القياس بعينه‪.‬فقول القائل "لو‬ ‫كان عظيما ً مشارا ً إليه لكان منقسما ً لنا ل نعلم عظيما ً إل‬ ‫كذلك أو ل نعقل عظيما ً إل كذلك" هو كقوله "لن كل عظيم‬ ‫فإذا أشرنا فيه إلى نقظة فإما أن تكون هي ما فوقها وتحتها‬ ‫أو ل تكون هي ذلك" فإنه من الموضعين لبد أن يتصور‬ ‫عظيما ً مطلقا ً مشارا ً إليه ويشرك بين العظيم الشاهد‬ ‫المشار إليه والعظيم الغائب المشار إليه في ذلك…‬ ‫ومتى لم يعقل العظيم المشار إليه إل كذلك فالبرهان‬ ‫الشمولي إنما هو بناء على ما تصوره المستدل به وعقله‬ ‫من معنى العظيم المشار إليه فإن فرضية النقطة في ذلك‬ ‫العظيم المشار إليه وقوله إما أن تكون هي الخرى أو ل‬ ‫تكون إنما فرض ذلك وقدره فيما عقله وعلمه وارتسم في‬ ‫ذهنه وهو الذي يعقله من معنى العظيم المشار إليه‪.‬‬ ‫وإن كان ل يثبت الغائب إل على ما يعقل من معنى العظيم‬ ‫المشار إليه بطلت مقدمة الكتاب وبطل قوله بإثبات موجود‬ ‫ل داخل العالم ول خارجه وبإثبات موجودين ليس أحدهما‬ ‫متصل ً بالخر ول منفصل ً عنه‪.

‫وإن كان البرهان باطل ً لم يدل على أنه ليس فوق العرش(‬ ‫)‪(1‬‬ ‫والجواب من وجوه‪:‬‬ ‫الول‪ :‬أن نسلم أن لمنازع الفخر الرازي أن يثبت واحدا ً‬ ‫عظيما ً منزها ً عن التركيب‪ ،‬بل هو مطلوبنا أما إثبات كونه‬ ‫متحيزا ً و مشارا ً إليه بالحس فكيف الطريق إلى إثباته مع‬ ‫جواز أن يثبت الغائب على خلف الشاهد؟‬ ‫الثاني‪ :‬أن ما وصفه بغاية النصاف هو غاية التناقض لنه‬ ‫بدليل واحد أثبت متناقضين‬ ‫فإن كان البرهان صحيحا ً صح قوله إنه فوق العرش كفوقية‬ ‫الشاهد التي قيس عليها وهي تقتضي التحيز والجهة‬ ‫والتجسيم والتشبيه‪ .‬‬ ‫الثالث‪ :‬يقال للمثبت‪ :‬الغائب هو الغائب عن الحس وأنت‬ ‫جعلته قابل ً للشارة الحسية غير غائب عنها ثم أردت تغييبه‬ ‫ليسلم لك إثبات ما ألحقت الباري به بالمحسوس الشاهد‪.‬وإن كان البرهان باطل ً انقطع طريق‬ ‫إثبات كونه فوق العرش‪ ،‬لنه ل يثبت إل بقياس الستواء في‬ ‫الغائب على الستواء في الشاهد‪.‬ولم يقل إنه باطل بل ألزم بصحته إذا‬ ‫صح هذا البرهان‪ .‬‬ ‫فإن كان مثل هذا القياس حجة فأجب عن اللزام‪ ،‬وإن لم‬ ‫يكن حجة فبم أثبت التحيز والشارة الحسية والكون في‬ ‫الجهة ؟‬ ‫ً‬ ‫الرابع يقال للمثبت أيضا‪ :‬الغائب ليس كمثل الشاهد فهل‬ ‫تسلم بذلك؟ فإن سلمت فل طريق لثبات لوازم الجسم‬ ‫وإن لم تسلم فل يصح اعتراضك على الرازي‪.‬‬ ‫أويقال أيضا‪ :‬الغائب ليس كمثل الشاهد فيكفي إذن في‬ ‫نفي اتصاف الباري بصفة ما أن أثبت اتصاف الشاهد بها إذ‬ ‫ل يماثل الغائب الشاهد في صفة من صفاته‪ ،‬وفي الشاهد‬ ‫كل عظيم يقبل الشارة الحسية إليه مركب من الجزاء‪،‬‬ ‫والعظيم سبحانه ل يماثل الشاهد في صفة من صفاته‪ ،‬ول‬ ‫‪ ()1‬تلبيس الجهمية ‪76-2/74‬‬ ‫‪333‬‬ .

‬وإذا احتج المنزه ببرهان‬ ‫يتضمن نوعا ً من هذا القياس اعترض المثبت على حجية‬ ‫هذا القياس مظهرا ً البراءة منه‪ .‬‬ ‫‪334‬‬ .‬‬ ‫فمثل ً بأي وجه أو دليل إذا سمع المثبت قول الله عز وجل‬ ‫)الرحمن على العرش استوى()‪ (1‬أثبت العلو على العرش‬ ‫علوا ً حسيا ً حقيقيا ً وإذا سمع قول الله عز وجل‪) :‬وهو القاهر‬ ‫فوق عباده()‪ (2‬أثبت الفوقية الحقيقية والشارة الحسية إليه‬ ‫والجهة والتحيز؟ بأي شيء إن لم يكن بقياس استواء‬ ‫الغائب وفوقيته على قياس الشاهد وفوقيته؟‬ ‫أما المنزه فإما أن يكون قد اختار مذهب التفويض فأمسك‬ ‫كل المساك عن التصرف في النص تفسيرا ً أو ترجمة أو‬ ‫اشتقاقا فضل ً عن القياس المذكور وإما أن يختار التأويل‬ ‫‪ ()1‬الية )‪ (5‬من سورة طه‪.‬ثم يلوم المنزه لنه يدخل الله تعالى‬ ‫في القضايا العامة الكلية ويحكم عليه حينئذ بما يحكم به‬ ‫على سائر الفراد الداخلة في تلك القضية ويشرك بينها‬ ‫وبينه في ذلك ويشنع عليه في غير هذا الموضع بأكثر من‬ ‫ذلك إذ يلزمه بالتعطيل أو التشبيه حتى أنه يصور المنزه‬ ‫ت معه يبصره لئل‬ ‫قاعدا ً يقيس الغائب على الشاهد والمثب َ‬ ‫ينتهي به المر إلى التعطيل‪ .‬‬ ‫الخامس‪ :‬في كلم ابن تيمية رحمه الله شيء من المغالطة‬ ‫إذ يصور في صدر اعتراضه مذهب التنزيه قائما ً على قياس‬ ‫الغائب على الشاهد‪ .‬‬ ‫‪ ()2‬الية )‪ (18‬من سورة النعام‪.‬والحق أن مذهب التجسيم‬ ‫قائم على هذا القياس‪ ،‬ول يثبت المجسم شيئا ً من لوازم‬ ‫الجسم إل بهذا القياس الذي هو أصل مذهبه فل يستساغ‬ ‫منه أن يعترض على أصل مذهبه ويقدح في حجيته إذا‬ ‫اعُترض عليه بنحو قياسه‪ ،‬هذا إذا سلمنا أن كل برهان‬ ‫يستعمله المنزه لبد فيه من نوع قياس للغائب على‬ ‫الشاهد‪.‫يوصف بقبول الشارة إليه بحسب الحس ول يوصف‬ ‫بالتركيب‪.

‬فيكون‬ ‫بمجرد عده متحيزا ً فردا ً من الفراد الداخلة في القضية‬ ‫التي تقول كل متحيز إما أن يكون منقسما ً أو يكون جوهرا ً‬ ‫فردًا‪ .‬ول ينجيه من ذلك أن يقول المشار إليه الذي لبد أن‬ ‫يكون منقسما ً أو فردا ً هو ما في الشاهد من المشار إليه‬ ‫دون الغائب وقياس الغائب على الشاهد ل يجوز‪ ،‬لنه يقال‬ ‫له‪ :‬آلن وقد أثبت لله ما لم يثبته لنفسه ول أثبته له رسوله‬ ‫وقفوت ما ليس لك به علم ؟ وأنى لك أن تكتسب علما ً ل‬ ‫يكون من الحس مصدره وعليه قياسه‪ .‬وأما المنزه فيكفيه‬ ‫أن يتمسك بقوله تعالى )ليس كمثله شيء( لينفي كل لوازم‬ ‫الجسم وخصائصه لنه داخل في عموم مادلت الية على‬ ‫نفيه‪.‬‬ ‫ولو سلمنا أن المنزه لبد أن يدخل الله تعالى قضية عامة‬ ‫كلية ويحكم عليه بما يحكم به على سائر الفراد الداخلة في‬ ‫تلك القضية فكيف تنكر عليه وقد التزمت أن الباري نوع من‬ ‫أنواع جنس ذوات المقدار؟‬ ‫‪335‬‬ .‬‬ ‫فإن قيل القياس ثابت ضمن التنزيه الذي هو ركن من‬ ‫أركان التفويض وهو الدافع إلى التأويل أيضًا‪ .‬فالجواب أن‬ ‫أهل التنزيه أطالوا النظر في الشاهد وتفكروا في ملكوت‬ ‫السموات والرض ووجدوا أن كل ما في الشاهد جسم أو‬ ‫قائم بالجسم‪ ،‬ولكل منهما أحكام ولوازم فكل جسم متحيز‬ ‫وكل متحيز يمكن الشارة إليه بحسب الحس أنه هنا أو‬ ‫هناك وكل ما يشار إليه بالحس إما أن يكون منقسما ً وإما‬ ‫أن يكون في غاية والصغر والحقارة وما إلى ذلك من‬ ‫الحكام والقضايا الكلية التي تثبت في الشاهد فإذا أثبت أحد‬ ‫ممن ل يحيط بالله علما ً ما لم يصف الله به نفسه ول وصفه‬ ‫به رسوله بأن قال مثل ً هو متحيز يشار إليه بحسب الحس‬ ‫يكون بذلك قد أدخل الباري سبحانه مع أفراد المتحيز‬ ‫وأدخله في القضايا الكلية التي يدخل فيها كل متحيز‪ .‫الذي عده ابن تيمية رحمه الله تعطيل ً ونفيا ً فليس فيه‬ ‫إدخال الباري في قضية أص ً‬ ‫ل‪.

‬‬ ‫ومتى بطلت كان قول منازعك معلوما ً بالبديهة والفطرة‬ ‫الضرورية التي ل معارض لها حيث لم يعلم فسادها إل إذا‬ ‫بطل حكم العقل الذي به تعرف الجسمانيات في أمر‬ ‫الربوبية‬ ‫وإن كان هذا الدليل لما أنه متعلق بالجسمانيات ل يجوز‬ ‫الستدلل بمثله في أمر الربوبية فقد بطل هذا الدليل ولم‬ ‫يكن لك طريق إلى فساد قول من يقول إنه فوق العالم‬ ‫وفوق العرش وأنه مع ذلك ليس بمركب ول مؤلف أو يقول‬ ‫)‪(2‬‬ ‫ليس بجسم كما ذكرنا القولين فيما تقدم(‬ ‫ويقال في الجواب قولك‪" :‬وجود موجود ل داخل العالم‬ ‫ول خارجه ممتنع" هذا هو العقل الذي اهتديت به إلى معرفة‬ ‫الجسمانيات فإن الكلم في الدخول والخروج والشارة‬ ‫‪ ()1‬أساس التقديس ‪14‬‬ ‫‪ ()2‬تلبيس الجهمية ‪76-2/75‬‬ ‫‪336‬‬ ..‫تقريره في وجه آخر‪:‬‬ ‫ثم قرر الوجه السابق في وجه آخر فقال‪) :‬يقال ما قاله‬ ‫المنازع في مقدمة الكتاب مثل قوله" النسان إذا تأمل في‬ ‫أحوال الجرام السفلية والعلوية وتأمل في صفاتها فذلك له‬ ‫قانون فإذا أراد أن ينتقل منها إلى معرفة الربوبية وجب أن‬ ‫يستحدث لنفسه فطرة أخرى ومنهجا ً آخر وعقل ً آخر بخلف‬ ‫)‪(1‬‬ ‫العقل الذي اهتدى به إلى معرفة الجسمانيات‪".‬‬ ‫فيقال له قولك "إذا أشرنا إلى نقطة ل تنقسم فإما أن‬ ‫يحصل فوقها شيء آخر أو ل يحصل" هذا هو العقل الذي‬ ‫يهتدي به إلى معرفة الجسمانيات‪ ،‬فإن الكلم في النقطة‬ ‫والخط وما يتبع ذلك من علم الهندسة وهو متعلق بمقادير‬ ‫الجسام فإن كان مثل هذا الدليل حقا ً في أمر الربوبية‬ ‫بطلت تلك المقدمة التي قررت فيها أنه ل ينظر في المور‬ ‫اللهية بالعقل الذي به تعرف الجسمانيات‪.‬‬ ‫وإذا بطلت صح قول منازعك وجود موجود ل داخل العالم‬ ‫ول خارجه ممتنع‪.

‬‬ ‫وإذا بطلت كان قول منازعك معلوما ً بقواطع التنزيه من‬ ‫العقل إن قبل المنازع التحاكم إليه وبقواطع السمع إن تعذر‬ ‫عليه التحاكم إلى العقل فليلق السمع وهو شهيد‪.‬‬ ‫فقول القائل إذا كان فوق العرش فإما أن يكون منقسما ً‬ ‫‪337‬‬ .‬‬ ‫والدليل الذي ثبت به التجسيم ِلما أنه متعلق بالجسمانيات‬ ‫يجوز الستدلل بمثله في إفساد القول بالجهة والتحيز‬ ‫والشارة الحسية‪ .‬‬ ‫ثم ل يتوقف بطلن التجسيم على الدليل الذي ثبت به‬ ‫فحسب بل قواطع السمع والعقل متواردة على تنزيه الله‬ ‫عن الجسمية ولوازمها‪..‬‬ ‫ثم لغرض في إفساد قول من قال فوق العرش وليس‬ ‫بجسم أو ليس بمركب إل إذا أثبت لزما ً من لوازم الجسم‬ ‫كالشارة الحسية إليه بأنه هناك في جهة الفوق‪.‬‬ ‫فإن جاز دفع هذه بأن يقال حقيقة الرب على خلف ما‬ ‫يعقل من الحقائق وأمره ثابت على حكم الحس والخيال‪.‬فإبطال التجسيم يحصل بالدليل الذي‬ ‫أثبته إن كان هذا الدليل مقبول ً في أمر الربوبية‪ ،‬وإن لم‬ ‫يكن مقبول ً فل طريق إلى إثبات أنه فوق العالم وفوق‬ ‫العرش على ما يستلزم التجسيم‪.‫الحسية والجهة والحيز متعلق بمقادير الجسام‪ ،‬فإن كان‬ ‫مثل هذا الدليل حقا ً في أمر الربوبية صح قول منازعك في‬ ‫النقطة وبطلت تلك المقدمة التي قررت فيها امتناع وجود‬ ‫موجود ل داخل العالم ول خارجه‪.‬‬ ‫ثم وضح ابن تيمية رحمه الله الوجه السابق بوجه آخر‬ ‫فقال‪:‬‬ ‫)يوضح ذلك الوجه الثاني عشر وهو أن علوه وكوَنه فوق‬ ‫العرش هو صفة من صفاته سبحانه وتعالى‪ ،‬والعلم والقول‬ ‫في صفات الموصوف يتبع العلم والقول في ذاته‪ ،‬فإن كان‬ ‫مثل هذا الدليل حجة في صفاته نفيا ً وإثباتا ً كان حجة مثله‬ ‫حجة في ذاته نفيا ً وإثباتا ً لن العلم بالصفة بدون العلم‬ ‫بالموصوف محال‪.

‬وكون الشيء الذي‬ ‫فوق غيره والذي يشار إليه بالحس لبد أن يكون منقسما ً أو‬ ‫ً )‪(1‬‬ ‫حقيرا ً هو من حكم الحس والخيال قطعا(‬ ‫ويقال في الجواب‪ :‬إنما النزاع في علو الله سبحانه وكونه‬ ‫فوق العرش مع ما يذكر في تفسير ذلك بالختصاص بالحيز‬ ‫والجهة والشارة الحسية‪ ،‬ولوسلم لك لما حصل النزاع فأين‬ ‫الدليل على الختصاص بالحيز والجهة والشارة الحسية؟‬ ‫وإن كان علوه سبحانه صفة من صفاته سبحانه وتعالى‬ ‫والعلم والقول في صفات الموصوف يتبع العلم والقول في‬ ‫ذاته فمن أين ألزمت بالشارة الحسية فإن كان مثل هذا‬ ‫الدليل الذي جعلت به الشارة الحسية من لوازم قوله‬ ‫)الرحمن‪ ،‬وفوق عباده( حجة في صفاته نفيا ً وإثباتا ً كان‬ ‫حجة مثله حجة في ذاته نفيا ً وإثباتا ً فيلزم أن يكون منقسما ً‬ ‫بحسب الشارة الحسية أو فردًا‪ .‬فإن جاز دفع هذه بأن يقال‬ ‫حقيقة الرب على خلف ما يعقل من الحقائق وأمره ثابت‬ ‫على حكم الحس والخيال فقول القائل إذا كان قوله‪ " :‬وهو‬ ‫القاهر فوق عباده" وقوله‪" :‬الرحمن على العرش استوى"‬ ‫يجوز الشارة الحسية والختصاص بالحيز أولى بالدفع بأن‬ ‫يقال حقيقة الرب على خلف ما يعقل من الحقائق وأمره‬ ‫ثابت على خلف حكم الحس والخيال‬ ‫وكون كل شيء قيل إنه فوق غيره يصح أن يشار إليه‬ ‫بالحس هو من حكم الحس والخيال قطعا ً لن من المخلوق‬ ‫ما يوصف بالفوقية ل بمعنى الختصاص بالحيز والشارة‪.‬‬ ‫‪ ()1‬تلبيس الجهمية ‪77-2/76‬‬ ‫‪338‬‬ .‫مركبا ً وإما أن يكون بقدر الجوهر الفرد أولى بالدفع بأن‬ ‫يقال حقيقة الرب على خلف ما يعقل من الحقائق وأمره‬ ‫ثابت على خلف حكم الحس والخيال‪ .‬‬ ‫أما الحكم على الشيء الذي يكون فوق غيره فوقية تستلزم‬ ‫أن يشار إليه بالحس بأنه لبد أن يكون منقسما ً أو حقيرا ً‬ ‫م إليه إشارةُ‬ ‫فهذا من حكم الحس الذي أوجب التحاك َ‬ ‫المثبت إليه بالحس‪.

‬‬ ‫ودليل ذلك أن جميع فطر بني آدم السليمة تنكر ذلك أعظم‬ ‫من إنكار هذا‪ ،‬وأن المخالفين لك في ذلك أعظم من‬ ‫المخالفين لك في هذا‪ ،‬فإن كون الرب فوق العالم أظهر‬ ‫في فطر الولين والخرين من كونه يرى بل العلم بالرؤية‬ ‫عند كثير من المحققين إنما هو سمعي محض أما العلم بأنه‬ ‫‪339‬‬ .‬‬ ‫أحدهما إثبات موجود ل في شيء من الجهات ول داخل‬ ‫العالم ول خارجه ولهذا كان عامة السليمي الفطرة على‬ ‫إنكار ذلك‪.) :‬إنك وسائر الصفاتية‬ ‫تثبتون رؤية الرب بالبصار ‪ ،‬ثم إنك وطائفة معك تقولون‬ ‫إنه يرى ل في جهة ول مقابل ً للرائي ول فوقه ول في شيء‬ ‫من جهاته الست‪ .‬وجمهور عقلء بنى آدم من مثبتة‬ ‫الصفاتية ونفاتها يقولون إن فساد هذا معلوم‬ ‫بالبديهة والحس‪ ..‬‬ ‫ثم قرره في وجه آخر فقال‪ .‫على أن ابن تيمية رحمه الله قد سلم في نهاية اعتراضه‬ ‫بأن العقل يوجب العتراف بكون المشار إليه بحسب الحس‬ ‫فيه ما يسميه الرازي تأليفا ً وانقساما ً بالمعنى الذي يريده‬ ‫الرازي وزعم أنه ل يدخل في ما يتنزه عنه الباري من‬ ‫المعروف من معاني التألبف والنقسام‪.‬‬ ‫والثاني إثبات رؤية هذا بالبصار فإن هذا يخالفك فيه من‬ ‫وافقك على الول فإن كونه موجودا ً أيسر من كونه مرئيا ً‬ ‫فإذا كنت تجوز رؤية شيء بالبصار ل مقابل للرائي ول في‬ ‫شيء من جهاته الست فكيف تنكر وجود موجود فوق العالم‬ ‫وليس بمركب ول بجزء حقير وهو)وجود موجود فوق العالم‬ ‫وليس بمركب ول بجزء حقير( إنما فيه إثبات وجوده على‬ ‫خلف الموجود المعتاد من بعض الوجوه وذاك فيه إثباته‬ ‫على خلف الموجود المعتاد من وجوه أعظم من ذلك‪.‬ومن المعلوم أن كونه فوق العرش غير‬ ‫منقسم ول حقير أظهر في العقل من كونه مرئيا ً بالبصار ل‬ ‫في شيء من الجهات الست فإن هذا مبني على أصلين‬ ‫كلهما تدفعه بديهية العقل والفطرة‪.

‬‬ ‫والثاني إثبات رؤية الباري منزها ً عن لوازم رؤية الجسام‪.‬فما موقف الصديق أحمد لو‬ ‫‪ ()1‬تلبيس الجهمية ‪77-2/76‬‬ ‫‪340‬‬ .‬‬ ‫وهل يعد في العقلء من كان إثبات الفوقية الحسية‬ ‫والشارة إلى شيء منه دون شيء مع نفي النقسام أظهر‬ ‫في عقله من كونه مرئيا ً ل في شيء من الجهات الست‪.‬‬ ‫ويشهد ابن تيمية رحمه الله على أن العقل والفطرة يدفعان‬ ‫بالبديهة عنده أصلين‪:‬‬ ‫أحدهما إثبات موجود ل في شيء من الجهات ول داخل‬ ‫العالم ول خارجه‪.‬‬ ‫الوجه الثاني‪:‬‬ ‫أنه رحمه الله يعيب على مخالفيه الجمال وكم يجمل في‬ ‫مثل هذه اللفاظ ويتترس بهذا الجمال فقوله "ومن‬ ‫المعلوم أن كونه فوق العرش غير منقسم ول حقير أظهر‬ ‫في العقل" مسلم لكنه يريد بالفوقية الحقيقية التي تستلزم‬ ‫الجسمية والنقسام‪ ،‬وما يصرح بنفيه من النقسام ليس هو‬ ‫الذي يلزم من الفوقية الحقيقية‪.‫فوق العالم فإنه فطري بديهي معلوم بالدلة العقلية وأما‬ ‫)‪(1‬‬ ‫دللة النصوص عليه فل يحصيها إل الله(‬ ‫والجواب من وجوه‪:‬‬ ‫الوجه الول‪ :‬يقال عزوه ماذكر إلى جمهور عقلء بنى آدم‬ ‫من مثبتة الصفاتية ونفاتها تهويل ظاهر‪ ،‬أما مثبتة الصفات‬ ‫من غير المسلمين فإن ظفر بنقل عنهم فل تضر مخالفتهم‪،‬‬ ‫وأما المثبتة من الفرق السلمية فلم يخالف فيه إل‬ ‫المعتزلة الذين ل يعبأ ابن تيمية بمخالفتهم‪ ،‬والكرامية الذين‬ ‫ل يعبأ المنزه بمخالفتهم‪.‬‬ ‫الوجه الثالث‪ :‬يقال هذه من حجج المجسمة المبتدعة وقد‬ ‫خالفت بحكاية شبهتهم مذهب الصديق أحمد بن حنبل الذي‬ ‫أنكر على الحارث المحاسبي ردوده على المبتدعة لنه ل‬ ‫يتم إل بحكاية شبهتهم قبل نقضها فليأمن أن يطلع أحدهم‬ ‫على الشبهة دون الجواب‪ .

‫وقف على اعتراض ابن تيمية رحمه الله على أدلة التنزيه‬ ‫بذكر معظم شبه المجسمة دون الرد عليها؟‬ ‫الوجه الرابع‪:‬‬ ‫إثبات رؤية شيء بالبصار ل مقابل الرائي ول في شيء من‬ ‫جهاته الست ليستحيل عقل ً بل عادة‪ .‬ول‬ ‫يبقى وجه لما أطلت فيه من العتراض والرغبة في اللزام‬ ‫إذا أثبتنا الرؤية بالقلب‪ ،‬وحتى من أثبت البصار محل ً للرؤية‬ ‫فليس مراده بذلك الرؤية التي تثبتها وتثبت معها لوازم‬ ‫الجسم وتشترط لها ما يشترط لرؤيته‪ ،‬ول بد من تحرير‬ ‫المراد من الرؤية التي يثبتها المنزهون لن ابن تيمية رحمه‬ ‫الله بنى كثيرا ً من وجوه العتراض على فهمه أن المنزهين‬ ‫وافقوه في إثبات الرؤية على إثباتها بالمعني الذي أثبته هو‪،‬‬ ‫‪ ()1‬أخرج المام مسلم في صحيحه ‪ (175) 158 /1‬عن ابن عباس‪.‬ثم إنما يستحيل عقل ً‬ ‫ة الجسم بالبصار ل مقابل للرائي ول في شيء من‬ ‫رؤي ُ‬ ‫جهاته الست أما ما ل يكون في شي من الجهات ول يختص‬ ‫بشيء من لوازم الجسم فل نسلم أن رؤيته تستلزم ما قد‬ ‫تستلزمه رؤية الجسم؟‬ ‫الوجه الخامس‪:‬‬ ‫الحاكم الذي يحكم بأن إثبات الرؤية المذكورة وأن الوجود َ‬ ‫المذكور يقتضي إثبات جواز الشارة والحيز والمقابلة‬ ‫والجهة هو الحس وقد استبعدناه في المسألتين‪ ،‬وانفرد‬ ‫العقل بتأييد الشرع نفيا ً وإثباتًا‪ .‬وإنما يتم استبعادك إذا‬ ‫التزمنا بالحاكم الذي ح ّ‬ ‫كمته في المسألتين وهو الحسي لنه‬ ‫ة والشارة والحيز وينفي‬ ‫هو الذي يثبت بالفوقية الجه َ‬ ‫حصول الرؤية بل مقابلة وجهة‪.‬‬ ‫الوجه السادس‪:‬‬ ‫قولك‪" :‬إن سائر الصفاتية يثبتون رؤية الرب بالبصار غير‬ ‫مسلم" فإن في السلف والخلف من يثبت رؤيته تعالى‬ ‫بالقلب دون البصار)‪ (1‬فل يلزم بإثبات الرؤية ما ذكرت‪ .‬‬ ‫وانظر صحيح ابن حبان ‪(57)253/ 1‬‬ ‫‪341‬‬ .

‫فإذا توضح أن أهل التنزيه لم يثبتوا الرؤية التي أثبتها ابن‬ ‫تيمية رحمه الله كفانا ذلك مساوقته في التطويل في وجوه‬ ‫اعتراض كلها مبنية على وهمه‪.‬‬ ‫يقول المام الغزالي رحمه الله‪):‬إنما أنكر الخصم الرؤية‬ ‫لنه لم يفهم ما نريده من الرؤية ولم يحصل معناها على‬ ‫ة تساوي الحالة التي يدركها‬ ‫التحقيق‪ ،‬وظن أنا نريد بها حال ً‬ ‫الرائي عند النظر إلى الجسام واللوان‪ ،‬وهيهات فنحن‬ ‫نعرف باستحالة ذلك في حق الله سبحانه‪ ،‬ولكن ينبغي أن‬ ‫نحصل معنى هذا اللفظ في الوضع المتفق عليه ونسكبه ثم‬ ‫نحذف منه ما يستحيل في حق الله سبحانه وتعالى فإن كان‬ ‫حل في حق الله سبحانه وتعالى‬ ‫من معانيه معنى لم يست ِ‬ ‫وأمكن أن ُيسمى ذلك المعنى رؤية حقيقية أثبتناه في حق‬ ‫الله سبحانه وقضينا بأنه مرئي حقيقة‪ ،‬وإن لم يمكن إطلق‬ ‫اسم الرؤية عليه إل بالمجاز أطلقنا اللفظ عليه بإذن الشرع‬ ‫واعتقدنا المعنى كما دل عليه العقل‪.‬وأما المتعّلق بعينه فليس ركنا ً في إطلق هذا‬ ‫ة‬ ‫ت هذه الحقيقة‪ ،‬فإن الرؤية لو كانت رؤي ً‬ ‫السم وثبو ِ‬ ‫ة‪ ،‬ولو كان‬ ‫لتعلقها بالسواد لما كان المتعلق بالبياض رؤي ً‬ ‫ة‪ ،‬ولو كان‬ ‫لتعلقها باللون لما كان المتعلق بالحركة رؤي ً‬ ‫‪342‬‬ .‬‬ ‫وتحصيله أن الرؤية تدل على معنى له محل وهو العين وله‬ ‫متعّلق وهو اللون والقدر والجسم وسائر المرئيات‪ .‬فلننظر‬ ‫إلى حقيقة معناه ومحله وإلى متعلقه ولنتأمل أن الركن من‬ ‫جملتها في إطلق السم ماهو؟‬ ‫فنقول أما المحل فليس بركن في صحة هذه التسمية فإن‬ ‫الحالة التي ندركها بالعين من المرئي لو أدركناه بالقلب أو‬ ‫بالجبهة مثل ً لكنا نقول قد رأينا الشيء وأبصرناه وصدق‬ ‫كلمنا لن العين محل وآلة ل تراد لعينها بل لتحل فيه هذه‬ ‫الحالة فحيث حلت الحالة تمت الحقيقة وصح السم‪ ،‬ولنا أن‬ ‫نقول‪ :‬عِلمنا بقلبنا إن أدركنا الشيء بالقلب‪ ،‬أو بالدماغ إن‬ ‫أدركنا الشيء بالدماغ‪ ،‬وكذلك إن أبصرنا بالقلب أو بالجبهة‬ ‫أو بالعين‪ .

‬فنحن نقول إن ذلك غير محال‬ ‫‪343‬‬ .‬فإن كان‬ ‫ذلك ممكنا ً سمينا ذلك الكشف والستكمال بالضافة إلى‬ ‫العلم رؤية‪ ،‬كما سميناه بالضافة إلى التخيل رؤية‪ ،‬ومعلوم‬ ‫أن تقدير هذا الستكمال في الستيضاح والستكشاف غير‬ ‫محال في الموجودات المعلومة التي ليست متخيلة كالعلم‬ ‫والقدرة وغيرهما‪ ،‬وكذا في ذات الله وصفاته وفي ذوات‬ ‫هذه المعاني المعلومة كلها‪ .‬وكذا من‬ ‫الستكمال بالضافة إلى الخيال رؤي ً‬ ‫الشياء ما نعلمه ول نتخيله وهو ذات الله سبحانه وتعالى‬ ‫وصفاته وكل ما ل صورة له‪ ،‬أي ل لون ول قدر مثل القدرة‬ ‫والعلم والعشق والبصار والخيال فإن هذه أمور نعلمها ول‬ ‫نتخيلها والعلم نسبته إليه نسبة البصار إلى التخيل‪ .‫ة‪ ،‬فدل على أن‬ ‫لتعلقها بالعرض لما كان لتعلقها بالجسم رؤي ً‬ ‫خصوص صفات المتعّلق ليس ركنا ً لوجود هذه الحقيقة‬ ‫وإطلق هذا السم‪ ،‬بل الركن فيه من حيث أنه صفة متعلقة‬ ‫أن يكون يكون لها متعّلق موجود أي موجود كان وأي ذات‬ ‫م مطلقٌ عليه هو المر الثالث‬ ‫كان‪ ،‬فإذن الركن الذي الس ُ‬ ‫وهو حقيقة المعنى من غير التفات إلى محله ومتعلقه‬ ‫فلنبحث عن الحقيقة ماهي؟ ول حقيقة لها إل أنها نوع إدراك‬ ‫ف بالضافة إلى التخيل‪ ،‬فإنا نرى‬ ‫هو كمال ومزيد ُ كش ٍ‬ ‫الصديق مثل ثم نغمض العين فتكون صورة الصديق حاضرة‬ ‫في دماغنا على سبيل التخيل والتصور‪ ،‬ولكنا لو فتحنا البصر‬ ‫أدركنا تفرقته ول ترجع تلك التفرقة إلى إدراك صورة أخرى‬ ‫ة‬ ‫صرة مطابق ٌ‬ ‫مخالفةٍ لما كان في الخيال‪ ،‬بل الصورة المب َ‬ ‫للمتخيلة من غير فرق وليس بينهما افتراق إل أن هذه‬ ‫الحالة الثانية كالستكمال لحالة التخيل وكالكشف لها‬ ‫فتحدث فيها صورة الصديق عند فتح البصر حدوثا ً أوضح‬ ‫وأتم وأكمل من الصورة الجارية في الخيال‪ .‬والحادثة في‬ ‫البصر بعينها تطابق بيان الصورة الحادثة في الخيال‪ ،‬فإذن‬ ‫ة هي أتم منه في‬ ‫التخيل نوع إدراك على رتبة ووراءه رتب ٌ‬ ‫الوضوح والكشف بل هي كالتكميل له فنسمي هذا‬ ‫ة وإبصارًا‪ .

‬إل أن هذا‬ ‫س في ُ‬ ‫شغل البدن‬ ‫الكمال غير مبذول في هذا العالم‪ ،‬والنف ُ‬ ‫وكدورة صفائه فهو محجوب عنه وكما ل يبعد أن يكون‬ ‫الجفن أو الستر أو سواد العين سببا ً بحكم اطراد العادة‬ ‫لمتناع البصار للمتخيلت فل يبعد أن تكون كدورة النفس‬ ‫وتراكم حجب الشغال بحكم اطراد العادة مانعا ً من إبصار‬ ‫المعلومات‪ ،‬فإذا بعثر ما في القلوب وحصل ما في الصدور‬ ‫وز ّ‬ ‫كيت القلوب لم يمتنع أن تستقل بنفسها لمزيد استكمال‬ ‫واستيضاح في ذات الله سبحانه أو في سائر المعلومات‪،‬‬ ‫ويكون ارتفاع درجته عن العلم المعهود كارتفاع درجة‬ ‫البصار عن التخيل فيعبر عن ذلك بلقاء الله تعالى‬ ‫ومشاهدته أو رؤيته أو إبصاره أو ما شئت من العبارات فل‬ ‫مشاحة فيها بعد إيضاح المعاني‪ .‫فإنه ل محيل له‪ ،‬بل العقل يدل على إمكانه‪ .‬وإذا كان ذلك ممكنا ً بأن‬ ‫خلقت هذه الحالة في العين كان اسم الرؤية بحكم وضع‬ ‫اللغة عليه أصدق‪ ،‬وخلقه في العين غير مستحيل كما أن‬ ‫خلقها في القلب غير مستحيل‪ ،‬فإذا فهم المراد بما أطلق‬ ‫أهل الحق من الرؤية علم أن العقل ل يحيله بل يوجبه وأن‬ ‫الشرع قد شهد له فل يبقى للمنازعة وجه إل على سبيل‬ ‫العناد أو المشاحنة في إطلق عبارة الرؤية أو القصور عن‬ ‫)‪(1‬‬ ‫هذه المعاني الدقيقة التي ذكرناها(‬ ‫الوجه السابع‪ :‬إثبات الباري سبحانه على خلف الموجود‬ ‫المعتاد من وجوه أعظم موافق لمقصدنا وهو التنزيه عن‬ ‫المماثلة المنفية ب "ليس كمثله شيء"‪ ،‬فل داعي للستبعاد‬ ‫الذي ذكره فلو سّلم له بما ذكر من لزوم التشبيه في‬ ‫المسألتين وانسد طريق الجمع والتوفيق لقدمنا إثبات ما‬ ‫فيه إثباته على خلف الموجود المعتاد من وجوه أعظم على‬ ‫مافيه إثبات وجوده على خلف الموجود المعتاد من بعض‬ ‫الوجوه‪ .‬كيف وقد أمكن عقل ً تجويز الرؤية الثابتة شرعا ً من‬ ‫غبر لوازم رؤية الجسام‪..‬‬ ‫‪ ()1‬القتصاد في العتقاد ‪46-43‬‬ ‫‪344‬‬ .

‬فإذا كان هؤلء الشرذمة الذين فيهم من‬ ‫التجهم ما فيهم مثل الرازي وأمثاله يقرون بأن الله‬ ‫يرى كان إقرارهم بأن الله فوق العالم أولى وأحرى فإنه ل‬ ‫يرد على مسألة العلو سؤال إل ويرد على مسألة الرؤية ما‬ ‫هو أعظم منه‪.‬ول يمكنهم أن يجيبوا لمن يناظرهم في‬ ‫مسألة الرؤية بجواب إل أجابوا لمن يناظرهم في مسألة‬ ‫)‪(1‬‬ ‫العرش بخير منه(‬ ‫وفي ما سبق من الجواب كفاية لكنا نقول هنا‪ :‬ل نسلم أن‬ ‫العتراف بأن الله فوق العالم هو في العقل والدين أعظم‬ ‫من العتراف بأن الله يرى‪ .‫ثم أطال ابن تيمية رحمه الله في توضيج الوجه السابق‬ ‫فقال‪) :‬معرفة القلوب وإقرارها بفطرة الله التي فطرها‬ ‫عليها أن ربها فوق العالم ودللة الكتاب والسنة على ذلك‪،‬‬ ‫وظهور ذلك في خاصة المة وعامتها وكلم السلف في ذلك‬ ‫أعظم من كونه تعالى يرى بالبصار يوم القيامة أو أن رؤيته‬ ‫بالبصار جائزه‪.‬فالرؤية التي أثبتناها ل تستلزم‬ ‫لوازم الجسم من المقابلة والجهة وغيرها وكذلك العلو‪ ..‬وقد اعتمدت في هذا العتراض‬ ‫على الجمال في لفظ الفوق والعلو والرؤية فما وصفنا به‬ ‫الباري من العلو والفوقية والرؤية ليس هو الذي يلزم منه‬ ‫صحة اليراد الذي ذكر‪ .‬فما‬ ‫أوردناه على العلو الذي وصفت به الباري سبحانه أوردناه‬ ‫من جهة أنك أثبت معه لوازم الجسم من الحد المتصل‬ ‫الواجب والحيز المنفصل الجائز والتركيب والتأليف الذي‬ ‫ستصرح به في الوجه القادم وغير ذلك من اللوازم التي‬ ‫صرحت بها أو اللوازم التي ل يمكن دفعها بعد هذا الثبات‪.‬‬ ‫اعتراض آخر وجوابه‪:‬‬ ‫‪ ()1‬تلبيس الجهمية ‪2/85‬‬ ‫‪345‬‬ .‬فهذا يبين أن العتراف بأن الله فوق العالم‬ ‫في العقل والدين أعظم بكثير من العتراف بأن الله‬ ‫يرى‪..

‬‬ ‫‪ ()2‬تلبيس الجهمية ‪95-2/94‬‬ ‫‪346‬‬ .‬‬ ‫أعظ َ‬ ‫م من قول هؤلء‬ ‫وإذا كان مخالفة قولهم لبديهة العقل أعظ َ‬ ‫لم يجب على هؤلء أن يرجعوا عن القول الذي هو أقل‬ ‫مخالفة لبديهة العقل إلى القول الذي هو أكثر مخالفة‬ ‫لبديهة العقل‪ ،‬بل يكون الواجب على هذا التقدير‬ ‫ف بما في بديهة العقل‬ ‫على الطائفتين العترا ُ‬ ‫فيعترفون جميعا ً بأنه فوق العالم ويمتنع أن يكون‬ ‫ل داخله ول خارجه‪ ،‬وحينئذ يكون مشارا ً إليه‬ ‫بحسب الحس وحينئذ يكون فيه ما سماه تأليفا ً‬ ‫وانقساما ً وإن لم يكن هو المعروف من التأليف والنقسام‬ ‫فإن المعروف من ذلك يجب تنزيه الله عنه كما نزه عنه‬ ‫نفسه في سورة الخلص كما تقدم التنبيه عليه بقوله الله‬ ‫الصمد فان الصمد فيه من معنى الجتماع والقوة والسؤدد‬ ‫)‪(2‬‬ ‫ما ينافي النقسام والفتراق(‬ ‫ونقول في الجواب‪:‬‬ ‫كلمه في هذا الوجه يكشف عن مراده بالعقل الذي يتأيد به‬ ‫ويخالفه به مخالفوه‪ .‫ثم قال في وجه آخر تعليقا ً على وصف الفخر الرازي ِلما آل‬ ‫إليه قول الكرامية من مخالفة العقل فقال‪):‬يقال هذا العقل‬ ‫الذي هذا على خلف بديهته‪ ،‬إما أن يكون حكمه وشهادته‬ ‫في الربوبية مقبول ً أو مردودًا‪ ،‬فإن لم يكن مقبول ً لم يضر‬ ‫هؤلء ول غيرهم مخالفته فإنه يكون بمنزلة الشاهد الفاسق‬ ‫)‪(1‬‬ ‫الذي قال الله فيه‪" :‬إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا"‬ ‫وإن كان حكمه وشهادته مقبول ً كان هذا المنازع وموافقوه‬ ‫م مخالفة له من هؤلء كما قد تقدم بيان ذلك‪.‬هذا العقل الذي ح ّ‬ ‫كمه في الخلف بين‬ ‫قول الكرامية إنه مشار إليه بحسب الحس غير متناه ومع‬ ‫ذلك هو واحد ل يقبل القسمة‪ ،‬وبين قول منازعهيم بجواز‬ ‫أن يرى سبحانه ل في جهة ول مقابل ً للرائي ول فوقه ول‬ ‫في شيء من جهاته الست‪ ،‬فحكم بأن الثاني أعظم مخالفة‬ ‫‪ ()1‬الية )‪ (6‬من سورة الحجرات‪.

‬وهذا فيه‬ ‫اعتراف منه بأن الشارة الحسية تستلزم تأليفا ً وانقساما ً مع‬ ‫أنه أنكر ذلك في صدر المسألة‪ .-‬‬ ‫فنسأل الله له السلمة من حاصل الكلمين‪.‬‬ ‫فلو أن أحدا ً ترك قواطع التنزيه واضطر إلى مثل هذه‬ ‫ن هذا‬ ‫الطريقة في اكتساب العقائد لكان قول الكرامية دو َ‬ ‫القول تخرصا ً في وصف الله عز وجل وأق ّ‬ ‫ل قفوا ً لما ليس‬ ‫له به علم‪ .‫له من الول مع أنه ل يتصور تفاوت الخلف في هذه‬ ‫المسألة في حكم العقل لن ما ينتظر من العقل هنا أن‬ ‫يحكم بالمتناع أو الجواز‪ .‬مع أنه بنص كلمه فسر‬ ‫التجسيم بالتأليف فقال ‪-‬والتجسيم الذي هو التأليف ‪.‬ولو وقف الرازي على هذا العتراض لما قال إن‬ ‫صاحب هذا القول أسعد حال ً من هؤلء الكرامية‪ .‬وهذا التفاوت‬ ‫ل ُيتصور في حكم العقل إل أن يكون العقل مرادفا ً للوهم‬ ‫والحس الذي يليق به مثل هذا الحكم في مثل هذه‬ ‫ب إلى‬ ‫المسألة‪ .‬فالعقل عند الرازي يقطع بأن قول‬ ‫الكرامية على خلف بدبهته‪ ،‬والرؤية التي يثبتها الرازي‬ ‫وموافقوه مبنية على أصلين كلهما تدفعه بديهية العقل‬ ‫والفطرة عند ابن تيمية‪ ،‬أحدهما إثبات موجود ل في شيء‬ ‫من الجهات‪ ،‬والثاني إثبات رؤية هذا بالبصار فكيف يتصور‬ ‫أن يكون أحد الرأيين أعظم أو أقل مخالفة لحكم العقل‬ ‫حتى يلجأ إلى ما يشبه الصلح بين الطائفتين‪ .‬على أن هذا العقل جعل قول الكرامية أقر َ‬ ‫القبول من مذهب أهل السنة وجمهورها‪ .‬ورتب ابن تيمية‬ ‫ب العتراف‬ ‫رحمه الله بعد التحاكم إليه على الطائفتين وجو َ‬ ‫بما في بديهته فيعترفون جميعا ً بأنه فوق العالم ويمتنع أن‬ ‫يكون ل داخله ول خارجه وحينئذ يكون مشارا ً إليه بحسب‬ ‫الحس وحينئذ يكون فيه ما سماه تأليفا ً وانقسامًا‪ .‬بل زاد هذا العقل على قول‬ ‫الكرامية إذ أوجب على مخالفهم أن يعترف بالشارة‬ ‫الحسية إليه والفوقية الحقيقية وأن يثبت معه ما سماه‬ ‫الرازي تأليفا ً وانقساما ً وأن ما سماه تأليفا ً وانقساما ليس‬ ‫هو الذي يتنزه عنه الباري سبحانه‪ .‬نعوذ بالله‬ ‫‪347‬‬ .

..‬‬ ‫وأن نتحاكم إلى ما يثبته أو لواز َ‬ ‫ولعل مشفقا يرجو أن نلتمس لبن تيمية عذرا لنه إنما‬ ‫أوجب العتراف بذلك على تقديرٍ ما وليس على كل تقدير‪،‬‬ ‫أو لعل أحدا يظهر له رغبة في إلزامه بما لم يلتزمه؟‬ ‫فالجواب أنه رحمه الله أوجب العتراف به على تقدير‬ ‫أمرين‪ ..‬‬ ‫وإذا كان كذلك ظهر ما ذكره من جهة المنازع فإن المنازع‬ ‫قلب عليهم القضية وقال إذا ألزمتمونا أنا نجعله كالجوهر‬ ‫الفرد فأنتم جعلتموه كالمعدوم وذلك أنه لما قال إنه ل‬ ‫يمكن أن يكون غير منقسم ويكون في غاية الصغر لن ذلك‬ ‫حقير وذلك على الله محال فقال المنازع‪ ":‬أنتم قلتم ل‬ ‫‪348‬‬ .‬‬ ‫وكون قول الكرامية مخالفا ً لحكم العقل لكنه دون مخالفة‬ ‫الول له‪ .‬هذا‬ ‫حاصل كلمه‪ ،‬والحكم على المتكلم ليس مقصود ول غرضا‬ ‫وإنما الغرض أن ندفع عن عقائد المسلمين ما يفيد التجسيم‬ ‫أويستلزمه أو يميل إليه‪.‬‬ ‫ثم قوى شبهة المجسمة معترضا بها فقال في وجه آخر‪:‬‬ ‫)ورد من جهة المنازع ‪-‬منازع الفخر الرازي‪ -‬تشبيُهه‬ ‫بالمعدوم وذلك أن النفاة كثيرا ً ما يصفون أهل الثبات‬ ‫بالتشبيه والتجسيم الذي هو التأليف‪ .‬الول‪ :‬عظم مخالفة قول الرازي لحكم العقل‪.‬أما المر الخر فهو الذي دفع إلى إيجاب هذا‬ ‫الحكم على تقديرٍ ما لن قول الكرامية عنده ل يمكن أن‬ ‫يكون بجملته مخالفا ً للعقل إذ يشترك مع قوله بأنه فوق‬ ‫العالم ويمتنع أن يكون ل داخله ول خارجه و