‫دعــــوة‬
‫إلـى وعـي الـذات‬
‫ فصول في نظرية الدراما والنقد‬‫المسرحي ‪-‬‬

‫‪-2-‬‬

‫البريد اللكتروني‪:‬‬

‫الحقوق كافة‬
‫مـحــــفــــوظـة‬
‫لتـحــاد الـكـتـاب‬
‫الــعـرب‬

‫‪unecriv@net.sy E-‬‬

‫‪mail‬‬

‫‪:‬‬

‫‪aru@net.sy‬‬

‫موقع اتحاد الكّتاب العرب على شبكة النترنت‬
‫‪http:/www.awu-dam.com‬‬
‫تصميم الغلف للفنانة ‪ :‬نسرين المقداد‬
‫‪‬‬

‫‪-3-‬‬

‫الدكتور رشيد ياسين‬ ‫دعــــوة‬ ‫إلـى وعـي الـذات‬ ‫ فصول في نظرية الدراما والنقد‬‫المسرحي ‪-‬‬ ‫‪-4-‬‬ .

‫من منشورات اتحاد الكتاب العرب‬ ‫‪2000‬‬ ‫‪-5-‬‬ .

‫بسم الله الرحمن‬ ‫الرحيم‬ ‫‪-6-‬‬ .

‬‬ ‫وثمة سبب آخر من أسباب أزمتنا المزمنة في مجال‬ ‫المسرح‪ ،‬هو افتقار مسرحنا العربي‪ ،‬بدرجة أو أخرى‪ ،‬إلى‬ ‫جمهور مستنير‪ ،‬يستطيع تمييز الصحيح من الزائف ويساعد‬ ‫فنان المسرح على معرفة مدى توفيقه أو إخفاقه من خلل‬ ‫القبال على عمله أو النصراف عنه‪ .‬ومرد هذه الحالة إلى‬ ‫عوامل متعددة‪ ،‬لعل أخطرها ضحالة الثقافة المسرحية‬ ‫السليمة لدى كثير من العاملين عندنا في المسرح وضعف‬ ‫اتصالهم بالمسرح العالمي المتطور‪ .‬‬ ‫يمر المسرح العربي‪ ،‬منذ سنوات طويلة‪ ،‬بحالة من الضياع‬ ‫والتخبط وقفت بينه وبين التحول إلى متعة ثقافية جماهيرية‪،‬‬ ‫كما هو شأنه في بلدان العالم المتقدم‪ .‬‬ ‫إن هذه العوامل الثلثة التي ذكرناها أدت إلى بقاء‬ ‫المسرح العربي عموما ً على حالته الراهنة‪ ،‬التي يتجاذبها‬ ‫تياران أساسيان‪:‬‬ ‫‪-7-‬‬ .‬وتبرز خطورة‬ ‫هذه المسألة إذا تذكرنا أن النقد هو البوصلة التي يهتدي بها‬ ‫فنانو المسرح في البلدان ذات التقاليد العريقة في هذا‬ ‫المضمار‪.‬ويبدو لي أن معاهد‬ ‫المسرح عندنا‪ ،‬على اختلف مستوياتها‪ ،‬ل تؤدي مهمة إعداد‬ ‫الكوادر المسرحية على الوجه المطلوب‪ .‬وهذا الواقع المؤسف‬ ‫ليس إل نتيجة منطقية لرداءة العمال المسرحية‪ ،‬التي تعرض‬ ‫على الجمهور‪ ،‬ولكنه في الوقت نفسه سبب يساعد على‬ ‫استمرار تردي المسرح وتفاقم أزمته‪.‬‬ ‫ول يسعنا أن نغفل عامل ً سلبيا ً آخر يتمثل في طائفة من‬ ‫النقاد المزعومين‪ ،‬الذين انتهزوا فرصة خلو الساحة وغياب‬ ‫المقاييس السليمة فاندفعوا إلى ممارسة ما يتوهمونه نقدا ً‬ ‫مسرحيًا‪ ،‬تسوقهم أهواؤهم الشخصية تارة وقلة حظهم من‬ ‫الثقافة المسرحية تارة أخرى‪ .‫توطئـــة‪.‬ولبد لفنان المسرح‪ ،‬قبل كل شيء‪،‬‬ ‫من اللمام الكافي بأصول حرفته‪ ،‬شأنه في ذلك شأن‬ ‫العاملين في مجالت الفن الخرى‪ ..‬‬ ‫ويكفي أن نشير إلى أن الفرق المسرحية في برودواي –‬ ‫مث ُ‬ ‫ل‪ -‬تسهر ليلة العرض الول لمسرحية جديدة حتى الفجر‬ ‫لتطلع على ما يقوله نقاد الصحف في عملها الجديد‪ ،‬لن نجاح‬ ‫المسرحية أو فشلها يتوقفان بالدرجة الولى على رأي النقاد‬ ‫فيها‪.‬ومن غريب ما لحظته أن بين‬ ‫هؤلء النقاد من لم يدرسوا الفن المسرحي في معاهد‬ ‫متخصصة ولم يمارسوا العمل الفعلي في المسرح‪ ،‬ومع ذلك‬ ‫فإن الصحافة ل تبخل عليهم بمساحات يدلون فيها بآرائهم‪،‬‬ ‫التي هي أشبه بوصفات يكتبها أطباء دجالون‪ .‬وقد ترسخ عندي هذا‬ ‫النطباع بعد أن تابعت النشاط المسرحي في العديد من‬ ‫القطار العربية على مدى أكثر من ربع قرن‪ ،‬وبعد أن نهضت‪-‬‬ ‫أو حاولت النهوض‪ ،‬على القل‪ -‬بمسؤوليات عديدة خلل عملي‬ ‫الطويل في المؤسسة العامة للسينما والمسرح في العراق‪.‬ول يغير من هذه الحقيقة‬ ‫أن لدينا الكثير من النصوص الدرامية المترجمة عن اللغات‬ ‫الخرى‪ ،‬فالنصوص الدرامية وحدها ل تكفي لخلق المثقف‬ ‫المسرحي الذي نحتاجه‪ .

‬‬ ‫ول أريد أن أقول إن المحاولت الجادة‪ ،‬التي تسندها‬ ‫الموهبة والفهم الصائب لطبيعة فن المسرح‪ ،‬ل وجود لها في‬ ‫مسرحنا العربي‪ ،‬فقد شاهدت أكثر من عمل مسرحي مهم‬ ‫للكاتب الراحل سعد الله ونوس‪ ،‬ورأيت أعمال ً ممتعة للمخرج‬ ‫التونسي المنصف السويسي‪ ،‬وحضرت بعض العمال الجيدة‬ ‫للفرقة القومية المصرية‪ ،‬ولكن هذه ليست إل ومضات عابرة‬ ‫في ليل المسرح العربي الدامس‪ ،‬الذي يطغى عليه التياران‬ ‫المذكوران‪ :‬تيار التهريج وتيار التجريب‪.‬‬ ‫وسيلحظ القارئ أن الكتاب يكاد يخلو من الهوامش‪ -‬على‬ ‫كثرة ما فيه من إشارات إلى كتاب ومفكرين أجانب‪ .‬‬ ‫وثانيها أن معظم مواد هذا الكتاب قد نشر‪ ،‬ل في الصحافة‬ ‫الثقافية المتخصصة‪ ،‬وإنما في الصحف اليومية والمجلت‬ ‫السبوعية الواسعة النتشار‪ ،‬فقد كان يهمني أن يصل صوتي‪،‬‬ ‫ل إلى النخبة المثقفة وحسب‪ ،‬بل إلى جمهور القراء العريض‪،‬‬ ‫الذي ل يعرف الكثير عن خفايا فن المسرح‪ .‬وقد كنت أتمنى أن يضم هذا الكتاب كل ما نشرته في‬ ‫هذا المجال لول أن ظروفي الشخصية الراهنة ل تسمح بجمع‬ ‫هذه المواد المبعثرة في صحافة أكثر من بلد عربي‪.‬وأولها أن هذا الكتاب ليس دراسة منهجية في‬ ‫نظرية الدراما أو في أوضاع المسرح العربي المعاصر‪ ،‬بل هو‬ ‫جملة أبحاث ومقالت متفرقة أملتها مناسبات معينة‪ ،‬ولكن‬ ‫هناك خيطا ً واحدا ً ينتظم هذه المقالت‪ ،‬هو السعي إلى إيضاح‬ ‫بعض ما بدا لي أنه ملتبس من أسس التأليف الدرامي وتصحيح‬ ‫ما وجدته شططا ً وانحرافا ً في مسار المسرح العربي‬ ‫المعاصر‪.‬‬ ‫ويهمني قبل النتهاء من هذه التوطئة أن أتوقف قليل ً عند‬ ‫بعض المور التي قد تعين القارئ على فهم طبيعة الكتاب‬ ‫الذي بين يديه‪ .‬‬ ‫على خلفية هذا الواقع‪ ،‬الذي وصفته بمنتهى اليجاز‪ ،‬وخلل‬ ‫فترات متباعدة من العقود الثلثة الخيرة‪ُ ،‬‬ ‫كتبت مواد هذا‬ ‫الكتاب‪ .‬ويبدو لي‬ ‫أن هذا أمر غني عن اليضاح‪ ،‬فمعظم مواد الكتاب قد ظهرت‪-‬‬ ‫كما أسلفت‪ -‬في جرائد يومية أو مجلت أسبوعية‪ ،‬وليس‬ ‫مألوفا ً في مثل هذه الحوال أن يذيل الكاتب مقالته‬ ‫بالهوامش‪ ،‬ول سيما ما كان منها بلغات أخرى غير العربية‪ .‬وبعضها‪-‬كما سيرى القارئ‪ -‬يتعرض لواقعنا المسرحي‬ ‫كما تجسده بعض العمال المسرحية التي حضرتها‪ ،‬ول سيما‬ ‫في العراق‪ ،‬بينما يتصل بعضها الخر بنظرية الدراما وتطورها‪،‬‬ ‫وبأوضاع المسرح العالمي المعاصر‪ ،‬الذي أتيح لي أن أتابعه‬ ‫من خلل العروض الكثيرة التي شاهدتها في بلدان أجنبية‬ ‫عديدة‪ .‬وهذا العتبار‪-‬‬ ‫الذي وضعته دوما ً في حسابي‪ -‬هو الذي دفعني إلى توخي‬ ‫البساطة في عرض أفكاري‪ ،‬وشرح المصطلحات الجنبية‬ ‫والفنية حيثما وردت‪ ،‬والبتعاد قدر المكان عن اللغة الجافة‪،‬‬ ‫المتحذلقة‪ ،‬التي أصبحت طابعا ً سائدا ً في الكتابات الثقافية‬ ‫هذه اليام‪.‫تيار المسرح الكوميدي التجاري‪ ،‬الذي يراد به اجتذاب‬ ‫الناس البسطاء إلى شباك التذاكر‪ ،‬وهو تيار يغلب عليه التهريج‬ ‫والتفاهة والنكات الفجة‪ ،‬والماجنة أحيانًا‪ ،‬وتيار المسرح‬ ‫التجريبي‪ ،‬الذي يحفل –في الغالب‪ -‬بصنوف البدع ومحاولت‬ ‫التجديد الساذجة التي ل علقة لها بفن المسرح الحقيقي‪.‬وقد‬ ‫يكون هذا نقصًا‪ ،‬ولكني عاجز عن تداركه في الوقت الحالي‪،‬‬ ‫فالمظان التي رجعت إليها عند كتابة هذه المواد ليست في‬ ‫متناول يدي الن ولعل الظروف تسمح في المستقبل بتلفي‬ ‫هذا النقص في طبعة لحقة‪ ،‬إذا قدر لهذا الكتاب أن يجد‬ ‫الرواج الذي يتمناه كل مؤلف‪ .‬وأود بهذه المناسبة أن أضيف‬ ‫‪-8-‬‬ .

‬‬ ‫ءءءء ءءءءء ‪-‬ءءءءء‬ ‫ءءءءء ءءءءءء ‪1999‬‬ ‫‪‬‬ ‫‪-9-‬‬ .‫أن جميع ما تضمنه الكتاب من آراء منسوبة إلى كتاب أجانب‬ ‫هو من ترجمتي شخصيا ً باستثناء مواضيع قليلة قد ل تعدو‬ ‫موضعا ً أو موضعين‪.‬‬ ‫وبعد فإن قصارى ما أتمناه أن يفلح هذا الكتاب المتواضع‬ ‫في حمل البعض على إعادة النظر في تصوراتهم عن المسرح‪.

‬‬ ‫ورغم فوارق النتماء الفكري والفني‪ ،‬فقد كان الذين عالجوا‬ ‫هذا الموضوع من النقاد والفنانين العرب متفقين على أن الفن‬ ‫مطالب بالتوفيق بين التراث والمعاصرة‪ .‬‬ ‫ولكن اتفاقنا على المبدأ العام ل يعني أننا قطعنا شوطا ً‬ ‫بعيدا ً في الطريق إلى حل المشكلة‪ ،‬فقد ظلت تواجهنا‬ ‫مجموعة من السئلة المعقدة التي تتعلق بوضع هذا المبدأ‬ ‫موضع التطبيق‪:‬‬ ‫مـــاذا نعنـــي بـــالتراث؟ ومـــا هـــي مســـتلزمات‬ ‫المعاصــرة؟ مـاذا نأخـذ مـن تراثنـا ومـاذا نـدع؟ كيــف‬ ‫نحــافظ علــى شخصــيتنا القوميــة دون أن نقــع فــي‬ ‫العزلة والجمود؟‪ .‬‬ ‫‪..‬‬ ‫ومن المؤسف أن هذه السئلة وغيرها مما يتصل بموضوع‬ ‫التراث والمعاصرة في الفن والدب لم تعالج حتى الن معالجة‬ ‫نظرية شاملة تنير الطريق للفنانين والباحثين‪ ،‬ولذلك يظل‬ ‫الموضوع‪ ،‬على كثرة ما كتب فيه‪ ،‬مفتوحا ً للنقاش‪..‬‬ ‫ما الذي يجعل قضية التراث والمعاصرة تستأثر بكل هذا‬ ‫القدر من الهتمام؟‬ ‫إن السبب واضح‪ ،‬فنحن لم نوفق حتى الن إلى إقامة‬ ‫علقة متوازنة بيننا وبين الثقافة العالمية المعاصرة‪ ،‬وأعني‬ ‫بالعلقة المتوازنة تلك التي تضعنا في مستوى عصرنا من جهة‬ ‫وتحفظ لنا أصالتنا القومية من جهة أخرى‪ .10 -‬‬ .‬وهذا طبيعي تمامًا‪ ،‬إذ‬ ‫ليس بوسع أحد –مهما بلغت حماسته للتجديد‪ -‬أن يدعو إلى‬ ‫فصل الدب والفن عن جذورهما القومية‪ ،‬كما ل يسع أحدًا‪-‬‬ ‫مهما بلغ به التزمت‪ -‬أن يدعو إلى تجاهل تيارات العصر‬ ‫وقضاياه والتجاهات الفنية السائدة فيه‪.‫دعوة‪.‬الخ‪.‬‬ ‫إلى وعي الذات‬ ‫خلل السنوات الخيرة كتبت أكداس من البحوث‬ ‫والمقالت حول قضية التراث والمعاصرة في البداع الفني‪.‬ويبدو لي أن في‬ ‫مقدورنا أن نميز مرحلتين مختلفتين من مراحل العلقة بيننا‬ ‫وبين الثقافة العالمية )الوربية الغربية بوجه خاص(‪:‬‬ ‫الولى هي المرحلة التي امتدت حتى منتصف‬ ‫القرن الحالي على وجه التقريب‪ ،‬وقد قصرنا خللها‬ ‫عن الرتفاع إلى مستوى العصر‪ ،‬والثانية هي‬ ‫مرحلتنا الحالية‪ ،‬وقد عجزنا خللها عن الحتفاظ‬ ‫بقدر كاف من الصالة القومية‪.

‬‬ ‫ولم يلتفت هؤلء المثقفون إلى واقع صارخ‪ ،‬هو أن‬ ‫الحضارة الغربية تمر اليوم بطور انحلل وضياع‪ ،‬وأنها بالتالي‬ ‫ليست النموذج المناسب لما نبغيه لنفسنا من رقي حضاري‪.‫ونا من الثقافة العالمية متهيبا ً‬ ‫خلل المرحلة الولى كان دن ّ‬ ‫يشوبه الحذر‪ ،‬ويحد ّ منه خوف مزدوج‪ :‬خوف من انتهاك قداسة‬ ‫التراث والخروج على أشكاله وتقاليده الفنية‪ ،‬وخوف من‬ ‫اقتحام ميادين إبداعية جديدة لم يطرقها أسلفنا من قبل ول‬ ‫نعرف عنها الشيء الكثير‪ .‬‬ ‫فالحضارة الغربية الراهنة قد انقلبت على نفسها وبدأت‬ ‫تقوض‪ ،‬بنوع من اليأس والنزق الجامح‪ ،‬كل الركائز الفكرية‬ ‫والمفاهيم الجمالية التي أقامتها لنفسها خلل عصور متعاقبة‪،‬‬ ‫لتقف في نهاية المطاف وسط النقاض والخرائب مبشرة‬ ‫باللشكل واللمعنى‪.‬‬ ‫لماذا سار تطورنا الفني والدبــي‪ -‬ول ســيما منــذ‬ ‫أوائل العقد الماضي‪ -‬في هذا التجاه؟‬ ‫إن الجابة تكمن‪-‬في رأيي‪ -‬في عقدة النقص التي نحسها‬ ‫إزاء الحضارة الغربية‪ ،‬فبدافع من هذه العقدة سارعنا إلى تبني‬ ‫تيارات الفن الحديث في الغرب وراح بعض مثقفينا يرددون‪،‬‬ ‫بكثير من التبجح والعتزاز‪ ،‬آراء نقاد الفن الغربيين المحدثين‬ ‫ويحكمون من خللها على أعمالنا الدبية والفنية‪.‬ولكن ما حدث بعد ذلك كان مفارقة مبكية‪ ،‬فقد ساقتنا‬ ‫حماستنا للتجديد إلى تقليد نماذج فنية أجنبية تنتمي إلى سياق‬ ‫حضاري مختلف‪ ،‬وأفضت بنا رغبتنا في إنهاء غربتنا عن العصر‬ ‫إلى نوع من الغربة عن الذات‪ ،‬وتحولت ثورتنا على المقاييس‬ ‫البالية‪ ،‬في أحيان كثيرة‪ ،‬إلى "عدمية" ترفض كل المقاييس‪.‬‬ ‫ولكن منتصف القرن شهد ما يمكن أن نسميه انقلبا ً من‬ ‫موقفنا من الثقافة العالمية‪ ،‬فقد تخلت الحركة البداعية‬ ‫العربية عن تهيبها واعتدالها واندفعت إلى ألوان من التجديد‬ ‫الجريء شملت كل أوجه الخلق الفني وغيرت بالتدريج معالم‬ ‫الثقافة العربية‪ .‬‬ ‫وليست هذه‪ ،‬بالطبع‪ ،‬محاولة للغض من قيمة‬ ‫الحضارة الغربية التي أعطت العالم الكثير من‬ ‫العمال والمثل الفنية العظيمة‪ ،‬ول هي دعوة إلى‬ ‫تجاهل منجزات الخرين‪ ،‬فمن تحصيل الحاصل أن‬ ‫الثقافة القومية –ول سيما في أيامنا هذه‪ -‬ل يمكن‬ ‫أن تعيش وتزدهر بمعزل عن الثقافة العالمية‪،‬‬ ‫ولكنها دعوة إلى وعي الذات‪ ،‬دعوة إلى إعادة النظر‬ ‫في منحى تطور الثقافة العربية المعاصرة وتقصي‬ ‫جذور المفاهيم التي تسترشد بها الجيال الجديدة‬ ‫‪.‬وغني عن القول أن هذا النقلب كان استجابة‬ ‫منطقية لحاجة تاريخية‪ ،‬فقد تطورت الحياة العربية‪ ،‬بشقيها‬ ‫المادي والروحي‪ ،‬منذ الحرب الخيرة حتى الن إلى حد لم تعد‬ ‫تستوعبه أو تلئمه أشكال التعبير الفني التي كانت سائدة من‬ ‫قبل‪ .11 -‬‬ .‬ولذلك اتسمت حركة التجديد الدبي‬ ‫والفني عندنا خلل هذه الفترة بالتحفظ والعتدال‪ ،‬فوقفت‬ ‫الرواية العربية عند حدود واقعية القرن التاسع عشر‪ ،‬وظل‬ ‫شعراؤنا المجددون حتى نهاية الحرب العالمية الخيرة وبعدها‬ ‫بقليل يتتلمذون على الشعر الرومانسي النكليزي والفرنسي‬ ‫)لمارتين‪ ،‬دوفيني‪ ،‬جون كيتس الخ(‪ .‬أما فنانونا التشكيليون‬ ‫فقد كان أول اتصال جدي لهم باتجاهات الفن الوروبي الحديث‬ ‫في أيام الحرب الخيرة‪ ،‬عندما قدم إلى العراق بعض‬ ‫الرسامين البولونيين )على ما رواه فائق حسن وجواد سليم‬ ‫وغيرهما من جيل الرواد الوائل في هذا المجال( رغم أن‬ ‫أوروبا كانت قد عرفت التكعيبية والدادية والسوريالية وغيرها‬ ‫من مدارس الفن الحديث منذ الربع الول من القرن الحالي‪.

‬‬ ‫‪.12 -‬‬ .‬‬ ‫وهذه المفاهيم التي يتسابق بعض مثقفينا إلى ترويجها هي‪-‬‬ ‫بالضبط‪ -‬مرتكزات نظرية الفن الوربي الغربي في عصر‬ ‫الثورة العلمية‪ -‬التكنولوجية‪.‬‬ ‫في دراسة حول "جذور التعبير الرمزي" يقول الباحث‬ ‫المريكي سيغفريد غديون‪ ،‬مفسرا ً لجوء الفنان الحديث إلى‬ ‫السطورة والرمز‪:‬‬ ‫"إن القاسم المشترك في العقيدة والطقوس‪ ،‬الذي كان‬ ‫يشد النسان إلى النسان فيما مضى‪ ،‬قد فقد سلطانه اليوم‪.‬‬ ‫فبعد أن كان السحر والسطورة والدين‪ ،‬في العهود البدائية‪،‬‬ ‫تمد النسان بدرع روحي في وجه بيئة معادية‪ ،‬أمسى يقف‬ ‫اليوم مجردا ً عاريًا‪ .‬‬ ‫ويقول أورلي هولتان في كتابه القيم "مدخل إلى المسرح‬ ‫بوصفه مرآة للطبيعة" متحدثا ً عن أزمة الحضارة الغربية‬ ‫المعاصرة‪:‬‬ ‫"أن تراكم الدلة العلمية والصدمات العاطفية‬ ‫التي أحدثتها الحرب العالمية الثانية وما تلها قد‬ ‫جعل من الصعب على النسان أن يحتفظ بإيمانه‬ ‫الديني القديم وأن يظن نفسه طفل ً للرب‪ .‫من أدبائنا وفنانينا‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ويقول الفنان السوريالي الفرنسي جان آرب مدافعا عن‬ ‫اللعقلنية في فنه‪:‬‬ ‫"في رأيي أن العقل ل يقدم إل جزءا ً يسيرا ً جدا ً‬ ‫من السعادة النسانية‪ .‬وأنا أجد‬ ‫معظم مكتشفات عصرنا العظيمة مرعبة وكريهة‪.‬وبغية التعويض كان عليه أن يخلق من ذاته‬ ‫رموزا ً وصورا ً داخلية"‪.‬فنحن نقرأ –مث ً‬ ‫ل‪ -‬أن على الفنان الحديث أن‬ ‫يتجه إلى السطورة والرمز‪ ،‬وأن وظيفة الفن هي خلق عوالم‬ ‫خاصة ل علقة لها بالواقع ولذلك فالعمل الفني يفسر من‬ ‫الداخل وبمعزل عن العالم الموضوعي‪ ،‬وإن الفن يرفض‬ ‫الترابط والوضوح والعقل‪ ،‬وإن على الفن أن يحطم كل‬ ‫الشكال والقواعد المتعارف عليها متخطيا ً نفسه باستمرار‪.‬إن أشد ثمار العقل إثارة‬ ‫للدهشة قد جلبت للبشرية تعاسة ل حدَ لها‪ .‬‬ ‫ولكن ما هي الخلفية التاريخية التي قادت الفكر الجمالي‬ ‫الغربي إلى هذا الموقف؟ لماذا يلتفت الفنان الغربي إلى‬ ‫السطورة؟ لماذا يرفض العقلنية والوضوح؟ لماذا يصر على‬ ‫فصم كل وشيجة بين الفن والواقع؟ ربما كان من الفضل أن‬ ‫نبحث لدى المفكرين الغربيين أنفسهم عن إجابة عن هذه‬ ‫التساؤلت‪.‬ولكن إذا‬ ‫لم يكن النسان طفل ً للرب فماذا يكون؟ وإذا هو لم‬ ‫يكن أكثر من واقعة كونية أو قرد بل شعر‪ ،‬فماذا‬ ‫سيحل بكل بنيان القيم والتقاليد التي عاش عليها‬ ‫منذ العصور الوسطى؟ هذا هو السؤال الذي وجد‬ ‫كثير من المفكرين والفنانين المرهفي الحس‬ ‫أنفسهم يطرحونه مع اقتراب القرن الحالي من‬ ‫نهايته"‪.‬‬ ‫إن مراجعة ما كتبه النقاد العرب في نظرية الفن وفي‬ ‫النقد التطبيقي خلل السنوات الخيرة وما يكتبه نقاد الصحافة‬ ‫عندنا وفي بقية أرجاء الوطن العربي تعليقا ً على ما يصدر من‬ ‫أعمال أدبية وفنية ستقودنا إلى ملحظة أن حركتنا البداعية‬ ‫)أي فنوننا وآدابنا( ظلت خلل العقدين الخيرين تدور في إطار‬ ‫عدد من المفاهيم التي استقر في أذهان الكثير أنها مسلمات ل‬ ‫تحتاج إلى نقاش‪ .

‬ونحن ل نعاني في فهم الواقع مشقة كتلك التي‬ ‫يعانيها آلن روب غرييه‪ ،‬فواقعنا واضح المعالم‪ :‬إنه واقع‬ ‫الحتلل الجنبي والتجزئة والتسلط القطاعي والرأسمالي‬ ‫والتخلف الحضاري‪ .‬وهو –أي المثقف‬ ‫البورجوازي الغربي حائر أمام هذا اللغز لغز العقل الذي يقود‬ ‫أصحابه إلى التعاسة والتقدم الذي يتمخض عن صنوف جديدة‬ ‫مرعبة من القسوة والبربرية وحيرة المثقف البورجوازي‬ ‫الغربي أمام ما يجري في مجتمعه يرافقها إحساس أليم‬ ‫بالعجز عن الفعل والتغيير‪ .‬ولسنا يائسين من تغيير هذا الواقع‪ ،‬رغم‬ ‫الهزائم والخفاقات‪ ،‬لننا نقتنع يوميا ً من خلل التجارب بأننا‬ ‫قادرون على تغييره بالفعل‪ .‬ونحن ل نشغل أنفسنا كثيرا ً‬ ‫بالتساؤلت الميتافيزيقية حول معنى الحياة والموت‪-‬كما يفعل‬ ‫بيكيت مث ً‬ ‫ل‪ -‬ل لن الموت ل يخيفنا‪ ،‬ول لنا وجدنا الجواب‬ ‫القاطع عن هذه التساؤلت‪ ،‬وإنما لن همومنا الواقعية وقضايانا‬ ‫الملحة ل تدع مجال ً لهذه الرياضة الذهنية العقيمة‪.‬فهو أمام القوى الجبارة التي‬ ‫تتحكم بحركة المجتمع أشبه بأبطال صاميويل بيكيت الذين‬ ‫شدهم الشلل إلى مقاعدهم أو دفنوا حتى خصورهم في‬ ‫الرمال‪ .‬إنه ل يعرف شيئا ً عن هذا"‪.‬لقد‬ ‫فقد المثقف البورجوازي الغربي إيمانه بالنهج العقلني الذي‬ ‫اختطته الحضارة الوربية اعتقادا ً منه بأن هذا الّنهج هو الذي‬ ‫قاده إلى ما يعانيه اليوم من ضياع ويأس‪ .‬‬ ‫ما هي أوجه التماثل أو اللتقاء بين معاناتنا‪ ،‬نحن‬ ‫المثقفين العــرب‪ ،‬وبيــن أزمــة المثقــف البورجــوازي‬ ‫الغربي‪ ،‬كما تبدو من خلل الشهادات التي أوردناها؟‬ ‫لعلي في غنى عن الجابة‪ ،‬فالهموم التي تؤرق المثقف‬ ‫العربي‪-‬والنسان العربي إجما ً‬ ‫ل‪ -‬ذات طبيعة مختلفة تمامًا‪ .‬‬ ‫أفليس غريبًا‪ ،‬بعد ذلك‪ ،‬أن نستورد لهذا المضمون أشكال ً فنية‬ ‫‪.‬وكفر بالعلم الحديث‬ ‫حين رأى أن هذا العلم قد أثمر من وسائل البادة والتدمير ما‬ ‫يكفي للقضاء على الجنس البشري بأسره‪ .‬إن‬ ‫خصومتنا ليست مع العقل بل مع الوضاع والممارسات‬ ‫والمفاهيم اللعقلنية في حياتنا‪ ،‬وليست مع العلم‪ ،‬لننا نعرف‬ ‫جيدا ً أن العلم يمنحنا القوة ويمدنا بأسباب الرقي المادي‬ ‫والروحي‪ .‬‬ ‫فانهيار قيم الحضارة البورجوازية الغربية‪ ،‬ول سيما بعد الحرب‬ ‫العالمية الخيرة‪ ،‬وحالة الغتراب والقلق التي يعانيها المثقف‬ ‫في المجتمع الرأسمالي المتطور هما اللذان يغريانه باللجوء‬ ‫إلى السطورة والخرافة بحثا ً عن درع روحي يحتمي به‪ .‬‬ ‫هذه‪ ،‬إذن‪ ،‬هي القضايا الساسية التي تشغل مثقفينا‬ ‫الثوريين في المرحلة الراهنة من تاريخنا القومي‪ ،‬وهي التي‬ ‫تؤلف بالتالي مضمون نتاجاتنا الفنية والدبية في هذه المرحلة‪.‬وهو لهذا كله يدير ظهره لواقع يعجز عن فهمه ويعجز‬ ‫عن تغييره‪ ،‬ليصوغ لنفسه‪ ،‬من خلل الفن‪ ،‬واقعا ً آخر جديدا ً ل‬ ‫يخضع إل لمنطق هواه ونزواته‪ ،‬أويعود إلى الساطير باحثا ً عن‬ ‫خلصه في حكمة العصور الخوالي‪ ،‬كما عبر غديون في مكان‬ ‫آخر من دراسته المارة الذكر‪.‬‬ ‫إن هذه الشهادات‪ -‬وسنكتفي بها لئل نقع في استطراد‬ ‫مخل‪ -‬تدلنا على المنابع الساسية للفن الوروبي الحديث‪.13 -‬‬ .‫ويقول آلن روب غرييه‪ ،‬أحد رواد ما يسمى بالرواية‬ ‫الجديدة‪ ،‬مفسرا ً انفصال فنه عن الواقع‪:‬‬ ‫"إن معاني العالم الذي حولنا الن ليست إل‬ ‫جزئية ومؤقتة ومتناقضة وقابلة دائما ً للنقاش‬ ‫والبحث‪ ،‬فكيف يستطيع العمل الفني إذن أن يدعي‬ ‫تصوير معنى معروف مسبق مهما كان هذا المعنى؟‬ ‫هل للواقع معنى؟ إن الفنان المعاصر ل يستطيع أن‬ ‫يجيب عن هذا السؤال‪ .

14 -‬‬ .‬من أين وإلى أين"؟( ول تفريطا ً بالصالة‪،‬‬ ‫فقد أخذت المم الوروبية بدورها فن المسرح عن الغريق‬ ‫ولم تبتدعه ابتداعًا‪ ،‬ولكن هذا ل يقلل‪ ،‬بطبيعة الحال‪ ،‬من‬ ‫أصالة مسرح شكسبير أو ثربانتس أو غوغول أو غيرهم من‬ ‫كبار الكتاب المسرحيين الوروبيين‪.‬وهكذا فإن وجود‬ ‫عناصر درامية في تراثنا ل يعني أننا عرفنا المسرح‪ ،‬لن هذه‬ ‫العناصر بقيت في طورها الجنيني ولم تتطور لتصبح فنا ً‬ ‫مستقل ً له نظريته ونماذجه وكّتابه‪ ،‬كما كان المر مع المسرح‬ ‫الغريقي القديم‪.‬ولم يكن ذلك خطأ )كما‬ ‫زعم الكاتب السوري الدكتور سلمان قطاية في كتابه‬ ‫"المسرح العربي‪ .‬‬ ‫ماذا نعني‪ ،‬إذن‪ ،‬حين نتحدث عن ضرورة ربط‬ ‫المسرح بالتراث؟ إننا نعني‪ ،‬بالدرجة الولى‪ ،‬أن‬ ‫يلتفت كتابنا المسرحيون إلى تاريخنا وأدبنا‬ ‫ومأثوراتنا الشعبية يستمدون منها موضوعات‬ ‫وأفكارا ً وشخصيات لعمالهم المسرحية على نحو ما‬ ‫فعل شعراء المسرح الغريقي الكلسيكي حين‬ ‫استقوا مادة مسرحهم من تراثهم الشعبي العظيم‪.‬‬ ‫ولكن الرتباط بالتراث يتخذ عند بعض المعنيين بالمسرح‬ ‫عندنا مدلول ً آخر‪ ،‬فهم يريدون للمسرح‪-‬باسم الصالة القومية‪-‬‬ ‫‪.‫وجدت أساسا ً للتعبير عن مضمون آخر مختلف نوعيًا؟ ثم‬ ‫أليس من دواعي التهكم أن نتحدث‪ ،‬في الوقت نفسه‪ ،‬عن‬ ‫الصالة والترابط العضوي بين المضمون والشكل؟‬ ‫إن هذه المقدمة‪-‬وقد طالت‪ -‬كانت ضرورية قبل‬ ‫النتقال إلى قضية التراث والمعاصرة في المسرح‬ ‫العربي‪ ،‬فتطور المسرح مرتبط بمجمل تطور حياتنا‬ ‫الثقافية‪ ،‬وقد كان من الطبيعي‪ ،‬وقد انساقت آدابنا‬ ‫وفنونا خلل ربع القرن الخير مع النزعة "العدمية"‬ ‫السائدة في الفن الوربي الحديث‪ ،‬أن ينساق معها‬ ‫المسرح كذلك‪ ،‬وإن اتخذ انسياقه هذا في بعض‬ ‫الحيان مظهر الحرص الشديد على الصالة القومية‪.‬ومن الثابت أننا‬ ‫أخذنا مفهوم المسرح وقواعده وتقاليده عن الوروبيين‪،‬‬ ‫وبخاصة عن المسرح الفرنسي الكلسيكي والرومانسي‬ ‫)كورني وموليير وهوغو ودوما… الخ(‪ ،‬الذي أتيح لرواد مسرحنا‬ ‫الوائل‪ ،‬كمارون النقاش وأبي خليل القباني ومحمد عثمان‬ ‫جلل‪ ،‬أن يتصلوا به ويتعلموا منه‪ ..‬وليس لهذا في الواقع كبير أهمية‪ ،‬فما من شعب في‬ ‫الدنيا لم يمارس طقوسا ً وشعائر ذات شبه بالمسرح‪ ،‬وما من‬ ‫أدب قومي في الدنيا ل يضم حكايات وشخصيات ومواقف‬ ‫يمكن اتخاذها مادة لعرض مسرحي‪ .‬‬ ‫وقد تبدو الفكرة الخيرة غريبة ومتناقضة ولكني‬ ‫سأوضحها في مكانها من السياق‪.‬‬ ‫لبد لنا ونحن نتحدث عن التراث والمعاصرة في مسرحنا‬ ‫العربي من أن نشير أول ً إلى أن العلقة مع التراث تتخذ في‬ ‫هذا المجال شكل ً آخر غير الشكل الذي تتخذه في مجال‬ ‫الشعر مث ً‬ ‫ل‪ .‬بل إن بين علماء الجتماع‬ ‫من يذهب إلى أن الحياة نفسها مسرح كبير‪ ،‬يتقمص فيه‬ ‫الناس‪ ،‬في كثير من الحوال‪ ،‬شخصيات غير شخصياتهم‬ ‫الحقيقية وينطقون فيه بكلم أعدوه من قبل‪ .‬‬ ‫وخلل السنوات الخيرة قيل كلم كثير حول الشواهد‬ ‫الدالة على أن الحضارات القديمة في وادي الرافدين ومصر‬ ‫والحضارة العربية السلمية قد عرفت في طقوسها وشعائرها‬ ‫الدينية ونصوصها الدبية واحتفالتها الدنيوية بعض عناصر‬ ‫المسرح‪ .‬فالمسرح من الفنون الحديثة النشأة عندنا‪ ،‬إذ ل‬ ‫يذهب تأريخه إلى أبعد من القرن الماضي‪ .

‬وكثيرا ً ما يشار في هذا‬ ‫الصدد إلى كتابات الجاحظ ومقامات الهمذاني وخيال الظل‬ ‫كمصادر لهذا المسرح "الصيل" المقترح‪ .‬‬ ‫وليست الدعوة إلى بناء نظرية جديدة للمسرح‬ ‫العربي قوامها مقامات بديع الزمان ورقص‬ ‫الدراويش وخيال الظل وما أشبه إل رافدا ً واحدا ً من‬ ‫مجموعة روافد فكرية جديدة تخللت الحياة المسرحية‬ ‫العربية في السنوات الخيرة‪ .‬‬ ‫ولعل أبرز التيارات المناوئة للمسرح الرسطوطاليسي‬ ‫في الوطن العربي اليوم تيار المسرح الملحمي‪ .‬‬ ‫وحين نتقصى هذه الروافد فسنجد أنها جميعا ً‬ ‫ذات منابع أوروبية‪ .‬والواقع أن المفهومين مختلفان تماما ً‬ ‫والعلقة الوحيدة بينهما هي أن بريشت كان ماركسيًا! ول‬ ‫تسمح طبيعة هذا المقال بالتوسع في شرح فكرة التغريب‬ ‫عند ماركس )وقد درجنا على ترجمتها بكلمة استلب( واختلفها‬ ‫عن فكرة التغريب البريشتي )التي يفضل البعض ترجمتها‬ ‫‪.15 -‬‬ .‬‬ ‫ومع أن تلمذة بريشت في بلدنا كثيرون‪ ،‬إل أن المرء يكتشف‪،‬‬ ‫وكله دهشة‪ ،‬أن نظرية المسرح الملحمي التي أسهب‬ ‫بريشت في شرحها ليست واضحة تماما ً في أذهان دعاتها‪.‬وسنجد –وهذا هو الهم‪ -‬أنها‬ ‫انبثقت ضمن سياق اجتماعي وعقلي مختلف‪.‬وتتخذ هذه الدعوة‬ ‫صورة متطرفة في كتاب الدكتور قطاية الذي سبقت الشارة‬ ‫إليه‪ ،‬فبعد مناقشة سطحية ومليئة بالمغالطات لعناصر‬ ‫المسرح الوروبي التقليدي‪ ،‬يخلص المؤلف إلى أن وجود النص‬ ‫الدرامي والجمهور غير ضروري للمسرح وأن التمثيل هو‬ ‫العنصر الضروري الوحيد لكي يكون المسرح مسرحًا! وبدل ً‬ ‫من هذه العناصر غير الضرورية يقترح قطاية مسرحا ً جديدا ً‬ ‫يعتمد على المقامات وخيال الظل وحلقات الذكر ورقص‬ ‫السماح وصندوق الدنيا!‬ ‫قد يتبادر إلى الذهن‪ ،‬للوهلة الولى‪ ،‬أن دعوة الدكتور‬ ‫قطاية هذه وليدة المغالة في الحرص على الصالة‪ ،‬ولكن‬ ‫القارئ الذي أتيح له أن يطلع على نظريات المسرح الوروبي‬ ‫الحديث سرعان ما سيكتشف أن ثورة الدكتور قطاية على‬ ‫الدراما الرسطوطاليسية ليست إل صدى متأخرا ً للراء التي‬ ‫نادى بها الممثل الفرنسي انتونين آرتو منذ أربعين عاما ً في‬ ‫كتابه المسرح وبديله‪ .‬الخ( وأن يستعيض عنها‬ ‫بركائز أخرى يستمدها من التراث‪ .‬‬ ‫ويحضرني مثال قريب‪ ،‬ففي الذكرى الثمانين لميلد برتولد‬ ‫بريشت‪ ،‬التي مرت بنا مؤخرًا‪ ،‬كتب أكثر من فنان مسرحي‬ ‫عراقي حول ارتباط مفهوم التغريب عند بريشت بمفهوم‬ ‫التغريب عند ماركس‪ .‬ويستمد‬ ‫المسرح الملحمي نفوذه الكاسح في بلدنا من كونه مسرحا ً‬ ‫سياسيا ً ملتزما ً بالضافة إلى كونه بدعة جديدة في المسرح‪.‫أن يتخلى عن كل ركائز الدراما الرسطوطاليسية )الحبكة‪،‬‬ ‫الشخصيات‪ ،‬وحدة الفعل‪ ،‬الحوار‪ .‬وهي روافد تنتهي‬ ‫جميعا ً إلى مصب واحد‪ :‬رفض الدراما‬ ‫الرسطوطاليسية والبحث عن أشكال جديدة‬ ‫للمسرح‪.‬فقد دعا آرتو في كتابه هذا‪ ،‬الذي أصبح‬ ‫على حد تعبير أحد النقاد الغربيين إنجيل المسرح الجديد بعد‬ ‫الحرب العالمية الثانية‪ ،‬إلى تحرير المسرح من طغيان الكلمة‬ ‫ونبذ روائع الماضي والعودة إلى ما سماه آرتو بالمحاكاة‬ ‫السحرية لحركات الجسم البشري‪ ..‬وهذا ما عنيته حين قلت إن‬ ‫النسياق مع النزعة العدمية في الفن البورجوازي الغربي‬ ‫تنتحل لنفسها أحيانا ً مظهر الحرص الشديد على الصالة‬ ‫القومية‪.

‬وهو‬ ‫لذلك ل يريد للمتفرج أن يندمج في المسرحية‪ ،‬أو هو‬ ‫على القل ل يريد له أن يندمج فيها ذلك الندماج‬ ‫الذي ينسيه نفسه ويمنعه من التفكير في القضية‬ ‫المعروضة أمامه‪.‬وهذا ما نلمسه بوضوح في صرخة أنتونين آرتو‬ ‫الحتجاجية "إننا لسنا أحرارًا‪ ،‬فقد تنقض السماء فوق‬ ‫رؤوسنا في أية لحظة‪ .‫بكلمة إبعاد(‪ ،‬ولكنا سنكتفي بالشارة إلى أن الستلب عند‬ ‫ماركس هو مفهوم فلسفي تمتد جذوره إلى فلسفة هيغل‪،‬‬ ‫أما التغريب عند بريشت فهو تقنية مسرحية يراد بها عزل‬ ‫المتفرج عاطفيا ً عما يجري على منصة المسرح والحيلولة بينه‬ ‫وبين الندماج في جو المسرحية‪ .‬ولبرتولد بريشت تجارب طريفة في هذا الصدد‬ ‫فعندما فكر في تقديم مسرحية شكسبير العظيمة "روميو‬ ‫وجولييت" على المسرح أضاف إليها ما يكشف عن الوجه‬ ‫الخر لبطلها ويبدد الهالة الرومانسية التي أحاطه بها المؤلف‪،‬‬ ‫إذ نرى روميو في أحد المشاهد يهدد فلحا ً بائسا ً بالطرد من‬ ‫أرضه لنه عاجز عن دفع المبلغ الذي يريد روميو جمعه من‬ ‫الفلحين لشراء هدية ثمينة لحبيبته جولييت!‬ ‫على أن بريشت‪ ،‬وقد التقى بانتونين آرتو في‬ ‫تشخيص مشكلة النص المسرحي القديم‪ ،‬ل يلبث أن‬ ‫يسير في طريق مختلف تمامًا‪ .‬‬ ‫وإذ نعود إلى كتابات بريشت النظرية تتكشف لنا العوامل‬ ‫التي دفعته إلى رفض القواعد الرسطوطاليسية‪ ،‬فقد لحظ‬ ‫بريشت –كما لحظ انتونين آرتو في الفترة نفسها تقريبًا‪ -‬أن‬ ‫معظم الروائع الكلسيكية التي تقدم على المسرح ل تعطي‬ ‫المتفرج المعاصر فكرة صادقة عن حياته ومشاكله‪ ،‬فهي‬ ‫مكتوبة لزمنة أخرى غير زماننا )في رأي آرتو(‪ ،‬أو هي مكتوبة‬ ‫من وجهة نظر الطبقات التي سيطرت على المجتمع في‬ ‫مراحل تطوره المختلفة )في رأي بريشت(‪ .‬وقد رأى بريشت أنه يستطيع‬ ‫سرد الروائي‬ ‫تحقيق التغريب الذي يريده باستخدام وسائل ال ّ‬ ‫على المسرح‪ ،‬ومن هنا جاءت تسمية المسرح الملحمي‬ ‫التي يبدو أنها‪ ،‬هي الخرى‪ ،‬ليست واضحة تماما ً في بعض‬ ‫الذهان‪.16 -‬‬ .‬‬ ‫‪.‬وقد رأى انتونين‬ ‫آرتو أن يحسم المشكلة بالدعوة إلى نبذ النصوص المسرحية‬ ‫القديمة جملة‪ ،‬فرفع شعاره المشهور "ل روائع قديمة بعد‬ ‫اليوم"‪ ،‬أما بريشت فقد وجد للمشكلة علجا ً آخر هو إعادة‬ ‫كتابة الروائع القديمة وعرضها بطريقة تكشف عن جوانب‬ ‫الواقع التي أغفلها المؤلف وتساعد المتفرج على رؤية‬ ‫الحقيقة‪ .‬‬ ‫وإلى هنا تبدو المشكلة التي واجهها كل من بريشت وآرتو‬ ‫متعلقة بمدى صدق النطباع الذي ينقله المسرح عن الواقع‪،‬‬ ‫فقد لحظ الرجلان )وكلهما بنى نظريته في فترة ما بين‬ ‫الحربين العالميتين( أن المسرح الوروبي مشغول بنصوص‬ ‫قديمة ليست لها علقة وثيقة‪ ،‬أو ل علقة لها على الطلق‪،‬‬ ‫بالحقائق المقلقة التي كانت تزخر بها الحياة الوربية في تلك‬ ‫الفترة‪ .‬أما بريشت فيرفض مبدأ "التطهير"‬ ‫الرسطوطاليسي واضعا ً مكانه مبدأ "التعليم"‪ .‬فإذا كان آرتو يعترض‬ ‫على الدراما الرسطوطاليسية‪ ،‬فإنه يتفق مع‬ ‫أرسطو على أن غاية المسرح هي التطهير أو ما‬ ‫يشابهه‪ ،‬فمسرح القسوة الذي دعا إليه آرتو هو‬ ‫مسرح يكشف للناس عن نوازع الشر الكامنة في‬ ‫نفوسهم‪ ،‬وبذلك يساعدهم على كبحها والسيطرة‬ ‫عليها‪ .‬والمسرح إنما وجد ليعلمنا‬ ‫هذا قبل كل شيء"‪.

‬‬ ‫والواقع أن بريشت‪ ،‬الذي كان –خلفا ً لرتو‪ -‬كاتبا ً دراميا ً‬ ‫عظيما ً قد نقض بكتاباته المسرحية جوهر نظريته حول‬ ‫التغريب‪ ،‬إذ خلق‪-‬خلفا ً لرادته‪ -‬شخصيات درامية حية ل يملك‬ ‫المرء إل أن يتجاوب معها عاطفيًا‪.‬وما يقال عن مسرح ابسن يصدق إلى حد كبير‬ ‫على مسرح برناردشو الذي عالج قضايا عصرنا بكثير من لعمق‬ ‫والذكاء‪ ،‬وقد كان شو أسبق من بريشت إلى توكيد ضرورة‬ ‫المناقشة الفكرية في المسرح الحديث‪ ،‬ولكنه لم يجابه *صعوبة‬ ‫في إدارة هذه المناقشة ضمن الطار الدرامي المألوف‪.17 -‬‬ .‬الخ‪ .‬‬ ‫هل نمضي في تعداد المثلة؟ ل ضرورة لذلك‪ ،‬بالتأكيد‪،‬‬ ‫فرجل المسرح يستطيع أن يستحضر إلى ذاكرته‪ ،‬دون عناء‪،‬‬ ‫الكثير‪ ،‬من العمال المسرحية الحديثة التي لم تمنعها حبكتها‬ ‫الرسطوطاليسية من استيعاب قلق العصر وأزماته وصراعاته‪.‬‬ ‫وهكذا فليس سهل ً أن نسلم مع بريشت بأن الدراما‬ ‫الرسطوطاليسية لم تعد تلئمنا وأن رسم صورة دقيقة للعالم‪-‬‬ ‫على حد تعبيره‪ -‬يستلزم نوعا ً جديدا ً من التأليف للمسرح‪.‬وو‪:‬‬ ‫‪.‬بل إننا لم نقدم إلى الجمهور‬ ‫حتى الن من ألوان المسرح الدرامي الرسطوطاليسي ما‬ ‫يسمح له بالموازنة والحكم على التجارب الجديدة التي نقدمها‬ ‫إليه‪. The Quintessence of Ibsenism‬‬ ‫‪.‬‬ ‫ومهما يكن من أمر فإن من الغلو في الدعاء أن يقول‬ ‫قائل إن الشكل الدرامي الرسطوطاليسي قد ضاق عما نريد‬ ‫تقديمه على المسرح‪ ،‬لننا لم نستنفد إمكانات هذا الشكل كما‬ ‫استنفدها الكتاب الوروبيون‪ ،‬ولم نبلغ فيه ذروة تسمح لنا‬ ‫بالنتقال إلى غيره من الشكال‪ .‬‬ ‫*‬ ‫وووو وووووو وووو وووووو ووو وووو وووو و‪ .‬‬ ‫كما أنه يستطيع أن يتذكر الكثير من "الروائع" الكلسيكية التي‬ ‫مازلنا‪ ،‬رغم اختلف البيئة والعصر‪ ،‬نجد فيها نفوسنا وقضايانا‪،‬‬ ‫ولول ذلك لما بقيت حية متجددة على خشبات المسارح‪.‬ولكننا‬ ‫نستطيع أن نتذكر في هذا السياق أن مسرح هنريك ابسن‬ ‫)الذي كان صارما ً في تقيده بقواعد الدراما الرسطوطاليسية(‬ ‫أحدث دويا ً هائل ً في أوروبا بأسرها في الربع الخير من القرن‬ ‫الماضي عندما وجه ضربات عنيفة إلى أقوى المؤسسات‬ ‫الجتماعية وأرسخها‪ :‬الكنيسة‪ ،‬النظام الرأسمالي‪ ،‬الصحافة‪،‬‬ ‫السرة‪ .‫وهنا يخطر للمرء أن يتساءل‪ :‬ما العلقة بين قوانين‬ ‫الدراما الرسطوطاليسية وبين عجز المسرح الوروبي في‬ ‫الفترة المشار إليها عن التجاوب مع مشكلت الواقع؟ هل‬ ‫اتسعت الحياة الحديثة وتعقدت إلى الحد الذي ل تستطيع‬ ‫الدراما‪ ،‬بقواعدها المقررة‪ ،‬احتواءه‪ ،‬أم أن المسرح قام منذ‬ ‫البداية على أسس خاطئة؟‬ ‫وهذه‪ ،‬بالطبع أسئلة ل يمكن حسمها بكلمة عابرة‪ .‬‬ ‫ومن المثلة القريبة العهد في هذا الصدد مسرحية جون‬ ‫أوزبورن المعروفة أنظر وراءك بغضب‪ ،‬فهذه المسرحية‬ ‫ذات البناء الرسطوطاليسي التقليدي لم تكن حدثا ً مسرحيا ً‬ ‫وحسب‪ ،‬بل كانت في الوقت نفسه حدثا ً اجتماعيا ً ساعد على‬ ‫تفتيت التزمت الجتماعي النكليزي وجعل المواقف‬ ‫الخلقية في المجتمع أكثر تسامحا ً‪ -‬على حد تعبير‬ ‫الناقد مارتن إيسلن‪..

‬ولكن هذه‬ ‫الكلمة ل تطمح إلى الشمول‪ ،‬وإنما هي مجرد دعوة إلى إعادة‬ ‫النظر‪ ،‬دعوة إلى وعي الذات‪.‬وربما كان‬ ‫مسرح العبث الوجودي جديرا ً بأن نتوقف عنده‪ ،‬لن بعض‬ ‫مفاهيمه قد تسللت إلى أدبنا وممارستنا المسرحية‪ ،‬وإن لم‬ ‫يتحول إلى تيار ذي شأن في نشاطنا المسرحي‪ .‫لماذا سارعنا‪ ،‬إذن‪ ،‬إلى تبني نظرية المسرح الملحمي‬ ‫بكل هذا الندفاع؟ إنها –أعيد القول‪ -‬نزعة النسياق مع كل تيار‬ ‫جديد في الثقافة الوروبية‪ .18 -‬‬ .‬ونزعة الهدم المستمر التي تسود‬ ‫ثقافة العالم الرأسمالي في أيامنا هذه‪ .‬ول ينبغي أن نغفل‬ ‫عامل ً آخر مهما ً هو أن الشكال الجديدة‪ -‬أو اللأشكال‪ ،‬إذا شئنا‬ ‫الدقة في التعبير‪ -‬تعفي الفنان‪ ،‬أيا ً كان المجال الذي يعمل‬ ‫فيه‪ ،‬من المحاسبة‪ ،‬لن المحاسبة متعذرة مع غياب أية معايير‬ ‫متفق عليها‪.‬‬ ‫ءءءءء ‪1978‬‬ ‫‪‬‬ ‫‪.‬‬ ‫إن هذه الوقفة عند بعض الروافد الغربية التي تسربت إلى‬ ‫حركتنا المسرحية في السنوات الخيرة قد تطول كثيرا ً إذا‬ ‫حاولنا أن نستقصي كل الروافد ونردها إلى منابعها‪ .

‬بيد أن تعاليم‬ ‫أرسطوطاليس حول التراجيديا قد تعرضت لكثير من التحريف‬ ‫وسوء الفهم على يد اليطالي لودوفيكو كاستلفيترو )‪-1505‬‬ ‫‪ (1571‬الذي نسب إلى الفيلسوف اليوناني أفكارا ً لم يقل بها‬ ‫قط‪ ،‬كزعمه –مث ً‬ ‫ل‪ -‬أن زمن التمثيل يجب أن يتطابق تماما ً مع‬ ‫زمن الفعل )‪ (action‬الذي تشتمل عليه المسرحية‪ ،‬وأن‬ ‫أحداث المسرحية يجب أن تدور في مدة أقصاها اثنتا عشرة‬ ‫ساعة‪ ،‬وأن مكان الفعل ينبغي أن يكون واحدا ً ل يتغير‪ .‬وكان ذلك‬ ‫أمرا ً طبيعيًا‪ ،‬فكتاب "فن الشعر" يدور حول التراجيديا‬ ‫والملحمة‪ ،‬في المقام الول‪ ،‬وهما لونان من التأليف الدبي لم‬ ‫يكن يعرفهما العرب آنذاك‪ .‬ومع ذلك فقد كان للفلسفة العرب –ولسيما ابن‬ ‫رشد‪ -‬فضل تنبيه الوربيين إلى خطورة هذا الكتاب‪ ،‬الذي أصبح‬ ‫منذ القرن السادس عشر مرشد العاملين في المسرح وفي‬ ‫النقد المسرحي والدبي على السواء‪ .‬وقد ظفر‬ ‫الكتاب باهتمام الفلسفة العرب في العصر الوسيط‪ ،‬وعلى‬ ‫رأسهم ابن سينا وابن رشد‪ ،‬اللذان حاول شرح ما أراده‬ ‫أرسطوطاليس في كتابه‪.‬ومن‬ ‫*‬ ‫ووو ووووووو وووو وووو وووووو ووووو ووووووو‬ ‫وووووو وووووووووووو ووووو ووووو وووو ووووووو وو‬ ‫ووووووووو ووووووو‪ .‫ملمح أساسية‬ ‫في كتاب "فن الشعر" لرسطوطاليس‬ ‫بالرغم من أن كتاب أرسطوطاليس الشهير "فن‬ ‫الشعر" )‪ (Poetics‬قد وصل إلينا بصورة ناقصة‪ ،‬مشوشة‪ ،‬مما‬ ‫حمل أغلب الدارسين على العتقاد بأنه ليس أكثر من‬ ‫ملحظات موجزة دونها الفيلسوف ليستعين بها في تدريس‬ ‫طلبه‪ ،‬فإن هذا الكتاب الصغير هو –بإجماع الراء‪ -‬أهم وثيقة‬ ‫في تاريخ النقد الدبي بأسره‪ .‬وقد اختفى هذا الكتاب‪ ،‬في‬ ‫جملة ما اختفى من مؤلفات الفيلسوف العظيم بعد وفاته‪،‬‬ ‫وظل مهمل ً في خزائن الدولة البيزنطية عصورا ً مديدة حتى‬ ‫اكتشفه العرب في القرن العاشر الميلدي وقام المترجم‬ ‫السرياني متى بن يونس القنائي بنقله إلى العربية*‪ .‬ووو ووو ووووووو وووو وووو ووو‬ ‫وووو وووو ووو وووو‪.‬وفضل ً عن ذلك فقد كان المسرح‬ ‫الكلسيكي )الغريقي والروماني( قد انقرض منذ أمد بعيد‪،‬‬ ‫وبالتالي فلم تعد ثمة شواهد حسية تمكن الباحثين العرب من‬ ‫معرفة معنى التراجيديا والكوميديا‪ ،‬وهكذا انصرفت أذهانهم‬ ‫إلى أن التراجيديا هي شعر المديح وأن الكوميديا هي شعر‬ ‫الهجاء‪ .19 -‬‬ .‬‬ ‫ولكن ل المترجمون السريانيون ول الفلسفة العرب‬ ‫استطاعوا أن يفهموا الكتاب على الوجه الصحيح‪ .‬‬ ‫‪.

‬ومن‬ ‫المألوف أن تجري وقائع الفصل الواحد من المسرحية في‬ ‫إطار زمني ضيق‪ .‬فإذا عدنا بعد ذلك إلى ما يسمى بوحدة‬ ‫المكان فإننا لن نجد لها أي ذكر في كتاب أرسطوطاليس‪،‬‬ ‫الذي نحن بصدده‪.‬ولكننا ل نريد لهذا البحث أن‬ ‫يكون استعراضا ً شامل ً لما أورده أرسطوطاليس في كتابه‪،‬‬ ‫*‬ ‫‪1‬‬ ‫وووو "ووووو" ووووو وووو ووووو وووو ووووو وووووووو‬ ‫وووو ووو وووو وووووو وووووو وو ووووووو وووو ‪-68‬‬ ‫‪.‬أما وحدة الزمان فإن سندها الوحيد إشارة‬ ‫عابرة‪ ،‬وردت في الفصل الخامس من كتابه في معرض‬ ‫المقارنة بين التراجيديا والملحمة‪ .20 -‬‬ . chapter 5‬‬ ‫‪.Aristotle.‬ومن المعروف أن‬ ‫هذا الكتاب يركز اهتمامه‪ ،‬بالدرجة الولى‪ ،‬على التراجيديا‪،‬‬ ‫ولكن أهميته في الواقع تتخطى ذلك بكثير‪ ،‬حتى ليمكن أن‬ ‫يقال‪ ،‬دونما تزيد‪ ،‬أنه أول كتاب يضع نظرية شاملة للفنون‪،‬‬ ‫أساسها المحاكاة والثر السايكولوجي الخاص الذي يحدثه‬ ‫العمل الفني في نفس المتلقي‪ .‬وقد نبه بوالو‪ ،‬في قصيدته تلك‪ ،‬شعراء‬ ‫التراجيديا إلى ضرورة التقيد بالوحدات الثلث )وحدة الفعل‪،‬‬ ‫وحدة الزمن‪ ،‬وحدة المكان( انسجاما ً مع العتقاد السائد بأن‬ ‫أرسطوطاليس وهوراس قد أوصيا بذلك‪ ،‬فضل ً عن أن هذا –‬ ‫كما اعتقد بوالو ومعاصروه‪ -‬وهو ما يقتضيه منطق الطبيعة‬ ‫وقوانين العقل‪ ،‬التي كانت دستورا ً يسترشد به الكلسيكيون‬ ‫الفرنسيون‪ .‬وستغدو هذه الشارة مفهومة إذا وضعنا‬ ‫في حسابنا أن التراجيديا الغريقية كانت تؤلف‪ ،‬في العادة‪،‬‬ ‫حلقة واحدة من ثلثية ذات موضوع عام واحد‪ .H. poetics.(1‬وواضح من هذه العبارة أن‬ ‫الفيلسوف اليوناني لم يصغ قانونا ً يلزم كتاب الدراما بحدود‬ ‫زمنية معينة‪ ،‬وإنما أشار إلى لمحة من ملمح المسرح‬ ‫التراجيدي الغريقي‪ . Butcher.‬‬ ‫ولنعد‪ ،‬بعد هذه التوطئة التي طالت بعض الشيء‪ ،‬إلى‬ ‫نقطة البدء‪ ،‬أي إلى كتاب فن الشعر نفسه‪ . Trans By S.‬والواقع أن أرسطوطاليس لم‬ ‫يتحدث في فن الشعر عن شيء اسمه الوحدات الثلث بل‬ ‫وقف بالتحديد عند وحدة الفعل التي سنتطرق إليها في ما‬ ‫يلي من حديث‪ .‬‬ ‫ويبرز‪ ،‬على نحو خاص‪ ،‬في هذا الصدد اسم الشاعر والناقد‬ ‫الفرنسي نيكول بوالو وقصيدته الشهيرة فن الشعر )‪L. Art‬‬ ‫‪ (Poetique‬الصادرة عام ‪ ،1674‬والتي نسج فيها على منوال‬ ‫الشاعر الروماني هوراس الذي سبقه في عرض آرائه النقدية‬ ‫في قالب شعري‪ .‬وبالتالي فهي‬ ‫تشبه أن تكون فصل ً من مسرحية ذات فصول ثلثة‪ .1769‬‬ ‫)( ‪.‬وقد‬ ‫ظلت مفاهيم الكلسيكية الفرنسية الجديدة‪ ،‬التي ادعت‬ ‫لنفسها الحرص الشديد على وصايا أرسطوطاليس وهوراس‪،‬‬ ‫سائدة في المسرح الوربي حتى أصدر الناقد اللماني الكبير‬ ‫غوتهولد أفرايم ليسنغ كتابه الذائع الصيت الفن المسرحي في‬ ‫هامبورغ فبدد به الكثير من الوهام المتوارثة عن أرسطو‬ ‫وكتابه فن الشعر ووجه إلى المسرح الكلسيكي الفرنسي‪-‬‬ ‫وإلى مسرح فولتير بخاصة‪ -‬ضربات موجعة سرعان ما أدت‬ ‫إلى انهياره وظهور الدراما البورجوازية الحديثة‪ ،‬التي كان‬ ‫ليسنغ نفسه من روادها الوائل*‪ .‬وقد بلغ من تمسك هؤلء بما عرف بمبدأ الوحدات‬ ‫الثلث أن فولتير‪ ،‬الذي اطلع على أعمال شكسبير خلل إقامته‬ ‫في لندن‪ ،‬عده كاتبا ً بربريًا‪ ،‬لنه لم يلزم نفسه بهذا المبدأ‪ .‫هنا نشأت فكرة الوحدات الثلث التي تمسكت بها الكلسيكية‬ ‫الجديدة في فرنسا وحولتها إلى قانون ملزم لكتاب الدراما‪.‬وتقول عبارة أرسطو‬ ‫بالحرف الواحد‪" :‬إن التراجيديا تحاول‪ ،‬قدر المستطاع‪،‬‬ ‫شمسية واحدة‪ ،‬أو أن تتجاوز‬ ‫أن تقيد نفسها بدورة‬ ‫هذا الحد تجاوزا ً طفيفا ً")‪ .

(3‬وفوق ذلك فإن المحاكاة تعود على النسان‬ ‫بالمعرفة‪ ،‬والمعرفة ل تسر الفلسفة وحدهم‪ ،‬بل الناس بوجه‬ ‫عام‪ .‬وبالتالي فإن الفنون ليست إل‬ ‫محاكاة لمحاكاة‪ ،‬وهذا ما يجعلها بعيدة عن الحقيقة بثلث‬ ‫درجات‪ .‬وكان هذا‪ ،‬في‬ ‫نظر أفلطون‪ ،‬مدعاة لحتقار الفنون‪ ،‬فالواقع الذي ندركه‬ ‫بالحواس ل يعدو‪ ،‬في رأيه‪ ،‬أن يكون صورة باهتة لعالم المثل‬ ‫الزلي الذي يدرك بالعقل‪ .‬‬ ‫‪.‬‬ ‫تمثل المحاكاة )‪ -(Mimesis‬كما أسلفنا‪ -‬الساس‬ ‫المشترك للفنون في رأي أرسطوطاليس‪ ،‬فنحن نقرأ في‬ ‫الصفحة الولى من كتابه هذه الفقرة‪" :‬وهكذا‪ ،‬فإن الشعر‬ ‫الملحمي والتراجيدي‪ ،‬وكذلك الكوميديا والشعر‬ ‫الديثرامبي‪ ،‬والجزء الكبر من العزف على الناي‬ ‫والمزهر‪ -‬كلها بوجه عام‪ ،‬ضروب من المحاكاة‪،‬‬ ‫تختلف فيما بينها في ثلثة أمور‪ :‬فهي تحاكي إما‬ ‫مختلفة‪(2،‬أو أشياء مختلفة‪ ،‬أو بطريقة‬ ‫بوسائل‬ ‫مختلفة مغايرة") ‪.‬على أن أبعاد نظرية المحاكاة عند‬ ‫أرسطوطاليس تتكشف‪ ،‬بنحو خاص‪ ،‬في المقارنة الشهيرة‬ ‫التي أجراها بين الشعر والتأريخ‪ ،‬ففي الفصل التاسع من فن‬ ‫‪2‬‬ ‫‪3‬‬ ‫)( وووووو ووو وووووو وو ووووووو ووووووووو ووووو "وو‬ ‫ووووو" وووو ووو ووو ووووووو ووووووو ءءءءءء وو‬ ‫وووو وووووووو ووووووو و ‪2‬و ‪.‬ويتوقف‬ ‫أرسطوطاليس عند هذه النقطة في الفصل الثاني من كتابه‪،‬‬ ‫موضحا ً أن الختلف في طرق المحاكاة يتجّلى‪ ،‬ل في‬ ‫الشعر والرسم وحسب‪ ،‬بل حتى في الرقص وفي العزف على‬ ‫الشبابة والمزهر‪ .‬على أن الهم من ذلك كله أن المحاكاة‪ ،‬عند‬ ‫أرسطوطاليس‪ ،‬ل تعني النقل الحرفي للطبيعة والواقع‬ ‫الملموس‪ ،‬فالفن ليس مجرد مرآة تعكس الشياء بصورة آلية‪،‬‬ ‫خالية من البداع‪ ،‬كما يزعم أفلطون في جمهوريته‪ ،‬لن‬ ‫للفنانين‪-‬ومنهم الشعراء بالطبع‪ -‬طرائق مختلفة في‬ ‫المحاكاة‪ ،‬كما يفهم من الفقرة التي أثبتناها آنفًا‪ .‬‬ ‫مفهوم المحاكاة عند أرسطوطاليس‪.‬ويميل الباحثون‪ ،‬بوجه عام‪،‬‬ ‫إلى العتقاد بأن ما كتبه أرسطوطاليس عن المحاكاة وعن‬ ‫مكانة الشعر وبقية الفنون بين ضروب النشاط العقلي‬ ‫المختلفة إنما هو رد غير مباشر على آراء أفلطون هذه‪.21 -‬‬ .1993‬‬ ‫)( وووو ووووو وووووو وو وووو "وو ووووو"‬ ‫ووووووووووو‪.‬‬ ‫وتنبغي الشارة إلى أن مفهوم المحاكاة‪ ،‬الذي يرتبط في‬ ‫الذهان بأرسطوطاليس‪ ،‬ليس من ابتداعه في الواقع‪ ،‬فقد‬ ‫سبقه أستاذه أفلطون إلى اعتبار الشعر والفنون التشكيلية‬ ‫ضروبا ً من المحاكاة للطبيعة والواقع المادي‪ .‬فل عجب إذا كان أفلطون قد أوصد أبواب جمهوريته‬ ‫الفاضلة في أوجه الشعراء وأشبعهم تقريعا ً في الفصل العاشر‬ ‫من كتاب الجمهورية‪ ،‬وإن كان قد جنح بعد ذلك إلى شيء من‬ ‫التساهل معهم في كتاب القوانين‪ .‫فهذه غاية يصعب إدراكها في نطاق بحث محدود كهذا‪ ،‬وإنما‬ ‫يهمنا أن نقف وقفة متريثة أمام ثلث ركائز أساسية تقوم‬ ‫عليها نظرية الدراما عند أرسطوطاليس‪ ،‬وهي‪ :‬المحاكاة‪،‬‬ ‫الوحدة العضوية‪ ،‬التطهير‪.‬‬ ‫فالمحاكاة عند أرسطوطاليس ليست مثلبة للشاعر أو‬ ‫الفنان‪ ،‬لن الناس ميالون بطبيعتهم إلى محاكاة الخرين‪ ،‬وهم‬ ‫يستمتعون برؤية الشياء المحكية حتى لو كانت هذه الشياء‬ ‫بحد ذاتها ل تسر الناظر‪ ،‬كالحيوانات المقززة أو جثث‬ ‫الموتى)‪ .

1978. Aesthetic.‬ءءءءءءو‬ ‫وووو وووو ووووووو ووووو‪.‬من هنا كان الشعر أوثق ارتباطا ً بالفلسفة‬ ‫من التأريخ‪ ،‬فالتراجيديا‪-‬التي بنى عليها الفيلسوف اليوناني‬ ‫تصوراته –ل تعنى بالتفاصيل والجزئيات لذاتها‪ ،‬وإنما تتخذ منها‬ ‫معبرا ً إلى ما هو كلي شامل‪ ،‬كصراع النسان مع القدر‪ -‬كما‬ ‫في أوديب الملك‪ -‬أو تحديه لمشيئة اللهة‪ -‬كما في‬ ‫برومثيوس المقيد‪ . p.‬إنما‬ ‫الفرق في أن الول يتحدث عن أشياء وقعت بالفعل‪،‬‬ ‫أما الثاني فعن أشياء كان يمكن أن تقع‪ .‬ولهذا فإن‬ ‫الشعر أدنى إلى الفلسفة وأخطر شأنا ً من التاريخ‪،‬‬ ‫يتحدث‪ ،‬في الغالب‪ ،‬عن الكلي‪ ،‬أما التأريخ‬ ‫فالشعر‬ ‫فعن الجزئي")‪.‬وبعبارة‬ ‫أخرى‪ ،‬فإن مهمة الشاعر ل تنحصر في نقل الواقع العياني نقل ً‬ ‫حرفيًا‪ ،‬مثلما تعكس المرآة الصور‪ ،‬بل هي بناء واقع جديد‪،‬‬ ‫ممكن التحقق‪ ،‬استنادا ً إلى المبادئ الكلية التي تحكم الطبيعة‬ ‫والسلوك البشري‪ .‬والواقع أن كلمة‬ ‫‪ ،mimesis‬كما يصر كثير من الباحثين‪ ،‬ل تؤدي هذا المعنى‬ ‫كروتشه يذهب‬ ‫بالضبط‪ ،‬فالفيلسوف اليطالي المعروف بنديتو‬ ‫إلى أنها تعني شيئا ً وسطا ً بين المحاكاة والتصوير)‪ ،(5‬بينما‬ ‫يرى وولتر كاوفمان‪ ،‬وهو فيلسوف أمريكي معاصر‪ ،‬أن كلتا‬ ‫المفردتين ل تؤديان المعنى المقصود بدقة‪ ،‬وإن كانت كلمة‬ ‫تصوير تلئم بعض المواضع في فن الشعر أكثر من كلمة‬ ‫محاكاة‪ . :‬‬ ‫‪. :‬‬ ‫‪.22 -‬‬ .‬ولكاوفمان منطقه السديد في هذا الصدد‪ ،‬فهو‬ ‫يتساءل‪" :‬حتى لو سلمنا بالفرضية القائلة بأن‬ ‫الملحمة والتراجيديا والكوميديا "تحاكي" شيئا ً ما‪-‬‬ ‫فماذا يحاكي الشعر الديثرامبي؟ وماذا يحاكي الجزء‬ ‫الكبر من موسيقى الناي والمزهر"؟)‪ . p37‬‬ ‫‪. 1992. Croce. Tragedy and philosophy. 3rd edition. Boston. New jersy.(4‬‬ ‫ومدلول هذه الفقرة مما ل يحتمل اللبس‪ ،‬فمهمة الشاعر‬ ‫أن يتحدث ل عما وقع بالفعل‪ ،‬بل عما يمكن أن يقع‪ .‬ومن السذاجة أن يتوهم أحد أن‬ ‫سوفوكليس واسخيلوس قد صورا في هاتين المسرحيتين‬ ‫وقائع عايشاها بأنفسهما ونقلها إلى القارئ –أو المتفرج‪ -‬بدقة‬ ‫وأمانة‪.‬‬ ‫ولبد لنا‪ ،‬قبل أن ننتقل إلى النقطة التالية من حديثنا‪ ،‬من‬ ‫أن نتوقف عند كلمة ‪ mimesis‬الغريقية‪ ،‬التي جرت العادة‬ ‫بترجمتها إلى "محاكاة" بالعربية و ‪ imitation‬بالنجليزية وما‬ ‫يماثل هذه وتلك في اللغات الخرى‪ .‫الشعر يقول ما نصه‪" :‬يتضح مما قيل كذلك أن مهمة‬ ‫الشاعر أن يتحدث ل عما وقع بالفعل‪ ،‬بل عما يمكن‬ ‫أن يقع‪ ،‬أي عما هو ممكن بمقتضى الحتمال أو‬ ‫الضرورة‪ .157‬‬ ‫)( وووو‪Walter Kaufmann. Nonpareil Books.princeton.‬فالشاعر والمؤرخ يختلفان ل في أنهما‬ ‫يتحدثان بكلم موزون أو منثور‪ ،‬إذ أن مؤلف‬ ‫"هيرودوت" يمكن أن يصاغ في أبيات موزونة‪ ،‬ولكنه‬ ‫سيظل تأريخا ً ما‪ ،‬سواء أكان منظوما ً أو منثورًا‪ .‬‬ ‫)( وووو‪B.(6‬ولنا أن نضيف‬ ‫إلى تساؤلت كاوفمان أن أرسطوطاليس ل يكتفي بإدراج‬ ‫الموسيقى في عداد الفنون المحاكية بل يؤكد في الفصل‬ ‫الثامن من كتاب السياسة أنها أقدر الفنون جميعا ً على‬ ‫المحاكاة!‬ ‫ولعل في ما أوردناه ما يكفي للتدليل على أن‬ ‫أرسطوطاليس ل يستخدم كلمة ‪ mimesis‬دوما بالمعنى الذي‬ ‫‪4‬‬ ‫‪5‬‬ ‫‪6‬‬ ‫)( وووووو ووو وووووو وو ووووو ووووووووو و‪ .

‬وإذ نفهم كلمة ‪ mimesis‬على هذا الوجه يتضح لنا‬ ‫السبب الذي جعل بعض المفكرين المعاصرين‪ ،‬ومنهم‬ ‫الفيلسوف اللماني هانس غ‪ . p17‬‬ ‫)( ووووو وو وووو ووووو وووووووو وووووووو وووو‪.‬وطبقا ً للمبدأ المذكور‪ ،‬يجب أن‬ ‫يكون هذا الفعل موحدًا‪ ،‬متكام ً‬ ‫ل‪ ،‬وأن ترتب أجزاؤه )أو تبنى‬ ‫حبكته( على نحو يجعل تغيير أحد الجزاء أو حذفه سببا ً في‬ ‫تغيير الكل وتخلخله‪ . Aesthetics and the Bounds :‬‬ ‫‪.‬‬ ‫)( وووووو وو ووووووو ووو ووو ووووووو وو وووووو‬ ‫وووووو ووو وو "ءءءءءءءءء" ووووووووو ووو وووو‬ ‫وووووووووو‪.‬‬ ‫ولكي نستكمل مستلزمات الحبكة الدرامية عند‬ ‫‪7‬‬ ‫‪8‬‬ ‫‪9‬‬ ‫‪10‬‬ ‫)( وووو‪peter J.‬وترينا القراءة المدققة للفصل الثامن‬ ‫من كتاب فن الشعر أن هذا المبدأ ل يخص التراجيديا وحدها‪،‬‬ ‫بل يتعداها إلى سائر الفنون المحاكية الخرى‪ .‬‬ ‫‪ -2‬مفهوم الوحدة العضوية عند أرسطوطاليس‪.‬‬ ‫ولكن… متى تكون الحبكة موحدة؟‬ ‫يجيبنا أرسطوطاليس عن هذا السؤال في الفصل الثامن‬ ‫من كتابه بقوله‪" :‬تكون الحبكة موحدة‪ ،‬ل عندما تتعلق‬ ‫بشخص واحد‪ ،‬كما يظن البعض‪ ،‬فالشخص الواحد قد‬ ‫تحدث له أمور كثيرة‪ ،‬ل حصر لها‪] ،‬ولكنها[ ل تؤلف‬ ‫أي وحدة‪ .‬‬ ‫)( ووووو وو وووو ووووو وووووووو وووووووو وووووو‪.‬فالعمل الفني‬ ‫الواحد‪ ،‬أو المحاكاة الواحدة‪ -‬كما يقول الفيلسوف‪ -‬إنما تكون‬ ‫لشيء واحد‪ ،‬ولهذا وجب أن تكون موحدة‪ ،‬متكاملة‪ .‬وقد نكون أقرب إلى فهمه إذا ترجمنا هذه‬ ‫المفردة في معظم السياقات التي وردت فيها إلى "تقديم‬ ‫صور عن الحياة" )‪ -(representations of life‬كما يقترح هاملتون‬ ‫فايف‪ ،‬وهو واحد ممن ترجموا كتاب فن الشعر إلى‬ ‫النجليزية‪ . Ithaca and London.‬‬ ‫يؤلف مفهوم وحدة العمل الفني‪ -‬أو الوحدة العضوية‪ ،‬كما‬ ‫يسميها النقاد المعاصرون‪ -‬حجر الزاوية في فلسفة‬ ‫أرسطوطاليس الجمالية‪ .(7).‬لنه ما ل يؤدي حضوره أو غيابه إلى‬ ‫اختلف ملموس ل يعد جزءا ً من الكل‪.‬‬ ‫‪.‬كذلك يمكن أن يقوم الشخص الواحد‬ ‫بأفعال كثيرة دون أن ينتج عنها فعل واحد متكامل‪.‬وبقدر ما‬ ‫يتعلق المر بالتراجيديا )ونستطيع هنا أن نعمم فنقول‪ ،‬الدراما‬ ‫بوجه عام( فإنها محاكاة لفعل‪ . 1990.‫قصد إليه أفلطون‪ .‬‬ ‫"ولكن هوميروس‪ ،‬الذي يتفوق في نواح كثيرة أخرى‪ ،‬قد‬ ‫أدرك هذا المر كذلك إدراكا ً جيدًا‪ ،‬على ما يبدو‪ ،‬سواء بفضل‬ ‫الوذيسية" لم يصور‬ ‫البراعة أو بفضل الموهبة‪ .23 -‬‬ .of art.‬‬ ‫أخطأ جميع أولئك)‪(9‬الشعراء الذين‬ ‫ولهذا‪ ،‬كما يبدو‪،‬‬ ‫نظموا "الهيرقليدا")‪ (8‬و"الثيسيدا" وغيرهما من‬ ‫القصائد المماثلة‪ ،‬ظنا ً منهم بأنه ما دام هرقل واحدا ً‬ ‫وجب أن تكون الحبكة موحدة كذلك‪.‬فعندما ألف "‬ ‫كل ما وقع للبطل‪ -‬كإصابته بجرح في اليارناس)‪ ،(10‬أو تظاهره‬ ‫بالجنون عند احتشاد الجيوش‪ ،‬لن أيا ً من هاتين ]الحادثتين[ ل‬ ‫تقع بالضرورة أو على سبيل الحتمال عند وقوع الخرى‪ -‬وإنما‬ ‫على الفعل الواحد‪ ،‬الذي نتحدث عنه‪ ،‬وكذلك‬ ‫بنى الوذيسية‬ ‫)‪(11‬‬ ‫فعل في اللياذة"‪. Modernity.‬غادامير‪ ،‬يطالبون برد العتبار‬ ‫المعجم النقدي‪ ،‬الذي‬ ‫إلى هذا المصطلح وإعادة إدراجه في‬ ‫أقصي عنه منذ أواخر القرن الثامن عشر‪.Mc Comick.

‬‬ ‫وتكمن أهمية هذا التعريف‪ ،‬الذي نقله المترجمون إلى‬ ‫اللغات الخرى على أوجه متعددة‪ ،‬في أمرين أساسيين‪ :‬أولهما‬ ‫أنه حدد خصوصية الفن الدرامي بأنه محاكاة بالفعل ل‬ ‫بالسرد‪ ،‬وذلك تمييزا ً له عن الفنون الدبية الخرى‪ ،‬كالملحمة‬ ‫والشعر الغنائي‪ .‬والمهم أن يؤلف العمل الفني‪ ،‬أيا ً كان‬ ‫نوعه‪ ،‬بنية تامة مترابطة‪ ،‬تذكرنا بترابط أعضاء الجسد الحي‪،‬‬ ‫ومن هنا جاء مصطلح الوحدة العضوية الذي يستخدمه النقد‬ ‫المعاصر‪ .3‬مفهوم التطهير عند أرسطوطاليس‪..‬وهذا بالضبط ما يعنيه مصطلح وحدة‬ ‫الفعل الذي يسيء البعض فهمه فيترجمونه بوحدة الحدث‪،‬‬ ‫على ما بين تلك وهذه من اختلف بّين‪.‬على أن هذه‬ ‫الوحدة ل ينبغي بالضرورة أن تكون وحدة فعل‪ ،‬فالفنون ل‬ ‫تحاكي الفعال وحدها‪ ،‬بل تحاكي المشاعر والنطباعات‬ ‫والفكار والخيلة كذلك‪ .‫أرسطوطاليس ونقف على مدى أهميتها بالقياس إلى العناصر‬ ‫الخرى في التأليف الدرامي‪ ،‬نجد من الضروري أن نعود عودة‬ ‫قصيرة إلى الفصل السابع من فن الشعر‪ ،‬حيث يشير‬ ‫الفيلسوف إلى أن ترتيب الحداث‪-‬أي الحبكة‪ -‬هو العنصر الول‬ ‫والهم في التراجيديا‪ ،‬مضيفا ً أن التراجيديا هي محاكاة لفعل‬ ‫كلي تام‪ ،‬وأن الكلي هو ما يتألف من بداية ووسط وختام‪.‬وقد ترك لنا مؤلف فن الشعر مقياسا ً بالغ الدقة‬ ‫لمدى تحقق الوحدة في العمل الفني حين قال‪" :‬إن ما ل‬ ‫حضوره أو غيابه إلى اختلف ملموس ل يعد جزءا ً من‬ ‫يؤدي‬ ‫)‪(12‬‬ ‫الكل"‪.‬وهكذا فإن التراجيديا هي محاكاة لفعل‬ ‫جدي) ‪ ،‬تام‪ ،‬ذي حجم معين‪ ،‬بلغة محسنة‪ ،‬تختلف‬ ‫باختلف الجزاء‪ ،‬وهي محاكاة بالفعل ل بالسرد‪،‬‬ ‫خلل الرثاء والخوف تطهيرا ً من المشاعر‬ ‫تحدث من‬ ‫)‪(14‬‬ ‫المماثلة‪.‬‬ ‫يتضح مما تقدم أن أرسطوطاليس يضع الحبكة في‬ ‫المرتبة الولى بين عناصر العمل الدرامي‪ ،‬وهو يشترط في‬ ‫الحبكة الدرامية أن تقوم على فعل تام مترابط‪ ،‬تتعاقب‬ ‫أجزاؤه على نحو يجعل من الواقعة السابقة سببا ً أو تمهيدا ً‬ ‫للواقعة التي تليها‪ .‬‬ ‫في الفصل السادس من فن الشعر يقدم لنا‬ ‫أرسطوطاليس تعريفه الشهير التالي للتراجيديا‪:‬‬ ‫‪(13.‬‬ ‫‪ .‬وثانيها أنه اشتمل‪ ،‬لول مرة في تاريخ النقد‬ ‫الدبي والفني‪ ،‬على تفسير سايكولوجي للثر الذي يحدثه الفن‬ ‫التراجيدي عند المتلقي‪ ،‬وذلك في حديثه عن الرثاء والخوف‬ ‫اللذين تثيرهما التراجيديا في النفوس وما يعقب ذلك من‬ ‫تطهير‪ .‬‬ ‫ءءءءءء‪.‬وووووووو وووو وووو ووووووو ووووو‪.‬‬ ‫)( وووو وو وووو "ووو" وو وووو ووو ووووووووووووووووو‬ ‫وو ووووءءءءءو وووووووو وووو ووووو وو ووووو ووووو‬ ‫ووووووو ووو "ووو ءءءء" وو وو وووو وو ووو وووووو‪.24 -‬‬ .‬‬ ‫ولوحدة الفعل في الدراما ما يقابلها في الفنون المحاكية‬ ‫الخرى فالوحدة شرط لبد منه لكل عمل فني‪ .‬‬ ‫‪.‬وقد شغلت فكرة التطهير الرسطوطاليسية هذه‬ ‫والسياق الغامض الذي وردت فيه اهتمام الباحثين لقرون‬ ‫‪11‬‬ ‫‪12‬‬ ‫‪13‬‬ ‫‪14‬‬ ‫)( وو وووووو ووووو ووووووو ووووو ووووووووو و‪.‬‬ ‫)( وووو ووووو وووووو وو وووو "وو ووووو"‬ ‫ووووووووووو‪..‬‬ ‫)( وو ووووو و‪ .

‬‬ ‫ويمضي غوته في تفسير رأيه قائ ً‬ ‫ل‪ :‬إذا كان الشاعر قد‬ ‫قام‪ ،‬من جانبه‪ ،‬بمهمته‪ ،‬بأن أثار قضايا مهمة‬ ‫وحسمها على نحو مقبول‪ ،‬فإن أفكارا ً مماثلة‬ ‫]لفكاره[ ستخطر للمتفرج في هذه الحالة‪.131 -130‬‬ ‫)( وووو‪. Kaufmann.(16). Groce.B.‬وكان الشاعر اللماني الكبير غوته‬ ‫أحد الذين أدلوا بدلوهم في هذا الموضوع‪ .W. Tragedy and philosophy.s poeties.‬‬ ‫وكان الفيلسوف اليطالي كروتشه ممن تطرقوا إلى فكرة‬ ‫التطهير ولكنه لم يتوقف عندها طوي ً‬ ‫ل‪ ،‬بل اكتفى بقوله‪" :‬ل‬ ‫يمكننا أن ننكر بالمرة أنه )أي أرسطوطاليس( يمكن أن‬ ‫يكون قد استشف شيئا ً‬ ‫من‪(17‬الفكرة الحديثة حول ما‬ ‫للفن من طاقة تحريرية‪ )". 51 :‬‬ ‫‪.‬وليس لدينا ما‬ ‫يدعونا إلى العتقاد بأن سوفوكليس قد قصد إلى هذه الغاية‪. Wenning (the Great critics. p 840‬‬ ‫)( وووووو ووووو و ‪.‬ويدعم‬ ‫الدكتور نيتشيف رأيه هذا بشواهد عديدة يستمدها من كتاب‬ ‫الفصل الثالث عشر من‬ ‫فن الشعر نفسه‪ ،‬ول سيما ما ورد في‬ ‫الكتاب حول الغلطة التراجيدية للبطل‪ (18).‬‬ ‫ولعل أصدق التفاسير التي قدمها المعاصرون وأقربها إلى‬ ‫وظيفة الفن الساسية هو رأي المريكي وليم كاوفمان الذي‬ ‫يقول‪" :‬عندما تفصح المعاناة عن نفسها في شعر‬ ‫رائع يتملكنا إحساس بالتحرر‪ ،‬لن حزننا الخرس‪،‬‬ ‫إلى( أقصى الحدود‪ ،‬يجد تعبيره ويحلق‬ ‫والمبهم‬ ‫)‪19‬‬ ‫بجناحين‪". Supplement to Aristotle.‬ويتلخص رأي غوته‬ ‫الضرورية لكل‬ ‫في أن التطهير يراد به الذروة الحاسمة‪،‬‬ ‫)‪(15‬‬ ‫دراما ولجميع النتاجات الشعرية في الواقع‪. 161‬‬ ‫)( ووووووو ءءءءءءو ووووو ووووووو ووووووووو ووووو‬ ‫"وو ووووو"و و ‪.‬وهذا رأي ل يخلو من‬ ‫الستعلء المألوف في كتابات كروتشه‪.‬‬ ‫ونحن مياليون إلى الخذ بهذا التفسير‪ ،‬لن التراجيديا‬ ‫الغريقية‪ ،‬التي استنبط أرسطوطاليس منها أحكامه‪ ،‬تستثير‬ ‫تلك المشاعر الليمة الكامنة وراء تخوم الوعي‪ ،‬والتي ينطوي‬ ‫عليها كل البشر‪ .‬‬ ‫ويخرج علينا الباحث البلغاري الكسندر نيتشيف برأي‬ ‫آخر‪ ،‬خلصته أن المتفرج يتعاطف مع البطال التراجيديين‬ ‫ويعتريه الخوف على مصائرهم لنه يتوهم في بداية المر أنهم‬ ‫أبرياء ل يستحقون المصير الذي ينتظرهم‪ ،‬ولكن الفعل‬ ‫التراجيدي يتطور باستمرار ليكتشف في النهاية‪ ،‬بما ل يقبل‬ ‫التأويل‪ ،‬أن البطال مذنبون وأن المشاعر اليجابية التي أحسها‬ ‫المشاهد حيالهم ل ترتكز إلى أساس‪ . :‬‬ ‫‪.25 -‬‬ .‬ولكن رغم كل‬ ‫الشواهد التي يوردها نيتشيف فإن تفسيره لفكرة التطهير‬ ‫يبدو غير مقبول‪ ،‬إذ ما من أحد‪ ،‬حتى أرسطوطاليس نفسه‪،‬‬ ‫يمكن أن يوافق على أن أوديب‪ ،‬الذي كتب عليه مصيره الفاجع‬ ‫حتى قبل ولدته‪ ،‬أو انتيغونا التي رفضت أن تترك جثة أخيها‬ ‫القتيل مرمية في العراء‪ ،‬قد نال العقاب الذي يستحقانه وأن‬ ‫تعاطفنا معهما يقوم على تصورات خاطئة‪ .Tarnslated by E.841‬‬ ‫)( وووو ‪. p.‫مديدة‪ ،‬ول سيما منذ أواخر عصر النهضة الوربية‪ ،‬وذهبوا في‬ ‫تفسيرها مذاهب مختلفة‪ . Aesthetic.‬والتراجيديا الغريقية عميقة في واقعيتها‪،‬‬ ‫رغم قشرتها الميثولوجية الخارجية‪ ،‬ذلك أنها تستمد موضوعاتها‬ ‫من المعاناة والمحن النسانية الزلية‪ ،‬كالتحول المفاجئ من‬ ‫‪15‬‬ ‫‪16‬‬ ‫‪17‬‬ ‫‪18‬‬ ‫‪19‬‬ ‫)( وووو‪Goethe. P.‬وهنا تحدث لحظة‬ ‫التطهير‪ ،‬أي لحظة التحرر من الرثاء والخوف‪ .(L.

‬وقد نواجه هنا‬ ‫اعتراضا ً يقول‪ ،‬إن أثر الموسيقى في النفوس يختلف عن أثر‬ ‫التراجيديا‪ ،‬وبالتالي فإن التطهير الذي ينجم عن سماعها هو‬ ‫شيء آخر غير التطهير التراجيدي‪ .‬ولنعد الن لنقرأ ما كتبه الفيلسوف في‬ ‫السياسة حول تأثير الموسيقى والتطهير الذي ينجم عنه‪:‬‬ ‫"إن العواطف التي تؤثر بقوة في بعض النفوس‬ ‫موجودة لدى الجميع بدرجات متفاوتة‪ ،‬كالرثاء )‪(eleos‬‬ ‫والخوف )‪ (phobos‬مث ً‬ ‫ل‪ ،‬وكذلك النشوة‪ .(Katharseos‬ولبد أن الناس الميالين‬ ‫إلى الشعور بالرثاء والخوف‪ ،‬والناس العاطفيين‬ ‫إجما ً‬ ‫ل‪ ،‬وغيرهم ممن تخامرهم عواطف مماثلة‪،‬‬ ‫يتأثرون بالطريقة نفسها‪ .‬وقلق المرء إزاء هذه‬ ‫المحن المحتملة‪ ،‬أو المؤكدة‪ ،‬هو جزء من الحياة الداخلية‬ ‫العميقة لجميع الناس‪ ،‬وإن كان انشغالهم بهمومهم اليومية‬ ‫الصغيرة قد ينسيهم‪ ،‬في الغالب‪ ،‬الطابع المأساوي لحياتهم‪.(Catharsis‬‬ ‫وثمة تفسير آخر قد يساعدنا على فهم ما عناه الفيلسوف‬ ‫اليوناني بالتطهير‪ .26 -‬‬ .‬غير أننا نستشف من‬ ‫كتاب السياسة أن المر واحد في الحالتين‪ ،‬فالمؤلف يعدنا في‬ ‫الفصل الثامن من الكتاب المذكور بأنه سيتناول موضوع‬ ‫التطهير بمزيد التفصيل في كتابه عن فن الشعر‪ .‬ول ندري‬ ‫هل نسي أرسطوطاليس ما وعد به‪ ،‬أم أنه لم يجد شيئا ً جديدا ً‬ ‫يضيفه إلى ما قاله في كتاب السياسة‪ ،‬فهو –كما لحظنا‪ -‬لم‬ ‫يشر في فن الشعر إلى التطهير إل إشارة عابرة‪ ،‬غامضة‪،‬‬ ‫حار فيها المفسرون‪ .‬وهذا كله مدعاة للشعور بالتحرر‬ ‫والرتياح‪.‫السعادة إلى الشقاء‪ ،‬وكفاح النسان من أجل تفادي ما تجيء‬ ‫به القدار‪ ،‬وصراعه المأساوي مع القوى الغاشمة التي تتحكم‬ ‫في مصيره‪ ،‬وبطلن المجد الدنيوي وغير ذلك من المتحانات‬ ‫القاسية التي لزمت النسان عبر تاريخه‪ .‬وإذا كان مقدرا ً له أن يواجه في حياته شيئا ً مما رآه‬ ‫في المسرح فهذا أمر بعيد‪ ،‬ونحن‪ -‬كما يقول أرسطوطاليس‬ ‫نفسه في الفصل الثاني من كتاب الخطابة‪ -‬ل نخاف المور‬ ‫فجميعنا‪(20‬نعلم أننا سنموت‪ ،‬ولكن لن هذا ليس‬ ‫البعيدة جدًا‪،‬‬ ‫قريبا ً فإننا ل نخافه‪ ).‬وهم بتعاطفهم مع البطل التراجيدي وخوفهم على‬ ‫مصيره إنما يتيحون لهذه الحزان والمخاوف الكامنة في‬ ‫أعماقهم فرصة الفصاح عن نفسها‪ ،‬وبذلك يتحرون منه مؤقتًا‪،‬‬ ‫وهذا ما يعنيه أرسطوطاليس بكلمة التطهير )‪.(1993‬‬ ‫‪.‬فالمشاهد الذي غادر المسرح لتوه بعد أن‬ ‫حضر مسرحية تراجيدية سرعان ما يثوب إلى نفسه ويفطن‬ ‫إلى أن الحداث المأساوية‪ ،‬التي عايشها وشارك فيها بتعاطفه‬ ‫وخوفه‪ ،‬ليست في الواقع سوى أحداث متخيلة ل تمس سلمته‬ ‫الشخصية‪ .‬وبعض الناس‬ ‫يستجيبون لهذه الخيرة بوجه خاص‪ ،‬فنحن نراهم‬ ‫يهدأون تحت تأثير الموسيقى والناشيد الدينية‪ ،‬التي‬ ‫تدفع النفوس إلى الجنون‪ ،‬كما لو كانوا قد عولجوا‬ ‫طبيا ً وتطهروا )‪ .‬فهم جميعا ً لبد أن يحسوا‬ ‫‪20‬‬ ‫)( ووووووووووو وووووووو ووووو وووووو )ووووووو‬ ‫ووووووووو وووووووو ءءءءءءو وووووو ‪.‬‬ ‫وما دمنا نتحدث عن تضارب الراء حول التطهير‬ ‫الرسطوطاليسي فمن المناسب أن نشير إلى أن أكثر‬ ‫الباحثين الذين تصدوا لهذه المشكلة لم يفطنوا إلى أن‬ ‫أرسطوطاليس قد تطرق إلى مفهوم التطهير بمزيد من‬ ‫السهاب والوضوح في كتاب السياسة‪ ،‬وذلك في معرض حديثه‬ ‫عن وظائف الموسيقى وأثرها في السامعين‪ .‬‬ ‫لكنهم حين يشاهدون عرضا ً تراجيديا ً فإنهم يجدون في كلمات‬ ‫الشاعر تعبيرا ً بليغا ً عن أحزانهم ومخاوفهم المكبوتة‬ ‫الخرساء‪ .

‬ووووووو و ‪.‬وأخيرا ً فإن تطهير النفس مما تراكم فيها من حزن‬ ‫ومخاوف يفضي إلى ارتياح ممتع‪ ،‬وهو ما نسميه في لغة‬ ‫النقد المعاصر بالمتعة الجمالية )‪.27 -‬‬ .‬‬ ‫ءءءءء ‪1998‬‬ ‫)‪(21‬‬ ‫‪‬‬ ‫‪21‬‬ ‫‪22‬‬ ‫)( ‪. New York.‫بتطهير )‪ (catharsis‬وبارتياح ممتع‪.76 -75‬‬ ‫‪.(aesthetical pleasurre‬‬ ‫ول نريد أن نغادر موضوعنا هذا قبل أن نشير إلى أن‬ ‫أرسطوطاليس لم يكن أول من اكتشف قدرة الفن على‬ ‫تطهير النفس مما يشوبها‪ ،‬وإن يكن له فضل الصياغة النظرية‬ ‫لهذه الفكرة‪ . 15 f.‬‬ ‫ويمكننا أن نخرج من هذا النص باستنتاجات عديدة‪ ،‬أولها‬ ‫أن التطهير‪-‬على رأي أرسطوطاليس‪ -‬ليس وقفا ً على‬ ‫التراجيديا وحدها‪ ،‬فالموسيقى تحدث بدورها تأثيرا ً مماثل ً في‬ ‫المتلقي‪ .‬وثانيها أن الناس جميعا ً ينطوون‬ ‫على مشاعر مؤلمة‪ ،‬بدرجة أو أخرى‪ ،‬ولكن العاطفيين منهم‬ ‫هم القدر على الحساس بما يحققه الفن للمتلقي من تطهير‬ ‫نفسي‪ .G.‬فقد روى القدمون أن فيثاغورس )القرن‬ ‫السادس قبل الميلد( كان يؤمن بما للفنون من قدرة على‬ ‫بالموسيقى والرقص‬ ‫إعادة التوازن النفسي‪ ،‬وكان يستعين‬ ‫)‪(22‬‬ ‫وبأشعار هوميروس وهسيود لبلوغ هذه الغاية‪. Grube. A.‬وقد يصدق هذا على فنون أخرى‪ ،‬وإن يكن‬ ‫الفيلسوف لم يشر إلى ذلك‪ . 1958‬‬ ‫)( وووو‪ :‬ووووو ووووو ووووووو وووووووو ووووووو‬ ‫ووووووووو وووو و‪ . M. on poetry and Style.

‬‬ ‫إن الدراما ليست في حقيقة المر إل نوعا ً من أنواع‬ ‫الدب‪ ،‬وهي أدب نستطيع أن نقرأه ونستمتع به في خلوتنا‬ ‫مثلما نستمتع بأي نص أدبي آخر‪ .‬فلكي تأخذ الدراما صورتها‬ ‫النهائية وتمارس تأثيرها القصى لبد لها من الممثل الذي‬ ‫يحولها إلى واقعة موضوعية ويبعث فيها نبض الحياة‬ ‫وحرارتها وأبعادها الحسية‪ .‬المسرح الشعري‬ ‫من عوامل التخلف الساسية في مسرحنا العراقي عجزه‬ ‫عن إدراك الصلة العضوية العميقة بينه وبين الدب‪ ،‬ففنانونا‬ ‫المسرحيون بوجه عام ل يعرفون‪ ،‬على ما يبدو‪ ،‬أنهم ليسوا‬ ‫في ختام المطاف سوى وسطاء بين المؤلف المسرحي‬ ‫والجمهور‪ ،‬وإن الحياة التي يحاول المسرح تجسيدها بوسائله‬ ‫المختلفة‪ -‬وأهمها فن الممثل بالطبع‪ -‬إنما هي حياة أبدعها‬ ‫خيال المؤلف المسرحي‪ .‬ولكن هذا ل يغير من الحقيقة‬ ‫الجوهرية القائلة بأن الدراما أصل والتمثيل فرع‪ ،‬لن الدراما‬ ‫تستطيع أن تكتفي بذاتها وتستغني عن الممثل بينما ليس لدى‬ ‫الممثل الكثير مما يفعله بدون نص درامي‪.‬من هنا نشأت الصلة الوثيقة بين الدراما وفن التمثيل‬ ‫واعتماد كل منهما على الخر‪ .‬صحيح أن المسرح استغنى عن‬ ‫النص الدبي في فترات معينة من تاريخه‪ ،‬فظهرت في أوربا‬ ‫خلل العصور الوسطى فرق الممثلين الجوالين الذين يقدمون‬ ‫فنهم المرتجل في الميادين العامة والبلطات على النحو‬ ‫الذي صوره شكسبير في الفصل الثالث من مسرحيته‬ ‫المعروفة مأساة هاملت أمير الدانمارك‪ ،‬وصحيح أن‬ ‫الملهاة الشعبية المرتجلة‪ ،‬أو كوميديا القنعة‪ ،‬التي ظهرت‬ ‫في أوربا خلل عصر النهضة‪ ،‬لم تكن تستند إلى نص أدبي‬ ‫مكتوب‪ ،‬ولكن من المؤكد أن فن المسرح ل يستمد نظريته‬ ‫وتقاليده العريقة ومكانه البارز في تاريخ الحضارة من هذه‬ ‫الروافد الجانبية الصغيرة‪ .‬وإنما يستمدها أساسًا‪ ،‬وقبل كل‬ ‫شيء‪ ،‬من التراث العظيم الذي خلفه أدباء المسرح الكبار منذ‬ ‫اسخيلوس‪ ،‬أول شاعر تراجيدي عظيم‪ ،‬حتى عصرنا الراهن‪.‬وهي بهذا‬ ‫تختلف عن القصة أو الرواية التي يتابعها القارئ بخياله‪ ،‬ل‬ ‫بحواسه‪ .‬‬ ‫ومن المؤسف أن هذه الحقيقة الولية‪ -‬أي حقيقة أن فن‬ ‫المسرح ليس في جوهره إل نصا ً أدبيا ً يتولى الممثل إيصاله‬ ‫إلى الجمهور‪ -‬تبدو غائبة عن أذهان الكثير ممن يعملون عندنا‬ ‫‪..‬ولكن الدراما تتميز عن غيرها‬ ‫من فنون الدب بأن روعتها ل تكتمل إل حين تتحول نصب‬ ‫أعيننا إلى فعل دينامي حي على منصة المسرح‪ .28 -‬‬ .‬ولكي تفصح موهبة الممثل عن‬ ‫قوتها ومداها لبد لها من حوافز تثيرها ومجرى يحتويها‪ ،‬وهذا‬ ‫ما يوفره لها النص الدرامي‪ .‫حول‪ .

‬‬ ‫فليس بين فنون العالم القديم ما يستأثر بالهتمام أكثر من‬ ‫التراجيديا الغريقية وليس بين فنون عصر النهضة ما يستأثر‬ ‫بالهتمام أكثر من التراجيديا الشكسبيرية‪ .‫في ميدان المسرح‪ ،‬ول أدل على ذلك ومن قلة حفول فناننا‬ ‫المسرحي بالدب وتطيره من النصوص الدرامية العالمية‬ ‫والعربية‪ ،‬وانكماشه أمام العربية الفصحى وعجزه –في‬ ‫الغالب‪ -‬عن أدائها بطلقة ويسر‪ .‬‬ ‫وقد يقال في تفسير عزوف شعرائنا عن الكتابة للمسرح‬ ‫أن المسرحية الشعرية فن صعب يتطلب‪ ،‬بالضافة إلى‬ ‫الموهبة‪ ،‬معرفة جيدة بأصول الفن الدرامي وأنها –فوق ذلك‪-‬‬ ‫فن أرستقراطي ل يستهوي إل فئات محدودة من الجمهور‪.‬ولو حاولنا استعراض ما كتبه‬ ‫شعراؤنا من أعمال شعرية للمسرح منذ نشأته عندنا في أواخر‬ ‫القرن الماضي حتى الن لخرجنا بحصيلة مؤسفة حقًا‪ ،‬فليس‬ ‫لدينا في هذا الباب إل محاولت قليلة يشكو معظمها من قلة‬ ‫الخبرة وضعف الصياغة الدرامية وإن كان بعضها قد أصاب‬ ‫حظا ً من التوفيق‪.‬ولعل أول ما يتبادر إلى الذهن أن ثمة مفارقة‬ ‫حادة في غياب المسرح الشعري عن بلد كان الشعر دوما ً في‬ ‫طليعة اهتماماته الثقافية وكان شعراؤه دوما ً من المبرزين بين‬ ‫الشعراء العرب‪ .‬ويكفي‬ ‫ن مسارح العاصمة لم‬ ‫لتصوير فداحة هذا الغياب أن نلحظ أ ّ‬ ‫تشهد خلل السنوات العشر الخيرة سوى مسرحية شعرية‬ ‫واحدة جاءت بها فرقة الموصل المسرحية إلى بغداد ولم‬ ‫تعرض للجمهور –على ما أذكر‪ -‬سوى مرة واحدة!‬ ‫وينبغي أن نضيف إلى ذلك أن زهد شعرائنا في الكتابة‬ ‫للمسرح ل يقل عن زهد مسرحيينا في الشعر والدب‪ ،‬فكل‬ ‫الفريقين قد أدار ظهره للخر غير ملتفت إلى ما بين هذين‬ ‫الفنين من أواصر النسب الوثيق‪ .‬ول أظنني أجانب الواقع إذا‬ ‫قلت إن من النادر أن نجد بين ممثلينا من يؤدي النصوص‬ ‫المكتوبة بالفصحى أداء طبيعيا ً سلسا خاليا ً من المشقة‬ ‫والعثار‪.‬ولكن المسألة أبعد من ذلك في الواقع‪،‬‬ ‫فالدراما الشعرية‪ -‬والتراجيديا الشعرية بالتحديد‪ -‬هي أنسب‬ ‫الشكال الدبية للتعبير عن الهموم الكبيرة في حياة المم‬ ‫وأكثرها اتصال ً بتاريخها القومي ووجدانها الحضاري وطبيعة‬ ‫إحساسها بالعالم‪ ،‬حتى ليمكن القول بأن المم العريقة وجدت‬ ‫ذاتها في التراجيديا الشعرية كما لم تجدها في أي فن آخر‪.‬‬ ‫وهذان سببان وجيهان دون شك‪ ،‬ولكنهما لم يحول دون ظهور‬ ‫الدراما الشعرية وتطورها إلى حد ما في بلدان عربية أخرى‪-‬‬ ‫كمصر مث ً‬ ‫ل‪ -‬مما يجعلنا نرجح أن السبب الساسي في عزوف‬ ‫شعرائنا عن ولوج هذا الميدان هو ما ذكرناه من تقطع الوشائج‬ ‫وبعد الشقة عندنا بين الدب والمسرح‪ ،‬وهي شقة تزداد عمقا ً‬ ‫واتساعا ً مع اليام‪.‬ويمكننا ونحن‬ ‫نتقصى الوشائج بين التراجيديا الشعرية وخلفيتها التاريخية‬ ‫خلل هاتين الفترتين أن نضع أيدينا على الكثير من المور ذات‬ ‫‪.‬‬ ‫ومن أدلة ضعف الصلة عندنا بين المسرح والدب غياب‬ ‫الدراما الشعرية غيابا ً تاما ً عن منصة مسرحنا الوطني‪ .‬‬ ‫وهذا ما تؤكده تجربة المسرح الغريقي في القرن الخامس‬ ‫قبل الميلد وتجربة المسرح النجليزي في العصر الليزابثي‪.29 -‬‬ .‬‬ ‫وقد يعن للمرء أن يتساءل ما الذي أدى إلى كل هذا‬ ‫التباعد عندنا بين الدب والمسرح‪ ،‬وهذا حديث قد أعود إليه‬ ‫في فرصة أخرى‪ -‬وهو حديث ذو شجون على أية حال‪ -‬أما الن‬ ‫فإني أريد الوقوف عند موضوع آخر‪ ،‬هو غياب المسرح‬ ‫الشعري عن حياتنا الثقافية وما ينطوي عليه هذا الغياب من‬ ‫معان سلبية‪ .

‬ول ينبغي‪ ،‬ونحن نتحدث عن‬ ‫أوجه التماثل بين عصر أثينا الذهبي والعصر الليزابثي‪ ،‬أن‬ ‫تفوتنا الشارة إلى ما شهده كل العصرين من تحولت دينية‬ ‫وسياسية وما زخرا به من تناقضات وصراعات فكرية حادة بين‬ ‫قوى اجتماعية استنفدت دورها التاريخي وأخرى فتية تسعى‬ ‫إلى تثبيت قيمها الجديدة وإدارة دفة التطور الجتماعي في‬ ‫التجاه الذي تريده‪ .‬كما أن من السهل أن نتبين‪ ،‬في ملمح‬ ‫"برومثيوس" الذي يتحدى كبير اللهة "زفس" )في تراجيديا‬ ‫اسخيلوس المعروفة( شخصية المقاتل الثيني الذي تحدى‬ ‫عتو المبراطور الفارسي وهزمه في سهل الماراثون‪ .‬م( التي تمكنت فيها أثينا بمفردها من‬ ‫إلحاق الهزيمة بعدو يفوقها كثيرا ً في العدة والعدد‪ .‬وولدت‬ ‫التراجيديا الشكسبيرية بعد انتصار النجليز على السبان )عام‬ ‫‪588‬م( وتحطيمهم أسطول الرمادا الشهير قرب السواحل‬ ‫البريطانية‪ .‬وقد أشار‬ ‫اسخيلوس نفسه إلى عمق ارتباط التراجيديا بالتراث حين‬ ‫قال‪ ،‬في عبارة مأثورة‪ ،‬إن كتاباته وكتابات زملئه من الشعراء‬ ‫التراجيديين ليست إل فتاتا ً من موائد هوميروس العظيمة‪.‬وقد انهمكت التراجيديا‪ ،‬كما انهمك‬ ‫الفكر الفلسفي خلل هذين العصرين‪ ،‬في بحث هذه القضايا‬ ‫النسانية الكبرى‪ .‬فقد ولدت التراجيديا الغريقية‬ ‫بعد أن انتصر اليونانيون على جيوش المبراطورية الفارسية‬ ‫الغازية في ثلث مواقع فاصلة‪ ،‬أولها موقعة الماراثون‬ ‫الشهيرة )عام ‪ 490‬ق‪.‬‬ ‫والشيء نفسه يمكن أن يقال عن التراجيديا الشكسبيرية‪ ،‬التي‬ ‫ولدت هي الخرى في عصر تميز بالتعطش إلى المعرفة‬ ‫وبتراكم الخبرة البداعية‪ ،‬فقد بدأ شكسبير من حيث انتهى‬ ‫كريستوفر مارلو وأفاد مما هيأه له عصره من أسباب الطلع‬ ‫على التاريخ والتصال بثقافات المم الخرى‪ .‬ومن السهل أن نتبين العلقة بين الهول والمعاناة‬ ‫والجلل المأساوي التي هي أبرز سمات التراجيديا الشعرية‬ ‫وبين نظائرها في هذه الحداث التاريخية التي سبقت ظهور‬ ‫التراجيديا‪ .‬ومما ل شك فيه‬ ‫أن شكسبير ما كان ليجد المادة التاريخية الضرورية لكتابة‬ ‫يوليوس قيصر وكوريولنوس وأنطوني وكليوباترا لو لم يجد في‬ ‫متناول يده كتاب بلوتارك عن حياة عظماء الغريق والرومان‬ ‫مترجما ً إلى النكليزية بقلم السرتوماس نورث‪ ،‬وما كان ليكتب‬ ‫مكبث وريتشارد الثالث وبقية مسرحياته المستمدة من التاريخ‬ ‫النجليزي لو لم يمهد له رافاييل هولنشيد السبل بما كتبه‬ ‫عن تاريخ إنجلترا واسكوتلندا‪ .‬ولو‬ ‫مضينا في المقارنة بين الفترتين المذكورتين لوجدنا أن كلتيهما‬ ‫كانت تتسم بحيوية فكرية شديدة ونشاط إبداعي متعدد‬ ‫الجوانب‪ ،‬وإن الدراما الشعرية لم تزدهر فيهما بمحض الصدفة‬ ‫بل جاءت ضمن سياق حضاري هيأ السباب لنشأتها وازدهارها‪.30 -‬‬ .‫الدللة‪ .‬ولكن التراجيديا تميزت عن الفلسفة في إنها‬ ‫لم تحول مشكلت الوجود النساني إلى تصورات ميتافيزيقية‬ ‫‪.‬‬ ‫فقد ظهرت التراجيديا الغريقية بعد أن قطع الغريق القدامى‬ ‫أشواطا ً متناسقة في ميادين الفلسفة والعلوم والفنون والتربية‬ ‫السياسية والجتماعية‪ ،‬فكان شعرهم التراجيدي تعبيرا ً عن‬ ‫مرحلة ناضجة من مراحل وعيهم الحضاري‪ .‬لقد كان كل هذين العصرين عصر تحد‬ ‫واستجابة وقلق وصراع وتحول‪ ،‬وكان ذلك كله خليقا ً بأن‬ ‫يستفز الذهان ويدفعها إلى إعادة النظر في نسق القيم التي‬ ‫تقوم عليها العلقات النسانية وفي النظم السياسية‬ ‫والمعتقدات الدينية‪ ،‬وإلى تأمل التجربة النسانية بمختلف‬ ‫أبعادها والبحث عن الحوافز العميقة للسلوك البشري وما‬ ‫ينجم عنه من خير أو شر‪ .‬ولعل أول ما تجدر ملحظته في هذا الصدد أن مولد‬ ‫التراجيديا العظيمة في هاتين الفترتين جاء عقب امتحانات‬ ‫تاريخية عصبية‪ ،‬خرج الشعب منها منتصرًا‪ ،‬موفور الثقة بنفسه‬ ‫وبقدرته على مجابهة التحديات‪ .

‬‬ ‫و‪ -‬وووووو ووووووو وووووو ووووو وووو‬ ‫وووووو وووو‪.‬‬ ‫و‪ -‬وووووو وووووووو ووووووو ووووووووو‬ ‫ووووووووو وووووو وووو ووووو وووووووو‬ ‫وووووووووو ووووووو‪.‬ولعل الهتمام الجزئي الذي حظيت به المسرحية‬ ‫الشعرية في بعض أقطار الوطن العربي‪ ،‬ول سيما في مصر‪،‬‬ ‫بعد ظهور حركة الشعر الحديث في أواسط القرن كان من‬ ‫بعض وجوهه استجابة لهذا الواقع التاريخي‪ ،‬وإن يكن من ناحية‬ ‫أخرى غير مقطوع الصلة بمحاولت إحياء المسرح الشعري في‬ ‫أوروبا وتعاظم الهتمام –من جانب النقاد الغربيين بوجه خاص‪-‬‬ ‫بمسرحيات ت‪.‬ومن هنا كانت التراجيديا ظاهرة شغلت‬ ‫صوها بكثير من التأمل والتحليل‪.‬‬ ‫الفلسفة أنفسهم فخ ّ‬ ‫ويمكننا أن نلحظ مما تقدم‪-‬على ما فيه من إيجاز‬ ‫وابتسار‪ -‬أن الخلفية التاريخية لمولد التراجيديا وازدهارها قد‬ ‫تميزت بثلث سمات أساسية‪:‬‬ ‫‪-1‬ووووو ووووو وووو ووووووو ووووووو‪.31 -‬‬ .‬‬ ‫ول ريب أن اقتراب الدراما الحديثة من الواقع اليومي‬ ‫المباشر وانصرافها إلى معالجة قضايا الناس العاديين من أبناء‬ ‫الطبقات الوسطى والكادحة كان تطورا ً ثوريا ً هاما ً فرضته‬ ‫التحولت التاريخية نفسها‪ ،‬وهو تطور أغنى المسرح بكثير من‬ ‫الروائع‪ ،‬ولكنه –في الوقت عينه‪ -‬قاد المسرح في أحيان كثيرة‬ ‫إلى التنازل عن طبيعته الخاصة التي تتطلب بعدا ً معينا ً عن‬ ‫الحياة‪.‬‬ ‫ومن السهل أن نرى أن هذه الخلفية التاريخية بأركانها‬ ‫الثلثة –العراقة والتحدي والتحول –شاخصة في واقعنا العربي‬ ‫الراهن‪ .‫مجردة‪ ،‬بل تناولتها بصورتها العيانية الملموسة ووضعت‬ ‫النسان بكل أشواقه وطموحاته وهمومه ومخاوفه في صميم‬ ‫تجربة الوجود‪ .‬س‪ .‬‬ ‫وليس المقصود بهذا البعد أن ينسلخ المسرح عن الحياة‬ ‫ويسترسل في الخيال والتجريب‪ ،‬وإنما يقصد به الحتفاظ‬ ‫بمسافة معينة بينه وبين الواقع العياني المباشر ليتسنى له أن‬ ‫يرى هذا الواقع بصورته الكلية وليغدو –كما عبر جورج‬ ‫لوكاتش‪ -‬تعبيرا ً مركزا ً عن اتجاهات معينة في الحياة نفسها‪.‬اليوت وكريستوفر فراي ولوركا وغيرهم‬ ‫من شعراء المسرح المعاصر‪.‬وهذا الحساس الذي برز بقوة منذ نهاية‬ ‫الحرب العالمية الخيرة يمكن تفسيره بأن الدراما‬ ‫"البورجوازية" الحديثة‪ ،‬التي ظلت لزمن طويل اللون الطاغي‬ ‫على المسرح‪ ،‬قد أسرفت في القتراب من الواقع والتفرس‬ ‫في جزئياته وتفاصيله إلى الحد الذي باتت معه غير قادرة على‬ ‫أن تنظر إلى النسان والوجود تلك النظرة الفلسفية‬ ‫الشمولية التي نجدها في المسرح الغريقي أو في مسرحيات‬ ‫من طراز فاوست والملك لير‪.‬‬ ‫وتاريخ الدراما نفسه يؤكد طبيعتها هذه‪ ،‬فقد ولدت الدراما‬ ‫‪.‬‬ ‫وظاهرة انبعاث المسرح الشعري في أوروبا بعد احتجاب‬ ‫طويل هي بحد ذاتها ظاهرة جديرة بالتأمل‪ ،‬فهذه العودة إلى‬ ‫الدراما الشعرية )وإلى التراجيديا بوجه خاص( ليست وليدة‬ ‫الميل الفردي عند هذا الشاعر أو ذاك بمقدار ما هي وليدة‬ ‫الحساس بأن المسرحية الطبيعية‪ ،‬المكتوبة بلغة الحياة‬ ‫اليومية لم تعد الشكل المناسب لطرح القضايا الكبرى التي‬ ‫تقلق ضمير العصر‪ .

‬ولكن الشعر إذ يسمو‬ ‫بالمسرح فوق صورة الحياة المألوفة فإنه يتيح له من عمق‬ ‫الستيعاب وشمول النظرة وتعدد مستويات الدللة ما ل‬ ‫تستطيع المسرحية النثرية بلوغه‪ ،‬فالشعر في المسرح –كما‬ ‫يقول د‪.‬‬ ‫إن هذا النظر الشعري الفلسفي الذي يتخطى الجزئيات‬ ‫والوقائع العابرة إلى ماهو أبقى وأشمل هو بالتحديد ما يميز‬ ‫المسرحية الشعرية عن مسرحية النثر‪ ،‬وهو بالذات ما جعل‬ ‫أرسطوطاليس يتلمس القرابة بين الشعر والفلسفة‪ .‬س اليوت –‬ ‫ليس مجرد زخرف خارجي‪ ،‬وليست مسرحيات شكسبير‬ ‫شعرية لمجرد أنها تشتمل على مقاطع من الوصف الجميل أو‬ ‫التأمل العميق‪ ،‬بل هي شعرية لنها تعكس المفهوم الكلي‬ ‫للذي تستند إليه‪ .‬‬ ‫ومن العوامل المهمة التي تفسر انتعاش المسرح الشعري‬ ‫في أوروبا في عصرنا الراهن تعاظم الميل لدى المفكرين‬ ‫الغربيين إلى تبين موقع النسان المعاصر في سياق التاريخ‬ ‫والحضارات المتعاقبة‪ ،‬وهذا ميل ناشئ إلى حد كبير عن تطور‬ ‫بعض فروع المعرفة النسانية التي ظلت متخلفة إلى زمن‬ ‫قريب‪ ،‬كعلم النفس والنثروبولوجي‪ ،‬وعلم الجتماع وعلم‬ ‫اللغة الحديث‪ ،‬ول ينبغي أن ننسى كذلك تزعزع ركائز الحضارة‬ ‫الغربية المسيحية مما يدفع المفكرين والباحثين إلى إعادة‬ ‫النظر فيها وتقصي منابعها في أساطير المم القديمة وفي‬ ‫التراث الديني والفلسفي والفني‪ .‬أي‪ .‬ومما‬ ‫كتبه في معرض التمييز بين هذين الشكلين قوله‪:‬‬ ‫‪.32 -‬‬ .‬‬ ‫وقد أعاد اليوت اكتشاف الحقيقة القديمة بأن المسرحية‬ ‫الشعرية أرحب أفقا ً وأشمل تعبيرا ً من المسرحية النثرية‪ .‬س اليوت‬ ‫من أبرز ممثلي هذا التجاه الحضاري الشمولي في النظر إلى‬ ‫النسان‪ ،‬ففي قصيدته الرض اليباب‪ ،‬التي كتبها متأثرا ً‬ ‫بالدراسات النثروبولوجية الحديثة حول العبادات وطقوس‬ ‫الخصب لدى الشعوب البدائية‪ ،‬تتداخل الزمنة‪ ،‬والثقافات‬ ‫والشخصيات على نحو جعل هذه القصيدة لغزا ً من اللغاز‪.‬وغني عن القول أن الشعر‪ ،‬بشكله ومضمونه‪،‬‬ ‫يبعد المسرح عن الواقع بالمعنى الذي أشرنا عليه‪ ،‬فمن حيث‬ ‫الشكل‪ ،‬ثمة اختلف جوهري بين لغة الشعر الرفيعة وأخيلته‬ ‫وإيقاعه وبين الحديث اليومي الذي يتداوله الناس في حياتهم‪،‬‬ ‫أما من حيث المضمون فإن الشعر أقرب إلى الفلسفة وأجدر‬ ‫بالهتمام من التاريخ‪ ،‬لنه يتكلم عن الكليات‪ ،‬بينما يتكلم‬ ‫التاريخ عن الجزئيات –كما وصفه أرسطوطاليس في معرض‬ ‫حديثه عن الشعر التراجيدي –وهذا ما يجعله بالطبع بعيدا ً عن‬ ‫لغة التخاطب العفوي بين الناس‪ .‬‬ ‫واليوت –في الوقت نفسه‪ -‬من رواد المسرح الشعري في‬ ‫النصف الول من القرن‪ ،‬وقد كان اتجاه اليوت إلى المسرح‬ ‫الشعري أمرا ً منطقيًا‪ ،‬ل لمجرد أنه شاعر‪ ،‬بل لن المسرح‬ ‫الشعري هو الشكل المناسب لستيعاب هذا التجاه الحضاري‬ ‫الشمولي الذي نتحدث عنه‪.‬ولهذا‬ ‫فإن أعظم المسرحيات التي نعرفها –كما يؤكد رونالد بيكوك‬ ‫في كتابه "فن الدراما" –هي جميعا ً مسرحيات شعرية‪.‬جونس في كتابه مسرحيات ت‪.‬ول يصعب أن نلحظ‬ ‫اهتمام الثقافة الغربية المعاصرة بعبادات المم القديمة‬ ‫وأساطيرها وفنونها‪ ،‬وانعكاس ذلك كله في نتاجات الفن‬ ‫الوروبي الحديث‪ .‬وبعبارة أخرى‪ ،‬فهي شعرية لنها تعكس‬ ‫نظرة شعرية –فلسفية إلى العالم‪ ،‬وقد عبر اليوت عن هذا‬ ‫المعنى بطريقة أخرى حين كتب إلى صديقه عزرا باوند يقول‬ ‫"إذا كتبت مسرحية شعرية فينبغي أن يكون الشعر واسطة‬ ‫ننظر من خللها‪ ،‬ل ديكورا ً جميل ً ننظر إليه"‪.‬وربما كان الشاعر النكليزي ت‪.‫الوروبية في أحضان الشعر ولزمته على مدى أكثر من‬ ‫عشرين قرنًا‪ .

‬‬ ‫وهذه ظاهرة ملحوظة في المسرح العراقي‪ ،‬الذي تتحول‬ ‫منصته أحيانا ً إلى منبر للخطابة يستعيض بالرنين اللفظي عن‬ ‫التأثير الدرامي الحقيقي‪ .‬‬ ‫بعد هذه اللمامة الوجيزة بطبيعة المسرح الشعري‬ ‫والظروف التاريخية التي أحاطت بنشأته وازدهاره يمكننا أن‬ ‫نعود إلى نقطة البدء لنتبين –ربما بوضوح أكبر‪ -‬عمق الخسارة‬ ‫التي لحقت بمسرحنا جراء انصرافه التام عن الدراما الشعرية‪،‬‬ ‫ولنستعرض بعض العوامل المباشرة التي تجعل المسرح‬ ‫الشعري إحدى حاجاتنا الثقافية الملحة‪.‬ففي المسرحية النثرية ذات النزعة الواقعية‬ ‫كثيرا ً ما يجد الكاتب صعوبة في تخطي الدللت المحدودة‬ ‫المباشرة لحداث المسرحية والوصول إلى تعميمات فكرية‬ ‫ذات مغزى إنساني أو قومي‪ .‬والمسرحية الشعرية تستطيع –إذا‬ ‫توافرت لها موهبة الشعر والدراما معًا‪ -‬أن تحل هذا الشكال‬ ‫لنها‪ ،‬بفضل هذا الزدواج الذي تحدث عنه اليوت‪ ،‬يمكن أن‬ ‫تجمع بين الدللة القريبة للحداث وبين المعنى الكبير الكامن‬ ‫وراءها دونما تعسف أو إخلل بشروط البناء الدرامي‪ .‬ومع أن كتابنا المسرحيين‪ ،‬ولسيما‬ ‫الشعراء منهم‪ ،‬قد استلهموا تاريخنا القومي في بعض ماكتبوه‪،‬‬ ‫فإن هذا التاريخ الحافل بالشخصيات والحداث ظل في‬ ‫معظمه بعيدا ً عن دائرة اهتمامهم فلم يفيدوا منه ول أفاد منهم‬ ‫على النحو المطلوب‪.‬وهذه المهام الملقاة على عاتق‬ ‫‪.‬وهذا مرتبط إلى حد كبير بمواهب كتابنا‬ ‫المسرحيين‪ ،‬بطبيعة الحال‪ ،‬ولكنه مرتبط في الوقت ذاته‬ ‫بالشكل الدرامي‪ .‬ول يعني‬ ‫هذا‪ ،‬بالطبع‪ ،‬أننا ندعو إلى إهمال المسرحية الواقعية النثرية‬ ‫والكتفاء بالمسرحية الشعرية‪ ،‬فكل اللونين ضروري‪ ،‬وكلهما‬ ‫يؤدي الوظيفة التي تسمح بها طبيعته وأدواته التعبيرية‪.33 -‬‬ .‬‬ ‫وتبدو عودة المسرح العربي إلى التاريخ‪ ،‬أو لنقل‬ ‫استحضار التاريخ العربي على المسرح‪ ،‬مهمة ملحة في‬ ‫اللحظة الراهنة‪ ،‬ل لمجرد أن هذا التاريخ منجم يزخر بالمادة‬ ‫الخام ينشدها الكاتب الدرامي‪ ،‬بل –وهذا هو الهم‪ -‬لتلمس‬ ‫الخيط الذي يشد حاضر المة بماضيها‪ ،‬واستنباط المعاني من‬ ‫تراثها الفكري والخلقي‪ ،‬وإبراز الملمح الصيلة للشخصية‬ ‫العربية بما لها وما عليها‪ .‬ويتدارك بعض كتاب المسرح هذا‬ ‫النقص بوضع أفكار أو خطب منفصلة عن سياق الفعل‬ ‫المسرحي على ألسنة بعض أبطالهم‪ ،‬أو يتداركونه بإضافة‬ ‫راوية يقف إلى جانب المسرح ليعلق على الحداث ويفلسفها‪.‬‬ ‫وأول هذه العوامل‪ ،‬في نظرنا‪ ،‬هو ضرورة أن يتحرر‬ ‫المسرح العربي من السطحية وضيق الفق ويتحول فعل ً إلى‬ ‫شكل فني قادر على التعبير عن معاناة المة ومثلها‬ ‫وطموحاتها‪ .‬‬ ‫والشعر هو الداة المناسبة للمسرحية التاريخية‪ .‬ولعلي‬ ‫في غنى عن التوسع في شرح هذه النقطة‪ ،‬فهي من تحصيل‬ ‫الحاصل‪ ،‬كما يقال‪ .‫"من المحتمل أن ما يميز الدراما الشعرية عن‬ ‫النثرية هو نوع من الزدواج في الفعل‪ ،‬كما لو كانت‬ ‫تجري على صعيدين في وقت واحد‪ .‬وهي لهذا‬ ‫تختلف عن المجاز الذي يكون فيه التجريد شيئا ً‬ ‫يتصوره المرء‪ ،‬ل شيئا ً يحسه بطريقة مختلفة‪ ،‬وعن‬ ‫الرمزية كما في مسرحيات مترلنك التي يتقلص فيها‬ ‫العالم المحسوس بطريقة متعمدة‪ ،‬لن الرمزية‬ ‫والمجاز كليهما من عمليات الذهن الواعي المخطط‪.‬‬ ‫وقد يكون ما يظهر من تفكك معين في الدراما‬ ‫الشعرية من أعراض هذا الزدواج‪ ،‬أو أن الدراما لها‬ ‫قالب تحتي أقل ظهورا ً من القالب المسرحي"‪.

‬‬ ‫هذا من ناحية‪ ،‬أما الناحية الخرى التي قد تفوقها أهمية‬ ‫فهي الطفرة النوعية التي حققها الشعر العربي منذ أواسط‬ ‫القرن بانتقاله من نظام العروض التقليدي القائم على التناظر‬ ‫المطلق بين البيات أو الشطار في القصيدة إلى نظام جديد‬ ‫يقوم أساسا ً على التفعيلة كوحدة إيقاعية مما يسمح للشاعر‬ ‫الدرامي بالتحكم في طول الجملة الشعرية ويعفيه من‬ ‫الوقفات التي كان يفرضها عليه النظام العروضي التقليدي‪،‬‬ ‫والتي تضعف كثيرا ً من حيوية الشعر الدرامي وانسيابه‬ ‫الطبيعي‪.34 -‬‬ .‫المسرحية التاريخية تشدها إلى الشعر بقوة عظيمة‪ ،‬فمن‬ ‫الصعب أن نستحضر صورة الحياة العربية أو نجسد الشخصية‬ ‫العربية النموذجية بمعزل عن الشعر‪ ،‬الذي كان على الدوام‬ ‫ركنا ً أساسيا ً من أركان حياتنا العقلية والوجدانية‪.‬‬ ‫ومن الجلي تماما ً أن الشاعر المسرحي العربي في أيامنا‬ ‫هذه قد تهيأت له ظروف موضوعية أفضل بكثير من تلك‬ ‫الظروف التي كتب فيها شوقي مسرحياته الشعرية الرائدة‪،‬‬ ‫بفضل ماتحقق لنا خلل نصف القرن الفائت من تطور حضاري‬ ‫واتصال بالثقافة العالمية المعاصرة‪ ،‬أقدر ممن سبقوه على‬ ‫اللمام بأصول الصنعة الدرامية والفادة من روائع أعمال‬ ‫المسرح العالمي‪.‬‬ ‫ءءءءء ‪1985‬‬ ‫‪‬‬ ‫‪.

‬وسنقف‪ ،‬باليجاز الممكن‪ ،‬عند كل من هذه‬ ‫المهمات الثلث‪..35 -‬‬ .‬‬ ‫ل شك أن دور المخرج في تفسير النص المراد تقديمه‬ ‫*‬ ‫وووووو ووو ووووو ووو ووووووو وو ووووو‪.‫دور المخرج‬ ‫في المسرح الحديث‬ ‫مادور المخرج في المسرح؟‪ .‬‬ ‫بوبوف" في كتابه‬ ‫يقول المخرج الروسي الكبير "الكسي‬ ‫القيم "التكوين الفني للعرض المسرحي"* إن للمخرج‬ ‫المسرحي ثلث مهمات أساسية‪ ،‬فهو مفسر النص أو ً‬ ‫ل‪ ،‬وقائد‬ ‫العمل ثانيًا‪ ،‬وهو بعد هذا وذاك المرآة التي يرى فيها الممثل‬ ‫نفسه ودوره‪ .‬وحين نرد هذه العناصر إلى‬ ‫أصحابها ل نجد للمخرج حصة متميزة ينفرد بها دون غيره‪،‬‬ ‫فالنص –مث ً‬ ‫ل‪ -‬يضعه المؤلف‪ ،‬وهو يتضمن‪ ،‬كما يفترض‪ ،‬كل‬ ‫عبارة يتفوه بها الممثلون ويعين حتى الجهة التي يدخل منها‬ ‫الممثل إلى المسرح والهيئة التي يكون عليها وهو يواجه‬ ‫مختلف المواقف‪ ..‬سؤال قد يجد البعض عسرا ً‬ ‫في الجابة عنه‪ ،‬فالمسرح‪ ،‬كما نعلم جميعًا‪ ،‬فن مركب تدخل‬ ‫في نسيجه عناصر متعددة تؤلف بمجموعها صورته النهائية‬ ‫التي نراها على منصة العرض‪ .‬والمناظر المسرحية يصممها مهندس‬ ‫الديكور استنادا ً إلى العصر الذي تدور فيه وقائع المسرحية‬ ‫وإلى التوجيهات التي يضعها المؤلف عادة في مقدمة كل‬ ‫فصل‪ ،‬وأحيانا ً في مقدمة كل مشهد‪ .‬فماذا يبقى‬ ‫للمخرج بعد ذلك؟‬ ‫هذا ما سنحاول الجابة عنه في هذا الحديث‪ ،‬ولكن قد‬ ‫يكون من الضروري قبل ذلك أن نشير إلى أن المخرج لم‬ ‫يلزم المسرح منذ نشأته الولى‪ ،‬بل هو ظاهرة حديثة العهد‬ ‫نسبيًا‪ ،‬فقد مرت بالمسرح عهود مديدة كان فيها الممثلون‬ ‫أحيانا ً ومؤلف النص أحيانا ً أخرى ينهضون بالمهمات التي يطلع‬ ‫بها المخرج في عصرنا الحالي‪ .‬وقل مثل ذلك في بقية‬ ‫مكونات العمل المسرحي‪ ،‬كالزياء والمكياج والموسيقى‬ ‫والمؤثرات الفنية والصوتية المختلفة‪ ،‬فلكل من هذه المكونات‬ ‫فنانوها المتخصصون الذين يتولون إنجازها‪ .‬ولكن تزايد الحاجة إلى جهة‬ ‫توفق بين عناصر العرض المختلفة وتشدها إلى بعضها ضمن‬ ‫إطار واحد جعل وجود المخرج في المسرح ضرورة ل مناص‬ ‫منها‪.‬‬ ‫‪.

‬ومن أمثلة الحالة الخيرة ما قرأته‪ ،‬منذ‬ ‫حوالي ربع قرن‪ ،‬عن مخرج روماني ذهب إلى باريس ليقدم‬ ‫فيها مسرحية شكسبير الشهيرة "هاملت" بصورة تختلف تماما ً‬ ‫عن صورتها التقليدية المعروفة‪ .‬وينبغي أن أقول هنا إنني لست ميال ً إلى الخذ ببعض‬ ‫الراء المسرفة التي راجت في السنوات الخيرة‪ ،‬والقائلة بأن‬ ‫ما يريده المؤلف ل أهمية له على الطلق وأن النص يكتسب‬ ‫مدلولت جديدة مع كل قارئ جديد‪ ،‬ولكن ل مفر من التسليم‬ ‫بأن مرامي المؤلف ل تطفو دائما ً على السطح‪ .‫إلى الجمهور هو أولى مهماته‪ ،‬لن استشفاف الفكرة )أو‬ ‫الفكار( التي أرادها المؤلف وتحديد الدوافع التي تسوق‬ ‫شخصيات المسرحية إلى التصرف بهذه الطريقة أو تلك هما‬ ‫نقطة النطلق نحو بناء العرض المسرحي‪ .‬وقد‬ ‫دأب نقاد الدب على تقسيم الشخصيات الروائية والدرامية إلى‬ ‫نوعين‪ :‬مسطحة )‪ (flat‬وممتلئة )‪ .‬وكما يختلف الناس في حياتهم الواقعية فيخرجون‬ ‫بانطباعات مختلفة عن الشخاص الذين صادفوهم أو الوقائع‬ ‫التي شهدوها‪ ،‬كذلك تختلف المواقف إزاء الشخصيات والفعال‬ ‫الدرامية‪ .‬وهاملت‪ ،‬كما يعرف جميع‬ ‫سّيئ الطالع الذي‬ ‫المعنيين بالمسرح‪ ،‬هو المير الدانيماركي ال ّ‬ ‫عاد إلى وطنه ليكتشف أن عمه الغادر قد اغتال أباه الملك‬ ‫وتزوج بأمه واستولى على عرش البلد‪ .‬ويمكن القول بأنه كلما ازدادت‬ ‫الشخصية الدرامية حياة وامتلء أصبحت أفعالها ودوافعها قابلة‬ ‫لمزيد من الختلف ومزيد من مستويات الفهم والتأويل‪ .36 -‬‬ .‬‬ ‫ويلجأ بعض المخرجين المعاصرين إلى أسلوب طريف‪ ،‬إذ‬ ‫يفرزون العبارات التي تجري على لسان كل شخصية على‬ ‫حدة ليتمكنوا من تحديد طبيعة هذه الشخصية ومنطقها‬ ‫ودوافعها‪ ،‬فالكلم التي تتفوه به شخصية درامية ماهو المفتاح‬ ‫الساسي لفهمها‪ .‬‬ ‫وحين تكون شخصيات الدراما من النوع الول‪ ،‬أي المسطح‪،‬‬ ‫فليس من الصعب تحديد فكرتها الساسية ومنطق أبطالها‪،‬‬ ‫ولكن المر يختلف حين تكون الشخصيات من النوع الثاني‪،‬‬ ‫فهنا قد يجد المرء عناًء في التفسير‪ ،‬وقد يفهم النص ويفسره‬ ‫على نحو لم يسبقه إليه أحد‪ ،‬وإن كان هذا ل يعني أن من حق‬ ‫أحد أن يتعسف فيفرض على النص أفكارا ً ل تأتلف مع محتواه‪..‬ولكن المر في الواقع ليس بهذه البساطة‪،‬‬ ‫فالدراما الجيدة غالبا ً ما تتسع‪ ،‬كالحياة نفسها‪ ،‬لكثر من‬ ‫تفسير‪ .‬وقد يتبادر إلى أذهان البعض أن تفسير النص‬ ‫الدرامي أمر هين‪ ،‬فمن الواضح تماما ً أن "طرطرف" –مث ً‬ ‫ل‪-‬‬ ‫رجل منافق‪ ،‬وأن " عطيل" عاشق غيور‪ ،‬وأن "لير" عجوز‬ ‫مغرور أحمق‪ .(rounded‬وهم يعنون بالنوع‬ ‫الول الشخصيات التي يسيطر عليها حافز واحد ل يعنيها غيره‪،‬‬ ‫كالطموح إلى السلطة أو التعلق بامرأة ما أو الجشع الشديد‪.‬وبالتالي فليس من العسير الهتداء إلى دوافع‬ ‫الشخصيات في نص درامي ما أو إلى الفكرة المركزية التي‬ ‫رمى إليها المؤلف‪ .‬‬ ‫الخ‪ ،‬بينما تتميز الشخصيات "الممتلئة" بتعدد الهتمامات وبغنى‬ ‫في التصورات والحاسيس يذكرنا بالناس الحقيقيين فع ً‬ ‫ل‪.‬ومن التقاليد‬ ‫المرعية في المسرحية الحديث أن يجتمع المخرج وزملؤه من‬ ‫الفنانين والفنيين‪ ،‬قبل بدء العمل‪ ،‬لتدارس النص وتحليل‬ ‫الشخصيات الدرامية ووضع التصور الولي للعرض المسرحي‪.‬‬ ‫والتفسير‪ ،‬كما يقول الناقد المريكي "إي‪.‬د‪ .‬ولكن العرض الروماني‬ ‫–كما ذكرت الصحافة الجنبية في حينه –ينفي هذه القصة‬ ‫جملة وتفصي ً‬ ‫ل‪ ،‬مؤكدا ً أنها ل تعدو أن تكون خرافة لفقها عميل‬ ‫‪.‬هرش" في كتابه‬ ‫"سلمة التفسير" )‪ ،(Validity In Interpretation‬قد يقتصر‬ ‫أحيانا ً على "تعميق" الفهم‪ ،‬ولكنه في أحيان أخرى قد "يغير"‬ ‫الفهم بصورة أساسية‪ .‬ومازلت أذكر‬ ‫الحيرة التي انتابتني شخصيا ً عند القراءة الولى لبعض‬ ‫النصوص المعقدة من طراز "هيدا غابلر" لبسن و"رجل‬ ‫الجليد آت" ليوجين أونيل‪ .

‬وكان المشهد الذي‬ ‫يجري التدريب عليه يتضمن حوارا ً متوترا ً بين سيدة في‬ ‫الخمسين من عمرها وبين مدير مصح للمراض الصدرية في‬ ‫الستين من عمره‪ .‫النرويج "هوراشيو" –وهو من شخصيات المسرحية‪ -‬وأقنع بها‬ ‫المير هاملت ليوقع الضطراب في بلط الدانيمارك ويسهل‬ ‫بذلك للجيش النرويجي احتللها‪ ،‬كما يحدث فعل ً في ختام‬ ‫المسرحية‪ .‬ولم يكن المخرج قد وضع يده على‬ ‫"الثيمة" الساسية في النص‪ ،‬فذهب به الظن إلى أن‬ ‫المسألة تتعلق بخلف بين امرأة مشاكسة‪ ،‬غريبة الطوار‪،‬‬ ‫ومدير حريص على استتباب النظام في المؤسسة التي يديرها‪.‬وغني عن اليضاح أن هذه الفنون‬ ‫المتعددة يجب أن تلغي وجودها المستقل وتندمج في بعضها‬ ‫وه العام‪ ،‬فالوحدة‬ ‫لتؤلف عمل ً موحدا ً في أسلوبه وإيقاعه وج ّ‬ ‫شرط ضروري لكل عمل فني‪ .‬إنه حصيلة اقتران الدب )ممثل ً في النص( بفن‬ ‫التمثيل‪ ،‬والفن التشكيلي بالموسيقى والزياء والنارة‬ ‫والمؤثرات الفنية المختلفة‪ .‬كل مافي المر أنه استعان بما يمتلكه المسرح‬ ‫من وسائل تعبيرية وبأداء ممثليه ليروي حكاية هاملت على‬ ‫الوجه الذي أراد‪.‬‬ ‫ولم يكن هذا الفهم صحيحًا‪ ،‬ولذلك بدا المشهد مقطوع الصلة‬ ‫بسياق المسرحية‪ ،‬وبدا واضحا ً للعيان أن ممثل دور المدير‬ ‫ورفيقه لم يكونا على علم بكنه الشخصية التي يؤديها كل‬ ‫منهما‪ .‬ولكن الحيرة تبددت عندما تأتى للمخرج والممثلين أن‬ ‫يفهموا ما أراده المؤلف‪ ،‬فأربوزوف يريد أن يقول‪ ،‬على لسان‬ ‫بطلة المسرحية‪ ،‬أن الكهولة ليست نهاية الحياة‪ ،‬وأن امرأة‬ ‫في الخمسين ورجل ً في الستين يمكن أن يتحابا ويجدا في‬ ‫حبهما من السعادة ما يجد الشبان‪ .‬ولم يكن المشهد الذي‬ ‫ذكرناه يصور امرأة غريبة الطوار –كما توهم المخرج أول‬ ‫المر‪ -‬بل امرأة عاشقة تؤنب الرجل الذي أحبته لنه ل يريد‬ ‫أن يفهم أنها تحبه وأن من حقه أن يحب رغم بلوغه الستين‪.‬وتعود بي الذاكرة الن إلى‬ ‫"ايكرمان"‪ ،‬الذي كان سكرتيرا ً لغوته في سنواته الخيرة‪ ،‬فهو‬ ‫يخبرنا أنه سأل الشاعر العظيم ذات مرة عن الفكرة الساسية‬ ‫في مسرحية "فاوست" فأجابه هذا بأن عمل ً ضخما ً كهذا ل‬ ‫يمكن اختزاله في فكرة واحدة مهما بلغت أهميتها‪.‬‬ ‫وترجع الصعوبة في تحديد دللت النص‪ ،‬عادة‪ ،‬إلى أن‬ ‫المؤلف المسرحي البارع ل يفصح بشكل مباشر عن الفكرة‬ ‫الساسية في عمله‪ ،‬كما يفعل بعض المؤلفين الصغار‪ ،‬الذي‬ ‫يضعون الخطب الرنانة على ألسنة أبطالهم‪ ،‬بل يدع للمخرج‬ ‫أن يستنبط ذلك من النص بمجمله‪ .‬أذكر مرة –وكنت يومها أعمل في مؤسسة‬ ‫السينما والمسرح في العراق‪ -‬أنني حضرت "بروفة" مسرحية‬ ‫للكاتب الروسي المعروف "أربوزوف"‪ .‬ولعل أوجز تعريف لهذه الوحدة‬ ‫تلك العبارة المأثورة التي وصف به غوته أوبرا موتسارت‬ ‫المعروفة "دون جوان"‪" :‬إنها إبداع روحي تتخلل أجزاءه‪ ،‬كما‬ ‫تتخلله بمجموعه‪ ،‬روح واحدة وأنفاس حياة واحدة"‪ .‬‬ ‫وخلصة القول إن على المخرج أن يفهم بوضوح مايريد‬ ‫النص أن يقوله وأن يعين منذ البداية اللحظات التي ينبغي‬ ‫إبرازها بقوة على المسرح‪ ،‬وإل كان كمن يخبط في ظلمة‬ ‫دامسة‪ .37 -‬‬ .‬وجدير بالشارة أن المخرج الروماني –كما ذكرت‬ ‫الصحف‪ -‬قدم تفسيره الطريف هذا دون أن يتلعب بالنص‬ ‫الشكسبيري‪ .‬والمخرج‬ ‫‪.‬وقد يتضمن النص الدرامي‬ ‫أكثر من فكرة جديرة بالهتمام‪ .‬ومن الحماقة أن يتصدى مخرج لتجسيد نص لم تتبين‬ ‫له أبعاده الفكرية‪ .‬‬ ‫ولننتقل الن إلى دور المخرج بوصفه قائدا ً للعمل‪ ،‬وهذه‬ ‫نقطة قد ل تحتاج إلى كثير من التوسع‪ ،‬فالمسرح –كما سبق‬ ‫أن قلنا‪ -‬فن مركب تلتقي فيه معظم الفنون التي نعرفها‪ ،‬إن‬ ‫لم نقل كلها‪ .

‬ولبد‬ ‫لنجاح المخرج المسرحي في مهمته هذه من توافر شرطين‬ ‫أساسيين‪ :‬أولهما أن يعمل مع فريق منسجم‪ ،‬يتقيد بأخلقيات‬ ‫المسرح ويتحاشى أفراده النسياق مع النانية الفردية التي قد‬ ‫تغري هذا الفنان أو ذاك بالسعي إلى توكيد حضوره الشخصي‬ ‫على حساب العمل نفسه‪ .‬ول يعني هذا أن علينا أن‬ ‫ندير ظهورنا للعمال الدرامية الرفيعة التي ل يتجاوب معها‬ ‫الجمهور البسيط‪ ،‬فتعدد المستويات الثقافية لجمهور المسرح‬ ‫مشكلة عالمية‪ ،‬وقد عالجتها المم المتقدمة بتخصيص مسارح‬ ‫محدودة المقاعد للنخبة القادرة على تذوق مثل هذه العمال‪.‬وقد يجوز هذا إلى حد ما في‬ ‫الملهي الشعبية البسيطة التي تتوخى تسلية المتفرجين‬ ‫وإضحاكهم‪ ،‬ولكنه ل يجوز قطعا ً مع النصوص الدرامية الرصينة‪.‬ولكن فشل مسرحية ما‬ ‫ل يعني بالضرورة أن المخرج قد أخفق في عمله‪ ،‬فقد ينصرف‬ ‫الجمهور عن مسرحية جيدة لنها تخاطبه بلغة رفيعة ل يفهمها‪،‬‬ ‫أو لنها تعالج قضايا ل تثير اهتمامه‪ .38 -‬‬ .‬والديكور هو الخر له دوره البارز في‬ ‫استحضار بيئة المسرحية وأجوائها واليماء إلى دللتها المهمة‪،‬‬ ‫ولكن الديكور الباذخ‪ ،‬الذي يتخطى بفخامته الحدود الضرورية‪،‬‬ ‫قد ينقلب إلى عامل سلبي فيستأثر باهتمام المشاهد ويصرفه‪،‬‬ ‫‪.‬وهنا تكمن الصعوبة الستثنائية في‬ ‫عمل المخرج المسرحي‪ ،‬فهو كالرسام الذي يبدع لوحة‬ ‫مترامية البعاد‪ ،‬ولكنه ل يتعامل كالرسام مع ألوان طيعة‪ ،‬بل‬ ‫مع فنانين لكل منهم أسلوبه وشخصيته الفنية المستقلة‪ .‬ول يعني هذا‪ ،‬بالطبع‪ ،‬أن هؤلء الفنانين قد تنازلوا عن‬ ‫ذواتهم المبدعة وتحولوا إلى أدوات خرساء بيد المخرج‪ ،‬وإنما‬ ‫يعني –تحديدًا‪ -‬العمل بانسجام وتوافق ضمن التصور العام‬ ‫الذي وضعه المخرج أساسًا‪ .‬‬ ‫على أن أخطر مايواجه المخرج المسرحي في عمله هو‬ ‫اختلل توازن العرض بطغيان بعض عناصره على البعض الخر‪،‬‬ ‫فالموسيقى التصويرية –مث ً‬ ‫ل‪ -‬عنصر ل غنى عنه في خلق الجو‬ ‫العام للمسرحية‪ ،‬ولكن الموسيقى ل ينبغي أن تطغى على‬ ‫الحوار بحيث يعجز المشاهد عن تتبع الخيط الذي ينتظم‬ ‫حلقات المسرحية‪ .‫هو الرجل الذي يحقق هذه الوحدة‪ ،‬وهو الذي يوجه زملءه من‬ ‫الفنانين المشاركين في العمل المسرحي إلى ما يتوجب عليهم‬ ‫عمله‪ .‬ولتدارك فشل كهذا يتوجب‬ ‫على المخرج‪ ،‬والقوامين على المسرح بوجه عام‪ ،‬أن يضعوا‬ ‫مستوى ثقافة الجمهور والقضايا التي تعنيه في حسابهم عند‬ ‫اختيار النصوص التي يقدمونها إليه‪ .‬‬ ‫ومع أن المسؤولية المباشرة في مثل هذه الحوال تقع على‬ ‫عاتق الممثل الذي تجاوز حدوده المرسومة‪ ،‬إل أننا ل نستطيع‬ ‫إعفاء المخرج من المسؤولية‪ ،‬لنه قائد العمل والمسؤول‬ ‫الول عن نجاحه أو سقوطه‪.‬ومن الظواهر المؤسفة التي‬ ‫لحظتها في المسرح العراقي بوجه خاص خروج بعض‬ ‫الممثلين عن النص أو ارتجالهم النكات لستدرار ضحك‬ ‫الجمهور وتحويل انتباهه إليهم‪ .‬وليس من النادر أن يغيب أحد هذين الشرطين أو‬ ‫كلهما‪ ،‬ولسيما في البلدان التي ل تتمتع بتقاليد عريقة في هذا‬ ‫المجال‪ .‬‬ ‫وعمل المخرج يتطلب دقة متناهية في بناء المشاهد‬ ‫وتوزيع مساحة العرض وضبط اليقاع‪ ،‬لن أي خطأ في التقدير‬ ‫قد يؤدي إلى فشل المسرحية وانصراف الجمهور عنها‪ ،‬وفي‬ ‫ذلك ما فيه من خسائر معنوية ومادية‪ .‬فقد يحدث أحيانا ً أو يحاول أحد الممثلين الستئثار‬ ‫بمقدمة المسرح أو الخروج إلى دائرة الضوء في لحظة غير‬ ‫مناسبة ليستقطب انتباه الجمهور‪ ،‬دون أن يضع في حسابه أن‬ ‫سلوكا ً كهذا قد يشتت ذهن المتفرج ويصرفه عن تركيز انتباهه‬ ‫على بؤرة العمل الدرامي‪ .‬وثانيهما أن يكسب ثقة العاملين‬ ‫معه واحترامهم لكي يصهر هذه المواهب كلها في بوتقة‬ ‫واحدة‪ .

‬والواقع أن‬ ‫المسرح المعاصر يميل عموما ً إلى التقشف في الديكور‬ ‫والقتصار على الحد الدنى منه‪ .‬‬ ‫‪‬‬ ‫‪.‬وأذكر‪ ،‬بهذه المناسبة‪ ،‬أنني‬ ‫حضرت في صوفيا مسرحية "عطيل" للمخرج اليطالي الشهير‬ ‫"زفاريللي"‪ ،‬فوجدت ديكورها يقتصر على جدران القلعة التي‬ ‫تدور فيها الحداث والسرير الذي خنقت فيه بطلة المسرحية‪.39 -‬‬ .‬وكان‬ ‫العرض مع ذلك في منتهى الروعة‪.‫ولو لفترة وجيزة‪ ،‬عن متابعة مايجري أمامه‪ .‬‬ ‫وحضرت في مسرح "لماما" الشهير في نيويورك مسرحية‬ ‫"منطق الطير" للمخرج البريطاني المعروف "بيتر بروك"‪،‬‬ ‫وكان الديكور كله مؤلفا ً من سجادتين فارسيتين‪ ،‬علقت‬ ‫إحداهما في خلفية المسرح وفرشت الثانية على الرض‪ .

1993‬‬ ‫‪.‬ومع ذلك فإن فن التمثيل –خلفا ً‬ ‫للدراما نفسها‪ -‬ل يستند إلى نظرية عريقة‪ .‬وإذا كان من حسن حظ الدراما أنها استأثرت باهتمام‬ ‫مفكر عظيم كأرسطوطاليس فعكف على دراستها وكشف عن‬ ‫طبيعتها وخصائصها الساسية منذ القرن الرابع قبل الميلد‪،‬‬ ‫فإن مقومات فن التمثيل وعناصر الدور المسرحي ومراحل‬ ‫إعداده لم تح َ‬ ‫ظ بصياغة نظرية تسعف رجل المسرح في عمله‬ ‫إل في أواخر القرن الماضي‪ .‬‬ ‫‪23‬‬ ‫)( وووو وووووووووو وووووو وووووو‪" :‬وووو وو ووووو‬ ‫وووووووو ووو وو وووووو وووووو ووووو‪ .‬وإذا سلمنا بالرأي‬ ‫القائل بأن طقوس العبادة وغيرها من الطقوس الجتماعية‬ ‫عند المم القديمة ليست إل ضروبا ً من التمثيل‪ ،‬وأن الرواة‬ ‫في المجتمعات البدائية كانوا يستعينون باليماء والحركة‬ ‫وتلوين الصوت ليقّربوا صورة الوقائع التي يسردونها إلى‬ ‫أذهان مستمعيهم أدركنا أن هذا الفن قد سبق ظهور الدراما‬ ‫عند الغريق بأشواط بعيدة‪ .‬وليس معنى هذا‬ ‫أنه لم يظفر‪ ،‬كغيره من الفنون‪ ،‬بعناية الدارسين والنقاد‪ ،‬ولكن‬ ‫القليل الذي كتبه هؤلء حول الموضوع لم يكن كافيا ً لبناء‬ ‫نظرية متكاملة يسترشد بها الممثل في صقل موهبته وإعداد‬ ‫أدواره‪ .40 -‬‬ .‬وقد اقترن هذا التطور في علم‬ ‫المسرح باسم الفنان الروسي الكبير "كونستانتن‬ ‫ستانسسلفسكي"‪.‬ووووو وو‬ ‫ووووو ووووووو ووو ءءءءءءءء ووو ووووووو ووو‬ ‫ووووووو وو ووووو وو وووووووو ووووو ووووو وووووو‬ ‫ووو ءءءءءءءء وووووو ووووووو ووووووو وووووو وو‬ ‫وووو ءءءءءءءءو ووووووو وو ووووو ووووووووووو‬ ‫ووووووو وووو وووووووو ووووووو وووو وووو‪ :‬وووو‬ ‫وو ووووووو وووووووو وو ووووو ووووووو وو‬ ‫وووووو ووو و‬ ‫وو ووووو وووووو وووووو ووووووو ووووووووو ووووووو‬ ‫وو ووووو ووووو–ووووووو وو وووو وووووووو ووووووو‬ ‫وو ووووووووو ووووووو وووو ووووووووو و‪.‫ستانسلفسكي‬ ‫وفن الممثل المسرحي‬ ‫لشك أن التمثيل من أقدم الفنون التي عرفتها البشرية‪،‬‬ ‫فالناس كما يقول أرسطوطاليس في الفصل الرابع من "فن‬ ‫الشعر" مّيالون بطبعهم إلى المحاكاة‪ ،‬وهم يستمتعون بها‬ ‫)‪(23‬‬ ‫حتى عندما تكون مادة المحاكاة شيئا ً كريها ً تعافه النفوس ‪.‬‬ ‫والتمثيل أكمل صور المحاكاة دون مراء‪ .‬ءءءءءء‬ ‫ووووووو وو ووووو ووو ‪.

‬والممثل الحقيقي هو من يبعث الحياة في‬ ‫الشخصية التي رسمها المؤلف‪ ،‬ويكشف بالمعطيات الحسية‬ ‫عن عالمها الداخلي المعقد‪ ،‬ويبرزها بكل أبعادها‬ ‫السايكولوجية والجتماعية‪.‬‬ ‫كان ستانسلفسكي يردد ‪-‬كما نقل عنه الممثل الروسي‬ ‫"فاسيلي توبوركوف" –أن الممثل يختلف عن العازف أو راقص‬ ‫الباليه أو غيرهما من الفنانين في أنه "محروم من التمارين‪،‬‬ ‫لنه ل يدري كيف ينبغي له أن يتمرن‪ ،‬فهو ل يعرف العناصر‬ ‫التي يتألف منها فنه‪ ،‬وليست لديه نظرية"‪ .‬وقصارى مايراد من الممثل‪ ،‬في اعتقادهم‪ ،‬أن يجيد‬ ‫اصطناع الخوف أو الغضب‪ ،‬وأن يعرف كيف يضحك أو ينتحب‬ ‫على خشبة المسرح‪.‫لم يكن ستانسلفسكي فيلسوفا ً كصاحب "فن* الشعر" ول‬ ‫أديبا ً كمؤلف كتاب "الفن المسرحي في هامبورغ" بل كان‬ ‫ممثل ً ومخرجا ً مسرحيا ً موهوبا ً استخلص من تجاربه الطويلة‬ ‫المتنوعة وتأملته "منهجًا" عاما ً للتمثيل المسرحي‪ ،‬يرتكز‪ ،‬إلى‬ ‫قوانين السلوك النساني نفسه‪ ،‬وبذلك حول عمل الممثل من‬ ‫"الهام" غامض المصدر إلى "علم" له منهجه وأصوله‪.41 -‬‬ .‬‬ ‫ومع أن من العسير على الباحث‪ ،‬في مقال وجيز كهذا أن‬ ‫يلم من جميع الوجوه بذلك المنهج المتشعب الذي رسم‬ ‫ستانسلفسكي خطوطه الساسية في كتابيه الشهيرين "إعداد‬ ‫الممثل" و "حياتي في الفن"‪ ،‬إل أن بإمكاننا أن نوجز هذا‬ ‫المنهج في مرحلتين‪ :‬إعداد الممثل لنفسه مهني ًّا‪ ،‬ثم إعداده‬ ‫لدوره"‪.‬‬ ‫وفي عملية الخلق هذه تندمج ملمح الدور بملمح‬ ‫شخصية الممثل لتؤلف صورة مركبة فريدة ومتجددة‬ ‫باستمرار‪ .‬ومن المحزن‬ ‫أن بعض العاملين في المسرح عندنا مازالوا يحملون هذه‬ ‫الفكرة الساذجة‪ ،‬فمهنة التمثيل ل تتطلب في نظرهم سوى‬ ‫جملة من القوالب التعبيرية الجاهزة التي يفرغ فيها الممثل‬ ‫دوره‪ .‬ويمكننا في هذا‬ ‫الشأن أن نشبه الممثل بالرسام الذي ينقل عن أنموذج حي‬ ‫فهو مطالب من ناحية بأن ينقل إلينا أبرز سمات هذا النموذج‬ ‫كما أنه مطالب من ناحية أخرى بأن يكون له أسلوبه الخاص‪.‬‬ ‫كيف يعد الممثل نفسه مهنيًا؟‬ ‫لزمن طويل ساد العتقاد بأن الموهبة الفطرية هي كل ما‬ ‫يحتاج إليه الممثل ليتألق على خشبة المسرح‪ .‬‬ ‫وهذا بالضبط ما عناه ستانسلفسكي عندما أوصى ممثلي‬ ‫*‬ ‫وووووو وووووووو وووووو ووووو‪.‬وقد أنفق حياته‬ ‫الفنية المديدة باحثا ً عن هذه "العناصر" التي يتألف منها فن‬ ‫الممثل وعن المقدمات الضرورية لخلق أدوار حية‪ ،‬مقنعة على‬ ‫المسرح‪.‬فكل شخصية تظهر أمامنا على المسرح لها جانبان‪:‬‬ ‫الجانب الذي صاغه المؤلف‪ ،‬والجانب الذي أضافه الممثل‪.‬‬ ‫‪.‬‬ ‫فليس التمثيل مجرد محاكاة سطحية للسلوك البشري‪ ،‬وليس‬ ‫رصيدا ً جاهزا ً من الحركات والتشنجات‪ ،‬بل هو "عملية خلق‬ ‫فني" تستهدف ترجمة أفكار المؤلف المسرحي إلى حياة‬ ‫وحركة وفعل‪ .‬‬ ‫مه الجانب الموضوعي من عملية‬ ‫ويستلزم الول منهما –ولنس ّ‬ ‫الخلق الفني –فهما ً عميقا ً للدور وللمسرحية ككل‪ ،‬بينما يرتكز‬ ‫الثاني‪-‬وسنسميه الجانب الذاتي‪ -‬إلى عوامل متعددة‪ ،‬أهمها‬ ‫موهبة الممثل وثقافته وتجاربه وملحظاته‪ .‬‬ ‫والواقع أن فن التمثيل أعمق وأبعد منال ً من ذلك بكثير‪.

‬‬ ‫وتشهد الذكريات التي رواها عنه زملؤه وتلمذته على‬ ‫مدى تقيده شخصيا ً بالخلق المهنية‪ .‬‬ ‫‪.‬وإليكم هذه الواقعة التي‬ ‫رواها عنه الممثل "فسيفولود فيربيتسكي"‪ ،‬أحد أعضاء فرقة‬ ‫مسرح موسكو الفني‪:‬‬ ‫*‬ ‫"عندما أعفاه فلديمير"‪ .‬وكان إذا احتج أحد الممثلين على دور صغير أسند‬ ‫إليه يرد عليه بقوله "ل توجد أدوار صغيرة‪ ،‬بل يوجد ممثلون‬ ‫صغار"‪.‬فالشاعر‪ ،‬مث ً‬ ‫ل‪ ،‬يستطيع أن يكتب قصيدته متى‬ ‫أراد‪ ،‬وأن يعيد كتابتها المرة تلو المرة حتى يعثر على القالب‬ ‫الذي يرضيه‪ ،‬وقد ل يعنيه كثيرا ً أن يرضى الخرون عما كتب‪.‬‬ ‫ومرد ذلك إلى أن المسرح فن جماعي قوامه الجهود‬ ‫المتناسقة التي يبذلها حشد كبير من الفنانين‪ ،‬وهذا ما يجعل‬ ‫الفنان في المسرح أقل حرية مما هو عليه في بعض مجالت‬ ‫الفن الخرى‪ .‬وقد ترك‬ ‫ستسانسلفسكي وصايا كثيرة في هذا الصدد‪ ،‬منها عبارته‬ ‫المأثورة "ل تحبوا أنفسكم في الفن‪ ،‬بل أحبوا الفن في‬ ‫أنفسكم"‪ .‬‬ ‫أما الممثل فهو مرتبط بمواعيد عمل معينة يجب التقّيد بها‪،‬‬ ‫وهو يقوم بتجاربه ومحاولته على مشهد من الخرين‪ ،‬وهو‬ ‫مطالب بالنسجام مع الخط العام الذي حدده المخرج ومع‬ ‫زملئه الخرين في المسرحية‪.‬‬ ‫وهكذا فإن طبيعة عمل الممثل تستوجب منه نكران الذات‬ ‫والنضباط الدقيق واحترام الزملء وكبح شهوة الظهور على‬ ‫حساب الغير أو على حساب العمل المسرحي نفسه‪ .‬فإلى جانب الموهبة –وهي شرط ل غنى عنه لي‬ ‫فنان‪ -‬يستلزم فن التمثيل شروطا ً عديدة أخرى‪ ،‬أهمها أن‬ ‫يكون الممثل ذا ثقافة واسعة‪ ،‬متعددة الجوانب‪ ،‬ول سيما في‬ ‫مجال المسرح والفنون الخرى ذات العلقة‪ ،‬وأن تكون له‬ ‫معرفة واسعة بطبائع البشر وعاداتهم وعلقاتهم وأنماط‬ ‫تفكيرهم وسلوكهم‪ ،‬وأن يبذل جهودا ً منتظمة للحتفاظ بمرونة‬ ‫جسمه وطلقة صوته‪ ،‬وأن يتحلى بأخلق مهنية عالية‪.‬‬ ‫ويبدو لي أن من غير الضروري أن نتوسع في شرح أهمية‬ ‫كل من هذه الشروط فقد يكفي أن نعيد إلى الذهان أن‬ ‫الدراما هي أعقد صور الدب العالمي وأرقاها‪ ،‬وإن نقلها إلى‬ ‫المسرح بكل ما تنطوي عليه من عمق فلسفي وما تزخر به‬ ‫من مواقف ونماذج إنسانية هو أمر يتطلب الكثير من الدراية‬ ‫والستعداد‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ويجدر بنا أن نتوقف قليل عند مسألة "الخلق المهنية"‬ ‫التي أولها ستانسلفسكي وتلمذته قسطا ً كبيرا ً من الهتمام‪.‬‬ ‫وعندما نفهم وظيفة الممثل على هذا المستوى يبدو‬ ‫واضحا ً أن الموهبة الفطرية وحدها ل تكفي لخلق الممثل إل‬ ‫بمقدار ما تكفي الذن الحساسة وحدها‪ ،‬مث ً‬ ‫ل‪ ،‬لخلق المؤلف‬ ‫الموسيقي‪ .‬فما دامت بيئتك مختلفة‪ ،‬وقصة حياتك مختلفة‪ ،‬فإن‬ ‫ذهنيتك هي الخرى يجب أن تختلف وكذلك سلوكك وإحساسك‬ ‫بالقيم"‪.42 -‬‬ .‫فرقته بقوله‪:‬‬ ‫"كن أنت نفسك في كل دور تؤديه‪ ،‬ولكن كن مختلفا ً في‬ ‫كل مرة‪ .‬ولكن‬ ‫*‬ ‫وووو ووووو وووو ووووو ووو وو ووووووووووو وووو‬ ‫ووووو ووووو‪.‬ايفاونوفتش ‪-‬دانتشكنكو من دور‬ ‫العقيد روستانيف بعد البروفة الخيرة لمسرحية "قرية‬ ‫ستيبانتشيكوفو**وأسند الدور إلى "ماساليتنوف"‪ ،‬شهق أفراد‬ ‫الفرقة وحبسوا أنفاسهم خائفين في انتظار ما سيحدث‪ .

‬وحين شرعت في تعليمه اكتشفت أن صوته لم يصقل‪،‬‬ ‫ي قبل أن أعلمه الغنية أن أعطيه دروسا ً صوتية‪ .‬‬ ‫وقد أوجز نميروفتش دانشينكو‪ ،‬في إحدى مقالته‪ ،‬الغاية‬ ‫التي رمى إليها ستانسلفسكي على النحو التالي‪:‬‬ ‫"كان ستانسلفسكي يحلم بإبداع فن يمكن الممثلين من‬ ‫أداء أدوارهم في المسرحية بحرية‪ ،‬كما لو كانوا يؤدونها للمرة‬ ‫الولى‪ ،‬دون أن يلجؤوا إلى اليماءات والوسائل المستهلكة‬ ‫التي ترافق عرض المسرحية للمرة الربعين أو الخمسين أو‬ ‫المائتين‪ .‫لم يحدث شيء‪ .43 -‬‬ .‬فما دام‬ ‫فلديمير ايفانوفتش يعتقد أنه ل يصلح للدور فمعنى ذلك أنه ل‬ ‫يصلح"‪.‬‬ ‫وو وووو ووووووووو –وووووووو وووووو "ووووو‬ ‫وووووو"‪.‬‬ ‫"افترضوا أن شخصا ً ما أتاني وأخبرني بأنه يريد أن يتعلم‬ ‫أغنية‪ .‬‬ ‫** ووو وووووو "ووو ووووو" ووووو‪.‬فقد أذعن لمشيئة المخرج دون أن ينبس‬ ‫بحرف‪ ،‬رغم أنه كان يعتبر دور روستانيف‪ ،‬كدور الدكتور‬ ‫ستوكما***من أفضل الدوار التي أداها في حياته‪ .‬بيد أن الثورة الحقيقية التي‬ ‫أحدثها ستانسلفسكي في الممارسة المسرحية إنما هي‬ ‫منهجه في "إعداد الممثل لدوره"‪.‬وبعد أن يكون الممثلون قد حذقوا‬ ‫تقنيات المسرح‪ ،‬فإن المخرج لن يحتاج إلى كل هذا الوقت‬ ‫الطويل لخراج مسرحية‪..".‬‬ ‫ولعل خير ما نوضح به مفهوم ستانسلفسكي عن إعداد‬ ‫الممثل لنفسه وضخامة الجهد الذي ينبغي عليه بذله في هذا‬ ‫السبيل‪ ،‬أن نقتطف الفقرة التالية من ذكريات الممثل‬ ‫"توبوركوف"‪ ،‬الذي سلفت الشارة إليه‪:‬‬ ‫"كان إذا شكونا إليه من أن نتاجاتنا المسرحية قليلة جدا ً‬ ‫وأننا ننفق في إعدادها سنين طويلة‪ ،‬يوافقنا على أن هذا غير‬ ‫حسن‪ ،‬ثم يضيف مستدركًا‪ :‬ولكن إذا أردنا أن نقدم كل شهر‬ ‫مسرحية جديدة‪ ،‬فيستوجب علينا أن نغلق المسرح لبضع‬ ‫سنوات ونطور تقنياتنا‪ .‬‬ ‫هذا عن إعداد الممثل لنفسه‪ .‬‬ ‫ماذا يعني بناء الدور من الداخل؟‬ ‫إنه يعني –خلفا ً للتمثيل الحرفي الذي يخضع الدور لعدد‬ ‫من التعبيرات المبتذلة المعدة سلفا –أن يتبنى الممثل‬ ‫"منطق" الشخصية الدرامية وأن "يعاني" مشكلتها على خشبة‬ ‫*‬ ‫*‬ ‫*‬ ‫* وووووو وووووو وو ووووو وووووووووو ووووووو "وووو‬ ‫ووووووووووووو ووووووو"‪.‬‬ ‫‪.‬‬ ‫لقد كتب الكثير عن منهج ستانسلفسكي وصيغت له‬ ‫تعريفات عديدة‪ ،‬قد يكون أقربها إلى الدقة أن يقال أنه منهج‬ ‫"بناء الدور المسرحي من الداخل" أو "خلق المقدمات‬ ‫السايكولوجية اللزمة لولدة الدور بصورة عفوية على خشبة‬ ‫المسرح"‪.‬ولم نسمع‬ ‫منه أية نأمة احتجاج أو كلمة استياء حول الموضوع‪ .‬كان يحلم‪ ،‬إذا جاز التعبير‪ ،‬بأن يتحول كل عرض‬ ‫الجاهزة‬ ‫مسرحي إلى إبداع جديد‪ ،‬ل يخلو من "الكليشيهات"‬ ‫وحسب‪ ،‬بل ويزخر بالمفاجآت حتى بالنسبة للمثل نفسه…"*‪.‬في‬ ‫وأن عل ّ‬ ‫هذه الحالة سيكون لبد من إرجاء الغنية ريثما أدّربه على‬ ‫الغناء‪ .‬وأعتقد أنكم تقدرون كم يتطلب ذلك من الوقت‪.

‬وهذه الغاية تتطلب بناء‬ ‫دقيقا ً متأنيا ً للدور‪ ،‬أو لنستعرض عبارات ستانسلفسكي ذاتها‬ ‫فنقول إنها تتطلب إنماء الدور وتطويره من مجرد "بذرة" إلى‬ ‫نبتة حية‪ ،‬دانية القطوف‪.‬‬ ‫وتشمل الجابة عن السؤال الول معرفة عمر البطل‬ ‫المسرحي وجنسيته ومهنته وانتمائه الطبقي ومركزه‬ ‫الجتماعي ووضعه العائلي ونوعية علقاته بالخرين ومزاجه‬ ‫ومنطقه ودوافعه النفسية الخ‪ .‬وقد تصبح أساسا ً ل شعوريا ً لموقفنا منه أو علقتنا‬ ‫به‪ ،‬كذلك فإن القراءة الولى للنص المسرحي تترك في‬ ‫النفس عادة‪ ،‬انطباعات يصعب تغييرها‪..‬ولكن إذا أحسنا قراءة النص‬ ‫فسنجد فيه دون شك المعطيات الساسية الكافية لبناء الدور‪،‬‬ ‫أما الجزئيات والتفاصيل فهي متروكة لتصوراتنا نحن‪.‬‬‫ءءءءءء‪.‬‬ ‫وأفضل سبيل إلى الحاطة بمقومات هذه الشخصية أن نحاول‪،‬‬ ‫عن طريق استقراء النص‪ ،‬الجابة عن هذين السؤالين‪:‬‬ ‫ءء ءء ءءء ءءءءءءءء ءءءءء ءءءءء‬ ‫ومن الطبيعي أننا لن نجد في أي نص مسرحي إجابة‬ ‫مفصلة وافية عن السؤال الول‪ .‬‬‫ءءءءءء‪.‫المسرح معاناة حقيقية متجددة‪ ،‬تاركا ً لعاطفته فرصة التجسد‬ ‫التلقائي الحر ضمن شروط المسرح‪ .‬وقد نكتشف‪ ،‬ونحن نتقدم في القراءة‬ ‫وتتجلى لنا الحبكة بمزيد من الوضوح‪ ،‬أننا أخطأنا في تصور‬ ‫بعض الشخصيات‪ .‬وبالتالي فإن انطباعات القراءة الولى يجب‬ ‫أن تدرس وتغربل في المرحلة الثانية من إعداد الدور‪ ،‬أي‬ ‫مرحلة التحليل‪.44 -‬‬ .‬‬ ‫ومن المعروف أن النص المسرحي ل يتضمن إلى جانب‬ ‫الحوار سوى النزر السير من المعلومات والتفاصيل‪ ،‬وهذا ما‬ ‫يجعل القارئ يمل فجوات النص –بصورة ل إرادية‪ -‬ببعض‬ ‫الصور المختزنة في ذاكرته‪ .‬ولكن تصوراتنا هذه ليست‬ ‫صحيحة في كل الحوال‪ ،‬فالقراءة الولى قد ل تتيح لنا فهما ً‬ ‫شامل ً للمسرحية‪ .‬‬ ‫وبوسعنا أن نحدد لعملية إنماء الدور هذه أربع مراحل‬ ‫متتابعة‪:‬‬ ‫ءءءءءء ءءء ءءءءء‪.‬وهكذا فنحن في أثناء القراءة‬ ‫الولى نتخيل مشاهد المسرحية وملمح أبطالها وهيئاتهم‬ ‫العامة وحركاتهم ونبرات أصواتهم‪ .‬وعلى أساس هذه المعرفة‬ ‫يستطيع الممثل أن يكمل النص بشتى الوقائع والجزئيات‬ ‫‪.‬وكما أن‬ ‫انطباعات لقائنا الول مع شخص غريب قد تلزمنا لفترة طويلة‬ ‫بعد ذلك‪ .‬‬ ‫إن التعرف على الدور يعني قراءته أول مرة‪ .‬‬‫ءءءءءءء‪.‬‬ ‫كيف يحلل الممثل دوره؟‬ ‫إن تحليل الدور يعني استجلء مختلف المقومات الخلقية‬ ‫والعقلية والجتماعية التي تتكون منها الشخصية الدرامية‪.‬‬‫ولكل من هذه المراحل أثرها الحاسم في بلوغ النتيجة‬ ‫التي كان يحلو لستانسلفسكي أن يسميها "بالكشف عن حياة‬ ‫النفس البشرية" على المسرح‪.

‫الصغيرة التي تتألف منها حياة الناس اليومية‪ ،‬مستعينا ً في ذلك‬ ‫بمخيلته وما تحفل به ذاكرته من صور وانطباعات‪ .‬وقد تستلزم‬ ‫طبيعة الدور أن يخرج الممثل إلى المجتمع ليراقب عن كثب‬ ‫أناسا ً يماثلون بطله في المهنة أو الوضع الجتماعي أو الحالة‬ ‫الصحية أو غير ذلك‪.‬‬ ‫ولنحاول الن‪ ،‬وقد تابعنا تطور شخصية "كارستون بيرنك"‬ ‫ضمن حدود النص‪ ،‬أن نجيب عن هذين السؤالين‪:‬‬ ‫من هو بيرنك؟ وماذا يريد؟‬‫ويمكننا –تمثيل ً ل حصرًا‪ -‬أن نجيب عن السؤال الول بما‬ ‫يلي‪:‬‬ ‫إن بيرنك شخصية مرائية ذات سلوك مزدوج‪ ،‬ولبد أنه‬‫يعيش في حالة قلق دائم من افتضاح أمره‪.‬‬ ‫ً‬ ‫وباختصار فإن على الممثل –وفقا لمنهج ستانسلفسكي‪-‬‬ ‫أن يؤلف‪ ،‬في ضوء ما لديه من معطيات‪" ،‬سيرة كاملة"‬ ‫للشخصية التي يؤديها‪ ،‬وأن يحمل في ذهنه صورة حسية دقيقة‬ ‫لسائر ظروفها المرتبطة بما يجري على المسرح ولو ارتباطا ً‬ ‫غير مباشر‪ .‬‬ ‫ولكن وصول قريبين للعائلة من أميركا على نحو مفاجئ‬ ‫يكشف لنا عن ماضي الرجل‪ ،‬فنعرف أن ثروته الكبيرة قامت‬ ‫على عملية اختلس اقترفها في شبابه‪ ،‬وأنه تخلى عن المرأة‬ ‫من له مزيدا ً من النجاح في‬ ‫التي يحب ليتزوج من أخرى تؤ ّ‬ ‫المجتمع‪ ،‬وأنه كان طرفا ً في فضيحة أخلقية تنصل منها‬ ‫ونسبها إلى أخلص أصدقائه‪ .‬كما بدا فعل ً لبعض النقاد‪،‬‬ ‫ولكن علينا أن ندخله في حسابنا عند تحليل الدور‪.45 -‬‬ .‬‬ ‫لنفترض أن ممثل ً ما اطلع بدور "كارستون بيرنك" في‬ ‫مسرحية "أعمدة المجتمع" لهنريك ابسن‪ ،‬فما هي العناصر‬ ‫التي يمكنه أن يستمدها من النص المسرحي وماذا يستطيع أن‬ ‫يضيف إليها؟‬ ‫إن بيرنك –كما يقدمه إلينا المؤلف في الفصل الول –‬ ‫رأسمالي نرويجي في نحو الربعين من عمره‪ ،‬يتمتع بسمعة‬ ‫اجتماعية عالية كرب أسرة مثالي‪ ،‬ذي أخلق رصينة محافظة‪.‬وهو في سبيل ذلك ل يتورع حتى‬ ‫عن التورط في جريمة رهيبة‪ .‬وفي ختام المسرحية نرى‬ ‫بيرنك‪ ،‬وقد ارتد إليه ضميره‪ ،‬يقف أمام المل ليزيح بنفسه‬ ‫الستار عن خطايا ماضيه‪ .‬‬ ‫لبد أن يكون بيرنك على قدر كبير من الجاذبية وقوة‬‫الشخصية‪ ،‬فقد أحبه عدد من النساء‪ ،‬وضحى أحد أصدقائه‬ ‫بسمعته من أجله‪ ،‬وأحاطه المجتمع بكثير من الحترام والثقة‪.‬وهذه مهمة صعبة‪ .‬‬ ‫من الواضح أن الثراء والجاه هما القيمة الكبرى في حياة‬‫بيرنك‪ ،‬فقد ضحى من أجلهما بمن يحب وأهمل من أجلهما‬ ‫واجبه تجاه ابنه الوحيد‪.‬ونرى بيرنك في الفصول التالية‬ ‫وهو يجاهد للحتفاظ بمجده القائم على الختلس والرياء‬ ‫والغدر‪ ،‬ولقصاء شبح الماضي الذي انبعث بغتة في شخص‬ ‫قريبيه العائدين من أميركا‪ .‬ولكنها ممكنة إذا اكتملت في‬ ‫الممثل شروط العداد المهني التي تحدثنا عنها‪.‬‬ ‫إن بيرنك‪ ،‬كما لحظ أحد النقاد الغربيين‪ ،‬هو "ماكبث"‬‫معاصر‪ ،‬قوي الشكيمة‪ ،‬شديد الطموح‪ ،‬ل يحجم –وقد بنى‬ ‫‪.‬وقد يبدو لنا هذا التطور الخير في‬ ‫شخصية بيرنك مفتعل ً وغير مقنع‪ .‬‬ ‫إنه بارع جدا ً في إخفاء دوافعه الحقيقية‪ ،‬فحتى زوجته‬‫تظل مخدوعة به حتى النهاية‪.

‬وقد سبق أن أوضحنا أن هذا ل يعني ذوبان الممثل‬ ‫كليا ً في دوره‪ ،‬بل يعني المتزاج والتكامل بين الممثل والدور‪.‬وهذا النوع من‬ ‫الوقائع والظروف التي ل نشاهدها على المسرح رغم أنها ذات‬ ‫ارتباط وثيق بما يجري أمامنا من أحداث هي التي يسميها‬ ‫ستانسلفسكي "بالظروف المفترضة" أو "الظروف المسبقة"‪.‬ففي المثال الذي‬ ‫أوردناه يتوجب على الممثل أن يلم على قدر المكان بطابع‬ ‫الحياة ومظاهر السلوك الجتماعي البورجوازي في بلدة‬ ‫نرويجية صغيرة خلل النصف الثاني من القرن الفائت‪ .‬‬ ‫وثمة وسيلتان لذلك‪ :‬المعرفة والخيال‪ .‬وعلى الممثل أن يكمل هذه الصورة‪.‬باحثا ً عن‬ ‫أنسب الشكال والوسائل التعبيرية لكل جزء من أجزائه‪ ،‬وهو‬ ‫ول سيرة البطل المسرحي إلى "سيرة ذاتية"‬ ‫مطالب بأن يح ّ‬ ‫‪.‬وينبغي أن نشير هنا إلى أن‬ ‫الجابة الدقيقة عن هذا السؤال هي أهم ما يواجه الممثل‬ ‫المسرحي‪ ،‬لنها تكشف عن جوهر الصراع الذي تخوضه‬ ‫الشخصية المسرحية‪ ،‬وتحدد العلئق بينها وبين بقية‬ ‫الشخصيات‪ .‬‬ ‫ول يصل الممثل دفعة واحدة إلى مستوى المعاناة‬ ‫الحقيقية للدور‪ ،‬بل يصل إليه من خلل العمل الدائب‬ ‫والمحاولة المتكررة والحتشاد الذهني الطويل‪ .‫مجده بالجريمة‪ -‬عن اقتراف سلسلة جرائم أخرى دفاعا ً عما‬ ‫بناه‪.‬‬ ‫فكما أن الممثل يتكيف ليلئم دوره‪ ،‬كذلك فإن الخير يتلون‬ ‫بشخصية الممثل‪ .‬‬ ‫ولنكتف بهذا القدر من الجابة عن السؤال الول وننتقل‬ ‫إلى السؤال الثاني‪" :‬ماذا يريد؟"‪ .‬ولكننا نخطئ إذا تصورنا أننا‬ ‫نستطيع بالسهولة نفسها أن نعرف دوما ً مايريده بطل‬ ‫مسرحية ما أو غيره من شخصياتها‪.‬‬ ‫فإذا انتقلنا بعد ذلك إلى المرحلة الثالثة –مرحلة معاناة‬ ‫الدور‪ ،‬جاز لنا أن نقول إنها فترة صيرورة الدور بكل عناصره‬ ‫الدبية وجزئياته وظروفه المفترضة جزء من العالم الداخلي‬ ‫للممثل‪ .‬وواجب الممثل هنا أن‬ ‫يصوغ لنفسه هذه التفاصيل بعناية ودقة ليكون قادرا ً على‬ ‫"تذكر" هذه الواقعة كشيء حدث بالفعل‪ .‬‬ ‫وليس اللمام بعناصر الشخصية المسرحية وتحديد غايتها‬ ‫الساسية إل بمثابة الخطوط العامة لصورة مازالت تفتقر إلى‬ ‫الكثير من التفاصيل‪ .‬والجابة‪ ،‬في المثال الذي اخترناه‪ ،‬واضحة جدًا‪،‬‬ ‫فكارستون بيرنك يريد أن يبقي‪ ،‬بأي ثمن‪ ،‬على الكذوبة التي‬ ‫كانت أساسا ً لسمعته وثرائه‪ .‬ولعل القارئ الذي شاهد الممثل الروسي‬ ‫"بندرتشوك" والممثل النكليزي "لورنس أوليفييه" يؤديان دور‬ ‫"عطيل" على الشاشة‪ ،‬يتذكر كيف أن كل ً من هذين الفنانين‬ ‫البارعين قد أدى دوره أداًء مختلفا ً ومهره بأسلوبه الخاص‪،‬‬ ‫دون أن يخرج عن الصورة التي رسمها شكسبير‪.‬‬ ‫رغم سقوط بيرنك الخلقي فإنه ظل يحمل في أعماقه‬‫بعض القيم الخيرة‪ ،‬وهذا ماتدل عليه خاتمة المسرحية‪،‬‬ ‫وبالتالي فإن الصراع بين الضمير ومقتضيات المصلحة‬ ‫الشخصية يشكل جزءا ً من أزمته الداخلية‪.‬ومن الخطأ‬ ‫العتقاد بأن جهد الممثل في هذه المرحلة مقصور على‬ ‫المشاركة في التدريبات مع الممثلين الخرين‪ ،‬فهو مطالب في‬ ‫الوقت ذاته بأن يواصل إعداد دوره على انفراد‪ .‬وعليه‬ ‫من الناحية الخرى أن يتخذ من بعض الشارات العابرة في‬ ‫المسرحية منطلقا ً لتصور حياة كارستون بيرنك في شتى‬ ‫مراحلها وإغناء هذا التصور بأقصى ما يمكن من الجزئيات‪.46 -‬‬ .‬‬ ‫ولنأخذ‪ ،‬على سبيل المثال‪ ،‬واقعة الختلس الذي أقدم عليه‬ ‫بيرنك في شبابه‪ ،‬فالنص ل يعطينا عنها أية تفاصيل رغم أنها‬ ‫عنصر هام في نسج عقدة المسرحية‪ .

‫وأن يتحسس "الضرورة" الكامنة وراء كل عبارة يقولها البطل‬ ‫أو تصرف يأتيه‪ .‬وقد‬ ‫كان ستانسلفسكي –كما أسلفنا‪ -‬يطمح إلى خلق حياة حقيقية‬ ‫على المسرح‪ ،‬ترتبط فيها العناصر الروحية والجسدية ارتباطا ً‬ ‫تلقائيا ً طبيعيًا‪ ،‬كما في الحياة نفسها‪ ،‬وهذا ل يتحقق إل إذا ظل‬ ‫الممثل "يحترق" كل ليلة على خشبة المسرح ويعيش أحداث‬ ‫المسرحية وكأنه يواجهها للمرة الولى‪ .‬أما إفراغ الدور في‬ ‫قالب ثابت‪ ،‬حتى وإن كان هذا القالب حصيلة مرحلة سابقة‬ ‫من المعاناة الفعلية‪ ،‬فلن يخلق الحياة المرجوة على‬ ‫المسرح‪ ،‬لن الممثل –مهما كان بارعا ً في تقنيته‪ -‬ل يمكن أن‬ ‫يثير عواطف الجمهور‪ ،‬بينما هو نفسه فارغ القلب‪ ،‬ساكن‬ ‫العماق‪.‬ومن هنا كان تركيز‬ ‫ستانسلفسكي على أهمية التدريبات المتواصلة المضنية‪.‬‬ ‫ولبد للممثل‪ ،‬إذا أراد التزام الصدق في الداء‪ ،‬من أن‬ ‫يدخل المسرح وهو ل يحمل في ذهنه إل صورة "الماضي"‪،‬‬ ‫ماضي الشخصية التي يمثلها‪ .‬‬ ‫ءءءء ‪1973‬‬ ‫‪‬‬ ‫‪.‬وخلل التدريبات التي تجري مع بقية الممثلين‬ ‫تحت إشراف المخرج يتبلور إحساس الممثل بالدور وتزداد‬ ‫معاناته عمقًا‪ ،‬ويكتسب أداؤه اليقاع المنسجم مع إيقاع‬ ‫المسرحية العام‪ ،‬وتنضج لديه بالتدريج الشكال الفنية المناسبة‬ ‫للتعبير عن عالم بطله الداخلي‪ .47 -‬‬ .‬إن ممثل دور "لير"‪ ،‬مث ً‬ ‫ل‪ ،‬يجب أن ينسى‬ ‫تماما ً أنه سيكابد الويلت من عقوق ابنتيه الكبيرتين‪ ،‬لنه إن لم‬ ‫ينس ذلك فسيصعب عليه تصديق ما أظهرتا له من ولء في‬ ‫الفصل الول من المسرحية‪.‬‬ ‫أما المرحلة الخيرة )تجسيد الدور( فهي أهم المراحل‬ ‫بالطبع‪ ،‬لنها الصورة المكتملة التي تقدم إلى الجمهور‪ .‬‬ ‫وممثل "روميو" يجب أن ينسى الحب المأساوي العظيم‬ ‫الذي ينتظره وإل فلن يتهيأ لـه‪ ،‬في الفصل الول من‬ ‫المسرحية‪ ،‬أن يعبر بالحرارة اللزمة عن حبه لروزالين‪.‬‬ ‫وأخيرا ً فإن على الممثل أن ينسى أنه ممثل أمام جمهور‬ ‫سيحكم له أو عليه‪ ،‬وأل يحاول التصرف على النحو الذي يكفل‬ ‫له التصفيق الحاد عند إسدال الستار‪ ،‬بل يجب أن يحصر همه‬ ‫في أمر واحد‪ ،‬هو أن "يعيش" بكل قلبه وجوارحه على منصة‬ ‫المسرح‪.‬أما ما ينتظره من محن أو‬ ‫مسرات فينبغي أن يكون "مفاجأة" له‪ ،‬مثلما هو مفاجأة‬ ‫لجمهور المتفرجين‪ .

‬وكانت حجة شو في‬ ‫هذا الحكم المسرف أن شكسبير لم يصور أوضاعنا الفعلية‬ ‫على المسرح وإن يكن صور أشخاصنا‪ .‬فقد كانت‬ ‫الدراما حتى ظهور ابسن تتألف من تمهيد وحبكة وختام‪ .‫إبسن‬ ‫رائد المسرح الحديث‬ ‫)ءءءءءءء ءءءءءء ءءءءءء ءءءءءءءء ءءءءءءء(‬ ‫لم يثر كاتب مسرحي في زمانه من ردود الفعل العنيفة‬ ‫ومن التضارب بين العجاب العميق والسخط العارم ما أثاره‬ ‫الكاتب النرويجي هنريك ابسن عندما نشر سلسلة مسرحياته‬ ‫الجتماعية المعروفة في الربع الخير من القرن الماضي‪ .1891‬فبينما كانت الصحافة البريطانية المحافظة تصب‬ ‫جام غضبها على ابسن "المخبول"‪" ،‬الغريب الطوار" وتصف‬ ‫مسرحية الشباح –وقد عرضت في لندن آنذاك عرضا ً خاصا ً‬ ‫وعلى نطاق ضيق –بأنها شيء يثير القرف وبالوعة مكشوفة‪،‬‬ ‫نشر برنارد شو كتابه الشهير "جوهر البسنية" الذي أعلن فيه‬ ‫بجسارة أن ابسن أعظم من شكسبير‪ .48 -‬‬ .‬‬ ‫أين تكمن عظمة ابسن؟ وما سـر الضـجة الكـبيرة‬ ‫التي أحدثها بين معاصريه؟‬ ‫من السهل أن يقال أن ابسن أثار فزع المحافظين عندما‬ ‫جعل نورا تهجر بيت الزوجية وتتخلى عن أطفالها الثلثة‬ ‫احتجاجا ً على معاملتها كدمية بل عقل‪ ،‬أو أنه خدش الحشمة‬ ‫البورجوازية الكاذبة عندما تطرق‪ ،‬للمرة الولى على خشبة‬ ‫‪.‬أما‬ ‫اليوم‪ ،‬وبعد أن جاء ابسن‪ ،‬فقد صارت الدراما تتألف من تمهيد‬ ‫وحبكة ونقاش‪ .‬‬ ‫وسواء جارينا برناردشو في حماسته المفرطة لمؤلف بيت‬ ‫الدمية أو لم نجاره‪ ،‬فإن الخلف الصاخب حول عظمة هنريك‬ ‫ابسن قد حسم منذ زمن طويل‪ ،‬واحتل الرجل مكانة غير‬ ‫منازع إلى جانب أكبر كتاب المسرح العالميين‪ :‬شكسبير‬ ‫وشعراء المسرح التراجيدي الغريقي‪.‬أما ابسن فقد عرض لنا‬ ‫أشخاصنا وأوضاعنا في وقت واحد‪ .‬وعظمة ابسن –في رأي‬ ‫شو‪ -‬ل تقف عند هذا الحد‪ ،‬بل إن أعماله ولسيما بيت الدمية‬ ‫هي‪ ،‬في الوقت ذاته‪ ،‬نقطة تحول في بناء الدراما‪ .‬فقد‬ ‫انقسمت الوساط الثقافية والمهتمون بالمسرح في أوروبا‬ ‫بأسرها إلى فريقين‪ ،‬أحدهما يصفق له والخر يصب عليه‬ ‫اللعنات‪ ،‬ولعل أبلغ صور هذا النقسام ماحدث في بريطانيا‬ ‫عام ‪ .‬وكان شو يشير بذلك إلى المناقشة الفكرية‬ ‫المثيرة بين نورا‪ ،‬بطلة مسرحية بيت الدمية‪ ،‬وبين زوجها في‬ ‫الفصل الخير من المسرحية‪.

‬‬ ‫ول يستطيع دارس ابسن أن يتجاهل هذه الفترة من حياة‬ ‫‪.‫المسرح‪ ،‬إلى قضايا فاضحة كالسفلس الوراثي وجناية الباء‬ ‫على البناء‪ .‬‬ ‫ولكل مرحلة من هذه المراحل الثلث في تطور الفن‬ ‫الدرامي عند ابسن أهميتها ونتاجاتها العظيمة‪ ،‬كما أن هذه‬ ‫المراحل ليست منفصلة عن بعضها كما قد يبدو للوهلة الولى‪،‬‬ ‫فروح الصرار والتشبث بالمثل العلى‪ ،‬التي نجدها عند براند –‬ ‫وهي نفسها التي تواجهنا عند لونا هيسل في مسرحية دعائم‬ ‫المجتمع التي تنتمي إلى المرحلة الواقعية‪ ،‬وهي نفسها الروح‬ ‫المسيطرة على سولنس في سيد البنائين‪ ،‬إحدى روائع‬ ‫المرحلة الرمزية‪ ،‬أي المرحلة الخيرة في حياة ابسن‪ ،‬ومع‬ ‫ذلك فليس من المجازفة أن يقال إن ابسن الواقعي‪ ،‬ل‬ ‫الرومانسي أو الرمزي‪ ،‬هو الذي استأثر ومازال يستأثر باهتمام‬ ‫فناني المسرح وجمهوره طوال القرن الخير‪ ،‬وأن المسرحيات‬ ‫الخمس التي سبقت الشارة إليها هي التي بوأته مكانته‬ ‫الباذخة في تاريخ أدب المسرح‪.‬فقد‬ ‫استهل عمله الدبي بكتابة المسرحية الشعرية الرومانسية‬ ‫التي تستلهم –في الغالب‪ -‬أحداث الماضي البعيد‪ ،‬ثم انتقل في‬ ‫المرحلة الثانية من حياته البداعية إلى كتابة المسرحية النثرية‬ ‫الواقعية‪ ،‬التي كانت سببا ً في شهرته المدوية‪ .‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫والواقع أننا لن نفهم أهمية ابسن فهما كامل إل حين نتبين‬ ‫أن عمله هو النقطة الفاصلة بين مرحلتين من تاريخ فن‬ ‫الدراما‪ ،‬فبظهور دعائم المجتمع وبيت الدمية والشباح‬ ‫وعدو الشعب والبطة البرية‪ ،‬بلغت الدراما الواقعية‬ ‫الحديثة‪ ،‬التي بشر بها ليسنغ وديدرو منذ أواسط القرن الثامن‬ ‫عشر‪ ،‬درجة عالية من النضج والشاعرية وإحكام البناء‪ .‬فقد بدأ شعريا ً‬ ‫يأخذ مادته من التاريخ والتراث‪ ،‬ثم انتقل إلى النثر مع انتقاله‬ ‫إلى معالجة الموضوعات المعاصرة‪ ،‬واتجه أخيرا ً إلى تأمل‬ ‫علقة الفنان نفسه بالعالم وإلى استخدام أشكال تعبيرية أكثر‬ ‫التصاقا ً بالذات‪.‬‬ ‫نشر ابسن أولى مسرحياته في عام ‪ ،1850‬وكانت‬ ‫مسرحية شعرية بعنوان كاتالينا استوحاها من تاريخ النرويج‬ ‫وكتبها متأثرا ً بشعر الفروسية والحب وبالمناخ الثوري الذي‬ ‫ساد أوروبا برمتها في تلك الفترة‪ .‬كما أنه ل يفسر لنا خلود ابسن‬ ‫وتجدد الهتمام بأعماله المسرحية رغم أن أوضاع المجتمع‬ ‫الوروبي الراهن لم تعد تشبه الوضاع التي ندد بها في‬ ‫مسرحياته‪.‬ولكن هذا وحده ل يفسر لنا كل ذلك الجدل الذي‬ ‫احتدم حول كتابات ابسن‪ ،‬والذي شارك فيه مفكرون من وزن‬ ‫برناردشو وجورج بليخانوف‪ .49 -‬‬ .‬ولهذا‬ ‫يحتل هنريك ابسن‪ ،‬بحق‪ ،‬الفصل الول في أي دراسة عن‬ ‫المسرح الحديث‪.‬وكان هذا نوعا ً من‬ ‫العودة إلى المسرح الشعري‪ ،‬بالمدلول الواسع للكلمة‪ .‬‬ ‫ويمكن القول دونما غلو أن تطور ابسن ككاتب مسرحي‬ ‫كان‪ ،‬على نحو ما‪ ،‬تلخيصا ً لتاريخ تطور الفن الدرامي ذاته‪ .‬ولعلنا‬ ‫نستطيع أن نلحظ أن هذه‪ ،‬على وجه التقريب‪ ،‬هي المراحل‬ ‫التي مر بها أدب الدراما في تاريخه الطويل‪ .‬أما في الطور‬ ‫الخير من حياته فقد ابتعد بالتدريج عن المنحى الواقعي‬ ‫الجتماعي واتجه إلى المسرحية السايكولوجية –الرمزية‬ ‫مستوحيا ً تجربته الذاتية في الحياة والفن‪ .‬وكان ابسن –يوم نشر تلك‬ ‫المسرحية متخفيا ً وراء اسم مستعار –شابا ً في الثانية‬ ‫والعشرين من عمره‪ ،‬قدم إلى العاصمة كريستيانا )أوسلو‬ ‫الحالية( ليدرس الطب بعد سنوات سبع عجاف أمضاها يعمل‬ ‫مساعد صيدلي في بلدة غريمشتاد الساحلية الصغيرة‪.

‬‬ ‫ويسجل عام ‪ 1869‬تحول ً خطيرا ً في عمل ابسن‪ ،‬إذ‬ ‫يهجر الشعر إلى النثر‪ ،‬والسطورة إلى الواقع والشخصيات‬ ‫التاريخية إلى الشخصيات المعاصرة الحية التي عرفها في‬ ‫مجتمعه‪ :‬الرأسمالي والكاهن وعمدة البلدة والصحفي‬ ‫والطبيب والعامل وربة البيت الخ‪ .‬‬ ‫وبذلك انتهت المتاعب المالية التي رافقته حتى ذلك الوقت‪.‬والفايكنغ في هلغلند )‬ ‫‪ (1858‬فجميع هذه المسرحيات من النوع الميلودرامي الذي‬ ‫كان سائدا ً آنذاك‪ ،‬أما موضوعاتها فهي مستمدة من التاريخ‬ ‫القومي والحكايات الشعرية الشعبية‪ .‬فقد أتاح له اشتغاله بالمسرح‬ ‫في تلك الفترة أن يلم بأسرار المسرحية المتقنة الصنع التي‬ ‫كانت شديدة الرواج في المسارح الوروبية يومذاك‪ ،‬وكان أبرز‬ ‫مؤلفيها الفرنسيان يوجين سكريب وفكتوريين ساردو‪.1866‬ولم تعد عليه براند‬ ‫بالشهرة وحدها بل عادت عليه كذلك بمعاش ثابت من‬ ‫الحكومة النرويجية‪ ،‬بالضافة إلى حقوقه المادية كمؤلف‪.‬ورغم ذلك فقد حملت‬ ‫تلك المسرحيات بعض الملمح الساسية التي تميزت بها‬ ‫أعمال ابسن الناضجة في الفترات اللحقة كعودة الشباح من‬ ‫الماضي‪ ،‬والصراع بين المثالية والواقع‪ ،‬والهتمام بالقضايا‬ ‫الجتماعية‪ ،‬والبراعة في رسم الشخصية المسرحية من‬ ‫جوانبها المختلفة‪.‬ولقد أردت أن أجعل القارئ يحس أنه‬ ‫ينظر إلى شيء حدث بالفعل‪ .‬ليس المر كما لو كنا مازلنا‬ ‫نعيش في أيام شكسبير‪ .‬وبعد ذلك بسنوات كتب ابسن إلى أيدموند‬ ‫غوس‪ ،‬يفسر له تحوله إلى استخدام النثر في المسرح‪:‬‬ ‫"أنت تشعر أنه كان من الفضل لو أني كتبت مسرحيتي‬ ‫شعرًا‪ ،‬وهذا ما ل أستطيع الموافقة عليه‪ .‬وقد استهل ابسن هذا الطور‬ ‫الواقعي الجديد بمسرحية عصبة الشباب التي عاد بعدها إلى‬ ‫الشعر مرة واحدة في مسرحية المبراطور والجليلي‪ ،‬قبل‬ ‫أن يهجره إلى البد‪ .‬‬ ‫في عام ‪ 1864‬غادر ابسن وطنه ليمضي معظم سنوات‬ ‫حياته التالية في إيطاليا وألمانيا‪ .50 -‬‬ .‬‬ ‫ولم يلبث هنريك ابسن أن تخلى عن فكرة دراسة الطب‬ ‫وغادر أوسلو ليصبح مساعدا ً لمدير مسرح مدينة بيرغن‪ .‬ومع أنه لم يكن مغمورا ً حين‬ ‫غادر النرويج‪ ،‬فإن الشهرة الواسعة جاءته مع صدور مسرحيته‬ ‫الشعرية العظيمة براند في عام ‪ .‬‬ ‫ولكن ابسن لم يتخل عن الشعر إل من حيث هو قواف‬ ‫وأوزان‪ ،‬أما روح الشعر فقد ظلت قوية في كل أعماله‬ ‫اللحقة‪ ،‬بل إنها بلغت في مرحلة إنتاجه الواقعي مالم تبلغه‬ ‫‪.‬فهنا‪ ،‬في هذه البلدة النائية المعزولة عن‬ ‫العالم‪ ،‬التي ذهب إليها الفتى هنريك ابسن طالبا ً للرزق بعد أن‬ ‫تدهورت أحوال أبيه المالية على نحو مفاجئ‪ ،‬أتيح له أن يختزن‬ ‫في ذاكرته الكثير من صور النغلق والتزمت والرياء‬ ‫الجتماعي‪ ،‬التي أصبحت فيما بعد مادة لمسرحياته الجتماعية‪.‫الكاتب العظيم‪ .‬لقد أردت أن أرسم كائنات بشرية‬ ‫عادية‪ ...‬‬ ‫ويمكننا أن نلمس أثر المسرحية المتقنة الصنع في نتاجات‬ ‫ابسن الباكرة‪ ،‬مثل قبر المحارب )‪ (1850‬وليلة القديس‬ ‫يوحنا )‪ (1853‬والليدي انغر من اوسترات )‪ (1855‬و‬ ‫وليمة سولهاوغ‪ (1856) ..‬ولهذه الخبرة‬ ‫العملية أثرها العميق في وصول ابسن إلى ذلك التقان‬ ‫المذهل في الصنعة الدرامية‪ .‬لبد أنك لحظت أن‬ ‫هذه مسرحية واقعية‪ .‬فكيف أستطيع أن أدعهم يتكلمون لغة اللهة؟‪.‬ثم‬ ‫حصل على منحة سفر لدراسة الخراج المسرحي في‬ ‫الدانمارك وألمانيا‪ ،‬وبعد عودته مارس الخراج في مسرح‬ ‫بيرغن ثم في المسرح القومي في العاصمة‪ .

‬‬ ‫ويمكن القول بأن مسرحية دعائم المجتمع التي نشرت‬ ‫عام ‪ 1877‬هي البداية الحقيقية للمرحلة الواقعية من عمل‬ ‫ابسن‪ ،‬فقد أحرزت نجاحا ً جماهيريا ً كبيرا ً وعززت ثقته بصواب‬ ‫الجديد الذي اختاره‪ .‬وقد قدمه‬ ‫ابسن إلى الناس بوصفه الثمرة المنطقية لعلقة زوجية ينقصها‬ ‫الحب والحترام‪.‬‬ ‫وفي عام ‪ 1879‬نشر ابسن مسرحية بيت الدمية التي‬ ‫سلفت الشارة إليها‪ ،‬وقد قوبلت هذه المسرحية‪ ،‬لسيما في‬ ‫ألمانيا‪ ،‬بعاصفة من الحتجاج‪ ،‬واضطر مؤلفها –رغم عناده‬ ‫المأثور‪ -‬أن يضع لها خاتمة أخرى إرضاء للجمهور اللماني الذي‬ ‫وجد فيها تهديدا ً لطمأنينته العائلية‪ .‬وقد ختم ابسن مسرحيته هذه بعبارة‬ ‫تلخص القضية التي ناضل من أجلها طوال حياته‪ :‬إن روح‬ ‫الحقيقة وروح الحرية هما دعامتا المجتمع‪.‬إلى جانب مدلولها الواقعي‬ ‫المباشر‪ ،‬مدلول ً رمزيا ً شام ً‬ ‫ل‪ .‬وقد لحظ برناردشو –وكان‬ ‫محقًا‪ -‬أن روعة بيت الدمية إنما تكمن في نهايتها غير المألوفة‪،‬‬ ‫ولول هذه النهاية لما كانت تختلف عن أي مسرحية ميلودرامية‬ ‫من مسرحيات تلك اليام‪ .‬وقد وجد ابسن أن خير رد يوجهه إلى أولئك‬ ‫الذين أغضبتهم بيت الدمية أن يكتب مسرحية أخرى تكشف‬ ‫عن العواقب التي تنجم عن إذعان المرأة لمصيرها وموافقتها‬ ‫على معايشة زوج ل يحبها ول يحترم حقوقها‪ .‬وبطل المسرحية رأسمالي نرويجي يبني‬ ‫ثروته ومركزه الجتماعي المرموق على الكذب والخيانة‪،‬‬ ‫ولكنه يكتشف فيما بعد أن المرء ل يمكن أن يبني سعادة‬ ‫حقيقية على أساس كهذا‪ ،‬ويدفعه هذا الوعي الجديد إلى إعلن‬ ‫الحقيقة أمام الجميع‪.‫في مرحلته الرومانسية‪ .‬فقد‬ ‫هاج لها الرأي العام الوروبي وماج‪ ،‬وهبطت مبيعات كتب‬ ‫ابسن وكان يعول عليها أكثر من تعويله على العروض‬ ‫المسرحية‪ ،‬ولم يجسر أي مسرح في البلدان السكندنافية‬ ‫على تقديمها‪ ،‬ومرت ثلث سنوات قبل أن يجرؤ أحد على‬ ‫ترجمتها إلى اللغة اللمانية‪.‬وقصة بيت الدمية‪ -‬باختصار‪ -‬هي‬ ‫قصة الزوجة التي تقرر فصم العلقة الزوجية حين تكتشف أن‬ ‫زوجها ل يكن لها احتراما ً حقيقيا ً ول يؤمن بحقها في أن تفكر‬ ‫أو تتخذ أي قرار‪ .‬وحين ندرس العبارة البسنية‬ ‫فإنها تدهشنا بكثافتها ووظائفها المتعددة‪ ،‬فهي ليست مجرد‬ ‫عبارة تنبثق من الفعل الدرامي وتمهد له‪ ،‬ولكنها ضوء ينتشر‬ ‫في اتجاهات مختلفة لينير شخصية المتكلم والمخاطب‬ ‫وليكشف عن الماضي ويشير إلى المستقبل‪.‬وهكذا كتب‬ ‫مسرحيته العظيمة "الشباح" التي صدرت في عام ‪.‬فالعبارة‬ ‫المسرحية عنده غالبا ً ما تحمل‪ .‬‬ ‫ولم ينكمش هنريك ابسن أمام العاصفة‪ ،‬بل أمعن في‬ ‫‪.‬وربما كان هنريك ابسن الوحيد بين‬ ‫مؤلفي المسرح الحديث الذي يرتفع إلى جلل المأساة‬ ‫الغريقية دون أن يتخلى عن واقعيته الصارمة‪ .‬‬ ‫ولكن ردة الفعل كانت أعنف بكثير مما توقع ابسن‪ .51 -‬‬ .‬‬ ‫ولكن لماذا أثارت الشباح كل هذا الغضب العنيف؟ إن‬ ‫القارئ المعاصر يصعب أن يعثر على الجواب‪ ،‬فالمسرحية ل‬ ‫تشتمل على كلمة بذيئة واحدة‪ ،‬وكل مافي المر أن بطلها‬ ‫أوسوالد ضحية لمرض السفلس الذي ورثه عن أبيه‪ .1891‬‬ ‫ولم يكن ابسن يجهل أن مسرحيته الجديدة ستثير استياء بعض‬ ‫الوساط فقد كتب إلى ناشر أعماله هيغل يقول‪:‬‬ ‫ً‬ ‫"من المحتمل أن تسبب "الشباح" شيئا من عــدم‬ ‫الرتياح في أوساط معينة‪ ،‬ولكن إذا لــم تســبب ذلــك‬ ‫فما الحاجة إلى كتابتها؟"‪.

‬وقد‬ ‫حيرت هذه المسرحية المعقدة البناء نقاد ابسن ووجد فيها‬ ‫أكثرهم نقضا ً لفكاره السابقة حول الحقيقة فالمسرحية تندد‬ ‫بالمثالية الفجة في شخص بطلها غريغر فيرله‪ ،‬الذي يجر‬ ‫الخراب على عائلة بأسرها عندما يحطم الوهم الذي تعيش‬ ‫فيه‪.‬وقد خرج ابسن عن‬ ‫عادته هذه المرة فكتب عدو الشعب في سنة واحدة‪ ،‬عوضا ً‬ ‫عن سنتين‪ ،‬وهي المدة التي كان يمضيها في كتابة المسرحية‬ ‫الواحدة‪ .‬وحين بلغ السبعين من عمره‬ ‫احتفلت به النرويج احتفال ً رسميا ً ضخمًا‪ .‬‬ ‫وكان ابسن قد عاد من منفاه الختياري إلى وطنه في عام‬ ‫‪ 1891‬تحف به شهرته العالمية‪ .‬‬ ‫ءءءءء ‪1978‬‬ ‫‪‬‬ ‫‪.‬ومات في عام ‪1906‬‬ ‫تاركا ً وراءه ولدا ً واحدًا‪ ،‬هو سيغورد ابسن الذي مارس هو‬ ‫الخر الكتابة للمسرح دون أن يصيب فيها نجاحا ً يذكر‪.‫تحدي "الكثرية الحمقاء" فكتب مسرحيته التالية عدو الشعب‬ ‫التي ألهب فيها الصحافة والحزاب والرأي العام بسوط‬ ‫احتقاره‪ ،‬معلنا ً أن الرأي القائل بأن الكثرية دوما ً على حق هو‬ ‫إحدى الكاذيب الجتماعية التي يتوجب على الرجل‬ ‫المستقل الريب أن يكافح ضدها‪ .‬وفوجئ ابسن مرة أخرى عندما وجد أن الجمهور‬ ‫الذي قصد إلى إهانته واستفزازه بهذه المسرحية قد استقبلها‬ ‫بحماسة شديدة!‬ ‫وتأتي مسرحية البطة البرية لتختم المرحلة الجتماعية من‬ ‫عمل ابسن ولتمهد للمرحلة الرمزية –السايكولوجية‪ .‬‬ ‫وينتمي إلى المرحلة الثالثة والخيرة من حياة ابسن‬ ‫البداعية عدد من روائعه الشهيرة‪ ،‬أبرزها هيدا غابلر )‪(1890‬‬ ‫وسيد البنائين )‪ (1892‬وايولف الصغير )‪ (1894‬وعندما‬ ‫نستيقظ نحن الموتى (‪ (1899‬وبهذه المسرحية الخيرة ختم‬ ‫هنريك ابسن‪ ،‬وهو في الحادية والسبعين من عمره‪ ،‬حياة‬ ‫فكرية وفنية خصبة استمرت زهاء نصف قرن‪.52 -‬‬ .

53 -‬‬ .‬ومن المؤكد‬ ‫أن للحداثة إضافاتها وإنجازاتها الخطيرة في الفنون المعاصرة‪،‬‬ ‫ولكن لها بالمقابل عيوبها الخطيرة كذلك‪ ،‬فقد جاءت بالكثير‬ ‫من البدع والنزعات المتطرفة التي توهجت برهة من الزمن ثم‬ ‫انطفأت مثلما تنطفئ السهم النارية دون أن تترك وراءها أثرًا‪.‬وتكفينا التفاتة سريعة إلى تأريخ المسرح‬ ‫لندرك أن المر لم يكن كذلك في الماضي‪ ،‬فقد كان للمسرح‬ ‫في مراحل ازدهاره المعروفة طرق معبدة واضحة يسلكها‪،‬‬ ‫وكانت الحياة المسرحية تتميز في كل مرحلة من هذه‬ ‫المراحل بتجانس كبير مرده إلى المثل الفنية الواحدة التي‬ ‫يهتدي بها فنانو تلك المرحلة‪ .‫اتجاهات وأسماء‬ ‫في المسرح المعاصر‬ ‫لم يشهد فن المسرح‪ ،‬طوال خمسة وعشرين قرنا ً من‬ ‫تأريخه‪ ،‬مثل هذا التنوع اللمحدود الذي شهده عصرنا الراهن‪،‬‬ ‫وهو تنوع يشمل مناهج التأليف الدرامي مثلما يشمل أساليب‬ ‫العرض المسرحي‪ .‬ولكننا ل نستطيع أن نتحدث‬ ‫بالوثوق نفسه عن مسرح القرن العشرين‪ ،‬فأمامنا عدد ل‬ ‫يحصى من التجاهات والساليب ووجهات النظر التي يصل‬ ‫الختلف بينها أحيانا ً إلى حد التعارض المطلق‪ ،‬وبين أيدينا من‬ ‫النصوص والنتاجات المسرحية المعاصرة ما يصعب حصره‬ ‫وتصنيفه‪ .‬وتطور المسرح في عصرنا هذا ل ينفصل عن تطور‬ ‫الحضارة جملة‪ ،‬فهو شكل من أشكال عديدة ابتدعها الوعي‬ ‫البشري للتعبير عن ذاته‪ .‬من هنا جاء هذا‬ ‫التيار العارم الذي نطلق عليه اسم الحداثة والذي زلزل‬ ‫القواعد الراسخة لشتى الفنون‪ ،‬ومنها المسرح‪ .‬‬ ‫ويكفي أن نتذكر التعبيرية التي كانت تيارا ً قويا ً في المسرح‬ ‫الوروبي خلل عشرينيات القرن الحالي‪ ،‬فمن يعبأ بها اليوم؟‬ ‫وماذا تبقى من الدادية‪ ،‬أو المستقبلية مث ً‬ ‫ل؟!‬ ‫وما من ضرورة للتطرق إلى مختلف المدارس والنظريات‬ ‫التي جاءت بها الحداثة‪ ،‬فهي معروفة‪ ،‬ولكن ما نحتاج أن‬ ‫نشير إليه في مقدمة هذا الحديث هو أن تطور الفنون في‬ ‫‪.‬وهكذا يمكننا أن نتحدث بوثوق‬ ‫واطمئنان عن العراف والمفاهيم التي سادت المسرح‬ ‫الفرنسي خلل القرنين السابع عشر والثامن عشر‪ ،‬وعن‬ ‫ملمح التراجيديا في عصر الملكة اليزابيث‪ ،‬وعن المثال‬ ‫الرومانسي الذي هيمن على المسرح الوروبي الغربي خلل‬ ‫النصف الول من القرن الماضي‪ .‬ومع تراكم التحولت والحداث‬ ‫الجسام في عصرنا وتسارع وتائر التطور الجتماعي واتساع‬ ‫آفاق المعرفة النسانية‪ ،‬كان على الوعي أن يعيد النظر في‬ ‫الشكال الفنية الموروثة التي أخذت تكشف‪ ،‬بصورة متزايدة‪،‬‬ ‫عن قصورها عن استيعاب هواجس العصر‪ .

‬‬ ‫وليس صعبا ً على المتأمل أن يلحظ أن الواقعية في‬ ‫المسرح )وفي الفنون العصرية المتفرعة عنه كالسينما‬ ‫والدراما التلفزيونية( ظلت في عصرنا هذا أقوى بكثير مما هي‬ ‫عليه في سائر الفنون الخرى‪.‬‬ ‫ومن هذه التيارات التي يمكن رصد انعكاساتها الواضحة على‬ ‫اتجاهات الدب والفن في عصرنا مفهوم الديمومة عند‬ ‫برغسون‪ ،‬ومنهج التحليل النفسي ونظرية تفسير الحلم عند‬ ‫فرويد‪ ،‬والتفسير المادي للتاريخ عند ماركس‪ ،‬ووجودية سارتر‬ ‫–بنحو خاص‪ .‫عصرنا الراهن وثيق الصلة ببعض التيارات الفكرية القوية التي‬ ‫كان لها أثرها العميق في صياغة وجدان النسان المعاصر‪.‬‬ ‫على أن التنوع الهائل في مسرح القرن العشرين ل ينبغي‬ ‫أن يحجب عن أعيننا حقيقة مهمة‪ ،‬هي أن المنهج الواقعي –‬ ‫الذي بلغ ذروته الكلسيكية في أواخر القرن المنصرم وأوائل‬ ‫القرن الحالي‬ ‫عند هنريك إبسن وبرناردشو وأنطون تشيخوف وغيرهم‬ ‫من كبار الواقعيين –ل يزال التيار الساسي الطاغي على‬ ‫المسرح العالمي‪ ،‬أما التجاهات الخرى فل تعدو أن تكون‪ ،‬في‬ ‫الغالب‪ ،‬سوى روافد صغيرة‪ ،‬قد تفيض وتلفت إليها النظار‬ ‫أحيانًا‪ ،‬ولكنها سرعان ما تختفي وتندثر إذا لم تستمد حياتها‬ ‫وديمومتها من هذا التيار الكبير‪.‬‬ ‫ويعود هذا‪ ،‬بالدرجة الولى‪ ،‬إلى طبيعة المسرح نفسه‪.‬‬ ‫والواقعية‪ ،‬بهذا المعنى‪ ،‬ليست ظاهرة فنية حديثة العهد‪،‬‬ ‫بل هي قديمة قدم المسرح نفسه‪ ،‬لقد كان يوربيدس واقعيا ً‬ ‫كبيرا ً رغم أن اللهة تتدخل أحيانا ً بشكل مباشر –كما في‬ ‫مسرحية ميديا مثل ً –لحسم مصائر البشر في مسرحياته‪.‬ولكن واقعية القرن التاسع‬ ‫عشر هي غير الواقعية الكلسيكية‪ .‬‬ ‫ول مجال للتوسع في شرح الفوارق بين المفهومين‪ ،‬بل يكفينا‬ ‫القول بأن الطبيعية‪ ،‬في أوجز تعريفاتها‪ ،‬هي السعي إلى‬ ‫محاكاة الواقع حرفيا ً وبدون تمييز‪ ،‬بينما تعني الواقعية غربلة‬ ‫الواقع واصطفاء ملمحه النموذجية ولحظاته المكثفة لبلوغ ما‬ ‫يقتضيه الفن من عمق وصدق وتركيز‪.‬‬ ‫ولكن ما هي هذه الواقعية التي نتحدث عنها؟ إن مفهوم‬ ‫الواقعية كثيرا ً ما يختلط في الذهان بمفهوم آخر يقاربه من‬ ‫بعض الوجوه‪ ،‬وأعني الطبيعية التي بشر بها الكاتب الفرنسي‬ ‫إميل زول في النصف الثاني من القرن الماضي‪ ،‬وكان‬ ‫سترندبرغ وهاوبتمان ألمع ممثليها في حقل التأليف الدرامي‪.‬من هنا يستمد المسرح قدرته‬ ‫البالغة على التأثير‪ ،‬وهنا تكمن خصوصية المسرح التي تجتذبه‬ ‫بقوة إلى الواقعية كلما دفعته بعض التيارات بعيدا ً عنها‪.‬‬ ‫فإذا كانت الفنون أنواعا ً من المحاكاة –كما ذهب أرسطو‬ ‫طاليس‪ -‬فإن المسرح يحاكي الواقع محاكاة شاملة‪ ،‬ل جزئية‬ ‫كما في الفنون الخرى‪ .‬وسنلحظ بعض هذه النعكاسات ونحن نستعرض‬ ‫ما اخترناه من نماذج الدراما الحديثة‪.54 -‬‬ .‬‬ ‫وكان شكسبير واقعيا ً كبيرا ً هو الخر رغم ما يطالعنا في‬ ‫مسرحياته من جن وسحرة وأشباح‪ .‬إنها واقعية شديدة اللتصاق‬ ‫‪.‬‬ ‫وإذا كانت وسيلة الكاتب في تصوير النسان هي الكلمة‪،‬‬ ‫ووسيلة الرسام هي الخط واللون‪ ،‬فإن وسيلة المسرح‬ ‫الساسية في تصوير النسان هي النسان نفسه بلحمه ودمه‬ ‫وبكل عنفوان الحياة في كيانه‪ .‬إن كاتب القصة –مث ً‬ ‫ل‪ -‬يحول الواقع‬ ‫إلى صورة ذهنية تنقلها الكلمات‪ ،‬والرسام يحوله إلى صور‬ ‫بصرية ساكنة ذات بعدين‪ ،‬أما المسرح فيقدم إلينا الواقع‬ ‫بصورته العيانية وبأبعاده الثلثة وبحركته الدائبة التي ل تنقطع‪.

‬‬ ‫وقد بلغ من حرص هنريك إبسن –وهو إمام هذا المنهج في‬ ‫مجال المسرح‪ -‬على التقيد بمظهر الواقع أنه امتنع في‬ ‫مسرحياته الواقعية امتناعا ً تاما ً عن استخدام المناجاة‬ ‫الذاتية )‪ (soliloquy‬والعبارات التي تغمغم بها الشخصيات‬ ‫الدرامية لنفسها أحيانا ً )‪ ،(aside‬رغم أن هذه من العراف‬ ‫الراسخة في المسرح‪ ،‬ولكن إبسن نفسه بدا في المرحلة‬ ‫الخيرة من حياته وكأنه ضاق ذرعا ً بواقعيته الصارمة‪ ،‬فإذا‬ ‫كانت هذه الواقعية هي الطار المثل لمسرحيات الحتجاج‬ ‫الجتماعي أو الدراما العائلية –كما في بيت الدمية والشباح‬ ‫مث ً‬ ‫ل‪ -‬فإنها بالمقابل لم تكن الطار المناسب لمعالجة تلك‬ ‫المشكلة الوجودية التي شغلت إبسن في العهد الخير من‬ ‫حياته‪ ،‬أعني مشكلة تمزق الفنان بين الواقع الممض وبين‬ ‫المثال الذي ل يدرك‪ .‬وربما كان مسرح العبث‪ ،‬الذي استهله‬ ‫يوجين يونسكو في منتصف القرن الحالي بمسرحيته الشهيرة‬ ‫المغنية الصلعاء أخطر تحد واجهته الواقعية في عصرنا‪ ،‬فقد‬ ‫قام على فكرة مؤداها أن الواقعية تزيف العالم لنها تضفي‬ ‫عليه معقولية ليس لها وجود‪ .‬ولقد كانت المستقبلية‪ ،‬التي‬ ‫ولدت في إيطاليا في نهاية العقد الول من هذا القرن والتي‬ ‫تبناها فلديمير ماياكوفسكي وغيره من الكتاب والفنانين‬ ‫الروس في أعقاب ثورة أكتوبر‪ ،‬تعبيرا ً عن هذا الشعور‪ .‬ولم يكن ذلك اعتباطا ً بل كان‬ ‫استجابة لحاجة تاريخية‪ .‬وكان نتيجة –‬ ‫ورديفا‪ -‬لنهضة العلوم الفيزيائية التي ترمي إلى‬ ‫السيطرة على الطبيعة بمعرفة مساراتها"‪.‬وكانت المسرحية الشعرية التي كتبها ت‪.‬وهكذا كان إبسن في مسرحياته الخيرة‬ ‫أول من كسر الطار الواقعي الصلب الذي صنعه بنفسه‪.55 -‬‬ .‬‬ ‫ومهما يكن من أمر فإن ظهور إبسن وجيل الواقعيين الكبار‬ ‫في أواخر القرن الماضي كان بداية لهيمنة المنهج الواقعي‬ ‫على المسرح في القرن الحالي‪ .‬‬ ‫س‪ .‬وقد بدت هذه الدعوة‪ ،‬التي‬ ‫انبثقت أساسا ً عن فكرة العبث عند سارتر‪ ،‬مقنعة في عصر‬ ‫تداعى فيه كثير من المعتقدات والمثل التي قامت عليها‬ ‫الحضارة الوروبية الغربية‪ .‬إليوت وكريستوفر فراي في إنكلترا وماكسويل‬ ‫أندرسون في الوليات المتحدة المريكية محاولت للخروج‬ ‫بالدراما من اهتماماتها الواقعية المحدودة إلى آفاق إنسانية‬ ‫أكثر رحابة وشمو ً‬ ‫ل‪ .‫بالواقع الملموس‪ ،‬حريصة على التقيد بمظهره الخارجي‬ ‫ومنطقه المألوف إلى الحد الذي يبدو فيه العمل المسرحي‬ ‫سلسلة محكمة من السباب والنتائج‪.‬ولكن هذه التجاهات لم تعش‬ ‫طويل ً رغم المواهب الكبيرة التي وقفت وراءها‪ ،‬وإن تكن‬ ‫نبهت إلى قصور الواقعية التقليدية وهيأت الذهان لنوع جديد‬ ‫من الواقعية بدأ يسود المسرح في النصف الثاني من القرن‬ ‫‪.‬‬ ‫ولكن الشعور الذي خامر هنريك إبسن في شيخوخته حول‬ ‫قصور المنهج الواقعي ظل يخامر كتاب المسرح وفنانيه‪ ،‬ويعبر‬ ‫عن نفسه بأشكال مختلفة وصلت إلى حد التمرد العنيف خلل‬ ‫الزمات والكوارث الجتماعية وفي أعقاب التحولت التاريخية‬ ‫التي شهدها القرن العشرون‪ .‬وفي هذا يقول الناقد المريكي‬ ‫المعروف أريك بنتلي‪:‬‬ ‫"لم تكن الواقعية نتيجة التلهف على الجديد بأي‬ ‫ثمن‪ ،‬بل كانت نتيجة –ورديفا‪ -‬لهيمنة المدينة واللة‬ ‫على الحياة‪ ،‬وهذا أمر ل يمكن تجاهله أيا ً كان رأينا‬ ‫فيه‪ ،‬وكان نتيجة –ورديفا‪ -‬للصلح الجتماعي‬ ‫والنشغال الجديد بأوضاع الشعب‪ .‬وكان‬ ‫مسرح بريشت الملحمي هو الخر تعبيرا ً عن الحساس بأن‬ ‫الواقعية التقليدية لم تعد قادرة على أداء المهمات الثورية‬ ‫المنوطة بالمسرح‪ .

‬‬ ‫‪.‬‬ ‫إن هذه الواقعية الجديدة هي مدار حديثنا اليوم‪ .‬‬ ‫ولهذه الدراما الواقعية الجديدة ممثلون مرموقون اخترنا‬ ‫منهم لحديثنا هذا ثلثة‪ :‬الكاتب البريطاني بيتر شافر‪،‬‬ ‫والكاتبين المريكيين سام شبرد وبرنارد بوميرانس‪.‬‬ ‫ينتمي "بيتر شافر"‪ ،‬المولود عام ‪ ،1926‬إلى جيل‬ ‫الكتاب الذين نهضوا بالمسرح البريطاني في عقدي‬ ‫الخمسينات والستينات‪ . (Equus‬وقد أحدثت هذه‬ ‫المسرحية دويا ً هائل ً وأثارت ردود فعل متباينة واستمر عرضها‬ ‫على المسرح في نيويورك أكثر من ثلث سنوات متواصلة‪.‬وفي عام ‪ 1973‬نشر شافر مسرحيته‬ ‫السايكولوجية الحصان )‪ .‫الحالي‪.‬إننا‪ ،‬إذن‪،‬‬ ‫أمام مسرح جديد يختلف كثيرا ً عن المسرح الواقعي الذي‬ ‫نعرفه‪ ،‬ولكنه هو الخر واقعي في جوهره لنه يتناول النسان‬ ‫ضمن علقاته الجتماعية التاريخية ويتصدى بعمق وجرأة‬ ‫لهمومه وقضاياه ومؤسساته الكبرى‪ ،‬كالدين والعائلة والجنس‬ ‫والنظام السياسي‪ ،‬ويسعى إلى تسليط الضوء على الزوايا‬ ‫الخفية في النفس البشرية‪.‬‬ ‫والواقعية الجديدة التي نتحدث عنها واقعية ل يعنيها كثيرا ً‬ ‫أن تحقق التماثل التام بين ما يجري في الواقع وما يجري على‬ ‫منصة المسرح ول تلتزم ذلك المنطق الصارم الذي التزمه‬ ‫إبسن في مسرحياته الجتماعية‪ ،‬بل هي واقعية يعنيها جوهر‬ ‫الواقع أكثر مما يعنيها مظهره الملموس‪ ،‬ول تتردد في التضحية‬ ‫بهذا المظهر في سبيل إبراز المحتوى الفعلي للعلقات‬ ‫النسانية والكشف عن أخفى دوافع السلوك البشري‪ .‬‬ ‫بدأ شافر الكتابة للمسرح والتلفزيون منذ الخمسينات‬ ‫وظهر له أكثر من عمل ناجح خلل تلك الحقبة‪ ،‬ولكنه قفز إلى‬ ‫صف كبار الكتاب بمسرحيته الصيد الملكي للشمس ‪The‬‬ ‫‪ Royal Hunt of The Sun‬التي ظهرت عام ‪ ،1964‬وهي تصور‬ ‫سقوط إمبراطورية النكا في بيرو عام ‪ 1532‬على أيدي حفنة‬ ‫ضئيلة من المرتزقة السبان يقودهم جنرال أمي اسمه‬ ‫فرنشسكو بيزارو‪ .‬‬ ‫وهؤلء الكتاب الثلثة يمثلون اتجاهات مختلفة في الكتابة‬ ‫للمسرح –كما سنرى في ما بعد‪ -‬ولكنهم يلتقون ضمن هذا‬ ‫المنحى الجديد الذي نتحدث عنه‪.‬ومن المعروف أن هذه النهضة‬ ‫الشاهقة‪ ،‬التي قارنها بعض النقاد بنهضة المسرح النكليزي في‬ ‫العصر الليزابيثي‪ ،‬بدأت بظهور مسرحية جون أوزبورن‬ ‫الشهيرة انظر وراءك بغضب عام ‪ .‬وهي ل‬ ‫ترفض التجاهات الخرى‪ ،‬كالمسرح الملحمي ومسرح‬ ‫العبث مث ً‬ ‫ل‪ ،‬بل تفيد منها هنا وهناك بوصفها تقنيات تتيح‬ ‫للكاتب حرية أكبر في معالجة موضوعاته وإيصال أفكاره‪ ،‬كما‬ ‫أنها تتخذ من كشوف العلم واستبصارات الفكر الفلسفي‬ ‫المعاصر مداخل إلى فهم التجربة النسانية المعقدة‪ .56 -‬‬ .‬ولسنا‬ ‫نطمح إلى تقديم تصور شامل عن نشأتها وتطورها وأعلمها‪،‬‬ ‫فالمجال ل يتسع لذلك كله‪ ،‬وإنما نريد اللمام السريع ببعض‬ ‫الملمح الساسية لهذا التجاه الجديد والوقوف عند بعض‬ ‫السماء البارزة والعمال الدرامية المهمة التي لم يتسن‬ ‫لغلب المعنيين بالمسرح عندنا الطلع عليها لن ما نقل منها‬ ‫إلى العربية ل يزال قليل ً حتى الن‪.1956‬ولكن أوزبورن لم‬ ‫يستطع الحتفاظ بنجاحه المبكر الباهر فتراجع إلى الخلف‬ ‫مفسحا ً المجال لجيل من كتاب الدراما اللمعين‪ ،‬بينهم‬ ‫هارولد بنتر وتوم ستوبارد وبيتر شافر وروبرت بولت‬ ‫وآخرون‪.

‬فسالييري يعذبه شعور موجع‬ ‫بأن العدالة اللهية قد ظلمته عندما أسبغت العبقرية على‬ ‫موتسارت‪ ،‬رغم بذاءته وحماقاته الصبيانية‪ ،‬وضنت بها عليه‪ ،‬هو‬ ‫الرجل المجتهد الوقور‪ ،‬الذي يريد تمجيد قدرة الله في فنه‪.57 -‬‬ .‬أما في‬ ‫الماضي فقد كان الكاتب المسرحي يبني عمله أحيانا ً على‬ ‫معرفة جزئية بالتأريخ‪ ،‬وقد يستعين بخياله لسد النقص الكبير‬ ‫في معارفه التاريخية‪ ،‬كما فعل الكاتب الفرنسي فولتير حين‬ ‫كتب مسرحيته المعروفة عن النبي محمد )ص(‪ .‬‬ ‫‪.‬وهذه إحدى سمات‬ ‫الدراما المعاصرة‪ ،‬التي تواجه بالمعرفة العلمية المتعمقة كثيرا ً‬ ‫من المشكلت التي كان مسرح العصور الماضية يواجهها‬ ‫بالحدس أو التأمل المحض‪ .‫وفي عام ‪ 1979‬أصدر شافر ثالثة مسرحياته الكبرى‪،‬‬ ‫أماديوس‪ ،‬التي تناولت العلقة الغريبة بين المؤلف‬ ‫الموسيقي العظيم موتسارت وبين معاصره الموسيقي‬ ‫أنطونيو سالييري‪.‬وتتميز مسرحيات شافر بأنها‬ ‫تستند إلى خلفية ثقافية واسعة‪ ،‬إذ تتخلل نسيجها الفني‬ ‫المتشابك معارف شتى تمتد من الميثولوجيا الغريقية إلى‬ ‫تاريخ الستعمار الغربي الحديث‪ ،‬ومن أصول التأليف‬ ‫الموسيقي إلى أصول العلج النفسي‪ .‬‬ ‫وإذ يرى موتسارت ينتقل من نجاح إلى نجاح وهو عاجز عن‬ ‫مجاراته‪ ،‬يستولي عليه اعتقاد بأن هذا الفتى العبقري النزق‬ ‫اللهي ليس سوى أداة يريد بها الله إذلله وتحطيمه‪ ،‬وتمتلئ‬ ‫نفسه بالموجدة والكراهية ويصمم على تحطيم هذه الداة‪.‬ومع أن صورة موتسارت في‬ ‫مسرحية أماديوس عارية تماما ً من الجلل السطوري الذي‬ ‫نرسمه في أذهاننا لعظام الفنانين‪ ،‬فل أحسب إل أنها أحب إلى‬ ‫نفوسنا بكثير من صورته في مسرحية بوشكين‪ ،‬لنها أصدق‬ ‫وأكثر امتلء بالحياة وأقرب إلى ما نعرفه بالتجربة الحية عن‬ ‫ضعف النسان ونزواته وحماقاته‪.‬وحين يعود الكاتب المسرحي‬ ‫المعاصر إلى شخصيات التأريخ وأحداثه فإنه يتزود سلفا ً بكل‬ ‫ما تقتضيه هذه المهمة من معرفة علمية دقيقة‪ .‬وتنفعنا في‬ ‫هذا الصدد مقارنة سريعة يبن مسرحية أماديوس لبيتر‬ ‫شافر وبين مسرحية شعرية صغيرة حول الموضوع نفسه‬ ‫كتبها الشاعر الروسي الكبير الكسندر بوشكين بعنوان‬ ‫موتسارت وسالييري‪ .‬‬ ‫وغني عن القول أن شافر لم يكن يريد بكتابة هذه‬ ‫المسرحية أن يصحح الصورة المرتسمة في الذهان عن‬ ‫موتسارت‪ ،‬فهذه مهمة الدارس وليست مهمة الفنان‪ ،‬وإنما‬ ‫أراد أن يتخذ من الصراع بين سالييري وموتسارت وسيلة‬ ‫للتعبير عما سماه في مقدمته التي أشرنا إليها باعتراض‬ ‫النسان على التعسف اللهي‪ .‬‬ ‫وتتحقق لسالييري أمنيته الشريرة فيموت موتسارت في‬ ‫شبابه‪ ،‬ويخلو له الجو‪ ،‬ولكنه سرعان ما يكتشف أنه هزم مرة‬ ‫أخرى‪ .‬‬ ‫ويمكننا أن نرى من طول الفواصل الزمنية بين مسرحية‬ ‫وأخرى أن بيتر شافر من الكتاب الذين يعملون بتأن وحرص‪.‬لقد ذهب موتسارت وبقي فنه العظيم‪ ،‬أما هو –‬ ‫سالييري‪ -‬فقد عاش ليرى اسمه ينطفئ شيئا ً فشيئا ً ويغيب عن‬ ‫ذاكرة التاريخ‪.‬ففي مسرحية بوشكين تطالعنا صورة‬ ‫رومانسية زائفة لموتسارت هي من نسج خيال الشاعر قطعًا‪،‬‬ ‫أما في مسرحية شافر فنحن أمام موتسارت الحقيقي –كما‬ ‫تصوره رسائله الشخصية‪ -‬بغروره ونزقه وولعه بالنكات‬ ‫السخيفة وضائقته المادية البدية‪ .‬‬ ‫وهو يقول في مقدمة كتبها لمسرحياته الثلث هذه إن تأليف‬ ‫المسرحية الواحدة يكلفه سنوات عديدة من البحث والتحضير‬ ‫وإعادة الكتابة مرة بعد مرة حتى يأخذ العمل بين يديه الصورة‬ ‫التي يرتضيها ويطمئن إليها‪ .

‬ماذا لو أن المر كان صحيحا ً‬ ‫حقا ً يا مارتن؟ أن أكون ذهبت لصطياد اللهة فظفرت بواحد‬ ‫منها؟ بكائن يستطيع أن يجدد حياته مرة بعد مرة؟‬ ‫ويتساءل مارتن مندهشًا‪:‬‬ ‫ولكن كيف يستطيع ذلك يا سيدي؟ كيف يستطيعه أي‬‫‪.‬ويغتنم الغزاة هذه الفرصة فيقتلون أتباع‬ ‫الملك العزل ويأخذونه رهينة لديهم‪.‬وهكذا تبقى‬ ‫عواطفنا موزعة بين طرفي الصراع‪ ،‬لن لكل منهما حقه‬ ‫النساني ومبرراته‪.‬‬ ‫ول يبدو على الملك‪ ،‬الذي تعود على الثقة بالنسان‪ ،‬أنه‬ ‫استخلص الدرس الضروري من هذه المذبحة الوحشية‪ ،‬فهو‬ ‫يساوم آسريه على حريته وحين يعلم أنهم جاؤوا من أجل‬ ‫الذهب يعرض عليهم أن يمل لهم حجرة سجنه ذهبا ً مقابل‬ ‫إطلق سراحه‪ ،‬مكتفيا ً بعهد مكتوب يقدمه إليه بيزارو‪ .‬ويطلب آتا هوالبا وقد أنجز وعده بأن يفي الطرف‬ ‫الخر بما وعد به‪ ،‬ولكن بيزارو يخشى انتقام الملك فيشترط‬ ‫عليه التعهد بتركه وأتباعه يغادرون البلد بسلم‪ .‬وترتفع‬ ‫الصوات منادية بقتل الملك‪ ،‬ولكن بيزارو‪ ،‬الذي نشأت بينه‬ ‫وبين آتا هوالبا مودة صادقة خلل فترة سجنه‪ ،‬يصحو ضميره‬ ‫وتتحرك في نفسه بقية من نوازع الفروسية فيرفض قتله‪ ،‬وإذ‬ ‫يعجز أتباعه عن إقناعه بذلك يتمردون عليه ويقيمون محكمة‬ ‫دينية يترأسها المبشران المسيحيان ويحاكمون الملك ويقضون‬ ‫بإعدامه بتهمة الكفر ومعاداة المسيح واغتصاب الملك من‬ ‫أخيه! ويستقبل آتا هوالبا الحكم مطمئنًا‪ ،‬فهو ابن الشمس‬ ‫الخالد الذي ل يموت‪ ،‬وإذا لم يكن أبوه الشمس يريده إلى‬ ‫جواره فسيبعث من جديد في فجر اليوم التالي! وأمام هذه‬ ‫الطمأنينة يبدو بيزارو الشيخ الذي يقترب من نهايته الموحشة‬ ‫بقلب خال من اليمان‪ ،‬ميال ً إلى تصديق المعجزة‪ .‬إننا نراه يحاول التقرب من‬ ‫موتسارت فيصطدم باستخفاف الخير ول مبالته‪ ،‬بل إننا نرى‬ ‫موتسارت يتخذ منه مادة للهزء والتندر أحيانًا‪ .‬ويفي‬ ‫الملك بوعده فيأمر بجلب الذهب من كل مكان وتتراكم في‬ ‫الحجرة التحف الفنية النفسية التي تنتزع من المعابد والقصور‪.‬والضحية في هذه المسرحية هو الملك الشاب آتا‬ ‫هوالبا‪ ،‬ابن الشمس‪ ،‬الذي يستدعي قائد هذه الحفنة من‬ ‫الغزاة إلى لقائه‪ ،‬وحين يتم اللقاء يبادر الملك بسذاجة متناهية‬ ‫إلى إظهار حسن نيته فيأمر حرسه المؤلف من ثلثة آلف‬ ‫مقاتل بإلقاء سلحهم‪ .58 -‬‬ .‬‬ ‫ويخامرنا إحساس مماثل ونحن نتابع مسرحية شافر‬ ‫الخرى المسماة الصيد الملكي للشمس وهي تقوم –‬ ‫كالمسرحية السابقة‪ -‬على الصراع بين شخصيتين مركزيتين‪،‬‬ ‫هما آتا هوالبا ملك إمبراطورية النكا الغنية الذي يؤلهه‬ ‫شعبه‪ ،‬والجنرال بيزارو الذي يغزو هذه المبراطورية‬ ‫الشاسعة ويستولي عليها بجيش من المغامرين المرتزقة‬ ‫قوامه مائة وسبعة وستون شخصا ً بينهم اثنان من المبشرين‬ ‫المسيحيين‪ .‬إنه يقول‬ ‫لتابعه مارتن‪:‬‬ ‫أنظر إليه‪ :‬إنه هادئ على الدوام كما لو أن أنياب الحياة‬‫لم تنهشه أبدًا… ول أنياب الموت‪ .‫إن سالييري في مسرحية أماديوس شخصية يسوقها‬ ‫دافع هدام‪ ،‬ومع ذلك فهي ل تشبه الشخصيات الشريرة التي‬ ‫ألفناها في المسرح‪ ،‬فنحن نفهم معاناته ول نملك إل أن‬ ‫نتعاطف معه في بعض المواقف‪ .‬ولن الملك لم‬ ‫يألف الخديعة والمناورة فإنه يرفض إعطاء مثل هذا التعهد‪ ،‬ول‬ ‫يبقى أمام الغزاة سوى التخلص منه للنجاة بأنفسهم‪ .‬‬ ‫وعندما تمتلئ الحجرة تماما ً يأمر بيزارو بصهر هذه التحف‪،‬‬ ‫غير ملتفت إلى قيمتها الفنية‪ ،‬وتحويلها إلى سبائك يتقاسمها‬ ‫مع أتباعه‪ .

‬‬‫وارتمى منتحبا ً للمرة الولى في حياته‪.‬‬ ‫ولول ذلك لما استطاعت حفنة بائسة من المرتزقة أن تهزم‬ ‫إمبراطورية شديدة الغنى يقطنها أربعة وعشرون مليونا ً من‬ ‫البشر‪.‬إن آتا هوالبا ليس بريئا ً كل‬ ‫البراءة‪ ،‬فهو يعترف بأنه قتل أخاه واستولى على ملكه‪ ،‬وهو‬ ‫من هذه الناحية مكافئ للجندي المرتزق بيزارو الذي جاء‬ ‫سعيا ً إلى الستحواذ على ملك الخرين‪ .‬إنه يتحول في البداية إلى كعك ثم يأكلونه‪..‬‬ ‫إن مسرحية الصيد الملكي للشمس تقيم مواجهة‬ ‫مأساوية بين عالمين مختلفين‪ :‬الغرب الستعماري بجشعه‬ ‫واقتحاميته وريائه الديني والخلقي‪ ،‬والدول التي نطلق عليها‬ ‫في أيامنا هذه اسم العالم الثالث‪ ،‬بسلبيتها وسكونها‬ ‫ومعتقداتها الغيبية وسذاجتها السياسية‪.‬ولكن لتا هوالبا عيبا ً‬ ‫تراجيديا ً خطيرًا‪ ،‬هو ثقته بالخرين وتعففه عن الكذب‬ ‫والمراوغة‪ ،‬وهي صفات ل تأتلف مع فن السياسة والحكم‪.‬‬ ‫والمسرحية مليئة بالمفارقات الحادة التي حفلت بها عهود‬ ‫الستعمار القديم‪ ،‬والتي ل تزال تحفل بمثلها السياسات‬ ‫الدولية المعاصرة وإن اختلفت الظروف والشكال‪ ،‬فالسبان‬ ‫المتحضرون‪ ،‬الذين ألفوا الكتب في قواعد الفروسية‪ ،‬ل‬ ‫يتورعون عن قتل آلف من الهنود العزل الذين كانت كل‬ ‫جريرتهم أنهم أرادوا إظهار حسن النية والرغبة في السلم!‬ ‫والمبشرون الذين جاؤوا إلى هذه البقعة النائية يحملون صليب‬ ‫المسيح وتعاليمه النسانية يباركون النهب ويحضون على سفك‬ ‫الدماء لقاء أن تنال الكنيسة حصتها من الذهب المسروق! ول‬ ‫يكتفي شافر بإبراز هذا التناقض الصارخ بين جوهر المسيحية‬ ‫وبين العمال الهمجية التي ارتكبت باسمها‪ ،‬بل يتناول‬ ‫المفاهيم اللهوتية المسيحية نفسها بتهكم لذع‪ ،‬ففي مناظرة‬ ‫بين أحد الكهنة الهنود وبين مبشر مسيحي ممن يرافقون حملة‬ ‫بيزارو‪ ،‬يدور الحوار التالي‪:‬‬ ‫المبشر‪ :‬قل لي‪ ،‬كيف يمكن أن يكون للشمس ولد؟‬ ‫الكاهن الهندي‪ :‬وكيف يمكن أن يكون لربكم ولد‪ ،‬ما دمتم‬ ‫تقولون إنه بل جسد؟‬ ‫المبشر‪ :‬إنه روح‪-‬في داخلنا‪.‬‬‫‪.‫إنسان؟‬ ‫ويجيبه بيزارو‪:‬‬‫بالعودة مرة بعد مرة إلى مصدر الحياة‪-‬إلى الشمس!‬‫ويشنق الملك الشاب بوحشية‪ ،‬وعندما يؤتى بجثته ويلقى‬ ‫بها عند قدمي بيزارو ينحني عليها هذا غير مصدق‪ ،‬حتى إذا‬ ‫أيقن أنها خالية من الحياة وانقطع في يده خيط اليمان الواهي‬ ‫الذي كان يتشبث به‪ ،‬ضربها بقوة صارخًا‪:‬‬ ‫خديعة! لقد خدعني! خديعة‪.59 -‬‬ .‬‬ ‫الكاهن الهندي‪ :‬ربكم في داخلكم؟ وكيف يكون ذلك؟‬ ‫وهنا يتدخل الملك آتا هوالبا مجيبا ً على السؤال‪:‬‬ ‫إنهم يأكلونه‪ .‬‬ ‫هنا‪ ،‬مرة أخرى‪ ،‬نتعاطف مع الضحية ول نخلو في الوقت‬ ‫نفسه من تعاطف مع الجاني‪ ،‬لن ثمة توازنا ً كبيرا ً بين‬ ‫الشخصيتين المتصارعتين‪ ،‬فلكل منهما منطقها ودوافعها‪ ،‬ولكل‬ ‫منهما عيوبها وجوانبها النسانية‪ .

‬‬ ‫ويصطدم الطبيب بادئ المر بتكتم ألن وتهربه من الجابة‬ ‫وصلفه وخشونته‪ ،‬ولكنه يستدرجه بالصبر والحيلة إلى الفضاء‬ ‫بما في نفسه بالتدريج فنكتشف أن انحرافه يعود أساسا ً إلى‬ ‫التناقضات الحادة في بيئته المنزلية‪ ،‬فقد نشأ بين أم مسيحية‬ ‫شديدة التدين وأب يدين بالمادية والفكر الشتراكي على‬ ‫تزمت وضيق أفق‪ .‬وعندما ألفى ولده محزونا ً لفقد الصورة جاءه‬ ‫بصورة أخرى تمثل حصانا ً يطل من سياج حديقة وألصقها‬ ‫مكانها‪ .‬لقد منعت أسرتي ذلك منذ زمن‬ ‫بعيد‪.‬إنه لمر سيء جدًا‪ .‫لقد رأيت هذا‪ .‬ونكتشف أن ألن –بتأثير من الكتاب‬ ‫المقدس الذي كانت أمه تتلوه على مسامعه في صغره –اتبع‬ ‫ذات يوم صورة تمثل السيد المسيح وهو يسير إلى الجلجلة‬ ‫مكبل ً بالغلل‪ ،‬وعلقها فوق سريره‪ .‬ولكن عيون الخيل تواصل‬ ‫التحديق إليه حتى يدركه اليأس ويعتريه الغضب فيتناول قطعة‬ ‫معدنية حادة ويفقأ أعينها الواحدة تلو الخرى‪ ،‬ثم يرتمي على‬ ‫الرض صارخا ً مولو ً‬ ‫ل‪.‬ثم‬ ‫يشربون دمه بعد ذلك‪ .60 -‬‬ .‬‬ ‫وذات مساء تدعوه صديقته جل إلى مشاهدة فلم جنسي‬ ‫في إحدى دور العرض‪ ،‬ثم تقنعه بالذهاب معها إلى السطبل‪،‬‬ ‫حيث يستطيعان ممارسة الحب بعيدا ً عن الرقباء‪ ،‬وحين يرقد‬ ‫معها على القش ويعانقها يداهمه شعور بأنه يخون معها معبوده‬ ‫“‪ ”Equus‬وأن أحداق الخيل تراقبه باستياء من وراء الباب‬ ‫المغلق‪ ،‬فيقلع عن محاولته ويطرد الفتاة بخشونة‪ ،‬ثم يركع‬ ‫أمام الخيل يسألها الصفح والمغفرة‪ .‬‬ ‫ونلحظ هنا كذلك ما سبق أن لحظناه من توازن بين قطبي‬ ‫الصراع في مسرحيات بيتر شافر‪ ،‬فالطبيب مارتن‬ ‫دايزرت‪ ،‬الذي يفترض أنه الطرف اليجابي في الصراع‪ ،‬يعاني‬ ‫من الواقع من تناقضات داخلية عميقة‪ ،‬إنه رجل غير سعيد‬ ‫بمهنته التي يمارسها ول بحياته الخاصة‪ .‬‬ ‫وتشاء الصدفة أن يلتقي ألن فتاة جميلة اسمها جل‪،‬‬ ‫تعمل في إسطبل للخيل‪ ،‬فتساعده على العمل هناك مرة في‬ ‫السبوع‪ .‬وقد تضافرت هذه الصورة مع انطباعات عديدة أخرى‪.‬‬ ‫ليست هذه‪ ،‬في الواقع‪ ،‬سوى خلصة باهتة لهذه‬ ‫المسرحية المعقدة‪ ،‬الغنية بما فيها من فكر واستشفاف لخفايا‬ ‫النفس البشرية وأنماط استجابتها لمؤثرات العالم الخارجي‪.‬فهم يقولون في صلتهم هذا جسد إلهنا‪ .‬وهو يهرب من ركود‬ ‫حياته‪ ،‬التي ل يطيقها ول يملك القدرة على تغييرها‪ ،‬إلى كتب‬ ‫التاريخ وإلى ذكريات فترة أمضاها في إحدى القرى اليونانية‪.‬‬ ‫‪.‬هنا في‬ ‫إمبراطوريتي ل نأكل الناس‪ .‬ويغتنم ألن هذه الفرصة ليتسلل في الليل‪ ،‬بين حين‬ ‫وآخر‪ ،‬مع أحد الخيول إلى ركن منعزل في مزرعة قريبة‪،‬‬ ‫يمارس فيه طقوسا ً غريبة يتجرد خللها من ثيابه ويعتلي‬ ‫الحصان في نشوة وهوس ل يخلوان من تفجر الشواق‬ ‫الجنسية المكبوتة‪.‬ولكن والده لم يطق هذه‬ ‫الصورة ولم يشأ لولده أن ينشأ في أجواء المسيحية فرفعها‬ ‫من مكانها‪ .‬‬ ‫وفي مسرحية الحصان –وهي ذات موضوع معاصر‪ ،‬خلفا ً‬ ‫للمسرحيتين السابقتين‪ -‬يدور الصراع مرة أخرى بين‬ ‫شخصيتين مركزيتين‪ ،‬هما الطبيب النفساني مارتن دايزرت‬ ‫والشاب المراهق ألن سترانغ‪ ،‬الذي جيء به إلى مستشفى‬ ‫المراض العقلية بعد أن سمل عيون ستة جياد بمسمار كبير‪.‬‬ ‫ل يسمح المجال بذكرها‪ ،‬على خلق قناعة لدى الصبي بألوهية‬ ‫الحصان‪ ،‬فصار يركع أمام صورته في الليالي ويناديه باسم “‬ ‫‪ ”Equus‬وهي التسمية اللتينية للحصان‪ -‬ويبتدع له سللة‬ ‫شبيهة بسللة المسيح الواردة في النجيل‪.

61 -‬‬ ..‬إنني مشدود إلى‬ ‫اللغة القديمة والفتراضات القديمة‪ ،‬أستجمع قواي لثب‬ ‫بحوافر نظيفة إلى مسار للحياة جديد كليًا‪ ،‬أحدس وجوده‬ ‫مجرد حدس… ولكنني ل أستطيع القفز لن اللجام يمنعني‬ ‫ولن قوتي الساسية –أو قدرتي الحصانية إن شئتم‪ -‬أقل مما‬ ‫ينبغي‪.‬إنني شخصيا ً أحمل‪ ،‬كما ترون‪ ،‬رأسا ً‬‫كرأس ذلك الحصان‪ .‬ولكن الراوية هنا ليس مجرد مراقب أو‬ ‫مشاهد‪ ،‬كما في المسرح الملحمي‪ ،‬بل هو طرف أساسي‬ ‫في الصراع‪ ،‬أو أحد المشاركين فيه على القل‪ ،‬وهو بالتالي ل‬ ‫ينطق بلسان المؤلف‪ ،‬بل بلسان الشخصية التي يؤديها‪.‬‬ ‫على أن مهمة الراوية في مسرحيات شافر ل تقف عند‬ ‫هذا الحد‪ ،‬بل هو في الواقع جزء أساسي من تقنية يستخدمها‬ ‫شافر لغراض متعددة‪ .‬وثمة مشاهد‬ ‫عديدة نرى فيها مارتن الشيخ يعلق على الحداث‪ ،‬بينما نرى‬ ‫في الوقت عينه مارتن الشاب يشارك فيها‪ .‬ولعل‬ ‫أول ما يلفت النتباه في هذا المجال أن الراوية المستعار من‬ ‫مسرح بريشت الملحمي موجود في جميع المسرحيات التي‬ ‫ذكرناها‪ .‬‬ ‫وتتخذ مسرحية الصيد الملكي للشمس شكل ذكريات‬ ‫يرويها العجوز مارتن الذي رافق الجنرال بيزارو في حملته‬ ‫على بيرو‪ ،‬وكان أيامها حدثا ً في مقتبل العمر‪ .‬وهو غير واثق من أنه يفعل خيرا ً حين يشفي‬ ‫هذا الفتى من خباله ويرده إلى الحياة الخاوية الرتيبة التي‬ ‫يحياها الناس السوياء‪ .‫ويبدو دايزرت‪ -‬وقد أوكلت إليه مهمة معالجة ألن سترانغ‪-‬‬ ‫مرتابا ً في جدوى عمله‪ ،‬فلماذا يجرد الفتى من هذه السطورة‬ ‫التي تلهب خياله ووجدانه؟ إنه يرى في عبادة ألن للخيل‬ ‫وطقوسه المحمومة التي يؤديها معها توهجا ً ونشوة تفتقر‬ ‫إليهما حياته هو‪ .‬في مسرحية‬ ‫"الحصان"‪ ،‬حيث نرى الطبيب النفسي يتوجه بين حين وآخر‬ ‫بخطاب مباشر إلى الجمهور الذي يجلس قسم منه على‬ ‫منصة المسرح نفسها‪.‬ومما يضاعف من هذا الهتمام والفضول أن‬ ‫المقدمات والنتائج في مسرح بيتر شافر تبدو للوهلة الولى‬ ‫شديدة التنافر ومنافية لمنطق الشياء‪ ،‬فكيف يقدم –مث ً‬ ‫ل‪-‬‬ ‫صبي يعشق الخيل ويؤلهها تأليها ً على سمل عيونها؟ وكيف‬ ‫تقهر حفنة بائسة من المغامرين إمبراطورية بأسرها؟! إن‬ ‫غرابة الواقعة وغموض أسبابها يدفعان المتفرج إلى متابعة ما‬ ‫يجري أمامه بتركيز مضاعف لمعرفة السر الذي يمضي‬ ‫المؤلف كاشفا ً عنه بتمهل حتى يعريه تماما ً في المشهد الخير‬ ‫من المسرحية‪.‬ويلخص لنا دايزرت محنته منذ بدء‬ ‫المسرحية حين يقول مخاطبا ً الجمهور‪:‬‬ ‫المسألة أنني يائس‪ .‬فمن مزايا هذه التقنية أنها تتيح‬ ‫للكاتب أن يبدأ قصته من النهاية ويضع أمامنا حصيلة الحداث‬ ‫قبل وقوعها على المسرح‪ ،‬وبذلك تتحول بؤرة الهتمام عند‬ ‫المتفرج من التساؤل عما سيحدث أخيرا ً إلى التساؤل عن سر‬ ‫ما حدث بالفعل‪ .‬‬ ‫‪.‬‬ ‫ومن المهم‪ ،‬وقد ألممنا بمضمون هذه المسرحيات الثلث‪،‬‬ ‫أن نتوقف عند الجوانب التقنية في أعمال بيتر شافر‪ .‬وفي ذلك ما فيه من شحذ اهتمام المتفرج‬ ‫وإثارة فضوله‪ .‬هذا هو إحساسي‪ .‬‬ ‫وللراوية في مسرح بيتر شافر وظيفة تشبه من بعض‬ ‫وجوهها وظيفته في مسرح بريشت‪ ،‬فهو يسرد ويفسر‬ ‫ويعلق‪ ،‬داعيا ً المتفرج إلى تأمل الحداث‬ ‫التي تعرض أمامه‪ .‬ويتضح هذا التأثير البريشتي بنحو خاص‪ ..‬ولعلها المرة‬ ‫الولى التي يؤدي فيها ممثلن مختلفان شخصية واحدة في‬ ‫وقت واحد على منصة المسرح!‪.

‬ويذكرنا شبرد من الناحية التقنية بالكاتب‬ ‫البريطاني المعروف هارولد بنتر‪ ،‬بينما يذكرنا من حيث‬ ‫الفكر والمواقف بزميله الميركي إدوارد أولبي‪ ،‬فهما يلتقيان‬ ‫في رفضهما قيم المجتمع الميركي وإدانة ما يتصف به هذا‬ ‫المجتمع من نفعية وقسوة وخواء روحي‪ .‬ولعل هذا ما دعاه إلى جعل‬ ‫الممثلين في مسرحية الحصان يلزمون منصة العرض طوال‬ ‫الوقت ليبرزوا إلى دائرة الضوء عندما يأتي دورهم‪ .‬وليست‬ ‫هذه‪ ،‬على أي حال‪ ،‬صفة ينفرد بها بيتر شافر‪ ،‬فالواقع أن‬ ‫تدفق الفعل المسرحي بل انقطاع من المور التي يحرص‬ ‫عليها كتاب الدراما المعاصرون انطلقا ً من فكرة الديمومة‬ ‫البرغسونية‪ ،‬التي أشرنا إليها في مطلع الحديث‪.‬ويدور الحديث في المشاهد الولى‬ ‫حول مزرعة السرة التي أهملت منذ عشرات السنين‪ .‬‬ ‫ولننتقل بعد ذلك إلى الكاتب المريكي سام شبرد‪،‬‬ ‫وسنتوخى اليجاز في الحديث عنه بعد أن طالت وقفتنا عند‬ ‫مسرحيات بيتر شافر‪ .‬‬ ‫تقدم إلينا مسرحية الطفل المدفون أسرة غريبة مؤلفة‬ ‫من أب عجوز سكير يلزم أريكة قديمة في صالة المنزل‪،‬‬ ‫وزوجة ثرثارة تتحدث بل انقطاع عن أيامها وابنها الراحل الذي‬ ‫ما كان ليموت شابا ً لول أنه تزوج من امرأة كاثوليكية‪ ،‬ومن‬ ‫ولدهما تلدن البله الذي عاد إلى بيت أبيه بعد أن طرد من‬ ‫نيومكسيكو لسبب غامض‪ ،‬وبرادلي الفظ ذي الكتفين‬ ‫القويتين والساق الخشبية‪ .‬وسنقصر‬ ‫الحديث هنا على واحدة من أهم مسرحياته‪ ،‬وهي الطفل‬ ‫المدفون‪ ،‬الحائزة على جائزة بوليتزر‪.‬وسام شبرد كاتب‬ ‫غزير صدر له حتى الن أكثر من عشرين مسرحية‪ .‬ورغم أن شافر يقسم مسرحياته إلى‬ ‫فصول ومشاهد‪ ،‬كما هي العادة‪ ،‬إل أنه يحرص في مقدمات‬ ‫مسرحياته على الشارة إلى أن الفعل الدرامي متصل منذ‬ ‫بداية المسرحية حتى نهايتها‪ .‬وشبرد يمثل وجها ً آخر من أوجه‬ ‫الواقعية الحديثة في الدراما‪ ،‬فهو من الكتاب الذين يخلطون‬ ‫الواقع بالرمز‪ ،‬والمعقول باللمعقول والغريب‪ ،‬إلى الحد الذي‬ ‫يضفي على أعماله مسحة من الغموض ويرشحها لكثر من‬ ‫تفسير واحد‪ .‬‬ ‫ويولي بيتر شافر أهمية كبيرة لعناصر العرض‬ ‫المسرحي‪ ،‬فهو من المؤلفين الذين يؤكدون دوما ً أن الكلمات‬ ‫وحدها ل تكفي وأن المسرح هو رؤية يشترك في صياغتها‬ ‫المؤلف والمخرج‪ .‫ومن مزايا هذه التقنية كذلك أنها تعطي القصة التدفق‬ ‫المستمر‪ ،‬فليس ثمة فواصل تقتضيها تغيرات الزمان والمكان‪،‬‬ ‫لن مسرح الحداث هو ذاكرة الراوية نفسه‪ ،‬وبالتالي فلسنا‬ ‫أمام فعل يجري في أمكنة وأزمنة مختلفة‪ ،‬بل نحن أمام تيار‬ ‫من الوعي المتصل‪ .‬‬ ‫ونلمس في مسرحية الحصان لمحة أخرى من ملمح‬ ‫المسرح الملحمي عندما نرى ممثلي أدوار الخيل ينهضون‬ ‫من مقاعدهم ويلبسون أقنعتهم أمام الجمهور‪.‬وفي الصيد الملكي للشمس نرى قرصا ً معدنيا ً‬ ‫كبيرًا‪ ،‬يرمز إلى شمس النكا‪ ،‬يتدلى وسط المسرح‪ ،‬ونرى هذا‬ ‫القرص الوهاج ينطفئ عندما يبدأ الغزاة السبان بالستيلء‬ ‫على الذهب‪.62 -‬‬ .‬وهو ل يميل إلى رسم البيئة رسما ً واقعيا ً‬ ‫على منصة المسرح‪ ،‬فأحداث مسرحية "الحصان" –مث ً‬ ‫ل‪ -‬ل‬ ‫تجري في مستشفى للمراض العقلية‪ ،‬كما يفترض‪ ،‬بل ضمن‬ ‫مساحات هندسية يغلب عليها التجريد‪ ،‬وكأنه يريد بذلك أن‬ ‫يقول إن مخيلة المثقف الغربي باتت أسيرة القوالب الجامدة‬ ‫التي فرضها تقدم العلم والتكنولوجيا على حياة المجتمعات‬ ‫المتطورة‪ .‬وفجأة‬ ‫يعود حفيد السرة الغائب فنس ومعه خطيبته المريكية‪-‬‬ ‫‪.

‬ويتقدم برادلي من الفتاة‬ ‫ويأمرها بفتح فمها ثم يدس أصابعه فيه!‪.‬‬ ‫وفي ختام المسرحية نرى تلدن يعود من خارج المنزل‪،‬‬ ‫وقد غطاه الوحل حتى ركبتيه حامل ً بين ذراعيه بقايا طفل‬ ‫ميت‪ ،‬ويعبر الصالة ببطء ويرتقي السلم وعيناه مثبتتان على‬ ‫الجثة الملطخة بالوحل‪ ،‬وفي الوقت نفسه نسمع الم تخاطب‬ ‫زوجها العجوز وهي تهبط السلم‪:‬‬ ‫دوج؟ أهذا أنت يا دوج؟ أتدري؟ لقد كان تلدن محقا ً‬‫بشأن الذرة‪ .‬وتلتفت شيلي قبل رحيلها إلى فنس‬ ‫فتسأله‪:‬‬ ‫أتريد أن تبقى هنا؟ فيجيبها‪ :‬ل بد لــي مــن البقــاء لتســتمر‬‫السرة ولتظل المور تسير في مجراها‪.‬ونرى الم وقد‬ ‫عادت إلى المنزل بصحبة كاهن بروتستانتي عجوز يدعى الب‬ ‫دويس‪ ،‬أما فنس الذي خرج لشراء الخمر فل نلمح له أثرًا‪.‬‬ ‫وتعود الفتاة إلى الستفسار عن قصة الطفل المقتول فيزجرها‬ ‫برادلي الذي يستيقظ من نومه منزعجًا‪ ،‬ولكنها تختطف ساقه‬ ‫الخشبية وتتركه عاجزا ً عن الحركة‪ .‬وأخيرا ً يقرر العجوز أن يتكلم فيعترف بأنه‬ ‫قتل الطفل ودفنه في الرض المجاورة للمنزل لنه كان طفل ً‬ ‫غير شرعي حملت به زوجه سفاحًا‪ ،‬ولم يكن يريد لهذه الغلطة‬ ‫أن تدمر كل ما بناه‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ويعود فنس أخيرا وقد أفرط في السكر وجاء معه بكل‬ ‫القناني التي أفرغها في جوفه‪ ،‬ويقتحم المنزل مترنما ً بأغنية‬ ‫من أغاني الحرب‪ ،‬ويبدأ بقذف القناني الفارغة وكأنه يخوض‬ ‫معركة بالقنابل اليدوية‪ .‬وعندما يكثر إلحاح الجد العجوز على الجميع‬ ‫بأن يبتاعوا له قنينة من الخمر يتطوع فنس لداء المهمة‬ ‫ويغادر المنزل فتنتهز شيلي هذه الفرصة لتسأل تلدن عن‬ ‫هوية خطيبها فيجيبها هذا بأنه ليس له أولد وأن ولده الوحيد قد‬ ‫قتله الجد وهو طفل رضيع‪ .‬ويحاول العجوز منع تلدن من‬ ‫الستمرار في سرد القصة فيسقط من أريكته إلى الرض‬ ‫ويظل رابضا ً هناك‪ .63 -‬‬ .‬وحين يعود تلدن –‬ ‫ولد فنس‪ -‬إلى المنزل فإنه هو الخر ل يحفل بوجود ابنه ول‬ ‫يلقي إليه أي اهتمام‪ .‬لم أر مثل هذه الذرة من قبل‪ .‬وإذا ذاك فقط تتذكر الجدة أن هذا‬ ‫حفيدها فتسأل‪:‬‬ ‫فنسنت؟ أهذا أنت فنسنت؟‬‫ً‬ ‫ويعتدل برادلي في جلسته على الريكة متوعدا فنس‬ ‫ثم ينزلق إلى الرض زاحفا ً لسترداد ساقه الخشبية‪ ،‬ولكن‬ ‫زحفه المضني يطول بل جدوى لن فنس يركل الساق‬ ‫الخشبية بقدمه كلما اقترب عمه منها‪ .‬في هذا‬ ‫‪.‬وتتدخل الم عبثا ً لسكات‬ ‫الفتاة الفضولية‪ .‬وأخيرا ً يعلن الجد‪ ،‬قبل‬ ‫أن يلفظ أنفاسه‪ ،‬أنه يترك المنزل بما فيه لحفيده فنسنت‪،‬‬ ‫وأدوات الحراثة لبنه تلدن‪ ،‬ويتناول فنس ساق عمه الخشبية‬ ‫ويرمي بها خارج المنزل‪ .‬ولكن الجد‬ ‫السكير ينكر حفيده ول يتذكره رغم المحاولت التي يبذلها‬ ‫الشاب لبتعاث صورة الماضي في ذاكرته‪ .‬ويساور الفتاة الشك في حقيقة انتساب‬ ‫فنس إلى هذه السرة‪ ،‬وتحاول إقناعه بمغادرة البيت ولكنه‬ ‫يصر على البقاء‪ .‬وخلل ذلك يدخل برادلي الفظ منتهرا ً‬ ‫تلدن فيهرب هذا مذعورا ً منه‪ .‫اللتينية شيلي التي جاء بها لتتعرف إلى أهله‪ .‬هل ألقيت عليها‬ ‫نظرة مؤخرًا؟ إنها بطول قامة الرجل منذ الن‪ .‬‬ ‫وفي الفصل الخير من المسرحية نرى برادلي نائما ً على‬ ‫أريكة والده القديمة وقد تدثر بدثاره ووضع ساقه الخشبية إلى‬ ‫جانبه بينما الب لم يزل مستلقيا ً على الرض‪ .

‬وقد فازت في حينها بجائزة نقاد المسرح في‬ ‫نيويورك وعدد من الجوائز الخرى‪.‬وكان ظهره مغطى بكتلة‬ ‫من اللحم الكريه تمتد إلى منتصف فخذه وتنبعث منها رائحة‬ ‫مقززة‪ ،‬بينما تتدلى من صدره كتلة مماثلة من اللحم‪ .‬‬ ‫هذه‪ ،‬بالخطوط العامة‪ ،‬هي قصة مسرحية الطفل‬ ‫المدفون‪ ،‬ويمكننا أن نلحظ القرابة الفنية بينها وبين أعمال‬ ‫هارولد بنتر وصاميويل بيكيت‪ ،‬التي تنقلنا بصورة مفاجئة من‬ ‫الجواء والتفاصيل الواقعية المألوفة إلى أجواء كابوسية تبدو‬ ‫فيها التصرفات والقوال غريبة وغير مترابطة‪ .‬ورغم أن المستوى‬ ‫الرمزي في أعمال سام شبرد ل يفصح عن نفسه بسهولة‪،‬‬ ‫فإنه يتميز بالثارة الذهنية وقوة اليحاء‪ .‬‬ ‫والرجل الفيل ليس شخصية صنعها خيال المؤلف بل هو‬ ‫إنسان حقيقي يدعى جون ميرك عاش في لندن في أواخر‬ ‫القرن الماضي‪ ،‬وكان له تكوين مشوه يثير الفزع‪ .‬‬ ‫أما هذا الطفل الذي اغتيل ودفن تخلصا ً من العار فقد يكون‬ ‫المؤلف أراد به حلم الحرية والعدالة الجتماعية الذي اغتالته‬ ‫الرجعية المريكية في أواسط القرن بعد أن لمست في بقائه‬ ‫خطرا ً يهدد كل ما بنته –على حد تعبير العجوز دوج في‬ ‫المسرحية المذكورة‪ ،‬وعندما نفهم مسرحيات شبرد على هذا‬ ‫النحو تتضح لنا مراميه ويغدو معقول ً ومؤثرا ً ما بدا للوهلة‬ ‫الولى غريبا ً ومجافيا ً للمعقول‪.‬‬ ‫لعله المطر‪.‬ولكن شخصيات‬ ‫شبرد أكثر امتلء بالحياة من شخصيات مسرح بيكيت‪ ،‬وهو‬ ‫أكثر انشغال ً بالهموم الجتماعية من بنتر‪ .‬ولكن هذا المظهر المروع‬ ‫كان يخفي وراءه – كما اكتشف الطبيب في ما بعد‪ -‬نفسا ً‬ ‫رقيقة حساسة تتوق إلى الحنان والصداقة كسائر البشر‪.‬وكانت‬ ‫ذراعه اليمنى ضخمة مشوهة‪ ،‬أما اليسرى فكانت جميلة‪،‬‬ ‫أنثوية التكوين –كما يقول تريفز‪ .64 -‬‬ .‬لعل المطر فعل شيئًا‪.‬وتهيأ لميرك‪ -‬وقد أحيط بكل‬ ‫‪.‬وقد ترك لنا الدكتور تريفز كتابا ً عن جون ميرك‪ ،‬ول‬ ‫يزال هيكله العظمي وصوره الفوتوغرافية محفوظة حتى‬ ‫اليوم‪ .‬‬ ‫وسنتوقف أخيرا ً عند مسرحية كان لها دويها الكبير في‬ ‫الوليات المتحدة وبريطانيا منذ سنوات‪ ،‬تلك هي مسرحية‬ ‫الرجل الفيل التي كتبها مؤلف أميركي شاب يدعى برنارد‬ ‫بوميرانس‪ .‬معجزة‪ .‬‬ ‫شيء شبيه بالفردوس في الخارج‪ ،‬يا دوج‪ .‬لم أر لها شبيها ً من قبل‪ .‬وتشير المصادر التي بين أيدينا إلى أن ميرك كان ذا‬ ‫رأس كبير بشكل استثنائي‪ ،‬وكان له في جبهته نتوء عظمي‬ ‫هائل يكاد يغطي إحدى عينيه‪ ،‬وفي مؤخرة رأسه كيس من‬ ‫الجلد المنتفخ‪ ،‬وكانت شفته العليا مقلوبة إلى الخارج بفعل‬ ‫نتوء عظمي آخر في فكه العلى‪ .‬وبطاطا‪ .‬ولنا أن نفترض أن‬ ‫مسرحية الطفل المدفون تصور لنا صراع الجيال في‬ ‫المجتمع الميركي‪ ،‬وأن هذا الشاب الذي عاد إلى منزل جده‬ ‫بعد غيبة طويلة فجوبه بالتجاهل والنكار هو رمز للجيال الفتية‬ ‫الباحثة عن النتماء في مجتمع منحل تخلى عن مثله القديمة‪.‬يجب أن تلقي‬ ‫نظرة‪ .‬وقد عثر‬ ‫عليه جراح شاب يدعى فريدرك تريفز عندما كان أحد الفاقين‬ ‫يعرضه للفرجة في أحد الدكاكين لقاء قروش‪ ،‬فنقله إلى‬ ‫مستشفى وايت تشابل في لندن ووفر له المن والعيش‬ ‫الكريم‪ .‬‬ ‫وقد سعى تريفز إلى إقناع بعض شخصيات المجتمع‬ ‫اللندني بزيارة ميرك في ملذه المنعزل في المستشفى‪،‬‬ ‫وسرعان ما اكتشف هؤلء ذكاءه ورهافة حسه فصاروا‬ ‫يترددون عليه ويقدمون إليه الهدايا ويمدون المستشفى‬ ‫بالعانات المالية للنفاق عليه‪ .‫الوقت المبكر من السنة‪ .‬وثمة جزر كذلك‪ .‬وبازلء‪.

‬وقد آثرنا أن نقتصر‬ ‫على نماذج قليلة ليتسنى لنا أن نقف عند كل منها وقفة كافية‪،‬‬ ‫فذلك أجدى من تعداد السماء –وهي كثيرة‪ -‬والكتفاء‬ ‫بملحظات عامة ل تقربها إلى الذهن أمثلة ملموسة‪ .‬‬ ‫وفي هذه المسرحية نجد أنفسنا مرة أخرى أمام مجرى‬ ‫متصل من الفعل الدرامي‪ ،‬فالمسرحية –كما أسلفنا‪ -‬ل تتألف‬ ‫من فصول تسدل الستارة بعد كل منها‪ ،‬بل من مجموعة‬ ‫لوحات تتعاقب وكأنها صفحات من قصة يقرأها المرء دون‬ ‫توقف‪ .‬‬ ‫وبعد فهذه بعض التجاهات البارزة في ما أسميناه‬ ‫بالواقعية الجديدة في المسرح المعاصر‪ .‬‬ ‫‪.‫هذه الرعاية‪ -‬أن يقرأ وأن يشرع في تحقيق حلم كان يساوره‪،‬‬ ‫وهو وضع تصميم لكنيسة القديس فيليب في لندن‪.‬ونجد أنفسنا كذلك أمام لغة درامية جديدة‪ ،‬يمكن أن‬ ‫ندعوها باللغة المقطرة‪ ،‬فالكاتب المسرحي المعاصر ميال إلى‬ ‫القتصاد في اللغة وتشذيب العبارة من كل الزوائد التي يمكن‬ ‫الستغناء عنها‪ ،‬بل وإلى بترها أحيانا ً إذا كانت تتمتها يمكن أن‬ ‫تفهم من سياق الحديث‪ .‬ولعل الكاتب البريطاني هارولد بنتر‬ ‫أشهر مثال في هذا الباب‪ .‬وعلى العموم فإن المسرح‬ ‫الحديث ل يميل إلى السهاب في القول أو التصنع في العبارة‪،‬‬ ‫أو النسياق مع انثيالت الفكار والعواطف إل في الحوال التي‬ ‫تقتضيها ضرورة درامية واضحة‪.‬وذات‬ ‫يوم فكر ميرك –الذي كان ينام جالسا ً لن تكوينه الغريب ل‬ ‫يسمح له بالنوم الطبيعي‪ -‬أن يضع رأسه على الوسادة كأي‬ ‫إنسان آخر‪ ،‬ولكن ثقل رأسه الهائل أدى إلى كسر رقبته‬ ‫واختناقه‪.‬ولعل في‬ ‫هذه اللمامة المتواضعة ما يساعدنا على تشخيص واقع الحركة‬ ‫المسرحية عندنا وتبين موقعها من مسارات تطور المسرح‬ ‫العالمي المعاصر‪.‬ول نعثر في مسرحية بوميرانس على‬ ‫الصراع الدرامي المألوف الذي تطرقنا إلى بعض أشكاله ونحن‬ ‫نتحدث عن مسرحيات بيتر شافر‪ ،‬فالصراع الساسي في‬ ‫الرجل الفيل يدور بين ميرك وقدره القاسي‪ ،‬ل بينه وبين‬ ‫أطراف أخرى تظهر على المسرح‪ .‬‬ ‫هذه قصة الرجل الفيل كما يرويها أكثر من كتاب‪ ،‬وقد‬ ‫نقلها برنارد بوميرانس إلى المسرح بأمانة وبأسلوب واقعي‬ ‫صارم‪ ،‬ولكنه عدل عن النهج المألوف في الكتابة‪ ،‬فلم يقسم‬ ‫مسرحيته إلى فصول ولم يجعل لها عقدة وح ً‬ ‫ل‪ ،‬بل كتبها في‬ ‫واحد وعشرين مشهدا ً قصيرا ً وجعل لكل من هذه المشاهد‬ ‫عنوانا ً يشير إلى محتواه‪ .‬‬ ‫وقد أتم هذا التصميم بالفعل‪ ،‬ولكن وضعه الجديد أيقظ‬ ‫في نفسه رغبات وأحاسيس كانت دفينة في الماضي‪ ،‬فقد‬ ‫اشتد به التوق إلى المرأة على علمه باستحالة الوصول إليها‪،‬‬ ‫وصار يتحرق شوقا ً إلى ممارسة حياة طبيعية كالخرين‪ .‬وقد تعيد شخصية جون ميرك إلى‬ ‫أذهاننا صورة غريغور سامسا في رواية كافكا المعروفة‬ ‫المسخ‪ ،‬فكلتا الشخصيتين محكومة منذ اللحظة الولى بقدر‬ ‫رهيب لفكاك منه‪ ،‬ولذلك فهي ل تخوض صراعا ً من أجل‬ ‫الخلص وليس في يدها أن تخوض مثل هذا الصراع‪ ،‬بل‬ ‫قصارى ما تستطيعه هو أن تحاول التكيف مع الواقع المرعب‬ ‫الذي فرض عليها‪.65 -‬‬ .‬وهو صراع محسوم منذ‬ ‫البداية‪ ،‬فميرك ل أمل له في الخلص من محنته ومصيره‪،‬‬ ‫ولذلك فإن الفعل الدرامي ل يجنح إلى الصعود‪ ،‬بل يسير‬ ‫باتجاه أفقي حتى النهاية‪ .‬‬ ‫وتمثل هذه المحاولة الليمة اليائسة البؤرة التي تستقطب‬ ‫اهتمام المتفرج في مسرحية الرجل الفيل‪.

66 -‬‬ .‫ءءءءء – ‪1986‬‬ ‫‪.

‬ولو اكتفى‬ ‫أصحاب هذا التجاه بمجرد تقديم أعمالهم إلى الجمهور لما‬ ‫كان المر جديرا ً بالمناقشة‪ ،‬فما أكثر البدع والتجاهات الغريبة‬ ‫التي تطفو على سطح الحياة الفنية والثقافية بين حين وآخر‪،‬‬ ‫ثم ما تلبث أن تتوارى تلقائيا ً لنها تفتقر أصل ً إلى مقومات‬ ‫البقاء‪ .‬‬ ‫وقد يتبادر إلى ذهن المرء‪ ،‬وهو يقرأ تصريحات خطيرة من‬ ‫هذا النوع‪ ،‬أن أصحابها لم يخرجوا على أعراف المسرح‬ ‫ومفاهيمه الراسخة إل بعد بحث وتأمل وتجريب‪ ،‬ولكنه يفاجأ‪-‬‬ ‫وقد يساوره شعور بالمرارة والرثاء‪-‬حين يكتشف أن مصدر‬ ‫‪.‬وقد برزت في هذا‬ ‫الصدد محاولة الطيب الصديقي الذي أعاد صياغة بعض‬ ‫مقامات بديع الزمان الهمذاني وتقديمها في إطار مسرحي‪.‫الدور الغوالي‬ ‫في المسرح الحتفالي!‬ ‫خلل السنوات الخيرة‪ ،‬طغى على المسرح العراقي اتجاه‬ ‫غريب أطلق عليه أصحابه ومروجوه اسم المسرح‬ ‫الحتفالي أو مسرح الفرجة‪ .‬وتعود جذور هذا التجاه إلى‬ ‫محاولت قام بها بعض الفنانين المغاربة لتقديم نصوص من‬ ‫التراث العربي ضمن قوالب مسرحية‪ .‬‬ ‫وهكذا تعاقبت على منصة مسرحنا الوطني أعمال هجينة‬ ‫ليس لها من فن المسرح سوى قشرته الخارجية‪ .67 -‬‬ .‬‬ ‫ويبدو أن هذه المحاولت استهوت بعض العاملين في المسرح‬ ‫عندنا فعمدوا إلى تقليدها في سلسلة من العمال الرديئة‬ ‫المفككة‪ ،‬التي اتكأت على النصوص الدبية التراثية حينًا‪ ،‬وعلى‬ ‫الحكاية الشعبية حينا ً آخر‪.‬‬ ‫وغني عن القول أن استلهام التراث ليس خطأ في حد‬ ‫ذاته‪ ،‬بل ربما كان من عيوب ثقافتنا المعاصرة أنها تشط أحيانا ً‬ ‫في البتعاد عن التراث‪ ،‬ولكن مشكلة دعاة المسرح‬ ‫الحتفالي هؤلء أنهم يتوهمون أن التكاء على التراث يعفيهم‬ ‫من عناء التقيد بأصول التقنية الدرامية ويجيز لهم الستعانة‬ ‫بوسائل ومؤثرات غير درامية في جوهرها‪ ،‬كالغناء والخطب‬ ‫والمواعظ والمثال الشعبية وغيرها‪.‬ولكن ما يحدث في مسرحنا اليوم قد تحول إلى ظاهرة‬ ‫خطيرة بالفعل‪ ،‬لن هذا التجاه الدخيل على المسرح يقدم‬ ‫نفسه إلى الناس بوصفه عودة إلى الملمح والصول المحلية‬ ‫الخاصة وتخلصا ً من التبعية الثقافية والمسرحية للمسرح‬ ‫الجنبي وبحثا ً عن الهوية الوطنية والقومية‪ ،‬كما أعلن أحد دعاة‬ ‫هذا التجاه في الصحافة منذ أمد غير بعيد‪.

‬كل هذه أشكال مسرحية قومية تغنينا‪-‬كما يقول‬ ‫المؤلف‪ -‬عن المسرح الحالي القائم على النقل والقتباس!‪...‬وهكذا فمواكب الصوفية والمواكب الدينية –‬ ‫في نظر المؤلف‪ -‬أشكال مسرحية‪ ،‬وألعاب الصبيان أشكال‬ ‫مسرحية‪ ،‬وحلقات المداحين في السواق العربية أشكال‬ ‫مسرحية‪ ،‬واللعاب الموسيقية والرياضية‪ ،‬وألعاب خيال الظل‬ ‫والحكواتي‪ ،‬والحتفالت الجتماعية والدينية‪ ،‬وحركات الرقص‬ ‫واليماء‪ .‬‬ ‫أقول ليس غريبا ً أن تجد هذه البدعة صداها عند بعض‬ ‫مسارح المحافظات التي أغرتها سهولة هذا المسرح المزعوم‬ ‫وإدعاءاته الطنانة حول التخلص من التبعية الجنبية‬ ‫وتحقيق الهوية الوطنية والقومية الخ‪ ،‬ولكن الغريب حقا ً‬ ‫أن يتطوع بعض من يزاولون الكتابة عن المسرح في صحافتنا‬ ‫للتبشير بهذا التجاه الخطر ومهاجمة من يتصدى له من‬ ‫المثقفين‪ ،‬كما فعل أحدهم في جريدة الجمهورية منذ فترة‪،‬‬ ‫وكأن من مظاهر الحرص على مسرحنا الوطني وثقافتنا‬ ‫الوطنية أن نهبط بفن المسرح إلى مستوى العراس القروية‪،‬‬ ‫وأن نستعيض عن أدب المسرح الرفيع بالتهريج والضجيج‬ ‫الفارغ والمواعظ المبتذلة‪ ،‬وأن ندير ظهورنا لكل المعرفة‬ ‫البشرية المتراكمة في مجال علم المسرح بدعوى أن‬ ‫استيعابها والفادة منها ضرب من التبعية الثقافية!!‪.‬‬ ‫ليس في نيتي هنا أن استعرض هذا الكتاب‪ ،‬الذي ينبئ عن‬ ‫جهل فادح بالمسرح‪ ،‬أدبا ً ونظرية وتأريخًا‪ ،‬ولكن ما تنبغي‬ ‫الشارة إليه أن مفهوم المسرح الحتفالي الذي يعرضه هذا‬ ‫الكتاب )والذي سارع بعض مسرحيينا إلى اعتناقه والتبشير به(‬ ‫يقوم أساسا ً على وهم وقع فيه مؤلفه‪ ،‬وهو وهم مؤّداه أن كل‬ ‫مناسبة تجمع عددا ً من الناس في مكان واحد هي شكل من‬ ‫أشكال المسرح‪ .68 -‬‬ .‬‬ ‫إن هذا الفهم الساذج لطبيعة فن المسرح –وهو يمثل فهم‬ ‫رجل الشارع في مستواه الدنى‪ -‬هو الركيزة النظرية التي‬ ‫يقوم عليها المسرح الحتفالي أو مسرح الفرجة‪ ،‬الذي‬ ‫بتنا نسمع عنه الكثير في هذه اليام‪ ،‬والذي يتحدث عنه بعض‬ ‫العاملين في المسرح عندنا بنبرة عالية متبجحة وكأنهم‬ ‫مكتشفوه ورواده!‪.‫هذه الضجة كلها كتاب صغير بائس‪ ،‬لمؤلف من المغرب‪ ،‬صدر‬ ‫عندنا منذ مدة بعنوان الحتفالية في المسرح المغربي الحديث‪.‬ولم يكن غريبًا‪ ،‬بالطبع‪ ،‬أن تجد هذه البدعة‬ ‫أصداء سريعة لدى بعض فرق المحافظات‪ ،‬التي اكتشف كتابها‬ ‫–بسرور بالغ‪ -‬أن فن المسرح أسهل بكثير مما زعم أرسطو‬ ‫طاليس‪ ،‬فما على المرء سوى أن يختار حكاية أو بضع حكايات‬ ‫مما تنشره مجلة التراث الشعبي‪ ،‬أو مما كانت ترويه‬ ‫عجائزنا في غابر الزمان‪ ،‬ويربطها ببعضها على نحو ما‪ ،‬ثم‬ ‫يطرزها بموعظة هنا وأغنية هناك‪ ،‬وبأبيات من الشعر الشعبي‬ ‫بين هذه وتلك‪ ،‬ثم يختمها بزفة صاخبة تتخللها الزغاريد وقرع‬ ‫الطبول‪ .‬‬ ‫ولعل أسوأ ما نتج عن شيوع بدعة المسرح الحتفالي‬ ‫أنها أعطت فكرة مضللة عن متطلبات الكتابة للمسرح وأغرت‬ ‫باقتحامه بعض الغرباء الذين وجدوا فرصتهم في جو العتباط‬ ‫والتساهل وتمييع المقاييس‪ ،‬الذي ساد المسرح العراقي في‬ ‫سنواته الخيرة‪ .‬‬ ‫لماذا يبدي هؤلء السادة‪ ،‬الذين تحولوا –ول ندري كيف‪،‬‬ ‫وعلى أي أساس!‪ -‬إلى خبراء ومنظرين للمسرح‪ ،‬كل هذه‬ ‫الحماسة لبدعة ل يعرفون عنها شيئا ً على وجه التقريب؟‬ ‫ولماذا يسارعون إلى مباركة هذا الختراع الجديد‪ ،‬الذي لم يقم‬ ‫حتى الن أي دليل على سلمة منطلقاته وشرعية انتسابه إلى‬ ‫‪.‬وهكذا تستوي بين يديه‪ ،‬دون عناء يذكر‪ ،‬مسرحية‬ ‫احتفالية مبرأة من وصمة التبعية للمسرح الجنبي!‪.

‬فهل ينتقص هذا من عظمة هوميروس أو من‬ ‫أصالة الحضارة اليونانية؟‬ ‫وتعلم أجدادنا القدمون بدورهم من التراث الغريقي‪،‬‬ ‫الذي ترجموه واستوعبوه وأفادوا منه في علومهم وفلسفتهم‬ ‫وأدبهم‪ ،‬فهل كانوا مخطئين إذ فعلوا ذلك؟ وهل ثمة من ينكر‬ ‫على الحضارة العربية السلمية أصالتها ودورها التاريخي‬ ‫الفريد‪.‬وهكذا فمسرح‬ ‫شكسبير مثل ً يختلف اختلفا ً كبيرا ً عن مسرح راسين‪ ،‬ويختلف‬ ‫الثنان بدورهما عن مسرح فكتور هوغو‪ ،‬ولكن هؤلء الكتاب‬ ‫الثلثة ل يختلفون في التزامهم النواميس الثابتة لفن‬ ‫الدراما‪ :‬الحبكة‪ ،‬وحدة الفعل‪ ،‬الصراع‪ ،‬رسم الشخصيات‪،‬‬ ‫‪..‬‬ ‫ونظريات الفنون‪ ،‬بعد ذلك‪ ،‬هي شيء آخر غير المناهج الفنية‬ ‫وغير التيارات والمدارس والساليب‪ ،‬فقد يتعارض هذا المنهج‬ ‫الفني مع ذاك‪ ،‬وقد يتمرد جيل من الفنانين على أعراف جيل‬ ‫سابق له‪ ،‬ولكن النظرية الفنية تبقى –في خطوطها الساسية‪-‬‬ ‫بعيدة عن اصطراع المناهج والتيارات والجيال‪ .‬إنها ملك مشاع للنسانية كلها‪ .69 -‬‬ .‬ومنذ ذلك‬ ‫الحين لم يخرج المسرح الغربي‪ ،‬على كثرة مدارسه واتجاهاته‪،‬‬ ‫عن إطار هذه النظرية‪ ،‬التي كشفت عن جوهر الفن الدرامي‬ ‫ومرتكزاته الساسية‪ ..‬؟ وفي عصر النهضة‪ ،‬حين التفتت أوروبا إلى التراث‬ ‫الكلسيكي اليوناني والروماني‪ ،‬كان المسرح ونظرية الدراما‬ ‫الرسطو طاليسية ضمن ما تعلمته من هذا التراث‪ .‬لقد تعلم الغريق‬ ‫القدامى من حضارة كريت التي سبقت حضارتهم مثلما تعلموا‬ ‫من حضارتي مصر القديمة وبلد ما بين النهرين‪ .‬فهل يصح القول بأن المسرح الغربي‪،‬‬ ‫منذ شكسبير حتى أيامنا هذه‪ ،‬كان أسير تبعية ثقافية ما؟ هل‬ ‫حالت وحدة السس النظرية دون أن يكون مسرح شكسبير‬ ‫إنجليزيا ً‪ ،‬ومسرح إبسن نرويجيًا‪ ،‬ومسرح تشيخوف روسيًا؟‬ ‫وهل ثمة من يجرؤ على الدعاء بأن هؤلء الكتاب العظام‬ ‫تنقصهم الهوية القومية ول يمثلون الملمح المحلية‬ ‫الخاصة لمجتمعاتهم؟!‪..‬‬ ‫لنتوقف الن –ونأمل أن يتوقف معنا نقاد الصحافة اليومية‬ ‫هؤلء‪ -‬أمام اطروحات أصحاب المسرح الحتفالي‪ ،‬وأولها‬ ‫أطروحة التخلص من التبعية الثقافية والمسرحية للمسرح‬ ‫الجنبي‪ .‫فن المسرح؟ إن هذا الموقف ليس له –إذا افترضنا حسن‬ ‫النية‪ -‬سوى تفسير واحد‪ ،‬هو أن هؤلء السادة لم يصيبوا من‬ ‫الثقافة المسرحية المتخصصة ما يسمح لهم بالتمييز بين‬ ‫المسرح الحقيقي وبين ما يلمع دون أن يكون ذهبًا‪ -‬كما تقول‬ ‫العبارة الشكسبيرية المأثورة‪ .‬‬ ‫قد يخطر للبعض أن يتساءل‪ :‬ولماذا يتوجب على المسرح‬ ‫أن يظل حبيس هذه المفاهيم النظرية العتيقة؟ وما الذي‬ ‫يمنع أن تكون لنا نظريتنا الخاصة في المسرح؟ والجواب على‬ ‫ذلك في منتهى البساطة‪ ،‬وهو أن النظريات العلمية ليس لها‬ ‫وطن‪ .‬والسؤال هو‪ :‬هل يدخل التعلم والفادة من ثقافات‬ ‫الشعوب الخرى في باب التبعية الثقافية أم أن هذه دعوة‬ ‫إلى التخلص من الثقافة أص ً‬ ‫ل؟! إن تاريخ الحضارات ل يعرف‬ ‫أمة لم تتعلم من تراث المم الخرى ولم تضف بدورها شيئا ً –‬ ‫قل أو كثر‪ -‬إلى التراث النساني العام‪ .‬ونحن ل نتخلى عن‬ ‫نظرية علمية ما لمجرد أن ذلك يعجبنا‪ ،‬فهذا منطق صبياني‬ ‫مضحك‪ ،‬وإنما نتخلى عنها إذا توافرت لنا الدلة على بطلنها‪..‬وهم‪ ،‬والحالة هذه‪ ،‬يظلمون‬ ‫المسرح والجمهور‪ ،‬ويظلمون ثقافتنا الوطنية نفسها عندما‬ ‫يتجاوزون مهمة المخبر الصحفي المحايد إلى مهمة الناقد‬ ‫المنحاز‪.‬وتشير‬ ‫الدراسات الحديثة إلى أن هوميروس‪ ،‬كبير شعراء اليونان‪ ،‬قد‬ ‫تأثر في ملحمته الوذيسية تأثرا ً واضحا ً بملحمة جلجامش‬ ‫السومرية‪ .

‬ويصدق هذا‪ ،‬ل على‬ ‫المسرح وحده‪ ،‬بل على سائر الفنون الخرى كذلك‪.‬ولعل من المناسب أن نورد في هذا الصدد‬ ‫ما كتبه ناقد أميركي معروف يدعى براندر ماثيوز‪:‬‬ ‫"إن مبادئ التأليف الدرامي هذه ليست مجرد‬ ‫قواعد وضعها النقاد النظريون الذين ل يملكون‪ ،‬إل‬ ‫نادرًا‪ ،‬أية معرفة بالمسرح الفعلي‪ ،‬وإنما هي قوانين‬ ‫متصلة بطبيعة الفن نفسه‪ ،‬وهي قوانين أزلية‪ ،‬ل‬ ‫تقل صرامة في يومنا هذا عما كانت عليه في أيام‬ ‫سوفوكليس أو شكسبير أو موليير‪ .‬‬ ‫تلك هي المسألة‪ ،‬كما يقال‪ ...‬‬ ‫وهذا من تحصيل الحاصل‪ ،‬وإل فما معنى أن تبعث‬ ‫الدولة بطلب يدرسون الفنون في الخارج؟ وما‬ ‫معنى أن تستقدم خبراء أجانب لتدريب الكوادر‬ ‫الوطنية في هذا المجال الفني أو ذاك؟‬ ‫وما معنى أن تصدر عندنا مجلة باسم الثقافة الجنبية؟‬ ‫وما معنى أن تقام معاهد المسرح عندنا على غرار نظائرها في‬ ‫الدول المتقدمة‪ ،‬وتدرس فيها المواد نفسها تقريبًا؟‪ .‫وضوح الدوافع الخ‪ ،.‬أما إذا كان البعض مصرا ً على النخراط في زمرة‬ ‫أصحاب النظريات الجديدة –رغم أن قابلياته المتواضعة ل‬ ‫تؤهله لشيء من ذلك‪ -‬فإننا ندعوه‪ ،‬قبل كل شيء‪ ،‬إلى تأمل‬ ‫الحقائق التالية‪:‬‬ ‫ل سبيل إلى البداع في أي من الفنون خارج‬ ‫أول ً‪-‬‬ ‫إطار القوانين الخاصة به‪ .‬ذلك أن الدراما إذا لم تتقيد بهذه‬ ‫النواميس فإنها تتنكر لخصائصها النوعية وتلغي ذاتها‪ .‬ولن هذه‬ ‫القوانين ل تتغير‪ ،‬فإن متابعة المسرح الحديث هي‬ ‫عون لنا على فهم مناهج المسرح القديم"‪.70 -‬‬ .‬‬ ‫ثانيا ً ‪-‬ل يمكن للفنون القومية‪ ،‬في عصرنا الراهن‪ ،‬أن‬ ‫تنمو وتتطور بمعزل عن المفاهيم والتيارات‬ ‫والتقنيات السائدة في العالم‪ ،‬ول سيما حين يتعلق‬ ‫المر بفنون حديثة النشأة‪ ،‬ليست لها جذور عميقة‬ ‫في التراث القومي‪ ،‬كما هي حال المسرح عندنا‪.‬‬ ‫ويكفي أن نتصور‪ ،‬للحظة واحدة‪ ،‬رقصا ً بل إيقاع‪ ،‬أو‬ ‫موسيقى بل سلم موسيقي‪ ،‬أو عمارة بل هندسة‬ ‫معمارية!‪.‬وهذا‬ ‫بالضبط ما يفعله دعاة ما يسمى بالمسرح الحتفالي‪ ،‬أو‬ ‫مسرح الفرجة‪ .‬إن المر‬ ‫كله يبدو في غنى عن المناقشة‪ ،‬ومع ذلك فثمة من يدعونا‬ ‫)بكثير من الدعاء والتنطع( إلى إسداء الحجب الضيقة بيننا‬ ‫وبين العالم‪ ،‬والكتفاء ببعض الموروثات الشعبية الساذجة‪ ،‬لنه‬ ‫ل يستطيع )أو ل يريد( أن يرى الفارق الجوهري بين مفهوم‬ ‫التواصل الحضاري مع الخرين وبين مفهوم التبعية لهم‬ ‫والذوبان فيهم!‬ ‫ثالثا ً ‪ -‬ل خلف في أن كل عمل فني حقيقي ل بد أن‬ ‫يعكس بالضرورة بعض ملمح البيئة التي ينتمي إليها‪،‬‬ ‫ولكن ما هي هذه الملمح التي يعكسها فن كفن‬ ‫المسرح؟ أهي الجوانب الفولكلورية من حياة‬ ‫الشعب‪ ،‬كالزياء الشعبية‪ ،‬والطقوس التي تمارس‬ ‫في المناسبات المختلفة والهوسات والزغاريد‪،‬‬ ‫‪..‬‬ ‫وهذه القوانين هي تراث إنساني عام ل يضيرنا ول ينتقص من‬ ‫هويتنا الوطنية والقومية أن نتعلمه ونسترشد به في بناء فننا‬ ‫المسرحي‪ ،‬كما يفعل الخرون ممن يمتلكون هويات قومية‬ ‫مثلنا تمامًا‪ .‬إن قوانين التأليف الدرامي‬ ‫قد اكتشفت منذ زمن بعيد‪ ،‬ول سبيل إلى اكتشافها مرة أخرى‪.

‬ول شيء يمنع بالطبع من إدخال‬ ‫بعض العناصر الفولكلورية في نسيج العمال‬ ‫المسرحية إذا كان ذلك معقول ً ومكمل ً لصورة البيئة‪،‬‬ ‫ولكن معالجة هذه العناصر يجب أن تتم ضمن حدود‬ ‫قوانين الدراما التي أشرنا إليها‪ .71 -‬‬ .‬أما أن يتحول‬ ‫الفولكلور في المسرح إلى غاية بحد ذاته‪ ،‬وتصبح‬ ‫الكتابة للمسرح عملية ترقيع وربط مفتعل لفقرات‬ ‫فولكلورية جمعت من هنا وهناك‪ ،‬فهذا مسخ وتشويه‬ ‫لفن المسرح‪ ،‬وهو ارتداد بمسرحنا الوطني عن‬ ‫المستوى الذي حققه لنفسه خلل عشرات السنين‪.‫والمثال السائرة‪ ،‬وغير ذلك مما يستأثر باهتمام‬ ‫الباحث الثنوغرافي؟ أم هي البنية الجتماعية بما‬ ‫ينبثق عنها من قضايا وصراعات وبما يسودها من‬ ‫قيم وعلقات وأنماط في التفكير والسلوك؟ إن‬ ‫القول بأن المسرح يجب أن يتحول إلى معرض‬ ‫للجوانب الفولكلورية من حياة الشعب )وهذا في‬ ‫الواقع جوهر دعوة القائلين بمسرح الفرجة( هو‬ ‫خلط مضحك بين مهمة المسرح وبين مهام فرق‬ ‫الرقص الشعبي التي تتخذ من الفولكلور مادة‬ ‫لعمالها الفنية‪ .‬‬ ‫ءءءءء ‪1985‬‬ ‫‪‬‬ ‫‪.‬‬ ‫لقد زعم أحد دعاة المسرح الحتفالي‪ ،‬في سياق‬ ‫موجة من الشتائم والدعاءات البائسة‪ ،‬أدلى بها إلى‬ ‫الصحافة)!( منذ فترة وجيزة‪ ،‬أن مناوئيه يحملون أفكارا ً قديمة‬ ‫عن فن المسرح! ول ندري –ونحن نتابع المسرح العالمي ونقرأ‬ ‫منه ما لم يقرأ‪ -‬من أين يستقي صاحبنا أفكاره الجديدة‪ ،‬ولكن‬ ‫حكاية الفكار القديمة هذه ذكرتني بموليير ومسرحيته الشهيرة‬ ‫الطبيب رغما عنه ففيها موقف مشابه‪ :‬لقد انحنى الطبيب‬ ‫المزعوم على الجهة اليمنى من صدر المريض ليفحص قلبه‪،‬‬ ‫وعندما قيل له أن القلب يقع في الجهة اليسرى ل اليمنى‪،‬‬ ‫صاح ساخرًا‪ :‬أوه! هذه أفكار قديمة!‪.‬‬ ‫تلك‪ ،‬على وجه التقريب‪ ،‬هي حكايتنا مع أصحاب المسرح‬ ‫الحتفالي!‪.

‫الملك لير‬ ‫المأســاة الــتي تحــولت إلــى‬ ‫نكتة!‬ ‫هل يحق لمخرج ما أن يقطع أوصال نص شكسبيري‬ ‫عظيم‪ ،‬كمأساة الملك لير؟‬ ‫ذلك سؤال واحد من أسئلة محيرة كثيرة تتبادر إلى ذهن‬ ‫المرء وهو يتابع مسرحية الملك لير‪ ،‬التي قدمت ضمن‬ ‫مهرجان بغداد المسرحي الول‪ .‬‬ ‫وإذا كانت فعلة كهذه تنطوي على قدر كبير من الشذوذ‬ ‫والغرابة‪ ،‬فإن ما يفوقها غرابة وشذوذا ً أن يمر ذلك دون أن‬ ‫يستنكره أو يعترض عليه أحد من دارسي شكسبير أو المعنيين‬ ‫بشؤون المسرح‪ ،‬وكأن ثمة اتفاقا ً ضمنيا ً بين الجميع على أن‬ ‫منصة المسرح هي منطلق حر للنزوات التي ل تحفل بالمنطق‬ ‫والعبث الجامح الذي يتذرع بأصالة مزعومة!‪.‬وهو سؤال ل ينتظر جوابًا‪،‬‬ ‫فأعراف المسرح في العالم كله ل تجيز مثل هذا العبث‪ .‬‬ ‫هل من ضرورة للحديث عن مكانة لير في التراث‬ ‫المسرحي العالمي؟ لقد وصفت هذه المسرحية بأنها الرائعة‬ ‫التي تفوق فيها شكسبير على نفسه وتسنم بها ذروة لم يبلغها‬ ‫أحد قبله أو بعده‪ ،‬ولكن المخرج الذي نحن بصدده ل يبدو‬ ‫مقتنعا ً بأن شكسبير يجيد الكتابة للمسرح‪ ،‬ولهذا قرر أن يعيد‬ ‫كتابة لير بطريقته الخاصة! ولندع المخرج نفسه يشرح لنا هذه‬ ‫الطريقة‪ ،‬فقد كتب في العدد الثاني من جريدة مهرجان‬ ‫بغداد المسرحي ما نصه‪ :‬ألغيت الحوار والصوت‬ ‫وعوضت عنها )كذا( بالصورة‪ .‬وهذا بالضبط ما‬ ‫فعله مخرج هذه المسرحية السيد صلح القصب‪ ،‬فقد تناول‬ ‫مشرطه‪ -‬بجرأة ل يحسد عليها‪ -‬فأطار الفصل الخامس من‬ ‫مأساة الملك لير برمته بضربة واحدة‪ ،‬ثم انقض على ما‬ ‫تبقى من المسرحية تمزيقا ً وتشويها ً حتى أحال هذا البناء‬ ‫الشامخ الباذخ‪ ،‬الذي شغل الباحثين والنقاد قرونا ً متعاقبة‪ ،‬إلى‬ ‫حطام متناثر فقد روعته وأضاع محتواه!‪.‬نعم‪،‬‬ ‫من حق المخرج‪ ،‬بل ومن واجبه‪ ،‬أن يقدم إلينا شكسبير تقديما ً‬ ‫معاصرًا‪ ،‬وأن يكشف عما في أعماله من استبصارات عميقة ل‬ ‫يبليها الزمن‪ ،‬ولكن ليس من حقه أن يمد إليها يده بالبتر‬ ‫والتشويه‪ ،‬فهذا ضرب من الستهانة بالقيم‪ .‬فالفصل الخامس‬ ‫‪.72 -‬‬ .

‬والواقع أن حذف الفصل الخامس من مأساة الملك‬ ‫لير قد جعلها أشبه بجسد فصل عنه رأسه‪ ،‬ولم يعد للفصول‬ ‫الربعة المتقدمة من وظيفة مفهومة‪ ،‬لن وظيفتها في الساس‬ ‫هي التمهيد للحداث الحاسمة التي تضمنها الفصل الخامس‪.‬س‪ .‬‬ ‫هكذا يتم دولب المقادير دورته الكاملة –كما يقول‬ ‫أدموند في لحظات احتضاره‪ -‬وينتهي كل شيء بالدمار‬ ‫الشامل‪ .‬ولكن هذا بالضبط ما وقع فيه مخرج لير‪ ،‬فقد توهم أن‬ ‫بين يديه معلقة جاهلية يستطيع أن يصطفي من بين أبياتها ما‬ ‫يعجبه ويترك الباقي‪ ،‬ولم يفطن إلى أنه إزاء بنيان متراص‬ ‫متقن‪ ،‬ل يمكن أن تنتزع منه إحدى ركائزه دون أن يتصدع‬ ‫وينهار‪ .‬وكورديليا‬ ‫التي جاءت بجيشها لتنقذ أباها المشرد وتسترد له عرشه‬ ‫تخسر المعركة أمام شقيقتيها الغادرتين وتقع أسيرة في يد‬ ‫أدموند الذي يوعز بشنقها في السجن‪.73 -‬‬ .‬‬ ‫هذه –بمنتهى اليجاز‪ -‬هي مادة الفصل الخامس‬ ‫المحذوف‪ ،‬وبدونها تبقى قصة الملك لير مبتورة عديمة‬ ‫المعنى‪ ،‬وتطمس الفكار الشمولية التي رمى إليها الشاعر‬ ‫‪.‬‬ ‫وبوسعنا أن نستلخص من ذلك أمرين‪ :‬أولهما أن الرجل –‬ ‫أعني المخرج‪ -‬وجد الحوار الذي كتبه شكسبير لغوا ً ل طائل‬ ‫تحته فألغاه‪ .‬‬ ‫ول أريد أن أقدم هنا تلخيصا ً وافيا ً لهذه الحداث التي حذفها‬ ‫المخرج‪ ،‬وإنما يكفي أن أقول إن الصراعات الضارية التي‬ ‫تابعناها في الفصول الربعة الولى تبلغ ذروتها المأساوية في‬ ‫الفصل الخير وتنتهي بموت الجميع‪ ،‬الشريرين منهم والخيار‬ ‫على السواء‪ ،‬فغونريل‪ ،‬ابنة لير الكبرى‪ ،‬تدس السم لشقيقتها‬ ‫ريغن ثم تموت بدورها منتحرة‪ ،‬وأدموند‪ ،‬البن غير الشرعي‬ ‫لغلوستر‪ ،‬يخر صريعا ً في المعركة أمام أخيه إدغار‪ .‬لقد دفع لير وغلوستر ثمن حماقتهما وافتقارهما إلى‬ ‫الحكمة والتروي‪ ،‬ودفعت كورديليا ثمن تعنتها وكبريائها‪ ،‬أما‬ ‫رموز الشر الثلثة‪ ،‬أدموند وغونريل وريغن‪ ،‬فقد ماتوا جميعا ً‬ ‫ميتة شائنة لن النوايا الشريرة يفترس بعضها بعضًا‪ ،‬ولن‬ ‫النسان كما يقول شكسبير على لسان الملك لير ليس سوى‬ ‫دودة أمام نواميس الطبيعة الجبارة‪ ،‬التي صورها شكسبير بكل‬ ‫قسوتها وجبروتها في الفصل الثالث من المسرحية‪.‬‬ ‫من دواعي الستغراب حقا ً أن يعجز مخرج متعلم عن‬ ‫النتباه إلى الفوارق البنيوية بين تراجيديا شكسبيرية ومعلقة‬ ‫جاهلية‪ .‫ألغيته تماما ً كحوار وكلمات‪ ،‬مستخدما ً الصورة بكل‬ ‫مفرداتها‪.‬‬ ‫والواقع أن المخرج حذف أشياء عديدة أخرى عدا الفصل‬ ‫الخامس )وكان مضمون المسرحية نفسه من جملة ما حذف(‪،‬‬ ‫ولكننا سنعود إلى هذا الحديث بعد قليل‪ ،‬أما الن فلنتوقف‬ ‫قليل ً عند الفصل الخامس المحذوف‪.‬‬ ‫وأخيرا ً يموت الملك لير نفسه بعد أن طال عذابه بسبب‬ ‫غلطته التراجيدية الفادحة‪ ،‬المتمثلة في طبعه العنيف المتهور‬ ‫واغتراره بالملق الكاذب وعجزه عن استشفاف دخائل أقرب‬ ‫الناس إليه‪.‬برادلي ويان كوت وأعداد ل‬ ‫تحصى من كبار النقاد الخرين قد قالوا بخلف ذلك فليذهبوا‬ ‫جميعا ً إلى الجحيم!‪.‬‬ ‫أما المر الخر الذي اكتشفه المخرج فهو أن حبكة الملك‬ ‫لير فضفاضة مهلهلة وأن الفصل الخامس بأكمله يمكن‬ ‫اختصاره بصورة صامتة تقدم على المسرح‪ ،‬وهكذا فعل!‪.‬وإذا كان وولتر رولي وصاميويل كولردج ووليم‬ ‫هازلت وتشارلز لم واي‪ .

‬ول يستثنى من ذلك أولئك الذين قرأوا المسرحية‬ ‫بنصها النجليزي أو ترجمتها العربية‪ .‫العظيم‪ .‬‬ ‫ومهما يكن من أمر‪ ،‬فإن من مقتضيات النصاف أن‬ ‫نعترف بأن الجمهور الذي حضر مسرحية الملك لير‪ ،‬سواء‬ ‫عند عرضها في أكاديمية الفنون الجميلة أو على مسرح‬ ‫الرشيد‪ ،‬لم يفطن إلى أن الفصل الخامس من المسرحية قد‬ ‫حذف‪ .‬ول‬ ‫‪.‬وهذا سبب آخر للعتراض على حذف الفصل‬ ‫الخامس من المسرحية‪.‬ولكن أسوأ ما‬ ‫في المر أن هذه الصورة بنيت‪ ،‬أساسًا‪ ،‬على قصور في الفهم‪،‬‬ ‫أو على فهم مقلوب –إذا شئنا الدقة في التعبير‪ .‬فالمخرج لم يكن ينوي أن يقدم لير إلى الناس كما‬ ‫كتبها مؤلفها‪ ،‬بل كانت له طموحات أخرى‪ ،‬أوجزها في حديثه‬ ‫المنشور في جريدة المهرجان بقوله‪:‬‬ ‫"إن الذهاب إلى الصورة الخراجية يقتضي‬ ‫القلع من مطار الزمن إلى سماء الفلسفة‪ ،‬وهذا‬ ‫بدوره يستوجب استقراء الروح!"‬ ‫وقد تمثلت سماء الفلسفة هنا في بضعة توابيت صفها‬ ‫المخرج على المسرح وفي كفن كبير من الخام البيض غطى‬ ‫به الجزء الكبر من منصة العرض وأجبر ممثليه‪ ،‬معظم الوقت‪،‬‬ ‫على أن يلتفوا به ويزحفوا تحته‪ ،‬هذا إذا لم يجبرهم على‬ ‫الوقوف كالمومياءات الفرعونية داخل التوابيت! ولعل أطرف‬ ‫ما رأيناه خلل هذا العرض العجيب أن أحد الممثلين استلقى‬ ‫تحت الكفن ورفع ساقيه إلى أعلى‪ ،‬ولبث كذلك فترة من‬ ‫الوقت حتى أخذتنا به الشفقة وخشينا عليه من الختناق‪ .‬ولو عاد‬ ‫المخرج إلى المشهدين الثالث والسادس من الفصل الرابع‬ ‫وقرأهما بشيء من العناية لكتشف أن لير لم يجاهد قط من‬ ‫أجل الوصول إلى كورديليا‪ ،‬بل كان –على عكس ذلك تمامًا‪-‬‬ ‫يتهرب منها ويرفض النصياع لرؤيتها على حد تعبير "كنت" في‬ ‫الفصل المذكور لنه كان خجل ً مما ارتكبه في حقها من قسوة‬ ‫وظلم‪ .‬و بالمقابل‪ ،‬كانت كورديليا هي التي عبرت البحر لتنقذ‬ ‫أباها من محنته‪،‬وهي التي دفعت حياتها ثمنا ً لهذه المحاولة‬ ‫النبيلة‪ .‬‬ ‫إن هذه الصورة‪ ،‬التي يتحدث عنها المخرج بزهو واضح‪،‬‬ ‫تتلخص في أنه وضع كورديليا على منصة صغيرة في مؤخرة‬ ‫المسرح وجعل لير يتقدم نحوها وسط المواج‪ ،‬ولكنه ل يفلح‬ ‫في الوصول إليها! وغني عن الذكر أن هذه الصورة‬ ‫)المتواضعة على المستوى التقني( ل تتضمن شيئا ً على‬ ‫الطلق من الوقائع والمعاني التي أشرنا إليها‪ .‬والسبب في غاية‬ ‫الوضوح‪ .‬لنه في الواقع لم يفهم شيئا ً من الفصول الربعة‬ ‫الولى‪ .‬ولو كان المخرج قد فهم النص الذي تصدى لخراجه‬ ‫)وهذا في ظننا المتواضع أحد شروط الخراج( لجعل كورديليا‬ ‫هي التي تصارع المواج لنقاذ لير الغارق‪ ،‬وهي التي تغرق بعد‬ ‫أن فشلت في إنقاذه‪.‬‬ ‫ولنعد الن –وقد أحطنا ببعض ما تضمنه الفصل المحذوف‬ ‫من لير‪ -‬لنرى كيف عوض عنه المخرج بالصورة الصامتة‪.74 -‬‬ .‬والمسألة‪ ،‬بعد ذلك‪ ،‬ليست مسألة قصة ألم المشاهد‬ ‫بمعظم فصولها وبات من حقه أن يعرف نهايتها وحسب‪ ،‬وإنما‬ ‫هي كذلك مسألة الثر السايكولوجي الذي يفترض في‬ ‫المسرح –والفن عمومًا‪ -‬أن يحدثه في جمهوره‪ .‬وليس في‬ ‫نيتي هنا أن أتطرق إلى فكرة التطهير الرسطو طاليسية‬ ‫)لن أرسطو طاليس أصبح عتيقًا‪ ،‬كما صرح أحد جهابذة‬ ‫المسرح عندنا منذ فترة وجيزة(‪ ،‬ولكنني أود أن أشير‪ ،‬بمنتهى‬ ‫البساطة‪ ،‬إلى أن هزيمة الشر‪ ،‬ممثل ً في أدموند وغونريل‬ ‫وريغن‪ ،‬هو درس أخلقي بمقدار ما هو عامل انفراج نفسي‬ ‫عند المشاهد‪ .

‬وأكثر‬ ‫من ذلك أنه تعامل مع الممثلين وكأنهم قطع ديكور يوزعها‬ ‫على خشبة المسرح ليصنع منها ما يتوهم أنه صورة مسرحية‪،‬‬ ‫وهكذا ضاعت منه فرصة الفادة من الممثلين الموهوبين الذين‬ ‫عملوا معه‪.75 -‬‬ .‬ولكن ثمة فرقا ً‬ ‫نوعيا ً بين الخيال البداعي والخيال الباثولوجي‪ ،‬أو ما أصطلح‬ ‫على تسميته بالهلوسة‪.‬‬ ‫ومأساة الملك لير حافلة بهذا النوع من الخيلة المذهلة‪،‬‬ ‫التي يستطيع القارئ المعني أن يجدها في كل صفحة من‬ ‫صفحات المسرحية‪ .‬أما النوع الخر من الخيال )الذي وصفناه‬ ‫بالخيال الباثولوجي( فقوامه الرابط العشوائي بين ظواهر‬ ‫وصور متنافرة ل تجمعها أية علقة سيميولوجية‪ ،‬أي ل تجمعها‬ ‫علقة يمكن للذهن السوي أن يقبلها على وجه من الوجوه‪.‬‬ ‫هذا على الصعيد الفلسفي‪ ،‬أما على الصعيد التقني –‬ ‫المسرحي‪ ،‬فقد كانت لهذا الكتشاف عواقبه الوخيمة‪ ،‬لن‬ ‫المخرج الذي اكتشف )في لحظة إلهام‪ ،‬دون شك!( أن أبطال‬ ‫مسرحيته يخيم عليهم الموت‪ ،‬مل وسط المسرح بالكفان‬ ‫والتوابيت ولم يدع لممثليه فسحة يؤدون عليها أدوارهم‪ .‬وتتجلى هذه السمة الباثولوجية‪ ،‬ل‬ ‫في عمله على منصة المسرح وحسب‪ ،‬بل حتى في كتابته‪،‬‬ ‫ولنعد إلى بعض ما كتبه في العدد الثاني من جريدة المهرجان‬ ‫‪.‬‬ ‫من تحصيل الحاصل أن الخيال إحدى الملكات الساسية‬ ‫التي تسهم في إبداع العمال الفنية‪ ،‬والمخرج المسرحي –‬ ‫كغيره من الفنانين‪ -‬يحتاج إلى الخيال لتحويل النص الدرامي‬ ‫إلى حياة ملموسة نابضة على خشبة المسرح‪ .‬‬ ‫وإذا فتشنا عن سر هذا التخبط كله فسنجد أمامنا أمرين‪:‬‬ ‫أولهما اعتقاد المخرج بأنه يستطيع النسياق مع نزوات خياله‬ ‫دون حدود أو ضوابط‪ ،‬وثانيهما طموحه إلى تأسيس مدرسة‬ ‫جديدة في الخراج المسرحي تحمل اسم مسرح الصورة‪.‬‬ ‫ففي الحالة الولى يكتشف الذهن المبدع‪ ،‬في لحظة من‬ ‫لحظات التجلي‪ ،‬وجها ً أو أوجها ً عديدة للعلقة بين أشياء تبدو‬ ‫للوهلة الولى بعيدة بعضها عن البعض الخر‪ .‫أظن أحدا ً من المتفرجين فهم ما رمى إليه المخرج )فالقلع‬ ‫من مطار الزمن إلى سماء الفلسفة ليس أمرا ً هينا ً على أي‬ ‫حال!( ولكننا شغلنا بهذه اللعيب عن شكسبير وشعره وعن‬ ‫لير ومأساته‪ ،‬ولم نخرج إل بنتيجة واحدة‪ ،‬هي أن المخرج كان‬ ‫سخيا ً جدا ً في ما قدم إلينا من قماش على المسرح وكان‬ ‫ن للمرء‬ ‫فقيرا ً جدا ً في ما قدم من فن وفكر وموهبة! وإذا ع ّ‬ ‫أن يتساءل عن سماء الفلسفة التي حلق إليها المخرج‬ ‫فسيجد أن جناحه الهزيل لم يحلق به بعيدًا‪ ،‬فليست التوابيت‬ ‫ول أكداس الخام البيض التي زحم بها منصة المسرح سوى‬ ‫رموز للموت المخيم على شخصيات المسرحية…‬ ‫ولكن أي جديد في هذا؟ أليس الموت مصير البطال‬ ‫التراجيديين في معظم الحوال؟ أل يخيم الموت على هاملت‬ ‫وماكبث‪ ،‬وأوفيليا وديدمونة‪ ،‬وبروتوس وكوريولنوس‪ ،‬مثلما‬ ‫يخيم على كورديليا ولير وغلوستر؟ أن اكتشافا ً كهذا ل يتطلب‬ ‫القلع من مطار الزمن أو أي مطار آخر‪ ،‬بل ك ّ‬ ‫ل ما يتطلبه في‬ ‫الواقع هو اللمام الولي بمفهوم التراجيديا‪.‬‬ ‫وينتمي خيال المخرج الذي نحن بصدده إلى هذا النوع‬ ‫الخير‪ ،‬فهو خيال مضطرب‪ ،‬قائم على ربط العناصر والظواهر‬ ‫المختلفة ببعضها ربطا ً عشوائيًا‪ ،‬اعتباطيًا‪ ،‬ل يخضع لي نظام‬ ‫سيميولوجي قابل للدراك‪ .‬وهنا‪ ،‬بالدرجة‬ ‫الولى‪ ،‬تكمن المفاجآت التي تصادفنا في الشعر العظيم‪.‬‬ ‫وسنتريث قليل ً عند كل من هاتين النقطتين‪.

‬فبدل ً من أن يستخدم خياله‬ ‫لستكمال صورة البهلول‪ ،‬كما رسمها شكسبير في مسرحيته‪،‬‬ ‫والكشف عن أبعادها النسانية ودللتها الفكرية‪ ،‬راح يحدثنا عن‬ ‫كائن خرافي ل علقة له بالنص الشكسبيري‪ .‬وحتى عندما تحل النكبات‬ ‫بالملك لير ويجد نفسه شريدا ً في ليلة ثلجية عاصفة‪ ،‬فإن‬ ‫البهلول يواصل تهريجه وغناءه ليخفف من عذاب الملك‬ ‫التعس‪ ،‬وإن كانت تعليقاته ونكاته تشف عن حزن دفين‪.‬‬ ‫ولو فطن المخرج إلى ذلك لما أناط الدور بممثل زنجي‬ ‫الملمح‪ ،‬ذي وجه يطفح بالكآبة‪ ،‬وجعله يؤدي كلمات دوره‬ ‫بنبرات بطيئة متفجعة –خلفا ً لما يتطلبه الدور من خفة وحيوية‬ ‫ومرح مصطنع‪ .76 -‬‬ .‬وأيا ً‬ ‫كان المر‪ ،‬فإن البهلول في مأساة الملك لير ما هو إل‬ ‫شخصية كوميدية‪ .‫حول معنى الصورة في لير‪:‬‬ ‫البهلول يعزف على آلة الكونترباس‪ ،‬لقد شاخ وهرم‪ .‬وقد كان من عادة الملوك على أيام‬ ‫شكسبير أن يتخذوا لنفسهم مهرجين يسلونهم بألعيبهم‬ ‫ونكاتهم‪.‬إلى آخر هذه التهويمات التي ليس لها‬ ‫معنى في حد ذاتها‪ ،‬وليست لها علقة‪ ،‬من قريب أو بعيد‪،‬‬ ‫بالدراما الشكسبيرية التي تقوم على بناء واقعي سايكولوجي‬ ‫عميق للشخصيات والعلقات النسانية‪.‬ونستطيع أن نمضي إلى أبعد من ذلك‬ ‫فنفترض أن شكسبير وضع البهلول إلى جانب لير ليرينا صواب‬ ‫المثل الشعبي القائل خذوا الحكمة من أفواه المجانين وليقنعنا‬ ‫بأن الحاكم المغتر بسلطته وجبروته قد يعجز عن رؤية ما يراه‬ ‫حتى الحمقى والبهاليل من أتباعه‪ ،‬فالبهلول يدرك منذ البداية‬ ‫ما عجز لير عن إدراكه‪ ،‬وهو أن المرء ل يستطيع أن يتخلى عن‬ ‫السلطة الفعلية وأن يحتفظ بكل امتيازاتها في آن واحد‪ .‬الزمن‬ ‫عنده مضاف ومسترجع… البهلول انتحر مرتين أي عاش تجربة‬ ‫الموت مرتين وعرف أسرار العالم الخر… الخ!‬ ‫إن هذه العينة الطريفة تعطينا فكرة عن طبيعة عمل‬ ‫المخيلة عند مخرج الملك لير‪ .‬وهو يأسى لما آلت إليه‬ ‫حال الملك الشيخ‪ ،‬ول يتوانى عن تقريعه برفق لما فعله‬ ‫بنفسه‪ ،‬ولكنه ل يملك سوى أن يمضي في دوره كمهرج غايته‬ ‫الترفيه عن الملك وإضحاكه‪ .‬وقد‬ ‫ذهب وولتر رولي‪ ،‬وهو من أبرز دارسي شكسبير‪ ،‬إلى أن‬ ‫الشاعر العظيم زج بهذه الشخصية الكوميدية في مأساة‬ ‫الملك لير انصياعا ً لرغبات جمهوره‪ ،‬بينما ذهب آخرون إلى‬ ‫أن وظيفة البهلول‬ ‫الساسية كانت التخفيف من وطأة المأساة على المشاهدين‪،‬‬ ‫وهذه حيلة كان يلجأ إليها شكسبير أحيانًا‪ ،‬مدفوعا ً بحسه‬ ‫الدرامي الدقيق‪ .‬هنا‬ ‫أضيف زمن آخر للبهلول… البهلول تورمت ساقه وقطعت‪،‬‬ ‫ونمت ساق أخرى‪ ،‬يموت ويبعث حيًا‪ ،‬يهرم ويعود فتيًا‪ .‬‬ ‫وبهلول لير يجمع بين الذكاء والوفاء لولي نعمته‪ ،‬فهو يعي‬ ‫ما يجري أمامه ويدرك الحماقة التي ارتكبها سيده عندما وضع‬ ‫نفسه تحت رحمة ابنتيه الجاحدتين‪ ...‬إنه المهرج الذي تنحصر مهمته في إضحاك‬ ‫الملك والترويح عنه‪ .‬‬ ‫وباختصار‪ ،‬فإن البهلول ليس حكيما ً هنديا ً ول عرافا ً إفريقيًا‪-‬‬ ‫كما بدا لمخرجنا اللوذعي‪ -‬وإنما هو مهرج ذكي القلب‪ ،‬يمارس‬ ‫دوره في ظروف مأساوية‪ ،‬ويقول النكتة بينما قلبه يقطر دمًا‪.‬‬ ‫لقد استأثرت شخصية البهلول باهتمام كبير من دارسي‬ ‫مأساة الملك لير‪ ،‬ومن بواعث هذا الهتمام أنها شخصية‬ ‫ليس لها ما يماثلها في التراجيديات الشكسبيرية الخرى‪ .‬ولو أن سوء فهم المخرج وقف عند هذا الحد‬ ‫‪.‬كائن مات مرتين‬ ‫وبعث مرتين‪ ،‬وقطعت ساقه ونمت لـه ساق أخرى‪ ،‬وعرف‬ ‫أسرار العالم الخر‪ .

‬‬ ‫وكانت النتيجة أننا لم نر الفعل الدرامي في ترابطه وانسيابه‬ ‫المألوفين‪ ،‬بل رأينا الممثلين وهم ينقلون من وضع إلى آخر‪،‬‬ ‫بميكانيكية ظاهرة‪ ،‬ليؤلفوا الصورة التي رسمها لهم المخرج‪.‬‬ ‫ويبلغ تطرف المخيلة عند المخرج أقصاه في مشهد‬ ‫العاصفة الشهير في الفصل الثالث من مأساة الملك لير‪.‬وهذه الفوارق العميقة بين طبيعة الصورة في‬ ‫المسرح وطبيعتها في الفن التشكيلي هي‪ ،‬بالضبط‪ ،‬ما لم‬ ‫يفطن إليه مخرج الملك لير‪ .‬والواقع أن المخرج ل يتمتع بقدرات‬ ‫ملحوظة‬ ‫حتى على المستوى التشكيلي المحض‪ .‬‬ ‫وهكذا ضاع منا المسرح ولم نكسب بالمقابل أي إنجاز‬ ‫تشكيلي ذي شأن‪ .‬‬ ‫وأذكر أن مشهد العاصفة‪ -‬عندما حضرت المسرحية في‬ ‫أكاديمية الفنون الجميلة‪ ،‬بدعوة من المخرج‪ -‬كان مصحوبا ً‬ ‫بعزف رقيق على الكمان‪ ،‬أما في مسرح الرشيد‪ ،‬فقد حل‬ ‫الكونتراباس محل الكمان‪ .‬‬ ‫ولنقف أخيرا ً وقفة سريعة عند ما يسميه المخرج بمسرح‬ ‫الصورة‪ ،‬وسنجد بقليل من التأمل أن هذه التسمية خالية من‬ ‫المعنى في الواقع‪ ،‬فالمسرح في كل أحواله‪ ،‬وعبر تاريخه‬ ‫الطويل‪ ،‬ل يعدو أن يكون صورة مرئية –مسموعة‪ ،‬وحين ندعو‬ ‫إلى مسرح قوامه الصورة فإن ذلك ل يختلف كثيرًا‪ ،‬في الواقع‪،‬‬ ‫عن دعوتنا إلى شعر قوامه الكلمات مث ً‬ ‫ل! ولكن الصورة في‬ ‫المسرح هي غير اللوحة التشكيلية بالطبع‪ .‬فقد توهم هذا المخرج أنه‬ ‫يستطيع أن يمارس دور الرسام أو النحات على المسرح‪ ،‬ناسيا ً‬ ‫أن لكل فن خصوصيته وتقنياته ووسائله التعبيرية المختلفة‪.‬وسواء فهمنا الطبيعة في هذه‬ ‫المسرحية بوصفها النوازع والطماع النسانية الكاسرة التي‬ ‫تسوق النسان إلى الغدر والعنف –كما في حال أدموند‬ ‫وغونريل وريغن‪ -‬أو فهمناها بوصفها النواميس القاسية التي‬ ‫تحكم حياة البشر وتقرر مصائرهم‪ ،‬أو أخذناها بهذين المعنيين‬ ‫كليهما‪ ،‬فإن آلة الكمان أو الكونتراباس هي آخر ما يصلح‬ ‫للتعبير عن هذه المعاني وخلق النطباع المراد خلقه عند‬ ‫المشاهد‪ .‬واختيار إحدى هاتين الليتين لمصاحبة هذا المشهد –‬ ‫الذي يفترض أن تبدو فيه الطبيعة في أوج عنفها وجبروتها‪-‬ل‬ ‫يعني سوى أن المخرج عاجز تماما ً عن المساك بدللت النص‪،‬‬ ‫أو أنه مسوق‪ -‬بحافز شعوري أو ل شعوري‪ -‬إلى مخالفة ما هو‬ ‫منطقي وطبيعي ومألوف‪.‬وليته كان ممن يعرفون‬ ‫استخدام‬ ‫النارة المتطورة والتقنيات المعاصرة في المسرح‪ ،‬إذن‬ ‫لستطاع على القل أن يعوضنا على صعيد الصورة عما فقدناه‬ ‫‪.‬وفي كلتا الحالتين بدا لي المر‬ ‫شاذا ً وغير مفهوم‪ ،‬فالطبيعة في الملك لير ذات معان تتصل‬ ‫بالجبروت والقسوة والعنف‪ .‬فالولى –أي‬ ‫الصورة المسرحية‪ -‬دينامية‪ ،‬متغيرة باستمرار‪ ،‬بينما الخيرة‬ ‫ستاتيكية ثابتة‪ .77 -‬‬ .‫لهان الخطب‪ ،‬ولكن خياله الخصب أوحى إليه أن يضيف إلى‬ ‫هذا البهلول الزنجي الثقيل الظل ساقا ً خشبية طويلة احتلت‬ ‫جانبا ً ل يستهان به من مقدمة المسرح‪ ،‬فكانت أشبه بنكتة‬ ‫غليظة نابية في جو يفترض أنه مأساوي‪.‬الولى تمتد في الزمان والمكان‪ ،‬بينما ليس‬ ‫للخيرة سوى امتدادها في المكان‪ .‬فوسائله ل تعدو بضعة‬ ‫توابيت‬ ‫وقطعة كبيرة من القماش البيض‪ ،‬إضافة إلى بعض الطارات‬ ‫المعدنية‬ ‫التي لم نفهم لها وظيفة أو معنى‪ .‬الولى عمل فني يصنع‬ ‫أمام أنظارنا مباشرة‪ ،‬وينمو ويتكامل بالتدريج خلل فترة زمنية‬ ‫محددة‪ ،‬بينما الخيرة عمل جاهز مكتمل يطرح نفسه أمامنا‬ ‫دفعة واحدة‪ .

‫على صعيد الدراما والشعر والفكر‪.‬‬
‫وبعد فقد أطلت ولم يكن في نيتي ذلك‪ .‬فالعمل نفسه‬
‫ليس جديرا ً بأن يقف عنده المرء هذه الوقفة الطويلة‪ ،‬بل هو‬
‫غير جدير بالهتمام على الطلق لول أنه دخل‪ ،‬على نحو ما‪،‬‬
‫ضمن العمال التي مثلت العراق في مهرجان بغداد المسرحي‬
‫الول‪ .‬ولكن ما يضطرني إلى الطالة هو القلق على مصير‬
‫المسرح العراقي‪ ،‬الذي طال تخبطه وكثرت إخفاقاته في‬
‫العوام الخيرة‪ ،‬لنه مسرح ل يحفل بالمقاييس السليمة‪ ،‬ولنه‬
‫مسرح يفتقر إلى الثقافة المسرحية الرصينة مثلما يفتقر إلى‬
‫الناقد المثقف النزيه‪ ،‬الذي يقف ليصرخ بأعلى صوته‪ :‬رويدكم!‬
‫ما هكذا يكون المسرح‪ ،‬وليس هذا هو النموذج المشرف الذي‬
‫يفترض في الفنان العراقي‪ ،‬ذي التراث العريق‪ ،‬أن يقدمه إلى‬
‫العالم!‬
‫ءءءءء ‪1985‬‬

‫‪‬‬

‫‪- 78 -‬‬

‫هل كان‬
‫للسومريين مسرح؟‬
‫ل أدري ما الذي يجعل بعض مثقفينا يعتقدون أن اقتباسنا‬
‫فن المسرح عن الغريق‪ ،‬شأن غيرنا من المم‪ ،‬خطيئة ينبغي‬
‫علينا اجتنابها‪ ،‬وأن علينا بالتالي أن نبتكر لنفسنا مسرحا ً ل‬
‫علقة له بالمسرح الذي يعرفه الناس في كل أرجاء الدنيا أو‬
‫البحث عن ماضينا البعيد أو القريب لعلنا واجدون فيه شكل ً من‬
‫أشكال المسرح نستغني به عن هذا المسرح الدخيل الذي‬
‫جاءنا من الخارج!‬
‫ً‬
‫ً‬
‫إنها عقدة ل أجد لها تفسيرا مفهوما‪ ،‬وهي عقدة تخص‬
‫المسرح دون غيره من الفنون! لقد أخذنا فن الرواية‬
‫والقصوصة عن الغربيين ولم نجد في ذلك أي بأس‪ .‬وتعلمنا‬
‫منهم تقنية الرسم باللوان الزيتية والمائية ونقلنا عنهم مناهج‬
‫الرسم الحديث وأساليبه من النطباعية الفرنسية حتى أحدث‬
‫نزعات الحداثة ونزواتها‪ ،‬ولم يعترض على ذلك أحد! بل بدأنا‬
‫نحاكيهم في كتابة الشعر‪ ،‬رغم كل تراثنا الشعري الحافل‪،‬‬
‫وبرز عندنا شعراء مزعومون يكتبون ما اصطلح على تسميته‬
‫بالشعر المنثور أو بقصيدة النثر‪ ،‬على طريقة عزرا باوند وسان‬
‫ففا ً من عناء التزام‬
‫جون برس وغيرهما‪ ،‬إيثارا ً للسهولة وتخ ّ‬
‫الوزن والقافية‪ ،‬بل وربما عجزا عن التمييز بين الموزون‬
‫والمنثور‪ ،‬ولم يجد هؤلء من يلومهم‪ ،‬بل وجدوا نقادا ً يصفقون‬
‫لهم ويصنفونهم في عداد المجددين والرواد!‬
‫كل ذلك بدا ومايزال يبدو ـ في نظر البعض ـ جائزا ً ومقبول ً‬
‫ول ضير فيه‪ ،‬وكله في نظر هذا البعض من عناوين الحداثة‬
‫ومظاهر مواكبة العصر‪ ،‬إل المسرح فهو الفن الوحيد الذي ل‬
‫يجوز أن نتعلمه من الخرين‪ ،‬بل ينبغي أن نخترعه بأي ثمن‪ ،‬أو‬
‫أن نبحث عنه في قبو أمتعتنا القديمة لعلنا نجد له أثرًا!‬
‫لماذا؟ ل أحد يدري بالتحديد‪ ،‬ولكن بحثا ً محموما ً يجري منذ‬
‫سنوات طويلة للعثور على مسرح عربي‪ ،‬ل يمت بصلة قربى‬
‫ولو من بعيد إلى المسرح الرسطو طاليسي السائد في العالم‬
‫كله‪ ،‬وفي سياق هذا البحث )الذي يتسم بغيرة حميدة على‬
‫الصالة القومية(‪ ،‬تبرز بين حين وآخر دعوات وأفكار ل تخلو‬
‫من طرافة‪ .‬فقد دعا كاتب عربي ذات مرة إلى استيلد مسرح‬
‫عربي أصيل من رقصة السماح وصندوق الدنيا‪ ،‬ورقص‬
‫الدراويش! وظهرت في المغرب مدرسة فنية تقول بأن‬
‫العراس والموالد وتجمعات الناس في السواق كلها أشكال‬
‫‪- 79 -‬‬

‫مسرحية يمكن اتخاذها مادة لخلق المسرح العربي المنشود!‬
‫وسادت عندنا لفترة من الزمن بدعة سيئة دعيت بالمسرح‬
‫الحتفالي أو مسرح الفرجة‪ ،‬ولم تعدم هذه البدعة من‬
‫يتبناها ويروج لها في الصحافة والوساط المسرحية بوصفها فنا ً‬
‫ذا سمات قومية أصيلة‪ ،‬ولكنها سرعان ما انكمشت وذابت‬
‫كأي فقاعة فارغة؟‬
‫وقد شاء أحد الساتذة الفضلء من دارسي الثار البابلية‬
‫والسومرية عندنا‪ ،‬هو الدكتور فوزي رشيد‪ ،‬أن يحسم هذه‬
‫المشكلة المستعصية بطريقة توفر على الباحثين مشقة بحثهم‬
‫المضني عن مسرح ذي هوية قومية‪ ،‬فخرج علينا بنظرية‬
‫طريفة شرحها في حديث نشرته مجلة الحوادث في أحد‬
‫أعدادها الخيرة‪ ،‬وخلصة هذه النظرية الجديدة أن الغريق‬
‫اقتبسوا مسرحهم عن السومريين والبابليين وأن‬
‫اسخيلوس‪ ،‬أبا التراجيديا اليونانية‪ ،‬قد تأثر بمسرحية عراقية‬
‫قديمة عن نزول اللهة إينانا إلى العالم السفلي‪ .‬ول يذكر لنا‬
‫الستاذ الفاضل أين عثر على مخطوطة هذه المسرحية التي‬
‫لم يسمع بها أحد‪ ،‬ولكنه يؤكد لنا أنها متطابقة من حيث‬
‫السس مع أقدم مسرحية يونانية لسخيلوس مائة‬
‫بالمائة!‪..‬‬
‫وغني عن القول أن من دواعي الزهو والغبطة أن نكتشف‬
‫أن فن المسرح ولد في بابل‪ ،‬ل في أثينا كما زعم الزاعمون‪،‬‬
‫وأن اسخيلوس لم يكن أكثر من تلميذ تعلم فن المسرح‬
‫على أيدي أسلفنا السومريين والبابليين‪ ،‬ولكن المشكلة أن‬
‫الستاذ الباحث ل يقيم أي دليل على أطروحته الغريبة هذه‪ ،‬ول‬
‫يبدي من التحفظ والشعور بمسؤولية الكلمة مايفترض في‬
‫رجل العلم أن يبديه‪ ،‬بل يطلق آراءه دون تثبت في شؤون ل‬
‫يبدو أنه أحاط بها إحاطة كافية‪ ،‬ول أدل على ذلك كله‪ ،‬من أنه‬
‫يجري مقارنة بين مسرحية بابلية ل وجود لها أصل ً وأخرى‬
‫يونانية لم يكلف نفسه عناء قراءتها‪ ،‬فلوكان قرأ الوريستيه‬
‫التي أشار إليها في حديثه أكثر من مرة لدرك أنها ليست‬
‫مسرحية واحدة‪ ،‬بل ثلث مسرحيات منفصلة يجمعها موضوع‬
‫عام واحد‪ ،‬وهي‪ :‬أغاممنون‪ ،‬وحاملت القرابين‪ ،‬وربات‬
‫النتقام‪ .‬ولو كان ألم بالمسرح التراجيدي الغريقي‪ ،‬ولو أيسر‬
‫اللمام‪ ،‬لعرف أن ثلثية الوريستية ليست أقدم ما كتبه‬
‫اسخيلوس‪ ،‬بل هي ـ بالتحديد ـ آخر ما وصل إلينا من أعماله‪،‬‬
‫فقد فرغ من كتابتها في عام ‪ 458‬قبل الميلد‪ ،‬أي قبيل وفاته‬
‫بعامين‪ ،‬بينما يعود أقدم أعماله التي بين أيدينا وهي مسرحية‬
‫الضارعات‪ ،‬إلى عام ‪ 490‬قبل الميلد‪.‬‬
‫ولو كان الستاذ الباحث قرأ الوريستية لما قال‪:‬‬
‫"وكذلك في المسرحية اليونانية تقوم اليكترا… بتحدي إرادة‬
‫الله جوبيتر إله الموت والدمار ول تخضع إطلقا ً لرادته"‪،‬‬
‫فالله جوبيتر ل يرد ذكره في الوريستية ول في غيرها من‬
‫أعمال المسرح الغريقي لسبب بسيط جدًا‪ ،‬هو أن "جوبتير"‬
‫تسمية لتينية ل وجود لها عند الغريق‪ ،‬وهي تقابل عندهم‬
‫تسمية الله "زفس"‪ .‬وزفس الغريقي ـ أو جوبيتر اللتيني ـ‬
‫ليس إله الموت والدمار ـ كما زعم صاحبنا الباحث ـ بل هو‬
‫كبير آلهة الولمب وإله الرعد والمطر‪ ،‬وهو الله الذي انتزع‬
‫السلطة من أبيه "كرونوس" وأحل سلطة آلهة الولمب محل‬
‫سلطة آلهة الرض ـ كما تقول الساطير اليونانية القديمة‪.‬‬
‫ولنضف إلى ذلك أن اليكترا ل تتحدى كبير اللهة زفس‬
‫)أو جوبيتر‪ ،‬كما يسميه الباحث( في مسرحية حاملت‬
‫القرابين )وهي الجزء الوحيد من الثلثية‪ ،‬التي تظهر فيه‬
‫اليكترا(‪ ،‬لن زفس ليس من أطراف الصراع في التراجيديا‬
‫‪- 80 -‬‬

‬‬ ‫وبالمقابل فإن نشأة المسرح عند بعض الشعوب‪،‬‬ ‫كالمسرح الكلسيكي الصيني‪ ،‬ومسرح الكابوكي عند‬ ‫اليابانيين‪ ،‬قد اتخذت منحى آخر وكانت في المقام الول‬ ‫استجابة لميل النسان الطبيعي إلى رواية الحكايات وتجسيدها‬ ‫بصورة من الصور‪.81 -‬‬ .‬‬ ‫ول نريد أن نطيل فالمثلة التي ذكرناها تثبت بما ل يقبل‬ ‫الشك أن الستاذ الفاضل صاحب هذه النظرية الجديدة لم يقرأ‬ ‫الوريستية التي يتحدث عنها بكل هذا السهاب‪ ،‬وأخشى أنه‬ ‫لم يقرأ شيئا ً من المسرح الغريقي القديم‪ ،‬بل قرأ عنه بعض‬ ‫المعلومات المتفرقة هنا وهناك‪ ،‬وهذه المعرفة المتواضعة ل‬ ‫تجيز له أن يخرج برأي على هذه الدرجة من الخطورة!…‬ ‫وماذا عن مسرحية نزول اينانا إلى العالم السفلي‪ ،‬التي‬ ‫لم نسمع بها قبل اليوم؟! يبدو لي أن المسألة برمتها ل تعدو‬ ‫أن تكون وهما ً طاف بذهن الستاذ الفاضل‪ ،‬فقد قرأ في مكان‬ ‫ما أن المسرح الغريقي‪ ،‬بشقيه التراجيدي والكوميدي‪ ،‬قد‬ ‫انبثق من الطقوس الدينية والشعبية التي كانت تقام في مطلع‬ ‫الربيع للله ديوينسوس‪ ،‬إله الخصب والكرم والخمرة عند‬ ‫الغريق‪ ،‬فافترض أن كل طقوس دينية لبد أن تفضي في‬ ‫النهاية إلى ظهور شكل من أشكال فن المسرح‪ .‫المذكورة ولم يرد اسمه فيها إل على لسان أوريست وأخته‬ ‫وهما يضرعان إليه أن يؤازرهما في القتصاص من قتلة أبيهما‬ ‫أغا ممنون!‪.‬ويستطرد‬ ‫الستاذ الفاضل قائ ً‬ ‫ل‪":‬وعندما رفعنا الغطاء لم نجد‬ ‫أي شيء سوى الرض البكر وهذا بالتأكيد كان يمثل‬ ‫المدخل إلى العالم السفلي وكانت تمثل في هذا‬ ‫المكان…‪.‬الخ"…‬ ‫وهكذا فإن صاحبنا يكتشف فتحة في الرض تحيط بها ثلثة‬ ‫جدران فيقفز به خياله إلى أن هذا مسرح كانت تقدم فيه إلى‬ ‫الجمهور قصة نزول اللهة إينانا إلى العالم السفلي… ولكن‬ ‫كيف يسع الجمهور أن يرى نزول إينانا إلى العالم السفلي من‬ ‫وراء ثلثة جدران أحدها يحيط بالخر؟! وأي مسرح هذا الذي‬ ‫يبنى على هذه الصورة العجيبة؟ هل تتدخل مخيلة الستاذ‬ ‫النشيطة لحسم الشكال… لقد كان ثمة راوٍ يجلس على هذه‬ ‫الجدران‪ ،‬التي ترتفع عن الرض بحوالي أربعة أمتار ويروي‬ ‫للناس مايجري وراءها! ول يشرح لنا الستاذ الفاضل كيف كان‬ ‫الراوي يرتقي إلى أعلى هذه الجدران‪ ،‬هل كان يستعين بسلم‬ ‫أم يتسلق بالحبال؟ وهل حدث أن سقط أحد الرواة وهو يحاول‬ ‫التربع على مقعده الخطر فوق الجدران! ولكنه يحاول أن يبرر‬ ‫لنا مسألة الجدار هذه بقوله‪ :‬ولهذا نجد في المسرح في‬ ‫الوقت الحاضر الخشبة من أهم مستلزماته أي‬ ‫المكان المرتفع عن الرض لن الصل في المسرح‬ ‫‪.‬وهذا افتراض‬ ‫ل يخلو من سذاجة‪ ،‬فالمم جميعا ً عرفت الطقوس الدينية في‬ ‫مراحل وجودها التاريخي الباكر‪ ،‬وبعض هذه الطقوس مازال‬ ‫موجودا ً حتى عند المم المتقدمة في أيامنا هذه‪ ،‬ولكن‬ ‫الطقوس الدينية لم تتحول إلى مسرح ـ بالمعنى الدقيق‬ ‫للكلمة ـ إل عند قدامى اليونانيين‪.‬‬ ‫وأيا ً كان المر فلبد من العتراف بأن الستاذ صاحب هذه‬ ‫النظرية الجديدة رجل واسع الخيال‪ ،‬فهو يشير في حديثه‬ ‫المنشور في الحوادث ـ وسأنقل عباراته حرفيا ً بما فيه من‬ ‫أخطاء نحوية وركاكة ـ إلى أنه عثر في أثناء التنقيب في مدينة‬ ‫الوركاء "على بناء متكون من ثلث جدران الواحد‬ ‫يحيط الخر وفي الوسط فتحة توحي إلى أنها منبر‬ ‫أو باب للنزول إلى العالم السفلي"‪ ..

82 -‬‬ .‫هي الجدران التي يقف عليها الراوي ليشرح للناس‬ ‫ماذا يجري…!!…‪..‬‬ ‫وليس صحيحا ً مايدعيه الستاذ الفاضل من أن الصل في‬ ‫المسرح هي الجدران‪ ،‬فالتمثيل في المسرح اليوناني لم يكن‬ ‫يجري على الجدران‪ ،‬بل كان يجري على فسحة من الرض‬ ‫يسمونها ‪ skene‬بينما كان الجمهور يطل على الممثلين والجوقة‬ ‫من مقاعده الحجرية العالية التي صفت في شكل دائري‪ .‬‬ ‫‪‬‬ ‫‪.‬وإذا‬ ‫صح مايدعيه الستاذ من أن الغريق اقتبسوا مسرحهم عن‬ ‫السومريين والبابليين فليس للمر عندي غير تفسير واحد‪،‬‬ ‫هو أن الممثلين الغارقة خافوا مغبة تسلق الجدران فآثروا أن‬ ‫يقدموا أدوارهم على الرض‪ ،‬وتركوا للمتفرجين أن يتسلقوا‬ ‫المقاعد العالية معرضين أنفسهم للسقوط … والله أعلم!‪.‬‬ ‫ءءءءء ‪1989‬ء‪.

‬‬ ‫وإذا كان من بواعث الغبطة أن نكسب في شخص يوسف‬ ‫الصائغ كاتبا ً مسرحيا ً موهوبا ً يسد بعض ما نعانيه من فقر في‬ ‫هذا الجانب من حياتنا الثقافية‪ ،‬فإن مما يضاعف الغبطة أن‬ ‫مسرحية الصائغ الولى جاءت على قدر ملحوظ من النضج‬ ‫والستواء‪ ،‬ودلت دللة ل تقبل الشك على أن لمؤلفها عدا‬ ‫الموهبة إحاطة جيدة بقواعد التأليف الدرامي‪.‬‬ ‫ومن المزايا الخرى التي تستحق التنويه في مسرحية‬ ‫"الباب" سياقها الدرامي الذي يتميز بالتوازن والحكام‪ ،‬فمع‬ ‫أن المؤلف لم يقسم مسرحيته إلى فصول ومشاهد ـ كما‬ ‫جرت العادة ـ فإن المسرحية تتألف عمليا ً من ثلثة فصول‬ ‫‪.‬ولكن ما كشفت عنه من‬ ‫حس درامي دقيق يعزز علينا المل بأن المؤلف سيكون قادرا ً‬ ‫على معالجة موضوعات أكثر تشابكا ً وتعقيدا ً في المستقبل‪.‫حول مسرحية "الباب")‪(1‬‬ ‫هــــل بــــدأت الــــدراما المحليــــة‬ ‫بالنتعاش؟‬ ‫ل أريد أن أدع المناسبة تبتعد كثيرا ً دون أن أقول كلمة في‬ ‫الباب‪ .‬إن كل شيء هنا ينبثق ببساطة وتلقائية عن‬ ‫المواقف الدرامية التي تمر بها الشخصيات‪ ،‬ويفضي بصورة‬ ‫منطقية إلى ردود الفعل التي تليه‪ .83 -‬‬ .‬تلك المسرحية الجميلة التي كتبها الديب يوسف‬ ‫الصائغ وشاهدناها على مسرح المنصور منذ أمد غير بعيد‪.‬‬ ‫فليس أمرا ً كثير الحدوث في أيامنا هذه أن يخرج علينا كاتب‬ ‫بنص مسرحي جميل‪.‬‬ ‫أين تكمن مزايا هذه المسرحية؟ لعل أول ماتجدر الشارة‬ ‫إليه أن شخصيات "الباب" ـ خلفا ً للكثير مما يكتب عندنا‬ ‫للمسرح ـ ليست دمى يحركها المؤلف ويضع على لسانها‬ ‫مايشاء من أفكار‪ ،‬بل هي كائنات حية من لحم ودم وأعصاب‪،‬‬ ‫تعيش معاناة حقيقية وتصدر في تصرفاتها وأقوالها عن دوافع‬ ‫واضحة مقنعة‪ ،‬فليس ثمة فعل ل تدعو إليه ضرورة ول ثرثرة‬ ‫في غير محلها‪ ،‬ل مواقف فكرية معزولة‪ ،‬عن مجرى الصراع‬ ‫في المسرحية‪ .‬‬ ‫صحيح أن الباب بسيطة في حبكتها وليس فيها إل القليل‬ ‫من الشخصيات والفعل الخارجي‪ .‬وهذا‪ ،‬بالطبع‪ ،‬شرط أولي‬ ‫من شروط البناء الدرامي‪ ،‬ولكن غيابه عن الكثير من النصوص‬ ‫المسرحية المحلية يجعله مزية تحتسب لهذه المسرحية‪.

‬‬ ‫ولبد لنا‪ ،‬ونحن نتحدث عن القيمة الفنية لهذا النص‪ ،‬من‬ ‫الشارة‪ ،‬بنحو خاص‪ ،‬إلى اللغة الدرامية الرشيقة‪ ،‬المرنة‪ ،‬التي‬ ‫كتب بها‪ .‫تتطابق مع التقسيم الكلسيكي المعروف الذي يشترط لكل‬ ‫عمل درامي عرضا ً وعقدة وح ً‬ ‫ل‪ ،‬ويتمثل "العرض" في‬ ‫المحاكمة التي تجري لبطل المسرحية‪ .‬‬ ‫ويمكن القول بأن لغة "الباب" هي تسفيه عملي لنمطين‬ ‫سائدين في الكتابة المسرحية‪ :‬النمط الذي يلجأ إلى الجعجعة‬ ‫اللفظية واصطناع البلغة ليوحي للقارئ والمتفرج بامتلء‬ ‫فكري مزعوم‪ ،‬والنمط الخر‪ ،‬الذي يقرن الواقعية بسوقية‬ ‫الفكر وفجاجة التعبير…‬ ‫هكذا يمكننا أن نقول أن يوسف الصائغ صمم عمارته‬ ‫الدرامية الولى تصميم المهندس الحاذق‪ ،‬ولكن الدراما ليست‬ ‫عمارة وحسب‪ ،‬بل هي ـ بالقدر نفسه ـ فكر وموقف‪ .‬بينما تبدأ "العقدة"‬ ‫بهبوطه إلى القبر وتصل إلى ذروتها باستسلمه‬ ‫للنوم بعد معاناة طويلة وانطفاء الشمعة الوحيدة‬ ‫التي تضيء المكان‪ .‬أما مرحلة الحل فتبدأ بنزول "هي"‬ ‫إلى القبر وما ينشأ عنه من تقارب طبيعي بينها وبين بطل‬ ‫المسرحية التي سبقها في النزول‪ ،‬وتنتهي بتحول هذا التقارب‬ ‫بين الثنين إلى حب يتحديان به الرعب والموت ويصلن به ما‬ ‫انقطع من أواصر بينهما وبين الحياة‪.‬وليس كثيرا ً على شاعر كيوسف الصائغ أن يستخدم‬ ‫اللغة هذا الستخدام الحاذق‪ ،‬ولكن من دواعي الرتياح حقا ً أن‬ ‫يوفق إلى هذا الحد في الموازنة بين شاعرية اللغة وواقعيتها‪،‬‬ ‫فل يأخذه الشعر بعيدا ً عن بساطة الحديث اليومي وعفويته‪،‬‬ ‫ول تسلبه الواقعية قدرته على الداء الشعري الخالي من‬ ‫البتذال…‪..‬والواقع أن مما يضاعف الهتمام بمسرحيته‬ ‫"الباب" أنها تطرح للبحث قضية أخلقية بالغة الخطورة‪،‬‬ ‫يمكن تلخيصها بالسؤال التالي‪:‬‬ ‫ـ هل يتوجب على المرء أن يواجه مسؤولية اختياره الحر‬ ‫بصلبة‪ ،‬ولو كان ذلك يعني التضحية بالحياة ذاتها؟ وليس هذا ـ‬ ‫قطعا ً ـ السؤال الجديد‪ ،‬فقد طرحه كتاب المسرح التراجيدي‬ ‫وأجابوا عليه مرات كثيرة‪ ،‬ول أظننا نقع في تعميم تنقصه الدقة‬ ‫إذا ذهبنا إلى أن جوهر التراجيديا نفسه يتمثل ـ أساسا ً ـ في‬ ‫الصلبة الخلقية التي تجعل بعض الناس يتحملون مسؤولية‬ ‫الموقف الذي اتخذوه عن قناعة‪ ،‬وإن قادهم ذلك إلى التصادم‬ ‫مع المؤسسة السياسية أو مشيئة اللهة أو أي قوة أخرى من‬ ‫القوى الكبرى التي ل قبل للفرد بمواجهتها‪ .84 -‬‬ .‬ويحسن في هذا‬ ‫الصدد أن نعود بالذاكرة إلى انتيغونا بطلة مسرحية‬ ‫‪.‬فهل‬ ‫وفق الصائغ في رسالته الفكرية توفيقه في صياغته الفنية‪،‬‬ ‫وهل جاء مضمون مسرحيته معادل ً لشكلها في القوة والقناع؟‬ ‫هنا أجدني اختلفت مع مؤلف "الباب" اختلفا ً جوهريًا‪،‬‬ ‫لن "الرسالة" الخلقية التي تنطوي عليها هذه المسرحية مما‬ ‫يتعذر علي هضمه‪ .‬‬ ‫وقد أعطى المؤلف كل ً من هذه المراحل الثلث في‬ ‫مسرحيته مداها الكافي دون ترهل أو ابتسار‪ .‬ورغم أن‬ ‫المناجاة الذاتية التي انخرط فيها بطل المسرحية حين وجد‬ ‫نفسه وحيدا ً في القبر كانت طويلة إلى حد غير مألوف في‬ ‫المسرح فل مناص من القول بأنها بلغت من الروعة والتوهج‬ ‫ومن التوتر والمتلء ماجعلها ترتفع إلى مستوى التجربة‬ ‫الرهيبة التي عاشها بطل المسرحية‪ .‬وأرجو أل أكون مغاليا ً إذا‬ ‫قلت إن يوسف الصائغ اجترح في هذا الفصل مأثرة شعرية‬ ‫جديرة بالعجاب‪.

‬وقد‬ ‫اختارت الخير لنها كانت من ذلك المعدن النساني النبيل‬ ‫الذي يؤثر الموت على السقوط‪.‬‬ ‫ولم تكن انتيغونا أقل شغفا ً بالحياة من بطل مسرحية‬ ‫يوسف الصائغ‪ ،‬فقد كانت شابة في مقتبل العمر ولها خطيب‬ ‫يحبها وتحبه‪ ،‬ولكنها كانت تواجه امتحانا ً مأساويًا‪ :‬كان عليها أن‬ ‫تختار بين التخلي عن واجبها الخلقي وبين الموت‪ .‫سوفوكليس الشهيرة‪ ،‬فقد حكم عليها هي الخرى بالدفن‬ ‫حية‪ ،‬كبطل مسرحية يوسف الصائغ تمامًا‪ ،‬ولكنها تقبلت‬ ‫مصيرها الرهيب بشجاعة لنه كان من اختيارها أص ً‬ ‫ل‪..‬نعم‪ ،‬قد يرى البعض في مسلك‬ ‫بطل المسرحية تبريرا ً مشروعًا‪ ،‬لرفض التضحية المجانية من‬ ‫أجل قضية خاسرة‪ ،‬وقد يجدون فيه دعوة إلى اغتفار الضعف‬ ‫البشري أمام ما تفرضه الحياة من امتحانات بالغة القسوة‬ ‫أحيانًا‪ ،‬ول يشق علي فهم أي من هذين الدافعين‪ ،‬ولكن ما ل‬ ‫أفهمه ول أستسيغه قطعا ً هو عجز بطل يوسف الصائغ عن‬ ‫الشعور بصعوبة المأزق الخلقي الذي وجد فيه نفسه‪ .‬‬ ‫على هذا النحو أجاب سوفوكليس‪ ،‬بلسان انتيغونا‪ ،‬عن‬ ‫هذا السؤال الخطير‪ ،‬وهكذا كان منطق التراجيديا عمومًا‪،‬‬ ‫ولكن لمؤلف الباب منطقا ً آخر‪ ،‬لعله أقرب إلى روح عصرنا‬ ‫المفتقر إلى المثل العليا‪ ،‬فهو يجيز لبطله أن يتنكر للتزامه‬ ‫الخلقي لمجرد أن تعلقه بالحياة ونهمه إلى ملذاتها الحسية‬ ‫أقوى عنده من كل دواعي اللتزام‪.‬ومامن فلسفة‬ ‫أخلقية تقر مثل هذا المنطق‪.‬لقد‬ ‫أقدمت انتيغونا على دفن جثة أخيها بولنكس وهي تعلم‬ ‫جيدا ً أنها تتحدى بذلك سلطة الطاغية كريون‪ ،‬الذي أمر بترك‬ ‫الجثة في العراء‪ ،‬وعندما قبض عليها وجيء بها إلى الحاكم‬ ‫الذي تحدت إرادته‪ ،‬لم تحاول التنصل من فعلتها ولم تلتمس‬ ‫الصفح‪ ،‬فقد كانت مقتنعة بأنها أدت واجبها‪ ،‬وأن عليها أن‬ ‫تتحمل كل مايترتب على ذلك من نتائج‪..‬‬ ‫ولم تكن انتيغونا تجهل أن من الناس من يغتفر السقوط‬ ‫الخلقي ويلتمس له المبررات‪ ،‬وهي لذلك تقول لختها الخائفة‬ ‫اسمينا‪:‬‬ ‫ـ كان خيارك أن تعيشي‪ ،‬وكان خياري أن أموت‪.‬‬ ‫وكان لحكمتك عالم يؤيدها‪ ،‬ولحكمتي عالم آخر‪.85 -‬‬ .‬فماذا يعني ذلك؟‬ ‫إنه يعني‪ ،‬ببساطة‪ ،‬أن للمرء أن يلتزم عندما يكون اللتزام‬ ‫مصدر منفعة ومتعة‪ ،‬وله بعد ذلك أن يتنكر للتزامه هذا إذا‬ ‫وجد فيه مايهدد سلمته أو ينتقص من متعته‪.‬‬ ‫وينبغي العتراف أن منطق بطل المسرحية يبدو مقنعا ً‬ ‫للوهلة الولى… فما الذي يدعو إنسانا ً عاقل ً إلى التضحية‬ ‫بحياته من أجل جثة هامدة ل تنفعه بشيء‪ ،‬ول تنتفع بتضحيته‬ ‫أص ً‬ ‫ل؟!‬ ‫ولكن قليل ً من التأمل قد يقودنا إلى اكتشاف شيء من‬ ‫الزيف في هذا المنطق‪ ،‬فبطل المسرحية لم يتمرد على‬ ‫مشيئة ظالمة فرضت عليه فرضًا‪ ،‬وإنما تنصل من قرار حر‬ ‫اتخذه بملء إرادته‪ ،‬غير جاهل بما يترتب عليه من تبعات‪.‬‬ ‫ومما له دللته أن صاحبنا لم يفكر قط في التراجع عن قراره‬ ‫هذا إل عندما توجب عليه أن يحول تعهداته المكتوبة إلى فعل‬ ‫ملموس‪ .‬فبطل‬ ‫المسرحية ل يحس ولو لحظة واحدة بأنه قدخان نفسه‪ ،‬ول‬ ‫يعاني أي تمزق داخلي بين واجبه الخلقي من جهة وتشبثه‬ ‫بالحياة من جهة أخرى‪ ،‬بل يبدو منسجما ً كل النسجام مع‬ ‫ضعفه الدمي‪ ،‬مقتنعا ً كل القناعة بأن حياته ومتعته الشخصية‬ ‫‪.

‬‬ ‫وهكذا يكشف لنا التحليل أن بطل المسرحية كان منسجما ً مع‬ ‫نفسه في الحالين‪ ،‬وأن ما بدا تناقضا ً في سلوكه ليس في‬ ‫الواقع إل متابعة لهدف ثابت واحد ـ هو المتعة الحسية‪ ،‬كما‬ ‫أسلفنا ـ في ظرفين مختلفين أشد الختلف‪.‬إن صاحبنا لم يفجع بوفاة الزوجة الحبيبة بل‬ ‫أصابه رعب واشمئزاز‪ ،‬ولم يخسر حنانها أو وفاءها أو طيبتها‬ ‫أو إيثارها أو أية صفة أخرى مما يميز العلقات الحميمة بين‬ ‫البشر عن العلقة البيولوجية بين أي ذكر وأنثى في الطيبعة‪،‬‬ ‫بل خسر جسدا ً كان يستمتع به‪...86 -‬‬ .‬‬ ‫ليس لنا إذن أن نعترض‪ ،‬من الوجهة الفنية المحضة‪ ،‬على‬ ‫رسم شخصية بطل المسرحية فهي شخصية حية ومتسقة إلى‬ ‫أبعد الحدود‪ ،‬وهي في الواقع شخصية نصادفها في حياتنا كل‬ ‫يوم‪ ،‬بل هي‪:‬‬ ‫ـ إن أردنا مزيدا ً من الدقة ـ شخصية المثقف العربي‬ ‫المعاصر في مواجهة الخيارات القاسية التي يطرحها عصره‪،‬‬ ‫ولكن اعتراضنا ذو طبيعة فكرية‪ ،‬فليس بطل "الباب" هو‬ ‫المثال الخلقي الذي نحتاج إليه في زمن يتطلب منا الكثير من‬ ‫الشجاعة ونكران الذات لحماية وجودنا ذاته‪.‬‬ ‫وحين يستعيد ماكانت عليه هذه الزوجة قبل موتها فإنه ل‬ ‫يتذكر سوى أنها كانت مليئة بالرغبة‪ ،‬مستجيبة‪،‬‬ ‫متفهمة‪ ،‬مشاركة‪ ،‬متلذذة‪ ،‬ولم تعد كذلك الن! ولهذا كله‬ ‫دللته الواضحة على أن بطل مسرحية الصائغ لم يعرف الحب‬ ‫بأبعاده النسانية العميقة‪ ،‬ولم يفهم من العلقات النسانية‬ ‫ذاتها سوى أنها مصدر للمتع الحسية‪ .‬فأين الحب‬ ‫في هذا كله؟ إننا إزاء علقة ليس لها من الحب سوى بعده‬ ‫البيولوجي الخالص‪ ،‬أما أبعاده النسانية الكبيرة الخرى فل أثر‬ ‫لها على الطلق‪ .‬‬ ‫وهذه النزعة البيقورية عند بطل مسرحية "الباب"‬ ‫تفصح عن نفسها بطريقة فظة في حديثه عن حبه لزوجته‬ ‫الراحلة‪ ،‬فهو يعلن أمام المحكمة أنه أحبها إلى آخر لحظة من‬ ‫حياتها‪ ،‬ولكن حبه طار وتبخر فجأة عندما وجدها ميتة بين‬ ‫يديه‪ .‬وبالتالي فهو بطل عار من‬ ‫البطولة‪ ،‬بطل ليس له من قضية سوى أن يعيش ويستمتع‬ ‫بحياته!‪.‬لقد أحس فجأة بأنه ل يعرفها‪ ،‬وامتلت روحه اشمئزازا ً‬ ‫وأصابه رعب وغثيان‪ .‬ولهذا كان من المنطقي‬ ‫تماما ً أن يحنث شخص كهذا بقسمه‪ ،‬فقد كان التعلق بملذات‬ ‫الحس دافعه الساسي إلى اللتزام بالعهد الذي أخذ به نفسه‪،‬‬ ‫وكان هذا التعلق ذاته هو الدافع إلى تنصله من هذا العهد‪.‫أحق بالتمسك من أي مبدأ آخر‪ ،‬إنه باختصار شخصية ذات‬ ‫نزعة ابيقورية عنيفة ترى في اللذة مبدأها السمى التي تهزم‬ ‫أمامه سائر العتبارات الخرى‪ .‬لقد كانت زوجته مجرد جسد يمنحه‬ ‫اللذة‪ ،‬وحين انطفأت الحياة في هذا الجسد وتحول إلى جثة‬ ‫هامدة ل سبيل إلى تقبيلها أو النوم معها طار الحب وتبخر‪ ،‬بل‬ ‫انقلب إلى اشمئزاز وغثيان‪ ،‬تماما ً كما لو أن هذه الزوجة كانت‬ ‫مائدة شهية فاحت منها علىحين غرة رائحة كريهة‪ .‬وحين‬ ‫يسأله رئيس المحكمة عن سر هذا الشعور يجيبه ببساطة‪:‬‬ ‫ـ هل سبق لك ياسيدي‪ ،‬أن جربت تقبيل جثة؟ هل استطاع‬ ‫أحد ممن أحبوا أن ينام مع جثة التي أحبها؟‬ ‫وحسبنا هذه الجابة لندرك أن الحب الذي يتحدث عنه‬ ‫بطل المسرحية ليس في واقع المر إل تعلقا ً شهوانيا ً خاليا ً من‬ ‫أي تواصل إنساني عميق‪ .‬‬ ‫ومهما يكن من أمر‪ ،‬فإن ما حققه يوسف الصائغ على‬ ‫‪.‬هكذا يقول صاحبنا بالحرف الواحد‪ .

87 -‬‬ .1986‬‬ ‫‪‬‬ ‫‪.‬‬ ‫ءءءءء ‪.‬وقد كنا نتمنى أن‬ ‫يأخذ هذا النص الجميل صورته المناسبة على منصة المسرح‪،‬‬ ‫ولكن تمنياتنا هذه منيت بإحباط ذريع‪ ،‬لن الخراج المسرحي‬ ‫قصر عن مستوى النص بأشواط بعيدة‪ ،‬وهذا ما سنعالجه‬ ‫تفصيل ً في الحلقة التالية من هذا الحديث‪.‫مستوى البناء الفني أمر جدير بكل ثناء وهو بدء انتعاش‬ ‫للدراما المحلية نأمل أن يتواصل ويتطور‪ .

88 -‬‬ .‬أما المتفرج الذي جاء‬ ‫إلى المسرح وهو ل يحمل أي تصور مسبق عن المسرحية فقد‬ ‫ل يستطيع التمييز بسهولة بين النص وعناصر العرض‬ ‫المسرحي‪ ،‬وقد يلقي باللوم على المؤلف دون أن يفطن إلىأن‬ ‫المخرج هو المسؤول الحقيقي عن الخفاق‪.‬‬ ‫وهو يصوغ المواقف ويرسم البيئة ويتمثل الشخصيات‬ ‫بصورة تلقائية ل واعية خلل انهماكه في قراءة النص‪ .(2‬‬ ‫عنــدما يوضــع النــص المســرحي فــي قــالب غيــر‬ ‫مناسب‪:‬‬ ‫عندما يقرأ المرء‪ ،‬نصا ً مسرحيا ً ممتعا ً فمن الطبيعي أن‬ ‫يتطلع إلى رؤيته حيا ً على منصة المسرح‪ .‬وفي حالة كهذه‬ ‫يذهب المرء إلى المسرح وفي ذهنه تصورات معينة عما‬ ‫سيشاهده‪ ،‬فكل قارئ هو مخرج بمعنى من المعاني‪ ،‬ولكنه‬ ‫مخرج مسرحه ذهنه وعدته خياله‪.‬ولكن إحساسي‬ ‫طوال مدة العرض كان أبعد مايكون عن الستمتاع‪ ،‬فقد رأيت‬ ‫النص يشوه أمامي على منصة العرض‪ ،‬ومن غريب‬ ‫المفارقات أن المؤلف نفسه كان هناك وقد رافق عملية‬ ‫التشويه هذه ـ كما علمت ـ ولم يحل دون وقوعها‪.‬‬ ‫وحين نشاهد على منصة المسرح ـ أو على الشاشة ـ عمل ً‬ ‫أدبيا ً سبق لنا أن قرأناه وتنفسنا أجواءه وعايشنا شخصياته‬ ‫فإن خيبة أملنا ستكون مضاعفة إذا قدم إلينا مشوها‪ ،‬خاليا ً من‬ ‫الحياة‪ .‫حول مسرحية " الباب " )‪.‬‬ ‫ومع ذلك فمن الصعب الدعاء بأن ما رأيته كان مفاجأة‬ ‫لي‪ ،‬فما أكثر النصوص التي شوهت على خشبة مسرحنا‬ ‫المحلي‪ ،‬وما أكثر الروائع الدبية التي حولها بعض مخرجينا إلى‬ ‫عروض مملة‪ ،‬ملفقة‪ ،‬خالية من الحياة! لقد شاهدت على أحد‬ ‫‪.‬ونحن في هذه الحالة نختلف‪ ،‬كثيرا ً أو قليل‪ ،‬عن‬ ‫المتفرج الذي لم يسبق له أن قرأ النص‪ ،‬لن بوسعنا أن نقارن‬ ‫بين الصورة التي ارتسمت في أذهاننا تلقائيا ً ـ في أثناء القراءة‬ ‫ـ وبين الصورة التي رسمها لنا المخرج‪ .‬وهذه‬ ‫إحدى الخصائص التي تميز النص الدبي ـ أيا ً كان جنسه ـ عن‬ ‫غيره من النصوص‪ ،‬فالدب ل يكتمل إل بما تضفيه عليه مخيلة‬ ‫القارئ‪ ،‬ولهذا يقال في القارئ إنه يعيد خلق النص وأن قراءة‬ ‫الديب‪ ،‬هي الخرى‪ ،‬ضرب من البداع‪.‬‬ ‫أقول هذا وأنا أستعيد تجربتي مع مسرحية "الباب"‪ ،‬فقد‬ ‫كانت تجربة من هذا النوع الذي وصفته‪ ،‬لقد ذهبت إلى‬ ‫المسرح لرى نصا ً كنت قد استمتعت بقراءته‪.

‬وإذا خطر‬ ‫للبعض أن من التناقض أن توصف بالواقعية مسرحية ذات‬ ‫مدخل خيالي‪ ،‬فحسبنا أن نعيد إلى الذهان أن مأساة هملت‬ ‫تبدأ بظهور شبح‪ ،‬وأن ماكبث تقوم على نبوءة نطقت بها ثلث‬ ‫ساحرات‪ ،‬ولست هنا في معرض المقارنة‪ ،‬بطبيعة الحال‪،‬‬ ‫ولكن مايهمني إيضاحه أن الباب‪ ،‬رغم الحكاية الخرافية التي‬ ‫قامت عليها‪ ،‬تنتمي بشخصياتها‪ ،‬ومواقفها ولغتها وسائر‬ ‫مكوناتها الخرى إلى المنهج الواقعي‪ ،‬وهي صارمة في واقعيتها‬ ‫إلى الحد الذي يجعل كل مافيها يبدو متمشيا ً مع قوانين الواقع‬ ‫ومنطقه المألوف‪ .‬وقد كان حريا ً بالمخرج أن ينقلها إلىمنصة‬ ‫المسرح بأسلوب ينسجم مع هذا المنحى الواقعي‪ ،‬ولو أنه‬ ‫فعل لكان تأثيرها في المشاهد أعمق من تأثيرها في القارئ‪،‬‬ ‫ولكن إخفاقه في تحديد طبيعة المسرحية جعله يفرض عليها‬ ‫أسلوبا ً ل يلئمها على الطلق‪ ،‬وهو أسلوب ل أعرف له اسما ً‬ ‫بين أساليب الخراج المعاصرة‪ ،‬ولكنه يتسم بشيء غير قليل‬ ‫من الفظاظة ومجافاة المعقول‪.89 -‬‬ .‬‬ ‫وهكذا فإن المخرج الملم بحرفته ل يمكن أن يعالج‬ ‫مسرحية من طراز الشقيقات الثلث ـ مثل ـ بالطريقة‬ ‫نفسها التي يعالج بها مسرحية الحضيض‪ ،‬لن قيمة كل من‬ ‫هاتين المسرحيتين تكمن في مكان آخر غير المكان الذي‬ ‫تكمن فيه قيمة الخرى‪.‫مسارحنا مأساة شكسبيرية فضحكت‪ ،‬وشاهدت ملهاة‬ ‫لموليير فلم أضحك قط‪ ،‬وحضرت دراما واقعية لرثر ملر فلم‬ ‫أقتنع بشيء مما رأيته وسمعته! ولهذه الظاهرة الغريبة عوامل‬ ‫عديدة ليس هنا مجال الفاضة فيها‪ ،‬ولكن أهمها في اعتقادي‬ ‫هو عدم التفات المخرجين إلى حقيقة أولية‪ ،‬مؤداها أن لكل‬ ‫مسرحية نمطا تنتمي إليه وأسلوبا ً تتميز به‪ ،‬وأن على مخرج‬ ‫المسرحية بالتالي أن يختار لها من الصياغة والداء ماينسجم‬ ‫مع نمطها وأسلوبها‪ ،‬فل يصح ـ مثل ً ـ أن نعالج كوميديا‬ ‫السلوك مثلما نعالج المهزلة ـ أي الفارس ـ ول أن نقدم‬ ‫التراجيديا الغريقية بالطريقة نفسها التي نقدم بها الدراما‬ ‫الواقعية الحديثة‪ ،‬لن لكل من هذه النماط مناخها وأسلوبها‬ ‫في الداء‪ ،‬وينبغي أن نلحظ كذلك أن بؤرة الهتمام في النص‬ ‫المسرحي ليست واحدة في كل الحوال‪ ،‬بل هي تختلف من‬ ‫مؤلف إلى آخر‪ ،‬فإذا كانت الحبكة والشخصيات أهم مافي‬ ‫مسرح هنريك ابسن فإن الحوار البارع الذكي هو أهم مافي‬ ‫مسرحيات أوسكار وايلد‪ ،‬وإذا كان الواقع الجتماعي يحتل‬ ‫المكان الول في مسرح غوركي فإن الواقع السايكولوجي‬ ‫هو الذي يستأثر أكثر من غيره باهتمام تشيخوف‪.‬‬ ‫كل هذه حقائق أولية ل ينبغي أن تغيب عن أحد ممن‬ ‫درسوا فن المسرح‪ ،‬ومع ذلك فإن المرء مضطر إلى التذكير‬ ‫بها‪ ،‬لن بين مخرجينا المسرحيين من يتجاهلها أو يجهلها‪ ،‬وهو‬ ‫لذلك يكيف النصوص وقد يعيد تأليفها أحيانا لتلئم أسلوبه في‬ ‫الخراج‪ ،‬بدل ً من دراسة النص وفهمه ووضعه في قالبه‬ ‫المناسب‪ .‬‬ ‫إن المتفرج الذي قرأ المسرحية قبل مشاهدتها سيصدم‬ ‫‪.‬وهذا بالضبط ما فعله السيد قاسم محمد‪ ،‬مخرج‬ ‫مسرحية الباب‪ ،‬فإلى أي نمط تنتمي هذه المسرحية؟ وكيف‬ ‫عالجها المخرج؟‬ ‫للوهلة الولى قدتبدو "الباب" وكأنها تنتسب إلى النمط‬ ‫المعروف بـ الفانتازيا‪ ،‬ففكرتها مستوحاة من إحدى حكايات‬ ‫ألف ليلة وليلة‪ ،‬وهي تروي حكاية خيالية عن رجل قضي‬ ‫عليه بالدفن حيا ً مع زوجته المتوفاة‪ ،‬ولكن المسرحية ليست‬ ‫من نوع الفانتازيا قطعًا‪ ،‬فهذا المدخل الخيالي يفضي بنا‬ ‫إلى عمل ذي نسيج واقعي دقيق بكل معاني الكلمة‪ .

‬على أن المر لم‬ ‫يقف عند هذا الحد‪ ،‬فمنصة القضاء نفسها قد قفزت من مكانها‬ ‫المألوف واتخذت شكل سقيفة عالية من الحديد وقف عليها‬ ‫المدعي العام ليحاور المتهم الذي قبع تحت السقيفة‬ ‫باسترخاء كامل موليا ً إيانا ظهره!‪ .‬وليس من الصعب أن‬ ‫‪.‬‬ ‫ليست هذه كل ملحظاتي على عمل المخرج في الفصل‬ ‫الول‪ ،‬ولكني سأكتفي بما ذكرت لفسح مجال ً لملحظاتي‬ ‫على الفصلين الخيرين‪..‬وكانت الكفان الحمراوان‬ ‫اللتان علقهما المخرج في سقف المسرح )وظل يرفعهما‬ ‫ويدليهما بين وقت وآخر( عامل ً إضافيا ً أسهم في تشتيت انتباه‬ ‫المتفرج وتحويله بعيدا ً عن بؤرة الفعل الدرامي‪ .‬وأعترف ـ‬ ‫بتواضع جم ـ بأني لم أهتد إلى المغزى العميق الذي أراده‬ ‫المخرج بهاتين الكفين‪ ،‬ولكن المسألة ل تتعلق بوضوح دللة‬ ‫هذا الرمز أو غموضها‪ ،‬وإنما تتعلق بوجوده أص ً‬ ‫ل‪ .‬وفوق هذه السقيفة‪ ،‬التي‬ ‫يصلها بالرض سلمان حديديان‪ ،‬تدلت كف كبيرة مبسوطة‬ ‫صنعت بدورها من قضبان الحديد وأمامها كف مزمومة‪ ،‬وقد‬ ‫أضيئت الكفان بضياء أحمر قان فبدتا أشبه بإعلن تجاري‬ ‫صارخ عن منجم من قراء الكف!‪.‬وقد‬ ‫كان المؤلف موفقا ً في تصوير معاناة بطله حيال هذه التجربة‬ ‫المروعة‪ ،‬وأذكر أني قرأت هذا الفصل بكثير من الستغراق‬ ‫والستمتاع‪ ،‬ولكن تجسيد موقف كهذا على خشبة المسرح‬ ‫ليس أمرا ً هينا ً على أي حال‪ .‬فهل يصح ـ‬ ‫من وجهة نظر تقنية ـ أن يحول المخرج المسرحي انتباه‬ ‫جمهوره عن الفعل الذي يجري أمامه على المنصة برمز‬ ‫خارجي يقحمه على المشهد‪ ،‬أيا ً كانت دللة هذا الرمز؟ وهل‬ ‫تحتاج مسرحية فيها من وضوح الفكر والموقف مافي مسرحية‬ ‫الباب إلى رمز إضافي من هذا النوع؟ أعتقد أن هذين‬ ‫السؤالين يحملن في طياتهما الجابة الكافية‪.‬والسوأ من ذلك كله أن‬ ‫هذا الديكور الغريب الذي فاجأنا به )بالتنسيق مع المصمم‬ ‫بالطبع( قد شغلنا بعض الوقت عن متابعة الصراع الحاسم‬ ‫الذي كان يدور في المحكمة وبدد إحساسنا بخطورة المأزق‬ ‫الذي كان يواجهه بطل المسرحية‪ .‬وقد فشل المخرج في هذا المتحان ـ كما‬ ‫توقعت ـ وجر معه الممثل إلى الفشل‪ .‬إنه امتحان عسير للمخرج وممثل‬ ‫الدور على السواء‪ ..‬‬ ‫قلت في الحلقة الولى من هذا الحديث أن الفصل الثاني‬ ‫يمثل صعود المسرحية إلى ذروتها‪ ،‬وهو يتألف برمته من‬ ‫مناجاة ذاتية طويلة يلقيها بطل المسرحية‪ ،‬الذي دفن حيا ً مع‬ ‫جثة زوجته وليس معه سوى بعض الطعام وقناني الخمر‪ .‬وهكذا خسر‬ ‫العمل سمته الواقعية منذ اللحظة الولى‪ ..‫منذ الوهلة الولى عندما يكتشف أن المخرج أعاد كتابة مشهد‬ ‫المحاكمة‪ ،‬فألغى شخصيات القضاة الثلثة مكتفيا ً بالمدعي‬ ‫العام الذي تحول إلى قاض ومدع في آن واحد‪ .90 -‬‬ .‬‬ ‫ماذا يعني هذا كله؟ وماذا أراد المخرج بهذه المحكمة‬ ‫العجيبة التي يطل فيها المدعي العام من السطح ليخاطب‬ ‫المتهم الجالس في الطابق الرضي؟! أتراه أراد أن يوحي‬ ‫إلينا بأنها محكمة متسلطة غاشمة؟ إذا كان هذا حقا ً ما أراده‬ ‫فذلك هو البؤس بعينه‪ ،‬لن لدى فنان المسرح من الوسائل‬ ‫والتقنيات الفنية المختلفة مايغنيه عن تشويه معالم الواقع إلى‬ ‫هذا الحد ويوفر عليه )وعلى الشركة المنتجة(‪ ،‬كل هذه الكمية‬ ‫الكبيرة من صفائح الحديد!‬ ‫وأيا ً كانت الفكرة التي رمى إليها المخرج فإنه تورط هنا‬ ‫في أكثر من خطأ فادح‪ ،‬فقد أضاع المستوى الواقعي الذي‬ ‫تقتضيه طبيعة النص‪ ،‬كما أسلفنا‪ ،‬ولم ينجز شيئا ً على مستوى‬ ‫الرمز لفجاجة السلوب الذي اتبعه‪ .

91 -‬‬ .‬ولم يوفر المخرج‬ ‫لعمله أيا ً من هذين الشرطين الساسيين‪ .‬فالنجاح في مهمة فنية دقيقة كهذه يتوقف على‬ ‫أمرين أساسيين‪ ،‬أولهما مدى استيعاب الممثل لبعاد الموقف‬ ‫وتفاصيله الدقيقة وعمقه السايكولوجي وثانيهما مدى توفيق‬ ‫المخرج في خلق مناخ الرعب والهول الذي يطبق على كائن‬ ‫بشري وجد نفسه حبيسا ً في جوف مقبرة‪ .‬ولكن المخرج‬ ‫الذي يميل ـ على مايبدو ـ إلى العتقاد بأن الصالة تعني‬ ‫مجانبة المألوف بأي ثمن وبصرف النظر عن أي اعتبار آخر‪،‬‬ ‫استعاض عن الديكور الواقعي‪ ،‬الذي يهّيئ لنا المناخ‬ ‫المطلوب‪ ،‬بديكور مصطنع غلبت عليه النزعة التجريدية واتسم‬ ‫بفقر المخيلة وسوء الفهم وضعف اليحاء‪ .‬وحين أقول‬ ‫الواقعية فل أعني المنهج الطبيعي الذي ينقل الواقع بكل‬ ‫حذافيره إلى منصة المسرح‪ ،‬بل أعني صورة الواقع بخطوطها‬ ‫العريضة الموحية‪ .‬ولو أن المخرج‬ ‫استعان بمثل هذا الديكور الواقعي البسيط لحتفظ للنص بكثير‬ ‫من قوته‪ ،‬ولستطاع في الوقت نفسه‪ ،‬أن يجعل من التوابيت‬ ‫ذاتها منصات للقضاة في الفصل الول من المسرحية‪ ،‬وفي‬ ‫هذا من بلغة التعبير وعمق الدللة والقتصاد في الوسائل‬ ‫ماليس في محكمته العجيبة ذات الطابقين‪ .‬ءءءء ءءءءءء‬ ‫ءء ءءءءءء ءءء ءءء ءءءءءءءء ءءءء ءءءءءءءء‬ ‫ءء ءءء ءءء ءء ءءءءءءءءء ءءءءءء ءءءء‬ ‫ءءءءءءء!‬ ‫•‬ ‫وو وووووو وو ووووو وو ووو ووووووو وووو ووو‬ ‫ووووووو ووو ووووووووو وو ووو ووووووو وو‬ ‫وو ووو ووووووو وووو وو وووووو‬ ‫وووو ووو و‬ ‫ووووو وووو ووو وووووو وووووو وووو ووو‪.‬وقدكان بوسع‬ ‫المخرج أن يهّيئ‪ ،‬في حدود طاقته المناخ الملئم لهذا الموقف‬ ‫لو أنه اعتمد الواقعية في بناء ديكور المقبرة‪ .‬‬ ‫وووووو وووووووو وووو ووو ووو ووووو وووو!‬ ‫•‬ ‫وووو وووووووو وووو وووووووو وووووو ووووو‬ ‫ووووو وو ووووووو وووووووو وووووووو ووو‬ ‫ووووو ووو ووووووو وووووووو ووووو وووو وو‬ ‫ووووو وووو ووو وو وووو وووو ووووو وووو وو‬ ‫وووو ووووو! ووووووو وو وووووو وووو ووو‬ ‫ووووووو ووو ووووووو ووو وووو ووووووو وو‬ ‫وووو ووووو ووووو وووو ووووووو وووو وو‬ ‫وووو ووووو وووووووو!‬ ‫•‬ ‫وو ووو‬ ‫ووو وو ءءءءء ووووو ووو وووو ووو و‬ ‫ووووو ووووووووو ووو وووو وووووو وووووو‬ ‫وووو ووو ووو ووووو وووو ووووووو ووو ووو‬ ‫وو ووو وووووو وووو وووووو ووووو وووووو‬ ‫وووووو! وووو وووووووو وو ووووو ووو وووو وو‬ ‫‪.‬وتجنبا ً للطالة‬ ‫سأوجز ملحظاتي في هذا الصدد بالنقاط التالية‪:‬‬ ‫•‬ ‫ووو وووووو وووو وووووو وووووو وووووو‬ ‫وووووو ووووو وووووووو وووو وو وووو ووووو‬ ‫ووووووو وووو وووووو وووو ووووووو ءءءء‬ ‫ءءءء ءءءءء ءءءءءءء ءءءءءءء ءءءءءء ءءء‬ ‫ءءءءء ءءءءءء ءءءء ءءءء ءءءءءء‪ .‫ندرك السبب‪ .‬وفي ظني أن بضعة توابيت مجللة بالغبار‬ ‫وبقايا هيكل بشري في أحد الركان كانت تكفي )مع النارة‬ ‫والموسيقى المناسبتين( لخلق مناخ الرعب والهول الذي‬ ‫تحتاجه المسرحية في فصليها الخيرين‪ .

‬وسأكتفي بأمثلة قليلة تغنيني عن إسهاب‬ ‫ل ضرورة له‪ ،‬فقد رأينا محمود عبد العباس ـ مثل ً ـ ينهب سلم‬ ‫المقبرة وثبا ً أكثر من مرة‪ ،‬وكأنه يرتقي سلم بيته في وضح‬ ‫النهار‪ ،‬رغم أن وقائع المسرحية كانت تجري في ظلم يفترض‬ ‫أنه دامس مطبق!‪ ،‬ورأينا ها تخاطبه أكثر من مرة فيتجه باحثا ً‬ ‫عنها في الوجهة المضادة لمصدر الصوت! وكانت دهشتنا‬ ‫شديدة عندما استلقى عبد العباس‪ ،‬خلل حوار مع رفيقته في‬ ‫المقبرة‪ ،‬على الرض بارتياح تام واضعا ً يديه تحت رأسه‬ ‫كمن يستلقي على عشب ندي في أمسية ربيعية‪ ،‬ناسيا ً أنه‬ ‫حبيس في مقبرة كريهة ل يدري إن كان سيخرج منها حيًا‪ ،‬وأن‬ ‫الرض التي يفترشها يزحف عليها الدود ويفوح منها نتن‬ ‫المقابر… وربما كانت تعج بالحيات والعقارب! لقد كانت هذه‬ ‫اللحظة أبرز المفارقات التي حفل بها العرض‪ ،‬ولو تقصينا‬ ‫دوافعها لوجدناها صادرة عن تصور ساذج لدى المخرج حول‬ ‫وظيفة الحركة في المسرح‪ ،‬فالمخرج ـ وأنا أحتكم هنا إلى‬ ‫أعمال سابقة شاهدتها له ـ يتصور أن الممثل يجب أن يظل‬ ‫في حركة جسدية دائبة ومتنوعة على منصة المسرح‪ ،‬بقطع‬ ‫النظر عن مقتضيات الدور الذي يؤديه‪ ،‬ولعله يعتقد أن هذه‬ ‫الحركة الدائبة غير المدروسة هي ما اصطلح على تسميته‬ ‫بالفعل الدرامي‪.‬أما في‬ ‫الفصل الخير فقد كان أداؤه خاليا ً من المنطق والقناع‪ ،‬ل‬ ‫لنقص في قدرته الشخصية‪ ،‬بل لن المخرج أخفق في بناء‬ ‫علقات منطقية مقنعة بين الشخصيات الدرامية أو بينها وبين‬ ‫البيئة المحيطة بها‪ .‬‬ ‫وكانت أمام هذا الممثل فرصة ممتازة للتألق والستحواذ على‬ ‫حواس المتفرجين في الفصل الثاني‪ ،‬حين يجد بطل المسرحية‬ ‫نفسه وحيدا ً في مواجهة الرعب والمجهول‪.‫ووو وووووووو ووو وو وووو ووووووو وووووووو‬ ‫ووو ءءءءءو ووو وووو ووو وو ووووو وووووو‬ ‫ووو وووووو ووو وو ووو ووووووو وووو وووو‬ ‫وووووووو ووووووو وووووو وو وووو ووووو!‬ ‫واكتفى بهذا القدر من الملحظات‪ ،‬ل نتقل إلى الحديث‬ ‫عن عمل الممثلين‪ ،‬ولبد في البداية من العتراف بأن‬ ‫المخرج كان موفقا ً في اختيار ممثليه‪ ،‬فهم فريق موهوب دون‬ ‫شك‪ ،‬ولكن المشكلة أنه لم يحسن استثمار هذه المواهب‪.‬‬ ‫ولكن أداءه في هذا الموقف كان مجرد تقنية خارجية‬ ‫اعتمد فيها على خبرته في التمثيل‪ ،‬وليس انفعال ً صادقا ً بالدور‪،‬‬ ‫ولعل له العذر‪ ،‬فالمخرج لم يحطه بالجو المناسب الذي‬ ‫يساعده على الحساس الصادق بما كان يقوله‪ .‬‬ ‫ويعود هذا في جزء منه إلى البيئة الزائفة التي وضع فيها‬ ‫ممثليه‪ ،‬بينما يعود في جزئه الخر إلى تقصير في دراسة‬ ‫الشخصيات والمواقف وإخفاق في تشخيص مواطن القوة في‬ ‫النص‪ ،‬ويتجلى الثر السلبي لتوجيهات المخرج‪ ،‬بصورة‬ ‫خاصة‪ ،‬في أداء محمود عبد العباس‪ ،‬الذي اتسم عموما ً‬ ‫باسترخاء ل يتناسب مع صعوبة المواقف التي يمر بها بطل‬ ‫المسرحية‪ ،‬لقد بدا محمود عبد العباس في مشهد المحاكمة‬ ‫هادئا ً غير مكترث وكأنه يناقش أمرا ً ل يعنيه‪ ،‬بينما كان عليه أن‬ ‫يخوض صراعا ً مستميتا ً للفلت من مصير مفزع ينتظره‪.‬‬ ‫ول يسعني‪ ،‬وأنا أتحدث عن عنصر التمثيل في الباب‪ ،‬أن‬ ‫أغفل الشارة إلى أحلم عرب‪ ،‬التي أراها للمرة الولى على‬ ‫منصة المسرح‪ .92 -‬‬ .‬وأحلم ذات موهبة ل تخطئها العين ولها وجود‬ ‫جذاب على المسرح‪ ،‬ولكنها كانت هي الخرى ضحية العوامل‬ ‫التي ذكرناها‪ ،‬وقد بدا واضحا ً منذ اللحظة الولى أنها لم‬ ‫تستوعب دورها جيدا ً فقد رأيناها تدخل المسرح بطريقة نزقة‬ ‫أثارت بعض الضحك المكتوم‪ ،‬بينما كان عليها ـ طبقا ً للنص ـ‬ ‫‪.

1986‬‬ ‫‪‬‬ ‫‪.‬‬ ‫ءءءءء ‪.93 -‬‬ .‬‬ ‫وبعد‪ ،‬فهذه ليست كل ملحظاتي على العرض‪ ،‬فهناك‬ ‫الموسيقى والنارة مث ً‬ ‫ل‪ ،‬ولي عليهما أكثر من مأخذ‪ ،‬ولكني لن‬ ‫أدخل في مزيد من التفاصيل مادام القارئ قد ألم ـ كما أرجو‬ ‫ـ بالصورة الكلية‪ ،‬وإذا كان ثمة ما أود إضافته في ختام هذا‬ ‫الحديث فهو المل في أن نرى هذا النص المحلي الجيد ذات‬ ‫يوم بصورة أخرى غير الصورة الشائهة المحزنة التي رأيناه‬ ‫عليها‪.‫أن تدخل بجلل شهيدة صممت على مواجهة الموت وفاء‬ ‫للعهد الذي قطعته على نفسها‪.

94 -‬‬ .‬وقد‬ ‫وضع المخرج حيدر منعثر يده على هذا المعنى الساسي‬ ‫وأبرزه بقوة عندما استخدم الفانوس السحري في عكس‬ ‫صورة النفجار الذري الشبيهة بثمرة متسخة من ثمار‬ ‫القرنبيط على مؤخرة المسرح )السايكلوراما(‪ ،‬ولكن توفيق‬ ‫المخرج في اقتناص الفكار الساسية للنص ل يعني طبعًا‪ ،‬أن‬ ‫العمل كان موفقا ً من كل جوانبه‪،‬فثمة مآخذ عديدة ل يصح‬ ‫التغاضي عنها‪ ،‬وإن كنا سنترفق في معالجتها غاية الترفق لن‬ ‫للشباب عذرهم في ببعض مايرتكبون من أخطاء‪ ،‬ولن الشباب‬ ‫هم المل الذي نعول عليه في الرتقاء بالمسرح العراقي إلى‬ ‫ما نتمناه له من التقدم والبداع‪.‬‬ ‫وأول ما أود الوقوف عنده في معرض الحديث عن‬ ‫‪.‬ومن‬ ‫المؤكد أن المخرج لم يختر هذا النص بالذات لمجرد أنه نص‬ ‫غير تقليدي‪ ،‬أي أنه لم ينطلق من طموحات شكلية محضة‪،‬‬ ‫بل اختاره لما يثير من قضايا هي في الصميم من هواجس‬ ‫النسان المعاصر وعذاباته‪ ،‬فالمسرحية تحاكم الطغاة وتسخر‬ ‫من مزاعمهم وتندد بأمجادهم الدموية‪ ،‬وهي ترينا أن الطغيان‬ ‫مهما تباينت عصوره وأساليبه فهو واحد في جوهره ومقاصده‪،‬‬ ‫ومن هنا كان هذا التنقل الحر في المسرحية بين الحاضر‬ ‫والماضي القريب والبعيد‪ ،‬والموغل في القدم‪ ،‬وإذا كان من‬ ‫الصعب على المرء أن يلخص في كلمات معدودة كل هذا‬ ‫المضمون الفكري الثري الذي تزخر به المسرحية لن البحر ل‬ ‫يصب في قارورة ـ كما يقال ـ فقد يحق لنا القول بأن الثيمة‬ ‫الساسية في عمل ماكس فريش هي أن البشرية لم يعد‬ ‫بوسعها أن تسمح لطاغية ما بالستئثار بالسلطة المطلقة‪،‬‬ ‫ففي ظروف التطور المرعب لوسائل البادة الجماعية في‬ ‫عصرنا الراهن بات في مقدور أي حاكم مطلق يملك مثل هذه‬ ‫الوسائل أن يضع حدا ً للحياة على كوكبنا الرضي بأسره‪ .‫مسرح الشباب‬ ‫والنسياق مع التقاليد السيئة‬ ‫ل إخال أن من الضروري أن أستهل هذه الوقفة النقدية‬ ‫القصيرة‪ ،‬عند مسرحية سور الصين التي قدمتها فرقة‬ ‫منتدى الدباء الشباب‪،‬بالحديث عن النص ومؤلفه‪ ،‬فكلهما‬ ‫معروف جيدا ً لدى المعنيين بالمسرح‪ ،‬ولكني ل أجد بدا ً من‬ ‫الشارة إلى أن المخرج الشاب حيدر منعثر قد ركب مركبا ً‬ ‫وعرا ً وقرر بملء إرادته أن يخوض امتحانا ً عسيرا ً عندما وقع‬ ‫اختياره على هذه المسرحية الشائكة الغريبة التي تتشابك‬ ‫فيها الزمنة والشخصيات والفكار على نحو غير مألوف‪.

‬فنادرا ً ما يرى المرء‬ ‫مسرحية محلية ل يركض فيها الممثلون بصخب أو يرتمون‬ ‫بصورة هستيرية على أرضية المسرح‪ ،‬أو يصرخون بأصوات‬ ‫نابية هي أقرب إلى نداء الدللين في السواق منها إلى التعبير‬ ‫الفني المدروس‪ .‬‬ ‫ثمة ملحظة أخرى‪ ،‬تدخل في إطار التقاليد المتوارثة في‬ ‫مسرحنا المحلي‪ ،‬تلك هي الضجيج الفارغ والحركات العنيفة‬ ‫المفتعلة التي يلجأ إليها البعض من مخرجينا لبراز معنى‬ ‫بسيط كان في المكان إبرازه بإيماءة صغيرة بليغة‪ .‬ويجدر بنا أن نتذكر هنا أن التهويل والسراف كانا‬ ‫سمة الفن السوقي على الدوام‪ .‬ومن المؤسف أن مخرج‬ ‫سور الصين قد انساق ـ إلى حد ما ـ مع هذا العرف كذلك‬ ‫فنظم تظاهرة للمعوقين دخلت صالة المتفرجين دخول ً صاخبا ً‬ ‫واتجهت إلى منصة المسرح وهي تطلق التأوهات فشغلتنا‬ ‫بعض الوقت عما يجري على المنصة واضطرتنا أن نلوي‬ ‫أعناقنا ليا موجعا ً لنرى مايجري وراء ظهورنا! ولم يكتف‬ ‫المخرج بذلك بل جعل ممثليه يتلوون كالديدان على المنصة‬ ‫ويركعون في أحد المشاهد فترة ل يستهان بها أمام المبراطور‬ ‫‪.‬وعندما نتحدث عن‬ ‫الطبيعة الفجة في الداء المسرحي )‪ (Naturalism‬فإنما نعني‬ ‫هذا اللون من الداء الذي يحاول محاكاة الواقع دون مراعاة‬ ‫لمقتضيات الجمال الفني‪ .‬أما النقطة الثانية التي تنبغي‬ ‫الشارة إليها في هذا الصدد فهي أن بلغة اليجاز شرط في‬ ‫المسرح‪ ،‬كما هي شرط في أي فن آخر‪ .95 -‬‬ .‫الجوانب السلبية في هذه المسرحية هو خضوعها ـ شأن الكثير‬ ‫من أعمال المسرح العراقي الخرى ـ لبعض التقاليد السيئة‬ ‫التي باتت بحكم العادة والتكرار أموارا ً مسلما ً بها في مسرحنا‪.‬‬ ‫ولعل أسوأ هذه التقاليد هو مادرج عليه المخرج المسرحي‬ ‫عندنا من عدم التقيد بالنص الدرامي‪ ،‬أيا ً كان مؤلفه‪ ،‬فمخرجنا‬ ‫المسرحي ل يرعى حرمة كاتب حتى لو كان هذا الكاتب وليم‬ ‫شكسبير نفسه‪ .‬وهذه في‬ ‫الواقع مستشرية في مسرحنا العراقي‪ .‬وهو يعتقد أن النص الدرامي‪ ،‬مهما كان‬ ‫مستواه ليس أكثر من مادة أولية يعيد صياغتها على هواه‬ ‫ويحذف منها أو يضيف إليها مايحلو له‪ .‬أما‬ ‫هذه الوسائل التي يلجأ إليها بعض المخرجين متوهمين أنهم‬ ‫يبتدعون بذلك أساليب جديدة للداء المسرحي كحمل‬ ‫المشاعل والشموع ونقر الدفوف والرقص المتشنج على‬ ‫منصة المسرح واستخدام ممرات الصالة بوصفها مساحات‬ ‫إضافية للعرض المسرحي فليست في نهاية المطاف سوى‬ ‫تظاهرات فارغة يراد منها إضفاء بريق خادع على أعمال قيمة‬ ‫لها أساسًا‪ .‬وكلما اقتصد‬ ‫المسرح في استخدام وسائله التعبيرية كان أقدر على‬ ‫الستئثار باهتمام المشاهد وشد انتباهه إلى منصة العرض‪ .‬وهنا أرى من المناسب بأن أشير إلى‬ ‫نقطتين‪ :‬أولهما أن المشهد المسرحي عمل فني يخضع‬ ‫لقوانين الجمال شأن سائر الفنون الخرى‪ ،‬وليس مجرد تعبير‬ ‫عفوي كأي تعبير آخر في الحياة اليومية‪ .‬وإذا كنا‬ ‫نتسامح معه في ما حذف واضعين في حسابنا العتبارات التي‬ ‫دعته إلى ذلك فليس بوسعنا أن نقبل منه الضافة لن هذا‬ ‫يجعله شريكا ً للمؤلف في نصه‪ ،‬بينما تنحصر وظيفته‪ ،‬في‬ ‫الواقع‪ ،‬في ترجمة نص المؤلف إلى عرض حي على منصة‬ ‫المسرح‪.‬وقد كتبت عن هذا‬ ‫الموضوع أكثر من مرة ول أريد أن أكرر هنا ماسبق أن قلته‬ ‫بل سأكتفي بالقول بأن من غير الجائز أن نعالج النصوص‬ ‫المسرحية العالمية باستهانة وخفة‪ ،‬وأن الحذف والضافة في‬ ‫مثل هذه النصوص ل يمكن القبول بهما‪ ،‬إل إذا قضت بذلك‬ ‫ضرورة قاهرة‪ ،‬وقد انساق مخرج هذه المسرحية‪ ،‬الفنان‬ ‫حيدرمنعثر‪ ،‬مع هذا العرف الفني السائد فحذف من نص‬ ‫ماكس فريش ماحذف‪،‬وأضاف إليه ما أضاف‪ .

‬ولم يخل أداء ممثل شخصية المبراطور الصيني من‬ ‫القوة ولكن عليه أن يولي نطقه مزيدا ً من الهتمام‪ ،‬فقد كان‬ ‫يفتقر أحيانا ً إلى البانة والفصاح‪ .‫رافعين مؤخراتهم في وجوهنا‪ ،‬وتلك صورة نابية كان بوسع‬ ‫المخرج أن يستعيض عنها بإيماءة موجزة لطيفة ل تجرح‬ ‫الذوق‪.‬‬ ‫ولكن مصمم الزياء وقع في أخطاء فادحة‪ ،‬فثياب بيلطس ل‬ ‫تشبه ثياب قائد أو حاكم روماني ـ وقد رأينا مثل هذه الثياب‬ ‫في أفلم سينمائية كثيرة ـ بل هي أشبه بثياب حواريي السيد‬ ‫المسيح! ومن العجيب أن بعض الكهنة الصينيين كانوا‬ ‫يتمنطقون بأحزمة ذات زخارف إغريقية‪ ،‬أما نابليون فإن ثيابه‬ ‫لم تذكرنا قطعا ً بهيئته التي نعرفها من لوحات دافيد الشهيرة‪.‬‬ ‫وسأنتقل الن‪ ،‬ودونما إسهاب إلى جانب آخر من جوانب‬ ‫العرض‪ ،‬وهو الزياء‪ .96 -‬‬ .‬‬ ‫ولنعد بعد ذلك إلى أداء الممثلين‪ ،‬الذي أردناه إلى النهاية‬ ‫لنه ـ بطبيعة الحال ـ أحق عناصر العرض المسرحي‪،‬‬ ‫بالهتمام‪ .‬والواقع أن منعثر له ‪ ،‬رغم ضآلته الجسدية‪ ،‬حضور‬ ‫ساطع على المنصة‪ ،‬فأنت ل تستطيع أن تحول عنه نظرك‬ ‫طوال وجوده على المسرح‪ ،‬ول أدري ماسر ذلك فجاذبية‬ ‫الممثل أو عدم جاذبيته لغز ل تفسره أية مواصفات خارجية‬ ‫ملموسة‪.‬وإذ‬ ‫نضع في حسابنا كل هذه التحفظات فإن بإمكاننا إن نقول أن‬ ‫ممثل دور بيلطس ل يخلو من موهبة‪ ،‬ولكنه لم يفهم طبيعة‬ ‫الشخصية التي يؤديها فجاءت أشبه بشخصية قديس مسيحي‬ ‫منها بشخصية حاكم روماني‪ .‬وينبغي العتراف منذ البداية بأن مهمة‬ ‫مصمم الزياء في مسرحية كهذه ليست سهلة على الطلق‪،‬‬ ‫فوقائع المسرحية تدور في الصين خلل القرن الثالث قبل‬ ‫الميلد وأبطالها ينتمون إلى شتى العصور‪ ،‬فبينهم بروتوس‬ ‫ربيب قيصر وأحد قاتليه‪ ،‬وبينهم بيلطس‪ ،‬الحاكم الروماني‬ ‫الذي صلب المسيح‪ ،‬وكريستوفر كولومبس ودون جوان‬ ‫ونابليون بونابرت ورجل قانون من عصرنا الحاضر وآخرون‪.‬وأخص‬ ‫بالذكر هنا ممثل دور بروتوس الذي أقض مضجع سيبويه‬ ‫والكسائي بأخطائه النحوية التي ل تغتفر رغم أنه شاب يتمتع‬ ‫بموهبة فنية واضحة‪.‬الذين‬ ‫يفترض فيهم اللمام بأبسط قواعد اللغة العربية‪ .‬أما ممثل بونابرت فقد كان مانعا ً‬ ‫ولم يوح إلينا بشيء من جبروت هذه الشخصية التاريخية‬ ‫السرة‪ .‬‬ ‫شيء آخر أؤاخذ عليه مخرج المسرحية دون أن أنسى أنه‬ ‫جزء من ظاهرة عامة أخذت تتفشى في المسرح العراقي‬ ‫خلل السنوات الخيرة‪ ،‬وأعني كثرة الخطاء اللغوية التي‬ ‫يرتكبها الممثلون حين يؤدون نصا ً مكتوبا ً باللغة الفصحى‪،‬‬ ‫وبعض الخطاء التي سمعناها في مسرحية سور الصين تقع‬ ‫على عاتق المخرج نفسه‪ ،‬فقد وجدتها في النص النهائي الذي‬ ‫اعتمده في عمله‪ ،‬ولكن معظمها يعود إلىجهل الممثلين‪ ،‬وهم‬ ‫كما أعلم من الطلبة وخريجي معهد الفنون الجميلة‪ .‬وسأسارع إلى القول بأن مخرج المسرحية حيدر‬ ‫منعثر الذي مثل فيها دور رجل القانون المعاصر هو نجمها‬ ‫الول دون منازع‪ ،‬بل هو دون شك أنجح في التمثيل منه في‬ ‫الخراج‪ .‬‬ ‫أما بقية الممثلين فتتفاوت حظوظهم من النجاح‪ ،‬وأيا ً كان‬ ‫المر فإن من الصعب أن نحكم على مدى إجادة ممثل شاب‬ ‫ل ندري مدى صواب التوجيهات التي تلقاها من المخرج‪ .‬وتصدق هذه الملحظة‬ ‫‪.‬‬ ‫ولقد كان بوسع مصمم الزياء أن يتجنب الكثير من الخطاء‬ ‫التي وقع فيها لو أنه رجع إلى الكتب المعتمدة في هذا المجال‪،‬‬ ‫وهي ليست قليلة على أي حال‪.

97 -‬‬ .‬‬ ‫وبعد فهذه أبرز الملحظات التي يمكن أن تقال عن‬ ‫المسرحية التي نحن بصددها في عجالة كهذه‪ .‬ولعل الخوة‬ ‫الحاضرين قد لحظوا أنني ركزت على جوانب الضعف في‬ ‫المسرحية واكتفيت بأن أشير إلى مزاياها بشكل عابر‪ .‬وإذا كان البعض ممن حضروا هذه‬ ‫الندوات قد ضاقوا بما سمعوا من نقد وردوا على النقاد بحدة‬ ‫ينقصها التروي والموضوعية فإنني آمل أن أجد لدى مسرحيينا‬ ‫الشبان قدرا ً أكبر من الوعي ورحابة الصدر والقدرة على‬ ‫يستطيع بدون النقد أن يتدارك عيوبه ‪،‬‬ ‫التعلم‪ ،‬لن الفنان ل‬ ‫ويتفوق على نفسه‪.(1989‬‬ ‫‪.‬والواقع‬ ‫أن هذا لم يكن لقلة مزاياها‪ ،‬وإنما لحرصي على أن يتجاوز‬ ‫مسرحيونا الشباب أنفسهم ويتغلبوا على نواقصهم ليصلوا إلى‬ ‫المستوى الذي نريد‪ .‫بصورة أشد على ممثلة دور الميرة مي لن التي لم تكن‬ ‫تفتقر إلى جلل أميرة صينية وحسب‪ ،‬بل كانت تهمس‬ ‫بكلمات دورها بسرعة ل مبرر لها وبصوت ميكانيكي خافت‬ ‫إلى حد جعلني أعجز عن التقاط معظم كلماتها رغم جلوسي‬ ‫على مقربة من منصة المسرح‪.((24)).‬‬ ‫‪‬‬ ‫‪24‬‬ ‫))(( ووووو وو وووووو ووووو وووووو وووووو وووووو )‬ ‫‪.‬‬ ‫وهذا كله يؤكد حاجة ممثلينا الشبان إلى العناية بأصواتهم‬ ‫والتدريب المستمر على وضوح النطق وحسن اللقاء‪.

1966‬‬ ‫وتطرق المؤلف في القسم الثاني من كتابه إلى انعكاسات‬ ‫الواقع الجتماعي في المسرح الشعري العربي‪ .‬ولعل كتاب الدكتور الحمد الذي بين‬ ‫ي نشأة هذا‬ ‫أيدينا هو أول محاولة يقوم بها باحث عربي لتقص ّ‬ ‫المسرح وتحديد ملمحه البارزة وارتباطه بالقضايا التي أثارها‬ ‫تطور المجتمع العربي خلل هذه الحقبة الطويلة من تاريخ‬ ‫المة‪.‬وليست هذه بالفترة الوجيزة‪ ،‬ومع ذلك فإن‬ ‫المكتبة العربية مازالت تفتقر إلى مراجع وافية يعود إليها‬ ‫المعنيون بهذا الموضوع‪ .‫خواطر حول كتاب‬ ‫دراســات فــي المســرح العربــي‬ ‫المعاصر‬ ‫إذا صح ماذكره الدكتور أحمد سليمان الحمد من أن‬ ‫مسرحية المروءة والوفاء‪ ،‬التي نشرها الشيخ خليل‬ ‫اليازجي في عام ‪ 1876‬هي أول مسرحية شعرية كتبت‬ ‫بالعربية فمعنى ذلك أن لمسرحنا الشعري اليوم تاريخا ً يقرب‬ ‫من مائة عام‪.‬‬ ‫ومن الطبيعي أل تكون محاولة الدكتور الحمد مبرأة من‬ ‫النواقص والثغرات‪ ،‬فقد سلك طريقا ً غير ممهدة‪ ،‬فضل ً عن أن‬ ‫مادة البحث هي من الغزارة والتنوع بحيث يصعب باللمام بها‬ ‫ضمن دراسة واحدة‪.‬‬ ‫انتهج المؤلف في دراسته طريقة تجمع بين المنهج‬ ‫التاريخي والمنهج السوسيولوجي‪ ،‬فخصص القسم الول من‬ ‫كتابه للشكال المسرحية البدائية التي ظهرت عند العرب‬ ‫بالقدمين‪ ،‬وحاول أن يفسر ظاهرة تأخر نشوء المسرح‬ ‫العربي‪ ،‬ثم استعرض المراحل التي مرت بها المسرحية‬ ‫الشعرية العربية خلل تسعين عاما ً تبدأ بمسرحية المروءة‬ ‫والوفاء في عام ‪ 1876‬وتنتهي بعام‪.98 -‬‬ .‬وقد تضمن‬ ‫هذا القسم سبعة فصول عن المرأة والصراع بين العادات‬ ‫والتجديد‪ ،‬والفئات الجتماعية والشعب والحصار‬ ‫‪.‬‬ ‫ومع ذلك فإن جهد المؤلف جدير بالثناء‪،‬ول يسع الناقد‬ ‫المنصف‪ ،‬رغم ماقد يجد في الكتاب من مآخذ‪ ،‬إل أن ينوه بهذا‬ ‫الجهد الملحوظ الذي بذله الدكتور الحمد في مجال تحاماه‬ ‫الباحثون والنقاد تجنبا ً لمشقة الستقصاء والتحليل والمقارنة‬ ‫والتقويم‪.

‬ولكنا ل نقّر‬ ‫الدكتور الحمد على منهجه هذا‪ ،‬لن القضايا التي خصها‬ ‫باهتمامه ل يمكن أن تدرس دراسة علمية وافية بمعزل عن‬ ‫القضايا الفنية التي يثيرها المسرح الشعري‪ . /196‬أما السبب الفني‬ ‫الوحيد الذي يقدمه الدكتور الحمد لهذه الظاهرة فهو أن‬ ‫المؤلفين الذين ل يرتكزون إلى تقاليد عريقة في‬ ‫هذا المجال يستسهلون خوض مواضيع تاريخية أو‬ ‫أسطورية حيث الحداث والمواقف مهيأة‪ ،‬مسلسلة‪،‬‬ ‫المر الذي يوفر عليهم جهد الخيال مستفيدين هكذا‬ ‫من إطار درامي موجود في الواقع ‪/‬ص‪ .‬وإذا أردنا أن نفسر لجوءه إلى التاريخ‬ ‫والسطورة فعلينا أن نبحث عن السبب‪ ،‬ل في العتبارات‬ ‫السياسية أو الجتماعية‪ ،‬وإنما في العتبارات الفنية‪ .‬‬ ‫هذه هي الخطة العامة التي اعتمدها الدكتور الحمد في‬ ‫دراسته‪ ،‬ومن الواضح أنه أغفل جانبا ً عظيم الهمية‪ ،‬هو الجانب‬ ‫الجمالي ـ التقني في المسرح الشعري العربي‪ ،‬فلم يتطرق إل‬ ‫عرضا ً وفي مواضيع متفرقة إلى مدى إلمام شعرائنا‬ ‫المسرحيين بقواعد الفن الدرامي‪ ،‬ومدى نجاحهم في بناء‬ ‫الحبكة المسرحية المتماسكة والشخصيات الدرامية الحية التي‬ ‫يمكنها أن تصمد لختبار العرض المسرحي‪ ،‬ومدى قدرتهم على‬ ‫تسخير أدوات الشعر لتصعيد الفعل الدرامي وإبراز مضمونه‬ ‫الساسي والتحكم في إيقاعاته‪ .‬وهو‬ ‫يعزو هذه الظاهرة‪ ،‬في المقام الول‪ ،‬إلى أسباب أيديولوجية‬ ‫وسياسية‪ ،‬إذ يراها وليدة الرغبة في العودة إلى التاريخ‬ ‫لنتمكن من مد جسر بين الماضي والحاضر‪ ،‬ومواصلة‬ ‫السير هكذا نحو المستقبل دون انفصام‪ ،‬ولنعرض‬ ‫آراء قد نرى من غير المناسب التعبير عنها بشكل‬ ‫مباشر في نطاق واقعي ‪/‬ص ‪ .‬وسنقتصر هنا‬ ‫علىمثال أو مثالين‪ ./196‬وهذا‬ ‫تفسير غير مقنع بالمرة‪ ،‬فبناء العمل الدرامي على حكاية‬ ‫جاهزة ل يعفي الكاتب من جهد الخيال وإل لكان اسخيلوس‬ ‫وسوفوكليس وشكسبير أفقر الشعراء خيال ً لن جل ما كتبوه‬ ‫كان مستمدا ً من التاريخ والسطورة‪ ،‬بل إن شكسبير بنى عددا ً‬ ‫من أعظم مسرحياته )كالملك لير وهاملت مث ً‬ ‫ل(‪ ،‬على أعمال‬ ‫درامية سابقة‪ .99 -‬‬ .‬أما السببان الولن فهما معقولن‪ ،‬ولكنهما ل‬ ‫يؤلفان تفسيرا ً كافيا ً لهذه الظاهرة‪ .‬‬ ‫وفي القسم الثالث ـ ولعله أمتع وأعمق مافي هذا الكتاب‬ ‫ـ يتناول المؤلف مسرحية قدموس للشاعر اللبناني سعيد عقل‬ ‫محاول ً استجلء رموزها في ضوء أيديولوجية هذا الشاعر‬ ‫ومفاهيمه السياسية المعروفة‪.‬فالدكتور الحمد يلحظ ـ وهو على صواب ـ‬ ‫أن شعراءنا المسرحيين لجؤوا إلى التاريخ والسطورة‬ ‫وأولوهما اهتماما ً يفوق اهتمامهم بالواقع الجتماعي الحي‪ .‬ولنأخذ أحمد شوقي مث ً‬ ‫ل‪،‬‬ ‫فهل يصح القول بأنه لجأ إلى التاريخ ليقول أمورا ً لم يكن من‬ ‫المناسب إبداؤها بشكل صريح مباشر؟ ليس ثمة مايبرر‬ ‫افتراضا ً من هذا النوع‪ ،‬فشوقي لم يكن شاعرا ً ثوريا ً مناوئا ً‬ ‫للسلطة‪ ،‬ولم يكن لديه مايدعوه إلى الخوف من الجهر بآرائه‬ ‫الصلحية المعتدلة‪ .‬وبالتالي فإن الكتاب لم‬ ‫يتضمن أي تصنيف لنتاجات مسرحنا الشعري من حيث القيمة‬ ‫الفنية‪ ،‬ويبدو أن المؤلف آثر أن يترك هذا الجانب من الموضوع‬ ‫لدراسة أخرى مستقلة أو لباحث آخر يتناولـه‪ .‫والهروب والواقع والخيال‪.‬‬ ‫أما القسم الخير من الكتاب فيعالج المسرح الشعري‬ ‫العربي من حيث هو وثيقة تاريخية تعرض على الجمهور‬ ‫العربي قسما ً طيبا ً من تاريخه دون كبير تشويه‪ ،‬على‬ ‫حد تعبير المؤلف‪.‬وهنا تبرز‬ ‫نقطتان أساسيتان‪ ،‬أولهما تتعلق بالمسرح الشعري عمومًا‪،‬‬ ‫‪.

‬وهذا صحيح‪ ،‬ولكن للشعر‬ ‫في الكوميديا الضاحكة دورا ً آخر غير دوره في التراجيديا أو‬ ‫الكوميديا الجادة)‪ .‫والثانية تتعلق بأحمد شوقي بالذات‪.‬‬ ‫إن هذه الحقيقة –وأعني ملءمة الحدث التاريخي أو‬ ‫السطوري للدراما الشعرية‪ -‬هي التي جعلت الشاعر العربي‬ ‫يلتفت إلى التاريخ باحثا ً عن مادة نتاجاته المسرحية‪ .100 -‬‬ .‬فإذا كان أمرا ً مقنعا ً‬ ‫للقارئ والمتفرج أن يتحدث اللهة والملوك القدامى‬ ‫والعرافون السطوريون بلغة الشعر النيقة‪ ،‬فإن مما يضعف‬ ‫الصدق والنسجام في الشخصيات المسرحية أن يتكلم التجار‬ ‫والسوقة وأشباههم بإيقاعات شعرية ولغة فنية عالية‪ ،‬وقد‬ ‫فطن شكسبير ذلك الواقعي العظيم‪ ،‬إلى هذه الحقيقة فجعل‬ ‫السوقة في مسرحياته يتكلمون النثر ))كحديث الحارس في‬ ‫المشهد الثالث من الفصل الثاني من مسرحية ماكبث مث ً‬ ‫ل((‪.‬‬ ‫وقد نواجه هنا اعتراضا ً مؤداه أن الكوميديا الشعرية قد‬ ‫لجأت إلى الموضوعات المستمدة من الواقع الملموس منذ‬ ‫عهد أرستوفان‪،‬‬ ‫وأن أبطال موليير كانوا يتخاطبون بالكلم الموزون‬ ‫المقفى رغم كونهم من معاصريه‪ .‬ويتوجب‬ ‫هنا التمييز بين عنصرين من عناصر الدراما‪ ،‬هما مادتها )‬ ‫‪ (subject‬وموضوعها )‪ .‬وهذا ما فعله جميع كتاب المسرحية التاريخية‬ ‫الكبار ابتداء من اسخيلوس حتى ت‪ .‬ويفتقر الشعر الكوميدي‬ ‫إجمال ً إلى ذلك الجلل الذي نحسه في الشعر التراجيدي‬ ‫والذي يضاعف عندنا الشعور بعظمة الحدث وخطورة الصراع‬ ‫الدائر‪.‬وليس في‬ ‫ذلك من ضير مادام الشاعر ل يكتفي بوظيفة المؤرخ‪ ،‬بل يتخذ‬ ‫من أحداث الماضي مدخل ً إلى معالجة مشكلت الحاضر‪،‬‬ ‫ويقدم إلينا في إطار التاريخ شخصيات وصراعات ماثلة في‬ ‫الواقع الحي‪ .(25‬ففي الكوميديا الضاحكة يساعد الشعر‬ ‫على تعميق عنصر المفارقة في الشخصيات والمواقف‪ ،‬ويؤدي‬ ‫الوظيفة التي يؤديها شعر الهجاء‪ .‬س‪ .‬فقد أدارت‬ ‫الدراما الحديثة ظهرها للشعر عندما استعاضت عن التاريخ‬ ‫بأحداث الواقع الملموس‪ ،‬وعن الملوك والبطال والشخصيات‬ ‫السطورية بأبناء الطبقة البرجوازية الصاعدة‪ ،‬ويبدو هذا‬ ‫التحول منطقيا ً ومفهوما ً إلى حد بعيد‪ .‬‬ ‫‪.‬ايليوت‪ .(theme‬فالعنصر الول يدخل ضمن‬ ‫مكونات الشكل الدرامي وهو في ذاته ل يدل على القضايا‬ ‫التي يثيرها العمل الدرامي‪ ،‬أما الثاني فهو من مكونات‬ ‫المضمون وفيه تتمثل القضية الساسية المطروحة‪ .‬‬ ‫إن المسألة الجوهرية التي أغفلها الستاذ الباحث هي أن‬ ‫الموضوعات التاريخية أنسب للمسرح الشعري من‬ ‫الموضوعات المعاصرة‪ ،‬ولو عدنا إلى تاريخ المسرح الوروبي‬ ‫لوجدنا أنه لم يتخل عن الشعر الذي لزمه منذ نشأته إل عندما‬ ‫ظهرت الدراما البورجوازية الحديثة )أو الكوميديا الجادة كما‬ ‫سماها ديدرو( في أواسط القرن الثامن عشر‪ .‬ومن‬ ‫السذاجة أن يتصور أحد أن مأساة هاملت مثل ً ليست سوى‬ ‫صياغة درامية لبعض الحداث الفاجعة التي وقعت في بلط‬ ‫الدانمارك خلل العصور الوسطى‪ ،‬فلو كان المر كذلك لما‬ ‫حظي هاملت بكل ما أوله إياه نقاد المسرح والدب من‬ ‫‪25‬‬ ‫)( وو ووووووو وو وووو ووو وو وووو ووءءءءء وو ووو‬ ‫وووووو وو وووووو ووووووو وووووووو وووو ووووو وو‬ ‫وووو وووو ووو وو ووو وووو وووو ووو ووووو ووووو‪ .‬ووو‬ ‫ووو وووو ووووو وووووو وووووو ووو وووووووووو‬ ‫وووووءءءءءو ووووووو ووو ووووو وو وو وووو وووووو‬ ‫وووووووو وووووو وووو وووووو‪.

101 -‬‬ .‬بيد أن المر الذي ل شك فيه أن كورني وراسين‬ ‫وشكسبير كان لهم أثر حاسم في توجه أحمد شوقي نحو‬ ‫المسرحية التاريخية‪.‬‬ ‫هذا عن المسرح الشعري بوجه عام‪ .‬‬ ‫إن هذا المثال –وهو واحد من أمثلة عديدة‪ -‬كاف للتدليل‬ ‫على أن من غير الممكن إغفال المنهج الجمالي والمؤثرات‬ ‫الفنية عند دراسة المسرح الشعري العربي‪ ،‬حتى عندما تكون‬ ‫غاية هذه الدراسة –كما أراد الدكتور الحمد‪ -‬البحث عن‬ ‫انعكاسات قضايا الواقع الجتماعي بفئاته وصراعاته المختلفة‬ ‫في نتاجات هذا المسرح‪.‫اهتمام عظيم‪.‬فالمسرح في جوهره‬ ‫هو إعادة عرض وقائع معينة ذات دللة‪ ،‬بغية خلق أثر معين في‬ ‫نفس المشاهد‪ ،‬في حين أن الملحمة وماتفرعت عنه من‬ ‫أشكال أدبية‪ ،‬كالرواية والقصة‪ ،‬هي سرد وقائع ذات دللة‪.‬‬ ‫والواقع أن شخصيات المسرح الشكسبيري تحمل وراء‬ ‫ملمحها وأزيائها التاريخية هواجس إنسان العصور الحديثة‬ ‫وطموحاته وصراعاته الداخلية‪ .‬ولكننا ل نملك أية معلومات حول هذا‬ ‫الموضوع‪ .‬وسنوجز قدر المكان‪ ،‬لن غايتنا ل تتعدى‬ ‫في الواقع رسم الخطوط العامة لهذا البحث دون الدخول في‬ ‫الجزئيات والتفاصيل‪.‬‬ ‫ولنعد الن إلى الكتاب لنتابع آراء الدكتور الحمد في حدود‬ ‫المنهج الذي اختاره‪ .‬‬ ‫لقد تناول المؤلف في القسم الول من كتابه بعض‬ ‫الشكال "المسرحية" التي سبقت ظهور المسرح عند العرب‬ ‫وحاول أن يجيب على هذا السؤال الشائك‪ :‬لماذا تأخر ظهور‬ ‫المسرح العربي؟… واحسب أنه كان موفقا ً على العموم في‬ ‫تشخيص كثير من الطقوس والعادات العربية القديمة التي‬ ‫تشتمل على عناصر مسرحية‪ ،‬ولكنه خلط في موضع أو‬ ‫موضعين بين ما يمكن اعتباره شكل ً بدائيا ً من أشكال المسرح‬ ‫وبين بعض صور الحياة العربية التي يمكن أن تكون مادة لعمل‬ ‫مسرحي بحكم اشتمالها على عناصر درامية‪ .‬ويمكن الفصل‬ ‫بين هاتين الظاهرتين على النحو التالي‪:‬‬ ‫إن كثيرا ً من الطقوس والعادات التي تمارس في العياد‬ ‫والمناسبات الدينية وغيرها كالعراس ولعبة المبارزة والمواكب‬ ‫الحسينية التي يطلع فيها بعض الشخاص بأدوار تاريخية معينة‬ ‫يمكن إدخالها ضمن الشكال البدائية للمسرح‪ ،‬لنها ترتكز إلى‬ ‫مجموعة من الحركات والزياء )وأحيانا ً الحوارات( المعدة سلفا ً‬ ‫ولنها تتوخى إيهام جمهرة المتفرجين‪ .‬‬ ‫وأول ما تمتاز به حلبة المسرح أو خشبته هو أنها تنفي نفسها‬ ‫فل تعود مسرحًا‪ ،‬بل تتحول في ذهن المتفرج إلى حجرة في‬ ‫منزل أو ركن من شارع عام أو ميدان قتال أو أي مكان آخر‬ ‫‪.‬وهذا يجعل مسرح شكسبير‬ ‫قريبا ً إلى نفوسنا‪ ،‬بل ويجعلنا –كما عبر برناردشو‪ -‬نجد فيه‬ ‫أنفسنا‪.‬أما في ما يتعلق‬ ‫بأحمد شوقي بالذات فقد كان على الستاذ الباحث أن ينتبه‬ ‫إلى أن الرجل تلقى ثقافته الجامعية في فرنسا واطلع على‬ ‫أعمال قطبي المسرح الكلسيكي الفرنسي كورني وراسين‪.‬وقد يكون شاعرنا اطلع كذلك‬ ‫على مسرح لوبي دي فيغا وكالديرون في أثناء إقامته‬ ‫الطويلة في إسبانيا‪ .‬‬ ‫وثمة مايدعو إلى العتقاد بأنه اطلع على الدراما الشكسبيرية‬ ‫في ترجمتها الفرنسية أو العربية‪ ،‬المر الذي يفسر عدم تقيده‬ ‫بمبدأ الوحدات الثلث وإدخاله بعض العناصر الكوميدية في‬ ‫المأساة‪ ،‬مما يتعارض مع قواعد بوالو التي خضع لها‬ ‫المسرح الكلسيكي الفرنسي‪ .

‬‬ ‫أما مرأى فارس حقيقي يدافع في الصحراء عن فتاته الجميلة‬ ‫التي يراد اختطافها منه )وهو من المثلة التي ذكرها الدكتور‬ ‫الحمد( فليس له أي طابع مسرحي‪ ،‬لن ما يجري هو معركة‬ ‫حقيقية ل إيهام بمعركة‪ .‬ومن‬ ‫المؤسف أن الشواف الذي بدأ بداية طيبة تعد بالكثير قد هجر‬ ‫الشعري بعد السوار‪ ،‬ربما لن عمله لم يجد الصدى‬ ‫المسرح‬ ‫الذي يستحقه*‪.102 -‬‬ .‬ويبدو لي أن هذه الجتهادات‬ ‫ل تلقي ضوء كافيا ً على المشكلة‪ ،‬بل إن منها ماهو باطل‬ ‫أساسا ً كرأي الدكتور عز الدين اسماعيل حول غياب المفهوم‬ ‫المأساوي عند العرب‪ .‬‬ ‫‪.‬‬ ‫وفي القسم الثاني من الكتاب يتناول المؤلف القضايا‬ ‫الجتماعية التي عالجها المسرح الشعري العربي‪ ،‬مركزا ً‬ ‫اهتمامه بالدرجة الولى على مسرح شوقي وعزيز أباظة‬ ‫ومسرحية عبد الرحمن الشرقاوي الفتى مهران‪ .‬ومن المثلة التي تحضرني في هذا‬ ‫الصدد –وهي كثيرة‪ -‬مسرحيتا الشاعر العراقي خالد الشواف‬ ‫شمسووالسوار اللتان لم تظفرا من الستاذ الباحث بأكثر‬ ‫من إشارة عابرة غير دقيقة‪ ،‬رغم أنهما كانتا محاولة رائدة في‬ ‫استيحاء التاريخ البابلي القديم وفي خلق مسرح شعري‬ ‫عراقي‪ .‬وبقيت المشكلة غير محلولة‪ ،‬وأكبر الظن أنها ستبقى‬ ‫كذلك‪..‬وهذا‬ ‫الهتمام يرتكز إلى اعتبارات وجيهة دون شك‪ ،‬ولكنه ل يبرر‬ ‫إغفال المؤلف لعدد من العمال المسرحية الشعرية التي‬ ‫تستمد أهميتها من قيمتها الفنية أو من مكانها في مسار تطور‬ ‫المسرح الشعري العربي‪ .‬وإذا كانت شمسوالتي كتبها الشواف في عهد مبكر‬ ‫من حياته عمل ً تغلب عليه الركاكة‪ ،‬فإن السوار تمثل نضجا‬ ‫ملحوظا ً في البناء الدرامي والصياغة الشعرية إذا قيست‬ ‫بغيرها من نتاجات المسرح الشعري الكلسيكي العربي‪ .‬‬ ‫وفي فصل آخر من الكتاب يطرح المؤلف السؤال القديم‪:‬‬ ‫لماذا تأخر ظهور المسرح عند العرب؟‪ .‬‬ ‫بقي أن نتساءل‪ :‬إلى أي حد وفق الدكتور أحمد سليمان‬ ‫الحمد في استقصاء القضايا الجتماعية الساسية التي عالجها‬ ‫مسرحنا الشعري؟ ثمة أكثر من مأخذ على المنهج الذي اتبعه‬ ‫في عرض هذه القضايا وفي تحليله لبعض الشخصيات‬ ‫والمواقف الدرامية‪ ،‬ولكنه يصل في نهاية المطاف إلى‬ ‫تعميمات صحيحة‪ ،‬منها أن مسرحنا الشعري كان سطحيا ً في‬ ‫معالجته لقضايا العصر‪ ،‬وأنه أغفل أحداثا ً جساما ً في تاريخنا‬ ‫*‬ ‫ووووو ووووووو ووو وو وووووو وو وووو ووو ووووو‬ ‫وووووووو وو ووووووو ووووووو ووو ووووووو ووووو‬ ‫ووووو وووووو وو ووووووووووو ووووو‪.‬وجوابا ً على ذلك‬ ‫يعرض لنا بعض الجتهادات التي توصل إليها الباحثون في هذا‬ ‫المضمار‪ ،‬كعدم الستقرار الذي اتسمت به حياة العرب‬ ‫القدمين‪ ،‬وغياب المفهوم المأساوي في الحياة عند العرب‬ ‫وافتقارهم إلى تلك الساطير والطقوس الدينية الغنية التي‬ ‫تمخضت عن المسرح الغريقي‪ .‬وهكذا فإن‬ ‫مشهد الشمر بن ذي الجوشن على ظهر جواده في موكب‬ ‫عزاء المام الحسين ومرأى الحسين نفسه وهو ملفوف بأكفان‬ ‫بيضاء مضرجة بالدماء هما مشهدان مشتملن على طابع‬ ‫مسرحي‪ ،‬لن غايتهما إيهام المتفرج ونقله إلى مكان الحدث‪.‫يفترض أن أحداث العمل المسرحي وقعت فيه‪ .‬وكل ما يمكن قوله حول وقائع من‬ ‫هذا النوع أنها تنطوي على عنصر درامي يمكن استخدامه في‬ ‫بناء مشهد مسرحي‪.‬ومن النصاف للستاذ الباحث أن نقول‬ ‫إنه لم يتبّين أيا ً من هذه الراء‪ ،‬بل اكتفى بإيرادها والتعليق‬ ‫عليها‪ .

‬‬ ‫فشوقي –مث ً‬ ‫ل‪ -‬لم ينتبه إلى العوامل القتصادية والستراتيجية‬ ‫التي جعلت قمبيز يستولي على مصر‪ .‬‬ ‫وقبل أن ننتهي من هذا الستعراض لمواد الكتاب –وهو‬ ‫ف بالضرورة‪ -‬لبد أن نشير إلى أن الدكتور‬ ‫استعراض غير وا ٍ‬ ‫الحمد بلغ أقصى حد من التوفيق في تحليله المقنع لرموز‬ ‫مسرحية قدموس للشاعر اللبناني سعيد عقل‪ .‬ومن هنا جاءت إدانة المؤلف‬ ‫لشخصية ليلى في مسرحية أحمد شوقي المعروفة إدانة غير‬ ‫منصفة‪ ،‬فهي في رأيه شخصية سلبية جبانة لنها آثرت الخضوع‬ ‫للتقاليد بدل ً من الثورة عليها والقتران بمن تحب‪ .‬وهنالك الكثير مما يمكن أن‬ ‫يقال في هذا الصدد‪ ،‬فهذه المسرحية مكتوبة برمتها على‬ ‫البحر الخفيف مع كثير من التدوير واليقاعات البطيئة‪ ،‬فضل ً‬ ‫عن التزويق اللفظي الذي عرف به سعيد عقل‪ .‬كما أن هذا المسرح ح ّ‬ ‫مال يحتمل ولم يتعمق السباب الحقيقية الكامنة وراء أحداثه‪.‬والواقع أن‬ ‫ليلى في مسرحية شوقي هي بطلة تراجيدية نبيلة ضحت‬ ‫بسعادتها وبحياتها إيثارا ً لواجبها نحو أبيها الذي لم ترد أن‬ ‫تجلب له العار‪ .‬وكليوباترا في مسرحية‬ ‫شوقي المعروفة ل تمت بصلة إلى كليوباترا التي حدثتنا عنها‬ ‫كتب التاريخ‪ ،‬بينما نجد عبلة‪ ،‬في مسرحية عنترة لحمد‬ ‫شوقي‪ ،‬تخطب في قومها داعية إلى تحرير العرب واتحادهم‬ ‫في دولة‪ .‫المعاصر كالحرب العالمية الثانية والعدوان الثلثي على مصر‬ ‫عام ‪ 1956‬والتحولت الثورية التي جرت في العالم العربي‬ ‫مل التاريخ‬ ‫خلل السنوات المنصرمة‪ .‬وبالتالي فإن الدانة يجب أن توجه ل إليها بل‬ ‫إلى التقاليد الجائرة التي تحول بين النسان وبين ممارسة حقه‬ ‫النساني المشروع‪ ،‬ولعل هذا ما أراده شوقي بالذات‪.‬‬ ‫ويثير مسرح عبد الرحمن الشرقاوي بدوره إشكالت فنية‬ ‫‪.‬على أن من الضروري أن‬ ‫نشير إلى أن الستاذ الباحث لم يراع دوما ً دقة المصطلح‪ ،‬فهو‬ ‫يستخدم كلمة التردد للدللة على ما يسمى عادة في قاموس‬ ‫المسرح بـ الصراع الداخلي‪ ،‬أي التمزق الروحي الذي يعانيه‬ ‫المرء حين تتنازعه عواطف متضاربة أو حين يجد نفسه أمام‬ ‫اختيار صعب بين ماتهواه النفس ومايمليه الواجب‪ .103 -‬‬ .‬ومن الطبيعي –كما أشار المؤلف‪ -‬أن مثل هذا‬ ‫التفكير والمعالجة لم يكونا واقعين بالنسبة للمكان والزمان‬ ‫اللذين تجري فيهما تلك الحداث‪ .‬وينبغي هنا أن نتذكر تلك القاعدة‬ ‫ح الشاعر النكليزي الكبير أليوت على إيضاحها‬ ‫الذهبية التي أل ّ‬ ‫في كتاباته النقدية‪ ،‬وهي أن الشعر في المسرح يجب أن يبرز‬ ‫نفسه دراميا ً‪.‬وهذا النمط‬ ‫من الصراع هو قوام المسرح الكلسيكي الفرنسي وهو عنصر‬ ‫أساسي في الكثير من العمال التراجيدية العظيمة‪.‬وهي من هذه‬ ‫الناحية أقرب إلى الشعر الغنائي منها إلى الشعر الدرامي‪ ،‬كما‬ ‫أنها خطوة إلى الوراء بالقياس إلى مسرحيات شوقي التي‬ ‫تمتاز بتعدد البحور مع جنوح ملحوظ إلى استخدام الوزان‬ ‫القصيرة ذات اليقاعات الدينامية السريعة التي هي أصلح‬ ‫إجمال ً للحوار المسرحي‪ .‬وقد كنا نود‬ ‫لو أن الدكتور الحمد تناول هذه المسرحية من جوانبها الفنية‬ ‫الخرى واتخذ منها منطلقا ً لدراسة بعض المشاكل التقنية التي‬ ‫يثيرها المسرح الشعري العربي‪ .‬وما من سبيل‬ ‫إلى الجزم بأن الشاعر أودع رموزه هذه المعاني التي‬ ‫استخلصها الباحث‪ ،‬ولكن هذه المعاني تبدو وجيهة تماما ً حين‬ ‫توضع آراء الخلفية الفكرية لهذا الشاعر اللبناني‪ .‬‬ ‫وليس البطل التراجيدي‪ ،‬الذي تتقاذفه تيارات داخلية‬ ‫متعارضة‪ ،‬شخصية سلبية مترددة –كما يؤخذ من كلم الدكتور‬ ‫الحمد‪ -‬بل هو في الغالب ضحية التناقض بين ما يضطرم في‬ ‫نفسه من نوازع إنسانية مشروعة وبين العرف الجتماعي‬ ‫الصارم أو الضرورة التاريخية‪ .

104 -‬‬ .‬وهنا‬ ‫تتحتم التضحية إما بمقتضيات الداء المسرحي السليم أو‬ ‫بسلمة اليقاع‪ .‬فكثيرا ً ما يتطلب اليقاع الشعري في‬ ‫مسرحيات الشرقاوي من الممثل وقفة قصيرة ينتقل بعدها‬ ‫إلى البيت التالي‪ ،‬بينما المعنى متصل ل يسمح بالتوقف‪ .‬وهذه ليست سوى أمثلة‬ ‫قليلة من القضايا التي يطرحها مسرحنا الشعري الناشئ والتي‬ ‫تتطلب دراسات جمالية دقيقة تستند إلى العلم والممارسة ل‬ ‫إلى الحكام العتباطية المتسرعة‪.‬وفي هذه الحالة يؤدي‬ ‫الشعر في المسرح دورا ً سلبيا ً لنه يخلخل الفعل الدرامي‬ ‫ويضعف قدرته على التأثير واليحاء‪ .‬وكثيرا ً ما يسف الشعر في مسرح الشرقاوي‬ ‫إلى مستوى النثر المهلهل وتصبح علقته بالشعر الدرامي‬ ‫مجرد علقة خارجية متمثلة في الوزن‪ .‬‬ ‫ءءءء ‪1973‬‬ ‫‪‬‬ ‫‪.‬‬ ‫ونعود فنكرر في الختام أن دراسة الدكتور أحمد سليمان‬ ‫الحمد على مايشوبها من نواقص هي خطوة محمودة نحو‬ ‫دراسة المسرح الشعري العربي‪ ،‬ونأمل أن تتلوها خطوات‬ ‫أخرى تسد هذا الفراغ الكبير الذي خلقه تقاعس الباحثين‪.‫جديرة بالدراسة‪ .

‬وتتبادر إلى الذهن في هذا الصدد تفسيرات‬ ‫متعددة منها ما يتصل بمكانة بريشت في المسرح العالمي‬ ‫الحديث ومنها ما يتصل بهويته الفكرية والسياسية‪ .‫هل نحتاج حقا ً‬ ‫إلى المسرح الملحمي؟‬ ‫حين يستعرض المرء التيارات والمفاهيم السائدة في‬ ‫المسرح العربي المعاصر فلن يصعب عليه أن يلحظ أن‬ ‫بريشت ومسرحه الملحمي قد تركا أثرا ً عميقا ً في مجرى‬ ‫حياتنا المسرحية‪ .‬وهو‪ ،‬بعد‬ ‫ذلك‪ ،‬مسرح تغلب عليه السذاجة ول يمتلك من المعارف‬ ‫العلمية ما يحتاجه إنسان عصرنا المعقد‪ .105 -‬‬ .‬ومرد هذا العتقاد إلى‬ ‫نظرية بريشت القائلة بضرورة إبطال السحر الذي يمارسه‬ ‫المسرح على مشاهديه‪ ،‬هذا السحر الذي يجعلهم يغفلون عن‬ ‫أنفسهم وينخرطون عاطفيا ً في الصراعات الدائرة على‬ ‫المسرح‪ ،‬ناسين أنها صراعات زائفة تجري بين ممثلين‬ ‫حفظوا أدوارا ً مكتوبة وخرجوا لتوهم من غرفة المكياج!‬ ‫ولكن لماذا يريد بريشت أن يبطل سحر المسرح؟ لماذا‬ ‫يريد لجمهوره أن يظل ساكن النفس‪ ،‬يراقب أحداث‬ ‫المسرحية من الخارج دون أن ينغمس فيها؟ إن بريشت نفسه‬ ‫يعطينا في كتاباته النظرية إجابة مستفيضة عن هذا السؤال‪.‬‬ ‫ول يسعنا‪ ،‬والمجال ضيق‪ ،‬أن نعود الن إلى تلك الكتابات‪ .‬بيد‬ ‫أن جوهر المسألة يتلخص في اعتقاد بريشت بأن المسرح‬ ‫الرسطوطاليسي التقليدي يخدع جمهوره‪ ،‬فالمسرح‬ ‫الرسطوطاليسي –من وجهة نظر بريشت‪ -‬يصنع لجمهوره‬ ‫عوالم وهمية تلهيه عن النظر إلى واقعه الحقيقي‪ ،‬ويتلعب‬ ‫بعواطفه ليعطل قدرته على التفكير‪ ،‬ويفرض عليه ما يشاء من‬ ‫أفكار ومفاهيم دون أن يعطيه فرصة لمناقشتها‪ .‬‬ ‫‪.‬كما ذهب بريشت إلى‬ ‫أن المسرح يجب أن يتحول إلى أداة للتعليم والتغيير بعد أن‬ ‫ظل لزمن طويل مقتصرا ً على صنع التسليات والوهام‪ .‬ولكن أرجح‬ ‫هذه التفسيرات عندي هو شيوع العتقاد بأن إضفاء صفة‬ ‫الملحمية على عمل مسرحي ما يعفي المؤلف من التقيد‬ ‫بأصول الحبكة الدرامية‪ ،‬كما يعفي المخرج والممثل من مشقة‬ ‫بناء العرض المسرحي المترابط المقنع‪ .‬ومن‬ ‫هنا كانت دعوته إلى تحطيم هذا السحر الهدام الذي يسلطه‬ ‫المسرح على جمهوره‪ ،‬وإزاحة الجدار الرابع الذي اعتاد‬ ‫المتفرجون أن يتوهموا أنه موجود وأنهم يرون من خلله أحداثا ً‬ ‫فعلية تدور في حجرة مغلقة‪.

‫وبغية عزل المتفرج عاطفيا ً عما يجري على خشبة‬
‫المسرح‪ ،‬لجأ بريشت إلى التقنيات الملحمية )أي الروائية(‪،‬‬
‫فأدخل في أعماله المسرحية عنصري السرد والتعليق وانتهج‬
‫في الكتابة للمسرح أسلوبا ً تبدو معه المسرحية أشبه‬
‫بمجموعة فصول روائية منها بفصول درامية جيدة الحبك‪ .‬وفي‬
‫الخراج غمر بريشت مسرحه بالنور الساطع لئل يدع مجال ً‬
‫للتوهم والندماج‪ ،‬واستعان بالديكور التجريدي واللفتات‬
‫والعروض السينمائية‪ .‬أما في التمثيل فقد ابتدع منهجا ً جديدا ً‬
‫قوامه أن يحتفظ الممثل بمسافة معينة بينه وبين الشخصية‬
‫التي يمثلها‪ ،‬فل يتقمصها ول يعيش حياتها الداخلية –كما يوصي‬
‫منهج ستانسلفسكي‪ -‬وإنما يدرسها ويقدمها إلى الجمهور من‬
‫الخارج‪ ،‬وبأقصى ما يمكن من الدقة‪ .‬وقد تناول بريشت في‬
‫بعض كتاباته النظرية دور الممثل في مسرحه فقال إنه أشبه‬
‫بدور الشاهد الذي رأى في الشارع واقعة اصطدام سيارة‬
‫فوقف يصف ما رآه لحشد من الناس تجمعوا من حوله‪ .‬ومن‬
‫الطبيعي أن الشاهد في مثل هذه الحالة ل يحاول الدعاء بأنه‬
‫ضحية الصطدام‪ ،‬ولكنه يستعين بحركاته ونبرات صوته ليقّرب‬
‫صورة الواقعة إلى أذهان المستمعين الذين تجمعوا لمعرفة‬
‫ماحدث‪ .‬ول أريد أن أسهب في الحديث عن نظرية المسرح‬
‫الملحمي وتقنياته فهذا موضوع معروف في ما أعتقد‪ ،‬ولكني‬
‫أريد التمهيد لهذا السؤال الذي يخامرني منذ فترة طويلة‪:‬‬
‫لماذا يندفع كتابنا وفنانونا المسرحيون إلى تبني نظرية‬
‫المسرح الملحمي بكل هذه الحماسة‪ ،‬بينما يتحفظ إزاءها‬
‫معظم فناني المسرح في العالم؟ أهو ولعنا بكل ماهو خارج‬
‫عن المألوف‪ ،‬أم أن مما يخدم حركتنا المسرحية حقا ً أن نتخلى‬
‫عن قواعد الدراما الرسطوطاليسية؟‬
‫لشك أن نظرية بريشت تستند –كما رأينا‪ -‬إلى مبررات‬
‫قوية‪ ،‬فالمسرح‪ ،‬شأن كل الفنون‪ ،‬ينبغي أن يكون أداة تثقيف‬
‫وتطوير‪ ،‬ل مجرد أداة للتسلية‪ ،‬ولكن من قال إن المسرح ل‬
‫يستطيع النهوض بهذه المهمة إل إذا تجرد من سحره وتخلى‬
‫عن خصائصه الساسية؟ إن ادعاء كهذا سيقودنا لدى التأمل‬
‫إلى نتيجة غريبة جدًا‪ ،‬مؤداها أن العمل الفني يغدو أقل نفعا ً‬
‫للمجتمع كلما كان أمتن بناء وأقدر على إثارة العواطف‪ .‬ومن‬
‫الطبيعي أن هذه النتيجة ل يمكن قبولها‪ ،‬لننا لو قبلنا بها لوجب‬
‫علينا التسليم بأن أية منظومة تعليمية جافة هي أفضل من‬
‫أعمال سوفوكليس وشكسبير‪ .‬والواقع أن المسرح‬
‫الرسطوطاليسي ليس عاجزا ً عن الثارة الفكرية إلى الحد‬
‫الذي يصفه بريشت‪ ،‬فجل العمال المسرحية العظيمة‪ ،‬التي‬
‫عالجت قضايا النسان الساسية والتي تتجدد حياتها على‬
‫منصات المسارح في أرجاء العالم مرة بعد مرة‪ ،‬إنما تنتسب‬
‫إلى هذا النمط من التأليف الذي ينكره بريشت‪ .‬ورغم أن‬
‫القرن العشرين قد شهد –إلى جانب المسرح الملحمي –‬
‫تيارات مختلفة‪ ،‬ألممنا ببعضها في حديث سابق‪ ،‬فقد ظل‬
‫المسرح الرسطوطاليسي التيار المهيمن على الحركة‬
‫المسرحية العالمية حتى اللحظة الراهنة‪ .‬وأحسب أن هذا أمر‬
‫طبيعي تمامًا‪ ،‬فنحن نذهب إلى المسرح سعيا ً وراء المتعة التي‬
‫يوفرها لنا هذا الفن‪ ،‬ل لنستمع إلى جملة من المواعظ التي‬
‫تعترض مجرى المسرحية بين حين وآخر وتشوه بذلك النطباع‬
‫الكلي الموحد الذي يتركه المسرح عادة في نفوس مشاهديه‪.‬‬
‫وثمة من يذهب إلى أن بريشت غالبا ً ما نقض دعوته إلى‬
‫مسرح ملحمي بأعماله المسرحية الرائعة التي تجبر المتفرج‬
‫على النخراط العاطفي في أحداثها‪ ،‬رغم أن مؤلفها قد قصد‬
‫إلى غير ذلك‪ .‬ومما له دللته البليغة في هذا الصدد أن حضور‬
‫المسرح الملحمي قد انكمش منذ وفاة مؤسسه عام‬
‫‪- 106 -‬‬

‫‪ ،1956‬فضل ً عن أن تعاليم بريشت لم تجذب إليها أي مؤلف‬
‫مسرحي ذي شأن‪ ،‬وإن كان بعض كتاب المسرح المعاصرين‬
‫قد أفادوا من تقنياته الملحمية )كظهور الرواية أو المعلق‬
‫على منصة المسرح‪ ،‬مث ً‬
‫ل( دون الخلل بأسس البناء‬
‫الرسطوطاليسي المتعارف عليها‪ .‬وبالمقابل فقد أثبتت‬
‫المسرحية الخاضعة لهذه السس أنها تتسع –وقد اتسعت‬
‫دومًا‪ -‬لمناقشة الفكار الخطيرة والتنبيه إلى المظالم‬
‫والمخاطر التي تهدد طمأنينة النسان وسلمته‪ ،‬دون أن تمزق‬
‫ي الذي هو قوام كل عمل فني‪ .‬ويحسن بنا أن‬
‫النسيج الح ّ‬
‫نتوقف قليل ً عند هذه الملحظة الخيرة‪ ،‬التي تلخص في رأيي‬
‫الجانب السلبي في نظرية بريشت الملحمية‪ ،‬فالنص الدبي‬
‫–أيا ً كان نوعه‪ -‬ل يمكن أن يقتصر على مخاطبة العقل وحده‪،‬‬
‫كما أراد الكاتب اللماني الكبير‪ ،‬بل هو يخاطب وجدان المتلقي‬
‫بكل مكوناته‪ ،‬وأهمها الستجابة العاطفية التي يصر بريشت‬
‫على إلغائها‪ .‬وليس عمل ً فنيا ً هذا الذي يعجز عن إثارة عواطفنا‬
‫وشعورنا بالجمال‪ .‬ول يتعارض هذا مع وجود الفكر في العمال‬
‫الفنية‪ ،‬فالفكر جزء من مواجهة النسان لعالمه‪ ،‬هذه المواجهة‬
‫التي تؤلف مادة الفن‪ ،‬ولكنه في النهاية ليس إل جزءا ً واحدا ً‬
‫من استجابتنا المعقدة لعالم الناس والشياء‪ .‬وهكذا فحتى‬
‫أولئك الذين يشايعون بريشت ل يجدون مناصا ً من العتراف‬
‫بأنه كان متطرفا ً في دعوته‪.‬‬
‫مرة أخرى أعود إلى التساؤل‪ :‬هل أفاد مسرحنا العربي‬
‫من مفهوم بريشت الملحمي؟ وفي ظني أن الجواب ل يحتاج‬
‫إلى تنقيب طويل‪ .‬يكفينا أن نتفحص واقعنا المسرحي العربي‬
‫لنكشف أن صفة المسرح الملحمي أصبحت‪ .‬في كثير من‬
‫الحيان‪ ،‬غطاًء يستر رداءة النص وتفكك العمل المسرحي‪.‬‬
‫ويعمد مؤلفونا الملحميون‪ ،‬عادة‪ ،‬إلى التنميق اللفظي‬
‫والعبارات الثورية والمواعظ الخلقية ليعوضوا عن غياب‬
‫الحبكة واضطراب السياق وافتقار الشخصيات إلى ملمح‬
‫إنسانية واضحة‪ .‬ومن الطبيعي أن الثرثرة المنمقة وحدها ل‬
‫تكفي لجتذاب الجمهور إلى المسرح‪.‬‬
‫ولذلك فإن المهمة التعليمية الوحيدة التي أنجزتها هذه‬
‫العمال الملحمية حتى الن هي تعليم الجمهور على البحث‬
‫عن المتعة الثقافية في مكان آخر غير المسرح؟‬
‫ءءءءء ‪1977‬‬

‫‪‬‬

‫‪- 107 -‬‬

‫حول‬
‫خصائص التأليف الدرامي‬
‫قلت في حديث سابق لي أن الفنان كثيرا ً ما يلجأ إلى‬
‫الكذب البريء ليتمكن من إحداث الثر الذي يريد إحداثه في‬
‫النفوس‪ .‬وقلت إن المسرح ربما كان أشد الفنون إيغال ً في‬
‫الكذب بحكم طبيعته الخاصة‪ .‬ولبد لي قبل أن أغادر هذه‬
‫الفكرة العامة من أن أضيف مستدركا ً أن ما قلته عن الكذب‬
‫الفني ل ينطبق على الفنون كلها‪ ،‬فالفنون ذات الطابع‬
‫التجريدي –كالموسيقى والعمارة مثل ً –ل يمكن أن توصف‬
‫بصدق أو كذب‪ ،‬لنها –على العموم‪ -‬ل تعكس أشكال ً وعلقات‬
‫موجودة في الطبيعة الخارجية‪ ،‬وبالتالي فل تقاس بواقع‬
‫موضوعي مستقل عنها‪ ،‬كما هي الحال في الفنون التشكيلية‬
‫والدرامية والدبية‪.‬‬
‫ويهمني أن أقف اليوم –في حدود مايسمح به المجال‪ -‬عند‬
‫مسألة الكذب الفني في المسرح‪ .‬وهذا موضوع لم أختره‬
‫اعتباطًا‪ ،‬ول هو مجرد مسألة أكاديمية مقطوعة الصلة بواقعنا‬
‫المسرحي ومشكلته‪ ،‬فالواقع أن هذه مسألة وثيقة الرتباط‬
‫بالتجاهات السائدة في مسرحنا المعاصر‪ .‬ذلك أن التجاه نحو‬
‫التغريب عند بعض فنانينا المسرحيين )وقد تطرقت إليه في‬
‫حديث سابق( إنما يستند إلى العتقاد بأن المسرح يجب أن‬
‫يتنزه عن الكذب ويكف عن اليهام‪.‬‬
‫وقد نجم هذا العتقاد عن اللتباس الذي وقع فيه هؤلء‬
‫الفنانون عندما افترضوا أن للكذب الفني مدلول ً أخلقيا ً سلبيًا‪،‬‬
‫ورفضوه على هذا الساس‪ .‬والكذب الفني –كما أسلفت في‬
‫مقالي السابق‪ -‬ل يقبل مثل هذا القياس الخلقي لنه ذو‬
‫محتوى جمالي محض‪ .‬وعليه فهو ل يقاس إل بمقاييس الجمال‬
‫وحدها‪.‬‬
‫والواقع أن هذه المسألة قد حسمت منذ زمن بعيد‪ ،‬فمنذ‬
‫القرن الرابع الميلدي ميز القديس أوغسطين في أكثر من‬
‫كتاب بين الكذب الفني البريء والكذب الذي يراد به تشويه‬
‫الحقيقة بقوله إن النوع الول إن هو إل تعبير مجازي يرمي إلى‬
‫الظاهر‪ ،‬بينما ل يشتمل الخير على معنى آخر غير‬
‫غير معناه‬
‫معناه المباشر*‪.‬‬
‫ولكن ما الذي يجعلني أعتقد أن المسرح أكثر إمعانا ً في‬
‫*‬

‫وووو وو ووو ووووو‪:‬‬

‫‪- 108 -‬‬

‬‬ ‫ولن أتناول هنا الكذب الفني –أو اليهام المسرحي‪ -‬الذي‬ ‫تمارسه عناصر العرض‪ ،‬فكلنا يعرف أن القلع الحصينة التي‬ ‫نراها على المسرح أحيانا ً إن هي إل جدران من الورق المقوى‬ ‫ل تقوى على تحمل ركلة قدم‪ ،‬وأن عقود الماس التي تتلل‬ ‫على صدور الملكات في المسرح ليست في الحقيقة إل قلئد‬ ‫ن قارورة السم التي يتجرعها روميو في‬ ‫من زجاج رخيص‪ ،‬وأ ّ‬ ‫الفصل الخير من مسرحية شكسبير المعروفة ل تحوي غير‬ ‫الماء وقد ل تحوي شيئا ً على الطلق‪. 1988. p.109 -‬‬ ‫•‬ ‫•‬ .‬‬ ‫تلتقي الدراما )النص المسرحي( بالرواية –كما هو‬ ‫معروف‪ -‬في أن كلتيهما تروي قصة ذات دللة‪ ،‬لها بداية‬ ‫ووسط وختام‪ . New york 1984. Theories of the Symbol. The Aesthetics of Thomas Aquinas.‬ويكفي أن نتذكر عدد‬ ‫الشخصيات وكثرة الحداث في مسرحية كمأساة الملك لير‬ ‫–مث ً‬ ‫ل‪ -‬لندرك إلى أيّ حد ينبغي على المؤلف المسرحي أن‬ ‫يراعي القتصاد في تصوير الشخاص والحداث‪ .‫الكذب من بقية الفنون؟ وما هي هذه الطبيعة الخاصة التي‬ ‫تقتضي أن يكون كذلك؟‬ ‫عندما نتحدث عن فن المسرح فنحن في الواقع نعني‬ ‫أمرين‪ :‬النص الدبي والعرض المسرحي‪ ،‬أي الصورة الذهنية‬ ‫التي رسمها المؤلف على الورق والصورة الحسية التي بناها‬ ‫المخرج على خشبة المسرح‪.‬فالمسرحية‬ ‫الدرامي الذي تح ّ‬ ‫التقليدية ذات الفصول الثلثة ل يستغرق عرضها عادة سوى‬ ‫ساعتين أو ثلث على أبعد تقدير‪ .‬‬ ‫لن أتناول إذن هذا الجانب المعروف من اليهام‬ ‫المسرحي‪ ،‬بل سأتناول جانبا ً آخر ل ينتبه إليه المشاهد عادة‪،‬‬ ‫وهو الجانب الذي يكمن بالضرورة في صلب النص المسرحي‬ ‫ذاته‪. 146.‬ولهذا‬ ‫فالمصدر الهم الذي نستمد منه معلوماتنا عن الشخصية‬ ‫‪*Umberto Eco.‬‬ ‫ووووو‪:‬‬ ‫‪Tzvetan Todorov. Harvard‬‬ ‫‪university press.‬ويتوجب على المؤلف‬ ‫المسرحي أن يقدم إلى الجمهور أبطال قصته وبيئتها وأحداثها‬ ‫ضمن هذا الطار الزمني المحدود‪ . p 54.‬والمؤلف‬ ‫مقيد‪ ،‬من الناحية الخرى‪ ،‬بالمساحة الضيقة التي يقدم عليها‬ ‫العرض المسرحي‪ ،‬فهو ل يستطيع أن يتابع أبطاله في تنقلتهم‬ ‫الواسعة –كما يفعل الكاتب الروائي‪ -‬بل يستنبط الحيل ليأتي‬ ‫بهم فرادى أو مجتمعين إلى هذه المساحة الضيقة التي ل‬ ‫يستطيع مبارحتها‪ .‬وقد واجه المؤلفون منذ ظهور المسرح هذه‬ ‫المشكلة الزمنية –المكانية‪ ،‬فكانت المآسي الغريقية تدور في‬ ‫مكان وضمن فترة ل تتعدى في الغالب دورة شمسية واحدة‪.‬‬ ‫ومن هنا جاءت نظرية وحدة الزمان والمكان المنسوبة –خطأ‪-‬‬ ‫إلى أرسطو‪ .‬‬ ‫‪.‬ولكن المجال الروائي أرحب بكثير من المجال‬ ‫ده أبعاد زمنية ومكانية ضّيقة‪– .‬‬ ‫ويجب أن نضيف إلى هذه القيود الزمانية –المكانية شيئا ً آخر‪،‬‬ ‫هو غياب عنصري الوصف والتحليل في المسرح‪ ،‬فالمؤلف‬ ‫المسرحي ل يستطيع أن يغوص إلى دخائل شخصياته ليكشف‬ ‫لنا عن أحاسيسها ودوافعها‪ ،‬كما يفعل كاتب الرواية أو القصة‪،‬‬ ‫ول يستطيع أن يصف لنا ماضي هذه الشخصيات مث ً‬ ‫ل‪ ،‬إل إذا‬ ‫وضع هذا الوصف على لسان أحد أبطال المسرحية‪ .‬ورغم التطور التقني الذي تحقق للمسرح في‬ ‫العصر الحديث‪ ،‬مما يتيح إمكان تغيير المشاهد بسرعة‪ ،‬فقد‬ ‫ظلت أحداث المسرح‪ ،‬عمومًا‪ ،‬تدور في أمكنة محدودة‪ ،‬وأحيانا ً‬ ‫في مكان واحد ل يتغير منذ بداية المسرحية حتى نهايتها‪.

‬‬ ‫هذه بعض أشكال "الكذب الفني" التي يستخدمها كتاب‬ ‫المسرح بحكم طبيعة الفن الذي يمارسونه‪ .1977‬‬ ‫‪‬‬ ‫‪.‬وهي طبيعة تفرض على النص الدرامي‬ ‫مواصفات معينة تنأى به قليل ً أو كثيرا ً عن الصدق بمعناه‬ ‫المباشر‪ .‬‬ ‫والبطل الدرامي ل يسترسل في ما يسترسل فيه الناس‬ ‫من أحاديث فهو مقتصد في الكلم عادة‪ ،‬ل يقول إل مايشف‬ ‫عن مقاصده وأحاسيسه‪ .‬‬ ‫هذا –بمنتهى اليجاز‪ -‬هو مانعنيه عندما نتحدث عن طبيعة‬ ‫فن الدراما‪ .‬وهي بذلك تختلف عن الشخصية‬ ‫الروائية أو الملحمية التي ل تستطيع دوما ً تشخيصها بهذا‬ ‫الوضوح‪ ،‬وهذا ما عناه الفيلسوف هيغل بقوله‪" :‬إن البطال‬ ‫الدراميين في معظم الحوال أبسط في ذاتهم من الشخصيات‬ ‫الملحمية"‪.‬فالشخصية الدرامية التي تقدم نفسها إلى الجمهور‬ ‫دة من‬ ‫دون وسيط‪ ،‬هي –في العادة‪ -‬أكثر وضوحا ً وح ّ‬ ‫الشخصيات التي نلتقي بها في الواقع‪ ،‬وهي شخصية غالبا ً ما‬ ‫يهيمن عليها ويتحكم في سلوكها هاجس طاغ معين‪ ،‬أو عاطفة‬ ‫جارفة أو طبع مستبد‪ .‬‬ ‫والشيء نفسه يمكن أن يقال عن الحبكة الدرامية‪،‬‬ ‫فالمؤلف –كما قلنا‪ -‬يستنبط المبررات ليجمع أبطال مسرحيته‬ ‫في مكان واحد أو أمكنة محدودة‪ ،‬وهو مضطر إلى الكتفاء‬ ‫بأقل عدد ممكن من الشخصيات وإلى غربلة الحداث وتكثيفها‬ ‫بحيث تحسم على المسرح في ساعة أو ساعتين صراعات‬ ‫إنسانية كبيرة معقدة‪ ،‬يتطلب حسمها في الحياة الواقعية فترة‬ ‫طويلة من الزمن‪.‬وليس من النادر أن يخاطب نفسه‬ ‫بصوت مسموع‪ .‬وهذا ما يجعل الشخصية المسرحية‬ ‫ترتبط عادة في الذهان بصفة معينة شديدة الوضوح والتميز‪،‬‬ ‫فشخصية طرطوف ترتبط بالنفاق وشيلوك بالبخل واللؤم‬ ‫وياغو بالكيد والغدر‪ .‬الخ‪ ..‫ة‪ -‬هو فعلها الدرامي والكلم الذي يجري‬ ‫المسرحية –عاد ً‬ ‫على لسانها‪.‬وهذه حيلة يلجأ إليها المؤلفون ليساعدوا على‬ ‫معرفة ما يجول في نفوس أبطالهم‪.110 -‬‬ .‬‬ ‫ءءءءء ‪.‬ول أظنني بحاجة‬ ‫إلى القول بأن هذا النوع من الكذب ل ينطوي في ذاته على أي‬ ‫مضمون أخلقي‪ ،‬وبالتالي فمن الخطأ أن نرفضه على هذا‬ ‫الساس‪.

.‬وهكذا انبثقت في ذهني فكرة ترجمة مسرحية‬ ‫توأمان من البندقية للكاتب اليطالي الكبير كارلو‬ ‫غولدوني‪ .111 -‬‬ .‬‬ ‫كيف؟ ذلك ما سأرويه‪ ،‬باليجاز الممكن‪ ،‬لكل من يعنيهم‬ ‫الموضوع‪.‬‬ ‫ي أحد أصدقائي من‬ ‫عل‬ ‫اقترح‬ ‫ونصف‪،‬‬ ‫عام‬ ‫من‬ ‫أكثر‬ ‫منذ‬ ‫ّ‬ ‫المخرجين المسرحيين أن أترجم له إحدى المسرحيات‬ ‫الكوميدية العالمية ليقدمها بالتعاون مع شركة بابل‪ .‬ولم‬ ‫يكن صعبا ً بالطبع‪ ،‬أن أختار بدل ً من ذلك مسرحية لكونغريف أو‬ ‫‪.‫حول مسرحية " التوأمان‬ ‫"‬ ‫هكذا تصل النصوص العالمية‬ ‫إلى جمهورنا المسرحي !‬ ‫كيف ارتضيت لنفسك أن تكون طرفا ً في عمل كهذا؟!‬ ‫ي كثير من الصدقاء الذين حضروا‬ ‫سؤال ألقاه عل ّ‬ ‫مسرحية التوأمان في مسرح المنصورة‪ ،‬أو شاهدوا العلن‬ ‫اليومي المنفر الذي كان يظهر عنها في التلفزيون‪ .‬وكان هؤلء‬ ‫الصدقاء محقين في تساؤلهم ودهشتهم دون شك‪ ،‬فكيف‬ ‫يكون المرء صارما ً في حكمه على الخرين ثم يقبل لنفسه كل‬ ‫هذا التساهل؟ كيف يدعو إلى مسرح رفيع متطور ثم يشارك‬ ‫في عمل مسرحي يشتمل على كل هذا القدر من التهريج‬ ‫والسفاف؟! أليس هذا تناقضا ً بين القول والعمل وبين النظرية‬ ‫والتطبيق؟!‪.‬وكانت‬ ‫الشركة قد شرعت آنذاك بإنتاج بعض المسرحيات الكوميدية‬ ‫المحلية التي لقيت نجاحا ً شعبيا ً ملحوظا ً رغم مستواها الفني‬ ‫المتواضع‪ .‬‬ ‫والجابة سهلة وميسورة‪ ،‬فالتناقض موجود دون شك حين‬ ‫ينظر المرء إلى المسألة من بعيد‪ ،‬أما حين يقترب من الوقائع‬ ‫ويلم بالملبسات الخفية الكامنة وراء السطح فإنه لن يجد‬ ‫للتناقض أثرًا‪ ،‬بل سيجد –على الضد من ذلك تمامًا‪ -‬أننا كنا‬ ‫منسجمين كل النسجام مع مبادئنا ومثلنا الفنية‪ ،‬وأن إخفاق‬ ‫هذه التجربة ليس إل دليل ً آخر على صحة ما كتبناه‪ ،‬في‬ ‫مناسبات عديدة سابقة‪ ،‬عن مظاهر التردي في مسرحنا‬ ‫العراقي‪.‬ولم يكن اختياري لهذه المسرحية بالذات محض‬ ‫صدفة‪ ،‬فهي من المسرحيات التي أحببتها وقرأتها أكثر من مرة‬ ‫لما فيها من براعة البناء وطرافة الشخصيات والمواقف‪ .

‬‬ ‫وهذه النقطة الخيرة مهمة بوجه خاص‪ ،‬فالكوميديا دي‬ ‫لرته والمسرحيات التي تنتمي إلى نمط الفارس عموما ً‬ ‫تتطلب خفة وبراعة خاصتين من الممثل‪ ،‬وقد كتب غولدوني‬ ‫مسرحيته هذه لفرقة من فرق الكوميديا دي لرته وكان في‬ ‫ذهنه‪ ،‬وهو يكتبها‪ ،‬هذا الطراز من الممثلين‪.112 -‬‬ .‬‬ ‫ول أريد أن أطيل‪ .‬وسأجانب الحقيقة لو زعمت أنني‬ ‫كنت شديد الثقة بقدرات إبراهيم جلل البداعية‪ ،‬ومع ذلك‬ ‫فلم أتردد طويل ً في القبول‪ ،‬فمادام الرجل يريد أن يستعين‬ ‫بي ويستنير بملحظاتي في مجرى العمل‪ ،‬فما المانع؟ إن‬ ‫للرجل خبرة طويلة قد أتعلم منها‪ ،‬ولي بالمقابل تصورات‬ ‫وآراء قد يفيد منها في عمله‪ ،‬وقد تساعدنا هذه التجربة‪ ،‬الولى‬ ‫من نوعها‪ ،‬على إرساء تقليد مثمر في المسرح العراقي‪.‬فالذي حدث بعد ذلك أن شركة بابل‬ ‫ابتاعت مني حقوق إنتاج النص وكلفت بإخراجه الفنان إبراهيم‬ ‫جلل‪ ،‬الذي اتصل بي مبديا ً رغبته في أن أرافقه شخصيا ً في‬ ‫العمل بوصفي خبيرا ً دراميًا‪ .‬‬ ‫هكذا فكرت‪ ،‬ويبدو لي أني كنت مخطئًا‪ .‬فقد فاتني أن‬ ‫إبراهيم جلل جاوز السن التي تسمح له بإعادة النظر في‬ ‫مفاهيمه وطريقته في العمل‪ .‬وكنت أؤمل أن‬ ‫يساعد هذا النص الممتع جمهورنا المسرحي‪ ،‬الذي أتخم‬ ‫بالعمال الملفقة الرديئة‪ ،‬على اكتشاف مباهج المسرح‬ ‫الحقيقي‪.‬ولم يخطر لجلل قطعا ً أن عليه أن يعود‬ ‫بادئ المر إلى الكتب –كما يفعل أي مخرج جاد‪ -‬ليعرف شيئا ً‬ ‫عن مؤلف المسرحية‪ ،‬وعن بيئته وعصره وعن طرق أداء‬ ‫الكوميديا دي لرته التي كان غولدوني مطورا ً لها ووارثا ً‬ ‫لتقاليدها‪.‬‬ ‫هل كنت مصيبا ً في تقديري هذا؟ ل أدري فهذه مسألة‬ ‫تقبل البحث والنقاش‪ ،‬ولكن الذي أدريه أنني راعيت المانة‬ ‫المطلقة في النقل‪ ،‬فلم أسمح لنفسي بأي تحوير أو اجتزاء‬ ‫في النص‪ ،‬بل نقلته كما هو مجتهدا ً قدر استطاعتي أن أحفظ‬ ‫له تلك النكهة الواقعية التي جعلت غولدوني أول رائد للدراما‬ ‫الطبيعية في تأريخ المسرح‪.‬‬ ‫وحين ترجمت النص إلى اللهجة المحلية الدارجة لم يكن‬ ‫دافعي الوحيد تقريبه إلى المشاهد البسيط الذي يشق عليه‬ ‫فهم الفصحى‪ ،‬بل كنت أستجيب –في المقام الول‪ -‬لضرورة‬ ‫فنية‪ ،‬فقد كتب غولدوني مسرحيته هذه بلهجة أهل البندقية‬ ‫ولم يكتبها بلغة الدب في زمانه‪ .‬فقد شرع في العمل وليس في ذهنه أي‬ ‫تصور مدروس عن المسرحية التي سيخرجها‪ ،‬وأجاز لنفسه‬ ‫منذ اليوم الول أن يعبث بالنص ويدخل عليه تعديلت مرتجلة‬ ‫ل تأتلف مع السياق‪ .‬ومما أكد لي صواب إحساسي هذا أنني في أثناء‬ ‫الترجمة‪ ،‬كنت أعثر دومًا‪ ،‬وبصورةٍ عفوية‪ ،‬على تعابير شعبية‬ ‫عراقية تماثل تعابير المؤلف نصا ً وروحًا‪.‬‬ ‫ولعل من المناسب أن نشير إلى أن تسمية الكوميديا دي‬ ‫لرته نفسها تعني كوميديا الحرفة أو كوميديا المهارة‪.‬‬ ‫وعندما عرضت فرقة مدينة جنوا مسرحية غولدوني هذه –أي‬ ‫‪.‬ول أريد أن أقسو على الرجل‬ ‫ولكني ل أجد مناصا ً من القول بأن تجربة التعاون معه كانت‬ ‫خيبة أمل كبيرة‪ .‬وكنت أحس بأنني سأكون‬ ‫أكثر أمانة لروح النص إذا ترجمته بأسلوب يحاكي أسلوبه‬ ‫الصلي‪ .‫برنارد شو أو وايلد أو غيرهم من مؤلفي النمط المعروف‬ ‫بالكوميديا الرفيعة‪ ،‬أو كوميديا السلوك‪ ،‬ولكنني اعتقدت –‬ ‫ول أزال‪ -‬أن ملهاة شعبية من هذا النمط ستكون أقرب إلى‬ ‫ذوق جمهور لم يألف بعد المسرحية الجنبية‪ .

‬وكان طبيعيا ً إزاء‬ ‫ذلك أن أفكر بالنسحاب من العمل‪ ،‬وقد فكرت فيه مرارًا‪،‬‬ ‫ولكن إبراهيم جلل كان متشبثا ً ببقائي معه‪ ،‬وكان يتراجع كلما‬ ‫هممت بالنسحاب ويعد بتدارك أخطائه‪ .‬أما دليل العرض فكان قد‬ ‫طبع في وقت مبكر ولم يكن ثمة سبيل لتغييره‪ ،‬وقد ارتأت‬ ‫الشركة عدم توزيعه على المشاهدين‪.‬‬ ‫ومن دواعي النصاف أن نقول هنا إن بعض ممثلينا الذين‬ ‫شاركوا في مسرحية التوأمان قد كشفوا عن مواهب ل‬ ‫يستهان بها‪ ،‬ولكن المشكلة أن المخرج أظهر عجزا ً مؤسفا ً عن‬ ‫استيعاب طبيعة المسرحية‪ ،‬ولم يكن عونا ً لممثليه على فهم‬ ‫الشخصيات التي يؤدونها‪ ،‬ولم يفطن إلى مواطن الذكاء‬ ‫والنكتة في الحوار‪ .113 -‬‬ .‬وكان حضوري‬ ‫شديد الوطأة على الممثل السيد محمد حسين عبد الرحيم‬ ‫بالذات‪ ،‬الذي كان يحس بأن وجودي يحد من حريته في إعادة‬ ‫تأليف النص على الوجه الذي يروقه! وكنت في الجتماعات‬ ‫الثنائية العديدة التي عقدتها مع المخرج أقول له ملحظاتي‬ ‫بالتفصيل وأنبهه إلى أخطائه في تفسير بعض الشخصيات‬ ‫والمواقف وفي رسم الحركة المناسبة على المسرح فيوافق‬ ‫أو يتظاهر بالموافقة‪ ،‬ولكنه كان ينسى في اليوم التالي ما‬ ‫اتفقنا عليه ويعود إلى تكرار أخطائه نفسها‪ .‫توأمان من البندقية‪ -‬في باريس خلل الستينّيات كانت‬ ‫براعة ممثليها حديث الصحافة‪ .‬‬ ‫‪.‬وحين أيقنت أخيرا ً‬ ‫أنني كنت أجهد نفسي دون طائل انسحبت من العمل رسميا ً‬ ‫وأبلغت بذلك السيد ممثل الشركة المنتجة‪ ،‬طالبا ً إليه حذف‬ ‫اسمي )بوصفي خبيرا ً للمسرحية( من اللفتة الموضوعة أمام‬ ‫المسرح‪ ،‬وقد تم حذفه بالفعل‪ .‬‬ ‫ومع ذلك فلبد من القول بأن الكارثة الحقيقية في هذا‬ ‫العمل لم تكن المخرج رغم رداءة عمله‪ ،‬بل هي الممثل محمد‬ ‫حسين عبد الرحيم الذي قام بدور التوأمين‪ :‬فهذا الممثل‪ ،‬الذي‬ ‫ل يتمتع –علىما يبدو‪ -‬بأية ثقافة فنية ول يعر ف شيئا ً عن‬ ‫أخلقيات المسرح‪ ،‬لم يكد يرتقي المنصة في يوم العرض‬ ‫الفتتاحي حتى ضرب بالنص عرض الحائط واستعاض عن‬ ‫الحوار الذي كتبه غولدوني بهذيانه ونكاته السمجة‪ ،‬غير ملتفت‬ ‫إلى التوصيات التي اتخذتها وزارة الثقافة والعلم منذ أمد‬ ‫قريب جدا ً بإلزام الممثل بالتقيد بالنص ومحاسبته في حالة‬ ‫الخروج عليه‪ .‬وقد كتب مراسل صحيفة‬ ‫التايمس اللندنية في حينها يقول‪:‬‬ ‫"نادرا ً ما ضج مسرح سارة برنارد بكل هــذا القــدر‬ ‫من الفكاهة والمــرح‪ ،‬وبمثــل هــذه الحيويــة والبراعــة‬ ‫الكوميدية الخالصــة‪ ،‬أو بمثــل هــذه اللباقــة والبتكــار‬ ‫في التمثيل"‪.‬ولم يكتف بذلك بل سمح لنفسه ولبعض‬ ‫ممثليه بتشويه هذا النص الجميل بما حذفوا منه وما أضافوا‬ ‫إليه من فيض قرائحهم!‬ ‫وكنت خلل المراحل الولى من العمل أحضر التمرينات‬ ‫بانتظام وأدون قوائم طويلة من الملحظات‪ .‬ويكفي لدراك فداحة التشويهات التي ألحقها هذا‬ ‫الممثل بالمسرحية أن نشير إلى أن كل العبارات التي ظهرت‬ ‫في العلن التلفزيوني عن المسرحية كانت من ابتداعه ول‬ ‫وجود لها في النص‪ ،‬فليس من المعقول أن يخط كاتب‬ ‫كغولدوني كلما ً سوقيا ً مبتذل ً من طراز آني ورطة‪ ،‬المي‬ ‫الصافي اخبطه أو كل هالرشاقة وما تتشاقه!! وإذا‬ ‫كان لهذا السلوك الشخصي المستهجن من دللت عامة فإن‬ ‫دللته المؤسفة الولى هي تدني مستوى الثقافة والذوق‬ ‫وغياب التقاليد السليمة في المسرح‪ ،‬وهذه ظواهر تناولناها‬ ‫وحذرنا من أخطارها مرات عديدة‪.

‬ول جريرة لمؤلف‬ ‫النص أو لمترجمه إذا كان قد تعرض للمسخ والتشويه قبل‬ ‫وصوله إلى الجمهور‪ .‬وليس هذا‪ ،‬على أية حال‪ ،‬أول نص أجنبي‬ ‫جميل يشوه على منصة المسرح العراقي‪ ،‬فما أكثر النصوص‬ ‫العالمية الرائعة التي تحولت على أيدي مخرجينا إلى أعمال‬ ‫مملة فاشلة‪ ،‬رغم ما تلقيه من نجاح في أرجاء الدنيا الواسعة!‬ ‫ويقال في تفسير ذلك‪ ،‬عادة‪ ،‬أن جمهورنا المحلي ل يستسيغ‬ ‫المسرحية الجنبية‪ ،‬وهذه تهمة لم يقم عليها أي دليل‪.‬‬ ‫ن‬ ‫أما الحقيقة التي ل يريد أن يعترف بها أحد فهي أ ّ‬ ‫مسرحنا لم يرتق بعد – رغم الدعاءات التي يطلقها البعض‬ ‫دون تحفظ –إلى مستوى معالجة النصوص محكمة البناء‪ ،‬التي‬ ‫تتطلب فهما ً دقيقا ً متعمقا ً لسرار الفن الدرامي‪ .114 -‬‬ .‬وإذا كنا نريد‬ ‫للمسرح أن ينهض من كبوته حقا ً فإن علينا أن نتدارس السبل‬ ‫الكفيلة بمعالجة هذه المشكلت الجوهرية‪ ،‬بعيدا ً عن أية‬ ‫مجاملة أو مسايرة أو تمويه‪.‬ول مخرج لنا من هذه الزمة إل‬ ‫بالمواجهة الجريئة الصادقة مع النفس والعتراف بأننا مازلنا‬ ‫بعيدين جدا ً عن المسرح الرفيع المتطور الذي نريده‪ ،‬فما زال‬ ‫ينقصنا المخرج المثقف الكفء‪ ،‬الملم حقا ً بمتطلبات مهنته‪،‬‬ ‫ومازال مستوى التأهيل الذي يتلقاه طلب المعاهد‬ ‫والكاديميات الفنية عندنا متدنيا ً جدًا‪ ،‬وماتزال صحافتنا الثقافية‬ ‫والفنية تفسح المجال للمتطفلين على النقد المسرحي ممن‬ ‫ينقصهم التحصيل الكاديمي والخلفية الثقافية الضرورية‪ ،‬مثلما‬ ‫تنقصهم الدوافع النزيهة في كثير من الحيان‪ .‫أحسب أني بهذا قد أجبت إجابة وافية على تساؤلت‬ ‫الصدقاء الذين أدهشتهم مشاركتي في مسرحية التوأمان‪،‬‬ ‫فالواقع أن هذه المشاركة ل تتعدى ترجمة نص ممتع لم يسبق‬ ‫لـه –في حدود علمي‪ -‬أن ترجم إلى العربية‪ .‬ولهذا يلجأ‬ ‫البعض إلى التستر وراء المسرح الملحمي‪ ،‬ويلجأ البعض‬ ‫الخر إلى أكذوبة اسمها المسرح الحتفالي ويلجأ فريق‬ ‫ثالث إلى غير ذلك من التسميات‪ ،‬ليموهوا فقرا ً في الثقافة‬ ‫وضعفا ً في المواهب‪ .‬‬ ‫ءءءءء ‪1986‬‬ ‫‪‬‬ ‫‪.

‫حديث‬
‫عن شجون المسرح‬
‫أعود مرة أخرى إلى الحديث عن المسرح العربي‪ .‬وحديث‬
‫المسرح العربي ذو شجون ل تنتهي‪ ،‬وقد استأثرت هذه‬
‫الشجون باهتمام الوسط الثقافي عندنا‪ ،‬طوال السبوع‬
‫الماضي‪ ،‬بمناسبة عقد اجتماعات اللجنة الدائمة للمسرح‬
‫العربي في بغداد‪.‬‬
‫لقد وجدت اللجنة أمامها أكواما ً من المشكلت المزمنة‬
‫المسرح العربي وتقدمه‪،‬‬
‫التي حدت وماتزال تحد من انطلق‬
‫ووجدت أمامها‪ ،‬من جهة أخرى‪ ،‬أكواما ً من التوصيات‬
‫والتمنيات التي صاغتها ندوات ومؤتمرات سابقة ولم ينفذ منها‬
‫الشيء الكثير‪.‬‬
‫وهذا شأننا مع الكثير من قضايانا الثقافية‪ ،‬نجتمع ونتبادل‬
‫الراء ونتخذ القرارات‪ ،‬ثم نفترق لتعود المور إلى مجراها‬
‫المألوف‪..‬‬
‫اجتماع اللجنة الدائمة‬
‫أن‬
‫فنفترض‬
‫نتشاءم‬
‫أن‬
‫نريد‬
‫ول‬
‫للمسرح العربي في بغداد لن يضيف شيئا ً إلى ما فعلته )أو‬
‫إلى ما لم تفعله( الجتماعات السابقة‪ ،‬ولكن معضلت المسرح‬
‫العربي المعاصر تبدو كالجبال الرواسي التي تصعب زحزتها‪،‬‬
‫وهي مرتبطة بجملة من العوامل المتداخلة‪ ،‬ليس أقلها ضعف‬
‫الكتابة للمسرح والكتابة عن‬
‫الثقافة المسرحية‪ ،‬مما يضع‬
‫المسرح في مستوى متدن جدًا‪.‬‬
‫والواقع أن ضعف الكتابة للمسرح‪ ،‬أو أزمة النص‬
‫المسرحي العربي –بتعبير آخر‪ -‬هي أولى المعضلت التي‬
‫واجهت اجتماع اللجنة الدائمة للمسرح العربي‪ .‬وقد لجأت‬
‫اللجنة إلى أقرب الحلول‪ ،‬وهو رصد جائزة نقدية سنوية لفضل‬
‫نص مسرحي عربي‪.‬‬
‫وليس في ذلك من بأس‪ ،‬ولكن من المغالة في التفاؤل‬
‫أن نتصور أن ربة اللهام المسرحي ستبادر بالهبوط إلينا بمجرد‬
‫فالمشكلة في الواقع‬
‫أن نلوح لها برزمة من الوراق النقدية‪.‬‬
‫أكثر تعقيدا ً من ذلك‪ .‬وأرجو أن أكون مصيبا ً في اعتقادي إذا‬
‫قلت إن ضعف التأليف المسرحي عندنا يعود‪ ،‬قبل كل شيء‪،‬‬
‫إلى ضعف اتصالنا بالنماذج المسرحية الجيدة التي يتعلم‬
‫الكاتب منها فن الكتابة للمسرح‪ .‬والفرق بين الكاتب‬
‫المسرحي الوروبي أو الميركي وبين زميله العربي أن الول‬
‫يستمد انطباعاته الباكرة عن المسرح‪ ،‬عادة‪ ،‬من أعمال درامية‬
‫متينة البناء‪ ،‬تقدمها فرق مسرحية لها نصيب كاف من الخبرة‪،‬‬
‫بينما يستمد الخير هذه النطباعات من عروض بدائية ركيكة‪،‬‬
‫تفتقر في الغالب إلى العمق والترابط‪ .‬وليست هذه قاعدة‬
‫مطلقة‪ ،‬بالطبع‪ ،‬ولكنها الصورة العامة للمور‪ ،‬ولعل في هذه‬
‫‪- 115 -‬‬

‫الصورة ما يفسر لنا كيف أن كتابا ً مثل اروين وشو و جون‬
‫أوزبورن استطاعوا أن يقدموا أعمال ً درامية ناضجة‪ ،‬وهم في‬
‫مقتبل العمر‪ ،‬بينما ل نزال ننتظر الكاتب العربي الشاب الذي‬
‫يفاجئنا بعمل مسرحي مرموق‪.‬‬
‫وعندما نضع المور في سياقها المنطقي‪ ،‬فإن النتيجة التي‬
‫ل مفر من التسليم بها هي أن على مسرحنا العربي أن يلتفت‪،‬‬
‫بمزيد من الهتمام‪ ،‬إلى العمال الدرامية العالمية العظيمة‪،‬‬
‫التي هي في الواقع المدرسة الولى لكتاب المسرح وفنانيه‪.‬‬
‫ول يعني هذا‪ ،‬بطبيعة الحال‪ ،‬أننا ندعو إلى النصراف عن‬
‫النصوص المحلية‪ ،‬فالنص المحلي شرط لبد من توافره لقيام‬
‫مسرح عربي أصيل‪ ،‬ولكننا ندعو إلى إفساح مجال أكبر‬
‫للنصوص الجنبية الممتازة‪ ،‬التي تساعد كتابنا وفنانينا على‬
‫التغلغل في أسرار هذا الفن المعقد‪ ،‬الذي يسمونه فن البناء‬
‫الدرامي‪.‬‬
‫وليس في هذا أدنى تفريط بأصالة مسرحنا أو ثقافتنا‬
‫القومية‪ ،‬فهذا ما تفعله حتى البلدان ذات التراث المسرحي‬
‫العريق‪ .‬إن النجليز ل يكتفون بمشاهدة أعمال شكسبير‬
‫وأوسكار وايلد وهارولد بنتر‪ ،‬بل يشاهدون إلى جانبهم‪،‬‬
‫وفي التحاد‬
‫وبانتظام‪ ،‬أعمال ابسن وتشيخوف وبريشت‪.‬‬
‫السوفيتي تحتل أعمال شكسبير‪ ،‬مث ً‬
‫ل‪ ،‬مكانا ً ثابتا ً في ريبوتوار‬
‫الفرق المسرحية‪.‬‬
‫ول أريد الستطراد في ذكر المثلة‪ ،‬فهذا ما ل يجهله أحد‬
‫من المهتمين بالمسرح‪ ،‬ولكني أكتفي بالقول بأن إقدام‬
‫مسرحنا القومي على تقديم نصوص عالمية ًرفيعة تتطلب‬
‫عمقا ً في الفهم ودقة في الداء سيقوده حتما إلى الرتقاء‬
‫بقدراته الفنية ويجعل منه مدرسة حقيقية لفناني المسرح‬
‫ورّواده على السواء‪.‬‬
‫ءءءءء ‪1977‬‬
‫‪‬‬

‫‪- 116 -‬‬

‫أهكذا ننصف التراث؟‬
‫"أ" يمثل دور "ب" على مرأى من "ج"‪.‬‬
‫بهذا اليجاز عرف أريك بنتلي فن المسرح في كتابه‬
‫الذائع الصيت الحياة في الدراما‪ .‬ورغم بساطة التعريف‬
‫وإيجازه البالغ فإنه يشتمل على الركان الساسية التي تميز‬
‫المسرح عن غيره من ألوان الخلق الفني‪ .‬ففي المسرح لبد‬
‫من الممثل أو ً‬
‫ل‪ ،‬ولبد لهذا الممثل من أن ينتحل اسما ً غير‬
‫اسمه وشخصية غير شخصيته الحقيقية‪ .‬وأخيرا ً فلبد له من‬
‫جمهور يتابع أداءه وينفعل معه أو ضده‪ ،‬لن المسرح ل يمكن‬
‫أن يصنع في حجرة مغلقة –كما تصنع القصة أو القصيدة‬
‫الغنائية‪ -‬بل هو فن يخلق أمام أعين الجمهور وتسير فيه عملية‬
‫التذوق جنبا ً إلى جنب مع عملية البداع‪.‬‬
‫والممثل ل يسرد لجمهوره حكاية بل يمارس فعل ً‪ .‬إنه‬
‫ليس كالراوية الذي عرفته مقاهينا القديمة‪ ،‬مجرد وسيط بين‬
‫الجمهور وبين شخصية روائية ما‪ ،‬وإنما هو هذه الشخصية‬
‫بالذات‪ ،‬تقدم نفسها إلى الناس دون وساطة‪ ،‬وتكشف لهم عن‬
‫طبيعتها ونوازعها وأفكارها من خلل الفعل الذي تؤديه على‬
‫المسرح‪ .‬والفارق بين هذا وذاك واضح‪ ،‬وهو فارق جوهري‬
‫وليس مجرد فارق في الشكل‪ ،‬فالراوية الذي يقص على‬
‫جمهور المقهى سيرة عنترة مث ً‬
‫ل‪ ،‬ل يدعي أمام سامعيه أنه‬
‫عنترة نفسه ول يحاول إيهامهم بأنهم يعيشون في الطار‬
‫الزمني والمكاني للحداث التي أحاطت بهذه الشخصية‪ .‬وإذا‬
‫كان هذا الراوية يستعير من الممثل بعض وسائله التعبيرية‪،‬‬
‫كاليماء وتلوين الصوت وحركات الجسم‪ ،‬فإن غايته ل تتعدى‬
‫إثارة عواطف الجمهور وتقريب صورة الحداث من ذهنه‪ .‬أما‬
‫الممثل الذي يؤدي دور عنترة على المسرح فإنه يواجه‬
‫الجمهور منتحل ً صفة البطل نفسه‪ ،‬وبمجرد ظهوره تتحول‬
‫خشبة المسرح في نظر المتفرج إلى ساحة قتال‪ ،‬أو مضرب‬
‫من مضارب البدو‪ ،‬أو أي مكان آخر تدور فيه وقائع المسرحية‬
‫المعروضة‪ .‬ويحدث شيء مماثل بالنسبة إلى الزمن‪ ،‬فالمسرح‬
‫يضعف عند المتفرج إحساسه الواقعي باللحظة التي هو فيها‬
‫ليثير عنده بالمقابل إحساسا ً داخليا ً باللحظة التاريخية التي‬
‫تدور فيها الحداث‪ ،‬وهذا مال يحدث عند قراءة قصة أو الصغاء‬
‫إلى رواية في مقهى شعبي‪ ،‬لن إحساسنا بالماضي في الحالة‬
‫الخيرة هو إحساس خارجي ل يستغرقنا ذلك الستغراق الذي‬
‫تتلشى معه الحدود بين زماننا وزمان القصة التي نقرأها أو‬
‫الحكاية التي نستمع إليها‪.‬‬
‫ولقد كان أرسطوطاليس أول من فطن إلى خصوصية‬
‫المسرح هذه حين قال في تعريفه الشهير للتراجيديا إنها‬
‫‪- 117 -‬‬

‬وقصارى ما يمكن أن يقال في هذا الشأن أن‬ ‫الجاحظ ترك لنا مادة أدبية يستطيع المؤلف المسرحي‬ ‫المعاصر أن يفيد منها إذا أراد أن يكتب نصا ً مسرحيا ً عنه أو‬ ‫عن بعض معاصريه‪ .‬ولم نسمع عن حملة صاخبة‬ ‫قامت للبحث عن أصول هذا الفن في التراث الدبي الروسي‬ ‫القديم!‬ ‫مالنا إذن نثير كل هذه الضجة الفارغة حول مسرح عربي‬ ‫قديم مزعوم؟ وأي ضير في أن نأخذ المسرح عن غيرنا ما‬ ‫؟‬ ‫دمنا ل نجد بأسا ً حتى في استيراد الجبنة من أوروبا ‍‬ ‫إن أسلفنا أنفسهم يجيبوننا عن هذا السؤال‪ ،‬فقد كانوا‬ ‫‪.118 -‬‬ .‬ولكن هذا لم‬ ‫يمنع الكتاب الروس من اقتباس أصول الكتابة الدرامية عن‬ ‫الغربيين وإتقانها والتفوق فيها‪ .‬وجهل‬ ‫معظم المم القديمة به لم يمنع أحفادها في العصور الحديثة‬ ‫من اقتباسه وتطويره‪..‬ولكن ما يوجب العتراف هو‬ ‫أن هذه المثلة‪ ،‬التي يكثر الستشهاد بها‪ ،‬ضعيفة الصلة بفن‬ ‫المسرح‪ ،‬فإذا كان أبو عثمان الجاحظ قد روى لنا بعض‬ ‫الحكايات الطريفة في "البخلء" و "البيان والتبيين" وغيرهما‬ ‫م بفن الكتابة‬ ‫من مؤلفاته فهذا ل يعني أن الرجل قد أل ّ‬ ‫للمسرح‪ .‬والشيء نفسه يمكن أن يقال –وبدرجة‬ ‫أقل‪ -‬عن مقامات الهمذاني‪ ،‬التي ل تعدو كونها مجموعة من‬ ‫الحكايات البسيطة‪ ،‬المكتوبة بأسلوب شديد التكلف والتزويق‪،‬‬ ‫وإن كان البعض يغالي في تقدير قيمتها الدبية‪.‬‬ ‫إن وجود الحكايات والملمح الشعبية في تراث شعب مال‬ ‫يعني قطعا ً أن هذا الشعب قد عرف فن المسرح‪ .‬ورغم أن المحاولت المتفرقة التي جرت لثبات هذه‬ ‫الفكرة بالتطبيق العملي قد منيت بفشل ذريع ولذ أصحابها‬ ‫بالصمت فإن البعض يواصلون ضجيجهم في الصحافة مصّرين‬ ‫على مواصلة التنقيب عن كنز تشير الدلئل كلها حتى الن إلى‬ ‫أنه غير موجود في الواقع!‬ ‫ليست غايتنا من هذا الحديث القطع بأن العرب القدمين‬ ‫لم يعرفوا بعض أشكال المسرح‪ ،‬وإن كان التراث الذي بين‬ ‫أيدينا ل يشير إلى شيء من ذلك‪ .‬‬ ‫كل هذه مفاهيم أولية سبق أن تطرقنا إليها مرارا ً عديدة‪.‬فماذا كان التراث المسرحي الذي ورثه هؤلء عن‬ ‫أسلفهم؟ إن تاريخ الدب الروسي يحدثنا أن الروس لم يعرفوا‬ ‫الدب المدون إل في عهود متأخرة جدًا‪ .‬‬ ‫ولكن المرء ل يجد مناصا ً من تكرارها حين يكثر الحديث في‬ ‫الصحافة عن مسرح عربي قديم قوامه نوادر الجاحظ في‬ ‫البخلء ومقامات بديع الزمان الهمذاني ورواة السير الشعبية‬ ‫في المقاهي وغير ذلك من ألوان التأليف القصصي التي قد‬ ‫يحق للدارسين أن يبحثوا فيها عن جذور للقصة العربية‬ ‫الحديثة‪ ،‬ولكنهم ل يستطيعون الزعم بأنها مظاهر مسرحية‬ ‫وأنها يمكن أن تتخذ بالتالي أساسا ً لبناء نظرية مسرحية عربية‬ ‫أصيلة‪ .‫محاكاة بالفعل ل بالسرد وكان بذلك يميز فن الدراما‬ ‫عن الملحمة‪ ،‬التي تشترك في خصائصها العامة مع الرواية‬ ‫الحديثة والقصة والحكاية وغير ذلك مما يدخل في هذا الباب‪.‬‬ ‫والمثلة كثيرة يكفيني منها مثال واحد‪ :‬لقد أنجبت روسيا‬ ‫في القرن الماضي عددا ً من أكبر كتاب المسرح‪ ،‬حسبنا أن‬ ‫نذكر منهم غوغول وأوستروفسكي وتشيخوف وليف‬ ‫تولستوي‪ .‬ويكفي أن نعلم أن‬ ‫أول قصيدة لشاعر روسي معروف تعود إلى النصف الول من‬ ‫القرن الثامن عشر! أما قبل ذلك فليس في تاريخ الدب‬ ‫الروسي أي أثر للدراما أو غيرها من فنون الدب سوى ما‬ ‫ُيبدعه الشعب البسيط‪ ،‬عادة‪ ،‬من أدب شفاهي‪ .

119 -‬‬ .‬‬ ‫ومرة أخرى أجدني مضطرا ً إلى تكرار ماسبق أن قلته‬ ‫مرات عديدة‪ :‬إن انتعاش المسرح عندنا لن يتحقق إل‬ ‫باستيعاب السس التي يقوم عليها هذا الفن العريق والفادة‬ ‫من تجارب المم الخرى التي سبقتنا في هذا المضمار‪ ،‬أما‬ ‫الجتهادات السقيمة التي تتخذ لنفسها مظهر الكتشافات‬ ‫الخطيرة فلن تقود مسرحنا الناشئ إل إلى مزيد من التردي‬ ‫والسفاف‪.‬ويبدو لي أن هذا أول ما‬ ‫ينبغي أن نتعلمه من تراثنا‪ ،‬لن موقفنا من حضارة عصرنا‬ ‫الراهن كثيرا ً ما يفتقر إلى ذلك التوازن الرائع الذي حققه‬ ‫أسلفنا بين الذات والعالم الخارجي‪.‬‬ ‫ءءءءء‪1977 -‬‬ ‫‪‬‬ ‫‪.‫عظاما ً في موقفهم من تراث المم الخرى‪ ،‬لم يغرهم‬ ‫الستعلء بتجاهله والنصراف عنه ولم تدفعهم عقدة النقص‬ ‫إلى النكماش إزاءه والذوبان فيه‪ .

‬وهذا شرط هام يغفله بعض من‬ ‫يتصدون لترجمة العمال الدرامية العالمية إلى العربية‪ ..‬‬ ‫وإذ أقول ترجمة جيدة فل أعني أنها ذات لغة سليمة –وهي‬ ‫سليمة اللغة إجما ً‬ ‫ل‪ -‬بل أعني‪ ،‬في المقام الول‪ ،‬أنها صيغت‬ ‫بلغة مسرحية رشيقة‪ ،‬مرنة ذات إيقاعات منسجمة مع أحداث‬ ‫المسرحية ومنطق أبطالها‪ .‬‬ ‫أما الجانب الجمالي من هذه النظرية‪ ،‬وهو حصيلة‬ ‫الفرضية الفلسفية التي قامت عليها‪ ،‬فيتلخص في أن وظيفة‬ ‫الفن هي الكشف عن هذا الجوهر النساني الباقي‪،‬‬ ‫فالنسان –كما يقول الستاذ مقار‪" -‬قبل أن يكون مخلوق‬ ‫العصر والبيئة‪ ،‬كائن ذو جذور وتراث ورواسب تكون في‬ ‫مجموعها ما نعرفه بالعموميات النسانية‪ ،‬التي هي مجال الفن‬ ‫والدب"‪ .‫الم‬ ‫شجاعة وأبناؤها‬ ‫ترجمة جيدة ومقدمة تثير الجدل‪.‬ولو‬ ‫أن الستاذ المترجم وقف عند هذا الحد لحمدنا له جهده في‬ ‫نقل هذه المسرحية المدهشة التي يعتبرها معظم النقاد‬ ‫واسطة العقد في إبداعات بريشت المسرحية‪ ،‬بل يذهب‬ ‫بعضهم‪ ،‬كروبرت بروستاين‪ ،‬إلى أنها من أروع ما ظهر في‬ ‫المسرح الحديث‪ .‬ولم‬ ‫يكتف المترجم‪ ،‬الستاذ شفيق مقار‪ ،‬بترجمة المسرحية بل‬ ‫مهد لها بمقدمة ضافية تناول فيها تطور المفاهيم اليديولوجية‬ ‫والفنية لدى بريشت وتطرق إلى بعض المؤثرات الفنية‬ ‫الساسية التي قادته إلى ابتداع مسرحه الملحمي‪ ،‬كالمسرح‬ ‫الصيني ومسرح "النو" الياباني‪ ،‬وألقى شيئا ً من الضوء على‬ ‫الركائز النظرية لهذا المسرح الذي كانت له انعكاساته‬ ‫الواضحة في مجمل تطور الحركة المسرحية المعاصرة‪ .120 -‬‬ .‬‬ ‫صدرت ضمن روايات الهلل مؤخرا ً ترجمة جيدة‬ ‫لمسرحية برتولد بريشت العظيمة الم شجاعة وأبناؤها‪.‬وبالتالي فإن الفن‪ ،‬كما يرى الستاذ شفيق مقار‪،‬‬ ‫يخون النسان ويضلله عندما يفقد الصلة بجوهر النسان‪ ،‬أبعاد‬ ‫‪.‬وخلصة هذه النظرية‪،‬‬ ‫من جانبها الفلسفي‪ ،‬أن النسان له جوهر ثابت يتخطى‬ ‫حدود الزمن وأن هذا الجوهر قد لزمه منذ أن كان مخلوقا ً‬ ‫مشعرا ً كريه المنظر‪ ،‬حديث عهد بالسير على ساقين‬ ‫وسيلزمه مابقيت الحياة النسانية‪.‬ولكن المترجم شاء أن يتناول عمل بريشت‬ ‫من خلل نظرية فلسفية –جمالية يصعب التسليم بصحتها‪ ،‬إن‬ ‫لم نقل إنها تفتقر إلى أي أساس علمي‪ .

‬وهي‪ ،‬من ناحية‬ ‫أخرى‪ ،‬ليست حقائق نهائية ثابتة‪ ،‬وإنما هي ملمح تاريخية‬ ‫خاضعة لتغّير الزمنة وأنماط العيش وعلقات النتاج‬ ‫الجتماعية‪.‬وإذا كان بريشت قد انطلق من‬ ‫مشكلت اللحظة الراهنة‪ ،‬وشرع في كتابة مسرحيته تحت‬ ‫سماء ملبدة بغيوم الحرب الوشيكة الندلع‪ ،‬فإنه استطاع –‬ ‫شأن أي فنان عظيم‪ -‬أن يصل إلى تعميمات شعرية رفيعة‪،‬‬ ‫وأن ينفذ إلى جوهر الحرب وسماتها الساسية في كل العصور‪.‬‬ ‫فمن البداهة أن هذه العناصر ليست شيئا ً أزليا ً رافق النسان‬ ‫منذ أول أطوار وجوده )إل إذا سلمنا بالتفسيرات الغيبية‬ ‫لكينونة النسان!(‪ ،‬بل هي عناصر روحية تكونت وتراكمت‬ ‫تاريخيا ً في مجرى التطور النساني الطويل‪ .121 -‬‬ .‬‬ ‫وعليه فالكاتب ل يخون النسان عندما يتناوله في إطار‬ ‫العصر والبيئة ومن خلل المشاكل النية المطروحة –كما يزعم‬ ‫الستاذ مقار –بل يخونه إن فعل خلف ذلك‪ ،‬لسبب بسيط هو‬ ‫أن النسان ل يوجد خارج هذا الطار‪ ،‬ول يمكن فهمه إل من‬ ‫خلل علقته الديالكتيكية مع البيئة الخارجية‪.‬وأحسب أننا سنكون أدنى إلى الحقيقة لو عكسنا‬ ‫رأي الستاذ المترجم فقلنا أن بريشت كتب هذه المسرحية‬ ‫وهو في صميم اللحظة الراهنة‪ ،‬وأنه أراد‪ ،‬على وجه التحديد‪،‬‬ ‫أن يكشف عن الرتباط الوثيق بين الرأسمالية والحرب‪ ،‬وأن‬ ‫يفضح ديماغوجية الشعارات الضخمة التي اتخذتها الحرب على‬ ‫الدوام قناعا ً لستر جرائمها‪ ،‬وأن يسخر من أولئك الذين‬ ‫يتخذون من الحرب سوقا ً للتجار والكسب دون أن يفطنوا إلى‬ ‫ما ستجره عليهم من ويلت‪ .‫مأساته كمخلوق مقضي عليه بالموت‪ ،‬وعندما يحد‬ ‫نطاق رؤيته بحدود مشكلة أو أخرى تكون ماثلة في‬ ‫حياة العصر والبيئة‪.‬‬ ‫ولكي يكون الستاذ مقار منسجما ً مع نظريته حول الجوهر‬ ‫النساني الثابت وبطلن الفن الذي يحصر اهتمامه في بعض‬ ‫مشكلت العصر والبيئة‪ ،‬فقد افترض أن بريشت لم يبلغ في‬ ‫الم شجاعة ما بلغه من توفيق إل لنه انسحب تماما ً من‬ ‫اللحظة الراهنة ولم يكتبها وهو مستوعب حتى قمة‬ ‫الرأس في اهتمامات ومصائب العصر والبيئة‪ .‬‬ ‫أين يكمن الخطأ في نظرية الستاذ مقار هذه؟ من الواضح‬ ‫أنه يكمن في منطلقها المثالي‪ ،‬فهو يعتبر النسان مقولة‬ ‫مجردة لها وجودها خارج الزمنة والبيئات‪ ،‬ومعنى ذلك أنه يرد‬ ‫الجوهر النساني إلى جملة خصائص بيولوجية خالصة وثابتة‬ ‫ومستقلة عن الشروط المادية التي اكتنفت تطور الجنس‬ ‫البشري‪ .‬وهذا‬ ‫افتراض يثير الستغراب حقا ً حين تتعلق المسألة بمسرحية‬ ‫كتبت في عشية الحرب العالمية الثانية )‪ (1939-1938‬لتندد‬ ‫بالحروب وتكشف عن دوافعها الحقيقية وتبرز وحشيتها ول‬ ‫أخلقيتها‪ .‬‬ ‫فالحرب باقية ما بقيت أنظمة الستعباد والتضليل الديماغوجي‪،‬‬ ‫‪.‬وجدير بالملحظة أن الستاذ مقار يناقض نفسه‬ ‫من حيث ل يدري حين يحاول تحديد هذا الجوهر النساني‬ ‫الثابت بقوله إن النسان كائن ذو جذور وتراث ورواسب الخ‪.‬ولكن كيف يتسنى لنا أن نتحقق من سلمة هذه‬ ‫الفرضية ونحن ل نعرف النسان إل في نطاق العصر والبيئة؟‬ ‫إن هذا يذكرني بمقولة فلسفية أخرى‪ ،‬هي المادة‪ ،‬فنحن‬ ‫نعرف المادة في صورة شجرة أو حزمة من الضوء أو كتلة من‬ ‫الرخام‪ ،‬ولكننا ل نعرف المادة من حيث هي مادة وحسب‪.‬‬ ‫وكذلك النسان فنحن نعرفه في صورته التاريخية كمركب بالغ‬ ‫التعقيد من عناصر بيولوجية واجتماعية‪ ،‬أي أننا ل نعرف‬ ‫النسان البيولوجي المحض‪ ،‬وبالتالي فإن الحديث عن الجوهر‬ ‫النسان خارج الزمنة والبيئات ليس إل ضربا ً من الجتهاد‬ ‫الميتافيزيقي‪ .

‬ولقد اضطلع الستاذ شفيق مقار‬ ‫بجهد يستحق عليه الثناء‪ .‬‬ ‫وطالما كان هناك واحد منهم فليس للحرب أن تقلق‬ ‫على مصيرها‪ ،‬إذ يمكنها أن تنظر بتفاؤل إلى المام‬ ‫وأن تتوقع مستقبل ً باهرًا!!‪ .‬وفي الحرب تنقلب الفضائل‬ ‫النسانية كالشجاعة والمانة واليثار إلى جرائر تقود أصحابها‬ ‫إلى الهلك‪ ،‬كما حدث لبناء الم شجاعة الثلثة‪ ،‬بينما يتفاقم‬ ‫الجشع والنانية والنوازع الخسيسة‪ ،‬كما في حالة الم شجاعة‬ ‫التي تمتنع عن إعطاء بعض القمصان لتتخذ ضمادات توقف‬ ‫نزف الدماء وتنقذ حياة الخرين‪ .‬وفي المسرحية سخرية لذعة‬ ‫من البطولت العسكرية المزعومة‪ ،‬فالجنرال تيللي يلقى حتفه‬ ‫ل لنه استبسل في المعركة‪ ،‬وإنما لنه تاه في الضباب فوصل‬ ‫إلى ساحة القتال عن غير قصد! على أن أروع ما في الم‬ ‫شجاعة هي تلك الغاني التي تؤلف على الدوام جزءا ً من‬ ‫مسرح بريشت الملحمي‪ ،‬فهنا تبلغ عبقريته الشعرية ذراها‪،‬‬ ‫وهنا نعثر على المفاتيح الساسية لفهم مرامي هذا العمل‬ ‫الملحمي الضخم‪.‬‬ ‫وبعد فهذه ليست إل خواطر سريعة عن عمل فني باهر‬ ‫يتطلب تحليل ً دقيقا ً مسهبًا‪ .‬وحبذا لو وجد المخرج المسرحي‬ ‫الكفء الذي يستطيع أن يجسد لنا هذه المسرحية الفريدة‬ ‫على خشبة المسرح‪.‫وأصدقاؤها الحقيقيون هم الباطرة والملوك والبابوات الذين‬ ‫يمكن للحرب أن تركن إليهم إذا ألمت بها ضائقة‪.‬‬ ‫ءءءء ‪1973‬‬ ‫‪‬‬ ‫‪.122 -‬‬ .

(1‬‬ ‫هل بدأت الدراما المحلية بالنتعاش؟‪83.......‬‬ ‫‪ ..........................................‬‬ ‫وفن الممثل المسرحي‪40...........................................................................................................‬‬ ‫إلى المسرح الملحمي؟‪105...............................‬‬ ‫ماذا يعني بناء الدور من الداخل؟‪43............................................‬‬ ‫الدور الغوالي‪67....‬‬ ‫هل كان ‪79....‬‬ ‫رائد المسرح الحديث‪48............................................................................................................................................................‬‬ ‫كيف يحلل الممثل دوره؟‪44.............................................................................3‬مفهوم التطهير عند أرسطوطاليس‪24...........(2‬‬ ‫عندما يوضع النص المسرحي في قالب غير مناسب‪88...................................................................‬‬ ‫دراسات في المسرح العربي المعاصر‪98.........................................................‬‬ ‫حول ‪108..................................................................................................‬‬ ‫كيف يعد الممثل نفسه مهنيًا؟‪41........................................................‬‬ ‫حول مسرحية " الباب " )‪88......................................................................................................................................................................‬‬ ‫للسومريين مسرح؟‪79................................................‬‬ ‫دعوة‪10.............................................................:‬‬ ‫مسرح الشباب‪94...........‬‬ ‫في المسرح المعاصر‪53.‬المسرح الشعري‪28..............123 -‬‬ .......................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................‬‬ ‫هل نحتاج حقًا‪105............................................................................................................................................................................................................................................................................‬‬ ‫المأساة التي تحولت إلى نكتة!‪72....................................................................................................‬‬ ‫في كتاب "فن الشعر" لرسطوطاليس‪19.................................................................................................................................................‬‬ ‫حول‪ .......................................................................‬‬ ‫إلى وعي الذات‪10.........................................................................................‬‬ ‫حول مسرحية "الباب") ‪83...........................................................‬‬ ‫‪................................................................‬‬ ‫اتجاهات وأسماء‪53...........................................................................‬‬ ‫الملك لير ‪72.........................................................................................................................................................................................................................................................................................................‬‬ ‫مفهوم المحاكاة عند أرسطوطاليس‪21...................................................‬‬ ‫ملمح أساسية ‪19.................................................................................................................................................................................‫المحتويات‬ ‫توطئـــة‪7.........................‬‬ ‫والنسياق مع التقاليد السيئة‪94......................‬‬ ‫خصائص التأليف الدرامي‪108........................................................‬‬ ‫في المسرح الحديث‪35........................‬‬ ‫دور المخرج‪35............................................‬‬ ‫خواطر حول كتاب ‪98......................................................‬‬ ‫‪ -2‬مفهوم الوحدة العضوية عند أرسطوطاليس‪23..........................................................................................................................................................................................................................................................................................................................‬‬ ‫ستانسلفسكي‪40....................................................................................................................................................................................................................................................................................‬‬ ‫في المسرح الحتفالي!‪67..........................................................................‬‬ ‫إبسن‪48...........

................................................‬‬ ‫شجاعة وأبناؤها‪120.......................................................................................................................‬‬ ‫المحتويات‪123..............................................‬‬ ‫الم ‪120...................................................................................................‬‬ ‫أهكذا ننصف التراث؟‪117.............................................................‬‬ ‫حديث‪115..............................................................................................................................................................................................................................................................................................................................‬‬ ‫إلى جمهورنا المسرحي !‪111..................................‬‬ ‫عن شجون المسرح‪115......‬‬ ‫هكذا تصل النصوص العالمية‪111.................‬‬ ‫‪‬‬ ‫‪.........................................................................................‫حول مسرحية " التوأمان "‪111.............................................................124 -‬‬ ....................

‫رقم اليداع في مكتبة السد الوطنية‬ ‫دعوة إلى وعي الذات ‪ :‬فصول في نظرية الدراما‬ ‫والنقد المسرحي‪ /‬رشيد ياسين‪-‬‬ ‫]دمشق[‪ :‬اتحاد الكتاب العرب‪– 2000 ،‬‬ ‫‪ 154‬ص؛ ‪25‬سم‪.125 -‬‬ .‬‬ ‫‪ 809.2 -1‬ي ا س د‬ ‫العنوان‬ ‫‪ -3‬ياسين‬ ‫‪-2‬‬ ‫ع‪-2000/2149/11 -‬‬ ‫السد‬ ‫مكتبة‬ ‫‪‬‬ ‫‪.

126 -‬‬ .‬‬ ‫‪‬‬ ‫‪.‫هذا الكتاب‬ ‫ووووو وو وووو وووووو ووووووو وووووووو‬ ‫ووو ووووو وووووو وووو وو وووو وو ووووو وو‬ ‫ووووووو ووووو ووووووو وووووو وووو وووووو‬ ‫ووووو ووو وووو وووو ووووو ووووو وو‬ ‫ووووووو وووووو ووووووو ووووووو وو ووو‬ ‫وووووو‪.

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful