‫المجلد الثاني‬

‫من‬

‫تيسير الكريم الرحمن‬
‫في‬
‫تفسير كلم المنان‬

‫لجامعه الفقير إلى الّله‬
‫عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي‬
‫غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين‬
‫وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين وسلم‬
‫تسليما ً كثيرا ً إلى يوم الدين‬

‫تفسير سورة العراف‬
‫مكية‬
‫ﭽﭑ‬
‫ﭢ ﭣ ﭤ‬
‫ﭱ ﭲ ﭳ‬
‫ﮃ‬
‫ﮂ‬
‫ﮔ ﮕ‬

‫ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ‬
‫ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ‬
‫ﭪ ﭫﭬ ﭭ ﭮ‬
‫ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ‬
‫ﭾ ﭿ‬
‫ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ‬
‫ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ‬
‫ﮄ ﮅ ﮆ‬
‫ﮖ ﮗ ﭼ‪.‬‬

‫ﭟ ﭠ ﭡ‬
‫ﭯ ﭰ‬
‫ﮀ ﮁ‬
‫ﮑ ﮒﮓ‬

‫}‪ 1‬ـ ‪ {2‬يقول تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم‬
‫ب جلي ٌ‬
‫ب أن ْزِ َ‬
‫ل حوى‬
‫ل إليك{؛ أي‪ :‬كتا ٌ‬
‫مبينا ً له عظمة القران‪}:‬كتا ٌ‬
‫ك ّ‬
‫ل ما يحتاج إليه العباد وجميع المطالب اللهّية والمقاصد‬
‫ن في صدرِ َ‬
‫الشرعّية محكما ً مفص ً‬
‫ك منه‬
‫ل‪ .‬فل يك ْ‬
‫ج{؛ أي‪ :‬ضيقٌ وش ّ‬
‫م أنه تنزي ٌ‬
‫ل من حكيم‬
‫حَر ٌ‬
‫} َ‬
‫ه‪ ،‬بل لتعل ْ‬
‫ك واشتبا ٌ‬
‫)‪(1‬‬
‫ح له‬
‫حميد‪ ،‬ل يأتيه الباطل من بين يديه ول من خلفه ‪ ،‬فلينشرِ ْ‬
‫سك‪ ،‬وْلتصدع ْ بأوامره ونواهيه‪ ،‬ول تخش‬
‫ن به نف ُ‬
‫صدُرك‪ ،‬ولتطمئ ّ‬
‫لئما ً ومعارضًا؛ }لتنذَر به{‪ :‬الخلق وت َِعظهم وتذ ّ‬
‫كرهم فتقوم‬
‫)‪(2‬‬
‫ن{؛ كما‬
‫ن }ذكرى للمؤمني َ‬
‫الحجة على المعاندين‪} ،‬و{ ليك ْ‬
‫ن{‪ :‬يتذ ّ‬
‫ن ال ّ‬
‫كرون به‬
‫قال تعالى‪} :‬وذك ّْر فإ ّ‬
‫ذكرى تنفعُ المؤمني َ‬
‫الصراط المستقيم‪ ،‬وأعماله الظاهرة والباطنة‪ ،‬وما يحول بين‬
‫العبد وبين سلوكه‪.‬‬
‫}‪ {3‬ثم خاطب الّله العباد‪ ،‬ولفتهم )‪ (3‬إلى الكتاب‪ ،‬فقال‪ :‬ﭽ‬
‫ات ِّبعوا ما أنزِ َ‬
‫ل إليكم من رّبكم{؛ أي‪ :‬الكتاب الذي أريد إنزاله‬
‫م تربيَته لكم‪ ،‬فأنزل‬
‫لجلكم‪ ،‬وهو }من رّبكم{‪ ،‬الذي يريد أن ي ُت ِ ّ‬
‫ت عليكم‬
‫م ْ‬
‫ت تربيُتكم وتـ ّ‬
‫عليكم هذا الكتاب الذي إن اتبعتموه كمل ْ‬
‫هديتم لحسن العمال والخلق ومعاليها‪} ،‬ول تت ِّبعوا من‬
‫ةو ُ‬
‫النعم ُ‬
‫دون ِهِ أولياَء{؛ أي‪ :‬تتوّلونهم‪ ،‬وتّتبعون أهواءهم‪ ،‬وتتركون لجلها‬
‫ن{‪ :‬فلو تذ ّ‬
‫ق‪} ،‬قليل ً ما ت َذ َ ّ‬
‫كرتم وعرفتم المصلحة؛ لما‬
‫كرو َ‬
‫الح ّ‬
‫آثرُتم الضاّر على النافع والعدوّ على الولي‪.‬‬

‫‪ - 1‬في )ب(‪» :‬ل يأتيه الباطل من بين يديه ول من خلفه‪ ،‬تنزيل من حكيم‬
‫حميد‪ ،‬وأنه أصدق الكلم«‪.‬‬
‫ن«‪.‬‬
‫‪ - 2‬في )ب(‪» :‬وليكو َ‬
‫‪3‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬وألفتهم«‪.‬‬

‫}‪ {4‬ثم حذرهم عقوباته للمم الذين كذبوا ما جاءتهم به‬
‫رسلهم فل يشابهوهم‪ ،‬فقال‪} :‬وكم من قريةٍ أهل ْ‬
‫كناها فجاءها‬
‫سنا{؛ أي‪ :‬عذاُبنا الشديد‪،‬‬
‫بأ ُ‬
‫ً‬
‫ن{؛ أي‪ :‬في حين غفلتهم وعلى ِغّرتهم غافلون‪،‬‬
‫}بياتا أو هم قائلو َ‬
‫لم يخطر الهل ُ‬
‫ك على قلوبهم‪ ،‬فحين جاءهم العذاب؛ لم يدفعوه‬
‫عن أنفسهم‪ ،‬ول أغنت عنهم آلهتهم التي كانوا يرجونهم‪ ،‬ول‬
‫أنكروا ما كانوا يفعلونه من الظلم والمعاصي‪.‬‬
‫سنا إل ّ أن قالوا إنا كّنا‬
‫}‪} {5‬فما كان د َ ْ‬
‫عواهم إذ جاَء ُ‬
‫هم بأ ُ‬
‫ة‬
‫منا من قريةٍ كانت ظالم ً‬
‫ص ْ‬
‫ن{؛ كما قال تعالى‪} :‬وكم قَ َ‬
‫ظالمي َ‬
‫هم منها‬
‫سنا إذا ُ‬
‫وأنشأنا بع َ‬
‫سوا بأ َ‬
‫ن‪ .‬فلما أح ّ‬
‫دها قـومـا ً آخري َ‬
‫ُ‬
‫جعوا إلى ما أت ْرِفُْتم فيه ومساك ِن ِ ُ‬
‫ن‪ .‬ل تر ُ‬
‫ير ُ‬
‫كم لعّلكم‬
‫كضو َ‬
‫كضوا وار ِ‬
‫هم‬
‫ت تلك دعوا ُ‬
‫سألو َ‬
‫تُ ْ‬
‫ن‪ .‬فما زال ْ‬
‫ن‪ .‬قالوا يا وَْيلنا إّنا كّنا ظالمي َ‬
‫ن{‪.‬‬
‫حّتى َ‬
‫جعَْلناهم حصيدا ً خامدي َ‬
‫}‪ {6‬وقوله‪} :‬فَل َن َ‬
‫سل إليهم{؛ أي‪ :‬لنسألن‬
‫ن الذين أر ِ‬
‫َ ْ‬
‫سأل َ ّ‬
‫المم الذين أرسل الّله إليهم المرسلين عما أجابوا ]به[ رسلهم‪،‬‬
‫ل ماذا أجبتم المرسلين‪ {...‬اليات‪}،‬ول َن َ‬
‫م ُيناديهم فََيقو ُ‬
‫ن‬
‫}وَي َوْ َ‬
‫َ َ ْ‬
‫ُ ُ‬
‫سأل َ ّ‬
‫َ‬
‫ن{‪ :‬عن تبليغهم لرسالت رّبهم وعما أجابتهم به أممهم‪.‬‬
‫المرسلي َ‬
‫ن عليهم{؛ أي‪ :‬على الخلق كلهم ما عملوا‪،‬‬
‫}‪} {7‬فَل َن َ ُ‬
‫ق ّ‬
‫ص ّ‬
‫}بعلم{‪ :‬منه تعالى لعمالهم‪} ،‬وما ُ‬
‫ن{‪ :‬في وقت من‬
‫كنا غائبي َ‬
‫سوه{‪ ،‬وقال تعالى‪:‬‬
‫الوقات؛ كما قال تعالى‪} :‬أحصاه الّله وَن َ ُ‬
‫قنا فوَقكم سبعَ طرائقَ وما ك ُّنا عن الخلق غافلين{‪.‬‬
‫خل َ ْ‬
‫}ولقد َ‬
‫ثم ذكر الجزاء على العمال‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫ﮫ‬

‫ﭽ ﮘ ﮙ ﮚﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ‬
‫ﮬ ﮭ ﮮﮮ ﭼ‪.‬‬

‫}‪ {8‬أي‪ :‬والوزن يوم القيامة يكون بالعدل والقسط الذي‬
‫ت‬
‫ور فيه ول ظلم بوجه‪} .‬فمن ث َ ُ‬
‫ج َ‬
‫ت موازيُنه{‪ :‬بأن َر َ‬
‫ل َ‬
‫ح ْ‬
‫قل َ ْ‬
‫ج ْ‬
‫ن{؛ أي‪ :‬الناجون‬
‫كف ُ‬
‫ة حسناته على سيئاته‪}،‬فأولئك هم المفلحو َ‬
‫من المكروه‪ ،‬المدركون للمحبوب‪ ،‬الذين حصل لهم الربح‬
‫العظيم والسعادة الدائمة‪.‬‬
‫ت سيئاُته وصار‬
‫}‪} {9‬ومن خ ّ‬
‫ت موازيُنه{‪ :‬بأن رجح ْ‬
‫ف ْ‬
‫الحكم لها‪،‬‬
‫م وحصل‬
‫م المقي ُ‬
‫}فأولئك الذين خسروا أنفسهم{‪ :‬إذ فاتهم النعي ُ‬

‫ب الليم‪،‬‬
‫لهم العذا ُ‬
‫ب عليهم ذلك‪.‬‬
‫ن{‪ :‬فلم ينقادوا لها كما يج ُ‬
‫}بما كانوا بآياِتنا ي َظ ِْلمو َ‬
‫ﭽﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﭼ‪.‬‬

‫}‪ {10‬يقول تعالى ممتّنا على عباده بذكر المسكن‬
‫والمعيشة‪} :‬ولقد مك ّّناكم في الرض{؛ أي‪ :‬هيأناها لكم بحيث‬
‫تتم ّ‬
‫جعَْلنا لكم‬
‫كنون من البناء عليها وحرثها ووجوه النتفاع بها‪} ،‬و َ‬
‫ش{‪ :‬مما يخرج من الشجار والنبات ومعادن الرض‬
‫فيها معاي َ‬
‫خر أسبابها‪،‬‬
‫وأنواع الصنائع والتجارات؛ فإنه هو الذي هّيأها وس ّ‬
‫}قليل ً ما تش ُ‬
‫كرون{‪ :‬الّله الذي أنعم عليكم بأصناف النعم‪،‬‬
‫ف عنكم النقم‪.‬‬
‫صَر َ‬
‫و َ‬
‫ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﭑ ﭒ ﭓ‬
‫ﯥﯧﯧ ﯦﯧ ﯧﯧ‬
‫ﭽﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯧ ﯡ ﯧ ﯢ ﯧ ﯣ ﯧ ﯤ‬
‫ﭔ ﭕ ﭖ ﭗﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ‬
‫ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ‬
‫ﭻ ﭼﭼ ‪.‬‬
‫قناكم{‪:‬‬
‫خل َ ْ‬
‫}‪ {11‬يقول تعالى مخاطبا ً لبني آدم‪} :‬ولقد َ‬
‫دتكم التي منها خرجُتم؛ أبيكم آدم عليه السلم‪،‬‬
‫بخلق أصِلكم وما ّ‬
‫ه[‬
‫}ثم صوّْرناكم{‪ :‬في أحسن صورة وأحسن تقويم‪ ،‬وعّلمه ]الل ُ‬
‫م ُ‬
‫ة؛ أسماَء كل شيء‪ ،‬ثم أمر‬
‫ل صورُته الباطن ُ‬
‫تعالى ما به تك ُ‬
‫ه‪،‬‬
‫جدوا لدم إكراما ً واحتراما ً وإظهارا ً لفضل ِ ِ‬
‫الملئكة الكرام أن يس ُ‬
‫سجدوا{ كـّلهم أجمعون }إل إبليس{‪ :‬أبى‬
‫فامتثلوا أمر ربهم‪} ،‬فَ َ‬
‫أن يسجد َ له تكّبرا ً عليه وإعجابا ً بنفسه‪.‬‬
‫}‪ {12‬فوّبخه الّله على ذلك‪ ،‬وقال ما منعك أن تسجد لما‬
‫ه‪،‬‬
‫خلقت بيديّ أي شرفته وفضلته بهذه الفضيلة التي لم تكن لغيرِ ِ‬
‫س معارضا ً لرّبه‪} :‬أنا‬
‫فعصي َ‬
‫ت أمري وتهاونت بي‪} .‬قال{ إبلي ُ‬
‫خيٌر منه{‪ ،‬ثم برهن على هذه الدعوى الباطلة بقوله له‪:‬‬
‫ن{‪ :‬وموجب هذا أن المخلوق‬
‫}خل َ ْ‬
‫قَتني من نارٍ وخلقت َ ُ‬
‫ه من طي ٍ‬
‫من نار أفضل من المخلوق من طين لعلوّ النار على الطين‬
‫وصعودها‪.‬‬
‫وهذا القياس من أفسد القيسة؛ فإنه باط ٌ‬
‫ل من عدة أوجه‪:‬‬
‫منها ‪ :‬أنه في مقابلة أمر الّله له بالسجود‪ ،‬والقياس إذا‬
‫ن المقصود بالقياس أن يكون‬
‫س باطل؛ ل ّ‬
‫ص فإنه قيا ٌ‬
‫عارض الن ّ‬
‫ص يقارب المور المنصوص عليها‬
‫الحكم الذي لم يأت فيه ن ّ‬
‫ويكون تابعا ً لها‪ ،‬فأما قياس يعارضها ويلزم من اعتباره إلغاء‬
‫النصوص؛ فهذا القياس من أشنع القيسة‪.‬‬

‫ن قوَله‪} :‬أنا خيٌر منه{؛ بمجّردها كافية لنقص‬
‫ومنها ‪ :‬أ ّ‬
‫إبليس الخبيث؛ فإّنه برهن على نقصه بإعجابه بنفسه وتكّبره‬
‫والقول على الّله بل علم‪ ،‬وأيّ نقص أعظم من هذا؟!‬
‫ب في تفضيل مادة النار على مادة الطين‬
‫ومنها ‪ :‬أنه ك َذ َ َ‬
‫ة‪ ،‬ومنها‬
‫ن والرزان ُ‬
‫ن مادة الطين فيها الخشوع ُ والسكو ُ‬
‫والتراب؛ فإ ّ‬
‫تظهر بركات الرض من الشجار وأنواع النبات على اختلف‬
‫أجناسه وأنواعه‪ ،‬وأما النار؛ ففيها الخفة والطيش والحراق‪.‬‬
‫}‪ {13‬ولهذا؛ لما جرى من إبليس ما جرى؛ انح ّ‬
‫ط من‬
‫مرتبته العالية إلى أسفل السافلين‪ ،‬فقال الّله له‪ :‬اهب ْ‬
‫ط }منها{‬
‫ن لك أن تتكب َّر فيها{‪ :‬لنها دار الطيبين‬
‫أي‪ :‬من الجنة‪} ،‬فما يكو ُ‬
‫خْلق الّله وأشرهم‪،‬‬
‫الطاهرين‪ ،‬فل َتليقُ بأخبث َ‬
‫ج إّنك من الصاغرين{؛ أي‪ :‬المهانين الذلين؛ جزاء على‬
‫}فاخُر ْ‬
‫كبره وعجبه بالهانة والذل‪.‬‬
‫}‪ 14‬ـ ‪ {15‬فلما أعلن عدوّ الّله بعداوة الّله وعداوة آدم‬
‫ن من‬
‫وذرّيته؛ سأل الّله الن ّ ِ‬
‫ظرة والمهال إلى يوم البعث؛ ليتمك ّ َ‬
‫ة‬
‫إغواِء ما يقد ُِر عليه من بني آدم‪ ،‬ولما كانت حكمة الّله مقتضي ً‬
‫من يطيعه‬
‫ن الصادق من الكاذب و َ‬
‫لبتلء العباد واختبارهم ليتبيـ ّ َ‬
‫ومن يطيع )‪ (1‬عدّوه؛ أجابه لما سأل‪ ،‬فقال‪} :‬إّنك من‬
‫من َ‬
‫ن{‪.‬‬
‫ال ُ‬
‫ظري َ‬
‫ﭽ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ‬
‫ﮏﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﭼ‪.‬‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫س من رحمة الّله‪:‬‬
‫}‪ {16‬أي‪ :‬قال إبليس َلـ ّ‬
‫س وأي ِ َ‬
‫ما أب ْل ِ َ‬
‫ن لهم{؛ أي‪ :‬للخلق }صراطك المستقيم{؛‬
‫}فبما أغ ْوَي َْتني لقعد ّ‬
‫صراط‪ ،‬ولسعى غاية جهدي على صد ّ الناس عنه‬
‫ن ال ّ‬
‫أي‪ :‬للزم ّ‬
‫وعدم سلوكهم إياه‪.‬‬
‫فهم وعن‬
‫ن أيديهم ومن خل ِ‬
‫م لت ِي َن ُّهم ِ‬
‫}‪} {17‬ث ّ‬
‫م ْ‬
‫ن بي ِ‬
‫أيمان ِِهم وعن شمائ ِِلهم{؛ أي‪ :‬من جميع الجهات والجوانب‪ ،‬ومن‬
‫كل طريق يتمكن فيه من إدراك بعض مقصوده فيهم‪ ،‬ولما علم‬
‫ة على كثير منهم‪ ،‬وكان جازما ً‬
‫ث أنهم ضعفاء قد تغلب الغفل ُ‬
‫الخبي ُ‬
‫ن ـ وصدق ظّنه ـ فقال‪} :‬ول تجد ُ‬
‫ببذل مجهوده على إغوائهم؛ ظ ّ‬
‫ن القيام بالشكر من سلوك الصراط‬
‫أكثَر ُ‬
‫ن{‪ :‬فإ ّ‬
‫هم شاكري َ‬
‫دهم عنه وعدم قيامهم به؛ قال تعالى‪:‬‬
‫المستقيم‪ ،‬وهو يريد ُ ص ّ‬
‫سعير{‪ ،‬وإنما ن َب َّهنا الّله‬
‫دعو ِ‬
‫}إّنما ي َ ْ‬
‫ب ال ّ‬
‫حْزَبه ليكونوا من أصحا ِ‬
‫‪1‬‬

‫من يطيع عدّوه«‪.‬‬
‫‪ -‬في )ب(‪» :‬ومن يطيعه م ّ‬

‫حذ َْرنا‪ ،‬ونستعد ّ لعدّونا‪،‬‬
‫على ما قال‪ ،‬وعزم على فعله‪ ،‬لنأخذ َ منه ِ‬
‫منا بالط ُُرق التي يأتي منها ومداخله التي ينفذ‬
‫ونحترَز منه بعل ْ ِ‬
‫منها؛ فله تعالى علينا بذلك أكمل نعمة‪.‬‬
‫ﭽ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﭼ‪.‬‬

‫ج منها{‪:‬‬
‫}‪ {18‬أي‪ :‬قال الله لبليس لما قال ما قال‪} :‬اخُر ْ‬
‫صغار واحتقار‪ ،‬ل خروج إكرام‪ ،‬بل }مذؤومًا{؛ أي‪:‬‬
‫خروج َ‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫مذمومًا‪} ،‬مدحورا{‪ :‬مبعدا عن الله وعن رحمته وعن كل خير‪.‬‬
‫من ت َب ِعَ َ‬
‫م‬
‫}لمل ّ‬
‫ك منهم }أجمعين{‪ :‬وهذا قَ َ‬
‫س ٌ‬
‫ن جهّنم{‪ :‬منك ومـ ّ‬
‫من الّله تعالى أن النار دار العصاة‪ ،‬ل بد أن يملها من إبليس‬
‫وأتباعه من الجن والنس‪.‬‬

‫ﰈﰉ‬

‫ثم ح ّ‬
‫م شّره وفتنته فقال‪:‬‬
‫ذر آد َ َ‬
‫ﭽﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ‬
‫ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ‬
‫ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ‬
‫ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷﯷ ﯷ‬
‫ﭑ‬
‫ﯷ ﯷ‬
‫ﯷ ﯷ ﯷ‬
‫ﯷ‬
‫ﯷ ﰎ ﰒ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ‬
‫ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝﭼ‪.‬‬
‫}‪ {19‬أي‪ :‬أمر الّله تعالى آدم وزوجته حواء التي أنعم الّله‬
‫بها عليه ليسكن إليها أن يأكل من الجنة حيث شاءا ويتمتعا فيها‬
‫بما أرادا؛ إل أنه عّين لهما شجرة ً ونهاهما عن أكلها‪ ،‬والّله أعلم‬
‫ما هي‪ ،‬وليس في تعيينها فائدة ٌ لنا‪ ،‬وحّرم عليهما أكلها؛ بدليل‬
‫قوله‪} :‬فتكونا من الظالمين{‪.‬‬
‫ن لمر الّله حتى تغلغل إليهما‬
‫}‪ {20‬فلم يزال ممتثلي ِ‬
‫وه‬
‫ة خد َ َ‬
‫عدّوهما إبليس بمكره‪ ،‬فوسوس لهما وسوس ً‬
‫عهما بها وم ّ‬
‫عليهما وقال‪} :‬ما نه ُ‬
‫كما رّبكما عن هذه الشجرة إل ّ أن تكونا‬
‫ن{‪ :‬كما‬
‫مل َك َْين{؛ أي‪ :‬من جنس الملئكة‪} ،‬أو تكونا ِ‬
‫َ‬
‫ن الخالدي َ‬
‫م َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫كل‬
‫قال في الية الخرى‪} :‬هـل أد ُلك على شجرةِ ال ُ‬
‫خلد ِ ومل ٍ‬
‫ي َْبلى{‪.‬‬
‫}‪ {21‬ومع قوله هذا أقسم لهما بالّله‪} :‬إني لكما لمن‬
‫ت‪.‬‬
‫الناصحين{؛ أي‪ :‬من جملة الناصحين؛ حيث قلت لكما ما قل ُ‬
‫}‪ {22‬فاغتّرا بذلك‪ ،‬وغلبت الشهوة في تلك الحال على‬
‫العقل‪} ،‬فد ّ‬
‫لهما{؛أي‪ :‬أنزلهما عن رتبتهما العالية التي هي البعد ُ‬
‫وث بأوضاِرها‪ ،‬فأقدما على أكلها‪،‬‬
‫عن الذنوب والمعاصي إلى التل ّ‬
‫ت لهما سوآُتهما{؛ أي‪ :‬ظهرت عورة كل‬
‫ما ذاقا الشجرة َ ب َد َ ْ‬
‫}فل ّ‬
‫ة‪ ،‬فصار للعري الباطن من التقوى في‬
‫منهما بعدما كانت مستور ً‬

‫هذه الحال أثٌر في اللباس الظاهر حتى انخلع‪ ،‬فظهرت عوراُتهما‪،‬‬
‫صفان على عوراتهما من‬
‫ت عوراُتهما؛ َ‬
‫جَعل يخ ِ‬
‫جل و َ‬
‫خ ِ‬
‫ولما ظهر ْ‬
‫أوراق شجر الجنة ليستترا بذلك‪} ،‬وناداهما ربهما{‪ :‬وهما بتلك‬
‫الحال ـ موّبخا ً ومعاتبا ً ـ‪} :‬ألم أْنـهَ ُ‬
‫كما عن تلكما الشجرةِ وأقل‬
‫ي‬
‫لكما إ ّ‬
‫ن{‪ :‬فَل ِ َ‬
‫م اقترفُتما المنه ّ‬
‫ن الشيطان لكما عدوّ مبي ٌ‬
‫وأطعتما عدّوكما؟!‬
‫ن الّله عليهما بالتوبة وَقبولها‪ ،‬فاعترفا‬
‫}‪ {23‬فحينئذ ٍ َ‬
‫م ّ‬
‫بالذنب‪ ،‬وسأل من الّله مغفرَته‪ ،‬فقال‪}:‬رّبنا َ‬
‫سنا وإن لم‬
‫منا أن ُ‬
‫ف َ‬
‫ظل ْ‬
‫ن{؛ أي‪ :‬قد فعلنا الذنب‬
‫تغفْر لنا وتر َ‬
‫حـ ْ‬
‫ن من الخاسري َ‬
‫منا ل ََنكون َ ّ‬
‫)‪(1‬‬
‫الذي نّبهتنا عنه وأضررنا بأنفسنا باقتراف الذنب‪ ،‬وقد فعلنا‬
‫منا‬
‫ب الخسار إن لم تغفْر لنا بمحو أثر الذنب وعقوبته وتر َ‬
‫سب َ‬
‫حـ ْ‬
‫قبول التوبة والمعافاة من أمثال هذه الخطايا‪ ،‬فغفر الّله لهما‬
‫ب َ‬
‫دى‪ .‬هذا‬
‫م رّبه فغوى‪ .‬ثم اجتباه رّبه فتاب عليه وهَ َ‬
‫ذلك‪ ،‬وعصى آد ُ‬
‫ه‪ ،‬غير مقلع من عصيانه؛ فمن أشبه‬
‫وإبليس مستمّر على طغيان ِ ِ‬
‫آدم بالعتراف وسؤال المغفرة والندم والقلع إذا صدرت منه‬
‫الـ ّ‬
‫ب‬
‫ه إبليس إذا صدر منه الذن ُ‬
‫ذنوب؛ اجتباه ُ رّبه وهداه‪ ،‬ومن أشب َ‬
‫ل يزداد ُ من المعاصي؛ فإنه ل يزداد من الّله إل بعدا‪ً.‬‬
‫ل يزا ُ‬
‫ﭽ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ‬
‫ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁﮂ‬
‫ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﭼ )‪.(2‬‬
‫}‪ 24‬ـ ‪ {25‬أي‪ :‬لما أهبط الّله آدم وزوجته وذريتهما إلى‬
‫ة‪،‬‬
‫الرض؛ أخبرهما بحال إقامتهم فيها‪ ،‬وأنه جعل لهم فيها حيا ً‬
‫ة بالمتحان والبتلء‪ ،‬وأنهم ل يزالون فيها‪،‬‬
‫ت مشحون ً‬
‫يتلوها المو ُ‬
‫ل إليهم رسَله‪ ،‬وي ُن ْزِ ُ‬
‫س ُ‬
‫م الموت‬
‫ير ِ‬
‫ل عليهم كتبه‪ ،‬حتى يأت ِي َهُ ُ‬
‫ه‪ ،‬وأخرجهم منها إلى‬
‫فيدَفنون فيها‪ ،‬ثم إذا استكملوا ب َعََثهم الل ّ ُ‬
‫الدارِ التي هي الدار حقيقة‪ ،‬التي هي دار المقامة‪.‬‬
‫سر لهم من اللباس الضروري‬
‫ن عليهم بما ي ّ‬
‫}‪ {26‬ثم امت ّ‬
‫واللباس الذي المقصود منه الجمال‪ ،‬وهكذا سائر الشياء‬
‫كالطعام والشراب والمراكب والمناكح‪ ،‬ونحوها قد يسر الّله‬
‫ً )‪(3‬‬
‫مل ذلك‪ ،‬وبّين لهم أن هذا ليس مقصودا‬
‫للعباد ضرورّيها ومك ّ‬
‫ة لهم على عبادته وطاعته‪،‬‬
‫بالذات‪ ،‬وإّنما أنزله الّله ليكون معون ً‬
‫ي؛ فإن‬
‫ولهذا قال‪} :‬ولبا ُ‬
‫س الّتقوى ذلك خيٌر{‪ :‬من اللباس الحس ّ‬
‫لباس التقوى يستمّر مع العبد ول يبلى ول يبيد‪ ،‬وهو جمال القلب‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪3‬‬

‫ضّرْينا أنفسنا«‪.‬‬
‫ في )ب(‪» :‬نهيتنا عنه و َ‬‫ زيادة ل توجد في النسختين‪.‬‬‫‪ -‬في )ب(‪» :‬وأن هذا ليس مقصودًا«‪.‬‬

‫ي؛ فغايُته أن يسُتر العورة الظاهرة‬
‫والروح‪ ،‬وأما اللباس الظاهر ّ‬
‫في وقت من الوقات‪ ،‬أو يكون جمال ً للنسان‪ ،‬وليس وراء ذلك‬
‫ه الظاهرةُ‬
‫منه نفع‪ .‬وأيضًا؛ فبتقدير عدم هذا اللباس تنكشف عورت ُ ُ‬
‫فها مع الضرورة‪ ،‬وأما بتقدير عدم لباس‬
‫التي ل يضّره كش ُ‬
‫التقوى؛ فإنها تنكشف عورته الباطنة‪ ،‬وينال الخزيَ والفضيحة‪.‬‬
‫وقوله‪} :‬ذلك من آيات الّله لعّلهم يذ ّ ّ‬
‫ن{؛ أي‪ :‬ذلك المذكور‬
‫كرو َ‬
‫لكم من اللباس مما تذكرون به ما ينفُعكم‪ ،‬ويضّركم‪ ،‬وتستعينون‬
‫)‪ (1‬باللباس الظاهر على الباطن‪.‬‬
‫ﭽﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ‬
‫ﮘﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ‬

‫ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ‬
‫ﮡﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﭼ‪.‬‬

‫ﮗ‬

‫}‪ {27‬يقول تعالى مح ّ‬
‫ذرا ً لبني آدم أن يفعل بهم الشيطان‬
‫ن{‪ :‬بأن يزّين‬
‫كما فعل بأبيهم‪} :‬يا بني آدم ل ي َ ْ‬
‫م الشيطا ُ‬
‫فت ِن َن ّك ُ ُ‬
‫ن ويدعوكم إليه وير ّ‬
‫غبكـم فيه فتنقادون له‪} ،‬كما‬
‫لكم العصيـا َ‬
‫ج أب َوَْيكم من الجنة{‪ :‬وأنزلهما من المح ّ‬
‫ل العالي إلى أنزل‬
‫أخر َ‬
‫منه؛ فأنتم يريد أن يفعل بكم كذلك ول يألو جهده عنكم حتى‬
‫حذ ََر منه في )‪ (2‬بالكم‪،‬‬
‫يفت َِنكم إن استطاع؛ فعليكم أن تجعلوا ال َ‬
‫ة الحرب بيَنكم وبينه‪ ،‬وأن ل تغفلوا عن المواضع‬
‫وأن ت َل َْبسوا لم َ‬
‫التي يدخل منها إليكم‪ .‬فإّنه يراقُِبكم على الدوام‪ ،‬و}يراكم هو‬
‫ه{‪ :‬من شياطين الجن}من حيث ل ت ََروَْنهم إنا جعلنا‬
‫وَقبيل ُ ُ‬
‫ب‬
‫م اليمان هو الموج ُ‬
‫ن أولياَء للذين ل يؤمنو َ‬
‫ن{‪ :‬فعد ُ‬
‫الشياطي َ‬
‫ن على‬
‫س له سلطا ٌ‬
‫لعقد الولية بين النسان والشيطان‪} .‬إّنه لي َ‬
‫م ي َت َوَ ّ‬
‫ه‬
‫كلو َ‬
‫ه على الذين ي َت َوَل ّوْن َ ُ‬
‫ن‪ .‬إّنما سلطان ُ ُ‬
‫الذين آمنوا َوعلى رب ّهِ ْ‬
‫ن{‪.‬‬
‫والذين هم ب ِهِ مشركو َ‬

‫ﭽ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜﯝ ﯞ‬
‫ﯷ ﯷ‬
‫ﯯ ﯰ ﯱ ﯲﯷ ﯷ‬
‫ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ‬
‫ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﰈ ﰉ ﭼ‪.‬‬
‫}‪ {28‬يقول تعالى مبّينا ً لقبح حال المشركين الذين يفعلون‬
‫ة{‪ :‬وهي‬
‫ه أمرهم بها‪} :‬وإذا فعلوا فاحش ً‬
‫الذنوب وينسبون أن الل ّ َ‬
‫كل ما ُيستفحش وُيستقبح‪ ،‬ومن ذلك طوافهم بالبيت عراة‪،‬‬
‫مَرنا بها{‪:‬‬
‫ص َ‬
‫ج ْ‬
‫}قالوا وَ َ‬
‫هأ َ‬
‫دقوا في هذا‪} ،‬والل ّ ُ‬
‫دنا عليها آباَءنا{‪ :‬و َ‬
‫ن‬
‫وكذبوا في هذا‪ ،‬ولهذا رد ّ الّله عليهم هذه النسبة‪ ،‬فقال‪} :‬قل إ ّ‬
‫الّله ل يأمُر بالفحشاء{؛ أي‪ :‬ل يليق بكماله وحكمته أن يأمر‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬وتشبهون«‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬من«‪.‬‬

‫ده بتعاطي الفواحش‪ ،‬ل هذا الذي يفعله المشركـون ول غيره‪،‬‬
‫عبا َ‬
‫ن{‪ :‬وأيّ افتراء أعظم من هذا ؟‬
‫ن على الّله ما ل ت َعَْلمو َ‬
‫}أتقولو َ‬
‫سط{؛‬
‫مَر رّبـي بال ِ‬
‫ق ْ‬
‫}‪ {29‬ثم ذكر ما يأمر به‪ ،‬فقال‪} :‬قل أ َ‬
‫أي‪ :‬بالعدل في العبادات والمعاملت‪ ،‬ل بالظلم والجور‪} ،‬وأقيموا‬
‫هكم عند ك ّ‬
‫جهوا لّله‪ ،‬واجتهدوا في تكميل‬
‫وجو َ‬
‫ل مسج ٍ‬
‫د{؛ أي‪ :‬تو ّ‬
‫قوها من كل‬
‫العبادات‪ ،‬خصوصا ً الصلة‪ ،‬أقيموها ظاهرا ً وباطنًا‪ ،‬ون ّ‬
‫ن{؛ أي‪ :‬قاصدين بذلك‬
‫من َ ّ‬
‫ُ‬
‫قص ومفسد‪} .‬وادعوه مخلصين له الدي َ‬
‫ده ل شريك له‪ ،‬والدعاء يشمل دعاء المسألة ودعاء‬
‫وجهه وح َ‬
‫)‪(1‬‬
‫دون ول تقصدون من الغراض في دعائكم‬
‫العبادة؛ أي‪ :‬ل تري ُ‬
‫ن{‪:‬‬
‫سوى عبودية الّله ورضاه‪} ،‬كما بدأكم{‪ :‬أول مرة }تعودو َ‬
‫للبعث؛ فالقادر على بدء خلقكم قادٌر على إعادته‪ ،‬بل العادةُ‬
‫أهون من البداَءة‪.‬‬
‫ه؛ أي‪ :‬وّفقهم للهداية‬
‫}‪} {30‬فريقًا{‪ :‬منكم‪} ،‬هَ َ‬
‫دى{‪ :‬الل ّ ُ‬
‫سر لهم أسبابها وصرف عنهم موانعها‪} ،‬وفريقا ً حقّ عليهم‬
‫وي ّ‬
‫ضللة بما تسّببوا لنفسهم وعملوا‬
‫ضللة{؛ أي‪ :‬وجبت عليهم ال ّ‬
‫ال ّ‬
‫ّ‬
‫ه{؛‬
‫ن أولياء من دون الل ِ‬
‫بأسباب الغواية‪ .‬فإّنهم }اّتخذوا الشياطي َ‬
‫مِبينًا؛‬
‫ومن يّتخذ الشيطان ولّيا من دون الّله؛ فقد خسر خسرانا ً ُ‬
‫فحين انسلخوا من ولية الرحمن واستحبوا ولية الشيطان؛ حصل‬
‫كلوا إلى أنفسهم فخسروا‬
‫ب الوافر من الخذلن‪ ،‬ووُ ِ‬
‫لهم النصي ُ‬
‫ن{‪ :‬لنهم انقلبت‬
‫ن أّنهم مهتدو َ‬
‫أشد الخسران‪} .‬وهم يحسبو َ‬
‫قا والحقّ باط ً‬
‫ل‪.‬‬
‫ق‪ ،‬فظّنوا الباطل ح ّ‬
‫عليهم الحقائ ُ‬
‫وفي هذه اليات دلي ٌ‬
‫ل على أن الوامر والنواهي تابعة‬
‫ور أن يأمر بما‬
‫للحكمة والمصلحة؛ حيث ذكر تعالى أنه ل ي ُت َ َ‬
‫ص ّ‬
‫تستفحشه وتنكره العقول‪ ،‬وأنه ل يأمر إل بالعدل والخلص‪.‬‬
‫وفيه دلي ٌ‬
‫مّنه‪ ،‬وأن الضللة‬
‫ل على أن الهداية بفضل الّله و َ‬
‫)‪(2‬‬
‫ن‪ ،‬وتسّبب‬
‫بخذلنه للعبد إذ تولى ـ بجهله وظلمه ـ الشيطا َ‬
‫لنفسه بالضلل‪ ،‬وأن من حسب أنه مهتد ٍ وهو ضا ّ‬
‫ل فإنه ل عذر‬
‫له؛ لنه متم ّ‬
‫كن من الهدى‪ ،‬وإنما أتاه حسبانه من ظلمه بترك‬
‫الطريق الموصل إلى الهدى‪.‬‬
‫ﭽﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ‬
‫ﭡ ﭢ ﭼ‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬ل تراؤوا ول تقصدوا«‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬إذا توّلى«‪.‬‬

‫ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ‬

‫ﭜﭝ ﭞ‬

‫ﭟ ﭠ‬

‫}‪ {31‬يقول تعالى بعدما أنزل على بني آدم لباسا ً يواري‬
‫د{؛ أي‪:‬‬
‫سوآتهم وريشًا‪} :‬يا بني آدم ُ‬
‫خذوا زينتكم عند كل مسج ٍ‬
‫استروا عوراتكم عند الصلة كّلها فرضها ونفلها؛ فإن سترها زينة‬
‫ن المراد‬
‫للبدن؛ كما أن كشفها يدع البدن قبيحا ً مشوهًا‪ ،‬ويحتمل أ ّ‬
‫بالزينة هنا ما فوق ذلك من اللباس النظيف الحسن‪ .‬ففي هذا‬
‫المر بستر العورة في الصلة وباستعمال التجمل فيها ونظافة‬
‫السترة من الدناس والنجاس‪ .‬ثم قال‪} :‬وكلوا واشربوا{؛ أي‪:‬‬
‫رفوا{‪ :‬في ذلك‪،‬‬
‫مما رزقكم الّله من الطيبات‪} ،‬ول تس ِ‬
‫والسراف إما أن يكون بالزيادة على القدر الكافي والشره في‬
‫المأكولت التي تضر )‪ (1‬بالجسم‪ ،‬وإما أن يكون بزيادة الترّفه‬
‫وق في المآكل والمشارب واللباس‪ ،‬وإما بتجاوز الحلل إلى‬
‫والتن ّ‬
‫ب المسرفين{‪ :‬فإن السرف يبغضه الّله‪،‬‬
‫الحرام‪} .‬إّنه ل يح ّ‬
‫دت به الحا ُ‬
‫ل إلى أن‬
‫ويضّر بدن النسان ومعيشته‪ ،‬حتى إنه ربما أ ّ‬
‫يعجز عما يجب عليه من النفقات‪ .‬ففي هذه الية الكريمة المر‬
‫بتناول الكل والشرب والنهي عن تركهما وعن السراف فيهما‪.‬‬
‫ﭽﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ‬
‫ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ‬
‫ﭵ ﭶ ﭷ ﭸﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ‬
‫ﮕ ﮖ ﮗ‬
‫ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ‬
‫ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ‬
‫ﮜ ﮝﭼ‪.‬‬
‫ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ‬
‫}‪ {32‬يقول تعالى منكرا ً على من تعّنت وحّرم ما أح ّ‬
‫ل الّله‬
‫ة الّله التي أخرج لعباده{‪ :‬من‬
‫م زين َ‬
‫ن َ‬
‫حّر َ‬
‫من الطيبات‪} :‬قل َ‬
‫م ْ‬
‫أنواع اللباس على اختلف أصنافه والطيبات من الرزق من مأكل‬
‫ومشرب بجميع أنواعه؛ أي‪ :‬من هذا الذي يقدم على تحريم ما‬
‫أنعم الّله بها على العباد؟ ومن ذا الذي يضّيق عليهم ما وسعه‬
‫الّله؟ وهذا التوسيع من الّله لعباده بالطيبات جعله لهم ليستعينوا‬
‫حه إل لعباده المؤمنين‪ ،‬ولهذا قال‪} :‬قل‬
‫به على عبادته فلم ي ُب ِ ْ‬
‫ة يوم القيامة{؛ أي‪ :‬ل‬
‫دنيا خالص ً‬
‫هي للذين آمنوا في الحياة ال ّ‬
‫تبعة عليهم فيها‪ .‬ومفهوم الية أن من لم يؤمن بالّله بل استعان‬
‫بها على معاصيه؛ فإنها غير خالصة له ول مباحة‪ ،‬بل يعاقب عليها‬
‫صل‬
‫وعلى التنّعم بها‪ ،‬ويسأل عن النعيم يوم القيامة‪} .‬كذلك نف ّ‬
‫اليات{؛ أي‪ :‬نوضحها ونبّينها‪} ،‬لقوم يعلمون{‪ :‬لنهم الذين‬
‫صله الّله من اليات‪ ،‬ويعلمون أنها من عند الّله‪،‬‬
‫ينتفعون بما ف ّ‬
‫فيعقلونها ويفهمونها‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬الذي يضّر«‪.‬‬

‫}‪ {33‬ثم ذكر المحرمات التي حّرمها الّله في ك ّ‬
‫ل شريعة‬
‫من الشرائع‪ ،‬فقال‪} :‬ق ْ‬
‫ل إّنما حّرم رّبـي الفواحش{؛ أي‪ :‬الذنوب‬
‫الكبار التي ُتستفحش‪ ،‬وتستقبح لشناعتها وقبحها‪ ،‬وذلك كالّزنا‬
‫واللواط ونحوهما‪ .‬وقوله‪} :‬ما ظهر منها وما بطن{؛ أي‪:‬‬
‫الفواحش التي تتعّلق بحركات البدن والتي تتعّلق بحركات‬
‫جب والرياء والنفاق ونحو ذلك‪} ،‬والثم‬
‫القلوب؛ كالكبر والعُ ْ‬
‫ق{؛ أي‪ :‬الذنوب التي تؤثم وتوجب العقوبة في‬
‫والبغي بغير الح ّ‬
‫حقوق الّله‪ ،‬والبغي على الناس في دمائهـم وأموالهـم‬
‫وأعراضهم‪ .‬فدخـل في هذا الذنوب المتعلقة بحق الّله والمتعلقة‬
‫ركوا بالّله ما لم ينّز ْ‬
‫ل به سلطانًا{؛ أي‪:‬‬
‫بحق العباد‪} ،‬وأن تش ِ‬
‫حجة‪ ،‬بل أنزل الحجة والبرهان على التوحيد‪ .‬والشرك هو أن‬
‫شَر َ‬
‫يُ ْ‬
‫ك مع الّله في عبادته أحد ٌ من الخلق‪ ،‬وربما دخل في هذا‬
‫الشرك الصغر؛ كالرياء والحلف بغير الّله ونحو ذلك‪} ،‬وأن‬
‫ه‬
‫ن{‪ :‬في أسمائ ِهِ وصفات ِهِ وأفعال ِ ِ‬
‫تقولوا على الّله ما ل تعلمو َ‬
‫ه؛ فكل هذه قد حرمها الّله ونهى العباد عن تعاطيها؛ لما‬
‫وشر ِ‬
‫ع ِ‬
‫فيها من المفاسد الخاصة والعامة‪ ،‬ولما فيها من الظلم والتجري‬
‫على الّله والستطالة على عباد الّله وتغيير دين الّله وشرعه‪.‬‬

‫ﭽ ﮞ ﮟ ﮠﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﭼ‪.‬‬
‫}‪ {34‬أي‪ :‬وقد أخرج الّله بني آدم إلى الرض‪ ،‬وأسكنهم‬
‫دم أمة من المم على وقتها‬
‫مى‪ ،‬ل تتق ّ‬
‫فيها‪ ،‬وجعل لهم أجل ً مس ّ‬
‫خر‪ ،‬ل المم المجتمعة ول أفرادها‪.‬‬
‫مى ول تتأ ّ‬
‫المس ّ‬
‫ﭽ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ‬
‫ﯬ ﯭ‬
‫ﯫ‬
‫ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨﯩ ﯪ‬

‫ﯛ ﯜ ﯝ‬

‫ﭼ‪.‬‬

‫}‪ {35‬لما أخرج الّله بني آدم من الجنة؛ ابتلهم بإرسال‬
‫صون عليهم آيات الّله ويبّينون لهم‬
‫الرسل وإنزال الكتب عليهم يق ّ‬
‫أحكامه‪ .‬ثم ذكر فض َ‬
‫ب‬
‫ل من استجاب لهم وخساَر من لم يستج ْ‬
‫ن اّتقى{‪ :‬ما حرم الّله من الشرك والكبائر‬
‫لهم‪ ،‬فقال‪} :‬فم ِ‬
‫ف‬
‫والصغائر‪} ،‬وأصلح{‪ :‬أعماله الظاهرة والباطنة‪} ،‬فل خو ٌ‬
‫ن{‪:‬‬
‫عليهم{‪ :‬من الشّر الذي قد يخافه غيرهم‪} ،‬ول هم يحزنو َ‬
‫م‬
‫على ما مضى‪ .‬وإذا انتفى الخو ُ‬
‫ف والحز ُ‬
‫ن التا ّ‬
‫ن؛ حصل الم ُ‬
‫والسعادة والفلح البدي‪.‬‬
‫}‪} {36‬والذين ك ّ‬
‫ذبوا بآياتنا واستكبروا عنها{؛ أي‪ :‬ل آمنت‬
‫ب النار هم‬
‫بها قلوبهم ول انقادت لها جوارحهم‪} ،‬أولئك أصحا ُ‬

‫فيها خالدون{‪ :‬كما استهانوا بآياته‪ ،‬ولزموا التكذيب بها؛ أهينوا‬
‫ب الدائم الملزم‪.‬‬
‫بالعذا ِ‬

‫ﯷﯷ ﯷ ﯷ ﯷ‬
‫ﯶ‬
‫ﯵ‬
‫ﯲ ﯳ ﯴ‬
‫ﯰ ﯱ‬
‫ﭽ ﯮ ﯯ‬
‫ﰈ ﰉ ﯷ ﯷﯷ ﯷ‬
‫ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ‬
‫ﯼ ﯽﯾ ﯿ ﯷ‬
‫ﰎﰒﰒﰒﰒﰒﰒﰒﰒﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ‬
‫ﯷ ﯷ‬
‫ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ‬
‫ﭠ ﭡ ﭢ ﭣﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ‬
‫ﭛ ﭜ ﭝﭞ ﭟ‬
‫ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ‬
‫ﭸ ﭹ ﭺ‬
‫ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴﭵ ﭶ ﭷ‬
‫)‪(1‬‬
‫ﮊ ﮋﭼ ‪.‬‬
‫ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ‬
‫ﭿ ﮀ ﮁ‬
‫ن افترى على الله كذبًا{‪:‬‬
‫}‪ {37‬أي‪ :‬ل أحد أظلم }مـ ّ‬
‫م ِ‬
‫)‪(2‬‬
‫ول عليه ما لم يقل‪} ،‬أو‬
‫بنسبة الشريك له والنقص له والتق ّ‬
‫ك ّ‬
‫ذب بآياته{‪ :‬الواضحة المبينة للحقّ المبين الهادية إلى الصراط‬
‫المستقيم؛ فهؤلء وإن تمتعوا بالدنيا ونالهم نصيبهم مما كان‬
‫مكتوبا ً لهم في اللوح المحفوظ؛ فليس ذلك بمغن عنهم شيئا‪ً،‬‬
‫ٍ‬
‫ُ‬
‫ذبون طوي ً‬
‫يتمّتعون قليل ً ثم يع ّ‬
‫سلنا‬
‫ل‪} .‬حتى إذا جاءتهم ر ُ‬
‫ونهم{؛ أي‪ :‬الملئكة الموكلون بقبض أرواحهم واستيفاء‬
‫يتوفّ ْ‬
‫آجالهم‪} ،‬قالوا{‪ :‬لهم في تلك الحالة توبيخا ً وعتابًا‪} :‬أين ما كنتم‬
‫ن الّله{‪ :‬من الصنام والوثان؛ فقد جاء وقت‬
‫تَ ْ‬
‫دعون من دو ِ‬
‫ضّلوا عنا{؛‬
‫الحاجة إن كان فيها منفع ٌ‬
‫ة لكم أو دفع مضرة‪} ،‬قالوا َ‬
‫أي‪ :‬اضمحلوا وبطلوا‪ ،‬وليسوا مغنين عّنا من عذاب الّله من‬
‫سهم أنهم كانوا كافرين{‪ :‬مستحقين‬
‫شيء‪} ،‬وشهدوا على أنف ِ‬
‫للعذاب المهين الدائم‪.‬‬
‫خلوا في أمم{؛ أي‪:‬‬
‫}‪ 38‬ـ ‪ {39‬فقالت لهم الملئكة‪} :‬اد ُ‬
‫ن والنس{؛ أي‪:‬‬
‫في جملة أمم }قد خلت من قبلكم من الج ّ‬
‫مضوا على ما مضيتم عليه من الكفر والستكبار‪ ،‬فاستحق‬
‫ة{‪ :‬من المم العاتية النار‪،‬‬
‫ت أم ٌ‬
‫الجميعُ الخزيَ والبواَر‪} .‬كّلما دخل ْ‬
‫ضكم‬
‫م القيامةِ يك ُ‬
‫فُر بع ُ‬
‫ت أخَتها{؛ كما قال تعالى‪} :‬ويو َ‬
‫}لعن ْ‬
‫داركوا فيها جميعًا{؛ أي‪:‬‬
‫ن بعضكم بعضًا{‪} ،‬حّتى إذا ا ّ‬
‫ض ويلع ُ‬
‫ببع ٍ‬
‫اجتمع في النار جميع أهلها من الولين والخرين والقادة‬
‫والرؤساء والمقّلدين التباع‪} ،‬قالت أخراهم{؛ أي‪ :‬متأخروهم‬
‫المتبعون للرؤساء‪} ،‬لولهم{‪ :‬أي‪ :‬لرؤسائهم شاكين إلى الله‬
‫إضللهم إياهم‪} :‬رّبنـا هـؤلء أضـّلونا فآتهم عذابا ً ضعفا ً من‬

‫‪1‬‬

‫‪ -‬اليات ما بين المعقوفتين زيادة ل توجد في »النسختين«‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫ول«‪.‬‬
‫‪ -‬في )ب(‪» :‬أو التق ّ‬

‫النار{؛ أي‪ :‬عذ ّْبهم عذابا ً مضاعفا ً لّنهم أضّلونا وزينوا لنا العمال‬
‫الخبيثة‪.‬‬
‫فقالت }أولهم لخراهم{؛ أي‪ :‬الرؤساء قالوا لتباعهم‪:‬‬
‫ي‬
‫}فما كان لكم علينا من فضل{؛ أي‪ :‬قد اشتركنا جميعا ً في الغ ّ‬
‫ل لكم علينا؟‬
‫والضلل‪ ،‬وفي فعل أسباب العذاب؛ فأيّ فض ٍ‬
‫}قال{ الّله‪} :‬لك ّ‬
‫ف{‪ :‬ونصيب من العذاب‪،‬‬
‫ل{ منكم }ضع ٌ‬
‫ن{‪ :‬ولكنه من المعلوم أن‬
‫}فذوقوا العذاب بما كنتم تك ِ‬
‫سبو َ‬
‫عذاب الرؤساء وأئمة الضلل أبلغُ وأشنعُ من عذاب التباع؛ كما‬
‫ن نعيم أئمة الهدى ورؤسائه أعظم من ثواب التباع؛ قال تعالى‪:‬‬
‫أ ّ‬
‫ب‬
‫}الذين ك َ َ‬
‫دوا عن سبيل الل ّهِ زِ ْ‬
‫فروا وص ّ‬
‫دناهم عذابا ً فوق العذا ِ‬
‫سدون{‪ .‬فهذه اليات ونحوها دّلت على أن سائر‬
‫بما كانوا ي ُ ْ‬
‫ف ِ‬
‫أنواع المكذبين بآيات الّله مخّلدون في العذاب مشتركون فيه‬
‫وفي أصله‪ ،‬وإن كانوا متفاوتين في مقداره بحسب أعمالهم‬
‫وعنادهم وظلمهم وافترائهم وأن مودتهم التي كانت بيَنهم في‬
‫ة‪.‬‬
‫دنيا تنقلب يوم القيامة عداوة ً وملعن ً‬
‫ال ّ‬
‫ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ‬
‫ﭽﮌ ﮍ ﮎ‬
‫ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫﮬ ﮭ ﮮ ﮯ‬
‫ﮰ ﭼ‪.‬‬

‫}‪ {40‬يخبر تعالى عن عقاب من ك ّ‬
‫ن بها‬
‫ذب بآياته فلم يؤم ْ‬
‫ت واستكبر عنها فلم ينقد ْ لحكامها بل ك ّ‬
‫ذب‪،‬‬
‫مع أنها آيات بينا ٌ‬
‫وتولى أنهم آيسون من ك ّ‬
‫ب السماء لرواحهم‬
‫ح أبوا ُ‬
‫ل خير؛ فل تفت ّ ُ‬
‫ن لها؛‬
‫ن‪ ،‬فل يؤذ َ ُ‬
‫ج إلى الّله‪ ،‬فتستأذ ُ‬
‫إذا ماتوا‪ ،‬وصعدت تريد العرو َ‬
‫ّ‬
‫كما لم تصعد ْ في الدنيا إلى اليمان بالله ومعرفته ومحبته‪ ،‬كذلك‬
‫ل تصعد بعد الموت؛ فإن الجزاء من جنس العمل‪.‬‬
‫ن أرواح المؤمنين المنقادين لمرِ الّله‬
‫ومفهوم الية أ ّ‬
‫دقين بآياته تفّتح لها أبواب السماء حتى تعرج إلى الّله‪،‬‬
‫المص ّ‬
‫ج بالقرب من‬
‫ي‪ ،‬وتبته َ‬
‫وتصل إلى حيث أراد الّله من العالم العلو ّ‬
‫رّبها والح ُ‬
‫ن الجّنة‬
‫ظوةِ برضوانه‪ .‬وقوله عن أهل النار‪} :‬ول يد ُ‬
‫خلو َ‬
‫ج الجم ُ‬
‫ط{؛ أي‪:‬‬
‫م ال ِ‬
‫خيا ِ‬
‫حتى يل َ‬
‫ل{‪ :‬وهو البعير المعروف }في َ‬
‫س ّ‬
‫خ َ‬
‫ل البعير الذي هو من أكبر الحيوانات جسما ً في خرق‬
‫حتى يد ُ‬
‫البرة الذي هو من أضيق الشياء‪ .‬وهذا من باب تعليق الشيء‬
‫بالمحال؛ أي‪ :‬فكما أنه محا ٌ‬
‫ط؛‬
‫م الخيا ِ‬
‫ل دخول الجمل في َ‬
‫س ّ‬
‫ذبون بآيات الّله محا ٌ‬
‫فكذلك المك ّ‬
‫ل دخولهم الجنة؛ قال تعالى‪:‬‬
‫شرِ ْ‬
‫}إّنه من ي ُ ْ‬
‫ة ومأواه الناُر{؛‬
‫ه عليه الجن َ‬
‫ك بالّله فقد حّرم الل ّ ُ‬
‫مهم‪،‬‬
‫وقال هنا‪} :‬وكذلك ن َ ْ‬
‫ن{؛ أي‪ :‬الذين ك َث َُر إجرا ُ‬
‫جزي المجرمي َ‬
‫واشتد ّ طغياُنهم‪.‬‬

‫د{؛ أي‪ :‬فراش من تحتهم‪،‬‬
‫م ِ‬
‫مها ٌ‬
‫}‪} {41‬لهم من جهن ّ َ‬
‫}ومن فوقِِهم َ‬
‫ش{؛ أي‪ :‬ظلل من العذاب تغشاهم‪} ،‬وكذلك‬
‫غوا ٍ‬
‫جزي الظالمين{‪ :‬لنفسهم جزاًء وفاقًا‪ ،‬وما رّبك بظلم للعبيد‪.‬‬
‫نَ ْ‬

‫ﯚ ﯛ ﯜ ﯝﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ‬
‫ﭽﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ‬
‫ﯶ ﯷ ﯸ‬
‫ﯴ ﯵ‬
‫ﯣ ﯧ ﯤ ﯥﯧﯧ ﯦﯧ ﯧﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬﯭﯧﯧ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ‬
‫ﯷ ﯷ‬
‫ﯷ ﯷﯷ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﯷﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﰈﰉ‬
‫ﭼ‪.‬‬
‫}‪ {42‬لما ذكر تعالى عقاب العاصين الظالمين؛ ذ َك ََر ثواب‬
‫المطيعين‪ ،‬فقال‪} :‬والذين آمنوا{‪ :‬بقلوبهم‪} ،‬وعملوا‬
‫الصالحات{‪ :‬بجوارحهم؛ فجمعوا بين اليمان والعمل‪ ،‬بين‬
‫العمال الظاهرة والعمال الباطنة‪ ،‬بين فعل الواجبات وترك‬
‫ما‬
‫ملوا الصالحا ِ‬
‫المحرمات‪ ،‬ولما كان قوله‪} :‬وع َ ِ‬
‫ت{ لفظا ً عا ّ‬
‫يشمل جميع الصالحات الواجبة والمستحبة‪ ،‬وقد يكون بعضها غير‬
‫سَعها{؛ أي‪:‬‬
‫مقدور للعبد؛ قال تعالى‪} :‬ل ن ُك َل ّ ُ‬
‫ف نفسا ً إل ّ وُ ْ‬
‫بمقدار ما تسعه طاقتها ول يعسر على قدرتها؛ فعليها في هذه‬
‫الحال أن تتقي الّله بحسب استطاعتها‪ ،‬وإذا عجزت عن بعض‬
‫الواجبات التي يقدر عليها غيرها؛ سقطت عنها؛ كما قال تعالى‪:‬‬
‫ف الّله نفسا ً إل ّ ما‬
‫سَعها{‪} ،‬ل ي ُك َل ّ ُ‬
‫}ل ي ُك َل ّ ُ‬
‫ه نفسا ً إل ّ وُ ْ‬
‫ف الل ّ ُ‬
‫جعَ َ‬
‫حَرج{‪} ،‬فاّتقوا الّله ما‬
‫ن ِ‬
‫ن َ‬
‫ل عليكم في ال ّ‬
‫آتاها{‪} ،‬ما َ‬
‫م ْ‬
‫دي ِ‬
‫استطعُتم{؛ فل واجب مع العجز‪ ،‬ول محّرم مع الضرورة‪.‬‬
‫ب‬
‫}أولئك{؛ أي‪ :‬المتصفون باليمان والـعـمل الـصـالـح‪} ،‬أصحا ُ‬
‫الجنة هم فيها خالدون{؛ أي‪ :‬ل يحولون عنها ول يبغون بها بد ً‬
‫ل؛‬
‫لنهم ي ََرْون فيها من أنواع الل ّ ّ‬
‫ف‬
‫ذات وأصناف المشتهيات ما تق ُ‬
‫عنده الغايات‪ ،‬ول يطلب أعلى منه‪.‬‬
‫صدورهم من ِغ ّ‬
‫ل{‪ :‬وهذا من كرمه‬
‫}‪} {43‬ونزعنا ما في ُ‬
‫ً‬
‫ن الغ ّ‬
‫ل الذي كان موجودا في قلوبهم‬
‫وإحسان ِهِ على أهل الجنة؛ أ ّ‬
‫والتنافس الذي بينهم أن الّله يقلعه ويزيله حتى يكونوا إخوانا ً‬
‫متحاّبين وأخ ّ‬
‫لء متصافين؛ قال تعالى‪} :‬ونزعنا ما في صدورهم‬
‫من غ ّ‬
‫ن{‪ ،‬ويخل ُقُ الّله لهم من الكرامة‬
‫ل إخوانا ً على ُ‬
‫سُررٍ متقابلي َ‬
‫ل لك ّ‬
‫ص ُ‬
‫ة والسرور‪ ،‬ويرى أنه ل فوق‬
‫ل واحد منهم الغِب ْط َ َ‬
‫ما به يح ُ‬
‫م؛ فبهذا يأمنون من التحاسد والتباغض؛‬
‫ما هو فيه من النعيم نعي ٌ‬
‫لنه قد فقدت أسبابه‪] .‬و[قوله‪} :‬تجري من تحتهم النهار{؛ أي‪:‬‬
‫جرونها تفجيرا ً حيث شاؤوا وأين أرادوا‪ ،‬إن شاؤوا في خلل‬
‫يف ّ‬
‫القصور أو في تلك الغرف العاليات أو في رياض الجنات من‬
‫تحت تلك الحدائق الزاهرات‪ ،‬أنهار تجري في غير أخدود‪،‬‬
‫د‪} .‬و{ لهذا لما رأوا ما أنعم الّله‬
‫ت ليس لها حد ّ محدو ٌ‬
‫وخيرا ٌ‬

‫ن‬
‫عليهم وأكرمهم به؛ }قالوا الحمد ُ لّله الذي هدانا لهذا{‪ :‬بأن م ّ‬
‫ت للعمال الموصلةِ إلى‬
‫علينا وأوحى إلى قلوبنا فآمنت به وانقاد ْ‬
‫صَلنا بها إلى‬
‫هذه الدار‪ ،‬وحفظ الّله علينا إيماننا وأعماَلنا حتى أو َ‬
‫ب الكريم الذي ابتدأنا بالنعم‪ ،‬وأسدى من‬
‫هذه الدار‪ ،‬فنعم الر ّ‬
‫دون‪.‬‬
‫ده العا ّ‬
‫النعم الظاهرة والباطنة ما ل يحصيه المحصون ول يع ّ‬
‫ة‬
‫}وما كّنا لنهتديَ لول أن هدانا الّله{؛ أي‪ :‬ليس في نفوسنا قابلي ٌ‬
‫س ُ‬
‫ل‬
‫ن بهدايته واّتباع رسله‪} ،‬لقد جاءت ر ُ‬
‫للهدى‪ ،‬لول أّنه تعالى م ّ‬
‫رّبنا بالحق{؛ أي‪ :‬حين كانوا يتمّتعون بالنعيم الذي أخبرت به‬
‫ن لهم قالوا‪ :‬لقد‬
‫ن لهم بعد أن كان علم يقي ٍ‬
‫الرسل وصار حقّ يقي ٍ‬
‫ققنا ورأينا ما وعدتنا به الرس ُ‬
‫ق‬
‫تح ّ‬
‫ل وأ ّ‬
‫ن جميع ما جاؤوا به ح ّ‬
‫ة لهم وإكراما ً وتحية‬
‫ة فيه ول إشكال‪} .‬ونودوا{‪ :‬تهنئ ً‬
‫مْري َ َ‬
‫اليقين ل ِ‬
‫م الجنة أورثتموها{؛ أي‪ :‬كنتم الوارثين لها‪،‬‬
‫واحتراما ً }أن ت ِل ْك ُ ُ‬
‫وصارت إقطاعا ً لكم إذ كان إقطاع الكفار النار‪ ،‬أورثتموها }بما‬
‫وا من النار بعفو‬
‫ض السلف‪ :‬أهل الجنة ن َ َ‬
‫كنتم تعملو َ‬
‫ن{‪ :‬قال بع ُ‬
‫ج ْ‬
‫الّله‪ ،‬وأدخلوا الجنة برحمة الّله‪ ،‬واقتسموا المنازل‪ ،‬وورثوها‬
‫بالعمال الصالحة‪ ،‬وهي من رحمته‪ ،‬بل من أعلى أنواع رحمته‪.‬‬
‫ﭽﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ‬
‫ﭢﭣ ﭤ ﭥﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ‬
‫ﭺ ﭼ‪.‬‬
‫ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ‬
‫}‪ 44‬ـ ‪ {45‬يقول تعالى بعد ما ذكر استقرار ك ّ‬
‫ل من‬
‫)‪(1‬‬
‫ت به‬
‫الفريقين في الدارين ووجدا ما أخبرت به الّرسل ونطق ْ‬
‫ب من الثواب والعقاب‪ :‬إن أهل الجنة نادوا أصحاب النار بأن‬
‫الكت ُ‬
‫قا{‪ :‬حين وعدنا على اليمان‬
‫دنا رّبنا ح ّ‬
‫دنا ما وَع َ َ‬
‫ج ْ‬
‫قالوا‪} :‬أن قد وَ َ‬
‫والعمل الصالح الجنة‪ ،‬فأدخلناها وأرانا ما وصفه لنا‪} ،‬فهل وجدُتم‬
‫قا قالوا نعم{‪ :‬قد‬
‫ما وعدكم ربكم{‪ :‬على الكفر والمعاصي }ح ّ‬
‫قا‪ ،‬فتبين للخلق كّلهم بيانا ً ل ش ّ‬
‫ك فيه صدق وعد الّله‪،‬‬
‫وجدناه ح ّ‬
‫ومن أصدق من الّله قي ً‬
‫ل‪ ،‬وذهبت عنهم الشكوك والشبه‪ ،‬وصار‬
‫المر حقّ اليقين‪ ،‬وفرح المؤمنون بوعد الّله واغتبطوا‪ ،‬وأيس‬
‫الكفار من الخير‪ ،‬وأقروا على أنفسهم بأنهم مستحقون للعذاب‪.‬‬
‫}فأ ّ‬
‫ن بينهم{؛ أي‪ :‬بين أهل النار وأهل الجنة بأن قال‪:‬‬
‫ذن مؤذ ٌ‬
‫ة الّله{؛ أي‪ :‬بعده وإقصاؤه عن كل خير }على‬
‫}أن لعن ُ‬
‫دفوا أنفسهم عنها‬
‫ب رحمت ِ ِ‬
‫ه‪ ،‬فص َ‬
‫الظالمين{‪ :‬إذ فتح الّله لهم أبوا َ‬
‫دوا غيرهم فضّلوا‬
‫دوا عن سبيل الّله بأنفسهم وص ّ‬
‫ظلما ً وص ّ‬
‫ة ويعتدل سير‬
‫وأضّلوا‪ .‬والّله تعالى يريد أن تكون مستقيم ً‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬ووجدوا«‪.‬‬

‫ة صادة ً عن‬
‫وجًا{‪ :‬منحرف ً‬
‫السالكين إليه‪ ،‬وهؤلء يريدونها } ِ‬
‫ع َ‬
‫ن{‪ :‬وهذا الذي أوجب لهم‬
‫سواء السبيل‪} .‬وهم بالخرة كافرو َ‬
‫ف عن الصراط والقبا َ‬
‫ل على شهوات النفوس المحّرمة‬
‫النحرا َ‬
‫م إيمانهم بالبعث‪ ،‬وعدم خوفهم من العقاب ورجائهم للثواب‪.‬‬
‫عد ُ‬
‫ومفهوم هذا ]النداء[ أن رحمة الّله على المؤمنين‪ ،‬وبّره شام ٌ‬
‫ل‬
‫لهم‪ ،‬وإحسانه متواتٌر عليهم‪.‬‬

‫ﮃﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊﮋ ﮌ ﮍ‬
‫ﭽ ﭻ ﭼﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ‬
‫ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ‬
‫ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ‬
‫ﮭ ﮮﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ‬
‫ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ‬
‫ﯖﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﭼ ‪.‬‬

‫ب ُيقال‬
‫}‪ {46‬أي‪ :‬وبين أصحاب الجنة وأصحاب النار حجا ٌ‬
‫له‪ :‬العراف‪ ،‬ل من الجنة ول من النار‪ ،‬يشرف على الدارين‪،‬‬
‫وين ُ‬
‫ظر من عليه حال الفريقين‪ ،‬وعلى هذا الحجاب رجا ٌ‬
‫ن‬
‫ل يعرفو َ‬
‫كّل من أهل الجنة والنار بسيماهم؛ أي‪ :‬علماتهم التي بها ي ُعَْرفون‬
‫م‬
‫مّيزون؛ فإذا نظروا إلى أهل الجنة؛ ناد َْوهم‪} :‬أن سل ٌ‬
‫وي ُ َ‬
‫ّ‬
‫عليكم{؛ أي‪ :‬يحّيونهم ويسلمون عليهم‪ ،‬وهم إلى الن لم يدخلوا‬
‫الجنة‪ ،‬ولكنهم يطمعون في دخولها‪ ،‬ولم يجعل الّله الطمع في‬
‫قلوبهم إل لما ُيريد بهم من كرامته‪.‬‬
‫ب الّناِر{‪ :‬ورأوا‬
‫صرِفَ ْ‬
‫ت أبصاُرهم ت ِْلقاَء أصحا ِ‬
‫}‪} {47‬وإذا ُ‬
‫ْ‬
‫ً‬
‫جعَلنا مع القوم‬
‫منظرا ً شنيعا ً وهول ً فظيعا‪} ،‬قالوا رّبنا ل َتـ ْ‬
‫الظالمين{‪ :‬فأهل الجنة إذا رآهم أه ُ‬
‫ل العراف يطمعون أن‬
‫يكونوا معهم في الجنة ويحّيونهم ويسّلمون عليهم‪ ،‬وعند انصراف‬
‫أبصارهم بغير اختيارهم لهل النار يستجيرون ]بالّله[ من حالهم‬
‫هذا على وجه العموم‪.‬‬
‫}‪ {48‬ثم ذكر الخصوص بعد العموم‪ ،‬فقال‪} :‬ونادى‬
‫هم{‪ :‬وهم من أهل النار‪،‬‬
‫ب العراف رجال ً يعرفونهم بسيما ُ‬
‫أصحا ُ‬
‫ف وأموا ٌ‬
‫د‪ ،‬فقال لهم‬
‫وقد كانوا في الدنيا لهم أبهة وشر ٌ‬
‫ل وأول ٌ‬
‫أصحاب العراف حين رأوهم منفردين في العذاب بل ناصرٍ ول‬
‫مغيث‪} :‬ما أغنى عن ُ‬
‫دنيا الذي تستدِفعون به‬
‫كم جمُعكم{‪ :‬في ال ّ‬
‫دنيا؛ فاليوم اضمحل ول‬
‫المكاره‪ ،‬وتوسلون به إلى مطالبكم في ال ّ‬
‫ق‬
‫أغنى عنكم شيئًا‪ ،‬وكذلك أيّ شيٍء نفعكم استكباركم على الح ّ‬
‫من اتبعه؟!‬
‫وعلى ما جاء به وعلى َ‬
‫}‪ {49‬ثم أشاروا لهم إلى أناس من أهل الجنة كانوا في‬
‫الدنيا فقراء ضعفاء يستهزىء بهم أهل النار‪ ،‬فقالوا لهل النار‪:‬‬
‫}أهؤلء{‪ :‬الذين أدخلهم الّله الجنة‪} ،‬الذين أقسمُتم ل ينال ُُهم اللهّ‬

‫ة{‪ :‬احتقارا ً لهم وازدراًء وإعجابا ً بأنفسكم‪ ،‬قد حنثتم في‬
‫برحم ٍ‬
‫أيمانكم‪ ،‬وبدا لكم من الّله ما لم يكن لكم في حساب‪} .‬ادخلوا‬
‫ن؛ أي‪ :‬قيل لهؤلء الضعفاء إكراما ً‬
‫الجنة{‪ :‬بما كنتم تعملو َ‬
‫ف عليكم{‪:‬‬
‫واحترامًا‪ :‬ادخلوا الجنة بأعمالكم الصالحة‪} ،‬ل خو ٌ‬
‫ن{‪ :‬على ما مضى‪ ،‬بل‬
‫فيما ُيستقبل من المكاره‪} ،‬ول أنتم تحزنو َ‬
‫ن الذين‬
‫آمنون مطمئّنون فرحون بكل خير‪ .‬وهذا كقول ِهِ تعالى‪} :‬إ ّ‬
‫مّروا بهم‬
‫أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكو َ‬
‫ن‪ .‬وإذا َ‬
‫فاِر‬
‫ن الك ُ ّ‬
‫م الذين آمنوا ِ‬
‫مزون‪ {...‬إلى أن قال‪} :‬فاليو َ‬
‫يتغا َ‬
‫م َ‬
‫ك ين ُ‬
‫ن{‪.‬‬
‫ظرو َ‬
‫يضحكون‪ .‬على الرائ ِ‬
‫سرون من هم أصحاب العراف‬
‫واختلف أهل العلم والمف ّ‬
‫وما أعمالهم‪ ،‬والصحيح من ذلك أنهم قوم تساوت حسناتهم‬
‫ت سيئاتهم فدخلوا النار‪ ،‬ول رجحت حسناتهم‬
‫وسيئاتهم؛ فل رجح ْ‬
‫فدخلوا الجنة‪ ،‬فصاروا في العراف ما شاء الّله‪ ،‬ثم إن الّله‬
‫خُلهم برحمته الجنة؛ فإن رحمته تسبق وتغلب غضبه‪،‬‬
‫تعالى يد ِ‬
‫ورحمته وسعت ك ّ‬
‫ل شيٍء‪.‬‬

‫ﭽ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪﯧﯧ ﯫﯧﯧ ﯬﯧﯧ ﯭﯧﯧ ﯮﯧﯧﯯﯧﯧ ﯰﯧﯧ ﯱﯧﯧ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ‬
‫ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯼ ﯽ ﯾﯿ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﰈ ﰉ ﯷ ﯷ‬
‫ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ‬
‫ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ‬
‫ﭺﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﭼ ‪.‬‬
‫ﭹ‬

‫غ‬
‫}‪ 50‬ـ ‪ {52‬أي‪ :‬ينادي أصحاب النار أصحاب الجنة حين يبل ُ‬
‫بك ّ‬
‫سهم الجوع المفرط والظمأ‬
‫منهم العذا ُ‬
‫ل مبلغ وحين يم ّ‬
‫ما‬
‫الموجع؛ يستغيثون بهم فيقولون‪} :‬أفيضوا علينا من الماِء أو م ّ‬
‫ن الله‬
‫رزقكم الله{‪ :‬من الطعام‪ ،‬فأجابهم أهل الجنة بقولهم‪} :‬إ ّ‬
‫مهما{؛ أي‪ :‬ماء الجنة وطعامها }على الكافرين{‪ :‬وذلك جزاء‬
‫حّر َ‬
‫ُ‬
‫لهم على كفرهم بآيات الله واتخاذهم دينهم الذي أمروا أن‬
‫يستقيموا عليه وُوعدوا بالجزاء الجزيل عليه }لهوا ً ولعبًا{؛ أي‪:‬‬
‫لهت قلوبهم وأعرضت عنه ولعبوا واّتخذوه سخرّيا‪ ،‬أو أنهم جعلوا‬
‫بدل دينهم اللهو واللعب‪ ،‬واستعاضوا بذلك عن الدين القيم‪،‬‬
‫}وغّرْتهم الحياة الدنيا{‪ :‬بزينتها وزخرفها وكثرة دعاِتها‪ ،‬فاطمأنوا‬
‫إليها ورضوا بها وفرحوا وأعرضوا عن الخرة ونسوها‪} .‬فاليوم‬
‫ننساهم{؛ أي‪ :‬نتركهم في العذاب‪} ،‬كما نسوا لقاء يومهم هذا{‪:‬‬
‫دنيا‪ ،‬وليس أمامهم عرض ول جزاء‪} ،‬وما‬
‫فكأنهم لم ُيـ ْ‬
‫خلقوا إل لل ّ‬
‫كانوا بآياتنا يجحدون{‪ :‬والحال أن جحودهم هذا ل عن قصور في‬
‫صْلناه{؛ أي‪ :‬بينا فيه‬
‫بف ّ‬
‫آيات الله وبّيناته‪ ،‬بل قد }جئناهم بكتا ٍ‬
‫جميع المطالب التي يحتاج إليها الخلق }على علم{؛ من الله‬

‫ح‬
‫ح لهم وما ل يصل ُ ُ‬
‫بأحوال العباد في كل زمان ومكان‪ ،‬وما يصل ُ ُ‬
‫ليس تفصيله تفصيل غير عالم بالمور‪ ،‬فتجهله بعض الحوال‬
‫فيحكم حكما ً غير مناسب‪ ،‬بل تفصيل من أحاط علمه بكل شيء‬
‫هك ّ‬
‫ة لقوم يؤمنون{؛ أي‪:‬‬
‫ل شيء‪} .‬هدىً ورحم ً‬
‫ت رحمت ُ ُ‬
‫ووسع ْ‬
‫تحصل للمؤمنين بهذا الكتاب الهداية من الضلل وبيان الحق‬
‫صل أيضا ً لهم به الرحمة‪ ،‬وهي الخير‬
‫والباطل والغي والرشد‪ ،‬ويح ُ‬
‫والسعادة في الدنيا والخرة‪ ،‬فينتفي عنهم بذلك الضلل والشقاء‪.‬‬
‫}‪ {53‬وهؤلء الذين حقّ عليهم العذاب لم يؤمنوا بهذا‬
‫الكتاب العظيم ول انقادوا لوامره ونواهيه‪ ،‬فلم يبق فيهم حيلة إل ّ‬
‫استحقاُقهم أن يح ّ‬
‫ل بهم ما أخبر به القرآن‪ ،‬ولهذا قال‪} :‬هل‬
‫ين ُ‬
‫ظرون إل تأويَله{؛ أي‪ :‬وقوع ما أخبر به؛ كما قال يوسف عليه‬
‫من قَب ْ ُ‬
‫السلم حين وقعت رؤياه‪} :‬هذا تأوي ُ‬
‫م‬
‫ل رؤيايَ ِ‬
‫ل{‪} .‬يو َ‬
‫سفين على‬
‫ه يقول الذين نسوه من قبل{‪ :‬متن ّ‬
‫دمين متأ ّ‬
‫يأتي تأويل ُ ُ‬
‫فعين في مغفرة ذنوبهم مقّرين بما أخبرت به‬
‫ما مضى متش ّ‬
‫س ُ‬
‫ل رّبنا بالحقّ فهل لنا من شفعاَء‬
‫الرسل‪} :‬قد جاءت ُر ُ‬
‫ل غير الذي ك ُّنا نعم ُ‬
‫د{‪ :‬إلى الدنيا؛ }فنعم َ‬
‫ل{‪:‬‬
‫فيشفعوا لنا أو ُنر ّ‬
‫ت عن الّرجوع إلى الدنيا؛ فما تنفُعهم شفاعة‬
‫وقد فات الوق ُ‬
‫ب‬
‫الشافعين‪ .‬وسؤالهم الرجوع إلى الدنيا ليعملوا غيَر عملهم كذ ٌ‬
‫دهم به دفعُ ما ح ّ‬
‫دوا‬
‫ل بهم؛ قال تعالى‪} :‬ولو ُر ّ‬
‫منهم‪ ،‬مقصو ُ‬
‫َ‬
‫سهم{‪ :‬حين‬
‫َلعادوا ِلما ُنهوا عنه وإّنهم لكاذبو َ‬
‫ن{‪} .‬قد خسروا أنف َ‬
‫سَلكوا بها سبيل الهلك‪ ،‬وليس ذلك كخسران‬
‫وتوها الربا َ‬
‫حو َ‬
‫ف ّ‬
‫ه‪.‬‬
‫ن لمصاب ِ ِ‬
‫جْبرا َ‬
‫نل ُ‬
‫الموال والثاث أو الولد‪ ،‬إنما هذا خسرا ٌ‬
‫}وض ّ‬
‫سهم‬
‫ن{‪ :‬في ال ّ‬
‫ل عنهم ما كانوا يفترو َ‬
‫مّنيهم أنف ُ‬
‫دنيا مما ُتـ َ‬
‫دهم به الشيطان‪ ،‬قدموا على ما لم يكن لهم في حساب‪،‬‬
‫به‪ ،‬ويع ُ‬
‫وتبيّـن لهم باطلهم وضللهم‪ ،‬وصدق ما جاءتهم به الرسل‪.‬‬
‫ﭽﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ‬
‫ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﭼ ‪.‬‬
‫ب المعبود وحده ل شريك‬
‫}‪ {54‬يقول تعالى مبينا ً أنه الر ّ‬
‫ض{‪ :‬وما فيهما‬
‫ه الذي َ‬
‫خل َقَ السموا ِ‬
‫له‪} :‬إ ّ‬
‫ن رّبكم الل ُ‬
‫ت والر َ‬
‫على عظمهما وسعتهما وإحكامهما وإتقانهما وبديع خلقهما }في‬
‫ستة أيام{‪ :‬أولها يوم الحد‪ ،‬وآخرها يوم الجمعة‪ .‬فلما قضاهما‬
‫وأودع فيهما من أمره ما أودع؛ }استوى{‪ :‬تبارك وتعالى }على‬
‫العرش{‪ :‬العظيم الذي يسع السماوات والرض وما فيهما وما‬
‫بينهما؛ استوى استواًء يليق بجلله وعظمته وسلطانه‪ ،‬فاستوى‬
‫على العرش‪ ،‬واحتوى على الملك‪ ،‬ودبر الممالك‪ ،‬وأجرى عليهم‬
‫أحكامه الكونّية وأحكامه الدينّية‪ ،‬ولهذا قال‪} :‬ي ُْغشي اللي َ‬
‫ل{‪:‬‬

‫المظلم }النهاَر{؛ المضيء‪ ،‬فيظلم ما على وجه الرض‪ ،‬ويس ُ‬
‫كن‬
‫الدميون‪ ،‬وتأوي المخلوقات إلى مساكنها‪ ،‬ويستريحون من‬
‫التعب والذهاب والياب الذي حصل لهم في النهار‪} .‬يطل ُُبه‬
‫حثيثًا{‪ :‬كّلما جاء الليل؛ ذهب النهار‪ ،‬وكّلما جاء النهار؛ ذهب‬
‫الليل‪ ...‬وهكذا أبدا ً على الدوام حتى يطوي الله هذا العالم‪،‬‬
‫وينتقل العباد إلى دار غير هذه الدار‪.‬‬
‫}والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره{؛ أي‪:‬‬
‫بتسخيره وتدبيره الدا ّ‬
‫ل على ما له من أوصاف الكمال‪ ،‬فخلقها‬
‫وعظمها دا ّ‬
‫ل على كمال قدرته‪ ،‬وما فيها من الحكام والنتظام‬
‫والتقان دا ّ‬
‫ل على كمال حكمته‪ ،‬وما فيها من المنافع والمصالح‬
‫الضرورّية وما دونها دا ّ‬
‫ل على سعة رحمته‪ ،‬وذلك دال على سعة‬
‫خْلق‬
‫علمه‪ ،‬وأنه الله الحقّ الذي ل تنبغي العبادة إل له‪} .‬أل له الـ َ‬
‫والمر{؛ أي‪ :‬له الخلق الذي صدرت عنه جميع المخلوقات‬
‫علويـها وسفلّيها أعيانها وأوصافها وأفعالها والمر المتضمن‬
‫من أحكامه الكونّية القدرّية‪،‬والمر‬
‫للشرائع والنبوات؛ فالخلق يتض ّ‬
‫من أحكامه الدينّية الشرعّية‪ ،‬وثم أحكام الجزاء‪ ،‬وذلك يكون‬
‫يتض ّ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫في دار البقاء‪} .‬تبارك الله{؛ أي‪ :‬ع َظم وتعالى وكثر خيره‬
‫وإحسانه‪ ،‬فتبارك في نفسه لعظمة أوصافه وكمالها‪ ،‬وبارك في‬
‫غيره بإحلل الخير الجزيل والبر الكثير؛ فكل بركة في الكون‬
‫ب العالمين{‪.‬‬
‫فمن آثار رحمته‪ ،‬ولهذا قال‪} :‬تبارك الّله ر ّ‬
‫ولما ذكر من عظمته وجلله ما يد ّ‬
‫ل ذوي اللباب على أنه‬
‫وحده المعبود المقصود في الحوائج كّلها؛ أمر بما يترتب على‬
‫ذلك‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫ﭽ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫﮬ ﮭ‬
‫ﯛﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﭼ ‪.‬‬

‫ﮮﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ‬

‫ﯙ ﯚ‬

‫}‪ {55‬الدعاء يدخل فيه دعاء المسألة ودعاء العبادة‪ ،‬فأمر‬
‫بدعائه }تضرعًا{؛ أي‪ :‬إلحاحا ً في المسألة ودؤوبا ً في العبادة‪،‬‬
‫ة ُيخاف منه الرياء‪ ،‬بل خفية‬
‫}و ُ‬
‫خفية{؛ أي‪ :‬ل جهرا ً وعلني ً‬
‫ب المعتدين{؛ أي‪ :‬المتجاوزين‬
‫وإخلصا ً لّله تعالى‪} .‬إنه ل يح ّ‬
‫للحد ّ في كل المور‪ ،‬ومن العتداء كون العبد يسأل الّله مسائل‬
‫ل تصلح له‪ ،‬أو يتنطع في السؤال‪ ،‬أو يبالغ في رفع صوته بالدعاء؛‬
‫فك ّ‬
‫ي عنه‪.‬‬
‫ل هذا داخل في العتداء المنه ّ‬
‫}‪} {56‬ول تفسدوا في الرض{‪ :‬بعمل المعاصي }بعد‬
‫إصلحها{‪ :‬بالطاعات؛ فإن المعاصي تفسد الخلق والعمال‬
‫والرزاق؛ كما قال تعالى‪} :‬ظهر الفساد ُ في البّر والبحر بما‬

‫ح بها الخلق‬
‫ن الطاعات تصل ُ ُ‬
‫ت أيدي الناس{‪ :‬كما أ ّ‬
‫كسب ْ‬
‫دنيا والخرة‪} .‬وادعوه خوفا ً‬
‫والعمال والرزاق وأحوال ال ّ‬
‫وطمعًا{؛ أي‪ :‬خوفا ً من عقابه‪ ،‬وطمعا ً في ثوابه‪ ،‬طمعا ً في قبولها‬
‫دها‪ ،‬ل دعاء عبد مد ّ‬
‫ل على ربه‪ ،‬قد أعجبته نفسه‪،‬‬
‫وخوفا ً من ر ّ‬
‫ه‪.‬‬
‫ونّزل نفسه فوق منزلته‪ ،‬أو دعاء من هو غافل ل ٍ‬
‫ص فيه لّله‬
‫وحاصل ما ذكر الّله من آداب الدعاء‪ :‬الخل ُ‬
‫منه الخفية‪ ،‬وإخفاءه وإسراره‪ ،‬وأن يكون‬
‫وحده؛ ل ّ‬
‫ن ذلك يتض ّ‬
‫ل بالجابة‪ ،‬وهذا‬
‫القل ُ‬
‫ب خائفا ً طامعا ً ل غافل ً ول آمنا ً ول غير مبا ٍ‬
‫من إحسان الدعاء؛ فإن الحسان في كل عبادة ب َذ ْ ُ‬
‫ل الجهد فيها‬
‫ن‬
‫وأداؤها كامل ً‬
‫ص فيها بوجه من الوجوه‪ .‬ولهذا قال‪} :‬إ ّ‬
‫ة ل نق َ‬
‫ب من المحسنين{‪ :‬في عبادة الّله‪ ،‬المحسنين إلى‬
‫رحم َ‬
‫ة الّله قري ٌ‬
‫عباد الّله‪ ،‬فكّلما كان العبد أكثر إحسانًا؛ كان أقرب إلى رحمة‬
‫ث على‬
‫رّبه‪ ،‬وكان رّبه قريبا ً منه برحمته‪ .‬وفي هذا من الح ّ‬
‫الحسان ما ل يخفى‪.‬‬

‫ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ‬
‫ﭽ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪﯧﯧ ﯫﯧﯧﯬﯧﯧ ﯭﯧﯧ ﯮﯧﯧ ﯯﯧﯧ ﯰﯧﯧ ﯱﯧﯧ ﯷ ﯷ‬
‫ﯿ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖﭗ‬
‫ﯼﯽ ﯾ‬
‫ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ‬
‫ﭜ ﭝﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭼ ‪.‬‬
‫ﭛ‬
‫ﭘ ﭙ ﭚ‬
‫}‪ {57‬بين )‪ (1‬تعالى أثرا ً من آثار قدرته ونفحة من نفحات‬
‫رحمته‪ ،‬فقال‪} :‬وهو الذي يرسل الرياح بشرا ً بين يدي رحمته{؛‬
‫أي‪ :‬الرياح المبشرات بالغيث‪ ،‬التي تثيره بإذن الّله من الرض‪،‬‬
‫فيستبشر الخلق برحمة الّله‪ ،‬وترتاح لها قلوبهم قبل نزوله‪.‬‬
‫}حتى إذا أقّلت{‪ :‬الرياح }سحابا ً ثقا ً‬
‫ل{‪ :‬قد أثاره بعضها‪ ،‬وألفه‬
‫ت{‪ :‬قد كادت‬
‫س ْ‬
‫قناه لبلد ٍ مي ّ ٍ‬
‫ري ٌ‬
‫ح أخرى وألقحه ريح أخرى‪ُ } ،‬‬
‫ه وكاد أهله أن ييأسوا من رحمة الّله‪} .‬فأنزلنا به{؛‬
‫تهلك حيوانات ُ ُ‬
‫خر‬
‫أي‪ :‬بذلك البلد الميت }الماء{‪ :‬الغزير من ذلك السحاب‪ ،‬وس ّ‬
‫الّله له ريحا ً تدره وريحا ً تفّرقه بإذن الّله‪ .‬فأنبتنا به من ك ّ‬
‫ل‬
‫الثمرات‪ :‬فأصبحوا مستبشرين برحمة الّله‪ ،‬راتعين بخير الّله‪.‬‬
‫ج الموتى لعّلكم ت َذ َ ّ‬
‫كرون{؛ أي‪ :‬كما أحيينا‬
‫وقوله‪} :‬كذلك نخرِ ُ‬
‫الرض بعد موتها بالنبات كذلك نخرج الموتى من قبورهم بعدما‬
‫كانوا رفاتا ً متمّزقين‪ .‬وهذا استدلل واضح؛ فإنه ل فرق بين‬
‫ث استبعادا ً له مع أنه يرى ما هو نظيره من‬
‫المرين؛ فمنك ُِر البع ِ‬
‫ث على التذ ّ‬
‫كر‬
‫باب العناد وإنكار المحسوسات‪ .‬وفي هذا الح ّ‬
‫والتف ّ‬
‫كر في آلء الّله والنظر إليها بعين العتبار والستدلل ل‬
‫بعين الغفلة والهمال‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬يبين«‪.‬‬

‫}‪ {58‬ثم ذكر تفاوت الراضي التي ينزل عليها المطر‪،‬‬
‫فقال‪} :‬والبلد ُ الطّيب{؛ أي‪ :‬طيب التربة والمادة‪ ،‬إذا نزل عليه‬
‫ه{‪ :‬الذي هو مستعد ّ له }بإذن رّبه{؛ أي‪:‬‬
‫المطر؛ }يخرج نبات ُ ُ‬
‫ّ‬
‫ة بوجود الشياء‬
‫بإرادة الّله ومشيئته‪ ،‬فليست السباب مستقل ً‬
‫ج إل ّ‬
‫حتى يأذن الّله بذلك‪} .‬والذي َ‬
‫خب ُ َ‬
‫ث{‪ :‬من الراضي }ل يخُر ُ‬
‫سا ل نفع فيه ول بركة‪} .‬كذلك نصّرف‬
‫نَ ِ‬
‫كدًا{؛ أي‪ :‬إل نباتا ً خا ّ‬
‫وعها‪ ،‬ونبّينها‪ ،‬ونضرب فيها المثال‪،‬‬
‫اليات لقوم يشكرو َ‬
‫ن{؛ أي‪ :‬نن ّ‬
‫ونسوقها لقوم يشكرون الّله بالعتراف بنعمه والقرار بها‬
‫وصرفها في مرضاة الّله؛ فهم الذين ينتفعون بما فصل الّله في‬
‫كتابه من الحكام والمطالب اللهية؛ لّنهم يرونها من أكبر النعم‬
‫الواصلة إليهم من ربهم‪ ،‬فيتلقونها مفتقرين إليها فرحين بها‪،‬‬
‫ملونها‪ ،‬فيبين لهم من معانيها بحسب استعدادهم‪.‬‬
‫فيتدّبرونها ويتأ ّ‬
‫وهذا مثا ٌ‬
‫ل للقلوب حين ينزل عليها الوحي الذي هو مادةُ‬
‫الحياة كما أن الغيث مادة الحيا؛ فإن القلوب الطيبة حين يجيئها‬
‫ت بحسب طيب أصلها وحسن عنصرها‪،‬‬
‫الوحي تقبله وتعلمه وتنب ُ ُ‬
‫وأما القلوب الخبيثة التي ل خير فيها؛ فإذا جاءها الوحي؛ لم يجد‬
‫محل ّ قاب ً‬
‫ل‪ ،‬بل يجدها غافلة معرضة أو معارضة‪ ،‬فيكون كالمطر‬
‫الذي يمّر على السباخ والرمال والصخور فل يؤّثر فيها شيئًا‪ ،‬وهذا‬
‫قد َِرها‬
‫ة بِ َ‬
‫ت أودي ٌ‬
‫كقوله تعالى‪} :‬أنزل من السماِء ماًء فسال ْ‬
‫ل السي ُ‬
‫فاحتم َ‬
‫ل زبدا ً رابيًا‪ {...‬اليات‪.‬‬
‫ﭽﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ‬
‫ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ‬
‫ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ‬
‫ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮮ ﮯ ﮰ ﮱ‬
‫ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ‬
‫ﯓﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﭼ )‪. (1‬‬
‫ر‬
‫ة صالح ً‬
‫لما ذكر تعالى من أدلة توحيده جمل ً‬
‫ة؛ أّيد ذلك بذ ِك ْ ِ‬
‫ما جرى للنبياء الداعين إلى توحيده مع أممهم المنكرين لذلك‪،‬‬
‫قد ْ لهم‪،‬‬
‫وكيف أّيد الّله أهل التوحيد وأهلك من عاندهم ولم ين َ‬
‫ن واحد ومعتقد ٍ واحد‪.‬‬
‫وكيف اّتفقت دعوة المرسلين على دي ٍ‬
‫}‪ {59‬فقال عن نوح أول المرسلين‪} :‬لقد أرسلنا نوحا ً إلى‬
‫دون الوثان‪،‬‬
‫قومه{‪ :‬يدعوهم إلى عبادة الّله وحده حين كانوا يعب ُ‬
‫}فقال{‪ :‬لهم‪} :‬يا قوم اعُبدوا الّله{؛ أي‪ :‬وحدوه‪} ،‬ما لكم من‬
‫ه{‪ :‬لنه الخالق الرازق المدّبر لجميع المور‪ ،‬وما سواه‬
‫إلهٍ غيُر ُ‬
‫وفهم إن لم يطيعوه‬
‫مخلوقٌ مدّبر ليس له من المر شيء‪ .‬ثم خ ّ‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪ :‬إلى آخر قصته‪.‬‬

‫ب يوم عظيم{‪ :‬وهذا‬
‫ب الّله‪ ،‬فقال‪} :‬إّنـي أخا ُ‬
‫ف عليكم عذا َ‬
‫عذا َ‬
‫من نصحه عليه الصلة والسلم وشفقته عليهم؛ حيث خاف‬
‫ي؛ كإخوانه من المرسلين‪،‬‬
‫عليهم العذاب البديّ والشقاء السرمد ّ‬
‫خْلق أعظم من شفقة آبائهم وأمهاتهم‪.‬‬
‫فقون على الـ َ‬
‫الذين يش ِ‬
‫د‪ ،‬فقال‬
‫دوا عليه أقبح ر ّ‬
‫}‪ {60‬فلما قال لهم هذه المقالة؛ ر ّ‬
‫ه{؛ أي‪ :‬الرؤساء الغنياء المتبوعون‪ ،‬الذين قد‬
‫م ِ‬
‫}المل من قو ِ‬
‫جرت العادة باستكبارهم على الحقّ وعدم انقيادهم للرسل‪} :‬إنا‬
‫ه أنهم لم ينقادوا‬
‫لنراك في ضلل مبين{‪ :‬فلم يك ِ‬
‫فِهم قب ّ َ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫حه ُ ُ‬
‫له‪ ،‬بل استكبروا عن النقياد له‪ ،‬وقدحوا فيه أعظم قدح‪ ،‬ونسبوه‬
‫إلى الضلل‪ ،‬ولم يكتفوا بمجّرد الضلل‪ ،‬حّتى جعلوه ضلل ً مبينا ً‬
‫واضحا ً لك ّ‬
‫د!! وهذا من أعظم أنواع المكابرة‪ ،‬التي ل تروج‬
‫ل أح ٍ‬
‫على أضعف الناس عق ً‬
‫ل‪ ،‬وإّنما هذا الوصف منطبقٌ على قوم‬
‫وروها ونحتوها بأيديهم من‬
‫نوح‪ ،‬الذين جاؤوا إلى أصنام قد ص ّ‬
‫ً‬
‫صُر ول تغني عنهم شيئا‪ ،‬فنّزلوها‬
‫الجمادات التي ل تسمع ول تب ِ‬
‫منزلة فاطر السماوات‪ ،‬وصرفوا لها ما أمكنهم من أنواع‬
‫م‬
‫ال ُ‬
‫جة الّله عليهم؛ َلـ ُ‬
‫ح ّ‬
‫ن لـهـم أذهـانـا ً تقوم بها ُ‬
‫قُربات‪ ،‬فلول أ ّ‬
‫حك ِ َ‬
‫عليهم بأن المجانين أهدى منهم‪ ،‬بل هم أهدى منهم وأعقل‪.‬‬
‫دا لطيفا ً وترّقق لهم لعلهم‬
‫}‪ 61‬ـ ‪ {62‬فرد نوح عليهم َر ّ‬
‫ة{؛ أي‪ :‬لست ضال ّ في‬
‫ينقادون له‪ ،‬فقال‪} :‬يا قوم ليس بي ضلل ٌ‬
‫د‪ ،‬بل‬
‫مسألة من المسائل من جميع الوجوه‪ ،‬وإنما أنا هاد ٍ مهت ٍ‬
‫ه عليه الصلة والسلم من جنس هداية إخوان ِهِ أولي العزم‬
‫هدايت ُ ُ‬
‫من المرسلين‪ ،‬أعلى أنواع الهدايات وأكملها وأتمها‪ ،‬وهي هداية‬
‫مة الكاملة‪ ،‬ولهذا قال‪} :‬ولكّني رسو ٌ‬
‫ب‬
‫ل من ر ّ‬
‫الرسالة التا ّ‬
‫ن{؛ أي‪ :‬ربي وربكم ورب جميع الخلق‪ ،‬الذي رّبى جميع‬
‫العالمي َ‬
‫الخلق )‪ (1‬بأنواع التربية‪ ،‬الذي من أعظم تربيته أن أرسل إلى‬
‫عباده رسل ً تأمرهم بالعمال الصالحة والخلق الفاضلة والعقائد‬
‫ت رّبـي‬
‫الحسنة‪ ،‬وتنهاهم عن أضدادها‪ ،‬ولهذا قال‪} :‬أبل ُّغكم رسال ِ‬
‫ح لكم{؛ أي‪ :‬وظيفتي تبليغكم ببيان توحيده وأوامره ونواهيه‬
‫وأنص ُ‬
‫م من الل ّهِ مال‬
‫على وجه النصيحة لكم والشفقة عليكم‪} ،‬وأعل ُ‬
‫ن{‪ :‬فالذي يتعيّـن أن تطيعوني وتنقادوا لمري إن كنتم‬
‫تعلمو َ‬
‫ن‪.‬‬
‫تعلمو َ‬
‫جب ُْتم أن جاءكم ذ ِك ٌْر من رّبكم على رجل‬
‫}‪} {63‬أوَع َ ِ‬
‫منكم{؛ أي‪ :‬كيف تعجبون من حالة ل ينبغي العجب منها‪ ،‬وهو أن‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬جميع العالمين«‪.‬‬

‫)‪ (1‬جاءكم التذكير والموعظة والنصيحة على يد رجل منكم‪،‬‬
‫تعرفون حقيقَته وصدَقه وحاَله؛ فهذه الحال من عناية الّله بكم‬
‫قى بالقبول والشكر‪ .‬وقوله‪} :‬ل ُِينذ َِر ُ‬
‫كم‬
‫وبّره وإحسانه الذي ي ُت َل َ ّ‬
‫ولتّتقوا ولعّلكم ُترحمون{؛ أي‪ :‬لينذركم العذاب الليم‪ ،‬وتفعلوا‬
‫السباب المنجية من استعمال تقوى الّله ظاهرا ً وباطنًا‪ ،‬وبذلك‬
‫ص ُ‬
‫ل عليهم‪ ،‬وتنزل رحمة الّله الواسعة‪.‬‬
‫تح ُ‬
‫ح‪} ،‬فك ّ‬
‫جْيناه والذين‬
‫ذبوه فأن َ‬
‫ج َ‬
‫}‪ {64‬فلم يفد فيهم ول ن َ َ‬
‫فْلك{؛ أي‪ :‬السفينة التي أمر الّله نوحا ً عليه السلم‬
‫معه في ال ُ‬
‫ل من ك ّ‬
‫م َ‬
‫ل صنف من الحيوانات‬
‫بصنعها‪ ،‬وأوحى إليه أن يح ِ‬
‫جاهم الّله بها‪.‬‬
‫ن آمن معه‪ ،‬فحملهم فيها‪ ،‬ون ّ‬
‫زوجين اثنين وأهله و َ‬
‫م ْ‬
‫}وأغرقنا الذين ك ّ‬
‫ن{‪ :‬عن الهدى‪،‬‬
‫ذبوا بآياتنا إّنهم كانوا قوما ً ع َ ِ‬
‫مي َ‬
‫ت ما به‬
‫ق‪ ،‬وأراهم الّله على يد نوح من اليات البينا ِ‬
‫أبصروا الح ّ‬
‫ن أولو اللباب‪ ،‬فسخروا منه‪ ،‬واستهزؤوا به‪ ،‬وكفروا‪.‬‬
‫يؤ ِ‬
‫م ُ‬
‫ﭽ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨﯩ ﯪﯧﯧ ﯫﯧﯧ ﯬﯧﯧ ﯭﯧﯧ ﯮﯧﯧ ﯯﯧﯧ ﯰﯧﯧ‬
‫ﯱﯧﯧ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ‬
‫ﯷ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢﭣ ﭤ‬
‫ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ‬
‫ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ‬
‫ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ‬
‫ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞﮟ ﮠ ﮡ‬
‫)‪(2‬‬
‫ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮮ ﮯﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﭼ ‪.‬‬
‫}‪ {65‬أي‪} :‬و{‪ :‬أرسلنا }إلى عاٍد{‪ :‬ـ الولى‪ ،‬الذين كانوا‬
‫في أرض اليمن ـ }أخاهم{‪ :‬في النسب }هودًا{‪ :‬عليه السلم‪،‬‬
‫يدعوهم إلى التوحيد‪ ،‬وينهاهم عن الشرك‪ ،‬والطغيان في الرض‪،‬‬
‫ه ما لكم من إلهٍ غيره أفل تتقون{‪:‬‬
‫فقال لهم‪} :‬يا قوم اعُبدوا الل ّ َ‬
‫ه إن أقمتم على ما أنتم عليه‪.‬‬
‫س َ‬
‫َ‬
‫ه وعذاب َ ُ‬
‫خط َ ُ‬
‫}‪ {66‬فلم يستجيبوا ول انقادوا‪ ،‬فقال }المل ُ الذين كفروا‬
‫دين لدعوته قادحين في رأيه‪} :‬إنا لنراك في‬
‫م ِ‬
‫من قو ِ‬
‫ه{‪ :‬را ّ‬
‫سفاهةٍ وإنا لنظّنك من الكاذبين{؛ أي‪ :‬ما نراك إل ّ سفيها ً غير‬
‫َ‬
‫رشيد‪ ،‬ويغلب على ظّننا أنك من جملة الكاذبين‪ .‬وقد انقلبت‬
‫ة واستحكم عماهم حيث رموا نبّيهم عليه السلم‬
‫عليهم الحقيق ُ‬
‫قا‬
‫بما هم مّتصفون به‪ ،‬وهو أبعد ُ الناس عنه؛ فإنهم السفهاء ح ّ‬
‫من قابل أحقّ الحقّ بالرد ّ والنكار‪،‬‬
‫الكاذبون‪ ،‬وأيّ سفهٍ أعظم مـ ّ‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬أنه«‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪ :‬إلى آخر القصة‪.‬‬

‫ه وقالبه لك ّ‬
‫ل‬
‫وتكّبر عن النقياد للمرشدين والنصحاء‪ ،‬وانقاد قلب ُ ُ‬
‫د‪ ،‬ووضع العبادة في غير موضعها‪ ،‬فعَب َد َ من ل يغني‬
‫شيطان مري ٍ‬
‫عنه شيئا ً من الشجار والحجار؟! وأيّ كذب أبلغ من كذب من‬
‫نسب هذه المور إلى الّله تعالى؟!‬
‫ة{‪ :‬بوجهٍ من الوجوه‪،‬‬
‫}‪} {67‬قال يا قوم ليس بي سفاه ٌ‬
‫د‪} ،‬ولكّني رسو ٌ‬
‫ب‬
‫ل من ر ّ‬
‫بل هو الرسول المرشد ُ الرشي ُ‬
‫العالمين{‪.‬‬
‫ح أمين{‪:‬‬
‫}‪} {68‬أبل ُّغكم رسال ِ‬
‫ت رّبـي وأنا لكم ناص ٌ‬
‫قوا ذلك بالقبول والنقياد وطاعة رب‬
‫فالواجب عليكم أن تتل ّ‬
‫العباد‪.‬‬
‫جب ُْتم أن جاءكم ذ ِك ٌْر من رّبكم على رجل من ُ‬
‫كم‬
‫}‪} {69‬أوَع َ ِ‬
‫ل ُِينذ َِر ُ‬
‫ب منه‪ ،‬وهو أن الّله‬
‫ج ُ‬
‫كم{؛ أي‪ :‬كيف تعجبون من أمر ل ي ُت َعَ ّ‬
‫أرسل إليكم رجل ً منكم‪ ،‬تعرفون أمره‪ ،‬يذ ّ‬
‫كركم بما فيه‬
‫جبتم من ذلك‬
‫مصالحكم‪ ،‬ويحّثكم على ما فيه النفع لكم‪ ،‬فـتـعـ ّ‬
‫جب المنكرين‪} .‬واذ ْ ُ‬
‫جعََلكم خلفاء من بعد قوم نوح{؛‬
‫كروا إذ ْ َ‬
‫تع ّ‬
‫أي‪ :‬واحمدوا رّبكم‪ ،‬واش ُ‬
‫ن لكم في الرض‪ ،‬وجعلكم‬
‫كروه إذ َ‬
‫مك ّ َ‬
‫تخُلفون المم الهالكة الذين ك ّ‬
‫ذبوا الرسل‪ ،‬فأهلكهم الّله‪ ،‬وأبقاكم‬
‫لينظر كيف تعملون‪ ،‬واحذروا أن تقيموا على التكذيب كما أقاموا‪،‬‬
‫صكم‬
‫فيصيبكم ما أصابهم‪} ،‬و{ اذكروا نعمة الّله عليكم التي خ ّ‬
‫ة{‪ :‬في القوة وكبر‬
‫سط َ ً‬
‫بها‪ ،‬وهي أن }زادكم في الخلق ب َ ْ‬
‫دة البطش‪} ،‬فاذ ُ‬
‫ه{؛ أي‪ :‬نعمه الواسعة‬
‫كروا آلَء الل ّ ِ‬
‫الجسام وش ّ‬
‫وأياديه المتكررة‪} ،‬لعل ّ ُ‬
‫قها‪،‬‬
‫كم{‪ :‬إذا ذ َك َْرُتموها بشكرها وأداء ح ّ‬
‫ن{؛ أي‪ :‬تفوزون بالمطلوب‪ ،‬وتنجون من المرهوب‪.‬‬
‫}تفلحو َ‬
‫}‪ {70‬فوعظهم وذ ّ‬
‫كرهم وأمرهم بالتوحيد وذكر لهم وصف‬
‫نفسه وأنه ناصح أمين‪ ،‬وح ّ‬
‫ه كما أخذ من‬
‫ذرهم أن يأخذهم الل ّ ُ‬
‫قبلهم‪ ،‬وذ ّ‬
‫كرهم نعم الّله عليهم وإدرار الرزاق إليهم‪ ،‬فلم ينقادوا‬
‫جبين من دعوته ومخبرين له أنهم من‬
‫ول استجابوا‪ ،‬فقالوا متع ّ‬
‫ه وحد َه ُ ون َذ ََر ما كان يعبد ُ‬
‫المحال أن يطيعوه‪} :‬أجئَتنا لنعبد َ الل ّ َ‬
‫ب الواجبات وأكم ُ‬
‫ل‬
‫آباؤنا{‪ :‬قّبحهم الّله‪ ،‬جعلوا المر الذي هو أوج ُ‬
‫المور من المور التي ل يعارضون بها ما وجدوا عليه آباءهم‪،‬‬
‫دموا ما عليه الباء الضالون من الشرك وعبادة الصنام على‬
‫فق ّ‬
‫ما دعت إليه الرسل من توحيد الّله وحده ل شريك له وكذبوا‬
‫ت من الصادقين{‪ :‬وهذا‬
‫نبيهم وقالوا‪} :‬ائتنا بما تعِ ُ‬
‫دنا إن كن َ‬
‫ح منهم على أنفسهم‪.‬‬
‫الستفتا ُ‬

‫}‪ {71‬فقال لهم هود ٌ عليه السلم‪} :‬قد وَقَعَ عليكم من‬
‫ب{؛ أي‪ :‬ل بد ّ من وقوعه؛ فإنه قد انعقدت‬
‫س وغض ٌ‬
‫رّبكم ر ْ‬
‫ج ٌ‬
‫مْيتموها‬
‫ت الهلك‪} .‬أتجاِدلوَنني في أسماٍء س ّ‬
‫أسبابه وحان وق ُ‬
‫أنتم وآباؤكم{؛ أي‪ :‬كيف تجادلون على أمور ل حقائق لها وعلى‬
‫مي ُْتموها آلهة وهي ل شيء من اللهية فيها ول مثقال‬
‫أصنام س ّ‬
‫ة؛‬
‫ن{؛ فإنها لو كانت صحيح ً‬
‫ذّرة و}ما أنزل الّله بها من سلطا ٍ‬
‫لنزل الّله بها سلطاًنا‪ ،‬فعدم إنزاله له دلي ٌ‬
‫ل على بطلنها؛ فإنه ما‬
‫من مطلوب ومقصود ـ وخصوصا ً الموَر الكباَر ـ إل وقد بّين الّله‬
‫فيها من الحجج ما يد ّ‬
‫ل عليها ومن السلطان ما ل تخفى معه‪،‬‬
‫دتكم به‪} .‬إّنـي‬
‫}فانتظروا{‪ :‬ما يقعُ بكم من العقاب الذي وَع َ ْ‬
‫ن يخشى‬
‫معكم من المنتظرين{‪ :‬وفرق بين النتظاَرْين؛ انتظارِ َ‬
‫م ْ‬
‫ن يرجو من الّله النصر والثواب‪.‬‬
‫وقوع العقاب و َ‬
‫م ْ‬
‫جْيناه{؛ أي‪:‬‬
‫}‪ {72‬ولهذا فتح الّله بين الفريقين فقال‪} :‬فأن َ‬
‫هودًا‪} ،‬والذين{ آمنوا معه }برحمةٍ منا{‪ :‬فإنه الذي هداهم‬
‫لليمان‪ ،‬وجعل إيمانهم سببا ً ينالون به رحمته‪ ،‬فأنجاهم برحمته‪،‬‬
‫}وقط َْعنا دابر الذين ك ّ‬
‫ذبوا بآياتنا{؛ أي‪ :‬استأصلناهم بالعذاب‬
‫سل ّ َ‬
‫ط الّله عليهم }الريح‬
‫الشديد الذي لم ي ُْبق منهم أحدًا‪ ،‬و َ‬
‫العقيم‪ .‬ما ت َذ َُر من شيٍء أتت عليه إل جعلته كالّرميم{‪} ،‬فأهِْلكوا‬
‫ة المن َ‬
‫ذرين{‪،‬‬
‫فأصبحوا ل ُيرى إل ّ مساك ُِنهم فان ْظ ُْر كيف كان عاقب ُ‬
‫مروا باليمان فلم‬
‫حجج فلم ينقادوا لها‪ ،‬وأ ِ‬
‫الذين أقيمت عليهم الـ ُ‬
‫ُ‬
‫يؤمنوا‪ ،‬فكان عاقِب َُتهم الهلك والخزي والفضيحة‪} ،‬وأت ِْبعوا في‬
‫ن عادا ً ك َ َ‬
‫دنيا لعن ً‬
‫فروا رّبهم أل ب ُْعدا ً لعادٍ‬
‫م القيام ِ‬
‫ة‪ .‬أل إ ّ‬
‫هذه ال ّ‬
‫ة ويو َ‬
‫َ‬
‫قوم هود{‪ .‬وقال هنا‪} :‬وقَطْعنا دابَر الذين ك ّ‬
‫ذبوا بآياتنا وما كانوا‬
‫م التكذيب والعناد‪ ،‬ونعت ُُهم‬
‫ص ُ‬
‫فه ُ‬
‫ن{‪ :‬بوجهٍ من الوجوه‪ ،‬بل وَ ْ‬
‫مؤمني َ‬
‫الك ِْبر والفساد‪.‬‬

‫ﭽ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩﯪﯧﯧ ﯫﯧﯧ ﯬﯧﯧ ﯭﯧﯧ‬
‫ﯮﯧﯧ ﯯﯧﯧﯰﯧﯧ ﯱﯧﯧ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯼ ﯽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ‬
‫ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ‬
‫ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ‬
‫ﭼﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ‬
‫ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ‬
‫ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ‬
‫)‪(1‬‬
‫ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﭼ ‪.‬‬

‫}‪ {73‬أي‪} :‬و{ أرسلنا }إلى ثمود{‪ :‬القبيلة المعروفة‬
‫الذين كانوا يس ُ‬
‫جر وما حوله من أرض الحجاز وجزيرة‬
‫كنون الـ ِ‬
‫ح ْ‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪ :‬إلى آخر قصتهم‪.‬‬

‫العرب‪ ،‬أرسل الّله إليهم }أخاهم صالحًا{‪ :‬نبّيا يدعوهم إلى‬
‫اليمان والتوحيد وينهاهم عن الشرك والتنديد‪ ،‬فقال‪} :‬يا قوم‬
‫اعبدوا الله مال َ ُ‬
‫ه عليه الصلة والسلم من‬
‫كم من إلهٍ غيره{‪ :‬دعوت ُ ُ‬
‫جنس دعوة إخوانه من المرسلين‪ :‬المر بعبادةِ الّله وبيان أنه‬
‫ة من رّبكم{؛ أي‪ :‬خارق‬
‫ليس للعباد إله غير الّله‪} .‬قد جاءْتكم بين ٌ‬
‫من خوارق العادات التي ل تكون إل آية سماوّية ل يقدر الناس‬
‫ة‬
‫ة الّله لكم آية{؛ أي‪ :‬هذه ناق ٌ‬
‫سرها بقوله‪} :‬هذه ناق ُ‬
‫عليها‪ ،‬ثم ف ّ‬
‫ة لضافتها إلى الّله تعالى إضافة تشريف‪ ،‬لكم فيها‬
‫ة فاضل ٌ‬
‫شريف ٌ‬
‫ب‬
‫ب ولكم ِ‬
‫آية عظيمة‪ ،‬وقد ذكر وجه الية في قوله‪} :‬لها ِ‬
‫شْر ُ‬
‫شْر ٌ‬
‫ة‪ ،‬وهي المعروفة ببئر الناقة‪،‬‬
‫يوم معلوم{‪ ،‬وكان عندهم بئر كبير ٌ‬
‫يتناوبونها هم والناقة‪ ،‬للناقة يوم تشربها ويشربون اللبن من‬
‫ضرعها‪ ،‬ولهم يوم يردونها وتصدر الناقة عنهم‪ .‬وقال لهم نبّيهم‬
‫ذروها تأك ْ‬
‫صالح عليه السلم‪} :‬ف َ‬
‫ل في أرض الّله{‪ :‬فل عليكم من‬
‫سوها بسوٍء{؛ أي‪ :‬بعقر أو غيره‪،‬‬
‫م ّ‬
‫مؤونتها شيء‪} ،‬ول َتـ َ‬
‫}فيأخذ َ ُ‬
‫ب أليم{‪.‬‬
‫كم عذا ٌ‬
‫جعَل َ ُ‬
‫}‪} {74‬واذ ْ ُ‬
‫كم خلفاَء{‪ :‬في الرض تتمّتعون بها‬
‫كروا إذ َ‬
‫وتدركون مطالبكم‪} ،‬من بعد عاٍد{‪ :‬الذين أهلكهم الّله وجعََلكم‬
‫وأكم في الرض{؛ أي‪ :‬م ّ‬
‫كن لكم فيها‬
‫خلفاء من بعدهم‪} ،‬وب ّ‬
‫ن‬
‫وسّهل لكم السباب الموصلة إلى ما تريدون وتبتغون‪} ،‬تّتخذو َ‬
‫من سهولها قصورًا{؛ أي‪ :‬الراضي السهلة التي ليست بجبال‬
‫بيوتًا‪ ،‬ومن الجبال بيوتا ً ينحتونها )‪ (1‬كما هو مشاهد ٌ إلى الن‬
‫جر ونحوها‪ ،‬وهي‬
‫أعمالهم التي في الجبال من المساكن وال ِ‬
‫ح ْ‬
‫ولكم‬
‫باقية ما بقيت الجبال‪} .‬فاذكروا آلء الّله{؛ أي‪ :‬نعمه وما خ ّ‬
‫من الفضل والرزق والقوة‪} ،‬ول تعَثوا في الرض مفسدين{؛ أي‪:‬‬
‫خّربوا في الرض بالفساد والمعاصي؛ فإن المعاصي تدع‬
‫ل تُ َ‬
‫ت مساك َِنهم‬
‫ت دياَر ُ‬
‫الدياَر العامرة َ بلقِ َ‬
‫هم منهم‪ ،‬وأبق ْ‬
‫ع‪ ،‬وقد أخل ْ‬
‫دهم‪.‬‬
‫موحش ً‬
‫ة بع َ‬
‫ه{؛ أي‪ :‬الرؤساء‬
‫م ِ‬
‫}‪} {75‬قال المل ُ الذين استكبروا من قو ِ‬
‫والشراف الذين تكبروا عن الحق‪} ،‬للذين استضعفوا{‪ :‬ولما‬
‫ن آمن منهم‬
‫كان المستضَعفون ليسوا كّلهم مؤمنين؛ قالوا‪} :‬ل ِ َ‬
‫م ْ‬
‫ن صالحا ً مرس ٌ‬
‫ل من رّبه{؛ أي‪ :‬أهو صادقٌ أم كاذب؟‬
‫أتعَلمون أ ّ‬
‫س َ‬
‫ن{ من توحيد‬
‫فقال المستضعفون‪ :‬إّنا بالذي }أر ِ‬
‫ل به مؤمنو َ‬
‫الّله والخبر عنه وأمره ونهيه‪.‬‬
‫‪ - 1‬في )ب(‪» :‬التي ليست بجبال تتخذون فيها القصور العالية والبنية‬
‫الحصينة‪ ،‬وتنحتون الجبال بيوتًا«‪ .‬سقط من ) أ (‪ ،‬واستدركه الشيخ بما‬
‫أثبت‪.‬‬

‫ن{‪:‬‬
‫}‪} {76‬قال الذين استكَبروا إّنا بالذي آمنُتم به كافرو َ‬
‫م الك ِب ُْر أن ل ينقادوا للحقّ الذي انقاد له الضعفاء‪.‬‬
‫َ‬
‫مل َهُ ُ‬
‫حـ َ‬
‫عدهم إن مسوها بسوء أن‬
‫}‪} {77‬فعقروا الناقة{‪ :‬التي تو ّ‬
‫ب أليم‪} .‬وع ََتوا عن أمر رّبهم{؛ أي‪ :‬قسوا عنه‬
‫يصيَبهم عذا ٌ‬
‫ن عتا عنه أذاقه العذاب الشديد‪ ،‬ل‬
‫واستكبروا عن أمره الذي َ‬
‫م ْ‬
‫ح ّ‬
‫جرم أح ّ‬
‫رهم‪} .‬وقالوا{‪ :‬مع‬
‫ل الّله بهم من الّنكال ما لم ي ُ ِ‬
‫ل بغي ِ‬
‫جزين له غير مبالين بما فعلوا‬
‫هذه الفعال متجّرئين على الّله مع ِ‬
‫دنا{‪ - :‬إن كنت من‬
‫ح ائِتنا بما تعِ ُ‬
‫بل مفتخرين بها‪} :‬يا صال ُ‬
‫ة أّيام ذلك‬
‫الصادقين ‪ -‬من العذاب‪ ،‬فقال‪} :‬تمّتعوا في داِركم ثلث َ‬
‫ب{‪.‬‬
‫وعد ٌ غيُر مكذو ٍ‬
‫)‪(1‬‬
‫هم جاثمين{‪:‬‬
‫}‪} {78‬فأخذتهم الرجف ُ‬
‫ة فأصبحوا في دارِ ِ‬
‫على ركبهم قد أبادهم الّله وقطع دابرهم‪.‬‬
‫ح عليه السلم حين أح ّ‬
‫ل الّله‬
‫}‪} {79‬فتوّلـى عنهم{‪ :‬صال ٌ‬
‫بهم العذاب‪} ،‬وقال{‪ :‬مخاطبا ً لهم توبيخا ً وعتابا ً بعدما أهلكهم‬
‫الّله‪} :‬يا قوم لقد أبلغت ُ ُ‬
‫ت لكم{؛ أي‪ :‬جميع‬
‫كم رسال َ‬
‫ة رّبـي ونصح ُ‬
‫ما أرسلني الّله به إليكم قد أبلغُتكم به وحرصت على هدايتكم‬
‫ت في سلوككم الصراط المستقيم والدين القويم‪} ،‬ولكن‬
‫واجتهد ُ‬
‫ن الناصحين{‪ :‬بل رددُتم قول الّنصحاء‪ ،‬وأطعتم ك ّ‬
‫ل‬
‫ل تحّبو َ‬
‫شيطان رجيم‪.‬‬
‫ن‬
‫سرين يذكرون في هذه القصة أ ّ‬
‫واعلم أن كثيرا ً من المف ّ‬
‫الناقة خرجت من صخرةٍ صماء ملساء اقترحوها على صالح‪،‬‬
‫خض الحامل‪ ،‬فخرجت الناقة وهم ينظرون‪ ،‬وأن‬
‫خضت تم ّ‬
‫وأنها تم ّ‬
‫لها فصيل ً حين عقروها رغى ثلث رغيات وانفلق له الجبل ودخل‬
‫فيه‪ ،‬وأن صالحا ً عليه السلم قال لهم‪ :‬آية نزول العذاب بكم أن‬
‫تصبحوا في اليوم الول من اليام الثلثة ووجوهكم مصفّرة‪،‬‬
‫دة‪ ،‬فكان كما قال‪.‬‬
‫واليوم الثاني محمّرة‪ ،‬والثالث مسو ّ‬
‫وهذا )‪ (2‬من السرائيليات التي ل ينبغي نقلها في تفسير‬
‫كتاب الّله‪ ،‬وليس في القرآن ما يد ّ‬
‫ل على شيء منها بوجه من‬
‫ة ل َذ َ َ‬
‫كرها الّله تعالى؛ لن فيها من‬
‫الوجوه‪ ،‬بل لو كانت صحيح ً‬
‫العجائب والعبر واليات ما ل يهمله تعالى ويدع ذ ِك َْره ُ حتى يأتي‬
‫ن ل يوَثق بنقله‪ ،‬بل القرآن يك ّ‬
‫ذب بعض هذه‬
‫من طريق َ‬
‫م ْ‬
‫ً‬
‫ن صالحا قال لهم‪} :‬تمّتعوا في دارِ ُ‬
‫كم ثلثة‬
‫المذكورات؛ فإ ّ‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬ديارهم«‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬وكل هذا«‪ .‬وقد طمس الشيخ )كل( في ) أ (‪.‬‬

‫]أيام[{؛ أي‪ :‬تنّعموا وتل ّ‬
‫دا؛ فإنه ليس‬
‫ذذوا بهذا الوقت القصير ج ّ‬
‫ذة سوى هذا‪ ،‬وأيّ ل ّ‬
‫لكم من المتاع والل ّ ّ‬
‫ذة وتمّتع لمن وعدهم‬
‫دماته فوقعت يوما ً فيوما ً‬
‫نبّيهم وقوع العذاب وذكر لهم وقوع مق ّ‬
‫ملهم؛ لن احمرار وجوههم واصفرارها‬
‫مهم ويش ُ‬
‫على وجهٍ يع ّ‬
‫واسودادها من العذاب؟! هل هذا إل مناقض للقرآن ومضاد ّ له؟!‬
‫ح شيء‬
‫فالقرآن فيه الكفاية والهداية عن ما سواه‪ .‬نعم؛ لو ص ّ‬
‫ّ‬
‫عن رسول الّله صلى الله عليه وسلم مما ل يناقض كتاب الله؛‬
‫م‬
‫فعلى الرأس والعين‪ ،‬وهو مما أمر القرآن باتباعه‪} :‬وما آتاك ُ ُ‬
‫الرسو ُ‬
‫دم أنه ل يجوز‬
‫ل ُفخذوه وما نهاكم عنه فانَتهوا{‪ .‬وقد تق ّ‬
‫تفسير كتاب الّله بالخبار السرائيلّية‪ ،‬ولو على تجويز الرواية‬
‫ن معاني كتاب الّله يقينّية‪،‬‬
‫م بكذ ِِبها؛ فإ ّ‬
‫عنهم بالمور التي ل ُيـ ْ‬
‫جَز ُ‬
‫دق ول تك ّ‬
‫ذب؛ فل يمكن اتفاقهما‪.‬‬
‫وتلك أمور ل تص ّ‬

‫ﭽ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩﯪﯧﯧ‬
‫ﯫﯧﯧ ﯬﯧﯧ ﯭﯧﯧ ﯮﯧﯧ ﯯﯧﯧ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ‬
‫ﭯ ﭰ ﭱ ﭼ‪.‬‬
‫ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪﭫ ﭬ ﭭ ﭮ‬
‫)‪(1‬‬

‫}‪ {80‬أي‪} :‬و{ اذكر عبدنا }لوطًا{‪ :‬عليه الصلة والسلم؛‬
‫ده‪ ،‬وينهاهم عن‬
‫مُرهم بعبادة الّله وح َ‬
‫إذ أرسلناه إلى قومه؛ يأ ُ‬
‫ن‬
‫الفاحشة التي ما سب َ‬
‫قهم بها أحد ٌ من العالمين؛ فقال‪} :‬أتأتو َ‬
‫ة{؛ أي‪ :‬الخصلة التي بلغت في العِ َ‬
‫ظم وال ّ‬
‫شناعة إلى أن‬
‫الفاحش َ‬
‫قكم بها من أحد ٍ من العالمين{‪:‬‬
‫سب َ َ‬
‫ت أنواع َ الفحش‪} ،‬ما َ‬
‫استغرق ْ‬
‫ة من أشنع الشياء‪ ،‬وكوُنهم ابتدعوها‪ ،‬وابت َ َ‬
‫كروها‪،‬‬
‫فكوُنها فاحش ً‬
‫ن أيضًا‪.‬‬
‫دهم من أشنع ما يكو ُ‬
‫سّنوها لمن بع َ‬
‫و َ‬
‫ن الرجال شهوة ً من دون‬
‫}‪ {81‬ثم بّينها بقوله‪} :‬إّنكم َلتأتو َ‬
‫النساء{؛ أي‪ :‬كيف ت َ َ‬
‫ن‬
‫ن الّله لكم‪ ،‬وفيه ّ‬
‫ذرون النساء التي خلقه ّ‬
‫المستمت َعُ الموافق للشهوة والفطرة‪ ،‬وتقِبلون على أدبار الرجال‪،‬‬
‫ة ما يكون في الشناعة والخبث‪ ،‬مح ّ‬
‫ل تخرج منه‬
‫التي هي غاي ُ‬
‫رها فضل ً عن ملمستها‬
‫النتان والخباث التي ي ُ ْ‬
‫سَتحى من ذك ِ‬
‫ّ‬
‫ده الله‪،‬‬
‫ن{؛ أي‪ :‬متجاِوزون لما ح ّ‬
‫م مسرفو َ‬
‫وقربها‪} .‬بل أنتم قو ٌ‬
‫متجّرئون على محارمه‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪ :‬إلى آخر القصة‪.‬‬

‫هم من‬
‫رجو ِ‬
‫ب قو ِ‬
‫ن جوا َ‬
‫}‪} {82‬وما كا َ‬
‫مهِ إل ّ أن قالوا أخ ِ‬
‫)‪(1‬‬
‫قريت ِ ُ‬
‫ن{؛ أي‪ :‬يتنّزهون عن فعل‬
‫س يتطّهرو َ‬
‫كم إّنهم أنا ٌ‬
‫قموا منهم إل ّ أن يؤمنوا بالل ّهِ العزيز الحميد{‪.‬‬
‫الفاحشة‪} ،‬وما ن َ َ‬
‫ن{؛ أي‪:‬‬
‫ه إل ّ امرأت َ ُ‬
‫}‪} {83‬فأنجيناه وأهل َ ُ‬
‫ه كانت من الغابري َ‬
‫ذبين؛ أمره الّله أن يسري بأهله لي ً‬
‫الباقين المع ّ‬
‫ب‬
‫ن العذا َ‬
‫ل؛ فإ ّ‬
‫مه‪ ،‬فسرى بهم إل ّ امرأته أصابها ما أصابهم‪.‬‬
‫مصب ّ ٌ‬
‫ح قو َ‬
‫}‪} {84‬وأمط َْرنا عليهم مطرًا{؛ أي‪ :‬حجارة حاّرة شديدةً‬
‫ة‬
‫جيل‪ ،‬وجعل الّله عال َِيها سافَِلها‪} ،‬فانظْر كيف كان عاقب ُ‬
‫من ِ‬
‫س ّ‬
‫رمين{‪ :‬الهلك والخزي الدائم‪.‬‬
‫المج ِ‬
‫ﭽ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ‬
‫ﮅﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ‬
‫ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮮ ﮯﮰ‬
‫ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ‬
‫ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ‬
‫ﮱ ﯓ ﯔ‬
‫ﯥ ﯦ ﯧﯨ ﯩ ﯪﯧﯧ ﯫﯧﯧ ﯬﯧﯧ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ‬
‫ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ‬
‫ﭟ ﭠ ﭡ ﭢﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ‬
‫ﮁ ﮂﮃ ﮄ‬
‫ﭿ ﮀ‬
‫ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ‬
‫ﮇ ﮈﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ‬
‫ﮅ ﮆ‬
‫ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ‬
‫ﮚ ﮛ‬
‫ﮙ‬
‫ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ‬
‫ﮭ ﮮﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓﯔ ﯕ ﯖ‬
‫)‪(2‬‬
‫ﯬﯧﯧ ﭼ ‪.‬‬
‫ﯢ ﯣ ﯤ ﯥﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪﯧﯧ ﯫﯧﯧ‬

‫}‪ {85‬أي‪} :‬و{ أرسلنا إلى القبيلة المعروفة بمدين‬
‫}أخاهم{‪ :‬في النسب‪ُ } ،‬‬
‫شعَْيبًا{‪ :‬يدعوهم إلى عبادة الله وحده‬
‫ل شريك له‪ ،‬ويأمرهم بإيفاء المكيال والميزان‪ ،‬وأن ل يبخسوا‬
‫وا في الرض مفسدين بالكثار من‬
‫الناس أشياءهم‪ ،‬وأن ل يعث َ ْ‬
‫عمل المعاصي‪ ،‬ولهذا قال‪} :‬ول تفسدوا في الرض بعد إصلحها‬
‫ن ترك المعاصي امتثال ً لمر‬
‫ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين{‪ :‬فإ ّ‬
‫الّله وتقّربا ً إليه خيٌر وأنفع للعبد من ارتكابها الموجب لسخط‬
‫الجبار وعذاب النار‪.‬‬
‫}‪} {86‬ول تقُعدوا{‪ :‬للناس }بك ّ‬
‫ط{؛ أي‪ :‬طريق من‬
‫ل صرا ٍ‬
‫الطرق التي يكث ُُر سلوكها؛ تح ّ‬
‫ن{‪ :‬من‬
‫ذرون الناس منها‪ ،‬و}تو ِ‬
‫عدو َ‬
‫دون عن سبيل الّله{‪ :‬من أراد الهتداء به‪،‬‬
‫ص ّ‬
‫سلكها‪} ،‬وت َ ُ‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫جة‪ ،‬وتميلونها‬
‫}وتبغوَنها ِ‬
‫وجا{؛ أي‪ :‬تبغون سبيل الله تكون معو ّ‬
‫ع َ‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬فما«‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪ :‬إلى آخر القصة‪.‬‬

‫اّتباعا ً لهوائكم‪ ،‬وقد كان الواجب عليكم وعلى غيركم الحترام‬
‫والتعظيم للسبيل التي نصبها الّله لعباده‪ ،‬ليسلكوها إلى مرضاته‬
‫دون لنصرتها والدعوة‬
‫م رحم ٍ‬
‫ص ّ‬
‫ودار كرامته ورحمهم بها أعظ َ‬
‫ة‪ ،‬وت َ َ‬
‫دين الناس‬
‫صا ّ‬
‫إليها والذ ّ‬
‫ب عنها‪ ،‬ل أن تكونوا أنتم قطاع طريقها ال ّ‬
‫دة لّله وجعل أقوم الطرق‬
‫ن هذا كفٌر لنعمة الّله ومحا ّ‬
‫عنها؛ فإ ّ‬
‫ة‪ ،‬وتشّنعون على من سلكها‪} ،‬واذ ُ‬
‫كروا{‪ :‬نعمة الّله‬
‫وأعدلها مائل ً‬
‫عليكم }إذ ُ‬
‫ماكم بما أنعم عليكم من‬
‫كنُتم قليل ً فكث َّركم{؛ أي‪ :‬ن ّ‬
‫الزوجات والنسل والصحة‪ ،‬وأنه ما ابتلكم بوباء أو أمراض من‬
‫حكم‪ ،‬ول‬
‫المراض المقّللة لكم‪ ،‬ول سّلط عليكم عدّوا يجتا ُ‬
‫فّرقكم في الرض‪ ،‬بل أنعم عليكم باجتماعكم وإدرار الرزاق‬
‫ة المفسدين{‪ :‬فإنكم ل‬
‫وكثرة النسل‪} .‬وانظروا كيف كان عاقب ُ‬
‫حشة‬
‫تجدون في جموعهم إل ّ الشتات‪ ،‬ول في ربوعهم إل ّ الوَ ْ‬
‫ُ‬
‫والنبتات‪ ،‬ولم يورثوا ذ ِ ْ‬
‫ة‬
‫دنيا لعن ً‬
‫كرا ً حسنًا‪ ،‬بل أت ِْبعوا في هذه ال ّ‬
‫ويوم القيامة ]أشد[ خزيا ً وفضيحة‪.‬‬
‫ة من ُ‬
‫ت به‬
‫}‪} {87‬وإن كان طائف ٌ‬
‫كم آمنوا بالذي أْر ِ‬
‫سل ْ ُ‬
‫م‬
‫وطائف ٌ‬
‫ة لم يؤمنوا{‪ :‬وهم الجمهور منهم‪} ،‬فاصِبروا حتى يحك ُ َ‬
‫ق‪ ،‬ويوقع العقوبة على‬
‫ن{‪ :‬فينصر المح ّ‬
‫الل ّ ُ‬
‫ه بيننا وهو خيُر الحاكمي َ‬
‫المبطل‪.‬‬
‫ه{‪ :‬وهم‬
‫م ِ‬
‫}‪} {88‬قال المل ُ الذين است َك َْبروا من قو ِ‬
‫ف والكبراُء منهم‪ ،‬الذين اّتبعوا أهواءهم ولهوا بلذاتهم‪،‬‬
‫الشرا ُ‬
‫دوه‪،‬‬
‫فلما أتاهم الحقّ ورأوه غير موافق لهوائهم الرديئة؛ ر ّ‬
‫واستكبروا عنه‪ ،‬فقالوا لنبّيهم شعيب ومن معه من المؤمنين‬
‫جن ّ َ‬
‫ب والذين آمنوا معك من قريِتنا‬
‫ك يا شعي ُ‬
‫المستضعفين‪} :‬لنخر َ‬
‫ق‪،‬‬
‫ن في ِ‬
‫أو لتعود ُ ّ‬
‫وتهم ال ّ‬
‫سُبعية في مقابلة الح ّ‬
‫مّلتنا{‪ :‬استعملوا ق ّ‬
‫قا‪ ،‬وإنما راعوا واتبعوا أهواءهم‬
‫ة ول ح ّ‬
‫م ً‬
‫ولم يراعوا دينا ً ول ذ ّ‬
‫ما‬
‫وعقولهم السفيهة‪ ،‬التي دّلتهم على هذا القول الفاسد‪ ،‬فقالوا إ ّ‬
‫أن ترجع أنت ومن معك إلى ديننا أو لنخرجّنكم من قريتنا؛‬
‫ب عليه الصلة والسلم كان يدعوهم طامعا ً في إيمانهم‪،‬‬
‫فشعي ٌ‬
‫عدوه إن لم يتابعهم بالجلء‬
‫سَلم ]من شرهم[ حتى تو ّ‬
‫والن لم ي َ ْ‬
‫ب‬
‫عن وطنه الذي هو ومن معه أحقّ به منهم‪ .‬فقال لهم شعي ٌ‬
‫ن{؛ أي‪:‬‬
‫عليه الصلة والسلم متعجبا ً من قولهم‪} :‬أوَل َوْ كّنا كارهي َ‬
‫أنتابعكم على دينكم ومّلتكم الباطلة ولو ك ُّنا كارهين لها لعلمنا‬
‫عى إليها من له نوع ُ رغبة فيها‪ ،‬أما من يعلن‬
‫ببطلنها؛ فإنما يد َ‬
‫بالنهي عنها والتشنيع على من اّتبعها؛ فكيف ُيدعى إليها‪.‬‬
‫دنا في مّلتكم بعد إذ‬
‫}‪} {89‬قد ِ افت ََرْينا على الّله كذبا ً إن ع ُ ْ‬
‫جانا‬
‫جانا الّله منها{؛ أي‪ :‬اشهدوا علينا أننا إن ُ‬
‫عدنا ]فيها[ بعد ما ن ّ‬
‫ن ّ‬

‫الّله منها وأنقذنا من شّرها أننا كاذبون مفترون على الّله الكذب؛‬
‫من جعل لّله شريكا ً وهو الواحد‬
‫م أنه ل أعظم افتراء مـ ّ‬
‫فإننا نعل ُ‬
‫(‬
‫‪1‬‬
‫)‬
‫الحد الفرد الصمد الذي لم يّتخذ صاحبة ول ولدا ً ول شريكا ً‬
‫ن لنا أن نعود َ فيها{؛ أي‪ :‬يمتنع على مثلنا أن‬
‫في الملك‪} .‬وما يكو ُ‬
‫سهم عليه الصلة والسلم من‬
‫نعود َ فيها؛ فإ ّ‬
‫ن هذا من المحال‪ ،‬فآي َ َ‬
‫ة‪.‬‬
‫كونه يوافقهم من وجوهٍ متعدد ٍ‬
‫من جهة أنهم كارهون لها مبغضون لما هم عليه من‬
‫الشرك‪.‬‬
‫ن ات ّب ََعهم‬
‫ومن جهة أنه جعل ما هم عليه كذبا ً وأشهدهم أنه إ ِ‬
‫ومن معه فإّنهم كاذبون‪.‬‬
‫ومنها اعتراُفهم بمّنة الّله عليهم إذ أنقذهم الّله منها‪ ،‬ومنها‬
‫دهم فيها بعدما هداهم الّله من المحالت بالنظر إلى‬
‫ن عو َ‬
‫أ ّ‬
‫حالتهم الراهنة وما في قلوبهم من تعظيم الّله تعالى والعتراف‬
‫له بالعبودّية وأنه الله وحده الذي ل تنبغي العبادة إل ّ له وحده ل‬
‫ن آلهة المشركين أبطل الباطل وأمحل المحال‪،‬‬
‫شريك له‪ ،‬وأ ّ‬
‫ن عليهم بعقول يعرفون بها الحقّ والباطل‬
‫وحيث إ ّ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫هم ّ‬
‫ّ‬
‫والهدى والضلل‪ ،‬وأما من حيث النظر إلى مشيئة الله وإرادته‬
‫ب‬
‫ج لحد ٍ عنها ولو تواتر ِ‬
‫ت السبا ُ‬
‫النافذة في خلقه التي ل خرو َ‬
‫وتوافقت القوى؛ فإّنهم ل يحكمون على أنفسهم أنهم سيفعلون‬
‫ن لنا أن نعود َ فيها إل‬
‫شـيـئا ً أو يتركونه‪ ،‬ولهذا استثنى‪} :‬وما يكو ُ‬
‫ه رّبنا{؛ أي‪ :‬فل يمكننا ول غيرنا الخروج عن مشيئته‬
‫أن يشاء الل ّ ُ‬
‫سعَ رّبنا ك ّ‬
‫ل شيٍء علمًا{‪ :‬فيعلم ما‬
‫التابعة لعلمه وحكمته‪ ،‬وقد }وَ ِ‬
‫يصُلح للعباد‪ ،‬وما يدب ُّرهم عليه‪.‬‬
‫}على الّله توك ّْلنا{؛ أي‪ :‬اعتمدنا أنه سيثّبتنا على الصراط‬
‫منا من جميع طرق الجحيم؛ فإن من تو ّ‬
‫كل‬
‫المستقيم‪ ،‬وأن يع ِ‬
‫ص َ‬
‫ح بيَننا وبين‬
‫سر له أمر دينه ودنياه‪} .‬رّبنا افت ْ‬
‫على الّله كفاه وي ّ‬
‫ق{؛ أي‪ :‬انصر المظلوم وصاحب الحق على الظالم‬
‫قو ِ‬
‫منا بالح ّ‬
‫ه تعالى لعباده‬
‫المعاند للحق‪} ،‬وأنت خيُر الفاتحين{‪ :‬وفت ُ‬
‫ح ُ‬
‫ح العلم بتبيين الحقّ من الباطل والهدى من الضلل‬
‫نوعان‪ :‬فت ُ‬
‫ف عنه‪ .‬والنوع‬
‫من هو منحر ٌ‬
‫م على الصراط مـ ّ‬
‫ن هو المستقي ُ‬
‫و َ‬
‫م ْ‬
‫ه بالجزاء وإيقاع العقوبة على الظالمين‪ ،‬والنجاة‬
‫الثاني ‪ :‬فت ُ‬
‫ح ُ‬
‫ح بيَنهم وبين قومهم‬
‫والكرام للصالحين‪ .‬فسألوا الّله أن يفت َ‬
‫عب َرِهِ ما يكون فاصل ً بين‬
‫بالحقّ والعدل‪ ،‬وأن يرَيهم من آيات ِهِ و ِ‬
‫الفريقين‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬ولدا ً ول صاحبة«‪.‬‬

‫}‪} {90‬وقال المل ُ الذين كفروا من قومه{‪ :‬مح ّ‬
‫ذرين عن‬
‫ن{‪ :‬هذا ما‬
‫اّتباع شعيب‪} :‬لئن اّتبعتم شعيبا ً إّنكم إذا ً لخاسرو َ‬
‫ولت لهم أنفسهم؛ أن الخسارة والشقاء في اتباع الرشد‬
‫س ّ‬
‫والهدى‪ ،‬ولم يدروا أن الخسارة ك ّ‬
‫ل الخسارة في لزوم ما هم‬
‫عليه من الضلل والضلل‪ ،‬وقد علموا ذلك حين وقع بهم الّنكال‪.‬‬
‫ة{؛ أي‪ :‬الزلزلة الشديدة‪،‬‬
‫م الرجف ُ‬
‫}‪} {91‬فأخذْتـهُ ُ‬
‫ن{؛ أي‪ :‬صرعى مّيتين هامدين‪.‬‬
‫}فأصبحوا في دارهم جاثمي َ‬
‫}‪ {92‬قال تعالى ناعيا ً حاَلهم‪} :‬الذين ك ّ‬
‫ذبوا شعيبا ً كأن لم‬
‫وا فيها{؛ أي‪ :‬كأنهم ما أقاموا في ديارهم‪ ،‬وكأنهم ما تمّتعوا‬
‫ي َغْن َ ْ‬
‫في ع ََرصاتهم‪ ،‬ول تفّيئوا في ظللها‪ ،‬ول غنوا في مسارح أنهارها‪،‬‬
‫ول أكلوا من ثمار أشجارها‪ ،‬فأخذهم العذاب )‪ (1‬فنقلهم من مورد‬
‫اللهو واللعب والل ّ ّ‬
‫ذات إلى مستقّر الحزن والشقاء والعقاب‬
‫ذبوا ُ‬
‫والدَركات‪ ،‬ولهذا قال‪} :‬الذين ك ّ‬
‫ن{؛‬
‫شعيبا ً كانوا هم الخاسري َ‬
‫أي‪ :‬الخسار محصوٌر فيهم؛ لنهم خسروا أنفسهم وأهليهم يوم‬
‫ن‬
‫القيامة‪ ،‬أل ذلك هو الخسران المبين‪ ،‬ل َ‬
‫م ْ‬
‫ن قالوا لهم‪} :‬لئ ِ‬
‫ن{‪.‬‬
‫اّتبعُتم شعيبا ً إّنكم إذا ً لخاسرو َ‬
‫}‪ {93‬فحين هلكوا توّلـى عنهم نبّيهم عليه الصلة والسلم‪،‬‬
‫}وقال{ معاتبا ً وموّبخا ً ومخاطبا ً لهم بعد موتهم‪} :‬يا قوم لقد‬
‫ت رّبـي{؛ أي‪ :‬أوصلتها إليكم وبّينتها حّتى بلغت‬
‫أبلغُتكم رسال ِ‬
‫ت‬
‫منكم أقصى ما يمكن أن تصل إليه وخالطت أفئدتكم‪} ،‬ونصح ُ‬
‫قبلوا ُنصحي ول انقدتم لرشادي‪ ،‬بل فسقُتم‬
‫لكم{‪ :‬فلم ت َ‬
‫ن{؛ أي‪ :‬فكيف أحزن‬
‫وطغيتم؛ }فكيف آسى على قوم كافري َ‬
‫ق‬
‫على قوم ل خيَر فيهم‪ ،‬أتاهم الخيُر فر ّ‬
‫دوه ولم يقبلوه‪ ،‬ول َيلي ُ‬
‫ح‬
‫ن عليهم‪ ،‬بل ي ُ ْ‬
‫فَر ُ‬
‫حَز َ‬
‫بهم إل الشّر؛ فهؤلء غير حقيقين أن ُيـ ْ‬
‫ي‬
‫ح ِ‬
‫مـ ْ‬
‫قهم؛ فعياذا ً بك الله ّ‬
‫بإهلكهم و َ‬
‫م من الخزي والفضيحة! وأ ّ‬
‫شقاء وعقوبة أبلغ من أن يصلوا إلى حالة يتبرأ منهم أنصح الخلق‬
‫لهم؟!‬
‫ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯼ ﯽ‬
‫ﭽ ﯭﯧﯧ ﯮﯧﯧ ﯯﯧﯧ ﯰﯧﯧ ﯱﯧﯧ ﯷ ﯷ‬
‫ﯾ ﯿ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﰈ ﰉ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﭼ‪.‬‬

‫ي{‪:‬‬
‫}‪ {94‬يقول تعالى‪} :‬وما أرسلنا في قرية من نب ّ‬
‫يدعوهم إلى عبادة الّله‪ ،‬وينهاهم عن ما هم فيه من الشّر‪ ،‬فلم‬
‫ينقادوا له؛ إل ّ ابتلهم الّله }بالبأساِء والضّراِء{؛ أي‪ :‬بالفقر‬
‫‪1‬‬

‫جأهم العذاب«‪.‬‬
‫‪ -‬في )ب(‪» :‬حين فا َ‬

‫سهم؛‬
‫ت نفو ُ‬
‫والمرض وأنواع البليا‪} ،‬لعلهم{‪ :‬إذا أصابتهم؛ خضع ْ‬
‫فتضرعوا إلى الّله‪ ،‬واستكانوا للحق‪.‬‬
‫فد ْ فيهم واستمّر استكباُرهم وازداد‬
‫}‪} {95‬ثم{‪ :‬إذا لم ي ُ ِ‬
‫َ‬
‫ة{‪ :‬فأد َّر عليهم الرزاق‪،‬‬
‫ن السيئةِ الحسن َ‬
‫طغياُنهم‪} ،‬بد ّْلنا مكا َ‬
‫وا{؛ أي‪ :‬كثروا‬
‫وعافى أبدانهم‪ ،‬ورفع عنهم البليا )‪} ،(1‬حتى ع َ َ‬
‫ف ْ‬
‫ت أرزاُقهم وانبسطوا في نعمة الّله وفضله ونسوا ما مّر‬
‫وكثر ْ‬
‫سّراُء{؛‬
‫س آباءنا ال ّ‬
‫ضّراُء وال ّ‬
‫عليهم من البليا)‪} ،(1‬وقالوا قد م ّ‬
‫أي‪ :‬هذه عادة جارية لم تزل موجودة في الولين واللحقين؛ تارة‬
‫يكونون في سّراء‪ ،‬وتارة في ضّراء‪ ،‬وتارة في فرح‪ ،‬ومرة في‬
‫ترح؛ على حسب تقّلبات الزمان وتداول اليام‪ ،‬وحسبوا أنها‬
‫ليست للموعظة والتذكير ول للستدراج والنكير‪ ،‬حتى إذا اغتبطوا‬
‫دنيا أسّر ما كانت إليهم‪ .‬أخ ْ‬
‫ذناهم‬
‫وفرحوا بما أوتوا‪ ،‬وكانت ال ّ‬
‫(‬
‫‪2‬‬
‫)‬
‫ة وهم ل يشُعرون{؛ أي‪ :‬ل يخط ُُر لهم الهلك‬
‫بالعذاب }بغت ً‬
‫ّ‬
‫ل‪ ،‬وظّنوا أنهم قادرون على ما آتاهم الله‪ ،‬وأنهم غير‬
‫على با ٍ‬
‫زائلين ول منتقلين عنه‪.‬‬
‫ﭟ ﭠ‬
‫ﭽﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ‬
‫ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ‬
‫ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﭼ ‪.‬‬

‫ن المك ّ‬
‫ذبين للرسل ُيبتلون بالضراء‬
‫}‪ {96‬لما ذكر تعالى أ ّ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫قرى‬
‫ن أهل ال ُ‬
‫موعظ ً‬
‫ة وإنذارًا‪ ،‬وبالسراء استدراجا ومكرا؛ ذكر أ ّ‬
‫لو آمنوا بقلوبهم إيمانا ً صادقا ً صدقْته العما ُ‬
‫ل‪ ،‬واستعملوا تقوى‬
‫ح‬
‫الّله تعالى ظاهرا ً وباطنا ً بترك جميع ما حّرم الّله ]تعالى[؛ لفت َ‬
‫سماء والرض‪ ،‬فأرسل السماء عليهم مدرارًا‪،‬‬
‫عليهم بركا ِ‬
‫ت ال ّ‬
‫ش بهائمُهم في أخصب‬
‫وأنب َ‬
‫ت لهم من الرض ما به يعيشون وتعي ُ‬
‫ب‪ ،‬ولكنهم‬
‫ب ول كد ّ ول نص ٍ‬
‫عيش وأغزر رزق من غير عناء ول تع ٍ‬
‫سبون{‪ :‬بالعقوبات‬
‫لم يؤمنوا ويّتقوا‪} ،‬فأخذناهم بما كانوا يك ِ‬
‫والبليا ونزع البركات وكثرة الفات‪ ،‬وهي بعض جزاء أعمالهم‪ ،‬و‬
‫ة‪،‬‬
‫إل ّ ؛ فلو آخذهم بجميع ما كسبوا؛ ما ترك على ظهرها من داب ّ ٍ‬
‫قهم‬
‫ت أيدي الناس ل ُِيذي َ‬
‫}ظ َهََر الفساد ُ في البّر والبحر بما ك َ َ‬
‫سب َ ْ‬
‫جعون{‪.‬‬
‫ض الذي عملوا لعّلهم ير ِ‬
‫بع َ‬

‫‪1‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬البلء«‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬لم«‪.‬‬

‫ن أه ُ‬
‫ل القرى{؛ أي‪ :‬المكذبة بقرينة السياق‪،‬‬
‫}‪} {97‬أفأ ِ‬
‫م َ‬
‫سنا{؛ أي‪ :‬عذابنا الشديد‪َ} ،‬بياتا ً وهم نائمون{؛ أي‪:‬‬
‫}أن يأت ِي َُهم بأ ُ‬
‫في غفلتهم وغرتهم وراحتهم‪.‬‬
‫ن أه ُ‬
‫ى وهم‬
‫}‪} {98‬أوَ أ ِ‬
‫ل القرى أن يأت َِيهم بأ ُ‬
‫م َ‬
‫سنا ضح ً‬
‫مُنهم من ذلك وهم قد فعلوا أسبابه‬
‫يلعبو َ‬
‫ن{‪ :‬أيّ شيٍء يؤ ّ‬
‫ضه الهلك‪.‬‬
‫وارتكبوا من الجرائم العظيمة ما يوجب بع ُ‬
‫جهم من حيث ل‬
‫مك َْر الّله{‪ :‬حيث يستدرِ ُ‬
‫}‪} {99‬أفأمنوا َ‬
‫م‬
‫ن‪ ،‬وُيملي لهم إ ّ‬
‫يعلمو َ‬
‫ن مكَر الل ّهِ إل القو ُ‬
‫ن كيده متين‪} .‬فل يأم ُ‬
‫دق بالجزاء‬
‫ن من أ ِ‬
‫ن من عذاب الّله؛ فإنه لم يص ّ‬
‫الخاسرون{‪ :‬فإ ّ‬
‫م َ‬
‫على العمال ول آمن بالرسل حقيقة اليمان‪.‬‬
‫ن العبد ل‬
‫وهذه الية الكريمة فيها من التخويف البليغ على أ ّ‬
‫ل خائفا ً‬
‫ينبغي له أن يكون آمنا ً على ما معه من اليمان‪ ،‬بل ل يزا ُ‬
‫جل ً أن ُيبتلى ببلي ّةٍ تسلب ما معه من اليمان‪ ،‬وأن ل يزال داعيا ً‬
‫وَ ِ‬
‫ت قلبي على دينك‪ ،‬وأن يعمل ويسعى‬
‫بقوله‪ :‬يا مقلب القلوب! ثب ّ ْ‬
‫في ك ّ‬
‫ن العبد ولو‬
‫ل سبب يخّلصه من الشّر عند وقوع الفتن؛ فإ ّ‬
‫ت؛ فليس على يقين من السلمة‪.‬‬
‫بلغت به الحال ما بلغ ْ‬

‫ﭽ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ‬
‫ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪﮫ‬
‫ﮬ ﮭ ﮮﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﭼ ‪.‬‬
‫}‪ {100‬يقول تعالى منبها ً للمم الغابرين )‪ (1‬بعد هلك المم‬
‫)‪(2‬‬
‫رثون الرض من بعد ِ أهلها أن لو‬
‫الغابرين ‪} :‬أوََلـ ْ‬
‫م َيـهْد ِ للذين ي ِ‬
‫نشاُء أصْبناهم ب ُ‬
‫ذنوبهم{؛ أي‪ :‬أَولم يتبيّـن ويّتضح للمم الذين‬
‫َ‬
‫ورثوا الرض بعد إهلك من قبلهم بذنوبهم ثم عملوا كأعمال‬
‫ن الّله لو شاء لصاَبهم ب ُ‬
‫ذنوبهم؛‬
‫أولئك المهَلكين‪ ،‬أَولم يهتدوا أ ّ‬
‫ن هذه سنته في الولين والخرين‪ .‬وقوله‪} :‬ونطب َعُ على‬
‫فإ ّ‬
‫ّ‬
‫ن{؛ أي‪ :‬إذا نّبههم الله فلم ينتبهوا‪ ،‬وذ ّ‬
‫كرهم‬
‫قلوبهم فهم ل يسمعو َ‬
‫فلم يتذ ّ‬
‫ن الّله تعالى‬
‫كروا‪ ،‬وهداهم باليات والعَِبر فلم يهَتدوا؛ فإ ّ‬
‫م‬
‫س حتى ُيـ ْ‬
‫يعاقُِبهم ويطبعُ على قلوبهم فيعلوها الّرا ُ‬
‫خت َ َ‬
‫ن والد ّن َ ُ‬
‫خلها حقّ ول يص ُ‬
‫ل إليها خيٌر ول يسمعون ما ينفعهم‪،‬‬
‫عليها فل يد ُ‬
‫ة عليهم‪.‬‬
‫ج ُ‬
‫وإّنما يسمعون ما به تقوم الح ّ‬

‫‪1‬‬

‫‪ -‬في هامش نسخة ) أ ( بخط المؤلف‪ :‬الغابرين‪ :‬الباقين‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫‪ -‬في هامش نسخة ) أ ( بخط المؤلف‪ :‬الغابرين‪ :‬الماضين‪.‬‬

‫ص عليك‬
‫دم ذ ِك ُْرهم‪} ،‬ن َ ُ‬
‫}‪} {101‬تلك القرى{‪ :‬الذين تق ّ‬
‫ق ّ‬
‫ص ُ‬
‫ل به عبرة للمعتبرين‪ ،‬وازدجاٌر للظالمين‪،‬‬
‫من أنبائها{‪ :‬ما يح ُ‬
‫ت{؛ أي‪] :‬ولقد[‬
‫سُلهم بالبينا ِ‬
‫وموعظة للمتقين‪} ،‬ولقد جاءْتهم ر ُ‬
‫سُلهم تدعوهم إلى ما فيه سعادتهم‪،‬‬
‫جاءت هؤلء المكذبين ر ُ‬
‫وأّيدهم الّله بالمعجزات الظاهرة والبّينات المبّينات للحقّ بيانا ً‬
‫كام ً‬
‫دهم هذا ول أغنى عنهم شيئًا؛ }فما كانوا‬
‫ل‪ ،‬ولكنهم لم ي ُ ِ‬
‫ف ْ‬
‫ذبوا من قب ُ‬
‫منوا بما ك ّ‬
‫ق‬
‫ليؤ ِ‬
‫ل{؛ أي‪ :‬بسبب تكذيبهم ور ّ‬
‫دهم الح ّ‬
‫)‪(1‬‬
‫دهم الحق؛‬
‫أول مرة ما كان يهديهم لليمان جزاءً لهم على ر ّ‬
‫ب أفْئ ِد ََتهم وأبصاَرهم كما لم يؤمنوا به أو َ‬
‫ل‬
‫كما قال تعالى‪} :‬ونقل ّ ُ‬
‫ن{‪} ،‬كذلك يطبعُ الّله على‬
‫مهو َ‬
‫مّرةٍ ون َذ َُرهم في طغيان ِِهم يع َ‬
‫ة منه‪ ،‬وما ظلمهم الّله‪ ،‬ولكنهم ظلموا‬
‫قلوب الكافرين{‪ :‬عقوب ً‬
‫أنفسهم‪.‬‬
‫د{؛ أي‪ :‬وما وجدنا‬
‫رهم من عه ٍ‬
‫ج ْ‬
‫}‪} {102‬وما وَ َ‬
‫دنا لكث ِ‬
‫ّ‬
‫لكثر المم الذين أرسل الله إليهم الرسل من عهد؛ أي‪ :‬من ثبات‬
‫والتزام لوصية الّله التي أوصى بها جميع العالمين‪ ،‬ول انقادوا‬
‫هم‬
‫دنا أك ْث ََر ُ‬
‫ج ْ‬
‫لوامره التي ساقها إليهم على ألسنة رسله‪} .‬وإن وَ َ‬
‫ن{؛ أي‪ :‬خارجين عن طاعة الّله‪ ،‬مّتبعين لهوائهم بغير‬
‫لفاسقي َ‬
‫هدىً من الّله؛ فالّله تعالى امتحن العباد بإرسال الرسل وإنزال‬
‫الكتب‪ ،‬وأمرهم باّتباع عهده وهداه‪ ،‬فلم يمتث ْ‬
‫ل لمره إل القليل‬
‫ة السعادة‪ ،‬وأما أكثر‬
‫ت لهم من الّله سابق ُ‬
‫من الناس‪ ،‬الذين سبق ْ‬
‫الخلق؛ فأعرضوا عن الهدى‪ ،‬واستكبروا عما جاءت به الرسل‪،‬‬
‫وعة ما أح ّ‬
‫فأح ّ‬
‫ل‪.‬‬
‫ل الّله بهم من عقوبات ِهِ المتن ّ‬
‫ﯮﯧﯧ ﯯﯧﯧ ﯰﯧﯧ ﯱﯧﯧ‬
‫ﭽ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩﯪﯧﯧ ﯫﯧﯧ ﯬﯧﯧ ﯭﯧﯧ‬
‫ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙﭚ ﭛ ﭜ ﭝ‬
‫ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ‬
‫ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ‬
‫ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ‬
‫ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ‬
‫ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ‬
‫ﮬ ﮭ ﮮﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ‬
‫ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪﯧﯧ ﯫﯧﯧ ﯬﯧﯧ ﯭﯧﯧ ﯮﯧﯧ ﯯﯧﯧ ﯰﯧﯧﯱﯧﯧ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ‬
‫ﯽ ﯾ ﯿ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ‬
‫ﯼ‬
‫ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫﭬ‬
‫ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ‬
‫ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ‬
‫ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ‬
‫ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈﮉ ﮊ ﮋ ﮌ‬
‫ﮀ ﮁ ﮂ‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬ما كان الله ليهديهم«‪.‬‬

‫ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ‬
‫ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭﮮﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ‬
‫ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪﯧﯧ ﯫﯧﯧ ﯬﯧﯧ ﯭﯧﯧ ﯮﯧﯧ ﯯﯧﯧ ﯰﯧﯧ ﯱﯧﯧ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ‬
‫ﯷ ﯷ ﯷ ﯼ ﯽ ﯾ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞﭟ‬
‫ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ‬
‫ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ‬
‫ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ‬
‫ﮰ ﮱ‬
‫ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮮ ﮯ‬
‫ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ‬
‫ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠﯡ ﯢ ﯣ‬
‫ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ‬
‫ﯯﯧﯧ ﯰﯧﯧ ﯱﯧﯧ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ‬
‫ﯪﯧﯧﯫﯧﯧ ﯬﯧﯧ ﯭﯧﯧ ﯮﯧﯧ‬
‫ﭣ ﭤﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ‬
‫ﭘ ﭙ ﭚ ﭛﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ‬
‫ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ‬
‫ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ‬
‫ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ‬
‫ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ‬
‫ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚﯛ ﯜ ﯝ‬
‫ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧﯨ ﯩ ﯪﯧﯧ ﯫﯧﯧ ﯬﯧﯧ ﯭﯧﯧ ﯮﯧﯧ ﯯﯧﯧ ﯰﯧﯧ ﯱﯧﯧﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ‬
‫ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯼ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ‬
‫ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰﭱ ﭲ‬
‫ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ‬
‫ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ‬
‫ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒﮓ ﮔ ﮕ ﮖ‬
‫ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮮ‬
‫ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ‬
‫ﮛ ﮜ ﮝ‬
‫ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ‬
‫ﯩ ﯪﯧﯧ ﯫﯧﯧ ﯬﯧﯧ ﯭﯧﯧ ﯮﯧﯧ ﯯﯧﯧ ﯰﯧﯧ ﯱﯧﯧ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ‬
‫ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜﭝ ﭞ ﭟ ﭠﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨﭩ ﭪ‬
‫ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ‬
‫ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ‬
‫ﮔﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ‬
‫ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮮ ﮯﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠﯡ ﯢ‬
‫ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪﯧﯧ ﯫﯧﯧ ﯬﯧﯧﯭﯧﯧ ﯮﯧﯧ ﯯﯧﯧ ﯰﯧﯧ ﯱﯧﯧ ﯷﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ‬
‫ﯷ ﯼ ﯽ ﯾﯿ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷﯷ ﯷ ﯷ ﰈ ﰉ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ‬
‫ﭨﭩ ﭪ ﭫ‬
‫ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣﭤ ﭥ ﭦ ﭧ‬
‫ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ‬
‫ﮑﮒ ﮓ‬
‫ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ‬
‫ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ‬
‫ﯔ ﯕ ﯖﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ‬
‫ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮮﮯ ﮰ ﮱ ﯓ‬
‫ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪﯧﯧ ﯫﯧﯧ ﯬﯧﯧ ﯭﯧﯧ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕﭖ ﭗ ﭘ ﭙ‬
‫ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬﭭ ﭮ‬

‫ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ‬
‫ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔﮕ ﮖ ﮗ ﮘ‬
‫ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮮ‬
‫ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟﯠ ﯡ ﯢﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ‬
‫ﯨ ﯩ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ‬
‫ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ‬
‫ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ‬
‫ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ‬
‫ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟﮠ‬
‫ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ‬
‫ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪﯧﯧ ﯫﯧﯧ ﯬﯧﯧ ﯭﯧﯧ ﯮﯧﯧ ﯯﯧﯧﯰﯧﯧ ﯱﯧﯧ ﯷ‬
‫ﯷ ﯷ ﯷﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﭑ ﭒ‬
‫ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ‬
‫ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ‬
‫)‪(1‬‬
‫ﭼ‪.‬‬
‫}‪ {103‬أي‪ :‬ثم بعثنا من بعد أولئك الرسل موسى الكليم‬
‫المام العظيم والرسول الكريم إلى قوم عتاةٍ جبابرةٍ ـ وهم‬
‫فرعون وملؤه من أشرافهم وكبرائهم ـ فأراهم من آيات الله‬
‫العظيمة ما لم يشاهَد ْ له نظيٌر‪} .‬فظلموا بها{‪ :‬بأن لم ينقادوا‬
‫م‪ ،‬بل استكبروا عنها‪} ،‬فانظْر‬
‫لح ّ‬
‫من لم ينقد ْ له فهو ظال ٌ‬
‫قها الذي َ‬
‫م‬
‫ف كان عاقب ُ‬
‫كي َ‬
‫م الّله وأت ْب ََعهم الذ ّ‬
‫ن{‪ :‬كيف أهل َك َهُ ُ‬
‫ة المفسدي َ‬
‫واللعنة في الدنيا‪ ،‬ويوم القيامة بئس الّرفْد ُ المرفود‪.‬‬
‫صله بقوله‪} :‬وقال موسى{‪ :‬حين‬
‫}‪ {104‬وهذا مجمل ف ّ‬
‫ن إّنـي رسو ٌ‬
‫ل من‬
‫جاء إلى فرعون يدعوه إلى اليمان‪} :‬يا فرعو ُ‬
‫ب العاَلمين{؛ أي‪ :‬إني رسو ٌ‬
‫ب‬
‫مر ِ‬
‫سل عظيم‪ ،‬وهو ر ّ‬
‫ر ّ‬
‫ل من ُ‬
‫ه‬
‫ق ِ‬
‫ي‪ ،‬مرّبـي جميع خل ِ‬
‫العاَلمين‪ ،‬الشامل للعالم العلويّ والسفلـ ّ‬
‫بأنواع التدابير اللهّية‪ ،‬التي من جملتها أنه ل يتُر ُ‬
‫ى‪ ،‬بل‬
‫كهم سد ً‬
‫يرسل إليهم الرسل مب ّ‬
‫شرين ومنذرين‪ ،‬وهو الذي ل يقدر أحد ٌ أن‬
‫دعي أنه أرسله ولم يرسله‪.‬‬
‫يتجّرأ عليه وي ّ‬
‫}‪ {105‬فإذا كان هذا شأنه‪ ،‬وأنا قد اختارني واصطفاني‬
‫ق؛‬
‫ي أن ل أكذب عليه ول أقول عليه إل الح ّ‬
‫لرسالته؛ فحقيقٌ عل ّ‬
‫ت غير ذلك؛ لعاجلني بالعقوبة‪ ،‬وأخذني أخذ عزيز‬
‫فإني لو قل ُ‬
‫ب لن ينقادوا له ويَتبعوه‪ ،‬خصوصا ً وقد جاءهم‬
‫مقتدر؛ فهذا موج ٌ‬
‫ق‪ ،‬فوجب‬
‫ببّينة من الّله واضحةٍ على ص ّ‬
‫حة ما جاء به من الح ّ‬
‫عليهم أن يعملوا بمقصود رسالته‪ ،‬ولها مقصودان عظيمان‪:‬‬
‫عهم له‪ ،‬وإرسا ُ‬
‫ضله‬
‫إيماُنهم به واّتبا ُ‬
‫ل بني إسرائيل الشعب الذي ف ّ‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪ :‬إلى آخر قصته‪.‬‬

‫الّله على العالمين أولد النبياء وسلسلة يعقوب عليه السلم‬
‫الذي موسى عليه الصلة والسلم واحد ٌ منهم‪.‬‬
‫ت بآيةٍ فأت بها إن‬
‫ت جئ َ‬
‫}‪ {106‬فقال له فرعون‪} :‬إن كن َ‬
‫ت من الصادقين{‪.‬‬
‫كن َ‬
‫}‪} {107‬فألقى{ موسى }عصاه{‪ :‬في الرض‪} ،‬فإذا هي‬
‫ن{؛ أي‪ :‬حية ظاهرة ٌ تسعى وهم يشاهدونها‪.‬‬
‫ثعبا ٌ‬
‫ن مبي ٌ‬
‫}‪} {108‬ونزع يده{‪ :‬من جيبه‪} ،‬فإذا هي بيضاء‬
‫للناظرين{‪ :‬من غير سوٍء؛ فهاتان آيتان كبيرتان داّلتان على صحة‬
‫ه‪ ،‬وأّنه رسو ُ‬
‫ب العالمين‪.‬‬
‫ما جاء به موسى وصدقِ ِ‬
‫لر ّ‬
‫}‪ {109‬ولكن الذين ل يؤمنون لو جاءتهم ك ّ‬
‫ل آيةٍ ل يؤمنون‬
‫حتى يروا العذاب الليم؛ فلهذا }قال المل من قوم فرعون{ حين‬
‫بهرهم ما رأوا من اليات ولم يؤمنوا وطلبوا لها التأويلت‬
‫م{؛ أي‪ :‬ماهٌر في سحره‪.‬‬
‫الفاسدة‪} :‬إ ّ‬
‫ن هذا لساحٌر علي ٌ‬
‫وفوا ضعفاَء الحلم وسفهاء العقول بأنه‬
‫}‪ {110‬ثم خ ّ‬
‫جكم من أرضكم{؛ أي‪ :‬يريد‬
‫د{ موسى بفعل ِهِ هذا }أن يخرِ َ‬
‫}يري ُ‬
‫)‪(1‬‬
‫ن{؟ أي‪ :‬إنهم تشاوروا‬
‫أن يجليكم من أوطانكم‪} ،‬فماذا تأمرو َ‬
‫فيما بينهم ما يفعلون بموسى‪ ،‬وما يندفع به ضررهم بزعمهم‬
‫ن ما جاء به إن لم يقاب َ ْ‬
‫ل بما يبط ُِله ويدحضه‪ ،‬وإل؛ دخل‬
‫عنهم؛ فإ ّ‬
‫في عقول أكثر الناس‪.‬‬
‫}‪ 111‬ـ ‪ {112‬فحينئذ انعقد رأيهم إلى أن قالوا لفرعون‪:‬‬
‫ث في المدائن أناسا ً‬
‫جهِ وأخاه{؛ أي‪ :‬احبسهما وأمهلهما‪ ،‬وابع ْ‬
‫}أْر ِ‬
‫يح ُ‬
‫حارٍ عليم؛ أي‪ :‬يجيئون‬
‫س ّ‬
‫شرون أهل المملكة ويأتون بكل َ‬
‫بالسحرة المهرة؛ ليقابلوا ما جاء به موسى‪ ،‬فقالوا‪ :‬يا موسى‬
‫ل بيننا وبين َ َ‬
‫}اجع ْ‬
‫ى‪ .‬قال‬
‫خل ِ ُ‬
‫ك موعدا ً ل ن ُ ْ‬
‫ه نحن ول أنت مكانا ً ُ‬
‫ف ُ‬
‫سو ً‬
‫ح َ‬
‫ن‬
‫مو ِ‬
‫ى‪ .‬فتوّلـى فرعو ُ‬
‫م الزينةِ وأن ُيـ ْ‬
‫ع ْ‬
‫دكم يو ُ‬
‫شَر الناس ضح ً‬
‫ده ثم أتى{‪.‬‬
‫معَ كي َ‬
‫فج َ‬
‫ن{‪ :‬طالبين منه‬
‫}‪ {113‬وقال هنا‪} :‬وجاء السحرة ُ فرعو َ‬
‫ن{‪.‬‬
‫الجزاء إن غلبوا‪ ،‬فقالوا‪} :‬إ ّ‬
‫ن الغالبي َ‬
‫ن لنا لجرا ً إن ك ُّنا نح ُ‬
‫}‪ {114‬فقا َ‬
‫ن‪} :‬نعم{‪ :‬لكم أجر‪} ،‬وإّنكم لمن‬
‫ل فرعو ُ‬
‫دهم الجر والتقريب وعلو المنزلة عنده؛‬
‫المقّربين{‪ :‬فوع َ َ‬
‫ليجتهدوا ويب ُ‬
‫ذلوا‪ ،‬وسعهم وطاقتهم في مغالبة موسى‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬ليجليكم«‪.‬‬

‫}‪ {115‬فلما حضروا مع موسى بحضرة الخلق العظيم‪،‬‬
‫}قالوا{‪ :‬على وجه التأّلـي وعدم المبالة بما جاء به موسى‪} ،‬يا‬
‫ن{‪.‬‬
‫موسى إما أن ت ُل ْ ِ‬
‫ي{‪ :‬ما معك‪} ،‬وإما أن نكو َ‬
‫ن الملقي َ‬
‫ن نح ُ‬
‫ق َ‬
‫}‪ {116‬فقا َ‬
‫س ما‬
‫ل موسى‪} :‬ألقوا{‪ :‬لجل أن يرى النا ُ‬
‫وا{‪ :‬حباَلهم وعصّيهم إذا هي من‬
‫معهم وما مع موسى‪} ،‬فلما أل َ‬
‫ق ْ‬
‫ت تسعى‪ ،‬فسحروا }أعين الناس واسترهبوهم‬
‫سحرهم كأنها حيا ٌ‬
‫وجاؤوا بسحرٍ عظيم{‪ :‬لم يوجد ْ له نظيٌر من السحر‪.‬‬
‫ق عصاك{‪ :‬فألقاها‪،‬‬
‫}‪} {117‬وأو َ‬
‫حْينا إلى موسى أن أل ِ‬
‫ن؛ أي‪ :‬يك ّ‬
‫ذبون به‬
‫}فإذا هي{‪ :‬حي ّ ٌ‬
‫ة تسعى فتلقفت جميعَ ما يأِفكو َ‬
‫وهون‪.‬‬
‫ويم ّ‬
‫ق{؛ أي‪ :‬تبين‪ ،‬وظهر‪ ،‬واستعلن في‬
‫}‪} {118‬فوقع الح ّ‬
‫ذلك المجمع‪} ،‬وب َط َ َ‬
‫ل ما كانوا يعملون{‪.‬‬
‫}‪} {119‬فغُِلبوا هنالك{؛ أي‪ :‬في ذلك المقام‪} ،‬وانقلبوا‬
‫ن{؛ أي‪ :‬حقيرين قد اضمح ّ‬
‫ل باطُلهم وتلشى سحرهم ولم‬
‫صاغري َ‬
‫صل لهم المقصود الذي ظنوا حصوله‪.‬‬
‫يح ُ‬
‫}‪ 120‬ـ ‪ {122‬وأعظم من تبّيـن له الحقّ العظيم أهل‬
‫الصنف والسحر ]الذين[ يعرفون من أنواع السحر وجزئيات ِهِ ما ل‬
‫يعرفه غيُرهم‪ ،‬فعرفوا أن هذه آية عظيمة من آيات الّله‪ ،‬ل يدان‬
‫ب العالمين‪.‬‬
‫ن‪ .‬قالوا آمنا بر ّ‬
‫لحد بها‪ ،‬فألقي }السحرة ُ ساجدي َ‬
‫ث به موسى من اليات‬
‫دقنا بما ب ُعِ َ‬
‫ب موسى وهارون{؛ أي‪ :‬وص ّ‬
‫ر ّ‬
‫البينات‪.‬‬
‫ددا ً لهم على اليمان‪:‬‬
‫ن{ مته ّ‬
‫}‪ {123‬فقال لهم }فرعو ُ‬
‫ن لكم{‪ :‬كان الخبيث حاكما ً مستبدا ً على‬
‫}آمنُتم به قبل أن آذ َ‬
‫البدان والقوال‪ ،‬قد تقّرر عنده وعندهم أن قوله هو المطاع‬
‫وأمره نافذ ٌ فيهم ول خروج لحد ٍ عن قوله وحكمه‪ ،‬وبهذه الحالة‬
‫تنح ّ‬
‫ط المم وتضعف عقولها ونفوذها وتعجز عن المدافعة عن‬
‫مه فأطاعوه{‪ ،‬وقال‬
‫حقوقها‪ ،‬ولهذا قال الّله عنه‪} :‬فاستخ ّ‬
‫ف قو َ‬
‫هنا‪} :‬آمنُتم به قب َ‬
‫ب منكم‬
‫ل أن آذ َ‬
‫ن لكم{؛ أي‪ :‬فهذا سوُء أد ٍ‬
‫مكٌر مكرُتموه‬
‫وه على قومه وقال‪} :‬إ ّ‬
‫ن هذا َلـ َ‬
‫ي‪ ،‬ثم م ّ‬
‫وتجّرؤ علـ ّ‬
‫رجوا منها أهلها{؛ أي‪ :‬إن موسى كبيركم الذي‬
‫في المدينة لت ُ ْ‬
‫خ ِ‬
‫عّلمكم السحر‪ ،‬فتواطأتم أنتم وهو على أن تنغِلبوا له فيظهَر‬
‫رجوا منها أهلها‪ ،‬وهذا‬
‫فتّتبعونه ثم يّتبعكم الناس أو جمهورهم‪ ،‬فت ُ ْ‬
‫خ ِ‬
‫كذب يعلم هو ومن سبر الحوال أن موسى عليه الصلة والسلم‬
‫معوا على نظر فرعون ورسله‪،‬‬
‫جـ ِ‬
‫لم يجتمع بأحد ٍ منهم‪ ،‬وأنهم ُ‬
‫وأن ما جاء به موسى آية إلهّية‪ ،‬وأن السحرة قد بذلوا مجهودهم‬

‫في مغالبة موسى حتى عجزوا وتبّيـن لهم الحق فاتبعوه‪ .‬ثم‬
‫ح ّ‬
‫ل بكم من‬
‫تو ّ‬
‫ن{‪ :‬ما أ ِ‬
‫عدهم فرعون بقوله‪ :‬فلسوف }تعلمو َ‬
‫العقوبة‪.‬‬
‫}‪} {124‬لق ّ‬
‫ف{‪ :‬زعم‬
‫ن أيدَيكم وأرجَلكم من خل ٍ‬
‫طع ّ‬
‫ث أّنهم مفسدون في الرض‪ ،‬وسيصنع بهم ما ُيصنع‬
‫الخبي ُ‬
‫ف؛ أي‪ :‬اليد اليمنى‬
‫بالمفسدين من تقطيع اليدي والرجل من خل ٍ‬
‫صل ّب َن ّ ُ‬
‫كم{‪ :‬في جذوع النخل؛ لتخَتزوا‬
‫والرجل اليسرى‪} ،‬ثم ل َ‬
‫د‪ ،‬بل‬
‫ن{؛ أي‪ :‬ل أفعل هذا الفعل بأحد ٍ دون أح ٍ‬
‫بزعمه }أجمعي َ‬
‫كّلكم سيذوق هذا العذاب‪.‬‬
‫ددهم‪:‬‬
‫}‪ {125‬فقال السحرة الذين آمنوا لفرعون حين ته ّ‬
‫ن{؛ أي‪ :‬فل نبالي بعقوبتك؛ فالله خيٌر وأبقى؛‬
‫}إّنا إلى رّبنا منقلبو َ‬
‫ض‪.‬‬
‫فاق ِ‬
‫ض ما أنت قا ٍ‬
‫م مّنا{؛ أي‪ :‬وما تعيب مّنا على إنكارك‬
‫}‪} {126‬وما َتن ِ‬
‫ق ُ‬
‫ن آمّنا بآيات رّبنا لما‬
‫علينا وتو ّ‬
‫ب }إل ّ أ ْ‬
‫عدك لنا؛ فليس لنا ذن ٌ‬
‫ن كان هذا ذنبا ً ُيعاب عليه ويستحقّ صاحبه‬
‫جاءْتنا{ )‪ (1‬؛ فإ ْ‬
‫العقوبة؛ فهو ذنُبنا‪ .‬ثم دعوا الّله أن يثّبتهم ويصّبرهم‪ ،‬فقالوا‪:‬‬
‫}رّبنا أفر ْ‬
‫غ{؛ أي‪ :‬أفض }علْينا صبرًا{؛ أي‪ :‬عظيما ً كما يد ّ‬
‫ل عليه‬
‫ن هذه محنة عظيمة تؤدي إلى ذهاب النفس‪ ،‬فيحتاج‬
‫التنكير؛ ل ّ‬
‫فيها من الصبر إلى شيء كثير؛ ليثبت الفؤاد ويطمئن المؤمن‬
‫ن{؛ أي‪:‬‬
‫على إيمان ِهِ ويزول عنه النزعاج الكثير‪} .‬وتوّفنا مسلمي َ‬
‫منقادين لمرك مّتبعين لرسولك‪ .‬والظاهر أنه أوقع بهم ما‬
‫ن الّله تعالى ثّبتهم على اليمان‪.‬‬
‫تو ّ‬
‫عدهم عليه‪ ،‬وأ ّ‬
‫}‪ {127‬هذا وفرعون وملؤه وعامتهم المتبعون للمل قد‬
‫وا وقالوا لفرعون‬
‫استكبروا عن آيات الّله وجحدوا بها ظلما ً وعل ّ‬
‫مهيجين له على اليقاع بموسى وزاعمين أن ما جاء باطل‬
‫سدوا في الرض{‪ :‬بالدعوة إلى‬
‫مه ليف ِ‬
‫وفساد‪} :‬أتذُر موسى وقو َ‬
‫الّله وإلى مكارم الخلق ومحاسن العمال التي هي الصلح في‬
‫ن الظالمين ل يبالون بما‬
‫الرض وما هم عليه هو الفساد‪ ،‬ولك ّ‬
‫ك وآلهت َ َ‬
‫يقولون‪} ،‬وَي َذ ََر َ‬
‫ك{؛ أي‪ :‬يدعك أنت وآلهتك‪ ،‬وينهى عنك‪،‬‬
‫ن مجيبا ً لهم بأنه سيدع بني‬
‫ويصد الناس عن اتباعك‪ ،‬فقال فرعو ُ‬
‫مه‬
‫ن فرعو ُ‬
‫ن وقو ُ‬
‫إسرائيل مع موسى بحالةٍ ل ينمون فيها ويأم ُ‬
‫قت ّ ُ‬
‫ل أبناَءهم ونستحيي نساَءهم{؛ أي‪:‬‬
‫سن ُ َ‬
‫بزعمه من ضررهم‪َ } :‬‬
‫من كثرِتـِهم‪ ،‬وكّنا‬
‫ن؛ فإذا فعْلنا ذلك؛ أمّنا ِ‬
‫ن فل نقتله ّ‬
‫نستبقيه ّ‬
‫خرين لهم على ما نشاء من العمال‪،‬‬
‫مستخدمين لباقيهم ومس ّ‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬آمنا بربنا«‪.‬‬

‫ن{‪ :‬ل خروج لهم عن حكمنا ول قدرة‪ .‬وهذا‬
‫}وإّنا فوَقهم قاهرو َ‬
‫جَبروت من فرعون والعتوّ والقسوة‪.‬‬
‫نهاية الـ َ‬
‫}‪ {128‬فقال }موسى لقومه{‪ :‬موصيا ً لهم ـ في هذه‬
‫الحالة التي ل يقدرون معها على شيء ول مقاومة ـ بالمقاومة‬
‫اللهية والستعانة الربانّية‪} :‬استعينوا بالّله{؛ أي‪ :‬اعتمدوا عليه‬
‫م‬
‫في جلب ما ينفعكم ودفع ما يضّركم‪ ،‬وِثقوا بالّله أنه سيت ّ‬
‫أمركم‪} ،‬واصبروا{؛ أي‪ :‬الزموا الصبر على ما يح ّ‬
‫ل بكم‬
‫ن الرض لّله{‪ :‬ليست لفرعون ول لقومه‬
‫منتظرين للفرج‪} .‬إ ّ‬
‫حتى يتح ّ‬
‫ه{؛ أي‪ :‬يداولها بين‬
‫من يشاُء من عباد ِ ِ‬
‫كموا فيها‪} ،‬يورُِثها َ‬
‫الناس على حسب مشيئته وحكمته‪ ،‬ولكن العاقبة للمّتقين؛ فإنهم‬
‫ن النصر لهم‪،‬‬
‫وإن امت ُ ِ‬
‫حنوا مدة ابتلء من الّله وحكمة؛ فإ ّ‬
‫ة{‪ :‬الحميدة لهم على قومهم‪ .‬وهذه وظيفة العبد؛ أّنه‬
‫}والعاقب ُ‬
‫عند القدرة أن يفعل من السباب الدافعة عنه أذى الغير ما يقدر‬
‫عليه وعند العجز أن يصبر ويستعين الّله وينتظر الفرج‪.‬‬
‫جرين من طول ما مكثوا‬
‫}‪} {129‬قالوا{‪ :‬لموسى متض ّ‬
‫في عذاب فرعون وأذّيته‪} :‬أوذينا من قبل أن تأت َِينا{‪ :‬فإنهم‬
‫يسوموننا سوء العذاب يذّبحون أبناءنا ويستحيون نساءنا‪} ،‬ومن‬
‫)‪(1‬‬
‫بعد ِ ما جئتنا{‪ :‬كذلك‪ ،‬فقال لهم موسى مرجيا ً لهم بالفرج‬
‫والخلص من شّرهم‪} :‬عسى رّبكم أن ُيـهْل ِ َ‬
‫فكم‬
‫ك عدّوكم ويستخل ِ َ‬
‫في الرض{؛ أي‪ :‬يم ّ‬
‫كنكم فيها ويجعل لكم التدبير فيها‪} ،‬فينظَر‬
‫ن{‪ :‬هل تش ُ‬
‫فرون؟ وهذا وعد ٌ أنجزه الّله‬
‫كرون أم تك ُ‬
‫كيف تعملو َ‬
‫ما جاء الوقت الذي أراده الّله‪.‬‬
‫لـ ّ‬
‫}‪ {130‬قال الّله تعالى في بيان ما عامل به آ َ‬
‫ل فرعون‬
‫في هذه المدة الخيرة ـ إنها على عادته وسنته في المم أن‬
‫خ َ‬
‫ضّرعون{ اليات ـ‪} :‬ولقد‬
‫يأ ُ‬
‫ذهم }بالبأساء والضّراء لعلهم ي ّ‬
‫دهور والجدب‪} ،‬ونقص من‬
‫أخذنا آل فرعون بالسنين{؛ أي‪ :‬بال ّ‬
‫الثمرات لعلهم يذ ّ ّ‬
‫ن ما ح ّ‬
‫ل بهم وأصابهم‬
‫كرون{؛ أي‪ :‬يّتعظون أ ّ‬
‫جعون عن كفرهم‪ ،‬فلم ينجعْ فيهم‬
‫معاتبة من الّله لهم لعّلهم ير ِ‬
‫ول أفاد‪ ،‬بل استمّروا على ال ّ‬
‫ظلم والفساد‪.‬‬
‫ة{؛ أي‪ :‬الخصب وإدرار‬
‫}‪} {131‬فإذا جاءتهم الحسن ُ‬
‫قون لها‪ ،‬فلم يشكروا‬
‫الرزق‪} ،‬قالوا لنا هذه{؛ أي‪ :‬نحن مستح ّ‬
‫ة{؛ أي‪ :‬قحط وجدب‪} ،‬يط ّّيروا‬
‫صْبهم سيئ ٌ‬
‫الّله عليها‪} ،‬وإن ت ِ‬
‫بموسى ومن معه{؛ أي‪ :‬يقولوا‪ :‬إنما جاءنا بسبب مجيء موسى‬
‫واتباع بني إسرائيل له‪ .‬قال الّله تعالى‪} :‬أل إّنما طائ ُِرهم عند‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬مرجيا ً الفرج«‪.‬‬

‫الّله{؛ أي‪ :‬بقضائه وقدرته‪ ،‬ليس كما قالوا‪ ،‬بل إن ذنوبهم‬
‫ن؛ أي‪ :‬فلذلك‬
‫وكفرهم هو السبب في ذلك‪ ،‬بل أكثرهم ل يعلمو َ‬
‫قالوا ما قالوا‪.‬‬
‫}‪} {132‬وقالوا{‪ :‬مبّينين لموسى أنهم ل يزالون ول‬
‫حَرنا بها فما نحن‬
‫س َ‬
‫يزولون عن باطلهم‪} :‬مهما تأِتنا به من آيةٍ ل ِت َ ْ‬
‫لك بمؤمنين{؛ أي‪ :‬قد تقّرر عندنا أنك ساحٌر؛ فمهما جئت بآية؛‬
‫دق‪ .‬وهذا غاية ما يكون من‬
‫جزمنا أنها سحٌر؛ فل نؤمن لك ول نص ّ‬
‫العناد أن يبلغ بالكافرين إلى أن تستوي عندهم الحالت سواء‬
‫نزلت عليهم اليات أم لم تنزل‪.‬‬
‫}‪} {133‬فأرسلنا عليهم الطوفان{؛ أي‪ :‬الماء الكثير الذي‬
‫أغرق أشجارهم وزروعهم وأضّرهم )‪ (1‬ضررا ً كثيرًا‪} ،‬والجراد{‪:‬‬
‫م َ‬
‫دباء؛ أي‪:‬‬
‫عهم ونباتهم‪} ،‬وال ُ‬
‫فأكل ثماَرهم وزرو َ‬
‫ل{‪ :‬قيل‪ :‬إنه ال ّ‬
‫ق ّ‬
‫صغار الجراد‪ ،‬والظاهر أنه القمل المعروف‪} ،‬والضفادع{‪:‬‬
‫ة‪} ،‬والدم{‪ :‬إما أن‬
‫فملت أوعيتهم وأقلقتهم وآذتهم أذّية شديد ً‬
‫ن ماءهم الذي‬
‫ن الرعاف‪ ،‬أو كما قال كثير من المفسرين‪ :‬إ ّ‬
‫يكو َ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫يشربون انقلب دما‪ ،‬فكانوا ل يشربون إل ّ دما ول يطبخون ] إل ّ‬
‫ت{؛ أي‪ :‬أدّلة وبّينات على أّنهم كانوا كاذبين‬
‫صل ٍ‬
‫بدم[‪} .‬آيا ٍ‬
‫ت مف ّ‬
‫ق‪} .‬فاستكبروا{‪:‬‬
‫ظالمين‪ ،‬وعلى أن ما جاء به موسى حقّ وصد ٌ‬
‫لما رأوا اليات‪} ،‬وكانوا{‪ :‬في سابق أمرهم }قوما ً مجرمين{‪:‬‬
‫ي والضلل‪.‬‬
‫فلذلك عاقبهم الّله تعالى بأن أبقاهم على الغ ّ‬
‫ن‬
‫جُز{؛ أي‪ :‬العذاب؛ يحتمل أ ّ‬
‫}‪} {134‬ولما وقع عليهم الّر ْ‬
‫سرين‪ ،‬ويحتمل أن‬
‫المراد به الطاعون كما قاله كثيٌر من المف ّ‬
‫مل والضفادع‬
‫ُيراد به ما تق ّ‬
‫دم من اليات الطوفان والجراد والق ّ‬
‫ب‪ ،‬وإنهم كّلما أصابهم واحد منها؛ }قالوا يا‬
‫دم؛ فإنها رجٌز وعذا ٌ‬
‫وال ّ‬
‫فعوا بموسى بما‬
‫عهد َ عندك{؛ أي‪ :‬تش ّ‬
‫موسى ادع ُ لنا ربك بما َ‬
‫جَز‬
‫َ‬
‫ت عّنا الّر ْ‬
‫عهد َ الّله عنده من الوحي والشرع‪} .‬لئن كشف َ‬
‫ةل‬
‫ن معك بني إسرائيل{‪ :‬وهم في ذلك كذب ٌ‬
‫ن لك ولنرسل ّ‬
‫لنؤمن ّ‬
‫ل ما ح ّ‬
‫قصد َ لهم إل زوا ُ‬
‫ل بهم من العذاب‪ ،‬وظّنوا إذا رفع ل‬
‫يصيبهم غيره‪.‬‬
‫}‪} {135‬فلما ك َ‬
‫ه{؛‬
‫ش ْ‬
‫فنا عنهم الّر ْ‬
‫جَز إلى أجل هم بالغو ُ‬
‫أي‪ :‬إلى مدة قدر الّله بقاءهم إليها‪ ،‬وليس كشفا ً مؤّبدًا‪ ،‬وإنما هو‬
‫موقت‪} ،‬إذا هم ين ُ‬
‫كثون{‪ :‬العهد الذي عاهدوا عليه موسى‬
‫ووعدوه باليمان به وإرسال بني إسرائيل؛ فل آمنوا به ول أرسلوا‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬وأضّر بهم«‪.‬‬

‫معه بني إسرائيل‪ ،‬بل استمّروا على كفرهم يعمهون وعلى‬
‫تعذيب بني إسرائيل دائبين‪.‬‬
‫}‪} {136‬فانتقمنا منهم{؛ أي‪ :‬حين جاء الوقت الموّقت‬
‫لهلكهم؛ أمر الّله موسى أن يسري ببني إسرائيل لي ً‬
‫ل‪ ،‬وأخبره أن‬
‫فرعون سيتبُعهم هو وجنوده‪} .‬فأرس َ‬
‫ن في المدائن‬
‫ل فرعو ُ‬
‫ن‬
‫ن الناس ل ِي َت َْبعوا بني إسرائيل‪ ،‬وقالوا لهم‪} :‬إ ّ‬
‫حاشرين{ يجمعو َ‬
‫ن‪ .‬وإّنا لجميعٌ حاذرون‪.‬‬
‫شْرذم ٌ‬
‫هؤلء ل َ ِ‬
‫ة قليلون‪ .‬وإّنهم لنا لغائظو َ‬
‫ت وعيون‪ .‬وكنوزٍ ومقام كريم‪ .‬كذلك وأوَرْثناها‬
‫فأ ْ‬
‫جناهم من جنا ٍ‬
‫خَر ْ‬
‫ن قال‬
‫ن‪ .‬فلما تراءى الجمعا ِ‬
‫بني إسرائيل‪ .‬فأْتبعوهم مشرقي َ‬
‫ن‪ .‬قال كل ّ إن معي ربي سيهدين‪.‬‬
‫مد َْركو َ‬
‫أصحا ُ‬
‫ب مـوسـى إنـا َلـ ُ‬
‫ب بعصاك البحَر فانفلق فكان ك ّ‬
‫ل‬
‫ن اضرِ ْ‬
‫فأو َ‬
‫حْينا إلى موسى أ ِ‬
‫م الخرين‪ .‬وأنجينا موسى ومن‬
‫ق كالطود ِ العظيم‪ .‬وأزلفنا ث َ ّ‬
‫فر ٍ‬
‫معه أجمعين‪ .‬ثم أغرقنا الخرين{‪ .‬وقال هنا‪} :‬فأغَرْقناهم في‬
‫م بأّنهم ك ّ‬
‫ذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين{؛ أي‪ :‬بسبب تكذيبهم‬
‫الي ّ‬
‫ق‪.‬‬
‫ما دّلت عليه من الح ّ‬
‫بآيات الّله‪ ،‬وإعراضهم ع ّ‬
‫ن{‪ :‬في‬
‫ضَعفو َ‬
‫ست َ ْ‬
‫}‪} {137‬وأورثنا القوم الذين كانوا ي ُ ْ‬
‫الرض؛ أي‪ :‬بني إسرائيل الذين كانوا خدمة لل فرعون‬
‫يسومونهم سوء العذاب‪ ،‬أورثهم الّله }مشارقَ الرض ومغاربها{‪:‬‬
‫والمراد بالرض ها هنا أرض مصر التي كانوا فيها مستضعفين‬
‫أذلين؛ أي‪ :‬مّلكهم الّله جميعها وم ّ‬
‫كنهم فيها‪} ،‬التي باركنا فيها‬
‫ة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا{‪ :‬حين‬
‫ت كلم ُ‬
‫م ْ‬
‫وتـ ّ‬
‫ض لّله يوِرثها‬
‫قال لهم موسى‪} :‬استعينوا بالل ّهِ واصِبروا إ ّ‬
‫ن الر َ‬
‫ع‬
‫من يشاُء من عباده والعاقب ُ‬
‫مْرنا ما كان يصن ُ‬
‫ة للمّتقين{‪} ،‬ود ّ‬
‫ه{‪ :‬من البنية الهائلة والمساكن المزخرفة‪} ،‬وما‬
‫فرعو ُ‬
‫م ُ‬
‫ن وقو ُ‬
‫رشون{‪ :‬فتلك بيوتهم ]خاوية[ بما ظلموا إن في ذلك لية‬
‫كانوا يع ِ‬
‫لقوم يعلمون‪.‬‬
‫}‪} {138‬وجاوزنا ببني إسرائيل البحر{‪ :‬بعدما أنجاهم الّله‬
‫من عدّوهم فرعون وقومه وأهلكهم الّله‪ ،‬وبنو إسرائيل ينظرون‪،‬‬
‫وا{؛ أي‪ :‬مّروا }على قوم يع ُ‬
‫كفون على أصنام ٍ لهم{؛ أي‪:‬‬
‫}فأت َ ْ‬
‫يقيمون عندها ويتبّركون بها ويعُبدونها‪ ،‬فقالوا من جهلهم‬
‫فِههم لنبّيهم موسى بعدما أراهم الّله من اليات ما أراهم‪} :‬يا‬
‫س َ‬
‫و َ‬
‫ً‬
‫موسى اجع ْ‬
‫ة{؛ أي‪ :‬اشرع لنا أن نّتخذ‬
‫ل لنا إلـها كما لهم آله ٌ‬
‫م‬
‫أصناما ً آلهة كما اّتخذها هؤلء‪ ،‬فقال لهم موسى‪} :‬إّنكم قو ٌ‬
‫ي‬
‫جِهل رّبه وخال َ‬
‫ن{‪ :‬وأيّ جهل أعظم من َ‬
‫تجهلو َ‬
‫قه‪ ،‬وأراد أن يسوّ َ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫من ل يمل ِ ُ‬
‫ك نفعا ول ضّرا ول موتا ول حياة ً ول نشورا؟!‬
‫به غيره مـ ّ‬

‫مت َب ٌّر ما هم فيه‬
‫}‪ {139‬ولهذا قال لهم موسى‪} :‬إ ّ‬
‫ن هؤلء ُ‬
‫ن{‪ :‬لن دعاءهم إياها باط ٌ‬
‫وباط ٌ‬
‫ل وهي باطلة‬
‫ل ما كانوا يعملو َ‬
‫بنفسها؛ فالعمل باط ٌ‬
‫ة‪.‬‬
‫ل وغايته باطل ٌ‬
‫}‪} {140‬قال أغيَر الّله أبغيكم إلهًا{؛ أي‪ :‬أطلب لكم إلها ً‬
‫ضلكم‬
‫غير الّله المألوه الكامل في ذاته وصفاته وأفعاله‪} .‬وهو ف ّ‬
‫ر‪،‬‬
‫على العالمين{‪ :‬فيقتضي أن تقابلوا فضله وتفضيله بالشك ِ‬
‫ده )‪ (1‬بالعبادة والكفرِ بما ُيدعى من دونه‪.‬‬
‫وذلك بإفراد الّله وح َ‬
‫}‪ {141‬ثم ذ ّ‬
‫ن الّله به عليهم فقال‪} :‬وإذ‬
‫كرهم ما امت ّ‬
‫ن{؛ أي‪ :‬من فرعون وآله‪} ،‬يسومونكم‬
‫أنجيناكم من آل فرعو َ‬
‫جهون إليكم من العذاب أسوأه‪ ،‬وهو أنهم‬
‫ب{؛ أي‪ :‬يو ّ‬
‫سوَء العذا ِ‬
‫سَتحيون نساَءكم وفي ذِلكم{؛ أي‪:‬‬
‫كانوا يذبحون }أبناءكم وي َ ْ‬
‫ة‬
‫ة جليل ٌ‬
‫م{؛ أي‪ :‬نعم ٌ‬
‫النجاة من عذابهم‪} ،‬بلٌء من رّبكم عظي ٌ‬
‫ة‪ ،‬أو وفي ذلك العذاب الصادر منهم لكم بلٌء من‬
‫ة جزيل ٌ‬
‫ومنح ٌ‬
‫رّبكم عليكم عظيم‪.‬‬
‫}‪ {142‬فلما ذ ّ‬
‫وا عن ذلك‪ ،‬ولما‬
‫كرهم موسى ووعظهم؛ انت َهَ ْ‬
‫م الّله نعمته عليهم بالنجاة من عدوهم وتمكينهم في الرض؛‬
‫أت ّ‬
‫م نعمته عليهم بإنزال الكتاب الذي فيه‬
‫أراد َ تبارك وتعالى أن ي ُت ِ ّ‬
‫الحكام الشرعّية والعقائد المرضّية‪ ،‬فواعد موسى ثلثين ليلة‪،‬‬
‫مها بعشر‪ ،‬فصارت أربعين ليلة؛ ليستعد ّ موسى ويتهّيأ لوعد‬
‫وأت ّ‬
‫الّله ويكون لنزولها موقع كبير لديهم وتشوق إلى إنزالها‪ ،‬ولما‬
‫ذهب موسى إلى ميقات رّبه‪ ،‬قال لهارون موصيا ً له على بني‬
‫ومي{؛ أي‪:‬‬
‫خل ُ ْ‬
‫إسرائيل من حرصه عليهم وشفقته‪} :‬ا ْ‬
‫فني في قَ ْ‬
‫ح{؛ أي‪:‬‬
‫ن خليفتي فيهم‪ ،‬واعمل فيهم بما كنت أعمل‪} ،‬وأصل ِ ْ‬
‫ك ْ‬
‫اّتبع طريق الصلح‪} ،‬ول تت ّب ِعْ سبي َ‬
‫ل المفسدين{‪ :‬وهم الذين‬
‫يعملون بالمعاصي‪.‬‬
‫ما جاء موسى لميقاتنا{‪ :‬الذي وقّْتناه له‬
‫}‪} {143‬ولـ ّ‬
‫مه رّبه{‪ :‬بما كّلمه من وحيه وأمره ونهيه؛‬
‫لنزال الكتاب‪} ،‬وكل ّ َ‬
‫دة لرؤيته‪،‬‬
‫سه لذلك حّبا لرّبه ومو ّ‬
‫ت نف ُ‬
‫وق إلى رؤية الّله‪ ،‬ون ََزع َ ْ‬
‫تش ّ‬
‫ب أرني أنظْر إليك{‪ ،‬فقال الّله‪} :‬لن َتراني{؛ أي‪ :‬لن‬
‫فـ}قال ر ّ‬
‫ن الّله تبارك وتعالى أنشأ الخلق في‬
‫تقد َِر الن على رؤيتي؛ فإ ّ‬
‫هذه الدار على نشأة ل يقدرون بها ول يثبتون لرؤية الّله‪ ،‬وليس‬
‫في هذا دلي ٌ‬
‫ل على أّنهم ل يرونه في الجنة؛ فإنه قد دّلت النصوص‬
‫القرآنّية والحاديث النبوّية على أن أهل الجنة يرون رّبهم تبارك‬
‫شُئهم نشأةً‬
‫وتعالى ويتمّتعون بالنظر إلى وجهه الكريم‪ .‬وأنه ي ُن ْ ِ‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬وذلك بإفراده وحده«‪.‬‬

‫ة يقدرون معها على رؤية الّله تعالى‪ ،‬ولهذا رّتب الّله الرؤية‬
‫كامل ً‬
‫في هذه الية على ثبوت الجبل‪ ،‬فقال مقنعا ً لموسى في عدم‬
‫ن استقّر مكاَنه{‪ :‬إذا‬
‫ن انظْر إلى الجبل فإ ِ‬
‫إجابت ِهِ للرؤية‪} :‬ولك ِ ِ‬
‫ّ‬
‫م‬
‫ما تجلـى رّبه للجبل{‪ :‬الص ّ‬
‫ه له‪} ،‬فسوف تراني فل ّ‬
‫تجّلـى الل ّ ُ‬
‫الغليظ‪} ،‬جعله د ّ‬
‫كا{؛ أي‪ :‬انهال مثل الرمل انزعاجا ً من رؤية الّله‬
‫صِعقا ً فتبيّـن‬
‫وعدم ثبو ٍ‬
‫ت لها‪} ،‬وخّر موسى{‪ :‬حين رأى ما رأى‪َ ،‬‬
‫ّ‬
‫له حينئذ ٍ أنه إذا لم يثبت الجب ُ‬
‫ل لرؤية الله؛ فموسى أولى أن ل‬
‫ت لذلك‪ ،‬واستغفر رّبه لما صدر منه من السؤال الذي لم‬
‫يثب َ‬
‫يوافقْ موضعًا‪ ،‬و}قا َ‬
‫ل سبحانك{؛ أي‪ :‬تنزيها ً لك وتعظيما ً عما ل‬
‫ت إليك{‪ :‬من جميع الذنوب وسوء الدب معك‪،‬‬
‫يليق بجللك‪} ،‬تب ُ‬
‫دد عليه الصلة والسلم إيمانه بما‬
‫}وأنا أول المؤمنين{؛ أي‪ :‬ج ّ‬
‫ه له مما كان يجهله قبل ذلك‪.‬‬
‫مل الل ّ ُ‬
‫ك ّ‬
‫}‪ {144‬فلما منعه الّله من رؤيته بعدما كان متشوقا ً إليها؛‬
‫أعطاه خيرا ً كثيرًا‪ ،‬فقال‪} :‬يا موسى إّنـي اصطفيُتك على‬
‫ضلتك وخصصتك بفضائل‬
‫الناس{؛ أي‪ :‬اخترتك واجتبيتك وف ّ‬
‫ص بها‬
‫عظيمة ومناقب جليلة‪} ،‬برسالتي{‪ :‬التي ل أجعلها ول أخ ّ‬
‫إل أفضل الخلق‪} ،‬وبكلمي{‪ :‬إّياك من غير واسطة‪ ،‬وهذه فضيلة‬
‫رف بها من بين إخوانه من‬
‫اخت ُ ّ‬
‫ص بها موسى الكليم‪ ،‬وع ُ ِ‬
‫خذ ْ ما آتيُتك{‪ :‬من النعم‪ ،‬وخذ ما آتيُتك من المر‬
‫المرسلين‪} ،‬ف ُ‬
‫قبول والنقياد‪} ،‬وكن من‬
‫قه بال َ‬
‫والنهي بانشراح صدٍر‪ ،‬وتل ّ‬
‫ضلك‪.‬‬
‫صك وف ّ‬
‫الشاكرين{‪ :‬لّله على ما خ ّ‬
‫}‪} {145‬وكتبنا له في اللواح من ك ّ‬
‫ل شيء{‪ :‬يحتاج إليه‬
‫العباد }موعظة{‪ :‬تر ّ‬
‫هبهم من‬
‫غب النفوس في أفعال الخير وتر ّ‬
‫أفعال الشر‪} ،‬وتفصيل ً لك ّ‬
‫ل شيء{‪ :‬من الحكام الشرعّية‬
‫والعقائد والخلق والداب‪} ،‬فخ ْ‬
‫ة{؛ أي‪ :‬بجد ّ واجتهاد على‬
‫ذها بقوّ ٍ‬
‫مك يأخذوا بأحسنها{‪ :‬وهي الوامر الواجبة‬
‫مْر قو َ‬
‫إقامتها‪} ،‬وأ ُ‬
‫والمستحّبة؛ فإنها أحسنها‪ .‬وفي هذا دلي ٌ‬
‫ل على أن أوامر الّله في‬
‫ن{‪ :‬بعدما‬
‫كل شريعة كاملة عادلة حسنة‪} .‬سأريكم داَر الفاسقي َ‬
‫أهلكهم الّله وأبقى ديارهم عبرة ً بعدهم يعتبر بها المؤمنون‬
‫الموّفقون المتواضعون‪.‬‬
‫ف عن آياتي{؛‬
‫}‪ {146‬وأما غيرهم؛ فقال عنهم‪} :‬سأصرِ ُ‬
‫أي‪ :‬عن العتبار في اليات الفقية والنفسّية والفهم ليات‬
‫ق{؛ أي‪ :‬يتكّبرون‬
‫الكتاب‪} ،‬الذين يتكّبرون في الرض بغير الح ّ‬
‫على عباد الّله وعلى الحقّ وعلى من جاء به؛ فمن كان بهذه‬
‫ه من آيات الّله ما‬
‫ف َ‬
‫خذ ََله‪ ،‬ولم ي َ ْ‬
‫ه الّله خيرا ً كثيرًا‪ ،‬و َ‬
‫الصفة؛ َ‬
‫ق ْ‬
‫م ُ‬
‫حَر َ‬
‫ح‪} ،‬وإن‬
‫ينتفع به‪ ،‬بل رّبما انقلبت عليه الحقائقُ واستحسن القبي َ‬

‫ي ََرْوا ك ّ‬
‫دتهم لّله‬
‫ل آيةٍ ل يؤمنوا بها{‪ :‬لعراضهم واعتراضهم ومحا ّ‬
‫ورسوله‪} ،‬وإن ي ََرْوا سبي َ‬
‫ل الّرشد{؛ أي‪ :‬الهدى والستقامة‪ ،‬وهو‬
‫الصراط الموصل إلى الّله وإلى دار كرامته‪} ،‬ل يّتخذوه‬
‫]سبي ً‬
‫ل[{؛ أي‪ :‬ل يسلكوه ول يرغبوا فيه‪} ،‬وإن ي ََرْوا سبي َ‬
‫ي{؛‬
‫ل الغَ ّ‬
‫أي‪ :‬الغواية الموصل لصاحبه إلى دار الشقاء‪} ،‬يّتخذوه سبي ً‬
‫ل{‪.‬‬
‫والسبب في انحرافهم هذا النحراف‪} ،‬ذلك بأّنهم ك ّ‬
‫ذبوا بآياتنا‬
‫ما ُيراد بها‬
‫وكانوا عنها غافلين{‪ :‬فر ّ‬
‫دهم ليات الّله وغفلُتهم ع ّ‬
‫واحتقارهم لها هو الذي أوجب لهم من سلوك طريق الغي وترك‬
‫طريق الّر ْ‬
‫شد ِ ما أوجب‪.‬‬
‫حة‬
‫}‪} {147‬والذين كذبوا بآياتنا{‪ :‬العظيمة الداّلة على ص ّ‬
‫ت أعماُلهم{‪ :‬لّنها على‬
‫ما أرسلنا به رسلنا‪} ،‬ولقاء الخرة َ‬
‫حب ِط َ ْ‬
‫غير أساس‪ ،‬وقد فقد شرطها‪ ،‬وهو اليمان بآيات الّله والتصديق‬
‫ن{‪ :‬في بطلن أعمالهم وحصول ضد ّ‬
‫جَزوْ َ‬
‫بجزائه‪} .‬هل ُيـ ْ‬
‫مقصودهم }إل ّ ما كانوا يعملو َ‬
‫ن{‪ :‬فإن أعمال َ‬
‫م ْ‬
‫ن ل يؤمن باليوم ِ‬
‫ة تنتهي إليه؛ فلذلك‬
‫الخر ل يرجو فيها ثوابًا‪ ،‬وليس لها غاي ٌ‬
‫اضمحّلت وبطلت‪.‬‬
‫حل ِّيهم عجل ً‬
‫}‪} {148‬واّتخذ قوم موسى ِ‬
‫من بعد ِهِ من ُ‬
‫ة من أثر الرسول‬
‫مرِيّ وألقى عليه قبض ً‬
‫جسدًا{‪ :‬صاغه السا ِ‬
‫ت‪ ،‬فعبدوه واّتخذوه إلهًا‪ ،‬وقال‪ :‬هذا إلهكم‬
‫فصار }له ُ‬
‫خواٌر{ وصو ٌ‬
‫وإله موسى‪ ،‬فنسي موسى‪ ،‬وذهب يطلبه‪ ،‬وهذا من سفههم‬
‫ب الرض والسماوات بعجل‬
‫وقلة بصيرتهم؛ كيف اشتبه عليهم ر ّ‬
‫من أنقص المخلوقات؟! ولهذا قال مبينا ً أنه ليس فيه من‬
‫جب أن يكون إلهًا‪} :‬ألم ي ََرْوا أّنه‬
‫الصفات الذاتّية ول الفعلّية ما يو ِ‬
‫م؛ فهم أكمل حالة من‬
‫ص عظي ٌ‬
‫ل يكّلمهم{؛ أي‪ :‬وعدم الكلم نق ٌ‬
‫هذا الحيوان أو الجماد الذي ل يتكّلم‪} ،‬ول يهديهم سبي ً‬
‫ل{؛ أي‪ :‬ل‬
‫ة؛ لن من المتقّرر‬
‫ة دنيوي ّ ً‬
‫صل لهم مصلح ً‬
‫يدّلهم طريقا ً دينّيا ول يح ّ‬
‫ن اّتخاذ َ إلهٍ ل يتكلم ول ينفع ول يضّر من‬
‫في العقول والفطر أ ّ‬
‫أبطل الباطل وأسمج السفه‪ ،‬ولهذا قال‪} :‬اّتخذوه وكانوا‬
‫ن{‪ :‬حيث وضعوا العبادة في غير موضعها‪ ،‬وأشركوا بالّله‬
‫ظالمي َ‬
‫ما لم ينّزل به سلطانًا‪ .‬وفيها دلي ٌ‬
‫ن من أنكر كلم الّله؛‬
‫ل على أ ّ‬
‫فقد أنكر خصائص إلهّية الّله تعالى؛ لن الّله ذكر أن عدم الكلم‬
‫دلي ٌ‬
‫ل على عدم صلحّية الذي ل يتكّلم لللهّية‪.‬‬
‫ما{‪ :‬رجع موسى إلى قومه‪ ،‬فوجدهم على‬
‫}‪} {149‬ولـ ّ‬
‫ق َ‬
‫ط في أيديهم{؛ أي‪:‬‬
‫س ِ‬
‫هذه الحال‪ ،‬وأخبرهم بضللهم؛ ندموا‪ ،‬و } ُ‬
‫ّ‬
‫صلوا‬
‫من اله ّ‬
‫م والندم على فعلهم‪} ،‬ورأوا أّنهم قد ضلوا{‪ :‬فتن ّ‬
‫دلنا عليه‪،‬‬
‫منا رّبنا{‪ :‬في ّ‬
‫إلى الّله وتضّرعوا‪} ،‬وقالوا لئن لم ير َ‬
‫حـ ْ‬

‫فْر لنا{‪ :‬ما صدر منا‬
‫ويرزقنا عبادته‪ ،‬ويوفّ ُ‬
‫قنا لصالح العمال‪} ،‬ويغ ِ‬
‫ن{‪ :‬الذين خسروا الدنيا‬
‫ن من الخاسري َ‬
‫من عبادة العجل؛ }ل ََنكون َ ّ‬
‫والخرة‪.‬‬
‫سفًا{؛ أي‪:‬‬
‫مهِ غضبان أ ِ‬
‫}‪} {150‬ولما رجع موسى إلى قو ِ‬
‫ممتلئا ً غضبا ً وغيظا ً عليهم لتمام غيرته عليه ]الصلة و[ السلم‬
‫خل َفُْتموني من بعدي{؛ أي‪:‬‬
‫سما َ‬
‫وكمال نصحه وشفقته‪} ،‬قال بئ َ‬
‫ة‬
‫بئس الحالة التي خلفتموني بها من بعد ذهابي عنكم؛ فإنها حال ٌ‬
‫جل ُْتم أمَر‬
‫ي‪} .‬أع َ ِ‬
‫تفضي إلى الهلك البدي والشقاء السرمد ّ‬
‫رب ّ ُ‬
‫دكم بإنزال الكتاب فبادرُتم برأيكم الفاسد إلى‬
‫كم{‪ :‬حيث وَع َ َ‬
‫ح{؛ أي‪ :‬رماها من الغضب‪،‬‬
‫هذه الخصلة القبيحة‪} ،‬وألقى اللوا َ‬
‫ه‪} ،‬يجّره إليه{‪ :‬وقال له‪} :‬ما‬
‫ن ولحيت ِ ِ‬
‫}وأخذ برأس أخيه{‪ :‬هارو َ‬
‫ت أمري{‪ :‬لك بقولي‪:‬‬
‫منعك إذ رأيَتهم ضّلوا‪ .‬أن ل تت ّب َِعني أفعصي َ‬
‫ح ول تت ّب ِعْ سبيل المفسدين{؟! فقال‪:‬‬
‫}اخل ُ ْ‬
‫صل ِ ْ‬
‫فني في قومي وأ ْ‬
‫ت أن تقو َ‬
‫ت‬
‫م ل تأ ُ‬
‫نأ ّ‬
‫ل فّرقْ َ‬
‫خذ ْ بلحيتي ول برأسي إني خشي ُ‬
‫}يا اب َ‬
‫)‪(1‬‬
‫م{‪:‬‬
‫بين بني إسرائيل ولم ترقُ ْ‬
‫نأ ّ‬
‫ب قولي{ و }قال{ هنا ‪} :‬اب َ‬
‫مه وأبيه‪.‬‬
‫هذا ترقيقٌ لخيه بذكر ال ّ‬
‫م وحدها‪ ،‬و إل ّ فهو شقيقه ل ّ‬
‫ت لهم‪ :‬يا قوم!‬
‫}إ ّ‬
‫ن القوم استضعفوني{؛ أي‪ :‬احتقروني حين قل ُ‬
‫ن رّبكم الرحمن؛ فات ِّبعوني وأطيعوا أمري‪،‬‬
‫إنما فُت ِن ُْتم به‪ ،‬وإ ّ‬
‫ن بي تقصيرًا‪} ،‬فل ت ُ ْ‬
‫ي‬
‫}وكادوا ي َ ْ‬
‫ش ِ‬
‫م ْ‬
‫تب َ‬
‫قُتلوَنني{؛ أي‪ :‬فل تظ ّ‬
‫ن العداء حريصون‬
‫سك إّيايَ بسوٍء فإ ّ‬
‫رك لي وم ّ‬
‫العداء{‪ :‬بنه ِ‬
‫ي عثرة ً أو ي ّ‬
‫طلعوا لي على َزّلة‪} ،‬ول تجعلني‬
‫على أن يجدوا علـ ّ‬
‫مُلني معاملتهم‪.‬‬
‫مع القوم الظالمين{‪ :‬فتعا ِ‬
‫}‪ {151‬فندم موسى عليه السلم على ما استعجل من‬
‫ه مما ظّنه فيه من التقصير‪ ،‬و‬
‫صنعِهِ بأخيه قبل أن يعلم براءت َ ُ‬
‫خْلنا في رحمت ِ َ‬
‫ك{؛ أي‪:‬‬
‫فْر لي ولخي{‪ :‬هارون‪} ،‬وأد ِ‬
‫ب اغ ِ‬
‫}قال ر ّ‬
‫في وسطها‪ ،‬واجعل رحمتك تحي ُ‬
‫ن‬
‫ط بنا من كل جانب؛ فإنها حص ٌ‬
‫مك ّ‬
‫م‬
‫ل خير وسرور‪} .‬وأنت أرح ُ‬
‫ن من جميع الشرور وث َ ّ‬
‫حصي ٌ‬
‫الراحمين{؛ أي‪ :‬أرحم بنا من ك ّ‬
‫ل راحم‪ ،‬أرحم بنا من آبائنا‬
‫مهاتنا وأولدنا وأنفسنا‪.‬‬
‫وأ ّ‬
‫}‪ {152‬قال الّله تعالى مبينا ً حال أهل العجل الذين عبدوه‪:‬‬
‫ب من رّبهم‬
‫ن الذين اّتخذوا العجل{؛ أي‪ :‬إلهًا‪} ،‬سيناُلهم غض ٌ‬
‫}إ ّ‬
‫دنيا{‪ :‬كما أغضبوا رّبهم واستهانوا بأمره‪.‬‬
‫وذل ّ ٌ‬
‫ة في الحياة ال ّ‬
‫}وكذلك نجزي المفترين{‪ :‬فك ّ‬
‫ل مفترٍ على الّله كاذب على‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬قال هنا‪ :‬قال«‪.‬‬

‫ول عليه ما لم يق ْ‬
‫ن له نصيبا ً من الغضب من الّله‬
‫ل؛ فإ ّ‬
‫شرعه متق ّ‬
‫والذ ّ ّ‬
‫ل في الحياة الدنيا‪.‬‬
‫ب الّله حيث أمرهم أن يقُتلوا‬
‫}‪ {153‬وقد نالهم غض ُ‬
‫ضهم بعضًا‪،‬‬
‫أنفسهم‪ ،‬وأّنه ل يرضى الّله عنهم إل ّ بذلك‪ ،‬فقتل بع ُ‬
‫ة‪ ،‬ثم تاب الّله عليهم بعد ذلك‪،‬‬
‫وانجلت المعركة على قتلى كثير ٍ‬
‫خلون فيه هم وغيرهم‪ ،‬فقال‪} :‬والذين‬
‫ما يد ُ‬
‫ولهذا ذكر حكما ً عا ّ‬
‫ت{‪ :‬من شرك وكبائر وصغائر‪} ،‬ثم تابوا من‬
‫ملوا السيئا ِ‬
‫ع ِ‬
‫بعدها{‪ :‬بأن ندموا على ما مضى وأقلعوا عنها وعزموا على أن ل‬
‫م‬
‫يعودوا‪} ،‬وآمنوا{‪ :‬بالّله وبما أوج َ‬
‫ب الّله اليمان به‪ ،‬ول يت ّ‬
‫اليمان إل بأعمال القلوب وأعمال الجوارح المترّتبة على اليمان‪.‬‬
‫ن رّبك من بعدها{؛ أي‪ :‬بعد هذه الحالة ـ حالة التوبة من‬
‫}إ ّ‬
‫السيئات والرجوع إلى الطاعات ـ }لغفوٌر{‪ :‬يغفر السيئات‬
‫م{‪ :‬بقبول التوبة‬
‫ويمحوها‪ ،‬ولو كانت ُقراب الرض‪} .‬رحي ٌ‬
‫والتوفيق لفعال الخير وقبولها‪.‬‬
‫ب{؛ أي‪ :‬سكن‬
‫ت عن موسى الغض ُ‬
‫}‪} {154‬ولما َ‬
‫سك َ َ‬
‫م الشياء‬
‫ه‪ ،‬وع ََر َ‬
‫غضبه وتراجعت نف ُ‬
‫ف ما هو فيه؛ اشتغل بأه ّ‬
‫س ُ‬
‫َ‬
‫ح عظيمة المقدار‬
‫عنده‪ ،‬فَأ َ‬
‫ح{‪ :‬التي ألقاها‪ ،‬وهي ألوا ٌ‬
‫خذ َ }اللوا َ‬
‫ة{؛‬
‫س َ‬
‫منة }هدىً ورحم ٌ‬
‫جليل ٌ‬
‫ة }في ن ُ ْ‬
‫خِتها{؛ أي‪ :‬مشتملة ومتض ّ‬
‫ضللة‪ ،‬وبيان الحقّ من الباطل‪ ،‬وأعمال‬
‫أي‪ :‬فيها الهدى من ال ّ‬
‫الخير وأعمال الشر‪ ،‬والهدى لحسن العمال والخلق والداب‪،‬‬
‫ورحمة وسعادة لمن عمل بها وعلم أحكامها ومعانيها‪ ،‬ولكن؛‬
‫ليس كل أحد ٍ يقبل هدى الّله ورحمته‪ ،‬وإنما يقب ُ‬
‫ل ذلك‪ ،‬وينقاد له‪،‬‬
‫ن{؛ أي‪ :‬يخافون منه‬
‫قاه بال َ‬
‫ويتل ّ‬
‫هم لرّبهم ير َ‬
‫قبول‪} ،‬الذين ُ‬
‫هبو َ‬
‫ف الّله ول المقام بين يديه؛ فإنه ل‬
‫ن لم يخ ِ‬
‫ويخشونه‪ ،‬وأما َ‬
‫م ْ‬
‫وا ونفورًا‪ ،‬وتقوم عليه حجة الّله فيها‪.‬‬
‫يزداد بها إل عت ّ‬
‫}‪} {155‬و{ لما تاب بنو إسرائيل‪ ،‬وتراجعوا إلى ُر ْ‬
‫دهم‪،‬‬
‫ش ِ‬
‫}اختار موسى{ منهم }سبعين رج ً‬
‫ل{‪ :‬من خيارهم ليعتذروا‬
‫ضرون فيه‪ ،‬فلما‬
‫لقومهم عند رّبهم‪ ،‬ووعدهم الّله ميقاتا ً يح ُ‬
‫ة! فتجرؤوا على الّله‬
‫حضروا؛ قالوا‪ :‬يا موسى! أِرنا الّله جهر ً‬
‫ة‪ ،‬فصعقوا‬
‫جراءة كبيرة‪ ،‬وأساؤوا الدب معه‪ ،‬فأخذتهم الرجف ُ‬
‫وهلكوا‪ ،‬فلم يزل موسى عليه الصلة والسلم يتضّرع إلى الّله‬
‫ت أهلكَتهم من قب ُ‬
‫ضروا‪،‬‬
‫ل{‪ :‬أن يح ُ‬
‫ويتبّتل ويقول‪} :‬ر ّ‬
‫ب لو شئ َ‬
‫ويكونون في حالة يعتذرون فيها لقومهم فصاروا هم الظالمين‪.‬‬
‫}أُتـهْل ِ ُ‬
‫كنا بما فعل السفهاُء مّنا{؛ أي‪ :‬ضعفاء العقول سفهاء‬
‫ن المتجّرئين على الّله ليس‬
‫الحلم‪ ،‬فتضّرع إلى الّله‪ ،‬واعتذر بأ ّ‬
‫لهم عقو ٌ‬
‫عهم عما قالوا وفعلوا‪ ،‬وبأنهم حصل لهم‬
‫ة ترد ُ‬
‫ل كامل ٌ‬

‫ن هي إل‬
‫فتن ٌ‬
‫ة يخطر بها النسان ويخاف من ذهاب دينه‪ ،‬فقال‪} :‬إ ْ‬
‫ض ّ‬
‫فْر لنا‬
‫ل بها من تشاُء وتهدي من تشاُء أنت وَل ِّينا فاغ ْ ِ‬
‫ّ فتنُتك ت ُ ِ‬
‫منا وأنت خير الغافرين{؛ أي‪ :‬أنت خير من غفر‪ ،‬وأولى من‬
‫واْر َ‬
‫حـ ْ‬
‫ن موسى عليه الصلة‬
‫ضل‪ ،‬فكأ ّ‬
‫رحم‪ ،‬وأكرم من أعطى وتف ّ‬
‫ب بالقصد الول لنا كّلنا‪ ،‬هو التزام‬
‫والسلم قال‪ :‬المقصود يا ر ّ‬
‫م على ما‬
‫ح َ‬
‫طاعتك واليمان بك‪ ،‬وأن من َ‬
‫ضَره عقله ورشده وت ّ‬
‫ف عقلهُ‬
‫ً‬
‫ضعُ َ‬
‫وهبته من التوفيق؛ فإنه لم يزل مستقيما‪ ،‬وأما من َ‬
‫ه وصرفته الفتنة؛ فهو الذي فعل ما فعل لذينك‬
‫س ِ‬
‫و َ‬
‫فه رأي ُ ُ‬
‫السببين‪ ،‬ومع هذا؛ فأنت أرحم الراحمين وخير الغافرين؛ فاغفر‬
‫لنا وارحمنا! فأجاب الّله سؤاله‪ ،‬وأحياهم من بعد موتهم‪ ،‬وغفر‬
‫لهم ذنوبهم‪.‬‬
‫ب لنا في هذه‬
‫}‪ {156‬وقال موسى في تمام دعائه‪} :‬واكت ْ‬
‫ة{‪ :‬من علم نافع ورزق واسع وعمل صالح‪} ،‬وفي‬
‫الدنيا حسن ً‬
‫ّ‬
‫الخرة{‪ :‬حسنة‪ ،‬وهي ما أعد الله لوليائه الصالحين من الثواب‪.‬‬
‫دنا إليك{؛ أي‪ :‬رجعنا مقّرين بتقصيرنا منيبين في جميع‬
‫}إّنا هُ ْ‬
‫من‬
‫أمورنا‪} ،‬قال{ الّله تعالى‪} :‬عذابي أصي ُ‬
‫ب به من أشاُء{‪ :‬مـ ّ‬
‫تك ّ‬
‫ل شيء{‪ :‬من‬
‫كان شقّيا متعرضا ً لسبابه‪} ،‬ورحمتي وسع ْ‬
‫ي؛ البر والفاجر‪ ،‬المؤمن والكافر؛ فل‬
‫العالم العلويّ والسفلـ ّ‬
‫مخلوق إل وقد وصلت إليه رحمة الّله وغمره فضله وإحسانه‪،‬‬
‫ولكن الرحمة الخاصة المقتضية لسعادة الدنيا والخرة ليست‬
‫لكل أحد‪ ،‬ولهذا قال عنها‪} :‬فسأكُتبها للذين يّتقون{‪ :‬المعاصي‬
‫صغارها وكبارها‪} ،‬ويؤتون الّزكاة{‪ :‬الواجبة مستحقيها‪} ،‬والذين‬
‫هم بآياتنا يؤمنون{‪.‬‬
‫}‪ {157‬ومن تمام اليمان بآيات الّله معرفة معناها والعمل‬
‫بمقتضاها‪ ،‬ومن ذلك اتباع النبي صلى الله عليه وسلم ظاهرا ً‬
‫ي‬
‫وباطنا ً في أصول الدين وفروعه‪} :‬الذين يت ِّبعون الرسول النب ّ‬
‫ي{‪ :‬احتراٌز عن سائر النبياء؛ فإن المقصود بهذا محمد بن‬
‫الم ّ‬
‫عبد الّله بن عبد المطلب والسياق في أحوال بني إسرائيل‪ ،‬وأن‬
‫ي محمد صلى الله عليه وسلم شر ٌ‬
‫ط في دخولهم‬
‫اليمان بالنب ّ‬
‫في اليمان‪ ،‬وأن المؤمنين به المّتبعين هم أهل الرحمة المطلقة‬
‫التي كتبها الّله لهم‪ ،‬ووصفه بالمي لّنه من العرب المة المّية‬
‫التي ل تقرأ ول تكتب وليس عندها قبل القرآن كتاب‪} .‬الذي‬
‫دهم في التوراة والنجيل{‪ :‬باسمه وصفته التي‬
‫ه مكتوبا ً عن َ‬
‫جدون َ ُ‬
‫ي ِ‬
‫مُرهم‬
‫من أعظمها وأجّلها ما يدعو إليه وينهى عنه‪ ،‬وأنه }يأ ُ‬
‫ه وصلحه ونفعه‪} .‬وينهاهم‬
‫بالمعروف{‪ :‬وهو كل ما ع ُرِ َ‬
‫ف حسن ُ ُ‬
‫عن المنكر{‪ :‬وهو ك ّ‬
‫ل ما عرف قبحه في العقول والفطر‪،‬‬

‫فيأمرهم بالصلة والزكاة والصوم والحج وصلة الرحام وبر‬
‫الوالدين والحسان إلى الجار والمملوك وبذل النفع لسائر الخلق‬
‫والصدق والعفاف والبر والنصيحة وما أشبه ذلك‪ ،‬وينهى عن‬
‫الشرك بالّله وقتل النفوس بغير حق والّزنا وشرب ما يسكر‬
‫العقل والظلم لسائر الخلق والكذب والفجور ونحو ذلك؛ فأعظم‬
‫دليل يد ّ‬
‫ل على أنه رسول الّله ما دعا إليه وأمر به ونهى عنه‬
‫ح ّ‬
‫ل الطيبات‪ :‬من المطاعم والمشارب‬
‫وأحّله وحّرمه؛ فإنه ي ُ ِ‬
‫م عليهم الخبائث{‪ :‬من المطاعم والمشارب‬
‫والمناكح‪} .‬ويحّر ُ‬
‫هم والغلل التي‬
‫صَر ُ‬
‫والمناكح والقوال والفعال‪} .‬وي َ َ‬
‫ضعُ عنهم إ ْ‬
‫ن دينه سه ٌ‬
‫سر ل إصر‬
‫ص ِ‬
‫كانت عليهم{؛ أي‪ :‬و ِ‬
‫م ٌ‬
‫فه ِ أ ّ‬
‫ح مي ّ‬
‫ل َ‬
‫س ْ‬
‫ن وَ ْ‬
‫م ْ‬
‫فيه ول أغلل ول مشقات ول تكاليف ثقال‪.‬‬
‫}فالذين آمنوا به وعّزروه{؛ أي‪ :‬ع ّ‬
‫جلوه‪} ،‬ونصروه‬
‫ظموه وب ّ‬
‫واّتبعوا النور الذي أنز َ‬
‫ل معه{‪ :‬وهو القرآن الذي ُيستضاء به في‬
‫ش ّ‬
‫ظلمات ال ّ‬
‫ك والجهالت‪ ،‬ويقتدى به إذا تعارضت المقالت‪.‬‬
‫دنيا والخرة‪ ،‬والناجون‬
‫}أولئك هم المفلحون{‪ :‬الظافرون بخير ال ّ‬
‫ن‬
‫من شّرهما؛ لّنهم أتوا بأكبر أسباب الفلح‪ ،‬وأما َ‬
‫من لم يؤم ْ‬
‫ي‪ ،‬ويعّزره‪ ،‬وينصره‪ ،‬ولم يّتبع النور الذي أنزل‬
‫ي الم ّ‬
‫بهذا النب ّ‬
‫معه؛ فأولئك هم الخاسرون‪.‬‬
‫}‪ {158‬ولما دعا أهل التوراة من بني إسرائيل إلى اتباعه‪،‬‬
‫هم أن الحكم مقصوٌر عليهم‪ ،‬أتى بما يد ّ‬
‫ل‬
‫هم متو ّ‬
‫وكان ربما تو ّ‬
‫ل يا أّيها الناس إني رسو ُ‬
‫على العموم‪ ،‬فقال‪} :‬ق ْ‬
‫ل الّله إليكم‬
‫جميعًا{؛ أي‪ :‬عربّيكم وعجمّيكم‪ ،‬أهل الكتاب منكم وغيرهم‪،‬‬
‫}الذي له مل ُ‬
‫ك السموات والرض{‪ :‬يتصّرف فيهما بأحكامه‬
‫الكونّية والتدابير السلطانّية وبأحكامه الشرعّية الدينّية‪ ،‬التي من‬
‫جملتها أن أرسل إليكم رسول ً عظيما ً يدعوكم إلى الّله وإلى دار‬
‫ذركم من ك ّ‬
‫كرامته‪ ،‬ويح ّ‬
‫ل ما يباعدكم منه ومن دار كرامته‪} .‬ل‬
‫إله إل ّ هو{؛ أي‪ :‬ل معبود بحقّ إل الّله وحده ل شريك له‪ ،‬ول‬
‫ت{؛ أي‪ :‬من‬
‫ت ُعَْر ُ‬
‫ف عبادته إل من طريق رسله‪} .‬يحيي ويمي ُ‬
‫د‪ ،‬التي جعل‬
‫جملة تدابيره الحياء والماتة‪ ،‬التي ل يشاركه فيها أح ٌ‬
‫الّله الموت جسرا ً ومعبرًا‪ُ ،‬يعب َُر منه إلى دار البقاء التي من آمن‬
‫دق الرسول محمدا ً صلى الله عليه وسلم قطعًا‪} .‬فآمنوا‬
‫بها ص ّ‬
‫ي{‪ :‬إيمانا ً في القلب متضمنا ً لعمال‬
‫ي الم ّ‬
‫بالّله ورسول ِهِ النب ّ‬
‫ن بالّله وكلماته{؛ أي‪ :‬آمنوا بهذا‬
‫القلوب والجوارح‪} ،‬الذي يؤ ِ‬
‫م ُ‬
‫الرسول المستقيم في عقائده وأعماله‪} ،‬وات ِّبعوه لعلكم‬
‫حكم الدينّية والدنيوّية؛ فإنكم إذا لم تّتبعوه؛‬
‫ن{‪ :‬في مصال ِ ِ‬
‫تهتدو َ‬
‫ضللتم ضلل ً بعيدًا‪.‬‬

‫ة{؛ أي‪ :‬جماعة‪} ،‬يهدون‬
‫م ٌ‬
‫}‪} {159‬ومن قوم موسى أ ّ‬
‫ن{؛ أي‪ :‬يهدون ]به[ الناس في تعليمهم إياهم‬
‫بالحقّ وبه يع ِ‬
‫دلو َ‬
‫دلون به بينهم في الحكم بينهم قضاياهم؛ كما‬
‫وفتواهم لهم‪ ،‬ويع ِ‬
‫رنا لما صبروا وكانوا بآياتنا‬
‫جعَْلناهم أئم ً‬
‫قال تعالى‪} :‬وَ َ‬
‫ة يهدون بأم ِ‬
‫يوقنون{‪.‬‬
‫ن الّله‬
‫وفي هذا فضيل ٌ‬
‫ة لمة موسى عليه الصلة والسلم‪ ،‬وأ ّ‬
‫ن التيان بهذه الية‬
‫تعالى جعل منهم ُ‬
‫هداة ً يهدون بأمره‪ .‬وكأ ّ‬
‫دم‬
‫دم؛ فإنه تعالى ذكر فيما تق ّ‬
‫الكريمة فيه نوع ُ احتراز مما تق ّ‬
‫ة من معايب بني إسرائيل المنافية للكمال المناقضة للهداية‪،‬‬
‫جمل ً‬
‫م جميعهم‪ ،‬فذكر تعالى أن منهم‬
‫هم متو ّ‬
‫فربما تو ّ‬
‫هم أن هذا يع ّ‬
‫طائفة مستقيمة هادية مهدية‪.‬‬
‫}‪} {160‬وق ّ‬
‫سمناهم }اثنتي عشرة‬
‫طعناهم{؛ أي‪ :‬ق ّ‬
‫ة‪ ،‬كل بني‬
‫ة متوالف ً‬
‫ة متعارف ً‬
‫أسباطا ً أممًا{؛ أي‪ :‬اثنتي عشرة قبيل ً‬
‫رجل من أولد يعقوب قبيلة‪} ،‬وأوحينا إلى موسى إذ ِ استسقاه‬
‫ه{؛ أي‪ :‬طلبوا منه أن يدعو الّله تعالى أن يسقيهم ماء‬
‫م ُ‬
‫قو ُ‬
‫ّ‬
‫يشربون منه وتشرب منه مواشيهم‪ ،‬وذلك لّنهم ـ والله أعلم ـ‬
‫في مح ّ‬
‫ن‬
‫ل قليل الماء‪ ،‬فأوحى الّله لموسى إجابة ِلطلب َت ِِهم‪} :‬أ ِ‬
‫ب بعصاك الحجَر{‪ُ :‬يحتمل أنه حجٌر معّيـن‪ ،‬وُيحتمل أنه اسم‬
‫اضر ْ‬
‫ت{؛ أي‪ :‬انفجرت‬
‫جنس يشمل أي حجر كان‪ ،‬فضربه‪} ،‬فانب َ َ‬
‫جس ْ‬
‫من ذلك الحجر }اثنتا عشرة عينًا{‪ :‬جارية سارحة‪} ،‬قد علم ك ّ‬
‫ل‬
‫أناس مشَرَبهم{؛ أي‪ :‬قد قسم على كل قبيلة من تلك القبائل‬
‫الثنتي عشرة‪ ،‬وجعل لك ّ‬
‫ل منهم عينًا‪ ،‬فعلموها‪ ،‬واطمأّنوا‬
‫واستراحوا من التعب والمزاحمة‪ ،‬وهذا من تمام نعمة الّله‬
‫عليهم‪} ،‬وظل ّْلنا عليهم الغمام{‪ :‬فكان يسُترهم من حّر الشمس‪،‬‬
‫سلوى{‪ :‬وهو لحم طير‬
‫ن{‪ :‬وهو الحلوى‪} ،‬وال ّ‬
‫}وأنزلنا عليهم الم ّ‬
‫من أحسن أنواع الطيور وأل ّ‬
‫ذها‪ ،‬فجمع الّله لهم بين الظلل‬
‫والشراب والطعام الطيب من الحلوى واللحوم على وجه الراحة‬
‫والطمأنينة‪ ،‬وقيل لهم‪} :‬كلوا من طّيبات ما َرَزْقناكم وما‬
‫ظلمونا{‪ :‬حين لم يش ُ‬
‫كروا الّله ولم يقوموا بما أوجب الّله عليهم‪.‬‬
‫وتوها ك ّ‬
‫ل خير وعّرضوها‬
‫سهم يظلمو َ‬
‫}ولكن كانوا أنف َ‬
‫ن{‪ :‬حيث ف ّ‬
‫للشّر والنقمة‪ ،‬وهذا كان مدة لبثهم في التيه‪.‬‬
‫}‪} {161‬وإذ قي َ‬
‫ة{؛ أي‪ :‬ادخلوها‬
‫ل لهم اسكنوا هذه القري َ‬
‫لتكون وطنا ً لكم ومسكنًا‪ ،‬وهي إيلياء‪} ،‬وكلوا منها حيث شئُتم{؛‬
‫أي‪ :‬قرية كانت كثيرة الشجار غزيرة الثمار رغيدة العيش؛ فلذلك‬
‫أمرهم الّله أن يأكلوا منها حيث شاؤوا‪} ،‬وقولوا{‪ :‬حين تدخلون‬
‫ة{؛ أي‪ :‬احط ُ ْ‬
‫خلوا‬
‫ف عنا‪} ،‬واد ُ‬
‫ط عّنا خطايانا واع ُ‬
‫حط ّ ٌ‬
‫الباب‪ِ } :‬‬

‫جدًا{؛ أي خاضعين لربكم مستكينين لعّزته شاكرين‬
‫الباب س ّ‬
‫لنعمته؛ فأمرهم بالخضوع وسؤال المغفرة‪ ،‬ووعدهم على ذلك‬
‫مغفرة ذنوبهم والثواب العاجل والجل‪ ،‬فقال‪} :‬نغفر لكم‬
‫خطيئات ِ ُ‬
‫ن{‪ :‬من خير الدنيا والخرة‪.‬‬
‫كم سنزيد ُ المحسني َ‬
‫دل الذين ظلموا‬
‫ي‪ ،‬بل ب ّ‬
‫}‪ {162‬فلم يمتثلوا هذا المر الله ّ‬
‫منهم؛ أي‪ :‬عصوا الّله واستهانوا بأمره }قول ً غير الذي قيل لهم{‪:‬‬
‫فقالوا بدل طلب المغفرة وقولهم حطة‪ :‬حّبة في شعيرة‪ ،‬وإذا‬
‫بدلوا القول مع يسره وسهولته؛ فتبديلهم للفعل من باب أولى‪،‬‬
‫َ‬
‫ههم‪} ،‬فأرسلنا عليهم{‪ :‬حين‬
‫سَتا ِ‬
‫ولهذا دخلوا يزحفون على أ ْ‬
‫وه }ِرجزا ً من السماء{؛ أي‪ :‬عذابا ً شديدا ً‬
‫خالفوا أمر الّله وع َ َ‬
‫ص ْ‬
‫إما الطاعون وإما غيره من العقوبات السماوّية‪ ،‬وما ظلمهم الّله‬
‫ن{ )‪. (1‬‬
‫بعقابه‪ ،‬وإّنما كان ذلك }بما كانوا يظلمو َ‬
‫سأل ُْهم{؛ أي‪ :‬اسأل بني إسرائيل }عن القرية‬
‫}‪} {163‬وا ْ‬
‫ديهم‬
‫التي كانت حاضرة َ البحر{؛ أي‪ :‬على ساحله في حال تع ّ‬
‫ت{‪ :‬وكان الّله تعالى قد‬
‫ن في السب ِ‬
‫وعقاب الّله إّياهم‪} ،‬إذ ي َْعدو َ‬
‫أمرهم أن يع ّ‬
‫هم الّله‬
‫ظموه ويحترموه ول يصيدوا فيه صيدًا‪ ،‬فابتل ُ‬
‫م سبتهم ُ‬
‫شّرعًا؛ أي‪ :‬كثيرة‬
‫وامتحنهم‪ ،‬فكانت الحيتان تأتيهم يو َ‬
‫ن{؛ أي‪ :‬إذا ذهب يوم‬
‫سِبتو َ‬
‫طافية على وجه البحر‪} .‬ويوم ل ي َ ْ‬
‫السبت }ل تأتيهم{؛ أي‪ :‬تذهب في البحر فل يرون منها شيئًا‪.‬‬
‫قهم هو الذي أوجب أن‬
‫سقون{‪ :‬ففس ُ‬
‫}كذلك نبلو ُ‬
‫هم بما كانوا يف ُ‬
‫)‪(2‬‬
‫سقوا؛‬
‫يبتل َِيهم الّله وأن تكون لهم هذه المحنة‪ ،‬و إل ّ ؛ فلو لم يف ُ‬
‫لعافاهم الّله‪ ،‬ولما عّرضهم للبلء والشّر‪.‬‬
‫}‪ {164‬فتحيلوا على الصيد‪ ،‬فكانوا يحفرون لها حفرًا‪،‬‬
‫وينصبون لها الشباك؛ فإذا جاءت يوم السبت ووقعت في تلك‬
‫الحفر وال ّ‬
‫شباك؛ لم يأخذوها في ذلك اليوم؛ فإذا جاء يوم الحد؛‬
‫دوا‬
‫أخذوها‪ ،‬وكثر فيهم ذلك‪ ،‬وانقسموا ثلث فرق‪ :‬معظمهم اعت َ َ‬
‫ة أعلنت بنهيهم والنكار عليهم‪.‬‬
‫وتجّرؤوا وأعلنوا بذلك‪ .‬وفرق ٌ‬
‫ن‬
‫وفرق ٌ‬
‫ت بإنكار أولئك عليهم ونهيهم لهم وقالوا‪} :‬لم ت َِعظو َ‬
‫ة اكتف ْ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫ه مهل ِ ُ‬
‫كهم أو مع ّ‬
‫ذبهم عذابا شديدا{‪ :‬كأّنهم يقولون‪ :‬ل‬
‫قوما ً الل ُ‬
‫‪ - 1‬في )ب(‪}» :‬بما كانوا يفسقون{‪ :‬أي يخرجون عن طاعة الله إلى‬
‫معصيته من غير ضرورة ألجأتهم ول داٍع دعاهم سوى الخبث والشّر الذي‬
‫كان كامنا ً في نفوسهم«‪ .‬وقد أعرض الشيخ عن ذكر هذه العبارة في‬
‫سَر الية‪} :‬يفسقون{ وصواب الية }يظلمون{‪ .‬والله‬
‫) أ (‪] .‬حيث ف ّ‬
‫أعلم[‪.‬‬
‫‪2‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬أن يبليهم«‪.‬‬

‫صِغ للنصيح بل‬
‫فائدة في وعظ َ‬
‫من اقتحم محارم الّله ولم ي ُ ْ‬
‫استمّر على اعتدائه وطغيانه؛ فإنه ل بد أن يعاقبهم الّله إما بهلك‬
‫أو عذاب شديد‪ .‬فقال الواعظون‪ :‬نعظهم وننهاهم }معذرة ً إلى‬
‫رّبكم{؛ أي‪ :‬لن ُعْذ ََر فيهم‪} ،‬ولعّلهم يّتقون{؛ أي‪ :‬يتركون ما هم‬
‫فيه من المعصية؛ فل نيأس من هدايتهم؛ فرّبما نجع فيهم الوعظ‬
‫وأثر فيهم اللوم‪ ،‬وهذا المقصود العظم من إنكار المنكر؛ ليكون‬
‫معذرة وإقامة حجةٍ على المأمور المنهي‪ ،‬ولعل الّله أن يهديه‬
‫فيعمل بمقتضى ذلك المر والنهي‪.‬‬
‫كروا به{؛ أي‪ :‬تركوا ما ذ ُ ّ‬
‫}‪} {165‬فلما نسوا ما ذ ُ ّ‬
‫كروا به‬
‫جْينا الذين ينهون عن‬
‫واستمروا على غ َّيهم واعتدائهم‪} ،‬أن ْ َ‬
‫السوء{‪ :‬وهكذا سنة الّله في عباده أن العقوبة إذا نزلت نجا منها‬
‫المرون بالمعروف والناهون عن المنكر‪} ،‬وأخذنا الذين ظلموا{‪:‬‬
‫ب بئيس{؛ أي‪ :‬شديد }بما‬
‫وهم الذين اعتد َْوا في السبت }بعذا ٍ‬
‫سقون{‪.‬‬
‫كانوا يف ُ‬
‫وأما الفرقة الخرى التي قالت للناهين‪ :‬لم تِعظون قوما ً‬
‫الّله مهلكهم؛ فاختلف المفسرون في نجات ِِهم وهلكهم‪ ،‬والظاهُر‬
‫ص الهلك بالظالمين‪ ،‬وهو لم‬
‫أنهم كانوا من الناجين؛ ل ّ‬
‫ن الّله خ ّ‬
‫يذكر أنهم ظالمون‪ ،‬فد ّ‬
‫صة بالمعتدين في‬
‫ل على أن العقوبة خا ّ‬
‫ض كفاية إذا‬
‫السبت‪ ،‬ول ّ‬
‫ن المر بالمعروف والنهي عن المنكر فر ُ‬
‫قام به البعض سقط عن الخرين؛ فاكتفوا بإنكار أولئك‪ ،‬ولنهم‬
‫ن قوما ً الّله مهل ِ ُ‬
‫كهم أو مع ّ‬
‫ذبهم‬
‫أنكروا عليهم بقولهم‪} :‬لم ت َِعظو َ‬
‫عذابا ً شديدًا{‪ :‬فأبد َْوا من غضبهم عليهم ما يقتضي أّنهم كارهون‬
‫ن الّله سيعاقبهم أشد ّ العقوبة‪.‬‬
‫أشد ّ الكراهة لفعلهم‪ ،‬وأ ّ‬
‫وا عما ُنهوا عنه{؛ أي‪ :‬قسوا فلم يلينوا‬
‫}‪} {166‬فلما ع َت َ ْ‬
‫ول اّتعظوا‪} ،‬قلنا لهم{ قول ً قدرّيا‪} :‬كونوا قردة ً خاسئين{‪:‬‬
‫فانقلبوا بإذن الّله قردة ً وأبعدهم الّله من رحمته‪.‬‬
‫ب الذلة والصغار على من بقي منهم‪،‬‬
‫ضْر َ‬
‫}‪ {167‬ثم ذكر َ‬
‫ن عليهم‬
‫فقال‪} :‬وإذ تأذ ّ َ‬
‫ن رّبك{؛ أي‪ :‬أعلم إعلما ً صريحًا‪} ،‬ليبعث ّ‬
‫مهم سوء العذاب{؛ أي‪ :‬يهيُنهم ويذّلهم‪،‬‬
‫إلى يوم القيامة من يسو ُ‬
‫جل له العقوبة‬
‫ن رّبك لسريع العقاب{‪ :‬لمن عصاه‪ ،‬حتى إنه يع ّ‬
‫}إ ّ‬
‫في الدنيا‪} .‬وإّنه لغفوٌر رحيم{‪ :‬لمن تاب إليه وأناب؛ يغفر له‬
‫ال ّ‬
‫ذنوب‪ ،‬ويسُتر عليه العيوب‪ ،‬ويرحمه بأن يتقّبل منه الطاعات‬
‫ويثيبه عليها بأنواع المثوبات‪ ،‬وقد فعل الّله بهم ما وعدهم به؛ فل‬
‫يزالون في ذ ّ‬
‫ة ول‬
‫ل وإهانة‪ ،‬تحت حكم غيرهم‪ ،‬ل تقوم لهم راي ٌ‬
‫م‪.‬‬
‫ينصر لهم ع َل َ ٌ‬

‫}‪} {168‬وق ّ‬
‫طعناهم في الرض أممًا{؛ أي‪ :‬فّرقناهم‬
‫ومّزقناهم في الرض بعدما كانوا مجتمعين‪} ،‬منهم الصالحون{‪:‬‬
‫القائمون بحقوق الّله وحقوق عباده‪} ،‬ومنهم دون ذلك{؛ أي‪:‬‬
‫دون الصلح‪ :‬إما مقتصدون‪ ،‬وإما الظالمون )‪ (1‬لنفسهم‪.‬‬
‫وناهم{‪ :‬على عادتنا وسّنتنا }بالحسنات والسيئات{؛ أي‪:‬‬
‫}وب َل َ ْ‬
‫جعون{‪ :‬عما هم عليه مقيمون من‬
‫سر والعُ ْ‬
‫بالي ُ ْ‬
‫سر‪} ،‬لعّلهم ير ِ‬
‫خلقوا له من الهدى‪ ،‬فلم يزالوا بين صالح‬
‫الّردى‪ ،‬ويراجعون ما ُ‬
‫د‪.‬‬
‫وطالح ومقتص ٍ‬
‫ف{‪ :‬زاد شّرهم‬
‫دهم َ‬
‫خل ْ ٌ‬
‫}‪ {169‬حتى خلف }من بع ِ‬
‫ب{‪ :‬وصار المرجع فيه إليهم‪ ،‬وصاروا‬
‫}ورثوا{‪ :‬بعدهم }الكتا َ‬
‫يتصّرفون فيه بأهوائهم‪ ،‬وت ُب ْذ َ ُ‬
‫فُتوا ويحكموا بغير‬
‫ل لهم الموال لي ْ‬
‫ض هذا الدنى‬
‫ق‪ ،‬وفشت فيهم الرشوة‪} .‬يأ ُ‬
‫الح ّ‬
‫خذون ع ََر َ‬
‫فُر لنا{‪ :‬وهذا‬
‫سي ُغْ َ‬
‫ويقولو َ‬
‫ن{‪ :‬مقّرين بأنه ذنب وأنهم ظلمة‪َ } :‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ل من الحقيقة؛ فإنه ليس استغفارا وطلبا للمغفرة على‬
‫قول خا ٍ‬
‫الحقيقة؛ فلو كان ذلك؛ لندموا على ما فعلوا‪ ،‬وعزموا على أن ل‬
‫ض آخر ورشوة ٌ أخرى؛ يأخذوه‪،‬‬
‫يعودوا‪ ،‬ولكنهم إذا أتاهم عر ٌ‬
‫فاشتروا بآيات الّله ثمنا ً قلي ً‬
‫ل‪ ،‬واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو‬
‫خذ ْ‬
‫خير! قال الّله تعالى في النكار عليهم وبيان جراءتهم‪} :‬ألم يؤ َ‬
‫ق{‪ :‬فما باُلهم‬
‫عليهم ميثاقُ الكتاب أن ل يقولوا على الّله إل الح ّ‬
‫يقولون عليه غير الحقّ اّتباعا ً لهوائهم وميل ً مع مطامعهم؟! }و{‬
‫ل أنهم قد }د ََرسوا ما فيه{‪ :‬فليس عليهم فيه إشكا ٌ‬
‫الحا ُ‬
‫ل‪ ،‬بل قد‬
‫م‬
‫مدين‪ ،‬وكانوا في أمرهم مستبصرين‪ ،‬وهذا أعظ ُ‬
‫أتوا أمرهم متع ّ‬
‫للذنب وأشد ّ لّلوم وأشنع للعقوبة‪ ،‬وهذا من نقص عقولهم‬
‫دنيا على الخرة‪ ،‬ولهذا قال‪:‬‬
‫وسفاهة رأيهم بإيثار الحياة ال ّ‬
‫}والداُر الخرة خيٌر للذين يّتقون{‪ :‬ما حّرم الّله عليهم من‬
‫المآكل التي ُتصاب وتؤكل رشوة على الحكم بغير ما أنزل الّله‬
‫وغير ذلك من أنواع المحرمات‪} .‬أفل تعقلون{؛ أي‪ :‬أفل يكون‬
‫لكم عقو ٌ‬
‫ل توازن بين ما ينبغي إيثاره وما ينبغي اليثار عليه‪ ،‬وما‬
‫هو أولى بالسعي إليه والتقديم له على غيره؟! فخاصّية العقل‬
‫وت‬
‫النظر للعواقب‪ ،‬وأما من ن َظ ََر إلى عاجل طفيف منقطع يف ّ‬
‫نعيما ً عظيما ً باقيًا؛ فأّنى له العقل والرأي؟!‬
‫}‪ {170‬وإنما العقلُء حقيقة من وصفهم الّله بقوله‪:‬‬
‫سكون به علما ً وعم ً‬
‫ل‪،‬‬
‫سكو َ‬
‫ن بالكتاب{؛ أي‪ :‬يتم ّ‬
‫}والذين يم ّ‬
‫فيعلمون ما فيه من الحكام والخبار التي علمها أشرف العلوم‪،‬‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬ظالمون«‪.‬‬

‫ويعملون بما فيها من الوامر التي هي قرة العيون وسرور‬
‫القلوب وأفراح الرواح وصلح الدنيا والخرة‪ .‬ومن أعظم ما‬
‫سك به من المأمورات إقامة الصلة ظاهرا ً وباطنًا‪،‬‬
‫يجب التم ّ‬
‫)‪(1‬‬
‫ولهذا خصها بال ّ‬
‫ذكر لفضلها وشرفها وكونها ميزان اليمان‬
‫ة لقامة غيرها من العبادات‪ .‬ولما كان عملهم كّله‬
‫وإقامتها داعي ٌ‬
‫إصلحًا؛ قال تعالى‪} :‬إّنا ل ُنضيعَ أجر المصلحين{‪ :‬في أقوالهم‬
‫وأعمالهم ونّياتهم‪ ،‬مصلحين لنفسهم ولغيرهم‪.‬‬
‫ن الّله بعث رسله عليهم‬
‫وهذه الية وما أشبهها دّلت على أ ّ‬
‫الصلة والسلم بالصلح ل بالفساد‪ ،‬وبالمنافع ل بالمضار‪ ،‬وأّنهم‬
‫ب ُِعثوا بصلح الدارين؛ فك ّ‬
‫من كان أصلح؛ كان أقرب إلى‬
‫ل َ‬
‫اّتباعهم‪.‬‬
‫قنا الجبل فوَقهم{‪ :‬حين‬
‫}‪ {171‬ثم قال تعالى‪} :‬وإذ ن َت َ ْ‬
‫امتنعوا من َقبول ما في التوراة‪ ،‬فألزمهم الله العمل‪ ،‬وََنتقَ فوق‬
‫رؤوسهم الجبل‪ ،‬فصار فوقهم‪} :‬كأنه ظ ُّلة وظّنوا أنه واقعٌ بهم{‪،‬‬
‫ة{؛ أي‪ :‬بجد ّ واجتهاد‪} .‬واذ ُ‬
‫كروا‬
‫وقيل لهم‪} :‬خذوا ما آتيناكم بقوّ ٍ‬
‫ّ‬
‫ما فيه{‪ :‬دراسة ومباحثة واتصافا ً بالعمل به‪} ،‬لعلكم تّتقون{‪ :‬إذا‬
‫فعلُتم ذلك‪.‬‬
‫ﭽ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶﭷ‬
‫ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ‬
‫ﭸﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ‬
‫ﮍ ﮎﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﭼ ‪.‬‬
‫م من‬
‫}‪ 172‬ـ ‪ {173‬يقول تعالى‪} :‬وإذ ْ أ َ‬
‫خذ َ رّبك من بني آد َ‬
‫ظهورهم ذ ُّرّيتهم{؛ أي‪ :‬أخرج من أصلبهم ذريتهم‪ ،‬وجعلهم‬
‫ن‪} .‬و{‪ :‬حين أخرجهم من‬
‫يتناسلون ويتوالدون قرنا ً بعد قر ٍ‬
‫ت‬
‫مهاتهم وأصلب آبائهم‪} ،‬أشهدهم على أنف ِ‬
‫سِهم ألس ُ‬
‫بطون أ ّ‬
‫برّبكم{؛ أي‪ :‬قّررهم بإثبات ربوبّيته بما أودعه في فطرهم من‬
‫القرار بأنه رّبهم وخالقهم ومليكهم‪ .‬قالوا‪ :‬بلى؛ قد أقررنا بذلك؛‬
‫ن الّله تعالى فطر عباده على الدين الحنيف القيم‪ ،‬فك ّ‬
‫ل أحدٍ‬
‫فإ ّ‬
‫دل بما يطرأ‬
‫فهو مفطوٌر على ذلك‪ ،‬ولكن الفطرة قد ُتغّير وُتب ّ‬
‫على العقول والعقائد الفاسدة )‪ ، (2‬ولهذا }قالوا بلى َ‬
‫دنا أن‬
‫شه ِ ْ‬
‫َتقولوا يوم القيامةِ إّنا كّنا عن هذا غافلين{؛ أي‪ :‬إنما امتحّناكم‬
‫ن الّله تعالى رّبكم؛ خشية أن‬
‫حتى أقررتم بما تقّرر عندكم من أ ّ‬
‫جة‬
‫تن ِ‬
‫كروا يوم القيامة فل تقّروا بشيء من ذلك‪ ،‬وتزعمون أن ح ّ‬
‫‪1‬‬

‫ه«‪.‬‬
‫ص الل ّ ُ‬
‫‪ -‬في )ب(‪» :‬ولهذا خ ّ‬

‫‪2‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬بما يطرأ عليها من العقائد الفاسدة«‪.‬‬

‫الّله ما قامت عليكم‪ ،‬ول عندكم بها علم‪ ،‬بل أنتم غافلون عنها‬
‫جتكم‪ ،‬وثبتت الحجة البالغة لّله‬
‫لهون؛ فاليوم قد انقطعت ح ّ‬
‫جة أخرى‪ ،‬فتقولون‪} :‬إّنما أشر َ‬
‫ك‬
‫عليكم‪ .‬أو تحتجون أيضا ً بح ّ‬
‫آباؤنا من قَب ْ ُ‬
‫حذ َْوهم‪ ،‬وتبعناهم‬
‫ل وك ُّنا ذ ُّري ّ ً‬
‫ة من بع ِ‬
‫دهم{‪ :‬فحذونا َ‬
‫في باطلهم‪} .‬أفتهل ِ ُ‬
‫كنا بما فعل المبطلون{؟ فقد أودع الّله في‬
‫فطركم ما يدّلكم على أن ما مع آبائكم باط ٌ‬
‫ن الحقّ ما‬
‫ل‪ ،‬وأ ّ‬
‫جاءت به الرسل‪ ،‬وهذا يقاوم ما وجدتم عليه آباءكم ويعلو عليه‪.‬‬
‫نعم؛ قد يعرض للعبد من أقوال آبائه الضاّلين ومذاهبهم الفاسدة‬
‫ق‪ ،‬وما ذاك إل لعراضه عن حجج الّله وبّيناته‬
‫ما يظّنه هو الح ّ‬
‫وآياته الفقّية والنفسّية؛ فإعراضه عن ذلك وإقباله على ما قاله‬
‫ضل بها الباطل على الحق‪.‬‬
‫المبطلون‪ ،‬رّبما صّيره بحالة ُيف ّ‬
‫هذا هو الصواب في تفسير هذه اليات‪ ،‬وقد قيل‪ :‬إن هذا‬
‫يوم أخذ الّله الميثاق على ذرّية آدم حين استخرجهم من ظهره‬
‫ج عليهم بما أمرهم به‬
‫وأشهدهم على أنفسهم فشهدوا بذلك فاحت ّ‬
‫في ذلك الوقت على ظلمهم في كفرهم وعنادهم في الدنيا‬
‫والخرة! ولكن ليس في الية ما يد ّ‬
‫ل على هذا‪ ،‬ول له مناسبة‪،‬‬
‫ن هذا العهد‬
‫ول تقتضيه حكمة الّله تعالى‪ ،‬والواقع شاهد ٌ بذلك؛ فإ ّ‬
‫)‪(1‬‬
‫والميثاق الذي ذ َ َ‬
‫ة آدم من ظهره‬
‫كروا أنه حين أ ْ‬
‫ه ذ ُّري ّ َ‬
‫خَر َ‬
‫ج الل ّ ُ‬
‫ي؛‬
‫حين كانوا في عالم كالذ ّّر ل يذك ُُره أحد ٌ ول يخط ُُر ببال آدم ّ‬
‫ن ول‬
‫فكيف يحت ّ‬
‫ج الّله عليهم بأمرٍ ليس عندهم به خبٌر ول له عي ٌ‬
‫أثـٌر؟!‬
‫}‪ {174‬ولهذا؛ لما كان هذا أمرا ً واضحا ً جلّيا؛ قال تعالى‪:‬‬
‫ضحها‪} ،‬ولعّلهم يرجعون{‪:‬‬
‫صل اليات{؛ أي‪ :‬نبّينها ونو ّ‬
‫}وكذلك نف ّ‬
‫رهم وإلى ما عاهدوا الّله عليه فيرتدعوا‬
‫إلى ما أودع الّله في فِط َ ِ‬
‫عن القبائح‪.‬‬
‫ﭽ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮮ‬
‫ﯥﯦ ﯧ‬
‫ﮯ ﮰ ﮱ ﯓﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ‬
‫ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷﯷ‬
‫ﯨ ﯩ ﯪﯧﯧ ﯫﯧﯧ ﯬﯧﯧ ﯭﯧﯧ ﯮﯧﯧ ﯯﯧﯧ ﯰﯧﯧ ﯱﯧﯧ ﯷ ﯷ‬
‫ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﯷ ﯷ ﭼ‪.‬‬
‫}‪ {175‬يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم‪} :‬وات ُ‬
‫ل‬
‫عليهم نبأ الذي آت َْيناه آياِتنا{؛ أي‪ :‬علمناه ]علم[ كتاب الله فصار‬

‫‪ - 1‬وقد ذكر المفسرون أحاديث وآثار على أخذ الميثاق من ذرية آدم وهم‬
‫في صلب أبيهم‪ .‬انظر »تفسير الطبري« )‪ (13/222‬تحقيق أحمد شاكر‪.‬‬
‫وابن كثير )‪ ،(3/500‬و»أحكام أهل الذمة« لبن القيم )‪ ،(2/525‬و»معارج‬
‫القبول« للحكمي )‪ .(1/40‬وانظر »الصحيحة« لللباني )‪.(1623‬‬

‫العالم الكبير والحبر النحرير فانسلخ منها فأتبعه الشيطان؛ أي‪:‬‬
‫ن العلم بذلك‬
‫ي بالعلم بآيات الّله؛ فإ ّ‬
‫انسلخ من الّتصاف الحقيق ّ‬
‫يصّير صاحبه متصفا ً بمكارم الخلق ومحاسن العمال ويرقى‬
‫إلى أعلى الدرجات وأرفع المقامات؛ فترك هذا كتاب الّله وراء‬
‫ع‬
‫ظهره‪ ،‬ونبذ الخلق التي يأمر بها الكتاب‪ ،‬وخلعها كما ُيـ ْ‬
‫خل َ ُ‬
‫ن؛ أي‪ :‬تسّلط عليه حين‬
‫ه الشيطا ُ‬
‫اللباس‪ ،‬فلما انسلخ منها؛ أت ْب َعَ ُ‬
‫خرج من الحصن الحصين وصار إلى أسفل سافلين‪ ،‬فأّزه إلى‬
‫المعاصي أّزا‪} ،‬فكان من الغاوين{‪ :‬بعد أن كان من الراشدين‬
‫المرشدين‪.‬‬
‫خذ ََله ووَك ََله إلى نفسه؛ فلهذا‬
‫ن الّله تعالى َ‬
‫}‪ {176‬وهذا ل ّ‬
‫شْئنا لَرفَْعناه بها{‪ :‬بأن نوّفقه للعمل بها‪،‬‬
‫قال تعالى‪} :‬ولو ِ‬
‫صن من أعدائه‪} ،‬ولكّنه{‪ :‬فعل‬
‫فيرتفع في الدنيا والخرة‪ ،‬فيتح ّ‬
‫ض؛ أي‪ :‬إلى الشهوات‬
‫ما يقتضي الخذلن؛ فأخلد َ إلى الر ِ‬
‫السفلّية والمقاصد الدنيوّية‪} ،‬واّتبع هواه{‪ :‬وترك طاعة موله‪.‬‬
‫مثله{‪ :‬في شدة حرصه على الدنيا وانقطاع قلبه إليها }كمثل‬
‫}فَ َ‬
‫ث{؛ أي‪ :‬ل يزال لهثا ً‬
‫م ْ‬
‫ه يله ْ‬
‫ل عليه ي َل ْهَ ْ‬
‫ح ِ‬
‫الكلب إن َتـ ْ‬
‫ث أو تتُرك ْ ُ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ه‬
‫في كل حال‪ ،‬وهذا ل يزال حريصا حرصا قاطعا قلبه ل يسد ّ فاقت َ ُ‬
‫مث َ ُ‬
‫ل القوم الذين ك ّ‬
‫ذبوا بآياتنا{‪ :‬بعد أن‬
‫شيٌء من ال ّ‬
‫دنيا‪} .‬ذلك َ‬
‫ساقها الّله إليهم‪ ،‬فلم ينقادوا لها‪ ،‬بل ك ّ‬
‫دوها لهوانهم‬
‫ذبوا بها ور ّ‬
‫صص‬
‫على الّله واّتباعهم لهوائهم بغير هدى من الّله‪} .‬فاق ُ‬
‫صص لعّلهم يتف ّ‬
‫كرون{‪ :‬في ضرب المثال وفي العبر واليات؛‬
‫ال َ‬
‫ق َ‬
‫فإذا تف ّ‬
‫كروا؛ علموا‪ ،‬وإذا علموا؛ عملوا‪.‬‬
‫م الذين ك ّ‬
‫سهم كانوا‬
‫مث َل ً القو ُ‬
‫ذبوا بآياِتنا وأنف َ‬
‫}‪} {177‬ساء َ‬
‫مث َ ُ‬
‫من كذب بآيات الّله‪ ،‬وظلم نفسه‬
‫يظلمو َ‬
‫ل َ‬
‫ن{؛ أي‪ :‬ساء وقَُبح َ‬
‫مث َ ُ‬
‫وء‪.‬‬
‫بأنواع المعاصي؛ فإ ّ‬
‫ل ال ّ‬
‫مث ََلهم َ‬
‫ن َ‬
‫س ْ‬
‫ص معّين‬
‫وهذا الذي آتاه الّله آياته ُيحتمل أ ّ‬
‫ن المراد َ به شخ ٌ‬
‫صته تنبيها ً للعباد‪ ،‬وُيحتمل‬
‫ه فقص الل ّ ُ‬
‫قد كان منه ما ذكره الل ّ ُ‬
‫هق ّ‬
‫ل لك ّ‬
‫ن المراد بذلك أنه اسم جنس‪ ،‬وأّنه شام ٌ‬
‫ه‬
‫أ ّ‬
‫ل من آتاه الل ّ ُ‬
‫آياته فانسلخ منها‪.‬‬
‫ن ذلك رفعة‬
‫وفي هذه اليات الترغيب في العمل بالعلم‪ ،‬وأ ّ‬
‫من الّله لصاحبه وعصمة من الشيطان‪ ،‬والترهيب من عدم‬
‫العمل به‪ ،‬وأنه نزو ٌ‬
‫ل إلى أسفل سافلين وتسليط للشيطان عليه‪.‬‬
‫ن اّتباع الهوى وإخلد َ العبد إلى الشهوات يكون سببا ً‬
‫وفيه أ ّ‬
‫للخذلن‪.‬‬

‫}‪ {178‬ثم قال تعالى مبينا ً أنه المنفرد بالهداية والضلل‪:‬‬
‫من يهد ِ الّله{‪ :‬بأن يوّفقه للخيرات ويعصمه من المكروهات‬
‫} َ‬
‫قا؛ لنه آثر هدايته‬
‫ويعّلمه ما لم يكن يعلم‪} ،‬فهو المهتدي{‪ :‬ح ّ‬
‫ضل ِ ْ‬
‫ل{‪ :‬فيخذله ول يوّفقه للخير‪} ،‬فأولئك هم‬
‫تعالى‪} ،‬ومن ي ُ ْ‬
‫الخاسرون{‪ :‬لنفسهم وأهليهم يوم القيامة‪ ،‬أل ذلك هو الخسران‬
‫المبين‪.‬‬
‫ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ‬
‫ﭫ ﭬ ﭭﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭼ ‪.‬‬
‫ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧﭨ ﭩ ﭪ‬
‫}‪ {179‬يقول تعالى مبينا ً كثرة الغاوين الضاّلين المّتبعين‬
‫إبليس اللعين‪} :‬ولقد ذ ََرأنا{؛ أي‪ :‬أنشأنا‪ ،‬وبثثنا }لجهّنم كثيرا ً من‬
‫بل‬
‫ن والنس{‪ :‬صارت البهائم أحسن حالة منهم‪} .‬لهم قلو ٌ‬
‫الج ّ‬
‫يفقهون بها{؛ أي‪ :‬ل يص ُ‬
‫م إل ّ مجّرد قيام‬
‫ه ول عل ٌ‬
‫ل إليها فق ٌ‬
‫ن ل يبصرون بها{‪ :‬ما ينفُعهم‪ ،‬بل فقدوا‬
‫الحجة‪} ،‬ولهم أعي ٌ‬
‫ن ل يسمعون بها{‪ :‬سماعا ً يصل‬
‫منفعتها وفائدتها‪} ،‬ولهم آذا ٌ‬
‫معناه إلى قلوبهم‪} .‬أولئك{‪ :‬الذين بهذه الوصاف القبيحة‬
‫}كالنعام{؛ أي‪ :‬البهائم التي فقدت العقول‪ ،‬وهؤلء آثروا ما‬
‫سِلبوا خاصية العقل‪} .‬بل هم أض ّ‬
‫ل{‪ :‬من‬
‫يفنى على ما يبقى ف ُ‬
‫ن تدرك‬
‫ن النعام مستعملة فيما ُ‬
‫خِلقت له‪ ،‬ولها أذها ٌ‬
‫البهائم؛ فإ ّ‬
‫بها مضّرتها من منفعتها؛ فلذلك كانت أحسن حال ً منهم‪ .‬و }أولئك‬
‫هم الغافلون{‪ :‬الذين غفلوا عن أنفع الشياء؛ غفلوا عن اليمان‬
‫بالّله وطاعته وذ ِ ْ‬
‫ت لهم الفئدة والسماع والبصار‬
‫خل ِ َ‬
‫كره‪ُ ،‬‬
‫ق ْ‬
‫ن عونا ً لهم على القيام بأوامر الّله وحقوقه‪ ،‬فاستعانوا بها‬
‫لتكو َ‬
‫من ذرأ الّله‬
‫على ضد ّ هذا المقصود؛ فهؤلء حقيقون بأن يكونوا مـ ّ‬
‫من‬
‫لجهّنم وخلقهم لها؛ فخلقهم للنار وبأعمال أهلها يعملون‪ ،‬وأما َ‬
‫ه باليمان بالّله‬
‫استعمل هذه الجوارح في عبادة الّله وانصبغ قلب ُ ُ‬
‫ومحّبته ولم يغفل عن الّله؛ فهؤلء أهل الجنة وبأعمال أهل الجنة‬
‫يعملون‪.‬‬
‫ﭽ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽﭾ ﭿ ﮀ ﮁ‬

‫ﮂ ﮃ ﭼ‪.‬‬

‫ن لعظيم جلله وسعة أوصافه بأن له‬
‫}‪ {180‬هذا بيا ٌ‬
‫السماء الحسنى؛ أي‪ :‬له كل اسم حسن‪ ،‬وضابطه أنه كل اسم‬
‫دال على صفة كمال عظيمة‪ ،‬وبذلك كانت حسنى؛ فإنها لو دّلت‬
‫على غير صفة‪ ،‬بل كانت علما ً محضًا؛ لم تكن حسنى‪ ،‬وكذلك لو‬
‫دّلت على صفة ليست بصفة كمال‪ ،‬بل إما صفة نقص أو صفة‬
‫منقسمة إلى المدح والقدح؛ لم تكن حسنى؛ فك ّ‬
‫ل اسم من‬
‫أسمائه دال على جميع الصفة التي اشت ُقّ منها‪ ،‬مستغرقٌ لجميع‬
‫ما‬
‫معناها‪ ،‬وذلك نحو‪} :‬العليم{ الدال على أ ّ‬
‫ن له علما ً محيطا ً عا ّ‬

‫لجميع الشياء فل يخرج عن علمه مثقال ذرةٍ في الرض ول في‬
‫السماء‪ ،‬و}الرحيم{ )‪ (1‬الدال على أن له رحمة عظيمة واسعة‬
‫لك ّ‬
‫جُزها‬
‫مة ل ي ُعْ ِ‬
‫ل شيء‪ ،‬و}القدير{ الدال على أن له قدرة عا ّ‬
‫شيء‪ ...‬ونحو ذلك‪ .‬ومن تمام كونها حسنى أّنه ل ُيدعى إل بها‪،‬‬
‫ولذلك قال‪} :‬فادعوه بها{‪ :‬وهذا شام ٌ‬
‫ل لدعاء العبادة ودعاء‬
‫المسألة‪ ،‬فُيدعى في كل مطلوب بما يناسب ذلك المطلوب‪،‬‬
‫فيقول الداعي مث ً‬
‫م! اغفر لي‪ ،‬وارحمني؛ إنك أنت الغفور‬
‫ل‪ :‬الله ّ‬
‫ف بي يا‬
‫واب! وارزقني يا رزاق! والط ْ‬
‫ي يا ت ّ‬
‫الرحيم‪ .‬وتب عل ّ‬
‫لطيف! ونحو ذلك‪.‬‬
‫وقوله‪} :‬وَ َ‬
‫جَزْون ما كانوا‬
‫ذروا الذين ُيل ِ‬
‫حدون في أسمائ ِهِ سي ُ ْ‬
‫يعملون{؛ أي‪ :‬عقوبة وعذابا ً على إلحادهم في أسمائه‪ .‬وحقيقة‬
‫اللحاد‪ :‬المي ُ‬
‫مى بها من ل‬
‫ل بها عما ُ‬
‫ما بأن يس ّ‬
‫ت له‪ ،‬إ ّ‬
‫جعِل َ ْ‬
‫قها؛ كتسمية المشركين بها للهتهم‪ ،‬وإما بنفي معانيها‬
‫يستح ّ‬
‫ّ‬
‫وتحريفها وأن يجعل لها معنى ما أراده الله ول رسوله‪ ،‬وإما أن‬
‫يشّبه بها غيرها؛ فالواجب أن ُيحذر اللحاد فيها وُيحذر الملحدون‬
‫ن‬
‫ي صلى الله عليه وسلم‪» :‬إ ّ‬
‫فيها‪ .‬وقد ثبت في الصحيح عن النب ّ‬
‫)‪(2‬‬
‫ة وتسعين اسما ً من أحصاها دخل الجنة« ‪.‬‬
‫لّله تسع ً‬
‫ﭽ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﭼ‪.‬‬
‫}‪ {181‬أي‪ :‬ومن جملة من خلقنا أمة فاضلة كاملة في‬
‫ملة لغيرها يهدون أنفسهم وغيرهم بالحقّ فيعلمون‬
‫نفسها مك ّ‬
‫الحقّ ويعملون به ويعّلمونه ويدعون إليه وإلى العمل به‪} .‬وبه‬
‫يعدلون{‪ :‬بين الناس في أحكامهم إذا حكموا في الموال والدماء‬
‫والحقوق والمقالت وغير ذلك‪ .‬وهؤلء أئمة الهدى ومصابيح‬
‫دجى‪ ،‬وهم الذين أنعم الّله عليهم باليمان والعمل الصالح‬
‫ال ّ‬
‫ديقون الذين‬
‫والتواصي بالحقّ والتواصي بالصبر‪ ،‬وهم الص ّ‬
‫مرتبتهم تلي مرتبة الرسالة‪ ،‬وهم في أنفسهم مراتب متفاوتة؛‬
‫ص برحمته من‬
‫كل بحسب حاله وعلوّ منزلته؛ فسبحان من يخت ّ‬
‫يشاء والّله ذو الفضل العظيم‪.‬‬
‫ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ‬
‫ﭽﮌ ﮍ‬
‫ﮜ ﮝﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬وكالرحيم«‪.‬‬

‫‪ - 2‬أخرجه البخاري )‪ (2736‬ومسلم )‪ ،(2677‬عن أبي هريرة رضي الله‬
‫عنه‪.‬‬

‫ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨﯩ ﯪﯧﯧ ﯫﯧﯧ ﯬﯧﯧ ﯭﯧﯧ ﯮﯧﯧ‬
‫ﭼ‪.‬‬
‫}‪ {182‬أي‪ :‬والذين ك ّ‬
‫ذبوا بآيات الّله الداّلة على صحة ما‬
‫دوها ولم‬
‫جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من الهدى فر ّ‬
‫جهم من حيث ل يعلمون{‪ :‬بأن يدر لهم‬
‫يقبلوها‪} ،‬سنستدرِ ُ‬
‫الرزاق‪.‬‬
‫}‪} {183‬وأملي لهم{؛ أي‪ :‬أمهلهم حتى يظّنوا أنهم ل‬
‫خذون ول يعاَقبون‪ ،‬فيزدادون كفرا ً وطغيانا ً وشّرا إلى شّرهم‪،‬‬
‫يؤ َ‬
‫وبذلك تزيد عقوبتهم ويتضاعف عذابهم‪ ،‬فيضّرون أنفسهم من‬
‫)‪(1‬‬
‫غ‪.‬‬
‫ن{؛ أي‪ :‬قويّ بلي ٌ‬
‫حيث ل يعلمون ‪ .‬ولهذا قال‪} :‬إن كيدي متي ٌ‬
‫م يتف ّ‬
‫د[ صلى الله‬
‫كروا ما بصاحبهم{‪] :‬محم ٍ‬
‫}‪} {184‬أوَ َلـ ْ‬
‫ملوا أفكارهم وينظروا هل‬
‫ة{؛ أي‪ :‬أولم ي ُعْ ِ‬
‫جن ّ ٍ‬
‫عليه وسلم }من ِ‬
‫في صاحبهم الذي يعرفونه ول يخفى عليهم من حاله شيٌء؛ هل‬
‫ن؟! فلينظروا في أخلقه وهديه ودّله وصفاته‪ ،‬وينظروا‬
‫هو مجنو ٌ‬
‫فيما دعا إليه؛ فل يجدون فيه من الصفات إل أكملها‪ ،‬ول من‬
‫مها‪ ،‬ول من العقل والرأي إل ما فاق به العالمين‪،‬‬
‫الخلق إل أتـ ّ‬
‫ل خير‪ ،‬ول ينهى إل عن ك ّ‬
‫ول يدعو إل لك ّ‬
‫ل شّر! أفبهذا يا أولي‬
‫جّنة )‪ (2‬؟! أم هو المام العظيم والناصح المبين والماجد‬
‫اللباب ِ‬
‫ن{؛‬
‫الكريم والرءوف الرحيم؟! ولهذا قال‪} :‬إن هو إل نذيٌر مبي ٌ‬
‫صل لهم الثواب‪.‬‬
‫أي‪ :‬يدعو الخلق إلى ما ُينجيهم من العذاب‪ ،‬ويح ّ‬
‫مَلكوت السموات والرض{‪:‬‬
‫}‪} {185‬أولم ينظروا في َ‬
‫فإنهم إذا نظروا إليها؛ وجدوها أدلة دالة على توحيد رّبها وعلى ما‬
‫ق‬
‫َله من صفات الكمال‪} .‬و{‪ :‬كذلك لينظروا إلى جميع }ما َ‬
‫خل َ َ‬
‫الّله من شيء{‪ :‬فإن جميع أجزاء العالم يد ّ‬
‫ل أعظم ِدللة على‬
‫سعَةِ رحمته وإحسانه ونفوذ مشيئته‬
‫علم الّله وقدرته وحكمته و َ‬
‫وغير ذلك من صفاته العظيمة الداّلة على تفّرده بالخلق والتدبير‬
‫حد‬
‫الموجبة لن يكون هو المعبود َ المحمود َ المسّبح المو ّ‬
‫جُلهم{؛ أي‪:‬‬
‫ن قد اقترب أ َ‬
‫ن عسى أن يكو َ‬
‫المحبوب‪ .‬وقوله‪} :‬وأ ْ‬
‫ب‬
‫لـيـنظروا في خصوص حالهم‪ ،‬وينظروا لنفسهم قبل أن يقتر َ‬
‫ن؛ فل يتم ّ‬
‫كنون‬
‫ت وهم في غفلةٍ معرضو َ‬
‫أجُلهم ويفجأهم المو ُ‬
‫ده يؤمنون{؛ أي‪ :‬إذا‬
‫حينئذ ٍ من استدراك الفارط‪} .‬فبأيّ حدي ٍ‬
‫ث بع َ‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬ل يشعرون«‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫ة«‪.‬‬
‫‪ -‬في )ب(‪» :‬من جن ّ ٍ‬

‫لم يؤمنوا بهذا الكتاب الجليل؛ فبأيّ حديث يؤمنون به؟! أبكتب‬
‫جال؟!‬
‫الكذب والضلل؟! أم بحديث كل مفترٍ د ّ‬
‫}‪ {186‬ولكن الضا ّ‬
‫ل ل حيلة فيه ول سبيل إلى هدايته‪،‬‬
‫ل الّله فل هاديَ له وَي َذ َُرهم في‬
‫من ي ُ ْ‬
‫ولهذا قال تعالى‪َ } :‬‬
‫ضل ِ ِ‬
‫)‪(1‬‬
‫ددون ل يخرجون منه‪،‬‬
‫ن{؛ أي‪ :‬متحّيرون ‪ ،‬يتر ّ‬
‫طغيان ِِهم يعمهو َ‬
‫ق‪.‬‬
‫ول يهتدون إلى ح ّ‬
‫ﭽ ﯯﯧﯧ ﯰﯧﯧ ﯱﯧﯧ ﯷ ﯷﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷﯷ ﯷ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿﯷ ﯷ‬
‫ﯷ ﰎﯷ ﯷ ﯷ ﰒ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ‬
‫ﯷ ﯷ ﯷﯷ ﯷ ﯷ ﰈ ﰉﯷ ﯷ ﯷ‬
‫ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛﭜ ﭝ ﭞ‬
‫ﭭ ﭮ ﭯ ﭼ‪.‬‬
‫ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ‬
‫}‪ {187‬يقول تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم‪:‬‬
‫}يسألوَنك{؛ أي‪ :‬المكذبون لك المتعّنتون }عن الساعة أيان‬
‫ح ّ‬
‫ل بالخلق؟‬
‫مْرساها{؛ أي‪ :‬متى وقتها التي تجيء به؟ ومتى ت ِ‬
‫ُ‬
‫ص بعلمها‪} ،‬ل‬
‫}قل إّنما عل ُ‬
‫مها عند ربي{؛ أي‪ :‬إنه تعالى المخت ّ‬
‫در أن تقوم‬
‫يجّليها لوقتها إل هو{؛ أي‪ :‬ل يظهرها لوقتها الذي قُ ّ‬
‫ت في السموات والرض{؛ أي‪ :‬خفي علمها على‬
‫فيه إل هو‪} .‬ث َ ُ‬
‫قل َ ْ‬
‫أهل السماوات والرض واشتد ّ أمُرها أيضا ً عليهم فهم من‬
‫ة{؛ أي‪ :‬فجأة من حيث ل‬
‫الساعة مشفقون‪} .‬ل تـأتـيكم إل ّ بغت ً‬
‫)‪(2‬‬
‫دوا لها ولم يتهيؤوا لها ‪} .‬يسألونك كأّنك‬
‫يشعرون لم يستع ّ‬
‫ي عنها{؛ أي‪ :‬هم حريصون على سؤالك عن الساعة كأنك‬
‫ح ِ‬
‫َ‬
‫ف ّ‬
‫ف عن السؤال عنها‪ ،‬ولم يعلموا أنك لكمال علمك برّبك‬
‫مستح ٍ‬
‫وما ينفعُ السؤال عنه غير مبال بالسؤال ]عنها‪ ،‬ول حريص على‬
‫م ل يقتدون بك؟ ويكفون عن الستحفاء عن هذا‬
‫ذلك‪ ،‬فَل ِ َ‬
‫السؤال[ الخالي من المصلحة المتع ّ‬
‫ي‬
‫ذر علمه؛ فإّنه ل يعلمها نب ّ‬
‫مل َ ٌ‬
‫مرس ٌ‬
‫ك مقّرب‪ ،‬وهي من المور التي أخفاها عن الخلق‬
‫ل ول َ‬
‫ن أكثر‬
‫لكمال حكمته وسعة علمه‪} .‬قل إّنما عل ُ‬
‫مها عند الّله ولك ّ‬
‫الناس ل يعلمون{‪ :‬فلذلك حرصوا على ما ل ينبغي الحرص عليه‪،‬‬
‫م‬
‫وخصوصا ً مثل حال هؤلء الذين يتركون السؤال عن اله ّ‬
‫ب عليهم من العلم‪ ،‬ثم يذهبون إلى ما ل سبيل‬
‫دعون ما يج ُ‬
‫وي َ َ‬
‫هم مطالبون بعلمه‪.‬‬
‫لحد ٍ أن يدركه ول ُ‬
‫}‪} {188‬قل ل أمل ِ ُ‬
‫ك لنفسي نفعا ً ول ضّرا{‪ :‬فإني فقير‬
‫مدّبر‪ ،‬ل يأتيني خيٌر إل من الله‪ ،‬ول ي َد ْفَعُ عني الشّر إل هو‪ ،‬وليس‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬متحيرين«‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬ولم يتهيؤوا لقيامها«‪.‬‬

‫ب‬
‫ت أعلم الغي َ‬
‫لي من العلم إل ما علمني الّله تعالى‪} .‬ولو كن ُ‬
‫سني السوُء{؛ أي‪ :‬لفعلت السباب‬
‫ت من الخير وما م ّ‬
‫لستكثر ُ‬
‫ت من ك ّ‬
‫ل ما‬
‫التي أعلم أنها تنتج لي المصالح والمنافع‪ ،‬ولحذر ُ‬
‫ه؛ لعلمي بالشياء قبل كونها‪ ،‬وعلمي بما‬
‫يفضي إلى سوٍء ومكرو ٍ‬
‫تفضي إليه‪ ،‬ولكني لعدم علمي قد ينالني ما ينالني من السوء‬
‫دنيا ومنافعها؛ فهذا أد ّ‬
‫ل دليل‬
‫وقد يفوتني ما يفوتني من مصالح ال ّ‬
‫على أني ل علم لي بالغيب‪} .‬إن أنا إل نذيٌر{‪ :‬أنذر العقوبات‬
‫الدينّية والدنيوّية والخروّية‪ ،‬وأبّين العمال الـمفضية إلى ذلك‬
‫وأح ّ‬
‫ذر منها‪ .‬وبشير بالثواب العاجل والجل‪ ،‬ببيان العمال‬
‫الموصلة إليه والترغيب فيها‪ ،‬ولكن ليس ك ّ‬
‫ل أحد ٍ يقبل هذه‬
‫البشارة والنذارة‪ ،‬وإنما ينتفع بذلك ويقبله المؤمنون‪.‬‬
‫وهذه اليات الكريمات مبّينة جهل من يقصد النبي صلى‬
‫الله عليه وسلم ويدعوه لحصول نفع أو دفع ضّر؛ فإّنه ليس بيده‬
‫من‬
‫ن لم ينفْعه الّله‪ ،‬ول يدفعُ الضّر ع ّ‬
‫شيء من المر‪ ،‬ول ينفع َ‬
‫م ْ‬
‫لم يدفْعه الّله عنه‪ ،‬ول له من العلم إل ّ ما عّلمه الّله ]تعالى[‪،‬‬
‫ن قَب ِ َ‬
‫ل ما أرسل به من البشارة والنذارة وعمل‬
‫وإنما ينفع َ‬
‫م ْ‬
‫)‪(1‬‬
‫بذلك؛ فهذا نفعه عليه السلم الذي فاق نفع الباء والمهات‬
‫والخ ّ‬
‫ذرهم عن ك ّ‬
‫ث العباد على ك ّ‬
‫ل خير‪ ،‬وح ّ‬
‫ل‬
‫لء والخوان‪ ،‬بما ح ّ‬
‫شّر‪ ،‬وبينه لهم غاية البيان واليضاح‪.‬‬
‫ﭽ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ‬
‫ﮃﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ‬
‫ﮘﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮮ‬
‫ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﭼ ‪.‬‬

‫}‪ {189‬أي‪} :‬هو الذي خلقكم{‪ :‬أيها الرجال والنساء‬
‫المنتشرون في الرض على كثرتكم وتفّرقكم‪} ،‬من نفس‬
‫م أبو البشر صلى الله عليه وسلم‪} ،‬وجعل منها‬
‫واحد ٍ‬
‫ة{‪ :‬وهو آد ُ‬
‫جها{؛ أي‪ :‬خلق من آدم زوجته حواء‪ .‬لجل أن يسكن إليها‪،‬‬
‫زو َ‬
‫لنها إذا كانت منه؛ حصل بينهما من المناسبة والموافقة ما‬
‫ن أحدهما إلى الخر‪ ،‬فانقاد ك ّ‬
‫ل منهما إلى صاحبه‬
‫يقتضي سكو َ‬
‫بزمام الشهوة‪} .‬فلما تغ ّ‬
‫در‬
‫شاها{؛ أي‪ :‬تجّللها مجامعا ً لها؛ ق ّ‬
‫ت‬
‫الباري أن يوجد من تلك الشهوة ـ وذلك الجماع ـ النسل‪ ،‬فحمل ْ‬
‫}حمل ً خفيفًا{‪ ،‬وذلك في ابتداء الحمل ل تحس به النثى ول‬
‫يثقلها‪} .‬فلما{ استمّرت ]به[ و}أثقلت{ به حين كبر في بطنها؛‬
‫فحينئذ ٍ صار في قلوبهما الشفقة على الولد وعلى خروجه حّيا‬
‫‪1‬‬

‫‪ - -‬في )ب(‪» :‬فهذا نفعه صّلى الله عليه وسّلم«‪.‬‬

‫وا }الله رّبهما لئن آت َْيتَنا{‪ :‬ولدًا‪:‬‬
‫صحيحا ً سالما ً ل آفة فيه‪ ،‬فد َع َ َ‬
‫ن من‬
‫}صالحًا{؛ أي‪ :‬صالح الخلقة تا ّ‬
‫مها ل نقص فيه‪} ،‬لنكون ّ‬
‫الشاكرين{‪.‬‬
‫مت‬
‫}‪} {190‬فلما آتاهما صالحًا{‪ :‬على وَْفق ما ط َل ََبا وت ّ‬
‫عليهما النعمة فيه‪} ،‬جعل له شركاء فيما آتاهما{؛ أي‪ :‬جعل لّله‬
‫شركاء في ذلك الولد الذي انفرد الّله بإيجاده والنعمة به وأقّر به‬
‫ما أن يسمياه بعبد غير الّله؛ كعبد‬
‫أعين والديه‪ ،‬فعّبداه لغير الّله‪ :‬إ ّ‬
‫الحارث وعبد العّزى وعبد الكعبة ونحو ذلك‪ ،‬أو يشركا في الّله‬
‫ن من النعم التي ل‬
‫ن الّله عليهما بما م ّ‬
‫في العبادة بعدما م ّ‬
‫يحصيها أحد ٌ من العباد‪ ،‬وهذا انتقا ٌ‬
‫ن‬
‫ل من النوع إلى الجنس؛ فإ ّ‬
‫أول الكلم في آدم وحواء‪ ،‬ثم انتقل ]إلى[ الكلم في الجنس‪ ،‬ول‬
‫ش ّ‬
‫ن هذا موجود في ال ّ‬
‫ذرية كثيرًا؛ فلذلك قّررهم الّله على‬
‫كأ ّ‬
‫بطلن الشرك‪ ،‬وأنهم في ذلك ظالمون أشد ّ الظلم‪ ،‬سواء كان‬
‫ن الخالق لهم من نفس‬
‫الشرك في القوال أم في الفعال؛ فإ ّ‬
‫واحدة‪ ،‬الذي خلق منها زوجها‪ ،‬وجعل لهم من أنفسهم أزواجًا‪ ،‬ثم‬
‫ضهم إلى بعض‬
‫ن بع ُ‬
‫جعل بينهم من المو ّ‬
‫دة والرحمة ما يسك ُ ُ‬
‫ّ‬
‫ويألفه ويلتذ ّ به‪ ،‬ثم هداهم إلى ما به تحصل الشهوة واللذة‬
‫ذرية في بطون المهات وقتا ً موّقتا ً‬
‫والولد والنسل‪ ،‬ثم أوجد ال ّ‬
‫م‬
‫وف إليه نفوسهم ويدعون الّله أن يخرِ َ‬
‫جه سوّيا صحيحًا‪ ،‬فأت ّ‬
‫تتش ّ‬
‫الّله عليهم النعمة‪ ،‬وأنالهم مطلوبهم‪ ،‬أفل يستحقّ أن يعبدوه ول‬
‫يشركوا به في عبادته أحدا ً ويخلصوا له الدين؟!‬
‫ن المر جاء على العكس‪ ،‬فأشركوا‬
‫}‪ 191‬ـ ‪ {192‬ولك ّ‬
‫ن‪ .‬ول يستطيعون لهم{؛ أي‪:‬‬
‫خل ُقُ شيئا ً وهم ُيـ ْ‬
‫بالّله }مال َيـ ْ‬
‫خَلقو َ‬
‫ن{‪ :‬فإذا كانت ل تخلق شيئا ً‬
‫سهم ينصرو َ‬
‫لعابديها }نصرا ً ول أنف َ‬
‫ول مثقال ذّرة‪ ،‬بل هي مخلوقة‪ ،‬ول تستطيع أن تدفع المكروه‬
‫ن هذا‬
‫دها ول عن أنفسها؛ فكيف ت ُّتخذ مع الّله آلهة؟! إ ْ‬
‫عن من يعب ُ ُ‬
‫إل أظلم الظلم وأسفه السفه‪.‬‬
‫}‪ {193‬وإن تدعوا أّيها المشركون‪ ،‬هذه الصنام التي‬
‫عبدتم من دون الّله }إلى الهدى ل يّتبعوكم سواٌء عليكم‬
‫ة منها؛‬
‫ن حال ً‬
‫ن{‪ :‬فصار النسا ُ‬
‫أدعوُتموهم أم أنتم صامتو َ‬
‫ن أحس َ‬
‫وره‬
‫لّنها ل تسمع ول تب ِ‬
‫صُر ول َتـْهدي ول ُتـهْ َ‬
‫دى‪ ،‬وكل هذا إذا تص ّ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ن‬
‫اللبيب العاقل تصورا مجردا؛ جزم ببطلن إلهيتها وسفاهة َ‬
‫م ْ‬
‫عبدها‪.‬‬
‫ﯫﯧﯧ ﯬﯧﯧ ﯭﯧﯧ ﯮﯧﯧ ﯯﯧﯧ ﯰﯧﯧ ﯱﯧﯧﯷ ﯷ‬
‫ﭽ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪﯧﯧ‬
‫ﯷ ﯷ ﯷ ﯷﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯼ ﯽﯾ ﯿ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﰈ ﰉ‬
‫ﯷ ﯷ ﯷ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭼ ‪.‬‬

‫}‪ {194‬وهذا من نوع التحدي للمشركين العابدين للوثان؛‬
‫ن الّله عباد ٌ أمثالكم{؛ أي‪:‬‬
‫ن الذين ت َ ْ‬
‫يقول تعالى‪} :‬إ ّ‬
‫دعون من دو ِ‬
‫ل فرق بينكم وبينهم؛ فكّلكم عبيد ٌ لّله مملوكون؛ فإن كنتم كما‬
‫دعوهم‬
‫تزعمون صادقين في أنها تستحقّ من العبادة شيئًا؛ }فا ْ‬
‫صلوا مطلوبكم‪ ،‬و إل ّ ؛‬
‫فليستجيبوا لكم{‪ :‬فإن استجابوا لكم وح ّ‬
‫تبيّـن أنكم كاذبون في هذه الدعوى مفترون على الّله أعظم‬
‫الفرية‪.‬‬
‫}‪ {195‬وهذا ل يحتاج إلى تبيين فيه )‪ (1‬؛ فإّنكم إذا نظرُتم‬
‫ة على أنه ليس لديها من النفع شيء‪،‬‬
‫إليها؛ وجدُتم صورتها دال ً‬
‫فليس لها أرج ٌ‬
‫ن تبصر بها‪،‬‬
‫ل تمشي بها‪ ،‬ول أيد ٍ تبطش بها‪ ،‬ول أعي ٌ‬
‫ة لجميع اللت والقوى الموجودة‬
‫ول آذان تسمع بها؛ فهي عادم ٌ‬
‫في النسان؛ فإذا كانت ل تجيبكم إذا دعوتموها؛ فهي عباد ٌ‬
‫ي‬
‫أمثالكم‪ ،‬بل أنتم أكمل منها وأقوى على كثير من الشياء؛ فل ّ‬
‫ن{؛‬
‫ن فل ُتن ِ‬
‫ظرو ِ‬
‫شيء عبدتموها؟! }قل ادعوا شركاءكم ثم كيدو ِ‬
‫أي‪ :‬اجتمعوا أنتم وشركاؤكم على إيقاع السوء والمكروه بي من‬
‫غير إمهال ول إنظار فإنكم غير بالغين لشيء من المكروه بي‪.‬‬
‫ه الذي يتو ّ‬
‫لني فيجلب لي المنافع‬
‫}‪ {196‬ل ّ‬
‫ي الل ّ ُ‬
‫ن وَل ِي ّ َ‬
‫ب{‪ :‬الذي فيه الهدى‬
‫ويدفع عني المضار‪} .‬الذي نّزل الكتا َ‬
‫والشفاء والنور‪ ،‬وهو من توّليه وتربيته لعباده الخاصة الدينّية‪.‬‬
‫}وهـو يـتـوّلـى الصالحين{‪ :‬الذين صلحت نّياتهم وأعمالهم‬
‫جهم من‬
‫ي الذين آمنوا يخرِ ُ‬
‫وأقوالهم؛ كما قال تعالى‪} :‬الل ّ ُ‬
‫ه ولـ ّ‬
‫ال ّ‬
‫ما توّلوا رّبهم‬
‫ظلمات إلى النور{؛ فالمؤمنون الصالحون لـ ّ‬
‫من ل ينفع ول يضّر؛ تو ّ‬
‫لهم‬
‫باليمان والتقوى ولم يتوّلوا غيره مـ ّ‬
‫الّله ولطف بهم وأعانهم على ما فيه الخير والمصلحة لهم في‬
‫دينهم ودنياهم ودفع عنهم بإيمانهم ك ّ‬
‫ل مكروه؛ كما قال تعالى‪:‬‬
‫ن الّله يدافِعُ عن الذين آمنوا{‪.‬‬
‫}إ ّ‬
‫ﭫ ﭬﭭ‬

‫ﭽﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ‬
‫ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭼ‪.‬‬
‫}‪ 197‬ـ ‪ {198‬وهذا أيضا ً في بيان عدم استحقاق هذه‬
‫الصنام التي يعُبدونها من دون الّله شيئا ً من العبادة؛ لنها ليس‬
‫ة ول اقتداٌر في نصر أنفسهم ول في نصر عابديها‪،‬‬
‫لها استطاع ٌ‬
‫د‪،‬‬
‫وليس لها قوة العقل والستجابة؛ فلو دعوَتها إلى الهدى؛ لم تهت ِ‬
‫ن‬
‫وهي صوٌر ل حياة فيها‪ ،‬فتراهم ينظرون إليك وهم ل يبصرو َ‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬إلى التبيين فيه«‪.‬‬

‫وروها على صور الحيوانات من الدميين أو‬
‫حقيق ً‬
‫ة؛ لنهم ص ّ‬
‫غيرهم‪ ،‬وجعلوا لها أبصارا ً وأعضاًء؛ فإذا رأيتها؛ قلت‪ :‬هذه حّية؛‬
‫فإذا تأملتها؛ عرفت أنها جمادات ل حراك بها ول حياة؛ فبأيّ رأي‬
‫ة مع الّله؟! وليّ مصلحة أو نفع عكفوا‬
‫اّتخذها المشركون آله ً‬
‫ف أن‬
‫ف هذا؛ ع ُرِ َ‬
‫عندها وتقّربوا لها بأنواع العبادات؟! فإذا ع ُرِ َ‬
‫المشركين وآلهتهم التي عبدوها ولو اجتمعوا وأرادوا أن يكيدوا‬
‫من تو ّ‬
‫له فاطر السماوات والرض متوّلـي أحوال عباده‬
‫الصالحين؛ لم يقدروا على كيده بمثقال ذّرةٍ من الشّر؛ لكمال‬
‫وة من احتمى‬
‫وة الّله واقتداره وق ّ‬
‫عجزهم وعجزها وكمال ق ّ‬
‫ُ‬
‫بجلله وتو ّ‬
‫ن إلي َ‬
‫ك‬
‫ن معنى قوله‪} :‬وَترا ُ‬
‫هم ينظرو َ‬
‫كل عليه‪ ،‬وقيل‪ :‬إ ّ‬
‫ن الضمير يعود إلى المشركين المك ّ‬
‫ذبين‬
‫وهم ل يب ِ‬
‫ن{‪ :‬إ ّ‬
‫صرو َ‬
‫لرسول الّله صلى الله عليه وسلم‪ ،‬فتحسبهم ين ُ‬
‫ظرون إليك يا‬
‫رسول الّله نظر اعتبارٍ يتبيّـن به الصادق من الكاذب‪ ،‬ولكنهم ل‬
‫سمون فيك من الجمال‬
‫سمه المتو ّ‬
‫يبصرون حقيقتك وما يتو ّ‬
‫والكمال والصدق‪.‬‬
‫ﭽﭵ ﭶ‬

‫ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭼ‪.‬‬

‫ن الخلق مع الناس وما‬
‫}‪ {199‬هذه الية جامعة ِلـ ُ‬
‫ح ْ‬
‫س ِ‬
‫م َ‬
‫ل به الناس‪ :‬أن يأخذ َ‬
‫ينبغي في معاملتهم‪ :‬فالذي ينبغي أن يعا َ‬
‫سهُ َ‬
‫ل عليهم من العمال‬
‫سهم وما َ‬
‫ت به أنف ُ‬
‫و؛ أي‪ :‬ما سمح ْ‬
‫العف َ‬
‫والخلق؛ فل يكّلفهم ما ل تسمح به طبائعهم‪ ،‬بل يش ُ‬
‫كر من ك ّ‬
‫ل‬
‫ن ذلك‪ ،‬ويتجاوُز‬
‫أحد ٍ ما قابله به من قول وفعل جميل أو ما هو دو َ‬
‫ض طرفه عن نقصهم ول يتكّبر على الصغير‬
‫رهم ويغ ّ‬
‫عن تقصي ِ‬
‫لصغره ول ناقص العقل لنقصه ول الفقير لفقره‪ ،‬بل يعامل‬
‫الجميع بالّلطف والمقابلة بما تقتضيه الحال وتنشرح له صدورهم‪.‬‬
‫ف{؛ أي‪ :‬بكل قول حسن وفعل جميل وخلق كامل‬
‫مْر بالعُْر ِ‬
‫}وأ ُ‬
‫للقريب والبعيد؛ فاجعل ما يأتي إلى الناس منك إما تعليم علم أو‬
‫حث على خير من صلة رحم أو بّر والدين أو إصلح بين الناس أو‬
‫نصيحة نافعة أو رأي مصيب أو معاونة على بّر وتقوى أو زجر عن‬
‫قبيح أو إرشاد إلى تحصيل مصلحة دينّية أو دنيوّية‪ .‬ولما كان ل بد ّ‬
‫من أذّية الجاهل؛ أمر الّله تعالى أن يقاب َ َ‬
‫ل الجاهل بالعراض عنه‬
‫وعدم مقابلته بجهله؛ فمن آذاك بقوله أو فعله؛ ل تؤذه‪ ،‬ومن‬
‫م َ‬
‫صْله‪ ،‬ومن ظلمك فاعدل فيه‪.‬‬
‫مه‪ ،‬ومن قطعك فَ ِ‬
‫َ‬
‫ك ل تحرِ ْ‬
‫حَر َ‬
‫وأما ما ينبغي أن يعام َ‬
‫ل به العبد ُ شياطين الجن؛ فقال‬
‫تعالى‪:‬‬
‫ﭽ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ‬
‫ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﭼ‪.‬‬

‫}‪ {200‬أي‪ :‬أيّ وقت وفي أيّ حال‪} ،‬ينزغّنك من الشيطان‬
‫نز ٌ‬
‫ث على‬
‫ط عن الخير أو ح ّ‬
‫غ{؛ أي‪ :‬تحس منه بوسوسةٍ وتثبي ٍ‬
‫الشّر وإيعازٍ إليه‪} ،‬فاستعذ ْ بالّله{؛ أي‪ :‬التجىء واعتصم بالّله‬
‫م{‪ :‬بنّيتك وضعفك وقوة‬
‫واحتم بحماه‪ .‬فإّنه سميعٌ لما تقول‪} ،‬علي ٌ‬
‫التجائك له فسيحميك من فتنته ويقيك من وسوسته؛ كما قال‬
‫ب الناس‪ {...‬إلى آخر السورة‪.‬‬
‫تعالى‪} :‬قل أعوذ ُ بر ّ‬
‫}‪ {201‬ولما كان العبد ُ ل بد ّ أن يغفل وينال منه الشيطان‬
‫الذي ل يزال مرابطا ً ينتظر غّرته وغفلته؛ ذكر تعالى علمة‬
‫ف‬
‫سه طائ ٌ‬
‫س بذنب وم ّ‬
‫المّتقين من الغاوين‪ ،‬وأن المّتقي إذا أح ّ‬
‫ب؛ تذ ّ‬
‫كر من أي‬
‫من الشيطان فأذنب بفعل محّرم أو ترك واج ٍ‬
‫ُ‬
‫ي ومن أيّ مدخل دخل الشيطان عليه‪ ،‬وتذ ّ‬
‫كر ما أوجب‬
‫باب أِتـ َ‬
‫الّله عليه وما عليه من لوازم اليمان‪ ،‬فأبصر‪ ،‬واستغفر الّله‬
‫تعالى‪ ،‬واستدرك ما فرط منه بالتوبة النصوح والحسنات الكثيرة‪،‬‬
‫فرد شيطانه خاسئا ً حسيرًا؛ قد أفسد عليه ك ّ‬
‫ل ما أدركه منه‪.‬‬
‫}‪ {202‬وأما إخوان الشياطين وأولياؤهم؛ فإنهم إذا وقعوا‬
‫في ال ّ‬
‫ب‪ ،‬ول‬
‫ذنوب ل يزالون يم ّ‬
‫ي ذنبا ً بعد ذن ٍ‬
‫دونهم في الغ ّ‬
‫يقصرون عن ذلك؛ فالشياطين ل تقصر عنهم بالغواء؛ لنها‬
‫طمعت فيهم حين رأتهم سلسي القياد لها وهم ل يقصرون عن‬
‫فعل الشّر‪.‬‬
‫ﭽ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭﮮﮮ ﮯ ﮰ ﮱ‬
‫ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﭼ‪.‬‬
‫}‪ {203‬أي‪ :‬ل يزال هؤلء المك ّ‬
‫ذبون لك في تعّنت وعناد‪،‬‬
‫ولو جاءتهم اليات الداّلة على الهدى والرشاد؛ فإذا جئتهم بشيء‬
‫ة{‪:‬‬
‫من اليات الداّلة على صدقك؛ لم ينقادوا‪} .‬وإذا لم تأتهم بآي ٍ‬
‫من آيات القتراح التي يعّينونها‪} ،‬قالوا لول اجتبيتها{؛ أي‪ :‬هل ّ‬
‫اخترت الية فصارت الية الفلنية أو المعجزة الفلنية‪ ،‬كأنك أنت‬
‫المنّزل لليات المدّبر لجميع المخلوقات‪ ،‬ولم يعلموا أنه ليس لك‬
‫ن المعنى[‪ :‬لول اخترعتها من نفسك‪} ،‬قل‬
‫من المر شيء‪ ،‬أو ]أ ّ‬
‫مت ّب ِعٌ مدّبر‪ ،‬والّله‬
‫ي من ربي{‪ :‬فأنا عبد ٌ ُ‬
‫إّنما أّتبع ما يوحى إلـ ّ‬
‫تعالى هو الذي ينزل اليات ويرسلها على حسب ما اقتضاه‬
‫حمده‪ ،‬وَ َ‬
‫ه حكمته البالغة؛ فإن أردتم آية ل تضمح ّ‬
‫ل على‬
‫طلب َت ْ ُ‬
‫تعاقب الوقات وحجة ل تبطل في جميع النات؛ فهذا‪ :‬القرآن‬
‫العظيم والذكر الحكيم‪.‬‬
‫}بصائُر من رّبكم{‪ :‬يستبصر به في جميع المطالب اللهّية‬
‫والمقاصد النسانّية‪ ،‬وهو الدليل والمدلول؛ فمن تف ّ‬
‫كر فيه‬

‫وتدّبره؛ علم أنه تنزي ٌ‬
‫د‪ ،‬ل يأتيه الباطل من بين‬
‫ل من حكيم حمي ٍ‬
‫جة على ك ّ‬
‫ل من بلغه‪ ،‬ولكن‬
‫يديه ول من خلفه‪ ،‬وبه قامت الح ّ‬
‫ى{ له من‬
‫أكثر الناس ل يؤمنون‪ ،‬و إل ّ ؛ فمن آمن؛ فهو }هد ً‬
‫ة{ له من الشقاء؛ فالمؤمن مهتد ٍ بالقرآن‪ ،‬مّتبع‬
‫الضلل }ورحم ٌ‬
‫ن به؛ فإنه ضا ّ‬
‫ل‬
‫له‪ ،‬سعيد ٌ في دنياه وأخراه‪ ،‬وأما من لم يؤم ْ‬
‫ي في الدنيا والخرة‪.‬‬
‫شق ّ‬
‫ﭽ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﭼ‪.‬‬

‫م في ك ّ‬
‫ل من سمع كتاب الّله يتلى؛‬
‫}‪ {204‬هذا المر عا ّ‬
‫فإنه مأمور بالستماع له والنصات‪ ،‬والفرق بين الستماع‬
‫دث أو الشتغال بما‬
‫والنصات أن النصات في الظاهر بترك التح ّ‬
‫مَعه‬
‫يشغل عن استماعه‪ ،‬وأما الستماع له؛ فهو أن ي ُل ْ ِ‬
‫ي َ‬
‫س ْ‬
‫ق َ‬
‫ن من لزم على هذين المرين‬
‫ويح ِ‬
‫ضَر قلَبه ويتدّبر ما يستمع؛ فإ ّ‬
‫حين ُيتلى كتاب الّله؛ فإنه ينال خيرا ً كثيرا ً وعلما ً غزيرا ً وإيمانا ً‬
‫مستمّرا متجددا ً وهدىً متزايدا ً وبصيرة ً في دينه‪ ،‬ولهذا رّتب الّله‬
‫حصول الرحمة عليهما‪ ،‬فد ّ‬
‫ن ُتلي عليه الكتاب‬
‫ل ذلك على أن َ‬
‫م ْ‬
‫فلم يستمع له وينصت أنه محروم الحظ من الرحمة‪ ،‬قد فاته‬
‫خيٌر كثير‪.‬‬
‫ومن أوكد ِ ما يؤمر ]به[ مستمع القرآن أن يستمعَ له‬
‫ه؛ فإّنه مأموٌر بالنصات‬
‫م ُ‬
‫ت في الصلة الجهرية إذا قرأ إما ُ‬
‫وينص َ‬
‫ن اشتغاله بالنصات أولى من‬
‫ن أكثر العلماء يقولون‪ :‬إ ّ‬
‫حتى إ ّ‬
‫قراءته الفاتحة وغيرها‪.‬‬

‫ﯯﯧﯧ ﯰﯧﯧ ﯱﯧﯧ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ‬

‫ﭽ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪﯧﯧ ﯫﯧﯧ ﯬﯧﯧ ﯭﯧﯧ ﯮﯧﯧ‬
‫ﯾ ﯿ ﭼ‪.‬‬
‫ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯼ ﯽ‬
‫}‪ {205‬الذكر لّله تعالى يكون بالقلب ويكون باللسان‬
‫ويكون بهما وهو أكمل أنواع الذكر وأحواله‪ ،‬فأمر الّله عبده‬
‫ورسوله محمدا ً أصل ً وغيره تبعا ً بذكر رّبه في نفسه؛ أي‪ :‬مخلصا ً‬
‫خاليًا‪} ،‬تضّرعًا{؛ أي‪ :‬متضرعا ً بلسانك مكّررا ً لنواع الذكر‪،‬‬
‫ج َ‬
‫ل القلب منه‬
‫خيف ً‬
‫}و ِ‬
‫ة{‪ :‬في قلبك؛ بأن تكون خائفا ً من الّله‪ ،‬وَ ِ‬
‫ً‬
‫خوفا أن يكون عملك غير مقبول‪ ،‬وعلمة الخوف أن يسعى‬
‫ويجتهد في تكميل العمل وإصلحه والنصح به‪} .‬ودون الجهر من‬
‫ت بها وابتغ‬
‫القول{ ـ؛ أي‪ :‬كن متوسطًا‪ ،‬ل تجهْر بصلتك ول تخافِ ْ‬
‫بين ذلك سبيل ً ـ }بالغدو{‪ :‬أول النهار‪} ،‬والصال{‪ :‬آخره‪ ،‬وهذان‬
‫ة على غيرهما‪} .‬ول تكن‬
‫ة وفضيل ٌ‬
‫ه[ فيهما مزي ّ ٌ‬
‫الوقتان ]لذكرِ الل ّ ِ‬
‫رموا‬
‫سوا الّله فأنساهم أن ُ‬
‫سهم؛ فإّنهم ُ‬
‫ف َ‬
‫ن{‪ :‬الذين ن َ ُ‬
‫من الغافلي َ‬
‫ح ِ‬

‫من ك ّ‬
‫ل السعادة والفوز في ذكره‬
‫خير الدنيا والخرة‪ ،‬وأعرضوا ع ّ‬
‫من ك ّ‬
‫ل الشقاوة والخيبة في الشتغال به‪.‬‬
‫وعبودّيته‪ ،‬وأقبلوا على َ‬
‫عَيها حقّ رعايتها‪،‬‬
‫وهذه من الداب التي ينبغي للعبد أن يرا ِ‬
‫وهي الكثار من ذكر الّله آناء الليل والنهار‪ ،‬خصوصا ً طرفي‬
‫النهار‪ ،‬مخلصا ً خاشعا ً متضّرعا ً متذلل ً ساكنا ً متواطئا ً عليه قلبه‬
‫دعاء وال ّ‬
‫ذكر وإحضارٍ له بقلبه‬
‫ب وَوقارٍ وإقبال على ال ّ‬
‫ولسانه بأد ٍ‬
‫ه‪.‬‬
‫لل ٍ‬
‫ن الّله ل يستجي ُ‬
‫وعدم غفلة؛ فإ ّ‬
‫ب دعاًء من قل ٍ‬
‫ب غاف ٍ‬
‫}‪ {206‬ثم ذكر تعالى أن له عبادا ً مستديمين لعبادته‪،‬‬
‫ملزمين لخدمته‪ ،‬وهم الملئكة‪ .‬فلتعلموا أن الّله ل يريد ُ أن يتكّثر‬
‫بعبادتكم من قّلة‪ ،‬ول ليتعّزز بها من ذ ِّلة‪ ،‬وإنما يريد ُ نفع أنفسكم‪،‬‬
‫ن الذين‬
‫وأن تربحوا عليه أضعاف أضعاف ما عملتم‪ ،‬فقال‪} :‬إ ّ‬
‫عند رّبك{‪ :‬من الملئكة المقّربين وحملة العرش والكروبيين‪} ،‬ل‬
‫عنون لها وينقادون لوامر رّبهم‪،‬‬
‫يستكِبرون عن عبادته{‪ :‬بل ي ُذ ْ ِ‬
‫}ويسّبحونه{‪ :‬الليل والنهار ل يفترون‪} .‬وله{ وحده ل شريك له‬
‫جدون{‪ :‬فليقت َد ِ العباد ُ بهؤلء الملئكة الكرام‪ ،‬وليداِوموا على‬
‫}يس ُ‬
‫عبادة الملك الع ّ‬
‫لم‪.‬‬
‫فف ففففف فففف ففففففف‪.‬‬
‫فف ففف‬
‫فف ففففف فففففف ففففففف‪ .‬فففف فف ف‬
‫فف ف‬
‫فففف فففف ففففف فففف‬
‫***‬

‫تفسير سورة النفال‬
‫وهي مدنية‬
‫ﭽ ﭑ ﭒ ﭓﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ‬
‫ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ‬
‫ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﭼ ‪.‬‬
‫ه لهذه المة من‬
‫}‪ {1‬النفال‪ :‬هي الغنائم التي ي ُن َ ّ‬
‫فُلها الل ّ ُ‬
‫أموال الكفار‪ .‬وكانت هذه اليات في هذه السورة قد نزلت في‬
‫صة بدٍر‪ ،‬أول غنيمة كبيرة غنمها المسلمون من المشركين‪،‬‬
‫ق ّ‬
‫ع‪ ،‬فسألوا رسو َ‬
‫ل الّله صلى‬
‫فحصل بين بعض المسلمين فيها نزا ٌ‬
‫الله عليه وسلم عنها‪ ،‬فأنزل الّله‪} :‬يسألون َ َ‬
‫ل{‪ :‬كيف‬
‫ك عن النفا ِ‬
‫ه‬
‫من ت ُ ْ‬
‫تُ ْ‬
‫م؟ }قل{‪ :‬لهم النفال لّله ورسول ِ ِ‬
‫ق َ‬
‫ق َ‬
‫س ُ‬
‫م؟ وعلى َ‬
‫س ُ‬
‫يضعاِنها حيث شاءا؛ فل اعتراض لكم على حكم الّله ورسوله‪ ،‬بل‬
‫عليكم إذا حكم الّله ورسوله أن ترضوا بحكمهما وتسّلموا المر‬
‫لهما‪ ،‬وذلك داخ ٌ‬
‫ل في قوله‪} :‬فاّتقوا الّله{‪ :‬بامتثال أوامره‬
‫ت بيِنكم{؛ أي‪ :‬أصِلحوا ما بينكم‬
‫واجتناب نواهيه‪} ،‬وأصِلحوا ذا َ‬
‫من التشاحن والتقاطع والتدابر بالتوادد والتحاب والتواصل؛‬
‫ص ُ‬
‫فبذلك تجتمع كلمُتكم ويزو ُ‬
‫ل بسبب التقاطع من‬
‫ل ما يح ُ‬
‫جر والتنازع‪.‬‬
‫صم والتشا ُ‬
‫التخا ُ‬
‫خ ُ‬
‫خُلق لهم والعفو عن‬
‫ن ال ُ‬
‫ويد ُ‬
‫ل في إصلح ذا ِ‬
‫ت البين تحسي ُ‬
‫المسيئين منهم؛ فإنه بذلك يزول كثير مما يكون في القلوب من‬
‫البغضاء والتدابر‪ ،‬والمر الجامع لذلك كله قوله‪} :‬وأطيعوا الله‬
‫ن اليمان يدعو إلى طاعة الّله‬
‫ورسوَله إن كنتم مؤمنين{‪ :‬فإ ّ‬
‫ّ‬
‫ن‪ ،‬ومن‬
‫ورسوله؛ كما أ ّ‬
‫ن من لم يطع الله ورسوله فليس بمؤم ٍ‬
‫ّ‬
‫ه لله ورسوله؛ فذلك لنقص إيمانه‪.‬‬
‫نقصت طاعت ُ ُ‬
‫ن قسمين‪ :‬إيمانا ً كامل ً يترّتب عليه‬
‫}‪ {2‬ولما كان اليما ُ‬
‫ن الكامل‪،‬‬
‫م‪ ،‬وإيمانا ً دون ذلك؛ ذ َك ََر اليما َ‬
‫المدح والثناء والفوُز التا ّ‬
‫فقال‪} :‬إنما المؤمنون{‪ :‬اللف واللم للستغراق لشرائع اليمان‪،‬‬
‫ت قلوُبهم{؛ أي‪ :‬خافت ورهبت فأوجبت‬
‫جل َ ْ‬
‫ه وَ ِ‬
‫}الذين إذا ذ ُك َِر الل ّ ُ‬
‫ن خوف الّله‬
‫لهم خشية الّله تعالى النكفا َ‬
‫ف عن المحارم؛ فإ ّ‬
‫ت‬
‫ح ُ‬
‫تعالى أكبر علماته أن ي َ ْ‬
‫جَز صاحَبه عن الذنوب‪} .‬وإذا ت ُل ِي َ ْ‬
‫ه زادتهم إيمانًا{‪ :‬ووجه ذلك أّنهم يلقون له السمع‬
‫عليهم آيات ُ ُ‬
‫ن التدّبر من‬
‫ويح ِ‬
‫ضرون قلوبهم لتدّبره؛ فعند ذلك يزيد إيمانهم؛ ل ّ‬
‫ى كانوا يجهلوَنه‬
‫أعمال القلوب‪ ،‬ولّنه ل بد ّ أ ْ‬
‫ن يبيّـن لهم معن ً‬

‫ويتذ ّ‬
‫ة في الخير‬
‫ث في قلوبهم رغب ً‬
‫حد ِ َ‬
‫كرون ما كانوا َنسوه أو ُيـ ْ‬
‫جل ً من العقوبات وازدجارا ً عن‬
‫واشتياقا ً إلى كرامة رّبهم أو وَ َ‬
‫المعاصي‪ ،‬وك ّ‬
‫ل هذا مما يزداد به اليمان‪} .‬وعلى رّبهم{‪ :‬وحده ل‬
‫شريك له }يتو ّ‬
‫مدون في قلوبهم على رّبهم في‬
‫كلون{؛ أي‪ :‬يعت َ ِ‬
‫ن الّله‬
‫جلب مصالحهم ودفع مضاّرهم الدينّية والدنيوّية‪ ،‬ويثقون بأ ّ‬
‫ل ذلك‪ ،‬والتو ّ‬
‫تعالى سيفع ُ‬
‫جد ُ‬
‫كل هو الحامل للعمال كّلها؛ فل تو َ‬
‫م ُ‬
‫ل إل به‪.‬‬
‫ول تك ْ ُ‬
‫}‪} {3‬الذين يقيمون الصلة{‪ :‬من فرائض ونوافل‪،‬‬
‫بأعمالها الظاهرة والباطنة؛ كحضور القلب فيها‪ ،‬الذي هو ُروح‬
‫ة؛‬
‫ت الواجب َ‬
‫ن{‪ :‬النفقا ِ‬
‫الصلة ول ُّبها‪} ،‬ومما رزْقناهم ينفقو َ‬
‫فارات والنفقة على الزوجات والقارب وما ملكت‬
‫كالزكوات والك ّ‬
‫أيمانهم‪ ،‬والمستحّبة؛ كالصدقة في جميع طرق الخير‪.‬‬
‫}‪} {4‬أولئك{‪ :‬الذين اّتصفوا بتلك الصفات‪} ،‬هم المؤمنون‬
‫قا{‪ :‬لنهم جمعوا بين السلم واليمان‪ ،‬بين العمال الباطنة‬
‫ح ّ‬
‫والعمال الظاهرة‪ ،‬بين العلم والعمل‪ ،‬بين أداء حقوق الّله‬
‫وحقوق عباده‪.‬‬
‫دم تعالى أعمال القلوب لّنها أص ٌ‬
‫ل لعمال الجوارح‬
‫وق ّ‬
‫ل منها‪ .‬وفيها دلي ٌ‬
‫وأفض ُ‬
‫ل على أن اليمان يزيد ُ وين ُ‬
‫ص؛ فيزيد ُ‬
‫ق ُ‬
‫دها‪ .‬وأنه ينبغي للعبد أن يتعاهَد َ إيمانه‬
‫بفعل الطاعة وين ُ‬
‫ص بض ّ‬
‫ق ُ‬
‫ّ‬
‫ص ُ‬
‫مل‬
‫وي ُْنميه‪ .‬وأ ّ‬
‫ل به ذلك تدّبر كتاب الله تعالى والتأ ّ‬
‫ن أولى ما يح ُ‬
‫ت عند‬
‫لمعانيه‪ .‬ثم ذكر ثواب المؤمنين ح ّ‬
‫قا‪ ،‬فقال‪} :‬لهم درجا ٌ‬
‫ة{‪ :‬ل ُ‬
‫ذنوبهم‪،‬‬
‫ة بحسب علوّ أعمالهم‪} .‬ومغفر ٌ‬
‫رّبهم{؛ أي‪ :‬عالي ٌ‬
‫ّ‬
‫م{‪ :‬وهو ما أعد ّ الله لهم في دار كرامته مما ل عين‬
‫}ورزقٌ كري ٌ‬
‫ر‪ .‬ود ّ‬
‫ن‬
‫ل هذا على أ ّ‬
‫ت ول أذن سمع ْ‬
‫رأ ْ‬
‫ت ول خطر على قلب بش ٍ‬
‫خ َ‬
‫ص ْ‬
‫ل الجنة؛ فلن ينال‬
‫ل إلى درجتهم في اليمان وإن د َ َ‬
‫من لم ي ِ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ة‪.‬‬
‫م ِ‬
‫ما نالوا من كرامةِ الله التا ّ‬
‫ﭽﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ‬
‫ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ‬
‫ﯥ ﯦ ﭼ‪.‬‬
‫ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ‬

‫دم تعالى أمام هذه الغزوة الكبرى المباركة الصفات التي‬
‫ق ّ‬
‫من قام بها؛ استقامت أحواُله‬
‫على المؤمنين أن يقوموا بها؛ ل ّ‬
‫ن َ‬
‫ت أعماُله‪ ،‬التي من أكبرها الجهاد في سبيله‪.‬‬
‫صل َ َ‬
‫ح ْ‬
‫و َ‬

‫ن إيمانهم هو اليمان الحقيقي وجزاءهم هو‬
‫}‪ 5‬ـ ‪ {6‬فكما أ ّ‬
‫الحقّ الذي وعدهم الّله به؛ كذلك أخرج الّله رسوله صلى الله‬
‫عليه وسلم من بيته إلى لقاء المشركين في بدرٍ بالحقّ الذي‬

‫ن كان المؤمنون لم يخط ُْر‬
‫دره وقضاه‪ ،‬وإ ْ‬
‫يحّبه الّله تعالى وقد ق ّ‬
‫ببالهم في ذلك الخروج أّنه يكون بينهم وبين عدّوهم قتا ٌ‬
‫ل؛ فحين‬
‫ع؛ جعل فريقٌ من المؤمنين يجادلون النبي‬
‫ن ذلك واق ٌ‬
‫تبيّـن لهم أ ّ‬
‫صلى الله عليه وسلم في ذلك ويكرهون لقاء عدّوهم كأّنما‬
‫ن إلى الموت وهم ين ُ‬
‫ظرون! والحال أن هذا ل ينبغي منهم‪،‬‬
‫ُيساقو َ‬
‫خصوصا ً بعدما تبّين لهم أن خروجهم بالحقّ ومما أمر الّله به‬
‫ورضيه؛ فبهذه الحال ليس للجدال فيها مح ّ‬
‫ن الجدال محّله‬
‫ل؛ ل ّ‬
‫ح وبان؛‬
‫ض َ‬
‫وفائدته عند اشتباه الحقّ والتباس المر‪ ،‬فأما إذا وَ َ‬
‫فليس إل النقياد والذعان‪ .‬هذا؛ وكثير من المؤمنين لم يجرِ منهم‬
‫من هذه المجادلة شيٌء ول كرهوا لقاء عدّوهم‪ ،‬وكذلك الذين‬
‫عاتبهم الّله انقادوا للجهاد أشد ّ النقياد‪ ،‬وثّبتهم الّله‪ ،‬وقّيض لهم‬
‫ن به قلوبهم كما سيأتي ذكُر بعضها‪.‬‬
‫من السباب ما تطمئ ّ‬
‫}‪ {7‬وكان أص ُ‬
‫ل خروجهم يتعّرضون لعير خرجت مع أبي‬
‫سفيان بن حرب لقريش إلى الشام قافلة كبيرة‪ ،‬فلما سمعوا‬
‫ي صلى الله عليه وسلم الناس‪،‬‬
‫برجوعها من الشام؛ ندب النب ّ‬
‫فخرج معه ثلثمائة وبضعة عشر رجل ً معهم سبعون بعيرا ً‬
‫ش‪،‬‬
‫يعتقبون عليها ويحملون عليها متا َ‬
‫عهم‪ ،‬فسمع بخبرهم قري ٌ‬
‫فخرجوا لمنع عيرهم في ع َد َد ٍ كثيرٍ وع ُد َد ٍ وافرة من السلح‬
‫والخيل والرجال‪ ،‬يبلغ عددهم قريبا ً من اللف‪ ،‬فوعد الّله‬
‫المؤمنين إحدى الطائفتين‪ :‬إما أن يظفروا بالعير‪ ،‬أو بالنفير‪،‬‬
‫فأحبوا العير لقّلة ذات يد المسلمين ولّنها غير ذات الشوكة‪.‬‬
‫ب لهم وأراد أمرا ً أعلى مما أحّبوا‪ ،‬أراد أن‬
‫ولكن الّله تعالى أح ّ‬
‫دهم‪.‬‬
‫يظفروا بالّنفير الذي خرج فيه كبراء المشركين وصنادي ُ‬
‫حقّ الحقّ بكلمات ِهِ فينصر أهله‪} ،‬ويقط َعَ دابَر‬
‫ه أن ي ُ ِ‬
‫فيريد الل ّ ُ‬
‫الكافرين{؛ أي‪ :‬يستأصل أه َ‬
‫ه‬
‫ل الباطل وُيري عباد َه ُ من نصرِ ِ‬
‫للحقّ أمرا ً لم يكن يخطر ببالهم‪.‬‬
‫ق{‪ :‬بما ي ُظ ْهُِر من الشواهد والبراهين على‬
‫}‪} {8‬ل ِي ُ ِ‬
‫حقّ الح ّ‬
‫طل الباطل{‪ :‬بما يقيم من الدلة والشواهد‬
‫صحته وصدقه‪} ،‬وي ُب ْ ِ‬
‫على بطلنه‪} ،‬ولو كره المجرمون{‪ :‬فل يبالي الّله بهم‪.‬‬
‫ﭽﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ‬
‫ﭢ ﭣ ﭤﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫﭬ ﭭ ﭮ ﭯ‬
‫ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ‬
‫ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ‬
‫ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮮ‬
‫ﯖ ﯗ ﯘ ﭼ‪.‬‬

‫ﭡ‬

‫ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ‬
‫ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ‬
‫ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ‬
‫ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ‬
‫ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ‬

‫ما قارب التقاؤكم‬
‫}‪ {9‬أي‪ :‬اذكروا نعمة الّله عليكم ل ّ‬
‫بعدّوكم؛ استغثُتم برّبكم وطلبُتم منه أن يعينكم وينصركم‪،‬‬
‫دكم‬
‫ن الّله أم ّ‬
‫دة أمور؛ منها‪ :‬أ ّ‬
‫}فاستجاب لكم{‪ :‬وأغاثكم بع ّ‬
‫ضهم بعضا‪ً.‬‬
‫ن{؛ أي‪ :‬ي َْرد ُ ُ‬
‫ف بع ُ‬
‫}بأل ٍ‬
‫ف من الملئكة مردفي َ‬
‫}‪} {10‬وما جعله الّله{؛ أي‪ :‬إنزال الملئكة }إل بشرى{؛‬
‫ن به قلوُبكم{‪ :‬و إل ّ ؛‬
‫أي‪ :‬لتستبشر بذلك نفوسكم‪} ،‬ولتطمئ ّ‬
‫فالنصر بيد الّله‪ ،‬ليس بكثرة ع َد َد ٍ ول ع ُد ٍَد‪} .‬إن الّله عزيٌز{‪ :‬ل‬
‫ب‪ ،‬بل هو القهار الذي يخذل من بلغوا من الكثرة‬
‫يغالُبه مغال ٌ‬
‫در المور بأسبابها‬
‫م{‪ :‬حيث ق ّ‬
‫وقوة العدد واللت ما بلغوا‪} ،‬حكي ٌ‬
‫ووضع الشياء مواضعها‪.‬‬
‫}‪ {11‬ومن نصرِهِ واستجابته لدعائكم أن أنزل عليكم‬
‫نعاسا ً }ي ُغَ ّ‬
‫هب ما في قلوبكم من الخوف‬
‫شيكم{؛ أي‪ :‬في ُذ ْ ِ‬
‫ة على النصر والطمأنينة‪.‬‬
‫ة{‪ :‬لكم وعلم ً‬
‫من َ ً‬
‫والوجل‪ ،‬ويكون }أ َ‬
‫ومن ذلك أنه أنزل عليكم من السماء مطرا ً ليطّهركم به من‬
‫خَبث‪ ،‬وليطّهركم به من وساوس الشيطان ورجزه‪،‬‬
‫دث وال َ‬
‫ح َ‬
‫ال َ‬
‫َ‬
‫ن ثبات القلب أص ُ‬
‫ل ثبات‬
‫}ول ِي َْرب ِط على قلوبكم{؛ أي‪ :‬يثّبتها؛ فإ ّ‬
‫ة‪ ،‬فلما‬
‫ة دهس ً‬
‫ت به القدام{‪ :‬فإن الرض كانت سهل ً‬
‫البدن‪} ،‬وي ُث َب ّ َ‬
‫)‪(1‬‬
‫نزل عليها المطر؛ تلّبدت‪ ،‬وثبتت به القدام‪.‬‬
‫ن الّله أوحى إلى الملئكة‪} :‬أّني معكم{‪:‬‬
‫}‪ {12‬ومن ذلك أ ّ‬
‫بالعون والنصر والتأييد‪} ،‬فثّبتوا الذين آمنوا{؛ أي‪ :‬ألقوا في‬
‫قلوبهم وألهموهم الجراءة على عدّوهم ور ّ‬
‫غبوهم في الجهاد‬
‫ب{‪ :‬الذي هو‬
‫ب الذين ك َ َ‬
‫فروا الّرع ْ َ‬
‫وفضله‪} .‬سألقي في قلو ِ‬
‫ّ‬
‫ن الله إذا ثّبت المؤمنين وألقى الرعب‬
‫أعظم جند ٍ لكم عليهم؛ فإ ّ‬
‫م‬
‫من َ َ‬
‫حه ُ ُ‬
‫في قلوب الكافرين؛ لم يقد ِرِ الكافرون على الّثبات لهم‪ ،‬و َ‬
‫الّله أكتافهم‪} ،‬فاضربوا فوقَ العناق{؛ أي‪ :‬على الرقاب‪،‬‬
‫ربوا منهم ك ّ‬
‫ب‪ :‬إما‬
‫ن{؛ أي‪ :‬مفصل‪ .‬وهذا خطا ٌ‬
‫ل بنا ٍ‬
‫}واض ِ‬
‫ه[ إليهم أن يثّبتوا الذين آمنوا فيكون في‬
‫للملئكة الذين أوحى ]الل ّ ُ‬
‫ذلك دلي ٌ‬
‫جعهم الّله‬
‫ل أّنهم باشروا القتال يوم بدر‪ ،‬أو للمؤمنين يش ّ‬
‫ويعّلمهم كيف يقتلون المشركين وأنهم ل يرحمونهم‪.‬‬
‫ه ورسوَله؛ أي‪ :‬حاربوهما‬
‫}‪ {13‬ذلك لّنهم شاّقوا الل ّ َ‬
‫ن الّله شديد‬
‫ه ورسوله فإ ّ‬
‫ق الل ّ َ‬
‫وبارزوهما بالعداوة‪} ،‬و َ‬
‫من يشاقِ ِ‬
‫العقاب{‪ :‬ومن عقابه تسلي ُ‬
‫ط أوليائه على أعدائه وتقتيلهم‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬وثبتت بها«‪.‬‬

‫ه{‪ :‬أّيها‬
‫}‪} {14‬ذلكم{‪ :‬العذاب المذكور‪َ} ،‬فذوقو ُ‬
‫ج ً‬
‫ب‬
‫ن للكافرين عذا َ‬
‫ل‪} .‬وأ ّ‬
‫المشاققون لّله ورسول ِهِ عذابا ً مع ّ‬
‫الناِر{‪.‬‬
‫وفي هذه القصة من آيات الّله العظيمة ما يد ّ‬
‫ل على أن ما‬
‫قا‪:‬‬
‫جاء به محمد ٌ صلى الله عليه وسلم رسول الّله ح ّ‬
‫هموه‪.‬‬
‫دهم وعدا ً فأنجَز ُ‬
‫ن الّله وع َ َ‬
‫منها ‪ :‬أ ّ‬
‫ن‬
‫م آي ٌ‬
‫ومنها ‪ :‬ما قال الّله تعالى‪} :‬قد كا َ‬
‫ن ل َك ُ ْ‬
‫ة في فئتي ِ‬
‫ة تقات ِ ُ‬
‫ي‬
‫الت َ َ‬
‫قتا فئ ٌ‬
‫ل في سبيل الل ّهِ وأخرى كافرة ٌ ي ََروَْنهم ِ‬
‫مث ْل َي ِْهم َرأ َ‬
‫العين‪ {...‬الية‪.‬‬
‫ومنها ‪:‬إجابة دعوة الّله للمؤمنين لما استغاثوه بما ذ َ َ‬
‫كره من‬
‫السباب‪.‬‬
‫ض‬
‫وفيها العتناُء العظيم بحال عباده المؤمنين وتقيي ُ‬
‫مهم‪ ،‬وزال عنهم‬
‫ت أقدا ُ‬
‫ت إيماُنهم‪ ،‬وثبت ْ‬
‫السباب التي بها ث َب َ َ‬
‫المكروه والوساوس الشيطانية‪.‬‬
‫سه ّ َ‬
‫ل عليه طاعته‬
‫ومنها ‪ :‬أن من لطف الّله بعبده أن ي ُ َ‬
‫ب داخلّية وخارجّية‪.‬‬
‫ويي ّ‬
‫سرها بأسبا ٍ‬
‫ﭽ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪﯧﯧ ﯫﯧﯧ ﯬﯧﯧ ﯭﯧﯧ ﯮﯧﯧ ﯯﯧﯧ‬
‫ﯰﯧﯧ ﯱﯧﯧ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﭼ ‪.‬‬

‫}‪ {15‬يأمر تعالى عباد َه ُ المؤمنين بالشجاعة اليمانّية‬
‫جْلب السباب المقوّية للقلوب‬
‫وة في أمره والسعي في َ‬
‫والق ّ‬
‫والبدان‪ ،‬ونهاهم عن الفرار إذا التقى الزحفان‪ ،‬فقال‪} :‬يا أّيها‬
‫ف القتال‬
‫م الذين ك َ َ‬
‫فروا زحفًا{؛ أي‪ :‬في ص ّ‬
‫الذين آمنوا إذا لقيت ُ ُ‬
‫وتزاحف الرجال واقتراب بعضهم من بعض‪} ،‬فل توّلوهم‬
‫ن في ذلك‬
‫جلِدهم؛ فإ ّ‬
‫الدباَر{‪ :‬بل اثُبتوا لقتال ِِهم واصِبروا على ِ‬
‫ُنصرة ً لدين الّله وقوّة ً لقلوب المؤمنين وإرهابا ً للكافرين‪.‬‬
‫من ي ُوَل ّهم يومئذ ٍ د ُب َُره ُ إل متحّرفا ً لقتال أو متحّيزا ً‬
‫}‪} {16‬و َ‬
‫ِ‬
‫ب من الّله ومأواه{؛ أي‪ :‬مقره‬
‫إلى فئةٍ فقد باء{؛ أي‪ :‬رجع }بغض ٍ‬
‫}جهّنم وبئس المصير{‪.‬‬
‫وهذا يد ّ‬
‫ل على أن الفرار من الزحف من غير عذرٍ من أكبر‬
‫)‪(1‬‬
‫ص هنا‬
‫الكبائر؛ كما وردت بذلك الحاديث الصحيحة ‪ ،‬وكما ن ّ‬
‫‪ - 1‬كما في »صحيح البخاري« )‪ ،(2766‬ومسلم )‪ (89‬من حديث أبي‬
‫هريرة رضي الله عنه قال رسول الّله صلى الله عليه وسلم‪» :‬اجتنبوا‬
‫السبع الموبقات‪ «...‬وذكر منها التولي يوم الزحف‪.‬‬

‫على وعيده بهذا الوعيد الشديد‪ .‬ومفهوم الية أن المتحّرف‬
‫ف من جهة إلى أخرى ليكون أمكن له‬
‫للقتال ـ وهو الذي ينحر ُ‬
‫في القتال وأنكى لعدّوه ـ فإنه ل بأس بذلك؛ لنه لم يو ّ‬
‫ل د ُب َُرهُ‬
‫فاّرا‪ ،‬وإنما وّلـى د ُُبره ليستعلي على عدّوه أو يأتيه من مح ّ‬
‫ل‬
‫عه بذلك أو غير ذلك من مقاصد‬
‫يصيب فيه ِغّرته أو ليخد ِ َ‬
‫المحاربين‪ .‬وأن المتحّيز إلى فئةٍ تمنعه وتعينه على قتال الكفار؛‬
‫ن ذلك جائٌز؛ فإن كانت الفئة في العسكر؛ فالمر في هذا‬
‫فإ ّ‬
‫واضح‪ ،‬وإن كانت الفئة في غير مح ّ‬
‫ل المعركة؛ كانهزام‬
‫المسلمين بين يدي الكافرين والتجائهم إلى بلد من بلدان‬
‫المسلمين أو إلى عسكرٍ آخر من عسكر المسلمين؛ فقد ورد من‬
‫ن هذا جائٌز‪ ،‬ولع ّ‬
‫آثار الصحابة ما يد ّ‬
‫ن‬
‫ل على أ ّ‬
‫ل هذا يقي ّد ُ بما إذا ظ ّ‬
‫ن النهزام أحمد ُ عاقبة وأبقى عليهم‪ ،‬أما إذا ظّنوا‬
‫المسلمون أ ّ‬
‫غلبتهم للكفار في ثباتهم لقتالهم؛ فيبعد في هذه الحال أن تكون‬
‫ي‬
‫من الحوال المر ّ‬
‫ور الفرار المنه ّ‬
‫خص فيها؛ لنه على هذا ل يتص ّ‬
‫ة‪ ،‬وسيأتي في آخر السورة تقييدها بالعدد‪.‬‬
‫عنه‪ .‬وهذه الية مطلق ٌ‬
‫ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ‬
‫ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ‬
‫ﭣﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ‬
‫ﮇ ﮈ ﮉ‬
‫ﭵﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ‬
‫ﮊ ﮋ ﭼ‪.‬‬

‫}‪ {17‬يقول تعالى لما انهزم المشركون يوم بدرٍ وقتلهم‬
‫ن الّله‬
‫المسلمو َ‬
‫وتكم‪} ،‬ولك ّ‬
‫ن‪} :‬فلم تقُتلوهم{‪ :‬بحوِلكم وق ّ‬
‫ت إذ ْ‬
‫قتلهم{‪ :‬حيث أعانكم على ذلك بما تق ّ‬
‫دم ذكره‪} ،‬وما رمي َ‬
‫ي صلى الله عليه وسلم‬
‫ن الّله رمى{‪ :‬وذلك أ ّ‬
‫رمي َ‬
‫ن النب ّ‬
‫ت ولك ّ‬
‫ت القتال دخل العريش‪ ،‬وجعل يدعو الّله‪ ،‬ويناشده في نصرته‬
‫وق َ‬
‫ة من تراب‪ ،‬فرماها في وجوه‬
‫ح ْ‬
‫فن َ ً‬
‫)‪ ، (1‬ثم خرج منه‪ ،‬فأخذ َ‬
‫المشركين‪ ،‬فأوصلها الّله إلى وجوههم‪ ،‬فما بقي منهم واحد ٌ إل ّ‬
‫ه وفمه وعينيه منها )‪ (2‬؛ فحينئذ انكسر حدهم‬
‫وقد أصاب وجهَ ُ‬
‫دهم وبان فيهم الفشل والضعف فانهزموا‪ .‬يقول تعالى‬
‫وفتر َزن ُ‬
‫ه إلى أعينهم‪ ،‬وإّنما‬
‫ت الترا َ‬
‫ب أوصلت َ ُ‬
‫وتك حين رمي َ‬
‫لنبّيه‪ :‬لس َ‬
‫ت بق ّ‬
‫ن منه بلًء‬
‫ي المؤمني َ‬
‫وتنا واقتدارنا‪} .‬وَل ِي ُب ِْلـ َ‬
‫أوصلناه إليهم بق ّ‬
‫حسنًا{؛ أي‪ :‬إن الّله تعالى قادٌر على انتصار المؤمنين من‬
‫ن‬
‫ن الله أراد أن يمتح َ‬
‫الكافرين من دون مباشرةِ قتال‪ ،‬ولك ّ‬
‫‪ - 1‬كما في »صحيح البخاري« )‪ ،(3953‬ومسلم )‪ (1763‬عن ابن عباس‪.‬‬
‫‪ - 2‬كما في »معجم الطبراني« )‪ (11/285‬عن ابن عباس قال الهيثمي )‬
‫‪» :(6/84‬رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح«‪ .‬وانظر »فقه السيرة«‬
‫للغزالي )‪ (239‬فقد صححه اللباني‪.‬‬

‫صَلهم بالجهاد إلى أعلى الدرجات وأرفع المقامات‬
‫المؤمنين ويو ِ‬
‫ويعطيهم أجرا ً حسنا ً وثوابا ً جزي ً‬
‫م{‪ :‬يسمع‬
‫ل‪} .‬إ ّ‬
‫ن الّله سميعٌ علي ٌ‬
‫تعالى ما أسّر به العبد وما أعلن‪ ،‬ويعلم ما في قلبه من النيات‬
‫ة لعلمه وحكمته‬
‫در على العباد أقدارا ً موافق ً‬
‫دها‪ ،‬فيق ّ‬
‫الصالحة وض ّ‬
‫ومصلحة عباده‪ ،‬ويجزي كل ّ بحسب نّيته وعمله‪.‬‬
‫ن كيدِ‬
‫}‪} {18‬ذلكم{‪ :‬النصر من الّله لكم‪} ،‬وأ ّ‬
‫ن الّله موه ُ‬
‫فك ّ‬
‫ل مكر وكيد يكيدون به السلم وأهله‪،‬‬
‫ضعِ ُ‬
‫م ْ‬
‫الكافرين{؛ أي‪ُ :‬‬
‫وجاع ُ‬
‫ل مكرهم محيقا ً بهم‪.‬‬
‫)‪(1‬‬

‫}‪} {19‬إن تستفتحوا{‪ :‬أّيها المشركون؛ أي‪ :‬تطلبون‬
‫من الّله أن يوقع بأسه وعذابه على المعتدين الظالمين‪} ،‬فقد‬
‫ح{‪ :‬حين أوقع الّله بكم من عـقـاب ِهِ ما كان َنكال ً لكم‬
‫جاءكم الفت ُ‬
‫وعبرة ً للمتقين‪} .‬وإن تنتهوا{‪ :‬عن الستفتاح }فهو خيٌر لكم{‪:‬‬
‫ج ْ‬
‫ة‪} .‬وإن تعودوا{‪ :‬إلى‬
‫ل لكم النقم ُ‬
‫لّنه رّبما أمهلكم ولم ت ُعَ ّ‬
‫د{‪ :‬في نصرهم عليكم‪،‬‬
‫الستفتاح وقتال حزب الّله المؤمنين }ن َعُ ْ‬
‫ي عنكم فئُتكم{؛ أي‪ :‬أعوانكم وأنصاركم الذين تحاربون‬
‫}ولن ت ُغْن ِ َ‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫ن الله مع المؤمنين{‪ :‬ومن‬
‫وتقاتلون معتمدين عليهم شيئا‪} .‬وأ ّ‬
‫كان الّله معه؛ فهو المنصور‪ ،‬وإن كان ضعيفا ً قليل ً عدده‪.‬‬
‫وهذه المعّية التي أخبر الّله أنه يؤّيد بها المؤمنين تكون‬
‫بحسب ما قاموا به من أعمال اليمان؛ فإذا أديل العدوّ على‬
‫المؤمنين في بعض الوقات؛ فليس ذلك إل تفريطا ً من المؤمنين‬
‫وعـدم قيام ٍ بواجب اليمان ومقتضاه‪ ،‬و إل ّ ؛ فلو قاموا بما أمر‬
‫الّله به من ك ّ‬
‫ة انهزاما ً مـسـتقّرا ول‬
‫ه؛ لما انهزم لهم راي ٌ‬
‫ل وج ٍ‬
‫أِدي َ‬
‫ل عليهم عدّوهم أبدًا‪.‬‬
‫ﭽﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ‬
‫ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﭼ‪.‬‬
‫}‪ {20‬لما أخبر تعالى أنه مع المؤمنين؛ أمرهم أن يقوموا‬
‫بمقتضى اليمان الذي يدركون معي َّته‪ ،‬فقال‪} :‬يا أّيها الذين آمنوا‬
‫وا‬
‫أطيعوا الل ّ َ‬
‫رهما واجتنا ِ‬
‫ب نهِيهما‪} .‬ول ت َوَل ّ ْ‬
‫ه ورسوَله{‪ :‬بامتثال أم ِ‬
‫عنه{؛ أي‪ :‬عن هذا المر الذي هو طاعة الّله وطاعة رسوله‪،‬‬
‫ن{‪ :‬ما ُيتلى عليكم من كتاب الّله وأوامره‬
‫}وأنتم تسمعو َ‬
‫ووصاياه ونصائحه؛ فتوّليكم في هذه الحال من أقبح الحوال‪.‬‬
‫مْعنا وهم ل يسمعون{؛‬
‫}‪} {21‬ول تكونوا كالذين قالوا س ِ‬
‫أي‪ :‬ل تكتفوا بمجّرد ِ الدعوى الخالية التي ل حقيقة لها؛ فإنها حالة‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬تطلبوا«‪.‬‬

‫ن بالتمّني والتحّلـي‪ ،‬ولكّنه‬
‫ل يرضاها الّله ول رسوله‪ ،‬فليس اليما ُ‬
‫دقته العمال‪.‬‬
‫ما وَقََر في القلوب‪ ،‬وص ّ‬
‫ﭽﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ‬
‫ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﭼ‪.‬‬

‫ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓﯔ ﯕ‬

‫فذ ْ‬
‫ن لم ت ُ ِ‬
‫ن شّر الدوا ّ‬
‫}‪ {22‬يقول تعالى‪} :‬إ ّ‬
‫ب عند الله{‪َ :‬‬
‫م ْ‬
‫م{‪ :‬عن استماع الحق‪} ،‬البكم{‪:‬‬
‫ص ّ‬
‫فيهم اليات والنذر‪ ،‬وهم }ال ّ‬
‫ن{‪ :‬ما ينفعهم ويؤثروَنه على ما‬
‫عن النطق به‪} ،‬الذين ل يعقلو َ‬
‫(‬
‫‪1‬‬
‫)‬
‫ن الّله‬
‫يضّرهم؛ فهؤلء شّر عند الّله من شرار الدواب ؛ ل ّ‬
‫أعطاهم أسماعا ً وأبصارا ً وأفئدة ليستعملوها في طاعة الّله‪،‬‬
‫فاستعملوها في معاصيه‪ ،‬وعدموا بذلك الخير الكثير؛ فإّنهم كانوا‬
‫بصدد أن يكونوا من خيار البرّية‪ ،‬فأبوا هذا الطريق‪ ،‬واختاروا‬
‫لنفسهم أن يكونوا من شّر البرّية‪ .‬والسمعُ الذين نفاه الّله عنهم‬
‫جة؛ فقد قامت‬
‫سمعُ المعنى المؤّثر في القلب‪ ،‬وأما سمعُ الح ّ‬
‫جة الّله تعالى عليهم بما سمعوه من آياته‪.‬‬
‫ح ّ‬
‫}‪ {23‬وإنما لم ُيسمْعهم السماع َ النافع؛ لّنه لم يعلم فيهم‬
‫صُلحون به لسماع آياته‪} .‬ولو علم الّله فيهم خيرا ً‬
‫خيرا ً ي َ ْ‬
‫مَعهم{‪ :‬على الفرض والتقدير‪} ،‬ل َت َوَّلوا{‪ :‬عن‬
‫مَعهم ولو أس َ‬
‫لس َ‬
‫ن{‪ :‬ل التفات لهم إلى الحقّ بوجه من‬
‫الطاعة }وهم معرضو َ‬
‫ل على أن الّله تعالى ل يمنع اليمان والخير إل ّ‬
‫الوجوه‪ .‬وهذا دلي ٌ‬
‫لمن ل خير فيه الذي ل يزكو لديه ول يثمُر عنده‪ ،‬وله الحمد تعالى‬
‫والحكمة في هذا‪.‬‬
‫ﭽ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪﯧﯧ ﯫﯧﯧ ﯬﯧﯧ ﯭﯧﯧ ﯮﯧﯧ‬
‫ﯱﯧﯧ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷﯷ ﯷ ﯷ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﭼ ‪.‬‬

‫ﯯﯧﯧ ﯰﯧﯧ‬

‫}‪ {24‬يأمر تعالى عباده المؤمنين بما يقتضيه اليمان منهم‪،‬‬
‫وهو الستجابة لّله وللرسول؛ أي‪ :‬النقياد لما أمرا به والمبادرة‬
‫إلى ذلك والدعوة إليه‪ ،‬والجتناب لما نهيا عنه والنكفاف عنه‬
‫م لكل‬
‫والنهي عنه‪ .‬وقوله‪} :‬إذا دعاكم لما ُيحييكم{‪ :‬وص ٌ‬
‫ف ملز ٌ‬
‫ن لفائدته وحكمته؛ فإن حياة القلب‬
‫ما دعا الّله ورسوله إليه وبيا ٌ‬
‫والروح بعبودّية الّله تعالى ولزوم طاعته وطاعة رسوله على‬
‫الدوام‪ .‬ثم ح ّ‬
‫ذر عن عدم الستجابة لّله وللرسول‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫دوا أمر‬
‫ن الّله َيحول بين المرء وقلب ِ ِ‬
‫ه{‪ :‬فإياكم أن تر ّ‬
‫}واعلموا أ ّ‬
‫الّله أول ما يأتيكم‪ ،‬فُيحال بينكم وبينه إذا أردتموه بعد ذلك‪،‬‬
‫وتختلف قلوبكم؛ فإن الّله َيحو ُ‬
‫ل بين المرء وقلبه؛ يقّلب القلوب‬
‫‪1‬‬

‫دواب«‪.‬‬
‫‪ -‬في )ب(‪» :‬من جميع ال ّ‬

‫حيث شاء‪ ،‬ويصّرفها أّنى شاء‪ ،‬فليكثرِ العبد من قول‪ :‬يا مقّلب‬
‫ف قلبي‬
‫ت قلبي على دينك‪ .‬يا مصّرف القلوب! اصر ْ‬
‫القلوب! ثب ّ ْ‬
‫)‪(1‬‬
‫ب‬
‫إلى طاعتك ‪} .‬وأّنه إليه ُتحشرون{؛ أي‪ُ :‬تجمعون ليوم ل ري َ‬
‫فيه‪ ،‬فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بعصيانه‪.‬‬
‫ة{‪:‬‬
‫ن الذين ظلموا منكم خاص ً‬
‫}‪} {25‬واّتقوا فتن ً‬
‫ة ل ُتصيب َ ّ‬
‫بل تصيب فاعل ال ّ‬
‫ظلم وغيره‪ ،‬وذلك إذا ظهر الظلم فلم يغّير؛‬
‫م الفاعل وغيره‪ .‬وتقوى هذه الفتنة بالنهي عن‬
‫فإ ّ‬
‫ن عقوبته تع ّ‬
‫م ّ‬
‫كنوا من المعاصي‬
‫المنكر وقمع أهل الشّر والفساد وأن ل ي ُ َ‬
‫وال ّ‬
‫ن الّله شديد ُ العقاب{‪ :‬لمن‬
‫ظلم مهما أمكن‪} .‬واعلموا أ ّ‬
‫ب رضاه‪.‬‬
‫تعّرض لمساخط ِهِ وجان َ‬
‫ﭽﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ‬
‫ﭣ ﭤ ﭼ‪.‬‬
‫}‪ {26‬يقول تعالى ممتّنا على عباده في نصرهم بعد الذ ّّلة‬
‫قّلة وإغنائهم بعد العيلة‪} :‬واذ ُ‬
‫كروا إذ أنتم قلي ٌ‬
‫ل‬
‫وتكثيرهم بعد ال ِ‬
‫ضَعفون في الرض{؛ أي‪ :‬مقهورون تحت حكم غيركم‪،‬‬
‫مست َ ْ‬
‫ف ُ‬
‫س{؛ أي‪ :‬يأخذونكم‪} ،‬فآواكم وأّيدكم‬
‫خط ّ َ‬
‫}تخافون أن ي َت َ َ‬
‫كم النا ُ‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫بنصرِهِ وَرَزَقكم من الطّيبات{‪ :‬فجعل لكم بلدا تأوون إليه‪،‬‬
‫وانتصر من أعدائكم على أيديكم‪ ،‬وغنمتم من أموالهم ما كنتم به‬
‫م‬
‫ن{‪ :‬الّله على ِ‬
‫أغنياء‪} ،‬لعّلكم تشكرو َ‬
‫من ّت ِهِ العظيمة وإحسانه التا ّ‬
‫بأن تعبدوه‪ ،‬ول تشركوا به شيئًا‪.‬‬
‫ﭽﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ‬
‫ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ‪.‬‬
‫دوا ما ائتمنهم الّله‬
‫}‪ {27‬يأمر تعالى عباده المؤمنين أن يؤ ّ‬
‫ن المانة قد عرضها الّله على‬
‫عليه من أوامره ونواهيه؛ فإ ّ‬
‫ن منها‬
‫ف ْ‬
‫مْلنها وأش َ‬
‫ح ِ‬
‫ن أن ي َ ْ‬
‫ق َ‬
‫السماوات والرض والجبال فأب َي ْ َ‬
‫ن إّنه كان ظلوما ً جهو ً‬
‫ق‬
‫ل؛ فمن أ ّ‬
‫وحملها النسا ُ‬
‫دى المانة؛ استح ّ‬
‫دها‪ ،‬بل خانها؛ استحقّ العقاب‬
‫من الّله الثواب الجزيل‪ ،‬ومن لم يؤ ّ‬
‫الوبيل‪ ،‬وصار خائنا ً لّله وللرسول ولمانته‪ ،‬منقصا ً لنفسه بكونه‬
‫اّتصفت نفسه بأخس الصفات وأقبح الشيات‪ ،‬وهو الخيانة‪ ،‬مفوتا ً‬
‫لها أكمل الصفات وأتمها‪ ،‬وهي المانة‪.‬‬

‫‪ - 1‬كما في »المسند« )‪ ،(3/112‬والترمذي )‪ ،(2140‬وابن ماجه )‪،(3834‬‬
‫وصححه اللباني في »السنة« لبن أبي عاصم )‪ (225‬ولفظ‪» :‬يا مصرف‬
‫القلوب اصرف قلبي على طاعتك« عند مسلم )‪ (6254‬باختلف يسير‪.‬‬

‫حنا ً بأمواله وأولده‪ ،‬فربما حمله‬
‫مت َ َ‬
‫}‪ {28‬ولما كان العبد م ْ‬
‫ه )‪ (1‬ذلك على تقديم هوى نفسه على أداء أمانته؛ أخبر الّله‬
‫محّبت ُ‬
‫ة يبتلي الّله بهما عباده‪ ،‬وأنها عارّية‬
‫ن الموال والولد فتن ٌ‬
‫تعالى أ ّ‬
‫ّ‬
‫ن الله عنده أجٌر‬
‫دى لمن أعطاها وترد ّ لمن است َوْد َ َ‬
‫عها‪} .‬وأ ّ‬
‫ستؤ ّ‬
‫م{‪ :‬فإن كان لكم عق ٌ‬
‫ي؛ فآِثروا فضله العظيم على ل ّ‬
‫ذة‬
‫عظي ٌ‬
‫ل ورأ ٌ‬
‫ن بين الشياء‪ ،‬ويؤث ُِر أولها‬
‫صغيرةٍ فانيةٍ مضمحل ّ ٍ‬
‫ة؛ فالعاقل يوازِ ُ‬
‫قها بالتقديم‪.‬‬
‫باليثار وأح ّ‬
‫ﭽ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ‬

‫ﮏ ﭼ‪.‬‬

‫}‪ {29‬امتثا ُ‬
‫ل العبد لتقوى ربه عنوان السعادة وعلمة‬
‫الفلح‪ ،‬وقد رّتب الّله على التقوى من خير الدنيا والخرة شيئا ً‬
‫ة أشياء‪ ،‬ك ّ‬
‫ل‬
‫من اّتقى الّله؛ حصل له أربع ُ‬
‫كثيرًا‪ ،‬فذكر هنا أ ّ‬
‫ن َ‬
‫فرقان‪ ،‬وهو العلم‬
‫واحد ٍ منها خيٌر من الدنيا وما فيها‪ :‬الول ‪ :‬ال ُ‬
‫والهدى الذي يفّرق به صاحبه بين الهدى والضلل والحقّ والباطل‬
‫والحلل والحرام وأهل السعادة من أهل الشقاوة‪ .‬الثاني والثالث‬
‫‪ :‬تكفير السيئات ومغفرة الذنوب‪ ،‬وكل واحد منهما داخ ٌ‬
‫ل في‬
‫سر تكفير السيئات بال ّ‬
‫ذنوب‬
‫الخر عند الطلق‪ ،‬وعند الجتماع يف ّ‬
‫الصغائر‪ ،‬ومغفرة الذنوب بتكفير الكبائر‪ .‬الرابع ‪ :‬الجر العظيم‬
‫ب الجزيل لمن اّتقاه وآثر رضاه على هوى نفسه‪} .‬والّله‬
‫والثوا ُ‬
‫ذو الفضل العظيم{‪.‬‬
‫ﭽﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ‬
‫ﮡ ﮢ ﭼ‪.‬‬

‫ﮗ ﮘ‬

‫ﮙﮚ ﮛ ﮜ ﮝﮞ ﮟ ﮠ‬

‫ن الّله بك )‪ (2‬عليك‪،‬‬
‫}‪ {30‬أي‪} :‬و{ اذكر أّيها الرسول ما َ‬
‫م ّ‬
‫مك ُُر بك الذين كفروا{‪ :‬حين تشاور المشركون في دار‬
‫}إذ ي َ ْ‬
‫ي صلى الله عليه وسلم‪ :‬إما أن ي ُث ِْبتوه‬
‫الندوة فيما يصنعون بالنب ّ‬
‫عندهم بالحبس ويوِثقوه‪ ،‬وإما أن يقتلوه فيستريحوا بزعمهم من‬
‫جلوه من ديارهم؛ فك ّ‬
‫ل أبدى من هذه‬
‫رجوه وُيـ ْ‬
‫شّره! وإما أن يخ ِ‬
‫الراء رأيا ً رآه‪ ،‬فاتفق رأُيهم على رأي رآه شريرهم أبو جهل لعنه‬
‫الّله‪ ،‬وهو أن يأخذوا من ك ّ‬
‫ل قبيلةٍ من قبائل قريش فتى‪ ،‬ويعطوه‬
‫ه في‬
‫سيفا ً صارمًا‪ ،‬ويقتله الجميع ِقتل َ‬
‫ة رجل واح ٍ‬
‫م ُ‬
‫د؛ ليتفّرق د ُ‬
‫ه‪ ،‬فل يقدرون على مقاومة‬
‫م بديت ِ ِ‬
‫القبائل‪ ،‬فيرضى بنو هاشم ث َ ّ‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬محبة«‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫‪ -‬كذا في النسختين‪ .‬والصواب‪» :‬به«‪.‬‬

‫)‪(1‬‬
‫صدوا للنبي صلى الله عليه وسلم في الليل‬
‫جميع قريش ‪ ،‬فتر ّ‬
‫ج‬
‫ليوقعوا به إذا قام من فراشه‪ ،‬فجاءه الوحي من السماء‪ ،‬و َ‬
‫خَر َ‬
‫عليهم‪ ،‬فَذ َّر على رؤوسهم التراب وخرج‪ ،‬وأعمى الّله أبصارهم‬
‫ت وقال‪ :‬خّيبكم الّله! قد خرج‬
‫عنه‪ ،‬حتى إذا استبطؤوه؛ جاءهم آ ٍ‬
‫ب! فنفض ك ّ‬
‫ل منهم التراب ]عن[‬
‫محمد ٌ وذ َّر على رؤوسكم الترا َ‬
‫ن له في الهجرة إلى‬
‫)‪ (2‬رأسه )‪ ، (3‬ومنع الّله رسوَله منهم‪ ،‬وأذ ِ َ‬
‫المدينة‪ ،‬فهاجر إليها‪ ،‬وأّيده الّله بأصحابه المهاجرين والنصار‪،‬‬
‫ولم يزل أمره يعلو حتى دخل مكة عنوة ً وقَهََر أهلها فأذعنوا له‬
‫مهِ بعد أن خرج مستخفيا ً منهم خائفا ً على‬
‫وصاروا تحت حك ِ‬
‫ب‪ .‬وقوله‪:‬‬
‫نفسه؛ فسبحان اللطيف بعبده الذي ل يغالبه مغال ٌ‬
‫ﭽ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮮﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ‬
‫ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪﯧﯧ ﯫﯧﯧ ﯬﯧﯧ ﯭﯧﯧ ﯮﯧﯧ‬
‫ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ‬
‫ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ‬
‫ﯯﯧﯧ ﯰﯧﯧﯱﯧﯧ ﯷ ﯷ‬
‫ﭚ ﭛ ﭜ ﭝﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭼ ‪.‬‬

‫}‪ {31‬يقول تعالى في بيان عناد المك ّ‬
‫ذبين للرسول صلى‬
‫الله عليه وسلم‪} :‬وإذا ت ُْتلى عليهم آياُتنا{‪ :‬الداّلة على صدق ما‬
‫قْلنا مثل هذا إن هذا‬
‫مْعنا لو نشاء ل َ ُ‬
‫س ِ‬
‫جاء به الرسول‪} ،‬قالوا قد َ‬
‫إل أساطيُر الّولين{‪ :‬وهذا من عنادهم وظلمهم؛ و إل ّ ؛ فقد‬
‫داهم الّله أن يأتوا بسورة من مثله‪ ،‬ويدعوا من استطاعوا من‬
‫تح ّ‬
‫دون الّله‪ ،‬فلم يقدروا على ذلك‪ ،‬وتبيّـن عجزهم؛ فهذا القول‬
‫الصادر من هذا القائل مجّرد دعوى ك ّ‬
‫ذبه الواقع‪ ،‬وقد علم أنه‬
‫ي‪ ،‬ل يقرأ‪ ،‬ول يكتب‪ ،‬ول رحل ليدرس‬
‫صلى الله عليه وسلم أم ّ‬
‫من أخبار الولين‪ ،‬فأتى بهذا الكتاب الجليل الذي ل يأتيه الباطل‬
‫من بين يديه ول من خلفه تنزي ٌ‬
‫د‪.‬‬
‫ل من حكيم حمي ٍ‬
‫م إن كان هذا{‪ :‬الذي يدعو إليه‬
‫}‪} {32‬وإذ ْ قالوا الله ّ‬
‫د‪} ،‬هو الحقّ من عندك فأمط ِْر علينا حجارة ً من السماء أو‬
‫محم ٌ‬
‫ب أليم{‪ :‬قالوه على وجه الجزم منهم بباطلهم‪ ،‬والجهل‬
‫ائِتنا بعذا ٍ‬
‫بما ينبغي من الخطاب؛ فلو أّنهم إذا قاموا على باطلهم من‬
‫ن‬
‫الشبه والتمويهات ما أوجب لهم أن يكونوا على بصيرةٍ ويقي ٍ‬
‫ن كان هذا هو‬
‫دعى أن الحقّ معه‪ :‬إ ْ‬
‫منه قالوا لمن ناظ ََرهم وا ّ‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬سائر قريش«‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫‪ -‬كذا في )ب( وفي ) أ (‪» :‬على رأسه«‪.‬‬

‫‪ - 3‬مرسل عن محمد بن كعب القرظي‪ ،‬انظر »السيرة النبوية« للدكتور‬
‫أكرم ضياء العمري )‪ ،(1/207‬و )الطبقات( لبن سعد )‪.(1/228‬‬

‫هدنا له؛ لكان أولى لهم وأستر لظلمهم؛ فمذ‬
‫الحقّ من عندك؛ فا ِ‬
‫علم‬
‫م إن كان هذا هو الحقّ من عندك‪ {...‬الية؛ ُ‬
‫قالوا‪} :‬الله ّ‬
‫بمجّرد قولهم أنهم السفهاء الغبياء الجهلة الظالمون‪.‬‬
‫ة‪،‬‬
‫}‪ {33‬فلو عاجلهم الّله بالعقاب؛ لما أبقى منهم باقي ً‬
‫ب بسبب وجود الرسول بين‬
‫ولكّنه تعالى د َفَعَ عنهم العذا َ‬
‫أظهرهم‪ ،‬فقال‪} :‬وما كان الّله ل ِي ُعَذ َّبهم وأنت فيهم{‪ :‬فوجوده‬
‫ة لهم من العذاب‪،‬‬
‫من َ ٌ‬
‫صلى الله عليه وسلم ]بين أظهرهم[ أ َ‬
‫وكانوا مع قولهم هذه المقالة التي يظِهرونها على رؤوس الشهاد‬
‫ن الّله‬
‫يدرون ب ُ‬
‫قبحها‪ ،‬فكانوا يخافون من وقوعها فيهم‪ ،‬فيستغفرو َ‬
‫(‬
‫‪1‬‬
‫)‬
‫ن{‪:‬‬
‫تعالى؛ فلهذا قال ‪} :‬وما كان الّله لي ُعَذ َّبهم وهم يستغفرو َ‬
‫ت أسباُبه‪.‬‬
‫فهذا مانعٌ يمنع من وقوع العذاب بهم بعدما انعقد ْ‬
‫}‪ {34‬ثم قال‪} :‬وما لهم أن ل يعذ َّبهم الّله{؛ أي‪ :‬أيّ شيء‬
‫ب ذلك؟ وهو صد ّ الناس‬
‫ج ُ‬
‫يمنُعهم من عذاب الّله وقد فعلوا ما يو ِ‬
‫دهم النبي صلى الله عليه وسلم‬
‫عن المسجد الحرام‪ ،‬خصوصا ً ص ّ‬
‫وأصحابه الذين هم أولى به منهم‪ ،‬ولهذا قال‪} :‬وما كانوا{؛ أي‪:‬‬
‫ن الضمير يعود إلى الّله؛ أي‪:‬‬
‫المشركون‪} ،‬أولياءه{‪ُ :‬يحتمل أ ّ‬
‫أولياء الّله‪ ،‬ويحتمل أن يعود إلى المسجد الحرام؛ أي‪ :‬وما كانوا‬
‫أولى به من غيرهم‪} .‬إن أولياؤ ُه ُ إل المّتقون{‪ :‬وهم الذين آمنوا‬
‫بالّله ورسوله وأفردوا الّله بالتوحيد والعبادة وأخلصوا له الدين‪.‬‬
‫دعوا لنفسهم أمرا ً غيُرهم‬
‫ن{‪ :‬فلذلك ا ّ‬
‫ن أكثرهم ل يعلمو َ‬
‫}ولك ّ‬
‫أولى به‪.‬‬
‫ﭽﭨ ﭩ‬

‫ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ‬

‫ﭵ‬

‫ﭶ ﭼ‪.‬‬

‫م فيه‬
‫}‪ {35‬يعني‪ :‬أن الّله تعالى إنما جعل بيته الحرام ليقا َ‬
‫ص له فيه العبادة؛ فالمؤمنون هم الذين قاموا بهذا‬
‫ديُنه وُتـ ْ‬
‫خل َ َ‬
‫دون عنه؛ فما كان صلُتهم‬
‫المر‪ ،‬وأما هؤلء المشركون الذين يص ّ‬
‫ة{؛ أي‪:‬‬
‫مكاًء وتصدي ً‬
‫فيه‪ ،‬التي هي أكبر أنواع العبادات }إل ّ ُ‬
‫صفيرا ً وتصفيقًا؛ فع َ‬
‫ل الجهلة الغبياء‪ ،‬الذين ليس في قلوبهم‬
‫م لرّبهم ول معرفة بحقوقه ول احترام لفضل البقاع‬
‫تعظي ٌ‬
‫وأشرفها؛ فإذا كانت هذه صلتهم فيه؛ فكيف ببقّية العبادات؟!‬
‫فبأيّ شيء كانوا أولى بهذا البيت من المؤمنين‪ ،‬الذين هم في‬
‫صلتهم خاشعون‪ ،‬والذين هم عن اللغو معرضون؟!‪ ...‬إلى آخر ما‬
‫وصفهم الّله به من الصفات الحميدة والفعال السديدة ل جرم‬
‫كنهم منه‪ ،‬وقال ]لهم[ بعدما م ّ‬
‫أورثهم الّله بيته الحرام وم ّ‬
‫كن لهم‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬فيستغفرون الله‪ ،‬قال تعالى«‪.‬‬

‫قَربوا‬
‫س فل ي َ ْ‬
‫فيه‪} :‬يا أّيها الذين آمنوا إّنما المشركون ن َ َ‬
‫ج ٌ‬
‫ب بما‬
‫م بعد عامهم هذا{‪ ،‬وقال هنا‪} :‬فذوقوا العذا َ‬
‫المسجد َ الحرا َ‬
‫كنُتم تكفرون{‪.‬‬
‫ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ‬
‫ﭽﭷ ﭸ ﭹ‬
‫ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ‬
‫ﮋ‬
‫ﮉ ﮊ‬
‫ﮚ ﮛ ﮜ ﮝﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﭼ ‪.‬‬
‫}‪ {36‬يقول تعالى مبينا ً لعداوة المشركين وكيدهم‬
‫ومكرهم ومبارزتهم لّله ولرسوله وسعيهم في إطفاء نوره‬
‫ن وبا َ‬
‫رهم سيعود عليهم‪ ،‬ول َيحيقُ المكر‬
‫وإخماد كلمت ِ ِ‬
‫ه‪ ،‬وأ ّ‬
‫ل مك ِ‬
‫َ‬
‫دوا‬
‫ص ّ‬
‫سيئ إل ّ بأهله‪ ،‬فقال‪} :‬إ ّ‬
‫ال ّ‬
‫ن الذين كفروا ينفقون أموالهم ل ِي َ ُ‬
‫ق‪ ،‬وينصروا الباطل‪ ،‬وي َب ْط ُ َ‬
‫ل‬
‫عن سبيل الّله{؛ أي‪ :‬ليبطلوا الح ّ‬
‫ن عبادة الوثان‪.‬‬
‫توحيد ُ الرحمن‪ ،‬ويقو َ‬
‫م دي ُ‬

‫ف عليهم‪،‬‬
‫خ ّ‬
‫درون هذه النفقة‪ ،‬وت َ ِ‬
‫}فسينفقونها{؛ أي‪ :‬فسيص ِ‬
‫سكهم بالباطل‪ ،‬وشدة بغضهم للحق‪ ،‬ولكنها ستكون }عليهم‬
‫لتم ّ‬
‫ة وخزيا ً وذ ّ‬
‫ل‪} ،‬ثم ي ُغَْلبون{‪ :‬فتذهب أموالهم‬
‫ة{؛ أي‪ :‬ندام ً‬
‫حسر ً‬
‫ملوا‪ ،‬ويع ّ‬
‫ذبون في الخرة أشد ّ العذاب‪ ،‬ولهذا قال‪} :‬والذين‬
‫وما أ ّ‬
‫كفروا إلى جهّنم ُيحشرون{؛ أي‪ :‬يجمعون إليها ليذوقوا عذابها‪،‬‬
‫وذلك لّنها دار الخبث والخبثاء‪.‬‬
‫ث من الطيب‪ ،‬ويجع َ‬
‫ل‬
‫}‪ {37‬والله تعالى يريد أن َيميز الخبي َ‬
‫ك ّ‬
‫صه‪ ،‬فيجعل الخبيث بعضه على‬
‫ل واحدةٍ على ِ‬
‫حد َةٍ وفي دار تخ ّ‬
‫ه جميعا فيجعله‬
‫م ُ‬
‫بعض من العمال والموال والشخاص‪} ،‬فَي َْرك ُ َ‬
‫في جهنم أولئك هم الخاسرون{‪ :‬الذين خسروا أنفسهم وأهليهم‬
‫يوم القيامة‪ ،‬أل ذلك هو الخسران المبين‪.‬‬
‫ﭽ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ‬
‫ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪﯧﯧ ﯫﯧﯧ ﯬﯧﯧﯭﯧﯧ ﯮﯧﯧ ﯯﯧﯧ ﯰﯧﯧ‬
‫ﯱﯧﯧ ﯷ ﭼ ‪.‬‬

‫ه كفُر العباد ول‬
‫}‪ {38‬هذا من لطفه تعالى بعباده؛ ل يمنعُ ُ‬
‫عوهم إلى طريق الرشاد والهدى‬
‫استمراُرهم في العناد من أن يد ُ‬
‫وينهاهم عما ُيـهْل ِ ُ‬
‫ي والّردى‪ ،‬فقال‪} :‬قل للذين‬
‫كهم من أسباب الغ ّ‬
‫كفروا إن َينَتهوا{‪ :‬عن كفرهم‪ ،‬وذلك بالسلم لّله وحده ل شريك‬
‫ف{‪ :‬منهم من الجرائم‪} .‬وإن يعودوا{‪:‬‬
‫له‪} ،‬ي ُغْ َ‬
‫سل َ َ‬
‫فْر لهم ما قد َ‬
‫ة الولين{‪ :‬بإهلك المم‬
‫سن ّ ُ‬
‫ت ُ‬
‫رهم وعنادهم‪} ،‬فقد مض ْ‬
‫إلى كف ِ‬
‫ذبة؛ فلينتظروا ما ح ّ‬
‫المك ّ‬
‫ل بالمعاندين؛ فسوف يأتيهم أنباُء ما‬
‫ه للمك ّ‬
‫ذبين‪.‬‬
‫كانوا به يستهزئون‪ .‬فهذا خطاب ُ ُ‬

‫ما خطابه للمؤمنين عندما أمرهم بمعاملة‬
‫}‪ {39‬وأ ّ‬
‫ة{؛ أي‪ :‬شر ٌ‬
‫ن فتن ٌ‬
‫ك وصد ّ‬
‫الكافرين؛ فقال‪} :‬وقاتلوهم حتى ل تكو َ‬
‫ن كّله لّله{‪:‬‬
‫ن ال ّ‬
‫عن سبيل الّله‪ ،‬ويذعنوا لحكام السلم‪} .‬ويكو َ‬
‫دي ُ‬
‫فهذا المقصود من القتال والجهاد لعداء الدين‪ :‬أن ي ُد ْفَعَ شّرهم‬
‫خلقَ الخلق له‪ ،‬حتى‬
‫ب عن دين الّله الذي َ‬
‫عن الدين‪ ،‬وأن ي ُذ َ ّ‬
‫يكون هو العالي على سائر الديان‪} .‬فإن انتهوا{‪ :‬عن ما هم‬
‫ن الّله بما يعملون بصير{‪ :‬ل تخفى عليه‬
‫عليه من الظلم‪} ،‬فإ ّ‬
‫ة‪.‬‬
‫منهم خافي ٌ‬
‫}‪} {40‬وإن توّلوا{‪ :‬عن الطاعة‪ ،‬وأوضعوا في الضاعة‪،‬‬
‫ن الّله مولكم نعم المولى{‪ :‬الذي يتوّلـى عباده‬
‫}فاعلموا أ ّ‬
‫)‪(1‬‬
‫ص ُ‬
‫سر لهم منافعهم الدينّية‬
‫المؤمنين‪ ،‬ويو ِ‬
‫ل إليهم مصالحهم ويي ّ‬
‫جار‬
‫صُرهم فيدفع عنهم كيد َ الف ّ‬
‫والدنيوّية‪} .‬ونعم النصيُر{‪ :‬الذي ين ُ‬
‫ف عليه‪،‬‬
‫من كان الّله موله وناصره؛ فل خو ٌ‬
‫وتكالب الشرار‪ ،‬و َ‬
‫ن كان الّله عليه؛ فل عّز له ول قائمة له‪.‬‬
‫و َ‬
‫م ْ‬
‫ﭽﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ‬
‫ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ‬
‫ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ‬
‫ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﭼ ‪.‬‬
‫}‪ {41‬يقول تعالى‪} :‬واعلموا أّنما غنمُتم من شيٍء{؛ أي‪:‬‬
‫ن لّله‬
‫أخذتم من مال الكفار قهرا ً بحقّ قليل ً كان أو كثيرًا‪} ،‬فأ ّ‬
‫سه{؛ أي‪ :‬وباقيه لكم أيها الغانمون؛ لنه أضاف الغنيمة‬
‫ُ‬
‫م َ‬
‫خـ ُ‬
‫إليهم‪ ،‬وأخرج منها خمسها‪ ،‬فد ّ‬
‫ل على أن الباقي لهم‪ُ ،‬يقسم على‬
‫م‪،‬‬
‫ما قسمه رسول الّله صلى الله عليه وسلم‪ :‬للراجل سه ٌ‬
‫وللفارس سهمان لفرسه وسهم له‪ ،‬وأما هذا الخمس؛ فيقسم‬
‫صَرف في مصالح المسلمين‬
‫خمسة أسهم‪ :‬سه ٌ‬
‫م لّله ولرسوله ي ُ ْ‬
‫ن الّله جعله له ولرسوله‪ ،‬واللهّ‬
‫العامة من غير تعيين لمصلحة؛ ل ّ‬
‫م أنه لعباد الّله؛ فإذا لم يعّين الّله له‬
‫ورسوله غنّيان عنه‪ ،‬فعُل ِ َ‬
‫مصرفًا؛ د ّ‬
‫صرَِفه للمصالح العامة‪ .‬والخمس الثاني ‪:‬‬
‫ل على أن َ‬
‫م ْ‬
‫لذي القربى‪ ،‬وهم قرابة النبي صلى الله عليه وسلم من بني‬
‫ن العلة‬
‫هاشم وبني المطلب‪ ،‬وأضافه الّله إلى القرابة دليل ً على أ ّ‬
‫فيه مجّرد القرابة‪ ،‬فيستوي فيه غنّيهم وفقيرهم ذكرهم وأنثاهم‪.‬‬
‫والخمس الثالث ‪ :‬لليتامى‪ ،‬وهم الذين فقدت آباؤهم وهم صغاٌر‪،‬‬
‫ة بهم‪ ،‬حيث كانوا عاجزين عن‬
‫جعل الّله لهم ُ‬
‫س الخمس رحم ً‬
‫خـ ُ‬
‫م َ‬
‫قد َ من يقوم بمصالحهم‪ .‬والخمس الرابع‬
‫القيام بمصالحهم‪ ،‬وقد فُ ِ‬
‫‪1‬‬

‫سُر«‪.‬‬
‫‪ -‬في )ب(‪» :‬وت ُي َ ّ‬

‫‪ :‬للمساكين؛ أي‪ :‬المحتاجين الفقراء من صغار وكبار ذكور وإناث‪.‬‬
‫والخمس الخامس ‪ :‬لبن السبيل‪ ،‬و]هو[ )‪ (1‬الغريب المنقط َعُ به‬
‫ج‬
‫في غير بلده‪ ،‬وبعض المفسرين يقول‪ :‬إن خمس الغنيمة ل يخُر ُ‬
‫عن هذه الصناف‪ ،‬ول يلزم أن يكونوا فيه على السواء‪ ،‬بل ذلك‬
‫ت َب َعٌ للمصلحة‪ ،‬وهذا هو الولى‪.‬‬
‫مس على وجهه شرطا ً لليمان‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫وجعل الّله أداء الـ ُ‬
‫خ ُ‬
‫}إن ُ‬
‫دنا يوم الفرقان{‪ :‬وهو‬
‫كنتم آمنُتم بالّله وما أنزْلنا على عب ِ‬
‫ق‬
‫يوم بدٍر‪ ،‬الذي فّرق الّله به بين الحقّ والباطل‪ ،‬وأظهر الح ّ‬
‫ن{‪ :‬جمع المسلمين وجمع‬
‫وأبطل الباطل‪} .‬يوم التقى الجمعا ِ‬
‫الكافرين؛ أي‪ :‬إن كان إيماُنكم بالّله وبالحقّ الذي أنزله الّله على‬
‫رسوله يوم الفرقان الذي حصل فيه من اليات والبراهين ما د ّ‬
‫ل‬
‫ق‪} .‬والّله على ك ّ‬
‫ل شيء قدير{‪ :‬ل‬
‫على أن ما جاء به هو الح ّ‬
‫يغالبه أحد ٌ إل غلبه‪.‬‬
‫دنيا{؛ أي‪ :‬بعُد َْوة الوادي القريبة‬
‫}‪} {42‬إذ أنتم بالعُد ْوَةِ ال ّ‬
‫من المدينة‪ .‬وهم بعدوته؛ أي‪ :‬جانبه البعيدة من المدينة؛ فقد‬
‫د‪} .‬والركب{‪ :‬الذي خرجُتم لطلبه‪ ،‬وأراد الّله‬
‫جمعكم واد ٍ واح ٌ‬
‫غيره }أسف َ‬
‫ل منكم{‪ :‬مما يلي ساحل البحر‪} .‬ولو تواعدُتم{‪:‬‬
‫أنتم وإّياهم على هذا الوصف وبهذه الحال‪} ،‬لختلفُتم في‬
‫خر أو اختيار منزل أو غير ذلك‬
‫دم أو تـأ ّ‬
‫الميعاِد{؛ أي‪ :‬ل بد ّ من تق ّ‬
‫(‬
‫‪2‬‬
‫)‬
‫ه‬
‫ن‪ :‬الل ّ َ‬
‫مما يعرض لكم أو لهم يصد ُُفكم عن ميعادهم ‪ .‬ولك ّ‬
‫ي الله أمرا كان مفعول{؛ أي‪:‬‬
‫جمعكم على هذه الحال‪} ،‬ل ِي َ ْ‬
‫ق ِ‬
‫ض َ‬
‫ن هَل َ َ‬
‫مقدرا ً في الزل ل بد ّ من وقوعه‪} .‬ل ِي َهْل ِ َ‬
‫ك عن بّينة{؛‬
‫ك َ‬
‫م ْ‬
‫جة وبّينة للمعاند‪ ،‬فيختار الكفر على بصيرة وجزم‬
‫أي‪ :‬ليكون ح ّ‬
‫ة{؛‬
‫ي عن بّين ٍ‬
‫ن َ‬
‫ببطلنه‪ ،‬فل يبقى له عذٌر عند الّله‪} .‬ويحيا َ‬
‫ح ّ‬
‫م ْ‬
‫أي‪ :‬يزداد المؤمن بصيرة ً ويقينا ً بما أرى الّله الطائفتين من أدّلة‬
‫ع‬
‫الحقّ وبراهينه ما هو تذكرة لولي اللباب‪} .‬وإن الّله لسمي ٌ‬
‫م{‪ :‬سميعٌ لجميع الصوات باختلف الّلغات على تفّنن‬
‫علي ٌ‬
‫م بالظواهر والضمائر والسرائر والغيب والشهادة‪.‬‬
‫الحاجات‪ ،‬علي ٌ‬
‫ﭽ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬﮭ ﮮﮮ ﮯ‬
‫ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ‬
‫ﭼ‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫‪ -‬كذا في )ب(‪ ،‬وفي ) أ (‪» :‬هم«‪ .‬والصواب ما أثبت‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬عن ميعادكم«‪.‬‬

‫}‪ {43‬وكان الّله قد أرى رسوَله المشركين في الرؤيا‬
‫العدو قلي ً‬
‫ل‪ ،‬فب ّ‬
‫شر بذلك أصحابه‪ ،‬فاطمأّنت قلوُبهم وثبتت‬
‫أفئدتهم‪} .‬ولو أرا َ‬
‫ت بذلك أصحابك‪،‬‬
‫ه كثيرًا{‪ :‬فأخبر َ‬
‫كهم الل ّ ُ‬
‫م على‬
‫}ل َ َ‬
‫ف ِ‬
‫شل ُْتم ول ََتناَزع ُْتم في المر{‪ :‬فمنكم من يرى القدا َ‬
‫قتالهم ومنكم من ل يرى ذلك‪ ،‬والتنازع مما يوجب الفشل )‪، (1‬‬
‫)‪(2‬‬
‫صدور{؛‬
‫ن الّله سّلم{؛ أي‪ :‬لطف بكم‪} .‬إّنه علي ٌ‬
‫م بذات ال ّ‬
‫}ولك ّ‬
‫ّ‬
‫جَزع وصدق وكذب‪ ،‬فعلم الله من قلوبكم‬
‫أي‪ :‬بما فيها من ثبات و َ‬
‫ما صار سببا ً للطفه وإحسان ِهِ بكم وصدق رؤيا رسوله‪ ،‬فأرى الّله‬
‫المؤمنين عدّوهم قليل ً في أعينهم‪ ،‬ويقّللكم يا معشر المؤمنين‬
‫مك ّ‬
‫في أعينهم؛ فك ّ‬
‫ل‬
‫ل من الطائفتين ترى الخرى قليلة؛ ل ِت ُ ْ‬
‫قد ِ َ‬
‫ه أمرا ً كان مفعو ً‬
‫ل{‪ :‬من نصر‬
‫ي الل ّ ُ‬
‫منهما على الخرى‪} .‬ليقض َ‬
‫المؤمنين‪ ،‬وخذلن الكافرين‪ ،‬وقتل قادتهم ورؤساء الضلل منهم‪،‬‬
‫دهم إذا‬
‫سر بعد ذلك انقيا ُ‬
‫ولم ي َب ْقَ منهم أحد ٌ له اسم يذكر‪ ،‬فيتي ّ‬
‫ن الّله‬
‫ُ‬
‫دعوا إلى السلم‪ ،‬فصار أيضا ً لطفا ً بالباقين‪ ،‬الذين َ‬
‫م ّ‬
‫جعُ المور{؛ أي‪ :‬جميع أمور‬
‫عليهم بالسلم‪} .‬وإلى الّله ت ُْر َ‬
‫م في‬
‫جعُ إلى الّله‪َ ،‬فيميُز الخبي َ‬
‫ث من الطيب‪ ،‬ويحك ُ‬
‫الخلئق ت َْر ِ‬
‫ور فيه ول ظلم‪.‬‬
‫الخلئق بحكمه العادل الذي ل َ‬
‫ج ْ‬
‫ﭽ ﯩ ﯪﯧﯧ ﯫﯧﯧ ﯬﯧﯧ ﯭﯧﯧ ﯮﯧﯧ ﯯﯧﯧ ﯰﯧﯧ ﯱﯧﯧ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ‬
‫ﭖ ﭗ ﭘﭙ ﭚﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ‬
‫ﭪ ﭫ ﭬ ﭭﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ‬
‫ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ‬
‫ﮓ ﮔ ﮕﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤﮥ ﮦ ﮧ‬
‫ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮮ ﭼ ‪.‬‬
‫ة{؛ أي‪:‬‬
‫}‪ {45‬يقول تعالى‪} :‬يا أّيها الذين آمنوا إذا َلقيُتم فئ ً‬
‫ملوا الصبر‬
‫طائفة من الكفار تقاتلكم‪} ،‬فاثُبتوا{‪ :‬لقتالها‪ ،‬واستع ِ‬
‫وحبس النفس على هذه الطاعة الكبيرة‪ ،‬التي عاقبُتها العّز‬
‫والنصر‪ ،‬واستعينوا على ذلك بالكثار من ذكر الّله‪} .‬لعّلكم‬
‫تفلحون{؛ أي‪ :‬تدركون ما تطلبون من النتصار على أعدائكم؛‬
‫فالصبُر والثبات والكثار من ذ ِ ْ‬
‫كر الّله من أكبر السباب للنصر‪.‬‬
‫}‪} {46‬وأطيعوا الّله ورسوله{‪ :‬في استعمال ما أمرا به‬
‫والمشي خلف ذلك في جميع الحوال‪} ،‬ول تنازعوا{‪ :‬تنازعا ً‬
‫ب‬
‫ب تشُتت القلوب وتفرقها‪} ،‬فتفشلوا{؛ أي‪ :‬تجُبنوا‪} ،‬وتذه َ‬
‫ج ُ‬
‫يو ِ‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬ومنكم من ل يرى ذلك‪ ،‬فوقع من الختلف والتنازع«‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬فلطف«‪.‬‬

‫حكم{؛ أي‪ :‬تنح ّ‬
‫عدتم به‬
‫ل عزائمكم وُتفّرقُ قوتكم وي ُْرفَعُ ما وُ ِ‬
‫ري ُ‬
‫سكم على‬
‫من النصر على طاعة الّله ورسوله‪} ،‬واصبروا{‪ :‬نفو َ‬
‫ن الّله مع الصابرين{‪ :‬بالعون والنصر والتأييد‪.‬‬
‫طاعة الّله‪} .‬إ ّ‬
‫}‪ {47‬واخشعوا لربكم واخضعوا له‪} ،‬ول تكونوا كالذين‬
‫دون عن سبيل الّله{؛‬
‫َ‬
‫خَرجوا من ديارهم بطرا ً وِرئاَء الناس ويص ّ‬
‫أي‪ :‬هذا مقصدهم الذي خرجوا إليه‪ ،‬وهذا الذي أبرزهم من‬
‫دياِرهم؛ لقصد ِ ال َ‬
‫شرِ والبطر في الرض‪ ،‬وليراهم الناس ويفخروا‬
‫دوا عن سبيل الّله من‬
‫لديهم‪ ،‬والمقصود العظم أنهم خرجوا ليص ّ‬
‫أراد سلوكه‪} .‬والّله بما يعملون محي ٌ‬
‫ط{‪ :‬فلذلك أخبركم‬
‫بمقاصدهم‪ ،‬وح ّ‬
‫ذركم أن تشّبهوا بهم؛ فإنه سيعاقبهم على ذلك‬
‫ه الّله تعالى‪،‬‬
‫ن قص ُ‬
‫دكم في خروجكم وج َ‬
‫أشد ّ العقوبة‪ ،‬فليك ْ‬
‫ط الّله‬
‫س َ‬
‫خ ِ‬
‫وإعلء دين الّله‪ ،‬والصد ّ عن الطرق الموصلة إلى َ‬
‫ب الناس إلى سبيل الّله القويم الموصل لجنات‬
‫وعقاب ِ ِ‬
‫جذ ْ َ‬
‫ه‪ ،‬و َ‬
‫النعيم‪.‬‬
‫سنها في‬
‫ن لهم الشيطان أعمالهم{‪ :‬ح ّ‬
‫}‪} {48‬وإذ زي ّ َ‬
‫م من الناس{‪ :‬فإنكم‬
‫قلوبهم ]وخدعهم[‪} ،‬وقال ل غال َ‬
‫م اليو َ‬
‫ب لك ُ‬
‫في ع َد َدٍ وع ُد َد ٍ وهيئةٍ ل يقاومكم فيها محمد ٌ ومن معه‪} .‬وإني جاٌر‬
‫ن إبليس قد‬
‫من تخشون غائلته؛ ل ّ‬
‫لكم{‪ :‬من أن يأتيكم أحد ٌ مـ ّ‬
‫جعْ ُ‬
‫شم المدلجي‪،‬‬
‫دى لقريش في صورة سراقة بن مالك بن ُ‬
‫تب ّ‬
‫وكانوا يخافون من بني مدلج لعداوةٍ كانت بينهم‪ ،‬فقال لهم‬
‫حْردٍ‬
‫سهم وأتوا على َ‬
‫الشيطان‪ :‬أنا جاٌر لكم! فاطمأنت نفو ُ‬
‫ت الفئتان{‪ :‬المسلمون والكافرون‪ ،‬فرأى‬
‫ن‪ .‬فلما }تراء ِ‬
‫قادري َ‬
‫الشيطان جبري َ‬
‫ل عليه السلم ي ََزع الملئكة؛ خاف خوفا ً شديدًا‪،‬‬
‫}ونكص على عقبيه{؛ أي‪ :‬ولى مدبرًا‪} ،‬وقال{‪ :‬لمن خدعهم‬
‫وغرهم‪} :‬إني بريء منكم إني أرى ما ل ترون{؛ أي‪ :‬أرى‬
‫الملئكة الذين ل يدان لحد بقتالهم؛ }إني أخاف الله{؛ أي‪:‬‬
‫جَلني بالعقوبة في الدنيا‪} ،‬والله شديد العقاب{‪.‬‬
‫أخاف أن يعا ِ‬
‫ومن المحتمل أن يكون الشيطان ]قد[ سوّ َ‬
‫ل لهم‪ ،‬ووسوس‬
‫ب لهم اليوم من الناس وأّنه جار لهم‪،‬‬
‫في صدورهم أّنه ل غال َ‬
‫دهم؛ نكص عنهم‪ ،‬وتبّرأ منهم؛ كما قال تعالى‪:‬‬
‫فلما أوردهم موارِ َ‬
‫فَر قال إّنـي بريٌء‬
‫ما ك َ َ‬
‫ن اك ُ‬
‫فْر فل ّ‬
‫}ك َ َ‬
‫مَثل الشيطان إذ ْ قال للنسا ِ‬
‫ن عاقِب َت َُهما أّنهما في الناِر‬
‫منك إني أخا ُ‬
‫ب العالمين فكا َ‬
‫هر ّ‬
‫ف الل ّ َ‬
‫خال ِد َْين فيها وذلك جزاء الظالمين{‪.‬‬
‫ض{؛‬
‫}‪} {49‬إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مر ٌ‬
‫أي‪ :‬ش ّ‬
‫ة من ضعفاء اليمان للمؤمنين حين أقدموا مع‬
‫ك وشبه ٌ‬
‫قّلتهم على قتال المشركين مع كثرتهم‪} :‬غّر هؤلء ديُنهم{؛ أي‪:‬‬

‫ن الذي هم عليه هذه الموارد التي ل يدان لهم بها ول‬
‫أوردهم الدي ُ‬
‫ة لهم بها‪ ،‬يقولونه احتقارا ً لهم واستخفافا ً لعقولهم‪ ،‬وهم‬
‫استطاع َ‬
‫ب لصاحبه‬
‫ن اليمان يوج ُ‬
‫والّله الخفاُء عقول ً الضعفاُء أحلمًا؛ فإ ّ‬
‫م عليها الجيوش العظام؛‬
‫القدام على المور الهائلةِ التي ل يقد ِ ُ‬
‫ن المؤمن المتو ّ‬
‫ل ول‬
‫فإ ّ‬
‫كل على الّله الذي يعلم أنه ما من حو ٍ‬
‫ن الخلق لو اجتمعوا‬
‫قوةٍ ول استطاعةٍ لحد ٍ إل بالّله تعالى‪ ،‬وأ ّ‬
‫ة؛ لم ينفعوه‪ ،‬ولو اجتمعوا على‬
‫كّلهم على نفع شخص بمثقال ذّر ٍ‬
‫أن يضّروه؛ لم يضّروه؛ إل بشيٍء قد كتبه الّله عليه‪ ،‬وعلم أّنه‬
‫م في ك ّ‬
‫دره وقضاه؛‬
‫ل ما ق ّ‬
‫م رحي ٌ‬
‫ق‪ ،‬وأن الّله تعالى حكي ٌ‬
‫على الح ّ‬
‫ً‬
‫ة‪ ،‬وكان واثقا برّبه‬
‫فإّنه ل يبالي بما أقدم عليه من قوّةٍ وكثر ٍ‬
‫مطمئن القلب ل فزعا ً ول جبانًا‪ ،‬ولهذا قال‪} :‬ومن يتوك ّ ْ‬
‫ل على‬
‫م{‪ :‬فيما قضاه‬
‫ب قوَته قو ٌ‬
‫ن الّله عزيٌز{‪ :‬ل يغال ِ ُ‬
‫الّله فإ ّ‬
‫ة‪} .‬حكي ٌ‬
‫وأجراه‪.‬‬

‫ﭽ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ‬
‫ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷﯷ ﯷ ﯷ ﯷ‬
‫ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪﯧﯧ ﯫﯧﯧﯬﯧﯧ ﯭﯧﯧ ﯮﯧﯧ ﯯﯧﯧﯰﯧﯧ ﯱﯧﯧ‬
‫ﯷ ﯼ ﯽ ﭼ‪.‬‬
‫}‪ {50‬يقول تعالى‪} :‬ولو ترى{‪ :‬الذين كفروا بآيات الّله‬
‫ة الموكلون بقبض أرواحهم وقد اشتد بهم‬
‫حين توّفاهم الملئك ُ‬
‫ههم وأدباَرهم{‪:‬‬
‫ربون وجو َ‬
‫القلق وعظم كربهم والملئكة }يض ِ‬
‫)‪(1‬‬
‫صية على‬
‫يقولون لهم‪ :‬أخرجوا أنفسكم! ونفو ُ‬
‫سهم متمّنعة متع ّ‬
‫الخروج؛ لعلمها ما أمامها من العذاب الليم‪ .‬ولهذا قال‪} :‬وذوقوا‬
‫ب الحريق{؛ أي‪ :‬العذاب الشديد المحرق‪.‬‬
‫عذا َ‬
‫}‪ {51‬ذلك العذاب حصل لكم غير ظلم ول جور من ربكم‪،‬‬
‫دمت أيديكم من المعاصي التي أثرت لكم ما‬
‫وإنما هو بما ق ّ‬
‫أثرت‪.‬‬
‫ن دأب‬
‫}‪ {52‬وهذه سنة الّله في الولين والخرين؛ فإ ّ‬
‫هؤلء المك ّ‬
‫ذبين؛ أي‪ :‬سنتهم وما أجرى الّله عليهم من الهلك‬
‫بذنوبهم‪} ،‬كدأب آل فرعون والذين من قبلهم{‪ :‬من المم‬
‫خ َ‬
‫ن‬
‫ت الّله فأ َ‬
‫المكذبة‪} ،‬كفروا بآيا ِ‬
‫ذهم الّله{‪ :‬بالعقاب }بذنوبهم إ ّ‬
‫ة‬
‫جُزه أحد ٌ يريد أخذه‪} .‬ما من داب ّ ٍ‬
‫الّله قويّ شديد العقاب{‪ :‬ل يع ِ‬
‫إل هو آخذ ٌ بناصيتها{‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬مستعصية«‪.‬‬

‫ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞﭟ ﭠ ﭡ ﭢ‬
‫ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴﭵ ﭶ‬
‫ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧﭨ ﭩ ﭪ ﭫﭬ ﭭ‬
‫ﭸ ﭹ ﭼ‪.‬‬
‫ﭷ‬
‫)‪(1‬‬
‫}‪} {53‬ذلك{‪ :‬العذاب الذي أوقعه الّله بالمم المك ّ‬
‫ذبة‬
‫وأزال عنهم ما هم فيه من الّنعم والنعيم بسبب ذنوبهم وتغييرهم‬
‫ة أنعمها على قوم{‪:‬‬
‫ن }الّله لم يكن مغّيرا ً نعم ً‬
‫ما بأنفسهم‪ ،‬فإ ّ‬
‫دهم منها إن ازدادوا له‬
‫دنيا‪ ،‬بل يبقيها ويزي ُ‬
‫دين وال ّ‬
‫من نعم ال ّ‬
‫شكرًا‪} ،‬حتى يغّيروا ما بأنفسهم{‪ :‬من الطاعة إلى المعصية‪،‬‬
‫دلوا بها كفرًا‪ ،‬فيسل ُُبهم إّياها ويغّيرها عليهم‬
‫فيكفروا نعمة الّله‪ ،‬ويب ّ‬
‫كما غيروا ما بأنفسهم‪ ،‬ولّله الحكمة في ذلك والعدل والحسان‬
‫إلى عباده )‪ (2‬؛ حيث لم يعاقبهم إل ّ ب ُ‬
‫ب قلوب‬
‫جذ َ َ‬
‫ظلمهم‪ ،‬وحيث َ‬
‫ن الّله‬
‫أوليائه إليه بما يذيقُ العباد من الّنكال إذا خالفوا أمره‪} .‬وأ ّ‬
‫م{‪ :‬يسمع جميعَ ما نطق به الناطقون‪ ،‬سواٌء من أسّر‬
‫سميعٌ علي ٌ‬
‫القول ومن جهر به‪ .‬ويعلم ما تنطوي عليه الضمائُر وتخفيه‬
‫ه‪ ،‬وجرت‬
‫م ُ‬
‫السرائُر‪ ،‬فُيجري على عباده من القدار ما اقتضاه عل ُ‬
‫ه‪.‬‬
‫به مشيئت ُ ُ‬
‫}‪} {54‬كدأب آل فرعون{؛ أي‪ :‬فرعون وقومه‪} ،‬والذين‬
‫ذبوا بآيات رّبهم{‪ :‬حين جاءتهم‪} ،‬فأهْل َ ْ‬
‫من قبلهم ك ّ‬
‫كناهم‬
‫ل فرعون وك ّ‬
‫ذنوبهم{‪ :‬كل بحسب جرمه‪} ،‬وأغ َْرقنا آ َ‬
‫ب ُ‬
‫ل{‪ :‬من‬
‫المهَلكين المع ّ‬
‫ذبين }كانوا ظالمين{‪ :‬لنفسهم ساعين في‬
‫خ َ‬
‫جرم اقترفوه؛ فليحذِر‬
‫م الّله ول أ َ‬
‫ذهم بغير ُ‬
‫مهُ ُ‬
‫هلكها‪ ،‬لم يظل ْ‬
‫المخا َ‬
‫ح ّ‬
‫ل الّله بهم من عقابه‬
‫طبون أن يشابهوهم في الظلم‪ ،‬في ُ ِ‬
‫ما أح ّ‬
‫ل بأولئك الفاسقين‪.‬‬

‫ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ‬
‫ﭽﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ‬
‫)‪(3‬‬
‫ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﭼ ‪.‬‬
‫}‪ 55‬ـ ‪ {56‬هؤلء الذين جمعوا هذه الخصا َ‬
‫ل الثلث ـ الكفر‬
‫وعدم اليمان والخيانة ـ بحيث ل يثُبتون على عهد ٍ عاهدوه ول‬
‫ب عند الّله{‪ :‬فهم شّر من الحمير‬
‫قول قالوه هم }شّر الدوا ّ‬
‫ن الخير معدوم منهم‪ ،‬والشّر متوّقع فيهم‪.‬‬
‫والكلب وغيرها؛ ل ّ‬

‫‪1‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬المكذبين«‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬على عباده«‪.‬‬

‫‪3‬‬

‫‪ -‬في النسختين‪» :‬يتقون«‪.‬‬

‫}‪ {57‬فإ ْ‬
‫قهم هو المتعّين؛ لئل ّ يسري‬
‫ب هؤلء ومح ُ‬
‫ذها ُ‬
‫ب{؛ أي‪:‬‬
‫ق َ‬
‫ما ت َث ْ َ‬
‫داؤهم لغيرهم‪ ،‬ولهذا قال‪} :‬فإ ّ‬
‫فن ُّهم في الحر ِ‬
‫ق‪.‬‬
‫تجدّنهم في حال المحاربة؛ بحيث ل يكون لهم عهد ٌ وميثا ٌ‬
‫فهم{؛ أي‪ :‬ن ّ‬
‫}ف َ‬
‫كل بهم غيرهم‪ ،‬وأوقِعْ بهم من‬
‫ن خل َ‬
‫شّرد ْ بهم َ‬
‫م ْ‬
‫(‬
‫‪1‬‬
‫)‬
‫العقوبة ما يصيرون عبرة ً لمن بعدهم‪} ،‬لعّلهم{؛ أي‪ :‬من‬
‫خلفهم ]يتقون[ )‪ (2‬صنيعهم؛ لئل ّ يصيبهم ما أصابهم‪ .‬وهذه من‬
‫ب‬
‫فوائد العقوبات والحدود المرّتبة على المعاصي أنها سب ٌ‬
‫لزدجار من لم يعمل المعاصي بل وزجرا ً لمن عملها أن ل‬
‫ن الكافر ولو كان‬
‫دها‪ .‬ودل تقييد ُ هذه العقوبة في الحرب أ ّ‬
‫يعاوِ َ‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫ي عهدا؛ ل يجوز خيانته‬
‫كثير الخيانة سريع الغدر؛ أنه إذا أع ْط ِ َ‬
‫وعقوبته‪.‬‬
‫ﭽﮝ ﮞ ﮟ‬

‫ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ‬

‫ﮤ ﮥﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ‬

‫ﮬ ﭼ‪.‬‬

‫}‪ {58‬أي‪ :‬وإذا كان بينك وبين قوم عهد ٌ وميثاقٌ على ترك‬
‫ة؛ بأن ظهر من قرائن أحوالهم ما يد ّ‬
‫ل‬
‫ت منهم خيان ً‬
‫القتال‪ ،‬فخف َ‬
‫على خيانتهم من غير تصريح منهم بالخيانة‪} .‬فانب ِذ ْ إليهم{‪:‬‬
‫دهم؛ أي‪ :‬ارمه عليهم‪ ،‬وأخبرهم أّنه ل عهد َ بينك وبينهم }على‬
‫عه َ‬
‫مهم بذلك‪ ،‬ول يح ّ‬
‫ل لك أن‬
‫مك وعل ُ‬
‫سواٍء{؛ أي‪ :‬حتى يستوي عل ُ‬
‫ب العهد ِ حتى تخبرهم‬
‫ه موج ُ‬
‫من َعَ ُ‬
‫تغدرهم أو تسعى في شيء مما َ‬
‫ضهم أشد ّ البغض؛ فـل‬
‫ن الّله ل ي ُ ِ‬
‫ب الخائنين{‪ :‬بل ي ُب ْغِ ُ‬
‫ح ّ‬
‫بذلك‪} .‬إ ّ‬
‫ن يبرئكم من الخيانة‪ .‬ودّلت الية على أنه إذا‬
‫بـد ّ من أمرٍ بي ّ ٍ‬
‫)‪(3‬‬
‫وجدت الخيانة ]المحققة[ منهم؛ لم يحتج أن ينبذ إليهم‬
‫م ذلك‪ ،‬ولعدم الفائدة‪ ،‬ولقوله‪:‬‬
‫دهم؛ لّنه لم يخ َ‬
‫عه َ‬
‫ف منهم‪ ،‬بل ع ُل ِ َ‬
‫}على سواٍء{‪ ،‬وهنا قد كان معلوما ً عند الجميع غدُركم‪ .‬ود ّ‬
‫ل‬
‫ن لم يوجد ْ منهم ما‬
‫ف منهم خيان ً‬
‫مها أيضا ً أنه إذا لم يخ ْ‬
‫ة؛ بأ ْ‬
‫مفهو ُ‬
‫يد ّ‬
‫ل على ذلك؛ أّنه ل يجوز نبذ العهد إليهم‪ ،‬بل يجب الوفاء ]به[‬
‫م مدُته‪.‬‬
‫إلى أن تت ّ‬
‫ﭽ ﮭ ﮮﮮ ﮯ ﮰ‬

‫ﮱﯓ ﯔ ﯕ‬

‫ﯖ ﯗ ﭼ‪.‬‬

‫}‪ {59‬أي‪ :‬ل يحسب الكافرون برّبهم المك ّ‬
‫ذبون بآياته أنهم‬
‫سبقوا الّله وفاتوه؛ فإنهم ل يعجزونه‪ ،‬والّله لهم بالمرصاد‪ ،‬وله‬
‫تعالى الحكمة البالغة في إمهالهم وعدم معاجلتهم بالعقوبة‪ ،‬التي‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬كذا في النسختين وفي ) أ ( زيادة »به« بخط مغاير فوق السطر‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫‪ -‬كذا في النسختين‪.‬‬

‫‪3‬‬

‫‪ -‬كذا في )ب(‪ .‬وفي ) أ (‪» :‬المحقة«‪.‬‬

‫من جملتها ابتلء عباده المؤمنين وامتحاُنهم وتزّودهم من طاعته‬
‫ومراضيه ما يصلون به إلى المنازل العالية واتصاُفهم بأخلق‬
‫وصفات لم يكونوا بغيره بالغيها؛ فلهذا قال لعباده المؤمنين‪:‬‬
‫ﭽ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪﯧﯧ ﯫﯧﯧ ﯬﯧﯧﯭﯧﯧ ﯮﯧﯧ‬
‫ﯯﯧﯧ ﯰﯧﯧ ﯱﯧﯧ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﭼ ‪.‬‬

‫دوا{‪ :‬لعدائكم الكفار الساعين في‬
‫}‪ {60‬أي‪} :‬وأع ّ‬
‫ة{؛ أي‪ :‬كل ما‬
‫هلككم وإبطال دينكم‪} ،‬ما استطعُتم من قوّ ٍ‬
‫وة العقلّية والبدنّية وأنواع السلحة ونحو ذلك‬
‫تقدرون عليه من الق ّ‬
‫مما يعين على قتالهم‪ ،‬فدخل في ذلك أنواع الصناعات التي‬
‫ف السلحة واللت من المدافع والرشاشات‬
‫ُتعمل فيها أصنا ُ‬
‫والبنادق والطيارات الجوّية والمراكب البرّية والبحرّية‬
‫]والحصون[ والقلع والخنادق وآلت الدفاع والرأي والسياسة‬
‫دم المسلمون ويندفعُ عنهم به شّر أعدائهم وتعّلم‬
‫التي بها يتق ّ‬
‫الرمي والشجاعة والتدبير‪ ،‬ولهذا قال النبي صلى الله عليه‬
‫وة الرمي« )‪ . (1‬ومن ذلك الستعداد بالمراكب‬
‫وسلم‪» :‬أل إ ّ‬
‫ن الق ّ‬
‫من ِرباط الخيل‬
‫المحتاج إليها عند القتال‪ ،‬ولهذا قال تعالى‪} :‬و ِ‬
‫ن به عدوّ الّله وعدّوكم{‪ :‬وهذه العلة موجودة ٌ فيها في ذلك‬
‫ُتر ِ‬
‫هبو َ‬
‫م يدور مع عّلته؛ فإذا كان‬
‫الزمان‪ ،‬وهي إرهاب العداء‪ .‬والحك ُ‬
‫موجودا ً شيء )‪ (2‬أكثر إرهابا ً منها ـ كالسيارات البرّية والهوائّية‬
‫دة للقتال التي تكون النكاية فيها أشد؛ كانت مأمورا ً‬
‫الـمع ّ‬
‫بالستعداد بها والسعي لتحصيلها‪ ،‬حتى إنها إذا لم توجد إل بتعّلم‬
‫م الواجب إل به فهو واجب‪.‬‬
‫الصناعة؛ وجب ذلك؛ ل ّ‬
‫ن ما ل يت ّ‬
‫ن به عدوّ الل ّهِ وعدّوكم{‪ :‬ممن تعلمون أنهم‬
‫وقوله‪} :‬ت ُْر ِ‬
‫هبو َ‬
‫من سيقاتلونكم‬
‫أعداؤكم‪} ،‬وآخرين ِ‬
‫من دونهم ل تعلموَنهم{‪ :‬م ّ‬
‫مهم{‪ :‬فلذلك‬
‫بعد هذا الوقت الذي يخاطبهم الّله به‪} ،‬الّله يعل ُ‬
‫أمرهم بالستعداد لهم‪ .‬ومن أعظم ما ُيعين على قتالهم بذ ُ‬
‫ل‬
‫النفقات المالية في جهاد الكفار‪ ،‬ولهذا قال تعالى مرغبا ً في‬
‫ذلك‪} :‬وما تنفقوا من شيٍء في سبيل الّله{‪ :‬قليل ً كان أو كثيرًا‪،‬‬
‫ف إليكم{‪ :‬أجره يوم القيامة مضاعفا ً أضعافا ً كثيرة‪ ،‬حتى إن‬
‫}يو ّ‬
‫النفقة في سبيل الّله تضاعف إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف‬
‫قصون من أجرها وثوابها‬
‫كثيرة‪} ،‬وأنتم ل ُتظلمون{؛ أي‪ :‬ل ت ُن ْ َ‬
‫شيئًا‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬أخرجه مسلم )‪ (1917‬عن عقبة بن عامر‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬شيئًا«؟ وعدلت في ) أ (‪» :‬شيء« بخط مغاير‪.‬‬

‫ﭽ ﯷ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﰈ ﰉ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ‬
‫ﭕ ﭖ ﭗﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ‬
‫ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ‬
‫ﭾ ﭼ‪.‬‬
‫}‪ {61‬يقول تعالى }وإن جنحوا{؛ أي‪ :‬الكفار المحاربون؛‬
‫ح لها‬
‫سْلم؛ أي‪ :‬الصلح وترك القتال‪} ،‬فاجن ْ‬
‫أي‪ :‬مالوا إلى ال ّ‬
‫وتوك ّ ْ‬
‫ل على الّله{؛ أي‪ :‬أجبهم إلى ما طلبوا متوكل ً على رّبك؛‬
‫بك ّ‬
‫ل‬
‫ن في ذلك فوائد كثير ً‬
‫ة‪ :‬منها ‪ :‬أن طلب العافية مطلو ٌ‬
‫فإ ّ‬
‫وقت؛ فإذا كانوا هم المبتدئين في ذلك؛ كان أولى لجابتهم‪.‬‬
‫قواكم واستعدادا ً منكم لقتالهم‬
‫ومنها ‪ :‬أن في ذلك إجماما ً ل ِ ُ‬
‫في وقت آخر إن احتيج إلى ذلك )‪ . (1‬ومنها ‪ :‬أّنكم إذا أصلحُتم‬
‫وأمن بعضكم بعضا ً وتم ّ‬
‫كن ك ّ‬
‫ل من معرفة ما عليه الخر؛ فإن‬
‫من له عق ٌ‬
‫السلم يعلو ول ُيعلى عليه؛ فك ّ‬
‫ل وبصيرة إذا كان‬
‫ل َ‬
‫ف؛ فل بد ّ أن يؤثره على غيره من الديان؛ لحسنه في‬
‫معه إنصا ٌ‬
‫أوامره ونواهيه‪ ،‬وحسنه في معاملته للخلق والعدل فيهم‪ .‬وأنه ل‬
‫جور فيه ول ظلم بوجه؛ فحينئذ يكثر الراغبون فيه والمّتبعون له‪،‬‬
‫فصار هذا السلم عونا ً للمسلمين على الكافرين‪.‬‬
‫صلة واحدة‪ ،‬وهي أن‬
‫}‪ 62‬ـ ‪ {63‬ول ُيخاف من السلم إل َ‬
‫خ ْ‬
‫دع المسلمين وانتهاز الفرصة فيهم‪،‬‬
‫يكون الكفار قصدهم بذلك َ‬
‫خ ْ‬
‫ن ذلك يعود عليهم‬
‫فأخبرهم الّله أّنه حسُبهم وكافيهم خداعهم‪ ،‬وأ ّ‬
‫ن حسَبك الّله{؛ أي‪:‬‬
‫ضرره‪ ،‬فقال‪} :‬وإن يريدوا أن َيـ ْ‬
‫دعوك فإ ّ‬
‫خ َ‬
‫ماتك؛ فقد سبق لك‬
‫كافيك ما يؤذيك‪ ،‬وهو القائم بمصالحك ومه ّ‬
‫َ‬
‫ن به قلبك‪ ،‬فَلهُوَ }الذي أّيدك‬
‫من كفايته لك ونصره ما يطمئ ّ‬
‫بنصره وبالمؤمنين{؛ أي‪ :‬أعانك بمعونة سماوّية‪ ،‬وهو النصر منه‬
‫الذي ل يقاومه شيء‪ ،‬ومعونة بالمؤمنين بأن قّيضهم لنصرك‪،‬‬
‫وتهم بسبب‬
‫}وأّلف بين قلوبهم{‪ :‬فاجتمعوا‪ ،‬وائتلفوا‪ ،‬وازدادت ق ّ‬
‫وة الّله‪ ،‬فلو‬
‫اجتماعهم‪ ،‬ولم يكن هذا بسعي أح ٍ‬
‫وة غير ق ّ‬
‫د‪ ،‬ول بق ّ‬
‫ب وفضة وغيرهما‬
‫}أنفقت ما في الرض جميعًا{‪ :‬من ذه ٍ‬
‫ت بين‬
‫لتأليفهم بعد تلك النفرة والفرقة الشديدة‪} ،‬ما أل ّ ْ‬
‫ف َ‬
‫ن‬
‫قلوبهم{‪ :‬لنه ل يقدر على تقليب القلوب إل الّله تعالى‪} .‬ولك ّ‬
‫م{‪ :‬ومن عّزته أن أّلف بين قلوبهم‬
‫الّله أّلف بينهم إّنه عزيٌز حكي ٌ‬
‫وجمعها بعد الفرقة؛ كما قال تعالى‪} :‬واذ ُ‬
‫كروا نعمة الّله عليكم إذ‬
‫ف بين قلوب ِ ُ‬
‫كم فأصبحُتم بنعمت ِهِ إخوانا ً وكنُتم على‬
‫كنُتم أعداًء فأل ّ َ‬
‫فَرةٍ من النار فأنقذكم منها{‪.‬‬
‫ح ْ‬
‫شفا ُ‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬احتيج لذلك«‪.‬‬

‫ي حسبك الّله{؛ أي‪:‬‬
‫}‪ {64‬ثم قال تعالى‪} :‬يا أيها النب ّ‬
‫كافيك‪} ،‬ومن اّتبعك من المؤمنين{؛ أي‪ :‬وكافي أتباعك من‬
‫المؤمنين‪ .‬وهذا وعد ٌ من الّله لعباده المؤمنين المّتبعين لرسوله‬
‫بالكفاية والنصرة على العداء؛ فإذا أتوا بالسبب الذي هو اليمان‬
‫مهم من أمور الدين والدنيا‪ ،‬وإنما‬
‫والتباع؛ فل بد ّ أن يك ِ‬
‫فَيهم ما أه ّ‬
‫تتخّلف الكفاية بتخّلف شرطها‪.‬‬
‫ﭽ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ‬
‫ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣﮤ ﮥ‬
‫ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ‬
‫ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫﮬ ﮭ ﮮﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﭼ ‪.‬‬
‫}‪ {65‬يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم‪} :‬يا أّيها‬
‫ضهم إليه بكل‬
‫حّثهم ونهّ ْ‬
‫ي حّرض المؤمنين على القتال{؛ أي‪ُ :‬‬
‫النب ّ‬
‫وي عزائمهم وينشط هممهم؛ من الترغيب في الجهاد‬
‫ما يق ّ‬
‫ومقارعة العداء‪ ،‬والترهيب من ضد ّ ذلك‪ ،‬وذكر فضائل الشجاعة‬
‫والصبر‪ ،‬وما يترّتب على ذلك من خير الدنيا والخرة‪ ،‬وذكر مضاّر‬
‫الجبن‪ ،‬وأنه من الخلق الرذيلة المنقصة للدين والمروءة‪ ،‬وأن‬
‫ن فإّنهم‬
‫الشجاعة بالمؤمنين أولى من غيرهم‪} ،‬إن تكونوا تأَلمو َ‬
‫ن من الّله ما ل يرجون{‪} .‬إن يكن‬
‫ن وترجو َ‬
‫ن كما تأَلمو َ‬
‫يأَلمو َ‬
‫منكم{‪ :‬أيها المؤمنون‪} ،‬عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن‬
‫من ُ‬
‫ة يغلبوا ألفا ً من الذين كفروا{‪ :‬يكون الواحد بنسبة‬
‫كم مائ ٌ‬
‫م ل يفقهون{؛ أي‪ :‬ل‬
‫عشرة من الكفار‪ ،‬وذلك بأ ّ‬
‫ن الكفار }قو ٌ‬
‫علم عندهم بما أعد ّ الّله للمجاهدين في سبيله؛ فهم يقاتلون‬
‫لجل العلوّ في الرض والفساد فيها‪ ،‬وأنتم تفقهون المقصود من‬
‫ب عن كتاب الّله‬
‫القتال أّنه لعلء كلمة الّله‪ ،‬وإظهار دينه‪ ،‬والذ ّ‬
‫وحصول الفوز الكبر عند الّله‪ ،‬وهذه كّلها دواٍع للشجاعة والصبر‬
‫والقدام على القتال‪.‬‬
‫م إن هذا الحكم خففه الّله على العباد‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫}‪ {66‬ث ُ ّ‬
‫فف الّله عنكم وعلم أن فيكم ضعفًا{‪ :‬فلذلك اقتضت‬
‫}الن خ ّ‬
‫ة صابرة ٌ يغلبوا‬
‫رحمته وحكمته التخفيف‪} .‬فإن يكن منكم مائ ٌ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع‬
‫مائتين وإن يكن منكم أل ٌ‬
‫الصابرين{‪ :‬بعونه وتأييده‪.‬‬
‫وهذه اليات صورتها صورة الخبار عن المؤمنين بأنهم إذا‬
‫بلغوا هذا المقدار الـمعيّـن يغلبون ذلك المقدار الـمعيّـن‪ ،‬في‬
‫ن عليهم بما جعل فيهم من‬
‫مقابلته من الكفار‪ ،‬وأن الّله يمت ّ‬
‫ن الّله أمر‬
‫ن معناها وحقيقتها المر‪ ،‬وأ ّ‬
‫الشجاعة اليمانية‪ ،‬ولك ّ‬

‫المؤمنين في أول المر أن الواحد ل يجوز له أن يفّر من العشرة‬
‫فف ذلك‪،‬‬
‫ن الّله خ ّ‬
‫والعشرة من المائة والمائة من اللف‪ ،‬ثم إ ّ‬
‫فصار ل يجوز فرار المسلمين من مثليهم من الكفار؛ فإن زادوا‬
‫على مثليهم؛ جاز لهم الفرار‪.‬‬
‫ولكن يرِد ُ على هذا أمران‪:‬‬
‫أحدهما ‪ :‬أنها بصورة الخبر‪ ،‬والصل في الخبر أن يكون‬
‫ن المقصود بذلك المتنان والخبار بالواقع‪.‬‬
‫على بابه‪ ،‬وأ ّ‬
‫والثاني ‪ :‬تقييد ُ ذلك العدد أن يكونوا صابرين؛ بأن يكونوا‬
‫متدّربين على الصبر‪ ،‬ومفهوم هذا أّنهم إذا لم يكونوا صابرين؛‬
‫ب على ظّنهم‬
‫فإنه يجوز لهم الفرار‪ ،‬ولو أقل من مثليهم‪ ،‬إذا غ َل َ َ‬
‫الضرر؛ كما تقتضيه الحكمة اللهية‪.‬‬
‫فف الّله عنكم‪ {...‬إلى‬
‫ن قوله‪} :‬الن خ ّ‬
‫ويجاب عن الول بأ ّ‬
‫)‪(1‬‬
‫م وأمر محّتم‪ ،‬ثم إن اللهّ‬
‫آخرها‪ :‬دلي ٌ‬
‫ل على أن هذا المر لز ٌ‬
‫ففه إلى ذلك العدد؛ فهذا ظاهٌر في أنه أمر‪ ،‬وإن كان في صيغة‬
‫خ ّ‬
‫ة بديعة ل توجد فيه‬
‫الخبر‪ ،‬وقد يقال‪ :‬إن في إتيانه بلفظ الخبر نكت ٌ‬
‫إذا كان بلفظ المر‪ ،‬وهي تقوية قلوب المؤمنين‪ ،‬والبشارة بأنهم‬
‫سيغلبون الكافرين‪.‬‬
‫ويجاب عن الثاني‪ :‬أن المقصود بتقييد ذلك بالصابرين أنه‬
‫ث على الصبر‪ ،‬وأنه ينبغي منكم أن تفعلوا السباب الموجبة‬
‫ح ّ‬
‫لذلك؛ فإذا فعلوها؛ صارت السباب اليمانّية والسباب المادّية‬
‫مب ّ‬
‫شرة بحصول ما أخبر الّله به من النصر لهذا العدد القليل‪.‬‬

‫ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪﯧﯧ ﯫﯧﯧ ﯬﯧﯧﯭﯧﯧ ﯮﯧﯧ ﯯﯧﯧ ﯰﯧﯧ‬
‫ﭽﯛ ﯜ‬
‫ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﯷ ﯷﯷ ﯷ‬
‫ﯱﯧﯧ ﯷ ﯷ‬
‫ﯷﯷ ﯷ ﯷ ﰈ ﰉ ﯷ ﭼ ‪.‬‬
‫}‪ {67‬هذه معاتبة من الّله لرسوله وللمؤمنين يوم بدر إذ‬
‫أسروا المشركين وأبقوهم لجل الفداء‪ ،‬وكان رأي أمير المؤمنين‬
‫عمر بن الخطاب في هذه الحال قتَلهم واستئصالهم‪ ،‬فقال‬
‫ن في الرض{؛‬
‫ن له أسرى حّتى ي ُث ْ ِ‬
‫ي أن يكو َ‬
‫خ َ‬
‫تعالى‪} :‬ما كان لنب ّ‬
‫أي‪ :‬ما ينبغي ول يليق به إذا قاتل الكفار الذين يريدون أن يطفئوا‬
‫من‬
‫ون لخماد دينه وأن ل يبقى على وجه الرض َ‬
‫نور الّله‪ ،‬ويسعَ ْ‬
‫يعبد ُ الّله أن يتسّرع إلى أسرهم وإبقائهم لجل الفداء الذي‬
‫ض قلي ٌ‬
‫ص ُ‬
‫ل بالنسبة إلى المصلحة المقتضية‬
‫ل منهم‪ ،‬وهو ع ََر ٌ‬
‫يح ُ‬
‫ة؛ فالوفق أن ل‬
‫لبادتهم وإبطال شّرهم؛ فما دام لهم شّر وصول ٌ‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬أمر«‪.‬‬

‫ل شّرهم‪ ،‬واضمح ّ‬
‫يؤسروا؛ فإذا ُأثخنوا‪ ،‬وب َط َ َ‬
‫ل أمُرهم؛ فحينئذ ٍ ل‬
‫بأس بأخذ السرى منهم وإبقائهم‪ .‬يقول تعالى‪} :‬تريدون{‪:‬‬
‫دنيا{؛ أي‪ :‬ل لمصلحة‬
‫ض الحياة ال ّ‬
‫بأخذكم الفداء وإبقائهم }ع ََر َ‬
‫تعود ُ إلى دينكم‪} .‬والّله يريد ُ الخرة{‪ :‬بإعزاز دينه ونصر أوليائه‬
‫ة فوق غيرهم‪ ،‬فيأمركم بما يوصل إلى ذلك‪.‬‬
‫وجعل كلمتهم عالي ً‬
‫م{؛ أي‪ :‬كامل العزة‪ ،‬لو شاء أن ينتصر من‬
‫}والّله عزيٌز حكي ٌ‬
‫الكفار من دون قتال؛ لفع َ‬
‫م يبتلي بعضكم ببعض‪.‬‬
‫ل‪ ،‬ولكنه حكي ٌ‬
‫ق{‪ :‬به القضاء والقدر؛ أّنه‬
‫}‪} {68‬لول كتا ٌ‬
‫ب من الّله َ‬
‫سب َ َ‬
‫قد أح ّ‬
‫ن الّله رفع عنكم أّيها المة العذاب‪،‬‬
‫ل لكم الغنائم‪ ،‬وأ ّ‬
‫م{‪ .‬وفي الحديث‪» :‬لو نزل‬
‫سكم فيما أخذتم عذا ٌ‬
‫}لم ّ‬
‫ب عظي ٌ‬
‫)‪(1‬‬
‫ب يوم بدر؛ ما نجا منه إل عمر« ‪.‬‬
‫عذا ٌ‬
‫}‪} {69‬فكلوا مما غنمُتم حلل ً طّيبًا{‪ :‬وهذا من لطفه‬
‫ل لها الغنائم ولم تح ّ‬
‫تعالى بهذه المة أن أح ّ‬
‫ل )‪ (2‬لمة قبلها‪،‬‬
‫}واّتقوا الله{‪ :‬في جميع أموركم‪ ،‬ولزموها شكرا ً لنعم الّله‬
‫ن الّله غفوٌر{‪ :‬يغفر لمن تاب إليه جميع الذنوب‪ ،‬ويغفر‬
‫عليكم‪} .‬إ ّ‬
‫ً‬
‫لمن لم يشر ْ‬
‫م{‪ :‬بكم حيث أباح‬
‫ك به شيئا جميع المعاصي‪} ،‬رحي ٌ‬
‫لكم الغنائم وجعلها حلل ً طيبًا‪.‬‬
‫ﭽﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ‬
‫ﭣ ﭤ ﭥﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴﭵ ﭶ ﭷ‬
‫ﭸ ﭹ ﭼ‪.‬‬

‫}‪ {70‬وهذه نزلت في أسارى يوم بدر )‪ ، (3‬وكان من‬
‫م رسول الّله صلى الله عليه وسلم‪ ،‬فلما‬
‫جملتهم العباس ع ّ‬
‫قطوا عنه‬
‫دعى أنه مسلم قبل ذلك‪ ،‬فلم يس ِ‬
‫طلب منه الفداء؛ ا ّ‬
‫ه‪:‬‬
‫ن كان على مثل حال ِ ِ‬
‫الفداء‪ ،‬فأنزل الّله تعالى جبرا ً لخاطره و َ‬
‫م ْ‬
‫يق ْ‬
‫ه في‬
‫من في أيديكم من السرى إن يعلم الل ّ ُ‬
‫ل ِلـ َ‬
‫}يا أّيها النب ّ‬
‫ُ‬
‫قلوبكم خيرا ً يؤت ِ ُ‬
‫خذ َ منكم{؛ أي‪ :‬من المال‪ ،‬بأن‬
‫ما أ ِ‬
‫كم خيرا ً م ّ‬
‫فْر لكم{‪:‬‬
‫سر لكم من فضله خيرا ً كثيرا ً )‪ (4‬مما أخذ منكم‪} ،‬وي َغْ ِ‬
‫يي ّ‬
‫م{‪ :‬وقد أنجز الّله وعده‬
‫ذنوبكم ويدخلكم الجنة‪} .‬والّله غفوٌر رحي ٌ‬
‫‪ - 1‬عزاه السيوطي في »الدر المنثور« )‪ (3/366‬لبن المنذر وأبي الشيخ‬
‫وابن مردويه‪ .‬وله شاهد بنحوه عند مسلم )‪.(1763‬‬
‫‪2‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬ولم يحلها«‪.‬‬

‫‪3‬‬

‫‪ -‬أخرجه مسلم )‪ (1763‬عن ابن عباس‪.‬‬

‫‪4‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬خيرا ً وأكثر«‪.‬‬

‫للعباس وغيره‪ ،‬فحصل له بعد ذلك من المال شيٌء كثيٌر‪ ،‬حتى‬
‫إنه مّرة لما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم مال كثير؛ أتاه‬
‫العباس‪ ،‬فأمره أن يأخذ منه بثوبه ما يطيق حمَله‪ ،‬فأخذ منه ما‬
‫كاد أن يعجَز عن حمله )‪. (1‬‬
‫}‪} {71‬وإن يريدوا خيان َت َ َ‬
‫ك{‪ :‬في السعي لحربك ومنابذتك‪،‬‬
‫}فقد خانوا الّله من قب ُ‬
‫ن منهم{‪ :‬فليح َ‬
‫ذروا خيانتك؛ فإنه‬
‫ل فأ ْ‬
‫مك َ َ‬
‫م{؛ أي‪:‬‬
‫م حكي ٌ‬
‫تعالى قادٌر عليهم‪ ،‬وهم تحت قبضته‪} .‬والّله علي ٌ‬
‫عليم بكل شيء‪ ،‬حكيم يضع الشياء مواضعها‪ ،‬ومن علمه‬
‫)‪(2‬‬
‫وحكمته أن َ‬
‫فل‬
‫شَرع َ لكم هذه الحكام الجليلة الجميلة‪ ،‬وقد تك ّ‬
‫ة‪.‬‬
‫ن السرى وشّرهم إن أرادوا خيان ً‬
‫بكفايتكم شأ َ‬
‫ﭽ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊﮋ ﮌ ﮍ‬
‫ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ‬
‫ﮢ ﮣ ﮤﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﭼ ‪.‬‬
‫}‪ {72‬هذا عقد ُ موالة ومحّبة عقدها الّله بين المهاجرين‬
‫الذين آمنوا وهاجروا في سبيل الّله وتركوا أوطانهم لّله لجل‬
‫الجهاد في سبيل الّله وبين النصار الذين آوَْوا رسو َ‬
‫ل الّله صلى‬
‫الله عليه وسلم وأصحابه وأعانوهم في ديارهم وأموالهم‬
‫ضهم أولياُء بعض؛ لكمال إيمانهم وتمام‬
‫وأنفسهم؛ فهؤلء بع ُ‬
‫اّتصال بعضهم ببعض‪} .‬والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من‬
‫وليتهم من شيء حتى يهاجروا{ فإّنهم قطعوا وليتكم بانفصالهم‬
‫ما لم يهاجروا؛ لم‬
‫عنكم في وقت ش ّ‬
‫دة الحاجة إلى الرجال‪ ،‬فل ّ‬
‫يكن لهم من ولية المؤمنين شيٌء‪ ،‬لكّنهم }إن استنصروكم في‬
‫م‬
‫الدين{؛ أي‪ :‬لجل قتال من قاتلهم؛ ]لجل دينهم[ }فعليك ُ ُ‬
‫النصُر{‪ :‬والقتال معهم‪ ،‬وأما من قاتلوهم لغير ذلك من المقاصد؛‬
‫فليس عليكم نصرهم‪ .‬وقوله تعالى‪} :‬إل ّ على قوم بينكم وبيَنهم‬
‫ق{؛ أي‪ :‬عهد ٌ بترك القتال؛ فإنهم إذا أراد المؤمنون‬
‫ميثا ٌ‬
‫المتمّيزون الذين لم يهاجروا قتالهم؛ فل تعينوهم عليهم؛ لجل ما‬
‫م ما‬
‫بيَنكم وبيَنهم من الميثاق‪} .‬والّله بما تعملو َ‬
‫ن بصيٌر{‪ :‬يعل ُ‬
‫أنتم عليه من الحوال‪ ،‬فيشرع ُ لكم من الحكام ما َيليقُ بكم‪.‬‬
‫ﭽ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮮ ﮯﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﭼ ‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫‪ -‬أخرجه البخاري )‪ (421‬تعليقا ً بصيغة الجزم‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫ن«‪.‬‬
‫‪ -‬في )ب(‪» :‬وإ ْ‬

‫}‪ {73‬لما عقد الولية بين المؤمنين؛ أخبر أن الكفار حيث‬
‫ضهم أولياء بعض )‪ (3‬؛ فل يواليهم إل ّ كافر‬
‫جمعهم الكفر فبع ُ‬
‫مثلهم‪ ،‬وقوله‪} :‬إل ّ تفعلوه{؛ أي‪ :‬موالة المؤمنين ومعاداة‬
‫الكافرين؛ بأن وال َْيتموهم كّلهم أو عاديتموهم كّلهم أو واليتم‬
‫ة في الرض وفساد ٌ كبيٌر{‪:‬‬
‫الكافرين وعاديتم المؤمنين‪} ،‬تكن فتن ٌ‬
‫ص ُ‬
‫ق‬
‫ل بذلك من الشّر ما ل ينحصر من اختلط الح ّ‬
‫فإنه يح ُ‬
‫بالباطل والمؤمن بالكافر وعدم كثير من العبادات الكبار كالجهاد‬
‫والهجرة وغير ذلك من مقاصد الشرع والدين التي تفوت إذا لم‬
‫ي ُّتخذ المؤمنون وحدهم أولياء بعضهم لبعض‪.‬‬
‫ﯮﯧﯧ ﯯﯧﯧ ﯰﯧﯧ‬
‫ﭽ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨﯩ ﯪﯧﯧ ﯫﯧﯧ ﯬﯧﯧ ﯭﯧﯧ‬
‫ﯷﯷ ﯷ ﯷ‬
‫ﯾ ﯿ‬
‫ﯱﯧﯧ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯼ ﯽ‬
‫ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﭼ‪.‬‬

‫اليات السابقات في ذكر عقد الموالة بين المؤمنين من‬
‫المهاجرين والنصار‪ .‬وهذه اليات في بيان مدحهم وثوابهم‪:‬‬
‫}‪ {74‬فقال‪} :‬والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل‬
‫الّله والذين آوَْوا ونصروا أولئك هم المؤمنون{ )‪ :(2‬من المهاجرين‬
‫دقوا إيمانهم بما قاموا‬
‫والنصار؛ هم‪ :‬المؤمنون }ح ّ‬
‫قا{؛ لنهم ص ّ‬
‫به من الهجرة والنصرة والموالة بعضهم لبعض وجهادهم‬
‫لعدائهم من الكفار والمنافقين‪} .‬لهم مغفرة{‪ :‬من الّله ُتمحى‬
‫بها سيئاتهم وتضمح ّ‬
‫م{؛ أي‪:‬‬
‫ل بها زل ُّتهم‪} .‬و{ لهم }رزقٌ كري ٌ‬
‫ب الكريم في جنات النعيم‪ ،‬وربما حصل لهم من‬
‫خير كثير من الر ّ‬
‫ن به قلوبهم‪.‬‬
‫جل ما ت َ َ‬
‫الثواب المع ّ‬
‫قّر به أعينهم‪ ،‬وتطمئ ّ‬
‫من‬
‫من جاء بعد هؤلء المهاجرين والنصار مـ ّ‬
‫}‪ {75‬وكذلك َ‬
‫اّتبعهم بإحسان فآمن وهاجر وجاهد في سبيل الله‪} .‬فأولئك‬
‫منكم{‪ :‬لهم ما لكم وعليهم ما عليكم؛ فهذه الموالة اليمانية‪،‬‬
‫ن‬
‫ن عظيم‪ ،‬حتى إ ّ‬
‫وقد كانت في أول السلم لها وقع كبيٌر وشأ ٌ‬
‫وة‬
‫ي صلى الله عليه وسلم آخى بين المهاجرين والنصار أخ ّ‬
‫النب ّ‬
‫صة غير الخوة اليمانية العامة‪ ،‬وحتى كانوا يتوارثون بها‪،‬‬
‫خا ّ‬
‫ضهم أولى ببعض في كتاب الله{‬
‫فأنزل الّله‪} :‬وأولو الرحام بع ُ‬
‫فل يرثه إل أقاربه من العصبات وأصحاب الفروض فإن لم يكونوا؛‬
‫فأقرب قراباته من ذوي الرحام كما د ّ‬
‫ل عليه عموم الية‬
‫ن‬
‫الكريمة‪ ،‬وقوله‪} :‬في كتاب الّله{؛ أي‪ :‬في حكمه وشرعه‪} .‬إ ّ‬
‫‪3‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬لبعض«‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫‪-‬‬

‫الّله بـكـ ّ‬
‫م{‪ :‬ومنه ما يعلمه من أحوالكم التي يجري‬
‫ل شيء علي ٌ‬
‫من شرائعه الدينية عليكم ما يناسبها‪.‬‬
‫فف ففففف فففففف‪.‬‬
‫فف ففففف فففف ففففففف‪ .‬فف ف‬
‫***‬

‫تفسير سورة براءة ويقال سورة التوبة‬
‫وهي مدنية‬
‫ﭽﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ‬
‫ﭣ ﭤﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭼ ‪.‬‬
‫}‪ 1‬ـ ‪ {2‬أي‪ :‬هذه }براءة ٌ من الّله{ ومن }رسوله{‪ :‬إلى‬
‫ن لهم أربعة أشهر يسيحون في‬
‫جميع المشركين المعاهدين؛ أ ّ‬
‫الرض على اختيارهم آمنين من المؤمنين‪ ،‬وبعد الربعة الشهر؛‬
‫در أو‬
‫فل عهد لهم ول ميثاق‪ .‬وهذا لمن كان له عهد ٌ مطلقٌ غير مق ّ‬
‫در بزيادة على‬
‫مقدٌر بأربعة أشهر فأقل‪ ،‬أما من كان له عهد مق ّ‬
‫ف منه‬
‫مم له عهده إذا لم ُيـ َ‬
‫خ ْ‬
‫أربعة أشهر؛ فإنه يتعيّـن أن يت ّ‬
‫خيانة‪ ،‬ولم يبدأ بنقض العهد‪.‬‬
‫هدين في مدة عهدهم أّنهم وإن كانوا آمنين؛‬
‫ثم أنذر المعا َ‬
‫جزوا الّله ولن يفوتوه‪ ،‬وأنه من استمر منهم على‬
‫فإنهم لن يع ِ‬
‫شركه؛ فإنه ل بد ّ أن يخزيه‪ ،‬فكان هذا مما يجلبهم إلى الدخول‬
‫في السلم إل من عاند‪ ،‬وأصّر‪ ،‬ولم يبال بوعيد الّله‪.‬‬
‫ﭽ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸﭹ ﭺﭻ ﭼ‬
‫ﮍ ﮎ ﮏ ﭼ‪.‬‬
‫ﭽ ﭾ ﭿ ﮀﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈﮉ ﮊ ﮋ ﮌ‬
‫}‪ {3‬هذا ما وعد الّله به المؤمنين من نصر دينه وإعلء‬
‫كلمته وخذلن أعدائهم من المشركين الذين أخرجوا الرسول‬
‫وهم مما لهم‬
‫و َ‬
‫ن معه من مكة من بيت الّله الحرام وأجل َ ْ‬
‫م ْ‬
‫ه رسوَله والمؤمنين حتى‬
‫التسّلط عليه من أرض الحجاز؛ نصر الل ّ ُ‬
‫افتتح مكة وأذ ّ‬
‫ة على‬
‫م والغَل َب َ ُ‬
‫ل المشركين وصار للمؤمنين الحك ُ‬
‫ذنه أن يؤ ّ‬
‫ي صلى الله عليه وسلم )‪ (1‬مؤ ّ‬
‫ذن‬
‫تلك الديار‪ ،‬فأمر النب ّ‬
‫يوم الحج الكبر‪ ،‬وهو يوم النحر‪ ،‬وقت اجتماع الناس مسلمهم‬
‫وكافرهم من جميع جزيرة العرب‪ :‬أن يؤ ّ‬
‫ن الّله بريٌء‬
‫ذن بأ ّ‬
‫ق؛ فأينما‬
‫ورسوله من المشركين؛ فليس لهم عنده عهد ٌ وميثا ٌ‬
‫جدوا قُِتلوا‪ ،‬وقيل لهم‪ :‬ل تقربوا المسجد الحرام بعد عامكم‬
‫وُ ِ‬
‫ج بالناس أبو بكر‬
‫هذا! وكان ذلك سنة تسع من الهجرة‪ ،‬وح ّ‬
‫الصديق رضي الّله عنه‪ ،‬وأ ّ‬
‫م رسول‬
‫نع ّ‬
‫ذن ببراءة يوم النحر اب ُ‬
‫الّله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب رضي الّله عنه‪.‬‬
‫ثم ر ّ‬
‫هبهم من الستمرار‬
‫غب تعالى المشركين بالتوبة ور ّ‬
‫على الشرك‪ ،‬فقال‪} :‬فإن ت ُب ُْتم فهو خيٌر لكم وإن تول ّْيتم فاعلموا‬
‫‪1‬‬

‫ه«‪.‬‬
‫‪ -‬في )ب(‪» :‬فأمر الل ّ ُ‬

‫أّنكم غير معجزي الّله{؛ أي‪ :‬فائتيه‪ ،‬بل أنتم في قبضته‪ ،‬قادر أن‬
‫يسلط عليكم عباده المؤمنين‪} .‬وبشر الذين كفروا بعذاب أليم{؛‬
‫أي‪ :‬مؤلم مفظع في الدنيا بالقتل والسر والجلء وفي الخرة‬
‫بالنار وبئس القرار‪.‬‬
‫ﭽﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ‬
‫ﮡﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﭼ ‪..‬‬

‫ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ‬

‫مة المطلقة من جميع المشركين‪،‬‬
‫}‪ {4‬أي‪ :‬هذه البراءة التا ّ‬
‫دتم من المشركين{‪ :‬واستمّروا على عهدهم‪ ،‬ولم‬
‫}إل ّ الذين عاهَ ْ‬
‫قصوكم شيئًا‪ ،‬ول عاونوا عليكم‬
‫ض؛ فل ن َ َ‬
‫يجرِ منهم ما يوج ُ‬
‫ب النق َ‬
‫َ‬
‫)‪(1‬‬
‫ّ‬
‫ن‬
‫موا إليهم عهدهم إلى مدتهم قلت أو كثرت؛ ل ّ‬
‫أحدًا؛ فهؤلء أت ِ ّ‬
‫ب‬
‫ن الّله يح ّ‬
‫السلم ل يأمر بالخيانة‪ ،‬وإنما يأمر بالوفاء‪} .‬إ ّ‬
‫المّتقين{‪ :‬الذين أد ّْوا ما أمروا به‪ ،‬واّتقوا الشرك والخيانة وغير‬
‫ذلك من المعاصي‪.‬‬
‫ﭽ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ‬
‫ﯜ ﯝ ﯞ ﯟﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﭼ ‪.‬‬

‫}‪ {5‬يقول تعالى‪} :‬فإذا انسل َ‬
‫حُرم{؛ أي‪ :‬التي‬
‫خ الشهُر ال ُ‬
‫سيير‬
‫حّرم فيها قتال المشركين المعا َ‬
‫ُ‬
‫هدين‪ ،‬وهي أشهر الت ّ ْ‬
‫الربعة‪ ،‬وتمام المدة لمن له مدة أكثر منها؛ فقد برَِئت منهم‬
‫الذمة‪} .‬فاقُتلوا المشركين حيث وجدتموهم{‪ :‬في أيّ مكان‬
‫صروهم{؛ أي‪ :‬ضّيقوا عليهم؛‬
‫وزمان‪} ،‬وخذوهم{‪ :‬أسرى‪} ،‬واح ُ‬
‫سعون في بلد الّله وأرضه التي جعلها الله معبدا ً‬
‫فل ت َ َ‬
‫دعوهم يتو ّ‬
‫ن‬
‫سكناها‪ ،‬ول يستح ّ‬
‫قون منها شبرًا؛ ل ّ‬
‫لعباده؛ فهؤلء ليسوا أهل ً ل ُ‬
‫الرض أرض الّله‪ ،‬وهم أعداؤه المنابذون له ولرسله‪ ،‬المحاربون‬
‫)‪(2‬‬
‫م‬
‫الذين يريدون أن تخلو الرض من دينه‪ ،‬ويأبى الّله إل ّ أن ي ُت ِ ّ‬
‫د{؛ أي‪ :‬ك ّ‬
‫نوَره ولو كره الكافرون‪} .‬واقُعدوا لهم ك ّ‬
‫ل تنّية‬
‫ل مرص ٍ‬
‫وموضع يمّرون عليه‪ ،‬ورابطوا في جهادهم‪ ،‬وابذلوا غاية‬
‫مجهودكم في ذلك‪ ،‬ول تزالوا على هذا المر حتى يتوبوا من‬
‫شركهم‪ .‬ولهذا قال‪} :‬فإن تابوا{‪ :‬من شركهم‪} ،‬وأقاموا‬
‫ة{‪ :‬لمستحقيها‪،‬‬
‫دوها بحقوقها‪} ،‬وآتوا الزكا َ‬
‫صلة{؛ أي‪ :‬أ ّ‬
‫ال ّ‬
‫}َفخّلوا سبيَلهم{؛ أي‪ :‬اتركوهم‪ ،‬وليكونوا مثلكم لهم ما لكم‪،‬‬
‫م{‪ :‬يغفر الشرك فما دونه‬
‫وعليهم ما عليكم‪} .‬إ ّ‬
‫ن الّله غفوٌر رحي ٌ‬
‫للتائبين‪ ،‬ويرحمهم بتوفيقهم للتوبة ثم قبولها منهم‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫َ‬
‫موا لهم«‪.‬‬
‫‪ -‬في )ب(‪» :‬أت ِ ّ‬

‫‪2‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬المحاربة«‪.‬‬

‫وفي هذه الية دليل على أن من امتنع من أداء الصلة أو‬
‫الزكاة؛ فإنه يقاَتل حّتى يؤديها؛ كما استد ّ‬
‫ل بذلك أبو بكر الصديق‬
‫رضي الّله عنه‪.‬‬
‫ﭼ‪.‬‬

‫ﭽ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪﯧﯧ ﯫﯧﯧ ﯬﯧﯧ ﯭﯧﯧ ﯮﯧﯧ ﯯﯧﯧ ﯰﯧﯧ ﯱﯧﯧ ﯷﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ‬

‫حُرم‬
‫دم من قوله‪} :‬فإذا انسلخ الشهُر ال ُ‬
‫}‪ {6‬لما كان ما تق ّ‬
‫صروهم واقُعدوا‬
‫فاقُتلوا المشركين حيث وجدتموهم و ُ‬
‫خذوهم واح ُ‬
‫ما في جميع الحوال وفي ك ّ‬
‫لهم ك ّ‬
‫ل الشخاص‬
‫ل مرصد{‪ :‬أمرا ً عا ّ‬
‫منهم؛ ذكر تعالى أن المصلحة إذا اقتضت تقريب بعضهم؛ جاز‪،‬‬
‫ن أحد ٌ من المشركين استجاَر َ‬
‫ك{؛ أي‪:‬‬
‫بل وجب ذلك‪ ،‬فقال‪} :‬وإ ْ‬
‫ضرر لجل أن يسمع كلم الّله‬
‫طلب منك أن تجيره وتمنعه من ال ّ‬
‫ن‬
‫جْره حّتى يسمعَ كلم الّله{‪ :‬ثم إ ْ‬
‫وينظر حالة السلم‪} ،‬فأ ِ‬
‫مَنه؛ أي‪ :‬المحل الذي يأمن فيه‪.‬‬
‫أسلم؛ فذاك‪ ،‬و إل ّ ؛ فأبل ِْغه مأ َ‬
‫م ل يعلمون؛ فرّبما كان‬
‫والسبب في ذلك أن الكفار قو ٌ‬
‫استمراُرهم على كفرهم لجهل منهم إذا زال اختاروا عليه‬
‫مُته أسوُته في الحكام أن‬
‫السلم؛ فلذلك أمر الّله رسوله‪ .‬وأ ّ‬
‫ب أن يسمع كلم الّله‪.‬‬
‫يجيروا من ط َل َ َ‬
‫ة لمذهب أهل السنة والجماعة‪،‬‬
‫ة صريح ٌ‬
‫وفي هذا حج ُ‬
‫القائلين بأن القرآن كلم الّله غير مخلوق؛ لّنه تعالى هو المتكّلم‬
‫به‪ ،‬وأضافه إلى نفسه إضافة الصفة إلى موصوفها‪ ،‬وبطلن‬
‫ق‪ ،‬وكم من‬
‫ن القرآن مخلو ٌ‬
‫مذهب المعتزلة ومن أخذ بقولهم أ ّ‬
‫الدّلة الداّلة على بطلن هذا القول‪ ،‬ليس هذا محل ذكرها!‬
‫ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞﭟ ﭠ‬
‫ﭣ ﭤﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭼ ‪.‬‬
‫ن للحكمة الموجبة لن يتبّرأ الّله ورسوله من‬
‫}‪ {7‬هذا بيا ٌ‬
‫المشركين‪ ،‬فقال‪} :‬كيف يكون للمشركين عهد ٌ عند الّله وعند‬
‫رسوله{‪ :‬هل قاموا بواجب اليمان؟ أم تركوا رسول الّله‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ما‬
‫ما حاربوا الحقّ ونصروا الباطل؟! أ َ‬
‫والمؤمنين من أذيتهم؟ أ َ‬
‫وا في الرض فسادًا؟! فيحقّ لهم أن يتبّرأ الّله منهم‪ ،‬وأن ل‬
‫َ‬
‫سعَ ْ‬
‫يكون لهم عهد ٌ عنده ول عند رسوله‪} .‬إل ّ الذين عاهدتم{‪ :‬من‬
‫ن لهم في العهد ـ‬
‫المشركين }عند المسجد الحرام{‪ :‬فإ ّ‬
‫وخصوصا ً في هذا المكان الفاضل ـ حرمة أوجب أن يراعوا فيها‪،‬‬
‫ب المّتقين{‪.‬‬
‫}فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يح ُ‬
‫ولهذا قال‪:‬‬
‫ﭡ ﭢ‬

‫ﭽ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ‬
‫ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ‬
‫ﮑ ﮒﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ‬
‫ﮦ ﭼ‪.‬‬
‫ق‪.‬‬
‫}‪ {8‬أي‪} :‬كيف{‪ :‬يكون للمشركين عند الّله عهد ٌ وميثا ٌ‬
‫}و{‪ :‬الحال أّنهم }إن يظهروا عليكم{‪ :‬بالقدرة والسلطة ل‬
‫مة{؛ أي‪ :‬ل ذمة ول قرابة‪،‬‬
‫يرحموكم‪ .‬و }ل يرقبوا فيكم إل ّ ول ذ ِ ّ‬
‫ول يخافون الّله فيكم‪ ،‬بل يسومونكم سوء العذاب؛ فهذه حالكم‬
‫معهم لو ظهروا‪ ،‬ول يغّرّنكم منهم ما يعاملونكم به وقت الخوف‬
‫منكم؛ فإنهم }ُيرضونكم بأفواه ِِهم وتأبى قلوُبهم{‪ :‬الميل والمحّبة‬
‫قا‪ ،‬المبغضون لكم صدقًا‪} .‬وأكثرهم‬
‫لكم‪ ،‬بل هم العداء ح ّ‬
‫فاسقون{‪ :‬ل ديانة لهم ول مروءة‪.‬‬
‫ل{؛ أي‪ :‬اختاروا الح ّ‬
‫}‪} {9‬اشتروا بآيات الّله ثمنا ً قلي ً‬
‫ظ‬
‫العاجل الخسيس في الدنيا على اليمان بالّله ورسوله والنقياد‬
‫دوا غيرهم }عن سبيله إّنهم‬
‫دوا{‪ :‬بأنفسهم وص ّ‬
‫ليات الّله‪} ،‬فص ّ‬
‫ساء ما كانوا يعملون{‪.‬‬
‫ة{؛ أي‪ :‬لجل‬
‫م ً‬
‫}‪} {10‬ل ي َْرُقبون في مؤمن إل ّ ول ذ ّ‬
‫)‪(1‬‬
‫عداوتهم لليمان وأهله؛ فالوصف الذي جعلهم يعادونكم لجله‬
‫ويبغضونكم هو اليمان‪.‬‬
‫من عاداه عدّوا‬
‫صروه واّتخذوا َ‬
‫وا عن دينكم وان ُ‬
‫}‪ {11‬فَذ ُب ّ ْ‬
‫صره لكم ولّيا واجعلوا الحكم يدور معه وجودا ً وعدمًا‪ ،‬ل‬
‫و َ‬
‫من ن َ َ‬
‫ة )‪ (2‬تميلون بهما حيثما مال الهوى‬
‫تجعلوا الولية والعداوة ط َب ْعِي ّ ً‬
‫)‪(3‬‬
‫ن[ }تابوا{‪ :‬عن‬
‫مارة بالسوء‪ ،‬ولهذا ]إ ْ‬
‫وتّتبعون فيها النفس ال ّ‬
‫صلة وآتوا الزكاة‬
‫شركهم ورجعوا إلى اليمان‪} ،‬وأقاموا ال ّ‬
‫وا تلك العداوة إذ كانوا مشركين؛‬
‫فإخوانكم في الدين{‪ :‬وتنا َ‬
‫س ْ‬
‫ما‬
‫لتكونوا عباد الّله المخلصين‪ ،‬وبهذا يكون العبد عبدا ً حقيق ً‬
‫ة‪ .‬لـ ّ‬
‫ضح أحكاما ً‬
‫ضح منها ما و ّ‬
‫بّين من أحكامه العظيمة ما بّين‪ ،‬وو ّ‬
‫ح ْ‬
‫وح َ‬
‫صل اليات{؛ أي‪ :‬نوضحها‬
‫حكم ً‬
‫كما ً و ِ‬
‫كما ً و ُ‬
‫ة؛ قال‪} :‬ونف ّ‬
‫ونميزها }لقوم يعلمون{‪ :‬فإليهم سياق الكلم‪ ،‬وبهم ُتعرف‬
‫م‬
‫اليات والحكام‪ ،‬وبهم ُ‬
‫عرف دين السلم وشرائع الدين‪ .‬الله ّ‬
‫اجعلنا من القوم الذين يعلمون ويعملون بما يعلمون برحمتك‬
‫وجودك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين!‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬جعلوهم«‪.‬‬

‫‪ - 2‬في )ب(‪» :‬طبيعّية«‪.‬‬
‫‪3‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬فيهما«‪.‬‬

‫ﭽ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ‬
‫ﯱﯧﯧ ﯷ‬
‫ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧﯨ ﯩﯪﯧﯧ ﯫﯧﯧ ﯬﯧﯧ ﯭﯧﯧ ﯮﯧﯧ ﯯﯧﯧ ﯰﯧﯧ‬
‫ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ‬
‫ﭥﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭼ ‪.‬‬
‫ن المعاهدين من المشركين‬
‫}‪{12‬يقول تعالى بعدما ذكر أ ّ‬
‫إن استقاموا على عهدهم فاستقيموا لهم على الوفاء‪} :‬وإن‬
‫نَ َ‬
‫كثوا أيماَنهم من بعد عِهدهم{؛ أي‪ :‬نقضوها وحّلوها؛ فقاتلوكم أو‬
‫أعانوا على قتالكم أو نقصوكم‪} ،‬وطعنوا في دينكم{؛ أي‪ :‬عابوه‬
‫جهة إلى‬
‫وسخروا منه‪ ،‬ويد ُ‬
‫خل في هذا جميع أنواع الطعن المو ّ‬
‫مة الكفر{؛ أي‪ :‬القادة فيه‪،‬‬
‫الدين أو إلى القرآن‪} ،‬فقاِتلوا أئ ّ‬
‫الرؤساء الطاعنين في دين الرحمن‪ ،‬الناصرين لدين الشيطان‪.‬‬
‫ن غيرهم ت َب َعٌ لهم‪ ،‬وليد ّ‬
‫ل على‬
‫صهم بالذكر لعظم جنايتهم ول ّ‬
‫وخ ّ‬
‫دى للرد ّ عليه فإنه من أئمة الكفر‪.‬‬
‫ن في الدين‪ ،‬وتص ّ‬
‫أن َ‬
‫من ط َعَ َ‬
‫ن لهم{؛ أي‪ :‬ل عهود ول مواثيق يلزمون على‬
‫}إنهم ل أْيما َ‬
‫الوفاء بها‪ ،‬بل ل يزالون خائنين ناكثين للعهد ل يوثق منهم‪.‬‬
‫ن{‪ :‬عن الطعن في دينكم‪،‬‬
‫}لعّلهم{‪ :‬في قتالكم إياهم }ينتهو َ‬
‫وربما دخلوا فيه‪.‬‬
‫ث على قتالهم وهّيج المؤمنين بذكر الوصاف‬
‫}‪ {13‬ثم ح ّ‬
‫التي صدرت من هؤلء العداء‪ ،‬والتي هم موصوفون بها‪،‬‬
‫المقتضية لقتالهم‪ ،‬فقال‪} :‬أل تقاتلون قوما ً ن َ َ‬
‫موا‬
‫كثوا أْيمانهم و َ‬
‫هـ ّ‬
‫موا‬
‫بإخراج الرسول{‪ :‬الذي يجب احترامه وتوقيره وتعظيمه‪ ،‬وهـ ّ‬
‫)‪ (1‬أن يجلوه ويخرجوه من وطنه‪ ،‬وسعوا في ذلك ما أمكنهم‪،‬‬
‫}وهم بدؤوكم أول مرة{‪ :‬حيث نقضوا العهود‪ ،‬وأعانوا عليكم‬
‫وذلك حيث أعانت )‪ (2‬قريش وهم معاهدون بني بكرٍ حلفاءهم‬
‫على خزاعة حلفاء رسول الّله صلى الله عليه وسلم‪ ،‬وقاتلوا‬
‫معهم كما هو مذكوٌر مبسو ٌ‬
‫ط في السيرة‪} .‬أتخ َ‬
‫شوَْنهم{‪ :‬في‬
‫ّ )‪(3‬‬
‫خ َ‬
‫وه إن كنتم مؤمنين{‪ :‬فالله‬
‫ترك قتالهم؟ }فالّله أحقّ أن َتـ ْ‬
‫ش ْ‬
‫أمركم بقتالهم‪ ،‬وأ ّ‬
‫كد ذلك عليكم غاية التأكيد؛ فإن كنتم مؤمنين؛‬
‫فامتثلوا لمر الّله‪ ،‬ول تخشوهم فتتركوا أمر الّله‪.‬‬
‫}‪ {14‬ثم أمر بقتالهم‪ ،‬وذكر ما يترتب على قتالهم من‬
‫ض للمؤمنين على قتالهم فقال‪:‬‬
‫الفوائد وكل هذا ح ّ‬
‫ث وإنها ٌ‬
‫هم{‪ :‬إذا نصركم‬
‫ه بأيديكم{‪ :‬بالقتل‪} ،‬وُيـ ْ‬
‫خزِ ِ‬
‫}قاتلوهم يعذ ّْبهم الل ّ ُ‬
‫الّله عليهم‪ ،‬وهم العداء الذين يطلب خزيهم ويحرص عليه‪،‬‬
‫‪ - 1‬في )ب(‪» :‬وهم هّموا«‪.‬‬
‫‪ - 2‬في )ب(‪» :‬عاونت«‪.‬‬
‫‪3‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬فإنه«‪.‬‬

‫صْركم عليهم{‪ :‬هذا وعد ٌ من الّله وبشارة ٌ قد أنجزها‪،‬‬
‫}وَين ُ‬
‫}وي َ ْ‬
‫ف صدور قوم مؤمنين{‪.‬‬
‫ش ِ‬
‫ب غي َ‬
‫ن في قلوبهم من الحنق‬
‫ظ قلوِبهم{‪ :‬فإ ّ‬
‫}‪} {15‬وي ُذ ْه ِ ْ‬
‫والغيظ عليهم ما يكون قتالهم وقتُلهم شفاًء لما في قلوب‬
‫م؛ إذ ي ََرْون هؤلء العداء محاربين لّله‬
‫م واله ّ‬
‫المؤمنين من الغ ّ‬
‫ولرسوله‪ ،‬ساعين في إطفاء نور الّله‪ ،‬وزوال ً للغيظ الذي في‬
‫قلوبكم )‪ . (1‬وهذا يد ّ‬
‫ل على محبة الّله للمؤمنين )‪ ، (2‬واعتنائه‬
‫بأحوالهم‪ ،‬حتى إنه جعل من جملة المقاصد الشرعّية شفاء ما‬
‫من‬
‫في صدورهم وذهاب غيظهم‪ .‬ثم قال‪} :‬ويتو ُ‬
‫ب الّله على َ‬
‫يشاء{‪ :‬من هؤلء المحاربين؛ بأن يوّفقهم للدخول في السلم‬
‫ويزّينه في قلوبهم ويكّره إليهم الكفر والفسوق والعصيان‪.‬‬
‫ح‬
‫م{‪ :‬يضع الشياء مواضعها‪ ،‬ويعلم من يصل ُ ُ‬
‫م حكي ٌ‬
‫}والّله علي ٌ‬
‫ح فيبقيه في غّيه وطغيانه‪.‬‬
‫لليمان فيهديه‪ ،‬ومن ل يصل ُ ُ‬
‫ﭽﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ‬
‫ﭼ ﭽ ﭾﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﭼ ‪.‬‬
‫}‪ {16‬يقول تعالى لعباده المؤمنين بعدما أمرهم بالجهاد‪:‬‬
‫ن‬
‫}أم حسبُتم أن ت ُت َْركوا{‪ :‬من دون ابتلء وامتحان وأمر بما َيبيـ ُ‬
‫ه الذين جاهدوا منكم{؛ أي‪:‬‬
‫به الصادقُ والكاذب‪} ،‬ولما ي َعْل َم ِ الل ّ ُ‬
‫علما ً يظهر مما في القوة إلى الخارج؛ ليترّتب عليه الثواب‬
‫والعقاب‪ ،‬فيعلم الذين يجاهدون في سبيله لعلء كلمته‪} ،‬ولم‬
‫ة{؛ أي‪ :‬ولّيا‬
‫ن َوليج ً‬
‫يّتخذوا من دون الّله ول رسول ِهِ ول المؤمني َ‬
‫من الكافرين‪ ،‬بل يّتخذون الّله ورسوله والمؤمنين أولياء‪ .‬فشرع‬
‫ص َ‬
‫ل به هذا المقصود العظم‪ ،‬وهو أن يتمي َّز‬
‫الّله الجهاد َ ليح ُ‬
‫الصادقون الذين ل يتحّيزون إل ّ لدين الّله من الكاذبين الذين‬
‫يزعمون اليمان وهم يّتخذون الولئج والولياء من دون الّله ول‬
‫رسوله ول المؤمنين‪} .‬والّله خبيٌر بما تعملون{؛ أي‪ :‬يعلم ما‬
‫يصير منكم ويصدر‪ ،‬فيبتليكم بما يظهر به حقيقة ما أنتم عليه‪،‬‬
‫ويجازيكم على أعمالكم خيرها وشّرها‪.‬‬

‫ﭽ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ‬
‫ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩﮪ ﮫ ﮬ‬
‫ﮭ ﮮﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﭼ ‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬في قلوبهم«‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬لعباده المؤمنين«‪.‬‬

‫}‪ {17‬يقول تعالى‪} :‬ما كان{؛ أي‪ :‬ما ينبغي‪ ،‬ول يليق‬
‫مروا مساجد الّله{‪ :‬بالعبادة والصلة وغيرها‬
‫}للمشركين أن ي َعْ ُ‬
‫من أنواع الطاعات‪ ،‬والحا ُ‬
‫ل أنهم شاهدون ومقّرون على أنفسهم‬
‫عـْلـم ِ كثيرٍ منهم أنهم على‬
‫بالكفر بشهادة حالهم وِفطرهم و ِ‬
‫الكفر والباطل؛ فإذا كانوا }شاهدين على أنفسهم بالكفر{ وعدم‬
‫عمون أنهم عماُر‬
‫اليمان الذي هو شرط ل َ‬
‫قبول العمال؛ فكيف يز ُ‬
‫ة؟! ولهذا‬
‫مساجد الّله؛ والصل منهم مفقود ٌ والعمال منهم باطل ٌ‬
‫ت أعمالهم{؛ أي‪ :‬بطلت وضلت‪} .‬وفي النار‬
‫قال‪} :‬أولئك َ‬
‫حب ِط َ ْ‬
‫هم خالدون{‪.‬‬
‫مُر‬
‫مار مساجد الّله‪ ،‬فقال‪} :‬إّنما ي َعْ ُ‬
‫}‪ {18‬ثم ذكر من هم ع ُ ّ‬
‫من آمن بالّله واليوم الخر وأقام الصلة{‪ :‬الواجبة‬
‫مساجد َ الّله َ‬
‫والمستحّبة بالقيام بال ّ‬
‫ظاهر منها والباطن‪} ،‬وآتى الزكاة{‪ :‬لهلها‪،‬‬
‫ف عن ما‬
‫}ولم َيـ ْ‬
‫صَر خشيته على رّبه‪ ،‬فك ّ‬
‫ش إل الّله{؛ أي‪ :‬قَ َ‬
‫خ َ‬
‫ّ‬
‫صر بحقوق الله الواجبة؛ فوصفهم باليمان‬
‫حّرم الّله‪ ،‬ولم يق ّ‬
‫ُ‬
‫مها الصلة والزكاة‪،‬‬
‫النافع‪ ،‬وبالقيام بالعمال الصالحة التي أ ّ‬
‫وبخشية الّله التي هي أصل ك ّ‬
‫مار المساجد على‬
‫ل خير؛ فهؤلء ع ُ ّ‬
‫الحقيقة وأهُلها الذين هم أهلها‪} .‬فعسى أولئك أن يكونوا من‬
‫من لم يؤمن بالّله‬
‫المهتدين{‪ :‬و }عسى{ من الّله واجب ٌ‬
‫ة‪ ،‬وأما َ‬
‫ة لّله؛ فهذا ليس من عمار مساجد‬
‫ول باليوم الخر ول عنده خشي ٌ‬
‫دعاه‪.‬‬
‫الّله ول من أهلها الذين هم أهُلها‪ ،‬وإن زعم ذلك وا ّ‬
‫ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧﯨ ﯩ‬
‫ﭽﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ‬
‫ﯪﯧﯧ ﯫﯧﯧ ﯬﯧﯧ ﯭﯧﯧ ﯮﯧﯧ ﯯﯧﯧ ﯰﯧﯧ ﯱﯧﯧ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷﯼ ﯽ ﯾ‬
‫ﯿ ﯷ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞﭟ ﭠ ﭡ ﭢ‬
‫ﭣ ﭤ ﭥ ﭼ‪.‬‬
‫ض المسلمين‬
‫ض المسلمين أو بع ُ‬
‫}‪ {19‬لما اختلف بع ُ‬
‫عمارة المسجد الحرام بالبناء‬
‫ض المشركين في تفضيل ِ‬
‫وبع ُ‬
‫ج على اليمان بالّله والجهاد‬
‫والصلة والعبادة فيه وسقاية الحا ّ‬
‫ت بينهما‪ ،‬فقال‪} :‬أجعلُتم‬
‫في سبيله؛ أخبر الّله تعالى بالتفاو ِ‬
‫ج{؛ أي‪ :‬سقيهم الماء من زمزم؛ كما هو المعروف إذا‬
‫سقاي َ‬
‫ِ‬
‫ة الحا ّ‬
‫ن‬
‫أطلق هذا السم أنه المراد‪} ،‬و ِ‬
‫عمارة َ المسجد ِ الحرام كمن آ َ‬
‫م َ‬
‫بالّله واليوم الخر وجاهَد َ في سبيل الّله ل يستوون عند الّله{‪:‬‬
‫فالجهاد ُ واليمان بالّله أفض ُ‬
‫ج وعمارة المسجد‬
‫ل من سقاية الحا ّ‬
‫ن اليمان أص ُ‬
‫ل الدين وبه ُتقبل العمال‬
‫ت كثير ٍ‬
‫الحرام بدرجا ٍ‬
‫ة؛ ل ّ‬
‫ما الجهاد في سبيل الّله؛ فهو ذروة سنام‬
‫وتزكو الخصال‪ ،‬وأ ّ‬
‫ق‬
‫صر الح ّ‬
‫الدين‪] ،‬الذي[ به ُيحفظ الدين السلمي ويّتسع‪ ،‬وي ُن ْ َ‬
‫خ َ‬
‫ج؛‬
‫وُيـ ْ‬
‫ما ِ‬
‫عمارة المسجد الحرام وسقاية الحا ّ‬
‫ذل الباطل‪ ،‬وأ ّ‬

‫ة؛ فهي متوّقفة على اليمان‪ ،‬وليس‬
‫فهي‪ ،‬وإن كانت أعمال ً صالح ً‬
‫فيها من المصالح ما في اليمان والجهاد؛ فلذلك قال‪} :‬ل‬
‫ه ل َيـْهدي القوم الظالمين{؛ أي‪ :‬الذين‬
‫يستوو َ‬
‫ن عند الّله والل ّ ُ‬
‫ُ‬
‫صلحون لقبول شيء من الخير‪ ،‬بل ل‬
‫ص ُ‬
‫م الظل ُ‬
‫فه ُ ُ‬
‫م‪ ،‬الذين ل ي َ ْ‬
‫وَ ْ‬
‫يليق بهم إل الشّر‪.‬‬
‫}‪ {20‬ثم صرح بالفضل فقال‪} :‬الذين آمنوا وهاجروا‬
‫وجاهدوا في سبيل الّله بأموالهم{‪ :‬بالنفقة في الجهاد وتجهيز‬
‫ة عند الّله‬
‫م درج ً‬
‫الغزاة‪} ،‬وأنفسهم{‪ :‬بالخروج بالنفس‪} ،‬أعظ ُ‬
‫وأولئك هم الفائزون{؛ أي‪ :‬ل يفوز بالمطلوب‪ ،‬ول ينجو من‬
‫ن اّتصف بصفاتهم‪ ،‬وتخّلق بأخلقهم‪.‬‬
‫المرهوب إل ّ َ‬
‫م ْ‬
‫}‪} {21‬يب ّ‬
‫ة )‪ (1‬منه وكرما ً وبّرا بهم‬
‫شُرهم رّبهم{‪ :‬رحم ً‬
‫واعتناء ومحبة لهم‪} ،‬برحمة منه{‪ :‬أزال بها عنهم الشرور‪،‬‬
‫وأوصل إليهم بها ك ّ‬
‫ن{‪ :‬منه تعالى عليهم‪ ،‬الذي‬
‫ل خير‪} ،‬ورضوا ٍ‬
‫ح ّ‬
‫ل عليهم رضوانه؛ فل يسخط‬
‫هو أكبر نعيم الجنة وأجّله‪ ،‬في ُ ِ‬
‫م{‪ :‬من ك ّ‬
‫ل ما اشتهته‬
‫عليهم أبدًا‪} ،‬وجنا ٍ‬
‫م مقي ٌ‬
‫ت لهم فيها نعي ٌ‬
‫فه ومقداره إل الّله تعالى‪،‬‬
‫م وص َ‬
‫النفس وت َل َذ ّ العين مما ل ي َعْل َ ُ‬
‫ة‪ ،‬ما بين‬
‫ن الله أعد ّ للمجاهدين في سبيله مائة درج ٍ‬
‫الذي منه أ ّ‬
‫ك ّ‬
‫ة‬
‫ل درجتين كما بين السماء والرض‪ ،‬ولو اجتمع الخلقُ في درج ٍ‬
‫سعَْتهم‪.‬‬
‫واحدةٍ منها؛ ل َوَ ِ‬
‫}‪} {22‬خالدين فيها أبدًا{‪ :‬ل ينتقلون عنها ول يبغون عنها‬
‫حو َ ً‬
‫م{‪ :‬ل ُتستغرب كثرُته على فضل‬
‫ِ‬
‫ن الّله عن َ‬
‫ل‪} .‬إ ّ‬
‫ده أجٌر عظي ٌ‬
‫جب من عظمه وحسنه على من يقول للشيء كن‬
‫الّله‪ ،‬ول ي ُت َعَ ّ‬
‫فيكون‪.‬‬
‫ﭽ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲﭳ ﭴ ﭵ‬
‫ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ‬
‫ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ‬
‫ﭼ‪.‬‬
‫}‪ {23‬يقول تعالى‪} :‬يا أّيها الذين آمنوا{‪ :‬اعملوا بمقتضى‬
‫قم به‪ .‬و }ل‬
‫اليمان؛ بأن توالوا من قام به وتعادوا من لم ي َ ُ‬
‫تّتخذوا آباءكم وإخوانكم{‪ :‬الذين هم أقرب الناس إليكم‪ ،‬وغيرهم‬
‫من باب أولى وأحرى؛ فل تّتخذوهم }أولياء إن استحّبوا{؛ أي‪:‬‬
‫من‬
‫اختاروا على وجه الّرضا والمحّبة‪} ،‬الكفر على اليمان و َ‬
‫يتوّلهم منكم فأولئك هم الظالمون{‪ :‬لّنهم تجّرؤوا على معاصي‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬جودًا«‪.‬‬

‫الّله‪ ،‬واّتخذوا أعداء الّله أولياء‪ ،‬وأص ُ‬
‫ل الولية المحّبة والّنصرة‪،‬‬
‫ن اّتخاذهم أولياء موجب لتقديم طاعتهم على طاعة الّله‬
‫وذلك أ ّ‬
‫ومحبتهم على محبة الله ورسوله‪.‬‬
‫}‪ {24‬ولهذا ذكر السبب الموجب لذلك‪ ،‬وهو أن محّبة الّله‬
‫ل شيء‪ ،‬وجع ُ‬
‫ورسوله يتعيّـن تقديمُهما )‪ (1‬على محّبة ك ّ‬
‫ل جميع‬
‫ة لهما‪ ،‬فقال‪} :‬ق ْ‬
‫ل إن كان آباؤكم{‪ :‬ومثلهم المهات‪،‬‬
‫الشياء تابع ً‬
‫)‪(2‬‬
‫}وإخواُنكم{ ‪ :‬في النسب والعشرة‪} ،‬وأزواجكم‬
‫وعشيرتكم{؛ أي‪ :‬قراباتكم عمومًا‪} ،‬وأموا ٌ‬
‫ل اقْت ََرفُْتموها{؛ أي‪:‬‬
‫صها بال ّ‬
‫ذكر لنها أرغب عند‬
‫اكتسبتموها وتعبتم في تحصيلها‪ ،‬خ ّ‬
‫ب‬
‫أهلها‪ ،‬وصاحبها أشد ّ حرصا ً عليها مـ ّ‬
‫من تأتيه الموال من غير تع ٍ‬
‫د‪} .‬وتجارة ٌ تخ َ‬
‫ون كسادها{؛ أي‪ :‬رخصها ونقصها‪ ،‬وهذا‬
‫ول ك ّ‬
‫ش ْ‬
‫شام ٌ‬
‫ل لجميع أنواع التجارات والمكاسب من عروض التجارات‬
‫من الثمان والواني والسلحة والمتعة والحبوب والحروث‬
‫سنها وزخرفتها‬
‫ح ِ‬
‫ضوَْنها{‪ :‬من ُ‬
‫ن تر َ‬
‫والنعام وغير ذلك‪} .‬ومساك ُ‬
‫ب إليكم من الّله‬
‫وموافقتها لهوائكم؛ فإن كانت هذه الشياء }أح ّ‬
‫ة‪} ،‬فترّبصوا{؛ أي‪:‬‬
‫س َ‬
‫م ٌ‬
‫ق ٌ‬
‫ورسول ِهِ وجهاد ٍ في سبيله{‪ :‬فأنتم فَ َ‬
‫ة ظ َل َ َ‬
‫ح ّ‬
‫ي الّله بأمره{‪ :‬الذي‬
‫انتظروا ما ي َ ِ‬
‫ل بكم من العقاب‪} ،‬حّتى يأت َ‬
‫مَرد ّ له‪} .‬والّله ل يهدي القوم الفاسقين{؛ أي‪ :‬الخارجين عن‬
‫ل َ‬
‫دمين على محّبة الّله شيئا ً من المذكورات‪.‬‬
‫طاعة الّله‪ ،‬المق ّ‬
‫وهذه الية الكريمة أعظم دليل على وجوب محّبة الّله‬
‫ورسوله‪ ،‬وعلى تقديمهما على محّبة ك ّ‬
‫ل شيء‪ ،‬وعلى الوعيد‬
‫ن كان شيٌء من ]هذه[‬
‫مقت الكيد على َ‬
‫الشديد والـ َ‬
‫م ْ‬
‫ب إليه من الّله ورسوله وجهاد ٍ في سبيله‪ ،‬وعلمة‬
‫المذكورات أح ّ‬
‫دهما يحّبه الّله ورسوله وليس‬
‫ذلك أّنه إذا عرض عليه أمران‪ :‬أح ُ‬
‫وت عليه‬
‫ى‪ .‬والخُر تحّبه نفسه وتشتهيه ولكّنه يف ّ‬
‫لنفسه فيه هو ً‬
‫محبوبا ً لّله ورسوله أو ينقصه؛ فإّنه إن قدم ما تهواه نفسه على‬
‫م تار ٌ‬
‫ما يحّبه الّله؛ د ّ‬
‫ك لما يجب عليه‪.‬‬
‫ل على أنه ظال ٌ‬
‫ﭽ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣﮤ ﮥ ﮦﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮮ ﮯ ﮰ ﮱ‬
‫ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧﯨ ﯩ ﯪﯧﯧ ﯫﯧﯧ ﯬﯧﯧ‬
‫ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭼ ‪.‬‬
‫ن تعالى على عباده المؤمنين بنصره إياهم في مواطن‬
‫يمت ّ‬
‫كثيرةٍ من مواطن اللقاء ومواضع الحروب والهيجاء‪ ،‬حتى في يوم‬
‫ة ورأوا من التخاذل والفرار‬
‫دت عليهم فيه الزم ُ‬
‫حنين الذي اشت ّ‬
‫ُ‬
‫‪ - 1‬كذا في )ب(‪ ،‬وفي ) أ (‪» :‬تقديمها«‪ .‬والصواب ما أثبت‪.‬‬
‫‪2‬‬

‫‪ -‬كذا في النسختين‪ ،‬دون ذكر }وأبناكم{‪.‬‬

‫ي‬
‫ض على ُر ْ‬
‫حبها و َ‬
‫ما ضاق ْ‬
‫ت عليهم به الر ُ‬
‫سَعتها‪ ،‬وذلك أن النب ّ‬
‫ن اجتمعوا‬
‫ن هوازِ َ‬
‫صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة؛ سمع أ ّ‬
‫ه‪ ،‬فسار إليهم صلى الله عليه وسلم في أصحابه الذين‬
‫لحرب ِ ِ‬
‫ّ‬
‫ن أسلم من الطلقاء أهل مكة‪ ،‬فكانوا اثني عشر‬
‫فتحوا مكة وب َ‬
‫م ْ‬
‫ُ‬
‫ب بعض المسلمين بكثرتهم‪،‬‬
‫ج َ‬
‫ألفًا‪ ،‬والمشركون أربعة آلف‪ ،‬فأع ْ ِ‬
‫وا هم وهوازن؛‬
‫ب اليوم من قّلة‪ ،‬فلما الت َ َ‬
‫وقال بعضهم‪ :‬لن نغل َ‬
‫ق ْ‬
‫ة‪ ،‬فانهزموا ل يلوي أحد ٌ على‬
‫ة واحد ً‬
‫حملوا على المسلمين حمل ً‬
‫د‪ ،‬ولم يبقَ مع رسول الّله صلى الله عليه وسلم إل نحو مائة‬
‫أح ٍ‬
‫رجل ثبتوا معه‪ ،‬وجعلوا يقاتلون المشركين‪ ،‬وجعل النبي صلى‬
‫يل‬
‫الله عليه وسلم ي َُرك ّ ُ‬
‫ض بغلته نحو المشركين ويقول‪» :‬أنا النب ّ‬
‫)‪(1‬‬
‫ب« ‪ .‬ولما رأى من المسلمين ما رأى؛‬
‫ب أنا ابن عبد المط ّل ِ ْ‬
‫ك َذ ِ ْ‬
‫أمر العباس بن عبد المطلب أن ينادي في النصار وبقّية‬
‫مرة! يا‬
‫المسلمين‪ ،‬وكان رفيعَ الصوت‪ ،‬فناداهم‪ :‬يا أصحا َ‬
‫ب ال ّ‬
‫س ُ‬
‫د‪،‬‬
‫أهل سورةِ البقرة! فلما سمعوا صوَته؛ عطفوا عطفة رجل واح ٍ‬
‫ة‪،‬‬
‫ة شنيع ً‬
‫فاجتلدوا مع المشركين‪ ،‬فهزم الّله المشركين هزيم ً‬
‫وا على معسكرهم ونسائهم وأموالهم‪.‬‬
‫واستول َ ْ‬
‫ن‬
‫}‪ {25‬وذلك قوله تعالى‪} :‬لقد ن َ َ‬
‫صَركم الّله في مواط َ‬
‫م للمكان الذي كانت فيه الوقعة بين‬
‫كثيرةٍ ويو َ‬
‫ن{‪ :‬وهو اس ٌ‬
‫م حني ٍ‬
‫ن عنكم شيئًا{؛ أي‪:‬‬
‫مكة والطائف‪} ،‬إذ أعجبْتكم كثرُتكم فلم ت ُغْ ِ‬
‫دكم شيئا ً قليل ً ول كثيرًا‪} ،‬وضاقت عليكم الرض{‪ :‬ـ بما‬
‫لم ت ِ‬
‫ف ْ‬
‫ت{؛ أي‪ :‬على‬
‫م حين انهزمتم ـ }بما َر ُ‬
‫حب َ ْ‬
‫م والغ ّ‬
‫أصابكم من اله ّ‬
‫ن{؛ أي‪ :‬منهزمين‪.‬‬
‫ُر ْ‬
‫حبها و َ‬
‫سَعتها‪} ،‬ثم وّلـْيتم مدبري َ‬
‫}‪} {26‬ثم أنزل الّله سكين ََته على رسوله وعلى‬
‫ت القلقل‬
‫المؤمنين{‪ :‬والسكين ُ‬
‫ة‪ :‬ما يجعله الّله في القلوب وق َ‬
‫ظعات مما يثّبتها ويس ّ‬
‫ة‪ ،‬وهي‬
‫م ْ‬
‫كنها ويجعلها مطمئن ً‬
‫ف ِ‬
‫والزلزل والـ ُ‬
‫من نعم الّله العظيمة على العباد‪} ،‬وأنزل جنودا ً لم ت ََرْوها{‪ :‬وهم‬
‫ة للمسلمين يوم حنين يثّبتونهم‬
‫ة‪ ،‬أنزلهم الّله معون ً‬
‫الملئك ُ‬
‫شرونهم بالنصر‪} ،‬وع ّ‬
‫ويب ّ‬
‫ذب الذين كفروا{‪ :‬بالهزيمة والقتل‬
‫واستيلء المسلمين على نسائهم وأولدهم وأموالهم‪} .‬وذلك‬
‫جزاء الكافرين{‪ :‬يع ّ‬
‫دهم في الخرة‬
‫ذبهم الّله في الدنيا‪ ،‬ثم ير ّ‬
‫إلى عذاب غليظ‪.‬‬
‫ب الّله من بعد ذلك على من يشاُء{‪ :‬فتاب‬
‫}‪} {27‬ثم يتو ُ‬
‫من كانت الوقعة عليهم‪ ،‬وأتوا إلى النبي صلى‬
‫الّله على كثيرٍ مـ ّ‬
‫الله عليه وسلم مسلمين تائبين‪ ،‬فرد ّ عليهم نساءهم وأولدهم‪.‬‬
‫ة‪ ،‬يعفو‬
‫م{؛ أي‪ :‬ذو مغفرةٍ واسعةٍ ورحمةٍ عام ٍ‬
‫}والّله غفوٌر رحي ٌ‬
‫‪ - 1‬أخرجه مسلم )‪ 1775‬و ‪.(1776‬‬

‫عن الذنوب العظيمة للتائبين‪ ،‬ويرحمهم بتوفيقهم للتوبة والطاعة‬
‫ن أحد ٌ من رحمته‬
‫والصفح عن جرائمهم وَقبول توباتهم‪ ،‬فل ييأس ّ‬
‫ومغفرته‪ ،‬ولو فعل من الذنوب والجرام ما فعل‪.‬‬
‫ﭽ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ‬
‫ﭶﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭼ ‪.‬‬
‫ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ‬
‫}‪ {28‬يقول تعالى‪} :‬يا أّيها الذين آمنوا إنما المشركون{‪:‬‬
‫س{؛ أي‪ :‬خبثاء في عقائدهم‬
‫بالّله‪ ،‬الذين عبدوا معه غيره }ن َ َ‬
‫ج ٌ‬
‫ة ل تنفع ول‬
‫من كان يعبد مع الّله آله ً‬
‫وأعمالهم‪ ،‬وأيّ نجاسة أبلغُ م ّ‬
‫تضّر ول تغني عنه شيئًا‪ ،‬وأعمالهم ما بين محاربةٍ لّله وصد ّ عن‬
‫سبيل الّله ونصرٍ للباطل ورد ّ للحق وعمل بالفساد في الرض ل‬
‫في الصلح؟! فعليكم أن تطّهروا أشرف البيوت وأطهرها عنهم؛‬
‫}فل يقَربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا{‪:‬وهو سنة تسع من‬
‫ي صلى الله‬
‫الهجرة‪ ،‬حين ح ّ‬
‫ج بالناس أبو بكر الصديق‪ ،‬وبعث النب ّ‬
‫عليه وسلم ابن عمه علّيا أن يؤ ّ‬
‫ج الكبر ببراءة‪ ،‬فنادى‬
‫ذن يوم الح ّ‬
‫)‪(1‬‬
‫ج بعد العام مشر ٌ‬
‫ن ‪ .‬وليس‬
‫ك ول يطوف بالبيت ُ‬
‫عريا ٌ‬
‫أن ل يح ّ‬
‫ة البدن؛ فإن الكافر كغيره طاهر البدن؛ بدليل أن‬
‫المراد هنا نجاس َ‬
‫الّله تعالى أباح وطء الكتابّية ومباشرتها‪ ،‬ولم يأمر بغسل ما‬
‫فار‪ ،‬ولم‬
‫أصاب منها )‪ ، (2‬والمسلمون ما زالوا يباشرون أبدان الك ّ‬
‫ذروا منها تق ّ‬
‫قل عنهم أنهم تق ّ‬
‫ذرهم من النجاسات‪ ،‬وإنما المراد‬
‫ي ُن ْ َ‬
‫دم نجاستهم المعنوّية بالشرك؛ فكما أن التوحيد واليمان‬
‫كما تق ّ‬
‫ة‪.‬‬
‫ة؛ فالشرك نجاس ٌ‬
‫طهار ٌ‬
‫ة{؛ أي‪ :‬فقرا ً‬
‫خ ْ‬
‫فُتم{‪ :‬أّيها المسلمون‪} ،‬ع َي ْل َ ً‬
‫وقوله‪} :‬وإن ِ‬
‫وحاجة من منع المشركين من ُقربان المسجد الحرام؛ بأن تنقطع‬
‫السباب التي بينكم وبينهم من المور الدنيوّية‪} ،‬فسوف ُيغنيكم‬
‫الّله من فضله{‪ :‬فليس الرزق مقصورا ً على باب واحد ومح ّ‬
‫ل‬
‫ب كثيرة؛ فإن فضل‬
‫ح غيُره أبوا ٌ‬
‫ب؛ إل ّ وفُت ِ َ‬
‫واحد‪ ،‬بل ل ينغلق با ٌ‬
‫)‪(3‬‬
‫الّله واسع‪ ،‬وجوده عظيم‪ ،‬خصوصا ً لمن ترك شيئا ً لوجه‬
‫ن الّله‬
‫ن الّله أكرم الكرمين‪ ،‬وقد أنجز الّله وعده؛ فإ ّ‬
‫الكريم؛ فإ ّ‬
‫َ‬
‫سط لهم من الرزاق ما كانوا من‬
‫أغنى المسلمين من فضله‪ ،‬وب َ َ‬
‫أكبر الغنياء والملوك‪ .‬وقوله‪} :‬إن شاء{‪ :‬تعليقُ للغناء‬
‫بالمشيئة؛ لن الغنى في الدنيا ليس من لوازم اليمان‪ ،‬ول يد ّ‬
‫ل‬
‫ن الّله يعطي الدنيا‬
‫على محّبة الّله؛ فلهذا عّلقه الّله بالمشيئة؛ فإ ّ‬
‫ب‪.‬‬
‫ب ومن ل يحب‪ ،‬ول يعطي اليمان والدين إل من يح ّ‬
‫من يح ّ‬
‫‪ - 1‬سبق تخريجه‪.‬‬
‫‪ - 2‬في )ب(‪» :‬ولم يأمر يغتسل مما أصاب منها«‪.‬‬
‫‪ - 3‬في )ب(‪» :‬لوجهه«‪.‬‬

‫من َيليق به الغنى‬
‫م{؛ أي‪ :‬علمه واس ٌ‬
‫}إ ّ‬
‫ع‪ ،‬يعلم َ‬
‫م حكي ٌ‬
‫ن الّله علي ٌ‬
‫زلها منازلها‪.‬‬
‫و َ‬
‫من ل َيليق‪ ،‬ويضع الشياء مواضعها‪ ،‬وين ِ‬
‫وتد ّ‬
‫ل الية الكريمة ـ وهي قوله‪} :‬فل ي َ ْ‬
‫قَربوا المسجد َ‬
‫ن المشركين بعدما كانوا هم الملوك‬
‫الحرام بعد عامهم هذا{ ـ أ ّ‬
‫والرؤساء بالبيت‪ ،‬ثم صار بعد الفتح الحكم لرسول الّله‬
‫والمؤمنين مع إقامتهم في البيت ومكة المكرمة‪ ،‬ثم نزلت هذه‬
‫جَلوا من‬
‫ي صلى الله عليه وسلم؛ أمر أن ُيـ ْ‬
‫الية‪ ،‬ولما مات النب ّ‬
‫الحجاز؛ فل يبقى فيها دينان‪ ،‬وكل هذا لجل ب ُعْد ِ ك ّ‬
‫ل كافر عن‬
‫المسجد الحرام‪ ،‬فيدخل في قوله‪} :‬فل يقربوا المسجد الحرام‬
‫بعد عامهم هذا{‪.‬‬
‫ﭽﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ‬
‫ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﭼ‪.‬‬
‫}‪ {29‬هذه الية أمٌر بقتال الكفار من اليهود والنصارى من‬
‫دقونه‬
‫}الذين ل يؤمنون بالّله ول باليوم الخر{‪ :‬إيمانا ً صحيحا ً يص ّ‬
‫بأفعالهم وأعمالهم‪} ،‬ول يحّرمون ما حّرم الّله{‪ :‬فل يّتبعون‬
‫ق{؛ أي‪ :‬ل‬
‫شرعه في تحريم المحرمات‪} ،‬ول َيدينون دين الح ّ‬
‫ن غير‬
‫يدينون بالدين الصحيح‪ ،‬وإن زعموا أنهم على دين؛ فإنه دي ُ‬
‫دل وهو الذي لم يشرعه الّله أص ً‬
‫ما‬
‫الحق؛ لنه ما بين دين مب ّ‬
‫ل‪ ،‬وإ ّ‬
‫ن منسو ٌ‬
‫خ قد شرعه الّله ثم غّيره بشريعة محمد صلى الله‬
‫دي ٌ‬
‫مَره ُ بقتال‬
‫عليه وسلم‪ ،‬فيبقى التم ّ‬
‫سك به بعد النسخ غير جائز‪ .‬فأ َ‬
‫ث على ذلك لّنهم يدعون إلى ما هم عليه‪ ،‬ويحصل‬
‫هؤلء وح ّ‬
‫الضرر الكثير منهم للناس‪ ،‬بسبب أنهم أهل كتاب‪ .‬وغ َّيا ذلك‬
‫ة{؛ أي‪ :‬المال الذي يكون جزاًء لترك‬
‫القتال‪} :‬حتى ُيعطوا الجزي َ‬
‫المسلمين قتالهم وإقامتهم آمنين على أنفسهم وأموالهم بين‬
‫ل عام ك ّ‬
‫أظهر المسلمين‪ ،‬يؤخذ منهم ك ّ‬
‫ل على حسب حاله من‬
‫غني وفقير ومتوسط؛ كما فعل ذلك أمير المؤمنين عمر بن‬
‫د{؛ أي‪ :‬حتى‬
‫الخطاب وغيره من أمراء المؤمنين‪ .‬وقوله‪} :‬عن ي ٍ‬
‫)‪(2‬‬
‫يبذلوها )‪ (1‬في حال ذ ُّلهم‪ ،‬وعدم اقتدارهم‪ ،‬ويعطوها بأيديهم‪،‬‬
‫فل يرسلون بها خادمًا‪ ،‬ول غيره‪ ،‬بل ل ُتقبل إل ّ من أيديهم‪} .‬وهم‬
‫قّروهم‬
‫ن{‪ :‬فإذا كانوا بهذه الحال‪ ،‬وسألوا المسلمين أن ي ُ ِ‬
‫صاغرو َ‬
‫بالجزية وهم تحت أحكام المسلمين وقهرهم‪ ،‬وحال المن من‬
‫شّرهم وفتنتهم‪ ،‬واستسلموا للشروط التي أجراها عليهم‬
‫صغارهم؛‬
‫المسلمون‪ ،‬مما ينفي عّزهم وتكب َّرهم وتوجب ذّلهم و َ‬
‫دها لهم‪ ،‬و إل ّ ؛ بأن لم يفوا ولم‬
‫وجب على المام أو نائبه أن يعق َ‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫ في )ب(‪» :‬يبذلونها«‪.‬‬‫‪ -‬في )ب(‪» :‬يعطونها«‪.‬‬

‫جْز إقرارهم بالجزية‪،‬‬
‫يعطوا الجزية عن يد ٍ وهم صاغرون؛ لم َيـ ُ‬
‫سِلموا‪.‬‬
‫بل يقاَتلون حتى ي ُ ْ‬
‫واستدل بهذه الية الجمهور الذين يقولون‪ :‬ل تؤخذ الجزية‬
‫ما‬
‫إل ّ من أهل الكتاب؛ ل ّ‬
‫ن الّله لم يذكر أخذ الجزية إل ّ منهم‪ ،‬وأ ّ‬
‫حق بأهل الكتاب‬
‫غيرهم؛ فلم يذكر إل قتالهم حتى يسلموا‪ .‬وأ ُل ْ ِ‬
‫ن‬
‫في أخذ الجزية وإقرارهم في ديار المسلمين المجوس؛ فإ ّ‬
‫جَر‪ ،‬ثم‬
‫ي صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هَ َ‬
‫النب ّ‬
‫)‪(1‬‬
‫أخذها أمير المؤمنين عمر من الفرس المجوس ‪.‬‬
‫وقيل‪ :‬إن الجزية ُتؤخذ من سائر الكفار من أهل الكتاب‬
‫ن هذه الية نزلت بعد الفراغ من قتال العرب‬
‫وغيرهم؛ ل ّ‬
‫المشركين والشروع في قتال أهل الكتاب ونحوهم‪ ،‬فيكون هذا‬
‫القيد إخبارا ً بالواقع ل مفهوما ً له‪ ،‬ويد ّ‬
‫ل على هذا أن المجوس‬
‫أخذت منهم الجزية وليسوا أهل كتاب‪ ،‬ولّنه قد تواتر عن‬
‫دعون من يقاتلونهم‬
‫ن بعدهم أنهم ي َ ْ‬
‫المسلمين من الصحابة و َ‬
‫م ْ‬
‫ما السلم‪ ،‬أو أداء الجزية‪ ،‬أو السيف؛ من غير‬
‫إلى إحدى ثلث‪ :‬إ ّ‬
‫ي وغيره‪.‬‬
‫فرق بين كتابـ ّ‬
‫ﭽ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤﮥ ﮦ ﮧ ﮨﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮮ ﮯﮰ‬
‫ﮱ ﯓﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧﯨ ﯩ ﯪﯧﯧ ﯫﯧﯧ‬
‫ﭜ ﭝ‬
‫ﭚ ﭛ‬
‫ﯬﯧﯧﯭﯧﯧ ﯮﯧﯧ ﯯﯧﯧ ﯰﯧﯧ ﯱﯧﯧ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ‬
‫ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭼ‪.‬‬
‫}‪ {30‬لما أمر تعالى بقتال أهل الكتاب ذكر من أقوالهم‬
‫الخبيثة ما يهيج المؤمنين الذين يغارون لربهم ولدينه على قتالهم‬
‫ت اليهود عزيٌر ابن‬
‫والجتهاد وبذل الوسع فيه‪ ،‬فقال‪} :‬وقال ِ‬
‫ة‬
‫متهم؛ فقد قالها فرق ٌ‬
‫الّله{‪ :‬وهذه المقالة وإن لم تكن مقالة لعا ّ‬
‫منهم‪ ،‬فيد ّ‬
‫ن في اليهود من الخبث والشّر ما‬
‫ل ذلك على أ ّ‬
‫أوصلهم إلى أن قالوا هذه المقالة التي تجرؤوا فيها على الّله‬
‫دعائهم في عزير‬
‫وتن ّ‬
‫قصوا عظمته وجلله‪ .‬وقد قيل‪ :‬إن سبب ا ّ‬
‫أنه ابن الّله‪ :‬أنه لما تسّلط )‪ (2‬الملوك على بني إسرائيل‬
‫ومّزقوهم ك ّ‬
‫عزيرا ً بعد ذلك‬
‫جدوا ُ‬
‫مل َ َ‬
‫ة التوراة؛ وَ َ‬
‫ل ممّزق وقتلوا َ‬
‫حـ َ‬
‫)‪(3‬‬
‫سخوها‪.‬‬
‫حافظا ً لها أو أكثرها ‪ ،‬فأملها عليهم من حفظ ِ ِ‬
‫ه‪ ،‬واستن َ‬
‫دعوا فيه هذه الدعوى الشنيعة‪ .‬وقالت النصارى‪ :‬عيسى ابن‬
‫فا ّ‬
‫ن الّله{‪ ،‬قال الّله تعالى‪} :‬ذلك{‪ :‬القول الذي قالوه‪،‬‬
‫مريم }اب ُ‬
‫ن كان ل‬
‫}قوُلهم بأفواه ِِهم{‪ :‬لم يقيموا عليه ح ّ‬
‫جة ول برهانًا‪ ،‬و َ‬
‫م ْ‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫ أخرجه البخاري )‪.(3157‬‬‫ في )ب(‪» :‬لما سلط«‪.‬‬‫‪ -‬في )ب(‪» :‬أو لكثرها«‪.‬‬

‫ب عليه أي قول يقوله؛ فإنه ل دين ول‬
‫ست َغَْر ُ‬
‫ُيبالي بما يقول ل ي ُ ْ‬
‫هئون{؛ أي‪:‬‬
‫جُزه عما يريد من الكلم‪ ،‬ولهذا قال‪} :‬يضا ِ‬
‫عقل يح ُ‬
‫ل الذين كفروا من قب ُ‬
‫يشابهون في قولهـم هذا }قو َ‬
‫ل{؛ أي‪:‬‬
‫قـول المشركيـن الذين يقولـون الملئكة بنات الّله‪ ،‬تشابهت‬
‫قلوبهم فتشابهت أقوالهم في البطلن‪} .‬قاتلهم الّله أّنى‬
‫ُيؤف َ‬
‫ن{؛ أي‪ :‬كيف ُيصرفون عن الحقّ الصرف الواضح المبين‬
‫كو َ‬
‫إلى القول الباطل المبين؟!‬
‫}‪ {31‬وهذا وإن كان ُيستغرب على أمةٍ كبيرةٍ كثيرة أن‬
‫ل على بطلنه أدنى تف ّ‬
‫تّتفق على قول يد ّ‬
‫ط للعقل عليه؛‬
‫كر وتسلي ٍ‬
‫فإن لذلك سببًا‪ ،‬وهو أنهم }اّتخذوا أحبارهم{‪ :‬وهم علماؤهم‪،‬‬
‫}ورهباَنهم{؛ أي‪ :‬العباد المتجردين للعبادة‪} ،‬أربابا ً من دون‬
‫حّلونه‪ ،‬ويحّرمون لهم ما أح ّ‬
‫ل‬
‫حّلون لهم ما حّرم الّله في ُ ِ‬
‫الّله{‪ :‬ي ُ ِ‬
‫الّله فيحّرمونه‪ ،‬وي َ ْ‬
‫شرعون لهم من الشرائع والقوال المنافية‬
‫لدين الرسل‪ ،‬فيّتبعونهم عليها‪ ،‬وكانوا أيضا ً يغلون في مشايخهم‬
‫عبادهم‪ ،‬ويع ّ‬
‫ظمونهم‪ ،‬ويّتخذون قبورهم أوثانا ً ُتعبد من دون الّله‪،‬‬
‫و ُ‬
‫ح ابن مريم{‪:‬‬
‫دعاء والستغاثة‪} .‬والمسي َ‬
‫وُتقصد بالذبائح وال ّ‬
‫اّتخذوه إلها ً من دون الّله‪ ،‬والحال أّنهم خالفوا في ذلك أمر اللهّ‬
‫ُ‬
‫مروا إل ل ِي َعُْبدوا إلها ً واحدا ً ل إله إل ّ‬
‫لهم على ألسنة رسله‪ ،‬فما }أ ِ‬
‫دعاء‪،‬‬
‫صونه بالمحّبة وال ّ‬
‫هو{‪ :‬فُيخلصون له العبادة والطاعة ويخ ّ‬
‫ً‬
‫فنبذوا أمر الّله‪ ،‬وأشركوا به ما لم ي ُن َّز ْ‬
‫ل به سلطانا‪} .‬سبحانه{‪:‬‬
‫دس وتعالت عظمُته عن‬
‫ما ُيشركون{؛ أي‪ :‬تنّزه وتق ّ‬
‫وتعالى }ع ّ‬
‫صفونه بما ل َيليق‬
‫قصونه في ذلك وي ِ‬
‫شركهم وافترائهم؛ فإّنهم ينت ِ‬
‫ب‬
‫بجلله‪ ،‬والّله تعالى العالي في أوصافه وأفعاله عن كل ما ن ُ ِ‬
‫س َ‬
‫دس‪.‬‬
‫إليه مما ُينافي كماله المق ّ‬
‫جة لهم على ما قالوه ول برهانا ً‬
‫ح ّ‬
‫}‪ {32‬فلما تبيّـن أنه ل ُ‬
‫صلوه‪ ،‬وإّنما هو مجّرد قول قالوه وافتراء افتروه؛ أخبر أّنهم‬
‫لما أ ّ‬
‫}يريدون{ بهذا }أن ُيطفئوا نور الّله بأفواههم{‪ :‬ونوُر الّله ديُنه‬
‫ماه الّله نورا ً لّنه‬
‫الذي أرسل به الرسل وأنزل به الكتب‪ ،‬وس ّ‬
‫ق‬
‫م بالح ّ‬
‫ُيستنار به في ظلمات الجهل والديان الباطلة؛ فإّنه عل ٌ‬
‫وعم ٌ‬
‫ن‬
‫ق‪ ،‬وما عداه فإنه بض ّ‬
‫ده؛ فهؤلء اليهود والنصارى و َ‬
‫ل بالح ّ‬
‫م ْ‬
‫فئوا نور الّله بمجَرد‬
‫ضاهاهم ‪ 1‬من المشركين‪ ،‬يريدون أن يط ِ‬
‫ل أص ً‬
‫أقوالهم التي ليس عليها دلي ٌ‬
‫م‬
‫ه إل ّ أن ي ُت ِ ّ‬
‫ل‪} .‬ويأبى الل ّ ُ‬
‫نوره{‪ :‬لنه النور الباهر‪ ،‬الذي ل يمكن لجميع الخلق لو اجتمعوا‬
‫على إطفائ ِهِ أن يطفئوه‪ ،‬والذي أنزله جميع نواصي العباد بيده‪،‬‬
‫من ك ّ‬
‫من يريده بسوء‪ ،‬ولهذا قال‪} :‬ويأبى‬
‫وقد تك ّ‬
‫فل بحفظه ِ‬
‫ل َ‬

‫سَعوا ما أمكنهم في‬
‫م نوره ولو كره الكافرون{‪ :‬و َ‬
‫الّله إل أن ي ُت ِ ّ‬
‫ن سعيهم ل يضّر الحقّ شيئًا‪.‬‬
‫ده وإبطاله؛ فإ ّ‬
‫ر ّ‬
‫فل بإتمامه‬
‫}‪ {33‬ثم بّين تعالى هذا النور الذي قد تك ّ‬
‫وحفظه‪ ،‬فقال‪} :‬هو الذي أرس َ‬
‫ل رسوَله بالهدى{‪ :‬الذي هو العلم‬
‫ق{ الذي هو العمل الصالح‪ ،‬فكان ما بعث الّله‬
‫ن الح ّ‬
‫النافع‪} ،‬ودي ِ‬
‫به محمدا ً صلى الله عليه وسلم مشتمل ً على بيان الحقّ من‬
‫الباطل في أسماء الّله وأوصافه وأفعاله‪ ،‬وفي أحكامه وأخباره‪،‬‬
‫والمر بك ّ‬
‫ل مصلحةٍ نافعة للقلوب والرواح والبدان؛ من إخلص‬
‫الدين لّله وحده‪ ،‬ومحبة الّله وعبادته‪ ،‬والمر بمكارم الخلق‬
‫ومحاسن الشيم والعمال الصالحة والداب النافعة‪ ،‬والنهي عن‬
‫ك ّ‬
‫ل ما يضاد ّ ذلك ويناقضه من الخلق والعمال السّيئة المضّرة‬
‫ق؛‬
‫للقلوب والبدان والدنيا والخرة‪ ،‬فأرسله الّله بالهدى ودين الح ّ‬
‫}ل ِي ُظ ْهَِره ُ على الدين كّله ولو كره المشركون{؛ أي‪ :‬ليعليه على‬
‫سائر الديان؛ بالحجة والبرهان‪ ،‬والسيف والسنان‪ ،‬وإن كره‬
‫ن المكر‬
‫المشركون ذلك‪ ،‬وب ََغوا له الغوائل‪ ،‬ومكروا مكرهم؛ فإ ّ‬
‫)‪(1‬‬
‫ه‬
‫ض ِ‬
‫جَزه وما َ‬
‫من َ ُ‬
‫السيىء ل يضّر إل صاحبه؛ فَوَع ْد ُ الل ّهِ ل بد ّ أن ين ِ‬
‫ل بد ّ أن يقوم به‪.‬‬
‫ﭽ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀﮁ‬
‫ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ‬
‫ﮢ ﮣ ﭼ‪.‬‬
‫ﮗ ﮘ ﮙﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ‬
‫ر‬
‫}‪ {34‬هذا تحذيٌر من الّله تعالى لعباده المؤمنين عن كثي ٍ‬
‫من الحبار والّرهبان؛ أي‪ :‬العلماء والعباد الذين يأكلون أموال‬
‫دون عن سبيل الّله؛ فإّنهم إذا‬
‫الناس بالباطل؛ أي‪ :‬بغير حقّ ويص ّ‬
‫كانت لهم رواتب من أموال الناس‪ ،‬أو ب َذ َ َ‬
‫ل الناس لهم من‬
‫هداهم وهدايتهم‪،‬‬
‫أموالهم؛ فإنه لجل علمهم وعبادتهم ولجل ُ‬
‫دون الناس عن سبيل الله‪ ،‬فيكون أخذهم‬
‫وهؤلء يأخذونها ويص ّ‬
‫سحتا ً و ُ‬
‫ن الناس ما بذلوا لهم من‬
‫ظلمًا؛ فإ ّ‬
‫لها على هذا الوجه ُ‬
‫أموالهم إل ليد ُّلوهم على الطريق المستقيم‪ ،‬ومن أخذهم لموال‬
‫فتوهم‪ ،‬أو يحكموا لهم بغير ما‬
‫الناس بغير حقّ أن ُيعطوهم لي ْ‬
‫حذ َْر منهم هاتان الحالتان‪:‬‬
‫أنزل الّله؛ فهؤلء الحبار والّرهبان ل ِي ُ ْ‬
‫دهم الناس عن سبيل الّله‪.‬‬
‫ق‪ ،‬وص ّ‬
‫أخذهم لموال الناس بغير ح ّ‬
‫}والذين يكِنزون ال ّ‬
‫ضة{؛ أي‪ :‬يمسكونهما‪} ،‬ول‬
‫ذهب والف ّ‬
‫ُينفقونها في سبيل الّله{؛ أي‪ :‬طرق الخير الموصلة إلى الّله‪،‬‬
‫س َ‬
‫كها عن النفقة الواجبة‪ ،‬كأن يمنع‬
‫وهذا هو الكنز المحّرم‪ :‬أن يم ِ‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬ضاهوه«‪.‬‬

‫منها الزكاة أو النفقات الواجبة للزوجات أو القارب أو النفقة في‬
‫سبيل الّله إذا وجبت؛ }فب ّ‬
‫ب أليم{‪.‬‬
‫شْرهم بعذا ٍ‬
‫م ُيحمى عليها{؛ أي‪ :‬على‬
‫سره بقوله‪} :‬يو َ‬
‫}‪ {35‬ثم ف ّ‬
‫أموالهم }في نار جهّنم{‪ :‬فُيحمى كل دينار أو درهم على حدته‪،‬‬
‫ههم وجنوُبهم وظهوُرهم{‪ :‬في يوم القيامة‪ ،‬كلما‬
‫}فُتكوى بها جبا ُ‬
‫ت‪ ،‬في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة‪ ،‬ويقال‬
‫بردت؛ أعيد ْ‬
‫سكم فذوقوا ما كنُتم‬
‫لهم توبيخا ً ولومًا‪} :‬هذا ما كنزُتم لنف ِ‬
‫سكم‪ ،‬وع ّ‬
‫ذبتموها بهذا‬
‫تكِنزو َ‬
‫ن{‪ :‬فما ظلمكم‪ ،‬ولكّنكم ظلمُتم أنف َ‬
‫الكنز‪.‬‬
‫وذكر الّله في هاتين اليتين انحراف النسان في ماله‪،‬‬
‫قه في الباطل الذي ل ُيجدي عليه‬
‫ف َ‬
‫وذلك بأحد أمرين‪ :‬إما أن ين ِ‬
‫نفعًا‪ ،‬بل ل يناُله منه إل الضرر المحض‪ ،‬وذلك كإخراج الموال في‬
‫المعاصي وال ّ‬
‫شهوات التي ل ُتعين على طاعة الّله‪ ،‬وإخراجها‬
‫س َ‬
‫جهِ في‬
‫للصد ّ عن سبيل الّله‪ .‬وإما أن يم ِ‬
‫ك ماله عن إخرا ِ‬
‫ده‪.‬‬
‫الواجبات‪ ،‬والنهي عن الشيء أمٌر بض ّ‬

‫ﭽ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖﯗ ﯘ‬
‫ﯤ ﯥ ﯦﯧ ﯨ ﯩ ﯪﯧﯧ ﯫﯧﯧ ﯬﯧﯧ ﯭﯧﯧ ﭼ ‪.‬‬
‫ﯙ ﯚﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟﯠ ﯡ ﯢ ﯣ‬
‫ن عدة الشهور عند الّله{؛ أي‪ :‬في‬
‫}‪ {36‬يقول تعالى‪} :‬إ ّ‬
‫قضاء الّله وقدره }اثنا عشر شهرًا{‪ :‬وهي هذه الشهور المعروفة‬
‫خل َقَ السموات‬
‫ي‪} ،‬يوم َ‬
‫}في كتاب الّله{؛ أي‪ :‬في حكمه القدر ّ‬
‫در أوقاتها‪ ،‬فقسمها على هذه‬
‫والرض{‪ :‬وأجرى ليلها ونهارها‪ ،‬وق ّ‬
‫حُرم{‪ :‬وهي رجب الفرد‬
‫الشهور الثني عشر شهرًا‪} .‬منها أربع ٌ‬
‫ة ُ‬
‫حُرما ً لزيادة حرمتها‬
‫ت ُ‬
‫وذو القعدة وذو الحجة والمحرم‪ ،‬وسمي ْ‬
‫ن أنفسكم{‪ُ :‬يحتمل أن‬
‫وتحريم القتال فيها‪} .‬فل تظِلموا فيه ّ‬
‫الضمير يعود إلى الثني عشر شهرًا‪ ،‬وأن الّله تعالى بّين أنه‬
‫مَر بطاعته‪ ،‬وي ُ ْ‬
‫شك ََر الّله تعالى على‬
‫جعلها مقادير للعباد‪ ،‬وأن ت ُعْ َ‬
‫حذروا من ظلم أنفسكم‬
‫مّنته بها‪ ،‬وتقييضها لمصالح العباد‪ ،‬فل ْت َ ْ‬
‫ن هذا نهي‬
‫ن الضمير يعود إلى الربعة الحرم‪ ،‬وأ ّ‬
‫فيها‪ .‬وُيحتمل أ ّ‬
‫لهم عن ال ّ‬
‫ظلم فيها خصوصًا‪ ،‬مع النهي عن الظلم ك ّ‬
‫ل وقت؛‬
‫لزيادة تحريمها وكون ال ّ‬
‫ظلم فيها أشد ّ منه في غيرها‪ ،‬ومن ذلك‬
‫النهي عن القتال فيها على قول من قال‪ :‬إن القتال في الشهر‬
‫)‪(1‬‬
‫ه؛ عمل ً بالنصوص العامة في تحريم‬
‫الحرم لم ُينسخ تحريم ُ‬
‫القتال فيها‪ ،‬ومنهم من قال‪ :‬إن تحريم القتال فيها منسوخ أخذا ً‬
‫ة{؛‬
‫ة كما يقاتلوَنكم كافّ ً‬
‫ن كافّ ً‬
‫بعموم نحو قوله‪} :‬وقاتلوا المشركي َ‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬مكر السيئ«‪.‬‬

‫ب العالمين‪ ،‬ول‬
‫أي‪ :‬قاتلوا جميع أنواع المشركين والكافرين بر ّ‬
‫د‪ ،‬بل اجعلوهم كّلهم لكم أعداًء‬
‫صوا أحدا ً منهم بالقتال دون أح ٍ‬
‫تخ ّ‬
‫كما كانوا هم معكم كذلك قد اّتخذوا أهل اليمان أعداًء لهم ل‬
‫ة{ حا ٌ‬
‫ل من الواو‪،‬‬
‫يألونهم من الشّر شيئًا‪ ،‬ويحتمل أن }كافّ ً‬
‫فيكون معنى هذا‪ :‬وقاتلوا جميعكم المشركين‪ ،‬فيكون فيها‬
‫وجوب النفير على جميع المؤمنين‪ ،‬وقد ُنسخت على هذا‬
‫فروا كافة‪ {...‬الية‪.‬‬
‫الحتمال بقوله‪} :‬وما كان المؤمنون ل َِين ِ‬
‫}واعلموا أن الّله مع المتقين{‪ :‬بعونه ونصره وتأييده‪ ،‬فلتحرصوا‬
‫على استعمال تقوى الّله في سّركم وعلنكم والقيام بطاعته‪،‬‬
‫خصوصا ً عند قتال الكفار؛ فإنه في هذه الحال رّبما ترك المؤمن‬
‫العمل بالتقوى في معاملة الكفار العداء المحاربين‪.‬‬

‫ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ‬
‫ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ‬
‫ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭼ ‪.‬‬
‫}‪ {37‬النسيء هو ما كان أه ُ‬
‫ل الجاهلية يستعملونه في‬
‫الشهر الحرم‪ ،‬وكان من جملة بدعهم الباطلة أنهم لما رأوا‬
‫احتياجهم للقتال في بعض أوقات الشهر الحرم؛ رأوا بآرائهم‬
‫دة الشهر الحرم التي حّرم الّله‬
‫الفاسدة أن يحافظوا على ع ّ‬
‫دموه ويجعلوا‬
‫القتال فيها‪ ،‬وأن يؤ ّ‬
‫خروا بعض الشهر الحرم أو يق ّ‬
‫مكانه من أشهر الح ّ‬
‫ل ما أرادوا؛ فإذا جعلوه مكانه؛ أحّلوا القتال‬
‫فيه‪ ،‬وجعلوا الشهر الحلل حرامًا؛ فهذا كما أخبر الّله عنهم أنه‬
‫زيادة ٌ في كفرهم وضللهم؛ لما فيه من المحاذير‪:‬‬
‫منها ‪ :‬أّنهم ابتدعوه من تلقاء أنفسهم‪ ،‬وجعلوه بمنزلة شرع‬
‫الّله ودينه‪ ،‬والّله ورسوله بريئان منه‪.‬‬
‫ومنها ‪ :‬أنهم قلبوا الدين‪ ،‬فجعلوا الحلل حراما ً والحرام‬
‫حل ً‬
‫ل‪.‬‬
‫وهوا على الّله بزعمهم وعلى عباده‪ ،‬ول ََبسوا‬
‫ومنها‪ :‬أنهم م ّ‬
‫عليهم دينهم‪ ،‬واستعملوا الخداع والحيلة في دين الّله‪.‬‬
‫ومنها ‪ :‬أن العوائد المخالفة للشرع مع الستمرار عليها‬
‫ن أنها عوائد حسنة‪ ،‬فحصل‬
‫يزول قبحها عن النفـوس‪ ،‬ورّبـمـا ظ ُ ّ‬
‫من الغلط والضلل ما حصل‪.‬‬
‫ض ّ‬
‫ما ويحّرمونه‬
‫ل به الذين كفروا ي ُ ِ‬
‫ولهذا قال‪} :‬ي ُ َ‬
‫حّلونه عا ً‬
‫م الله{؛ أي‪ :‬ليوافقوها في العدد‪،‬‬
‫ما ِليواطئوا عد ّة َ ما حّر َ‬
‫عا ً‬
‫ن لهم سوُء أعمالهم{؛ أي‪ :‬زينت لهم‬
‫}في ُ ِ‬
‫حّلوا ما حّرم الّله‪ُ .‬زي ّ َ‬
‫الشياطين العمال السيئة‪ ،‬فرأوها حسنة بسبب العقيدة المزّينة‬

‫في قلوبهم‪} .‬والّله ل يهدي القوم الكافرين{؛ أي‪ :‬الذين انصبغ‬
‫الكفر والتكذيب في قلوبهم‪ ،‬فلو جاءتهم ك ّ‬
‫ل آية لم يؤمنوا‪.‬‬
‫ثم قال تعالى‪:‬‬

‫ﭽ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂﮃ ﮄ ﮅ ﮆ‬
‫ﮇ ﮈﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ‬
‫ﮛ ﮜ ﮝﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﭼ ‪.‬‬
‫ن كثيرا ً من هذه السورة الكريمة نزلت في‬
‫}‪ {38‬اعلم أ ّ‬
‫غزوة تبوك‪ ،‬إذ ندب النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين إلى‬
‫سرة )‪، (1‬‬
‫غزو الروم‪ ،‬وكان الوقت حاّرا والزاد قليل ً والمعيشة ع َ ِ‬
‫فحصل من بعض المسلمين من التثاقل ما أوجب أن يعات َِبهم الّله‬
‫ضهم‪ ،‬فقال تعالى‪} :‬يا أّيها الذين آمنوا{‪ :‬أل‬
‫تعالى عليه ويستنهِ َ‬
‫(‬
‫‪2‬‬
‫)‬
‫تعملون بمقتضى اليمان ودواعي اليقين من المبادرة لمر الّله‬
‫والمسارعة إلى رضاه وجهاد أعدائه والنصرة لدينكم؛ فما }لكم‬
‫إذا قي َ‬
‫فروا في سبيل الّله اّثاقَل ُْتم إلى الرض{؛ أي‪:‬‬
‫ل لكم ان ِ‬
‫دعة والسكون فيها‪} .‬أَرضيتم‬
‫تكاسلتم وملتم إلى الرض وال ّ‬
‫من رضي بالدنيا‬
‫بالحياة ال ّ‬
‫دنيا من الخرة{؛ أي‪ :‬ما حاُلكم إل ّ حال َ‬
‫وسعى لها ولم يبال بالخرة؛ فكأنه ما آمن بها‪} .‬فما متاع ُ الحياة‬
‫دمتموها على الخرة }إل ّ قلي ٌ‬
‫ل{‪:‬‬
‫الدنيا{‪ :‬التي مالت بكم وق ّ‬
‫ق‬
‫أفليس قد جعل الّله لكم عقول ً تزنون بها المور؟ وأّيها أح ّ‬
‫باليثار؟! أفليست الدنيا من أولها إلى آخرها ل نسبة لها في‬
‫دا من الدنيا حتى‬
‫الخرة؟! فما مقدار عمر النسان القصير ج ّ‬
‫يجعله الغاية التي ل غاية وراءها فيجع َ‬
‫مه وإرادته‬
‫ه وك ّ‬
‫ده وه ّ‬
‫ل سعي َ ُ‬
‫دنيا )‪ (3‬القصيرة المملوءة بالكدار المشحونة‬
‫دى الحياة ال ّ‬
‫ل يتع ّ‬
‫بالخطار؟! فبأيّ رأي رأيتم إيثارها على الدار الخرة‪ ،‬الجامعة‬
‫لك ّ‬
‫ل نعيم‪ ،‬التي فيها ما تشتهيه النفس وتلذ ّ العين وأنتم فيها‬
‫دنيا على الخرة من وَقََر اليمان في‬
‫خالدون؟! فوالّله ما آثر ال ّ‬
‫ن جزل رأيه‪ ،‬ول من ع ُد ّ من أولي اللباب‪.‬‬
‫قلبه‪ ،‬ول َ‬
‫م ْ‬
‫فروا‬
‫}‪ {39‬ثم توعدهم على عدم النفير‪ ،‬فقال‪} :‬إل ّ َتن ِ‬
‫يع ّ‬
‫دنيا والخرة؛ فإن عدم النفير في حال‬
‫ذبكم عذابا ً أليمًا{‪ :‬في ال ّ‬
‫الستنفار من كبائر ال ّ‬
‫ذنوب الموجبة لشد ّ العقاب؛ لما فيها من‬
‫ن المتخّلف قد عصى الّله تعالى‪ ،‬وارتكب‬
‫المضاّر الشديدة؛ فإ ّ‬
‫ب عن كتاب الّله‬
‫لنهيه‪ ،‬ولم يساعد على نصر دين الله‪ ،‬ول ذ ّ‬
‫وشرعه‪ ،‬ول أعان إخوانه المسلمين على عدّوهم الذي يريد أن‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫ في )ب(‪» :‬الحرام«‪.‬‬‫ انظر »تفسير الطبري« )‪.(14/284‬‬‫داعي«‪.‬‬
‫‪ -‬في )ب(‪» :‬و َ‬

‫يستأصلهم ويمحقَ دينهم‪ ،‬وربما اقتدى به غيره من ضعفاء‬
‫ت في أعضاد من قاموا بجهاد أعداء الّله؛‬
‫اليمان‪ ،‬بل ربما ف ّ‬
‫عده الّله بالوعيد الشديد‪ ،‬فقال‪} :‬إل‬
‫فحقيقٌ بمن هذا حاله أن يتو ّ‬
‫ً‬
‫فروا يعذ ّْبكم عذابا ً أليما ً ويستبد ْ‬
‫ل قوما غيركم{‪ :‬ثم ل يكونوا‬
‫ّ َتن ِ‬
‫فل بنصر دينه وإعلء‬
‫أمثالكم‪} ،‬ول تضّروه شيئًا{؛ فإنه تعالى متك ّ‬
‫كلمته؛ فسواٌء امتثلتم لمر الّله أو ألقيتموه وراءكم ظ ِهْرِّيا‪.‬‬
‫جُزه شيء أراده ول يغالبه‬
‫}والّله على كل شيء قديٌر{‪ :‬ل يع ِ‬
‫د‪.‬‬
‫أح ٌ‬

‫ﭽ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ‬
‫ﯙ ﯚ ﯛ ﯜﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪﯧﯧﯫﯧﯧ ﯬﯧﯧ ﯭﯧﯧ ﯮﯧﯧ ﯯﯧﯧﯰﯧﯧ ﯱﯧﯧ ﯷ ﯷ‬
‫ﯷ ﭼ‪.‬‬
‫}‪ {40‬أي‪ :‬إل تنصروا رسوله محمدا ً صلى الله عليه وسلم؛‬
‫ي عنكم‪ ،‬ل تضّرونه شيئًا؛ فقد نصره في أق ّ‬
‫ل ما يكون‬
‫فالّله غن ّ‬
‫َ‬
‫سَعوا‬
‫موا بقتله و َ‬
‫وَأذ َل ّهِ }إذ أخرجه الذين كفروا{‪ :‬من مكة‪ ،‬لما هـ ّ‬
‫في ذلك وحرصوا أشد ّ الحرص فألجؤوه إلى أن يخرج‪} .‬ثاني‬
‫ن{؛ أي‪ :‬هو وأبو بكر الصديق رضي الّله عنه‪} .‬إذ هما في‬
‫اثني ِ‬
‫)‪(1‬‬
‫الغار{؛ أي‪ :‬لما هربا من مكة؛ لجآ إلى غار ثور في أسفل‬
‫مكة‪ ،‬فمكثا فيه ليبرد عنهما الطلب؛ فهما في تلك الحالة الحرجة‬
‫قة حين انتشر العداء من ك ّ‬
‫ل جانب يطلبونهما‬
‫الشديدة المش ّ‬
‫ليقتلوهما‪ ،‬فأنزل الّله عليهما من نصره ما ل يخ ُ‬
‫طر على البال‪.‬‬
‫}إذ يقو ُ‬
‫ه{‪ :‬أبي بكر لما‬
‫ل{‪ :‬النبي صلى الله عليه وسلم }لصاحب ِ ِ‬
‫ن الّله معنا{‪ :‬بعونه ونصره‬
‫حزن واشتد ّ قل ُ‬
‫نإ ّ‬
‫قه‪} :‬ل تحز ْ‬
‫وتأييده‪} ،‬فأنزل الّله سكين ََته عليه{؛ أي‪ :‬الثبات والطمأنينة‬
‫والسكون المثّبتة للفؤاد‪ ،‬ولهذا لما قلق صاحبه؛ س ّ‬
‫كنه وقال‪ :‬ل‬
‫ن الّله معنا‪} .‬وأّيده بجنود ٍ لم ت ََرْوها{‪ :‬وهي الملئكة‬
‫نإ ّ‬
‫تحز ْ‬
‫الكرام‪ ،‬الذين جعلهم الّله حرسا ً له‪.‬‬
‫ة الذين كفروا السفلى{؛ أي‪ :‬الساقطة‬
‫}وجعل كلم َ‬
‫حْرد ٍ قادرين في‬
‫ن الذين كفروا ]قد[ كانوا على َ‬
‫المخذولة؛ فإ ّ‬
‫ظّنهم على قتل الرسول صلى الله عليه وسلم وأخذه حنقين‬
‫م لهم‬
‫عليه‪ ،‬فعملوا غاية مجهودهم في ذلك‪ ،‬فخذلهم الّله ولم ي ُت ِ ّ‬
‫دهم‪ ،‬بل ول أدركوا شيئا ً منه‪ ،‬ونصر الّله رسوله بدفعه عنه‪،‬‬
‫مقصو َ‬
‫ن النصر على‬
‫وهذا هو النصر المذكور في هذا الموضع؛ فإ ّ‬
‫ه لهم‬
‫م الل ّ ُ‬
‫قسمين‪ :‬نصر المسلمين إذا طمعوا في عدّوهم بأن ي ُت ِ ّ‬
‫ما طلبوا وقصدوا ويستولوا على عدّوهم ويظهروا عليهم‪.‬‬
‫هّ‬
‫صُر الل ِ‬
‫والثاني‪ :‬نصر المستضَعف الذي طمع فيه عدّوه القادر‪ ،‬فن ْ‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬حياته الدنيا«‪.‬‬

‫إياه أن يرد ّ عنه عدّوه‪ ،‬ويدافع عنه‪ ،‬ولعل هذا النصر أنفع‬
‫صُر الل ّهِ رسوَله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين من‬
‫النصرين‪ ،‬ون َ ْ‬
‫ة اللهِ هي العليا{؛ أي‪ :‬كلماته القدرّية‬
‫هذا النوع‪ .‬وقوله‪} :‬وكلم ُ‬
‫وكلماته الدينّية هي العالية على كلمة غيره‪ ،‬التي من جملتها‬
‫صُر رسَلنا والذين‬
‫قوله‪} :‬وكان ح ّ‬
‫صُر المؤمنين{‪} ،‬إّنا لنن ُ‬
‫قا علينا ن َ ْ‬
‫دنا لهم‬
‫ن جن َ‬
‫د{‪} ،‬وإ ّ‬
‫م الشها ُ‬
‫آمنوا في الحياة ال ّ‬
‫دنيا ويوم يقو ُ‬
‫ّ‬
‫الغالبون{؛ فدين الله هو الظاهر العالي على سائر الديان‬
‫بالحجج الواضحة واليات الباهرة والسلطان الناصر‪} .‬والّله‬
‫ب‪} ،‬حكيم{‪ :‬يضعُ الشياء‬
‫ب ول يفوته هار ٌ‬
‫عزيٌز{‪ :‬ل يغالبه مغال ٌ‬
‫ت آخر اقتضته الحكمة‬
‫مواضعها‪ ،‬ويؤ ّ‬
‫خُر نصَر حزبه إلى وق ٍ‬
‫اللهية‪.‬‬
‫وفي هذه الية الكريمة فضيلة أبي بكر الصديق بخصيصة‬
‫لم تكن لغيره من هذه المة‪ ،‬وهي الفوز بهذه المنقبة الجليلة‬
‫والصحبة الجميلة‪ ،‬وقد أجمع المسلمون على أّنه هو المراد بهذه‬
‫دوا من أنكر صحبة أبي بكر للنبي صلى‬
‫الية الكريمة‪ ،‬ولهذا ع ّ‬
‫الله عليه وسلم كافرًا؛ لّنه منكر للقرآن الذي صّرح بها‪ .‬وفيها‬
‫ة السكينة‪ ،‬وأنها من تمام نعمة الّله على العبد في أوقات‬
‫فضيل ُ‬
‫الشدائد والمخاوف التي تطيش لها الفئدة‪ ،‬وأنها تكون على‬
‫حسب معرفة العبد برّبه وثقته بوعد ِهِ الصادق وبحسب إيمانه‬
‫ص عباد الّله‬
‫وشجاعت ِ ِ‬
‫ه‪ .‬وفيها أ ّ‬
‫ن الحزن قد يعرض لخوا ّ‬
‫ن الولى إذا نزل بالعبد أن يسعى في ذهابه عنه؛‬
‫الصديقين‪ ،‬مع أ ّ‬
‫ن للعزيمة‪.‬‬
‫فإنه مضعِ ٌ‬
‫ف للقلب موه ِ ٌ‬
‫ﭠ‬
‫ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ‬
‫ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ‬
‫ﭡ ﭢ ﭣ‬
‫ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭼ‪.‬‬
‫}‪ {41‬يقول تعالى لعباده المؤمنين مهّيجا ً لهم على النفير‬
‫فروا خفافا ً وثقا ً‬
‫ل{‪ :‬في العسر واليسر‪،‬‬
‫في سبيله‪ ،‬فقال‪} :‬ان ِ‬
‫والمنشط والمكره‪ ،‬والحّر والبرد‪ ،‬وفي جميع الحوال‪} ،‬وجاهدوا‬
‫سكم في سبيل الّله{؛ أي‪ :‬ابذلوا جهدكم في ذلك‪،‬‬
‫بأموالكم وأنف ِ‬
‫سَعكم في المال والنفس‪ .‬وفي هذا دلي ٌ‬
‫ل على أنه‬
‫واستفرغوا وُ ْ‬
‫د[ في المال حيث‬
‫كما يجب الجهاد ُ في النفس يجب ]الجها ُ‬
‫اقتضت الحاجة ودعت لذلك‪ .‬ثم قال‪} :‬ذلكم خيٌر لكم إن كنتم‬
‫ن{؛ أي‪ :‬الجهاد في النفس والمال خيٌر لكم من التقاعد‬
‫تعلمو َ‬
‫ن فيه رضا الّله تعالى والفوز بالدرجات العاليات عنده‬
‫عن ذلك؛ ل ّ‬
‫ّ‬
‫دخول في جملة جنده وحزبه‪.‬‬
‫والنصر لدين الله وال ّ‬

‫ة‬
‫ب أو منفع ٍ‬
‫}‪} {42‬لو كان{‪ :‬خرو ُ‬
‫جهم لطلب عرض قري ٍ‬
‫دنيوّية سهلة التناول‪ .‬أو كان السفُر }سفرا ً قاصدًا{؛ أي‪ :‬قريبا ً‬
‫ت عليهم‬
‫سهل ً }لّتبعوك{‪ :‬لعدم المش ّ‬
‫قة الكثيرة‪} ،‬ولكن ب َعُد َ ْ‬
‫ال ّ‬
‫ة{؛ أي‪ :‬طالت عليهم المسافة‪ ،‬وصعب عليهم السفر؛‬
‫ش ّ‬
‫ق ُ‬
‫فلذلك تثاقلوا عنك‪ ،‬وليس هذا من أمارات العبودّية‪ ،‬بل العبد‬
‫ة المتعب ّد ُ لرّبه في ك ّ‬
‫ل حال‪ ،‬القائم بالعبادة السهلة‬
‫حقيق ً‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫والشاّقة؛ فهذا العبد لله على ك ّ‬
‫ل حال‪} .‬وسيحلفون بالله لو‬
‫استطعنا لخرجنا معكم{؛ أي‪ :‬سيحلفون أن تخلفهم عن الخروج‬
‫سهم{‪:‬‬
‫أ ّ‬
‫ن لهم عذرًا‪ ،‬وأنهم ل يستطيعون ذلك‪ُ} ،‬يـهِْلكون أنف َ‬
‫ّ‬
‫ن{‪.‬‬
‫بالقعود والكذب والخبار بغير الواقع‪} .‬والله يعلم إّنهم لكاذبو َ‬
‫وهذا العتاب إنما هو للمنافقين‪ ،‬الذين تخّلفوا عن النبي‬
‫صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك‪ ،‬وأبدوا من العذار الكاذبة‬
‫ما أبدوا‪ ،‬فعفا النبي صلى الله عليه وسلم عنهم بمجّرد‬
‫حنهم فيتبيّـن له الصادق من الكاذب‪،‬‬
‫اعتذارهم‪ ،‬من غير أن يمت َ ِ‬
‫ولهذا عاتبه الّله على هذه المسارعة إلى عذرهم‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫ﭽﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ‬
‫ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ‬
‫ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﭼ‪.‬‬

‫}‪ {43‬يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم‪} :‬عفا‬
‫ت‬
‫الّله عنك{؛ أي‪ :‬سامحك وغفر لك ما أجريت‪} .‬لم أذن َ‬
‫م‬
‫ص َ‬
‫دقوا وتعل َ‬
‫لهم{‪:‬في التخّلف‪} ،‬حّتى يتبيّـن لك الذين َ‬
‫حنهم ليتبّين لك الصادق من الكاذب‪ ،‬فتعذر‬
‫الكاذبين{ )‪ :(1‬بأن تمت َ ِ‬
‫من ل يستحقّ ذلك‪.‬‬
‫من يستحقّ العذر م ّ‬
‫}‪ {44‬ثم أخبر أن المؤمنين بالّله واليوم الخر ل يستأذنون‬
‫في ترك الجهاد بأموالهم وأنفسهم؛ لن ما معهم من الرغبة في‬
‫ث‬
‫الخير واليمان يحملهم على الجهاد من غير أن يحّثهم عليه حا ّ‬
‫م‬
‫فضل ً عن كونهم يستأذنون في ترك ِهِ من غير عذٍر‪} .‬والّله علي ٌ‬
‫بالمّتقين{‪ :‬فيجازيهم على ما قاموا به من تقواه‪ ،‬ومن علمه‬
‫ن من علماتهم أنهم ل يستأذنون في ترك‬
‫بالمّتقين أنه أخبر أ ّ‬
‫الجهاد‪.‬‬
‫}‪} {45‬إنما يستأذنك الذين ل يؤمنون بالّله واليوم الخر‬
‫ق؛‬
‫ن صاد ٌ‬
‫ت قلوُبهم{؛ أي‪ :‬ليس لهم إيما ٌ‬
‫ن تا ّ‬
‫وارتاب ْ‬
‫م ول يقيـ ٌ‬
‫فلذلك قّلت رغبُتهم في الخير‪ ،‬وجبنوا عن القتال‪ ،‬واحتاجوا أن‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬غار حراء«‪ .‬والصواب ما في ) أ (‪.‬‬

‫ددون{؛ أي‪ :‬ل‬
‫يستأذنوا في ترك القتال‪} .‬فهم في َري ِْبهم يتر ّ‬
‫يزالون في الش ّ‬
‫ك والحيرة‪.‬‬
‫}ﭽ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ‬
‫ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧﯨ ﯩ ﯪﯧﯧ ﯫﯧﯧ ﯬﯧﯧ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ‬
‫ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭼ‪.‬‬
‫}‪ {46‬يقول تعالى مبّينا ً أن المتخّلفين من المنافقين قد‬
‫)‪(1‬‬
‫ظهر منهم من القرائن ما يبيّـن أنهم ما قصدوا الخروج‬
‫ع‬
‫ن أعذارهم التي اعتذروها باطل ٌ‬
‫ن العذر هو المان ُ‬
‫ة؛ فإ ّ‬
‫بالك ُّلية‪ ،‬وأ ّ‬
‫الذي يمنع إذا ب َذ َ َ‬
‫سَعه وسعى في أسباب الخروج ثم‬
‫ل العبد ُ وُ ْ‬
‫ي؛ فهذا الذي ُيعذر‪} ،‬و{ أما هؤلء المنافقون‪،‬‬
‫منعه مانعٌ شرع ّ‬
‫دوا وعملوا ما‬
‫دوا له ع ُد ّ ً‬
‫ة{؛ أي‪ :‬لستع ّ‬
‫ج لع ّ‬
‫فلو }أرادوا الخرو َ‬
‫ة؛ علم أنهم ما‬
‫دوا له ع ُد ّ ً‬
‫يمكنهم من السباب‪ ،‬ولكن لما لم ي ُعِ ّ‬
‫أرادوا الخروج‪} ،‬ولكن ك َرِه َ الّله انبعاَثهم{‪ :‬معكم في الخروج‬
‫للغزو‪} ،‬فثّبطهم{‪ :‬قدرا ً وقضاًء وإن كان قد أمرهم وحّثهم على‬
‫الخروج وجعلهم مقتدرين عليه‪ ،‬ولكن بحكمت ِهِ ما أراد إعانتهم‪ ،‬بل‬
‫ذلهم وثّبطهم‪} ،‬وقي َ‬
‫خ َ‬
‫ن{‪ :‬من النساء‬
‫َ‬
‫ل اقُعدوا مع القا ِ‬
‫عدي َ‬
‫والمعذورين‪.‬‬
‫خَرجوا فيكم ما‬
‫}‪ {47‬ثم ذكر الحكمة في ذلك‪ ،‬فقال‪} :‬لو َ‬
‫زادوكم إل ّ خبا ً‬
‫سَعوا‬
‫ضعوا ِ‬
‫ل{؛ أي‪ :‬نقصًا‪} ،‬ولوْ َ‬
‫خللكم{؛ أي‪ :‬ول َ‬
‫في الفتنة والشّر بينكم وفّرقوا جماعتكم المجتمعين‪} .‬يبغون َ ُ‬
‫كم‬
‫ة{؛ أي‪ :‬هم حريصون على فتنتكم وإلقاء العداوة بينكم‪،‬‬
‫الفتن َ‬
‫ماعون لهم{؛ أي‪:‬‬
‫س ضعفاء العقول‪} ،‬س ّ‬
‫}وفيكم{‪ :‬أنا ٌ‬
‫مستجيبون لدعوتهم‪ ،‬يغتّرون بهم؛ فإذا كانوا حريصين على‬
‫ن‬
‫خذلنكم وإلقاء الشّر بينكم وتثبيطكم عن أعدائكم وفيكم َ‬
‫م ْ‬
‫قب َ ُ‬
‫جهم‬
‫يَ ْ‬
‫ل منهم ويستن ِ‬
‫ص ُ‬
‫حهم؛ فما ظّنك بالشّر الحاصل من خرو ِ‬
‫ّ‬
‫م الحكمة حيث‬
‫مع المؤمنين والنقص الكثير منهم؟! فلله أت ّ‬
‫ة بهم‪،‬‬
‫ثّبطهم‪ ،‬ومنعهم من الخروج مع عباده المؤمنين رحم ً‬
‫م‬
‫ولطفا ً من أن ُيدا ِ‬
‫خَلهم ما ل ينفعهم بل يضّرهم‪} .‬والّله علي ٌ‬
‫ده كيف يحذرونهم‪ ،‬ويبّين لهم من‬
‫بالظالمين{‪ :‬فُيعّلم عبا َ‬
‫المفاسد الناشئة من مخالطتهم‪.‬‬
‫}‪ {48‬ثم ذكر أنه قد سبق لهم سوابق في الشّر‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫وا الفتنة من قب ُ‬
‫ل{؛ أي‪ :‬حين هاجرتم إلى المدينة‪ ،‬بذلوا‬
‫}لقد ابت َغَ ُ‬
‫الجهد‪} ،‬وقَّلبوا لك الموَر{؛ أي‪ :‬أداروا الفكار‪ ،‬وأعملوا الحيل‬
‫خ ْ‬
‫صروا في ذلك‪} .‬حتى‬
‫ن ديِنكم‪ ،‬ولم ي ُ َ‬
‫في إبطال دعوِتكم و ِ‬
‫ق ّ‬
‫ذل ِ‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬حتى تعلم يتبّين«‪.‬‬

‫دهم‪ ،‬واضمح ّ‬
‫جاء الحقّ وظهر أمُر الّله وهم كارهون{‪ :‬فب َط َ َ‬
‫ل‬
‫ل كي ُ‬
‫ل هؤلء أن يح ّ‬
‫ده المؤمنين منهم‪،‬‬
‫ذر الّله عبا َ‬
‫باطُلهم؛ فحقيقٌ بمث ِ‬
‫ن بتخّلفهم عنهم‪.‬‬
‫وأن ل يبالي المؤمنو َ‬
‫ﭽ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨﭩ ﭪ ﭫ ﭬ‬

‫ﭭﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ‬

‫ﭼ‪.‬‬

‫}‪ {49‬أي‪ :‬ومن هؤلء المنافقين من يستأذن في التخّلف‬
‫ويعتذر بعذرٍ آخر عجيب‪ ،‬فيقول‪} :‬ائذن لي{‪ :‬في التخـّلف‪} ،‬ول‬
‫فت ِّني{‪ :‬في الخروج؛ فإني إذا خـرجت فـرأيت نسـاء بني‬
‫تَ ْ‬
‫الصفـر ل أصبـر عنهن؛ كمـا قـال ذلك الجـد ّ بن قيس‪ ،‬ومقصوده‬
‫ن في‬
‫قّبحه الله الرياء والنفاق؛ بأن مقصودي مقصود ٌ حسن؛ فإ ّ‬
‫فا عن‬
‫ة وك ّ‬
‫ة‪ ،‬وتعرضا ً للشّر‪ ،‬وفي عدم خروجي عافي ً‬
‫خروجي فتن ً‬
‫ة‬
‫الشّر‪ .‬قال الّله تعالى مبّينا ً كذب هذا القول‪} :‬أل في الفتن ِ‬
‫ه؛ في‬
‫س َ‬
‫قطوا{‪ :‬فإنه على تقدير صدق هذا القائل في قصد ِ ِ‬
‫َ‬
‫ققة‪ ،‬وهي معصية اللهّ‬
‫ّ‬
‫ة عظمى مح ّ‬
‫التخلف مفسدة ٌ كبرى وفتن ٌ‬
‫ومعصية رسوله والتجّري على الثم الكبير والوزر العظيم‪ ،‬وأما‬
‫ن‬
‫ج؛ فمفسدة ٌ قليلة بالنسبة للتخّلف‪ ،‬وهي متو ّ‬
‫همة‪ ،‬مع أ ّ‬
‫الخرو ُ‬
‫ن‬
‫هذا القائل قصده التخّلف ل غير‪ ،‬ولهذا تو ّ‬
‫عدهم الّله بقوله‪} :‬وإ ّ‬
‫ص ول‬
‫م َ‬
‫جهّنم لمحيط ٌ‬
‫ة بالكافرين{‪ :‬ليس لهم عنها َ‬
‫فّر ول منا ٌ‬
‫فكا ٌ‬
‫ص‪.‬‬
‫ك ول خل ٌ‬
‫}ﭽ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ‬
‫ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﭼ ‪.‬‬
‫قا‬
‫}‪ {50‬يقول تعالى مبينا ً أن المنافقين هم العداء ح ّ‬
‫صب ْ َ‬
‫ة{‪ :‬كنصر وإدالة على‬
‫ك حسن ٌ‬
‫المبغضون للدين صرفًا‪} :‬إن ت ُ ِ‬
‫صب ْ َ‬
‫س ْ‬
‫ة{‪:‬‬
‫ك مصيب ٌ‬
‫ؤهم{؛ أي‪ :‬تحزنهم وتغمهم‪} ،‬وإن ت ُ ِ‬
‫العدو }ت َ ُ‬
‫جحين بسلمتهم من الحضور‬
‫كإدالة العدو عليك }يقولوا{‪ :‬متب ّ‬
‫ذنا أمرنا من قب ُ‬
‫خ ْ‬
‫ل{؛ أي‪ :‬قد حذرنا وعملنا بما ُينجينا‬
‫معك‪} :‬قد أ َ‬
‫وا وهم فرحون{‪:‬‬
‫من الوقوع في مثل هذه المصيبة‪} ،‬ويتول ّ ْ‬
‫بمصيبتك وبعدم مشاركتهم إياك فيها‪.‬‬
‫دا عليهم في ذلك‪} :‬قل لن ُيصَيبنا إل ّ‬
‫}‪ {51‬قال تعالى را ّ‬
‫دره وأجراه في اللوح المحفوظ‪} .‬هو‬
‫ب الّله لنا{؛ أي‪ :‬ق ّ‬
‫ما ك َت َ َ‬
‫مولنا{؛ أي‪ :‬متولي أمورنا الدينّية والدنيوّية؛ فعلينا الّرضا‬
‫بأقداره‪ ،‬وليس في أيدينا من المر شيء‪} .‬وعلى الّله{‪ :‬وحده‬
‫}فليتو ّ‬
‫كل المؤمنون{؛ أي‪ :‬يعتمدوا عليه في جلب مصالحهم‬
‫ودفع المضاّر عنهم ويثقوا به في تحصيل مطلوبهم؛ فل خاب من‬

‫كل عليه‪ ،‬وأما من تو ّ‬
‫تو ّ‬
‫كل على غيره؛ فإنه مخذول غير مدرك‬
‫لما أمل‪.‬‬
‫ﮧ‬

‫ﭽﮖ ﮗ ﮘ ﮙ‬
‫ﮨﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮮ ﭼ ‪.‬‬

‫ﮚ‬

‫ﮛ ﮜﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ‬

‫ي‬
‫}‪ {52‬أي‪ :‬قل للمنافقين الذين يترّبصون بكم الدوائر‪ :‬أ ّ‬
‫شيء ترّبصون بنا؟ فإنكم ل ترّبصون بنا إل أمرا ً فيه غاية نفعنا‪،‬‬
‫فر بالعداء والنصر عليهم ونيل‬
‫وهو إحدى الحسنيين‪ :‬إما الظ ّ َ‬
‫الثواب الخروي والدنيوي‪ ،‬وإما الشهادة التي هي من أعلى‬
‫خْلق وأرفع المنازل عند الله‪ .‬وأما ترّبصنا بكم يا معشر‬
‫درجات الـ َ‬
‫ّ‬
‫ب من عنده{‬
‫المنافقين؛ فنحن }نترّبص بكم أن يصيَبكم الله بعذا ٍ‬
‫ل سبب لنا فيه }أو بأيدينا{؛ بأن يسّلطنا عليكم فنقتلكم‪،‬‬
‫}فترّبصوا{‪ :‬بنا الخير‪} ،‬إنا معكم مترّبصون{‪ :‬بكم الشّر‪.‬‬
‫ﭽ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ‬
‫ﯷ ﭼ‪.‬‬
‫ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪﯧﯧ ﯫﯧﯧ ﯬﯧﯧ ﯭﯧﯧ ﯮﯧﯧ ﯯﯧﯧ ﯰﯧﯧ ﯱﯧﯧ ﯷ ﯷ‬
‫}‪ {53‬يقول تعالى مبّينا ً بطلن نفقات المنافقين وذاكرا ً‬
‫السبب في ذلك‪} ،‬قل{ لهم‪} :‬أنفقوا طوعًا{‪ :‬من أنفسكم‪} ،‬أو‬
‫قّبل منكم{‪ :‬شيء من‬
‫كرهًا{‪ :‬على ذلك بغير اختياركم‪} .‬لن ي ُت َ َ‬
‫أعمالكم‪ ،‬لّنكم }كنتم قوما ً فاسقين{‪ :‬خارجين عن طاعة الّله‪.‬‬
‫من ََعهم‬
‫}‪ {54‬ثم بّين صفة فسقهم وأعمالهم ]فقال[‪} :‬وما َ‬
‫قب َ َ‬
‫ل منهم نفقاُتهم إل ّ أّنهم كفروا بالّله وبرسوله{‪ :‬والعمال‬
‫أن ت ُ ْ‬
‫كّلها شر ُ‬
‫ط قبولها اليمان؛ فهؤلء ل إيمان لهم ول عمل صالح‪،‬‬
‫ن الصلة التي هي أفضل أعمال البدن إذا قاموا إليها قاموا‬
‫حتى إ ّ‬
‫كسالى؛ قال‪} :‬ول يأتـون الصـلة إل ّ وهم ُ‬
‫كسالى{؛ أي‪:‬‬
‫متثاقلون ل يكادون يفعلونها من ثقلها عليهم‪} .‬ول ُينفقون إل‬
‫ن{‪ :‬من غير انشراح صدر وثبات نفس؛ ففي هذا غاية‬
‫وهم كارهو َ‬
‫م لمن فعل مثل فعلهم‪ ،‬وأنه ينبغي للعبد أن ل يأتي الصلة إل‬
‫الذ ّ‬
‫وهو نشي ُ‬
‫ط البدن والقلب إليها‪ ،‬ول ينفق إل وهو منشرح الصدر‬
‫ثابت القلب يرجو ُ‬
‫ذخرها وثوابها من الّله وحده‪ ،‬ول يتشّبه‬
‫بالمنافقين‪.‬‬
‫ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ‬
‫ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ‬
‫ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭼ‪.‬‬
‫}‪ {55‬يقول تعالى‪ :‬فل تعجْبك أموا ُ‬
‫ل هؤلء المنافقين ول‬
‫دموها على‬
‫دهم؛ فإنه ل غبطة فيها‪ ،‬وأول بركاتها عليهم أن ق ّ‬
‫أول ُ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫مراضي رّبهم وعصوا الله لجلها‪} .‬إّنما يريد الله ليعذ َّبهم بها في‬

‫قة في‬
‫دنيا{‪ :‬والمراد بالعذاب هنا ما ينالهم من المش ّ‬
‫الحياة ال ّ‬
‫م القلب فيها وتعب البدن؛‬
‫تحصيلها والسعي الشديد في ذلك وه ّ‬
‫فلو قابلت ل َ ّ‬
‫قاتهم؛ لم يكن لها نسبة إليها؛ فهي‬
‫ذاتهم فيها بمش ّ‬
‫ما ألهتهم عن الّله وذكره؛ صارت وبال ً عليهم حتى في الدنيا‪،‬‬
‫َلـ ّ‬
‫ن قلوبهم تتعّلق بها وإراداتهم ل‬
‫ومن وبالها العظيم الخطر أ ّ‬
‫تتعداها‪ ،‬فتكون منتهى مطلوِبهم وغاية مرغوِبهم‪ ،‬ول يبقى في‬
‫ق‬
‫قلوبهم للخرة نصي ٌ‬
‫ب‪ ،‬فيوجب ذلك أن ينتقلوا من الدنيا‪} ،‬وَت َْزهَ َ‬
‫سُهم وهم كافرون{؛ فأي عقوبة أعظم من هذه العقوبة‬
‫أنف ُ‬
‫الموجبة لل ّ‬
‫شقاء الدائم والحسرة الملزمة؟!‬
‫}‪} {56‬ويحلفون بالّله إّنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم{‪:‬‬
‫فَرقون{؛ أي‪ :‬يخافون‬
‫م يَ ْ‬
‫قصدهم في حلفهم هذا أنهم }قو ٌ‬
‫الدوائر‪ ،‬وليس في قلوبهم شجاعة تحملهم على أن يبّينوا‬
‫أحوالهم‪ ،‬فيخافون إن أظهروا حالهم منكم ويخافون أن تتبّرؤوا‬
‫منهم فـيـتخ ّ‬
‫طفهم العداء من كل جانب‪ ،‬وأما حال قويّ القلب‬
‫ة كانت أو‬
‫ثابت الجنان؛ فإنه يحمله ذلك على بيان حاله حسن ً‬
‫ة‬
‫ة‪ ،‬ولكن المنافقين ُ‬
‫حّلوا ب ِ‬
‫خْلع ُ‬
‫خل ِعَ عليهم ِ‬
‫سيئ ً‬
‫حل ْي َ ِ‬
‫ة الجبن‪ ،‬و ُ‬
‫الكذب‪.‬‬
‫دة جبنهم‪ ،‬فقال‪} :‬لو يجدون ملجأ{‪:‬‬
‫}‪ {57‬ثم ذكر ش ّ‬
‫ت{‪ :‬يدخلونها‬
‫يلجؤون إليه عندما تنزل بهم الشدائد‪} ،‬أو مغارا ٍ‬
‫فيستقّرون فيها‪} ،‬أو مدخ ً‬
‫صنون فيه‪،‬‬
‫ل{؛ أي‪ :‬محل ّ يدخلونه فيتح ّ‬
‫جمحون{؛ أي‪ :‬يسرعون وُيـهَْرعون؛ فليس لهم‬
‫}ل َوَّلوا إليه وهم َيـ ْ‬
‫مَلكة يقتدرون بها على الثبات‪.‬‬
‫َ‬
‫ﭽﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ‬
‫ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ‬
‫ﮟ ﭼ‪.‬‬

‫من َيعيبك في قسمة‬
‫}‪ {58‬أي‪ :‬ومن هؤلء المنافقين َ‬
‫دهم فيها وعيُبهم لقصدٍ‬
‫صدقات وينتقد عليك فيها‪ ،‬وليس انتقا ُ‬
‫ال ّ‬
‫دهم أن ي ُعْ َ‬
‫ن‬
‫طوا منها‪} .‬فإ ْ‬
‫صحيح ول لرأي رجيح‪ ،‬وإّنما مقصو ُ‬
‫ن{‪ :‬وهذه‬
‫أُ ْ‬
‫وا منها إذا هم يسخطو َ‬
‫عطوا منها َر ُ‬
‫ضوا وإن لم ي ُعْط َ ْ‬
‫ة ل تنبغي للعبد أن يكون رضاه وغضبه تابعا ً لهوى نفسه‬
‫حال ٌ‬
‫الدنيويّ وغرضه الفاسد‪ ،‬بل الذي ينبغي أن يكون ]هواه تبعًا[‬
‫لمرضاة رّبه؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم‪» :‬ل يؤمن‬
‫دكم حّتى يكون هواه ُ ت ََبعا ً لما جئت به« )‪. (1‬‬
‫أح ُ‬

‫‪1‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬للجهاد«‪.‬‬

‫}‪ {59‬وقال هنا‪} :‬ولو أّنهم َرضوا ما آتاهم الّله ورسوُله{؛‬
‫ر‪} ،‬وقالوا حسُبنا الّله{؛ أي‪ :‬كافينا‬
‫أي‪ :‬أعطاهم من قليل وكثي ٍ‬
‫سمه لنا‪ ،‬وليؤملوا فضله وإحسانه إليهم بأن‬
‫الّله فنرضى بما قَ َ‬
‫ه إّنا إلى الّله راغبون{؛‬
‫يقولوا‪} :‬سيؤتينا الّله من فضل ِهِ ورسول ُ ُ‬
‫أي‪ :‬متضّرعون في جلب منافعنا ودفع مضاّرنا؛ ]لسلموا من‬
‫ة[‪.‬‬
‫ل العالي ِ‬
‫ن والحوا ِ‬
‫النفاق‪ ،‬ولهدوا إلى اليما ِ‬
‫ثم بّين تعالى كيفّية قسمة الصدقات الواجبة فقال‪:‬‬
‫ﭽ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮮ ﮯ ﮰﮱ ﯓ ﯔ‬
‫ﯕﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﭼ ‪.‬‬
‫}‪ {60‬يقول تعالى‪} :‬إّنما الصدقات{؛ أي‪ :‬الزكوات‬
‫ص بها أحد ٌ‬
‫صدقة المستحّبة لكل أحد ٍ ل يخ ّ‬
‫الواجبة‪ ،‬بدليل أن ال ّ‬
‫ن‬
‫دون أح ٍ‬
‫صدقات{‪ :‬لهؤلء المذكورين دون َ‬
‫د؛ ]أي[‪} :‬إّنما ال ّ‬
‫م ْ‬
‫عداهم؛ لنه حصرها فيهم‪ ،‬وهم ثمانية أصناف‪:‬‬
‫الول والثاني‪ :‬الفقراء والمساكين‪ ،‬وهم في هذا الموضع‬
‫ن الّله بدأ‬
‫صنفان متفاوتان؛ فالفقير أشد ّ حاج ً‬
‫ة من المسكين؛ ل ّ‬
‫سَر الفقير بأنه الذي ل يجد‬
‫م؛ فَ ُ‬
‫ف ّ‬
‫م فاله ّ‬
‫بهم‪ ،‬ول ُيبدأ إل باله ّ‬
‫شيئا ً أو يجد بعض كفايته دون نصفها‪ ،‬والمسكين الذي يجد نصفها‬
‫فأكثر‪ ،‬ول يجد تمام كفايته؛ لَنه لو وجدها؛ لكان غنّيا‪ ،‬فيع َ‬
‫طون‬
‫من الزكاة ما يزول به فقرهم ومسكنتهم‪.‬‬
‫ل من له عم ٌ‬
‫والثالث ‪ :‬العاملون على الزكاة‪ ،‬وهم ك ّ‬
‫ل‬
‫)‪(1‬‬
‫ل‬
‫وشغل فيها من حاف ٍ‬
‫ظ لها و جا ٍ‬
‫ب لها من أهلها أو راٍع أو حام ٍ‬
‫ون لجل عمالتهم‪ ،‬وهي أجرة‬
‫لها أو كات ٍ‬
‫ب أو نحو ذلك‪ ،‬فيعط َ ْ‬
‫لعمالهم فيها‪.‬‬
‫والرابع ‪ :‬المؤّلفة قلوبهم‪ ،‬والمؤّلف قلُبه هو السيد المطاع‬
‫جى إسلمه أو ُيخشى شّره أو ُيرجى بعطّيته‬
‫من ُير َ‬
‫في قومه مـ ّ‬
‫من ل يعطيها‪ ،‬فُيعطى ما‬
‫قوة إيمانه أو إسلم نظيرِهِ أو جبايتها مـ ّ‬
‫ص ُ‬
‫ل به التأليف والمصلحة‪.‬‬
‫يح ُ‬
‫الخامس ‪ :‬الرقاب‪ ،‬وهم المكاَتبون الذين قد اشتروا‬
‫ون في تحصيل ما يف ّ‬
‫ك رقاَبهم‪،‬‬
‫أنف َ‬
‫سهم من ساداتهم؛ فهم يسعَ ْ‬
‫فيعانون على ذلك من الزكاة‪ .‬وف ّ‬
‫ك الرقبة المسلمة التي في‬
‫حبس الكفار داخ ٌ‬
‫ل في هذا‪ ،‬بل أولى‪ .‬ويدخل في هذا أّنه يجوز‬
‫أن يعتق ]منها[ الرقاب استقل ً‬
‫ل؛ لدخوله في قوله‪} :‬وفي‬
‫الّرقاب{‪.‬‬
‫‪ - 1‬أخرجه ابن أبي عاصم في »السنة« )‪ 1/12‬و ‪ ،(13‬وضعفه اللباني‪.‬‬
‫وانظر »جامع العلوم والحكم« لبن رجب‪ ،‬الحديث الحادي والربعون‪.‬‬

‫السادس ‪ :‬الغارمون‪ ،‬وهم قسمان‪ :‬أحدهما‪ :‬الغارمون‬
‫لصلح ذات البين‪ ،‬وهو أن يكون بين طائفتين من الناس شّر‬
‫ة‪ ،‬فيتوسط الرجل للصلح بينهم بمال يبذ ُُله لحدهم أو لهم‬
‫وفتن ٌ‬
‫جع َ‬
‫ب من الزكاة؛ ليكون أنشط له وأقوى‬
‫ل له نصي ٌ‬
‫كّلهم‪ ،‬فُ ِ‬
‫م لنفسه ثم أعسر؛‬
‫م ِ‬
‫لعز ِ‬
‫ه‪ ،‬في ُْعطى ولو كان غنّيا‪ .‬والثاني‪ :‬من غ َرِ َ‬
‫فإّنه ُيعطى ما ُيوفي به ديَنه‪.‬‬
‫وعة‬
‫والسابع ‪ :‬الغازي في سبيل الّله‪ ،‬وهم الغزاة المتط ّ‬
‫ون من الزكاة ما ُيعينهم على غزوهم‬
‫الذين ل ديوان لهم‪ ،‬في ُعْط َ ْ‬
‫من ثمن سلح أو داب ّةٍ أو نفقة له ولعياله؛ ليتوّفر على الجهاد‬
‫ن قلُبه‪ ،‬وقال كثير من الفقهاء‪ :‬إن تفّرغ القادر على‬
‫ويطمئ ّ‬
‫ن العلم داخ ٌ‬
‫ل في‬
‫الكسب لطلب العلم؛ أعطي من الزكاة؛ ل ّ‬
‫الجهاد في سبيل الّله‪ .‬وقالوا أيضًا‪ :‬يجوز أن ُيعطى منها الفقير‬
‫ه‪ .‬وفيه نظر‪.‬‬
‫ض ِ‬
‫ج فر ِ‬
‫لح ّ‬
‫والثامن ‪ :‬ابن السبيل‪ ،‬وهو الغريب الـمـنقط َعُ به في غير‬
‫بلده‪ ،‬فُيعطى من الزكاة ما يوصله إلى بلده‪ .‬فهؤلء الصناف‬
‫ة من الّله{‪:‬‬
‫الثمانية الذين ُتدفع إليهم الزكاة وحدهم‪} .‬فريض ً‬
‫م{‪.‬‬
‫درها تابع ً‬
‫فرضها وق ّ‬
‫م حكي ٌ‬
‫ة لعلمه وحكمه‪} ،‬والّله علي ٌ‬
‫واعلم أن هذه الصناف الثمانية ترجع إلى أمرين‪ :‬أحدهما‪:‬‬
‫ن ُيعطى لحاجته ونفعه؛ كالفقير والمسكين ونحوهما‪ .‬والثاني‪:‬‬
‫َ‬
‫م ْ‬
‫من يعطى للحاجة إليه وانتفاع السلم به‪.‬‬
‫صة في أموال الغنياء لسد ّ الحاجات‬
‫فأوجب الله هذه الح ّ‬
‫مة للسلم والمسلمين‪ ،‬فلو أعطى الغنياء زكاة‬
‫صة والعا ّ‬
‫الخا ّ‬
‫ي؛ لم يبقَ فقيٌر من المسلمين‪،‬‬
‫أموالهم على الوجه الشرع ّ‬
‫ص ُ‬
‫ولحص َ‬
‫ل به‬
‫ل من الموال ما يسد ّ الثغور‪ ،‬ويجاهَد ُ به الكفاُر‪ ،‬وتح ُ‬
‫جميع المصالح الدينية‪.‬‬
‫ﭽ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪﯧﯧ ﯫﯧﯧ ﯬﯧﯧ ﯭﯧﯧ ﯮﯧﯧﯯﯧﯧ ﯰﯧﯧ ﯱﯧﯧ‬
‫ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ‬
‫ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭼ ‪.‬‬

‫}‪ {61‬أي‪ :‬ومن هؤلء المنافقين‪} ،‬الذين ي ُ ْ‬
‫ن النبي{‪:‬‬
‫ؤذو َ‬
‫ن{؛ أي‪ :‬ل‬
‫بالقوال الردّية والعَْيب له ولدينه‪} ،‬ويقولون هو أذ ُ ٌ‬
‫ي‪ ،‬ويقولون‪ :‬إذا بلغه عّنا بعض‬
‫يبالون بما يقولون من الذّية للنب ّ‬
‫ن؛ أي‪ :‬يقبل ك ّ‬
‫ذلك؛ جئنا نعتذر إليه‪ ،‬فيقب ُ‬
‫ل ما ُيقال‬
‫ل مّنا؛ لنه أذ ُ ٌ‬
‫ق وكاذب‪ ،‬وقصدهم ـ قّبحهم الّله ـ فيما بينهم‬
‫له‪ ،‬ل ي ُ َ‬
‫مي ُّز بين صاد ٍ‬
‫مين به؛ لنه إذا لم يبل ُْغه؛ فهذا‬
‫أنهم غير مكترثين بذلك ول مهت ّ‬

‫وا بمجّرد العتذار الباطل‪ ،‬فأساؤوا ك ّ‬
‫ل‬
‫مطلوبهم‪ ،‬وإن بلغه؛ اكت َ‬
‫ف ْ‬
‫ة‪:‬‬
‫الساءة من أوجه كثير ٍ‬
‫أعظمها ‪ :‬أذّية نبّيهم الذي جاء لهدايتهم وإخراجهم من‬
‫ال ّ‬
‫شقاء والهلك إلى الهدى والسعادة‪.‬‬
‫ومنها ‪ :‬عدم اهتمامهم أيضا ً بذلك‪ ،‬وهو قدر زائد ٌ على مجّرد‬
‫الذّية‪.‬‬
‫ي صلى الله عليه وسلم وعدم‬
‫ومنها ‪ :‬قد ُ‬
‫حهم في عقل النب ّ‬
‫ل الخلق عقل ً‬
‫إدراكه وتفريقه بين الصادق والكاذب‪ ،‬وهو أكم ُ‬
‫ة‪ ،‬ولهذا قال تعالى‪} :‬قُ ْ‬
‫ن‬
‫مهم إدراكا ً وأثقُبهم رأيا ً وبصير ً‬
‫ل أذ ُ ُ‬
‫وأتـ ّ‬
‫خيرٍ لكم{؛ أي‪ :‬يقب ُ‬
‫ضه‬
‫من قال له خيرا ً وصدقًا‪ ،‬وأما إعرا ُ‬
‫ل َ‬
‫وعدم تعنيفه لكثير من المنافقين المعتذرين بالعذار الكذب؛‬
‫خُلقه وعدم اهتمامه بشأنهم )‪ (1‬وامتثاله لمر الّله في‬
‫سَعة ُ‬
‫فل ِ َ‬
‫رضوا عنهم‬
‫قوله‪} :‬سيحِلفون بالّله لكم إذا انقلبُتم إليهم ل ِت ُعْ ِ‬
‫س{‪ ،‬وأما حقيقة ما في قلبه ورأيه ؛‬
‫فأ ِ‬
‫عرضوا عُنهم إّنهم رِ ْ‬
‫ج ٌ‬
‫دقين‪،‬‬
‫ن بالّله ويؤ ِ‬
‫فقال عنه‪} :‬يؤ ِ‬
‫ن للمؤمنين{‪ :‬الصادقين المص ّ‬
‫م ُ‬
‫م ُ‬
‫ض عن الذين‬
‫ويعلم الصادق من الكاذب‪ ،‬وإن كان كثيرا ً ي ُعْرِ ُ‬
‫ة للذين آمنوا منكم{‪ :‬فإّنهم‬
‫ف كذ َِبهم وعدم صدقِِهم‪} ،‬ورحم ٌ‬
‫ي َعْرِ ُ‬
‫به يهتدون وبأخلقِهِ يقتدون‪ ،‬وأما غير المؤمنين؛ فإّنهم لم يقبلوا‬
‫دوها فخسروا دنياهم وآخرتهم‪} .‬والذين يؤذون‬
‫هذه الرحمة‪ ،‬بل ر ّ‬
‫رسو َ‬
‫دنيا‬
‫ب أليم{‪ :‬في ال ّ‬
‫ل الّله{‪ :‬بالقول والفعل }لهم عذا ٌ‬
‫والخرة‪ ،‬ومن العذاب الليم أنه يتحّتم قت ُ‬
‫ل مؤذيه وشاتمه‪.‬‬
‫}‪} {62‬يحلفون بالّله لكم ل ِي ُْرضوكم{‪ :‬فيتبرؤوا مما صدر‬
‫وا عليهم‪} .‬والّله‬
‫منهم من الذّية وغيرها‪ ،‬فغايتهم أن تر َ‬
‫ض ْ‬
‫دم‬
‫ن المؤمن ل يق ّ‬
‫ورسوله أحقّ أن ي ُْرضوه إن كانوا مؤمنين{‪ :‬ل ّ‬
‫شيئا ً على رضا رّبه ]ورضا رسوله[‪ ،‬فد ّ‬
‫ل هذا على انتفاء إيمانهم؛‬
‫دموا رضا غير الّله ورسوله‪.‬‬
‫حيث ق ّ‬
‫ده‬
‫دة لّله ومشاّقة له‪ ،‬وقد تو ّ‬
‫عد من حا ّ‬
‫}‪ {63‬وهذا محا ّ‬
‫)‪(2‬‬
‫ه ورسوَله{‪ :‬بأن يكون في‬
‫من يحادد ِ الل ّ َ‬
‫بقوله‪} :‬ألم يعَلموا أّنه َ‬
‫شقّ مبعد ٍ عن الّله ورسوله؛ بأن تهاون بأوامر الّله وتجّرأ‬
‫حد ّ و ِ‬
‫ي‬
‫على محارمه‪} ،‬فأ ّ‬
‫ن له ناَر جهّنم خالدا ً فيها{ و }ذلك الخز ُ‬
‫العظيم{‪ :‬الذي ل خزيَ أشنعُ ول أفظعُ منه‪ ،‬حيث فاتهم النعيم‬
‫المقيم‪ ،‬وحصلوا على عذاب الجحيم؛ عياذا ً بالّله من حالهم )‪. (3‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫ في )ب(‪» :‬أو«‪.‬‬‫ في )ب(‪» :‬بشأنه«‪.‬‬‫ن«‪.‬‬
‫‪ -‬في )ب(‪» :‬أ ْ‬

‫ﭽ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ‬
‫ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ‬
‫ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ‬
‫ﮖ ﮗﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﭼ ‪.‬‬
‫}‪ {64‬كانت هذه السورة الكريمة تسمى الفاضحة؛ لنها‬
‫بّينت أسرار المنافقين وهتكت أستارهم؛ فما زال الّله يقول‪:‬‬
‫ومنهم‪ ،‬ومنهم‪ ...‬ويذكر أوصافهم؛ إل ّ أنه لم يعيّـن أشخاصهم‬
‫لفائدتين‪:‬‬
‫ب الستر على عباده‪.‬‬
‫إحداهما ‪ :‬أن الّله ِ‬
‫سّتيٌر يح ّ‬
‫من اّتصف بذلك الوصف من‬
‫والثانية ‪ :‬أن الذ ّ ّ‬
‫م على َ‬
‫جه إليهم الخطاب وغيرهم إلى يوم القيامة‪،‬‬
‫المنافقين الذين تو َ‬
‫ب‪ ،‬حتى خافوا غاية الخوف؛ قال‬
‫م وأنس َ‬
‫فكان ذكر الوصف أع ّ‬
‫ض‬
‫الّله تعالى‪} :‬لئن لم َينت َهِ المنافقون والذين في قلوبهم مر ٌ‬
‫ك فيها إل ّ‬
‫ك بهم ثم ل يجاِورون َ َ‬
‫ن في المدينةِ ل َن ُغْرِي َن ّ َ‬
‫جفو َ‬
‫والمر ِ‬
‫ُ‬
‫قتي ً‬
‫قلي ً‬
‫ل{‪.‬‬
‫خذوا وَقُّتلوا ت َ ْ‬
‫قفوا أ ِ‬
‫ن أينما ث ُ ِ‬
‫ل‪ .‬ملعوني َ‬
‫حذ َُر المنافقون أن تنزل عليهم سورة ٌ تنّبئهم‬
‫وقال هنا‪َ} :‬يـ ْ‬
‫بما في قلوبهم{؛ أي‪ :‬تخبرهم وتفضحهم وتبيّـن أسرارهم‪ ،‬حتى‬
‫زئوا{؛‬
‫تكون علني ً‬
‫ة لعباده‪ ،‬ويكونوا عبرة للمعتبرين‪} .‬قل استه ِ‬
‫ن‬
‫سخرية‪} .‬إ ّ‬
‫أي‪ :‬استمّروا على ما أنتم عليه من الستهزاء وال ّ‬
‫ه‪ ،‬فأنزل هذه‬
‫ن{‪ :‬وقد وفى تعالى بوعد ِ ِ‬
‫ج ما تحذرو َ‬
‫الّله مخر ٌ‬
‫السورة التي بّينتهم‪ ،‬وفضحتهم‪ ،‬وهتكت أستارهم‪.‬‬
‫}‪ 65‬ـ ‪} {66‬ولئن سألَتهم{‪ :‬عما قالوه من الطعن في‬
‫المسلمين وفي دينهم‪ ،‬يقو ُ‬
‫ة منهم في غزوة تبوك‪ :‬ما‬
‫ل طائف ٌ‬
‫رأينا مث َ‬
‫ل قُّرائنا هؤلء ـ يعنون‪ :‬النبي صلى الله عليه وسلم‬
‫وأصحابه ـ أرغب بطونا ً وأكذب ألسنا ً وأجبن عند اللقاء‪ ...‬ونحو‬
‫ذلك )‪ ، (1‬لما بلغهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد علم‬
‫ب{؛‬
‫ض ونلع ُ‬
‫بكلمهم؛ جاؤوا يعتذرون إليه ويقولون‪} :‬إّنما ك ُّنا نخو ُ‬
‫دنا الطعن والعيب‪ ،‬قال الّله‬
‫ص ْ‬
‫أي‪ :‬نتكّلم بكلم ل قصد َ لنا به ول قَ َ‬
‫تعالى مبّينا ً عدم عذرهم وكذبهم في ذلك‪} :‬قل{ لهم‪} :‬أبالّله‬
‫وآيات ِهِ ورسوله كنتم تستهزئون‪ .‬ل تعتذروا قد كفرتم بعد‬
‫ج عن الدين؛‬
‫ن الستهزاء بالّله ورسوله كفٌر مخر ٌ‬
‫إيمانكم{؛ فإ ّ‬
‫ي على تعظيم الّله وتعظيم دينه ورسله‪،‬‬
‫ل ّ‬
‫ن أصل الدين مبن ّ‬
‫ض له أشد ّ‬
‫والستهزاء بشيء من ذلك منا ٍ‬
‫ف لهذا الصل ومناق ٌ‬
‫المناقضة‪ ،‬ولهذا؛ لما جاؤوا إلى الرسول يعتذرون بهذه المقالة‪،‬‬
‫والرسول ل يزيدهم على قوله‪} :‬أبالّله وآيات ِهِ ورسوله كنُتم‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬أحوالهم«‪.‬‬

‫ف‬
‫ذروا قد كفرُتم بعد إيماِنكم{‪ .‬وقوله‪} :‬إن نع ُ‬
‫زئون‪ .‬ل تعت َ ِ‬
‫تسته ِ‬
‫ب‬
‫عن طائفةٍ منكم{‪ :‬لتوبتهم واستغفارهم وندمهم‪} ،‬نعذ ّ ْ‬
‫ة{‪ :‬منكم بسبب أنهم }كانوا مجرمين{‪ :‬مقيمين على‬
‫طائف ً‬
‫رهم ونفاقهم‪.‬‬
‫كف ِ‬
‫ل على أن من أسّر سريرة‪ ،‬خصوصا ً‬
‫وفي هذه اليات دلي ٌ‬
‫ن‬
‫السريرة التي يمكر فيها بدينه ويستهزىء به وبآياته ورسوله؛ فإ ّ‬
‫)‪(1‬‬
‫ن‬
‫ه أشد ّ العقوبة‪ .‬وأ ّ‬
‫الّله تعالى يظهرها ويفضح صاحبها ويعاقب ُ ُ‬
‫من استهزأ بشيء من كتاب الّله أو سنة رسوله الثابتة عنه أو‬
‫َ‬
‫قصه؛ فإّنه كافٌر‬
‫قصه أو استهزأ بالرسول أو تن ّ‬
‫خَر بذلك أو تن ّ‬
‫س ِ‬
‫َ‬
‫(‬
‫‪2‬‬
‫)‬
‫ب وإن كان عظيما‪ً.‬‬
‫ّ‬
‫ة من ك ّ‬
‫ن التوبة مقبول ٌ‬
‫بالله العظيم‪ .‬وأ ّ‬
‫ل ذن ٍ‬
‫ﭽ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮮ ﮯ ﮰﮱ ﯓ ﯔ ﯕﯖ ﯗ‬
‫ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤﯥ ﯦ ﯧﯨ ﯩ ﯪﯧﯧﯫﯧﯧ ﯬﯧﯧ ﯭﯧﯧ ﯮﯧﯧ ﯯﯧﯧ ﭼ ‪.‬‬

‫ﯘ ﯙ‬

‫ضهم من‬
‫}‪ {67‬يقول تعالى‪} :‬المنافقون والمنافقات بع ُ‬
‫بعض{‪ :‬لنهم اشتركوا في النفاق‪ ،‬فاشتركوا في توّلـي بعضهم‬
‫بعضًا‪ ،‬وفي هذا قطعٌ للمؤمنين من وليتهم‪ .‬ثم ذكر وصف‬
‫ج منه صغيٌر منهم ول كبيٌر‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫المنافقين العام الذي ل يخُر ُ‬
‫ون عن‬
‫}يأمرون بالمنكر{‪ :‬وهو الكفر والفسوق والعصيان‪} ،‬وينهَ ْ‬
‫المعروف{‪ :‬وهو اليمان والخلق الفاضلة والعمال الصالحة‬
‫قِبضون أيد َِيهم{‪ :‬عن الصدقة وطرق‬
‫والداب الحسنة‪} ،‬وي َ ْ‬
‫ّ‬
‫ل‪َ} .‬نسوا الله{‪ :‬فل يذ ُ‬
‫كرونه إل قلي ً‬
‫فهم البخ ُ‬
‫ل‪،‬‬
‫ص ُ‬
‫الحسان؛ فو ْ‬
‫خُلهم الجنة‪ ،‬بل‬
‫سَيهم{‪ :‬من رحمته؛ فل يوّفقهم لخيرٍ ول يد ِ‬
‫}فن َ ِ‬
‫ن‬
‫يتُركهم في الدرك السفل من النار خالدين فيها مخّلدين‪} .‬إ ّ‬
‫ن فسقهم‬
‫المنافقين هم الفاسقون{‪ :‬حصر الفسقَ فيهم؛ ل ّ‬
‫أعظم من فسق غيرهم؛ بدليل أن عذابهم أشد ّ من عذاب‬
‫غيرهم‪ ،‬وأن المؤمنين قد ابُتلوا بهم إذ كانوا بين أظهرهم‪،‬‬
‫د‪.‬‬
‫والحتراز منهم شدي ٌ‬
‫}‪} {68‬وعد الّله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم‬
‫م{‪ :‬جمع‬
‫خالدين فيها هي حسبهم ولعنهم الّله ولهم عذا ٌ‬
‫ب مقي ٌ‬
‫المنافقين والكفار في نار جهّنم واللعنةِ والخلود ِ في ذلك‬
‫دنيا على الكفر والمعاداة لّله ورسوله والكفر‬
‫لجتماعهم في ال ّ‬
‫بآياته‪.‬‬

‫‪ - 1‬أخرجه ابن جرير )‪ ،(14/334‬وله شاهد بسند حسن عند ابن أبي حاتم؛‬
‫كما في »الصحيح المسند لسباب النزول« ص)‪.(78‬‬
‫ن«‪.‬‬
‫‪ - 2‬في )ب(‪» :‬إ ّ‬

‫ﭽﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ‬
‫ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ‬
‫ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂﮃ ﮄ ﮅ ﮆﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ‬
‫ﮎ ﮏ ﮐ ﭼ‪.‬‬
‫}‪ 69‬ـ ‪ {70‬يقول تعالى مح ّ‬
‫ذرا ً للمنافقين أن ُيصيَبهم ما‬
‫ن قبَلهم من المم المك ّ‬
‫ذبة؛ }قوم نوح وعاد ٍ وثمود َ وقوم‬
‫أصا َ‬
‫ب َ‬
‫م ْ‬
‫ط؛‬
‫ت{؛ أي‪ :‬قرى قوم لو ٍ‬
‫ن والمؤتفكا ِ‬
‫م وأصحاب َ‬
‫إبراهي َ‬
‫مد ْي َ َ‬
‫ي‬
‫فكّلهم }أتتهم رسلهم بالبّينات{؛ أي‪ :‬بالحق الواضح الجلـ ّ‬
‫المبيّـن لحقائق الشياء‪ ،‬فك ّ‬
‫ص الّله‬
‫ذبوا بها‪ ،‬فجرى عليهم ما ق ّ‬
‫خلقكم{؛ أي‪:‬‬
‫ة بأعمالهم‪} .‬استمتعُتم ب َ‬
‫علينا؛ فأنُتم أعماُلكم شبيه ٌ‬
‫بنصيبكم من الدنيا‪ ،‬فتناوَْلتموه على وجه الل ّ ّ‬
‫ذة والشهوة‪،‬‬
‫معرضين عن المراد منه‪ ،‬واستعنتم به على معاصي الّله‪ ،‬ولم‬
‫ولتم من النعم كما فعل الذين من‬
‫مُتكم وإرادتكم ما ُ‬
‫تتعد ّ هـ ّ‬
‫خ ّ‬
‫قبلكم‪} .‬وخضُتم كالذي خاضوا{؛ أي‪ :‬وخضتم بالباطل والّزور‬
‫ق؛ فهذه أعماُلهم وعلومهم‪:‬‬
‫وجادلتم بالباطل ل ِت ُد ْ ِ‬
‫حضوا به الح ّ‬
‫قوا من العقوبة‬
‫ض بالباطل؛ فاستح ّ‬
‫استمتاع ٌ بال َ‬
‫خلق‪ ،‬وخو ٌ‬
‫من فعلوا كفعلهم‪ ،‬وأما‬
‫والهلك ما استحقّ من قبلهم ِ‬
‫مـ ّ‬
‫دنيا؛ فإّنه‬
‫المؤمنون فهم وإن استمتعوا بنصيبهم وما ُ‬
‫ولوا من ال ّ‬
‫خ ّ‬
‫على وجه الستعانة به على طاعة الّله‪ ،‬وأما علومهم؛ فهي علوم‬
‫الرسل‪ ،‬وهي‪ :‬الوصول إلى اليقين في جميع المطالب العالية‪،‬‬
‫ه‬
‫والمجادلة بالحقّ لدحاض الباطل‪ .‬قوله‪} :‬فما كان الل ّ ُ‬
‫مهم{‪ :‬إذا وقع بهم من عقوبته ما أوقع‪} ،‬ولكن كانوا‬
‫ل ِي َظ ْل ِ َ‬
‫صوا رسلهم‪،‬‬
‫سهم يظل ِ‬
‫أنف َ‬
‫مون{‪ :‬حيث تجرؤوا على معاصيه‪ ،‬وع َ َ‬
‫واتبعوا أمر كل جبار عنيد‪.‬‬
‫ﭽ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ‬
‫ﮢﮣ ﮤ ﮥ ﮦﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ‬
‫ﯛ ﯜ ﯝﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﭼ ‪.‬‬

‫ن المنافقين بعضهم من بعض )‪ (1‬؛ ذكر أن‬
‫}‪ {71‬لما ذكر أ ّ‬
‫المؤمنين بعضهم أولياء بعض‪ ،‬ووصفهم بضد ّ ما وصف به‬
‫ت{؛ أي‪ :‬ذكورهم‬
‫المنافقين‪ ،‬فقال‪} :‬والمؤمنون والمؤمنا ُ‬
‫ض{‪ :‬في المحّبة والموالة والنتماء‬
‫وإناثهم‪} ،‬بع ُ‬
‫ضهم أولياُء بع ٍ‬
‫م جامعٌ لك ّ‬
‫رف‬
‫والّنصرة‪} .‬يأمرون بالمعروف{‪ :‬وهو اس ٌ‬
‫ل ما ع ُ ِ‬
‫حسنه من العقائد الحسنة والعمال الصالحة والخلق الفاضلة‪،‬‬
‫خ ُ‬
‫ون عن المنكر{‪ :‬وهو‬
‫من يد ُ‬
‫ل في أمرهم أنف ُ‬
‫وأول َ‬
‫سهم‪} .‬وينهَ ْ‬
‫ك ّ‬
‫ضه من العقائد الباطلة والعمال‬
‫ل ما خالف المعروف‪ ،‬وناقَ َ‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬بعضهم أولياء بعض«‪.‬‬

‫ن الّله ورسوله{؛ أي‪ :‬ل‬
‫الخبيثة والخلق الرذيلة‪} ،‬ويطيعو َ‬
‫يزالون ملزمين لطاعة الّله ورسوله على الدوام‪} .‬أولئك‬
‫مُلهم بإحسانه‪.‬‬
‫مُهم الّله{؛ أي‪ :‬يدخلهم في رحمته ويش َ‬
‫سيرحـ ُ‬
‫م‬
‫}إ ّ‬
‫م{؛ أي‪ :‬قويّ قاهٌر‪ ،‬ومع قوته؛ فهو حكي ٌ‬
‫ن الّله عزيٌز حكي ٌ‬
‫يضع كل شيء موضَعه اللئق به الذي ُيحمد على ما خلقه وأمر‬
‫به‪.‬‬
‫}‪ {72‬ثم ذكر ما أعد الّله لهم من الثواب‪ ،‬فقال‪} :‬وعد‬
‫ة‬
‫ت تجري من تحتها النهار{‪ :‬جامع ٍ‬
‫الّله المؤمنين والمؤمنات جنا ٍ‬
‫ل نعيم وفرح‪ ،‬خاليةٍ من ك ّ‬
‫لك ّ‬
‫ل أذىً وت ََرح‪ ،‬تجري من تحت‬
‫قصورها ودورها وأشجارها النهار الغزيرة المروية للبساتين‬
‫النيقة التي ل يعلم ما فيها من الخيرات والبركات إل الّله تعالى‪.‬‬
‫حوَ ً‬
‫ن طيبة في جنات‬
‫}خالدين فيها{‪ :‬ل يبغون عنها ِ‬
‫ل‪} .‬ومساك َ‬
‫دت لعباد الّله المّتقين‪ ،‬قد طاب‬
‫عدن{‪ :‬قد زخرفت وحسنت وأ ِ‬
‫ع ّ‬
‫مقيلها‪ ،‬وجمعت من آلت المساكن العالية‬
‫مرآها وطاب منزُِلها و َ‬
‫ما ل يتمنى فوقه المتمّنون‪ ،‬حتى إن الّله تعالى قد أعد ّ لهم غرفا ً‬
‫في غاية الصفاء والحسن‪ُ ،‬يرى ظاه ُِرها من باطنها‪ ،‬وباط ُِنها من‬
‫ن إليها‬
‫ظاهرها؛ فهذه المساكن النيقة التي حقيقٌ بأن ت َ ْ‬
‫سك ُ َ‬
‫النفوس وتنزِع َ إليها القلوب وتشتاقَ لها الرواح؛ لّنها }في جنات‬
‫ن‬
‫ولون منها‪} .‬ورضوا ٌ‬
‫ن{؛ أي‪ :‬إقامة‪ ،‬ل يظعنون عنها ول يتح ّ‬
‫عد ٍ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫حله على أهل الجنة }أكبر{‪ :‬مما هم فيه من النعيم؛‬
‫من الله{‪ :‬ي ُ ِ‬
‫ب إل برؤية رّبهم ورضوانه عليهم‪ ،‬ولّنه الغاية‬
‫ن نعيمهم لم ي َط ِ ْ‬
‫فإ ّ‬
‫مها العابدون‪ ،‬والنهاية التي سعى نحوها المحّبون؛ فرضا‬
‫التي أ ّ‬
‫ب الرض والسماوات أكبُر من نعيم الجنات‪} .‬ذلك هو الفوُز‬
‫ر ّ‬
‫ل مطلوب‪ ،‬وانتفى عنهم ك ّ‬
‫حصلوا على ك ّ‬
‫ل‬
‫العظيم{‪ :‬حيث َ‬
‫ت وطابت منهم جميع المور‪ ،‬فنسأل الّله أن‬
‫محذور‪ ،‬وحسن ْ‬
‫ه‪.‬‬
‫يجعلنا معهم بجود ِ ِ‬
‫ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗﭘ ﭙ ﭚﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ‬
‫ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ‬
‫ﭪ ﭫ ﭬ ﭭﭮ ﭯ ﭰ ﭱ‬
‫ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ‬
‫ﭷﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ‬
‫ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﭼ‪.‬‬
‫}‪ {73‬يقول تعالى لنبّيه صلى الله عليه وسلم‪} :‬يا أّيها‬
‫ي جاهد الكفار والمنافقين{؛ أي‪ :‬بالغ في جهادهم‪ ،‬والغلظة‬
‫النب ّ‬
‫عليهم حيث اقتضت الحال الغِْلظة عليهم‪ ،‬وهذا الجهاد يدخل فيه‬
‫الجهاد باليد والجهاد بالحجة واللسان؛ فمن بارز منهم بالمحاربة؛‬
‫هد باليد واللسان والسيف والسنان )‪ ، (1‬ومن كان مذعنا ً‬
‫فيجا َ‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬في في )ب(‪» :‬والكفر«‪) .‬ب(‪» :‬والسيف والبيان«‪.‬‬

‫د؛ فإنه يجاهَد ُ بالحجة والبرهان‪ ،‬ويبيّـن له‬
‫مة أو عه ٍ‬
‫للسلم بذ ّ‬
‫)‪(1‬‬
‫محاسن السلم ومساوىء الشرك والكفران ؛ فهذا ما لهم‬
‫مأواهم }جهنم{؛ أي‪ :‬مقّرهم‬
‫في الدنيا‪} ،‬و{ أما في الخرة؛ فَ َ‬
‫الذي ل يخرجون منها‪} ،‬وبئس المصير{‪.‬‬
‫ر{؛ أي‪:‬‬
‫ن بالّله ما قالوا ولقد قالوا كلم َ‬
‫}‪} {74‬يحلفو َ‬
‫ة الكف ِ‬
‫ن العّز منها الذ ّ‬
‫ل{‪،‬‬
‫إذا قالوا قول ً كقول من قال منهم‪} :‬ل َي ُ ْ‬
‫خرِ َ‬
‫ج ّ‬
‫والكلم الذي يتكّلم به الواحد بعد الواحد في الستهزاء بالدين‬
‫ي صلى الله عليه وسلم قد بلغه‬
‫وبالرسول؛ فإذا بلغهم أن النب ّ‬
‫شيء من ذلك؛ جاؤوا إليه يحلفون بالّله ما قالوا‪ ،‬قال تعالى‬
‫مك ّ‬
‫ة الكفر وكفروا بعد إسلمهم{‪:‬‬
‫ذبا ً لهم‪} :‬ولقد قالوا كلم َ‬
‫فإسلمهم السابق‪ ،‬وإن كان ظاهره أنه أخرجهم من دائرة الكفر؛‬
‫موا بما لم‬
‫مهم الخير ين ُ‬
‫ض إسلمهم ويد ِ‬
‫خُلهم بالكفر‪} .‬وهـ ّ‬
‫فكل ُ‬
‫ق ُ‬
‫موا بالفتك برسول الّله صلى الله عليه‬
‫ينالوا{‪ :‬وذلك حين هـ ّ‬
‫ّ‬
‫دهم‬
‫ص الله عليه نبأهم‪ ،‬فأمر من يص ّ‬
‫وسلم في غزوة تبوك‪ ،‬فق ّ‬
‫عن قصدهم‪} .‬و{ الحال أنهم }ما نقموا{ وعابوا من رسول الّله‬
‫ه ورسوُله من فضله{‪:‬‬
‫صلى الله عليه وسلم }إل ّ أ ْ‬
‫ن أغناهم الل ّ ُ‬
‫بعد أن كانوا فقراء معوزين‪ ،‬وهذا من أعجب الشياء‪ :‬أن‬
‫يستهينوا بمن كان سببا ً لخراجهم من الظلمات إلى النور‪ ،‬ومغنيا ً‬
‫قه عليهم إل أن يع ّ‬
‫ظموه ويؤمنوا به‬
‫لهم بعد الفقر! وهل ح ّ‬
‫داعي الديني وداعي المروءة النسانية[‪ .‬ثم‬
‫جّلوه؟! ]فاجتمع ال ّ‬
‫وي ُ ِ‬
‫عرض عليهم التوبة‪ ،‬فقال‪} :‬فإن يتوبوا ي ُ‬
‫ك خيرا ً لهم{؛ لن التوبة‬
‫أص ٌ‬
‫دنيا والخرة‪} ،‬وإن ي َت َوَّلوا{‪ :‬عن التوبة والنابة‬
‫ل لسعادة ال ّ‬
‫دنيا والخرة{‪ :‬في الدنيا بما ينالهم‬
‫}يعذ ّْبهم الّله عذابا ً أليما ً في ال ّ‬
‫من الهم والغم والحزن على نصرة الّله لدينه وإعزاز نبّيه وعدم‬
‫حصولهم على مطلوبهم‪ ،‬وفي الخرة في عذاب السعير‪} .‬وما‬
‫ص ُ‬
‫ل لهم‬
‫ي{‪ :‬يتوّلى أمورهم وُيـ َ‬
‫ح ّ‬
‫لهم في الرض من ولـ ّ‬
‫ر{‪ :‬يدفع عنهم المكروه‪ ،‬وإذا انقطعوا من‬
‫المطلوب‪} ،‬ول نصي ٍ‬
‫م أصناف الشّر والخسران والشقاء‬
‫ولية الّله تعالى؛ فث ّ‬
‫والحرمان‪.‬‬
‫ﭽﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ‬
‫ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ‬
‫ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﭼ‪.‬‬

‫}‪ {75‬أي‪ :‬ومن هؤلء المنافقين من أعطى الله عهد َهُ‬
‫سعها‪،‬‬
‫ه‪} ،‬لئن آتانا من فضل ِ ِ‬
‫ه{‪ :‬من الدنيا فبسطها لنا وو ّ‬
‫وميثاقَ ُ‬
‫‪1‬‬

‫‪-‬‬

‫ن من الصالحين{‪ :‬فنصل الرحم وُنقري الضيف‪،‬‬
‫}ل َن َ ّ‬
‫ن وَلنكون َ ّ‬
‫صد ّقَ ّ‬
‫ق‪ ،‬ونفعل الفعال الحسنة الصالحة‪.‬‬
‫ن على نوائب الح ّ‬
‫ونعي ُ‬
‫ه{‪ :‬لم يفوا بما قالوا‪ ،‬بل‬
‫}‪} {76‬فلما آتا ُ‬
‫هم من فضل ِ ِ‬
‫وا{‪ :‬عن الطاعة والنقياد‪} ،‬وهم معرضون{؛‬
‫}ب َ ِ‬
‫خلوا{ و }وتول ّ ْ‬
‫أي‪ :‬غير ملتفتين إلى الخير‪.‬‬
‫}‪ {77‬فلما لم يفوا بما عاهدوا الّله عليه؛ عاقبهم و‬
‫ه بما أخلفوا‬
‫}أعقبهم نفاقا ً في قلوبهم{‪ :‬مستمر }إلى يوم ي َل ْ َ‬
‫قوْن َ ُ‬
‫ن من هذا‬
‫الل ّ َ‬
‫ه ما وعدوه وبما كانوا يكذبون{‪ :‬فليحذر المؤم ُ‬
‫ن‬
‫ي؛ ليفعل ّ‬
‫الوصف الشنيع أن يعاهد رّبه إن حصل مقصود ُه ُ الفلنـ ّ‬
‫كذا وكذا‪ ،‬ثم ل يفي بذلك؛ فإّنه ربما عاقبه الّله بالنفاق كما‬
‫ي صلى الله عليه وسلم في الحديث‬
‫عاقب هؤلء‪ ،‬وقد قال النب ّ‬
‫ب‪،‬‬
‫ث‪ :‬إذا حد ّ َ‬
‫الثابت في »الصحيحين« )‪» : (1‬آية المنافق ثل ٌ‬
‫ث ك َذ َ َ‬
‫ف«؛ فهذا المنافق الذي وعد الّله‬
‫وإذا عاهد غ َد ََر‪ ،‬وإذا وَع َد َ أ َ ْ‬
‫خل َ َ‬
‫ن من‬
‫ص ّ‬
‫وعاهده لئن أعطاه الّله من فضله؛ لي ّ‬
‫دقن وليكون ّ‬
‫دث فكذب‪ ،‬وعاهد ]فغدر[ )‪ ، (2‬ووعد فأخلف‪.‬‬
‫الصالحين‪ :‬ح ّ‬
‫عد من صدر منهم هذا الصنيع بقوله‪} :‬ألم‬
‫}‪ {78‬ولهذا تو ّ‬
‫ّ‬
‫ن الله علم الغيوب{‪:‬‬
‫ن الّله يعلم سّرهم ونجواهم وأ ّ‬
‫يعلموا أ ّ‬
‫وسيجازيهم على ما عملوا من العمال التي يعلمها الّله تعالى‪.‬‬
‫وهذه اليات نزلت في رجل من المنافقين يقال له ثعلبة‪،‬‬
‫جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم‪ ،‬وسأله أن يدعوَ الّله له أن‬
‫ن ويصل الرحم‬
‫يعط َِيه الله من فضله‪ ،‬وأنه إن أعطاه ليتصدق ّ‬
‫ق‪ ،‬فدعا النبي صلى الله عليه وسلم له‪،‬‬
‫ويعين على نوائب الح ّ‬
‫فكان له غنم‪ ،‬فلم تزل تتنامى حتى خرج بها عن المدينة‪ ،‬فكان ل‬
‫يحضر إل ّ بعض الصلوات الخمس‪ ،‬ثم أبعد فكان ل يحضر إل صلة‬
‫الجمعة‪ ،‬ثم كثرت فأبعدها فكان ل يحضر جمعة ول جماعة‪،‬‬
‫ي صلى الله عليه وسلم‪ ،‬فأخبر بحاله‪ ،‬فبعث من يأخذ‬
‫ففقده النب ّ‬
‫الصدقات من أهلها‪ ،‬فمروا على ثعلبة‪ ،‬فقال‪ :‬ما هذه إل جزية‪ ،‬ما‬
‫هذه إل أخت الجزية‪ .‬فلما لم يعطهم؛ جاؤوا فأخبروا بذلك النبي‬
‫صلى الله عليه وسلم‪ ،‬فقال‪» :‬يا ويح ثعلبة‪ ،‬يا ويح ثعلبة!« ثلثا ً‬
‫)‪ . (3‬فلما نزلت هذه الية فيه وفي أمثاله؛ ذهب بها بعض أهله‪،‬‬
‫ي صلى الله عليه وسلم‪،‬‬
‫فبّلغه إّياها‪ ،‬فجاء بزكاته‪ ،‬فلم يقبْلها النب ّ‬
‫‪ - 1‬البخاري )‪ ،(2682‬ومسلم )‪ (59‬إل ّ أن لفظ‪» :‬إذا عاهد غدر« في‬
‫الرواية أربع من كن فيه كان منافقًا‪«..‬‬
‫‪ - 2‬في ) أ (‪» :‬وغدر«‪.‬‬
‫‪ - 3‬قصة ثعلبة بن حاطب‪ :‬أخرجها ابن جرير )‪ ،(14/270‬وقال اللباني‪:‬‬
‫»وهذا حديث منكر على شهرته«‪ ،‬وانظر‪» :‬الضعيفة« )‪.(1607‬‬

‫ثم جاء بها إلى أبي بكر بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم‪،‬‬
‫فلم يقبلها‪ ،‬ثم جاء بها بعد أبي بكر إلى عمر‪ ،‬فلم يقبلها‪ ،‬فيقال‪:‬‬
‫إنه هلك في زمن عثمان‪.‬‬

‫ﯷ ﯷ ﯷﯷ ﯷ ﯷ ﯷ‬
‫ﭽ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪﯧﯧ ﯫﯧﯧ ﯬﯧﯧ ﯭﯧﯧ ﯮﯧﯧ ﯯﯧﯧ ﯰﯧﯧ ﯱﯧﯧ‬
‫ﯷ ﯷ ﯷ ﯼ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ‬
‫ﭟﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭼ ‪.‬‬
‫}‪ {79‬وهذا أيضا ً من مخازي المنافقين‪ ،‬فكانوا قّبحهم الّله‬
‫ل يدعون شيئا ً من أمور السلم والمسلمين يرون لهم مقا ً‬
‫ل؛ إل‬
‫ث الّله ورسوله على الصدقة؛‬
‫قالوا وطعنوا بغيا ً وعدوانًا‪ ،‬فلما ح ّ‬
‫بادر المسلمون إلى ذلك‪ ،‬وبذلوا من أموالهم كل على حسب‬
‫ن‬
‫حاله‪ ،‬منهم المكثر ومنهم المقل‪ ،‬فيلمزون المكثر منهم بأ ّ‬
‫ده بنفقته الرياء والسمعة‪ ،‬وقالوا للمق ّ‬
‫ي‬
‫ل الفقير‪ :‬إ ّ‬
‫قص َ‬
‫ن الّله غن ّ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫مزون{؛ أي‪ :‬يعيبون‬
‫عن صدقة هذا‪ ،‬فأنزل الله تعالى‪} :‬الذين ي َل ِ‬
‫وعين من المؤمنين في الصدقات{‪ :‬فيقولون‪:‬‬
‫ويطعنون }ال ُ‬
‫مط ّ ّ‬
‫جدون إل‬
‫مراؤون قص ُ‬
‫دهم الفخر والرياء }و{ يلمزون }الذين ل ي َ ِ‬
‫ّ‬
‫ي عن‬
‫جه ْ َ‬
‫ُ‬
‫رجون ما استطاعوا ويقولون‪ :‬الله غن ّ‬
‫دهم{‪ :‬فيخ ِ‬
‫صدقاتهم‪} ،‬فيسخرون منهم{‪ ،‬فقابلهم الله على صنيعهم بأن‬
‫ب أليم{؛ فإّنهم جمعوا في كلمهم هذا‬
‫س ِ‬
‫خَر منهم‪} ،‬ولهم عذا ٌ‬
‫َ‬
‫بين عدة محاذير‪:‬‬

‫منها ‪ :‬تتّبعهم لحوال المؤمنين وحرصهم على أن يجدوا‬
‫ن الذين يحّبون أن تشيع‬
‫مقال ً يقولونه فيهم‪ ،‬والّله يقول‪} :‬إ ّ‬
‫م{‪.‬‬
‫الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذا ٌ‬
‫ب ألي ٌ‬
‫ومنها ‪ :‬طعنهم بالمؤمنين لجل إيمانهم كفرا ً بالّله تعالى‬
‫وبغضا ً للدين‪.‬‬
‫م‪ ،‬بل هو من كبائر الذنوب في أمور‬
‫ومنها ‪ :‬أن الّلمز محر ٌ‬
‫ح وأقبح‪.‬‬
‫الدنيا‪ ،‬وأما الّلمز في أمر الطاعة؛ فأقب ُ‬
‫صلةٍ من خصال الخير؛‬
‫وع ب َ‬
‫ومنها ‪ :‬أ ّ‬
‫خ ْ‬
‫ن من أطاع الّله وتط ّ‬
‫ن الذي ينبغي إعانته وتنشيطه على عمله‪ ،‬وهؤلء قصدوا‬
‫فإ ّ‬
‫تثبيطهم بما قالوا فيهم‪ ،‬وعابوهم عليه‪.‬‬
‫ن حكمهم على من أنفق مال ً كثيرا ً بأنه مراٍء غل ٌ‬
‫ط‬
‫ومنها ‪ :‬أ ّ‬
‫م بالظن‪ ،‬وأيّ شّر أكبر من هذا؟!‬
‫ش وحكم على الغيب ورج ٌ‬
‫فاح ٌ‬
‫ي عن‬
‫ومنها ‪ :‬أن قولهم لصاحب الصدقة القليلة‪ :‬الل ّ ُ‬
‫ه غن ّ‬
‫م مقصوده باط ٌ‬
‫ي عن صدقة‬
‫ل؛ فإ ّ‬
‫صدقة هذا! كل ٌ‬
‫ن الله غن ٌ‬
‫دق بالقليل والكثير‪ ،‬بل وغني عن أهل السماوات والرض‪،‬‬
‫المتص ّ‬

‫ولكنه تعالى أمر العباد بما هم مفتقرون إليه؛ فالّله وإن كان غنّيا‬
‫عنه؛ فهم فقراء إليه؛ }فمن يعم ْ‬
‫ل مثقال ذّرةٍ خيرا ً يره{‪ ،‬وفي‬
‫هذا القول من التثبيط عن الخير ما هو ظاهٌر بّين‪ ،‬ولهذا كان‬
‫م{‪.‬‬
‫جزاؤهم أن يسخر )‪ (1‬الّله منهم‪} ،‬ولهم عذا ٌ‬
‫ب ألي ٌ‬
‫}‪} {80‬استغفْر لهم أو ل تستغفْر لهم إن تستغفْر لهم‬
‫ة{‪ :‬على وجه المبالغة‪ ،‬و إل ّ ؛ فل مفهوم لها‪} ،‬فلن‬
‫سبعين مّر ً‬
‫يغفَر الّله لهم{؛ كما قال في الية الخرى‪} :‬سواٌء عليهم‬
‫فَر الّله لهم{‪ .‬ثم ذكر‬
‫ست َغْ َ‬
‫فْر لهم لن ي َغْ ِ‬
‫ت لهم أم لم تستغ ِ‬
‫أ ْ‬
‫فْر َ‬
‫السبب المانع لمغفرة الّله لهم‪ ،‬فقال‪} :‬ذلك بأّنهم كفروا بالّله‬
‫ورسوله{‪ :‬والكافر ل ينفعه الستغفار ول العمل ما دام كافرًا‪.‬‬
‫}والّله ل يهدي القوم الفاسقين{؛ أي‪ :‬الذين صار الفسقُ لهم‬
‫وصفًا؛ بحيث ل يختارون عليه سواه‪ ،‬ول يبغون به بد ً‬
‫ل‪ ،‬يأتيهم‬
‫ن ل يوّفقهم له بعد‬
‫دونه فيعاقبهم الّله تعالى بأ ْ‬
‫الحقّ الواضح فير ّ‬
‫ذلك‪.‬‬
‫ﭽﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ‬
‫ﮏ ﮐ ﮑ‬
‫ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ‬
‫ﭾ ﭿﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅﮆ ﮇ ﮈ‬
‫ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤﮥ ﮦ‬
‫ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮮ ﭼ ‪.‬‬
‫جح المنافقين بتخّلفهم وعدم‬
‫}‪ {81‬يقول تعالى مبينا ً تب ّ‬
‫مبالتهم بذلك الدا ّ‬
‫ل على عدم اليمان واختيار الكفر على‬
‫ف رسول الّله{‪ :‬وهذا قدر‬
‫م ْ‬
‫دهم خل َ‬
‫قعَ ِ‬
‫اليمان‪} :‬فرِ َ‬
‫ح المخّلفون ب َ‬
‫م‪ ،‬وزيادة ُ رضا بفعل‬
‫ن هذا تخل ّ ٌ‬
‫زائد على مجّرد التخّلف؛ فإ ّ‬
‫ف محّر ٌ‬
‫ح به‪} .‬وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في‬
‫المعصية وتبج ٍ‬
‫سبيل الّله{‪ :‬وهذا بخلف المؤمنين‪ ،‬الذين إذا تـخـّلـفـوا ولو‬
‫سفوا غاية السف‪ ،‬ويحّبون أن‬
‫لعذٍر؛ حزنوا على تخّلفهم‪ ،‬وتأ ّ‬
‫يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الّله؛ لما في قلوبهم من‬
‫اليمان‪ ،‬ويرجون من فضل الّله وإحسانه وبره وامتنانه‪.‬‬
‫ن‬
‫}وقالوا{؛ أي‪ :‬المنافقون‪} :‬ل تن ِ‬
‫فروا في الحّر{؛ أي‪ :‬قالوا‪ :‬إ ّ‬
‫ة علينا بسبب الحّر فقدموا راحة قصيرة منقضية على‬
‫النفير مش ّ‬
‫ق ٌ‬
‫الراحة البدية التامة‪ ،‬وحذروا من الحّر الذي يقي منه الظلل‬
‫وي ُذ ْه ُِبه البكر والصال على الحّر الشديد الذي ل ُيقاد َُر قدره‪ ،‬وهو‬
‫النار الحامية‪ ،‬ولهذا قال‪} :‬قل ناُر جهّنم أشد ّ حّرا لو كانوا‬
‫يفقهون{‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬سخر«‪.‬‬

‫ما فّروا من‬
‫ما آثروا ما يفنى على ما يبقى‪ ،‬ول َ ّ‬
‫}‪ {82‬ل َ ّ‬
‫قة الشديدة الدائمة؛ قال‬
‫قة الخفيفة المنقضية إلى المش ّ‬
‫المش ّ‬
‫ضحكوا قليل ً ول ْي َْبكوا كثيرًا{؛ أي‪ :‬فليتمّتعوا في هذه‬
‫تعالى‪} :‬فَل ْي َ ْ‬
‫ذاتها‪ ،‬وي َْلهوا بلعبها‪ ،‬فسيبكون كثيرا ً‬
‫الدار المنقضية‪ ،‬ويفرحوا بل ّ‬
‫ن{‪ :‬من الكفر والنفاق‬
‫في عذاب أليم‪} .‬جزاًء بما كانوا يك ِ‬
‫سبو َ‬
‫وعدم النقياد لوامر رّبهم‪.‬‬
‫جعَ َ‬
‫ك الّله إلى طائفةٍ منهم{‪ :‬وهم الذين‬
‫}‪} {83‬فإن َر َ‬
‫تخّلفوا من غير عذرٍ ولم يحزنوا على تخّلفهم‪} .‬فاستأذنوك‬
‫للخروج{‪ :‬لغير هذه الغزوة إذا رأوا السهولة‪} ،‬فقل{ لهم‬
‫ة‪} :‬لن تخرجوا معي أبدا ً ولن تقاتلوا معي عدًوا{‪ :‬فسُيغني‬
‫عقوب ً‬
‫الّله عنكم‪} ،‬إّنكم رضيُتم بالقعود أو َ‬
‫ل مّرةٍ فاقُعدوا مع‬
‫ب أفئ ِد ََتهم وأبصاَرهم كما‬
‫الخالفين{‪ :‬وهذا كما قال تعالى‪} :‬ون ُ َ‬
‫قل ّ ُ‬
‫منوا به أو َ‬
‫ن المتثاقل المتخّلف عن المأمور به‬
‫ل مّر ٍ‬
‫لم يؤ ِ‬
‫ة{؛ فإ ّ‬
‫)‪(1‬‬
‫عند انتهازِ الفرصة لن يوّفق له بعد ذلك وُيحال بينه وبينه‪ ،‬وفيه‬
‫ن هؤلء من‬
‫أيضا ً تعزيٌر لهم؛ فإّنه إذا تقّرر عند المسلمين أ ّ‬
‫الممنوعين من الخروج إلى الجهاد لمعصيتهم؛ كان ذلك توبيخا ً‬
‫لهم وعارا ً عليهم وَنكال ً أن يفع َ‬
‫ل أحد ٌ كفعِلهم‪.‬‬
‫ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ‬
‫ﭽ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚﯛ ﯜ ﯝ‬
‫ﭼ‪.‬‬
‫}‪ {84‬يقول تعالى‪} :‬ول تص ّ‬
‫ل على أحد ٍ منهم مات{‪ :‬من‬
‫ن صلته‬
‫المنافقين‪} ،‬ول ت َ ُ‬
‫م على قبرِ ِ‬
‫ه{‪ :‬بعد الدفن لتدعو له؛ فإ ّ‬
‫ق ْ‬
‫ة منه لهم‪ ،‬وهم ل تنفع فيهم‬
‫ووقوفه على قبورهم شفاع ٌ‬
‫الشفاعة‪} ،‬إّنهم كفروا بالّله ورسول ِهِ وماتوا وهم فاسقون{‪:‬‬
‫ة الشافعين‪،‬‬
‫ومن كان كافرا ً ومات على ذلك؛ فما تنفُعه شفاع ُ‬
‫ل لهم‪ ،‬وهكذا ك ّ‬
‫وفي ذلك عبرة ٌ لغيرهم وزجٌر وَنكا ٌ‬
‫علم منه‬
‫ل من ُ‬
‫الكفر والّنفاق؛ فإّنه ل يصّلـى عليه‪.‬‬
‫وفي هذه الية دلي ٌ‬
‫ل على مشروعّية الصلة على المؤمنين‬
‫ي صلى الله عليه‬
‫والوقوف عند قبوِرهم لل ّ‬
‫دعاء لهم كما كان النب ّ‬
‫ن تقييد النهي بالمنافقين يد ّ‬
‫ل‬
‫وسلم يفعل ذلك في المؤمنين؛ فإ ّ‬
‫)‪(2‬‬
‫على أنه قد كان متقررا ً في المؤمنين ‪.‬‬
‫ﭽ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧﯨ ﯩ ﯪﯧﯧ ﯫﯧﯧ ﯬﯧﯧ ﯭﯧﯧ ﯮﯧﯧ ﯯﯧﯧ ﯰﯧﯧ ﯱﯧﯧ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﭼ ‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬ل«‪.‬‬

‫‪ - 2‬كما في »سنن أبي داود« )‪ ،(3221‬و»المستدرك« للحاكم )‪ .(1/370‬وانظر »أحكام الجنائز« للشيخ اللباني‬
‫)‪.(156‬‬

‫دنيا من الموال‬
‫}‪ {85‬أي‪ :‬ل تغتّر بما أعطاهم الّله في ال ّ‬
‫والولد؛ فليس ذلك لكرامتهم عليه‪ ،‬وإّنما ذلك إهانة منه لهم‪.‬‬
‫}يريد الّله أن يع ّ‬
‫ذبهم بها في الدنيا{‪ :‬فيتعبون في تحصيلها‪،‬‬
‫ويخافون من زوالها‪ ،‬ول يتهّنون بها‪ ،‬بل ل يزالون يعانون الشدائد‬
‫والمشاقّ فيها‪ ،‬وُتلهيهم عن الله والدار الخرة‪ ،‬حتى ينتقلوا من‬
‫سل ََبهم حّبها عن ك ّ‬
‫ل‬
‫سهم وهم كافرون{‪ :‬قد َ‬
‫الدنيا‪} ،‬وتزهقَ أنف ُ‬
‫ّ‬
‫شيء‪ ،‬فماتوا وقلوبهم بها متعلقة وأفئدتهم عليها متحّرقة‪.‬‬
‫ﭽﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ‬
‫ﰈ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭼ‪.‬‬
‫}‪ {86‬يقول تعالى في بيان استمرار المنافقين على‬
‫التثاقل عن الطاعات وأنها ل تؤّثر فيهم السور واليات‪} :‬وإذا‬
‫ة{‪ :‬يؤمرون فيها باليمان بالّله والجهاد في سبيل‬
‫ت سور ٌ‬
‫أنزِل َ ْ‬
‫الّله‪} ،‬استأذ َن َ َ‬
‫ول منهم{؛ يعني‪ :‬أولي الغنى والموال‬
‫ك أولو الط ّ ْ‬
‫دهم الّله بأموال وبنين‪ ،‬أفل يشكرون‬
‫الذين ل ع ُذ َْر لهم‪ ،‬وقد أم ّ‬
‫مدونه ويقومون بما أوجبه عليهم وسهل عليهم أمره؟!‬
‫الّله وَيـ ْ‬
‫ح َ‬
‫ولكن أبوا إل التكاسل والستئذان في القعود‪} ،‬وقالوا ذ َْرنا ن َ ُ‬
‫كن‬
‫مع القاعدين{‪.‬‬
‫}‪ {87‬قال تعالى‪َ} :‬رضوا بأن يكونوا مع الخوالف{؛ أي‪:‬‬
‫كيف رضوا لنفسهم أن يكونوا مع النساء المتخّلفات عن‬
‫ه أو عق ٌ‬
‫ل دّلهم على ذلك أم }ط َب َعَ الّله‬
‫الجهاد؟! هل معهم فق ٌ‬
‫ن فيها إرادة ٌ لفعل ما فيه‬
‫على قلوبهم{؟! فل تعي الخير ول يكو ُ‬
‫الخير والفلح؛ فهم ل يفقهون مصالحهم؛ فلو فقهوا حقيقة الفقه؛‬
‫سهم بهذه الحال التي تح ّ‬
‫طهم عن منازل الرجال‪.‬‬
‫وا لن ُ‬
‫ف ِ‬
‫لم ير َ‬
‫ض ْ‬
‫ﭽ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤﭥ ﭦ ﭧ ﭨﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ‬
‫ﭻ ﭼ ﭼ‪.‬‬
‫ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷﭸ ﭹ ﭺ‬
‫}‪ {88‬يقول تعالى‪ :‬إذا تخّلف هؤلء المنافقون عن الجهاد؛‬
‫صهم بفضله‬
‫ص من خل ِ‬
‫قهِ اخت ّ‬
‫فالّله سي ُْغني عنهم‪ ،‬ولّله عباد ٌ وخوا ّ‬
‫يقومون بهذا المر‪ ،‬وهم }الرسول{‪ :‬محمد ٌ صلى الله عليه‬
‫وسلم‪} ،‬والذين آمنوا معه{ يجاهدون }بأموالهم وأنفسهم{‪ :‬غير‬
‫سلين‪ ،‬بل هم فرحون مستبشرون‪ ،‬فأولئك }لهم‬
‫متثاقلين ول ك َ ِ‬
‫دنيا والخرة‪ .‬فأولئك }هم المفلحون{‪:‬‬
‫ت{‪ :‬الكثيرة ُ في ال ّ‬
‫الخيرا ُ‬
‫َ‬
‫فروا بأعلى المطالب وأكمل الرغائب‪.‬‬
‫الذين ظ ِ‬
‫ت تجري من تحتها النهاُر خالدين‬
‫}‪} {89‬أعد ّ الّله لهم جنا ٍ‬
‫ب بما رغبوا فيه‬
‫م{‪ :‬فتّبا لمن لم يرغ ْ‬
‫فيها ذلك الفوُز العظي ُ‬
‫منوا به‬
‫و َ‬
‫سَر دينه ودنياه وأخراه‪ ،‬وهذا نظيُر قوله تعالى‪} :‬قل آ ِ‬
‫خ ِ‬

‫خّرون‬
‫م من قبل ِهِ إذا ُيتلى عليهم ي َ ِ‬
‫أو ل تؤمنوا إ ّ‬
‫ن الذين أوتوا العل َ‬
‫فْر بها هؤلءِ فقد وكلنا بها قوما ً‬
‫جدًا{‪ ،‬وقوله‪} :‬فإن ي َك ْ ُ‬
‫س ّ‬
‫ن ُ‬
‫للذقا ِ‬
‫ن{‪.‬‬
‫ليسوا بها بكافري َ‬
‫ﮆ ﮇﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ‬
‫ﭽﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ‬
‫ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ‬
‫ﮡﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ‬
‫ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪﯧﯧ ﯫﯧﯧ ﯬﯧﯧ ﯭﯧﯧﯮﯧﯧ ﯯﯧﯧ ﯰﯧﯧ ﯱﯧﯧ ﯷ‬
‫ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﭼ‪.‬‬
‫}‪ {90‬يقول تعالى‪} :‬وجاء المع ّ‬
‫ن‬
‫ن من العراب ل ِي ُؤ ْذ َ َ‬
‫ذرو َ‬
‫صروا منهم في الخروج لجل أن‬
‫لهم{؛ أي‪ :‬جاء الذين تهاونوا وق ّ‬
‫ن لهم في ترك الجهاد؛ غيَر مبالين في العتذار لجفائهم وعدم‬
‫يؤذ َ‬
‫حيائهم وإتيانهم بسبب ما معهم من اليمان الضعيف‪ ،‬وأما الذين‬
‫كذبوا الّله ورسوله منهم؛ فقعدوا وتركوا العتذار بالكل ّّية‪ .‬وُيحتمل‬
‫ن معنى قوله‪} :‬المع ّ‬
‫ذرون{؛ أي‪ :‬الذين لهم عذٌر أتوا إلى‬
‫أ ّ‬
‫من‬
‫الرسول صلى الله عليه وسلم ل ِي َعْذ َِرهم‪ ،‬ومن عادته أن ي َعْذ َِر َ‬
‫له عذٌر‪} ،‬وَقَعَد َ الذين ك َ َ‬
‫ذبوا الّله ورسوله{‪ :‬في دعواهم اليمان‬
‫المقتضي للخروج وعدم عملهم بذلك‪ .‬ثم توعدهم بقوله‪:‬‬
‫دنيا والخرة‪.‬‬
‫م{‪ :‬في ال ّ‬
‫}سُيصيب الذين كفروا منهم عذا ٌ‬
‫ب ألي ٌ‬
‫}‪ {91‬لما ذكر المعتذرين‪ ،‬وكانوا على قسمين‪ :‬قسم‬
‫معذور في الشرع‪ ،‬وقسم غير معذوٍر؛ ذ َك ََر ذلك بقوله‪} :‬ليس‬
‫وة لهم على‬
‫على ال ّ‬
‫ضعفاء{‪ :‬في أبدانهم وأبصارهم‪ ،‬الذين ل ق ّ‬
‫الخروج والقتال‪} ،‬ول على المرضى{‪ :‬وهذا شام ٌ‬
‫ل لجميع أنواع‬
‫)‪(1‬‬
‫ه على الخروج والجهاد من ع ََرج‬
‫المرض‪ ،‬التي ل يقدر صاحب ُ ُ‬
‫مى وذات الجنب والفالج وغير ذلك‪} .‬ول على الذين ل‬
‫ىو ُ‬
‫حـ ّ‬
‫وعم ً‬
‫ة يتبّلغون بها في‬
‫ن ما ُينفقون{؛ أي‪ :‬ل يجدون زادا ً ول راحل ً‬
‫جدو َ‬
‫يَ ِ‬
‫ج‪ ،‬بشرط أن ينصحوا للهّ‬
‫حَر ٌ‬
‫سفرهم؛ فهؤلء ليس عليهم َ‬
‫ورسوله؛ بأن يكونوا صادقي اليمان‪ ،‬وأن يكون من نّيتهم‬
‫درون عليه من‬
‫وعزمهم أنهم لو قدروا لجاهدوا‪ ،‬وأن يفعلوا ما يق ِ‬
‫ث والترغيب والّتشجيع على الجهاد‪.‬‬
‫الح ّ‬
‫ن‬
‫}ما على المحسنين من سبيل{؛ أي‪ :‬من سبيل يكو ُ‬
‫ة؛ فإنهم بإحسانهم فيما عليهم من حقوق الّله‬
‫عليهم فيه ت َب ِعَ ٌ‬
‫جه اللوم عليهم‪ ،‬وإذا أحسن العبد ُ فيما‬
‫وحقوق العباد أسقطوا تو ّ‬
‫يقد ُِر عليه؛ سقط عنه ما ل يقدُر عليه‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫‪ -‬كذا في النسختين‪.‬‬

‫وُيستد ّ‬
‫من أحسن على‬
‫ل بهذه الية على قاعدة‪ ،‬وهي أ ّ‬
‫ن َ‬
‫غيره في نفسه أو في ماله ونحو ذلك‪ ،‬ثم ترّتب على إحسانه‬
‫ن‪ ،‬ول سبيل على‬
‫ص أو تل ٌ‬
‫نق ٌ‬
‫ف‪ :‬أّنه غير ضامن؛ لنه محس ٌ‬
‫المحسنين؛ كما أنه يد ّ‬
‫ل على أن غير المحسن‪ ،‬وهو المسيء؛‬
‫كالمفرط؛ أن عليه الضمان‪} .‬والّله غفوٌر رحيم{‪ :‬من مغفرته‬
‫ب القادرين‬
‫ورحمته عفا عن العاجزين‪ ،‬وأثابهم بنّيتهم الجازمة ثوا َ‬
‫الفاعلين‪.‬‬
‫}‪} {92‬ول على الذين إذا ما أت َوْ َ‬
‫مَلهم{‪ :‬فلم يصادفوا‬
‫ح ِ‬
‫ك ل ِت َ ْ‬
‫وا‬
‫جد ُ ما أح ِ‬
‫ت{‪ :‬لهم معتذرًا‪} :‬ل أ ِ‬
‫عندك شيئًا‪} .‬قل َ‬
‫مُلكم عليه ت َوَل ّ ْ‬
‫حَزنا ً أن ل يجدوا ما ينفقون{‪ :‬فإنهم‬
‫ض من الدمع َ‬
‫وأعيُنهم تفي ُ‬
‫قة‬
‫عاجزون باذلون لنفسهم‪ ،‬وقد صدر منهم من الحزن والمش ّ‬
‫ج‬
‫ج عليهم‪ ،‬وإذا سقط الحر ُ‬
‫حَر َ‬
‫ما ذكره الّله عنهم؛ فهؤلء ل َ‬
‫من نوى الخير واقترن بنّيته‬
‫عنهم؛ عاد المر إلى أصله‪ ،‬وهو أ ّ‬
‫ن َ‬
‫ي فيما يقد ُِر عليه ثم لم يقد ِْر؛ فإّنه ينّز ُ‬
‫ل منزلة‬
‫الجازمة َ‬
‫سعْ ٌ‬
‫م‪.‬‬
‫الفاعل التا ّ‬
‫جه واللوم يتناول }الذين‬
‫}‪} {93‬إّنما السبيل{‪ :‬يتو ّ‬
‫يستأِذنونك وهم أغنياٌء{‪ :‬قادرون على الخروج ل عذَر لهم؛ فهؤلء‬
‫ف{؛‬
‫}رضوا{ لنفسهم‪ ،‬ومن دينهم }أن يكونوا مع الـ َ‬
‫خوال ِ ِ‬
‫ن الّله‬
‫كالنساء والطفال ونحوهم‪} .‬و{إّنما رضوا بهذه الحال ل ّ‬
‫سون‬
‫م عليها؛ فل يد ُ‬
‫ط َب َعَ }على قلوبهم{؛ أي‪َ :‬‬
‫خلها خيٌر‪ ،‬ول يح ّ‬
‫خت َ َ‬
‫ة لهم على‬
‫بمصالحهم الدينّية والدنيوّية‪} ،‬فهم ل يعلمون{‪ :‬عقوب ً‬
‫ما اقترفوا‪.‬‬
‫ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡﭢ ﭣ‬
‫ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ‬
‫ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ‬
‫ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹﭺ ﭻ ﭼﭽ ﭾ ﭿﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ‬
‫ﮗ ﭼ التوبة‪٩٦ - ٩٤ :‬‬
‫ﮋﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ‬
‫}‪ {94‬لما ذكر تخّلف المنافقين الغنياء‪ ،‬وأنه ل عذر لهم؛‬
‫أخبر أنهم سيعتذرون }إليكم إذا رجعُتم إليهم{‪ :‬من غزاتكم‪،‬‬
‫}قُ ْ‬
‫ن لكم{؛ أي‪ :‬لن نصد َّقكم في‬
‫ل{ لهم‪} :‬ل تعِتذروا لن نؤم َ‬
‫اعتذاركم الكاذب‪} ،‬قد نّبأنا الّله من أخباِركم{‪ :‬وهو الصادق في‬
‫ذرون بخلف ما أخبر الّله‬
‫قيله‪ ،‬فلم يبقَ للعتذار فائد ٌ‬
‫ة؛ لنهم يعت ِ‬
‫عنهم‪ ،‬ومحا ٌ‬
‫خب ََر الّله الذي هو‬
‫ف َ‬
‫ل أن يكونوا صادقين فيما يخال ِ ُ‬
‫دنيا؛‬
‫مَلكم ورسوُله{‪ :‬في ال ّ‬
‫هع َ‬
‫أعلى مراتب الصدق‪} .‬وسيرى الل ّ ُ‬
‫ن العمل هو ميزان الصدق من الكذب‪ ،‬وأما مجّرد القوال؛ فل‬
‫ل ّ‬
‫ب‬
‫دللة فيها على شيء من ذلك‪} ،‬ثم ت َُر ّ‬
‫دون إلى عالم الغي ِ‬
‫ة‪} ،‬فينب ُّئكم بما كنُتم‬
‫والشهادة{‪ :‬الذي ل يخفى عليه خافي ٌ‬

‫تعملون{‪ :‬من خيرٍ وشّر‪ ،‬ويجازيكم بعدله أو بفضله؛ من غير أن‬
‫مكم مثقا َ‬
‫ة‪.‬‬
‫ل ذّر ٍ‬
‫يظل ِ َ‬
‫قب َ ُ‬
‫ل‬
‫ت‪ :‬إما ي ُ ْ‬
‫}‪ {95‬واعلم أن المسيء المذنب له ثل ُ‬
‫ث حال ٍ‬
‫ب‪.‬‬
‫قوُله وعذُره ظاهرا ً وباطنا ً وُيعفى عنه بحيث يبقى كأنه لم يذن ْ‬
‫]فهذه الحالة هي المذكورة هنا في حق المنافقين أن عذرهم غير‬
‫مقبول‪ ،‬وأنه قد تقررت أحوالهم الخبيثة وأعمالهم السيئة[ )‪. (1‬‬
‫ي على ذنبهم‪ .‬وإما أن‬
‫وإما أن ُيعاقبوا بالعقوبة والّتعزير الفعلـ ّ‬
‫ض عنهم‪ ،‬ول يقاَبلوا بما فعلوا بالعقوبة الفعلّية‪ .‬وهذه الحال‬
‫ي ُعَْر َ‬
‫الثالثة هي التي أمر الّله بها في حقّ المنافقين‪ ،‬ولهذا قال‪:‬‬
‫رضوا‬
‫رضوا عنهم فأع ِ‬
‫}سيحلفون بالل ّهِ لكم إذا انقلبُتم إليهم لت ُعْ ِ‬
‫س{؛‬
‫عنهم{؛ أي‪ :‬ل توّبخوهم ول تجِلدوهم أو تقُتلوهم‪} .‬إّنهم رج ٌ‬
‫أي‪ :‬إنهم قذٌر خبثاء‪ ،‬ليسوا بأهل لن ُيبالى بهم‪ ،‬وليس التوبيخ‬
‫والعقوبة مفيدا ً فيهم‪} .‬و{ تكفيهم عقوبة }جهّنم جزاًء بما كانوا‬
‫سبون{‪.‬‬
‫يك ِ‬
‫وا عنهم{؛ أي‪ :‬ولهم‬
‫}‪ {96‬وقوله‪} :‬يحلفون لكم لتر َ‬
‫ض ْ‬
‫أيضا ً هذا المقصد الخر منكم غير مجّرد العراض‪ ،‬بل يحّبون أن‬
‫ن الّله ل‬
‫وا عنهم فإ ّ‬
‫وا عنهم كأّنهم ما فعلوا شيئًا‪} .‬فإن تر َ‬
‫تر َ‬
‫ض ْ‬
‫ض ْ‬
‫ن{؛ أي‪ :‬فل ينبغي لكم أّيها المؤمنون‬
‫يرضى عن القوم الفاسقي َ‬
‫ه عنه‪ ،‬بل عليكم أن توافقوا رّبكم‬
‫أن تر َ‬
‫ض الل ّ ُ‬
‫وا عن من لم ير َ‬
‫ض ْ‬
‫م ْ‬
‫ن الّله ل يرضى عن‬
‫ل كيف قال‪} :‬فإ ّ‬
‫في رضاه وغضبه‪ .‬وتأ ّ‬
‫ن الّله ل يرضى عنهم؛ ليد ّ‬
‫القوم الفاسقين{‪ ،‬ولم يق ْ‬
‫ل ذلك‬
‫ل‪ :‬فإ ّ‬
‫ن‬
‫على أن باب التوبة مفتوح‪ ،‬وأنهم مهما تابوا هم أو غيرهم؛ فإ ّ‬
‫ن الّله‬
‫الّله يتوب عليهم ويرضى عنهم‪ ،‬وأما ما داموا فاسقين؛ فإ ّ‬
‫ل يرضى عليهم؛ لوجود المانع من رضاه‪ ،‬وهو خروجهم عن ما‬
‫ضُبه من الشرك‬
‫رضيه الّله لهم من اليمان والطاعة إلى ما ي ُغْ ِ‬
‫والنفاق والمعاصي‪.‬‬
‫ن المنافقين المتخّلفين عن الجهاد‬
‫وحاصل ما ذكره الّله أ ّ‬
‫من غير عذر إذا اعتذروا للمؤمنين وزعموا أن لهم أعذارا ً في‬
‫وا‬
‫رضوا عنهم وت َْر َ‬
‫تخّلفهم؛ فإ ّ‬
‫ض ْ‬
‫ن المنافقين يريدون بذلك أن ت ُعْ ِ‬
‫ما َقبو ُ‬
‫ل العذر منهم والرضا عنهم؛ فل حّبا ول‬
‫وتقبلوا عذَرهم‪ :‬فأ ّ‬
‫رض المؤمنون عنهم‬
‫كرام ً‬
‫ة لهم‪ .‬وأ ّ‬
‫ما العراض عنهم؛ فيع ِ‬
‫ضهم عن المور الردّية الرجس‪.‬‬
‫إعرا َ‬
‫ت الكلم لّله تعالى في قوله‪} .‬قد نّبأنا‬
‫وفي هذه اليات إثبا ُ‬
‫الّله من أخباركم{‪ ،‬وإثبات الفعال الختيارّية لّله الواقعة بمشيئته‬
‫‪ - 1‬كذا في النسختين ولعل من المناسب أن تكون ما بين المعقوفتين بعد‬
‫قوله‪» :‬ول يقابلوا بما فعلوا بالعقوبة الفعلية«‪ .‬والله أعلم‪.‬‬

‫مل َ ُ‬
‫كم ورسوُله{؛ أخبر‬
‫وقدرته في هذا وفي قوله‪} :‬وسيرى الّله ع َ َ‬
‫أنه سيراه بعد وقوعه‪ .‬وفيها إثبات الّرضا لّله عن المحسنين‬
‫والغضب والسخط على الفاسقين‪.‬‬

‫ﭽ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ‬
‫ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔﯕ ﯖ ﯗ ﯘﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ‬
‫ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪﯧﯧ ﯫﯧﯧ ﯬﯧﯧﯭﯧﯧ ﯮﯧﯧ ﯯﯧﯧ ﯰﯧﯧ ﯱﯧﯧﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ‬
‫ﯼ ﭼ‪.‬‬

‫ب{‪ :‬وهم سكان البادية‬
‫}‪ {97‬يقول تعالى‪} :‬العرا ُ‬
‫والبراري‪} ،‬أشد ّ كفرا ً ونفاقًا{‪ :‬من الحاضرة الذين فيهم كفٌر‬
‫ب كثيرة؛ منها‪ :‬أنهم بعيدون عن معرفة‬
‫ونفا ٌ‬
‫ق‪ ،‬وذلك لسبا ٍ‬
‫الشرائع الدينّية والعمال والحكام؛ فهم أحرى }وأجدُر أن ل‬
‫يعلموا حدود َ ما أنز َ‬
‫ل الّله على رسوله{‪ :‬من أصول اليمان‬
‫وأحكام الوامر والنواهي؛ بخلف الحاضرة؛ فإّنهم أقرب لن‬
‫ث لهم بسبب هذا‬
‫ه‪ ،‬فيحد ُ ُ‬
‫يعلموا حدود ما أنزل الّله على رسول ِ ِ‬
‫ورات حسنة وإرادات للخير الذي يعلمون ما ل يكون في‬
‫العلم تص ّ‬
‫داعي ما ليس في‬
‫البادية‪ .‬وفيهم من لطافة الطبع والنقياد لل ّ‬
‫البادية‪ .‬ويجالسون أهل اليمان‪ ،‬ويخالطونهم أكثر من أهل‬
‫البادية؛ فلذلك كانوا أحرى للخير من أهل البادية‪ ،‬وإن كان في‬
‫البادية والحاضرة كفاٌر ومنافقون؛ ففي البادية أشد ّ وأغلظ مما‬
‫في الحاضرة‪.‬‬
‫ح‬
‫ص على الموال وأش ّ‬
‫}‪ {98‬ومن ذلك أ ّ‬
‫ن العراب أحر ُ‬
‫ق{‪ :‬من الزكاة والنفقة في سبيل‬
‫فيها؛ فمنهم }من يّتخذ ُ ما ين ِ‬
‫ف ُ‬
‫ً‬
‫الّله وغير ذلك‪} ،‬مغرمًا{؛ أي‪ :‬يراها خسارة ونقصا‪ ،‬ل يحتسب‬
‫ديها إل كرهًا‪} ،‬ويترّبص‬
‫فيها‪ ،‬ول يريد بها وجه الّله‪ ،‬ول يكاد ُ يؤ ّ‬
‫بكم الدوائَر{؛ أي‪ :‬من عداوتهم للمؤمنين وُبغضهم لهم أنهم‬
‫دهر وفجائع الزمان‪ ،‬وهذا‬
‫دون وينتظرون فيهم دوائر ال ّ‬
‫يو ّ‬
‫وء{‪ ،‬أما المؤمنون؛ فلهم‬
‫سينعكس عليهم‪ .‬فعليهم }دائرة ُ ال ّ‬
‫س ْ‬
‫ة على أعدائهم‪ ،‬ولهم الُعقبى الحسنة‪} .‬والّله‬
‫الدائرة ُ الحسن ُ‬
‫م{‪ :‬يعلم نيات العباد وما صدرت منه العمال من‬
‫سميعٌ علي ٌ‬
‫إخلص وغيره‪.‬‬
‫ن‬
‫}‪ {99‬وليس العراب كّلهم مذمومين‪ ،‬بل منهم } َ‬
‫من يؤم ُ‬
‫بالّله واليوم الخر{‪ :‬فيسلم بذلك من الكفر والنفاق‪ ،‬ويعمل‬
‫ت عند الّله{؛ أي‪ :‬يحتسب‬
‫بمقتضى اليمان‪} ،‬ويت ّ ِ‬
‫فقُ قُُربا ٍ‬
‫خذ ُ ما ين ِ‬
‫ة‬
‫ب منه‪} ،‬و{ يجعَُلها وسيل ً‬
‫ه الّله تعالى والقر َ‬
‫نفقته ويقصد بها وج َ‬
‫ت }الرسول{؛ أي‪ :‬دعائه لهم وتبريكه عليهم‪ .‬قال تعالى‬
‫صَلوا ِ‬
‫لِ َ‬
‫ة لهم{‪ :‬تقّربهم إلى‬
‫مبّينا ً لنفع صلوات الرسول‪} :‬أل إّنها ُقرب ٌ‬

‫ح ّ‬
‫خُلهم الّله في‬
‫ل فيها البركة‪} .‬سيد ِ‬
‫الّله‪ ،‬وُتنمي أموالهم‪ ،‬وت ُ ِ‬
‫م{‪ :‬فيغفر‬
‫رحمته{‪ :‬في جملة عباده الصالحين‪ .‬إّنه }غفوٌر رحي ٌ‬
‫م عباده برحمت ِهِ التي وسعت‬
‫ت العظيم َ‬
‫السيئا ِ‬
‫ة لمن تاب إليه‪ ،‬وي َعُ ّ‬
‫ك ّ‬
‫ص عباده المؤمنين برحمةٍ يوّفقهم فيها إلى‬
‫ل شيء‪ ،‬ويخ ّ‬
‫الخيرات‪ ،‬ويحميهم فيها من المخالفات‪ ،‬ويجزِ ُ‬
‫ل لهم فيها أنواع‬
‫المثوبات‪.‬‬
‫و في هذه الية دلي ٌ‬
‫ن العراب كأهل الحاضرة؛‬
‫ل على أ ّ‬
‫مهم الّله على مجّرد‬
‫منهم الممدوح ومنهم المذموم‪ ،‬فلم يذ ّ‬
‫مهم على ترك أوامر الّله‪ ،‬وأنهم في‬
‫تعّربهم وباديتهم‪ ،‬إّنما ذ ّ‬
‫مظنة ذلك‪.‬‬
‫ن الكفر والنفاق يزيد وينقص ويغل ُ ُ‬
‫ف‬
‫خ ّ‬
‫ظ‪ ،‬وي ِ‬
‫ومنها ‪ :‬أ ّ‬
‫بحسب الحوال‪.‬‬
‫من‬
‫ن فاقِ َ‬
‫ومنها ‪ :‬فضيلة العلم‪ ،‬وأ ّ‬
‫ده أقرب إلى الشّر مـ ّ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫م العراب‪ ،‬وأخبر أنهم أشد ّ كفرا ونفاقا‪ ،‬وذكر‬
‫يعرفه؛ ل ّ‬
‫ن الّله ذ ّ‬
‫السبب الموجب لذلك‪ ،‬وأّنهم أجدر أن ل يعلموا حدود ما أنزل‬
‫الّله على رسوله‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬أن العلم النافع الذي هو أنفع العلوم معرفة حدود ما‬
‫أنزل الله على رسوله من أصول الدين وفروعه؛ كمعرفة حدود‬
‫اليمان والسلم والحسان والتقوى والفلح والطاعة والبّر‬
‫صلة والحسان والكفر والنفاق والفسوق والعصيان والزنا‬
‫وال ّ‬
‫م ّ‬
‫كن من فعلها إن‬
‫والخمر والربا ونحو ذلك؛ فإن في معرفتها ي ُت َ َ‬
‫كانت مأمورا ً بها أو )‪ (1‬تركها إن كانت محظورة‪ ،‬ومن المر بها أو‬
‫النهي عنها‪.‬‬
‫ومنها ‪ :‬أنه ينبغي للمؤمن أن يؤدي ما عليه من الحقوق‪،‬‬
‫منشرح الصدر‪ ،‬مطمئن النفس‪ ،‬ويحرص أن تكون مغنما ً ول‬
‫تكون مغرمًا‪.‬‬
‫ﭣ‬

‫ﭽﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ‬
‫ﭤ ﭥ ﭦﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭼ ‪.‬‬

‫ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ‬

‫دروها إلى‬
‫}‪ {100‬السابقون هم الذين سبقوا هذه المة وب َ َ‬
‫اليمان والهجرة والجهاد وإقامة دين الّله‪} ،‬من المهاجرين{‪:‬‬
‫ن فضل ً من الّله‬
‫}الذين أ ُ ْ‬
‫رجوا من ديارهم وأموالهم يبتغو َ‬
‫خ ِ‬
‫صرون الّله ورسوَله أولئك هم الصادقون{‪} .‬و{ من‬
‫ورضوانا ً وين ُ‬
‫}النصار{‪} :‬الذين تبوؤا الدار واليمان من قبل ِِهم يحّبون من‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬مأمورة أو«‪.‬‬

‫ة مما أوتوا ويؤِثرون‬
‫هاجر إليهم ول يجدون في صدوِرهم حاج ً‬
‫ة{‪} .‬والذين ات َّبعوهم‬
‫سهم ولو كان بهم َ‬
‫ص ٌ‬
‫على أنف ِ‬
‫خصا َ‬
‫ن{‪ :‬بالعتقادات والقوال والعمال؛ فهؤلء هم الذين‬
‫بإحسا ٍ‬
‫م وحصل لهم نهاية المدح وأفض ُ‬
‫ل الكرامات من‬
‫سِلموا من الذ ّ ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الله‪} .‬رضي الله عنهم{‪ :‬ورضاه تعالى أكبُر من نعيم الجنة‪،‬‬
‫ت تجري تحَتها النهار{‪ :‬الجارية التي‬
‫}وَرضوا عنه وأعد ّ لهم جنا ٍ‬
‫ُتساق إلى سقي الجنان والحدائق الزاهية الزاهرة والرياض‬
‫حوَل ً ول يطلبون منها‬
‫الناضرة‪} .‬خالدين فيها أبدًا{‪ :‬ل يبغون عنها ِ‬
‫بد ً‬
‫ل؛ لّنهم مهما تمّنوه أدركوه‪ ،‬ومهما أرادوه وجدوه‪} .‬ذلك الفوز‬
‫العظيم{‪ :‬الذي حصل لهم فيه ك ّ‬
‫ب للنفوس ول ّ‬
‫ذة للرواح‬
‫ل محبو ٍ‬
‫ونعيم للقلوب وشهوة للبدان‪ ،‬واندفع عنهم ك ّ‬
‫ل محذور‪.‬‬
‫ﭽ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰﭱ ﭲ ﭳ ﭴﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺﭻ ﭼ ﭽﭾ‬
‫ﮄ ﮅ ﮆ ﭼ‪.‬‬
‫ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ‬
‫من حوَلكم من العراب‬
‫}‪ {101‬يقول تعالى‪} :‬ومـ ّ‬
‫دوا على‬
‫مَر ُ‬
‫منافقون ومن أهل المدينة{‪ :‬أيضا ً منافقون‪َ } ،‬‬
‫الّنفاق{؛ أي‪ :‬تمّرنوا عليه ]واستمّروا[ وازدادوا فيه طغيانًا‪} ،‬ل‬
‫مهم{‪ :‬بأعيانهم فتعاقبهم أو تعاملهم بمقتضى نفاقهم؛ لما لّله‬
‫تعل َ ُ‬
‫مهم سنع ّ‬
‫ن{‪:‬‬
‫في ذلك من الحكمة الباهرة‪} .‬نحن نعل ُ‬
‫ذبهم مرتي ِ‬
‫ب‬
‫ب في الدنيا وعذا ٌ‬
‫ن عذاَبهم عذا ٌ‬
‫ُيحتمل أن التثنية على بابها‪ ،‬وأ ّ‬
‫)‪(1‬‬
‫م والكراهة لما‬
‫في الخرة؛ ففي ال ّ‬
‫م والغ ّ‬
‫دنيا ما ينالهم من اله ّ‬
‫ب النار‬
‫يصيب المؤمنين من الفتح والنصر‪ ،‬وفي الخرة عذا ُ‬
‫ن المراد سنغل ّ ُ‬
‫ظ عليهم العذاب‪،‬‬
‫وبئس القرار‪ ،‬وُيحتمل أ ّ‬
‫ونضاعفه عليهم‪ ،‬ونكّرره‪.‬‬
‫ﭽ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ‬
‫ﮥ ﮦ ﮧﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﭼ ‪.‬‬
‫ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢﮣ ﮤ‬
‫ن‬
‫من بالمدينة و َ‬
‫}‪ {102‬يقول تعالى‪} :‬وآخرون{‪ :‬م ّ‬
‫م ْ‬
‫حولها‪ ،‬بل ومن سائر البلد السلمّية‪} ،‬اعترفوا بذنوبهم{؛ أي‪:‬‬
‫أقّروا بها وندموا عليها وسعوا في التوبة منها والتطّهر من‬
‫أدرانها‪} ،‬خلطوا عمل ً صالحا ً وآخر سّيئًا{‪ :‬ول يكون العمل صالحا ً‬
‫إل إذا كان مع العبد أص ُ‬
‫ج عن الكفر‬
‫ل التوحيد واليمان المخرِ ُ‬
‫والشرك الذي هو شر ٌ‬
‫ط لك ّ‬
‫ل عمل صالح؛ فهؤلء خلطوا العمال‬
‫الصالحة بالعمال السيئة من التجّري على بعض المحّرمات‬
‫والتقصير في بعض الواجبات مع العتراف بذلك والرجاء بأن‬
‫ب عليهم{‪ :‬وتوبُته على‬
‫ه أن يتو َ‬
‫يغفر الّله لهم؛ فهؤلء }عسى الل ّ ُ‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬والحزن«‪.‬‬

‫عبده نوعان‪ :‬الو ُ‬
‫ل‪ :‬التوفيقُ للتوبة‪ .‬والثاني‪ :‬قبوُلها بعد وقوعها‬
‫ن الّله غفوٌر رحيم{؛ أي‪ :‬وصفه المغفرة والرحمة اللتان‬
‫منهم‪} .‬إ ّ‬
‫ي إل‬
‫ل يخلو مخلوقٌ منهما‪ ،‬بل ل بقاء للعالم العلويّ والسفلـ ّ‬
‫س بظ ُْلمهم ما ترك على ظهرها من‬
‫بهما؛ فلوْ يـؤا ِ‬
‫خـذ ُ الل ّ ُ‬
‫ه النا َ‬
‫ن‬
‫ن الّله يمسك السموا ِ‬
‫داب ّ ٍ‬
‫ض أن تزول ولئن زالتا إ ْ‬
‫ة‪} ،‬إ ّ‬
‫ت والر َ‬
‫مس َ‬
‫كهما من أحد ٍ من بعد ِهِ إّنه كان حليما ً غفورًا{‪ ،‬ومن مغفرته‬
‫أ َ‬
‫أن المسرفين على أنفسهم الذين قطعوا أعمارهم بالعمال‬
‫السيئة إذا تابوا إليه وأنابوا‪ ،‬ولو ُقبيل موتهم بأق ّ‬
‫ل القليل؛ فإّنه‬
‫)‪(1‬‬
‫ة على أن‬
‫يعفو عنهم ويتجاوُز عن سيئاتهم‪ .‬فهذه الية دال ٌ‬
‫ً‬
‫ة نصوحا؛ أنه تحت‬
‫المخّلط المعترف النادم الذي لم يتب توب ً‬
‫الخوف والرجاء‪ ،‬وهو إلى السلمة أقرب‪ ،‬وأما المخّلط الذي لم‬
‫ف‪ ،‬ولم يندم على ما مضى منه‪ ،‬بل ل يزال مصّرا على‬
‫يعتر ْ‬
‫ال ّ‬
‫ذنوب؛ فإنه يخاف عليه أشد ّ الخوف‪.‬‬
‫ن قام مقامه آمرا ً له بما‬
‫}‪ {103‬قال تعالى لرسوله و َ‬
‫م ْ‬
‫ة{‪ :‬وهي‬
‫مم إيمانهم‪ُ } :‬‬
‫خذ ْ من أموالهم صدق ً‬
‫يطّهر المؤمنين ويت ّ‬
‫الزكاة المفروضة‪} ،‬تطهُّرهم وتز ّ‬
‫كيهم بها{؛ أي‪ :‬تطّهرهم من‬
‫ذنوب والخلق الرذيلة‪} ،‬وتز ّ‬
‫ال ّ‬
‫كيهم{؛ أي‪ :‬تنميهم‪ ،‬وتزيد في‬
‫أخلقهم الحسنة وأعمالهم الصالحة‪ ،‬وتزيد في ثوابهم الدنيوي‬
‫ص ّ‬
‫ل عليهم{؛ أي‪ :‬ادع لهم؛ أي‪:‬‬
‫والخروي‪ ،‬وتنمي أموالهم‪} ،‬و َ‬
‫للمؤمنين عموما ً وخصوصا ً عندما يدفعون إليك زكاة أموالهم‪.‬‬
‫مأنينة لقلوبهم واستبشار لهم‪.‬‬
‫}إ ّ‬
‫ن صلَتك َ‬
‫ن لهم{؛ أي‪ :‬ط ُ َ‬
‫سك َ ٌ‬
‫م{‪ :‬بأحوال‬
‫}والّله سميع{‪ :‬لدعائك سمعَ إجابة وَقبول‪} .‬علي ٌ‬
‫العباد ونّياتهم‪ ،‬فيجازي ك ّ‬
‫ل عامل بعمله وعلى قدر نيته‪ .‬فكان‬
‫ي صلى الله عليه وسلم يمتث ِ ُ‬
‫مُرهم بالصدقة‪،‬‬
‫ل لمر الّله‪ ،‬ويأ ُ‬
‫النب ّ‬
‫)‪(2‬‬
‫ماله لجبايتها؛ فإذا أتاه أحد ٌ بصدقته؛ دعا له وبّرك ‪.‬‬
‫ويبع ُ‬
‫ثع ّ‬
‫ة على وجوب الزكاة في جميع الموال‪،‬‬
‫ففي هذه الية دلل ٌ‬
‫وهذا إذا كانت للتجارة ظاهرة؛ فإّنها أموا ٌ‬
‫ل تنمى وُيكتسب بها؛‬
‫فمن العدل أن يواسي منها الفقراء بأداء ما أوجب الّله فيها من‬
‫الزكاة‪ .‬وما عدا أموال التجارة؛ فإن كان المال ينمى كالحبوب‬
‫والثمار والماشية المَتخذة للنماء والدّر والنسل؛ فإّنها تجب فيها‬
‫قْنية؛ لم تكن بمنزلة‬
‫ب فيها؛ لّنها إذا كانت لل ُ‬
‫الزكاة‪ ،‬و إل ّ ؛ لم تج ْ‬
‫ول وُيطلب منه‬
‫الموال التي يّتخذها النسان في العادة مال ً ي ُت َ َ‬
‫م ّ‬
‫قنية ونحوها‪.‬‬
‫المقاصد المالية‪ ،‬وإّنما صرف عن المالية بال ُ‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫ في )ب(‪» :‬دّلت«‪.‬‬‫‪ -‬سبق تخريجه‪.‬‬

‫وفيها ‪ :‬أن العبد ل يمكنه أن يتطّهر‪ ،‬ويتز ّ‬
‫ج‬
‫كى حتى يخرِ َ‬
‫ن الزكاة والتطهير‬
‫ه‪ ،‬وأّنه ل يك ّ‬
‫زكاة مال ِ ِ‬
‫فرها شيٌء سوى أدائها؛ ل ّ‬
‫متوّقف على إخراجها‪.‬‬
‫دى زكاته‬
‫دعاء من المام أو نائبه لمن أ ّ‬
‫وفيها ‪ :‬استحباب ال ّ‬
‫دق‬
‫بالبركة‪ ،‬وأن ذلك ينبغي أن يكون جهرًا؛ بحيث يسمعه المتص ّ‬
‫ن إليه‪.‬‬
‫فيسك ُ‬
‫ويؤخذ من المعنى أنه ينبغي إدخا ُ‬
‫ل السرور على المؤمن‬
‫بالكلم اللّين والدعاء له ونحو ذلك مما يكون فيه طمأنينة‬
‫ة‪ ،‬وعمل عمل ً‬
‫ه‪] .‬وأنه ينبغي تنشيط من أنفق نفق ً‬
‫ن لقلب ِ ِ‬
‫وسكو ٌ‬
‫دعاء له والثناء ونحو ذلك[‪.‬‬
‫صالحا ً بال ّ‬
‫ﭽ ﮭ ﮮﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﭼ‬
‫‪.‬‬

‫م كرمه‪ ،‬وأنه‬
‫سعَ َ‬
‫ة رحمة الّله وعمو َ‬
‫}‪ {104‬أي‪ :‬أما علموا َ‬
‫}يقب ُ‬
‫ح‬
‫ل التوب َ‬
‫ة عن عباد ِ ِ‬
‫ب كان‪ ،‬بل يفر ُ‬
‫ه{‪ :‬التائبين من أيّ ذن ٍ‬
‫ت{‪:‬‬
‫در‪} ،‬ويأ ُ‬
‫خذ ُ الصدقا ِ‬
‫ح يق ّ‬
‫تعالى بتوبة عبده إذا تاب أعظم فر ٍ‬
‫خ ُ‬
‫ذها بيمينه‪ ،‬في َُرّبيها لحدهم كما ُيرّبـي‬
‫منهم؛ أي‪ :‬يقبلها ويأ ُ‬
‫ه‪ ،‬حتى تكون التمرة ُ الواحدة كالجبل العظيم؛ فكيف‬
‫الرجل فَل ُوّ ُ‬
‫م{؛ أي‪:‬‬
‫ن الّله هو التوا ُ‬
‫بما هو أكبر وأكثر من ذلك‪} .‬وأ ّ‬
‫ب الرحي ُ‬
‫ت‬
‫ن تاب إليه؛ تاب عليه‪ ،‬ولو تكرر ْ‬
‫كثير التوبة على التائبين؛ فم ْ‬
‫م ّ‬
‫ل الّله من التوبة على عباده حتى‬
‫منه المعصي ُ‬
‫ة مرارًا‪ ،‬ول ي َ َ‬
‫مّلوا هم‪ ،‬ويأبوا إل الّنفاَر وال ّ‬
‫شرود َ عن بابه وموالَتهم عدّوهم‪.‬‬
‫يَ َ‬
‫هك ّ‬
‫ل شيٍء‪ ،‬وك َت ََبها للذين يّتقون‪،‬‬
‫}الرحيم{‪ :‬الذي وسعت رحمت ُ ُ‬
‫ويؤتون الزكاة‪ ،‬ويؤمنون بآياته‪ ،‬ويّتبعون رسوله‪.‬‬
‫ﯬﯧﯧ ﯭﯧﯧ ﯮﯧﯧ‬

‫ﯩ ﯪﯧﯧ ﯫﯧﯧ‬
‫ﭽ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥﯦ ﯧ ﯨ‬
‫}‪ {105‬يقول تعالى‪} :‬وقُ ْ‬
‫ملوا{‪:‬‬
‫ل{ لهؤلء المنافقين‪} :‬اع َ‬
‫ن‬
‫سبوا أ ّ‬
‫ما ترون من العمال‪ ،‬واستمّروا على باطلكم؛ فل تح َ‬
‫ن{؛ أي‪ :‬ل‬
‫مَلكم ورسوُله والمؤمنو َ‬
‫ه عَ َ‬
‫ذلك سيخفى‪} ،‬فسيرى الل ّ ُ‬
‫دون إلى عالم الغيب‬
‫بد ّ أن يتبيّـن عملكم ويّتضح‪} ،‬وستر ّ‬
‫والشهادة فينّبئكم بما كنُتم تعملون{‪ :‬من خيرٍ وشّر ففي هذا‬
‫من استمّر على باطله وطغيانه‬
‫التهديد والوعيد الشديد على َ‬
‫ن المعنى‪ :‬إّنكم مهما عملُتم من خيرٍ أو‬
‫وغّيه وعصيانه‪ .‬وُيحتمل أ ّ‬
‫ن الّله م ّ‬
‫سي ُط ْل ِعُ رسوَله وعباده المؤمنين‬
‫شّر؛ فإ ّ‬
‫طلعٌ عليكم‪ ،‬و َ‬
‫ة‪.‬‬
‫على أعمالكم ولو كانت باطن ً‬
‫ﭽ ﯱﯧﯧ ﯷ ﯷ‬

‫ﯯﯧﯧ ﯰﯧﯧ ﭼ ‪.‬‬

‫ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷﯷ ﯷ ﯼ ﯽ ﯾ ﭼ ‪.‬‬

‫ر‬
‫}‪ {106‬أي‪} :‬وآخرون{‪ :‬من المخّلفين مؤ ّ‬
‫خرون }لم ِ‬
‫ب عليهم{‪ :‬ففي هذا التخويف الشديد‬
‫ما يتو ُ‬
‫ما يعذ ُّبهم وإ ّ‬
‫الّله إ ّ‬
‫م{‪ :‬بأحوال‬
‫ه علي ٌ‬
‫للمتخّلفين والحث لهم على التوبة والندم‪} .‬والل ّ ُ‬
‫م{‪ :‬يضع الشياء مواضعها‪ ،‬وينزُِلها منازَلها؛‬
‫العباد ونياتهم‪} ،‬حكي ٌ‬
‫فإذا اقتضت حكمُته أن يغفر لهم ويتوب عليهم؛ غفر لهم وتاب‬
‫عليهم‪ .‬وإن اقتضت حكمُته أن يخذ َُلهم ول يوّفقهم للتوبة؛ فعل‬
‫ذلك‪.‬‬

‫ﭽﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ‬
‫ﭣ ﭤ ﭥﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯﭰ ﭱ ﭲ ﭳ‬
‫ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ‬
‫ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ‬
‫ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮮ ﮯﮰ ﮱ ﯓ‬
‫س من المنافقين من أهل ُقباء اّتخذوا‬
‫}‪ {107‬كان أنا ٌ‬
‫مسجدا ً إلى جنب مسجد قباء يريدون به المضاّرة والمشاّقة بين‬
‫دونه لمن يرجونه من المحاربين لّله ورسوله؛ يكون‬
‫المؤمنين‪ ،‬وي ُعِ ّ‬
‫سّرهم‪،‬‬
‫لهم حصنا ً عند الحتياج إليه‪ ،‬فبّين تعالى ِ‬
‫خْزَيهم‪ ،‬وأظهر ِ‬
‫فقال‪} :‬والذين اّتخذوا مسجدا ً ضرارًا{؛ أي‪ :‬مضاّرة للمؤمنين‬
‫ولمسجدهم الذي يجتمعون فيه‪} ،‬وكفرًا{؛ أي‪ :‬مقصدهم فيه‬
‫الكفر إذا قصد غيرهم اليمان‪} ،‬وتفريقا ً بين المؤمنين{؛ أي‪:‬‬
‫ليتشعبوا ويتفّرقوا ويختلفوا‪} ،‬وإرصادًا{؛ أي‪ :‬إعدادا ً }لمن حارب‬
‫من قب ُ‬
‫ل{؛ أي‪ :‬إعانة للمحاربين لّله ورسوله‪ ،‬الذين‬
‫الّله ورسوله ِ‬
‫دت عداوتهم‪ ،‬وذلك كأبي عامر الراهب‪ ،‬الذي‬
‫دم حرابهم واشت ّ‬
‫تق ّ‬
‫ي صلى الله عليه وسلم‬
‫كان من أهل المدينة‪ ،‬فلما قدم النب ّ‬
‫وهاجر إلى المدينة؛ كفر به‪ ،‬وكان متعّبدا ً في الجاهلية‪ ،‬فذهب‬
‫إلى المشركين يستعين بهم على حرب رسول الّله صلى الله‬
‫عليه وسلم‪ ،‬فلما لم يدرك مطلوبه عندهم؛ ذهب إلى قيصر‬
‫بزعمه أنه ينصره‪ ،‬فهلك اللعين في الطريق‪ ،‬وكان على وعدٍ‬
‫ضرار‪،‬‬
‫دوا له مسجد ال ّ‬
‫وممالئة هو والمنافقون‪ ،‬فكان مما أع ّ‬
‫فنزل الوحي بذلك‪ ،‬فبعث إليه النبي صلى الله عليه وسلم من‬
‫ة‪.‬‬
‫حرق‪ ،‬وصار بعد ذلك مزبل ً‬
‫يهدمه ويحرقه )‪ ، (1‬فُهدم‪ ،‬و ُ‬
‫قال تعالى بعد ما بّين من مقاصدهم الفاسدة في ذلك‬
‫دنا{ في بنائنا إّياه }إل الحسنى{؛ أي‪:‬‬
‫حل ِ ُ‬
‫ن إن أر ْ‬
‫المسجد‪} :‬ول َي َ ْ‬
‫ف ّ‬
‫الحسان إلى الضعيف والعاجز والضرير‪} .‬والّله يشهد ُ إّنهم‬
‫ن{‪ :‬فشهادة الّله عليهم أصدق من حلفهم‪.‬‬
‫لكاذبو َ‬
‫ﭟﭠ ﭡ ﭢ‬
‫ﭴ ﭵ ﭶ‬
‫ﮊ ﮋ ﮌ‬
‫ﮜﮝ ﮞ ﮟ‬
‫ﯔ ﯕ ﭼ‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫‪ -‬انظر »تفسير الطبري« )‪ ،(14/107‬و »الدر المنثور« )‪.(3/494‬‬

‫}‪} {108‬ل تقم فيه أبدًا{؛ أي‪ :‬ل تص ّ‬
‫ل في ذلك المسجد‬
‫الذي ُبني ضرارا ً أبدًا؛ فالّله ُيغنيك عنه‪ ،‬ولست بمضطّر إليه‪.‬‬
‫سس على الّتقوى من أول يوم{‪ :‬ظهر فيه السلم‬
‫}لمسجد ٌ أ ّ‬
‫ّ‬
‫سس على إخلص الدين لله وإقامة‬
‫في ُقباء‪ ،‬وهو مسجد ُقباء أ ّ‬
‫ذكره وشعائر دينه‪ ،‬وكان قديما ً في هذا عريقا ً فيه؛ فهذا المسجد‬
‫م فيه{‪ :‬وتتعّبد وتذكر الّله تعالى؛ فهو‬
‫الفاضل }أحقّ أن تقو َ‬
‫ّ‬
‫فاضل وأهله فضلء‪ ،‬ولهذا مدحهم الله بقوله‪} :‬فيه رجا ٌ‬
‫ل يحّبون‬
‫أن يتطّهروا{‪ :‬من ال ّ‬
‫ذنوب‪ ،‬ويتطّهروا من الوساخ والنجاسات‬
‫ب شيئًا؛ ل بد ّ أن يسعى له‬
‫من أح ّ‬
‫والحداث‪ ،‬ومن المعلوم أ ّ‬
‫ن َ‬
‫ب؛ فل بد ّ أنهم كانوا حريصين على التطّهر من‬
‫ويجتهد فيما يح ّ‬
‫ال ّ‬
‫من سبق إسلمه‪،‬‬
‫ذنوب والوساخ والحداث‪ ،‬ولهذا كانوا مـ ّ‬
‫وكانوا مقيمين للصلة‪ ،‬محافظين على الجهاد مع رسول الّله‬
‫من كانوا يتحّرزون‬
‫صلى الله عليه وسلم وإقامة شرائع الدين‪ ،‬ومـ ّ‬
‫من مخالفة الّله ورسوله‪.‬‬
‫ي صلى الله عليه وسلم بعدما نزلت هذه الية‬
‫وسألهم النب ّ‬
‫)‪ (1‬في مدحهم عن طهارتهم؟ فأخبروه أّنهم ي ُت ِْبعون الحجارة‬
‫الماء‪ ،‬فحمدهم على صنيعهم‪.‬‬
‫ب المط ّّهرين{‪ :‬الطهارة المعنوية كالتنّزه من‬
‫}والّله يح ّ‬
‫الشرك والخلق الرذيلة‪ ،‬والطهارة الحسّية كإزالة النجاس ورفع‬
‫الحداث‪.‬‬
‫ض َ‬
‫ل بين المساجد بحسب مقاصد أهلها‬
‫}‪ {109‬ثم فا َ‬
‫سس بنياَنه على تقوى من‬
‫وموافقتها لرضاه‪ ،‬فقال‪} :‬أفمن أ ّ‬
‫ن{‪ :‬بأن كان‬
‫الّله{؛ أي‪ :‬على نّية صالحة وإخلص‪} ،‬ورضوا ٍ‬
‫موافقا ً لمره‪ ،‬فجمع في عمله بين الخلص والمتابعة‪} .‬خيٌر أم‬
‫ف هاٍر{؛ أي‪:‬‬
‫جُر ٍ‬
‫سس بنياَنه على شفا{؛ أي‪ :‬على طرف؛ } ُ‬
‫نأ ّ‬
‫م ْ‬
‫ّ‬
‫ه ل يهدي‬
‫ل‪ ،‬قد تداعى للنهدام‪} ،‬فانهار به في نارِ جهّنم والل ُ‬
‫با ٍ‬
‫القوم الظالمين{‪ :‬لما فيه مصالح دينهم ودنياهم‪.‬‬
‫}‪} {110‬ل يزا ُ‬
‫ة في قلوب ِِهم{؛ أي‪:‬‬
‫وا ِريب ً‬
‫ل بنياُنهم الذي ب َن َ ْ‬
‫ش ّ‬
‫قط ّعَ قلوُبهم{‪ :‬بأن يندموا‬
‫كا وريبا ً ماكثا ً في قلوبهم‪} ،‬إل ّ أن ت َ َ‬
‫غاية الندم‪ ،‬ويتوبوا إلى رّبهم‪ ،‬ويخافوه غاية الخوف؛ فبذلك يعفو‬
‫الّله عنهم‪ ،‬و إل ّ ؛ فبنياُنهم ل يزيدهم إل ريبا ً إلى ريبهم‪ ،‬ونفاقا ً‬
‫م{‪ :‬بجميع الشياء؛ ظاهرها وباطنها‪،‬‬
‫إلى نفاقهم‪} .‬والّله علي ٌ‬
‫م{‪ :‬ل يفعل ول‬
‫خفّيها وجلّيها‪ ،‬وبما أسّره العباد وأعلنوه‪} ،‬حكي ٌ‬
‫‪ - 1‬أخرجه أحمد )‪ ،(3/422‬وابن ماجه )‪ ،(355‬والحاكم )‪ 1/155‬و‬
‫‪ ،(2/334‬وصححه ووافقه الذهبي‪.‬‬

‫يخل ُقُ ول يأمر ول ينهى إل ّ ما اقتضته الحكمة وأمر به؛ فلّله‬
‫الحمد‪.‬‬
‫وفي هذه اليات عدة فوائد‪:‬‬
‫ضرار لمسجد ٍ آخر‬
‫ن اّتخاذ المسجد الذي يقصد به ال ّ‬
‫منها ‪ :‬أ ّ‬
‫م مسجد الضرار الذي ا ّ‬
‫طلع على‬
‫بقربه أنه محّرم‪ ،‬وأنه يجب هد ُ‬
‫مقصود أصحابه‪.‬‬
‫ومنها ‪ :‬أن العمل‪ ،‬وإن كان فاض ً‬
‫ل‪ ،‬تغّيره النية‪ ،‬فينقلب‬
‫ة أصحاب مسجد الضرار عمَلهم إلى ما‬
‫ت ني ُ‬
‫منهّيا عنه؛ كما قَل َب َ ْ‬
‫ترى‪.‬‬
‫ص ُ‬
‫ل بها التفريق بين المؤمنين؛ فإنها‬
‫ومنها ‪ :‬أ ّ‬
‫ن كل حالة يح ُ‬
‫من المعاصي التي يتعيّـن تر ُ‬
‫ص ُ‬
‫ل‬
‫كها وإزالتها؛ كما أ ّ‬
‫ن كل حالة يح ُ‬
‫ث‬
‫بها جمع المؤمنين وائتلفهم يتعيّـن اّتباعها والمُر بها والح ّ‬
‫ن الّله عّلل اّتخاذهم لمسجد الضرار بهذا المقصد‬
‫عليها؛ ل ّ‬
‫الموجب للنهي عنه كما يوجب ذلك الكفر والمحاربة لّله ورسوله‪.‬‬
‫ومنها ‪ :‬النهي عن الصلة في أماكن المعصية والبعد عنها‬
‫وعن قربها‪.‬‬
‫ومنها ‪ :‬أن المعصية تؤثر في البقاع كما أثرت معصية‬
‫المنافقين في مسجد الضرار وُنهي عن القيام فيه‪ ،‬وكذلك‬
‫الطاعة تؤثر في الماكن كما أثرت في مسجد ُقباء‪ ،‬حتى قال‬
‫م‬
‫سس على التقوى من أول يوم أحقّ أن تقو َ‬
‫جد ٌ أ ّ‬
‫م ْ‬
‫س ِ‬
‫الّله فيه‪} :‬ل َ َ‬
‫فيه{‪ :‬ولهذا كان لمسجد قباء من الفضل ما ليس لغيره‪ ،‬حتى‬
‫كان صلى الله عليه وسلم يزور ُقباء ك ّ‬
‫ت يصلي فيه )‪، (1‬‬
‫ل سب ٍ‬
‫ث على الصلة فيه )‪. (2‬‬
‫وح ّ‬
‫ومنها ‪ :‬أنه ُيستفاد ُ من هذه التعاليل المذكورة في الية أربعُ‬
‫ة‬
‫مة ‪ ،‬وهي‪ :‬كل عمل فيه مضاّرة لمسلم‪ ،‬أو فيه معصي ٌ‬
‫قواعد َ مه ّ‬
‫لّله؛ فإن المعاصي من فروع الكفر‪ ،‬أو فيه تفريقٌ بين المؤمنين‪،‬‬
‫ة لمن عادى الّله ورسوله؛ فإنه محّرم ممنوع منه‪،‬‬
‫أو فيه معاون ٌ‬
‫وعكسه بعكسه‪.‬‬
‫]ومنها‪ :‬أن العمال الحسّية الناشئة عن معصية الله‪ ،‬ل‬
‫تزال مبعدة لفاعلها عن الله‪ ،‬بمنزلة الصرار على المعصية حتى‬
‫ة؛ بحيث يتقطع قلُبه من الندم‬
‫م ً‬
‫ب منها توب ً‬
‫يزيلها ويتو َ‬
‫ة تا ّ‬
‫والحسرات[‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫ أخرجه البخاري )‪ ،(1193‬ومسلم )‪ (1399‬عن ابن عمر‪.‬‬‫‪ -‬كما عند المام أحمد )‪ ،(3/487‬وابن ماجه )‪ ،(1412‬والترمذي )‪.(324‬‬

‫سس على التقوى؛‬
‫ومنها ‪ :‬أنه إذا كان مسجد ُ ُقباء مسجدا ً أ ّ‬
‫سسه بيده المباركة‪،‬‬
‫ي صلى الله عليه وسلم الذي أ ّ‬
‫فمسجد النب ّ‬
‫وعمل فيه‪ ،‬واختاره الّله له من باب أولى وأحرى‪.‬‬
‫ي على الخلص والمتابعة هو العمل‬
‫ومنها ‪ :‬أن العمل المبن ّ‬
‫سس على الّتقوى الموصل لعامل ِهِ إلى جنات النعيم‪ ،‬والعمل‬
‫المؤ ّ‬
‫ضلل هو العمل‬
‫دع وال ّ‬
‫ي على سوء القصد وعلى الب ِ َ‬
‫المبن ّ‬
‫ف هاٍر‪ ،‬فانهار به في نارِ جهّنم‪ .‬والّله ل‬
‫جُر ٍ‬
‫سس على شفا ُ‬
‫المؤ ّ‬
‫يهدي القوم الظالمين‪.‬‬

‫ﭽ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧﯨ ﯩ ﯪﯧﯧ ﯫﯧﯧ ﯬﯧﯧ ﯭﯧﯧ‬
‫ﯮﯧﯧ ﯯﯧﯧﯰﯧﯧ ﯱﯧﯧ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﯷ ﯷ ﭼ ‪.‬‬
‫ة‬
‫}‪ {111‬يخبر تعالى خبرا ً صدقا ً ويعد ُ وعدا ً ح ّ‬
‫قا بمبايع ٍ‬
‫ة‪ ،‬وهو أنه }اشترى{‪ :‬بنفسه الكريمة‬
‫عظيمةٍ ومعاوضةٍ جسيم ٍ‬
‫مبيعة‪،‬‬
‫}من المؤمنين أنفسهم وأموالهم{‪ :‬فهي الّثمن والسلعة ال َ‬
‫ن لهم الجنة{‪ :‬التي فيها ما تشتهيه النفس وت َل َذ ّ العين من‬
‫}بأ ّ‬
‫أنواع الل ّ ّ‬
‫ذات والفراح والمسّرات والحور الحسان والمنازل‬
‫النيقات‪ ،‬وصفة العقد والمبايعة بأن يب ُ‬
‫سهم وأمواَلهم‬
‫ذلوا لّله نفو َ‬
‫في جهاد أعدائه؛ لعلء كلمت ِهِ وإظهار دينه‪ .‬فيقاتلون }في سبيل‬
‫ن{‪ :‬فهذا العقد والمبايعة قد صدرت من الّله‬
‫قُتلون وي ُ ْ‬
‫الّله في َ ْ‬
‫قَتلو َ‬
‫مؤ ّ‬
‫قا في التوراة والنجيل‬
‫كدة بأنواع التأكيدات‪} .‬وعدا ً عليه ح ّ‬
‫ت العالم وأعلها‬
‫والقرآن{‪ :‬التي هي أشر ُ‬
‫ف الكتب التي طرقَ ِ‬
‫وأكملها‪ ،‬وجاء بها أكم ُ‬
‫ل الرسل أولو العزم‪ ،‬وكّلها اّتفقت على‬
‫شروا{‪ :‬أّيها‬
‫هذا الوعد الصادق‪} .‬ومن أوفى بعهد ِهِ من الّله فاست َب ْ ِ‬
‫م الذي باي َعُْتم به{؛‬
‫المؤمنون‪ ،‬القائمون بما وعدكم الّله }ببيعِك ُ ُ‬
‫أي‪ :‬لتفرحوا بذلك وليب ّ‬
‫ضكم بعضًا‪.‬‬
‫ضكم بعضا ً ويح ّ‬
‫ث بع ُ‬
‫شر بع ُ‬
‫}وذلك هو الفوز العظيم{‪ :‬الذي ل فوز أكبُر منه ول أج ّ‬
‫ل؛ لنه‬
‫من السعادة َ البدّية والنعيم المقيم‪ ،‬والّرضا من الّله الذي هو‬
‫يتض ّ‬
‫أكبر من نعيم الجنات‪.‬‬
‫وإذا أردت أن تعرف مقدار الصفقة؛ فانظ ُْر إلى المشتري؛‬
‫ن هو؟ وهو الّله ج ّ‬
‫ض‪ ،‬وهو أكبر العواض‬
‫َ‬
‫م ْ‬
‫ل جلله‪ ،‬وإلى العِوَ ِ‬
‫وأجّلها؛ جنات النعيم‪ ،‬وإلى الثمن المبذول فيها‪ ،‬وهو النفس‬
‫من جرى على يديه‬
‫والمال‪ ،‬الذي هو أح ّ‬
‫ب الشياء للنسان‪ ،‬وإلى َ‬
‫م؟ وهي كتب‬
‫عقد ُ هذا التباُيع‪ ،‬وهو أشرف الرسل‪ ،‬وبأيّ كتاب ُرقِ َ‬
‫الّله الكبار المنزلة على أفضل الخلق‪.‬‬
‫ﭼ‪.‬‬

‫ﭽﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ‬

‫ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞﭟ ﭠ ﭡ ﭢ‬

‫}‪ {112‬كأنه قيل‪ :‬من هم المؤمنون الذين لهم البشارةُ‬
‫من الّله بدخول الجنات ون َْيل الكرامات؟ فقال‪ :‬هم‪} :‬التائبون{؛‬
‫أي‪ :‬الملزمون للتوبة في جميع الوقات عن جميع السيئات‪.‬‬
‫ن{؛ أي‪ :‬المّتصفون بالعبودّية لّله والستمرار على‬
‫}العابدو َ‬
‫ت؛ فبذلك‬
‫طاعته من أداء الواجبات والمستحّبات في كل وق ٍ‬
‫يكون العبد من العابدين‪} .‬الحامدون{‪ :‬لّله في السّراء والضّراء‬
‫واليسر والعسر‪ ،‬المعترفون بما لّله عليهم من النعم الظاهرة‬
‫والباطنة‪ ،‬المثنون على الّله بذكرها وبذكره في آناء الليل وآناء‬
‫سرت السياحة بالصيام‪ ،‬أو السياحة في‬
‫النهار‪} .‬السائحون{‪ :‬ف ّ‬
‫ّ‬
‫سرت بسياحة القلب في معرفة الله ومحبته‬
‫طلب العلم‪ ،‬وف ّ‬
‫ن المراد َ بالسياحة السفُر في‬
‫والنابة إليه على الدوام‪ ،‬والصحيح أ ّ‬
‫ج والعمرة والجهاد وطلب العلم وصلة القارب‬
‫ال ُ‬
‫قُربات؛ كالح ّ‬
‫ونحو ذلك‪} .‬الراكعون الساجدون{؛ أي‪ :‬المكثرون من الصلة‪،‬‬
‫المشتملة على الركوع والسجود‪} .‬المرون بالمعروف{‪ :‬ويدخل‬
‫ت والمستحّبات‪} .‬والناهون عن المنكر{‪ :‬وهي‬
‫فيه جميع الواجبا ِ‬
‫ّ‬
‫جميع ما نهى الّله ورسوله عنه‪} .‬والحافظون لحدود الله{‪:‬‬
‫خ ُ‬
‫ل في الوامر‬
‫بتعّلمهم حدود َ ما أنزل الّله على رسوله‪ ،‬وما يد ُ‬
‫والنواهي والحكام‪ ،‬وما ل يدخل‪ ،‬الملزمون لها فعل ً وتركًا‪.‬‬
‫شر المؤمنين{‪ :‬لم يذك ُْر ما يب ّ‬
‫}وب ّ‬
‫م جميع ما رّتب‬
‫شرهم به؛ ليع ّ‬
‫ة‬
‫دنيا والدين والخرة؛ فالبشارة ُ متناول ٌ‬
‫على اليمان من ثواب ال ّ‬
‫لك ّ‬
‫ل مؤمن‪ ،‬وأما مقداُرها وصفُتها؛ فإّنها بحسب حال المؤمنين‬
‫وإيمانهم قوة ً وضعفا ً وعمل ً بمقتضاه‪.‬‬
‫ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ‬
‫ﭽﭣ ﭤ‬
‫ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ‬
‫ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ‬
‫ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ‬
‫ﮍ ﮎ ﮏ ﭼ‪.‬‬
‫ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉﮊ ﮋ ﮌ‬

‫ﭱ ﭲ‬
‫ﮂ‬

‫ي وللمؤمنين به‪،‬‬
‫}‪ {113‬يعني‪ :‬ما يليق ول َيـ ْ‬
‫ح ُ‬
‫ن للنب ّ‬
‫س ُ‬
‫فروا للمشركين{؛ أي‪ :‬لمن كفر به وعبد معه غيره‪،‬‬
‫}أن يستغ ِ‬
‫ب‬
‫}ولو كانوا أولي ُقربى من بعد ِ ما تبيّـن لهم أنهم أصحا ُ‬
‫ن الستغفار لهم في هذه الحال غل ٌ‬
‫ط غير مفيد؛ فل‬
‫الجحيم{‪ :‬فإ ّ‬
‫م أنهم‬
‫ي والمؤمنين؛ لّنهم إذا ماتوا على الشرك أو ع ُل ِ َ‬
‫يليقُ بالنب ّ‬
‫قت عليهم كلمة العذاب‪ ،‬ووجب عليهم‬
‫يموتون عليه؛ فقد ح ّ‬
‫ة الشافعين ول استغفاُر‬
‫الخلود ُ في النار‪ ،‬ولم تنفعْ فيهم شفاع ُ‬
‫ي والذين آمنوا معه عليهم أن‬
‫المستغفرين‪ .‬وأيضًا؛ فإ ّ‬
‫ن النب ّ‬
‫ن واله الّله‪ ،‬وُيعادوا‬
‫يوافقوا رّبهم في رضاه وغضبه‪ ،‬ويوالوا َ‬
‫م ْ‬
‫من عاداه الّله‪ ،‬والستغفار منهم لمن تبّين أنه من أصحاب النار‬
‫ض له‪.‬‬
‫منا ٍ‬
‫ف لذلك مناق ٌ‬

‫جد َ الستغفار من خليل الرحمن إبراهيم‬
‫}‪ {114‬ولئن وُ ِ‬
‫دها إّياه{‪ :‬في قوله‪:‬‬
‫عليه السلم لبيه؛ فإنه }عن موعدةٍ وَع َ َ‬
‫فّيا{‪ :‬وذلك قبل أن يعلم‬
‫ح ِ‬
‫}سأستغ ِ‬
‫فر لك ربّـي إنه كان بي َ‬
‫ّ‬
‫ة أبيه‪} ،‬فلما تبيّـن{‪ :‬لبراهيم أن أباه }عدوّ لله{‪ :‬سيموت‬
‫عاقب َ‬
‫ة‬
‫على الكفر‪ ،‬ولم ينفع فيه الوعظ والتذكير؛ }تبّرأ منه{‪ :‬موافق ً‬
‫جاع ٌ إلى الّله في‬
‫ه{؛ أي‪ :‬ر ّ‬
‫لرّبه وتأدبا ً معه‪} .‬إ ّ‬
‫ن إبراهيم لّوا ٌ‬
‫جميع المور‪ ،‬كثير ال ّ‬
‫دعاء والستغفار والنابة إلى رّبه‪.‬‬
‫ذكر وال ّ‬
‫م{؛ أي‪ :‬ذو رحمة بالخلق‪ ،‬وصفح عما يصد ُُر منهم إليه من‬
‫}حلي ٌ‬
‫الز ّ‬
‫لت ‪ ،‬ل يستفّزه جه ُ‬
‫ه‪،‬‬
‫م ِ‬
‫جْر ِ‬
‫ل الجاهلين‪ ،‬ول يقابل الجاني عليه ب ُ‬
‫جمن ّ َ‬
‫م عليك‬
‫فأبوه قال له‪} :‬لْر ُ‬
‫ك{‪ ،‬وهو يقول له‪} :‬سل ٌ‬
‫ة إبراهيم في‬
‫مل ّ َ‬
‫سأستغفُر لك ربّـي{؛ فعليكم أن تقتدوا وتّتبعوا ِ‬
‫ك ّ‬
‫ن لك{؛ كما نّبهكم الّله‬
‫ل شيء إل قول إبراهيم لبيه‪} :‬لستغفر ّ‬
‫عليها وعلى غيرها‪ .‬ولهذا قال‪:‬‬

‫ﭽ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜﮝ ﮞ ﮟ ﮠ‬
‫ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩﮪ ﮫ ﮬﮭ ﮮﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ‬
‫ﭼ‪.‬‬
‫ن على قوم بالهداية‬
‫}‪ {115‬يعني‪ :‬أن الّله تعالى إذا َ‬
‫م ّ‬
‫مم عليهم‬
‫وأمرهم بسلوك الصراط المستقيم؛ فإنه تعالى يت ّ‬
‫إحسانه‪ ،‬ويبيّـن لهم جميع ما يحتاجون إليه وتدعو إليه ضرورُتهم؛‬
‫فل يتر ُ‬
‫كهم ضاّلين جاهلين بأمور دينهم‪ .‬ففي هذا دلي ٌ‬
‫ل على كمال‬
‫جه العباد ُ في أصول‬
‫رحمته‪ ،‬وأن شريعته وافي ٌ‬
‫ة بجميع ما يحتا ُ‬
‫ض ّ‬
‫ل‬
‫ن المراد بذلك‪} :‬وما كان الّله ل ِي ُ ِ‬
‫الدين وفروعه‪ .‬وُيحتمل أ ّ‬
‫ن{‪ :‬فإذا بّين لهم ما‬
‫قوما ً بعد إذ َ‬
‫ن لهم ما يّتقو َ‬
‫هداهم حّتى ي َُبيـ ّ َ‬
‫دهم‬
‫يّتقون‪ ،‬فلم ينقادوا له؛ عاقبهم بالضلل جزاًء لهم على ر ّ‬
‫ن الّله بك ّ‬
‫ل شيٍء عليم{‪ :‬فلكمال‬
‫ن‪ ،‬والول أولى‪} .‬إ ّ‬
‫الحقّ المبي َ‬
‫ن‪ ،‬وبّين لكم ما به‬
‫عل ِ‬
‫مهِ وعمومه عّلمكم ما لم تكونوا تعلمو َ‬
‫تنتفعون‪.‬‬
‫ت والرض ُيحيي‬
‫ن الّله له ملك السموا ِ‬
‫}‪} {116‬إ ّ‬
‫ت{؛ أي‪ :‬هو المالك لذلك‪ ،‬المدّبر لعباده بالحياء والماتة‬
‫وُيمي ُ‬
‫خ ّ‬
‫ي؛ فكيف‬
‫وأنواع التدابير اللهّية؛ فإذا كان ل ي ُ ِ‬
‫ل بتدبيره القدر ّ‬
‫خ ّ‬
‫ملين أو‬
‫يُ ِ‬
‫ي المتعّلق بإلهّيته ويترك عبا َ‬
‫ده سدى مه َ‬
‫ل بتدبيره الدين ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ه؟! فلهذا قال‪} :‬وما‬
‫يد ُ‬
‫عهم ضالين جاهلين وهو أعظم توليه لعباد ِ ِ‬
‫لَ ُ‬
‫ي يتو ّ‬
‫لكم بجلب‬
‫ر{؛ أي‪ :‬ولـ ّ‬
‫ن الّله من ول ّ‬
‫كم من دو ِ‬
‫ي ول نصي ٍ‬
‫المنافع لكم أو نصيرٍ يدفع عنكم المضاّر‪.‬‬
‫ﭽ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪﯧﯧ ﯫﯧﯧ ﯬﯧﯧ ﯭﯧﯧ ﯮﯧﯧ‬
‫ﯯﯧﯧﯰﯧﯧ ﯱﯧﯧ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ‬

‫ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ‬
‫ﭰ ﭱ ﭼ‪.‬‬

‫ﭣ ﭤ ﭥ‬

‫ﭦ‬

‫ﭧ ﭨ ﭩ ﭪﭫ ﭬ‬

‫ﭭ ﭮ ﭯ‬

‫}‪ {117‬يخبر تعالى أنه من لطفه وإحسانه }تاب على‬
‫ي{‪ :‬محمد صلى الله عليه وسلم‪} ،‬والمهاجرين والنصار{‪:‬‬
‫النب ّ‬
‫فغفر لهم الّز ّ‬
‫لت ووّفر لهم الحسنات ورّقاهم إلى أعلى‬
‫الدرجات‪ ،‬وذلك بسبب قيامهم بالعمال الصعبة الشاّقات‪ ،‬ولهذا‬
‫ة{؛ أي‪ :‬خرجوا معه لقتال‬
‫سَر ِ‬
‫قال‪} :‬الذين اّتبعوه في ساعةِ العُ ْ‬
‫العداء في غزوة تبوك )‪ ، (1‬وكانت في حّر شديد وضيق من الزاد‬
‫والركوب وكثرة عدوٍ مما يدعو إلى التخّلف‪ ،‬فاستعانوا الّله‬
‫ب فريق منهم{؛‬
‫تعالى‪ ،‬وقاموا بذلك }من بعد ِ ما كاد َيزيغُ قلو ُ‬
‫ن الّله ثّبتهم‬
‫أي‪ :‬تنقلب قلوبهم ويميلوا إلى ال ّ‬
‫دعة والسكون‪ ،‬ولك ّ‬
‫واهم‪.‬‬
‫وأّيدهم وق ّ‬
‫وزيغُ القلب هو انحراُفه عن الصراط المستقيم؛ فإن كان‬
‫ه؛ كان‬
‫ن كان في شرائعِ ِ‬
‫النحراف في أصل الدين؛ كان كفرًا‪ ،‬وإ ْ‬
‫صر عن فعلها‪ ،‬أو فَعََلها‬
‫بحسب تلك الشريعة التي زاغ َ عنها‪ :‬إما ق ّ‬
‫م تاب عليهم{؛ أي‪ :‬قبل‬
‫ي‪ .‬وقوله‪} :‬ث ّ‬
‫على غير الوجه الشرع ّ‬
‫ن‬
‫توبتهم‪} .‬إّنه بهم رءو ٌ‬
‫م{‪ :‬ومن رأفته ورحمته أ ْ‬
‫ن َ‬
‫ف رحي ٌ‬
‫م ّ‬
‫عليهم بالتوبة وقبلها منهم‪ ،‬وثّبتهم عليها‪.‬‬
‫ه[ }على الثلثة الذين‬
‫}‪} {118‬و{ كذلك لقد تاب ]الل ّ ُ‬
‫ب‬
‫ُ‬
‫خّلفوا{‪ :‬عن الخروج مع المسلمين في تلك الغزوة‪ ،‬وهم كع ُ‬
‫ة في الصحاح‬
‫صُتهم مشهورة ٌ معروف ٌ‬
‫بن مالك وصاحباه‪ ،‬وق ّ‬
‫)‪(2‬‬
‫ت عليهم‬
‫والسنن ‪} .‬حتى إذا{‪ :‬حزنوا حزنا ً عظيمًا‪ ،‬و }ضاق ْ‬
‫ت{؛ أي‪ :‬على سعتها ورحبها‪} ،‬وضاقت عليهم‬
‫ض بما َر ُ‬
‫حب َ ْ‬
‫الر ُ‬
‫ب إليهم من ك ّ‬
‫ل شيٍء‪ ،‬فضاق عليهم‬
‫سُهم{‪ :‬التي هي أح ّ‬
‫أنف ُ‬
‫ب الذي لم تجرِ العادة بالضيق منه‪ ،‬وذلك‬
‫الفضاء الواسع والمحبو ُ‬
‫َ‬
‫قة ما ل يمكن‬
‫دة والمش ّ‬
‫ل يكون إل من أمرٍ مزعج ب َلغَ من الش ّ‬
‫دموا رضا الّله ورضا رسوله على ك ّ‬
‫ل‬
‫التعبيُر عنه‪ ،‬وذلك لنهم ق ّ‬
‫قنوا وعرفوا‬
‫جأ من الّله إل إليه{؛ أي‪ :‬تي ّ‬
‫مل ْ َ‬
‫شيٍء‪} .‬وظّنوا أن ل َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫جأ إليه إل ّ الله وحده ل شريك‬
‫بحالهم أنه ل ي ُْنجي من الشدائد وي ُل َ‬
‫له‪ ،‬فانقطع تعّلقهم بالمخلوقين‪ ،‬وتعّلقوا بالّله رّبهم‪ ،‬وفّروا منه‬
‫م تاب عليهم{؛‬
‫دة نحو خمسين ليل ً‬
‫إليه‪ ،‬فمكثوا بهذه الش ّ‬
‫ة‪} .‬ث ّ‬
‫ب‬
‫أي‪ :‬أذن في توبتهم ووّفقهم لها‪} ،‬ل َِيتوبوا{؛ أي‪ :‬لتقعَ منهم فيتو َ‬
‫ب{؛ أي‪ :‬كثير التوبة والعفو‬
‫وا ُ‬
‫الّله عليهم‪} .‬إ ّ‬
‫ن الّله هو الت ّ‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫ في )ب(‪» :‬وقعة تبوك«‪.‬‬‫‪ -‬أخرجها البخاري )‪ ،(4418‬ومسلم )‪.(2120‬‬

‫)‪(3‬‬
‫والغفران عن الز ّ‬
‫ه الرحمة‬
‫ص ُ‬
‫ف ُ‬
‫لت والّنقصان ‪} ،‬الرحي ُ‬
‫م{‪ :‬وَ ْ‬
‫ل على العباد في ك ّ‬
‫العظيمة التي ل تزال ت َن ْزِ ُ‬
‫ن‪ ،‬في‬
‫ل وقت وحي ٍ‬
‫جميع اللحظات ما تقوم به أموُرهم الدينّية والدنيوّية‪.‬‬
‫ل على أن توبة الّله على العبد أج ّ‬
‫وفي هذه اليات دلي ٌ‬
‫ل‬
‫ص عباده‪،‬‬
‫الغايات وأعلى النهايات؛ فإ ّ‬
‫ن الّله جعلها نهاية خوا ّ‬
‫ن عليهم بها حين عملوا العمال التي يحّبها ويرضاها‪.‬‬
‫وامت ّ‬
‫ومنها ‪ :‬لطف الّله بهم‪ ،‬وتثبيتهم في إيمانهم عند الشدائد‬
‫والنوازل المزعجة‪.‬‬
‫ن العبادة الشاّقة على النفس لها فض ٌ‬
‫ل ومزّية‬
‫ومنها ‪ :‬أ ّ‬
‫ليست لغيرها‪ ،‬وكّلما ع ُ‬
‫ظمت المشقة؛ عظم الجر‪.‬‬
‫ه‬
‫ف ِ‬
‫مهِ وأس ِ‬
‫ومنها ‪ :‬أن توبة الّله على عبده بحسب ند ِ‬
‫ن توبته‬
‫ج إذا فعله؛ فإ ّ‬
‫حَر ُ‬
‫ن من ل يبالي بالذنب ول ُيـ ْ‬
‫الشديد‪ ،‬وأ ّ‬
‫ة‪.‬‬
‫م أّنها مقبول ٌ‬
‫مدخول ٌ‬
‫ة‪ ،‬وإ ْ‬
‫ن َزع َ َ‬
‫دة إذا تعّلق القلب بالّله‬
‫ن علمة الخير وزوال الش ّ‬
‫ومنها ‪ :‬أ ّ‬
‫ما وانقطع عن المخلوقين‪.‬‬
‫تعالى تعّلقا ً تا ّ‬
‫مهم بوسم ليس‬
‫ن من لطف الّله بالثلثة أ ْ‬
‫ومنها ‪ :‬أ ّ‬
‫ن وَ َ‬
‫س َ‬
‫خّلفوهم أو‬
‫خّلفوا{؛ إشارة ً إلى أن المؤمنين َ‬
‫بعارٍ عليهم‪ ،‬فقال‪ُ } :‬‬
‫ده‪ ،‬وأنهم لم يكن‬
‫ُ‬
‫ت في َقبول عذِرهم أو في ر ّ‬
‫ن بُ ّ‬
‫خّلفوا عن َ‬
‫م ْ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ة عن الخير‪ ،‬ولهذا لم يق ْ‬
‫خلفوا‪.‬‬
‫ل‪َ :‬تـ َ‬
‫تخلفهم رغب ً‬
‫ن عليهم بالصدق‪ ،‬ولهذا أمر‬
‫ومنها ‪ :‬أن الّله تعالى م ّ‬
‫بالقتداء بهم‪ ،‬فقال‪:‬‬

‫ﭽ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭼ‪.‬‬

‫}‪ {119‬أي‪} :‬يا أّيها الذين آمنوا{‪ :‬بالّله وبما أمر الّله‬
‫ن‪ ،‬وهو القيام بتقوى الّله‬
‫باليمان به! قوموا بما يقتضيه اليما ُ‬
‫تعالى؛ باجتناب ما نهى الّله عنه والبعد عنه‪} ،‬وكونوا مع‬
‫ن{‪ :‬في أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم‪ ،‬الذين أقوالهم‬
‫ال ّ‬
‫صادقي َ‬
‫ة من الكسل‬
‫ق‪ ،‬وأعمالهم وأحوالهم ل تكون إل صدقًا‪ ،‬خلي ّ ً‬
‫صد ٌ‬
‫والفتور‪ ،‬سالمة من المقاصد السيئة‪ ،‬مشتملة على الخلص‬
‫ن البّر يهدي إلى‬
‫ن الصدق يهدي إلى البّر‪ ،‬وإ ّ‬
‫والنّية الصالحة؛ فإ ّ‬
‫صد ُْقهم‪ {...‬الية‪.‬‬
‫م ين َ‬
‫فعُ الصادقين ِ‬
‫الجنة؛ قال تعالى‪} :‬هذا يو ُ‬
‫ﭽﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ‬
‫ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ‬
‫‪3‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬والعصيان«‪.‬‬

‫ﮋ ﮌﮍ‬
‫ﮞ ﮟ‬

‫ﮦ ﮧ ﮨ ﮩﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ‬
‫ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ‬
‫ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﭼ‪.‬‬
‫ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ‬
‫ورة من‬
‫}‪ {120‬يقول تعالى حاّثا لهل المدينة المن ّ‬
‫ن حوَلها من العراب الذين أسلموا‬
‫المهاجرين والنصار و َ‬
‫م ْ‬
‫ن حوَلهم من العراب‬
‫فَ َ‬
‫ح ُ‬
‫ن إسلمهم‪} :‬ما كان لهل المدينة و َ‬
‫م ْ‬
‫س َ‬
‫خّلفوا عن رسول الّله{؛ أي‪ :‬ما ينبغي لهم ذلك ول َيليق‬
‫أن يت َ‬
‫بأحوالهم‪} .‬ول ير َ‬
‫سِهم{‪ :‬في بقائها وراحتها‪ ،‬وسكونه‬
‫غبوا بأنف ِ‬
‫ي أولى بالمؤمنين من‬
‫}عن نفسه{‪ :‬الكريمة الزكّية‪ ،‬بل النب ّ‬
‫أنفسهم؛ فعلى ك ّ‬
‫ي صلى الله عليه وسلم‬
‫ل مسلم أن يفدي النب ّ‬
‫مه عليها؛ فعلمة تعظيم الرسول ومحّبته واليمان‬
‫بنفسه ويقد ّ َ‬
‫م به أن ل يتخّلفوا عنه‪ .‬ثم ذكر الثواب الحامل على الخروج‪،‬‬
‫التا ّ‬
‫فقال‪} :‬ذلك بأّنهم{؛ أي‪ :‬المجاهدين في سبيل الّله‪} ،‬ل يصيُبهم‬
‫ٌ‬
‫ة في سبيل‬
‫ب ومش ّ‬
‫مـ ْ‬
‫ص ٌ‬
‫ب{؛ أي‪ :‬تع ٌ‬
‫ص ٌ‬
‫خ َ‬
‫قة‪} ،‬ول َ‬
‫م َ‬
‫ظمأ ول ن َ َ‬
‫ن موطئا ً َيغي ُ‬
‫ظ الكفاَر{‪ :‬من‬
‫الّله{؛ أي‪ :‬مجاع ٌ‬
‫ة‪} ،‬ول يطؤو َ‬
‫ض لديارهم والستيلء على أوطانهم }ول ينالون من ع َد ُّو‬
‫ال َ‬
‫خو ْ ِ‬
‫ن َي ْ ً‬
‫ب لهم به‬
‫ل{‪ :‬كالظ ّ َ‬
‫فر بجيش أو سرّية أو الغنيمة لـمال‪} ،‬إل ّ ك ُت ِ َ‬
‫عم ٌ‬
‫ع‬
‫ن هذه آثار ناشئ ٌ‬
‫ن الّله ل ُيـضي ُ‬
‫ة عن أعمالهم‪} .‬إ ّ‬
‫ح{‪ :‬ل ّ‬
‫ل صال ٌ‬
‫أجَر المحسنين{‪ :‬الذين أحسنوا في مبادرتهم إلى أمر الّله‬
‫قه وحقّ خلقه؛ فهذه العما ُ‬
‫ل آثاٌر من‬
‫وقيامهم بما عليهم من ح ّ‬
‫آثار عملهم‪.‬‬
‫ة صغيرة ً ول كبيرة ً ول‬
‫ن نفق ً‬
‫}‪ {121‬ثم قال‪} :‬ول ينفقو َ‬
‫جزَِيهم‬
‫ب لهم ل ِي َ ْ‬
‫يقطعون واديًا{‪ :‬في ذهابهم إلى عدّوهم‪} ،‬إل ك ُت ِ َ‬
‫ن ما كانوا يعملون{‪ :‬ومن ذلك هذه العمال إذا أخلصوا‬
‫الّله أحس َ‬
‫فيها لّله‪ ،‬ونصحوا فيها‪.‬‬
‫ففي هذه اليات أشد ّ ترغيب وتشويق للنفوس إلى الخروج‬
‫إلى الجهاد في سبيل الّله والحتساب لما يصيبهم فيه من‬
‫ت‪ ،‬وأن الثار المترّتبة على‬
‫المش ّ‬
‫قات‪ ،‬وأن ذلك لهم رِفْعَ ُ‬
‫ة درجا ٍ‬
‫عمل العبد له فيها أجٌر كبيٌر‪.‬‬
‫ﯱﯧﯧ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ‬

‫ﯩ ﯪﯧﯧ ﯫﯧﯧﯬﯧﯧ ﯭﯧﯧ ﯮﯧﯧ ﯯﯧﯧ ﯰﯧﯧ‬
‫ﭽﯦ ﯧ ﯨ‬
‫ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯼ ﯽ ﯾ ﭼ‪.‬‬
‫}‪ {122‬يقول تعالى منبها ً لعباده المؤمنين على ما ينبغي‬
‫ة{؛ أي‪ :‬جميعا ً لقتال‬
‫لهم‪} :‬وما كان المؤمنون لينفروا كافّ ً‬
‫)‪(1‬‬
‫ص ُ‬
‫قة بذلك‪ ،‬ويفوت به كثيٌر من‬
‫ل عليهم المش ّ‬
‫عدوهم؛ فإنه يح ُ‬
‫فَر من ك ّ‬
‫ل فرقةٍ منهم{؛ أي‪ :‬من‬
‫المصالح الخرى‪} ،‬فلول ن َ َ‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬وتفوت«‪.‬‬

‫ص ُ‬
‫ل بها الكفاية‬
‫البلدان والقبائل والفخاذ }طائف ٌ‬
‫ة{‪ :‬تح ُ‬
‫د؛ لكان أولى‪.‬‬
‫والمقصو ُ‬
‫ن في إقامة المقيمين منهم وعدم خروجهم‬
‫ثم نّبه على أ ّ‬
‫قهوا{؛ أي‪ :‬القاعدون }في‬
‫خَرجوا لفات َْتهم‪ ،‬فقال‪} :‬ليتف ّ‬
‫ح لو َ‬
‫مصال َ‬
‫مهم إذا رجعوا إليهم{؛ أي‪ :‬ليتعّلموا العلم‬
‫دين ول ُِين ِ‬
‫الـ ّ‬
‫ذروا قو َ‬
‫ي‪ ،‬وي َعَْلموا معانيه‪ ،‬ويفقهوا أسراره‪ ،‬ول ِي ُعَّلموا غيرهم‪،‬‬
‫الشرع ّ‬
‫ذروا قومهم إذا رجعوا إليهم‪.‬‬
‫ول ِي ُن ْ ِ‬
‫ففي هذا فضيلة العلم‪ ،‬وخصوصا ً الفقه في الدين‪ ،‬وأنه أهم‬
‫المور‪ ،‬وأن من تعّلم علمًا؛ فعليه نشره وبّثه في العباد‬
‫ونصيحتهم فيه؛ فإن انتشار العلم عن العالم من بركته وأجره‬
‫الذي ينمي )‪ ، (1‬وأما اقتصار العالم على نفسه وعدم دعوت ِهِ إلى‬
‫سبيل الّله بالحكمة والموعظة الحسنة وترك تعليم الجّهال ما ل‬
‫يعلمون؛ فأيّ منفعة حصلت للمسلمين منه؟! وأي نتيجة نتجت‬
‫ه وثمرته‪ ،‬وهذا غاية‬
‫م ُ‬
‫من علمه؟! وغايُته أن يموت فيموت عل ُ‬
‫ه فهمًا‪.‬‬
‫من َ َ‬
‫ح ُ‬
‫الحرمان لمن آتاه الّله علمًا‪ ،‬و َ‬
‫وفي هذه الية أيضا ً دلي ٌ‬
‫ه لطيف لفائدة‬
‫ل وإرشاد ٌ وتنبي ٌ‬
‫دوا لك ّ‬
‫ل مصلحةٍ من‬
‫م ٍ‬
‫ة‪ ،‬وهي أن المسلمين ينبغي لهم أن ي ُعِ ّ‬
‫مه ّ‬
‫من يقوم بها‪ ،‬ويوّفر وقته عليها‪ ،‬ويجتهد فيها‪،‬‬
‫مة َ‬
‫مصالحهم العا ّ‬
‫م منافعهم‪ ،‬ولتكون‬
‫ول يلتفت إلى غيرها؛ لتقوم مصالحهم‪ ،‬وتت ّ‬
‫ً‬
‫وجهة جميعهم ونهاية ما يقصدون قصدا ً واحدا‪ ،‬وهو قيام مصلحة‬
‫ددت المشارب؛ فالعمال‬
‫دينهم ودنياهم‪ ،‬ولو تفّرقت الطرق وتع ّ‬
‫مة النافعة في جميع‬
‫متباين ٌ‬
‫ة‪ ،‬والقصد واح ٌ‬
‫د‪ ،‬وهذه من الحكمة العا ّ‬
‫المور‪.‬‬
‫ﭼ‪.‬‬

‫ﭽﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ‬

‫ﭙ ﭚ ﭛﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ‬

‫}‪ {123‬وهذا أيضا ً إرشاد ٌ آخر‪ :‬بعدما أرشدهم إلى التدبير‬
‫فيمن يباشر القتال؛ أرشدهم إلى أنهم يبدؤون بالقرب فالقرب‬
‫من الكفار والغلظة عليهم والشدة في القتال والشجاعة والثبات‪.‬‬
‫م أن‬
‫}واعلموا أ ّ‬
‫ن لديكم عل ٌ‬
‫ن الّله مع المّتقين{؛ أي‪ :‬وليك ْ‬
‫المعونة من الّله تنزِ ُ‬
‫ل بحسب التقوى؛ فلزموا على تقوى الّله؛‬
‫ي ُعِن ْ ُ‬
‫صْركم على عدّوكم‪ .‬وهذا العموم في قوله‪} :‬قاتلوا‬
‫كم وين ُ‬
‫ة في‬
‫ص بما إذا كانت المصلح ُ‬
‫الذين يلونكم من الكفار{‪ :‬مخصو ٌ‬
‫دا‪.‬‬
‫قتال غير الذين يلوننا‪ ،‬وأنواع المصالح كثيرة ج ّ‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬الذي ينمى له«‪.‬‬

‫ﭽ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ‬
‫ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ‬
‫ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﭼ‪.‬‬
‫مبّينا ً حال المنافقين وحال المؤمنين‬
‫}‪ {124‬يقول تعالى ُ‬
‫ت ما بين الفريقين‪ ،‬فقال‪} :‬وإذا ما‬
‫عند نزول القرآن وتفاوُ َ‬
‫ة{‪ :‬فيها المر والنهي والخبر عن نفسه الكريمة وعن‬
‫ت سور ٌ‬
‫أنزِل َ ْ‬
‫ث على الجهاد‪} .‬فمنهم من يقو ُ‬
‫ل أّيكم زادْته‬
‫المور الغائبة والح ّ‬
‫ن بها من‬
‫هذه إيمانًا{؛ أي‪ :‬حصل الستفهام لمن حصل له اليما ُ‬
‫الطائفتين‪ .‬قال تعالى مبّينا ً الحال الواقعة‪} :‬فأما الذين آمنوا‬
‫ة‬
‫فزاد َْتهم إيمانًا{‪ :‬بالعلم بها وفهمها واعتقاِدها والعمل بها والرغب ِ‬
‫ن{؛‬
‫ف عن فعل الشّر‪} .‬وهم يستبشرو َ‬
‫في فعل الخير والنكفا ِ‬
‫أي‪ :‬يب ّ‬
‫ن الّله عليهم من آياته والتوفيق‬
‫شر بع ُ‬
‫ضهم بعضا ً بما م ّ‬
‫لفهمها والعمل بها‪ ،‬وهذا دا ّ‬
‫ل على انشراح صدورهم ليات الّله‪،‬‬
‫وطمأنينة قلوبهم‪ ،‬وسرعة انقيادهم لما تحّثهم عليه‪.‬‬
‫ض{؛ أي‪ :‬ش ّ‬
‫ك ونفاق‪،‬‬
‫}‪} {125‬وأما الذين في قلوبهم مر ٌ‬
‫ش ّ‬
‫سهم{؛ أي‪ :‬مرضا ً إلى مرضهم‪ ،‬و َ‬
‫كا‬
‫ج ِ‬
‫جسا ً إلى رِ ْ‬
‫}فزادتهم رِ ْ‬
‫إلى ش ّ‬
‫كهم؛ من حيث إنهم كفروا بها وعاندوها وأعرضوا عنها‪،‬‬
‫ضهم‪ ،‬وترامى بهم إلى الهلك والطبع على‬
‫فازداد لذلك مر ُ‬
‫ة لهم لّنهم كفروا‬
‫قلوبهم حتى }ماتوا وهم كافرون{‪ ،‬وهذا عقوب ٌ‬
‫قَبهم نفاقا ً في قلوبهم إلى يوم‬
‫بآيات الّله‪ ،‬وعصوا رسوله‪ ،‬فأع َ‬
‫قوَْنه‪.‬‬
‫ي َل ْ َ‬
‫}‪ {126‬قال تعالى موّبخا ً على إقامتهم على ما هم عليه‬
‫من الكفر والنفاق‪} :‬أَول ي ََرْون أّنهم ُيفتنون في ك ّ‬
‫ل عام مّرة ً أو‬
‫مّرتين{‪ :‬بما يصيُبهم من البليا والمراض‪ ،‬وبما ي ُب ْت ََلون من‬
‫ما هم‬
‫الوامر اللهّية التي ُيراد بها اختبارهم‪} ،‬ثم ل يتوبون{‪ :‬ع ّ‬
‫عليه من الشّر‪} ،‬ول هم ي َذ ّ ّ‬
‫كرون{‪ :‬ما ينفعهم فيفعلونه وما‬
‫يضرهم فيتركونه؛ فالّله تعالى يبتليهم كما هي سّنته في سائر‬
‫جعوا إليه‪ ،‬ثم ل‬
‫المم بالسّراء والضّراء وبالوامر والنواهي لير ِ‬
‫يتوبون‪ ،‬ول هم ي َذ ّ ّ‬
‫كرون‪.‬‬
‫قص‪ ،‬وأنه‬
‫ن اليمان يزيد ُ وين ُ‬
‫وفي هذه اليات دليل على أ ّ‬
‫ن‬
‫ينبغي للمؤمن أن يتف ّ‬
‫دده‪ ،‬وي ُْنميه‪ ،‬ليكو َ‬
‫قد إيمانه‪ ،‬ويتعاهده‪ ،‬فيج ّ‬
‫دائما ً في صعود‪.‬‬
‫وقوله‪:‬‬

‫ﭽﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ‬
‫ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﭼ‪.‬‬

‫ﮡ ﮢﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ‬

‫}‪ {127‬يعني‪ :‬أن المنافقين الذين يحذرون أن تنزل عليهم‬
‫ت سورة ٌ ليؤمنوا بها ويعملوا‬
‫سورة ٌ تنّبئهم بما في قلوبهم‪ .‬إذا ن ََزل َ ْ‬
‫ض{‪ :‬جازمين على ترك العمل‬
‫بمضمونها‪} ،‬ن َظ ََر بع ُ‬
‫ضهم إلى بع ٍ‬
‫بها‪ ،‬ينتظرون الفرصة في الختفاء عن أعين المؤمنين‪ ،‬ويقولون‪:‬‬
‫}هل يرا ُ‬
‫من أحد ٍ ثم انصرفوا{‪ :‬متسّللين وانقلبوا معرضين‪،‬‬
‫كم ِ‬
‫فجازاهم الّله بعقوبةٍ من جنس عملهم؛ فكما انصرفوا عن‬
‫دها عن الحقّ وخذلها‪،‬‬
‫صَر َ‬
‫ف الّله قلوَبهم{؛ أي‪ :‬ص ّ‬
‫العمل؛ } َ‬
‫م ل يفقهون{‪ :‬فقها ً ينفعهم؛ فإّنهم لو فقهوا؛ لكانوا إذا‬
‫}بأّنهم قو ٌ‬
‫ن‬
‫نزلت سورة ٌ آمنوا بها وانقادوا لمرها‪ .‬والمقصود ُ من هذا بيا ُ‬
‫دة نفورهم عن الجهاد ِ وغيره من شرائع اليمان؛ كما قال‬
‫ش ّ‬
‫ة وذ ُك َِر فيها القتا ُ‬
‫ل رأيت‬
‫م ٌ‬
‫ت سورة ٌ محك َ َ‬
‫تعالى عنهم‪} :‬فإذا أنزِل َ ْ‬
‫ي عليه من‬
‫الذين في قلوبهم مر ٌ‬
‫ض ينظرون إليك ن َظ ََر المغش ّ‬
‫ت{‪.‬‬
‫المو ِ‬
‫ﯠ ﯡ‬

‫ﭽ ﮬ ﮭ ﮮﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ‬
‫ﯤﯥ ﯦ ﯧﯨ ﯩ ﯪﯧﯧ ﯫﯧﯧ ﯬﯧﯧ ﯭﯧﯧ ﭼ ‪.‬‬
‫ﯣ‬
‫ﯢ‬

‫ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ‬

‫ن تعالى على عباده المؤمنين بما بعث فيهم‬
‫}‪ {128‬يمت ّ‬
‫ي‪ ،‬الذي من أنفسهم‪ ،‬يعرفون حاله‪ ،‬ويتم ّ‬
‫كنون من‬
‫ي الم ّ‬
‫النب ّ‬
‫الخذ عنه‪ ،‬ول يأنفون عن النقياد له‪ ،‬وهو صلى الله عليه وسلم‬
‫في غاية الّنصح لهم والسعي في مصالحهم‪} .‬عزيٌز عليه ما‬
‫شقّ عليه المر الذي ي َ ُ‬
‫ع َن ِّتم{؛ أي‪ :‬ي َ ُ‬
‫ص‬
‫شقّ عليكم وي ُعْن ُِتكم‪} .‬حري ٌ‬
‫ده في إيصاله إليكم‪،‬‬
‫ب لكم الخير‪ ،‬ويسعى جه َ‬
‫عليكم{‪ :‬فيح ّ‬
‫ويحرص على هدايتكم إلى اليمان‪ ،‬ويكره لكم الشّر‪ ،‬ويسعى‬
‫م{؛ أي‪ :‬شديد‬
‫جهده في تنفيركم عنه‪} .‬بالمؤمنين رءو ٌ‬
‫ف رحي ٌ‬
‫قه‬
‫الرأفة والرحمة بهم‪ ،‬أرحم بهم من والديهم‪ ،‬ولهذا كان ح ّ‬
‫مقدما ً على سائر حقوق الخلق‪ ،‬وواجب على المة اليمان به‬
‫وتعظيمه وتوقيره وتعزيره )‪. (1‬‬
‫}‪} {129‬فإن{ آمنوا؛ فذلك ح ّ‬
‫ظهم وتوفيقهم‪ ،‬وإن‬
‫ض على سبيلك‪ ،‬ول تزل في‬
‫}ت َوَل ّ ْ‬
‫وا{ عن اليمان والعمل؛ فام ِ‬
‫ي في جميع ما أهمني‪.‬‬
‫ي الّله{؛ أي‪ :‬الّله كافِ ّ‬
‫دعوتك‪ ،‬وقل‪} :‬حسب َ‬
‫ت{؛ أي‪:‬‬
‫}ل إله إل ّ هو{؛ أي‪ :‬ل معبود بحقّ سواه‪} .‬عليه توكل ُ‬
‫ب‬
‫اعتمدت ووثقت به في جلب ما ينفع ودفع ما يضّر‪} .‬وهو ر ّ‬
‫ب‬
‫العرش العظيم{‪ :‬الذي هو أعظم المخلوقات‪ ،‬وإذا كان ر ّ‬
‫العرش العظيم الذي وسع المخلوقات؛ كان رّبا لما دونه من باب‬
‫أولى وأحرى‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬وتعزيره وتوقيره«‪.‬‬

‫فف‪.‬ف فففف‬
‫فف فففف‬
‫فف ففففف فففف فففففف فففف فف ف‬
‫ففففف فففففففففففففففففففففففف‪.‬ف‬

‫تفسير سورة يونس‬
‫وهي مكية‬
‫ﭽ ﭑﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ‬
‫ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭼ ‪.‬‬
‫ت الكتاب الحكيم{‪ :‬وهو هذا‬
‫}‪ {1‬يقول تعالى‪} :‬الر تلك آيا ُ‬
‫ة آياُته على‬
‫ن‪ ،‬المشتمل على الحكمة والحكام‪ ،‬الدال ّ ُ‬
‫القرآ ُ‬
‫الحقائق اليمانية والوامر والنواهي الشرعّية‪ ،‬الذي على جميع‬
‫قبول والنقياد‪.‬‬
‫قيه بالّرضا وال َ‬
‫المة تل ّ‬
‫هم فهم ل يعلمون‪ ،‬فتعجبوا‬
‫}‪ {2‬ومع هذا؛ فأعرض أكثر ُ‬
‫ب الّله‪ ،‬وخوّْفهم‬
‫حْينا إلى رجل منهم أن أنذ ِرِ الناس{‪ :‬عذا َ‬
‫}أن أوْ َ‬
‫شر الذين آمنوا{‪ :‬إيمانا ً صادقا ً‬
‫م الّله‪ ،‬وذ ّ‬
‫كرهم بآيات الّله‪} ،‬وب ّ‬
‫نِ َ‬
‫ق َ‬
‫ب‬
‫ق عند رّبهم{؛ أي‪ :‬لهم جزاء موفر وثوا ٌ‬
‫}أ ّ‬
‫ن لهم قَد َ َ‬
‫م صد ٍ‬
‫دموه وأسلفوه من العمال الصالحة‬
‫مذخور عند رّبهم بما ق ّ‬
‫جبا ً حملهم‬
‫جب الكافرون من هذا الرجل العظيم تع ّ‬
‫الصادقة‪ ،‬فتع ّ‬
‫ن{؛‬
‫على الكفر به! َفـ}قال الكافرون{ عنه‪} :‬إ ّ‬
‫ن هذا َلساحٌر ُ‬
‫مبي ٌ‬
‫فهِِهم‬
‫س َ‬
‫أي‪ :‬بّين السحر‪ ،‬ل َيـ ْ‬
‫د‪ ،‬وهذا ِ‬
‫خفى بزعمهم على أح ٍ‬
‫من َ‬
‫جب منه وُيستغرب‪،‬‬
‫جبوا من أمر ليس مما ي ُت َعَ ّ‬
‫وعنادهم؛ فإّنهم تع ّ‬
‫جب من جهالتهم وعدم معرفتهم بمصالحهم؛ كيف لم‬
‫وإنما ي ُت َعَ ّ‬
‫ه الّله من أنفسهم؛ يعرفونه‬
‫يؤمنوا بهذا الرسول الكريم الذي ب َعَث َ ُ‬
‫دوا دعوته‪ ،‬وحرصوا على إبطال دينه؟! والّله‬
‫حقّ المعرفة‪ ،‬فر ّ‬
‫م نوره ولو كره الكافرون‪.‬‬
‫مت ّ‬
‫ﭽ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁﮂ ﮃ ﮄﮅ ﮆ‬
‫ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘﮙ ﮚ‬
‫ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮮ ﮯ ﮰ ﮱ‬
‫ﮛ ﮜﮝ ﮞ‬
‫ﯕ ﯖ ﭼ‪.‬‬
‫ﯓ ﯔ‬
‫ن رّبكم‬
‫}‪ {3‬يقول تعالى مبينا ً لربوبي ّت ِهِ وإلهي ّت ِهِ وعظمت ِ ِ‬
‫ه‪} :‬إ ّ‬
‫ت والرض في سّتة أيام{‪ :‬مع أنه قادٌر‬
‫الّله الذي َ‬
‫خل َقَ السمـوا ِ‬
‫على خلقها في لحظة واحدة‪ ،‬ولكن لما له في ذلك من الحكمة‬
‫اللهية‪ ،‬ولّنه رفيقٌ في أفعاله‪ ،‬ومن جملة حكمته فيها أّنه خلقها‬
‫فَرد َ بالعبادة‪} .‬ثم{‪:‬‬
‫ف بأسمائه وصفاته‪ ،‬وي ُ ْ‬
‫ق؛ لي ُعَْر َ‬
‫بالحقّ وللح ّ‬
‫خْلق السماوات والرض }استوى على العرش{‪ :‬استواًء‬
‫بعد َ‬
‫ي؛ من‬
‫يليقُ بعظمت ِهِ }يدب ُّر المَر{‪ :‬في العالم العلويّ والسفلـ ّ‬
‫الماتة والحياء‪ ،‬وإنزال الرزاق‪ ،‬ومداولة اليام بين الناس‪،‬‬

‫ضّر عن المضرورين‪ ،‬وإجابة سؤال السائلين؛ فأنواع‬
‫وكشف ال ّ‬
‫عنون لعّزه‬
‫ة منه وصاعدة ٌ إليه‪ ،‬وجميع الخلق مذ ِ‬
‫التدابير نازل ٌ‬
‫ه{‪ :‬فل‬
‫خاضعون لعظمته وسلطانه‪} .‬ما من شفيع إل ّ من بعد إذن ِ ِ‬
‫م أحد ٌ منهم على الشفاعة‪ ،‬ولو كان أفضل الخلق‪ ،‬حتى يأذن‬
‫يُ ْ‬
‫قد ِ ُ‬
‫ن إل لمن ارتضى‪ ،‬ول يرتضي إل أهل الخلص‬
‫الّله‪ ،‬ول يأذ ُ‬
‫والتوحيد له‪} .‬ذلكم{‪ :‬الذي هذا شأُنه }الّله رّبكم{؛ أي‪ :‬هو الّله‬
‫ف اللهّية الجامعة لصفات الكمال‪ ،‬ووصف الربوبّية‬
‫الذي له وص ُ‬
‫الجامع لصفات الفعال‪} .‬فاعُبدوه{؛ أي‪ :‬أفردوه بجميع ما‬
‫تقدرون عليه من أنواع العبودّية‪} .‬أفل ت َذ َ ّ‬
‫ن{‪ :‬الدّلة الداّلة‬
‫كرو َ‬
‫على أنه وحده المعبود ُ المحمود ُ ذو الجلل والكرام‪.‬‬
‫ه‬
‫ي‪ ،‬وهو التدبيُر العا ّ‬
‫م ُ‬
‫م‪ ،‬وحك َ‬
‫}‪ {4‬فلما ذكر حكمه القدر ّ‬
‫ي‪ ،‬وهو شرعه الذي مضمونه ومقصوده عبادته وحده ل‬
‫الدين ّ‬
‫ي‪ ،‬وهو مجازاته على العمال بعد‬
‫شريك له؛ ذكر الحك َ‬
‫م الجزائ ّ‬
‫ً‬
‫جُعكم جميعا{؛ أي‪ :‬سيجمعكم بعد موتكم‬
‫الموت‪ ،‬فقال‪} :‬إليه مر ِ‬
‫ده{‪ :‬فالقادر على‬
‫لميقا ِ‬
‫ت يوم معلوم‪} .‬إنه يبدأ الخلق ثم يعي ُ‬
‫ابتداء الخلق قادٌر على إعادته‪ ،‬والذي يرى ابتداءه بالخلق ثم ينك ُِر‬
‫إعادته للخلق؛ فهو فاقد ُ العقل‪ ،‬منكٌر لحد المثلين؛ مع إثبات ما‬
‫هو أولى منه؛ فهذا دلي ٌ‬
‫ح على المعاد‪ .‬ثم ذكر الدليل‬
‫ي واض ٌ‬
‫ل عقلـ ّ‬
‫ده صاد ِقٌ ل ب ُد ّ من‬
‫ي‪ ،‬فقال )‪} : (1‬وَع ْد َ الّله ح ّ‬
‫قا{؛ أي‪ :‬وع ُ‬
‫النقلـ ّ‬
‫ّ‬
‫إتمامه‪} ،‬ليجزِيَ الذين آمنوا{‪ :‬بقلوبهم بما أمرهم الله باليمان‬
‫ت‬
‫ت{‪ :‬بجوارِ ِ‬
‫ت ومستحّبا ٍ‬
‫حهم من واجبا ٍ‬
‫به‪} ،‬وعملوا الصالحا ِ‬
‫ط{؛ أي‪ :‬بإيمانهم وأعمالهم جزاًء قد بّينه لعباده وأخبر أنه‬
‫س ِ‬
‫}بال ِ‬
‫ق ْ‬
‫ن‪} .‬والذين كفروا{‪:‬‬
‫س ما أ ْ‬
‫خ ِ‬
‫ل تعلم نف ٌ‬
‫ف َ‬
‫ي لهم من قُّرةِ أعي ٍ‬
‫بآيات الّله‪ ،‬وك ّ‬
‫ب من حميم{؛ أي‪ :‬ماء‬
‫ذبوا رسل الّله }لهم شرا ٌ‬
‫م{‪ :‬من سائر‬
‫حاّر يشوي الوجوه ويقطع المعاء‪} ،‬وعذا ٌ‬
‫ب ألي ٌ‬
‫فرون{؛ أي‪ :‬بسبب كفرهم‬
‫أصناف العذاب‪} ،‬بما كانوا يك ُ‬
‫سهم يظِلمون‪.‬‬
‫م الّله ولكن أن ْ ُ‬
‫ف َ‬
‫مه ُ ُ‬
‫وظلمهم‪ ،‬وما ظ َل َ َ‬
‫ﭽ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪﯧﯧﯫﯧﯧ ﯬﯧﯧ ﯭﯧﯧ‬
‫ﯮﯧﯧ ﯯﯧﯧ ﯰﯧﯧ ﯱﯧﯧ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﭼ ‪.‬‬
‫}‪ 5‬ـ ‪ {6‬لما قّرر ربوبّيته وإلهّيته؛ ذكر الدلة العقلّية الفقّية‬
‫الداّلة على ذلك وعلى كماله في أسمائه وصفاته؛ من الشمس‬
‫والقمر والسماوات والرض‪ :‬وجميع ما خلق فيهما من سائر‬
‫ت }لقوم يعلمون{ و }لقوم‬
‫أصناف المخلوقات‪ ،‬وأخبر أنها آيا ٌ‬
‫دللة فيها وكيفّية استنباط‬
‫ن العلم يهدي إلى معرفة ال ّ‬
‫يّتقون{؛ فإ ّ‬

‫‪ - 1‬كذا في النسختين؛ جعل تفسير قوله‪» :‬وعد الله حقًا« بعد تفسير قوله‪:‬‬
‫»إنه يبدأ الخلق ثم يعيده«‪.‬‬

‫ث في القلب الرغبة في‬
‫حد ِ ُ‬
‫الدلئل )‪ (1‬على أقرب وجه‪ ،‬والتقوى ت ُ ْ‬
‫شئ َْين عن الدّلة والبراهين وعن‬
‫الخير والرهبة من الشّر‪ ،‬النا ِ‬
‫العلم واليقين‪.‬‬
‫ن مجّرد خلق هذه المخلوقات بهذه الـصـفة‬
‫وحاصل ذلك أ ّ‬
‫دا ّ‬
‫ل على كمال قدرة الّله تعالى وعلمه وحياته وقّيوميته‪ ،‬وما فيها‬
‫سن دا ّ‬
‫ل على كمال حكمة الّله‬
‫من الحكام والتقان والبداع وال ُ‬
‫ح ْ‬
‫ه‪ ،‬وما فيها من أنواع المنافع والمصالح ـ‬
‫وحسن َ‬
‫م ِ‬
‫خْلقه وسعة عل ِ‬
‫ي‬
‫ك َ‬
‫جْعل الشمس ضياًء والقمر نورا ً يحصل بهما من النفع الضرور ّ‬
‫(‬
‫‪2‬‬
‫)‬
‫ل ـ يد ّ‬
‫ص ُ‬
‫ل ذلك على رحمة الّله تعالى واعتنائه‬
‫وغيره مما يح ُ‬
‫سَعة بّره وإحسانه‪ ،‬وما فيها من التخصيصات دا ّ‬
‫ل على‬
‫بعباد ِهِ و َ‬
‫مشيئة الّله وإرادته النافذة‪ ،‬وذلك دا ّ‬
‫ل على أنه وحده المعبود ُ‬
‫ب المحمود ُ ذو الجلل والكرام والوصاف العظام‪ ،‬الذي ل‬
‫المحبو ُ‬
‫دعاء إل له ل‬
‫صَر ُ‬
‫ة والرهب ُ‬
‫تنبغي الرغب ُ‬
‫ص ال ّ‬
‫ف خال ُ‬
‫ة إل إليه‪ ،‬ول ي ُ ْ‬
‫ّ‬
‫قرات إلى الله في جميع‬
‫لغيره من المخلوقات المربوبات المفت ِ‬
‫شؤونها‪.‬‬
‫ث والترغيب على التفكر في مخلوقات‬
‫وفي هذه اليات الح ّ‬
‫)‪(3‬‬
‫ن بذلك تنفسح البصيرة‬
‫الّله والنظر فيها بعين العتبار؛ فإ ّ‬
‫ن‬
‫ويزداد ُ اليمان والعقل وتقوى القريحة‪ ،‬وفي إهمال ذلك تهاو ٌ‬
‫بما أمر الّله به‪ ،‬وإغلقٌ لزيادة اليمان‪ ،‬وجمود ٌ للذهن والقريحة‪.‬‬
‫ﭽﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ‬
‫ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭼ‪.‬‬
‫}‪ {7‬يقول تعالى‪} :‬إن الذين ل يرجون لقاءنا{؛ أي‪ :‬ل‬
‫يطمعون بلقاء الّله‪ ،‬الذي هو أكبر ما طمع فيه الطامعون‪ ،‬وأعلى‬
‫ملون‪ ،‬بل أعرضوا عن ذلك‪ ،‬ورّبما ك ّ‬
‫ذبوا به‪} ،‬ورضوا‬
‫مله المؤ ّ‬
‫ما أ ّ‬
‫دنيا{‪ :‬بدل ً عن الخرة‪} ،‬واطمأّنوا بها{؛ أي‪ :‬ركنوا إليها‪،‬‬
‫بالحياة ال ّ‬
‫)‪(4‬‬
‫وجعلوها غاية أمرهم ونهاية قصدهم؛ فسعوا لها‪ ،‬وأكّبوا على‬
‫لَ ّ‬
‫ت‬
‫صلوها‪ ،‬ومن أيّ وجه لح ِ‬
‫ق حصل ْ‬
‫تح ّ‬
‫ذاتها وشهواتها؛ بأيّ طري ٍ‬
‫ابتدروها‪ ،‬قد صرفوا إراداتهم ونّياتهم وأفكارهم وأعمالهم إليها‪،‬‬
‫)‪(5‬‬
‫مّر يتزّود فيها‬
‫فكأّنهم ُ‬
‫مـ َ‬
‫َ‬
‫خِلقوا للبقاء فيها‪ ،‬وكأّنها ليست بدارِ‬
‫المسافرون إلى الدار الباقية التي إليها يرحل الولون والخرون‬
‫‪ - 1‬في )ب(‪» :‬الدليل«‪.‬‬
‫‪ - 2‬في )ب(‪» :‬ما«‪.‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫ في )ب(‪» :‬تنفتح«‪.‬‬‫ في )ب(‪» :‬مرامهم«‪.‬‬‫‪ -‬في )ب(‪» :‬دار«‪.‬‬

‫وإلى نعيمها ول ّ‬
‫مر الموّفقون‪} .‬والذين هم عن آياتنا‬
‫ذاتها ش ّ‬
‫غافلون{‪ :‬فل ينتفعون باليات القرآنّية ول باليات الفقّية‬
‫م للعراض والغفلة عن‬
‫ض عن الدليل مستلز ٌ‬
‫والنفسّية‪ ،‬والعرا ُ‬
‫المدلول المقصوِد‪.‬‬
‫م النار{؛ أي‪:‬‬
‫}‪} {8‬أولئك{‪ :‬الذين هذا وص ُ‬
‫فهم‪} ،‬مأواهُ ُ‬
‫سبون{‪:‬‬
‫مقّرهم ومسكُنهم التي ل يرحلون عنها؛ }بما كانوا يك ِ‬
‫من الكفر والشرك وأنواع المعاصي‪.‬‬
‫فلما ذكر عقابهم؛ ذكر ثواب المطيعين‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫ﭽ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ‬
‫ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﭼ ‪.‬‬
‫}‪ {9‬يقول تعالى‪} :‬إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات{؛‬
‫أي‪ :‬جمعوا بين اليمان والقيام بموجبه ومقتضاه من العمال‬
‫الصالحة‪ ،‬المشتملة على أعمال القلوب وأعمال الجوارح‪ ،‬على‬
‫وجه الخلص والمتابعة‪} .‬يهديهم رّبهم بإيمانهم{؛ أي‪ :‬بسبب ما‬
‫معهم من اليمان ُيثيبهم الّله أعظم الثواب‪ ،‬وهو الهداية‪ ،‬في ُعَّلمهم‬
‫ن عليهم بالعمال الناشئة عن الهداية‪ ،‬ويهديهم‬
‫ما ينفعهم‪ ،‬وي َ ُ‬
‫م ّ‬
‫للنظر في آياته‪ ،‬ويهديهم في هذه الدار إلى الصراط المستقيم‪،‬‬
‫وفي الصراط المستقيم‪ ،‬وفي دار الجزاء إلى الصراط الموصل‬
‫م النهاُر{‪ :‬الجارية‬
‫إلى جنات النعيم‪ ،‬ولهذا قال‪} :‬تجري من تحت ِهِ ُ‬
‫على الدوام‪} .‬في جنات النعيم{‪ :‬أضافها الّله إلى النعيم‬
‫م؛ نعيم القلب بالفرح والسرور والبهجة‬
‫لشتمالها على النعيم التا ّ‬
‫والحبور ورؤية الرحمن وسماع كلمه والغتباط برضاه وقربه‬
‫ولقاء الحّبة والخوان والتمّتع بالجتماع بهم وسماع الصوات‬
‫المطربات والنغمات المشجيات والمناظر المفرحات‪ ،‬ونعيم‬
‫البدن بأنواع المآكل والمشارب والمناكح ونحو ذلك مما ل تعلمه‬
‫فه الواصفون‪.‬‬
‫ص َ‬
‫د‪ ،‬أو قدر أن ي ِ‬
‫النفوس ول خطر ببال أح ٍ‬
‫م{؛ أي‪ :‬عبادتهم فيها لّله‬
‫}‪} {10‬دعواهم فيها سبحانك الله ّ‬
‫ه له عن النقائص‪ ،‬وآخرها تحميد ٌ لّله؛‬
‫أولها تسبي ٌ‬
‫ح لّله وتنزي ٌ‬
‫فالتكاليف سقطت عنهم في دار الجزاء‪ ،‬وإنما بقي لهم أكم ُ‬
‫ل‬
‫الل ّ ّ‬
‫ذات‪ ،‬الذي هو ألذ ّ عليهم من المآكل الّلذيذة‪ ،‬أل وهو ذ ِك ُْر الّله‬
‫ح به الرواح‪ ،‬وهو لهم بمنزلة‬
‫ن به القلوب وتفر ُ‬
‫الذي تطمئ ّ‬
‫ة‪} .‬و{ أما تحي ُّتهم فيما بيَنهم عند‬
‫النفس من دون كلفةٍ ومش ّ‬
‫ق ٍ‬
‫م من اللغو والثم‪،‬‬
‫م؛ أي‪ :‬كل ٌ‬
‫التلقي والّتزاور؛ فهو السل ُ‬
‫م سال ٌ‬
‫هم فيها‬
‫م{‪ .‬وقد قيل في تفسير قوله‪} :‬دعوا ُ‬
‫موصو ٌ‬
‫ف بأنه }سل ٌ‬
‫م[‪ {...‬إلى آخر الية‪ :‬إن أهل الجنة إذا احتاجوا إلى‬
‫سبحانك ]الله ّ‬

‫ُ‬
‫ضَر لهم‬
‫ح ِ‬
‫م! فَأ ْ‬
‫الطعام والشراب ونحوهما؛ قالوا‪ :‬سبحانك الله ّ‬
‫ب العالمين{‪.‬‬
‫في الحال‪ ،‬فإذا فرغوا قالوا‪} :‬الحمد ُ لّله ر ّ‬
‫ﭽﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ‬
‫ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﭼ‪.‬‬

‫ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓﮔ ﮕ ﮖ‬

‫ﮗ ﮘ ﮙ‬

‫جل لهم‬
‫}‪ {11‬وهذا من لطفه وإحسانه بعباده‪ :‬أّنه لو ع ّ‬
‫جل لهم‬
‫وا بأسبابه وباد ََرهم بالعقوبة على ذلك كما يع ّ‬
‫الشّر إذا أت َ ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ي إليهم أجلهم{؛ أي‪ :‬لمحقتهم‬
‫وا بأسبابه؛ }ل ُ‬
‫ق ِ‬
‫ض َ‬
‫الخير إذا أت َ ْ‬
‫العقوبة‪ ،‬ولكنه تعالى يمهُِلهم ول يهملهم ويعفو عن كثيرٍ من‬
‫حقوقه؛ فلو يؤاخذ الّله الناس بظلمهم؛ ما ترك على ظهرها من‬
‫داّبة‪ ،‬ويدخل في هذا أن العبد إذا غضب على أولده أو أهله أو‬
‫ت منه؛ لهلكوا ولضّره ذلك غاية‬
‫ماله رّبما دعا عليهم دعوة ً لو قُب ِل َ ْ‬
‫م‪ .‬وقوله‪} :‬فَن َذ َُر الذين ل يرجون‬
‫م حكي ٌ‬
‫الضرر‪ ،‬ولكّنه تعالى حلي ٌ‬
‫دون لها ول‬
‫لقاءنا{؛ أي‪ :‬ل يؤمنون بالخرة؛ فلذلك ل يستع ّ‬
‫يعملون ما ُينجيهم من عذاب الّله‪} ،‬في طغيان ِِهم{؛ أي‪ :‬باطلهم‬
‫الذي جاوزوا به الحقّ والحد ّ }يعمهون{‪ :‬يتّرددون حائرين‪ ،‬ل‬
‫)‪(1‬‬
‫يهتدون السبيل‪ ،‬ول يوّفقون لقوم دليل‪ ،‬وذلك عقوبة لهم‬
‫على ظلمهم وكفرهم بآيات الّله‪.‬‬
‫ﮰ‬

‫ﭽﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ‬
‫ﯚ ﯛ ﭼ‪.‬‬
‫ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ‬
‫ﮱ ﯓﯔ ﯕ‬

‫ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮮ ﮯ‬

‫}‪ {12‬وهذا إخباٌر عن طبيعة النسان من حيث هو‪ ،‬وأّنه إذا‬
‫سه ضّر من مرض أو مصيبة؛ اجتهد في الدعاء‪ ،‬وسأل الّله في‬
‫م ّ‬
‫ح في الدعاء؛ ليكشف‬
‫جميع أحواله؛ قائما ً وقاعدا ً ومضطجعًا‪ ،‬وأل ّ‬
‫ضّر‬
‫مّر كأن لم ي َد ْ ُ‬
‫عنا إلى ُ‬
‫الله عنه ضّره‪} ،‬فلما كشفنا عنه ُ‬
‫ضّره َ‬
‫سه{؛ أي‪ :‬استمر في غفلته معرضا ً عن رّبه كأنه ما جاءه ضّر‬
‫م ّ‬
‫فكشفه الّله عنه؛ فأيّ ظلم أعظم من هذا الظلم؛ يطلب من الّله‬
‫قضاء غرضه؛ فإذا أناله إياه؛ لم ينظْر إلى حقّ رّبه؛ وكأنه ليس‬
‫ن من الشيطان زّين له ما كان مستهجنا ً‬
‫عليه لّله ح ّ‬
‫ق؟! وهذا تزيي ٌ‬
‫مستقبحا ً في العقول والفطر‪} ،‬كذلك ُزّين للمسرفين{؛ أي‪:‬‬
‫ن{‪.‬‬
‫المتجاوزين للحد ّ }ما كانوا يعملو َ‬
‫ﯩﯪﯧﯧ ﯫﯧﯧ‬

‫ﭽ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ‬
‫ﯷ ﯷ ﭼ‪.‬‬
‫ﯱﯧﯧ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ‬

‫ﯬﯧﯧ ﯭﯧﯧ ﯮﯧﯧ ﯯﯧﯧ ﯰﯧﯧ‬

‫}‪ {13‬يخبر تعالى أنه أهلك المم الماضية بظلمهم وكفرهم‬
‫)‪(2‬‬
‫ق‪ ،‬فلم‬
‫ت على أيدي الرسل تبيّـن الح ّ‬
‫بعدما جاءتهم البينا ُ‬

‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫ في )ب(‪» :‬منه«‪.‬‬‫‪ -‬في )ب(‪» :‬رسله«‪.‬‬

‫ل بهم عقابه الذي ل ي َُرد ّ عن ك ّ‬
‫ينقادوا لها‪ ،‬ولم يؤمنوا‪ ،‬فأح ّ‬
‫ل‬
‫مجرم متجّرىء على محارم الّله‪ ،‬وهذه سنته في جميع المم‪.‬‬
‫ف في الرض‬
‫}‪} {14‬ثم جعلناكم{؛ أي‪ :‬المخاطبون }خلئ َ‬
‫هم لننظر كيف تعملون{؛ فإن أنتم اعتبرُتم‪ ،‬واّتعظتم بمن‬
‫من بعد ِ ِ‬
‫دقتم رسله؛ نجوُتم في الدنيا‬
‫قبلكم‪ ،‬واّتبعتم آيات الّله‪ ،‬وص ّ‬
‫ل بكم ما أح ّ‬
‫والخرة‪ ،‬وإن فعلُتم كفعل الظالمين قبلكم؛ أح ّ‬
‫ل‬
‫ن أنذَر فقد أعذَر‪.‬‬
‫بهم‪ ،‬و َ‬
‫م ْ‬
‫ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡﭢ‬
‫ﭵ‬
‫ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲﭳ ﭴ‬
‫ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆﮇ ﮈ ﮉ ﮊ‬
‫ﮋ ﮌ ﮍﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛﮜ ﮝ‬
‫ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﭼ‪.‬‬
‫}‪ {15‬يذكر تعالى تعّنت المك ّ‬
‫ذبين لرسوله محمد صلى الله‬
‫ّ‬
‫عليه وسلم‪ ،‬وأنهم إذا ُتتلى عليهم آيات الله القرآنية المبّينة‬
‫ق؛ أعرضوا عنها‪ ،‬وطلبوا وجوه التعّنت‪ ،‬فقالوا جراءة منهم‬
‫للح ّ‬
‫ن غير هذا أو بد ّْله{‪ :‬فقّبحهم الّله؛ ما أجرأهم‬
‫وظلمًا‪} :‬ائت بقرآ ٍ‬
‫دا لياته! فإذا كان الرسول العظيم‬
‫دهم ظلما ً ور ّ‬
‫على الّله وأش ّ‬
‫يأمره الّله أن يقول لهم‪} :‬ق ْ‬
‫ل ما يكون لي{؛ أي‪ :‬ما ينبغي ول‬
‫َيليقُ }أن أبد َّله من تلقاء نفسي{؛ فإني رسو ٌ‬
‫ض‪ ،‬ليس لي‬
‫ل مح ٌ‬
‫ي{؛ أي‪ :‬ليس لي غير‬
‫من المر شيء‪} .‬إ ْ‬
‫ن أت ّب ِعُ إل ما يوحى إلـ ّ‬
‫ب يوم‬
‫ت ربي عذا َ‬
‫ذلك؛ فإني عبد ٌ مأمور‪} ،‬إني أخاف إن عصي ُ‬
‫عظيم{‪ :‬فهذا قو ُ‬
‫ل خير الخلق وأدُبه مع أوامر رّبه ووحيه؛ فكيف‬
‫ضلل وال ّ‬
‫ظلم‬
‫بهؤلء السفهاء الضاّلين الذين جمعوا بين الجهل وال ّ‬
‫ب يوم‬
‫ب العالمين؛ أفل يخافون عذا َ‬
‫والعناد والتعّنت والتعجيز لر ّ‬
‫ن قصدهم أن يتبيّـن لهم الحقّ باليات التي‬
‫عظيم؟! فإن زعموا أ ّ‬
‫ّ‬
‫طلبوا؛ فهم ك َ َ‬
‫ن الله قد بّين من اليات ما يؤمن‬
‫ذبة في ذلك؛ فإ ّ‬
‫على مثله البشر‪ ،‬وهو الذي يصّرفها كيف يشاء؛ تابعا ً لحكمته‬
‫الربانّية ورحمته بعباده‪.‬‬
‫}‪} {16‬قل لو شاء الّله ما تلوُته عليكم ول أدراكم به فقد‬
‫مرًا{ طويل ً }من قبله{؛ أي‪ :‬قبل تلوته وقبل‬
‫ت فيكم ع ُ ُ‬
‫لب ِث ْ ُ‬
‫خ َ‬
‫طر على بالي ول وقع في ظني‪} .‬أفل‬
‫درايتكم به وأنا ما َ‬
‫در مني ما‬
‫ص َ‬
‫تعقلو َ‬
‫ن{‪ :‬أّنـي حيث لم أتقوُّله في مدة عمري‪ ،‬ول َ‬
‫وله بعد ذلك‪ ،‬وقد لبثت فيكم عمرا ً‬
‫يد ّ‬
‫ل على ذلك؛ فكيف أتق ّ‬
‫طوي ً‬
‫ي ل أقرأ‪ ،‬ول أكتب‪ ،‬ول‬
‫ل‪ ،‬تعرفون حقيقة حالي‪ ،‬بأني أم ّ‬
‫د‪ ،‬فأتيُتكم بكتاب عظيم أعجز الفصحاء‬
‫أدرس‪ ،‬ول أتعّلم من أح ٍ‬
‫وأعيا العلماء؛ فهل يمكن مع هذا أن يكون من تلقاء نفسي؟! أم‬

‫هذا دلي ٌ‬
‫ل قاطع أنه تنزيل من حكيم حميد؟! فلو أعملتم أفكاركم‬
‫وعقولكم‪ ،‬وتدّبرتم حالي وحال هذا الكتاب؛ لجزمتم جزما ً ل يقبل‬
‫ه‪ ،‬وأّنه الحقّ الذي ليس بعده إل الضلل‪ ،‬ولكن إذا‬
‫الّرْيب بصدقِ ِ‬
‫)‪ (1‬أبيتم إل التكذيب والعناد؛ فأنتم ل ش ّ‬
‫ك أنكم ظالمون‪.‬‬
‫ب‬
‫من افترى على الّله ك َ ِ‬
‫ذبا ً أو ك َذ ّ َ‬
‫م مـ ّ‬
‫ن أظل ُ‬
‫}‪ {17‬و }م ْ‬
‫ت متقوّ ً‬
‫ح‪ ،‬ولم‬
‫بآيات ِ ِ‬
‫ت أظلم الناس‪ ،‬وفاتني الفل ُ‬
‫ل؛ لكن ُ‬
‫ه{؛ فلو كن ُ‬
‫ف عليكم حالي‪ ،‬ولكني جئُتكم بآيات الّله‪ ،‬فكذ ّْبتم بها‪ ،‬فتعيّـن‬
‫َتـ ْ‬
‫خ َ‬
‫فيكم ال ّ‬
‫ظلم‪ ،‬ول بد ّ أن أمركم سيضمح ّ‬
‫ل ولن تنالوا الفلح ما‬
‫دمُتم كذلك‪ .‬ود ّ‬
‫ن‬
‫ن لقاءنا‪ {...‬الية‪ :‬أ ّ‬
‫ن ل يرجو َ‬
‫ل قوله‪} :‬قال الذي َ‬
‫م إيمانهم‬
‫الذي َ‬
‫مَلهم على هذا التعّنت الذي صدر منهم هو عد ُ‬
‫حـ َ‬
‫من آمن بلقاء الّله؛ فل بد ّ أن ينقاد َ‬
‫م رجائه وأ ّ‬
‫بلقاء الّله وعد ُ‬
‫ن َ‬
‫ن به‪ ،‬لّنه حسن القصد‪.‬‬
‫لهذا الكتاب ويؤم َ‬
‫ﭽ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮮ ﮯﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ‬
‫ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﭼ ‪.‬‬

‫}‪ {18‬يقول تعالى‪} :‬ويعُبدون{؛ أي‪ :‬المشركون المك ّ‬
‫ذبون‬
‫ن الّله ما ل يضّرهم‬
‫لرسول الّله صلى الله عليه وسلم }من دو ِ‬
‫ول ينفُعهم{؛ أي‪ :‬ل تملك لهم مثقال ذرة من النفع ول تدفع عنهم‬
‫شيئا ً }ويقولون{‪ :‬قول ً خاليا ً من البرهان‪} :‬هؤلء شفعاؤنا عند‬
‫الّله{؛ أي‪ :‬يعبدونهم ليقّربوهم إلى الّله ويشفعوا لهم عنده‪ ،‬وهذا‬
‫م ابتكروه هم‪ ،‬ولهذا قال مبطل ً لهذا‬
‫قول من تلقاء أنفسهم‪ ،‬وكل ٌ‬
‫القول‪} :‬قل أتنّبئون الّله بما ل يعلم في السمـوات ول في‬
‫الرض{؛ أي‪ :‬الّله تعالى هو العالم الذي أحاط علما ً بجميع ما في‬
‫السماوات والرض‪ ،‬وقد أخبركم بأّنه ليس له شري ٌ‬
‫ك ول إله معه؛‬
‫عمون أنه يوجد له فيها شركاء‪،‬‬
‫فأنتم يا معشر المشركين تز ُ‬
‫أفتخبرونه بأمر خفي عليه وعلمتموه؟! أأنتم أعلم أم الّله؟! فهل‬
‫ل أبط ُ‬
‫يوجد قو ٌ‬
‫من أن هؤلء الضلل‬
‫ل من هذا القول المتض ّ‬
‫الجهال السفهاء أعلم من رب العالمين؟! فليكتف العاق ُ‬
‫ل بمجّرد‬
‫ور هذا القول؛ فإنه يجزم بفساده وبطلنه‪} .‬سبحانه وتعالى‬
‫تص ّ‬
‫دس وتنّزه أن يكون له شريك أو نظير‪،‬‬
‫ن{؛ أي‪ :‬تق ّ‬
‫عما يشركو َ‬
‫بل هو الّله الحد ُ الفرد ُ الصمد ُ الذي ل إله في السماوات والرض‬
‫ي سواه فإنه باط ٌ‬
‫إل هو‪ ،‬وك ّ‬
‫ل‬
‫ل معبود ٍ في العالم العلويّ والسفلـ ّ‬
‫ن الّله هو الحقّ وأن ما يدعون من‬
‫عقل ً وشرعا ً وفطر ً‬
‫ة‪} ،‬ذلك بأ ّ‬
‫ي الكبيُر{‪.‬‬
‫دونه هو الباطل وأ ّ‬
‫ن الّله هو العلـ ّ‬

‫‪1‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬إذ«‪.‬‬

‫ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩﯪﯧﯧ ﯫﯧﯧ ﯬﯧﯧ ﯭﯧﯧ ﯮﯧﯧ ﯯﯧﯧ ﯰﯧﯧ ﯱﯧﯧ ﯷ ﯷ ﯷ‬
‫ﭽﯣ ﯤ‬
‫ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﭼ‪.‬‬
‫ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯼﯽ ﯾ ﯿ‬

‫ﯷ‬

‫ة{‪ :‬متفقين على‬
‫ة واحد ً‬
‫م ً‬
‫}‪ {19‬أي‪} :‬وما كان الناس إل أ ّ‬
‫الدين الصحيح‪ ،‬ولكنهم اختلفوا‪} ،‬فبعث الّله الرسل مب ّ‬
‫شرين‬
‫ومنذرين وأنزل معهم الكتاب ليحكم بين الناس فيما اختلفوا‬
‫ت من رّبك{‪ :‬بإمهال العاصين وعدم‬
‫فيه{‪} .‬ولول كلم ٌ‬
‫ة سبق ْ‬
‫جي المؤمنين ونهلك‬
‫معاجلتهم بذنوبهم‪} ،‬ل َ ُ‬
‫ق ِ‬
‫ي بينهم{‪ :‬بأن نن ّ‬
‫ض َ‬
‫الكافرين المك ّ‬
‫ذبين‪ ،‬وصار هذا فارقا ً بينهم }فيما فيه يختلفون{‪،‬‬
‫ولكنه أراد امتحانهم وابتلء بعضهم ببعض؛ ليتبّين الصادق من‬
‫الكاذب‪.‬‬
‫}‪} {20‬ويقولون{؛ أي‪ :‬المكذبون المتعّنتون‪} :‬لول أنزِ َ‬
‫ل‬
‫ة من رّبه{؛ يعنون‪ :‬آيات القـتراح التي يعّينونها؛ كقولهم‪:‬‬
‫عليه آي ٌ‬
‫َ‬
‫مل ٌ‬
‫ن معه نذيًرا‪ {...‬اليات‪ ،‬وكقولهم‪:‬‬
‫ك فيكو َ‬
‫}لول أنزل إليه َ‬
‫جَر لنا من الرض َينبوعًا‪ {...‬اليات‪.‬‬
‫ن لك حتى ت َ ْ‬
‫ف ُ‬
‫}وقالوا لن نؤم َ‬
‫ب لّله{؛ أي‪ :‬هو‬
‫}فقل{‪ :‬لهم إذا طلبوا منك آي ً‬
‫ة‪} :‬إنما الغي ُ‬
‫المحيط علما ً بأحوال العباد‪ ،‬فيدّبرهم بما يقتضيه علمه فيهم‬
‫وحكمته البديعة‪ ،‬وليس لحد ٍ تدبيٌر في حكم ول دليل ول غاية ول‬
‫تعليل‪} .‬فانتظروا إني معكم من المنتظرين{؛ أي‪ :‬كل ينتظر‬
‫بصاحبه ما هو أه ٌ‬
‫ل له فانظروا لمن تكون العاقبة‪.‬‬

‫ﭽﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ‬
‫ﭢﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭼ ‪.‬‬
‫ة من بعد ضّراء‬
‫}‪ {21‬يقول تعالى‪} :‬وإذا أذ َْقنا الناس رحم ً‬
‫ستهم{‪ :‬كالصحة بعد المرض والغنى بعد الفقر والمن بعد‬
‫م ّ‬
‫الخوف؛ نسوا ما أصابهم من الضّراء‪ ،‬ولم يش ُ‬
‫كروا الّله على‬
‫الرخاء والرحمة‪ ،‬بل استمّروا في طغيانهم ومكرهم‪ ،‬ولهذا قال‪:‬‬
‫ون بالباطل ليبطلوا به الحق‪.‬‬
‫}إذا لهم مكٌر في آياتنا{؛ أي‪ :‬يسعَ ْ‬
‫ن المكَر السيىء ل يحيق إل بأهله؛‬
‫ه أسرع ُ مكرًا{‪ :‬فإ ّ‬
‫}قل الل ّ ُ‬
‫س عليهم‪ ،‬ولم يسلموا من الت َب َِعة‪ ،‬بل تكتب‬
‫فمقصودهم منعك ٌ‬
‫الملئكة عليهم ما يعملون‪ ،‬ويحصيه الّله عليهم‪ ،‬ثم يجازيهم الّله‬
‫عليه أوفر الجزاء‪.‬‬
‫ﭛ ﭜ ﭝﭞ ﭟ ﭠ ﭡ‬

‫ﭴ‬
‫ﭽ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯﭰ ﭱ ﭲ ﭳ‬
‫ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇﮈ‬
‫ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ‬
‫ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ‬
‫ﮱ‬
‫ﮩﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮮ ﮯ ﮰ‬
‫ﮢ ﮣ ﮤ ﮥﮦ ﮧ ﮨ‬

‫ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ‬
‫ﭵ‬
‫ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ‬
‫ﮞﮟ ﮠ ﮡ‬
‫ﮜ ﮝ‬
‫ﯓﭼ‪.‬‬

‫}‪ 22‬ـ ‪ {23‬لما ذكر تعالى القاعدة العامة في أحوال‬
‫الناس عند إصابة الرحمة لهم بعد الضّراء والُيسر بعد العسر؛‬
‫ة تؤّيد ذلك‪ ،‬وهي حالهم في البحر عند اشتداده والخوف‬
‫ذ َك ََر حال ً‬
‫سر‬
‫سي ُّركم في البّر والبحر{‪ :‬بما ي ّ‬
‫من عواقبه‪ ،‬فقال‪} :‬هو الذي ي ُ َ‬
‫لكم من السباب المسّيرة لكم فيها وهداكم إليها‪} .‬حتى إذا كنُتم‬
‫ن بهم بريح طّيبة{‪:‬‬
‫في ال ُ‬
‫فلك{؛ أي‪ :‬السفن البحرّية‪} ،‬و َ‬
‫جَري ْ َ‬
‫قة‪} ،‬وفرحوا بها{‪:‬‬
‫موافقة لما يهوونه من غير انزعاج ول مش ّ‬
‫ف{‪:‬‬
‫ح عاص ٌ‬
‫واطمأّنوا إليها؛ فبينما هم كذلك؛ إذ جاءتهم }ري ٌ‬
‫ل مكان وظّنوا أنهم أحي َ‬
‫ج من ك ّ‬
‫ط‬
‫شديدة الهبوب‪} ،‬وجاء ُ‬
‫هم المو ُ‬
‫ّ‬
‫بهم{؛ أي‪ :‬عرفوا أنه الهلك‪ ،‬فانقطع حينئذ ٍ تعلقهم بالمخلوقين‪،‬‬
‫دة إل الّله وحده‪ ،‬فدعوه‬
‫وعرفوا أنه ل ُينجيهم من هذه الش ّ‬
‫}مخلصين له الدين{‪ :‬ووعدوا من أنفسهم على وجه اللزام‪،‬‬
‫ن‪ .‬فلما أنجاهم‬
‫ن أن َ‬
‫ن من الشاكري َ‬
‫جي َْتنا من هذه لنكون ّ‬
‫فقالوا‪} :‬لئ ْ‬
‫ق{؛ أي‪:‬نسوا تلك الشدة وذلك‬
‫إذا هم يبغو َ‬
‫ن في الرض بغير الح ّ‬
‫من اعترفوا أنه ل‬
‫الدعاء وما ألزموه أنفسهم‪ ،‬فأشركوا بالّله َ‬
‫ُينجيهم من الشدائد ول يدفع عنهم المضايق؛ فهل أخلصوا لّله‬
‫ن هذا البغي‬
‫العبادة في الرخاء كما أخلصوه في الشدة؟! ولك ّ‬
‫يعود َوباُله عليهم‪ ،‬ولهذا قال‪}:‬يا أّيها الناس إّنما بغيكم على‬
‫ملون ببغيكم‬
‫أنفسكم متاع َ الحياة ال ّ‬
‫دنيا{؛ أي‪ :‬غاية ما تؤ ّ‬
‫دنيا‬
‫حطام ال ّ‬
‫وشرودكم عن الخلص لّله أن تنالوا شيئا ً من ُ‬
‫وجاهها النزر اليسير الذي سينقضي سريعا ً ويمضي جميعا ً ثم‬
‫جُعكم{‪ :‬في يوم القيامة‪،‬‬
‫تنتقلون عنه بالرغم‪} .‬ثم إلينا مر ِ‬
‫ة التحذير لهم عن‬
‫ن{‪ :‬وفي هذا غاي ُ‬
‫}فننّبئكم بما كنُتم تعملو َ‬
‫الستمرار على عملهم‪.‬‬
‫ﭽ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ‬
‫ﯨ ﯩ ﯪﯧﯧ ﯫﯧﯧ ﯬﯧﯧ ﯭﯧﯧ ﯮﯧﯧ ﯯﯧﯧ ﯰﯧﯧ ﯱﯧﯧ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷﯷ ﯷ‬
‫ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﯷ ﭼ‪.‬‬

‫}‪ {24‬وهذا المثل من أحسن المثلة‪ ،‬وهو مطابقٌ لحالة‬
‫نل ّ‬
‫ذاتها وشهواتها وجاهها ونحو ذلك يزهو لصاحبه إن‬
‫الدنيا؛ فإ ّ‬
‫م؛ اضمح ّ‬
‫ل وزال عن صاحبه أو‬
‫زها وقتا ً قصيرًا؛ فإذا استكمل وت ّ‬
‫فَر اليدين منها‪ ،‬ممتلىء القلب من‬
‫ص ْ‬
‫زال صاحبه عنه‪ ،‬فأصبح ِ‬
‫مها وحزنها وحسرتها؛ فذلك }كماٍء أنزلناه من السماء فاختلط‬
‫هـ ّ‬
‫ف وزوج بهيج‪} ،‬مما‬
‫ت الرض{؛ أي‪ :‬نبت فيها من كل صن ٍ‬
‫به نبا ُ‬
‫يأك ُ‬
‫م{‪ :‬كأنواع‬
‫ل الناس{‪ :‬كالحبوب والثمار‪}،‬و{ مما تأكل }النعا ُ‬
‫ض‬
‫العشب والكل المختلف الصناف‪} .‬حتى إذا أخذ ِ‬
‫ت الر ُ‬
‫ت{؛ أي‪ :‬تزخرفت في منظرها واكتست في زينتها‬
‫ُز ْ‬
‫خُرَفها واّزي ّن َ ْ‬

‫صرين‪،‬‬
‫ة للمتفّرجين وآي ً‬
‫ة للناظرين ونزه ً‬
‫فصارت بهج ً‬
‫ة للمتب ّ‬
‫فصرت ترى لها منظرا ً عجيبا ً ما بين أخضر وأصفر وأبيض وغيره‪.‬‬
‫ن أهُلها أّنهم قادرون عليها{؛ أي‪ :‬حصل معهم طمعٌ بأن ذلك‬
‫}وظ ّ‬
‫)‪(1‬‬
‫سيستمّر ويدوم لوقوف إرادتهم عنده وانتهاء مطالبهم فيه؛‬
‫َ‬
‫مُر الل ّهِ }ليل ً أو نهارا ً فجعلناها‬
‫فبينما هم في تلك الحالة؛ أتاها أ ْ‬
‫ن بالمس{؛ أي‪ :‬كأنها ما كانت‪ ،‬فهذه حالة‬
‫حصيدا ً كأن لم ت َغْ َ‬
‫ضحها‬
‫صل اليات{؛ أي‪ :‬نبي ُّنها ونو ّ‬
‫ال ّ‬
‫دنيا سواء بسواء‪} .‬كذلك نف ّ‬
‫بتقريب المعاني إلى الذهان وضرب المثال‪} ،‬لقوم يتف ّ‬
‫كرون{؛‬
‫ض؛ فهذا ل‬
‫أي‪ :‬ي ُعْ ِ‬
‫ملو َ‬
‫ن أفكارهم فيما ينفعهم‪ ،‬وأما الغافل المعر ُ‬
‫ل عنه الش ّ‬
‫تنفعه اليات‪ ،‬ول يزي ُ‬
‫ن‪.‬‬
‫ك البيا ُ‬
‫وق إلى الدار‬
‫ولما ذكر الّله حال ال ّ‬
‫دنيا وحاصل نعيمها؛ ش ّ‬
‫الباقية‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫ﭿﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ‬

‫ﯷ ﯷ ﰈ ﰉ‬

‫ﯷ ﯷ ﯷ ﭾ‪.‬‬

‫ث‬
‫م تعالى عباده بالدعوة إلى دار السلم والح ّ‬
‫}‪ {25‬ع ّ‬
‫ص بالهداية من شاء استخلصه‬
‫على ذلك والترغيب‪ ،‬وخ ّ‬
‫ص برحمته من يشاُء‪،‬‬
‫واصطفاءه؛ فهذا فضُله وإحساُنه‪ ،‬والّله يخت ّ‬
‫ة بعد البيان والرسل‪،‬‬
‫ج ٌ‬
‫ح ّ‬
‫وذلك عدُله وحكمته‪ ،‬وليس لحد ٍ عليه ُ‬
‫وسمى الّله الجنة دار السلم لسلمتها من جميع الفات‬
‫والنقائص‪ ،‬وذلك لكمال نعيمها وتمامه وبقائه وحسنه من ك ّ‬
‫ل‬
‫وجه‪.‬‬
‫ﭿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ‬
‫ﭤ ﭥ ﭾ‪.‬‬

‫ﭜﭝ ﭞ ﭟ ﭠﭡ ﭢ ﭣ‬

‫وقت إلى‬
‫}‪ {26‬ولما دعا إلى دار السلم؛ كأن النفوس تش ّ‬
‫العمال الموجبة لها الموصلة إليها‪ ،‬فأخبر عنها بقوله‪} :‬للذين‬
‫ة{؛ أي‪ :‬للذين أحسنوا في عبادة الخالق‪،‬‬
‫حسنى وزياد ٌ‬
‫أحسنوا ال ُ‬
‫ن عبدوه على وجه المراقبة والنصيحة في عبودّيته‪ ،‬وقاموا بما‬
‫بأ ْ‬
‫قدروا عليه منها‪ ،‬وأحسنوا إلى عباد الّله‪ ،‬بما يقدرون عليه من‬
‫ي والحسان‬
‫ي‪ :‬من بذل الحسان المالـ ّ‬
‫ي والفعلـ ّ‬
‫الحسان القولـ ّ‬
‫ي والمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتعليم الجاهلين‬
‫البدنـ ّ‬
‫ونصيحة المعرضين وغير ذلك من وجوه البّر والحسان؛ فهؤلء‬
‫الذين أحسنوا لهم الحسنى‪ ،‬وهي الجنة الكاملة في حسنها‪،‬‬
‫ة‪ ،‬وهي النظر إلى وجه الّله الكريم‪ ،‬وسماع كلمه ‪،‬والفوز‬
‫وزياد ٌ‬
‫برضاه‪ ،‬والبهجة بقربه؛ فبهذا حصل لهم أعلى ما يتمّناه‬
‫المتمّنون‪ ،‬ويسأله السائلون‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬إراداتهم«‪.‬‬

‫ههم‬
‫ثم ذكر اندفاع المحذور عنهم‪ ،‬فقال‪} :‬ول ي َْرهَقُ وجو َ‬
‫ن المكروه‬
‫قَت ٌَر ول ذ ِل ّ ٌ‬
‫ة{؛ أي‪ :‬ل ينالهم مكروه ٌ بوجه من الوجوه؛ ل ّ‬
‫در‪ .‬وأما هؤلء؛‬
‫إذا وقع بالنسان؛ تبيّـن ذلك في وجهه وتغّير وتك ّ‬
‫ضَرة َ النعيم{‪،‬‬
‫فكما قال الّله )‪ (1‬عنهم‪} :‬تعرِ ُ‬
‫ف في وجوههم ن َ ْ‬
‫أولئك أصحاب الجنة الملزمون لها هم فيها خالدون‪ ،‬ل يحولون‪،‬‬
‫ول يزولون‪ ،‬ول يتغّيرون‪.‬‬
‫ﭿ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭﭮ ﭯ ﭰ ﭱ‬
‫ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼﭽ ﭾ ﭿ ﮀﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﭾ ‪.‬‬

‫ﭲ ﭳ ﭴﭵ ﭶ‬

‫}‪ {27‬لما ذكر أصحاب الجنة؛ ذكر أصحاب النار‪ ،‬فذكر أن‬
‫خطةَ‬
‫س ِ‬
‫م ْ‬
‫بضاعتهم التي اكتسبوها في الدنيا هي العمال السّيئة ال ُ‬
‫ة‬
‫لّله من أنواع الكفر والّتكذيب وأصناف المعاصي‪ ،‬فجزاؤهم سيئ ٌ‬
‫مثلها؛ أي‪ :‬جزاء يسؤوهم بحسب ما عملوا من السيئات على‬
‫ة{‪ :‬في قلوبهم‬
‫اختلف أحوالهم‪} ،‬وترهَ ُ‬
‫قهم{؛ أي‪ :‬تغشاهم }ذ ِل ّ ٌ‬
‫مهم منه‬
‫وخو ٌ‬
‫ف من عذاب الّله ل يدفعه عنهم دافعٌ ول يع ِ‬
‫ص ُ‬
‫م‪ ،‬وتسري تلك الذ ّّلة الباطنة إلى ظاهرهم‪ ،‬فتكون سوادا ً‬
‫عاص ٌ‬
‫)‪(2‬‬
‫ت وجوههم قطعا ً من الليل مظلما ً‬
‫في وجوههم ‪} .‬كأّنما أغ ْ ِ‬
‫شي َ ْ‬
‫ن{‪ :‬فكم بين الفريقين من‬
‫ب النار هم فيها خالدو َ‬
‫أولئك أصحا ُ‬
‫ة‪ .‬إلى‬
‫ال َ‬
‫ق! ويا ب ُعْد َ ما بينهما من التفاوت! }وجوه ٌ يومئذ ناضر ٌ‬
‫فْر ِ‬
‫فعَ َ‬
‫ة{‪،‬‬
‫ن يُ ْ‬
‫ل بها فاقر ٌ‬
‫ة‪ .‬ووجوه ٌ يومئذ ٍ باسر ٌ‬
‫رّبها ناظ َِر ٌ‬
‫نأ ْ‬
‫ة‪ .‬ت َظ ُ ّ‬
‫ة‪ .‬ووجوه ٌ يومئذ ٍ عليها‬
‫ة مستبشر ٌ‬
‫ة‪ .‬ضاحك ٌ‬
‫}وجوه ٌ يومئذ ٍ مسفر ٌ‬
‫ة‪ .‬أولئك هم الكفرة الفجرة{‪.‬‬
‫ة‪ .‬ترهَ ُ‬
‫قها قََتر ٌ‬
‫غ َب ََر ٌ‬
‫ﭿ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏﮐ ﮑ ﮒﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ‬
‫ﮩ ﮪ‬
‫ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ‬
‫ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ‬
‫ﯘ ﯙ ﭾ‪.‬‬
‫ﮫﮬ ﮭ ﮮﮮ ﮯ ﮰ ﮱﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ‬
‫ح ُ‬
‫شُرهم جميعًا{؛ أي‪ :‬نجمع‬
‫}‪ {28‬يقول تعالى‪} :‬ويوم ن َ ْ‬
‫ضُر المشركين وما كانوا‬
‫جميع الخلئق لميعاد يوم معلوم‪ ،‬ونح ِ‬
‫يعبدون من دون الّله‪} ،‬ثم نقو ُ‬
‫ل للذين أشركوا مكاَنكم أنتم‬
‫ص ُ‬
‫ل بينكم‬
‫م وال َ‬
‫موا مكانكم ليقعَ الّتحاك ُ‬
‫وشركاؤكم{؛ أي‪ :‬ال َْز ُ‬
‫ف ْ‬
‫وبينهم‪} ،‬فََزي ّْلنا بيَنهم{؛ أي‪ :‬فّرقنا بينهم بالبعد البدني والقلبي‪،‬‬
‫فحصلت )‪ (3‬بيَنهم العداوة ُ الشديدة ُ بعد أن ب َ َ‬
‫دنيا‬
‫ذلوا لهم في ال ّ‬
‫خالص المحّبة وصفو الوداد‪ ،‬فانقلبت تلك المحّبة والولية بغضا ً‬
‫ن{‪:‬‬
‫وعداوة‪ .‬وتبرأ شركاؤهم منهم وقالوا‪} :‬ما كنُتم إّيانا تعبدو َ‬
‫فإننا ننّزه الّله أن يكون له شري ٌ‬
‫د‪.‬‬
‫ك أو ندي ٌ‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪ :‬ب(‪» :‬فَُهم كما قال الله«‪.‬‬‫ في )في )ب(‪» :‬الوجوه«‪.‬ب(‬‫‪ -‬في )ب(‪» :‬وحصلت«‪.‬‬

‫}‪} {29‬فكفى بالّله شهيدا ً بيننا وبينكم إن ك ُّنا عن عبادتكم‬
‫َلغافلين{‪ :‬ما أمرناكم بها ول دعوناكم لذلك‪ ،‬وإنما عبدتم من‬
‫دعاكم إلى ذلك‪ ،‬وهو الشيطان؛ كما قال تعالى‪} :‬ألم أع ْهَد ْ إليكم‬
‫ن{‪ ،‬وقال‪:‬‬
‫يا بني آد َ‬
‫م أن ل تعُبدوا الشيطان إّنه لكم عدوّ مبي ٌ‬
‫شُرهم جميعا ً ثم يقو ُ‬
‫م يح ُ‬
‫ل للملئكة أهؤلِء إّياكم كانوا‬
‫}ويو َ‬
‫ن‪ .‬قالوا سبحان َ َ‬
‫ن‬
‫ك أنت وَل ِّينا من دون ِِهم بل كانوا يعُبدو َ‬
‫دو َ‬
‫يعب ُ‬
‫ن ال ِ‬
‫ج ّ‬
‫ن{‪ :‬فالملئكة الكرام والنبياء والولياء‬
‫أكثُر ُ‬
‫هم بهم مؤمنو َ‬
‫صلون من دعائهم‬
‫ونحوهم يتبرؤون مـ ّ‬
‫من عبدهم يوم القيامة‪ ،‬ويتن ّ‬
‫إياهم إلى عبادتهم‪ ،‬وهم الصادقون الباّرون في ذلك‪.‬‬
‫سر المشركون حسرة ً ل يمكن وصفها‪،‬‬
‫}‪ {30‬فحينئذ ٍ يتح ّ‬
‫دموا من العمال وما أسلفوا من رديء‬
‫ويعلمون مقدار ما ق ّ‬
‫الخصال‪ ،‬ويتبيّـن لهم يومئذ ٍ أنهم كانوا كاذبين‪ ،‬وأنهم مفترون‬
‫على الّله‪ ،‬قد ضّلت عبادتهم واضمحّلت معبوداتهم وتق ّ‬
‫طعت بهم‬
‫السباب والوسائل‪ ،‬ولهذا قال‪} :‬هنالك{؛ أي‪ :‬في ذلك اليوم‪،‬‬
‫}ت َْبلو ك ّ‬
‫قد أعمالها وكسبها وتتبعه‬
‫ت{‪ :‬أي‪ :‬تتف ّ‬
‫ل نفس ما أسلف ْ‬
‫بالجزاء وتجازى بحسبه إن خيرا ً فخيٌر وإن شّرا فشّر‪} ،‬وض ّ‬
‫ل‬
‫حة ما هم عليه من‬
‫ن{‪ :‬من قولهم بص ّ‬
‫عنهم ما كانوا يفترو َ‬
‫ن ما يعبدون من دون الّله تنفعهم‪ ،‬وتدفع عنهم‬
‫الشرك‪ ،‬وأ ّ‬
‫العذاب‪.‬‬

‫ﭿ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪﯧﯧ ﯫﯧﯧ ﯬﯧﯧ ﯭﯧﯧ ﯮﯧﯧ‬
‫ﯯﯧﯧﯰﯧﯧ ﯱﯧﯧ ﯷﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﯷ ﯷﯷ ﯷ ﯷ ﯷ‬
‫ﰉ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﰎ ﯷ ﯷ ﭾ‪.‬‬
‫ﯷ ﯷ ﰈ‬
‫}‪ {31‬أي‪ :‬قل لهؤلء الذين أشركوا بالّله ما لم ينّز ْ‬
‫ل به‬
‫جا عليهم بما أقّروا به من توحيد الّربوبية على ما‬
‫سلطانا ً محت ّ‬
‫أنكروه من توحيد اللهية‪} :‬قُ ْ‬
‫ل من يرُزقكم من السماء‬
‫والرض{‪ :‬بإنزال الرزاق من السماء وإخراج أنواعها من الرض‬
‫وتيسير أسبابها فيها‪} .‬أم من يمل ِ ُ‬
‫ك السمع والبصار{؛ أي‪ :‬من‬
‫صهما بالذكر من باب التنبيه‬
‫هو الذي خلقهما وهو مالكهما؟ وخ ّ‬
‫ج‬
‫على المفضول بالفاضل‪ ،‬ولكمال شرفهما ونفعهما‪} .‬ومن ُيـ ْ‬
‫خرِ ُ‬
‫ي من المّيت{؛ كإخراج أنواع الشجار والنبات من الحبوب‬
‫الح ّ‬
‫والّنوى‪ ،‬وإخراج المؤمن من الكافر‪ ،‬والطائر من البيضة‪ ...‬ونحو‬
‫ي{‪ :‬عكس هذه المذكورات‪} .‬ومن‬
‫ذلك‪} ،‬ويخرِ ُ‬
‫ج المي ّ َ‬
‫ت من الح ّ‬
‫ي‪ ،‬وهذا شام ٌ‬
‫ل لجميع‬
‫يدّبر المَر{‪ :‬في العالم العلويّ والسفلـ ّ‬
‫ن‬
‫أنواع التدابير اللهّية؛ فإنك إذا سألتهم عن ذلك؛ }فسيقولو َ‬
‫ن الّله ل شريك له في شيء‬
‫ه{‪ :‬لنهم يعترفون بجميع ذلك‪ ،‬وأ ّ‬
‫الل ّ ُ‬
‫جة‪} :‬أفل تّتقون{‪ :‬الّله‬
‫من المذكورات‪} ،‬فقل{ لهم إلزاما ً بالح ّ‬

‫دون من‬
‫فت ُ ْ‬
‫ده ل شريك له‪ ،‬وتخَلعون ما تعب ُ‬
‫خِلصون له العبادة وح َ‬
‫دون ِهِ من النداد والوثان‪.‬‬
‫}‪} {32‬فذل ِ ُ‬
‫كم{‪ :‬الذي وصف نفسه بما وصفها به }الّله‬
‫رّبكم{؛ أي‪ :‬المألوه المعبود المحمود المرّبـي جميع الخلق‬
‫بالّنعم‪ ،‬وهو }الحقّ فماذا بعد الحقّ إل الضل ُ‬
‫ل{‪ :‬فإنه تعالى‬
‫المنفرد بالخلق والتدبير لجميع الشياء‪ ،‬الذي ما بالعباد من نعمة‬
‫إل منه‪ ،‬ول يأتي بالحسنات إل هو‪ ،‬ول يدفع السيئات إل هو‪ ،‬ذو‬
‫السماء الحسنى والصفات الكاملة العظيمة والجلل والكرام‪.‬‬
‫فه إلى عبادة الذي‬
‫ن هذا وص ُ‬
‫صَرفون{‪ :‬عن عبادة َ‬
‫}فأّنى ت ُ ْ‬
‫م ْ‬
‫ليس له من وجوده إل العدم ول يمل ِ ُ‬
‫ك لنفسه نفعا ً ول ضّرا ول‬
‫موتا ً ول حياة ً ول ُنشورًا؛ فليس له من الملك مثقال ذرة‪ ،‬ول‬
‫شركة له بوجهٍ من الوجوه‪ ،‬ول يشفع عند الّله إل بإذنه‪.‬‬
‫دموا‬
‫}‪ {33‬فتّبا لمن أشرك به‪ ،‬وويحا ً لمن كفر به؛ لقد ع َ ِ‬
‫دموا أديانهم‪ ،‬بل فقدوا دنياهم وأخراهم‪ ،‬ولهذا‬
‫عقوَلهم بعد أن ع َ ِ‬
‫سقوا أّنهم‬
‫قال تعالى عنهم‪} :‬كذلك ح ّ‬
‫قت كلم ُ‬
‫ة رّبك على الذين فَ َ‬
‫ّ‬
‫ل يؤمنون{‪ :‬بعد أن )‪ (1‬أراهم الله من اليات البّينات والبراهين‬
‫ى‬
‫النّيرات ما فيه عبرة ٌ لولي اللباب وموعظ ٌ‬
‫ة للمّتقين وهد ً‬
‫للعالمين‪.‬‬
‫ﭿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠﭡ ﭢ ﭣ‬
‫ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ‬
‫ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊﮋ ﮌ ﮍ ﮎ‬
‫ﮏ ﮐ ﮑ ﮒﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﭾ ‪.‬‬
‫}‪ {34‬يقول تعالى مبّينا ً عجز آلهة المشركين وعدم‬
‫ن شركاِئكم‬
‫اّتصافها بما يوجب اّتخاذها آله ً‬
‫ة مع الّله‪} :‬قل هل ِ‬
‫م ْ‬
‫م بمعنى‬
‫من ي َب ْ َ‬
‫ق{؛ أي‪ :‬يبتديه‪} ،‬ثم ُيعيده{‪ :‬وهذا استفها ٌ‬
‫دأ الخل َ‬
‫َ‬
‫ده‪ ،‬وهي‬
‫النفي والتقرير؛ أي‪ :‬ما منهم أحد ٌ يبدأ الخلق ثم يعي ُ‬
‫خْلق ثم ُيعيده{‪ :‬من غير‬
‫أضعف من ذلك وأعجُز‪} ،‬قل الّله يبدأ ال َ‬
‫ن له على ذلك‪} .‬فأّنى تؤَفكون{؛ أي‪ :‬تصرفون‬
‫مشار ٍ‬
‫ك ول معاو ٍ‬
‫نل‬
‫وُتحرفون عن عبادة المنفرد بالبتداء والعادة إلى عبادة َ‬
‫م ْ‬
‫خَلقون‪.‬‬
‫خل ُقُ شيئا ً وهم ُيـ ْ‬
‫َيـ ْ‬
‫}‪} {35‬قل هل من شركائ ِ ُ‬
‫ق{‪ :‬ببيانه‬
‫كم من َيـْهدي إلى الح ّ‬
‫ه{‪ :‬وحده }َيـْهدي{‪ :‬إلى‬
‫وإرشاده أو بإلهامه وتوفيقه‪} ،‬قل الل ّ ُ‬
‫الحقّ بالدّلة والبراهين وباللهام والتوفيق والعانة إلى سلوك‬
‫دي{؛ أي‪ :‬ل يهتدي }إل ّ أن ُيـْهدى{‪:‬‬
‫ن ل ي َهِ ّ‬
‫أقوم طريق‪} .‬أ ّ‬
‫م ْ‬
‫‪1‬‬

‫دما«‪.‬‬
‫‪ -‬في )ب(‪» :‬ب َعْ َ‬

‫لعدم علمه ولضلله‪ ،‬وهي شركاؤهم التي ل تهدي ول تهتدي إل‬
‫أن ُتهدى‪} .‬فما لكم كيف تح ُ‬
‫كمون{؛ أي‪ :‬أيّ شيء جعلكم‬
‫حة عبادة أحد ٍ مع الّله بعد ظهور‬
‫تحكمون هذا الحكم الباطل بص ّ‬
‫ّ‬
‫ده؟! فإذا تبيّـن‬
‫الحجة والبرهان أنه ل يستحقّ العبادة إل الله وح َ‬
‫ف معنوّية ول‬
‫أنه ليس في آلهتهم التي يعُبدون مع الّله أوصا ٌ‬
‫ف فعلّية تقتضي أن ُتعبد مع الّله‪ ،‬بل هي مّتصفة بالنقائص‬
‫أوصا ٌ‬
‫ّ‬
‫ت مع الله آلهة؟!‬
‫الموجبة لبطلن إلهّيتها؛ فليّ شيء ُ‬
‫جِعل ْ‬
‫ح‬
‫ن هذا من تزيين الشيطان للنسان أقب َ‬
‫}‪ {36‬فالجواب‪ :‬إ ّ‬
‫البهتان وأض ّ‬
‫قا وهو ل‬
‫ل الضلل‪ ،‬حتى اعتقد ذلك‪ ،‬وألفه‪ ،‬وظّنه ح ّ‬
‫شيء‪ ،‬ولهذا قال‪} :‬وما يت ّب ِعُ الذين يدعون من دون الّله شركاء{؛‬
‫ك أصل ً‬
‫أي‪ :‬ما يتبعون في الحقيقة شركاء لّله؛ فإنه ليس لّله شري ٌ‬
‫عقل ً ول نق ً‬
‫ق‬
‫ن‪ ،‬و }إ ّ‬
‫ن ل يغني من الح ّ‬
‫ن الظ ّ‬
‫ل‪ ،‬وإّنما يت ِّبعون الظ ّ ّ‬
‫موها آلهة وعبدوها مع الّله؛ }إن هي إل أسماٌء‬
‫شيئًا{‪ :‬فس ّ‬
‫مْيتموها أنتم وآباؤكم ما أنز َ‬
‫ن الّله‬
‫ن{‪} .‬إ ّ‬
‫س ّ‬
‫ل الّله بها من سلطا ٍ‬
‫م بما يفعلون{‪ :‬وسيجازيهم على ذلك بالعقوبة البليغة‪.‬‬
‫علي ٌ‬
‫ﭿﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ‬
‫ﯢ ﯣ‬
‫ﮮﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ‬
‫ﯷ‬
‫ﯷ‬
‫ﯰﯧﯧ ﯱﯧﯧ ﯷﯷ ﯷ ﯷ‬
‫ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪﯧﯧ ﯫﯧﯧ ﯬﯧﯧﯭﯧﯧ ﯮﯧﯧ ﯯﯧﯧ‬
‫ﯷ ﯷ‬
‫ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﯷ ﯷ ﯷﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﰈ ﰉ‬
‫ﯷ ﯷ ﰎﯷ ﯷ ﯷ ﰒ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﭾ ‪.‬‬
‫فَترى من‬
‫}‪ {37‬يقول تعالى‪} :‬وما كان هذا القرآن أن ي ُ ْ‬
‫ور أن ُيفترى هذا القرآن على‬
‫دون الّله{؛ أي‪ :‬غير ممكن ول متص ّ‬
‫ب العظيم‪ ،‬الذي ل يأتيه الباطل من بين‬
‫الّله ]تعالى[؛ لنه الكتا ُ‬
‫يديه ول من خلفه‪ ،‬تنزي ٌ‬
‫د‪ ،‬وهو الكتاب الذي لو‬
‫ل من حكيم ٍ حمي ٍ‬
‫ن على أن يأتوا بمثله ل يأتون بمثله ولو كان‬
‫اجتمعت الن ُ‬
‫س والج ّ‬
‫)‪(1‬‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫ب العالمين؛‬
‫ضهم لبعض ظهيرا‪ ،‬وهو الكتاب الذي تكلم به ر ّ‬
‫بع ُ‬
‫فكيف يقد ُِر أحد ٌ من الخلق أن يتكلم بمثله أو بما يقاربه والكلم‬
‫ه في‬
‫تابع لعظمة المتكلم ووصفه؟!! فإن كان أحد ٌ يماثل الل ّ َ‬
‫ه؛ أمكن أن يأتي بمثل هذا القرآن‪ ،‬ولو‬
‫عظمت ِهِ وأوصاف كمال ِ ِ‬
‫ب العالمين؛‬
‫وله أحد ٌ على ر ّ‬
‫تنّزلنا على الفرض والتقدير‪ ،‬فتق ّ‬
‫لعاجله بالعقوبة وبادره بالّنكال‪.‬‬
‫ة على‬
‫ج ً‬
‫ن الّله أنزل هذا الكتاب رحم ً‬
‫ة للعالمين وح ّ‬
‫ولك ّ‬
‫العباد أجمعين‪ ،‬أنزله }تصديقَ الذي بين يديه{‪ :‬من كتب الّله‬
‫دقها بما شهدت به وب ّ‬
‫شرت بنزوله‪،‬‬
‫السماوية؛ بأن وافَ َ‬
‫قها وص ّ‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬وهو كتاب الله«‪.‬‬

‫فوقع كما أخبرت‪} ،‬وتفصي َ‬
‫ل الكتاب{‪ :‬للحلل والحرام والحكام‬
‫ب‬
‫ب فيه من ر ّ‬
‫الدينّية والقدرّية والخبارات الصادقة‪} .‬ل ري َ‬
‫العالمين{؛ أي‪ :‬ل ش ّ‬
‫ة فيه بوجهٍ من الوجوه‪ ،‬بل هو‬
‫مْري َ َ‬
‫ك ول ِ‬
‫الحقّ اليقين‪ ،‬تنزي ٌ‬
‫ب العالمين‪ ،‬الذي رّبى جميع الخلق‬
‫ل من ر ّ‬
‫بنعمه‪ ،‬ومن أعظم أنواع تربيته أن أنز َ‬
‫ل عليهم هذا الكتاب الذي‬
‫فيه مصالحهم الدينّية والدنيوّية‪ ،‬المشتمل على مكارم الخلق‬
‫ومحاسن العمال‪.‬‬
‫}‪} {38‬أم يقولون{؛ أي‪ :‬المك ّ‬
‫ذبون به عنادا ً وبغيًا‪:‬‬
‫}افتراه{‪ :‬محمد ٌ على الّله واختلقه‪} ،‬قل{‪ :‬لهم ملزما ً لهم‬
‫دعوه‪ ،‬و إل ّ كان قولهم باط ً‬
‫ل‪:‬‬
‫بشيٍء‪ ،‬إن قدروا عليه؛ أمكن ما ا ّ‬
‫ن استطعُتم من دون الّله إن كنُتم‬
‫}فأتوا بسورةٍ مثل ِهِ وا ْ‬
‫دعوا َ‬
‫م ِ‬
‫ن{‪ :‬يعاونكم على التيان بسورةٍ مثله‪ ،‬وهذا محا ٌ‬
‫ل‪ ،‬ولو‬
‫صادقي َ‬
‫ن‬
‫ن لما با َ‬
‫كان ممكنًا؛ ل ّ‬
‫دعوا قدرتهم على ذلك‪ ،‬ولتوا بمثله‪ ،‬ولك ْ‬
‫ل‪ ،‬ل ح ّ‬
‫عجُزهم؛ تبيّـن أن ما قالوه باط ٌ‬
‫ظ له من الحجة‪.‬‬
‫}‪ {39‬والذي حملهم على التكذيب بالقرآن المشتمل على‬
‫الحقّ الذي ل حقّ فوقه أّنهم لم يحيطوا به علمًا؛ فلو أحاطوا به‬
‫ه؛ لذعنوا بالتصديق به‪ ،‬وكذلك إلى الن‬
‫م ِ‬
‫علما ً وفِهموه حقّ فه ِ‬
‫ح ّ‬
‫ه الذي وعدهم أن ي ُن ْزِ َ‬
‫ل بهم‬
‫ب‪ ،‬وي ُ ِ‬
‫ل بهم العذا َ‬
‫لم يأتهم تأويل ُ ُ‬
‫الّنكا َ‬
‫من قَب ِْلهم‪،‬‬
‫ل‪ ،‬وهذا التكذيب الصادُر منهم من جنس تكذيب َ‬
‫ولهذا قال‪} :‬كذلك ك ّ‬
‫ة‬
‫ذب الذين من قبلهم فانظ ُْر كيف كان عاقب ُ‬
‫ق منهم أحدًا؛ فليحذر هؤلء أن‬
‫ن{‪ :‬وهو الهلك الذي لم يب‬
‫الظالمي َ‬
‫ِ‬
‫ل بهم ما أح ّ‬
‫يستمّروا على تكذيبهم‪ ،‬فيح ّ‬
‫ل )‪ (1‬بالمم المكذبين‬
‫والقرون المهلكين‪.‬‬
‫وفي هذا دلي ٌ‬
‫ل على التثّبت في المور‪ ،‬وأنه ل ينبغي‬
‫ده قبل أن يحي َ‬
‫ط به علمًا‪.‬‬
‫للنسان أن يباد َِر ب َ‬
‫قبول شيء أو ر ّ‬
‫ن به{؛ أي‪ :‬بالقرآن وما جاء به‪،‬‬
‫}‪} {40‬ومنهم َ‬
‫من يؤم ُ‬
‫ن به ورّبك أعلم بالمفسدين{‪ :‬وهم الذين ل‬
‫}ومنهم من ل يؤم ُ‬
‫يؤمنون به على وجه ال ّ‬
‫ظلم والعناد والفساد‪ ،‬فسيجازيهم على‬
‫فسادهم بأشد ّ العذاب‪.‬‬
‫ذبو َ‬
‫}‪} {41‬وإن ك َ ّ‬
‫ك{‪ :‬فاستمّر على دعوتك‪ ،‬وليس عليك‬
‫من حسابهم من شيء‪ ،‬وما من حساب ِ َ‬
‫ك عليهم من شيٍء‪ ،‬لك ّ‬
‫ل‬
‫ملكم أنتم بريئون مما أعم ُ‬
‫ل وأنا‬
‫عمله‪} .‬فقل لي عملي ولكم ع ُ‬
‫م َ‬
‫ه‬
‫س ِ‬
‫ل صالحا ً فلنف ِ‬
‫ن عَ ِ‬
‫بريٌ مما تعملون{؛ كما قال تعالى‪َ } :‬‬
‫م ْ‬
‫ومن أساء فَعَل َْيها{‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫ح ّ‬
‫ل«‪.‬‬
‫‪ -‬في )ب(‪َ » :‬‬

‫ﯷ ﯷ ﯷ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔﭕ‬
‫ﭿ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ‬
‫ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ‬
‫ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ‬
‫ﭨ ﭾ‪.‬‬
‫}‪ {42‬يخبر تعالى عن بعض المك ّ‬
‫ذبين للرسول ولما جاء‬
‫ي صلى الله عليه‬
‫به‪} :‬و{ إ ّ‬
‫ن }منهم َ‬
‫من يستمعون{‪ :‬إلى النب ّ‬
‫وسلم وقت قراءته للوحي‪ ،‬ل على وجه السترشاد‪ ،‬بل على وجه‬
‫التفّرج والتكذيب وتطّلب )‪ (1‬العثرات‪ ،‬وهذا استماع ٌ غير نافع ول‬
‫مجد ٍ على أهله خيرًا‪ ،‬ل جرم انسد ّ عليهم باب التوفيق وحرموا‬
‫م ولو كانوا ل‬
‫س ِ‬
‫من فائدة الستماع‪ ،‬ولهذا قال‪} :‬أفأنت ت ُ ْ‬
‫ص ّ‬
‫معُ ال ّ‬
‫يعقلون{‪ :‬وهذا الستفهام )‪ (2‬بمعنى النفي المتقّرر؛ أي‪ :‬ل ُتسمع‬
‫ت به‪ ،‬وخصوصا ً إذا كان‬
‫م الذين ل يستمعون القول ولو جهر َ‬
‫الص ّ‬
‫م الذي ل يعقل‬
‫عقُلهم معدومًا؛ فإذا كان من المحال إسماع الص ّ‬
‫ذبون كذلك ممتنعٌ إسماعك إّياهم إسماعا ً‬
‫للكلم؛ فهؤلء المك ّ‬
‫)‪(3‬‬
‫م عليهم به‬
‫ينتفعون به‪ ،‬وأما سماع الحجة؛ فقد سمعوا ما تقو ُ‬
‫م من طرق العلم قد انسد ّ‬
‫ح ّ‬
‫جة الّله البالغة؛ فهذا طريقٌ عظي ٌ‬
‫عليهم‪ ،‬وهو طريق المسموعات المتعّلقة بالخبر‪.‬‬
‫}‪ {43‬ثم ذكر انسداد الطريق الثاني ‪ ،‬وهو طريق النظر‬
‫سب ََر‬
‫فقال‪} :‬ومنهم من ينظُر إليك{‪ :‬فل يفي ُ‬
‫ده نظُره إليك‪ ،‬ول َ‬
‫أحوالك شيئا ً فكما أّنك ل تهدي العمي ولو كانوا ل يبصرون؛‬
‫فكذلك ل تهدي هؤلء؛ فإذا فسدت عقوُلهم وأسماعهم‬
‫وأبـصـارهـم التي هي الطرق الموصلة إلى العلم ومعرفة‬
‫الحقائق؛ فأين الطريق الموصل لهم إلى الحق؟!‬
‫ود ّ‬
‫ل قوله‪} :‬ومنهم من ينظ ُُر إليك‪ {...‬الية‪ :‬أن النظر إلى‬
‫ي صلى الله عليه وسلم وهديه وأخلقه وأعماله وما‬
‫حالة النب ّ‬
‫حة ما جاء به‪ ،‬وأّنه‬
‫يدعو إليه من أعظم الدّلة على صدقه وص ّ‬
‫يكفي البصير عن غيره من الدلة‪.‬‬
‫م الناس شيئًا{‪ :‬فل يزيد ُ في‬
‫}‪ {44‬وقوله‪} :‬إ ّ‬
‫ن الّله ل يظل ِ ُ‬
‫ن الناس أنفسهم‬
‫سّيئاتهم ول ي َن ْ ُ‬
‫قص من حسناتهم‪} ،‬ولك ّ‬
‫ن{‪ :‬يجيئهم الحقّ قل يقبلونه‪ ،‬فيعاقُِبهم الّله بعد ذلك‬
‫ي َظ ِْلمو َ‬
‫بالطبع على قلوبهم‪ ،‬والختم على أسماعهم وأبصارهم‪.‬‬
‫ﭬ ﭭ ﭮ‬
‫ﭿﭩ ﭪ ﭫ‬
‫ﭽ ﭾ ﭾ‪.‬‬
‫ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫ في )ب(‪» :‬وتتطّلب«‪.‬‬‫ في )ب(‪» :‬وهذا استفهام«‪.‬‬‫‪ -‬في )ب(‪» :‬إسماع«‪.‬‬

‫ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ‬

‫}‪ {45‬يخبر تعالى عن سرعة انقضاء الدنيا‪ ،‬وأن الّله تعالى‬
‫ة‬
‫ب فيه كأّنهم ما لبثوا إل ساع ً‬
‫إذا حشر الناس وجمعهم ليوم ل ري َ‬
‫س‪ ،‬وهم يتعارفون بينهم‬
‫من نهار‪ ،‬وكأّنه ما مّر عليهم نعي ٌ‬
‫م ول بؤ ٌ‬
‫كحالهم في الدنيا؛ ففي هذا اليوم يربح المّتقون‪ ،‬ويخسر }الذين‬
‫ك ّ‬
‫ذبوا بلقاء الّله وما كانوا مهتدين{ إلى الصراط المستقيم‬
‫قوا دخول النار‪.‬‬
‫م‪ ،‬واستح ّ‬
‫والدين القويم حيث فاتهم النعي ُ‬
‫ﭿﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ‬

‫ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﭾ‪.‬‬

‫}‪ {46‬أي‪ :‬ل تحزن أيها الرسول على هؤلء المك ّ‬
‫ذبين‪ ،‬ول‬
‫تستعج ْ‬
‫دهم من العذاب‪:‬‬
‫ل لهم؛ فإنهم ل بد ّ أن يصيبهم الذي ن َعِ ُ‬
‫سك‪ ،‬وإما في الخرة بعد‬
‫إما في الدنيا فتراه بعينك وت َ َ‬
‫قّر به نف ُ‬
‫الوفاء؛ فإ ّ‬
‫جَعهم إلى الّله‪ ،‬وسينّبئهم بما كانوا يعملون أحصاهُ‬
‫ن مر ِ‬
‫ه‪ ،‬والّله على ك ّ‬
‫د؛ ففيه الوعيد الشديد‬
‫ل شيٍء شهي ٌ‬
‫ه[ ونسو ُ‬
‫]الل ّ ُ‬
‫لهم والتسلية للرسول الذي ك ّ‬
‫مه وعاندوه‪.‬‬
‫ذبه قو ُ‬
‫ﭿ ﮏ ﮐ ﮑﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ‬
‫ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮮ ﮯﮰ ﮱ ﯓ‬
‫ﮠ ﮡ ﮢ‬
‫ﯔﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﭾ ‪.‬‬
‫}‪ {47‬يقول تعالى‪} :‬ولك ّ‬
‫ة{‪ :‬من المم الماضية‬
‫ل أم ٍ‬
‫}رسو ٌ‬
‫ل{‪ :‬يدعوهم إلى توحيد الّله ودينه‪ .‬فإذا جاءهم }رسوُلهم{‬
‫ضهم وك ّ‬
‫ذبه آخرون‪ ،‬فيقضي الّله بيَنهم بالقسط‬
‫دقه بع ُ‬
‫باليات؛ ص ّ‬
‫ن{‪ :‬بأن يع ّ‬
‫ذبوا‬
‫بنجاة المؤمنين وإهلك المكذبين‪} .‬وهم ل ي ُظ َْلمو َ‬
‫جة‪ ،‬أو يع ّ‬
‫ذبوا بغير جرمهم‪.‬‬
‫قبل إرسال الرسول وبيان الح ّ‬
‫}‪ 48‬ـ ‪ {49‬فليحذر المك ّ‬
‫ذبون لك من مشابهة المم‬
‫ل بهم ما ح ّ‬
‫المهَلكين فيح ّ‬
‫ل بأولئك ول يستبطئوا العقوبة ويقولوا‪:‬‬
‫م منهم؛ حيث‬
‫ن{‪ :‬فإ ّ‬
‫ن هذا ظل ٌ‬
‫}متى هذا الوعد ُ إن كنُتم صادقي َ‬
‫ي صلى الله عليه وسلم؛ فإنه ليس له من المر‬
‫ط ََلبوه من النب ّ‬
‫شيٌء‪ ،‬وإنما عليه البلغ والبيان للناس‪ ،‬وأما حساُبهم وإنزال‬
‫ل )‪ (1‬عليهم إذا جاء الج ُ‬
‫العذاب عليهم؛ فمن الّله تعالى‪ُ ،‬ينّز ُ‬
‫ل‬
‫دره فيه الموافقُ لحكمته اللهية؛‬
‫جله فيه والوقت الذي ق ّ‬
‫الذي أ ّ‬
‫فإذا جاء ذلك الوقت؛ ل يستأخرون ساعة ول يستقدمون‪ .‬فليحذِر‬
‫الـمك ّ‬
‫ذبون من الستعجال؛ فإنهم مستعجلون بعذاب الّله الذي إذا‬
‫سه عن القوم المجرمين‪ .‬ولهذا قال‪:‬‬
‫نزل ل ي َُرد ّ بأ ُ‬
‫ﯷ‬
‫‪1‬‬

‫ﭿ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪﯧﯧ ﯫﯧﯧ ﯬﯧﯧ ﯭﯧﯧ ﯮﯧﯧ ﯯﯧﯧ ﯰﯧﯧ ﯱﯧﯧ ﯷﯷ ﯷ ﯷ ﯷ‬
‫ﯷ ﯷ ﭾ‪.‬‬
‫ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ‬

‫‪ -‬في )ب(‪ُ» :‬ينّزله«‪.‬‬

‫}‪ {50‬يقول تعالى‪} :‬قل أرأيُتم إن أتا ُ‬
‫كم عذاُبه بياتًا{‪:‬‬
‫وقت نومكم بالليل‪} ،‬أو نهارًا{‪ :‬في وقت غفلتكم‪} ،‬ماذا‬
‫ج ُ‬
‫يَ ْ‬
‫ست َعْ ِ‬
‫ل منه المجرمون{؛ أي‪ :‬أيّ بشارة استعجلوا بها‪ ،‬وأيّ‬
‫عقاب ابتدروه؟‬
‫م إذا ما وقع آمنُتم به{‪ :‬فإنه ل ينفع اليمان حين‬
‫}‪} {51‬أث ُ ّ‬
‫حلول عذاب الّله‪ ،‬ويقال لهم توبيخا ً وعتابا ً في تلك الحال التي‬
‫قة‪،‬‬
‫دة والمش ّ‬
‫زعموا أنهم يؤمنون‪} :‬آلن{‪ :‬تؤمنون في حال الش ّ‬
‫ن سنة الّله في عباده أنه يعتبهم‬
‫ن{‪ :‬فإ ّ‬
‫}وقد كنُتم به تستعجلو َ‬
‫ب؛ ل ينفع نفسا ً‬
‫إذا استعتبوه قبل وقوع العذاب؛ فإذا وقع العذا ُ‬
‫إيماُنها؛ كما قال تعالى عن فرعون لما أدركه الغرق‪} :‬قا َ‬
‫ت‬
‫ل آمن ُ‬
‫ن{‪ ،‬وأّنه‬
‫أّنه ل إله إل ّ الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمي َ‬
‫ت قب ُ‬
‫ل وكنت من المفسدين{‪ ،‬وقال‬
‫ُيقال له‪} :‬آلن وقد عصي َ‬
‫تعالى‪} :‬فلم ي ُ‬
‫ة الّله التي قد‬
‫سن ّ َ‬
‫ك ينفُعهم إيماُنهم لما رأوا بأسنا ُ‬
‫ن{‪:‬‬
‫َ‬
‫ت في عباد ِ ِ‬
‫م إذا ما وقع آمنُتم به آل َ‬
‫ه{‪ ،‬وقال هنا‪} :‬أث ُ ّ‬
‫خل َ ْ‬
‫)‪(1‬‬
‫دعون اليمان ‪} ،‬وقد كنُتم به تستعجلون{‪ :‬فهذا ما عملت‬
‫ت ّ‬
‫أيديكم‪ ،‬وهذا ما استعجلُتم به‪.‬‬
‫}‪} {52‬ثم قيل للذين ظلموا{‪ :‬حين يوفون أعمالهم يوم‬
‫د{؛ أي‪ :‬العذاب الذي تخلدون فيه‪،‬‬
‫ب الـ ُ‬
‫خل ْ ِ‬
‫القيامة‪} :‬ذوقوا عذا َ‬
‫سبون{‪ :‬من‬
‫ول ي َ ْ‬
‫ن إل بما كنُتم تك ِ‬
‫جَزوْ َ‬
‫فت ُُر عنكم ساعة‪} .‬هل ُتـ ْ‬
‫الكفر والتكذيب والمعاصي‪.‬‬
‫ﭿ ﰈ ﰉ ﯷ ﯷﯷ ﯷ ﰎ ﯷ ﯷ ﯷﰒ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ‬
‫ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠﭡ ﭢ ﭣ ﭤﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ‬
‫ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ‬
‫ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﭾ‪.‬‬
‫}‪ {53‬يقول تعالى لنبّيه صلى الله عليه وسلم‪:‬‬
‫}ويستنبئونك أحقّ هو{؛ أي‪ :‬يستخبرك المك ّ‬
‫ذبون على وجه‬
‫)‪(2‬‬
‫التعّنت والعناد ل على وجه التبيّـن والسترشاد ‪} .‬أحقّ هو{؛‬
‫أي‪ :‬أصحيح حشر العباد وبعثهم بعد موتهم ليوم المعاد وجزاء‬
‫العباد بأعمالهم إن خيرا ً فخيٌر وإن شّرا فشّر؟ }قل{‪ :‬لهم‬
‫حته مستدل ّ عليه بالدليل الواضح والبرهان‪} :‬إي‬
‫مقسما ً على ص ّ‬
‫ة فيه ول شبهة تعتريه‪} ،‬وما أنُتم‬
‫مْري َ َ‬
‫ق{‪ :‬ل ِ‬
‫وَرّبـي إّنه لح ّ‬
‫جزين{‪ :‬لّله أن يبعثكم؛ فكما ابتدأ خلقكم ولم تكونوا شيئًا؛‬
‫بمع ِ‬
‫كذلك يعيدكم مّرة أخرى ليجازَِيكم بأعمالكم‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫ن لليمان«‪.‬‬
‫دعو َ‬
‫ في )ب(‪» :‬ت ُ ْ‬‫‪ -‬في )ب(‪» :‬والّرشاد«‪.‬‬

‫ن لك ّ‬
‫ت{‪:‬‬
‫}‪} {54‬و{ إذا كانت القيامة‪ ،‬فلو }أ ّ‬
‫ل نفس ظلم ْ‬
‫ضة‬
‫بالكفر والمعاصي جميع }ما في الرض{‪ :‬من ذهب وف ّ‬
‫فَعها‬
‫ت به{‪ :‬ولما ن َ َ‬
‫وغيرهما؛ لتفتدي به من عذاب الّله‪} ،‬لفتد ْ‬
‫ضّر والثواب والعقاب على العمال الصالحة‬
‫ذلك‪ ،‬وإنما النفع وال ّ‬
‫ة لما رأوا‬
‫والسيئة‪} ،‬وأسّروا{؛ أي‪ :‬الذين ظلموا‪} ،‬الندام َ‬
‫ي بينهم‬
‫دموا ولت حين مناص‪} ،‬وقُ ِ‬
‫ب{‪ :‬ندموا على ما ق ّ‬
‫العذا َ‬
‫ض َ‬
‫م الذي ل ظلم ول جور فيه بوجه من‬
‫س ِ‬
‫بال ِ‬
‫ط{؛ أي‪ :‬العدل التا ّ‬
‫ق ْ‬
‫الوجوه‪.‬‬
‫}‪} {55‬أل إن لّله ما في السمـوات والرض{‪ :‬يحكم فيهم‬
‫ي‪ ،‬ولهذا‬
‫ي وال َ‬
‫ق َ‬
‫ي‪ ،‬وسيحكم فيهم بحكمه الجزائ ّ‬
‫در ّ‬
‫بحكمه الدين ّ‬
‫ن وعد َ الّله حقّ ولكن أكثرهم ل يعلمون{‪ :‬فلذلك ل‬
‫قال‪} :‬أل إ ّ‬
‫دون للقاء الّله‪ ،‬بل رّبما لم يؤمنوا به‪ ،‬وقد تواترت عليه‬
‫يستع ّ‬
‫الدّلة القطعّية والبراهين النقلّية والعقلّية‪.‬‬
‫ت{؛ أي‪ :‬هو المتصّرف بالحياء‬
‫}‪} {56‬هو ُيحيي وُيمي ُ‬
‫)‪(1‬‬
‫والماتة وسائر أنواع التدابير ل شريك له في ذلك‪} .‬وإليه‬
‫ُترجعون{‪ :‬يوم القيامة‪ ،‬فيجازيكم بأعمالكم خيرها وشّرها‪.‬‬
‫ﭿﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ‬
‫ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﭾ‪.‬‬
‫}‪ {57‬يقول تعالى مر ّ ً‬
‫ق في القبال على هذا‬
‫غبا للخل ِ‬
‫الكتاب الكريم بذ ْ‬
‫كر أوصافه الحسنة الضرورّية للعباد فقال‪} :‬يا‬
‫ة من رّبكم{؛ أي‪ :‬تعظكم وتنذركم‬
‫أّيها الناس قد جاءتكم موعظ ٌ‬
‫عن العمال الموجبة لسخط الّله‪ ،‬المقتضية لعقابه‪ ،‬وتح ّ‬
‫ذركم‬
‫عنها ببيان آثارها ومفاسدها‪} ،‬وشفاٌء لما في الصدور{‪ :‬وهو هذا‬
‫صادة عن‬
‫القرآن‪ ،‬شفاٌء لما في الصدور من أمراض الشهوات ال ّ‬
‫النقياد للشرع‪ ،‬وأمراض ال ّ‬
‫ي؛‬
‫شبهات القادحة في العلم اليقين ّ‬
‫ن ما فيه من المواعظ والترغيب والترهيب والوعد والوعيد مما‬
‫فإ ّ‬
‫ت فيه الرغبة في الخير‬
‫جد َ ْ‬
‫يوجب للعبد الرغبة والرهبة‪ ،‬وإذا وُ ِ‬
‫والّرهبة عن الشّر ونمتا على تكّرر ما يرد إليها من معاني القرآن؛‬
‫أوجب ذلك تقديم مراد الّله على مراد النفس‪ ،‬وصار ما يرضي‬
‫ب إلى العبد من شهوة نفسه‪ ،‬وكذلك ما فيه من البراهين‬
‫ه أح ّ‬
‫الل ّ َ‬
‫والدّلة التي صّرفها الّله غاية التصريف وبّينها أحسن بيان مما‬
‫يزيل ال ّ‬
‫شبه القادحة في الحقّ ويصل به القلب إلى أعلى درجات‬
‫ح القلب من مرضه‪ ،‬وَرفَ َ‬
‫ل بأثواب العافية؛ تبعْته‬
‫اليقين‪ ،‬وإذا ص ّ‬
‫سد بفساده‪.‬‬
‫الجوار ُ‬
‫ح كّلها؛ فإنها تصُلح بصلحه وتف ُ‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬التدبير«‪.‬‬

‫ة للمؤمنين{‪ :‬فالهدى هو العلم بالحقّ والعمل‬
‫}وهدىً ورحم ٌ‬
‫ة هي ما يحصل من الخير والحسان والثواب العاجل‬
‫به‪ ،‬والرحم ُ‬
‫ة أكم ُ‬
‫والجل لمن اهتدى به؛ فالهدى أج ّ‬
‫ل‬
‫ل الوسائل‪ ،‬والرحم ُ‬
‫ق‬
‫ن ل يهتدي به ول يكون رحم ً‬
‫ة إل ّ في ح ّ‬
‫المقاصد والرغائب‪ ،‬ولك ْ‬
‫المؤمنين‪ ،‬وإذا حصل الهدى وحّلت الرحمة الناشئة عنه؛ حصلت‬
‫السعادةُ والفلح والربح والنجاح والفرح والسرور‪.‬‬
‫}‪ {58‬ولذلك أمر تعالى بالفرح بذلك‪ ،‬فقال‪} :‬ق ْ‬
‫ل بفضل‬
‫ضل‬
‫ن‪ ،‬الذي هو أعظم نعمة و ِ‬
‫مّنة وفضل تف ّ‬
‫الّله{‪ :‬الذي هو القرآ ُ‬
‫ه‪ :‬الدين واليمان وعبادة الّله ومحّبته‬
‫الّله به على عباده‪ ،‬ورحمت ِ ِ‬
‫فَرحوا هو خيٌر مما يجمعون{‪ :‬من متاع‬
‫ومعرفته‪} .‬فبذلك فَل ْي َ ْ‬
‫دنيا ول ّ‬
‫ذاتها؛ فنعمة الدين المّتصلة بسعادة الدارين ل نسبة بينها‬
‫ال ّ‬
‫دنيا مما هو مضمح ّ‬
‫ل زائل عن قريب‪ .‬وإّنما‬
‫وبين جميع ما في ال ّ‬
‫ن ذلك مما يوجب‬
‫أمر الّله تعالى بالفرح بفضله ورحمته؛ ل ّ‬
‫دة الرغبة‬
‫وتها وش ّ‬
‫انبساط النفس ونشاطها وشكرها لّله تعالى وق ّ‬
‫د؛‬
‫ح محمو ٌ‬
‫في العلم واليمان الداعي للزدياد منهما‪ ،‬وهذا فر ٌ‬
‫دنيا ول ّ‬
‫ن هذا‬
‫ذاتها أو الفرح بالباطل؛ فإ ّ‬
‫بخلف الفرح بشهوات ال ّ‬
‫ّ‬
‫ن الله ل‬
‫م؛ كما قال تعالى عن قوم قارون له‪} :‬ل ت َ ْ‬
‫حإ ّ‬
‫فَر ْ‬
‫مذمو ٌ‬
‫ب الفرحين{‪ ،‬وكما قال تعالى في الذين فرحوا بما عندهم من‬
‫يح ّ‬
‫الباطل المناقض لما جاءت به الرسل‪} :‬فّلما جاءْتهم رسُلهم‬
‫دهم من العلم{‪.‬‬
‫بالبّينا ِ‬
‫ت فرحوا بما عن َ‬
‫ﭿ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫﮬ ﮭ ﮮﮮ ﮯ ﮰ‬
‫ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﭾ ‪.‬‬
‫}‪ {59‬يقول تعالى منكرا ً على المشركين الذين ابتدعوا‬
‫ل ما حّرمه )‪} : (1‬ق ْ‬
‫ل الّله وتحلي َ‬
‫تحريم ما أح ّ‬
‫ل أرأيُتم ما أنزل الّله‬
‫ق{؛ يعني‪ :‬أنواع الحيوانات المحّللة التي جعلها الّله‬
‫لكم من رز ٍ‬
‫ً‬
‫قهم‪ ،‬قل لهم موّبخا على هذا القول‬
‫رزقا ً لهم ورحمة في ح ّ‬
‫ن‬
‫ن{‪ :‬ومن المعلوم أ ّ‬
‫ن لكم أم على الّله تفترو َ‬
‫ه أذ ِ َ‬
‫الفاسد‪} :‬آلل ّ ُ‬
‫م أنهم مفترون‪.‬‬
‫الّله لم يأذ ْ‬
‫ن لهم؛ فعُل ِ َ‬
‫ب يوم‬
‫ن الذين يفترون على الّله الكذ َ‬
‫}‪} {60‬وما ظ ّ‬
‫ح ّ‬
‫ل بهم من العقاب؛‬
‫القيامة{‪ :‬أن يفعل الّله بهم من الّنكال وي ُ ِ‬
‫م القيامة ترى الذين كذبوا على الّله وجوهُُهم‬
‫قال تعالى‪} :‬ويو َ‬
‫ة{‪.‬‬
‫مسود ّ ٌ‬
‫ن الّله لذو فضل على الناس{‪ :‬كثير وذو إحسان جزيل‪.‬‬
‫}إ ّ‬
‫ن أكثر الناس ل يشكرون‪ ،‬إما أن ل يقوموا بشكرها‪ ،‬وإما أن‬
‫ولك ّ‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬ما حّرم«‪.‬‬

‫ن‬
‫يستعينوا بها على معاصيه‪ ،‬وإما أن يحّرموا منها‪ ،‬وير ّ‬
‫دوا ما م ّ‬
‫الّله به على عباده‪ ،‬وقلي ٌ‬
‫ل منهم الشاكر الذي يعترف بالنعمة‪،‬‬
‫ويثني بها على الّله‪ ،‬ويستعين بها على طاعته‪.‬‬
‫ن الصل في جميع الطعمة الح ّ‬
‫ل؛‬
‫ويستدل بهذه الية على أ ّ‬
‫إل ّ ما وََرد َ الشرع بتحريمه؛ لن الّله أنكر على من حّرم الرزق‬
‫الذي أنزله لعباده‪.‬‬

‫ﭿ ﯨ ﯩ ﯪﯧﯧ ﯫﯧﯧ ﯬﯧﯧ ﯭﯧﯧ ﯮﯧﯧ ﯯﯧﯧ ﯰﯧﯧ ﯱﯧﯧ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ‬
‫ﯷ ﯷﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﰈ ﰉ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﰎ‬
‫ﰒ ﯷ ﭾ‪.‬‬
‫ﯷ ﯷ ﯷ‬
‫}‪ {61‬يخبر تعالى عن عموم مشاهدته وا ّ‬
‫طلعه على جميع‬
‫س َ‬
‫كناتهم‪ ،‬وفي ضمن هذا الدعوة‬
‫أحوال العباد في حركاتهم و َ‬
‫ن{؛ أي‪ :‬حال‬
‫لمراقبته على الدوام‪ ،‬فقال‪} :‬وما تكو ُ‬
‫ن في شأ ٍ‬
‫ن{؛ أي‪ :‬وما‬
‫من أحوالك الدينّية والدنيوّية‪} ،‬وما تتلو منه من قرآ ٍ‬
‫تتلو من القرآن الذي أوحاه الّله إليك‪} ،‬ول تعملون من عمل{‪:‬‬
‫ر‪} ،‬إل ّ كّنا عليكم شهودا ً إذ ُتفيضون فيه{؛ أي‪ :‬وقت‬
‫صغيرٍ أو كبي ٍ‬
‫شروعكم فيه واستمراركم على العمل به‪ ،‬فراقبوا الّله في‬
‫دوها على وجه النصيحة والجتهاد فيها‪ ،‬وإّياكم وما‬
‫أعمالكم‪ ،‬وأ ّ‬
‫َيكره الّله تعالى؛ فإنه م ّ‬
‫م بظواهركم وبواطنكم‪.‬‬
‫طلع عليكم عال ٌ‬
‫ب عن علمه وسمعه وبصره‬
‫ب عن رّبك{؛ أي‪ :‬ما ُيغا ُ‬
‫}وما يعُز ُ‬
‫ومشاهدته }من مثقال ذّرةٍ في الرض ول في السماء ول أصغَر‬
‫مه‬
‫مبين{؛ أي‪ :‬قد أحاط به عل ُ‬
‫ب ُ‬
‫من ذلك ول أكبَر إل في كتا ٍ‬
‫مه‪ .‬وهاتان المرتبتان من مراتب القضاء والقدر كثيرا ً‬
‫وجرى به قل ُ‬
‫ن الّله بينهما‪ ،‬وهما العلم المحيط بجميع الشياء وكتابته‬
‫ما ُيقرِ ُ‬
‫م‬
‫مأ ّ‬
‫ن الّله يعل ُ‬
‫المحيطة بجميع الحوادث؛ كقوله تعالى‪} :‬ألم ت َعْل َ ْ‬
‫ن ذلك على الّله‬
‫بإ ّ‬
‫ما في السماء والرض إ ّ‬
‫ن ذلك في كتا ٍ‬
‫يسيٌر{‪.‬‬
‫ﭿﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ‬
‫ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭾ ‪.‬‬
‫}‪ {62‬يخبر تعالى عن أوليائه وأحبائه ويذكر أعمالهم‬
‫ف عليهم{‪:‬‬
‫ن أولياء الّله ل خو ٌ‬
‫وأوصافهم وثوابهم‪ ،‬فقال‪} :‬أل إ ّ‬
‫فيما يستقبلونه مما أمامهم من المخاوف والهوال‪} ،‬ول هم‬
‫ن{‪ :‬على ما أسلفوا؛ لنهم لم يسِلفوا إل ّ صالح العمال‪،‬‬
‫يحزنو َ‬
‫ن‬
‫وإذا كانوا ل خو ٌ‬
‫ف عليهم ول هم يحزنون؛ ثبت لهم الم ُ‬
‫والسعادة ُ والخير الكثير الذي ل يعلمه إل الّله تعالى‪.‬‬

‫فهم‪ ،‬فقال‪} :‬الذين آمنوا{‪ :‬بالّله‬
‫}‪ {63‬ثم ذكر وص َ‬
‫دقوا‬
‫وملئكته وكتبه ورسله واليوم الخر وبالقدر خيره وشّره‪ ،‬وص ّ‬
‫إيمانهم باستعمال التقوى بامتثال الوامر واجتناب النواهي؛ فك ّ‬
‫ل‬
‫من كان مؤمنا ً تقّيا؛ كان لّله تعالى ولّيا‪.‬‬
‫}‪ {64‬و }لهم الُبشرى في الحياة الدنيا وفي الخرة{‪ :‬أما‬
‫دة في قلوب‬
‫دنيا؛ فهي الثناء الحسن والمو ّ‬
‫البشارة في ال ّ‬
‫المؤمنين والرؤيا الصالحة وما يراه العبد من لطف الّله به‬
‫وتيسيره لحسن العمال والخلق وصرفه عن مساوىء الخلق‪،‬‬
‫وأما في الخرة؛ فأولها البشارة عند قبض أرواحهم؛ كما قال‬
‫ن الذين قالوا رّبنا الّله ثم استقاموا تتنّز ُ‬
‫ل عليهم‬
‫تعالى‪} :‬إ ّ‬
‫الملئكة أل تخافوا ول تحزنوا وأبشروا بالجّنة التي كنُتم‬
‫عدون{‪ :‬وفي القبر ما ي ُب َ ّ‬
‫شر به من رضا الّله تعالى والنعيم‬
‫تو َ‬
‫المقيم‪ ،‬وفي الخرة تمام البشرى بدخول جنات النعيم والنجاة‬
‫من العذاب الليم‪} .‬ل تبدي َ‬
‫ت الّله{‪ :‬بل ما وعد الّله؛ فهو‬
‫ل لكلما ِ‬
‫حقّ ل يمكن تغييره ول تبديله؛ لّنه الصادق في قيله‪ ،‬الذي ل‬
‫م{‪:‬‬
‫يقدر أحد ٌ أن يخالفه فيما قدره وقضاه‪} .‬ذلك هو الفوُز العظي ُ‬
‫ل محذور‪ ،‬وال ّ‬
‫لنه اشتمل على النجاة من ك ّ‬
‫ظفر بكل مطلوب‬
‫صَر الفوز فيه؛ لنه ل فوز لغير أهل اليمان والتقوى‪.‬‬
‫محبوب‪ ،‬و َ‬
‫ح َ‬
‫ة لكل خير وثواب رّتبه الّله في‬
‫ن الُبشرى شامل ٌ‬
‫والحاصل أ ّ‬
‫الدنيا والخرة على اليمان والتقوى‪ ،‬ولهذا أطلق ذلك فلم يقّيده‪.‬‬
‫ﭿ ﭳ ﭴ ﭵﭶ ﭷ‬

‫ﭸ ﭹ ﭺﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﭾ ‪.‬‬

‫}‪ {65‬أي‪ :‬ول يحُزْنك قول المك ّ‬
‫ذبين فيك من القوال التي‬
‫صلون بها إلى القدح فيك وفي دينك؛ فإن أقوالهم ل ت ُعِّزهم‬
‫يتو ّ‬
‫ن العّزة لّله جميعًا{؛ يؤتيها من يشاء ويمنعها‬
‫ول تضّرك شيئًا‪} .‬إ ّ‬
‫ممن يشاء‪ ،‬قال تعالى‪} :‬من كان يريد العزة فلله العزة جميعًا{‬
‫م ال ّ‬
‫ب‬
‫طي ُ‬
‫أي‪ :‬فليطلبها بطاعته؛ بدليل قوله بعده‪} :‬إليه يصعد ُ الك َل ِ ُ‬
‫ن‬
‫والعمل الصالح يرفُعه{‪ :‬ومن المعلوم أنك على طاعة الّله‪ ،‬وأ ّ‬
‫العّزة لك ولتباعك من الّله‪} .‬ولّله العّزة ُ ولرسوله وللمؤمنين{‪.‬‬
‫وقوله‪} :‬هو السميع العليم{؛ أي سمعه قد أحاط بجميع‬
‫الصوات؛ فل يخفى عليه شيء منها؛ وعلمه قد أحاط بجميع‬
‫ب عنه مثقا ُ‬
‫ل ذرة في السماوات‬
‫الظواهر والبواطن؛ فل ي َعُْز ُ‬
‫والرض ول أصغر من ذلك ول أكبر‪ ،‬وهو تعالى يسمعُ قولك‬
‫وقول أعدائك فيك‪ ،‬ويعلم ذلك تفصي ً‬
‫ف بعلم الّله وكفايته؛‬
‫ل؛ فاكت ِ‬
‫فمن يّتق الّله فهو حسبه‪.‬‬

‫ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ‬
‫ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤﮥ ﮦ ﮧ ﮨ‬
‫ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﭾ‪.‬‬
‫}‪ {66‬يخبر تعالى أن له ما في السماوات والرض خلقا ً‬
‫دا[‪ ،‬يتصّرف فيهم بما يشاء )‪ (1‬من أحكامه؛ فالجميع‬
‫وملكا ً ]وعبي ً‬
‫قون شيئا ً من العبادة‬
‫خرون مدّبرون ل يستح ّ‬
‫مماليك لّله مس ّ‬
‫وليسوا شركاء لّله بوجه من الوجوه‪ ،‬ولهذا قال‪} :‬وما يّتبع الذين‬
‫ن{‪ :‬الذي ل يغني‬
‫يدعون من دون الّله شركاء إن يت ِّبعون إل ّ الظ ّ ّ‬
‫)‪(2‬‬
‫ص وإفك‬
‫من الحقّ شيئًا‪} ،‬وإ ْ‬
‫صون{‪ :‬في ذلك خر ٌ‬
‫ن هم إل ّ يخر ُ‬
‫وبهتان؛ فإن كانوا صادقين في أنها شركاء لّله؛ فلي ُظ ِْهروا من‬
‫أوصافها ما تستحقّ به مثقال ذّرة من العبادة؛ فلن يستطيعوا؛‬
‫فهل منهم أحد ٌ يخلق شيئا ً أو يرزق أو يملك شيئا ً من المخلوقات‬
‫أو يدّبر الليل والنهار الذي جعله الّله قياما ً للناس؟!‬
‫}‪ {67‬و}هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه{‪ :‬في النوم‬
‫والراحة بسبب الظلمة التي تغشى وجه الرض؛ فلو استمّر‬
‫ً‬
‫الضياُء؛ لما قروا ولما سكنوا‪} .‬و{ جعل الّله }النهار مبصرا{؛‬
‫أي‪ :‬مضيئا ً يبصر به الخلقُ فيتصّرفون في معايشهم ومصالح‬
‫ن في ذلك ليات لقوم يسمعون{‪ :‬عن الّله‬
‫دينهم ودنياهم‪} .‬إ ّ‬
‫ن في ذلك‬
‫سمعَ فَْهم وَقبول واسترشاد‪ ،‬ل سمع تعّنت وعناد؛ فإ ّ‬
‫ليات لقوم يسمعون يستدّلون بها على أنه وحده المعبود‪ ،‬وأّنه‬
‫الله الحق‪ ،‬وأن إلهية ما سواه باطلة‪ ،‬وأنه الرءوف الرحيم‬
‫العليم الحكيم‪.‬‬
‫ﭿ ﮭ ﮮﮮ ﮯ ﮰﮱ ﯓﯔ ﯕ ﯖﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ‬
‫ﯤﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪﯧﯧ ﯫﯧﯧ ﯬﯧﯧ ﯭﯧﯧ ﯮﯧﯧ ﯯﯧﯧ ﯰﯧﯧ ﯱﯧﯧ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ‬
‫ﯷ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﭾ‪.‬‬
‫ب‬
‫}‪ {68‬يقول تعالى مخبرا ً عن بهت المشركين لر ّ‬
‫العالمين‪} :‬قالوا اّتخذ الله ولدًا{‪ :‬فنّزه نفسه عن ذلك بقوله‪:‬‬
‫}سبحانه{؛ أي‪ :‬تنزه عما يقول الظالمون في نسبة النقائص إليه‬
‫وا كبيرًا‪ .‬ثم برهن عن ذلك بعدة براهين‪:‬‬
‫عل ّ‬
‫ي{؛ أي‪ :‬الغَِنى منحصٌر فيه‪ ،‬وأنواع‬
‫أحدها قوله‪} :‬هو الغن ّ‬
‫م بكل وجه‬
‫الغنى مستغرقة فيه؛ فهو الغني الذي له الغنى التا ّ‬
‫واعتبار من جميع الوجوه؛ فإذا كان غنّيا من كل وجه؛ فليّ شيء‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫ في )ب(‪» :‬بما شاء«‪.‬‬‫‪ -‬في )ب(‪» :‬في ذلك خرص كذب«‪.‬‬

‫خذ‬
‫ف لغناه؛ فل يت ّ ِ‬
‫يّتخذ الولد؟! ألحاجة منه إلى الولد؟ فهذا منا ٍ‬
‫دا ولدا ً إل لنقص في غناه؟!‬
‫أح ً‬
‫البرهان الثاني قوله‪} :‬له ما في السمـوات وما في‬
‫ة‪ ،‬ل يخرج عنها موجود ٌ من أهل‬
‫الرض{‪ :‬وهذه كلمة جامعة عام ٌ‬
‫السماوات والرض‪ ،‬الجميع مخلوقون عبيد ٌ مماليك‪ ،‬ومن المعلوم‬
‫ن الولد‬
‫أن هذا الوص َ‬
‫د؛ فإ ّ‬
‫م ينافي أن يكون له ]منهم[ ول ٌ‬
‫ف العا ّ‬
‫من جنس والده‪ ،‬ل يكون مخلوقا ً ول مملوكًا؛ فملكّيته لما في‬
‫السماوات والرض عموما ً تنافي الولدة‪.‬‬
‫ن بهذا{؛ أي‪:‬‬
‫البرهان الثالث قوله‪} :‬إن عندكم من ُ‬
‫سلطا ٍ‬
‫ً‬
‫جةٍ وبرهان يد ّ‬
‫ن لّله ولدا؟! فلو كان لهم‬
‫ل على أ ّ‬
‫هل عندكم من ح ّ‬
‫دلي ٌ‬
‫علم‬
‫جزهم عن إقامة الدليل؛ ُ‬
‫داهم وع ّ‬
‫ل؛ لبد َْوه‪ ،‬فلما تح ّ‬
‫ن ذلك قو ٌ‬
‫ل بل علم‪ ،‬ولهذا قال‪} :‬أتقولون‬
‫بطلن ما قالوه‪ ،‬وأ ّ‬
‫ن هذا من أعظم المحّرمات‪.‬‬
‫على الّله ما ل تعلمون{‪ :‬فإ ّ‬
‫بل‬
‫ن الذين يفترون على الّله الكذ َ‬
‫}‪ 69‬ـ ‪} {70‬قل إ ّ‬
‫صل لهم مقصودهم‪،‬‬
‫يفلحون{؛ أي‪ :‬ل ينالون مطلوبهم ول يح ُ‬
‫دنيا قلي ً‬
‫ل‪ ،‬ثم ينتقلون إلى‬
‫وإنما يتمّتعون في كفرهم وكذبهم في ال ّ‬
‫الّله ويرجعون إليه‪ ،‬فيذيقهم }العذاب الشديد بما كانوا يكفرون{‪،‬‬
‫وما ظلمهم الّله‪ ،‬ولكن أنفسهم يظلمون‪.‬‬
‫ﭝ ﭞ‬
‫ﭜ‬
‫ﭿﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ‬
‫ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ‬
‫ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ‬
‫ﮗ‬
‫ﮖ‬
‫ﮒﮓ ﮔ ﮕ‬
‫ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ‬
‫ﮘ ﮙ ﭾ‪.‬‬
‫}‪ {71‬يقول تعالى لنبيه‪ :‬وات ُ‬
‫ل على قومك }نبأ نوح{‪ :‬في‬
‫ة فمكث فيهم ألف‬
‫دعوته لقومه حين دعاهم إلى الّله مدة ً طويل ً‬
‫سنة إل خمسين عامًا‪ ،‬فلم يزدهم دعاؤه إياهم إل طغيانًا‪ ،‬فتمّللوا‬
‫ن‬
‫منه وسئموا‪ ،‬وهو عليه الصلة والسلم غير متكاسل ول متوا ٍ‬
‫مقامي‬
‫في دعوتهم‪ ،‬فقال لهم‪} :‬يا قوم إن كا َ‬
‫ن ك َب َُر عليكم َ‬
‫وتذكيري بآيات الّله{؛ أي‪ :‬إن كان مقامي عندكم وتذكيري إّياكم‬
‫ما ينفعهم )‪ (1‬بآيات الّله الدّلة الواضحة البّينة‪ ،‬قد شقّ عليكم‪،‬‬
‫وع َ ُ‬
‫ق‪} .‬فعلى‬
‫ظم لديكم‪ ،‬وأردتم أن تنالوني بسوء أو تر ّ‬
‫دوا الح ّ‬
‫ت على الّله في دفع ك ّ‬
‫ل شّر ُيراد بي‬
‫ت{؛ أي‪ :‬اعتمد ُ‬
‫الّله توك ّل ْ ُ‬
‫وبما أدعو إليه؛ فهذا جندي وعدتي‪ .‬وأنتم؛ فأتوا بما قدرتم عليه‬
‫معوا أمركم{‪ :‬كلكم بحيث ل‬
‫دد‪} ،‬فأج ِ‬
‫دد والعَ َ‬
‫من أنواع العُ َ‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬كذا في النسختين‪ .‬ولعل الصواب‪» :‬ما ينفعكم«‪.‬‬

‫دخروا )‪ (2‬من مجهودكم شيئًا‪} ،‬و{‬
‫يـتـخـّلف منكم أحد ٌ ول ت ّ‬
‫أحضروا }شركاءكم{‪ :‬الذين كنتم تعبدونهم وتوالونهم من دون‬
‫ة{؛ أي‪ :‬مشتبها ً‬
‫م ً‬
‫الّله ر ّ‬
‫ن أمُركم عليكم غ ُ ّ‬
‫ب العالمين‪} ،‬ثم ل يك ُ ْ‬
‫ي{؛ أي‪ :‬اقـضـوا‬
‫ن ذلك ظاهرا ً علني ً‬
‫ة‪} .‬ثم اقضوا إلـ ّ‬
‫خفّيا‪ ،‬بل ليك ْ‬
‫ي بالعقوبة والسوء الذي في إمكانكم‪} ،‬ول تنظرون{؛ أي‪ :‬ل‬
‫علـ ّ‬
‫ة من نهار‪.‬‬
‫تمهلوني ساع ً‬
‫ة على صحة رسالته وصدق ما‬
‫ة عظيم ٌ‬
‫ن قاطعٌ وآي ٌ‬
‫فهذا برها ٌ‬
‫جاء به؛ حيث كان وحده ل عشيرة تحميه ول جنود تؤويه‪ ،‬وقد‬
‫دى قومه بتسفيه آرائهم وفساد دينهم وع َْيب آلهتهم‪ ،‬وقد حملوا‬
‫َبا َ‬
‫من بغضه وعداوته ما هو أعظم من الجبال الرواسي‪ ،‬وهم أهل‬
‫القدرة والسطوة‪ ،‬وهو يقو ُ‬
‫ل لهم‪ :‬اجتمعوا أنتم وشركاؤكم ومن‬
‫استطعتم‪ ،‬وأبدوا ك ّ‬
‫ل ما تقدرون عليه من الكيد‪ ،‬فأوقعوا بي إن‬
‫م أنه‬
‫قدرُتم على ذلك‪ ،‬فلم يقدروا على شيٍء من ذلك‪ ،‬فعُل ِ َ‬
‫قا‪ ،‬وهم الكاذبون فيما يدعون‪.‬‬
‫الصادق ح ّ‬
‫}‪ {72‬ولهذا قال‪} :‬فإن تول ّْيتم{‪ :‬عن ما دعوتكم إليه؛ فل‬
‫ق‪،‬‬
‫موجب لتوّليكم؛ لنه تبيّـن أنكم ل تولون عن باطل إلى ح ّ‬
‫وإنما توّلون عن حقّ قامت الدّلة على صحته إلى باطل قامت‬
‫ر{‪ :‬على‬
‫الدّلة على فساده‪ ،‬ومع هذا؛ }فما سألتكم من أج ٍ‬
‫دعوتي وعلى إجابتكم‪ ،‬فتقولوا‪ :‬هذا جاءنا ليأخذ أموالنا فتمتنعون‬
‫لجل ذلك‪} .‬إن أجري إل ّ على الّله{؛ أي‪ :‬ل أريد ُ الثواب والجزاء‬
‫ده‪ .‬بل‬
‫إل منه‪} ،‬و{ أيضًا؛ فإني ما أمرتكم بأمر وأخالفكم إلى ض ّ‬
‫ل داخل وأو ُ‬
‫ت أن أكون من المسلمين{‪ :‬فأنا أو ُ‬
‫ل فاعل لما‬
‫}أ ِ‬
‫مْر ُ‬
‫أمرتكم به‪.‬‬
‫ذبوه{‪ :‬بعدما دعاهم ليل ً ونهارا ً وسّرا وجهارا ً‬
‫}‪} {73‬فك ّ‬
‫جْيناه ومن معه في الفلك{‪:‬‬
‫دهم دعاؤه إل فرارًا‪} .‬فن ّ‬
‫فلم يزِ ْ‬
‫الذي أمرناه أن يصنعه بأعيننا‪ ،‬وقلنا له‪ :‬إذا فار التّنور؛ فاحمل‬
‫فيها من ك ّ‬
‫ن‬
‫من َ‬
‫سب َقَ عليه القول‪ ،‬و َ‬
‫ل زوجين اثنين‪ ،‬وأهَلك؛ إل ّ َ‬
‫م ْ‬
‫جر الرض‬
‫ر‪ ،‬وف ّ‬
‫آمن‪ ،‬ففعل ذلك‪ ،‬فأمر الّله السماء بماٍء منهم ٍ‬
‫ت ألواح‬
‫عيونا ً فالتقى الماء على أمرٍ قد قُد َِر‪ ،‬وحملناه ُ على ذا ِ‬
‫سر‪ ،‬تجري بأعيننا‪} .‬وجعلناهم خلئف{‪ :‬في الرض بعد إهلك‬
‫ود ُ ُ‬
‫المك ّ‬
‫ذبين‪ ،‬ثم بارك الّله في ذّرّيته وجعل ذريته هم الباقين‪،‬‬
‫ونشرهم في أقطار الرض‪} ،‬وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا{‪ :‬بعد‬
‫ة المن َ‬
‫ذرين{‪:‬‬
‫ذلك البيان وإقامة البرهان‪} .‬فانظْر كيف كان عاقب ُ‬
‫وهو الهلك المخزي واللعنة المتتابعة عليهم في ك ّ‬
‫ن يأتي‬
‫ل قر ٍ‬
‫ما؛ فليحذر‬
‫بعدهم‪ ،‬ل تسمع فيهم إل لومًا‪ ،‬ول ترى إل قدحا ً وذ ّ‬
‫‪2‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬ول تذخرون«‪.‬‬

‫ل بهم ما ح ّ‬
‫ذبون أن يـح ّ‬
‫ل بأولئك القوام المك ّ‬
‫هؤلء المك ّ‬
‫ذبين من‬
‫الهلك والخزي والّنكال‪.‬‬
‫ﭿﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ‬
‫ﮪﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﭾ ‪.‬‬

‫ﮠ ﮡ ﮢ‬

‫ﮣ ﮤ‬

‫ﮥ‬

‫ﮦ ﮧ‬

‫ﮨ ﮩ‬

‫}‪ {74‬أي‪ :‬ثم بعثنا من بعد نوح عليه السلم‪} ،‬رسل ً إلى‬
‫ذبين يدعونهم إلى الهدى ويح ّ‬
‫مهم{‪ :‬المك ّ‬
‫ذرونهم من أسباب‬
‫قو ِ‬
‫الّردى‪} ،‬فجاؤوهم بالبّينات{؛ أي‪ :‬كل نبي أيد ّ دعوته باليات‬
‫الداّلة على صحة ما جاء به‪} .‬فما كانوا ليؤمنوا بما ك ّ‬
‫ذبوا به من‬
‫قب ُ‬
‫ل{؛ يعني‪ :‬أن الّله تعالى عاقبهم حيث جاءهم الرسول فبادروا‬
‫بتكذيبه‪ ،‬طبع الّله على قلوبهم‪ ،‬وحال بينهم وبين اليمان بعد أن‬
‫كانوا متم ّ‬
‫ب أفئ ِد ََتهم وأبصارهم‬
‫كنين منه؛ كما قال تعالى‪} :‬ونقل ّ ُ‬
‫كما لم يؤمنوا به أو َ‬
‫ة{‪ .‬ولهذا قال هنا‪} :‬كذلك نطبعُ على‬
‫ل مّر ٍ‬
‫قلوب المعتدين{؛ أي‪ :‬نختم عليها فل يدخلها خيٌر‪ ،‬وما ظلمهم‬
‫دهم الحقّ لما جاءهم وتكذيبهم‬
‫الّله‪ ،‬ولكّنهم ظلموا أنفسهم بر ّ‬
‫الول‪.‬‬

‫ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ‬
‫ﭿﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ‬
‫ﯨ ﯩ ﯪﯧﯧ ﯫﯧﯧ ﯬﯧﯧ ﯭﯧﯧ ﯮﯧﯧ ﯯﯧﯧ ﯰﯧﯧ ﯱﯧﯧ ﯷﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯼ‬
‫ﯽ ﯾ ﯿ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﰈ ﰉ ﯷ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ‬
‫ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ‬
‫ﭪﭫ ﭬ ﭭ ﭮﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ‬
‫ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ‬
‫ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ‬
‫ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ‬
‫ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ‬
‫ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ‬
‫ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪﯧﯧ ﯫﯧﯧ ﯬﯧﯧ ﯭﯧﯧ ﯮﯧﯧ ﯯﯧﯧ ﯰﯧﯧ‬
‫ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣﯤ ﯥ‬
‫ﯱﯧﯧ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ‬
‫ﯷ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ‬
‫ﭣ ﭤ ﭥ ﭦﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ‬
‫ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉﮊ ﮋ ﮌ‬
‫ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ‬
‫ﮠﮡ ﮢ ﭾ ‪.(1) .‬‬
‫}‪ {75‬أي‪ :‬ثم بعْثنا من بعد هؤلء الرسل الذين أرسلهم‬
‫الله إلى القوم المك ّ‬
‫ذبين المهَلكين }موسى{‪ :‬ابن عمران كليم‬
‫الرحمن أحد أولي العزم من المرسلين وأحد الكبار المقتدى بهم‬
‫المنّزل عليهم الشرائع المع ّ‬
‫ظمة الواسعة‪} .‬و{ جعلنا معه أخاه‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪ :‬إلى آخر القصة‪.‬‬

‫ه{؛ أي‪ :‬كبار دولته‬
‫مل َئ ِ ِ‬
‫}هارون{ وزيرًا‪ .‬بعثناهما }إلى فرعون و َ‬
‫ن عامتهم ت َب َعٌ للرؤساء‪} ،‬بآياتنا{‪ :‬الدالة على صدق‬
‫ورؤسائهم؛ ل ّ‬
‫ما جاء به من توحيد الّله والنهي عن عبادة ما سوى الّله تعالى‪.‬‬
‫وا بعدما استيقنوها‪} ،‬وكانوا قوما ً‬
‫}فاستكبروا{‪ :‬عنها ظلما ً وعل ّ‬
‫رمين{؛ أي‪ :‬وصفهم الجرام والتكذيب‪.‬‬
‫مج ِ‬
‫}‪} {76‬فلما جاءهم الحقّ من عندنا{‪ :‬الذي هو أكبر أنواع‬
‫مها‪ ،‬وهو من عند الّله‪ ،‬الذي خضعت لعظمته الرقاب‪،‬‬
‫الحقّ وأعظ ُ‬
‫ق‬
‫وهو ر ّ‬
‫ب العالمين المرّبـي جميع خلقه بالنعم‪ ،‬فلما جاءهم الح ّ‬
‫ن هذا‬
‫دوه فلم يقبلوه‪ ،‬و }قالوا إ ّ‬
‫من عند الّله على يد موسى؛ ر ّ‬
‫دهم إياه‪،‬‬
‫ن{‪ :‬لم يكفهم قبحهم الّله إعراضهم ول ر ّ‬
‫لسحٌر مبي ٌ‬
‫حتى جعلوه أبطل الباطل‪ ،‬وهو السحر الذي حقيقته التمويه‪ ،‬بل‬
‫جعلوه سحرا ً مبينا ً ظاهرًا‪ ،‬وهو الحقّ المبين‪.‬‬
‫دهم‬
‫}‪ {77‬ولهذا }قال{ لهم }موسى{ موبخا ً لهم عن ر ّ‬
‫ده إل أظلم الناس‪} :‬أتقولون للحقّ لما جاءكم{؛‬
‫الحقّ الذي ل ير ّ‬
‫ن‪} .‬أسحٌر هذا{؛ أي‪ :‬فانظروا وصفه‬
‫أي‪ :‬أتقولون‪ :‬إّنه سحٌر مبي ٌ‬
‫وما اشتمل عليه؛ فبمجّرد ذلك يجزم بأنه الحق‪} ،‬ول يفلح‬
‫الساحرون{‪ :‬ل في الدنيا ول في الخرة؛ فانظروا لمن تكون له‬
‫ح‪ ،‬وقد علموا بعد ذلك‬
‫ح وعلى يديه النجا ُ‬
‫العاقبة‪ ،‬ولمن له الفل ُ‬
‫وظهر لك ّ‬
‫فر‬
‫ل أحد ٍ أن موسى عليه السلم هو الذي أفلح‪ ،‬وفاز بظ َ َ‬
‫دنيا والخرة‪.‬‬
‫ال ّ‬
‫ده‪} :‬أجئتنا‬
‫دين لقوله بما ل ير ّ‬
‫}‪} {78‬قالوا{ لموسى را ّ‬
‫دنا عليه‬
‫ل ِت َل ْ ِ‬
‫ج ْ‬
‫دنا عما وَ َ‬
‫دنا عليه آباءنا{؛ أي‪ :‬أجئتنا لتص ّ‬
‫ج ْ‬
‫ما وَ َ‬
‫فَتنا ع ّ‬
‫آباءنا من الشرك وعبادة غير الّله وتأمرنا بأن نعبد الّله وحده ل‬
‫ق‬
‫جة ير ّ‬
‫شريك له؛ فجعلوا قول آبائهم الضالين ح ّ‬
‫دون بها الح ّ‬
‫)‪(1‬‬
‫الذي جاءهم به موسى عليه السلم‪ .‬وقوله ‪} :‬وتكون لكما‬
‫الكبرياُء في الرض{؛ أي‪ :‬وجئتمونا لتكونوا أنتم الرؤساء‬
‫ج على جهالهم‬
‫ه منهم وتروي ٌ‬
‫رجونا من أراضينا؟ وهذا تموي ٌ‬
‫ولتخ ِ‬
‫مهم على معاداة موسى وعدم اليمان به‪ ،‬وهذا ل‬
‫وتهيي ٌ‬
‫ج لعوا ّ‬
‫ع‬
‫ن الحجج ل ُتدفَ ُ‬
‫ج به من عرف الحقائق ومّيز بين المور؛ فإ ّ‬
‫يحت ّ‬
‫ق؛ فَُرد ّ قوله بأمثال هذه‬
‫إل بالحجج والبراهين‪ ،‬وأما من جاء بالح ّ‬
‫المور؛ فإنها تد ّ‬
‫ل على عجز موردها عن التيان بما يرد ّ القول‬
‫جة؛ لوردها‪ ،‬ولم يلجأ‬
‫الذي جاء )‪ (2‬به خصمه؛ لنه لو كان له ح ّ‬
‫إلى قوله‪ :‬قصدك كذا أو مرادك كذا‪ ،‬سواء كان صادقا ً في قوله‬
‫ن موسى عليه الصلة‬
‫وإخباره عن قصد خصمه أم كاذبًا‪ ،‬مع أ ّ‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫ في )ب(‪» :‬وقولهم«‪.‬‬‫‪ -‬في )ب(‪» :‬جاءه«‪.‬‬

‫والسلم ك ّ‬
‫ل من عرف حاله وما يدعو إليه؛ عرف أنه ليس له‬
‫قصد ٌ في العلو في الرض‪ ،‬وإنما قصده كقصد إخوانه المرسلين‪،‬‬
‫هداية الخلق وإرشادهم لما فيه نفعهم‪ .‬ولكن حقيقة المر كما‬
‫ً‬
‫نطقوا به بقولهم‪} :‬وما نحن لكما بمؤمنين{؛ أي‪ :‬تكّبرا ً وعنادا‪ ،‬ل‬
‫لبطلن ما جاء به موسى وهارون‪ ،‬ول لشتباهٍ فيه‪ ،‬ول لغير ذلك‬
‫من المعاني سوى الظلم والعدوان وإرادة العلوّ الذي رموا به‬
‫موسى وهارون‪.‬‬
‫}‪} {79‬وقال فرعون{؛ معارضا ً للحقّ الذي جاء به موسى‬
‫ومغالبا ً )‪ (1‬لملئ ِهِ وقومه‪} :‬ائتوني بك ّ‬
‫ل ساحر عليم{؛ أي‪ :‬ماهر‬
‫بالسحر متقن له‪ .‬فأرسل في مدائن مصر من أتاه بأنواع‬
‫سحرة على اختلف أجناسهم وطبقاتهم‪.‬‬
‫ال ّ‬
‫}‪} {80‬فلما جاء السحرة{‪ :‬للمغالبة لموسى )‪} ، (2‬قال‬
‫لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون{؛ أي‪ :‬أيّ شيء أردتم‪ ،‬ل أعّين‬
‫ل بهم وبما جاؤوا به‪.‬‬
‫لكم شيئًا‪ ،‬وذلك لّنه جاز ٌ‬
‫م بغلبت ِهِ غير مبا ٍ‬
‫ت‬
‫}‪} {81‬فلما ألقوا{‪ :‬حباَلهم وعصّيهم إذا هي كأنها حّيا ٌ‬
‫تسعى‪ ،‬فقال }موسى ما جئتم به السحر{؛ أي‪ :‬هذا السحر‬
‫ّ‬
‫ن الله ل‬
‫ن الّله سيبط ُِله إ ّ‬
‫الحقيقي العظيم‪ ،‬ولكن مع عظمته }إ ّ‬
‫ح عمل المفسدين{؛ فإّنهم يريدون بذلك نصر الباطل على‬
‫صل ِ ُ‬
‫يُ ْ‬
‫الحق‪ ،‬وأيّ فساد أعظم من هذا؟! وهكذا كل مفسد عمل عمل ً‬
‫ن عمَله سيب ُ‬
‫طل ويضمح ّ‬
‫ل‪ ،‬وإن‬
‫ر؛ فإ ّ‬
‫واحتال كيدا ً أو أتى بمك ٍ‬
‫حق‪،‬‬
‫م ْ‬
‫حصل لعمله روجان في وقت ما؛ فإن مآله الضمحلل والـ َ‬
‫ه الّله تعالى‪ ،‬وهي‬
‫وأما المصلحون الذين قص ُ‬
‫دهم بأعمالهم وج ُ‬
‫ّ‬
‫ح أعمالهم ويرّقيها‬
‫أعمال ووسائل نافع ٌ‬
‫ن الله يصل ُ‬
‫ة مأموٌر بها؛ فإ ّ‬
‫ميها على الدوام‪.‬‬
‫وي ُن َ ّ‬
‫قفت جميع ما صنعوا‪،‬‬
‫}‪ {82‬فألقى موسى عصاه‪ ،‬فتل ّ‬
‫حُرهم‪ ،‬واضمح ّ‬
‫ه الحقّ بكلماته‬
‫فبطل ِ‬
‫س ْ‬
‫ل باطلهم‪} .‬و{ أحقّ }الل ّ ُ‬
‫ق‪،‬‬
‫ولو كره المجرمون{‪ :‬فألقي السحرة حين تبيّـن لهم الح ّ‬
‫عدهم فرعون بالصلب وتقطيع اليدي والرجل‪ ،‬فلم يبالوا‬
‫فتو ّ‬
‫بذلك‪ ،‬وثبتوا على إيمانهم‪.‬‬
‫د‪،‬‬
‫مَلؤه وأتباعهم؛ فلم يؤمن منهم أح ٌ‬
‫}‪ {83‬وأما فرعون و َ‬
‫بل استمّروا في طغيانهم يعمهون‪ ،‬ولهذا قال‪} :‬فما آمن لموسى‬
‫ة من قومه{؛ أي‪ :‬شباب من بني إسرائيل صبروا على‬
‫إل ذ ُّري ّ ٌ‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫ في )ب(‪» :‬ومغالطًا«‪.‬‬‫‪ -‬في )ب(‪» :‬مع موسى«‪.‬‬

‫ف من فرعون‬
‫الخوف لما ثبت في قلوبهم اليمان‪} ،‬على خو ٍ‬
‫ل في الرض{؛‬
‫ن فرعو َ‬
‫مل َِئهم أن يفت َِنهم{‪ :‬عن دينهم‪} .‬وإ ّ‬
‫و َ‬
‫ن لعا ٍ‬
‫أي‪ :‬له القهر والغلبة فيها؛ فحقيقٌ بهم أن يخافوا من بطشته‪،‬‬
‫}و{ خصوصا ً }إنه كان من الـمـسرفين{؛ أي‪ :‬المتجاوزين للحد ّ‬
‫في البغي والعدوان‪ .‬والحكمة ـ والّله أعلم ـ بكونه ما آمن‬
‫ن الذ ّّرّية والشباب أقب ُ‬
‫ق‬
‫لموسى إل ذ ُّري ّ ٌ‬
‫ة من قومه‪ :‬أ ّ‬
‫ل للح ّ‬
‫من ترّبى على‬
‫وأسرع له انقيادًا؛ بخلف الشيوخ ونحوهم مـ ّ‬
‫الكفر؛ فإنهم بسبب ما مكث في قلوبهم من العقائد الفاسدة‬
‫أبعد من الحقّ من غيرهم‪.‬‬
‫}‪} {84‬وقال موسى{‪ :‬موصيا ً لقومه بالصبر‪ ،‬ومذ ّ‬
‫كرا ً لهم‬
‫ما يستعينون به على ذلك‪ ،‬فقال‪} :‬يا قوم إن كنُتم آمنُتم بالّله{‪:‬‬
‫فقوموا بوظيفة اليمان‪ ،‬وعلى الّله }تو ّ‬
‫ن{؛‬
‫كلوا إن كنُتم مسلمي َ‬
‫أي‪ :‬اعتمدوا عليه والجؤوا إليه واستنصروه‪.‬‬
‫}‪} {85‬فقالوا{‪ :‬ممتثلين لذلك‪} :‬على الّله توك ّْلنا رّبنا ل‬
‫فت ُِنونا أو‬
‫ة للقوم الظالمين{؛ أي‪ :‬ل تسلطهم علينا فَي َ ْ‬
‫جعَْلنا فتن ً‬
‫َتـ ْ‬
‫فت َُنون بذلك‪ ،‬ويقولون‪ :‬لو كانوا على حقّ لما غ ُِلبوا‪.‬‬
‫ي َغْل ُِبونا‪ ،‬فَي ُ ْ‬
‫جنا برحمتك من القوم الكافرين{‪ :‬لنسلم من‬
‫}‪} {86‬ون ّ‬
‫(‬
‫‪1‬‬
‫)‬
‫شّرهم ولنقيم على ديننا على وجهٍ نتم ّ‬
‫كن به من إقامة شرائعه‬
‫وإظهاره من غير معارض ول منازع‪.‬‬
‫}‪} {87‬وأوحينا إلى موسى وأخيه{‪ :‬حين اشتد ّ المر على‬
‫قومهما من فرعون وقومه وحرصوا على فتنتهم عن دينهم‪} ،‬أن‬
‫وآ لقومكما بمصر بيوتًا{؛ أي‪ :‬مروهم أن يجعلوا لهم بيوتا ً‬
‫تب ّ‬
‫يتم ّ‬
‫ة{؛ أي‪:‬‬
‫كنون به من الستخفاء فيها‪} ،‬واجعلوا بيوَتكم قبل ً‬
‫اجعلوها محل ّ تصلون فيها حيث عجزتم عن إقامة الصلة في‬
‫ة على جميع‬
‫مة‪} .‬وأقيموا الصلة{‪ :‬فإنها معون ٌ‬
‫الكنائس والبيع العا ّ‬
‫المور‪} ،‬وب ّ‬
‫شر المؤمنين{‪ :‬بالنصر والتأييد وإظهار دينهم؛ فإن مع‬
‫العسر يسرًا‪ ،‬إن مع العسر يسرًا‪ .‬وحين اشتد ّ الكرب وضاق‬
‫المر؛ فّرجه الّله ووسعه‪.‬‬
‫}‪ {88‬فلما رأى موسى القسوة والعراض من فرعون‬
‫من هارون على دعائه‪ ،‬فقال‪} :‬رّبنا إنك‬
‫وملئهم؛ دعا عليهم وأ ّ‬
‫ي والثياب‬
‫ن ومل َه ُ زين ً‬
‫آتيت فرعو َ‬
‫ة{‪ :‬يتزينون بها من أنواع الحلـ ّ‬
‫والبيوت المزخرفة والمراكب الفاخرة والخدام‪} ،‬وأموا ً‬
‫ل{‪:‬‬
‫ضّلوا عن سبيلك{؛ أي‪ :‬إن‬
‫عظيم ً‬
‫دنيا رّبنا ِلـُيـ ِ‬
‫ة }في الحياة ال ّ‬
‫ضّلون‬
‫أموالهم لم يستعينوا بها إل ّ على الضلل في سبيلك في َ ِ‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬ولنقيم ديننا«‪.‬‬

‫س على أموالهم{؛ أي‪ :‬أتلفها عليهم إما‬
‫وي ُ ِ‬
‫ضّلون‪} .‬رّبنا اطم ْ‬
‫بالهلك وإما بجعلها حجارة ً غير منتفع بها‪} ،‬واشد ُد ْ على قلوبهم{؛‬
‫سها‪} ،‬فل يؤمنوا حّتى ي ََرُوا العذاب الليم{‪ :‬قال ذلك غضبا ً‬
‫أي‪ :‬ق ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫دوا‬
‫عليهم حيث تجرؤوا على محارم الله وأفسدوا عباد الله وص ّ‬
‫ن الّله سيعاقبهم على ما فعلوا‬
‫عن سبيله‪ ،‬ولكمال معرفته برّبه بأ ّ‬
‫بإغلق باب اليمان عليهم‪.‬‬
‫ُ‬
‫ت دعوُتكما{‪ :‬هذا دلي ٌ‬
‫ل‬
‫}‪} {89‬قال{ الله تعالى‪} :‬قد أجيب ْ‬
‫من‬
‫من على دعائه‪ ،‬وإن الذي يؤ ّ‬
‫على أن موسى يدعو وهارون يؤ ّ‬
‫يكون شريكا ً للداعي في ذلك الدعاء‪} .‬فاستقيما{‪ :‬على دينكما‪،‬‬
‫ن سبيل الذين ل يعلمون{؛ أي‪:‬‬
‫واستمّرا على دعوتكما‪} ،‬ول تت ِّبعا ّ‬
‫ن سبيل الجّهال الض ّ‬
‫لل‪ ،‬المنحرفين عن الصراط‬
‫ل تتبعا ّ‬
‫المستقيم‪ ،‬المّتبعين لطرق الجحيم‪.‬‬
‫}‪ {90‬فأمر الّله موسى أن يسري ببني إسرائيل لي ً‬
‫ل‪،‬‬
‫ن في المدائن حاشرين‬
‫سي َت ّب ُِعونه )‪ ، (1‬وأرسل فرعو ُ‬
‫وأخبره أنهم َ‬
‫ة قليلون‪ .‬وإّنهم‬
‫م ٌ‬
‫يقولون‪ :‬إ ّ‬
‫ن هؤلء ـ أي‪ :‬موسى وقومه ـ لشرذ ِ َ‬
‫ده قاصيهم ودانيهم‪،‬‬
‫ن‪ .‬فجمع جنو َ‬
‫ن‪ .‬وإنا لجميعٌ حاذرو َ‬
‫لنا لغائظو َ‬
‫فأتبعهم بجنوده بغيا ً وعدوًا؛ أي‪ :‬خروجهم باغين على موسى‬
‫ب؛‬
‫وقومه ومعتدين في الرض‪ ،‬وإذا اشتد ّ البغي واستحكم الذن ُ‬
‫ن الّله‬
‫ظر العقوب َ‬
‫فانت ِ‬
‫ة‪} .‬وجاوزنا ببني إسرائيل البحر{‪ :‬وذلك أ ّ‬
‫أوحى إلى موسى لما وصل البحر أن يضرَِبه بعصاه‪ ،‬فضربه‪،‬‬
‫فانفلق اثني عشر طريقًا‪ ،‬وسلكه بنو إسرائيل‪ ،‬وساق فرعون‬
‫)‪(2‬‬
‫مه خارجين‬
‫وجنودهم خلفهم داخلين‪ ،‬فلما استكمل موسى وقو ُ‬
‫ده داخلين فيه؛ أمر الّله البحر‪ ،‬فالتطم‬
‫ن وجنو ُ‬
‫من البحر وفرعو ُ‬
‫على فرعون وجنوده‪ ،‬فأغرَقهم وبنو إسرائيل ين ُ‬
‫ظرون‪ ،‬حتى إذا‬
‫ت أّنه ل إله إل ّ الذي‬
‫أدرك فرعو َ‬
‫ن الغرقُ وجزم بهلكه؛ }قال آمن ُ‬
‫ت به بنو إسرائي َ‬
‫ل{‪ :‬وهو الّله الله الحقّ الذي ل إله إل هو‪،‬‬
‫آمن ْ‬
‫ن{؛ أي‪ :‬المنقادين لدين الّله‪ ،‬ولما جاء به‬
‫}وأنا من المسلمي َ‬
‫موسى‪.‬‬
‫ن هذا اليمان في هذه الحالة‬
‫}‪ {91‬قال الّله تعالى مبّينا ً أ ّ‬
‫ت‬
‫غير نافع له‪} :‬آل َ‬
‫ن{‪ :‬تؤمن وتقّر برسول الّله‪} ،‬وقد عصي َ‬
‫قب ُ‬
‫ل{؛ أي‪ :‬بارزت بالمعاصي والكفر والتكذيب‪} ،‬وكنت من‬
‫ت عادة ُ الّله أن الكفار إذا‬
‫ن{‪ :‬فل ينفُعك اليمان كما جر ْ‬
‫المفسدي َ‬
‫ن‬
‫وصلوا إلى هذه الحالة الضطرارّية أّنه ل ينفعهم إيمانهم؛ ل ّ‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫ في )ب(‪» :‬ي ُت ّب َُعون«‪.‬‬‫‪ -‬كذا في النسختين‪ .‬وفي ) أ ( غيرت إلى‪» :‬وجنوده خلفه« بخط مغاير‪.‬‬

‫ع‬
‫إيمانهم صار إيمانا ً مشاهدًا؛ كإيمان من ورد القيامة‪ ،‬والذي ينف ُ‬
‫إنما هو اليمان بالغيب‪.‬‬
‫جيك ببدن ِ َ‬
‫ة{‪ :‬قال‬
‫ك لتكون لمن خلفك آي ً‬
‫}‪} {92‬فاليوم نن ّ‬
‫ن بني إسرائيل لما في قلوبهم من الرعب العظيم‬
‫سرون‪ :‬إ ّ‬
‫المف ّ‬
‫دقوا بإغراقه‪ ،‬وش ّ‬
‫كوا في ذلك‪ ،‬فأمر‬
‫من فرعون‪ ،‬كأّنهم لم يص ّ‬
‫ه على نجوة مرتفعةٍ ببدنه؛ ليكون لهم عبرة‬
‫الّله البحر أن يل ِ‬
‫قي َ ُ‬
‫ن كثيرا ً من الناس عن آياتنا لغافلون{‪ :‬فلذلك تمّر‬
‫وآية‪} .‬وإ ّ‬
‫عليهم وتتكّرر فل ينتفعون بها؛ لعدم إقبالهم عليها‪ ،‬وأما من له‬
‫عق ٌ‬
‫ب حاضر؛ فإّنه يرى من آيات الّله ما هو أكبر دليل على‬
‫ل وقل ٌ‬
‫حة ما أخبرت به الرسل‪.‬‬
‫ص ّ‬
‫ق{؛ أي‪ :‬أنزلهم‬
‫وأ ِ‬
‫وأنا بني إسرائيل ُ‬
‫مب َ ّ‬
‫}‪} {93‬ولقد ب ّ‬
‫صد ْ ٍ‬
‫الّله وأسكنهم في مساكن آل فرعون‪ ،‬وأورثهم أرضهم وديارهم‪،‬‬
‫ت{‪ :‬من المطاعم والمشارب وغيرهما‪،‬‬
‫}ورزقناهم من الطّيبا ِ‬
‫م{‪ :‬الموجب‬
‫}فما اختلفوا{‪ :‬في الحقّ }حّتى جاءهم العل ُ‬
‫ر‬
‫ض‪ ،‬وصار لكثي ٍ‬
‫لجتماعهم وائتلفهم‪ ،‬ولكن بغى بعضهم على بع ٍ‬
‫ق‪ ،‬فحصل بينهم من الختلف‬
‫منهم أهوية وأغراض تخالف الح ّ‬
‫ن رّبك يقضي بيَنهم يوم القيامة فيما كانوا فيه‬
‫شيء كثيٌر‪} .‬إ ّ‬
‫م وقدرته‬
‫يختلفون{‪ :‬بحكمه العدل الناشىء عن علمه التا ّ‬
‫الشاملة‪.‬‬
‫ن‬
‫وهذا هو الداء الذي يعرض لهل الدين الصحيح‪ ،‬وهو أ ّ‬
‫الشيطان إذا أعجزوه أن يطيعوه في ترك الدين بالكل ّّية‪ ،‬سعى‬
‫في التحريش بينهم وإلقاء العداوة والبغضاء‪ ،‬فحصل من‬
‫ض‬
‫الختلف ما هو موج ُ‬
‫ب ذلك‪ ،‬ثم حصل من تضليل بعضهم لبع ٍ‬
‫وعداوة بعضهم لبعض ما هو قّرة عين اللعين‪ ،‬وإل؛ فإذا كان رّبهم‬
‫واحدا ً ورسولهم واحدا ً ودينهم واحدا ً ومصالحهم العامة مّتفقة؛‬
‫ح ّ‬
‫ل‬
‫فليّ شيء يختلفون اختلفا ً يفّرق شملهم ويشّتت أمرهم وَيـ ُ‬
‫ت من مصالحهم الدينّية والدنيوّية ما‬
‫رابطتهم ونظامهم فيفوّ ُ‬
‫م‬
‫وت ويموت من دينهم بسبب ذلك ما يموت؟! فنسألك الله ّ‬
‫يف ّ‬
‫ً‬
‫ب صد َ‬
‫عهم‪ ،‬ويرد ّ‬
‫لطفا بعبادك المؤمنين‪ ،‬يجمع شملهم‪ ،‬ويرأ ُ‬
‫صَيهم على دانيهم يا ذا الجلل والكرام!‬
‫قا ِ‬
‫ﭿ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ‬
‫ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ‬
‫ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ‬
‫ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮮ‬
‫ﮦ ﮧ‬
‫ﯫﯧﯧ ﯬﯧﯧ ﯭﯧﯧ ﯮﯧﯧ ﯯﯧﯧ ﯰﯧﯧ ﭾ ‪.‬‬
‫ﯚﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪﯧﯧ‬

‫}‪ {94‬يقول تعالى لنبّيه محمد ٍ صلى الله عليه وسلم‪} :‬فإن‬
‫ت في ش ّ‬
‫ح أم غير صحيح‪،‬‬
‫ك مما أنزلنا إليك{‪ :‬هل هو صحي ٌ‬
‫كن َ‬

‫}فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك{؛ أي‪ :‬اسأل أهل الكتب‬
‫المنصفين والعلماء الراسخين؛ فإنهم سيقّرون لك بصدق ما‬
‫أخبرت به وموافقته لما معهم‪.‬‬
‫فإن قيل ‪ :‬إن كثيرا ً من أهل الكتاب من اليهود والنصارى‪،‬‬
‫بل ربما كان أكثرهم ومعظمهم‪ ،‬ك ّ‬
‫ذبوا رسول الّله‪ ،‬وعاندوه‪،‬‬
‫دوا عليه دعوته‪ ،‬والّله تعالى أمر رسوله أن يستشهد َ بهم‪،‬‬
‫ور ّ‬
‫ن‬
‫وجعل شهادَتهم حج ً‬
‫ة لما جاء به وبرهانا ً على صدقه؛ فكيف يكو ُ‬
‫ب عن هذا من عدة أوجه‪:‬‬
‫ذلك؟! فالجوا ُ‬
‫ب أو‬
‫منها ‪ :‬أ ّ‬
‫ن الشهادة إذا أضيفت إلى طائفةٍ أو أهل مذه ٍ‬
‫ن‬
‫بلد ٍ ونحوهم؛ فإّنها إنما تتناول العدول الصادقين منهم‪ ،‬وأما َ‬
‫م ْ‬
‫عداهم؛ فلو كانوا أكثر من غيرهم؛ فل عبرة فيهم؛ لن الشهادة‬
‫مبنّية على العدالة والصدق‪ ،‬قد حصل ذلك بإيمان كثيرٍ من‬
‫)‪(1‬‬
‫من‬
‫أحبارهم الّربانّيين؛ كعبد الّله بن سلم وأصحا به وكثيرٍ مـ ّ‬
‫ي صلى الله عليه وسلم وخلفائه ومن بعدهم‪.‬‬
‫أسلم في وقت النب ّ‬
‫ومنها ‪ :‬أن شهادة أهل الكتاب للرسول مبنّية على كتابهم‬
‫التوراة الذي ينتسبون إليه؛ فإذا كان موجودا ً في التوراة ما‬
‫حة؛ فلو اّتفقوا من أولهم‬
‫يوافق القرآن ويصد ُّقه ويشهد ُ له بالص ّ‬
‫ح بما جاء به الرسول‪.‬‬
‫وآخرهم على إنكار ذلك؛ لم يقد ْ‬
‫ن الّله تعالى أمر رسوله أن يستشهد بأهل الكتاب‬
‫ومنها ‪ :‬أ ّ‬
‫حة ما جاءه وأظهر ذلك وأعلنه على رؤوس الشهاد‪ ،‬ومن‬
‫على ص ّ‬
‫المعلوم أن كثيرا ً منهم من أحرص الناس على إبطال دعوة‬
‫الرسول محمد ٍ صلى الله عليه وسلم؛ فلو كان عندهم ما يرد ّ ما‬
‫ن شيٌء من ذلك؛‬
‫ذكره الّله؛ لبد َْوه وأظهروه وبّينوه‪ ،‬فلما لم يك ْ‬
‫كان عدم رد ّ المعادي وإقرار المستجيب من أد ّ‬
‫ل الدّلة على‬
‫حة هذا القرآن وصدقه‪.‬‬
‫ص ّ‬
‫ومنها ‪ :‬أنه ليس أكثر أهل الكتاب رد ّ دعوة الرسول‪ ،‬بل‬
‫ن الرسو َ‬
‫ث‬
‫ل ب ُعِ َ‬
‫أكثُرهم استجاب لها وانقاد طوعا ً واختيارًا؛ فإ ّ‬
‫ث ديُنه مدةً‬
‫وأ َك ْث َُر أهل الرض المتدّينين أهل الكتاب )‪ ، (2‬فلم يمك ْ‬
‫غير كثيرة حتى انقاد للسلم أكثر أهل الشام ومصر والعراق وما‬
‫جاورها من البلدان التي هي مقّر دين أهل الكتاب ولم يبقَ إل‬
‫ن تب َِعهم من‬
‫أهل الرياسات الذين آثروا رياساتهم على الحقّ و َ‬
‫م ْ‬
‫م الجهلة ومن تدّين بدينهم اسما ً ل معنى؛ كالفرنج الذين‬
‫العوا ّ‬
‫‪ - 1‬في )ب(‪» :‬كعبد الله بن سلم وكعب الحبار وغيرهما«‪ .‬ثم عدل عنها‬
‫الشيخ في ) أ ( إلى ما هو مثبت‪.‬‬
‫‪ - 2‬في )ب(‪» :‬أهل كتاب«‪.‬‬

‫حقيقة أمرهم أّنهم دهرّية منحّلون عن جميع أديان الرسل‪ ،‬وإّنما‬
‫ي ترويجا ً لملكهم وتمويها ً لباطلهم؛ كما‬
‫انتسبوا للدين المسيح ّ‬
‫يعرف ذلك من عرف أحوالهم البّينة الظاهرة‪.‬‬
‫وقوله‪} :‬لقد جاءك الحق{؛ أي‪ :‬الذي ل ش ّ‬
‫ك فيه بوجه من‬
‫ن{ )‪ :(1‬كقوله تعالى‪:‬‬
‫ن من الممتري َ‬
‫الوجوه‪} ،‬من رّبك فل تكون ّ‬
‫ل إلي َ‬
‫ب ُأنزِ ْ‬
‫ج منه{‪.‬‬
‫ك فل يكن في صدرك حر ٌ‬
‫}كتا ٌ‬
‫ن من الذين ك ّ‬
‫ذبوا بآيات الّله فتكون من‬
‫}‪} {95‬ول تكون َ ّ‬
‫ن الّله نهى عن شيئين‪ :‬الش ّ‬
‫ك في هذا‬
‫الخاسرين{‪ :‬وحاصل هذا أ ّ‬
‫القرآن‪ ،‬والمتراء منه‪ .‬وأشد من ذلك التكذيب به‪ ،‬وهو آيات الّله‬
‫البينات‪ ،‬التي ل تقبل التكذيب بوجه‪ ،‬ورّتب على هذا الخسار‪ ،‬وهو‬
‫عدم الربح أص ً‬
‫ل‪ ،‬وذلك بفوات الثواب في الدنيا والخرة‪ ،‬وحصول‬
‫ده‪ ،‬فيكون‬
‫العقاب في الدنيا والخرة‪ ،‬والنهي عن الشيء أمٌر بض ّ‬
‫م بالقرآن وطمأنينة القلب إليه والقبال عليه‬
‫أمرا ً بالتصديق التا ّ‬
‫علما ً وعـم ً‬
‫ل؛ فـبـذلك يكون العبد ُ من الرابحين‪ ،‬الذين أدركوا أج ّ‬
‫ل‬
‫م المناقب‪ ،‬وانتفى عنهم الخساُر‪.‬‬
‫المطالب وأفضل الرغائب وأت ّ‬
‫ﭾ‪.‬‬

‫ﭿ ﯱﯧﯧ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ‬

‫ﯷ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﯷ ﯷ‬

‫ﯷ‬

‫ة‬
‫ن الذين ح ّ‬
‫ت عليهم كلم ُ‬
‫}‪ 96‬ـ ‪ {97‬يقول تعالى‪} :‬إ ّ‬
‫ق ْ‬
‫رّبك{؛ أي‪ :‬إنهم من الضالين الغاوين أهل النار‪ ،‬ل بد ّ أن يصيروا‬
‫دره الّله وقضاه؛ فل يؤمنون ولو جاءتهم ك ّ‬
‫ل آية؛ فل‬
‫إلى ما ق ّ‬
‫دهم اليات إل طغيانا ً وغّيا إلى غّيهم‪ ،‬وما ظلمهم الّله ولكن‬
‫تزي ُ‬
‫دهم للحقّ لما جاءهم أول مرة‪ ،‬فعاقبهم الّله‬
‫ظلموا أنفسهم بر ّ‬
‫بأن طبع على قلوبهم وأسماعهم وأبصارهم فل يؤمنوا حتى ي ََروا‬
‫ن ما‬
‫العذاب الليم الذي وُ ِ‬
‫عدوا به؛ فحينئذ ٍ يعلمون حقّ اليقين أ ّ‬
‫ن ما جاءتهم به الرس ُ‬
‫ن‬
‫هم عليه هو الضلل وأ ّ‬
‫ل هو الح ّ‬
‫ق‪ ،‬ولك ْ‬
‫ت ل ُيجدي عليهم إيمانهم شيئًا؛ فيومئذ ٍ ل ينفع الذين‬
‫في وق ٍ‬
‫ن له‬
‫ظلموا معذ َِرُتهم ول هم ي ُ ْ‬
‫ت؛ فإّنها تنفعُ َ‬
‫ست َعَْتبون‪ .‬وأما اليا ُ‬
‫م ْ‬
‫د‪.‬‬
‫ب أو ألقى السمع وهو شهي ٌ‬
‫قل ٌ‬
‫ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ‬
‫ﭿﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ‬
‫ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭾ‪.‬‬
‫ة{‪ :‬من القرى‬
‫}‪ {98‬يقول تعالى‪} :‬فلول كانت قري ٌ‬
‫ت العذاب‪} ،‬فنفعها إيماُنها{؛ أي‪ :‬لم‬
‫ت{‪ :‬حين رأ ِ‬
‫المكذبين‪} ،‬آمن ْ‬
‫يكن منهم أحد ٌ انتفع بإيمانه حين رأى العذاب؛ كما قال تعالى عن‬
‫ت أّنه ل إله إل الذي آمنت به‬
‫فرعون ما تق ّ‬
‫دم قريبا ً لما قال‪} :‬آمن ُ‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬ولهذا قال‪} :‬فل تكونن من الممترين{«‪.‬‬

‫بنو إسرائي َ‬
‫ت‬
‫ل وأنا من المسلمين{‪ ،‬فقيل له‪} :‬آلن وقد عصي َ‬
‫قب ُ‬
‫سنا‬
‫ما جاءهم بأ ُ‬
‫ت من المفسدين{‪ ،‬وكما قال تعالى‪} :‬فل ّ‬
‫ل وكن َ‬
‫فعُُهم‬
‫فْرنا بما ك ُّنا به مشركين‪ .‬فلم يك ي َن ْ َ‬
‫ده وك َ َ‬
‫قالوا آمّنا بالّله وح َ‬
‫ت في عباده{‪ ،‬وقال‬
‫سن ّ َ‬
‫إيماُنهم لما رأوا بأسنا ُ‬
‫ة الّله التي قد خل ْ‬
‫ن‪ .‬لعّلـي‬
‫تعالى‪} :‬حتى إذا جاء أحد َ ُ‬
‫ت قال ر ّ‬
‫هم المو ُ‬
‫ب ارجعو ِ‬
‫ت‪ ،‬ك ّ‬
‫أعم ُ‬
‫ن‬
‫ل{‪ ،‬والحكمة في هذا ظاهر ٌ‬
‫ة؛ فإ ّ‬
‫ل صالحا ً فيما ترك ُ‬
‫اليمان الضطراريّ ليس بإيمان حقيقة‪ ،‬ولو صرف عنه العذاب‬
‫والمر الذي اضطره إلى اليمان؛ لرجع إلى الكفران‪ .‬وقوله‪} :‬إل ّ‬
‫م يونس لما آمنوا بعدما رأوا العذاب ك َ َ‬
‫ب‬
‫ش ْ‬
‫فنا عنهم عذا َ‬
‫قو َ‬
‫ون من‬
‫ال ِ‬
‫خْزي في الحياة ال ّ‬
‫دنيا ومتعناهم إلى حين{‪ :‬فهم مست َث ْن َ ْ‬
‫العموم السابق‪ ،‬ول بد ّ لذلك من حكمة لعالم الغيب وال ّ‬
‫شهادة لم‬
‫ل إلينا ولم تدرِ ْ‬
‫تص ْ‬
‫س لمن‬
‫منا؛ قال الّله تعالى‪} :‬وإ ّ‬
‫كها أفها ُ‬
‫ن يون ُ َ‬
‫ن‪.‬‬
‫ف أو يزيدو َ‬
‫المرسلين‪ {...‬إلى قوله‪} :‬فأرسْلناه إلى مائةِ أل ٍ‬
‫ن{‪ .‬ولع ّ‬
‫ن غيرهم‬
‫ل الحكمة في ذلك أ ّ‬
‫فآمنوا فمت ّْعناهم إلى حي ٍ‬
‫ن‬
‫دوا لعادوا لما ُنهوا عنه‪ ،‬وأما قوم يونس؛ فإ ّ‬
‫من المهَلكين لو ُر ّ‬
‫ن إيمانهم سيستمّر‪ ،‬بل قد استمّر فع ً‬
‫ل‪ ،‬وثبتوا‬
‫م )‪ (1‬أ ّ‬
‫ه أعل َ‬
‫الل ّ َ‬
‫عليه‪ .‬والّله أعلم‪.‬‬
‫ﭿ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ‬
‫ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﭾ‪.‬‬
‫ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿﮀ ﮁ ﮂ‬
‫}‪ {99‬يقول تعالى لنبّيه محمد صلى الله عليه وسلم‪} :‬ولو‬
‫من في الرض كلهم جميعًا{‪ :‬بأن يلهمهم اليمان‬
‫شاء رّبك لمن َ‬
‫ت‬
‫ويوزع َ قلوبهم للتقوى؛ فقدرُته صالح ٌ‬
‫ة لذلك‪ ،‬ولكّنه اقتض ْ‬
‫حكمته أن كان بعضهم مؤمنين وبعضهم كافرين‪} .‬أفأنت تكرِهُ‬
‫الناس حتى يكونوا مؤمنين{؛ أي‪ :‬ل تقد ُِر على ذلك‪ ،‬وليس في‬
‫إمكانك‪ ،‬ول قدرة غير الّله شيء من ذلك‪.‬‬
‫ن الّله{‪ :‬بإرادته‬
‫ن إل ّ بإذ ِ‬
‫}‪} {100‬وما كان لنفس أن تؤم َ‬
‫ي؛ فمن كان من الـ َ ْ‬
‫ق قابل ً لذلك‬
‫ومشيئته وإذنه ال َ‬
‫قد َرِيّ الشرع ّ‬
‫خل ِ‬
‫يزكو عنده اليمان؛ وّفقه وهداه‪} ،‬ويجع ُ‬
‫س{؛ أي‪ :‬الشّر‬
‫ل الرج َ‬
‫ن{‪ :‬عن الّله أوامَره ُ ونواهيه‪ ،‬ول‬
‫والضلل }على الذين ل يعقِلو َ‬
‫ُيلقون بال ً لنصائحه ومواعظه‪.‬‬
‫ﭿ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ‬
‫ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭﮮﮮ ﮯ‬
‫ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﭾ‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬علم«‪.‬‬

‫}‪ {101‬يدعو تعالى عباده إلى النظر لما في السماوات‬
‫مل لما فيها وما‬
‫والرض‪ ،‬والمراد بذلك نظر الفكر والعتبار والتأ ّ‬
‫ت لقوم يؤمنون وعبرا ً‬
‫تحتوي عليه والستبصار؛ فإن في ذلك ليا ٍ‬
‫لقوم يوقنون‪ ،‬تد ّ‬
‫ن الّله وحده المعبود المحمود ذو الجلل‬
‫ل على أ ّ‬
‫ت والن ّ ُ‬
‫ذر‬
‫والكرام والسماء والصفات العظام‪} ،‬وما ُتغني اليا ُ‬
‫عن قوم ل يؤمنون{؛ فإنهم ل ينتفعون باليات؛ لعراضهم‬
‫وعنادهم‪.‬‬
‫}‪ 102‬ـ ‪} {103‬فهل ينتظرون إل ّ مث َ‬
‫وا من‬
‫ل أيام الذين َ‬
‫خل َ ْ‬
‫قبلهم{؛ أي‪ :‬فهل ينتظر هؤلء الذين ل يؤمنون بآيات الّله بعد َ‬
‫وضوحها إل ّ مث َ‬
‫وا من قبلهم؛ أي‪ :‬من الهلك‬
‫ل أيام الذين َ‬
‫خل َ ْ‬
‫ة في الولين‬
‫ة الّله جاري ٌ‬
‫والعقاب؛ فإّنهم صنعوا كصنيعهم‪ ،‬وسن ُ‬
‫والخرين‪} .‬قُ ْ‬
‫ظروا إني معكم من المنتظرين{‪ :‬فستعلمون‬
‫ل فانت ِ‬
‫ة والنجاة ُ في الدنيا والخرة‪ .‬وليست‬
‫من تكون له العاقبة الحسن ُ‬
‫لـ َ‬
‫جي رسلنا والذين آمنوا{‪:‬‬
‫إل ّ للرسل وأتباعهم‪ ،‬ولهذا قال‪} :‬ثم ن ُن َ ّ‬
‫قا علينا{‪ :‬أوجبناه‬
‫من مكاره الدنيا والخرة وشدائدهما‪} .‬كذلك ح ّ‬
‫ن الّله يدافعُ عن الذين آمنوا؛‬
‫ج المؤمنين{‪ :‬فإ ّ‬
‫على أنفسنا‪} ،‬ن ُن ْ ِ‬
‫ص ُ‬
‫ل له النجاة من‬
‫فإّنه بحسب ما مع العبد من اليمان؛ تح ُ‬
‫المكاره‪.‬‬
‫ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ‬
‫ﭿﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ‬
‫ﯪﯧﯧﯫﯧﯧ ﯬﯧﯧ ﯭﯧﯧ ﯮﯧﯧ ﯯﯧﯧ ﯰﯧﯧ ﯱﯧﯧ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯼ ﯽ ﯾ‬
‫ﯿ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷﯷ ﯷ ﰈ ﰉ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﭾ ‪.‬‬

‫}‪ {104‬يقول تعالى لنبّيه محمد ٍ صلى الله عليه وسلم سيد‬
‫المرسلين وإمام المتقين وخير الموقنين‪} :‬قل يا أّيها الناس إن‬
‫كنُتم في ش ّ‬
‫ك من ديني{؛ أي‪ :‬في ريب واشتباه؛ فإني لست في‬
‫ش ّ‬
‫ك منه‪ ،‬بل لديّ العلم اليقيني أنه الحقّ وأن ما تدعون من دون‬
‫الّله باط ٌ‬
‫ة‪،‬‬
‫ن الساطع ُ‬
‫ة الواضح ُ‬
‫ل‪ ،‬ولي على ذلك الدل ّ ُ‬
‫ة والبراهي ُ‬
‫ن من دون الّله{‪ :‬من النداد‬
‫ولهذا قال‪} :‬فل أعبد ُ الذين تعبدو َ‬
‫خل ُقُ ول ترزقُ ول تدّبر شيئا ً من‬
‫والصنام وغيرهما؛ لنها ل َتـ ْ‬
‫خرة ليس فيها ما يقتضي عبادتها‪.‬‬
‫ة مس ّ‬
‫المور‪ ،‬وإنما هي مخلوق ٌ‬
‫ن أعبد ُ الّله الذي يتوّفاكم{؛ أي‪ :‬هو الّله الذي خلقكم‪ ،‬وهو‬
‫}ولك ْ‬
‫الذي يميتكم ثم يبعثكم ليجازيكم بأعمالكم؛ فهو الذي يستحقّ أن‬
‫ت أن أكون من‬
‫ُيعبد‪ ،‬ويصّلـى له‪] ،‬ويخضع[‪ ،‬ويسجد‪} ،‬وأ ِ‬
‫مْر ُ‬
‫المؤمنين{‪.‬‬
‫م وجه َ‬
‫ك للدين حنيفًا{؛ أي‪ :‬أخلص أعمالك‬
‫}‪} {105‬وأن أقِ ْ‬
‫الظاهرة والباطنة لّله‪ ،‬وأقم جميع شرائع الدين‪} ،‬حنيفًا{؛ أي‪:‬‬

‫ن من المشركين{‪:‬‬
‫مقبل ً على الّله معرضا ً عما سواه‪} .‬ول تكون ّ‬
‫ن معهم‪.‬‬
‫ل في حالهم ول تك ْ‬
‫}‪} {106‬ول تدع ُ من دون الّله ما ل ينفُعك ول يضّرك{‪:‬‬
‫ف لك ّ‬
‫ل مخلوق أنه ل ينفع ول يضّر‪ ،‬وإنما النافع الضاّر‬
‫وهذا وص ٌ‬
‫هو الّله تعالى‪} .‬فإن فعلت{؛ أي ‪ :‬دعوت من دون الّله ما ل‬
‫ينفعك ول يضرك‪} ،‬فإّنك إذًا{ لمن }الظالمين{؛ أي )‪ :(1‬الضارين‬
‫ن‬
‫أنفسهم بإهلكها‪ ،‬وهذا الظلم هو الشرك؛ كما قال تعالى‪} :‬إ ّ‬
‫ال ّ‬
‫م{‪ :‬فإذا كان خيُر الخلق لو دعا مع الّله غيره؛‬
‫م عظي ٌ‬
‫شرك لظل ٌ‬
‫لكان من الظالمين المشركين؛ فكيف بغيره؟!‬

‫ﭿﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ‬
‫ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭾ ‪.‬‬
‫ق‬
‫}‪ {107‬هذا من أعظم الدّلة على أن الّله وحده المستح ّ‬
‫ضّر‬
‫سب ُ‬
‫للعبادة؛ فإّنه النافع الضاّر المعطي المانع الذي إذا م ّ‬
‫كفقر ومرض ونحوها‪} :‬فل كاشف له إل ّ هو{‪ :‬لن الخلق لو‬
‫اجتمعوا على أن ينفعوا بشيء لم ينفعوا إل بما كتبه الله ولو‬
‫اجتمعوا على أن يضّروا أحدًا؛ لم يقدروا على شيء من ضرره إذا‬
‫ه[‪ .‬ولهذا قال‪} :‬وإن ي ُرِد ْ َ‬
‫ك بخيرٍ فل راد ّ لفضله{؛ أي‪:‬‬
‫لم يرده ]الل ّ ُ‬
‫ل يقدر أحد ٌ من الخلق أن يرد ّ فضله وإحسانه؛ كما قال تعالى‪:‬‬
‫س َ‬
‫سك فل‬
‫}ما ي َ ْ‬
‫م ِ‬
‫م ِ‬
‫ك لها وما ي ُ ْ‬
‫مـ ْ‬
‫فَتح الّله للناس من رحمةٍ فل ُ‬
‫س َ‬
‫من عباده{؛ أي‪:‬‬
‫من يشاء ِ‬
‫مر ِ‬
‫ل له من بعده{‪} .‬يصي ُ‬
‫ب به َ‬
‫يختص برحمته من شاء من خلقه والّله ذو الفضل العظيم‪} ،‬وهو‬
‫الغفور{‪ :‬لجميع الّزلت‪ ،‬الذي يوّفق عبده لسباب مغفرته‪ ،‬ثم إذا‬
‫م{‪ :‬الذي‬
‫فعلها العبد؛ غفر الّله ذنوبه كبارها وصغارها‪} ،‬الرحي ُ‬
‫وسعت رحمُته ك ّ‬
‫ده إلى جميع الموجودات؛‬
‫ل شيء ووصل جو ُ‬
‫بحيث ل تستغني عن إحسانه طرفة عين‪.‬‬
‫فإذا عرف العبد بالدليل القاطع أن الّله هو المنفرد بالنعم‬
‫ن‬
‫وكشف النقم وإعطاء الحسنات وكشف السيئات والكربات‪ ،‬وأ ّ‬
‫أحدا ً من الخلق ليس بيده من هذا شيءٌ إل ما أجراه الّله على‬
‫ن الّله هو الحقّ وأن ما يدعون من دونه هو الباط ُ‬
‫ل‬
‫يده؛ جزم بأ ّ‬
‫ولهذا لما بين الدليل الواضح؛ قال بعده‪:‬‬
‫ﭙﭚ ﭛ ﭜ ﭝ‬

‫ﭞ ﭟ ﭠﭡ‬

‫ﭿ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺﭻ ﭼ ﭽ ﭾ‬
‫ﭿ ﮀﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ‬
‫ﭾ‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬بأن«‪.‬‬

‫}‪ {108‬أي‪} :‬قل{‪ :‬يا أيها الرسول لما تبيّـن البرهان‪} :‬يا‬
‫أيها الناس قد جاءكم الحقّ من رّبكم{؛ أي‪ :‬الخبر الصادق المؤّيد‬
‫بالبراهين الذي ل ش ّ‬
‫ك فيه بوجهٍ من الوجوه‪ ،‬وهو واص ٌ‬
‫ل إليكم‬
‫من رّبكم‪ ،‬الذي من أعظم تربيته لكم أن أنزل إليكم هذا القرآن‪،‬‬
‫ن لك ّ‬
‫ل شيء‪ ،‬وفيه من أنواع الحكام والمطالب‬
‫الذي فيه تبيا ٌ‬
‫ن منه‬
‫مْر ِ‬
‫اللهية والخلق الـ َ‬
‫ضّية ما فيه أعظم تربيةٍ لكم وإحسا ٍ‬
‫إليكم؛ فقد تبيّـن الرشد من الغي‪ ،‬ولم يبقَ لحد ٍ شبهة‪} .‬فمن‬
‫اهتدى{‪ :‬بهدى الّله؛ بأن علم الحقّ وتفّهمه وآثره على غيره‬
‫ة‬
‫ي عن عباده‪ ،‬وإّنما ثمرة أعمالهم راجع ٌ‬
‫فلنفسه‪ .‬والّله تعالى غن ّ‬
‫إليهم‪} .‬ومن ض ّ‬
‫ل{‪ :‬عن الهدى؛ بأن أعرض عن العلم بالحقّ أو‬
‫ض ّ‬
‫ل عليها{‪ :‬ول يضّر الله شيئا ً فل يضر إل‬
‫عن العمل به‪} ،‬فإنما ي َ ِ‬
‫نفسه‪} .‬وما أنا عليكم بوكيل{‪ :‬فأحف ُ‬
‫ظ أعمالكم وأحاسبكم‬
‫ن‪ ،‬والّله عليكم وكي ٌ‬
‫ل؛ فانظروا‬
‫عليها‪ ،‬وإّنما أنا لكم نذيٌر مبي ٌ‬
‫لنفسكم ما دمتم في مدة المهال‪.‬‬
‫}‪} {109‬واتبع{‪ :‬أيها الرسول ما أوحي إليك علما ً وعمل ً‬
‫ن هذا أعلى أنواع‬
‫وحال ً ودعوة ً إليه‪} ،‬واصبْر{‪ :‬على ذلك؛ فإ ّ‬
‫م على ذلك‬
‫ن عاقبته حميد ٌ‬
‫الصبر‪ ،‬وإ ّ‬
‫ة؛ فل تكسل ول تضجر‪ ،‬بل د ُ ْ‬
‫نك ّ‬
‫ذبك‪} .‬وهو خير‬
‫ت‪} ،‬حتى يحكم الّله{‪ :‬بينك وبين َ‬
‫واثب ْ‬
‫م ْ‬
‫ن حكمه مشتم ٌ‬
‫سط الذي‬
‫م وال ِ‬
‫الحاكمين{‪ :‬فإ ّ‬
‫ل على العدل التا ّ‬
‫ق ْ‬
‫ُيحمد عليه‪ .‬وقد امتثل صلى الله عليه وسلم أمر رّبه‪ ،‬وثبت على‬
‫الصراط المستقيم‪ ،‬حتى أظهر الّله دينه على سائر الديان‪،‬‬
‫ونصره على أعدائه بالسيف والسنان‪ ،‬بعدما نصره الّله عليهم‬
‫جة والبرهان‪ ،‬فلله الحمد ُ والثناء الحسن كما ينبغي لجلله‬
‫بالح ّ‬
‫وعظمته وكماله وسعة إحسانه‪.‬‬
‫فف فف فففففففف‪.‬‬
‫فف ففففف فففف فففف‪ .‬فففففف ف ف‬
‫***‬

‫تفسير سورة هود عليه السلم‬
‫وهي مكية‬
‫ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣﮤ‬
‫ﭿ ﮔﮕ ﮖ‬
‫ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ‬
‫ﯮﯧﯧ ﯯﯧﯧ ﯰﯧﯧ ﭾ ‪.‬‬
‫ﯚ ﯛ ﯜﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩﯪﯧﯧ ﯫﯧﯧ ﯬﯧﯧ ﯭﯧﯧ‬

‫ب{‪ :‬عظيم ونزل كريم‪،‬‬
‫}‪ {1‬يقول تعالى‪ :‬هذا }كتا ٌ‬
‫ُ‬
‫ة‬
‫ة أخبارها‪ ،‬عادل ٌ‬
‫ت آياته{؛ أي‪ :‬أتقنت وأحسنت‪ ،‬صادق ٌ‬
‫}أ ْ‬
‫م ْ‬
‫حك ِ َ‬
‫ت{؛ أي‪:‬‬
‫ه بهي ٌ‬
‫أوامرها ونواهيها‪ ،‬فصيح ٌ‬
‫صل َ ْ‬
‫ة ألفاظ ُ‬
‫ة معانيه‪} ،‬ثم فُ ّ‬
‫ن حكيم{‪ :‬يضع‬
‫ميزت وبينت بيانا ً في أعلى أنواع البيان‪} ،‬من ل َد ُ ْ‬
‫الشياء مواضعها‪ ،‬وينزلها منازلها‪ ،‬ل يأمر ول ينهى إل بما تقتضيه‬
‫ر{‪ :‬م ّ‬
‫طلع على الظواهر والبواطن؛ فإذا كان‬
‫حكمته‪} ،‬خبي ٍ‬
‫إحكامه وتفصيُله من عند الّله الحكيم الخبير؛ فل تسأ ْ‬
‫ل بعد هذا‬
‫عن عظمته وجللته واشتماله على كمال الحكمة وسعة الرحمة‪.‬‬
‫ه؛ أي‪ :‬لجل‬
‫}‪ {2‬وإنما أنزل الّله كتابه لن ل تعبدوا إل ّ الل ّ َ‬
‫شرِ َ‬
‫إخلص الدين كّله لّله‪ ،‬وأن ل ي ُ ْ‬
‫ك به أحد ٌ من خلقه‪} .‬إنني‬
‫لكم{‪ :‬أّيها الناس‪} ،‬منه{؛ أي‪ :‬من الّله ربكم }نذيٌر{‪ :‬لمن تجّرأ‬
‫على المعاصي بعقاب الدنيا والخرة‪} ،‬وبشيٌر{‪ :‬للمطيعين لّله‬
‫دنيا والخرة‪.‬‬
‫بثواب ال ّ‬

‫}‪} {3‬وأن استغفروا رّبكم{‪ :‬عن ما صدر منكم من‬
‫ال ّ‬
‫ذنوب‪} ،‬ثم توبوا إليه{‪ :‬فيما تستقبلون من أعماركم بالرجوع‬
‫إليه بالنابة والرجوع عما يكرهه الّله إلى ما يحّبه ويرضاه‪ .‬ثم ذكر‬
‫ما يترّتب على الستغفار والتوبة‪ ،‬فقال‪} :‬يمت ّْعكم متاعا ً حسنًا{؛‬
‫أي‪ :‬يعطيكم من رزقه ما تتمّتعون به‪ ،‬وتنتفعون }إلى أجل‬
‫مى{؛ أي‪ :‬إلى وقت وفاتكم‪} .‬ويؤت{‪ :‬منكم }ك ّ‬
‫ل ذي فضل‬
‫مس ّ‬
‫فضَله{؛ أي‪ :‬يعطي أهل الحسان والبر من فضله وبّره ما هو‬
‫جزاٌء لحسانهم من حصول ما يحّبون ودفع ما يكرهون‪} .‬وإن‬
‫ت َوَّلوا{‪ :‬عن ما دعوتكم إليه‪ ،‬بل أعرضُتم عنه‪ ،‬ورّبما ك ّ‬
‫ذبتم به‪،‬‬
‫ر{‪ :‬وهو يوم القيامة‪ ،‬الذي‬
‫}فإني أخاف عليكم عذا َ‬
‫ب يوم كبي ٍ‬
‫يجمع الّله فيه الّولين والخرين‪.‬‬
‫}‪ {4‬فيجازيهم بأعمالهم إن خيرًا؛ فخير‪ ،‬وإن شّرا؛ فشر‪.‬‬
‫وفي قوله‪} :‬وهو على ك ّ‬
‫ل شيء قديٌر{‪ :‬كالدليل على إحياء الّله‬
‫)‪(1‬‬
‫الموتى؛ فإنه على ك ّ‬
‫ل شيء قديٌر ‪ ،‬ومن جملة الشياء إحياء‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬فإنه قدير على كل شيء«‪.‬‬

‫الموتى‪ ،‬وقد أخبر بذلك‪ ،‬وهو أصدق القائلين؛ فيجب وقوع ذلك‬
‫عقل ً ونق ً‬
‫ل‪.‬‬
‫ﯷ‬

‫ﭿ ﯱﯧﯧ ﯷ‬
‫ﯷ ﯷ ﯷ‬

‫ﯷ ﯷ ﯷ ﯷﯷ ﯷ‬
‫ﯷ ﭾ‪.‬‬

‫ﯷ ﯷ ﯷ‬

‫ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﯷﯷ‬

‫}‪ {5‬يخبر تعالى عن جهل المشركين وشدة ضللهم أنهم‬
‫}ي َْثنون صدوَرهم{؛ أي‪ :‬يميلونها ليستخفوا من الله‪ ،‬فتقع‬
‫ة لعلم الله بأحوالهم وبصره لهيئاتهم‪ .‬قال تعالى‬
‫صدورهم حاجب ً‬
‫ست َْغشون ثيابهم{؛ أي‪:‬‬
‫ن‪} :‬أل حين ي َ ْ‬
‫مبينا ً خطأهم في هذا الظ ّ‬
‫يتغطون بها‪ ،‬يعلمهم في تلك الحال التي هي من أخفى الشياء‪،‬‬
‫سّرون{‪ :‬من القوال والفعال‪} ،‬وما ي ُعِْلنون{‪:‬‬
‫بل }يعلم ما ي ُ ِ‬
‫م بذات الصدور{؛‬
‫منها‪ ،‬بل ما هو أبلغُ من ذلك‪ ،‬وهو‪} :‬إنه علي ٌ‬
‫أي‪ :‬بما فيها من الرادات والوساوس والفكار التي لم ينطقوا بها‬
‫سّرا ول جهرًا؛ فكيف تخفى عليه حالكم إذا ثنيتم صدوركم‬
‫لتستخفوا منه؟!‬
‫ن المعنى في هذا‪ :‬أن الّله يذكر إعراض المك ّ‬
‫ذبين‬
‫وُيحتمل أ ّ‬
‫دة إعراضهم ي َْثنون‬
‫للرسول‪ ،‬الغافلين عن دعوته‪ ،‬أّنهم من ش ّ‬
‫حد َوِْدبون حين يرون الرسول؛ لئل ّ يراهم‬
‫صدورهم؛ أي‪َ :‬يـ ْ‬
‫مَعهم دعوته ويع َ‬
‫ظهم بما ينفعهم؛ فهل فوق هذا العراض‬
‫س ِ‬
‫وي ُ ْ‬
‫عدهم بعلمه تعالى بجميع أحوالهم وأنهم ل يخفون‬
‫شيء؟! ثم تو ّ‬
‫عليه‪ ،‬وسيجازيهم بصنيعهم‪.‬‬
‫ﭿﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ‬
‫ﭢ ﭣ ﭾ‪.‬‬

‫ﭠ ﭡ‬

‫ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝﭞ ﭟ‬
‫)‪(1‬‬

‫ي‬
‫}‪ {6‬أي‪ :‬جميع ما د ّ‬
‫ب على وجه الرض من آدم ّ‬
‫فل بأرزاقهم وأقواتهم‪،‬‬
‫ي؛ فالّله تعالى قد تك ّ‬
‫ن ب َّريّ أو بحر ّ‬
‫وحيوا ٍ‬
‫(‬
‫‪2‬‬
‫)‬
‫عها{؛ أي‪ :‬يعلم‬
‫فرزُقهم على الّله‪} .‬ويعلم مستقّرها ومستوْد َ َ‬
‫ب‪ ،‬وهو المكان الذي تقيم فيه وتستقّر فيه‬
‫مستقّر هذه الدوا ّ‬
‫ن الذي تنتقل إليه في ذهابها‬
‫وتأوي إليه‪ ،‬ومستود ُ‬
‫عها المكا ُ‬
‫ومجيئها وعوارض أحوالها‪} .‬كـ ّ‬
‫ل{‪ :‬من تفاصيل أحوالها }في‬
‫ن{؛ أي‪ :‬في اللوح المحفوظ‪ ،‬المحتوي على جميع‬
‫كتا ٍ‬
‫ب مبي ٍ‬
‫الحوادث الواقعة‪ ،‬والتي تقع في السماوات والرض‪ ،‬الجميع قد‬
‫أحاط بها علم الّله‪ ،‬وجرى بها قلمه‪ ،‬ونفذت فيها مشيئته ووسعها‬
‫ف َ‬
‫ل بأرزاقها‪ ،‬وأحاط‬
‫ن القلوب إلى كفاية من تك ّ‬
‫رزقه؛ فلتطمئ ّ‬
‫علما ً بذواتها وصفاتها‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫ في )ب(‪» :‬أو«‪.‬‬‫‪ -‬في )ب(‪» :‬فرزقها«‪.‬‬

‫ﭿ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳﭴ ﭵ‬
‫ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ‬
‫ﮚ ﮛ ﮜ‬
‫ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ‬
‫ﭾ‪.‬‬
‫ض في سّتة‬
‫}‪ {7‬يخبر تعالى أنه } َ‬
‫خل َقَ السمـوا ِ‬
‫ت والر َ‬
‫أيام{‪ :‬أولها يوم الحد‪ ،‬وآخُرها يوم الجمعة‪} .‬و{ حين خلق‬
‫ض‪} ،‬كان عر ُ‬
‫ه على الماء{‪ :‬فوق السماء‬
‫السماوا ِ‬
‫ش ُ‬
‫ت والر َ‬
‫السابعة؛ فبعد أن خلقَ السماوات والرض؛ استوى على عرشه‪،‬‬
‫يدّبر المور ويصّرفها كيف شاء من الحكام القدرّية والحكام‬
‫ن عم ً‬
‫حَنكم‬
‫ل{؛ أي‪ :‬ليمت َ ِ‬
‫وكم أّيكم أحس ُ‬
‫الشرعّية‪ .‬ولهذا قال‪} :‬ل ِي َب ْل ُ َ‬
‫خل َقَ لكم ما في السماوات والرض بأمره ونهيه‪ ،‬فينظر أّيكم‬
‫إذ َ‬
‫ن عم ً‬
‫صه وأصوُبه‪.‬‬
‫ل‪ .‬قال الفضيل بن ِ‬
‫عياض رحمه الّله‪ :‬أخل ُ‬
‫أحس ُ‬
‫ن العمل إذا كان‬
‫قيل‪ :‬يا أبا علي! ما أخلصه وأصوبه؟ فقال‪ :‬إ ّ‬
‫ل‪ ،‬وإذا كان صوابا ً ولم يكن خالصا؛ً‬
‫قب َ ْ‬
‫خالصا ً ولم يكن صوابًا؛ لم ي ُ ْ‬
‫قب َ ْ‬
‫ل‪ ،‬حتى يكون خالصا ً صوابًا‪ .‬والخالص‪ :‬أن يكون لوجه الّله‪،‬‬
‫لم ي ُ ْ‬
‫سنة‪ .‬وهذا كما قال‬
‫والصواب‪ :‬أن يكون مت ِّبعا ً فيه الشرع وال ّ‬
‫ن{‪ ،‬وقال تعالى‪:‬‬
‫ت ال ِ‬
‫تعالى‪} :‬وما خلق ُ‬
‫ن والنس إل ليعبدو ِ‬
‫ج ّ‬
‫ن ي َت َن َّز ُ‬
‫ل المر‬
‫ه الذي خلق سبع سمـوا ٍ‬
‫}الل ّ ُ‬
‫ت ومن الرض مثل َهُ ّ‬
‫ل شيٍء قديٌر وأن الّله قد أحا َ‬
‫ط بك ّ‬
‫ن الّله على ك ّ‬
‫ل‬
‫ن ل ِت َْعلموا أ ّ‬
‫بيَنه ّ‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫شيٍء علما{‪ :‬فالله تعالى خلق الخلق لعبادته ومعرفته بأسمائه‬
‫مَر به؛ فهو من‬
‫دى ما أ ِ‬
‫وصفاته‪ ،‬وأمرهم بذلك؛ فمن انقاد وأ ّ‬
‫المفلحين‪ ،‬ومن أعرض عن ذلك؛ فأولئك هم الخاسرون‪ ،‬ول بد ّ‬
‫مَعهم في دار يجازيهم على ما أمرهم به ونهاهم‪ .‬ولهذا ذكر‬
‫أن يج َ‬
‫ت إّنكم مبعوثون‬
‫الّله تكذيب المشركين بالجزاء‪ ،‬فقال‪} :‬ولئن قل َ‬
‫ن{؛ أي‪:‬‬
‫ن الذين كفروا إ ْ‬
‫ن هذا إل ّ سحٌر مبي ٌ‬
‫من بعد ِ الموت َليقول َ ّ‬
‫دقوك‪ ،‬بل‬
‫ت لهؤلء وأخبرَتهم بالبعث بعد الموت؛ لم يص ّ‬
‫ولئن قل َ‬
‫)‪(1‬‬
‫ك ّ‬
‫ن هذا‬
‫ذبوك أشد ّ التكذيب ‪ ،‬وقدحوا فيما جئت به‪ ،‬وقالوا‪} :‬إ ْ‬
‫مبين{‪ :‬أل وهو الحقّ المبين‪.‬‬
‫إل سحٌر ُ‬
‫ة{؛ أي‪ :‬إلى‬
‫نأ ّ‬
‫مةٍ معدود ٍ‬
‫خْرنا عنهم العذا َ‬
‫ب إلى أ ّ‬
‫}‪} {8‬ولئ ْ‬
‫در فتباطؤوه‪ ،‬لقالوا من جهلهم وظلمهم‪} :‬ما‬
‫وقت مق ّ‬
‫ن هذا تكذيُبهم به؛ فإنهم يستدّلون بعدم‬
‫سه{؟! ومضمو ُ‬
‫يحب ِ ُ‬
‫وقوعه بهم عاجل ً على كذب الرسول المخبر بوقوع العذاب؛ فما‬
‫ب ليس مصروفا ً‬
‫أبعد هذا الستدلل‪} .‬أل يوم يأتيهم العذا ُ‬
‫عنهم{‪ :‬فيتم ّ‬
‫كنون من النظر في أمرهم‪} ،‬وحاق بهم{؛ أي‪ :‬نزل‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬أشد ّ الكذب«‪.‬‬

‫ث تهاونوا به‪ ،‬حتى‬
‫زئون{‪ :‬من العذاب حي ُ‬
‫}ما كانوا به يسته ِ‬
‫ن جاء به‪.‬‬
‫َ‬
‫جَزموا بكذب َ‬
‫م ْ‬

‫ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮮ ﮯ‬
‫ﭿﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ‬
‫ﮰ ﮱ ﯓﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﭾ ‪.‬‬
‫}‪ 9‬ـ ‪ {10‬يخبر تعالى عن طبيعة النسان أنه جاه ٌ‬
‫م‪:‬‬
‫ل ظال ٌ‬
‫ة كالصحة والرزق والولد ونحو ذلك‪،‬‬
‫ن الّله إذا أذاقه منه رحم ً‬
‫بأ ّ‬
‫ثم نزعها منه؛ فإّنه يستسلم لليأس وينقاد ُ للقنوط؛ فل يرجو‬
‫دها أو مثلها أو خيرا ً منها‬
‫ن الّله سير ّ‬
‫ب الّله ول يخط ُُر بباله أ ّ‬
‫ثوا َ‬
‫سْته‪ ،‬أنه يفرح وي َب ْط َُر‬
‫عليه‪ ،‬وأّنه إذا أذاقه رحم ً‬
‫ة من بعد ضّراء م ّ‬
‫ت عّني إّنه‬
‫ن أنه سيدوم له ذلك الخير ويقول‪} :‬ذ َهَ َ‬
‫ب السيئا ُ‬
‫ويظ ّ‬
‫ح فخوٌر{؛ أي‪ :‬يفرح بما أوتي مما يوافق هوى نفسه‪ ،‬فخوٌر‬
‫لفر ٌ‬
‫بنعم الّله على عباد الّله‪ ،‬وذلك يحمله على الشر والبطر‬
‫ي‬
‫والعجاب بالنفس والتكّبر على الخلق واحتقارهم وازدرائهم‪ ،‬وأ ّ‬
‫ب أشد ّ من هذا؟!‬
‫عي ٍ‬
‫ن وّفقه الّله‬
‫}‪ {11‬وهذه طبيعة النسان من حيث هو؛ إل َ‬
‫م ْ‬
‫ده‪ ،‬وهم الذين صّبروا‬
‫وأخرجه من هذا الـ ُ‬
‫خُلق الذميم إلى ض ّ‬
‫أنفسهم عند الضراِء فلم ييأسوا‪ ،‬وعند السراء فلم يبطروا‪،‬‬
‫وعملوا الصالحات من واجبات ومستحّبات‪} .‬أولئك لهم مغفرة{؛‬
‫لذنوبهم يزول بها عنهم كل محذور‪} ،‬وأجر كبير{؛ وهو الفوز‬
‫ت النعيم التي فيها ما تشتهيه النفس‪ ،‬وتلذ ّ العين‪.‬‬
‫بجنا ِ‬
‫ﯷ ﯷ ﯷ‬
‫ﯪﯧﯧ ﯫﯧﯧ ﯬﯧﯧ ﯭﯧﯧ ﯮﯧﯧ ﯯﯧﯧ ﯰﯧﯧ ﯱﯧﯧ ﯷ‬
‫ﭿﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ‬
‫ﯿ ﯷ ﯷ ﭑ ﭒ ﭓﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ‬
‫ﯷﯷ ﯷ ﯷ ﯷﯷ ﯼ ﯽ ﯾ‬
‫ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ‬
‫ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ‬
‫ﭰ ﭱﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭾ ‪.‬‬
‫ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ‬
‫}‪ {12‬يقول تعالى مسليا ً لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم‬
‫عن تكذيب المكذبين‪} :‬فلعّلك تار ٌ‬
‫ق‬
‫ض ما يوحى إليك وضائ ٌ‬
‫ك بع َ‬
‫به صدُرك أن يقولوا لول أنزِ َ‬
‫ل عليه كنٌز{؛ أي‪ :‬ل ينبغي هذا‬
‫ض‬
‫لمثلك؛ أن قولهم يؤّثر فيك ويص ّ‬
‫دك عما أنت عليه‪ ،‬فتترك بع َ‬
‫ما يوحى إليك‪ ،‬ويضيق صدرك لتعّنتهم بقولهم‪} :‬لول ُأنزِ َ‬
‫ل عليه‬
‫مل َ ٌ‬
‫ت وظلم‬
‫ن هذا القول ناشىء من تعن ّ ٍ‬
‫ك{‪ :‬فإ ّ‬
‫كنٌز أو جاء معه َ‬
‫ّ‬
‫ض على أمرك‪ ،‬ول‬
‫ل وجه ٍ‬
‫وعناد ٍ وضل ٍ‬
‫ل بمواقع الحجج والدلة؛ فام ِ‬
‫دك هذه القوا ُ‬
‫ه‪ ،‬ول‬
‫ل الركيك ُ‬
‫ة التي ل تـصـد ُُر إل من سفي ٍ‬
‫تص ّ‬
‫جة ل تستطيع حّلها؟! أم‬
‫يضيق لذلك صدرك؛ فهل أوردوا عليك ح ّ‬
‫قدحوا ببعض ما جئت به قدحا ً يؤّثر فيه وينقص قدره فيضيق‬
‫م َ‬
‫ب بهدايتهم جبرًا؟! }إنما‬
‫طال َ ٌ‬
‫صدرك لذلك؟! أم عليك حساُبهم و ُ‬

‫ل{‪ :‬فهو الوكيل عليهم‪ ،‬يحف ُ‬
‫ل شيٍء وكي ٌ‬
‫أنت نذيٌر والّله على ك ّ‬
‫ظ‬
‫م الجزاء‪.‬‬
‫أعمالهم‪ ،‬ويجازيهم بها أت ّ‬
‫}‪} {13‬أم يقولون افتراه{؛ أي‪ :‬افترى محمد ٌ هذا القرآن‪،‬‬
‫فأجابهم بقوله‪} :‬ق ْ‬
‫ل{‪ :‬لهم‪} :‬فأتوا بعشر سورٍ مثله مفتريات‬
‫ن است َط َعُْتم من دون الّله إن كنُتم صادقين{؛ أي‪ :‬إنه قد‬
‫وادعوا َ‬
‫م ِ‬
‫افتراه؛ فإّنه ل فرق بينكم وبينه في الفصاحة والبلغة‪ ،‬وأنُتم‬
‫قا الحريصون بغاية ما يمكنكم على إبطال دعوته فإن‬
‫العداء ح ّ‬
‫كنتم صادقين فأتوا بعشر سورٍ مثله مفتريات!‬
‫}‪} {14‬فإن لم يستجيبوا لكم{‪ :‬على شيٍء من ذلكم‪،‬‬
‫}فاعلموا أّنما أنزِ َ‬
‫ل بعلم الله{‪ :‬من عند الله )‪ (1‬؛ لقيام الدليل‬
‫والمقتضي وانتفاء المعاِرض‪} .‬وأن ل إله إل هو{؛ أي‪ :‬واعلموا‬
‫أنه ل إله إل هو؛ أي‪ :‬هو ]وحده[ المستحقّ لللوهّية والعبادة‪.‬‬
‫ن{؛ أي‪ :‬منقادون للوهيته‪ ،‬مستسلمون‬
‫}فهل أنتم مسلمو َ‬
‫لعبوديته‪.‬‬
‫داعي إلى الّله أن‬
‫وفي هذه اليات إرشاد ٌ إلى أنه ل ينبغي لل ّ‬
‫ح القادحين‪ ،‬خصوصا ً إذا كان‬
‫ض المعترضين ول قد ُ‬
‫يص ّ‬
‫ده اعترا ُ‬
‫القدح ل مستند َ له ول يقدح فيما دعا إليه‪ ،‬وأنه ل يضيق صدُره‪،‬‬
‫ن بذلك‪ ،‬ماضيا ً على أمره‪ ،‬مقبل ً على شأنه‪ ،‬وأنه ل يجب‬
‫بل يطمئ ّ‬
‫ة‬
‫إجابة اقتراحات المقترحين للدّلة التي يختارونها‪ ،‬بل يكفي إقام ُ‬
‫الدليل السالم عن المعارض على جميع المسائل والمطالب‪.‬‬
‫جٌز بنفسه‪ ،‬ل يقدر أحد ٌ من البشر‬
‫وفيها ‪ :‬أن هذا القرآن مع ِ‬
‫ن‬
‫أن يأتي بمثله‪ ،‬ول بعشر سورٍ مثله‪ ،‬بل ول بسورة من مثله؛ ل ّ‬
‫داهم الّله بذلك‪ ،‬فلم يعارضوه؛ لعلمهم‬
‫العداء البلغاء الفصحاء تح ّ‬
‫أّنهم ل قدرة فيهم على ذلك‪.‬‬
‫م‬
‫م ول يكفي غلب َ‬
‫وفيها ‪ :‬أن مما ي ُط ْل َ ُ‬
‫ن‪ ،‬عل ُ‬
‫ب فيه العِل ْ ُ‬
‫ة الظ ّ‬
‫م التوحيد؛ لقوله تعالى‪} :‬فاعلموا أّنما أنزل بعلم الّله‬
‫القرآن وعل ُ‬
‫وأن ل إله إل هو{‪.‬‬
‫ﭿﭷ ﭸ‬
‫ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ‬

‫ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ‬
‫ﮗ ﭾ‪.‬‬
‫ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ‬
‫ﮍﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ‬

‫دنيا وزينَتها{؛‬
‫}‪ {15‬يقول تعالى‪} :‬من كان يريد الحياة ال ّ‬
‫أي‪ :‬ك ّ‬
‫دنيا وعلى زينتها من النساء‬
‫ل إرادته مقصورة ٌ على الحياة ال ّ‬
‫ومة‬
‫والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المس ّ‬
‫ه في هذه‬
‫ه وعمل َ ُ‬
‫والنعام والحرث‪ ،‬قد صرف رغبته وسعي َ ُ‬
‫‪ - 1‬في )ب(‪» :‬فاعلموا أنما أنزل بعلم الله« وقد شطب الشيخ من )ب(‬
‫قوله‪» :‬من عند الله«‪.‬‬

‫الشياء‪ ،‬ولم يجع ْ‬
‫ل لدار القرار من إرادته شيئًا؛ فهذا ل يكون إل‬
‫كافرًا؛ لّنه لو كان مؤمنًا؛ لكان ما معه من اليمان يمنُعه أن‬
‫سر له من‬
‫تكون جميع إرادت ِهِ للدار ال ّ‬
‫دنيا‪ ،‬بل نفس إيمانه وما تي ّ‬
‫ي الذي‬
‫ن‪ ،‬هذا الشق ّ‬
‫العمال أثٌر من آثار إرادت ِهِ الداَر الخرة‪ ،‬ولك ْ‬
‫ف إليهم أعمالهم فيها{؛ أي‪ :‬نعطيهم‬
‫كأنه ُ‬
‫خل ِقَ للدنيا وحدها‪} ،‬نو ّ‬
‫دنيا‪} .‬وهم فيها ل‬
‫ما قُ ِ‬
‫م الكتاب من ثواب ال ّ‬
‫م لهم في أ ّ‬
‫س َ‬
‫ن هذا منتهى‬
‫خسون{؛ أي‪ :‬ل ي ُن ْ َ‬
‫ي ُب ْ َ‬
‫قصون شيئا ً مما قُد َّر لهم‪ ،‬ولك ْ‬
‫نعيمهم‪.‬‬
‫}‪} {16‬أولئك الذين ليس لهم في الخرة إل ّ الناُر{‪:‬‬
‫خالدين فيها أبدًا‪ ،‬ل يفتر عنهم العذاب‪ ،‬وقد حرموا جزيل الثواب‪.‬‬
‫حب ِ َ‬
‫ط ما صنعوا فيها{؛ أي‪ :‬في الدنيا؛ أي‪ :‬بطل‪ ،‬واضمح ّ‬
‫ل ما‬
‫}و َ‬
‫عملوه مما يكيدون به الحقّ وأهله‪ ،‬وما عملوه من أعمال الخير‬
‫التي ل أساس لها‪ ،‬ول وجود لشرطها وهو اليمان‪.‬‬
‫ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ‬
‫ﭿﮘ ﮙ‬
‫ﮨ ﮩ ﮪﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙﯚ ﯛ ﯜ‬
‫ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﭾ‪.‬‬

‫ﮤ ﮥ ﮦﮧ‬
‫ﯝ ﯞ ﯟ‬

‫}‪ {17‬يذكر تعالى حال رسوله محمد صلى الله عليه وسلم‬
‫ومن قام مقامه من ورثته القائمين بدينه‪ .‬وحججه الموقنين‬
‫بذلك‪ ،‬وأنهم ل يوصف بهم غيرهم‪ ،‬ول يكون أحد ٌ مثلهم‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫}أفمن كان على بّينةٍ من رّبه{‪ :‬بالوحي الذي أنزل )‪ (1‬الّله فيه‬
‫قن تلك البّينة‪} ،‬ويتلوه{؛‬
‫مة ودلئلها الظاهرة‪ ،‬فتي ّ‬
‫المسائل المه ّ‬
‫ن آخُر‪} ،‬شاهد ٌ منه{‪ :‬وهو‬
‫أي‪ :‬يتلو هذه البينة والبرهان برها ٌ‬
‫ة ما‬
‫شاهد ُ الفطرة المستقيمة والعقل الصحيح‪ ،‬حين شهد حقيق َ‬
‫أوحاه الّله و َ‬
‫ه فازداد بذلك إيمانا ً إلى‬
‫م بعقله ُ‬
‫ح ْ‬
‫سن َ ُ‬
‫ه وع َل ِ َ‬
‫شَرع َ ُ‬
‫ب موسى{‪ :‬التوراة التي‬
‫م شاهد ٌ ثال ٌ‬
‫ث؛ وهو }كتا ُ‬
‫إيمان ِهِ }و{ ث َ ّ‬
‫ة{ لهم‪ ،‬يشهد لهذا القرآن‬
‫جعلها الّله }إمامًا{ للناس }ورحم ً‬
‫ن كان بهذا‬
‫بالصدق ويوافقه فيما جاء به من الح ّ‬
‫ق؛ أي‪ :‬أفم ْ‬
‫ت لديه أدُلة‬
‫ت عليه شواهد ُ اليمان وقام ْ‬
‫الوصف‪ ،‬قد توارد ْ‬
‫ّ‬
‫اليقين؛ كمن هو في الظلمات والجهالت ليس بخارج منها؟ ل‬
‫يستوون عند الّله ول عند عباد الّله‪} .‬أولئك{؛ أي‪ :‬الذين وّفقوا‬
‫لقيام الدّلة عندهم‪ ،‬يؤمنون بالقرآن حقيقة‪ ،‬فيثمر لهم إيمانهم‬
‫ك ّ‬
‫ل خيرٍ في الدنيا والخرة‪.‬‬
‫فْر به{؛ أي‪ :‬القرآن‪} ،‬من الحزاب{؛ أي‪ :‬سائر‬
‫}ومن يك ُ‬
‫طوائف أهل الرض المتحّزبة على رد ّ الحق‪} ،‬فالنار موعده{‪ :‬ل‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬أنزله«‪.‬‬

‫بد ّ من وروده إليها‪} ،‬فل ت ُ‬
‫مريةٍ ]منه[{؛ أي‪ :‬في أدنى‬
‫ك في ِ‬
‫ن أكثر الناس ل يؤمنون{‪ :‬إما جهل ً‬
‫ش ّ‬
‫ك‪} .‬إّنه الحقّ من رّبك ولك ّ‬
‫منهم وضل ً‬
‫ده‬
‫ل‪ ،‬وإما ظلما ً وعنادا ً وبغيًا‪ ،‬وإل ّ ؛ فمن كان قص ُ‬
‫ن به؛ لّنه يرى ما يدعوه‬
‫حسنا ً وفَهْ ُ‬
‫مه مستقيمًا؛ فل بد ّ أن يؤم َ‬
‫إلى اليمان من ك ّ‬
‫ل وجه‪.‬‬
‫ﭿ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪﯧﯧ ﯫﯧﯧﯬﯧﯧ ﯭﯧﯧ ﯮﯧﯧ ﯯﯧﯧ‬
‫ﯷ ﯷ ﯷ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ‬
‫ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ‬
‫ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ‬
‫ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ‪.‬‬

‫ﯰﯧﯧ‬
‫ﯷ‬
‫ﭝ‬
‫ﭰ‬

‫ﯱﯧﯧ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷﯷ‬
‫ﯷ ﭑ‬
‫ﯷ ﯷ ﰈ ﰉ‬
‫ﭞﭟ ﭠ ﭡ ﭢﭣ ﭤ ﭥ‬
‫ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ‬

‫من افترى على الّله‬
‫م مـ ّ‬
‫}‪ {18‬يخبر تعالى أنه ل أحد }أظل ُ‬
‫كذبًا{‪ :‬ويدخل في هذا ك ّ‬
‫ل من كذب على الّله بنسبة الشريك له‪،‬‬
‫فه بما ل َيليق بجلله‪ ،‬أو الخبار عنه بما لم يق ْ‬
‫ل‪ ،‬أو ادعاء‬
‫ص َ‬
‫أو وَ َ‬
‫وة‪ ،‬أو غير ذلك من الكذب على الّله؛ فهؤلء أعظم الناس‬
‫النب ّ‬
‫ن على رّبهم{‪ :‬ليجازَِيهم بظلمهم؛ فعندما‬
‫ظلمٌا‪} .‬أولئك ي ُعَْرضو َ‬
‫يح ُ‬
‫كم عليهم بالعقاب الشديد؛ }يقو ُ‬
‫د{؛ أي‪ :‬الذين شهدوا‬
‫ل الشها ُ‬
‫عليهم بافترائهم وكذبهم‪} :‬هؤلء الذين ك َ َ‬
‫ذبوا على رّبهم أل لعنة‬
‫ن ظلمهم صار وصفا ً‬
‫الّله على الظالمين{؛ أي‪ :‬لعنة ل تنقطع؛ ل ّ‬
‫لهم ملزمًا‪ ،‬ل يقبل التخفيف‪.‬‬
‫دون عن سبيل‬
‫}‪ {19‬ثم وصف ظلمهم فقال‪} :‬الذين يص ّ‬
‫دوا بأنفسهم عن سبيل الّله‪ ،‬وهي سبيل الرسل التي‬
‫الّله{‪ :‬فص ّ‬
‫دوا غيَرهم عنها‪ ،‬فصاروا أئمة يدعون إلى‬
‫دعوا الناس إليها‪ ،‬وص ّ‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫النار }ويبغوَنها{؛ أي‪ :‬سبيل الله }عوجا{؛ أي‪ :‬يجتهدون في‬
‫ميلها وتشيينها وتهجينها؛ لتصير عند الناس غير مستقيمة‪،‬‬
‫ق؛ قّبحهم الّله‪} .‬وهم بالخرة‬
‫فيح ّ‬
‫سنون الباطل؛ ويقّبحون الح ّ‬
‫هم كافرون{‪.‬‬
‫زين في الرض{؛ أي‪ :‬ليسوا‬
‫}‪} {20‬أولئك لم يكونوا معج ِ‬
‫من‬
‫فائتين الّله؛ لنهم تحت قبضته وفي سلطانه‪} ،‬وما كان لهم ِ‬
‫صلون لهم ما‬
‫ن الّله من أولياء{‪ :‬فيدفعون عنهم المكروه َ أو يح ّ‬
‫دو ِ‬
‫ينفعهم‪ ،‬بل تق ّ‬
‫ب{؛ أي‪:‬‬
‫طعت بهم السباب‪} .‬يضاع ُ‬
‫ف لهم العذا ُ‬
‫يغّلظ ويزداد؛ لّنهم ضلوا بأنفسهم وأضّلوا غيرهم‪} .‬ما كانوا‬
‫يستطيعون السمع{؛ أي‪ :‬من بغضهم للحقّ ونفورهم عنه‪ ،‬ما‬
‫ت الّله سماعا ً ينتفعون به؛ }فما‬
‫كانوا يستطيعون أن يسمعوا آيا ِ‬
‫ت من‬
‫فَر ٌ‬
‫سَتن ِ‬
‫ن‪ .‬كأّنهم ُ‬
‫م ْ‬
‫ة‪ .‬فّر ْ‬
‫مٌر ُ‬
‫حـ ُ‬
‫لهم عن الت ّذ ْك َِرةِ معرضي َ‬
‫صرون{؛ أي‪ :‬ينظرون نظر عبرة وتف ّ‬
‫كر‬
‫ورة{‪} ،‬وما كانوا يب ِ‬
‫قَ ْ‬
‫س َ‬
‫م البكم الذين ل يعقلون‪.‬‬
‫فيما ينفعهم‪ ،‬وإنما هم كالص ّ‬

‫وتوها أعظم‬
‫}‪} {21‬أولئك الذين خسروا أنفسهم{‪ :‬حيث ف ّ‬
‫قوا أشد ّ العذاب‪} ،‬وض ّ‬
‫ل عنهم ما كانوا يفترون{؛‬
‫الثواب واستح ّ‬
‫أي‪ :‬اضمح ّ‬
‫ن عنهم‬
‫ل ديُنهم الذي يدعون إليه ويح ّ‬
‫سنونه‪ ،‬ولم تغ ِ‬
‫ما جاء أمُر رّبك‪.‬‬
‫آلهُتهم التي يعبدون من دون الّله لـ ّ‬
‫قا وصدقًا‪} ،‬أنهم في الخرة هم‬
‫}‪} {22‬ل جرم{؛ أي‪ :‬ح ّ‬
‫ده؛ لشدة‬
‫الخسرون{‪ :‬حصر الخسار فيهم‪ ،‬بل جعل لهم منه أش ّ‬
‫قة من العذاب‪،‬‬
‫حسرتهم وحرمانهم وما يعانون من المش ّ‬
‫فنستجير بالّله من حالهم‪.‬‬
‫ولما ذكر حال الشقياء؛ ذكر أوصاف السعداء وما لهم عند‬
‫الّله من الثواب‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫ﭿ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ‬
‫ﮒ ﮓ ﮔﮕ ﮖ ﮗ ﮘﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﭾ ‪.‬‬
‫ن الذين آمنوا{‪ :‬بقلوبهم؛ أي‪:‬‬
‫}‪ {23‬يقول تعالى‪} :‬إ ّ‬
‫صدقوا واعترفوا لما أمر الّله باليمان به من أصول الدين‬
‫وقواعده‪} ،‬وعملوا الصالحات{‪ :‬المشتملة على أعمال القلوب‬
‫خَبتوا إلى رّبهم{؛ أي‪ :‬خضعوا له‬
‫والجوارح وأقوال اللسان‪} ،‬وأ ْ‬
‫واستكانوا لعظمته وذلوا لسلطانه‪ ،‬وأنابوا إليه بمحبته وخوفه‬
‫ورجائه والتضّرع إليه‪} .‬أولئك{‪ :‬الذين جمعوا تلك الصفات‪،‬‬
‫ب الجنة هم فيها خالدون{‪ :‬لنهم لم يتركوا من الخير‬
‫}أصحا ُ‬
‫سَبقوا إليه‪.‬‬
‫مطلبا ً إل أدركوه‪ ،‬ول خيرا ً إل َ‬
‫مث َ ُ‬
‫ل الفريقين{؛ أي‪ :‬فريق الشقياء وفريق‬
‫}‪َ } {24‬‬
‫م{‪ :‬هؤلء الشقياء‪} .‬والبصير‬
‫السعداء‪} ،‬كالعمى والص ّ‬
‫ل{؟ ل يستوون مث ً‬
‫مَثل السعداء‪} .‬هل يستويان مث ً‬
‫ل‪،‬‬
‫والسميع{‪َ :‬‬
‫فْرق ما ل يأتي عليه الوصف‪} .‬أفل ت َذ َ ّ‬
‫كرون{‪:‬‬
‫بل بينهما من ال َ‬
‫العمال التي تنفعكم فتفعلونها‪ ،‬والعمال التي تضّركم فتتركونها‪.‬‬
‫ﭿ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫﮬ ﮭ ﮮﮮ ﮯ ﮰ‬
‫ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ‬
‫ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ‬
‫ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯼ‬
‫ﯪﯧﯧ ﯫﯧﯧ ﯬﯧﯧ ﯭﯧﯧ ﯮﯧﯧ ﯯﯧﯧ ﯰﯧﯧ ﯱﯧﯧ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ‬
‫ﯷ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕﭖ ﭗ ﭘ ﭙ‬
‫ﯽ ﯾ ﯿ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ‬
‫ﭚ ﭛﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ‬
‫ﭮ ﭯ ﭰ ﭱﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ‬
‫ﮕ ﮖ‬
‫ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑﮒ ﮓ ﮔ‬
‫ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ‬
‫ﯜ ﯝ‬
‫ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ‬
‫ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ‬
‫ﯞ ﯟﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨﯩ ﯪﯧﯧ ﯫﯧﯧ ﯬﯧﯧ ﯭﯧﯧ ﯮﯧﯧ ﯯﯧﯧ ﯰﯧﯧ ﯱﯧﯧ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ‬

‫ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ‬
‫ﯽ ﯾ ﯿ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ‬
‫ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯼ‬
‫ﰉ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﰎﯷ ﯷ ﯷ ﰒ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ‬
‫ﰈ‬
‫ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ‬
‫ﭚﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ‬
‫ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ‬
‫ﮒ ﮓ‬
‫ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ‬
‫ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ‬
‫ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ‬
‫ﮔﮕ ﮖ‬
‫ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ‬
‫ﯞ ﯟ ﯠ ﯡﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪﯧﯧ ﯫﯧﯧ ﯬﯧﯧ ﯭﯧﯧ ﯮﯧﯧ ﯯﯧﯧ ﯰﯧﯧ ﯱﯧﯧ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷﯷ‬
‫ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﰈ ﰉ ﯷ‬
‫ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﯷ ﯷ ﯷ‬
‫ﭙ ﭚ ﭛﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ‬
‫ﭔ ﭕ ﭖﭗ ﭘ‬
‫ﯷ ﯷ ﭑ ﭒ ﭓ‬
‫ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ‬
‫ﭣﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ‬
‫ﭢ‬
‫ﭴ ﭵ ﭶ ﭷﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ‬
‫ﮉ ﮊ ﮋﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚﮛ ﮜ‬
‫ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤﮥ ﮦﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﭾ ‪.(1) .‬‬
‫ﮝ‬
‫}‪ {25‬أي‪} :‬ولقد أرسْلنا نوحًا{‪ :‬أول المرسلين }إلى‬
‫قومه{‪ :‬يدعوهم إلى الله وينهاهم عن الشرك‪ ،‬فقال‪} :‬إني لكم‬
‫ت لكم ما أنذرتكم به بيانا ً زال به الشكال‪.‬‬
‫ن{؛ أي‪ :‬بين ُ‬
‫نذيٌر مبي ٌ‬
‫}‪} {26‬أن ل تعُبدوا إل ّ الّله{؛ أي‪ :‬أخلصوا العبادة لّله‬
‫وحده‪ ،‬واتركوا ك ّ‬
‫ف عليكم‬
‫ل ما ُيعبد من دون الّله‪} .‬إني أخا ُ‬
‫ن لم تقوموا بتوحيد الّله وتطيعوني‪.‬‬
‫ب يوم أليم{‪ :‬إ ْ‬
‫عذا َ‬
‫ه{؛ أي‪ :‬الشراف‬
‫}‪} {27‬فقال المل الذين ك َ َ‬
‫م ِ‬
‫فروا من قو ِ‬
‫ت العادة‬
‫جَر ِ‬
‫دين لدعوة نوح عليه السلم كما َ‬
‫والرؤساء را ّ‬
‫من رد ّ دعوة المرسلين }ما نراك إل بشرا ً‬
‫لمثالهم أّنهم أول َ‬
‫مثَلنا{‪ :‬وهذا مانعٌ بزعمهم عن اّتباعه‪ ،‬مع أنه في نفس المر هو‬
‫ن البشر يتم ّ‬
‫قوا‬
‫كن البشُر أن يتل ّ‬
‫ب الذي ل ينبغي غيره؛ ل ّ‬
‫الصوا ُ‬
‫عنه ويراجعوه في ك ّ‬
‫ر؛ بخلف الملئكة‪} .‬وما نراك اّتبعك إل‬
‫ل أم ٍ‬
‫الذين هم أراذ ُِلنا{؛ أي‪ :‬ما نرى اّتبعك مّنا إل الراذ ُ‬
‫فلة ـ‬
‫س َ‬
‫ل وال ّ‬
‫ف وأهل العقول‪ ،‬الذين انقادوا‬
‫بزعمهم ـ وهم في الحقيقة الشرا ُ‬
‫ق‪ ،‬ولم يكونوا كالراذل الذين ُيقال لهم‪ :‬المل‪ ،‬الذين اّتبعوا‬
‫للح ّ‬
‫د‪ ،‬واّتخذوا آلهة من الحجر والشجر يتقّربون إليها‬
‫مري ٍ‬
‫كل شيطان َ‬
‫ويسجدون لها؛ فهل ترى أرذل من هؤلء وأخس؟! وقولهم‪:‬‬
‫}باد ِيَ الرأي{؛ أي‪ :‬إنما اّتبعوك من غير تف ّ‬
‫كر وروّية‪ ،‬بل بمجّرد‬
‫ما دعوتهم اّتبعوك؛ يعنون بذلك أنهم ليسوا على بصيرةٍ من‬
‫ة العقول‪،‬‬
‫ن تدعو إليه بداه ُ‬
‫أمرهم‪ ،‬ولم يعلموا أ ّ‬
‫ن الحقّ المبي َ‬
‫ققونه‪ ،‬ل كالمور‬
‫وبمجّرد ما يصل إلى أولي اللباب يعرفونه ويتح ّ‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪ :‬إلى آخر القصة‪.‬‬

‫مل وفكر طويل‪} .‬وما نرى لكم علينا‬
‫الخفّية التي تحتاج إلى تأ ّ‬
‫من فضل{؛ أي‪ :‬لستم أفضل منا فننقاد ُ لكم‪} ،‬بل نظّنكم‬
‫كاذبين{‪ :‬وكذبوا في قولهم هذا؛ فإّنهم رأوا من اليات التي جعلها‬
‫م على صدقه‪.‬‬
‫ج ُ‬
‫ب لهم الجزم التا ّ‬
‫الّله مؤّيدة لنوح ما يو ِ‬
‫ح مجاوبًا‪} :‬يا قوم أرأيُتم إن‬
‫}‪ {28‬ولهذا }قال{ لهم نو ٌ‬
‫ت على بّينةٍ من رّبي{؛ أي‪ :‬على يقين وجزم؛ يعني‪ :‬وهو‬
‫كن ُ‬
‫ح ّ‬
‫ل في‬
‫الرسول الكامل القدوة‪ ،‬الذي ينقاد له أولو اللباب‪ ،‬وتضم ِ‬
‫قا؛ فإذا‬
‫جنب عقله عقول الفحول من الرجال‪ ،‬وهو الصادق ح ّ‬
‫قال‪ :‬إني على بّينة من رّبـي؛ فحسُبك بهذا القول شهادة ً له‬
‫ي وأرسلني‬
‫وتصديقًا‪} .‬وآتاني رحم ً‬
‫ة من عنده{؛ أي‪ :‬أوحى إلـ ّ‬
‫ت عليكم{؛ أي‪ :‬خفيت عليكم وبها‬
‫مي َ ْ‬
‫ي بالهداية‪} ،‬فعُ ّ‬
‫ن علـ ّ‬
‫وم ّ‬
‫ققناه‪ ،‬وشككتم‬
‫رهكم على ما تح ّ‬
‫تثاقلتم‪} ،‬أن ُل ْزِ ُ‬
‫مكموها{؛ أي‪ :‬أن ُك ْ ِ‬
‫ت به‪ ،‬ليس‬
‫أنتم فيه‪ .‬وأنتم كارهو َ‬
‫ن حّتى حرصُتم على رد ّ ما جئ ُ‬
‫من يقيننا فيه‪ ،‬ول قولكم وافتراؤكم‬
‫ذلك ضاّرنا‪ ،‬وليس بقادح ِ‬
‫دا لكم أنتم‬
‫ما كّنا عليه‪ ،‬وإّنما غايته أن يكون صا ّ‬
‫علينا صا ّ‬
‫دا لنا ع ّ‬
‫وموجبا ً لعدم انقيادكم للحقّ الذي تزعمون أّنه باطل؛ فإذا وصلت‬
‫الحال إلى هذه الغاية؛ فل نقدر على إكراهكم على ما أمر الّله‬
‫مكموها وأنتم لها‬
‫ول إلزامكم ما نفرُتم عنه‪ ،‬ولهذا قال‪} :‬أن ُل ْزِ ُ‬
‫كارهون{؟!‬
‫}‪} {29‬ويا قوم ل أسأُلكم عليه{؛ أي‪ :‬على دعوتي إياكم‬
‫}ما ً‬
‫ن أجرِيَ إل ّ على الّله{‪ :‬وكأنهم‬
‫ل{‪ :‬فتستثقلون المغرم‪} ،‬إ ْ‬
‫طلبوا منه طرد َ المؤمنين الضعفاء‪ ،‬فقال لهم‪} :‬وما أنا بطاردِ‬
‫قاهم‬
‫الذين آمنوا{؛ أي‪ :‬ما ينبغي لي ول َيليق بي ذلك‪ ،‬بل أتل ّ‬
‫بالّرحب والكرام والعزاز والعظام‪} ،‬إّنهم ملقو رّبهم{‪:‬‬
‫فمثيبهم على إيمانهم وتقواهم بجنات النعيم‪} .‬ولكّني أراكم قوما ً‬
‫تجهلون{‪ :‬حيث تأمرونني بطرد أولياء الّله وإبعادهم عّني‪ ،‬وحيث‬
‫ق‬
‫رددُتم الحقّ لنهم أتباعه‪ ،‬وحيث استدللتم على بطلن الح ّ‬
‫بقولكم‪ :‬إني بشٌر مثلكم‪ ،‬وإّنه ليس لنا عليكم من فضل‪.‬‬
‫صرني من الّله إن ط ََرد ُْتهم{؛ أي‪:‬‬
‫}‪} {30‬ويا قوم ِ َ‬
‫من ين ُ‬
‫ن طردهم موجب للعذاب والّنكال الذي‬
‫من يمنعني من عذاب ِ ِ‬
‫ه؛ فإ ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ن{‪ :‬ما هو النفع لكم‬
‫ل يمنعه من دون الله مانع‪} .‬أفل تذكرو َ‬
‫والصلح وتدّبرون المور؟!‬
‫ب ول‬
‫ن الّله ول أعلم الغي َ‬
‫}‪} {31‬ول أقول لكم عندي خزائ ُ‬
‫مل َ ٌ‬
‫ك{؛ أي‪ :‬غايتي أني رسو ُ‬
‫أقو ُ‬
‫ل الّله إليكم؛ أب ّ‬
‫شركم‬
‫ل إني َ‬
‫وأنذركم‪ ،‬وما عدا ذلك؛ فليس بيدي من المر شيء‪ ،‬فليست‬
‫من أشاء‪.‬‬
‫ن أشاء وأ ْ‬
‫حُر ُ‬
‫م َ‬
‫خزائن الّله عندي أدّبرها أنا وأعطي َ‬
‫م ْ‬

‫ركم وبواطنكم‪} ،‬ول أقو ُ‬
‫ل‬
‫م الغي َ‬
‫}ول أعل ُ‬
‫ب{‪ :‬فأخبركم بسرائ ِ ِ‬
‫ة‬
‫ة فوق رتبتي‪ ،‬ول منزل ً‬
‫دعي رتب ً‬
‫مَلك{‪ :‬والمعنى أني ل أ ّ‬
‫إني َ‬
‫سوى المنزلة التي أنزلني الّله بها‪ ،‬ول أحكم على الناس بظّني‪،‬‬
‫دري أعُينكم{؛ أي‪ :‬الضعفاء )‪ (1‬المؤمنين‬
‫فل }أقول للذين ت َْز َ‬
‫ه‬
‫الذين يحتقرهم المل الذين كفروا؛ }لن يؤتيهم الّله خيرا ً الل ّ ُ‬
‫ن في إيمانهم؛ فلهم‬
‫أعلم بما في أنف ِ‬
‫سهم{‪ :‬فإن كانوا صادقي َ‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫الخير الكثير‪ ،‬وإن كانوا غير ذلك؛ فحسابهم على الله‪} .‬إني إذا{؛‬
‫دم‪} ،‬لـمن ال ّ‬
‫ظالمين{‪ :‬وهذا تأييس‬
‫ما تق ّ‬
‫ت لكم شيئا ً م ّ‬
‫أي‪ :‬إن قل ُ‬
‫مهِ أن ينبذ َ فقراء المؤمنين أو‬
‫منه عليه الصلة والسلم لقو ِ‬
‫يمقتهم‪ ،‬وتقنيع لقومه بال ّ‬
‫طرق المقنعة للمنصف‪.‬‬
‫ف عما كان عليه من دعوتهم ولم‬
‫}‪ {32‬فلما رأوه ل ينك ّ‬
‫جدالنا‬
‫يدِركوا منه مطلوَبهم؛ }قالوا يا نو ُ‬
‫ت ِ‬
‫ح قد جاد َْلتنا فأكثر َ‬
‫ت من الصادقين{‪ :‬فما‬
‫ب[ }إ ْ‬
‫فأِتنا بما ت َعِ ُ‬
‫ن كن َ‬
‫دنا{ ]من العذا ِ‬
‫ّ‬
‫ث قالوا هذه المقالة لنّبيهم الناصح؛ فهل ّ‬
‫أجهلهم وأضلهم! حي ُ‬
‫ت علينا ودعوَتنا‬
‫قالوا إن كانوا صادقين‪ :‬يا نو ُ‬
‫ح! قد نصحَتنا وأشفق َ‬
‫إلى أمرٍ لم يتبيّـن لنا فنريد ُ منك أن تبّينه لنا لننقاد َ لك‪ ،‬وإل ّ فأنت‬
‫ي‬
‫مشكوٌر في نصحك؛ لكان هذا الجواب المنصف للذي قد د ُ ِ‬
‫ع َ‬
‫إلى أمرٍ خفي عليه‪ ،‬ولكنهم في قولهم كاذبون‪ ،‬وعلى نبيهم‬
‫دوه‬
‫دوا ما قاله بأدنى شبهةٍ فضل ً عن أن ير ّ‬
‫متجّرئون‪ ،‬ولم ير ّ‬
‫جة‪ ،‬ولهذا عدلوا من جهلهم وظلمهم إلى الستعجال بالعذاب‬
‫بح ّ‬
‫وتعجيز الّله‪.‬‬
‫ح عليه السلم بقوله‪} :‬إّنما يأتيكم‬
‫}‪ {33‬ولهذا أجابهم نو ٌ‬
‫ت مشيئته وحكمُته أن ي ُن ْزَِله بكم؛‬
‫به الّله إن شاَء{؛ أي‪ :‬إن اقتض ْ‬
‫جزين{‪ :‬لّله‪ ،‬وأنا ليس بيدي من المر‬
‫فعل ذلك‪} ،‬وما أنتم بمع ِ‬
‫شيٌء‪.‬‬
‫ح لكم إن كان‬
‫ص َ‬
‫تأ ْ‬
‫}‪} {34‬ول ينفعكم ُنصحي إ ْ‬
‫ن أرد ُ‬
‫ن أن َ‬
‫ة؛ فإّنه إذا أراد أن‬
‫الّله يريد ُ أن ي ُغْوَِيكم{؛ أي‪ :‬إن إرادة الّله غالب ٌ‬
‫م‬
‫يغوَِيكم لر ّ‬
‫ت لكم أت ّ‬
‫ت غاية مجهودي ونصح ُ‬
‫ق؛ فلو حرص ُ‬
‫م الح ّ‬
‫دك ُ‬
‫الّنصح ـ وهو قد فعل عليه السلم ـ؛ فـلـيس ذلك بنافع لكم شيئا‪ً.‬‬
‫ل بكم ما يشاء ويح ُ‬
‫}هو رّبكم{‪ :‬يفع ُ‬
‫د‪} ،‬وإليه‬
‫كم فيكم بما ُيري ُ‬
‫جعون{‪ :‬فيجازيكم بأعمالكم‪.‬‬
‫ت ُْر َ‬
‫ن افتراه{‪ :‬هذا الضمير محتم ٌ‬
‫ل أن يعود‬
‫}‪} {35‬أم يقولو َ‬
‫ن‬
‫ن المعنى‪ :‬إ ّ‬
‫إلى نوح كما كان السياق في قصت ِهِ مع قومه‪ ،‬وأ ّ‬
‫ب بالوحي الذي يزعم‬
‫قومه يقولون‪ :‬افترى على الّله كذبًا‪ ،‬وك َذ َ َ‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬لضعفاء«‪.‬‬

‫ن الّله أمره أن يقول‪} :‬ق ْ‬
‫ي‬
‫أّنه من الّله‪ ،‬وأ ّ‬
‫ن افتريُته فعلـ ّ‬
‫لإ ِ‬
‫رمون{؛ أي‪ :‬ك ّ‬
‫ل عليه وزره‪} ،‬ول ت َزُِر‬
‫إجرامي وأنا بريء مما ُتـ ْ‬
‫ج ِ‬
‫ي محمد ٍ صلى‬
‫وازرة ٌ وِْزَر أخرى{‪ .‬وُيحتمل أن يكون عائدا ً إلى النب ّ‬
‫ة في أثناء قصة نوح‬
‫الله عليه وسلم‪ ،‬وتكون هذه الية معترض ً‬
‫وقومه؛ لّنها من المور التي ل يعلمها إل النبياء‪ ،‬فلما شرع الّله‬
‫صها على رسوله‪ ،‬وكانت من جملة اليات الداّلة على‬
‫في ق ّ‬
‫م‪ ،‬فقال‪} :‬أم‬
‫صدقه ورسالته؛ ذكر تكذيب قومه له‪ ،‬مع البيان التا ّ‬
‫ن افتراه{؛ أي‪ :‬هذا القرآن اختلقه محمد ٌ من تلقاء نفسه؛‬
‫يقولو َ‬
‫أي‪ :‬فهذا من أعجب القوال وأبطلها؛ فإّنهم يعلمون أّنه لم يقرأ‬
‫ب ولم يرح ْ‬
‫ل عنهم لدراسة على أهل الكتب‪ ،‬فجاء بهذا‬
‫ولم يكت ْ‬
‫داهم أن يأتوا بسورةٍ من مثله؛ فإذا زعموا مع‬
‫الكتاب الذي تح ّ‬
‫م أّنهم معاندون‪ ،‬ولم يبقَ فائدة ٌ في حجاجهم‪،‬‬
‫هذا أّنه افتراه؛ ع ُل ِ َ‬
‫ض عنهم‪ ،‬ولهذا قال‪} :‬ق ْ‬
‫ن‬
‫بل اللئق في هذه الحال العرا ُ‬
‫لإ ِ‬
‫ي إجرامي{؛ أي‪ :‬ذنبي وكذبي‪} .‬وأنا بريٌء مما‬
‫افتريت ُ ُ‬
‫ه فعل ّ‬
‫جون في تكذيبي؟‬
‫رمون{؛ أي‪ :‬فلم تستل ِ ّ‬
‫تج ِ‬
‫ك إل ّ‬
‫م َ‬
‫من قو ِ‬
‫ن ِ‬
‫}‪ {36‬وقوله‪} :‬وأوحي إلى نوح أّنه لن يؤ ِ‬
‫م َ‬
‫س بما كانوا يفعلون{؛ أي‪:‬‬
‫َ‬
‫ن{؛ أي‪ :‬قد قسوا }فل تبتئ ِ ْ‬
‫ن قد آم َ‬
‫م ْ‬
‫ّ‬
‫قَتهم وأحقّ عليهم‬
‫م َ‬
‫ل بهم وبأفعالهم؛ فإ ّ‬
‫فل تحز ْ‬
‫ن الله قد َ‬
‫ن ول تبا ِ‬
‫د‪.‬‬
‫عذابه الذي ل ير ّ‬
‫فل ْ َ‬
‫ى‬
‫}‪} {37‬واصنع ال ُ‬
‫ك بأعُيننا ووَ ْ‬
‫حينا{؛ أي‪ :‬بحفظنا ومرأ ً‬
‫مّنا وعلى مرضاتنا‪} ،‬ول تخاط ِْبني في الذين ظلموا{؛ أي‪ :‬ل‬
‫مغَْرقون{؛ أي‪ :‬قد حقّ عليهم‬
‫جْعني في إهلكهم‪} ،‬إّنهم ُ‬
‫ترا ِ‬
‫القو ُ‬
‫فذ َ فيهم القدُر‪.‬‬
‫ل‪ ،‬ون َ َ‬
‫جعَ َ‬
‫}‪ {38‬فامتث َ‬
‫ل يصنع الفلك‪} ،‬وكلما مّر عليه‬
‫ل أمر رّبه‪ ،‬و َ‬
‫خروا‬
‫س َ‬
‫س ِ‬
‫م ِ‬
‫مل من قو ِ‬
‫خروا منه قال إن ت َ ْ‬
‫ه{‪ :‬ورأوا ما يصنع‪َ } ،‬‬
‫ن{‪.‬‬
‫خُر منكم كما تس َ‬
‫مّنا{‪ :‬الن‪} ،‬فإّنا نس َ‬
‫خرو َ‬
‫ح ّ‬
‫ل عليه‬
‫ب ُيـ ْ‬
‫خزيه وي َ ِ‬
‫}‪} {39‬فسو َ‬
‫من يأتيه عذا ٌ‬
‫ف تعلمو َ‬
‫ن َ‬
‫ن أم أنتم؟ وقد علموا ذلك حين ح ّ‬
‫ل بهم‬
‫عذا ٌ‬
‫ب مقي ٌ‬
‫م{‪ :‬نح ُ‬
‫العقاب‪.‬‬
‫ت نزول العذاب‬
‫}‪} {40‬حّتى إذا جاء أمُرنا{؛ أي‪ :‬قدُرنا بوق ِ‬
‫جر‬
‫بهم‪} ،‬وفار التّنور{؛ أي‪ :‬أنزل الّله السماء بالماء المنهمر‪ ،‬وف ّ‬
‫الرض كّلها عيونًا‪ ،‬حتى التنانير التي هي مح ّ‬
‫ل النار في العادة‬
‫جرت‪ ،‬فالتقى الماُء على أمرٍ قد قُد َِر‪،‬‬
‫وأبعد ما يكون عن الماء تف ّ‬
‫ل زوجين اثنين{؛ أي‪ :‬من ك ّ‬
‫من ك ّ‬
‫}قُْلنا{ لنوح‪} :‬احم ْ‬
‫ل‬
‫ل فيها ِ‬
‫دة سائر‬
‫صنف من أصناف المخلوقات ذكر وأنثى؛ لتبقى ما ّ‬

‫ن السفينة‬
‫الجناس‪ ،‬وأما بقّية الصناف الزائدة عن الزوجين؛ فل ّ‬
‫ل ُتطيق حملها‪} ،‬وأهْل َ َ‬
‫سب َقَ عليه القو ُ‬
‫من كان‬
‫من َ‬
‫ل{‪ :‬م ّ‬
‫ك إل ّ َ‬
‫ن‬
‫ن آمن و{ ـ الحال أنه ـ }ما آ َ‬
‫كافرًا؛ كابنه الذي غرق‪} .‬و َ‬
‫م َ‬
‫م ْ‬
‫معه إل قلي ٌ‬
‫ل{‪.‬‬
‫مَلهم‪} :‬اْر َ‬
‫كبوا‬
‫ح لمن أمره الّله أن يح ِ‬
‫}‪} {41‬وقال{ نو ٌ‬
‫مْرساها{؛ أي‪ :‬تجري على اسم الّله‬
‫مـ ْ‬
‫جريها و ُ‬
‫فيها بسم الّله َ‬
‫ن رّبي‬
‫وترسي )‪] (1‬على اسم الله وتجري[ بتسخيره وأمره‪} .‬إ ّ‬
‫جانا من القوم الظالمين‪.‬‬
‫م{‪ :‬حيث غ َ َ‬
‫فَر لنا‪ ،‬وَر ِ‬
‫حمنا‪ ،‬ون ّ‬
‫لغفوٌر رحي ٌ‬
‫}‪ {42‬ثم وصف جرياَنها كأّنا نشاهدها‪ ،‬فقال‪} :‬وهي تجري‬
‫ب معه }في موج كالجبال{‪ :‬والّله‬
‫ن َرك ِ َ‬
‫بهم{؛ أي‪ :‬بنوح و َ‬
‫م ْ‬
‫ظها‪ ،‬وحاف ُ‬
‫حافِ ُ‬
‫ب معه‪،‬‬
‫ح ابَنه{‪ :‬لما ركب ليرك َ‬
‫ظ أهلها‪} ،‬ونادى نو ٌ‬
‫زل{‪ :‬عنهم حين ركبوا؛ أي‪ :‬مبتعدًا‪ ،‬وأراد‬
‫}وكان{ ابُنه }في َ‬
‫معْ ِ‬
‫ي اركب معنا ول ت َ ُ‬
‫كن مع‬
‫منه أن يقرب ليرك َ‬
‫ب‪ ،‬فقال له‪} :‬يا بن ّ‬
‫الكافرين{‪ :‬فيصُيبك ما يصيبهم‪.‬‬
‫}‪ {43‬فقال ابُنه مك ّ‬
‫ب ]معه[‬
‫ن َرك ِ َ‬
‫ذبا ً لبيهِ أّنه ل ينجو إل ّ َ‬
‫م ْ‬
‫مني من الماء{؛ أي‪ :‬سأرتقي‬
‫السفينة‪} :‬سآوي إلى جبل ي َعْ ِ‬
‫ص ُ‬
‫م اليوم من أمرِ الله‬
‫ح‪} :‬ل عا ِ‬
‫جبل ً أمتنع به من الماء‪ .‬فقال نو ٌ‬
‫ص َ‬
‫م أحدا ً جب ٌ‬
‫ل ول غيُره‪ ،‬ولو تسّبب بغاية ما‬
‫من َر ِ‬
‫م{‪ :‬فل يعص ُ‬
‫ح َ‬
‫إل ّ َ‬
‫جهِ الّله‪} ،‬وحال بيَنهما‬
‫ما نجا إن لم ي ُن ْ ِ‬
‫يمك ُِنه من السباب؛ َلـ َ‬
‫ن }من المغَرقين{‪.‬‬
‫ج فكا َ‬
‫المو ُ‬
‫ن{ الب ُ‬
‫جى نوحا ً ومن معه؛ و}قيل يا‬
‫ما أغَرَقهم الّله ون ّ‬
‫}‪ {44‬فلـ ّ‬
‫ض ابَلعي ماَءك{‪ :‬الذي خرج منك‪ ،‬والذي نزل إليك‪ ،‬ابلعي‬
‫أر ُ‬
‫الماء الذي على وجهك‪} ،‬ويا سماُء أقِلعي{‪ :‬فامت َث ََلتا لمر الّله‪،‬‬
‫ت السماء فنضب الماء من الرض‪،‬‬
‫ض ماءها‪ ،‬وأقلع ِ‬
‫فابتلع ِ‬
‫ت الر ُ‬
‫ي المُر{‪ :‬بهلك المك ّ‬
‫وت{‬
‫}وقُ ِ‬
‫ذبين ونجاة المؤمنين‪} ،‬وا ْ‬
‫ست َ َ‬
‫ض َ‬
‫ي{؛ أي‪ :‬أرست على ذلك الجبل المعروف‬
‫السفين ُ‬
‫ة }على الجود ّ‬
‫ُ‬
‫في أرض الموصل‪} ،‬وقي َ‬
‫ل ُبعدا ً للقوم الظالمين{؛ أي‪ :‬أت ِْبعوا‬
‫حقا ً ل يزال معهم‪.‬‬
‫بهلكهم لعن ً‬
‫س ْ‬
‫ة وُبعدا ً و ُ‬
‫ح رّبه فقا َ‬
‫ن‬
‫ن ابني من أهلي وإ ّ‬
‫بإ ّ‬
‫لر ّ‬
‫}‪} {45‬ونادى نو ٌ‬
‫وعد َ َ‬
‫ل فيها من ك ّ‬
‫ت لي‪ :‬فاحم ْ‬
‫ل زوجين‬
‫ق{؛ ]أي[‪ :‬وقد قل َ‬
‫ك الح ّ‬
‫اثنين وأهل َ َ‬
‫ف ما وَع َد َْتني به‪ .‬لعّله عليه الصلة‬
‫ك‪ ،‬ولـن ُتـ ْ‬
‫خل ِ َ‬
‫ن‬
‫والسلم ـ حملْته الشفق ُ‬
‫نأ ّ‬
‫ة وأ ّ‬
‫ن الّله وعده بنجاة أهل ِهِ ـ ظ ّ‬
‫من لم يؤمن؛ فلذلك دعا رّبه بذلك‬
‫من آمن و َ‬
‫الوعد لعمومهم؛ َ‬
‫وض المر لحكمة الّله البالغة‪.‬‬
‫ال ّ‬
‫دعاء‪ ،‬ومع هذا؛ فف ّ‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬كذا في النسختين‪.‬‬

‫ه له‪} :‬إّنه ليس من أهلك{‪ :‬الذين وعدُتك‬
‫}‪ {46‬فقال الل ّ ُ‬
‫)‪(1‬‬
‫بإنجائهم‪} ،‬إّنه عم ٌ‬
‫ت‬
‫ل غيُر صالح{؛ أي‪ :‬هذا ال ّ‬
‫دعاء الذي دعي َ‬
‫ن بالّله ول رسوله‪} ،‬فل ت َ ْ ْ‬
‫ن ما ليس لك‬
‫به لنجاة كافر ل يؤم ُ‬
‫سأل ِ‬
‫ً‬
‫م{؛ أي‪ :‬ما ل تعلم عاقبته ومآله‪ ،‬وهل يكون خيرا أو غير‬
‫به عل ٌ‬
‫ظك وعظا ً‬
‫ن من الجاهلين{؛ أي‪ :‬إني أع ُ‬
‫خير‪} .‬إني أع ُ‬
‫ظك أن تكو َ‬
‫تكون به من الكاملين‪ ،‬وتنجو به من صفات الجاهلين‪.‬‬
‫ة شديدة ً على ما‬
‫ح عليه السلم ندام ً‬
‫م نو ٌ‬
‫}‪ {47‬فحينئذ ٍ ند َ‬
‫ب إّنـي أعوذ ُ بك أن أسأل َ َ‬
‫ك ما ليس لي به‬
‫صد ََر منه‪ ،‬و }قال ر ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ن{‪ :‬فبالمغفرة‬
‫م وإل ت َغْ ِ‬
‫فْر لي وتر َ‬
‫حـ ْ‬
‫عل ٌ‬
‫مني أكن من الخاسري َ‬
‫والرحمة ينجو العبد ُ من أن يكون من الخاسرين‪ .‬ود ّ‬
‫ل هذا على‬
‫ن سؤاله لرّبه في نجاة‬
‫م بأ ّ‬
‫ن عن َ‬
‫أ ّ‬
‫ده عل ٌ‬
‫ن نوحا ً عليه السلم لم يك ْ‬
‫م داخ ٌ‬
‫ل في قوله‪} :‬ول تخاط ِْبني في الذين ظ ََلموا إّنهم‬
‫ابنه محّر ٌ‬
‫ن دخوله في قوله‪:‬‬
‫ن{‪ ،‬بل تعارض عن َ‬
‫مغرقو َ‬
‫ده المران‪ ،‬وظ ّ‬
‫)‪(2‬‬
‫}وأهل َ َ‬
‫ك{‪ ،‬وبعد هذا تبّين له أّنه داخ ٌ‬
‫ي عن الدعاء‬
‫ل في المنه ّ‬
‫لهم والمراجعة فيهم‪.‬‬
‫ح اهب ْ‬
‫ت عليك وعلى‬
‫ط بسلم مّنا وبركا ٍ‬
‫}‪} {48‬قيل يا نو ُ‬
‫من مع َ‬
‫ك{‪ :‬من الدميين وغيرهم من الزواج التي حملها‬
‫أمم مـ ّ‬
‫معه‪ ،‬فبارك الّله في الجميع‪ ،‬حتى ملؤوا أقطار الرض ونواحيها‬
‫م{؛ أي‪:‬‬
‫سهم مّنا عذا ٌ‬
‫م سنمّتعهم{‪ :‬في ال ّ‬
‫دنيا‪} ،‬ثم يم ّ‬
‫ب ألي ٌ‬
‫}وأم ٌ‬
‫ن ك َفََر بعد ذلك؛ أحل َْلنا به‬
‫هذا النجاء ليس بمانع لنا من أ ّ‬
‫ن َ‬
‫م ْ‬
‫مّتعوا قلي ً‬
‫ل؛ فسيؤخذون بعد ذلك‪.‬‬
‫العقاب‪ ،‬وإ ْ‬
‫ن ُ‬
‫}‪ {49‬قال الّله لنبّيه محمد صلى الله عليه وسلم بعدما‬
‫ن عليه‬
‫ن َ‬
‫ص عليه هذه القصة المبسوطة التي ل يعلمها إل ّ َ‬
‫ق ّ‬
‫م ّ‬
‫م ْ‬
‫ب نوحيها إلي َ‬
‫مها أنت‬
‫ت تعل ُ‬
‫ك ما كن َ‬
‫برسالته‪} :‬تلك من أنباء الغي ِ‬
‫ل هذا{‪ :‬فيقولوا‪ :‬إّنه كان يعلمها؛ فاحمد ِ الّله‬
‫مك ِ‬
‫ول قو ُ‬
‫من قَب ْ ِ‬
‫صراط‬
‫واشك ُْره واصبْر على ما أنت عليه من ال ّ‬
‫دين القويم وال ّ‬
‫ة للمّتقين{‪ :‬الذين يّتقون‬
‫ن العاقب َ‬
‫دعوة إلى الّله‪} .‬إ ّ‬
‫المستقيم وال ّ‬
‫م َ‬
‫ك كما‬
‫الشرك وسائر المعاصي‪ ،‬فستكون لك العاقب ُ‬
‫ة على قو ِ‬
‫ه‪.‬‬
‫م ِ‬
‫كانت لنوح على قو ِ‬
‫ﯚﯛ ﯜ ﯝ ﯞ‬
‫ﭿ ﮬ ﮭ ﮮﮮ ﮯﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ‬
‫ﯪﯧﯧ ﯫﯧﯧ ﯬﯧﯧﯭﯧﯧ ﯮﯧﯧ ﯯﯧﯧ ﯰﯧﯧ ﯱﯧﯧ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ‬
‫ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥﯦ ﯧ ﯨ ﯩ‬
‫ﰈ ﰉ‬
‫ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ‬
‫ﯷ ﯷ ﯷ ﰎ ﯷ ﯷ ﯷ ﰒ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗﭘ ﭙ ﭚ‬
‫ﯷ‬
‫ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫دلت في ) أ ( إلى‪» :‬دعوت« بخط مغاير‪.‬‬
‫ كذا في النسختين‪ .‬وعُ ّ‬‫‪ -‬في )ب(‪» :‬ذلك«‪.‬‬

‫ﭯ ﭰ ﭱﭲ ﭳ‬
‫ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ‬
‫ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ‬
‫ﮭ ﮮﮮ ﮯ ﮰ ﮱ‬
‫ﯣﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ‬

‫ﭴ‬
‫ﮈﮉ‬
‫ﮛ‬
‫ﯓ‬
‫ﯪﯧﯧ‬

‫ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ‬
‫ﮖ‬
‫ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ‬
‫ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩﮪ ﮫ ﮬ‬
‫ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ‬
‫ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ‬
‫ﭾ ‪.(1) .‬‬

‫}‪ {50‬أي‪} :‬و{ أرسلنا }إلى عاٍد{‪ :‬وهم القبيلة المعروفة‬
‫في الحقاف من أرض اليمن‪} ،‬أخاهم{‪ :‬في النسب‪} ،‬هودًا{‪:‬‬
‫ليتم ّ‬
‫كنوا من الخذ عنه والعلم بصدقه‪ ،‬فقال لهم‪} :‬اعُبدوا الّله ما‬
‫ن أنُتم إل ّ مفَترون{؛ أي‪ :‬أمرهم بعبادة الّله‬
‫لكم من إلهٍ غيُره إ ْ‬
‫ما هم عليه من عبادة غير الّله‪ ،‬وأخبرهم أّنهم قد‬
‫وحده‪ ،‬ونهاهم ع ّ‬
‫افت ََروا على الّله الكذب في عبادتهم لغيره وتجويزهم لذلك‪،‬‬
‫ح لهم وجوب عبادة الّله وفساد عبادة ما سواه‪.‬‬
‫ض َ‬
‫ووَ ّ‬
‫}‪ {51‬ثم ذكر عدم المانع لهم من النقياد‪ ،‬فقال‪} :‬يا قوم ِ‬
‫ل أسأُلكم عليه أجرًا{؛ أي‪ :‬غرامة من أموالكم على ما دعوتكم‬
‫إليه فتقولوا‪ :‬هذا يريد ُ أن يأخذ َ أموالنا‪ ،‬وإنما أدعوكم وأعّلمكم‬
‫جرِيَ إل ّ على الذي فطرني أفل تعقلون{‪ :‬ما أدعوكم‬
‫مجانًا‪} .‬إن أ ْ‬
‫ده‪.‬‬
‫ف المانع عن ر ّ‬
‫ب لقبوله‪ ،‬منت ٍ‬
‫إليه وأّنه موج ٌ‬
‫}‪} {52‬ويا قوم استغفروا ربكم{‪ :‬عما مضى منكم‪} ،‬ثم‬
‫توبوا إليه{‪ :‬فيما تستقبلونه بالتوبة الّنصوح والنابة إلى الّله‬
‫سل السماَء علي ُ‬
‫درارًا{‪:‬‬
‫كم ِ‬
‫تعالى؛ فإّنكم إذا فعلتم ذلك؛ }ي ُْر ِ‬
‫م ْ‬
‫دكم‬
‫بكثرة المطار التي َتـ ْ‬
‫ب بها الرض ويكثر خيرها‪} ،‬وَيز ْ‬
‫ص ُ‬
‫خ ُ‬
‫وتكم{‪ :‬فإّنهم كانوا من أقوى الناس‪ ،‬ولهذا قالوا‪} :‬من‬
‫قوة ً إلى ق ّ‬
‫وتهم‪،‬‬
‫مّنا قوّ ً‬
‫أشد ّ ِ‬
‫ة{‪ ،‬فوعدهم أّنهم إن آمنوا زادهم قوّة ً إلى ق ّ‬
‫}ول تتوّلوا{‪ :‬عنه؛ أي‪ :‬عن ربكم }مجرمين{؛ أي‪ :‬مستكبرين‬
‫عن عبادته‪ ،‬متجّرئين على محارمه‪.‬‬
‫ة{‪ :‬إن كان‬
‫دين لقوله‪} :‬يا هود ُ ما جئَتنا ببّين ٍ‬
‫}‪ {53‬فقالوا را ّ‬
‫ق‪ ،‬بل‬
‫قص ُ‬
‫دهم بالبينة البينة التي يقترحونها؛ فهذه غير لزمة للح ّ‬
‫ي بآية تد ّ‬
‫ل على صحة ما جاء به‪ ،‬وإن كان‬
‫اللزم أن يأتي النب ّ‬
‫دهم أنه لم يأتهم ببّينة تشهد ُ لما قاله بالصحة؛ فقد كذبوا في‬
‫قص ُ‬
‫ي لقومه إل ّ وبعث الّله على يديه من اليات‬
‫ذلك؛ فإّنه ما جاء نب ّ‬
‫ما يؤمن على مثله البشر‪ ،‬ولو لم يكن له آية إل ّ دعوُته إياهم‬
‫لخلص الدين لّله وحده ل شريك له‪ ،‬والمر بك ّ‬
‫ل عمل صالح‬
‫خُلق جميل‪ ،‬والنهي عن ك ّ‬
‫خُلق ذميم من الشرك بالّله‬
‫ل ُ‬
‫و ُ‬
‫والفواحش وال ّ‬
‫ظلم وأنواع المنكرات‪ ،‬مع ما هو مشتم ٌ‬
‫ل عليه هود ٌ‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪ :‬إلى آخر القصة‪.‬‬

‫عليه السلم من الصفات التي ل تكون إل ّ لخيار الخلق وأصدقهم‪،‬‬
‫لكفى بها آيات وأدلة على صدقه‪ ،‬بل أهل العقول وأولو اللباب‬
‫ن هذه الية أكبر من مجّرد الخوارق التي يراها بعض‬
‫يرون أ ّ‬
‫الناس هي المعجزات فقط‪.‬‬
‫د‪ ،‬ليس‬
‫ص واح ٌ‬
‫ومن آياته وبّيناته الدالة على صدقه أّنه شخ ٌ‬
‫له أنصار ول أعوان‪ ،‬وهو يصر ُ‬
‫جُزهم‬
‫خ في قومه ويناديهم ويع ِ‬
‫ُ‬
‫ت على الّله رّبـي وربكم‪} ،‬إّنـي أ ْ‬
‫ه‬
‫شهِد ُ الل ّ َ‬
‫ويقول لهم‪ :‬إّني توكل ُ‬
‫وا ْ‬
‫ن‪ .‬من دون ِهِ فكيدوني جميعا ً ثم ل‬
‫ركو َ‬
‫شَهدوا أّنـي بريٌء مما تش ِ‬
‫سطوة والغََلبة‪ ،‬ويريدون‬
‫ُتن ِ‬
‫ن{‪ :‬وهم العداُء الذين لهم ال ّ‬
‫ظرو ِ‬
‫إطفاء ما معه من النور بأيّ طريق كان‪ ،‬وهو غير مكترث منهم‬
‫ول مبال بهم‪ ،‬وهم عاجزون ل يقدرون أن ينالوه بشيٍء من‬
‫ن‬
‫سوء‪ ،‬إ ّ‬
‫ال ّ‬
‫ن في ذلك ليات لقوم يعقلون‪ .‬وقولهم‪} :‬وما نح ُ‬
‫ك{؛ أي‪ :‬ل نترك عبادة َ آلهتنا لمجّرد قول ِ َ‬
‫بتاِركي آلهتنا عن قول ِ َ‬
‫ك‬
‫ن{‪ :‬وهذا‬
‫ت عليه بّين ً‬
‫الذي ما أقم َ‬
‫ن لك بمؤمني َ‬
‫ة بزعمهم‪} .‬وما نح ُ‬
‫تأييس منهم لنبّيهم هود ٍ عليه السلم في إيمانهم‪ ،‬وأنهم ل يزالون‬
‫في كفرهم يعمهون‪.‬‬
‫ل{‪ :‬فيك }إل ّ اعترا َ‬
‫}‪} {54‬إن نقو ُ‬
‫ض آلهتنا بسوٍء{؛‬
‫ك بع ُ‬
‫ق ُ‬
‫ل؛ فسبحان‬
‫ت َتـْهذي بما ل ي ُعْ َ‬
‫أي‪ :‬أصابتك بخبال وجنون‪ ،‬فصر َ‬
‫من طبع على قلوب الظالمين! كيف جعلوا أصدقَ الخلق الذي‬
‫جاء بأحقّ الحقّ بهذه المرتبة التي يستحي العاقل من حكايتها‬
‫ن الّله حكاها عنهم؟!‬
‫عنهم‪ ،‬لول أ ّ‬
‫}‪ {55‬ولهذا بّين هود ٌ عليه الصلة والسلم أنه واثقٌ غاية‬
‫ى‪ ،‬فقال‪} :‬إّني أ ُ ْ‬
‫شهِد ُ‬
‫الوثوق أّنه ل يصيُبه منهم ول من آلهتهم أذ ً‬
‫الله وا ْ‬
‫شَهدوا أّنـي بريٌء مما تشركون‪ .‬من دون ِهِ فكيدوني‬
‫ل طريق تتم ّ‬
‫ضرر كّلكم بك ّ‬
‫كنون بها‬
‫جميعًا{؛ أي‪ :‬اطلبوا لـي ال ّ‬
‫ن{؛ أي‪ :‬ل تمهلوني‪.‬‬
‫مّني‪} ،‬ثم ل ُتن ِ‬
‫ظرو ِ‬
‫ت على الّله{؛ أي‪ :‬اعتمدت في أمري كّله‬
‫}‪} {56‬إني توكل ُ‬
‫على الّله‪} ،‬رّبـي ورّبكم{؛ أي‪ :‬هو خالق الجميع ومدّبرنا وإّياكم‪،‬‬
‫وهو الذي رّبانا‪} .‬ما من داب ّةٍ إل ّ هو آخذ ٌ بناصيتها{‪ :‬فل تتحّرك ول‬
‫تس ُ‬
‫ه؛ فلو اجتمعُتم جميعا ً على اليقاع بي‪ ،‬والّله لم‬
‫كن إل بإذن ِ ِ‬
‫)‪(1‬‬
‫يسل ّ ْ‬
‫دروا على ذلك؛ فإن سّلطكم فلحكمةٍ‬
‫ي؛ لم تق ِ‬
‫طكم علـ ّ‬
‫ط‬
‫س ٍ‬
‫ن رّبـي على صرا ٍ‬
‫دها‪} .‬إ ّ‬
‫أرا َ‬
‫ط مستقيم{؛ أي‪ :‬على عدل وقِ ْ‬
‫عهِ وأمره وفي جزائه‬
‫وحكمةٍ وحمد ٍ في قضائه وقَد َرِهِ و]في[ شر ِ‬

‫‪1‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬لحكمة«‪.‬‬

‫ج أفعاُله عن الصراط المستقيم التي‬
‫وثوابه وعقابه‪ ،‬ل تخر ُ‬
‫مد‪ ،‬وُيثنى عليه بها‪.‬‬
‫ُيـ ْ‬
‫ح َ‬
‫}‪} {57‬فإن توّلوا{‪ :‬عما دعوُتكم إليه‪} ،‬فقد أبلغت ُ‬
‫كم ما‬
‫ُ‬
‫ف‬
‫ة من شأنكم‪} ،‬ويستخل ِ ُ‬
‫ي ت َب ِعَ ٌ‬
‫أْر ِ‬
‫سل ْ ُ‬
‫ت به إليكم{‪ :‬فلم يبقَ علـ ّ‬
‫ركون به شيئًا‪} ،‬ول‬
‫رّبـي قوما ً غيركم{‪ :‬يقومون بعبادته ول يش ِ‬
‫(‬
‫‪1‬‬
‫)‬
‫ن ضرركم إنما يعود ُ إليكم ؛ فالّله ل تضّره‬
‫تضّرونه شيئًا{‪ :‬فإ ّ‬
‫)‪(2‬‬
‫ن عمل صالحًا؛‬
‫معصية العاصين ول تنفعه طاع ُ‬
‫ة الطائعين ‪َ ،‬‬
‫م ْ‬
‫ل شيء حفي ٌ‬
‫ن رّبـي على ك ّ‬
‫ظ{‪.‬‬
‫من أساء؛ فعليها‪} .‬إ ّ‬
‫فلنفسه‪ ،‬و َ‬
‫}‪} {58‬ولما جاء أمُرنا{؛ أي‪ :‬عذاُبنا بإرسال الريح العقيم‬
‫جينا هودا ً‬
‫ه كالّرميم؛ }ن ّ‬
‫التي ما ت َذ َُر من شيء أتت عليه إل ّ َ‬
‫جعَل َت ْ ُ‬
‫ظ{؛ أي‪:‬‬
‫جْيناهم من عذاب غلي ٍ‬
‫والذين آمنوا معه برحمةٍ مّنا ون َ ّ‬
‫عظيم شديد أحّله الّله بعاد ٍ فأصبحوا ل ُيرى إل ّ مساكُنهم‪.‬‬
‫د{‪ :‬الذين أوقع الّله بهم ما أوقعَ بظ ُْلم‬
‫}‪} {59‬وتلك عا ٌ‬
‫حدوا بآيات رّبهم{‪ :‬ولهذا قالوا لهود‪ :‬ما جئَتنا‬
‫ج َ‬
‫منهم لنهم } َ‬
‫قنون لدعوته‪ ،‬وإنما عاندوا وجحدوا‪،‬‬
‫ة! فتبيّـن بهذا أنهم متي ّ‬
‫ببّين ٍ‬
‫ن من عصى رسو ً‬
‫ل؛ فقد عصى جميع‬
‫سَله{؛ ل ّ‬
‫صوا ُر ُ‬
‫}وع َ َ‬
‫ن دعوتهم واحدة‪} ،‬واّتبعوا أمر ك ّ‬
‫ل جباٍر{؛ أي‪:‬‬
‫المرسلين؛ ل ّ‬
‫د{؛ أي‪ :‬معاند ليات الّله‪،‬‬
‫متسّلط على عباد الّله بالجبروت‪} ،‬عني ٍ‬
‫ل ناصح ومشفق عليهم‪ ،‬واّتبعوا ك ّ‬
‫وا ك ّ‬
‫ش لهم يريد‬
‫ل غا ّ‬
‫فع َ‬
‫ص ْ‬
‫ّ‬
‫إهل َ‬
‫م أهلكهم الله‪.‬‬
‫كهم‪ ،‬ل َ‬
‫جَر َ‬
‫ت وجيل إل‬
‫دنيا لعن ً‬
‫ة{‪ :‬فكل وق ٍ‬
‫}‪} {60‬وأتبعوا في هذه ال ّ‬
‫ولنبائهم القبيحة وأخبارهم الشنيعة ذ ِك ٌْر يذ َ‬
‫قهم‪.‬‬
‫م يلح ُ‬
‫كرون به وذ ّ‬
‫ن عادا ً كفروا رّبهم{؛ أي‪:‬‬
‫}ويوم القيامة{‪ :‬لهم أيضا ً لعن ٌ‬
‫ة‪} ،‬أل إ ّ‬
‫قهم وَرَزَقهم ورّباهم‪} .‬أل بعدا ً لعاد ٍ قوم هود{؛ أي‪:‬‬
‫خل َ َ‬
‫ن َ‬
‫جحدوا َ‬
‫م ْ‬
‫ل خير‪ ،‬وقّربهم من ك ّ‬
‫أبعدهم الّله عن ك ّ‬
‫ل شّر‪.‬‬
‫ﭿ ﯫﯧﯧ ﯬﯧﯧ ﯭﯧﯧ ﯮﯧﯧ ﯯﯧﯧﯰﯧﯧ ﯱﯧﯧ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷﯷ ﯷ ﯼ ﯽ‬
‫ﯷ ﯷ‬
‫ﯿ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷﯷ ﯷ ﯷ ﰈ ﰉ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﰎ‬
‫ﯾ‬
‫ﯷ ﯷ ﭑ ﭒ ﭓ‬
‫ﯷ ﰒﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ‬
‫ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ‬
‫ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ‬
‫ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ‬
‫ﮒ ﮓ ﮔﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ‬
‫ﮦ ﮧ ﮨﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮮﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﭾ ‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫ في )ب(‪» :‬عليكم«‪.‬‬‫‪ -‬في )ب(‪» :‬المطيعين«‪.‬‬

‫د{‪ :‬وهم عاد ٌ الثانية‪،‬‬
‫}‪ {61‬أي‪} :‬و{ أرسلنا }إلى ثمو َ‬
‫قرى‪} ،‬أخاهم{‪ :‬في‬
‫جر ووادي ال ُ‬
‫المعروفون‪ ،‬الذين يسكنون ال ِ‬
‫ح ْ‬
‫النسب‪} ،‬صالحًا{‪ :‬عبد الّله ورسوله صلى الله عليه وسلم‪،‬‬
‫يدعوهم إلى عبادة الّله وحده‪َ .‬فـ}َقا َ‬
‫ل يا قوم ِ اعُبدوا الّله{؛ أي‪:‬‬
‫حدوه وأخلصوا له الدين‪} ،‬ما ل ُ‬
‫كم من إلهٍ غيُره{‪ :‬ل من أهل‬
‫و ّ‬
‫السماء ول من أهل الرض‪} ،‬هو أنشأكم من الرض{؛ أي‪:‬‬
‫مَركم فيها{؛ أي‪ :‬استخلفكم فيها‬
‫خلقكم فيها‪ ،‬فقال‪} :‬واستع َ‬
‫وأنعم عليكم بالّنعم الظاهرة والباطنة‪ ،‬وم ّ‬
‫كنكم في الرض؛ ت َْبنون‬
‫وتغرسون وتزرعون وتحرثون ما شئتم وتنتفعون بمنافعها‬
‫وتستغلون مصالحها؛ فكما أّنه ل شريك له في جميع ذلك؛ فل‬
‫صد ََر منكم من الكفر‬
‫تشركوا به في عبادته‪} .‬فاستغفروه{‪ :‬مما َ‬
‫وال ّ‬
‫جعوا‬
‫م توبوا إليه{؛ أي‪ :‬ار ِ‬
‫شْرك والمعاصي وأقلعوا عنها‪} ،‬ث ّ‬
‫ب‬
‫ب{؛ أي‪ :‬قري ٌ‬
‫ب مجي ٌ‬
‫ن رّبـي قري ٌ‬
‫إليه بالتوبة النصوح والنابة‪} .‬إ ّ‬
‫)‪(1‬‬
‫من دعاه دعاء مسألة أو دعاء عبادة يجيبه بإعطائ ِهِ سؤاله‬
‫مـ ّ‬
‫وَقبول عبادت ِهِ وإثابته عليها أج ّ‬
‫ل الثواب‪.‬‬
‫م‪:‬‬
‫ص‪ :‬فالقر ُ‬
‫واعلم أ ّ‬
‫ب العا ّ‬
‫ه تعالى نوعان ‪ :‬عا ّ‬
‫ن قُْرب َ ُ‬
‫م وخا ّ‬
‫قرُبه بعلمه من جميع الخلق‪ ،‬وهو المذكور في قوله تعالى‪:‬‬
‫د{‪.‬‬
‫ب إليه من حبل الوري ِ‬
‫ن أقر ُ‬
‫}ونح ُ‬
‫ص ‪ :‬قرُبه من عابديه وسائليه ومحّبيه‪ ،‬وهو‬
‫والقر ُ‬
‫ب الخا ّ‬
‫ب{‪ ،‬وفي هذه الية‪،‬‬
‫جد ْ واقْت َرِ ْ‬
‫المذكوُر في قوله تعالى‪} :‬فاس ُ‬
‫ب دعوةَ‬
‫ب أجي ُ‬
‫وفي قوله‪} :‬وإذا سألك عبادي عّني فإّنـي قري ٌ‬
‫ب يقتضي إلطافه تعالى وإجابته‬
‫داعي{‪ ،‬وهذا النوع قر ٌ‬
‫ال ّ‬
‫لدعواتهم وتحقيقه لمراداتهم‪ ،‬ولهذا يقرن باسمه القريب اسمه‬
‫المجيب‪.‬‬
‫ح عليه السلم ور ّ‬
‫غبهم في‬
‫}‪ {62‬فلما أمرهم نبّيهم صال ٌ‬
‫دوا عليه دعوته‪ ،‬وقابلوه أشنع المقابلة‪.‬‬
‫الخلص لّله وحده؛ ر ّ‬
‫وا قب َ‬
‫ل هذا{؛ أي‪ :‬قد كّنا‬
‫ت فينا مر ُ‬
‫و}قالوا يا صال ُ‬
‫ح قد كن َ‬
‫ج ّ‬
‫مل فيك العقل والنفع‪ ،‬وهذا شهادة ٌ منهم لنبّيهم‬
‫نرجوك ونؤ ّ‬
‫ً‬
‫صالح‪ :‬أّنه ما زال معروفا بمكارم الخلق ومحاسن الشيم‪ ،‬وأّنه‬
‫ق‬
‫ما جاءهم بهذا المر الذي ل يوافِ ُ‬
‫من خيار قومه‪ ،‬ولكّنه لـ ّ‬
‫ت‬
‫أهواءهم الفاسدة؛ قالوا هذه المقالة التي مضموُنها أّنك قد كن َ‬
‫كام ً‬
‫ت بحالةٍ ل ُيرجى منك خيٌر‪،‬‬
‫ت ظّننا فيك‪ ،‬وصر َ‬
‫ل‪ ،‬والن أخلف َ‬
‫وذنبه ما قالوه عنه‪] ،‬وهو قولهم[‪} :‬أت َْنهانا أن نعب ُد َ ما يعب ُد ُ‬
‫ح‬
‫ن هذا من أعظم القدح في صالح؛ كيف قَد َ َ‬
‫آباؤنا{‪ :‬وبزعمهم أ ّ‬
‫ّ‬
‫في عقولهم وعقول آبائهم الضالين؟! وكيف ينهاهم عن عبادة‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬سؤله«‪.‬‬

‫ن ل ينفع ول يضّر ول يغني شيئا ً من الحجار والشجار ونحوها‪،‬‬
‫َ‬
‫م ْ‬
‫ّ‬
‫دين لله رّبهم الذي لم تز ْ‬
‫ه عليهم ت َْترى‬
‫وأمرهم بإخلص ال ّ‬
‫م ُ‬
‫ل ن ِعَ ُ‬
‫ه عليهم دائما ً ينزِ ُ‬
‫ل‪ ،‬الذي ما بهم من نعمةٍ إل منه‪ ،‬ول‬
‫وإحسان ُ ُ‬
‫يدفع عنهم السيئات إل هو؟! }وإّننا لفي ش ّ‬
‫ك مما تدعونا إليه‬
‫كين فيما دعوَتنا إليه ش ّ‬
‫ب{؛ أي‪ :‬ما زلنا شا ّ‬
‫كا مؤّثرا ً في‬
‫ُ‬
‫ري ٍ‬
‫م ِ‬
‫قلوبنا الريب‪.‬‬
‫حة ما دعاهم إليه؛‬
‫}‪ {63‬وبزعمهم أّنهم لو علموا ص ّ‬
‫ة في ذلك‪ ،‬ولهذا بّين كذ َِبهم في قوله‪} :‬قال يا‬
‫لّتبعوه‪ ،‬وهم ك َذ َب َ ٌ‬
‫ت على بّينةٍ من رّبـي{؛ أي‪ :‬برهان ويقين مّني‪،‬‬
‫قوم ِ أرأيُتم إن كن ُ‬
‫ي برسالته ووحيه؛ أي‪:‬‬
‫}وآتاني منه رحم ً‬
‫ة{؛ أي‪َ :‬‬
‫ن علـ ّ‬
‫م ّ‬
‫صُرني من‬
‫أفأتابعكم على ما أنتم عليه وما تدعونني إليه‪} .‬فمن ين ُ‬
‫ر{؛ أي‪ :‬غير خسار وَتباب‬
‫الّله إن عصيت ُ ُ‬
‫ه فما تزيدوَنني غير تخسي ٍ‬
‫وضرر‪.‬‬
‫ب من‬
‫ة الّله لكم آي ً‬
‫}‪} {64‬ويا قوم هذه ناق ُ‬
‫ة{‪ :‬لها ِ‬
‫شْر ٌ‬
‫ب يوم معلوم‪،‬‬
‫ضْرعها‪ ،‬ولهم ِ‬
‫البئر يومًا‪ ،‬ثم يشربون كّلهم ِ‬
‫شْر ُ‬
‫ن َ‬
‫م ْ‬
‫ذروها تأك ُ ْ‬
‫}فَ َ‬
‫ل في أرض الّله{؛ أي‪ :‬ليس عليكم من مؤنتها‬
‫خ َ‬
‫ب‬
‫ر؛ }فيأ ُ‬
‫ذكم عذا ٌ‬
‫وعلفها شيٌء‪} ،‬ول تم ّ‬
‫سوها بسوٍء{؛ أي‪ :‬بعق ٍ‬
‫ب{‪.‬‬
‫قري ٌ‬
‫ح‪} :‬تمّتعوا في دارِ ُ‬
‫كم‬
‫}‪} {65‬فعقروها فقال{‪ :‬لهم صال ٌ‬
‫ب{‪ :‬بل ل بد ّ من وقوعه‪.‬‬
‫ثلثة أّيام ذلك وعد ٌ غير مكذو ٍ‬
‫جْينا صالحا ً‬
‫ما جاء أمُرنا{‪ :‬بوقوع العذاب‪} ،‬ن ّ‬
‫}‪} {66‬فل ّ‬
‫ذ{؛ أي‪ :‬نجيناهم من‬
‫ن ِ‬
‫مئ ِ ٍ‬
‫خْزي يو ِ‬
‫والذين آمنوا معه برحمةٍ مّنا و ِ‬
‫م ْ‬
‫ن رّبك هو القويّ العزيز{‪ :‬ومن‬
‫العذاب والخزي والفضيحة‪} .‬إ ّ‬
‫جى الرس َ‬
‫ل وأتباعهم‪.‬‬
‫م الطاغي َ‬
‫ة ون ّ‬
‫وته وعّزته أن أهلك الم َ‬
‫ق ّ‬
‫}‪ {67‬وأخذت }الذين ظلموا الصيحة{‪ :‬فقطعت قلوبهم؛‬
‫}فأصبحوا في ديارهم جاثمين{؛ أي‪ :‬خامدين ل حراك لهم‪.‬‬
‫وا فيها{؛ أي‪ :‬كأنهم لما جاءهم العذاب‬
‫}‪} {68‬كأن لم ي َغْن َ ْ‬
‫)‪(1‬‬
‫ً‬
‫ما تمّتعوا في ديارهم ول أنسوا فيها ول تنّعموا بها يوما من‬
‫ي‪ ،‬الذي ل‬
‫م‪ ،‬وتناولهم العذا ُ‬
‫ال ّ‬
‫دهر‪ ،‬قد فارقهم النعي ُ‬
‫ب السرمد ّ‬
‫فروا رّبهم{؛ أي‪:‬‬
‫ن ثمود َ ك َ َ‬
‫ينقطع‪ ،‬الذي كأنه لم يزل‪} .‬أل إ ّ‬
‫ً‬
‫د{‪ :‬فما‬
‫ة المبصر ُ‬
‫جحدوه بعد أن جاءتهم الي ُ‬
‫ة‪} .‬أل ُبعدا ِلثمو َ‬
‫دنيا وخزيها‪.‬‬
‫أشقاهم وأذّلهم! نستجير بالّله من عذاب ال ّ‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬بها«‪.‬‬

‫ﭿ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮮﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ‬
‫ﯚ ﯛﯜ ﯝ ﯞﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪﯧﯧ ﯫﯧﯧ ﯬﯧﯧ ﯭﯧﯧ ﯮﯧﯧ ﯯﯧﯧ ﯰﯧﯧﯱﯧﯧ ﯷ ﯷ‬
‫ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﭑ‬
‫ﯷ ﯷ‬
‫ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣﭤ ﭥ ﭦ‬
‫ﭧ ﭨ ﭩ ﭪﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ‬
‫ﮈ ﮉ ﮊ ﮋﮌ ﮍ ﮎ ﮏ‬
‫ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅﮆ ﮇ‬
‫ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ‬
‫ﮨ ﮩﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮮ ﮯ ﮰ ﮱﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ‬
‫ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ‬
‫ﯙﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪﯧﯧ ﯫﯧﯧ ﯬﯧﯧ ﯭﯧﯧ ﯮﯧﯧ ﯯﯧﯧ ﯰﯧﯧ ﯱﯧﯧ‬
‫ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﯷ ﯷﯷ ﯷ ﯷ ﯷ‬
‫ﯷ ﯷ ﰈ ﰉ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷﰎ ﯷ ﯷ ﯷ ﰒﯷ ﯷ ﯷ ﯷﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ‬
‫ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ‬
‫ﭦ ﭧ ﭾ‪.‬‬
‫سُلنا{‪ :‬من الملئكة الكرام‬
‫ت ُر ُ‬
‫}‪ {69‬أي‪} :‬ولقد جاء ْ‬
‫م{ الخليل }بالبشرى{؛ أي‪ :‬بالبشارة بالولد حين‬
‫رسوَلنا }إبراهي َ‬
‫ن يمّروا على إبراهيم‬
‫مَرهم أ ْ‬
‫أرسلهم الّله لهلك قوم لوط وأ َ‬
‫فيب ّ‬
‫م{؛‬
‫شروه بإسحاق‪ ،‬فلما دخلوا عليه‪} ،‬قالوا سلما ً قال سل ٌ‬
‫أي‪ :‬سّلموا عليه ورد ّ عليهم السلم‪ .‬ففي هذا مشروعية السلم‪،‬‬
‫ن السلم قبل‬
‫وأّنه لم يْزل من مّلة إبراهيم عليه السلم‪ ،‬وأ ّ‬
‫ن سلمهم‬
‫الكلم‪ ،‬وأّنه ينبغي أن يكون الرد ّ أبلغَ من البتداء؛ ل ّ‬
‫ده بالجملة السمية الداّلة‬
‫دد‪ ،‬ور ّ‬
‫بالجملة الفعلّية الداّلة على التج ّ‬
‫م في‬
‫على الّثبوت والستمرار‪ ،‬وبينهما فرقٌ كبيٌر؛ كما هو معلو ٌ‬
‫م لما دخلوا عليه‪} ،‬أن جاء بعجل‬
‫علم العربية‪} .‬فما ل َب ِ َ‬
‫ث{‪ :‬إبراهي ُ‬
‫حنيذ{؛ أي‪ :‬بادر لبيته فاستحضر لضيافه عجل ً مشوّيا على‬
‫ن‪.‬‬
‫ف سمينًا‪ ،‬فقّربه إليهم فقال‪ :‬أل تأكلو َ‬
‫ض ِ‬
‫الّر ْ‬
‫ما رأى أيدَيهم ل تص ُ‬
‫ل إليه{؛ أي‪ :‬إلى تلك‬
‫}‪} {70‬فل ّ‬
‫ن أنهم أتوه بشّر‬
‫خيف ً‬
‫هم وأوجس منهم ِ‬
‫الضيافة‪} ،‬ن َك َِر ُ‬
‫ة{‪ :‬وظ ّ‬
‫م ْ‬
‫كروه‪ ،‬وذلك قب َ‬
‫سْلنا‬
‫ف أمَرهم‪ ،‬فقالوا‪} :‬ل تخ ْ‬
‫ل أن يعرِ َ‬
‫ف إّنا أْر ِ‬
‫و َ‬
‫ط{؛ أي‪ :‬إّنا رس ُ‬
‫ل الّله‪ ،‬أرسلنا الّله إلى إهلك قوم‬
‫إلى قوم لو ٍ‬
‫ط‪.‬‬
‫لو ٍ‬
‫م أضياَفه‪،‬‬
‫}‪ {71‬وامرأة إبراهيم }قائم ٌ‬
‫ة{‪ :‬تخد ُ ُ‬
‫جبا‪ً،‬‬
‫ض ِ‬
‫ت بحالهم وما أرسلوا به تع ّ‬
‫}ف َ‬
‫ت{‪ :‬حين سمع ْ‬
‫حك َ ْ‬
‫}فب ّ‬
‫ب{‪.‬‬
‫شْرناها بإسحاقَ ومن وراِء إسحاق يعقو َ‬
‫ت يا وَْيلتا أأل ِد ُ وأنا عجوٌز‬
‫}‪ {72‬فتع ّ‬
‫جبت من ذلك و }قال ْ‬
‫ن هذا‬
‫وهذا بعلي شيخًا{‪ :‬فهذان مانعان من وجود الولد‪} .‬إ ّ‬
‫ب{‪.‬‬
‫لشيٌء عجي ٌ‬

‫ن أمره ل عجب‬
‫جبين من أمرِ الّله{‪ :‬فإ ّ‬
‫}‪} {73‬قالوا أت َعْ َ‬
‫مة في كل شيٍء؛ فل ُيستغرب على قدرته‬
‫فيه؛ لنفوذ مشيئته التا ّ‬
‫شيء‪ ،‬وخصوصا ً فيما يدّبره ويمضيه لهل هذا البيت المبارك‪.‬‬
‫ه{ عليكم أهل البيت؛ أي‪ :‬ل تزال رحمته‬
‫}رحم ُ‬
‫ة الّله وبركات ُ ُ‬
‫وإحسانه وبركاته‪ ،‬وهي الزيادة من خيره وإحسانه وحلول الخير‬
‫اللهي على العبد‪} .‬عليكم أه َ‬
‫د{؛ أي‪ :‬حميد‬
‫ل البيت إّنه حميد ٌ مجي ٌ‬
‫ن أفعاله‬
‫ن صفاته صفات كمال‪ ،‬حميد ُ الفعال؛ ل ّ‬
‫الصفات؛ ل ّ‬
‫س ٌ‬
‫ة وعد ٌ‬
‫د{‪ :‬والمجد هو‬
‫ن وجود ٌ وبّر وحكم ٌ‬
‫ط‪} .‬مجي ٌ‬
‫إحسا ٌ‬
‫ل وقِ ْ‬
‫سعَُتها؛ فله صفات الكمال‪ ،‬وله من ك ّ‬
‫ة‬
‫ل صف ِ‬
‫عظمة الصفات و َ‬
‫مها‪.‬‬
‫مها وأع ّ‬
‫ل أكمُلها وأتـ ّ‬
‫كما ٍ‬
‫ع{‪ :‬الذي أصابه من‬
‫ب عن إبراهيم الّروْ ُ‬
‫}‪} {74‬فلما ذ َهَ َ‬
‫ت حينئذ ٍ إلى‬
‫خيفة أضيافه‪} ،‬وجاءْته الُبشرى{‪ :‬بالولد؛ التف َ‬
‫ن فيها لوطًا‪.‬‬
‫مجادلة الرسل في إهلك قوم لو ٍ‬
‫ط‪ ،‬وقال لهم‪} :‬إ ّ‬
‫َ‬
‫ه{‪.‬‬
‫جي َّنه وأهْله إل ّ امرأت َ ُ‬
‫من فيها ل َن ُن َ ِ‬
‫مب َ‬
‫ن أعل ُ‬
‫قالوا نح ُ‬
‫م{؛ أي‪ :‬ذو ُ ُ‬
‫ن[ وسعة‬
‫}‪} {75‬إ ّ‬
‫ن إبراهيم لحلي ٌ‬
‫خلق ]حس ٍ‬
‫ه{؛ أي‪ :‬متضّرع إلى‬
‫صدر وعدم غضب عند جهل الجاهلين‪} ،‬أّوا ٌ‬
‫جاع إلى الّله بمعرفته‬
‫ب{؛ أي‪ :‬ر ّ‬
‫الّله في جميع الوقات‪} ،‬مني ٌ‬
‫سواه؛ فلذلك كان يجاد ِ ُ‬
‫ل‬
‫من ِ‬
‫ومحّبته والقبال عليه والعراض ع ّ‬
‫حّتم الّله بهلكهم‪.‬‬
‫ن َ‬
‫عن َ‬
‫م ْ‬
‫ض عن هذا{‪ :‬الجدال‪.‬‬
‫}‪ {76‬فقيل له‪} :‬يا إبراهي ُ‬
‫م أع ْرِ ْ‬
‫ب غيُر‬
‫}إّنه قد جاَء أمُر رّبك{‪ :‬بهلكهم‪} ،‬وإّنهم آتيهم عذا ٌ‬
‫مردوٍد{‪ :‬فل فائدة في جدالك‪.‬‬
‫سُلنا{؛ أي‪ :‬الملئكة الذين صدروا من‬
‫}‪} {77‬ولما جاءت ر ُ‬
‫إبراهيم‪ ،‬لما أتوا }لوطا ً سيء بهم{؛ أي‪ :‬شقّ عليه مجيئهم‪،‬‬
‫ج؛ لّنه‬
‫ب{؛ أي‪ :‬شديد ٌ حر ٌ‬
‫م عصي ٌ‬
‫}وضاق بهم ذ َْرعا ً وقال هذا يو ٌ‬
‫مه[ ل يتركوَنهم؛ لّنهم في صور شباب جرد ٍ مرد ٍ في‬
‫علم أ ّ‬
‫ن ]قو َ‬
‫غاية الكمال والجمال‪.‬‬
‫ن‬
‫ه ُيـهَْرعو َ‬
‫م ُ‬
‫}‪ {78‬ولهذا وَقَعَ ما خطر بباله‪ ،‬فجاءه }قو ُ‬
‫إليه{؛ أي‪ :‬يسرعون ويبادرون يريدون أضيافه بالفاحشة التي‬
‫من قَب ْ ُ‬
‫ت{؛‬
‫سيئا ِ‬
‫كانوا يعملونها‪ ،‬ولهذا قال‪} :‬و ِ‬
‫ل كانوا يعملون ال ّ‬
‫أي‪ :‬الفاحشة التي ما سبقهم عليها أحد ٌ من العالمين‪} .‬قال يا‬
‫ض‬
‫ن أطهُر لكم{‪ :‬من أضيافي ـ وهذا كما ع ََر َ‬
‫قوم هؤلِء بناتي هُ ّ‬
‫ن صلى الله عليه وسلم على المرأتين أن ي َ ُ‬
‫شقّ الولد‬
‫سليما ُ‬
‫ن ول‬
‫المختصم فيه لستخراج الحقّ ـ ولعلمه أ ّ‬
‫ن بناته ممتنعٌ مناله ّ‬
‫ن‪ ،‬والمقصود العظم دفعُ هذه الفاحشة الكبرى‪.‬‬
‫حقّ لهم فيه ّ‬

‫ن في ضيفي{؛ أي‪ :‬إما أن ُتراعوا تقوى‬
‫}فاّتقوا الّله ول ُتـ ْ‬
‫خزو ِ‬
‫ضْيفي ول تخزوِني عندهم‪} .‬أليس‬
‫الّله‪ ،‬وإما أن تراعوني في َ‬
‫جُركم‪ .‬وهذا دلي ٌ‬
‫منكم رج ٌ‬
‫ل على مروجهم‬
‫د{‪ :‬فينهاكم ويز ُ‬
‫ل رشي ٌ‬
‫وانحللهم من الخير والمروءة‪.‬‬
‫ت ما لنا في بنات ِ َ‬
‫ق‬
‫ك من ح ّ‬
‫}‪ {79‬فـ}َقاُلوا{ له‪} :‬لقد علم َ‬
‫ة في‬
‫د{؛ أي‪ :‬ل نريد إل ّ الرجال‪ ،‬ول لنا رغب ٌ‬
‫م ما نري ُ‬
‫وإّنك لتعل ُ‬
‫النساء‪.‬‬
‫ن‬
‫}‪ {80‬فاشتد ّ قلقُ لو ٍ‬
‫ط عليه الصلة والسلم و }قال لو أ ّ‬
‫ة؛ لمنعتكم‪.‬‬
‫د{؛ كقبيلة مانع ٍ‬
‫ن شدي ٍ‬
‫لي بكم قوّة ً أو آوي إلى رك ٍ‬
‫وهذا بحسب السباب المحسوسة‪ ،‬وإل ّ ؛ فإّنه يأوي إلى أقوى‬
‫د‪.‬‬
‫الركان‪ ،‬وهو الّله الذي ل يقوم لقوته أح ٌ‬
‫ب؛ }قالوا{‬
‫ما ب َل َغَ المُر منتهاه واشتد ّ الكر ُ‬
‫}‪ {81‬ولهذا لـ ّ‬
‫له‪} :‬إّنا رس ُ‬
‫ن قلُبه‪} ،‬لن‬
‫ل رّبك{؛ أي‪ :‬أخبروه بحالهم ليطمئ ّ‬
‫صلوا إلي َ‬
‫ه‪ ،‬فطمس أعيَنهم‪،‬‬
‫ك{‪ :‬بسوٍء‪ .‬ثم قال جبريل بجنا ِ‬
‫ح ِ‬
‫يَ ِ‬
‫ة لوطا ً أن‬
‫فانطلقوا يتو ّ‬
‫عدون لوطا ً بمجيء الصبح‪ ،‬وأمر الملئك ُ‬
‫ق ْ‬
‫طع من الليل{؛ أي‪ :‬بجانب منه قبل الفجر‬
‫سرِيَ بأهله }ب ِ ِ‬
‫يَ ْ‬
‫ت من ُ‬
‫بكثير؛ ليتم ّ‬
‫د{؛‬
‫كم أح ٌ‬
‫كنوا من البعد ِ عن قريتهم‪} ،‬ول يلتف ْ‬
‫فتوا إلى ما‬
‫مكم النجاَء‪ ،‬ول تلت ِ‬
‫أي‪ :‬بادروا بالخروج‪ ،‬وليكن هـ ّ‬
‫وراءكم‪} ،‬إل ّ امرأت َ َ‬
‫ك إّنه مصيُبها{‪ :‬من العذاب }ما أصابهم{؛‬
‫لّنها تشارِ ُ‬
‫ط إذا نزل‬
‫ك قومها في الثم‪ ،‬فتدّلهم على أضياف لو ٍ‬
‫ن لوطا ً استعج َ‬
‫ل ذلك‪،‬‬
‫ن مو ِ‬
‫به أضيا ٌ‬
‫ح{‪ :‬فكأ ّ‬
‫صب ُ‬
‫ع َ‬
‫ف‪} .‬إ ّ‬
‫دهم ال ّ‬
‫ب{‪.‬‬
‫فقيل له‪} :‬أليس الصب ُ‬
‫ح بقري ٍ‬
‫ل العذاب وإحلله فيهم‬
‫}‪} {82‬فلما جاء أمُرنا{‪ :‬بنزو ِ‬
‫مط َْرنا‬
‫} َ‬
‫جعَْلنا{‪ :‬ديارهم }عال َِيها سافَِلها{؛ أي‪ :‬قلبناها عليهم‪} ،‬وأ ْ‬
‫ل{؛ أي‪ :‬من حجارة النار الشديدة الحرارة‪،‬‬
‫عليها حجارة ً من ِ‬
‫س ّ‬
‫جي ٍ‬
‫}منضوٍد{؛ أي‪ :‬متتابعة تتبع من شذ ّ عن القرية‪.‬‬
‫ة عند رّبك{؛ أي‪ :‬معلمة عليها علمة العذاب‬
‫وم ً‬
‫}‪} {83‬مس ّ‬
‫ن{‪ :‬الذين يشابهون لفعل قوم‬
‫والغضب‪} ،‬وما هي من الظالمي َ‬
‫ط‪} ،‬ببعيد{‪ :‬فليحذرِ العباد ُ أن يفعلوا كفعلهم؛ لئل ّ يصيَبهم ما‬
‫لو ٍ‬
‫أصابهم‪.‬‬
‫ﭺ‬
‫ﮐ‬
‫ﮥ‬
‫ﯜ‬

‫ﭿ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ‬
‫ﭻﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ‬
‫ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝﮞ‬
‫ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔﯕ ﯖ‬
‫ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧﯨ ﯩ ﯪﯧﯧ ﯫﯧﯧ ﯬﯧﯧ ﯭﯧﯧ ﯮﯧﯧ ﯯﯧﯧ‬

‫ﭵ ﭶﭷ ﭸ ﭹ‬
‫ﮊ ﮋﮌ ﮍ ﮎ ﮏ‬
‫ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ‬
‫ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ‬
‫ﯰﯧﯧﯱﯧﯧ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ‬

‫ﯷ ﯷﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯼﯽ ﯾ ﯿ ﯷ ﯷ ﯷ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ‬
‫ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ‬
‫ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ‬
‫ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾﭿ‬
‫ﭭﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ‬
‫ﮀ ﮁ ﮂﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒﮓ ﮔ ﮕ‬
‫ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩﮪ ﮫ‬
‫ﮬ ﮭ ﮮﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ‬
‫ﯭﯧﯧ ﯮﯧﯧ ﯯﯧﯧ ﭾ ‪.‬‬
‫ﯥ ﯦ ﯧﯨ ﯩ ﯪﯧﯧ ﯫﯧﯧ ﯬﯧﯧ‬
‫ﯤ‬

‫ن{‪ :‬القبيلة المعروفة‪،‬‬
‫}‪ {84‬أي‪} :‬و{ أرسلنا }إلى مدي َ‬
‫ن‪ ،‬في أدنى فلسطين‪} ،‬أخاهم{‪ :‬في النسب‪،‬‬
‫الذين يسكنون َ‬
‫مد ْي َ َ‬
‫)‪(1‬‬
‫شعيبًا{‪ :‬لّنهم يعرفونه ويتم ّ‬
‫} ُ‬
‫كنون من الخذ عنه‪ ،‬فقال لهم‪:‬‬
‫}يا قوم ِ اعُبدوا الّله ما لكم من إلهٍ غيُره{؛ أي‪ :‬أخلصوا له‬
‫خسون‬
‫ركون ]به[‪ ،‬وكانوا مع شركهم ي َب ْ َ‬
‫العبادة؛ فإّنهم كانوا يش ِ‬
‫قصوا‬
‫المكيال والميزان‪ ،‬ولهذا نهاهم عن ذلك‪ ،‬فقال‪} :‬ول َتن ُ‬
‫م ْ‬
‫ن{‪ :‬بل أوفوا الكيل والميزان بالقسط‪} .‬إني‬
‫ال ِ‬
‫كيال والميزا َ‬
‫أرا ُ‬
‫حة وكثرة أموال وبنين؛‬
‫ر{؛ أي‪ :‬بنعمة كثيرةٍ وص ّ‬
‫كم بخي ٍ‬
‫فاش ُ‬
‫كروا الّله على ما أعطاكم‪ ،‬ول تكفروا بنعمة )‪ (2‬الّله فيزيلها‬
‫ط{؛ أي‪ :‬عذابا ً يحيط‬
‫عنكم‪} .‬وإّنـي أخا ُ‬
‫ب يوم محي ٍ‬
‫ف عليكم عذا َ‬
‫ة‪.‬‬
‫بكم ول ُيبقي منكم باقي ً‬
‫}‪} {85‬ويا قوم أوفوا المكيا َ‬
‫ط{؛ أي‪:‬‬
‫س ِ‬
‫ل والميزان بال ِ‬
‫ق ْ‬
‫خسوا الناس أشياءهم{؛‬
‫ون أن تعطوه‪} ،‬ول َتب َ‬
‫بالعدل الذي تر َ‬
‫ض ْ‬
‫أي‪ :‬ل تنقصوا من أشياء الناس‪ ،‬فتسرقوها بأخذها بنقص المكيال‬
‫ن الستمرار على‬
‫وا في الرض مف ِ‬
‫ن{‪ :‬فإ ّ‬
‫سدي َ‬
‫والميزان‪} ،‬ول ت َعْث َ ْ‬
‫دنيا ويهل ِ ُ‬
‫ث‬
‫ك الحر َ‬
‫المعاصي يف ِ‬
‫دين وال ّ‬
‫سد ُ الديان والعقائد وال ّ‬
‫والنسل‪.‬‬
‫ة الّله خيٌر لكم{؛ أي‪ :‬يكفيكم ما أبقى الّله لكم‬
‫}‪} {86‬بقي ُ‬
‫معوا في أمرٍ لكم عنه ُ‬
‫ة وهو‬
‫غني ٌ‬
‫من الخير وما هو لكم؛ فل تط َ‬
‫ن{‪ :‬فاعملوا بمقتضى اليمان‪.‬‬
‫ضاّر لكم ج ّ‬
‫دا‪} ،‬إن كنُتم مؤمني َ‬
‫ظ لعمالكم ووكيل‬
‫ظ{؛ أي‪ :‬لست بحاف ٍ‬
‫}وما أنا عليكم بحفي ٍ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ت‬
‫ما أنا فأبلغكم ما أرسل ُ‬
‫عليها‪ ،‬وإّنما الذي يحفظها الله تعالى‪ ،‬وأ ّ‬
‫به‪.‬‬
‫مُرك أن ن َت ُْر َ‬
‫ب أصلت ُ َ‬
‫}‪} {87‬قالوا يا ُ‬
‫ك ما يعبد ُ‬
‫شعي ُ‬
‫ك تأ ُ‬
‫آباؤنا{؛ أي‪ :‬قالوا ذلك على وجه الته ّ‬
‫كم بنبّيهم والستبعاد‬
‫لجابتهم له‪ ،‬ومعنى كلمهم‪ :‬أّنه ل موجب لنهيك لنا إل ّ أنك تصلي‬
‫ب لنا أن نتر َ‬
‫ك ما يعبد ُ آباؤنا‬
‫ج ُ‬
‫لّله وتتعّبد له؛ أفإ ْ‬
‫ت كذلك؛ أفيو ِ‬
‫ن كن َ‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫‪.‬في )ب(‪» :‬وليتمكنوا«‪.‬‬‫‪ -‬ف في )ب(‪» :‬نعمة«‬

‫ل ليس عليه دلي ٌ‬
‫ل إل ّ أنه موافقٌ لك؟! فكيف نّتبعك ونترك‬
‫لقو ٍ‬
‫ب قوُلك لنا‬
‫ج ُ‬
‫آباءنا القدمين أولي العقول واللباب؟! وكذلك ل يو ِ‬
‫أن نفع َ‬
‫ت لنا من وفاء الكيل والميزان وأداء‬
‫ل في أموالنا ما قل َ‬
‫الحقوق الواجبة فيها‪ ،‬بل ل نزا ُ‬
‫ل نفعل فيها ما شئنا؛ لّنها أمواُلنا‪،‬‬
‫فليس لك فيها تصّرف‪ ،‬ولهذا قالوا في ته ّ‬
‫ت‬
‫كمهم‪} :‬إّنك لن َ‬
‫ق‬
‫وقاُر لك ُ‬
‫م الرشي ُ‬
‫خل ُ ٌ‬
‫الحلي ُ‬
‫د{؛ أي‪ :‬أئنك أنت الذي الحلم وال َ‬
‫والّر ْ‬
‫د‪ ،‬ول‬
‫شد ُ لك سجي ّ ٌ‬
‫د‪ ،‬ول تأمُر إل ّ برش ٍ‬
‫ة؛ فل يصد ُُر عنك إل رش ٌ‬
‫ف‬
‫دهم أّنه موصو ٌ‬
‫ي؟! أي‪ :‬ليس المر كذلك‪ ،‬وقص ُ‬
‫تنهى إل ّ عن غ ّ‬
‫سفه والغواية؛ أي‪ :‬أن المعنى‪ :‬كيف‬
‫بعكس هذين الوصفين‪ :‬بال ّ‬
‫ن أنت الحليم الرشيد‪ ،‬وآباؤنا هم السفهاء الغاوين؟! وهذا‬
‫تكو ُ‬
‫القول الذي أخرجوه بصيغة الته ّ‬
‫ن المر بعكسه ليس كما‬
‫كم وأ ّ‬
‫ما كان‬
‫ظّنوه‪ ،‬بل المر كما قالوه‪ :‬إ ّ‬
‫مُره أن ينهاهم ع ّ‬
‫ن صلته تأ ُ‬
‫ن‬
‫يعبد ُ آباؤهم الضاّلون وأن يفعلوا في أموالهم ما يشاؤون؛ فإ ّ‬
‫الصلة تنهى عن الفحشاء والمنكر‪ ،‬وأيّ فحشاء ومنكرٍ أكبر من‬
‫عبادة غير الّله‪ ،‬ومن منع حقوق عباد الّله‪ ،‬أو سرقتها بالمكاييل‬
‫والموازين‪ ،‬وهو عليه الصلة والسلم الحليم الرشيد؟!‬
‫ت على‬
‫}‪} {88‬قال{ لهم شعي ٌ‬
‫ب‪} :‬يا قوم أرأيُتم إن كن ُ‬
‫حة ما جئت به‪،‬‬
‫بّينةٍ من رّبـي{؛ أي‪ :‬يقين وطمأنينة في ص ّ‬
‫}وَرَزَقني منه رزقا ً حسنًا{؛ أي‪ :‬أعطاني الّله من أصناف المال‬
‫فكم إلى ما أنهاكم عنه{‪:‬‬
‫ما أعطاني‪} ،‬و{ أنا ل }أريد ُ أن أخال ِ َ‬
‫خس في المكيال والميزان وأفعله‬
‫ن أنهاكم عن الب َ ْ‬
‫ت أريد ُ أ ْ‬
‫فلس ُ‬
‫ي الّتهمة في ذلك‪ ،‬بل ما أنهاكم عن أمر إل‬
‫أنا حتى تتطرق إلـ ّ‬
‫ت{؛ أي‪:‬‬
‫وأنا أول مبتدرٍ لترك ِ ِ‬
‫ه‪} .‬إن أريد ُ إل ّ الصلح ما استطع ُ‬
‫ح أحوالكم وتستقيم منافعكم‪،‬‬
‫صل ُ َ‬
‫ليس لي من المقاصد إل ّ أن ت َ ْ‬
‫صة لي وحدي شيٌء بحسب‬
‫وليس لي من المقاصد الخا ّ‬
‫استطاعتي‪ .‬ولما كان هذا فيه نوع ُ تزكيةٍ للنفس؛ د َفَعَ هذا بقوله‪:‬‬
‫}وما توفيقي إل ّ بالّله{؛ أي‪ :‬وما يحصل لي من التوفيق لفعل‬
‫الخير و )‪ (1‬النفكاك عن الشّر إل ّ بالّله تعالى‪ ،‬ل بحولي ول‬
‫ت في‬
‫ت في أموري ووثق ُ‬
‫ت{؛ أي‪ :‬اعتمد ُ‬
‫وتي‪} .‬عليه توكل ُ‬
‫بق ّ‬
‫ب{‪ :‬في أداء ما أمرني به من أنواع العبادات‪،‬‬
‫كفايته‪} .‬وإليه أني ُ‬
‫وفي هذا التقّرب إليه بسائر أفعال الخيرات‪ ،‬وبهذين المرين‬
‫ة برّبه والنابة إليه؛ كما قال‬
‫م أحوال العبد‪ ،‬وهما الستعان ُ‬
‫تستقي ُ‬
‫ده وتوك ّ ْ‬
‫ل عليه{‪ .‬وقال‪} :‬إّياك نعبد ُ وإّياك‬
‫تعالى‪} :‬فاعب ُ ْ‬
‫ن{‪.‬‬
‫نستعي ُ‬

‫‪1‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪» :‬أو«‪.‬‬

‫شقاقي{؛ أي‪ :‬ل تحملّنكم‬
‫}‪} {89‬ويا قوم ل يجرمّنكم ِ‬
‫مخالفتي ومشاّقتي‪} ،‬أن يصيب َ ُ‬
‫كم{‪ :‬من العقوبات‪} ،‬مث ُ‬
‫ل ما‬
‫ط منكم‬
‫م لو ٍ‬
‫ح وما قو ُ‬
‫م هود ٍ أو قو َ‬
‫ح أو قو َ‬
‫أصاب قو َ‬
‫م صال ٍ‬
‫م نو ٍ‬
‫ببعيد{‪ :‬ل في الدار ول في الزمان‪.‬‬
‫فروا رّبكم{‪ :‬عما اقـتـرفـتـم من ال ّ‬
‫ذنوب‪،‬‬
‫}‪} {90‬واستغ ِ‬
‫م توبوا إليه{‪ :‬فيما يستقبل من أعماركم بالتوبة الّنصوح‬
‫}ث ّ‬
‫د{‪ :‬لمن‬
‫م ودو ٌ‬
‫والنابة إليه بطاعته وترك مخالفته‪} .‬إ ّ‬
‫ن رّبـي رحي ٌ‬
‫تاب وأناب؛ يرحمه فيغفر له ويتقّبل توبته ويحّبه‪.‬‬
‫ب عباده المؤمنين‬
‫ومعنى الودود من أسمائه تعالى‪ :‬أّنه يح ّ‬
‫ويحّبونه؛ فهو فعو ٌ‬
‫ل بمعنى فاعل ومعنى )‪ (1‬مفعول‪.‬‬
‫ه كثيرا ً مما تقو ُ‬
‫ل{؛ أي‪:‬‬
‫ف َ‬
‫ب ما ن َ ْ‬
‫}‪} {91‬قالوا يا شعي ُ‬
‫ق ُ‬
‫ه كثيرا ً مما‬
‫جروا من نصائ ِ‬
‫تض ّ‬
‫حهِ ومواعظ ِهِ لهم‪ ،‬فقالوا‪ :‬ما نفق ُ‬
‫ضهم لما يقو ُ‬
‫تقو ُ‬
‫ل ونفرتهم عنه‪} .‬وإّنا لنراك فينا‬
‫ل‪ ،‬وذلك لب ُغْ ِ‬
‫ً‬
‫ضعيفا{؛ أي‪ :‬في نفسك‪ ،‬لست من الكبار والرؤساء‪ ،‬بل من‬
‫المستضعفين‪} .‬ولول رهط ُ َ‬
‫ك{؛ أي‪ :‬جماعتك وقبيلتك‪،‬‬
‫مناك وما أنت علينا بعزيز{؛ أي‪ :‬ليس لك قَد ٌْر في صدورنا‬
‫}ل ََر َ‬
‫جـ ْ‬
‫م في أنفسنا‪ ،‬وإنما احترمنا قبيلتك بتركنا إياك‪.‬‬
‫ول احترا ٌ‬
‫هطي أعّز‬
‫}‪} {92‬قال{ )‪ (2‬لهم مترّققا ً لهم‪} :‬يا قوم ِ أَر ْ‬
‫هطي ول تراعونني‬
‫عليكم من الّله{؛ أي‪ :‬كيف تراعونني لجل َر ْ‬
‫هطي أعّز عليكم من الّله‪} .‬واّتخذُتموه وراءكم‬
‫لّله‪ ،‬فصار َر ْ‬
‫ظ ِهْرِّيا{؛ أي‪ :‬نبذُتم أمر الّله وراء ظهوركم‪ ،‬ولم ُتبالوا به‪ ،‬ول‬
‫ن رّبـي بما تعملون محي ٌ‬
‫ط{‪ :‬ل يخفى عليه من‬
‫خ ْ‬
‫ِ‬
‫فُتم منه‪} .‬إ ّ‬
‫أعمالكم مثقا ُ‬
‫ل ذّرة في الرض ول في السماء‪ ،‬فسُيجازيكم على‬
‫م الجزاء‪.‬‬
‫ما عملتم أت ّ‬
‫وه وعجز عنهم؛ قال‪} :‬يا قوم اعملوا‬
‫}‪} {93‬و{ لما أعي َ ْ‬
‫على مكانت ِ ُ‬
‫كم{؛ أي‪ :‬على حالتكم ودينكم‪} .‬إّنـي عامل سوف‬
‫)‪(3‬‬
‫ب ُيخزيه{ ‪ :‬ويح ّ‬
‫م‪ ،‬أنا‬
‫ل عليه عذا ٌ‬
‫ن من يأتيه عذا ٌ‬
‫تعلمو َ‬
‫ب مقي ٌ‬
‫قبوا{‪ :‬ما‬
‫ب‪} ،‬وارت ِ‬
‫أم أنتم‪ ،‬وقد علموا ذلك حين وقع عليهم العذا ُ‬
‫ح ّ‬
‫يح ّ‬
‫ل بكم‪.‬‬
‫ب{ ما ي َ ِ‬
‫ل بي‪} .‬إّنـي معكم رقي ٌ‬
‫شعيبا ً‬
‫جْينا ُ‬
‫}‪} {94‬ولما جاء أمُرنا{‪ :‬بإهلك قوم شعيب‪} ،‬ن ّ‬
‫ة‬
‫ت الذين ظلموا الصيح ُ‬
‫والذين آمنوا معه برحمةٍ مّنا وأخذ ِ‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫ في )ب(‪» :‬وبمعنى«‪.‬‬‫ في )ب(‪» :‬فقال«‪.‬‬‫‪ -‬في)ب(‪":‬فسوف"‪.‬‬

‫معُ لهم صوتًا‪ ،‬ول ترى منهم‬
‫ن{‪ :‬ل ت َ ْ‬
‫س َ‬
‫فأصبحوا في دياِرهم جاثمي َ‬
‫ة‪.‬‬
‫حرك ً‬
‫وا فيها{؛ أي‪ :‬كأنهم ما أقاموا في‬
‫}‪} {95‬كأن لم ي َغْن َ ْ‬
‫ديارهم ول تّنعموا فيها حين أتاهم العذاب‪} .‬أل بعدا ً لمدين{‪ :‬إذ ْ‬
‫د{؛ أي‪ :‬قد اشتركت هاتان‬
‫ت ثمو ُ‬
‫ه وأخزاها‪} ،‬كما ب َعِد َ ْ‬
‫أهلكها الل ّ ُ‬
‫سحق والُبعد والهلك‪.‬‬
‫القبيلتان في ال ّ‬
‫ب عليه السلم كان يسمى خطيب النبياء؛ لحسن‬
‫وشعي ٌ‬
‫مراجعته لقومه‪ .‬وفي قصته من الفوائد والعبر شيء كثير‪:‬‬
‫منها ‪ :‬أن الكفار كما يعاَقبون ويخا َ‬
‫طبون بأصل السلم؛‬
‫ن شعيبا ً دعا قومه إلى التوحيد وإلى‬
‫فكذلك بشرائعه وفروعه؛ ل ّ‬
‫إيفاء المكيال والميزان‪ ،‬وجعل الوعيد مرتبا ً على مجموع ذلك‪.‬‬
‫ص المكاييل والموازين من كبائر ال ّ‬
‫ذنوب‬
‫ومنها ‪ :‬أن نق َ‬
‫ن ذلك من‬
‫وتخشى العقوبة العاجلة على من تعاطى ذلك‪ ،‬وأ ّ‬
‫سرقة أموال الناس‪ ،‬وإذا كان سرقتهم في المكاييل والموازين‬
‫ة للوعيد؛ فسرِقَُتهم على وجه القهر والغلبة من باب أولى‬
‫موجب ً‬
‫وأحرى‪.‬‬
‫س أموال‬
‫ن الجزاء من جنس العمل؛ فمن ب َ َ‬
‫ومنها ‪ :‬أ ّ‬
‫خ َ‬
‫ب بنقيض ذلك‪ ،‬وكان سببا ً لزوال‬
‫الناس يريد زيادة ماله؛ عوقِ َ‬
‫ر{؛ أي‪ :‬فل‬
‫الخير الذي عنده من الرزق؛ لقوله‪} :‬إني أراكم بخي ٍ‬
‫تتسّببوا إلى زواله بفعلكم‪.‬‬
‫قن َعَ بالحلل‬
‫قن َعَ بما آتاه الّله وي َ ْ‬
‫ومنها ‪ :‬أن على العبد أن ي َ ْ‬
‫ن‬
‫عن الحرام وبالمكاسب المباحة عن المكاسب المحرمة‪ ،‬وأ ّ‬
‫ة الّله خيٌر لكم{؛ ففي ذلك من البركة‬
‫ذلك خيٌر له؛ لقوله‪} :‬بقي ّ ُ‬
‫وزيادة الرزق ما ليس في التكالب على السباب المحّرمة من‬
‫حق وضد ّ البركة‪.‬‬
‫م ْ‬
‫الـ َ‬
‫ومنها ‪ :‬أن ذلك من لوازم اليمان وآثاره؛ فإّنه رتب العمل‬
‫به على وجود اليمان‪ ،‬فد ّ‬
‫ل على أّنه إذا لم يوجد العمل؛ فاليمان‬
‫م‪.‬‬
‫ص أو معدو ٌ‬
‫ناق ٌ‬
‫دمين‪،‬‬
‫ن الصلة لم تزل مشروعة للنبياء المتق ّ‬
‫ومنها ‪ :‬أ ّ‬
‫وأّنها من أفضل العمال‪ ،‬حتى إنه متقّرر عند الكفار فضلها‬
‫وتقديمها على سائر العمال‪ ،‬وأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر‪،‬‬
‫م ُ‬
‫د‪،‬‬
‫ل أحوال العب ِ‬
‫وهي ميزا ٌ‬
‫ن لليمان وشرائعه؛ فبإقامتها تك ُ‬
‫وبعدم إقامتها تخت ّ‬
‫ل أحواله الدينّية‪.‬‬

‫ن كان الّله قد‬
‫ه الّله النسان‪ ،‬وإ ْ‬
‫ومنها ‪ :‬أ ّ‬
‫ن المال الذي يرزقُ ُ‬
‫ة عنده‪ ،‬عليه‬
‫وله إياه؛ فليس له أن يصنع فيه ما يشاء؛ فإنه أمان ٌ‬
‫خ ّ‬
‫أن يقيم حقّ الّله فيه بأداء ما فيه من الحقوق والمتناع من‬
‫المكاسب التي حّرمها الّله ورسوله‪ ،‬ل كما يزعمه الكفار ومن‬
‫ن أموالهم لهم أن يصنعوا فيها ما يشاؤون ويختارون‪،‬‬
‫أشبههم؛ أ ّ‬
‫م الّله أو خالفه‪.‬‬
‫سواٌء وافقَ حك َ‬
‫ن أول‬
‫ومنها ‪ :‬أن من ت َك ْ ِ‬
‫مل َةِ دعوة الداعي وتمامها‪ :‬أن يكو َ‬
‫مبادرٍ لما يأمر غيره به وأول منتهٍ عما ينهى غيره عنه؛ كما قال‬
‫فكم إلى ما أنهاكم عنه{‪،‬‬
‫ن أخال ِ َ‬
‫ب عليه السلم‪} :‬وما أريد ُ أ ْ‬
‫شعي ٌ‬
‫ن ]ك َب َُر‬
‫ن ما ل تفعلو َ‬
‫ولقوله تعالى‪} :‬يا أّيها الذين آمنوا لم تقولو َ‬
‫مقًتا عند الل ّهِ أن تقولوا ما ل تفعلون[{‪.‬‬
‫ومنها ‪ :‬أن وظيفة الرسل وسّنتهم ومّلتهم إرادة ُ الصلح‬
‫بحسب القدرة والمكان‪ ،‬فيأتون بتحصيل المصالح وتكميلها أو‬
‫قد َُر عليه منها‪ ،‬وبدفع المفاسد ِ وتقليلها‪ ،‬ويراعون‬
‫بتحصيل ما ي ُ ْ‬
‫المصالح العامة على المصالح الخاصة‪.‬‬
‫صُلح بها أحوال العباد‪ ،‬وتستقيم‬
‫وحقيقة المصلحة هي التي ت َ ْ‬
‫بها أمورهم الدينّية والدنيوّية‪.‬‬
‫من قام بما يقد ُِر عليه من الصلح؛ لم يكن‬
‫ومنها ‪ :‬أ ّ‬
‫ن َ‬
‫م ْ‬
‫ذموما ً في عدم فعله ما ل يقد ُِر عليه؛ فعلى العبد ِ أن‬
‫ملوما ً ول َ‬
‫َ‬
‫ُيقيم من الصلح في نفسه وفي غيره ما يقد ُِر عليه‪.‬‬
‫ن العبد ينبغي له أن ل يّتكل على نفسه طرفة‬
‫ومنها ‪ :‬أ ّ‬
‫عين‪ ،‬بل ل يزال مستعينا ً برّبه‪ ،‬متوك ّل ً عليه‪ ،‬سائل ً له التوفيق‪،‬‬
‫سديه ول‬
‫م ْ‬
‫وإذا حصل له شيٌء من التوفيق؛ فلينسبه ِلـموليهِ و ُ‬
‫ت وإليه‬
‫ي ُعْ َ‬
‫جب بنفسه؛ لقوله‪} :‬وما توفيقي إل ّ بالّله عليه توكل ُ‬
‫ُ‬
‫ب{‪.‬‬
‫أني ُ‬
‫ومنها ‪ :‬الترهيب بأخذات المم‪ ،‬وما جرى عليهم‪ ،‬وأنه ينبغي‬
‫ص التي فيها إيقاع ُ العقوبات بالمجرمين في سياق‬
‫ن ت ُذ ْك ََر ال َ‬
‫أ ْ‬
‫قص ُ‬
‫الوعظ والزجر؛ كما أنه ينبغي ذ ِك ُْر ما أكرم الّله به أهل التقوى‬
‫ث على التقوى‪.‬‬
‫عند الترغيب والح ّ‬
‫ومنها ‪ :‬أن التائب من الذنب كما ُيسمح له عن ذنبه وُيعفى‬
‫ن‬
‫ده‪ ،‬ول عبرة بقول من يقول‪ :‬إ ّ‬
‫ن الّله تعالى يحّبه ويو ّ‬
‫عنه؛ فإ ّ‬
‫ب إذا تاب؛ فحسُبه أن ي ُغْ َ‬
‫فَر له ويعود َ عليه العفو‪ ،‬وأما ع َوْد ُ‬
‫التائ َ‬
‫م‬
‫ن الّله قال‪} :‬واستغ ِ‬
‫د؛ فإ ّ‬
‫ب؛ فإنه ل يعو ُ‬
‫الود ّ والح ّ‬
‫فروا رّبكم ث ّ‬
‫د{‪.‬‬
‫م ودو ٌ‬
‫توبوا إليه إ ّ‬
‫ن ربي رحي ٌ‬

‫ب كثيرةٍ قد‬
‫ومنها ‪ :‬أ ّ‬
‫ن الّله يدفع عن المؤمنين بأسبا ٍ‬
‫يعلمون بعضها وقد ل يعلمون شيئا ً منها‪ ،‬وربما د َفَعَ عنهم بسبب‬
‫مهِ‬
‫م قو ِ‬
‫ب رج َ‬
‫قبيلتهم وأهل وطنهم الكفار؛ كما دفع الّله عن شعي ٍ‬
‫ه‪.‬‬
‫بسبب رهط ِ ِ‬
‫ص ُ‬
‫ل بها الدفع عن السلم‬
‫وأ ّ‬
‫ن هذه الروابط التي يح ُ‬
‫ن‬
‫والمسلمين ل بأس بالسعي فيها‪ ،‬بل رّبما تعيّـن ذلك؛ ل ّ‬
‫ب على حسب القدرة والمكان؛ فعلى هذا لو‬
‫الصلح مطلو ٌ‬
‫ساعد المسلمون الذين تحت ولية الكفار‪ ،‬وعملوا على جعل‬
‫ة يتم ّ‬
‫ب من حقوقهم‬
‫الولية جمهوري ّ ً‬
‫كن فيها الفراد ُ والشعو ُ‬
‫الدينّية والدنيوّية؛ لكان أولى من استسلمهم لدولةٍ تقضي على‬
‫ة‬
‫مل َ ً‬
‫حقوقهم الدينّية والدنيوّية‪ ،‬وتحرص على إبادتها وجعلهم ع َ َ‬
‫ن أمكن أن تكون الدولة للمسلمين وهم‬
‫وخدما ً لهم‪ .‬نعم ؛ إ ْ‬
‫الحكام؛ فهو المتعيّـن‪ ،‬ولكن لعدم إمكان هذه المرتبة؛ فالمرتبة‬
‫ة للدين والدنيا مقدمة‪ .‬والّله أعلم‪.‬‬
‫التي فيها دفعٌ ووقاي ٌ‬
‫ﭿ ﯰﯧﯧ ﯱﯧﯧ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯼﯽ ﯾ ﯿ ﯷ ﯷ‬
‫ﯷ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ‬
‫ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶﭷ ﭸ‬
‫)‪(1‬‬
‫ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﭾ‪.‬‬
‫}‪ {96‬يقول تعالى‪} :‬ولقد أرسلنا موسى{‪ :‬ابن عمران‬
‫}بآياتنا{‪ :‬الداّلة على صدق ما جاء به؛ كالعصا واليد ونحوهما من‬
‫اليات التي أجراها الّله على يدي موسى عليه السلم‪،‬‬
‫ت ظهور الشمس‪.‬‬
‫ن{؛ أي‪ :‬حجة ظاهرة بّينة ظهر ْ‬
‫ن ُ‬
‫}وسلطا ٍ‬
‫مبي ٍ‬
‫ه{؛ أي‪ :‬أشراف قومه؛ لّنهم‬
‫ن وملئ ِ ِ‬
‫}‪} {97‬إلى فرعو َ‬
‫المتبوعون‪ ،‬وغـيـرهـم ت ََبع لهم‪ ،‬فلم ينقادوا لما مع موسى من‬
‫اليات التي أراهم إّياها كما تقدم بس ُ‬
‫طها في سورة العراف‪،‬‬
‫د{‪ :‬بل هو ضا ّ‬
‫ل‬
‫ن برشي ٍ‬
‫ولكنهم }اّتبعوا أمَر فرعون وما أمُر فرعو َ‬
‫ض‪.‬‬
‫غاوٍ ل يأمر إل بما هو ضرٌر مح ٌ‬
‫م‬
‫مه؛ أرداهم وأهلكهم؛ }ي َ ْ‬
‫قد ُ ُ‬
‫ما اّتبعه قو ُ‬
‫}‪ {98‬ل جرم لـ ّ‬
‫د{‪.‬‬
‫دهم الناَر وبئس الوِْرد ُ المورو ُ‬
‫مه يوم القيامة فأور َ‬
‫قو َ‬
‫ة ويوم‬
‫}‪} {99‬وأ ُت ِْبعوا في هذه{؛ أي‪ :‬في الدنيا }لعن ً‬
‫س أجمعون في الدنيا‬
‫القيام ِ‬
‫ة{؛ أي‪ :‬يلعنهم الّله وملئكته والنا ُ‬
‫د{؛ أي‪ :‬بئس ما اجتمع لهم‪،‬‬
‫والخرة‪} .‬بئس الّرفْد ُ المرفو ُ‬
‫دنيا والخرة‪.‬‬
‫وتراد َ َ‬
‫ف عليهم من عذاب الّله ولعنة ال ّ‬
‫‪1‬‬

‫‪ -‬في )ب(‪ :‬إلى آخر القصة‪.‬‬

‫}‪ {100‬ولما ذكر قصص هؤلء المم مع رسلهم؛ قال الّله‬
‫صه عليك{‪ :‬لتنذر به‬
‫تعالى لرسوله‪} :‬ذلك من أنباِء ال ُ‬
‫قرى نق ّ‬
‫ة وذكرى للمؤمنين‪} .‬منها‬
‫ن آية على رسالتك وموعظ ً‬
‫ويكو َ‬
‫ف بل بقي من آثار ديارهم ما يد ّ‬
‫ل عليهم‪} .‬و{ منها‬
‫م{‪ :‬لم يتل ْ‬
‫قائ ٌ‬
‫دمت مساكنهم‪ ،‬واضمحّلت منازلهم فلم يبقَ لها‬
‫د{‪ :‬قد ته ّ‬
‫}حصي ٌ‬
‫أثٌر‪.‬‬
‫مناهم{‪ :‬بأخذهم بأنواع العقوبات‪} ،‬ولكن‬
‫}‪} {101‬وما ظ َل َ ْ‬
‫ت عنهم‬
‫ظ ََلموا أنف َ‬
‫سهم{‪ :‬بالشرك والكفر والعناد‪} .‬فما أغن ْ‬
‫ما جاء أمُر رّبك{‪:‬‬
‫آلهُتهم التي ي َ ْ‬
‫دعون من دون الّله من شيٍء لـ ّ‬
‫وهكذا ك ّ‬
‫ل من التجأ إلى غير الّله؛ لم ينفْعه ذلك عند نزول‬
‫ب{؛ أي‪ :‬خسار ودمار بالضد ّ مما‬
‫الشدائد‪} .‬وما زادوهم غير ت َْتبي ٍ‬
‫خطر ببالهم‪.‬‬
‫ﭿﮍ ﮎ ﮏ ﮐ‬

‫ﮑ ﮒ ﮓ ﮔﮕ ﮖ ﮗ‬

‫ﮘ ﮙ ﮚ ﭾ‪.‬‬

‫مهم بالعذاب‪ ،‬ويبيدهم‪ ،‬ول ينفعهم ما‬
‫}‪ {102‬أي‪ :‬يق ِ‬
‫ص ُ‬
‫دعون من دون الّله من شيٍء‪.‬‬
‫كانوا ي َ ْ‬

‫ﭿ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢﮣ ﮤ ﮥ‬
‫ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚﯛ ﯜ‬
‫ﯨ ﯩ ﯪﯧﯧ ﯫﯧﯧ ﯬﯧﯧ ﯭﯧﯧ ﯮﯧﯧ ﯯﯧﯧ ﯰﯧﯧ ﯱﯧﯧ ﯷ ﯷﯷ‬
‫ﯽ ﯾ ﯿ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﰈ‬

‫ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮮ‬
‫ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ‬
‫ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯷ ﯼ‬
‫ﰉ ﯷﯷ ﯷ ﯷ ﰎ ﯷ ﭾ ‪.‬‬

‫}‪} {103‬إن في ذلك{‪ :‬المذكور من أخذه للظالمين بأنواع‬
‫ب الخرة{؛ أي‪ :‬لعبرة ً ودليل ً‬
‫ن خاف عذا َ‬
‫العقوبات‪} ،‬لية لـ َ‬
‫م ْ‬
‫ن أهل ال ّ‬
‫ظلم والجرام لهم العقوبة الدنيوّية والعقوبة‬
‫على أ ّ‬
‫م‬
‫الخروّية‪ .‬ثم انتقل من هذا إلى وص ِ‬
‫ف الخرة‪ ،‬فقال‪} :‬ذلك يو ٌ‬
‫معوا لجل ذلك اليوم للمجازاة‬
‫جـ ِ‬
‫مجموع له الناس{؛ أي‪ُ :‬‬
‫وليظهر لهم من عظمة الّله وسلطانه وعدله العظيم ما به‬
‫د{؛ أي‪ :‬يشهده الّله‬
‫م مشهو ٌ‬
‫رفونه حقّ المعرفة‪} .‬وذلك يو ٌ‬
‫يع ِ‬
‫وملئكُته وجميعُ المخلوقين‪.‬‬
‫خُره{؛ أي‪ :‬إتيان يوم القيامة‪} ،‬إل ّ لجل‬
‫}‪} {104‬وما نؤ ّ‬
‫دنيا‪ ،‬وما قدر الّله فيها من الخلق؛‬
‫مْعدوٍد{‪ :‬إذا انقضى أجل ال ّ‬
‫َ‬
‫فحينئذ ٍ ينقلهم إلى الدار الخرى‪ ،‬وُيجري عليهم أحكامه الجزائّية‪،‬‬
‫دنيا أحكامه الشرعّية‪.‬‬
‫كما أجرى عليهم في ال ّ‬
‫م‬
‫م يأ ِ‬
‫ت{‪ :‬ذلك اليو ُ‬
‫}‪} {105‬يو َ‬
‫م ويجتمعُ الخلق‪} ،‬ل ت َك َل ّ ُ‬
‫ه{‪ :‬حتى النبياء والملئكة الكرام ل يشفعون إل‬
‫س إل بإذن ِ ِ‬
‫نف ٌ‬
‫د{‪ :‬فالشقياء هم‬
‫بإذن ِ ِ‬
‫ي وسعي ٌ‬
‫ه‪} .‬فمنهم{؛ أي‪ :‬الخلق }شق ّ‬

‫الذين كفروا بالّله‪ ،‬وك ّ‬
‫صوا أمره‪ ،‬والسعداء هم‬
‫ذبوا رسله وع َ َ‬
‫المؤمنون المّتقون‪.‬‬
‫}‪ {106‬وأما جزاؤهم‪} :‬فأما الذين َ‬
‫قوا{؛ أي‪ :‬حصلت‬
‫ش ُ‬
‫لهم الشقاوة والخزي والفضيحة }ففي النار{‪ :‬منغمسون في‬
‫دة ما هم فيه‬
‫عذابها مشتد ّ عليهم عقابها‪} .‬لهم فيها{‪ :‬من ش ّ‬
‫حها‪.‬‬
‫ق{‪ :‬وهو أشنع الصوات وأقب ُ‬
‫}زفيٌر وشهي ٌ‬
‫}‪} {107‬خالدين فيها{؛ أي‪ :‬في النار التي هذا عذاُبها‪} ،‬ما‬
‫ض إل ّ ما شاء رّبك{؛ أي‪ :‬خالدين فيها أبدا ً‬
‫دام ِ‬
‫ت السمـوا ُ‬
‫ت والر ُ‬
‫دة التي شاء الّله أن ل يكونوا فيها‪ ،‬وذلك قبل دخولها؛ كما‬
‫إل ّ الم ّ‬
‫قاله جمهور المفسرين؛ فالستثناء على هذا راجعٌ إلى ما قبل‬
‫دخولها؛ فهم خالدون فيها جميع الزمان سوى الزمن الذي قبل‬
‫ن رّبك فّعا ٌ‬
‫ل لما يريد{‪ :‬فكل ما أراد فعله‬
‫الدخول فيها‪} .‬إ ّ‬
‫َ‬
‫مراده‪.‬‬
‫واقتضته حكمُته؛ فَعَله تبارك وتعالى‪ ،‬ل ير ّ‬
‫ده أحد ٌ عن ُ‬
‫سِعدوا{؛ أي‪ :‬حصلت لهم السعادة‬
‫}‪} {108‬وأما الذين ُ‬
‫ت‬
‫والفلح والفوز‪} ،‬ففي الجّنة خالدين فيها ما دامت السمـوا ُ‬
‫مأ ّ‬
‫كد ذلك بقوله‪} :‬عطاًء غير‬
‫والرض إل ّ ما شاء رّبك{‪ :‬ث ّ‬
‫مجذوٍد{؛ أي‪ :‬ما أعطاهم الّله من النعيم المقيم والّلذة العالية؛‬
‫م مستمّر غير منقطع بوقت من الوقات‪ .‬نسأل الّله‬
‫فإّنه دائ ٌ‬
‫الكريم من فضله‪.‬‬
‫ﭿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ‬
‫ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭾ‪.‬‬

‫ﭝ‬

‫ﭞ ﭟ ﭠﭡ ﭢ‬

‫}‪ {109‬يقول الله تعالى لرسوله محمد ٍ صلى الله عليه‬
‫وسلم‪} :‬فل ت ُ‬
‫ما يعبد ُ هؤلء{‪ :‬المشركون؛ أي‪ :‬ل‬
‫ك في ِ‬
‫مْري َةٍ م ّ‬
‫تش ّ‬
‫ل؛ فليس لهم دلي ٌ‬
‫ن ما هم عليه باط ٌ‬
‫ي‬
‫ك في حالهم‪ ،‬وأ ّ‬
‫ل شرع ّ‬
‫ي‪ ،‬وإنما دليُلهم وشبهتهم أنهم يعُبدون كما يعب ُد ُ آباؤهم‬
‫ول عقلـ ّ‬
‫من قـبـ ُ‬
‫ل‪ ،‬ومن المعلوم أن هذا ليس بشبهةٍ فضل ً عن أن يكون‬
‫ج لها ل يحتج بها‪ ،‬خصوصا ً‬
‫دلي ً‬
‫ن أقوال ما عدا النبياء يحت ّ‬
‫ل؛ ل ّ‬
‫أمثال هؤلء الضالين‪ ،‬الذين كثر خطؤهم وفساد أقوالهم في‬
‫ن أقوالهم وإن اّتفقوا عليها؛ فإّنها خطأ وضلل‬
‫أصول الدين؛ فإ ّ‬
‫موّفوهم نصيَبهم غير منقوص{؛ أي‪ :‬ل بد ّ أن ينالهم‬
‫}وإّنا َلـ ُ‬
‫دنيا مما كتب لهم‪ ،‬وإن ك َُثر ذلك النصيب أو راق‬
‫نصيُبهم من ال ّ‬
‫ّ‬
‫في عينك؛ فإّنه ل يد ّ‬
‫دنيا‬
‫ن الله يعطي ال ّ‬
‫ل على صلح حالهم؛ فإ ّ‬
‫ب‪ ،‬ول يعطي اليمان والدين الصحيح إل ّ من‬
‫ب ومن ل يح ّ‬
‫من يح ّ‬
‫ب‪ .‬والحاص ُ‬
‫ل أّنه ل ُيغتّر باتفاق الضالين على قول الضالين من‬
‫يُ ِ‬
‫ح ّ‬
‫ّ‬
‫ولهم الله‪ ،‬وآتاهم من الدنيا‪.‬‬
‫آبائهم القدمين‪ ،‬ول على ما خ ّ‬

‫ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵﭶ ﭷ‬
‫ﭿ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭﭮ ﭯ ﭰ‬
‫ﭿ ﮀ ﮁ ﮂﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ‬
‫ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ‬
‫ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ‬
‫ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ‬
‫ﮍ ﮎ ﮏ ﮐﮑ ﮒ‬
‫ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﭾ‪.‬‬
‫}‪ {110‬يخبر تعالى أنه آتى موسى الكتاب الذي هو‬
‫التوراة‪ ،‬الموجب للتفاق على أوامره ونواهيه والجتماع‪ ،‬ولكن‬
‫ن المنتسبين إليه اختلفوا فيه اختلفا ً أضّر بعقائدهم‬
‫مع هذا؛ فإ ّ‬
‫ت من رّبك{‪ :‬بتأخيرهم‬
‫وبجامعتهم الدينّية‪} .‬ولول كلم ٌ‬
‫ة سبق ْ‬
‫ي بيَنهم{‪ :‬بإحلل العقوبة‬
‫وعدم معاجلتهم بالعذاب‪} ،‬ل َ ُ‬
‫ق ِ‬
‫ض َ‬
‫بال ّ‬
‫خر القضاء بيَنهم إلى‬
‫ظالم‪ ،‬ولكّنه تعالى اقتضت حكمته أن أ ّ‬
‫يوم القيامة‪ ،‬وَبقوا في ش ّ‬
‫ب‪ .‬وإذا كانت هذه حاُلهم مع‬
‫ك مري ٍ‬
‫ب من‬
‫كتابهم؛ فمع القرآن الذي أوحاه الّله إليك غير مستغر ٍ‬
‫طائفة اليهود أن ل يؤمنوا به‪ ،‬وأن يكونوا في ش ّ‬
‫ك منه مريب‪.‬‬
‫ما ل َي ُوَفّي َن ُّهم رّبك أعماَلهم{؛ أي‪ :‬ل بد ّ‬
‫}‪} {111‬وإن ك ُل ّ َلـ ّ‬
‫أن يقضي الّله بينهم )‪ (1‬يوم القيامة بحكمه العدل‪ ،‬فيجازي كل ّ بما‬
‫خفى‬
‫يستح ّ‬
‫قه‪} .‬إنه بما يعملون{‪ :‬من خير وشّر‪} ،‬خبيٌر{‪ :‬فل َيـ ْ‬
‫قها وجليِلها‪.‬‬
‫عليه شيء من أعمالهم؛ دقي ِ‬
‫ت اختلَفهم‬
‫}‪ {112‬ثم لما أخبر بعدم استقامتهم التي أوجب ِ‬
‫ن معه من‬
‫وافتراَقهم؛ أمر نبّيه محمدا ً صلى الله عليه وسلم و َ‬
‫م ْ‬
‫مروا‪ ،‬فيسلكوا ما شرعه الّله من‬
‫المؤمنين أن يستقيموا كما أ ِ‬
‫قدوا ما أخبر الّله به من العقائد الصحيحة‪ ،‬ول‬
‫الشرائع‪ ،‬ويعت ِ‬
‫ن‬
‫ة ول يسر ً‬
‫َيزيغوا عن ذلك يمن ً‬
‫وا بأ ْ‬
‫ة‪ ،‬ويدوموا على ذلك‪ ،‬ول ي َط ْغَ ْ‬
‫ده الّله لهم من الستقامة‪ ،‬وقوله‪} :‬إّنه بما تعملون‬
‫يتجاوزوا ما ح ّ‬
‫بصيٌر{؛ أي‪ :‬ل يخفى عليه من أعمالكم شيء‪ ،‬وسيجازيكم عليها‪.‬‬
‫دها‪.‬‬
‫ب من ض ّ‬
‫ب لسلوك الستقامة وترهي ٌ‬
‫ففيه ترغي ٌ‬
‫}‪ {113‬ولهذا ح ّ‬
‫دى الستقامة‪،‬‬
‫ذرهم عن الميل إلى من تع ّ‬
‫فقال‪} :‬ول ت َْر َ‬
‫كنوا{؛ ]أي‪ :‬ل تميلوا[ }إلى الذين ظلموا{‪ :‬فإّنكم‬
‫إذا ملتم إليهم وافقتموهم على ظلمهم