‫)المفصل في أحكام الربا )‪5‬‬

‫الباب الخامس‬
‫فتاوى وبحوث معاصرة حول الربا‬
‫وأحكامه‬
‫)‪(4‬‬
‫جمع وإعداد‬
‫الباحث في القرآن والسنة‬
‫علي بن نايف الشحود‬

‫‪#‬الحداث المعاصرة في ضوء السنن الربانية‬
‫‪1/2‬‬
‫الشيخ عبد العزيز بن ناصر الجليل‬
‫‪7/1/1426‬‬
‫إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره‪ ،‬ونعوذ بالله من‬
‫شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا‪ ،‬من يهده الله فل مضل‬
‫للله‪ ،‬ومللن يضلللل فل هللادي للله‪ ،‬ونشللهد أن ل إللله إل الللله‬
‫وحده ل شريك له وأن محمد عبللده ورسللوله _صلللى الللله‬
‫عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما ً كثيرًا_ أما بعد‪:‬‬
‫‪1‬‬

‫فعمل ً بللواجب النصللح لللله ‪ -‬عللز وجللل ‪-‬ولكتللابه ولرسللوله‬
‫_صلللى الللله عليلله وسلللم_ ولئمللة المسلللمين وعللامتهم؛‬
‫أتللوجه ببعللض الوصللايا إلللى المسلللمين فللي كللل مكللان‪،‬‬
‫والدافع إلى توجيهها ما تمر به المة السلللمية اليللوم مللن‬
‫محنلللة عصللليبة وخطلللر داهلللم ملللن قبلللل أعلللداء المللللة‬
‫والمسلللمين بقيللادة طللاغوت العصللر المتغطللرس أمريكللا‬
‫وحلفائها‪ ،‬والذين رموا المة المسلللمة عللن قللوس واحللدة‬
‫يريدون بها الشر ومزيدا ً من التفتت والتفللرق والنيللل مللن‬
‫دينها ودعاتها وثرواتها وتغريبها وإقصاء مللا بقللي فيهللا مللن‬
‫شرائع الدين وشعائره‪ ،‬وهذا تأويل قوله _صلى الللله عليلله‬
‫وسلم_‪" :‬يوشك أن تداعى المم عليكم كما تداعى الكلللة‬
‫إلى قصعتها‪ .‬قالوا‪ :‬أمن قلللة نحللن يللومئذ‪ .‬قللال‪ :‬بللل أنتللم‬
‫يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السلليل‪ ،‬ولينزعللن الللله مللن‬
‫صدور عدوكم المهابة منكم‪ ،‬وليقذفن في قلوبكم الللوهن‪،‬‬
‫قالوا‪ :‬وما الوهن يا رسول الله؟ قال‪ :‬حب الدنيا وكراهيللة‬
‫الموت"‪.‬‬
‫معاشر المسلمين‪:‬‬
‫لقد اقتضت حكمة الله ‪ -‬عز وجل ‪-‬أن يوجللد الصللراع بيللن‬
‫الحق والباطل على هذه الرض منللذ أن ُأهبللط آدم _عليلله‬
‫السلم_ وإبليس اللعين إلى الرض إلى أن تقوم السللاعة‪،‬‬
‫وقد جعل الله ل ‪ -‬عز وجل ‪ -‬ل لهذا الصراع والمدافعة سننا ً‬
‫ن‬
‫ت الل ّلهِ ت َب ْل ِ‬
‫سلن ّ ِ‬
‫جلد َ ل ِ ُ‬
‫ن تَ ِ‬
‫ديل ً وَل َل ْ‬
‫ثابتة ل تتغير ول تتبدل "فَل َ ْ‬
‫وي ً‬
‫ل" )فللاطر‪ :‬مللن اليللة ‪ .(43‬ول تظهللر‬
‫سن ّ ِ‬
‫ت الل ّهِ ت َ ْ‬
‫جد َ ل ِ ُ‬
‫تَ ِ‬
‫ح ِ‬
‫هذه السنن إل لمن تدبر كتللاب الللله ‪ -‬عللز وجللل ‪-‬واهتللدى‬
‫مب َللاَر ٌ‬
‫ب أ َن َْزل ْن َللاهُ إ ِل َي ْل َ‬
‫ه‬
‫ك ل ِي َلد ّب ُّروا آي َللات ِ ِ‬
‫بنللوره وهللداه "ك ِت َللا ٌ‬
‫ك ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ص‪ ،(29 :‬ومللن سللنن الللله ‪ -‬عللز‬
‫ب" ) ّ‬
‫وَل ِي َت َذ َك َّر أول ُللو اْلل ْب َللا ِ‬
‫وجل ‪-‬في إهلكله للملم أو نجلاتهم فلي هلذا الصلراع؛ مللا‬
‫قصه الله _تعالى_ علينا في كتابه الكريم من إهلكه للمم‬
‫الكافرة وإنجائه لنبيللائه وأوليللائه الصللالحين‪ ،‬حيللث يلفللت‬
‫الله ‪ -‬عز وجل ‪-‬أنظار المؤمنين إلى سننه ‪ -‬عز وجل ‪-‬في‬
‫م‬
‫الهلك والنجاء‪ ،‬بقللوله _تعللالى_‪" :‬قَ لد ْ َ‬
‫ت ِ‬
‫ن قَب ْل ِك ُل ْ‬
‫خل َل ْ‬
‫مل ْ‬
‫سلليروا ِفللي اْل َ‬
‫ف َ‬
‫ة‬
‫ر‬
‫ن َ‬
‫عاقَِبلل ُ‬
‫ض َفللان ْظ ُُروا ك َْيلل َ‬
‫كللا َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ن فَ ِ ُ‬
‫سللن َ ٌ‬
‫ِ‬
‫ن" )آل عمران‪ .(137 :‬ومللن ذلللك قللوله _تعللالى_‬
‫ال ْ ُ‬
‫مك َذ ِّبي َ‬
‫‪2‬‬

‫بعد أن قلص علينلا قصلص بعلض أنبيلائه فلي سلورة هلود‬
‫كان من ال ُْقرون من قَبل ِك ُل ُ‬
‫ن‬
‫م أول ُللو ب َِقي ّلةٍ ي َن ْهَ لوْ َ‬
‫ُ ِ ِ ْ ْ‬
‫ْ‬
‫ول َ َ ِ َ‬
‫"فَل َ ْ‬
‫ن ع َل ِ‬
‫ال َْفساد في اْل َرض إّل قَِليل ً مم َ‬
‫ن‬
‫م َوات ّب َلعَ ال ّل ِ‬
‫جي َْنا ِ‬
‫َ ِ ِ‬
‫ن أن ْ َ‬
‫من ْهُ ل ْ‬
‫ذي َ‬
‫ِ ّ ْ‬
‫ْ ِ ِ‬
‫ُ‬
‫ما َ‬
‫ما أت ْرُِفوا ِفيهِ وَ َ‬
‫ك ل ِي ُهِْللل َ‬
‫ن َرّبلل َ‬
‫ك‬
‫جرِ ِ‬
‫كا َ‬
‫م ْ‬
‫ن وَ َ‬
‫كاُنوا ُ‬
‫موا َ‬
‫ظ َل َ ُ‬
‫مي َ‬
‫َ‬
‫ن" )هود‪ ،(117 ،116 :‬وقوله‬
‫حو َ‬
‫صل ِ ُ‬
‫ال ُْقَرى ب ِظ ُل ْم ٍ وَأهْل َُها ُ‬
‫م َْ‬
‫ك مغَيلرا ً ن ِعمل ً َ‬
‫_‪ -‬عز وجل ‪" :_-‬ذ َل ِ َ‬
‫مَهلا‬
‫م َيل ُ ُ ّ‬
‫ك ب ِأ ّ‬
‫ة أن ْعَ َ‬
‫ْ َ‬
‫ه لَ ْ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م"‬
‫سل ِ‬
‫ما ب ِأن ُْف ِ‬
‫م وَأ ّ‬
‫عََلى قَوْم ٍ َ‬
‫ه َ‬
‫ميعٌ عَِليل ٌ‬
‫ن الل ّل َ‬
‫سه ِ ْ‬
‫حّتى ي ُغَي ُّروا َ‬
‫)النفال‪.(53 :‬‬
‫يقول المام ابن كثير _رحمه الله تعالى_‪" :‬يخلبر _تعللالى_‬
‫عن تمام عدله وقسطه فللي حكملله بللأنه _تعللالى_ ل يغيللر‬
‫نعمة أنعمها على أحد إل بسبب ذنب ارتكبه" ا‪.‬هللل‪ .‬ويقللول‬
‫المام ابن القيم _رحمه الله تعالى_ أيضا ً عنللد هللذه اليللة‪:‬‬
‫"فأخبر الله _تعالى_ أنه ل يغير النعمة التي أنعم بها علللى‬
‫أحد حتى يكون هو الذي يغير ما بنفسه فيغيللر طاعللة الللله‬
‫بمعصيته‪ ،‬وشكره بكفره وأسباب رضاه بأسللباب سللخطه‪،‬‬
‫فإذا غَّير ّ‬
‫غير عليه جزاًء وفاقًا‪ ،‬وما ربك بظلم للعبيد‪ ،‬فإن‬
‫غّير المعصية بالطاعة غي ّللر الللله العقوبللة بالعافيللة‪ ،‬والللذل‬
‫حّتى ي ُغَّيللُروا‬
‫ما ب َِقوْم ٍ َ‬
‫بالعز وقال _تعالى_‪" :‬إ ِ ّ‬
‫ه ل ي ُغَي ُّر َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ما بأ َنُفسهم وإ َ َ‬
‫م‬
‫ه ب َِقوْم ٍ ُ‬
‫مللا ل َهُ ل ْ‬
‫ه وَ َ‬
‫مَرد ّ ل َ ُ‬
‫سوءا ً َفل َ‬
‫ذا أَراد َ الل ّ ُ‬
‫َ ِ ْ ِ ِ ْ َِ‬
‫ل" )الرعد‪ :‬من الية ‪.(11‬‬
‫دون ِهِ ِ‬
‫ِ‬
‫ن ُ‬
‫ن َوا ٍ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫‪ ...‬فما زالت عن العبد نعمة إل بذنب‪ ،‬وما حللت بله نقملة‬
‫إل بذنب‪ ،‬كما قال علي بن أبي طالب _رضي الللله عنلله_‪:‬‬
‫"مللا نللزل بلء إل بللذنب ول رفللع إل بتوبللة"‪ .‬وقللد قللال‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م‬
‫ت أي ْل ِ‬
‫م ِ‬
‫م ِ‬
‫مللا ك َ َ‬
‫ديك ُ ْ‬
‫سلب َ ْ‬
‫صلليب َةٍ فَب ِ َ‬
‫ن ُ‬
‫صللاب َك ُ ْ‬
‫_تعالى_‪" :‬وَ َ‬
‫ما أ َ‬
‫مل ْ‬
‫ر" ]الشورى‪ ([30 :‬ا‪.‬هل )الجواب الكافي ص‬
‫وَي َعُْفو عَ ْ‬
‫ن ك َِثي ٍ‬
‫‪.(105‬‬
‫نحللن علللى خطللر وشلليك ول ينقللذنا منلله إل أن نفللر مللن‬
‫معصية الله إلى طاعته‪ ،‬ومن أسباب سخطه إلللى أسللباب‬
‫رضاه فل نجاة لنا منه إل إليه _سبحانه_‬
‫وقال في موطن آخر‪ " :‬ومن عقوباتهللا – أي‪ :‬المعاصللي –‬
‫أنها تزيل النعم الحاضرة‪ ،‬وتقطللع النعللم الواصلللة‪ ،‬فتزيللل‬
‫الحاصل وتمنع الواصل‪ ،‬فإن نعم الله مللا حفللظ موجودهللا‬
‫بمثل طاعته‪ ،‬ول استجلب مفقدوها بمثل طاعته‪ ،‬فللإن مللا‬
‫‪3‬‬

‫عنده ل ينال إل بطاعته‪ ،‬وقللد جعللل الللله _سللبحانه_ لكللل‬
‫شيء سببا ً وآفة‪ ،‬سببا ً يجلبه‪ ،‬وآفة تبطللله‪ ،‬فجعللل أسللباب‬
‫نعمه الجالبة لها طاعته‪ ،‬وآفتها المانعة منها معصيته‪ ،‬فللإذا‬
‫أراد حفظ نعمته على عبللده ألهمله رعايتهلا بطلاعته فيهلا‪،‬‬
‫وإذا أراد زوالها عنه خذله حتى عصاه بها‪.‬‬
‫ومن العجيب علم العبد بذلك مشاهدة في نفسلله وغيللره‪،‬‬
‫وسماعا ً لما غاب عنه من أخبار من أزيلت نعم الله عنهللم‬
‫بمعاصيه‪ ،‬وهو مقيم على معصية الله‪ ،‬كللأنه مسللتثنى مللن‬
‫هذه الجملة أو مخصوص من هذا العموم‪ ،‬وكأن هذا المللر‬
‫جار على الناس ل عليه‪ ،‬وواصل إلى الخلللق ل إليلله‪ ،‬فللأي‬
‫جهل أبلغ من هذا؟ وأي ظلم للنفس فوق هذا فالحكم لله‬
‫العلي الكبير" ا‪.‬هل )الجواب الكافي ص‪( 145:‬‬
‫أيها المسلمون‪:‬‬
‫إن الله ل سبحانه وتعالى ل ليس بينه وبين أحللد مللن خلقلله‬
‫نسب إل طللاعته‪ ،‬وسللننه _سللبحانه_ فللي المعرضللين عللن‬
‫طللاعته معروفللة ومطللردة‪ ،‬قللال _تعللالى_‪" :‬وَل ََقلد ْ أ َهْل َك ْن َللا‬
‫م فَهَ ْ‬
‫أَ ْ‬
‫ر" )القمللر‪ ،(51:‬وقللال _سللبحانه_‪:‬‬
‫مد ّك ِ‬
‫ل ِ‬
‫ن ُ‬
‫شَياعَك ُ ْ‬
‫م ْ‬
‫ٍ‬
‫خير من ُأول َئ ِك ُ َ‬
‫َ‬
‫ر" )القمر‪:‬‬
‫مأ ْ‬
‫م ل َك ُ ْ‬
‫ْ‬
‫"أك ُّفاُرك ُ ْ‬
‫م َ ٌْ ِ ْ‬
‫م ب ََراَءةٌ ِفي الّزب ُ ِ‬
‫‪ ،(43‬فما أهون الخلللق علللى الللله ‪ -‬عللز وجللل‪-‬إذا بللارزوه‬
‫بالمعصية‪ .‬عن عبد الرحمللن بللن جللبير بللن نفيللر عللن أبيلله‬
‫قال‪ :‬لما فتحت قبرص ٌفرق بين أهلها‪ ،‬فبكى بعضهم إلللى‬
‫بعض‪ .‬فرأيت أبا الدرداء جالسا ً وحده يبكي‪ ،‬فقلت‪ :‬يللا أبللا‬
‫الدرداء ما يبكيك في يللوم أعللز اللله فيلله السلللم وأهلله؟‬
‫فقال‪ :‬ويحك يا جبير‪ ،‬ما أهون الخلق على الله ‪ -‬عز وجللل‬
‫إذا أضاعوا أمره‪ :‬بينما هي أمة قاهرة ظاهرة لهم الملك‪،‬‬‫تركوا أمر الله فصاروا إلى ما ترى‪.‬‬
‫أيها المسلمون‪:‬‬
‫إن المللة تمللر بنازلللة عظيمللة وأيللام عصلليبة‪ ،‬فهللي علللى‬
‫ضعفها وذلهللا ومهانتهللا‪ ،‬قللد سلللط الللله _سللبحانه_ عليهللا‬
‫أعداءها من اليهود والصللليبيين والمنللافقين وأجلبللوا عليهللا‬
‫بخيلهم ورجلهم وطائراتهم وأساطيلهم‪ .‬فهم من كل حدب‬
‫ينسلون‪ ،‬وأحاطوا بهللا إحاطللة السللوار بالمعصللم يريللدونها‬
‫ه َ‬
‫ب‬
‫غال ِ ٌ‬
‫في دينها وثرواتها وتمزيق ما بقي من وحدتها "َوالل ّ ُ‬
‫‪4‬‬

‫َ‬
‫ن" )يوسف‪ :‬من الية‬
‫ن أ َك ْث ََر الّنا‬
‫مو َ‬
‫س ل ي َعْل َ ُ‬
‫عََلى أ ْ‬
‫مرِهِ وَل َك ِ ّ‬
‫ِ‬
‫‪" ،(21‬ومللا ظ َل َمهللم الّللله ول َكلل َ‬
‫ن" )آل‬
‫مللو َ‬
‫ن أن ُْف َ‬
‫م ي َظ ْل ِ ُ‬
‫سللهُ ْ‬
‫َ ُ ُ‬
‫َ َ‬
‫ُ َ ِ ْ‬
‫عمران‪ :‬من الية ‪.(117‬‬
‫وإن الناظر إلى هذه الحداث الجسيمة والنوازل العظيمللة‬
‫الللتي أحللاطت بالمسلللمين اليللوم ل يسللتغرب حللدوثها ول‬
‫يفاجأ بها حينما يعتصم بكتاب الله ‪ -‬عز وجل ‪-‬وينطلق من‬
‫توجيهاته في ضوء سنن الللله ‪ -‬عللز وجللل ‪-‬الللتي ل تتبللدل؛‬
‫والتي أشرنا إلى بعضها فيما سبق‪ .‬ويكفللي أن ننظللر إلللى‬
‫أحوالنا ومدى قربها وبعدها عن الله ‪ -‬عز وجل ‪-‬لنللدرك أن‬
‫سنة الله ‪ -‬عز وجل ‪-‬في من أعرض عن طاعته وأمره قد‬
‫انعقدت أسللبابها علينللا‪ ،‬إل أن يرحمنللا الللله _عللز وجللل _‪،‬‬
‫ويرزقنا التوبة والنابة والستكانة والتضرع إليه _سبحانه_‪.‬‬
‫يا معشر المسلمين‪:‬‬
‫إن الخطللب جللد خطيللر‪ ،‬وإن عقللاب الللله ‪ -‬عللز وجللل ‪-‬ل‬
‫يستدفع إل بتوبة وإنابة‪ ،‬فالبدار البدار‪ ،‬فإن أسباب العقوبة‬
‫قد انعقدت‪ ،‬ول حول ول قوة إل بالله العلي العظيم‪ ،‬ولقد‬
‫رفع الله ‪ -‬عز وجل ‪-‬العذاب عن أمللة رأت بللوادره بتوبتهللا‬
‫وإيمانها ورجوعها إلى طاعة الللله ‪ -‬عللز وجللل ‪ -‬قللال الللله‬
‫ول َ‬
‫م‬
‫ت قَْري َ ٌ‬
‫مان ُهَللا إ ِّل قَ لوْ َ‬
‫ت فَن ََفعَهَللا ِإي َ‬
‫من َ ْ‬
‫ةآ َ‬
‫كان َ ْ‬
‫_تعالى_‪" :‬فَل َ ْ‬
‫م ع َل َ‬
‫مُنوا ك َ َ‬
‫ة‬
‫ب ال ْ ِ‬
‫حي َللا ِ‬
‫ي فِللي ال ْ َ‬
‫ذا َ‬
‫ش لْفَنا عَن ْهُ ل ْ‬
‫ما آ َ‬
‫س لَ ّ‬
‫ُيون ُ َ‬
‫خ لْز ِ‬
‫ن" )يونس‪.(98 :‬‬
‫م إ َِلى ِ‬
‫مت ّعَْناهُ ْ‬
‫الد ّن َْيا وَ َ‬
‫حي ٍ‬
‫إن أحوال المة وما حللل فيلله مللن معاصللي الللله _تعللالى_‬
‫ومساخطه لتنذر بالخطر‪ ،‬فلقد ضل كثير مللن النللاس عللن‬
‫أصل هذا الدين وأساسه المتين أل وهو التوحيللد والمللوالة‬
‫والمعاداة فيه‪ ،‬وأصبح الكفللرة المحللاربون يجوسللون خلل‬
‫الديار وتقدم لهم المعونات والتسهيلت لحرب المسلللمين‬
‫وأوذي أولياء الله ودعاته المصلحون مع أن في ذلك إيذانا ً‬
‫بالحرب من الله القللوي العزيللز‪ ،‬حيللث جللاء فللي الحللديث‬
‫القدسي "من عادى لي وليا ً فقد آذنتلله بللالحرب" وضللرب‬
‫الشللرك الكللبر مللن دعللاء المللوات والسللحر والشللعوذة‬
‫بأطنابه في أكثر بلد المسلمين‪ ،‬وأبعد شرع الله _تعللالى_‬
‫وحكمت قوانين البشر‪ ،‬وتسللاهل كللثير مللن النللاس بشللأن‬
‫الصلة والزكاة وهما أعظم أركان السلم بعد الشهادتين‪،‬‬
‫‪5‬‬

‫ووقللع بعللض المسلللمين فللي عقللوق الوالللدين وقطيعللة‬
‫الرحام‪ ،‬وظلم العبللاد وفشللا الربللا الخللبيث فللي معللاملت‬
‫كثيرة بين المسلمين‪ ،‬ووقع بعض المسلللمين فللي تعللاطي‬
‫المسكرات والمخدرات‪ ،‬وكثر الغش في المعاملت‪ ،‬ووجد‬
‫بين المسؤولين من يبخس الناس حقوقهم ويأكل أملوالهم‬
‫بالباطل و يتعاطى الرشوة والتي لعن رسول الللله _صلللى‬
‫الله عليه وسلم_ السللاعي فيهللا ودافعهللا وآخللذها _ وكللثر‬
‫الفجللور فللي الخصللومات والللزور فللي الشللهادات‪ ،‬وبعللض‬
‫النساء يتساهلن بالحجاب‪ ،‬ويتبرجن بزينة الثيللاب‪ ،‬وانتشللر‬
‫الزنا والخبث وكثرة وسللائله الخبيثللة المللاكرة مللن قنللوات‬
‫ومجلت خليعة تدعو إلى الفاحشللة وتحببهللا فللي النفللوس‬
‫وتزينهللا‪ ،‬وامتلت بيللوت المسلللمين مللن الفضللائيات الللتي‬
‫تنشر العفللن والفسللاد‪ ،‬ول حللول ول قللوة إل بللالله العلللي‬
‫العظيم‪.‬‬
‫ولما سألت أم المؤمنين زينللب بنللت جحللش _رضللي الللله‬
‫عنها_ رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ فقللالت‪ :‬أنهلللك‬
‫وفينا الصالحون؟ قال لهللا رسللول الللله _صلللى الللله عليلله‬
‫وسلم_‪" :‬نعم إذا كثر الخبث" رواه البخاري‪ ،‬وما أصدق ما‬
‫قاله ابن القيم _رحمه الله تعالى_ على واقعنا اليللوم وهللو‬
‫يصف زمانه‪ ،‬فكيف لللو رأى زماننللا؟!!‪ .‬قللال _رحملله الللله‬
‫تعالى_‪" :‬لما أعللرض النللاس عللن تحكيللم الكتللاب والسللنة‬
‫والمحاكمة إليهما‪ ،‬واعتقدوا عدم الكتفاء بهما‪ ،‬عرض لهم‬
‫من ذلك فساد في فطرهم‪ ،‬وظلمة في قلوبهم‪ ،‬وكدر في‬
‫أفهامهم‪ ،‬ومحق في عقولهم‪ ،‬وعمتهم هذه المور وغلبللت‬
‫عليهم حتى ربى عليها الصغير‪ ،‬وهللرم عليهللا الكللبير‪ .‬فلللم‬
‫يروها منكرًا‪ ،‬فجاءتهم دولة أخرى قامت فيها البللدع مقللام‬
‫السنن والهوى مقام الرشد‪ ،‬والضلل مقام الهدى والمنكر‬
‫مقللام المعللروف والجهللل مقللام العلللم‪ ،‬والريللاء مقللام‬
‫الخلص‪ ،‬والباطللل مقللام الحللق‪ ،‬والكللذب مقللام الصللدق‪،‬‬
‫والمداهنة مقام النصيحة‪ ،‬والظلللم مقللام العللدل‪ ،‬فصللارت‬
‫الغلبللة لهللذه المللور‪ .‬اقشللعرت الرض وأظلمللت السللماء‬
‫وظهر الفساد في البر والبحر مللن ظلللم الفجللرة‪ ،‬وذهبللت‬
‫البركات وقلت الخيرات‪ ،‬وهزلت الوحوش وتكدرت الحياة‬
‫‪6‬‬

‫من فسق الظلملة وبكلى ضلوء النهلار وظلملة الليلل ملن‬
‫العمال الخبيثة والفعال الفظيعة‪ ،‬وشكا الكرام الكللاتبون‬
‫والمعقبات إلى ربهم من كثرة الفواحش وغلبة المنكللرات‬
‫والقبائح‪ ،‬وهذا والله منذر بسيل عذاب قللد انعقللد غمللامه‪،‬‬
‫ومؤذن بليل بلء قد ادلهم ظلمه‪ ،‬فاعزلوا عن طريق هللذا‬
‫السبيل بتوبة نصوح ما دامت التوبة ممكنة وبابهللا مفتللوح‪،‬‬
‫وكأنكم بالباب وقد أغلق‪ ،‬وبالرهن وقد غلق‪ ،‬وبالجناح وقد‬
‫علق "وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبللون" ]الفللوائد‬
‫ص ‪.[49‬‬
‫أيها المسلمون‪:‬‬
‫لقد ضرب الله ‪ -‬عز وجللل ‪ -‬لنللا فللي كتلابه الكريللم أمثللال ً‬
‫عظيمة لنتدبرها ونعقلها‪ .‬قال الله _تعالى_‪" :‬وت ِل ْ َ َ‬
‫مَثا ُ‬
‫ل‬
‫ك اْل ْ‬
‫َ‬
‫ن" )العنكبللوت‪.(43 :‬‬
‫مو َ‬
‫نَ ْ‬
‫ما ي َعِْقل َُها إ ِّل ال ْعَللال ِ ُ‬
‫س وَ َ‬
‫ضرِب َُها ِللّنا ِ‬
‫ولنستمع إلى هذا المثل الذي ضربه الله ‪ -‬عز وجللل ‪-‬لمللن‬
‫كفر بأنعم الله ‪ -‬عز وجل ‪-‬وعاقبة مللن وقللع فللي معاصلليه‬
‫ه‬
‫ضللَر َ‬
‫ولنتدبره حق التدبر‪ ،‬قال الله ‪ -‬عز وجل ‪" :-‬وَ َ‬
‫ب الّللل ُ‬
‫ْ‬
‫ة َ‬
‫ن ك ُل ّ‬
‫ل‬
‫مئ ِن ّ ً‬
‫من َ ً‬
‫مث َل ً قَْري َ ً‬
‫ة ي َأِتيهَللا رِْزقُهَللا َرغَللدا ً ِ‬
‫تآ ِ‬
‫مط ْ َ‬
‫ة ُ‬
‫كان َ ْ‬
‫َ‬
‫مل ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫ت ِبللأن ْعُم ِ الّلللهِ فَأ َ‬
‫جللوِع‬
‫س ال ْ ُ‬
‫ذاقََهللا الّللل ُ‬
‫ن فَك ََفللَر ْ‬
‫َ‬
‫ه ل َِبللا َ‬
‫كللا ٍ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ن" )النحللل‪ .(112 :‬فهللذا المثللل‬
‫َوال َ‬
‫ص لن َُعو َ‬
‫خو ْ ِ‬
‫ف بِ َ‬
‫ما كاُنوا ي َ ْ‬
‫وإن كان في أهل مكة الذين أشللركوا بللالله وكفللروا نعمللة‬
‫الللله _تعللالى_؛ إل أن العللبرة بعمللوم اللفللظ ل بخصللوص‬
‫السبب‪ ،‬وهذا إنذار وتحذير للمم التي تعيش في رغد مللن‬
‫العيش وأمن وسكينة؛ أنها إن كفرت بنعمة الللله _تعللالى_‬
‫وقابلتها بالمعصية والعراض فإن الله ‪ -‬عز وجل ‪ -‬يسلللبها‬
‫نعمة المن والمعيشة‪ ،‬ويذيقها مكان ذلك الجوع والخوف‪،‬‬
‫وخطر البتلء بالجوع والخوف ليس فللي ذاتهمللا فحسللب‪،‬‬
‫ولكن الخطر الحقيقي يكمن فيما يجرانه على الناس مللن‬
‫تنازلت رهيبة في الدين والعراض‪ .‬فكم مللن تللارك لللدينه‬
‫ومرخص لعرضه دافعه إلى ذلللك الجللوع والخللوف _عيللاذا ً‬
‫بالله_‪.‬‬
‫وهذه سنة إلهية إذا انعقدت أسللبابها وقعللت بالنللاس ولت‬
‫حين مناص‪ .‬وإن في التاريللخ لعللبرًا‪ ،‬ويكفللي أن نتللذكر مللا‬
‫حللل بالمسلللمين فللي بغللداد سللنة ‪ 656‬هللل‪ ،‬حينمللا اجتللاح‬
‫‪7‬‬

‫المغول التتر عاصمة السلم فللي ذلللك الللوقت ومللا جللرى‬
‫في هذا الهجوم من حوادث مريعة يقشعر لها جلد القللارئ‬
‫بعد هذه القلرون‪ ،‬فكيللف بمللن عاناهلا واصللطلى بحرهللا!!‬
‫وقارنوا أحوالنا اليوم بحلال المسللمين فلي ذلللك الزملان‪،‬‬
‫أعني زمن دخول التتر إلى بغداد‪ ،‬فهل نحن اليللوم أحسللن‬
‫حال ً منهم‪ ،‬حتى ننجو من خطر العداء الللذين أحللاطوا بنللا‬
‫من كل جانب؟؟ والجواب البدهي‪ :‬ل والله ‪ ،‬لسنا بأحسللن‬
‫حال ً منهللم‪ ،‬فواقعنللا المعاصللر ل يقللارن فللي سللوئه بللذلك‬
‫العصر‪ ،‬ومع ذلك سلللط الللله عليهللم الكفللرة المتوحشللون‬
‫الذين سفكوا الدماء وهتكللوا العللراض‪ ،‬وأفسللدوا الحللرث‬
‫َ‬
‫م‬
‫مللا ك َللا َ‬
‫ن ك َللاُنوا أن ُْف َ‬
‫س له ُ ْ‬
‫مه ُ ل ْ‬
‫ه ل ِي َظ ْل ِ َ‬
‫ن الل ّل ُ‬
‫والنسللل "وَ َ‬
‫م وَل َك ِل ْ‬
‫ن" )العنكبوت‪ :‬من الية ‪.(40‬‬
‫مو َ‬
‫ي َظ ْل ِ ُ‬
‫فيا أيها المسلمون بعامة‪:‬‬
‫نحللن علللى خطللر وشلليك ول ينقللذنا منلله إل أن نفللر مللن‬
‫معصية الله إلى طاعته‪ ،‬ومن أسباب سخطه إلللى أسللباب‬
‫رضاه فل نجاة لنا منه إل إليه _سبحانه_‪.‬‬
‫أيها الب والراعي المهمل لبيته ورعيته‪:‬‬
‫اتق الله ‪ -‬عز وجل ‪ -‬ول نللؤتى مللن قبلللك‪ ،‬تللب إلللى الللله‬
‫وأقلع عن مجاهرة لله ‪ -‬عز وجللل ‪ -‬بمعاصلليك‪ ،‬واعلللم أن‬
‫وجود أجهزة اللهو والفساد من التلفاز والقنوات الفضللائية‬
‫والمجلت الخليعة هي من المعاصي العظيمة التي تسخط‬
‫رب العالمين‪ ،‬فبادر إلى التوبللة منهللا وإخراجهللا مللن بيتللك‬
‫غير مأسوف عليها رجاء ثواب الله _تعالى_ وخوف عقابه‪،‬‬
‫مر أهلك بالصلة واصطبر عليها‪ ،‬وكن قللدوتهم فللي ذلللك‪،‬‬
‫وحث أبناءك على أدائها في جماعة وتفقدهم عليها‪.‬‬
‫اتق الله في نسائك ومحارمك وأحسن إليهللن بكللل وجللوه‬
‫الحسان‪ ،‬ومن أعظم ذلللك الحسللان إليهللن فللي تربيتهللن‬
‫وتأديبهن والحيلولة بينهن وبين ما حرم الللله ‪ -‬عللز وجللل ‪-‬‬
‫عليهن ملن السلفور والتلبرج والختلط المحلرم بالجلانب‬
‫مللن خللدم وسللائقين وأقللارب مللن غيللر المحللارم‪ ،‬وكللذا‬
‫إبعللادهن عمللا يفسللد دينهللن وأخلقهللن مللن أفلم سلليئة‬
‫وأغاني ماجنة وصواحب فاسقات‪.‬‬
‫أيها الباء المربون‪:‬‬
‫‪8‬‬

‫ربوا أبناءكم وطلبكم على الجد والجتهاد وأعدوهم للجهاد‬
‫فللي سللبيل الللله _تعللالى_‪ ،‬واربطللوهم بالهللداف العاليللة‬
‫النبيلة ول تعلقوهم بالتوافه من المور والهللداف الدنيويللة‬
‫الهابطة والحياة المترفة‪ .‬أليس من المؤسف أل يوجد في‬
‫جو المنزل والمدرسللة – إل مللن رحللم الللله _تعللالى_ مللن‬
‫يقول للناشئة‪ :‬إن أمتكم تنتظركم‪ ،‬وإن لكم دورا ً في نشر‬
‫الخير والعلم والدعوة إلى التوحيللد وهدايللة النللاس _بللإذن‬
‫الله تعالى_‪ ،‬والجهاد في سبيله ‪ -‬عز وجللل ‪ ،-‬والللذود عللن‬
‫حمى المة وعقيدتها‪ ،‬إن هذا ممللا ينبغللي أن يقللال لبنائنللا‬
‫فل تقصروا فلي هلذا اللواجب فلالخطب جسليم‪ ،‬والخطلر‬
‫عظيم‪ ،‬فالمة تحتاجكم في كل وقت واليوم هي في أشللد‬
‫الحاجة إليكم فل تخيبوا آمالها‪.‬‬
‫فأنت أيها الب الكريم‪ ،‬وأنت أيها المدرس الناصح اللبيب‪،‬‬
‫وأنتم يا من ولكم الله مسللؤولية التربيللة ومناهجهللا اتقللوا‬
‫الللله فللي أبنللاء المسلللمين وأدوا الللواجب الللذي عليكللم؛‬
‫اغرسوا فللي قلللوب أبنللاء المللة كللل معللاني التوحيللد مللن‬
‫التوكللل علللى الللله ‪ -‬عللز وجللل ‪ -‬والتعلللق بلله _سللبحانه_‬
‫وموالة المؤمنين وبغض الكافرين‪ ،‬واستثمروا هذه النازلة‬
‫في تقوية عقيللدة الللولء والللبراء وبيللان خطللر أعللداء الللله‬
‫وأهدافهم الحقيقية؛ يقول الشيخ محمللد بللن عبللد الوهللاب‬
‫_رحمه الله تعللالى_‪ " :‬إن الللواجب علللى الرجللل أن يعلللم‬
‫عياله وأهل بيته الحب في الله والبغض في الله‪ ،‬والموالة‬
‫في الله والمعاداة فيه‪ ،‬مثل تعليم الوضوء والصلة؛ لنه ل‬
‫صحة لسلم المرء إل بصللحة الصلللة؛ ول صللحة لسلللمه‬
‫أيضا ً إل بصحة الموالة والمعاداة في الله " ا‪.‬هل‬
‫معاشر الباء والمربين‪:‬‬
‫اغرسوا في قلللوب الناشللئة الشللجاعة والقللدام‪ ،‬والجللرأة‬
‫عللللى العلللداء‪ ،‬واغرسلللوا فلللي قللللوبهم حلللب الجهلللاد‬
‫والستشهاد في سبيل الله‪ ،‬فالمة التي تربت على الجهاد‬
‫يخاف منها العداء وتصبح أمة قوية قاهرة ظاهرة‪ ،‬وكونوا‬
‫قدوة صالحة لهم في كل ما توجهونهم إليه مللن الفضللائل‪.‬‬
‫علقللوا أبنللاء المللة بتللاريخهم المشللرق‪ :‬تاريللخ الصللحابة‬
‫البطللال المجاهللدين الللذين رفعللوا رأس المللة‪ ،‬علمللوهم‬
‫‪9‬‬

‫سيرة نبينا الكريم محمد _صلى الله عليلله وسلللم_ أعظللم‬
‫قائد عرفه التاريخ وأعظم شخصية عرفتها المم المسلمة‬
‫والكافرة‪ ،‬والذي غير الله به مجرى التاريخ وأنقللذ بلله مللن‬
‫شاء من عباده من الظلمات إلى النور‪.‬‬
‫يا علماء المة ودعاتها‪:‬‬
‫إن أمتنا السلمية تمر هذه اليام بساعات حاسمة ونوازل‬
‫شديدة ومحن عظيمة لها ما بعدها‪ ،‬إن المللة تنطلللق مللن‬
‫كلمتكم ومواقفكم التي تبينون فيهللا الحللق للنللاس‪ ،‬فللأنتم‬
‫معقد المل فيها بعد الله ‪ -‬عز وجللل ‪ ،-‬وأنتللم الللذين ينيللر‬
‫الله بكم الطريق للناس إذا ادلهمت الخطوب‪ ،‬وأنتم الذين‬
‫أخذ الله عليكم الميثاق لتبينن الحللق للنللاس ول تكتمللونه‪،‬‬
‫فمن للمة في هذه الفتن والنوازل والزمات ومن لهللا إذا‬
‫اختلطت عليها المور وكللثر التلللبيس والتللدليس مللن قبللل‬
‫أعدائها من الكفار والمنافقين‪ .‬إنه ل ملجأ لها بعللد الللله إل‬
‫إليكم‪ ،‬فاتقوا الله وكونوا مللع الصللادقين‪ ،‬ول تللتركوا المللة‬
‫في حيرتها ول تسلموها لعدائها يسيرونها وفللق أهللوائهم‪،‬‬
‫خون ُللوا‬
‫وإن الله سائلكم عن علمكللم فيمللا عملتللم بلله "ل ت َ ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫سو َ‬
‫ن" )النفللال‪:‬‬
‫ل وَت َ ُ‬
‫مللو َ‬
‫ه َوالّر ُ‬
‫م ت َعْل َ ُ‬
‫م وَأن ْت ُل ْ‬
‫ماَنات ِك ُ ْ‬
‫خوُنوا أ َ‬
‫الل ّ َ‬
‫من الية ‪(27‬‬
‫يا علماءنا الجلء‪:‬‬
‫إن المة تحتللاج إلللى سللماع قللولكم فيمللن يظللاهر الكفللار‬
‫ويناصللرهم بنفسلله أو سلللحه أو مللاله أو رأيلله أو يسللهل‬
‫عليهللم أي أمللر يعينهللم علللى قتللال المسلللمين‪ .‬إن المللة‬
‫محتاجة إلى سماع ملا كنتلم تقوللونه لطلبكلم فلي شلرح‬
‫كتب التوحيد واليمان وما يناقضلله‪ ،‬فللإذا سللكتم فللي مثللل‬
‫هذه النوازل عن بيان أصل الللدين ومللا يهللدمه فمللن يللبينه‬
‫للناس؟ )حقا ً إن أمانة العلم عظيمة وخطيرة(‪.‬‬
‫كما أن المة تنتظر بيللانكم فلي كشللف أهلداف الصللليبيين‬
‫الحاقدين على السلم وأهله‪ ،‬وأنهللم كمللا قللال الللله ‪ -‬عللز‬
‫ن‬
‫حت ّللى ي َُر ّ‬
‫م َ‬
‫وجل ‪ -‬عنهللم‪َ" :‬ول ي ََزال ُللو َ‬
‫دوك ُل ْ‬
‫ن ي َُقللات ُِلون َك ُ ْ‬
‫م ع َل ْ‬
‫ست َ َ‬
‫عوا" )البقرة‪ :‬من الية ‪.(217‬‬
‫طا ُ‬
‫نا ْ‬
‫ِدين ِك ُ ْ‬
‫م إِ ِ‬
‫فالكفللار ل تكفيهللم التنللازلت مهمللا كللثرت إل أن يرتللد‬
‫المسلللمون عللن دينهللم‪ .‬فل تللتركوا أمللة السلللم للعلم‬
‫‪10‬‬

‫المضلل الفاسد الذي يبعد الناس عللن حقيقللة الكفللار فللي‬
‫حربهم ويحاول حصرها في أهللداف اقتصللادية أو يللردد مللا‬
‫يقوله الغلرب الكلافر بلأنهم يهلدفون إللى حلرب الرهلاب‬
‫وتخليص المنطقة من أسلحة الدمار الشامل!!‪.‬‬
‫يا دعاة المة من علماء ومتعلمين‪:‬‬
‫إن عليكم مسؤولية عظيمة فللي تثللبيت المللة _بللإذن الللله‬
‫تعللالى_ فللي مثللل هللذه الظللروف‪ ،‬وإحيائهللا مللن سللباتها‬
‫واستثمار هذه الحداث الكبيرة في إيقاظها وتقوية إيمانهللا‬
‫وتوحيدها وولئها وبرائهللا والقضللاء علللى اليللأس والحبللاط‬
‫الللذي قللد يتسللرب إلللى بعللض النفللوس فللي مثللل هللذه‬
‫الظللروف‪ ،‬والتأكيللد علللى أن النجللاة مللن الفتللن وتحقيللق‬
‫المن يكمن في قوة التوحيد وتخليصه من شوائب الشرك‬
‫ُْ‬
‫قال الله _تعالى_‪" :‬ال ّ ِ‬
‫م ي َل ْب ِ ُ‬
‫مان َهُ ْ‬
‫سوا ِإي َ‬
‫مُنوا وَل َ ْ‬
‫نآ َ‬
‫ذي َ‬
‫م ب ِظل لم ٍ‬
‫َ‬
‫ُأول َئ ِ َ‬
‫ن" )النعام‪ .(82 :‬كمللا يكمللن‬
‫دو َ‬
‫مهْت َ ُ‬
‫م ُ‬
‫ن وَهُ ْ‬
‫م اْل ْ‬
‫ك ل َهُ ُ‬
‫م ُ‬
‫في قلوة التوكلل عللى اللله _تعلالى_ وإحسلان الظلن بله‬
‫ن ي َت َوَك ّ ْ‬
‫ه" )الطلق‪:‬‬
‫ل عَل َللى الل ّلهِ فَهُ لوَ َ‬
‫ح ْ‬
‫س لب ُ ُ‬
‫_سبحانه_ "وَ َ‬
‫م ْ‬
‫ن" )هود‪ :‬من الية ‪.(49‬‬
‫ن ال َْعاقِب َ َ‬
‫من الية ‪ ،(3‬و "إ ِ ّ‬
‫ة ل ِل ْ ُ‬
‫مت ِّقي َ‬
‫يا دعاة المة والصلح‪:‬‬
‫َ‬
‫حوا َ‬
‫م" )النفللال‪ :‬مللن اليللة ‪،(1‬‬
‫صل ِ ُ‬
‫ت ب َي ْن ِك ُ ْ‬
‫ذا َ‬
‫"َفات ُّقوا الل ّ َ‬
‫ه وَأ ْ‬
‫عوا فَت َْف َ‬
‫م" )النفللال‪ :‬مللن اليللة‬
‫"َول ت ََناَز ُ‬
‫ب ِري ُ‬
‫شُلوا وَت َذ ْهَ َ‬
‫حك ُ ْ‬
‫‪ ،(46‬واعلمللوا أن مللن أخطللر الدواء وأفتللك المللراض‬
‫التفرق وبخاصة في مثل هذه الظروف العصيبة التي رمانا‬
‫فيهللا العللداء عللن قللوس واحللدة‪ ،‬فمللا أشللد فللرح عللدونا‬
‫بخلفنا‪.‬‬
‫إنلله ل يجللوز بحللال أن نللوجه حرابنللا وخصللامنا إلللى بعللض‬
‫والعلللدو يسلللن سللللحه علينلللا جميعلللًا‪ ،‬فاللللدعاة جميعلللا ً‬
‫مستهدفون من الغللرب الكللافر وأذنللابه‪ ،‬ومللن العجللب أن‬
‫دعاة أهل السنة يتفقون في مواطن كثيرة والخلف بينهم‬
‫قليل ومع ذلللك يوقللف الشلليطان كللثيرا ً منهللم عنللد نقللاط‬
‫الخلف وينسيهم مللواطن التفللاق‪ ،‬فلنتعللاون فيمللا اتفقنللا‬
‫عليه وهو كثير وأهمه التفاق على وجود الخطللر وضللرورة‬
‫مواجهته وما اختلفنا عليه من مسائل الجتهاديللة فليناصللح‬
‫بعضنا بعضا فيها‪.‬‬
‫‪11‬‬

‫معاشر المصلحين‪:‬‬
‫إنكم تمثلون – بإذن الله تعالى – صمام المان لهذه المة‪،‬‬
‫فبكم وبأمثالكم يدفع الله العقاب والعذاب عن العباد‪ ،‬قال‬
‫ما َ‬
‫ك ل ِي ُهِْلل َ‬
‫ن َرّبل َ‬
‫ك ال ُْقلَرى ب ِظ ُْللم ٍ وَأ َهْل َُهلا‬
‫كا َ‬
‫الله _تعالى_‪" :‬وَ َ‬
‫ن" )هود‪.(117 :‬‬
‫حو َ‬
‫صل ِ ُ‬
‫ُ‬
‫م ْ‬
‫فكثفوا الدعوة والمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتربية‬
‫الناس على اليمان ونشر الخير ومحاربللة الفسللاد ودعللوة‬
‫الناس إلى التوبة الصادقة‪ ،‬وكونللوا علللى يقظللة تامللة فللي‬
‫مثل هلذه الظلروف مملا يحيكله أعلداء الملة ملن الكفلار‬
‫وأوليائهم المنافقين في انتهازهم لوقات الفتللن وانشللغال‬
‫الناس ليمرروا وينفذوا مخططاتهم الفاسدة في مجتمعات‬
‫المسلمين وبخاصة فيما يتعلللق بللالمرأة وسللبل إفسللادها‪،‬‬
‫فهذه عادة المنافقين في كللل زمللان ومكللان‪ ،‬وإنمللا ينجللم‬
‫نفللاقهم ويظهللر ويفتضللح خبثهللم أيللام الفتللن والنللوازل‬
‫والمحللن‪ ،‬فكونللوا علللى حللذر واقطعللوا عليهللم الطريللق‪،‬‬
‫وافضللحوهم وعرفللوهم للنللاس حللتى ل ينخللدعوا بهللم‪،‬‬
‫فالمنافقون في كل زمان ومكللان أوليللاء للكفللار وبخاصللة‬
‫َ‬
‫ن‬
‫م ت َلَر إ ِل َللى اّلل ِ‬
‫اليهود والنصارى‪ ،‬قال الله _تعلالى_‪" :‬أَلل ْ‬
‫ذي َ‬
‫خوان ِهم ال ّذين ك ََفروا م َ‬
‫ن‬
‫َنافَُقوا ي َُقوُلو َ‬
‫ن ِل ِ ْ َ ِ ُ‬
‫ل ال ْك َِتللا ِ‬
‫ب ل َئ ِ ْ‬
‫ن أه ْ ِ‬
‫ِ ْ‬
‫ُ‬
‫ِ َ‬
‫َ‬
‫خرج لن معك ُلم ول نطي لع فيك ُل َ‬
‫ن‬
‫أُ ْ‬
‫ْ َ ُ ِ ُ ِ‬
‫حللدا ً أب َللدا ً وَإ ِ ْ‬
‫مأ َ‬
‫م ل َن َ ْ ُ َ ّ َ َ‬
‫خرِ ْ‬
‫ْ‬
‫جت ُل ْ‬
‫م لَ َ‬
‫ه يَ ْ‬
‫ن" )الحشر‪.(11:‬‬
‫كاذُِبو َ‬
‫شهَد ُ إ ِن ّهُ ْ‬
‫م َوالل ّ ُ‬
‫صَرن ّك ُ ْ‬
‫ُقوت ِل ْت ُ ْ‬
‫م ل َن َن ْ ُ‬
‫أيها المسلمون‪:‬‬
‫إن المرين بالمعروف والناهين عن المنكر هم خير وبركللة‬
‫على المة‪ ،‬فبهم يفتح الللله الخيللر والبركللات علللى النللاس‬
‫وبهللم يللدفع الللله الشللرور عللن المللة‪ ،‬وبهللم يرهللب الللله‬
‫العداء‪.‬‬
‫أل ما أشرف مهنتهم وما أكثر خيرهم وأثرهم على الناس‪،‬‬
‫فما أجدر المة أن تحبهم وتدعو لهم وتتعاون معهللم علللى‬
‫البر والتقوى وتكون معهم على أعدائهم وشانئيهم‪.‬‬
‫معاشر المسلمين‪:‬‬
‫إن أيللام الفتللن والنللوازل مظنللة لمزلللة القللدام وضلللل‬
‫الفهام وتحير العقول‪ ،‬وإن من أعظم ما يتسلللح بلله أمللام‬
‫هذه الفتن‪:‬‬
‫‪12‬‬

‫‪ -1‬دعللاء الللله ‪ -‬عللز وجللل ‪ -‬والتضللرع إليلله‪ :‬قللال الللله‬
‫ْ‬
‫عوا" )النعللام‪ :‬مللن‬
‫ضلّر ُ‬
‫سلَنا ت َ َ‬
‫ول إ ِذ ْ َ‬
‫م ب َأ ُ‬
‫جللاَءهُ ْ‬
‫_تعالى_‪" :‬فَل َ ْ‬
‫الية ‪.(43‬‬
‫فالللدعاء سلللح عظيللم تسلللح بلله النبيللاء _عليهللم الصلللة‬
‫والسلم_ وأتباعهم من الصالحين‪ ،‬فلنجهد فيه للنفس‪.‬‬
‫للمسلمين وعلى الكافرين‪ ،‬وليحث النللاس عليلله وبخاصللة‬
‫كبار السن من الصالحين‬
‫قال رسول الله _صلى الله عليه وسلللم_‪" :‬هللل تنصللرون‬
‫وترزقون إل بضعفائكم" رواه البخاري‪.‬‬
‫‪ -2‬العلللم بالشللرع والبصلليرة فللي الللدين‪ :‬فبللالعلم تللدفع‬
‫الشلللبهات ويلللزول اللبلللس‪ ،‬ول يتعلللرض العبلللد لخلللداع‬
‫المضللين‪ ،‬فإن لم يكن لدى المسلم علم يكفي فللالمتعين‬
‫عليه سؤال العلماء الربانيين الذين يجمعون بين‬
‫العلللم والتقللوى والللوعي بسللبيل المجرميللن‪ ،‬فبهللم تللدفع‬
‫الشبهات ويميز الله بهم الحق من الباطل‪.‬‬
‫‪ -3‬الجتهاد في العبادات‪ :‬ففي ذلك تثللبيت للعبللد وتوفيللق‬
‫له إلى الصواب والحفظ من الفتن بخلف الغافل المقصر‬
‫فإنه يخشى عليه أن تزل قللدمه‪ .‬قللال الللله ‪ -‬عللز وجللل ‪:-‬‬
‫َ‬
‫شد ّ ت َث ِْبيتا ً‬
‫ما ُيوعَ ُ‬
‫ن ب ِهِ ل َ َ‬
‫م وَأ َ َ‬
‫ن َ‬
‫كا َ‬
‫ظو َ‬
‫خْيرا ً ل َهُ ْ‬
‫م فَعَُلوا َ‬
‫"وَل َوْ أن ّهُ ْ‬
‫َ‬
‫ص لَراطا ً‬
‫م ِ‬
‫جللرا ً عَ ِ‬
‫م ِ‬
‫ن ل َلد ُّنا أ ْ‬
‫ظيم لا ً وَل َهَ لد َي َْناهُ ْ‬
‫وَِإذا ً َلت َي ْن َللاهُ ْ‬
‫مل ْ‬
‫ست َِقيمًا" )النساء‪.(68-66 :‬‬
‫م ْ‬
‫ُ‬
‫وقال رسول الله _صلى الله عليلله وسلللم_‪" :‬احفللظ الللله‬
‫يحفظك"‪ ،‬كما أن للعبادة وقلت الفتللن شللأنا ً وفضل ً‬
‫ل‪ ،‬قللال‬
‫رسول الله _صلى الله عليه وسلم_‪" :‬بادروا بالعمال فتنا ً‬
‫كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنا ً ويمسي كللافرا ً أو‬
‫يمسي مؤمنا ً ويصبح كللافرا ً يللبيع دينلله بعللرض مللن الللدنيا"‬
‫رواه مسلم ‪ .‬وقال _صلى الله عليه وسلم_‪" :‬عبللادة فللي‬
‫الهللرج كهجللرة إلللي" رواه مسلللم وأحمللد ولفظلله عنللده‬
‫"العبادة في الفتنة كهجرة إلللي" قللال ابللن رجللب _رحملله‬
‫الله تعالى_ في شرحه لهذا الحديث في لطائف المعللارف‬
‫)وسبب ذلك أن الناس في زمللن الفتنللة يتبعللون أهللواءهم‬
‫فل يرجعون إلى دين‪ ،‬فيكون حالهم شبيها ً بحال الجاهليللة‪،‬‬
‫فإذا انفرد من بينهم مللن يتمسللك بللدينه ويعبللد ربلله ويتبللع‬
‫‪13‬‬

‫مراضيه ويجتنب مساخطه‪ ،‬كان بمنزلة من هاجر من بيللن‬
‫أهل الجاهلية إلى رسول الله _صلى الله عليلله وسلللم_" ا‬
‫هل‪.‬‬
‫‪ -4‬الحذر الحذر من العجلة والتسللرع أيللام الفتللن‪ ،‬ولللزوم‬
‫التؤدة في جميع المللور‪ ،‬فللالتؤدة خيللر كلهللا إل فللي أمللور‬
‫الخرة؛ وتتأكد في النوازل والفتن‪ ،‬فكم هللم الللذين أقللروا‬
‫بندمهم على تسرعهم وتعجلهم في أمر كان لهم فيه أنللاة‬
‫ولكن حين ل ينفع الندم‪ ،‬وممللا يعيللن علللى التللؤدة والنللاة‬
‫كللثرة المشللاورة لهللل العلللم الناصللحين وأهللل الللوعي‬
‫والتجربة‪ ،‬وعدم النفراد بالرأي في اتخاذ الموقللف‪ ،‬وممللا‬
‫له علقة بالعجلة أيام الفتن تطبيق أحاديث الفتن الللواردة‬
‫في آخر الزمان على واقع قائم أو نازلة تحللل بالمسلللمين‬
‫فإنه يحلو لبعض الناس المتعجلين مراجعة أحللاديث النللبي‬
‫_صلى الله عليه وسلللم_ فللي الفتللن وتنزيلهللا علللى واقللع‬
‫قائم وهذا خطأ وتعجل ل يحمد عقباه‪ ،‬كمثل ظللن بعضللهم‬
‫أن المهدي هو رجل من هذا الزمان سموه وعينوه ورتبللوا‬
‫على ذلك أفعال ً وأحكاما وكمللا فسللر بعضللهم قللول النللبي‬
‫_صلى الله عليه وسلم_‪" :‬إن الفتنة في آخر الزمان تكون‬
‫من تحت رجل من أهل بيتي" بأنه فلن بن فلن أو القللول‬
‫بأن تفسير حديث النبي _صلى الله عليلله وسلللم_ "يكللون‬
‫بينكم وبيللن الللروم صلللح آمللن‪ "...‬إلللى آخللر مللا جللاء فللي‬
‫الحديث من أخبار وأحداث هو ما يحصل فللي زماننللا وهللذا‬
‫التطللبيق لحللاديث الفتللن علللى الواقللع وبللث ذلللك فللي‬
‫المسلمين قبل حصول موجبات القطللع واليقيللن بلله ليللس‬
‫من منهج أهل السللنة والجماعللة فللإن السلللف علمونللا أن‬
‫أحاديث الفتن ل تنزل على واقع حاضر‪ ،‬وإنما يظهر صللدق‬
‫النبي _صلى الله عليه وسلللم_ بمللا أخللبر بلله مللن حللدوث‬
‫الفتللن بعللد حللدوثها وانقضللائها‪ .‬وأهللل السللنة والجماعللة‬
‫يذكرون الفتن وأحاديثها محذرين منها مباعدين للمسلمين‬
‫عن غشيانها أو القتراب منها‪ ،‬وشبيه بالعجلة فللي تفسللير‬
‫أحللاديث الفتللن العجلللة فللي تأويللل الللرؤى والتعلللق بهللا‬
‫والنطلق منها في اتخاذ المواقف والقيام بأعمال خطيللرة‬

‫‪14‬‬

‫بناء على الرؤى وهذا قد يكون من كيد الشليطان ومكلره‪،‬‬
‫فالصادق من الرؤى يستبشر به ول يعول عليه‪.‬‬
‫أيها العلميون في بلدان المسلمين‪:‬‬
‫إن أمتكم تمر بظللروف عصلليبة وحاسللمة وإن المسللؤولية‬
‫سللو َ‬
‫ل‬
‫عليكم عظيمة والمانة جسيمة "ل ت َ ُ‬
‫ه َوالّر ُ‬
‫خون ُللوا الل ّل َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن" )النفال‪ :‬من الية ‪. (27‬‬
‫وَت َ ُ‬
‫مو َ‬
‫م ت َعْل َ ُ‬
‫م وَأن ْت ُ ْ‬
‫ماَنات ِك ُ ْ‬
‫خوُنوا أ َ‬
‫لقد أنعم الله عليكم بنعمة القلللم والبيللان‪ ،‬فاشللكروا الللله‬
‫على ذلك وسخروا ذلك في بيان الحلق للنللاس وتحلذيرهم‬
‫من الباطل‪ ،‬ول تلبسوا على الناس الحقللائق ول تضللللوهم‬
‫بتقليد العلم الكللافر وترديللد مللا يقللول ويلبللس؛ إنكللم إن‬
‫فعلتم ذلك فقد كفرتم نعمة الله عليكم وعصيتم أمر ربكم‬
‫وخنتم أماناتكم وأمتكم وتحملتم وزر من ضل بسببكم من‬
‫غير أن ينقص ذلك من أوزار الضالين شيئًا‪.‬‬
‫تجنبوا النفاق والكذب وقلب الحقللائق‪ ،‬فللإن الللله سللائلكم‬
‫ن‬
‫جرِ ِ‬
‫ومحاسبكم عن ذلك كله "وَوُ ِ‬
‫م ْ‬
‫ضعَ ال ْك َِتا ُ‬
‫ب فَت َلَرى ال ْ ُ‬
‫مي ل َ‬
‫ل هَ ل َ‬
‫م ْ‬
‫بل‬
‫ن ِ‬
‫ما ِفيهِ وَي َُقول ُللو َ‬
‫ن ي َللا وَي ْل َت َن َللا َ‬
‫م ّ‬
‫ُ‬
‫ذا ال ْك ِت َللا ِ‬
‫مللا ِ‬
‫شِفِقي َ‬
‫َ‬
‫مُلللوا‬
‫صللا َ‬
‫مللا عَ ِ‬
‫جلل ُ‬
‫ها وَوَ َ‬
‫صللِغيَرةً َول ك َِبيللَرةً إ ِّل أ ْ‬
‫دوا َ‬
‫ح َ‬
‫ي َُغللادُِر َ‬
‫َ‬
‫م َرب ّ َ‬
‫حدًا" )الكهف‪.(49 :‬‬
‫حا ِ‬
‫كأ َ‬
‫َ‬
‫ضرا ً َول ي َظ ْل ِ ُ‬
‫وأنتم يا من ابتلكم الله بتوجيه العلم المللرئي مللن تلفللاز‬
‫وبث فضائي إلى المة‪ ..‬إن المة تشكوكم إلى بارئها ‪ -‬عز‬
‫وجل ‪ -‬وتعج إلللى الللله _تعللالى_ ممللا صللنعتم فللي إفسللاد‬
‫الدين والعراض والخلق‪ .‬فهل أنتللم منتهللون؟ وهللل أنتللم‬
‫مللدركون لعظيللم جرمكللم؟ اتقللوا الللله إن كنتللم مللؤمنين‪،‬‬
‫وانتبهوا لعظيم مللا تجرونلله مللن الفسللاد علللى أمتكللم‪ .‬إن‬
‫عدونا يحيط بنا من كل جانب‪ ،‬فهل يليق بنا والحالللة هللذه‬
‫أن نلهو ونلعب و نرقص ونغني؟؟ فللاتقوا الللله فللي دينكللم‬
‫م ت ُلوَّفى ك ُل ّ‬
‫ل‬
‫جُعو َ‬
‫وما ً ت ُْر َ‬
‫ن ِفيهِ إ َِلى الل ّلهِ ث ُل ّ‬
‫وأمتكم "َوات ُّقوا ي َ ْ‬
‫ن" )البقرة‪.(281 :‬‬
‫مو َ‬
‫ما ك َ َ‬
‫م ل ي ُظ ْل َ ُ‬
‫ت وَهُ ْ‬
‫سب َ ْ‬
‫س َ‬
‫ن َْف ٍ‬
‫هذا ما يسر الله لي كتابته في هللذا البحللث فمللا كللان فيلله‬
‫مللن صللواب فمللن الللله وحللده وبتللوفيقه وللله علللي المللن‬
‫والفضللل‪ ،‬ومللا كللان فيلله مللن خطللأ فمللن نفسللي ومللن‬

‫‪15‬‬

‫الشيطان‪ ،‬وأعوذ بالله أن يكلني إلللى نفسللي أو إلللى أحللد‬
‫من خلقه طرفة عين ‪.‬‬
‫والحمد لله رب العالمين‪ ،‬وصلى الللله علللى خللاتم النبيللاء‬
‫والمرسلين وعلى آله وصحبه وملن سلار عللى هلديه إللى‬
‫يوم الدين‪.‬‬
‫الحداث المعاصرة في ضوء السنن الربانية ‪2/2‬‬
‫الشيخ عبد العزيز بن ناصر الجليل‬
‫‪11/1/1426‬‬
‫ارسل تعليقك …‬
‫تعليقات سابقة …‬
‫ارسل الصفحة …‬
‫الى مشرف النافذة …‬
‫طباعة …‬
‫الحمد لله رب العالمين‪ ،‬وصلللى الللله وسلللم وبللارك علللى‬
‫رسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد‪:‬‬
‫سيُروا ِفللي‬
‫قال الله _تعالى_‪" :‬قَد ْ َ‬
‫ن فَ ِ‬
‫ت ِ‬
‫م ُ‬
‫ن قَب ْل ِك ُ ْ‬
‫خل َ ْ‬
‫سن َ ٌ‬
‫م ْ‬
‫َْ‬
‫ف َ‬
‫ن" )آل عمللران‪:‬‬
‫ن َ‬
‫عاقِب َل ُ‬
‫ض َفان ْظ ُُروا ك َي ْ َ‬
‫كا َ‬
‫ة ال ْ ُ‬
‫مك َلذ ِّبي َ‬
‫الْر ِ‬
‫‪.(137‬‬
‫َ‬
‫ديل ً‬
‫"فَهَ ْ‬
‫ت الل ّهِ ت َب ْ ِ‬
‫سن ّ ِ‬
‫ل ي َن ْظ ُُرو َ‬
‫جد َ ل ِ ُ‬
‫ن إ ِّل ُ‬
‫ن تَ ِ‬
‫سن ّ َ‬
‫ن فَل َ ْ‬
‫ت اْلوِّلي َ‬
‫وي ً‬
‫ل" )فاطر‪ :‬من الية ‪.(43‬‬
‫سن ّ ِ‬
‫ت الل ّهِ ت َ ْ‬
‫جد َ ل ِ ُ‬
‫ن تَ ِ‬
‫وَل َ ْ‬
‫ح ِ‬
‫واليات من كتللاب الللله _عللز وجللل_ فللي ذكللر مثللل هللذه‬
‫السنن الربانية كثيرة جدا ً وبخاصة عند التقللديم والتعقيللب‬
‫على قصص النبياء _عليهم الصلة والسلم_ مع أقللوامهم‪،‬‬
‫وإنه لمن الواجب على دعاة الحق و المجاهدين في سبيل‬
‫الله _تعالى_ أن يقفوا طويل ً مع كتاب الله _عز وجل_ وما‬
‫تضمن من الهدى والنور ومن ذلك ما تضللمنه مللن السللنن‬
‫الربانيللة المسللتوحاة مللن دعللوة النبيللاء _عليهللم الصلللة‬
‫والسلم_؛ وذلك لن في معرفتها والسير على هداها أخللذ‬
‫بأسباب النصر والتمكين والفلح‪ ،‬ونجاة مما وقع فيه الغير‬
‫مللن تخبللط وشللقاء وفلي الغفللة عنهللا تفريللط فلي الخللذ‬
‫بأسباب النجاة وإعراض عن هدي النبيللاء _عليهللم الصلللة‬
‫والسلم_ في الللدعوة إلللى الللله _عللز وجللل_‪ ،‬الللذين هللم‬
‫أعرف الناس بالله _سبحانه_‪ ،‬وبأسمائه وصفاته‪ ،‬وبالتللالي‬
‫‪16‬‬

‫فهم أعرف بسلننه _سللبحانه_ وعللاداته وأيلامه وهلم أللزم‬
‫الناس لها وللسير على ضوئها‪،‬وما ضل من ضل إل بسبب‬
‫العراض عن كتاب الله _عز وجللل_ ومللا فيلله مللن الهللدي‬
‫والنور‪ ،‬يقول الدكتور محمد السلمي _حفظه الله_‪:‬‬
‫"التاريخ بمللا يحتللوي مللن الحللوادث المتشللابهة والمواقللف‬
‫المتماثلة يساعد على كشف هذه السللنن الللتي هللي غايللة‬
‫في الدقة والعدل والثبللات‪ ،‬وفللي إدراكنللا للسللنن الربانيللة‬
‫فوائد عظيمة حتى لو لم نقدر على تفادي حدوثها والنجللاة‬
‫منهللا‪ ،‬حيللث يعطينللا هللذا الدراك والمعرفللة صلللبة فللي‬
‫الموقف‪ ،‬بخلف مللن يجهللل مصللدر الحللداث؛ فللإن الللذي‬
‫يعلم تكون لديه بصيرة وطمأنينة‪ ،‬أما الللذي يجهللل فليللس‬
‫لديه إل الحيرة والخوف والقلق" ا‪.‬هل‪).‬منهج كتابللة التاريللخ‬
‫السلمي ص ‪.(60‬‬
‫وليس المقصود هنا التفصيل في موضوع السللنن الربانيللة‬
‫فهذا له مقام آخللر‪ ،‬وإنمللا المقصللود هللو الستضللاءة بهللذه‬
‫السنن في الوصول إلى الموقف الحق الللذي نحسللب أنلله‬
‫يرضي الله _عز وجل_ وذلك في الحللداث السللاخنة الللتي‬
‫تدور رحاها في العراق وفلسطين وأفغانستان‪ ،‬والشيشان‬
‫وما صاحبها من فتن ومواقف ‪ ،‬وسأقتصر علللى ذكللر ثلث‬
‫من هذه السنن التي رأيت أن لها مساس لا ً بهللذه الحللداث‬
‫المعاصرة‪:‬‬
‫السنة الولى‪ :‬سنة المدافعة والصراع بين الحق والباطل‪.‬‬
‫السنة الثانية‪ :‬سنة البتلء والتمحيص‪.‬‬
‫السنة الثالثة‪ :‬سنة الملء والستدراج‪.‬‬
‫السنة الولى‪ :‬سنة المدافعة والصراع بين الحق والباطل‪:‬‬
‫م‬
‫س ب َعْ َ‬
‫ض له ُ ْ‬
‫ول د َفْ لعُ الل ّلهِ الن ّللا َ‬
‫يقول الله _عللز وجللل_‪" :‬وَل َل ْ‬
‫َ‬
‫ه ُ‬
‫ن"‬
‫ل عََلى ال َْعللال َ ِ‬
‫سد َ ِ‬
‫ذو فَ ْ‬
‫ض ل ََف َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ت اْلْر ُ‬
‫مي َ‬
‫ض ٍ‬
‫ض وَل َك ِ ّ‬
‫ب ِب َعْ ٍ‬
‫)البقرة‪ :‬من الية ‪.(251‬‬
‫م‬
‫س ب َعْ َ‬
‫ض له ُ ْ‬
‫ول د َفْ لعُ الل ّلهِ الن ّللا َ‬
‫ويقول _تبارك وتعالى_‪ " :‬وَل َ ْ‬
‫جد ُ ي ُلذ ْك َُر ِفيهَللا‬
‫وا ِ‬
‫م َ‬
‫سللا ِ‬
‫ت وَ َ‬
‫وا ٌ‬
‫م ْ‬
‫ض ل َهُد ّ َ‬
‫معُ وَب ِي َعٌ وَ َ‬
‫ت َ‬
‫ص لل َ َ‬
‫ص َ‬
‫ب ِب َعْ ٍ‬
‫ي‬
‫ص لُرهُ إ ِ ّ‬
‫صَر ّ‬
‫ا ْ‬
‫ن الل ّل َ‬
‫ه َ‬
‫ن الل ّل ُ‬
‫س ُ‬
‫ن ي َن ْ ُ‬
‫م الل ّهِ ك َِثيرا ً وَل َي َن ْ ُ‬
‫ه ل ََق لوِ ّ‬
‫مل ْ‬
‫زيٌز" )الحج‪ :‬من الية ‪.(40‬‬
‫عَ ِ‬

‫‪17‬‬

‫شعي؛ أن رسللول الللله _صلللى‬
‫مجا ِ‬
‫وعن عياض بن حمار ال ُ‬
‫الله عليه وسلم_ قال ذات يوم فللي خطبتلله‪" :‬أل إن ربللي‬
‫أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمنللي يللومي هللذا؛ كللل‬
‫مال نحلته عبدا ً حلل‪ ،‬وإنللي خلقللت عبللادي حنفللاء كلهللم‪،‬‬
‫وإنهللم أتتهللم الشللياطين فاجتللالتهم عللن دينهللم‪ ،‬وحرمللت‬
‫عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لللم أنللزل‬
‫به سلطانًا‪ ،‬وإن الله نظر إلى أهل الرض فمقتهم عربهللم‬
‫وعجمهللم إل بقايللا مللن أهللل الكتللاب‪ ،‬وقللال‪ :‬إنمللا بعثتللك‬
‫لبتليك وابتلللى بللك‪ ،‬وأنزلللت عليللك كتاب لا ً ل يغسللله المللاء‬
‫تقرؤه نائما ً ويقظللان‪ ،‬وإن الللله أمرنللي أن أحللرق قريش لا ً‬
‫فقللللت‪:‬رب إذن يثلغلللوا رأسلللي فيلللدعوه خلللبزةً قلللال‪:‬‬
‫اسللتخرجهم كمللا اسللتخرجوك‪ ،‬واغزهللم نغللرك‪ ،‬وأنفللق‬
‫فسننفق عليك‪ ،‬وابعث جيشلا ً نبعللث خمسللة مثللله‪ ،‬وقاتللل‬
‫بمن أطاعك من عصاك" الحديث)‪.(1‬‬
‫ففي هاتين اليتين والحديث القدسي أبللغ دليلل عللى أنله‬
‫منللذ أن اجتللالت الشللياطين بنللي آدم عللن دينهللم وظهللر‬
‫الشللرك والكفللر وظهللر تحريللم الحلل وتحليللل الحللرام‬
‫والصراع حتمي بين الحق وأهله من جهللة والباطللل وأهللله‬
‫من جهة أخرى؛ هذه سنة إلهيللة ل تتخلللف ووقللائع التاريللخ‬
‫القديم والحديث تشللهد علللى ذلللك وهللذه المدافعللة وهللذا‬
‫الصراع بين الحق والباطل إن هو إل مقتضللى رحمللة الللله‬
‫وفضله‪ ،‬وهو لصالح البشرية وإنقاذها من فساد المبطلين؛‬
‫ولللذلك ختللم الللله _عللز وجللل_ آيللة المدافعللة فللي سللورة‬
‫ه ُ‬
‫ل عََلللى‬
‫البقللرة‪ ،‬بقللوله _سللبحانه_‪" :‬وَل َ ِ‬
‫ذو فَ ْ‬
‫ن الّللل َ‬
‫ضلل ٍ‬
‫كلل ّ‬
‫ن" )البقرة‪ :‬من الية ‪ .(251‬حيث لم يجعل الباطللل‬
‫ال َْعال َ ِ‬
‫مي َ‬
‫وأهللله ينفللردون بالنللاس بللل قيللض الللله للله الحللق وأهللله‬
‫يدمغونه حلتى يزهلق فلالله _تعلالى_ يقلول‪َ " :‬بل ْ‬
‫ف‬
‫ل ن َْقلذِ ُ‬
‫م ال ْوَي ْ ُ‬
‫ه فَإ ِ َ‬
‫ما‬
‫ل ِ‬
‫ِبال ْ َ‬
‫م ّ‬
‫ذا هُوَ َزاهِقٌ وَل َك ُ ُ‬
‫مغ ُ ُ‬
‫ل فَي َد ْ َ‬
‫حقّ عََلى ال َْباط ِ ِ‬
‫ن" )النبياء‪.(18:‬‬
‫تَ ِ‬
‫صُفو َ‬
‫إن الذين يطمعللون فللي الصلللح ودرء الفسللاد عللن المللة‬
‫بدون هذه السنة – أعني سنة المدافعة مع الباطللل وأهللل‬
‫الفساد – إنهم يتنكبون منهج النبياء في الللدعوة إلللى الللله‬
‫_عز وجل_ الذي ارتضاه واختاره لهم‪ ،‬وإن الللذين يللؤثرون‬
‫‪18‬‬

‫السلمة والخوف من عنللاء المدافعللة مللع الفسللاد وأهللله‪،‬‬
‫إنهم بهذا التصرف ل يسلللمون مللن العنللاء والمشللقة‪ ،‬بللل‬
‫إنهم يقعون في مشللقة أعظللم وعنللاء أكللبر يقاسللونه فللي‬
‫دينهم‪ ،‬وأنفسهم‪ ،‬وأعراضهم‪ ،‬وأموالهم‪ ،‬وهذه هي ضللريبة‬
‫القعود عن مدافعة الباطل‪ ،‬وإيثار الحياة الدنيا‪.‬‬
‫يقول سيد قطب _رحمه الله تعالى_‪" :‬إن تكاليف الخروج‬
‫من العبودية للطاغوت والدينونة لله وحده – مهما عظمت‬
‫وشقت – أقل وأهون من تكللاليف التبعيللة للطللواغيت! إن‬
‫تكللاليف التبعيللة للطللواغيت فاحشللة مهمللا لح فيهللا مللن‬
‫السلمة والمن والطمأنينة على الحياة والمقللام والللرزق!‬
‫إنهللا تكللاليف بطيئة طويلللة مديللدة! تكللاليف فللي إنسللانية‬
‫النسللان ذاتلله‪) .‬فهللذه النسللانية( ل توجللد والنسللان عبللد‬
‫للنسان وأي عبودية شر من خضوع النسان لمللا يشللرعه‬
‫له إنسان؟! وأي عبودية شر من تعلق قلب إنسان بللإرادة‬
‫إنسان آخر به ورضللاه أو غضللبه عليلله؟! وأي عبوديللة شللر‬
‫من أن تتعلق مصللائر إنسللان بهللوى إنسللان مثللله ورغبللاته‬
‫وشهواته؟! وأي عبودية شر من أن يكون للنسللان خطللام‬
‫أو لجام يقوده منه كيفما شاء إنسان؟!‬
‫على أن المر ل يقف عند حد هللذه المعللاني الرفيعللة‪ .‬إنلله‬
‫يهبط ويهبط حتى يكلف النللاس – فللي حكللم الطللواغيت –‬
‫أمللوالهم الللتي ل يحميهللا شللرع ول يحوطهللا سللياج‪ ،‬كمللا‬
‫يكلفهم أولدهم؛ إذ ينشئهم الطللاغوت كمللا شللاء علللى مللا‬
‫شلللاء ملللن التصلللورات والفكلللار والمفهوملللات والخلق‬
‫والتقاليد والعللادات‪ ،‬فللوق مللا يتحكللم فللي أرواحهللم وفللي‬
‫حيللاتهم ذاتهللا‪ ،‬فيللذبحهم علللى مذبللح هللواه‪ ،‬ويقيللم مللن‬
‫جماجمهم وأشلئهم أعلم المجد لذاته والجاه! ثم يكلفهللم‬
‫أعراضهم في النهاية؛ حيث ل يملك أب أن يمنع فتاته مللن‬
‫الللدعارة الللتي يريللدها بهللا الطللواغيت‪ ،‬سللواء فللي صللورة‬
‫الغصب المباشر – كما يقع على نطللاق واسللع علللى مللدار‬
‫التاريخ ‪ -‬أو في صورة تنشللئتهن علللى تصللورات ومفللاهيم‬
‫تجعلهن نهبا ً مباحا ً للشهوات تحت أي شللعار! وتمهللد لهللن‬
‫الدعارة والفجور تحت أي ستار‪ .‬والللذي يتصللور أنلله ينجللو‬
‫بماله وعرضه وحياته وحياة أبنائه في حكم الطواغيت مللن‬
‫‪19‬‬

‫دون الله‪ ،‬إنما يعيش في وهم أو يفقد الحساس بالواقع!(‬
‫ا‪.‬هل)‪.(2‬‬
‫والمدافعة بين الحق والباطل تأخذ صللورا ً متعللددة‪ :‬فبيللان‬
‫الحق وإزالة الشبه ورفع اللبس عن الحق وأهلله مدافعلة‪،‬‬
‫والمر بالمعروف والنهي عن المنكر مدافعة‪ ،‬وبيان سللبيل‬
‫المؤمنين وسبيل المجرمين مدافعة‪ ،‬والصبر والثبات علللى‬
‫ابتلء العداء من الكفرة والظلمة مدافعللة‪ ،‬ويللأتي الجهللاد‬
‫والقتال في سبيل الله _عز وجل_ علللى رأس وذروة هللذا‬
‫المدافعات لكف شر الكفار وفسادهم عن ديار المسلمين‬
‫ودينهم وأنفسهم وأعراضهم وأموالهم‪.‬‬
‫يقللول شلليخ السلللم ابللن تيميللة _رحملله الللله تعللالى_‪:‬‬
‫"والجهاد‪ :‬منه ما هو باليللد ومنلله مللا هللو بللالقلب والللدعوة‬
‫والحجة والبيان والرأي والتدبير والصناعة فيجب بغايللة مللا‬
‫يمكنه")‪.(3‬‬
‫واليوم لم يعد خافيا ً على كل مسلم ما تتعللرض للله بلللدان‬
‫المسلمين قاطبللة مللن غللزو سللافر وحللرب شرسللة علللى‬
‫مختلف الصعدة‪ ،‬وذلك من قبل أعدائها الكفرة‪ ،‬وأذنللابهم‬
‫المنللافقين؛ فعلللى الصللعيد العسللكري تللرزح بعللض بلللدان‬
‫المسلللمين تحللت الحتلل العسللكري لجيللوش الكفللرة‬
‫المعتدين التي غزت أهل هذه البلدان في عقر دارهم كمللا‬
‫هي الحال في أفغانستان والشيشان والعللراق وفلسللطين‬
‫وكشللمير‪ ،‬وعلللى صللعيد الحللرب علللى الللدين والخلق‬
‫والعلم والتعليللم والقتصللاد لللم يسلللم بلللد مللن بلللدان‬
‫المسلمين من ذلك‪.‬‬
‫وكما هو مقرر عند أهل العلم أن جهاد الكفار يصبح متعينا ً‬
‫على أهل كل بلد عند ما يغزون فللي عقللر دارهللم‪ ،‬ويجللب‬
‫على كل قادر أن ينفر لصللد العللدوان وقتللال الكفللار حللتى‬
‫يجلوا عن أرض المسلمين‪ ،‬والجهاد في هذه البلدان يكون‬
‫بالنفس والمال ول يشترط له شرط كما أوضح ذلك شلليخ‬
‫السلم ابن تيمية _رحمه الله تعالى_ بقللوله‪" :‬وأمللا قتللال‬
‫الدفع فهو أشد أنللواع دفللع الصللائل عللن الحرمللة والللدين‪،‬‬
‫فواجب إجماعًا؛ فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا ل‬
‫شيء أوجب بعد اليمان من دفعه‪ ،‬فل يشللترط للله شللرط‬
‫‪20‬‬

‫بل يدفع بحسب المكللان‪ ،‬وقللد نللص علللى ذلللك العلمللاء ‪:‬‬
‫أصحابنا وغيرهم‪ ،‬فيجب التفريق بين دفع الصللائل الظللالم‬
‫الكافر وبين طلبه في بلده")‪.(4‬‬
‫ويجب على بقية بلدان المسلمين أن ينصروا إخوانهم فللي‬
‫بلللدانهم المغللزوة بللأن يمللدوهم بالمللال والسلللح والبيللان‬
‫والدعاء‪ ،‬وإذا لم يكف المقاتلون في البلللد المعتللدى عليلله‬
‫في صد العدوان وجب على البلد المجاورة لهم أن تمدهم‬
‫بالرجال والمال حتى يكتفوا كما قللرر ذلللك شلليخ السلللم‬
‫ابن تيميللة _رحملله الللله تعللالى_ حيللث يقللول‪" :‬وإذا دخللل‬
‫العدو بلد المسلمين فل ريب أنه يجب دفعه على القللرب‬
‫فالقرب إذا بلد المسلمين كلهللا منزلللة البلللدة الواحللدة")‬
‫‪.(5‬‬
‫كما يجب على من كان من المسلللمين ذا خللبرة عسللكرية‬
‫في صنف من فنللون القتللال أن ينفللر لنصللرة إخللوانه فللي‬
‫َ‬
‫ما‬
‫البلدان المغزوة؛ قال الله _تعالى_‪" :‬يا أي َّها ال ّ ِ‬
‫مُنوا َ‬
‫نآ َ‬
‫ذي َ‬
‫ل ل َك ُم ان ِْفروا ِفي سبيل الل ّهِ اّثاقَل ْت ُم إل َللى اْل َ‬
‫ذا ِقي َ‬
‫م إِ َ‬
‫ض‬
‫ر‬
‫ُ‬
‫ل َك ُ ْ‬
‫ْ‬
‫َ ِ ِ‬
‫ُ‬
‫ْ ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫حَياةِ الد ّن َْيا ِفي‬
‫ن اْل ِ‬
‫حَياةِ الد ّن َْيا ِ‬
‫أَر ِ‬
‫مَتاعُ ال ْ َ‬
‫م ِبال ْ َ‬
‫ما َ‬
‫خَرةِ فَ َ‬
‫ضيت ُ ْ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫س لت َب ْدِ ْ‬
‫خَرةِ إ ِّل قَِلي ٌ‬
‫م ع َل َ‬
‫ل‬
‫اْل ِ‬
‫ذابا ً أِليم لا ً وَي َ ْ‬
‫ل‪ ،‬إ ِل ّ ت َن ِْف لُروا ي ُعَ لذ ّب ْك ُ ْ‬
‫ه عََلى ك ُل ّ‬
‫ل َ‬
‫ضّروهُ َ‬
‫ديٌر‪،‬‬
‫يٍء قَ ل ِ‬
‫م َول ت َ ُ‬
‫شْيئا ً َوالل ّ ُ‬
‫وما ً غَي َْرك ُ ْ‬
‫شل ْ‬
‫قَ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ل‬
‫ان ِْفُروا ِ‬
‫م وَأن ُْف ِ‬
‫جاهِ ُ‬
‫خَفافا ً وَث َِقال ً وَ َ‬
‫م ِفي َ‬
‫سك ُ ْ‬
‫وال ِك ُ ْ‬
‫دوا ب ِأ ْ‬
‫سلِبي ِ‬
‫م َ‬
‫ن" )التوبة‪.(41 -38:‬‬
‫م َ‬
‫مو َ‬
‫م إِ ْ‬
‫م ت َعْل َ ُ‬
‫ن ك ُن ْت ُ ْ‬
‫خي ٌْر ل َك ُ ْ‬
‫الل ّهِ ذ َل ِك ُ ْ‬
‫هذا فيما يتعلق بقتال الللدفع عللن المسلللمين الللذين احتللل‬
‫الكفار ديارهم وغزوهم في عقر دارهم‪ ،‬أملا البللدان اللتي‬
‫غزاها الكفار فللي عقللر دارهللا عقللديا ً واجتماعي لا ً وإعلمي لا ً‬
‫واقتصادا ً وثقافيًا‪ ،‬وتعاون معهللم إخللوانهم المنللافقون فللي‬
‫تنفيذ مخططاتهم فهذا النوع من الغزو لم يسلللم منلله بلللد‬
‫مللن بلللدان المسلللمين وقللد تسللارع الغللزاة فللي تنفيللذ‬
‫مخططهم الفسادي في السللنوات الخيللرة بشللكل لفللت‬
‫وخطير‪ ،‬فما هو الواجب على المسلمين في هللذه البلللدان‬
‫لمدافعة هذا الغزو الخطير؟‬
‫فقد تقللرر فيمللا سللبق مللن الكلم إن الجهللاد يتعيللن علللى‬
‫المسلمين إذا غزاهم الكفار في عقر دارهم‪ ،‬ويصبح واجبا ً‬
‫على كل مسلم قادر أن يشارك في دفع الصائل عن بلللده‬
‫‪21‬‬

‫بكل ممكن‪ ،‬فإن كان الغزو عسكريا ً وبالسلللح وجللب رده‬
‫بالقوة الممكنة والسلللح‪ ،‬وإذا كللان الغللزو بسلللح الكلمللة‬
‫والكتللاب والمجلللة والوسللائل العلميللة الخبيثللة بأنواعهللا‬
‫المقروءة و المسللموعة والمشللاهدة منهللا أقللول‪ :‬إذا كللان‬
‫الغزو من الكفار للمسلمين في عقر دارهم بهذه الوسائل‬
‫والمعاول الخطيللرة والللتي يباشللر الكفللار بعضللها وينيبللون‬
‫إخللوانهم مللن المنللافقين فللي بعضللها فللإن الجهللاد بالبيللان‬
‫والمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمدافعة والتحصين‬
‫يصبح واجبا ً عينيا ً على كل قادر من المسلمين كل بحسبه‪،‬‬
‫وإن التقاعس أو التشللاغل أو التخللذيل لهللذا الضللرب مللن‬
‫الجهاد يخشى أن يكللون مللن جنلس التللولي يللوم الزحللف‪،‬‬
‫وتقديما ً للدنيا الفانية على محبة الله _عز وجللل_ ورسللوله‬
‫والجهللاد فللي سللبيله _تعللالى_‪ ،‬ول يبعللد أن يكللون مللن‬
‫َ‬
‫المعنيين بقوله _تعللالى_‪ " :‬قُل ْ‬
‫م‬
‫ن ك َللا َ‬
‫ل إِ ْ‬
‫م وَأب ْن َللاؤُك ُ ْ‬
‫ن آب َللاؤُك ُ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ج ُ‬
‫وا ٌ‬
‫هللا‬
‫وَإ ِ ْ‬
‫مو َ‬
‫م وَعَ ِ‬
‫م وَأْزَوا ُ‬
‫ل اقْت ََرفْت ُ ُ‬
‫م وَأ ْ‬
‫شلليَرت ُك ُ ْ‬
‫كلل ْ‬
‫وان ُك ُ ْ‬
‫ملل َ‬
‫خلل َ‬
‫َ‬
‫خ َ‬
‫ن‬
‫جاَرةٌ ت َ ْ‬
‫ساد َ َ‬
‫م ِ‬
‫ح ّ‬
‫ضوْن ََها أ َ‬
‫ن ت َْر َ‬
‫شو ْ َ‬
‫وَت ِ َ‬
‫م َ‬
‫ن كَ َ‬
‫ب إ ِل َي ْك ُ ْ‬
‫ها وَ َ‬
‫م َ‬
‫ساك ِ ُ‬
‫ْ‬
‫ه‬
‫صللوا َ‬
‫جَهادٍ فِللي َ‬
‫الل ّهِ وََر ُ‬
‫ي الل ّل ُ‬
‫سول ِهِ وَ ِ‬
‫سلِبيل ِهِ فَت ََرب ّ ُ‬
‫حت ّللى ي َلأت ِ َ‬
‫َ‬
‫ن" )التوبة‪.(24:‬‬
‫م ال َْفا ِ‬
‫ه ل ي َهْ ِ‬
‫دي ال َْقوْ َ‬
‫مرِهِ َوالل ّ ُ‬
‫ب ِأ ْ‬
‫سِقي َ‬
‫هذا وإن كانت هذه اليات فللي جهللاد الكفللار فللي سلاحات‬
‫القتال ولكن ما الذي يمنع من أن تشللمل أيض لا ً القاعللدين‬
‫عن جهاد الكفار والمنلافقين بالبيلان والمدافعلة لفكللارهم‬
‫الخبيثللة وأخلقهللم السللافلة‪ ،‬والوقللوف أمللام وسللائلهم‬
‫ومخططاتهم المختلفة وتحصين المة وتحذيرها منها؟‬
‫فلقد قال الله _عز وجللل_ آمللرا ً نللبيه محمللدا _صلللى الللله‬
‫عليه وسلم_ في سورة مكية بمجاهدة الكفار بالقرآن قبل‬
‫فرض الجهاد عليهللم بالقتللال؛ وذلللك فللي سللورة الفرقللان‬
‫حيث يقول الله _عز وجل_‪" :‬فل ت ُط ِِع ال ْ َ‬
‫م‬
‫جا ِ‬
‫ن وَ َ‬
‫هللد ْهُ ْ‬
‫ري َ‬
‫كافِ ِ‬
‫جَهادا ً ك َِبيرًا" )الفرقان‪.(52:‬‬
‫ب ِهِ ِ‬
‫وقللد مللر بنللا كل م شلليخ السلللم _رحملله الللله تعللالى_‪:‬‬
‫"والجهاد منه ما هو باليللد‪ ،‬ومنلله مللا هللو بللالقلب والللدعوة‬
‫والحجة والرأي والتدبير والصناعة فيجب بغاية مللا يمكللن"‬
‫ول يعذر أحد من المسلمين فللي النفللرة لهللذا الجهللاد كللل‬
‫بحسللب علملله وقللدرته؛ يقللول ابللن القيللم _رحملله الللله‬
‫‪22‬‬

‫تعالى_‪" :‬ولله _سللبحانه_ علللى كللل أحللد عبوديللة بحسللب‬
‫مرتبته‪ ،‬سوى العبودية العامة التي سوى بين عبللاده فيهللا‪:‬‬
‫فعلى العالم من عبودية نشر السنة والعلم الذي بعث الله‬
‫به رسوله ما ليس على الجاهل‪ ،‬وعليه من عبودية الصللبر‬
‫على ذلك ما ليس على غيره‪.‬‬
‫وعلى الحاكم من عبودية إقامة الحق وتنفيذه وإلزامه من‬
‫هو عليه به‪ ،‬والصبر على ذلك والجهاد عليه ما ليللس علللى‬
‫المفتي وعلى الغنلي ملن عبوديلة أداء الحقللوق اللتي فلي‬
‫ماله ما ليس على الفقير‪.‬‬
‫وعلى القادر على المر بالمعروف والنهي عن المنكر بيده‬
‫ولسانه ما ليس على العاجز عنهما‪.‬‬
‫ومن له خبرة بما بعث الله بلله رسللوله _صلللى الللله عليلله‬
‫وسلم_‪ ،‬وبمللا كللان عليلله هللو وأصللحابه رأى أن أكللثر مللن‬
‫يشار إليهم بالدين‪ ،‬هم أقل النللاس دينلا ً واللله المسللتعان‪،‬‬
‫وأي دين وأي خير فيمن يرى محارم الله ُتنتهللك‪ ،‬وحللدوده‬
‫تضاع‪ ،‬ودينه يترك‪ ،‬وسللنة رسللول الللله _صلللى الللله عليلله‬
‫وسلللم_ يرغللب عنهللا‪ ،‬وهللو بللارد القلللب سللاكت اللسللان‪،‬‬
‫شيطان أخرس‪ ،‬كما أن المتكلم بالباطل شلليطان نللاطق؟‬
‫وهل بلية الدين إل من هؤلء الذين إذا سلمت لهم مآكلهم‬
‫ورياسللتهم‪ ،‬فل مبللالة بمللا جللرى علللى الللدين؟ وخيللارهم‬
‫متحّزن المتلمظ‪ ،‬ولو نلوزع فلي بعلض ملا فيله غضاضلة‬
‫ال ُ‬
‫عليه في جاهه أو ماله بذل وتذبل وجد ّ واجتهد‪ ،‬واسللتعمل‬
‫مراتب النكار الثلثة بحسب وسعه‪ ،‬وهؤلء مع سللقوطهم‬
‫من عين الله ومقت الله لهم قللد بلللوا فللي الللدنيا بللأعظم‬
‫بلية تكون وهم ل يشعرون‪ ،‬وهو موت القلوب؛ فإن القلب‬
‫كلمللا كللانت حيللاته أتللم كللان غضللبه لللله ورسللوله أقللوى‬
‫وانتصاره للدين أكمل")‪.(6‬‬
‫السنة الثانية‪ :‬سنة البتلء والتمحيص‪:‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫ح ِ‬
‫ن ي ُت َْرك ُللوا أ ْ‬
‫سأ ْ‬
‫سل َ‬
‫قال الله _عز وجل_‪ " :‬الم‪ ،‬أ َ‬
‫ب الن ّللا ُ‬
‫م ل ي ُْفت َن ُللون ولقللد فتنللا الللذين مللن قبلهللم‬
‫من ّللا وَهُل ْ‬
‫ي َُقوُلوا آ َ‬
‫ليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين " )العنكبللوت‪:‬‬
‫‪(1،2‬‬

‫‪23‬‬

‫ص‬
‫م ّ‬
‫صل ُ‬
‫م وَل ِي ُ َ‬
‫دورِك ُ ْ‬
‫ه َ‬
‫ي الل ّ ُ‬
‫حل َ‬
‫ما فِللي ُ‬
‫وقال _تعالى_‪ " :‬وَل ِي َب ْت َل ِ َ‬
‫م بِ َ‬
‫دوِر" )آل عمران‪ :‬من‬
‫ذا ِ‬
‫ص ُ‬
‫ه عَِلي ٌ‬
‫م َوالل ّ ُ‬
‫ما ِفي قُُلوب ِك ُ ْ‬
‫َ‬
‫ت ال ّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ه ل ِي َلذ ََر‬
‫مللا كللا َ‬
‫ن اللل ُ‬
‫الية ‪ (154‬وقال _سبحانه وتعللالى_‪َ " :‬‬
‫َ‬
‫ب‬
‫ميَز ال ْ َ‬
‫خِبي َ‬
‫ث ِ‬
‫حّتى ي َ ِ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫م عَل َي ْهِ َ‬
‫ما أن ْت ُ ْ‬
‫ن عََلى َ‬
‫ال ْ ُ‬
‫ن الط ّّيلل ِ‬
‫م َ‬
‫مِني َ‬
‫ما َ‬
‫ن‬
‫جت َب ِللي ِ‬
‫ه يَ ْ‬
‫كا َ‬
‫ن الل ّل َ‬
‫ه ل ِي ُط ْل ِعَك ُ ْ‬
‫ن الل ّ ُ‬
‫وَ َ‬
‫م عََلى ال ْغَي ْ ِ‬
‫مل ْ‬
‫ب وَل َك ِ ّ‬
‫ن يَ َ‬
‫من ُللوا وَت َت ُّقللوا‬
‫ن ت ُؤْ ِ‬
‫شللاُء فَللآ ِ‬
‫س لل ِهِ وَإ ِ ْ‬
‫مُنوا ب ِللالل ّهِ وَُر ُ‬
‫ُر ُ‬
‫سل ِهِ َ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫ظيم" )آل عمران‪.(179:‬‬
‫جٌر عَ ِ‬
‫مأ ْ‬
‫فَل َك ُ ْ‬
‫يقللول المللام ابللن كللثير _رحملله الللله تعللالى_ عللن اليللة‬
‫الخيرة‪" :‬أي ل بد أن يعقللد سللببا ً مللن المحنللة يظهللر فيلله‬
‫وليلله‪ ،‬ويفتضللح فيلله عللدوه‪ ،‬يعللرف بلله المللؤمن الصللابر‬
‫والمنافق الفاجر")‪.(7‬‬
‫ويقول سيد قطللب _رحملله الللله تعللالى_‪" :‬ويقطللع النللص‬
‫القرآني بأنه ليس مللن شللأن الللله _سللبحانه_ وليللس مللن‬
‫مقتضى ألوهيته‪ ،‬وليللس مللن فعللل سللنته‪ ،‬أن يللدع الصللف‬
‫المسلم مختلطا ً غيللر مميللز‪ ،‬يتللوارى المنللافقون فيلله وراء‬
‫دعوى اليمان‪ ،‬ومظهر السلم‪ ،‬بينمللا قلللوبهم خاويللة مللن‬
‫بشاشة اليمان‪ ،‬ومن روح السلم؛ فقد أخللرج الللله المللة‬
‫المسلللمة لتللؤدي دورا ً كونيلا ً كللبيرًا‪ ،‬ولتحمللل منهجلا ً إلهيلا ً‬
‫عظيمًا‪ ،‬ولتنشئ في الرض واقعلا ً فريللدًا‪ ،‬ونظاملا ً جديللدًا‪،‬‬
‫وهللذا الللدور الكللبير يقتضللي التجللرد والصللفاء والتميللز‬
‫والتماسك‪ ،‬ويقتضللي أل يكللون فللي الصللف خلللل‪ ،‬ول فللي‬
‫بنائه دخل‪ ،‬وبتعبير مختصر يقتضللي أن تكللون طبيعللة هللذه‬
‫المة من العظمة بحيث تسامي عظمة الدور الللذي قللدره‬
‫الله لها في هذه الرض‪ ،‬وتسامي المكانة التي أعدها الللله‬
‫لها في الخرة‪.‬‬
‫وكل هذا يقتضى أن يصهر الصف ليخرج منه الخبللث‪ ،‬وأن‬
‫يضغط لتتهاوى اللبنات الضعيفة‪ ،‬وأن تسلط عليه الضلواء‬
‫لتتكشللف الللدخائل والضللمائر‪ ،‬ومللن ثللم كللان شللأن الللله‬
‫_سبحانه_ أن يميز الخبيث من الطيب ولم يكللن شللأنه أن‬
‫يللذر المللؤمنين علللى مللا كللانوا عليلله قبللل هللذه الرجللة‬
‫العظيمة!")‪.(8‬‬
‫وبالنظر إلى ما يدور من الحللداث الخطيللرة والمتسللارعة‬
‫فللي بلللدان المسلللمين اليللوم ‪ -‬وذلللك فللي الصللراع بيللن‬
‫‪24‬‬

‫معسكر اليمان ومعسكر الكفر والنفاق سواء ما كان منله‬
‫صراعا ً عسكريا ً جهاديا ً باليد والسنان كمللا هللو الحللال فللي‬
‫بلد العراق وفلسطين وما صاحب ذلللك مللن التللداعيات أو‬
‫ما كان منه صراعا ً عقلديا ً وأخلقيلا ً كملا هلو الحاصلل فلي‬
‫عامة بلدان المسلمين ‪ -‬أقول‪ :‬بللالنظر لهللذا الصللراع فللي‬
‫ضوء سنة البتلء والتمحيص نرى أنه هللذه السللنة الربانيللة‬
‫الثانية تعمل الن عملها بإذن ربها _سبحانه وتعالى_ لتؤتي‬
‫أكلها الذي أراده الله _عللز وجللل_ منهللا؛ أل وهللو تمحيللص‬
‫المللؤمنين وتمييللز الصللفوف حللتى تتنقللى مللن المنللافقين‬
‫وأصحاب القلوب المريضة؛ وحتى يتعرف المؤمنللون علللى‬
‫ما في أنفسهم من الثغللرات والعللوائق الللتي تحللول بينهللم‬
‫وبين التمكين لهم في الرض فيتخلصللوا منهللا ويغيللروا مللا‬
‫بأنفسهم‪ ،‬فإذا ما تميزت الصفوف وتساقط المتسللاقطون‬
‫في أبواب البتلء وخرج المؤمنون الصادقون منها كالذهب‬
‫الحمر الذي تخلص من شللوائبه بللالحرق فللي النللار حينهللا‬
‫تهللب ريللاح النصللر علللى عبللاد الللله المصللطفين الللذين‬
‫يستحقون أن يمحق الله من أجلهم الكافرين ويمكللن لهللم‬
‫دينهم الذي ارتضى لهم وقبل هذا التمحيص والتمييللز فللإن‬
‫سنة محق الكافرين وانتصار المسلمين الللتي وعللدها الللله‬
‫_عز وجل_ عباده المؤمنين لن تتحقق‪ .‬هكذا أراد الله _عز‬
‫وجل_ وحكم في سننه التي ل تتبدل‪ :‬أن محق الكافرين ل‬
‫بد أن يسبقه تمحيص المؤمنين‪ ،‬ولللذلك لمللا سللئل المللام‬
‫الشافعي _رحمه الله تعالى_‪ :‬أيها أفضل للرجل أن يمكللن‬
‫أو يبتلى كان من دقيق استنباطه وفهمه لكتاب الللله _عللز‬
‫وجل_ أن قال‪" :‬ل يمكن حتى يبتلى"‪ ،‬ولعله فهم ذلك من‬
‫ق‬
‫ه اّللل ِ‬
‫م َ‬
‫م ّ‬
‫حلل َ‬
‫مُنللوا وَي َ ْ‬
‫نآ َ‬
‫ص الّللل ُ‬
‫قللوله _تعللالى_‪" :‬وَل ِي ُ َ‬
‫حلل َ‬
‫ذي َ‬
‫ال ْ َ‬
‫ن" )آل عمران‪.(141:‬‬
‫ري َ‬
‫كافِ ِ‬
‫وللتللدليل والتأكيللد علللى أن مجتمعللات المسلللمين تعيللش‬
‫اليوم حالة شديدة من البتلء والتمحيص والفتنة في هللذه‬
‫النوازل‪ :‬أذكر بعض المواقف الللتي أفرزتهللا هللذه السللنة ‪-‬‬
‫أعنللي سللنة البتلء والتمحيللص ‪ -‬فللي خضللم هللذه الفتللن‬
‫المتلطمة ولم يكن لهذه المواقف أن تعرف ويعرف أهلها‬
‫قبل حصول هذه الفتن‪ ،‬وقد ظهرت هذه المواقف مع أننللا‬
‫‪25‬‬

‫في أول السنة وبداية البتلء فكيف يكون الحال فللي آخللر‬
‫المر نعوذ بالله أن نرجع علللى أعقابنللا أو أن نفتللن‪ ،‬وفللي‬
‫ذكللر هللذه المواقللف نصلليحة وتحللذير لنفسللي ولخللواني‬
‫المسلمين من الوقوع فيها أو المبادرة بالخروج منها لمللن‬
‫وقع فيها‪.‬‬
‫الموقف الول‪ :‬موقف المنافقين والمرجفين‪:‬‬
‫النفاق داء عضال في المة‪ ،‬ولقد عانت المة في تاريخهللا‬
‫الطويل ما عانت من الخيانات ومظاهرة الكافرين وكشف‬
‫عورات المسلمين لعدائهم‪ ،‬ومن عادتهم أنهم ل يظهرون‬
‫إل في أيام المحن الكللبيرة والنللوازل العظيمللة الللتي تمللر‬
‫بالمسلمين حيث يظهر الله عللوارهم ويكشللف أسللرارهم‪،‬‬
‫وهذا مللن رحمللة الللله _عللز وجللل_ وحكمتلله فللي حصللول‬
‫البتلءات‪ ،‬ومن ذلك ما كان منهللم يللوم الحللزاب يللوم أن‬
‫أحللاط المشللركون وحلفللاؤهم بالمدينللة‪ ،‬ونقضللت اليهللود‬
‫عهدها مع رسول الللله _صلللى الللله عليلله وسلللم_ وزلللزل‬
‫المسلللمون زلللزال ً شللديدا ً وعنللد ذلللك نجللم المنللافقون‬
‫والمرجفون والمعوقون ممن كللانوا مندسللين فللي الصللف‬
‫المسلللم‪ ،‬ويكفينللا فللي وصللف حللال المنللافقين فللي هللذه‬
‫الغللزوة قللول الللله _عللز وجللل_‪ " :‬وَإ ِذ ْ ي َُقللو ُ‬
‫ن‬
‫من َللافُِقو َ‬
‫ل ال ْ ُ‬
‫ه إ ِّل غُُرورًا‪،‬‬
‫َوال ّ ِ‬
‫ه وََر ُ‬
‫سول ُ ُ‬
‫ما وَعَد ََنا الل ّ ُ‬
‫ض َ‬
‫م َ‬
‫ن ِفي قُُلوب ِهِ ْ‬
‫مَر ٌ‬
‫ذي َ‬
‫ت َ‬
‫م لَ ُ‬
‫م َيا أ َهْ َ‬
‫جُعوا‬
‫طائ َِف ٌ‬
‫ة ِ‬
‫ل ي َث ْرِ َ‬
‫مَقا َ‬
‫م َفللاْر ِ‬
‫كلل ْ‬
‫بل ُ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫وَإ ِذ ْ َقال َ ْ‬
‫ْ‬
‫مللا‬
‫ريقٌ ِ‬
‫ن إِ ّ‬
‫ي ي َُقول ُللو َ‬
‫ست َأذِ ُ‬
‫وَي َ ْ‬
‫ن ب ُُيوت َن َللا عَلوَْرةٌ وَ َ‬
‫من ْهُ ُ‬
‫م الن ّب ِل ّ‬
‫ن فَ ِ‬
‫ن‬
‫ن إ ِّل فِلَرارًا‪ ،‬وَل َلوْ د ُ ِ‬
‫م ِ‬
‫دو َ‬
‫ريل ُ‬
‫ي ب ِعَلوَْرةٍ إ ِ ْ‬
‫ت عَل َي ْهِل ْ‬
‫خل َل ْ‬
‫مل ْ‬
‫هِ َ‬
‫ن يُ ِ‬
‫أ َقْ َ‬
‫سلليرًا"‬
‫ة َلت َوْ َ‬
‫سئ ُِلوا ال ِْفت ْن َ َ‬
‫طارِ َ‬
‫مللا ت َل َب ّث ُللوا ب ِهَللا إ ِّل ي َ ِ‬
‫م ُ‬
‫ها وَ َ‬
‫ها ث ُ ّ‬
‫)الحزاب‪.(14 ،13 ،12:‬‬
‫من ْ ُ‬
‫م‬
‫ن ِ‬
‫كلل ْ‬
‫ه ال ْ ُ‬
‫م الّللل ُ‬
‫إلللى قللوله _تعللالى_‪َ ":‬قللد ْ ي َعَْللل ُ‬
‫مَعلل ْوِّقي َ‬
‫ْ‬
‫س إ ِّل قَِلي ً‬
‫ل"‬
‫ن ِل ِ ْ‬
‫م إ ِل َي ْن َللا َول ي َلأُتو َ‬
‫م هَل ُل ّ‬
‫وان ِهِ ْ‬
‫ن ال ْب َلأ َ‬
‫خل َ‬
‫َوال َْقللائ ِِلي َ‬
‫)الحزاب‪.(18:‬‬
‫وها نحن في هذا الزمان نشاهد فريقا ً منهم يقفللون نفللس‬
‫الموقف الذي وقفه إخوانهم يوم الحزاب؛ وذلللك عنللد مللا‬
‫رأى منافقوا زماننا ما أحاط بالمسلمين من النوازل‪ ،‬ورأوا‬
‫إخوانهم من الصليبيين يحيطون ببلللدان المسلللمين فظهللر‬
‫نفاقهم وبدا للنللاس مللا كللانوا يخفللون مللن قبللل‪ ،‬وأصللبحنا‬
‫‪26‬‬

‫نسمع منهم الرجاف وترديد ما يقوله الكفللرة الغللزاة عللن‬
‫المجاهدين والللدعاة الصللادقين‪ ،‬وراحللوا يحرضللون عليهللم‬
‫ويشللمتون بمللا يصلليبهم مللن المحللن والمصللائب‪ ،‬وصللاروا‬
‫يبثللون فللي المللة اليللأس مللن مقاومللة الغللزاة‪ ،‬يحسللنون‬
‫الكفرة الغزاة في عيون المسلمين‪ ،‬ويستبشرون بمجيئهم‬
‫ويساندونهم في تنفيذ مخططاتهم لغزو العقيدة والخلق ‪،‬‬
‫قللال الللله _تعللالى_ فللي وصللف سلللفهم مللن المنللافقين‬
‫َ‬
‫ن‬
‫ن ِل ِ ْ‬
‫م ال ّل ِ‬
‫م ت ََر إ َِلى ال ّ ِ‬
‫ن َنافَُقوا ي َُقوُلو َ‬
‫وان ِهِ ُ‬
‫الولين‪ " :‬أل َ ْ‬
‫ذي َ‬
‫خ َ‬
‫ذي َ‬
‫ك ََفروا مل َ‬
‫م َول‬
‫م ل َن َ ْ‬
‫ن أُ ْ‬
‫خُر َ‬
‫خرِ ْ‬
‫معَك ُل ْ‬
‫ن َ‬
‫جت ُل ْ‬
‫ل ال ْك ِت َللا ِ‬
‫جل ّ‬
‫ب ل َئ ِ ْ‬
‫ن أه ْ ل ِ‬
‫ِ ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ه يَ ْ‬
‫نُ ِ‬
‫شلهَد ُ‬
‫حدا أب َللدا وَإ ِ ْ‬
‫مأ َ‬
‫م َواللل ُ‬
‫صلَرن ّك ْ‬
‫ن قُللوت ِلت ُ ْ‬
‫طيعُ ِفيك ْ‬
‫م لن َن ْ ُ‬
‫م لَ َ‬
‫ن" )الحشر‪(11:‬‬
‫كاذُِبو َ‬
‫إ ِن ّهُ ْ‬
‫وقال _سبحانه وتعالى_ عن شماتتهم بللالمؤمنين وإشللاعة‬
‫اليأس والرجاف وإساءة الظن بالله _عز وجل_ ووعده‪" :‬‬
‫َ‬
‫ل ظ َننت َ‬
‫سللو ُ‬
‫بَ ْ‬
‫م‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫من ُللو َ‬
‫ن ي َن َْقل ِ َ‬
‫مأ ْ‬
‫ب الّر ُ‬
‫ن إ ِل َللى أهِْليهِل ْ‬
‫ل َوال ْ ُ‬
‫َُْ ْ‬
‫ن لَ ْ‬
‫َ‬
‫وما ً‬
‫ن ذ َل ِ َ‬
‫ن ال ّ‬
‫سوِْء وَك ُن ْت ُ ْ‬
‫م وَظ َن َن ْت ُ ْ‬
‫ك ِفي قُُلوب ِك ُ ْ‬
‫م قَ ْ‬
‫م ظَ ّ‬
‫أَبدا ً وَُزي ّ َ‬
‫ُبورًا" )الفتح‪.(12:‬‬
‫ولم يعد خافيا ً على أحد مللا يطرحللونه فللي وسللائل العلم‬
‫المختلفة وبكل وقاحة ودون حياء ول خوف من الللله _عللز‬
‫وجل_ أو من الناس‪ ،‬وذلك في ما يتعلق بثللوابت الللدين أو‬
‫مللا يتعلللق بللالمرأة والتحريللض علللى خروجهللا ومخالطتهللا‬
‫للرجال والللزج بهللا فللي أعمللال مخالفللة لحكللم الللله _عللز‬
‫وجل_ وحكم رسوله _صلى الللله عليلله وسلللم_‪ ،‬والسللعي‬
‫الحثيث لمحاكاة المرأة الغربية في هديها وأخلقها‪.‬‬
‫وليس المقصود هنا تتبع ما يفعلله المنلافقون والمرجفللون‬
‫في هللذه السللنوات الخيللرة والمحللن العصلليبة الللتي تمللر‬
‫بالمسلمين‪ ،‬وإنما المقصود التدليل على أن سنة الله _عز‬
‫وجلللل_ فلللي البتلء والتمحيلللص أنهلللا تكشلللف وتفضلللح‬
‫المنافقين وتبرزهم فللي مجتمعللات المسلللمين كمللا فضللح‬
‫الله _عللز وجللل_ إخللوانهم وسلللفهم فللي عللزوة الحللزاب‬
‫وغزوة أحد وغزة تبوك التي أنللزل الللله _عللز وجللل_ فيهللا‬
‫سورة كاملة هي سورة التوبة التي من أسمائها الفاضللحة‬
‫لنهللا فضللحت المنللافقين وميزتهللم‪ .‬وهللذه مللن الحكللم‬
‫العظيمللة‪ ،‬والفللوائد الجليلللة لسللنة البتلء؛ إذ لللو بقللي‬
‫‪27‬‬

‫المنللافقون فللي الصللف المسلللم دون معرفللة لهللم فللإنهم‬
‫يشللكلون خطللرا ً وتضللليل ً للمللة‪ ،‬أمللا إذا عرفللوا وفضللحوا‬
‫وتميللزوا فللإن النللاس يحللذرونهم‪ ،‬وينبللذونهم ويجاهللدونهم‬
‫بالحجة والبيللان‪ ،‬أو بالسلليف والسللنان إن ظهللر انحيللازهم‬
‫للكفار ومناصلرتهم لهلم‪ ،‬وبلذلك يتخللص المسللمون ملن‬
‫سبب كبير مللن أسللباب الهزيمللة والفشللل ويتهيئون لنصللر‬
‫الله _عز وجل_ وتأييده‪.‬‬
‫الموقف الثاني‪ :‬موقف اليائسين والمحبطين والخائفين‪:‬‬
‫لما كشف أعداء هذا الللدين مللن الكللافرين وبطللانتهم مللن‬
‫المنللافقين عللن عللدائهم الصللريح وحربهللم المعلنللة علللى‬
‫السلللم وأهللله‪ ،‬وعنللدما تعللرض كللثير مللن المسلللمين‬
‫ومؤسسللاتهم الدعويللة والخيريللة للمضللايقة والذى مللن‬
‫الكفرة والمنافقة شعر بعض المسلمين حينئذ بشلليء مللن‬
‫اليأس والحباط والخوف وبخاصة لما قام شياطين النللس‬
‫والجن يبثون وساوسهم وشبههم في تضخيم قللوة العللداء‬
‫وأنها ل تقهر سيطر على بعض النفوس اليأس مللن ظهللور‬
‫هذا الدين والتمكين لهللله؛ فكللان منهللم فئة ظهللر ضللعف‬
‫يقينها ومرض قلوبها في هذه البتلءات فشكت في ظهور‬
‫هذا الدين واهتز يقينهلا بوعلد اللله _تعلالى_ بنصلرة دينله‪،‬‬
‫وهؤلء على خطر يهدد إيمانهم ويخشى أن يقعوا في فتنة‬
‫المنللافقين الظللانين بللالله ظللن السللوء‪ .‬وفئة أخللرى لللم‬
‫يساورها الشللك فللي ديللن الللله _تعللالى_‪ :‬بنصللرة أوليللائه‪،‬‬
‫وإنما أصابها اليأس من ذلك في هذا الزمان حيث رأت أن‬
‫المسلمين اليوم غير قادرين على المواجهة لعدم تكافؤهم‬
‫مع عدوهم وعليه فل داعي للمقاومللة الللتي ل تفيللد شلليئًا‪،‬‬
‫وإنما هي بمثابة المحرقة التي تحرق المسلللمين وبخاصللة‬
‫المجاهدين منهللم‪ ،‬والحللل عنللد هللؤلء‪ :‬الستسلللم للواقللع‬
‫وانتظار معجزة ربانية من الله _عز وجل_ كانتظار المهدي‬
‫أو المسيح عيسى ابن مريم _عليه الصلة والسلللم_!! ول‬
‫يخفى ما في هذه التصور ملن النحلراف والشلطط‪ ،‬وكلم‬
‫هو مفرح للكفرة والمنافقين مثل هذا التفكير ومثللل هللذه‬
‫المواقللف المسللتخذية الللتي تبللث اليللأس فللي نفللوس‬

‫‪28‬‬

‫المسلمين وتعيقهم عن بللذل الجهللد فللي الللدعوة والجهللاد‬
‫والخذ بالسباب الشرعية والمادية للنصر على العداء‪.‬‬
‫وإن مواقف الخوف واليأس والحباط ما كانت لتعللرف لللو‬
‫ل سنة البتلء والتمحيص وظهور هذه السنة وعملها اليوم‬
‫في حياة المسلمين هي التي أفرزت وأظهللرت مثللل هللذه‬
‫المواقف وفي ظهورها فائدة لصحابها لعلهللم أن يراجعللوا‬
‫أنفسهم ويقلعوا عن هذه المواقللف بعللد أن اكتشللفوا هللذا‬
‫المرض الكامن في نفوسهم بفعل هذه السنة‪ ،‬كما أن فيه‬
‫فائدة أيضا ً لغيرهم ليحللذروا مللن هللذه المواقللف ويحللذروا‬
‫ممللن ينللادي بهللا؛ قللال الللله _تعللالى_ فللي تحللذير عبللاده‬
‫المللؤمنين مللن الللوهن واليللأس والحبللاط‪َ" :‬ول ت َهُِنللوا َول‬
‫َ‬
‫ن" )آل عمران‪.(139:‬‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫ن إِ ْ‬
‫م اْل َعْل َوْ َ‬
‫تَ ْ‬
‫م ُ‬
‫ن ك ُن ْت ُ ْ‬
‫حَزُنوا وَأن ْت ُ ُ‬
‫مِني َ‬
‫وقللال _سللبحانه وتعللالى_ فللي وصللف عبللاده الصللابرين‬
‫َ‬
‫ي َقات َ َ‬
‫ه‬
‫ن ِ‬
‫مَعلل ُ‬
‫ل َ‬
‫ن ن َب ِ ّ‬
‫م ْ‬
‫والموقنين بنصره _عز وجل_‪ " :‬وَك َأي ّ ْ‬
‫َ‬
‫مللا‬
‫رِب ّّيو َ‬
‫م فِللي َ‬
‫ل الل ّلهِ وَ َ‬
‫صللاب َهُ ْ‬
‫مللا وَهَن ُللوا ل ِ َ‬
‫ن ك َِثيٌر فَ َ‬
‫مللا أ َ‬
‫سلِبي ِ‬
‫ما َ‬
‫ست َ َ‬
‫م‬
‫ه يُ ِ‬
‫كا َ‬
‫ح ّ‬
‫َ‬
‫ما ا ْ‬
‫ن قَوْل َهُ ْ‬
‫ن‪ ،‬وَ َ‬
‫صاب ِ‬
‫كاُنوا َوالل ّ ُ‬
‫ضعُُفوا وَ َ‬
‫ب ال ّ‬
‫ري َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ت‬
‫إ ِّل أ ْ‬
‫ن َقاُلوا َرب َّنا اغِْفْر ل ََنا ذ ُُنوب ََنا وَإ ِ ْ‬
‫مرِن َللا وَث َب ّل ْ‬
‫سَرافََنا فِللي أ ْ‬
‫َ‬
‫ب‬
‫وا َ‬
‫أقْ َ‬
‫م الل ّل ُ‬
‫ن‪َ ،‬فآت َللاهُ ُ‬
‫دا َ‬
‫مَنا َوان ْ ُ‬
‫ه ث َل َ‬
‫ري َ‬
‫صْرَنا عََلى ال َْقوْم ِ ال ْك َللافِ ِ‬
‫ن" )آل‬
‫ه يُ ِ‬
‫ب اْل ِ‬
‫ح ِ‬
‫م ْ‬
‫حل ّ‬
‫الد ّن َْيا وَ ُ‬
‫ح ْ‬
‫ب ال ْ ُ‬
‫خلَرةِ َوالّلل ُ‬
‫وا ِ‬
‫سلِني َ‬
‫ن َثل َ‬
‫سل َ‬
‫عمران‪(148 ،147 ،146:‬‬
‫وقال _سبحانه وتعالى_ في وصف أصحاب محمللد _صلللى‬
‫مللا َرأى‬
‫الله عليه وسلم_ لما تحزبت عليهللم الحللزاب‪" :‬وَل َ ّ‬
‫ب َقاُلوا هَ َ‬
‫ق‬
‫صد َ َ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫حَزا َ‬
‫ن اْل َ ْ‬
‫مُنو َ‬
‫ه وََر ُ‬
‫سول ُ ُ‬
‫ما وَعَد ََنا الل ّ ُ‬
‫ذا َ‬
‫ال ْ ُ‬
‫ه وَ َ‬
‫سِليمًا" )الحزاب‪.(22:‬‬
‫مانا ً وَت َ ْ‬
‫ه وََر ُ‬
‫م إ ِّل ِإي َ‬
‫ما َزاد َهُ ْ‬
‫ه وَ َ‬
‫سول ُ ُ‬
‫الل ّ ُ‬
‫الموقف الثالث‪ :‬موقللف المسللايرين للواقللع أهللل الحلللول‬
‫الوسط‪:‬‬
‫وهم الذين نظروا إلى شدة ما يصيب المسلمين في هللذه‬
‫الزمنة من الذى والتضييق والبتلءات المتنوعة فللرأوا أن‬
‫الثبللات والصللمود علللى ثللوابت هللذا الللدين والصللبر علللى‬
‫أحكامه الشرعية ومصادمة الواقللع ممللا يصللعب فللي مثللل‬
‫هذه الظروف؛ لن أعداء هذا الللدين ل يرضللون بللذلك بللل‬
‫يوجهون حربهم إلى هؤلء الثابتين الللذين يطلقللون عليهللم‬
‫تللارة‪ :‬الصللولية‪ ،‬وتللارة‪ :‬المتشللددين‪ ،‬وتللارة‪ :‬الرهللابيين‪،‬‬
‫‪29‬‬

‫والخطير في المر فلي هلذه المواقلف أنهللا تغطللى بشلبه‬
‫شرعية‪ ،‬ويحاول أصحابها أن يؤصلوا مللواقفهم هللذه بأدلللة‬
‫يزعمون أنها قواعد شرعية مع أنها غير منضبطة بضللوابط‬
‫الشرع ول ملتزمة بمقاصللده؛ كاسللتدللهم مثل ً بالضللرورة‬
‫وأحكامهللا‪ ،‬وقواعللد التيسللير ورفللع الحللرج‪ ،‬وبالمصللالح‬
‫المرسلة وغيرها مما هي صحيحة في أصله لكنهللا فاسللدة‬
‫في تطبيقها)‪.(9‬‬
‫وعلمللة أصللحاب هللذا الموقللف أنهللم يصللفون أنفسللهم أو‬
‫يصفهم غيرهم بالمعتدلة أو الوسطية‪ .‬وهذه المواقللف مللا‬
‫كانت لتعرف لول سنة البتلء التي تمحص وتميز الصفوف‬
‫ويكشف الله بها كوامن النفوس التي يعلمها الللله مسللبقًا‪،‬‬
‫لكنللله _سلللبحانه_ يظهرهلللا للنلللاس بفعلللل سلللنة البتلء‬
‫ه ل ِي َلذ ََر‬
‫مللا ك َللا َ‬
‫ن الل ّل ُ‬
‫والتمحيللص‪ ،‬وصللدق الللله العظيللم‪َ " :‬‬
‫َ‬
‫ب‬
‫ميَز ال ْ َ‬
‫خِبي َ‬
‫ث ِ‬
‫حّتى ي َ ِ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫م عَل َي ْهِ َ‬
‫ما أن ْت ُ ْ‬
‫ن عََلى َ‬
‫ال ْ ُ‬
‫ن الط ّّيلل ِ‬
‫م َ‬
‫مِني َ‬
‫ما َ‬
‫ب" )آل عمران‪ :‬من اليللة‬
‫كا َ‬
‫ه ل ِي ُط ْل ِعَك ُ ْ‬
‫ن الل ّ ُ‬
‫وَ َ‬
‫م عََلى ال ْغَي ْ ِ‬
‫‪.(179‬‬
‫وقد أخبر النللبي _صلللى الللله عليلله وسلللم_ أن المتمسللك‬
‫بدينه في آخر الزمان يعد غربيلا ً بيللن النللاس ووصللفه بللأنه‬
‫كالقابض على الجمر وهذا الوصف ل يقللدر عليلله إل أولللوا‬
‫العللزم مللن المللؤمنين الصللابرين؛ قللال _صلللى الللله عليلله‬
‫وسلم_‪" :‬إن السلم بدأ غربيا ً وسيعود غريبا ً كما بدأ غريبا ً‬
‫فطوبى للغرباء " قيللل‪ :‬ومللن هللم يللا رسللول الللله؟ قللال‪:‬‬
‫"الذين يصلحون ما أفسد الناس")‪.(10‬‬
‫وقال _صلى الله عليه وسلم_‪" :‬يللأتي علللى النللاس زمللان‬
‫الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر"‪.‬‬
‫ول يخفللى علللى مللن يراقللب اليللوم كللثيرا ً مللن الفتللاوى‬
‫والحللوارات الللتي تقللوم بهللا بعللض الصللحف والمجلت‬
‫والقنوات الفضائية ما تحمل من هللذه المواقللف المتميعللة‬
‫والتي يحاول أصحابها أن يتشللبثوا فللي القتنللاع بهللا بللأدنى‬
‫شبهة أو أدنى قول شاذ يخالفه الدليل الصحيح من الكتاب‬
‫والسنة ‪ ،‬وهذه المواقف والفتاوى لم تقتصر على الحكام‬
‫فحسب بل تعدتها إلى أصول العقيدة وأركانها‪ ،‬وبخاصة ما‬
‫يتعلق بمسائل اليمان والكفر وحدودها‪ ،‬أو بمسائل الللولء‬
‫‪30‬‬

‫والبراء‪ ،‬أو ما يتعلق بالجهاد وأحكامه؛ والمقصللود أن سللنة‬
‫البتلء والتمحيص التي نعيشها هذه اليام قد أفرزت مثللل‬
‫هذه المواقف ولله _عز وجل_ الحكمة في ذلللك؛ لن فللي‬
‫ظهورها خيرا ً لهلها لعلهم يحاسللبون أنفسللهم فيتخلصللون‬
‫منها كما أن فيها خيرا ً أيضا ً لغيرهم حتى يحذروها ويحذروا‬
‫منها‪.‬‬
‫الموقف الرابع‪ :‬موقف المتعجلين المغيرين بالقوة‪:‬‬
‫وهللذا الموقللف يقابللل الموقللف السللابق‪ ،‬فبينمللا ينحللي‬
‫الموقف السابق إلى التنازل عللن بعللض الثللوابت والتعلللق‬
‫ببعض الشبهات و الشذوذات‪ ،‬يذهب أصحاب هذا الموقف‬
‫إلى الطرف المقابل حيث لم يصبروا علللى مللا يللرون مللن‬
‫شللدائد ومحللن وابتلءات تللوجه للمسلللمين فللي دينهللم‬
‫وأعراضللهم وعقللولهم ورأوا أن الموقللف إزاء مثللل هللذه‬
‫البتلءات هو المواجهة المسلحة دون أن ينظللروا إلللى مللا‬
‫يترتب عليهللا مللن مفاسللد كللبيرة ‪ ،‬ودون أن ينظللروا إلللى‬
‫واقعية المصالح التي يسعى لتحقيقها فنشأ من جراء ذلللك‬
‫أضرار عظيمة عليهم وعللى اللدعوة وأهلهلا فلي المحيلط‬
‫الذي تدور فيه هذه المواجهات‪.‬‬
‫وهنا أود التنبيه إلى أنه ليللس المعنللى فللي هللذه المواقللف‬
‫تلك الحركات الجهادية التي تدافع عن المسلمين وديارهم‬
‫في أفغانستان والعللراق والشيشللان وفلسللطين وكشللمير‬
‫وغيرهللا ممللن يقللوم بجهللاد الللدفع عللن ديللار المسلللمين‬
‫المحتلة‪ ،‬وإنما المعنللي هنللا أولئك الللذين يللرون المواجهللة‬
‫المسلحة فللي بعللض بلللدان المسلللمين قبللل وضللوح رايللة‬
‫الكفر فللي تلللك البلللدان للنللاس‪ ،‬ودون وضللوح رايللة أهللل‬
‫اليمان في مقابل ذلك‪ ،‬مملا ينشلأ عنله اللبلس والتللبيس‬
‫علللى النللاس‪ ،‬فتختلللط الوراق ويجللد هللؤلء المجاهللدون‬
‫المستعجلون أنفسهم وجها ً لوجهٍ مع إخللوانهم المسلللمين‪،‬‬
‫فحينئذ تقع الفتنة بين المسلمين‪ ،‬ويقتل بعضهم بعضًا‪ ،‬كما‬
‫هو حاصل في الجزائر وما قد حصل في مصر وسوريا أما‬
‫تلك الحركات الجهادية الللتي أعلنللت جهادهللا علللى الكفللار‬
‫في العراق وأفغانستان لمواجهة التحالف الصليبي أو فللي‬
‫كشللمير لمواجهللة الهنللدوس والللوثنيين‪ ،‬أو فللي الشيشللان‬
‫‪31‬‬

‫لمواجهة الملحدة الشيوعيين‪ ،‬أو فللي فلسللطين لمواجهللة‬
‫اليهود الغاشمين فإنهللا حركللات مشللروعة لوضللوح الرايللة‬
‫الكفرية‪ ،‬وزوال اللبس عن المسللمين فلي تللك الملاكن‪،‬‬
‫كما أنه جهاد للدفاع عن الدين والعللرض والمكللان حللتى ل‬
‫ترتفع فيه راية الكفار‪.‬‬
‫والذي حملني على هذا التنبيه ما نسللمعه – ويللا للسللف –‬
‫من بعض الفتاوى المتسرعة والتي مفادها أن القتللال ضللد‬
‫الغزاة الكفرة في العراق هو قتللال فتنللة وتعجللل وافللتئات‬
‫علللى المللة وهللذا مللن صللور البتلء الللذي يتعللرض للله‬
‫المسلمون في هذه الزمنة‪.‬‬
‫السنة الثالثة‪ :‬سنة الملء والستدراج للكفار والمنافقين‪:‬‬
‫َ‬
‫م‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫قال _تعالى_‪َ " :‬ول ي َ ْ‬
‫ح َ‬
‫مل ِللي ل َهُ ل ْ‬
‫مللا ن ُ ْ‬
‫ن ك ََف لُروا أن ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫سب َ ّ‬
‫م ع َل َ‬
‫ب‬
‫َ‬
‫خي ٌْر ِل َن ُْف ِ‬
‫ذا ٌ‬
‫دا ُ‬
‫م ل ِي َلْز َ‬
‫دوا إ ِْثم لا ً وَل َهُ ل ْ‬
‫مل ِللي ل َهُ ل ْ‬
‫ما ن ُ ْ‬
‫م إ ِن ّ َ‬
‫سه ِ ْ‬
‫ن" )آل عمران‪.(178:‬‬
‫ُ‬
‫مِهي ٌ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫م ِ‬
‫وقال _تعالى_‪َ " :‬وال ل ِ‬
‫س لت َد ْرِ ُ‬
‫سن َ ْ‬
‫ن ك لذ ُّبوا ِبآيات ِن َللا َ‬
‫جه ُ ْ‬
‫مل ْ‬
‫ذي َ‬
‫ُ‬
‫ن" )العللراف‪:‬‬
‫حي ْ ُ‬
‫ن ك َي ْل ِ‬
‫م إِ ّ‬
‫مو َ‬
‫َ‬
‫دي َ‬
‫مِلي ل َهُ ل ْ‬
‫ن‪ ،‬وَأ ْ‬
‫ث ل ي َعْل َ ُ‬
‫مِتي ل ٌ‬
‫‪.(183 ،182‬‬
‫وهذه السنة اللهية تعمل عملها في هللذه الوقللات؛ وذلللك‬
‫في معسكر أهل الكفر والنفاق؛ وبخاصة أولئك الذين بلللغ‬
‫بهم الكللبر والغطرسللة والظلللم والجللبروت مبلغلا ً عظيم لا ً‬
‫ونراهللم يللزدادون يومللا ً بعللد يللوم فللي الظلللم والبطللش‬
‫والكبرياء ومع ذلك نراهم ممكنيللن ولهللم الغلبللة الظللاهرة‬
‫كما هو الحاصل الن مللن دولللة الكفللر والطغيللان أمريكللا؛‬
‫حيث ظلمت وطغت وقالت بلسللان حالهللا ومقالهللا‪" :‬مللن‬
‫أشد منا قوة" وقد يحيك في قلوب بعض المسلمين شيء‬
‫وهم يرون هؤلء الكفرة يبغللون ويظلمللون ومللع ذلللك هللم‬
‫متروكون لم يأخذهم الله بعذاب من عنده‪ ،‬لكللن المسلللم‬
‫الذي يفقلله سللنة الللله _عللز وجللل_ ويتأملهللا ويللرى آثارهللا‬
‫وعملها في المم السابقة ل يحيك فللي نفسلله شلليء مللن‬
‫هذا لنه يرى في ضوء هذه السنة أن الكفرة اليوم وعلللى‬
‫رأسللهم أمريكللا وحلفائهللا هللم الن يعيشللون سللنة الملء‬
‫والستدراج والتي تقودهم إلى مزيد من الظللم والطغيلان‬
‫والغرور‪ ،‬وهذا بدوره يقودهم إلللى نهللايتهم الحتميللة وهللي‬
‫‪32‬‬

‫الهلك والقصم في الجل الذي قللد ضللربه الللله لهللم قللال‬
‫َ‬
‫_تعللالى_‪ " :‬وَت ِل ْل َ‬
‫جعَل ْن َللا‬
‫مللوا وَ َ‬
‫مللا ظ َل َ ُ‬
‫م لَ ّ‬
‫ك ال ُْقللَرى أهْل َك ْن َللاهُ ْ‬
‫عدًا" )الكهف‪.(59:‬‬
‫مو ْ ِ‬
‫م َ‬
‫مهْل ِك ِهِ ْ‬
‫لِ َ‬
‫والله _عز وجل_ ل يسللتجيب لعجلللة المسللتعجلين بللل للله‬
‫الحكمة البالغة والسنة الماضللية الللتي إذا آتللت أكلهللا أتللى‬
‫الكفرة ما وعدهم الله _تعالى_ ل يسللتأخرون عنلله سللاعة‬
‫ول يستقدمون‪.‬‬
‫يقول صاحب الظلل _رحمه الللله تعللالى_ فللي هللذه اليللة‬
‫السابقة الذكر من سورة آل عمران‪:‬‬
‫"وفي هذه الية يصل السياق إلى العقدة التي تحيللك فللي‬
‫بعض الصدور‪ ،‬والشللبهة الللتي تجللول فللي بعللض القلللوب‪،‬‬
‫والعتاب الذي تجيش بلله بعللض الرواح‪ ،‬وهللي تللرى أعللداء‬
‫الله وأعداء الحق‪ ،‬مللتروكين ل يأخللذهم العللذاب‪ ،‬ممتعيللن‬
‫في ظاهر المللر‪ ،‬بللالقوة والسلللطة والمللال والجللاه! ممللا‬
‫يوقع الفتنة في قلللوبهم وفللي قلللوب النللاس مللن حللولهم؛‬
‫ومما يجعل ضعاف اليمان يظنللون بللالله غيللر الحللق ظللن‬
‫الجاهلية‪ ،‬يحسبون أن الله – حاشاه – يرضى عللن الباطللل‬
‫والشر والجحود والطغيان‪ ،‬فيملي له ويرخي له العنان! أو‬
‫يحسبون أن الله – _سبحانه_ – ل يتدخل في المعركة بين‬
‫الحق والباطل‪ ،‬فيدع للباطل أن يحطم الحللق‪ ،‬ول يتللدخل‬
‫لنصرته! أو يحسبون أن هذا الباطللل حللق‪ ،‬وإل فلللم تركلله‬
‫الله ينمو ويكبر ويغلب؟ أو يحسبون أن من شللأن الباطللل‬
‫أن يغلب على الحق في هذه الرض‪ ،‬وأن ليس مللن شللأن‬
‫الحللق أن ينتصللر! ثللم يللدع المبطليللن الظلمللة الطغللاة‬
‫المفسدين‪ ،‬يلجون فللي عتللوهم ويسللارعون فللي كفرهللم‪،‬‬
‫ويلجون في طغيانهم‪ ،‬ويظنون أن المر قللد اسللتقام لهللم‪،‬‬
‫وأن ليللس هنالللك مللن قللوة تقللوى علللى الوقللوف فللي‬
‫وجههم!!!‬
‫وهذا كله وهم باطل‪ ،‬وظن بالله غير الحللق‪ ،‬والمللر ليللس‬
‫كذلك‪ ،‬وها هو ذا الله _سبحانه وتعالى_ يحذر الذين كفروا‬
‫أن يظنوا هذا الظن؛ إنه إذا كللان الللله ل يأخللذهم بكفرهللم‬
‫الللذي يسللارعون فيلله وإذا كللان يعطيهللم حظلا ً فللي الللدنيا‬
‫يسللتمتعون بلله ويلهللون فيلله؛ إذا كللان الللله يأخللذهم بهللذا‬
‫‪33‬‬

‫البتلء فإنما هي الفتنة‪ ،‬وإنما هو الكيد المللتين‪ ،‬وإنمللا هللو‬
‫َ‬
‫م‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫الستدراج البعيد‪َ " :‬ول ي َ ْ‬
‫ح َ‬
‫مِلي ل َهُ ْ‬
‫ما ن ُ ْ‬
‫ن ك ََفُروا أن ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫سب َ ّ‬
‫م ع َل َ‬
‫ب‬
‫َ‬
‫خي ٌْر ِل َن ُْف ِ‬
‫ذا ٌ‬
‫دا ُ‬
‫م ل ِي َلْز َ‬
‫دوا إ ِْثم لا ً وَل َهُ ل ْ‬
‫مل ِللي ل َهُ ل ْ‬
‫ما ن ُ ْ‬
‫م إ ِن ّ َ‬
‫سه ِ ْ‬
‫ن" )آل عمران‪.(178:‬‬
‫ُ‬
‫مِهي ٌ‬
‫ولو كانوا يستحقون أن يخرجهللم الللله مللن غمللرة النعمللة‪،‬‬
‫بالبتلء المللوقظ لبتلهللم‪ ،‬ولكنلله ل يريللد بهللم خيللرا ً وقللد‬
‫اشتروا الكفر باليمان‪ ،‬وسارعوا في الكفر واجتهدوا فيلله!‬
‫فلم يعودوا يستحقون أن يوقظهم الله من هللذه الغمللرة –‬
‫م عَ َ‬
‫ن"‪.‬‬
‫ذا ٌ‬
‫ب ُ‬
‫غمرة النعمة والسلطان – بالبتلء! "وَل َهُ ْ‬
‫مِهي ٌ‬
‫والهانة هي المقابل لما هم فيه من مقام ومكانة ونعماء‪.‬‬
‫وهكذا يتكشف أن البتلء من اللله نعملة ل تصليب إل ملن‬
‫يريد له الله به الخير‪ ،‬فإذا أصللابت أوليللاءه فإنمللا تصلليبهم‬
‫لخيللر يريللده الللله لهللم – ولللو وقللع البتلء مترتبللا ً علللى‬
‫تصرفات هؤلء الولياء – فهناك الحكمللة المغيبللة والتللدبير‬
‫اللطيف‪ ،‬وفضل الله على أوليائه المؤمنين(‪.‬‬
‫ويقول في موطن آخر‪:‬‬
‫"وإنلله لممللا يخللدع النللاس أن يللروا الفللاجر الطللاغي‪ ،‬أو‬
‫المستهتر الفاسد‪ ،‬أو الملحد الكافر‪ ،‬ممكنا ً له في الرض‪،‬‬
‫غير مأخوذ من الللله ولكللن النللاس إنمللا يسللتعجلون؛ إنهللم‬
‫يللرون أول الطريللق أو وسللطه‪ ،‬ول يللرون نهايللة الطريللق‬
‫ونهاية الطريللق ل تللرى إل بعللد أن تجيللء! ل تللرى إل فللي‬
‫مصارع الغابرين بعد أن يصبحوا أحللاديث والقللرآن الكريللم‬
‫يوجه إلى هذه المصارع ليتنبه المخدوعون الللذين ل يللرون‬
‫– في حياتهم الفردية القصيرة – نهاية الطريق؛ فيخللدعهم‬
‫ما يرون في حياتهم القصيرة ويحسبونه نهاية الطريق!"‬
‫ومن حكمة الله _عز وجل_ في سللنة الملء للكللافرين أن‬
‫يمكنهم في هذا الملء ليزدادوا إثما ً وطغيان لا ً ينللدفعون بلله‬
‫بعجلة متسارعة إلى نهايتهم التي فيها قصللمهم ومحقهللم‪،‬‬
‫وقد بدت بوادر المحلق فلي المريكللان الكفلرة وحلفلائهم‬
‫فيما يتعلق بحقوق النسان التي يتشدقون بهللا وغيللر ذلللك‬
‫من عوامل المحق والقصم‪ ،‬ولكن الله _عز وجل_ بمكللره‬
‫لهم قد أغفلهم عن سوءاتهم وعما يترتب علللى حماقللاتهم‬
‫وطغيللانهم ليحللق عليهللم سللنته _سللبحانه_ فللي القللوم‬
‫‪34‬‬

‫الكلللافرين‪ ،‬كملللا أن ملللن حكمتللله _سلللبحانه_ فلللي إملء‬
‫الكللافرين وظلمهللم وتسلللطهم علللى المسلللمين تحقيللق‬
‫للسللنة الللتي سللبق الحللديث عنهللا أل وهللي سللنة البتلء‬
‫والتمحيص للمؤمنين ‪.‬‬
‫ففي الملء للكفار وتركهم يتسلطون على المسلمين في‬
‫مدة من الزمللن ابتلء وتمحيللص للمللؤمنين‪ ،‬حللتى إذا آتللت‬
‫سنة البتلء أكلها وتميللز الصللف المللؤمن الللذي خللرج مللن‬
‫البتلء نظيفا ً ممحصا ً عندئذ تكون سنة الملء هي الخلرى‬
‫قللد أشللرفت علللى نهايتهللا فيحللق القللول علللى الكللافرين‬
‫ويمحقهم الله كرامة للمللؤمنين الممحصللين الللذين يمكللن‬
‫الله لهم _عز وجل_ في الرض ويخلفون الرض بعد محق‬
‫الكافرين‪.‬‬
‫ق‬
‫ه اّللل ِ‬
‫م َ‬
‫م ّ‬
‫حلل َ‬
‫مُنللوا وَي َ ْ‬
‫نآ َ‬
‫ص الّللل ُ‬
‫قللال _تعللالى_‪ " :‬وَل ِي ُ َ‬
‫حلل َ‬
‫ذي َ‬
‫ال ْ َ‬
‫ن" )آل عمران‪.(141:‬‬
‫ري َ‬
‫كافِ ِ‬
‫فذكر الله _سبحانه_ التمحيص قبل المحق ولو محق الللله‬
‫الكفار قيل تهيأ المؤمنين الممحصين فمللن يخلللف الكفللار‬
‫بعللد محقهللم إن الللله _عللز وجللل_ حكيللم عليللم ومللا كللان‬
‫_سبحانه_ ليحابي أحدا ً في سننه ولله _عز وجل_ الحكمللة‬
‫فللي وضللع السللنتين سللنة البتلء وسللنة الملء فللي آيللتين‬
‫متتللاليتين فللي سللورة آل عمللران؛ قللال _تعللالى_‪َ " :‬ول‬
‫َ‬
‫مللا‬
‫م َ‬
‫خي ْلٌر ِل َن ُْف ِ‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫يَ ْ‬
‫ح َ‬
‫م إ ِن ّ َ‬
‫س له ِ ْ‬
‫مل ِللي ل َهُ ل ْ‬
‫مللا ن ُ ْ‬
‫ن ك ََفُروا أن ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫سب َ ّ‬
‫م ع َل َ‬
‫ن" )آل عمللران‪:‬‬
‫ذا ٌ‬
‫دا ُ‬
‫م ل ِي َْز َ‬
‫ب ُ‬
‫دوا إ ِْثما ً وَل َهُ ل ْ‬
‫مِلي ل َهُ ْ‬
‫نُ ْ‬
‫مِهيل ٌ‬
‫‪(178‬‬
‫َ‬
‫ما َ‬
‫مي لَز‬
‫حت ّللى ي َ ِ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫م عَل َي ْلهِ َ‬
‫كا َ‬
‫ما أن ْت ُ ْ‬
‫ن عََلى َ‬
‫ه ل ِي َذ ََر ال ْ ُ‬
‫ن الل ّ ُ‬
‫" َ‬
‫مِني َ‬
‫ب‬
‫ال ْ َ‬
‫خِبي َ‬
‫ث ِ‬
‫مللا ك َللا َ‬
‫ه ل ِي ُط ْل ِعَك ُل ْ‬
‫ن الل ّل ُ‬
‫ب وَ َ‬
‫م عَل َللى ال ْغَي ْل ِ‬
‫ن الط ّي ّ ِ‬
‫م َ‬
‫ن يَ َ‬
‫ه‬
‫س لل ِ ِ‬
‫شاُء َفآ ِ‬
‫جت َِبي ِ‬
‫ه يَ ْ‬
‫مُنوا ب ِللالل ّهِ وَُر ُ‬
‫ن ُر ُ‬
‫سل ِهِ َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫وَل َك ِ ّ‬
‫وإن تؤْمنوا وتتُقوا فَل َك ُ َ‬
‫م" )آل عمران‪.(179:‬‬
‫جٌر عَ ِ‬
‫ََّ‬
‫َِ ْ ُ ِ ُ‬
‫مأ ْ‬
‫ظي ٌ‬
‫ْ‬
‫ولعللل مللن الحكمللة – والللله أعلللم – أن يعلمنللا الللله _عللز‬
‫وجللل_ أن هللاتين السللنتين متلزمتللان ومتزامنتللان وأن‬
‫إحداهما تهيئ للخرى‪.‬‬
‫اللهم ثبتنا بالقول الثابت فللي الحيللاة الللدنيا وفللي الخللرة‪،‬‬
‫الهم أبرم لهذه المة أمرا ً رشدا ً يعز فيه وليللك ويللذل فيلله‬

‫‪35‬‬

‫عدوك ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيلله عللن المنكللر إنللك‬
‫سميع الدعاء‪،‬‬
‫اللهم ارحم عبادك الموحدين والطف بهم في العراق وفي‬
‫كللل مكللان؛ اللهللم احقللن دمللاءهم واحفللظ لهللم دينهللم‬
‫وأعراضهم‪.‬‬
‫اللهم فك أسر المأسورين من المسلمين في كللل مكللان‪،‬‬
‫اللهم انصر المجاهدين في سبيلك فللي كللل مكللان‪ ،‬اللهللم‬
‫اشف صدورنا وأقر أعيننا بنصللرة دينللك وأوليللائك وخللذلن‬
‫أعدائك؛ اللهم قاتل أمريكا وحلفاءها الذين يكذبون رسلللك‬
‫ويعللادون أوليللاءك ويصللدون عللن سللبيلك‪ ،‬وأنللزل عليهللم‬
‫رجزك وعذابك إله الحق‪ ،‬اللهم إنا نعوذ بك مللن شللرورهم‬
‫وندرأ بك في نحورهم‪.‬‬
‫والحمد لله رب العالمين‪ ،‬وصلى الله على نبينا محمد وآله‬
‫وأصحابه أجمعين‪.‬‬
‫_______________‬
‫)‪ (1‬رواه مسلم ) ‪.(2865‬‬
‫)‪ (2‬في ظلل القرآن ‪ 1319 /3‬بتصرف يسير‪.‬‬
‫)‪ (3‬الختيارات الفقهية‪ :‬ص ‪.447‬‬
‫)‪ (4‬الختيارات الفقهية ص ‪.310 ،309‬‬
‫)‪ (5‬الختيارات الفقهية ص ‪.448‬‬
‫)‪ (6‬إعلم الموقعين ‪.2/176‬‬
‫)‪ (7‬تفسللير ابللن كللثير عنللد اليللة ) ‪ (179‬مللن سللورة أل‬
‫عمران‪.‬‬
‫)‪ (8‬في ظلل القرآن ‪.1/525‬‬
‫)‪ (9‬للرد على هذه الشبهات ‪ :‬انظر كتلاب ) فاسلتقم كملا‬
‫أمرت ( للمؤلف‪.‬‬
‫)‪ (10‬تحفة الحلوذي ) ‪ 6/539 ( 2361‬وقلال الترملذي‪:‬‬
‫حديث غريب وقال الرناؤوط في جامع الصول له شواهد‬
‫يرتقي بها‪.‬‬
‫==============‬
‫‪#‬حرب المس واليوم‬
‫سلمان بن فهد العودة ‪26/1/1424‬‬
‫‪29/03/2003‬‬
‫‪36‬‬

‫دعونا نمنح أنفسنا فرصة الفرح بالضرر الفادح الذي لحللق‬
‫بقوات الغزو المريكي للعراق ‪ ،‬وبالمقاومللة الصلللبة الللتي‬
‫فاجأتهم حيث استقبلوا بالرصللاص بللدل الزهللور ‪ ،‬دون أن‬
‫نؤجل هذا الفرح طمعا ً بنصر أوسع ننتظره ‪ ،‬وهو في علم‬
‫الغيب ‪.‬‬
‫ف على نفسي وأرجو مفازها … …‬
‫أخا ُ‬
‫وأستار غيب الله دون العواقب‬
‫أل من يريني غايتي قبل مذهبي … …‬
‫ب؟‬
‫ومن أين والغايا ُ‬
‫ت بعد المذاه ِ‬
‫ودعونا نفرح مرةً أخرى بعدم تحول الشعب العراقي إلللى‬
‫قطيللع مللن اللجئيللن يسللتجدي لقمللة العيللش مللن أيللادي‬
‫الهيئات الدولية والخيرية ‪ ،‬بل ثبت وتمسك بحقه وحقله ‪.‬‬
‫ليس من المستبعد أن تكون آلة الحرب الضخمة ‪ ،‬وحمللم‬
‫النار التي تصب على العراق بل حساب قادرةً على حسللم‬
‫النتيجة الولية لهذه الحرب لصالح الطرف القوى ‪ ،‬وعلى‬
‫اضلللطرار فئات ملللن هلللذا الشلللعب إللللى الرحيلللل نحلللو‬
‫المجهول ‪.‬‬
‫لكن هانحن نرى الشللعب الفلسللطيني مثل ً يقللاوم ببسللالة‬
‫وضللراوة وصللبر وإصللرار بعللد هللذه الحقللب الطويلللة مللن‬
‫الستعمار ‪ ،‬مع الخذ بالعتبار الفارق بين استيطان يهودي‬
‫مكشوف ‪ ،‬وسيطرة أمريكية محتملة على العراق ‪.‬‬
‫إن الندفاع المريكي نحو التوسع والسلليطرة قللوي جللدا ً ‪،‬‬
‫وليس هو استثناء من الندفاعات المبراطورية التاريخية ‪،‬‬
‫غير أنه مسرف في حسلن ظنله بنفسله ‪ ،‬وإظهلار براءتله‬
‫وسلمة أهدافه ونبللل مقاصللده ‪ ،‬وهللو مسللرف أيضلا ً فللي‬
‫الستخفاف بالقوى التي ل تتفق مع رؤيته للمور ‪.‬‬
‫ولعل هذا وذاك همللا المسللؤولن عللن سللؤ التقللدير الللذي‬
‫وقعت فيه القوات الغازية الللتي يسللمونها خللداعا ً وتضللليل ً‬
‫بل"قوات التحالف" ‪.‬‬
‫تقفز إلى ذهني وأنا أشللاهد الموقللف اليللة الكريمللة الللتي‬
‫طا َ‬
‫م ال ّ‬
‫م‬
‫ش لي ْ َ ُ‬
‫مللال َهُ ْ‬
‫ن أعْ َ‬
‫ن ل َهُ ل ُ‬
‫نزلت بشأن غزوة بدر "وَإ ِذ ْ َزي ّل َ‬
‫جلاٌر ل َ ُ‬
‫ل َل َ‬
‫وََقا َ‬
‫ملا‬
‫م ِ‬
‫س وَإ ِّنلي َ‬
‫غال ِ َ‬
‫م ال ْي َوْ َ‬
‫م فَل َ ّ‬
‫كل ْ‬
‫ب ل َك ُ ُ‬
‫م َ‬
‫ن الّنلا ِ‬
‫ص عََلى عَِقب َي ْلهِ وَقَللا َ‬
‫م‬
‫ري لٌء ِ‬
‫ت ََراَء ِ‬
‫من ْك ُل ْ‬
‫ن ن َك َ َ‬
‫ت ال ِْفئ ََتا ِ‬
‫ل إ ِن ّللي ب َ ِ‬
‫‪37‬‬

‫َ‬
‫ه َ‬
‫ن إ ِّنللي أ َ َ‬
‫خللا ُ‬
‫شلل ِ‬
‫ديد ُ‬
‫مللا َل َتللَروْ َ‬
‫ه َوالّللل ُ‬
‫ف الّللل َ‬
‫إ ِّنللي أَرى َ‬
‫ب"]النفال‪ [48:‬والشلليطان لللم يكللن مريللدا ً للتغريللر‬
‫ال ْعَِقا ِ‬
‫بالكافرين وهزيمتهم ‪ ،‬ول وقوعهم فللي قبضللة الملؤمنين ‪،‬‬
‫ة التأمل والنظر‬
‫ولكن الرغبة العمياء ل تمنح النسان فرص ً‬
‫وحسن التقدير ‪.‬‬
‫والظلللن أن قلللوى المعارضلللة المندفعلللة ملللع الركلللب‬
‫الستعماري ذات أثر في الصورة المرتسللمة عللن الللداخل‬
‫العراقللي ‪ ،‬والللتي ظنللت أن الحللرب نزهللة صللحراوية لللن‬
‫تتجاوز بضلعة أيلام ‪ ،‬بللل يمكلن تجنبهلا مللن خلل ضللربات‬
‫ة للنتفلللاض‬
‫نوعيلللة سلللريعة تعطلللي الشلللعب فرصللل ً‬
‫والنقضاض ‪.‬‬
‫إن الشعب العراقي اليوم يعيش تحت وطأة ظلللم جديللد ‪،‬‬
‫وغللزو فللاجر ‪ ،‬يتحللدث عللن تحريللره وحقللوقه ‪ ،‬ويبشللره‬
‫بالديموقراطية القادملة علبر الصلاروخ والدبابلة ‪ ،‬ويحلاول‬
‫تحويله إلى أرتال من الجياع والمرضللى والمصللابين ليمللن‬
‫عليه بعد ذلك بالمساعدات النسللانية الللتي تسللتقطع مللن‬
‫أرصللدة بلللده ‪ ،‬بينمللا تللذهب ثرواتلله وخيراتلله إلللى جيللب‬
‫المعتدي !‬
‫وهذا سر من أسرار قوته ‪ ،‬فإن المظلوم منصور ولو بعللد‬
‫س لل ْ َ‬
‫ن قُت ِل َ‬
‫طاًنا فََل‬
‫مللا فََقلد ْ َ‬
‫جعَل ْن َللا ل ِلوَل ِي ّهِ ُ‬
‫مظ ُْلو ً‬
‫ل َ‬
‫حيللن "وَ َ‬
‫مل ْ‬
‫ه َ‬
‫صوًرا"]السراء‪[33:‬‬
‫سرِ ْ‬
‫كا َ‬
‫يُ ْ‬
‫ن َ‬
‫ل إ ِن ّ ُ‬
‫من ْ ُ‬
‫ف ِفي ال َْقت ْ ِ‬
‫ُ‬
‫ن‬
‫ن ل ِل ّ ِ‬
‫وحين أذن الله تعالى بالقتال علل ذلك بقوله ‪ ":‬أذِ َ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫ديٌر"]الحج ‪:‬‬
‫م ل ََق ِ‬
‫موا وَإ ِ ّ‬
‫ي َُقات َُلو َ‬
‫صرِهِ ْ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫م ظ ُل ِ ُ‬
‫ن ب ِأن ّهُ ْ‬
‫ه عََلى ن َ ْ‬
‫‪ [33‬اليات ‪.‬‬
‫وفي المسند أن عمر رضي الله عنه سأل رجل ً ممن أنللت‬
‫فقال ‪ :‬من عنزة فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم يقول ‪ ) :‬حي من هاهنا مبغي عليهم منصورون ( ‪.‬‬
‫ولعل هذا مللن أسللباب اختلف الصللورة اليللوم عمللا كللانت‬
‫عليلله أثنللاء حللرب الخليللج الثانيللة ‪ ،‬حيللن احتلل العللراق‬
‫الكللويت ‪ ،‬حيللث كللان معتللديا ً ظالم لا ً ‪ ،‬فانكسللر انكسللارا ً‬
‫سريعا ً ‪ ،‬ولم يفلح في أي مقاومة ‪ ،‬بينما هو اليوم معتللدى‬
‫عليه في أرضه ‪ ،‬ومقصود بالتدمير والقضللاء علللى قللدراته‬

‫‪38‬‬

‫الحاضللرة والمسللتقبلية ‪ ،‬فهللذا عللزز مللوقفه فللي الللدفاع‬
‫والمقاومة ‪.‬‬
‫ومن تأمللل سللير الحللداث واسللتقرأ سللنن الللله فيهللا رأى‬
‫العجب فللي لطللائف الحكللم الربانيللة ‪ ،‬وكيللف يجللري الللله‬
‫تعالى القدر وفللق علملله وحكمتلله وعللدله ‪ ،‬وإن كللان هللذا‬
‫المعنى قد يغيللب عمللن يشللهد اللحظلة الحاضلرة ويندملج‬
‫فيها ‪ ،‬فتستغرقه عن رؤية ما قبلها ‪ ،‬أو توّقع ما بعدها ‪.‬‬
‫وكان جديرا ً بمن عانى مرارة الظلم أن يكون أبعد النللاس‬
‫عنه ‪ ،‬وأشلدهم نفلورا ً منله‪ ،‬وأعظمهلم خوفلا ً ملن علاقبته‬
‫وشؤمه ‪ ،‬ولهللذا يقللال فللي مللأثور الحكمللة ‪ )) :‬مللن أعللان‬
‫ظالما ً سلط عليه (( !‬
‫إن من الخطأ النسياق في هللذه الحللرب تحللت مسللوغات‬
‫خاصة ذاتية ‪ ،‬بينما أهدافها الحقيقية تتجللاوز العللراق ونللزع‬
‫أسلحته ‪ ،‬بل وتغيير نظامه إلللى إعللادة صللياغة المنطقللة ‪،‬‬
‫ورسم خريطتها وفق رؤية أمريكية إسرائيلية ‪.‬‬
‫وهذه الحرب تأسيس خطيللر لمبللدأ التللدخل المباشللر فللي‬
‫شؤون الدول ‪ ،‬وخللوض المعللارك بهللدف تغييللر النظمللة ‪،‬‬
‫فضل ً عما قد يتمخض عنها مللن انكسللار حللاد فللي النظللام‬
‫والوجود العربي والسلمي ‪.‬‬
‫وتمهيللد للتطللبيع الكامللل وصللفقة السلللم المذلللة ‪ ،‬وفللق‬
‫"خارطللة الطريللق" أو غيرهللا ممللا تتفتللق عنلله قللرائح‬
‫الليكوديين !‬
‫ة في سلسلللة ممتللدة ترمللي إلللى‬
‫وربما كانت العراق حلق ً‬
‫القضاء على جميع ألوان السللتقلل فللي الرادة والقللرار ‪،‬‬
‫أو العمللل والتخطيللط ‪ ،‬أو التصللنيع وامتلك القللوة فللي‬
‫المنطقة السلللمية كلهللا ‪ ،‬وزحزحللة كللل مشللروع يشللكل‬
‫خطللرا ً حاليلا ً أو مسللتقبليا ً علللى الوجللود الغربللي والتفللوق‬
‫السرائيلي في المنطقة ‪.‬‬
‫قد تتمكن اللة المتفوقللة مللن حسللم المعركللة فللي نهايللة‬
‫المطللاف ‪ ،‬وإقامللة النمللوذج الللذي تنشللده ليكللون قللدوةً‬
‫لجيرانه ‪ ،‬ومنطلقا ً لحروب أخرى تشن هنا وهناك ‪...‬‬

‫‪39‬‬

‫م‬
‫س ب َعْ َ‬
‫ض له ُ ْ‬
‫ولكن تظل السنة قائمة " وَل َوَْل د َفْ لعُ الل ّلهِ الن ّللا َ‬
‫َ‬
‫ه ُ‬
‫ل عََللللى‬
‫ض وَل َ ِ‬
‫سلللد َ ِ‬
‫ذو فَ ْ‬
‫ض ل ََف َ‬
‫ن الّلللل َ‬
‫ت اْلْر ُ‬
‫ضللل ٍ‬
‫كللل ّ‬
‫ب ِب َْعللل ٍ‬
‫ن"]البقرة‪[251:‬‬
‫ال َْعال َ ِ‬
‫مي َ‬
‫فصللاحب الحللق أطللول نفس لا ً وأمللد صللبرا ً ‪ ،‬وأقللدر علللى‬
‫التضللحية والفللداء ‪ ،‬وهللو إذا مللات يلورث الحفلاد الوصللية‬
‫بمحاسبة المعتدي والنتصاف منه ‪.‬‬
‫فإذا رأيت جريمة الجاني وما اجترحت يداه‬
‫فانثر على قبري وقبر أبيك شيئا ً من دماه !‬
‫وما زالت ذكريات المقاومة الباسلة للستعمار ماثلللة فللي‬
‫الذهان ‪ ،‬أو ظاهرة للعيلان ‪ ،‬فلي العلراق والشلام ومصلر‬
‫وبلد المغرب وغيرها ‪ ،‬وما الحتلل الجديد عنه ببعيد ‪.‬‬
‫قل للفرنسيس إذا جئته … …‬
‫مقالة من ناصح بر فصيح‬
‫دار ابن لقمان على حالها … …‬
‫والقيد باق‪..‬والطواشي صبيح‬
‫نل‬
‫ن وَل َ ِ‬
‫مللؤْ ِ‬
‫"وَل ِّلللهِ ال ِْعللّزةُ وَل َِر ُ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫سللول ِهِ وَل ِل ْ ُ‬
‫مَنللافِِقي َ‬
‫كلل ّ‬
‫مِني َ‬
‫ن"‬
‫مو َ‬
‫ي َعْل َ ُ‬
‫============‬
‫‪#‬ضوابط الفتيا في النوازل المعاصرة )‪(1/2‬‬
‫الدكتور ‪ /‬مسفر بن علي القحطاني أستاذ الفقلله وأصللوله‬
‫في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن ‪18/2/1424‬‬
‫‪20/04/2003‬‬
‫إن للنظر والجتهاد في أحكام النوازل المقام السمى في‬
‫السللم لمللا لله ملن موصللول الوشلائج بأصللوله وفروعلله‬
‫الحظ الوفى والقدح المعلى ‪،‬وهو الميدان الفسلليح الللذي‬
‫يستوعب ما جد ّ من شؤون الحياة والحيللاء ‪ ،‬وتعللرف مللن‬
‫خلللله أحكللام الشللرع فللي الوقللائع والمسللتجدات الدينيللة‬
‫والدنيوية ‪.‬‬
‫ول يخفى على أهل العلم والصلح ما وقللع خلل السللابيع‬
‫الماضية من عدوان غاشم علللى العللراق اسللتهدف أرضلله‬
‫ومقدراته وانتهللك حقللوق شللعبه وحرمللاته ‪ ،‬فكللانت نازلللة‬
‫عظيمة أصيبت بها المة العربيللة و السلللمية فللي فؤادهللا‬

‫‪40‬‬

‫وتأثر لها العالم أجمع ‪ ،‬ولعلها بداية السيل الغربللي العللرم‬
‫على بلدنا ومقدساتنا وثقافاتنا السلمية‪.‬‬
‫عنللدها عللت صلليحات الغيللورين محل ّ‬
‫ذرةً مللن هللذه الفتنللة‬
‫ومرشدةً للمخرج الشرعي منها ‪ ،‬فخرج علللى إثرهللا عللدد‬
‫من الفتاوى الشللرعية للجللان وهيئات علميللة وكللذا لفللراد‬
‫من أهل العلم ؛ بّينت أحكام بعض النوازل التي وقعت في‬
‫الحرب ؛ كحكم جهاد الغزاة من المريكان والبريطللانيين ‪،‬‬
‫والتعللاون مللع البعللثيين فللي ذلللك ‪ ،‬وحكللم مناصللرتهم‬
‫ومظاهرتهم على المسلمين في هذه الزمة ‪ ،‬وهللل يجللوز‬
‫لجيللوش المسلللمين المشللاركة فللي هللذه الحللرب بتقللديم‬
‫العون والدعم مهما كان لولئك المعتدين إلللى غيرهللا مللن‬
‫المسائل الواقعة والمتوقعة الحدوث خلل اليام القادمة ‪.‬‬
‫وقد أدى خروج بعض هذه الفتاوى في السللاحة السلللمية‬
‫إلى شيٍء مللن التبللاين والختلف فللي أحكامهللا ‪ ،‬والتنللافر‬
‫والتباعد بين أعلمهللا ‪ ،‬إضللافة للحيللرة والضللطراب الللتي‬
‫اعترت كثير من المسلمين من جللراء هللذا الختلف ‪ ،‬فللي‬
‫حين أننللا فللي أمللس الحاجللة فللي هللذه الزمللات للتقللارب‬
‫والئتلف و التعاون وجمع الكلمة على الحللق ‪ .‬ومللن أجللل‬
‫هذا المقصد العظيم أحببللت أن أشللارك إخللواني البللاحثين‬
‫وطلبللة العلللم الناصللحين بتوضلليح أهللم ضللوابط النظللر‬
‫والجتهاد في مثللل هللذه النللوازل ‪ ،‬وذكللر الململلح الهامللة‬
‫لجتهللادٍ أمثللل يسللتند علللى نصللوص الشللرع ويتوافللق مللع‬
‫مقاصده الكلية وقواعده العامة‪.‬‬
‫ومن أجل ذلك قسمت هذا البحث إلى ثلثة مطالب ‪:‬‬
‫المطلب الول ‪:‬مناهج الفتيا في النوازل المعاصرة ‪.‬‬
‫المطلب الثاني‪:‬الضوابط التي ينبغللي أن يراعيهللا المجتهللد‬
‫قبل الحكم في النازلة ‪.‬‬
‫المطلب الثالث‪:‬الضوابط التي ينبغي أن يراعيهللا المجتهللد‬
‫أثناء بحث النازلة ‪.‬‬
‫هذا والله أسلأل أن يجلد القلارئ فللي هللذا التأصلليل لفقله‬
‫النوازل ما ينتفع به طلبة العلللم والبللاحثين ويللرأب الصللدع‬
‫الذي حدث بين بعضهم من جّراء أحداث الزمللة الراهنللة ‪،‬‬
‫ول أزعم أخواني القللراء الحاطللة والستقصللاء وإنمللا هللي‬
‫‪41‬‬

‫محاولة متواضعة أفتح فيها المجللال لهللل العلللم والفضللل‬
‫لشباع هذا الجانب المهم مللن التأصلليل ورب حامللل فقلله‬
‫إلى من هو أفقه منه ‪ ،‬كما أود التنبيه أني قد استعنت في‬
‫بحثي هللذا بدراسللتي الموسللعة حللول هللذا الموضللوع فللي‬
‫رسالتي للدكتوراه والللتي كللانت بعنللوان ‪):‬منهللج اسللتنباط‬
‫الحكللام الفقهيللة للنللوازل المعاصللرة ‪ ،‬دراسللة تأصلليلية‬
‫تطبيقية( والتي سوف تنزل المكتبات قريبا ً إن شاء الله‪.‬‬
‫المطلب الول ‪:‬مناهج الفتيا في النوازل المعاصرة‬
‫برزت في العصر الحاضر مناهج فللي النظللر فيمللا اسللتجد‬
‫حدوثه من نوازل وواقعللات وبللرز لكللل منهللج منهللا علمللاء‬
‫ومفتون وجهات تبني اجتهادها في النوازل من خلل رؤيللة‬
‫هذه المناهج وطرقها في النظر ‪.‬‬
‫وهذه المناهج المعاصرة في الفتيا والجتهاد ليست وليللدة‬
‫هذا العصر بل هي امتداد لوجهات نظر قديمللة واجتهللادات‬
‫علماء وأئمة سلكوا هذه المناهج وأسسوا طرقها ‪.‬‬
‫فلن يكون مقصود بحثنللا تأريللخ هللذه المناهلج ورموزهلا إل‬
‫بقدر ما يوضح مناهج الفتوى والنظر فللي عصللرنا الحاضللر‬
‫إذ هللي الوعللاء لكللل مللا يج لد َ وينللزل بالنللاس مللن أحكللام‬
‫وواقعات معاصرة ‪.‬‬
‫ويمكن إجمال أبرز هذه المناهج المعاصرة في النظر فللي‬
‫أحكام النوازل إلى ثلثة مناهج‪ ،‬هي كالتالي‪- :‬‬
‫أول ً ‪ :‬منهج التضييق والتشديد ‪.‬‬
‫من المقرر شرعا ً أن هللذا الللدين ُبنللي علللى اليسللر ورفللع‬
‫الحرج وأدلة ذلك غير منحصرة ‪ ،‬فاستقراء أدلللة الشللريعة‬
‫ض بأن الله عز وجلل جعلل هلذا اللدين رحمللة للنللاس ‪،‬‬
‫قا ٍ‬
‫ويسرًا‪ ،‬والرسول صلى الله عليه وسلم أصل بعثته الرأفة‬
‫والرحمة بالناس ورفع الصار والغلل الللتي كللانت واقعللة‬
‫م‬
‫على من قبلنا من المم ‪ ،‬يقول الله تعللالى ‪]:‬ل ََق لد ْ َ‬
‫جللاءك ْ‬
‫لم َ‬
‫م‬
‫ن أنُف ِ‬
‫م َ‬
‫َر ُ‬
‫ص عَل َي ْك ُل ْ‬
‫مللا عَن ِت ّل ْ‬
‫زيلٌز عَل َي ْلهِ َ‬
‫سك ُ ْ‬
‫ريل ٌ‬
‫سو ٌ ِ ْ‬
‫ح ِ‬
‫م عَ ِ‬
‫م [)‪.(1‬‬
‫ف َر ِ‬
‫ن َرُءو ٌ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫حي ٌ‬
‫ِبال ْ ُ‬
‫مِني َ‬
‫َ‬
‫سل َْنا َ‬
‫ن [ )‪(2‬‬
‫م ً‬
‫ة ل ِل َْعال َ ِ‬
‫ك ِإل َر ْ‬
‫ما أْر َ‬
‫ح َ‬
‫ويقول عز وجل ‪] :‬وَ َ‬
‫مي َ‬
‫‪ ،‬ويقول عليه الصلة والسلم ‪ )) :‬إن الله لم يبعثني معنتا ً‬
‫ول متعنتا ً ولكن بعثني معلما ً ميسرا ً (()‪(3‬‬
‫‪42‬‬

‫ومن أبرز أوصافه عليه الصلة والسلللم ملا قلاله ربله عللز‬
‫ح ّ‬
‫م ال ْ َ‬
‫خب َللائ ِ َ‬
‫وجل ‪] :‬وَي ُ ِ‬
‫م الط ّي َّبا ِ‬
‫ضلعُ‬
‫ث وَي َ َ‬
‫ت وَي ُ َ‬
‫حّر ُ‬
‫م عَل َي ْهِل ْ‬
‫ل ل َهُ ْ‬
‫ل ال ِّتي َ‬
‫م َوال ْ‬
‫غل َ‬
‫م[)‪.(4‬‬
‫ت عَل َي ْهِ ْ‬
‫كان َ ْ‬
‫صَرهُ ْ‬
‫عَن ْهُ ْ‬
‫م إِ ْ‬
‫ولللذلك كللان عليلله الصلللة والسلللم يللترك بعللض الفعللال‬
‫والوامر ‪ ،‬خشيه أن يشق على أمته كما قال عليه الصلللة‬
‫والسلم‪ ):‬لول أن أشق على أمللتي لمرتهللم بالسللواك (()‬
‫‪(5‬‬
‫ونظائره من السنة كثير ولذلك كان عليه الصلة والسلللم‬
‫يأمر أصحابه بالتيسير أيضا ً على الناس وعدم حملهم على‬
‫الشدة والضيق ‪ ،‬فقد قللال لمعللاذ بللن جبللل وأبللي موسللى‬
‫الشعري ل رضلي اللله عنهملا لل لملا بعثهملا إللى اليملن ‪:‬‬
‫سرا وب ّ‬
‫شرا ول تنّفرا (()‪.(6‬‬
‫سرا ول تع ّ‬
‫)) ي ّ‬
‫إن منهج التضييق و التشدد من الغلو المذموم انتهاجه في‬
‫أمر الناس سواًء كان إفتاًء أو تعليما ً أو تربية أو غير ذلك ‪،‬‬
‫وقد يهون المر إذا كان في خاصة نفسه دون إلزام الناس‬
‫به ‪ ،‬ولكن المر يختلف عندما ُيتجاوز ذلك إلللى المللر بلله ‪،‬‬
‫واللزام به‪،‬ويمكن إبراز بعض ملمح هذا المنهللج فللي أمللر‬
‫الفتاء بما يلي ‪-:‬‬
‫أ‪-‬التعصب للمذهب أو للراء أو لفراد العلماء ‪:‬‬
‫تقوم حقيقة التعصب على اعتقاد المتعصب أنه قبض على‬
‫الحق النهائي – في المور الجتهاديللة – الللذي ل جللدال ول‬
‫ن‬
‫مللراء فيلله ‪،‬فيللؤدي إلللى انغل ٍ‬
‫ق فللي النظللر وحسللن ظ ل ٍ‬
‫بللالنفس وتشللنيع علللى المخللالف والمنللافس ‪ ،‬ممللا يولللد‬
‫منهجللا ً متشللددا ً يّتبعلله الفقيلله أو المفللتي بللإلزام النللاس‬
‫بمذهبه في النظر وحرمة غيره من الراء و المذاهب؛ مما‬
‫يوقعه وإياهم في الضيق والعنت بالنغلق على هذا القول‬
‫أو ذاك المللللذهب دون غيللللره مللللن الراء و المللللذاهب‬
‫الراجحة ‪.‬‬
‫يقول المام أحمد ل رحمه الله ل ‪ )) :‬من أفتى الناس ليس‬
‫ينبغي أن يحمل الناس على مذهبه ويشدد عليهم(()‪.(7‬‬
‫مع العلم بأن مذهب جمهور العلماء عللدم إيجللاب اللللتزام‬
‫بمذهب معين في كل ما يذهب إليه من قول ‪.‬‬
‫يقول شيخ السلم ابن تيمية ل رحمه الله ل ‪-:‬‬
‫‪43‬‬

‫)) وإذا نزلت بالمسلم نازلة يستفتي من اعتقللد أنلله يفللتيه‬
‫بشرع الله ورسوله ملن أي ملذهب كلان ‪ ،‬ول يجلب عللى‬
‫أحد من المسلمين تقليد شخص بعينه من العلماء في كللل‬
‫ما يقول ‪ ،‬ول يجب على أحد من المسلمين التزام مللذهب‬
‫شخص معين غير الرسول صلى الله عليه وسلم فللي كللل‬
‫ما يوجبه ويخبر به ‪ ،‬بل كل أحد من الناس يؤخذ من قللوله‬
‫ويللترك إل رسللول اللله صلللى الللله عليلله وسلللم (()‪.(8‬ول‬
‫يختلف الحال والثر إذا كان التعصب لراء وأقللوال طائفللة‬
‫أو إمللام معيللن ل ُيخ لَرج عللن اجتهللادهم وافقللوا الحللق أو‬
‫خالفوه ‪.‬‬
‫والناظر في أحوال الناس المعاصرة وما أصابها مللن تغي ّللر‬
‫وتطور لم يسبق له مجتمع من قبل مع ما فيه من تشللابك‬
‫وتعقيد ‪ ،‬يتأكد لللديه أهميللة معللاودة النظللر فللي كللثير مللن‬
‫المسائل الفقهيللة الللتي بنيللت علللى التعليللل بالمناسللبة أو‬
‫قامت علللى دليللل المصلللحة أو العللرف السللائد ؛ كنللوازل‬
‫المعاملت المعاصرة من أنواع البيوع والسلم والضللمانات‬
‫والحوالت وغيرها ‪ ،‬أو كنللوازل الزمللات والحللروب كللالتي‬
‫تمر بالمة هذه الوقات ‪،‬وقد يكون التمسك بنصوص بعض‬
‫ص صللريح أو إجمللاع‬
‫الفقهاء وشروطهم التي ليس فيهللا ن ل ٌ‬
‫من التضييق والتشدد الذي ينافي يسر وسماحة السلللم ‪،‬‬
‫وخصوصا ً إن احتاج الناس لمثل هذه القضايا أو المعاملت‬
‫التي قد تدخل في كثير من الحيان في بللاب الضللرورة أو‬
‫الحاجة الملحة ‪.‬‬
‫ومن ذلك ما نراه في مجتمعنا المعاصر من شللدة الحاجللة‬
‫لمعرفة بعض أحكام المعاملت المعاصرة التي تنزل بحياة‬
‫الناس ‪ ،‬ولهللم فيهللا حاجللة ماسللة ‪ ،‬أو مرتبطللة بمعاشللهم‬
‫الخاص من غير انفكلاك ‪ ،‬والصلل الشلرعي فيهلا الحلل ‪،‬‬
‫وقد يطرأ على تلك المعاملت مللا يخل ّ‬
‫ل بعقودهللا ممللا قللد‬
‫يقربها نحو المنع والتحريللم ‪ ،‬فيعمللد الفقيلله لتغليللب جهللة‬
‫الحرمة والمنع في أمثللال تللك العقللود الللتي تشلعبت فللي‬
‫حياة الناس ‪ ،‬مع أن الصل فللي العقللود الجللواز والصللحة)‬
‫‪ ،(9‬والصل في المنافع الباحة )‪.(10‬‬

‫‪44‬‬

‫فيصبح حلال أولئك النلاس إملا بحثلا ً علن القلوال الشلاذة‬
‫والمرجوحة فيقلدونها ولن يعللدموها ‪ ،‬وإمللا ينبللذون التقيللد‬
‫بالحكام الشرعية فللي معللاملتهم وهللي الطامللة الكللبرى‪،‬‬
‫سللع الفقهللاء علللى النللاس فللي أمثللال تلللك العقللود‬
‫ولللو و ّ‬
‫وضللبطوا لهللم صللور الجللواز واسللتثنوا منهللا صللور المنللع‬
‫ووضعوا لهم البدائل الشرعية خيرا ً من أن يحملللوا النللاس‬
‫على هذا المركب الخشن من المنع العام والتحريللم التللام‬
‫لكل تلك العقود النازلة ‪(11).‬‬
‫ومللن المثلللة فللي هللذا المجللال أيضلا ً مللا يقللع فللي الونللة‬
‫الخيرة أيام الحللج مللن تزايللد مطللرد لعللداد الحجللاج ومللا‬
‫ينجم عنه من تزاحم عنيف ومضايقة شديدة أدت إلى تغير‬
‫اجتهاد كثير من العلماء المفتين في كللثير مللن المسللائل ‪،‬‬
‫ومخالفة المشهور من المذاهب تخفيفلا ً علللى النللاس مللن‬
‫الضيق والحرج ‪ ،‬وكم سيحصل للناس من شدة وكرب لللو‬
‫تمسللك أولئك العلمللاء بللأقوال أئمتهللم أو أفتللوا بهللا دون‬
‫اعتبلللار لتغيلللر الحلللوال والظلللروف واختلف الزمنلللة‬
‫والمجتمعات ‪.‬‬
‫فرمي الجمار في أيام التشللريق يبللدأ مللن زوال الشللمس‬
‫حتى الغروب ‪ ،‬وعلى رأي الجمهللور ل يجللزئ الرمللي بعللد‬
‫المغرب ‪(12).‬‬
‫ومع ذلك اختار كثير ملن المحققيلن وجهلات الفتلاء جلواز‬
‫الرمللي ليل ً مراعللاة للسللعة والتيسللير علللى الحجللاج مللن‬
‫دة والزحام ‪(13).‬‬
‫الش ّ‬
‫ولعل الداعي يتأكد لمعاودة النظر فللي حكللم الرمللي قبللل‬
‫الللزوال وخصوص لا ً للمتعجللل فللي اليللوم الثللاني مللن أيللام‬
‫التشريق ؛ لما ترتب على الرمي بعد الزوال في السنوات‬
‫الماضية من ضلليق وحللرج شللديد ‪ ،‬ول يخفللى أن القاعللدة‬
‫في أعمال الحج كما أنها قائمة على اتباع سنة النبي صلى‬
‫الله عليه وسلم قائمة أيضا ً علللى رفللع الحللرج والتيسللير ‪.‬‬
‫وقد أفتى بالجواز بعض الئمللة مللن التللابعين وهللو مللذهب‬
‫الحناف )‪.(14‬‬
‫ب ‪ -‬التمسك بظاهر النصوص فقط ‪.‬‬

‫‪45‬‬

‫إن تعظيم النصوص وتقديمها أصل ديني ومطلللب شللرعي‬
‫ل يصح للمجتهد نظر إذا لم يأخللذ بالنصللوص ويعمللل بهللا ‪،‬‬
‫ولكن النحراف يحصل بالتمسك بظللواهر النصللوص فقللط‬
‫دون فقهها ومعرفة مقصد الشرع منهللا ‪.‬وممللا يللدل علللى‬
‫وجود هذا التجاه ما ذكره د ‪ .‬صالح المزيللد بقللوله‪ )):‬وقللد‬
‫ظهر في عصرنا من يقول ‪ :‬يكفللي الشللخص لكللي يجتهللد‬
‫فللي أمللور الشللرع يقتنللي مصللحفا ً مللع سللنن أبللي داود‪،‬‬
‫وقاموس لغوي (()‪.(15‬‬
‫وهذا النوع من المتطفلين لم يشموا رائحة الفقه فضل ً أن‬
‫يجتهللدوا فيلله ‪ ،‬وقللد سللماهم د ‪ .‬القرضللاوي ) بالظاهريللة‬
‫الجدد ( ل مع فارق التشبيه في نظري ل حيث قال عنهللم ‪:‬‬
‫))المدرسلللة النصلللية الحرفيلللة ‪ ،‬وهلللم اللللذين أسلللميهم‬
‫)الظاهرية الجدد( وجلهللم ممللن اشللتغلوا بالحللديث ‪ ،‬ولللم‬
‫يتمرسوا الفقه وأصوله ‪ ،‬ولم يطلعوا على اختلف الفقهاء‬
‫ومللداركهم فللي السللتنباط ول يكللادون يهتمللون بمقاصللد‬
‫الشريعة وتعليل الحكام بتغير الزمان والمكان والحللال(()‬
‫‪.(16‬‬
‫وهؤلء أقرب شيء إلللى ألسللنتهم وأقلمهللم إطلق كلمللة‬
‫التحريم دون مراعللاة لخطللورة هللذه الكلمللة ودون تقللديم‬
‫الدلة الشافية من نصوص الشرع وقواعده سندا ً للتحريللم‬
‫وحمل ً للناس على أشد مجاري التكليف ‪ ،‬والللله عللز وجللل‬
‫ف‬
‫ص ُ‬
‫ما ت َ ِ‬
‫قد حذر من ذلك حيث قال سبحانه ‪َ] :‬ول ت َُقوُلوا ل ِ َ‬
‫َ‬
‫حل ٌ‬
‫ل وَهَل َ‬
‫ب هَ َ‬
‫ه‬
‫م ل ِت َْفت َلُروا عَل َللى الل ّل ِ‬
‫أل ْ ِ‬
‫ذا َ‬
‫ذا َ‬
‫م ال ْك َذِ َ‬
‫حلَرا ٌ‬
‫سن َت ُك ُ ْ‬
‫ن [)‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫حللو َ‬
‫ب ل ي ُْفل ِ ُ‬
‫ن عَل َللى الل ّلهِ ال ْك َلذِ َ‬
‫ن ي َْفت َُرو َ‬
‫ب إِ ّ‬
‫ال ْك َذِ َ‬
‫ذي َ‬
‫‪.(17‬‬
‫فكم من المعاملت المباحة حرمت وكثير من أبواب العلم‬
‫والمعرفة ُأوصدت وُأخرج أقللوام مللن المل ّللة زاعميللن فللي‬
‫ذلك كله مخالفة القطعي من النصوص والثابت من ظللاهر‬
‫الدلة ؛ وليس المر كذلك عند العلماء الراسخين ‪.‬‬
‫يقول المام ابن القيم ل رحمه الله ل ‪ )) :‬ل يجللوز للمفللتي‬
‫أن يشهد علللى الللله ورسللوله بللأنه أحللل كللذا أو حرملله أو‬
‫أوجبه أو كرهه إل لما يعلم أن المر فيلله كللذلك ممللا نللص‬
‫اللللله ورسلللوله عللللى إبلللاحته أوتحريمللله أو إيجلللابه أو‬
‫‪46‬‬

‫كراهيته ‪..‬قال غير واحللد مللن السلللف ‪ :‬ليحللذر أحللدكم أن‬
‫يقول ‪ :‬أحل الله كذا أو حّرم كذا ‪ ،‬فيقللول الللله للله كللذبت‬
‫لم أحل كذا ‪ ،‬ولم أحرمه (()‪.(18‬‬
‫وهذا التحذير مللن إصللدار أحكللام الللله تعللالى قاطعللة فللي‬
‫النوازل والواقعات من دون علم راسخ ل شك أنلله يفضللي‬
‫إلللى إعنللات النللاس والتشللديد عليهللم بمللا ينللافي سللماحة‬
‫الشريعة ورحمتها بالخلق ‪.‬‬
‫وقللد وقللع فللي العصللور الخيللرة مللن كّفللر المجتمعللات‬
‫والحكومات حتى جعلوا فعل المعاصي سللببا ً للخللروج عللن‬
‫السلم ‪ ،‬ومللن أولئك القللوم ؛ مللا قللاله مللاهر بكللري أحللد‬
‫أعضاء التكفير والهجرة ‪ )) :‬إن كلمة عاصي هي اسم من‬
‫أسماء الكافر وتساوي كلمة كافر تماما ً ‪ ،‬ومرجع ذلك إلى‬
‫قضية السماء ‪ ،‬إنه ليس في ديللن الللله أن يسللمى المللرء‬
‫ن واحد مسلما ً وكافرا ً )‪!!(19‬؟‬
‫في آ ٍ‬
‫وكما حدث من بعض طلبة العلم في الزمللة الخيللرة فللي‬
‫العراق من التكفير والخللراج مللن الملللة لكللل مللن ظللاهر‬
‫الكفار فقط ؛دون التفريق بيللن التللولي و المللوالة أو دون‬
‫النظر في حال المعين وما قد يشوبه من إكللراه أو تأويللل‬
‫أو غير ذلك‬
‫إن هذا المنهج القائم علللى النظللر الظللاهر للنصللوص دون‬
‫معرفة دللتها أعنت المة وأوقللع المسلللمين فللي الشللدة‬
‫والحرج ولعله امتللداد للخللوارج فللي تشللديدهم وتضللييقهم‬
‫على أنفسللهم والنللاس ‪ ،‬أو الظاهريللة فللي شللذوذهم نحللو‬
‫بعض الفهام الغريبة والراء العجيبة ‪.‬‬
‫ج ل الغلو في سد الللذرائع والمبالغللة فللي الخللذ بالحتيللاط‬
‫عند كل خلف ‪.‬‬
‫دلت النصوص الكثيرة على اعتبار سد الللذرائع والخللذ بلله‬
‫حماية لمقاصد الشريعة وتوثيقا ً للصل العام الللذي قللامت‬
‫عليه الشريعة من جلب المصالح ودرء المفاسد ‪ .‬ولللله در‬
‫ابن القيم ل رحمه الله ل إذ يقول ‪-:‬‬
‫)) فإذا حّرم الرب تعالى شيئا ً وله طللرق ووسللائل تفضللي‬
‫إليه ‪ ،‬فإنه يحرمها ويمنللع منهللا‪ ،‬تحقيقلا ً لتحريملله ‪ ،‬وتثبيتلا ً‬
‫له ‪ ،‬ومنعا ً من أن يقرب حماه ولو أباح الوسللائل والللذرائع‬
‫‪47‬‬

‫المفضية إليه لكلان ذللك نقصلا ً للتحريلم وإغلراًء للنفلوس‬
‫به (()‪.(20‬‬
‫ويحدث الشكال في اعتبار قاعدة سد الذرائع عندما تؤول‬
‫المبالغة في الخذ بها إلى تعطيللل مصللالح راجحللة مقابللل‬
‫مصلحة أو مفسدة متوهمة يظنهللا الفقيلله ؛ فيغلللق البللاب‬
‫إساءةً للشللرع مللن حيللث ل يشللعر كمللن ذهللب إلللى منللع‬
‫زراعة العنب خشية اتخاذه خمرًا‪،‬والمنع من المجاورة في‬
‫البيوت خشية الزنللا ‪ ،‬فهلذه المثللة وغيرهللا اتفقلت المللة‬
‫على عدم سللده‪،‬لن مصلللحته راجحللة فل تللترك لمفسللدة‬
‫مرجوحة متوهمة‪(21).‬وقد يحصل لبعللض متفقهللة العصللر‬
‫الحاضر المبالغة في رفللض القتبللاس مللن المللم الخللرى‬
‫فيما توصلت إليه من أنظمة وعلوم ومعارف ومخترعات ؛‬
‫معتبرين ذلك من الحداث في الدين والمخالفة لهدي سيد‬
‫المرسلين )‪.(22‬‬
‫والنللاظر فللي كللثير مللن النللوازل المعاصللرة فللي مجللال‬
‫القتصاد والطب يرى أنهللا فللي غالبهللا قادمللة مللن الللدول‬
‫الكللافرة وأن تعميللم الحكللم بللالرفض بنللاًء علللى مصللدره‬
‫ومنشأه تحجر وتضللييق ‪ .‬ول تللزال تللرد علللى النللاس مللن‬
‫المستجدات والوقائع بحكللم اتصلالهم بلالمم الخللرى مللن‬
‫العللادات والنظللم مللا لللو أغل َللق المفللتي فيلله علللى النللاس‬
‫دد مللن غيللر دليللل وحجللة ؛ لنفللض النللاس مللن‬
‫الحكم وش ّ‬
‫حول الدين وغرقوا فيها من غيللر حاجللة للسللؤال ‪ ،‬ولللذلك‬
‫كان من المهم سد الذرائع المفضللية إلللى مفاسللد راجحللة‬
‫وإن كانت ذريعة في نفسها مباحة كما ينبغي فتح‬
‫الذرائع إذا كلانت تفضللي إلللى طاعلات وقربللات مصللحتها‬
‫راجحة )‪.(23‬‬
‫ومللن ململلح منهللج التضللييق والتشللدد فللي الفتللوى فللي‬
‫النوازل‪:‬‬
‫الخذ بالحتياط عند كل مسألة خلفية ينهللج فيهللا المفللتي‬
‫نحو التحريم أو الوجوب سد ّا ً لذريعة التساهل فللي العمللل‬
‫بالحكام أو منعا ً من الوقوع في أمرٍ فيه نوع شبهة يخشى‬
‫أن يقع المكلف فيها ‪ ،‬فيجري هذا الحكم عاما ً شامل ً لكللل‬
‫أنواع الناس والحوال والظروف ‪.‬‬
‫‪48‬‬

‫فمن ذلك منع عمل المرأة ولو بضوابطه الشرعية ووجللود‬
‫الحاجة إليه )‪.(24‬‬
‫وكذلك تحريم كافة أنواع التصوير الفوتغرافي والتلفزيوني‬
‫مع شدة الحاجة إليه في أوقاتنا المعاصرة )‪(25‬إلى غيرها‬
‫من المسائل التي أثبت جمهور العلماء جوازهللا بالضللوابط‬
‫والشروط الصالحة لذلك ‪.‬‬
‫ويجب التنبيه ل في هذا المقام ل على أن العمل بالحتيللاط‬
‫سائغ فللي حللق النسللان فللي نفسلله لمللا فيلله مللن الللورع‬
‫واطمئنان القلب ‪ ،‬أما إلزام العامة به واعتباره منهجا ً فللي‬
‫الفتوى فإن ذلك مما يفضي إلى وضع الحرج عليهم)‪.(26‬‬
‫وقاعللدة ‪ :‬اسللتحباب الخللروج مللن الخلف )‪(27‬؛ ليسللت‬
‫على إطلقها بل اشترط العلماء في استحباب العمللل بهللا‬
‫شروطا ً هي كالتالي ‪-:‬‬
‫أ ل أن ل يؤدي الخروج من الخلف إلى الوقوع في محذور‬
‫شللرعي مللن تللرك سللنة ثابتللة أو اقتحللام مكللروه أو تللرك‬
‫للعمل بقاعدة مقررة ‪.‬‬
‫ب للل أن ل يكللون دليللل المخللالف معلللوم الضللعف فهللذا‬
‫الخلف ل يلتفت إليه ‪.‬‬
‫ج ل أن ل يؤدي الخروج من الخلف إلى الوقوع فلي خلف‬
‫آخر ‪.‬‬
‫د ل أن ل يكون العامل بالقاعدة مجتهدا ً ؛ فإن كان مجتهدا ً‬
‫لم يجز له الحتياط في المسللائل الللتي يسللتطيع الجتهللاد‬
‫فيها‬
‫بل ينبغي عليه أن يفتي الناس بما ترجح عنللده مللن الدلللة‬
‫والبراهين )‪.(28‬‬
‫يقول د ‪ .‬الباحسين في بيان بعللض آثللار العمللل بالحتيللاط‬
‫في كل خلف حصل‪:‬‬
‫))ووجه الشبه في معارضة هذه القاعدة لرفع الحرج ‪ ،‬هو‬
‫أنه إذا كان وجللوب الحتيللاط يعنللي وجللوب التيللان بجميللع‬
‫محتملت التكليف ‪ ،‬أو اجتنابها عند الشللك بهللا ‪ ،‬فللإن فللي‬
‫ذلك تكثيرا ً للفعال التي سيأتي بها المكلف أو سلليجتنبها ‪،‬‬
‫وفللي هللذه الزيللادة فللي الفعللال مللا ل يتلءم مللع إرادة‬
‫التخفيف والتيسير ورفع الحرج ‪ ،‬بل قللال بعللض العلمللاء ‪:‬‬
‫‪49‬‬

‫إنه لو بنى المكلف يوما ً واحدا ً على اللتزام بالحتياط فللي‬
‫جميع أموره مما خرج من موارد الدلة القطعية لوجد مللن‬
‫نفسه حرجا ً عظيما ً ‪ ،‬فكيف لللو بنللى ذلللك جميللع أوقللاته ‪،‬‬
‫وأمر عامة المكلفين حتى النسللاء وأهللل القللرى والبللوادي‬
‫فإن ذلك مما يؤدي إلى حصول الخلللل فللي نظللام أحللوال‬
‫العباد ‪ ،‬والضرار بأمور المعايش(()‪. (30‬‬
‫ثانيا ً ‪ :‬منهج المبالغة في التساهل والتيسير‬
‫ظهر ضللمن مناهللج النظللر فللي النللوازل المعاصللرة منهللج‬
‫المبالغللة والغلللو فللي التسللاهل والتيسللير ‪ ،‬وتعتللبر هللذه‬
‫المدرسللة فللي النظللر والفتللوى ذات انتشللار واسللع علللى‬
‫المستوى الفردي والمؤسسي خصوصا ً أن طبيعللة عصللرنا‬
‫الحاضر قد طغت فيه المادية على الروحية ‪ ،‬والنانية على‬
‫الغيرية ‪ ،‬والنفعيللة علللى الخلق ‪ ،‬وكللثرت فيلله المغويللات‬
‫بالشر والعللوائق عللن الخيللر ‪ ،‬وأصللبح القللابض علللى دينلله‬
‫كالقابض على الجمر حيث تلواجهه التيللارات الكلافرة عللن‬
‫ن‬
‫يمين وشمال تحاول إبعاده عن دينه وعقيدته ول يجللد َ‬
‫مل ْ‬
‫يعينه بل ربما يجد من يعوقه ‪.‬‬
‫وأمام هذا الواقع دعا الكثير من الفقهللاء إلللى التيسللير مللا‬
‫اسللتطاعوا فللي الفتللوى والخللذ بللالترخص فللي إجابللة‬
‫المستفتين ترغيبا ً لهم وتثبيتا ً لهللم علللى الطريللق القللويم)‬
‫‪.(31‬‬
‫ولشك أن هذه دعوى مباركة قائمة علللى مقصللد شللرعي‬
‫عظيم من مقاصد الشريعة العليا وهو رفللع الحللرج وجلللب‬
‫النفع للمسلم ودرء الضرر عنه في الدارين ؛ ولكن الواقللع‬
‫المعاصللر لصللحاب هللذا التللوجه يشللهد أن هنللاك بعللض‬
‫التجاوزات في اعتبار التيسير والخذ بالترخص وربمللا وقللع‬
‫أحدهم في رد بعض النصوص وتأويلها بما ل تحتمللل وجه لا ً‬
‫في اللغة أو في الشرع ‪.‬‬
‫وغ التضللحية‬
‫وضغط الواقع ونفرة الناس عن الللدين ل يس ل ّ‬
‫بالثوابت والمسلمات أوالتنللازل عللن الصللول والقطعيللات‬
‫مهمللا بلغللت المجتمعللات مللن تغيللر وتطللور فللإن نصللوص‬
‫الشرع جاءت صالحة للناس في كل زمان ومكان ‪.‬‬

‫‪50‬‬

‫يقول الشيخ محمد الطاهر بن عاشور ل رحمه الللله ل ل فللي‬
‫ذلك ‪ )) :‬فعموم الشريعة لسائر البشر في سللائر العصللور‬
‫مما أجمع عليلله المسللمون ‪ ،‬وقللد أجمعلوا علللى أنهللا ملع‬
‫عمومها صالحة للناس فللي كللل زملان ومكلان ولللم يلبينوا‬
‫كيفيللة هللذه الصلللوحية ؛ وهللي عنللدي تحتمللل أن تتصللور‬
‫بكيفيتين ‪:‬‬
‫الكيفية الولى ‪ :‬أن هذه الشريعة قابلللة بأصللولها وكلياتهللا‬
‫للنطبللاق علللى مختلللف الحللوال بحيللث تسللاير أحكامهللا‬
‫مختلف الحوال دون حرج ول مشقة ول عسر …‬
‫الكيفية الثانية ‪ :‬أن يكون مختلللف أحللوال العصللور والمللم‬
‫قللابل ً للتشللكيل علللى نحللو أحكللام السلللم دون حللرج ول‬
‫مشقة ول عسر كمللا أمكللن تغييللر السلللم لبعللض أحللوال‬
‫العرب والفرس والقبللط والللبربر والللروم والتتللار والهنللود‬
‫والصين والترك مللن غيللر أن يجللدوا حرجلا ً ول عسللرا ً فللي‬
‫القلع عما نزعوه من قديم أحوالهم الباطلة(()‪.(32‬‬
‫فمللن الخطللأ والخطللر تللبرير الواقللع والمبالغللة فللي فقلله‬
‫ل والعمللل بللأي اجتهللادٍ دون اعتبللار‬
‫التيسير بالخذ بأي قللو ٍ‬
‫مّهما ً في النظر والجتهاد ‪.‬‬
‫الحجة والدليل مقصدا ً ُ‬
‫ولعل من الدوافع لهذا التجاه الجتهادي ؛أن أصحاب هللذه‬
‫المدرسللة يريللدون إضللفاء الشللرعية علللى هللذا الواقللع ‪،‬‬
‫بالتماس تخريجات وتأويلت شرعية‪ ،‬تعطيه سندا ً للبقللاء ‪.‬‬
‫وقد يكون مهمتهم تبرير‪ ،‬أو تمرير ما يراد إخراجلله للنللاس‬
‫من قوانين أو قرارات أو إجراءات تريدها السلطة ‪.‬‬
‫ومن هؤلء من يفعل ذلك مخلص لا ً مقتنع لا ً ل يبتغللي زلفللى‬
‫إلى أحد ‪ ،‬ول مكافأة مللن ذي سلللطان ولكنلله واقللع تحللت‬
‫تللأثير الهزيمللة النفسللية أمللام حضللارة الغللرب وفلسللفاته‬
‫ومسلماته ‪.‬‬
‫ومنهم مللن يفعللل ذلللك ‪ ،‬رغبللة فللي دنيللا يملكهللا أصللحاب‬
‫مللن وراءهللم مللن الللذين يحركللون الزرار مللن‬
‫السلطة أو َ‬
‫وراء الستار ‪ ،‬أو حبا ً للظهور والشهرة على طريقة ‪:‬‬
‫خالف تعرف ‪ ،‬إلى غير ذلك من عوامل الرغب والرهب أو‬
‫الخوف والطمع التي تحرك كثيرا ً من البشللر ‪ ،‬وإن حملللوا‬
‫ألقاب أهل العلم وألبسوا لبوس أهل الدين ‪.‬‬
‫‪51‬‬

‫ول يخفى على أحد ما لهذا التيار الجتهادي من آثللار سلليئة‬
‫على الدين وحتى على تلك المجتمعات التي هم فيها‪،‬فهللم‬
‫قد أزالوا من خلل بعض الفتاوى الفوارق بين المجتمعللات‬
‫المسلللمة والكللافرة بحجللة مراعللاة التغيللر فللي الحللوال‬
‫والظروف عما كانت عليه في القرون الولى)‪.(33‬‬
‫ويمكن أن نبرز أهم ملمح هذا التجاه فيما يلي ‪-:‬‬
‫ا ‪ -‬الفراط بالعمل بالمصلحة ولو عارضت النصوص ‪:‬‬
‫إن المصلحة المعتبرة شرعا ً ليست بذاتها دليل ً مستقل ً بل‬
‫هي مجموع جزئيات الدلة التفصيلية مللن القللرآن والسللنة‬
‫التي تقوم على حفظ الكليات الخمس فيسللتحيل عقل ً أن‬
‫تخللالف المصلللحة مللدلولها أو تعارضلله وقللد ُأثبتللت حجيللة‬
‫المصلحة عن طريق النصللوص الجزئيللة فيكللون ذلللك مللن‬
‫قبيل معارضة المللدلول لللدليله إذا جللاء بمللا يخللالفه وهللذا‬
‫باطل )‪.(34‬‬
‫فالمصلحة عند العلماء ما كانت ملئمة لمقاصللد الشللريعة‬
‫ل تعارض نصا ً أو إجماعا ً مع تحققها يقينيا ً أو غالبلا ً وعمللوم‬
‫نفعها في الواقع ‪ ،‬أما لو خالفت ذلللك فل اعتبللار بهللا عنللد‬
‫كي‬
‫ح ِ‬
‫عامة الفقهاء والصوليين إل ما ُ‬
‫عن المام الطوفي ل رحمه الله ل أنه نادى بضرورة تقللديم‬
‫دليلللل المصللللحة مطلقلللا ً عللللى النلللص والجملللاع عنلللد‬
‫معارضتهما له‪(35).‬‬
‫وواقع الفتاء المعاصر جنللح فيلله بعللض الفقهللاء والمفللتين‬
‫إلى المبالغللة فللي العمللل بالمصلللحة ولللو خللالفت الللدليل‬
‫المعتبر ومن ذلك ما قللاله بعللض المعاصللرين ممللن ذهبللوا‬
‫إلللى جللواز تللولي المللرأة للمناصللب العاليللة ‪ )) :‬إن النللبي‬
‫صلى الله عليه وسلم قللرأ علللى النللاس فللي مكللة سللورة‬
‫النمل وقص عليهم في هذه السورة قصة ملكة سبأ الللتي‬
‫قللادت قومهللا إلللى الفلح والمللان بحكمتهللا وذكائهللا ‪،‬‬
‫ويستحيل أن يرسل حكما ً في حديث يناقض ما نللزل عليله‬
‫من وحي …ل إلى أن قال لل هللل خللاب قللوم ولللوا أمرهللم‬
‫امرأة من هذا الصنف النفيس (()‪. (36‬‬

‫‪52‬‬

‫ول شك في معارضة هذا الكلم لما ورد عللن النللبي صلللى‬
‫الله عليه وسلم بقوله ‪ )) :‬لن يفلح قوم وّلوا أمرهم امرأة‬
‫(()‪.(37‬‬
‫ومللن ذلللك أيضللا ً مللا أفللتى بلله فضلليلة المفللتي السللابق‬
‫بجمهورية مصر العربية على جواز الفللوائد المصللرفية مللع‬
‫معلومية الربا فيها ‪ ،‬ومخالفته للنصوص والجماع المحللرم‬
‫للربا قليله وكثيره )‪.(38‬‬
‫وظهر في الونة الخيرة بعللض الفتللاوى الللتي أبللاحت بيللع‬
‫الخمر من أجل مصلحة‬
‫البلد في استقطاب السياحة ‪ ،‬وإباحة الفطار في رمضان‬
‫من أجل أل تتعطللل مصلللحة العمللال فللي البلد ‪ ،‬وإباحللة‬
‫التعامل بالربا من أجل تنشيط الحركة التجاريللة والنهللوض‬
‫بها ‪ ،‬والجمع بين الجنسين فللي مرافلق المجتمللع لملا فللي‬
‫ف للميلللل الجنسلللي‬
‫ب للخلق وتخفيللل ٍ‬
‫ذللللك ملللن تهلللذي ٍ‬
‫بينهما !! ؟)‪. (39‬‬
‫وبعضها جوزت التسوية بين البناء والبنللات فللي الميللراث)‬
‫‪ ، (40‬بللل وبعضللها جللوزت أن تمثللل المللرأة وتظهللر فللي‬
‫العلم بحجللة التكييللف مللع تطللورات العصللر بفقلله جديللد‬
‫وفهم جديد)‪.(41‬‬
‫وكللل هللذه وغيرهللا خرجللت بللدعوى العمللل بالمصلللحة‬
‫ومواكب الشريعة لمستجدات الحياة ‪.‬‬
‫ب – تتبع الرخص والتلفيق بين المذاهب ‪:‬‬
‫الرخللص الشللرعية الثابتللة بللالقرآن والسللنة ل بللأس فللي‬
‫العمل بها لقول النبي صلى الله عليلله وسلللم ‪ )) :‬إن الللله‬
‫يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه (()‪.(42‬‬
‫أما تتبع رخص المللذاهب الجتهاديللة والجللري وراءهللا دون‬
‫حاجةٍ يضطر إليها المفتي ‪ ،‬والتنقل ملن ملذهب إللى آخلر‬
‫والخذ بللأقوال عللددٍ مللن الئمللة فللي مسللألة واحللدة بغيللة‬
‫الترخص ‪ ،‬فهذا المنهللج قللد كرهلله العلمللاء وحل ّ‬
‫ذروا منلله ‪،‬‬
‫وإمامهم في ذلك النبي صلى الله عليه وسلم لما قال ‪)) :‬‬
‫إني أخاف عليكم ثلثا ً وهي كائنللات ‪ :‬زلللة عللالم ‪ ،‬وجللدال‬
‫منافق بالقرآن ‪ ،‬ودنيا تفتح عليكم (()‪. (43‬‬

‫‪53‬‬

‫فزلة العاِلم مخوفة بالخطر لترتب زلل العاَلم عليها فمللن‬
‫تتبع زلل العلماء اجتمع فيه الشر كله ‪.‬‬
‫وقد حكى بعض المعاصرين خلفا ً بين العلمللاء فللي تجللويز‬
‫الخذ برخص العلماء لمن كان مفتيا ً أو ناظرا ً في النللوازل‬
‫)‪.(44‬‬
‫ولعل حكاية الخلف ليست صللحيحة علللى إطلقهللا وذلللك‬
‫للسباب التالية ‪-:‬‬
‫‪ -1‬أن الخلف الذي ذكروه في جواز تتبللع الرخللص أخللذوه‬
‫بناًء على الخلف في مسألة الجواز للعامي أن يتخيللر فللي‬
‫تقليده من شاء ممن بلغ درجة الجتهاد ‪ ،‬وأنه ل فرق بيللن‬
‫مفضول وأفضل ‪ ،‬ومع ذلك فللإنهم وإن اختلفللوا فللي هللذه‬
‫المسألة إل أنهم اتفقوا على أنه إن بللان لهللم الرجللح مللن‬
‫المجتهدين فيلزمهم تقليده ول يجللوز لهللم أن يتتبعللوا فللي‬
‫ذلك رخص العلماء وزللهم والعمل بها دون حاجه أو ضابط‬
‫)‪.(45‬‬
‫ف للعلماء في مسألة تخريجلا ً علللى‬
‫فل يصح أن ُيحكى خل ٌ‬
‫مسألة أخرى تخالفها فللي المعنللى والمضللمون ‪ ،‬ول تلزم‬
‫بينهللا وذلللك أن الخلف فللي حللق العللامي ‪ ،‬أمللا المجتهللد‬
‫المفتي فل يجوز له أن يفللتي إل بمللا توصللل إليلله اجتهللاده‬
‫ونظره )‪.(46‬‬
‫وز الللترخص فللي الخللذ بللأقوال أي‬
‫‪ -2‬أن بعض العلماء ج ل ّ‬
‫العلماء شاء وهذا إنما هو في حق العللوام ل ل كمللا ذكرنللا ل ل‬
‫كذلك أن يكون في حالت الضطرار وأن ل يكللون غرضلله‬
‫الهوى والشهوة ‪ ،‬يقول المام الزركشي ل رحمه الله ل في‬
‫ذلللك ‪ )) :‬وفللي فتللاوى النللووي الجللزم بللأنه ل يجللوز تتبللع‬
‫الرخص ‪ ،‬وقال في فتاٍوله أخللرى ؛ وقللد سللئل عللن مقلللد‬
‫ملذهب ‪ :‬هلل يجلوز لله أن يقللد غيلر ملذهبه فلي رخصلة‬
‫لضرورة ونحوها ؟ ‪ ،‬أجاب ‪ :‬يجوز له أن يعمل بفتللوى مللن‬
‫يصلح للفتاء إذا سأله اتفاق لا ً مللن غيللر تلّقللط الرخللص ول‬
‫تعمد سؤال مللن يعلللم أن مللذهبه الللترخيص فللي ذلللك (()‬
‫‪.(47‬‬
‫فالعلمللاء ل يجللوزون تتبللع الرخللص إل فللي حللالت خاصللة‬
‫يبّررها حاجة وحال السائل لذلك ل أن يكون منهجا ً للفتللاء‬
‫‪54‬‬

‫يتبعلله المفللتي مللع كللل سللائل أوفللي كللل نازلللة بللالهوى‬
‫والتشهي )‪.(48‬‬
‫‪– 3‬أن هناك من العلماء من حكى الجماع على حرمة تتبع‬
‫الرخص حتى لو كان عاميا ً ومن أولئك المام ابللن حللزم ل ل‬
‫رحمه الله ل)‪(49‬وابن الصلح ل رحملله الللله للل)‪(50‬وكللذلك‬
‫ابن عبد البر حيث قال رحمه الله‪)):‬ل يجللوز للعللامي تتبللع‬
‫الرخص إجماعًا(()‪.(51‬‬
‫وقد أفاض المام الشاطبي ل رحمه الله ل في الثار السيئة‬
‫التي تنجم عن العمل بتلّقط الرخص وتتبعها من المللذاهب‬
‫وخطر هذا المنهج في الفتيا)‪.(52‬‬
‫والتساهل المفرط ليللس مللن سلليما العلمللاء الخيللار وقللد‬
‫جعل ابن السمعاني ل رحمه الله ل من شروط العلماء أهل‬
‫الجتهاد ‪ :‬الكللف عللن الللترخيص والتسللاهل ‪ ،‬ثللم صللنف لل‬
‫رحمه الله ل المتساهلين نوعين ‪:‬‬
‫‪ -1‬أن يتسللاهل فللي طلللب الدلللة وطللرق الحكللام ويأخللذ‬
‫ببادئ النظر وأوائل الفكر فهذا مقصر في حق الجتهاد ول‬
‫يحل له أن يفتي ول يجوز ‪.‬‬
‫‪ - 2‬أن يتسللاهل فللي طلللب الرخللص وتللأول السللنة فهللذا‬
‫متجوز في دينه وهو آثم من الول)‪.(53‬‬
‫والملحللظ أن منهللج التسللاهل القللائم علللى تتبللع الرخللص‬
‫يفضي إلى اتباع الهللوى وانخللرام نظللام الشللريعة )) فللإذا‬
‫عرض العامي نازلته على المفتي ‪ ،‬فهو قائل له ‪ :‬أخرجني‬
‫عن هواي ودلني على اتباع الحق ‪ ،‬فل يمكن والحلال هللذه‬
‫أن يقول له ‪ :‬في مسللألتك قللولن فللاختر لشللهوتك أيهمللا‬
‫ل لهل العلم يصلح لك‬
‫شئت ()‪ (54‬أو سأبحث لك عن قو ٍ‬
‫‪ ،‬وقد قال المام أحمد ل رحمه الله ل ‪ )) :‬لو أن رجل ً عمل‬
‫بكل رخصه ؛ بقول أهل الكوفة في النبيذ ‪ ،‬وأهللل المدينللة‬
‫في السماع ‪ ،‬وأهل مكة في المتعة كان فاسقا ً (()‪.(55‬‬
‫ويروى عن إسماعيل القاضي ل ل رحملله الللله ل ل أنلله قللال ‪:‬‬
‫)) دخلت على المعتضد فدفع إلي كتابا ً فنظللرت فيلله وقللد‬
‫جمع فيه الرخص من زلل العلماء وما احتج به كللل منهللم‪،‬‬
‫فقلللت ‪ :‬مصللنف هللذا زنللديق ‪،‬فقللال‪ :‬لللم تصللح هللذه‬
‫الحاديث ؟ قلت‪ :‬الحاديث على ما رويت ولكن مللن أبللاح‬
‫‪55‬‬

‫المسللكر لللم يبللح المتعللة ‪ ،‬ومللن أبللاح المتعللة لللم يبللح‬
‫المسللكر ‪ ،‬ومللا مللن عللالم إل وللله زلللة ‪ ،‬ومللن جمللع زلللل‬
‫العلماء ‪ ،‬ثم أخذ بها ذهللب دينلله ‪ ،‬فللأمر المعتضللد بللإحراق‬
‫ذلك الكتاب (()‪.(56‬‬
‫ولعل واقعنللا المعاصللر يشللهد جللوانب مللن تسللاهل بعللض‬
‫الفقهاء في التلفيق بين المذاهب وتتبللع الرخللص كمللا هللو‬
‫حاصل عند من يضع القللوانين والنظمللة أو يحتللج بأسلللمة‬
‫القللانون بنللاًء علللى هللذا النللوع مللن التلفيللق ‪ ،‬أمللا حللالت‬
‫الضرورة في الخذ بهذا المنهج فإنها تقدر بقدرها ‪.‬‬
‫ج – التحايل الفقهي على أوامر الشرع ‪.‬‬
‫وهو من ملمح مدرسة التساهل والغلو في التيسير ؛ وقللد‬
‫جاء النهي في السنة عن هذا الفعل حيث قال النبي صلى‬
‫الله عليه وسلم ‪ )):‬ل ترتكبوا ما ارتكب اليهللود فتسللتحلوا‬
‫محارم الله بأدنى الحيللل (()‪ .(57‬وعلللى ذلللك اتفللق أكللثر‬
‫أهل العلم على عدم تجويزه )‪ (58‬وفي ذلك يقول المللام‬
‫القرافي ل رحمه الله ل ‪ )) :‬ل ينبغي للمفتي ‪ :‬إذا كان فللي‬
‫المسألة قولن ‪ :‬أحدهما فيه تشديد والخر فيلله تخفيللف ؛‬
‫أن يفللتي العامللة بالتشللديد والخللواص مللن ولة المللور‬
‫بالتخفيف وذلك قريب مللن الفسللوق والخيانللة فللي الللدين‬
‫والتلعب بالمسلمين ‪ ،‬ودليل على فراغ القلب من تعظيم‬
‫الللله تعللالى و إجلللله وتقللواه ‪ ،‬وعمللارته بللاللعب وحللب‬
‫الرياسة والتقرب إلى الخلق دون الخالق نعللوذ بللالله مللن‬
‫صفات الغافلين (()‪.(59‬‬
‫وقد حكى أبو الوليد الباجي ل رحمه الللله لل عللن أحللد أهللل‬
‫زمانه أخللبره أنلله وقعللت للله واقعللة ‪ ،‬فأفتللاه جماعللة مللن‬
‫المفتين بما يضره وكلان غائبلا ً ‪ ،‬فلملا حضلروا قلالوا ‪ :‬للم‬
‫نعلم أنها لك ‪ ،‬وأفتوه بالرواية الخرى ‪ ،‬قال‪ :‬وهللذا ممللا ل‬
‫خلف بين المسلمين المعتد بهم في الجماع أنه ل يجوز )‬
‫‪.(60‬‬
‫صل المام ابن القيم ل رحمه الله ل القول في الحيل‬
‫وقد ف ّ‬
‫الممنوعة على المفتي وما هو مشروع له حيث قال ‪:‬‬
‫)) ل يجوز للمفتي تتبللع الحيللل المحرمللة والمكروهللة ‪ ،‬ول‬
‫م‬
‫تتبع الرخص لمن أراد نفعه ‪ ،‬فإن تتبللع ذلللك فسللق و ُ‬
‫حلرِ َ‬
‫‪56‬‬

‫سن قصده في حيلةٍ جائزة ل شبهة فيها‬
‫استفتاؤه ‪ ،‬فإن َ‬
‫ح ُ‬
‫ول مفسدة ‪ ،‬لتخليص المستفتي بها من حللرج جللاز ذلللك ‪،‬‬
‫بل استحب ‪ ،‬وقد أرشد الله نبيه أيوب عليلله السلللم إلللى‬
‫التخلص من الحنث بأن يأخذ بيده ضغثا ً فيضرب به المرأة‬
‫ة واحدة ‪ .‬وأرشد النبي صلللى الللله عليلله وسلللم بلل ً‬
‫ضرب ً‬
‫إلى بيع التمر بدراهم ‪ ،‬ثللم يشللتري بالللدراهم تمللرا ً آخللر ‪،‬‬
‫فيخلص من الربا ‪.‬‬
‫فأحسن المخارج ما خّلص من المآثم وأقبح الحيل ما أوقع‬
‫في المحارم أو أسقط ما أوجبه الللله ورسللوله مللن الحللق‬
‫اللزم والله الموفق للصواب (()‪.(61‬‬
‫وقد وقع كثير من الفقهلاء المعاصللرين فلي الفتللاء بجلواز‬
‫كثير من المعاملت المحرمة تحللايل ً علللى أوامللر الشللرع ؛‬
‫كصور بيع العينة المعاصرة ومعاملت الربا المصللرفية ‪ ،‬أو‬
‫التحايل على إسقاط الزكاة أو البراء من الديون الواجبة ‪،‬‬
‫أو ما يحصل في بعض البلدان من تجويز النكحللة العرفيللة‬
‫تحايل ً على الزنا ‪ ،‬أو تحليل المرأة لزوجها بعد مبللاينته لهللا‬
‫بللالطلق ‪،‬وكللل ذلللك وغيللره مللن التحايللل المللذموم فللي‬
‫الشرع )‪.(62‬‬
‫ثالثا ً ‪ :‬المنهج الوسطي المعتدل في النظر والفتاء‬
‫الشريعة السلمية شريعة تتميلز بالوسلطية واليسلر وللذا‬
‫ينبغي للناظر في أحكام النوازل من أهل الفتيللا والجتهللاد‬
‫أن يكونللوا علللى الوسللط المعتللدل بيللن طللرف التشللدد‬
‫والنحلل كمللا قللال المللام الشللاطبي للل رحملله الللله ل ل ‪:‬‬
‫)) المفتي البالغ ذروة الدرجة هو الذي يحمل الناس علللى‬
‫المعهود الوسط فيما يليق بالجمهور فل يذهب بهم مذهب‬
‫الشدة ول يميل بهم إلى طرف النحلل ‪.‬‬
‫والدليل على صحة هذا أن الصراط المستقيم الذي جاءت‬
‫به الشريعة ؛فإنه قد مّر أن مقصللد الشللارع مللن المكلللف‬
‫الحمل عللى التوسلط ملن غيلر إفلراط ول تفريلط ‪ ،‬فلإذا‬
‫خرج عن ذلك في المسللتفتين ؛ خللرج عللن قصللد الشللارع‬
‫ن خرج عللن المللذهب الوسللط مللذموما ً عنللد‬
‫ولذلك كان َ‬
‫م ْ‬
‫العلماء الراسخين …فإن الخروج إلى الطراف خارج عللن‬
‫العدل ‪ ،‬ول تقوم به مصلحة الخلللق ‪ ،‬أمللا طللرف التشللديد‬
‫‪57‬‬

‫فللإنه مهلكللة وأمللا طللرف النحلل فكللذلك أيضللا ً ؛ لن‬
‫ب به مللذهب العنللت والحللرج ب ُغّللض إليلله‬
‫المستفتي إذا ذ ُهِ َ‬
‫الدين وأدى إلى النقطاع عن سلوك طريق الخرة ‪ ،‬وهللو‬
‫ب بلله مللذهب النحلل كللان مظنللة‬
‫مشللاهد ‪ ،‬وأمللا إذا ذ ُهِل َ‬
‫للمشي على الهوى والشهوة ‪ ،‬والشللرع إنمللا جللاء بللالنهي‬
‫عن الهوى واتباع الهوى مهلك ‪ ،‬والدلة كثيرة (()‪.(63‬‬
‫ولعل مللا ذكرنللاه مللن ململلح للمناهللج الخللرى المتشللددة‬
‫والمتساهلة كان من أجل أن يتبين لنللا مللن خللهللا المنهللج‬
‫المعتللدل ؛ وذلللك أن الشللياء قللد تعللرف بضللدها وتتمللايز‬
‫بنقائضها‪.‬‬
‫وقد أجاز بعض العلماء للمفتي أن يتشدد في الفتوى على‬
‫سبيل السياسة لمن هللو مقللدم علللى المعاصللي متسللاهل‬
‫فيها ‪ ،‬وأن يبحث عن التيسير والتسلهيل عللى ملا تقتضليه‬
‫الدلة لمن هو مشدد علللى نفسلله أو غيللره ‪ ،‬ليكللون مللآل‬
‫الفتوى ‪ :‬أن يعود المستفتي إلى الطريق الوسط )‪.(64‬‬
‫ولذلك ينبغي للمفتي أن يراعي حالللة المسللتفتي أو واقللع‬
‫النازلة فيسير في نظره نحو الوسط المطلوب باعتللدال ل‬
‫إفراط فيه نحو التشدد ول تفريط فيه نحو التسللاهل وفللق‬
‫مقتضى الدلة الشرعية وأصول الفتيا ‪ ،‬وما أحسن ما قاله‬
‫المام سفيان الثوري ل رحملله الللله للل‪)):‬إنمللا العلللم عنللدنا‬
‫الرخصة من ثقة فأمللا التشللدد فيحسللنه كللل أحللد(()‪.(65‬‬
‫والظاهر أنه يعني تتبع مقصد الشارع بالصل‬
‫الميسور المستند إلى الدليل الشرعي‪.‬‬
‫ولشللك أن هللذا التجللاه هللو اتجللاه أهللل العلللم والللورع‬
‫والعتدال ‪ ،‬وهلي الصلفات اللزملة لملن يتعلرض للفتلوى‬
‫والتحدث باسم الشرع ‪ ،‬وخصوصا ً في هذا العصر ‪.‬‬
‫فالعلم هو العاصم من الحكم بالجهل ‪ ،‬والورع هو العاصللم‬
‫مللن الحكللم بللالهوى ‪ ،‬والعتللدال هللو العاصللم مللن الغلللو‬
‫والتفريط ‪ ،‬وهذا التجاه هللو الللذي يجللب أن يسللود ‪ ،‬وهللو‬
‫الجتهاد الشرعي الصحيح وهو الذي يدعو إليه أئمة العلللم‬
‫المصلحون)‪.(66‬‬
‫وسلليأتي مزيللد بيللان لبعللض الداب والضللوابط المكملللة‬
‫لصحاب هذا التجاه المعتدل من أجللل الوصللول إلللى أدق‬
‫‪58‬‬

‫النتائج وتحقيق الصواب والتوفيق من الله عز وجل ؛ وهللو‬
‫موضوع المطلبين القادمين – بإذن الله ل ‪.‬‬
‫المطلب الثاني ‪ :‬الضوابط التي ينبغي أن يراعيها المجتهللد‬
‫قبل الحكم في النازلة‪ (1) .‬سورة التوبة ‪ ،‬آية ‪) . 128 :‬‬
‫‪ (2‬سورة النبياء ‪ ،‬آية ‪. 107 :‬‬
‫)‪ (3‬أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الطلق‪،‬باب بيان‬
‫أن تخيير امرأته ل يكون طلقا ً إل بنيلة ‪ ،‬رقمله ) ‪( 1478‬‬
‫‪ (4) .1104 /2‬سورة العراف ‪ ،‬آية ‪ (5) . 157 :‬أخرجه‬
‫البخاري في صحيحه في كتاب الجمعة ‪ ،‬باب السواك يللوم‬
‫الجمعة ‪ . 5 / 2‬وأخرجه مسلم فللي صللحيحه فللي كتللاب‬
‫الطهارة ‪ ،‬باب السواك ‪ ، 220 / 1 ،‬رقمه ) ‪(6). ( 1732‬‬
‫أخرجه البخاري في صللحيحه فللي كتللاب الجهللاد بللاب ومللا‬
‫يكره من التنازع والختلف في الحرب وعقوبة من عصللى‬
‫إمامه ‪ . 79 / 4‬وأخرجه مسلم فللي صللحيحه فللي كتللاب‬
‫الجهاد ‪ ،‬باب المر بالتيسير وترك التنفير ‪ 1358 / 3‬رقمه‬
‫)‪ (7). ( 1732‬الداب الشرعية لبن مفلح ‪(8) . 45 / 2‬‬
‫انظر ‪ :‬تحرير النزاع في المسألة ‪ :‬المجموع ‪91 , 90 / 1‬‬
‫؛ شرح المحلى على جمع الجوامع ‪ 393 / 2‬؛ شرح تنقيح‬
‫الفصللول ص ‪ 432‬؛ المسللودة ص ‪ 465‬؛ شللرح الكللوكب‬
‫المنير ‪ 574 / 4‬؛ الوصول إلى علم ألصول لبن برهان ‪2‬‬
‫‪. 369 /‬‬
‫)‪ (9‬مجموع الفتاوى ‪ (10) ، 209 , 208 / 20‬انظر ‪:‬‬
‫تهذيب الفروق ‪ 120 / 4‬؛ الفتاوى الكبرى لبن تيمية ‪/ 4‬‬
‫‪. 581‬‬
‫)‪ (11‬انظر ‪ :‬البحر المحيط ‪ 215 / 1‬؛ القواعد للحصللني‬
‫‪ 478 / 1‬؛ البهاج ‪ 177 / 3‬؛ نهاية السول ‪ 352 / 4‬؛‬
‫الشباه والنظللائر للسلليوطي ص ‪ ، 133‬ويللدل علللى هللذه‬
‫القاعدة ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قللال ‪:‬‬
‫)) الحلل ما أحا الله في كتابه ‪ ،‬والحرام ما حرم الله فللي‬
‫كتابه ‪ ،‬وما سكت عنه فهو مما عفا عنلله (( رواه الترمللذي‬
‫في كتللاب اللبللاس ‪ ،‬بللاب مللا جللاء فللي لبللس الفللراء ‪/ 4‬‬
‫‪ . 220‬ورواه ابللن مللاجه فللي كتللاب الطعمللة ‪ ،‬بللاب أكللل‬

‫‪59‬‬

‫الجبن والسمن ‪ (12). 1117 / 2 ،‬انظر ‪ :‬الفكر السامي‬
‫‪. 215 / 1‬‬
‫)‪ (13‬انظر ‪ :‬الكافي لبن عبللد الللبر ‪ 355 / 1‬تحقيللق د ‪.‬‬
‫محمد بن محمد ولد مايللك ‪ ،‬الناشللر المحقللق ‪ 1399‬هلل ؛‬
‫مغني المحتاج للشربيني ‪ ، 377 / 2‬دار الكتب العلميللة ‪،‬‬
‫الطبعة الولى ‪ 1415‬هلل ؛ المبللدع لبللن مفلللح ‪250 / 3‬‬
‫طبعة المكتب السلمي ‪1400‬هل ؛ القنللاع للحجللاوي ‪/ 1‬‬
‫‪ 390‬طبعة دار المعرفة‬
‫)‪ (14‬انظر ‪ :‬بدائع الصللنائع ‪ ، 137 / 2‬المكتبللة العالميللة‬
‫ببيروت ؛ الشرح الممتع على زاد المستنقع لبن عثيمين ‪7‬‬
‫‪ 385 /‬مؤسسة إمللام للنشللر الطبعللة الولللى ‪1416‬هل ل ؛‬
‫فتاوى الحج والعملرة والزيلارة ؛ جملع محملد المسلند ص‬
‫‪ ، 110‬دار الللوطن الطبعللة الولللى ‪ (15).‬انظللر ‪ :‬بللدائع‬
‫الصللنائع ‪ 138 / 2‬؛ المبسللوط للسرخسللي ‪ 68 / 4‬دار‬
‫الكتب العلميللة ‪ ،‬الطبعللة الولللى ‪1414‬هل ل ؛ المغنللي ‪/ 3‬‬
‫‪328‬؛ رسللالة فللي فقلله الحللج والعمللرة د ‪ .‬عبللد الرحمللن‬
‫النفيسة ص ‪ 25-22‬ضمن العدد )‪ (33‬من مجلللة البحللوث‬
‫الفقهية المعاصرة ‪ (16) .‬فقه الئمة الربعة بين الزاهدين‬
‫فيه والمتعصبين له ص ‪ (17) . 66‬الجتهاد المعاصللر ص‬
‫‪ (18). 88‬سلللورة النحلللل ‪ ،‬آيلللة ‪ (19). 116 :‬إعلم‬
‫الموقعين ‪ (20) . 134 / 4‬نقل ً من كتاب الغلو في الدين‬
‫د ‪ .‬عبللد الرحمللن اللويحللق ص ‪ ، 273‬مؤسسللة الرسللالة‬
‫الطبعة الثانية ‪1413‬هل ‪.‬‬
‫)‪ (21‬إعلم الموقعين ‪(22) . 109 / 3‬انظر ‪ :‬شرح تنقيح‬
‫الفصول للقرافلي ص ‪ 449-448‬؛ الفللروق للقرافلي ‪/ 2‬‬
‫‪ 33‬؛ مقاصد الشريعة السلمية د ‪ .‬اليوبي ص ‪584-574‬‬
‫)‪(23‬انظر ‪ :‬السياسة الشرعية في ضوء نصوص الشريعة‬
‫ومقاصدها د ‪ .‬القرضاوي ص ‪ ، 231‬مكتبللة وهبللة بمصللر ‪،‬‬
‫الطبعة الولى ‪1419‬هل ‪(24) .‬انظر ‪ :‬شرح تنقيح الفصول‬
‫ص ‪ ، 449‬إعلم الموقعين ‪. 109 / 3‬‬
‫)‪(25‬انظلللر ‪ :‬مركلللز الملللرأة فلللي الحيلللاة السللللمية د‬
‫‪.‬القرضاوي ص ‪ ، 150 – 130‬المكتب السلمي ‪ ،‬الطبعة‬
‫الثالثة ‪1418‬هل ؛ المرأة ماذا بعد السقوط ‪ ،‬تأليف ‪ :‬بدرية‬
‫‪60‬‬

‫العزاز ص ‪ ، 216 -199‬مكتبة المنار السلمية بالكويت ‪).‬‬
‫‪ (26‬انظر ‪ :‬الجتهاد المعاصر للقرضاوي ص ‪. 88‬‬
‫)‪(27‬انظر ‪ :‬الموافقات ‪ 194 -184 / 1‬؛ العمل بالحتياط‬
‫فللي الفقلله السلللمي تللأليف ‪ :‬منيللب محمللود شللاكر ص‬
‫‪ ، 118‬دار النفائس بالرياض ‪ ،‬الطبعة الولى ‪1418‬هل ‪.‬‬
‫)‪(28‬انظلللر ‪ :‬الشلللباه والنظلللائر للسللليوطي ص ‪ 257‬؛‬
‫الفروق للقرافي ‪. 210 / 4‬‬
‫)‪ (29‬انظللر ‪ :‬الشللباه والنظللائر للسلليوطي ص ‪ 258‬؛‬
‫العمل بالحتياط في الفقه السلمي ص ‪ 257-254‬؛ رفع‬
‫الحرج د ‪ .‬صالح بن حميللد ص ‪ ، 348-337‬دار السللتقامة‬
‫الطبعة الثانية ‪1412‬هل ؛ رفع الحرج د ‪ .‬يعقوب الباحسللين‬
‫ص ‪ ، 130-115‬دار النشللر الللدولي بالريللاض ‪ ،‬الطبعللة‬
‫الثانية ‪1416‬هل ‪.‬‬
‫)‪ (30‬رفع الحرج ص ‪ (31)< 116 , 115‬انظر ‪ :‬الفتوى‬
‫بين النضلباط والتسليب د ‪ .‬القرضللاوي ص ‪(32) . 111‬‬
‫مقاصد الشريعة السلمية ص ‪. 93 , 92‬‬
‫)‪ (33‬انظللر ‪ :‬بعضلا ً مللن هللذه الفتللاوى مللن كتللاب تغليللظ‬
‫الملم على المتسرعين في الفتيا وتغييللر الحكللام للشلليخ‬
‫حمود التويجري ص ‪ ، 88 – 58‬دار العتصللام بالريللاض ‪،‬‬
‫الطبعة الولى ‪1413‬هل ؛ الجتهاد المعاصر للقرضللاوي ص‬
‫‪ 88-62‬؛ الفتوى في السلم للقاسلمي ص ‪(34) . 125‬‬
‫انظللر ‪ :‬ضللوابط المصلللحة د ‪ .‬البللوطي ص ‪(35) . 110‬‬
‫انظر ‪ :‬المستصفى ‪ 293 / 2‬؛ شرح الكوكب المنير ‪/ 4‬‬
‫‪ 432‬؛ شرح تنقيح الفصول ص ‪ 446‬؛ البحر المحيط ‪/ 6‬‬
‫‪ 79 , 78‬؛ تقريب الوصول ص ‪ 412‬؛ إرشاد الفحول ص‬
‫‪ 242‬؛ ضوابط المصلحة ص ‪ 187‬؛ الستصلح والمصلللحة‬
‫للزرقا ص ‪ 75‬؛ السياسة الشللرعية للقرضللاوي ص ‪-245‬‬
‫‪ 261‬؛ نظرية المصلللحة لحسللين حامللد حسللان ص ‪-525‬‬
‫‪ (36). 552‬السنة النبوية بين أهل الفقلله وأهللل الحللديث‬
‫ص ‪. 50 , 47‬‬
‫)‪(37‬أخرجه البخاري في صحيحه ‪ ,‬كتللاب المغللازي ‪ ،‬بللاب‬
‫كتاب النبي صلى الله عليلله وسللم إللى كسلرى وقيصلر ‪،‬‬
‫رقمه) ‪ (38) .( 4073‬انظر ‪ :‬رد ّ د ‪ .‬السالوس في كتابه ‪:‬‬
‫‪61‬‬

‫القتصاد السلمي والقضايا الفقهية المعاصرة ‪– 330 / 1‬‬
‫‪ 356‬دار الثقافة بقطر الطبعة الولللى ‪1416‬هل ل ويتضللمن‬
‫الكتاب الرد على من أجللاز الفللوائد الربويللة مثللل د ‪ .‬عبللد‬
‫المنعم نمر و د‪ . .‬الفنجري وغيرهم ‪.‬‬
‫)‪ (39‬انظللر ‪ :‬رفللع الحللرج لبللن حميللد ص ‪ 312‬و ‪ 313‬؛‬
‫تزييللف الللوعي لفهمللي هويللدي ص ‪ ، 79‬دار الشللروق ‪،‬‬
‫الطبعة الثالثة ‪ 1420‬هل فقد نقل عللن د ‪ .‬محمللد فرحللات‬
‫عدم ملئمة حد السرقة وتحريم الربا للواقللع والمصلللحة ‪.‬‬
‫من خلل كتابه ) المجتمع والشريعة والقللانون ( ص ‪ 78‬و‬
‫‪. 88‬‬
‫)‪ (40‬انظر ‪ .‬السياسة الشرعية د ‪ .‬القرضاوي ص ‪ 253‬؛‬
‫الجتهاد المعاصر ص ‪. 82 70‬‬
‫)‪ (41‬انظر ‪ :‬مقال د ‪ .‬سعيد الغامدي في مجلللة المجتمللع‬
‫العدد )‪ ( 1321‬فللي مناقشللة د ‪ .‬القرضللاوي حللول تمثيللل‬
‫المرأة ‪ (42) .‬أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد ‪162 / 3‬‬
‫وقال ‪ ":‬رواه الطبراني في الكللبير والللبزار ورجللال الللبزار‬
‫ثقللات وكللذلك رجللال الطللبراني" وانظللر صللحيح الجللامع‬
‫لللباني ‪ 383 / 1‬رقم ) ‪. ( 1885‬‬
‫)‪ (43‬أخرجه الهيثمي فللي مجمللع الللزوائد ‪ 186 / 1‬مللن‬
‫حديث معاذ وقال ‪ " :‬رواه الطبراني في الثلثة وفيلله عبللد‬
‫الحكيم بن منصور وهو متروك الحديث " وذكر له شللواهد‬
‫ل تخلو من ضللعف ‪ ،‬ورواه الللبيهقي فللي الشللعب ‪/ 3/ 2‬‬
‫‪ ، 347‬وهذا الحديث له شواهد مرفوعللة وموقوفللة يقللوى‬
‫بها إلى الحسن لغيره ‪ .‬انظر ‪ :‬جللامع بيللان العلللم وفضللله‬
‫‪ ، 980 / 2‬الفقيه والمتفقه ‪ ، 26 / 2‬حلية الوليلاء ‪/ 4‬‬
‫‪. 196‬‬
‫)‪ .(44‬انظر ‪ :‬المسللتدرك مللن الفقلله السلللمي وأدلتله د‪.‬‬
‫وهبه الزحيلللي ‪ 41 / 9‬طبعللة دار الفكللر الطبعللة الولللى‬
‫‪1417‬هل ؛ بحللث د ‪ .‬سللعد العنللزي بعنللوان ) التلفيللق فللي‬
‫الفتللوى ( ص ‪ ، 305 -274‬مجلللة الشللريعة والدراسللات‬
‫السلللميةالعدد ) ‪1420 ( 38‬هل ل ؛ بحللوث مجلللة مجمللع‬
‫الفقه السلمي ‪ ،‬العدد الثامن ‪ ، 565 – 41 / 1‬ومن هذه‬
‫البحوث التي تناولت مسألتنا ‪ :‬بحث د ‪ .‬وهبه الزحيلي و د‬
‫‪62‬‬

‫‪ .‬عبد الله محمد عبد الله والشيخ خليل الميللس ‪ ،‬والشلليخ‬
‫محمد رفيع العثماني ‪ ،‬ود ‪ .‬حمد الكبيسي والشيخ مجاهللد‬
‫القاسمي ‪ ،‬ود ‪ .‬حمداتي شبيهنا ماء العينين وغيرهم ‪ .‬وقد‬
‫ذهب بعضللهم إلللى جللواز التلفيللق وتتبللع الرخللص ونسللبوا‬
‫القول بالجواز للمللام القرافللي وأكللثر أصللحاب الشللافعي‬
‫والراجللح عنللد الحنفيللة وأنلله اختيللار ابللن الهمللام وصللاحب‬
‫مسلم الثبوت ‪.‬‬
‫)‪ (45‬انظر ‪ :‬المستصفى ‪ 390 / 2‬؛ شرح تنقيح الفصول‬
‫ص ‪ 432‬؛ فواتح الرحموت ‪ 404 / 2‬؛ البحر المحيط ‪/ 6‬‬
‫‪ 325‬؛ شللرح الكللوكب المنيللر ‪ 571,577 / 4‬؛ روضللة‬
‫النللاظر ‪ 1024 / 3‬؛ الحكللام فللي تمييللز الفتللاوى عللن‬
‫الحكام ص ‪ 230‬؛ إرشاد الفحول ص ‪(46). 272 , 271‬‬
‫انظر ‪ :‬الموافقات ) الحاشية ( ‪ ، 98 / 5‬الجتهاد والتقليد‬
‫د ‪ .‬الدسوقي ص ‪ (47) . 233‬البحر المحيط ‪). 326 / 6‬‬
‫‪ (48‬انظر ‪ :‬الموافقات ‪ ، 99 / 5‬أدب المفتي والمستفتي‬
‫ص ‪ (49). 126 , 125‬مراتب الجماع ص ‪ (50). 58‬أدب‬
‫المفتي والمستفتي ص ‪ (51)125‬جامع بيان العلم وفضله‬
‫؛ انظر ‪ :‬شرح الكوكب المنير ‪ 578 / 4‬؛ فواتح الرحموت‬
‫‪ 406 /2‬؛حاشية العطار على جمع الجوامع ‪). 442 / 2‬‬
‫‪ (52‬انظر ‪ :‬الموافقات ‪. 105 – 79 / 5‬‬
‫)‪ (53‬تهذيب الفروق ‪ (54). 117 / 2‬الموافقات ‪. 97 / 5‬‬
‫)‪ (55‬البحر المحيط ‪ 325 / 6‬؛ إرشاد الفحول ص ‪). 272‬‬
‫‪ (56‬إرشللاد الفحللول ص ‪ (57). 272‬أورده الحللافظ ابللن‬
‫القيم في حاشيته علللى سللنن أبللي داود وقللال فيلله ‪ :‬رواه‬
‫ابن بطة وغيره بإسناد حسن ‪ ،‬وقال أيضا ً ‪ :‬وإسللناده ممللا‬
‫يصححه الترمذي ‪ .‬انظر ‪ :‬عون المعبود ‪. 244 / 9‬‬
‫)‪ (58‬انظر ‪ :‬أدب المفتى والمستفتي ص ‪ 111‬؛ المجموع‬
‫‪ 81 / 1‬؛ تبصرة الحكام لبن فرحون ‪ 51 / 1‬؛ الموافقات‬
‫‪ 91 / 5‬؛ إعلم الموقعين ‪ 175 / 4‬؛ حاشية العطار على‬
‫جمع الجوامع ‪. 442 / 2‬‬
‫)‪ (59‬الحكام في تمييز الفتاوى عن الحكللام ص ‪). 250‬‬
‫‪ (60‬انظر ‪ :‬تبصرة الحكام ‪. 64 / 1‬‬
‫)‪ (61‬إعلم الموقعين ‪. 171 , 170 / 4‬‬
‫‪63‬‬

‫)‪ (62‬انظللر ‪ :‬الفتللاوى الكللبرى ‪ 430 / 3‬ومللا بعللدها ؛‬
‫الموافقات ‪. 187 / 5 ، 116 – 108 / 3‬‬
‫)‪ (63‬الموافقات ‪ (64). 278-5/276‬انظللر ‪ :‬الموافقللات‬
‫‪ 286 / 2‬؛ أدب المفللتي والمسللتفتي ص ‪ 111,112‬؛‬
‫المجموع ‪ (65). 51 / 1‬جامع بيان العلم وفضله ‪784 / 1‬‬
‫‪.‬‬
‫)‪ (66‬انظللر ‪ :‬الفتللوى فللي السلللم للقاسللمي ص ‪ 59‬؛‬
‫الجتهلللاد المعاصلللر ص ‪ 91‬؛ الجتهلللاد فلللي السللللم د ‪.‬‬
‫القرضاوي ص ‪ 178‬؛ الفتوى بين النضللباط والتسلليب د ‪.‬‬
‫القرضاوي ص ‪ 111‬؛ أحكللام الفتللوى والسللتفتاء د ‪ .‬عبللد‬
‫الحميللد مهيللوب ص ‪115 – 112‬؛ دار الكتللاب الجللامعي‬
‫بمصر ‪1404‬هل ؛ أصول الفتوى والقضاء د ‪ .‬محمللد ريللاض‬
‫ص ‪. 232‬‬
‫==============‬
‫‪#‬ضوابط الفتيا في النوازل المعاصرة)‪(1/2‬‬
‫د‪.‬مسفر بن علي القحطاني ‪19/2/1424‬‬
‫‪21/04/2003‬‬
‫المطلب الثاني ‪ :‬الضوابط التي ينبغي أن يراعيها المجتهللد‬
‫قبل الحكم في النازلة‬
‫يتعلق بالنظر في النوازل شروط جمة منها العلم والعدالة‬
‫؛ فشرط العلم يدخل فيه الخبللار بللالحكم الشللرعي علللى‬
‫الوجه الكمل بعد معرفة الواقعة من جميع جوانبها ‪.‬‬
‫وشللرط العدالللة يللدخل فيلله عللدم التسللاهل فللي الفتللوى‬
‫بالشرع والمحاباة فيها ‪ ،‬مع مراعللاة وجلله الحللق فللي كللل‬
‫ذلك والنظر إلى مشكلت الناس برحمللة ويسللر الشللرع ‪،‬‬
‫وحمل أفعالهم على الوسط في أحكامه ‪.‬‬
‫إلى غيرهللا مللن الشللروط الللتي ذكرهللا أهللل العللم فيمللن‬
‫يتصدى للنظر والفتاء ‪ ،‬وهي كالتكملة والتتمة لمللا ينبغللي‬
‫أن يكون عليه الناظر من العدالة والعلم )‪.(1‬‬
‫إل أن خطلللة النظلللر والجتهلللاد والفتلللاء فلللي النلللوازل‬
‫والواقعات قد أصابتها عللوارض أخرجتهللا عللن النهللج الللذي‬
‫قرره أهل العلم من مبللادئ وأسللس للنظللر ‪ ،‬وهللذا النللوع‬
‫مللن الخلللل إمللا أن يكللون مللن جهللة الزيللغ فللي إصللدار‬
‫‪64‬‬

‫الحكام ‪ ،‬أو في كيفية النظر في تناول هذه المستجدات ‪،‬‬
‫وإما من جهة انحراف الناظر وعللدم إخلصلله وتقللواه فللي‬
‫فتواه واجتهاده ؛ مما جعل بعض الئمة والعلماء يتللذمرون‬
‫ويشتكون من ذلك في كل عصللر يخللرج فيلله أهللل النظللر‬
‫والجتهاد عن الطريق السوي ‪.‬‬
‫وقد حصل ما يدل على ذلك فللي عهللد مبكللر يشللهد عليلله‬
‫المام مالك ل رحمه الله ل حيللث قللال ‪ )) :‬مللا شلليء أشللد‬
‫ي من أن ُأسأل عن مسألة من الحلل والحرام لن هذا‬
‫عل ّ‬
‫هو القطع في حكم الله ‪ ،‬ولقد أدركت أهل العلللم والفقلله‬
‫في بلللدنا وإن أحللدهم إذا سللئل عللن مسللألة كللأن المللوت‬
‫أشرف عليه ‪ ،‬ورأيت أهل زماننا هللذا يشللتهون الكلم فيلله‬
‫والفتيا ‪ ،‬ولو وقفوا على ما يصيرون إليلله غللدا ً لقللللوا مللن‬
‫هللذا ‪ ،‬وإن عمللر بللن الخطللاب وعليللا ً وعلقمللة‪ (2):‬خيللار‬
‫الصحابة كانت ترد عليهم المسائل وهم خير القرون الذين‬
‫بعث فيهم النللبي صلللى الللله عليلله وسلللم كللانوا يجمعللون‬
‫أصحاب النبي صلى الله عليه وسلللم ويسللألون ‪،‬ثللم حينئذٍ‬
‫يفتون فيها وأهل زماننا هذا قد صار فخرهم الفتيا ‪ ،‬فبقللدر‬
‫ذلك ُيفتح لهم من العلم (()‪.(3‬‬
‫ويتضح لنا من كلم المام مالك ل رحملله الللله ل ل المنهجيللة‬
‫المثلى التي كان السلف رحمهم الله يتبعونها عند نظرهللم‬
‫واجتهادهم في الحكام والواقعات من عللدم التسللرع فللي‬
‫الفتللوى أو التقصللير فللي بحثهللا ‪ ،‬والنظللر فيهللا ‪ ،‬أو قلللة‬
‫ر‬
‫التحري والتشاور في أمرها ‪ ،‬مما يؤدي إلى انخرام ٍ ظاه ٍ‬
‫ف في‬
‫ب واعتسا ٍ‬
‫في نظام النظر والجتهاد و الفتيا أو تسي ٍ‬
‫احترام هذا المقام العللالي مللن الشللريعة )‪ .(4‬ومللن أجللل‬
‫هذه الهمية في المحافظة على هذا المقام والتأكيد علللى‬
‫ما يحتاجه الفقيه من ضوابط وشروط للنظر ل سليما فلي‬
‫النوازل المعاصرة التي يكثر فيهللا زلللل القللدام وانحللراف‬
‫الفهام وذلك بمللا تميللز بلله عصللرنا مللن صللراعات ثقافيللة‬
‫وتيللارات فكريللة بالضللافة إلللى كللثرة المللؤثرات النفسللية‬
‫والجتماعية والسياسية مما يجعلها فللي عصللرنا أشللد مللن‬
‫أي عصر مضى ‪ ،‬ويزداد أمر النحراف في الجتهاد والنظر‬
‫خطرا ً تبعا ً لتساع دائرة انتشار هذه الجتهللادات والفتللاوى‬
‫‪65‬‬

‫بواسطة وسائل العلم الحديثللة مللن طبللع ونشللر وإذاعللة‬
‫وتلفزة ‪.‬‬
‫إن الضوابط والداب الللتي ينبغللي أن يراعيهللا النللاظر فللي‬
‫النوازل وخصوصا ً ما كان منها معاصللرا ً ‪ ،‬منهللا مللا يحتللاجه‬
‫قبل الحكم فلي النازللة وهلذا النلوع ملن الضلوابط يكلون‬
‫ضروريا ً لعطاء المجتهد أهلية كاملة وعللدة كافيللة يتسللنى‬
‫بها الخوض للنظر والجتهاد فللي حكمهللا ‪ ،‬وهنللاك ضللوابط‬
‫أخللرى يحتاجهللا النللاظر أثنللاء البحللث والجتهللاد فللي حكللم‬
‫النازلللة ‪ ،‬ينتللج مللن خلل هللذه الضللوابط أقللرب الحكللام‬
‫للصواب وأوفقها للحق ؛ بإذن الله ‪:‬‬
‫وسيكون البحث في هذا المطلب حول أهم الضوابط التي‬
‫يحتاجها الناظر في النوازل قبل الحكم في النازلللة ؛ علللى‬
‫النحو التالي ‪:‬‬
‫أول ً ‪ :‬التأكد من وقوعها‬
‫الصل فللي المسلائل النازللة وقوعهلا وحلدوثها فلي واقلع‬
‫المر ‪ ،‬وعندها ينبغي أن ينظلر المجتهلد فلي التحقلق ملن‬
‫م اسللتنباط حكمهللا‬
‫وقوعها والتأكللد مللن حللدوثها ‪ ،‬ومللن ثل ّ‬
‫الشللرعي ‪ ،‬وقللد يحصللل أن ُيسللأل الفقيلله المجتهللد عللن‬
‫مسألة لم تقع تكلفا ً من السلائل وتعمقلا ً منله فلي تخيلت‬
‫وتوقعات ل تفيد صاحبها ول تنفع عالملا ً أو متعلملا ً ‪ ،‬وذلللك‬
‫لبعد وقوعها واستحالة حدوثها ‪.‬‬
‫ول يخفى أن التوغل في باب الجتهاد إنما هو للحاجة التي‬
‫تنزل بالمكلف يحتلاج فيهلا إللى معرفلة حكلم الشلرع وإل‬
‫وقع في الحرج والعنت أو الخللوض فللي مسللائل الشللريعة‬
‫بغير علم أو هدى ‪ ،‬أما إذا كان بللاب الجتهللاد مفتوحلا ً مللن‬
‫غير حاجة وقعت ودون حادثة نزلت‪،‬فل شللك فللي كراهيللة‬
‫النظر في مسائل للم تنلزل أو يسلتبعد وقوعهلا)‪.(5‬ويؤيلد‬
‫ما لللم‬
‫ذلك ما جاء عن سلفنا الصالح من كراهية السؤال ع ّ‬
‫يقللع وامتنللاعهم عللن الفتللاء ‪ ،‬فيهللا وبعضللهم ذهللب إلللى‬
‫التشديد في ذلك والنهي عنه )‪.(6‬‬
‫ويروى عن الصحابة في ذلك آثار كثيرة منها ‪-:‬‬
‫ أن رجل ً جاء إلى ابن عمر رضي الله عنهمللا فسللأله عللن‬‫شيء ؛ فقال له ابن عمر رضي الللله عنهمللا ‪ )) :‬ل تسللأل‬
‫‪66‬‬

‫عما لم يكن فإني سمعت عمر بن الخطاب ل ل رضللي الللله‬
‫عنه ل يلعن من سأل عما لم يكن (()‪.(7‬‬
‫ وكان زيد بن ثابت رضي الله عنه إذا سللأله إنسللان عللن‬‫شيء قال ‪ )) :‬آلله ! أكان هللذا ؟ فللإن قللال ‪ :‬نعللم ‪ ،‬نظللر‬
‫وإل لم يتكلم (()‪.(8‬‬
‫ وعن مسروق قال ‪ :‬كنت أمشي مع أبي بن كعب رضللي‬‫ى ‪ :‬ما تقول يللا عمللاه فللي كللذا وكللذا ؛‬
‫الله عنه فقال ‪ :‬فت ً‬
‫قال ‪ :‬يا بن أخللي ! أكللان هللذا ؟ قللال ‪ :‬ل ‪ ،‬قللال ‪ :‬فاعفنللا‬
‫حتى يكون (()‪.(9‬‬
‫ ويروى عن عبد الملك بن مروان ل رحمه الله ل أنه سللأل‬‫ابن شهاب ل رحمه الله ل‪ ،‬فقال له ابن شهاب ‪ :‬أكللان هللذا‬
‫بأمير المؤمنين ؟ قال ‪ :‬ل ‪ ،‬قال ‪ :‬فللدعه ‪ ،‬فللإنه إذا كللان ‪،‬‬
‫أتى الله عز وجل له بفرج (()‪.(10‬‬
‫فهذه الثار وغيرها كثير ؛ تللبين حللرص الصللحابة والتللابعين‬
‫على عدم الخوض في مسائل لم تقع سواًء بالسؤال عنهللا‬
‫أو بالجواب فيها ؛ لن النظر فيها ل ينفع كما‬
‫هو معلوم عن الصحابة رضي الله عنهللم مللع النللبي صلللى‬
‫الله عليه وسلم حيث قللال فيهللم ابللن عبللاس رضللي الللله‬
‫عنهما ‪ )) :‬ما رأيت قوملا ً كللانوا خيللرا ً مللن أصللحاب النللبي‬
‫صلللى الللله عليلله وسلللم ومللا سللألوا إل عللن ثلث عشللرة‬
‫مسألة حتى قبض كلهن في القرآن ‪ ،‬وما كانوا يسألون إل‬
‫عما ينفعهم (()‪.(11‬‬
‫ويوضح ابن القيم ل رحمه الله ل مقصد ابن عباس بقللوله ‪:‬‬
‫) ما سألوه إل عن ثلث عشرة مسألة ( )) المسائل الللتي‬
‫حكاها الله في القرآن عنهم‪ ،‬وإل فالمسللائل الللتي سللألوه‬
‫عنها وبين لهم أحكامها فللي السللنة ل تكللاد تحصللى ولكللن‬
‫إنما كانوا يسألونه عما ينفعهم ملن الواقعللات ولللم يكونلوا‬
‫يسألونه عللن المقللدرات والغلوطللات وعضللل المسللائل ‪،‬‬
‫ولم يكونوا يشتغلون بتفريع المسائل وتوليدها ‪ ،‬بللل كللانت‬
‫هممهم مقصورة على تنفيذ ما أمرهم به ‪ ،‬فللإذا وقللع بهللم‬
‫أمر سألوا عنه ‪ ،‬فأجابهم ‪ ،‬وقد قال اللله تعلالى ‪َ ]:‬يلا أ َي َّهلا‬
‫ال ّذين آمنوا ل ت َ‬
‫ن ت ُْبلد َ ل َ ُ‬
‫ن أَ ْ‬
‫ن‬
‫ِ َ َ ُ‬
‫م وَإ ِ ْ‬
‫شلَياَء إ ِ ْ‬
‫م تَ ُ‬
‫َ ْ‬
‫سلؤْك ُ ْ‬
‫كل ْ‬
‫سأُلوا عَ ْ‬
‫ت َ‬
‫ن ي ُن َّز ُ‬
‫ه‬
‫سأُلوا عَن َْها ِ‬
‫ل ال ُْقْرآ ُ‬
‫َ ْ‬
‫ه عَن َْها َوالل ّل ُ‬
‫م عََفا الل ّ ُ‬
‫ن ت ُب ْد َ ل َك ُ ْ‬
‫حي َ‬
‫‪67‬‬

‫غَُفور حِليم *قَلد سلأ َل َها قَلوم ملن قَبل ِك ُلم ث ُل َ‬
‫حوا ب ِهَللا‬
‫صلب َ ُ‬
‫ْ ٌ ِ ْ ْ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ٌ َ ٌ‬
‫مأ ْ‬
‫ْ َ َ‬
‫َ‬
‫ن [)‪.(13)(( (12‬‬
‫ري َ‬
‫كافِ ِ‬
‫فعلى المجتهد أو المفتي في النوازل أن يتأكللد مللن وقللوع‬
‫النازللللة ول ينظلللر فلللي المسلللائل الغريبلللة والنلللادرة أو‬
‫المستبعدة الحصول ‪ ،‬ولكن إذا كانت المسألة ولو لم تقللع‬
‫منصوصا ً عليهللا ‪ ،‬أو كللان حصللولها متوقعلا ً عقل ً فتسللتحب‬
‫الجابة عنها ‪ ،‬والبحللث فيهللا ؛ مللن أجللل البيللان والتوضلليح‬
‫ومعرفة حكمها إذا نزلت ‪.‬‬
‫وفي هذا يقول المام ابللن القيللم لل رحملله الللله لل بعللد أن‬
‫حكى امتناع السلف عن الجابة في ما لم يقع ‪ )) :‬والحللق‬
‫التفصيل ‪ ،‬فإذا كان في المسللألة نللص مللن كتللاب الللله أو‬
‫سنة عن رسول اللله صللى اللله عليله وسللم أو أثلر علن‬
‫الصحابة لم يكره الكلم فيها وإن لم يكن فيها نص ول أثللر‬
‫؛ فإن كانت بعيدة الوقوع أو مقدرة ل تقع لم يسللتحب للله‬
‫الكلم فيها ‪.‬‬
‫وإن كان وقوعها غيلر نلادر ول مسلتبعد ‪ ،‬وغلرض السلائل‬
‫الحاطة بعلمها ليكون منها على بصيرة إذا وقعت استحب‬
‫له الجواب بما يعلم ول سيما إن كان السائل يتفقه بذلك ‪،‬‬
‫ويعتللبر بهللا نظائرهللا ويفللرع عليهللا فحيللث كللانت مصلللحة‬
‫الجواب راجحة كان هو الولى والله أعلم (()‪.(14‬‬
‫ثانيا ً ‪ :‬أن تكون النازلللة مللن المسللائل الللتي يسللوغ النظللر‬
‫فيها‬
‫بينا فيما سبق أهمية مراعللاة المجتهللد وتأكللده مللن وقللوع‬
‫النازلة وترك النظر عمللا للم يقللع أو يسللتبعد وقللوعه عقل ً‬
‫وذلك حتى ل ينشغل أهل الجتهاد عما هو واقع فعل ً أو مللا‬
‫ل نفع فيه ول فائدة ‪.‬‬
‫وإذا قررنللا مبللدأ النظللر فللي الوقللائع الحادثللة للنللاس‬
‫والمجتمعللات ؛ فللمجتهللد بعللد ذلللك أن يعللرف مللا يسللوغ‬
‫النظر فيه ملن المسلائل وملا ل يسلوغ ؛ وهلذا الضلابط ل‬
‫ينفك عن الذي قبله ‪ ،‬وذلك لن المجتهد قد يترك الجتهللاد‬
‫في بعض المسائل التي ل يسللوغ فيهللا النظللر لن حكمهللا‬
‫كحكم ما لم يقع من المسللائل لعللدم الفللائدة والنفللع مللن‬
‫ورائها فالضابط الذي ينبغي أن يراعيه المجتهللد النللاظر أل‬
‫‪68‬‬

‫يشغل نفسه وغيللره مللن أهللل العلللم إل بمللا ينفللع النللاس‬
‫ويحتاجون إليه في واقع دينهم ودنياهم ‪.‬‬
‫أمللا السللئلة الللتي يريللد بهللا أصللحابها المللراء والجللدال أو‬
‫التعالم والتفاصح أو امتحللان المفلتي وتعجيللزه أو الخلوض‬
‫فيما ل يحسنه أهل العلم والنظر ‪ ،‬أو نحو ذلك فهللذه ممللا‬
‫ينبغي للناظر أن ل يلقي لها بال ً ؛ لنها تضر ول تنفع وتهدم‬
‫ول تبني وقد تفرق ول تجمع ‪.‬‬
‫وقد ورد النهي عن ذلك كما جاء عن النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم أنه ‪ )) :‬نهى عن الغلوطات (()‪.(15‬‬
‫وجاء عن معاوية رضي الللله عنلله ‪ :‬أنهللم ذكللروا المسللائل‬
‫عنده ‪ ،‬فقال ‪ )) :‬أما تعلمللون أن رسللول الللله صلللى الللله‬
‫عليه وسلم نهى عن عضل المسائل (()‪.(16‬‬
‫قال الخطابي ل رحمه الله ل في هذا المعني ‪ )) :‬أنلله نهللي‬
‫أن ُيعترض العلماء بصعاب المسائل التي يكثر فيها الغلللط‬
‫ليسللتزلوا و يسللقط رأيهللم فيهللا ‪ ،‬وفيلله كراهيللة التعمللق‬
‫والتكلف فيما ل حاجة للنسان إليه من المسللألة ووجللوب‬
‫التوقف عما ل علم للمسؤول به (()‪.(17‬‬
‫فشللداد المسللائل وصللعابها ممللا ل نفللع فيلله ول فللائدة إل‬
‫إعنات المسئول لشك أنه مذموم شللرعا ً ينبغللي أن يحللذر‬
‫الفقيه أو الناظر من النسياق الملهي خلف هذه المسللائل‬
‫والنشغال بها عما هو أهم وأعظم ‪ ،‬كللذلك ينبغللي للنللاظر‬
‫أن ل يقحم نفسه ويجتهد في المسائل التي ورد بها النللص‬
‫إذ القاعدة فيها ‪ )) :‬ل مساغ للجتهاد في مللورد النللص (()‬
‫‪.(18‬‬
‫والمقصود بهذه القاعدة – على وجلله الجمللال – مللا قللاله‬
‫المام الزركشي ل رحمه الله ل أن )) المجتهد فيه وهو كل‬
‫حكم شرعي عملي أو علمي)‪ (19‬يقصللد بلله العلللم ليللس‬
‫فيه دليل قطعي (()‪.(20‬‬
‫ويمكن من خلل النقاط التالية إبراز ما يسوغ للمجتهد أن‬
‫ل ‪-:‬‬
‫ينظر فيه من النوازل بإجما ٍ‬
‫ص عليها‬
‫‪-1‬أن تكون هذه المسألة المجتهد فيها غير منصو ٍ‬
‫ص قاطٍع أو مجمع عليها ‪.‬‬
‫بن ٍ‬

‫‪69‬‬

‫‪ -2‬أن يكون النص الوارد في هذه المسألة – إن ورد فيهللا‬
‫ص – محتمل ً قابل ً للتأويل ‪.‬‬
‫ن ٌ‬
‫‪ -3‬أن تكون المسألة مترددة بين طرفيللن وضللح فللي كللل‬
‫واحدٍ منهما مقصد الشارع في الثبات في أحدهما والنفللي‬
‫في الخر)‪.(21‬‬
‫‪ -4‬أن ل تكون المسألة المجتهد فيهللا مللن مسللائل أصللول‬
‫العقيدة والتوحيد أو في المتشابه من القرآن والسنة ‪.‬‬
‫‪ -5‬أن تكون المسألة المجتهد فيها من النوازل والوقائع أو‬
‫مما يمكن وقوعها في الغالب والحاجة إليها ماسة)‪.(22‬‬
‫ثالثا ً ‪ :‬فهم النازلة فهما ً دقيقا ً ‪:‬‬
‫إن فقللله النلللوازل المعاصلللرة ملللن أدق مسلللالك الفقللله‬
‫وأعوصللها حيللث إن النللاظر فيهللا يطللرق موضللوعات لللم‬
‫تطرق من قبل ولم يرد فيها عن السلللف قللول ‪ ،‬بللل هللي‬
‫قضايا مستجدة‪ ،‬يغلب على معظمها طابع العصر الحللديث‬
‫ل علميللة لمشللكلت متنوعللة قديمللة‬
‫المتميللز بابتكللار حلللو ٍ‬
‫وحديثة واسللتحداث وسللائل جديللدة لللم تكللن تخطللر ببللال‬
‫البشر يوما ً من الدهر والله أعلم ‪.‬‬
‫مللن هللذا المنطلللق كللان ل بللد للفقيلله المجتهللد مللن فهللم‬
‫النازلة فهما ً دقيقا ً وتصورها تصورا ً صحيحا ً قبل البللدء فللي‬
‫بحث حكمها ‪ ،‬والحكم على الشيء فرع عن تصوره‪ ،‬وكللم‬
‫أ ُِتي الباحث أو العالم من جهلة جهلله بحقيقلة الملر اللذي‬
‫يتحدث فيه ؟ فالناس في واقعهم يعيشون أمرا ً ‪ ،‬والباحث‬
‫يتصور أمرا ً آخر ويحكم عليه ‪.‬‬
‫فلبد حينئذ من تفهم المسألة من جميع جوانبهللا والتعللرف‬
‫عللللى جميلللع أبعادهلللا وظروفهلللا وأصلللولها وفروعهلللا‬
‫ومصطلحاتها وغير ذلك مما له تأثير في الحكم فيها)‪.(23‬‬
‫ولهمية هذا الضابط جاء في كتاب عمر بن الخطللاب إلللى‬
‫أبي موسى الشعري رضي الللله عنهمللا مللا يؤكللد ضللرورة‬
‫الفهم الدقيق للواقعة حيللث جللاء فيلله ‪ )) :‬أمللا بعللد‪ ،‬فللإن‬
‫ُ‬
‫ي إليللك‬
‫القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة ‪ ،‬فافهم إذا أدل َ‬
‫؛ فإنه ل ينفع تكلم بالحق ل نفاذ له…ثم الفهم الفهم فيما‬
‫أدلي إليك مما ورد عليك مما ليس في قرآن ول سللنة ثللم‬

‫‪70‬‬

‫قايس المور عند ذلللك ‪ ،‬واعللرف المثللال ثللم اعمللد فيمللا‬
‫ترى إلى أحبها إلى الله وأشبهها بالحق (()‪.(24‬‬
‫يقول المام ابن القيم ل رحمه الله ل ل معلق لا ً وشللارحا ً هللذا‬
‫الكتللاب بقللوله ‪ )) :‬ول يتمكللن المفللتي ول الحللاكم مللن‬
‫الفتوى والحكم بالحق إل بنوعين من الفهم ‪:‬‬
‫أحدهما ‪ :‬فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة مللا‬
‫وقع بالقرائن والمارات والعلمات حتى يحيط به علما ً ‪.‬‬
‫والنوع الثاني ‪ :‬فهم الواجب في الواقع وهو فهم حكم الله‬
‫الذي حكم به فلي كتلابه أو عللى لسلان رسلوله فلي هلذا‬
‫الواقع ثم يطبللق أحللدهما علللى الخللر ؛ فمللن بللذل جهللده‬
‫واستفرغ وسعه في ذلك لم يعدم أجرين أو أجرا ً … ومللن‬
‫ة بهذا ‪ ،‬ومللن‬
‫تأمل الشريعة وقضايا الصحابة وجدها طافح ً‬
‫سلك غير هذا أضللاع علللى النللاس حقللوقهم ‪ ،‬ونسللبه إلللى‬
‫الشريعة التي بعث الله بها رسوله (()‪.(25‬‬
‫ومما ينبغي أن يتفطللن للله المفللتي أو النللاظر التللبّين مللن‬
‫مقصود السائل أو المستفتي وطلب المزيللد مللن اليضللاح‬
‫والستفصللال منلله ؛ وذلللك حيللن ل يفهللم المفللتي صللورة‬
‫النازلة كما يجب ‪ ،‬من أجل التعللرف السللليم علللى الحكللم‬
‫الشرعي الذي تندرج تحته تلك النازلة أو حين يكون المللر‬
‫يدعو إلى التفصيل واليضاح ‪.‬‬
‫دة أمثللةٍ فللي هللذا‬
‫وقد ضرب ابن القيم ل رحمه الللله لل عل ّ‬
‫المجال فمن ذلك ‪:‬‬
‫سئ ِ َ‬
‫ل عن رجل حلف ل يفعل كللذا وكللذا ‪ ،‬ففعللله ؛‬
‫)) ‪ -‬إذا ُ‬
‫لم يجز له أن يفتي بحنثه حتى يستفصله ؛ هل كللان ثللابت‬
‫العقل وقت فعله أم ل ؟ وإذا كان ثابت العقللل فهللل كللان‬
‫مختارا ً فللي يمينلله أم ل ؟ وإذا كللان مختللارا ً فهللل اسللتثنى‬
‫عقيب يمينه أم ل ؟ وإذا لم يسللتثن فهللل فعللل المحلللوف‬
‫عليه عالما ً ذاكرا ً مختارا ً أم كان ناسيا ً أو جاهل ً أو مكرهللًا؟‬
‫وإذا كان عالما ً مختارا ً فهل كان المحلوف عليلله داخل ً فللي‬
‫قصده ونيتلله أو قصللد عللدم دخللوله مخصصلله بنيتلله أو لللم‬
‫يقصللد دخللوله ول نللوى تخصيصلله ؟ فللإن الحنللث يختلللف‬
‫باختلف ذلك كله (()‪.(26‬‬

‫‪71‬‬

‫فالمقصود أن يتنبه المفللتي والنللاظر علللى وجللوب الفهللم‬
‫الكامللل للنازلللة والستفصللال عنللد وجللود الحتمللال لن‬
‫المسائل النازلة ترد في قللوالب متنوعللة وكللثيرة فللإن لللم‬
‫يتفطن لذلك المجتهد أو المفتي هلك وأهلك)‪.(27‬‬
‫والمتأمل فللي بعللض فقهللاء العصللر يجللد بعضللهم يجللازف‬
‫بالفتوى في أمور المعاملت الحديثة مثل التللأمين بللأنواعه‬
‫وأعمال البنوك والسهم والسللندات وأصللناف الشللركات ‪،‬‬
‫فيحرم ويحلل ‪ ،‬دون أن يحيط بهذه الشياء خبرا ً ويدرسها‬
‫جيدا ً ومهما يكن علمه بالنصوص عظيملا ً ومعرفتلله بالدلللة‬
‫واسعة ‪ ،‬فإن هذا ل يغنلي ملا للم يؤيللد ذللك معرفللة تاملة‬
‫بالواقعة المسئول عنها وفهمه لحقيقتها الراهنة )‪.(28‬‬
‫رابعا ً ‪ :‬التثبت والتحري واستشارة أهل الختصاص ‪:‬‬
‫بّينا في الضابط السللابق أهميللة فهللم النازلللة فهملا ً دقيقلا ً‬
‫واضحا ً كافيا ً يجعل الناظر متصورا ً حقيقة المسألة تصللورا ً‬
‫صحيحا ً يحسن بعدها أن يحكم بمللا يللراه الحللق فيهللا وقللد‬
‫يحتاج الفقيه أن يستفصل من السائل عند ورود الحتمللال‬
‫إذا دعى إلى ذلك المقام ‪.‬‬
‫وممللا ينبغللي أيض لا ً للنللاظر أن يراعيلله هنللا زيللادة التثبللت‬
‫والتحللري للمسللألة وعللدم السللتعجال فللي الحكللم عليهللا‬
‫والتأني في نظره لها فقد يطرأ ما يغيللر واقللع المسللألة أو‬
‫يصل إليه علم ينافي حقيقتها وما يلزم منها ‪ ،‬فإذا أفتى أو‬
‫ت وتللروٍ فقللد‬
‫ث وتثب ل ٍ‬
‫حكم من خلل نظرٍ قاصرٍ أو قلة بح ل ٍ‬
‫يخطئ الصواب ويقع في محذور يزل فيه خلق‬
‫كثير))‪.(29‬‬
‫وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسللم ملا يؤيلد التثبلت‬
‫والتحري في الفتيا والجتهاد ؛ ومن ذلك قللوله صلللى الللله‬
‫عليه وسلم ‪ )) :‬من أفتى بفتيا غير ثبت ‪ ،‬فإنما إثمه علللى‬
‫مللن أفتللاه (()‪.(30‬وقللال أيضللا ً عليلله الصلللة والسلللم ‪:‬‬
‫)) أجرأكم على الفتيا أجرأكم على النار (( )‪(31‬‬
‫‪ ،‬و يروى عن ابن مسعود رضللي اللله عنلله قللوله ‪ )) :‬مللن‬
‫أجاب الناس في كل ما يسألونه عنه فهو مجنون (()‪.(32‬‬

‫‪72‬‬

‫وكان ابللن مسللعود رضللي الللله عنلله ُيسلَأل عللن المسللألة‬
‫فيتفكر فيها شهرا ً ‪ ،‬ثم يقول‪ )) :‬اللهم إن كان صوابا ً فمن‬
‫عندك ‪ ،‬وإن كان خطأ فمن ابن مسعود (()‪.(33‬‬
‫وجاء عن المام ماللك لل رحمله اللله لل أنله قلال ‪ )) :‬إنلي‬
‫لفكر في مسألة منذ بضللع عشللرة سللنة ‪ ،‬فمللا اتفللق لللي‬
‫فيهللا رأي إلللى الن (()‪ . (34‬وقللال أيضلا ً ‪ )) :‬ربملا وردت‬
‫ي المسألة فأفكر فيها ليالي (()‪.(35‬‬
‫عل ّ‬
‫ولشك في دللة هذه الحاديث والثار على أهميللة التثبللت‬
‫في الفتوى وعدم الستعجال في إجابة كل أحللدٍ دون تللرٍو‬
‫ونظرٍ ‪ ،‬فالمفتي في النوازل إذا وضع نصللب عينيلله أهميللة‬
‫خطته وشرفها اتخذ الخلص والتثبت شعاره ضمن النجاح‬
‫في القيام بمسئوليته الجسيمة )‪.(36‬‬
‫يقول المام ابن القيم ل رحمه الله ل فللي ذلللك ‪ )) :‬حقيللق‬
‫دته وأن يتأهب للله‬
‫بمن أقيم في هذا المنصب أن يعد ّ له ع ّ‬
‫أهبته وأن يعلم قدر المقام الذي أقيم فيه ‪ ,‬ول يكللون فللي‬
‫صدره حرج من قول الحق والصدع به ‪ ،‬فللإن الللله ناصللره‬
‫وهللاديه ‪ ،‬وكيللف وهللو المنصللب الللذي تللوله بنفسلله رب‬
‫الرباب (()‪.(37‬‬
‫ومملا ينبغلي أن يراعيله النلاظر فلي النلوازل ملن التثبلت‬
‫والتحري استشارة أهل الختصاص ‪ ،‬وخصوصا ً في النوازل‬
‫المعاصرة المتعلقة بأبواب الطب والقتصاد والفلللك وغيللر‬
‫ذلك ‪ ،‬والرجوع إلى علمهم في مثل تلك التخصصات عمل ً‬
‫ن ُ‬
‫سأ َُلوا أ َهْ ل َ‬
‫ن[)‬
‫مللو َ‬
‫ل ال لذ ّك ْرِ إ ِ ْ‬
‫بقوله تعالى ‪َ ]:‬فا ْ‬
‫م ل ت َعْل َ ُ‬
‫كنت ُل ْ‬
‫‪.(38‬‬
‫فإن كانت النازلة متعلقة بالطب مثل ً ‪ ،‬وجب الرجللوع إلللى‬
‫أهل الطب وسؤالهم والستيضاح منهم ‪ ،‬وإن كانت النازلة‬
‫جعُ حينئذٍ لصحاب الختصاص‬
‫متعلقة بالقتصاد والمال فُير َ‬
‫في القتصاد أو للمراجع المختصة في ذلك الشأن ‪ ،‬فالذي‬
‫ل يعرف حقيقللة النقللود الورقيللة المعاصللرة أفللتى بأنهللا ل‬
‫زكاة فيهللا ‪ ،‬أو أن الربللا ل يجللري فيهللا اعتمللادا ً علللى أنهللا‬
‫ليست ذهبا ً أو فضة)‪.(39‬‬

‫‪73‬‬

‫كمللا أن الللذي ل يعللرف مجريللات مللا يسللمى ) بأطفللال‬
‫حلل ّ‬
‫ل‬
‫النابيب ( ل يستطيع أن يعطي فتوى صحيحة فيهللا بال ِ‬
‫أو الحرمة إل إذا وضحت له حالت هذه العملية‬
‫وفروضللها ‪ ،‬فيسللتطيع حينئذٍ أن يعطللي الحكللم المناسللب‬
‫لكل حالة )‪.(40‬‬
‫ولعل في اتبللاع هللدي النللبي صلللى الللله عليلله وسللم فللي‬
‫ن للمفلتي ملن القلول بل علللم وخصوصلا ً‬
‫الستشارة ضما ٌ‬
‫فيما ينزل من مسائل معاصرة ‪ ،‬والجتهللاد الجمللاعي فللي‬
‫وقتنا الحاضللر المتمثللل بالمجللامع الفقهيللة وهيئات الفتللاء‬
‫ومراكز البحث العلمي تحقق الدور المنشللود الللذي ينبغللي‬
‫للمفتي أو المجتهد مراعاته واللتزام به لتتسع دائرة العلم‬
‫وتللزداد حلقللة المشللورة مللن أجللل الحيطللة والكفايللة فللي‬
‫البحث والنظر ‪.‬‬
‫يقول الخطيب البغدادي ل رحمه الله ل معلق لا ً علللى أهميللة‬
‫ذلك ‪ )) :‬ثم يذكر المسألة ل ل أي المفللتي لل لمللن بحضللرته‬
‫ممن يصلح لذلك من أهل العلم ويشاورهم فللي الجللواب ‪،‬‬
‫ويسأل كل واحد منهلم عمللا عنللده ‪ ،‬فلإن فلي ذللك بركلة‬
‫واقتداء بالسلف الصالح ‪ ،‬وقللد قللال الللله تبللارك وتعللالى ‪:‬‬
‫]و َ َ‬
‫مرِ [)‪ ، (41‬وشاور النبي صلى الله عليه‬
‫م ِفي ال ْ‬
‫شاوِْرهُ ْ‬
‫وسلللم فللي مواضللع وأشللياء وأمللر بالمشللاورة ‪ ،‬وكللانت‬
‫الصحابة تشاور في الفتاوى والحكام (()‪.(42‬‬
‫خامسللا ً ‪ :‬اللتجللاء إلللى الللله عللز وجللل وسللؤاله العانللة‬
‫والتوفيق‬
‫وهللذا الضللابط مللن أهللم الداب الللتي ينبغللي أن يراعيهللا‬
‫الناظر في النوازل ليوفق للصواب ويفتح عليه بللالجواب ‪،‬‬
‫وما ذلك إل من عند الله العليم الحكيم ‪ ،‬القائل في كتللابه‬
‫حان َ َ‬
‫مللا‬
‫كل ِ‬
‫سب ْ َ‬
‫الكريم ؛ يحكي عن الملئكة ‪ُ ] :‬‬
‫م ل ََنللا ِإل َ‬
‫عل ْ َ‬
‫عَل ّمتنا إن َ َ‬
‫م [)‪.(43‬‬
‫ح ِ‬
‫ْ ََ ِّ‬
‫م ال ْ َ‬
‫كي ُ‬
‫ت ال ْعَِلي ُ‬
‫ك أن ْ َ‬
‫وقللد اسللتحب بعللض العلمللاء للمفللتي أن يقللرأ هللذه اليللة‬
‫با ْ‬
‫س لْر ل ِللي‬
‫شَر ْ‬
‫وكذلك قوله تعالى ‪َ ] :‬ر ّ‬
‫ص لد ِْري*وَي َ ّ‬
‫ح ل ِللي َ‬
‫َ‬
‫حُللل ْ‬
‫سللاِني * ي َْفَقُهللوا َقللوِْلي[)‬
‫ل عُْقللد َةً ِ‬
‫ري *َوا ْ‬
‫ن لِ َ‬
‫أ ْ‬
‫ملل ْ‬
‫ملل ِ‬
‫‪(44‬وغيرها من الدعية والوراد لن من ثابر علللى تحقيللق‬

‫‪74‬‬

‫هذه الصلة الملتجئة بالله كللان حريلا ً بللالتوفيق فللي نظللره‬
‫وفتواه )‪.(45‬‬
‫وما أروع ما قاله المام ابن القيم ل رحمه الله ل مؤكدا ً هذا‬
‫النوع مللن الدب للمفللتي ‪ )) :‬ينبغللي للمفللتي الموفللق إذا‬
‫نزلت به المسللألة أن ينبعللث مللن قلبله الفتقللار الحقيقللي‬
‫الحالي ل العلمي المجرد إلى ملهم الصواب ومعلم الخيللر‬
‫وهادي القلوب أن يلهمه الصواب ويفتح له طريق السللداد‬
‫ويدله على حكمه الذي شرعه لعباده في هللذه المسللألة ‪،‬‬
‫فمتى قرع هذا الباب فقد قرع بللاب التوفيللق ‪ ،‬ومللا أجللدر‬
‫مل فضل ربه أن ل يحرمه إياه ‪ ،‬فإذا وجللد فللي قلبلله‬
‫من أ ّ‬
‫هذه الهمللة فهللي طلئع بشللرى التوفيللق‪ ،‬فعليلله أن يللوجه‬
‫وجهلله ويحللدق نظللره إلللى منبللع الهللدى ومعللدن الصللواب‬
‫ومطلع الرشلد وهلو النصلوص ملن القلرآن والسلنة وآثلار‬
‫الصحابة ‪ ،‬فيستفرغ وسعه فللي تعللرف حكللم تلللك النازلللة‬
‫منها ‪ ،‬فإن ظفر بذلك أخبر به وإن اشللتبه عليلله بللادر إلللى‬
‫التوبة والستغفار والكثار من ذكر الللله ‪ ،‬فللإن العلللم نللور‬
‫الللله يقللذفه فللي قلللب عبللده ‪ ،‬والهللوى والمعصللية ريللاح‬
‫عاصللفة تطفللئ لللك النللور أو تكللاد ول بللد أن تضللعفه ‪،‬‬
‫ت شيخ السلم ل ابن تيمية لل قللدس الللله روحلله إذا‬
‫وشهد ُ‬
‫أعيتلله المسللائل واستصللعب عليلله ‪ ،‬فلّر منهللا إلللى التوبللة‬
‫والسللتغفار و السللتغاثة بللالله واللجللوء إليلله ‪ ،‬واسللتنزال‬
‫الصواب من عنده والستفتاح من خللزائن رحمتلله ‪ ،‬فقلمللا‬
‫يلبث المدد اللهي أن يتتابع عليه مدا ً ‪ ،‬وتزدلف الفتوحللات‬
‫اللهية إليه بأيتهن يبدأ ‪(46)(( ..‬‬
‫ولعل من أشد المزالق التي يقع بها بعض المفللتين ضللعف‬
‫الصلة بالله عللز وجللل وقلللة الللورع ‪ ،‬ممللا قللد يللؤدي إلللى‬
‫سلوك هذا الصللنف مللن المفللتين إلللى إرضللاء أهللوائهم أو‬
‫أهواء غيرهم ممن ترجى عطاياه وتخشللى رزايللاه ‪ ،‬أو قللد‬
‫يكون باتباع أهواء العامة والجري وراء إرضائهم بالتسللاهل‬
‫أو بالتشديد ‪ ،‬وكله من اتباع الهوى المضل عن الحق ‪.‬‬
‫جعَل َْنللا َ‬
‫ك‬
‫م َ‬
‫والله عز وجل قد حذر من ذلك حيث قال ‪ُ ] :‬ثلل ّ‬
‫َ‬
‫عَل َللى َ‬
‫نل‬
‫واَء ال ّل ِ‬
‫ريعَةٍ ِ‬
‫ن ال ْ‬
‫ذي َ‬
‫م لرِ َفات ّب ِعْهَللا ول ت َت ّب ِلعْ أهْ ل َ‬
‫مل ْ‬
‫شل ِ‬

‫‪75‬‬

‫عن َ‬
‫ن الل ّلهِ َ‬
‫ن‬
‫ن ي ُغُْنوا َ‬
‫ن الظ ّللال ِ ِ‬
‫ك ِ‬
‫ش لي ًْئا وَإ ِ ّ‬
‫مون*إ ِن ّهُ ْ‬
‫ي َعْل َ ُ‬
‫مي َ‬
‫م ْ‬
‫م لَ ْ‬
‫بعضه َ‬
‫ن[)‪.(47‬‬
‫ي ال ْ ُ‬
‫ض َوالل ّ ُ‬
‫َْ ُ ُ ْ‬
‫مت ِّقي َ‬
‫ه وَل ِ ّ‬
‫م أوْل َِياُء ب َعْ ٍ‬
‫وكذلك قوله تعالى يخاطب رسوله صلى الله عليلله وسلللم‬
‫َ‬
‫مللا َأن لَز َ‬
‫ع‬
‫ه َول ت َت ّب ِل ْ‬
‫نا ْ‬
‫أيض لا ً بقللوله ‪] :‬وَأ ْ‬
‫ل الل ّل ُ‬
‫م بِ َ‬
‫م ب َي ْن َهُ ل ْ‬
‫حك ُل ْ‬
‫أ َهْواَءهُم و احذ َرهُ َ‬
‫ه إ ِل َي ْ َ‬
‫ن ي َْفت ُِنو َ‬
‫ما َأنَز َ‬
‫ك‬
‫مأ ْ‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫ض َ‬
‫ْ َ ْ ْ ْ‬
‫ك عَ ْ‬
‫َ‬
‫ن ب َعْ ِ‬
‫[)‪ ، (48‬إلى غيرها من اليات والحاديث ‪.‬‬
‫وصدق المام سفيان الثوري ل رحملله الللله لل حيللث قللال ‪:‬‬
‫)) ما من الناس أعز من فقيه ورع(( )‪ . (49‬ويعلل المللام‬
‫الشاطبي عّزة وندرة هذا النوع من الفقهللاء ؛ بللأن أفعللاله‬
‫قد طابقت أقواله فيقول ل رحمه الله ل ل ‪ )) :‬فللوعظه أبلللغ‬
‫وقوله أنفع وفتواه أوقع فللي القلللوب ممللن ليللس كللذلك ‪،‬‬
‫لنه الذي ظهرت ينابيع العلللم عليلله واسللتنارت كليتلله بلله‪،‬‬
‫وصار كلمه خارجلا ً مللن صللميم القلللب ‪ ،‬والكلم إذا خللرج‬
‫من القلب وقع في القلب ‪،‬ومن كان بهذه الصفة فهو مللن‬
‫خ َ‬
‫ه‬
‫مللا ي َ ْ‬
‫ن ِ‬
‫عب َللادِ ِ‬
‫ه ِ‬
‫شللى الل ّل َ‬
‫الللذين قللال الللله فيهللم ‪ ] :‬إ ِن ّ َ‬
‫مل ْ‬
‫ماُء[ )‪ ، (50‬بخلف من لم يكللن كللذلك‪،‬فللإنه وإن كللان‬
‫ال ْعُل َ َ‬
‫عللدل ً وصللادقا ً وفاضللل ً ل يبلللغ كلملله مللن القلللوب هللذا‬
‫المبلغ‪،‬حسبما حققته التجربة العادية(()‪.(51‬‬
‫فما أحوج الفقيه المفتي فللي عصللرنا الحاضللر إلللى تقويلة‬
‫الصلة بالله والفتقار إليه حللتى يكللون فللي حمللى اليمللان‬
‫بللالله مسللتعليا ً وعللن الخلللق مسللتغنيا ً وبللالحق والصللواب‬
‫موفقا ً ل بإذن الله ل )‪.(52‬‬
‫فهذه بعض الضللوابط الللتي ينبغللي للنللاظر والمجتهللد فللي‬
‫النوازل مراعاتها قبل البحث في حكم النازلة ‪.‬‬
‫والحقيقة أن هناك ضوابط وآداب أخرى كثيرة ذكرها أهللل‬
‫العلم ل ربما يندرج بعضللها فيمللا ذكرنللا لل لعللل مللن أهمهللا‬
‫مناسبة للمقام في هذا المطلب مللا قللاله المللام أحمللد ل ل‬
‫رحمه الله ل ‪ )) :‬ل ينبغي للرجللل أن ينصللب نفسلله للفتيللا‬
‫حتى يكون فيه خمس خصال‬
‫‪-1‬أن تكون له نية ‪ ،‬فإن لم يكن له نية ؛ لم يكن عليه نور‬
‫ول على كلمه نور ‪.‬‬
‫‪-2‬أن يكون له علم وحلم ووقار وسكينة ‪.‬‬
‫‪-3‬أن يكون قويا ً على ما هو فيه وعلى معرفته ‪.‬‬
‫‪76‬‬

‫‪-4‬الكفاية وإل مضغه الناس ‪.‬‬
‫‪-5‬معرفة النللاس (( )‪ ، (53‬وقللد وفّللى وكفللى المللام ابللن‬
‫القيم ل رحمه الله ل في بيانها وشللرحها بالللدليل والبرهللان‬
‫في كتابه القيم إعلم الموقعين )‪ (1).(54‬انظر ‪ :‬التفصيل‬
‫في شروط الجتهاد في النوازل في كتب الصول ‪.‬‬
‫)‪ (2‬يحتمل أن يكون علقمللة بللن وقللاص الليللثي المللدني ‪،‬‬
‫وذكر مسلم وابن عبد البر أنه ولد فللي حيللاة النللبي صلللى‬
‫الله عليه وسلم وذكره ابن منده في عداد الصللحابة وقللال‬
‫الحافظ ابن حجر في التقريللب ‪ " :‬ثقللة ثبللت ‪ ،‬أخطللأ مللن‬
‫زعم أن له صللحبه " التقريللب ) ‪ ، ( 4701‬انظللر ‪ :‬تهللذيب‬
‫التهذيب ‪. 240 / 7‬‬
‫ويحتمل أن يكون علقمللة بللن قيللس النخعللي صللاحب ابللن‬
‫مسللعود رضللي الللله عنلله وكللان أشللبه النللاس بلله سللمتا ً‬
‫وهديا ً ‪.‬وكان بعض أصحاب النللبي صلللى الللله عليلله وسلللم‬
‫ك للله‬
‫يسألونه ويستفتونه ‪ ،‬توفي عللام ‪ 62‬هلل ‪ .‬وذكللر مالل ٍ‬
‫وز ‪.‬‬
‫في الصحابة تج ّ‬
‫انظر ترجمته ‪ :‬تهذيب التهذيب ‪ ، 237 / 7‬صفة الصفوة ‪3‬‬
‫‪. 27 /‬‬
‫)‪ (3‬ترتيب المدارك ‪. 179 / 1‬‬
‫)‪ (4‬انظر ‪ :‬الفقيه والمتفقه ‪ 428-386 / 2‬؛ جللامع بيللان‬
‫العلم وفضله ‪ 529،559 -501 / 1‬؛ الداب الشرعية لبن‬
‫مفلح ‪ 55-44 / 2‬؛ تغليظ الملم علللى المتسللرعين إلللى‬
‫الفتيا الشيخ حمللود التللويجري ص ‪ 47-6‬؛ أصللول الفتللوى‬
‫والقضاء د ‪ .‬محمد رياض ص ‪218‬و ‪. 219‬‬
‫)‪ (5‬انظر ‪ :‬المحصلول للللرازي ‪ 493 / 2‬؛ نهايلة السلول‬
‫) الحاشية ( ‪ 579 / 4‬؛ البحر المحيط ‪ 198 / 6‬؛ شرح‬
‫تنقيح الفصول ص ‪ 430‬؛ تقريب الوصللول لبللن جللزي ص‬
‫‪ 422‬؛ كشف السرار للبخاري ‪. 26 / 4‬‬
‫)‪ (6‬انظر ‪ :‬جامع بيان العلللم وفضللله ‪1069-1065 / 2‬؛‬
‫أدب المفللتي والمسللتفتي ص ‪109‬؛ إعلم المللوقعين ‪/ 4‬‬
‫‪ 170‬؛ جامع العلوم والحكم لبن رجب ‪ 241 / 1‬؛ الداب‬
‫الشرعية لبن مفلللح ‪ 54-52 / 2‬؛ تغليللظ الملم للشلليخ‬
‫حمود التويجري ص ‪. 25-23‬‬
‫‪77‬‬

‫)‪ (7‬أخرجه الدارمي في سننه ‪ 50 / 1‬؛ الفقيه والمتفقه‬
‫‪ 12 / 2‬؛ جامع بيان العلم وفضله ‪. 1067 / 2‬‬
‫)‪ (8‬أخرجه الدارمي في سننه ‪ 50 / 1‬؛ الفقيه والمتفقه‬
‫‪ 13 / 2‬؛ جامع بيان العلم وفضله ‪. 1068 / 2‬‬
‫)‪ (9‬أخرجه الدارمي في سننه ‪ ،56 / 1‬الفقيه والمتفقه ‪2‬‬
‫‪ ، 14 /‬جامع بيان العلم وفضله ‪1065 / 2‬‬
‫)‪ (10‬جامع بيان العلم وفضله ‪. 1067 / 2‬‬
‫)‪ (11‬أخرجلله الللدارمي فللي سللننه فللي المقدمللة ‪ ،‬بللاب‬
‫كراهية الفتيا رقمه ) ‪. 51 / 1 ( 125‬‬
‫وأخرجه ابن عبد البر فللي جللامع بيللان العلللم وفضللله ‪/ 2‬‬
‫‪. 1062‬‬
‫)‪ (12‬سورة المائدة ‪ :‬اليتان ‪. 102 , 101 :‬‬
‫)‪ (13‬إعلم الموقعين ‪ 56 / 1‬و ‪. 57‬‬
‫)‪ (14‬المرجع السابق ‪. 170 / 4‬‬
‫)‪ (15‬رواه أبو داود في سننه كتللاب العلللم ‪ ،‬بللاب التللوقي‬
‫فللي الفتيللا ‪ ،‬رقملله ) ‪ 243 / 4 ( 3656‬؛ والخطيللب‬
‫البغللدادي فللي الفقيلله والمتفقلله ‪ 20 / 2‬رقللم ‪. 635‬‬
‫والغلوطات أو الغلوطللات هللي ‪ :‬شللداد المسللائل وفيللل ‪:‬‬
‫دقيقها ‪ ،‬وقيل ما ل يحتاج إليه مللن كيللف وكيللف ‪ .‬انظللر ‪:‬‬
‫الفقيه والمتفقه ‪ 20 / 2‬و ‪. 21‬‬
‫)‪ (16‬أخرجه الطبراني في الكبير ‪ 368 / 19‬رقمه ) ‪865‬‬
‫(‪.‬‬
‫)‪ (17‬معالم السنن للخطابي ‪.‬‬
‫)‪ (18‬انظر ‪ :‬شرح القواعد الفقهيللة للشلليخ أحمللد الزرقللا‬
‫ص ‪ ، 147‬دار القلم ‪ ،‬الطبعة الثانية ‪ 1409‬هل ل ؛ المللدخل‬
‫الفقهي العام مصطفى الزرقللا ‪ 1008 / 2‬؛ الللوجيز فللي‬
‫إيضاح القواعد الفقهية الكلية د ‪ .‬البورنو ص ‪. 328‬‬
‫)‪ (19‬المقصود بالعلمي ‪ " :‬مللا تضللمنه علللم الصللول مللن‬
‫المظنونات التي يستند العمل إليهللا " البحللر المحيللط ‪/ 6‬‬
‫‪. 227‬‬
‫)‪ (20‬البحر المحيط ‪. 227 / 6‬‬
‫)‪ (21‬انظر ‪ :‬الموافقات ‪. 118 – 114 / 5‬‬

‫‪78‬‬

‫)‪ (22‬انظللر ‪ :‬الرسللالة ص ‪ ، 560‬الفصللول فللي الصللول‬
‫للجصاص ‪ 13 / 4‬؛ جامع بيان العلم وفضللله ‪-844 / 2‬‬
‫‪ 891‬؛ الفقيه والمتفقه ‪ 504 / 1‬؛ الموافقات ‪-114 / 5‬‬
‫‪ 118‬؛ إعلم الموقعين ‪، 56-54 / 1‬ل ‪ 199 / 2‬؛ شرح‬
‫الكوكب المنير ‪ 588-584 / 4‬؛ جامع العلوم والحكلم ‪/1‬‬
‫‪ 252 – 241‬؛ البحر المحيط ‪ 6/227‬؛ الحكام في تميللز‬
‫الفتللاوى عللن الحكللام ص ‪ 192‬؛ الداب الشللرعية لبللن‬
‫مفلح ‪ 55 / 2‬؛ إرشاد الفحول ص ‪ 253‬؛ الجتهاد فيما ل‬
‫نص فيه ‪ 17 , 16 / 1‬؛ تغليظ الملم للشيخ التويجري ص‬
‫‪ 29 , 28‬؛ الفتوى بين النضباط والتسيب ص ‪. 120‬‬
‫)‪ (23‬انظر ‪ :‬جامع بيان العلم وفضله ‪ 848 / 2‬؛ الفتللوى‬
‫بين النضباط والتسيب ص ‪ 73, 72‬؛ ضللوابط الدراسللات‬
‫الفقهية للعودة ‪. 92-89‬‬
‫)‪ (24‬أخرجه البيهقي في السنن الكبرى رقم ) ‪( 20324‬‬
‫‪ 15 / 10‬طبعللة البللاز ‪ ،‬وذكللره ابللن القيللم فللي إعلم‬
‫الموقعين ‪ 67 / 1‬وقال ‪ " :‬هذا كتاب جليل تلقاه العلماء‬
‫بالقبول "‪.‬‬
‫)‪ (25‬إعلم الموقعين ‪. 69 / 1‬‬
‫)‪ (26‬المرجع السابق ‪. 146 / 4‬‬
‫)‪ (27‬انظر ‪ :‬الفقيه والمتفقه ‪ 388 , 387 / 2‬؛ الحكام‬
‫في تمييز الفتللاوى عللن الحكللام ص ‪ 237 , 236‬؛ إعلم‬
‫المللوقعين ‪ 149-143 / 4‬؛ أصللول الفتللوى والقضللاء د ‪.‬‬
‫محمد رياض ص ‪ 223‬؛ مجمللوع الفللوائد واقتنللاص الوابللد‬
‫تللأليف ‪ :‬الشلليخ ابللن سللعدي ص ‪ ، 129 , 128‬دار ابللن‬
‫الجوزي ‪ ،‬الطبعة الولى ‪1418‬هل ‪.‬‬
‫)‪ (28‬انظر ‪ :‬الفتوى بين النضباط والتسيب ص ‪. 74‬‬
‫)‪ (29‬انظر ‪ :‬الفقيه والمتفقه ‪ 390 / 2‬؛ الموافقات ‪/ 5‬‬
‫‪ 324, 323‬؛ الحكام في تمييز الفتاوى عللن الحكللام ص‬
‫‪ 237, 236‬؛ المفتي في الشريعة السلللمية د ‪ .‬الربيعللة‬
‫ص ‪. 31‬‬
‫)‪ (30‬رواه المام أحمد في مستده ‪ ، 321 / 1‬والللبيهقي‬
‫في سننه ‪ ، 116 – 112 / 10‬والخطيب البغللدادي فللي‬
‫الفقيه والمتفقه ‪ 328 / 2‬قللال محققلله وإسللناده حسللن‬
‫‪79‬‬

‫لغيره ‪ ،‬وصححه الحكام في المستدرك ‪ 183 / 1‬رقللم )‬
‫‪ ( 61‬ووافقه الذهبي ‪ ،‬وبنحوه أخرجه أبللو داود فللي سللننه‬
‫كتاب العلم ‪ ،‬باب التوقي في الفتيا رقمه ) ‪/ 4 ( 3649‬‬
‫‪. 243‬‬
‫)‪ (31‬أخرجه الدارمي فللي سللننه ‪ ،‬المقدمللة ‪ ،‬بللاب الفتيللا‬
‫وما فيه من الشدة ‪. 69 / 1‬‬
‫)‪ (32‬أخرجه الخطيب البغدادي في الفقيلله والمتفقلله ‪/ 2‬‬
‫‪ ، 416‬وأخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلللم وفضللله‬
‫‪. 1124 / 2‬‬
‫)‪ (33‬إعلم الموقعين ‪. 64 / 1‬‬
‫)‪ (34‬ترتيب المدارك ‪. 178 / 1‬‬
‫)‪ (35‬المرجع السابق ‪.‬‬
‫)‪ (36‬انظر ‪ :‬فتاوى المام الشللاطبي د ‪ .‬أبللو الجفللان ص‬
‫‪. 83‬‬
‫)‪ (37‬إعلم الموقعين ‪. 9 / 1‬‬
‫)‪ (38‬سورة النبياء ‪ ،‬آية ‪. 7 :‬‬
‫)‪ (39‬انظلللر ‪ :‬الجتهلللاد فلللي الشلللريعة السللللمية د ‪.‬‬
‫القرضاوي ص ‪. 176‬‬
‫)‪ (40‬انظر ‪ :‬بحث المدخل إلى فقه النوازل د ‪ .‬ابو البصل‬
‫ص ‪ 130‬ضللمن مجلللة أبحللاث اليرمللوك العللدد )‪ (1‬عللام‬
‫‪1997‬م ‪.‬‬
‫)‪ (41‬سورة آل عمران ‪ :‬آية ‪. 159 :‬‬
‫)‪ (42‬الفقيلله والمتفقلله ‪ ، 390 / 2‬انظللر أيضللا ً ‪ :‬إعلم‬
‫الموقعين ‪ 197 / 4‬؛ أدب المفتي والمستفتي ص ‪. 138‬‬
‫)‪ (43‬سورة البقرة ‪ ،‬آية ‪. 32‬‬
‫)‪ (44‬سورة طه ‪ ،‬اليات ‪. 28 – 25 :‬‬
‫)‪ (45‬انظر ‪ :‬أدب المفتي والمستفتي ص ‪ 141 , 140‬؛‬
‫المجموع ‪. 86 / 1‬‬
‫)‪ (46‬إعلم الموقعين ‪. 132 , 131 / 4‬‬
‫)‪ (47‬سورة الجاثية ‪ ،‬اليات ‪. 19 , 18 :‬‬
‫)‪ (48‬سورة المائدة ‪ ،‬آية ‪. 49 :‬‬
‫)‪ (49‬أخرجه الخطيب البغدادي في الفقيلله والمتفقلله ‪/ 2‬‬
‫‪. 340‬‬
‫‪80‬‬

‫)‪ (50‬سورة فاطر ‪ ،‬آية ‪. 28‬‬
‫)‪ (51‬الموافقات ‪. 299 / 5‬‬
‫)‪(52‬انظر ‪ :‬الفتوى بين النضباط والتسلليب ص ‪ 77-75‬؛‬
‫المفتي في الشريعة السلمية د ‪ .‬الربيعة ص ‪ 27‬؛ أصول‬
‫الفتوى والقضاء د ‪ .‬محمد رياض ص ‪ 222 – 220‬؛ أصول‬
‫الفتوى د ‪ .‬الحكمي ص ‪. 49 ’ 48‬‬
‫)‪ (53‬إعلم الموقعين ‪. 152 / 4‬‬
‫)‪ (54‬المرجع السابق ‪. 160 , 152 / 4‬‬
‫=================‬
‫=============‬
‫‪#‬الحرب الصليبية الثالثة أمريكية‬
‫د‪.‬عبد العزيز القارئ ‪27/1/1424‬‬
‫‪30/03/2003‬‬
‫أمريكا تهاجم السلم؛ لقد أعلنتها حربا ً صليبية؛ هكذا بكللل‬
‫وضللوح ووقاحللة‪ ،‬إذن هللاهي الحللرب الصللليبية الثالثللة قللد‬
‫بدأت‪.‬‬
‫كللان الهجللوم الصلليبي الول علللى يللد الوربييللن‪ ،‬وسللقط‬
‫سموا الشللام‬
‫) بيت المقدس ( في أيديهم سنة ‪402‬هل‪ ،‬وق ّ‬
‫إلى إمارات صليبية استمرت قرابة مائتي عام وحرر صلح‬
‫الدين ) بيت المقدس ( وطرد الصليبيين من معظم الشام‬
‫عام )‪(583‬هل‪.‬‬
‫وكان الهجوم الصليبي الثاني على يد الوروبيين أيضًا‪ ،‬بعللد‬
‫الحللرب العالميللة الولللى الللتي انتهللت سللنة )‪(1337‬هللل‪،‬‬
‫تقاسموا العالم السلمي في حملة سميت بل "الستعمار"‬
‫وسقطت الشام وشمال أفريقيا بيد " الفرنسلليين " وليبيللا‬
‫بيللد " البريطللانيين " والعللراق ومصللر وشللرق الجزيللرة‬
‫العربيللة وجنوبهللا بيللد " النجليللز " وكللذلك الهنللد وإيللران‪،‬‬
‫واحتل الهولنديون أندونيسيا‪ ،‬وهكللذا تكللالبوا علللى العللرب‬
‫َ‬
‫وعلى العالم السلمي ت َ َ‬
‫صَعتها‪.‬‬
‫كال ُ َ‬
‫ب الك َل َةِ على قَ ْ‬
‫والن ها هو التاريخ يعيد نفسه‪ ،‬وها هو الرئيللس المريكللي‬
‫المتعجرف يعلللن الحللرب الصللليبية الثالثللة علللى السلللم‪،‬‬
‫وبعد احتلل أفغانستان‪ ،‬يريدون الن احتلل العراق‪ ،‬وبقية‬
‫المنطقللة‪ ،‬وربمللا الوصللول إلللى قلللب العللالم السلللمي‬
‫‪81‬‬

‫واحتلله‪ ،‬وأما التمكين لليهود في فلسطين وفي المنطقللة‬
‫فهللو الهللدف الكللبر‪ ،‬ولللذا فللالحرب الصللليبية هللذه المللرة‬
‫أمريكيللة يهوديللة ؛ وفيهللا أمللور هامللة نلفللت إليهللا انتبللاه‬
‫المسلمين‪:‬‬
‫) أول ً (‪:‬يجب أن نوقن بللأن عاقبللة هللذه الحللرب الصللليبية‬
‫اليهودية الجديدة سللتكون للسلللم‪ ،‬لقللد جللرب الوربيللون‬
‫مرتين وفشلوا في القضاء على السلللم‪ ،‬ولللم يسللتطيعوا‬
‫الستمرار طويل ً في احتلل العالم السلمي‪ ،‬كان في كل‬
‫مرة ينتفض ولو بعد حين ويقذف بهم بعيدًا‪ ،‬وأنا مللوقن أن‬
‫هجومهم هذه المللرة سللينتهي بعللد سلسلللة مللن الحللروب‬
‫والكوارث بالقضاء على اليهود وسللقوط دولتهللم والقضللاء‬
‫على أمريكا والصليبيين جميعًا‪..‬‬
‫من َللا القللرآن وبينللت لنللا السللنة النبويللة أن الصللراع‬
‫لقللد عل ّ َ‬
‫البدي المستمر حتى نهاية العالم هو بين السلم من جهة‬
‫وبين اليهودية والنصرانية من الجهة الخرى‪ ،‬وأنلله مسللتمر‬
‫ة حتى تسقط في النهاية إحدى الجبهللتين‪ ،‬وقللد أخبرنللا‬
‫دول ً‬
‫ُ‬
‫نبينا صلى الله عليه وسلم أن نهاية هللذا الصللراع سللتكون‬
‫بانتصللار المسلللمين وظهللور السلللم علللى الللدين كللله‪،‬‬
‫والقضاء على اليهود‪ ،‬وكسر الصليب‪..‬‬
‫والمؤمن إذا قرأ نصوص السنة الواردة في هذا الموضللوع‬
‫يفهم كل ما يجري الن‪ ،‬ول ينبغللي أن يقللول مثللل ضللعفاء‬
‫اليمان‪ :‬نلجأ إلى الغيبيات لنبرر عجزنا ونهرب من واقعنا‪.‬‬
‫بللل المسلللم صللحيح اليمللان يللؤمن بللالغيب‪ ،‬وبمللا أخللبر‬
‫الصادق المين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ؛ وهو قللد‬
‫أخبر بكل ما هو كائن بين يدي الساعة من الملور الهاملة‪،‬‬
‫حفظه من حفظه ونسيه من نسيه )‪.(1‬‬
‫ونحن نلجأ إلى القرآن وإلى ما أخللبرت بلله السللنة النبويللة‬
‫م واقعنا‪..‬‬
‫ت ُ‬
‫ضعََفاَءنا‪ ،‬ون َْفهَ َ‬
‫لن َُقوّيَ إيماننا‪ ،‬ون ُث َب ّ َ‬
‫السنة النبوية أخبرت بكل الوقائع الكبرى فللي حيللاة المللة‬
‫السلمية إلى قيام السللاعة ؛ حللتى هجللوم المغللول الللذي‬
‫عصف بالخلفة العباسية‪ ،‬ودمر الخضللر واليللابس أخللبرت‬
‫به السنة )‪..(2‬‬

‫‪82‬‬

‫ولو كان المسلللمون يقللرؤون ويفقهللون كلم ربهللم وسللنة‬
‫نبيهم لتسّلحوا بأول سلح للمقاومة وهللو الللوعي‪ ،‬والفهللم‬
‫الصحيح لما يجري‪ ،‬ولتسلللحوا بللأقوى سلللح وهللو اليمللان‬
‫الثابت القوي واليقين الصادق بأن هذا الللدين ظللاهر علللى‬
‫الدين كله‪ ،‬وأن الله غالب على أمره‪.‬‬
‫ثم ل ننسى أننلا نعيلش فللي عصلر ي ُعَلد ّ الربلع الخيللر ملن‬
‫الزمان‪ ،‬وهذا الربع الخير بدأ ببعثة نبينا محملد صللى اللله‬
‫عليه وسلم وينتهي بقيام الساعة؛ ولذلك قللال صلللى الللله‬
‫عليه وسلم‪ ) :‬ب ُِعثت أنا والساعة كهاتين – يعني أصبعيه ()‬
‫‪ (3‬يشير صلى الله عليلله وسلللم إلللى شللدة قربهللا‪ ،‬وعنللد‬
‫التأمل تجد أننا اليوم في الربع الخير من الربع الخير‪ ،‬لن‬
‫أشراط الساعة الصغرى قد تحققت سائرها ؛ ولم يبللق إل‬
‫أشراطها الكبرى‪ ،‬حيث تقع الملحللم الكللبرى الللتي تنتهللي‬
‫بالقضللاء علللى اليهللود والنصللارى‪ ،‬وبظهللور السلللم علللى‬
‫أعدائه‪.‬‬
‫) ثانيا ً (‪:‬ينبغي أل نغتّر بهلذه البشلائر اللواردة فللي السللنة‪،‬‬
‫كل عليها ونتواكللل بسللببها؛ فقللد ل نكللون نحللن هللذا‬
‫وأل نت ّ ِ‬
‫الجيل المقصودين بها‪ ،‬وينبغي أل نزكي أنفسنا فقد ُنبتَلللى‬
‫بتسليط العدو علينا‪ ،‬حسللب ذنوبنللا‪ ،‬وحالنللا وحللال قلوبنللا‪،‬‬
‫وحال قياداتنا وحكامنللا؛ وقللد نكللون نحللن وقللود َ المعركللة‪،‬‬
‫والذي سيجني ثمار النصر غيرنا‪ ،‬مسلمون آخرون ي ُوَّفللون‬
‫بشروط النصر‪ ،‬وقد نشهد نحن بشائر النصر وبوادره بعللد‬
‫سام‪..‬‬
‫ج َ‬
‫ابتلء شديد وحوادث ِ‬
‫نقول هذا لننبه المسلمين إلللى سللنن الللله الللتي ل تتبللدل‪،‬‬
‫منها أنه لبد من التطهير قبل النصللر‪ ،‬وأن النصللر ل ينللزل‬
‫على الكسالى والغافلين‪..‬‬
‫ب العللالم‬
‫ومن سللنن الللله العجيبللة أنلله يحمللي بنفسلله قلل َ‬
‫السلللمي وهللو الحرمللان المقدسللان مكللة والمدينللة‪ ،‬فل‬
‫يقتحمهما العداء‪ ،‬وفي الملحللم الخيللرة يحللاول المسللي ُ‬
‫خ‬
‫الدجال اقتحامهما وهو يهللودي فل يسللتطيع‪ ،‬وأخللبر النللبي‬
‫صلللى الللله عليلله وسلللم أن المدينللة النبويللة تحميهللا منلله‬
‫الملئكة يجللدهم علللى أنقابهللا شللاهري السلليوف وأنقاُبهللا‬
‫يعني مداخلها)‪.(4‬‬
‫‪83‬‬

‫ولكللن العجللب مللن هللذا أنلله ل حصللانة لهللاتين المللدينتين‬
‫المقدستين من ال ّ‬
‫ظلمة والمنافقين من حكلام المسللمين؛‬
‫فلقد ابت ُِليتا بشرورهم في مراحل التاريخ السابقة‪ ،‬ووقللائع‬
‫الحرة بالمدينة النبوية‪ ،‬وهللدم الحجللاج للكعبللة بللالمنجنيق‪،‬‬
‫ثم غزو القرامطة لمكة‪ ،‬أشهُر من أن ُتذكر‪..‬‬
‫ي‬
‫لكن َتأ ّ‬
‫مل‪ :‬لم يقتحم مكة يوما ً من اليام عدو كافٌر يهود ٌ‬
‫ي‪ ،‬أو غير ذلك؛ ولما حاول " أبرهللة "‬
‫ي أو مجوس ٌ‬
‫أو نصران ٌ‬
‫مللى الللله بيتلله منلله بأضللعف خلقلله‬
‫ي َ‬
‫ح َ‬
‫ي النصللران ّ‬
‫الحبش ل ّ‬
‫) البابيللل ( طيللور صلغار جلاءت ملن جهلة البحللر ؛ ولكللن‬
‫م مكة ) القرمطي ( الرافضي المنافق وقتللل الحجللاج‬
‫ت ََق ّ‬
‫ح َ‬
‫فلي المسلجد الحلرام‪ ،‬هلذا نلوعٌ ملن البلء للم ُتمنلع منله‬
‫المللدينتان؛ إذ ْ أن أهلهللا مثللل بللاقي المسلللمين‪ ،‬إذا كث ُللرت‬
‫ذنللوبهم وأسللاءوا الدب مللع هللذا الجللوار المقللدس فللإنهم‬
‫ُيعاقبون ويطّهرون بللأنواع مللن البليللا والفتللن‪ ،‬ليللس منهللا‬
‫ظهور العدو الكافر من اليهود والنصارى وغيرهم ؛ لن في‬
‫هذا ذهاب السلم‪ ،‬واستئصال هذه المة‪ ،‬وهذا ممنوع‪.‬‬
‫) ثالثللا ً (‪:‬التاريللخ يعيللد نفسلله‪ ،‬ويكللرر عظللاته ودروسلله‬
‫ن أكثر الناس ل يفقهون‪ ،‬بللل ل يقللرؤون‪ ،‬لللو‬
‫ج َ‬
‫ال ِ‬
‫سام‪ ،‬ولك ّ‬
‫كنا نقرأ التاريخ ونسللتفيد مللن تجللاربه ودروسله إذن لكللان‬
‫حالنا أحسن مما هو عليلله الن‪ ،‬الحللوادث الكللبرى تتكللرر‪،‬‬
‫والعلللل والفللات تتكللرر‪ ،‬وأسللباب الللدمار والنهيللار هللي‬
‫نفسها‪..‬‬
‫في القرون الثلثة الخامس والسادس والسابع هّبت علللى‬
‫ف هائلللة كللادت تقتلعهللا مللن جللذورها‪ :‬بللدأت‬
‫المة عواصل ُ‬
‫بهجللوم الصللليبيين علللى جناحهللا الغربللي الللذي انتهللى‬
‫بللاحتللهم لللل) بيللت المقللدس(‪ ،‬ثللم هجللوم المغللول علللى‬
‫جناحها الشرقي الذي انتهى بتدمير بغداد وإسقاط الخلفة‬
‫العباسية‪ ،‬أعظم خلفة بعد )الراشدين (‪.‬‬
‫والعجيب المؤلم أنه فللي كل هللذين الهجللومين الخطيريللن‬
‫كللان ) الروافللض ( مللن داخللل المللة يمّثلللون )الطللابور‬
‫الخامس(‪ ،‬فكللانوا يراسلللون الصللليبيين يحّرضللونهم علللى‬
‫مهاجمة الشام‪ ،‬وكان ) ابللن العلقمللي ( الللوزير الرافضللي‬
‫لخر خليفة عباسي يراسل المغللول‪ ،‬يللدلهم علللى عللورات‬
‫‪84‬‬

‫المسلللمين‪ ،‬ويحّرضلللهم عللللى مهاجملللة بغلللداد‪ ،‬واليلللوم‬
‫وق‬
‫والجيوش الصليبية المريكية واليهوديللة الصللهيونية ُتط ل ّ‬
‫المللة مللن الشللرق والغللرب والشللمال والجنللوب فللإن‬
‫المسلمين ينبغي أل يأمنوا غدَر الروافض وغوائلهم‪.‬‬
‫عند هجوم الصليبيين‪ ،‬وكللذلك عنللد هجللوم المغللول كللانت‬
‫الحالة السياسية في غاية من التردي‪ ،‬الحكللام مللن أمللراء‬
‫وسلللطين متفرقللون متنللاحرون وعللاجزون أمللام العللدو‬
‫الغازي‪ ،‬حتى بلغ الخبللث بالخليفللة الفللاطمي فللي مصللر –‬
‫وهو رافضي – أن راسللل الصللليبيين يحرضللهم علللى غللزو‬
‫الشللام نكايللة بالسلللجقة الللذين كللانوا يحكمونهللا وهللم‬
‫سنيون‪..‬‬
‫والن تفللرج علللى حللال حكامنللا ‪ :‬متفرقللون متنللاحرون‪،‬‬
‫متفقون على أل يتفقوا ويكيد بعضللهم لبعللض‪ ،‬ويتسللابقون‬
‫للغدر بأشقائهم وشعوبهم؛ ولتقديم خلدماتهم للعلدو اللذي‬
‫يتربص بهم جميعًا‪.‬‬
‫ولكن المل أن يهدي الله أحدهم أو بعضللهم فيقللذف الللله‬
‫فللي قلبلله اليمللان وإرادة المقاومللة والجهللاد ؛ حينئذ تبللدأ‬
‫نهاية العدو‪..‬‬
‫فإن تولوا جميعا ً وتمادوا في الستسلم للعدو‪ ،‬فالمللل أن‬
‫يبعث الله للمة قيادة جديلدة إيمانيلة‪ ،‬قيلادة إنقلاذ وجهلاد‬
‫وعزة‪..‬‬
‫كما حدث دائما ً في المرات السابقة من تاريخ هذه المة‪..‬‬
‫رغم الكللوارث والزمللات الكللبرى الللتي كللانت تحللل بهللذه‬
‫المللة‪ ،‬إل أن هنللاك ومضللات مشللرقة كللانت تتخلللل هللذه‬
‫الدياجير‪ ،‬تتمثل في سلللطين وملللوك صللالحين مجاهللدين‬
‫يغيث الله بهم المللة كلمللا اشللتدت أزماتهللا‪ ،‬تختلللف هللذه‬
‫الومضات من حيث المدة وعظم الثر‪ ،‬فالذين وقفوا فللي‬
‫وجه المللد الرافضللي مللن بللويهيين وفللاطميين هللم ملللوك‬
‫) السلللجقة ( السللنيون‪ ،‬وكللان مللن أشللهرهم السلللطان‬
‫المجاهد ) ألب أرسلن ( الذي أوقف زحف الصليبيين مللن‬
‫الشمال في معركة )ملذكرد ( وهذه المعركة فتحت بوابة‬
‫آسلليا الصللغرى ) تركيللا الن ( أمللام العثمللانيين بعللد ذلللك‪،‬‬
‫وكان من بركات )السلجقة( السلطان عماد الدين زنكي‪،‬‬
‫‪85‬‬

‫وابنه نور الدين زنكي الشهيد‪ ،‬اللذان مهدا الطريق للملك‬
‫الصالح والسلطان المجاهد صلح الدين اليوبي الذي طرد‬
‫الصليبيين بعد ذلك وحرر ) بيت المقدس (‪ ،‬وعنللدما هبللت‬
‫عاصفة المغول وأحرقت الخضر واليللابس‪ ،‬وتمل ّللك الفللزع‬
‫سائر المراء والسلطين‪ ،‬قيض الللله ذلللك الملللك الصللالح‬
‫المجاهد ) سيف الللدين قطللز ( المملللوكي فللأوقف زحللف‬
‫سللاء‬
‫المغول وكسر شوكتهم وهزمهم وملّرغ أنللوفهم الَفط ْ َ‬
‫في تراب ) عين جالوت ( سنة ‪658‬‬
‫ومللن يقللرأ سلليرة هللؤلء الملللوك الصللالحين والسلللطين‬
‫المجاهدين يجد منهجلا ً واضللحا ً للنهللوض بالمللة‪ ،‬ولنقاذهللا‬
‫عند الزمات الكبرى‪ ،‬ويرى بركة الجهاد وأثره العظيم في‬
‫إنقاذ هذه المة‪ ،‬ويعلم أنه ببركة هذه الومضات حفظ الله‬
‫هذه المة من الفناء‪ ..‬وأهم منها – كما أشلرنا فلي موضلع‬
‫آخر – حفظ الله هذه المة ببركة العلم والعلماء‪..‬‬
‫) رابعا ً ( ‪ :‬الصراع المتوقع مللع الغللزو الصللليبي المريكللي‬
‫سيكون شام ً‬
‫ل‪ ،‬لن العدو أعلن أنلله يسللتهدف كللل شلليء‪،‬‬
‫حتى المدارس والجامعات‪ ،‬وطريقة حياة النللاس‪ ،‬ودينهللم‬
‫ومعتقداتهم‪..‬‬
‫مللن أجللل هللذا سنشللهد فللي الفللترة المقبلللة ) إسلللما ً‬
‫أمريكيا ً ( بدأ يروج له البعض منذ الن‪..‬‬
‫وسنشهد محاولت للترويج للطريقة المريكية في الحيللاة‪،‬‬
‫وهي لمن كللان جللاهل ً بهللا تمثلهللا نمللاذج معلنللة واضللحة ‪:‬‬
‫سياسللليون بلللارزون‪ ،‬وشللركات كللبرى فللي اللصوصللية‬
‫والكذب‪ ،‬وآخرون بارزون في التحلل الخلقي‪..‬‬
‫سيعمل بعض المنافقين عندنا على إلغللاء شللريعة الجهللاد‪،‬‬
‫وسللتحل محلهللا أحللاديث السلللم‪ ،‬وأحلم التنميللة والحيللاة‬
‫الرغيللدة‪ ،‬وسلليعمل البعللض علللى إلغللاء عقيللدة ) الللولء‬
‫والبراء ( وسيحل محلها مصطلحات جديدة‪ :‬احترام الللرأي‬
‫الخللر‪ ،‬التعدديللة الفكريللة والثقافيللة‪ ،‬تكامللل الحضللارات‪،‬‬
‫الحوار بين الحضارات‪ ،‬التسامح والمحبة بين بني البشر‪..‬‬
‫حللتى السللماء الجغرافيللة سللتتغير‪ ،‬فبللدل ً مللن العللالم‬
‫ة ) الشلللرق‬
‫مى المنطقللل ُ‬
‫السللللمي أو العلللرب سُتسللل ّ‬

‫‪86‬‬

‫الوسط (‪ ،‬وستبدأ المشاريع الشرق الوسللطية بمشللاركة‬
‫اليهود الصهاينة‪ ،‬بل قل تحت هيمنتهم‪.‬‬
‫وستنشط مشاريع السياحة؛ حتى تتقللاطر وفللود الصللهاينة‬
‫وجواسيس ) الموساد ( و ) السي آي إيه( ليكملوا المهمة‬
‫فيفسدوا ما لم تتمكللن الجيللوش مللن إفسللاده ؛ والعجيللب‬
‫أنهم عندنا يتحدثون منذ الن عن السللياحة الدينيللة لليهللود‬
‫والنصارى‪ ،‬كأنه ل تكفينا أعظم سياحةٍ دينية وهللي ) الحللج‬
‫والعمرة ( إنهمللا أعظللم اسلتثمار دينلي واقتصللادي‪ ،‬وليتنللا‬
‫نستطيع إدارتهما على المستوى المطلوب‪ ،‬والعجيب أنهم‬
‫منذ الن يرممون الثار المتعلقللة بللاليهود والنصللارى بينمللا‬
‫يهدمون الثار السلمية بما فيها المساجد النبوية في مكة‬
‫والمدينة)‪ (5‬في تناقض ل يفهمه عاقل ول يقبله مسلم‪..‬‬
‫ملللى ملللن المشلللاريع القتصلللادية‬
‫ستشلللهد المنطقلللة ُ‬
‫ح ّ‬
‫والسلللتثمار الجنلللبي حلللتى تكتملللل الحلقلللة بالسللليطرة‬
‫القتصادية‪..‬‬
‫يتحدثون عن السللتثمار الجنللبي بينمللا المللوال السللعودية‬
‫الهاربة المستثمرة في أمريكا وحدها تقللارب )الللترليون (‪،‬‬
‫وهو رقم ل أعرف كيف أعده‪..‬‬
‫وستبلغ الوقاحة بالمريكللان والمتللأمركين أن ينشللروا فللي‬
‫ربوعنا الجامعللات ) المريكيللة (‪ ،‬وهللا هللو أحللد المنللافقين‬
‫المتأمركين من أبناء جلدتنا يعلن عن نوايللاه فللي مشللروع‬
‫إنشاء ) جامعة أمريكية ( في جدة )‪.(6‬‬
‫أي أن المعركة ستكون شاملة‪ ،‬أهونها الجانب العسكري‪..‬‬
‫لذلك فإن المللل بعللد لطللف الللله فللي العلمللاء الربللانيين‪،‬‬
‫علماء الصحوة‪ ،‬فهم فقط الذين يستطيعون مقاومللة غللزو‬
‫حدوا جهودهم‪..‬‬
‫شامل بهذا المستوى إذا وَ ّ‬
‫ونكاد نجزم أن المريكان بشراستهم وعجرفتهم وغرورهم‬
‫سيكفوننا مؤونللة إيقللاظ العللرب والمسلللمين لمللواجهتهم‪،‬‬
‫وتنبيههم لخطرهم‪ ،‬وسوف يتسببون بسياساتهم المتهللورة‬
‫الحمقللاء فللي إذكللاء روح العللداوة ضللدهم فللي نفللوس‬
‫المسلمين‪ ،‬بل في إشعال نار المقاومة المسلحة‪..‬‬
‫)خامسًا( ‪ :‬الهجللوم العسللكري المريكللي الصللهيوني علللى‬
‫العراق يوشك أن يبدأ‪ ،‬وربما يكون قد بللدأ فعل عنللد نشللر‬
‫‪87‬‬

‫هذه المقالة‪ ،‬وحينئذ فالسؤال الللذي يعتلللج فللي فللؤاد كللل‬
‫مؤمن‪ ،‬وربما نطق به لسانه‪:‬‬
‫ما العمل ؟ ما هو واجبي ؟ هل أبقى متفرجا ؟؟‬
‫أول واجللب علللى الجميللع أن يلتفللوا حللول العلمللاء‪ ،‬أعنللي‬
‫العلماء الربانيين الذين يقولون الحق ل يخافون لومة لئم‪،‬‬
‫علماء الصحوة الذين هم محللل الثقلة فلي صللدقهم‪ ،‬وفلي‬
‫قدرتهم على القول والعمل‪ ،‬فقد يكون هناك علمللاء فيهللم‬
‫صدق وخير‪ ،‬ولكن ل قدرة لهم على قول الحق‪ ،‬ول قللدرة‬
‫لهم على الحركة بسبب الخوف‪ ،‬أو لسباب أخرى‪...‬‬
‫هذا الواجب الللذي هللو اللتفللاف حللول العلمللاء الربللانيين‪،‬‬
‫والرجوع إليهم‪ ،‬ورد المر إليهم هو مدلول قوله تعالى‪:‬‬
‫ذا جاَءهُم أ َ‬
‫من ال َ‬
‫ف أَ َ‬
‫م‬
‫ر‬
‫م‬
‫ذا ُ‬
‫ن أ َوِ ال ْ َ‬
‫ِ‬
‫عوا ب ِلهِ وَل َلوْ َر ّ‬
‫خو ْ ِ‬
‫)َوإ َ َ‬
‫دوهُ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ٌ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫ه اّللل ِ‬
‫إ َِلللى الّر ُ‬
‫ملل ُ‬
‫م ل َعَل ِ َ‬
‫من ُْهلل ْ‬
‫مللرِ َ‬
‫ل وَإ َِلللى أوِلللي ال ْ‬
‫ذي َ‬
‫سللو ِ‬
‫ست َن ْب ِ ُ‬
‫م( ]‪/83‬النساء[‪.‬‬
‫ه ِ‬
‫يَ ْ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫طون َ ُ‬
‫تنبه إلى أن الية تتحدث عن أمور المللن‪ ،‬وأمللور الخللوف‪،‬‬
‫ونحن الن في خوف‪ ،‬في أزمة من أزمات الحرب‪ ،‬حللرب‬
‫شرسة علللى السلللم والمسللمين‪ ،‬فل ملجلأ بعلد اللله إل‬
‫َ‬
‫مرِ هذه المة‪ ،‬وأهْ ُ‬
‫ها‪،‬‬
‫حل َّها وَعَْق لدِ َ‬
‫ل َ‬
‫العلماء الذين هم ولةُ أ ْ‬
‫حتى المراء والحكام يجب أن يرجعوا إليهم )‪..(7‬‬
‫ومما يدل علللى أن العلمللاء هللم فللي الحقيقللة ولة المللر‪،‬‬
‫ه( والعلللم شللأن العلمللاء‪ ،‬والللذين‬
‫مل ُ‬
‫قللوله فللي اليللة )ل َعَل ِ َ‬
‫يستنبطون الحكم من العلماء هم الراسللخون فللي العلللم‪،‬‬
‫هؤلء هم أهللل السللتنباط‪ ،‬فللإن السللتنباط هللو اسللتخراج‬
‫المعاني الخفية بجهد ومشقة‪ ،‬من قولهم ‪ :‬نبط الماء مللن‬
‫ة‪..‬‬
‫البئر‪ .‬أي استخرجه بمشق ٍ‬
‫فالمقصود أن الرجوعَ إلى العلماء‪ ،‬ورد ّ المر إليهم‪ ،‬وت َل َّقي‬
‫ف حللولهم‪ ،‬هللذا هللو أول‬
‫التللوجيه والحكللم منهللم‪ ،‬واللتفللا َ‬
‫واجب على الجميع بنص الية‪ ..‬وبنص الحديث‪ ،‬وهللو قللوله‬
‫صلى الله عليلله وسلللم ‪) :‬العلمللاء ورثللة النبيللاء( فالنبيللاء‬
‫الذين هم القادة‪ ،‬استخلفوا على هذه القيادة مللن أتبللاعهم‬
‫العلماء‪ ..‬فل يجوز لمن يريللد أن يسللتبرئ لللدينه أن يتلّقللى‬
‫ل والعم َ‬
‫م‪ ،‬والقو َ‬
‫ل‪.‬‬
‫م والحك َ‬
‫من غيرهم العل َ‬

‫‪88‬‬

‫ن العدوّ فللي حربلله‬
‫والواجب الثاني على كل مسلم‪ :‬أل ّ ي ُِعي َ‬
‫م‬
‫على المسلمين بأيّ شيء‪ ،‬ول حتى بشطر كلمة‪ ،‬ل ي َ ْ‬
‫سل َ ُ‬
‫ُ‬
‫مَر بإعانةِ العدوّ على المسلمين فل‬
‫ه بغير ذلك‪ ،‬ولو أ ِ‬
‫له دين ُ ُ‬
‫يجوز له أن يفعللل‪ ،‬وليتللذكر قللو َ‬
‫ل النللبي صلللى الللله عليلله‬
‫ق فللي معصلليةِ الخللالق(‪ ،‬حللتى لللو‬
‫وسلم‪) :‬ل طاع َ‬
‫ة لمخلو ٍ‬
‫صى الوامللر فللإنه ل يجللوز لله‬
‫كان يخاف على نفسه إن عَ َ‬
‫َ‬
‫أن ينّفذ مث َ‬
‫ل هذه الوامر‪ ،‬هذا باتفللاق الفقهللاء أ ّ‬
‫مك ْلَرهَ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫ُ‬
‫حل ّ‬
‫ل للله ذلللك‪.‬‬
‫ل غيره من المسلمين لم ي َ ِ‬
‫إذا أك ْرِهَ على قَت ْ ِ‬
‫وما سوى هذين الواجبين‪ ،‬فللإن عليلله أن ينتظللر مللا يتفللق‬
‫عليه العلماء الربانّيون‪ ،‬فإذا لم يتفقوا على شلليٍء‪ ،‬فليكللن‬
‫ف سلليَفه‪ ،‬والللله المسللتعان‪ ،‬عليلله توكلنللا‪،‬‬
‫س بيته وليك ّ‬
‫ِ‬
‫حل ْ َ‬
‫وإليه أنبنا وإليه المصير‪.‬‬
‫المقالة التالية‬
‫)الجهاد حياة ‪ (1)(3-1‬متفللق عليلله ‪ /‬وانظللر مختصللر أبللي‬
‫داود للمنذري ] ‪.[ 6/130‬‬
‫)‪ (2‬البخلاري فلي الجهلاد ‪ /‬انظلر الفتلح ] ‪،6/104‬ل ‪-604‬‬
‫‪.[ 610‬‬
‫)‪ (3‬رواه البخاري في الرقائق ] ‪ / 132 ،8/131‬الحلبي [‪.‬‬
‫)‪(4‬متفق عليه ‪ ] :‬البخاري ‪ ،3/53 /‬ومسلم ‪.[ 2/1005‬‬
‫)‪ (5‬هللدمت حللتى الن مللن المسللاجد النبويللة بالمدينللة ‪:‬‬
‫المساجد السبعة‪ ،‬ومسجد الفضيخ‪ ،‬وقبله هدم مسجد ثنية‬
‫الوداع‪ ..‬في بادرة ل نظن أن المقصود بها حمايلة العقيلدة‬
‫لسللببين ‪ :‬أحللدهما أن المسللاجد ل تمثللل تهديللدا ً للعقيللدة‪،‬‬
‫والخر أن هذه المسللاجد لهللا مئات السللنين وبعضللها منللذ‬
‫عهد الصحابة كالمساجد السبعة‪ ،‬ولللم تهللدد العقيللدة ولللم‬
‫يطلب أحد من العلماء هدمها‪.‬‬
‫هناك فرق بين الثار المخالفة للعقيدة كالبناء على القبللور‬
‫– بنللاء المسللاجد علللى القبللور وأشللد منهللا بنللاء الضللرحة‬
‫والقباب – وبين الثار الللتي ل مخالفللة فيهللا كللالتي ذكرنللا‪،‬‬
‫ولنا بحث في ذلك قد ينشر قريبًا‪.‬‬
‫)‪ (6‬في جريدة المدينة بتاريخ ‪27/11/1423‬هل‪.‬‬
‫)‪(7‬سبق أن أشرنا إلى هذا المعنى‪.‬‬
‫=============‬
‫‪89‬‬

‫‪#‬الجذور القتصادية للحرب على العراق‬
‫د‪ .‬سامي السويلم * ‪29/1/1424‬‬
‫‪01/04/2003‬‬
‫تنوعت آراء المحللين حول الدوافع الحقيقية وراء الحللرب‬
‫المريكية على العراق‪ ،‬فهناك مللن يعزوهللا لنفللوذ الللدهليز‬
‫)اللللوبي( الصللهيوني علللى الدارة المريكيللة‪ ،‬وأن الحللرب‬
‫تخدم مصالح إسرائيل بالدرجة الولى‪ ،‬وهناك من يفسرها‬
‫بتثبيت الوجود المريكي في الخليج ردا ً على تفجيرات ‪11‬‬
‫سللبتمبر الللتي نفللذها مجموعللة ينتمللي معظمهللم لبنللاء‬
‫المنطقة‪ ،‬وهناك من يرى أن السيطرة على منللابع النفللط‬
‫هي المحرك الول للحرب‪.‬‬
‫والقرب أن دوافع الحرب هي خليللط مللن كللل مللا سللبق‪،‬‬
‫ويبعد أن يكون قرار بمثل هذه الخطورة نابع لا ً مللن سللبب‬
‫أحادي ل يوجد ما يكفي للتعويض عن جوانبه السلبية‪.‬‬
‫وما نريد أن نلقي عليه الضوء هنا هو أن الدافع القتصادي‬
‫وراء الحرب أكبر من مجرد الحصول على مصللدر إضللافي‬
‫للثروة‪ ،‬وأن مثل هذه الحرب كانت ستقع بشكل أو بللآخر‪،‬‬
‫عاجل ً أو آج ً‬
‫ل‪ ،‬حتى لو لم توجد الدوافع الخرى‪.‬‬
‫التخطيط المسبق‬
‫من المهم الشارة إلى أن التخطيط لحرب العراق قد بللدأ‬
‫قبل أحداث سللبتمبر بسللنوات‪ ،‬حيللث طللرح أول ً فللي عللام‬
‫‪1996‬م‪ ،‬ثم تبلور فللي عللام ‪1998‬م مللن خلل مللا سللمي‬
‫"مشللروع القللرن المريكللي الجديللد" لحمايللة المصللالح‬
‫دم هذا المشللروع ‪-‬للرئيللس كلينتللون‪ -‬آنللذاك‬
‫المريكية‪ .‬وق ّ‬
‫عدد ٌ من المستشارين الذين يتبوأون اليوم مناصب قياديللة‬
‫فللي إدارة الرئيللس بللوش‪ ،‬مثللل ديللك تشلليني ودونالللد‬
‫رامسفيلد وبول ولفوويتز وغيرهم‪) .‬انظر ما نقلته صحيفة‬
‫الللوطن السللعودية ‪21/2/2003‬م عللن صللحيفة )هللآرتس(‬
‫السللرائيلية‪ ،‬والجزيللرة ‪20/3/2003‬م عللن ديللر شللبيجل‬
‫اللمانية(‪.‬‬
‫هذا التخطيط يعني أن دوافع الحرب كانت قائمة قبل ذلك‬
‫ف‪ ،‬مما دفللع بهللؤلء إلللى إعللداد هللذه الدراسللات‬
‫بوقت كا ٍ‬
‫والمشللاريع لتقللديمها للدارة المريكيللة‪ ،‬وكللانت المسللألة‬
‫‪90‬‬

‫مسألة تلوقيت‪ ،‬وللم يكلن هنلاك ‪-‬فيملا يبلدو‪ -‬أنسلب ملن‬
‫أحللداث ‪ 11‬سللبتمبر لتحويللل هللذه المشللاريع إلللى واقللع‬
‫ملموس‪.‬‬
‫الداء المزمن‬
‫يعاني القتصاد المريكي منذ مللدة طويلللة مللن مشللكلتين‬
‫جوهريللتين تهللددان اسللتقراره وازدهللاره علللى المللدى‬
‫الطويللل‪ ،‬وتضللاعف إحللداهما حللدة الخللرى‪ .‬الولللى هللي‬
‫المديونية المفرطة‪ ،‬والثانية هي تدهور التركيبللة السللكانية‬
‫للمجتمع المريكي‪.‬‬
‫المديونية‬
‫أما المديونية‪ ،‬فإن الوليات المتحدة كانت ‪ -‬إلللى مللا قبللل‬
‫تولي الرئيس ريجان الرئاسة في ‪1980‬م‪ -‬تعد أكبر دولللة‬
‫دائنة في العللالم‪ ،‬ثللم بفضللل سياسللات ريجللان التوسللعية‪،‬‬
‫أصبحت في ‪1985‬م أكبر دولة مدينة في العالم‪ ،‬بل وفللي‬
‫التاريخ أيضًا‪ .‬وقد بلللغ حجللم المديونيللة فللي عللام ‪1993‬م‬
‫أربعة تريليون دولر أمريكي‪ ،‬وبلغ حجم الفوائد المدفوعللة‬
‫نحو ‪ 290‬مليار دولر سنويًا‪ .‬مما حدا بعللدد مللن المحلليللن‬
‫إطلق تحللللذيرات بشللللأن الملءة الئتمانيللللة للحكومللللة‬
‫المريكية وقدرتها على الوفاء بديونها‪ .‬وصدر آنللذاك كتللاب‬
‫هاري فيجي المعللروف‪" :‬إفلس ‪ ،"1995‬الللذي حللذر فيلله‬
‫من أنه إذا استمرت معدلت نمو الدين‪ ،‬ومللا يللترتب عليلله‬
‫من الفوائد‪ ،‬على مللا هللي عليلله‪ ،‬فسللوف تتجللاوز الفللوائد ُ‬
‫ت الحكومة من الضرائب‪ ،‬ومن ثم تصللبح‬
‫المستحقة إيرادا ِ‬
‫الحكومة المريكيللة مهللددة بللالفلس‪ .‬بطبيعللة الحللال لللم‬
‫تفلس الحكومة المريكيللة فللي ‪1995‬م‪ ،‬ولكللن اسللتفحال‬
‫المديونية وتزايللد معللدلت العجللز فللي الميزانيللة أدى إلللى‬
‫نشلللوب خلف بيلللن الرئيلللس كلينتلللون –آنلللذاك‪ -‬وبيلللن‬
‫الكونجرس حول إقللرار الميزانيللة‪ ،‬وأدى هللذا الخلف إلللى‬
‫إعلن مؤسسة "موديز" المختصة بللالتقييم الئتمللاني أنهللا‬
‫سللتراجع التصللنيف الئتمللاني لفئة مللن سللندات الخزينللة‬
‫المريكية تبلغ قيمتها ‪ 387‬مليار دولر‪ ،‬وكللان ذلللك بمثابللة‬
‫صدمة للسواق المالية‪.‬‬

‫‪91‬‬

‫اليوم تبلغ ديللون الحكومللة الفدراليللة المعلنللة أكللثر مللن ‪6‬‬
‫تريليللون دولر‪ ،‬فللي حيللن يقللدر الخللبراء أن الللديون غيللر‬
‫المعلنللة )الللتي تقترضللها الحكومللة مللن صللندوق الضللمان‬
‫الجتماعي ونحوه( قد تصلل إلللى مقلدار مماثللل‪ .‬وتللتراوح‬
‫الفوائد التي تدفعها الحكومة من الميزانية بيللن ‪220-170‬‬
‫مليللار دولر سللنويًا‪ .‬أمللا العجللز التجللاري فيبلللغ نحللو ‪500‬‬
‫مليار دولر سنويا‪ ،‬في حين يبلغ إجمالي مديونية القتصللاد‬
‫المريكي )القطاع العام والخاص عدا القطاع المالي( أكثر‬
‫مللن ‪ 19‬تريليللون دولر )هللذه الرقللام مستخلصللة مللن‬
‫إحصائيات البنك الحتياطي الفيدرالي(‪.‬‬
‫والمؤشرات تدل على أن المديونية المريكية فللي ازديللاد‪.‬‬
‫وباتفاق الخبراء‪ ،‬فإن هذا النمو ل يمكن أن يستمر إلى مللا‬
‫ل نهايللة‪ .‬فالللديون تجعللل القتصللاد مكبل ً بقيللود الفللوائد‬
‫المستحقة سنويًا‪ ،‬ول مفر للتخلص ملن هلذه القيللود الللتي‬
‫تنمو وتزيد مع الزمن سوى البحث عن مللوارد جديللدة‪ .‬ول‬
‫شك أن أهم وأخطر المللوارد اليللوم هللو النفللط‪ ،‬وإذا كللان‬
‫العراق يرقد على ثاني أكبر مخزون من النفط في العالم‪،‬‬
‫وكان النظللام العراقللي ُيعللد خارجلا ً عللن القللانون لسللباب‬
‫شللتى‪ ،‬فالنتيجللة الطبيعيللة هللي تللوجه الطمللاع إلللى هللذا‬
‫المخزون‪ ،‬وتحويله لنقلاذ الدوللة القلوى فلي العلالم ملن‬
‫الفلس‪ ،‬بدل ً من بقائه بيد نظام منبللوذ دولي لًا‪ .‬ولللذلك لللم‬
‫يكن غريبا ً أن يتزامن تحذير المحلليللن مللن تهديللد الفلس‬
‫الذي تواجهه الحكومة المريكيللة‪ ،‬وإعلن مللوديز لمراجعللة‬
‫الملءة المالية لسندات الخزينة‪ ،‬مع ظهور الخطة الداعيللة‬
‫إلى احتلل العللراق والتحكللم فللي مللوارده النفطيللة‪ .‬لكللن‬
‫إدارة الرئيس كلينتون لم تكللن ترغللب فللي تحمللل العبللاء‬
‫السلبية لهذا القرار‪ ،‬خاصللة فللي غيللاب الفرصللة الملئمللة‬
‫محليا ً ودوليًا‪ ،‬ولذلك أخرت الموضللوع ليكللون مللن نصلليب‬
‫الدارة التي تليها‪.‬‬
‫التركيب السكاني‬
‫لللو للم يكللن القتصللاد المريكللي يعلاني إل ملن المديونيلة‬
‫لكفاه‪ ،‬لكن هناك مشكلة أخرى من شأنها أن تسبب كارثة‬
‫للقتصاد المريكي ما لم يتم علجها بشكل فعال‪ ،‬لكن مع‬
‫‪92‬‬

‫غللرق القتصللاد فللي المديونيللة‪ ،‬يتعللذر العلج ومللن ثللم‬
‫تتضاعف الكارثة‪.‬‬
‫هللذه المشللكلة باختصللار هللي تزايللد نسللبة كبللار السللن‬
‫والمتقاعللدين فللي المجتمللع المريكللي‪ ،‬وفللي المجتمعللات‬
‫الغربيللة عمومللًا‪ ،‬وهللي نتيجللة طبيعيللة لتنللاقص معللدلت‬
‫المواليد من جهة‪ ،‬ونقص معللدلت الوفيللات المبكللرة مللن‬
‫جهللة أخللرى‪ .‬وتنللاقص معللدلت المواليللد بللدوره نشللأ مللن‬
‫تدهور وضللع السللرة فللي الغللرب‪ ،‬وشلليوع العلقللات غيللر‬
‫الشرعية وانفراط القيم الخلقية‪.‬‬
‫ومللع تزايللد نسللبة كبللار السللن وتنللاقص نسللبة الشللباب‬
‫والقادرين على العمل‪ ،‬يتزايللد عبللء الضللمان الجتمللاعي‬
‫الللذي يللوفر التقاعللد لكبللار السللن‪ ،‬مللن خلل مسللاهمات‬
‫العاملين عبر ما يسمى )ضريبة الضمان الجتماعي( وذلك‬
‫أن الضمان الجتماعي في الوليللات المتحللدة مبنللي علللى‬
‫إعطاء المتقاعدين مستحقاتهم من خلل ضللريبة الضللمان‬
‫الجتماعي التي تفرض على العاملين‪ .‬فكلما كللانت نسللبة‬
‫المتقاعللدين إلللى العللاملين أقللل‪ ،‬كلمللا كللانت التعويضللات‬
‫المتاحة للمتقاعدين أوفر‪ ،‬والعكس بالعكس‪ .‬والحاصل هو‬
‫أن هذه النسبة تتنللاقص مللع الزمللن‪ ،‬حيللث يتوقللع أن تبلللغ‬
‫نسبة نمو شريحة المتقاعدين )الذين تزيد أعمللارهم علللى‬
‫‪ 65‬عامًا( ‪ %90‬خلل العقود الثلثللة القادمللة‪ ،‬لتصللل إلللى‬
‫‪ 69‬مليونًا‪ ،‬بينما تنمو شريحة العاملين )ممن هللم دون ‪65‬‬
‫عامًا( بمعدل ‪ %15‬فقط‪ ،‬لتصل إلى ‪ 195‬مليون لًا‪ .‬وبللذلك‬
‫يتوقللع أن تكللون نسللبة المتقاعللدين إلللى العللاملين فللي‬
‫‪2030‬م ‪ 2:1‬بحيث يكون لكل متقاعد عاملن اثنان فقط‪.‬‬
‫فللي حيللن كللانت هللذه النسللبة أول مللا أنشللئ الضللمان‬
‫الجتمللاعي قبللل نحللو ‪ 70‬عاملا ً تبلللغ ‪ ، 50:1‬أي خمسللين‬
‫عامل ً لكل متقاعد‪.‬‬
‫وسيترتب على ذلك أن تصللبح الميزانيللة اللزمللة للضللمان‬
‫الجتمللاعي تعللادل ‪ %15‬مللن الللدخل المحلللي للقتصللاد‬
‫المريكي‪ ،‬أو ما يعادل تقريبا ً ‪ 3-2.5‬تريليللون دولر سللنويا ً‬
‫)بناء على ما جاء فللي تقريللر لجنللة الكللونجرس للميزانيللة‬
‫المعد في ‪2001‬م(‪.‬‬
‫‪93‬‬

‫ولكن واقع المر أن صندوق الضمان الجتماعي يعاني من‬
‫مشللكلتين‪ :‬أولهمللا أن معللدل النفللاق علللى المتقاعللدين‬
‫سيتجاوز مقدار الضللريبة المللأخوذة مللن العللاملين بحلللول‬
‫عام ‪2018‬م‪ .‬واعتبارا ً من ذلللك الللوقت سلليحتاج صللندوق‬
‫الضمان الجتمللاعي إللى مصللادر خارجيلة لتمويللل العجلز‪.‬‬
‫ونظللرا ً لن الصللندوق حكللومي بطبيعللة الحللال‪ ،‬فسللتكون‬
‫الحكومة هي المسؤولة عن سد العجز‪.‬‬
‫المشللكلة الثانيللة‪ :‬أن الفللائض الللذي تراكللم لللدى صللندوق‬
‫الضللمان خلل العقللود الماضللية قللد اقترضللته الحكومللة‬
‫لتمويللل نفقاتهللا الخللرى‪ .‬وهللذا يعنللي أن عبللء الضللمان‬
‫الجتمللاعي علللى الحكومللة صللار مضللاعفًا‪ :‬فهللي بحاجللة‬
‫لسداد الديون الماضية لتغطيللة عجللز الصللندوق‪ ،‬كمللا أنهللا‬
‫ملزمة بتغطية ما يزيد عن ذلك من مصاريف الضمان‪.‬‬
‫وهذا يعني أنه يجللب علللى الحكومللة المريكيللة أن تسللتعد‬
‫لتوفير هذه المبللالغ الطائلللة لهللذه الشللريحة الكللبيرة مللن‬
‫المجتمع‪.‬‬
‫والوسائل المتاحة للحكومة لذلك ل تخرج عن ثلثة‪:‬‬
‫ القتراض‪،‬‬‫ الضريبة‪،‬‬‫ زيادة إصدار النقود‪.‬‬‫أما القتراض فهللو خيللار متعللذر بسللبب المديونيللة العاليللة‬
‫التي تستهلك فوائدها خمللس الميزانيللة حالي لًا‪ ،‬وأي توسللع‬
‫في القللتراض مللن شلأنه أن يهللدد ثقللة المسللتثمرين فللي‬
‫السندات المريكية‪ ،‬ويعرض من ثم الللدولر إلللى النهيللار‪.‬‬
‫أما الضريبة فقد تزايدت ضريبة الضللمان الجتمللاعي عللبر‬
‫السنين إلى حد أن زيادتها أكثر مما سللبق ستصللبح ضللارة‬
‫بالقتصاد‪ ،‬وقد ل تفي بالمبالغ المطلوبة‪.‬‬
‫أما إصدار النقود فسيؤدي إلى تدهور قيمة الللدولر‪ ،‬ومللن‬
‫ثم إلى تهديد القتصاد المريكي أكثر من ذي قبل‪.‬‬
‫وإذا لم تنجح الحكومة المريكيللة فللي سللد عجللز الضللمان‬
‫الجتماعي فيصبح المجتمع المريكي مهددا ً بنقص حاد في‬
‫دخول شريحة كبيرة من أعضائه‪ .‬ونظللرا ً للثقللل النتخللابي‬
‫لهذه الشريحة فليس من مصلحة أي حكومة أن تتجاهلهللا‪،‬‬
‫‪94‬‬

‫ولكن الحللال أنلله ل توجللد مللوارد لحللل المشللكلة‪" .‬كيفمللا‬
‫نظرت إلى المر"‪ ،‬يقول القتصللادي المريكللي المعللروف‬
‫)بول كروجمان(‪" :‬تجد المستقبل مخيفًا"‪.‬‬
‫وإذا كان المر بهذه الخطللورة فل بلد مللن بحللث عللن حللل‬
‫خارج الطار المعتاد‪ ،‬وهذا يقود إلى محاولة تأمين مصللادر‬
‫خارجية للثروة‪ ،‬وأبرز هللذه المصللادر وأهمهللا هللو الطاقللة‪.‬‬
‫ومللرة أخللرى نجللد المؤشللرات تتجلله نحللو آبللار النفللط؛‬
‫لمواجهة الن ُ ُ‬
‫ذر التي تهدد القتصاد المريكي‪.‬‬
‫الحرب‬
‫إن إقدام الدارة المريكية على احتلل منابع النفللط ليللس‬
‫قرارا ً ارتجاليًا‪ .‬وبالرغم مما يتسم به القللرار مللن الكبريللاء‬
‫والغطرسة والستعلء والرغبة في استكثار المال والتحكم‬
‫في الثروة‪ ،‬إل أنه في الحقيقة ينبع ممللا هللو أعمللق وأبعللد‬
‫من ذلك‪ :‬إنه محاولة لنقاذ القتصاد المريكي من النهيللار‬
‫تحللت وطللأة الللديون والفللوائد الربويللة المتراكمللة عليلله‪،‬‬
‫وتحللت وطللأة اختلل التركيبللة السللكانية‪ ،‬وتزايللد نسللبة‬
‫المعتمدين على الضمان الجتماعي‪.‬‬
‫وعبر التاريخ نشبت العديد من الحروب الللتي دفعللت إليهلا‬
‫أغلل الديون وآصار الربا‪ ،‬وهاهو التاريخ اليوم يعيد نفسه‪.‬‬
‫ولقد صدق الله تعالى إذ يقللول‪} :‬فللإن لللم تفعلللوا فللأذنوا‬
‫بحرب من الله ورسوله{‪ ،‬ومن مظاهر إعلن الحرب على‬
‫الله وآثاره‪ :‬نشوب الحللروب بيللن الللدول لتللوفير المصللادر‬
‫اللزمة لسداد الديون أو مجرد التخفيف منها‪.‬‬
‫ويتضح مما سبق العلقة الوثيقة لليهود بهذه الحرب‪ ،‬فمن‬
‫جهة فإن اليهللود هللم الللذين تبنللوا النظللام الربللوي السللائد‬
‫اليوم‪ ،‬والذي يتمثل بأجلى صلوره فلي الوليللات المتحللدة‪،‬‬
‫فأغرقوها بالديون ليجمعوا أكبر قدر ممكن من الثروة من‬
‫خلل الفللوائد الربويللة المترتبللة عليهللا‪ ،‬فأصللبحت أمريكللا‬
‫عاجزة عن الوفاء إل من خلل الستيلء على مصادر ثروة‬
‫خارجيللة‪ .‬ومللن جهللة يطمللح اليهللود إلللى بنللاء "إسللرائيل‬
‫الكبرى" التي تمتد من الفرات إلى النيل‪ ،‬ويشكل العللراق‬
‫جللزءا ً مهم لا ً مللن هللذا الكيللان‪ .‬فللاليهود ورطللوا القتصللاد‬
‫المريكللي‪ ،‬فللي هللذه المعضلللة‪ ،‬ثللم هللاهم أولء يوجهللونه‬
‫‪95‬‬

‫للخروج منها مللن خلل التللورط فللي معضلللة جديللدة هللي‬
‫الحرب‪ .‬وصدق الله فيهم إذ يقول‪} :‬ويسعون فللي الرض‬
‫فسادا ً والله ل يحب المفسدين{‪.‬‬
‫نظرة استشرافية‬
‫بللالرغم مللن كللل مللا يكيللده اليهللود الصللهاينة واليميللن‬
‫المسلليحي للمسلللمين‪ ،‬فللإن الللله تعللالى راد كيللدهم فللي‬
‫نحرهم‪ ،‬وجاعل عاقبة مكرهم خسارة عليهللم‪} :‬إن الللذين‬
‫كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله‪ .‬فسينفقونها‬
‫ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون{‪ .‬فمآل ما تسللعى إليلله‬
‫الدارة المريكية أقرب إلى أن يكون وبللال ً علللى القتصللاد‬
‫المريكي من أن يكون إنقاذا ً له من الكوارث التي تهدده‪.‬‬
‫فمن جهة ستكلف هللذه الحللرب مللا ل يقللل عللن ‪75‬مليللار‬
‫دولر من النفقات المباشرة‪ ،‬أما النفقللات غيللر المباشللرة‬
‫سواء أثناء الحرب أو بعدها‪ -‬فقللد تصللل إلللى ‪ 300‬مليللار‬‫دولر‪ ،‬كما أن نشللوب الحللرب سلاهم فللي اسلتمرار حاللة‬
‫الكسللاد الللتي يعيشللها القتصللاد المريكللي منللذ العللام‬
‫‪2001‬م‪.‬‬
‫ومللن جهللة أخللرى فللإن هللذه الحللرب سللتجعل الوليللات‬
‫المتحدة دولة تعيش حالة من المواجهة مع الدول الخرى‪،‬‬
‫خاصة روسيا وأوروبا‪ ،‬وهو أمر قللد ُيحيللي مللن جديللد عهللد‬
‫الحرب الباردة‪ .‬وهللذه الحللرب سللتكلف الدارة المريكيللة‬
‫مبالغ طائللة لملدد طويللة‪ ،‬علللى غللرار مللا كبللدته الحلرب‬
‫البللاردة إبللان الثمانينيللات للقتصللاد المريكللي‪ ،‬ويكفللي أن‬
‫ول الوليات المتحدة من أكبر دولة دائنللة‪ ،‬إلللى‬
‫نعلم أن تح ّ‬
‫أكبر دولللة مدينللة كللان نتيجللة لسللباق التسلللح الللذي بللدأه‬
‫ريجان –آنذاك‪ ،(1988-1980) -‬وكللان المقصللود منلله هللو‬
‫استنزاف القتصاد السوفييتي إلى حد النهيار‪ ،‬وقد حصللل‬
‫هذا بالفعل حيث انهللار جللدار برليللن فللي ‪1990‬م وتفكللك‬
‫التحلللاد السلللوفييتي‪ ،‬تماملللا ً كملللا كلللانت تهلللدف الدارة‬
‫المريكية‪ .‬لكن ماذا كان الثمن الذي دفعته؟ إنه أكللثر مللن‬
‫‪ 6‬تريليون دولر من الديون تللدفع عليهللا فللوائد نحللو ‪200‬‬
‫مليار دولر سللنويًا‪ ،‬وهللذا يعنللي أن الوليللات المتحللدة لللن‬
‫يكون بمقدورها الدخول في حرب بلاردة جديلدة أو سلباق‬
‫‪96‬‬

‫تسلح آخر‪ ،‬إذ ليس بوسللعها أن تقللترض مثللل هللذا المبلللغ‬
‫مرة أخللرى‪ ،‬ول يبعللد أن تكللون هللذه الحللرب البللاردة‪ -‬إذا‬
‫انطلقت‪ -‬سببا ً لتزعزع الوليات المتحللدة وتصللدعها‪ ،‬علللى‬
‫غرار ما حصل للتحاد السوفييتي من قبل }جزاًء وفاقًا{‪.‬‬
‫ومن جهة ثالثة فإن الوليات المتحدة ستصبح مهددة أمنيا ً‬
‫أكثر من ذي قبل‪ ،‬وستكون من ثم أقل جذبا ً للمستثمرين‪.‬‬
‫وإذا علمنا أن نسبة كبيرة من السندات المريكيللة يملكهللا‬
‫أجانب‪ ،‬فإن تراجع هللؤلء عللن شللراء السللندات المريكيللة‬
‫سيؤدي إلى تناقص قيمتها ومن ثللم تللدهور قيمللة الللدولر‪،‬‬
‫وهللذا مللن شللأنه أن يهللدد قللدرة الخزينللة المريكيللة علللى‬
‫الوفاء‪ ،‬ومن ثم يهللدد منزلللة الللدولر كللونه عملللة رئيسللية‬
‫عالمية‪ .‬جميللع هللذه المتغيللرات تصللب فللي خانللة إضللعاف‬
‫القتصللاد المريكللي وتراجعلله‪ ،‬أكللثر ممللا لللو لللم تللدخل‬
‫الحكومة المريكية هذه الحرب‪.‬‬
‫فالحاصل أن محاوللة إنقللاذ القتصلاد المريكلي ملن خلل‬
‫الستيلء على مقللدرات الشللعوب الخللرى بللالقوة‪ ،‬أقللرب‬
‫إلى أن يفاقم من مشكلته ويضاعف من حللدتها منلله إلللى‬
‫أن يعالجها أو يقضللي عليهللا‪ ،‬وهللذه نتيجللة طبيعيللة للظلللم‬
‫والبغي والطغيان‪.‬‬
‫واجبنا‬
‫قديما ً أمر الله تعالى المسلمين أن يتعظوا بما جرى لبنللي‬
‫قريظة‪ ،‬بقوله }يخربون بيوتهم بأيديهم وأيللدي المللؤمنين‪.‬‬
‫فاعتبروا يا أولي البصار{‪ .‬والمنطللق نفسلله يللوجب علينللا‬
‫أن نعتبر بما يجري الن‪ ،‬فتدهور القتصللاد المريكللي نشللأ‬
‫مللن مشللكلتين جوهريللتين‪ :‬الللديون الربويللة‪ ،‬والنحللراف‬
‫الخلقي‪ .‬فإذا أرادت دولة ما أن تبني مجتمعها بناء متينللًا‪،‬‬
‫فعليها أن تتحصن بقوة ضد هذين المرضين‪ :‬الربللا والزنللا‪.‬‬
‫والمسلللمون أولللى النللاس بللذلك‪ ،‬فهللم يملكللون الطللار‬
‫الفكري والعقللائدي اللزم لبنللاء مجتمللع متماسللك أخلقيلا ً‬
‫واقتصاديًا‪ ،‬كمللا أن الشللريعة السلللمية نظمللت العلقللات‬
‫الجتماعية والتصرفات المالية بشكل محكم ليس له مثيل‬
‫في أي نظام تشريعي آخلر‪ .‬وقلد حلذر النلبي ‪-‬صللى اللله‬
‫عليه وسلم‪ -‬من هذين المرين خصوصًا‪ ،‬بقوله‪" :‬مللا ظهللر‬
‫‪97‬‬

‫الربللا والزنللا فللي قللوم إل أحلللوا بأنفسللهم العقوبللة" رواه‬
‫أحمد وأبو يعلى )صحيح الجامع ‪.(5634‬‬
‫لقللد كللانت الللديون والنحرافللات الخلقيللة عللبر التاريللخ‬
‫مؤشرا ً لنهيار الدول والحضارات‪ ،‬ونحن نملك بحمللد الللله‬
‫المبادئ والوسائل الكفيلة بتجنب النهيار‪ ،‬فهل نحللن علللى‬
‫قدر المسؤولية؟* مستشار اقتصادي‬
‫==============‬
‫‪#‬أولويات المرحلة القادمة !‬
‫التحرير ‪15/2/1424‬‬
‫‪17/04/2003‬‬
‫تتطلللب المرحلللة الحاضللرة والمسللتقبلية العمللل الجللاد‬
‫للحفاظ على هوية المجتمع‪ ،‬وعقيللدته‪ ،‬ووحللدته‪ ،‬وتعللاونه‪،‬‬
‫ووضللوح الرؤيللة الصللحيحة لمجريللات الحللداث القائمللة‪،‬‬
‫والنظرة بعين البصيرة استشرافا ً للمستقبل القريب‪ ،‬وقللد‬
‫أجرى موقع (السلم اليوم( ل في هذا الشأن ل حلقة حوار‬
‫لوضللع رؤيللة مسللتقبلية وعمليللة للتعامللل مللع الحللداث‬
‫والمتغيرات التي باتت تسابق سرعة الضوء‪.‬‬
‫وكللان مللن ضللمن أهللداف هللذه الحلقللة تقللديم أفكللار‬
‫وموضوعات مقترحة للمرحلة القادمللة‪ ،‬يمكللن أن يسللتفيد‬
‫منها طلبة العلم والدعاة والخطباء من جهة‪ ،‬وتحدد معللالم‬
‫المستقبل لغيرهم من جهة‪ ،‬ويسر )موقلع السللم( اليلوم‬
‫ة لنتائج هذا الحوار ‪.‬‬
‫أن يضع بين يدي قرائه الكرام خلص ً‬
‫عناوين مختصرة ؛ لنبدأ بها‬
‫تم توجيه هذا السللؤال فللي البللدء علللى عللدد مللن العلمللاء‬
‫والمهتميللن بمتابعللة المسللتجدات‪ ،‬ومنهللم‪ :‬فضلليلة الشلليخ‬
‫سلمان بن فهد العودة‪ ،‬وفضيلة الشلليخ إبراهيللم الللدويش‪،‬‬
‫وفضللليلة الشللليخ سلللعود الفنيسلللان‪ ،‬وفضللليلة الشللليخ‬
‫عبدالوهاب بن ناصللر الطريللري‪ ،‬وفضلليلة الللدكتور عللوض‬
‫القرنلللي‪ ،‬واللللدكتور خاللللد العجملللي‪ ،‬واللللدكتور عبلللدالله‬
‫الصبيح ‪.‬‬
‫حرصللنا أن تكللون إجابللاتهم عنللاوين مختصللرة وواضللحة‪،‬‬
‫ومقسللمة إلللى قسللمين‪ ،‬أولهمللا‪ :‬وصللايا للللدعاة وطلب‬
‫العلم‪ ،‬وثانيهما‪ :‬موضوعات مهمة للطرح فللي هللذا الللوقت‬
‫‪98‬‬

‫مللة؛ لتكللون لهللا الولويللة فللي‬
‫على مسللتوى الخاصللة والعا ّ‬
‫الطرح‪ ،‬وتكوين الوعي العام‪.‬‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬وصايا للدعاة‪ ،‬وطلب العلم‪:‬‬
‫‪ 01‬المشاركة الجللادة فللي مؤسسللات المجتمللع الرسللمية‬
‫منها ‪ ،‬وغير الرسمية؛ للقللرب مللن النللاس‪ ،‬والسللهام فللي‬
‫الصلح والتأثير‪ ،‬ومن ذلللك وسللائل العلم المللرئي منهللا‪،‬‬
‫والمقروء والمسموع‪.‬‬
‫‪ 02‬طللرح الصلللحات المطلوبللة مللن الدولللة باعتللدال‪،‬‬
‫ووضوح‪ ،‬ولغة صللادقة؛ اتباعلا ً لهللدي القللرآن والسللنة فللي‬
‫ذلك‪ ،‬فإن هذه الزمة كشللفت عللن ثغللرات هائلللة تتطلللب‬
‫جدية الصلح‪.‬‬
‫‪ 03‬تنوع الطرح‪ ،‬وتعدده ضمن إطار القواعد الشرعية‪.‬‬
‫‪ 04‬قبللول سللماع الللرأي المخللالف‪ ،‬مللا دام فللي دائرة‬
‫مجمعا ً عليه‪.‬‬
‫الجتهاد‪ ،‬ولم يخالف أمرا ً عََقديًا‪ ،‬أو ُ‬
‫‪ 05‬دعوة الطوائف المخالفة لهل السللنة‪ ،‬مللع المحافظللة‬
‫على عدم تأجيج النزعة الطائفية؛ تفويتا ً لفرصة العدو فللي‬
‫استثمار الخلف الطائفي والمذهبي‪.‬‬
‫‪ 06‬محاورة جميع شللرائح المجتمللع‪ ،‬واكتشللاف المسللاحة‬
‫الواسللعة مللن المتفللق عليلله واسللتثمارها‪ ،‬والتعللاون مللع‬
‫الجميع في القدر المشترك‪ ،‬مللع الللدعوة والمناصللحة فللي‬
‫مساحة الختلف بالطريقة المناسبة للصلح ‪.‬‬
‫‪ .7‬دعوة المبهورين بالنموذج الغربللي‪ ،‬وبيللان تهللافته فللي‬
‫الميدان العملي‪ ،‬وإدارة الحوار حول ذلك‪.‬‬
‫ة‪ ،‬وتعليمًا‪ ،‬وتفقيهًا‪ ،‬واللتركيز عللى‬
‫‪ .8‬العناية بالمرأة‪ :‬دعو ً‬
‫ذلك‪ ،‬فهي مستهدفة في هذه المرحلة‪ ،‬وذلك بطرح برامج‬
‫تستوعب المرأة في المجتمع‪ ،‬بنشاطات متنوعللة‪ ،‬تناسلب‬
‫جميع شرائح المجتمع‪.‬‬
‫‪ 09‬بللث المعللاني العقديللة الكللبيرة فللي نفللوس الللدعاة‪،‬‬
‫وطلب العلللم؛ بللل وعامللة النللاس أيض لًا‪ ،‬مثللل‪ :‬اليمللان‪،‬‬
‫التوكل‪ ،‬اليقين‪ ،‬حسن الظن بالله‪ ،‬والثقة به‪ ،‬عللدم القلللق‬
‫والتللوتر إزاء الحللداث‪ ،‬الرتبللاط بللالله – عللز وجللل ‪، -‬‬
‫والعللتراف بالخطللأ والمسللؤولية‪ ،‬وليللس إلقاؤهللا علللى‬
‫الخرين‪.‬‬
‫‪99‬‬

‫‪ 010‬التواصي بحفظ أمللن المجتمعللات المسلللمة؛ فكري لا ً‬
‫واجتماعيا ً واقتصاديًا‪ ،‬والتعللاون علللى ذلللك بكللل الوسللائل‬
‫الممكنة شرعًا‪.‬‬
‫‪ 011‬الجتهللللاد فللللي حمايللللة المؤسسللللات الشللللرعية‪،‬‬
‫والتعليمية‪ ،‬والغاثية‪ ،‬وغيرها‪ ،‬وعدم العمل علللى زعزعتهللا‬
‫أو تقليصها‪.‬‬
‫‪ 012‬محاولة تحويل جهود الفراد – ما أمكن‪ -‬إلللى أعمللال‬
‫مؤسسية تقوم على الدراسة والتشللاور؛ لتحقللق مكاسللب‬
‫أوسع‪.‬‬
‫‪ 013‬الجد في بناء علقات وثيقة بين العاملين فللي مجللال‬
‫الدعوة والصلح‪ ،‬وتقوية التعاون‪ ،‬وتعميق التواصل بينهم‪،‬‬
‫وتللدارس المسللتجدات بحيويللة وشللفافية وجديللة وعللدم‬
‫تباطؤ‪.‬‬
‫‪ .14‬تعميق التلحم بين فئات المجتمللع العمليللة والداريللة‪،‬‬
‫والعامللة والخاصللة‪ ،‬والتعللاون بينهللم فيمللا يخللدم السلللم‬
‫والمسلمين‪ ،‬وكل ما فيه مصلحة البلد والعباد‪.‬‬
‫‪015‬عدم احتقار النفس بأي جهد يقللوم بلله الداعيللة‪ ،‬فهللو‬
‫على ثغر‪.‬‬
‫‪ 016‬محاورة كل من للله فكللرة غاليللة‪ ،‬أو رأي مللؤثر فللي‬
‫المللة وشللبابها‪ ،‬محللاورة علميللة مؤصلللة؛ لتوصللل إلللى‬
‫الهداف المرجوة‪.‬‬
‫‪ 017‬بث الثقة في العلماء الربانيين‪ ،‬والرجللوع إليهللم فللي‬
‫الزمات والنوازل‪.‬‬
‫‪ 018‬بث معللاني الخللوة بيللن أفللراد المجتمللع‪ ،‬واسللتيعاب‬
‫أسللباب الخلف‪ ،‬ومحاصللرة مظللاهر القطيعللة والتنللافر‪،‬‬
‫والحرص عللى التماسلك اللداخلي بكلل ملا يسلتطاع ملن‬
‫الوسائل المناسبة‪ ،‬وتفويت الفرصة على كل عدو يستثمر‬
‫الفرقة‪.‬‬
‫‪ 019‬الهتمللام بالشللباب الجللاد‪ ،‬ومحللاورتهم‪ ،‬والجلللوس‬
‫معهلللم فلللي موضلللوعات جلللادة ملللن خلل جلسلللاتهم‪،‬‬
‫ورحلتهم…‪ ،‬وغيرها‪.‬‬

‫‪100‬‬

‫‪ 020‬إظهار التفاؤل والبشائر وعدم اليللأس‪ ،‬مللع الوقللوف‬
‫على الداء‪ ،‬ومعالجته بالساليب المناسبة‪ ،‬ويدخل في ذلك‬
‫أهمية إظهار نقاط الضعف عند العدو‪ ،‬ومواضع الخلل‪.‬‬
‫‪ 021‬الحرص على عدم مخالفة الجماعة‪ ،‬مهمللا كللان رأي‬
‫المخالف عنده راجحًا‪ ،‬ورأي غيره مرجوحًا‪ ،‬فالتفاق علللى‬
‫المرجوح – ما دام ضللمن الضللوابط الشللرعية‪ -‬أولللى مللن‬
‫الختلف‪.‬‬
‫‪ 022‬كتابللة مشللاريع إصلللحية جللادة‪ ،‬مجتمعللة ومتفرقللة‪،‬‬
‫تقللدم للحكوملات بالسلاليب المناسللبة؛ أمللرا ً بلالمعروف‪،‬‬
‫ونهيا ً عن المنكر‪.‬‬
‫ثاني لًا‪ :‬موضللوعات مهمللة للطللرح فللي هللذا الللوقت علللى‬
‫مستوى الخاصة والعامة‪:‬‬
‫‪ 01‬اليمان بالله وتعميقه‪ ،‬وعوامل زيادته‪ ،‬وأثره‪.‬‬
‫‪ 02‬التوكللل علللى الللله مفهللومه‪ ،‬وأهميتلله‪ ،‬وواقللع النللاس‬
‫تجاهه‪.‬‬
‫‪ 03‬التفاؤل‪ ،‬والتشاؤم‪ ،‬وأثرهما‪.‬‬
‫‪ 04‬الدعاء‪ ،‬وأثره في حل المعضلت ونصر المة‪.‬‬
‫‪ 05‬مواقلف رسلول اللله – صللى اللله عليله وسللم‪ -‬فلي‬
‫الزمات والمهمات‪.‬‬
‫‪ 06‬مصادر التلقي بين الفراط والتفريط‪.‬‬
‫‪ 07‬الجتماع وتوحيد الكلمة‪ ،‬وأثر ذلك‪ ،‬والفرقة وأثرها‪.‬‬
‫‪ 08‬مفهوم الجهاد‪ ،‬وأنواعه‪ ،‬ووسللائله‪ ،‬ويللدخل فيلله إعللداد‬
‫العدة‪.‬‬
‫‪ 09‬الصدق مع الله – تعالى‪ -‬وأثره‪.‬‬
‫‪ 010‬المخَرج من الفتن‪.‬‬
‫‪ 011‬الشاعات‪ ،‬وأثرها في خلخلة الصف‪.‬‬
‫‪ 012‬العلماء‪ :‬مكانتهم‪ ،‬وأهمية الرجوع إليهم‪ ،‬والثقة بهم‪.‬‬
‫‪ 013‬الرجاف‪ ،‬وأساليب المرجفين والمنافقين‪.‬‬
‫‪ 014‬المصالح والمفاسد العامة‪ ،‬وضوابطها‪.‬‬
‫‪ 015‬الخلف بين أهل العلم‪ ،‬والتعامل معه‪.‬‬
‫‪ 016‬تربية النفوس على الجد والجهاد‪.‬‬
‫‪ 017‬المن‪ ،‬والمحافظة عليه وأثره‪ ،‬وخطورة الفوضى‪.‬‬
‫‪ 018‬اليجابية في التعامل مع الحداث‪.‬‬
‫‪101‬‬

‫‪ 019‬النصر‪ ،‬والهزيمة‪ ،‬المفهوم والعوامل‪.‬‬
‫‪ 020‬العتصام بالكتاب و السنة؛ مفهوما ً وتطبيقًا‪.‬‬
‫‪" 021‬إن كيد الشيطان كان ضعيفا ً "‪.‬‬
‫‪ 022‬الللواجب والمؤمللل فللي مثللل هللذه الوقللات علللى‬
‫الشباب‪..‬‬
‫‪ 023‬المرأة‪ :‬واجبها‪ ،‬وما يراد لها‪.‬‬
‫‪ 024‬العداء‪ ،‬ووسائلهم‪ ،‬ومخططاتهم ضد السلم وأهله‪.‬‬
‫‪ 025‬البيت المسلم‪ ،‬والمحافظة على تماسكه‪.‬‬
‫‪ 026‬المكتسبات الشرعية‪ ،‬والمحافظة عليها‪.‬‬
‫واسلللتكمال للرؤيلللة قمنلللا أيضلللا ً باسلللتكتاب علللدد ملللن‬
‫الشخصلليات العلميللة والثقافيللة وسللألناهم ‪-‬أيضللًا‪ -‬عللن‬
‫"أولويات المرحلة القادمة" من وجهة نظرهم‪ ،‬وقد قللاموا‬
‫مشللكورين بالتفاعللل مللع هللذه القضللية ويسللرنا ان ننشللر‬
‫إجاباتهم بين إيديكم‪ ،‬مصنفة حسب موضوعها‪...‬‬
‫الرجوع إلى الله هو خط البداية‬
‫ل يمكن أن نتحدث عن أولويات المرحلة القادمللة دون أن‬
‫نبدأ بهذه القضية الللتي أجمللع المشللاركون علللى أهميتهللا‪،‬‬
‫وضرورة التأكيد عليها‪ ،‬يقول فضيلة الشيخ الدكتور ريللاض‬
‫المسيميري‪ :‬ضرورة العودة الصادقة إلى الله تعالى علللى‬
‫جّربللت جميللع المللذاهب‬
‫مسللتوى الللدول والشللعوب‪ ،‬فقللد ُ‬
‫والمناهج الرضية؛ فلم يفلح منها شيء فللي تحقيللق إنجللاز‬
‫ُيللذكر سللواء فللي المجللال العسللكري‪ ،‬أو القتصللادي‪ ،‬أو‬
‫الجتماعي‪ ،‬ويمكللن أن تتحقللق العللودة إلللى الللله بإسللهام‬
‫الللدول‪ ،‬والشللعوب‪ ،‬والعلمللاء‪ ،‬والللدعاة فللي نشللر الللوعي‬
‫سّنن المحمدية‪ ،‬وتخليص الدين بمللا علللق‬
‫الديني‪ ،‬وبعث ال ُ‬
‫به من الخرافة والبدعة‪.‬‬
‫ويؤكد فضيلة الشيخ محمد الدحيم على أهمية ربط الناس‬
‫بربهم وخالقهم؛ حتى يعلموا أن النصر من عنللد الللله‪ ،‬وأن‬
‫المر له يؤتي وينزع‪ ،‬ويعز ويذل‪ ،‬وأن الخيللر فيمللا يختللاره‬
‫جل جلله‪ .‬مع الخللذ بعيللن العتبللار أن يكللون هللذا الربللط‬
‫ف تغلللب فيلله العواطللف‪ ،‬وُتلغللى فيلله‬
‫ليس ردة فعل تصّر ٍ‬
‫العقول‪ ،‬وليكن هللذا الربللط حللافزا ً لعللداد القللوة‪ ،‬والتهيئة‬
‫للنصر ‪.‬‬
‫‪102‬‬

‫صل هذا المعنى فضيلة الشيخ الللدكتور حمللد الحيللدري‬
‫وُيف ّ‬
‫ببعض التوجيهات‪ ،‬منها‪:‬‬
‫ الفرار إلى الله تعالى والصدق في ذلك‪ ،‬فإن من تقللرب‬‫منه –تعالى‪ -‬ذراعا ً تقرب إليلله – سللبحانه‪ -‬باعلا ً ومللن أتللاه‬
‫يمشي أتاه –سبحانه‪ -‬هرولة‪ ،‬وهو الغني سبحانه ‪.‬‬
‫التعرف على الله تعالى في الرخاء بشللكر نعملله‪ ،‬وكللثرة‬‫دعللائه‪ ،‬وفللي حللديث ابللن عبللاس –رضللي الللله عنهمللا‪-‬‬
‫مرفوعًا‪":‬تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة"‬
‫كثرة الدعاء‪ ،‬واللحاح فيه‪ ،‬وعللدم اليللأس أو السللتعجال؛‬‫فيكثر المسلللم مللن الللدعاء لنفسلله‪ ،‬ولمجتمعلله ‪ ،‬ولمتلله‪،‬‬
‫ويلح في ذلك‪ ،‬وفي الحديث‪":‬ل يرد القدر إل الدعاء"‪.‬‬
‫الصلح‪ ،‬والمر بالمعروف‪ ،‬والنهي عن المنكر‪ ،‬بالطريقة‬‫الشرعية التي ل تفسد القلللوب؛ بللل تؤلفهللا وتحبللب إليهللا‬
‫الخير وأهله‪ ،‬فالصلح سبب للنجاة "وما كان ربللك ليهلللك‬
‫القرى بظلم وأهلها مصلحون" وأول مللا يبللدأ بلله النسللان‬
‫إصلح نفسه‪ ،‬وأهل بيته‪.‬‬
‫كثرة الستغفار الصادق‪ ،‬قال الله تعللالى‪":‬ومللا كللان الللله‬‫معذبهم وهم يستغفرون"‪.‬‬
‫كللثرة الصللدقة والحسللان إلللى عبللاد اللله‪ ،‬فللإن الصللدقة‬‫تطفئ الخطيئة‪ ،‬والخطيئة سللبب كللل مصلليبة‪ ،‬والحسللان‬
‫إلللى العبللاد سللبب لرحمللة الللله "والراحمللون يرحمهللم‬
‫الرحمن"‪.‬‬
‫ويواصل فضلليلته‪ :‬وقبللل ذلللك وبعللده‪ ،‬التنبلله إلللى السللبب‬
‫الحقيقي لمللا يحصللل مللن تسلللط علللى المسللمين‪ ،‬وذللة‬
‫واقعة بهم‪ ،‬ثم طلب السباب الحقيقية للتخلللص مللن هللذا‬
‫الواقع المرير‪ ،‬والسبب الحقيقي قد وضللحه الللله –تعللالى‪-‬‬
‫بقوله‪":‬وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيللديكم ويعفللو‬
‫عن كثير"‪،‬وقوله تعالى‪" :‬أو لما أصابتكم مصيبة قد أصللبتم‬
‫مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم"‬
‫تفعيل دور العلماء والدعاة‬
‫من ضمن القضايا الللتي أكللد عليهللا المشللاركون "ضللرورة‬
‫تفعيل دور العلماء والدعاة فللي هللذه الزمللة"‪ ،‬ففللي ذات‬
‫السياق يتوجه فضيلة الشيخ الدكتور أحمد أبللا بطيللن إلللى‬
‫‪103‬‬

‫ملهللم مسللؤولية المشللاركة فللي وضللع‬
‫علمللاء المللة‪ ،‬ويح ّ‬
‫الحلول لهذه الزمة‪ ،‬واللتفللات حللولهم‪ ،‬ومطللالبتهم بعقللد‬
‫جلسللات طللارئة لستصللدار قللرارات تنطلللق مللن رؤيللة‬
‫شرعية‪ ،‬يوضح فيها كيفية التعامل مع هذه الحللداث وقللت‬
‫الفتن‪.‬‬
‫ويرى الشيخ هللاني الجللبير أل ُيكتفللى بتصللريحات وفتللاوى‬
‫وأقوال العلماء والمفكريلن منفلردة؛ بلل ل بلد ملن وجلود‬
‫فتاوى وتوجيهات جماعية تتسللم بالسللرعة‪ ،‬والمبللادرة مللع‬
‫التعقل في الطرح‪.‬‬
‫ويؤكد الشيخ علي اللمعللي علللى ضللرورة اتصللال الللدعاة‬
‫بالشخصلليات المعتللبرة فللي الدولللة؛ ليصللال فكللرة "أننللا‬
‫جميعا ً أمام عللدو مشللترك‪ ،‬فيجللب التعللاون للوقللوف فللي‬
‫وجهة‪ ،‬وصده عن مخططاته التي أصلبح يرددهلا علنلا ً دون‬
‫مواربة ول استحياء‪ ،‬قال تعالى‪" :‬ما يود الذين كفللروا مللن‬
‫أهل الكتاب ول المشركين أن ُينزل عليكللم مللن خيللر مللن‬
‫ربكم" الية‪.‬‬
‫والتأكيد على العلمللاء بللأن يكللون لهللم دور واضللح ومعلللن‬
‫فيما يجري‪ ،‬وتذكيرهم بما عليه الناس مللن المعانللاة ومللن‬
‫فقدان الثقة‪ ،‬وأنه ل بللد لهللم مللن بيللان مشللترك؛ يسللمعه‬
‫العدو‪ ،‬وينتفع به الناس فيجبر الكسر ويعيد للنللاس المللل‪،‬‬
‫قال تعالى‪ " :‬وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه‬
‫للناس ول تكتمونه" الية‪.‬‬
‫يرى فضيلة الشيخ أحمد الخضيري‪" :‬ضرورة قيام العلماء‪-‬‬
‫وبخاصة من أحيلت إليهم أمور إفتاء الناس‪ -‬بللواجبهم فللي‬
‫بيان الموقف الشرعي للمسلم من هذه الحداث؛ حللتى ل‬
‫تضطرب أفكار الناس‪ ،‬فيتجهوا إلى الخللذ بفتللاوى شللاذة‪،‬‬
‫أو آراء متعجلللة يطالعونهللا فللي وسللائل العلم المختلفللة‪،‬‬
‫وينشأ عن ذلك ابتعادهم عن التصال بكبللار العلمللاء وأهللل‬
‫الحل والعقد ‪ ،‬وإذا ابتعد الناس عللن أهللل العلللم التمسللوا‬
‫البديل في بعض الفتاوى التي ل ُيطمأن إليها‪ ،‬أو إلللى مللن‬
‫أصدرها ‪ ،‬وبخاصة مللع ازديللاد مسللاحة حريللة الكلمللة عمللا‬
‫كانت عليه سابقا ‪ .‬كما أن في بيان أهل العلم وتوضلليحهم‬
‫هذه الحكام لعامة الناس وطلبة العلم ما يعزز الثقللة بهللم‬
‫‪104‬‬

‫ويقوي الرتباط معهم ويسللاعد فللي القضللاء علللى مللا قللد‬
‫يحدثه الشيطان في النفوس من الظنون السيئة‪.‬‬
‫العلقة اليجابية المتبادلة بين العلماء والشباب‬
‫ربمللا شللعر الجميللع مللن خلل تللوالي الزمللات بالنجللذاب‬
‫الطللبيعي بيللن هللاتين الشللريحتين ‪ ...‬العلمللاء والشللباب‪،‬‬
‫واختلفللت مسللتويات هللذا التفاعللل مللدا ً وجللزرًا‪ .‬فللي هللذا‬
‫الصللدد يؤكللد فضلليله الشلليخ أحمللد الخضلليري‪ :‬إن علللى‬
‫العلماء أن ينزلوا إلى الشللباب‪ ،‬ويصللبروا علللى محللاورتهم‬
‫والسماع منهللم‪ ،‬وليعلمللوا أن حللال النللاس فللي السللنوات‬
‫الخيرة اختلف كثيًرا عما كان عليه قبل سللنوات معللدودة؛‬
‫من حيث انتشار وسائل العلم فللي كللل مكللان –تقريب ًللا‪،-‬‬
‫فأصللبح يتللوفر للمللرء سللماع ومطالعللة كللثير مللن الراء‬
‫والجتهادات المتنوعة‪ ،‬بخيرها وشلرها‪ ،‬فيقتضلي هللذا مللن‬
‫أهل العلم أن يواجهوا هذا السيل العارم بالبيللان والتللوجيه‬
‫في النوازل التي تهم المة عللبر وسللائل العلم المتاحللة ‪،‬‬
‫وبخاصة مع ازدياد مساحة حرية الكلمللة عمللا كللانت عليلله‬
‫سابقا‪.‬‬
‫وفي هذا السياق يؤكد فضيلة الدكتور حمد الحيدري‪ :‬على‬
‫الحرص على جمع الكلمة‪ ،‬واحتواء الشباب‪ ،‬والخذ بزمللام‬
‫المبللادرة فللي ذلللك؛ لئل يكللون الشللباب مرتعللا ً خصللبا ً‬
‫للجماعللات المنحرفللة الللتي تسللتميلهم بإرضللاء العواطللف‬
‫وتغذيتها‪ ،‬ولن كبار العلماء عندهم ما يشغلهم مللن المللور‬
‫الكبار؛ فأقترح عللى كبلار اللدعاة ‪-‬مملن هلم محلل الثقلة‬
‫والقبول عند الجميللع‪ -‬أن يتولللوا هللم هللذا المللور ويكونللوا‬
‫حلقللة وصللل بيللن الشللباب وكبللار العلمللاء؛ فيكللون فللزع‬
‫الشباب وتوجههم إليهم‪ ،‬وهم يبلغون عنهم وإليهم‪.‬‬
‫ويرى فضيلة الشيخ عمر المقبل ضرورة فتح أهل العلم –‬
‫مللن علمللاء وطلبللة علللم‪ -‬أبللوابهم للشللباب والسللتماع‬
‫لصواتهم –مهما كانت توجهاتهم‪ -‬وفتح باب الحوار معهللم‪،‬‬
‫وإبداء وجهللات النظللر‪ ،‬مدعمللة بالدلللة الشللرعية‪ ،‬والعلللل‬
‫المرعية‪ ،‬ومقاصد الشريعة العامة‪.‬‬
‫ويقللول‪ :‬إن مللن الملحللظ أن كللثيرا ً مللن الحتقللان ‪-‬الللذي‬
‫يعيشه كثير من الشباب‪ -‬هللو بسللبب تلقيهللم عللبر وسللائل‬
‫‪105‬‬

‫كثيرة من النترنت‪ ،‬أو المجالس الخاصللة أو غيرهللا‪ ،‬ومللن‬
‫ثم عدم مقدرتهم على فهم وجهة النظر الشرعية‪ ،‬أو على‬
‫القل وجهة النظر الخللرى‪ ،‬الللتي قللد تخللالف ذلللك الللرأي‬
‫المطللروح‪ ،‬إن كللثيرا ً مللن الشللباب يجلللس أحللدهم أمللام‬
‫النترنت؛ فيبحر في عباب هذا البحر الخضللم‪ ،‬عللبر مواقللع‬
‫كثيرة‪ ،‬فيستقبل؛ لكنلله ل يرسللل! وأحسللب أن مثللل هللذه‬
‫المجالس لو فتحت أمام هؤلء الشباب‪ ،‬لكانت فرصة لبدء‬
‫ص بيللن طلب العلللم بهللذا؟‪،‬‬
‫الرسال عندهم‪ ،‬فهل من توا ٍ‬
‫إن أقل ما ُيطالب به في هذه الفترة بالذات‪ ،‬أن يوجد في‬
‫كللل بلللد مجموعللة مللن طلب العلللم‪ ،‬يفتحللون أبللوابهم؛‬
‫لستقبال الشباب‪ ،‬وسماع مللا لللديهم‪ ،‬بللل وأرى أن تكللون‬
‫هذه المجالس مفتوحة أمام أطياف المجتمع كلها ليرتادهللا‬
‫شباب الصحوة‪ ،‬وعامة الناس‪ ،‬ومن علللى ظللاهرهم بعللض‬
‫المخالفات الشرعية؛ ليكون لهل العلم دورهم الذي يليللق‬
‫بهم في توجيه سفينة المجتمع‪ ،‬حتى ترسللو علللى شللاطئ‬
‫النجاة ‪-‬بإذن الله تعالى‪ ،-‬ومن جرب هذه المجالس‪ ،‬سواء‬
‫بفتحها أو بحضورها ومللدى اسللتفادة الشللباب منهللا؛ أدرك‬
‫تعطشهم إلللى مثلهللا‪ ،‬فكللم استرشللدها مللن شللاب! وكللم‬
‫استنار بها من جاهل!‪.‬‬
‫نشر الوعي بأبعاد القضية‬
‫فضيلة الشيخ الدكتور عبد الله وكيل الشليخ يلرى ضلرورة‬
‫نشر الوعي بحقيقة الهداف المريكية‪ ،‬وقد ل يجد الباحث‬
‫قرارات صادرة بهذه الهداف لكن المر المتواتر ‪-‬الللذي ل‬
‫خذ إل بعد سلليل مللن الدعايللة‬
‫ُيشك فيه‪ -‬أن القرارات ل ُتت َ‬
‫العلميللة‪ ،‬والدراسللات البحثيللة؛ لتهيئة النفللوس لتقّبللل‬
‫القرارات‪ ،‬وقد ُيظن أن نشر مثل هذه الهداف يوهن مللن‬
‫عزيمة الفرد المسلم‪ ،‬وربما ُيبتلى بالحباط واليأس؛ لكللن‬
‫حقيقة المر أن المعرفة بأهداف العدو ُتول ّللد حاللة التحفللز‬
‫والحتياط عند المسلللم‪ ،‬وهنللا تللأتي الحاجللة إلللى البرامللج‬
‫التي تحول المعلومللات مللن وسلليلة للحبللاط إلللى وسلليلة‬
‫للتفاعللل الحللي‪ ،‬فنحللن أمللام عللدو شللرس‪ ،‬منتهللك لكللل‬
‫العراف والقوانين‪ ،‬يعيش حالة مللن الغللرور‪ ،‬عّززهللا فللي‬

‫‪106‬‬

‫نفسه ضعُفنا وهواُننا وعجُزنا من اتخاذ مشاريع الدفاع عن‬
‫النفس‪.‬‬
‫وفي هذا السياق يؤكد الشيخ أحمد الخضيري علللى أهميللة‬
‫العناية في هذا الوقت بفضح خطط العداء من النصللارى‪،‬‬
‫وبيان ارتبللاطهم مللع اليهللود والمنللافقين ‪ ،‬وكشللف الللوجه‬
‫القبيللح لهللؤلء العللداء‪ ،‬الللذين يتسللترون بالديمقراطيللة‬
‫والحرية وحقوق النسان والشرعية الدولية‪ ،‬وهم أول مللن‬
‫يكُفر بها إذا تعارضللت مللع مصللالحهم وأطمللاعهم ‪،‬وتجليللة‬
‫دع بثقافللة هللؤلء‬
‫هذا المر يكشف الغفلة عن كثير ممن ُ‬
‫خ ِ‬
‫العللداء‪ ،‬فاتخللذهم العللداء بوقللا وأداة لهللم فللي تضللليل‬
‫المسلمين ‪.‬‬
‫ويؤكد ذلك الشلليخ محمللد الللدحيم بضللرورة رفللع الللوعي‪،‬‬
‫وفك الغموض حول هللذه الحملللة بجللرأة كافيللة تتلءم مللع‬
‫الحللدث‪ ،‬وليللس هللذا خللاص بعلمللاء الشللريعة؛ بللل هللو‬
‫مسؤولية الشرعي‪ ،‬والجتماعي‪ ،‬والقتصادي‪ ،‬والسياسي‪،‬‬
‫مللل بعضللها البعللض؛ لتخللرج برؤيللة‬
‫وهللذه المنظومللات يك ّ‬
‫متكاملة متناسقة‪.‬‬
‫ويربللط الشلليخ علللي اللمعللي "قضللية الللوعي بالحللداث‬
‫ومخططات العللداء" بالمنظللار الشللرعي حللول الحللداث‪،‬‬
‫وذلك ببيان عداوة اليهود والنصارى‪ ،‬وظلم وطغيان الغرب‬
‫في الجملة‪ ،‬ثم تذكيرهم بعقيدة الولء والبراء‪ ،‬وبسنن الله‬
‫الكونية والشرعية‪ ،‬وتنيبه الخطباء‪ ،‬والساتذة والمعلميللن‪،‬‬
‫والكّتاب إلى ضرورة التحدث في الوضللع القللائم بمنهجيللة‬
‫واضحة‪ ،‬مع البعد عللن التهللويش والفوضللى الللتي ل فللائدة‬
‫منها‪ ،‬ويجب التذكير بالثوابت التي يجب أل تتغيللر‪ ،‬وإظهللار‬
‫الحق وقواعلده الثابتللة‪ ،‬وبيللان الباطللل وأسلاليبه‪ ،‬وضللوع‬
‫اليهود في العالم‪ ،‬ودورهم فللي التخريللب والفسللاد وإيقللاد‬
‫الفتن والحروب‪ ،‬فهم عبر التاريخ كله ل يعيشللون إل علللى‬
‫هذا النمط‪ ،‬كما قللال تعللالى‪ " :‬كلمللا أوقللدوا نللارا ً للحللرب‬
‫أطفأهللا الللله ويسللعون فللي الرض فسللادا ً والللله ل يحللب‬
‫المفسدين"‪.‬‬
‫الهتمام بالدراسات المستقبلة‬

‫‪107‬‬

‫الزمات تتكرر‪ ،‬والتاريخ يعيد نفسلله‪ ،‬والحاجللة إلللى إعللادة‬
‫أسلوب تجاوبنا مللع الحللداث؛ بحيللث نتجللاوز وصللفها بأنهللا‬
‫)ردود أفعللال( إلللى أن تصللبح اسللتباقية تسللتوعب الواقللع‪،‬‬
‫وتستشرف المستقبل‪ ،‬في هذا السياق يدعو الشيخ أحمللد‬
‫الخضيري إلى أخذ الهبة والسللتعداد لمللا يتوقللع أن تللؤول‬
‫إليه المور في المسللتقبل فللي المنطقللة ‪ ،‬وهللذه الللدعوة‬
‫تكللون عامللة لللولة المللر‪ ،‬وللمجتمللع وأفللراده كللل فيمللا‬
‫يخصه‪ ،‬بحسب ما أمر الله –تعللالى‪ -‬وأرشللد إليلله؛ لتتللوافر‬
‫أسللباب الجهللاد‪ .‬والسللتعداد ُ يشللمل جللوانب كللثيرة منهللا‪:‬‬
‫الجلللانب العسلللكري‪ ،‬والقتصلللادي‪ ،‬والعلملللي‪ ،‬والتقنلللي‪،‬‬
‫والجتماعي‪ ،...‬وغير ذلللك‪ .‬ول ينبغللي أن ُتسللكرنا الغفلللة‪،‬‬
‫وتلهينا حياة الترف عما يراد بنا‪.‬‬
‫ويللرى د‪.‬ريللاض المسلليميري ضللرورة صللياغة البرامللج‬
‫السياسية والقتصادية والتربوية الفاعلللة‪ ،‬المرتكللزة علللى‬
‫شريعة السلم‪ ،‬والكفيلة بتحقيق مصللالح المللة فللي هللذه‬
‫المجالت المهمة‪ ،‬ووأد كافللة الخيللارات المخالفللة لحكللام‬
‫الدين الحنيف‪.‬‬
‫ويللذ ّ‬
‫كر الشلليخ يوسللف القاسللم بضللرورة تقللديم البحللوث‬
‫والدراسات العلمية في شتى الميادين‪ ،‬حتى يرتفع الجهللل‬
‫عن المة‪ ،‬وحتى نرتقي بالفكر إلى الحد الذي يجعلنللا فللي‬
‫مستوى المواجهة ‪.‬‬
‫ويرى د‪.‬حمد الحيدري ضللرورة إعللادة النظللر فللي معالجللة‬
‫بعللض المللور‪ ،‬والسللتنارة فللي ذلللك بسللنن الللله الللتي ل‬
‫تتخلف‪ ،‬فإنها كما جرت في قوم سللابقين سللتجري فيمللن‬
‫بعدهم‪ ،‬إذا وجدت أسبابها‪ ،‬وهذه السنن تستفاد من كتللاب‬
‫الله وسنة رسوله –صلى الله عليه وسلم‪ ،-‬ثم مللن وقللائع‬
‫التاريخ‪ .‬وأكاد أجزم أن الدول لللم تسللتفد منهللا شلليئًا؛ لن‬
‫أكللثر المستشللارين ل يبللالون بهللا‪ ،‬أو ل يللدركونها بالرؤيللة‬
‫الشرعية‪.‬‬
‫وفي نفللس السللياق يللرى الشلليخ محمللد الللدحيم ضللرورة‬
‫متابعللة الحللدث أول بللأول‪ ،‬ومللن مصللادر عللدة‪ ،‬وإعللداد‬
‫دراسات مستقبلية توقعية‪ -‬غير قطعية‪ -‬لكل مرحلة؛ حتى‬

‫‪108‬‬

‫ل نفاجأ بما للم نفكلر فيله‪ ،‬وهلذا للن يكلون سلهل ً ملا للم‬
‫نتواجد مع الحدث أينما حصل‪.‬‬
‫ولن التاريخ يتكرر‪ ،‬ويمكن أن نستفيد منه لفهم كللثير مللن‬
‫دورات التاريخ التي تتغير في ظاهرها‪ ،‬وليس في حقيقتها‪.‬‬
‫يؤكللد الشلليخ هللاني الجللبير علللى أهميللة دراسللة التاريللخ‪،‬‬
‫وخصوصللا مرحلللتي‪ :‬الهجمللة المغوليللة‪ ،‬وزمللن ملللوك‬
‫الطوائف بالندلس المفقود‪ ،‬حيث صارت كل مدينللة دولللة‬
‫لها توجهاتها ومصالحها التي تهمهللا أكللثر مللن أي شلليء!‪..‬‬
‫حتى استعان بعضهم علللى بعلض بالنصللارى اللذين وجللدوا‬
‫معّبدًا‪ ،‬ودربا ً سللالكًا؛ لبتلع هللذه الللدول!! الغارقللة‬
‫طريقا ُ‬
‫في لهوها‪..‬إن في كل صورة وموقف دروسا ً كثيرة‪ ،‬وعبرا ً‬
‫عديللدة‪ ،‬وجللوانب يمكننللا مللن خلل تأملهللا أن نسللتجلي‬
‫وسائل الصلح‪.‬‬
‫الصلح الداخلي‬
‫لقد لحظ الجميع اللغة الللتي تسللتخدمها الدارة المريكيللة‬
‫لدغدغة مشاعر العراقيين في الداخل‪ ،‬وذلك بالعزف على‬
‫وتر العلقة المتردية بين الحكومة والشعب‪.‬‬
‫في هذا الصدد يوجه فضيلة الشيخ عبد الرحمن بن علوش‬
‫ة للحكومللات السلللمية ‪-‬بصللفة عامللة‪،-‬‬
‫المللدخلي نصلليح ً‬
‫وحكومات المنطقللة ‪ -‬بصللفة خاصللة ‪ -‬أن تسللعى لتحقيللق‬
‫التلحللم مللع شللعوبها‪ ،‬ممللا يعمللق النتمللاء للبلللد‪ ،‬ويسللد‬
‫الثغرات والفجوات‪ ،‬ويسد كافة الطرق علللى أعللداء المللة‬
‫المتربصين‪.‬‬
‫ما كيف يتم ذلللك؟؛ فيللرى الشلليخ حسللن أحمللد القطللوي‬
‫أ ّ‬
‫وجوب تقديم القضايا الكبرى والمصيرية على المور النية‬
‫والمحدودة‪ ،‬فإن قوى الشر في العالم بعمومها ‪-‬والغربيللة‬
‫منها علللى وجلله الخصللوص‪ -‬قللد قللررت إعللادة احتلل بلد‬
‫العروبة والسلم‪ ،‬بحجة أن هذه البلد تمتلك ما ل تستحقه‬
‫من الثروات الهائلة‪ ،‬أو أنها لم تحسن اسللتخدام مللا تملللك‬
‫من تلك الثروات‪ ،‬وقد رأت قوى الغرب ‪ -‬في الحقيقة‪ -‬أن‬
‫هنللاك بللوادر تنللبئ عللن امتلك المللة العربيللة والسلللمية‬
‫لبعللض المكانللات الللتي يمكللن بهللا مقاومللة قللوى الشللر‬
‫الغربية‪ ،‬فأعلنت خوفها من أن تؤول تلللك المكانللات إلللى‬
‫‪109‬‬

‫أيد الصادقين‪ ،‬فللاعتبرت ذلللك ممللا يهللدد كيانهللا‪ ،‬ويعللرض‬
‫مصالحها )النتهازية( للخطر‪.‬‬
‫وينبه الشيخ عمر المقبل إلللى ضللرورة توعيللة الجمهللور –‬
‫وخاصة الشباب‪ -‬بأهمية توحيد الصف أمام العدو المتربص‬
‫المتفق عليه‪ ،‬ول يعني –بالضرورة‪ -‬التحاد فللي الراء فللي‬
‫المسائل الجتهادية‪ ،‬فهذا لم يحصل لخيار هللذه المللة فللي‬
‫عهد نبيها –صلى الله عليه وسلم‪ ،-‬بل المقصللود الجتمللاع‬
‫علللى مللا اجتمللع عليلله السلللف‪ ،‬مللن معرفللة مللا ل يجللوز‬
‫الختلف فيلله‪ ،‬ومللا يجللوز الختلف فيلله‪ ،‬ولكنلله ل يبيللح‬
‫التفرق‪.‬‬
‫ويطالب د‪.‬عبد الله وكيل الشيخ الحكومات بتوسيع هامش‬
‫الحريللة للشللعوب؛ للتعللبير عللن مشللاعرها‪ ،‬حيللث تمتلللئ‬
‫مشاعر المسلمين بكم هائل من الغضب عللى هلذا العلدو‬
‫الللذي ينتهللك حريللة المسلللمين‪ ،‬الللذين يربللط بينهللم إخللاء‬
‫اليمان "إنمللا المؤمنللون إخللوة " هللذه المشللاعر ل بللد أن‬
‫يسمح لها بالظهور‪ ،‬قول ً وفعل ً ل يؤديان إلى الغرر والنيللل‬
‫من مصالح المسلللمين‪ ،‬ومللن عللدم التوفيللق تجاهللل هللذه‬
‫المشاعر أو مصادرتها حتى تنقلللب إلللى أعمللال ارتجاليللة‪،‬‬
‫تغيب عنها الرؤية المصلحية الشرعية‪ ،‬والتعللبير عللن هللذه‬
‫المشاعر ل يتخذ صورة واحدة؛ بل تتنوع صللوره إلللى مللال‬
‫نهاية‪ .‬فسلللوك هللذه المسللالك يخفللف مللن الحتقللان مللن‬
‫ناحية‪ ،‬ويوجد الرعب في نفوس العللدو مللن ناحيللة أخللرى‪،‬‬
‫وكم هي فتنة شديدة أن ل يعللرف هللؤلء المعتللدون حجللم‬
‫الكراهية لهم في نفوسنا‪ ،‬فُيغريهللم ذلللك بالسللتمرار فللي‬
‫عللدوانهم‪ ،‬ول ينبغللي العتللذار هنللا بللأن التعللبير عللن هللذه‬
‫المشاعر اليمانية يقللترن بللأنواع مللن التخريللب والتللدمير‪،‬‬
‫لنه بالوعي المستمر‪ ،‬والتعامل الحسللن‪ ،‬والتللدريب علللى‬
‫النضباط تتلشى هذه السلبيات‪ ،‬أو تخللف إلللى حللد كللبير‪،‬‬
‫وبكل المقللاييس فالبللديل المتمثللل فللي مصللادرة التعللبير‪،‬‬
‫وتكميم الفللواه أعظللم ضللررًا‪ ،‬وأفللدح خطللرًا‪ ،‬وقللد تقللرر‬
‫شرعا ً احتمال أقل الضررين لدفع أعظمهما‪.‬‬
‫الدعوة للجهاد العام‬

‫‪110‬‬

‫يؤكللد د‪ .‬ريللاض المسلليميري علللى ضللرورة إحيللاء فريضللة‬
‫ب رئيسللي لرفللع‬
‫الجهاد‪ ،‬بوصفها ذروة سنام السلم‪ ،‬وسب ٌ‬
‫الذلة والصغار عن المة‪ ،‬وبناء هاجس الرهبللة فللي قلللوب‬
‫العداء؛ لوأد كل مخطط ماكر لغزو ديار السلم‪.‬‬
‫ويقول إننا لو تأملنا قوله تعللالى ‪ " :‬ول يزالللون يقللاتلونكم‬
‫حللتى يردوكللم عللن دينكللم إن اسللتطاعوا" لدركنللا حتميللة‬
‫الجهللاد‪ ،‬وضللرورة إعللداد العللدة لمواجهللة هللذه الحقيقللة‬
‫البدية‪ ،‬وذلك القدر المحتوم‪.‬‬
‫ويؤكللد د‪.‬محمللد الخضلليري علللى أن ضللرورة السللتعداد‬
‫للجهاد حقيقة‪ .‬فما دامت قوات الصليب تمركزت واحتلللت‬
‫بلد المسلللمين؛ فقللد َتحّقللق مللا يسللميه الفقهللاء "الجهللاد‬
‫العيني"‪.‬‬
‫ويرى الشيخ ناصللر بللن محمللد آل طللالب ضللرورة )تللديين‬
‫الحرب( بأن تذكي الجذوة الدينية في النفللوس‪ ،‬فللإن هللذا‬
‫بالضافة إلى أنه الواجب الشرعي؛ فهو أثخن فللي العللدو‪،‬‬
‫وجللبر للله علللى إعللادة حسللاباته فللي مطللامعه الخللرى‪،‬‬
‫وضرورة إعداد المة ثقافيا ً وعسللكريًا‪ ،‬وإحسللان التصللرف‬
‫فللي الميزانيللة العسللكرية للللدول السلللمية فللي محاولللة‬
‫لعادة بعض هيبة المة المفقودة‪.‬‬
‫أما الشيخ يوسف القاسللم فيللدعو إلللى توظيللف الطاقللات‬
‫نحو النتاج المثمر‪ ،‬والمشاركة الفعالللة فللي المشللروعات‬
‫النافعة‪ ،‬التي يتحقق بهللا نشللر الخيللر‪ ،‬والللدعوة إلللى الللله‬
‫على أوسع نطاق‪ ،‬وذلك من خلل السللتفادة بكللل مللا هللو‬
‫متاح من وسائل تقنيللة متطللورة‪ ،‬وكللذلك شللغل الوقللات‪،‬‬
‫وشللحنها بالواجبللات‪ ،‬ومراعللاة الولويللات؛ بتقللديم الهللم‬
‫فللالمهم‪ ،‬فليللس المنللدوب كللالواجب‪ ،‬وليللس المكللروه‬
‫كالمحرم‪ ،..‬وهكذا‪...‬‬
‫ويوسع الشيخ حسن القطوي دائرة الجهاد ومجالته فيللرى‬
‫النطلق لمقاومللة الزحللف الغربللي‪ ،‬بجبهللاته المختلفللة‪:‬‬
‫الثقافية‪ ،‬والقتصادية‪ ،‬والسياسية‪ ،‬والعسللكرية‪ ،‬مللن واقللع‬
‫هوية أمتنا السلللمية ومقوماتهللا الذاتيللة‪ ،‬وأل ننطلللق فللي‬
‫مقاومتنا لهذا الزحف من خلل محاكاتنا لما تفرزه لنا تللك‬
‫القوى‪ ،‬فإن هذه المحاكللاة لللن توصلللنا إل إلللى مزيللد مللن‬
‫‪111‬‬

‫التهويل والتضخيم؛ لما تستند إليه قوى الشر الغربيللة مللن‬
‫خطط وإمكانات‪ ،‬فتوّلد لدينا الحباط واليأس والستسلم‪،‬‬
‫ثم يؤكد على اعتماد أساس بناء الذات؛ للتحصن مللن كللل‬
‫محاولت الختراق‪ ،‬والقدرة علللى مقاومللة آليللات التبعيللة‪،‬‬
‫وامتلك الوعي الصادق بحجم ما نعانيه من قصور؛ بهللدف‬
‫إصلحها بعزيمة ل تثنيها قوى الشر عن سلوك أفق الحوار‬
‫الحضللاري بمللا تمليلله ثقافتنللا الدينيللة وتعللاليم السلللم "‬
‫فاستقم كمللا أمللرت ومللن تللاب معللك ول تطغللوا إنلله بمللا‬
‫تعملون بصير * ول تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار‬
‫وما لكم مللن دون الللله مللن أوليللاء ثللم ل تنصللرون" ]هللود‬
‫‪.[113 – 112‬‬
‫مل الشيخ عمر المقبل أهل العلم مسللؤولية التواصللل‬
‫ويح ّ‬
‫مللع الجهللات المسللؤولة – كللل فللي تخصصلله )الشللرعي‪،‬‬
‫القتصللادي‪ ،‬السياسللي‪ ،‬المللؤرخ‪...‬إلللخ(‪ -‬وبيللان الخطللط‬
‫الحقيقية لهذه الحملة‪ ،‬وما يترتب على النصياع لما تمليلله‬
‫الدارة المريكية من الثلار السليئة عللى جميلع الصلعدة‪:‬‬
‫السياسية‪ ،‬والمنية والقتصادية‪ ،‬والجتماعية‪ ،‬وغيرها‪.‬‬
‫ويدعود‪.‬عبد الله وكيل الشلليخ إلللى البللدء الجللاد والفللوري‬
‫ببرامج القوة العسكرية والقتصادية والتعليميللة والداريللة‪،‬‬
‫فلن تنتفللع المنطقللة بكللثرة التسللويفات لبرامللج الصلللح‪،‬‬
‫ولقد عاشت المنطقة في عام ‪1991‬م ذل ً ليس بعده ذل‪،‬‬
‫إذ عجزت كافة الدول العربية ‪-‬بل السلللمية‪ -‬عللن إحقللاق‬
‫الحللق فللي اعتللداء العللراق علللى الكللويت‪ ،‬وتللم اسللتدعاء‬
‫ذر عللن هللذا‬
‫القوات الجنبية لتحقيق هذا الغرض‪ ،‬وقد ُاعت ُل ِ‬
‫الستدعاء حينها بضللعف المكانللات عللن القيللام بللالواجب‪،‬‬
‫وقَِبل الناس هذا الملر عللى مضلض لعلهلا سلحابة صليف‬
‫تنقشع قريبًا‪ ،‬وتبدأ الرادة الدارية بللالنهوض بالمللة‪ ،‬لكننللا‬
‫وللسللف الشللديد بعللد اثنللي عشللر عامللا ً نعيللش عيللش‬
‫الضعف‪ ،‬بل ضعفا ً أكثر تجلى فللي المحافللل والمللؤتمرات‪،‬‬
‫فهل ستؤجل إللى سلنوات أخلرى‪ ،‬بعللد أن تلتهللم القللوات‬
‫المعتديللة دول المنطقللة دولللة بعللد أخللرى؟! إن القواسللم‬
‫المشتركة بيللن دول الخليللج أكللثر مللن أن ُتحصللى‪ ،‬بللل إن‬
‫الفوارق تكاد أن تتلشى‪ ،‬ولكن الفرقة والخصام والموالة‬
‫‪112‬‬

‫للقوى المعتدية من أهم أسباب التشفي‪ ،‬وقد أوجللب الللله‬
‫علينا التحاد‪ ،‬والعتصام بحبله المتين‪ ،‬فقال عز مللن قللائل‬
‫" واعتصموا بحبل الله جميعا ً ول تفرقوا"‪ ،‬ولعلل ملن أهلم‬
‫أسباب هذه الفرقللة أيضلًا‪ :‬النفللراد بللالرأي فللي المنطقللة‬
‫لدى الدارة السياسية‪ ،‬ولو كان لهل الحل والعقللد‪ ،‬وأهللل‬
‫الللرأي والمشللورة فاعليللة حقيقيللة ‪-‬مللن خلل مؤسسللات‬
‫فاعلة في صنع قرارات المللة‪ -‬لمللا وصللل الحللال إلللى مللا‬
‫نحن عليه‪.‬‬
‫ويؤكد د‪.‬رياض المسيميري على ضرورة الهتمام بشللرائح‬
‫المجتمع‪ ،‬وشؤون المرأة والطفللل علللى وجلله الخصللوص‪،‬‬
‫وصياغة السياسات والبرامج الكفيلة بصيانتها مللن الطللرح‬
‫العابث‪ ،‬والمساومة الفكرية‪ ،‬والخلقيات الهدامة‪.‬‬
‫ويللوجه د‪ .‬الشللريف حللاتم العللوني النظللر إلللى الهتمللام‬
‫بالعلم ووسللائله؛ فيقللول‪" :‬لقللد عللرف النللاس كلهللم مللا‬
‫للعلم من أثر سحري في عقول الناس ونفوسللهم‪ ،‬فلقللد‬
‫شاهدنا جميعا ً كيف تتغير الحقائق‪ ،‬وكيللف تللزول الثللوابت‪،‬‬
‫وكيف تتبدل العقائد والمبادئ في قلوب النللاس بعللد ذلللك‬
‫العلم الموجه لتلك الغراض‪ ،‬لقللد أصللبحنا نخشللى علللى‬
‫من حولنا أن يأتي يوم يصبح فيلله الرجللل مؤمنللا‪ ،‬ويمسللي‬
‫كافرًا‪ ،‬أو يمسي مؤمنا ً ويصبح كافرًا‪ ،‬وأن يكون المعللروف‬
‫منكرًا‪ ،‬والمنكر معروفًا‪ ،‬كمللا أخبرنللا بللذلك رسللول الللله –‬
‫صلى الله عليه وسلم‪ -‬من أخبار المستقبل والغيللب"‪ ،‬إنلله‬
‫ليجب على الناس أن يعرفوا حقيقللة ذلللك العلم المللوجه‬
‫من أعدائنا‪ ،‬ومن يقع تحت تسلللطهم‪ ،‬وأنلله لللم يكللن ولللن‬
‫يكللون إل فللي صللالح العللداء‪ ،‬وإل هللل نتصللور أن عللدونا‬
‫وت فرصة استثمار هذه العصا السحرية فللي تللدجيننا‪،‬‬
‫سُيف ّ‬
‫وبث روح التبعية له‪ ،‬والهزيمة النفسية أمامه؟!‬
‫ويدعو الشيخ يوسف القاسم إلى أكثر من ذلك‪ ،‬فهو يدعو‬
‫إلللى مقارعللة العللداء بالمثللل‪ ،‬مللن خلل تقللديم العلم‬
‫السلللمي المنللافس‪ ،‬والتحليللل العلمللي السللليم‪ ،‬فمللن‬
‫المعيللب أن تعيللش وسللائل إعلم المللة –فللي كللثير مللن‬
‫مواقعها‪ -‬تبعية قاتلة‪ ،‬ل يرجى منها تحصين فكر‪ ،‬ول حفللظ‬
‫دين‪.‬‬
‫‪113‬‬

‫الشعور بالنجاح يدفع إلى مزيد منه‬
‫د‪.‬أحمد أبللابطين يللرى ضللرورة تحقيللق الطمئنللان والمللن‬
‫النفسللي والجتمللاعي للمللة‪ ،‬ويفسللر ذلللك الشلليخ أحمللد‬
‫الخضيري؛ بنشر الفأل الحسن بين المسلمين‪ ،‬والبعد عللن‬
‫حالة الحباط والقنوط التي ربما تصيب مللن يتللابع الخبللار‬
‫الدامية في العالم السلمي فيستبطئ النصر‪ ،‬أو يقع فللي‬
‫اليأس التام‪ ،‬ويتم علج هذه الحالة بعناية أهل العلم؛ بذكر‬
‫النصوص الدالة على تكّفل الله تعالى بنصر دينه وإعللزازه‬
‫في آخر الزمان‪ ،‬وأن الله تعالى وعد نللبيه أنلله لللن يسلللط‬
‫على هذه المة من يستبيح بيضتها ويقضي عليها ‪ ،‬والتنللبيه‬
‫حللا‪ ،‬ويسللتفيد المسلللمون منهللا‬
‫على أن المحللن تحمللل من ً‬
‫دروسللا وعللبًرا‪ ،‬ويحصللل فيهللا التمييللز بيللن المللؤمنين‬
‫والمنافقين ‪ ,‬ويضرب لذلك بعض المثلة من سلليرة النللبي‬
‫صلى الله عليه وسلم‪) -‬كما فللي غللزوة الخنللدق(‪ ،‬وسللير‬‫الصحابة ‪-‬رضي الله عنهم‪ -‬ومن جاء بعدهم ‪.‬‬
‫ويؤكد الشيخ يوسف بن محمد القاسم علللى أهميللة الثقللة‬
‫بنصر الله عز وجل‪ ،‬مع الخذ بأسباب النصر‪ ،‬وأن العللداء‬
‫مهما أوتوا من قوة‪ ،‬فإن الله عز وجل قادر عللى إهلكهلم‬
‫مل ْل َ‬
‫مال ِ َ‬
‫ن تَ َ‬
‫شللاُء‬
‫مل ْل ِ‬
‫ك َ‬
‫ك ت ُلؤِْتي ال ْ ُ‬
‫ك ال ْ ُ‬
‫م َ‬
‫ل الل ّهُ ّ‬
‫مل ْ‬
‫ومحقهم "قُ ِ‬
‫مْللل َ‬
‫شللاُء وَُتللذِ ّ‬
‫ن تَ َ‬
‫ن تَ َ‬
‫ن‬
‫ك ِ‬
‫ل َ‬
‫شللاُء وَت ُِعللّز َ‬
‫م ّ‬
‫وَت َْنللزِعُ ال ْ ُ‬
‫ملل ْ‬
‫ملل ْ‬
‫ملل ْ‬
‫تَ َ‬
‫شاُء‪."...‬‬
‫ويحذر د‪ .‬الشريف حاتم العوني من تلبيس إبليس وتلعبلله‬
‫معه فيما ل يستطيع بلوغه ول يقللدر علللى‬
‫بابن آدم؛ أن ُيط ّ‬
‫تحصيله‪ ،‬ويعظم في نفسه ما يشللق عليلله غايللة المشللقة‪،‬‬
‫وفي المقابل تجد هذا العدو الماكر يزهده فيما يقدر عليه‪،‬‬
‫ويحقر في نفسه ما يسللتطيع القيللام بلله‪ ،‬فينتللج عللن ذلللك‬
‫العجز الكامل‪ ،‬والقعود عن كل شلليء؛ فل يصللل النسللان‬
‫إلى ما ل يقدر عليه‪ ،‬وينقطع دون ما يشق عليه‪ ،‬ويترك ما‬
‫يقدر عليلله ويفللرط فيمللا يسللهل القيللام بلله‪ ،‬فللإذا بلله فللي‬
‫النهايللة أسللير تلعللب الشلليطان‪ ،‬سللجين هللذه الحيلللة‬
‫الواضحة!‪.‬‬
‫الضيوف المشاركين في إعداد هذه الورقة‪:‬‬
‫م…السم…الوظيفة‬
‫‪114‬‬

‫‪…1‬الشيخ د‪.‬أحمد أبا بطين…عضو هيئة التدريس بجامعللة‬
‫المام بالرياض‬
‫‪…2‬الشيخ د‪.‬أحمد الخضيري…عضو هيئة التدريس بجامعة‬
‫المام بالرياض‬
‫‪…3‬الشلليخ حسللن القطللوي…مللدرس بجامعللة اليمللان‬
‫بصنعاء‬
‫‪…4‬الشيخ د‪.‬حمد الحيدري…عضو هيئة التللدريس بجامعللة‬
‫المام بالرياض‬
‫‪…5‬الشلليخ د‪.‬ريللاض المسلليميري…عضللو هيئة التللدريس‬
‫جامعة المام بالرياض‬
‫‪…6‬الشيخ د‪.‬الشريف حاتم العوني…عضللو هيئة التللدريس‬
‫بجامعة أم القرى بمكة المكرمة‬
‫‪…7‬الشيخ د‪.‬عبد الرحمن المدخلي…عضو هيئة التللدريس‬
‫بكلية المعلمين بجيزان‬
‫‪…8‬الشيخ د‪.‬عبدالله وكيللل الشلليخ…عضللو هيئة التللدريس‬
‫بجامعة المام بالرياض‬
‫‪…9‬الشيخ د‪.‬علي اللمعي…عضللو هيئة التللدريس بجامعللة‬
‫الملك خالد بأبها‬
‫‪…10‬الشيخ عمر المقبللل…عضللو هيئة التللدريس بجامعللة‬
‫المام بالقصيم‬
‫‪…11‬د‪.‬محمللد الخضلليري…عضللو هيئة التللدريس بجامعللة‬
‫المام بالقصيم‬
‫‪…12‬الشيخ ناصر آل طالب…القاضي بالمحكمللة الكللبرى‬
‫بعرعر‬
‫‪…13‬الشيخ هاني الجبير…القاضي بمحكمة جدة‬
‫‪…14‬الشيخ يوسللف القاسللم…المحاضللر بالمعهللد العللالي‬
‫للقضاء‬
‫==============‬
‫‪#‬المخالفات الشرعية في بطاقتي الخير‬
‫والتيسير الئتمانية‬
‫إعداد ‪:‬خالد بن إبراهيم الدعيجي ‪11/9/1424‬‬
‫‪05/11/2003‬‬
‫مقدمة‬
‫‪115‬‬

‫الحمد لله وحده‪ ،‬والصلة والسلم على من ل نبي بعده‪.‬‬
‫أما بعد‪ :‬ففي ظل تنللامي السللوق الماليللة‪ ،‬وتطللور شللبكة‬
‫التصللالت الدوليللة‪ ،‬أدى ذلللك إلللى تنللافس المصللارف‬
‫التجارية بجلب أكبر عدد من العملء؛ لتوفير قدر أعلى من‬
‫الربللح‪ :‬فقللامت بتقللديم خللدمات مصللرفية‪ ،‬وتسللهيلت‬
‫لعملئها‪،‬فأنشأت في ساحة التعامللل المصللرفي مجموعللة‬
‫من ‪ ":‬عقود الئتمان" منها‪:‬‬
‫‪-1‬بيع المرابحة للمر بالشراء‪.‬‬
‫‪-2‬بيع الجل‪.‬‬
‫‪-3‬الستصناع‪.‬‬
‫‪-4‬بطاقات الئتمان‪.‬‬
‫وأوسللع هللذه العقللود انتشللارا ً هللي بطاقللات الئتمللان‪ ،‬إذ‬
‫يصدرها نحو‪ "200":‬مائتي بنك في العالم في أكللثر مللن "‬
‫‪ "163‬دولة‪ ،‬مستخدمة في أكثر من )‪ (12000000‬محللل‬
‫تجاري في العالم‪ ،‬وللسحب والتمويل فيملا يقلرب ملن ‪":‬‬
‫‪ "500000‬مؤسسة مالية‪ ،‬وجهللاز صللرف إلكللتروني‪ ،‬مللن‬
‫خلل شبكات الصرف الدولية)‪.(1‬‬
‫وهذه البطاقات نشأت وتطورت فللي دول ل تحكللم شللرع‬
‫الله في معاملتها‪ ،‬وكانت في بنوك قائمة على الربللا غيللر‬
‫مراعية الشرعية السلمية‪ ،‬فداخل بعضها مللن الوصللاف‪،‬‬
‫والشروط‪ ،‬ما يعلم قطعا ً بحرمة بعضللها‪ ،‬وبالتللالي تلقفهللا‬
‫المسلمون على ما فيها من مخالفللات شللرعية‪ ،‬وأعظمهللا‬
‫القرض بفائدة المجمع على تحريمه‪(2).‬‬
‫ولكن بتوفيق من الللله‪ ،‬قللامت جهللود مخلصللة فللي هيئات‬
‫شرعية لدى البنوك السلمية‪ ،‬بتنقيللح وتهللذيب هللذا النللوع‬
‫من البطاقات‪ ،‬حتى صيرتها بطاقات إسلمية ‪.‬‬
‫وتتالت الهيئات الشرعية في البنوك بدراسة هذا النوع من‬
‫البطاقات‪ ،‬ومحاولللة أسلللمتها‪ ،‬وتأصلليلها‪ ،‬وتخريجهللا علللى‬
‫ضوابط المعاملت وقواعدها‪ ،‬وذلك إما بإضافة شللروط أو‬
‫إلغائها‪ ،‬أو بتركيبها بعقدين أو أكثر حتى ل تقع فيمللا حرملله‬
‫الله من الربا‪.‬‬
‫ومن ذلك ما قامت بلله الهيئتللان الشللرعيتان لللدى البنكيللن‬
‫الهلللي والسللعودي المريكللي‪ ،‬فقللد قامتللا بإصللدار قللرار‬
‫‪116‬‬

‫بشللرعية بطللاقتي الخيللر والتيسللير الئتمللانيتين التللابعتين‬
‫للبنكين‪ ،‬وأنهما متوافقتان مع الشريعة السلمية‪.‬‬
‫ولكن بعد التأمل في كيفية عمللل هللاتين البطللاقتين‪ ،‬تللبين‬
‫للبللاحث أنهمللا تتضللمنان مخالفللات ل تتفللق مللع أحكللام‬
‫الشريعة السلمية؛ لسباب سوف أذكرها خلل البحث‪.‬‬
‫وهذه الورقات ‪:‬هي بيان لبعض المخالفات الشرعية الللتي‬
‫تضمنتها بطاقتا الخيللر والتيسللير الئتمانيللة‪ ،‬ينتظللم عقللدها‬
‫في مبحثين‪:‬‬
‫المبحث الول‪ :‬تصوير عمل البطاقتين‪.‬‬
‫المبحث الثاني‪ :‬المخالفات الشرعية في عمل البطاقتين‪.‬‬
‫علما ً أني لن أتطرق في هذا البحللث إلللى بعللض المسللائل‬
‫وهي ‪:‬‬
‫‪-1‬التورق المصرفي‪.‬‬
‫‪-2‬البيع الفضولي‪.‬‬
‫‪ -3‬التوكيل بالبيع والشللراء‪ ،‬أي أن يتللولى الوكيللل طرفللي‬
‫العقد ‪.‬‬
‫للسباب التالية‪:‬‬
‫‪-1‬إن العمللل الن علللى جللواز هللذه المعللاملت‪ ،‬وإن كللان‬
‫يوجد فيها خلف قوي‪.‬‬
‫‪-2‬لعدم إطالة البحث‪ ،‬والخروج به عن مقصوده ‪.‬‬
‫‪-3‬إن مسألة التورق المصرفي مثل ً من المسائل الشائكة‪،‬‬
‫ولهذا سوف ُتبحث في الدورة القادمة لمجمع الفقه التابع‬
‫لرابطة العالم السلمي‪ ،‬فمن الولى عدم الستعجال في‬
‫بحثها؛ لنه سيصدر فيها قرار من المجمع الفقهي‪.‬‬
‫وأخيرًا‪:‬‬
‫فقد بذلت في هذا البحللث جهللدي وهللو جهللد المقللل‪ ،‬فمللا‬
‫أصبت فيه فمن الله تعالى وله الحمد والثناء‪ ،‬وما أخطللأت‬
‫فيه فمن نفسي وأستغفر الله‪.‬‬
‫وإني لتوجه بالدعاء إلى الله قيللوم السللموات والرض أن‬
‫يأخللذ بأيللدينا إلللى سللواء السللبيل‪ ،‬وأن يرينللا الحللق حق لا ً‬
‫ويرزقنا اتباعه‪ ،‬وان يرينا الباطل باطل ً ويرزقنا اجتنابه‪ ،‬إنه‬
‫ولي ذلك والقادر عليه‪.‬‬

‫‪117‬‬

‫وصلى الله وسلم على خاتم رسله نبينا محمللد وعلللى آللله‬
‫وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين ‪.‬‬
‫وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‪.‬‬
‫المبحث الول‪ :‬تصوير عمل البطاقتين‬
‫قال الفقهاء‪ :‬الحكم على الشيء فرع عن تصللوره‪ ،‬وقبللل‬
‫أن نبدأ بالحكم على البطاقتين لبللد مللن تصللوير عملهمللا‪،‬‬
‫ومن ثم بيان حكمهما‪.‬‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬تصوير عمل بطاقة تيسير الهلي‪:‬‬
‫جاء في شروط وأحكام بطاقة تيسير الهلي‪:‬‬
‫) ميعاد الستحقاق‪:‬تستحق كافة اللتزامات المترتبة علللى‬
‫حامللل البطاقللة نتيجللة إصللدار البطاقللة أو اسللتعمالها فللي‬
‫تاريخ إصدار البنك لكشف الحساب‪ ،‬وبحيللث يقللوم حامللل‬
‫البطاقة بسداد قيمة الرصيد )كامل ً أو يلللتزم بسللداد الحللد‬
‫الدنى الواجب دفعه ‪ %5‬مللن كامللل المبلللغ المسللتحق أو‬
‫مبلغ ‪ 250‬ريال ً أيهما أكثر( إلى البنللك خلل ‪ 20‬يوم لا ً مللن‬
‫تاريخ إصدار كشف الحساب وبالتالي تنشيط حللد التيسللير‬
‫للمبلغ المتبقي‪.‬‬
‫وفي حالة عدم تسديد المبللغ كلامل ً أو الحللد الدنللى علللى‬
‫القل يقوم البنك بلبيع سللعة معينلة يملكهلا البنلك قيمتهلا‬
‫تقارب المديونية ويبيعها على العميل بيعا ً فضوليا ً ويقسللط‬
‫الثمن على ‪24‬قسطًا‪ ،‬وفللي حالللة عللدم اعللتراض العميللل‬
‫بعد إبلغلله بهللذا التصللرف خلل عشللرين يوملا ً مللن تاريللخ‬
‫الكشف اللحق يعتبر هذا إجازة منه بذلك‪ (.‬أ‪.‬هل‬
‫التوضيح‪:‬‬
‫ممللا ل يخفللى أن هللدف البطاقللة الئتمانيللة هللو إقللراض‬
‫حاملها‪ ،‬وذلك إما بالسحب الفوري من مكائن الصللرف‪ ،‬أو‬
‫من خلل ضمانه لللدى التجللار‪ ،‬حيللث إن البنللك يللدفع عنلله‬
‫مستحقاته لدى التجار ومن ثم يطالبه فيمللا بعللد بالسللداد‪،‬‬
‫وغالبا ً تحدد المدة بشهر أو تزيد قلي ً‬
‫ل‪.‬‬
‫فإذا شغلت ذمة حامل البطاقة بالدين نتيجة استعمالها إما‬
‫بالقرض أو الشراء‪ ،‬فللإن مصللدر البطاقللة) البنللك الهلللي(‬
‫يتيح له السداد من خلل طريقين‪:‬‬
‫الطريق الول‪ :‬إما بالتسديد النقدي لكامل المبلغ‪.‬‬
‫‪118‬‬

‫الطريق الثاني‪ :‬إذا لم يسللدد كامللل المبلللغ‪ ،‬وحللل الجللل‪،‬‬
‫يقوم المصرف بعمليللة التللورق‪ ،‬وذلللك بللبيع سلللعة معينللة‬
‫يمتلكها البنك … الخ‪ .‬كما هو مبين سابقًا‪.‬‬
‫ولتوضلليح الصللورة أكللثر‪ ،‬جللاء فللي التعريفللات فللي نفللس‬
‫التفاقية ما يلي‪:‬‬
‫التيسللير‪ :‬هللو صلليغة تمويللل معتمللدة مللن هيئة الرقابللة‬
‫الشرعية تتيح الحصول على النقد على سبيل التورق‪.‬‬
‫حد التيسير الئتماني‪ :‬هو مبلغ التمويل الشخصي الئتماني‬
‫المعتمد من البنك الهلي التجاري)البنك( لحامللل البطاقللة‬
‫بناء على طلبله ليكللون الطريقللة الثانيلة )بجلانب التسللديد‬
‫النقدي( لسداد حساب البطاقة الئتمانيللة الللذي ينتللج عللن‬
‫استخدام البطاقة من قبل حاملها "حامل البطاقة"‪.‬‬
‫استعمالت حد التيسللير الئتمللاني‪ :‬يسللتخدم حللد التيسللير‬
‫الئتمللاني لسللداد حسللاب البطاقللة الئتمانيللة فقللط ويتللم‬
‫استخدامه لهذا الغرض بتفويض من حامل البطاقة‪.‬‬
‫استخدام حد التيسللير الئتمللاني‪ :‬هللو أمللر حامللل البطاقللة‬
‫البنك بشراء سلعة‪/‬سلع وإعادة بيعها لتسديد جللزء أو كللل‬
‫دين البطاقة الئتمانية وبالتالي سداد ثمن تلك السلع على‬
‫‪ 24‬قسطا ً شهريًا‪.‬‬
‫ثانيًا‪ :‬تصوير عمللل بطاقللة الخيللر التابعللة للبنللك السللعودي‬
‫المريكي‬
‫جاء فللي اتفاقيللة بطاقللة الخيللر الئتمانيللة‪ ،‬الللذي يصللدرها‬
‫البنك السعودي المريكي‪:‬‬
‫) في حالة عدم دفع كامل المديونية المطلوبللة مللن عضللو‬
‫البطاقة فسوف يقللوم سللامبا بوقللف البطاقللة وفللي حالللة‬
‫استمرار عدم الدفع يقوم سامبا بإلغلاء البطاقلة ولللن يتلم‬
‫إصدار بطاقة بديلة إل بعد سداد كامل المبلغ مع أن سامبا‬
‫يتيح لعضو البطاقللة فرصللة لسللداد المديونيللة عللن طريللق‬
‫دخوله مع سامبا في عملية تورق تجنبا ً للغاء البطاقة‪(.‬‬
‫وجاء في نفس التفاقية‪:‬‬
‫) في حالة رغبة العميل في تغطية مديونيللة البطاقللة عللن‬
‫طريق التورق تكون مدة البيع بالتقسيط ‪ 15‬شهرا ً بمعدل‬
‫‪119‬‬

‫ربح ‪ %16.30‬على كامل المدة‪ ،‬وإذا كان المبلغ المتبقللي‬
‫على العميل أقل من خمسمائة ريال فلن يلبي البنك طلبه‬
‫لتنفيذ عملية التورق‪(.‬‬
‫وجاء في التفاقية‪:‬‬
‫) نموذج وكالة(‬
‫أوكل السللادة‪ /‬مكتللب عبللد العزيللز القاسللم للستشللارات‬
‫الشرعية والنظاميللة فللي شللراء سلللع مللن إدارة الئتمللان‬
‫الشخصلللي للللدى البنلللك السلللعودي المريكلللي )سلللامبا(‬
‫بالتقسيط بغرض تنفيللذ عمليللات التللورق فللي حللال وجللود‬
‫رصلليد مللدين علللى بطاقللة الخيللر الئتمانيللة فللي يللوم‬
‫الستحقاق أو بعده ملن كلل شلهر وذللك حسلب سلجلت‬
‫البنك‪.‬‬
‫كما أنني أوكل إدارة الئتمان الشخصللي لللدى سللامبا بللبيع‬
‫السلع الللتي اشللتريتها وذلللك لطللرف آخللر حسللب السللعر‬
‫السائد وقت البيع مع حق توكيل إدارة الئتمان الشخصللي‬
‫لدى سامبا لطرف آخر لتمللام عمليللة الوكالللة واسللتخدام‬
‫المبللالغ المتحصلللة لتسللوية الرصلليد المللدين علللى بطاقللة‬
‫الخيللر الئتمانيللة‪ .‬ويعتللبر هللذا التوكيللل غيللر قابللل للنقللض‬
‫طالمللا كللانت اتفاقيللة بطاقللة الخيللر الئتمانيللة سللارية‬
‫المفعول‪(.‬‬
‫وجاء في نشرة تعريفية لبطاقة الخير ما يلي‪:‬‬
‫)بطاقللة الخيللر هللي البطاقللة الئتمانيللة الجديللدة‪ ،‬الولللى‬
‫والوحيدة المجازة من هيئة الرقابة الشللرعية لللدى سللامبا‬
‫والتي تستخدم في أي مكان حول العالم‪.‬‬
‫تتم عبر تنفيذ عملية التورق والتي من خللها يقوم العميل‬
‫بشراء سلع مملوكة من قبل البنك "معادن" بالجل بسللعر‬
‫معين ويفوض البنك ببيع هذه السلع "معادن" حسب سللعر‬
‫السوق إلى طرف ثالث‪.‬‬
‫المبلغ الناتج مللن عمليللة بيللع السلللع"معللادن" سللوف يتللم‬
‫اسللتخدامه لتسللوية الرصلليد القللائم علللى بطاقللة الخيللر‬
‫الئتمانية في يوم الستحقاق من كل شهر‪(.‬‬
‫وجاء فيها‪:‬‬
‫)متى يكون العميل مؤهل ً لتنفيذ عملية التورق؟‬
‫‪120‬‬

‫يجب على العميل على القل أن يقوم بتسديد الحد الدنى‬
‫المستحق على بطللاقته فللي يللوم تاريللخ السللتحقاق‪ ،‬فللي‬
‫حال عللدم قيللام العميللل بسللداد أي مبلللغ فلللن يتللم تنفيللذ‬
‫عملية تورق‪ .‬ويجب أن يكللون المبلللغ المتبقللي بعللد سللداد‬
‫الحد الدنى يساوي خمسمائة ريال سعودي أو أكثر‪(.‬‬
‫التوضيح‪:‬‬
‫من الشللروط المتفللق عليهللا بيللن البنللك المصللدر وحامللل‬
‫البطاقة‪ :‬أنلله مللتى حللل وقللت السللداد ولللم يسللدد حامللل‬
‫البطاقة فإنه تجرى عملية تورق بسلع مملوكة للبنك‪ ،‬ومن‬
‫ثم يسدد الدين المستحق على البطاقة‪ ،‬وينشللأ ديللن آخللر‬
‫عللى حاملل البطاقلة بسلبب عمليلة التلورق ولكلن يقلوم‬
‫بتسديده خلل )‪ (15‬عشر شهرًا‪.‬‬
‫أوجه الشبه والختلف بين بطاقتي الخير والتيسير‪:‬‬
‫أما وجه الشبه‪:‬‬
‫فإن كل من البطاقتين تتيح لحاملهما سللداد الللدين ‪-‬الللذي‬
‫أسللتحق بسللبب اسللتعمالهما – عللن طريللق إجللراء عمليللة‬
‫تللورق‪ ،‬وذلللك بللبيع سلللع مملوكللة للبنكيللن علللى حامللل‬
‫البطاقة‪ ،‬ومن ثم يتولى البنكان بيع هللذه السلللع لمصلللحة‬
‫العميل على طرف ثالث‪ ،‬وتؤخذ القيمة ويسدد بهللا الللدين‬
‫الول‪ ،‬وينشللأ بعللد ذلللك ديللن جديللد علللى حامللل البطاقللة‬
‫يسدده خلل مدة معينة‪.‬‬
‫أما أوجه الختلف فكما يلي‪:‬‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬تختلفان في عملية إجراء التورق‪:‬‬
‫ففي بطاقللة التيسللير عللن طريللق الللبيع الفضللولي‪ ،‬حيللث‬
‫يتولى البنك إجراء عمليتي الشراء لحامللل البطاقلة والللبيع‬
‫لطرف ثالث لجل مصلحة حامل البطاقة‪ ،‬ويعتبر التصرف‬
‫نافذا ً خلل عشرين يوما ً إذا لم يعترض حامل البطاقة‬
‫أما بطاقة الخير فعن طريق التوكيل لطرف ثللالث بشللراء‬
‫السلع‪ ،‬ومن ثم توكيل إدارة الئتمان الشخصي ل وهو تللابع‬
‫للبنك المريكي ل ببيعها لطرف آخر‪.‬‬
‫ثانيًا‪ :‬معدل الربح في بيع التورق‬
‫ففي بطاقة الخير ‪ :‬معدل الربح ‪ %16.15‬وهو أكثر بكلثير‬
‫من معدلت الربح العالمية في بيع الجللل والمرابحللة‪ ،‬بللل‬
‫‪121‬‬

‫إنلله يشللبه إلللى حللد مللا معللدلت الفللائدة علللى بطاقللات‬
‫الئتمان الربوية العالمية‪ ،‬حيث أنها تحتسب أكثر فائدة ربا‬
‫على مستعمليها مقارنة بمعدلت الفوائد الربوية الخرى‪.‬‬
‫أما بطاقة الخير فلم يذكر بشأن معدلت الربح شيئًا‪.‬‬
‫ثالثًا‪ :‬مدة الجل في سداد عملية التورق‪.‬‬
‫ففي بطاقة التيسير )‪ (24‬شهرًا‪ ،‬أمللا فللي بطاقللة الخيللر )‬
‫‪ (15‬شهرًا‪.‬‬
‫المبحث الثاني‪ :‬المخالفات الشرعية لعمل البطاقتين‬
‫من خلل الوصف السابق لعمل البطاقتين‪ ،‬يتضح للبللاحث‬
‫أن فيهما مخالفات شرعية جلية‪ ،‬يمكن إيضاحها كالتالي‪:‬‬
‫المخالفللة الولللى‪ :‬أنهمللا مللن قلللب الللدين المجمللع علللى‬
‫تحريمه‪.‬‬
‫فسداد الدين في هاتين البطللاقتين يتللم عللن طريللق قلللب‬
‫الدين‪.‬‬
‫وقلب الدين‪ :‬هو زيادة الدين في ذمة المدين بللأي طريللق‬
‫كان‪.‬‬
‫قللال شلليخ السلللم‪ ":‬وأمللا إذا حللل الللدين وكللان الغريللم‬
‫معسرا ‪ :‬لم يجللز بإجمللاع المسلللمين أن يقلللب بللالقلب ل‬
‫بمعاملة ول غيرها ; بل يجب إنظاره وإن كان موسرا كللان‬
‫عليلله الوفللاء فل حاجللة إلللى القلللب ل مللع يسللاره ول مللع‬
‫إعساره")‪.(3‬‬
‫وجاء في مطللالب أولللى النهللى شللرح غايللة المنتهللى )‪:(4‬‬
‫) وحللرم قلللب ديللن ( مؤجللل علللى معسللر لجللل ) آخللر‬
‫اتفاقا ( قال الشيخ تقي الدين ‪ :‬ويحرم على صاحب الدين‬
‫أن يمتنع من إنظار المعسر حتى يقلب عليه الدين ‪ ,‬ومتى‬
‫قال رب الدين ‪ :‬إما أن تقلب الدين ‪ ,‬وإما أن تقللوم معللي‬
‫إلى عند الحاكم ‪ ,‬وخاف أن يحبسه الحللاكم ; لعللدم ثبللوت‬
‫إعساره عنللده ‪ ,‬وهللو معسللر ‪ ,‬فقلللب علللى هللذا الللوجه ‪,‬‬
‫كانت هذه المعاملة حراما غير لزمللة باتفللاق المسلللمين ‪,‬‬
‫فإن الغريم مكره عليها بغير حق ‪ ,‬ومن نسب جواز القلب‬
‫على المعسر بحيلة مللن الحيللل إللى ملذهب بعلض الئملة‬
‫فقد أخطأ في ذلك وغلط‪.‬‬

‫‪122‬‬

‫وقال الشيخ السعدي – رحمه الله ‪ " : -‬أعظم أنواع الربللا‬
‫قللب اللدين عللى الملدينين‪ ،‬سلواء فعلل ذللك صلريحا ً أو‬
‫تحي ً‬
‫ل؛ فلإنه ل يخفلى عللى رب العلالمين‪ ،‬فملن حلل دينله‬
‫على غريمه‪ ،‬ألزم بالوفاء‪ ،‬إن كان من المقتدرين‪ ،‬ووجللب‬
‫على صاحب الحق إنظاره إن كان من المعسرين")‪.(5‬‬
‫وقد اصلطلح الحنابللة علللى تسلمية هللذه المعامللة بقلللب‬
‫الدين‪ ،‬بينما المالكية يسمونها ‪ :‬فسخ الدين بالدين‪.‬‬
‫قال المام القيرواني‪ ":‬ول يجوز فسخ دين في ديلن‪ ،‬مثلل‬
‫أن يكللون شلليء فللي ذمتلله‪ ،‬فتفسللخه فللي شلليء آخللر ل‬
‫تتعجله" )‪ (6‬وقال‪ " :‬وكان فسخ الدين أشد فللي الحرمللة؛‬
‫لنه من ربا الجاهلية")‪.(7‬‬
‫بل عده المالكية من أشد صور بيع الكللالئ بالكللالئ الللذي‬
‫هو محرم بالجماع)‪.(8‬‬
‫وقلب الدين له طريقان‪:‬‬
‫الطريقة الولى‪:‬قلب الدين صللراحة‪ ،‬وذلللك بقللول الللدائن‬
‫للمللدين‪ :‬إمللا أن تقضللي وإمللا أن تربللي‪ ،‬ويقللول المللدين‪:‬‬
‫أنظرني أزدك‪ .‬وهذا هو ربا الجاهلية‪.‬‬
‫الطريقة الثانية‪ :‬قلب الدين بالحيلة‪ ،‬وهذا ما يتفنن به أكلة‬
‫الربا‪ ،‬فيعمدون إلى معاملت ظاهرها الصحة؛ لجللل قلللب‬
‫الدين على المدين‪ ،‬ولهذه الطريقة عدة صور‪:‬‬
‫‪-1‬منها‪ :‬أن يكللون فللي ذمللة شللخص لخللر دراهللم مؤجلللة‬
‫فيحل أجلهللا وليللس عنللده مللا يللوفيه‪ ،‬فيقللول للله صللاحب‬
‫الدين‪ :‬أدينك فتوفيني فيدينه فيوفيه‪ ،‬وهذا من الربا بل هو‬
‫مما قال اللله فيلله ‪): :‬يلا أيهلا الللذين آمنللوا ل تلأكلوا الربلا‬
‫أضعافا ً مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون ( ]آل عمللران‪:‬‬
‫‪ [130‬وهذه الصورة من أعمال الجاهلية حيث كللان يقللول‬
‫أحدهم للمدين إذا حل الدين ‪ :‬إما أن توفي وإما أن تربي‪.‬‬
‫إل أنهم في الجاهلية يضيفون الربا إلى الدين صراحة مللن‬
‫غير عمل حيلة وهؤلء يضيفون الربللا إلللى الللدين بالحيلللة)‬
‫‪.(9‬‬
‫‪-2‬ومنها‪ :‬أن يكون لشخص على آخر دين فإذا حل قال له‪:‬‬
‫إما أن توفي دينك أو تذهب لفلن يللدينك وتللوفيني ويكللون‬
‫بين الدائن الول والثاني اتفاق مسللبق فللي أن كللل واحللد‬
‫‪123‬‬

‫منهما يدين غريم صاحبه ليوفيه ثم يعيد الللدين عليلله مللرة‬
‫أخللرى ليللوفي الللدائن الجديللد‪.‬أو يقللول‪ :‬اذهللب إلللى فلن‬
‫لتستقرض منه ويكون بين الللدائن الول والمقللرض اتفللاق‬
‫أو شبه اتفاق على أن يقرض المللدين‪ .‬فللإذا أوفللى الللدائن‬
‫الول قلب عليه الدين ثم أوفى المقرض ما أقللترض منلله‪،‬‬
‫وهذه حيلة لقلب الدين بطريق ثلثية)‪.(10‬‬
‫‪-3‬ومنها‪ :‬إذا حل الدين على المللدين مث ً‬
‫ل)مللائة ( ول وفللاء‬
‫عنده‪ ،‬وأراد أن يدينه أيضا ً مائة‪ ،‬جعل فائدة المائة الجديدة‬
‫مضاعفة‪ ،‬فإن كانت فائدة المائة الولى ‪ ،%2‬جعل فللائدة‬
‫المائة الثانية ‪ ،%4‬مراعاة للمللائة الحالللة‪ ،‬والمللدين يلللتزم‬
‫بذلك لضطراره)‪.(11‬‬
‫‪ -4‬ومنها‪ :‬أن يكللون للرجللل ديللن علللى آخللر‪ ،‬فيحللل أجللل‬
‫الدين‪ ،‬وليس عند المدين ما يوفي به دينه‪ ،‬فيحتال الللدائن‬
‫ويعطي المدين المعسر نقودا ً على أنهللا رأس مللال سلللم‪،‬‬
‫لمبيع موصوف مؤجل في الذمة‪ ،‬ثللم إن الللدائن يسللتوفي‬
‫بهللذه النقللود عللن دينلله السللابق )‪.(12‬وجللاء فللي الللدرر‬
‫السنية‪ :‬ومنها – أي المعاملت الربوية ‪ : -‬قلب الدين على‬
‫المعسر‪ ،‬إذا حل الدين على الغريم‪ ،‬ولم يقدر على الوفاء‬
‫أحضر طالب الدين دراهم‪ ،‬وأسلمها إليلله فللي طعللام فللي‬
‫ذمتلله‪ ،‬ثللم أوفللاه بهللا فللي مجلللس العقللد‪ ،‬ويسللمون هللذا‬
‫تصحيحًا‪ ،‬وهللو فاسلد ليلس بصللحيح‪ ،‬فلإنه للم يسللم إليلله‬
‫دراهم‪ ،‬وإنما قلب عليه الدين الللذي فللي ذمتلله‪ ،‬لمللا عجللز‬
‫عن استيفائه؛ والمعسر ل يجوز قلب الدين عليه)‪.(13‬‬
‫وقد حرر هذه المسألة الموفق رحمه الله وقال ‪ :‬إذا كللان‬
‫له في ذمة رجل دينار‪ ،‬فجعله سلما ً في طعام إلللى أجللل‪،‬‬
‫لم يصح‪ .‬قال ابن المنذر‪ :‬أجمع على هللذا كللل مللن أحفللظ‬
‫عنه ملن أهلل العلللم‪ ،‬منهلم ماللك‪ ،‬والوزاعللي‪ ،‬والثللوري‪،‬‬
‫وأحمد‪ ،‬وإسحاق‪ ،‬وأصحاب الرأي‪ .‬وعن ابن عمر أنه قال‪:‬‬
‫ل يصلح ذلك‪ .‬وذلك لن المسلم فيه دين‪ ،‬فإذا جعل الثمن‬
‫دينا ً كان بيع دين بدين‪ ،‬ول يصح ذلك بالجماع)‪.(14‬‬
‫‪-5‬ومنها‪ :‬من له دين على شخص قد حل أجله فطللالبه بلله‬
‫فوجللده معسللرا بجميعلله ‪ ,‬ووجللد عنللده سلللعة ل تفللي بلله‬
‫فأخللذها منلله فللي جميللع الللدين ‪ ,‬ثللم باعهللا للله بللأكثر مللن‬
‫‪124‬‬

‫الدين ‪ ,‬فهذا ل يجوز أيضا ; لن السلعة الللتي خرجللت ملن‬
‫اليد وعادت إليها تعد لغوا ‪ ,‬وكأنه فسخ ما في ذمة المدين‬
‫في أكثر منه ابتداء فهو ربا الجاهلية)‪.(15‬‬
‫‪-6‬ومنها‪ :‬ما جللاء فللي الموطللأ ‪ ) :‬قللال ماللك فللي الرجللل‬
‫يكون له على الرجل مائة دينار إلى أجل فإذا حلت قال له‬
‫الذي عليه الدين بعني سلعة يكون ثمنهللا مللائة دينللار نقللدا‬
‫بمائة وخمسين إلى أجل قال مالك هذا بيع ل يصلح ‪ ,‬ولللم‬
‫يزل أهل العلم ينهون عنه قال مالللك ‪ ,‬وإنمللا كللره ذلللك ;‬
‫لنه إنما يعطيه ثملن ملا بلاعه بعينلله ‪ ,‬ويلؤخر عنله الملائة‬
‫الولى إلى الجل الذي ذكللر للله آخللر مللرة ‪ ,‬ويللزداد عليلله‬
‫خمسين دينارا في تأخيره عنه فهللذا مكللروه ‪ ,‬ول يصلللح ‪,‬‬
‫وهو أيضا يشبه حديث زيد بن أسلم في بيع أهل الجاهليللة‬
‫أنهم كانوا إذا حلت ديونهم قال للللذي عليلله الللدين إمللا أن‬
‫تقضي ‪ ,‬وإما أن تربي فإن قضى أخذوا ‪ ,‬وإل زادوهم فللي‬
‫حقوقهم وزادوهم في الجل ( ‪ .‬أهللل‪ .‬قللال البللاجي ‪ :‬وهللذا‬
‫على ما قال ; لن من كان له على رجللل مللائة دينللار إلللى‬
‫أجل فاشترى منلله عنللد الجللل سلللعة تسللاوي مللائة دينللار‬
‫بمللائة وخمسللين فقضللاه دينلله الول ‪ ,‬وإنمللا قضللاه ثمللن‬
‫سلعته ‪ ,‬وزاد خمسين دينارا في دينه لتأخيره به عن أجللله‬
‫فهللذا يشللبه مللا تضللمنه حللديث زيللد بللن أسلللم مللن بيللوع‬
‫الجاهليللة فللي زيللادتهم فللي الللديون عنللد انقضللاء أجلهللا‬
‫ليؤخروا بها ‪ ,‬ويدخله أيضا بيع وسلف ; لنه إنما ابتاع منلله‬
‫هذه السلعة بمائة معجلة وخمسين مؤجلة ليؤخره بالمللائة‬
‫التي حلت له عليه ‪ ,‬ووجوه الفساد فللي هللذا كللثيرة جللدا)‬
‫‪.(16‬‬
‫‪-7‬ومنها ‪ :‬ما جاء في فتاوى شيخ السلللم ‪ " :‬وسللئل عللن‬
‫رجل له مع رجل معاملة فتأخر له معه دراهم فطالبه وهو‬
‫معسر فاشترى للله بضللاعة مللن صلاحب دكللان وباعهللا للله‬
‫بزيللادة مللائة درهللم حللتى صللبر عليلله ‪ .‬فهللل تصللح هللذه‬
‫المعاملة ؟ فأجاب ‪ :‬ل تجوز هللذه المعاملللة ; بللل إن كللان‬
‫الغريم معسرا فله أن ينتظره ‪ .‬وأمللا المعاملللة الللتي يللزاد‬
‫فيها الللدين والجللل فهللي معاملللة ربويللة وإن أدخل بينهمللا‬

‫‪125‬‬

‫صاحب الحانوت ‪ .‬والواجب أن صاحب الدين ل يطللالب إل‬
‫برأس ماله ل يطالب بالزيادة التي لم يقبضها ")‪.(17‬‬
‫فإذا تقرر أن ما يجري عمله في بطللاقتي الخيللر والتيسللير‬
‫إنما هو من قلب الللدين المجمللع علللى تحريملله‪ ،‬فللإن مللن‬
‫تعامل بها فإنه سيقع لزما ً بمخالفتين عظيمتين‪:،‬‬
‫أحدهما‪ :‬الوقوع في ربا الجاهلية‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬التحايل على الربا‪.‬‬
‫وإليك إيضاح ذلك ‪.‬‬
‫المخالفة الثانية ‪:‬أنهما داخلتان فللي ربللا الجاهليللة" إمللا أن‬
‫تقضي وإما أن تربي"‪.‬‬
‫إن أسوأ أنواع الربا وأشدها تحريما ً هو ربا الجاهليللة الللذي‬
‫يزيد فيه الدين لجل تللأخير الوفللاء‪ ،‬فللإذا حللل الجللل قللال‬
‫الدائن‪:‬أتقضي أم تربللي؟ ويقللول المللدين‪ :‬أنظرنللي أزدك‪.‬‬
‫وهذا هو الذي نزل فيه قوله تعال ‪:‬يللا أيهللا الللذين آمنللوا ل‬
‫تأكلوا الربا أضعافا ً مضاعفة واتقوا الللله لعلكللم تفلحللون (‬
‫] آل عمللران‪ (18).[130:‬وقللوله جللل شللأنه‪ ) :‬أضللعافا ً‬
‫مضاعفة ( بيان لما يؤول إليه حال الربا من تضاعف الدين‬
‫في ذمة المدين وما يترتب عليه من الظلللم الفللادح وأكللل‬
‫المال بغير حق‪ .‬والمة مجمعة على تحريم هذا النللوع مللن‬
‫الربا تحريما ً قطعيا ً ل يتطرق إليه أدنى شك‪.‬‬
‫وجه الشبه بين ربا الجاهلية و عمل البطاقتين‪:‬‬
‫أن ما يحدث في بطاقتي الئتمان المشلار إليهملا هلو ملن‬
‫هذا الباب‪ ،‬فالبنك المصدر للبطاقة يخير العميل بين وفللاء‬
‫دينه الذي حل أجله وبين تأخير الوفاء مع زيادة الدين فللي‬
‫ذمته من خلل التورق‪ ،‬ثم إذا حل أجل الدين الجديد تكللرر‬
‫المر مرة أخرى‪ ،‬فينمو الدين ويتضاعف في ذمة المللدين‪،‬‬
‫وهذا عين ربا الجاهلية‪ .‬ول يؤثر فللي هللذه الحقيقللة كونهللا‬
‫تتللم مللن خلل سلللع أو بضللائع غيللر مقصللودة لي مللن‬
‫الطرفيللن؛ فللإن العللبرة بالحقللائق والمعللاني ل بالصللور‬
‫والمبللاني‪ .‬والللله شللرع الللبيع والشللراء لتحقيللق مصلللحة‬
‫الطرفين‪ ،‬ل للحتيال به على الربا‪.‬‬
‫ويؤيد ذلك ما ورد عن المام مالك‪ ):‬قال مالك في الرجل‬
‫يكون له على الرجل مائة دينار إلى أجل فإذا حلت قال له‬
‫‪126‬‬

‫الذي عليه الدين بعني سلعة يكون ثمنهللا مللائة دينللار نقللدا‬
‫بمائة وخمسين إلى أجل قال مالك هذا بيع ل يصلح ‪ ,‬ولللم‬
‫يزل أهل العلم ينهون عنه قال مالللك ‪ ,‬وإنمللا ك ُللره ذلللك ;‬
‫لنه إنما يعطيه ثملن ملا بلاعه بعينلله ‪ ,‬ويلؤخر عنله الملائة‬
‫الولى إلى الجل الذي ذكللر للله آخللر مللرة ‪ ,‬ويللزداد عليلله‬
‫خمسين دينارا في تأخيره عنه فهللذا مكللروه ‪ ,‬ول يصلللح ‪,‬‬
‫وهو أيضا يشبه حديث زيد بن أسلم في بيع أهل الجاهليللة‬
‫أنهم كانوا إذا حلت ديونهم قال للللذي عليلله الللدين إمللا أن‬
‫تقضي ‪ ,‬وإما أن تربي فإن قضى أخذوا ‪ ,‬وإل زادوهم فللي‬
‫حقوقهم وزادوهم في الجل ( ‪ .‬أهل‪.‬‬
‫فالمام مالك ‪-‬رحمه الله – جعل هذه المعاملة الللتي فيهللا‬
‫قلب للدين شللبيهة بربللا الجاهليللة إمللا أن تقضللي وإمللا أن‬
‫تربي‪ ،‬و أما قللول المللام مالللك " وإنمللا ك ُللره ذلللك" ليللس‬
‫المراد به الكراهة التي يحدها الصوليون ‪ :‬ما نهي عنه نهيا ً‬
‫غير جازم‪ ،‬أو ما يثاب تاركه ول يعاقب فللاعله‪ ،‬بللل المللراد‬
‫بالكراهة عنللد السلللف التحريللم‪ ،‬خلف لا ً للمتللأخرين فللإنهم‬
‫اصطلحوا على تخصيص الكراهة بما ليس بمحرم)‪.(19‬‬
‫المخالفة الثالثة‪ :‬أن فيهما تحايل ً على الربا‪.‬‬
‫من خلل ما سبق‪ ،‬تبين للباحث أن عمل البطاقتين ما هللو‬
‫إل تحايل على الربللا‪ ،‬وقللد حللذرنا النللبي صلللى الللله عليلله‬
‫وسلم من الحتيال على مللا حرملله اللله تعلالى بقللوله‪ ":‬ل‬
‫ترتكبوا ما ارتكبللت اليهللود‪ ،‬فتسللتحلوا محللارم الللله بللأدنى‬
‫الحيل")‪.(20‬‬
‫وقال صلى الللله عليلله وسلللم‪":‬قاتللل الللله اليهللود‪،‬حرمللت‬
‫عليهم الشحوم فجملوها فباعوها")‪.(21‬‬
‫وحقيقة الحيلة المحرمة أنها توسل بعمل مشروع لتحقيللق‬
‫غاية محرمة‪ ،‬فالبيع مشروع لكن التوسل به الزيادة الدين‬
‫في ذمة المدين مقابل تأخير الوفللاء توسللل لغايللة ونتيجللة‬
‫محرمة‪ ،‬فيكون البيع في هذه الحالة حيلة محرمة‬
‫قللال الموفللق‪ ":‬ثبللت مللن مللذهب أحمللد أن الحيللل كلهللا‬
‫باطلة" )‪ ،(22‬وقال‪ ":‬الحيل كلها محرمة‪ ،‬غير جللائزة فللي‬
‫شيء من الدين‪ ،‬وهو أن يظهر عقدا ً مباحا ً يريد به محرمًا‪،‬‬
‫مخادعة وتوسل ً إلى فعل ما حرم الله")‪.(23‬‬
‫‪127‬‬

‫وقال ابن القيم رحمه الله ‪ ":‬النبي صلى الله عليه وسلللم‬
‫قد قال كلمتين كفتا وشفتا وتحتهما كنوز العلم وهما قللوله‬
‫‪ } :‬إنما العمال بالنيات ‪ ,‬وإنما لكل امرئ ما نوى { فبين‬
‫في الجملللة الولللى أن العمللل ل يقللع إل بالنيللة ‪ ,‬ولهللذا ل‬
‫يكون عمل إل بنية ‪ ,‬ثم بين في الجملة الثانيللة أن العامللل‬
‫ليللس للله مللن عمللله إل مللا نللواه وهللذا يعللم العبللادات‬
‫والمعللاملت واليمللان والنللذور وسللائر العقللود والفعللال ‪,‬‬
‫وهذا دليل على أن من نوى بالبيع عقد الربا حصل له الربا‬
‫‪ ,‬ول يعصللمه مللن ذلللك صللورة الللبيع …وإذا نللوى بالفعللل‬
‫التحيل على ما حرمه الله ورسوله كان له ما نللواه ; فللإنه‬
‫قصد المحرم وفعل مقدوره فللي تحصلليله ‪ ,‬ول فللرق فللي‬
‫التحيل على المحرم بين الفعل الموضوع لله وبيللن الفعللل‬
‫الموضوع لغيره إذا جعل ذريعة للله ‪ ,‬ل فللي عقللل ول فللي‬
‫شرع ; ولهذا لو نهى الطبيب المريلض عملا يلؤذيه وحمللاه‬
‫منه فتحيل على تناوله عللد متنللاول لنفللس مللا نهللى عنلله ‪,‬‬
‫ولهذا مسخ الللله اليهللود قللردة لمللا تحيلللوا علللى فعللل مللا‬
‫حرمه الله ‪ ,‬ولم يعصمهم من عقوبته إظهار الفعل المبللاح‬
‫لما توسلوا به إلى ارتكاب محارمه ‪ ,‬ولهذا عاقب أصللحاب‬
‫الجنة بأن حرمهم ثمارها لما توسلوا بجذاذها مصبحين إلى‬
‫إسقاط نصيب المساكين ‪ ,‬ولهذا لعن اليهود لما أكلوا ثمن‬
‫ما حرم الله عليهم أكله ‪ ,‬ولم يعصمهم التوسل إلللى ذلللك‬
‫بصورة البيع ‪ .‬وأيضللا فللإن اليهللود لللم ينفعهللم إزالللة اسللم‬
‫الشللحوم عنهللا بإذابتهللا فإنهللا بعللد الذابللة يفارقهللا السللم‬
‫وتنتقللل إلللى اسللم الللودك ‪ ,‬فلمللا تحيلللوا علللى اسللتحللها‬
‫بإزالة السم لم ينفعهم ذلك ‪.‬‬
‫قللال الخطللابي ‪ :‬فللي هللذا فللي الحللديث بطلن كللل حيلللة‬
‫يحتال بهللا المتوسللل إلللى المحللرم ; فللإنه ل يتغيللر حكملله‬
‫بتغير هيئته وتبديل اسمه ‪.‬‬
‫إذا تبين هذا فمعلللوم أنله لللو كلان التحريللم معلقللا بمجللرد‬
‫اللفظ وبظاهر من القول دون مراعللاة المقصللود للشلليء‬
‫المحللرم ومعنللاه وكيفيتلله لللم يسللتحقوا اللعنللة لللوجهين ‪:‬‬
‫أحدهما ‪ :‬أن الشحم خللرج بجمللله عللن أن يكللون شللحما ‪,‬‬
‫وصار ودكا ‪ ,‬كما يخرج الربا بالحتيال فيه عللن لفللظ الربللا‬
‫‪128‬‬

‫إلى أن يصير بيعا عند من يستحل ذلك ; فللإن مللن أراد أن‬
‫يبيع مائة بمائة وعشرين إلى أجل فللأعطى سلللعة بللالثمن‬
‫المؤجل ثم اشتراها بالثمن الحال ‪ ,‬ول غرض لواحد منهما‬
‫في السلعة بوجه ما ‪ ,‬وإنما هي كما قال فقيه المة دراهم‬
‫بدراهم دخلت بينهما حريرة ; فل فرق بين ذلك وبين مللائة‬
‫بمائة وعشرين درهما بل حيلة ألبتة ‪ ,‬ل في شللرع ول فللي‬
‫عقل ول عرف ‪ ,‬بل المفسدة التي لجلها حرم الربا بعينها‬
‫قائمة مع الحتيال أو أزيد منها ‪ ,‬فإنها تضللاعفت بالحتيللال‬
‫لم تذهب ولم تنقص ; فمن المستحيل على شريعة أحكللم‬
‫الحاكمين أن يحرم ما فيلله مفسللدة ويلعللن فللاعله ويللؤذنه‬
‫بحرب منه ورسوله ويوعده أشد الوعيللد ثللم يبيللح التحيللل‬
‫على حصللول ذلللك بعينلله سللواء مللع قيللام تلللك المفسللدة‬
‫وزيادتهللا بتعللب الحتيللال فللي معصللية ومخادعللة الللله‬
‫ورسوله ‪ .‬هذا ل يللأتي بلله شللرع ; فللإن الربللا علللى الرض‬
‫أسهل وأقل مفسدة من الربا بسلم طويل صعب الللتراقي‬
‫يترابى المترابيان على رأسه‪ ،‬فيا لله العجب ‪ ,‬أي مفسدة‬
‫من مفاسد الربا زالت بهذا الحتيال والخداع ؟ فهللل صللار‬
‫هذا الذنب العظيم عند الللله هللو مللن أكللبر الكبللائر حسللنة‬
‫وطاعة بالخداع والحتيال ؟ ويللا لللله ‪ ,‬كيللف قلللب الخللداع‬
‫والحتيال حقيقته من الخبيث إلى الطيللب ومللن المفسلدة‬
‫إلللى المصللحة وجعلله محبوبلا لللرب تعلالى بعللد أن كلان‬
‫مسخوطا له ؟ ولئن كان هذا الحتيال يبلغ هذا المبلغ فللإنه‬
‫عند الله ورسوله بمكان ومنزلللة عظيمللة وإنلله مللن أقللوى‬
‫دعائم الدين وأوثق عراه وأجل أصوله ‪.‬‬
‫ويا لله العجللب ‪ ,‬أي فللرق بيللن بيللع مللائة بمللائة وعشللرين‬
‫درهما صريحا وبين إدخال سلعة لم تقصد أصل بل دخولهللا‬
‫كخروجها ؟ ولهذا ل يسأل العاقد عن جنسها ول صفتها ول‬
‫قيمتها ول عيب فيها ول يبالي بللذلك ألبتللة حللتى لللو كللانت‬
‫خرقللة مقطعللة أو أذن شللاة أو عللودا مللن حطللب أدخلللوه‬
‫محلل للربللا ‪ ,‬ولمللا تفطللن المحتللالون أن هللذه السلللعة ل‬
‫اعتبار بها في نفس المر ‪ ,‬وأنها ليسللت مقصللودة بللوجه ‪,‬‬
‫وأن دخولها كخروجها – تهاونوا بها ‪ ,‬ولم يبالوا بكونها ممللا‬
‫يتمول عادة أو ل يتمول ‪ ,‬ولم يبال بعضهم بكونها مملوكللة‬
‫‪129‬‬

‫للبائع أو غير مملوكة ‪ ,‬بل لم يبال بعضهم بكونها مما يبللاع‬
‫أو مما ل يباع كالمسجد والمنارة والقلعة ‪ ,‬وكللل هللذا وقلع‬
‫من أرباب الحيل ‪ ,‬وهذا لما علموا أن المشللتري ل غللرض‬
‫له في السللعة فقللالوا ‪ :‬أي سللعة اتفللق حضللورها حصللل‬
‫بهذا التحليل‪(24)".‬‬
‫المخالفة الرابعة‪ :‬أنهما داخلتان فللي حللديث " نهللي النللبي‬
‫صلى الله عليه وسلم عن سلف وبيع"‪.‬‬
‫عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قللال‪:‬قللال رسللول‬
‫الللله صلللى الللله عليلله وسلللم ‪":‬ل يحللل سلللف وبيللع‪ ،‬ول‬
‫شرطان في بيع‪،‬ول ربللح مللا لللم يضللمن‪،‬ول بيللع مللا ليللس‬
‫عندك")‪(25‬‬
‫قال ابن القيم – رحمه الله ‪ ": -‬وأما السلف والبيع‪ :‬فلنلله‬
‫إذا أقرضه مائة إلى سللنة‪ ،‬ثللم بللاعه مللا يسللاوي خمسللين‬
‫بمائة‪ :‬فقد جعل هذا البيع ذريعة إلى الزيللادة فللي القللرض‬
‫الذي موجبه رد المثل‪ ،‬ولول هللذا الللبيع لمللا أقرضلله ولللول‬
‫عقد القرض لما اشترى ذلك‪(26)".‬‬
‫ووجه الشبه بين هذا التفسير للحديث وعمل البطاقتين‪:‬‬
‫أن العلقة بين مصدر البطاقة وحاملها‪ :‬هي علقة مقللرض‬
‫يتمثل في مصدر البطاقة‪ ،‬ومقترض هو حامل البطاقة‪.‬‬
‫فحامل البطاقة إما أن يشتري سلعا ً ومن ثللم يقللوم البنللك‬
‫بالسداد‪ ،‬ويكون هذا المبلغ دينا ً في ذمة حامل البطاقة‪ ،‬أو‬
‫أنلله يسللحب مبلغ لا ً نقللديا ً مللن مكللائن الصللرف‪ ،‬وفللي كل‬
‫الحالتين تكون ذمة حامل البطاقة مشغولة للبنك المصللدر‬
‫لها‪ ،‬ويحدد له يوما ً يقوم بسداد الدين فيه‪.‬‬
‫وعند الرجوع إلى اتفاقية عمللل البطللاقتين نجللد أن البنللك‬
‫السعودي المريكي وضع من ضمن التفاقية أنه متى حللل‬
‫سداد الدين ولم يسدد حامل البطاقللة فللإنه سللوف يجللري‬
‫عملية تورق بالوكالة‪.‬‬
‫وأما البنك الهلي فقللد قللرر فللي التفاقيللة أنلله مللتى حللل‬
‫الللدين فللإنه سلليجري عمليللة التللورق مللن خلل التصللرف‬
‫الفضولي‪.‬‬
‫وفللي كل الحللالتين‪ :‬نجللد أن البنكيللن اشللترطا فللي عمليللة‬
‫القراض أنه متى حل موعد سداد الدين ولم يسدد حامللل‬
‫‪130‬‬

‫البطاقة فإنه تجرى عملية التللورق‪ ،‬فهنللا اجتمللع فللي هللذه‬
‫المعاملة سلف وبيع‪.‬‬
‫المخالفة الخامسة‪ :‬أنهما داخلتان في حديث " نهي النللبي‬
‫صلى الله عليه وسلم عن بيعتين في بيعة"‪.‬‬
‫عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النللبي صلللى الللله عليلله‬
‫وسلم نهى عللن بيعللتين فللي بيعللة‪ .‬وفللي لفللظ " مللن بللاع‬
‫بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا")‪.(27‬‬
‫قللال المللام الخطللابي – رحملله الللله ‪ -‬فللي بيللان معنللى‬
‫الحديث‪ ":‬كأن يسلفه دينارا ً في قفيزيللن إلللى شللهر فلمللا‬
‫حل الجل وطالبه بالبر‪ ،‬قال للله‪ :‬بعنللي القفيللز الللذي لللك‬
‫علي بقفيزين إلى شهر‪ .‬فهذا بيع ثان قد دخلل عللى اللبيع‬
‫الول فصار بيعتين فللي بيعلة فيلردان إلللى أوكسللهما وهلو‬
‫الصل‪ ،‬فإن تبايعا المبيع الثاني قبل أن يتناقضا الول كانللا‬
‫مرتبين" معالم السنن )‪(2/104‬‬
‫وتوضيح ذلك‪ :‬أن المراد به قلب الدين على المعسللر فللي‬
‫صورة بيع الدين المؤجل على المدين إلى أجل آخر بزيادة‬
‫عليه‪.‬‬
‫ووجه الشبه بين هذا التفسير وعمل البطاقتين كالتالي‪:‬‬
‫ففي عمل البطاقتين لما حل الجل وكان صاحب البطاقللة‬
‫مدينا ً للبنك بريالت‪ ،‬وليس عنده ما يوفيه‪ ،‬فكأنه بللاع هللذا‬
‫الدين بدين آخر إلللى أجللل مللع زيللادة‪ ،‬ولكللن أدخل بينهمللا‬
‫سلعة عن طريق التورق‪ .‬فاجتمع في المعاملة بيعان‪ ،‬فإما‬
‫أن يأخذان بالبيع الول وهلو الللدين القللل‪ ،‬وإمللا أن يتملان‬
‫البيع الثاني‪ ،‬فيقعان في النهي وهو الربا‪.‬‬
‫وهذا التفسير للحديث ل يمنع التفسير المشهور عن شلليخ‬
‫السلم وابن القيم بأن المللراد بالحللديث بيللع العينللة‪ ،‬مللن‬
‫وجهين‪:‬‬
‫الول‪ :‬أن في كل الصورتين تحايل على الربا‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬إن من القواعد المقللررة عنللد أهللل العلللم‪ :‬أنلله إذا‬
‫احتمل اللفظ أكثر من معنللى وليللس بينهمللا تعللارض فللإنه‬
‫يحمل عليهما‪.‬‬
‫فكل معاملتين ظاهرهما الصللحة وباطنهمللا التحايللل علللى‬
‫أكل الربللا فهمللا داخلتللان فللي النهللي الللذي فللي الحللديث‪،‬‬
‫‪131‬‬

‫فيشللمل الحللديث بيللع العينللة وقلللب الللدين وغيرهللا مللن‬
‫المعاملت‪.‬‬
‫وأخيرًا‪:‬‬
‫هذه بعض المخالفات على هاتين البطللاقتين‪ ،‬وأحسللب أن‬
‫هللذا البحللث مللا هللو إل بدايللة لبحللوث أخللرى مللن العلمللاء‬
‫وطلب العلللم المهتميللن بهللذه المعللاملت‪ ،‬وإنللي أدعللو‬
‫الباحثين إلى تجليللة هللذا المللر وزيللادة بحثلله‪ ،‬حللتى يكللون‬
‫الناس على بصيرة من أمرهم‪.‬‬
‫فوالله لو ترك هذا المر ومر مرور الكرام فلن يكللون ربللا‬
‫في البنوك‪ ،‬وسينتهي الربا إلى غير رجعللة بالتحايللل عليلله‪،‬‬
‫وسيصعب رد الناس عنه إذا انغمسوا فيه‪.‬‬
‫ونحن بأمس الحاجة إلى الرجوع إلللى الللله‪ ،‬والتوبللة إليلله‪،‬‬
‫فالمة تعيش في عصر تكالب عليهللا أعللداء الللله مللن كللل‬
‫جانب‪ ،‬والنصر ل يأتي إل من عند الللله‪ ،‬وكيللف نللدعو الللله‬
‫النصر؛ ونحن نحاربه بأكل الربا ‪.‬‬
‫كما أدعو القللائمين علللى الهيئات الشللرعية الللذين أجللازوا‬
‫مثل هللذه المعللاملت أن يللبينوا لنللا مسللك إبللاحتهم لهللذه‬
‫المعاملة بالدلة الصللريحة الصللحيحة‪ ،‬حللتى تظهللر للعيللان‬
‫حجج الطرفين ومسلك كل فريق‪.‬‬
‫وإني لتوجه بالدعاء إلى الله قيللوم السللموات والرض أن‬
‫يأخللذ بأيللدينا إلللى سللواء السللبيل‪ ،‬وأن يرينللا الحللق حق لا ً‬
‫ويرزقنا اتباعه‪ ،‬وان يرينا الباطل باطل ً ويرزقنا اجتنابه‪ ،‬إنه‬
‫ولي ذلك والقادر عليه‪.‬‬
‫وصلى الله وسلم على خاتم رسله نبينا محمللد وعلللى آللله‬
‫وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين ‪.‬‬
‫وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‬
‫)‪ (1‬بطاقات الئتمان‪ ،‬للشيخ بكر أبو زيد ص ‪11‬‬
‫)‪(2‬انظر‪ :‬الجماع لبلن المنللذر ص ‪ ،95‬المغنلي )‪(6/436‬‬
‫ط هجر‪.‬‬
‫)‪ (3‬مجموع الفتاوى )‪(29/419‬‬
‫)‪(3/62) (4‬‬
‫)‪ (5‬الفتاوى السعدية )ص ‪.(353‬‬
‫)‪ (6‬الفواكه الدواني ‪.2/101‬‬
‫‪132‬‬

‫)‪ (7‬المصدر السابق‪.‬‬
‫)‪(8‬انظر‪ :‬شرح حدود ابن عرفه ص ‪ ،253‬الفواكه الدواني‬
‫‪.2/101‬‬
‫)‪(9‬رسالة المداينة للشيخ محمد العثيمين رحمه الللله )ص‬
‫‪.(15-14‬‬
‫)‪(10‬الفتللاوى السللعدية )ص ‪ ،(350‬رسللالة المداينللة )ص‬
‫‪.(16-15‬‬
‫)‪(11‬الفتاوى السعدية )ص ‪.(352‬‬
‫)‪ (12‬نيل المآرب في تهذيب عمدة الطللالب‪ ،‬للشلليخ عبللد‬
‫الله البسام )‪.(3/86‬‬
‫)‪ (13‬الدرر السنية في الجوبللة الحنبليللة )‪ .(6/117‬وهللي‬
‫فتوى لبناء الشيخ محمد وهم‪:‬حسللين وإبراهيللم وعبللدالله‬
‫وعلي‪.‬‬
‫)‪ (14‬المغني )‪ ،(6/410‬النصاف )‪.(4/34‬‬
‫)‪ (15‬الفواكه الدواني )‪.(2/102‬‬
‫)‪ (16‬المنتقى شرح الموطأ )‪6(5/66‬‬
‫)‪(17‬مجموع فتاوى شيخ السلم )‪(29/439‬‬
‫)‪ (18‬تفسير الطبري )جامع البيان عللن تأويللل القللرآن ( )‬
‫‪.(7/204‬‬
‫)‪ (19‬إعلم الموقعين )‪.(81-2/75‬‬
‫)‪ (20‬رواه ابن بطة في إبطال الحيل‪ ،‬وقواه شيخ السلم‬
‫في بيان الدليل ص ‪ ،55‬ط المكتب السلمي‪.‬‬
‫)‪ (21‬رواه البخاري فللي كتللاب‪ :‬الللبيوع‪ ،‬بللاب‪ :‬بيللع الميتللة‬
‫والصللنام ) الحللديث رقللم ‪ ،(2236‬وأخرجلله فللي كتللاب‬
‫التفسير‪ ،‬باب ‪ ":‬وعلى‬
‫الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنللم حرمنللا‬
‫عليهم شحومهما" )الحللديث رقللم ‪ ،(4633‬وأخرجلله أيضلا ً‬
‫في كتاب‬
‫المغازي‪ ،‬بللاب‪) ،51:‬الحللديث رقللم ‪ ،(4296‬ورواه مسلللم‬
‫فللي كتللاب‪ :‬المسللاقاة‪ ،‬بللاب‪ :‬تحريللم بيللع الخمللر والميتللة‬
‫والخنزير والصنام‪) ،‬الحديث رقم ‪.(4024‬‬
‫)‪ (22‬المغني )‪.(6/116‬‬
‫)‪ (23‬المغني )‪.(6/154‬‬
‫‪133‬‬

‫)‪ (24‬إعلم الموقعين ‪.(527-4/522‬‬
‫)‪ (25‬أخرجه أبو داود في كتاب‪ :‬البيوع‪ ،‬باب‪ :‬فللي الرجللل‬
‫يبيع ما ليس عنده‪) ،‬الحديث رقم ‪ ،(3504‬والترمللذي فللي‬
‫كتاب‪ :‬البيع‬
‫باب ما جاء في كراهية بيع ما ليس عندك‪) ،‬الحللديث رقللم‬
‫‪ ،(1234‬والنسائي في كتللاب‪:‬الللبيوع‪ ،‬بللاب ‪:‬شللرطان فللي‬
‫بيع‪ ) ،‬الحديث‬
‫رقم )‪ ،(4644‬وأحمد فللي المسللند )حللديث رقللم ‪.(6633‬‬
‫والحديث صححه ابن تيمية فللي الفتللاوى الكللبرى ‪،6/177‬‬
‫وحسنه اللباني في إرواء الغليل ‪.148-5/146‬‬
‫)‪ (26‬التعليق عل سنن أبي داود‪) ،‬عون المعبود ‪.(9/402‬‬
‫)‪ (27‬أخرجه الترمذي في كتاب ‪:‬البيوع ‪ ،‬باب ما جلاء فلي‬
‫النهللللي عللللن بيعللللتين فللللي بيعللللة‪) ،‬الحللللديث رقللللم‬
‫‪،(1231‬والنسائي في كتاب ‪:‬البيوع‬
‫باب‪ :‬بيعتين في بيعة‪)،‬الحللديث رقللم ‪ ،(4646‬وأحمللد فللي‬
‫المسند )حديث رقم ‪ ،(9795‬وحسنه اللباني إرواء الغليل‬
‫)‪.5/149‬‬
‫============‬
‫‪#‬الحرب على الله ورسوله‬
‫د‪ .‬سامي بن إبراهيم السويلم ‪23/9/1424‬‬
‫‪17/11/2003‬‬
‫أثارت موجة التفجيللرات الخيللرة فللي الريللاض كللثيرا ً مللن‬
‫التساؤلت‪ :‬ما هي السباب؟ وما هي الحلول؟‪.‬‬
‫إذا رجعنللا إلللى القللرآن العظيللم؛ فلللن يكللون عسلليرا ً أن‬
‫نمسك بخيوط المشكلة‪.‬‬
‫إن مجتمعنا ‪-‬ولله الحمد‪ -‬يللدين بالتوحيللد‪ ،‬ول توجللد دعللوة‬
‫تناقض هللذا المبللدأ‪ ،‬ظللاهرا ً علللى القللل‪ .‬وإذا كللان كللذلك‬
‫فلننظر في النحرافات الخرى‪ ،‬وأيها يمكن أن يؤدي إلللى‬
‫هذا الوضع‪.‬‬
‫إن الضللطراب وانعللدام المللن قريللن الحللرب‪ ،‬فمللا هللي‬
‫المعصية التي توعدها الله تعالى بالحرب؟‪.‬‬
‫لن نجد صعوبة في الجواب عن هذا السؤال‪ ،‬إذ ليس فللي‬
‫القرآن ذنب توعد الللله أهللله بللالحرب سللوى ذنللب واحللد‪:‬‬
‫‪134‬‬

‫الربا‪ .‬قال تعالى‪) :‬يا أيها الذين آمنوا اتقللوا الللله وذروا مللا‬
‫بقي ملن الربلا إن كنتلم ملؤمنين‪ .‬فلإن للم تفعللوا فلأذنوا‬
‫بحرب من الله ورسوله(‪ .‬ولهذا قللال المللام مالللك رحملله‬
‫الله‪" :‬إني تصفحت كتللاب الللله وسللنة نللبيه‪ ،‬فلللم أر شلليئا ً‬
‫أشر من الربا‪ ،‬لن الله أذن فيه بالحرب‪) ".‬الجامع لحكام‬
‫القرآن ‪.(3/364‬‬
‫لقللد تطللاولت قلع الربللا فللي بلدنللا‪ ،‬واسللتفحلت الللديون‬
‫الربويللة‪ ،‬حللتى صللار القتصللاد بللأكمله رهنللا ً للمرابيللن‪.‬‬
‫وتجاوزت الديون الحكومية ‪ 600‬مليار ريللال‪ ،‬تللدفع عليهللا‬
‫فوائد سللنوية تتجللاوز ‪ 30‬مليللار ريللال‪ .‬ولمللن تللذهب هللذه‬
‫الفوائد؟ ل نحتاج إلى قللدر كللبير مللن الفطنللة لنللدرك أنهللا‬
‫تللذهب للمتخميللن بالمللال الللذين لللم يجللدوا أفضللل مللن‬
‫إقراضلله بربللا‪ .‬إن ‪ 30‬مليللار سللنويا ً كفيلللة بحللل معظللم‬
‫المشكلت التي يعاني منها المجتمع‪ ،‬لكنها بللدل ً مللن ذلللك‬
‫تذهب لجيوب المرابين الذين ل يزيدون القتصللاد إل وهن لا ً‬
‫وضعفًا‪ .‬فالربا حيثما كان وأينما وجد‪ ،‬نزيف فللي القتصللاد‬
‫ونذير شؤم على البلد‪.‬‬
‫والربا ل ينشأ من فراغ‪ ،‬بل هللو نتيجللة للسللراف والتبللذير‬
‫والنفللاق غيللر المشللروع‪ .‬ولهللذا وصللف الللله –تعللالى‪-‬‬
‫المبذرين بأنهم )إخوان الشياطين(‪ ،‬ووصف المرابين بأنهم‬
‫)ل يقومللون إل كمللا يقللوم الللذي يتخبطلله الشلليطان مللن‬
‫المس(‪ .‬فالتبذير والربا متلزمان‪ ،‬ولهذا كان كلهما قريللن‬
‫الشيطان‪.‬‬
‫والربا بدوره ل يؤدي إل إلى مزيد من التبللذير والسللراف‪.‬‬
‫فتتضاعف المشكلة‪ ،‬وتتفاقم البطالللة‪ ،‬وتللزداد الهللوة بيللن‬
‫الفقراء والغنياء‪ ،‬وترتفع حللدة التللوتر بيللن فئات المجتمللع‬
‫بشكل مخيف‪ .‬ول أمل في الخللروج مللن هللذه الدوامللة إل‬
‫بالعودة الصادقة إلى الله‪ ،‬والحللد مللن مظللاهر السللراف‪،‬‬
‫واستئصال الربا من جذوره‪.‬‬
‫ما هو أسوأ من الربا‬
‫إذا كان الربا هللو شللر الللذنوب؛ لن الللله تعللالى آذن أهللله‬
‫بالحرب‪ ،‬فما هو السوأ من الربا؟‬

‫‪135‬‬

‫إنه التحايل على الربا والتلعب بأحكام الشرع ليظهر الربا‬
‫المحرم بمظهر البيوع المشروعة‪ .‬إن اليهود قد أكلوا الربا‬
‫صراحة‪ ،‬ومع ذلك لم يعللاقبهم الللله علللى ذلللك فللي الللدنيا‬
‫بعقوبة عاجلة‪ .‬لكنهم لما احتالوا علللى صلليد الحيتللان يللوم‬
‫مسخوا قردة‪ ،‬كما قال تعالى‪) :‬ولقد علمتم الللذين‬
‫السبت ُ‬
‫اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قللردة خاسللئين(‪.‬‬
‫لمللاذا يمسللخون علللى الحتيللال علللى صلليد الحيتللان‪ ،‬ول‬
‫يمسخون على أكل الربا؟‪ ،‬مع أن الصيد أهللون بكللثير مللن‬
‫الربا؟ لن التحايل على شرع الله أعظم إثما ً وأشد جرمللا ً‬
‫من المعصية المجردة‪ .‬فالتحايل علللى المعصللية اسللتحل ٌ‬
‫ل‬
‫لها‪ ،‬والستحلل أشد بمراحل من الوقوع فللي الللذنب دون‬
‫استحلل‪.‬‬
‫وقد ثبت عن النبي ‪-‬صلى الله عليلله وسلللم‪ -‬أنلله قللال‪" :‬ل‬
‫ترتكبوا ما ارتكبللت اليهللود‪ ،‬فتسللتحلوا محللارم الللله بللأدنى‬
‫ص صللريح أن‬
‫الحيل" ]رواه ابن بطة بإسناد جيد[‪ .‬فهللذا ن ل ٌ‬
‫التحايل على المحرمات استحل ٌ‬
‫ل لها‪.‬‬
‫ويدل على ذلك أيضلا ً أن النللبي ‪-‬صلللى الللله عليلله وسلللم‪-‬‬
‫ن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها‪،‬‬
‫قال‪" :‬ليشرب ّ‬
‫ُيعزف على رؤوسهم بالمعللازف والمغنيللات‪ ،‬يخسللف الللله‬
‫بهم الرض ويجعل منهم القردة والخنازير" ]رواه مسلللم[‪.‬‬
‫وذكللر فللي الحللديث الخللر‪" :‬ليكللونن مللن أمللتي أقللوام‬
‫يسللتحّلون الحللر والحريللر والخمللر والمعللازف" ثللم قللال‪:‬‬
‫"فَي ُب َّييَتهم الله ويضع العَلم ويمسخ منهم قردة وخنازير إلى‬
‫يوم القيامة" ]رواه بهذا اللفظ ابن مللاجه بإسللناد حسللن[‪.‬‬
‫فللدل مجمللوع الحللديثين علللى أن اسللتحلل الخمللر كللان‬
‫بتسميتها إياها بغير اسمها‪ ،‬وهذا من التحايل بل ريب‪ ،‬كمللا‬
‫يقول شيخ السلم ]بيان الدليل فللي إبطللال التحليللل‪ :‬ص‬
‫‪.[63‬‬
‫فهذا يدل أيضلا ً علللى أن التحايللل علللى المحرمللات تعجللل‬
‫عقللوبته فللي الللدنيا‪ ،‬وأنلله أشللد وأسللوأ مللن الوقللوع فللي‬
‫المحرم بل تحايل‪ .‬ولهذا قال أيوب السختياني رحمه الللله‪:‬‬
‫"يتلعبون بالله تلعب الصبيان‪ .‬لو أتوا المللر علللى وجهلله‬
‫كان أهون علي"‪.‬‬
‫‪136‬‬

‫فإذا كان الربا سببا ً للحرب على الله ورسللوله‪ ،‬فمللا ظنللك‬
‫بالتحايل عليه‪ ،‬أليس أولى بللالحرب والنكللال المعجللل فللي‬
‫الدنيا قبل الخرة؟‬
‫واليوم نشاهد ملء السمع والبصر تعاملت ألبسللت لبللاس‬
‫الشرعية وأخرجت في صلورة الللبيوع الجللائزة‪ ،‬وهللي فللي‬
‫حقيقتها نقود حاضرة بنقود مؤجلة فللي الذمللة أكللثر منهللا‪.‬‬
‫فهي في الصورة بيع وفللي الحقيقللة ربللا النسلليئة المحللرم‬
‫بالنص والجماع‪ .‬بل بلغ المر إلى حد الحتيال علللى أسللوأ‬
‫أنواع الربا‪ ،‬وهو ربللا الجاهليللة‪ ،‬الللذي نللتيجته زيللادة الللدين‬
‫مقابللل تللأخير الوفللاء‪ ،‬أو "أنظرنللي أزدك‪ ".‬فلللم يقتصللر‬
‫التحايل على الفللائدة البسلليطة‪ ،‬بللل تجللاوزه إلللى الفللائدة‬
‫المركبة‪ ،‬التي تمنعها كثير من النظمة الوضعية ابتداء‪ ،‬ول‬
‫تقبل التحايل عليها بشكل من الشللكال‪ ،‬حللتى قللال بعللض‬
‫الغربيين‪" :‬إن المسلمين يتحايلون على دينهم بما ل يمكن‬
‫أن نحتال به علللى قضللاتنا‪ ".‬فللإذا بلللغ بنللا المللر إلللى هللذا‬
‫المستوى‪ ،‬فما ظننا بالله؟ أننتظر من الله النصر والتأييللد؟‬
‫أم نتخللوف العقوبللة والنكللال والحللرب فللي الللدنيا قبللل‬
‫الخرة؟‬
‫إن الله تعالى ليس بحاجة لنا حتى نقبل عليه بهللذه الحيللل‬
‫والتلفيقات‪ ،‬ودين الله تعالى أعز من أن نتلعللب بأحكللامه‬
‫وشرائعه تلعب الصبيان‪ .‬فإذا أردنا لبلدنللا السلللم والمللن‬
‫والرخللاء‪ ،‬فلننبللذ الخللداع جانب لًا‪ ،‬ولنرجللع إلللى الللله رجعللة‬
‫صادقة‪.‬‬
‫والللله تعللالى ل يسلللط علللى قللوم الخللوف بعللد المللن‪،‬‬
‫والهزيمة بعد النصر‪ ،‬إل بذنوبهم‪ .‬وليس بعلد النبيلاء أكللرم‬
‫على الله من أصحاب محمد صلى الله عليلله وسلللم‪ ،‬ومللع‬
‫حد تساءلوا‪ :‬من أين جاءت الهزيمة؟‬
‫ذلك لما أصيبوا يوم أ ُ‬
‫فرد الله عليهم بقوله‪) :‬أولما أصللابتكم مصلليبة قللد أصللبتم‬
‫مثليها قلتم أنى هذا؟ قل هو مللن عنللد أنفسللكم(‪ .‬فللالعلج‬
‫ن إل‬
‫يبدأ من عندنا وأسللبابه بأيللدينا‪ ،‬فللإن فّرطنللا فل نلللوم ّ‬
‫أنفسنا‬
‫===============‬
‫‪ #‬النقود‪ :‬أثمان أم سلع؟‬
‫‪137‬‬

‫د‪ .‬يوسف بن أحمد القاسم ‪26/3/1427‬‬
‫‪24/04/2006‬‬
‫قبل أكثر من ستة قرون‪ ،‬صرخ أحد علمللاء القللرن الثللامن‬
‫الهجري صرخة اهتز لها جبل قاسيون بالشللام‪ ،‬ووجللد لهللا‬
‫صدى في أنحائه‪ ،‬إل أنها لم تجد لها صدى في بني قللومه‪،‬‬
‫فوقع ما لم يكن بالحسبان‪ ،‬وحل ما حللذر منلله عللالم ذلللك‬
‫الزمان‪ ،‬ثلم هلاهو التاريلخ يعيلد نفسله‪ ،‬فحلل بنلا ملا حلل‬
‫بهم !! فمن هو يا ترى ذلك المام ؟‬
‫وما هي تلللك الصللرخة الللتي اهللتز لهللا قلملله‪ ،‬وعللبر عنهللا‬
‫بنانه ؟‬
‫وما هي نتيجة تجاهل تلك الصرخة ؟‬
‫وكيف أعاد التاريخ نفسه ؟‬
‫أما المام‪ ،‬فهو‪ :‬العلمة ابن قيم الجوزية )ت ‪751‬هل( وأما‬
‫الصرخة‪ ،‬فهللي‪ :‬إنكللاره علللى بنللي قللومه اتخللاذهم النقللود‬
‫سلللعًا‪ ،‬يتللاجرون بهللا‪ ،‬ويعللدونها للربللح‪ ،‬فكللانت النتيجللة‬
‫المؤسفة ؛ حيث عم الضرر‪ ،‬ووقع الظلم ‪.‬هذا ملخللص مللا‬
‫جرى‪ ،‬وأدع الحديث للمام ابن القيم‪ ،‬فهو حي بيننا بكتبلله‪,‬‬
‫شللاهد عللدل بعلملله وفقهلله‪,‬إذ يقللول فللي كتللابه إعلم‬
‫الموقعين)‪ " : (3/401‬الدراهم والدنانير أثمللان المبيعللات‪،‬‬
‫والثمن هو المعيار الذي به يعرف تقللويم المللوال‪ ،‬فيجللب‬
‫أن يكون محدودا ً مضبوطا ً ل يرتفع ول ينخفض‪ ،‬إذ لو كللان‬
‫الثمن يرتفع وينخفض كالسلع لم يكللن لنللا ثمللن نعتللبر بلله‬
‫المبيعللات‪ ،‬بللل الجميللع سلللع‪ ،‬وحاجللة النللاس إلللى ثمللن‬
‫يعتبرون به المبيعات حاجة ضرورية عامة‪ ،‬وذلللك ل يمكللن‬
‫إل بسعر تعرف به القيمة‪ ،‬وذلك ل يكون إل بثمن تقوم بله‬
‫الشياء‪ ،‬ويستمر على حالة واحدة‪ ،‬ول يقوم هو بغيللره‪ ،‬إذ‬
‫يصير سلعة يرتفع وينخفض‪ ,‬فتفسد معاملت الناس‪ ,‬ويقع‬
‫الخلف‪ ,‬ويشتد الضرر‪ ,‬كمللا رأيللت مللن فسللاد معللاملتهم‪,‬‬
‫والضللرر اللحللق بهللم‪ ،‬حيللن اتخللذوا الفلللوس سلللعة تعللد‬
‫للربح‪ ,‬فعللم الضللرر‪ ,‬وحصللل الظلللم‪ ...‬فالثمللان ل تقصللد‬
‫لعيانها‪ ،‬بل يقصد التوسل بها إلى السلع"أهل‬
‫وقال في الطرق الحكمية)صل ‪ " : (350‬ويمنللع مللن جعللل‬
‫النقود متجرا ً ؛ فإنه بذلك يدخل على الناس من الفساد ما‬
‫‪138‬‬

‫ل يعلمه إل الله‪ ،‬بل الواجب أن تكون النقود رؤوس أموال‬
‫يتجر بها‪ ،‬ول يتجر فيها "أهل‬
‫وهاهو التاريخ يعيد نفسه‪ ،‬وكأن ابللن القيللم يعيللش واقعنللا‬
‫الحاضر‪ ،‬أو كأنه ينظر إليلله مللن سللتر رقيللق ! ولللذا‪ ،‬فللإنه‬
‫يستحق شهادة دكتوراه فخرية في المللال والقتصللاد‪ ،‬وإن‬
‫كنت أشك في حفاوته بها لو كان حيا ً ‪.‬‬
‫نعم‪,‬أعاد التاريخ نفسه؛لننللا اليللوم نللرى ونسللمع كللثيرًاعن‬
‫تذبذب أسعار العملت‪,‬وما نتج عنه من تضخم فللي النقللود‬
‫وضعف قوتهللا الشلرائية‪ ,‬كملا هللو مشلاهد فلي بعلض بلد‬
‫الشللرق والغللرب‪ ،‬وهللذا للله أسللبابه السياسللية‪ ,‬والمنيللة‪،‬‬
‫والقتصادية ومن أبرزها العبث بهللذا النقللد اللذي اسلتخدم‬
‫في غير ما صنع له‪ ,‬وهذا ماحللذر منلله العلمللة ابللن القيللم‬
‫آنفًا‪ ,‬وألمح إليلله الفقيلله الشللافعي أبللو حامللد الغزالللي)ت‬
‫‪505‬هل( في إحياء علوم الدين)‪ (4/91‬والفقيه الحنفي ابن‬
‫عابدين)ت ‪1252‬هل( في مجموعة رسللائله)صل ل ‪ (57‬حيللث‬
‫قللال‪ ":‬رأينللا الللدراهم والللدنانير ثمنللا ً للشللياء‪ ،‬ول تكللون‬
‫الشللياء ثمن لا ً لهللا‪ ..‬فليسللت النقللود مقصللودة لللذاتها‪ ,‬بللل‬
‫وسيلة إلى المقصود"أهل‬
‫وأصرح من هذا ما قاله الشلليخ محمللد رشلليد رضللا‪ ,‬حيللث‬
‫قال في تفسير المنار)‪":(3/108‬وثم وجد أمر آخر لتحريم‬
‫الربا مللن دون الللبيع‪ ،‬وهللو أن النقللدين إنمللا وضللعا ليكونللا‬
‫ميزان لا ً لتقللدير قيللم الشللياء الللتي ينتفللع بهللا النللاس فللي‬
‫معايشهم‪ ،‬فإذا تحول هذا وصار النقد مقصودا ً بالسللتغلل‪,‬‬
‫فإن هذا يؤدي إلى انتزاع الللثروة مللن أيللدي أكللثر النللاس‪,‬‬
‫وحصرها في أيدي الللذين يجعلللون أعمللالهم قاصللرة علللى‬
‫استغلل المال بالمال "أهل‬
‫وبهذا نقف على إحدى الحكللم الللتي حللرم لجلهللا الشللارع‬
‫الربللا‪ ،‬وهللي أن المرابللي يشللتغل بالنقللد عللن المشللاريع‬
‫النتاجية‪ ،‬فيقل المعروض من السلع والخللدمات‪ ,‬وبالتللالي‬
‫يزيد الطلب عليها‪ ,‬ومع كثرة النقد يقع التضللخم‪ ،‬وهللو مللا‬
‫عبر عنه بعض القتصللاديين ‪ ):‬نقللود كللثيرة‪ ،‬تطللارد سلللعا ً‬
‫قليلة ( ‪.‬‬

‫‪139‬‬

‫ومن هذا الوجه‪ -‬وغيره‪ -‬ذهللب بعللض الفقهللاء المعاصللرين‬
‫إلللى المنللع مللن المتللاجرة بللالعملت ‪-‬ل بيعهللا وشللراؤها‬
‫للحاجة‪ -‬ومن المضاربة بفروق السعار في سللوق المللال؛‬
‫ومللن هللؤلء الفقهللاء الللدكتور محمللد الشللباني‪,‬كمللا فللي‬
‫بحلللثيه) الربلللا والدوات النقديلللة المعاصلللرة‪,‬والمضلللاربة‬
‫بالسهم والمشتبهات من المكاسب( وعلل مللا ذهللب إليلله‬
‫بأدلة‪ ,‬ومقاصد شرعية‪ ,‬جديرة بالنظر والتأمل‪ ،‬ومنها ‪ :‬أنه‬
‫عد من المفاسد التي يؤدي إليها هذا النللوع مللن التعامللل‪،‬‬
‫الضرر على القتصاد ككل؛ حيث يتوجه المال المدخر إلللى‬
‫المضللاربة فيلله‪ ،‬بحيللث يصللبح دولللة بيللن المضللاربين فللي‬
‫السهم‪ ،‬يتحرك في دائرة واحدة ل يتعداها إلللى غيرهللا ‪...‬‬
‫الخ ‪.‬‬
‫وقللد أشللار إلللى هللذا المحللذور ومللا يللؤدي إليلله مللن‬
‫كساد‪,‬الشلليخ أبوحامللد الغزالللي فللي إحيللاء علللوم الللدين)‬
‫‪ (4/45‬حيث قللال‪ ":‬إنمللا حللرم الربللا مللن حيللث إنلله يمنللع‬
‫النللاس مللن الشللتغال بالمكاسللب ؛ وذلللك لن صللاحب‬
‫الدرهم إذا تمكن بواسللطة الربللا مللن تحصلليل درهللم زائد‬
‫نقدا ً أو آجل ً خف عليه اكتساب المعيشللة‪,‬فل يكللد ويتحمللل‬
‫مشللقة الكسللب والتجللارة والصللناعة‪ ،‬وذلللك يفضللي إلللى‬
‫انقطاع منافع الخلق‪ ،‬ومللن المعلللوم أن مصللالح العللالم ل‬
‫تنتظم إل بالتجارات‪,‬والحرف‪ ,‬والصناعة‪ ,‬والعمار"أهل‬
‫وبنظرة خاطفة إلى واقعنا منذ أربعة أشللهر أو أكللثر‪ ،‬نجللد‬
‫أن أموالنا أصللبحت تصللب فللي فوهللة السللوق حيللن غلللت‬
‫القيمللة السللوقية لبعللض الشللركات غلء غيللر مسللبوق‪,‬‬
‫واقتصرت المضاربة على فروق السعار بعيدا ً عللن الواقللع‬
‫القتصللادي للشللركات المسللاهمة‪ ،‬فأصللبحت السلللع هللي‬
‫النقود فللي الحقيقللة‪,‬حللتى ظهللرت مقللدمات الكسللاد فللي‬
‫سللوق العقللارات‪ ,‬والسلليارات ‪...,‬الللخ‪ ،‬ولمللس كللثير مللن‬
‫الناس ارتفاع قيمة إيجار الدور والمنازل ؛ لقلة المعروض‪,‬‬
‫وأصبح هذا حديث الناس‪ ،‬كل هذا في فترة زمنية محدودة‬
‫! فما الظن لو استمر الحال سنة أو أكثر !!‬
‫ثم أل يكفي هذا حافزًا‪ -‬على القل‪-‬لعادة النظر في حكم‬
‫اتخاذ النقود سلعًا‪ ,‬ومللا تفضللي إليلله هللذه المعللاملت مللن‬
‫‪140‬‬

‫مفاسللد وأخطللار علللى الفللرد والمجتمللع ؟ أم نحتللاج إلللى‬
‫جنائز ومرضى ومفلسللين أكللثر عللددًا‪ ،‬حللتى تتحقللق لللدينا‬
‫القناعة بذلك ؟!!‬
‫============‬
‫‪ #‬الرأسمالية بأبشع صورها‬
‫د‪ .‬يوسف بن أحمد القاسم ‪25/3/1427‬‬
‫‪23/04/2006‬‬
‫ل يخفى أن من أبرز سمات الرأسمالية الغربية أنهللا تزيللد‬
‫الغني غنى‪ ،‬وتزيللد الفقيللر فقللرا ً ‪ .‬والسللؤال الللذي يطللرح‬
‫نفسه‪ ،‬هللو ‪ :‬مللا الفللرق بيللن الربللا الللذي تمارسلله البنللوك‬
‫الغربية والشرقية‪ ,‬والذي يجعل العميللل مللدينا ً حي لا ً وميت لًا‪،‬‬
‫فيولد وهو مدين‪ ،‬ويعيش وهو مدين‪ ،‬ويموت وهو مدين !!‬
‫ما الفرق بين ذلك الربا الجاهلي والمعاصر‪ ،‬وبين هذا الربا‬
‫المقنللن الللذي تجريلله بعللض البنللوك والمصللارف باسللم‪:‬‬
‫)التورق المنظم( ؟! وما الفرق بين المواطن الللذي ابللتزه‬
‫الغنللي أو البنللك بالربللا‪ ،‬وبيللن هللذا المللواطن الللذي ابللتزه‬
‫المصللرف أو البنللك بللالتورق المصللرفي السلليء الصلليت‪،‬‬
‫حتى ركبته الديون وورثها صاغرا ً عن صاغر ؟!!‬
‫فللي الواقللع أن الفللرق بينهمللا كللالفرق بيللن مللن يلللغ فللي‬
‫الحرام باسم الزنا‪ ،‬وبين من يقنللن الزنللا ويلللغ فيلله باسللم‬
‫المتعة !! ول فرق‪ ،‬بل هذا الخير أشد حرمللة مللن الول ؛‬
‫لنلله اسللتحل محللارم الللله بللأدنى الحيللل‪ ،‬وهللي مللن أبللرز‬
‫صفات اليهود الذين حين حرمت عليهم الشحوم‪ ،‬أذابوهللا‪،‬‬
‫ثم باعوها‪ ،‬فللأكلوا ثمنهللا ! وحيللن حللرم الللله عليهللم صلليد‬
‫الحيتللان يللوم السللبت عمللدوا إلللى البحللر فحفللروا حللوله‬
‫الحياض‪ ،‬وشّرعوا منه إليها النهار‪ ،‬ثلم فتحلوا تللك النهلار‬
‫عشية الجمعة‪ ،‬فأقبل الموج بالحيتللان إلللى الحيللاض‪ ،‬فلللم‬
‫تقدر على الخروج لبعد عمللق الحيللاض وقلللة مائهللا‪ ،‬فلمللا‬
‫جاء يوم الحللد أخللذوها‪ ،‬فللأنكر الللله ذلللك عليهللم بقللوله ‪:‬‬
‫) ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم فللي السللبت فقلنللا لهللم‬
‫كونوا قردة خاسئين ( ‪.‬‬
‫وهكذا الحال فيمن أكل الربا وأموال الناس بالباطل علللى‬
‫سبيل المكر والخديعة والحتيال‪ ،‬ولهللذا حللذر النللبي صلللى‬
‫‪141‬‬

‫الللله عليلله وسلللم أمتلله مللن ارتكللاب الحيللل‪ ،‬فقللال ‪ ) :‬ل‬
‫ترتكبوا ما ارتكبللت اليهللود‪ ،‬فتسللتحلوا محللارم الللله بللأدنى‬
‫الحيللل ( ‪ .‬وهللذا بخلف مللن وقللع فللي الللذنب وهللو مقللر‬
‫بخطيئته‪ ،‬فقد اقللترن بمعصلليته اعللترافه بللالخطيئة‪ ،‬وبللأنه‬
‫مذنب عاص‪ ،‬مع انكسار قلبه مللن ذل المعصللية‪ ،‬وازدرائه‬
‫على نفسه‪ ،‬ورجائه لمغفرة ربه‪ ،‬وعد نفسه من المذنبين‪،‬‬
‫فلعل ما يقوم بنفسلله مللن هللذه المعللاني يفضللي بلله إلللى‬
‫الخير‪ ،‬والقلع عن هذه المعصية ‪.‬‬
‫وهنا يرد تساؤل عن التورق المنظم‪ ،‬ما هو ؟ ومللا موقللف‬
‫العلماء منه قديما ً وحديثا ً ؟ وما أثر هذه المعاملة وأشباهها‬
‫على اقتصادنا المعاصر ؟‬
‫والجواب ‪ :‬أن التورق المنظللم‪ ،‬هللو ‪ :‬أن يتللولى المصللرف‬
‫البنك أو المصرف ترتيب الحصللول علللى النقللد للمتللورق‪،‬‬
‫بأن يبيعه سلعة بأجل‪ ،‬ثللم يبيعهللا نيابللة عنلله نقللدا ً ويقبللض‬
‫الثمن من المشتري‪ ،‬ثم يسلمه للمتورق ‪ .‬ثم إن البنللك أو‬
‫المصرف قد يكون مالكا ً للسلعة ابتداء‪ ،‬وقد ل يكون مالكا ً‬
‫لها‪ ،‬فيسبقه مرابحة للمللر بالشللراء ‪ .‬وبللالنظر إلللى واقللع‬
‫هذه المعاملة‪ ،‬نجد أنها غالبا ً ما تكون من العقود الصللورية‬
‫ل الحقيقية‪ ،‬حيث يقصد من ورائها دفع النقد لتحصيل نقللد‬
‫أكثر منه مؤج ً‬
‫ل‪ ،‬وأنها كما قال ابن عباس رضي الله عنه ‪:‬‬
‫) دراهم بدراهم بينهما حريللرة !! ( وهللذا التللورق المنظللم‬
‫ليس من العقود الحديثة‪ ،‬كما يظن البعللض‪ ،‬بللل جللاء عللن‬
‫السلف بعض الثار الدالة على وقللوعه والنهللي عنلله‪ ،‬كمللا‬
‫فللي مصللنف عبللدالرزاق ) ‪ (8/294‬وابللن أبللي شلليبة )‬
‫‪ . (7/275‬ولن العبرة في العقللود بالمقاصللد والمعللاني ل‬
‫باللفللاظ والمبللاني‪ ،‬كمللا قللرر ذلللك المحققللون مللن أهللل‬
‫العلم‪ ،‬لذا فقد صللدر قللرار مجمللع الفقلله السلللمي التللابع‬
‫لرابطة العالم السلمي في أواخر سنة )‪1424‬هل( بتحريم‬
‫التورق المنظم‪ ،‬وأنه يأخذ حكم العينة الثنائية ‪ .‬وقللد أفللتى‬
‫بموجب هذا القرار جمع كبير من علمائنا المعاصللرين‪ ،‬بللل‬
‫ومن خبرائنا في مجال القتصاد السلللمي‪ ،‬وصللرحوا بللأن‬
‫هذا النوع من العقود قد نتج عنه تراجع للهداف الحقيقيللة‬
‫الللتي لجلهللا أنشللئت المصللارف السلللمية‪ ،‬وعلللى رأس‬
‫‪142‬‬

‫قائمتهللا دعللم التنميللة‪ ،‬والسللهام فللي النشللاط الحقيقللي‬
‫للقتصلللللللاد فلللللللي البللللللللد‪ ،‬وذللللللللك ملللللللن خلل‬
‫المشللاركة‪,‬والستصللناع ‪,‬والجللارة‪ ,‬ونحوهللا مللن العقللود‬
‫التنموية الحقيقية‪ ،‬حتى تم اختزال ذلك كله في بيللع النقللد‬
‫بالنقد باسم التللورق‪ ،‬تحقيقلا ً للربللاح بأقللل وقللت ممكللن‪،‬‬
‫ودون مخاطرة أو مشقة‪ ،‬ولو كان ذلك على حساب ديننا‪,‬‬
‫وأخلقنا‪ ,‬واقتصادنا !! حتى أصبح المال دولة بيللن الغنيللاء‬
‫منا‪ ،‬ولذا أصبحوا يمارسون الرأسللمالية فللي بلدنللا بأبشللع‬
‫صورها‬
‫==============‬
‫‪ #‬المضاربة بالسهم‪ :‬متاجرة‪ ،‬أم مقامرة؟‬
‫د‪ .‬يوسف بن أحمد القاسم )*( ‪13/2/1427‬‬
‫‪13/03/2006‬‬
‫حللدثني مللن أثللق بلله‪ :‬أن مسللاهما ً فللي إحللدى الشللركات‬
‫المتردية أو النطيحة‪ ،‬قد بلغه خبر مفاجئ لم يصللدقه مللن‬
‫أول وهلة‪ ،‬وهو أن الشلركة اللتي سلاهم فيهلا منلذ سلنين‬
‫بطريللق)الخطللأ!!( قللد أفللاقت مللن سللباتها‪ ،‬وسللادت بيللن‬
‫الشلركات بعلد ترديهلا فلي ظلملات ثلث‪ ،‬فلارتفع مؤشلر‬
‫قيمتها السوقية ل بين عشية وضللحاها لل مللن )‪ (150‬ريللال ً‬
‫إلللى )‪ (2600‬ريللال‪ ،‬ودون سللابق إنللذار!! وكللأن دعللوة‬
‫صللالحة فللي آخللر الليللل قللد وافقللت سللاعة اسللتجابة‪،‬‬
‫فانتشلتها من بين الركام‪ ،‬ومن الحضيض إلى القمللة‪ ،‬فمللا‬
‫كللان مللن أخينللا المسللاهم الللذي لللم يسللدد بللاقي القيمللة‬
‫السمية لسهمه ل لعدم قناعته المسبقة بجدواها الربحي ل‬
‫لم يكن منه إل أن امتطى سيارته‪ ،‬متجها ً إلى المقر العللام‬
‫لتللك الشلركة‪ ،‬وحيلن وصلل إللى المقلر كلانت المفاجلأة‬
‫الخللرى‪ ،‬وهللي أن هللذه الشللركة المجدولللة فللي قائمللة‬
‫الشركات المتداولة ل يديرها إل موظف واحد‪ ،‬من جنسية‬
‫عربية‪ ،‬ومن قارة أفريقية‪ ،‬وهللذا وحللده هللو المللدير‪ ،‬وهللو‬
‫المسؤول‪ ،‬وهو موظف الصادر والوارد‪...‬الخ‪.‬‬
‫وحين سأله أخونا عللن بللاقي المللوظفين‪ ،‬أفللاده الموظللف‬
‫المسؤول بأن البللاقي هللم أعضللاء مجلللس الدارة‪ ،‬الللذين‬
‫يجتمعون مرة ل أو أكثر ل في كل عام!‬
‫‪143‬‬

‫وأما واقع نشاطها‪ ،‬فحدث ول حرج‪ ،‬وتسمع بالمعيدي خير‬
‫من أن تراه!‬
‫دد المساهم بللاقي القيمللة السللمية لسللهمه‪ ،‬ثللم قفللل‬
‫س ّ‬
‫راجعًا‪ ،‬وهو عللاجز عللن حللل هللذه المعادلللة؛ إذ كيللف تبلللغ‬
‫القيمة السوقية لسهم هذه الشركة أكثر من ألفللي ريللال‪،‬‬
‫وهي بهذه الحال من الضللعف والخللور‪ ،‬وقلللة ذات اليللد‪!!.‬‬
‫فما كان جوابه لنفسه إل أن قال‪ :‬ربمللا كللان بفعللل خللارج‬
‫عن العادة وقانون الطبيعة‪ ،‬كعصا موسى الذي انقلب إلى‬
‫حية‪ ،‬أو كالحجر الذي انبجست منه اثنتا عشرة عينًا‪.‬‬
‫فأجابته نفسلله اللوامللة‪ :‬بللأن هنللاك فارقلا ً بيللن واقللع هللذا‬
‫الحجر‪ ،‬وواقع تلك الشركة‪ ،‬والفارق بينهما هو الفارق بيللن‬
‫الحقيقة والخيال )أو السراب(‪ ،‬فللالحجر قللد أصللبح بقللدرة‬
‫الله تعالى اثنتا عشرة عينًا‪ ،‬قد علم كللل أنللاس مشللربهم‪،‬‬
‫ولهذا قال الله تعالى عقب ذلك‪ " :‬كلوا واشربوا مللن رزق‬
‫الله"‪.‬‬
‫وأمللا الواقللع الخللر‪ ،‬فهللو أشللبه بسللراب )بقيعللة يحسللبه‬
‫الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجلده شليئًا( وأنلى للظملآن‬
‫أن يللروى مللن السللراب!! وبللذلك انتهللت فصللول القصللة‪،‬‬
‫ولكن لم تقف آثارها عند هذا الحد‪.‬‬
‫َ‬
‫فذلك السراب وإن وجده بعض المضاربين شيئًا‪ ،‬إل أنه قد‬
‫وجده كثيرون ل شيء‪ ،‬وجدوه كللذلك وجّربللوه‪ .‬ولللذا تللرى‬
‫هؤلء العارفين بالسراب‪ ،‬يصفون أسللهم هللذه الشللركة ل ل‬
‫وأمثالها ل مما ل تتفللق قيمتهللا السللوقية‪ ،‬مللع واقللع ربحهللا‬
‫وقللوة اسللتثمارها‪ ،‬بللأن هللذه السللهم لهللا بطللن مللن دون‬
‫أرجل! حيث قد وصلت أسعارها إلى أرقام فلكية من دون‬
‫سند اقتصادي حقيقي‪ ,‬حتى قرأت لغيللر واحللد مللن خللبراء‬
‫المال والقتصاد‪ ،‬من يصللف المضللاربة بهللذه السلهم بللأنه‬
‫ضرب مللن القمللار! فهللل هللي قمللار حقلًا؟ أم هلي مجللرد‬
‫مخاطرة؟ وهل كللل مخللاطرة قمللار‪ ،‬أم ل؟ وإذا لللم تكللن‬
‫قمارًا‪ ،‬فهللل يتجلله القللول بتحريمهللا لنهللا نللوع مللن أنللواع‬
‫الغرر‪ ،‬أو لما تشتمل عليه من المفاسد الراجحة؟‬
‫هللذه التسللاؤلت أضللعها بيللن يللدي أهللل العلللم والبصلليرة‬
‫ليمعنوا النظر في هذه المسألة الشللائكة‪ ،‬والللتي أصللبحت‬
‫‪144‬‬

‫محللل جللدل وخلف بيللن المعاصللرين‪ ،‬ومللا هللذا البحللث‬
‫المتواضع إل مساهمة في إثراء هذا الموضوع‪ ,‬ولللو بإثللارة‬
‫تساؤل ليس إل‪ ،‬فأقول‪:‬‬
‫قبل الدخول في الموضللوع‪ ،‬أنبلله هنللا بللأن مقصللودي مللن‬
‫المضاربة‪ :‬المتاجرة‪ ،‬كما هو المفهوم الشائع‪ ،‬ل المضللاربة‬
‫المصطلح عليها بين الفقهاء‪.‬‬
‫ثم إنه ل ريب أن الصل في المعاملت الحل‪ ،‬ولهللذا فللإن‬
‫الذي يطالب بالدليل‪ ،‬هو مدعي التحريم‪ ،‬ل العكس‪ ،‬وهللذا‬
‫أمر معلوم لدى أهل العلم‪ ،‬ومقرر في كتبهم‪.‬‬
‫وتعليقا ً على التساؤل أقول‪:‬‬
‫ل يخفى على كل مراقللب للسللوق ل ل ولمؤشللر الشللركات‬
‫المساهمة تحديدا ً ل أن القيمة السوقية لسهم العديللد مللن‬
‫الشركات يرتفع ويهوي في غمضه عين‪ ،‬وربما يستمر هذا‬
‫الرتفاع أو النخفاض الحاد لفترة أسبوع‪ ،‬أو أقللل أو أكللثر‪،‬‬
‫وبعد هذه المدة قد يصبح المضارب ثريا ً فللي لمحللة بصللر‪،‬‬
‫وقد يكون الواقع عكسيا ً فينحدر إلللى مسللتوى تحللت خللط‬
‫الفقر‪ ،‬ل سيما إن كان حاصل على مال المضاربة بطريللق‬
‫القرض‪ ،‬ونحو ذلك‪ ،‬ولهذا حذر كثير مللن القتصللاديين مللن‬
‫المجازفة في الدخول بكل مللا يملكلله المضللارب‪ ،‬لئل تقللع‬
‫الكارثة‪ .‬وهنا أقول‪ :‬هل هذه المخاطرة قمار‪ ،‬كملا سلماها‬
‫بعض الكّتاب المهتمين بالسوق السعودية؟‬
‫الواقع أن المخاطرة أعم من القمار‪ ،‬فكل قمار مخاطرة‪،‬‬
‫وليس كل مخاطرة قمارًا‪.‬‬
‫ولشلليخ السلللم ابللن تيميللة كلم نفيللس حللول المخللاطرة‬
‫والقمار‪ ،‬فإنه اعتبر المخاطرة من المظاهر الطبيعيللة فللي‬
‫م فهللي جللائزة شللرعًا‪ ،‬واعتبرهللا فللي‬
‫المعللاملت‪ ،‬ومللن ث َل ّ‬
‫موضع آخر من القمار المحرم‪ ،‬والحقيقة أن هذا الختلف‬
‫في كلمه إنما هو من اختلف التنللوع‪ ،‬وليللس مللن اختلف‬
‫التضاد؛ لنه يمكن الجمع بين كلمه فللي الموضللعين‪ ،‬فأمللا‬
‫الموضع الول الذي صرح فيه بللالجواز‪ ،‬فهللو فللي مختصللر‬
‫الفتاوى المصرية )ص ‪ (532‬حيث قللال‪" :‬أمللا المخللاطرة‪،‬‬
‫فليس في الدلة الشرعية ما يوجب تحريم كللل مخللاطرة‪،‬‬
‫بل قد عُِلم أن الله ورسوله لم يحرمللا كللل مخللاطرة" ثللم‬
‫‪145‬‬

‫قال في )ص ‪" "(533‬وكذلك كل مللن المتبللايعين لسلللعة‪،‬‬
‫فإن كل ً يرجو أن يربح فيها‪ ،‬ويخاف أن يخسر‪ ،‬فمثل هللذه‬
‫المخللاطرة جللائزة بالكتللاب والسللنة والجمللاع‪ ،‬والتللاجر‬
‫مخاطر" أهل‪.‬‬
‫وأما الموضع الثاني الذي صرح فيه بالمنع‪ ،‬فهو فللي كتللابه‬
‫العقود )ص ‪ (229‬حيث قللال‪":‬فللإذا قيللل‪ :‬فهللل يصللح بيللع‬
‫المعدوم‪ ،‬والمجهول‪ ،‬والذي ل يقدر علللى تسللليمه؟ قيللل‪:‬‬
‫إن كان في شيء من هذه الللبيوع أكللل مللال بالباطللل لللم‬
‫يصح‪ ،‬وإل جازت‪ ،‬وإذا كان فيها معنى القمللار‪ ،‬ففيهللا أكللل‬
‫مال بالباطللل‪ ،‬وإذا كللان فيهللا أخللذ أحللدهما المللال بيقيللن‪،‬‬
‫والخر )على خطر( بالخذ والفوات‪ ،‬فهو مقامر‪ ،‬فهذا هللو‬
‫الصل الذي دل عليه الكتاب والسنة‪ ،‬وهو المعقللول الللذي‬
‫تبين به أن الله أمر بالمعروف‪ ،‬ونهى عن المنكللر‪ ،‬وشللرع‬
‫للعباد ما يصلحهم فللي المعللاش والمعللاد‪ .‬فللإذا بللاعه ثمللر‬
‫الشلللجر سلللنين‪ ،‬فهلللذا قملللار؛ لن البلللائع يأخلللذ الثملللن‪،‬‬
‫والمشللتري )علللى الخطللر(‪ ،‬وكللذلك بيللع الحمللل‪ ،‬وحبللل‬
‫الحبلة‪ ،‬ونحو ذلك" أ هل‬
‫وهذا الكلم النفيس‪ ،‬يمكن الجمع بينلله وبيللن الللذي قبللله‪،‬‬
‫بأن شيخ السلم ل رحمه الله ل ل أجللاز مطلللق المخللاطرة‪،‬‬
‫كما في الموضع الول‪ ،‬ولم يجز المخاطرة المطلقة‪ ،‬كمللا‬
‫في الموضع الثاني‪ ،‬ووجه ذلك‪ :‬أن كل معاملة ل تخلو من‬
‫مخاطرة‪ ،‬وهذا ما ل يمكن منعلله؛ لنلله ممللا يشللق التحللرز‬
‫منلله‪ ،‬ولن يللؤدي إلللى المنللع مللن كللثير مللن المعللاملت‬
‫الجائزة‪ ،‬ويمكن ضبط هللذه المخللاطرة الجللائزة بمللا كللان‬
‫الغالب فيها السلمة‪ ،‬كما يفهم هذا من كلم شيخ السلم‬
‫حيث قال بعللد كلملله النللف الللذكر مللا نصلله‪" :‬وإذا أكللراه‬
‫عقاره سنين جاز ذلك‪ ،‬ولم يكن هللذا مقللامرة؛ لن العللادة‬
‫جارية بسلللمة المنللافع‪ ،‬ول يمكنلله أن يللؤجر إل هكللذا‪ ،‬ول‬
‫مخاطرة فيها‪ ،‬فإن سلمت العيلن اسلتقرت عليله الجللرة‪،‬‬
‫وإن تلفت المنافع سقط عنه من الجرة بقدر ما تلف مللن‬
‫المنفعة فليست الجللارة معقللودة عقللدا ً يأخللذ بلله أحللدهما‬
‫مللال الخللر مللع بقللاء الخللر علللى الخطللر‪ ،‬بللل ل يسللتحق‬

‫‪146‬‬

‫أحللدهما إل مللا يسللتحق الخللر بللدله" أهل ل ‪ .‬هللذا بالنسللبة‬
‫لمطلق المخاطرة‪.‬‬
‫أمللا المخللاطرة المطلقللة‪ ،‬فهللي الللتي اعتبرهللا مقللامرة‪،‬‬
‫ويمكن ضبطها بما كان الغالب فيها الخسللارة أو العطللب‪،‬‬
‫ولهذا حّرم الله تعالى بيع المعدوم وبيللع المجهللول‪ ،‬ومللا ل‬
‫يقدر على تسليمه‪ ،‬وبيع حبل الحبلة‪ ،‬وبيع الثمرة قبل بللدو‬
‫صلحها‪ ،‬فالبائع يضمن الثمللن‪ ،‬وأمللا المشللتري فهللو علللى‬
‫خطر بالخذ والفوات‪ ،‬وقد اصطلح كثير من الفقهللاء علللى‬
‫تسمية هذا النوع من البيوع غللررًا‪ ،‬وسللماه شلليخ السلللم‬
‫غررا ً وقمارًا‪ ،‬كما في كتابه العقود )ص ‪ ,(227‬حيث قللال‪:‬‬
‫"إن النبي ل صلى الله عليه وسلم لل نهلى أن يكلون الغلرر‬
‫مبيعلًا‪ ،‬ونهللى أن يبللاع مللا هللو غللرر‪ ،‬كللبيع السللنين‪ ،‬وحبللل‬
‫الحبلة‪ ،‬وبيع الثمرة قبل بدو صلحها‪ ،‬وعلل ذلللك بمللا فيلله‬
‫من المخاطرة التي تتضمن أكل المال بالباطل‪ ،‬كما قللال‪:‬‬
‫)أرأيت إذا منع الله الثمرة بم يأكل أحدكم مال أخيلله بغيللر‬
‫حق( وهذا هو القمار‪ ،‬وهللو المخللاطرة الللتي تتضللمن أكللل‬
‫المال بالباطل‪ ،‬فإنه متردد بين أن يحصل مقصوده بللالبيع‪،‬‬
‫وبين أن ل يحصل‪ ،‬مع أن ماله يؤخذ على التقديرين‪ ،‬فللإذا‬
‫لم يحصل كان قد أكل ماله بالباطل" أ هل‪.‬‬
‫وبهذا تعلم أن شيخ السلم ل رحمه الله ل يرى بأن مفهوم‬
‫القمار أوسع من المفهوم الذي عليه كثير من أهل العلللم‪،‬‬
‫وهو أن القمار‪ :‬التردد بين الغنم والغرم‪ .‬فهللذا عنللده مللن‬
‫القمار‪ ،‬وكذلك المخاطرة التجارية الللتي يللتردد فيهللا حللظ‬
‫أحد المتعاقدين بين الخذ والفوات‪ ،‬فهي عنده من القمار‪،‬‬
‫وهو ما يعّبر عنه بعض الفقهاء بالغرر‪.‬‬
‫بقللي أن يقللال‪ :‬وهللل فللي المضللاربة بالسللهم مخللاطرة‬
‫مطلقللة‪ ,‬بحيللث يللتردد فيهللا حللظ المشللتري بيللن الخللذ‬
‫والفوات؟‬
‫وأترك الجواب لما نشلر فلي جريللدة الريلاض فللي علددها‬
‫رقللم‪ (13752) :‬الصللادر يللوم الجمعللة )‪18/1/1427‬هلل (‬
‫تحت عنوان )سوق السللهم يفقللد ‪ 80.2‬مليللار ريللال فللي‬
‫دقائق(‪ ..." :‬أدى النخفاض السريع إلى إحداث حالة ذعللر‬
‫وخوف لدى المتداولين من حدوث نزول تصحيحي شللامل‬
‫‪147‬‬

‫جعلهم يتلدافعون عللى اللبيع‪ ...‬الملر اللذي جعلل القيملة‬
‫السلللوقية للسلللوق تنخفلللض) ‪ ( 80.2‬مليلللار ريلللال فلللي‬
‫دقائق‪"...‬‬
‫وكثيرا ً ما نقرأ مثل هذا الخبر في صحفنا المحلية‪ ،‬حتى إن‬
‫كثيرا ً من المضاربين قد ل يدركه الوقت لبيع ما لللديه مللن‬
‫أسللهم‪ ،‬بسللبب النهيللار المفللاجئ والسللريع للسللهم‪ ،‬بللل‬
‫امتدت موجة هبوط أسعار السهم لتقضي على عللدد مللن‬
‫المواطنين الذين توفوا نتيجة تعرضهم لزمللات قلبيللة بعللد‬
‫انهيار رؤوس أموالهم بين عشية وضحاها‪ ،‬وأصبحنا نسللمع‬
‫عن تدافع بعض السعوديين نحو عيادات الطبللاء‪ ،‬مصللابين‬
‫بارتفاع في ضغط الدم‪ ،‬وغير ذلك‪.‬‬
‫وهللذا الواقللع المؤسللف يقودنللا إلللى نقطللة أخللرى فللي‬
‫الموضوع وهللي أنله علللى القللول بللأن المضللاربة بالسللهم‬
‫ليسللت مللن المخللاطرة المحرمللة‪ ،‬فمللا هللو مللدى حجللم‬
‫المفاسللد الناتجللة عللن المضللاربة بالسللهم علللى الفللرد‬
‫والمجتمع؟ هل هي مفاسد راجحة فيمنع منها لهذه العلللة‪،‬‬
‫أو هي مرجوجة مغمورة في مصالحها الراجحة فتباح؟‬
‫والجواب على هذا السؤال لبد أن يكللون ملمسلا ً للواقللع‪،‬‬
‫فل يصح أن يكون الجللواب نظريلا ً مجللردا ً عللن حقيقللة مللا‬
‫يجري في هذا السوق‪.‬‬
‫والمتأمل للواقللع‪ ،‬لل كمللا يحكيلله رأي الجريللدة القتصللادية‬
‫الصادرة يوم الربعاء )‪1/2/1427‬هل( ل يجده أشبه بمشللهد‬
‫مسرحي‪ ،‬حيث دفع سعار تداول السهم القاصي والللداني‬
‫للنخراط في مذبحة السوق‪ ،‬إذ باع راعللي الغنللم أغنللامه‪،‬‬
‫وراعللي البللل إبللله‪ ،‬وصللاحب الورشللة ورشللته‪ ،‬وصللاحب‬
‫البقالة بقالته )بللل وبللاع صللاحب المنللزل منزللله واسللتأجر‬
‫لهله وأولده منزل ً أو شقة‪ ،‬وباع مالللك السلليارة سلليارته‪،‬‬
‫واستأجر له سيارة بأجر شللهري( بللادروا بللذلك مللدفوعين‬
‫ببريق سوق منتعشة‪ ،‬تغريله ليلل نهلار بربلح وفيلر‪ ،‬وحللم‬
‫يلوح على البعد بالثراء أو اليسر علللى أقللل تقللدير‪ .‬وكللثير‬
‫من هؤلء من هجر عمله أو حقله أو حانوته‪ ،‬واختطللف مللا‬
‫لديه من نقود‪ ،‬واستل حلتى ملا فلي جيبله‪ ،‬ثلم ألقلاه فلي‬

‫‪148‬‬

‫فوهة فم السوق التي ل تشبع‪ ،‬وتقللول‪ :‬هللل مللن مزيللد؟!‬
‫والنتيجة لهذا الواقع‪ ،‬ما يلي‪:‬‬
‫‪ -1‬قيام المضاربين )البالغ عللددهم مليونللان تقريب لًا( بضللخ‬
‫السلليولة فللي فوهللة فللم السللوق‪ ،‬والنللأي بهللا بعيللدا ً عللن‬
‫القطاعللات النتاجيللة والخدميللة وغيرهللا‪ ،‬ممللا أدى إلللى‬
‫إحداث كساد في البلد ل يخفى على بصير‪.‬‬
‫‪ -2‬أننا أصبحنا نقللوم بعكللس مللا تفعللله المللم والشللعوب‪،‬‬
‫فعلى حين تستخدم هي أسواقها الماليللة مللن أجللل تللوفير‬
‫السلليولة لتمويللل المشللاريع‪ ،‬قمنللا نحللن بضللخ السلليولة‬
‫وجرفها بعيدا ً عن القطاعات النتاجيللة والخدميللة وغيرهللا‪،‬‬
‫كما صرح بذلك بعض خبراء القتصاد‪.‬‬
‫‪ --3‬أن هذه السيولة الكثيرة التي يضخها السللوق‪ ،‬مللع مللا‬
‫تعيشه الدولة من وفللرة فلي اليللرادات النفطيلة ونحوهلا‪-‬‬
‫بالضافة إلى ذلك الكساد المشار إليه‪ -‬ينللذر بتضللخم فللي‬
‫النقد ‪.‬‬
‫‪ -4‬تعثر كثير من المضاربين الصللغار‪ ،‬وهللم الللذين يمثلللون‬
‫الغالبية بين )الهوامير( ممللا أدى إلللى انتكاسللات خطيللرة‪،‬‬
‫كانت سببا ً في تراكم الديون عليهم‪ ،‬وربمللا إلللى وصللولهم‬
‫إلى مستوى تحت خط الفقر‪ ،‬وذلك في غمضة عين‪.‬‬
‫‪ -5‬أن أسلللوب المضللاربة بالسللهم أفللرز نقيللض مللا كللان‬
‫يحققه أسلوب الستثمار بها‪ ،‬فالسلوب الول يقتصر على‬
‫المضاربة على فروق السعار‪ ،‬أما السلوب الثاني ل و هللو‬
‫الصل ل فهو الذي يعّزز إنتاجيللة الشللركة‪ ،‬ويعللدو بهللا إلللى‬
‫مصللاف الشللركات المتقدمللة‪ ،‬وحيللث إن السلللوب الول‬
‫يتحقق بدون عناء أو مشقة كان التركيز عليه‪ ،‬حتى أصللبح‬
‫تأثيره سلبيا ً علللى أسلللوب السللتثمار‪ ،‬بللل حللتى أصللبحت‬
‫الشركات نفسها تراهن عليه‪ ،‬وتشغل ما لديها من سلليولة‬
‫فيه‪ ،‬بدل ً من استثمار هللذه السلليولة فللي مشللاريع ترتقللي‬
‫بالشركة إلى المام‪.‬‬
‫لهذا وغيللره لل ممللا تشللهده السللواق الماليللة عموملا ً مللن‬
‫تلعب‪ ،‬وعللدم الللتزام بأحكللام الشللريعة فللي تعاملتهللا‪ ،‬ل ل‬
‫صّرح بعض العلماء بتحريم المضاربة بالسللهم‪ ،‬لمللا تللؤدي‬
‫إليه من أضرار بالغة بالفرد والمجتمع‪ ،‬ومن هؤلء العلمللاء‬
‫‪149‬‬

‫الدكتور الصديق محمد المين الضرير‪ ،‬كما صرح في بحثه‬
‫عن الختيارات المقدم إللى مجملع الفقله السللمي‪ ،‬فلي‬
‫العدد السللابع )‪ (1/270‬حيللث صللرح فيلله بللأنه يميللل إلللى‬
‫المنللع‪ .‬وهللو رأي الشلليخ الللدكتور صللالح الفللوزان‪ ،‬وعلللل‬
‫تحريم المضاربة بها بأنهللا قمللار محللرم‪ ،‬كمللا شللافه بللذلك‬
‫عددا ً من طلبه‪.‬‬
‫وهذا الموضوع جدير بأن يعاد فيه النظر من قبل المجللامع‬
‫العلمية‪ ،‬وما يكتنف هذه المعاملت من مصللالح ومفاسللد‪،‬‬
‫ومدى شبه هذه المضللاربات بالقمللار‪ ،‬حللتى يصللدر النللاس‬
‫عن رأي موثللوق بلله‪ ،‬يللدرس الموضللوع مللن كللل جللوانبه‪،‬‬
‫ويحدد مواقع الزلللل‪ ،‬ويضللع الحلللول الشللرعية المناسللبة‪،‬‬
‫والله تعالى أعلم‪ ،‬وأحكم‪.‬‬
‫)*( عضو هيئة التدريس بالمعهد العالي للقضاء‬
‫=============‬
‫‪ #‬موقف العامة من خلف المفتين‬
‫د‪ .‬يوسف بن أحمد القاسم ‪24/12/1426‬‬
‫‪24/01/2006‬‬
‫الحمد لله وحده‪ ،‬والصلة والسلم على من ل نللبي بعللده‪،‬‬
‫وبعد‪:‬‬
‫فقللد تميللز عصللرنا الحاضللر بالتقللدم التقنللي فللي مجللالت‬
‫عديدة‪ ،‬ومنها التقدم في المجال العلمي‪ ،‬وتنللوع وسللائل‬
‫التصال الحديثة‪ ،‬وقد كللان لهللذه التقنيللة الحديثللة جللوانب‬
‫إيجابية كثيرة وأخرى سلبية‪.‬‬
‫ومن جوانبها اليجابية ‪-‬ول شك‪ -‬توظيللف هللذا العلم فللي‬
‫خدمة العلم الشرعي‪ ،‬بأسلوب التعليم‪ ،‬أو الفتاء‪ ،‬أو نحللو‬
‫ذلك مما ل يخفى‪ ،‬مما أدى إلى تذليل الكثير من العقبات‪،‬‬
‫وتيسير العديد من الصعاب‪ ،‬حيث أصبح العلللم يصللل بكللل‬
‫يسر وسهولة إلى فرد السرة وهو في بيته‪ ،‬وإلى السللائق‬
‫وهو في سلليارته‪ ،‬وإلللى الموظللف وهللو فللي عملله‪ ،‬وإلللى‬
‫التاجر وهو في متجره‪ ،‬وهذا بخلف مللا كللان عليلله الحللال‬
‫في أزمنة سابقة‪ ،‬حيث كان المستفتي يرحل –أحيانًا‪ -‬مللن‬
‫أجل مسألة‪ ،‬كما ذكر ذلك الخطيب البغدادي )ت ‪462‬هللل(‬
‫في الفقيه والمتفقه )‪ (2/375‬حيللث قللال‪" :‬أول مللا يلللزم‬
‫‪150‬‬

‫المستفتي إذا نزلت به نازلة أن يطلب المفتي ليسأله عن‬
‫حكم نازلته‪ ،‬فإن لم يكن في محله وجب عليلله أن يمضللي‬
‫إلى الموضع الذي يجللده فيلله‪ ،‬فللإن لللم يكللن ببلللده لزملله‬
‫الرحيل إليلله وإن بعللدت داره‪ ،‬فقللد رحللل غيللر واحللد مللن‬
‫السلف في مسألة" أهل‪.‬‬
‫وبكل حال‪ ،‬فإن البرامللج المشللار إليهللا‪ ،‬مللع مللا فيهللا مللن‬
‫فوائد جمة‪ ،‬ومصالح راجحة‪ ،‬إل أنهللا كللانت سللببا ً فللي بللث‬
‫العديد من الفتاوى المختلفة فللي المسللألة الواحللدة‪ ،‬ممللا‬
‫أدى إلى وقوع اللبس لدى العامة‪ ،‬حتى كثر سللؤالهم عللن‬
‫موقللف المسللتفتي مللن هللذا الخلف‪ ،‬هللل يأخللذ بللرأي‬
‫الجمهور‪ ،‬أم بالرأي الشد؛ لنه الحوط‪ ،‬أم بالرأي الخف؛‬
‫لنه اليسر‪...،‬أم ماذا؟‬
‫وقبل الجابة على هذا التساؤل‪ ،‬أمهّد ُ له بالتنبيهات التية‪:‬‬
‫التنبيه الول‪ :‬أنه يجب على العامي أن يستفتي من يثق به‬
‫ممن يغلب على ظنه أنه من أهل العلم والدين‪ ،‬كما أشللار‬
‫إلى ذلك ربنا عز وجل إذ يقللول‪) :‬فاسللألوا أهللل الللذكر‪(...‬‬
‫أي‪ :‬أهل العلم‪ .‬ولهذا قال ابن سلليرين –رحملله الللله‪" :-‬إن‬
‫هذا العلم دين فلينظر أحدكم عمن يأخذه"‪.‬‬
‫قال الخطيللب البغللدادي فللي الفقيلله والمتفقلله )‪:(2/376‬‬
‫"وإذا قصد أهل محله للستفتاء‪ ،‬فعليه أن يسأل مللن يثللق‬
‫بدينه‪ ،‬ويسكن إلى أمانته عللن أعلمهللم وأمثلهللم‪ ،‬ليقصللده‬
‫ويؤم نحوه‪ ،‬فليس كل من ادعى العلم أحرزه‪ ،‬ول كل من‬
‫انتسب إليه كان من أهله"‪ .‬أهل‪.‬‬
‫وبناء عليه‪ ،‬فإنه ل يصح أن يستفتي العالم إذا كان فاسقًا‪،‬‬
‫ول العابد إن كان جاهل ً ولو كللان إماملا ً لمسللجد أو جللامع‪،‬‬
‫ب ل يحسللنه‪ ،‬فل ُيسللأل‬
‫ول أن يستفتي طالب العلم في با ٍ‬
‫–مث ً‬
‫ل‪ -‬في باب المعاملت المالية المعاصرة من ل يحسللن‬
‫فهمها‪ ،‬أول يللدرك واقعهلا‪ ،‬أو ل يحيلط بتفاصليلها المللؤثرة‬
‫في الحكم‪ ،‬ولو كان عالما ً شهيرًا‪ ،‬يقصده العامللة لشللهرته‬
‫ل لعلمه‪ ،‬كما حذر من ذلك العلمللة ابللن القيللم فللي إعلم‬
‫المللوقعين )‪ (6/119‬حيللث قللال‪" :‬وهللذا الضللرب إنمللا‬
‫يستفتون بالشكل ل بالفضلل‪ ،‬وبالمناصلب ل بالهليلة‪ ،‬قلد‬
‫غرهم عكوف من ل علللم عنللده عليهللم‪ ،‬ومسللارعة أجهللل‬
‫‪151‬‬

‫منهم إليهم‪ ،‬وتعج منهم الحقوق إلللى الللله تعللالى عجيج لًا‪،‬‬
‫وتضج الحكام إلى من أنزلها ضجيجًا‪ ،‬فمن أقللدم بللالجرأة‬
‫على ما ليس له بأهل‪ ،‬فتيا‪ ،‬أو قضاء‪ ،‬أو تللدريس‪ ،‬اسللتحق‬
‫اسم الذم‪ ،‬ولم يحل قبول فتياه ول قضائه‪ ،‬هذا حكم ديللن‬
‫السلم" أهل‪.‬‬
‫وهذا الكلم القيم من ابن القيم –رحملله الللله‪ -‬يجرنللا إلللى‬
‫التنبيه الثاني وهو‪ :‬أنه ل يجوز العمل بمجرد فتوى المفللتي‬
‫إذا علم المستفتي أن المر في البللاطن بخلف مللا أفتللاه‪،‬‬
‫كما ل ينفعه لو كان خصما ً قضلاء القاضلي لله بللذلك‪ ،‬كملا‬
‫قال النبي –صلى الله عليه وسلم‪" -‬فمن قطعللت للله مللن‬
‫حق أخيه شيئًا‪ ،‬فل يأخذه‪ ،‬فإنما أقطللع للله بلله قطعللة مللن‬
‫النار" متفق عليه‪.‬‬
‫فللالمفتي والقاضللي فللي هللذا سللواء‪ ،‬ولهللذا ل ينبغللي‬
‫للمستفتي أن يعمل بمجللرد فتللوى المفللتي إذا لللم تطمئن‬
‫لها نفسه‪ ،‬ولم يسكن لها قلبه‪ ،‬ولو كان هذا المفتي ممللن‬
‫يتصدر للفتوى‪ ،‬كما يدل لذلك الحديث الذي حسنه النووي‬
‫في أربعينه )ص ‪ (47‬عن وابصة بن معبد –رضي الله عنه‪-‬‬
‫وفيلله أن النللبي –صلللى الللله عليلله وسلللم‪ -‬قللال للله‪..." :‬‬
‫استفت قلبك‪ ،‬البر ما اطمأنت إليه النفس‪ ،‬واطمللأن إليلله‬
‫القلب‪ ،‬والثم ما حاك في النفس‪ ،‬وتردد في الصللدر‪ ،‬وإن‬
‫أفتاك الناس وأفتوك" رواه أحمللد فللي مسللنده )‪،(4/227‬‬
‫والدارمي في سللننه )‪ ،(2/246‬وبنحللو هللذا صللرح العلمللة‬
‫ابن القيللم فللي العلم )‪ (193-6/192‬وإذا كللان هللذا فللي‬
‫زمانه‪ ،‬فكيف فللي زماننللا الللذي كللثر فيلله المفتللون الللذين‬
‫يجرون وراء رخللص الفقهللاء بحجللة المصلللحة‪ ،‬أو التيسللير‬
‫على الناس‪ !!..‬ثم قال كلما ً نفيس لًا‪ ،‬مللا نصلله‪" :‬ول يظللن‬
‫المستفتي أن مجرد فتوى الفقيه تبيح له ما سللأل عنلله إذا‬
‫كان يعلم أن المر بخلفه في الباطن‪ ،‬سواء تردد أو حللاك‬
‫في صدره‪ ،‬لعلمه بالحللال فللي البللاطن‪ ،‬أو لشللكه فيلله‪ ،‬أو‬
‫لجهله به‪ ،‬أو لعلمه جهل المفتي‪ ،‬أو محاباته في فتللواه‪ ،‬أو‬
‫عللدم تقيللده بالكتللاب والسللنة‪ ،‬أو لنلله معللروف بللالفتوى‬
‫بالحيل والرخص المخالفة للسنة‪ ،‬وغير ذلك مللن السللباب‬
‫المانعة من الثقة بفتواه‪ ،‬وسكون النفس إليها‪ "...‬أهل‪.‬‬
‫‪152‬‬

‫وكلمه القيم هذا –رحمه الله‪ -‬يجرنا إلى التنبيه الثالث‪.‬‬
‫وهو‪ :‬أنه ل يجوز للعامي أن يتتبع رخص الفقهاء‪ ،‬ل رخللص‬
‫الشارع‪ ،‬ففرق بين الخذ برخصللة الللله تعللالى‪ ،‬وبيللن تتبللع‬
‫رخص خلقه‪.‬‬
‫فللالول‪ :‬منللدوب إليلله بقللوله –صلللى الللله عليلله وسلللم‪:-‬‬
‫"عليكم برخصة الله التي رخللص لكللم" وأمللا الثللاني‪ :‬فهللو‬
‫محرم بإجماع أهل العلم‪ ،‬كما صرح بذلك الحافظ ابن عبد‬
‫البر فيما حكاه عنه ابن النجار في شرح الكوكب المنيللر )‬
‫‪ (4/578‬حيث نقل عنلله أنلله قللال‪" :‬ل يجللوز للعللامي تتبللع‬
‫الرخص إجماعًا" أهل‪ .‬وقال المام أحمد –رحملله الللله‪) -‬لللو‬
‫أن رجل ً عمللل بكللل رخصللة كللان فاسللقًا" وقللال المللام‬
‫الغزالي –رحمه الله‪ -‬في المستصفى )‪) :(2/391‬ل يجللوز‬
‫ب بمجللرد التشللهي‪ ،‬أو أن ينتقللي‬
‫للمستفتي أن يأخذ بمذه ٍ‬
‫في كل مسألة أطيبها عنده" أهل‪.‬‬
‫وحكى الزركشي في البحر المحيط )‪ (6/325‬عن النللووي‬
‫ة‬
‫أنه سئل‪) :‬هللل يجللوز أن ُيقل ّللد غيللر المللذهب فللي رخص ل ٍ‬
‫لضللرورةٍ ونحوهللا( فأجللاب‪) :‬يجللوز أن يعمللل بفتللوى مللن‬
‫يصلح للفتاء إذا سأله اتفاقا ً مللن غيللر تلقللط الرخللص‪ ،‬ول‬
‫تعمد سؤال من يعلم أن مذهبه الترخيص في ذلك" أهل‪.‬‬
‫ومن جليل ما نقل في سد ّ ذريعة الترخص‪ ،‬ما رواه المللام‬
‫الللبيهقي فللي سللننه الكللبرى )‪ (10/211‬بإسللناده عللن‬
‫إسللماعيل القاضللي )ت ‪282‬هللل( أنلله قللال‪) :‬دخلللت علللى‬
‫ي كتاب لا ً نظللرت فيلله‪ ،‬وقللد‬
‫المعتضد )ت ‪289‬هل( فللدفع إل ل ّ‬
‫جمع فيه الرخص من زلل العلماء‪ ،‬وما احتج به كل منهللم‪،‬‬
‫فقلت‪ :‬مصَنف هذا زنديق‪ .‬فقال‪ :‬لم تصح هذه الحللاديث؟‬
‫قلت‪ :‬الحاديث على ما رويت‪ ،‬ولكن ملن أبلاح المسللكر –‬
‫أي النبيذ‪ -‬لم يبح المتعة‪ ،‬ومن أباح المتعة لم يبح المسكر‪،‬‬
‫وما من عالم إل وله زلة‪ ،‬ومن جمع زلل العلماء‪ ،‬ثللم أخللذ‬
‫بها‪ ،‬ذهب دينه‪ ،‬فأمر المعتضد بإحراق ذلك الكتاب(‪.‬‬
‫ومما تؤخذ منه العبرة في هذا الباب‪ ،‬ما قللاله المللام ابللن‬
‫الجوزي )ت ‪597‬هل( عن نفسه فللي كتللابه الللوعظي صلليد‬
‫ت في شيء يجللوز فللي‬
‫الخاطر )‪ (2/304‬ما نصه‪" :‬ترخص ُ‬
‫بعض المذاهب‪ ،‬فوجدت في قلبي قسوة عظيمة‪ ،‬وتخايللل‬
‫‪153‬‬

‫لي نوع طللرد ٍ عللن البللاب‪ ،‬وبعللد‪ ،‬وظلمللة تكللاثفت فقللالت‬
‫نفسي‪ :‬ما هللذا؟ أليللس مللا خرجللت عللن إجمللاع الفقهللاء؟‬
‫فقلت لها‪ :‬يا نفس السوء! جواُبك من وجهين‪:‬‬
‫ت‬
‫ك تأولت ما ل تعتقدين‪ ،‬فلو است ُْفتيت لللم تفلل ِ‬
‫أحدهما‪ :‬أن ِ‬
‫بما فعلت‪ .‬قالت‪ :‬لو لم أعتقد جواز ذلك ما فعلتلله‪ .‬قلللت‪:‬‬
‫ك في الفتوى‪.‬‬
‫ك هو ما ترضينه لغير ِ‬
‫إل أن اعتقاد ِ‬
‫ت من الظلمة عقيب‬
‫ك الفرح بما وجد ِ‬
‫والثاني‪ :‬أنه ينبغي ل ِ‬
‫ذلك؛ لنه لول نوُر في قلبك ما أثّر مثل هذا عندك‪ .‬قللالت‪:‬‬
‫فلقد استوحشت بهذه الظلمة المتجددة في القلب‪ .‬قلت‪:‬‬
‫ت جللائزا ً بالجمللاع‪،‬‬
‫دري مللا ترك ل ِ‬
‫فاعزمي على الترك‪ ،‬وق ل ّ‬
‫ت( أهل‪.‬‬
‫دي هجره ورعًا‪ ،‬وقد سلم ِ‬
‫وعُ ّ‬
‫فإذا تقرر‪ :‬أنه ل يجوز تتبع الرخص‪ ،‬ول تلقللط الزلللل‪ ،‬فمللا‬
‫هو موقف العامي إزاء خلف المفتين؟‬
‫في هذه المسألة خلف قديم‪ ،‬حكاه غيللر واحللد مللن أهللل‬
‫العلم‪ ،‬ومنهم ابللن الصلللح )ت ‪643‬هللل( فللي أدب المفللتي‬
‫والمسللتفتي )ص ‪ ،(164‬حيللث ع لد ّ فللي المسللألة خمسللة‬
‫أوجه عن أصحابه الشافعية‪ ،‬وتللابعه ابللن حمللدان الحنبلللي‬
‫)ت ‪695‬هل( في صللفة الفتللوى والمفللتي والمسللتفتي )ص‬
‫‪ ،(80‬واعتبرها خمسة مذاهب‪ ،‬ورجح ما رجحه ابن الصلح‬
‫–بالتفصيل الذي ذكره وبالعبارة نفسها‪ -‬دون أدنللى إشللارة‬
‫إلى ذلك! وهذه القوال هي‪:‬‬
‫الول‪ :‬أنه يأخذ بأغلظها‪ ،‬فيأخذ بالحظر دون الباحللة‪ ،‬لنلله‬
‫الحوط‪ ،‬ولن الحق ثقيل‪ ،‬وهذا محكي عن أهللل الظللاهر‪،‬‬
‫وأقوى ما استدلوا به حديث النعمان بن بشير الثللابت فللي‬
‫الصحيحين‪ ،‬وفيه )إن الحلل بّين‪ ،‬وإن الحرام بّين‪ ،‬وبينهما‬
‫أمور مشللتبهات ل يعلمهللن كللثير مللن النللاس‪ ،‬فمللن اتقللى‬
‫الشللبهات‪ ،‬فقللد اسللتبرأ لللدينه وعرضلله‪ ،‬ومللن وقللع فللي‬
‫الشبهات وقع في الحرام‪ ،‬كللالراعي يرعللى حللول الحمللى‬
‫يوشك أن يرتع فيه‪(...‬‬
‫الثاني‪ :‬أنه يأخذ بأخفها‪ ،‬لنلله اليسللر‪ ،‬والنللبي –صلللى الللله‬
‫عليه وسلم‪ -‬بعث بالحنيفية السمحة‪ ،‬وما خّير رسول الللله‬
‫–صلى الله عليه وسلم‪ -‬بين أمرين إل اختار أيسللرهما‪ ،‬مللا‬
‫لم يكن إثمًا‪ ،‬كما ثبت بذلك الحديث‪ ،‬وفي التنزيللل‪" :‬يريللد‬
‫‪154‬‬

‫الله بكم اليسر ول يريد بكم العسر" وهذا القول وجه عند‬
‫الشافعية‪.‬‬
‫الثللالث‪ :‬يسللأل مفتي لا ً آخللر‪ ،‬فيعمللل بفتللوى مللن يللوافقه‪،‬‬
‫وحاصل هذا أنلله يأخللذ بللرأي الكللثر‪ ،‬وهكللذا لللو كللان فللي‬
‫المسألة رأيان‪ ،‬أحلدهما قلول الجمهللور‪ ،‬فيأخللذ بله‪ ،‬لغلبلة‬
‫الظن بصحة هذا الرأي‪ ،‬كتعدد الدلة والرواة‪ ،‬وهذا القللول‬
‫هو وجه عند الشافعية‪.‬‬
‫الرابع‪ :‬يتخير‪ ،‬فيأخذ بقول أيهما شاء‪ ،‬وهذا القول كما فللي‬
‫البحر المحيط )‪ (6/313‬نقله المحاملي عن أكللثر أصللحابه‬
‫من الشافعية –وصححه الشيخ أبو إسحاق الشلليرازي فللي‬
‫اللمع‪ ،‬والخطيب البغدادي في الفقيلله والمتفقلله )‪(2/432‬‬
‫واحتج له‪ :‬بأن العامي ليس من أهل الجتهللاد‪ ،‬وإنمللا عليلله‬
‫أن يرجع إلى قول عالم ثقللة‪ ،‬وقللد فعللل ذلللك‪ ،‬فللوجب أن‬
‫يكفيله‪ ،‬وكلذا اختلار هلذا القلول القاضلي أبلو يعللى‪ ،‬وأبلو‬
‫الخطللاب‪ ،‬وذكللر أنلله ظللاهر كلم أحمللد‪ ،‬كمللا فللي شللرح‬
‫الكللوكب المنيللر )‪ (4/580‬وكللذا اختللاره المجللد كمللا فللي‬
‫المسودة )ص ‪.(519‬‬
‫الخامس‪ :‬يجتهد في الوثق‪ ،‬فيأخذ بفتللوى العلللم‪ ،‬الورع‪،‬‬
‫واختار هذا القول السمعاني الكللبير‪ ،‬كمللا حكللاه عنلله ابللن‬
‫الصلح في أدب المفتي )ص ‪ (165‬فإن استويا تخير‪ ،‬وهذا‬
‫هو اختيار ابن قدامة في الروضة )‪ (385‬واختاره الغزالللي‬
‫فللي المستصللفى )‪ (2/391‬وصللححه النللووي فللي روضللة‬
‫الطالبين )‪ (11/105‬وقللرره مللن المعاصللرين الشلليخ ابللن‬
‫عللثيمين فللي كتللابه الصللول مللن علللم الصللول‪ ،‬كملا فللي‬
‫مجموع فتاواه ورسائله )‪.(11/82‬‬
‫دم‬
‫فللإن كللان أحللدهما أعلللم‪ ،‬والثللاني أورع‪ ،‬ففللي أيهمايقل ّ‬
‫خلف‪ ،‬والصللح عنللد ابللن الصلللح الول‪ ،‬كمللا فللي أدب‬
‫المفتي )ص ‪.(160‬‬
‫هذا‪ ،‬وقد حكى هذه القوال الخمسللة‪ ،‬العلمللة ابللن القيللم‬
‫في العلم )‪ (6/205‬إل أنه اعتبر الخذ بقول العلم قللول ً‬
‫خامسًا‪ ،‬والخذ بقول الورع قول ً سادسًا‪ ،‬وزاد قول ً سابعًا‪،‬‬
‫وهو‪ :‬أنه يجب على العامي أن يتحرى‪ ،‬ويبحث عن الراجح‬
‫بحسبه‪ ،‬ثم رجح هذا القللول‪ ،‬وقللال‪" :‬فيعمللل‪ ،‬كمللا يعمللل‬
‫‪155‬‬

‫عند اختلف الطريقين‪ ،‬أو الطبيللبين‪ ،‬أو المشلليرين" وهللذا‬
‫هو عين ما رجحه شيخه ابن تيمية فإنه قللال فللي مجمللوع‬
‫الفتللاوى )‪" :(33/168‬وأمللا تقليللد المسللتفتي للمفللتي‪،‬‬
‫فالذي عليه الئمة الربعة‪ ،‬وسللائر أئمللة العلللم‪ :‬أنلله ليللس‬
‫على أحد‪ ،‬ول شرع له‪ ،‬التزام قول شخص معين فللي كللل‬
‫ما يوجبه ويحرمه ويبيحه‪ ،‬إل رسول الله –صلى الللله عليلله‬
‫وسلم‪ -‬لكللن منهللم مللن يقللول‪ :‬علللى المسللتفتي أن يقلللد‬
‫العلم الورع ممن يمكن استفتاؤه‪ .‬ومنهم من يقللول‪ :‬بللل‬
‫يخّير بين المفتين إذا كان له نوع تمييز‪ ،‬فقد قيل‪ :‬يتبللع أي‬
‫القولين أرجح عنللده بحسللب تمييللزه فللإن هللذا أولللى مللن‬
‫التخييللر المطلللق‪ .‬وقيللل‪ :‬ل يجتهللد إل إذا صللار مللن أهللل‬
‫الجتهللاد‪ .‬والول أشللبه؛ فللإذا ترجللح عنللد المسللتفتي أحللد‬
‫القولين إما لرجحان دليله بحسب تمييزه‪ ،‬وإما لكون قائله‬
‫أعلم وأورع‪ ،‬فله ذلك‪ ،‬وإن خالف قوله المذهب" أهل‪ .‬هذا‪،‬‬
‫وفي المسألة أقللوال أخللرى حكاهللا الزركشللي فللي البحللر‬
‫المحيللط )‪ (315-6/313‬وغيللُره مللن الصللوليين‪ ،‬ولكللن‬
‫أشهرها ما تقدم ذكره‪.‬‬
‫وبكل حال‪ ،‬فالرجح ما ذهب إليه شيخ السلم ابن تيميللة‪،‬‬
‫وتلميللذه ابللن القيللم‪ ،‬وهللو أن العللامي إذا اختلفللت عليلله‬
‫الفتوى‪ ،‬فللإنه يجتهللد حسللب تمييللزه‪ ،‬ويتقللي الللله حسللب‬
‫استطاعته‪ ،‬فإن ترجح له قول أحد المفللتين لكللونه العلللم‬
‫الورع‪ ،‬أخذ بفتواه‪ .‬فإن استويا في العلم والورع‪ ،‬أو شللق‬
‫عليه معرفة العلم منهمللا‪ ،‬ولكللن مللا اسللتدل بلله أحللدهما‬
‫أقوى في الحجة وظهور الدليل مما استدل به الخر‪ ،‬أخللذ‬
‫به‪ ،‬أو كانت نفسه تسكن لفتيا أحدهما‪ ،‬ويطمئن لها قلبلله‪،‬‬
‫دون فتيا الخر‪ ،‬أخذ بهذا المرجح‪ ،‬وكذا لو ترجللح للله قللول‬
‫أحدهما‪ ،‬لكللثرة مللن أفللتى بلله مللن أهللل العلللم‪ ،‬أخللذ بلله‪..‬‬
‫وهكذا‪ .‬قال العلمة ابن القيم –رحملله الللله‪ -‬فللي العلم )‬
‫‪ (138-6/137‬موجها ً هذا القول )وقد نصب الللله سللبحانه‬
‫وتعالى على الحق أمارات كثيرة‪ ،‬ولم يسوّ الللله –سللبحانه‬
‫وتعالى‪ -‬بين ما يحبه وبين ما يسخطه من كل وجه‪ ،‬بحيللث‬
‫ل يتميز هذا من هذا‪ ،‬ولبد أن تكون الفطر السليمة مائلللة‬

‫‪156‬‬

‫إلللى الحللق‪ ،‬مللؤثرة للله‪ ،‬ولبللد أن يقللوم لهللا عليلله بعللض‬
‫المارات المرجحة‪ "...‬أهل‪.‬‬
‫وبهللذا يظهللر لللك ضللعف قللول مللن قللال‪ :‬إنلله يخي ّللر بيللن‬
‫القلولين‪ ،‬وقلد أنكلر هلذا القلول ابلن القيلم فلي العلم )‬
‫‪ (3/570‬فقال‪" :‬وإن كلفنا بتقليد البعض‪ ،‬وكان جعل ذلللك‬
‫إلى تشهينا واختيارنا‪ ،‬صار دين الله تبعلا ً لرادتنللا واختيارنللا‬
‫وشللهواتنا‪ .‬وهللو عيللن المحللال" أهللل‪ .‬وكللذا أنكللره المللام‬
‫الشلللاطبي فلللي الموافقلللات )‪ (97-5/94‬بكلم نفيلللس‪،‬‬
‫أسوقه لهميته‪ ،‬حيث قال ما نصه‪...." :‬وذلللك أن المتخيللر‬
‫بللالقولين –مث ً‬
‫ل‪ -‬بمجللرد موافقللة الغللرض‪ ،‬إمللا أن يكللون‬
‫حاكما ً به‪ ،‬أو مفتيًا‪ ،‬أو مقلدا ً عامل ً بمللا أفتللاه بلله المفللتي"‬
‫فللذكر حالللة الحللاكم بلله‪ ،‬ثللم المفللتي‪ ،‬ثللم العللامي –وهللو‬
‫المقصود‪ -‬فقال‪ ) :‬وأما إن كان عاميًا‪ ،‬فهو قد اسللتند فللي‬
‫فتللواه إلللى شللهوته وهللواه‪ ،‬واتبللاع الهللوى عيللن مخالفللة‬
‫الشرع‪ ،‬ولن العامي إنما ح ّ‬
‫كم العالم علللى نفسلله ليخللرج‬
‫عللن اتبللاع هللواه‪ ،‬ولهللذا بعثللت الرسللل وأنزلللت الكتللب‪...‬‬
‫وعامة القوال الجارية في مسللائل الفقلله إنمللا تللدور بيللن‬
‫النفي والثبات‪ ،‬والهللوى ل يعللدوهما‪ ،‬فللإذا عللرض العللامي‬
‫نازلته على المفتي‪ ،‬فهللو قللائل للله‪) :‬أخرجنللي عللن هللواي‬
‫ودلني على اتباع الحق( فل يمكن –والحال هذه‪ -‬أن يقللول‬
‫له‪) :‬في مسللألتك قللولن؛ فللاختر لشللهوتك أيهمللا شللئت!(‬
‫فإن معنى هذا تحكيم الهللوى دون الشللرع‪ .‬ول ينجيلله مللن‬
‫هذا أن يقول )ما فعلت إل بقول عالم( لنه حيلة من جملة‬
‫الحيل التي تنصبها النفس‪ ،‬وقاية عن القال والقيل‪ ،‬وحيلة‬
‫لنيللل الغللراض الدنيويللة‪ ،‬وتسللليط المفللتي العللامي علللى‬
‫تحكيم الهوى بعد أن طلب منه إخراجه عن هواه رمي في‬
‫عماية‪ ،‬وجهل بالشريعة‪ ،‬وغش في النصيحة‪ "...‬أهل‪.‬‬
‫ثم تكلم –رحمه الله‪ -‬عن تتبللع الرخللص‪ ،‬وأنكللر هللذا بكلم‬
‫نفيس‪ ،‬وكأنه يشير بذلك إلى أن القللول بللالتخيير هللو مللن‬
‫تتبع الرخص‪ ،‬أو أنه كالبوابة له‪.‬‬
‫ومثل ذلك‪ :‬القلول بالخلذ بلأخف القلولين‪ ،‬لنله اليسلر‪...‬‬
‫استدلل ً بحلديث‪" :‬ملا خي ّللر رسلول اللله صللى اللله عليله‬
‫وسلم بين أمرين إل اختار أيسللرهما‪ "...‬أو بنحللو هللذا مللن‬
‫‪157‬‬

‫الدلة‪ ،‬فليس الستدلل بهذا الحديث أو نحللوه بللأولى مللن‬
‫الستدلل بحديث الصللحيحين‪" :‬ومللن وقللع فللي الشللبهات‬
‫وقع في الحرام‪ "...‬للخذ بأغلظ القولين‪.‬‬
‫وكل الحللديثين ل ينهللض السللتدلل بهمللا لللذلك‪ ،‬فل الول‬
‫لجواز الخذ باليسللر‪ ،‬ول الثللاني لوجللوب الخللذ بللالحوط‪،‬‬
‫فغاية ما في الول الندب إلللى الخللذ باليسللر فيمللا ثبتللت‬
‫إباحته‪ ،‬بخلف مسألتنا‪ ،‬فهي فيما اختلللف فيلله‪ ،‬وغايللة مللا‬
‫في الثاني كراهلة الوقلوع فلي الشلبهات‪ ،‬ونلدب المسللم‬
‫الورع إلى البتعاد عنها‪ ،‬ل غير‪.‬‬
‫لهذا‪ ،‬وغيللره فقللد رد ّ المللام الشللاطبي هللذا القللول‪ ،‬وهللو‬
‫الخذ بللأخف القللولين‪ ،‬وأجللاب عنلله بمللا نصلله‪" :‬وهللو –أي‬
‫الخللذ باليسللر‪ -‬أيضلا ً مللؤد إلللى إيجللاب إسللقاط التكليللف‬
‫جمللة‪ ،‬فلإن التكللاليف كلهللا شلاقة ثقيللة‪ ،‬ولللذلك سلميت‬
‫تكليفلا ً مللن الكلفللة‪ ،‬وهللي المشللقة )قلللت‪ :‬لكنهللا مشللقة‬
‫معتللادة( فللإذا كللانت المشللقة حيللث لحقللت فللي التكليللف‬
‫تقتضللي الرفللع بهللذه الللدلئل‪ ،‬لللزم ذلللك فللي الطهللارات‪،‬‬
‫والصلللوات‪ ،‬والزكللوات‪ ،‬والحللج‪ ،‬والجهللاد‪ ،‬وغيللر ذلللك‪ ،‬ول‬
‫يقف عند حد إل إذا لم يبق على العبد تكليف‪ ،‬وهذا محال‪،‬‬
‫فما أدى إليه مثله‪ ،‬فإن رفللع الشللريعة مللع فللرص وضللعها‬
‫محال‪ ".......‬أهل والله تعالى أعلم‪.‬‬
‫===============‬‫‪ #‬سوق السهم‪..‬على شفا انهيار‬
‫قراءة نقدّية لواقع المساهمات في السوق المحلي‬
‫د‪ .‬يوسف بن أحمد القاسم * ‪22/11/1426‬‬
‫‪24/12/2005‬‬
‫ينطق واقعنا الحالي بما حدث به نبينللا محمللد ‪-‬صلللى الللله‬
‫عليه وسلم‪ -‬حين قال‪" :‬يأتي علللى النللاس زمللان ل يبللالي‬
‫من الحلل‪ ،‬أم ملن الحلرام!!" أخرجله‬
‫المرء ما أخذ منه‪ ،‬أ ِ‬
‫وب عليه )باب مللن لللم يبللال مللن‬
‫البخاري في صحيحه‪ ،‬وب ّ‬
‫حيث كسب المال(؛ فقد أصبح الحلل في نظر كثيرين هو‬
‫ما ح ّ‬
‫ل‬
‫ل في اليد أو الجيب‪ ،‬ل ما حلله الله تعالى‪ ،‬فلم يبللا ِ‬
‫إن وقللع المللال فللي يللده بسللبب المسللاهمات الربويللة‪ ،‬أو‬
‫بسبب المضاربات والصفقات الناتجللة عللن طريللق الغللش‬
‫‪158‬‬

‫والتدليس‪ ،‬أو عن طريللق الكللذب والتلللبيس‪ ،‬أو نحللو ذلللك‬
‫من الوسائل المحرمة في كسب المال؛ ولذا أصبح الواحد‬
‫ب( فل ُيسلتجاب لله‪،‬‬
‫ب يا ر ّ‬
‫ح في الدعاء )يا ر ّ‬
‫منا يدعو ويل ّ‬
‫ولو كللان فللي سللفر‪ ،‬أو كللان أشللعث أغللبر!! لن مطعملله‬
‫حرام‪ ،‬ومشللربه حللرام‪ ،‬وملبسلله حللرام‪ ،‬وغُللذي بللالحرام‪،‬‬
‫فأنى يستجاب لذلك؟!‬
‫وبنظرة سريعة لما يشلهده سلوق السلهم المحللي‪ ،‬نلرى‬
‫كثيرا ً مللن المخالفللات الشللرعية‪ ،‬والللتي نللوجز الكلم فللي‬
‫أبرزها عبر النقاط التية‪:‬‬
‫نرى بعض المسلمين –وللسف‪ -‬يدخل في الربا من أوسع‬
‫أبوابه‪ ،‬فيلغ فيه ولوغا ً ل يطهللره المللاء ول الللتراب‪ ،‬فللتراه‬
‫يستثمر في أسهم البنوك الربوية‪ ،‬أو يضارب فيها‪ ،‬أو فللي‬
‫أسللهم شللركات ل تتللورع عللن الربللا‪ ،‬إيللداعا ً واقتراضللا ً‬
‫واستثمارًا‪ ،‬وبأي نسبة كانت ولو كثيرة‪ ،‬والعاقبة أن ُيمحق‬
‫هذا المال‪ ،‬أو ُتمحق بركته‪ ،‬كما قال سبحانه‪) :‬يمحق الللله‬
‫الربا(‪ ،‬وأما صاحبه فقد آذن بحرب من الله ورسللوله‪ ،‬ومللا‬
‫الظن بمن أعلن الله تعالى الحرب عليه – عياذا ً بالله‪ -‬هذا‬
‫واقع‪.‬‬
‫ن‪ :‬ممن جعل إشاعة الكللذب مطّيتلله فللي تحقيللق‬
‫وواقع ثا ٍ‬
‫المكاسب وجني الرباح‪ ،‬فترى مجموعة مللن المسللاهمين‬
‫أو المضللاربين فللي السللوق يشللترون أسللهما ً فللي إحللدى‬
‫الشركات بثمن بخس‪ ،‬وعلى سبيل التواطؤ‪ ،‬ثللم يشلليعون‬
‫خبرا ً ما عبر منتديات النترنت وعبر رسائل الجوال‪ ،‬ونحللو‬
‫ذلللك ممللا ينتشللر معلله الخللبر انتشللار النللار فللي الهشلليم‪،‬‬
‫فيشلليعون –مث ً‬
‫ل‪ -‬بللأن رأس مللال تلللك الشللركة سلليرتفع‬
‫بسللبب منحللة‪ ،‬أو بللأن للشللركة مسللتحقات لللدى الدولللة‬
‫سوف تتسلمها في القريب العاجل‪ ،‬أو بأنها ستوقع عقودا ً‬
‫معينة مع إحدى الدول‪ ...،‬إلخ‪ ،‬ويكذبون مع هللذه الشللاعة‬
‫مئة كذبة!! فيشيع الخبر في أوساط المضاربين‪ ،‬ول سيما‬
‫الصللغار منهللم ممللن ل يعللي حجللم الخطللر المحللدق بهللم‪،‬‬
‫فيقبلون على شراء أسللهم تلللك الشللركة‪ ،‬فللترتفع قيمتهللا‬
‫بسللبب كللثرة الطلللب‪ ،‬ويللبيع أولئك المشلليعون للخللبر مللا‬
‫لديهم من أسهم‪ ،‬ثم تهوي القيمة السوقية لتلللك السللهم‪،‬‬
‫‪159‬‬

‫ويتضح أن هذا الرتفاع خيال ل واقع‪ ،‬فتقع الكارثللة بسللبب‬
‫تلللك الشللاعة الثمللة‪ ،‬وشللعار هللؤلء المتلعللبين بالسللوق‬
‫المقولة السائدة "اشتر على الشاعة وب لعْ علللى الخللبر!!"‬
‫وهكذا تكون أموال الناس ألعوبللة فللي أيللدي مللن ل أخلق‬
‫ن‪.‬‬
‫له‪ ،‬ومن غش المسلمين فليس منهم‪ .‬وهذا واقع ثا ٍ‬
‫وواقع ثالث‪ :‬سببه الطلبات والعروض الوهمية‪ ،‬فهو نجللش‬
‫بصورة عصرية!! فترى بعض ضعاف النفللوس –وللسللف‪-‬‬
‫يعللرض عللبر شاشللات التللداول عروض لا ً وهميللة مللن خلل‬
‫بعللض المحللافظ الللتي يللديرها بالوكالللة‪ ،‬فيعللرض –مث ً‬
‫ل‪-‬‬
‫عشرة آلف سهم بسعر معيللن فللي إحللدى المحللافظ‪ ،‬ثللم‬
‫يعرض من محفظلة أخلرى وفلي بنلك آخلر عشلرين أللف‬
‫سهم بنحو ذلك السعر‪ ،‬وهكذا من محفظة ثالثة ورابعة‪،...‬‬
‫ثم يشتري عددا ً قليل ً من هذه السهم –كعشللر المعللروض‬
‫مث ً‬
‫ل‪ -‬من محافظ أخرى بالسعر المعروض‪ ،‬حتى يوهم من‬
‫يراقب هذا التداول بأن لسهم تلك الشللركة قللوة شللرائية‬
‫تستحق الهتمام‪ ،‬وهو في الحقيقة مناقلة للسهم بطريقة‬
‫التدوير‪ ،‬فيقبل الغرار من المضاربين بشللراء أسللهم تلللك‬
‫الشركة‪ ،‬فيبيع عليهم أسهمه بالسعر الذي خطللط للله‪ ،‬ثللم‬
‫تهوي القيمة السوقية مللرة أخللرى‪ ،‬فيرجللع هللو ويشللتريها‬
‫بثمن بخس‪ ،‬وهكذا يربح في الدخول والخللروج‪ ،‬فللي الللبيع‬
‫والشراء‪ ،‬وبأسلوب مبالغ في القبح والدناءة‪ .‬وهذه صللورة‬
‫من صور النجش المحرم‪ ،‬والللذي حللذر منلله النللبي ‪-‬صللى‬
‫اللللله عليللله وسللللم‪ -‬فلللي قلللوله‪":‬ول تناجشلللوا" قلللال‬
‫الخطابي‪":‬النجش‪ :‬أن يرى الرجل السلع ُتبللاع فيزيللد فللي‬
‫ثمنهللا‪ ،‬وهللو ل يريللد شللراءها‪ ،‬وإنمللا يريللد بللذلك ترغيللب‬
‫)السللوام( فيهللا ليزيللدوا فللي الثمللن‪ ،‬وفيلله غللرر للراغللب‬
‫فيهللا‪ "...‬وقللال النللووي‪" :‬وهللذا محللرم بالجمللاع‪ ،‬والثللم‬
‫مختص بالناجش إن لم يعلللم بلله البللائع"‪ .‬والبللائع هنللا فللي‬
‫هذه الصورة هو الناجش!!‬
‫وتتجلى هللذه الصللورة مللن الكللذب والتللدليس فللي أسللهم‬
‫الشركات التي ل يتفق واقع الربحية في أسهمها مع واقللع‬
‫الشركة نفسها‪ ،‬أو بمعنى أوضح مع مواقع القيمة الدفترية‬
‫للشركة‪ ،‬فربما تللرى الشللركة خاسللرة مللن حيللث الواقللع‪،‬‬
‫‪160‬‬

‫ومع هذا تللرى المسللاهمين يضللاربون فللي أسللهمها بأربللاح‬
‫خيالية ربما تزيد في السللوق علللى ‪ %100‬أو ‪ %200‬مللن‬
‫قيمتها الحقيقية! وهذا واقع ثالث‪.‬‬
‫ث المعلومللات‬
‫وواقللع رابللع‪ :‬وهللو عللدم الشللفافية فللي ب ل ّ‬
‫المتعلقة ببعض الشركات المساهمة‪ ،‬بحيث ل يطلللع علللى‬
‫الخبللار المللؤثرة فللي أسللهم تلللك الشللركات إل أفللراد‬
‫معدودون أو بعض )الهوامير( بلهجللة السللوق‪ ،‬وربمللا كللان‬
‫لحد أعضاء مجلس إدارة بعض الشركات أثللر سلللبي فللي‬
‫ث بعللض المعلومللات لحللد )الهللوامير(‬
‫هذا الواقع‪ ،‬فربما ب ّ‬
‫لعرض شراء السهم قبل ارتفلاع قيمتهلا السلوقية‪ ،‬وربملا‬
‫كان ذلك لنسبة بينهما فيشتري السهم بثمن بخللس علللى‬
‫حين غفلة من بقية المساهمين‪ ،‬ثم يبيعها بعد ذلللك بسللعر‬
‫ل بعد أن ُتحّقق ارتفاعلا ً بسللبب ظهللور تلللك المعلومللة‪،‬‬
‫غا ٍ‬
‫لعلمهم المسبق بارتفاع سقف السللهم لتلللك الشللركة‪ ،‬أو‬
‫بدمج هذه الشركة مع أخرى‪ ...‬إلخ‪ ،‬ممللا يللؤثر إيجاب لا ً فللي‬
‫قيمة تلك السهم‪ ...‬وهكذا في سلسلة طويلة مللن اللعللب‬
‫والعبث بأموال المساهمين وممتلكاتهم‪ ،‬والتي ربما تكللون‬
‫يوما ً ما سببا ً في انهيار السهم‪ ،‬مما ينلذر بخطللر –ل قللدر‪-‬‬
‫على أموال أولئك المساهمين‪.‬‬
‫جه ثلث رسائل‪:‬‬
‫وهنا أو ّ‬
‫الولى‪ :‬إلى هيئة سوق المال‪ ،‬بأن تقوم مللن سللباتها‪ ،‬وأن‬
‫تؤدي واجبها في هللذا السللوق‪ ،‬فتلحللق أصللحاب الطلبللات‬
‫والعللروض الوهميللة وتعللاقبهم‪ ،‬وتمنللع أسلللوب التللدوير‪،‬‬
‫وتحاسلللب أصلللحاب الشلللاعة‪ ،‬وتطلللالب بتحقيلللق مبلللدأ‬
‫الشفافية في بث المعلومات المتعلقللة بجميللع الشللركات؛‬
‫لن الشللركة ل تخللص مسللاهما ً دون آخللر‪ ،‬بللل هللي حللق‬
‫للجميع‪ ،‬كما عليها أن تراقب وتمنع كل ما من شأنه إلحاق‬
‫الذى بالمساهمين‪ ،‬وهنا أوجه رسالة بهذا الصدد‪ ،‬وهي أن‬
‫خر تنفيذ أوامر البيع والشللراء؛‬
‫صغار المساهمين يعانون تأ ّ‬
‫لن البنوك والشركات تقللوم بتسللهيل هللذه المهمللة لكبللار‬
‫المسلللاهمين دون صلللغارهم‪ ،‬فربملللا انخفضلللت القيملللة‬
‫السللوقية لبعللض السللهم فل يسللتطيع أولئك مللن بيللع مللا‬
‫يخصهم من أسهم إل بعد فوات الوان‪ ،‬وهنلا يجللب تفعيللل‬
‫‪161‬‬

‫سرعة التداول بما يم ّ‬
‫كن الجميع من تحقيق نشاطهم على‬
‫الوجه الكمل‪ ،‬وبهذا يتحقق العدل بين جميللع المسللاهمين‬
‫صغارا ً وكبارًا‪.‬‬
‫والرسالة الثالثة‪ :‬إلى أولئك المساهمين أو المضاربين بأن‬
‫يتقللوا الللله تعللالى‪ ،‬فيجتنبللوا الحللرام فللي مسللاهماتهم‬
‫ومضارباتهم‪ ،‬وأل ّ تكون هذه التجللارة سللببا ً فللي انحرافللات‬
‫سلوكية وأخلقية تجاه باقي المساهمين‪ ،‬كمللا ل ينبغللي أن‬
‫تشغلهم عن الحقوق الواجبة عليهم تجاه أهلهم وأولدهللم‪،‬‬
‫أوعن ذكر الله تعالى وعن الصلة )في بيوت أ َذن الّللل َ‬
‫ن‬
‫ِ‬
‫هأ ْ‬
‫ُُ ٍ ِ َ‬
‫ُ‬
‫جا ٌ‬
‫ل‬
‫ل رِ َ‬
‫سب ّ ُ‬
‫ه يُ َ‬
‫ت ُْرفَعَ وَي ُذ ْك ََر ِفيَها ا ْ‬
‫ح لَ ُ‬
‫م ُ‬
‫س ُ‬
‫ه ِفيَها ِبال ْغُد ُوّ َواْل َ‬
‫صا ِ‬
‫صلللةِ وَِإيت َللاءِ‬
‫م تِ َ‬
‫ل ت ُل ِْهيهِ ْ‬
‫ن ذِك ْرِ الل ّلهِ وَإ ِقَللام ِ ال ّ‬
‫جاَرةٌ َول ب َي ْعٌ عَ ْ‬
‫َ‬
‫الّز َ‬
‫صللاُر( ]النللور‪:‬‬
‫كاةِ ي َ َ‬
‫ب ِفيهِ ال ُْقل ُللو ُ‬
‫وما ً ت َت ََقل ّ ُ‬
‫خاُفو َ‬
‫ب َواْلب ْ َ‬
‫ن يَ ْ‬
‫‪ [36‬والحقيقة أن هناك واقعا ً مؤسفا ً فللي انشللغال النللاس‬
‫بهللذه السللهم‪ ،‬يصللوره حللال هللذا الكللاتب فللي إحللدى‬
‫المنتللديات؛ إذ يقللول بلهجتلله العاميللة‪" :‬أنللا ابتعللدت عللن‬
‫السوق‪ ،‬تعبت من متابعة السهم في فللترة التللداول‪ ،‬مللن‬
‫الساعة الرابعة عصرا ً إلى الواحللدة لي ً‬
‫ل‪ ،‬وثللاني شلليء مللا‬
‫تقدر تشللوف أهلللك ول ربعللك‪ ،‬كللل الللوقت فللي المكتللب‪،‬‬
‫وممنوع أحد يدخل عليللك‪ ،‬والهللم الكرسللي اللللي تجلللس‬
‫عليه‪ ،‬تصدق –يخللاطب أحللد القللراء فللي منتللدى المللارات‬
‫للوراق المالية‪ -‬أنا عندي ثلث كراسي‪ ،‬كل ساعة أو ثلث‬
‫س ظهري بينكسللر‪ "!!...‬وهللذه‬
‫ساعات أبدل الكرسي‪ ،‬أح ّ‬
‫الصورة الواقعية أسوقها دون تعليق‪.‬‬
‫* أستاذ مساعد بالمعهد العالي للقضاء‪-‬الرياض‬
‫================‬
‫‪ #‬زكاة السهم المتعثرة‬
‫د‪ .‬يوسف بن أحمد بن عبدالرحمن القاسم ‪25/2/1426‬‬
‫‪04/04/2005‬‬
‫المقدمة‬
‫الحمللد لللله رب العللالمين‪ ،‬والصلللة والسلللم علللى إمللام‬
‫المرسلين‪ ،‬نبينا محمد‪ ،‬وعلى آله وصللحبه والتللابعين ‪ ،‬أمللا‬
‫بعد‪:‬‬

‫‪162‬‬

‫فإن من أهم ما ينبغي أن تجّرد لها القلم والمحللابر ‪ ،‬وأن‬
‫تستنهض لها همم الباحثين في مجال الفقه‪ ،‬هللو اسللتقراء‬
‫المسائل النازلة ‪ ،‬واسللتنباط الحكللام الشللرعية المناسللبة‬
‫لهللا مللن عمللوم أدلللة الكتللاب والسللنة‪ ،‬أو مللن القواعللد‬
‫الشللرعية‪ ،‬والمقاصللد الكليللة‪ ،‬مللع محاولللة اسللتنتاج هللذا‬
‫الحكم من كلم أهلل العللم بواسلطة التخريلج والقيلاس ‪،‬‬
‫وبهذا يمكللن أن نسلد ّ ثغللرة فللي هللذا المجللال المهللم مللن‬
‫مجالت العلم الشرعي‪.‬‬
‫هذا‪ ،‬وإن من المسائل النازلللة فللي هللذا العصللر المتللاجرة‬
‫والستثمار في السهم عللبر الشللركات المحليللة وغيرهللا ‪.‬‬
‫وقد كتب في هللذه النازلللة العديللد مللن الكتللب والرسللائل‬
‫العلمية ‪.‬‬
‫وفي الونة الخيرة قامت كللثير مللن المسللاهمات عللبر مللا‬
‫يسللمى بشللركات توظيللف المللوال‪ ،‬ممللا أدى إلللى وقللوع‬
‫ب أو لخللر‪ ،‬وهنللا وقللع‬
‫التعثر في مساهمات عديللدة‪ ،‬لسللب ٍ‬
‫الكثير من المشللكلت ‪ ،‬ومنهللا مللا أشللكل علللى كللثير مللن‬
‫المساهمين ‪ ،‬وهو مدى وجللوب الزكللاة فللي هللذه السللهم‬
‫المتعثرة‪ ،‬وحيث لم أقف على بحث خاص بهذه المسللألة ‪،‬‬
‫فقللد عقللدت العللزم – مسللتعينا ً بللالله وحللده – علللى هللذه‬
‫المهمة ‪ ،‬ووضعت لهذا البحث المخطط التي‪:‬‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬التمهيد‪ ،‬وفيه مبحثان‪:‬‬
‫المبحث الول‪ :‬التعريف بمفردات عنوان البحث‪.‬‬
‫المبحث الثاني‪ :‬حكم زكاة السهم )غير المتعثرة(‪.‬‬
‫ثاني لًا‪ :‬موضللوع البحللث )زكللاة السللهم المتعللثرة( ‪ ،‬وفيلله‬
‫فصلن‪:‬‬
‫الفصل الول‪ :‬حقيقة السهم المتعثرة‪.‬‬
‫وفيه ثلثة مباحث‪:‬‬
‫المبحث الول‪ :‬واقع السهم المتعثرة‪.‬‬
‫المبحث الثاني‪ :‬أسباب تعثر السهم‪.‬‬
‫المبحللث الثللالث‪ :‬مللدى اعتبللار القيمللة السللوقية للسللهم‬
‫المتعثرة‪.‬‬
‫الفصل الثاني‪ :‬حكم زكاة السهم المتعثرة‪.‬‬
‫وفيه تمهيد‪ ،‬ومبحثان‪:‬‬
‫‪163‬‬

‫المبحلللث الول‪ :‬التخريلللج عللللى زكلللاة ديلللن المعسلللر‪،‬‬
‫والمماطل‪.‬‬
‫وفيه ثلثة مطالب‪:‬‬
‫المطلب الول‪ :‬مفهوم العسار‪ ،‬والمماطلة‪.‬‬
‫المطلب الثاني‪ :‬حكم زكاة دين المعسر‪ ،‬والمماطل‪.‬‬
‫المطلب الثالث‪ :‬التخريج‪.‬‬
‫ضمار‪.‬‬
‫المبحث الثاني‪ :‬التخريج على زكاة المال ال ّ‬
‫وفيه ثلثة مطالب‪:‬‬
‫ضمار‪.‬‬
‫المطلب الول‪ :‬مفهوم المال ال ّ‬
‫ضمار‪.‬‬
‫المطلب الثاني‪ :‬حكم زكاة المال ال ّ‬
‫المطلب الثالث‪ :‬التخريج‪.‬‬
‫الخاتمة‪.‬‬
‫وبالله التوفيق‪.‬‬
‫التمهيد‬
‫وفيه مبحثان‪:‬‬
‫المبحث الول‪ :‬التعريف بمفردات العنوان‪:‬‬
‫أمللا الزكللاة ‪ ،‬فهللي فللي اللغللة‪ :‬مللن الّزكللاء‪ ،‬وهللو النمللاء‬
‫مي‬
‫والزيادة ‪ ،‬يقال‪ :‬زكا الزرع والرض‪ ،‬تزكللو‪ُ ،‬زك ُلوًّا‪ .‬و ُ‬
‫سل ّ‬
‫ب يرجى به الزكللاء‬
‫القدر المخرج من المال زكا ً‬
‫ة؛ لنه سب ٌ‬
‫– يعني النماء – وز ّ‬
‫ة‪ ،‬والزكللاة اسللم‬
‫كى الرجل مللاله تزكي ل ً‬
‫منله ‪ ،‬وإذا نسلبت إللى الزكلاة وجلب حلذف الهلاء وقللب‬
‫اللف واوًا‪ ،‬فيقال )زكوي( )‪.(1‬‬
‫والزكاة في الشرع‪ :‬هي حقٌ يجب في المال‪ ،‬كمللا عرفهللا‬
‫بذلك ابن قدامة في المغني )‪.(2‬‬
‫وأما السهم ‪ ،‬فهلي فللي اللغلة ‪ :‬جملع سلهم‪ ،‬وهلو الحلظ‬
‫والنصلليب‪ ،‬والشلليء مللن مجموعللة أشللياء ‪ ،‬يقللال أسللهم‬
‫س لْهمة‪ .‬والنصلليب‪ :‬أن‬
‫الرجلن ‪ :‬إذا اقترعللا‪ ،‬وذلللك مللن ال ُ‬
‫م‬
‫يفوز كل واحد منهما بما يصيبه‪ ،‬قال الله تعالى‪" :‬فَ َ‬
‫سللاهَ َ‬
‫فَ َ‬
‫ن" )‪ (3‬ثللم حمللل علللى ذلللك‪ ،‬فسللمي‬
‫ح ِ‬
‫ن ِ‬
‫مد ْ َ‬
‫كا َ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫ضي َ‬
‫م َ‬
‫السهم الواحد من السهام‪ ،‬كأنه نصيب من أنصباء ‪ ،‬وحللظ‬
‫من حظوظ ‪ ،‬وهذا هو أحد المعاني التي ذكرها ابن فارس‬
‫)‪ (4‬في تعريف السلهم‪ ،‬وهلو المتعللق بموضلوعنا ‪ .‬وجلاء‬

‫‪164‬‬

‫فللي المعجللم الوسلليط )‪" :(5‬سللاهمه ‪ :‬قاسللمه‪ ،‬أي أخللذ‬
‫سهمًا‪ ،‬أي نصيبا ً معه‪ ،‬ومنه شركة المساهمة" أ‪.‬هل ‪.‬‬
‫والسللهم فللي الصللطلح ‪ :‬هللي مللا يمث ّللل الحصللص الللتي‬
‫يقللدمها الشللركاء عنللد المسللاهمة فللي مشللروع الشللركة‪،‬‬
‫سواء أكانت حصصا ً نقدية أم عينيللة‪ ،‬ويتكللون رأس المللال‬
‫من هذه السهم ‪.‬‬
‫وقيل هي‪ :‬صكوك تمّثل أنصباء عينيللة أو نقديللة فللي رأس‬
‫مال الشركة ‪ ،‬قابلة للتداول‪ ،‬تعطي مالكها حقوقا ً خاصة )‬
‫‪.(6‬‬
‫عثللارًا‪ ،‬إذا‬
‫وأما المتعثرة ‪ ،‬فهي في اللغة‪ :‬من عَث َللر‪ ،‬ي َعْث ُللر‪ِ ،‬‬
‫كبللا ‪ ،‬أو سللقط‪ ،‬ومنلله العَث ْللرة‪ :‬أي الَزل ّللة‪ ،‬يقللال‪ :‬عللثر بلله‬
‫فرسه فسقط‪ ،‬وتعثر لسانه‪ :‬تلعثم‪ .‬والعواثير‪ :‬جمع عاثور‪،‬‬
‫وهو المكان الوعث الخشللن؛ لنلله يعللثر فيلله ‪ .‬وقيللل‪ :‬هللو‬
‫الحفرة التي تحفر للسد‪ ،‬واسللتعير هنللا للورطللة والخطللة‬
‫المهلكة ‪ .‬وأما العواثر‪ ،‬فهي جمع عاثر وهي حبالة الصائد‪،‬‬
‫أو جمع عاثرة‪ ،‬وهي الحادثة التي تعثر بصاحبها )‪.(7‬‬
‫والمتعللثرة فللي اصللطلح البللاحث‪ :‬هللي السللهم الللتي ل‬
‫يستطيع مالكها من النتفاع بها ول من تحصيل قيمتها ‪.‬‬
‫وبهللذا نللدرك العلقللة الواضللحة بيللن التعريللف اللغللوي‬
‫والصللطلحي‪ ،‬فالسللهم حيللن تعللثرت‪ ،‬فإنهللا قللد َزل ّللت أو‬
‫تأخرت عما أنشللئت لجللله‪ ،‬كمللا أنهللا وقعللت بصللاحبها فل‬
‫يمكنه النتفاع بها‪ ،‬وبهللذا وقللع فللي ورطللة ماليللة‪ ،‬أو كللأنه‬
‫سقط في حفرة صيد ل يستطيع الخلص منها ‪.‬‬
‫المبحث الثاني‬
‫حكم زكاة السهم )غير المتعثرة(‬
‫الزكاة هي أحد أركان السلم الخمسة‪ ،‬وهي – في الصل‬
‫– واجبة بكتاب الله تعالى‪ ،‬وسنة رسوله –صلى الله عليلله‬
‫وسلم ‪ ،-‬وإجماع أمته‪ ،‬كما قاله ابن قدامة ‪ -‬رحمه الللله –‬
‫في المغني )‪.(8‬‬
‫ومن الصور المالية المعاصرة‪ :‬ما يسمى بالسهم التجارية‬
‫والسهم الستثمارية‪ ،‬والمتمثلللة فللي شللركات السللهم أو‬
‫الشركات المساهمة‪ ،‬وهي طريقللة حديثللة فللي السللتثمار‬
‫والتجارة جاد بها التقدم العلمي في هذا العصر‪.‬‬
‫‪165‬‬

‫وقد اتفق العلماء المعاصرون على وجوب الزكاة في هذه‬
‫السهم ‪ ،‬إما في أصلها‪ ،‬أو في ريعها ‪ .‬واختلفوا في كيفيللة‬
‫زكاتها‪ ،‬وأرجللح هللذه القللوال‪ ،‬وأقربهللا إلللى الصللواب‪ ،‬هللو‬
‫القول بالتفريق بين المساهمات التجارية فتأخذ حكم زكاة‬
‫عروض التجارة‪ ،‬وبين المساهمات الستثمارية ‪ ،‬والتفريلق‬
‫في المساهمات السللتثمارية‪ ،‬بيللن مللا هللو زراعللي فيأخللذ‬
‫حكم زكاة الخارج من الرض‪ ،‬وما هو حيواني فيأخذ حكللم‬
‫زكاة الحيوان‪ ،‬وهكذا … وتفصيل ذلك على النحو التي‪:‬‬
‫مالك السهم ل يخلللو ‪ ،‬إمللا أن يكللون قصللده فللي التملللك‬
‫التجارة بها بيعا ً وشراًء وهي ما تسمى بالسللهم التجاريللة‪،‬‬
‫فيشتريها اليوم ليبيعهللا غللدا ً أو بعللد غللد‪ ،‬طلبلا ً للربللح فللي‬
‫تداولها وتقليبهللا‪ ،‬فهللذا تجللب الزكللاة عليلله فللي جميللع مللا‬
‫يملكه من أسهم ‪ ،‬سواء كانت السهم زراعية‪ ،‬أم صناعية‪،‬‬
‫أم تجاريللة‪ ،‬أم حيوانيللة… الللخ‪ ،‬فيزكللي أسللهمه بحسللب‬
‫قيمتها السوقية ‪ ،‬كل سنة ‪.‬‬
‫وإما أن يكون قصد المالك للسللهم السللتثمار بهللا‪ ،‬بحيللث‬
‫يسللتفيد مللن عائدهللا السللنوي‪ ،‬وهللي مللا تسللمى بالسللهم‬
‫الستثمارية‪ ،‬فهو ل يشتري هذه السهم بنية بيعهللا ‪ ،‬وإنمللا‬
‫بقصد الستمرار في تملكها‪ ،‬فهللذا يزكللي أسللهمه بحسللب‬
‫طبيعتها‪ ،‬فإن كلانت أسللهما ً فللي شللركة زراعيللة‪ ،‬ومجالهللا‬
‫الستثماري في زراعللة الحبللوب والثمللار‪ ،‬فتخضللع لحكللام‬
‫الزكاة فيما تخرجه الرض من الحبوب والثمللار ممللا يكللال‬
‫ويدخر‪ ،‬وإن كانت في شركة حيوانية كتربيللة النعللام علللى‬
‫سبيل النتاج والتسمين ‪ ،‬فتخضع لحكللام زكللاة الحيللوان ‪،‬‬
‫وإن كانت في شللركة تجاريللة تختللص بتللداول السلللع بيعلا ً‬
‫وشراًء كشركات الستيراد ‪ ،‬فتخضع لحكام زكاة عللروض‬
‫التجلللارة ‪ ،‬وإن كللانت فلللي شلللركة صلللناعية‪ ،‬كشلللركات‬
‫السمنت والجبللس والدويللة ونحوهللا‪ ،‬فتجللب الزكللاة فللي‬
‫صافي أرباحها ‪ ،‬قياسا ً علللى زكللاة مللا يعللد للكللراء ‪ .‬وهللذا‬
‫صل هو الذي تجتمع به أدلة الزكاة ‪ ،‬وبه يرتبط‬
‫القول المف ّ‬
‫الحكم بمناطه الذي أناط به الشللارع وجللوب الزكللاة‪ ،‬وبلله‬
‫يللزول التنللاقض والضللطراب الللذي لحللق ببعللض الراء‬
‫المعاصرة‪.‬‬
‫‪166‬‬

‫وإلى هذا القول ذهب الشيخ عبدالله بن منيع )‪ –(9‬حفظه‬
‫الله – وغيُره‪.‬‬
‫وفي هذه المسألة أقوا ٌ‬
‫ل أخرى ‪ ،‬ليس هللذا التمهيللد محللل‬
‫بسطها )‪.(10‬‬
‫الفصل الول‬
‫حقيقة السهم المتعثرة‬
‫وفيه ثلثة مباحث‪:‬‬
‫المبحث الول‪ :‬واقع السهم المتعثرة‪:‬‬
‫فلللي عصلللرنا الحاضلللر ‪ ،‬كلللثرت الشلللركات المسلللاهمة‬
‫وانتشرت‪ ،‬وتنوعت أغراضها وتعددت‪ ،‬وأقبل عليها الغنياء‬
‫ومتوسطوا الحال ‪ ،‬بلل وربملا محلدودوا اللدخل – بلأموال‬
‫حصلوا عليها بطريق القرض أو التقسيط – كل ذلك؛ لجل‬
‫تحصيل ما تجود به السهم من أربللاح‪ ،‬دون مزيللد عنللاء أو‬
‫مشقة‪.‬‬
‫ولم يقف المر عند هذا الحد‪ ،‬بل ظهللرت شللركات أخللرى‬
‫غير مرخصة‪ ،‬وهي ما تسمى بشللركات توظيللف المللوال‪،‬‬
‫تقوم بتحصيل الموال من أربابها ‪ ،‬ثم تقوم بتوظيفهللا – أو‬
‫تدعي ذلك أحيانا ً – في مشللاريع عقاريللة أو غيرهللا‪ ،‬وربمللا‬
‫أغرت الناس بأرباح مرتفعة‪ ،‬ليس لهللا مثيللل فللي السللوق‬
‫المحلي‪ ،‬فيقبل عليها النلاس زرافلات ووحلدانا‪ ،‬وغالبلا ً ملا‬
‫يقع تعثر السهم في مثل هذا النوع مللن الشللركات‪ ،‬حيللث‬
‫إنهللا ل تخضللع لنظللام ٍ قللانوني ول محاسللبي‪ ،‬فيكللثر فيهللا‬
‫التلعللب بللأموال النللاس دون رقيللب‪ ،‬فربمللا تللم تحصلليل‬
‫المللوال لغللرض المسللاهمة فللي عقللارٍ مللا ‪ ،‬أو لجللل بيللع‬
‫وشراء سلعة ما‪ ،‬ثم يتم توظيفهلا لهلذا الغلرض ولغلراض‬
‫أخرى‪ ،‬بل ربمللا كللان بعللض هللذه المللوال هللدفا ً لسلللوب‬
‫تدوير المال‪ ،‬أو لمللا يسللمى بالتسللويق الشللبكي )‪ ،(11‬أو‬
‫غير ذلك‪ ،‬ول ينكشللف المللر إل بعللد إيقللاف ضللخ المللوال‬
‫المساهمة إلى هذه الشركة‪ ،‬أو بعللد تجميللدها مللن الجهللة‬
‫الرسمية‪ ،‬وعند ذللك يظهللر العجلز ويقللع التعلثر‪ ،‬ول يعللم‬
‫المساهم بمقدار هذا التعثر الللذي لحللق بمللاله ‪ ،‬ول بمللدى‬
‫إمكان الحصول على رأس المال أو ل‪.‬‬

‫‪167‬‬

‫ومن صور التعثر التي يكللثر وقوعهللا فللي هللذا العصللر‪ ،‬مللا‬
‫يقوم به مجموعة من أربللاب المللال‪ ،‬مللن المسللاهمة فللي‬
‫أرض عقاريللة – مثل ً – وبعللد شللراء العقللار الخللام لغللرض‬
‫دعي اسللتحقاقه لهللذه الرض‬
‫المتاجرة فيه‪ ،‬يظهر خصم ي ل ّ‬
‫أو لهذا العقار‪ ،‬فتبدأ الخصومة في الجهة المختصة‪ ،‬وربمللا‬
‫اسللتمرت سللنين عديللدة‪ ،‬فتتعللثر المسللاهمة‪ ،‬ول يتمكللن‬
‫أربابهللا مللن اسللترجاع المللال ول جللزء منلله ‪ ،‬حللتى تنتهللي‬
‫الخصومة ‪ ،‬وهكذا… في مسلسل طويل من الصور‪.‬‬
‫فللإذا تعللثرت هللذه السللهم‪ ،‬ولللم يتمكللن المسللاهم مللن‬
‫استرداد رأس ماله ول جزٍء منه‪ ،‬مدة سنة أو أكللثر‪ ،‬وكللان‬
‫هذا المال مما تجب فيه الزكاة فللي الصللل‪ ،‬فللإنه يشللكل‬
‫على كثير من المساهمين مللدى وجللوب الزكللاة فللي هللذه‬
‫السهم المتعثرة‪.‬‬
‫المبحث الثاني‬
‫أسباب تعثر السهم‬
‫مما تقدم‪ ،‬يتبين أن لتعثر السهم أسبابا ً عديدةً ‪ ،‬منها ‪:‬‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬توظيللف المللوال فللي جهللات مشللبوهة ل يعلللم بهللا‬
‫المساهم ‪ ،‬كتوظيفها في مجال التسللويق الهرمللي‪ ،‬ونحللو‬
‫ذلك‪ ،‬مما يؤدي في كثير من الحيان إلى تعثر مفللاجئ ‪ ،‬ل‬
‫يعرف سببه‪.‬‬
‫ثانيًا‪ :‬تجميد حسابات الشركة من قبل الجهللات الرسللمية‪،‬‬
‫إما لسباب غير قانونيللة وقعللت فيهللا تلللك الشللركة‪ ،‬وإمللا‬
‫لتظلللم بعللض المسللاهمين لللدى الجهللة المختصللة ضللد‬
‫القائمين على تلك المساهمات بسبب تأخر صرف الرباح‪،‬‬
‫أو عدم التمكللن مللن اسللترداد رأس المللال‪ ،‬لسللباب غيللر‬
‫معروفة لديهم‪.‬‬
‫ثالثًا‪ :‬ظهور خصومة في بعض المساهمات العقارية ‪ -‬مثل ً‬
‫ مما يستدعي إيقاف العمللل فللي تلللك المسللاهمة‪ ،‬حللتى‬‫تفصللل الجهللة القضللائية لصللالح المسللاهمين‪ ،‬أو لصللالح‬
‫المخاصمين في ذلك العقار )محل المساهمة(‪.‬‬
‫المبحث الثالث‬
‫مدى اعتبار القيمة السوقية )‪(12‬للسهم المتعثرة‬

‫‪168‬‬

‫كثير من هذه السللهم المتعللثرة‪ ،‬يبللادر أصللحابها بللالتخلص‬
‫ة لهللذا المبلللغ‪،‬‬
‫ن بخس‪ ،‬إما حاجل ً‬
‫منها‪ ،‬وذلك ببيعها ولو بثم ٍ‬
‫وإمللا خوف لا ً مللن إفلس الشللركة‪ ،‬وربمللا أعلللن عللن هللذه‬
‫السهم المعروضة للبيع في أعمدة الصحف‪ ،‬فيبللادر بعللض‬
‫الناس بشرائها بأقل من قيمتها المدونة في تلك العقود أو‬
‫الصكوك ‪ ،‬طمعا ً في تحصيلها من الجهللة المعني ّللة والظفللر‬
‫بقيمة السهم التي تفوق سعر الشراء‪.‬‬
‫وهذه القيمة السوقية للسهم المتعللثرة ل اعتبللار لهللا فللي‬
‫الشرع ؛ لنها مبنية على الغلرر‪ ،‬وهلو بيلع ملا هلو مجهلول‬
‫العاقبللة )‪ ،(13‬وهللو – هنللا – بيللع مللا هللو مجهللول القللدر ‪،‬‬
‫صللل كامللل قيمللة‬
‫فالمشتري لهذه السهم ل يدري هللل يح ّ‬
‫السهم‪ ،‬أو كامل القيمة مع الربللاح‪ ،‬أو ل يحصللل إل بعللض‬
‫صللله‬
‫القيمة‪ ،‬أو ل يحصل شيئًا‪ ،‬وكذا البللائع ل يللدري مللا يح ّ‬
‫المشتري‪ ،‬وقد )نهى النبي – صلى الله عليه وسلللم ‪ -‬عللن‬
‫بيع الغرر( كما في الحديث الذي رواه مسلم في صللحيحه‬
‫)‪ (14‬عن أبي هريرة – رضي الله عنلله ‪ . -‬وهللذه الصللورة‬
‫من البيع المجهول العاقبة‪ ،‬هي كللبيع العبللد البللق والبعيللر‬
‫الشارد‪ ،‬حيللث يللبيعه صللاحبه بثمللن بخللس‪ ،‬ول يللدري هللل‬
‫يظفر به المشتري‪ ،‬أو ل ‪ ،‬فللإن ظفللر بله غُب ِللن البللائع‪ ،‬وإل‬
‫غُِبن المشتري‪ ،‬كما صرح بذلك شيخ السلم ابللن تيميللة –‬
‫رحملله الللله – فللي قواعللده النورانيللة )‪ ،(15‬حيللث قللال‪:‬‬
‫"والغرر هو المجهول العاقبة‪ ،‬فإن بيعه من الميسللر الللذي‬
‫هو القمار ‪ ،‬وذلك أن العبد إذا أبللق ‪ ،‬أو الفللرس أو البعيللر‬
‫إذا شرد ‪ ،‬فإن صللاحبه إذا بللاعه ‪ ،‬فإنمللا يللبيعه مخللاطرة ‪،‬‬
‫صللل للله قللال‬
‫فيشتريه المشتري بدون ثمنه بكثير‪ ،‬فللإن َ‬
‫ح َ‬
‫صل ‪،‬‬
‫البائع‪ :‬قمرتني‪ ،‬وأخذت مالي بثمن قليل‪ .‬وإن لم يح ُ‬
‫ت الثمللن منللي بل عللوض‪،‬‬
‫قال المشتري‪ :‬قمرتنللي‪ ،‬وأخللذ َ‬
‫فيفضللي إلللى مفسللدة الميسللر الللتي هللي إيقللاع العللداوة‬
‫والبغضاء‪ ،‬مع ما فيه من أكل المال بالباطل‪ ،‬الذي هو نوع‬
‫من الظلم" أهل‪ .‬وما ذكره شيخ السلم – رحمه الله – هو‬
‫واقع بعينه في بيع مثل هذه السهم المتعثرة‪ ،‬وعلى هللذا‪،‬‬
‫فل يصح القول بإخراج الزكاة وفق هللذه القيمللة الللتي لللم‬
‫يعتبرها الشارع‪ ،‬والله تعالى أعلم ‪.‬‬
‫‪169‬‬

‫الفصل الثاني‬
‫حكم زكاة السهم المتعثرة‬
‫وفيه تمهيد‪ ،‬ومبحثان‪:‬‬
‫التمهيد‪:‬‬
‫هللذه السللهم المتعللثرة تختلللف مللن حيللث كونهللا مرجللوة‬
‫الحصول‪ ،‬أول‪ ،‬وذلك أن بعض المساهمات المتعثرة يتوقللع‬
‫أصحابها أن ينتهي التعثر في مدة سللنتين أو أقللل أو أكللثر‪،‬‬
‫ويرجع لهم رأس المال أو بعضلله‪ ،‬وبعضللها الخللر ل يتوقللع‬
‫أصللحابها أن ينتهللي التعللثر ول فللي مللدة عشللرين سللنة‬
‫للظللروف المحيطللة بالقضللية ‪ ،‬وربمللا يقطللع البعللض مللن‬
‫المساهمين بعدم إمكللان الحصلول علللى شلليء مللن رأس‬
‫المال‪ ،‬فالحال الولى يمكن تخريجهللا علللى ديللن المعسللر‬
‫والمماطل‪ ،‬وهو ما كللان مرجللو الحصللول ولللو بعللد زمللن‪،‬‬
‫ضمار‪ ،‬وهللو مللا‬
‫والحال الثانية يمكن تخريجها على المال ال ّ‬
‫ل يرجللى حصللوله‪ ،‬كالمللال المغصللوب والمسللروق‪ ،‬ونحللو‬
‫ذلك‪ ،‬وعلللى هللاتين الحللالتين جللرى تخريللج هللذه المسللألة‬
‫المعاصرة ‪ ،‬ولكل حالة مبحث خاص‪ ،‬فإلى المبحث الول‪.‬‬
‫المبحث الول‬
‫التخريج على زكاة دين المعسر والمماطل‬
‫وفيه ثلثة مطالب‪:‬‬
‫المطلب الول‪ :‬مفهوم العسار‪ ،‬والمماطلة‪:‬‬
‫سر‪ ،‬وهو ضللد اليسللر‪،‬‬
‫أما العسار ‪ ،‬فهو في اللغة‪ :‬من العُ ْ‬
‫سر المر‪ ،‬وتعاسر‪ ،‬واستعسر‪ :‬إذا اشتد والتللوى ‪.‬‬
‫يقال‪ :‬تع ّ‬
‫سرة‪ :‬هي الضلليق وقلللة ذات‬
‫وأعسر‪ :‬إذا افتقر )‪ .(16‬والعُ ْ‬
‫اليد )‪.(17‬‬
‫وهو في الصطلح‪ :‬عدم قللدرة المللرء علللى أداء مللا عليلله‬
‫من مال )‪.(18‬‬
‫م ْ‬
‫طللل‪ ،‬وهللو‬
‫وأمللا المماطلللة ‪ ،‬فهللي فللي اللغللة‪ :‬مللن ال َ‬
‫مط ْ ً‬
‫وفه بوعد الوفاء‬
‫التسويف ‪ ،‬يقال‪ :‬مطله بدينه َ‬
‫ل‪ :‬إذا س ّ‬
‫مرةً بعد أخرى )‪.(19‬‬
‫وهي في الصطلح ‪ :‬ل تخرج عللن معناهللا اللغللوي‪ ،‬فهللي‪:‬‬
‫إطالة المدافعة عن أداء الحق‪ ،‬وهي غالبا ً ما تطلللق علللى‬
‫مطل الموسر‪ ،‬القادر على قضاء الدين‪ ،‬بل عذر )‪.(20‬‬
‫‪170‬‬

‫المطلب الثاني‪ :‬حكم زكاة دين المعسر‪ ،‬والمماطل‪:‬‬
‫اختلف العلماء في الدين إذا كان على معسللر أو مماطللل‪،‬‬
‫هل تجب زكاته على الدائن‪ ،‬أو ل؟ على ثلثة أقوال‪:‬‬
‫القول الول‪ :‬أنه تجب فيه الزكاة ‪ ،‬فيزكيلله إذا قبضلله لمللا‬
‫مضى‪ ،‬وهلذا هللو ملذهب الحنفيللة )‪ ،(21‬والشلافعية علللى‬
‫القول الجديد وهللو المللذهب )‪ ،(22‬والحنابلللة علللى روايللة‬
‫وهي الصحيح من المذهب )‪ ،(23‬وهو قول الثوري ‪ ،‬وأبللي‬
‫عبيد )‪.(24‬‬
‫القول الثاني‪ :‬أنه يزكيه إذا قبضه لسلنة واحلدة‪ ،‬وهلذا هلو‬
‫مللذهب المالكيللة )‪ ،(25‬وهللو قللول عمللر بللن عبللدالعزيز ‪،‬‬
‫والحسن‪ ،‬والليث‪ ،‬والوزاعي )‪.(26‬‬
‫القول الثللالث‪ :‬أنلله ل تجللب فيلله الزكللاة بحللال‪ ،‬وهللذا هللو‬
‫القول القديم للشافعية )‪ ،(27‬ورواية عنللد الحنابلللة )‪،(28‬‬
‫وهو قول قتادة ‪ ،‬وإسحاق ‪ ،‬وأبي ثور )‪.(29‬‬
‫الدلة ‪:‬‬
‫أ – استدل أصحاب القول الول بما يأتي‪:‬‬
‫)‪ (1‬ما رواه ابن أبي شيبة )‪ ،(30‬وأبوعبيد )‪ ،(31‬عن علي‬
‫– رضي الله عنه ‪) :-‬أنه سئل عن الرجل يكللون للله الللدين‬
‫المظنون‪ ،‬أيزكيه؟ فقال‪ :‬إن كان صادقا ً فليزكه لما مضللى‬
‫إذا قبضه( ‪.‬‬
‫)‪ (2‬ما رواه أبو عبيللد )‪ ،(32‬عللن ابللن عبللاس رضللي الللله‬
‫عنهما أنه قال في الدين‪) :‬إذا لم ترج أخذه فل تزكه حللتى‬
‫تأخذه ‪ ،‬فإذا أخذته فزك عنه ما عليه(‪.‬‬
‫)‪ (3‬أن الدائن هللو المالللك الحقيقللي للمللال‪ ،‬فيجللب عليلله‬
‫زكاته كما لو كان المال عنللد مليللء بللاذل )‪ ،(33‬وكمللا لللو‬
‫كان وديعة )‪.(34‬‬
‫مناقشة أدلة هذا القول‪:‬‬
‫يجاب عما استدلوا به بما يأتي ‪:‬‬
‫‪ – 1‬أمللا أثللر علللي – رضللي الللله عنلله ‪ -‬فيجللاب عنلله مللن‬
‫وجهين‪:‬‬
‫الول‪ :‬أن هذا القول عن علي – رضي الله عنلله ‪ -‬مخللالف‬
‫لعموم النصوص الشرعية ‪ ،‬الدالة على أن الزكاة ل تجللب‬
‫إل على رب المال – وهو هنا مللن هللو فللي ملكلله – ومنهللا‬
‫‪171‬‬

‫خذ ْ م َ‬
‫م وَت َُز ّ‬
‫م‬
‫صلد َقَ ً‬
‫كيهِ ل ْ‬
‫ة ت ُط َهُّرهُ ل ْ‬
‫وال ِهِ ْ‬
‫نأ ْ‬
‫م َ‬
‫مل َ‬
‫قوله تعالى ‪ْ ِ ُ " :‬‬
‫ب َِها" )‪ (35‬ولذا قال ابن حزم في المحلى )‪" :(36‬إذا خرج‬
‫الدين عن ملك الذي استقرضه ‪ ،‬فهو معدوم عنده – يعني‬
‫الدائن – ومللن الباطللل المللتيقن أن يزكللي عللن ل شلليء ‪،‬‬
‫وعما ل يملك‪ ،‬وعن شيء لو سرقه قطعت يده؛ لنلله فللي‬
‫ملك غيره" أ‪.‬هل‪.‬‬
‫الثللاني‪ :‬أنلله جللاء عللن بعللض الصللحابة قللول مخللالف لهللذا‬
‫الرأي‪ ،‬حيللث روي عللن عائشللة – رضللي الللله عنهللا – أنهللا‬
‫قالت‪) :‬ليس في الدين زكاة( )‪ (37‬يعنللي‪ :‬مطلق لًا‪ ،‬سللواء‬
‫كان على مليء أو على معسر أو مماطل ‪ ،‬كما حكاه عنها‬
‫ وعللن ابللن عمللر أيضلا ً ‪ -‬ابللن قدامللة فللي المغنللي )‪،(38‬‬‫وعليه فل يجب الخذ بقول علي – رضي الله عنه ‪.-‬‬
‫‪ – 2‬وأما أثر ابن عباس – رضي الله عنهما – فيجللاب عنلله‬
‫بما أجيب به أثللر علللي – رضللي الللله عنلله ‪ ، -‬وأيضلا ً فللإنه‬
‫ضعيف‪ ،‬كما في الرواء )‪.(39‬‬
‫‪ – 3‬ويجللاب عللن القيللاس علللى المليللء البللاذل‪ ،‬وعلللى‬
‫الوديعة‪ ،‬بأنه قياس مع الفارق‪ ،‬فالمال الللذي عنللد الملللي‪،‬‬
‫والمال المودع‪ ،‬هو بمنزلة ما في يده )‪ ،(40‬فيمكنه أخللذه‬
‫والتصللرف فيلله‪ ،‬وهللذا بخلف الللدين الللذي عنللد المعسللر‬
‫والمماطل‪ ،‬فربما يحاول تخليصه منه سنين‪ ،‬ول يقدر على‬
‫ذلك‪ ،‬وبهذا يتضح الفرق بين المسألتين‪.‬‬
‫ب – استدل أصحاب القول الثاني‪ :‬بأن المال كان فللي يللد‬
‫الدائن أول الحول‪ ،‬ثم حصل بعد ذلك في يده‪ ،‬فللوجب أن‬
‫ل تسقط الزكاة عن حول واحد )‪.(41‬‬
‫مناقشة دليل هذا القول ‪:‬‬
‫يجاب عنه بأن هذا المال قد انقطع حوله بانتقللاله مللن يللد‬
‫الدائن إلى يد المدين‪ ،‬فهو كما لو خرج من يللده بهبللة – أو‬
‫نحوها – ثم عاد إليه ‪ ،‬فللإنه ينقطللع حللوله – قللول ً واحللدا ً –‬
‫لخروجه عن ملكلله ‪ ،‬فكللذا هنللا ‪ ،‬وكمللا لللو نقللص النصللاب‬
‫جد في بعللض الحللول‬
‫أيضًا؛ فالمانع من وجوب الزكاة إذا وُ ِ‬
‫فإنه يمنع ‪ .‬وأيضا ً فإن هذا المال في جميللع العللوام علللى‬
‫ل واحللد‪ ،‬فللوجب أن يتسللاوى فللي وجللوب الزكللاة أو‬
‫حللا ٍ‬
‫سقوطها كسائر الموال )‪.(42‬‬
‫‪172‬‬

‫ج – استدل أصحاب القول الثالث بما يأتي‪:‬‬
‫‪ – 1‬أن هذا المال الواقع فللي يللد المعسللر والمماطللل قللد‬
‫خرج مللن ملللك الللدائن إلللى ملللك المللدين‪ ،‬ومللن شللروط‬
‫وجوب الزكاة ‪ :‬أن يكون المال مملوكا ً ملكا ً تاما ً لصللاحبه‪،‬‬
‫وعليه فل يتوجه القول بوجوب الزكاة عليه‪.‬‬
‫‪ – 2‬أن هذا المال غير مقدور على النتفاع به‪ ،‬فأشبه ديللن‬
‫المكاتب )‪.(43‬‬
‫‪ – 3‬أن الزكاة إنما تجب في المللال النللامي أو فللي المللال‬
‫الذي يمكن تنميته‪ ،‬والدين الذي على المعسللر والمماطللل‬
‫م‪ ،‬فلم تجب زكاته‪ ،‬كعروض الُقْنية )‪.(44‬‬
‫غير نا ٍ‬
‫الترجيح‪:‬‬
‫وبعد عرض القوال‪ ،‬والدلة‪ ،‬ومناقشللة أدلللة القللول الول‬
‫والثلاني‪ ،‬يتلبين رجحلان القلول الثلالث وهلو علدم وجلوب‬
‫الزكاة في دين المعسر والمماطل ؛ لقوة ما استدلوا بلله ‪،‬‬
‫ولن المال إذا خرج من ملك صاحبه فالصللل بللراءة ذمتلله‬
‫من زكاته‪ ،‬فل يقال بالوجوب إل بدليل ظاهر‪ ،‬ول دليل هنللا‬
‫ينقل عن البراءة‪ ،‬وأيضا ً فإنه يلزم مللن القللول بللالوجوب ‪،‬‬
‫القول بللالزدواج فلي إيجلاب الزكلاة‪ ،‬بحيلث تلللزم اللدائن‬
‫والمدين‪ ،‬وهذا لزم باطل؛ لنه يلؤدي إللى إيجلاب زكلاتين‬
‫ل واحد‪ ،‬وهذا القول رجحه شيخ السلم ابللن تيميللة‬
‫في ما ٍ‬
‫)‪ ،(45‬وصدر به قرار مجمللع الفقلله السلللمي فللي دورتلله‬
‫الثانية )‪ ،(46‬والله تعالى أعلم ‪.‬‬
‫المطلب الثالث ‪:‬‬
‫التخريج ‪:‬‬
‫مما تقدم يتبين أن هذه السهم المتعثرة إذا كانت مرجللوة‬
‫الحصول خلل سنين قليلة‪ ،‬فإنه يكون حكم زكاتهلا كزكلاة‬
‫الللدين الللذي علللى المعسللر والمماطللل ‪ ،‬وعلللى القللول‬
‫الراجح‪ ،‬فإنه إذا انفك التعثر ‪ ،‬وعادت السهم إلى أربابهللا‪،‬‬
‫فإنه يستأنف بها المساهم حو ً‬
‫ل‪ ،‬ول تجب الزكاة فيهللا لمللا‬
‫مضى‪ ،‬والله تعالى أعلم‪.‬‬
‫المبحث الثاني‬
‫ضمار‬
‫التخريج على زكاة المال ال ّ‬
‫وفيه ثلثة مطالب‪:‬‬
‫‪173‬‬

‫ضمار ‪:‬‬
‫المطلب الول‪ :‬مفهوم المال ال ّ‬
‫مار في اللغة‪ :‬هو الغائب الذي ل يرجى عللوده )‬
‫المال ال ِ‬
‫ض َ‬
‫‪ ،(47‬وأصله من الضمار ‪ ،‬وهلو التغيلب والختفلاء ‪ ،‬ومنله‬
‫الضمير ‪ ،‬وهو السللر وداخللل الخللاطر‪ ،‬يقللال‪ :‬أضللمره‪ :‬إذا‬
‫أخفاه )‪.(48‬‬
‫وهو في الصطلح ل يخرج عن معنللاه اللغللوي‪ ،‬فهللو‪ :‬كللل‬
‫ب ل يرجى حصوله )‪ ،(49‬مع قيام أصللل الملللك ‪،‬‬
‫ل غائ ٍ‬
‫ما ٍ‬
‫كالمال المغصوب‪ ،‬والمفقود‪ ،‬والمسروق‪ ،‬والمجحود – إذا‬
‫لم يكن للمالك بينة – وكالمال المللودع عنللد مللن ل يعرفلله‬
‫إذا نسي شخصه سنين‪ ،‬وكالمال الللذي انللتزعه السلللطان‬
‫قهرا ً من صاحبه… )‪(50‬الخ ‪.‬‬
‫المطلب الثاني‪ :‬حكم زكاة المال الضمار‪:‬‬
‫اختلف العلماء في حكم زكاة المال الضللمار‪ ،‬فللي الفللترة‬
‫الميؤوس فيها من عوده لصاحبه ‪ ،‬على ثلثة أقوال‪:‬‬
‫القول الول‪ :‬أنه ل تجب فيه الزكاة بحال‪ ،‬وهذا هو مذهب‬
‫الحنفية )‪ ،(51‬والقول القديم عند الشافعية )‪ ،(52‬وروايللة‬
‫عند الحنابلة )‪ ،(53‬وهو قول الليث )‪.(54‬‬
‫القول الثاني‪ :‬أنه يزكيه إذا قبضه لسلنة واحلدة‪ ،‬وهلذا هلو‬
‫ملللذهب المالكيلللة )‪ ،(55‬وهلللو قلللول عطلللاء‪ ،‬والحسلللن‪،‬‬
‫والوزاعي )‪.(56‬‬
‫القول الثالث‪ :‬أنه تجب فيه الزكاة ‪ ،‬فيزكيه إذا قبضلله لمللا‬
‫مضى ‪ ،‬وهذا هو مذهب الشافعية على القول الجديد وهللو‬
‫الظهر عندهم )‪ ،(57‬وهو الصحيح مللن مللذهب الحنابلللة )‬
‫‪ ،(58‬وهو قول الثوري ‪ ،‬وزفر )‪.(59‬‬
‫الدلة ‪:‬‬
‫أ – استدل أصحاب القول الول بما يأتي ‪:‬‬
‫‪ – 1‬ظواهر النصوص الشرعية الدالة على أن الزكاة تؤخذ‬
‫خللذ ْ‬
‫من المال الذي تحت يد مالكه ‪ ،‬ومنها قوله تعللالى ‪ُ " :‬‬
‫م َ‬
‫صلد ََقة" )‪ (60‬وهللذا المللال الضللمار مفقللود‪،‬‬
‫وال ِهِ ْ‬
‫نأ ْ‬
‫م َ‬
‫مل َ‬
‫ِ ْ‬
‫فكيف يؤمر بإخراج زكاته ‪.‬‬
‫‪ – 2‬مللا روي عللن علللي – رضللي الللله عنلله ‪ -‬موقوفللًا‪،‬‬
‫ومرفوعا ً إلى رسول الله – صللى اللله عليله وسللم ‪ -‬أنله‬
‫قال‪) :‬ل زكاة في مال الضمار( )‪.(62) (61‬‬
‫‪174‬‬

‫‪ – 3‬أنه مال خرج عن يده وتصللرفه‪ ،‬وصللار ممنوع لا ً منلله‪،‬‬
‫فلم يلزمه زكاته‪ ،‬كمال المكاتب ‪ ،‬فإنه ل تجب فيه الزكاة‬
‫على السيد )‪.(63‬‬
‫‪ – 4‬أن كل ما استقر في ذمة غيللر المالللك‪ ،‬فللإنه ل زكللاة‬
‫فيه ‪ ،‬وإل لزم منلله أن يزكللى عمللا فللي ذمللة الغيللر ‪ ،‬وهللو‬
‫خلف القياس )‪.(64‬‬
‫‪ – 5‬أن الزكاة إنما تجب في المال النامي وما في حكمه ‪،‬‬
‫وهذا المال الضمار ليس بنام ٍ ‪ ،‬فل تجب زكاته )‪.(65‬‬
‫ب – استدل أصحاب القول الثاني بما يأتي ‪:‬‬
‫‪ – 1‬ما رواه ابن أبي شليبة )‪ ،(66‬عللن عملرو بللن ميملون‬
‫قال‪) :‬أخذ الوالي في زمن عبدالملك مال رجللل مللن أهللل‬
‫الرقة – يقال له أبو عائشة – عشرين ألف لًا‪ ،‬فللأدخلت فللي‬
‫بيت المال‪ ،‬فلما ولي عمر بن عبدالعزيز أتاه ولده فرفعوا‬
‫مظلمتهم إليه‪ ،‬فكتب إلى ميمون ‪ :‬ادفعوا إليهم أموالهم ‪،‬‬
‫وخذوا زكاة عامه هذا‪ ،‬فلو أنه كان مال ً ضمارا ً أخللذنا منلله‬
‫زكاة ما مضى( وفي لفظ له )‪) :(67‬أن رجل ً ذهب له مال‬
‫في بعض المظالم ‪ ،‬ووقع في بيت المال‪ ،‬فلما ولللي عمللر‬
‫بن عبدالعزيز‪ ،‬رفع إليه‪ ،‬فكتب عمر‪ :‬أن ادفعوا إليه وخذوا‬
‫منه زكاة ما مضى‪ ،‬ثم أتبعهم بعد بكتاب‪ :‬أن ادفعللوا إليلله‪،‬‬
‫ثم خذوا منه زكاة ذلك العام‪ ،‬فإنه كان مال ً ضمارًا(‪.‬‬
‫‪ – 2‬واستدلوا أيضا ً ‪ :‬بدليلهم السابق في زكاة الدين الذي‬
‫على المعسر )‪.(68‬‬
‫مناقشة أدلة هذا القول‪:‬‬
‫‪ – 1‬أمللا أثللر عمللر بللن عبلدالعزيز ‪ -‬رحملله اللله – فيجلاب‬
‫عنه ‪ :‬بأنه اجتهاد منه يخالف مللا تقتضلليه عمللوم النصللوص‬
‫الشرعية الدالة على أن الزكاة إنما تؤخذ من الموال التي‬
‫تحت يدأربابها‪،‬والقاعدة الشرعية‪:‬أنه ل اجتهللاد فللي مللورد‬
‫النص‪.‬‬
‫‪ – 1‬ويجاب عن دليلهم الثاني بما أجيب به فللي المناقشللة‬
‫السابقة لهذا الدليل )‪.(69‬‬
‫ج – استدل أصحاب القول الثالث‪:‬‬
‫ُ‬
‫‪ – 1‬أن ملكه عليلله تللام‪ ،‬فلزمتلله زكللاته ‪ ،‬كمللا لللو أسللر أو‬
‫حبس وحيل بينه وبين ماله )‪.(70‬‬
‫ُ‬
‫‪175‬‬

‫‪ – 2‬أنه يثاب عليه ويؤجر فيه إن ذهب‪ ،‬فكذا تلزمه زكللاته‬
‫)‪.(71‬‬
‫‪ – 3‬واستدلوا أيضا ً ‪ :‬بأدلتهم السابقة في زكاة الدين الذي‬
‫على المعسر )‪.(72‬‬
‫مناقشة أدلة هذا القول‪:‬‬
‫‪ – 1‬أما قياس المال الضمار على ما لو أسر أو حبس عن‬
‫ماله‪ ،‬فهو قياس مع الفللارق‪ ،‬وذلللك أن محللل الزكللاة فللي‬
‫المال الضمار مفقود‪ ،‬وهو المال – محل الوجوب – فكيف‬
‫ل ل وجود له ؟ كما أن مللن شللروط وجللوب‬
‫يخرج زكاة ما ٍ‬
‫الزكاة المللك التللام للملال‪ ،‬وهللو غيللر متحقلق هنلا‪ ،‬وهللذا‬
‫بخلف ما لو حبس ‪ ،‬فالمال موجود ومملللوك ‪ ،‬ولكنلله لللم‬
‫يتمكن من النتفاع به لسللبب خللارجي ‪ ،‬كمللا لللو مللرض أو‬
‫سافر فلم يتمكن من النتفاع بله حللال مرضلله أو سللفره ‪،‬‬
‫فإنه يلزمه زكاته ‪.‬‬
‫‪ – 2‬وأما الثواب والجر علللى ذهللاب المللال‪ ،‬فللإنه ل يلللزم‬
‫منلله وجللوب الزكللاة؛ إذ ل تلزم بيللن المريللن‪ ،‬فللالجر‬
‫والثواب بابه واسع ‪ ،‬وأما الزكللاة فلهللا شللروط ل تجللب إل‬
‫بتحققها ‪.‬‬
‫ويجاب عن أدلتهم السللابقة بمللا أجيللب بلله فللي المناقشللة‬
‫السابقة لهذه الدلة )‪.(73‬‬
‫الترجيح ‪:‬‬
‫وبعللد عللرض القللوال ‪ ،‬والدلللة ‪ ،‬ومناقشللة أدلللة القللول‬
‫الثللاني‪ ،‬والثللالث‪ ،‬يتللبين رجحللان القللول الول‪ ،‬وهللو عللدم‬
‫وجوب الزكاة في المال الضللمار؛ لقللوة مللا اسللتدلوا بلله ‪،‬‬
‫ولنه القول الذي يتفق مع أصلل بلراءة الذملة ملن الملال‬
‫الخارج عن ملك صاحبه‪ ،‬ويتفق أيضا ً مع مقاصللد الشللريعة‬
‫مللن رفللع الحللرج عللن المكلللف ‪ ،‬حيللث ل يكل ّللف المسلللم‬
‫بإخراج زكاة مال ليس في ذمته‪ ،‬بل هللو فللي ذمللة غيللره‪،‬‬
‫كما ينسجم مع مقصللد التيسللير الللذي جللاءت بلله شللريعتنا‬
‫الغراء‪ ،‬والله تعالى أعلم‪.‬‬
‫المطلب الثالث‪:‬‬
‫التخريج‪:‬‬

‫‪176‬‬

‫ممللا تقللدم يتللبين أن هللذه السللهم المتعللثرة إذا لللم تكللن‬
‫مرجوة الحصول‪ ،‬بمعنى أنه ميؤوس مللن تحصلليلها ‪ ،‬فللإنه‬
‫يكللون حكلم زكاتهللا كزكلاة المللال الضلمار‪ ،‬وعلللى القلول‬
‫الراجح ‪ ،‬فإنه إذا انفك التعثر‪ ،‬وعادت السهم إلى أربابها ‪،‬‬
‫فإنه يستأنف بها المساهم حو ً‬
‫ل‪ ،‬ول تجب الزكاة فيهللا لمللا‬
‫مضى‪ ،‬والله تعالى أعلم‪.‬‬
‫الخاتمة‬
‫وتشتمل على ملخص لهم نتائج البحث‪ ،‬فأقول‪:‬‬
‫تلخص مما تقدم‪ ،‬أن تعثر السهم أصبح ظاهرة في واقعنا‬
‫المعاصر‪ ،‬لسباب كثيرة‪ ،‬منها‪ :‬كثرة الخصللومات العقاريللة‬
‫التي تطال بعض المساهمات فتتعثر بسببها ‪ ،‬ومنهللا كللثرة‬
‫الشللركات المسللاهمة الللتي ل تلللتزم بالنظمللة الماليللة‬
‫والمحاسبية‪ ،‬مع ضعف الديانة وقلة المانة – إل مللن رحللم‬
‫الله – فساهم هذا الواقع في ظهلور ملا يمكلن أن يسلمى‬
‫بالسللهم المتعللثرة‪ ،‬أو بالمسللاهمات المتعللثرة‪ ،‬ومللع هللذا‬
‫الواقع فقد أشكل على كللثيرين مللدى وجللوب الزكللاة فللي‬
‫هذه السهم‪ ،‬وبالنظر إلللى كلم الفقهللاء المتقللدمين فللإنه‬
‫يمكن تخريج هذه المسألة علللى مسللألة الزكللاة فللي ديللن‬
‫المعسر والمماطل‪ ،‬ومسللألة الزكللاة فللي المللال الضللمار‪،‬‬
‫وعلى هذا ‪ ،‬فإنه إذا كانت هللذه السللهم المتعللثرة مرجللوة‬
‫الحصول ‪ ،‬فإنها تخرج على زكاة دين المعسر والمماطللل‪،‬‬
‫وتبين بعد عرض الخلف في هذه المسألة أن الراجح‪ :‬هللو‬
‫أن الدين الذي علللى المعسللر والمماطللل ل يزكللى‪ ،‬وإنمللا‬
‫يستأنف به الدائن حو ً‬
‫ل‪ ،‬فكذا هنا فللي السللهم المتعللثرة ‪.‬‬
‫أما إذا كانت هذه السهم غير مرجوة الحصول أو ميللؤوس‬
‫منها‪ ،‬فإنها تخرج على زكاة المال الضمار‪ ،‬وقللد تللبين بعللد‬
‫عرض الخلف في هذه المسألة أن الراجح هللو‪ :‬أن المللال‬
‫الضمار ل يزكى ‪ ،‬وإنما يستأنف به مالكه حللو ً‬
‫ل‪ ،‬فكللذا هنللا‬
‫في السهم المتعثرة ‪ ،‬فإنه يستأنف بها المساهم حو ً‬
‫ل‪ ،‬ول‬
‫يزكي لما مضى ‪.‬‬
‫أما ما يثار بأن هللذه السللهم المتعللثرة لهللا قيمللة سللوقية‪،‬‬
‫وبالتالي فإنه يجب أن تزكى وفق هذه القيمة ‪ ،‬فقلد تقللرر‬
‫في ثنايا البحث أن هذه القيمة السوقية ل اعتبار لهللا عنللد‬
‫‪177‬‬

‫الشارع؛ لنها مبنية على الغرر والغبن‪ ،‬وعليه فل يصح هذا‬
‫القول‪ ،‬والله تعالى هو الموفق والهادي ‪.‬‬
‫فهرس المصادر والمراجع‬
‫)‪ (1‬القرآن الكريم‪.‬‬
‫)‪ (2‬صحيح مسلم‪ ،‬للمام مسلم بن الحجاج القشيري‪ ،‬دار‬
‫الحديث‪ ،‬الطبعة الولى‪1412 ،‬هل‪.‬‬
‫)‪ (3‬إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السللبيل‪ ،‬لمحمللد‬
‫بن ناصر الدين اللباني‪.‬‬
‫)‪ (4‬أبحاث فقهية في قضايا الزكاة المعاصرة ‪ ،‬لمحمد بن‬
‫سليمان الشللقر وآخللرون‪ ،‬دار النفللائس‪ ،‬الطبعللة الولللى‪،‬‬
‫‪1418‬هل‪.‬‬
‫)‪ (5‬السللهم والسللندات وأحكامهللا فللي الفقلله السلللمي‪،‬‬
‫لحمد بن محمد الخليل‪ ،‬دار ابن الجوزي‪1424 ،‬هل‪.‬‬
‫)‪ (6‬المللوال لبللي عبيللد القاسللم بللن سلللم ‪ ،‬دار الفكللر‪،‬‬
‫‪1408‬هل‪.‬‬
‫)‪ (7‬النصاف في معرفة الراجح مللن الخلف )مللع الشللرح‬
‫الكبير( للمرداوي علي بن سللليمان بللن أحمللد ‪ ،‬دار هجللر‪،‬‬
‫الطبعة الولى‪1415 ،‬هل‪.‬‬
‫)‪ (8‬الستذكار لبن عبلدالبر يوسلف بلن عبلدالله النملري‪،‬‬
‫دار الكتب العلمية‪ ،‬الطبعة الولى‪2000 ،‬م ‪.‬‬
‫)‪ (9‬بللدائع الصللنائع فللي ترتيللب الشللرائع للكاسللاني علء‬
‫الدين أبي بكر بللن مسللعود‪ ،‬دار الكتللاب العربللي‪ ،‬الطبعللة‬
‫الثانية‪1402 ،‬هل‪.‬‬
‫)‪ (10‬الدراية في تخريج أحاديث الهداية لبللن حجللر أحمللد‬
‫بن علي العسقلني‪ ،‬دار المعرفة ‪.‬‬
‫)‪ (11‬روضة الطالبين وعمللدة المفللتين للنللووي يحيللى بللن‬
‫زكريا‪ ،‬المكتب السلمي‪ ،‬الطبعة الثانية‪1405 ،‬هل‪.‬‬
‫)‪ (12‬الشرح الكبير لبي الفرج عبدالرحمن بن محمللد بللن‬
‫أحمللد بللن قدامللة المقدسللي‪ ،‬دار هجللر‪ ،‬الطبعللة الولللى‪،‬‬
‫‪1415‬هل‪.‬‬
‫)‪ (13‬طلبة الطلبة في الصطلحات الفقهية للنسفي أبللي‬
‫حفللص عمللر بللن محمللد‪ ،‬دار النفللائس‪ ،‬الطبعللة الولللى‪،‬‬
‫‪1416‬هل‪.‬‬
‫‪178‬‬

‫)‪ (14‬الغللرر وأثللره فللي العقللود فللي الفقلله السلللمي‪،‬‬
‫للصديق محمد المين الضرير‪ ،‬دار الجيل‪ ،‬الطبعللة الثانيللة‪،‬‬
‫‪1410‬هل‪.‬‬
‫)‪ (15‬فتللح القللدير لبللن الهمللام محمللد بللن عبدالواحللد‬
‫السكندري‪ ،‬دار إحياء التراث العربي‪ ،‬ودار الكتب العلمية‪.‬‬
‫)‪ (16‬فتوى جامعللة فللي زكللاة العقللار ‪ ،‬لبكللر بللن عبللدالله‬
‫أبوزيد‪ ،‬دار العاصمة‪ ،‬الطبعة الولى‪1421 ،‬هل‪.‬‬
‫)‪ (17‬القاموس المحيط للفيروزآبادي محمللد بللن يعقللوب‪،‬‬
‫مؤسسة الرسالة‪ ،‬الطبعة السادسة‪1419 ،‬هل‪.‬‬
‫)‪ (18‬القواعد النورانية الفقهية )الكلية( ‪ ،‬لبن تيمية أحمد‬
‫بن عبدالحليم بن عبدالسلم‪ ،‬مكتبة التوبة‪ ،‬الطبعة الولى‪،‬‬
‫‪1423‬هل‪.‬‬
‫)‪ (19‬القللوانين الفقهيللة لبللن جللزي محمللد بللن أحمللد بللن‬
‫محملللد الكللللبي‪ ،‬دار الكتلللاب العربلللي‪ ،‬الطبعلللة الثانيلللة‪،‬‬
‫‪1409‬هل‪.‬‬
‫)‪ (20‬الكافي في فقه أهل المدينة المالكي‪ ،‬لبن عبللدالبر‬
‫يوسللف بللن عبللدالله بللن محمللد النمللري‪ ،‬مكتبللة الريللاض‬
‫الحديثة‪ ،‬الطبعة الثالثة‪1406 ،‬هل‪.‬‬
‫)‪ (21‬لسللان العللرب ‪ ،‬لبللن منظللور محمللد بللن مكللرم‬
‫الفريقي‪ ،‬دار صادر‪ ،‬الطبعة الولى‪.‬‬
‫)‪ (22‬مجلللة مجمللع الفقلله السلللمي‪ ،‬التابعللة لمنظمللة‬
‫المؤتمر السلللمي‪ ،‬العللدد الثللاني الصللادر عللام ‪1407‬هللل‪،‬‬
‫والعدد الرابع‪ ،‬الصادر عام ‪1408‬هل‪.‬‬
‫)‪ (23‬مجمع النهر في شرح ملتقى البحللر لللداماد افنللدي‬
‫عبدالله بن محمد بن سليمان‪ ،‬دار إحياء التراث العربي‪.‬‬
‫)‪ (24‬مجموع فتاوى وبحوث ‪ ،‬لعبدالله بن سليمان المنيع‪،‬‬
‫دار العاصمة ‪ ،‬الطبعة الولى‪1420 ،‬هل‪.‬‬
‫)‪ (25‬مختصر الطحاوي‪ ،‬لبي جعفر أحمللد بللن محمللد بللن‬
‫سلمة‪ ،‬لجنللة إحيللاء المعللارف النعمانيللة بحيللدرآباد الللدكن‬
‫بالهند‪.‬‬
‫)‪ (26‬المصباح المنير في غريب الشللرح الكللبير‪ ،‬للفيللومي‬
‫أحمللد بللن محمللد بللن علللي‪ ،‬دار الكتللب العلميللة‪ ،‬الطبعللة‬
‫الولى‪1414 ،‬هل‪.‬‬
‫‪179‬‬

‫)‪ (27‬المصنف لبن أبي شيبة أبي بكر عبدالله بللن محمللد‬
‫الكوفي‪ ،‬مكتبة الرشد‪ ،‬الطبعة الولى‪1409 ،‬هل‪.‬‬
‫)‪ (28‬معجم المصللطلحات القتصللادية فللي لغللة الفقهللاء ‪،‬‬
‫لنزيلله حمللاد‪ ،‬الللدار العالميللة للكتللاب السلللمي ‪ ،‬الطبعللة‬
‫الثالثة‪1415 ،‬هل‪.‬‬
‫)‪ (29‬معجللم مقللاييس اللغللة‪ ،‬لبللن فللارس أبللي الحسللين‬
‫أحمد‪ ،‬دار الفكر‪1399 ،‬هل‪.‬‬
‫)‪ (30‬المعونلللة عللللى ملللذهب علللالم المدينلللة للقاضلللي‬
‫عبدالوهاب البغدادي‪ ،‬دار الفكر‪.‬‬
‫)‪ (31‬المغني ‪ ،‬لبن قدامة أبي محمد عبدالله بن أحمد بن‬
‫محمد المقدسي‪ ،‬دار هجر‪ ،‬الطبعة الثانية‪1412 ،‬هل‪.‬‬
‫)‪ (32‬مغني المحتللاج إلللى معرفللة معللاني ألفللاظ المنهللاج‬
‫للشربيني محمد الخطيب‪ ،‬دار الفكر‪.‬‬
‫)‪ (33‬مواهب الجليل لشرح مختصر خليل للح ّ‬
‫طاب محمللد‬
‫بن محمد بللن عبللدالرحمن المغربللي‪ ،‬دار الفكللر ‪ ،‬الطبعللة‬
‫الثالثة‪1412 ،‬هل‪.‬‬
‫)‪ (34‬نصللب الرايللة للزيلعللي عبللدالله بللن يوسللف ‪ ،‬دار‬
‫الحديث‪1357 ،‬هل‪.‬‬
‫)‪ (35‬الهدايللة شللرح بدايللة المبتللدي )مللع فتللح القللدير(‬
‫للمرغيناني أبي الحسن علي بن عبدالجليل الرشداني‪ ،‬دار‬
‫إحياء التراث العربي‪ ،‬ودار الكتب العلمية‪.‬‬
‫)‪ (1‬المصباح المنير ص ‪ ،254‬مادة )زكى(‪.‬‬
‫)‪. 4/5 (2‬‬
‫)‪ (3‬سورة الصافات ‪ ،‬آية )‪.(141‬‬
‫)‪ (4‬معجم مقاييس اللغة ‪ ،3/111‬مللادة )سللهم( وانظللر ‪:‬‬
‫المصباح المنير ص ‪ ،293‬مادة )سهم( ‪.‬‬
‫)‪. 1/459 (5‬‬
‫)‪ (6‬السهم والسندات وأحكامها ص ‪. 48‬‬
‫)‪ (7‬لسان العرب ‪ ،541-4/539‬مادة )عثر( ‪.‬‬
‫)‪. 4/5 (8‬‬
‫)‪ (9‬في مجموع البحوث والفتاوى لله ‪ ،189-2/179‬حيللث‬
‫قّرر هذا القول أحسن تقرير‪ ،‬ومنه استفدت هذا التفصيل‪.‬‬

‫‪180‬‬

‫)‪ (10‬ينظلللر ‪ :‬السلللهم والسلللندات وأحكامهلللا ص ‪،265‬‬
‫وأبحاث فقهية في قضايا الزكاة المعاصرة ‪ ،1/55‬وبحللوث‬
‫زكللاة السللهم فللي الشللركات فللي مجلللة مجمللع الفقلله‬
‫السلمي ‪ ، 4/1/705‬وفتوى جامعة فللي زكللاة العقللار ص‬
‫‪.14‬‬
‫)‪ (11‬التسويق الشبكي )ويسللمى الهرمللي( هللو نللوع مللن‬
‫التسللويق يصللنف مللن حيللث المبللدأ ضللمن صللور الغللش‬
‫والحتيال التجاري ‪ ،‬وصورته‪ :‬أن يشتري الشخص منتجات‬
‫شركة ما مقابل الفرصة بأن يقنع آخرين بمثل ما قام به ‪،‬‬
‫ويأخللذ هلو مكافللأة أو عموللة مقابلل ذللك ‪ ،‬وهكلذا يقللوم‬
‫المشتري بمثل ما قام به المشتري الول ‪ ،‬فيحصللل علللى‬
‫العمولة هو والول أيضا ‪ ،‬فيكون ذلك المنتج ستارا ً وهميللا ً‬
‫لعطلللاء هلللذه المعامللللة الصلللفة الشلللرعية ‪ ،‬ومقصلللود‬
‫المشتري هو العمولللة ل المنتللج ‪ ،‬ويكللون حللظ المشللتري‬
‫الول من العمولة أكثر من الثاني والثللالث ‪ ،‬وحللظ الثللاني‬
‫منها أكثر من الثالث والرابع ‪ ،‬وهكذا فللي تسلسللل هرمللي‬
‫ث‬
‫… = ينظللر لهللذه النازلللة )الللتي لللم يقللدم فيهللا بحلل ٌ‬
‫مطبوع(‪ :‬حكللم التعامللل مللع شللركة بزنللس كللوم للللدكتور‬
‫سامي السويلم في موقع السلم اليوم ‪ ،‬نافذة الفتاوى‪.‬‬
‫)‪ (12‬لم أخصص مبحثا ً للقيمة السمية للسهم المتعللثرة؛‬
‫لنه ل يمكن أن يقدم عاقل رشيد على شراء هذه السهم‬
‫صل هذه السهم أو ل‪،‬‬
‫بقيمتها السمية‪ ،‬وهو ل يعلم هل يح ّ‬
‫صلها فما هو العائد؟ ولذا فإنه لو أقدم أحللد الغللرار‬
‫وإذا ح ّ‬
‫على شراء هذه السللهم بقيمتهللا السللمية ‪ ،‬فللإنه ل يجللوز‬
‫بيعه؛ لما يلحقه من الغبن والغللرر‪ ،‬حيللث إن التعللثر يللؤدي‬
‫إلى حالة من الكساد بحيث تكون قيمللة السللهم أقللل مللن‬
‫قيمته السمية بكثير‪.‬‬
‫)‪ (13‬ينظللر فللي تعريللف الغللرر‪ :‬كتللاب الغللرر وأثللره فللي‬
‫العقود ص ‪. 34‬‬
‫)‪ (14‬صحيح مسلم‪ ،‬كتاب البيوع ‪. 3/1153 ،‬‬
‫)‪ (15‬القواعد النورانية ص ‪. 223‬‬
‫)‪ (16‬القاموس المحيط ص ‪ ،439‬مادة )عسر(‪.‬‬
‫)‪ (17‬معجم مقاييس اللغة ‪ ،4/319‬مادة )عسر(‪.‬‬
‫‪181‬‬

‫)‪ (18‬معجم المصطلحات القتصادية ص ‪. 69‬‬
‫)‪ (19‬المصللباح المنيللر ص ‪ ،575‬القللاموس المحيللط ص‬
‫‪ ،1057‬مادة )مطل(‪.‬‬
‫)‪ (20‬معجم المصطلحات القتصادية ص ‪. 314‬‬
‫)‪ (21‬مختصللر الطحللاوي ص ‪ ،51‬وفتللح القللدير ‪،2/123‬‬
‫مجمع النهر ‪. 1/194‬‬
‫)‪ (22‬روضة الطالبين ‪ ،2/194‬مغني المحتاج ‪. 1/410‬‬
‫)‪ (23‬المغنللي ‪ ، 4/270‬النصللاف )مللع الشللرح الكللبير(‬
‫‪. 6/326‬‬
‫)‪ (24‬حكاه عنهما ابن قدامة في المغني ‪. 4/270‬‬
‫)‪ (25‬الكافي لبن عبدالبر ‪ ،1/293‬مواهب الجليل ‪2/314‬‬
‫‪.‬‬
‫)‪ (26‬حكاه عنهم ابن قدامة في المغني ‪.4/270‬‬
‫)‪ (27‬روضة الطالبين ‪. 2/194‬‬
‫)‪ (28‬المغني ‪ ،4/270‬النصاف ‪. 6/327‬‬
‫)‪ (29‬حكاه عنهم ابن قدامة في المغني ‪. 4/270‬‬
‫)‪ (30‬مصنف ابن أبي شيبة ‪ ،‬كتاب الزكاة ‪. 2/390 ،‬‬
‫)‪ (31‬الموال ‪. 1/528‬‬
‫)‪ (32‬الموال ‪. 1/528‬‬
‫)‪ (33‬المغني ‪. 4/270‬‬
‫)‪ (34‬الشرح الكبير ‪. 6/326‬‬
‫)‪ (35‬سورة التوبة‪ ،‬آية )‪.(103‬‬
‫)‪. 6/101 (36‬‬
‫)‪ (37‬أخرجلله ابللن أبللي شلليبة فللي مصللنفه ‪ ،‬فللي كتللاب‬
‫الزكاة ‪. 2/390 ،‬‬
‫)‪. 4/270 (38‬‬
‫)‪ (39‬إرواء الغليل ‪. 3/254‬‬
‫)‪ (40‬المغني ‪. 4/270‬‬
‫)‪ (41‬المعونة ‪. 1/371‬‬
‫)‪ (42‬المغني ‪ ، 4/271‬الشرح الكبير ‪. 6/326‬‬
‫)‪ (43‬المغني ‪. 4/270‬‬
‫)‪ (44‬المغني ‪. 4/270‬‬
‫)‪ (45‬كما حكاه عنه المرداوي في النصاف ‪. 6/328‬‬
‫‪182‬‬

‫)‪ (46‬مجلة مجمع الفقه السلمي التابع لمنظمة المللؤتمر‬
‫السلمي ‪. 2/1/113‬‬
‫)‪ (47‬المصللباح المنيللر ص ‪ ، 364‬القللاموس المحيللط ص‬
‫‪ ،429‬مادة )ضمر(‪.‬‬
‫)‪ (48‬القاموس المحيللط ص ‪ ، 429‬مللادة )ضللمر( ‪ ،‬طلبللة‬
‫الطلبة ص ‪. 95‬‬
‫)‪ (49‬طلبة الطلبة ص ‪. 95‬‬
‫)‪ (50‬بدائع الصنائع ‪ ، 2/9‬الكافي لبللن عبللدالبر – وسللمى‬
‫هلللذا الملللال‪ :‬الثلللاوي – ‪ ، 1/293‬معجلللم المصلللطلحات‬
‫القتصادية ص ‪ ، 221‬مادة )ضمار(‪.‬‬
‫)‪ (51‬بدائع الصنائع ‪ ، 2/9‬الهداية )مع فتح القدير( ‪2/121‬‬
‫‪.‬‬
‫)‪ (52‬روضة الطالبين ‪ ، 2/192‬مغني المحتاج ‪. 1/409‬‬
‫)‪ (53‬المغني ‪ ،4/272‬النصاف ‪. 6/327‬‬
‫)‪ (54‬حكاه عنه ابن عبدالبر في الستذكار ‪. 3/161‬‬
‫)‪ (55‬القوانين الفقهية ص ‪ ، 104‬مواهب الجليللل ‪،2/314‬‬
‫السللتذكار ‪ . 3/162‬وحكللى ابللن عبللدالبر فللي الكللافي )‬
‫‪ (294-1/293‬عن المام مالك روايتين ‪ :‬الولى‪ :‬أنه يزكيه‬
‫لكل سنة‪ ،‬والثانية ل زكاة عليه لما مضللى وإن زكللاه لعللام‬
‫واحللد فحسللن‪ ،‬ثللم قللال‪" :‬وقللد روي عللن ابللن القاسللم ‪،‬‬
‫وأشهب‪ ،‬وسحنون ‪ :‬أنه يزكيه لما مضللى مللن السللنين‪ ،‬إل‬
‫أنهم يفرقون بين المضللمون فللي ذلللك وغيللر المضللمون ‪،‬‬
‫فيوجبون الزكللاة فللي الغصللوبات إذا رجعللت لعللام واحللد ‪،‬‬
‫والمانات وما ليس بمضمون على أحللد يزكللى لمللا مضللى‬
‫من السنين ‪ ،‬وهذا أعدل أقاويل المذهب" أهل‪.‬‬
‫)‪ (56‬حكاه عنهم ابن عبدالبر في الستذكار ‪. 3/162‬‬
‫)‪ (57‬روضة الطالبين ‪ ، 2/192‬مغني المحتاج ‪. 1/409‬‬
‫)‪ (58‬النصاف ‪. 6/326‬‬
‫)‪ (59‬حكاه عنهما ابن عبدالبر في الستذكار ‪. 3/161‬‬
‫)‪ (60‬سورة التوبة‪ ،‬آية )‪. (103‬‬
‫)‪ (61‬بدائع الصنائع ‪. 2/9‬‬

‫‪183‬‬

‫)‪ (62‬قال الحافظ ابن حجللر فللي الدرايللة )‪" :(1/249‬لللم‬
‫أجده عللن علللي" أهلل وقللال الزيلعللي فللي نصللب الرايللة )‬
‫‪" : (2/334‬غريب" أهل‪.‬‬
‫)‪ (63‬مغني المحتاج ‪ ،1/409‬المغني ‪. 4/272‬‬
‫)‪ (64‬الستذكار ‪. 3/162‬‬
‫)‪ (65‬الهدايللة )مللع فتللح القللدير( ‪ ،2/122‬مغنللي المحتللاج‬
‫‪. 1/409‬‬
‫)‪ (66‬مصنف ابن أبي شيبة ‪ ،‬كتاب الزكاة ‪ ،2/420 ،‬رقللم‬
‫)‪. (10614‬‬
‫)‪ ،2/420 (67‬برقم )‪.(10615‬‬
‫)‪ (68‬ينظر‪ :‬ص ‪. 16‬‬
‫)‪ (69‬ينظر‪ :‬ص ‪. 16‬‬
‫)‪ (70‬المغني ‪. 4/272‬‬
‫)‪ (71‬الستذكار ‪. 3/162‬‬
‫)‪ (72‬ينظر‪ :‬ص ‪. 15-14‬‬
‫)‪ (73‬ينظر‪ :‬ص ‪. 16-15‬‬
‫==============‬
‫‪ #‬المساهمة في الشركات التي أعلنت توقفها‬
‫عن النشطة المحرمة‬
‫عبد المجيد بن صالح بن عبد العزيز المنصور ‪4/4/1428‬‬
‫‪21/04/2007‬‬
‫لحمد لله وحده والصلة والسلم علللى مللن ل نللبي بعللده‪،‬‬
‫أما بعد‪:‬‬
‫فيحصل أحيانا ً من بعض الشركات أو البنوك أو غيرها مللن‬
‫المؤسسات ذات الشخصية المعنوية أن تعزم على إيقللاف‬
‫التعاملت المحرمة كاليداع والقراض بللالفوائد توبللة منهللا‬
‫إلى الله‪ ،‬ورجوعا ً إلى الحق بإرادة جازمللة‪ ،‬واقتناع لا ً منهللا‬
‫بخطورة الربا ونحوه ‪.‬‬
‫هذا الموضوع نحتاج إليه في هللذا الللوقت؛ لكللثرة السللئلة‬
‫الواردة علللى طلب العلللم والمفللتين عللن الثللار المترتبللة‬
‫على إقلع الشركات والبنوك عن التعاملت المحرمة مللن‬
‫جواز المساهمة فيهللا وحكللم النشللطة المحرمللة السللابقة‬
‫قبل التوبة‪.‬‬
‫‪184‬‬

‫وتزداد الحاجة إليه بعد أن بدأنا نسمع بين الفينة والخللرى‬
‫احتمال توجه كثير ملن الشللركات إلللى السلللمة الحقيقيللة‬
‫والتوقف عن النشطة المحرمة‪.‬‬
‫وهللذا البحللث عبللارة عللن مشللاركة متواضللعة فللي هللذا‬
‫الموضوع ول أزعم أني أوفيته حقه من كل جللوانبه ولعللله‬
‫يكون مفتاح باب لمن أراد أن يلللج بحثلله بللأوفى ممللا ُ‬
‫ذكللر‬
‫فيه؟‬
‫فأقول‪ :‬هل إذا تابت هذه الشركات وأقلعت عن التعاملت‬
‫المحرمللة يقضللى لهللا بمللا سلللف مللن المللوال المحرمللة‬
‫وبالتالي يجوز المساهمة فيهللا وتمل ُللك أسللهمها بعللد إعلن‬
‫توبتها أو أنه يجب عليها التخلللص ممللا سللبق مللن المللوال‬
‫المقبوضة بالربا‪ ،‬ول تملكهللا بللالقبض والتوبللة‪ ،‬وبالتللالي ل‬
‫يجوز المسللاهمة فيهللا وَتمل ّللك أسللهمها حللتى تتخللص مللن‬
‫التعاملت المحرمة المقبوضة قبل التوبة كالربا وغيره؟‬
‫هذه المسألة يمكن تخريجها على العاصي الذي عاش مدة‬
‫فللي مسللتنقع الفجللور والكبللائر‪ ،‬وقللد تعامللل بللالحرام‬
‫والمعاملت الفاسدة والباطللة دهلرا ً ملن الزملن ل بجهلل‬
‫يعذر به ول بتأويل سائغ‪ ،‬ولكن إعراض لا ً عللن طلللب العلللم‬
‫الواجب عليه الذي يجنبه الوقوع في هللذه المعللاملت مللع‬
‫تمكنه من العلم‪ ،‬أو سمع بتحريم هذه الللبيوع والمعللاملت‬
‫ولم يتركها إعراضا ً ل كفرا ً بالرسالة‪ ،‬فهذان نوعان يقعللان‬
‫كثيرا ً ‪.‬‬
‫الول‪ :‬من ترك طلب العلم الواجب عليلله مللع تمكنلله منلله‬
‫حتى وقع في هذه المعاملت المحرمة غير عالم بتحريمهلا‬
‫‪.‬‬
‫الثللاني‪ :‬مللن بلغلله الخطللاب بتحريمهللا‪ ،‬وعلللم بللالحكم‬
‫الشرعي ولم يلتزم اتباعه‪ ،‬تعصبا ً لمللذهبه أو اتباع لا ً لهللواه‬
‫وعصيانا ً لربه‪ ،‬وهذا هو الكثر‪.‬‬
‫فهل يكون حللال هللذا إذا تللاب إلللى الللله عللز وجللل ورجللع‬
‫وأناب‪ ،‬وأقر بللالتحريم تصللديقا ً والتزام لا ً كحللال الكللافر إذا‬
‫أسلم علللى أمللوال محرمللة قللد قبضللها قبللل إسلللمه؛ لن‬
‫التوبللة تجللب مللا قبلهللا كمللا أن السلللم يجللب مللا قبللله‪،‬‬
‫وبالتالي ل يفسخ العقد‪ ،‬و يقللر علللى أمللواله الللتي قبضللها‬
‫‪185‬‬

‫حال فسقه‪ ،‬وليللس عليلله التخلللص منهللا‪،‬وتكللون للله حلل ً‬
‫طيبًا‪ ،‬ويملكها كما في العقد الصحيح‪.‬‬
‫أو يجب عليه رد جميع ما اكتسللبه مللن المللوال المحرمللة‪،‬‬
‫والتخلص منها‪ ،‬ويجب فسللخ العقللود الفاسللدة المقبوضللة‪،‬‬
‫ولم يتملكها طوال تلك المدة؟‬
‫اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين‪:‬‬
‫القول الول‪:‬‬
‫أنه يجب عليه فسخ تلك العقود والقبوض‪ ،‬ول يقللر عليهللا‪،‬‬
‫ويؤمر برد جميع ما قبضه مللن المللوال المحرمللة مللن ربللا‬
‫وميسر ومخدرات ويانصيب ونحو ذلك‪ ،‬أو التخلص منها‪.‬‬
‫وعلى هذا القول يجب على الشللركة رد جميللع مللا قبضللته‬
‫مللن المللوال المحرمللة مللن ربللا وميسللر إن أمكللن‪ ،‬وإل‬
‫تتخلص منها‪ ،‬ول تقر عليها‪ ،‬وهذا قول في مذهب الحنابلللة‬
‫)‪ ،(1‬واختيار اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والفتاء )‪.(2‬‬
‫وهو قول المالكية )‪ (3‬في الربا خاصة‪ ،‬فإنه مفسوخ أبللدا ً‬
‫فات أم لم يفت‪ ،‬وليس للله إل رأس مللاله‪ ،‬أمللا غيللره مللن‬
‫العقود فإنه يجب فسخه ما لم يفت )‪.(4‬‬
‫قال ابن عبد البر‪) :‬قللال ماللك‪ :‬ومللن الللبيوع مللا يجللوز إذا‬
‫تفاوت أمره وتفاحش رده‪ ،‬فأما الربا فإنه ل يكون فيلله إل‬
‫الرد أبدًا‪ ،‬ول يجوز منه قليل ول كثير ول يجوز فيه ما يجوز‬
‫م‬
‫م فَل َك ُل ْ‬
‫في غيره؛ لن الله تعالى يقول في كتابه‪" :‬وَِإن ت ُب ْت ُ ْ‬
‫َ‬
‫ُر ُ‬
‫ن" )‪.(5‬‬
‫مو َ‬
‫مو َ‬
‫ن وَل َ ت ُظ ْل َ ُ‬
‫م ل َ ت َظ ْل ِ ُ‬
‫وال ِك ُ ْ‬
‫سأ ْ‬
‫ؤو ُ‬
‫م َ‬
‫ثم قال‪) :‬هذا قول صحيح في النظر وصحيح من جهة الثر‬
‫فمن قاده ولم يضطرب فيه فهو الخّير الفقيه‪.(6) (...‬‬
‫وقال‪ ) :‬وقد اتفللق الفقهللاء علللى أن الللبيع إذا وقللع بالربللا‬
‫مفسوخ أبدا ( )‪.(7‬‬
‫جاء في سؤال موجهٍ إلى اللجنة الدائمة ‪:‬‬
‫)س‪ :‬أنا كنت أساهم فللي البنللوك‪ ،‬واسللتفدت منهللا بعللض‬
‫الشيء‪ ،‬فإذا هي حرام ونويت التوبة والبتعللاد عنهللا‪ ،‬فهللل‬
‫هذا يكفي أو ل ؟‬
‫ج‪ :‬أو ً‬
‫ل‪ :‬عليللك التوبللة والسللتغفار مللن ارتكللاب جريمللة‬
‫المشللاركة فللي هللذا المللر المحللرم‪ ،‬والقلع عللن ذلللك‪،‬‬
‫وسحب مساهمتك عسى الله أن يتوب عليك‪ ،‬فهو سبحانه‬
‫‪186‬‬

‫مل َ‬
‫م‬
‫ن وَعَ ِ‬
‫ملن َتلا َ‬
‫صلاِلحا ً ُثل ّ‬
‫ب َوآ َ‬
‫القائل‪" :‬وَإ ِّنلي ل َغَّفلاٌر ل ّ َ‬
‫ل َ‬
‫مل َ‬
‫دى" )‪.(8‬‬
‫اهْت َ َ‬
‫ثانيًا‪ :‬عليك التخلص من الربللاح الللتي حصلللت لللك بسللبب‬
‫هذه المساهمة بصرفها على الفقراء والمساكين( )‪.(9‬‬
‫ب لسؤال آخر‪:‬‬
‫وقالت في جوا ٍ‬
‫)إذا تاب العبد من المعاملة الربويللة‪ ،‬وهللي ل تللزال قائمللة‬
‫بينه وبين النللاس‪ ،‬فيجللب عليلله اسللتلم رأس مللاله فقللط‪،‬‬
‫م‬
‫ويللترك الزيللادة الربويللة؛ امتثللال ً لقللوله تعللالى‪" :‬وَِإن ت ُب ْت ُل ْ‬
‫َ‬
‫م ُر ُ‬
‫م" )‪ ،(10‬وإذا اسللتلم قيمللة المعاملللة‬
‫وال ِك ُ ْ‬
‫سأ ْ‬
‫فَل َك ُ ْ‬
‫ؤو ُ‬
‫م َ‬
‫الربوية مع ربحهللا فيجللب عليلله تملللك رأس مللاله الصلللي‬
‫فقط‪ ،‬والربح الربوي ينفقه في وجوه البر ( )‪.(11‬‬
‫واستدل أصحاب هذا القول بأربعة أدلة‪:‬‬
‫الدليل الول‪:‬‬
‫َ‬
‫ي‬
‫ذي‬
‫قوله تعالى ‪َ" :‬يا أي َّها ال ّ ِ‬
‫ه وَذ َُروا ْ َ‬
‫مُنوا ْ ات ُّقوا ْ الل ّ َ‬
‫نآ َ‬
‫مللا ب َِقلل َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ن الّرَبا ِإن ُ‬
‫ب‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫ِ‬
‫م ت َْفعَل ُللوا ْ فَ لأذ َُنوا ْ ب ِ َ‬
‫ن * فَِإن ل ّ ْ‬
‫كنُتم ّ‬
‫ح لْر ٍ‬
‫مِني َ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫م ُر ُ‬
‫م" )‪.(12‬‬
‫ن الل ّهِ وََر ُ‬
‫وال ِك ُ ْ‬
‫سأ ْ‬
‫م فَل َك ُ ْ‬
‫سول ِهِ وَِإن ت ُب ْت ُ ْ‬
‫ّ‬
‫ؤو ُ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫وجه الدللللة مللن اليللة‪ :‬أن هللذه اليلة عامللة فللي الجاهللل‬
‫والعاصي والكافر إذا أسلم وغيرهم‪ ،‬تجللب عليهللم التوبللة‪،‬‬
‫ويذرون ما قبضوه من الربا والموال المحرمة‪ ،‬وليس لهم‬
‫إل رؤوس أموالهم‪.‬‬
‫وقد يناقش‪ :‬بللأن المقصللود باليللة هللو مللا لللم يقبللض مللن‬
‫العقود‪ ،‬فإن غير المقبوض يجب إبطاله وترك ما بقي منه‪،‬‬
‫وليس للعاقد إل رأس ماله‪ ،‬وليس المراد هو ما قبض من‬
‫العقود بجهل وتأويل ونحو ذلك‪ ،‬فإن هذه له بقوله تعللالى‪:‬‬
‫"فله ما سلف"‪ ،‬أي‪ :‬من العقود المقبوضة حال العذر‪.‬‬
‫الدليل الثاني‪:‬‬
‫استدلوا بحديث عائشة –رضي الله عنه‪ -‬أن النللبي –صلللى‬
‫الله عليه وسلم‪ -‬قال‪)) :‬من عمل عمل ً ليللس عليلله أمرنللا‬
‫فهو رد(( )‪.(13‬‬
‫وجه الدللة من الحديث‪ :‬أن هذا النص عام فللي العبللادات‬
‫والمعاملت فكل ما وقع منهملا عللى خلف الشلرع يجلب‬
‫رده وإبطاله‪ ،‬والعقود المقبوضة بهللذه الحللال يجللب ردهللا‬
‫وإبطالها؛ لدخولها تحت هذا الحديث‪.‬‬
‫‪187‬‬

‫قال الخطابي‪) :‬في هذا الحديث بيللان أن كللل شلليء نهللى‬
‫عنه رسول الله –صلى الله عليلله وسلللم‪ -‬مللن عقللد نكللاح‬
‫وبيع وغيرهما من العقود‪ ،‬فإنه منقللوض مللردود؛ لن قللوله‬
‫فهو رد يوجب ظاهره إفساده وإبطاله إل أن يقوم الللدليل‬
‫على أن المراد به غير الظلاهر فينلزل الكلم عليله؛ لقيلام‬
‫الدليل فيه( )‪ .(14‬قال ابن حزم )ولم يستثن –صلللى الللله‬
‫عليلله وسلللم‪ -‬عالملا ً مللن غيللر عللالم‪ ،‬ول مكلفلا ً مللن غيللر‬
‫مكلف‪ ،‬ول عامدا ً من غير عامللد )‪ ،(15‬والعقللود المحرمللة‬
‫ليست من أمر الدين فيجب ردها(‪.‬‬
‫الدليل الثالث‪:‬‬
‫ما رواه البخاري ومسلم في صللحيحيهما مللن حللديث أبللي‬
‫سعيد الخللدري –رضللي الللله عنلله‪ -‬قللال‪)) :‬جللاء بلل بتمللر‬
‫برني‪ ،‬فقال له رسول الله –صلى الله عليه وسلم‪)): -‬من‬
‫أين هذا؟(( فقال بلل ‪ :‬تمر كان عندنا رديللء‪ ،‬فبعللت منلله‬
‫صاعين بصاع؛ لمطعم النبي –صلى الله عليه وسلم‪ -‬فقال‬
‫رسول الله –صلى الله عليه وسلم‪ -‬عند ذلك ‪)) :‬أوه عيللن‬
‫الربا‪ ،‬ل تفعل‪ ،‬ولكن إذا أردت أن تشتري التمر فبعلله بللبيع‬
‫آخر ثم اشتر به(( )‪ (16‬وفي رواية لمسلم ‪)) :‬فللردوه ثللم‬
‫بيعوا تمرنا واشتروا لنا من هذا(( )‪(17‬‬
‫قللالوا‪ :‬إذا أوجبنللا فسللخ العقللود والقبللوض علللى الجاهللل‬
‫المعذور فعلى العالم بالتحريم العاصي أولى وأحرى‪ ،‬فهللو‬
‫ص ظالم بترك التعلم واللتزام‪ ،‬ول يلزم من العفو عللن‬
‫عا ٍ‬
‫الجاهل العفو عن هذا ‪.‬‬
‫ويجاب عنه‪:‬‬
‫بأن المسلم العاصي إذا تاب ليس بأشقى من الكافر‪ ،‬فإذا‬
‫لم نوجب الفسخ علللى الكللافر وصللححنا عقللوده وقبوضلله‬
‫فالمسلم التائب أولى ‪.‬‬
‫القول الثاني‪:‬‬
‫أن تلك العقود والقبوض الفاسدة تملك بعللد التوبللة‪ ،‬ويقللر‬
‫عليها‪ ،‬ول يجب عليه ردهللا‪ ،‬ول فسللخها والتخلللص منهللا إل‬
‫من تاب من الحرام وكان بيده فإنه يجللب عليلله رده‪ ،‬فللإن‬
‫لم يعللرف مللالكه تصللدق بلله عنلله‪ ،‬أو صللرفه فللي مصللالح‬
‫المسلمين‪ ،‬وعليه فإن تلك العقود والقبوض الفاسدة التي‬
‫‪188‬‬

‫قبضتها الشركة تملللك بعللد التوبللة‪ ،‬وتقللر عليهللا‪ ،‬ول يجللب‬
‫عليها ردها لصللحابها‪ ،‬ول فسللخها ول التخلللص منهللا إل إن‬
‫تابت من الحرام وكان بيدها‪ ،‬فإنه يجللب عليهللا ردهللا إلللى‬
‫أصللحابها إن أمكللن‪ ،‬وإل تتصللدق بلله عنلله‪ ،‬أو تصللرفه فللي‬
‫مصالح المسلمين‪ ،‬وهذا قول في المللذهب )‪ ،(18‬وانتصللر‬
‫له شيخ السلم ابن تيمية )‪.(19‬‬
‫واستدلوا على ذلك بأربعة أدلة‪:‬‬
‫الدليل الول‪:‬‬
‫القياس على الكافر إذا أسلم قياسا ً أولويا ً وبيانه‪:‬‬
‫أن هذا المسلم اللذي تلاب وأنلاب ليلس بأسلوأ حلال ملن‬
‫الكافر المعاند الللذي تللرك اسللتماع القللرآن كللبرا ً وحسللدا ً‬
‫ى‪ ،‬أو سمعه وتدبره واستيقنت نفسه أنه حق من عند‬
‫وهو ً‬
‫الله‪ ،‬ولكن جحد ظلم لا ً وعلللوا ً كحللال فرعللون وأكللثر أهللل‬
‫الكتللاب والمشللركين الللذين ل يكللذبونك ولكللن الظللالمين‬
‫بآيات الله يجحدون )‪ ،(20‬فإذا عفي عن الكافر مللا قبضلله‬
‫من المحرمات إذا أسلم‪ ،‬فالمسلللم كللذلك يعفللى عنلله إذا‬
‫تاب بجامع أن كليهما رجع وأناب إلى الله وعرف الحق‪.‬‬
‫وقلد ينلاقش‪ :‬بوجلود الفلرق بينهملا ملن حيلث إن الكلافر‬
‫وقعللت معللاملته وهللو غيللر مكلللف‪ ،‬وغيللر مخللاطب بآيللات‬
‫أصول الربا‪ ،‬بخلف المسلم العاصي العالم‪ ،‬فإن معللاملته‬
‫وقعت في حال هو مكلف فيها‪.‬‬
‫الدليل الثاني‪:‬‬
‫أن التوبة كالسلم )‪ (21‬فإن الذي قللال‪)) :‬السلللم يهللدم‬
‫ما كان قبله(( )‪ (22‬هو الذي قال‪)) :‬التوبة تهللدم مللا كللان‬
‫قبلهللا(( )‪ (23‬وذلللك فللي حللديث واحللد رواه مسلللم فللي‬
‫صحيحه ‪.‬‬
‫فإذا عفللي عللن الكللافر إذا أسلللم أنللواع المحرمللات الللتي‬
‫ارتكبها‪ ،‬وأبيحت للله المللوال المقبوضللة بللالحرام‪ ،‬فكللذلك‬
‫المسلم إذا تاب إلى الله‪ ،‬ول فللرق‪ ،‬فالحللديثان مخرجهمللا‬
‫واحد‪ ،‬ول يجوز تفسير أحدهما بخلف الخر‪.‬‬
‫وينللاقش‪ :‬بللأن مللن مقتضللى التوبللة أن يتخلللص مللن هللذه‬
‫الموال المحرمللة‪ ،‬ويبعللدها عنلله‪ ،‬ويعللدل إلللى غيرهللا مللن‬
‫المكاسب )‪(24‬؛ فللإن التوبللة قللول وفعللل فللالقول بإكثللار‬
‫‪189‬‬

‫الستغفار‪ ،‬والفعل بللالقلع عللن هللذه المللوال‪ ،‬والتخلللص‬
‫منها بالتصدق بها على المحتاجين‪.‬‬
‫الدليل الثالث‪:‬‬
‫ما ثبت في صحيح مسلم من حللديث أبللي ذر ‪-‬رضللي الللله‬
‫عنه‪ -‬قال‪ :‬قللال رسللول الللله –صلللى الللله عليلله وسلللم‪: -‬‬
‫))إني لعلم آخر أهل الجنة دخول ً الجنة‪ ،‬وآخللر أهللل النللار‬
‫خروجا ً منها‪ ،‬رجل يؤتى به يللوم القيامللة‪ ،‬فيقللال‪ :‬اعرضللوا‬
‫عليه صغار ذنوبه‪ ،‬وارفعوا عنه كبارها فتعرض عليه صللغار‬
‫ذنوبه فيقال‪ :‬عملت يوم كذا وكذا كذا وكذا‪ ،‬وعملللت يللوم‬
‫كذا وكذا كذا وكذا‪ ،‬فيقول‪ :‬نعم‪ ،‬ل يستطيع أن ينكللر‪ ،‬وهللو‬
‫مشفق من كبار ذنوبه أن تعرض عليه‪ ،‬فيقال له‪ :‬فإن لللك‬
‫مكان كل سيئة حسللنة‪ ،‬فيقللول‪ :‬رب قللد عملللت أشللياء ل‬
‫أراها ها هنللا‪ ،‬فلقللد رأيللت رسللول الللله –صلللى الللله عليلله‬
‫وسلم‪ -‬ضحك حتى بدت نواجذه(( )‪.(25‬‬
‫وجه الدللة من الحديث‪ :‬أنه إذا كانت تلك التي تللاب منهللا‬
‫صارت حسنات لم يبق في حقلله بعللد التوبللة سلليئة أص ل ً‬
‫ل‪،‬‬
‫فيصير ذلك القبض والعقد من باب المعفو عنه‪ ،‬فل يكللون‬
‫بذلك فاعل ً لمحرم ول تاركا ً لواجب )‪.(26‬‬
‫وقد يناقش‪ :‬أن هذا حديث يحكي أحوال يللوم القيامللة‪ ،‬ول‬
‫يبنى على الحكام الخروية‪ ،‬أحكاما ً فقهيللة فللي اللدنيا‪ ،‬فل‬
‫تقاس أحوال الخرة على أحوال الدنيا‪ ،‬والله أعلم‪.‬‬
‫الدليل الرابع‪:‬‬
‫قوله تعالى‪" :‬فمن جاءه موعظة من ربله فللانتهى فلله مللا‬
‫سلف"‬
‫وجه الدللة من الية‪ :‬أن هذه الية عامة في كل من جاءه‬
‫موعظة من ربه فقد جعل الله له ما سلف‪ ،‬ويدل على أن‬
‫ذلك ثابت في حق المسلم مللا بعللد هللذا ‪" :‬يللا أيهللا الللذين‬
‫ءامنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا" فأمرهم بترك ما‬
‫بقي‪ ،‬ولم يأمرهم برد ما قبضوه‪ .‬فدل علللى أنلله لهللم مللع‬
‫قوله‪" :‬فله ما سلف وأمره إلللى اللله" واللله يقبللل التوبلة‬
‫عن عباده )‪.(27‬‬
‫ونوقش‪ :‬بأن هذا مختص بالكافرين )‪.(28‬‬

‫‪190‬‬

‫وأجيب‪ :‬بأنه ليس في القرآن ما يدل على ذلك‪ ،‬إنما قللال‪:‬‬
‫"فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله مللا سلللف" وهللذا‬
‫يتناول المسلم بطريق الولى )‪.(29‬‬
‫الموازنة والترجيح‪:‬‬
‫هللذه المسللألة مللن أعقللد المسللائل لقللوة أدلللة الفريقيللن‬
‫وتضاربها فللي نظللر البللاحث‪ ،‬وإن كنللت أميللل إلللى القللول‬
‫الثاني‪ ،‬وهو أن تلك العقود معفو عنها وتقر عليها و تملكها‬
‫بعد التوبة‪ ،‬وذلك لثلثة أمور‪:‬‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬أنلله إذا كللان العفللو عللن الكللافر لجللل مللا وجللد مللن‬
‫السلم الماحي‪ ،‬والحسنات يذهبن السيئات‪ ،‬فهذا المعنللى‬
‫موجللود فللي التوبلة عللن الجهللل والظلللم والعصلليان‪ ،‬فللإن‬
‫العللتراف بللالحق والرجللوع إليلله حسللنة يمحللو الللله بهللا‬
‫السيئات )‪.(30‬‬
‫ثانيًا‪ :‬أن في عدم العفو عن تلك العقود والقبوض الماضية‬
‫في حللال العصلليان تنفيللرا ً عظيملا ً عللن التوبللة؛ لمللا يلللزم‬
‫الداخل فيه من الصللار والغلل الثقيلللة الموضللوعة علللى‬
‫لسان هذا النبي –صلى الله عليه وسلم‪ -‬عن التائبين‪ ،‬فإن‬
‫المر برد جميع ما كسبه التائب من الموال والخروج عمللا‬
‫يحبه منها تصير التوبة في حقه عللذابًا‪ ،‬وكللان الكفللر حينئذ‬
‫أحب إليه من ذلك السلم الذي كان عليه‪ ،‬فإن توبته مللن‬
‫الكفر رحمة وتوبته ‪-‬وهو مسلم عذاب‪ ،(31) -‬فللإن كللثيرا ً‬
‫من الفساق أصحاب رؤوس أموال هائلة‪ ،‬وغالبهللا أو كللثير‬
‫منها من الحرام الفاسد‪ ،‬وقد يكون غير متميز عن الحلل‪،‬‬
‫وقللد يكللون لله مصللادر تجللارة متعللددة‪ ،‬ومطللالبته بردهللا‪،‬‬
‫والتخلص مما قبضه في غاية الصعوبة والمشقة‪ ،‬ولو قيللل‬
‫له‪ :‬من شرط توبتك أن ترد كل مللا كسللبته بللالحرام ربمللا‬
‫نفر عن التوبة‪ ،‬وكللان هللذا القللول معينلا ً للشلليطان عليلله‪،‬‬
‫لكن لو قيل له‪ :‬بأن الله قللد غفللر لللك بتوبتللك كللل ذنوبللك‬
‫المتعلقللة فللي بللاب العبللادات وبللاب المعللاملت‪ ،‬وعليللك‬
‫بالقبال على الله من جديد‪ ،‬وترك المعاودة لمثل ما سبق‬
‫لكان هذا حافزا ً ومشجعا ً له إلللى التوبللة ومحاولللة تصللحيح‬
‫وضعه الجديد‪ ،‬ويكف عن المعاملة بالحرام‪ ،‬وقد يكون هذا‬
‫قدوة لخرين مثله إذا رأوا ذلك منه ‪.‬‬
‫‪191‬‬

‫وبهذه الطريقة نكون قد قضينا على كللثير مللن المعللاملت‬
‫الفاسدة التي ربما كانت تسللتمر لللول القللول بللالعفو عمللا‬
‫سلف مما قبضوه‪.‬‬
‫وكذلك يقال في الشركات والبنللوك ونحوهلا أن فلي علدم‬
‫العفو عن تلك العقود والقبوض قبل إعلن الشركة توقفها‬
‫عللن التعامللل بللالمحرم تنفيللر عظيللم عللن القلع عللن‬
‫التعاملت المحرمة وتنفير عن التوبللة؛ لمللا يلللزم الشللركة‬
‫بعد توبتها وإعلن توقفها من الحللرام مللن الصللار والغلل‬
‫الثقيللة الموضلوعة عللى لسلان النلبي –صللى اللله عليله‬
‫وسلللم‪ -‬عللن التللائبين‪ ،‬فللإن المللر بللرد جميللع مللا كسللبته‬
‫الشركة من الموال الربوية وغيرهللا‪ ،‬والخللروج عمللا تحبلله‬
‫صّير التوبة وإعلن التوقف فللي حقهللا عللذابًا‪ ،‬وكللان‬
‫منها‪ ،‬ت ُ َ‬
‫الستمرار على ما كانت عليه في السابق حينئذ أحب إليها‬
‫من إعلن توقفها‪ ،‬ويضاف إلى ذلك أن التخلص منهللا أمللر‬
‫في غاية الصعوبة والمشقة‪ ،‬ولو قيل‪ :‬من شرط توبتها أن‬
‫ترد كل ما كسبته بالحرام ربمللا نفللرت عللن التوبللة‪ ،‬وكللان‬
‫هللذا القللول معين لا ً للشلليطان عليهللا‪ ،‬بخلف مللا لللو قيللل‬
‫للشركة‪ :‬ل يلزمك الخروج من الموال الربوية المقبوضللة‬
‫ت بصللدق‬
‫ت‪ ،‬و أعلنل ِ‬
‫ك حلل ً إذا تبل ِ‬
‫في السللابق‪ ،‬ويكللون لل ِ‬
‫ت التعامللل بالربللا بكللل‬
‫ك مللن جديللد‪ ،‬وتركل ِ‬
‫تصللحيح وضللع ِ‬
‫أشكاله وأنواعه‪ ،‬فإن هذا يكللون لهللا حللافزا ً إلللى التوبللة و‬
‫العلن عنها‪ ،‬كما قلد يكلون حلافزا ً للشلركات الخلرى أن‬
‫تحذو حذوها‪.‬‬
‫ثالثًا‪ :‬أننا بهذه الطريقللة نكللون قللد قضللينا علللى كللثير مللن‬
‫الشلركات والبنللوك المحرمللة والمعلاملت الفاسللدة اللتي‬
‫ربمللا اسللتمرت علللى نشلاطاتها وتعاملتهللا المحرمللة لللول‬
‫القول بالعفو عما قبضوه ممللا سلللف‪ ،‬بخلف مللا لللو قيللل‬
‫جي كللل‬
‫ك – كشرط من شروط التوبة – أن ت ُ ْ‬
‫لها‪ :‬لبد ل ِ‬
‫خرِ ِ‬
‫ت تعلميللن‬
‫ت بللالعقود الفاسللدة المحرمللة مللا دمل ِ‬
‫ما قبضل ِ‬
‫ت عاصية بذلك )‪ ،(32‬ربما كان هذا فلي حقهلا‬
‫حرمتها وكن ِ‬
‫شللاقًا‪ ،‬وربمللا يللترتب عليهللا خسللائر ماليللة ضللخمة كللانت‬
‫التزمتها في السابق‪ ،‬وبالتالي يكون هذا عائقا ً لها‪ ،‬ومنفرا ً‬
‫عن التوبة‪ ،‬فتحجم الكثير من الشركات عن التوبة بسللبب‬
‫‪192‬‬

‫هذا‪ ،‬وهذه نظللرة ماراع لا ً فيهللا جللانب المصلللحة الراجحللة‬
‫مقابل المفسدة المرجوحة‪ ،‬قال ابللن تيميللة‪ ) :‬ومللن تللدبر‬
‫أصول الشرع علللم أنلله يتلطللف بالنللاس فللي التوبللة بكللل‬
‫طريق ( )‪.(33‬‬
‫لكللن قللد يللرد علللى هللذه الحللال – أعنللي توبللة الشللركات‬
‫والبنللوك – إشللكال وهللو أن توبللة الشللركات ونحوهللا عللن‬
‫التعامل بللالحرام والفاسللد غيللر متمكنللة أو ضللعيفة‪ ،‬فهللي‬
‫ليسللت كالشللخاص والفللراد الللذين يملكللون أمللوالهم‬
‫بأنفسهم فالشركات والبنوك عبارة عللن شخصللية معنويللة‬
‫قائمة بعدد من الشخاص‪ ،‬وكل عامللل فيهللا ل يعنيلله توبللة‬
‫الشركة من عدمها‪ ،‬فمن التائب فيها؟‬
‫ويجاب‪ :‬بأن هلذه طبيعلة الشخصليات المعنويلة ل يطلالب‬
‫فيها شخص بعينه‪ ،‬وإنما هي قائمة بإرادة الجميع ومتخللذي‬
‫القرار فيها‪ ،‬فإذا كانت الرادة قائمة مللن الدارة ومتخللذي‬
‫القرار فيها كانت هذه الرادة – وأعني بها التوبة‪ -‬مقبولللة‪،‬‬
‫فهي مثل توبة الفرد والشخص العادي‪.‬‬
‫ويؤيده إمكانية وجود شللرائط التوبللة فللي هللذه الشللركات‬
‫والبنوك ونحوها المساهمة‪ ،‬وهي العزم علللى عللدم العللود‬
‫إلى الحرام من ربا وغيره في المستقبل‪ ،‬والقلع عنه في‬
‫الحال‪ ،‬وأن تكون صادقة ل بقصد التلعللب بعقللول النللاس‬
‫ونحللوه‪ ،‬والنللدم علللى مللا صللدر منهللا فللي السللابق )‪،(34‬‬
‫والعزم الجازم على فعل المأمور والتيان به )‪.(35‬‬
‫وأما الموال الربوية المقبوضة فهي محرمة لحق لله وقللد‬
‫عفى عنها‪ ،‬وليست حق لا ً لدمييللن فيللؤمروا بإرجاعهللا إلللى‬
‫أصحابها‪ ،‬والله أعلم‪.‬‬
‫وأخيرا ً أقول‪ :‬أيضا ً يمكن إرجاع الفتوى في هللذه المسللألة‬
‫إلللى المفللتي فينظللر فللي ذلللك المصلللحة‪ ،‬فللإن رأى مللن‬
‫الشركة القدرة والستعداد للتخلللص مللن المللوال الربويللة‬
‫المقبوضة وصدق في التوبة مهما كلفها ذلك‪ ،‬فللإنه يفتيهللا‬
‫بللالتخلص مللن هللذه المللوال بالتصللدق بهللا فللي مصللالح‬
‫المسلمين بنية التخلص ل التطوع‪.‬‬
‫وإن رأى منها ضعفا ً فللي هللذا البللاب وخشللي نفورهللا مللن‬
‫التوبة‪ ،‬فللإنه يفللتي بعللدم وجللوب التخلللص مللن المقبللوض‬
‫‪193‬‬

‫الفاسللد‪ ،‬ول يجللب رده باعتبللار أن هللذه الفتللوى أخللف‬
‫المفسدتين‪.‬‬
‫فإنهللا‪-‬أي‪ :‬الشللركة‪ -‬لللو أفللتي لهللا بوجللوب التخلللص‪ ،‬لللم‬
‫تتخلص من المقبوض بعقد فاسد ولللم تعلللن التوقللف عللن‬
‫التعاملت المحرمة بخلف ما لو أفتي لها بعللدم الوجللوب‪،‬‬
‫فإنها لن تتخلص من المقبوض بعقد فاسللد‪ ،‬وسللوف تقلللع‬
‫عن التعاملت المحرمة في المسللتقبل بعللد إعلن توبتهللا‪،‬‬
‫والله تعالى أعلم‪.‬‬
‫ومن خلل ما سبق‪ ،‬فمن قال بصحة توبة الشركة‪ ،‬وَتمِلك‬
‫ما قبضته من العقود الفاسدة‪ ،‬فإن من لزم قللولهم جللواز‬
‫المساهمة فيها‪ ،‬وأنها تملك أسهمها بعد إعلن توبتها ‪.‬‬
‫ومن قال بعدم صحة توبتها إل برد جميع الموال المحرمللة‬
‫أو التخلص منها فللإن مللن لزم قللولهم تحريللم المسللاهمة‬
‫فيها وتملك أسهمها حتى تتخلص من التعللاملت المحرمللة‬
‫المقبوضة قبل التوبة‪ ،‬والله تعالى أعلم‪.‬‬
‫وصلى الله على بينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم‬
‫)‪ (1‬مجموع الفتاوى )‪ (22/16‬وما بعللدها‪ ،‬والللدرر السللنية‬
‫في الفتاوى النجدية )‪.(3/133‬‬
‫)‪ (2‬فتاوى اللجنة الدائمة )‪(14/29‬و)‪(14/32‬و)‪(14/48‬و)‬
‫‪.(14/62‬‬
‫)‪ (3‬المدونة الكبرى )‪ ،(4/148‬ومواهب الجليل )‪،(4/381‬‬
‫ومقلللدمات ابلللن رشلللد ص )‪ ،(503‬والتمهيلللد )‪،(5/129‬‬
‫والسلللتذكار )‪ (19/146‬و)‪ ،(21/139‬والجلللامع لحكلللام‬
‫القللرآن للقرطلبي )‪ ،(356-2/355‬ومسلائل ل يعلذر فيهلا‬
‫بالجهل على مذهب المام مالك شرح العلمة المير علللى‬
‫منظومللة بهللرام ص)‪ ،(49‬والفللروق وحواشلليه )‪،(2/164‬‬
‫والمالكية أوجبوا عللى الجاهلل التخللص منله‪ ،‬وبنلاء عللى‬
‫ذلك فإنه من باب أولى أن يوجبوه على العالم العاصي ‪.‬‬
‫)‪ (4‬الفوات عند المالكية يعني أحد خمسة أشللياء ‪ :‬الول‪:‬‬
‫تغير الذات وتلفهللا كللالموت والعتللق وهللدم الللدار وغللرس‬
‫الرض وأكللل الطعللام ونمللاء المللبيع ونقصللانه ‪ .‬والثللاني‪:‬‬
‫حوالللة السللواق‪ .‬والثللالث‪ :‬الللبيع‪ .‬والرابللع‪ :‬حللدوث عيللب‪.‬‬

‫‪194‬‬

‫والخامس‪ :‬تعلق حق الغير كرهن السلعة ‪ .‬انظر القللوانين‬
‫الفقهية لبن جزيء ص)‪ (265‬والشرح الصغير للدردير‬
‫)‪ (5‬سورة البقرة‪ ،‬آية)‪.(279‬‬
‫)‪ (6‬الستذكار )‪.(21/139‬‬
‫)‪ (7‬التمهيد )‪ ،(5/129‬والستذكار ) ‪ (19/146‬وهذا النقل‬
‫لتفاق الفقهاء في هذه المسللألة فيلله نظللر‪ ،‬فللإن جمهللور‬
‫الحنفية يللرون أن المقبللوض بعقللد ربللوي يملللك وإن كللان‬
‫واجب الفسخ‪ ،‬وخالفهم شمس الدين السرخسي في هذه‬
‫المسألة‪ ،‬فوافق الجمهور‪.‬‬
‫)‪ (8‬سورة طه‪ ،‬آية)‪.(82‬‬
‫)‪ (9‬فتللاوى اللجنللة الدائمللة للبحللوث العلميللة والفتللاء )‬
‫‪.(14/48‬‬
‫)‪ (10‬سورة البقرة‪ ،‬آية)‪.(279‬‬
‫)‪ (11‬فتللاوى اللجنللة الدائمللة للبحللوث العلميللة والفتللاء )‬
‫‪ ،(14/51‬وانظر )‪(13/400‬و)‪(13/429‬وما بعدها‪.‬‬
‫)‪ (12‬سورة البقرة‪ ،‬آية)‪.(279-278‬‬
‫)‪ (13‬رواه مسلم بهذا اللفظ من طريق القاسم بن محمد‬
‫عن عائشلة علن النلبي –صللى اللله عليله وسللم‪) -‬كتلاب‬
‫القضللية ‪-‬بللاب نقللض الحكللام الباطلللة ‪ ،‬ورد محللدثات‬
‫المور ( رقم ‪.(9/119) 3243‬‬
‫)‪ (14‬عون المعبود )‪.(12/234‬‬
‫)‪ (15‬المحلى )‪.(8/135‬‬
‫)‪ (16‬رواه البخاري في صللحيحه )كتللاب الوكالللة‪ -‬بللاب إذا‬
‫بللاع الوكيللل شلليئا ً فاسللدا ً فللبيعه مللردود( ‪(2/613)2188‬‬
‫ومسلم في صحيحه )كتاب المساقاة ‪-‬باب بيع الطعام مثل ً‬
‫بمثل( ‪(3/1215)1594‬‬
‫)‪ (17‬رواه مسلم في صحيحه )كتاب المسللاقاة ‪-‬بللاب بيللع‬
‫الطعام مثل ً بمثل( )‪(3/1215‬‬
‫)‪ (18‬مجموع الفتاوى )‪ (22/16‬وما بعدها‪.‬‬
‫)‪ (19‬مجموع الفتاوى )‪ (22/16‬وملا بعلدها و)‪ (30/328‬و‬
‫تفسير آيات أشكلت )‪.(595-2/577‬‬
‫)‪ (20‬مجموع الفتاوى )‪ (22/17‬بتصرف‪.‬‬
‫)‪ (21‬المرجع السابق بتصرف‪.‬‬
‫‪195‬‬

‫)‪ (22‬رواه مسلم في صللحيحه )كتللاب اليمللان‪-‬بللاب كللون‬
‫السلم يهدم ما كان قبله وكذا الهجرة والحج( )‪.(1/112‬‬
‫)‪ (23‬المرجع السابق ‪.‬‬
‫)‪ (24‬انظر فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية و الفتاء‬
‫)‪.(14/62‬‬
‫)‪ (25‬صحيح مسلم )كتاب اليمان‪ -‬باب أدنللى أهللل الجنللة‬
‫منزلة فيها ( رقم ‪.(1/177) 190‬‬
‫)‪ (26‬مجموع الفتاوى )‪ (22/18‬بتصرف‪.‬‬
‫)‪ (27‬تفسير آيات أشكلت )‪(2/586‬‬
‫)‪ (28‬تفسير آيات أشكلت )‪(2/586‬‬
‫)‪ (29‬تفسير آيات أشكلت )‪(2/586‬‬
‫)‪ (30‬مجموع الفتاوى بتصرف )‪.(22/18‬‬
‫)‪ (31‬مجموع الفتللاوى بتصللرف )‪ ،(22-22/18‬ذكللر شلليخ‬
‫السلم ابن تيمية‪ :‬أنه يعللرف طائفللة مللن الصللالحين مللن‬
‫يتمنى أن يكون كافرا ً ليسلم فيغفر له مللا قللد سلللف؛ لن‬
‫التوبة عنده متعذرة عليه أو متعسرة على ما قللد قيللل للله‬
‫واعتقده مللن التوبللة‪ ،‬ثللم قللال‪ :‬ثللم هللذا منفللر لكللثر أهللل‬
‫الفسوق عن التوبة وهو شبيه بالمؤيس للناس مللن رحمللة‬
‫الله‪ ،‬مجموع الفتاوى )‪.(22/22‬‬
‫)‪ (32‬هذه حللال كللثير مللن الشللركات المحرمللة فللي البلد‬
‫السلمية فإنها تعلم بتحريم الربا ولكن تتعامل به عصلليانا ً‬
‫وعن هوى ‪-‬نسأل الله السلمة‪.-‬‬
‫)‪ (33‬تفسير آيات أشكلت)‪.(2/595‬‬
‫)‪ (34‬انظللر‪ :‬شللرائط التوبللة فللي مللدارج السللالكين )‬
‫‪.(1/182‬‬
‫)‪ (35‬المرجع السابق )‪.(1/305‬‬
‫===============‬
‫‪#‬تحريم العينة ‪ ،‬وجواز التورق بل قيد ول شرط‬
‫سليمان بن ناصر العلوان ‪26/3/1424‬‬
‫‪27/05/2003‬‬
‫كتب هللذا البحللث جوابلا ً علللى سللؤال ورد لفضلليلة الشلليخ‬
‫سليمان بن ناصر العلللوان حللول صللورة التللورق والعينللة ‪،‬‬

‫‪196‬‬

‫وحكمهمللا‪ ،‬ويسللر الموقللع أن ينشللر البحللث الللذي خللص‬
‫فضيلة الشيخ سليمان العلوان الموقع به‪.‬‬
‫العينة ‪ :‬في اللغة السلف ‪0‬‬
‫وصورتها في الشللرع ‪ :‬أن يللبيع مللن رجللل سلللعة بحللوزته‬
‫بثمن معلوم إلى أجل مسمى ثم يشللتريها منلله بأقللل مللن‬
‫الثمن الذي باعه بله ‪ ،‬وملن ذللك أن يلبيع سللعة بنقلد ثلم‬
‫يشتريها منه بأكثر منها نسيئة ‪0‬‬
‫وهي محرمة في قول أكثر العلماء ‪ ،‬وهي وسيلة إلى الربا‬
‫‪ ،‬وموصلة إليه ‪ ،‬خلفا ً للشافعي وأبي يوسف رحمهللا الللله‬
‫تعالى حيث أجازاها ‪0‬‬
‫قال النووي في روضللة الطللالبين )‪ (3/416‬فصللل ‪ :‬ليللس‬
‫من المناهي بيع العينة بكسر العين المهملة وبعد الياء نون‬
‫‪ ،‬وهو أن يبيع غيللره شلليئا ً بثمللن مؤجللل ويسلللمه إليلله ثللم‬
‫يشتريه قبل قبض الثمن بأقل من ذلك الثمن نقدا ً ‪0‬‬
‫وكذا يجللوز أن يللبيع بثمللن نقللدا ً ويشللتري بللأكثر منلله إلللى‬
‫أجل ‪ ،‬سواء قبض الثمن الول أم ل ‪ .‬وسواء صارت العينة‬
‫عادة له غالبة في البلد أم ل ‪ .‬هذا هللو الصللحيح المعللروف‬
‫في كتب الصحاب ‪ ،‬وأفتى الستاذ أبو إسحق السفراييني‬
‫‪ ،‬والشيخ أبو محمد بأنه إذا صار عادة له صار البيع الثللاني‬
‫كالمشروط في الول فيبطلن جميعا ً ‪0‬‬
‫ونقل أيضا ً فللي المجمللوع )‪ (9/261‬عللن الرافعللي قللوله ‪-‬‬
‫بعد كلم له سبق ‪ -‬لن العتبللار عنللدنا بظللاهر العقللود ‪ ،‬ل‬
‫بما ينويه العاقلدان ‪ ،‬ولهلذا يصلح بيلع العينلة ‪ ،‬ونكلاح ملن‬
‫قصد التحليل ونظائره ‪0‬‬
‫وجاء في حاشية ابن عابدين )‪ (5/273‬وعللن أبللي يوسللف‬
‫العينة جائزة مأجور من عمل بها ‪ ،‬كذا في مختار الفتللاوى‬
‫الهندية ‪0 ( ..‬‬
‫ن فعلها ‪ ،‬وذلك لوجوه ‪:‬‬
‫والصواب منع ذلك ‪ ،‬وتأثيم َ‬
‫م ْ‬
‫‪ -1‬أن النبي صلى الله عليه وسلم )نهللى عللن بيعللتين فللي‬
‫بيعللة( أخرجلله المللام أحمللد )‪ (2/432‬والشللافعي )‪(532‬‬
‫والنسائي )‪ (7/295‬والترمذي )‪ (1231‬كلهللم مللن طريللق‬
‫محمد بن عمرو بن علقمة بن وقللاص ‪ ،‬عللن أبللي سلللمة ‪،‬‬
‫عن أبي هريرة رضي الله عنه ‪0‬‬
‫‪197‬‬

‫وقال الترمذي حديث حسن صحيح ‪0‬‬
‫والعينة هي المقصودة في هذا الخبر ‪0‬‬
‫‪ -2‬أن الوسيلة إلى الربللا حللرام ‪ ،‬ول يختلللف العلمللاء فللي‬
‫تحريم الربا ‪ ،‬والعينة وسيلة إليه ‪ ،‬وحين سئل ابللن عبللاس‬
‫عن حريرة بيعت إلى أجللل ‪ ،‬ثللم اشللتريت بأقللل ‪ .‬فقللال ‪:‬‬
‫دراهم بدراهم ‪ ،‬دخلت بينهما حريرة ‪ .‬رواه سعيد وغيللره ‪،‬‬
‫وجاء نحوه عند عبد الرزاق في مصنفه ‪ .‬وسئل أنلس علن‬
‫دع هللذا ممللا حللرم الللله ‪،‬‬
‫العينللة ‪ ،‬فقللال ‪ :‬إن الللله ل ي ُ ْ‬
‫خل َ‬
‫ورسوله ‪ .‬عزاه ابن القيم لمطين في كتاب البيوع ‪0‬‬
‫‪ -3‬مللا جللاء عنللد المللام أحمللد فللي مسللنده ‪ ،‬مللن طريللق‬
‫العمش ‪ ،‬عن عطاء بن أبي رباح ‪ ،‬عللن ابللن عمللر رضللي‬
‫الله عنهمللا قللال ‪ :‬سللمعت رسللول الللله صلللى الللله عليلله‬
‫وسلم يقول‪) :‬إذا ضن الناس بالللدينار والللدرهم ‪ ،‬وتبللايعوا‬
‫بالعينة ‪ ،‬واتبعوا أذناب البقللر ‪ ،‬وتركللوا الجهللاد فللي سللبيل‬
‫الله ‪ ،‬أنزل الله بهم بلء ‪ ،‬فل يرفعلله عنهللم حللتى يراجعللوا‬
‫دينهم( ‪0‬‬
‫وهذا خبر ضللعيف ‪ ،‬وقللد جللاء مللن غيللر وجلله ‪ ،‬ول يصللح ‪،‬‬
‫وذهب شيخ السلم ‪ ،‬وابللن القيللم ‪ ،‬إلللى تقللويته بمجمللوع‬
‫طرقه ‪0‬‬
‫‪ -4‬ما رواه علي بن الجعد في مسنده )‪ (80‬ومللن طريقلله‬
‫البيهقي في سننه )‪ (5/330‬علن شلعبة عللن أبللي إسللحاق‬
‫قال دخلت امرأتي على عائشة ‪ ،‬وأم ولد لزيد بللن أرقللم ‪،‬‬
‫فقالت لها أم ولد زيد ‪ :‬إني بعت مللن زيللد عبللدا ً بثمانمللائة‬
‫نسيئة واشتريته منه بستمائة نقدا ً ‪ ،‬فقالت عائشللة رضللي‬
‫الله عنها )أبلغي زيدا ً أن قد أبطلت جهادك مع رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم إل أن تتوب بئسما شريت وبئس ما‬
‫اشتريت( ‪0‬‬
‫قال البيهقي رحمه الللله تعللالى ‪ :‬كللذا جللاء بلله شللعبة عللن‬
‫طريق الرسال ‪0‬‬
‫وهذا الخبر ‪ :‬ط ُِعن فيه بعلتين ‪:‬‬
‫‪ -1‬جهالللة العاليللة ‪ ،‬وقللد رد حللديثها الشللافعي فللي الم ‪،‬‬
‫والدارقطني ‪ ،‬وابن حزم في المحلى ‪0‬‬

‫‪198‬‬

‫وُرد هذا ‪ ،‬بأن العالية معروفة ‪ ،‬فقد دخلت علللى عائشللة ‪،‬‬
‫وسمعت منها ‪0‬‬
‫قال ابن الجوزي فللي التحقيللق – العاليللة ‪ -‬جليلللة القللدر ‪،‬‬
‫معروفة ‪0‬‬
‫وقال ابن عبد الهللادي فللي تنقيللح التحقيللق )‪ (2/558‬هللذا‬
‫إسناد جيد ‪ ،‬وإن كان الشافعي قد قال ‪ :‬إنلا ل نثبلت مثلله‬
‫على عائشة رضي الله عنها ‪ ،‬وكذلك قول الدارقطني في‬
‫العالية إنها مجهولة ل يحتللج بهللا ‪ ،‬فيلله نظللر ‪ .‬وقللد خللالفه‬
‫غيره ( ‪0‬‬
‫‪ -2‬وعلة أخرى ‪ ،‬الختلف فيلله ‪ ،‬فقللد رواه الثللوري ‪ ،‬عللن‬
‫أبي إسحاق ‪ ،‬عن امرأة أبي السفر ‪ :‬أنها بللاعت مللن زيللد‬
‫بن أرقم ‪.‬‬
‫ورواه عبد الرزاق ‪ ،‬عن الثوري ‪ ،‬عللن أبللي إسللحاق ‪ ،‬عللن‬
‫امرأته قالت ‪ :‬سمعت امللرأة أبللي السللفر تقللول ‪ :‬سللألت‬
‫عائشة ‪0‬‬
‫تابعه عبد الله بن الوليد ‪ ،‬عن الثوري ‪0‬‬
‫قال ابن حزم رحمه الله تعالى في المحلللى )‪ (7/550‬قللد‬
‫صللح أنلله مللدلس – يعنللي ‪ :‬أبللا إسللحاق ‪ -‬وأن امللرأة أبللي‬
‫إسحاق لم تسمعه من أم المؤمنين ‪ ،‬وذلللك أنلله لللم يللذكر‬
‫عنها زوجها ‪ ،‬ول ولللدها ‪ :‬أنهللا سللمعت سللؤال المللرأة لم‬
‫المؤمنين ‪ ،‬ول جواب أم المؤمنين لها ‪ ،‬إنما فللي حللديثها ‪:‬‬
‫دخلت على أم المؤمنين ‪ ،‬أنللا ‪ ،‬وأم ولللد لزيللد بللن أرقللم ‪،‬‬
‫فسألتها أم ولد زيد ابن أرقم – وهذا يمكن أن يكللون ذلللك‬
‫السؤال في ذلك المجلس ‪ ،‬ويمكن أن يكون في غيره ثللم‬
‫روى أبو محمد بسنده إلللى محمللد بللن يوسللف الفريللابي ‪،‬‬
‫عللن سللفيان الثللوري ‪ ،‬علن أبلي إسللحاق علن املرأة أبلي‬
‫السفر ‪ :‬أنها باعت من زيد بن أرقللم خادملا ً لهللا بثمانمللائة‬
‫درهم إلى العطاء ‪ ......‬فذكره ‪0‬‬
‫قال ‪ :‬وبما رويناهللا مللن طريللق عبللد الللرزاق عللن سللفيان‬
‫الثوري ‪ ،‬عن أبللي إسللحاق عللن امرأتلله ‪ ،‬قللالت ‪ :‬سللمعت‬
‫امرأة أبي السفر تقول ‪ :‬سألت عائشة ‪ .....‬فذكره ‪ .‬قللال‬
‫أبللو محمللد ‪ :‬فللبين سللفيان وجلله الدفينللة الللتي فللي هللذا‬
‫الحللديث ‪ ،‬وأنهللا لللم تسللمعه امللرأة أبللي إسللحاق مللن أم‬
‫‪199‬‬

‫المؤمنين ‪ ،‬وإنما روته عن امرأة أبي السللفر ‪ ،‬وهللي الللتي‬
‫باعت من زيد ‪ ،‬وهي أم ولد لزيد ‪ ،‬وهي في الجهالة أشللد‬
‫وأقوى من امرأة أبي إسحاق ‪ ،‬فصارت مجهولة عن أشللد‬
‫منها جهاللة ونكللرة ‪ ،‬فبطللل جمللة ‪ ،‬وللله تعلالى الحملد ‪،‬‬
‫وليس بين يونس ‪ ،‬وبين سفيان نسبة في الثقة والحفظ ‪،‬‬
‫فالرواية ما روى سفيان ‪0‬‬
‫وقيل إن هذا الختلف غيللر مللؤثر ‪ ،‬وقللد جللزم ابللن القيللم‬
‫رحمه الله تعالى في إعلم المللوقعين بصللحته ‪ ،‬ورد علللى‬
‫المخللالفين فللي ذلللك ‪ ،‬ولللم أر لحللد مللن أهللل الحللديث‬
‫المتقللدمين تصللحيحا ً للله ‪ ،‬وقللد جللزم الشللافعي وغيللره‬
‫بضعفه ‪ ،‬والله أعلم ‪0‬‬
‫وفي الباب غير ذلك ‪ ،‬فقد جللاءت آثللار كللثيرة فللي تحريللم‬
‫العينة ‪ ،‬والقياس ‪ ،‬والنظر الصحيح يقتضي ذلك ‪0‬‬
‫وقد قال مسروق ‪ :‬العينة حرام ‪ .‬رواه ابن أبي شلليبة فللي‬
‫مصنفه )‪0 (4/282‬‬
‫وجاء عن الحسن وابن سيرين ‪ ،‬أنهمللا كرهللا العينللة ‪ ،‬ومللا‬
‫دخل الناس فيه منها ‪ .‬رواه ابن أبللي شلليبة فللي مصللنفه )‬
‫‪0 (4/283‬‬
‫وقال طاووس ‪ :‬من اشللترى سلللعة بنظللرة مللن رجللل فل‬
‫يبيعها إياه ‪ ،‬ومن اشترى بنقد فل يبيعها إياه بنظللرة ‪ .‬رواه‬
‫عبد الرزاق في مصنفه )‪0 (8/186‬‬
‫وقال معمر سألت حمادا ً عن رجل اشترى من رجل سلعة‬
‫‪ ،‬هل يبيعها منه قبل أن ينقده بوضلليعة ؟ قللال‪ :‬ل‪ ،‬وكرهلله‬
‫حتى ينقذه‪ .‬أخرجه عبد الرزاق في مصنفه )‪0 (8/186‬‬
‫وقال أبو عمر بن عبد البر رحمه الله تعالى في الكللافي )‬
‫‪ (3/325‬وأما بيع العينة فمعناه أنه تحيللل فللي بيللع دراهللم‬
‫بدراهم أكثر منها إلى أجل بينهما سلعة محللة ‪ ،‬وهو أيض لا ً‬
‫من باب بيع ما ليس عنللدك ‪ ،‬وقللد نهللى عنلله رسللول الللله‬
‫صلى الله عليه وسلللم ؛ فللإن كللانت السلللعة المبيعللة فللي‬
‫ذلللك طعام لا ً دخللله أيض لا ً مللع ذلللك بيللع الطعللام قبللل أن‬
‫يستوفى ‪ ،‬مثال ذلك أن يطلب رجل من آخر سلعة ليبيعها‬
‫منه بنسيئة ‪ ،‬وهو يعلم أنها ليست عنده ويقول له اشللترها‬
‫من مالكها هذا بعشرة ‪ ،‬وهي علي باثني عشللر أو القللدرة‬
‫‪200‬‬

‫عشلر إللى أجلل كلذا فهلذا ل يجلوز لملا ذكرنلا ‪ ،‬واختللف‬
‫أصحاب مالك في فسخ البيع المذكور بالعينة إذا وقع على‬
‫ذلك ‪ ،‬فمنهم من رأى فسخه قبل الفوات ‪ ،‬وبعده يصلللحه‬
‫بالقيمة على حكم البيوع الفاسدة ‪0‬‬
‫وقال أبو محمد ابن حزم في المحلى )‪ (7/549‬فإن ابتللاع‬
‫سلعة بثمن مسمى إلى أجل مسمى ‪ ،‬فإنه ل يجوز للله أن‬
‫يبيعها من الذي باعها منه بثمللن أقللل مللن ذلللك الثمللن‪ ،‬أو‬
‫بسلعة تساوي أقل من ذلك الثمن نقدا ً ‪ ،‬أو إلى أجل أقللل‬
‫من ذلك الجل أو مثله ‪ :‬لم يجز شيء ملن ذللك ‪ ،‬ولله أن‬
‫يبيعها من الذي باعها منه بثمن أكثر من ذلك الثمن نقللدا ً ‪،‬‬
‫أو إلى أجل أقل مللن ذللك الجللل أو مثلله ‪ ،‬وليللس لله أن‬
‫يبيعها من بائعها منه بثمن أكثر من ذلللك الثمللن إلللى أبعللد‬
‫من ذلك الجل ‪ ،‬ول بسلعة تساوي أكللثر مللن ذلللك الثمللن‬
‫إلى أبعد من ذلك الجل ‪0‬‬
‫وقال ابن قدامة في المغني )‪ (4/256‬وجملة ذلك أن مللن‬
‫باع سلعة بثمن مؤجل ثم اشتراها بأقل منه نقللدا ً لللم يجللز‬
‫فللي قللول أكللثر أهللل العلللم ‪ ،‬روي ذلللك عللن ابللن عبللاس‬
‫وعائشة والحسن وابن سلليرين والشللعبي والنخعللي ‪ ،‬وبلله‬
‫قال أبو الزناد وربيعة وعبد العزيز بن أبي سلللمة والثللوري‬
‫والوزاعللي ومالللك وإسللحاق وأصللحاب الللرأي ‪ ،‬وأجللازه‬
‫الشافعي لنه ثمن يجوز بيعها به من غير بائعها فجللاز مللن‬
‫بائعها كما لو باعها بمثل ثمنها ‪ .‬ونقل عن المام أحمد أنلله‬
‫قللال ‪ :‬العينللة أن يكللون عنللد الرجللل المتللاع فل يللبيعه إل‬
‫بنسيئة ‪ ،‬فإن باعه بنقللد ونسلليئة فل بللأس ‪ .‬وقللال ‪ :‬أكللره‬
‫للرجل أن ل يكون له تجارة غير العينة ل يبيع بنقد ‪ ،‬وقللال‬
‫ابن عقيل إنما كره النسيئة لمضارعتها الربللا فللإن الغللالب‬
‫أن البائع بنسيئة يقصد الزيللادة بالجللل ‪ ،‬ويجللوز أن تكللون‬
‫العينة اسما لهذه المسللألة ‪ ،‬وللللبيع بنسلليئة جميعلا ً ‪ ،‬لكللن‬
‫البيع بنسيئة ليس بمحرم اتفاقا ً ‪ ،‬ول يكره إل أن يكون للله‬
‫تجارة غيره ‪0‬‬
‫وقال في النصاف )‪ (4/335‬ومللن بللاع سللعة بنسليئة للم‬
‫يجز أن يشتريها بأقللل ممللا باعهللا نقللدا ً ‪ ،‬إل أن تكللون قللد‬
‫تغيرت صفتها ‪0‬‬
‫‪201‬‬

‫قال ‪ :‬هذه مسألة العينة ‪ ،‬فعلها محرم ‪ .‬على الصحيح من‬
‫المذهب ‪ .‬نص عليه ‪ .‬وعليه الصحاب ‪ ،‬وعند أبي الخطاب‬
‫يحرم استحسانا ً ‪ ،‬ويجوز قياسا ً ‪ .‬وكذا قال في الللترغيب ‪:‬‬
‫لم يجز استحسانا ً ‪ .‬وفي كلم القاضي وأصحابه ‪ :‬القيللاس‬
‫صحة البيع ‪0‬‬
‫قال في الفروع ‪ :‬ومرادهم أن القياس خولف لدليل راجح‬
‫‪ ،‬فل خلف إذا ً فللي المسلألة ‪ .‬وحكللى الزركشلي بالصللحة‬
‫قول ً ‪ ،‬وذكر الشيخ تقي الدين أيضا ً ‪ :‬أنه يصح البيع الول ‪،‬‬
‫إذا كان بيانا ً ‪ ،‬بل مواطأة ‪ ،‬وإل بطل ‪ ،‬وأنه قول أحمد ‪0‬‬
‫وجاء في السؤال ‪ :‬ما صورة التورق ‪0‬‬
‫والتورق هو ‪ :‬شراء سلعة بثمن مؤجللل بقصللد بيعهللا علللى‬
‫غير البائع ‪0‬‬
‫وحكم ذلك ‪ :‬الجواز في أصللح قللولي العلمللاء ‪ ،‬وهللو قللول‬
‫إياس بن معاويللة ‪ ،‬والمللام أحمللد فللي إحللدى الروايللتين ‪،‬‬
‫وهي المشهورة عند الحنابلة ‪0‬‬
‫قال في كشاف القناع )‪ (3/186‬ولو احتاج إنسان إلى نقد‬
‫‪ ،‬فاشترى ما يساوي مائة بمائة وخمسين ‪ ،‬فل بأس بللذلك‬
‫‪ .‬نص عليه ‪ ،‬وهي مسألة التورق ( ‪0‬‬
‫ودليل الجواز ‪:‬‬
‫)‪ (1‬أن الصل في العقللود والمعللاملت الحللل حللتى يقللوم‬
‫الدليل على تحريمها ‪0‬‬
‫)‪ (2‬وبللدليل العمللوم المسللتفاد مللن قللوله تعللالى )ي َللا أ َي ّهَللا‬
‫َ‬
‫من ُللوا إ ِ َ‬
‫ال ّ ِ‬
‫ن إ ِل َللى أ َ‬
‫م ب ِلد َي ْ‬
‫ذا ت َل َ‬
‫م َ‬
‫مى فَللاك ْت ُُبوهُ‬
‫سل ّ‬
‫ل ُ‬
‫داَينت ُ ْ‬
‫نآ َ‬
‫جل ٍ‬
‫ذي َ‬
‫ٍ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫ح ّ‬
‫ع‬
‫ه ال ْب َي ْ َ‬
‫ل( وقوله تعالى )وَأ َ‬
‫كات ِ ٌ‬
‫وَل ْي َك ْت ُ ْ‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫ب ب َي ْن َك ُ ْ‬
‫ب ِبال ْعَد ْ ِ‬
‫م الّرَبا( ‪0‬‬
‫وَ َ‬
‫حّر َ‬
‫فمن اشترى سلعة قرضا ً ‪ ،‬سواء قصد ذاتها أو ثمنها فالية‬
‫مفيدة بجواز هذا البيع ويتأكد هذا بالصل في حكم العقللود‬
‫والمعاملت ‪ ،‬فل يخرج عن هذا الصل إل بدليل ‪0‬‬
‫ول أعلم دليل ً شرعيا ً يمنع هذه المعاملة ‪ ،‬وأما تعليللل مللن‬
‫منعهللا بكللون المقصللود منهللا الللدراهم ‪ ،‬أو التحايللل علللى‬
‫الربا ‪ ،‬فليس فيه تحيل على الربا بوجه مللن الوجللوه ‪ ،‬مللع‬
‫مسيس الحاجة إليها ‪ ،‬لنه ليس كللل أحللد اشللتدت حللاجته‬
‫إلى النقللد يجللد مللن يقرضلله بللدون ربللا ‪ ،‬ومللا دعللت إليلله‬
‫‪202‬‬

‫الحاجة ‪ ،‬وليس فيه محذور شرعي ‪ ،‬لم يجز تحريمه علللى‬
‫العباد ‪0‬‬
‫• وذهب عمر بن عبد العزيز ‪ ،‬وطائفة من أهللل المدينللة ‪،‬‬
‫والمام أحمد في رواية إلى التحريللم ‪ ،‬وهللذا اختيللار شلليخ‬
‫السلم ابن تيمية ‪ ،‬وتلميذه العلمة ابن القيم ‪0‬‬
‫وقللال شلليخ السلللم رحملله الللله تعللالى فللي الفتللاوى )‬
‫‪ (29/303‬إن كلللان المشلللتري محتاجلللا ً إللللى اللللدراهم ‪،‬‬
‫فاشتراها ليبيعها ‪ ،‬ويأخذ ثمنها ‪ ،‬فهللذا يسللمى التللورق وإن‬
‫كان المشتري غرضه أخذ الورق ‪ ،‬فهذا مكروه فللي أظهللر‬
‫قولي العلماء ‪ ،‬كما قال عمر بن عبد العزيز ‪ :‬التورق أخية‬
‫الربللا ‪ .‬وقللال ابللن عبللاس ‪ :‬إذا قللومت بنقللد ‪ ،‬ثللم بعللت‬
‫بنسيئة ‪ :‬فتلك دراهم بدراهم ‪ ،‬وهذا إحللدى الروايللتين عللن‬
‫أحمد ‪0‬‬
‫ومعنى قول عمر بن عبد العزيز أخية الربا ‪ ،‬يعنللي ‪ :‬أصللل‬
‫الربا قاله شيخ السلم ابن تيمية رحمه الللله تعللالى ‪ ،‬كمللا‬
‫في الفتاوى )‪(29/431‬‬
‫وقللال شليخ السلللم رحمله اللله تعلالى أيضلا ً ‪ ،‬فللي بيللان‬
‫الدليل في إبطال التحليللل )‪ (119‬ولهللذا كللره العلمللاء أن‬
‫يكون أكثر بيع الرجل أو عامته بنسيئة لئل يدخل في اسللم‬
‫العينة ‪ ،‬وبيع المضطر ‪ ،‬فإن أعاد السلللعة إلللى البللائع فهللو‬
‫الذي ل يشك في تحريمه ‪ ،‬وأما إن باعها لغيره بيعا ً بتاتللا ً ‪،‬‬
‫ولم تعد إلى الول بحال فقد اختلف السلف فللي كراهيتلله‬
‫ويسمونه التورق لن مقصوده الورق ‪ ،‬وكان عمر بن عبللد‬
‫العزيز يكرهه ‪ ،‬وقال التورق أخية الربا وإياس بللن معاويللة‬
‫يرخص فيه ‪ ،‬وعن المام أحمد فيه روايتللان منصوصللتان ‪،‬‬
‫وأشار في رواية الكراهة إلى أنه مضطر ‪0‬‬
‫وقال ابن القيم رحمله اللله تعلالى فلي إعلم الملوقعين )‬
‫‪ (3/370‬وهذا المضطر إن أعاد السلللعة إلللى بائعهللا فهللي‬
‫العينة وإن باعها لغيره فهو التورق وإن رجعللت إلللى ثللالث‬
‫يدخل بينهملا فهللو محللل الربللا والقسللام الثلثللة يعتمللدها‬
‫المرابون وأخفها التورق ‪ ،‬وقد كرهه عمر ابن عبد العزيللز‬
‫وقال هو أخية الربا ‪ ،‬وعن أحمد فيلله روايتللان وأشللار فللي‬
‫رواية الكراهة إلى أنه مضطر ‪ ،‬وهذا من فقهه رضي الللله‬
‫‪203‬‬

‫عنه قال فإن هذا ل يدخل فيلله إل مضللطر ‪ ،‬وكللان شلليخنا‬
‫رحمه الله يمنع من مسألة التورق وروجع فيها مللرارا ً وأنللا‬
‫حاضر فلم يرخص فيهللا وقللال المعنللى الللذي لجللله حللرم‬
‫الربا موجود فيها بعينلله مللع زيللادة الكلفللة بشللراء السلللعة‬
‫وبيعها والخسارة فيها ؛ فالشريعة ل تحللرم الضللرر الدنللى‬
‫وتبيح ما هو أعلى منه ‪0‬‬
‫وقللال أيض لا ً فللي تهللذيب السللنن )‪ 250-9/249‬المطبللوع‬
‫ضمن عون المعبللود( فللإن قيللل فمللا تقولللون إذا لللم تعللد‬
‫السلعة إليه بل رجعت إلى ثالث هل تسمون ذلك عينة ؟‬
‫قيل هذه مسألة )التورق( لن المقصود منها الورق ‪ ،‬وقللد‬
‫نص أحمد في رواية أبي داود على أنها من العينة ‪ ،‬وأطلق‬
‫عليها اسمها ‪0‬‬
‫وقللد اختلللف السلللف فللي كراهيتهللا ‪ ،‬فكللان عمللر بللن‬
‫عبللدالعزيز يكرههللا ‪ ،‬وكللان يقللول )التللورق أخيللة الربللا(‬
‫ورخص فيها إياس بن معاوية ‪0‬‬
‫وعن أحمد فيها روايتان منصوصتان ‪ ،‬وعلللل الكراهللة فللي‬
‫إحداهما بأنه بيع مضطر وقللد روى أبللو داود عللن علللي أن‬
‫النبي نهى عللن المضللطر ‪ ،‬وفللي المسللند عللن علللي قللال‬
‫سيأتي على الناس زمان يعض المؤمن علللى مللا فللي يللده‬
‫ضل َ‬
‫م(‬
‫وا ال َْف ْ‬
‫ولم يؤمر بللذلك ‪ ،‬قللال تعللالى )َول َتن َ‬
‫ل ب َي ْن َك ُل ْ‬
‫سل ْ‬
‫ويبايع المضطرون ‪ ،‬وقد نهى رسول الله صلى الللله عليلله‬
‫وسلم عن بيع المضطر ‪ ( ...‬وذكر الحديث ‪0‬‬
‫فأحمد رحمه الله تعالى أشار إلى أن العينة إنمللا تقللع مللن‬
‫رجل مضطر إلللى نقللد لن الموسللر يضللن عليلله بللالقرض‬
‫فيضطر إلى أن يشتري منه سلعة ثم يبيعها فللإن اشللتراها‬
‫منه بائعها كانت عينة ‪ ،‬وإن باعها من غيره فهي )التللورق(‬
‫ومقصوده في الموضللعين ‪ :‬الثمللن فقللد حصللل فللي ذمتلله‬
‫ثمن مؤجل مقابل لثمن حال أنقص منلله ‪ ،‬ول معنللى للربللا‬
‫إل هذا لكنه ربا بسلم لم يحصل له مقصللوده إل بمشللقة ‪،‬‬
‫ولو لم يقصده كان ربا بسهولة ‪0‬‬
‫وقال ابن مفلح في الفروع )‪ (4/126‬ولو احتللاج إلللى نقللد‬
‫فاشترى ما ساوى مائة بمائتين فل بأس ‪ ،‬نص عليه ‪ ،‬هللي‬
‫التورق ‪ ،‬وعنه ‪ :‬يكره ‪ .‬وحرمه شلليخنا ‪ ،‬نقللل أبللو داود إن‬
‫‪204‬‬

‫كان ل يريد بيع المتاع الذي يشتريه منك هللو أهللون ؛ فللإن‬
‫كان يريد بيعه فهو العينللة وإن بللاعه منلله لللم يجللز ‪ ،‬وهللي‬
‫العينة نص عليه ‪0‬‬
‫وفيه أدلة أخرى للذين يجيزون التورق ‪ ،‬والللذين يحرمللون‬
‫ذلك ‪0‬‬
‫والصواب من قولي العلماء جللواز التللورق ‪ ،‬وهللذا مللذهب‬
‫الجمهور ‪ ،‬فإن الصل في البيوع والمعاملت الحللل ‪ ،‬ولللم‬
‫يأت دليل يقضي بأن التورق ربا ‪ ،‬أو فيه شللبهة ربللا ‪ ،‬فقللد‬
‫بيعت السلعة على غير المشترى منه ‪ ،‬فانتفت شبهة الربا‬
‫الموجودة في بيع العينة ‪ ،‬والعجيب في المسألة أن بعللض‬
‫الفقهللاء يجيللز العينللة إذا لللم يكللن فيلله تواطللأ بيللن البللائع‬
‫والمشللتري ويمنللع التللورق ‪ ،‬وهللذا تنللاقض ‪ ،‬وتفريللق بيللن‬
‫المتماثلين ‪ ،‬والله أعلم ‪0‬‬
‫هذا ونحث المسلمين ‪ ،‬ممن آتاهم الله بسطة في المال ‪،‬‬
‫وثلللروة فلللي القتصلللاد ‪ ،‬مواسلللاة ومسلللاعدة إخلللوانهم‬
‫المعسرين ‪ ،‬والقيللام معهللم فللي معيشللتهم ‪ ،‬والنظللر فللي‬
‫شؤنهم ‪ ،‬فالمسلمون بعضهم لبعض كالعضو الواحد ‪ ،‬وقللد‬
‫جاء السلم بالتكافل الجتماعي ‪ ،‬وجاء الركن الثالث مللن‬
‫أركان السلم ‪ ،‬الزكاة ‪ ،‬ومما رغللب فيلله الصللدقة ‪ ،‬وممللا‬
‫حللث عليلله إنظللار المعسللر والتعللاون مللع المعللوزين ‪،‬‬
‫والتوسلليع علللى المعسللرين ممللا يعللزز عمللق الخللوة‬
‫الصادقة ‪ ،‬وينشر المودة الخالصة ‪ ،‬ويبث روح الرحمة بين‬
‫أفراد المجتمع ‪ ،‬يحسن فيها القوي على الضللعيف والغنللي‬
‫على الفقير ‪0‬‬
‫إن السلم ضرب القدح المعلى ‪ ،‬وصور المثل العليللا فللي‬
‫التكافل الجتماعي والتضامن السلمي ‪ ،‬فجاء في النفاق‬
‫علللى المحتللاجين ‪ ،‬والبللذل للمعللوزين ‪ ،‬والعطللف علللى‬
‫الفقراء والمدينين ‪ ،‬ورتب على ذلك تجاوز الله تعالى عللن‬
‫الذنوب والثام ‪ ،‬قال رسول الله صلللى الللله عليلله وسلللم‬
‫)تلقللت الملئكللة روح رجللل ممللن كللان قبلكللم ‪ ،‬قللالوا ‪:‬‬
‫أعملللت مللن الخيللر شلليئا ً ؟ قللال ‪ :‬كنللت آمللر فتيللاني أن‬
‫ينظروا ويتجللاوزوا عللن المعسللر ‪ ،‬قللال ‪ :‬قللال ‪ :‬فتجللاوزوا‬

‫‪205‬‬

‫عنه( متفق عليه من طريق زهير ‪ ،‬عن منصور ‪ ،‬عن ربعي‬
‫بن حراش ‪ ،‬عن حذيفة رضي الله عنه ‪0‬‬
‫وإنظار المعسر ‪ ،‬من أسباب تنفيس كرب يوم القيامة‪،‬كما‬
‫جاء في صللحيح مسلللم )‪ (1563‬مللن طريللق أيللوب ‪ ،‬عللن‬
‫يحيى بن أبي كثير ‪ ،‬عن عبد الللله بللن أبللي قتللادة ‪ ،‬أن أبللا‬
‫قتادة طلب غريما ً له فتوارى عنه ‪ ،‬ثم وجده ‪ ،‬فقال ‪ :‬إني‬
‫معسر ‪ ،‬فقال ‪ :‬آلللله؟ ‪ ،‬قللال ‪ :‬آلللله قللال ‪ :‬فللإني سللمعت‬
‫رسول الله صلى الللله عليلله وسلللم يقللول )مللن سللره أن‬
‫ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس عللن معسللر ‪ ،‬أو‬
‫يضع عنه( ‪0‬‬
‫وإنظار المعسر ‪ ،‬من أسباب الستظلل بظل الللله يللوم ل‬
‫ظللل إل ظللله ‪ ،‬روى مسلللم فللي صللحيحه )‪ (3006‬مللن‬
‫طريق يعقوب بن مجاهد أبي حزرة ‪ ،‬عن عبادة بن الوليللد‬
‫ابن عبادة بن الصامت قال ‪ :‬خرجت أنا وأبي نطلب العلم‬
‫في هذا الحي من النصار ‪ ،‬قبل أن يهلكوا ‪ ،‬فكان أول من‬
‫لقينا أبا اليسر ‪ ،‬صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلللم‬
‫ومعه غلم له ‪ ،‬معه ضمامة من صحف ‪ ،‬وعلى أبي اليسر‬
‫بردة ومعافري ‪ ،‬وعلى غلمه بللردة ومعللافري ‪ ،‬فقللال للله‬
‫أبي ‪ :‬يا عم إني أرى في وجهك سفعة من غضب ‪ ،‬قللال ‪:‬‬
‫أجل كان لي علللى فلن بللن فلن الحرامللي مللال ‪ ،‬فللأتيت‬
‫ي ابن للله‬
‫أهله فسلمت ‪ ،‬فقلت ثم هو ؟ قالوا ل فخرج عل ّ‬
‫جفر ‪ ،‬فقلت له أين أبوك ؟ قال سمع صوتك فدخل أريكة‬
‫أمي ‪ ،‬فقلت اخرج إلللي فقللد علمللت أيللن أنللت ‪ ،‬فخللرج ‪،‬‬
‫فقلت ‪ :‬ما حملك على أن اختبللأت منللي ؟ قللال أنللا والللله‬
‫أحدثك ‪ ،‬ثم ل أكذبك خشيت ‪ ،‬والللله أن أحللدثك فأكللذبك ‪،‬‬
‫وأن أعدك فأخلفك ‪ ،‬وكنت صاحب رسول الله صلللى الللله‬
‫عليه وسلم ‪ ،‬وكنت والله معسرا ً ‪ ،‬قللال قلللت آلللله ‪ ،‬قللال‬
‫الله ‪ ،‬قلت آلله ‪ ،‬قال الللله ‪ ،‬قلللت آلللله ‪ ،‬قللال الللله‪ ،‬قللال‬
‫فللأتى بصللحيفته فمحاهللا بيللده ‪ ،‬فقللال إن وجللدت قضللاء‬
‫فاقضني ‪ ،‬و إل أنت في حللل ‪ ،‬فأشللهد بصللر عينللي هللاتين‬
‫)ووضع إصبعيه على عينيلله( وسللمع أذنللي هللاتين ‪ ،‬ووعللاه‬
‫قلبي هذا )وأشار إلى مناط قلبه( رسول الللله صلللى الللله‬

‫‪206‬‬

‫عليه وسلم وهو يقول )من أنظر معسرا ً ‪ ،‬أو وضللع عنلله ‪،‬‬
‫أظله الله في ظله( ‪0‬‬
‫إن النفوس الكريمة ‪ ،‬مجبولة على حب من أحسن إليهللا ‪،‬‬
‫وصنائع المعروف ساترة لعيللوب صللاحبه ‪ ،‬غللافرة لزلتلله ‪،‬‬
‫متجاوزة عن هفوته‬
‫ب المرِء في الناس بخُله … …‬
‫وُيظهُر عي َ‬
‫وَيستُره عنهم جميعا ً سخا ُ‬
‫ؤه‬
‫َتغ ّ‬
‫ب السخاِء فإنني … …‬
‫ط بأثوا ِ‬
‫أرى ك ّ‬
‫ب والسخاُء غطا ُ‬
‫ؤه‬
‫ل عي ٍ‬
‫إن صللاحب المعللروف يسللتعبد قلللوب الحللرار ‪ ،‬ويعطللف‬
‫قلوبهم إليه ‪ ،‬ويحبب الناس إليه ولللو لللم ينللل النللاس مللن‬
‫إحسانه‬
‫م……‬
‫أحسن إلى الناس تستعبد قلوبه ُ‬
‫ن‬
‫فطالما استعبد النسان إحسا ُ‬
‫من جاد بالمال مال الناس قاطبة … …‬
‫ن‬
‫إليه والمال للنسان فتا ُ‬
‫أحسن إذا كان إمكان ومقدرة … …‬
‫ن‬
‫فلن يدوم على النسان إمكا ُ‬
‫إن البذل والسخاء خلق كريم ‪ ،‬من أشرف القيم العاليللة ‪،‬‬
‫والخلق الفاضلللة بلله يتبللؤ صللاحبه الرتللب العليللة ‪ ،‬وينللال‬
‫الشللرف الرفيللع ‪ ،‬ذلللك لن الجللود مللن أشللرف المكللارم‬
‫وأخص الفضائل ‪ ،‬وأهله هم المكرمون عند الله تعالى‬
‫ة ل يسللتوي البخللل عنللد الللله‬
‫ة والبخل مبغضل ٌ‬
‫الجود مكرم ٌ‬
‫والجود ُ‬
‫==================‬
‫‪ #‬قرار رقم ‪ (2/7 ) 64 :‬بشأن البيع بالتقسيط‬
‫مجمللع الفقلله السلللمي المنبثللق عللن منظمللة المللؤتمر‬
‫السلمي ‪21/10/1425‬‬
‫‪04/12/2004‬‬
‫مجلة المجمع )ع ‪ ،6‬ج ‪ 1‬ص ‪ 193‬والعدد السللابع ج ‪ 2‬ص‬
‫‪(9‬‬
‫إن مجلللس مجمللع الفقلله السلللمي المنعقللد فللي دورة‬
‫مؤتمره السابع بجدة في المملكة العربيللة السللعودية مللن‬
‫‪207‬‬

‫‪ 12-7‬ذي القعدة ‪1412‬هل الموافق ‪ 14 – 9‬أيللار )مللايو(‬
‫‪1992‬م ‪،‬‬
‫بعد اطلعه على البحوث الللواردة إلللى المجمللع بخصللوص‬
‫موضللوع الللبيع بالتقسلليط‪ ،‬واسللتكمال ً للقللرار ‪(2/6) 51‬‬
‫بشأنه‪،‬‬
‫وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله‪،‬‬
‫قرر ما يلي ‪:‬‬
‫أول ً ‪ :‬الللبيع بالتقسلليط جللائز شللرعًا‪ ،‬ولللو زاد فيلله الثمللن‬
‫المؤجل على المعجل ‪.‬‬
‫ثانيا ً ‪ :‬الوراق التجارية )الشيكات‪-‬السللندات لمللر‪-‬سللندات‬
‫السحب( من أنواع التوثيق المشروع للدين بالكتابة ‪.‬‬
‫ثالثا ً ‪ :‬إن حسم )خصم( الوراق التجارية غير جائز شللرعًا‪،‬‬
‫لنه يؤول إلى ربا النسيئة المحرم ‪.‬‬
‫رابعا ً ‪ :‬الحطيطة من الدين المؤجل‪ ،‬لجللل تعجيلله‪ ،‬سلواء‬
‫أكانت بطلب الدائن أو المدين )ضع وتعجل( جائزة شرعًا‪،‬‬
‫ل تدخل في الربللا المحللرم إذا لللم تكللن بنللاء علللى اتفللاق‬
‫مسبق‪ ،‬وما دامت العلقة بين الدائن والمدين ثنائية ‪ .‬فإذا‬
‫دخل بينهما طرف ثالث لم تجللز‪ ،‬لنهللا تأخللذ عنللدئذٍ حكللم‬
‫حسم الوراق التجارية ‪.‬‬
‫خامسا ً ‪ :‬يجوز اتفاق المتداينين على حلول سائر القساط‬
‫عند امتناع المدين عللن الوفللاء بللأي قسللط مللن القسللاط‬
‫المستحقة عليه ما لم يكن معسرا ً ‪.‬‬
‫سادسا ً ‪ :‬إذا اعتبر الدين حال ً لموت المدين‪ ،‬أو إفلسه‪ ،‬أو‬
‫ممللاطلته‪ ،‬فيجللوز فللي جميللع هللذه الحللالت الحللط منلله‬
‫للتعجيل بالتراضي ‪.‬‬
‫سابعا ً ‪ :‬ضللابط العسللار الللذي يللوجب النظللار ‪ :‬أل يكللون‬
‫للمدين مال زائد عن حوائجه الصلية يفللي بللدينه نقللدًا‪ ،‬أو‬
‫عينا ً ‪.‬‬
‫والله أعلم‬
‫=============‬
‫‪#‬السندات‬
‫مجمللع الفقلله السلللمي المنبثللق عللن منظمللة المللؤتمر‬
‫السلمي ‪19/10/1425‬‬
‫‪208‬‬

‫‪02/12/2004‬‬
‫مجلة المجمع )ع ‪ ،6‬ج ‪ 2‬ص ‪1273‬ع ‪ 7‬ج ‪ 1‬ص ‪(73‬‬
‫إن مجلللس مجمللع الفقلله السلللمي المنعقللد فللي دورة‬
‫مؤتمره السادس بجدة في المملكة العربية السعودية من‬
‫‪ 23-17‬شللعبان ‪1410‬هل ل الموافللق ‪20-14‬آذار )مللارس(‬
‫‪1990‬م‪،‬‬
‫بعد اطلعه على البحاث والتوصيات والنتائج المقدمة في‬
‫ندوة السواق المالية المنعقدة في الرباط ‪ 24 – 20‬ربيع‬
‫الثاني ‪ 1410‬هل ‪ 1989 / 10/ 24 – 20 /‬م بالتعاون بين‬
‫هذا المجمع والمعهد السلمي للبحللوث والتللدريب بالبنللك‬
‫السلمي للتنمية ‪ ،‬وباستضللافة وزارة الوقللاف والشللؤون‬
‫السلمية بالمملكة المغربية ‪،‬‬
‫وبعد الطلع على أن السند شهادة يلتزم المصدر بموجبها‬
‫أن يدفع لحاملها القيمة السمية عند الستحقاق ‪ ،‬مع دفللع‬
‫فائدة متفق عليها منسوبة إلى القيمة السمية للسللند ‪ ،‬أو‬
‫ترتيب نفع مشروط سواء أكللان جللوائز تللوزع بالقرعللة أم‬
‫مبلغا ً مقطوعا ً أم حسما ً ‪،‬‬
‫قرر ما يلي ‪:‬‬
‫أول ً ‪ :‬إن السندات التي تمثل التزاما ً بدفع مبلغا ً مع فللائدة‬
‫منسوبة إليلله أو نفللع مشللروط محرمللة شللرعا ً مللن حيللث‬
‫الصدار أو الشراء أو التداول ‪ ،‬لنهلا قلروض ربويلة سلواء‬
‫أكانت الجهة المصدرة لها خاصة أو عامة ترتبط بالدولللة ‪.‬‬
‫ول أثر لتسميتها شهادات أو صكوكا ً اسلتثمارية أو ادخاريلة‬
‫أو تسللمية الفللائدة الربويللة الملللتزم بهللا ربح لا ً أو ريع لا ً أو‬
‫عمولة أو عائدا ً ‪.‬‬
‫ثانيلللا ً ‪ :‬تحلللرم أيضللا ً السلللندات ذات الكوبللون الصللفري‬
‫باعتبارها قروضا ً يجري بيعها بأقللل مللن قيمتهللا السللمية ‪،‬‬
‫ويسللتفيد أصللحابها مللن الفللروق باعتبارهللا حسللما ً لهللذه‬
‫السندات ‪.‬‬
‫ثالث لا ً كمللا تحللرم أيض لا ً السللندات ذات الجللوائز باعتبارهللا‬
‫قروضللا ً ُاشللترط فيهللا نفللع أو زيللادة بالنسللبة لمجمللوع‬
‫المقرضين ‪ ،‬أو لبعضهم ل على التعيين ‪ ،‬فضل ً عللن شللبهة‬
‫القمار ‪.‬‬
‫‪209‬‬

‫رابعا ً ‪ :‬من البدائل للسندات المحرمللة – إصللدارا ً أو شللراءً‬
‫أو تللداول ً – السللندات أو الصللكوك القائمللة علللى أسللاس‬
‫المضاربة لمشروع أو نشللاط اسللتثماري معيللن ‪ ،‬بحيللث ل‬
‫يكون لمالكيهلا فللائدة أو نفلع مقطلوع ‪ ،‬وإنمللا تكلون لهللم‬
‫نسبة من ربح هذا المشللروع بقللدر مللا يملكللون مللن هللذه‬
‫السندات أو الصللكوك ول ينللالون هللذا الربللح إل إذا تحقللق‬
‫فعل ً ‪ .‬ويمكللن السللتفادة فللي هللذا مللن الصلليغة الللتي تللم‬
‫اعتمادهللا بللالقرار رقللم ‪ (5/4) 30‬لهللذا المجمللع بشللأن‬
‫سندات المقارضة ‪.‬‬
‫والله أعلم‬
‫============‬
‫‪#‬التمويل العقاري لبناء المساكن وشرائها‬
‫مجمللع الفقلله السلللمي المنبثللق عللن منظمللة المللؤتمر‬
‫السلمي ‪21/10/1425‬‬
‫‪04/12/2004‬‬
‫مجلة المجمع )ع ‪5‬ج ‪4‬ص ‪2773‬ع ‪6‬ج ‪1‬ص ‪( 81‬‬
‫إن مجلللس مجمللع الفقلله السلللمي المنعقللد فللي دورة‬
‫مؤتمره السادس بجدة في المملكة العربية السعودية من‬
‫‪ 23 -17‬شللعبان ‪ 1410‬هللل الموافللق ‪ 20 – 14‬آذار‬
‫)مارس( ‪1990‬م‪،‬‬
‫بعد اطلعه على البحوث الللواردة إلللى المجمللع بخصللوص‬
‫موضوع التمويل العقاري لبناء المساكن وشرائها ‪،‬‬
‫واستماعه للمناقشات التي دارت حوله ‪،‬‬
‫قرر ما يلي ‪:‬‬
‫أول ً ‪ :‬إن المسللكن مللن الحاجللات الساسللية للنسللان ‪،‬‬
‫وينبغللي أن يللوفر بللالطرق المشللروعة بمللال حلل ‪ ،‬وإن‬
‫الطريقة التي تسلكها البنوك العقارية والسكانية ونحوها ‪،‬‬
‫من القراض بفائدة قللت أو كلثرت‪ ،‬هلي طريقلة محرملة‬
‫شرعا ً لما فيها من التعامل بالربا ‪.‬‬
‫ثانيا ً ‪ :‬هنللاك طللرق مشللروعة ُيسللتغنى بهللا عللن الطريقللة‬
‫المحرمللة‪ ،‬لتللوفير المسللكن بالتملللك )فضلل ً عللن إمكانيللة‬
‫توفيره باليجار(‪ ،‬منها ‪:‬‬

‫‪210‬‬

‫أ‪ -‬أن تقدم الدولة للراغللبين فللي تملللك مسللاكن‪ ،‬قروض لا ً‬
‫مخصصة لنشاء المساكن‪ ،‬تستوفيها بأقساط ملئمة بدون‬
‫فللائدة‪ ،‬سللواء أكللانت الفللائدة صللريحة‪ ،‬أم تحللت سللتار‬
‫اعتبارها )رسللم خدمللة(‪ ،‬علللى أنلله إذا دعللت الحاجللة إلللى‬
‫تحصيل نفقات لتقديم عمليات القللروض ومتابعتهللا‪ ،‬وجللب‬
‫أن يقتصر فيها على التكاليف الفعلية لعملية القرض علللى‬
‫النحو المللبين فللي الفقللرة )أ( مللن القللرار رقللم ‪(1/3)13‬‬
‫للدورة الثالثة لهذا المجمع ‪.‬‬
‫ب – أن تتللولى الدولللة القللادرة إنشللاء المسللاكن وتبيعهللا‬
‫للراغبين في تملك مساكن بالجللل والقسللاط‪ ،‬بالضللوابط‬
‫الشرعية المبينة في القرار ‪ (2/6) 51‬لهذه الدورة ‪.‬‬
‫ج‪ -‬أن يتولى المسللتثمرون مللن الفللراد أو الشللركات بنللاء‬
‫مساكن تباع بالجل ‪.‬‬
‫د‪ -‬أن تملك المساكن عن طريق عقللد الستصللناع – علللى‬
‫أساس اعتباره لزم لا ً – وبللذلك يتللم شللراء المسللكن قبللل‬
‫بنلائه‪ ،‬بحسلب الوصلف اللدقيق المزيلل للجهاللة المؤديلة‬
‫للنزاع‪ ،‬دون وجوب تعجيل جميع الثمللن‪ ،‬بللل يجللوز تللأجيله‬
‫بأقسللاط يتفللق عليهللا‪ ،‬مللع مراعللاة الشللروط والحللوال‬
‫المقررة لعقد الستصناع لدى الفقهللاء الللذين ميللزوه عللن‬
‫عقد السلم ‪.‬‬
‫ويوصي بما يلي ‪:‬‬
‫مواصلة النظر ليجاد طللرق أخللرى مشلروعة تلوفر تمللك‬
‫المساكن للراغبين في ذلك ‪.‬‬
‫والله الموفق‪.‬‬
‫=============‬
‫‪ #‬حكم شراء المنازل بقرض بنكي ربوي‬
‫للمسلمين في غير بلد السلم‬
‫قرارات المجلس الوروبي للفتاء والبحوث ‪16/3/1426‬‬
‫‪25/04/2005‬‬
‫قرار المجلس‪:‬‬
‫مللت بهللا البلللوى فللي‬
‫نظر المجلللس فللي القضللية الللتي ع ّ‬
‫أوروبا وفي بلد الغللرب كلهللا‪ ،‬وهللي قضللية المنللازل الللتي‬
‫تشترى بقرض ربوي بواسطة البنوك التقليدية‪.‬‬
‫‪211‬‬

‫وقد ُقدمت إلى المجلس عدة أوراق في الموضوع ما بيللن‬
‫مؤيد ومعارض‪ ،‬قرئت علللى المجلللس‪ ،‬ثللم ناقشللها جميللع‬
‫العضاء مناقشة مستفيضة‪ ،‬انتهى بعدها المجلس بأغلبيللة‬
‫أعضائه إلى ما يلي‪:‬‬
‫* يؤكد المجلس على ما أجمعللت عليلله المللة مللن حرمللة‬
‫الربا‪ ،‬وأنه من السبع الموبقات‪ ،‬ومللن الكبللائر الللتي تللؤذن‬
‫بحرب من الله ورسوله‪ ،‬ويؤكد ما قررته المجامع الفقهيللة‬
‫السلمية من أن فوائد البنوك هي الربا الحرام‪.‬‬
‫* يناشد المجلس أبناء المسلمين في الغللرب أن يجتهللدوا‬
‫فللي إيجللاد البللدائل الشللرعية‪ ،‬الللتي ل شللبهة فيهللا‪ ،‬مللا‬
‫اسللتطاعوا إلللى ذلللك سللبي ً‬
‫ل‪ ،‬مثللل )بيللع المرابحللة( الللذي‬
‫تسللتخدمه البنللوك السلللمية‪ ،‬ومثللل تأسلليس شللركات‬
‫إسلمية تنشئ مثل هذه البيوت بشروط ميسللرة مقللدورة‬
‫لجمهور المسلمين‪ ،‬وغير ذلك‪.‬‬
‫* كما يللدعو التجمعللات السلللمية فللي أوروبللا أن تفللاوض‬
‫البنللوك الوروبيللة التقليديللة؛ لتحويللل هللذه المعاملللة إلللى‬
‫صيغة مقبولة شرعًا‪ ،‬مثل )بيع التقسلليط( الللذي يللزاد فيلله‬
‫الثمن مقابل الزيادة فللي الجللل‪ ،‬فللإن هللذا سلليجلب لهللم‬
‫دا كبيًرا من المسلمين يتعامل معهم على أسللاس هللذه‬
‫عد ً‬
‫الطريقللة‪ ،‬وهللو مللا يجللري بلله العمللل فللي بعللض القطللار‬
‫دا من البنوك الغربية الكللبرى تفتللح‬
‫الوروبية‪ ،‬وقد رأينا عد ً‬
‫عللا لهللا فللي بلدنللا العربيللة تتعامللل وفللق الشللريعة‬
‫فرو ً‬
‫السلمية‪ ،‬كما في البحرين وغيرها‪.‬‬
‫* ويمكن للمجلس أن يساعد في ذللك بإرسلال نلداء إللى‬
‫هذه البنوك؛ لتعديل سلوكها مع المسلمين‪.‬‬
‫وإذا لم يكن هذا ول ذاك ميسرا ً في الوقت الحاضللر‪ ،‬فللإن‬
‫المجلس في ضوء الدلة والقواعد والعتبللارات الشللرعية‪،‬‬
‫سا من اللجوء إلى هللذه الوسلليلة‪ ،‬وهللي القللرض‬
‫ل يرى بأ ً‬
‫الربللوي لشللراء بيللت يحتللاج إليلله المسلللم لسللكناه هللو‬
‫وأسرته‪ ،‬بشرط أل يكون لديه بيت آخللر يغنيله‪ ،‬وأن يكللون‬
‫هو مسكنه الساسي‪ ،‬وأل يكون عنده من فائض المال مللا‬
‫يم ّ‬
‫كنه من شرائه بغير هذه الوسيلة‪ ،‬وقد اعتمللد المجلللس‬
‫في فتواه على مرتكزين أساسيين‪:‬‬
‫‪212‬‬

‫المرتكللز الول‪ :‬قاعللدة )الضللرورات تبيللح المحظللورات(‪:‬‬
‫وهي قاعدة متفق عليها‪ ،‬مأخوذة من نصوص القللرآن فللي‬
‫خمسة مواضع‪ ،‬منها قوله تعالى في سورة النعللام‪" :‬وقللد‬
‫صل لكم ما حّرم عليكللم إل مللا اضللطررتم إليلله" ]اليللة‪:‬‬
‫ف ّ‬
‫‪ ،[119‬ومنهللا قللوله تعللالى فللي نفللس السللورة بعللد ذكللر‬
‫محرمات الطعمة‪" :‬فمن اضطر غير باغ ول عاد فإن ربك‬
‫غفور رحيللم" ]اليللة‪ ،[145 :‬وممللا قللرره الفقهللاء هنللا أن‬
‫الحاجة قد تنزل منزلة الضرورة‪ ،‬خاصة كانت أو عامة‪.‬‬
‫والحاجة هي التي إذا لم تتحقق يكون المسلللم فللي حللرج‬
‫وإن كللان يسللتطيع أن يعيللش‪ ،‬بخلف الضللرورة الللتي ل‬
‫يستطيع أن يعيش بدونها‪ ،‬والله تعالى رفع الحرج عن هذه‬
‫المة بنصوص القلرآن‪ ،‬كملا فلي قلوله تعلالى فلي سلورة‬
‫الحج‪" :‬وما جعل عليكم في الدين من حرج" ]اليللة‪،[78 :‬‬
‫وفي سورة المائدة‪" :‬ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج"‬
‫]الية‪.[6 :‬‬
‫والمسكن الذي يللدفع عللن المسلللم الحللرج هللو المسللكن‬
‫المناسب له في موقعه وفي سعته وفللي مرافقلله‪ ،‬بحيللث‬
‫يكون سكًنا حًقا‪.‬‬
‫وإذا كللان المجلللس قللد اعتمللد علللى قاعللدة الضللرورة أو‬
‫الحاجة التي تنزل منزلة الضرورة‪ ،‬فإنه لم ينللس القاعللدة‬
‫الخرى الضابطة والمكملة لها‪ ،‬هي أن )ما أبيللح للضللرورة‬
‫يقدر بقدرها(‪ ،‬فلم يجز تملك البيوت للتجارة ونحوها‪.‬‬
‫والمسللكن ول شللك ضللرورة للفللرد المسلللم وللسللرة‬
‫المسلمة‪ ،‬وقللد امتللن الللله بللذلك علللى عبللاده حيللن قللال‪:‬‬
‫"والله جعل لكم من بيوتكم سللكًنا" ]النحللل‪ ،[80 :‬وجعللل‬
‫النبي – صلى الله عليه وسلم‪ -‬السكن الواسع عنصرا ً مللن‬
‫عناصر السعادة الربعة أو الثلثة‪ ،‬والمسللكن المسللتأجر ل‬
‫يلللبي كللل حاجللة المسلللم‪ ،‬ول يشللعره بالمللان‪ ،‬وإن كللان‬
‫يكلللف المسلللم كللثيًرا بمللا يللدفعه لغيللر المسلللم‪ ،‬ويظللل‬
‫دا‪،‬‬
‫سنوات وسنوات يدفع أجرته ول يملك منلله حج لًرا واح ل ً‬
‫ومع هذا يظل المسلم عرضة للطرد من هذا المسللكن إذا‬
‫كثر عياله أو كثر ضيوفه‪ ،‬كمللا أنلله إذا كللبرت سللنه أو قللل‬
‫دخله أو انقطع يصبح عرضة لن يرمى به في الطريق‪.‬‬
‫‪213‬‬

‫وتمّلك المسكن يكفي المسلم هذا الهم‪ ،‬كما أنه يم ّ‬
‫كنه أن‬
‫يختللار المسللكن قريب ًللا مللن المسللجد والمركللز السلللمي‪،‬‬
‫والمدرسة السلمية‪ ،‬ويهيئ فرصللة للمجموعللة المسلللمة‬
‫أن تتقللارب فللي مسللاكنها عسللى أن تنشللئ لهللا مجتمعًللا‬
‫إسلللمًيا صللغيًرا داخللل المجتمللع الكللبير‪ ،‬فيتعللارف فيلله‬
‫أبناؤهم‪ ،‬وتقوى روابطهم‪ ،‬ويتعاونون على العيش في ظل‬
‫مفاهيم السلم‪ .‬كما أن هذا يم ّ‬
‫كن المسلم من إعداد بيتلله‬
‫وترتيبه بما يلبي حاجته الدينية والجتماعية‪ ،‬ما دام مملو ً‬
‫كا‬
‫له‪.‬‬
‫وهناك إلى جانب هذه الحالة الفردية لكل مسللم‪ ،‬الحاجلة‬
‫العامة لجماعة المسلمين الذين يعيشون أقليللة خللارج دار‬
‫السلم‪ ،‬وهي تتمثل في تحسين أحوالهم المعيشية‪ ،‬حللتى‬
‫يرتفللع مسللتواهم‪ ،‬ويكونللوا أهل ً للنتمللاء إلللى خيللر أمللة‬
‫ُأخرجت للناس‪ ،‬ويغدوا صورة مشرفة للسلللم أمللام غيللر‬
‫المسلللمين‪ ،‬كمللا تتمثللل فللي أن يتحللرروا مللن الضللغوط‬
‫القتصادية عليهم‪ ،‬ليقوموا بواجب الدعوة ويسللاهموا فللي‬
‫بناء المجتمع العللام‪ ،‬وهللذا يقتضللي أل يظللل المسلللم يكللد‬
‫وينصب طول عمره من أجل دفع قيمة إيجار بيته ونفقات‬
‫عيشه‪ ،‬ول يجد فرصة لخدمة مجتمعه‪ ،‬أو نشر دعوته‪.‬‬
‫المرتكز الثاني‪ :‬هو ما ذهب إليه أبو حنيفة وصاحبه محمللد‬
‫مْفَتللى بلله فللي المللذهب‬
‫بللن الحسللن الشلليباني‪ ،‬وهللو ال ُ‬
‫الحنفي‪ .‬وكللذلك سللفيان الثللوري وإبراهيللم النخعللي‪ ،‬وهللو‬
‫رواية عن أحمد بن حنبل‪ ،‬ورجحها ابن تيمية – فيمللا ذكللره‬
‫بعض الحنابلة‪ :-‬من جواز التعامل بالربا وغيره من العقللود‬
‫الفاسدة‪ ،‬بين المسلمين وغيرهم في غير دار السلم‪.‬‬
‫ويرجح الخذ بهذا المذهب هنا عدة اعتبارات‪ ،‬منها‪:‬‬
‫عا أن يقيم أحكللام الشللرع‬
‫)‪ (1‬أن المسلم غير مكلف شر ً‬
‫المدنية والمالية والسياسللية ونحوهللا ممللا يتعل ّللق بالنظللام‬
‫العام فللي مجتمللع ل يللؤمن بالسلللم؛ لن هللذا ليللس فللي‬
‫سا إل وسللعها‪ ،‬وتحريللم الربللا هللو‬
‫وسعه‪ ،‬ول يكّلف الله نف ً‬
‫من هللذه الحكللام الللتي تتعل ّللق بهويللة المجتمللع‪ ،‬وفلسللفة‬
‫الدولة‪ ،‬واتجاهها الجتماعي والقتصادي‪.‬‬

‫‪214‬‬

‫دا‪،‬‬
‫وإنما يطالب المسلم بإقامللة الحكللام الللتي تخصلله فللر ً‬
‫مثل أحكام العبادات‪ ،‬وأحكللام المطعومللات والمشللروبات‬
‫والملبوسات‪ ،‬وما يتعّلق بالزواج والطلق والرجعة والعللدة‬
‫والميراث‪ ،‬وغيرها من الحوال الشخصية‪ ،‬بحيث لللو ضلليق‬
‫عليه في هذه المور‪ ،‬ولم يستطع بحللال إقامللة دينلله فيهللا‬
‫لوجب عليه أن يهاجر إلى أرض الله الواسعة ما وجد إلللى‬
‫ذلك سبي ً‬
‫ل‪.‬‬
‫)‪ (2‬أن المسلللم إذا لللم يتعامللل بهللذه العقللود الفاسللدة –‬
‫ومنها عقد الربا‪ -‬في دار القوم‪ ،‬سيؤدي ذلك بالمسلم إلى‬
‫أن يكون التزامه بالسلم سبًبا لضعفه اقتصادًيا‪ ،‬وخسارته‬
‫مالًيا‪ ،‬والمفروض أن السلللم يقللوي المسلللم ول يضللعفه‪،‬‬
‫ويزيللده ول ينقصلله‪ ،‬وينفعلله ول يضللره‪ ،‬وقللد احتللج بعللض‬
‫علماء السلف على جواز توريث المسلم من غير المسلللم‬
‫بحديث‪) :‬السلم يزيد ول ينقص()‪ ،(1‬أي يزيد المسلم ول‬
‫ينقصه‪ ،‬ومثله حديث‪) :‬السلللم يعلللو ول ُيعلللى( )‪ ،(2‬وهللو‬
‫إذا لم يتعامل بهذه العقود التي يتراضونها بينهم‪ ،‬سيضللطر‬
‫إلى أن يعطي ما يطلب منه‪ ،‬ول يأخللذ مقللابله‪ ،‬فهللو ينفللذ‬
‫هذه القللوانين والعقللود فيمللا يكللون عليلله مللن مغللارم‪ ،‬ول‬
‫ينفذها فيما يكون له من مغانم‪ ،‬فعليه الُغرم دائم لا ً وليللس‬
‫مللا مالي ًللا‪ ،‬بسللبب‬
‫له الغُْنم‪ ،‬وبهذا يظل المسلم أب ل ً‬
‫دا مظلو ً‬
‫دا إلللى أن يظلللم‬
‫الللتزامه بالسلللم! والسلللم ل يقصللد أبل ً‬
‫المسلم بالتزامه بلله‪ ،‬وأن يللتركه – فللي غيللر دار السلللم‪-‬‬
‫لغير المسلم يمتصه ويستفيد منه‪ ،‬فللي حيللن يحللرم علللى‬
‫المسلم أن ينتفع من معاملة غير المسلم في المقابل في‬
‫ضوء العقود السائدة‪ ،‬والمعترف بها عندهم‪.‬‬
‫وما يقال من أن مذهب الحنفية إنما يجيللز التعامللل بالربللا‬
‫فللي حالللة الخللذ ل العطللاء؛ لنلله ل فللائدة للمسلللم فللي‬
‫العطللاء وهللم ل يجيللزون التعامللل بللالعقود الفاسللدة إل‬
‫بشرطين‪ :‬الول‪ :‬أن يكون فيها منفعللة للمسلللم‪ .‬والثللاني‪:‬‬
‫أل يكون فيها غدر ول خيانة لغير المسلم‪ ،‬وهنا لللم تتحقللق‬
‫المنفعة للمسلم‪.‬‬
‫فالجواب‪ :‬أن هذا غير مسّلم‪ ،‬كما يللدل عليلله قللول محمللد‬
‫بلللن الحسلللن الشللليباني فلللي "السلللير الكلللبير"‪ ،‬وإطلق‬
‫‪215‬‬

‫المتقدمين من علماء المذهب‪ ،‬كمللا أن المسلللم وإن كللان‬
‫يعطي الفائدة هنا فهو المستفيد‪ ،‬إذ به يتملك المنزل فللي‬
‫النهاية‪.‬‬
‫وقللد أكللد المسلللمون الللذين يعيشللون فللي هللذه الللديار‬
‫بالسلماع المباشلر منهلم وبالمراسللة‪ :‬أن القسللاط الللتي‬
‫يدفعونها للبنك بقللدر الجللرة الللتي يللدفعونها للمالللك‪ ،‬بللل‬
‫أحياًنا تكون أقل‪.‬‬
‫ومعنى هذا أننا إذا حّرمنا التعامللل هنللا بالفللائدة مللع البنللك‬
‫حَرمنا المسلم من امتلك مسكن للله ولسللرته‪ ،‬وهللو مللن‬
‫الحاجات الصلية للنسان كما يعللبر الفقهللاء‪ ،‬وربمللا يظللل‬
‫عشللرين أو ثلثيللن سللنة أو أكللثر‪ ،‬يللدفع إيجللاًرا شللهريا ً أو‬
‫سنوًيا‪ ،‬ول يملك شلليئًا‪ ،‬علللى حيللن كللان يمكنلله فللي خلل‬
‫عشرين سنة – وربما أقل‪ -‬أن يملك البيت‪.‬‬
‫فلو لم يكن هذا التعامللل جللائًزا علللى مللذهب أبللي حنيفللة‬
‫ومن وافقه‪ ،‬لكان جللائًزا عنللد الجميللع للحاجللة الللتي تنللزل‬
‫أحياًنا منزلة الضرورة‪ ،‬في إباحة المحظور بها‪.‬‬
‫كل الربا ول ي َللأك ُُله‪ ،‬أي هللو‬
‫ولسيما أن المسلم هنا‪ ،‬إنما ُيؤ ِ‬
‫ب‬
‫صل ٌ‬
‫يعطي الفللائدة ول يأخللذها‪ ،‬والصللل فللي التحريللم ُ‬
‫من ْ َ‬
‫على )أكل الربا( كما نطقت بلله آيللات القللرآن‪ ،‬إنمللا حللرم‬
‫دا للذريعلة‪ ،‬كمللا حرملت الكتابللة لله والشللهادة‬
‫اليكال سل ً‬
‫عليه‪ ،‬فهو من باب تحريم الوسائل ل تحريم المقاصد‪.‬‬
‫ومن المعلللوم أن أكللل الربللا المحللرم ل يجللوز بحللال‪ ،‬أمللا‬
‫ص‬
‫إيكاله )بمعنى إعطاء الفللائدة( فيجللوز للحاجللة‪ ،‬وقللد ن ل ّ‬
‫على ذلك الفقهاء‪ ،‬وأجازوا السللتقراض بالربللا للحاجللة إذا‬
‫سدت في وجهة أبواب الحلل‪.‬‬
‫ومن القواعد الشهيرة هنا‪ :‬أن )مللا حللرم لللذاته ل يبللاح إل‬
‫للضرورة‪ ،‬ومللا حللرم لسللد الذريعللة يبللاح للحاجللة(‪ ،‬والللله‬
‫الموفق‪.‬‬
‫القرار ]‪.[2/4‬‬
‫ج أبو داود رقم‪ ،(2912) :‬ومن طريقه‪ :‬البيهقي )‬
‫)‪ (1‬أخر َ‬
‫دة‪ :‬أن‬
‫‪،6/205‬ل ‪ (255-254‬بإسناده إلى عبد الله بللن ب َُري ْل َ‬
‫ث‬
‫مر‪ :‬يهودي ومسلم‪ ،‬فوَّر َ‬
‫صما إلى يحيى بن ي َعْ َ‬
‫أخوين اخت َ‬
‫دثه‪،‬‬
‫ن رجل ً ح ل ّ‬
‫المسلم منهما‪ ،‬وقال‪ :‬حدثني أبللو السللود‪ ،‬أ ّ‬
‫‪216‬‬

‫ن معا ًَ‬
‫دثه‪ ،‬قال‪ :‬سمعت رسول الله –صلى الله عليلله‬
‫ذا ح ّ‬
‫أ ّ‬
‫ث المسلللم‪.‬‬
‫وسلم‪ -‬يقول‪" :‬السلم َيزيد ول َينقص" ‪ .‬فوَّر َ‬
‫ح‪ ،‬وإنما هو منقطع بين أبللي‬
‫ده إلى أبي السود صحي ٌ‬
‫وإسنا ُ‬
‫السود ومعاذ‪ ،‬لجهالة الراوي بينهما‪ ،‬ويشهد للمرفوع منلله‬
‫ن لغيره‪.‬‬
‫حديث عائذ بن عمرو التالي‪ ،‬وهو به حس ٌ‬
‫)‪ (2‬حديث حسن لغيره‪ ،‬أخرجلله الرويللاني فللي "مسللنده"‬
‫رقللم‪ ،(783) :‬وأبللو ُنعيللم فللي )أخبللار أصللبهان( )‪،(1/65‬‬
‫والبيهقي )‪ ،(6/205‬وفي إسناده مجهولن‪ ،‬لكن يشهد للله‬
‫حديث معاذ بن جبل المتقدم قبله‪ ،‬كما جاء كللذلك بإسللناد‬
‫صللحيح عللن ابللن عبللاس موقوفًللا‪ ،‬أخرجلله الطحللاوي فللي‬
‫)شللرح معللاني الثللار( )‪ ،(3/257‬وعلقلله البخللاري فللي‬
‫)صحيحه( )‪ -1/454‬كتاب الجنائز(‪ ،‬وصححه ابن حجر فللي‬
‫دقه واللذي قبلله قلوله تعلالى‪:‬‬
‫"الفتح" )‪ .(9/421‬كما يصل ّ‬
‫)هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهللره علللى‬
‫الدين كله( ]التوبة‪ ،33 :‬الصف‪.[9 :‬‬
‫===============‬
‫‪ #‬الورق النقدي‬
‫هيئة كبار العلماء ‪22/8/1426‬‬
‫‪26/09/2005‬‬
‫الحمد لله وحده‪ ،‬والصلة والسلم على مللن ل نللبي بعللده‬
‫محمد‪ ،‬وعلى آله وصحبه‪،‬وبعد‪:‬‬
‫فبناء على توصية رئيس إدارات البحللوث العلميللة والفتللاء‬
‫والللدعوة والرشللاد‪ ،‬والميللن العللام لهيئة كبللار العلمللاء –‬
‫بدراسة موضوع الورق النقدي من قبل هيئة كبار العلمللاء؛‬
‫استنادا ً إلى المللادة السللابعة مللن لئحللة سللير العمللل فللي‬
‫الهيئة التي تنص على أن ما يجري بحثه في مجلس الهيئة‬
‫يتم بطلب مللن ولللي المللر‪ ،‬أو بتوصللية مللن الهيئة‪،‬أو مللن‬
‫أمينهللا‪ ،‬أو مللن رئيللس إدارات البحللوث العلميللة والفتللاء‬
‫والدعوة والرشللاد‪،‬أو مللن اللجنللة الدائمللة المتفرعللة عللن‬
‫الهيئة‪ -‬فقد جرى إدراج الموضوع في جدول أعمللال الهيئة‬
‫للللدورتها الثالثلللة المنعقلللدة فيملللا بيلللن ‪1/4/1393‬هلللل و‬
‫‪17/4/1393‬هل‪ ،‬وفي تلك الدورة جرى دراسللة الموضللوع‬

‫‪217‬‬

‫بعد الطلع على البحث المقدم عنلله مللن اللجنللة الدائمللة‬
‫للبحوث العلمية والفتاء‪.‬‬
‫وبعد استعراض القللوال الفقهيللة الللتي قيلللت فللي حقيقللة‬
‫الوراق النقدية من اعتبارها أسنادًا‪ ،‬أو عروض لًا‪ ،‬أو فلوسللا‬
‫ً‪،‬أو بدل ً عن ذهب أو فضة‪ ،‬أو نقدا ً مستقل ً بذاته‪،‬وما يترتب‬
‫على تلك القوال من أحكام شرعية – جرى تللداول الللرأي‬
‫فيها‪ ،‬ومناقشة ما على كل قول منها مللن إيللرادات‪ .‬فتنتللج‬
‫عن ذلك العديللد مللن التسللاؤلت الللتي تتعلللق بللالجراءات‬
‫المتخللذة مللن قبللل الجهللات المصللدرة لهللا‪:‬وحيللث أن‬
‫الموضوع من المسائل التي تقضللي المللادة العاشللرة مللن‬
‫لئحللة سللير عمللل الهيئة بالسللتعانة بالشللؤون القتصللادية‬
‫والجتماعية والنظمة العامة بما في ذلك القضللايا البنكيللة‬
‫والتجارية والعمالية‪ ،‬فإن عليها أن تشرك في البحث معهللا‬
‫واحدا ً أو أكثر من المتخصصين في تلك العلوم‪ -‬فقد جللرى‬
‫استدعاء سعادة محافظ مؤسسة النقد العربللي السللعودي‬
‫الدكتور أنور علي‪،‬وحضر معه الللدكتور عمللر شللابريه أحللد‬
‫المختصين في العلللوم القتصللادية‪ ،‬ووجهللت إلللى سللعادته‬
‫السئلة التالية‪:‬‬
‫س ‪:1‬هل تعتبر مؤسسة النقد ورق النقللد السللعودي نقللدا ً‬
‫قائما ً بذاته أم تعتبره سللندات تتعهللد الدولللة بللدفع قيمتهللا‬
‫لحاملها‪،‬كما هو مدون على كل فئة من فئات أوراق النقللد‬
‫السللعودي‪،‬وإذا لللم يللرد معنللى هللذه العبللارة‪ ،‬فمللا معنللى‬
‫اللتزام بتسجيلها على كل ورقة‪،‬وهل يعني ذلك التعهد أن‬
‫ورق النقد السعودي مغطى بريالت فضية أم ل؟‬
‫س ‪ :2‬هل لكللل عملللة ورقيللة غطللاء مللادي محفللوظ فللي‬
‫خزائن مصدريها‪ ،‬إذا كان كذلك فهللل هللو غطللاء كامللل أم‬
‫غطاء للبعض فقط‪ ،‬وإذا كان غطاء للبعللض فمللا هللو الحللد‬
‫العلى للتغطية‪ ،‬وما هو الحد الدنى لها؟‬
‫س ‪:3‬ما نوع غطاء العملت الورقية‪ ،‬وهل توجد عملة لي‬
‫دولة ما مغطاة بالفضة‪،‬وله هناك جهات إصدار تخلت عللن‬
‫فكرة التغطية المادية مطلقًا؟‬
‫س ‪:4‬المعللروف أن الورقللة ل قيمللة لهللا فللي ذاتهللا‪،‬وإنمللا‬
‫قيمتها في الخارج عنها‪ ،‬فما هي مقومات هذه القيمة؟‬
‫‪218‬‬

‫س ‪:5‬نرغب في شرح نظرية غطاء النقد بصفة عامة‪ ،‬وما‬
‫هي مقومات اعتبار العملة الورقية على الصعيدين الدولي‬
‫والمحلي؟‬
‫س ‪:6‬هل الغطللاء ل يكللون إل بالللذهب‪ ،‬وإذا كللان بالللذهب‬
‫وغيره فهل غير الذهب فرع عن الذهب باعتبللار أنلله قيمللة‬
‫له‪ ،‬وهل يكفي للغطاء ملءة ومتانة اقتصادها وقوتهللا ولللو‬
‫لم يكن لنقدها رصيد؟‬
‫س ‪:7‬ما يسمى بالدينار‪ ،‬والجنيه هل هو مغطللى بالللذهب؛‬
‫ولذا سمي دينارا ً أو جنيها ً رمزا ً لما غطي به‪ ،‬ومثله الريال‬
‫السللعودي هللل هللو مغطللى بفضللة أم أن هللذه التسللميات‬
‫يقصللد منهللا المحافظللة علللى التسللميات القديمللة للعمللل‬
‫ما هللي مسللتندة عليلله‬
‫المتداولة فيما مضى بغض النظر ع ّ‬
‫من ذهب أو فضة؟‬
‫س ‪ :8‬ما السبب في عدم الثقة في النقد المتداول اليللوم‬
‫مما أدى إلى ارتفاع الذهب ارتفاعا ً لم يسبق له نظير؟‬
‫وإجابة سعادته عنها بواسطة المترجم القائد الدكتور أحمد‬
‫المالك إجابة جرى رصد خلصتها في محضللر الجلسللة مللع‬
‫سعادته‪ ،‬وقد توصلت بها الكثرية مللن الهيئة إلللى القتنللاع‬
‫بما ارتأته فيها من رأي‪.‬‬
‫ثم بعد إعادة النظر في القوال الفقهية الللتي قيلللت فيهللا‬
‫على ضوء اليضاحات التي ذكرها سللعادة المحللافظ‪ -‬قللرر‬
‫المجلس بالكثرية ما يلي‪:‬‬
‫بناء على أن النقد هو كل شيء يجري اعتباره فللي العللادة‬
‫أو الصطلح‪ ،‬بحيث يلقى قبول ً عاما ً كوسيط للتبادل‪ ،‬كمللا‬
‫أشار إلى ذلك شلليخ السلللم ابللن تيميللة حيللث قللال)وأمللا‬
‫الدرهم والدينار فما يعرف له حللد طبعللي ول شللرعي‪،‬بللل‬
‫مرجعه إلى العللادة والصللطلح؛وذلللك لنلله فللي الصللل ل‬
‫يتعلللق المقصللود بلله‪ ،‬بللل الغللرض أن يكللون معيللارا ً لمللا‬
‫يتعاملون به‪ ،‬والدراهم والدنانير ل تقصد لنفسها‪ ،‬بللل هللي‬
‫وسيلة إلى التعامل بها؛ولهللذا كللانت أثمانلًا‪..‬إلللى أن قللال‪:‬‬
‫والوسيلة المحضة التي ل يتعلللق بهللا غللرض‪،‬ل بمادتهللا ول‬
‫بصورتها يحصل بها المقصود كيفما كانت(اهل‪(1).‬‬

‫‪219‬‬

‫وذكللر نحللو ذلللك المللام مالللك فللي]المدونللة[ مللن كتللاب‬
‫الصرف حيث قللال‪):‬ولللو أن النللاس أجللازوا بينهللم الجلللود‬
‫حللتى يكللون لهللا سللكة وعيللن لكرهتهللا أن تبللاع بالللذهب‬
‫والورق نظرة(اهل)‪.(1‬‬
‫وحيلللث أن اللللورق النقلللدي يلقلللى قبلللول ً عاملللا ً فلللي‬
‫التداول‪،‬ويحمل خصائص الثمان من كللونه مقياس لا ً للقيللم‬
‫ومسللتودعا ً للللثروة‪ ،‬وبلله البللراء العللام‪ ،‬وحيللث ظهللر مللن‬
‫المناقشة مع سعادة المحافظ‪ :‬أن صفة السندية فيها غيللر‬
‫مقصودة‪ ،‬والواقع يشهد بذلك ويؤكده‪،‬كما ظهر أن الغطاء‬
‫ل يلزم أن يكون شامل ً لجميللع الوراق النقديللة‪ ،‬بللل يجللوز‬
‫في عرف جهات الصدار أن يكون جزء من عملتهللا بللدون‬
‫غطاء‪ ،‬وأن الغطللاء ل يلللزم أن يكللون ذهب لًا‪ ،‬بللل يجللوز أن‬
‫يكون من أمور عدة الذهب والعملت الورقية القوية‪ ،‬وأن‬
‫الفضة ليست غطاء كلي ّلا ً أو جللزيئا ً لي عملللة فللي العللالم‪،‬‬
‫كمللا اّتضللح أن مقومللات الورقللة النقللديه قللوة وضللعفا ً‬
‫مسللللتمدة ممللللا تكللللون عليلللله حكومتهللللا مللللن حللللال‬
‫اقتصادية‪،‬فتقوى الورقة بقوة دولتها وتضعف بضعفها‪ ،‬وأن‬
‫الخامات المحليللة؛كللالبترول والقطللن والصللوف لللم تعتللبر‬
‫حتى الن لدى أي من جهات الصدار‪.‬‬
‫)ج( يجوز بيع بعضه ببعض من غير جنسه مطلقلًا‪ ،‬إذا كللان‬
‫ذلك يدا ً بيد‪ ،‬يجوز بيللع الليللرة السللورية أو اللبنانيللة بريللال‬
‫سعودي‪ ،‬ورقا ً كان أو فضة‪ ،‬أو أقل من ذلك أو أكللثر‪،‬وبيللع‬
‫الدولر المريكي بثلثة أريلللة سللعودية أو أقللل أو أكللثر إذا‬
‫كللان ذلللك يللدا ً بيللد‪ ،‬ومثللل ذلللك فللي الجللواز بيللع الريللال‬
‫السعودي الفضة بثلثة أريلة سعودية ورق أو أقللل أو أكللثر‬
‫يدا ً بيد؛ لن ذلك يعتبر بيع جنس بغير جنس ول أثر لمجللرد‬
‫الشتراك في السم مع الختلف في الحقيقة‪.‬‬
‫ثانيًا‪:‬وجللوب زكاتهللا إذا بلغللت قيمتهللا أدنللى النصللابين مللن‬
‫ذهب أو فضة أو كانت تكمل النصاب مع غيرها من الثمان‬
‫والعروض المعدة للتجارة إذا كانت مملوكة لهل وجوبها‪.‬‬
‫ثالثًا‪ :‬جواز جعلها رأس مال في السلم والشركات‪.‬‬
‫والله أعلم‪ ،‬وبالله التوفيق‪ ،‬وصلى الله علللى نبينللا محمللد‪،‬‬
‫وآله وصحبه وسلم‪.‬‬
‫‪220‬‬

‫هيئة كبار العلماء‬
‫…‬
‫…‬
‫رئيس الدورة الثالثة‬
‫…‬
‫…‬
‫محمد المين الشنقيطي ]متوقف[‬
‫عبد الله خياط‬
‫…‬
‫عبد الله بن حميد‬
‫]متوقف[‬
‫…‬
‫عبد الرزاق عفيفي‬
‫]لي وجهة نظر أخرى في الوراق النقدية أقدم بها بيانا ً إن‬
‫شاء الله[‬
‫عبد العزيز بن باز‬
‫…‬
‫عبد العزيز بن صالح‬
‫…‬
‫عبد المجيد حسن‬
‫محمد الحركان‬
‫…‬
‫سليمان بن عبيد‬
‫…‬
‫إبراهيم محمد آل الشيخ‬
‫صالح بن غصون‬
‫…‬
‫راشد بن خنين‬
‫…‬
‫عبد الله بن غديان ]متوقف[‬
‫محمد بن جبير‬
‫…‬
‫عبد الله بن منيع‬
‫‪221‬‬

‫…‬
‫صالح بن لحيدان ]متوقف[‬
‫================‬
‫‪ #‬استفادة الهيئات الخيرية من عوائد الحسابات‬
‫الربوية‬
‫قرارات المجلس الوروبي للفتاء والبحوث ‪24/4/1426‬‬
‫‪01/06/2005‬‬
‫قرار المجلس‪:‬‬
‫صلا ملن فتلح‬
‫عموم المسللمين فلي الغلرب ل يجلدون منا ً‬
‫حسابات في البنوك الربوية‪ ،‬ومعلللوم أن هللذه الحسللابات‬
‫تللترتب عليهللا زيللادات ربويللة تلحللق بحسللاباتهم‪ ،‬فيجللدون‬
‫أنفسهم بين خيارين‪ :‬إما ترك هذه الفوائد للبنك‪ ،‬وفي هذا‬
‫تفويت مصلحة للمسلمين‪ ،‬وربما كللانت عون ًللا لمؤسسللات‬
‫تبشيرية‪ ،‬وإما أن يصرفوها في وجوه الخيللر العامللة‪ ،‬وبمللا‬
‫أن الحكم ل يتعلق بعين المللال وإنمللا بطريقللة تحصلليله أو‬
‫ما فحرمته في حللق مللن اكتسللبه‬
‫صرفه‪ ،‬فما كان منه حرا ً‬
‫بطريقة غير مشروعة‪ ،‬فالذي يحرم في شللأن هللذا المللال‬
‫الربللوي هللو أن ينتفللع بلله الشللخص لنفسلله‪ ،‬أمللا بالنسللبة‬
‫ما‪.‬‬
‫للفقراء والجهات الخيرية فل يكون حرا ً‬
‫سللا مللن أن تسللأل‬
‫وبناء على ذلك‪ ،‬فإن المجلس ل يرى بأ ً‬
‫المؤسسة الخيرية أصحاب هذه الحسابات أن يمكنوها من‬
‫تلك الموال‪ ،‬كما ل يجد فرًقا في تحصيل هذه الموال من‬
‫أي جهة أخرى كالمؤسسات والبنوك وغير ذلك‪.‬‬
‫وينبغي للمؤسسة أن تتحاشى ما وسعها ذكللر اسللم البنللك‬
‫المتبرع على وجه الدعاية له‪ ،‬بسبب عدم مشروعية أصل‬
‫عمله‪.‬‬
‫ول مانع كذلك من أن يفتح حسللاب خللاص تللودع فيلله تلللك‬
‫الموال‪.‬‬
‫]الدورة السابعة[‬
‫=============‬
‫‪#‬تغير قيمة العملة‬
‫مجمللع الفقلله السلللمي المنبثللق عللن منظمللة المللؤتمر‬
‫السلمي ‪6/11/1425‬‬
‫‪222‬‬

‫‪18/12/2004‬‬
‫إن مجلللس مجمللع الفقلله السلللمي المنعقللد فللي دورة‬
‫مللؤتمره الخللامس بللالكويت مللن ‪ 6-1‬جمللادى الولللى‬
‫‪1409‬هل الموافق ‪ 15-10‬كانون الول )ديسمبر(‪1988‬م‪،‬‬
‫بعد اطلعه على البحوث المقدمة مللن العضللاء والخللبراء‬
‫في موضللوع تغيللر قيمللة العملللة ‪ ،‬واسللتماعه للمناقشللات‬
‫التي دارت حوله ‪،‬‬
‫وبعللد الطلع علللى قللرار المجمللع رقللم ‪( 9/3) 21‬فللي‬
‫الدورة الثالثة ‪ ،‬بللأن العملت الورقيللة نقللود اعتباريللة فيهللا‬
‫صللفة الثمنيللة كاملللة ‪ ،‬ولهللا الحكللام الشللرعية المقللررة‬
‫للذهب والفضة مللن حيللث أحكللام الربللا والزكللاة والسلللم‬
‫وسائر أحكامها ‪،‬‬
‫قرر ما يلي ‪:‬‬
‫ العبرة في وفاء الللديون الثابتللة بعملللة مللا ‪ ،‬هللي بالمثللل‬‫وليس بالقيمة ‪ ،‬لن الديون ُتقضى بأمثالها ‪ ،‬فل يجوز ربط‬
‫الديون الثابتللة فللي الذمللة ‪ ،‬أيللا كللان مصللدرها ‪ ،‬بمسللتوى‬
‫السعار والله أعلم‪.‬‬
‫===============‬
‫‪#‬قضايا العملة‬
‫مجمللع الفقلله السلللمي المنبثللق عللن منظمللة المللؤتمر‬
‫السلمي ‪6/11/1425‬‬
‫‪18/12/2004‬‬
‫إن مجلللس مجمللع الفقلله السلللمي المنعقللد فللي دورة‬
‫مؤتمره التاسع بأبي ظبي بدولة المارات العربية المتحدة‬
‫مللن ‪ 6 -1‬ذي القعللدة ‪1415‬هل ل الموافللق ‪ 6 -1‬نيسللان‬
‫)أبريل( ‪1995‬م‪،‬‬
‫بعد اطلعه على البحوث الللواردة إلللى المجمللع بخصللوص‬
‫موضوع قضايا العملة ‪،‬‬
‫وبعد استماعه إلى المناقشات الللتي دلللت علللى أن هنللاك‬
‫اتجاهللات عديللدة بشللأن معالجللة حللالت التضللخم الجامللح‬
‫الللذي يللؤدي إلللى النهيللار الكللبير للقللوة الشللرائية لبعللض‬
‫العملت منها ‪:‬‬

‫‪223‬‬

‫أ‪ -‬أن تكون هذه الحالت الستثنائية مشمولة أيضا ً بتطبيق‬
‫قرار المجمع الصادر في الدورة الخامسة‪ ،‬ونصه ‪ :‬العللبرة‬
‫في وفاء الديون الثابتة بعملة ما هي بالمثل وليس بالقيمة‬
‫لن الديون تقضى بأمثالها‪ ،‬فل يجللوز ربللط الللديون الثابتللة‬
‫في الذمة أيا ً كان مصدرها بمستوى السعار ‪.‬‬
‫ب – أن يطبق في تلللك الحللوال السللتثنائية مبللدأ الربللط‬
‫بمؤشر تكاليف المعيشة )مراعاة القوة الشرائية للنقود( ‪.‬‬
‫ج – أن يطبق مبدأ ربط النقود الورقيللة بالللذهب )مراعللاة‬
‫قيمة هذه النقود بالذهب عند نشوء اللتزام( ‪.‬‬
‫د – أن يؤخذ في مثل هذه الحالت بمبدأ الصلللح الللواجب‪،‬‬
‫بعد تقرير أضرار الطرفين )الدائن والمدين( ‪.‬‬
‫هل ‪ -‬التفرقة بين انخفاض قيمة العملة عن طريق العللرض‬
‫والطلب في السوق‪ ،‬وبين تخفيض الدولة عملتهللا بإصللدار‬
‫قرار صريح في ذلك بما قد يلؤدي إللى تغيللر اعتبلار قيمللة‬
‫العملت الورقية التي أخذت قوتها بالعتبار والصطلح ‪.‬‬
‫و – التفرقللة بيللن انخفللاض القللوة الشللرائية للنقللود الللذي‬
‫يكون ناتجا ً عن سياسات تتبناها الحكومات وبين النخفاض‬
‫الذي يكون بعوامل خارجية ‪.‬‬
‫ز – الخللذ فللي هللذه الحللوال السللتثنائية بمبللدأ )وضللع‬
‫الجوائح( الذي هو من قبيل مراعاة الظروف الطارئة ‪.‬‬
‫وفللي ضللوء هللذه التجاهللات المتباينللة المحتاجللة للبحللث‬
‫والتمحيص ‪.‬‬
‫قرر ما يلي ‪:‬‬
‫أول ً ‪ :‬أن تعقد المانة العامة للمجمع – بالتعاون مع إحللدى‬
‫المؤسسات المالية السلللمية – نللدوة متخصصللة يشللارك‬
‫فيها عدد من ذوي الختصاص في القتصاد والفقه‪ ،‬وتضللم‬
‫بعض أعضاء وخبراء المجمللع‪ ،‬وذلللك للنظللر فللي الطريللق‬
‫القوم والصلح الللذي يقللع التفللاق عليلله للوفللاء بمللا فللي‬
‫الذمللة مللن الللديون واللتزامللات فللي الحللوال السللتثنائية‬
‫المشار إليها أعله ‪.‬‬
‫ثانيا ً ‪ :‬أن يشتمل جدول الندوة على ‪:‬‬
‫أ – دراسة ماهية التضخم وأنواعه وجميع التصورات الفنية‬
‫المتعلقة به ‪.‬‬
‫‪224‬‬

‫ب – دراسة آثار التضلخم القتصلادية والجتماعيلة وكيفيلة‬
‫معالجتها اقتصاديا ‪.‬‬
‫ج – طرح الحلول الفقهية لمعالجة التضللخم مللن مثللل مللا‬
‫سبقت الشارة إليه في ديباجة القرار ‪.‬‬
‫ثالثا ً ‪ :‬ترفع نتائج الندوة – مللع أوراقهللا ومناقشللاتها – إلللى‬
‫مجلس المجمع في الدورة القادمة ‪ .‬والله الموفق‪.‬‬
‫==============‬
‫‪#‬نظرات حول الشتراك في القنوات السلمية‬
‫الفضائية‬
‫عابد الثبيتي ‪8/4/1424‬‬
‫‪08/06/2003‬‬
‫الحمد لله رب العالمين ‪ ،‬والصلة والسلم على المبعللوث‬
‫رحمة للعالمين ‪ ،‬الذي فتح الله به أعينا ً عميًا‪ ،‬وآذانا ً صللمًا‪،‬‬
‫وقلوبا ً غلفًا‪ ،‬فبّلغ الرسالة وأدى المانة ونصح المة وجاهد‬
‫في الله حق جهاده حتى أتاه اليقيللن مللن ربلله صلللى الللله‬
‫عليه وعلى آله صحبه وسلم ‪.‬‬
‫أما بعد ‪:‬‬
‫فقد شاع علللى ألسللنة الغيللورين مللن أبنللاء هللذه الصللحوة‬
‫المباركللة وخاصللة مللع وجللود أول قنللاة إسلللمية كّرسللت‬
‫ل مللن المحللاذير الشللرعية‪،‬‬
‫جهودهللا فللي تقللديم إعلم خللا ٍ‬
‫سؤال مهم هو ‪ :‬ما حكم الشتراك في مثل هللذه القنللاة ‪،‬‬
‫خاصة وأنها تجري المقابلت مع بعض طلبللة العلللم الللذين‬
‫منحهم الله جمال الصورة‪ ،‬وعذوبة المنطق ‪ ،‬فينظللر إليلله‬
‫النساء ‪ ،‬ويستمعن لحديثه ‪ ،‬وربما وقع فللي قلللب إحللداهن‬
‫الميل له … وزاد من هذا الحذر ملا تنلاقله الشلباب بينهلم‬
‫من اتصال نساء على بعض الجمعيات الللتي تعنللى بشللئون‬
‫السرة وتيسير الزواج مبللديات رغبتهللن فللي نكللاح الشلليخ‬
‫الفلني أو طالب العلم الفلني …‬
‫وف يجده يظهر علللى صللورة أسللئلة‬
‫والذي يتأمل هذا التخ ّ‬
‫تطرح بينهم ول يجدون لها جوابللا ‪ ،‬ويمكللن إيجازهللا فيمللا‬
‫يلي ‪:‬‬
‫مللا حكللم نظللر المللرأة إلللى الرجللل الجنللبي ‪ ،‬مللا حكللم‬
‫الشتراك في مثل هذه القنللوات والحالللة هللذه ‪ ،‬مللا حكللم‬
‫‪225‬‬

‫خروج طلبة العلم ممن هم على تلك الحال في مثل هللذه‬
‫القنوات ؟‬
‫ن لي أن أبحث ما ورد في شرعنا المطهر فيما‬
‫ومن هنا ع ّ‬
‫يتعلق بالجابة على هللذه السللئلة ‪ ،‬متوخي لا ً الصللواب قللدر‬
‫المكان‪ ،‬فل أتكّلف منع شيء لللم يمنعلله الشللرع ‪ ،‬ول آذن‬
‫في شيء قد منعه ‪ ،‬راجيا ً الصواب والتوفيق والسداد مللن‬
‫ربي ‪ .‬وقد بذلت جهدي في تسهيل عبارته ليفهملله العامللة‬
‫والخاصة فلإن كلان ملا كتبتله حقلا ً وصللوابا ً فهللو ملن اللله‬
‫وحده‪ ،‬وإن كان غير ذلك فمن نفسي والشيطان‪.‬‬
‫فأقول مستعينا ً بالله ‪:‬‬
‫المسألة الولى ‪ :‬حكم نظر المرأة إلى الرجل الجنبي ‪.‬‬
‫لعل من المناسب قبل الخوض في هذه المسألة أن يحرر‬
‫موضع السؤال‪ ،‬فإن نظر المللرأة للرجللل الجنللبي ل يخلللو‬
‫من حالين ‪:‬‬
‫الحال الولى ‪ :‬أن يكون نظر المرأة إلللى مللا بيللن السللرة‬
‫والركبة من الرجل ‪ ،‬بمعنللى أن المللرأة تنظللر إلللى عللورة‬
‫الرجللل ‪ ،‬فهللذا ممللا جللاءت الشللريعة بحسللم مللادة وبيللان‬
‫حكمه‪ ،‬فهذا النظر حرام بالتفللاق سللواًء كللان هللذا النظللر‬
‫بشهوة أو بغير شهوة‪.‬‬
‫الحال الثاني ‪ :‬أن يكون نظر المرأة إلى مللا فللوق السللرة‬
‫وتحت الركبة من الرجل‪ ،‬وهذا النظر إما أن يكون بشهوة‬
‫أو بغير شهوة‪ .‬فإن كان هذا النظر بشهوة فهو حرام أيضا ً‬
‫قللول ً واحللدا ً ‪ ،‬وإن كللان بل شللهوة فهللو مللوطن السللؤال‬
‫وللجواب عليلله يقللال ‪ :‬إن مللن يجمللع النصللوص المتعلقللة‬
‫بنظر المرأة إلى الرجل من الكتاب والسنة يجدها متقابلة‬
‫متعارضلة فيملا يظهلر ‪ ،‬ولهلذا صلار محصللة آراء العلملاء‬
‫قولين متقابلين ‪.‬‬
‫القول الول ‪ :‬أن نظر المرأة إلى الرجللل الجنللبي محللرم‬
‫مطلقا ً سواًء كان النظر إليها بشهوة أو بغير شهوة ‪.‬‬
‫واستدلوا على ذلك بدليلين ‪:‬‬
‫َ‬
‫الول‪:‬قوله تعالى‪ ):‬وَقُ ْ‬
‫ن‬
‫ن ِ‬
‫مَنا ِ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫ض ْ‬
‫ت ي َغْ ُ‬
‫ل ل ِل ْ ُ‬
‫ن أب ْ َ‬
‫صللارِهِ ّ‬
‫م ْ‬
‫ض َ‬
‫ن ()‪(1‬فالمر بغلض البصللر هنلا عللام فلي‬
‫ن فُُرو َ‬
‫وَي َ ْ‬
‫جه ُ ّ‬
‫حَفظ ْ َ‬
‫كل نظر سواًء كان بشهوة أو بغير شهوة ‪.‬‬
‫‪226‬‬

‫الثاني ‪ :‬عن أم سلمة رضي الللله عنهللا قللالت ‪ :‬كنللت عنللد‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم وعنده ميمونة‪ ،‬فأقبللل ابللن أم‬
‫مكتوم‪ .‬وذلك بعد أن أمرنا بالحجللاب ‪ ،‬فقللال النللبي صلللى‬
‫الله عليه وسلم ‪" :‬احتجبا منلله" ‪ ،‬فقلنللا يللا رسللول الللله !‬
‫أليس أعمى ل يبصرنا ول يعرفنا ؟ فقال النبي صلللى الللله‬
‫عليه وسلم ‪" :‬أفعمياوان أنتما؟ ألستما تبصرانه!")‪.(2‬‬
‫القول الثللاني ‪ :‬إن نظللر المللرأة للرجللل جللائز إذا كللان بل‬
‫شهوة واستدلوا على ذلك بأدلة أشهرها ما يلي‪:‬‬
‫‪1‬ل حديث فاطمة بنت قيس في أمر النبي صلى الله عليلله‬
‫دي‬
‫وسلم لها بالعدة في بيت ابن أم مكتللوم بقللوله ‪) :‬اعت ل ّ‬
‫عند ابن أم مكتوم ‪ ،‬فإنه رجل أعمى ‪ ،‬تضللعين ثيابللك…()‬
‫‪.(3‬‬
‫وهذا أمر صريح لها بالسكنى عند ابن أم مكتوم‪ ،‬فلو كللان‬
‫النظر إلى الرجل حراما ً لمرهللا بغللض بصللرها عنلله عقللب‬
‫أمره لها بالسللكنى عنللده ‪ ،‬وهللذه الحادثللة فللي آخللر حيللاة‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم بعد فتللح مكللة بللدليل سللؤالها‬
‫للنبي صلى الله عليه وسلم بعد انقضاء عدتها واستشارتها‬
‫له في نكاح رجال خطبوها منهم معاوية بن أبللي سللفيان ‪،‬‬
‫ومعاوية رضي الله عنه من مسلمة الفتح ‪.‬‬
‫‪2‬ل عن عائشة رضي الله عنها قالت ‪" :‬لقللد رأيللت رسللول‬
‫الللله صلللى الللله عليلله وسلللم يومللا ً علللى بللاب حجرتللي‬
‫والحبشللة يلعبللون فللي المسللجد‪ ،‬ورسللول الللله يسللترني‬
‫بردائه أنظر إلى لعبهم")‪.(4‬‬
‫وهذا الذن من النبي صلى الله عليلله وسلللم لعائشللة فيلله‬
‫دليل على أن النظر إلى الرجال بل شهوة غير محرم ‪.‬‬
‫مناقشة القائلين بالتحريم والمنع ‪:‬‬
‫ويمكن مناقشة أدلة القائلين بالمنع بأن قوله تعالى ‪):‬وقل‬
‫للمؤمنات يغضضن مللن أبصللارهن( عللام والحللاديث الللتي‬
‫تبيح النظر إلى الرجال خاصة ‪ ،‬والعام إذا خللص فل يعمللل‬
‫بلله وإنمللا يعمللل بالللدليل المخصللص فل حجللة فللي ذلللك ‪،‬‬
‫ويبقى عمل الية فيما بقي على عمومه ممللا أمللر النسللاء‬
‫بكف البصر عنه ‪ .‬وقد قال ابن سعدي في معناها ‪) :‬وقللل‬

‫‪227‬‬

‫للمؤمنات يغضضن من أبصارهن( عن النظر إلى العورات‬
‫والرجال بشهوة ونحو ذلك)‪.(5‬‬
‫ما حديث أم سلمة فيمكن الجواب عنه بما يلي ‪:‬‬
‫وأ ّ‬
‫‪1‬ل أن الحديث مختلللف فللي صللحته لن فيلله راوٍ مجهللول‪،‬‬
‫وهو نبهان مولى أم سلمة لم يلوثقه إل ّ ابلن حّبلان كعلادته‬
‫في توثيق المجاهيللل‪،‬وقللد ضللعف هللذا الحللديث اللبللاني‪)،‬‬
‫‪(6‬وشعيب الرناؤوط)‪.(7‬‬
‫‪2‬ل علللى فللرض صللحته فلعللل المللر لهللن بالحتجللاب منلله‬
‫لكونه أعمى فربما كان منه شيء ينكشللف وهللو ل يشللعر‬
‫به)‪ ،(8‬أو أنه من باب الستحباب والندب ل الوجوب ‪.‬‬
‫‪3‬ل أن هذا الحديث على فرض صحته خللاص بللأزواج النللبي‬
‫صلللى الللله عليلله وسلللم قللال أبللو داود بعللد روايتلله لهللذا‬
‫الحديث ‪) :‬هذا لزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة ‪،‬‬
‫أل ترى اعتداد فاطمة بنت قيس عند ابن أم مكتوم ‪. ( ..‬‬
‫مناقشة القائلين بالجواز ‪:‬‬
‫جه إلى الدليل الول وهو حديث فاطمة بنت قيللس بأنهللا‬
‫و ّ‬
‫يمكن أن تساكنه وتغض بصرها عنه ‪ ،‬ول يخفى بعده ‪.‬‬
‫ما حديث عائشة فقالوا أنها كانت وقتئذٍ صغيرة لللم تبلللغ‬
‫وأ ّ‬
‫بللدليل قولهللا ‪" :‬فاقللدروا قللدر الجاريللة الحديثللة السللن" ‪.‬‬
‫وأجيب عليه بأن الروايات الخرى تذكر أن ذلك بعد قللدوم‬
‫وفد الحبشة ‪ ،‬ووفد الحبشة كان في السللنة السللابعة مللن‬
‫الهجللرة فيكللون عمللر عائشللة حينئذٍ سللت عشللرة سللنة ‪،‬‬
‫فكانت بالغًا)‪.(9‬‬
‫الترجيح ‪:‬‬
‫الذي يظهر والله أعلم أن نظر المرأة إلى ما يظهللر غالبللا‬
‫من الرجل الجنبي جائز إذا كان بل شهوة‪ ،‬ومن مسوغات‬
‫هذا الترجيح ما يلي ‪:‬‬
‫‪1‬ل أن الية عامة‪ ،‬ول يمكللن بقاؤهللا علللى عمومهللا لوجللود‬
‫المعارض الصحيح القللوي ال بللترك العمللل بالمعللارض ‪ ،‬أو‬
‫تعسف تأويله تعسفا ً متكلفا ً ‪.‬‬
‫‪2‬ل قوة أدلة القائلين بللالجواز وجميعهللا فللي الصللحيحين أو‬
‫فللي أحللدهما ‪ ،‬فل يقللف فللي وجههللا حللديث أم سلللمة‬

‫‪228‬‬

‫المختلف في صحته‪ ،‬وعلى فرض صحته فللإنه مللؤول عنللد‬
‫العلماء تأويلت مقبولة ‪.‬‬
‫‪3‬ل تناسب هذا القول مع الية الكريمة ‪) :‬وقللل للمؤمنللات‬
‫يغضضن مللن أبصللارهن ويحفظللن فروجهللن( فللإن النسللاء‬
‫أمرن بحفظ فروجهن عقب المر بغض البصر لنه وسلليلة‬
‫إليه ‪ ،‬فيلمس من هذا أن البصر المأمور بحفظلله مللا كللان‬
‫بشهوة قد تؤدي إلى عدم حفظ الفرج ‪.‬‬
‫‪4‬ل مللا رواه البخللاري أن امللرأة مللن خثعللم وضلليئة جللاءت‬
‫تسللأل النللبي صلللى الللله عليلله وسلللم فللي حجللة الللوداع‬
‫والفضل بن عباس رديفه فطفق ينظر إليهلا وتنظلر إليله ‪،‬‬
‫فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم والفضل ينظللر إليهللا ‪،‬‬
‫فأخلف بيده فأخذ بذقن الفضل ‪ ،‬فعدل وجهله علن النظلر‬
‫إليها)‪.(10‬‬
‫فالنبي عليه الصلة والسلم لم يأمر المرأة بغض بصرها ‪،‬‬
‫وإنما صرف نظر الفضل لما رأى من الريبللة فللي نظللره ‪،‬‬
‫ولنه مأمور بغض بصره عن النساء مطلقا ً بشهوة أو بغيللر‬
‫شهوة ‪.‬‬
‫‪4‬ل ما فهمه البخاري رحمه الللله مللع إمللامته فللي الحللديث‬
‫والفقه‪ ،‬فترجم لحديث عائشللة رضللي الللله عنهللا ونظرهللا‬
‫للحبشة بقوله ‪ :‬باب نظر المرأة إلى الحبش ونحوهم مللن‬
‫غير ريبة)‪.(11‬‬
‫المسللألة الثانيللة‪:‬حكللم الشللتراك فللي هللذه القنللوات مللع‬
‫احتمال حصول هذه المفسدة‪.‬‬
‫وللجواب عن هذا يقال ‪:‬‬
‫إن هذه القنوات تندرج تحت أحكام الوسائل في الشللريعة‬
‫السلمية ‪ ،‬فهي وسيلة إلى دعوة الناس ‪ ،‬وتعليمهم الخير‬
‫ور فيلله إعلم الباطللل ليعللرض الفجللور ‪،‬‬
‫فللي زمللن تطلل ّ‬
‫والخلعة ‪ ،‬والشرك ‪ ،‬والبدعة بأنواعهللا علللى المسلللمين ‪،‬‬
‫وحتى أوجز الحديث عللن هللذا أورد مللا سللطره يللراع ابللن‬
‫القيم رحمه الله تعالى في تقسيم الوسائل وبيان أحكامها‬
‫ثم نصّنف هذه المسألة التي نحن بصللددها ونللدرجها تحللت‬
‫قسمها التي هي منه ونعطيها حكمه ‪.‬‬

‫‪229‬‬

‫فللالقوال والفعلال المتوصللل بهللا إللى المفسللدة ‪ ،‬سللواءً‬
‫كللانت محضللة أو راجحللة أو مرجوحللة ل تخلللو مللن أربعللة‬
‫أقسام هي ‪:‬‬
‫‪1‬ل مللا كللانت وسلليلة موضللوعة للفضللاء إلللى المفسللدة ‪،‬‬
‫كالزنا المؤدي إلى اختلط النساب وفساد الفرش ‪ ،‬فهللذا‬
‫ة أو تحريمًا‪ ،‬بحسللب درجللاته فللي‬
‫منعته الشريعة إما كراه ً‬
‫المفسدة ‪.‬‬
‫‪2‬ل ما كانت وسيلة موضوعة للمباح قصد بها التوسل إلللى‬
‫المفسدة‪ ،‬مثل ‪ :‬عقد الللبيع بقصللد الحصللول علللى الربللا ‪،‬‬
‫وعقللد النكللاح بقصللد التحليللل‪ ،‬فهللذا أيضللا ً ممنللوع فللي‬
‫الشريعة لن للوسائل أحكام المقاصد ‪.‬‬
‫‪3‬لل مللا كللانت وسلليلة موضللوعة للمبللاح ‪ ،‬ولللم يقصللد بهللا‬
‫التوسل إلى المفسدة لكنها مفضية إليها غالبا ً ‪ ،‬ومفسدتها‬
‫أرجللح مللن مصلللحتها‪ ،‬مثللل ‪ :‬سللب آلهللة المشللركين بيللن‬
‫ظهرانيهم ‪ ،‬فهذا أيض لا ً منعتلله الشللريعة لن درء المفاسللد‬
‫مقدم على جلب المصالح‪ .‬وقللد اسللتدل ابللن القيللم علللى‬
‫المنع في هذين القسمين بتسعةٍ وتسعين دليل ً ‪.‬‬
‫‪4‬لل مللا كللانت وسلليلة موضللوعة للمبللاح وقللد تفضللي إلللى‬
‫المفسدة ومصلحتها أرجح من مفسدتها‪ ،‬ككلمة الحق عند‬
‫سلطان جلائر ونحلو ذللك ‪ ،‬فالشلريعة جللاءت بإباحلة هلذا‬
‫القسللم ‪ ،‬أو اسللتحبابه ‪ ،‬أو إيجللابه بحسللب درجللاته فللي‬
‫المصلحة)‪.(12‬‬
‫وة مللن هللذه‬
‫فللإذا أردنللا أن نللوازن بيللن المصلللحة المرج ل ّ‬
‫القنوات الفضائية السلمية والمفسدة المتوقعة مللن وراء‬
‫ذلللك نقللول ‪ :‬إن فيهللا مللن المصللالح الللتي هللي مطلوبللة‬
‫شرعا ً ‪،‬كتعليم العقيدة الصللحيحة ‪ ،‬ونشللر العلللم والفقلله ‪،‬‬
‫وطللرح الحلللول الشللرعية لمشللاكل النللاس المعاصللرة‪،‬‬
‫وتوجيه الرأي العام المسلم إلى المواقللف الصللحيحة مللن‬
‫المستجدات العالميللة‪ ،‬وتكللوين الشللعور المسلللم الممثللل‬
‫بالجسد الواحد وإشغال أوقات الناس علللى أقللل الحللوال‬
‫بالمباحات عن المحرمات ‪ ..‬وفيها من المفاسد مللا يتوقللع‬
‫حدوثه من نظر النساء إلللى الرجللال بشللهوة ‪ ،‬أو انشللغال‬

‫‪230‬‬

‫الناس بمشاهدة هذه القنوات عن بعض المور المهمة في‬
‫حياتهم ‪.‬‬
‫وة مللن مثللل‬
‫وبعد هذه الموازنة يظهر أن المصللالح المرجل ّ‬
‫هذه القنوات أعظم من المفاسد المتوقعة لندرتها ‪ ،‬وعدم‬
‫إمكانية الجزم بوقوعها ‪ ،‬فهي داخلة تحللت القسللم الرابللع‬
‫دها ابللن القيللم رحملله الللله ‪،‬‬
‫من أقسام الوسائل الللتي ع ل ّ‬
‫فالشتراك فيها مبللاح لمللن رغللب فللي ذلللك ‪ ،‬وقللد يكللون‬
‫مستحبا ً أو واجبا ً إذا كان فيه صرف للنللاس عللن مشللاهدة‬
‫غيرها مما يشتمل على المحرمات ‪ ،‬كالغناء والموسيقى ‪،‬‬
‫أو صلور النسلاء ‪ ،‬أو ملا هلو أعظلم ضلررا ً كنشلر البلدع ‪،‬‬
‫والطعللن فللي الللدين ونحللوه ‪ .‬ول يعنللي الحكللم بإباحللة‬
‫الشتراك في هذه القنوات أن يشترك كل مسلم فيها بللل‬
‫هي كأحد أنواع الفواكه مباح ول يلزم من إبلاحته أن يلأكله‬
‫كل أحد ‪،‬‬
‫تنبيه ‪:‬‬
‫إن الشللريعة جللاءت بتحصلليل المصللالح وتكميلهللا وتقليللل‬
‫المفاسد وتعطيلها‪ .‬وهنا لبد من توجيه نداء إللى القللائمين‬
‫على هذه القنوات السلمية بسد ّ باب الذريعة إلى الفساد‬
‫‪ ،‬وذلللك بعللدم استضللافة مللن يللرون فيلله فتنللة للنسللاء‪،‬‬
‫والستغناء عنه بغيره من العلماء وطلبة العلم ‪ ،‬فللإن ذلللك‬
‫من السياسة الشرعية المفضية إلللى إصلللح المسلللمين ‪.‬‬
‫وعلى طلبللة العللم مملن يعلللم أن النظللر إليلله قلد يللورث‬
‫تشبب النساء به أل ّ يخرج عليهن ‪ ،‬والحمد لله أن القنوات‬
‫الفضائية ليست السبيل الوحيد للدعوة وتبليغ الناس الخير‬
‫‪ ،‬فيتخير من وسائل الدعوة ما يكللون أقللرب إلللى تحقيللق‬
‫المراد من الللدعوة بل مفسللدة ‪ ،‬فللإن عمللر بللن الخطللاب‬
‫رضي الللله عنلله لمللا كللان يمشللي بالمدينللة فسللمع امللرأة‬
‫تتغنى بشاب من أهل المدينة اسمه ‪ :‬نصر بن حجاج دعى‬
‫به فوجده شابا ً حسنا ً ‪ ،‬فحلق رأسه فلازداد جملال ً ‪ ،‬فنفلاه‬
‫إلى البصرة‪ ،‬لئل تفتتن به النساء‪ ،‬مع أنلله ل ذنللب للله فللي‬
‫ذلك‪ ،‬وما كان هذا إل ّ سد ّا ً لباب‬
‫الذريعة‪ ،‬وحسما ً لمادته)‪ (13‬والله أعلم ‪.‬‬
‫وفي الختام ‪..‬‬
‫‪231‬‬

‫هللذا مللا تيسللر جمعلله وتحللبيره راجي لا ً مللن الللله التوفيللق‬
‫والصواب ‪ ،‬ثللم أرجللو مللن العلمللاء وطلبللة العلللم تصللويب‬
‫الخطأ ‪ ،‬والعفو عن الزلل ‪ ،‬فإنما الخير أردت‪..‬‬
‫وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ‪.‬‬
‫‪-1‬سورة النور ‪ ،‬آية ‪.31‬‬
‫‪ - 2‬أخرجلله أبللو داود برقللم )‪ ، (4112‬والترمللذي برقللم )‬
‫‪ ، (2878‬وأحمد )‪. (6/296‬‬
‫‪ - 3‬أخرجه مسلم برقم )‪. (1480‬‬
‫‪ -4‬أخرجه البخاري برقم )‪ ، (454‬ومسلم برقم )‪. (892‬‬
‫‪ -5‬تفسير السعدي )ص ‪. (566‬‬
‫‪ -6‬إرواء الغليل )‪. (6/211‬‬
‫‪-7‬حاشية شرح السنة للبغوي )‪. (4/24‬‬
‫‪ -8‬انظر فتح الباري )‪.(9/248‬‬
‫‪ - 9‬رواه البخاري برقم )‪. (1513‬‬
‫‪ - 10‬رواه البخاري‬
‫‪-11‬فتح الباري )‪. (9/248‬‬
‫‪ -12‬إعلم الموقعين )‪. (3/136‬‬
‫‪-13‬ينظللر‪:‬مجمللوع الفتللاوى )‪ ، (28/370،371‬السياسللة‬
‫الشرعية )‪ ، (1/119‬الطرق الحكمية)‪(1/22‬‬
‫============‬
‫‪#‬بين الثبات والتجديد )‪(1/3‬‬
‫سلمان بن فهد العودة ‪30/3/1424‬‬
‫‪31/05/2003‬‬
‫الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين ‪،‬‬
‫وصلى الللله وسلللم علللى نبينللا محمللد وعلللى آللله وصللحبه‬
‫أجمعين‪.‬‬
‫لهللذا الموضللوع قصللة وذلللك أن بعللض الخللوة فللي وليللة‬
‫كاليفورنيا من الوليات المتحدة المريكية في مسجد النور‬
‫طلبللوا منللي مشللاركة معهللم فللي مللؤتمر أقللاموه وكللانوا‬
‫يقللترحون أن يكللون العنللوان ) المراجعللات المنهجيللة فللي‬
‫الواقع السلللمي المعاصللر ( فللألقيت لهللم محاضللرة عللبر‬
‫الهاتف ثم طلب مني إخوة آخرون في الجامعة السلللمية‬
‫العالمية فلي كواللمبلور فلي ماليزيلا محاضلرة أيضلا ً فلي‬
‫‪232‬‬

‫موضوع ) التجديد في الشريعة السلمية ( وحللدثت هللؤلء‬
‫وأولئك فتبين لي أن الحديث بين هللذين الموضللوعين فيلله‬
‫شيء من الشتراك ل بد من كشفه وبيانه وبناء على ذلللك‬
‫جمعت شتاته في هذا المقال ‪.‬‬
‫والعمللل السلللمي فللي هللذا العصللر سللواًء كللان عمللل‬
‫جماعات أو أفرادٍ أو مؤسسات أو غير ذلك يمر بمتغيللرات‬
‫ومراجعات منذ فترة ليسللت باليسلليرة ‪ ،‬لكللن وتيللرة هللذه‬
‫المراجعات وزخمها يتزايد يوما ً بعد يوم خصوصا ً فللي ظللل‬
‫العولمة الللتي تحللاول أن تجمللع العللالم كللله تحللت سلللطة‬
‫ة واقتصللادا ً وإعلم لا ً وثقافللة ثللم ثاني لا ً‬
‫أممية واحدة سياس ل ً‬
‫بسبب أحداث ‪ 11‬سبتمبر وما ترتب عليها ملن الجلراءات‬
‫العسكرية والسياسية والمنية وغيرها ‪ ،‬فبذلك مللر العللالم‬
‫كله بتحولت سياسية وفكرية عميقللة ‪ ،‬وتبع لا ً فللإن الواقللع‬
‫السلمي هو جزء من الواقع العام يتأثر به سلبا ً وإيجابا ً ‪.‬‬
‫لقللد كللان بعللض السلللميين منللذفترة طويلللة يحللاربون‬
‫ويعترضللون علللى مللا يسللمى بالمشللاركة السياسللية أو‬
‫الدخول في البرلمانات ‪ ،‬أو محاولة التأثير من الداخل كما‬
‫يقال ‪ ،‬ثم بدا لهللم أن هللذا بلاب ل بلد ملن وللوجه فأصللبح‬
‫الذين كللانوا بللالمس يجوبللون القطللر محللذرين مللن هللذه‬
‫المشلللاركة وملللبينين أن فيهلللا خطلللرا ً وأن فيهلللا لبسلللا ً‬
‫ومتخوفين من هذه التجربللة صللاروا يفعلللون الشليء ذاتله‬
‫ن أو فلن أو هللذه القائمللة أو تلللك‬
‫داعين إلللى ترشلليح فل ٍ‬
‫الجمعية اقتناعا ً منهم بأن هللذا ل بللد مللن فعللله ولبللد مللن‬
‫مزاحمللة الشللر بللالخير ‪ ،‬كللذلك حمللل بعللض السلللميين‬
‫السلح لمواجهة بعض النظمة الحاكمة في عدد من البلد‬
‫السلمية ربما كان أقدم هذه التجارب هللي التجربللة الللتي‬
‫جللرت فللي سللوريا ‪ ،‬وكللان مللن جرائهللا النتللائج الكللبيرة‬
‫المعروفة ونزيف الدماء الهللائل وضللياع المللوال وانسللداد‬
‫أبواب كانت مشرعة للدعوة في وقللت مللن الوقللات‪ ،‬وتل‬
‫ذلك أحداث مشابهة في أكللثر مللن قطللر إسلللمي كمصللر‬
‫وبعد فترة طويلة من هذه التجربة ترتب على ذلك العلن‬
‫الكبير عن أن هذه التجربة مرت بظروف صللعبة واكتنفتهللا‬

‫‪233‬‬

‫أخطاء عديدة وأنه ل بد من تصحيح المسار وتدارك العثللار‬
‫وضبط المصطلح والشعار لدى هؤلء الخيار ‪.‬‬
‫كان ثمت آخرون من الدعاة يحملون على البلث الفضللائي‬
‫ويحذرون منه ويتحدثون عللن مخللاطره وبعللد ذلللك وجللدوا‬
‫أنفسهم مضطرين ل بعد ما أصبح هذا البث واقعا ً ل سللبيل‬
‫إلى تجاهله ل أن يقتحموه بدعوتهم وأن يزاحموا فيه الشر‬
‫بالخير وأن يعتمدوه كوسلليلة جديللدة مللن وسللائل الللدعوة‬
‫كما يعتمدون النترنت أو الكتاب أو الشريط أو الجريدة أو‬
‫المجلة أو غيرها والوسائل لها حكم الغايللات ‪ ،‬هللذه مجللرد‬
‫نماذج وغيرها كثير تشير إلى أن هناك مايحتاج إلللى تجليللة‬
‫وإيضاح‪.‬‬
‫والمسلللم يللدعو ‪ " :‬اهللدنا الصللراط المسللتقيم "‪ ،‬و هللذا‬
‫الدعاء رباني عظيلم فلي دللتله‪ ،‬ولحكملة اللله لعبلاده أن‬
‫يتلوه ويقرؤوه في كل صلة بللل فللي كللل ركعللة فل تصللح‬
‫الصلة إل بهذا ول صلة لمن لم يقرأ بفاتحللة الكتللاب كمللا‬
‫ر‬
‫في البخاري عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه ‪ ،‬ولم ٍ‬
‫ما شرع الله عللز وجللل هللذا ‪ ،‬ول شللك أن المسلللم يللوقن‬
‫يقينا ً قطعيا ً أن ذلللك لحكمللة عظيمللة ‪ ،‬وأن غيللره ل يقللوم‬
‫مقامه فيه ‪ ،‬والهداية المطلوبة هي أربعة أنواع ‪:‬‬
‫الهدايللة الولللى هللي منللح الللله عبللاده القللوى والقللدرات‬
‫والملكات التي بها يتوصلون إلى معرفة الخيللر والمصلللحة‬
‫وإلى معرفة الشر والمفسدة ‪.‬‬
‫ومن ذلك أن الله تعالى زودهللم بللالحواس المعروفللة مللن‬
‫سمع وبصر ولمللس وغيللر ذللك ومنحهللم سللبحانه العقللول‬
‫التي يحصلون بها العلم والتعلم ولهذا قال الله سبحانه ‪[ :‬‬
‫وعلم آدم السماء كلها ] أن الله جعل لدم ثم لذريته مللن‬
‫بعلللده قلللدرة عللللى التعللللم والفهلللم والدراك ل تتحقلللق‬
‫لغيرهم ‪ ،‬فربنا سبحانه هو الذي أعطى كل شيء خلقه ثم‬
‫هدى ‪ ،‬وهذا وإن كان للحيوان نصلليب منلله بمللا هللداه الللله‬
‫إليه بفطرته فهو يعرف أين يختار المرعللى وأنلله يأكللل إذا‬
‫جاع ويشرب إذا عطش ويتقي بعض المخللاطر حللتى إنللك‬
‫تجد للحيوانات وللحشرات وللهوام والدواب من بديع صنع‬

‫‪234‬‬

‫الله تعالى الشلليء الللذي ينللدهش منلله العقللل إل أن الللله‬
‫سبحانه فضل النسان على غيره من ذلك بما ل يخفى ‪.‬‬
‫فالهداية الولى ‪ :‬هي أن الللله زود النللاس بالملكللات الللتي‬
‫بها يحصلون على الهداية ويعرفون الخير فيفعلونه والشللر‬
‫فيجتنبللونه‪ ،‬ولهللذا كللان العقللل منللاط التكليللف والسللؤال‬
‫والجزاء‪.‬‬
‫الهدايللة الثانيللة ‪ :‬الهدايللة العامللة بللأن الللله بعللث الرسللل‬
‫والنبياء عليهللم الصلللة والسلللم وأنللزل الكتللب وخاتمتهللا‬
‫القرآن ولهذا قال تعالى ‪ [ :‬ولكل قوم هاد ] وقال سبحانه‬
‫[ إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقللوم ] فللبين أن الرسللل‬
‫هداة ‪ ،‬وأن القرآن الكريم والكتللب السللماوية قبللله كللانت‬
‫هداية للناس [ إنا أنزلنا التوراة فيهللا هللدى ونللور ] وهكللذا‬
‫بقية الكتب حتى جاء القرآن مهيمنا ً عليهللا‪ ،‬وهللذه الهدايللة‬
‫يسميها العلماء هداية الدللة والرشاد ‪ ،‬فالله تعالى يقللول‬
‫لرسوله صلى الله عليه وسلم ‪ [ :‬وإنك لتهدي إلى صراط‬
‫مستقيم ] فأثبت لرسوله صلى الله عليه وسلم هذا النللوع‬
‫من الهداية بتعليملله النللاس وتلوة القللرآن وبيللان السللنة ‪،‬‬
‫يكون هدى الناس وإن كللان نفللى عنلله نوع لا ً آخللر[ إنللك ل‬
‫تهدي من أحببت ] ‪.‬‬
‫الهدايللة الثالثللة ‪ :‬الهدايللة الخاصللة وهللي هدايللة التوفيللق‬
‫للصالحين من عباد الله تبارك وتعالى أن يهديهم الله إلللى‬
‫صراطه المستقيم ولهذا يقول الله عز وجل ‪ [ :‬وهدوا إلى‬
‫الطيلب ملن القلول وهلدوا إللى صلراط الحميلد ] ويقلول‬
‫سبحانه ‪ [ :‬أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ] ويقللول‬
‫عز وجل ‪ [ :‬والذين جاهللدوا فينللا لنهللدينهم سللبلنا ] فهللذه‬
‫هداية التوفيق واللهام أن الله تعالى يأخللذ بيللد مللن يشللاء‬
‫من عباده إلللى الصللراط المسللتقيم ‪ ،‬ولللذلك يقللول بعللض‬
‫العلماء ‪ :‬إن آيات الله سبحانه وتعالى في الكون مبثوثة ل‬
‫يحصيها إل هو ‪ ،‬ولكللن المسللتفيدين منهللا قليللل فكللم مللن‬
‫ناظر في ملكوت السللموات والرض ل يتجلله إلللى هللدى ‪،‬‬
‫ول ينصرف عن ردى ‪ ،‬ولكن الله يهدي من يشاء ‪.‬‬
‫ومن الواضح أن هذا النللوع مللن الهدايللة لل هدايللة التوفيللق‬
‫وهدايللة اللهللام للل يتجللزأ ويتكللون للنسللان شلليئا ً فشلليئا ً‬
‫‪235‬‬

‫ويحصل عليه النسان بالتدريج ولهللذا يقللول الللله سللبحانه‬
‫وتعالى ‪ [ :‬والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سللبلنا ] فهللم لمللا‬
‫جاهدوا فللي الللله سللبحانه وتعللالى كللانوا مهتللدين وإل لمللا‬
‫جاهدوا في الله تعالى ‪ ،‬ولكن وعدهم الله تعالى بقللوله‪[ :‬‬
‫لنهللدينهم سللبلنا ] بمزيللد مللن الهدايللة والتوفيللق والعلللم‬
‫والمعرفة ومزيد من العمل والرحمة لم يكن لهم من قبل‬
‫‪ ،‬وهكللذا قللول الللله سللبحانه ‪ [ :‬إن الللذين آمنللوا وعملللوا‬
‫الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم ] فهم أول ً آمنللوا وعملللوا‬
‫الصالحات ‪ ،‬واليمان هداية ‪ ،‬وعمل الصللالح هدايللة ‪ ،‬ومللع‬
‫ذلك قال ‪ [ :‬يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم النهار‬
‫في جنات النعيم ] فهم آمنللوا وعملللوا الصللالحات ‪ ،‬وهللذه‬
‫هداية ‪ ،‬ثم تذرعوا بها إلى هداية أكمللل وأعظللم منهللا فللي‬
‫الدنيا وفي الخرة بوعد الله تبللارك وتعللالى ‪ ،‬وهكللذا قللول‬
‫الله عز وجل ‪ [:‬والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنللدخلنهم‬
‫في الصالحين ]‪ ،‬فيتكلف العمل الصالح أول ً ثم يصبح سهل ً‬
‫يسيرا ً عليه بالعتياد والتمرين‪.‬‬
‫فمن أنللواع الهدايللة الظللاهرة فللي هللذه اليللة أن هللدايتهم‬
‫الولى كانت تكلفا ً وتصبرا ً ‪ ،‬ثم تحللولت إلللى جبلللة وعللادة‬
‫ة بغير تكلف فتلقنوا هذه العمال ‪ ،‬ولهذا كان قيامهم‬
‫وكلف ً‬
‫الليللل أول المللر فللي عنللاء وجهللد ‪ ،‬ثللم تحللول إلللى عللادة‬
‫مألوفللة ل يصللبرون بللدونها ‪ ،‬ول يجللدون لللذتهم إل فيهللا ‪،‬‬
‫ولهذا يقول الله سللبحانه وتعللالى ‪ [:‬يللا أيهللا الللذين ءامنللوا‬
‫اتقوا الله وءامنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل‬
‫لكللم نللورا ً تمشللون بلله ويغفللر لكللم والللله غفللور رحيللم‬
‫] فخللاطبهم باليمللان ‪ ،‬ودعللاهم إلللى أن يتقللوا الللله وأن‬
‫يؤمنوا برسوله ‪ ،‬وهذه هدايات ‪ ،‬فللإذا فعلللوا ذلللك قللال ‪[:‬‬
‫يؤتكم كفليللن مللن رحمتلله ويجعللل لكللم نللورا ً تمشللون بلله‬
‫] فهذا النور هو ثمرة الهداية ثمللرة التقللوى ثمللرة اليمللان‬
‫ثمرة العمل الصالح أن يكون لهللم نللور يمشللون فيلله فللي‬
‫الدنيا فيفرقون به بين الخطللأ والصللواب والحللق والباطللل‬
‫بل يفرقون به بين الصللوابات المتعللددة أيهللا أفضللل وبيللن‬
‫النواع التي كلهللا خيللر أيهللا أخيللر ‪ ،‬ولهللذا قللال عمللرو بللن‬
‫العاص رضي الله عنه ‪ " :‬ليس الفقيلله مللن يعللرف الخيللر‬
‫‪236‬‬

‫من الشر ‪ ،‬إنما الفقيه كل الفقيه من يعرف خير الخيريللن‬
‫وشر الشرين " وهنا قال ‪ [ :‬ويجعل لكم نورا ً تمشون به ]‬
‫وفي الية الخرى قال ‪ [ :‬إن تتقوا الله يجعل لكللم فرقانللا‬
‫] فهذا الفرقللان يكللون فللي قلللب النسللان وعقلله ‪ ،‬وفللي‬
‫خبرته وعلمه فيفرق بين الشياء ويختار أيها أفضل وأكمل‬
‫وأنبل مما يقصر عنه فهم غيره‪.‬‬
‫الهداية الرابعة ‪ :‬الهداية إلى مجاورته سبحانه وتعالى فللي‬
‫جنللات عللدن فللي جنللات النعيللم ‪ ،‬قللال الللله عللز وجللل ‪[ :‬‬
‫ونزعنا ما في صدورهم من غل تجري مللن تحتهللم النهللار‬
‫وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتللدي لللو ل أن‬
‫هدانا الله ] فتمام الهداية إنما يتحقق بمصللير النللاس إلللى‬
‫جنات النعيم في جوار الرب الرحيم فهذه الهدايات الربللع‬
‫يطلبها العبد يطلبها في دعائه ‪.‬‬
‫وقد اختلفت عبارات المفسرين فللي معنللى قللوله [ اهللدنا‬
‫الصراط المستقيم ] ‪.‬‬
‫فقللال علللي بللن أبللي طللالب وأبللي بللن كعللب رضللي الللله‬
‫عنهمللا [ اهللدنا ] معناهللا ثبتنللا علللى الصللراط المسللتقيم ‪،‬‬
‫وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال ‪ :‬أرشللدنا ‪،‬‬
‫وروي عنه أيضا ً أنه قللال ‪ :‬وفقنللا وألهمنللا ‪ ،‬فهنللاك الثبللات‬
‫وهناك هداية الرشاد وهناك هداية التوفيق واللهام ‪.‬‬
‫كما اختلفت عبارات المفسللرين فللي الصللراط المسللتقيم‬
‫فقيل ‪ :‬هوكتاب الله تعللالى ‪ ،‬وقيللل ‪ :‬السلللم ‪ ،‬كمللا قللاله‬
‫ابن مسعود والحسن وأبو العالية وغيرهم ‪ ،‬وقيل ‪ :‬طريللق‬
‫الجنة ‪ ،‬وهذا مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما ‪.‬‬
‫والصواب أن ذلك كله حق ‪ ،‬وههنا يقول المام ابللن تيميللة‬
‫رحمه الله )‪ " : (13/382‬فكل مللن المفسللرين يعللبر عللن‬
‫الصراط المستقيم بعبارة يدل بها على بعض صللفاته وكللل‬
‫ذلك حق بمنزلة ما يسمى الله ورسوله وكتابه بأسماء كل‬
‫اسم منها يدل على صللفة مللن صللفاته فيقللول بعضللهم ‪[ :‬‬
‫الصراط المستقيم ] كتاب الله أو اتباع كتاب الللله ويقللول‬
‫الخر ‪ [ :‬الصراط المستقيم ] هو السلم أو ديللن السلللم‬
‫ويقول الخر ‪ [ :‬الصراط المستقيم ] هو السنة والجماعللة‬
‫ويقول الخر ‪ [ :‬الصراط المسللتقيم ] طريللق العبوديللة أو‬
‫‪237‬‬

‫طريق الخوف والرجاء والحب وامتثللال المللأمور واجتنللاب‬
‫المحظور أو متابعة الكتاب والسنة أو العمللل بطاعللة الللله‬
‫أو نحو هذه السماء والعبارات ‪ ،‬ومعلوم أن المسللمى هللو‬
‫واحد وإن تنوعت صفاته وتعددت أسماؤه وعباراته " ‪.‬‬
‫ن كلها حق‪.‬‬
‫ولهذا نقول ‪ :‬إن الية تدل على معا ٍ‬
‫المعنى الول منها ‪ :‬ثبتنا على الصراط المسللتقيم ‪ ،‬ولهللذا‬
‫روى مسلم عن عبدالله بن عمرو بللن العللاص رضللي الللله‬
‫عنهما أنه سمع النبي صلى الله عليلله وسلللم يقللول ‪ ) :‬إن‬
‫قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلللب‬
‫واحد يصرفه حيث يشاء ( ثم قال صلى الله عليه وسلللم ‪:‬‬
‫) اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك ( ‪.‬‬
‫وروى الترمذي وغيره عن أنس وجماعة من الصللحابة أنلله‬
‫قال ‪ :‬كان رسللول الللله صلللى الللله عليلله وسلللم يكللثر أن‬
‫يقول ‪ ) :‬يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ( فقلللت ‪:‬‬
‫يا رسول الله آمنا بك وبما جئت به فهل تخاف علينا؟ قال‬
‫‪ ) :‬نعم ‪ .‬إن القلوب بين أصللبعين مللن أصللابع الللله يقلبهللا‬
‫كيف يشاء ( فالصراط المستقيم هنا هو السلم ‪ ،‬فل يبتللغ‬
‫المسلم دينا ً سواه ‪ ،‬وهو القرآن فل يبتغ كتابا ً غيللره ‪ ،‬وهللو‬
‫اليمان فل يختار الكفلر عللى اليملان طائعلا ً راضليًا‪ ،‬وهلو‬
‫السنة فل يصرف قلبه إلى بدعة أو مخالفة أو انحراف ‪.‬‬
‫إن أركان السلم الخمسة وأركان اليمان السللتة وأصللول‬
‫الخلق وأصللول المحرمللات والمنهيللات وأصللول العتقللاد‬
‫المقررة فللي كتللاب الللله وسللنة رسللوله صلللى الللله عليلله‬
‫وسلم ‪ ،‬والتي هي محل إجماع من السلف الصللالح رضللي‬
‫اللله عنهللم هللي مللن الضللروريات الظللاهرة‪ ،‬ومللن قواعللد‬
‫الدين ومعاقده ومبانيه الثابتة المستقرة ‪ ،‬فللالمؤمن يللدعو‬
‫ربه صباح مساء في قيامه وركوعه وسجوده بالثبات عليها‬
‫حتى يلقاه ؛ لن هذه الشياء ممللا ل يجللوز أن يكللون فيهللا‬
‫أي خلل أو اضللطراب وكللثير مللن النللاس قللد يقللع عنللدهم‬
‫شيء من الزلزال ‪.‬‬
‫والزلزال قد يضرب منطقة معينة ‪ ،‬ولكن الذين يرصللدون‬
‫الزلزال يدركون إن توابع الزلللزال قللد تمتللد إلللى منللاطق‬
‫بعيدة جدا ً ‪ ،‬وإن لم يشعر الناس فيهللا بزلزلللة قويللة لكللن‬
‫‪238‬‬

‫يللدركها العللارفون‪ ،‬فهكللذا بعللض النللاس ربمللا بسللبب‬
‫اضطرابهم في بعللض المللور يصللل الزلللزال عنللدهم إلللى‬
‫القواعد والمعاقد والصول ‪ ،‬وهذا خطر ينبغي النتباه للله ‪،‬‬
‫ويجللب علللى المسلللم أن يحللاذره فللإن أغلللى مللا يملكلله‬
‫المسلم وقرة عينه في الدنيا وسعادته في الخرة وقربانه‬
‫إلللى ربلله سللبحانه وتعللالى هللو اليمللان بللالله والتسللليم‬
‫لشريعته والوقوف عند حدودها ‪.‬‬
‫فالمعنى الول ثبتنا على الصراط المستقيم‪.‬‬
‫والمعنى الثاني زدنا هدى ‪ ،‬قللال تعللالى ‪ [ :‬والللذين اهتللدوا‬
‫زادهم هدى وآتاهم تقواهم ] وقللال تعللالى ‪ [ :‬ويزيللد الللله‬
‫الذين اهتدوا هدى ] فالهدى ل يتوصل النسللان إليله دفعلة‬
‫واحدة حتى الرسول صلى الللله عليلله وسلللم كللان الللوحي‬
‫يتجدد عنده مرة بعد مرة وكان يرتقي في ملدارج الكملال‬
‫زلفة بعد أخرى وكان يقول له ربه سبحانه ‪ [ :‬واعبللد ربللك‬
‫حتى يأتيك اليقين ] واليقيللن هللو المللوت فمللا زال رسللول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم يعبد ربه ‪ ،‬ويصعد سّلم العبودية‬
‫‪ ،‬ويرتقي في مدارج الكمال حللتى كللان يقللول صلللى الللله‬
‫عليه وسلم كما في صحيح مسلم عن الغر المزني ‪) :‬إنلله‬
‫ليغان على قلبي وإني لستغفر الله في اليوم مائة مرة (‪،‬‬
‫وعلمه ربه أنه يطلب المزيد من العلم والعمل‪.‬‬
‫فمهم للنسان أن يطلب الزيادة من الهللدى ‪ ،‬ومللن زيللادة‬
‫الهدى الطمئنان إلى ما عنللد ربلله تبللارك وتعللالى ‪ ،‬ولهللذا‬
‫قال إبراهيم عليه الصللة والسللم لربله علز وجلل ‪[ :‬رب‬
‫أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تللؤمن قللال بلللى ولكللن‬
‫ليطمئن قلبي] فاطمئنللان القلللب باليمللان هللو مللن زيللادة‬
‫الهدى ‪ ،‬وكذلك زيللادة العلللم بتفاصلليل اليمللان و تفاصلليل‬
‫العمال هو من الهدى ‪ ،‬ولهذا قال تبللارك وتعللالى ‪ [ :‬وإذا‬
‫ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكللم زادتلله هللذه إيمان لا ً‬
‫فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمان لا ً وهللم يستبشللرون * وأمللا‬
‫اللذين فلي قللوبهم ملرض فزادتهلم رجسلا ً إللى رجسلهم‬
‫وماتوا وهم كافرون ] فالمؤمن جاءته آية جديدة فآمن بهللا‬
‫وسلم وقرأها ‪ ،‬وكل هذا زيادة إيمان ‪ ،‬والمنافق كذب بهللا‬
‫وردها وكفر فكان ذلك زيادة في نفاقه ‪ ،‬ومن هنا قال الله‬
‫‪239‬‬

‫سبحانه وتعالى لنبيه ومصطفاه صلى الله عليه وسلللم ‪[ :‬‬
‫وقل ربي زدني علما ً ] وقد روى صالح ابن المام أحمد بن‬
‫حنبل فقال ‪ :‬رأى رجل مع أبللي محللبرة ً فقللال للله ‪ :‬يللا أبللا‬
‫عبدالله ‪ ،‬أنت قد بلغت هذا المبلغ ‪ ،‬وأنت إمام المسلللمين‬
‫‪ ،‬فقال ‪ " :‬من المحبرة إلى المقبرة " يعني ل يزال يطلب‬
‫العلم إلى أن يموت ‪.‬‬
‫وحللتى فللي مللرض المللوت كللان السلللف يتلقللون العلللم‬
‫ويطلبونه ‪ ،‬وليس مقصود العلم المعرفة النظرية المجردة‬
‫فقط ‪ ،‬وإنما العلم واليمان ‪ ،‬ولهذا لما قيل للمام أحمد ل ل‬
‫وهو في مرض المللوت ‪ ،‬وكللان يئن مللن الوجللع ل ل ‪ :‬بعللض‬
‫السلف كانوا يقولون ‪ :‬إن النين يكتب ‪ ،‬ترك النين رحملله‬
‫الله‬
‫المعنى الثالث ‪ :‬اهدنا أي وفقنا للصواب فيما تختلللف فيلله‬
‫النظار وتتفللاوت فيلله الجتهللادات‪ ،‬ولهللذا كللان مللن دعللاء‬
‫الرسول ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪ -‬دعوته في صلة الليل )‬
‫اللهم رب جبرائيل وميكائيل‪ ،‬وإسرافيل فللاطر السللماوات‬
‫والرض‪ ،‬عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما‬
‫كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحللق بإذنللك‬
‫إنك تهدي من تشاء إلى صراط مسللتقيم ( والحللديث رواه‬
‫مسلم وأحمد وأهل السنن ‪ ،‬وهنا دعللا النللبي ‪ -‬صلللى الللله‬
‫عليلله وسلللم ‪ -‬ربلله فاسللتغاث بلله‪ ،‬وقللال ‪ ) :‬رب جبرائيللل‬
‫وميكائيللل وإسللرافيل ( الللذين مهمتهللم تتعلللق بالحيللاة‬
‫فجبريل ينزل بالوحي الللذي بلله حيللاة القلللوب ‪ ،‬وميكائيللل‬
‫الموكل بالقطر الذي فيلله حيللاة الرض ‪ ،‬وإسللرافيل ينفللخ‬
‫في الصور لحياة الناس من قبورهم ‪.‬‬
‫وذلك لن المقام مقام طلب الهدايللة ‪ ،‬والهدايللة هللي نللور‬
‫وحيللاة للقلللوب وللبللدان‪ ،‬فناسللب أن يللذكر اسللم هللؤلء‬
‫الملئكة ‪.‬‬
‫وهذا يشمل الهداية الولللى بالثبللات إل أنلله يشللمل هدايللة‬
‫جديدة ‪ ،‬وهي طلب الهداية في مواضللع الشللكال ‪ ،‬ولهللذا‬
‫قال ‪) :‬لما اختلف فيه من الحللق ( وكللثيرا ً ماكللان العلمللاء‬
‫يللدعون بهللذا الللدعاء فللي مواضللع الضللطراب والختلف‬
‫والمسائل الخفية‪.‬‬
‫‪240‬‬

‫وهنا نلحظ أن الرسول ‪ -‬صلى الللله عليلله وسلللم ‪ -‬سللأل‬
‫الهداية وليس الثبات ‪ -‬كما في الحديث الذي قبله ‪. -‬‬
‫إن هذه الهداية هلي ‪ -‬فلي حقيقتهلا ‪ -‬ثبللات ‪ ،‬ولكلن قللد ل‬
‫تكون صورتها كذلك ‪ ،‬إنها ثبات على المنهج ‪ ،‬ومن الثبللات‬
‫أن يتبع المرء الهداية حيث كانت ‪ ،‬فالدين المحللض يسللأل‬
‫المللرء الثبللات عليلله بكللل حللال ‪ ،‬والللرأي يطلللب المللرء‬
‫الصواب فيه ‪ ،‬ولهذا نقول ‪ :‬إن أعظم الثوابت هو الجتهللاد‬
‫‪ ،‬وهو أساس المتغيرات فإن المرء إذا اجتهد فأصلاب فلله‬
‫أجران ‪ ،‬وإن أخطأ فله أجر ؛ لن اجتهاد المرء ينتقللل مللن‬
‫فاضل إلى أفضل أو من مفضول إلى فاضل‪.‬‬
‫وعند البخاري وغيره عن زهدم قال ‪ :‬كنا عند أبي موسللى‬
‫الشعري ‪ ،‬وكان بيننا وبين هذا الحي من جرم إخللاء فللأتي‬
‫بطعام فيه لحم دجاج ‪ ،‬وفي القوم رجل جالس أحمر فلم‬
‫يدن من طعامه قال ‪ :‬ادن فقد رأيت رسول الللله ‪ -‬صلللى‬
‫الله عليه وسلم ‪ -‬يأكل منه ‪ ،‬قلال ‪ :‬إنلي رأيتله أكلل شليئا‬
‫فقذرته فحلفللت أل آكللله ‪ ،‬فقللال ‪ :‬ادن أخللبرك أو أحللدثك‬
‫أني أتيت النبي ‪ -‬صللى الللله عليلله وسللم ‪ -‬فللي نفللر مللن‬
‫الشعريين فوافقته وهو غضبان ‪ ،‬وهو يقسم نعما ً من نعم‬
‫الصدقة فاستحملناه فحلف أل يحملنا ‪ :‬قلال ‪ ) :‬ملا عنلدي‬
‫ما أحملكم عليه ( ثم أتي رسللول الللله ‪ -‬صلللى الللله عليلله‬
‫وسلم ‪ -‬بنهللب مللن إبللل فقللال ‪ ) :‬أيللن الشللعريون ؟ أيللن‬
‫الشعريون ؟ ( قال فأعطانا خمس ذود غر الللذرى‪ ،‬فلبثنللا‬
‫غير بعيد‪ ،‬فقلت لصحابي ‪ :‬نسي رسول الله ‪ -‬صلللى الللله‬
‫عليه وسلم ‪ -‬يمينه ‪ ،‬فوالله لئن تغفلنا رسول الله ‪ -‬صلللى‬
‫الله عليه وسلم‪ -‬يمينه ل نفلح أبدا ً ‪ ،‬فرجعنللا إلللى النللبي ‪-‬‬
‫صلللى الللله عليلله وسلللم ‪ ، -‬فقلنللا ‪ :‬يللا رسللول الللله‪ ،‬إنللا‬
‫استحملناك فحلفت أل تحملنا ‪ ،‬فظننا أنك نسيت يمينللك ‪،‬‬
‫فقال ‪ ) :‬إن الله هو حملكللم ‪ ،‬إنللي والللله إن شللاء الللله ل‬
‫أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا ً منها إل أتيت الللذي هللو‬
‫خير وتحللتها ( ‪.‬‬
‫فهنا تلحظ أن النبي ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪ -‬حلف علللى‬
‫شئ ‪ ،‬ثم فعل غيره‪ ،‬وقللرر فللي ذلللك قاعللدة عظيمللة للله‬
‫ولمن يأتي بعده أنه قللد يللرى الشلليء صللوابا ً حللتى يحلللف‬
‫‪241‬‬

‫عليه ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪ ، -‬ثم يبدو له أن غيللره خيللر‬
‫منه ؛ لنه تغيرت الحوال والحداث ‪ ،‬إذ لم يكن عنده نعم‬
‫فجاءته النعم ‪ ،‬أولم يكن يرى هذا الشيء فأراه الله تعالى‬
‫إياه فيكفر عن يمينه الول‪ ،‬ثم يأتي الذي هو خيللر ‪ ،‬ولهللذا‬
‫قال عمر بن الخطاب في رسالته لبي موسى ل والغريللب‬
‫أن أبلا موسللى طللرف فللي المريلن كليهملا لل ضللمن هلذا‬
‫الخطاب ‪ :‬ول يمنعنك قضاء قضيته بالمس فراجعت اليوم‬
‫فيلله عقللك وهللديت فيلله إللى رشللدك أن ترجللع فيله إلللى‬
‫الحق‪ ،‬فإن الحق قديم‪ ،‬ومراجعة الحق خيللر مللن التمللادي‬
‫بالباطل‪ ،‬ثم قال له ‪ :‬الفهم الفهم فيما تلجلج في صللدرك‬
‫مما ليس في كتاب الله ول سللنة نللبيه ‪ -‬صلللى الللله عليلله‬
‫وسلللم ‪ ، -‬ثللم اعللرف المثللال والشللباه وقللس المللور‬
‫بنظائرها‪.‬‬
‫يقلللول ابلللن القيلللم ‪ -‬رحمللله اللللله ‪ -‬فلللي )كتلللاب إعلم‬
‫الموقعين(‪ " :‬هذا كتاب جليل تلقاه العلماء بللالقبول وبنللوا‬
‫عليه أصول الحكللام والشللهادة والحللاكم‪ ،‬والمفللتي أحللوج‬
‫شئ إليه وإلى تأمله والفقه فيه‪ ،‬ثم شرح ابللن القيللم هللذا‬
‫الفقرة بالذات في قول عمر لبللي موسللى ‪ ":‬ول يمنعنللك‬
‫قضاء قضيته بالمس ثم راجعللت فيلله عقلللك وعللدت فيلله‬
‫إلى رشدك أن تراجع الحق فإن الحق قللديم " يقللول فللي‬
‫كلم جميل ‪ ":‬يريد أنك إذا اجتهدت في حكومة يعنللي فللي‬
‫حكم ثم وقعت في هذه الحكومللة مللرة أخللرى فل يمنعللك‬
‫الجتهاد الول من إعادته؛ فإن الجتهاد قد يتعثر‪ ،‬ول يكون‬
‫الجتهاد الول مانعا ً مللن العمللل بالثللاني إذا ظهللر لللك أنلله‬
‫الحق ‪ ،‬فإن الحق أولللى باليثللار ؛ لن الحللق قللديم سللابق‬
‫على الباطل‪ ،‬فإذا كان الجتهاد الول قللد سللبق يعنللي هللو‬
‫الول عندك وقد تعمل به ؛ لنك تقول ‪ :‬هللذا أول اجتهللاد ‪،‬‬
‫وهو أول ما ذهبت إليه ‪ ،‬وأول ما نظرت فيه‪ ،‬فيقللول لللك‪:‬‬
‫ل يمنعنك ذلك من أن تأخذ بللالحق الجديللد‪ ،‬فللالحق قللديم‬
‫يعني أسبق حتى من اجتهللادك الول والرجللوع إليلله أولللى‬
‫من التمادي على الجتهاد الول ‪ ،‬ثم نجد أن عمللر‪ -‬رضللي‬
‫الله عنه ‪ -‬وغيره من الخلفاء الراشدين والئمللة المهللديين‬
‫كانوا يعملون بهذا النظام‪ ،‬فعمر نفسه ‪ -‬رضي الله عنلله ‪-‬‬
‫‪242‬‬

‫كما عند عبدالرزاق وغيره أنه قضى في مسألة المشللركة‬
‫ل وهي مسألة فرضية ل بقضاء ثم جرت مرة أخرى فقضى‬
‫فيها ‪ -‬عمر رضي الله عنه ‪ -‬بقضاء آخر ‪ ،‬فقيللل ‪ :‬يللا أميللر‬
‫المؤمنين‪ ،‬إنك قضيت قبل عام بغيللر ذلللك ‪ ،‬فقللال عمللر ‪-‬‬
‫رضي الله عنه ‪ : -‬تلك على ما قضينا يومئذ‪ ،‬وهذه على ما‬
‫قضينا اليوم ‪ ،‬فأخذ عمر ‪ -‬رضي الله عنه ‪ -‬باجتهاد ثم أخذ‬
‫باجتهاد آخر بما ظهر له أنه الحق ولم يمنعه القضللاء الول‬
‫من الرجوع إلللى الثللاني‪ ،‬ولللم ينقللض أيض لا ً القضللاء الول‬
‫بالقضاء الثاني فجرى أئمة السلم ‪ -‬كما يقول ابن القيم ‪-‬‬
‫من بعده على هذا المنوال‪ ،‬ومن هنا وجللدنا الئمللة ينهللون‬
‫عللن تقليللدهم بللل ويرفضللون هللم أن يقلللدوا أنفسللهم ‪،‬‬
‫فالمام أحمد يكون له في المسألة الواحدة سبع روايات ‪،‬‬
‫وهي من القضايا التي قد يكون فيها نصوص ‪ ،‬ولكن توجيه‬
‫النصللوص علللى محلهللا والنظللر‪ ،‬فيهللا واعتبللار الناسللخ‬
‫والمنسللوخ‪ ،‬والنظللر إلللى صللحة السللناد وعللدمه ‪ ،‬وهكللذا‬
‫الشافعي كان له مذهب قديم في العراق ثم مذهب جديللد‬
‫في مصر ‪ ،‬وتلميذ أبي حنيفة أصللبحوا يخللالفونه فللي نحللو‬
‫من ثلثي مذهبه ‪ -‬رضي الله عنهم أجمعين ‪.-‬‬
‫وكان الشافعي يقول‪ :‬إنما يؤخذ بالخر فالخر من هللدي ‪-‬‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم ‪ -‬وقوله ‪ :‬فنحن نجد أن النللبي‬
‫ صلى الله عليه وسلم ‪ -‬لما قللدم إلللى المدينللة مثل ً كللان‬‫يحب موافقة أهل الكتاب فيما للم ينللزل عليله فيلله شليء‬
‫يحب موافقتهم طمعا ً في إسلللمهم وتأليفلا ً لقلللوبهم ‪ ،‬ثللم‬
‫خلللالفهم بعلللد ذللللك ‪ ،‬وأصلللبحت مخالفللة أهلللل الكتلللاب‬
‫والمشركين والوثنين شريعة قائمة أمر بهللا النللبي ‪ -‬صلللى‬
‫الله عليه وسلم ‪ -‬وقررها وقعد أصولها ‪ ،‬وهكذا نجد بعللد ‪-‬‬
‫هؤلء الئمة ‪ -‬أن المام ابن تيمية ينتقل من المذهبية إلللى‬
‫الجتهاد‪ ،‬ويكتب ويتكلم ويفتي في كثير من المسائل التي‬
‫خلالف فيهلا الملذهب وخلالف فيهلا الشليوخ يتكللم برؤيلة‬
‫شهودية لم تكن له من قبل حتى إنه يخالف رأيه بللل أكللثر‬
‫من هذا فتجده في موضع يتكلم عن مسللألة جريللان الربللا‬
‫في الحلي فيقول‪ :‬إنها باطلة باتفاق العلماء ‪ ،‬ثم يقرر في‬
‫آخر عمره وفي السللجن فللي تفسللير آيللات أشللكلت وهللو‬
‫‪243‬‬

‫كتاب مطبوع خلف الرأي الذي قللرره مللن قبللل ‪ ،‬وقللال ‪:‬‬
‫إن عليه اتفاق العلماء؛ وما ذلك إل لنه كللبر عقللله واتسللع‬
‫اجتهاده‪ ،‬وزاد نظره‪ ،‬و تغيرت رؤيتلله‪ ،‬وأدرك مللا لللم يكللن‬
‫يدرك من قبل ‪ ،‬وإل ‪ -‬فهو ل شللك ‪ -‬فللي المسللألة الثانيللة‬
‫أكللثر احتياطللا ً لللدينه وأكللثر ورعللا ً وحرصللا ً علللى مصللالح‬
‫الناس ‪ ،‬ولكن أراه الله حينئذ ما لم يكن يرى من قبل‪ ،‬ول‬
‫يلللزم مللن ذلللك بالضللرورة أن يكللون الخللر صللوابًا‪ ،‬لكللن‬
‫المدرك هو سعة المر وأهمية التعبد بالجتهللاد الللذي يللراه‬
‫الفقيه‪ ،‬ول يقلد فيه نفسه ول غيره‪.‬‬
‫ومللن المهمللات فللي هللذه المسللألة ضللرورة فصللل الللدين‬
‫الرباني المحض عن النقللائص البشللرية النفسللية والعقليللة‬
‫فإنهما يختلطان على المرء أحيانا ً فتتدثر بعللض الخصللائص‬
‫البشرية وبعض الطبائع النسانية بدثار التقوى حتى يلتبس‬
‫المر على صاحبها ‪ ،‬وفرز هذا عن ذاك بحيث يعرف المرء‬
‫ما كان دينا ً محضا ً صريحا ً ل شوب فيلله‪ ،‬ومللا كللان رأي لا ً أو‬
‫أمرا ً اجتهاديا ً أو أمرا ً شخصيا ً أو نابعا ً من طبيعة أو جبلللة ‪،‬‬
‫وهذا ل شك مللن أعظللم علمللات الخلص لللله ورسللوله ‪-‬‬
‫صلى الله عليه وسلم ‪ -‬والنجاة من تلبس الهوى بالنسان‬
‫‪ ،‬ويللدخل فللي هللذا النتقللال مللن الجتهللاد المرجللوح إلللى‬
‫الجتهاد الراجح‪ -‬من الحصول على أجر واحد إلى الحصول‬
‫علللى أجريللن معللا ً ‪ -‬أجللر الجتهللاد وأجللر الصللواب وهللذا‬
‫الختلف‬
‫والترجيح والنتقال يكون فللي مسللائل‪ ،‬أذكللر أربعلا ً ‪ -‬منهللا‬
‫على سبيل العرض السريع ‪-:‬‬
‫الولى‪ :‬مسألة الوسائل وليس الغايات ‪ ،‬فالغايات متفقة ‪،‬‬
‫دعوة الناس إلى رب العالمين وتعبيدهم ‪ -‬لله عللز وجللل ‪-‬‬
‫بالعمل بالكتاب والسللنة وطلللب الجنللة طلللب الرضللوان ‪،‬‬
‫لكن الوسائل إلللى ذلللك تختلللف ‪ ،‬ولهللذا نللرى أن وسللائل‬
‫الدعوة اجتهادية وليست توقيفيللة ‪ ،‬وقللد يجللد للنللاس مللن‬
‫الوسائل اليوم ما لم يكن عندهم من قبل‪ ،‬إما أنه لم يكللن‬
‫موجللودًا‪ ،‬أو لللم يكللن مسللتخدماً‪ ،‬أو لللم تكللن المصلللحة‬
‫الراجحة تقتضي اعتماده كوسيلة‪ ،‬فالوسللائل تختلللف مللن‬

‫‪244‬‬

‫زمان إلى زمان ومن مجتمللع إلللى مجتمللع ومللن بيئة إلللى‬
‫أخرى‪ ،‬وهي حركة ضمن دائرة المباح الصلي في الجملة‪.‬‬
‫الثانية‪ :‬ما يتعلق بالساليب‪ ،‬فأساليب الدعوة قد تختلللف ‪،‬‬
‫فالنسللان يسللتخدم النسللان أسلللوب السللرية والعلنيللة ‪-‬‬
‫ونوح عليه السلم يقول } ثم إنللي أعلنللت لهللم وأسللررت‬
‫لهم إسرارًا{ وقد دعا النبي ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪ -‬سرا ً‬
‫بمكة ثلث سنين‪ ،‬ثللم جهللر بللدعوته‪ ،‬كللذلك التفللاوت بيللن‬
‫الشدة واللين وبين التعميم والتخصلليص والتربيللة الفرديللة‬
‫والخطاب الجماعي ‪ ،‬وهكذا كلها أساليب يطلللب منهللا مللا‬
‫يحقق المقصود وما يحقللق المقصللود اليللوم قللد ل يحققلله‬
‫غدًا‪ ،‬وما يحققه في بلد قد ل يحققه في بلللد آخللر ‪ ،‬ولهللذا‬
‫أذنت الشريعة أن يكون هذا مجال نظر واجتهاد وتوسعة‪.‬‬
‫الثالثللة ‪ :‬مللا يتعلللق بللالفروع وليللس الصللول‪ ،‬فأصللول‬
‫الشريعة والعتقللاد مللن المحكمللات المسلللمات القطعيللة‬
‫التي ل خلف فيها ‪ ،‬لكن باب الفروع بللاب واسللع؛ اختلللف‬
‫موسى وهارون وهما نبيان كمللا جللاء فللي صللريح القللرآن‪،‬‬
‫كما اختلف فيه أبو بكللر وعمللر حللتى فللي حضللور ‪ -‬النللبي‬
‫صلللى الللله عليلله وسلللم ‪ -‬فللي موضللوع السللرى وغيللره‪،‬‬
‫واختلف فيه أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد ‪ ،‬واختلللف‬
‫فيه المام النووي وابن حجر وابن تيمية وغيرهم ‪ ،‬واختلف‬
‫فيه ابن باز وابن عثيمين‪ ،‬فل غللرو إذن أن يختلللف النللاس‬
‫فيه إلى قيام الساعة وأل يكون ثمللة تللثريب علللى اختلف‬
‫الناس فيما كان من فروع الشريعة‪ ،‬والخلف المقبول هنا‬
‫ليس بسبب الهوى أو التشهي‪ ،‬أو المزاج أو الللذوق؛ وإنمللا‬
‫بسلبب الجتهللاد والنظلر فلي الدللة والراجللح والمرجللوح‪،‬‬
‫والصحيح والضعيف‪ ،‬والناسخ والمنسوخ وغيره‪.‬‬
‫الرابعة ‪ :‬الجتهاد في النوازل الحادثة وليس فللي القواعللد‬
‫المستقرة‪ ،‬والنازلة ‪ -‬بطبيعتها ‪ -‬شيء جديد‬
‫تطيش له الفهام وتللذهل العقللول وتسللتوحش النفللوس ‪،‬‬
‫ولكن العبرة بما يلؤول إليلله المللر ويسلتقر عليله الحللال ‪،‬‬
‫ولهذا فللإن الجتهللاد فللي النللوازل يكللون مجللال ً وعرضللة ‪،‬‬
‫ونحن نجد موسى وهللارون قللد اجتهللدا فللي مسللألة نازلللة‬
‫وهي كون بني إسرائيل عبدوا العجل‪ ،‬فعاملهللا كللل منهمللا‬
‫‪245‬‬

‫بطريقة على حسب ما ذكللر الللله تعللالى فللي كتللابه ‪ ،‬وإن‬
‫كانوا كلهم وكل الرسل والنبياء بعثوا بدعوة التوحيد ونبللذ‬
‫النداد والصنام ورفض الشرك‪ ،‬إل أن معالجللة نازلللة فللي‬
‫هللذا البللاب كللانت محللل اختلف فعالجهللا ‪ -‬هللارون عليلله‬
‫السلم ‪ -‬بأن نهاهم عن ذلك وصبر عليهم ‪ -‬بينما موسى ‪-‬‬
‫عليه السلم ‪ -‬أخذ برأس أخيه يجره إليه‪ ،‬ونهاه عللن ذلللك‬
‫فقللال للله ‪ ):‬ل تأخللذ بلحيللتي ول برأسللي إنللي خشلليت أن‬
‫تقول فرقت بين بني إسللرائيل ولللم ترقللب قللولي ( فمللن‬
‫معاني الهداية‪ :‬طلب ما هو الفضل والتقى والكثر صوابا ً‬
‫والكثر رجحانا ً ‪.‬‬
‫الرابع من معاني الهدايللة ‪ :‬اهللدنا الصللراط المسللتقيم‪ ،‬أي‬
‫ألهمنا عبودية تناسب الحال التي نحن فيها فإن لكل مقلام‬
‫مللن مقامللات النسللان عبوديللة تخصلله وتلئملله ‪ ،‬فهنللاك‬
‫عبودية النسان في حال الصللحة ‪ ،‬واسللتخدام قللوته فيمللا‬
‫يرضللي الللله سللبحانه ‪ ،‬لكللن عبللوديته فللي حللال المللرض‬
‫بالصبر والرضا والتسليم والللدعاء ‪ ،‬وهنللاك عبوديللة الغنللى‬
‫بالنفاق في سبيل الله وهي الشكر ‪ ،‬وهناك عبودية الفقر‬
‫التي هي الرضا والتسليم ‪ ،‬وأل يمد عينيه أو يللديه إلللى مللا‬
‫عند الناس‪ ،‬وأن يدعو الله سبحانه وتعالى‪ ،‬ويطلب الغنللى‬
‫منلله دون غيللره‪ ،‬وهنللاك عبوديللة القللوة للفللرد والجماعللة‬
‫والدولة والمة بلأن تصلرف هلذا القلوة فلي طاعلة اللله ‪،‬‬
‫وفي حمايللة اليمللان والمللؤمنين ‪ ،‬وفللي تللأديب الظللالمين‬
‫والفاسللقين والمعتللدين ‪ ،‬وهنللاك عبوديللة الضللعف الللتي‬
‫تقتضللي الصللبر والمصللابرة والنتظللار والتفكيللر وإعمللال‬
‫العقل والحيلللة‪ ،‬فقللد يللدرك النسللان بالحيلللة مللال يللدركه‬
‫بالوسيلة والقوة ‪ ،‬وكذلك التسليم لله ‪ -‬سللبحانه وتعللالى ‪-‬‬
‫بأل يسخط النسللان مللن القضللاء أو القلدر‪ ،‬أو يخللرج علن‬
‫طوره أو يكفر بربه أو يشك في دينه ‪ ،‬وبعض الناس يقول‬
‫‪ :‬لماذا مكن الله الكفار وأعطاهم القوة ؟ وحرم المؤمنين‬
‫ومنعهم من ذلك ؟‬
‫فهذا مما يدل على أهمية إدراك العبودية في حال الضعف‬
‫‪ ،‬وأنها غير العبودية في حللال القللوة ‪ ،‬ومللن العبوديللة فللي‬
‫حال الضعف أن يسعى النسان بنظره وتفكيره وتخطيطه‬
‫‪246‬‬

‫إلى اسللتجماع واستحضللار القللوة الممكنللة ؛ بحيللث يللزول‬
‫الضعف ‪ ،‬وإذا لم يزل عن هذا الجيل فليزل ل على القل ل‬
‫عن الجيال القادمة وأن نعرف لجيالنا طريقا ً بللدأناه نحللن‬
‫ليكملوه هم من بعدنا‪ ،‬وهكذا عبودية الشباب غيللر عبوديللة‬
‫الكهولة أو عبودية الشيخوخة‪ ،‬ولهذا نجد أن النبي ‪ -‬صلللى‬
‫الله عليه وسللم ‪ -‬كلان يقللول ‪ ) :‬لكللل عابللد شللرة ولكللل‬
‫شرة فترة ( رواه ابن حبللان وأحمللد والترمللذي وغيرهللم ‪،‬‬
‫وفي لفظ ) إن لكل شيء شللرة ولكللل شلليء فللترة فللإن‬
‫كان صاحبها سدد وقارب فارجوه وإن أشير إليلله بالصللابع‬
‫فل تعدوه ( وهذا لفظ الترمذي ‪ ،‬وفي مسند المللام أحمللد‬
‫عن عبد الله بن عمرو قال ‪ :‬ذكر لرسول الله ‪ -‬صلى الله‬
‫عليه وسلم ‪ -‬رجال يجتهدون فللي العبللادة اجتهللادا ً شللديدا ً‬
‫فقللال ‪ ) :‬تلللك ضللراوة السلللم وشللرته ‪ ،‬ولكللل ضللراوة‬
‫شرة ‪ ،‬ولكل شرة فترة ‪ ،‬فمن كللانت فللترته إلللى اقتصللاد‬
‫وسنة فلم ما هو ومن كانت فللترته إلللى المعاصللي فللذلك‬
‫الهالك ( فأشار النبي ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪ -‬إلى طبيعة‬
‫الشياء وأن لكل شلليء عبللادته أو عبللوديته الللتي تلئملله ‪،‬‬
‫فالشباب ‪ -‬مثل ً ‪ -‬بطبيعتهم الحادة وحداثة التجربللة لللديهم‬
‫يكونللون ‪ -‬كمللا يقللول الللرازي فللي الفراسللة ) ص ‪:( 81‬‬
‫"سللراع التقلللب يغلللب عليهللم الملل‪ ،‬يشللتهون بللإفراط‪،‬‬
‫ويملون بإفراط؛ لن النفس الخالية من التصللورات تكللون‬
‫شديدة الرغبة في تحصيلها‪ ،‬فإذا قضت وطرها منها مالت‬
‫إلى غيرها‪.‬‬
‫ويغلب عليهم حب الكرامة‪ ،‬ورغبتهلم فلي العللو والظهلور‬
‫فوق رغبتهم في المال‪.‬‬
‫ولديهم سرعة التصديق بما يلقي إليهم‪ ،‬وبسللاطة التصللور‬
‫مما يولد نوعا ً من القدام‪.‬‬
‫أما في السن المتقدم فيغلب علللى المللرء كللثرة التعقلت‬
‫والتصورات والتجارب‪ ،‬وكثرة التردد والشك‪ ،‬وقلة الجللزم‪،‬‬
‫والعتدال في الولء وفي الكراهية‪ ،‬والمعرفة بالعواقب"‪.‬‬
‫وقريللب مللن ذلللك مللا ذكللره ابللن رشللد عللن بعللض أهللل‬
‫الفلسفة حيللث قللال ‪" :‬فممللا يتصللف بلله الشللباب ‪ :‬غلللب‬
‫الشهوات عليهم‪ ،‬وهم سريعو الغضب والرضا وهم محبون‬
‫‪247‬‬

‫للكرامة‪ ،‬ول يحتملللون تجريحلًا‪ ،‬ويصللدقون القللول سللريعا ً‬
‫لقلة خبرتهم‪ ،‬ويسهل خداعهم واغترارهم؛ لن من شللأنهم‬
‫التصديق من غيللر دليللل أو بللدليل ضللعيف‪ ،‬والحيللاء يغلللب‬
‫عليهم‪ ،‬ثم هم يقدمون الجميل على النافع إذا أحبللوا شلليئا ً‬
‫بللالغوا فللي حبلله ‪ ،‬وإذا أبغضللوا شلليئا ً بللالغوا فللي بغضلله‪،‬‬
‫ويميلون إلى الهزل والمزح‪.‬‬
‫أما أخلق الشيوخ فل يكترثون بحمد ول ذم ؛ لن قصللدهم‬
‫الحقائق‪ ،‬ول يجزمون بشيء ألبتة ويقرنللون كلمهللم بلعللل‬
‫وعسللى!‪ ،‬ول يحبللون بشللدة كمللا ل يبغضللون بشللدة ‪ ،‬بللل‬
‫أمرهم وسط بل إسراف ‪ ،‬بل بما يقتضيه الحال‪ ،‬ويللؤثرون‬
‫النافع على الجميل‪ ،‬وهم بعللد ذلللك أطللول صللبرا ً وأمضللى‬
‫عزيمة ل يهزلون كثيرًا‪ ،‬ول يمزحون إل نادرا ً (‪.‬‬
‫فالمؤمن يللدعو ربلله أن يللوفقه ويلهملله العبوديللة الملئمللة‬
‫لحاله كفرد ولحال المجموعة أو المة أو المجتمللع ‪ ،‬ولهللذا‬
‫يقول المام ابن تيمية في الفتاوى )‪" : (22/400‬كل عبللد‬
‫فهو مضللطر دائمللا إلللى مقصللود هللذا الللدعاء وهللو هدايللة‬
‫الصللراط المسللتقيم ‪ ،‬فللإنه ل نجللاة مللن العللذاب إل بهللذه‬
‫الهداية ول وصول إلى السعادة إل به فمن فاته هذا الهدى‬
‫فهللو إمللا مللن المغضللوب عليهللم أو مللن الضللالين ‪ ،‬وهللذا‬
‫الهتللداء ل يحصللل إل بهللدى الللله ‪ ) :‬مللن يهللد الللله فهللو‬
‫المهتللدي ومللن يضلللل فلللن تجللد للله وليللا مرشللدا ( فللإن‬
‫الصراط المستقيم أن تفعل كل وقللت مللا أمللرت بلله فللي‬
‫ذلك الوقت من علم وعمل ول تفعل ما نهيت عنلله‪ ،‬وإلللى‬
‫أن يحصل له إرادة جازمة لفعللل المللأمور وكراهللة جازمللة‬
‫لترك المحظور ‪ ،‬والصللراط المسللتقيم قللد فسللر بللالقرآن‬
‫والسلم وطريق العبودية وكللل ذلللك حللق فهللو موصللوف‬
‫بهذا وبغيره‪ ،‬فحاجته إلى هذه الهداية ضرورية في سعادته‬
‫ونجاته‪ ،‬بخلف الحاجة إلى الرزق‪.‬‬
‫فالمام ‪ -‬رحمه الله ‪ -‬ذكلر المعنلى الول وهلو أن الهدايلة‬
‫في كل وقت بحسبه‪ ،‬وأن العبد حينما يدعو ويقول ‪ :‬اهدنا‬
‫الصللراط المسللتقيم‪ ،‬فلنلله اليللوم محتللاج إلللى الهدايللة‬
‫المتجددة زائدة علللى مللا كللان عنللده بللالمس ‪ ،‬وهللو غللدا ً‬
‫يحتاج إلى هدايةزائدة على ما عنده اليوم ‪ ،‬ففي كللل يللوم‬
‫‪248‬‬

‫بل في كل ساعة بل في كل لحظة هو محتاج إلللى هدايللة‬
‫جديدة تلئم مقللامه وتحللل المشللكلة الماثلللة أمللامه فهللذا‬
‫معنى‪.‬‬
‫ثم أشللار ‪ -‬رحملله الللله ‪ -‬إلللى أن هللذه الهدايللة ضللرورية ‪،‬‬
‫بخلف الحاجة إلى الللرزق والنصللر فللإن الللله يرزقلله فللإذا‬
‫انقطع رزقه مات‪ ،‬والموت ل بد منه ‪ -‬فإن كللان مللن أهللل‬
‫الهداية كان سعيدا بعد الموت وكان الموت موصل له إلللى‬
‫السعادة الدائمة البدية فيكون رحمة في حقه‪.‬‬
‫وكذلك النصر إذا قدر أنه قهر وغلب حللتى قتللل فللإذا كللان‬
‫من أهل الهداية والستقامة مات شللهيدا‪ ،‬فتللبين أن حاجللة‬
‫العباد إلى الهدى أعظم من حاجتهم إلللى الللرزق والنصللر‪،‬‬
‫بل ل نسبة بينهما ; فلهذا كان هللذا الللدعاء هللو المفللروض‬
‫عليهم ‪ ،‬وأيضا فإن هذا الدعاء يتضمن الرزق والنصر ؛ لنه‬
‫إذا هدي الصراط المستقيم كان من المتقيللن ) ومللن يتللق‬
‫الله يجعل له مخرجللا ( ) ويرزقلله مللن حيللث ل يحتسللب (‬
‫وكان من المتوكلين ) ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن‬
‫الله بالغ أمره ( وكان ممن ينصر الله ورسوله‪ ،‬ومن ينصر‬
‫الله ينصره الله وكان من جند الله‪ ،‬وجند الله هم الغالبون‬
‫‪.‬‬
‫فالهدى التام يتضمن حصول أعظم مللا يحصللل بلله الللرزق‬
‫والنصر ‪ ،‬فتبين أن هذا الللدعاء هللو الجللامع لكللل مطلللوب‬
‫يحصل به كل منفعة ويندفع به كل مضللرة ‪ ،‬فلهللذا فللرض‬
‫على العبد ‪ ،‬هذا يدخل فيه سؤال الله ‪ -‬سللبحانه وتعللالى ‪-‬‬
‫اللهام لمعرفة الحوال ومعرفة المراحل وتحقيق عبوديته‬
‫كل منها في وقتها ‪ ،‬و النسان ل يعرف ذلك إل بتعليم الله‬
‫تعالى له ‪ ،‬ولهذا قال النبي صلى الللله عليلله وسلللم ‪ -‬كمللا‬
‫في الحديث المتفق عليه عن ابن عباس‪ ":‬لما بعث النللبي‬
‫ صلى الله عليه وسلم ‪ -‬معلاذا ً إللى اليملن ‪ ) :‬إنلك تلأتي‬‫قوما ً أهل كتاب فليكن أول ما تللدعوهم إليلله شللهادة أن ل‬
‫إله إل الله وأن محمللدا ً رسللول الللله ‪ ،‬فللإن هللم أطللاعوك‬
‫بذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلللوات فللإن‬
‫هم أطاعوك بذلك فأعلمهم أن في أمللوالهم صللدقة تؤخللذ‬
‫من أغنيائهم وترد إلى فقرائهللم ‪ (...‬الحللديث‪ ،‬فللإذا أجللابوا‬
‫‪249‬‬

‫إلى شيء دعوا إلى ما فوقه وإلى ما بعده وهذا يدل على‬
‫ملحظة التدرج في دعوة الناس أفرادا ً وجماعللات ‪ ،‬ومللن‬
‫هللذا التنللوع فللي العنايللة بالموضللوعات المختلفللة‪ ،‬فهنللاك‬
‫أقللوام يناسللبهم أن يتحللدث معهللم فللي موضللوع التربيللة ‪،‬‬
‫وآخرون يناسبهم الحديث معهم فللي تفصلليلت العلللم فللي‬
‫الفقه والحديث والتفسير وغيرها ‪ ،‬و فئة ثالثة تحتللاج إلللى‬
‫من يحدثها في الجوانب الواقعيللة والمسللائل والمشللكلت‬
‫السياسية ‪ ،‬وفئة رابعة تحتاج إلى من يحدثها بالنتقال إلى‬
‫العمال والمشاريع والمؤسسات وإلى المللور العمليللة ‪- ،‬‬
‫وهكذا بحسب ما لدى هؤلء من الكمال ومن اليمان ومن‬
‫العلم ومن القللدرة ‪ ،‬وبحسللب مللا عنللدهم مللن النقللص أو‬
‫الختلل ‪ -‬يكون ما يقدم لهم ‪ ،‬ومن ذلك أيضا ً أن الخطاب‬
‫يقبل التنوع والتعدد ‪ ،‬ولهذا الله ‪ -‬سبحانه وتعالى ‪ -‬يقول ‪:‬‬
‫) ومللا أرسلللنا مللن رسللول إل بلسللان قللومه ليللبين لهللم (‬
‫فالرسالة تكون بلسان القوم المبعللوث إليهللم‪ ،‬والمقصللود‬
‫من ذلللك هللو البيللان ‪ ،‬فالمقصللود مللن دعللوة السلللم هللو‬
‫البيان للناس والبيان يكون بالقول والفعل ‪ ،‬والقول يتنللوع‬
‫والفعل يتنوع بحسللب حللال المتحللدث وحللال المللدعوين ‪،‬‬
‫ولذلك كللان خطللاب المللم ذات الحضللارة والعلللم المللادي‬
‫الللدنيوي يختلللف عللن خطللاب المللم البسلليطة السللاذجة‪،‬‬
‫فاللللدعوة فلللي أوروبلللا‪ -‬مثل ً ‪ -‬تختللللف فلللي متطلباتهلللا‬
‫واحتياجاتها و في همومها ومشكلتها الللتي تواجههللا ‪ -‬عللن‬
‫الدعوة فلي أفريقيلا أو اللدعوة فلي آسليا ‪ ،‬فحينملا تلدعو‬
‫شخصا ً بسيطا ً ساذجا ً ليس عنده أي خلفية مسبقة يختلف‬
‫المر عما إذا دعللوت شخص لا ً مليئا ً بالشللبهات والنظريللات‬
‫والفلسفات والقللوال السللابقة ‪ ،‬وإذا دعللوت شخصلا ً فللي‬
‫الصحراء ليللس كمللا لللو دعللوت شخصلا ً فللي المدينللة‪ ،‬ثللم‬
‫أحوال المجتمعات وتعقيداتها وظروفهللا يحتمللل أبعللد مللن‬
‫هللذا‪ ،‬فالشللبهات غيللر الشللبهات والهمللوم والمشللكلت‬
‫والحلول تتفاوت من قوم إلى قللوم‪ ،‬وكللل قللوم يخللاطبون‬
‫بحسللب مللا يناسللبهم ‪ ،‬ووسللائل التللأثير مختلفللة ونوعيللة‬
‫الداعية الللذي نحتللاج إليلله فللي أوروبللا غيللر الداعيللة الللذي‬
‫نحتاجه في أفريقيا ‪ ،‬والداعية فللي بلد ينتشللر فيهللا العلللم‬
‫‪250‬‬

‫الشرعي غير الداعية في بلد يعم فيهللا الجهللل ‪ ،‬والللدعوة‬
‫في بلد غنية غير الدعوة في بلد فقيرة وهكذا‬
‫المعنى الخللامس ‪:‬اهلدنا الصلراط المسلتقيم مللن معانيهللا‬
‫النتقال من الحسن إلى ما هو أحسن منه ‪ ،‬فهناك حسللن‬
‫وأحسللن ‪ ،‬ولللذلك يقللول الللله سللبحانه وتعللالى ‪ ) :‬الللذين‬
‫يستمعون القول فيتبعون أحسنه ( ويقول ‪ ) :‬اتبعوا أحسن‬
‫ما أنزل إليكم من ربكم ( فحتى في بعض أوامر الشللريعة‬
‫ثمت تخيير‪ ،‬فهناك تخيير في باب الكفارات ‪ ،‬وهناك تخيير‬
‫في الحقوق فالنسان لله أن يأخلذ الديلة لل وهللذا حللق لله‬
‫مشروع ‪ ،‬وهو حسن ل ولكن هناك ما هو أحسن منه‪ ،‬وهللو‬
‫العفو والصفح خاصللة إذا كللان معلله الصلللح ‪ ،‬ومللن ذلللك‬
‫النتقال من عمل فاضل إلى عمل أفضل منه ‪ ،‬فقد يكون‬
‫النسان منصرفا ً إلى عبادة ‪ ،‬والعبادة خير وقربة إلى الللله‬
‫سبحانه‪ ،‬ولكن العبادة نفعهللا لزم خللاص فللإن انتقللل إلللى‬
‫التعليم وإلى الدعوة فقللد انتقللل مللن عبللادة إلللى عبللادة ‪،‬‬
‫لكن العبادة الجديدة أحسن من الولى ؛ لن نفعها متعللدٍ ‪،‬‬
‫ولهللذا كللان الزهللري ومالللك وغيرهللم يقولللون ‪ :‬إن طلللب‬
‫العلم أفضل من نوافل العبادة لمن صحت نيتلله ومللا ذلللك‬
‫إل لن العلللم فيلله نفللع للنللاس بخلف العبللادة فللإن نفعهللا‬
‫مقصور غالبا ً على صاحبها ‪ ،‬وهذا كما يكللون للفللرد يكللون‬
‫للجماعة ويكون للمة ‪ ،‬فقللد يفتللح الللله تعللالى لقللوم هللم‬
‫على خير خاص فيفتح الله لهم خيرا ً أعللم وأوسللع وأعظللم‬
‫فينبغللي أن يغتنمللوا ذلللك وأن ل يضلليعوا الفرصللة ‪ ،‬وكمللا‬
‫قيل ‪:‬‬
‫إذا هبت رياحك فاغتنمها … …‬
‫فعقبى كل عاصفة سكون‬
‫وقد يكون الشيء حسنا ً ويكون غيره أحسن منه في حللال‬
‫أخرى‪ ،‬وهذا يتجلى في الخلق والمواقف ‪ ،‬ولذلك قيل ‪:‬‬
‫ووضع الندى في موضع السيف بالعل … …‬
‫مضر كوضع السيف في موضع الندى‬
‫المعنى السادس ‪ :‬أن يتجلى للمؤمن أو العللالم ويثبللت للله‬
‫مللا لللم يثبللت لغيللره ‪ ،‬وهللذا مللن معللاني اهللدنا الصللراط‬
‫المسلللتقيم ‪ ،‬وللللذا كلللان الئملللة الكبلللار أئملللة الحلللديث‬
‫‪251‬‬

‫المتقللدمون المحققللون يقللع لحللدهم للل بسللبب البحللث‬
‫والتحللري والطلع علللى السللانيد ومعرفللة الرجللال وتتبللع‬
‫طللرق الحللديث لل مللن القطللع واليقيللن والجللزم بللأن هللذا‬
‫الحديث صللحيح ‪ ،‬بللل قللد يكللون عنللده متللواتر ويحلللف أن‬
‫الرسول صلى الللله عليلله وسلللم قللال هللذا ونطللق بلله ول‬
‫يستثني ويكون محقا ً في ذلك بارا ً راشدا ً ؛ لنه تيقللن ذلللك‬
‫يقينا ً قلبيا ً جازملا ً بسللبب عمليللة البحلث الطويللة والطلع‬
‫ومعرفة السانيد والمتون والطرق والرجال وغيرها فمثللل‬
‫هذا العالم تحقق له من اليقين في مسألةٍ مللا لللم يتحقللق‬
‫لغيره حتى من العلماء فضل ً عللن عامللة النللاس ممللن لللم‬
‫يصلوا إلى هذا ولم يسلكوا طريقلله ‪ ،‬فيكللون لهللذا العللالم‬
‫هداية خاصة خصلله الللله تعللالى بهللا عللرف بهللا صللحة هللذا‬
‫الحديث بل ثبوته بل تواتره أحيانلا ً وأنله ضلروري وقطعللي‬
‫ويقيني ما لم يقع لغيره ‪ ،‬ول يستطيع هذا العللالم أن يلللزم‬
‫غيره بذلك ممن لم يسلك هذا السبيل ولم يصل إلى هللذه‬
‫النتيجة‪ ،‬فهذه أنواع من الهدايات التي يطلبها المرء ‪.‬‬
‫أخيرا ً ‪ :‬لماذا يقع هذا ؟‬
‫هذا التنوع الذي يحدث ويتجدد له أسباب عديدة منها‪:‬‬
‫أول ً ‪ :‬هناك ما هو من باب تجدد الجتهاد الفقهي والللدعوي‬
‫ودفع التعصب والهوى وتلرك تقليلد النفللس ‪ ،‬وهلذا يحتللاج‬
‫إلى تجرد والللتزام بالنقللد وتصللحيح المفللاهيم والتصللورات‬
‫والعمللال والمواقللف والجتهللادات الفرديللة والجماعيللة‬
‫فبسبب ذلك يقع النتقال ‪.‬‬
‫ثانيا ً ‪:‬قد يقع ذلك بسبب تغير الظللروف والللبيئات وأحللوال‬
‫الناس ‪ ،‬فيكون لكللل حللال مللا يناسللبها ‪ ،‬الداعيللة كالتللاجر‬
‫الذي يعرض بضللاعته فللي السللوق ‪ ،‬لكللن بضللاعته ليسللت‬
‫ة من سلع الدنيا ‪ ،‬وإنما هللي أغلللى السلللع وأعظمهللا‪،‬‬
‫سلع ً‬
‫بضاعته الهداية والتي ثمرتها الجنة ) أل إن سلعة غاليللة أل‬
‫إن سلعة الله الجنلة ( والتلاجر ل يسلتطيع أن يتحكلم فلي‬
‫السعار ول في نوعية البضائع ول في طريقة البيع ول فللي‬
‫الزبائن ‪ ،‬وإنما قصاراه أن يعللرض بضللاعته علللى النللاس ‪،‬‬
‫وهللو إذا كللان حريصللا ً علللى تسللويقها ونشللرها وإيصللالها‬
‫فسوف يتلطف ويتذرع بكللل وسلليلة أذنللت بهللا الشللريعة‪،‬‬
‫‪252‬‬

‫وسوف يجدد من وسائل العرض والتقللديم والتوصللل إلللى‬
‫قلوب الناس وعقللولهم والتللأثير عليهللم فيمللا يحبللون ممللا‬
‫أباحه الله تعالى ووسع فيه مما هو من التنوع المحمود ‪.‬‬
‫وهاهي النظمة السياسية في العالم السلللمي كللله تغيللر‬
‫قراراتها وتغير سياساتها وتحالفاتها بحسب تجللدد الحللوال‬
‫وتغير الظروف‪.‬‬
‫وهاهي الدول العظمى والمبراطوريات الكبرى‪ ،‬كالوليات‬
‫المتحللدة المريكيللة ‪...‬تحللاول أن تهيمللن وتسلليطر علللى‬
‫معاقد المور فللي العللالم كلله‪ ،‬ومللع ذللك تغيللر سياسللاتها‬
‫وتحالفاتهللا وتغيللر خريطللة علقاتهللا الدوليللة ومواقفهللا‬
‫السياسية والقتصللادية وقوانينهللا الداخليللة إلللى غيللر ذلللك‬
‫بسبب الحداث التي طرأت‪.‬‬
‫فالوقوف والجمود على أمر معين ليس أمللرا ً جللديرا ً بمللن‬
‫يعيشون الحياة وتقلباتها ‪.‬‬
‫ثالثا ً ‪ :‬ومنه ما يكون بسبب تنوع الخبرة والدرايللة وإحكللام‬
‫التجربة المبنية علللى عقللل النسللان ‪ ،‬والتجربللة ل تحصللل‬
‫للنسللان إل بخللوض الغمللرات وقللوة الملحظللة والصللبر‬
‫والتدبر ‪ ،‬وما يمنح الله سبحانه وتعللالى عبيللده مللن الفهللم‬
‫والدراك ‪ ،‬ولهللذا لمللا سللئل علللي رضللي الللله عنلله ‪:‬هللل‬
‫خصكم رسللول الللله صلللى الللله عليلله وسلللم أهللل الللبيت‬
‫بشيء ؟‬
‫قال‪":‬ل‪.‬والذي برأ الحبة وفلق النسمة إل فهما ً أوتيه رجللل‬
‫في كتاب الللله تعللالى "‪ .‬فالنللاس يتفللاوتون فللي فهللومهم‬
‫سواء فهمهم لكتللاب الللله عللز وجللل أو فهمهللم لمجريللات‬
‫المور ومعرفة النتائج من مقدماتها ‪ ،‬ولهذا يقول بشار بن‬
‫برد العقيلي ‪:‬‬
‫إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن … …‬
‫برأي نصيح أو نصيحة حازم‬
‫ول تجعل الشورى عليك غضاضة … …‬
‫فإن الخوافي قوة للقوادم‬
‫ف أمسك الغل أختها … …‬
‫وما خير ك ٍ‬
‫وما خير سيف لم يؤيد بقائم‬
‫وخل الهوينا للضعيف ولتكن … …‬
‫‪253‬‬

‫نؤوما ً فإن الحزم ليس بنائم‬
‫وأدن على القربى المقرب نفسه … …‬
‫ول تشهد الشورى امرءا ً غير كاتم‬
‫فإنك ل تستطرد الهم بالمنى … …‬
‫ول تبلغ العليا بغير المكارم‬
‫ويقول المتنبي في قصيدته المشهورة ‪:‬‬
‫الرأي قبل شجاعة الشجعان … …‬
‫هو أول وهي المحل الثاني‬
‫فإذا هما اجتمعا لنفس حرة … …‬
‫بلغت من العلياء كل مكان‬
‫ولربما طعن الفتى أقرانه … …‬
‫بالرأي قبل تطاعن القران‬
‫لول العقول لكان أدنى ضيغم … …‬
‫أدنى إلى شرف من النسان‬
‫ولما تفاضلت النفوس ودبرت … …‬
‫أيدي الكماة عوالي المران‬
‫إن الواقع السلمي علللى جميللع الصللعد ليللس هللو الخيللار‬
‫المثل ول الصورة الشرعية‪ ،‬ولذا يتحتللم علللى المصلللحين‬
‫السعي في التدارك والتغييللر وفللق الحكللام إلللى القاعللدة‬
‫الشللرعية )مللا كللان عليلله النللبي صلللى الللله عليلله وسلللم‬
‫وأصحابه(‪.‬‬
‫================‬
‫‪#‬بيع التقسيط وأحكامه‬
‫سليمان بن ُتركي الُتركي ‪11/4/1424‬‬
‫‪11/06/2003‬‬
‫اسم الكتاب ‪:‬بيع التقسيط وأحكامه‬
‫المؤلف‪ :‬سليمان بن ُتركي الُتركي‬
‫الناشر ‪:‬دار إشبيليا ‪ /‬السعودية‬
‫عدد الصفحات ‪558 :‬‬
‫انتظمت الرسالة بعد المقدمة في تمهيللد‪ ،‬وثلثللة فصللول‪،‬‬
‫وتتمة‪ ،‬وخاتمة‪.‬‬

‫‪254‬‬

‫التمهيد خصصله لدراسلة مصلطلحات البحلث ‪ ،‬وجلاء فلي‬
‫مطلبين‪ :‬الول فللي تعريللف الللبيع وأقسللامه ‪،‬والثللاني فللي‬
‫تعريف التقسيط والجل فيه ‪.‬‬
‫أمللا الفصللل الول فعقللده لبيللان شللروط بيللع التقسلليط ‪،‬‬
‫وانتظم في تمهيد وثلثة مباحث‪:‬‬
‫التمهيد كان حول الشللروط العامللة للللبيع‪ .‬بينمللا المبللاحث‬
‫كللللان الول منهللللا فللللي الشللللروط المتعلقللللة بأحللللد‬
‫العاقدين‪،‬والثاني في الشروط المتعلقة بالعوض ‪،‬و الثالث‬
‫في الشروط المتعلقة بالجل ‪.‬‬
‫وأملللا الفصلللل الثلللاني فخصصللله لدراسلللة تلللأثر الثملللن‬
‫بالتقسيط ‪ ،‬وجاء في ثلثة مباحث ‪:‬‬
‫الول حول زيادة الثمن المؤجل عن الثمن الحال فللي بيللع‬
‫التقسيط ‪،‬والثاني في الحط مللن الثمللن لقللاء تعجيللل أداء‬
‫القسللاط ‪ ،‬والخيللر حللول مللا يللترتب علللى تللأخير أداء‬
‫القساط ‪.‬‬
‫أما الفصل الثالث فخصصلله لدراسللة آثللار بيللع التقسلليط ‪،‬‬
‫وجاء في ثلثة مباحث ‪:‬‬
‫المبحث الول ‪ :‬لزوم الجل في بيع التقسيط‪،‬والثاني فللي‬
‫انتقال ملكيللة المللبيع للمشللتري ‪،‬بينمللا كللان الثللالث حللول‬
‫المواعدة وأثرها في بيع التقسيط ‪.‬‬
‫وأما التتمة ‪ ،‬فجعلها دراسللة تطبيقيللة لللبيع التقسلليط مللن‬
‫واقع شركتين من الشركات المتعاملة بهذا البيع‪.‬‬
‫وفي نهاية البحث ذكر خاتمة أوجز فيها ما توصل إليه مللن‬
‫نتائج ‪،‬وهي كالتالي‪:‬‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬بيللع التقسلليط هللو ) عقللد علللى مللبيع حللال ‪ ،‬بثمللن‬
‫مؤجل ‪ ،‬يؤَدى مفرق لا ً علللى أجللزاء معلومللة ‪ ،‬فللي أوقللات‬
‫معلومة ( وبين التقسيط والتأجيل علقة عمللوم وخصللوص‬
‫مطلق ‪ ،‬فكل تقسيط تأجيل ‪ ،‬وقد يكون التأجيل تقسلليطا ً‬
‫وقد ل يكون ‪ ،‬فالتأجيل هو العم مطلقا ً ‪.‬‬
‫ثانيًا‪:‬يشترط لبيع التقسيط – فوق الشروط العامة للللبيع –‬
‫جملة من الشروط ‪ .‬هي كالتالي ‪:‬‬

‫‪255‬‬

‫الشرط الول ‪ :‬أن ل يكون بيع التقسيط ذريعة إلى الربا ‪.‬‬
‫وأبرز الصور التي يتحقق فيها التذرع بالتقسيط إلى الربا ‪:‬‬
‫بيع العينة‪.‬‬
‫الشروط الثاني ‪ :‬أن يكون البائع مالكا ً للسعلة ‪ .‬فل يجللوز‬
‫أن يقدم البائع على بيع سلعة ليست مملوكة له ‪ ،‬على نية‬
‫أنله إذا أتلم العقلد ملع المشلتري ‪ ،‬اشلتراها وسللمها بعلد‬
‫ذلك ‪.‬‬
‫أما طلب شراء السلعة مللن شللخص ليسللت عنللده ليقللوم‬
‫بتملكها ومن ثم بيعها على طالبهللا بربللح ‪ ،‬فجللائز إن كللان‬
‫المأمور يشتري لنفسه ويتملللك ملكلا ً حقيقيلا ً ‪ ،‬ومللن غيللر‬
‫إلزام للمر بتنفيذ ما وعد به من شراء السلعة‪.‬‬
‫الشللرط الثللالث‪ :‬أن تكللون السلللعة مقبوضللة للبللائع ‪.‬فل‬
‫يكفللي تملللك البللائع للسلللعة الللتي يرغللب فللي بيعهللا‬
‫بالتقسلليط ‪ ،‬بللل ل بللد مللن قبللض السلللعة المللراد بيعهللا‬
‫بالتقسيط القبض المعتبر لمثلها قبل التصرف فيها بالبيع ‪،‬‬
‫أيا ً كانت تلك السلعة طعاما ً أو غيره‪.‬‬
‫الشرط الرابع ‪ :‬أن يكون العوضان مما ل يجري بينهما ربا‬
‫النسلليئة ‪ .‬وذلللك للتلزم بيللن بيللع التقسلليط وبيللن الجللل‬
‫الموجب لنتفاء الشتراك في علة الربا‪.‬‬
‫الشرط الخامس ‪ :‬أن يكون الثمن في بيع التقسيط دينا ً ل‬
‫عينلا ً ‪ .‬لن الثمللن فللي بيللع التقسلليط ل يكللون إل مللؤجل ً ‪،‬‬
‫والجل ل يصح دخوله إل على الللديون الللتي تقبللل الثبللوت‬
‫في الذمة ‪ ،‬دون العيان‪.‬‬
‫الشللرط السللادس ‪ :‬أن تكللون السلللعة المبيعللة حالللة ل‬
‫مؤجلة ‪ .‬لن المبيع إذا أجل–مللع أن الثمللن مؤجللل أص لل ً –‬
‫فقد تحقق كون ذلك من بيع الكالئ بالكللالئ ‪ .‬وهللو منهللي‬
‫عنه‪.‬‬
‫الشرط السابع ‪ :‬أن يكون الجل معلوما ً ‪ .‬فل بد من بيللان‬
‫عدد القساط ‪ ،‬ووقلت أداء كللل قسلط ‪ ،‬وملدة التقسلليط‬
‫كاملة ‪ ،‬يحدد هذا تحديدا ً منضبطا ً ل يحصل معه نللزاع بيللن‬
‫الطرفين‪.‬‬
‫الشرط الثامن ‪ :‬أن يكون بيع التقسيط منجللزا ً ‪ .‬فل يصللح‬
‫تعليق عقد البيع علللى أداء جميللع القسللاط ‪ ،‬بللل ل بللد أن‬
‫‪256‬‬

‫يتم البيع بصورة منجزة ‪ ،‬تترتب عليه جميع الثار المترتبللة‬
‫على عقد البيع فور صدوره‪.‬‬
‫ثالثًا‪:‬تجوز زيادة الثمن المؤجل عن الثملن الحلال فللي بيلع‬
‫التقسلليط ‪ ،‬فللي قللول جمللاهير أهللل العلللم مللن السلللف‬
‫والخلف ‪ ،‬من غير مخالف يعتد بخلفه ‪ .‬بل قد حكى بعض‬
‫أهل العلم الجماع على جواز أن الثمن المؤجل أزيللد مللن‬
‫الثمن الحال‪ .‬ومع ذلك فقد وجد من شذ في هذه المسألة‬
‫‪ ،‬ورأى تحريم زيللادة الثمللن المؤجللل عللن الثمللن الحللال ‪،‬‬
‫لشتباه هذه الزيادة عليلله بالربللا ‪ .‬تللبين مللن خلل البحللث‬
‫شذوذ هذا الرأي وضعف أدلته ‪.‬‬
‫رابعًا‪ :‬يجوز الحط من الدين المؤجل مقابل تعجيل الداء ‪.‬‬
‫فيسوغ لمن أدى القسللاط قبللل زمللن حلولهللا أن يطللالب‬
‫بالحط عنه من الثمن بقدر ما زيد أصل ً مقابل تلللك المللدة‬
‫الملغاة‪.‬‬
‫خامسًا‪ :‬ل يجوز إلللزام البللائع بقبللول القسللاط المعجلللة ‪،‬‬
‫التي سوف يترتب على قبوله لها حط من الثمن ؛ لن في‬
‫ذلك إضرارا به ‪ ،‬فهو لم يقصد من البيع بالتقسيط إل هذه‬
‫المصلحة ‪ ،‬والجل حق لهما فل يستبد أحدهما بإسقاطه‪.‬‬
‫سادسًا‪ :‬يحرم على المدين المليء أن يماطل في أداء مللا‬
‫حل من أقساط ‪ ،‬ومع ذلك فل يجوز فرض تعللويض مللالي‬
‫على المدين المماطل مقابل تأخير أداء الدين‪.‬‬
‫سابعًا‪ :‬يجوز اشتراط حلول بقية القسللاط بتللأخر المللدين‬
‫الموسر في أداء بعضها ‪[.‬‬
‫ثامنًا‪:‬ل يجوز أن يتم العقللد فللي بيللع التقسلليط علللى عللدة‬
‫آجال لكل أجل ثمنه ‪ ،‬كأن يتم التعاقد على بيع سيارة إلى‬
‫سنة بمائة ألف ‪ ،‬وإلى سنتين بمائة وعشرين ‪ ،‬وإلللى ثلث‬
‫بمائة وثلثين ‪ .‬بل ل بد أن يكون الثمن والجل واحللدا ً بات لا ً‬
‫من أول العقد ‪.‬‬
‫تاسعًا‪ :‬ل يجوز للبائع المطالبة بالثمن قبلل حللول الجلل ‪،‬‬
‫كما ل يعد المشتري ممللاطل ً لللو امتنللع مللن أداء القسلاط‬
‫قبل حلولها ‪ .‬ول حق للبائع في المطالبة إل بانقضاء الجل‬
‫وبلوغ غايته ‪ ،‬أو باتفاق المتعاقدين على إسقاطه ‪.‬‬

‫‪257‬‬

‫عاشرًا‪ :‬إذا مات المشتري بالتقسيط قبل أداء جميع الثمن‬
‫فإن ديونه ل تحل بموته ‪ ،‬إذا وثق الورثة ذلك الدين برهللن‬
‫أو كفيل ‪ .‬فإن حل الدين لعدم توثيقه فل بد من الحط منه‬
‫بمقدار ما زيد فيه للمدة الباقية التي عجلت أقساطها ‪.‬‬
‫حادي عشر‪ :‬ل تحل الللديون المؤجلللة والقسللاط المتبقيللة‬
‫لفلس المشتري ‪ ،‬وإنما يقسم مال المفلس بين أصحاب‬
‫الديون الحالة ‪ ،‬وتبقى الديون المؤجلللة فللي ذمللة المللدين‬
‫إلى وقت حلولها ‪.‬‬
‫ثاني عشر‪:‬تنتقل ملكية المبيع للمشللتري ‪ ،‬وملكيللة الثمللن‬
‫للبائع فور صدور عقد بيع التقسيط ‪ ،‬وبناء عليلله فل يجللوز‬
‫للبائع حبس السلعة لستيفاء ثمنها المؤجل ‪ ،‬ولللو اشللترط‬
‫البائع ذلك فإن العقد يكون فاسدا ً ‪.‬‬
‫ثالث عشر‪ :‬إذا أفلس المشتري وفي يده عين مللال ثمنهللا‬
‫مؤجل ‪ ،‬فالبائع أحق بسلللعته مللن بقيللة غرمللاء المشللتري‬
‫أصحاب الديون الحالة ‪ ،‬فتوقف السلعة المبيعة إلى حلول‬
‫الللدين وانقضللاء الجللل ويخيللر البللائع‪ -‬إن اسللتمر الحجللر‬
‫حينئذ‪ -‬بين أخذ السلعة ‪ ،‬أو تركها ومحاصللة الغرمللاء ‪ .‬كللل‬
‫ذلك بشرط أن ل يكون البائع قد قبللض مللن ثمللن السلللعة‬
‫شيئا ً ‪ ،‬وأن يكون المشتري حيا ً ‪.‬‬
‫رابع عشر‪ :‬يجوز للبائع اشتراط رهن المللبيع علللى ثمنلله –‬
‫رهنللا ً حيازيللا ً أو رسللميا ً ‪ ، -‬لضللمان حقلله فللي اسللتيفاء‬
‫القساط المؤجلة ‪.‬‬
‫خامس عشر‪ :‬ل يجللوز اشللتراط كللون المواعللدة السللابقة‬
‫لعقد البيع بالتقسيط ملزمة للطرفين ؛ لن اللزام بالوعللد‬
‫يصيره عقدا ً ‪ ،‬ولن اللللزام السللابق يجعللل العقللد اللحللق‬
‫عن غير تراض‬
‫===============‬
‫‪#‬حكم الكتتاب في الشركة المتحدة الدولية‬
‫للمواصلت )بدجت السعودية(‬
‫المجيب ‪ :‬الشيخ ‪ :‬محمد بن سعود العصيمي‬
‫الحمد لله والصلة والسلم علللى رسللول الللله وعلللى آللله‬
‫وصحبه ومن واله‪ ،‬وبعد‪:‬‬

‫‪258‬‬

‫فقد اطلعت على نشللرة الكتتللاب الصللادرة مللن الشللركة‬
‫المتحدة الدولية للمواصلت‪ ،‬المطروحللة للكتتللاب العللام‪،‬‬
‫وحيث إن نشاط الشركة نشاط مباح وهو تأجير السيارات‬
‫تأجيرا قصيرا وطويل الجل‪ ،‬وبيع السلليارات المسللتخدمة‪،‬‬
‫وبعللض الخللدمات ذات العلقللة‪ ،‬إل أن النشللرة قللد نصللت‬
‫على أن للشركة مطلوبات على البنوك تبلغ مللائة وثمانيللة‬
‫عشر مليونا منها قللرض لجللل بللأكثر مللن خمسللة وثلثيللن‬
‫مليونللا وذلللك بضللمان عللوائد التللأمين علللى السلليارات‬
‫المملوكة للشركة‪ ،‬وهو في العرف البنكللي قللرض ربللوي‪،‬‬
‫والبللاقي قللرض تمويللل تللأجيري لللم يفصللح عللن طللبيعته‪.‬‬
‫وكذلك لدى الشللركة نقللد لللدى البنللوك بقيمللة تزيللد علللى‬
‫عشرين مليون ريال لم يفصح عن طبيعته‪ ،‬ومن البعيد أن‬
‫يكون حسابا جاريا بدون فائدة ربويللة‪ ،‬كللذلك فمللن ضللمن‬
‫مصللادر الللدخل الخللرى )ص ‪ (28‬مبلللغ يزيللد علللى أربعللة‬
‫عشللر مليونللا سللمته الشللركة دخللل التعللويض والسللترداد‬
‫يفرض على العميل المستأجر للسيارات وما هو إل تللأمين‬
‫تجاري بحت‪ ،‬ثم هناك تسهيلت قصيرة ومتوسللطة الجللل‬
‫بغلت رسومها أكثر من ثمانية مليين ريال‪ .‬ومللع كللل هللذا‬
‫فقد نصت نشرة الكتتاب على أن "جميع عمليللات تمويللل‬
‫السيارات تتم وفق أحكام الشريعة السلمية‪ ،‬كما تسللعى‬
‫الشركة مستقبليا للحفاظ على هلذه التللوجه" ص ‪ ،28‬ثللم‬
‫خففت النشرة من قوة العبللارة السللابقة فللي مكللان آخللر‬
‫وقللالت‪" :‬وتهللدف الشللركة إلللى جعللل جميللع التسللهيلت‬
‫الئتمانية التي تحصل عليها والمتعلقة بالسيارات متوافقللة‬
‫مع الشريعة السلمية" ص ‪ .32‬وحيللث إن مللا نللص عليلله‬
‫مللن اللللتزام بالضللوابط الشللرعية فللي تمويللل السلليارات‬
‫طيب ومشروع وتشكر عليه الشركة‪ ،‬إل أنه غير كاف في‬
‫جعلهللا مللن الشللركات المباحللة‪ ،‬حيللث يجللب أن تلللتزم‬
‫بالضوابط الشرعية في القروض كلهللا وفللي السللتثمارات‬
‫كلها وهو أمر لللم تنللص عليلله النشللرة‪ ،‬بللل الحقللائق الللتي‬
‫ذكرت أعله تدل على خلفه‪ ،‬وعليه فل أرى جواز الكتتاب‬
‫بها‪.‬‬

‫‪259‬‬

‫وإني أوصي القائمين على هللذه الشللركة بتقللوى الللله عللز‬
‫وجل‪ ،‬والحرص على رضاه والتقرب إليلله فللي كللل المللور‬
‫خاصللة فللي أمللور التمويللل والسللتثمار‪ .‬وقللد وجللد مللن‬
‫التمللويلت السلللمية مللا يفللي بكللل احتياجاتهللا التمويليللة‪،‬‬
‫خاصللة أنهللا تقللوم بنشللاط يسللهل علللى البنللوك التجاريللة‬
‫السلمية تغطيلله بعقللود شللرعية بللل وأن تضللع لمللديوينته‬
‫صللكوكا إسللمية متداولللة قائملة عللى التللأجير التشلغيلي‬
‫الحقيقي وليس الصوري‪ .‬وأرجو أن يكللون ذلللك بللديل لمللا‬
‫ذكرته الشركة في ملخلص النظلام الساسلي ملن إصلدار‬
‫السللندات و السللهم الممتللازة‪ .‬كمللا أوصلليهم بالتللأمين‬
‫التعللاوني الحقيقللي واللللتزام بلله‪ ،‬ل كمللا أشللارت نشللرة‬
‫الكتتاب فلي ص ‪ .43‬وإن ممللا يعيللن الشلركة عللى مثلل‬
‫ذلك التوجه الشرعي تعيين مستشلار شلرعي لهلا‪ ،‬خاصلة‬
‫أنها نصت في النشرة على سللعيها للحفللاظ علللى التللوجه‬
‫السلمي في التمويل‪.‬‬
‫وإن الشركات المساهمة مشكورة تحتاط في أمور كللثيرة‬
‫ملللن المخلللاطر )مثلللل المخلللاطر الئتمانيلللة والسلللوقية‬
‫والتسللويقية ومخللاطر تقلبللات العملللة وأسللعار الفللائدة‬
‫وغيرها(‪ ،‬وهذه أمور يحمللدون عليهللا وتللدل علللى الحللرص‬
‫على تسيير أمور الشركات على الوجه اللئق مللن الناحيللة‬
‫الفنية والقتصادية‪ .‬إل أني أذكرهللم ونفسللي المقصللرة أن‬
‫حق الله أولى‪ ،‬وأننا يجللب أن نللوقر الللله سللبحانه وتعللالى‬
‫وأن نحسللب حسللاب المخللاطرة فللي عصلليانة أشللد مللن‬
‫حسللباننا للمخللاطرات السللابقة‪ .‬فللالله سللبحانه يمهللل ول‬
‫يهملل‪ ،‬وهلو علز وجلل يغلار عللى محلارمه أن تنتهلك‪ ،‬ول‬
‫طاقة لحد بعقابه في الللدنيا ول فللي الخللرة‪ .‬وإن المثلت‬
‫أمامنا في كل مكان وعللى كلل مسلتوى‪ .‬فالحلذر الحلذر‪،‬‬
‫فإن الله بالمرصاد‪] .‬مالكم ل ترجون لله وقارا[‪.‬‬
‫وفق الله الجميع لكل خيللر‪ ،‬وعصللمنا وإيللاهم مللن الزلللل‪،‬‬
‫والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينللا محمللد وعلللى آللله‬
‫وصحبه أجمعين‪.‬‬
‫ما حكم الكتتاب في الشركة المتحدة الدولية للمواصلللت‬
‫)بدجت(؟‬
‫‪260‬‬

‫المجيب ‪ :‬د‪ .‬يوسف بن عبد الله الشبيلي‬
‫عضو هيئة التدريس بالمعهد العالي للقضاء‬
‫الحمد لله والصلة والسلم على رسول الله‪ ،‬أما بعد‬
‫فإن نشاط هذه الشركة في تأجير السيارات‪ ،‬وهلو نشلاط‬
‫مبللاح‪ ،‬وقللد نصللت الشللركة فللي نشللرة الصللدار علللى أن‬
‫"جميع عمليات تمويل السيارات تتم وفق أحكام الشللريعة‬
‫السلللمية‪ ،‬وأنهللا تسللعى مسللتقبليا للحفللاظ علللى هللذه‬
‫التللوجه"‪ ،‬إل أن علللى الشللركة قروضللا ً تجاريللة محرمللة‬
‫وليست من نشاطها‪ ،‬فالذي يظهر هو جواز الكتتاب فيهللا؛‬
‫لن نشاطها مباح‪ ،‬ومعظم معاملتهللا الماليللة كللذلك‪ ،‬ولن‬
‫السللهم صللكوك ماليللة مباحللة‪ ،‬فللإذا خالطهللا شلليء مللن‬
‫الحرام فيتخلص منلله ويبقللى مللا عللداه علللى الصللل وهللو‬
‫الباحة‪ ،‬عمل ً بالقاعدة الشرعية في اختلط الحرام اليسير‬
‫المغمور بالحلل الكثير‪ .‬وإثم التعامللل المحللرم علللى مللن‬
‫باشره أو أذن به من القائمين على الشركة‪.‬‬
‫وإنللي أحللث القللائمين علللى هللذه الشللركة وغيرهللا مللن‬
‫الشركات على المبللادرة إلللى تنقيللة جميللع معاملتهللا مللن‬
‫العقلللود المحرملللة أو المشلللبوهة؛ فلللإن جلللواز الكتتلللاب‬
‫للمساهمين ل يعفي القللائمين عليهللا مللن إثللم أي معاملللة‬
‫محرمة يأذنون بها ولللو قل ّللت‪ ،‬فللالله قللد حللذرنا مللن الربللا‬
‫وتوعد من تعامل به بحرب منلله ومللن رسللوله صلللى الللله‬
‫عليه وسلم‪ .‬نسأل الله يوفقنا إلى مللا يرضلليه‪ ،‬وأن يجنبنللا‬
‫أسباب سخطه وعقابه‪ .‬والغللرض مللن هللذه الفتللوى تللبيين‬
‫الوضع المالي للشركة من الناحية الشرعية ول يقصد منها‬
‫التوصية بالكتتاب ملن علدمه فتللك مسلؤولية المسلتثمر‪.‬‬
‫والله أعلم‪.‬‬
‫=============‬
‫‪#‬دعاوى الصلح‬
‫محمد بن شاكر الشريف‬
‫الصلح كلمة جميلة سللهلة الخللراج مللن اللسللان‪ ،‬خفيفللة‬
‫الوقللع علللى الذن‪ ،‬تنشللرح لسللماعها الصللدور‪ ،‬وتألفهللا‬
‫القلللوب؛ لن الصلللح موافللق للفطللرة الللتي فطللر الللله‬
‫الناس عليها؛ ولهذا قال نبي الله شعيب لقومه لما دعللاهم‬
‫‪261‬‬

‫إلللى عبللادة الللله وحللده‪ ،‬ونهللاهم عللن إنقللاص المكاييللل‬
‫والموازين‪ ،‬وأمرهم بتوفيتها‪ ،‬قال لهم‪":‬إن أريد إل الصلح‬
‫ما استطعت " ولما كانت هذه الكلمة بهذه المنزلللة‪ ،‬فقللد‬
‫ادعاها كثيرون‪ :‬من يريد الصلح حقيقة ومن هم مقيمللون‬
‫علللى الفسللاد والفسللاد‪ ،‬لكللن هنللاك ضللابطا يميللز بيللن‬
‫المدعين‪ ،‬إذ الصلح كله مضمن فيمللا جللاء بلله الشللرع‪ ،‬أو‬
‫دل عليلله وأرشللد إليلله‪ ،‬أو قبللله‪ ،‬فمللن زعللم الصلللح بمللا‬
‫يخالف الشرع فهو مفسد‪ ،‬وإن زعم غيللر ذلللك‪ ،‬ومللن رام‬
‫الصلح مللن غيللر أن يتخللذ الشللرع هاديللا وإمامللا للله فهللو‬
‫يمشي في عماية‪ ،‬ل يللدري أيللة سللكة سلللك‪ ،‬فقللد يسلللك‬
‫سكة للصلح‪ ،‬كما قد يسلك سككا للفساد ‪ ،‬ونهاية أمللره‬
‫التخبط والفساد ؛لن العقول وإن اهتدت إلى ما فيه بعض‬
‫الصلح والصلح في بعض المور‪ ،‬لكنها ل تستقل بللإدراك‬
‫الصلح كله في المور جميعها‪ ،‬فل مندوحة لحد يدعو إلى‬
‫الصلح عن الرجوع إلى الشرع‪ ،‬والركون إليلله‪ ،‬والنطلق‬
‫منه‪ ،‬وعلى هذا فإن كل دعوة للصلح مهما كللان حجمهللا‪،‬‬
‫وأيا كان مطلقها أو الصائح بها‪ ،‬أو الجهة التي تقف خلفها‪،‬‬
‫إذا لللم تكللن قائمللة علللى اتبللاع الشللرع المنللزل مللن رب‬
‫العللالمين جميعهللم‪ ،‬فهللي دعللوة للفسللاد‪ ،‬ومآلهللا إفسللاد‬
‫المجتمع وتخريبه‪ ،‬ولذا فإن شللعار " الللدعوة للصلللح " ل‬
‫يصلح أن يرفعه بحق إل من اتخذ الشريعة له قائدا وهاديللا‬
‫ودليل ‪ ،‬أما من لم يجعللل الشللريعة دليللله وقللائده وجعلهللا‬
‫وراءه ظهريا‪ ،‬فإنه يقيم على الفساد وهللو يظللن أنلله قللائم‬
‫على الصلح ‪ ،‬ويدعو إلى الفساد وهو يزعم أنه من دعللاة‬
‫الصلللح ‪ ،‬وهللذه هللي حللال المنللافقين‪ ،‬فهللم يفسللدون‬
‫ويزعمون أنهم مصلحون‪ ،‬قال الله تعالى" وإذا قيل لهم ل‬
‫تفسدوا في الرض قالوا إنما نحن مصلللحون أل إنهللم هللم‬
‫المفسدون ولكن ل يشعرون" فهم قللائمون علللى الفسللاد‬
‫داعون للفساد ويزعمون أن الصلح في أقوالهم وأفعالهم‬
‫وسلوكهم‪ ،‬وهذا شأنهم في تغيير المعللاني وقلللب الفكللار‬
‫وانعكاس المعايير‪ ،‬فتراهم يدعون إلللى تماسللك الشللعوب‬
‫وعللدم تفتيتهللا ) وخاصللة الشللعوب الللتي تللدين بللأكثر مللن‬
‫ديللن ( والحفللاظ علللى الوحللدة الوطنيللة ويقولللون ‪ :‬هللذه‬
‫‪262‬‬

‫دعوة للصلح‪ ،‬فإذا بحثت وفتشت عن حقيقة ذلك وجللدته‬
‫دعللوة إلللى إقصللاء الشللريعة السلللمية وتحكيللم القللوانين‬
‫الوضللعية‪ ،‬وهللذا هللو الفسللاد‪ ،‬وتراهللم يللدعون إلللى عللدم‬
‫التمييز بين طبقات المجتمللع‪ ،‬وعللدم التحيللز لفئة ضللد فئة‬
‫أخرى‪ ،‬ويقولون ‪ :‬هللذه دعللوة للصلللح‪ ،‬فلإذا فتشللت عللن‬
‫حقيقة ذلك وجدته دعوة إلى المساواة التامللة بيللن الللذكر‬
‫والنثى‪ ،‬حتى فيما فرقت فيه النصوص القطعية‪ ،‬وهذا هللو‬
‫الفسللاد‪ ،‬وتراهللم يللدعون إلللى المحافظللة علللى حقللوق‬
‫النسان وإعطائه الحرية‪ ،‬ويقولون ‪ :‬هللذه دعللوة للصلللح‪،‬‬
‫فللإذا فتشلت علن حقيقلة ذللك وجللدته دعللوة إللى إباحيللة‬
‫مطلقة مللن كللل قيللد حللتى يللأتي الرجللل الرجللل والمللرأة‬
‫المرأة وهذا هو الفسللاد ‪ ،‬وتراهللم يللدعون إلللى التسللامح‬
‫وإشاعة ثقافة الحوار والنفتاح على الخر المختلف ثقافيللا‬
‫ويقولون ‪ :‬هذه دعللوة للصلللح فللإذا بحثللت وفتشللت عللن‬
‫حقيقة ذلك وجدته دعوة إلى إذابة الفوارق بين المسلمين‬
‫والكفار ‪ ،‬وإضعاف معاني الللولء والللبراء إلللى حللد اللغللاء‬
‫وهذا هو الفساد وتراهم يدعون إلى الستفادة من الصللور‬
‫المعاصرة فللي كيفيللة تنميللة رأس المللال مللع المللان مللن‬
‫تقلبات الحللوال والمعللاملت القتصللادية ويقولللون ‪ :‬هللذه‬
‫دعوة للصلح فإذا بحثت وفتشت عن حقيقة ذلللك وجللدته‬
‫دعوة إلى التعاملت الربوية عن طريق البنوك التي يقللوم‬
‫أمرها على الربا‪ ،‬وهذا هو الفسللاد‪ ،‬ولوظللنللا نتتبللع كللثيرا‬
‫من ألفاظهم التي يتلعبون بها وجدناها لم تخرج عللن حللد‬
‫الكلم الذي تكون حقيقته مخالفة لظاهره وهذا هو النفاق‬
‫" وإذا قيللل لهللم ل تفسللدوا فللي الرض قللالوا إنمللا نحللن‬
‫مصلللحون"‪ ،‬فللإذا أردت أن تفللرق بيللن مللن تكللون دعللوته‬
‫للصلح بحق‪ ،‬وبين من يدعو للفساد تحت عباءة الصلللح‬
‫فانظر أين موضع الشريعة من دعوته تعرف ذلك‬
‫=============‬
‫‪ #‬صناعة الفتوى وفقه القليات ]‪[14/21‬‬
‫الشيخ العلمة‪ /‬عبد الله بن بيه ‪19/4/1427‬‬
‫‪17/05/2006‬‬
‫ التأمين على الحياة‬‫‪263‬‬

‫ الفرق بين التأمين التعاوني والتأمين التقليدي‬‫ العناصر الساسية للتكافل‬‫ توريث المسلم من أقاربه غير المسلمين‬‫ الوفاء بالعقود‬‫ ضوابط التعامل بين الجنسين‬‫ حكللم اسللتفادة الهيئات الخيريللة مللن عللوائد الحسللابات‬‫الربوية‬
‫التأمين على الحياة‬
‫ناقش المجلس البحوث المقدمة إليه حللول التللأمين علللى‬
‫الحيللاة‪ ،‬واطلللع عللل مللا صللدر عللن المجللامع الفقهيللة‬
‫والمؤتمرات والندوات العلمية بهذا الشأن‪.‬‬
‫وبعد المناقشة والتحاور حول جوانب هللذا الموضللوع‪ ،‬ومللا‬
‫عليلله أحللوال المسلللمين فللي أوروبللا وسللائر البلد غيللر‬
‫السلمية‪ ،‬ومع مراعاة ما يجري عليه العمل في شللركات‬
‫التأمين التجاري‪ ،‬والتأمين التعاوني في أوروبا‪ ،‬انتهلى إللى‬
‫ما يأتي‪:‬‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬تأكيد ما صدر عن المجلس في دورته السادسة حول‬
‫موضوع التأمين وإعادة التأمين ‪.‬‬
‫ثانيًا‪ :‬تأكيد ما صدر عن بعض المجامع الفقهية مللن حرمللة‬
‫التأمين التجاري على الحياة‪ ،‬وجللواز التللأمين التعللاوني إذا‬
‫خل عن الربا والمحظورات الشرعية ‪ ،‬وعلى ما صدر مللن‬
‫الندوة الفقهية الثالثة لبيت التمويل الكويتي الللتي حضللرها‬
‫ثلة من الفقهاء المعاصرين والقتصاديين فللي ‪ 1413‬هل ل ‪-‬‬
‫‪ 1992‬م وانتهت إلى إصدار الفتوى التالية ‪:‬‬
‫‪ - 1‬التأمين على الحيللاة بصللورته التقليديللة القائمللة علللى‬
‫المعاوضة بين القسللاط والمبللالغ المسللتحدثة عنللد وقللوع‬
‫الخطر أو المستردة مع فوائدها عند عدم وقوعه هللو مللن‬
‫المعاملت الممنوعة شرعا ً لشتماله علللى الغللرر‪ ،‬والربللا‪،‬‬
‫والجهالة ‪.‬‬
‫‪ - 2‬ل مانع شرعا ً من التأمين علللى الحيللاة إذا أقيللم علللى‬
‫أساس التأمين التعاوني )التكافلي( وذلك من خلل الللتزام‬
‫المتبرع بأقساط غير مرتجعة )‪ ،(1‬وتنظيم تغطية الخطار‬
‫التي تقع على المشتركين مللن الصللندوق المخصللص لهللذا‬
‫‪264‬‬

‫الغرض‪ ،‬وهو ما يتناوله عموم الدلة الشرعية الللتي تحللض‬
‫على التعاون‪ ،‬وعلى البر والتقوى وإغاثة الملهوف ورعايللة‬
‫حقوق المسلللمين‪ ،‬والمبللدأ الللذي ل يتعللارض مللع نصللوص‬
‫الشريعة وقواعدها العامة‪.‬‬
‫ثالثًا‪ :‬ومع ما سبق فإن حالت اللزام قانونيا ً ‪ ،‬أو وظيفيللًا‪،‬‬
‫مسموح بها شرعًا‪ ،‬إضافة إلى ما سبق إثباته في قللرارات‬
‫الدورة السادسة‪.‬‬
‫تعليق‪:‬‬
‫قلت ‪ :‬لهمية موضوع التأمين أردت أن أعلق عليه تعليقللا ً‬
‫مللوجزًا‪ ،‬لكنلله يللبين باختصللار حقيقللة التللأمين التجللاري‪،‬‬
‫والتأمين التكافلي‪ ،‬وعناصرهما‪ ،‬والفرق بينهما‪.‬‬
‫أول‪ :‬التأمين التقليدي يعرف بللأنه ‪ :‬ضللمان يقللدمه مللؤمن‬
‫إلى مومن له بتعويضلله عللن خطللر محتمللل‪ ،‬مقابللل نقللود‬
‫يدفعها‪ ،‬أو اشتراك‪ ).‬لروس الصغير الفرنسي(‬
‫ويعرفه الفرنسي هيمار ‪ :‬بللأنه عقللد بمللوجبه يحصللل أحللد‬
‫المتعاقدين وهو المؤمن له في نظيلر مقابلل يلدفعه عللى‬
‫تعهللد بمبلللغ يللدفعه للله‪ ،‬أو للغيللر إذا تحقللق خطللر معيللن‪،‬‬
‫المتعاقد الخر وهو المؤمن الذي يدخل في عهدته مجموع‬
‫من هذه الخطار يجري مقاصة فيمللا بينهللا طبق لا ً لقللوانين‬
‫الحصاء‪)".‬الوسيط للسنهوري ‪(7/1090‬‬
‫أهم مميزات التأمين التجاري‪:‬‬
‫النفصال الكامللل لشخصللية المللأمن "صللاحب المشللروع"‬
‫عن شخصية المؤمن له "مالك وثيقة التأمين"‪.‬‬
‫تهللدف الهيئات الممارسللة للتللأمين التجللاري أساس لا ً إلللى‬
‫تحقيق الربح‪ ،‬فالمال الذي يجمع من القساط يصبح ملكا ً‬
‫للمؤمن‪ ،‬والربح أو الخسارة عبارة عللن الناتللج عللن زيللادة‬
‫القساط المتحصلة أو نقصها عن التكلفة الفعلية للتللأمين‪،‬‬
‫مع ملحظللة تحمللل قسللط التللأمين التجللاري المقللدر منللذ‬
‫بداية العقد بجزء لمقابلة الرباح المراد تحقيقها‪.‬‬
‫يتميز التأمين التجاري بأن القساط الللتي يللدفعها المللؤمن‬
‫لهم ثابتة منذ إبرام العقد تتحرر على أسس معينة‪ ،‬وتبقللى‬
‫كذلك طيلة مدة العقد فيكون المؤمن لهم لهم علللى علللم‬
‫بما يلتزمون به منذ البداية‪.‬‬
‫‪265‬‬

‫أمللا التللأمين التكللافلي فقللد ورد تعريفلله فللي قللرارات‬
‫المجلللس الوربللي للفتللاء والبحللوث بمللا نصلله‪ :‬والبللديل‬
‫الشرعي لذلك هو التللأمين التكللافلي القللائم علللى تكللوين‬
‫محفظة تأمينية لصالح حملة وثائق التللأمين‪ ،‬بحيللث يكللون‬
‫لهللم الغنللم وعليهللم الغللرم‪ ،‬ويقتصللر دور الشللركة علللى‬
‫الدارة بأجر‪ ،‬واستثمار موجودات التأمين بللأجر‪ ،‬أو بحصللة‬
‫على أساس المضاربة‪.‬‬
‫وإذا حصللل فللائض مللن القسللاط وعوائدهللا بعللد دفللع‬
‫التعويضللات فهللو حللق خللالص لحملللة الوثللائق‪ ،‬ومللا فللي‬
‫التأمين التكافلي من غرر يعتللبر مغتفللرًا؛ لن أسللاس هللذا‬
‫التأمين هو التعاون والتللبرع المنظللم‪ ،‬والغللرر يتجللاوز عنلله‬
‫في التبرعات‪.‬‬
‫وأهم مميزات التأمين التعاوني هي‪:‬‬
‫اتحللاد شخصللية المللؤمن "صللاحب المشللروع" وشخصللية‬
‫المؤمن له "حامل وثيقة التأمين" ومن هنا جاء وصف هللذا‬
‫النوع من التأمين بالتكافلي حيللث يللؤمن العضللاء بعضللهم‬
‫بعضًا‪ ،‬فكل منهم مؤمن ومؤمن له في وقت واحد‪.‬‬
‫إن تعريللف المجلللس الوربللي إنمللا هللو تعريللف لصللورة‬
‫مفضلة من التأمين التكافلي لن التأمين التكافلي قد يأخذ‬
‫صورا ً متعددة كأن تأسللس جماعللة شللركة مضللاربة تقللوم‬
‫بالتجارة في موجودات الشركة ويلحقللون بنظللام الشللركة‬
‫عقدا ً تكافليلا ً يلللتزم فيلله أعضللاء الشللركة بتللأمين بعضللهم‬
‫البعض وحمللايته مللن الخطللار سللواء كللان ذلللك مللن ربللح‬
‫الشركة‪ ،‬وهو أمر جائز أن يتبرع المضارب بربحه‪.‬‬
‫وهناك صيغة أخرى طبقناها فللي بعلض البلد وهللي تكلوين‬
‫شركة مضاربة بلأموال يقلوم فيهللا بعلض أعضللاء الشللركة‬
‫بالدارة لصللالح الجميللع فيكللون لهللؤلء مزيللد مللن الربللاح‬
‫لنهم مؤسسون ومشتركون بأموالهم وأبدانهم وهللو جللائز‬
‫على مذهب أحمد وقد بين ذلللك ابللن قدامللة حيللث قللال ‪:‬‬
‫وأما المضاربة الللتي فيهللا شللركة وهللي أن يشلترك ملالن‬
‫وبدن صاحب أحدهما مثل أن يخرج كل واحللد منهمللا ألف لا ً‬
‫ويللأذن أحللدهما للخللر فللي التجللارة بهمللا فمهمللا شللرطا‬
‫للعامل من الربح إذا زيد على النصللف جللاز لنلله مضللارب‬
‫‪266‬‬

‫لصاحبه في أللف ولعاملل المضلاربة ملا اتفقلا عليله بغيلر‬
‫خلف‪...‬‬
‫وبعد شرح طويل قال ‪ :‬فحصل مما ذكرنا أن الربح بينهمللا‬
‫على ما اصطلحا عليه في جميع أنللواع الشللركة‪) .‬المغنللي‬
‫‪ 140-139-138 /7‬دار هجر(‪.‬‬
‫وممللا ذكرنللا يتللبين أنلله قللد تكللون أفضللل صلليغة للتللأمين‬
‫السلمي أن تكون شللركة مضللاربة ومعهللا شللركة أمللوال‬
‫فيمنللح المسللاهمون الكبللار وهللم المضللاربون بأبللدانهم‬
‫ة‬
‫لتوليهم الدارة وأرباب المللال لشللتراكهم بللأموالهم حصل ً‬
‫مللن الربللح أكللبر مللن حصللص المشللتركين حملللة الوثللائق‬
‫لوجللود التراضللى ولهللذا فيكللون لهللؤلء المشللتركين فللي‬
‫الجمعية العامة ممثلون‪.‬‬
‫وهي صيغة مختصرة وبسيطة تقوم علللى تأسلليس شللركة‬
‫تجارية من مساهمين كبار تبرعوا بجزء من أمللوالهم لجللبر‬
‫الضرار التي تنزل بهللم ويلتحلق مشللتركون صلغار بنفللس‬
‫الصيغة أي أنهم شركاء بالقساط التي دفعوها متضللامنين‬
‫مع الخرين مع قبولهم بمنح جللزء أكللبر مللن الربللح لهللؤلء‬
‫المساهمين المؤسسين وهللي شللركة تلللزم بللالقول وهللذا‬
‫مذهب مالك قال خليل )ولزمت بما يدل عرفا ً كاشتركنا(‪.‬‬
‫ول بأس أن نذكر بكلم للنووي مذكور في البحث السللابق‬
‫لتطبيقه علللى موضللوع التللأمين يقللول النللووي ‪) " :‬فللرع(‬
‫الصل أن بيع الغرر باطل لهللذا الحللديث والمللراد مللا كللان‬
‫فيه غرر ظاهر يمكن الحللتراز منلله )فأمللا( مللا تللدعو إليلله‬
‫الحاجللة ول يمكللن الحللتراز عنلله كأسللاس الللدار‪ ،‬وشللراء‬
‫الحامل مع احتمال أن الحمل واحد أو أكثر‪ ،‬ذكللر أو أنللثى‪،‬‬
‫كامل العضاء أو ناقصها‪ ،‬وكشراء الشاة في ضللرعها لبللن‬
‫ونحو ذلك فهذا يصح بيعه بالجماع ‪.‬‬
‫ونقل العلماء الجماع أيضا ً في أشياء غررها حقيللر )منهللا(‬
‫مة أجمعت على صحة بيع الجبة المحشوة وإن لم ير‬
‫أن ال ّ‬
‫حشوها‪ ،‬ولو باع حشوها منفردا ً لم يصللح ‪ ،‬وأجمعللوا علللى‬
‫جواز إجارة الدار وغيرها شهرا ً مع أنه قد يكون ثلثين يوما ً‬
‫وقد يكون تسعة وعشللرين ‪ ،‬وأجمعللوا علللى جللواز دخللول‬
‫الحمام بأجرة‪ ،‬وعلى جواز الشرب من ماء السقاء بعوض‬
‫‪267‬‬

‫مع اختلف أحوال الناس في استعمال الماء أو مكثهم في‬
‫الحمام ‪.‬‬
‫قال العلماء مدار البطلن بسبب الغرر والصحة مع وجوده‬
‫على ما ذكرناه وهو أنه إذا دعت الحاجة إلى ارتكاب الغرر‬
‫ول يمكن الحتراز عنه إل ّ بمشقة أو كان الغرر حقيرا ً جللاز‬
‫البيع وإل ّ فل‪.‬‬
‫وقد يختلف العلماء في بعض المسائل كبيع العين الغائبللة‪،‬‬
‫وبيللع الحنطللة فللي سللنبلها‪ ،‬واختلفهللم مبنللي علللى هللذه‬
‫القاعدة ‪ ،‬فبعضللهم يللرى الغللرر يسلليرا ً ل يللؤثر ‪ ،‬وبعضللهم‬
‫يراه مؤثرا ً والله سبحانه وتعالى أعلم )المجمللوع للنللووي‪:‬‬
‫‪. (9/258‬‬
‫من هذا الكلم نستفيد أمرين أحدهما الغرر الخفيف الللذي‬
‫يغتفر للحاجة وهو مللا بنللي عليلله المجلللس جللواز التكافللل‬
‫بأنواعه‪ ،‬والغرر الكللبير المللؤثر وهللو أصللل التحريللم إل أن‬
‫المجلس تجاوز عن هذا الغرر إذا لللم يمكللن الحللتراز منلله‬
‫في البيئة الوربية ولعل ذلك ما أشار إليه النووي بقوله ‪":‬‬
‫أما ما تدعو إليه الحاجة ول يمكن الحتراز منه‪."...‬‬
‫ولهذا فإن هذه الفتوى مبنيللة علللى قاعللدة تنزيللل الحاجللة‬
‫منزلة الضرورة في صللورتي الغللرر المغتفللر فللي الصللل‪،‬‬
‫وهو ما خف ودعت إليه حاجة وفللي صللورة المحللرم اصللل‬
‫وأشللتدت وطللأة الحاجللة ولللم يمكللن الحللتراز فللي حالللة‬
‫التللأمين التجللاري فللي أوربللا لفرضلله بالقللانون ولمسلليس‬
‫الحاجة المنزلة منزلة الضرورة إليه‪.‬‬
‫ الفرق بين التأمين التعاوني والتأمين التقليدي ‪:‬‬‫‪ -1‬أن التأمين التقليدي يغلب عليه الغرر فيمكللن أن يعللبر‬
‫عنه بأنه هو الغرر بعينه‪ ،‬كما قدمنا عللن البللاجي‪ ،‬وبالتللالي‬
‫فهو من الغرر الشديد الغالب المحرم‪ ،‬فل تجيللزه الحاجللة‬
‫إل في ظروف استثنائية‪.‬‬
‫وأن التأمين التكافلي يخف فيه الغرر‪ ،‬وذلك لعنصر التبرع‬
‫القائم عليه ومحدودية المؤمنين فتجيزه الحاجلة وهلذا هلو‬
‫الفرق الول‪.‬‬

‫‪268‬‬

‫‪ -2‬أن التأمين التكافلي عقد إرفللاق ومعللروف لنلله مبنللي‬
‫في نيته على التعاون ولهذا يغتفر فيه الغرر كما قدمنا في‬
‫مسألة ‪ ":‬أعني بغلمك على أن أعينك" في بحث الحاجة‪.‬‬
‫وكما في مسألة الدينار الناقص والطعام فللإن أراد التبللايع‬
‫حرم وإن اراد القالة جاز لنه معروف في بحث الحاجة‪.‬‬
‫بخلف التللأمين التقليللدي فالقصللد الغللالب فيلله التجللارة‬
‫وكسب الربح‪ ،‬ولهذا ل يجوز فيه الغللرر‪ ،‬وهللذا هللو الفللرق‬
‫الثاني‪.‬‬
‫‪ -3‬الفرق الثالث أن الغرر في التأمين التقليلدي أصلل لن‬
‫المؤسسة قائمة على كسبها من الحوادث التي لم تحصل‬
‫بينما الغرر في التكافلي إضافي وتبعي‪ ،‬وقد قدمنا مسللألة‬
‫الظئر والرضيع عن المواق‪.‬‬
‫ العناصر الساسية للتكافل‬‫وأهم شيء في شركة التكافل ثلثة عناصر ‪:‬‬
‫‪ -1‬عنصر التبرع وهو تبرع للمتضللرر مللن أعضللاء الشللركة‬
‫بجللزء مللن الربللح أو بالربللح بكللامله وهللذا كمللا يجللوز فللي‬
‫المضاربة التللبرع بجللزء مللن رأس المللال وهللذا جللائز لنلله‬
‫يغتفر الغرر في التبرعات‪.‬‬
‫‪ -2‬عنصللر الشللراكة وهللو اعتبللار كللل قسللط يللدفع إلللى‬
‫الشللركة‪ ،‬إنمللا هللو قسللط اشللتراك وليللس مللدفوعا ً فللي‬
‫مقابل‪.‬‬
‫‪ -3‬عنصر اتحاد الشخص ذي الجهتين بين المللؤمن بصلليغة‬
‫اسم الفاعل والمؤمن بصيغة اسم المفعللول سللواء أداروا‬
‫الشللركة بأنفسللهم كشللركة أبللدان وأمللوال‪ ،‬أو أداروهللا‬
‫بواسطة جهاز إداري يمارس عملية وكالة بأجر‪.‬‬
‫أما بالنسبة للفتوى المتعلقة بالتأمين التجاري الذي أجللازه‬
‫المجلس في حالت محددة فإن الفتوى تستند إلى الحاجة‬
‫الشديدة الناشئة عن الفرض بالقللانون‪ ،‬أو الحللرج الشللديد‬
‫والمشقة طبقا ً لمقولة الشيخ تقلي اللدين ابلن تيميلة فلي‬
‫حديثه عن الجوائح إن" الشريعة مبنية علللى أن المفسللدة‬
‫المقتضللية للتحريللم إذا عارضللتها مصلللحة راجحللة أبيللح‬
‫المحرم"‪.‬‬

‫‪269‬‬

‫وهي مبنية من جهة أخرى على الخلف الذي أسلللفنا فللي‬
‫مبحث الحاجة والذي يرجح به في العقود الفاسدة‪.‬‬
‫توريث المسلم من أقاربه غير المسلمين‬‫يللرى المجلللس عللدم حرمللان المسلللمين ميراثهللم مللن‬
‫أقاربهم غير المسلمين ومما يوصون لهللم بلله‪ .‬وأنلله ليللس‬
‫في ذلك ملا يعللارض الحللديث الصللحيح‪" :‬ل يللرث المسلللم‬
‫الكافر ول الكافر المسلم" الذي يتجه حمللله علللى الكللافر‬
‫الحربي‪ ،‬مع التنللبيه إلللى أنلله فللي أول السلللم لللم يحللرم‬
‫المسلمون من ميراث أقاربهم من غير المسلمين‪ .‬وهو ما‬
‫ذهب إليه من الصللحابة معللاذ بللن جبللل ومعاويللة بللن أبللي‬
‫سفيان ومن التللابعين جماعللة منهللم سللعيد بللن المسلليب‪،‬‬
‫ومحمللد بللن الحنفيللة‪ ،‬وأبللو جعفللر البللاقر ومسللروق بللن‬
‫الجدع‪ ،‬ورجحه شيخ السلم ابن تيمية وتلميذه ابن القيم‪.‬‬
‫ الوفاء بالعقود‬‫توقيع العقد في أي صفقة ملزم للطرفين شرعا‪ ،‬ول يجوز‬
‫لحدهما أن يرجع فيه بإرادته المنفردة‪ ،‬دون رضا الطللرف‬
‫الخر‪ ،‬فهذا مخالف لما أمللر الللله تعللالى ورسللوله –صلللى‬
‫الله علهي وسلم ‪ ،-‬وأكدته نصللوص القللرآن والسللنة‪.‬قللال‬
‫َ‬
‫من ُللوا ْ أ َوْفُللوْا" ]المللائدة‪ [1:‬وقللال‬
‫تعللالى‪َ" :‬ياأي ّهَللا ال ّل ِ‬
‫ن َءا َ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫ن ال ْعَهْد َ َ‬
‫ؤو ً‬
‫س ُ‬
‫ل" ]السراء ‪:‬‬
‫كا َ‬
‫عزوجل‪" :‬وَأوُْفوا ْ ِبال ْعَهْدِ إ ِ ّ‬
‫م ْ‬
‫ن َ‬
‫ضوا ْ‬
‫‪ .[34‬وقال تعالى‪":‬وَأ َوُْفوا ْ ب ِعَهْدِ الل ّهِ إ ِ َ‬
‫ذا َ‬
‫عا َ‬
‫م وَل َ َتنُق ُ‬
‫هدت ّ ْ‬
‫َْ‬
‫م ك َِفي ً‬
‫ل" ]النحللل‪:‬‬
‫كيدِ َ‬
‫ن ب َعْد َ ت َوْ ِ‬
‫ها وَقَد ْ َ‬
‫ما َ‬
‫ه عَل َي ْك ُ ْ‬
‫م الل ّ َ‬
‫جعَل ْت ُ ُ‬
‫الي ْ َ‬
‫‪.[91‬‬
‫وحمللل القللرآن بشللدة علللى الللذين يتهللاونون بللالعهود‬
‫ن‬
‫وينقضونها من بعللد ميثاقهللا‪ ،‬فللي آيللات كللثيرة‪ ،‬منهللا‪" :‬إ ِ ّ‬
‫َ‬
‫من ًللا قَِليل ً أ ُوْل َئ ِ َ‬
‫ن يَ ْ‬
‫ق‬
‫ك لَ َ‬
‫خل َ َ‬
‫ال ّ ِ‬
‫شت َُرو َ‬
‫م ثَ َ‬
‫مان ِهِ ْ‬
‫ن ب ِعَهْدِ الل ّهِ وَأي ْ َ‬
‫ذي َ‬
‫ة‬
‫م ِفي ال ِ‬
‫م ِ‬
‫م ي َوْ َ‬
‫م ال ِْقَيا َ‬
‫ه وَل َ َينظ ُُر إ ِل َي ْهِ ْ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫مه ُ ُ‬
‫خَرةِ وَل َ ي ُك َل ّ ُ‬
‫ل َهُ ْ‬
‫َ‬
‫وَل َ ي َُز ّ‬
‫م عَ َ‬
‫م" ]آل عمران‪.[77:‬‬
‫ذا ٌ‬
‫ب أِلي ٌ‬
‫م وَل َهُ ْ‬
‫كيهِ ْ‬
‫واعتبر النبي –صلى الللله عليلله وسلللم ‪ -‬نقللض العهللد مللن‬
‫شعب النفاق‪ ،‬وخصال المنافق الساسللية "أربللع مللن كللن‬
‫فيه كان منافقا ً خالصًا‪ ،‬ومن كان فيه خصلة منهن كان فيه‬
‫خصلة من النفاق حللتى يللدعها‪....‬و ذكللر منهللا ‪" :‬إذا عاهللد‬
‫غدر "‪ .‬رواه الشيخان عن عبدالله بن عمرو‪.‬‬
‫‪270‬‬

‫و ليللس مللن الضللروري أن يكللون العقللد مكتوبللا‪ ،‬فمجللرد‬
‫اليجاب والقبول مشافهة يكفي في ايجاد العقد‪ ،‬ولكن للله‬
‫خيار المجلس على ما نرجحه‪ ،‬فلو تبين له عقد آخر‪ ،‬وهما‬
‫ل يزالن في مجلس العقد‪ ،‬فمن حقه أن يرجع‪ ،‬كمللا جللاء‬
‫في الحديث الصللحيح ‪ ":‬البيعللان بالخيللار مللا لللم يتفرقللا "‬
‫متفللق عليلله عللن ابللن عمللر‪ .‬فقللد جعللل الحللديث فرصللة‬
‫للتراجع لمن تسرع في التعاقد دون روية‪.‬‬
‫و مثل ذلك لو كان مغبونا غبنا فاحشا يرفع أمره إلى جهللة‬
‫تحكيم تثبت له خيار الغبن إذا تبين لها ذلللك‪ ،‬عمل بمللذهب‬
‫الحنابلة وغيرهم‪.‬‬
‫و يستطيع المسلم أن يخرج من ورطة التراجع في العقللد‬
‫بعللد إتمللامه إذا اشللترط لنفسلله الخيللار أيامللا معللدودة‪،‬‬
‫يستطيع فيها أن يرجع في صفقته خللها‪ ،‬وهذا ما نصح بلله‬
‫النبي –صلى الله عليه وسلم‪ -‬أحد الصحابة‪ ،‬حين شكا إليه‬
‫أنه كثيرا ما يخدع في البيع‪ ،‬فقال له ‪ ":‬إذا بايعت فقل ‪ :‬ل‬
‫خلبللة " أي ل خللداع‪ ،‬وهللذا فللي الصللحيحين‪ ،‬وفللي خللارج‬
‫الصحيحين ‪ ":‬ولللي الخيللار ثلثللة أيللام " والمسلللمون عنللد‬
‫شروطهم‪.‬‬
‫أما فيما عدا ذلك‪ ،‬فالمسلم يحترم كلمته إذا قالهللا‪ ،‬وهللذه‬
‫إحدى القيم التي دعا إليها السلم‪ ،‬حتى يسللتقر التعامللل‪،‬‬
‫وتستقيم حياة الناس‪ .‬وقد قال الشاعر ‪:‬‬
‫و ل أقول ‪) :‬نعم( يومًا‪ ،‬وأتبعها بل ل )ل( ولللو ذهبللت بالمللال‬
‫والولد‬
‫بل يحرم السلم أن يبيع المسلم على بيع أخيه‪ ،‬أي يدخل‬
‫عليه وقد أوشك أن يعقد الصفقة مع الخر‪ ،‬فيزايللد عليلله‪،‬‬
‫ليختطف الصفقة منه‪ ،‬وفي هذا جاء الحللديث الصللحيح ‪" :‬‬
‫ل يبيع المسلم على بيع أخيه"‪.‬‬
‫والله أعلم‪.‬‬
‫ مدى حق الموظلف فللي اسللتخدام الدوات العامللة للديه‬‫لمصلحته الشخصية‪:‬الصل في المال العام أو شللبه العللام‬
‫ونعنللي بلله مللال الدولللة والمؤسسللات العامللة والشللركات‬
‫الخاصة هو المنع‪ ،‬وخصوصا ً أن نصوص الكتاب والسنة قد‬
‫شددت الوعيد في تناول المال العام بغير حق‪ ،‬وقللد جعللل‬
‫‪271‬‬

‫الفقهللاء المللال العللام بمنزلللة مللال اليللتيم فللي وجللوب‬
‫المحافظة عليه وشدة تحريم الخذ منه‪ ،‬ويستثنى من ذلك‬
‫مللا تعللارف النللاس علللى التسللامح فيلله مللن الشللياء‬
‫الستهلكية فيعفى عنه باعتباره مأذونا ً فيه ضمنًا‪ ،‬على أن‬
‫ل يتوسع في ذلك‪ ،‬مراعللاة لصللل المنللع‪ ،‬علللى أن الللورع‬
‫أولى بالمسلم الحريص على دينه‪ ،‬و"مللن اتقللى الشللبهات‬
‫فقد استبرأ لدينه وعرضه"‪.‬‬
‫– ضوابط التعامل بين الجنسين‪ :‬اللقاء والتعاون والتكامل‬
‫بين الرجال والنساء أمللر فطللري‪ ،‬ول يمكللن منعلله واقع لًا‪،‬‬
‫ولم يرد في دين الفطرة ما يحجره بإطلق‪ ،‬وإنمللا أحللاطه‬
‫بالضوابط التالية‪:‬‬
‫ترك الخللوة )وهلي وجلود رجلل وامللرأة أجنبيلة عنلله فللي‬
‫موضوع ل يراهما فيه أحد( امتثال ً لقول النبي ‪-‬صلللى الللله‬
‫عليه وسلم‪ -‬في الحديث الصحيح‪" :‬ما خل رجل بللامرأة إل‬
‫كان الشيطان ثالثهما"‪.‬‬
‫توقي التماس )وهو التلصق والتراص بالبدان بين الرجللل‬
‫والمرأة الجنبية عنه( حللذر الثللارة والفتنللة‪.‬تجنللب التللبرج‬
‫)وهو الكشلف عملا أملر اللله ورسلوله –صللى اللله عليله‬
‫وسلللم‪ -‬بسللتره مللن البللدن(‪ ،‬إذ يجللب علللى المللرأة حيللن‬
‫اجتماعها بالرجال غير المحارم أن تسللتر كللل جسللدها مللا‬
‫عدا الوجه واليدين‪ ،‬على مذهب جمهور الفقهاء‪.‬‬
‫التزام المرأة الحشمة في حديثها وحركاتها‪ ،‬فل تتصنع من‬
‫الكلم والحركات ما يؤدي إلى إثارة الغللرائز‪ ،‬قللال تعللالى‪:‬‬
‫ه‬
‫ن فََل ت َ ْ‬
‫ذي فِللي قَل ْب ِل ِ‬
‫م لعَ ال ّل ِ‬
‫خ َ‬
‫ل فَي َط ْ َ‬
‫ن ب ِللال َْقوْ ِ‬
‫ض لع ْ َ‬
‫ن ات َّقي ْت ُل ّ‬
‫"إ ِ ِ‬
‫معُْروفًللا" ]الحللزاب ‪ [32‬وقللال تعللالى‪:‬‬
‫ن قَلوًْل ّ‬
‫َ‬
‫مَر ٌ‬
‫ض وَقُل ْل َ‬
‫"ول يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن"‪.‬‬
‫وعليه‪ ،‬فإذا التزم الرجال والنساء فللي أي لقللاء أو نشللاط‬
‫بهذه الضوابط الشرعية‪ ،‬فل حرج عليهم في ذلك‪ ،‬ما كللان‬
‫موضوع اللقاء أو النشاط جديًا‪ ،‬سواء أكان علميا ً أم ثقافيا ً‬
‫ونحو ذلك‪.‬‬
‫ول فرق في ضرورة اللتزام بهذه الضوابط بين أن يتعلللق‬
‫المللر بفتيللات مسلللمات أو غيللر مسلللمات‪ ،‬لن الثللارة‬
‫محتملة فللي الحللالتين‪ ،‬علللى أن النفصللال فللي المجلللس‬
‫‪272‬‬

‫الواحللد فللي المقاعللد بيللن الرجللال والنسللاء هللو الفضللل‪،‬‬
‫خاصة إذا لم تكن هناك حاجة إلى خلفه‪.‬‬
‫حكللم اسللتفادة الهيئات الخيريللة مللن عللوائد الحسللابات‬‫الربوية من الفراد والبنوك وما يرتبط بللذلك مللن الدعايللة‬
‫لها‪ ،‬وفتح حساب خاص لهذه الموال‪:‬‬
‫عموم المسللمين فلي الغلرب ل يجلدون مناصلا ً ملن فتلح‬
‫حسابات في البنوك الربوية‪ ،‬ومعلللوم أن هللذه الحسللابات‬
‫تللترتب عليهللا زيللادات ربويللة تلحللق بحسللاباتهم‪ ،‬فيجللدون‬
‫أنفسهم بين خيارين‪:‬‬
‫إما تللرك هللذه الفللوائد للبنللك‪ ،‬وفللي هللذا تفللويت مصلللحة‬
‫للمسلمين وربما كانت عونا ً لمؤسسات تبشيرية‪ ،‬وإمللا أن‬
‫يصرفوها في وجوه الخير العامة‪ ،‬وبما أن الحكم ل يتعلللق‬
‫بعين المال وإنما بطريقة تحصيله أو صرفه‪ ،‬فما كلان منله‬
‫حراما ً فحرمته في حق من اكتسبه أو صرفه بطريقة غيللر‬
‫مشروعة‪ ،‬فالذي يحرم في شأن هذا المال الربوي هللو أن‬
‫ينتفع بلله الشللخص لنفسلله‪ ،‬أمللا بالنسللبة لغيللره فل