‫" بسم الله الرحمن الرحيم "‬

‫المقدمــة‬
‫الحمد لله رب العالمين والصلة والسلم على سيدنا محمد‬
‫وعلى آله وصحبه أجمعين ‪.‬‬
‫أما بعد‪ ،‬فهذه حلقة جديدة من سلسلة كتابنا ) الفقه‬
‫المنهجي ( تضم أبحاثا ً فيها نفائس من التشريع السلمي‪ ،‬تنير‬
‫للناس طريقهم في تعاملهم ‪ :‬بيعا ً وشراءا ً وإجارة ونحو ذلك ‪.‬‬
‫سرنا فيها على طريقتنا في هذه السلسلة ‪ :‬من سهولة اللفظ‬
‫ووضوح المعنى وواقعية الموضوع ‪ ،‬دون عرض للمسائل‬
‫المفترضة ‪ ،‬أو تعقيد في تصور المور‪ ،‬وإنما عرضنا فيها‬
‫المور الساسية في كل باب ‪ ،‬من تعريف وبيان للمشروعية‬
‫وحكمة التشريع ‪ ،‬وعرض للركان والشروط والحكام ‪ ،‬مع ذكر‬
‫الدليل أو التعليل للحكم حيث أمكن ذلك أو وجد ‪ .‬ولم يفتنا أن‬
‫نتعرض لتعامل الناس في هذه اليام ‪ ،‬ووزنه بقواعد الشرع‬
‫وُأسسه وضوابطه ‪ ،‬ثم الحكم عليه بالصحة أو الفساد بناء على‬
‫ذلك ‪ ،‬وبيان ما هو الصواب الموافق لشرع الله تعالى والموصل‬
‫إلى رضوانه ‪.‬‬
‫هذا ومن المعلوم أن عمدتنا في هذه السلسلة هو الفقه‬
‫الشافعي ‪ ،‬ولكننا لم نستنكف في حلقتنا هذه عن الستفادة‬
‫من الراء الفقهية الخرى‪ ،‬إذا وجدنا أنها أقرب إلى واقع‬
‫تعامل المسلمين ‪ ،‬تيسيرا ً على الناس ‪ ،‬واعتقادا ً مّنا أن الئمة‬
‫الفقهاء المعتمدين كلهم يسعى أن يصل إلى ما هو الصواب‬
‫والموافق للحق عند الله عز وجل ‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫ولقد تكلمنا في هذا الجزء عن البواب التالية ‪:‬‬
‫‪ -1‬البيع ‪.‬‬

‫‪ -6‬الهبة ‪.‬‬

‫‪ -2‬السلم ‪.‬‬

‫‪ -7‬الجارة ‪.‬‬

‫‪ -3‬الربـا ‪.‬‬

‫‪ -8‬الجعالة ‪.‬‬

‫‪ -4‬الصرف ‪.‬‬

‫‪ -9‬الصلح ‪.‬‬

‫‪ -5‬القرض ‪.‬‬

‫‪ -10‬الحوالة ‪.‬‬

‫وسمّينا هذا القسم من الفقه ) فقه المعاوضات ( لن‬
‫المعاوضة هي الصل في هذه البواب ‪ ،‬وهي مادية واضحة في‬
‫أكثرها كالبيع والسلم والربا والصرف‪ ،‬وكذلك الجارة‬
‫والجعالة ‪ ،‬معنوية في بعضها كالقرض والهبة ‪ ،‬إذ المقصود‬
‫دة بين‬
‫منها التعاون وتمتين الصلة وتعميق الحب والمو ّ‬
‫المكلفين ‪ ،‬وهذا عوض يفوق العوض المادي منفعة وربحا ً ‪.‬‬
‫وهي – أي المعاوضة – حقيقية خفية في بعض هذه البواب ‪،‬‬
‫كالصلح والحوالة ‪ ،‬كما سنرى إن شاء الله تعالى ‪.‬‬
‫والله تعالى وحده نسأل أن يقبل مّنا عملنا هذا ‪ ،‬وأن يجعله‬
‫حسنة في سجل أعمالنا الصالحة ‪ ،‬وأن يجزل الجر لوالدينا‬
‫سن تربيتنا‪ ،‬وشيوخنا الذين بذلوا أغلى ما‬
‫الذين جهدوا في ُ‬
‫ح ْ‬
‫عندهم في سبيل تعليمنا شرعة الله تعالى ‪ ،‬وتسليكنا طرق‬
‫الهداية ‪ ،‬وهو سبحانه على ما يشاء قدير وبالجابة جدير ‪،‬‬
‫والحمد لله رب العالمين ‪ ،‬وصلى الله تعالى وسلم على نبي‬
‫الهدى والرحمة ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين ‪.‬‬
‫المؤلفـون‬

‫‪2‬‬

3

‫الـبــــــــيـع‬
‫تعريفه ‪:‬هو في اللغة ‪:‬‬

‫مقابلة شيء بشيء ‪ ،‬سواء أكانا مالين أم ل ‪ ،‬قال تعالى ‪‬‬
‫َ‬
‫فسهم َ‬
‫َ‬
‫م ْ‬
‫ها ْ‬
‫ة‬
‫جن ّ َ‬
‫ؤ ِ‬
‫شت ََرى ِ‬
‫هم ب ِأ ّ‬
‫إِ ّ‬
‫م ال َ‬
‫ن لَ ُ‬
‫وال َ ُ‬
‫مِني َ‬
‫م َ‬
‫ه ُ‬
‫وأ ْ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫م َ‬
‫ن أن ُ َ ُ ْ َ‬
‫‪ . ‬ثم قال ‪َ } :‬‬
‫ه { التوبة‬
‫شُروا ْ ب ِب َي ْ ِ‬
‫عُتم ب ِ ِ‬
‫م ال ّ ِ‬
‫ست َب ْ ِ‬
‫ذي َباي َ ْ‬
‫فا ْ‬
‫عك ُ ُ‬
‫‪.111‬‬
‫والشراء والبيع من الضداد ‪ ،‬أي يستعمل كل منهما بمعنى‬
‫و َ‬
‫س {) يوسف ‪ ، ( 20‬أي ‪:‬‬
‫ن بَ ْ‬
‫وهُ ب ِث َ َ‬
‫شَر ْ‬
‫الخر‪ ،‬قال تعالى ‪َ } :‬‬
‫خ ٍ‬
‫م ٍ‬
‫باعوه ‪ .‬وفي الحديث " ل يبع الرجل على بيع أخيه " )‪ ( 1‬أي ل‬
‫يشتر‪ ،‬قال في مختار الصحاح ‪ ) :‬فإنما وقع النهي على‬
‫المشترى ل على البائع ( ‪ .‬ويطلق على البائع والمشتري‬
‫البيعان ‪ ،‬كما جاء في الحديث ‪ ،‬وسيأتي عند الكلم عن خيار‬
‫المجلس إن شاء الله تعالى ‪.‬‬

‫وفي اصطلح الفقهاء ‪:‬‬

‫عقد يرد على مبادلة مال بمال تمليكا ً على التأبيد‪ .‬وذلك‬

‫يعني ‪ :‬أنه ل بدّ في تبادل الموال على سبيل التمّلك من‬
‫عْرف‬
‫العقد‪ ،‬وكذلك ل يكون البيع والشراء إل بما ُيعتبر مال ً في ُ‬
‫الشرع‪ ،‬وأيضا ً ل بد في البيع من الملك والمليك‪ ،‬وأن ل يكون‬
‫ذلك محددا ً بوقت‪ ،‬وكل هذا سنعرفه مفصل ً فيما يأتي من‬
‫فقرات البحث ‪.‬‬

‫مشروعيته ‪:‬‬

‫عقد البيع عقد مشروع ‪ ،‬د ّ‬
‫ل على مشروعيته الكتاب والسّنة‪،‬‬

‫وحصل على ذلك الجماع ‪.‬‬

‫أما القرآن ‪:‬‬
‫‪ -1‬انظر تخريجه صفحة ] ‪ [ 43‬فقرة ] ‪[ 6‬‬
‫‪4‬‬

‫ح ّ‬
‫ل البيع في معرض الرد على أولئك‬
‫فقد صّرح ب ِ‬
‫المتعنتين‪ ،‬الذين أرادوا أن يحّتجوا لتعاملهم بالربا بأنه شبيه‬
‫بالبيع ‪ ،‬فقال سبحانه ‪َ } :‬‬
‫ح ّ‬
‫م الّرَبا {‬
‫و َ‬
‫ه ال ْب َي ْ َ‬
‫وأ َ‬
‫حّر َ‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫ع َ‬
‫َ‬
‫) البقرة ‪ (275‬كما قال تعالى في معرض الكلم عن تبادل‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ل إ ِل ّ َأن ت َ ُ‬
‫ة‬
‫جاَر ً‬
‫كو َ‬
‫ن تِ َ‬
‫م ب َي ْن َك ُ ْ‬
‫وال َك ُ ْ‬
‫الموال ‪ } :‬ل َ ت َأك ُُلوا ْ أ ْ‬
‫م ِبال َْباطِ ِ‬
‫م َ‬
‫م { ) النساء ‪ ( 29‬فالكل المراد به الخذ‪ ،‬وعّبر‬
‫َ‬
‫منك ُ ْ‬
‫ض ّ‬
‫عن ت ََرا ٍ‬
‫بالكل عنه لنه هو المقصود غالبا ً من أخذ المال ‪ ،‬والباطل أي‬
‫بغير حق ‪ ،‬والتجارة هي البيع والشراء ‪.‬‬
‫وهناك آيات أخرى تأتي خلل البحث عند الستدلل بها في‬
‫مواضعها ‪.‬‬

‫وأما السنة ‪:‬‬

‫ففي ذلك أحاديث كثيرة من قوله ‪ ‬وفعله وإقراره لعمل‬
‫أصحابه ‪ ،‬كلها تدل على مشروعية البيع‪ ،‬منها ‪:‬‬
‫ ما رواه الزبير بن العوام رضي الله عنه ‪ ،‬عن النبي ‪ ‬قال‬‫‪ " :‬لن يأخذ أحدكم حبله ‪ ،‬فيأتي بحزمة الحطب على ظهره ‪،‬‬
‫فيبيعها ‪ ،‬فيكف الله بها وجهه ‪ ،‬خير له من أن يسأل الناس ‪،‬‬
‫أعطوه أو منعوه " ) أخرجه البخاري في الزكاة ‪ ،‬باب ‪:‬‬
‫الستعفاف عن المسألة‪ ،‬رقم ‪. ( 1402 :‬‬
‫] فيكف الله بها وجهه ‪ :‬أي يحميه بسببها من ذ ّ‬
‫ل السؤال‬
‫وإراقة ماء الوجه [ ‪.‬‬
‫‪-‬‬

‫وأما فعله ‪ : ‬فمن ذلك ما روته عائشة رضي الله عنها ‪:‬‬

‫أن النبي ‪ ‬اشترى طعاما ً من يهودي إلى أجل ‪ ،‬ورهَنه درعا ً‬
‫من حديد ‪ ) .‬أخرجه البخاري في البيوع ‪ ،‬باب ‪ :‬شراء النبي‬
‫‪ ‬بالنسيئة ‪ ،‬رقم ‪ .1962 :‬ومسلم في المساقاة‪ ،‬باب ‪:‬‬
‫الرهن وجوازه في الحضر والسفر‪ ،‬رقم‪. (1603):‬‬
‫] والنسيئة ‪ :‬هي التأخير‪ ،‬أي تأخير الثمن إلى أجل [ ‪.‬‬
‫‪-‬‬

‫وقد كان أصحاب رسول الله ‪ ‬يتبايعون على مشهد منه‬

‫ومسمع ‪ ،‬أو يعلم بذلك ‪ ،‬فيقّرهم ول ينكر عليهم ‪ ،‬والمثلة‬
‫على ذلك أكثر من أن تحصى‪ ) .‬انظر البخاري ‪ :‬كتاب البيوع ‪،‬‬
‫‪5‬‬

‫باب ‪ :‬ما قيل في الصواغ ‪ ،‬وباب ‪ :‬بيع السلح في الفتنة‬
‫وغيرها( ‪.‬‬
‫وسيأتي معنا خلل البحث أحاديث كثيرة ‪ ،‬نستدل بها في‬
‫مواضعها ‪ ،‬كلها تدل على جواز البيع ومشروعيته في السلم ‪.‬‬
‫وهذا الذي ثبت في الكتاب والسّنة أجمعت عليه المة في‬
‫مختلف العصور والزمان ‪.‬‬

‫حكمة التشريع ‪:‬‬

‫إن الناس في حاجة إلى كثير من السلع ‪ ،‬ول يستطيع ك ّ‬
‫ل‬

‫منهم أن ينتج جميع ما يحتاج إليه منها ‪ ،‬فكان ل بدّ من أن‬
‫يبادل بعضهم بعضا ً بهذه السلع ‪ ،‬وهذا التبادل ل يحصل إذا لم‬
‫ض عليه ‪ ،‬وهذا التراضي هو عقد البيع‪ .‬وكذلك‬
‫يكن هناك ترا ٍ‬
‫ربما ملك بعضهم النقد ولم يملك سلعًا‪ ،‬وعكس ذلك يقع ‪،‬‬
‫فيحتاج ذو النقد إلى السلع‪ ،‬وذو السلع إلى النقد‪ ،‬وكل ذلك ل‬
‫يحصل غالبا ً إل بالبيع ‪ .‬وأيضا ً من شأن النسان أن يسعى إلى‬
‫الربح ‪ ،‬والبيع والشراء هو الطريق السليم لتحصيل ذلك‪ ،‬والله‬
‫تعالى أعلم ‪.‬‬

‫أركان عقد البيع ‪:‬‬

‫علمنا أن البيع عقد ‪ ،‬وكل عقد ل بدّ فيه من أركان حتى‬

‫ح العقد ‪،‬‬
‫يوجد ‪ ،‬ول بدّ لهذه الركان من شروط حتى يص ّ‬
‫وبالتالي تترتب عليه آثاره ‪ ،‬وهي ما قرره شرع الله تعالى له‬
‫من أحكام ‪ ،‬ولنتكلم عن ذلك كله بعون الله تعالى فنقول ‪:‬‬
‫أركان عقد البيع ثلثة ‪:‬‬

‫الركن الول ‪ :‬العاقدان‬
‫هما البائع والمشتري اللذان يقوم العقد بتوافق‬
‫إرادتيهما ‪ ،‬ويشترط في كل منهما ‪:‬‬
‫‪6‬‬

‫‪-1‬‬

‫أن يكون رشيدا ً ‪ ،‬أي بالغا ً عاقل ً يحسن التصرف في‬

‫المال ‪ .‬فل يصح بيع ول شراء الصبي والمجنون ‪ ،‬وكذلك‬
‫المحجور عليه لسفه ‪ ،‬أي لسوء تصرفه بالمال ‪ :‬إما‬
‫بإنفاقه في المحرمات ‪ ،‬أو تبديده في المباحات ‪ ،‬أو لغفلة‬
‫وعدم خبرة ‪.‬‬

‫ودليل هذا ‪:‬‬

‫غوا ْ الن ّ َ‬
‫ح َ‬
‫ى إِ َ‬
‫ن‬
‫ذا ب َل َ ُ‬
‫فإ ِ ْ‬
‫كا َ‬
‫مى َ‬
‫واب ْت َُلوا ْ ال ْي ََتا َ‬
‫قوله تعالى ‪َ } :‬‬
‫حت ّ َ‬
‫َ‬
‫ف ُ ْ َ‬
‫فادْ َ‬
‫شدا ً َ‬
‫م ُر ْ‬
‫م { ) النساء ‪ ( 6‬فقد‬
‫وال َ ُ‬
‫من ْ ُ‬
‫آن َ ْ‬
‫ه ْ‬
‫مأ ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫سُتم ّ‬
‫م َ‬
‫عوا إ ِلي ْ ِ‬
‫من كانوا تحت وليتهم من‬
‫أمر الله تعالى الولياء باختبار َ‬
‫اليتامى بالمعاملة حين يبلغون ‪ ،‬فإن ظهر منهم حسن تصرف‬
‫بالمال دفعت إليهم وسلطوا عليها ‪ ،‬فد ّ‬
‫ل ذلك على أن الرشد‬
‫شرط للتسليط على المال وصحة التصّرف فيه ‪ ،‬والبيع‬
‫والشراء تصرف بالمال ‪ ،‬فاشترط فيه الرشد ‪.‬‬
‫وكذلك كل من الصبي والمجنون ليس أهل ً للتصرف ‪ ،‬لنه‬
‫ة ‪ :‬عن المجنون‬
‫غير مكلف ‪ ،‬قال ‪ " : ‬رفع القلم عن ثلث ٍ‬
‫المغلوب على عقله حتى يبرأ ‪ ،‬وعن النائم حتى يستيقظ ‪،‬‬

‫وعن الصبي حتى يحتلم – أي يبلغ " ) أبو داود ‪ :‬الحدود‪ ،‬باب ‪:‬‬
‫في المجنون يسرق أو يصيب حدًا‪ ،‬رقم ‪. ( 4401 :‬‬
‫ورفع القلم يعني عدم المؤاخذة ‪ ،‬والعقود تترتب عليها‬
‫أحكام ‪ ،‬ومن كان غير مؤاخذ عن تصرفاته فليس أهل ً لنشائها ‪.‬‬
‫‪-2‬‬

‫أن يكون مختارا ً مريدا ً للتعاقد ‪ :‬أي أن يبيع أو يشتري‬

‫وهو قاصد لما يقوم به من تصرف بملء حريته ورغبته ‪،‬‬
‫راضيا ً بالتعامل الذي ينشئه ‪.‬‬
‫ودليل ذلك قوله تعالى ‪ } :‬إ ِل ّ َأن ت َ ُ‬
‫ض‬
‫جاَرةً َ‬
‫كو َ‬
‫ن تِ َ‬
‫عن ت ََرا ٍ‬
‫م { ) النساء ‪ . ( 29‬وقوله ‪" ‬إنما البيع عن تراض"‬
‫منك ُ ْ‬
‫ّ‬
‫) أخرجه ابن ماجه في التجارات‪ ،‬باب ‪ :‬بيع الخيار‪ ،‬رقم ‪2185 :‬‬
‫ض من المتعاقدين ‪.‬‬
‫( ‪ .‬أي إنما يعتبر ويصح إذا كان عن ترا ٍ‬

‫‪7‬‬

‫فعلى هذا ل يصح بيع المكروه ول شراؤه ‪ ،‬لعدم تحقق‬
‫ي ‪ ،‬يدل عليه التصرف‬
‫الرضا منه ‪ ،‬وذلك أن الرضا أمر خف ّ‬
‫القولي أو الفعلي حال عدم الكراه ‪ ،‬وأما حال الكراه فلم يبق‬
‫القول الظاهر مظنة للرضا الخفي ‪ ،‬وإنما أصبح مشكوكا ً فيه أو‬
‫مقطوعا ً بعدم وجوده ‪ ،‬فلم تعتبر القوال ‪ ،‬ولم يصح البيع ‪.‬‬
‫فظ بالبيع أو الشراء هاز ً‬
‫ومثل المكره من تل ّ‬
‫ل‪ ،‬لنه في‬
‫معنى المكره ‪ ،‬من حيث عدم الرضا بهذا التعامل وعدم القصد‬
‫إليه ‪.‬‬
‫ويستثنى من عدم صحة بيع المكره ما لو كان الكراه بحق ‪،‬‬
‫كأن يكون على إنسان ديون يماطل في وفائها ‪ ،‬ولديه سلع‬
‫يمتنع عن بيعها ‪ ،‬فللقاضي أن يجبره على بيعها لداء الحقوق‬
‫لصحابها ‪ ،‬ويكون البيع هنا صحيحا ً إقامة لرضا الشارع مقام‬
‫رضا العاقد ‪.‬‬
‫‪-3‬‬

‫دد طرفي العقد ‪ :‬أي أن يوجد عاقدان بأن يكون‬
‫تع ّ‬

‫البائع غير المشتري وذلك لن مصالح كل منهما تتعارض‬
‫مع مصالح الخر‪ ،‬فالبائع يرغب بثمن أكبر وشروط أقل ‪،‬‬
‫والمشتري يرغب بشروط في المبيع أفضل وبثمن أقل ‪،‬‬
‫وهكذا ‪ .‬كما أن للبيع أحكاما ً تتعلق بقبض المبيع وأحكاما ً‬
‫تتعلق بقبض الثمن ‪ ،‬وكل منها تترتب عليه مسؤوليات قد‬
‫تعارض الخرى ‪ ،‬فل يمكن أن يكون الجميع من مسؤولية‬
‫شخص واحد ‪.‬‬
‫وعلى هذا فلو و َ‬
‫كل أحدا ً ببيع بعض أمواله فليس لهذا‬
‫الوكيل أن يشتريها لنفسه ‪ ،‬ولو وك ّ َ‬
‫ل أحدا ً بشراء سلع ما ‪،‬‬
‫وكان الوكيل يملك هذه السلع فليس له أن يشتريها من نفسه‬
‫لمو ّ‬
‫كله ‪ .‬وك ّ‬
‫ذلك لو كان رجل وكيل ً عن شخصين ‪ :‬فليس له أن‬
‫يشتري من مال أحدهما للخر ‪ ،‬للمعنى الذي سبق ‪ ،‬ولن‬
‫‪8‬‬

‫حقوق البيع من قبض وتسليم وغيرها تتعلق بالوكيل ‪ ،‬وقد‬
‫تحتاج إلى الخصومة والتقاضي ‪ ،‬فل يمكن أن يكون الشخص‬
‫الواحد خصما ً ومخاصما ً في آن واحد‬
‫ويستثنى من ذلك ‪ :‬بيع الولي – وهو الب – مال ابنه القاصر‬
‫غْبنه لمزيد شفقته عليه ‪ .‬وكذلك بيع‬
‫من نفسه ‪ :‬لنه ل ي ُّتهم ب َ‬
‫القاضي أموال القاصرين الذين تحت وليته بعضهم من بعض ‪،‬‬
‫لن وليته عامة ‪ ،‬وقد يضطر إلى مثل هذا البيع ‪.‬‬
‫‪-4‬‬

‫البصر ‪ :‬فل يصح بيع العمى ول شراؤه ‪ ،‬لن في ذلك‬

‫من يشتري له أو يبيع ‪.‬‬
‫جهالة فاحشة ‪ ،‬فيوكل َ‬

‫الركن الثاني ‪ :‬الصيغة ‪:‬‬

‫عبرا ً عن‬
‫وهي اللفظ الذي يصدر من المتعاقدين ‪ ،‬م ّ‬

‫رغبتهما في التعاقد ورضاهما به وقصدهما إليه ‪ .‬فقد علمنا أن‬
‫ي ُأقيم مقامه‬
‫الرضا شرط لصحة عقد البيع ‪ ،‬وأن الرضا أمر خف ّ‬
‫ما هو مظِّنة له ‪ ،‬وهو التصرف الذي يعّتبر به العاقدان عن‬
‫رضاهما بالبيع ‪ ،‬وهذا التصرف هو الصيغة ‪ ،‬وتشمل اليجاب من‬
‫البائع ‪ ،‬كقوله ‪ :‬بعتك هذا الثوب بكذا ‪ ،‬والقبول من المشتري ‪،‬‬
‫كقوله ‪ :‬قبلته ‪ ،‬أو اشتريته ‪ ،‬وما إلى ذلك ‪.‬‬
‫والصيغة قد تكون صريحة وقد تكون كناية ‪:‬‬
‫فالصريحة ‪ :‬كل لفظ تكون دللته ظاهرة على البيع والشراء‬
‫‪ ،‬كقوله ‪ :‬بعتك ومّلكتك ‪ ،‬وقول المشتري ‪ :‬اشتريت وتمّلكت ‪،‬‬
‫ويكفي في القبول أن يقول ‪ :‬قبلت ‪.‬‬
‫والكناية ‪ :‬هي اللفظ الذي يحتمل البيع كما يحتمل غيره ‪،‬‬
‫كقول البائع ‪ :‬جعلُته لك بكذا ‪ ،‬أو ‪ :‬خذه بكذا‪ ،‬أو تسّلمه بكذا ‪،‬‬
‫وقول المشتري ‪ :‬أخذته أو تسّلمته ‪.‬‬
‫فالصيغة الصريحة ينعقد بها البيع – إذا تو ّ‬
‫فرت شروطها –‬
‫بمجرد التلفظ بها ‪ ،‬ول تحتاج إلى نّية ‪ .‬بينما ألفاظ الكناية ل‬
‫‪9‬‬

‫ينعقد فيها البيع إل إذا اقترنت بنيته ‪ ،‬أو دّلت القرائن على‬
‫إرادته ‪.‬‬
‫وهل ينعقد البيع بالمعاطاة ؟ كأن ُيقبض البائع المبيع‬
‫وُيقبضه المشتري الثمن‪ ،‬من غير أن يتلفظ واحد منهما‬
‫بشيء ‪ ،‬أو يتلفظ أحدهما ويسكت الخر‪.‬‬
‫المشهور في المذهب ‪ :‬أنه ل بدّ من التلفظ من العاقدين ‪،‬‬
‫حح البيع‬
‫وأن البيع ل يصح بالمعاطاة ‪ .‬وبعض فقهاء المذهب ص ّ‬
‫بالمعاطاة في غير النفيس من الشياء كرطل خبز وحزمة بصل‬
‫سَلع والمبيعات ذات‬
‫ونحو ذلك ‪ ،‬ولم يصححه في النفائس من ال ّ‬
‫القيمة العالية ‪.‬‬
‫وأجاز ذلك مطلقا ً المتأخرون من فقهاء المذهب – كالنووي‬
‫رحمه الله تعالى – إذا جرى به العرف ‪ .‬وهذا أيسر للناس‬
‫وأرحم ‪ ،‬وأبعد عن إيقاعهم في الثم وإبطال بياعاتهم‪ ،‬ول‬
‫سيما في هذه اليام التي أصبح البيع بالمعاطاة فيها هو الشائع‬
‫والغالب ‪ ،‬وقلما تجد متبايعين يتلفظان بإيجاب أو قبول ‪.‬‬
‫وما سبق بالنسبة لمن يستطيع النطق ‪ ،‬وأما الخرس ‪:‬‬
‫فُيكتفى منه بإشارته المفهمة ‪ ،‬المعهودة عنه في مثل هذا‬
‫التصرف ‪ ،‬فإنها تنوب منه مناب النطق للضرورة ‪ ،‬لنها تدل‬
‫على ما في نفسه كما يدل اللفظ عما في نفس الناطق ‪.‬‬
‫وتقوم الكتابة منه مقام الشارة ‪ ،‬بل هي أولى ‪ ،‬لنها أقوى‬
‫في الدللة على الرادة والرضا ‪.‬‬
‫ويشترط في صيغة العقد ما يلي ‪:‬‬
‫أن ل يطول الفصل بين اليجاب والقبول بما ُيشعر‬
‫‪-1‬‬
‫عرفا ً بالعراض عن القبول ‪ ،‬وهو ما يسمى باتحاد مجلس‬
‫العقد ‪ ،‬فلو أوجب البائع البيع ‪ ،‬ثم حصل سكوت طويل ‪ ،‬أو‬
‫كلم أجنبي عن العقد ول صلة له به ‪ ،‬ولو قصر الزمن ‪ ،‬ثم‬
‫‪10‬‬

‫قبل المشتري ‪ ،‬لم يصح العقد ‪ .‬فلو استمر الحديث عن‬
‫ح العقد وإن طال الفصل ‪.‬‬
‫البيع دار حوله ‪ ،‬ثم قبل بعد ‪ ،‬ص ّ‬
‫أن يكون القبول موافقا ً لليجاب ومطابقا ً له في كل‬
‫‪-2‬‬
‫جوانبه ‪ ،‬فلو قال ‪ :‬بعتك بمائة ‪ ،‬فقال ‪ :‬اشتريت‬
‫بخمسين ‪ .‬أو قال ‪ :‬بعتك هذه الدار بألف ‪ ،‬فقال ‪ :‬اشتريت‬
‫جلة ‪ ،‬فقال ‪:‬‬
‫نصفها بخمسين ‪ .‬أو قال ‪ :‬بعتك بألف مع ّ‬
‫اشتريت بألف مؤجلة ‪ .‬لم ينعقد البيع في جميع هذه‬
‫الصور ‪ ،‬لعدم توافق القبول مع اليجاب ‪ ،‬إل إذا قبل‬
‫ة بما قبله القابل أول ً ‪ ،‬فيصير اليجاب الول‬
‫الموجب ثاني ً‬
‫لغيا ً ‪ ،‬والقبول الول إيجابا ً ‪ ،‬والقبول الثاني هو القبول‬
‫الذي وافق اليجاب ‪.‬‬
‫‪-3‬‬

‫عدم التعليق على شرط أو التقييد بوقت‪ ،‬بأن تكون‬

‫الصيغة تدل على التنجيز في العقد والتأبيد في التمليك ‪،‬‬
‫فلو قال ‪ :‬بعتك هذه الدار إن جاء فلن أو شهر كذا ‪ ،‬فقال‬
‫‪ :‬قبلت ‪ ،‬لم يصح العقد ‪ ،‬لوجود الشرط ‪ .‬وذلك لن التعليق‬
‫يدل على عدم الجزم بإرادة البيع والرضا به ‪ ،‬وقد علمنا أن‬
‫الرضا شرط في صحته ‪ .‬وكذلك لو قال ‪ :‬بعتك هذه‬
‫السيارة سنة مثل ً ‪ ،‬فقال ‪ :‬اشتريت‪ ،‬لم ينعقد البيع ‪،‬‬
‫لوجود التقييد بالوقت ‪ .‬وذلك لن ملكية العيان ل تقبل‬
‫التوقيت ‪.‬‬
‫وهذا إذا كان التوقيت أو التعليق في المبيع ‪ ،‬أما لو كان‬
‫في الثمن ‪ ،‬كما لو باعه على أن يوفيه الثمن أول شهر كذا أو‬
‫بعد شهرين مثل ً ‪ ،‬فإن البيع صحيح ‪ ،‬لن الثمن دين يثبت في‬
‫الذمة ‪ ،‬فيقبل التوقيت والتعليق ‪ ،‬بخلف العيان ‪.‬‬
‫فإذا كان البيع مقايضة ‪ ،‬أي بيع سلعة بسلعة كبيع سيارة‬
‫بسيارة مثل ً أو دار‪ ،‬فل تقبل التعليق أيضا ً ‪.‬‬
‫‪11‬‬

‫الركن الثالث ‪ :‬المعقود عليه ‪:‬‬
‫وهو ما يسمى محل العقد‪ ،‬وهو في عقد البيع ‪ :‬المبيع‬
‫والثمن ‪ ،‬ويشترط في ك ّ‬
‫ل منهما شروط ‪ ،‬وإليك بيانها ‪:‬‬
‫‪-1‬‬

‫أن يكون المبيع موجودا ً عند العقد ‪ :‬فل يجوز بيع ما هو‬
‫معدوم ‪ ،‬كبيع ما ستثمره أشجاره ‪ ،‬وما ستحمل به أغنامه ‪.‬‬
‫وكذلك ما كان في حكم المعدوم ‪ ،‬كبيع ما تحمله الغنام‬
‫ونحوها ‪ ،‬أو ما في الضرع من اللبن ونحوه ‪.‬‬
‫ودليل ذلك ‪ :‬أن النبي ‪ ‬نهى عن بيع ما ليس عند النسان‬

‫‪ ،‬فقد روى نهى أصحاب السنن عن حكيم بن حزام رضي الله‬
‫عنه قال ‪ :‬قلت يا رسول الله ‪ ،‬يأتيني الرجل فيسألني عن بيع‬
‫ما ليس عندي ما أبيعه منه ‪ ،‬ثم أبتاعه من السوق ؟ فقال ‪ " :‬ل‬
‫تبع ما ليس عندك " ) انظر ‪ :‬سنن أبي داود ‪ :‬البيوع‬
‫والجارات ‪ ،‬باب ‪ :‬في الرجل بيع ما ليس عنده ‪ ،‬رقم ‪:‬‬
‫‪. ( 3503‬‬
‫وكذلك ‪ :‬فإن في هذا النوع من البيع غررا ً ‪ ،‬لنه على خطر‬
‫الوجود وعدمه ‪ ،‬ولما فيه من الجهالة ‪ ،‬وقد نهى رسول الله ‪‬‬
‫غَرر ‪ ) .‬مسلم ‪ :‬البيوع ‪ ،‬باب ‪ :‬بطلن بيع الحصاة‬
‫عن بيع ال َ‬
‫والبيع الذي فيه غرر‪ ،‬رقم ‪. (1513‬‬
‫‪-2‬‬

‫أن يكون مال ً متقوما ً شرعا ً ‪ :‬وذلك شرط في المبيع‬
‫والثمن ‪ ،‬ويخرج بذلك جميع العيان النجسة والمحرمة شرعا ً‬
‫ة أو دما ً أو زب ْل ً‬
‫‪ ،‬فل يصح كون المبيع أو الثمن خمرا ً أو ميت ً‬
‫أو كلبا ً ‪.‬‬
‫ودليل ذلك ‪ :‬ما رواه جابر بن عبدالله رضي الله عنها ‪ :‬أنه‬

‫سمع النبي ‪ ‬يقول " إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة‬
‫والخنزير والصنام " فقيل ‪ :‬يا رسول الله ‪ ،‬أرأيت شحوم‬
‫‪12‬‬

‫الميتة ‪ ،‬فإنه يطلى بها السفن ‪ ،‬ويدهن بها الجلود ‪ ،‬ويستصبح‬
‫م " ثم قال رسول الله ‪ ‬عند‬
‫بها الناس ؟ فقال ‪ " :‬ل‪ ،‬هو حرا ُ‬
‫ذلك " قاتل الله اليهود ‪ ،‬إن الله لما حرم شحومها جملوه ‪ ،‬ثم‬
‫باعوه فأكلوا ثمنه " ‪ ) .‬أخرجه البخاري في البيوع ‪ ،‬باب ‪ :‬بيع‬
‫الميتة والصنام‪ ،‬رقم ‪ . 2121 :‬ومسلم في المساقاة ‪ ،‬باب ‪:‬‬
‫تحريم بيع الخمر والميتة ‪ ،...‬رقم ‪ ] . ( 1581 :‬يستصبح ‪ :‬أي‬
‫يوقدونها في المصباح ليستضيئوا بها ‪ .‬جملوه ‪ :‬أذابوه ‪.‬‬
‫شحومها ‪ :‬شحوم البقر والغنم ‪ ،‬كما ذكر القرآن في ) النعام ‪:‬‬
‫‪. [ ( 146‬‬
‫وعن أبي مسعود النصاري رضي الله عنه ‪ :‬أن رسول الله‬
‫‪ ‬نهى عن ثمن الكلب ‪ ) .‬أخرجه البخاري في البيوع ‪ ،‬باب ‪:‬‬
‫ثمن الكلب ‪ ،‬رقم ‪ . 2122‬ومسلم ‪ :‬المساقاة ‪ ،‬باب تحريم ثمن‬
‫الكلب ‪ .‬رقم ‪. ( 1567 :‬‬
‫ويقاس على ما ذكر كل ما في معناه من العيان النجسة‬
‫والمحرمة ‪.‬‬
‫ويلحق بها العيان المتنجسة التي ل يمكن تطهيرها ‪ ،‬كالخل‬
‫واللبن والزيت والسمن المائع ونحوه‪.‬‬
‫أما العيان التي يمكن تطهيرها إذا تنجست فل مانع من‬
‫بيعها أو جعلها ثمنا ً لنها في حكم العيان الطاهرة ‪.‬‬
‫‪-3‬‬

‫أن يكون منتفعا ً به شرعا ً وعرفا ً ‪ :‬أي أن تكون له منفعة‬
‫مقصودة عرفا ً ومباحة شرعا ً ‪ ،‬فل يصح بيع الحشرات أو‬
‫الحيوانات المؤذية التي ل يمكن النتفاع بها أو ل تقصد‬
‫منفعتها عادة ‪ ،‬وكذلك آلت اللهو التي يمتنع النتفاع بها‬
‫شرعا ً ‪ ،‬لن بذل البدل مقابل مال نفع به إضاعة للمال ‪ ،‬وقد‬
‫نهى رسول الله ‪ ‬عن إضاعة المال ‪ ) .‬البخاري ‪:‬‬

‫‪13‬‬

‫الستقراض ‪ ،‬باب ‪ :‬ما ينهى عن إضاعة المال‪ ،‬رقم ‪:‬‬
‫‪. ( 2277‬‬
‫ويجوز بيع الفهد للصيد ‪ ،‬والفيل للقتال ‪ ،‬والقرد للحراسة ‪،‬‬
‫والنحل للعسل ‪ ،‬ونحو ذلك ‪ ،‬لن فيها منفعة مقصودة عرفا ً‬
‫ومباحة شرعا ً ‪ ،‬ولم يرد نهي عن شيء منها بخصوصه كالكلب‬
‫مثل ً ‪.‬‬
‫وكما ل يصح بيع ما ذكر من الشياء ل يصح جعلها ثمنا ً ‪.‬‬
‫ولو كان المبيع أو الثمن ل نفع فيه عند العقد ‪ ،‬ولكن ينتفع‬
‫هر الصغير – جاز بيعه أو جعله ثمنا ً ‪.‬‬
‫م ْ‬
‫به مستقبل ً – كال ُ‬
‫‪ -4‬أن يكون مقدورا ً على تسليمه حسا ً وشرعا ً ‪ :‬فإن كان العاقد‬
‫عاجزا ً عن تسليم المبيع أو الثمن – عن كان معينا ً – وقت‬
‫لعقد فل ينعقد البيع ‪ ،‬لن العاقد الخر ليس على يقين في‬
‫هذه الحالة أنه سيحصل على عوض عما يبذله ‪ ،‬وبالتالي‬
‫يكون في بذله له إضاعة للمال ‪ ،‬وهو منهي عنه كما علمت ‪.‬‬
‫وعليه ‪ :‬فل يصح بيع سيارة ضائعة ‪ ،‬أو طائر في الهواء أو‬
‫سا ً ‪.‬‬
‫سمك في الماء ‪ ،‬ونحو ذلك لعدم القدرة على تسليمها ح ّ‬
‫عين من مبيع ل يقبل القسمة ‪ ،‬أي إن‬
‫ح بيع جزء م ّ‬
‫كما ل يص ّ‬
‫قسمته تنقص قيمته وتجعله غير صالح للنتفاع به ككتاب أو‬
‫سيف أو بيت صغير ونحو ذلك ‪ ،‬لنه غير مقدور على تسليمه‬
‫شرعا ً ‪ ،‬إذ إن تسليمه ل يكون إل بقسمته وتمييزه‪ ،‬وفي ذلك‬
‫نقصه وذهاب منفعته ‪ ،‬وهو تضييع للمال ‪ ،‬وهو منهي عنه كما‬
‫علمت ‪.‬‬
‫أما لو بيع جزء منه غير معين – أي على سبيل الشيوع – فإن‬
‫ذلك جائز ‪ ،‬لن المشتري ل يحق له أن يطالب بقسمته ‪ ،‬ويكون‬
‫النتفاع به على التناوب ‪.‬‬

‫‪14‬‬

‫‪-5‬‬

‫أن يكون للعاقد سلطان عليه بولية أو ملك ‪ :‬فيصح بيع‬
‫المالك لمال نفسه وشراؤه به ‪ ،‬لن الشرع جعل له سلطانا ً‬
‫ن تحت‬
‫م ْ‬
‫ي لما َ‬
‫على ماله ‪ .‬وكذلك يصح بيع الولي أو الوص ّ‬
‫وليته من القاصرين وشراؤه به ‪ ،‬كما يصح بيع الوكيل لمال‬
‫مو ّ‬
‫كله وشراؤه به ‪ ،‬لن لهؤلء جميعا ً سلطانا ً على المال ‪،‬‬
‫إما بتسليط الشرع كالولياء والوصياء ‪ ،‬وإما بتسليط المالك‬
‫نفسه كالوكلء ‪ .‬فإذا تصرف بالمال بيعا ً أو شراءً من ل‬
‫سلطان له عليه – وهو الذي يسمى في رف الفقهاء‬
‫الفضولي – كان تصرفه باطل ً ‪ ،‬لقوله ‪ " : ‬ل بيع إل فيما‬
‫تملك " ) أخرجه أبو داود في البيوع ‪ ،‬باب ‪ :‬في الرجل يبيع‬
‫ما ليس عنده ‪ ،‬رقم ‪ . 3503‬وكذا الترمذي والنسائي وابن‬
‫ماجه ( ‪.‬‬

‫من يرث منه ظانا ً حياته ‪،‬‬
‫ويستثنى من ذلك ما لو باع مال َ‬
‫حح البيع وتترتب‬
‫فتبين أن الموّرث كان ميتا ً عند العقد ‪ ،‬فُيص ّ‬
‫علي آثاره‪ ،‬لنه تبّين خطأ ظنه‪ ،‬وأنه في الحقيقة مالك لما‬
‫تصرف فيه وليس فضوليا ً ‪ ،‬والعبرة في العقود بما في حقيقة‬
‫المر‪ ،‬ل بما في ظن العاقد ‪.‬‬
‫‪-6‬‬

‫أن يكون معلوما ً للعاقدَْين ‪ :‬فل يصح البيع إذا كان في المبيع‬
‫أو الثمن جهالة لدى العاقدين أو أحدهما ‪ ،‬تقضي في الغالي‬
‫إلى النزاع والخصومة ‪ ،‬لن في ذلك غررا ً ‪ ،‬وقد علمت أنه‬
‫ر ‪ .‬فل يصح بيع ما يجهله العاقدان أو‬
‫‪ ‬نهى عن بيع ال َ‬
‫غَر ِ‬
‫أحدهما ‪ ،‬ول جعله ثمنا ً ‪.‬‬
‫كما ل يصح بيع واحد من أشياء دون تعيينه‪ ،‬ول البيع به ‪.‬‬
‫ول يصح بيع شيء معين بألف مثل ً ‪ ،‬دون بيان المراد من‬

‫اللف ‪ ،‬ول عرف في مكان البيع يحدد المراد منها ‪ ،‬فإن كان‬

‫‪15‬‬

‫سرت به ‪ ،‬كما لو باع في سورية مثل ً مبيعا ً وقال ثمنه‬
‫عرف ف ّ‬
‫ألف ‪ ،‬فالعرف يحدد أنه ألف ليرة سورية ‪.‬‬
‫ة ما أو دارا ً مثل ً بما باع به فلن داره ‪،‬‬
‫ول يصح أن يبيع سلع ً‬
‫دون أن يكون العاقدان على علم بما باع به‪ ،‬وهكذا ‪.‬‬
‫ويمكن أن يحصل العلم بالمور التالية ‪:‬‬
‫‪-1‬‬

‫إن كان العوض حاضرا ً ومشاهدا ً صح بيعه ولو لم يبّين‬
‫مقداره ول صفته الظاهرة ‪ ،‬كما لو باع سيارة مشاهدة‬
‫ومشارا ً إليها بثمن معين ‪ ،‬ولم يّبين نوع السيارة وطرازها ‪.‬‬
‫صْبرة من قمح مثل ً بألف ليرة سورية ‪ ،‬دون أن‬
‫وكذلك لو باع ُ‬
‫يبّين مقدارها ‪ .‬وكذلك لو باعه سلعة حاضرة بهذه الدراهم‬
‫مثل ً ‪ ،‬فكل ذلك صحيح ‪ ،‬لقيام المشاهدة والتعيين مقام‬
‫العلم ‪.‬‬

‫‪-2‬‬

‫إذا رأى المتعاقدان البدل قبل العقد ‪ ،‬وكانا ذاكَرْين لوصافه‬
‫‪ ،‬وكان مما ل يتغّير غالبا ً خلل المدة التي كانت بين الرؤية‬
‫والعقد ‪ ،‬كالثوب والدار ونحو ذلك ‪.‬‬
‫فإن كان مما يتغّير غالبا ً في تلك المدة فل يكفي ذلك ‪.‬‬

‫‪-3‬‬

‫رؤية بعض العوض إذا كانت تغني عن رؤية باقية ‪ ،‬كرؤية‬
‫جزء من القماش الذي يدل على باقي الثوب ‪ ،‬أو رؤية‬
‫أنموذج من الشياء المتماثلة ‪.‬‬

‫‪-4‬‬

‫رؤية ظاهر العوض الذي ُيعتبر حافظا ً لباقية ‪ ،‬كالبطيخ‬
‫والرمان والبيض‪ ،‬فُيكتفى برؤية قشره ‪ ،‬كما ُيكتفى برؤية‬
‫القشرة السفلى من الجوز واللوز إذا تم نضجه ‪ ،‬لن بقاء‬
‫هذه القشور من مصلحة هذه الشياء ‪.‬‬
‫فإذا كان مما يؤكل مع قشره الخارجي كفت رؤية قشرته‬

‫ح بيعه ‪.‬‬
‫الخارجية وص ّ‬

‫‪16‬‬

‫ومما يتعلق هنا بمعلومية العوضين ‪ :‬العلم بالجل إذا كان‬
‫الثمن مؤجل ً ‪ ،‬فلو كان غير معلوم ‪ ،‬كما إذا باع إلى الحصاد أو‬
‫قدوم فلن من سفره ‪ ،‬فإنه ل يصح ‪.‬‬
‫وكذلك العلم بوسائل التوثيق ‪ ،‬كالرهن والكفيل‪ ،‬إذا شرط‬
‫ذلك في العقد ‪ ،‬فلو باعه بشرط أن يأتيه بكفيل أو رهن بالثمن‬
‫‪ ،‬دون أن يعّين الكفيل أو الرهن ‪ ،‬فل يصح العقد ‪.‬‬

‫قبض المبيع وضمانه‬
‫إذا تم عقد البيع بتوفر أركانه وتحقق شروطه ‪ ،‬والمبيع ل‬
‫يزال في يد البائع ‪ ،‬فهو من ضمانه ‪ ،‬بمعنى أنه إن تلف أو‬
‫أتلفه البائع انفسخ البيع ‪ ،‬ول يلزم المشتري شيء ‪ ،‬ويسترد‬
‫الثمن إن كان قد دفعه ‪ .‬فإذا قبضه المشتري دخل في ضمانه ‪،‬‬
‫فإن هلك يهلك عليه ‪.‬‬
‫ويختلف القبض باختلف المبيع ‪ ،‬إذ إن قبض كل شيء‬
‫بحسبه ‪:‬‬
‫فقبض المنقول ‪ :‬يكون إما بالتناول إذا كان ُيتناول باليد ‪،‬‬
‫كالثوب والكتاب ونحوهما ‪ ،‬وإما بالنقل إذا كان ل ُيتناول باليد‬
‫كالسيارة والدابة وما إلى ذلك ‪.‬‬
‫وأما غير المنقول ‪ :‬كالدار والرض فقبضه بالتخلية بينه‬
‫وبين المشتري وتمكينه منه ‪ ،‬وإزالة الموانع من تسّلمه ‪،‬‬
‫وتسليم مفتاحه إن كان دارا ً ونحو ذلك ‪.‬‬
‫ول بد في القبض من إذن البائع‪ ،‬لن الصل أنه ملكه‪ ،‬ول‬
‫يخرج من يده إل بإذن منه ‪.‬‬

‫‪17‬‬

‫الخيارات في البيع‬
‫وجدت أركانه وتحققت شروط‬
‫الصل في عقد البيع أنه إذا ُ‬
‫أن ينعقد مبرمًا‪ ،‬بحيث تنتقل ملكية المبيع إلى المشترى‬
‫وملكية الثمن إلى البائع ‪ ،‬وليس لحدهما الخيار في نقض ما‬
‫أبرم ‪ .‬إل أن الشارع راعى مصالح المكّلفين ‪ ،‬وأن المتعاقد قد‬
‫و في المر ‪ ،‬ولذلك اعتبر‬
‫يكون استعجل بعض الشيء ولم يتر ّ‬
‫انعقاد البيع لوجود أركانه وتحقق شروطه غير لزم ‪ ،‬وأثبت‬
‫لكل عاقد حق الخيار في إمضاء العقد أو فسخه ‪ ،‬وذلك رفقا ً به‬
‫وحفاظا ً على تمام رضاه بالعقد ورغبته به ‪.‬‬
‫وقد أثبت ال ّ‬
‫شارع هذا الخيار للعاقد في أحوال ثلثة اعتبرت‬
‫أنواعا ً للخيارات المشروعة ‪ ،‬وهي ‪ :‬خيار المجلس ‪ ،‬وخيار‬
‫الشرط ‪ ،‬وخيار العيب ‪ .‬وإليك بيانها مفصلة ‪:‬‬
‫‪ -1‬خيار المجلس ‪:‬‬
‫والمراد به أن المتعاقدين كل ّ منهما له حق الرجوع عن البيع‬
‫– بعدما تم وانعقد صحيحا ً – ما داما في المجلس الذي حصل‬
‫فيه عقد البيع ‪ ،‬ولم يتفّرقا عنه بأبدانهما ‪.‬‬
‫فإذا تفّرقا عن مجلس العقد سقط الخيار وأصبح العقد لزما ً‬
‫‪ ،‬ويكفي في ذلك ما يسمى تفرقا ً في العرف ‪:‬‬
‫فلو كانا في دار كبيرة وخرج أحدهما من الغرفة إلى الصحن‬
‫‪ ،‬أو بالعكس حصل التفّرق ‪.‬‬
‫ولو كانا فيدار صغيرة كفى خروج أحدهما منها ‪.‬‬
‫وإن كانا في سوق ‪ ،‬أو صحراء ‪ ،‬أو على ظهر سفينة ونحو‬
‫ذلك ‪ ،‬كفى أن يوّلي أحدهما ظهره للخر ويمشي خطوات ‪.‬‬
‫أما لو خرجا جميعا ً أو تماشيا معا ً فيبقى المجلس مستمرا ً ‪،‬‬
‫ول يسقط الخيار ‪.‬‬

‫‪18‬‬

‫وكذلك يسقط الخيار إذا اختار أحدهما أو كلهما إبرام العقد‬
‫ولزومه ‪ ،‬بأن يقول ‪ :‬أمضينا العقد أو اخترنا لزومه ‪ ،‬وكذلك إذا‬
‫خّير أحدهما الخر كأن يقول له ‪ :‬اختر إمضاء البيع أو فسخه ‪،‬‬
‫فيكون ذلك إسقاطا ً لخياره ‪ ،‬فإذا اختار الخر سقط خيار‬
‫المجلس ‪ ،‬لنهما أسقطا حقا ً أعطاهما الشارع إياه ‪ .‬فإن اختار‬
‫أحدهما ولم يختر الخر سقط الخيار في حق من اختار‪ ،‬وبقي‬
‫في حق من لم يختر ‪.‬‬
‫والصل في كل ما سبق ‪ :‬قوله ‪ " ‬البيعان بالخيار ما لم‬
‫يتفرقا وكانا جميعا ً ‪ ،‬أو يخير أحدهما الخر " ) أخرجه البخاري‬
‫في البيوع ‪ ،‬باب ‪ :‬إذا لم يوقت في الخيار ‪ ،..‬رقم ‪. 2003‬‬
‫ومسلم في البيوع ‪ ،‬باب ‪ :‬ثبوت خيار المجلس للمتبايعين ‪ ،‬رقم‬
‫‪. ( 1531 :‬‬
‫ود ّ‬
‫ل على أن المقصود بالتفّرق التفرق بالبدان – على ما‬
‫ذكرنا – تفسير ابن عمر – رضي الله عنهما – له بفعله ‪ ،‬وهو‬
‫راوي الحديث ‪ ،‬فقد روى مالك عن نافع رحمه الله تعالى قال ‪:‬‬
‫وكان ابن عمر رضي الله عنهما إذا اشترى شيئا ً ُيعجبه فارق‬
‫صاحبه ‪ ) .‬انظر البخاري ‪ :‬البيوع‪ ،‬باب ‪ :‬كم يجوز الخيار ‪ ،‬رقم ‪:‬‬
‫‪(2001‬‬
‫ت من أمير المؤمنين عثمان‬
‫وعنه رضي الله عنه قال ‪ :‬ب ِ ْ‬
‫ع ُ‬
‫ل له بخيبر‪ ،‬فلما تبايعنا رجعت على عقبي حتى‬
‫مال ً بالوادي بما ٍ‬
‫ن‬
‫سن ّ ُ‬
‫ةأ ّ‬
‫خرجت من بيته ‪ ،‬خشية أن يرادني البيع ‪ ،‬وكانت ال ّ‬
‫المتبايعين بالخيار حتى يتفرقا ) انظر ‪ :‬البخاري ‪ :‬البيوع ‪،‬‬
‫باب ‪ :‬إذا اشترى شيئا ً فوهب من ساعته ‪ ،...‬رقم ‪. ( 2010 :‬‬
‫‪ -2‬خيار الشرط ‪:‬‬

‫‪19‬‬

‫وهو أن يشترط بأحد المتعاقدين أو ك ُ ّ‬
‫ل منهما ‪ :‬أن له الخيار‬
‫– أي حق فسخ العقد – خلل مدة معلومة ‪ .‬ويمكن أن يشترط‬
‫ذلك مع العقد ‪ ،‬ويمكن أن يشترط بعده ‪ ،‬ولكن قبل مفارقة‬
‫مجلس التعاقد ‪ .‬وسمي خيار الشرط لن سببه اشتراط العاقد ‪.‬‬
‫ويشترط فيه ‪:‬‬
‫‪-1‬‬

‫أن يكون لمدة معلومة‪ ،‬فإن قال ‪ :‬لي الخيار‪ ،‬ولم يحدد مدة‬
‫دد مدة مجهولة ‪ ،‬كقوله ‪ :‬بعض يوم ‪،‬‬
‫لم يصح ‪ ،‬وكذلك لو ح ّ‬
‫أو ‪ :‬إلى مجيء فلن ‪ ،‬ونحو ذلك ‪.‬‬
‫والصحيح أنه يبطل البيع في هذه الحالة ‪ ،‬لما في ذلك‬

‫من الغرر والجهالة ‪.‬‬
‫‪-2‬‬

‫أن ل تزيد المدة على ثلثة أيام ‪ ،‬إذا كان المبيع ل يفسد‬
‫وي أكثر من هذه المدة‬
‫خللها ‪ ،‬لن الحاجة ل تدعو إلى التر ّ‬
‫غالبا ً ‪ .‬فإن زاد على ذلك ولو لحظة بطل البيع ‪ ،‬وكذلك‬
‫يبطل البيع إذا كانت المدة يفسد المبيع خللها ‪ ،‬ولو كانت‬
‫أقل من ثلثة أيام ‪.‬‬

‫‪-3‬‬

‫أن تكون المدة متوالية ومتصلة بالعقد ‪ ،‬فلو شرط الخيار‬
‫ابتداءً من التفرق ‪ ،‬أو في أيام معينة غير متوالية أو غير‬
‫مبتدأة من العقد لم يصح الشرط ‪ ،‬وبطل العقد ‪ ،‬لنه شرط‬
‫فيه ما ليس من مقتضاه ‪ ،‬وما لم يرد به الشرع ‪.‬‬
‫حّبان بن منقذ رضي الله عنه ‪،‬‬
‫والدليل على ما سبق ‪ :‬حديث ِ‬

‫وقد شكا إلى رسول الله ‪ ‬أنه ُيخدع في البيوع ‪ ،‬فقال له‬
‫النبي ‪ " : ‬إذا بايعت فق ْ‬
‫ل ‪ :‬ل خلبة " وفي رواية ‪ " :‬ولي‬
‫الخيار ثلثة أيام " ‪ ) .‬انظر ‪ :‬البخاري ‪ :‬البيوع ‪ ،‬باب ‪ :‬ما يكره‬
‫من الخداع في البيع ‪ ،‬رقم ‪ . 2011 :‬والبيهقي ‪. ( 5/273 :‬‬
‫] والخلبة ‪ :‬معناها الغبن والخداع [ ‪.‬‬

‫‪20‬‬

‫قال العلماء ‪ :‬الحديث صريح في إثبات الخيار لحّبان رضي‬
‫الله عنه ‪ ،‬بائعا ً كان أو مشتريا ً ‪ ،‬ول دليل فيه على أنه خاص به‬
‫وإن كان ورد بسببه ‪ ،‬والعلماء يقولون ‪ :‬العبرة بعموم الفظ ل‬
‫ل بيع ‪ ،‬وك ّ‬
‫بخصوص السبب ‪ ،‬فيكون الحديث عاما ً يتناول ك ّ‬
‫ل‬
‫ر‪ ،‬إل ما د ّ‬
‫ل دليل آخر على عدم جواز الخيار فيه من‬
‫بائع ومشت ٍ‬
‫البيوع ‪ ،‬كبيوع الربا والسلم ‪ ،‬كما ستعرف إن شاء الله تعالى‬
‫في أبوابها‪.‬‬

‫اشتراط الخيار لجنبي ‪:‬‬

‫ح له أن‬
‫هذا وكما يصح للعاقد أن يشترط الخيار لنفسه يص ّ‬

‫من ل صلة له بالعقد ‪ .‬وذلك لن‬
‫يشترطه لجنبي‪ ،‬أي لغيره م ّ‬
‫الخيار ُ‬
‫شرع للحاجة والمصلحة ‪ ،‬لدفع الغبن والضرر عن‬
‫العاقد ‪ ،‬وربما ل يتحقق ذلك لو كان الخيار له ‪ ،‬لعدم خبرته ‪،‬‬
‫بينما يكون غيره أعرف بالمبيع ‪ ،‬فتدعو الحاجة أن يشترط‬
‫الخيار له ‪ .‬والصحيح في هذه الحالة أن الخيار يثبت لمن ُ‬
‫رط‬
‫ش ِ‬
‫له وهو الجنبي ‪ ،‬ول يثبت للعاقد الذي شرطه ‪.‬‬

‫متى يسقط الخيار ؟‬
‫من له الخيار فسخ العقد ‪ ،‬كأن يقول ‪ :‬فسخت‬
‫إذا اختار َ‬
‫البيع ‪ ،‬أو قال البائع إذا كان الخيار له ‪ :‬استرجعت المبيع ‪ ،‬أو‬
‫قال المشتري ‪ :‬استرجعت الثمن ‪ ،‬ونحو ذلك ‪ ،‬انفسخ العقد‬
‫عقد البيع ‪.‬‬
‫بينما يلزم البيع إذا سقط الخيار ‪ ،‬ويسقط خيار الشرط‬
‫بالمور التالية ‪:‬‬
‫‪-1‬‬

‫بانتهاء المدة المشروطة‪ ،‬فإذا انتهت المدة المشروطة ولم‬
‫من له الخيار‪ ،‬سواء أكان البائع أو المشتري أو‬
‫يفسخ العقد َ‬
‫كليهما ‪ ،‬فقد لزم العقد وسقط الخيار‪ ،‬ول يحق لحد فسخه‬
‫بعد ذلك ‪.‬‬
‫‪21‬‬

‫‪-2‬‬

‫من له‬
‫بإمضاء البيع وإجازته في مدة الخيار‪ ،‬كأن يقول َ‬
‫الخيار ‪ :‬أجزت العقد ‪ ،‬أو أمضيته ‪ ،‬أو اخترت البيع ‪.‬‬

‫‪-3‬‬

‫بتصّرف من له الخيار بالمبيع تصرفا ً ل ينفذ عادة من غير‬
‫المالك ‪ ،‬فيكون ذلك إجازة للبيع وإمضاءً له ‪ ،‬وبالتالي‬
‫من له الخيار المشتري ‪ ،‬فإذا‬
‫إسقاطا ً لخياره ‪ .‬وهذا إذا كان َ‬
‫كان المتصرف هو البائع كان تصرفه فسخا ً للعقد ‪.‬‬

‫حكم المبيع زمن الخيار ‪:‬‬
‫‪ -1‬ملكية المبيع زمن الخيار ‪:‬‬
‫إذا كان الخيار للمتبايعين كانت ملكية المبيع موقوفة حتى‬
‫يتبين الحال من فسخ العقد أو إمضائه ‪ ،‬فإذا فسخ العقد تبّين‬
‫أن الملكية لم تنتقل من البائع ‪ .‬وإذا أمضي البيع وُأجيز تبين‬
‫أن المبيع ملك للمشتري من تاريخ العقد ‪ ،‬وأن الثمن ملك‬
‫للبائع كذلك ‪ .‬وبالتالي يملك كل واحد منهما زوائد ومنافع ما‬
‫تبين أنه ملكه من تاريخ العقد ‪ .‬والزوائد كثمر الشجر ولبن‬
‫المواشي ‪ ،‬والمنافع كُأجرة الدار والسيارة ونحو ذلك ‪.‬‬
‫وبالمقابل يكون على كل واحد منهما نفقة ومؤونة ما تبّين أنه‬
‫ملكه من تاريخ العقد ‪ ،‬كعلف الدابة وإصلح السيارة ونحو ذلك ‪.‬‬
‫مْلك له ‪ ،‬لنه هو الذي‬
‫وإذا كان الخيار لواحد منهما كان ال ُ‬
‫يملك التصّرف دون غيره‪ .‬وبالتالي كانت له المنافع والثمرات ‪،‬‬
‫وكانت عليه المؤونة والنفقات ‪.‬‬
‫‪ -2‬هلك المبيع زمن الخيار ‪:‬‬
‫إذا تلف المبيع في زمن الخيار ُينظر ‪:‬‬
‫فإن كان قبل القبض ‪ ،‬أي أن المبيع ل يزال في يد البائع ‪ ،‬فإن‬
‫البيع ينفسخ ويسقط الخيار‪ ،‬سواء أكان الخيار للمشتري أم‬
‫للبائع ‪ ،‬لعدم القدرة على تسليم المبيع ‪ ،‬ويكون من ضمان البائع ‪.‬‬

‫‪22‬‬

‫وإن كان الهلك بعد القبض ‪ ،‬أي في يد المشتري ‪ ،‬فإن البيع‬
‫ل ينفسخ ‪ ،‬لدخوله في ضمان المشتري بقبضه له ‪ .‬كما أن‬
‫الخيار ل يزال باقيا ً ‪ ،‬سواء أكان للبائع أم للمشتري ‪ ،‬لن‬
‫الحاجة التي دعت إليه – وهي الحفظ من الغبن – ل تزال‬
‫من له الخيار حق إمضاء البيع وفسخه ‪ .‬فإذا ُأمضى‬
‫باقية ‪ ،‬فل َ‬
‫العقد وُأجيز وجب على المشتري ثمنه للبائع ‪ ،‬لنه تبين أنه‬
‫ملكه ‪ .‬وإذا فسخ العقد وجب عليه رد مثله أو قيمته يوم التلف ‪،‬‬
‫ويسترد المشتري الثمن ‪ ،‬لنه تبّين أنه لم يدخل في ملكه ‪.‬‬
‫‪ -3‬خيار العيب ‪:‬‬
‫الصل في تعامل المسلم مع غيره النصح وعدم الغش ‪ ،‬لن‬
‫في ذلك أكل ً لموال الناس بالباطل ‪ ،‬وقد حذر رسول الله ‪‬‬
‫من الغش أشد تحذير حين قال ‪ " :‬من غش فليس مّنا " ومن‬
‫الغش أن يكون في المبيع عيب يعلمه البائع ‪ ،‬فيكتمه عن‬
‫المشتري ول يبّينه له ‪ .‬يدل على ذلك سبب ورود الحديث‬
‫المذكور‪ ،‬فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه ‪ :‬أن رسول الله ‪‬‬
‫ده فيها ‪ ،‬فنالت‬
‫صَبر ِ‬
‫ة طعام ‪ ،‬فأدخل ي َ‬
‫مّر في السوق على ُ‬
‫أصابعه بل َل ً ‪ ،‬فقال ‪ " :‬ما هذا يا صاحب الطعام ؟ " قال ‪ :‬يا‬
‫رسول الله أصاب ُْته السماءُ ‪ ،‬فقال ‪ " :‬أل جعلته فوق الطعام‬
‫س ؟ من غش فليس مني " ) أخرجه مسلم في‬
‫ي يراه النا ُ‬
‫ك ْ‬
‫اليمان ن باب ‪ :‬قول النبي ‪ : ‬من غ ّ‬
‫شنا فليس منا ‪ ،‬رقم ‪:‬‬
‫‪ . 102‬ولفظ " فليس منا " أخرجه في نفس الباب‪ ،‬رقم ‪:‬‬
‫‪. ( 101‬‬
‫] صبرة طعام ‪ :‬كومة من قمح ونحوه ‪ .‬أصابته السماء ‪ :‬أي‬
‫المطر النازل من السماء [‬
‫فقد د ّ‬
‫ن من واجب‬
‫ل الحديث أن عدم بيان العيب غش ‪ ،‬وأ ّ‬
‫البائع أن يظهر العيب الذي في المبيع ويبّينه للناس ‪ ،‬يؤكد هذا‬
‫‪23‬‬

‫م أخو المسلم ‪ ،‬ول يح ّ‬
‫ل لمسلم بَاع من أخيه‬
‫قوله ‪ " : ‬المسل ُ‬
‫ه " ) أخرجه ابن ماجه عن عقبة بن عامر‬
‫بيعا ً فيه عيب إل بينه ل ُ‬
‫من باع عيبا ً فليّبينه‪ ،‬رقم ‪:‬‬
‫رضي الله عنه في التجارات ‪ ،‬باب ‪َ :‬‬
‫‪. (2246‬‬
‫ويلحق غير المسلم به استدلل ً بعموم الحديث الذي قبله ‪،‬‬
‫ولن الخلق في السلم أخلق ذاتية إنسانية ‪ ،‬يجب التخلق بها‬
‫مع المسلم وغيره ‪.‬‬
‫وكما يجب على البائع بيان العيب يجب بيانه أيضا ً على كل‬
‫من علم به ولو كان غير المتعاقدين ‪ ،‬لقوله ‪ " : ‬ل يح ّ‬
‫د‬
‫ل لح ٍ‬
‫ن ما فيه ‪ ،‬ول َيح ّ‬
‫ه"‪.‬‬
‫ن يَ ْ‬
‫ل لم ْ‬
‫يبيع شيئا ً إل ب َي ّ َ‬
‫م ذلك إل ب َي ّن َ ُ‬
‫عل َ ُ‬
‫) أخرجه المام أحمد في مسنده ] ‪ [3/491‬عن واثلة بن السقع‬
‫رضي الله عنه ( ‪.‬‬
‫فإذا حصل عقد البيع ولزم ‪ ،‬وقبض المشتري المبيع ولم‬
‫ُيذكر له فيه عيب ‪ ،‬ثم ا ّ‬
‫طلع بعد ذلك على عيب فيه كان البيع‬
‫صحيحًا‪ ،‬وإنما يثبت للمشتري حق الخيار ‪ :‬بين أن يرضى بالمبيع‬
‫د‬
‫ده على البائع فيفسخ البيع ويستر ّ‬
‫على ما فيه ‪ ،‬وبين أن ير ّ‬
‫الثمن ‪ ،‬طالما أنه لم يكن على علم بهذا العيب ‪ ،‬ل عند العقد‬
‫ول عند القبض ‪ .‬ودليل ذلك ‪:‬‬
‫‪-1‬‬

‫حديث عائشة رضي الله عنها ‪ :‬أن رجل ً ابتاع غلما ً ‪،‬‬
‫َ‬
‫ده بالعيب ‪ ،‬فقال البائع ‪َ :‬‬
‫ة‬
‫ست َ‬
‫غل ّ ُ‬
‫ه ‪ ،‬ثم وجد به عيبا ً فر ّ‬
‫فا ْ‬
‫غل ّ ُ‬
‫ن " ) أخرجه أحمد‬
‫عبدي ؟ فقال النبي ‪ " : ‬الغلة بال ّ‬
‫ضما ِ‬
‫في مسنده ] ‪. ( [ 6/80‬‬

‫] ابتاع ‪ :‬اشترى ‪ .‬غلما ً ‪ :‬أي عبدا ً مملوكا ً ‪ .‬غّلة عبدي ‪ :‬أي‬
‫كسبه وُأجرة ما قام به من عمل ‪ .‬بالضمان ‪ :‬أي يستحقها‬
‫من كان ضامنا ً للسلعة حين حصلت [ ‪.‬‬
‫ويملكها َ‬

‫‪24‬‬

‫وُيستدل لهذا أيضا ً بحديث المصراة ‪ ،‬وسيأتي عند الكلم عن‬
‫بيع المصراة ‪.‬‬
‫‪-2‬‬

‫وكذلك ُيستدل لهذا بالمعقول ‪ :‬فإن الصل في البيع أنه‬
‫على شرط السلمة ‪ ،‬وأن المشتري ما بذل كامل الثمن إل‬
‫ليسلم له كامل المبيع ‪ ،‬لتحصل المقابلة بين الثمن والمثمن‬
‫‪ ،‬وتلك رغبة المشتري الذي رضي بالبيع ‪ .‬فإذا اخت ّ‬
‫ل شيء‬
‫من ذلك بسبب العيب فقد فات مقصوده ولم يتحقق رضاه ‪،‬‬
‫فتثبت له حق الفسخ وردّ المبيع واسترداد الثمن ‪.‬‬
‫ويشترط لثبوت خيار العيب ‪:‬‬

‫‪ -1‬أن يثبت أن العيب قديم ‪ ،‬أي قد حدث في المبيع قبل أن‬
‫يقبضه المشتري ‪ ،‬سواء أكان ذلك قبل العقد أم بعده ‪ ،‬لن‬
‫المبيع قبل قبضه من ضمان البائع ‪.‬‬
‫فلو حدث العيب بعد القبض فليس له حق الخيار ‪ ،‬إل إذا‬
‫كان مستندا ً إلى سبب سابق على القبض ‪ ،‬كما إذا اشترى‬
‫سلعة فظهر عليها الصدأ ثم تبين أنها قد تبللت بالماء قبل‬
‫القبض ‪ ،‬فللمشتري حق الرد ‪ ،‬لن العيب ترتب على سبب حدث‬
‫عند البائع ‪ ،‬فكأن العيب حدث عنده ‪.‬‬
‫جار ‪ ،‬سواء‬
‫‪ -2‬أن يكون العيب منقصا ً لقيمة المبيع في ُ‬
‫عرف الت ّ‬
‫أنقصت العين أم لم تنقص ‪ ،‬لن البيع معاوضة ‪ ،‬والعبرة‬
‫فيها للقيمة ‪ ،‬والمرجع في اعتبارها التجار أصحاب‬
‫الخبرة ‪.‬‬
‫فإذا كان العيب ينقص العين ول ينقص القيمة فل‬
‫يثبت حق الرد ‪ ،‬إل إذا كان النقص يفوت به غرض مقصود‬
‫للمشتري ‪ ،‬كمن اشترى شاة للضحية ‪ ،‬ثم تبّين له أن بعض‬
‫ُأذنها مقطوع ‪ ،‬فإنه يثبت له حق الرد ‪ ،‬لنها ل تجزئ في‬
‫الضحية ‪ .‬أما لو اشتراها لغير ذبح واجب عليه ‪ ،‬أي للحمها ‪،‬‬
‫‪25‬‬

‫فل ُيعتبر العيب ول يثبت له حق الرد ‪ ،‬لن قيمتها ل تنقص‬
‫وت عليه غرضا ً مقصودا ً ‪.‬‬
‫بذلك ‪ ،‬ونقص عينها ل يف ّ‬
‫‪ -3‬أن يغلب في جنس المبيع عدمه ‪َ ،‬‬
‫كمن اشترى سيارة من‬
‫وكالتها ‪ ،‬ثم تبين له اهتراء عجلتها ‪ ،‬فيثبت له حق الرد‬
‫والفسخ بالعيب ‪ .‬أما لو اشتراها مستعملة ثم ا ّ‬
‫طلع على ذلك‬
‫فل يثبت له خيار العيب ‪ ،‬لن الغالب في المستعمل منها‬
‫ذلك ‪.‬‬
‫متى يكون الرد بخيار العيب ؟‬
‫يثبت حق الرد بخيار العيب فور ال ّ‬
‫طلع على العيب ‪ ،‬حسب‬
‫عْرف والعادة ‪ .‬فإذا علم به وهو يأكل أو يصلي فله تأخير الرد‬
‫ال ُ‬
‫خر‬
‫حتى الفراغ ‪ ،‬أو في الليل فله التأخير حتى الصباح ‪ ،‬فإذا أ ّ‬
‫ده سقط خياره ‪.‬‬
‫عن الوقت الذي كان يستطيع فيه ر ّ‬
‫كذلك يسقط خياره لو استعمله بعد الطلع على العيب‬
‫وقبل التم ّ‬
‫ده ‪ .‬وذلك لن تأخيره عن الوقت الذي تم‬
‫كن من ر ّ‬
‫ده ‪ ،‬وكذلك استعماله له قبل التم ّ‬
‫كن من الرد ‪ ،‬دليل‬
‫فيه من ر ّ‬
‫على اختياره للمبيع ورضاه به على ما فيه من العيب ‪.‬‬
‫الزيادة في المبيع المعيب ‪:‬‬
‫إذا قبض المشتري المبيع ‪ ،‬ثم ا ّ‬
‫طلع على عيب قديم فيه‬
‫ما كان عليه عند‬
‫بالشروط السابقة ‪ ،‬وكان المبيع قد زاد عنده ع ّ‬
‫العقد ‪ ،‬فإن هذه الزيادة ل تمنع الردّ بالعيب ‪ .‬وإنما ُينظر ‪:‬‬
‫من للدابة والخياطة للثوب‬
‫فإن كانت الزيادة متصلة – كال ّ‬
‫س َ‬
‫ده ‪ ،‬ول شيء له في‬
‫مثل ً – فإن شاء أمسكه وإن شاء ر ّ‬
‫الحالين ‪ ،‬لن هذه الزيادة تبع للصل ونماء للملك ‪.‬‬
‫وإن كانت الزيادة منفصلة ‪ :‬فله ردّ الصل دون الزيادة ‪،‬‬
‫لنها حدثت على مْلكه وفي ضمانه ‪ ،‬وقد مر بك قوله ‪" : ‬‬
‫الغلة بالضمان " والغلة الزيادة مطلقا ً من كسب وغيره ‪.‬‬
‫‪26‬‬

‫العيب الطارئ على العيب القديم ‪:‬‬
‫إذا ا ّ‬
‫طلع المشتري على عيب قديم في المبيع ‪ ،‬وكان قد‬
‫طرأ عليه عيب جديد بعد قبضه ‪ ،‬سقط حقه في الرد القهري‬
‫لى البائع ‪ ،‬أي ليس له أن يجبره على الرد ‪ ،‬وإنما ينظر ‪ :‬فإن‬
‫ده ‪ ،‬و رضي المشتري به على ما‬
‫ده على حاله ر ّ‬
‫رضي البائع بر ّ‬
‫فيه أمسكه ‪.‬‬
‫وإن لم يتراضيا ‪ :‬فإما أن يدفع المشتري عوضا ً عن العيب‬
‫ده على البائع ‪ ،‬وإما أن يدفع البائع عوضا ً عن نقص‬
‫الحادث وير ّ‬
‫العيب القديم للمشتري ‪ .‬فأّيهما اتفقا عليه ورضيا به جاز‪ ،‬لن‬
‫الحق لهما ‪ ،‬فيعمل برضاهما ‪.‬‬
‫فإن اختلفا – بأن طلب البائع الرد مع التعويض عن العيب‬
‫الحادث ‪ ،‬وطلب المشتري المساك بالمبيع مع التعويض عن‬
‫العيب القديم ‪ ،‬أو طلب المشتري الرد ويدفع العوض عن العيب‬
‫الحادث ‪ ،‬وطلب البائع إبقاء المبيع عند المشتري ويدفع العوض‬
‫من كان في طلبه إقرار‬
‫عن العيب القديم – فإنه ُيجاب منهما َ‬
‫العقد وإبقاؤه ‪ ،‬ففي الصورة الولى ُيجاب المشتري إلى‬
‫طلبه ‪ ،‬وفي الصورة الثانية ُيجاب البائع ‪.‬‬
‫ويستثنى من سقوط الرد القهري بالعيب الطارئ ما إذا كان‬
‫من اشترى ما مأكوٌله داخل‬
‫العيب القديم ل ُيعرف إل به‪ ،‬ك َ‬
‫قشره – كالبطيخ والرمان ونحوهما – وشرط سلمته وال ّ‬
‫طلع‬
‫على ما في داخله ‪ ،‬فإن له رد المبيع إذا ظهر فيه عيب قديم‬
‫رغم العيب الجديد ‪ ،‬إذا لم يكن زائدا ً عن الحاجة لمعرفته ‪ ،‬لن‬
‫البائع قد سّلطه على إحداث هذه العيب ‪.‬‬
‫شرط البراءة من العيوب ‪:‬‬
‫لو شرط البائع على المشتري عند العقد ‪ :‬أنه بريء من كل‬
‫ح عقد البيع ‪ ،‬لنه شرط يؤكد العقد‬
‫عيب يظهر في المبيع ص ّ‬
‫‪27‬‬

‫ويقرره ‪ ،‬إذ ينفي الرد والفسخ ‪ ،‬كما يوافق ظاهر الحال من‬
‫سلمة المبيع من العيوب ‪.‬‬
‫وهل يسقط هذا الشرط خيار العيب ‪ ،‬وبالتالي ليس‬
‫للمشتري ردّ المبيع وفسخ العقد إذا ظهر فيه عيب قديم على‬
‫ما قد علمنا ؟ ‪.‬‬
‫والجواب أنه ُينظر ‪:‬‬
‫غ ‪ ،‬ول‬
‫فإن كان المبيع غير حيوان ‪ :‬فإن هذا الشرط ل ٍ‬
‫ي عيب يظهر في المبيع‬
‫يسقط حق الرد ‪ ،‬ول يبرأ البائع من أ ّ‬
‫وي ُْثبت الخيار على ما سبق ‪.‬‬
‫وإن كان المبيع حيوانا ً ‪ :‬فإنه يبرأ من كل عيب باطن في‬
‫الحيوان ‪ ،‬موجود عند العقد ‪ ،‬ولم يعلمه البائع ‪.‬‬
‫وذلك لن الحيوان ل يخلوا غالبا ً من وجود عيوب خفية فيه ‪،‬‬
‫فكان للبائع الحق في أن يحترز عن المسؤولية عنها بشرط‬
‫البراءة ‪ .‬وقد صح عن ابن عمر رضي الله عنهما ‪ :‬أنه باع عبدا ً‬
‫له بثمانمائة درهم بالبراءة ‪ ،‬فقال له المشتري ‪ :‬به داء لم‬
‫مه لي ‪ ،‬فاختصما إلى عثمان رضي الله عنه ‪ ،‬فقضي على‬
‫تس ّ‬
‫ابن عمر أن يحلف‪ :‬لقد باعه العبد وما به داء يعلمه‪ ،‬فأبى أن‬
‫يحلف وارتجع العبد ‪ ،‬فباعه بألف وخمسمائة‪ .‬وروى أن‬
‫المشتري زيد بن ثابت رضي الله عنه وأن ابن عمر كان يقول ‪:‬‬
‫تركت يمينا ً لله ‪ ،‬فعوضني الله عنها ‪.‬‬
‫فد ّ‬
‫ل قضاء عثمان رضي الله عنه على صحة البراءة في‬
‫صورة الحيوان المذكورة ‪ ،‬واشتهر قضاؤه بين الصحابة رضي‬
‫الله عنهم ولم ينكره عليه أحد ‪ ،‬فكان إجماعا ً ‪.‬‬
‫فإذا كان العيب ظاهرا ً لم يبرأ منه لسهولة ال ّ‬
‫طلع عليه ‪.‬‬
‫وكذلك إذا علمه البائع ‪ ،‬لن الواجب بيانه ‪ ،‬وإل كان غ ّ‬
‫شًا‪،‬‬
‫ومثله لو جهله ولكن كان من السهل الطلع عليه ‪.‬‬
‫‪28‬‬

‫كما ل يبرأ عما حدث بعد العقد وقبل بالقبض ‪ ،‬لن الشرط‬
‫ينصرف إلى ما كان موجودا ً عند العقد ‪ ،‬ولو شرط البراءة عما‬
‫يحدث لم يبرأ ‪ ،‬لنه إسقاط للشيء قبل ثبوته ‪.‬‬

‫‪29‬‬

‫البيوع الخاصة‬
‫ما تقدم من كلم عن عقد البيع إنما هو في البيع على وجه‬
‫العموم‪ ،‬وهو عقد البيع الذي ليس له تسمية خاصة‪ ،‬والذي‬
‫يتعامل به غالب الناس‪ ،‬والصورة الغالبة والعامة في بياعات‬
‫الناس وتجاراتهم ومعاوضاتهم ‪.‬‬
‫وهناك حالت وصور لعقد البيع تأخذ أسماءً خاصة بهم ‪،‬‬
‫وتقع في أحوال نادرة‪ ،‬منها ما هو جائز ومنها ما هو ممنوع‪،‬‬
‫والممنوع منها ‪ :‬بعض منه صحيح مع الثم والحرمة‪ ،‬وبعض منه‬
‫باطل‪ ،‬وإليك بيان هذه البيوع ‪:‬‬
‫أ – البيوع الجائزة ‪:‬‬
‫هي بيوع تختلف بعض الشيء عن صورة البيع العامة‪ ،‬وقد‬
‫يوهم اختلفها ذلك عدم جوازها‪ ،‬ولذلك ينص عليها الفقهاء‬
‫بخصوصها دفعا ً لتوهم عدم صحتها‪ ،‬وهي ‪:‬‬
‫‪-1‬‬

‫التولية ‪ :‬وهي أن يبيع ما اشتراه وقبضه بالثمن الذي اشتراه‬
‫به دون أن يذكر هذا الثمن‪ ،‬أو يقو للمشتري ‪ :‬وليتك هذا‬
‫العقد ‪.‬‬

‫‪-2‬‬

‫الشراك ‪ :‬وهو كالتولية‪ ،‬ولكنه على جزء من المبيع ل على‬
‫جميعه‪ ،‬كأن يقول له‪ :‬أشركتك في هذا العقد نصفه بنصف‬
‫الثمن‪ ،‬ونحو ذلك ‪.‬‬
‫ويشترط أن يبين هذا الجزء الذي يشركه فيه‪ ،‬فإن ذكر جزءا ً‬
‫ولم يبينه‪ ،‬كأن قال ‪ :‬أشركتك في بعض العقد‪ ،‬لم يصح العقد‬
‫للجهالة‪ .‬فإن أطلق الشراك كأن يقول ‪ :‬أشركتك في هذا‬
‫العقد‪ ،‬صح وكان مناصفة ‪.‬‬

‫‪-3‬‬

‫المرابحة ‪ :‬وهي أن يبيعه ما اشتراه وقبضه بما اشتراه به‬
‫مع ربح معلوم محدد‪ ،‬كأن يقول‪ :‬بعتك هذه الدار بما‬
‫‪30‬‬

‫اشتريتها به وربح عشرة في المائة مث ً‬
‫ل‪ ،‬أو ‪ :‬وربح هذه‬
‫السيارة مث ً‬
‫ل‪ ،‬وهكذا‪ ،‬فيجوز أن يكون الربح ليس من جنس‬
‫الثمن ‪.‬‬
‫المحاططة ) الوضعية ( ‪ :‬وهي أن يبيعه ما اشتراه وقبضه‬

‫‪-4‬‬

‫بما اشتراه به مع حط – أو وضع‪ ،‬أو خسارة – قدر معين من‬
‫الثمن‪ ،‬كعشرة في المائة مثل ً ونحو ذلك ‪ .‬فالمحاططة‬
‫والوضعية بعكس المرابحة كما ترى‪.‬‬
‫فهذه البيوع الربعة جائزة ومشروعة‪ ،‬ودليل لك ‪:‬‬
‫‪-1‬‬

‫أنها بيوع مستوفية لركان عقد البيع وشروطه‪ ،‬فهي داخله‬
‫في عموم قوله تعالى ‪َ } :‬‬
‫ح ّ‬
‫با {البقرة‬
‫م الّر َ‬
‫و َ‬
‫ه ال ْب َي ْ َ‬
‫وأ َ‬
‫حّر َ‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫ع َ‬
‫َ‬
‫‪275‬‬

‫‪-2‬‬

‫‪.‬‬

‫قد يستدل لبعضها بما جاء في حديث الهجرة الطويل عن‬
‫عائشة رضي الله عنها ‪ :‬أن أبا بكر رضي الله عنه قال للنبي‬
‫‪ : ‬خذ – بأبي أنت وأمي – إحدى راحلتي هاتين‪ ،‬فقال ‪: ‬‬
‫" بالثمن " ‪ .‬فالظاهر أنه عقد تولية‪ ،‬والله تعالى أعلم ‪.‬‬
‫) أخرج الحديث البخاري في فضائل الصحابة‪ ،‬باب ‪ :‬هجرة‬
‫النبي ‪ ‬وأصحابه إلى المدينة‪ ،‬رقم ‪. ( 3692‬‬
‫ويشترط لصحة هذه البيوع ‪ :‬أن يكون المتبايعان على علم‬

‫بالثمن الول عند العقد‪ ،‬فإن كانا يجهلن الثمن عند العقد‪ ،‬أو‬
‫كان أحدهما يجهله‪ ،‬لم ينعقد البيع‪ ،‬حتى ولو حصل العلم بذلك‬
‫في مجلس التعاقد وقبل التفرق ‪.‬‬
‫وكون المشتري الثاني يجهل الثمن الول غير بعيد التصور‪،‬‬
‫وكذلك البائع له‪ ،‬فقد يكون قد نسي الثمن‪ ،‬أو ما إلى ذلك ‪.‬‬
‫وينبغي التنبيه هنا ‪ :‬إلى أنه إن قال بعتك بما اشتريت – في‬
‫جميع الصور‪ -‬لم يدخل في ذلك غير الثمن المشتري به أو ً‬
‫ل‪ ،‬ول‬
‫يدخل فيه شيء آخر من النفقات إن وجدت ‪.‬‬
‫‪31‬‬

‫وإن قال بعتك ‪ :‬بما قام علي‪ ،‬دخل في ذلك كل ما أنفقه‬
‫على المبيع‪ ،‬من أجرة نقل ومخزن ونحو ذلك ‪.‬‬
‫وهناك بيوع خاصة جائزة‪ ،‬كالسلم وبيوع الربا والصرف‪،‬‬
‫سنتكم عنها بالتفصيل بعد الكلم عن البيوع المنهي عنها ‪.‬‬
‫ب – البيوع المنهي عنها ‪:‬‬
‫ل فيها أو لمر‬
‫هناك صور من البيوع نهى عنها الشارع لخل ٍ‬
‫اقترن بها‪ ،‬ولذلك كانت على نوعين ‪ :‬باطلة‪ ،‬وصحيحة مع‬
‫الحرمة ‪.‬‬
‫أول ً ‪ :‬البيوع المحرمة والباطلة ‪:‬‬
‫وهي البيوع التي نهى عنها الشارع لخلل في أركانها أو‬
‫نقص في شروطها‪ ،‬وقد سمى الشارع أنواعا ً من هذه البيوع‬
‫ونهى عنها‪ ،‬وحكم الفقهاء ببطلنها‪ ،‬وهي ‪:‬‬
‫‪ -1‬بيع اللبن في الضرع قبل أن يحلب‪ ،‬والصوف على ظهر‬
‫جّز أي ي ُ َ‬
‫و‬
‫الدابة قبل أن ي ُ َ‬
‫ق ّ‬
‫ص‪ ،‬وكذلك بيع الثمار قبل بد ّ‬
‫صلحها ‪ .‬فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال ‪ " :‬نهى رسول‬
‫الله ‪ ‬أن يباع ثمر حتى يطعم‪ ،‬أو صوف على ظهر‪ ،‬أو لبن في‬
‫ع‪ ،‬أو سمن في لبن" أي قبل أن يمخض ويستخرج منه ‪.‬‬
‫ضر ٍ‬
‫) أخرجه الدارقطني في البيوع‪ ،‬رقم الحديث ‪. ( 42 :‬‬
‫وسبب البطلن هنا الجهالة في المعقود عليه وهو المبيع‪،‬‬
‫فالثمر قبل بدو صلحه – أي نضجه – ل يعرف كم سيكون‬
‫مقداره بعد النضج‪ ،‬وقد يختلف اختلفا ً كبيرا ً ‪ .‬وكذلك اللبن في‬
‫ص من ُأصوله كان في ذلك ضرر‬
‫الضرع ‪ ،‬والصوف أيضا ً ‪ :‬إذا ق ّ‬
‫بالحيوان ل يجوز‪ ،‬وإن ترك منه شيء كي ل يؤذي الحيوان ل‬
‫يعلم مقدار ما يترك منه ‪ ،‬وفي ذلك كله غرر وجهالة تبطل‬
‫البيع ‪.‬‬

‫‪32‬‬

‫ونريد أن نتوسع في الكلم عن بيع الثمر قبل نضجه ‪ ،‬لكثرة‬
‫وقوع الناس في هذه المخالفة في هذه اليام ‪.‬‬

‫و صلحها‬
‫بيع الثمار قبل بد ّ‬
‫) الضمان (‬
‫وضعنا كلمة الضمان بين قوسين في العنوان لن الناس في‬
‫سمون هذا النوع من البيع بهذه التسمية‬
‫هذه اليام ي ّ‬
‫) الضمان ( ‪ .‬و تعنينا التسمية ـ فهي خاطئة على كل حال –‬
‫وإنما يعنينا المضمون ‪ ،‬فهو بيع للثمار قبل ظهور نضجها‬
‫وصلحها للكل ‪ ،‬بل لقد ذهب الناس أكثر من ذلك فأصبحوا‬
‫يشترون الثمار قبل وجودها ‪ ،‬وبمجرد ظهور الطّْلع أي الزهر ‪،‬‬
‫وهذا خلل أكبر يجعل هذا البيع أكثر بطلنا ً واشد إثما ً ‪ ،‬لنه بيع‬
‫المعدوم الذي قد ل يوجد ‪.‬‬
‫من آمن بالله تعالى‬
‫وعلى كل حال علينا البيان ‪ ،‬وعلى َ‬
‫وصدق برسوله ‪ ‬وآمن بالوقوف بين يدي الله عّز وجل ‪ ،‬يوم‬
‫ل ينفع مال ول بنون إل من أتى الله بقلب سليم ‪ ،‬أن يسمع‬
‫ما نهى عنه ‪ ،‬ولو كان‬
‫ويذعن ويخضع لمر الشرع ‪ ،‬فيبتعد ع ّ‬
‫من فيما‬
‫ن في ذلك مصلحة له ‪ ،‬على أن الضرر كل الضرر كا ِ‬
‫يظ ّ‬
‫يخالف أمر الله تعالى أو أمر رسوله ‪. ‬‬
‫نقول ‪ :‬إن بيع الثمار قبل بدو صلحها – بالضافة إلى ما‬
‫ذكرناه من الجهالة بمقدار المبيع – فيه غرر كبير‪ ،‬إذ قد تأتي‬
‫آفة عليه من صقيع أو مرض أو ما إلى ذلك فل يخرج ‪ ،‬وهنا‬
‫يأخذ صاحب الشجر مال ً بدون عوض يبذله مقابل ما زعمه ثمنا ً‬
‫لثمر أشجاره ‪ ،‬فيكون أكل ً لموال الناس بالباطل ‪ ،‬وهذا ما‬
‫صرح به حديث رسول الله ‪ ‬إذ قال ‪ " :‬أرأْيت إذا منع الله‬
‫الثمرة ‪ ،‬بم يأخذ أحدكم مال أخيه ؟ " وفي رواية فبم تستحل‬
‫مال أخيك ؟ )رواه البخاري في البيوع ‪ ،‬باب ‪ :‬إذا باع الثمار قبل‬
‫‪33‬‬

‫أن يبدوا صلحها ‪ ...‬رقم ‪ . 2086 :‬ومسلم ‪ :‬المساقاة ‪ ،‬باب ‪:‬‬
‫وضع الجوائح ‪ ،‬رقم ‪(1555 :‬‬
‫و الصلح حرام وباطل ‪ ،‬وقد جاء النهي‬
‫فبيع الثمار قبل بد ّ‬
‫عنه صريحا ً ‪ ،‬ويحتمل الثم البائع والمشتري ‪ .‬فعن ابن عمر‬
‫رضي الله عنهما ‪ :‬أن رسول الله ‪ ‬نهى عن بيع الثمار حتى‬
‫ع – أي المشتري " ) البخاري ‪:‬‬
‫ع والمبتا َ‬
‫حها ‪ ،‬نهى البائ َ‬
‫صل ُ‬
‫و َ‬
‫ي َب ْدُ َ‬
‫البيوع ‪ ،‬باب ‪ :‬بيع الثمار قبل أن يبدو صلحها ‪ ،‬رقم ‪. 2082 :‬‬
‫و صلحها ‪،‬‬
‫ومسلم ‪ :‬البيوع ‪ ،‬باب ‪ :‬النهي عن بيع الثمار قبل بد ّ‬
‫رقم ‪. ( 1534 :‬‬
‫وحكمة التشريع واضحة في واقع الناس ‪ ،‬فقّلما تجد‬
‫منون بلغة العامة ‪ ،‬إل‬
‫المتعاملين بهذا ‪ ،‬أي الذين ي َ ْ‬
‫مُنون وُيض ّ‬
‫ض َ‬
‫دى ذلك إلى إراقة الدماء أحيانا ً ‪،‬‬
‫ويختلفون ويختصمون ‪ ،‬وربما أ ّ‬
‫نتيجة مخالفتهم لشرع الله عّز وجل وإعراضهم عن نهيه ‪‬‬
‫وبيان حكمته ‪ ،‬فأحرى بالمؤمنين ‪ ،‬بل وبالناس أجمعين ‪ ،‬أن‬
‫من‬
‫يلتزموا شرع الله تعالى ‪ ،‬لتكون لهم السعادة والرضا ‪ ،‬و َ‬
‫وضه الله تعالى خيرا ً منه ‪.‬‬
‫ترك شيئا ً لله عّز وجل ع ّ‬
‫و صلحه وظهور نضجه فجائز ‪ ،‬ود ّ‬
‫ل على‬
‫وأما بيعه بعد بد ّ‬
‫ذلك مفهوم الحديث السابق وغيره من الحاديث التي سيأتي‬
‫و صلحها ُيفهم منه جواز‬
‫بعضها ‪ ،‬فالنهى عن بيعها قبل بد ّ‬
‫و صلحها ‪ ،‬والحكمة في ذلك واضحة ‪ :‬فإن آفات‬
‫بيعها بعد بد ّ‬
‫الثمار تصبح مأمونة غالبا ً بعد ذلك ‪ ،‬لغَلظ الثمرة وكبر نواها ‪،‬‬
‫غر نواه ‪ ،‬ونحو‬
‫وأما قبله فتسرع إليها الفات لضعف الثمر وص َ‬
‫ذلك‪.‬‬
‫فإذا بيع الثمر بعد نضجه كان للمشتري أن ي ُْبقيه على الشجر‬
‫عرف الجاري والعادة‬
‫إلى أوان قطفه وقطعه ‪ ،‬حسب ال ُ‬
‫المعمول بها ‪ ،‬إل إذا شرط البائع قطعه في الحال ‪.‬‬
‫‪34‬‬

‫و الصلح وظهور النضج ‪:‬‬
‫وضابط بد ّ‬
‫ون ‪ :‬أن يحمّر أو يص ّ‬
‫فر أو تظهر عليه علمات‬
‫فيما كان يتل ّ‬
‫نضجه المعهودة ‪.‬‬
‫ون ‪ :‬أن تظهر عليه مبادئ النضج ‪ ،‬ويتحقق‬
‫وفي غير المتل ّ‬
‫فيه ما ُيقصد منه ‪ ،‬كحموضة أو حلوة ولين تين ‪ ،‬ونحو ذلك ‪.‬‬
‫وفي الحديث ‪ " :‬نهى أن ُتباع ثمرة النخل حتى تزهو ‪ ،‬أو ‪:‬‬
‫ماّر أو يصفاّر " وفيه ‪ " :‬حتى‬
‫يزهو ‪ .‬قيل ‪ :‬وما يزهو؟ قال ‪ :‬ي َ ْ‬
‫ح َ‬
‫ح ؟ قال ‪ :‬تحماّر وتصفاّر وُيؤك َ ُ‬
‫ح ‪ .‬فقيل ‪ :‬ما ت ُ ْ‬
‫تُ ْ‬
‫ل منها‬
‫ش ِ‬
‫ش ِ‬
‫ق َ‬
‫ق َ‬
‫" ‪ ) .‬البخاري ومسلم ‪ :‬المواضع المشار إليها قبل قليل ( ‪.‬‬
‫هذا ويجوز بيع الثمار قبل نضجها بشرط القطع ‪ ،‬إذا كانت‬
‫ُينتفع بها ‪ ،‬كحصرم مثل ً ‪ ،‬لنتفاء المانع من البيع وهو الغرر‬
‫بإبقائها ‪ ،‬وتحقق شرط المبيع وهو أن يكون منتفعا ً به ‪ .‬فإذا‬
‫ح ‪ ،‬وكذلك إذا بيعت بشرط‬
‫كان المقطوع ل ينتفع به لم يص ّ‬
‫البقاء لما سبق ‪ ،‬ومثل شرط البقاء إذا بيعت بدون شرط‬
‫وكان العرف جاريا ً بإبقائها ‪ ،‬فهو باطل ‪ ،‬لن المعروف عرفا ً‬
‫كالمشروط شرطا ً ‪ ،‬فٌيقام جريان العرف بإبقائه مقام شرط‬
‫إبقائه فيبطل ‪.‬‬
‫ومثل الثمر في كل ما سبق الزرع ‪ ،‬لنه في معناه ‪ ،‬إذ‬
‫المقصود منهما واحد ‪ ،‬والله تعالى أعلم ‪.‬‬
‫‪ -2‬البيوع التي فيها معنى المقامرة ‪ :‬وهي بيوع إما فيها جهالة‬
‫ص عليه من‬
‫بالمبيع أو خلل في إرادة العاقدين ‪ ،‬ومما ن ُ ّ‬
‫هذه البيوع ‪:‬‬
‫بيع المنابذة أو الملمسة ‪ :‬وهو أن يتبايعا أحد المبيعات دون‬
‫تعيين ‪ ،‬فإذا نبذ – أي ألقى – البائع أحدها و لمس المشتري‬
‫أحدها كان هو المبيع ‪ .‬ومنها أن يبيعه الثوب – مثل ً – في‬
‫الظلمة ‪ ،‬فيلمسه دون أن يراه ‪.‬‬
‫‪35‬‬

‫أو أن يتبايعا مبيعا ً معينا ً ‪ ،‬على أنه متى نبذه البائع أو لمسه‬
‫المشتري فقد وجب البيع ولزم ‪ .‬وواضح أن في الصورة الولى‬
‫جهالة في المبيع ‪ ،‬وفي الصورة الثانية خلل ً في إرادة‬
‫المتبايعين ‪ ،‬لنه ل ُيدرى متى يلقي ذاك أو يلمس هذا لُيلزم‬
‫الخر بالبيع ‪.‬‬
‫وقد روى أبو سعيد الخدري رضي اله عنه قال ‪ " :‬نهى‬
‫ة في البيع " ‪.‬‬
‫ة والمناب َذَ ِ‬
‫س ِ‬
‫م َ‬
‫مل َ َ‬
‫رسول الله ‪ ‬عن ال ُ‬
‫وقد جاء تفسيرهما عن راوي الحديث إذ قال ‪:‬‬
‫) والملمسة ‪ :‬لمس الرجل ثوب الخر بيده بالليل أو بالنهار ‪،‬‬
‫ه إل بذلك ‪ .‬المنابذة ‪ :‬أن ينبذ الرجل إلى الرجل بثوبه ‪،‬‬
‫ول يقل ِب ُ ُ‬
‫وينبذ الخر إليه ثوبه ‪ ،‬ويكون ذلك بيعهما من غير نظر ول‬
‫ض(‪.‬‬
‫ترا ٍ‬
‫ماء ‪ ،‬رقم ‪:‬‬
‫) رواه البخاري في اللباس‪ ،‬باب ‪ :‬اشتمال الص ّ‬
‫‪ . 5482‬ومسلم ‪ :‬البيوع ‪ ،‬باب ‪ :‬إبطال بيع الملمسة والمنابذة‪،‬‬
‫رقم ‪. ( 1512 :‬‬
‫ومثل المنابذة الملمسة في المعنى ‪ :‬بيع الحصاة ‪ ،‬وهو أن‬
‫يتبايعا إحدى السلع ‪ ،‬على أن يلقي أحدهما حصاة ‪ ،‬فعلى أّيها‬
‫وقعت كان هو المبيع ‪ ،‬وقد ورد النهي عنه وحكم الفقهاء‬
‫ببطلنه لما فيه من الجهالة والخلل في إرادة العاقدين ‪.‬‬
‫ي ‪ ‬نهى عن ب َْيع‬
‫فعن أبي هريرة رضي الله عنه ‪ " :‬أ ّ‬
‫ن النب ّ‬
‫ة" ) أخرجه مسلم في البيوع ‪ ،‬باب ‪ :‬بطلن بيع الحصاة‬
‫صا ِ‬
‫ال َ‬
‫ح َ‬
‫والبيع الذي فيه غرر ‪ ،‬رقم ‪. ( 1513 :‬‬
‫ومثله ما يجري الن من وضع أشياء في أماكن ‪ ،‬وتدار عليها‬
‫ي شيء وقفت عنده الحديدة أو الخشبة‬
‫خشبة أو حديدة ‪ ،‬فأ ّ‬
‫ثبت بيعه للمشتري بقيمة معينة ‪ .‬وكذلك إذا وضع للشياء أرقام‬

‫‪36‬‬

‫‪ ،‬وأديرت دواليب ذات أرقام ‪ ،‬فإذا وقفت عند أرقام يحملها أحد‬
‫الشياء كان هو المبيع ‪ ،‬ولزم البيع ‪.‬‬
‫‪ -3‬بيعتان في بيعة ‪ :‬وهو أن يذكر في صيغة العقد عقدان في‬
‫آن واحد ‪ ،‬كأن يقول البائع‪ :‬بعتك هذه الدار – مثل ً – بألف‬
‫نقدا ً وبألفين تقسيطا ً أو إلى سنة ‪ .‬فيقبل المشتري البيع‬
‫بالنقد أو بالتقسيط ‪ .‬أو أن يقول ‪ :‬بعتك هذه السيارة –‬
‫مثل ً بألف – على أن تبيعني دارك بألفين ‪ .‬فهذا النوع من‬
‫ي عنه وباطل ‪ ،‬للجهل بالثمن في الصورة‬
‫البيوع منه ّ‬
‫الولى ‪ ،‬والتعليق على الشرط في الصورة الثانية ‪.‬‬
‫روى أبو هريرة رضي الله عنه قال ‪ " :‬نهى رسول الله ‪‬‬
‫ة"‪.‬‬
‫ع ٍ‬
‫ن في ب َي ْ َ‬
‫عن ب ّي ْ َ‬
‫عت َي ْ ِ‬
‫) أخرجه الترمذي في البيوع ‪ ،‬باب ‪ :‬ما جاء في النهي عن‬
‫بيعتين في بيعه ‪ ،‬رقم ‪ ،1231 :‬كما أخرجه النسائي وأحمد ( ‪.‬‬

‫‪37‬‬

‫البيع بالتقسيط‬
‫وبالمناسبة نبّين أن البيع بالتقسيط ل مانع منه وهو صحيح ‪،‬‬
‫شريطة أن ل يذكر في صيغة العقد السعران ‪ ،‬كما سبق ‪،‬‬
‫فيكون بيعتين في بيعة ‪ ،‬وهو باطل كما علمت ‪ .‬أما لو تساوم‬
‫المتبايعان على السعر قبل إجراء العقد ‪ ،‬ثم اتفقا في نهاية‬
‫المساومة على البيع تقسيطًا‪ ،‬وعقد العقد على ذلك ‪ ،‬فإن‬
‫العقد صحيح ‪ ،‬ول حرمة فيه ول إثم ‪ ،‬حتى ولو ذكر السعر نقدا ً‬
‫أثناء المساومة ‪ ،‬طالما أنه لم يتعرض له أثناء إنشاء العقد ‪.‬‬
‫ربا ً ‪ ،‬لن‬
‫وينبغي أن ينتفي من الذهان أن في هذا العقد ِ‬
‫الفارق بين السعرين هو في مقابل الجل ‪ .‬لننا نقول ‪ :‬إن‬
‫الربا هو الزيادة التي يأخذها أحد المتعاملين من الخر من جنس‬
‫ما أعطاه ‪ ،‬مقابل الجل ‪ .‬كأن يقرضه ألف درهم مثل ‪ ،‬على أن‬
‫يأخذها منه بعد شهر ألفا ً ومائة ‪ ،‬أو أن يبيعه ألف صاع حنطة‬
‫مثل ً بألف صاع ومائة من الحنطة ‪ ،‬يعطيها له الن أو بعد أجل ‪،‬‬
‫كما ستعلم في باب الربا ‪ .‬أما أن يعطيه سلعة قيمتها الن ألف‬
‫‪ ،‬فيبيعها له بألف ومائة إلى أجل أو تقسيطا ً ‪ ،‬فهذا ليس من‬
‫الربا في شيء ‪ ،‬بل هو نوع من التسامح في التعامل‬
‫والتيسير ‪ ،‬لنه أعطاه سلعة ولم يعطه دراهم أو غيرها ‪ ،‬ولم‬
‫يأخذ منه زيادة من جنس ما أعطاه ‪ ،‬ول شك أن للحلول فضل ً‬
‫على الجل ‪ ،‬فكل الناس يؤثر القل الحال – أي الذي ُيدفع الن‬
‫– على الكثير الذي ُيدفع بعد حين ‪.‬‬
‫عْربون ‪ :‬وهو أن يبيعه شيئا ً على أن يعطيه جزءا ً من‬
‫‪ -4‬بيع ال ُ‬
‫الثمن ‪ ،‬يكون هبة للبائع إن لم يتم البيع ‪ ،‬وإن تم البيع‬
‫حسب من الثمن ‪ .‬فهو منهي عنه وباطل لن فيه شرطا ً‬
‫ُ‬
‫فاسدًا‪ ،‬وهو الهبة للبائع ‪.‬‬
‫‪38‬‬

‫روى عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال ‪:‬‬
‫عْربان " ‪.‬‬
‫"نهى رسول الله ‪ ‬عن بيع ال ُ‬
‫عربان ‪،‬‬
‫) أخرجه أبو داود في البيوع والجارات ‪ ،‬باب ‪ :‬في ال ُ‬
‫رقم‪ 3502:‬كما أخرجه ابن ماجه في التجارات ( ‪.‬‬
‫عْربون [ ‪.‬‬
‫عْربان لغة في ال ُ‬
‫] وال ُ‬
‫هذا وينبغي التنبيه على أن المحرم والباطل هو الذي شرط‬
‫فيه ذلك أثناء العقد ‪ ،‬أما لو لم يشرط ذلك في العقد ‪ ،‬ويعد‬
‫تمام العقد طالب البائع بقسط من الثمن عربونا ً فل بأس ‪،‬‬
‫ل له إذا ُ‬
‫ولكن ل يح ّ‬
‫فسخ العقد فيما بعد إل برضا المشتري ‪.‬‬
‫‪-5‬‬

‫بيع الدّْين بالدّْين ‪ :‬وهو أن يكون – مثل ً – لشخص دين‬

‫على آخر ‪ ،‬ولثالث دين على الول ‪ ،‬فيبيع أحد الدائ ِن َْين‬
‫دَْينه من الخر بالدّْين الذي له على الثالث فهذا البيع‬
‫ي عنه وباطل ‪ ،‬لعدم القدرة على تسليم‬
‫وأمثاله منه ّ‬
‫المبيع ‪.‬‬
‫وروى ابن عمر رضي الله عنهما ‪ " :‬أن النبي ‪ ‬نهى عن‬
‫ئ بال َ‬
‫ع ال َ‬
‫كاِلئ " ) أخرجه الدارقطني في البيع ‪ ،‬رقم‬
‫كال ِ ِ‬
‫بي ِ‬
‫الحديث ‪. ( 269 :‬‬
‫] والكالئ هو الدّْين ‪ ،‬من كل يكل إذا تأخر ‪ ،‬فهو كالئ [‬
‫وفسره بعضهم بأن يشتري أحد سلعة يستلمها بعد أجل‬
‫معين ‪ ،‬ويسلم ثمنها الن ‪ ،‬فإذا ح ّ‬
‫ل الجل وعجز البائع عن‬
‫تسليم السلعة قال للمشتري ‪ :‬بعني هذه السلعة بكذا إلى أجل‪.‬‬
‫وهذا باطل أيضا ً ‪.‬‬
‫ومن صور بيع الدّْين بالدّْين ‪ :‬أن يبيعه لمن عليه الدّْين أيضا ً‬
‫بدين ‪.‬‬

‫‪39‬‬

‫وكذلك لو باع الدين الذي له على شخص بعين – أي سلعة‬
‫ن‬
‫م ْ‬
‫حاضرة ‪ ،‬أو قدر من المال يبرزه ويدفعه – لشخص آخر غر َ‬
‫عليه الدين ‪ ،‬فهو باطل أيضا ً ‪ ،‬لعدم القدرة على تسليم المبيع ‪.‬‬
‫أما لو باع الدين بعين لمن هو عليه الدين ‪ ،‬كأن باعه اللف‬
‫ن عليه‬
‫م ْ‬
‫مته بسجادة مثل ً ‪ ،‬أو خمسمائة يخرجها َ‬
‫التي له في ذ ّ‬
‫ح هذا البيع ‪ ،‬لنه في معنى الصلح ‪ ،‬وهو‬
‫الدين ويدفعها ‪ ،‬ص ّ‬
‫جائز كما ستعلم إن شاء الله تعالى ‪.‬‬
‫ويستدل أيضا ً لهذه الصورة بحديث عبدالله بن عمر رضي‬
‫ع‪،‬‬
‫الله عنهما قال ‪ :‬أتيت النبي ‪ ‬فقلت ‪ :‬إني أبيع البل بالب َ ِ‬
‫قي ِ‬
‫فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم ‪ ،‬وأبيع بالدراهم وآخذ بالدنانير ؟‬
‫رقا وبين َ ُ‬
‫مها ‪ ،‬ما لم ت َ ْ‬
‫كما‬
‫ن َتأ ُ‬
‫ر يو ِ‬
‫سأ ْ‬
‫فقال ‪ " :‬ل بأ َ‬
‫فت َ ِ‬
‫خذّ بسع ِ‬
‫شيءٌ " ) انظر ‪ :‬الترمذي ‪ :‬البيوع ‪ ،‬باب ‪ :‬في اقتضاء الذهب‬
‫من الورق ‪ ،‬رقم ‪ 3354 :‬كما أخرجه باقي أصحاب السنن‬
‫والمام أحمد ( ‪.‬‬
‫فقوله ‪ ) :‬أبيع بالدنانير ‪ ( ...‬أي دينا ً ‪ ،‬لنه لم يقبضها ‪ ،‬ثم‬
‫من عليه‬
‫يستبدل بها دراهم يقبضها ‪ ،‬فهذا بيع للدين بعين م ّ‬
‫الدين ‪ .‬والبقيع ‪ :‬اسم موضع فيه قبور أهل المدينة ‪ ،‬وكان‬
‫سوقا ً للتجار ‪.‬‬
‫‪ -6‬بيع المبيع قبل قبضه ‪ :‬وذلك بأن يشتري إنسان سلعة أو‬
‫بضاعة ‪ ،‬ثم يبيعها قبل أن يقبضها ‪ .‬فهو بيع منهي عنه‬
‫وباطل ‪ ،‬لما علمنا أن المبيع لم يدخل في ضمان المشتري‬
‫قبل قبضه ‪ ،‬فل يملك أن يبيعه ‪ .‬روى ابن عمر رضي الله‬
‫ه حّتى‬
‫عنهما ‪ :‬أن النبي ‪ ‬قال ‪ " :‬من اب َْتا َ‬
‫ع طعاما ً فل ي َب ِ ْ‬
‫ع ُ‬
‫يَ ْ‬
‫ه"‪.‬‬
‫قب ِ َ‬
‫ض ُ‬
‫وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال ‪ ) :‬أما الذي نهى‬
‫ض ( ‪ .‬قال ابن‬
‫عنه النبي ‪ ‬فهو الطعام أن ي َُباع حتى ُيقب َ َ‬
‫‪40‬‬

‫بك ّ‬
‫ه ( ‪ ) .‬البخاري ‪ :‬البيوع ‪،‬‬
‫س ُ‬
‫عباس ‪ ) :‬ول أح َ‬
‫ل شيء إل مث ْل َ ُ‬
‫باب ‪ :‬بيع الطعام قبل أن يقبض وبيع ما ليس عندك‬
‫‪ . 2028،2029‬مسلم ‪ :‬البيوع ‪ ،‬باب ‪ :‬بطلن بيع المبيع قبل‬
‫القبض ‪ ،‬رقم ‪. ( 1525،1527 :‬‬
‫وهذا إذا كان البيع لغير البائع الول ‪ ،‬فإذا كان البيع لنفس‬
‫البائع الول كان باطل ً أيضا ً إذا كان بغير الثمن الول أو بمثله ‪،‬‬
‫لنه بيع يدخل في عموم النهي ‪.‬‬
‫أما إذا باعه للبائع الول بنفس الثمن الذي اشتراه به ‪ ،‬أو‬
‫بمثله إن تلف الثمن الول ‪ ،‬كان صحيحا ً ‪ ،‬لنه في الحقيقة‬
‫إقالة من البيع الول وليس بيعا ً جديدا ً ‪ ،‬وإن كان على صورة‬
‫البيع ‪.‬‬
‫ثانيا ً – البيوع المحّرمة غير الباطلة ‪:‬‬
‫وهي البيوع التي ورد النهي عنها ل لنقص في أركانها ول‬
‫لخلل في شروطها ‪ ،‬وإنما لمر خارج عنها ‪ ،‬ولذا يحكم بصحتها‬
‫مع ثبوت التحريم لها والثم على فاعلها ‪ .‬وهذه البيوع هي ‪:‬‬
‫صّراة ‪:‬‬
‫‪ -1‬بيع ال ُ‬
‫م َ‬
‫وهي الناقة أو البقرة أو الشاة ‪ ،‬يترك حلبها عمدا ً أياما ً‬
‫ضرعها ‪ ،‬فيتوهم المشتري كثرة اللبن فيها‬
‫ليجتمع اللبن في َ‬
‫على الدوام ‪ ،‬فيرغب بشرائها ‪ ،‬وربما زاد في ثمنها ‪.‬‬
‫فإذا وقع الشراء كان العقد صحيحا ً ‪ ،‬ولكن مع الحرمة ‪ ،‬لما‬
‫فيه من الغش والتدليس ‪ .‬فإذا علم المشتري بذلك ثبت له خيار‬
‫دها‬
‫الرد على الفور ‪ ،‬لنه في حكم خيار الرد بالعيب ‪ ،‬فإذا ر ّ‬
‫وكان قد حلبها ردّ معها صاعا ً من تمر بدل اللبن الذي أخذه ‪ ،‬أو‬
‫ردّ البن نفسه إذا رضي البائع بذلك ‪.‬‬
‫وإن رضي بالشاة مع العلم بالتصرية لم يكن له شيء ‪.‬‬
‫‪41‬‬

‫ودليل ما سبق ‪ :‬حديث أبي هريرة رضي الله عنه ‪ :‬أن النبي‬
‫صّروا البل والغنم ‪ ،‬فمن اب َْتاعها بعدَ ذلك فهو‬
‫‪ ‬قال ‪ :‬ل ت ُ َ‬
‫خ َ‬
‫َ‬
‫حُلبها ‪ :‬إن رضيها أمس َ‬
‫طها‬
‫س ِ‬
‫ن بعد أن ي َ ْ‬
‫كها ‪ ،‬وإن َ‬
‫بخير الن ّظّري ْ ِ‬
‫دها وصاعا ً من تمر" ‪) .‬أخرجه البخاري في البيوع ‪ ،‬باب ‪:‬‬
‫ر ّ‬
‫النهي أن ل يحفل البل ‪ ، ..‬رقم ‪ . 2041 :‬ومسلم في البيوع ‪،‬‬
‫باب ‪ :‬تحريم بيع حبل الحبلة ‪ ،‬رقم ‪. ( 1515‬‬
‫ويقاس على البل الغنم غيرهما مما يتحقق فيه هذا المعنى‬
‫‪ ،‬ول سيما الحيوان المأكول اللحم ‪.‬‬
‫جش ‪:‬‬
‫‪ -2‬الن ّ ْ‬
‫وهو أن يزيد شخص في ثمن السلعة وهو ل يقصد الشراء ‪،‬‬
‫وإنما ليوهم غيره نفاستها ‪ ،‬فيشتريها بأكثر من ثمنها ‪ .‬واصل‬
‫النجش الستتار ‪ ،‬لنه يستر قصده ‪.‬‬
‫وهذا العمل حرام ‪ ،‬لما رواه عبدالله بن عمر رضي الله‬
‫جش " ‪ ) .‬أخرجه البخاري‬
‫عنهما قال ‪ " :‬نهى النبي ‪ ‬عن الن ّ ْ‬
‫في البيوع ‪ ،‬باب ‪ :‬النجش ‪ ،‬رقم ‪ . 2035 :‬ومسلم في البيوع ‪،‬‬
‫باب ‪ :‬تحريم بيع الرجل على بيع أخيه ‪ ، ...‬رقم ‪ ( 1516 :‬فإذا‬
‫حصل الشراء كان صحيحًا‪.‬‬
‫فإذا قام الدليل على أن ذلك كان بتواطؤ بين البائع‬
‫شا ً‬
‫والناجش كانت الحرمة عليهما ‪ ،‬وكان البائع غاّرا ً وغا ّ‬
‫للمشتري ومدّلسا ً عليه ‪ ،‬فيثبت له بذلك حق الخيار ‪ .‬وإن لم‬
‫يثبت أن ذلك كان بتواطؤ منهما لم يكن للمشتري الخيار ‪ ،‬لنه‬
‫صر في التحّري والبحث ‪.‬‬
‫مق ّ‬
‫‪ -3‬بيع الحاضر للبادي ‪:‬‬
‫وهو أن ي َ ْ‬
‫دم رجل من سفر – من بادية أو غيرها – ومعه‬
‫ق َ‬
‫متاع يريد بيعه ‪ ،‬وأهل البلد في حاجة إليه ‪ ،‬فيقول له من آخر‬

‫‪42‬‬

‫من أهل البلد ‪ :‬ل تبع حتى أبيع لك هذه البضاعة شيئا ً فشيئا ً ‪،‬‬
‫ويزداد الثمن ‪.‬‬
‫فمثل هذا العمل حرام ‪ ،‬لما رواه ابن عباس رضي الله‬
‫ضٌر لباٍد "‪ .‬فقيل‬
‫عنهما قال ‪ :‬قال رسول الله ‪ " : ‬ل ي َْبع حا ِ‬
‫لبن عباس ‪ :‬ما قوله ‪ " :‬ل يبع حاضر لباٍد" ؟ قال ‪ ) :‬ل يكون‬
‫سمسارا ً ( ) أخرجه البخاري في البيوع ‪ ،‬باب ‪ :‬هل يبيع حاضر‬
‫لباٍد بغير أجر ‪ ،...‬رقم ‪ . 2050 :‬ومسلم في البيوع ‪ ،‬باب ‪:‬‬
‫تحريم بيع الحاضر للبادي ‪ ،‬رقم ‪. ( 1521 :‬‬
‫وسبب النهي والتحريم ما في ذلك من تضييق على الناس ‪.‬‬
‫وينبغي التنبيه إلى أن هذا ل ينطبق على ما يفعله اليوم‬
‫الوسطاء ‪ ،‬حين يقومون ببيع البضائع لمن يجلبونها إلى البلد ‪،‬‬
‫لن معنى التضييق لهل البلد غير وارد ‪ ،‬بل ربما كان عملهم‬
‫تسهيل ً وتيسيرا ً على المنتج والمستهلك ‪.‬‬
‫‪ -4‬تل ّ‬
‫قي الركبان ‪:‬‬
‫وهو أن يخرج التاجر إلى خارج البلد ‪ ،‬فيستقبل القادمين‬
‫سَلع كاسد في البلد ‪،‬‬
‫بالبضائع ‪ ،‬ويوهمهم أن ما معهم من ال ّ‬
‫وأن أسعارها بخسة ‪ ،‬ليشتريها منهم بأقل من ثمنها ‪.‬‬
‫فإذا اشترى منهم هذه البضائع كان البيع صحيحا ً مع حرمته ‪،‬‬
‫لما فيه من الخداع ‪ ،‬وقد دل على ذلك قوله ‪ ‬في حديث ابن‬
‫عباس رضي الله عنهما السابق ‪ " :‬ل ت َت َل َ ّ‬
‫وا الّرك َْبان " ‪.‬‬
‫ق ْ‬
‫ن لهم‬
‫فإذا نزل أصحاب البضائع السوق وعرفوا السعار ‪ ،‬وبا َ‬
‫أنهم مغبونون بالثمن ‪ ،‬ثبت لهم خيار فسخ البيع ‪.‬‬
‫روى أبو هريرة رضي الله عنه قال " نهى النبي ‪ ‬أن‬
‫ي ُت َل َ ّ‬
‫ة فيها‬
‫ن فابتا َ‬
‫ه فصاحب السلع ِ‬
‫ب ‪ ،‬فإن تلقاه إنسا ٌ‬
‫جل َ ُ‬
‫قى ال َ‬
‫ع ُ‬
‫ر إذا ورد السوق " ‪) .‬انظر مسلم ‪ :‬البيوع ‪ ،‬باب ‪ :‬تحريم‬
‫بالخيا ِ‬
‫تلقي الجلب ‪ ،‬كما أخرجه أصحاب السنن ( ‪.‬‬
‫‪43‬‬

‫‪ -5‬الحتكار ‪:‬‬
‫وهو أن يشتري البضائع التي تعتبر أقواتا ً للناس من‬
‫السواق ‪ ،‬ول سيما عند حاجة الناس إليها ‪ ،‬فيجمعها عنده ول‬
‫يظهرها ‪ ،‬ليرتفع ثمنها أكثر فأكثر ‪ ،‬فيبيعها شيئا ً فشيئا مستغل ً‬
‫حاجة الناس ‪.‬‬
‫فمثل هذا التصرف حرام ‪ ،‬لما رواه معمر بن عبدالله العدوي‬
‫رضي الله عنه عن النبي ‪ ‬قال ‪ " :‬ل يحتكر إلى خاطئ"‬
‫) أخرجه مسلم في المساقاة ‪ ،‬باب تحريم الحتكار في القوات‬
‫‪ ،‬رقم ‪. ( 1605‬‬
‫فإذا صار الناس في حاجة شديدة إلى هذه القوات ‪ ،‬أو‬
‫ضرورة ‪ُ ،‬أجبر المحتكر على بيعها بالسعر المناسب ‪ ،‬فإن أبى‬
‫باعها القاضي عليه وأدى له ثمنها ‪.‬‬
‫وهذا ينبغي أن يعلم أن شراء مثل هذه البضائع في المواسم‬
‫دخارها لتباع وقت‬
‫وحال توفرها في السواق ‪ ،‬من أجل ا ّ‬
‫جار حين يشترون‬
‫الحاجة إليها ‪ ،‬كما يفعل الكثيرون من الت ّ‬
‫صّنع بعض الغذية‬
‫الجبن مثل ً ‪ ،‬وكما تفعل المعامل حين ت ُ َ‬
‫وتحفظها من الفساد ‪ ،‬لينتفع الناس بها حين عدم توفرها ‪ ،‬كل‬
‫ذلك ليس باحتكار ‪ ،‬وإنما هو تجارة مشروعة وعمل نافع ‪ ،‬وقد‬
‫يكون في ذلك خير العباد والبلد ‪ ،‬ويؤجر هؤلء الذين يحفظون‬
‫الفائض عن الحاجة في موسمه ليتوفر في أوقات أخرى ‪ ،‬ل‬
‫دخار القوات ‪،‬‬
‫سيما لولئك الناس الذين قد ل يتمكنون من ا ّ‬
‫وما يسمى ) المونة ( في بعض البلدان اليوم ‪.‬‬
‫‪ -6‬البيع على بيع أخيه أو السوم على سومه ‪:‬‬
‫أما البيع ‪ :‬فهو أن يجئ إلى من اشترى شيئا ً وهو مدة الخيار‬
‫فيقول له ‪ :‬أنا أبيعك أجود مما اشتريت بنفس الثمن ‪ ،‬أو أبيعك‬
‫مثله بأقل من هذا الثمن ‪.‬‬
‫‪44‬‬

‫وم ‪ :‬فأن يكون رجل يسوم سلعة ‪ ،‬وربما اتفق مع‬
‫وأما ال ّ‬
‫س ْ‬
‫صاحبها على ثمن ‪ ،‬فيأتي آخر ويعرض على صاحب السلعة ثمنا ً‬
‫أكبر ليبيعها له ‪ .‬أو أن يعرض على المشتري سلعة مثلها بثمن‬
‫أقل ‪ ،‬أو أنفس منها بنفس الثمن ‪.‬‬
‫فكل ذلك حرام ‪ ،‬لما رواه أبو هريرة وابن عمر رضي الله‬
‫ج ُ‬
‫ل على بيع أخيه " ‪ .‬وقوله ‪" :‬‬
‫عنهما من قوله ‪ " : ‬ل بيع الر ُ‬
‫وم ِ أخيه " ) البخاري ‪ :‬البيوع ‪ ،‬باب ‪ :‬ل‬
‫م على َ‬
‫ل يَ ُ‬
‫سم المسل ُ‬
‫س ْ‬
‫يبيع على بيع أخيه ‪ ، ...‬رقم ‪ . 2023 :‬ومسلم ‪ :‬البيوع ‪ ،‬باب ‪:‬‬
‫تحريم بيع الرجل على بيع أخيه ‪ ، ..‬رقم ‪. ( 1515 :‬‬
‫والحكمة من تحريم هذه المور ‪ :‬ما فيها من إخلل بالمروءة‬
‫‪ ،‬وإيغار للصدور‪ ،‬وزرع للبغضاء وإثارة للنزاع والشحناء ‪،‬‬
‫وإفساد للمجتمعات بقطع الصلت وإلقاء العداوة بين الناس ‪،‬‬
‫مما يتنافى مع حرص السلم على تآلف المجتمعات ‪ ،‬وتمتين‬
‫الروابط بين الناس وتحسين الصلت ‪.‬‬
‫‪ -7‬مبايعة من يعلم أن جميع ماله حرام ‪:‬‬
‫إذا علم أن فلنا ً من الناس كل ماله حرام ‪ ،‬كأن كان ثمن‬
‫ر أو خنزير أو ميتة أو كلب ‪ ،‬أو كسبه بطريق‬
‫محرم بيعه كخم ٍ‬
‫غير مشروع ‪ ،‬كاليانصيب مثل ً أو رشوة ‪ ،‬أو ُأجرة على محرم‬
‫ونحو ذلك ‪ ،‬فإنه يحرم بيعه كما يحرم الشراء منه ‪ ،‬وكذلك كل‬
‫أنواع التعامل معه كإجارة أو عارية أو نحو ذلك ‪ .‬كما يحرم‬
‫الكل من طعامه ‪.‬‬
‫فإذا لم يكن كل ماله حراما ً ‪ ،‬بل كان مخلوطا ً من حرام‬
‫وحلل ‪ ،‬كره التعامل معه بجميع الوجه التي سبقت ‪.‬‬
‫د ّ‬
‫ن بن بشير رضي الله عنه ‪ :‬أن‬
‫ل على ذلك ‪ :‬ما رواه النعما ُ‬
‫ن ‪ ،‬وبينهما أموٌر‬
‫ن والحرا ُ‬
‫م ب َي ّ ٌ‬
‫رسول الله ‪ ‬قال ‪ " :‬الحلل ب َي ّ ٌ‬
‫من ات ّ َ‬
‫قى الشبهات فقد‬
‫مشتبها ٌ‬
‫مها كثيُر من الناس ف َ‬
‫ت ل يعل ُ‬
‫‪45‬‬

‫من و َ‬
‫ست َب َْرأ َ لدينه وعر ْ‬
‫ا ْ‬
‫ضه ‪ ،‬و َ‬
‫قع في الشبهات وقع في الحرام ِ‬
‫من استبرأ لدينه ‪،‬‬
‫" ) أخرجه البخاري في اليمان ‪ ،‬باب فضل َ‬
‫رقم ‪ .152 :‬ومسلم ‪ :‬المساقاة ‪ ،‬باب ‪ :‬أخذ الحلل وترك‬
‫الشبهات ‪ ،‬رقم ‪. ( 1599 :‬‬

‫ومن آداب البيع ‪:‬‬
‫‪-1‬‬

‫السماحة في البيع والشراء ‪ :‬وذلك بأن يتساهل البائع‬

‫في الثمن فينقص منه ‪ ،‬والمشتري في المبيع فل يتشدد‬
‫في الشروط ‪ ،‬وفي الثمن فيزيد فيه ‪ ،‬وأن يتساهل مع‬
‫المعسر بالثمن فيؤجله إلى وقت يساره ‪ ،‬وإذا طالبه بدينه‬
‫فل يشدد عليه ول يحرجه ‪ .‬روى جابر بن عبدالله رضي الله‬
‫عنهما أن رسول الله ‪ ‬قال ‪ " :‬رحم الله رجل ً سمحا إذا‬
‫باع وإذا اشترى وإذا ا ْ‬
‫قتضى – أي طالب بدينه – " ) أخرجه‬
‫البخاري في البيوع ‪ ،‬باب ‪ :‬السهولة والسماحة في الشراء‬
‫والبيع ‪ ،..‬رقم ‪. ( 1970 :‬‬
‫‪-2‬‬

‫الصدق في المعاملة ‪ :‬بأن ل يكذب في إخباره عن نوع‬

‫البضاعة ونفاستها ‪ ،‬أو مصدر صنعها ونحو ذلك ‪ ،‬وكذلك ل‬
‫دعي ن تكاليفها أو رأس مالها أكثر مما يعطيه المشتري‬
‫ي ّ‬
‫من الثمن ‪ ،‬إلى غير ذلك ‪ ،‬بل يصدق في كل هذا فيما لو‬
‫سئل وينصح ‪.‬‬
‫عن رفاعة رضي الله عنه ‪ :‬أنه خرج مع النبي ‪ ‬إلى‬
‫المصلى ‪ ،‬فرأى الناس يتابعون ‪ ،‬فقال ‪ " :‬يا معشر الّتجار " ‪.‬‬
‫فاستجابوا لرسول الله ‪ ‬ورفعوا أعناقهم وأبصارهم إليه ‪،‬‬
‫م القيامة‬
‫فقال ‪ :‬الترمذي " إ ّ‬
‫ن التجاّر وصححه ‪ُ ،‬يبعُثون يو َ‬
‫ُ‬
‫صدَقَ " ) أخرجه الترمذي في البيوع‬
‫ف ّ‬
‫وب َّر و َ‬
‫جارا ً ‪ ،‬إل اتقى الله َ‬
‫وصححه ‪ ،‬باب ‪ :‬ما جاء من في التجار وتسمية النبي ‪ ‬إياهم ‪،‬‬
‫رقم‪. ( 1210:‬‬
‫‪46‬‬

‫] ب َّر ‪ :‬أحسن في المعاملة [ ‪.‬‬
‫وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ‪ ،‬عن النبي ‪ ‬قال ‪:‬‬
‫" الّتاجُر الصدوق المين مع النبيين والصديقين والشهداء "‬
‫) الترمذي ‪ :‬البيوع ‪ ،‬باب ‪ :‬ما جاء في التجار وتسمية النبي ‪‬‬
‫إياهم ‪ ،‬رقم ‪. ( 1208 :‬‬
‫وعن حكيم بن حزام رضي الله عنه ‪ ،‬عن النبي ‪ ‬قال ‪" :‬‬
‫ن‬
‫الب َّيعان بالخيار ما لم يتفّرقا – أو قال " حتى يتفّرقا – فإ ْ‬
‫مح َ‬
‫ن كَتما وك َ َ‬
‫ت بركة‬
‫دقا وبّينا ُبورك لهما في بيعهما ‪ ،‬وإ ْ‬
‫ص َ‬
‫ق ْ‬
‫ذبا ُ‬
‫َ‬
‫بيعهما " ) البخاري ‪ :‬البيوع ‪ ،‬باب ‪ :‬ما يمحق الكذب والكتمان‬
‫في البيع ‪ ،‬رقم ‪ . 1976 :‬ومسلم ‪ :‬البيوع ‪ ،‬باب ‪ :‬الصدق في‬
‫البيع والبيان ‪ ،‬رقم ‪. ( 1532 :‬‬
‫‪-3‬‬

‫عدم الحلف ولو كان صادقا ً ‪ :‬ومن آداب البيع والشراء‬

‫ودلئل الصدق فيه عدم الكثار من الحلف ‪ ،‬بل عدم الحلف‬
‫مطلقا ً ‪ ،‬حال كونه صادقا ً في البيع ‪ ،‬لن في ذلك امتهانا ً‬
‫لسم الله تعالى ‪ ،‬وقد قال ج ّ‬
‫ه‬
‫ج َ‬
‫ول َ ت َ ْ‬
‫عُلوا ْ الل ّ َ‬
‫ل وعل ‪َ } :‬‬
‫ة ّل َيمان ِك ُ َ‬
‫وت َت ّ ُ‬
‫س{‬
‫ُ‬
‫ض ً‬
‫عْر َ‬
‫صل ِ ُ‬
‫حوا ْ ب َي ْ َ‬
‫ْ‬
‫ْ َ‬
‫وت ُ ْ‬
‫قوا ْ َ‬
‫م أن ت َب َّروا ْ َ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫) البقرة ‪. ( 224‬‬
‫وروى أبو هريرة رضي الله عنه قال ‪ :‬سمعت رسول الله‬
‫ف َ‬
‫من ْ‬
‫قة للسلعة ‪ ،‬ممحقة للبركة "‬
‫‪ ‬يقول ‪ " :‬الحل ُ‬
‫ف َ‬
‫) البخاري ‪ :‬البيوع ‪ ،‬باب ‪ ) :‬يمحق الله الربا ويربى الصدقات ‪...‬‬
‫( رقم ‪ . 1981 :‬مسلم ‪ :‬المساقاة ‪ ،‬باب ‪ :‬النهي عن الحلف‬
‫في البيع ‪ ،‬رقم ‪. ( 1606 :‬‬
‫وجون بضائعهم ويغرون‬
‫وليحذر كل الحذر أولئك الذين ير ّ‬
‫زبائنهم باليمان الكاذبة ‪ ،‬فعن أبي ذر رضي الله عنه ‪ ،‬عن‬
‫النبي ‪ ‬قال ‪ " :‬ثلثة ل ينظر الله إليهم يوم القيامة ول‬
‫يزكيهم ولهم عذاب أليم " ‪ .‬قلنا ‪ :‬من هم يا رسول الله فقد‬
‫‪47‬‬

‫منفق‬
‫م ْ‬
‫سبل إزارهُ ‪ ،‬وال ُ‬
‫خُابوا وخسُروا ؟ فقال ‪ " :‬المّنان ‪ ،‬وال ُ‬
‫حلف الكاذب " ) أخرجه مسلم في اليمان ‪ ،‬باب ‪:‬‬
‫سْلعته بال َ‬
‫غلظ تحريم إسبال الزار ‪ ...‬رقم ‪ ] ( 106 :‬وإسبال الزار ‪:‬‬
‫المراد به إطالة الثياب تكبرا ً وتعاليا ً [‬
‫‪-4‬‬

‫الكثار من الصدقات في السواق وحال البياعات ‪:‬‬

‫عسى أن يكون ذلك تكفيرا ً لما قد يقع من حلف لم ينتبه‬
‫إليه ‪ ،‬أو غش بسبب عيب لم يفطن البائع إلى بيانه ‪ ،‬أو‬
‫غبن في السعر ‪ ،‬أو سوء خلق أو ما إلى ذلك ‪.‬‬
‫روى قيس بن أبي غرزة رضي الله عنه قال ‪ :‬خرج علينا‬
‫مي السماسرة ‪ ،‬فقال ‪ " :‬يا مع َ‬
‫شَر‬
‫رسول الله ‪ ‬ونحن نس ّ‬
‫شوُبوا بيع ُ‬
‫ن البيع ‪ ،‬ف ُ‬
‫كم‬
‫ح ُ‬
‫التجار ‪ ،‬إ ّ‬
‫ن الشيطان والْثم ي ْ‬
‫ضَرا ِ‬
‫بالصدقة " ) أخرجه الترمذي في البيوع ‪ ،‬باب ‪ :‬ما جاء في‬
‫التجار وتسمية النبي ‪ ‬إياهم ‪ ،‬رقم ‪ . 1208‬كما أخرجه أبو‬
‫داود وابن ماجه ( ‪.‬‬
‫] وقوله ‪ " :‬شوبوا " أي اخلطوا [‬
‫‪-5‬‬

‫الكتابة والشهاد ‪ :‬إذا كان البيع بالنسيئة – أي أن‬

‫الثمن مؤخر إلى أجل – استحب كتابة العقد وبيان مقدار‬
‫هذا الدين وأصله وما يتعلق بذلك مما ينفي المنازعة ‪،‬‬
‫َ‬
‫مُنوا ْ إ ِ َ‬
‫ن إ َِلى‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫ذا ت َ َ‬
‫لقوله تعالى ‪َ} :‬يا أي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫داَينُتم ب ِدَي ْ ٍ‬
‫َ‬
‫مى َ‬
‫فاك ْت ُُبوهُ { ) البقرة ‪( 282‬‬
‫أ َ‬
‫م َ‬
‫س ّ‬
‫ل ّ‬
‫ج ٍ‬
‫ففي ذلك مزيد من الضمان للحق ‪ ،‬وتمتين للثقة والتعاون‬
‫َ‬
‫بين المسلمين ‪ ،‬قال تعالى ‪ } :‬ول َ ت َ َ‬
‫غيرا ً َأو‬
‫ص ِ‬
‫ْ‬
‫سأ ُ‬
‫وهُ َ‬
‫وا ْ أن ت َك ْت ُب ُ ْ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫س ُ‬
‫وأ َدَْنى أ َل ّ‬
‫وأ َ ْ‬
‫م أَ ْ‬
‫م ِلل ّ‬
‫ط ِ‬
‫هادَ ِ‬
‫عندَ الل ّ ِ‬
‫جل ِ ِ‬
‫ك َِبيرا ً إ َِلى أ َ‬
‫قو ُ‬
‫ش َ‬
‫ق َ‬
‫ه ذَل ِك ُ ْ‬
‫ة َ‬
‫ه َ‬
‫ت َْرَتاُبوا ْ { أي أقرب إلى الحق وأعدل بين الناس ‪ ،‬والتبديل للحق‬
‫‪ ،‬الذي يغلب أن يؤدي إلى فقد الثقة وعدم التداين بين الناس ‪،‬‬
‫وفي ذلك من التضييق ما فيه ‪.‬‬
‫‪48‬‬

‫وكذلك يستحب الشهاد على التبايع ولو لم يكن في ذلك‬
‫تداين ‪ ،‬وكان البيع مع نقد الثمن وتسليم المبيع ‪ ،‬كي ل يقع‬
‫إنكار للعقد أو شيء من شروطه ‪ ،‬فيحصل النزاع والتخاصم ‪،‬‬
‫وأ َ ْ‬
‫وا ْ إ ِ َ‬
‫م‬
‫ذا ت ََباي َ ْ‬
‫عت ُ ْ‬
‫هدُ ْ‬
‫وامتثال ً لمر الله عز وجل إذ يقول ‪َ  :‬‬
‫ش ِ‬
‫‪.‬‬

‫تعريفها ‪:‬‬

‫القـــالة‬

‫القالة – في اللغة – معناها الرفع ‪ ،‬واستعمالها في العقود‬
‫يعني ‪ :‬رفع أحكام العقد وآثاره ‪.‬‬
‫فهي في اصطلح الفقهاء ‪ :‬توافق المتعاقدين على رفع‬
‫العقد القابل للفسخ بخيار ‪.‬‬
‫فمن التعريف نعلم أن القالة إنما تكون في العقود اللزمة ‪،‬‬
‫مت – بتحقق شروطها وكما أركانها – لم يكن‬
‫أي التي إذا ت ّ‬
‫للمتعاقد فسخها إل بموافقة الطرف الخر ‪ .‬أما العقود الجائزة‬
‫– وهي التي لك ّ‬
‫ل من العاقدين فسخها متى شاء ‪ ،‬ولو لم يرض‬
‫الطرف الخر – فل داعي فيها للقالة ‪.‬‬
‫وكذلك نعلم من التعريف أن القالة إنما تكون في العقود‬
‫التي تقبل الفسخ ‪ ،‬كالبيع والجارة ونحو ذلك ‪ .‬أما العقود التي‬
‫ل تقبل الفسخ – كالنكاح – فل إقالة فيها ‪.‬‬
‫مشروعيتها ‪:‬‬
‫والقالة مشروعة ‪ ،‬بل هي مندوبة إذا طلبها أحد المتعاقدين‬
‫‪ ،‬لما فيها من التيسير على الناس ‪ ،‬وتخليصهم مما يظنون أنه‬
‫ورطة يندمون على الوقوع فيها ‪ ،‬فقد يعقد أحدهم عقدا ً ثم‬
‫م‬
‫يرى أنه مغبون فيه ‪ ،‬أو أنه ليس بحاجة إليه ‪ ،‬فيبقى في غ ّ‬
‫مه وفي‬
‫وكرب ‪ ،‬ويكون في إقالته منه تنفيس لكربه وتفريج لغ ّ‬
‫ذلك من الجر ما فيه ‪.‬‬
‫‪49‬‬

‫ودل على مشروعيتها ‪ :‬ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه‬
‫قال ‪ :‬قال رسول الله ‪ " : ‬من أقال مسلما ً بيعته أقال الله‬
‫عثرته " ‪ .‬وفي لفظ ‪ " :‬من أقال مسلما ً أقال الله عثرته يوم‬
‫القيام " ‪ .‬وفي لفظ ‪ " :‬من أقال نادما ً " ‪) .‬أخرجه أبو داود في‬
‫البيوع ‪ ،‬باب ‪ :‬في فضل القالة ‪ ،‬رقم ‪ . 3460 :‬كما أخرجه ابن‬
‫ماجه ‪ ،‬وصححه ابن حبان والحاكم ‪ ،‬وغير هؤلء ( ‪.‬‬
‫ركن القالة ‪:‬‬
‫ل بدّ في القالة من صيغة هي ركن القالة ‪ ،‬وهي اليجاب ‪:‬‬
‫كأقلني بيعتي ‪ ،‬والقبول ‪ :‬كأقلتك ‪ .‬وتصح بلفظ الفسخ والترك‬
‫والرفع ‪.‬‬
‫وُيشترط فيها اتحاد المجلس بين اليجاب والقبول ‪ ،‬كغيرها‬
‫من العقود ‪ ،‬لنها عقد ‪.‬‬
‫شروطها ‪:‬‬
‫علم من قولنا في التعريف ‪:‬‬
‫‪-1‬‬
‫رضا المتقايل َْين بها ‪ ،‬كما ُ‬
‫) بخيار ( ‪ .‬فلو كان أحدهما م َ‬
‫كرها ً لم تصح ‪ ،‬لنها فسخ‬
‫للعقد ‪ ،‬فيلزم لها ما يلزم له من الرضا والختيار ‪.‬‬
‫أن ل يكون فيها زيادة ول نقصان عن أصل العقد ‪ ،‬فل‬
‫‪-2‬‬
‫ُيزاد في أحد البدلين ول ُينقص منه ‪ ،‬لنها – كما قلنا –‬
‫فسخ ‪ ،‬أي رفع للعقد الذي جرى‪ ،‬وعودة بالمتعاقدين إلى‬
‫ما كانا عليه قبل العقد ‪.‬‬
‫ولذا لو كانت القالة في البيع ‪ ،‬وزاد المبيع زيادة منفصلة‬
‫متوّلدة من الصل ‪ ،‬كأن يكون المبيع شاة فتلد ‪ ،‬امتنعت القالة‬
‫‪.‬‬
‫ح على الزيادة والنقصان ‪.‬‬
‫وبناء على ذلك تص ّ‬
‫وهذا ما يجري عليه أكثر الناس في أيامنا هذه ‪ ،‬إذ إنهم ل‬
‫ون بالقالة ما لم يكن من طالبها تنازل عن شيء من حقه‪،‬‬
‫ير َ‬
‫ض ْ‬
‫أو أن يعطي الطرف الثاني ما يرضيه ليرجع عن العقد ويقبل‬
‫برفعه ‪.‬‬

‫‪50‬‬

51

52

‫الســـلم‬
‫تعريفه ‪:‬‬
‫هو – في اللغة – السلف ‪ ،‬أي التقديم ‪.‬‬
‫وشرعا ً ‪ :‬هو بيع شيء موصوف في الذمة بلفظ السلم أو‬
‫السلف ‪.‬‬
‫وهو نوع من البيوع ‪ ،‬وهو مستثنى من بيع المعدوم وما‬
‫ليس عند النسان ‪.‬‬
‫مشروعيته ‪:‬‬
‫قلنا ‪ :‬إن عقد السلم مستثنى من بيع المعدوم ‪ ،‬وقد علمنا‬
‫ح بيع المعدوم ‪ ،‬وإنما اسُتثني السلم من ذلك لحاجة‬
‫أنه ل يص ّ‬
‫الناس إلى مثل هذا العقد ‪.‬‬
‫روى عبدالله بن عباس رضي الله عنهما ‪ :‬أن النبي ‪َ ‬‬
‫م‬
‫ق ِ‬
‫د َ‬
‫سل ِ ُ‬
‫ن في الثمار السنة والسنتين ‪ ،‬فقال ‪" :‬‬
‫المدين َ‬
‫فو َ‬
‫ة وهم ي ُ ْ‬
‫ف َ‬
‫ف في كيل معلوم ‪ ،‬ووْزن معلم ‪ ،‬إلى أجل‬
‫فل ُْيسل ْ‬
‫سل َ َ‬
‫من أ ْ‬
‫معلوم " ) البخاري ‪ :‬السلم ‪ ،‬باب ‪ :‬السلم في وزن معلوم ‪،‬‬
‫رقم ‪ .2125 :‬مسلم في المساقاة ‪ ،‬باب ‪ :‬السلم‪ ،‬رقم ‪:‬‬
‫‪. ( 1604‬‬
‫وعن عبد الرحمن بن أبزي وعبدالله بن أبي أوفى رضي الله‬
‫عنهما قال ‪ :‬كّنا نصيب المغانم مع رسول الله ‪ ، ‬وكان يأتينا‬
‫ط الشام ‪ ،‬فنسلفهم في الحنطة والشعير والزيت إلى‬
‫من أن ًْبا ِ‬
‫جل مسمى ‪ .‬قبل ‪ :‬أكان لهم زرع أو لم يكن ؟ قال ‪ :‬ما كنا‬
‫أ َ‬
‫نسأُلهم عن ذلك ) البخاري ‪ :‬السلم ‪ ،‬باب‪ :‬السلم إلى من ليس‬
‫عنده أصل ‪ ،‬رقم ‪. ( 2128 :‬‬
‫وقد روى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال ‪ :‬أشهد أن‬
‫الله تعالى أح ّ‬
‫ل السلف المضمون ‪ ،‬وأنزل فيه أطول آية في‬
‫َ‬
‫مُنوا ْ إ ِ َ‬
‫ن‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫ذا ت َ َ‬
‫كتابه ‪ ،‬وتل قوله تعالى ‪َ } :‬يا أي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫داَينُتم ب ِدَي ْ ٍ‬
‫‪53‬‬

‫َ‬
‫مى َ‬
‫فاك ْت ُُبوهُ ‪{..‬البقرة ‪ 282‬وانظر تفسير الية عند‬
‫إ َِلى أ َ‬
‫م َ‬
‫س ّ‬
‫ل ّ‬
‫ج ٍ‬
‫ابن كثير ‪.‬‬
‫ووجه دللة الية على مشروعية السلم أنه نوع دْين ‪ ،‬والية‬
‫أقرت الدين وأجازته‪ ،‬فيكون السلم جائزا ً ‪.‬‬
‫حكمة تشريعه ‪:‬‬
‫أشرنا أن القياس في السلم أن يكون غير مشروع ‪ ،‬لنه بيع‬
‫المعدوم وما ليس عند النسان ‪ ،‬وإنما شرع لحاجة الناس إليه ‪.‬‬
‫وهذه الحاجة تظهر في أن أصحاب الصناعات والعمال ‪ ،‬وكذلك‬
‫أصحاب الراضي والشجار ‪ ،‬كثيرا ً ما يحتاجون إلى المال من‬
‫اجل تأمين السلع الولية لمنتجاتهم ‪ ،‬أو تهيئة اللت والدوات‬
‫لمصانعهم ‪ ،‬وكذلك الزّراع ربما احتاجوا للمال من رجل رعاية‬
‫من‬
‫أراضيهم وحفظ بساتينهم ‪ .‬وقد ل يجد هؤلء المال لدى َ‬
‫سر لهم‬
‫يمكن أن يق ّ‬
‫دمه لهم قرضا ً ‪ ،‬وقد ل يرضى بذلك ‪ ،‬في ّ‬
‫الشرع أن يستلفوا هذا المال على أساس أن يقدموا بدله‬
‫منتجاتهم من زرع أو ثمر أو سلع ونحو ذلك ‪.‬‬
‫وكذلك التجار الذين يرغبون بتأمين السلع والبضائع في‬
‫من يبيعهم ذلك في حينه ‪،‬‬
‫الوقت المناسب ‪ ،‬قد ل يجدون َ‬
‫سر لهم الشرع أن يسلفوا هذا‬
‫ويكون المال متوفرا ً لديهم ‪ ،‬في ّ‬
‫المال في البضائع التي يرغبون ‪.‬‬
‫وهكذا نجد أن تشريع السلم ح ّ‬
‫سر المال‬
‫قق مصالح ع ّ‬
‫دة ‪ ،‬إذ ي ّ‬
‫لمن ل يجده والبضاعة لمن يرغب بها ‪ ،‬وفتح الطريق أمام‬
‫المال ليقوم بوظيفته الساسية ‪ ،‬أل وهي قوام عيش الناس ‪،‬‬
‫فلم يبق مخزونا ً مكنوزا ً ‪ .‬وتلفي أخطار بيع المعدوم بالشروط‬
‫والقيود التي أحاط بها هذا العقد ‪ ،‬والتي ستراها خلل البحث ‪.‬‬
‫أركانه وشروطه ‪:‬‬
‫‪54‬‬

‫أركان عقد السلم أربعة ‪ :‬عاقدان وصيغة ورأس مال السلم‬
‫مسَلم فيه ‪ ،‬ولك ّ‬
‫ل منها شروط ‪.‬‬
‫وال ُ‬
‫‪ -1‬الركن الول ‪ :‬العاقدان ‪:‬‬
‫وهما المشتري الذي يسلف ماله مقابل السلعة التي يرغب‬
‫مسلم ‪.‬‬
‫بها ‪ ،‬ويسمى ال ُ‬
‫والبائع الذي يستسلف المال ليقدم السلعة بمقابله ‪،‬‬
‫ويسمى المسَلم إليه ‪ .‬ويشترط فيهما ما يشترط في البائع‬
‫والمشتري في عقد البيع ‪ ،‬من العقل والبلوغ والختيار ونحو‬
‫ذلك ‪.‬‬
‫ح السلم منه بينما ل‬
‫ويستثنى شرط البصر ‪ ،‬فإن العمى يص ّ‬
‫يصح بيعه كما علمنا ‪ ،‬لن البيع ُيشترط فيه رؤية المبيع من‬
‫مة ‪ ،‬فيمكن‬
‫المتعاقدين ‪ ،‬وفي السلم المبيع موصوف في الذ ّ‬
‫من يقوم بذلك‬
‫معرفة صفاته بالسماع ‪ ،‬وعند القبض يوكل َ‬
‫ليتحقق من وجود الصفات المشروطة ‪.‬‬
‫‪ -2‬الركن الثاني ‪ :‬الصيغة ‪:‬‬
‫وهي اليجاب والقبول ‪ ،‬كأن يقول صاحب المال ‪ :‬أسلفتك‬
‫أو أسلمتك هذه اللف دينار في ألف ثوب صفتها كذا مثل ً ‪،‬‬
‫فيقول المسَلم إليه ‪ :‬قبلت ‪ ،‬أو استلفت ‪ ،‬أو استسلمت ‪ ،‬ونحو‬
‫ذلك ‪.‬‬
‫ويشترط فيها ما يشترط في الصيغة في البيع من اتحاد‬
‫المجلس وموافقة اليجاب للقبول ونحو ذلك ‪.‬‬
‫ويضاف إلى ما سبق ‪ :‬أن تكون الصيغة بلفظ السلم أو‬
‫ح بغيرهما ‪.‬‬
‫السلف ‪ ،‬فل تص ّ‬
‫وكذلك يشترط خلو العقد عن خيار الشرط ‪ ،‬أي أن يكون‬
‫العقد باتا ً ‪ ،‬لن خيار الشرط ُ‬
‫شرع استثناءً في عقد البيع‬

‫‪55‬‬

‫المطلق ‪ ،‬فل ُيقاس على البيع غيره ‪ ،‬فيبقى شرط الخيار فيه‬
‫على أصل المنع ‪.‬‬
‫وكذلك يشترط في السلم تسليم رأس المال في مجلس‬
‫العقد – كما ستعلم – وخيار الشرط في العقد بمنع تح ّ‬
‫قق ذلك ‪،‬‬
‫لن شرط الخيار يمنع ثبوت المْلك للمسَلم إليه في الثمن ‪،‬‬
‫فيكون قبضه صورة ‪ ،‬ويؤدي ذلك إلى افتراق العاقدين قبل‬
‫تمام العقد ‪ ،‬وذلك ل يجوز ‪ ،‬فيكون العقد الذي شرط فيه‬
‫الخيار باطل ً ‪.‬‬
‫أما خيار المجلس ‪ :‬فإنه يثبت في عقد السلم ‪ ،‬لنه ينقضي‬
‫بالتفّرق ‪ ،‬فيكون تفّرق العاقدين عن تمام العقد ‪ ،‬فل تعارض‬
‫بين خيار المجلس وشروط عقد السلم ‪.‬‬
‫‪ -3‬الركن الثالث ‪ :‬رأس المال ‪:‬‬
‫وهو الثمن الذي يدفعه المشتري سلفا ً إلى البائع ‪ ،‬ويشترط‬
‫فيه ‪:‬‬
‫أ – أن يكون معلوما ً للعاقدين قدرا ً وصفة ‪ ،‬بأن يكون – مثل ً –‬
‫ر أو ألفي درهم ‪ ،‬وإذا كان الثمن مما ُيباع بالكيل‬
‫ألف دينا ٍ‬
‫أو الوزن ‪ ،‬كأن يكون حنطة أو سكرا ً ونحو ذلك ‪ ،‬يشترط‬
‫بيان قدره كيل ً ووزنا ً ‪ ،‬كألف مدّ أو ألف رطل ‪ ،‬وكذلك‬
‫يشترط عندها بيان صفته من حيث الجودة والرداءة ‪.‬‬
‫فإن كان مشاهدا ً ‪ ،‬كأن يسلفه كومة من الحنطة في سلعة‬
‫ما ‪ ،‬أو هذه الدراهم ‪ ،‬اشترط بيان القدر ‪ ،‬ويستغنى عن ذكر‬
‫الصفة والجنس والنوع ‪ ،‬لن المشاهدة تنوب مناب ذلك في‬
‫البيان ‪.‬‬
‫ب – تسليم رأس المال من رب المال في مجلس العقد وقبض‬
‫المسَلم إليه له ‪ ،‬وذلك قبل تفرق أبدانهما ‪ ،‬لن التسليم‬
‫هو أصل معنى السلم ‪ ،‬فإذا لم يوجد ذلك لم يوجد العقد ‪،‬‬
‫‪56‬‬

‫ولنه يصير في معنى بيع الدين بالدّْين ‪ ،‬وهو منهي عنه‬
‫كما علمت ‪.‬‬
‫ويشترط فيه القبض الحقيقي ‪ ،‬فلو أحال برأس مال السلم‬
‫ليقبضه المسلم إليه لم يصح ‪ ،‬لن الحوالة ليست بقبض ‪.‬‬
‫‪ -4‬الركن الرابع ‪ :‬المسلم فيه ‪:‬‬
‫هد البائع بتأديته‬
‫وهو الشيء المبيع محل العقد ‪ ،‬الذي تع ّ‬
‫إلى المشتري ‪ ،‬مقابل رأس مال السلم المدفوع سلفا ً ‪.‬‬
‫ويشترط فيه ‪:‬‬
‫أ – أن يكون مما يمكن ضبطه بالوصف ‪ ،‬الذي تختلف به‬
‫الغراض ‪ ،‬بحيث تنتفي الجهالة عنه ‪ ،‬ول يبقى إمكان‬
‫للختلف بين أفراد جنسه إل بتفاوت يسير يتساهل الناس‬
‫به عادة ‪.‬‬
‫ودليل ذلك ‪ :‬ما رواه عبدالله بن أبي أوفى رضي الله عنه‬
‫سلف على عهد رسول الله ‪ r‬وأبي بكر وعمر‬
‫قال ‪ :‬إّنا كّنا ن ُ ْ‬
‫مر ) أخرجه‬
‫رضي الله عنهما في الحنطة والشعير والزبيب والت ّ ْ‬
‫من ليس عنده أصل ‪،‬‬
‫البخاري في المسلم ‪ ،‬باب ‪ :‬السلم إلى َ‬
‫رقم ‪. ( 2128 :‬‬
‫وهذه الصناف كلها مما يمكن ضبطه ‪.‬‬
‫وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في السلم في‬
‫ْ‬
‫س‪.‬‬
‫ل معلوم فل ب َأ َ‬
‫الكرابيس ‪ :‬إذا كان ذَْرعا ً معلوما ً إلى أج ِ‬
‫والكرابيس ‪ :‬ثياب تتخذ من القطن البيض ‪ ،‬فهي مما‬
‫يضبط بالوصف‬
‫وعن أبي النضر رضي الله عنه قال ‪ :‬سئل عمر رضي الله‬
‫سَرقة ‪ :‬الشقة‬
‫سَرق ‪ ،‬قال ‪ :‬ل بأس ‪ .‬وال ّ‬
‫عنه عن السلم في ال ّ‬
‫من الحرير ‪ ،‬وهو مما يمكن ضبطه ‪.‬‬
‫‪57‬‬

‫ويقاس على هذه الشياء المذكورة غيرها مما لم يذكر ‪،‬‬
‫سواء أكان موجودا ً قديما ً أم وجد الن أو يوجد في المستقبل ‪،‬‬
‫طالما أنه في معناها ‪ ،‬أي مما يمكن ضبطه بالوصف ‪ ،‬ولو لم‬
‫يكن مثليا ً ‪.‬‬
‫فإذا كان ل يمكن ضبطه بالوصف فل يجوز السلم فيه ول‬
‫يصح ‪ ،‬لنه عقد على ما فيه جهالة فاحشة تؤدي إلى النزاع ‪.‬‬
‫ويذكر الفقهاء هنا أمثلة كالجلود ‪ ،‬فإنها تختلف ر ّ‬
‫قة وثخونة ‪،‬‬
‫وتلك أغراض مقصودة ‪ .‬وكالجواهر النفيسة ‪ ،‬فإن قيمتها‬
‫تختلف باختلف صفائها ‪ ،‬وذلك مما ل يمكن ضبطه ‪ .‬ويلحق‬
‫بهذا في أيامنا كل ما كان في معناه لدى التجار ‪.‬‬
‫ويدخل في مال ينضبط ول يصح السلم فيه ‪ :‬كل ما أّثرت‬
‫فيه النار شي ّا ً أو قليا ً أو طبخا ً ‪ ،‬لن تأثير النار فيه مختلف ‪ ،‬فل‬
‫يمكن ضبطه ‪.‬‬
‫أما ما أثرت فيه النار للتمييز ‪ ،‬كالسمن ليميز منه اللبن ‪،‬‬
‫والعسل ليميز منه الشمع ‪ ،‬فإنه يصح السلم فيه ‪ ،‬لضعف تأثير‬
‫النار فيه في هذه الحالة ‪.‬‬
‫ب – أن يكون معلوم الجنس والنوع والقدر والصفة‬
‫للمتعاقدين ‪ ،‬أما الجنس كأن يكون قمحا ً أو شعيرا ً ‪ .‬والنوع‬
‫كأن يكون بلديا ً أو جلبا ً ) أي مستوردا ً من بلد معين ( ‪.‬‬
‫والقدر كألف صاع إن كان مكيل ً ‪ ،‬أو بالوزن كان موزونا ً ‪،‬‬
‫أو بالعدد إن كان معدودا ً ‪ ،‬أو بالذّْرع – أي بالقياس – إن كان‬
‫مذروعا ً ‪ .‬والصفة كأن يذكر لونه أو نقشه أو شكله ‪ ،‬ورقته‬
‫أو ثخونته ‪ ،‬وغير ذلك من الوصاف التي تختلف بها‬
‫الغراض ‪ ،‬كما ذكرنا ‪.‬‬

‫‪58‬‬

‫ل‬
‫سل ْ‬
‫من أسل َ‬
‫ف فل ْ‬
‫ودليل ذلك قوله ‪َ ) : r‬‬
‫ف في كي ٍ‬
‫ن معلوم ٍ ( ويقاس على القدر غيره من المور التي‬
‫معلوم ٍ ووز ٍ‬
‫تحدد العلم بالمبيع ‪.‬‬
‫ج – أن ل يكون مختلطا ً من أجناس مختلفة ‪ ،‬كعلف مخلوط من‬
‫شعير وغيره مثل ً ‪ ،‬أو طيب مخلوط من مسك وعنبر‬
‫وغيرهما ‪ ،‬ونسبة كل جنس في الخليط مجهولة ‪.‬‬
‫علمت مقادير الجناس المختلطة ‪ ،‬ونسبة كل‬
‫فإن ُ‬
‫ح السلم فيها ‪،‬‬
‫جنس في الخليط ‪ ،‬وأمكن ضبطها بالوصف ‪ ،‬ص ّ‬
‫كثياب مصنوعة من صوف وقطن – مثل ً – ونسبة ك ّ‬
‫ل من‬
‫الصوف والقطن محددة معلومة ‪.‬‬
‫ح السلم في الجنس الذي اختلط به غيره إذا كان‬
‫وكذلك يص ّ‬
‫خلطه فيه لمصلحته وحفظه ‪ ،‬كالجبن – مثل ً – يخالط اللبن فيه‬
‫الملح والنفحة ‪ ،‬وهي لمصلحته ‪ ،‬فيجوز السلم فيه ‪.‬‬
‫مة غير‬
‫د – أن يكون المسلم فيه دينا ً ‪ ،‬أي شيئا ً موصوفا ً في الذ ّ‬
‫معين ‪ ،‬كأن يسلمه ألف دينار – مثل ً ‪ -‬في مائة ثوب‬
‫مضبوط بالوصف ‪ .‬فإذا قال أسلمتك ألف دينار بهذه‬
‫الثواب المائة ‪ ،‬وهي موجودة معينة ‪ ،‬لم يصح السلم ‪ ،‬لن‬
‫السلم ُ‬
‫شرع لبيع شئ موصوف في الذمة ‪ ،‬ولفظه يدل‬
‫على هذا المعنى ‪ .‬لن ينعقد بيعا ً ‪ ،‬لن لفظ السلم يقتضي‬
‫أن يكون المبيع دينا ً ‪ ،‬ولفظ هذه الثواب يقتضي أن يكون‬
‫المبيع عينا ً ‪ ،‬فصار تناقض بين اللفظين ‪ ،‬فلم يصح العقد ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬أن يكون مقدورا ً على تسليمه ‪ ،‬من حيث الجل والنوع ‪،‬‬
‫بأن يغلب على الظن وجود نوعه عندما يحين وقت‬
‫استحقاقه ‪ ،‬ولو بالنقل من بلد إلى آخر ‪ ،‬إذا كان من‬
‫المعتاد نقله منه للبيع ونحوه ‪ .‬فلو أسلم فيما ينقطع‬
‫وجوده غالبا ً وقت حلول الجل ‪ ،‬كعنب في الشتاء أو رطب‬
‫‪59‬‬

‫ونحو ذلك ‪ ،‬لم يصح السلم ‪ .‬وكذلك لو أسلم فيما يندر‬
‫وجوده من حيث نوعه ‪ ،‬كبطيخ بحجم معين ‪ ،‬أو من موضع‬
‫معين يق ّ‬
‫ل فيه إنتاجه لصغر البلد مثل ً ‪ ،‬لن الغالب عدم‬
‫القدرة على تسليم ذلك ‪ ،‬فربما جاءت آفة أو طرأ حادث‬
‫على إنتاج ذلك البلد ‪ ،‬فيفقد ‪.‬‬
‫ولو أسلم فيما يغلب وجوده ‪ ،‬فلم يتوفر عند حلول وقت‬
‫الستحقاق ‪ ،‬لم ينفسخ العقد ‪ ،‬بل يخّير المسلم صاحب المال ‪:‬‬
‫بين أن ينتظر حتى يتوفر المسلم فيه ‪ ،‬وبين أن يفسخ العقد‬
‫ويسترد رأس المال الذي دفعه دون زيادة أو نقصان ‪.‬‬
‫دل المسلم فيه‬
‫ست َب ْ َ‬
‫وينبغي النتباه هنا إلى أنه ل يجوز أن ي ُ ْ‬
‫بغيره ‪ ،‬كأن يستبدل البر مثل ً بسمن ‪ ،‬أو يستبدل الثياب بحديد ‪،‬‬
‫أو نحو ذلك ‪ .‬بل يفسخ عقد السلم أول ً إذا لم يرغب بالنتظار ‪،‬‬
‫وبعدها ‪ :‬إما أن يسترد رأس المال فيشتري به ما شاء من‬
‫المسلم إليه أو غيره ‪ .‬أو أن يبقى رأس المال في ذمته ‪،‬‬
‫والمسلم إليه له الخيار أن يبيعه به ما يشاء من سلع عنده ‪ ،‬أو‬
‫ده إليه ‪.‬‬
‫ير ّ‬
‫وكذلك ينبغي النتباه هنا إلى أنه ليس للمسلم رب المال ‪:‬‬
‫أن يبيع المسلم فيه إلى أحد قبل أن يقبضه ‪ ،‬على خلف ما‬
‫يفعل الكثير من التجار اليوم ‪ ،‬حيث إنهم يبيعون السلع‬
‫المستوردة قبل وصولها واستلمها ‪ .‬وطريق تصحيح ذلك أن‬
‫يبيعوها سلما ً بالشروط التي سبقت ‪ ،‬وعندها يكون البائع‬
‫ملزما ً بتسليم المبيع المسلم فيه حسب الشروط ‪ ،‬سواء من‬
‫تلك البضاعة المستوردة أم من غيرها ‪ ،‬وله أن يسلمها من‬
‫غيرها إذا وافقت الشروط المتفق عليها ‪ ،‬ولو سلمت بضاعته‬
‫واستلمها ‪.‬‬

‫‪60‬‬

‫و – تعيين الجل الذي يجب عنده تسليمه ‪ ،‬وأن يكون الجل‬
‫محددا ً معلوما ً ‪ ،‬كأن يقول ‪ :‬أسلمتك ألف درهم في عشرة‬
‫أثواب صفتها كذا ‪ ،‬على أن تسلمني إياها بعد شهر من‬
‫تاريخ العقد ‪ ،‬أو أول شهر كذا ‪ .‬فإن لم يذكر أجل ً ‪ ،‬أو ذكر‬
‫أجل ً غير محدد ‪ ،‬كأن يقول ‪ :‬إلى قدوم فلن من سفره ‪ ،‬أو‬
‫إلى الحصاد مثل ً ‪ ،‬لم يصح ‪ ،‬لن الجل مجهول ‪ ،‬فل ُيدرى‬
‫متى يقدم فلن ‪ ،‬والحصاد يستمر مدة ‪ ،‬فيقع الخلف‬
‫والنزاع في الوقت المقصود‬
‫ودليل ذلك قوله ‪ ) : r‬إلى أجل معلوم ( ‪.‬‬
‫وينبغي التنبيه هنا إلى أنه ‪ :‬لو أحضر المسلم إليه المسلم‬
‫فيه قبل الجل المسمى أجبر المسلم رب المال على قبوله ‪،‬‬
‫إن لم يكن له نفقة وكلفة خلل المدة الباقية ‪ ،‬ولم يكن‬
‫للمسلم غرض مقصود معتبر شرعا ً بالجل المعين أو بالمتناع‬
‫من قبوله ‪ .‬فإن كان له مؤنة كحيوان مثل ً ‪ ،‬أو كان له غرض‬
‫صحيح ‪ ،‬كأن يكون اشتراه لمناسبة معينة ‪ ،‬أو كان المجيء به‬
‫في وقت نهب مثل ً ‪ ،‬كان له أن يمتنع ‪ ،‬ول يجبر على قبوله ‪.‬‬
‫ومثل ذلك ما لو كان يحتاج إلى تخزين ليباع في موسمه ‪ ،‬ول‬
‫مستودع عنده ‪.‬‬
‫ز – أن يعّين موضع تسليمه ‪ ،‬إذا كان الموضع الذي جرى فيه‬
‫العقد ل يصلح لذلك ‪ ،‬أو كان يصلح للتسليم ولكن لنقل‬
‫المسلم فيه إليه كلفة ونفقة ‪ .‬فإذا كان الموضع صالحا ً‬
‫للتسليم ول كلفة لنقله إليه ‪ :‬كان هو موضع التسليم ‪ ،‬إذا‬
‫ص في العقد على موضع آخر له ‪ ،‬فإن اتفق على‬
‫لم ُين ّ‬
‫موضع معين غيره صالح للتسليم تعين ذلك ‪ .‬ويرجع في‬
‫هذا إلى العرف عند الختلف ‪.‬‬

‫‪61‬‬

‫عـقـد السـتصناع‬

‫من له صنعة ‪ :‬أن يصنع له شيئا ً مما له‬
‫هو أن يطلب إنسان م ّ‬
‫علقة بصنعته على وجه مخصوص ‪ ،‬وتكون مادة الصنعة من‬
‫الصانع ‪.‬‬
‫وهو عقد ينتشر انتشارا ً واسعا ً في هذا الزمن ‪ ،‬مما يجعلنا‬
‫في حاجة أن نبّين حكم هذا العقد ‪ .‬وقبل بيان حكمه نذكر أمثلة‬
‫عليه ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫أن يطلب من ح ّ‬
‫ذاء أن يصنع له حذاء أو أحذية ‪ ،‬والجلد وما‬

‫يحتاج إليه من الصانع ل من المستصنع ‪.‬‬
‫‪-‬‬

‫جارين ‪ ،‬حيث يطلب صاحب‬
‫يدخل في هذا اليوم عمل الن ّ‬

‫جار أن يصنع له نجارة معينة ‪ ،‬من خشب‬
‫بناء أو نحوه من الن ّ‬
‫أو ألمنيوم ‪ ،‬والمادة من الصانع ‪ ،‬وقد يدخل فيها الزجاج‬
‫وغيره من أقفال ومفاتيح ومغاليق ‪.‬‬
‫‪-‬‬

‫ويدخل في هذا صنع الثاث المنزلي من مفروشات وغيرها‬

‫‪ ،‬حيث يتفق المستصنع مع الصانع على صنع غرفة نوم مثل ً ‪،‬‬
‫أو مقاعد ‪ ،‬وما يتركب منه المصنوع كله من الصانع ‪ ،‬حسب‬
‫نموذج معين يطلع المستصنع عليه ويحصل التفاق ‪.‬‬
‫إلى غير ذلك من أسئلة في معنى ما ذكرنا ‪.‬‬
‫إن هذا العقد موضع اختلف لدى الفقهاء ‪ ،‬ونستطيع أن‬
‫نقول ‪:‬‬
‫إذا انطبقت عليه شروط عقد السلم التي مّر ذكرها ‪ :‬من‬
‫ضبطه بالوصف ‪ ،‬وضبط ما يدخل فيه من مواد ‪ ،‬ومن تحديد‬
‫الجل لتسليمه ‪ ،‬وتسليم ثمنه في مجلس العقد ‪ ،‬إلى غير ذلك‬
‫من شروط ‪ ،‬استطعنا أن نحكم بصحته على أنه عقد سلم ‪ ،‬وإن‬
‫جرى بلفظ البيع ‪ ،‬لن العبرة في العقود للمقاصد والمعاني ‪،‬‬
‫ل لللفاظ والمباني ‪.‬‬
‫‪62‬‬

‫وإذا لم تنطبق عليه شروط السلم السابقة الذكر ‪ ،‬وهذا هو‬
‫الغالب في تعامل الناس بهذا العقد ‪ ،‬فإن أكثر المستصنعين‬
‫يدفعون للصانع قسطا ً من الثمن عند التعاقد ‪ ،‬وقد ل يدفعون‬
‫شيئا ً بالكلية ‪ ،‬ثم يؤدون باقي الثمن أقساطا ً ‪ ،‬أو عند النتهاء‬
‫من الصنعة ‪ ،‬وربما بقي للصانع شيء من الثمن يتقاضاه فيما‬
‫بعد ‪ ،‬هذا هو الغالب في تعامل الناس ‪ ،‬وعليه فل يعتبر هذا‬
‫سلما ً ‪ ،‬وبالتالي فهو غير صحيح عند الشافعية رحمهم الله‬
‫َ‬
‫تعالى ‪.‬‬
‫وقد قال بصحة هذا التعاقد السادة الحنفية رحمهم الله‬
‫مل الناس به ‪ ،‬لحاجة الناس إليه‬
‫وتعا َ‬
‫تعالى فيما جرى به العرف ِ‬
‫‪ .‬شريطة أن يبّين في العقد ما يزيل عن المستصَنع الجهالة‬
‫المفضية إلى التنازع بين المتعاقدين ‪ ،‬كأن تذكر مادة الصنع‬
‫ومصدرها ‪ ،‬وصفتها وقدرها ‪ ،‬وما إلى ذلك ‪.‬‬
‫هذا ول نرى مانعا ً من الخذ برأي السادة الحنفية رحمهم‬
‫الله تعالى ‪ ،‬والحكم بصحة هذا التعامل ‪ ،‬تيسيرا ً على الناس ‪ ،‬إذ‬
‫سة إليه ‪ ،‬والناس يتعاملونه – كما ذكرنا – في أكثر‬
‫أن الحاجة ما ّ‬
‫صناعاتهم ‪ ،‬وكل من الئمة والفقهاء يسعى وراء الحق ‪،‬‬
‫ويلتمس المصلحة لعباد الله تعالى على ما يرضي الله عّز‬
‫وجل ‪ ،‬ويوافق سّنة المصطفى ‪ ، ‬والله تعالى أعلم ‪.‬‬

‫‪63‬‬

‫بيـع المنازل علـى الخـارطـة‬
‫ونرى أنه يدخل في هذا الموضوع بيع الشقق على‬
‫الخارطة ‪:‬‬
‫فإنها إذا كانت منضبطة الوصاف ‪ ،‬معلومة المقادير الداخلة‬
‫في الصنع للمتعاقدين‪ ،‬كالسمنت والحديد ونحو ذلك ‪ ،‬وسلم‬
‫ح العقد والبيع من باب السلم ‪.‬‬
‫الثمن كله في مجلس العقد ‪ ،‬ص ّ‬
‫وإذا لم تنطبق شروط السلم على العقد – وهذا هو الغالب‬
‫من يدفع الثمن كله عند‬
‫في تعامل الناس ‪ ،‬إذ أننا ل نجد َ‬
‫التعاقد ‪ ،‬ول يعرف أحد عنده أيضا ً ما يدخل في البناء من مواد‬
‫الصنع – كان ذلك عقد استصناع ‪ ،‬واعتبر العقد صحيحا ً ‪ ،‬طالما‬
‫ضح مواصفات البناء‬
‫أن الناس يتعاملون بهذا ‪ ،‬شريطة أن تو ّ‬
‫عند التعاقد بحيث ل تبقى جهالة تؤدي إلى النزاع ‪ ،‬أن ل يكون‬
‫في ذلك شيء من الشروط الباطلة والفاسدة التي ل توافق‬
‫شرع الله تعالى ‪ ،‬وقد تعود على العقد بالبطلن ‪.‬‬

‫‪64‬‬

65

‫الربــــا‬
‫تعريف الربا ‪:‬‬
‫ في اللغة ‪ :‬هو مصدر ‪ :‬ربا يربو ‪ ،‬إذا زاد ونما ‪ ،‬فهو بمعنى‬‫َ‬
‫ض‬
‫الفضل والزيادة والنماء ‪ ،‬ومنه ‪ :‬قوله تعالى ‪ } :‬ت ََرى اْلْر َ‬
‫مدَةً َ‬
‫فإ ِ َ‬
‫ت {الحج ‪ 5‬أي تحركت‬
‫ذا َأنَزل َْنا َ‬
‫ماء ا ْ‬
‫َ‬
‫ها ِ‬
‫هت َّز ْ‬
‫عل َي ْ َ‬
‫ها ال ْ َ‬
‫ما كانت عليه قبل نزول الماء ‪.‬‬
‫وارتفعت وزادت ع ّ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫وقوله تعالى ‪َ } :‬أن ت َ ُ‬
‫ة {النحل ‪ 92‬أي‬
‫م ٌ‬
‫م ٍ‬
‫ي أْرَبى ِ‬
‫ة ِ‬
‫كو َ‬
‫م ْ‬
‫نأ ّ‬
‫نأ ّ‬
‫ه َ‬
‫أكثر عددا ً وقوة ‪.‬‬
‫َ‬
‫س‬
‫و ِ‬
‫في أ ْ‬
‫ما آت َي ُْتم ّ‬
‫و َ‬
‫وا ِ‬
‫م َ‬
‫من ّربا ً ل ّي َْرب ُ َ‬
‫وقوله تعالى ‪َ } :‬‬
‫ل الّنا ِ‬
‫َ‬
‫ه {الروم ‪ 39‬أي وكل ما تعطونه لكلة الربا من‬
‫فَل ي َْرُبو ِ‬
‫عندَ الل ّ ِ‬
‫زيادة على رؤوس أموالهم ‪ ،‬لتزيد أموالهم وتنمو بها ‪ ،‬فإن الله‬
‫تعالى يمحقه ول يبارك فيه ‪.‬‬
‫‪-‬‬

‫وفي اصطلح الفقهاء ‪ :‬عقد على عوض مخصوص ‪ ،‬غير‬

‫معلوم التماثل في معيار الشرع حالة العقد ‪ ،‬أو مع تأخير في‬
‫البدلين أو أحدهما ‪.‬‬
‫والمراد بالعوض المخصوص ‪ :‬الموال الربوية التي سيأتي‬
‫بيانها ‪.‬‬
‫وغير معلوم التماثل ‪ :‬كأن يكون أحد العوضين متفاضل ً مع‬
‫العوض الخر أو مجهول التساوي معه ‪.‬‬
‫ومعيار الشرع هو ‪ :‬الكيل في المكيلت ‪ ،‬والوزن في‬
‫الموزونات ‪.‬‬
‫ما لو علم التماثل بين البلدين‬
‫والتقييد بحالة العقد احتراز ع ّ‬
‫بعد العقد ‪ .‬كما لو باعه كومة من قمح بكومة أخرى ‪ ،‬ول يعلم‬
‫قدرهما ‪ ،‬فهو عقد ربوي ‪ ،‬تنطبق عليه أحكام الربا التية ‪ ،‬حتى‬
‫ولو كيلت الكومتان بعد العقد وخرجتا متماثلتين ‪ ،‬لن التماثل‬
‫كان مجهول ً حالة العقد ‪.‬‬
‫‪66‬‬

‫والمراد بالتأخير في البدلين أو أحدهما ‪ :‬عدم التقابض في‬
‫المجلس بين المتعاقدين ‪ ،‬أو اشتراط الجل في العقد ‪.‬‬
‫الموال التي يجري فيها الربا ‪:‬‬
‫يجري الربا في الموال الستة التالية ‪ ،‬وهي ‪:‬‬
‫الذهب ‪ ،‬والفضة ‪ ،‬والقمح ‪ ،‬والشعير ‪ ،‬والتمر ‪ ،‬والملح ‪ .‬وذلك‬
‫لورود النص صريحا ً فيها ‪.‬‬
‫روى البخاري ومسلم وغيرهما ‪ :‬عن عمر بن الخطاب رضي‬
‫الله عنه قال ‪ :‬قال رسول الله ‪ " : ‬الذهب بالذهب ربا إل هاء‬
‫وهاء ‪ ،‬والبر بالبر ربا إل هاء وهاء ‪ ،‬والشعير بالشعير ربا إل هاء‬
‫وهاء ‪ ،‬والتمر بالتمر ربا إل هاء وهاء " وفي رواية ‪ " :‬الورق‬
‫بالذهب ربا إل هاء وهاء " البخاري في البيوع ‪ ،‬باب ‪ :‬ما يذكر‬
‫في بيع الطعام والحكرة‪ ، 1‬رقم ‪ 2027 :‬ومسلم في المساقاة ‪،‬‬
‫باب ‪ :‬الصرف وبيع الذهب بالورق نقدا ً ‪ ،‬رقم ‪. ( 1586 :‬‬
‫] هاء وهاء ‪ :‬اسم فعل بمعنى خذ ‪ ،‬والمراد ‪ :‬أن يعطي كل‬
‫من المتعاقدين ما في يده من العوض ‪ ،‬ويحصل التقايض في‬
‫المجلس ‪ .‬البر ‪ :‬الحنطة ‪ .‬الورق ‪ :‬الفضة [ ‪.‬‬
‫وقد جاء النص على هذه الشياء ‪ ،‬بالضافة إلى الملح ‪ ،‬في‬
‫أحاديث كثيرة ستأتي معنا خلل البحث ‪.‬‬
‫وكما يجري الربا في تلك الموال الستة يجري في غيرها ‪،‬‬
‫وذلك أن الحكم فيها معّلل ‪ُ ،‬‬
‫ل توجد فيه‬
‫فيقاس عليها كل ما ٍ‬
‫العلة المعتبرة في تحقق وصف الربا ‪.‬‬
‫علة الربا ‪:‬‬
‫المراد بعلة الربا الوصف الذي إذا وجد في المال كان مال ً‬
‫ربويا ً ‪ ،‬وإذا وجد نفسه في العوضين كانت المعاملة ربوية ‪.‬‬

‫‪ ( )1‬الحكرة ‪ :‬حبس السلع عن البيع ‪ ،‬كالحتكار ‪.‬‬

‫‪67‬‬

‫وهذا الوصف غير منصوص عليه فيما ورد من نصوص في‬
‫الباب ‪ ،‬وإنما استنتجه الفقهاء من تلك النصوص فقالوا ‪:‬‬
‫إن الشياء المنصوص عليها في الحاديث إما أثمان كالذهب‬
‫والفضة‪ ،‬وإما مطعومات للدميين كالبر والشعير والتمر‬
‫والملح ‪ .‬وعليه ‪ :‬فالعلة المعتبرة في كون المال ربويا ً هي‬
‫الثمنية أو الطعم ‪ ،‬دون النظر إلى الكيل أو الوزن ‪ .‬فكأن‬
‫ال ّ‬
‫شارع قال ‪ :‬ما كان ثمنا ً أو مطعوما ً فل ُيباع بجنسه إل‬
‫بشروط ‪.‬‬
‫وإذا ثبت هذا ‪:‬‬
‫فك ّ‬
‫ل ما يجري التعامل به من الثمان ‪ ،‬ويقوم مقام الذهب‬
‫والفضة ‪ ،‬كالعملت الرائجة الن ‪ُ ،‬يعتبر مال ً ربويا ً ويجري فيه‬
‫الربا إلحاقا ً بالذهب والفضة ‪ .‬وكل مطعوم يطعمه الدميون‬
‫قوتا ً‬
‫غالبا ً فهو مال ربوي يجري فيه الربا ‪ ،‬سواء أكان ُيتناول ُ‬
‫كالرز والذرة إلحاقا ً بالبر والشعير ‪ ،‬أو تف ّ‬
‫كها ً كالزبيب والتين‬
‫ونحوهما إلحاقا ً بالتمر‪ ،‬أو تداويا ً وإصلحا ً للغذاء أو البدن‬
‫كالزنجبيل والمصطكي ونحوهما إلحاقا ً بالملح ‪.‬‬
‫وكل ما ليس بثمن أو مطعوم للدميين من الشياء‬
‫فليس بمال ربوي ‪ .‬ومن ذلك سائر المعادن غير الذهب والفضة‬
‫‪ ،‬والقمشة وغيرها ‪ ،‬وما كان في الغالب قوتا ً لغير الدميين ‪.‬‬
‫فل يعتبر التعامل في كل ذلك تعامل ً ربويا ً ‪.‬‬
‫ول فرق في كل ما سبق بين أن يكون مقدرا ً بكيل أو‬
‫وزن أو غير ذلك ‪.‬‬
‫أنواع الربا وحكم ك ّ‬
‫ل منها ‪:‬‬
‫حين يبحث الفقهاء في التعامل الربوي يبحثون – غالبا ً –‬
‫في بيع الموال الربوية التي مّر ذكرها بعضها ببعض ‪ :‬من حيث‬
‫زيادة أحد البدلين على الخر‪ ،‬ومن حيث وجود الجل في‬
‫‪68‬‬

‫التعامل وعدمه ‪ ،‬كما يعلم من تعريفهم السابق للربا ‪ .‬وبناء‬
‫على ذلك يقسمون الربا إلى أنواع ‪:‬‬
‫ربا الفضل ‪ :‬أي الزيادة ‪ ،‬وهو بيع المال الربوي‬

‫‪-1‬‬

‫مدّ قمح‬
‫بجنسه مع زيادة في أحد العوضين ‪ .‬كأن يبيعه ُ‬
‫مدّْين منه ‪ ،‬أو ‪ :‬مائة غرام من ذهب بمائة وعشرة منه ‪ ،‬أو‬
‫ب ُ‬
‫أقل أو أكثر ‪.‬‬
‫ومعنى الربا في هذا النوع – وهو الزيادة – ظاهر‬
‫وواضح ‪.‬‬
‫وهذا النوع من التعامل محرم وممنوع ‪ ،‬للنهي عنه في‬
‫حديث رسول الله ‪. ‬‬
‫روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله‬
‫ب بالذهب إل ّ مثل ً‬
‫عنه ‪ :‬أن رسول الله ‪ ‬قال ‪ " :‬ل تبُيعوا الذه َ‬
‫ل ‪ ،‬ول ُتش ّ‬
‫رق‬
‫فوا بع َ‬
‫رق بال َ‬
‫بمث ِ‬
‫و ِ‬
‫ض ‪ .‬ول تبيعوا الو ِ‬
‫ضها على بع ٍ‬
‫إل مثل ً بمثل ‪ ،‬ول ُتش ّ‬
‫فوا بعضها على بعض " ) أخرجه البخاري‬
‫في البيوع ‪ ،‬باب ‪ :‬بيع الفضة بالفضة ‪ ،‬رقم ‪ . 2068 :‬ومسلم‬
‫في المساقاة ‪ ،‬باب ‪ :‬الربا ‪ ،‬رقم‪(1584:‬‬
‫] الورق ‪ :‬الفضة ‪ .‬ل تشفوا ‪ :‬ل تفضلوا ‪ ،‬والشف يطلق‬
‫على الزيادة والنقصان ‪ ،‬فهو من الضداد [ ‪.‬‬
‫وروى مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال ‪ :‬قا‬
‫ضة بالفضة ‪ ،‬والب ُّر بالُبر‬
‫ب بالذهب والف ّ‬
‫رسول الله ‪ " : ‬الذه ُ‬
‫د‬
‫ل يدا ً بي ٍ‬
‫د ‪ ،‬فمن زا َ‬
‫والشعيُر بالشعير ‪ ،‬والمل ُ‬
‫ح بالملح ‪ :‬مثل ً بمث ٍ‬
‫عى فيه سواءٌ " ‪ .‬وروى مثله‬
‫أو استزاد فقد أْربى ‪ ،‬الخذ والمط ِ‬
‫عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه ) انظر‪ :‬صحيح مسلم ‪:‬‬
‫كتاب المساقاة ‪ ،‬باب ‪ :‬الصرف وبيع الذهب بالورق نقدا ً ( ‪.‬‬
‫ول عبرة في هذا لجودة النوع أو رداءته ‪ ،‬لعموم قوله ‪" : ‬‬
‫ضها على بعض " ‪ .‬ولما رواه البخاري ومسلم عن‬
‫ل تشفوا بع َ‬
‫‪69‬‬

‫أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال ‪ :‬جاء بلل إلى النبي ‪‬‬
‫ي ‪ ،‬فقال له النبي ‪ " : ‬من أين هذا ؟ " قال بلل‬
‫بتمر ب ُْرن ّ‬
‫رضي الله عنه ‪ :‬كان عندنا تمر رديء ‪ ،‬فبعت منه صاعين بصاع‬
‫لن ُ ْ‬
‫وه ‪ ،‬عُين الربا‬
‫وه أ ّ‬
‫ي ‪ . ‬فقال النبي ‪ ‬عند ذلك "أ ّ‬
‫طعم النب ّ‬
‫عين الربا ل ت َ ْ‬
‫ع ْ‬
‫ل " ) البخاري في الوكالة ‪ ،‬باب ‪ :‬إذا باع‬
‫ف َ‬
‫الوكيل شيئا ً فاسدا ً فبيعه مردود ‪ ،‬رقم ‪ . 2188 :‬ومسلم في‬
‫المساقاة باب ‪ :‬بيع الطعام مثل ً بمثل ‪ ،‬رقم ‪. ( 1594 :‬‬
‫جع وتحّزن ‪.‬‬
‫وه ‪ :‬كلمة تو ّ‬
‫] ب ُْرني ‪ :‬نوع من التمر هو أجود ‪ .‬أ ّ‬
‫عين الربا ‪ :‬أي هذا حقيقة الربا الممنوع [ ‪.‬‬
‫وكذلك ل عبرة للصنعة في هذا ‪ ،‬فلو باعه ذهبا ً مصوغا ً‬
‫بسبائك وجب التماثل في الوزن بين البدلين ‪ ،‬وامتنع أن يكون‬
‫أحدهما أنقص من الخر ‪ ،‬لما د ّ‬
‫ل عليه قوله ‪ " : ‬ول تبيعوا‬
‫ق إل مثل ً بمثل " فإن الورق يتناول الفضة‬
‫ورقَ بال َ‬
‫ال َ‬
‫ر ِ‬
‫و ِ‬
‫المضروبة وغير المضروبة " وضربها صنعة لها ‪.‬‬
‫‪-2‬‬

‫ربا النساء ‪ :‬أي التأخير ‪ ،‬وهو بيع المال الربوي بمال‬

‫ربوي آخر فيه نفس العلة إلى أجل ‪ .‬ول فرق في هذا بين‬
‫أن يكون المالن من جنس واحد أم من جنسين مختلفين ‪،‬‬
‫وسواء أكانا متفاضلين أم متساويين ‪.‬‬
‫مدّ حنطة بمدّ حنطة – أو بمدّ شعير أو‬
‫ومثال ذلك ‪ :‬أن يبيعه ُ‬
‫دين إلى شهر ‪ .‬أو يبيعه عشر غرامات من الذهب بعشر‬
‫بم ّ‬
‫غرامات من الذهب أو الفضة أو أكثر أو أقل ‪ ،‬إلى يوم مثل ً أو‬
‫أكثر ‪.‬‬
‫وهذا التعامل أيضا ً محرم وممنوع ‪ ،‬لوجود معنى الربا فيه‬
‫حقيقة ‪ ،‬وإن لم يكن ظاهرا ً ‪ ،‬فإن للحلول فضل ً على الجل ‪،‬‬
‫فيكون في ذلك زيادة في أحد العوضين ‪ ،‬وهو المدفوع حال ً ‪.‬‬

‫‪70‬‬

‫وقد دل على هذا المنع قوله ‪ ‬في حديث أبي سعيد رضي‬
‫عوا منها غائبا ً بَناجز " ‪.‬‬
‫الله عنه السابق ‪ " :‬ول تبي ُ‬
‫والغائب هو المؤجل والناجز هو الحاضر ‪ ،‬وكذلك قوله ‪‬‬
‫في الحديث الخر ‪ " :‬مثل ً بمثل ‪ ،‬يدا ً بيد " وجاء أيضا ً في حديث‬
‫ت هذه الصناف فبيعوا كيف‬
‫عباده رضي الله عنه‪ " :‬فإذا اختلف ْ‬
‫د "‪.‬‬
‫شئُتم ‪ ،‬إذا كان يدً بي ٍ‬
‫] ومعنى قوله ‪ " :‬يدا ً بيد " أي مقابضة ‪ ،‬بحيث يسلم ك ّ‬
‫ل‬
‫من المتعاقدين البدل الذي في يده في مجلس العقد ‪ ،‬وهذا‬
‫يستلزم الحلول غالبا ً [ ‪.‬‬

‫‪-3‬‬

‫ربا اليد ‪ :‬وهو أن يبيع المال الربوي بآخر فيه نفس‬

‫العلة ‪ ،‬دون أن يشترط في ذلك أجل بنفس العقد ‪ ،‬ولكن‬
‫يحصل التأخير في قبض البدلين أو أحدهما عن مجلس‬
‫العقد بالفعل ‪.‬‬
‫ودليل هذا ‪ :‬ما جاء في حديث عمر رضي الله عنه السابق ‪:‬‬
‫" إل هاءَ وهاءَ " أي خذ وخذ ‪ ،‬وهذا يعني وجوب التقابض فعل ً‬
‫في المجلس ‪.‬‬
‫ما يعتبر جنسا ً واحدا ً وما ل يعتبر ‪:‬‬
‫وضع الفقهاء قاعدة لمعرفة ما هو جنس واحد ‪ ،‬وما ليس‬
‫بجنس واحد ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬كل شيئين اتفقا في السم الخاص من‬
‫أصل الخلقة فهما جنس واحد ‪ ،‬وكل شيئين اختلفا في السم‬
‫من أصل الخلقة فهما جنسان ‪.‬‬
‫والمراد بالسم الخاص ما يميز الشيء عن السم العام‬
‫المشترك ‪ ،‬فكلمة تمر اسم خاص ‪ ،‬يميز نوعا ً من الفاكهة‬
‫والثمر عن غيره ‪ ،‬مما يشاركه في السم العام ‪ ،‬وهو فاكهة أو‬
‫ثمر‬
‫‪71‬‬

‫والمراد بأصل الخلقة هيئته التي خلق عليها ‪ ،‬فل يكفي‬
‫التفاق بالسم بعد الصنعة أو التحويل ‪.‬‬
‫ فالذهب بأنواعه جنس واحد ‪ ،‬وكذلك الفضة ‪.‬‬‫‪-‬‬

‫والتمر بأنواعه جنس واحد ‪ ،‬وكذلك الزبيب ‪.‬‬

‫ والحنطة بأنواعها جنس واحد ‪ ،‬وكذلك الشعير ‪.‬‬‫‪-‬‬

‫وكل ماله رطب ويابس ‪ ،‬كالعنب والزبيب والّر َ‬
‫طب‬

‫والتمر ‪ ،‬فرطبه ويابسه جنس واحد ‪.‬‬
‫‪-‬‬

‫وما تفرغ عن أصل يعتبر مع أصله جنسا ً واحدا ً ‪ ،‬فالحنطة‬

‫ودقيقها والمجروش منها – كالبرغل – كلها جنس واحد ‪.‬‬
‫‪-‬‬

‫ولحوم الحيوانات أجناس مختلفة ‪ :‬فالضأن جنس والمعز‬

‫منه ‪ ،‬والبقر جنس والجواميس منه ‪ ،‬ولحوم البل كلها جنس‬
‫واحد ‪.‬‬
‫ول فرق بين أن يكون اللحم أحمر أم أبيض ‪ ،‬فهما جنس‬
‫واحد ‪ ،‬ويدخل فيه ما خالطه من دهن أو لصقه ‪ ،‬كدهن الظهور‬
‫والجوانب والصدر ‪.‬‬
‫وأما الشحم الذي يكون في البطن فهو جنس آخر غير‬
‫اللحم ‪ ،‬وكذلك اللية ‪ ،‬فهي جنس غير الشحم واللحم ‪ ،‬وكذلك‬
‫سنام البعير جنس مستقل ‪.‬‬
‫وكذلك الحشاء – كالكبد والطحال والكرش – فهي أجناس‬
‫ما سبق من اللحم والشحم‬
‫مختلفة فيما بينها ‪ ،‬ومختلفة ع ّ‬
‫واللية ‪.‬‬
‫ وفروع الصول المختلفة الجناس أجناس مختلفة‬‫كُأصولها ‪:‬‬
‫•‬

‫فدقيق الحنطة جنس ‪ ،‬ودقيق الشعير جنس آخر ‪.‬‬

‫•‬

‫وخ ّ‬
‫ل العنب جنس ‪ ،‬وخل التمر جنس آخر ‪.‬‬

‫‪72‬‬

‫وكذلك الدهان التي ُتعدّ للكل أو الدواء ‪ ،‬فهي أجناس‬

‫•‬

‫كُأصولها المأخوذة منها ‪.‬‬
‫وكذلك اللبان أجناس مختلفة ‪ :‬فلبن الضأن والمعز جنس‬

‫‪-‬‬

‫واحد ‪ ،‬ولبن البقر والجاموس جنس واحد ‪ ،‬وألبان البل‬
‫جنس واحد ‪.‬‬
‫وبيض الطيور أجناس مختلفة حسب ُأصولها ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫تبايع الموال الربوية وشروط صحته ‪:‬‬
‫إن الموال الربوية التي ذكرناها – وبي ّّنا عّلتها ومعيارها ‪،‬‬
‫وصنفنا أجناسها – كثيرا ً ما يحتاج الناس إلى التعامل بها‬
‫وتبادلها فيما بينهم عن طريق معاوضة بعضها ببعض ‪ .‬وشرع‬
‫الله عّز وجل إنما جاء بالتيسير ورفع الحرج عن المكلفين ‪ ،‬قال‬
‫ر {البقرة ‪185‬‬
‫م ال ْ ُ‬
‫ع ْ‬
‫م ال ْي ُ ْ‬
‫ريدُ ب ِك ُ ُ‬
‫ه ب ِك ُ ُ‬
‫ريدُ الل ّ ُ‬
‫س َ‬
‫سَر َ‬
‫ول َ ي ُ ِ‬
‫تعالى } ي ُ ِ‬
‫ع َ‬
‫ج{‬
‫ل َ‬
‫م ِ‬
‫ن ِ‬
‫ن َ‬
‫في ال ّ‬
‫ج َ‬
‫وقال ‪َ } :‬‬
‫م ْ‬
‫عل َي ْك ُ ْ‬
‫حَر ٍ‬
‫دي ِ‬
‫الله تعالى للناس أن يتبايعوا هذه الموال ويتعاوضوها‬
‫الحج ‪78‬‬

‫ولذلك شرع‬

‫ح تعاملهم وجاز بيعهم ‪ ،‬إذ من شأن تلك‬
‫بشروط ‪ ،‬إذا توفرت ص ّ‬
‫الشروط أن تخرج التعامل عن معنى الربا المحرم ‪ ،‬الذي يوقع‬
‫المتعاقدين في الثم ‪.‬‬
‫وهذه الشروط نستنتجها من خلل ما سبق من الكلم عن‬
‫عّلة الربا وأنواع الربا ‪ ،‬ونلخصها مرّتبة فيما يلي ‪:‬‬
‫‪-1‬‬

‫عند اتحاد الجنس ‪:‬‬

‫إذا بيع مال ربوي بجنسه – وواضح في هذه الحالة أن العلة‬
‫فيهما واحدة – كحنطة بحنطة ‪ ،‬وسكر بسكر ‪ ،‬وفضة بفضة ‪،‬‬
‫اشترط في هذا البيع ثلثة شروط ليخرج عن كونه عقدا ً ربويا ً ‪،‬‬
‫وهي ‪:‬‬

‫‪73‬‬

‫أ – المماثلة في البدلين ‪ :‬كيل ً في المكيلت كمدّ بمدّ ولتر بلتر ‪،‬‬
‫ووزنا ً في الموزونات كرطل برطل ‪ ،‬وكيلو غرام ‪ ،‬وعددا ً‬
‫في العدديات ‪ ،‬كخمسة بخمسة ونحو ذلك ‪.‬‬
‫ب – أن يكون العقد حال ً ‪ :‬وذلك بأن ل يذكر في العقد أي اجل‬
‫لتسليم أحد البدلين ‪ ،‬مهما قصر ذلك الجل ‪.‬‬
‫جـ ‪ -‬التقابض ‪ :‬بأن يقبض ك ّ‬
‫ل من المتعاقدين البدل من الخر‬
‫قبل أن يتفرقا بأبدانهما من مجلس العقد ‪.‬‬
‫وهذه الشروط الثلثة مأخوذة ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫من قوله ‪ ‬في الحاديث السابقة " مثل ً بمثل " فقد د ّ‬
‫ل‬

‫على جواز بيع الربوي بجنسه عند المماثلة ‪ ،‬وعدم جوازه عند‬
‫عدمها ‪.‬‬
‫‪-‬‬

‫ومن قوله ‪ " ‬يدا ً بيد " وقوله ‪ " :‬هاءَ وهاءَ " فقد دل ّ على‬

‫صحة البيع عند التقابض والحلول ‪ ،‬وعدم صحته عند التأجيل ‪،‬‬
‫أو عدم التقابض ‪.‬‬
‫عند اختلف الجنس واتحاد العلة ‪:‬‬
‫‪-2‬‬
‫إذا بيع مال ربوي بمال ربوي آخر من غير جنسه ‪ ،‬ولكن‬
‫العلة فيهما واحدة – كما إذا كانا ثمنين أو مطعومين – اشترط‬
‫لصحة البيع وخروجه عن معنى الربا شرطان ‪:‬‬
‫أ – أن يكون العقد حال ً ‪ ،‬كما مر في اتحاد الجنس ‪.‬‬
‫ب – أن يجري التقابض في مجلس العقد ‪.‬‬
‫ول يشترط التماثل بين البدلين في هذه الحالة ‪ ،‬بل يجوز‬
‫ي شعير ‪ ،‬وغراما ً من ذهب بخمسة من‬
‫أن يبيعه مدّ حنطة بمدّ ْ‬
‫ح العقد وتترتب عليه آثاره ‪ ،‬إذا لم يكن فيه أجل ‪،‬‬
‫فضة ‪ ،‬ويص ّ‬
‫وحصل التقابض على ما علمت‬

‫‪74‬‬

‫ودل على هذا ‪ :‬ما جاء في حديث عباده رضي الله عنه‬
‫عوا كيف شئُتم ‪ ،‬إذا‬
‫ت هذه الصنا ُ‬
‫ف فبي ُ‬
‫السابق ‪" :‬فإذا اختلف ْ‬
‫كان يدا ً بيد " ‪.‬‬
‫والمراد بالصناف أجناس الموال الربوية المذكورة من‬
‫الحاديث وما يلحق بها ‪ .‬والمراد باختلف كون الثمن في البيع‬
‫من غير جنس المبيع ‪.‬‬
‫ومعنى قوله " فبيعوا كيف شئتم " أي جاز لكم أن تتبايعوا‬
‫هذه الموال عند الختلف دون شرط التماثل بين البدلين [ ‪.‬‬
‫‪-3‬‬

‫عند اختلف العلة ‪:‬‬

‫علمنا أن العلة في اعتبار المال ربويا ً عند الفقهاء كونه ثمنا ً‬
‫أو مطعوما ً ‪ ،‬وعليه ‪ :‬فل يتصور اختلف العلة في البدلين في‬
‫العقد الربوي إل أن يكون أحدهما من الثمان والخر مطعوما ً ‪،‬‬
‫وفي هذه الحالة فل يشترط لصحة البيع وجواز التعاقد أي‬
‫ح بيع عشرين مددّا ً من القمح‬
‫شرط من الشروط السابقة ‪ ،‬فيص ّ‬
‫بعشر غرامات من الذهب مثل ً ‪ ،‬حصل التقابض أو لم يحصل ‪،‬‬
‫اشترط الجل أو لم يشترط ‪.‬‬
‫ودليل هذا ‪ :‬ما رواه البخاري ومسلم ‪ :‬عن أبي سعيد‬
‫الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما ‪ :‬أن رسول الله ‪‬‬
‫استعمل رجل ً على خيبر ‪ ،‬فجاء بتمر جنيب ‪ ،‬فقال رسول الله‬
‫‪ " : ‬أكل تمر خيبر هكذا؟ " فقال ‪ :‬ل والله يا رسول الله ‪ ،‬إّنا‬
‫لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين ‪ ،‬والصاعين بالثلثة ‪ .‬فقال‬
‫النبي ‪ " : ‬ل تفعل ‪ ،‬بع الجمع بالدراهم ‪ ،‬ثم اتبع بالدراهم‬
‫جنيبا ً " ) البخاري في الوكالة ‪ ،‬باب ‪ :‬الوكالة في الصرف‬
‫والميزان ‪ ،‬رقم‪ 2180:‬ومسلم في المساقاة ‪ ،‬باب ‪ :‬بيع‬
‫الطعام مثل ً بمثل ‪ ،‬رقم ‪. ( 1593‬‬

‫‪75‬‬

‫] والجنب ‪ :‬التمر الجيد ‪ ،‬والجمع التمر الرديء أو‬
‫المختلط [ ‪.‬‬
‫فقد د ّ‬
‫ل هذا الحديث على جواز البيع مطلقا ً حين يكون أحد‬
‫البدلين من الثمان ‪ ،‬والبدل الثاني من غيرها ‪ ،‬سواء أكان‬
‫مطعوما ً أم غير مطعوم ‪.‬‬
‫‪-4‬‬

‫عند المبادلة بمال غير ربوي ‪:‬‬

‫ح البيع مطلقا ً ‪،‬‬
‫إذا بيع مال ربوي بمال آخر غير ربوي ص ّ‬
‫ي شرط من شروط جواز التعامل الربوي ‪ ،‬فل يشترط‬
‫بدون أ ّ‬
‫تماثل ول حلول ول تقابض ‪ ،‬لن العقد خرج عن كونه عقدا ً‬
‫ربويا ً طالما أن أحد البدلين مال غير ربوي ‪.‬‬
‫فإذا بيع الطعام على اختلف أنواعه بغير طعام ‪ ،‬كثوب مثل ً‬
‫‪ ،‬جاز مطلقا ً ‪ ،‬كما لو كان أحد البدلين ثمنا ً كما علمت ‪ .‬فالبيع‬
‫جائز وصحيح سواء أكان البدلن متماثلين أم متفاضلين ‪ ،‬وسواء‬
‫أكان البيع حال ً أم مؤجل ً ‪ ،‬وسواء أكان البدلن من جنس واحد‬
‫أم من جنسين مختلفين ‪.‬‬
‫المماثلة ‪ :‬تح ّ‬
‫ققها واعتباره وما يمنع منها ‪:‬‬
‫قد علمت أنه إذا بيع مال ربوي بآخر من جنسه اشترط‬
‫ح البيع ويخرج عن معنى‬
‫تحقق المماثلة بين البدلين حتى يص ّ‬
‫مرت بك ‪.‬‬
‫الربا ‪ ،‬إلى جانب الشروط الخرى التى ّ‬
‫والذي نريد بيانه الن هو ‪ :‬ما تتحقق به هذه المماثلة ‪،‬‬
‫ومتى تعتبر؟ وما الذي يمنع من تحققها ؟‬
‫أ – ما تتحقق به المماثلة ‪:‬‬
‫حتى تتحقق المماثلة بين البدلين لبدّ من كونهما متساويين‬
‫في القدر المعتبر شرعا ً لكل مال من الموال الربوية ‪.‬‬
‫والمعتبر في هذا ‪ :‬الكيل في المكيلت وإن تفاوت الوزن ‪،‬‬
‫والوزن في الموزونات وإن تفاوت كيلها ‪ .‬فما ُيباع بالكيل ل‬
‫‪76‬‬

‫ح بيعه بجنسه إل بما يماثله كيل ً ‪ ،‬فإذا بيع بما يساويه وزنا ً‬
‫يص ّ‬
‫لم يجز ‪ .‬وما ُيباع بالوزن ل ُيباع بجنسه إل بما يساويه وزنا ً ‪،‬‬
‫فإذا بيع بما يساويه كيل ً لم يجز ‪.‬‬
‫فالمماثلة تتحقق إذن ‪ :‬في المكيل كيل ً ‪ ،‬وفي الموزون‬
‫وزنا ً ‪.‬‬
‫والعبرة في كون المال مما يكال أو يوزن هو ‪:‬‬
‫غالب عادة أهل الحجاز – مكة والمدينة – في عهد رسول‬
‫الله ‪ ، ‬لن الغالب أن النبي ‪ ‬ا ّ‬
‫طلع على ذلك واقّره ‪ ،‬ولما‬
‫رواه أبو داود والنسائي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال ‪:‬‬
‫ن أهل مكة ‪ ،‬والمكيال مك َْيا ُ‬
‫ل‬
‫ن وْز ُ‬
‫قال رسول الله ‪ " ‬الوْز ُ‬
‫أهل المدينة " ) أبو داود ‪ :‬البيوع والجارات ‪ ،‬باب ‪ :‬قول النبي‬
‫لم َ‬
‫كيا ُ‬
‫‪ " ‬المكيا ُ‬
‫ل المدينة " رقم ‪ . 3340 :‬والنسائي ‪:‬‬
‫البيوع ‪ ،‬باب ‪ :‬الرجحان في الوزن ‪. ( 7/284 :‬‬
‫فما نقل فيه عرف لهل الحجاز في ذلك الوقت فالمعتبر‬
‫فيه عرفهم ‪ ،‬وإن أحدث الناس خلفه في بلدانهم ‪.‬‬
‫وما لم يكن في عه رسول الله ‪ - ‬كالبن مثل ً – أو كان‬
‫جهل حاله ‪ ،‬ينظر ‪:‬‬
‫و ُ‬
‫• فإن كان مما ل يمكن كيله ‪ ،‬بأن كانت حّباته كبارا ً تتجافى‬
‫عن جوانب المكيال ‪ ،‬أو تترك فرجا ً فيما بينها ‪ ،‬كالسفرجل‬
‫والرمان والباذنجان ‪ ،‬فالمعتبر فيه الوزن ‪.‬‬
‫• وإن كان مما يمكن كيله ‪ ،‬ففيه وجهان ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫الوجه الول ‪ :‬يعتبر بأشبه الشياء به في الحجاز ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫الوجه الثاني ‪ :‬يعتبر فيه عرف بلد البيع وعادتهم ‪.‬‬

‫وهذا هو الرجح‪.‬‬
‫قال أبو يوسف رحمه الله تعالى من الحنفية ‪ :‬المعتبر في‬
‫كون الشيء مكيل ً أو موزونا ً هو العرف مطلقا ً ‪ ،‬فما تعارف‬
‫‪77‬‬

‫الناس في بلد البيع بيعه كيل ً فهو مكيل ‪ ،‬وما تعارف الناس‬
‫بيعه وزنا ً فهو موزون ‪.‬‬
‫ص الشارع‬
‫وقال ‪ :‬إن النص ورد جريا ً على العرف ‪ ،‬وإنما ن ّ‬
‫على كيل بعض الشياء ووزن بعضها لن العرف كان جاريا ً بذلك‬
‫‪ ،‬ولو كان العرف جاريا ً على خلفة لورد النص على خلفه ‪.‬‬
‫ورجح بعض المتأخرين من الحنفية العمل بهذا القول ‪،‬‬
‫ولعله أقرب إلى التيسير على الناس وإخراجهم من الثم وإل‬
‫حكم على تعاملهم في أكثر البلدان بالفساد والبطلن ‪،‬‬
‫ُ‬
‫ووصفوا بالفسوق والعصيان ‪ .‬ولذا ل نرى مانعا ً من العمل به ‪،‬‬
‫والله تعالى أعلم ‪.‬‬
‫ب – متى تعتبر المماثلة ‪:‬‬
‫‪ -1‬إذا كان المبيع الربوي مما يختلف كيل ً أو وزنا ً من حال إلى‬
‫حال ‪ ،‬وله وقت رطوبة ووقت جفاف ‪ ،‬فالمماثلة فيه تعتبر‬
‫وقت الجفاف الذي هو حال الكمال في نضجه ‪:‬‬
‫ فل يباع الحب بعضه ببعض إل بعد أن ييبس ويشتد ‪،‬‬‫ويشترط فيه تنقيته من قشره ‪ ،‬حتى تتحقق المماثلة ‪.‬‬
‫‪-‬‬

‫ول يباع الّر َ‬
‫طب حتى يصبح تمرا ً ‪ ،‬فل يباع الرطب بالرطب‬

‫ول الرطب بالتمر ‪.‬‬
‫ ول يباع العنب بالعنب ول العنب بالزبيب ‪ ،‬إذ الكمال فيه‬‫أن يصبح زبيبًا‪.‬‬
‫‪-‬‬

‫وكذلك ل يباع أي جنس من الفاكهة – كالتين والمشمش –‬

‫بشيء من جنسه حتى ييبس ‪ ،‬فل يباع منه رطب برطب ‪ ،‬ول‬
‫رطب بيابس ‪.‬‬
‫والعمدة في هذا ما رواه الترمذي ‪ :‬عن سعد بن أبي وقاص‬
‫سأل عن اشتراء‬
‫رضي الله عنه قال ‪ :‬سمعت رسول الله ‪ ‬ي ُ ْ‬
‫ص الّر َ‬
‫التمر بالّر َ‬
‫طب ‪ ،‬فقال لمن حوله ‪ " :‬أي َن ْ ُ‬
‫طب إذا يبس ؟ "‬
‫ق ُ‬
‫‪78‬‬

‫قالوا ‪ :‬نعم ‪ ،‬فنهى عن ذلك ‪ .‬قال الترمذي ‪ :‬هذا حديث حسن‬
‫صحيح ‪ ،‬والعمل على هذا عند أهل العلم ‪ ) .‬سنن الترمذي ‪:‬‬
‫البيوع ‪ ،‬باب ‪ :‬ما جاء في كراهية بيع الثمرة حتى يبدو صلحها ‪،‬‬
‫رقم ‪ 1225 :‬وأخرجه أبو داود في البيوع والجارات ‪ ،‬باب ‪ :‬في‬
‫التمر بالتمر ‪ ،‬رقم ‪ . 3359‬والنسائي في البيوع ‪ ،‬باب ‪ :‬اشتراء‬
‫التمر بالرطب ‪ . 7/268 :‬وابن ماجه في التجارات ‪ ،‬باب ‪ :‬بيع‬
‫الرطب بالتمر ‪ ،‬رقم ‪ . 2264 :‬والموطأ في البيوع باب ‪ :‬ما‬
‫يكره من بيع التمر ‪.(2/624 :‬‬
‫‪ -2‬وإذا كان المكيل أو الموزون من الموال الربوية مما جفاف‬
‫له ‪ ،‬كالقثاء ‪ ،‬والعنب الذي ل يتزبب ‪ ،‬والرطب الذي ل‬
‫يتتمر ‪ ،‬والزيتون ‪ ،‬فإنه تكفي مماثلته رطبا ً ‪ ،‬ويباع وزنا ً‬
‫وإن كان مما ُيكال ‪.‬‬
‫‪ -3‬ول يكفي تماثل ما يتخذ من الحب ‪ ،‬كالدقيق والبرغل‬
‫والنشاء ونحوها ‪ ،‬فل يباع شيء منها بمثله من جنسه ول‬
‫بالحب الذي اتخذ منه ‪ ،‬لخروجها عن حالة الكمال ‪ ،‬وعدم‬
‫إمكان العلم بالمماثلة في هذه الحالة ‪ ،‬لختلفها في‬
‫النعومة والخشونة ‪ ،‬وهي مكيلة ‪ ،‬فما يتركه بعضا ً من فراغ‬
‫ما يتركه الخر ‪.‬‬
‫في الكيل يختلف ع ّ‬
‫أما إذا بيع شيء منها بغير جنسه ‪ ،‬كأن ُيباع دقيق‬
‫الحنطة بدقيق الشعير ونحو ذلك متماثل ً أو متفاضل ً فل مانع ‪،‬‬
‫لختلف الجنس ‪ ،‬ولكن ُيشترط الحلول التقابض كما علمت ‪.‬‬
‫‪ -4‬وتعتبر المماثلة في حبوب الدهان – كالسمسم ‪ -‬حال كونها‬
‫حب ّا ً ‪ ،‬وحال كونها دهنا ً ‪ ،‬ولكن ل ُيباع حبها بدهنها ‪ ،‬لعدم‬
‫تحقق المماثلة ‪.‬‬

‫‪79‬‬

‫‪ -5‬وتتحقق المماثلة في العنب زبيبا ً ‪ ،‬كما تتحقق فيه خل ً أو‬
‫عصيرا ً على الصح وكذلك الرطب ‪ :‬تتحقق فيه المماثلة‬
‫ً‬
‫تمرا ً أو خل ّ أو عصيرا ً ‪.‬‬
‫‪ -6‬وتتحقق المماثلة في اللبن ‪ :‬لبنا ً خالصا ً – أي غير مشوب‬
‫بماء أو غيره – فُيباع الحليب بالحليب ولكن بعد سكون‬
‫رغوته ‪ ،‬وكذلك يباع الرائب بمثله وبالحليب ‪.‬‬
‫كما تتحقق المماثلة فيه سمنا ً خالصا ً مص ّ‬
‫فى بشمس أو‬
‫نار ‪ ،‬فيجوز بيع بعضه ببعض ‪.‬‬
‫ول تكفي المماثلة في أحواله الخرى كأن يكون جبنا ً أو‬
‫أقطا ً أو زبدا ً ‪ ،‬لنها ل تخلو في هذه الحوال عن مخالطة غيرها‬
‫‪ ،‬فالجبن يخالطه النفحة ‪ ،‬والقط يخالطه الملح ‪ ،‬والزبد ل‬
‫يخلو من قليل من المخيض ‪ ،‬فل تتحقق فيها المماثلة ‪ ،‬وعليه ‪:‬‬
‫فل يباع بعض ك ّ‬
‫ل منها بعض ‪ ،‬ول يباع بعضها ببعض ‪ ،‬ول يباع‬
‫الزبد بالسمن ‪ ،‬كما ل يباع اللبن بما يتخذ منه كالسمن وغيره ‪.‬‬
‫ج – ما يمنع من المماثلة ‪:‬‬
‫يمنع من المماثلة بين المتجانسين ‪:‬‬
‫‪-1‬‬

‫تأثير النار ‪ :‬فإذا أّثرت النار على مال ربوي ‪َ ،‬‬
‫شيا ً أو‬

‫قْليا ً أو طبخا ً ‪ ،‬كاللبن المغلي واللحم المشوي والحمص‬
‫مص ‪ ،‬فل يباع شيء منه بمثله من جنسه ‪ ،‬لمتناع‬
‫م َ‬
‫ح ّ‬
‫ال ُ‬
‫تح ّ‬
‫قق المماثلة فيه ‪ ،‬لن تأثير النار ل غاية له ول حدّ ‪،‬‬
‫فيختلف من شيء إلى شيء فل تتحقق المماثلة ‪.‬‬
‫ول يضر تأثير تمييز ‪ :‬كتمييز العسل من الشمع ‪ ،‬والسمن‬
‫من اللبن ‪ ،‬والذهب والفضة مما خالطهما من غش ‪.‬‬
‫‪-2‬‬

‫المخالطة ‪ :‬فإذا خالط المال الربوي شيء آخر من‬

‫غير جنسه ‪ ،‬سواء أكان المخالط ربويا ً أم غير ربوي ‪ ،‬امتنع‬
‫تحقق المماثلة فيه ‪ ،‬لعدم التح ّ‬
‫قق من نسبة الخليط‬
‫‪80‬‬

‫وبالتالي ل ُيباع شيء منه بآخر من جنسه ‪ ،‬سواء كان‬
‫مخالطا ً أم ل ‪.‬‬
‫ولذلك لم تعتبر المماثلة في الجبن والقط كما علمت ‪.‬‬
‫المماثلة تحقيقا ً ل ظنا ً وتخمينا ً ‪:‬‬
‫علمنا أنه إذا بيع المال الربوي بمال ربوي من جنسه‬
‫ح‬
‫اشترطت المماثلة بالكيل أو الوزن بين البدلين ‪ ،‬حتى يص ّ‬
‫البيع ‪.‬‬
‫وهذه المماثلة ل بدّ من وجودها تحقيقا ً ويقينا ً حين العقد ‪،‬‬
‫بأن يكال ك ّ‬
‫ل من البدلين أو يوزن قبل التعاقد ‪ ،‬أو يكون قدر‬
‫ك ّ‬
‫ل منهما معلوما ً للمتعاقدين ‪.‬‬
‫فل تكفي المماثلة ظنا ً وتخمينا ً ‪ ،‬كان يبيعه صبرة حنطة‬
‫مجازفة ‪ ،‬أي بدون كيل أو وزن ‪ ،‬على تقدير أنهما متساويتان ‪.‬‬
‫أو يبيعه مائة صاع من حنطة بصبرة منها تساويها تقديرا ً ‪ ،‬فهذا‬
‫البيع في الحالين ممنوع ‪ ،‬لحتمال التفاضل بين البدلين ‪،‬‬
‫وشرط صحة البيع في الربويات عند اتحاد الجنس ‪ :‬الخلو عن‬
‫احتمال التفاضل ‪ ،‬لن احتمال التفاضل مثل تحققه ‪.‬‬
‫ويدل لهذا المنع حديث جابر رضي الله عنه قال " نهى‬
‫مر ‪ ،‬ل يعلم مكيل َُتها ‪،‬‬
‫صب ْ َرة من الت ّ ْ‬
‫رسول الله ‪ ‬عن بيع ال ّ‬
‫مى من التمر" ‪ ) .‬أخرجه مسلم في البيوع ‪ ،‬باب ‪:‬‬
‫بالكيل المس ّ‬
‫تحريم بيع صبرة التمر المجهولة القدر بتمر ‪ ،‬رقم ‪. ( 1530‬‬
‫] والصبرة هي الكومة [ ‪.‬‬
‫ويشهد لهذا أيضا ً قول ابن مسعود رضي الله عنه ‪ :‬ما‬
‫اجتمع الحلل والحرام في شيء إل وقد غلب الحرام ‪ .‬أي إذا‬
‫توارد أمران على شيء ‪ :‬أحدهما يقتضى حله والخر يقتضي‬
‫حرمته ‪ ،‬قدم ما يقتضي حرمته ومنع منه ‪ ،‬احتياطا ً في الدين‬
‫وُبعدا ً عن الوقوع في الشبهات ‪ .‬وهنا احتمال عدم التفاضل‬
‫‪81‬‬

‫يقتضي ح ّ‬
‫ل بيع الصبرة بغيرها ‪ ،‬واحتمال التفاضل يقتضي‬
‫دم المنع ‪.‬‬
‫المنع من ذلك ‪ ،‬فق ّ‬
‫المزابنة والمحا قلة ‪:‬‬
‫ومما ل يخلو عن احتمال التفاضل في بيع الربويات ‪:‬‬
‫المحاقلة والمزابنة ‪.‬‬
‫والمحاقلة ‪ :‬أن يبيع الحب في سنبله بما يساويه خرصا ً ‪ ،‬أي‬
‫تقديرا ً وتخمينا ً لكيله أو وزنه ‪.‬‬
‫والمزابنة ‪ :‬أن يبيع الّر َ‬
‫طب على رؤوس الشجر بما يساويه‬
‫خرصا ً من التمر المجذوذ ‪ ،‬أي المقطوع والمقطوف ‪ .‬ومثل‬
‫الرطب والتمر العنب والزبيب ‪.‬‬
‫فك ّ‬
‫ل من المحاقلة والمزابنة ممنوع شرعا ً ‪ ،‬لعدم الجزم‬
‫بتساوي البدلين ‪ ،‬أو عدم تح ّ‬
‫قق المماثلة يقينا ً ‪.‬‬
‫وقد ثبت النهي عن ذلك في حديث رسول الله ‪ ، ‬فقد‬
‫روى البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال " نهى‬
‫رسول الله ‪ ‬عن المزابنة ‪ :‬أن يبيع ثمَر حائطه ‪ :‬إن كان نخل ً‬
‫بتمر كيل ً ‪ ،‬وإن كان كرما ً ‪ :‬أن يبيعه بزبيب كيل ً ‪ ،‬أو كان الزرع‬
‫بالطعام كيل ً ‪ ،‬رقم ‪ 2091 :‬ومسلم في البيوع ‪ ،‬باب ‪ :‬تحريم‬
‫بيع الرطب بالتمر إل في العرايا ‪ ،‬رقم ‪. ( 1542:‬‬
‫] حائطه ‪ :‬بستانه ‪ .‬كرما ً ‪ :‬الكرم شجر العنب [ ‪.‬‬
‫العرايا ‪:‬‬
‫العرايا – في اللغة – جمع عريه ‪ ،‬وهي الشجرة التي يفردها‬
‫ميت بذلك لنها عريت عن حكم جميع‬
‫مالكها للكل ‪ ،‬س ّ‬
‫البستان ‪.‬‬
‫وفي الشرع ‪ :‬أن يبيع الرطب على النخل بخرصه تمرا ً ‪ ،‬أو‬
‫العنب بخرصه زبيبا ً ‪ ،‬فيما دون خمسة أوسق ‪ ،‬أي ما يساوي‬
‫سبعمائة كيلوغرام تقريبا ً ‪.‬‬
‫‪82‬‬

‫ما ورد النهي عن بيع التمر رطبا ً بما يساويه من‬
‫وذلك أنه ل ّ‬
‫من يرغب أن يأكل الرطب أو‬
‫جنسه يابسا ً ‪ ،‬وكان في الناس َ‬
‫العنب من على الشجر ‪ ،‬وليس لديه نخيل أو كرم ‪ ،‬رخص‬
‫ال ّ‬
‫شرع فيما ذكر ‪ ،‬تلبية لحاجة الناس وتخفيفا ً عليهم وتيسيرا ً ‪.‬‬
‫وقد جاء في مشروعية ذلك أحاديث كثيرة منها ‪:‬‬
‫حْثمة رضي الله‬
‫ما رواه البخاري ومسلم عن سهل بن أبي َ‬
‫عنه ‪ " ،‬أن رسول الله ‪ ‬نهى عن الثمر بالتمر ‪ ،‬ورخص في‬
‫خْرصها ‪ ،‬يأكلها أهلها رطبا ً " ‪.‬‬
‫ن ت َُباع ب َ‬
‫العرية أ ْ‬
‫] أهلها ‪ :‬الذين اشتروها [‬
‫وما رواه البخاري ومسلم – أيضا ً – عن أبي هريرة رضي الله‬
‫عَرايا ‪ ،‬في خمسة‬
‫عنه ‪ " :‬أن رسول الله ‪ ‬رخص في بيع ال َ‬
‫ق ‪ ،‬أو دون خمسة أوسق " ‪.‬‬
‫أ ْ‬
‫وس ٍ‬
‫وكذلك ما روياه عن رافع بن خديج وسهل بن أبي حثمة‬
‫رضي الله عنهما ‪ " :‬أن رسول الله ‪ ‬نهى عن المزابنة ‪ :‬بيع‬
‫الثمر بالتمر ‪ ،‬إل أصحاب العرايا ‪ ،‬فإنه أذن لهم " ) البخاري ‪:‬‬
‫البيوع ‪ ،‬باب ‪ :‬بيع الثمر على رؤوس النخل ‪ ، ..‬رقم ‪، 2078 :‬‬
‫‪ ، 2079‬والمساقاة ‪ ،‬باب ‪ :‬الرجل يكون له ممر أو يشرب ‪، ..‬‬
‫رقم ‪ . 2254 :‬ومسلم ‪ :‬البيوع ‪ ،‬باب ‪ :‬تحريم بيع الرطب بالتمر‬
‫إل في العرايا ‪. ( 1541 ، 1540 ،‬‬
‫خصت بثمر النخيل ُر َ‬
‫طبا ً وتمرا ً ‪،‬‬
‫والحاديث كما ترى ر ّ‬
‫وقيس به ثمر الكرم ‪ :‬العنب والزبيب ‪ ،‬بجامع أن كل ّ منهما مال‬
‫دخر يابسه ‪.‬‬
‫زكوي يمكن خرصه وي ُ ّ‬
‫بيع اللحم باللحم ‪ ،‬وبيع اللحم بالحيوان ‪ ،‬والحيوان بالحيوان‬
‫‪:‬‬
‫• بيع اللحم باللحم ‪:‬‬

‫‪83‬‬

‫مّر معنا أن اللحوم أجناس حسب أصولها ‪ ،‬وأنها من الموال‬
‫الربوية ‪ ،‬فيجوز بيع بعضها ببعض بشرط التماثل والحلول‬
‫والتقابض – على ما مّر‪ -‬إن كانت من جنس واحد ‪ .‬فإن اختلف‬
‫الجنس ‪ ،‬كلحم ضأن بلحم بقر مثل ً ‪ ،‬جاز التفاضل واشترط‬
‫الحلول والتقابض ‪.‬‬
‫ونريد أن نعرف هنا حكم بيع الحيوان بالحيوان ‪ ،‬وحكم بيع‬
‫اللحم بالحيوان ‪:‬‬
‫•‬

‫بيع الحيوان بالحيوان ‪:‬‬
‫من خلل ما سبق من كلم نعلم أن الحيوان ليس بمال‬

‫ربوي لنه غير مطعوم على حاله وهيئته ‪ ،‬وواضح أنه ليس من‬
‫جنس الثمان ‪.‬‬
‫وعليه ‪ :‬فيجوز بيع الحيوان بالحيوان متفاضل ً ‪ ،‬سواء أكانا‬
‫من نوع واحد أم من نوعين ‪ ،‬فيجوز بيع شاة بشاتين ‪ ،‬وبيع‬
‫شاة ببعير ‪ ،‬وبيع بعير بثلث شياه ‪ ،‬وهكذا ‪ .‬ول فرق بين أن‬
‫يكون يصلح للركوب والحمل ‪ ،‬والكل والنتاج ‪ ،‬أم للكل خاصة ‪.‬‬
‫وكذلك يجوز بيعه حال ً ومؤجل ً ‪ ،‬حصل التقابض في مجلس‬
‫العقد أم لم يحصل ‪ ،‬سواء أكان البدلن من جنس واحد أم من‬
‫جنسين مختلفين ‪.‬‬
‫ودليل ذلك ‪ :‬ما رواه عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله‬
‫عنهما ‪ " :‬أن رسول الله ‪ ‬أمره أن يجهز جيشا ً ‪ ،‬فنفدت‬
‫ص الصدقة ‪ ،‬فكان يأخذ البعير‬
‫البل ‪ ،‬فأمره أن يأخذ في ِ‬
‫قل َ ِ‬
‫بالبعيَرْين إلى إبل الصدقة " ) أخرجه أبو داود في البيوع‬
‫والجارات ‪ ،‬باب ‪ :‬في الرخصة في ذل َ‬
‫ك ‪ ،‬بعد باب ‪ :‬في الحيوان‬
‫بالحيوان نسيئة ‪ ،‬رقم ‪. ( 3357 :‬‬
‫قال النووي رحمه الله تعالى في المجموع ) ‪: ( 9/454‬‬
‫حديث ابن عمرو بن العاص رواه أبو داود وسكت عنه ‪ ،‬فيقتضي‬
‫‪84‬‬

‫أنه عنده حسن كما سبق تقريره ‪ ،‬وإن كان في إسناده نظر ‪،‬‬
‫لكن قال البيهقي ‪ :‬له شاهد صحيح ‪ ،‬فذكره بإسناده الصحيح ‪.‬‬
‫• بيع اللحم بالحيوان ‪:‬‬
‫ل يجوز بيع اللحم بالحيوان مطلقا ً ل نقدا ً ول نسيئة ‪،‬‬
‫وسواء أكان اللحم من جنس الحيوان أم من غير جنسه ‪ ،‬وسواء‬
‫أكان الحيوان مأكول اللحم – كشاة بلحم بقر – أم غير مأكول‬
‫اللحم – كلحم بقر بحمار – فل يجوز مطلقا ً ‪.‬‬
‫ومثل اللحم ما في معناه ‪ :‬كالشحم واللية والكبد والقلب‬
‫والكلية والطحال ‪ ،‬وكذلك جميع أجزائه المأكولة ‪.‬‬
‫وأجازوا بيع الحيوان بالجلد بعد دبغه ‪ ،‬لخروجه عن كونه‬
‫لحما ً أو ما في معناه ‪ .‬أما قبل الدبغ فل يجوز أيضا ً ‪ ،‬لنه ُيعتبر‬
‫لحما ً ‪.‬‬

‫‪85‬‬

‫وعمدتهم في هذا المنع ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫حديث سمرة رضي الله عنه ‪ " :‬أن النبي ‪ ‬نهى عن بيع‬

‫ال ّ‬
‫شاة باللحم " )رواه الحاكم وقال ‪ :‬هذا حديث صحيح السناد‬
‫‪ ،‬رواته عن آخرهم أئمة ح ّ‬
‫فاظ ثقات انظر ‪ :‬المستدرك ‪:‬‬
‫البيوع ‪ ،‬باب ‪ :‬النبي ‪ ‬نهى عن بيع الشاة باللحم ‪. ( 2/35 :‬‬
‫‪-‬‬

‫وما رواه مالك في الموطأ مرسل ً ‪ :‬عن سعيد بن المسيب‬

‫رحمه الله تعالى ‪ " :‬أن النبي ‪ ‬نهى عن بيع الحيوان باللحم‬
‫" ) الموطأ ‪ :‬البيوع ‪ ،‬باب ‪ :‬بيع الحيوان باللحم ‪( 2/655 :‬‬
‫حكم التعامل الربوي من حيث ما يترتب عليه ‪:‬‬
‫إذا بيع المال الربوي بمال ربوي آخر ‪ ،‬ولم تتوفر الشروط‬
‫التي تخرج هذا العقد عن معنى الربا وتصححه ‪ ،‬كما إذا اتحد‬
‫الجنس وكان التفاضل وهو ربا الفضل ‪ ،‬أو اختلف الجنس‬
‫واتحدت العلة وكان التأخير وهو ربا النساء ‪ ،‬فما حكم هذا العقد‬
‫؟‬
‫قال الفقهاء ‪ :‬إنه عقد باطل ‪ ،‬فل يترتب عليه أي أثر ‪،‬‬
‫وكأنه لم يكن ‪ ،‬وذلك أن الربا في المعاوضات مبطل لها ‪.‬‬
‫دا البدلين ‪ ،‬فيسترد‬
‫ومعنى ذلك أن على المتعاقدين أن يترا ّ‬
‫كل منهما ما دفعه للخر ‪ ،‬ثم يعودان إلى التعاقد من جديد ‪ ،‬بعد‬
‫أن تتوفر شروط صحة العقد الربوي على ما سبق ‪ ،‬وإل وقعا‬
‫في الثم واستحقا العقاب الليم من الله عّز وجل ‪ ،‬وكان‬
‫كسبهما حراما ً خبيثا ً ‪.‬‬

‫‪86‬‬

‫ربـــا الـــــقرض‬

‫هو أن يستدين إنسان من آخر مقدارا ً من المال إلى أجل ‪،‬‬
‫ده له مع زيادة معينة ‪ ،‬أو يعطيه أقساطا ً معينة‬
‫على أن ير ّ‬
‫كفائدة وربح ‪ ،‬إلى حين استرداد ذلك المال ‪.‬‬
‫وهذا النوع من التعامل هو الذي جاءت نصوص الشريعة أول ً‬
‫وبالذات لبطاله ومنعه ‪.‬‬
‫فالربا الذي كان أهل الجاهلية يتعاطونه فيما بينهم ل‬
‫يختلف عن هذا التعامل في قليل ول كثير ‪ ،‬ولذا رغب فريق‬
‫من الناس في تلبيس المر – كما يرغب الكثيرون في ذلك هذه‬
‫اليام فقالوا ‪ :‬الربا وسيلة من وسائل الربح ‪ ،‬ل فرق بينه وبين‬
‫البيع في ذلك ‪ ،‬فجاء القرآن يؤنبهم على هذا التلبيس ويصفهم‬
‫بالخبال وشيء من الجنون على هذا الفهم السقيم والقول‬
‫عدهم على ذلك بأليم‬
‫الثيم وذلك القياس مع الفارق ‪ ،‬وتو ّ‬
‫ْ‬
‫ن‬
‫العقاب والخلود في النار فقال الله تعالى ‪} :‬ال ّ ِ‬
‫ن ي َأك ُُلو َ‬
‫ذي َ‬
‫شي ْ َ‬
‫ما ي َ ُ‬
‫الّرَبا ل َ ي َ ُ‬
‫ه ال ّ‬
‫س‬
‫ذي ي َت َ َ‬
‫ن ِ‬
‫م ال ّ ِ‬
‫طا ُ‬
‫مو َ‬
‫قو ُ‬
‫م َ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫خب ّطُ ُ‬
‫ن إ ِل ّ ك َ َ‬
‫قو ُ‬
‫م ّ‬
‫ل الربا َ‬
‫ذَل ِ َ َ‬
‫م َ‬
‫ح ّ‬
‫مث ْ ُ‬
‫م الّرَبا‬
‫ع ِ‬
‫و َ‬
‫ه ال ْب َي ْ َ‬
‫وأ َ‬
‫ما ال ْب َي ْ ُ‬
‫حّر َ‬
‫ك ب ِأن ّ ُ‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫قاُلوا ْ إ ِن ّ َ‬
‫ه ْ‬
‫ع َ‬
‫ّ َ َ‬
‫ف َ‬
‫ى َ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫ه‬
‫عظ َ ٌ‬
‫و ِ‬
‫مُرهُ إ َِلى الل ّ ِ‬
‫من ّرب ّ ِ‬
‫من َ‬
‫ما َ‬
‫فانت َ َ‬
‫وأ ْ‬
‫ه َ‬
‫فل َ ُ‬
‫ة ّ‬
‫جاءهُ َ‬
‫ف َ‬
‫سل َ َ َ‬
‫م ْ‬
‫ه َ‬
‫فأ ُوَلـئ ِ َ َ‬
‫ن {البقرة ‪275‬‬
‫ها َ‬
‫ن َ‬
‫م ِ‬
‫ر ُ‬
‫دو َ‬
‫خال ِ ُ‬
‫حا ُ‬
‫ص َ‬
‫في َ‬
‫م ْ‬
‫ه ْ‬
‫و َ‬
‫كأ ْ‬
‫عادَ َ ْ‬
‫َ‬
‫ب الّنا ِ‬
‫وهكذا قررت الية بصراحة ووضوح حرمة الربا مطلقا ً ‪ ،‬ولم‬
‫تفرق بين قليل منه أو كثير وحرضت على النتهاء عنه وتوعدت‬
‫على العودة إليه ‪ .‬وهي في مضمونها تقرر الفارق الكبير بينه‬
‫وبين البيع ‪ ،‬وحسبه أنه الفارق بين الحلل والحرام ‪.‬‬
‫ثم توجهت اليات إلى أولئكم الذين صدقوا بإيمانهم ‪ ،‬وكان‬
‫لكلمة التقوى أثر في نفوسهم ‪ ،‬فأمرتهم بترك الربا على‬
‫الطلق دون مواربة أو تعّنت ‪ ،‬وجعلت ذلك شرطا ً لصحة‬
‫عدت على الصرار على التعامل بالربا‬
‫اليمان ودليل ً عليه ‪ ،‬وتو ّ‬
‫‪87‬‬

‫عد به على فعل منكر من المنكرات ‪ .‬ثم أرشدت إلى‬
‫بما لم تتو ّ‬
‫التعامل المثل والسلوك الفضل إلى تشييد صرح التعاون‬
‫َ‬
‫ها‬
‫والحب والودّ في المجتمعات ‪ ،‬فقال سبحانه وتعالى ‪َ :‬يا أي ّ َ‬
‫ن الّرَبا ِإن ُ‬
‫مُنوا ْ ات ّ ُ‬
‫م ْ‬
‫ن‪.‬‬
‫ما ب َ ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫ي ِ‬
‫ال ّ ِ‬
‫مِني َ‬
‫م َ‬
‫ذي َ‬
‫كنُتم ّ‬
‫وذَُروا ْ َ‬
‫قوا ْ الل ّ َ‬
‫نآ َ‬
‫ه َ‬
‫ق َ‬
‫فعُلوا ْ َ ْ‬
‫م َ‬
‫م‬
‫سول ِ ِ‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫فأذَُنوا ْ ب ِ َ‬
‫م تَ ْ َ‬
‫وَر ُ‬
‫م َ‬
‫فل َك ُ ْ‬
‫وِإن ت ُب ْت ُ ْ‬
‫ب ّ‬
‫َِإن ل ّ ْ‬
‫حْر ٍ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫وِإن َ‬
‫ُر ُ‬
‫ن ُ‬
‫ة‬
‫ذو ُ‬
‫سَر ٍ‬
‫كا َ‬
‫مو َ‬
‫مو َ‬
‫ع ْ‬
‫ول َ ت ُظْل َ ُ‬
‫م ل َ ت َظْل ِ ُ‬
‫وال ِك ُ ْ‬
‫سأ ْ‬
‫ؤو ُ‬
‫ن‪َ .‬‬
‫ن َ‬
‫م َ‬
‫فن َظرةٌ إَلى ميسرة َ‬
‫م ِإن ُ‬
‫صدّ ُ‬
‫ن ‪‬‬
‫قوا ْ َ‬
‫مو َ‬
‫م تَ ْ‬
‫عل َ ُ‬
‫كنت ُ ْ‬
‫خي ٌْر ل ّك ُ ْ‬
‫وأن ت َ َ‬
‫َ ْ َ َ ٍ َ‬
‫َ ِ َ‬
‫ِ‬
‫) البقرة ‪ . ( 280 -278 :‬قال المام ابن كثير في تفسيره‬
‫ما‬
‫) يقول تعالى – آمرا ً عباده المؤمنين بتقواه ‪ ،‬ناهيا ً لهم ع ّ‬
‫يقّربهم إلى سخطه ويبعدهم عن رضاه – فقال ‪  :‬يا أيها‬
‫الذين آمنوا اتقوا الله ‪ ‬أي خافوه وراقبوه فيما تفعلون ‪‬‬
‫وذَُروا ما بقى من الربا ‪ ‬أي اتركوا ما لكم على الناس من‬
‫ن‬
‫الزيادة على رؤوس الموال بعد هذا النذار ‪ ‬إن كنتم مؤمني َ‬
‫‪ ‬أي بما شرع الله لكم من تحليل البيع وتحريم الربا وغير ذلك‬
‫‪.‬‬
‫وقد ذكر زيد بن أسلم وابن جريج ومقاتل بن حيان‬
‫والسدي ‪ :‬أن هذا السياق نزل في بني عمرو بن عمير من‬
‫ثقيف ‪ ،‬وبني المغيرة من بني مخزوم ‪ ،‬كان بينهم ربا ً في‬
‫الجاهلية ‪ ،‬فلما جاء السلم ودخلوا فيه طلبت ثقيف أن تأخذه‬
‫منهم ‪ ،‬فتشاوروا ‪ ،‬وقالت بنو المغيرة ‪ :‬ل نؤدي الربا في‬
‫السلم ‪ .‬فكتب في ذلك عّتاب بن أسيد نائب مكة إلى رسول‬
‫الله ‪ ، ‬فنزلت هذه الية ‪ ،‬فكتب بها رسول الله ‪ ‬إليه ‪َ :‬يا‬
‫َ‬
‫ن الّرَبا ِإن ُ‬
‫مُنوا ْ ات ّ ُ‬
‫كنُتم‬
‫ما ب َ ِ‬
‫ي ِ‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫أي ّ َ‬
‫م َ‬
‫ذي َ‬
‫وذَُروا ْ َ‬
‫قوا ْ الل ّ َ‬
‫نآ َ‬
‫ه َ‬
‫ق َ‬
‫فعُلوا ْ َ ْ‬
‫م ْ‬
‫ه ‪ ‬فقالوا‬
‫سول ِ ِ‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫فأذَُنوا ْ ب ِ َ‬
‫م تَ ْ َ‬
‫وَر ُ‬
‫م َ‬
‫مِني َ‬
‫ب ّ‬
‫ن ‪ِ .‬إن ل ّ ْ‬
‫ّ‬
‫حْر ٍ‬
‫ه َ‬
‫‪ :‬نتوب إلى الله ونذر ما بقي من الربا ‪ ،‬فتركوه كلهم ‪.‬‬
‫‪88‬‬

‫وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد ‪ ،‬لمن استمر على تعاطي‬
‫فأ ْذَُنوا ْ‬
‫الربا بعد النذار ‪ .‬قال ابن جريج ‪ :‬قال ابن عباس ‪َ  :‬‬
‫ب ‪ ‬أي ‪ :‬استيقنوا بحرب من الله ورسوله ‪ .‬وتقدم من‬
‫بِ َ‬
‫حْر ٍ‬
‫رواية ربيعه بن كلثوم ‪ ،‬عن أبيه ‪ ،‬عن سعيد بن جبير ‪ ،‬عن ابن‬
‫عباس قال ‪ :‬يقال يوم القيامة لكل الربا ‪ :‬خذ سلحك للحرب ‪:‬‬
‫فعُلوا ْ َ ْ‬
‫ثم قرأ ‪َ  :‬‬
‫ه‪. ‬‬
‫سول ِ ِ‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫فأذَُنوا ْ ب ِ َ‬
‫م تَ ْ َ‬
‫وَر ُ‬
‫م َ‬
‫ب ّ‬
‫فِإن ل ّ ْ‬
‫حْر ٍ‬
‫ه َ‬
‫عُلوا ْ‬
‫م تَ ْ‬
‫وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ‪َ ‬‬
‫ف َ‬
‫فِإن ل ّ ْ‬
‫َ ْ‬
‫ه ‪ : ‬فمن كان مقيما ً على الربا ل‬
‫سول ِ ِ‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫فأذَُنوا ْ ب ِ َ‬
‫وَر ُ‬
‫م َ‬
‫ب ّ‬
‫حْر ٍ‬
‫ه َ‬
‫ق على إمام المسلمين أن يستتيبه ‪ ،‬فإن نزع وإل‬
‫ينزع فح ُ‬
‫ضرب عنقه ‪.‬‬
‫وقال قتادة ‪ :‬أوعدهم الله بالقتل كما تسمعون ‪ ،‬وجعلهم‬
‫بهرجا ً‬

‫)‪(1‬‬

‫أينما أتوا ‪ ،‬فإياكم وما خالط هذه البيوع من الربا ‪ ،‬فإن‬

‫الله قد أوسع الحلل وأطابه ‪ ،‬فل تلجئنكم إلى معصيته فاقة ‪.‬‬
‫رواه ابن أبي حاتم ‪.‬‬
‫وقال الربيع بن أنس ‪ :‬أوعد الله آكل الربا بالقتل ‪ .‬رواه‬
‫ابن جرير انتهى كلم ابن كثير ‪.‬‬
‫وهذا الذي ذكره هذا الحافظ الجليل رحمه الله تعالى محل‬
‫اتفاق المفسرين فيما اشتمل عليه من المعاني عن السلف‬
‫رضوان الله عنهم أجمعين ‪ ،‬وهو واضح في فهم هذه ا ُ‬
‫لمة‬
‫وة جيل ً بعد جيل‬
‫تحريم قليل الربا وكثيره من الية منذ عصر النب ّ‬
‫وعصرا ً بعد عصر ‪ ،‬فهما ً يقينا ً ل يتطرق إليه احتمال ‪ ،‬وأن ذلك‬
‫وة جيل ً بعد جيل‬
‫هو معناها عند المسلمين ‪ ،‬ومنذ عصر النب ّ‬
‫وعصرا ً بعد عصر ‪.‬‬
‫والية ناطقة بذلك نطقا ً قاطعا ً حاسما ً يفهمه ك ّ‬
‫ل من له‬
‫سمع يدرك وعقل يعي ‪ ،‬فقد نادى القرآن داعية المتثال ‪،‬‬
‫‪ - 1‬البهرج ‪ :‬الرديء من الشيء ‪ ،‬والباطل المزيف ‪ ،‬والمباح غير المحمي ‪.‬‬

‫‪89‬‬

‫ن الّرَبا ‪ ‬وكلمة‬
‫ما ب َ ِ‬
‫ي ِ‬
‫م َ‬
‫ومهد بالمر بالتقوى ثم قال ‪ ‬ذَُروا ْ َ‬
‫ق َ‬
‫من يفهم اللغة العربية تشمل كل ربا مهما‬
‫‪ ‬ما ‪ ‬هذه عند َ‬
‫كان قليل ً ‪ ،‬ولو كان درهما ً لمليون درهم ‪ .‬وكذلك يعلم أهل لغة‬
‫َ‬
‫م ‪ ‬لم يبح شيئا ً‬
‫القرآن أن قوله تعالى ‪َ ‬‬
‫م ُر ُ‬
‫وال ِك ُ ْ‬
‫سأ ْ‬
‫فل َك ُ ْ‬
‫ؤو ُ‬
‫م َ‬
‫زائدا ً عن رأسمال الدائن مهما كان قليل ً ‪ ،‬لنه لم يجعل له شيئا ً‬
‫سوى رأسماله ‪ .‬هذا وقد زاد النص القرآني هذا المعنى تقريرا ً‬
‫ن ‪ ‬قال المفسرون ‪:‬‬
‫مو َ‬
‫مو َ‬
‫ول َ ت ُظْل َ ُ‬
‫وتأكيدا ً فقال ‪  :‬ل َ ت َظْل ِ ُ‬
‫ن َ‬
‫ل تظلمون بأخذ زيادة على رأس المال ‪ ،‬ول ُتظلمون بنقص‬
‫شيء من رؤوس الموال ‪ ،‬بل لكم ما دفعتم من غير زيادة عليه‬
‫ول نقص منه ‪.‬‬
‫ولقد انطوت الية على مواعظ في ترك الربا تلين لها الصم‬
‫صلب ‪ ،‬فوجهت الخطاب بـ ‪ ‬يا أيها الذين آمنوا ‪ ‬ثم بقوله‬
‫ال ّ‬
‫‪ ‬اتقوا الله ‪ ‬ثم بقوله ‪ ‬إن كنتم مؤمنين ‪ ‬وختمت الزجر‬
‫عن الربا ببيان أعظم العقوبات وأخطرها لمن أصّر على الربا ‪،‬‬
‫ذلك أن عليه أن يأذن بحرب من الله ورسوله ‪.‬‬
‫وإلى جانب هذه النصوص القرآنية وما صّرحت به ‪ ،‬وما دلت‬
‫عليه ‪ :‬فقد تضافرت نصوص السّنة على تأكيد ما جاء في‬
‫القرآن من حرمة الربا ‪ ،‬وأنه من أفظع الذنوب وأكبر الثام ‪،‬‬
‫التي تؤدي بفاعلها إلى الهلك والدمار ‪ ،‬وتنذر المجتمع الذي‬
‫تتفشى فيه بالضمحلل والضياع ‪ .‬ومن هذه الحاديث ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫ما رواه جابر ‪ ‬قال ‪ :‬لعن رسول الله ‪ ‬آك َ‬
‫ه‬
‫موك ِل َ ُ‬
‫ل الربا و ُ‬

‫‪ ،‬وكاتَبه وشاهدَْيه ‪ ،‬وقال ‪:‬‬
‫" هم سواء " ‪ ) .‬أخرجه مسلم في المساقاة ‪ ،‬باب ‪ :‬لعن الله‬
‫آكل الربا وموكله ( ‪.‬‬
‫‪-‬‬

‫ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه ‪ ،‬عن النبي ‪ ‬قال ‪":‬‬

‫موب َ‬
‫ن؟‬
‫قات " قالوا ‪ :‬يا رسول الله ‪ ،‬وما ُ‬
‫اجتنبوا السب َ‬
‫ه ّ‬
‫ع ال ُ‬
‫‪90‬‬

‫قال ‪ " :‬الشرك بالله ‪ ،‬والسحر ‪ ،‬وقتل النفس التي حرم الله‬
‫إل بالحق ‪ ،‬وأكل الربا ‪ ،‬وأكل مال اليتيم ‪ ،‬والّتولي يوم‬
‫حف ‪ ،‬وق ْ‬
‫ذف المحصنات المؤمنات الغافلت " ‪ ) .‬أخرجه‬
‫الز ْ‬
‫البخاري في الوصايا ‪ ،‬باب ‪  :‬إن الذين يأكلون أموال‬
‫اليتامى ظلما ً ‪ ، ‬رقم ‪ . 2615 :‬ومسلم في اليمان ‪ ،‬باب ‪:‬‬
‫بيان الكبائر وأكبرها ‪ ،‬رقم ‪. ( 89‬‬
‫] الموبقات ‪ :‬المهلكات ‪ .‬إل بالحق ‪ :‬سبب جناية يعاقب‬
‫عليها الشرع بالقتل ‪ .‬التوّلي يوم الزحف ‪ :‬الفرار من المعركة‬
‫في قتال الك ّ‬
‫فار ‪ .‬قذف المحصنات المؤمنات ‪ :‬اتهام العفيفات‬
‫عن الفواحش اللواتي يحجزهن إيمانهن عن الفجور ‪ ،‬ورميهن‬
‫بالزنا ‪ .‬الغافلت ‪ :‬اللواتي يجهلن ما أّتهمن به ول يعرفن‬
‫طرقه ول يسلكنها [ ‪.‬‬
‫‪-‬‬

‫ما رواه ابن عباس رضي الله عنهما ‪ ،‬عن النبي ‪ ‬قال ‪":‬‬

‫إذا ظهر الّزنا والربا في قرية فقد أحّلوا بأنفسهم عذاب الله‬
‫عز وجل " وفي رواية ‪ ":‬إذا ظهر الزنا والربا في قرية أذن‬
‫الله بهلكها "‪ ) .‬أخرج الرواية الولى الحاكم في مستدركه ‪:‬‬
‫البيوع ‪ ،‬باب ‪:‬إذا ظهر لزنا والربا في قرية ‪ (2/37 ) :‬وقال ‪:‬‬
‫هذا حديث صحيح السناد ولم يخرجاه ‪ .‬وأخرجه أيضا ً أحمد‬
‫في مسنده ‪ ،‬والطبراني ‪ ،‬وأخرج الرواية الثانية الطبراني‬
‫أيضا ً ( ‪.‬‬
‫ما سواها في بيان فظاعة الربا‬
‫فهذه النصوص كافية ع ّ‬
‫وشدة نكارته ‪ .‬وحسبنا في هذا أن نصيب اللعن – هو الطرد من‬
‫رحمة الله تعالى – على كل من ساهم في التعامل الربوي ‪،‬‬
‫عدّ أكل الربا في جملة تلك الجرائم التي ل ُيدانيها غيرها‬
‫وأن ي ُ َ‬
‫إثما ً واعتداءً ‪ ،‬وزورا ً وبهتانا ُ ‪ ،‬من شرك بالله تعالى – وهو نهاية‬

‫‪91‬‬

‫الزور والباطل والفتراء – ومن سحر – وهو دجل وتحريف‬
‫وتمويه وإيذاء – إلى غير ذلك من الثام الشنيعة ‪.‬‬
‫وليس أدل على أن الربا من أفحش ما يأتيه النسان أنه‬
‫قرن بالزنا – الذي ل يساويه شئ في العتداء على الحرمات ‪،‬‬
‫جعل معه سببا ً ل ستحقاق عذاب‬
‫وفساد الفراد والمجتمعات – و ُ‬
‫الستئصال ‪.‬‬
‫من أجل ذلك كله أجمع المسلمون على حرمة الربا ‪ ،‬وأنه‬
‫من أكبر الكبائر التي يفسق فاعلها ‪ ،‬ول يقبل الله تعالى منه‬
‫عمل ً صالحا ً حتى يتوب توبة نصوحا ً من تعاطي الربا ‪.‬‬
‫بل لقد أجمعت الشرائع السماوية على حرمة الربا‬
‫والتعامل به ‪ ،‬وأخبرنا القرآن – وهو الكتاب المنزل الذي ل يأتيه‬
‫الباطل من بين يديه ول من خلفه – أن بني إسرائيل استح ّ‬
‫قوا‬
‫اللعن والعذاب والشدة والنكال ‪ ،‬بسبب ما اقترفته أيديهم من‬
‫الثام ‪ ،‬وفي طليعتها الربا وقد نهوا عنه ‪ .‬قال تعالى ‪ :‬‬
‫مَنا َ َ‬
‫َ‬
‫م‬
‫ت أُ ِ‬
‫ن َ‬
‫م طَي َّبا ٍ‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫دوا ْ َ‬
‫ها ُ‬
‫حل ّ ْ‬
‫ت لَ ُ‬
‫ذي َ‬
‫م َ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫حّر ْ‬
‫فب ِظُل ْم ٍ ّ‬
‫علي ْ ِ‬
‫و َ‬
‫ه‬
‫وأ َ ْ‬
‫هوا ْ َ‬
‫م َ‬
‫ذ ِ‬
‫خ ِ‬
‫ل الل ّ ِ‬
‫صدّ ِ‬
‫قدْ ن ُ ُ‬
‫عن َ‬
‫عن ْ ُ‬
‫ه ُ‬
‫ه ْ‬
‫وب ِ َ‬
‫م الّرَبا َ‬
‫ه ك َِثيرا ً ‪َ .‬‬
‫سِبي ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ذابا ً‬
‫عت َدَْنا ل ِل ْ َ‬
‫وا َ‬
‫ع َ‬
‫م َ‬
‫وأ َ ْ‬
‫كا ِ‬
‫ن ِ‬
‫من ْ ُ‬
‫ري َ‬
‫ه ْ‬
‫مأ ْ‬
‫ه ْ‬
‫ل َ‬
‫س ِبال َْباطِ ِ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫ف ِ‬
‫ل الّنا ِ‬
‫وأك ْل ِ ِ‬
‫أ َِليما ً ‪ ) ‬النساء ‪. ( 161 -160‬‬
‫بيان وتنبيه ‪:‬‬
‫جمهور الفقهاء على أن التعامل الربوي يجري ‪ ،‬وتحرم‬
‫المعاوضة ‪ ،‬متى وجدت عّلة الربا فيه ‪ ،‬سواء أكان التعامل مع‬
‫مي أم حربي‬
‫مسلم أم ذ ّ‬
‫وقال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى ‪ :‬شرط جريان‬
‫مْين ‪،‬‬
‫الربا أن يكون ب َ َ‬
‫دل المعاوضة التي يتحقق فيها الربا معصو َ‬
‫أي ‪ :‬مملوكين ملكا ً ل يجوز العتداء عليه وأخذه من صاحبه بغير‬
‫وجه مشروع ‪ .‬وعليه فلو كان أحد البدلين مال ً غير معصوم ‪،‬‬
‫‪92‬‬

‫كأن يكون ملكا ً لحربي – وهو غير مسلم الذي بين المسلمين‬
‫وبين أهل بلده غير المسلمين حرب – فإن الربا ل يجري فيه‬
‫إذا كان المسلم هو الخذ للزيادة ‪.‬‬
‫فلو دخل تاجر مسلم دار الحرب بعقد أمان منهم ‪ ،‬وتعامل‬
‫مع أهلها وكسب منهم مال ً عن طريق الربا ‪ ،‬فإنه يجوز له ذلك‬
‫عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى ‪.‬‬
‫ي – وهو المواطن غير المسلم في بلد السلمية‬
‫أما الذم ّ‬
‫– فإن ماله معصوم باتفاق ‪ ،‬وكذلك المستأمن – وهو الحربي‬
‫الذي يدخل بلد المسلمين بعقد أمان وإذن من حاكم المسلمين‬
‫– فل يجوز التعامل بالربا معهما ‪ ،‬ول عبرة باختلف الدين ‪ ،‬لن‬
‫اتحاد الدين ليس شرطا ً من شروط جريان الربا بالتفاق ‪.‬‬
‫وحجه الجمهور ‪ :‬أن حرمة الربا ثابتة في حق المسلمين‬
‫وغير المسلمين ‪ ،‬لن غير المسلمين مخاطبون بفروع الشريعة‬
‫على الصحيح ‪.‬‬
‫وكذلك النصوص الواردة في التعامل الربوي عامة ‪ ،‬ول‬
‫مخصص لها ‪ ،‬فتبقى على عمومها ‪.‬‬
‫وحجة أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى ‪ :‬أن مال‬
‫الحربي غير معصوم ‪ ،‬بل هو مباح في نفسه ‪ ،‬إل أن المسلم‬
‫منع من تملكه من غير رضاه ‪ ،‬لما‬
‫المستأمن في دار الحرب ُ‬
‫فيه من الغدر والخيانة ‪ ،‬فإذا بذله الحربي باختياره ورضاه فقد‬
‫زال المنع لزوال موجبه ‪ ،‬كالستيلء على الحطب والحشيش‬
‫غير المحرز من قبل أحد ‪.‬‬
‫والذي ينبغي التنبيه إليه هو ‪ :‬أن هذا القول ل مجال للعمل‬
‫به في هذه اليام ‪ ،‬لن المسلم ل يتمكن من العمل والمتاجرة‬
‫في دار الحرب أو مع الحربي ‪ ،‬حسب القوانين والعراف‬

‫‪93‬‬

‫القائمة ‪ ،‬لذلك نرى من الولى أن ل يتعرض الفقهاء‬
‫والمفترون لهذا القول والبحث فيه ‪.‬‬
‫وإنما خالفنا ما نراه الولى وذكرناه من كثرة ما نسمع من‬
‫استغلل له من قبل أولئك الناس الذين يتمسكون بخيوط‬
‫العنكبوت ليتوصلوا إلى تحليل الحرام ‪ ،‬وذلك أن الكثير من‬
‫هؤلء من يتعاملون بالربا مع المصارف الجنبية ‪ ،‬فيأكلون الربا‬
‫دعين أنهم استفتوا فأفتوا بجواز ذلك ‪،‬‬
‫وربما أطعموها‪ ،‬م ّ‬
‫فذكرنا هذا القول لننّبه على الحق فيه ‪ ،‬وهو أن القول خاص‬
‫بالحربي ‪ ،‬والحربي هو الذي بيننا وبين بلدة حرب قائمة‬
‫بالمعنى الشرعي والعرفي لهذا‪ ،‬ول ينطبق ذلك الن إل على‬
‫ما بيننا وبين اليهود المغتصبين لرضنا ومقدساتنا في‬
‫فلسطين ‪ ،‬أما بلد الغرب أو الشرق من غير المسلمين فليسوا‬
‫بحربيين بالمعنى الشرعي‪ ،‬وأن كان فريق منهم وأعوانا ً‬
‫ومناصرين للصهاينة في الحقيقة ‪ ،‬إل أنهم ل ينطبق عليهم‬
‫الحكم الذي ذكره أبو حنيفة وصاحبه رحمهما الله تعالى ‪ ،‬ولذلك‬
‫نقول ‪:‬‬
‫إن التعامل بالربا مع أي مصرف من المصارف الجنبية أو‬
‫الفراد منهم حرام وممنوع ‪ ،‬كما لو كان في بلد المسلمين ‪،‬‬
‫هذا إذا لم يكن أشد حرمة ومنعا ً ‪ ،‬لما فيه من إخراج الموال‬
‫من بلد المسلمين وتسخيرها لمصلحة غيرهم ‪ ،‬مما يكون فيه‬
‫كبير ضرر في كثير من الحيان على مصالح البلد السلمية ‪،‬‬
‫ووقوعها في أزمات اقتصادية ‪ .‬لننا ندخل بلدهم ويدخلون‬
‫بلدنا دون عائق ‪ ،‬والذين قالوا بهذا القول بينوا أنه ل ينطبق‬
‫على التعامل مع من دخل بلد المسلمين بأمان من أهل‬
‫الحرب ‪ ،‬فضل ً عمن دخلها من غيرهم ‪.‬‬

‫‪94‬‬

‫الصـرف‬
‫معنـــاه ‪:‬‬
‫ن عدة ‪ ،‬منها ‪:‬‬
‫أ – في اللغة ‪ :‬يقع الصرف على معا ٍ‬
‫ الفضل والزيادة ‪ ،‬ومنه سمّيت النافلة صرفا ً ‪ ،‬لنها زيادة‬‫مة المسلمين واحدةّ ‪،‬‬
‫على الفريضة ‪ .‬جاء في الحديث ‪ " :‬ذ ّ‬
‫خ َ‬
‫فَر مسلما ً فعليه لعنة الله والملئكة‬
‫سعى بها أدناهم ‪ ،‬فمن أ ْ‬
‫يَ ْ‬
‫والناس أجمعين ‪ ،‬ل يقبل الله منه صرفا ً ول عدل ً " ‪ ) .‬أخرجه‬
‫مق والتنازع في‬
‫البخاري في العتصام باب ‪ :‬ما يكره من التع ّ‬
‫‪95‬‬

‫العلم والغّلو في الدين والبدع ‪ ،‬رقم ‪ . 6870‬ومسلم في الحج ‪،‬‬
‫باب ‪ :‬فضل المدينة ودعاء النبي ‪ ‬فيها بالبركة ‪ ،‬رقم‬
‫‪. ( 1370‬‬
‫] ذمة المسلمين ‪ :‬إعطاؤهم المان لغير المسلم ‪ .‬يسعى‬
‫بها أدناهم ‪ :‬عهدهم صحيح ومعتبر وينبغي أن يراعى ولو صدر‬
‫من أقل واحد منهم ‪ .‬أخفر مسلما ً ‪ :‬نقض عهده واعتدى على‬
‫من أعطاه المان [ ‪.‬‬
‫َ‬
‫فالصرف النافلة ‪ ،‬والعدل الفريضة ‪ .‬والمعنى ‪ :‬ل يرضى‬
‫الله تعالى من فعله لهما ول يثيبه عليهما ‪.‬‬
‫ الرد والدفع ‪ ،‬والنقل ‪ ،‬والنقل والتحويل ‪ ،‬جاء في القرآن‬‫ه َ‬
‫قوله تعالى ) َ‬
‫ن( ) يوسف‬
‫ف َ‬
‫ه ك َي ْدَ ُ‬
‫صَر َ‬
‫جا َ‬
‫ست َ َ‬
‫فا ْ‬
‫ه ّ‬
‫عن ْ ُ‬
‫ه َرب ّ ُ‬
‫ب لَ ُ‬
‫ف َ‬
‫َ‬
‫ه ُ‬
‫م‬
‫صَر َ‬
‫‪ ( 34‬أي دفعه ور ّ‬
‫هم ب ِأن ّ ُ‬
‫قُلوب َ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ف الل ّ ُ‬
‫ده ‪ ،‬وقوله تعالى ‪َ ) :‬‬
‫ف َ‬
‫م ل ّ يَ ْ‬
‫َ‬
‫ولها ونقلها عن الحق ‪.‬‬
‫و ٌ‬
‫ق ُ‬
‫هون( ) التوبة ‪ (127‬أي ح ّ‬
‫ق ْ‬
‫فَنا إ ِل َي ْ َ‬
‫ك نَ َ‬
‫صَر ْ‬
‫ن‬
‫ست َ ِ‬
‫عو َ‬
‫م ُ‬
‫ن يَ ْ‬
‫ج ّ‬
‫م َ‬
‫فرا ً ّ‬
‫وإ ِذْ َ‬
‫ن ال ْ ِ‬
‫وقوله تعالى ) َ‬
‫ال ْ ُ‬
‫ولناهم نحوك ‪.‬‬
‫قْرآ َ‬
‫ن ( )الحقاف ‪ ( 29‬أي نقلناهم إليك وح ّ‬
‫ب – وفي الصطلح ‪ :‬بيع ك ّ‬
‫ل واحد من عوضيه من جنس‬
‫الثمان ‪ ،‬أو ‪ :‬هو بيع النقد بالنقد‬
‫والمراد بالثمان والنقد الدراهم والدنانير أو ما كان من‬
‫جنسهما ‪ ،‬وهو الذهب والفضة مطلقا ً ‪ ،‬سواء أكانت مضروبة أم‬
‫مصوغة أم غير ذلك ‪ .‬ويدخل في هذا العملت المتعارفة في‬
‫هذه اليام ‪ ،‬لن لها رصيدا ً ذهبيا ً محفوظا ً ‪ ،‬وكل قطعة منها‬
‫عبارة عن وثيقة بيع أو شراء ما يقابلها من هذا الرصيد‬
‫المحفوظ ‪ .‬ومن الواضح أن التعامل بها في هذه اليام يقوم‬
‫مقام التعامل بالدراهم والدنانير في اليام السالفة ‪ ،‬فوجب أن‬
‫تنزل منزلتها في الحكم الشرعي ‪.‬‬
‫ح بلفظ البيع والفظ الصرف ‪.‬‬
‫ويص ّ‬
‫‪96‬‬

‫حكم عقد الصرف من حيث مشروعيته ‪:‬‬
‫عقد الصرف عقد جائز ومشروع ‪ ،‬وحكمه من هذه الحيثية‬
‫كحكم عقد البيع المطلق ‪ ،‬مع زيادة شروط سيأتي بيانها ‪.‬‬
‫ود ّ‬
‫ل على مشروعية الصرف أحاديث كثيرة وآثار عن‬
‫الصحابة رضي الله عنهم سيأتي بعضها في الباب ‪ ،‬وعلي ذلك‬
‫إجماع المسلمين ‪.‬‬
‫الشروط الخاصة لصحة عقد الصرف ‪:‬‬
‫من خلل تعريفنا لعقد الصرف يتبين لنا أنه عقد ربوي ‪ ،‬لن‬
‫كل ً من البدلين فيه مال ربوي تتحقق فيه علة الربا ‪ ،‬وهي‬
‫الثمنية ‪ ،‬إذ كل من الذهب والفضة ثمن من الثمان ‪ .‬وإنما أفرد‬
‫هذا العقد بالكلم عنه تحت هذا العنوان لنه خاص بما يكثر‬
‫تداوله والتعامل به وهو النقد ‪ ،‬ولهذا كانت شروطه الخاصة به‬
‫صلة ‪،‬‬
‫هي شروط صحة العقد الربوي ‪ ،‬وقد مّرت بك مف ّ‬
‫وسنعيدها لك موجزة هنا حسب تعلقها بعقد الصرف ‪ .‬وهي ‪:‬‬
‫‪ -1‬المماثلة عند اتحاد الجنس ‪:‬‬
‫فإذا بيع الذهب بالذهب ‪ ،‬أو الفضة بالفضة ‪ ،‬فل بد من‬
‫تساوي العوضين في الوزن ‪ ،‬سواء أكانا مضروبين أو مصوغين‬
‫أم غير ذلك ‪ ،‬أو كان أحدهما مصوغا ً أو مضروبا ً والخر غير‬
‫ذلك ‪ ،‬وسواء أكان أحدهما جيدا ً والخر رديئا ً أم ل ‪.‬‬
‫فإذا كان الدبلن مختلفين في الجنس ‪ ،‬كما إذا كان أحدهما‬
‫فضة والخر ذهبا ً ‪ ،‬جاز التفاضل بينهما وبيعهما مجازفة ‪ ،‬أي‬
‫بدون وزن ‪ ،‬كما لو قال له ‪ :‬بعنك هذا الذهب بهذه الفضة‬
‫فيجوز ‪.‬‬
‫و ّ‬
‫كل ذلك مّر معك بأدلته في باب الربا ‪ ،‬فارجع إليه ‪ .‬وكل‬
‫ما يقال في الدراهم والدنانير يقال في العملت الرائجة الن ‪،‬‬
‫والتساوي بينها حسب نوعها المتعامل به ‪.‬‬
‫‪97‬‬

‫‪ -2‬التنجير في العقد ‪:‬‬
‫فيشترط في عقد الصرف استبعاد الجل في العوضين أو‬
‫أحدهما فلو قال ‪ :‬اصرف لي دينارا ً بعشرة دراهم ‪ ،‬على أن‬
‫أعطيك الدينار بعد ساعة ‪ ،‬فقال له ‪ :‬صرفت لك ‪ ،‬وقال الول ‪:‬‬
‫قبلت ‪ ،‬لم يصح العقد ‪.‬‬
‫ود ّ‬
‫ل على اشتراط عدم التأجيل – بالضافة إلى ما سبق في‬
‫باب الربا – ما رواه البخاري ومسلم واللفظ له – عن أبي‬
‫المنهال قال ‪ :‬باع شريك لي ورقا ً بنسيئة إلى الموسم ‪ ،‬أو إلى‬
‫ي فأخبرني ‪ ،‬فقلت ‪ :‬هذا أمر ل يصلح قال ‪ :‬قد‬
‫الحج ‪ ،‬فجاء إل ّ‬
‫ي أحد ‪ .‬فأتيت البراء بن‬
‫بعته في السوق فلم ينكر ذلك عل ّ‬
‫م النبي ‪ ‬المدينة ونحن نبيع هذا‬
‫عازب فسألته ‪ ،‬فقال ‪ :‬قد َ‬
‫البيع ‪ ،‬فقال ‪ " :‬ما كان يدا ً بيد فل بأس به " وما كان نسيئة‬
‫فهو ربا ً " وائت زيد بن أرقم ‪ ،‬فإنه أعظم تجارة مني ‪ .‬فأتيته ‪،‬‬
‫فسألته فقال مثل ذلك ‪.‬‬
‫وفي لفظ لدى البخاري ومسلم ‪ :‬سألت البراء بن عازب عن‬
‫س ْ‬
‫ل زيد ابن أرقم ‪ ،‬فهو أعلم ‪ ،‬فسألت زيدا ً ‪،‬‬
‫الصرف ؟ فقال ‪َ :‬‬
‫م ‪ .‬ثم قال ‪ " :‬نهى رسول الله ‪‬‬
‫فقال ‪َ :‬‬
‫ل البراء فإّنه أعل ُ‬
‫س ِ‬
‫عن بيع الورق بالذهب دينا ً " )البخاري ‪ :‬البيوع ‪ ،‬باب ‪ :‬بيع‬
‫الورق بالذهب نسيئة ‪ ،‬رقم ‪ 2070 :‬ومسلم ‪ :‬المساقاة باب ‪:‬‬
‫النهي عن بيع الورق بالذهب دينا ً ‪ ،‬رقم ‪. ( 1589 :‬‬
‫] الورق ‪ :‬الفضة ‪ .‬نسيئة ‪ :‬أي دينا ً إلى أجل [ ‪.‬‬
‫‪ -3‬التقابض في مجلس العقد ‪:‬‬
‫وذلك بأن يسلم كل من المتعاقدين البدل الذي في يده‬
‫للخر في مجلس العقد قبل التفّرق ‪ ،‬سواء أكان البدلن جنسا ً‬
‫واحدا ً كالذهب بذهب أو فضة بفضة ‪ ،‬أم كانا جنسين مختلفين‬
‫كذهب بفضة ‪.‬‬
‫‪98‬‬

‫والمراد بالتقابض هنا التقابض الفعلي ‪ ،‬فل بدّ من أن يسلم‬
‫كل من المتعاقدين ما في يده بحيث يقبضه الخر ‪ ،‬فلو خّلى‬
‫بينه وبينه ولم يقبضه إياه لم يصح ‪ ،‬لن الشرط القبض‬
‫الكامل ‪ ،‬والتخلية ليست قبضا ً كامل ً ‪.‬‬
‫والمراد بالمجلس هنا مجلس البدان ‪ ،‬وبالتفّرق تفّرق‬
‫البدان ‪ ،‬فلو تماشيا معا ًً في جهة واحدة لم ينقطع المجلس ‪،‬‬
‫حتى يذهب كل منهما في جهة ‪ .‬فإذا افترقا بأبدانهما ولم‬
‫ح العقد ‪ ،‬وكان‬
‫يقبض أحدهما البدل الذي في يده للخر لم يص ّ‬
‫باطل ً ‪.‬‬
‫ل على اشتراط التقابض قوله ‪ " ‬ول تبيعوا منها غائبا ً‬
‫ود ّ‬
‫بناجز " والناجز الحاضر ‪ ،‬وقوله " إل هاءَ وهاءَ " أي خذ وخذ ‪.‬‬
‫وقد مّر هذا عند الكلم عن أنواع الربا ‪.‬‬
‫وروى مالك مثله عن عمر رضي الله عنه موقوفا ً ‪ ،‬وفيه‬
‫زيادة " وإن استنظرك إلى أن يلج بيته فل ت ُْنظْره " إني أخاف‬
‫عليكم الّرماء " ) الموطأ ‪ :‬البيوع ‪ ،‬باب ‪ :‬بيع الذهب بالفضة تيرا ً‬
‫وعينا ً‪. ( 2/632 : ((1‬‬
‫] والرماء ‪ :‬هو الربا ‪ .‬يلج ‪ :‬يدخل [ ‪.‬‬
‫وعن مالك بن أوس بن الحدثان ‪ :‬أنه التمس صرفا ً بمائة‬
‫ضنا حتى‬
‫دينار ‪ ،‬قال‪ :‬فدعاني طلحة بن عبيد الله فتراو ْ‬
‫صطََرف مّني ‪ ،‬وأخذ الذهب يقل ُّبها في يده ثم قال ‪ :‬حتى‬
‫ا ْ‬
‫ة وعمر بن الخطاب يسمع ‪ ،‬فقال عمر ‪:‬‬
‫يأتي َِني خازني من الغاب َ ِ‬
‫والله ل تفارقه حتى تأخذ منه ‪ .‬ثم قال ‪ :‬قال رسول الله ‪" : ‬‬
‫رق ربا ً إل هاءَ وهاءَ ‪ ،‬والب ُّر بالب ُّر إل هاءَ وهاءَ والتمُر‬
‫الذهب بال َ‬
‫و ِ‬
‫بالتمر إل هاء وهاء ‪ ،‬والشعيُر بالشعير ربا ً إل هاءَ وهاءَ‬
‫) البخاري‪ :‬البيوع ‪ ،‬باب ‪ :‬بيع الشعير بالشعير ‪ ،‬رقم ‪.2065 :‬‬
‫)‪ (1‬التبر ‪ :‬الذهب غير المضروب ‪ .‬العين ‪ :‬الذهب المضروب ‪.‬‬

‫‪99‬‬

‫ومسلم المساقاة ‪ ، :‬باب الرف وبيع الذهب بالورق نقدا ً ‪،‬‬
‫رقم ‪ . 1586 :‬ومالك في الموطأ ‪ :‬البيوع باب ‪ :‬ما جاء في‬
‫الصرف ‪ . 2/636 :‬واللفظ لمالك رحمه الله تعالى ( ‪.‬‬
‫وبهذا ُيعلم أن ما يجري بين الكثير من الناس من عقود‬
‫صرف – أي بيع العملت بعضها ببعض – بدون تقابض ‪ ،‬وربما‬
‫كان بالهاتف ‪ ،‬فهي عقود باطلة ‪ ،‬والكسب بها كسب خبيث ‪.‬‬

‫‪100‬‬

‫استبدال بدل الصرف بغيره أو التصرف به قبل قبضه ‪:‬‬
‫ح استبدال بدل الصرف بغيره قبل قبضه ‪ ،‬فلو تصارفا‬
‫ل يص ّ‬
‫مائة درهم من فضة مثل ً بسوار من ذهب ‪ ،‬وقبل أن يقبض كل‬
‫منهما أو أحدهما البدل من الخر استبدل بما استحقه من بدل‬
‫ح ذلك ‪ ،‬لنه لم يحصل التقابض في‬
‫شيئا ً آخر ‪ ،‬فإنه ل يص ّ‬
‫البدلين اللذين جرى عليهما التعاقد ‪ .‬فإذا ردّ ما استبدل به بدل‬
‫الصرف في نفس المجلس ‪ ،‬وقبض البدل الذي جرى عليه‬
‫ح العقد ‪.‬‬
‫التعاقد قبل التفرق ‪ ،‬ص ّ‬
‫وكذلك ليس لحد المتعاقدين التصّرف بما استحقه من بدل‬
‫قبل قبضه ‪ ،‬كأن يبيعه أو يهبه ‪ ،‬لن في ذلك تفويتا ً للقبض‬
‫الذي هو شرط صحة عقد الصرف ‪.‬‬
‫وبهذا يتبين – أيضا ً – بطلن ما يجري من تبايع للنقد ‪ ،‬من‬
‫ر آخر ‪ ..‬وهكذا ‪ ،‬دون أن يقبض أحدهما ما باعه‬
‫ُ‬
‫ر إلى مشت ٍ‬
‫مشت ٍ‬
‫د لخر ولثالث‬
‫ممن اشتراه منه ‪ ،‬بل ربما حصل التبايع من واح ٍ‬
‫على الهاتف ‪ ،‬فكل هذه العقود باطلة ‪ ،‬والكسب بها كسب‬
‫خبيث ‪.‬‬
‫‪ -4‬أن يكون العقد باتا ً ‪:‬‬
‫أي ليس فيه شرط الخيار لحد المتعاقدين أو لهما ‪ ،‬فلو‬
‫تصارفا على أنهما – أو أحدهما – بالخيار يوما ً أو يومين ‪ ،‬أو‬
‫ح الصرف ‪ ،‬لن الشرط صحته التقابض كما‬
‫أكثر أو أقل ‪ ،‬لم يص ّ‬
‫علمت ‪ ،‬والخيار يمنع ثبوت الملك ‪ ،‬فينعدم التقابض حقيقة‬
‫ح الصرف لعدم تحقق شرط من‬
‫بانعدام المالك ‪ ،‬فلم يص ّ‬
‫شروطه ‪.‬‬
‫خيار الرؤية وخيار العيب ‪:‬‬
‫‪101‬‬

‫عي ّن َْين ‪ ،‬كما لو قال ‪ :‬بعتك أو‬
‫م َ‬
‫عقد الصرف يص ّ‬
‫ح على ُ‬
‫صارفتك هذا الدينار بهذه الدراهم ‪ .‬وعلى موصوفين في‬
‫الذمة ‪ ،‬كما لو قال ‪ :‬بعتك ع ْ‬
‫قدا ً من الذهب صفته كذا في ذمتي‬
‫بمائة غرام من الذهب في ذمتك ‪ ،‬أو بسوار من الفضة يصفه‬
‫له الخر في ذمته ‪ ،‬فإن ذلك جائز إذا أخرجا البدلين وتقابضا‬
‫قبل التفّرق على ما علمت ‪.‬‬
‫وعلى هذا ‪ :‬فللعاقد الذي لم يَر البدل الذي تعاقد عليه أن‬
‫ده إن وجد على غير الصفة‬
‫يأخذه حين يخرج له ويراه ‪ ،‬وأن ير ّ‬
‫التي وصف بها ‪ ،‬ويلزمه قبوله إن وجد على الصفة التي وصف‬
‫به ‪.‬‬
‫وكذلك إذا قبض كل من المتصارفين بدله من الخر ‪ ،‬سواء‬
‫ده‬
‫أكان معينا ً أم موصوفا ً في الذمة ‪ ،‬ثم وجد فيه عيبا ً ‪ :‬فله ر ّ‬
‫بالعيب وفسخ الصرف واسترداد ما دفعه للخر من بدل ‪ .‬وله‬
‫الرضا به وإمضاء العقد وعدم فسخه ‪.‬‬
‫وبهذا يعلم أن خيار الرؤية وخيار العيب يثبتان في عقد‬
‫الصرف ول يمنعان من صحته ‪ ،‬لنهما ل يمنعان من الملك ‪ ،‬فل‬
‫يمنعان من التقابض الذي هو شرط صحة هذا العقد ‪.‬‬

‫‪102‬‬

103

‫الـــقرض‬
‫تعريفه ‪:‬‬
‫هو في اللغة ‪ :‬القطع ‪ ،‬قال في " المصباح المنير " ‪:‬‬
‫) قرضت الشيء قرضا ً قطعته ‪ .‬ويطلق اسما ً على ما تعطيه‬
‫غيرك من المال لُتقضاه ‪ ،‬وسمي بذلك لما فيه من قطع يد‬
‫مالكه عنه ( ‪.‬‬
‫وهو في اصطلح الفقهاء ‪ :‬تمليك شيء مالي للغير على أن‬
‫يردّ بدله من غير زيادة ‪.‬‬
‫وسمي قرضا ً ‪ ،‬لن المقرض يقطع جزءا ً من ماله ليعطيه‬
‫إلى المقترض ‪ ،‬ففيه معنى القرض الغوي ‪.‬‬
‫ح بلفظ أسلفت ‪ ،‬كما‬
‫ويسميه أهل الحجاز سلفا ً ‪ ،‬ولذلك يص ّ‬
‫سيأتي ‪.‬‬
‫مشروعيته ‪:‬‬
‫القرض جائز ومشروع ‪ ،‬ويجوز سؤاله لمحتاجه ول نقص‬
‫سئ َِله ‪ .‬دل على ذلك‬
‫عليه ‪ ،‬بل وهو مندوب إليه في حق من ُ‬
‫الكتاب وصريح السّنة وإجماع ا ُ‬
‫لمة ‪:‬‬
‫أما الكتاب ‪:‬‬
‫ع َ‬
‫سنا ً َ‬
‫ه َ‬
‫ذي ي ُ ْ‬
‫من َ‬
‫ه‬
‫ضا ِ‬
‫في ُ َ‬
‫ذا ال ّ ِ‬
‫قْرضا ً َ‬
‫ح َ‬
‫ف ُ‬
‫ض الل ّ َ‬
‫فقوله تعالى ‪ّ } :‬‬
‫ر ُ‬
‫ق ِ‬
‫عافا ً ك َِثيَرةً {البقرة ‪ . 245‬والقرض لله تعالى يتناول‬
‫ه أَ ْ‬
‫ض َ‬
‫لَ ُ‬
‫الصدقات كما يتناول القرض للعباد ‪.‬‬
‫وأما السنة ‪:‬‬
‫ فما رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال ‪ :‬جاء أعرابي‬‫إلى النبي ‪ ‬يتقاضاه دَْينا ً كان عْليه ‪ ،‬فا ْ‬
‫شت َدّ عليه حّتى قال‬
‫ُ‬
‫ح َ‬
‫ك‪،‬‬
‫ج عليك إل ّ ق َ‬
‫ضْيتني ‪ .‬فا ْن ََتهرهُ أصحاُبه وقالوا ‪ :‬وي ْ َ‬
‫حّر ُ‬
‫له ‪ :‬أ َ‬
‫ب حقي ‪ .‬فقال النبي ‪" : ‬‬
‫م ؟ قال ‪ :‬إني اطل ُ‬
‫تدري مع من ت َك َل ّ َ‬
‫هل مع صاحب الحق كنتم " ثم أرسل إلى خولة بنت قيس فقال‬
‫‪104‬‬

‫مر فنقضيك "‬
‫لها ‪ " :‬إن كان عن َ‬
‫دك تمّر فأقرضينا حتى يأتينا ت َ ْ‬
‫ل الله ‪ .‬قال ‪ :‬فأ َ‬
‫فقالت ‪ :‬نعم ‪ ،‬بأبي أنت يا رسو َ‬
‫قرضته ‪،‬‬
‫ت أوفى الله لك ‪.‬‬
‫فقضى العرابي وأطعمه ‪ ،‬فقال ‪ :‬أوفي َ‬
‫فقال " أولئك خياُر الّناس‪ ،‬إنه ل ُ‬
‫ف‬
‫مة ل يأ ُ‬
‫خذُ الضعي ُ‬
‫س ْ‬
‫قدّ َ‬
‫تأ ّ‬
‫فيها ح ّ‬
‫عَتع " ) أخرجه ابن ماجه في كتاب الصدقات ‪،‬‬
‫مت َ ْ‬
‫قه غير ُ‬
‫باب ‪ :‬لصاحب الحق سلطان ‪ ،‬رقم ‪. ( 2426 :‬‬
‫ُ‬
‫حرج عليك ‪ :‬أضّيق عليك ؟ غير متعَتع ‪ :‬من غير أن يصيبه‬
‫]أ ّ‬
‫أذى يقلقه ويزعجه [ ‪.‬‬
‫‪-‬‬

‫ما رواه ابن مسعود رضي الله عنه ‪ :‬أن النبي ‪ ‬قال " ما‬

‫ض مسلما ً قرضا ً مرتين إل ّ كان كصد َ‬
‫من مسلم ٍ ي ُ ْ‬
‫ة‬
‫مّر ْ‬
‫قتها َ‬
‫قر ُ‬
‫" ) أخرجه ابن ماجه في الصدقات ‪ ،‬باب ‪ :‬القرض ‪ ،‬رقم ‪:‬‬
‫‪ . 2430‬وابن حّبان ‪ :‬الزوائد ‪ :‬البيوع‪ ،‬باب ‪ :‬ما جاء في‬
‫القرض ‪ ،‬رقم ‪. ( 1115 :‬‬
‫‪-‬‬

‫ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه ‪ ،‬عن النبي ‪ ‬قال ‪" :‬‬

‫دى الله عنه ‪ ،‬ومن أخذها‬
‫من أخذ أموال الناس يريدُ أداءها أ ّ‬
‫يريد إتلفها أتلفه الله " )أخرجه البخاري في الستقراض‬
‫وأداء الديون ‪ ،‬باب ‪ :‬من أخذ أموال الناس ‪ ، ..‬رقم ‪.( 2257 :‬‬
‫وأما الجماع ‪:‬‬
‫فإن المة ل تزال تتعامل به من عهد رسول الله ‪ ‬إلى‬
‫قّرونه ‪ ،‬من غير أن ينكر ذلك واحد‬
‫عصرنا هذا ‪ ،‬والعلماء ي ُ ِ‬
‫منهم ‪.‬‬

‫‪105‬‬

‫حكمة تشريعه ‪:‬‬
‫إن الحكمة من تشريع القرض واضحة جلّية ‪ ،‬وهي تحقيق ما‬
‫أراده الله تعالى من التعاون على البّر والتقوى بين المسلمين ‪،‬‬
‫من‬
‫وة بينهم بالتنادي إلى مدّ يد العون إلى َ‬
‫وتمتين روابط الخ ّ‬
‫مت به فاقه أو وقع في شدة ‪ ،‬والمسارعة إلى تفريج بعضهم‬
‫أل ّ‬
‫كربة بعض ‪ ،‬فلربما تلكأ الناس عن دفع المال على وجه الهبة‬
‫أو الصدقة ‪ ،‬فيكون القرض هو الوسيلة الناجحة في تحقيق‬
‫َ‬
‫ن‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫التعاون وفعل الخير ‪ ،‬والله تبارك وتعالى يقول ‪َ} :‬يا أي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫وا ْ‬
‫م‬
‫عُلوا ال ْ َ‬
‫وا ْ‬
‫خي َْر ل َ َ‬
‫ف َ‬
‫عب ُ ُ‬
‫ج ُ‬
‫س ُ‬
‫مُنوا اْرك َ ُ‬
‫وا ْ‬
‫عل ّك ُ ْ‬
‫دوا َرب ّك ُ ْ‬
‫آ َ‬
‫م َ‬
‫دوا َ‬
‫عوا َ‬
‫تُ ْ‬
‫ن { الحج ‪77‬‬
‫حو َ‬
‫فل ِ ُ‬
‫ورسول الله ‪ ‬يقول ‪ " :‬المسلم أخو المسلم ‪ :‬ل يظلمه‬
‫ول يسلمه ‪ ،‬ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ‪ ،‬ومن‬
‫فّرج عن مسلم كربة فّرج الله عنه كربة من كربات يوم‬
‫القيامة ‪ ،‬ومن ستر مسلما ً ستره الله يوم القيامة " ) أخرجه‬
‫البخاري في المظالم ‪ ،‬باب ‪ :‬ل يظلم المسلم ول يسلمه ‪،‬‬
‫رقم ‪ . 2310 :‬ومسلم في البّر والصلة والداب ‪ ،‬باب ‪ :‬تحريم‬
‫ون العبد ما كان‬
‫الظلم ‪ ،‬رقم ‪ . ( 2580 :‬ويقول " والله في َ‬
‫ع ْ‬
‫العبدُ في عون أخيه " ) أخرجه مسلم في الذكر والدعاء والتوبة‬
‫‪ ،‬باب ‪ :‬فضل الجتماع على تلوة القرآن وعلى الذكر ‪ ،‬رقم ‪:‬‬
‫‪. ( 2699‬‬
‫وأبلغ حكمة لتشريع القرض هو القضاء على استغلل عوز‬
‫المعوزين وحاجة المحتاجين ‪ ،‬إذ الغالب أن المكّلف ل يقترض‬
‫إل وهو في حاجة ‪ ،‬فإذا لم يكن القرض الحسن كان الربا وكان‬
‫من ل يتعاطون القرض الحسن‬
‫الستغلل – كما هو الحال لدى َ‬
‫– ولهذا جاء في الحديث أن أجر القرض يفوق أجر الصدقة ‪.‬‬
‫فقد روى أنس رضي الله عنه قال ‪ :‬قال رسول الله ‪" ‬رأيت‬
‫‪106‬‬

‫ليلة أسري بي على باب الجنة مكتوبا ً ‪ :‬الصدقة بعشر أمثالها‬
‫والقرض بثمانية عشر ‪ .‬فقلت ‪ :‬يا جبريل ‪ :‬ما با ُ‬
‫ل القرض‬
‫أفض ُ‬
‫ل من الصدقة ؟ قال لن السائل يسأل وعنده ‪،‬‬
‫ض ل يستقرض إل من حاجة " ) أخرجه ابن ماجه في‬
‫والمستقر ُ‬
‫الصدقات ‪ ،‬باب ‪ :‬القرض ‪ ،‬رقم ‪. ( 2431 :‬‬
‫حكم القرض من حيث الوصف الشرعي القائم به ‪:‬‬
‫مما سبق من أدلة على مشروعية القرض نعلم أنه مندوب‬
‫م ْ‬
‫قرض ‪ ،‬مباح في حق المقترض ‪ .‬وهذا حكمه في‬
‫في حق ال ُ‬
‫حالته العادية ‪ ،‬وقد تعتريه حالت يتغّير فيها حكمه حسب‬
‫الغرض الذي يقترض من أجله ‪ ،‬فيكون ‪:‬‬
‫ حراما ً ‪ :‬إذا أقرضه وهو يعلم أنه يقترض لينفق المال في‬‫محرم ‪ ،‬كشرب خمر أو لعب قمار ونحو ذلك ‪.‬‬
‫‪-‬‬

‫مكروها ً ‪ :‬إذ كان يعلم أن يفترض المال ليصرفه في غير‬

‫ده ‪ .‬أو كان المستقرض يعلم من‬
‫مصلحة ‪ ،‬أو ليبذخ فيه ويبدّ َ‬
‫نفسه العجز عن وفاء ما يستقرضه ‪.‬‬
‫ واجبا ً ‪ :‬كأن يعلم أن المقترض يحتاج إليه لينفقه على‬‫نفسه وعلى أهله وعياله في القدر المشروع ‪ ،‬ل طريق له‬
‫لتحصيل هذه النفقة إل اقتراضه منه ‪.‬‬

‫‪107‬‬

‫أركان القرض ‪:‬‬
‫للقرض أركان ثلثة ‪ ،‬وهي ‪ :‬صيغة ‪ ،‬وعاقد ‪ ،‬ومعقود عليه ‪.‬‬
‫‪-1‬‬

‫الصيغة ‪:‬‬

‫وهي إيجاب وقبول ‪ ،‬كأقرضتك واقترضت ‪ .‬ول يشترط‬
‫ح بكل لفظ يؤدي معناه كأسلفتك وملكتكه‬
‫لفظ القرض ‪ ،‬بل يص ّ‬
‫ببدله وخذه بمثله ‪ ،‬وقول المقترض ‪ :‬استلفت وتمّلكته ببدله ‪،‬‬
‫ونحو ذلك ‪.‬‬
‫ح أيضا ً بلفظ الماضي والمر ‪ ،‬كقوله ‪ :‬أقرضني‬
‫ويص ّ‬
‫وأسلفني ‪ ،‬واقترض مّني واستلف ‪ ،‬ونحوها ‪ ،‬لما اعتاده الناس‬
‫فيه من المسامحة ‪.‬‬
‫ولبدّ من الصيغة ‪ ،‬أي اليجاب من المقرض والقبول من‬
‫المقترض ‪ ،‬لنها عنوان التراضي ‪ ،‬وهو المبدأ الذي تقوم عليه‬
‫العقود ول تكفي المعاطاة ‪ ،‬كأن يقول ‪ :‬أقرضني ‪ ،‬فيعطيه‬
‫المطلوب ويأخذه ‪.‬‬
‫‪-2‬‬

‫العاقد ‪ ،‬وهو المقرض والمقترض ‪ ،‬ويشترط فيهما ‪:‬‬

‫دين والمال ‪،‬‬
‫أ – الرشد ‪ ،‬وهو الّتصاف بالبلوغ والصلح في ال ّ‬
‫لن القرض عقد معاوضة مالية ‪ ،‬والرشد في العاقد شرط‬
‫ح القراض ول‬
‫في صحة عقود المعاوضة ‪ ،‬فل يص ّ‬
‫الستقراض من صبي ول مجنون ول محجور عليه لسفه ‪،‬‬
‫لن كل ً منهم غير جائز التصّرف في المال ‪.‬‬
‫ه لن الكراه يفقد الرضا ‪.‬‬
‫ح من مكَر ٍ‬
‫ب – الختيار ‪ :‬فل يص ّ‬
‫ج – أهلية التبرع في المقرض فيما يقرضه ‪ :‬لن القرض فيه‬
‫ح من‬
‫شائبة تبرع ‪ ،‬فيجب أن يكون المقرض أهل ً له ‪ ،‬فل يص ّ‬
‫الولي أن يقرض من مال من تحت وليته لغير حاجة أو‬
‫ضرورة ‪.‬‬
‫‪108‬‬

‫‪ -3‬المعقود عليه وهو المال المقرض محل القرض ‪:‬‬
‫ل ُُتشترط في المال المقرض أن يكون مثليا ً ‪ ،‬بل يجوز‬
‫قرض كل مال ُيملك بالبيع ‪ ،‬ويضبط بالوصف على وجه ل يبقى‬
‫سَلم فيه ‪.‬‬
‫معه إل تفاوت يسير ‪ ،‬ويصح أن ي ُ ْ‬
‫ح القرض في الدراهم والدنانير ‪ ،‬والقمح‬
‫وعلى هذا ‪ :‬يص ّ‬
‫ح‬
‫والشعير ‪ ،‬والبيض واللحم وغير ذلك من المثليات ‪ .‬ويص ّ‬
‫القرض في الحيوانات والعقارات وغيرها من القيميات التي‬
‫تنضبط بالوصف ‪ .‬ول تثبت في الذمة ‪ ،‬ففي صحة القرض فيها‬
‫قولن ‪ :‬والصح أنه ل يجوز ‪ ،‬لن ما ل ينضبط بالوصف يتعذر‬
‫أو يعسر رد بدله ‪.‬‬
‫والدليل على ما ذكر ‪:‬‬
‫أ – حديث أبي رافع ‪ ،‬مولى رسول الله ‪ ‬ورضي الله عنه ‪ :‬أن‬
‫ً‬
‫ف من رجل ب َك َْرا ُ ‪ ،‬فقدمت عليه إبل الصدقة ‪،‬‬
‫ست َل َ َ‬
‫النبي ‪ ‬ا ْ‬
‫ي الرجل بكره ‪ ،‬فقال ‪ :‬ل أجد إل خيارا ً‬
‫فأمر أبا رافع أن يقض َ‬
‫رباعيا ً ؟ فقال ‪ " :‬أعطه إياه فإن خيار الناس أحسنهم قضاءً " ‪.‬‬
‫) أخرجه مسلم في المساقاة ‪ ،‬باب ‪ :‬من استلف شيئا ً فقضى‬
‫خيرا ً منه ‪ ،‬رقم ‪ . 1600 :‬وأخرجه البخاري عن أبي هريرة رضي‬
‫الله عنه في الوكالة ‪ ،‬باب ‪ :‬الوكالة في قضاء الديون ‪ ،‬رقم ‪:‬‬
‫‪ ، 2183‬مع اختلف في بعض اللفاظ ( ‪.‬‬
‫] بكرا ً ‪ :‬البكر الفتي من البل ‪ .‬خيارا ً ‪ :‬مختارا ً جيدا ً ‪.‬‬
‫رباعيا ً ‪ :‬هو ما أتى عليه ست سنين من البل ودخل في‬
‫ن التي بين الثنية‬
‫السابعة ‪ ،‬وهو الذي طلعت رباعيته‪ ،‬وهي ال ّ‬
‫س ّ‬
‫ن اللتين في مقدمة السنان [ ‪.‬‬
‫والناب ‪ ،‬والثنية إحدى ال ّ‬
‫سن ّي ْ ِ‬
‫وواضح أن البكر ليس مثليا ً ‪ ،‬فدل ذلك على عدم اشتراط‬
‫المثلية في المال الم َ‬
‫قرض محل القرض ‪.‬‬

‫‪109‬‬

‫ب – أن ما أمكن ضبطه بالوصف يعطي حكم المثلي لشبهه به ‪،‬‬
‫فيصح القرض به لذلك ‪.‬‬
‫ويشترط في محل القرض ‪:‬‬
‫أ – أن يكون معلوم القدر عند القرض – كيل ً أو وزنا ً أو عددا ً أو‬
‫ذرعا ً – ليتمكن من رد بدله‬
‫فلو أقرضه دراهم ل يعلم عددها ‪ ،‬أو طعاما ً ل يعلم كيله أو‬
‫ح‬
‫ح القرض ‪ ،‬وكذلك لو أقرضه مطبوخا ً لم يص ّ‬
‫وزنه ‪ ،‬لم يص ّ‬
‫القرض ‪ ،‬لختلف كميته بالنضج وجهل مقدار نضجه ‪.‬‬
‫والعبرة في كون الشيء مكيل ً أو غيره تحديد الشرع ‪ ،‬فإن‬
‫لم يوجد فالمرجع العرف ‪ ،‬على ما علمت في باب الربا ‪.‬‬
‫ب – أن يكون المال المقرض جنسا ً لم يختلط به غيره ‪ ،‬لن‬
‫يتعذر في هذه الحالة رد بدله ‪ ،‬ولسيما إذا جهلت مقادير‬
‫ء‪.‬‬
‫الخليط ‪ .‬فل يجوز قرض قمح مخلوط بشعير ‪ ،‬ول لبن بما ٍ‬
‫اقتراض الخبز ‪:‬‬
‫أجاز العلماء اقتراض الخبز وزنا ً وعددا ً ‪ ،‬لجريان العرف بذلك‬
‫في جميع العصور من غير إنكار ‪ .‬واستثنوا ذلك من منع ما‬
‫اختلط بغيره وما ل ينضبط ‪.‬‬

‫‪110‬‬

‫حكم القرض من حيث الثر الذي يترتب عليه ‪:‬‬
‫إذا صح القرض ترتب عليه حكمه ‪ ،‬وهو ‪ :‬انتقال ملكية المال‬
‫المقتَرض من المقرض إلى المستقرض على وجه يلتزم معه‬
‫بردّ بدله حال طلب المقرض له ‪ .‬وهل تنتقل هذه الملكية‬
‫بقبض العين المستقرضة أو بالتصرف فيها ؟‬
‫والقول الصح ‪ :‬أن المستقرض يملك العين المستقرضة‬
‫بالقبض ‪ ،‬لنه يجوز له التصّرف فيه بعد القبض باتفاق ‪ ،‬فدل‬
‫على ثبوت ملكيته له قبله ‪ ،‬إذ لو لم يملكه بالقبض لما جاز له‬
‫التصّرف فيه ‪.‬‬
‫وعلى هذا ‪ :‬إذا تم عقد القرض ‪ ،‬وقبض المستقرض العين‬
‫المستقرضة ‪ :‬فعلى قول ‪ :‬ليس للمقرض استردادها منه إل‬
‫برضاه ‪ ،‬ولكن له استرداد بدله ‪ ،‬لنه الواجب بعقد القرض ‪.‬‬
‫والصح ‪ :‬أن للمقرض الرجوع بالعين المستقرضة ما دامت‬
‫باقية على حالها ‪ ،‬ولم تتعلق بها حقوق لزمة للغير ‪ ،‬ول يمنع‬
‫ذلك من القول بملكية المستقرض لها بالقبض ‪ .‬لن للمقرض‬
‫المطالبة ببدل المستقَرض عند فقده ‪ ،‬فالمطالبة بعينه – إذا‬
‫كان قائما ً – أولى ‪ ،‬لنه أقرب منه ‪ ،‬فيلزم المستقرض رده إذا‬
‫طالب به المقرض ‪.‬‬
‫ أما إذا كانت العين قائمة ‪ ،‬ولكنها لم تبق على حالها – كما‬‫لو كانت شاة فذبحت ‪ ،‬أو حنطة فطحنت – أو تعلق بها حق زم‬
‫للغير – كأن رهنها المستقرض – فليس للمقرض حق الرجوع‬
‫بها واستردادها بعينها ‪.‬‬
‫أما لو أجر المستقرض العين المستقرضة فللمقرض‬
‫الرجوع بها واستردادها‪ ،‬بخلف الرهن ‪ ،‬لن للمرتهن حقا ً لزما ً‬
‫يتعلق بالعين المرهونة ‪ ،‬أما المستأجر فليس له ذلك ‪.‬‬
‫‪111‬‬

‫وكذلك له استردادها ولو زادت زيادة متصلة أو منفصلة ‪،‬‬
‫لن المتصلة تبع للصل ‪ ،‬وأما المنفصلة ‪ :‬فإنها ل تمنع استرداد‬
‫الصل ‪ ،‬وإن كان المستقرض يملكها ‪ ،‬لنها حصلت على ملكه ‪.‬‬
‫ول خلف أن للمستقرض ردّ عين القرض على المقرض ‪،‬‬
‫وليس للمقرض أن يطالبه برد بدله من مثل أو قيمة ‪.‬‬
‫والقول الثاني في وقت انتقال الملكية ‪ :‬إن المستقرض ل‬
‫يملك المقال المقتَرض إل بالتصّرف المزيل للملك ‪ ،‬كالهبة أو‬
‫البيع أو اَلهلك أو الستهلك ‪ ،‬لن الملك يتبين به ‪ ،‬ولن‬
‫دها‪،‬‬
‫للمقترض الرجوع بها قبل ذلك ‪ ،‬كما أن للمستقرض أن ير ّ‬
‫ولو ملكها المستقرض بالقبض لم يملك واحد منهما فسخ ذلك‬
‫الملك ‪ ،‬ولم يكن لهما حق الرد أو السترداد ‪.‬‬
‫وعلى هذا القول ‪ :‬للمقرض استرداد العين المستقرضة ما‬
‫دامت في يد المستقرض – على النحو السابق – قول ً واحدا ً ‪،‬‬
‫لنها ما زالت على ملكه ‪ ،‬ولم تدخل في ملك المستقرض ‪.‬‬
‫وتظهر فائدة الخلف بين القولين فيما إذا كان للمال‬
‫المستقرض نفقة أو منفعة‪ - :‬فعلى القول بثبوت الملك‬
‫قرض نفقته ‪ ،‬وله منفعته من حين‬
‫بالقبض يكون على المست ِ‬
‫القبض ‪ ،‬ولو لم يتصرف فيه ‪.‬‬
‫ وعلى القول بثبوت الملك بالتصرف تكون نفقته على‬‫المقرض ‪ ،‬وله منفعته من حين القبض على وقت التصرف ‪.‬‬
‫ما يجب رده بدل القرض ‪:‬‬
‫علمنا أن المال المقترض ينبغي أن يكون مثليا ً أو أن يكون‬
‫قيميا ً ينضبط بالوصف ‪ ،‬وعليه ‪:‬‬
‫فيجب ردّ المثل إذا كان محل القرض مال ً مثليا ً وكان‬
‫موجودا ً ‪ ،‬فإذا انعدم وجب ردّ قيمته‬

‫‪112‬‬

‫وإن كان محل القرض مال ً قيميا ً وجب ردّ مثله صورة ‪ ،‬كما‬
‫لو اقترض شاة ‪ ،‬فإنه يردّ شاة بدلها بنفس أوصافها ‪ ،‬لحديث‬
‫أبي رافع رضي الله عنه الذي مّر معنا ‪ ،‬فإن رسول الله ‪‬‬
‫أمره أن يقضي الرجل بكرا ً بدل ب َ ْ‬
‫كره ‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬يجب ردّ القيمة في القيمي ‪ ،‬لن ما يضمن بالمثل‬
‫إن كان له مثل يضمن بالقيمة إذا لم يكن له مثل ‪.‬‬
‫وعلى القول بوجوب القيمة ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫فالواجب القيمة يوم القبض ‪ ،‬على القول بأن العين‬

‫المستقَرضة ُتملك بالقبض ‪ ،‬وهو الصح ‪.‬‬
‫‪-‬‬

‫وعلى القول بأنه ُيملك بالتصرف ‪ :‬فالواجب أكثر القيم‬

‫من يوم القبض إلى يوم التصرف ‪.‬‬
‫وإن اختلف المقرض والمقترض في قدر القيمة أو صفة‬
‫دعي‬
‫المثل ‪ :‬فالقول قول المقترض مع يمينه ‪ ،‬لنه هو الم ّ‬
‫غّرم القيمة أو المثل ‪.‬‬
‫عليه الذي سي ُ َ‬

‫‪113‬‬

‫متى يطالب بردّ بدل القرض ؟‬
‫رض أن يطالب المستقرض بدفع المال المقترض في‬
‫للمق ِ‬
‫أي وقت شاء ‪ ،‬بعد قبض المستقرض له ‪ ،‬لن حكم القرض –‬
‫كما تقدم – يوجب على المستقرض ردّ المال المقترض حال‬
‫طلب المقرض له ‪ ،‬وكذلك ‪ :‬لنه عقد يمتنع فيه التفاضل‬
‫فامتنع فيه الجل ‪.‬‬
‫دد أجل معين في العقد للوفاء أم لم‬
‫وسواء في ذلك أح ّ‬
‫عْرف معين أم لم يوجد ‪.‬‬
‫وجد في ذلك ُ‬
‫يح ّ‬
‫دد وسواء أ ُ‬
‫الشروط في القرض ‪:‬‬
‫قد يقترن عقد القرض بشروط ‪ ،‬فبعض هذه الشروط‬
‫تفسده ‪ ،‬وبعضها يلغو ول يؤثر على القرض ‪ ،‬وبعضها يلزم‬
‫الوفاء به ‪ ،‬وإليك بيان ذلك ‪:‬‬
‫‪ -1‬الشروط المفسدة ‪:‬‬
‫هي كل شرط ليس من ملئمات العقد ‪ ،‬وفيه منفعة‬
‫للمقرض ‪ ،‬كما لو أقرضه بشرط ردّ زيادة في البدل ‪ ،‬أو بشرط‬
‫معيب ‪ ،‬أو بشرط أن يبيعه داره مثل ً ‪ .‬فمثل هذا‬
‫رد صحيح بدل َ‬
‫ض ير منفعة‬
‫الشرط فاسد ومفسد للعقد ‪ .‬لقوله ‪ " ‬كل قر ٍ‬
‫فهو ربا‪ " ((1‬قال في " مغني المحتاج " ‪ :‬وهو وإن كان ضعيفا ً ‪،‬‬
‫فقد روى البيهقي معناه عن جمع من الصحابة ‪ .‬وذكر في "‬
‫المه ّ‬
‫ذب " ‪ :‬أنه روي عن أبي بن كعب وعبدالله بن مسعود‬
‫ض جر‬
‫وعبدالله بن عباس – رضي الله عنهم – أنهم ن َ ْ‬
‫هوا عن قر ٍ‬
‫منفعة ‪.‬‬
‫والمعنى في هذا ‪ :‬أن موضوع القرض قائم على الرفاق‬
‫والعون للمقترض ‪ ،‬فإذا شرط فيه المقرض لنفسه منفعة‬

‫)‪ (1‬أخرجه الطبراني في المعجم الكير ] انظر ‪ :‬الجامع الصغير [‬

‫‪114‬‬

‫زائدة على حقه فقد خرج العقد عن موضوعه ‪ ،‬ولم يؤدّ غرضه ‪،‬‬
‫فلم يصح ‪.‬‬
‫وكذلك روى عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما ‪ :‬أن رسول‬
‫الله ‪ ‬قال " ل يحل سلف وبيع " ) أخرجه الحاكم في‬
‫المستدرك ‪ :‬البيوع ‪ ،‬باب ل يجوز بيعان في بيع ‪، (2/17) ..‬‬
‫وانظر زوائد ابن حبان ‪ :‬البيوع ‪ ،‬باب ‪ :‬ما نهي عنه في البيع‬
‫من الشروط وغيرها ( ‪.‬‬
‫مر معنا في تعريف القرض ‪ :‬أنه السف في لغة أهل‬
‫وقد ّ‬
‫الحجاز ‪.‬‬
‫هذا ومن المعلوم أن فساد العقد يعني بطلنه أصل ً ‪ ،‬وأنه‬
‫ل يترتب عليه شيء من الثار ‪.‬‬
‫المنفعة أو الزيادة غير المشروطة ‪:‬‬
‫إذا ردّ المستقرض زيادة عن بدل القرض ‪ ،‬أو قدم هدية‬
‫للمقرض ‪ ،‬دون أن يشرط المقرض ذلك في العقد ولم يجر به‬
‫عرف ‪ ،‬فما حكم ذلك ؟ ُينظر ‪:‬‬
‫دمة قبل وفاء بدل القرض ‪:‬‬
‫ فإن كانت تلك المنفعة المق ّ‬‫فالولى التنّزه عنها إل إذا كان تبادل تلك المنفعة معتادا ً‬
‫بينهما قبل القرض ‪.‬‬
‫لما روي عن أنس رضي الله عنه ‪ ،‬وقد سئل ‪ :‬الرجل مّنا‬
‫يقرض أخاه المال ‪ ،‬فيهدي إليه ؟ فقال رسول الله ‪ " : ‬إذا‬
‫أ ْ‬
‫ة ‪ ،‬فل‬
‫دكم قرضا ً ‪ ،‬فأ ْ‬
‫هدى إليه ‪ ،‬أو حمَله على الداب ّ ِ‬
‫قَرض أح ُ‬
‫ها ول ي َ ْ‬
‫ن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك " ‪.‬‬
‫ه ‪ ،‬إل ّ أ ْ‬
‫ي َْرك َب ْ ُ‬
‫قب َل ْ ُ‬
‫)أخرجه ابن ماجه في الصدقات ‪ ،‬باب ‪ :‬القرض ‪ ،‬رقم ‪( 2432 :‬‬
‫‪.‬‬
‫وكذلك تزول الكراهة إذا كافأه المقرض عليها ‪.‬‬

‫‪115‬‬

‫‪-‬‬

‫وإذا كانت المنفعة المقدمة – من زيادة أو هدية أو غيرها –‬

‫بعد وفاء القرض ‪ :‬فل بأس بها ‪ ،‬ول يكره للمقرض أخذها ‪،‬‬
‫لنتهاء حكم القرض بالوفاء ‪ .‬بل يستحب للمستقرض أن‬
‫يفعل ذلك ‪ ،‬اقتداءً بفعله صلى الله عليه وسلم ‪ ،‬وامتثال ً‬
‫لمره بحسن الوفاء ‪ ،‬وهذا من حسن الوفاء ‪.‬‬
‫ت‬
‫روى البخاري ومسلم عن جابر رضي الله عنه قال ‪ :‬أتي ُ‬
‫ن ‪ ،‬فقضاني وزادني ) البخاري في‬
‫النبي ‪ ، ‬وكان لي عليه دي ُ‬
‫الستقراض ‪ ،‬باب ‪ :‬حسن القضاء ‪ ،‬رقم ‪ . 2264‬ومسلم في‬
‫المساقاة ‪ ،‬باب ‪ :‬بيع البعير واستثناء ركوبه ( ‪.‬‬
‫وقد مّر بنا أمره ‪ ‬بإعطاء المقرض خيارا ً رباعيا ً بدل ب َ ْ‬
‫كره ‪،‬‬
‫وقوله في ذلك‪" :‬فإن خيار الناس أحسنهم قضاءً " ‪.‬‬
‫عرف بين الناس بردّ المستقرض زيادة عن‬
‫وهذا إذا لم يجر ُ‬
‫بدل القرض أو تقديم منفعة للمقرض ‪ ،‬وكذلك إذا لم يكن‬
‫عرف‬
‫ود هذا وعرف به ‪ .‬فإن كان معتادا ً في ُ‬
‫المستقرض قد ت َ َ‬
‫ع ّ‬
‫الناس ‪ ،‬أو كان المستقرض معروفا ً به ‪ :‬فالوجه كراهة قبول‬
‫هذه المنفعة ‪ ،‬لن المعروف عرفا ً كالمشروط شرطا ً ‪.‬‬
‫‪ -2‬الشروط اللغية غير المفسدة للعقد ‪:‬‬
‫وهي كل شرط ليس من ملئمات العقد ‪ ،‬ولكنه ل مصلحة‬
‫فيه لحد المتعاقدين ‪ ،‬أو كان مصلحة للمستقرض ‪ ،‬وذلك كما‬
‫لو شرط عليه أن يردّ معيبا ً بدل صحيح ‪ ،‬أو رديئا ً بدل جيد ‪،‬‬
‫وكذلك لو شرط عليه أن يقرضه غيره ‪.‬‬
‫فمثل هذه لغيه ل يلزم الوفاء بها ‪.‬‬
‫والصح أنها ل تفسد العقد ‪ ،‬لن فيها تأكيدا ً لموضوعه وهو‬
‫الرفاق ‪ ،‬إذ ليس فيها جّر منفعة للمقرض ‪ ،‬وإنما فيها جّر‬
‫منفعة للمقترض ‪ ،‬فكأن المقرض يزيد في الرفاق والعون‬
‫للمقترض ‪.‬‬
‫‪116‬‬

‫شرط الجل في القرض ‪:‬‬
‫ذكرنا أن للمقرض أن يطالب ببدل القرض متى شاء ‪ ،‬سواء‬
‫أَ ُ‬
‫شرط أجل في العقد أم لم ُيشرط ‪ .‬وعليه ‪ :‬إذا شرط اجل في‬
‫العقد فل يلزم الوفاء به ‪ ،‬ويعتبر لغيا ً ‪ .‬وهل يؤثر على العقد ؟‬
‫ينظر ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫فإن كان في شرط الجل غير للمقرض – كما لو كان‬

‫الزمن زمن نهب ‪ ،‬وشرط له أجل ً للوفاء يغلب على ظنه‬
‫المن فيه – فإنه يفسد العقد ‪ ،‬لما فيه من جر المنفعة‬
‫للمقرض ‪ ،‬فصار كشرط زيادة في العقد ‪.‬‬
‫‪-‬‬

‫وإن لم يكن في شرط الجل غير للمقرض فل يفسد العقد‬

‫‪ ،‬ول يلزم الجل على الصحيح ‪ ،‬وإن كان ُيندب الوفاء به ‪،‬‬
‫لنه وعد بالحسان ‪.‬‬
‫‪ -3‬ما يلزم الوفاء به من الشروط ‪:‬‬
‫هي كل شرط فيه توثيق للعقد وإثبات للحق وتأكيد له ‪ .‬كما‬
‫لو اشترط رهنا ً بمال القرض ‪ ،‬أو كفيل ً ‪ ،‬أو إشهادا ً على العقد ‪،‬‬
‫أو إقرارا ً به عند حاكم ‪ ،‬أو كتابة للدين ‪ .‬فإن ذلك كله جائز ‪،‬‬
‫ق للمقرض أن يشرطه ‪ ،‬لنه توثيق – كما قلنا – ول زيادة‬
‫ويح ّ‬
‫فيه ‪.‬‬
‫ولقد روى البخاري عن أنس رضي الله عنه ‪ :‬ولقد رهن‬
‫النبي ‪ ‬درعا ً له بالمدينة عند يهودي ‪ ،‬وأخذ منه شعيرا ً لهله‬
‫) البخاري ‪ :‬البيوع ‪ ،‬باب ‪ :‬شراء النبي ‪ ‬بالنسيئة ‪ ،‬رقم ‪:‬‬
‫‪. ( 1963‬‬
‫ويلزم المستقرض الوفاء بهذه الشروط ‪ ،‬فإن لم يوف بها‬
‫كان للمقرض أن يفسخ العقد ‪.‬‬

‫‪117‬‬

118

‫الهــــبــة‬
‫تعريـفـهـــا ‪:‬‬
‫هي في اللغة ‪ :‬العطية التي لم يسبقها استحقاق ‪ ،‬وفيها‬
‫نفع للمع َ‬
‫طى له ‪ .‬وبهذا المعنى تكون في العيان وغيرها ‪.‬‬
‫شاءُ إ َِناثا ً‬
‫ن يَ َ‬
‫ه ُ‬
‫ فمن ورودها في العيان ‪ :‬قوله تعالى } ي َ َ‬‫م ْ‬
‫ب لِ َ‬
‫شاءُ الذّ ُ‬
‫من ي َ َ‬
‫كوَر {)الشورى ‪. (49‬‬
‫ه ُ‬
‫وي َ َ‬
‫ب لِ َ‬
‫َ‬
‫ر‬
‫ب ِلي َ‬
‫و َ‬
‫ه ال ّ ِ‬
‫مدُ ل ِل ّ ِ‬
‫ه َ‬
‫وقوله تعالى ‪} :‬ال ْ َ‬
‫ح ْ‬
‫ذي َ‬
‫عَلى ال ْك ِب َ ِ‬
‫عي َ‬
‫عاء {)إبراهيم ‪. (39‬‬
‫ع الدّ َ‬
‫ما ِ‬
‫س ِ‬
‫حاقَ إ ِ ّ‬
‫مي ُ‬
‫س َ‬
‫ن َرّبي ل َ َ‬
‫وإ ِ ْ‬
‫إِ ْ‬
‫س َ‬
‫ل َ‬
‫ب ل ََنا‬
‫و َ‬
‫ه ْ‬
‫ ومن ورودها في غير العيان ‪ :‬قوله تعالى ‪َ } :‬‬‫دن َ‬
‫ة{)آل عمران ‪. (8‬‬
‫م ً‬
‫ِ‬
‫ك َر ْ‬
‫من ل ّ ُ‬
‫ح َ‬
‫َ‬
‫ت نَ ْ‬
‫م ْ‬
‫ن‬
‫من َ ً‬
‫و َ‬
‫ؤ ِ‬
‫ي إِ ْ‬
‫هب َ ْ‬
‫س َ‬
‫ف َ‬
‫مَرأةً ّ‬
‫وا ْ‬
‫ة ِإن َ‬
‫وقوله تعالى ‪َ } :‬‬
‫ها ِللن ّب ِ ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ها {)الحزاب ‪ (50‬أي يح ّ‬
‫ل لك يا محمد ‪-‬‬
‫سَتنك ِ َ‬
‫ح َ‬
‫ي أن ي َ ْ‬
‫أَرادَ الن ّب ِ ّ‬
‫وضت أمرها إليك ‪،‬‬
‫‪ - ‬أن تتزوج بالمرأة المؤمنة التي ف ّ‬
‫ورضيت أن تتزوجها بغير مهر ‪ ،‬فيح ّ‬
‫ل لك ذلك ‪.‬‬
‫قيل ‪ :‬أصل معناها من هبوب الريح ‪ ،‬لما في ذلك من‬
‫العطاء ‪.‬‬
‫ب من نومه ‪ ،‬إذا استيقظ ‪ ،‬فكأن فاعلها‬
‫من ه ّ‬
‫وقيل ‪َ :‬‬
‫استيقظ وانتبه للعطاء ‪.‬‬
‫وهي في الصطلح الشرعي ‪ :‬عقد يفيد تمليك العين بل‬
‫وض ‪ ،‬حال الحياة ‪ ،‬تطوعا ً ‪.‬‬
‫ع ُ‬
‫أي إن عقد الهبة يرد على تمليك ذات الشيء الموهوب‬
‫للموهوب له ‪ ،‬دون أن يتوجب عليه ردّ بدل لهذا الشيء ‪ ،‬فهو‬
‫بهذا يختلف عن البيع الذي هو تمليك بعوض ‪.‬‬
‫وكذلك هذا التمليك يكون حال الحياة ‪ ،‬وبهذا تختلف الهبة‬
‫عن الوصية‪ ،‬التي هي تمليك بل عوض ‪ ،‬ولكن بعد الموت ‪.‬‬
‫‪119‬‬

‫كما تختلف الهبة عن الزكاة التي هي تمليك واجب على‬
‫المز ّ‬
‫كي ‪ ،‬بينما الهبة تمليك على سبيل التطوع والتبرع ‪.‬‬
‫والهبة بهذا المعنى تشمل الهدية والصدقة ‪ ،‬فإن كل ً منهما‬
‫تمليك للعين بل عوض في حال الحياة تطوعا ً ‪ ،‬وإن كان بين‬
‫هذه الثلثة شيء من الختلف في المعنى والحكم ‪:‬‬
‫ة ‪ ،‬سواء أكانت من غني‬
‫م ُ‬
‫ فالهبة ‪ :‬بالمعنى الذي سبق عا ّ‬‫لفقير أم ل ‪ ،‬وقصد بها الثواب في الخرة أم ل ‪ُ ،‬نقلت العين‬
‫الموهوبة للموهوب أم ل ‪.‬‬
‫ أما الصدقة ‪ :‬فالظاهر أنها تمليك للمحتاج ‪ ،‬تقربا ً إلى الله‬‫تعالى وقصدا ً للثواب في الخرة غالبا ً ‪.‬‬
‫ وأما الهدية ‪ :‬فالظاهر أنها تمليك لمن يرغب بالتقّرب‬‫والتحّبب إليه من الناس ‪ ،‬وغالبا ً ما يكون مع ذلك نقل للموهوب‬
‫إلى مكان الموهوب له ‪.‬‬
‫وهذا الفارق بين الصدقة والهدية يظهر في قوله ‪ ‬حين‬
‫عم من اللحم – الذي رآه يطبخ وقيل له ‪ :‬إنه لحم‬
‫طلب أن ي ُطْ َ‬
‫ة"‬
‫ة ‪ ،‬وهو لنا هدي ّ ّ‬
‫دق به على بريرة فقال ‪ " :‬هو عليها صدق ُ‬
‫ص ّ‬
‫تُ ُ‬
‫) أخرجه البخاري في الزكاة ‪ ،‬باب ‪ :‬إذا تحولت الصدقة ‪ ،‬رقم ‪:‬‬
‫‪ . 1424‬ومسلم في الزكاة باب ‪ :‬إباحة الهدية للنبي ‪ ، ‬رقم ‪:‬‬
‫‪ ( 1074‬أي فقد اختلف القصد في العطاء ‪ ،‬فاختلف السم‬
‫والحكم ‪.‬‬
‫ولهذا المعنى كان النبي ‪ ‬يقبل الهدية ويأكل منها ‪ ،‬بينما‬
‫كان ل يأكل من الصدقات ‪ .‬فقد روى البخاري ومسلم – واللفظ‬
‫ُ‬
‫ى‬
‫لمسلم – عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ‪ ‬كان إذا أت ِ َ‬
‫بطعام يسأل عنه ‪ :‬فإن قيل هدية أكل منها ‪ ،‬وإن قيل صدقة‬
‫لم يأكل منها ‪ ) .‬البخاري ‪ :‬كتاب الهبة ‪ ،‬باب ‪ :‬قبول الهدية ‪،‬‬

‫‪120‬‬

‫رقم ‪ . 2437 :‬ومسلم في الزكاة ‪ ،‬باب ‪ :‬قبول النبي ‪ ‬الهدية‬
‫ده الصدقة ‪ ،‬رقم ‪. ( 1077 :‬‬
‫ور ّ‬
‫ وكذلك لبدّ في الهبة من اليجاب والقبول ‪ ،‬كما سيأتي ‪،‬‬‫بينما ل يشترط هذا في الصدقة أو الهدية ‪:‬‬
‫أما الصدقة ‪ :‬فما أكثر ما كان رسول الله ‪ ‬يتصدق ‪،‬‬
‫وكذلك أصحابه رضوان الله عليهم ‪ ،‬ولم ُيعهد أو ُينقل أنه كان‬
‫دق عليه ‪.‬‬
‫دق ومن يتص ّ‬
‫َيجري إيجاب وقبول بين المتص ّ‬
‫وأما الهدية ‪ :‬فقد ثبت أن الناس من أصحاب رسول الله ‪‬‬
‫كانوا يتحرون بهداياهم يوم وجود رسول الله ‪ ‬عند عائشة‬
‫رضي الله عنها ‪ .‬ولم ُينقل أنه كن يحصل إيجاب وقبول بينهم‬
‫وبينها ‪ ،‬أو بينهم وبينه )انظر البخاري ‪ :‬كتاب الهبة ‪ ،‬باب ‪:‬‬
‫قبول الهدية ‪ ،‬رقم ‪ . 2435 ،‬ومسلم ‪ :‬فضائل الصحابة ‪ ،‬باب ‪:‬‬
‫في فضل عائشة رضي الله تعالى عنها ‪ ،‬رقم‪. (2441:‬‬

‫‪121‬‬

‫مشروعيتها ‪:‬‬
‫الهبة – بالمعنى العام الشامل الذي سبق بيانه – مستحبة‬
‫ومندوب إليها ‪ ،‬د ّ‬
‫ل على ذلك ‪ :‬الكتاب ‪ ،‬والسّنة ‪ ،‬والجماع ‪.‬‬
‫أما الكتاب ‪:‬‬
‫ة َ‬
‫صدُ َ‬
‫فِإن‬
‫حل َ ً‬
‫ن نِ ْ‬
‫وآُتوا ْ الن ّ َ‬
‫ه ّ‬
‫ساء َ‬
‫ فمن ذلك قوله تعالى ‪َ } :‬‬‫قات ِ ِ‬
‫فسا ً َ‬
‫ه نَ ْ‬
‫عن َ‬
‫ريئا ً {)النساء ‪ (4‬أي إذا‬
‫ي ٍ‬
‫م َ‬
‫فك ُُلوهُ َ‬
‫طِب ْ َ‬
‫هِنيئا ً ّ‬
‫من ْ ُ‬
‫ء ّ‬
‫ن ل َك ُ ْ‬
‫ش ْ‬
‫م ِ‬
‫ن ذلك المهر‬
‫وهبكم أزواجكم شيئا ً من مهورهن – بعد إعطائه ّ‬
‫ن راضية بتلك الهبة ‪ ،‬فما‬
‫ن – وكانت نفوسه ّ‬
‫حقا ً مفروضا ً له ّ‬
‫وهبنه لكم كسب طيب حلل ‪ ،‬فكلوه سائغا ً لذيذا ً ‪ ،‬ول حرج‬
‫عليكم في أكله ول مؤاخذة عليكم في أخذه ‪.‬‬
‫َ‬
‫قب َ َ‬
‫ل‬
‫م ِ‬
‫جو َ‬
‫و ُ‬
‫هك ُ ْ‬
‫ ومنه قوله تعالى ‪} :‬ل ّي ْ َ‬‫وّلوا ْ ُ‬
‫س ال ْب ِّر أن ت ُ َ‬
‫م ْ‬
‫ر‬
‫م ْ‬
‫وم ِ ال ِ‬
‫ن ِبالل ّ ِ‬
‫م َ‬
‫م ْ‬
‫وَلـك ِ ّ‬
‫نآ َ‬
‫ن ال ْب ِّر َ‬
‫وال ْ َ‬
‫ال ْ َ‬
‫ر ِ‬
‫وال ْي َ ْ‬
‫ه َ‬
‫ب َ‬
‫ق َ‬
‫خ ِ‬
‫غ ِ‬
‫ر ِ‬
‫ش ِ‬
‫وي ال ْ ُ‬
‫ما َ‬
‫قْرَبى‬
‫ل َ‬
‫حب ّ ِ‬
‫ملئ ِك َ ِ‬
‫عَلى ُ‬
‫والن ّب ِّيي َ‬
‫وآَتى ال ْ َ‬
‫وال ْ َ‬
‫وال ْك َِتا ِ‬
‫ن َ‬
‫ب َ‬
‫ة َ‬
‫َ‬
‫ه ذَ ِ‬
‫في الّر َ‬
‫ب{‬
‫و ِ‬
‫سا ِ‬
‫وال ّ‬
‫ن ال ّ‬
‫م َ‬
‫سآئ ِِلي َ‬
‫واب ْ َ‬
‫كي َ‬
‫وال ْ َ‬
‫وال ْي ََتا َ‬
‫قا ِ‬
‫ن َ‬
‫ل َ‬
‫سِبي ِ‬
‫ن َ‬
‫مى َ‬
‫َ‬

‫‪((1‬‬

‫)البقرة ‪(177‬‬

‫فقد شملت الية بالعطاء المحتاجين وغيرهم ‪ ،‬وإعطاء‬
‫المحتاجين صدقة ‪ ،‬وإعطاء غيرهم هبة ‪.‬‬
‫وأما السنة ‪:‬‬
‫فإن الحاديث في مشروعية الهبة كثيرة ‪ ،‬سيأتي بعض منها‬
‫خلل البحث ‪ ،‬ومنها ‪:‬‬
‫ وما رواه البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت‬‫ح‪،‬‬
‫‪ :‬قد كان لرسول الله ‪ ‬جيران من النصار ‪ ،‬كانت لهم منائ ُ‬
‫حون رسول الله ‪ ‬من ألباِنهم فيسقينا ) البخاري ‪:‬‬
‫من َ ُ‬
‫وكانوا ي ْ‬
‫الهبة ‪ ،‬باب ‪ :‬فضلها والتحريض عليها ‪ ،‬رقم ‪ . 2428 :‬مسلم‬
‫في الزهد والرقائق ‪ ،‬رقم‪. (2972:‬‬
‫)‪ (1‬البر ‪ :‬كلمة جامعة لكل خير ‪ .‬تولوا وجوهكم ‪ :‬تديروها وتتوجهوا وتستقبلوا بها ‪ِ .‬قَبل ‪ :‬نحو وجهة ‪.‬‬
‫آتى ‪ :‬أعطى ‪ .‬على حبه ‪ :‬أي أعطى المال مع حبه له وتعلق قلبه به ‪ .‬أو ‪ :‬أعطاه ونفسه راضية بهذا العطاء غير كارهة له ‪ .‬في الرقاب ‪ :‬في تحرير العبيد‬

‫‪122‬‬

‫] والمنائح جمع منيحة ‪ ،‬وهي العطية ‪ ،‬والمراد بها هنا‬
‫الناقة أو الشاة التي فيها لبن ‪ .‬ويمنحون ‪ :‬أي يجعلون ذلك‬
‫منحة له ‪ ،‬أي عطية [ ‪.‬‬
‫ ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه ‪،‬‬‫عن النبي ‪ ‬قال " يا نساء المسلمات ‪ ،‬ل تحقرن جارة لجارتها‬
‫ولو فرسن شاة " )البخاري في الهبة ‪ ،‬باب ‪ :‬فضلها والتحريض‬
‫عليها ‪ ،‬رقم ‪ . 2427 :‬ومسلم في الزكاة ‪ ،‬باب ‪ :‬الحث على‬
‫الصدقة ولو بالقليل ‪ ،‬رقم ‪.( 1030:‬‬
‫] أي ل تستصغرن جارة شيئا ً يتقدمه لها جارتها عطية‬
‫وهبة ‪ ،‬فتمتنع من قبوله ‪ ،‬ولو كان المقدم والمعطى فرسن‬
‫شاة ‪ ،‬وهو ما دون الرسغ من يدها ‪ ،‬وقيل ‪ :‬عظم قليل اللحم ‪.‬‬
‫دمه‬
‫أو المراد ل تستصغر ذلك فتمتنع عن هبته لجارتها ‪ ،‬بل لتق ّ‬
‫لها ‪ ،‬فإن في ذلك جلبا ً للمحبة واللفة [ ‪.‬‬
‫ ما رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه ‪ ،‬عن النبي‬‫‪ ‬قال‪" :‬لو دعيت إلى ذراع أو كراع لجبت ‪ ،‬ولو أهدي إلى‬
‫ذراع أو كراع لقبلت " ) أخرجه البخاري في الهبة ‪ ،‬باب ‪:‬‬
‫القليل من الهبة ‪ ،‬رقم ‪. ( 2429 :‬‬
‫] ذراع ‪ :‬هو اليد من كل حيوان ‪ .‬كراع ‪ :‬هو ما استدق من‬
‫ساق الحيوان [ ‪.‬‬

‫‪123‬‬

‫وأما الجماع ‪:‬‬
‫فقد اجمع فقهاء المسلمين في جميع العصور على‬
‫استحباب الهبة بكل أنواعها لنها من باب التعاون ‪ ،‬والله تعالى‬
‫والت ّ ْ‬
‫وى {‬
‫وُنوا ْ َ‬
‫وت َ َ‬
‫ق َ‬
‫عَلى اْلبّر َ‬
‫عا َ‬
‫يقول ‪َ } :‬‬

‫)المائدة ‪(2‬‬

‫‪.‬‬

‫الهبة للقارب ‪:‬‬
‫وإذا كانت الهبة مشروعة ومندوبا ً إليها ‪ ،‬مطلقا ً ‪ ،‬فهي‬
‫للقارب أشد استحبابا ً وأكثر ندبا ً وأفضل ثوابا ً وأجرا ً ‪ ،‬لما يكون‬
‫فيها – إلى جانب الّبر والتعاون – من صلة الرحم ‪ .‬وقد حّثنا الله‬
‫وات ّ ُ‬
‫ه‬
‫قوا ْ الل ّ َ‬
‫تعالى في كتابه على صلة الرحم فقال سبحانه ‪َ } :‬‬
‫م{‬
‫ن بِ ِ‬
‫ال ّ ِ‬
‫ساءُلو َ‬
‫وال َْر َ‬
‫حا َ‬
‫ذي ت َ َ‬
‫ه َ‬

‫)النساء ‪(1‬‬

‫أي اتقوا الرحام من أن‬

‫تقطعوها ‪.‬‬
‫وكذلك فعل رسول الله ‪ ‬إذ قال ‪ " :‬من أحب أن يبسط له‬
‫في رزقه ‪ ،‬وينسأ له في أثره ‪ ،‬فليصل رحمه " ) أخرجه‬
‫البخاري في البيوع ‪ ،‬باب ‪ :‬من أحب البسط في الرزق ‪ ،‬رقم ‪:‬‬
‫‪ . 1961‬ومسلم في البر والصلة والداب ‪ ،‬باب ‪ :‬صلة الرحم‬
‫وتحريم قطيعتها ‪ ،‬رقم ‪. ( 2557 :‬‬
‫سع عليه ويبارك له فيه ‪ .‬ينسأ له في أثره ‪:‬‬
‫] ُيبسط له ‪ :‬يو ّ‬
‫يطيل الله عمره ويؤخر له فيه [ ‪.‬‬
‫المكافأة على الهبة ‪:‬‬
‫ويستحب لمن وهب له شيء أن يكافئ الواهب على هبته‬
‫إن تيسر له ذلك ‪ ،‬اقتداءً برسول الله ‪ ، ‬فقد روى البخاري‬
‫عن عائشة رضي الله عنها قالت ‪ :‬كان رسول الله ‪ ‬يقبل‬
‫الهدية ويثبت عليها ) أخرجه البخاري في الهبة ‪ ،‬باب ‪ :‬المكافأة‬
‫في الهبة ‪ ،‬رقم ‪( 2445 :‬‬
‫حكمة مشروعيتها ‪:‬‬

‫‪124‬‬

‫يهدف السلم لقامة المجتمع المثالي المتكامل ‪ ،‬الذي‬
‫ود ‪ ،‬والصلة والقْرب ‪ .‬ولذا‬
‫يقوم على أساس من المحبة وال ّ‬
‫وي روابط القرب بين الفراد ‪،‬‬
‫يشرع كل ما من شأنه أن يق ّ‬
‫ويحقق التوادد واللفة بين الناس ‪ .‬والهبة من الوسائل الناجعة‬
‫د‬
‫التي تحقق هذا المعنى ‪ ،‬لما فيها من تعبير عن الكرام والو ّ‬
‫والحترام ‪ .‬والنسان مفطور على حب من أكرمه وأحسن‬
‫ده واحترامه ‪.‬‬
‫إليه ‪ ،‬واظهر له و ّ‬
‫وحديث رسول الله ‪ ‬صريح في هذا المعنى إذ يقول ‪" :‬‬
‫وا تحاّبوا " )أخرجه مالك مرسل ً في كتاب حسن الخلق ‪،‬‬
‫تهادَ ْ‬
‫ن‬
‫باب ‪ :‬ما جاء في المهاجرة ‪ ( 2/908 :‬ويقول " تهادوا ‪ ،‬فإ ّ‬
‫الهدّية ت ُ ْ‬
‫در " أي غّله والحقد الذي قد يكون فيه ‪.‬‬
‫ص ْ‬
‫بو َ‬
‫ذه ُ‬
‫حَر ال ّ‬
‫ث النبي‬
‫) أخرجه الترمذي في أبواب الولء ‪ ،‬باب ‪ :‬ما جاء في ح ّ‬
‫‪ ‬على التهادي ‪ ،‬رقم ‪. ( 2131 :‬‬
‫ث من‬
‫وحتى يتحقق هذا المعنى كامل ً نجد رسول الله ‪ ‬يح ّ‬
‫ده ‪ ،‬لما في الرد على الواهب من‬
‫و ِ‬
‫ب له شيء أن يقبله ول ير ّ‬
‫ه َ‬
‫ُ‬
‫إيذاء له ‪ ،‬إذ قد يشعر باستصغاره وعدم الكتراث به ‪ .‬وقد مّر‬
‫بك قوله ‪ " : ‬ل تحقرن جارة لجارتها ولو ْ‬
‫ن شاة " وروى‬
‫ر ِ‬
‫س َ‬
‫ف ِ‬
‫المام أحمد في مسنده ‪ :‬عن خالد بن عدي رضي الله عنه ‪ :‬أن‬
‫النبي ‪ ‬قال ‪ " :‬من بلغه معروف عن أخيه ‪ ،‬من غير مسألة ول‬
‫ده ‪ ،‬فإنما هو رزق ساقه الله عز‬
‫إشراف نفس ‪ ،‬فليقبله ول ير ّ‬
‫وجل إليه " ‪ ) .‬مسند أحمد ‪. (4/221 :‬‬
‫وإذا كان هناك سبب شرعي معتبر لعدم القبول ينبغي أن‬
‫يبّينه ‪ ،‬حتى ل يبقى في نفس الواهب شيء ‪ ،‬كما فعل رسول‬
‫الله ‪ ‬حين ُأهدي له صيد وهو محرم ‪.‬‬
‫فقد أخرج البخاري ومسلم عن الصعب بن جثامة الليثي‬
‫رضي الله عنه ‪ :‬أنه أهدى لرسول الله ‪ ‬حمارا ً وحشيا ً ‪ ،‬وهو‬
‫‪125‬‬

‫ده عليه ‪ ،‬فلما رأى ما في وجهه ‪ ،‬قال ‪" :‬‬
‫دان ‪ ،‬فر ّ‬
‫بالبواء أو بو ّ‬
‫أما إنا لم نرده عليك إل أنا حرم " )‬

‫البخاري ‪ :‬الحصار وجزاء‬

‫الصيد ‪ ،‬باب ‪ :‬إذا أهدى للمحرم حمارا ً وحشيا ً حيا ً لم يقبل ‪،‬‬
‫رقم ‪ . 1729 :‬ومسلم في الحج ‪ ،‬باب ‪ :‬تحريم الصيد للمحرم ‪،‬‬
‫رقم ‪. ( 1193 :‬‬
‫] حمارا ً وحشيا ً ‪ :‬هو الحمار المخطط المعروف ‪ ،‬وهو من‬
‫دان ‪ :‬اسما موضعين بين مكة‬
‫النعام المأكولة اللحم ‪ .‬البواء وو ّ‬
‫ده ‪، ‬‬
‫والمدينة ‪ .‬ما في وجهة ‪ :‬أي من الحزن والكراهية لر ّ‬
‫لنه قد يكون سبب غضب منه وعدم رضا عنه ‪ .‬حرم ‪:‬‬
‫صيدَ لنا [ ‪.‬‬
‫محرومون ‪ :‬يمتنع علينا أخذ ما ِ‬
‫أركان الهبة وشروطها ‪:‬‬
‫للهبة أركان ثلثة ‪ ،‬وهي ‪ :‬عاقدان ‪ ،‬وصيغة ‪ ،‬وموهوب ‪.‬‬
‫ولك ّ‬
‫ل من هذه الركان شروطها نبينها فيما يلي ‪:‬‬
‫‪ -"1‬العاقدان ‪ :‬وهما الواهب والموهوب له‪:‬‬
‫ويشترط في الواهب ‪ :‬أن يكون مالكا ً للموهوب ‪ ،‬وأن‬
‫ح هبة ما ل‬
‫يكون أهل ً للتبرع ‪ ،‬مطلق التصرف في ماله ‪ ،‬فل تص ّ‬
‫يملكه ‪ ،‬كما ل تصح هبة الصغير والمجنون ‪ ،‬لنها ليسا أهل ً‬
‫للتبرع ول يملكانه ‪ ،‬لنه ضرر محض ‪ .‬ولهذا ل يملك ولّيهما أيضا ً‬
‫هبه شيء من مالهما ‪ ،‬لنهما تبرع ل يقابله نفع دنيوي ‪ ،‬فهي‬
‫لذلك ضرر محض ل يملكه الولي ‪ ،‬لن وليته قاصرة على وجوه‬
‫النفع لمن تحت وليته‪.‬‬
‫ح الهبة من المحجور عليه في ماله ‪ ،‬لسفه أو‬
‫وكذلك ل تص ّ‬
‫فلس ‪.‬‬
‫ويشترط في الموهوب له ‪ :‬أن يكون أهل ً لتملك ما وهب له ‪،‬‬
‫فتصح الهبة لكل إنسان مولود ‪ ،‬وغير المكلف – كالصبي‬

‫‪126‬‬

‫والمجنون – يقبل عنه ولّيه ‪ .‬ول تصح الهبة للحمل لنه ل يملك‬
‫ملكا ً اختياريا ً ‪.‬‬
‫‪ -"2‬الصيغة ‪ :‬وهي اليجاب والقبول ‪:‬‬
‫فمن اليجاب أن يقول ‪ :‬وهبتك ‪ ،‬ونحلتك ‪ ،‬ومّلكتك بل ثمن‬
‫‪ ،‬وأعطيتك ‪ .‬وكذلك ‪ :‬أطعمتك هذا الطعام ‪ ،‬وجعلت هذا الثواب‬
‫لك ‪.‬‬
‫فهذه ألفاظ بعضها صريح في الهبة لستعمالها فيها ‪،‬‬
‫وبعضها يجري مجري الصريح لدللته على التمليك في الحال بل‬
‫عوض ‪ ،‬وهو معنى الهبة ‪ .‬فهذه اللفاظ ل تحتاج إلى نّية ‪ ،‬ولو‬
‫دعى قائلها وعدم إرادة الهبة به فل ُيصدق بدعواه ‪.‬‬
‫ا ّ‬
‫وهناك ألفاظ في اليجاب ليست صريحة في الهبة ول‬
‫تجري مجرى الصريح فيها ‪ ،‬وفتحتاج إلى نّية مثل قوله كسوتك‬
‫هذا الثوب ‪ ،‬وحملتك على هذه الدابة ‪ ،‬فمثل هذه اللفاظ كناية‬
‫في الهبة ‪ ،‬فإن نواها انعقدت بها ‪ ،‬وإن قال ‪ :‬لم أرد بها الهبة‬
‫صدق في ذلك وكانت عارية وإنها تحتمل العارية وتصلح لها ‪،‬‬
‫كما تحتمل الهبة ‪.‬‬
‫ولو قال ‪ :‬منحتك هذا الشيء ‪ ،‬أو هذا الشيء لك منحه ‪،‬‬
‫فهو هبة ‪ ،‬لن هذا اللفظ مستعمل في الهبة صراحة ‪.‬‬
‫وأما القبول فأن يقول ‪ :‬قبلت ‪ ،‬أو رضيت ‪ ،‬أو اتهبت ‪.‬‬

‫‪127‬‬

‫ويشترط في الصيغة ‪:‬‬
‫‪-1‬اتصال القبول باليجاب ‪ ،‬بحيث ل يفصل بينهما فاصل‬
‫معتبر عرفًا‪.‬‬
‫‪-2‬‬

‫عدم تقيدها بشرط ‪ :‬كان يقول ‪ :‬إن قدم زيد فقد‬

‫وهبتك هذا الثوب ‪ ،‬لن الهبة تمليك ‪ ،‬والتمليكات ل تحتمل‬
‫ح اليجاب ‪.‬‬
‫التعليق بما له خطر الوجود والعدم ‪ ،‬فلم يص ّ‬
‫‪-3‬عدم تقيدها بوقت ‪ :‬كوهبتك هذا الكتاب شهرا ً أو سنة ‪،‬‬
‫ف لمقتضى العقد ‪ ،‬الذي هو التمليك‬
‫لنه شرط منا ٍ‬
‫المطلق للحال ‪.‬‬

‫‪-1‬العمري ‪:‬‬

‫العمري والرقبي‬

‫مر ‪ ،‬وهي أن يقول الواهب للموهب له ‪:‬‬
‫مأخوذة من ال ُ‬
‫ع ُ‬
‫مرك ‪،‬‬
‫أعمرتك هذه الدار ‪ ،‬أو جعلت هذه الدار لك عمري ‪ ،‬أو ع َ‬
‫ت فهي لورثتي ‪.‬‬
‫أو حياتك أو حياتي ‪ ،‬فإذا م ّ‬
‫وهذه صيغ من صيغ الهبة كما ترى ‪ ،‬ولكنها مقيدة بوقت‬
‫وهو عمر الواهب أو الموهوب له ‪ .‬وقد علمت أن من شرط‬
‫صيغة الهبة عدم التقييد بوقت ‪ ،‬ومع ذلك فالهبة صحيحة‬
‫ح في‬
‫غ ‪ ،‬استثناء من المنع السابق ‪ ،‬لما ص ّ‬
‫والشرط باطل ول ٍ‬
‫ذلك من أحاديث عن رسول الله ‪. ‬‬
‫فقد روى البخاري ومسلم ‪ :‬عن أبي هريرة رضي الله‬
‫عنه ‪ ،‬عن النبي ‪ ‬قال ‪ )) :‬العمرى جائزة (( ‪.‬‬
‫ورويا أيضا ً عن جابر رضي الله عنه قال ‪ :‬قضى النبي ‪‬‬
‫بالعمري أنها لمن وهبت له ‪ ،‬وفي رواية عند مسلم ‪ :‬قال‬
‫عمري لمن وهبت له (( ‪.‬‬
‫رسول الله ‪ )) ‬ال ُ‬
‫) أنظر البخاري ‪ :‬الهبة ‪ ،‬باب ‪ :‬ما قيل في العمري‬
‫والرقبي ومسلم ‪ :‬الهبات ‪ ،‬باب ‪ :‬العمري ( ‪.‬‬
‫‪128‬‬

‫وروى مسلم أيضا ً عن جابر رضي الله عنه قال ‪ :‬قال‬
‫رسول الله ‪‬‬
‫)) أمسكوا عليكم أموالكم ول ت ُ ْ‬
‫مري‬
‫مَر ُ‬
‫دوها ‪ ،‬فإّنه من أ ْ‬
‫فس ُ‬
‫ع ْ‬
‫ع َ‬
‫فهي للذي أعمرها ‪ ،‬حيا ً وميتا ً ‪ ،‬ول عقبه (( ) مسلم ‪ :‬الهبات ‪،‬‬
‫باب ‪ :‬العمري ( ‪.‬‬
‫قال النووي رحمه الله تعالى في شرح صحيح مسلم ‪ ) :‬المراد‬
‫به إعلمهم أن العمري هبة صحيحة ماضية ‪ ،‬يملكها الموهوب له‬
‫ملكا ً تاما ً ل يعود إلى الواهب أبدأ ‪ ،‬فإذا علموا ذلك ‪ :‬فمن شاء‬
‫أعمر ودخل على بصيرة ‪ ،‬ومن شاء ترك لنهم كانوا يتوهمون‬
‫أنها كالعارية ويرجع فيها ( ‪.‬‬
‫‪-2‬الرقبي ‪:‬‬
‫وهي أن يقول الواهب لغيرة ‪ :‬داري لك رقبي ‪ ،‬أو ‪:‬‬
‫ت قبلي‬
‫أرقبتك هذه الدار ‪ ،‬أو ‪ :‬جعلتها رقبي ‪ .‬ومعناها ‪ :‬إن م ّ‬
‫ي ‪ ،‬وإن مت قبلك استقرت لك ‪ .‬فهي مأخوذة من‬
‫عادت إل ّ‬
‫الرقوب والترقب وهو النتظار ‪ ،‬لن كل واحد منهما يرقب‬
‫موت صاحبه وينتظره ‪ .‬وهذه الصيغة أيضا ً من صيغ الهبة‬
‫المعتبرة شرعا ً ‪ ،‬رغم تقييدها بشرط فهي هبة صحيحة ‪،‬‬
‫غ ‪ ،‬لورود السّنة بصحتها كالعمري ‪.‬‬
‫والشرط ل ٍ‬
‫روى جابر رضي الله عنه ‪ ،‬عن رسول الله ‪ ‬قال ‪:‬‬
‫هلها والّر ْ‬
‫قبي جائزة لهلها (( ‪ :‬أي نافذة‬
‫مَري جائزةّ ل ْ‬
‫)) ال ُ‬
‫ع ْ‬
‫وماضية ‪ ) .‬أخرجه الترمذي في الحكام ‪ ،‬باب ‪ :‬ما جاء في‬
‫الرقبي ‪ ،‬رقم ‪ ، 1351 :‬وقال ‪ :‬هذا حديث حسن ‪ .‬وأبو داود‬
‫في البيوع ‪ ،‬باب الرقبي ‪ ،‬رقم ‪. 3558 :‬وإبن ماجه في‬
‫الهبات ‪ ،‬باب ‪ :‬الرقبي ‪ ،‬رقم ‪. ( 2383 :‬‬
‫وهذا استثناء أيضا ً من بطلن الهبة المقيدة بشرط كما‬
‫علمت ‪.‬‬
‫‪129‬‬

‫جاء في )) مغني المحتاج (( ‪ :‬قال السبكي ‪ :‬وصحة‬
‫دم على كل‬
‫العمرى والرقبي بعيد عن القياس ‪ ،‬لكن الحديث مق ّ‬
‫أصل وكل قياس ‪.‬‬
‫‪ -"3‬الموهوب ‪:‬‬
‫الركن الثالث من أركان الهبة محل العقد وهو الموهوب ‪،‬‬
‫والقاعدة في هذا أن ما جاز بيعه جازت هبته ‪ ،‬ومنها تستخرج‬
‫شروط الموهوب ‪ ،‬وهي ‪:‬‬
‫‪-1‬‬

‫أن يكون موجودا ً وقت الهبة ‪ :‬فل تصح هبة ما كان‬

‫مفقودا ً حال العقد ‪ ،‬لن مقتضي الهبة التمليك للحال ‪,‬‬
‫محال ‪ ،‬فتبطل الهبة ‪.‬‬
‫وتملك المعدوم على هذا ُ‬
‫ومثاله ‪ :‬ما لو وهبة ما ستثمر نخيله هذه العام ‪ ،‬أو ما ستلد‬
‫أغنامه هذه السنة ‪.‬‬
‫ومثل المفقود حقيقة المفقود حكما ً ‪ ،‬كما لو وهبه ما في‬
‫بطن هذه الشاة أو ما ضرعها ‪ ،‬فل تصح الهبة وإن سلطه على‬
‫القبض عنده الولدة والحلب ‪ ،‬لنه ل وجه لتصحيح الملك للحال‬
‫لن اللبن والحمل في حكم المفقود حال العقد ‪ ،‬لحتمال‬
‫وجودة وعدمه ‪ ،‬لن انتفاخ البطن قد يكون للحمل وغيره ‪،‬‬
‫وكذلك انتفاخ الضرع قد يكون باللبن وبغيره ‪.‬‬
‫ول وجه لتصحيح الملك بالضافة إلى ما بعد الحدوث ‪ ،‬لن‬
‫التمليك بالهبة مما يحتمل الضافة إلى الوقت ‪.‬‬
‫‪-2‬‬

‫أن يكون مال ً متقوما ً ‪ :‬فل تصح هبة الميتة ‪ ،‬ول‬

‫حَرم ‪،‬‬
‫الدم ‪ ،‬ول الخنزير ول الخمر ‪ ،‬ول صيد المحرم أو ال َ‬
‫ومة شرعا ً ‪.‬‬
‫لن هذه الشياء ليست أموال ً متق ّ‬

‫‪130‬‬

‫‪-3‬‬

‫أن يكون مملوكا ً للواهب ‪ :‬فل تصح هبة ما ليس‬

‫مملوكا ً بنفسه كالمباحات‬

‫‪1‬‬

‫كما ل تصح هبة مال غيرة بغير‬

‫إذنه ‪ ،‬لن الهبة تمليك ‪ ،‬وتمليك ما ليس بمملوك محال ‪.‬‬
‫هبة ما كان مشغول ً بغيرة أو متصل ً به ‪:‬‬
‫حسب القاعدة السابقة ‪ :‬أن ما جاز بيعه جازت هبته ‪،‬‬
‫ينظر ‪:‬‬
‫فإن كان الموهوب المتصل بغيره يمكن تمييزه عنه دون‬‫إلحاق ضرر به ‪ ،‬ول غرر في هذا ‪ ،‬صحت الهبة فيه ‪ ،‬يجوز‬
‫بيعه ‪ .‬كما لو وهبه ذراعا ً من أرض أو ثوب ل تنقص قيمته‬
‫بقطعة منه ‪.‬‬
‫ـ وإن كان الموهوب المتصل بغيره ل يمكن تمييزه عنه إل بضرر‬
‫‪ ،‬كما لو وهبه نصف سيفه ‪ ،‬أو كان في تمييزه عسر أو كان‬
‫في ذلك غرر ‪ ،‬كما لو وهبه الصوف على ظهر الغنم ‪ ،‬فإنه‬
‫يعسر تمييزه الموهوب عن غيره ‪ ،‬لنه ينبغي جّزه من أصله ‪،‬‬
‫وهو غير ممكن ‪ ،‬وكذلك قد يحدث شعر جديد ‪ ،‬فيختلط بالذي‬
‫كان حال الهبة ‪ ،‬ول يمكن تمييزه ‪ ،‬ويكون في ذلك غرر أيضا ً ‪،‬‬
‫فل تصح الهبة لن بيع ذلك غير صحيح ‪.‬‬
‫فإذا وهبه ثمرا ً على رأس الشجر ‪ :‬فإن كان مما يغلب تلحقه‬
‫واختلط حادثة بالموجود فل يصح ‪ ،‬لتعذر تمييزه ‪ .‬وإن لم يكن‬
‫كذلك فإنه يصح ‪.‬‬
‫هذا فيما كان متصل ً بغيره ‪.‬‬
‫أما إن كان مشغول ً بغيره ‪ ،‬كدار فيها متاع للواهب أو دابة‬
‫عليها حمل له ‪ ،‬أو شجر عليه ثمر ‪ ،‬فإن هبة ذلك كله جائزة‬

‫‪1‬‬

‫ح هبته قبل حيازته وإحرازه ‪،‬‬
‫المباحات ‪ :‬هي ما يباح لكل إنسان أن يتملكه بالحراز ‪ ،‬كالحيوانات البرية والبحرية غير المملوكة ‪ ،‬والعشب ونحوه فل تص ّ‬
‫لنه غير مملوك قبلها ‪.‬‬

‫‪131‬‬

‫وصحيحة ‪ ،‬لن تمييز الموهوب على غيره ممكن ‪ ،‬ول عصر فيه‬
‫ول ضرر ول غرر ‪ .‬ولن بيع ذلك جائز وصحيح ‪.‬‬
‫هبه المشاع ‪.‬‬
‫وذلك ‪ :‬بأن يكون لنسان حصة غير معينه في شيء ‪،‬‬
‫فيهبها لخر ‪ .‬أو يكون مالكا ً لشيء فيهبه لثنين أو أكثر ‪.‬‬
‫فالهبة جائزة وصحيحة ‪ ،‬ويكون القبض في الموهوب بقبض‬
‫الموهوب له جميع العين ‪ ،‬فيستوفي حقه بمقدار حصته منها ‪،‬‬
‫ويكون باقيها أمامها في يده كالوديعة والحجة بهذا ‪:‬‬
‫أ‪ -‬ما رواه البخاري ومسلم عن أبي قتادة رضي الله عنه قال ‪:‬‬
‫كنت يوما ً جالسا ً مع أصحاب النبي‬

‫‪‬في منزل في طريق في‬

‫مكة ‪ ،‬ورسول الله ‪ ‬نازل أمامنا ‪ ،‬والقوم محرمون وأنا غير‬
‫محرم ‪ ،‬فأبصروا حمارا ً وحشيا ً ‪ ،‬وأنا مشغول أخصف نعلي فلم‬
‫يؤذنني به ‪ ،‬وأحّبوا لو أني أبصرته ‪ ،‬والتفت فأبصرته ‪ ،‬فقمت‬
‫إلى الفرس فأسرجته ‪ ،‬ثم ركبت ونسيت السوط والرمح ‪،‬‬
‫فقلت لهم ‪ :‬ناولوني السوط والرمح ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬ل والله ل نعينك‬
‫عليه بشيء فغضبت فنزلت فأخذتهما ‪ ،‬ثم ركبت فشددت على‬
‫الحمار فعقرته ‪ ،‬ثم جئت به وقد مات ‪ ،‬فوقعوا فيه يأكلونه ‪ ،‬ثم‬
‫إنهم ش ّ‬
‫حُرم ‪ ،‬فرحنا ‪ ،‬وخبأت العضد‬
‫كوا في أكلهم إياه وهم ُ‬
‫معي ‪ ،‬فأدركنا رسول الله ‪ ، ‬فسألناه عن ذلك ‪ ،‬فقال ‪:‬‬
‫) معكم منه شيء ؟( فقلت ‪ :‬نعم ‪ ،‬فناولته العضد ‪ ،‬فأكلها حتى‬
‫نفدها ‪ ،‬وهو محرم ) البخاري ‪ :‬الهبة ‪ ،‬باب ‪ ،‬من استوهب من‬
‫أصحابه شيئا ً ‪ ،‬رقم ‪ . 2431 :‬ومسلم ‪ :‬الحج ‪ ،‬باب ‪ :‬تحريم‬
‫الصيد للمحرم ‪ ،‬رقم ‪. ( 1196 :‬‬
‫فهذا الحديث دليل على جواز هبة المشاع ‪ ،‬لن أبا قتادة‬
‫هو الذي ملك الصيد ‪ ،‬ووهب أصحابه حصصا ً شائعة منه ‪،‬‬
‫وأقراهم رسول الله ‪‬على فعلهم ‪.‬‬
‫‪132‬‬

‫سَلمه الضمري‬
‫ب – ما رواه مالك والنسائي وأحمد عن عمير بن َ‬
‫ي ‪ :‬أن رسول الله ‪ ‬خرج يريد مكة وهو محرم ‪ ،‬حتى‬
‫عن البهر ّ‬
‫إذا كان بالروحاء ‪ ،‬إذا كان بالروحاء ‪ ،‬إذا حماُر وحشي عقير ‪،‬‬
‫عوهُ ‪ ،‬فإّنه ُيوش ُ‬
‫ن‬
‫فذكر ذلك لرسول الله ‪ ، ‬فقال ‪ " :‬د ُ‬
‫كأ ْ‬
‫ي صاحُبه " فجاء البهري وهو صاحبه ‪ ،‬إلى النبي ‪ ‬فقال ‪:‬‬
‫يأت َ‬
‫م بهذا الحمار ‪ .‬فأمر رسول الله ‪ ‬أبا بكر ‪،‬‬
‫يا رسول الله شأن َك ُ ْ‬
‫فقسمه بين الرفاق ‪ ) .‬انظر الموطأ ‪ :‬الحج ‪ ،‬باب ‪ :‬ما يجوز‬
‫للمحرم أكله من الصيد ‪ .‬والنسائي ‪ :‬مناسك الحج ‪ ،‬باب ‪ :‬ما‬
‫يجوز للمحروم أكله من الصيد ( ‪.‬‬
‫قالوا ‪ :‬وهذا الخبر صريح في صحة هبة المشاع ‪ ،‬إذ وهب‬
‫الواحدُ للجميع ‪.‬‬
‫ج – وقالوا أيضا ً ‪ :‬القصد من الهبة التمليك ‪ ،‬والملك يثبت في‬
‫م ْ‬
‫فَرز المقسوم ‪ ،‬بدليل صحة‬
‫المشاع كما يثبت في ال ُ‬
‫بيعه ‪.‬‬
‫لزوم الهبة بالقبض ‪:‬‬
‫عقد الهبة ل يكمل ول يلزم بمجرد اليجاب والقبول ‪ ،‬بل‬
‫ق له الرجوع بالهبة‬
‫يبقى عقدا ً غير لزم من قبل الواهب ‪ ،‬فيح ّ‬
‫والتصرف بالموهوب ما دام في يده ‪ .‬وعليه فل يستقر ملك‬
‫الموهوب للموهوب له إل بعد القبض ‪.‬‬
‫فإذا حصل القبض بشروطه التية فقد تم عقد الهبة‬
‫وكمل ‪ ،‬وأصبح عقدا ً لزما ً ‪ ،‬واستقرت فيه ملكية الموهوب له‬
‫للعين الموهوبة ‪ .‬والدليل على أن الهبة ل تملك ملكا ً تاما ً إل‬
‫بالقبض ‪:‬‬
‫أ – ما رواه الحاكم وصحح إسناده ‪ :‬أن رسول الله ‪ ‬لما تزوج‬
‫ُ‬
‫ت إلى‬
‫أم سلمة رضي الله عنها قال لها ‪ " :‬إّني أهدي ُ‬
‫حلة ‪ ،‬وإني ل أراه إل قد مات ‪،‬‬
‫سك و ُ‬
‫واقا ً من م ْ‬
‫يأ َ‬
‫النجاش ّ‬
‫‪133‬‬

‫ول أرى الهدية التي أهديت إليه إل سترد ‪ ،‬فإذا ردت إلى‬
‫دت‬
‫فهو أو لكن " ‪ .‬فكان كما قال ‪ ،‬هلك النجاشي ‪ ،‬فلما ر ّ‬
‫الهدية أعطى كل امرأة من نسائه أوقّية من ذلك المسك ‪،‬‬
‫َ‬
‫ة‪.‬‬
‫حل ْ َ‬
‫وأعطى سائَره أم سلمة ‪ ،‬وأعطاها ال ُ‬
‫) المستدرك ‪ :‬كتاب النكاح ‪ ،‬باب ‪ :‬حق الزوجة على الزوج‬
‫‪. ( 2/188‬‬
‫فلو كانت الهبة تلزم بدون قبض – والهدية منها – لما‬
‫دها إلى ورثة النجاشي ‪،‬‬
‫رضي ‪ ‬برجوعها إليه ‪ ،‬بل كان ير ّ‬
‫دها دليل على أنها لم‬
‫لنها تعتبر من تركته حينئذ ‪ .‬فقبوله ‪ ‬لر ّ‬
‫مهدى له قبل قبضها ‪.‬‬
‫تثبت ملكيتها لل ُ‬
‫ب – ما رواه مالك في الموطأ ‪ :‬عن عائشة رضي الله عنها –‬
‫حَلها‬
‫زوج النبي ‪ - ‬أنها قالت ‪ :‬إن أبا بكر الصديق كان ن َ َ‬
‫سقا من ماله بالغابة ‪ ،‬فلما حضرته الوفاة‬
‫و ْ‬
‫جادّ عشري َ‬
‫ن َ‬
‫ب إلى غنى‬
‫قال ‪ :‬والله – يا ب ُن ُّيه – ما من الناس أحد أح ّ‬
‫ت‬
‫منك ‪ ،‬ول أ َ‬
‫ي فقرا ً بعدي منك ‪ ،‬وإني كن ُ‬
‫بعدي ْ‬
‫عّز عل ّ‬
‫سقا ً ‪ ،‬فلو كنت جددتيه ‪ ،‬واحتزتيه كان‬
‫نحلتك جادّ عشرين و ْ‬
‫ث ‪ ،‬وإّنما هما أخواك وُأختاك ‪،‬‬
‫لك ‪ ،‬وإنما هو اليوم مال وار ٍ‬
‫فاقتسموه على كتاب الله ‪ .‬قالت عائشة رضي الله عنها ‪:‬‬
‫فقلت ‪ :‬يا أبت ‪ ،‬والله لو كان كذا وكذا بتركته ‪ ،‬إنما هي‬
‫أسماءُ ‪ ،‬فمن ا ُ‬
‫لخرى ؟ فقال أبو بكر ‪ :‬ذو ب َ ْ‬
‫طن بنت خارجة‬
‫‪ ،‬أراها جارية‪.((1‬‬
‫] نحلها ‪ :‬أعطاها بل عوض ‪ ،‬وهي الهبة ‪ .‬جادّ عشرين وسقا ً‬
‫‪ :‬أي ما يقطع منه هذا القدر ‪ ،‬والوسق مكيال يتسع لما يزن )‬
‫‪ (140‬كيلوغرام تقريبا ً ‪ .‬بالغابة ‪ :‬موضع قريب من المدينة على‬
‫ق وأصعب ‪ .‬احتزتيه ‪ :‬قبضتيه وجعلتيه‬
‫طريق الشام ‪ .‬أعّز ‪ :‬أش ّ‬
‫)‪ ) (1‬الموطأ ‪ :‬كتاب القضية ‪ ،‬باب ‪ :‬مال يجوز من النحل ( ‪.‬‬

‫‪134‬‬

‫في حوزتك ‪ .‬ذو بطن ‪ :‬الحمل الذي في بطنها ‪ُ .‬أراها جارية ‪:‬‬
‫أظنها بنتا ً [ ‪.‬‬
‫وهذا صريح في أن الهبة ل تملك إل بالقبض ‪.‬‬
‫ج – روى مالك أيضا ً ‪ :‬أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال ‪:‬‬
‫ن أبناءهم نحل ً ثم يمس ُ‬
‫كونها ‪ ،‬فإن مات‬
‫حُلو َ‬
‫ما بال رجال ي َن ْ َ‬
‫ابن أحدهم قال ‪ :‬مالي بيدي لم أعطه أحدا ً ‪ ،‬وإن مات هو‬
‫ة‪،‬‬
‫حل َ ً‬
‫قال ‪ :‬هو لبني ‪ ،‬قد كنت أعطيته إياه ؟ من نحل ن ْ‬
‫ن إن مات لورثته ‪ ،‬فهي‬
‫حْزها الذي ن ُ ِ‬
‫حَلها ‪ ،‬حتى يكو َ‬
‫فلم ي َ ُ‬
‫باطلة ‪.((1‬‬
‫شروط القبض ‪:‬‬
‫حتى يصح القبض وتلزم الهبة لبدّ من تحقق شروط فيه ‪،‬‬
‫وهي ‪:‬‬
‫أ – إذن الواهب ‪ :‬يشترط لصحة القبض أن يكون بإذن من‬
‫ح القبض‬
‫الواهب ‪ ،‬فلو قبضها الموهوب له قبل إذنه لم يص ّ‬
‫ولم تتم الهبة ولم تلزم ‪ .‬أي تبقى ملكية الموهوب للواهب‬
‫‪ ،‬ويضمنه الموهوب له بقبضه بغير إذن ‪.‬‬
‫ويشترط أن يكون الذن بالقبض صراحة ‪ ،‬أو أن ُْيقبض‬
‫الواهب الموهوب بيده للموهوب له ‪ ،‬سواء أكان ذلك في‬
‫مجلس عقد الهبة أم بعده ‪ ،‬وسواء أكان الموهوب في يد‬
‫الموهوب له أم ل ‪ .‬فلو قبضه بل إذن صريح أو إقباض لم يصح‬
‫القبض ‪ ،‬ولو رأى ذلك الواهب وسكت عنه ‪.‬‬
‫ب – أن ل يكون الموهوب مشغول ً بما ليس بموهوب ‪ ،‬لن‬
‫الفراغ شرط صحة التسليم والقبض ولم يوجد ‪ .‬ولن‬
‫معنى القبض التمكّن من التصرّف في المقبوض ‪ ،‬وهو ل‬

‫)‪ (1‬المرجع المذكور في الحاشية السابقة ‪.‬‬
‫] إن مات هو ‪ :‬أي حضرته أسباب الموت وأيقن به [ ‪.‬‬

‫‪135‬‬

‫يتحقق مع الشغل بغيره ‪ .‬فإذا فرغ الموهوب من الشغل‬
‫صح القبض ‪.‬‬
‫ّ‬
‫بغيره وسلم‬
‫وكذلك لو كان الموهوب متصل ً بغيره اتصال خلقه ‪،‬‬
‫كأرض فيها زرع ‪ ،‬أو شجر عليه ثمر ‪ ،‬فإذا ميز الموهوب عن‬
‫سّلم صح القبض ‪ .‬وقد مّر بك كلم نحو هذا في شروط‬
‫غيره و ُ‬
‫الموهوب ‪ ،‬وأنه يشترط فيه أن يكون متميزا ً عن غيره غير‬
‫متصل ول مشغول به ‪ ،‬على النحو الذي ُ‬
‫صل وبين ‪.‬‬
‫ف ّ‬
‫ج – أهلية القبض ‪ :‬يشترط فيمن يقبض الهبة أن يكون أهل ً‬
‫للقبض ‪ ،‬وهو البالغ العاقل ‪ ،‬فل يصح قبض الصبي‬
‫والمجنون ‪ ،‬لن القبض من باب الولية ‪ ،‬وغير البالغ‬
‫ح قبضه ‪.‬‬
‫والعاقل ل ولية له على نفس أو مال ‪ ،‬فل يص ّ‬
‫القبض بطريق النيابة ‪:‬‬
‫ح قبضه كالصبي والمجنون ‪،‬‬
‫وهو القبض لمن ل يص ّ‬
‫فيشترط في صحة هذا القبض أن يكون للقابض ولية على‬
‫المقبوض له ‪ ،‬أو عيلة ‪ :‬بأن يكون الصبي أو غيره في حجر‬
‫وعيال من يقبض له ‪ ،‬أي في رعايته وتربيته ‪.‬‬
‫ويجوز قبض الزوج عن زوجته الصغيرة بعد الزفاف ‪ ،‬لنها‬
‫صارت في عياله ‪ .‬ويملك ذلك مع وجود ولّيها على الصحيح ولو‬
‫كان أباها ‪ ،‬لنه فوض أمورها إليه بزفافها ‪ ،‬بخلف ما قبل‬
‫الزفاف ‪ ،‬لن هذا المعنى لم يحصل ‪ ،‬ولنها لم تدخل في عياله‬
‫‪.‬‬
‫حت‬
‫وإذا وهب أحد من الولياء شيئا ً لمن تحت وليته ص ّ‬
‫الهبة ‪ ،‬وملكه الموهوب له بمجرد العقد ‪ ،‬لن الموهوب في‬
‫قبض الولي فينوب عن قبض الهبة ‪ .‬ويكفي أن يعلم بما وهبه‬
‫له ‪ ،‬وإن أشهد على ذلك فهو أولى ‪ ،‬تحرزا ً من إنكاره لذلك‬
‫فيما بعد ‪ ،‬أو إنكار الورثة بعد موته ‪.‬‬
‫‪136‬‬

‫من يكون الصبي وغيره في عياله وحجره ولو‬
‫ومثل الولياء َ‬
‫كان أجنبيا ً ‪ ،‬فإنه إذا وهبه شيئا ً ملكه بالعقد واعتبر وجود‬
‫الموهوب في يده قبضا ً له عن الهبة‪.‬‬
‫حكم الهبة ‪:‬‬
‫إذا تم عقد الهبة ‪ ،‬بتوفر شروطه ‪ :‬في الواهب والموهوب‬
‫له والصيغة ‪ ،‬والموهوب ‪ ،‬وتم القبض للعين الموهوبة بشروطه‬
‫السابقة ‪ ،‬ترتب على ذلك حكم الهبة ‪ ،‬وهو ‪ :‬ثبوت الملك‬
‫للموهوب له في الموهوب من غير عوض ‪ .‬لن الهبة تمليك‬
‫العين بل عوض – كما مّر معنا – فكان حكمها ملك الموهوب من‬
‫غير عوض ‪.‬‬
‫صفة حكم الهبة ‪ ،‬وحكم الرجوع فيها ‪:‬‬
‫إن حكم الهبة الذي سبق ذكره يثبت على سبيل اللزوم ‪،‬‬
‫بمعنى أنه ليس للواهب أن يرجع بالهبة بعد ثبوت حكمها على‬
‫النحو الذي سبق ‪.‬‬
‫ويستثنى من ذلك ‪ :‬هبة الصل للفرع ‪ ،‬فإن له حق الرجوع‬
‫فيها بعد ثبوت حكمها ‪ .‬د ّ‬
‫ل على ذلك ‪:‬‬
‫ قوله ‪ " : ‬العائدُ في هبته كالعائد في قيئه " ‪ .‬وفي رواية ‪:‬‬‫" ليس لنا مثل السوء ‪ :‬الذي يعود في هبته كالكلب يرجع في‬
‫قيئه " ) البخاري في الهبة ‪ ،‬باب ‪ :‬ل يحل لحد أن يرجع في‬
‫هبته وصدقته ‪ ،‬رقم ‪ . 2479 ، 2478 :‬ومسلم في الهبات ‪ ،‬باب‬
‫‪ :‬تحريم الرجوع في الصدقة والهبة بعد القبض ‪ ،‬رقم ‪( 1622 :‬‬
‫‪.‬‬
‫وجه الستدلل بالحديث ‪ :‬أن الرجوع في القيء حرام ‪،‬‬
‫فكذلك ما شبه به وهو الرجوع بالهبة ‪ .‬وذكر الكلب في الرواية‬
‫الخرى مبالغة في الزجر والمنع ‪.‬‬

‫‪137‬‬

‫ويؤكد هذا أيضا ً قوله ‪ " :‬ليس لنا مثل السوء " أي ليس هذا‬
‫التصّرف من شأننا ول خلقا ً من أخلقنا ‪ ،‬أي فهو محرم علينا ‪.‬‬
‫ وقوله ‪ " : ‬ل يحل لرجل أن يعطي عطية ‪ ،‬أو يهب هبة ‪،‬‬‫فيرجع فيها‪ ،‬إل الوالد فيما يعطي ولده " ‪ .‬قال الترمذي ‪ :‬وهذا‬
‫حديث حسن صحيح ‪ ) .‬أخرجه الترمذي في الولء ‪ ،‬باب ‪ :‬ما جاء‬
‫في كراهية الرجوع في الهبة ‪ ,‬رقم ‪ . 2133 :‬وأبو داود في‬
‫البيوع والجارات ‪ ،‬باب ‪ :‬الرجوع في الهبة ‪ ،‬رقم ‪. ( 3539 :‬‬
‫وقيس على الوالد سائر الصل بهبته لفرعه ‪ :‬إذا خرج‬
‫الموهوب من سلطانه وزال ملكه عنه ‪ ،‬كما لو باعه أو وقفه أو‬
‫وهبه لحد وقبضه الموهوب له ‪.‬‬
‫أما لو أجره ‪ ،‬أو وهبه لحد ولم يقبضه الموهوب له ‪ ،‬فإن‬
‫ذلك ل يمنع الرجوع ‪ ،‬لنه ما زال في سلطانه ‪ ،‬ولم يزل ملكه‬
‫عنه ‪.‬‬
‫وكذلك إذا زاد الموهوب زيادة متصلة أو منفصلة ‪ ،‬فإن هذا‬
‫ل يمنع الرجوع ‪ ،‬بل يرجع الواهب بالموهوب والزيادة المتصلة ‪،‬‬
‫كسمن دابة وحراثة أرض ‪ ،‬لن الزيادة المتصلة تبع للصل ‪.‬‬
‫أما الزيادة المنفصلة ‪ ،‬كالولد والثمرة ‪ ،‬فإن كانت موجودة‬
‫عند الهبة رجع بهاء وإن حدثت بعد الهبة فإنه ل يرجع بها بل‬
‫تبقى للموهوب له ‪ ،‬لنها حدثت على ملكه ‪.‬‬
‫وكذلك لو وهبه دابة غير حامل ‪ ،‬أو شجرا ً ل ثمر عليه ‪ ،‬ثم‬
‫حملت الدابة أو أثمر الشجر قبل الرجوع ‪ ،‬فإنه ل يرجع بالحمل‬
‫أو الثمر‪ ،‬ولو لم ينفصل عند الرجوع ‪ ،‬وإنما يرجع بالصل ‪،‬‬
‫وتبقى الثمرة ملكا ً للموهوب له ‪ ،‬لنها معلومة ‪ ،‬وقد حدثت‬
‫على ملكه ‪.‬‬
‫ولو زال ملك الولد عن الموهوب ‪ ،‬ثم عاد إليه بسبب آخر ‪،‬‬
‫كشراء أو هبة أو ميراث ‪ ،‬لم يكن للوالد الرجوع فيه ‪ ،‬لقيام‬
‫‪138‬‬

‫تبدل سبب الملك مقام تبدل العين ‪ ،‬فكأن الذي عاد غير عين‬
‫الول فل حق له فيه ‪.‬‬
‫الهبة المطلقة والهبة بثواب ‪:‬‬
‫إذا وهب إنسان لخر شيئا ً ‪ ،‬ولم يشترط في ذلك إثابة على‬
‫هبته أو تعويضا ً عنها ‪ ،‬فإنه ل يستحق شيئا ً من ذلك ‪ ،‬ول يلزم‬
‫الموهوب له بالتعويض ‪ ،‬لنه الهبة المطلقة ل تقتضي إثابة ول‬
‫تعويضا ً ‪ ،‬سواء أكان الواهب أعلى من الموهوب له ‪ ،‬أم مثله ‪،‬‬
‫أم دونه ‪.‬‬
‫وإن كانت الهبة بثواب ‪ ،‬أي بشرط العوض ‪ ،‬كأن يقول ‪:‬‬
‫وهبتك هذا على أن تثيبني كذا ‪ ،‬أو وهبتك هذا الكتاب على أن‬
‫تعوضني هذا الثوب ‪ ،‬أو تهبني كذا ‪ ،‬ونحوه ‪ ،‬ينظر ‪:‬‬
‫فإن كان العوض المشروط معلوما ً ‪ :‬صح العقد وكان بيعا ً‬
‫على الصحيح ‪ ،‬نظرا ً للمعنى ‪ ،‬فإنه عقد معاوضة بمال معلوم‬
‫فيصح ‪ ،‬كما لو قال ‪ :‬بعتك كذا بكذا ‪ ،‬إذ العبرة في العقود‬
‫للمقاصد والمعاني ل لللفاظ والمباني ‪ .‬ولذا تثبت فيه أحكام‬
‫البيع ‪ ،‬فيثبت فيه خيار المجلس ‪ ،‬وخيار الشرط ‪ ،‬والرد‬
‫بالعيب ‪ ،‬وغير ذلك من أحكام البيع ‪.‬‬
‫وإن كان العوض المشروط مجهول ً ‪ :‬كأن يقول ‪ :‬وهبتك هذا‬
‫الكتاب على أن تعوضني ثوبا ً ‪ ،‬دون بيان لهذا الثوب أو تعيين له‬
‫‪ ،‬أو ‪ :‬على أن تعوضني شيئا ً ‪ ،‬فالعوض المشروط في هذه‬
‫الحالة مجهول ‪ ،‬فيكون العقد باطل ً ‪ ،‬إذ ل يمكن اعتباره بيعا ً‬
‫لجهالة العوض ‪ ،‬كما ل يمكن اعتباره هبة لذكر العوض ‪ ،‬والهبة‬
‫ل تقتضيه ‪.‬‬
‫التسوية في الهبة للولد وعطاياهم ‪:‬‬
‫المراد بالهبات والعطايا هنا غير النفقة الواجبة ‪ ،‬فيستحب‬
‫وي بينهم في‬
‫للوالد – إذا أراد أن يهب أولده ويعطيهم – أن يس ّ‬
‫‪139‬‬

‫الهبة والعطاء ذكورا ً كانوا أم إناثا ً ‪ ،‬كبارا ً أم صغارا ً ‪ ،‬وذلك‬
‫تمتينا ً للمحبة فيما بينهم ‪ .‬ويكره له أن يميز بينهم ‪ ،‬وأن يفضل‬
‫بعضهم على بعض ‪ ،‬بزيادة أو خصوصية ‪ ،‬لما يؤدي إليه ذلك من‬
‫الحسد بينهم وبغض بعضهم بعضا ً ‪ ،‬وتفكك روابط السرة ‪.‬‬
‫روى البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما‬
‫قال ‪ :‬أعطاني أبي عطية ‪ ،‬فقالت عمرة بنت رواحة ‪ :‬ل أرضي‬
‫حتى ت ُ ْ‬
‫شهد رسول الله ‪ ، ‬فأتى رسول الله ‪ ‬فقال ‪ :‬إني‬
‫أعطيت ابني من عمرة بنت رواحة عطية ‪ ،‬فأمرتني أن أشهدك‬
‫يا رسول الله ‪ ،‬فقال ‪ " :‬أعطيت سائر ولدك مثل هذا ؟ " قال‬
‫ل ‪ ،‬فقال النبي ‪ " ‬فاتقوا الله واعدلوا بين أولدكم" قال ‪:‬‬
‫فرجع فرد عطيته ) البخاري في الهبة ‪ ،‬باب الشهاد في‬
‫الهبة ‪ ،‬رقم‪ . 2447:‬ومسلم في الهبات ‪ ،‬باب ‪ :‬كراهية تفضيل‬
‫بعض الولد في الهبة ‪ ،‬رقم ‪. ( 1623 :‬‬
‫وهذا محل اتفاق بين العلماء ‪ ،‬فقد أجمعوا على استحباب‬
‫التسوية وإن اختلفوا في المراد منها وكيفيتها ‪:‬‬
‫فجمهور الشافعية والحنفية على أن المراد بها أن تعطى‬
‫ا ُ‬
‫لنثى مثل ما يعطى الذكر لظاهر الحديث ‪.‬‬
‫ونقل عن محمد رحمه الله تعالى – من الحنفية – أن‬
‫التسوية كقسمة الميراث ‪ ،‬وإن كان نقل صاحب البدائع عنه ما‬
‫يقتضي ظاهرة موافقة الجمهور وقال ‪ :‬وهو الصحيح ‪.‬‬
‫وحبذا لو أخذ الناس بهذا وعملوا به ولو كان قول ً مرجوجا ً ‪،‬‬
‫إذا لكان منهم بعض النصاف لبناتهم ‪ ،‬ولم ينكصوا على‬
‫أعقابهم ‪ ،‬ويعودوا إلى ما كان عليه أهل الجاهلية من حرمان‬
‫ا ُ‬
‫لنثى من كل شيء ‪ ،‬بحجة أن الذكر يتعب معهم ‪ ،‬وأن ما‬
‫يعطى للنثى يذهب للغريب عن السرة ‪ ،‬وهو زوجها وأولدها ‪.‬‬

‫‪140‬‬

‫وهذا إذا كانوا متساوين في الحاجة ‪ ،‬أو لم يرضوا بالتفضيل‬
‫‪ ،‬أما لو كان أحدهم أكثر حاجة من الخرين أو رضي الخرون‬
‫ص بعضهم بزيادة‬
‫بإعطائه زيادة ‪ ،‬فل بأس ول كراهية بأن يخ ّ‬
‫عن غيره ‪.‬‬
‫ولو فضل الوالد بعض لده على بعض ‪ ،‬أو أعطى بعضا ً ومنع‬
‫حت هبته ‪ ،‬وملكها الولد الموهوب له ‪ ،‬وإن كان الب‬
‫بعضا ً ‪ ،‬ص ّ‬
‫قد ارتكب مخالفة الشرع ‪ ،‬وفعل غير المطلوب والمندوب ‪.‬‬
‫المساواة بين الوالدين في العطايا ‪:‬‬
‫من واجب الوالد البّر بوالديه والحسان لهما ‪:‬‬
‫شْيئا ً‬
‫ر ُ‬
‫ه َ‬
‫ول َ ت ُ ْ‬
‫وا ْ‬
‫كوا ْ ب ِ ِ‬
‫عب ُ ُ‬
‫دوا ْ الل ّ َ‬
‫ه َ‬
‫قال الله تعالى ‪َ } :‬‬
‫ش ِ‬
‫سانًا{النساء ‪. 36‬‬
‫ن إِ ْ‬
‫ح َ‬
‫وِبال ْ َ‬
‫َ‬
‫وال ِدَي ْ ِ‬
‫ضى رب َ َ‬
‫و َ‬
‫سانا ً {‬
‫ق َ‬
‫ن إِ ْ‬
‫عب ُ ُ‬
‫ك أل ّ ت َ ْ‬
‫َ ّ‬
‫ح َ‬
‫وِبال ْ َ‬
‫دوا ْ إ ِل ّ إ ِّياهُ َ‬
‫وقال ‪َ } :‬‬
‫وال ِدَي ْ ِ‬
‫السراء ‪ 23‬واليات والحاديث في ذلك كثيرة ‪.‬‬
‫ومن جملة البّر والحسان النفقة عليهما ‪ ،‬وتقديم الهدايا‬
‫والهبات والعطايا في المناسبات ‪ ،‬ولسيما في العيدين ‪:‬‬
‫الفطر والضحى ‪.‬‬
‫ن أيضا ً‬
‫ن التسوية بين الولد في العطايا ‪ ،‬تس ّ‬
‫وكما تس ّ‬
‫ُ‬
‫صها بشيء‬
‫بالنسبة للوالدين ول بأس أن يفضل الم أحيانا ً ويخ ّ‬
‫من العطاء والكرام‪ ،‬عمل ً بما رواه البخاري ومسلم عن أبي‬
‫هريرة رضي الله عنه قال ‪ :‬جاء رجل إلى رسول الله ‪‬‬
‫فقال ‪ :‬يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي ؟ قال ‪" :‬‬
‫أمك " قال ‪ :‬ثم من ؟ قال ‪ " :‬أمك " قال ‪ :‬ثم من؟ قال ‪" :‬‬
‫أبوك " ) أخرجه البخاري في الدب ‪ ،‬باب ‪ :‬من أحق الناس‬
‫بحسن الصحبة ‪ ،‬رقم ‪ . 5626 :‬ومسلم في البر والصلة والداب‬
‫‪ ،‬باب ‪ :‬بّر الوالدين وأنهما أحق به ‪ ،‬رقم ‪. ( 2548 :‬‬
‫المساواة بين الخوة في الهبات ‪:‬‬
‫‪141‬‬

‫وممن يجب على المسلم البّر بهم والحسان إليهم الخوة‬
‫وِذي ال ْ ُ‬
‫قْرَبى( ) النساء ‪ . ( 36‬وقال‬
‫والخوات ‪ ،‬قال الله تعالى ) َ‬
‫وي ال ْ ُ‬
‫ما َ‬
‫قْرَبى ( ) البقرة ‪. ( 177 :‬‬
‫ل َ‬
‫حب ّ ِ‬
‫عَلى ُ‬
‫وآَتى ال ْ َ‬
‫) َ‬
‫ه ذَ ِ‬
‫وأقرب الناس إلى النسان بعد أولده وأبويه ‪ :‬إخوته‬
‫وأخواته ‪ ،‬فينبغي أن يقدم لهم الهبات والهدايا ‪ ،‬وخاصة في‬
‫وي بينهم‬
‫المناسبات ‪.‬؟ وإذا فعل ذلك فيستحب له أيضا ً أن يس ّ‬
‫ص‬
‫إذا كانوا في درجة واحدة من الحاجة ‪ ،‬وإن أراد أن يخ ّ‬
‫بعضهم بشيء فليكن ذلك للكبر ‪ ،‬وذلك لقوله ‪ " : ‬حق كبير‬
‫ق الوالد على ولده " وفي رواية "‬
‫الخوة على صغيرهم كح ّ‬
‫الكبر من الخوة بمنزلة الب " ) رواه البيهقي في شعب‬
‫اليمان(‪.‬‬

‫‪142‬‬

143

‫الجـــــــــارة‬
‫تعريفها ‪:‬‬
‫في اللغة ‪ :‬اسم لما ُيعطي من كراء لمن قام بعمل ما ‪،‬‬
‫جزاءً له علي عمله ‪ ،‬فيقال له أجر وأجرة وإجارة ‪ .‬وُأجره‬
‫ضر ‪.‬‬
‫وآجره إذا أثابه علي عمله ‪ ،‬ول يقال إل في النفع دون ال ّ‬
‫ويغلب الجر في الثواب الخروي ‪ ،‬وا ُ‬
‫لجرة في الثواب‬
‫الدنيوي ‪.‬‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬عّرفها صاحب " مغني المحتاج" بقوله ‪) :‬‬
‫عقد علي منفعة مقصودة معلومة ‪ ،‬قابلة للبذل والباحة ‪،‬‬
‫بعوض معلوم ( ‪.‬‬
‫والمراد بالعقد علي المنفعة أو المنافع تمليكها ‪ ،‬كما جاء‬
‫في بعض التعريفات لها ‪ :‬تمليك المنافع بعوض ‪.‬‬
‫ص التعريف علي شروط المنفعة ‪ ،‬وسيأتي بيان ذلك‬
‫وقد ن ّ‬
‫عند الكلم عن المنفعة وشروطها كركن من أركان الجارة ‪.‬‬
‫مشروعيتها ‪:‬‬
‫أجمع المسلمون علي أن الجارة جائزة ومشروعة ‪،‬‬
‫وعمدتهم في هذا الكتاب والسّنة‬
‫م َ‬
‫‪ – 1‬أما الكتاب ‪ :‬فيقوله تعالي ‪َ } :‬‬
‫ن‬
‫فآُتو ُ‬
‫ن أ َْر َ‬
‫فإ ِ ْ‬
‫ض ْ‬
‫ه ّ‬
‫ع َ‬
‫ن ل َك ُ ْ‬
‫ُ‬
‫ن{الطلق ‪. 6‬‬
‫جوَر ُ‬
‫أ ُ‬
‫ه ّ‬
‫فقد أمر الله تعالي الباء بإعطاء الجر علي الرضاع‪ ،‬فد ّ‬
‫ل‬
‫علي أن الجر حق للمرضعة ‪ ،‬وهي ل تستحقه إل بالعقد ‪ ،‬إذ لو‬
‫أرضعت بدون عقد كانت متبرعة‪ ،‬والمتبرع ل يستحق شيئا ً ‪،‬‬
‫فكان ذلك دليل ً علي مشروعية العقد ‪.‬‬
‫وُيستأنس لها أيضا ً بقوله تعالي علي لسان شعيب عليه‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ت ال ْ َ‬
‫ي‬
‫ن َ‬
‫السلم وبناته‪َ} :‬يا أب َ ِ‬
‫جْرهُ إ ِ ّ‬
‫ست َأ َ‬
‫جْر َ‬
‫نا ْ‬
‫تا ْ‬
‫و ّ‬
‫خي َْر َ‬
‫ست َأ ِ‬
‫ق ِ‬
‫م ِ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ح َ‬
‫ن‪َ .‬‬
‫قا َ‬
‫عَلى َأن‬
‫ن َ‬
‫ي َ‬
‫اْل َ ِ‬
‫ريدُ أ ْ‬
‫ح َ‬
‫ك إِ ْ‬
‫ن أنك ِ َ‬
‫مي ُ‬
‫دى اب ْن َت َ ّ‬
‫ل إ ِّني أ ِ‬
‫هات َي ْ ِ‬
‫‪144‬‬

‫ْ‬
‫جج { القصص ‪26 :‬ـ ‪ : (27‬أي أن تكون أجيرا ً‬
‫ي ِ‬
‫ت َأ ُ‬
‫جَرِني ث َ َ‬
‫مان ِ َ‬
‫ح َ ٍ‬
‫لي ثماني سنين ‪.‬‬
‫وقلنا ‪ُ :‬يستأنس بهذا استئناسًا‪ ،‬لنه وارد في شرع من‬
‫من قبلنا – علي الصح – ليس شرعا ً لنا ‪ ،‬حتى‬
‫قبلنا ‪ ،‬وشرع َ‬
‫يكون هذا دليل ً علي الحكم في شرعنا‪.‬‬
‫‪ – 2‬وأما السّنة ‪ :‬فقد ورد فيها أحاديث كثيرة‪ ،‬منها ‪:‬‬
‫ ما رواه البخاري وغيره عن عائشة رضي الله عنها ـ في‬‫حديث الهجرة الطويل ـ قالت‪ :‬واستأجر النبي ‪ ‬وأبو بكر رجل ً‬
‫ي ‪ ،‬هاديا ً خّريتا ً ـ الخّريت‬
‫من بني الدّْيل ثم من بني عبد بن عد ّ‬
‫الماهر بالهداية ـ وهو علي دين ك ّ‬
‫فار قريش ‪ ،‬فأمناه ‪ ،‬فدفعا‬
‫ور بعد ثلث ليال ‪ ،‬فأتاهما‬
‫إليه راحل َت َْيهما ‪ ،‬ووعداه غار ث َ ْ‬
‫براحلتيهما صبيحة ليال ثلث ‪ ،‬فارتحل ‪) .‬البخاري ‪ :‬الجارة‪ ،‬باب‬
‫استئجار المشركين عند الضرورة‪ ،‬رقم ‪.(2144 :‬‬
‫ـ ما رواه مسلم ‪ :‬أن رسول الله ‪ ‬نهي عن المزارعة ‪،‬‬
‫وأمر بالمؤاجرة وقال‪ " :‬ل بأس بها " ‪.‬‬
‫خديج رضي الله عنه قال‪ ) :‬كّنا‬
‫وروي أيضًا‪ :‬عن رافع بن َ‬
‫ل‪ ،‬قال‪ :‬كنا ن ُ ْ‬
‫أكثر النصار حق ً‬
‫كري الرض علي أن لنا هذه ولهم‬
‫هذه ‪ ،‬فربما أخرجت هذه ولم تخرج هذه ‪ ،‬فنهانا عن ذلك‪ ،‬وأما‬
‫هنا ( ‪ .‬وفي رواية‪ ) :‬أما بالذهب والورق فل بأس‬
‫الورق فلم ي َن ْ َ‬
‫به (‪) .‬مسلم‪ :‬البيوع‪ ،‬باب‪ ،‬كراء الرض بالذهب والورق‪ ،‬وباب‪:‬‬
‫في المزارعة والمؤاجرة‪ ،‬رقم‪.(1549 ،1547 :‬‬
‫] قوله‪ ) :‬فلم ينهنا ( ‪ :‬أي فلم ينهنا عن كراء الرض‬
‫بالورق ‪ ،‬وهو الفضة المضروبة ‪ .‬وقوله‪ ) :‬لنا هذه ولهم هذه ( ‪:‬‬
‫أي لنا ما تخرجه هذه القطعة من الرض من زرع ‪ ،‬ولهم ما‬
‫تخرجه قطعة أخري [ ‪.‬‬

‫‪145‬‬

‫ـ وما رواه البخاري أيضا ً عن أبي هريرة رضي الله عنه‪،‬‬
‫مهم يوم‬
‫عن النبي ‪ ‬قال ‪ ":‬قال الله تعالي ‪ :‬ثلث ُ‬
‫ة أنا خص ُ‬
‫القيامة ‪ :‬رج ّ‬
‫ل أعطي بي ثم غدر ‪ ،‬ورجل باع حرا ً فأكل ثمنه‪،‬‬
‫جَره "‪.‬‬
‫ورجل استأجر أجيرا ً فاستوفي منه ولم يعطه أ ْ‬
‫من منع أجر الجير‪ ،‬رقم‪:‬‬
‫)البخاري‪ :‬الجارة ‪ ،‬باب ‪ :‬إثم َ‬
‫‪.( 2150‬‬
‫]أعطي بي ‪ :‬عاهد باسمي أو حلف‪ .‬غدر‪ :‬نقض العهد ولم‬
‫دعي أنه عبد مملوك‬
‫يف به‪ ،‬أو‪ :‬لم يبر بقسمه‪ .‬باع حّرًا‪ :‬أي ا ّ‬
‫فأعطاه مقابل ثمن وأخذ الثمن ‪ .‬فاستوفي منه ‪ :‬أي استوفي‬
‫منه العمل الذي استأجره للقيام به [‪.‬‬
‫أركان الجارة وشروطها ‪:‬‬
‫للجارة أركان أربعة ‪ ،‬وهي ‪ :‬عاقدان‪ ،‬وصيغة ‪ ،‬ومنفعة‪،‬‬
‫وُأجرة ‪.‬‬
‫‪ – 1‬الركن الول ‪ :‬العاقدان‪ :‬وهما المؤجر والمستأجر ‪.‬‬
‫وُيشترط في ك ّ‬
‫ل منهما أن يكون أهل للتعاقد ‪ ،‬بأن يكون‬
‫بالغا ً عاقل ً ‪ ،‬فل يصح عقد الجارة من مجنون ول صبي ‪ ،‬لن كل ً‬
‫منهما ل ولية له على نفسه ول على ماله ‪ .‬وأن يكون غير‬
‫محجور التصرف في المال ‪ ،‬لنها عقد ُيقصد به المال ‪ ،‬فل‬
‫ح إل من جائز التصرف فيه ‪.‬‬
‫يص ّ‬

‫‪146‬‬

‫‪ – 2‬الركن الثاني‪ :‬الصيغة‪ :‬وهي اليجاب والقبول ‪.‬‬
‫فاليجاب ‪ :‬ك ّ‬
‫ل لفظ يصدر من المؤجر ويدل علي تمليك‬
‫المنفعة بعوض دللة ظاهرة‪ ،‬سواء أكان صريحا ً أم كناية ‪.‬‬
‫فمن الصريح ‪ :‬آجرتك هذا أو أكريتك‪ ،‬أو ملكتك منافعه‬
‫سنة بكذا ‪.‬‬
‫ومن الكناية ‪ :‬اسكن داري شهرا ً بكذا ‪ ،‬أو جعلت لك منفعة‬
‫هذا الشيء بكذا‪.‬‬
‫والقبول ‪ :‬كل لفظ يصدر من المستأجر ويدل علي الرضا‬
‫بتملك المنفعة دللة ظاهرة ‪ ،‬كقوله ‪ :‬قبلت أو استأجرت أو‬
‫اكتريت أو استكريت ‪ ،‬ونحو ذلك ‪.‬‬
‫ويقوم مقام الصيغة التعاطي إن جري العرف بذلك ‪ ،‬كأن‬
‫يدخل سيارة لنقل الركاب إلي مكان معلوم ‪ ،‬دون أن يجري‬
‫عقدا ً ‪ ،‬ويعطي ا ُ‬
‫لجرة عند وصوله أو قبله ‪ ،‬فإن ذلك صحيح ‪،‬‬
‫لن التعاطي له حكم اليجاب والقبول في الدللة علي الرضا‬
‫بالعقد إن جري به العرف ‪.‬‬
‫ويشترط في الصيغة ‪:‬‬
‫أ – موافقة اليجاب والقبول ‪ ،‬فلو قال ‪ :‬آجرتك داري بمائة‬
‫شهرا ً ‪ ،‬فقال ‪ :‬قبلت بتسعين ‪ ،‬لم يصح العقد للمخالفة بين‬
‫جعلت الصيغة‬
‫اليجاب والقبول ‪ ،‬وذلك عنوان عدم الرضا الذي ُ‬
‫دليل ً عليه‪ ،‬وهو شرط صحة العقد ‪.‬‬
‫ب – أن ل يطول الفصل بين اليجاب والقبول بسكوت أو كلم‬
‫مشعر بالعراض عن العقد ‪.‬‬
‫أجنبي عن العقد ‪ ،‬لن ذلك ُ‬
‫جـ ‪ -‬عدم تعليقها علي شرط ‪ :‬كإذا جاء زيد فقد أجرتكها بكذا ‪.‬‬
‫‪ – 3‬الركن الثالث‪ :‬المنفعة ‪ :‬ويشترط فيها شروط عدة‪ ،‬منها ‪:‬‬
‫ومة ‪ ،‬أي معتبرة ومقصودة شرعا ً أو عرفا ً ‪،‬‬
‫أ – أن تكون متق ّ‬
‫ليحسن بذل المال في مقابلتها‪ ،‬كاستئجار دار للسكن ‪ ،‬أو دابة‬
‫‪147‬‬

‫أو سيارة للركوب ‪ ،‬لنها إذا لم تكن ذات قيمة شرعا ً كان بذل‬
‫المال في مقابلها سفها ً وتضييعًا‪ ،‬وقد نهي الشرع عن إضاعة‬
‫المال ‪:‬‬
‫ـ فل يصح استئجار آلت اللهو ‪ ،‬لحرمة منفعتها ‪ .‬وكذلك ل‬
‫يصح استئجار لتصوير ذي روح ‪ ،‬أو من تغّني أمام الجانب ‪،‬‬
‫لحرمة ذلك‪.‬‬
‫ح استئجار كلب لصيد أو حراسة ‪ ،‬لن عينه ل قيمة‬
‫ـ ول يص ّ‬
‫لها شرعا ً ‪ ،‬فل قيمة لمنفعته ‪.‬‬
‫وجت‬
‫ـ ول يصح استئجار رجل ليقول كلمة ل ُتتعب ‪ ،‬وإن ر ّ‬
‫سلعة أو حصلت منفعة ‪ ،‬وكذلك استئجار دراهم أو دنانير‬
‫للتزيين بها ‪.‬‬
‫لن مثل هذه المنفعة غير مقصود عرفا ً ‪ ،‬ولم يعتد الناس‬
‫استيفاءه بعقد الجارة ‪.‬‬
‫ب ـ أن يكون في مقدور المؤجر تسليمها ‪ ،‬ليتمكن المستأجر‬
‫من استيفائها ‪ .‬فلو كان المؤجر عاجزا ً عن تسليم المنفعة ‪،‬‬
‫حسا ً أو شرعا ً ‪ ،‬لم تصح الجارة ‪.‬‬
‫ن في يده ‪ ،‬ول يقدر علي‬
‫ـ فل تص ّ‬
‫م ْ‬
‫ح إجارة مغصوب لغير َ‬
‫ممن في يده عقب العقد ‪.‬‬
‫انتزاعه َ‬
‫ح تأجير سيارة مفقودة أو ضائعة ‪.‬‬
‫ـ ول يص ّ‬
‫ـ ول يصح استئجار أرض للزراعة ‪ ،‬ليس لها ماء دائم ‪ ،‬ول‬
‫يكفيها المطر المعتاد أو ما في معناه كالثلوج والنداوة ‪.‬‬
‫سا ً ‪.‬‬
‫لعدم القدرة علي تسليم المنفعة في هذه الشياء ح َ‬
‫ومما ل تصح إجارته لعدم القدرة علي تسليم منفعة شرعا ً ‪:‬‬
‫ـ استئجار المرأة الحائض أو النفساء لخدمة المسجد ‪ ،‬لن‬
‫الخدمة تقتضي مكثها وترددها في المسجد ‪ ،‬ول يجوز لها ذلك ‪،‬‬

‫‪148‬‬

‫دد‬
‫وإن أمنت تلويثه ‪ ،‬لنه أجيز لها العبور فيه ‪ ،‬ول التر ّ‬
‫والمكث ‪ .‬فهي ل تقدر علي تسليم المنفعة شرعا ً ‪.‬‬
‫ولو استؤجرت غير الحائض لهذا ‪ ،‬فحاضت أو نفست ‪،‬‬
‫انفسخت الجارة ‪ ،‬فإذا دخلت المسجد حال حيضها وقامت‬
‫بالخدمة كانت آثمة ‪ ،‬ولم تستحق الجرة ‪ .‬ومثل خدمة المسجد‬
‫تعليم القرآن ‪.‬‬
‫ـ وكذلك ل تصح إجارة امرأة متزوجة ‪ ،‬لرضاع أو خدمة بغير‬
‫إذن الزوج ‪ ،‬لن أوقاتها مستغرقة بحقه ‪ ،‬فل يجوز لها شرعا ً‬
‫شغل شيء من وقتها بغير حقه إل بإذنه ‪ .‬فهي عاجزة إذن ـ‬
‫شرعا ً ـ عن تسليم المنفعة التي استؤجرت لها ‪.‬‬
‫ـ وكذلك ل يجوز إجارة امرأة مطلقا ً للقيام بعمل يقتضي‬
‫سفرا ً من غير صحبة زوج أو ذي رحم محرم ‪ ،‬أو يقتضي خلوة‬
‫بأجنبي ‪ ،‬للحرمة الثابتة بالنهي الصريح والصحيح عن ذلك ‪،‬‬
‫فهي إذن غير قادرة شرعا ً علي تسليم مثل هذه المنفعة ‪.‬‬
‫جـ ‪ -‬الشرط الثالث للمنفعة ‪ :‬أن يكون حصولها للمستأجر ‪ ،‬ل‬
‫للمؤجر ‪ :‬فل تصح الجارة علي ال ُ‬
‫قرب التي تحتاج إلي نّية ول‬
‫تدخلها النيابة كالصلة والصوم ‪ ،‬لن منفعتها ـ وهي الثواب ـ‬
‫تعود علي المؤجر ل المستأجر ‪ ،‬ولن القصد منها امتحان‬
‫المكلف بالمتثال وكسر النفس ‪ ،‬ول يقوم غيره مقامه في هذا‬
‫‪.‬‬
‫ح الجارة علي كل قربة وعبادة تدخلها النيابة وإن‬
‫وتص ّ‬
‫ح الجارة علي الحج عن العاجز‬
‫كانت تحتاج إلي نّية ‪ .‬فتص ّ‬
‫والميت ‪ ،‬وكذلك الصوم عن الميت ‪ ،‬ولذبح ُأضحية ‪ ،‬ونحر هدي ‪،‬‬
‫وتفرقة زكاة ‪ .‬لن هذه العبادات ثبت في الشرع النيابة فيها‬
‫عن غير المكّلف بها أصل ً‬

‫‪149‬‬

‫وأما القرب والعبادات التي ل تحتاج إلي نّية كفروض‬
‫الكفالة ‪:‬‬
‫ـ فإذا كانت شائعة في الصل ـ أي أن كل مسلم مخاطب‬
‫بها ‪ ،‬ولكنها إذا فعلها بعض المسلمين سقطت عن الباقين ـ‬
‫جر‬
‫ح الستئجار عليها ‪ ،‬لن المسلم الذي أ ّ‬
‫كالجهاد ‪ ،‬فل يص ّ‬
‫نفسه للجهاد إذا حضر المعركة تعّين عليه الجهاد ‪ ،‬فيقع جهاده‬
‫من استأجره ‪ ،‬فل تعود المنفعة علي المستأجر ‪،‬‬
‫عن نفسه ل ع ّ‬
‫ح الجارة ‪.‬‬
‫وإنما تعود علي المؤجر ‪ ،‬فل تص ّ‬
‫ـ وإن لم تكن شائعة في الصل صحت الجارة عليها‪،‬‬
‫كتجهيز الميت من غسل وتكفين ودفن ‪ ،‬فإنه يختص في الصل‬
‫من تجب عليه نفقته ‪ ،‬فإن لم يكن‬
‫بتركته ‪ ،‬فإن لم تكن تركة فب َ‬
‫‪ ،‬وجب علي أغَنياء المسلمين القيام به ‪.‬‬
‫وكذلك تعليم القرآن أو بعضه ‪ ،‬لن الصل في التعليم أنه‬
‫من تلزمه نفقته ‪ .‬وقد ثبت أن رسول‬
‫يختص بمال المتعلم أو َ‬
‫ب الله "‪.‬‬
‫ق ما أخذتم عليه أجرا ً كتا ُ‬
‫الله ‪ ‬قال ‪ " :‬إن أح ّ‬
‫) أخرجه البخاري في الطب ‪ ،‬باب ‪ :‬الشرط في الرقية بقطيع‬
‫من الغنم ‪ ،‬عن ابن عباس رضي الله عنهما رقم ‪. ( 5405 :‬‬
‫ومثل القرآن تعليم مسائل العلم والقضاء ونحو ذلك من‬
‫فروض الكفاية ‪ ،‬التي ل يقصد في الصل كل مكّلف ‪ ،‬فإذا‬
‫استؤجر عليها وقام بها لم تقع عنه ‪ ،‬لنه غير مقصود بفعله ‪،‬‬
‫فل تعود منفعته عليه ‪.‬‬
‫وكذلك الشعائر غير الواجبة كالذان ‪ ،‬فإنه تصح الجارة‬
‫عليه ‪.‬‬
‫د ـ الشرط الرابع ‪ :‬أن ل يكون في المنفعة استيفاء عين‬
‫ح إجارة البستان لستيفاء ثمرته ‪ ،‬ول الشاة‬
‫قصدا ً ‪ :‬فل تص ّ‬
‫لستيفاء صوفها أو لبنها أو نَتاجها ‪ ،‬لن الصل في عقد‬
‫‪150‬‬

‫الجارة تمليك المنافع ‪ ،‬فل تملك العيان بعقدها قصدا ً ‪ .‬ولن‬
‫هذا في الحقيقة استهلك ل انتفاع ‪ ،‬وموضوع الجارة في‬
‫الصل النتفاع ل الستهلك‪.‬‬
‫فإذا تضمن عقد الجارة استيفاء منفعة تبعا ً ل قصدا ً جاز ‪،‬‬
‫كما إذا استأجر امرأة للحضانة والرضاع ‪ ،‬أو للرضاع فقط ‪،‬‬
‫ح ذلك‬
‫فإن ذلك يستتبع استيفاء لبن المرضع وهو عين ‪ ،‬فيص ّ‬
‫للضرورة أو الحاجة الداعية إليه ‪.‬‬
‫ُ‬
‫م َ‬
‫قال تعالي ‪َ } :‬‬
‫ن {الطلق‬
‫جوَر ُ‬
‫فآُتو ُ‬
‫ن أ َْر َ‬
‫فإ ِ ْ‬
‫نأ ُ‬
‫ض ْ‬
‫ه ّ‬
‫ه ّ‬
‫ع َ‬
‫ن ل َك ُ ْ‬
‫‪.6‬‬
‫ومثل هذا لو استأجر دارا ً للسكني ‪ ،‬ولها حديقة فيها‬
‫أشجار مثمرة ‪ ،‬جاز ‪ ،‬لن استهلك الثمر تبع لستيفاء المنفعة ‪.‬‬
‫هـ ـ الشرط الخامس من شروط المنفعة ‪ :‬أن تكون معلومة‬
‫للعاقدين عينا ً وصفة وقدرا ً ‪ .‬فيشترط لصحة الجارة ‪:‬‬
‫ح‬
‫•‬
‫العلم بعين المنفعة ‪ :‬ويكون ذلك ببيان محلها ‪ ،‬فل تص ّ‬
‫إجارة إحدى الدارين دارا ً دون تعيين ‪ ،‬لجهالة عين المنفعة‬
‫بجهالة محلها ‪ .‬وكذلك لو قال ‪ :‬أجرتك دارا ً ‪ ،‬دون بيان‬
‫أوصافها أو الشارة إليها ‪ .‬وذلك أن المنفعة هي محل العقد‬
‫ح العقد ‪ ،‬ولما كانت‬
‫في الجارة ‪ ،‬فل بدّ من تعيينها ليص ّ‬
‫المنفعة ليست شيئا ً ماديا ً يمكن تجسيده وتعيينه ‪ ،‬اسُتعيض‬
‫عن ذلك ببيان محلها للضرورة ‪ ،‬فيقوم بيان محل المنفعة‬
‫مقام بيانها ‪.‬‬
‫جر‬
‫•‬
‫العلم بنوع المنفعة وصفتها ‪ :‬وذلك حين يكون المستأ َ‬
‫يختلف الناس في النتفاع به اختلفا ً ظاهرا ً ل ُيتسامح به‬
‫عادة ‪.‬‬
‫ح إجارة أرض للزراعة دون أن ُتعّين المزروعات‬
‫فل تص ّ‬
‫التي ستزرع فيها ‪ ،‬لن أثر المزروعات علي الرض يختلف من‬
‫‪151‬‬

‫النوع إلي نوع ‪ ،‬فإذا ذكر المستأجر أنه يستأجرها ليزرع فيها ما‬
‫ح العقد ‪ ،‬لنه ُيحمل علي الشد ‪ ،‬فإذا انتفع فيها‬
‫يشاء ص ّ‬
‫بالخف كان له ذلك من باب أولي ‪.‬‬
‫فإذا كانت المنفعة المرادة مما ل يختلف الناس فيها‬
‫اختلفا ً ظاهرا ً يؤدي إلي المنازعة صحت الجارة دون بيان‬
‫من‬
‫نوعها ‪ ،‬وذلك كاستئجار الدور للسكني ‪ ،‬فل يشترط بيان َ‬
‫سيسكن معه من ُأسرته ‪ ،‬أو بيان ما سيضع في البيت من أثاث‬
‫وأمتعة ‪ ،‬لن ذلك مما يتسامح الناس فيه عادة ‪.‬‬
‫فإذا انتفع بها بخلف الغالب والمعتاد لم يكن له ذلك ‪ ،‬كما‬
‫إذا انتفع بالدار بصناعة أو تجارة ‪.‬‬
‫وعليه ‪ :‬يشترط لصحة إجازة الدار إذا كانت في محلة ينتفع‬
‫الناس فيها بالدور بالسكني وغيرها ‪ ،‬أن يبّين نوع المنفعة من‬
‫سكني أو تجارة أو صناعة ‪ ،‬كما ذكرنا ‪ ،‬وأن يبّين نوع التجارة أو‬
‫الصناعة كذلك ‪.‬‬
‫وكذلك يشترط لصحة الجارة علي عمل ‪ :‬أن يبّين نوع‬
‫العمل الذي سيقوم به الجير ‪.‬‬
‫•‬

‫العلم بقدر المنفعة ‪ :‬ويختلف تقدير المنفعة باختلف‬

‫در بالزمن ‪ ،‬ومنها ما يقدر بالعمل ‪،‬‬
‫نوعها ‪ :‬فمنها ما ُيق ّ‬
‫ح فيه المران ‪.‬‬
‫ومنها ما يص ّ‬
‫أ ـ فما تقدر فيه المنافع بالزمن ‪ :‬هو كل منفعة ل يمكن‬
‫ضبطها بغيره وتق ّ‬
‫ل وتكثر‪ ،‬أو تطول وتقصر‪ ،‬كإجارة الدور‬
‫للسكني ‪ ،‬فإن سكني الدار تطول وتقصر ‪ ،‬وكالجارة‬
‫للرضاع ‪ ،‬فإن ما يشربه الرضيع من اللبن يق ّ‬
‫ل ويكثر ‪،‬‬
‫وكالجارة لتطيين جدار ‪ ،‬فإن التطيين ل ينضبط ر ّ‬
‫قة‬
‫وسماكة ‪.‬‬

‫‪152‬‬

‫فمثل هذه المنافع ل يمكن تقديرها بغير الزمن ‪ ،‬لن‬
‫تحصيلها ل ينضبط بغير ذلك ‪ .‬ولهذا جاء علي لسان شعيب عليه‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫در منفعة‬
‫السلم ‪َ ) :‬‬
‫ي ِ‬
‫ج ( فقد ق ّ‬
‫ح َ‬
‫عَلى أن ت َأ ُ‬
‫جَرِني ث َ َ‬
‫مان ِ َ‬
‫ج ٍ‬
‫استئجار موسي عليه السلم بالزمن ‪ ،‬وإنما استأجره للرعي‬
‫ونحوه ‪ ،‬والرعي من هذا النوع من المنافع ‪.‬‬
‫ما تجوز عليه الجارة من الزمن ‪:‬‬
‫وإذا قدرت المنفعة بالزمن وجب أن يكون مدة معلومة ‪،‬‬
‫تبقي فيها العين المؤجرة غالبا ً ‪ ،‬ليتمكن المستأجر من استيفاء‬
‫المنفعة المعقود عليها ‪.‬‬
‫والمرجع في معرفة المدة التي تبقي فيها كل عين غالبا ً‬
‫إنما هو العرف وأهل الخبرة ‪ .‬ويختلف ذلك من عين إلي عين ‪:‬‬
‫ـ فالرض ـ مثل ً ـ تصح إجارتها مائة سنة أو أكثر‪.‬‬
‫ـ والدار ‪ :‬تصح إجارتها ثلثين سنة ‪.‬‬
‫ـ والدابة ‪ :‬تصح إجارتها عشر سنين ‪.‬‬
‫وهكذا كل شيء علي ما يليق به ‪ ،‬ويقدر أهل الخبرة أنه‬
‫يبقي هذه المدة ‪.‬‬

‫‪153‬‬

‫ما يستثني من زمن الجارة ‪:‬‬
‫ويستثني من الزمن المستأجر عليه الزمن الذي تستغرقه‬
‫دي إل في المدة المستأجر عليها ‪،‬‬
‫العبادات الواجبة التي ل تؤ ّ‬
‫وكذلك أوقات الطعام المعتادة لدي ا ُ‬
‫لجراء والمستأجرين ‪.‬‬
‫وكذلك إذا كانت المدة مقدرة بزمن طويل ‪ :‬اسُتثني أيام العياد‬
‫عْرف ‪ ،‬فإن الجير‬
‫الثابتة بالشرع ‪ ،‬وأيام التعطيل الثابتة بال ُ‬
‫يستحق الجر علي هذه اليام وتلك الوقات ولو لم ينص عليها‬
‫في العقد ‪ ،‬فل ينقصه المستأجر شيئا ً من الجر المتفق عليه‬
‫لليوم أو الشهر أو السنة ‪.‬‬
‫ب ـ ما تقدر فيه المنافع بالعمل ‪ :‬وذلك إذا كانت المنفعة‬
‫معلومة في ذاتها ولكنها قد تستغرق زمنا ً يقصر أو‬
‫يطول ‪ ،‬فل يمكن ضبطها به ‪.‬‬
‫وذلك كالستئجار لخياطة ثوب ‪ ،‬وطلء جدار ‪ ،‬وطبخ طعام ‪،‬‬
‫ونحو ذلك ‪.‬‬
‫در بالزمن ‪ ،‬لن‬
‫در بالعمل ول تق ّ‬
‫فإن مثل هذه المنافع تق ّ‬
‫الزمن فيها قد يطول وقد يقصر ‪ ،‬بينما العمل فيها منضبط‬
‫ومحدد ‪.‬‬
‫ح تقدير المنفعة فيه بالزمن أو العمل ‪ :‬وذلك‬
‫جـ ما يص ّ‬
‫ح تقدير‬
‫كاستئجار شخص لخياطة أو سيارة للركوب ‪ ،‬فيص ّ‬
‫ح‬
‫المنفعة بالزمن كأن يستأجر يوما ً ليخيط هذا الثوب ‪ .‬ويص ّ‬
‫أن يستأجر السيارة لتوصله من دمشق إلي مكة مثل ً ‪،‬‬
‫فيكون تقدير المنفعة بالعمل ‪ ،‬ول ينظر إلي ما يستغرق‬
‫ح أن يستأجر السيارة يوما ً أو يومين ‪،‬‬
‫من الوقت ‪ ،‬كما يص ّ‬
‫فتكون المنفعة مقدرة بالزمن ‪ ،‬سواء قطع بها المسفة أم‬
‫ل ‪ ،‬وركبها أم ل ‪.‬‬

‫‪154‬‬

‫ول يصح أن تقدر المنفعة بالزمن والعمل معًا‪ ،‬كما إذا‬
‫استأجره ليخيط له هذا الثوب بيوم ‪ ،‬أو ليبني له هذا الجدار‬
‫بيومين ‪ ،‬أو ليوصله من دمشق إلي مكة بثلثة أيام ‪ ،‬لن العمل‬
‫قد ل يستغرق الوقت المحدد ‪ ،‬وقد يزيد عنه ‪ ،‬فيكون في ذلك‬
‫غرر ‪ ،‬فل يصح العقد ‪.‬‬
‫‪ - 4‬الركن الرابع‪ :‬اُلجرة ‪ :‬ويشترط في الجرة ما يشترط في‬
‫الثمن في العقد البيع ‪ ،‬لن الجرة في الحقيقة هي ثمن‬
‫المنفعة المملوكة بعقد الجارة ‪ .‬فيشترط فيها ‪:‬‬
‫ح عقد الجارة إذا كانت ا ُ‬
‫لجرة كلبا ً‬
‫أ ‪ -‬أن تكون طاهرة ‪ :‬فل يص ّ‬
‫أو خنزيرا ً أو جلد ميتة لم ُيدبغ أو خمرا ً ‪ ،‬لن هذه الشياء‬
‫نجسة العين ‪ .‬ففي الصحيحين أن رسول الله ‪ ‬نهي عن‬
‫ثمن الكلب ‪ .‬وفيهما أنه ‪ ‬قال ‪ " :‬إن الله ورسوله حرم‬
‫بيع الخمر والميتة والخنزير والصنام "‪ ) .‬البخاري ‪ :‬البيوع ‪،‬‬
‫باب ‪ :‬بيع الميتة والصنام ‪ .‬وباب ‪ :‬ثمن الكلب ‪ ،‬رقم ‪:‬‬
‫‪ . 2122 ، 2121‬ومسلم في المساقاة ‪ ،‬باب ‪ :‬تحريم ثمن‬
‫الكلب وحلوان الكاهن ومهر البغي ‪ ،‬وباب ‪ :‬تحريم بيع‬
‫الخمر والميتة والخنزير والصنام ‪ ،‬رقم ‪. ( 1581 ، 1567 :‬‬
‫وكذلك إذا كانت عينا ً متنجسة ل يمكن تطهيرها ‪،‬‬
‫كالخل واللبن والدهن المائع والزيت والسمن ‪ ،‬لن النبي ‪‬‬
‫أمر بإراقة السمن المائع إذا تنجس ‪ .‬روي ابن حبان عن أبي‬
‫هريرة رضي الله عنه قال ‪ :‬سئل رسول الله ‪ ‬عن الفأرة تقع‬
‫وَلها‬
‫في السمن فتموت ؟ قال ‪ " :‬إ ْ‬
‫ن كان جامدا ً ألقي ما َ‬
‫ح ْ‬
‫ه ‪ ،‬وإن كان مائعا ً لم يقربه "‪ .‬وفي رواية ‪ " :‬فأريقوه"‪.‬‬
‫وأك َل َ ُ‬
‫) انظر ‪ :‬موارد الظمآن إلي زوائد ابن حبان ‪ :‬الطعمة‪ ،‬باب ‪:‬‬
‫في الفأرة تقع في السمن ‪ ،‬رقم ‪. ( 331 :‬‬

‫‪155‬‬

‫فالمر بإراقته والنهي عن قربه دليل علي أنه ل يمكن‬
‫تطهيره ‪ ،‬وبالتالي ل يجوز بيعه‪.‬‬
‫ح‬
‫ح بيعها لنجاستها لم يص ّ‬
‫ولما كانت هذه الشياء ل يص ّ‬
‫جعلها ُأجرة ‪.‬‬
‫وقيس علي ما ُ‬
‫ذكر غيرها من العيان النجسة التي لم تذكر‬
‫‪ ،‬وهي في معناها‪.‬‬
‫ح جعل الجرة شيئا ً ل ُينتفع به‬
‫ب ‪ -‬أن تكون منتفعا ً بها ‪ :‬فل يص ّ‬
‫سته كالحشرات وكحّبتي حنطة ‪ ،‬وإما ليذائه‬
‫‪ :‬إما لخ ْ‬
‫كالحيوانات المفترسة ‪ ،‬وإما لحرمة استعماله شرعا ً كآلت‬
‫اللهو والصنام والصور ‪ .‬وذلك لن هذه الشياء وأمثالها‬
‫مما ل نفع فيه ل ي ُ َ‬
‫ح أخذ المال في‬
‫عد مال ً ‪ ،‬فل يص ّ‬
‫مقابلته ‪ .‬والمنفعة التي هي محل عقد الجارة مال‬
‫متقوم كما ذكرنا ‪ ،‬فل يصح بذلها في مقابلة ما ل ُيعدّ مال ً‬
‫‪.‬‬
‫ح أن تكون الجرة‬
‫جـ ‪ -‬أن تكون نقدورا ً علي تسليمها ‪ :‬فل يص ّ‬
‫ح أن‬
‫طيرا ً في الهواء ‪ ،‬ول سمكا ً في الماء ‪ ،‬كما ل يص ّ‬
‫تكون مال ً مغصوبا ً إل إذا كانت لمن في يده المغصوب ‪ ،‬أو‬
‫لقادر علي انتزاعه منه ‪.‬‬
‫د ‪ -‬أن يكون للعاقد ولية علي دفعها ‪ :‬بملك أو وكالة ‪ ،‬فإن‬
‫كانت ا ُ‬
‫لجرة ل ولية للعاقد عليها بما ُ‬
‫ذكر لم تصح‬
‫الجارة ‪.‬‬
‫ح إجارة الدار بما تحتاجه‬
‫ه ‪ -‬أن تكون معلومة للعاقدين ‪ :‬فل تص ّ‬
‫من عمارة ‪ ،‬ول إجارة سيارة بوقودها ‪ ،‬أو دابة بعلفها ‪،‬‬
‫لجهالة ا ُ‬
‫لجرة في هذه الحالت ‪.‬‬

‫‪156‬‬

‫ومن الجهالة في ا ُ‬
‫جزءا ً من المأجور يحصل‬
‫لجرة أن تجعل ُ‬
‫بعمل الجير ‪ ،‬كما إذا استأجره ليذبح شاة ويسلخها بجلدها أو‬
‫جزء منها ‪ ،‬للجهالة بثخن الجلد أو قدر الجزء ‪.‬‬
‫وكذلك إذا استأجره ليطحن له قدرا ً معينا ً من القمح بجزء‬
‫مما يخرج من دقيقه ‪ ،‬كربعه أو خمسه ‪ ،‬للجهالة بقدر الدقيق ‪.‬‬
‫ولن الجير ينتفع هنا بعمله ‪ ،‬فيكون عامل ً لنفسه من وجه ‪،‬‬
‫فل يستحق اُلجرة علي عمله ‪ .‬وقد روي الدارقطني ) البيوع ‪/‬‬
‫الحديث ‪ : (195:‬أن النبي ‪ ‬نهي عن َ‬
‫حان ‪ .‬وقد فسر‬
‫قفيز الطّ ّ‬
‫بأن ُتجعل ُأجرة الطحن قفيزا ً مطحونا ً مما استؤجر لطحنه ‪.‬‬
‫] القفيز ‪ :‬مكيال كان معروفا ً [‪.‬‬
‫ح ‪ ،‬لنتفاء‬
‫فلو استأجره بجزء من الحنطة ليطحن باقيها ص ّ‬
‫منع من أجله ‪ ،‬وهو الجهالة وكون الجير عامل ً‬
‫المعني الذي ُ‬
‫لنفسه ‪.‬‬
‫ويدخل في هذا المنع من باب أولي ‪:‬‬
‫ أن يعطي من يقوم بحصاد الزرع ـ بنفسه أو بواسطة اللت ـ‬‫جزءا ً من المحصول ـ كالعشر أو نحوه ـ ُأجرة علي الحصاد ‪.‬‬
‫ أن يعطي جباة الموال ‪ ،‬للجمعيات ونحوها ‪ ،‬جزءا ً مما يجبونه‬‫من الموال كاثنين في المائة ونحو ذلك ‪.‬‬
‫ أن يعطي سماسرة الدور ونحوها أيضا ً جزءا ً بنسبة معينة من‬‫قيمة ما َيبيعونه كاثنين في المائة أو ثلثة ‪.‬‬
‫فهذه النواع الثلثة من الجارة غير صحيحة ‪ ،‬لن ا ُ‬
‫لجرة‬
‫فيها مجهولة ‪ ،‬وينبغي أن يعلم أن أخذ هذه الموال بهذه‬
‫من‬
‫الطريقة كسب خبيث غير مشروع ‪ُ ،‬يؤاخذ عليه من يأخذ و َ‬
‫يعطيه ‪ ،‬فليحذر الذين يخالفون شرع الله تعالي ‪ ،‬ول سيما جباة‬
‫أموال الجمعيات الذين كثيرا ً ما تكون الموال التي يجبونها حقا ً‬
‫للفقراء والمساكين ‪ ،‬فيأكلون جزءا ً منها ظلما ً وزورا ً ‪ ،‬وهم‬
‫‪157‬‬

‫يحسبون أنهم يحسنون صنعا ً ‪ ،‬فليحذر هؤلء سخط الله تعالي‬
‫وعقابه ‪.‬‬
‫أقسام الجارة وشروطها ‪:‬‬
‫الجارة قسمان ‪ :‬إجارة عين وإجارة ذمة ‪.‬‬
‫‪-1‬‬

‫فإجارة العين ‪ :‬هي الجارة الواردة علي منفعة متعلقة‬
‫بعين معينة ‪ .‬كما لو قال ‪ :‬أجرتك هذه الدار ‪ ،‬أو السيارة‬
‫الفلنية ـ لسيارة معينة يعرفها المتعاقدان ـ أو أن يستأجر‬
‫شخصا ً معينا ً لعمل ما ‪ ،‬أو ليخيط له هذا الثوب ‪.‬‬

‫‪-2‬‬

‫وإجارة الذمة ‪ :‬هي الجارة الواردة علي منفعة متعلقة‬
‫بالذمة ‪ ،‬كأن يستأجره ليوصله بسيارة موصوفة في ذمته‬
‫إلي مكان معين ‪ ،‬أو يؤجره سيارة موصوفة في ذمته مدة‬
‫معينة ‪ ،‬وكأن يلزم المستأجر المؤجر عمل ً في ذمته كبناء أو‬
‫خياطة أو نحو ذلك ‪ ،‬فيقبل ‪.‬‬
‫ومن هذا النوع ما يحصل في هذه اليام من استئجار‬

‫وسائل النقل المختلفة ‪ ،‬فإن الجارة ترد علي منفعة موصوفة‬
‫في الذمة ‪ ،‬ل علي منفعة متعلقة بعين معينة‪.‬‬
‫شروط إجارة العين ‪:‬‬
‫‪-1‬‬

‫أن تكون العين المؤجرة معينة ‪ ،‬فل يصح أن يؤجره‬

‫إحدى هاتين السيارتين ‪ ،‬كما مّر‬
‫‪-2‬‬

‫أن تكون العين المؤجرة حاضرة ومشاهدة من‬

‫المتعاقدين ‪ ،‬عند عقد الجارة‪.‬‬
‫فلو قال ‪ :‬أجرتك داري أو سيارتي أو ثوبي ‪ ،‬وهما غائبان‬
‫ح‬
‫عن الدار‪ ،‬أو السيارة والثوب ليسا في مجلس العقد ‪ ،‬لم تص ّ‬
‫الجارة ‪ ،‬إل إذا كان المتعاقدان قد شاهدا العين المؤجرة قبل‬
‫ح الجارة ‪.‬‬
‫العقد بمدة ل تتغير فيها غالبا ً فتص ّ‬

‫‪158‬‬

‫‪-3‬‬

‫أن ل يؤجل استيفاء المنفعة عن العقد ‪ ،‬كأن يؤجره‬

‫داره السنة المقبلة ‪ ،‬أو يؤجره نفسه علي أن يبدأ العمل‬
‫أول الشهر ‪ ،‬أو يؤجره سيارته غدا ً ‪ ،‬أو أن يؤجره داره سنة‬
‫أو شهرا ً اعتبارا ًُ من أول الشهر القادم ‪ ،‬وهكذا ‪ ،‬إل ّ إذا‬
‫كانت الجارة للمستقبل لمن هو مستأجر للعين وقت‬
‫ح الجارة‬
‫العقد ‪ ،‬لمدة تنتهي ببدء مدة الجارة الجديدة فتص ّ‬
‫‪ ،‬لتصال المدتين مع اتحاد المستأجر ‪ ،‬فصار كما لو‬
‫استأجر العين في المدتين في عقد واحد ‪.‬‬
‫شروط إجارة الذمة ‪:‬‬
‫‪ -1‬أن تكون ا ُ‬
‫لجرة حالة ‪ ،‬وأن تسّلم في مجلس العقد ‪ ،‬لن‬
‫سلم في المنافع ‪ ،‬فيشترط تسليم رأس مال‬
‫هذه الجارة َ‬
‫السلم ـ وهو الجرة ـ في مجلس العقد ‪ ،‬واشتراط التأجيل‬
‫كعدم التسليم ‪.‬‬
‫فلو اتفقا في العقد علي تأجيل ا ُ‬
‫ح الجارة‬
‫لجرة لم تص ّ‬
‫حتى ولو سلمت في المجلس ‪ .‬وكذلك إذا لم يتفقا علي‬
‫التأجيل ولم تسلم ا ُ‬
‫لجرة بالفعل في مجلس العقد ‪.‬‬
‫‪ -2‬بيان جنس العين التي ُتستوفي منها المنفعة ونوعها‬
‫وصفتها ‪ .‬كما إذا عقد إجارة مع مكتب نقل لينقله إلي بلد‬
‫معين ‪ ،‬فينبغي بيان الوسيلة التي سينقله فيها ‪ :‬هل هي‬
‫وسيلة جوية أو بحرية أو برية ؟ وهل هي سيارة كبيرة أو‬
‫صغيرة ؟ وهل هي حديثة أو قديمة ؟ وما إلي ذلك من ُأمور‬
‫تتفاوت فيها الغراض ‪.‬‬
‫حكم الجارة ‪:‬‬
‫إذا تم عقد الجارة بتوفر أركانه وشروطه انعقد صحيحا ً ‪،‬‬
‫وترتب عليه حكمه ـ أي أثره الشرعي ـ بمجرد انعقاده ‪ ،‬وهو ‪:‬‬

‫‪159‬‬

‫جر ‪ ،‬وجواز تصرفه‬
‫ ثبوت الملك للمستأجر في منفعة المؤ ّ‬‫فيها واستيفائه لها ‪.‬‬
‫جر في ا ُ‬
‫لجرة التي هي قيمة المنفعة التي‬
‫ ثبوت الملك للمؤ ّ‬‫ملكها المستأجر من حين العقد ‪ .‬ويراعي في هذا الملك ‪ :‬أنه‬
‫كلما مضي جزء من الزمن ‪ ،‬والعين المستأجرة سليمة في يد‬
‫المستأجر ‪ ،‬بأن أنه استقر ملكه في جزء من ا ُ‬
‫لجرة يقابل ما‬
‫استوفي أو فات من المنفعة في ذلك الزمن الذي مضي ‪.‬‬
‫فإذا استوفي المنفعة كاملة ‪ ،‬أو مضت مدة الجارة ‪ ،‬استقر‬
‫ملكه في كامل ا ُ‬
‫لجرة حتى ولو لم ينتفع بالعين المؤجرة ‪،‬‬
‫طالما أنها سليمة في يده وسلطانه ‪ ،‬لن منافعها تلفت تحت‬
‫يده فاستقر عليه بدلها ‪ ،‬كما لو تلف المبيع في يد المشتري ‪،‬‬
‫فإنه يستقر عليه ثمنه ‪.‬‬
‫وإذا هلكت العين المستأجرة بعد استيفاء جزء من المنفعة‬
‫أو تمكنه من ذلك ينظر ‪ :‬فإن كان هذا الجزء منتفعا ً به عادة‬
‫استقر للمؤجر ملك ما يقابله من ا ُ‬
‫لجرة ‪ ،‬كما لو استأجر سيارة‬
‫لتوصله إلى مكان معين ‪ ،‬فعطبت قبل الوصول إليه ‪ ،‬فإنه‬
‫يستحق أجرة المسافة التي قطعت إن كان يمكن متابعة السفر‬
‫دون مشقة من المكان الذي عطبت فيه السيارة ‪ ،‬أو كان‬
‫للمستأجر غرض بذلك المكان ‪.‬‬
‫وإن كان الجزء المستوفى من المنفعة ل ينتفع به عادة ‪،‬‬
‫كما لو كان مكان عطب السيارة ل ُيقصد عادة ‪ ،‬أو يصعب‬
‫متابعة السفر منه ‪ ،‬لم يستقر شيء من ا ُ‬
‫لجرة للمؤجر ‪ ،‬وكان‬
‫كهلك العين المؤجرة قبل استلمها ‪ ،‬أو قبل استيفاء شيء‬
‫من منفعتها أو التم ّ‬
‫كن منه ‪.‬‬
‫ويثبت الملك في ا ُ‬
‫لجرة سواء أكانت معجلة أم مؤجلة ‪.‬‬

‫‪160‬‬

‫وقد علمت إنه إذا كانت الجارة ذمة لم يجز تأجيل ا ُ‬
‫لجرة ‪،‬‬
‫واشُترط تسليمها في مجلس العقد ‪.‬‬
‫أما إذا كانت الجارة إجارة عين ‪:‬‬
‫ فإن كانت ا ُ‬‫جره داره سنة بهذه الدراهم‬
‫لجرة معينة ‪ ،‬كما إذا أ ّ‬
‫أو بهذه السجادة ‪ ،‬وجب تعجيلها ولم يجز تأجيلها ‪ ،‬لن العيان‬
‫ل تقبل التأجيل ‪.‬‬
‫ وإن كانت ا ُ‬‫جره داره سنة بألف‬
‫لجرة في الذمة ‪ ،‬كما إذا أ ّ‬
‫درهم ‪ ،‬جاز تعجيلها وتأجيلها ‪ ،‬كما يجوز تعجيل بعضها وتأجيل‬
‫بعض ‪ ،‬وتقسيطها على الشهور حسب اتفاق المتعاقدين ‪.‬‬
‫فإذا لم ينص في العقد على التعجبل أو التأجيل كانت‬
‫معجلة ‪.‬‬
‫حق استيفاء المنفعة ‪:‬‬
‫علمنا أنه إذا تم عقد الجارة صحيحا ً ملك المستأجر منفعة‬
‫العين المؤجرة ‪ ،‬وبالتالي يثبت له حق استيفائها ‪.‬‬
‫وللمستأجر أن يستوفي المنفعة بنفسه ‪ ،‬كما أن له أن‬
‫يستوفيها بغيره ‪ .‬فإذا استأجر دارا ً كان له أن يسكنها بنفسه‬
‫ومع غيره ‪ ،‬وأن يسكنها غيره ‪ :‬إعارة أو إجارة ‪ .‬فلو شرط‬
‫ح‬
‫المؤجر على المستأجر أن يستوفي المنفعة بنفسه لم تص ّ‬
‫الجارة ‪ ،‬وكان كما لو باعه شيئا ً وشرط عليه أن ل يبيعه ‪ ،‬فل‬
‫يصح عقد البيع ‪.‬‬
‫ويشترط لصحة استيفاء المنفعة بغير المستأجر ‪:‬‬
‫جرة ليستوفي‬
‫‪-1‬‬
‫سّلمت إليه العين المؤ ّ‬
‫ن ٌ‬
‫م ْ‬
‫أن يكون َ‬
‫منفعتها أمينا ً ‪.‬‬
‫‪-2‬‬

‫أن يكون مساويا ً للمستأجر في استيفاء المنفعة ‪ ،‬أو‬

‫أقل منه إضرارا ً بالعين المستأجرة‬

‫‪161‬‬

‫فإذا استأجر دارا ً للسكنى فليس له أن يسلمها لمن‬
‫يستعملها للصناعة أو التجارة ‪.‬‬
‫جره سيارة للركوب ليس له أن يسلمها لمن يستعملها‬
‫وإذا أ ّ‬
‫للحمل ونحوه ‪ ،‬إذا كان ذلك يضّر بها أكثر من الركوب ‪.‬‬
‫من هو أضخم‬
‫وإذا أجّره ثوبا ً لي َل َْبسه ليس له أن ي ُل ْب َ َ‬
‫سه َ‬
‫منه ‪ ،‬وهكذا ‪.‬‬
‫الجارة الفاسدة وُأجرة المثل ‪:‬‬
‫إذا اخت ّ‬
‫ل شرط من شروط الجارة كانت الجارة فاسدة ‪،‬‬
‫ووجب على المستأجر أن يردّ العين المؤجرة إذا كان قد‬
‫استلمها ‪.‬‬
‫فإذا كان قد استوفى منافعها ‪ ،‬أو مضى وقت يمكنه فيه‬
‫الستيفاء ‪ ،‬وجب عليه أجرة المثل كاملة ‪ ،‬سواء أكانت مساوية‬
‫ماة أم أكثر منها أم أقل ‪.‬‬
‫للجرة المس ّ‬
‫وجمهور الحنفية قالوا ‪ :‬ل يزاد بُأجرة المثل على ا ُ‬
‫لجرة‬
‫ماة ‪ ،‬لتفاق المتعاقدين على ح ّ‬
‫ط ما فوقها ‪.‬‬
‫المس ّ‬
‫وكذلك إذا استوفي بعض المنفعة ‪ ،‬ثم ُ‬
‫فسخ العقد لفساده ‪،‬‬
‫وجبت ُأجرة مثل المقدار المستوفى من المنافع وسقط الباقي‬
‫‪.‬‬
‫ومثل المنفعة العين ما إذا كانت الجارة على عمل ‪ ،‬وعمل‬
‫جر عليه أو بعضه ‪ ،‬فإنه يستحق ُأجرة مثل‬
‫الجير العمل المستأ َ‬
‫ما عمل ‪ ،‬ك ُل ّ أو بعضا ً ‪ ،‬على الخلف المذكور ‪.‬‬
‫وُأجرة المثل ‪ :‬هي ا ُ‬
‫لجرة التي يقدرها أهل الخبرة عادة‬
‫لمثل العين المستأجرة أو العمل المستأجر عليه ‪.‬‬
‫لجرة المسماة ‪ :‬هي ا ُ‬
‫وا ُ‬
‫لجرة المتفق عليها بين‬
‫المتعاقدين ‪ ،‬وقد تزيد على أجرة المثل وقد تنقص ‪.‬‬

‫‪162‬‬

‫وإنما وجبت أجرة المثل في الجارة الفاسدة لن الجازة‬
‫مياه من‬
‫بيع المنافع كما علمت ‪ ،‬فإذا فسد العقد كان ما س ّ‬
‫ا ُ‬
‫لجرة غير لزم ‪ ،‬لنه إنما يلزم بالعقد ول عقد ‪ ،‬والمنفعة‬
‫كالعين المبيعة ‪ ،‬فإذا استوفيت وجب بدلها ‪ ،‬وهو أجرة المثل ‪.‬‬
‫ضمان العين المستأجرة ‪:‬‬
‫إن يد المستأجر على العين المستأجرة يد أمانة ‪ ،‬فل يضمن‬
‫ما أصابها من تلف أو تعييب ‪ ،‬سواء أكان ذلك أثناء استيفاء‬
‫المنفعة أم قبلها أم بعدها ‪ .‬وذلك لن قبضة لها قبض بحق ‪ ،‬إذ‬
‫ل يمكن استيفاء المنفعة – التي هي محل العقد في الجارة –‬
‫إل بقبضها ووضع اليد عليها‬
‫وتبقى العين المستأجرة غير مضمونة في يد المستأجر ما دام‬
‫لم يتعدّ في استعمالها أو يقصر في حفظها ‪.‬‬
‫فإذا استأجر دارا ً للسكنى فسكنها ‪ ،‬ثم أصابها حريق – مثل‬
‫– بسبب ما يستعمل عادة في الدار من وسائل الوقود وبدون‬
‫إهمال أو تقصير ‪ ،‬فل يضمن ما نتج من أضرار عن ذلك‬
‫الحريق ‪.‬‬
‫أما لو حدث الحريق بسبب ل يكون عادة في دور السكن ‪،‬‬
‫كما لو استعمل فيها النار لصناعة حدادة ونحو ذلك ‪ ،‬فإنه‬
‫دى بالستعمال حيث استعمل الدار لغير ما‬
‫يضمن ‪ ،‬لنه تع ّ‬
‫استأجرها من اجله ‪.‬‬
‫وكذلك لو نتج الحريق بسبب إهمال أو تقصير ‪ ،‬كما لو ترك‬
‫المدفأة موقدة أثناء النوم ‪ ،‬فنتج عن ذلك حريق ‪ ،‬فإنه يضمن‬
‫ما نتج عن ذلك من أضرار بالدار ‪ ،‬لن تركه لها موقدة أثناء‬
‫النوم تقصير أو إهمال ‪ ،‬ولنه خلف المعتاد لدى الغالبية‬
‫العظمى من الناس ‪ ،‬ولنه منهي عنه شرعا ً أيضا ً ‪ ،‬فإنه ‪ ‬قال‬
‫" ل تتركوا النار في بيوتكم حين تنامون " وبلغه أنه احترق بيت‬
‫‪163‬‬

‫بالمدينة على أهله من الليل ‪ ،‬فقال ‪ " :‬إن هذه النار إنما هي‬
‫عدو لكم ‪ ،‬فإذا نمتم فأطفئوها عنكم " ) البخاري الستئذان ‪،‬‬
‫باب ‪ :‬ل ُتترك النار في البيت عند النوم ‪ ،‬رقم ‪. 5936 ، 5935 :‬‬
‫ومسلم ‪ :‬الشربة ‪ ،‬باب ‪ :‬المر بتغطية الناء وإيكاء السقاء ‪...‬‬
‫وإطفاء السراج والنار عند النوم ‪ ، ....‬ورقم ‪. ( 2016 ، 2015 :‬‬
‫وكذلك لو كان ذلك بسبب ترك وسائل اليقاد في أيدي‬
‫الصغار ونحوهم‪.‬‬
‫ي ضرر يصيب العين المستأجرة بسبب سوء‬
‫وهكذا أ ّ‬
‫الستعمال ‪ ،‬كما لو استأجر سيارة للركوب وأسرع بها في‬
‫السير في الماكن المزدحمة أو الطرقات الوعرة ‪ ،‬فنتج عن‬
‫ذلك ضرر لها ‪.‬‬
‫وكذلك إذا قصر في الحفظ ‪ ،‬كأن يضع العين المستأجرة‬
‫في مكان ل توضع فيه عادة ‪ ،‬كما إذا وضع السيارة في منتصف‬
‫الطريق ‪ ،‬أو مكان غير مأمون دون حراسة ‪ ،‬فإنه يضمن ما‬
‫يطرأ عليها من حوادث ‪ .‬أما لو وضعها في مكان مأمون يعتاد‬
‫الناس وضعها فيه ‪ ،‬ثم أصابها شيء ‪ ،‬فإنه ل يضمنه ‪.‬‬
‫وكذلك يضمن المستأجر العين المؤجرة إذا استعملها بعد‬
‫انتهاء مدة الجارة ‪ ،‬أو لم يستعملها ولكنه لم يخل بينها وبين‬
‫مالكها ‪ .‬أما لم يستعملها ‪ ،‬وأصابها شيء قبل التم ّ‬
‫دها‬
‫كن من ر ّ‬
‫أو التخلية بينها وبين مالكها ‪ ،‬فإنه ل يضمن ‪ ،‬استصحابا ً لما‬
‫كان قبل انتهاء المدة من عدم الضمان ‪.‬‬
‫ضمان الجير ‪:‬‬
‫الجراء نوعان ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬أجير خاص ‪ :‬وهو الذي يتعاقد معه المستأجر علي القيام‬
‫بعمل ما مدةً من الزمن ‪ ،‬يستحق المستأجر نفعه فيها‬
‫جميع الوقت ‪ ،‬ويستحق الجير فيها الجر ولو لم يقم بعمل‬
‫‪164‬‬

‫‪ ،‬أو يتعاقد معه المستأجر ليقوم له بعمل معّين دون أن‬
‫يتقبل عمل ًً آخر لغيره قبل انتهائه ‪ ،‬كالعمال في المعامل ‪،‬‬
‫والجراء في الحوانيت ودور الصناعة كالخياطين وغيرهم ‪،‬‬
‫ممن‬
‫وكذلك الد ّ‬
‫من إلي َ‬
‫هان في البيت والبّناء والنجار ‪ ،‬و َ‬
‫يعملون في حوزة المستأجر أو بحضوره ‪ ،‬فأمثال هؤلء‬
‫الجراء ل يضمنون ما استؤجروا عليه وما تحت أيديهم أو‬
‫تعّيب ‪ ،‬كما إذا تعمد التلف ‪ ،‬أو تساهل وقصر بأسباب‬
‫الحفظ وُأصول العمل ‪ .‬وذلك لن يد المستأجر ثابتة حكما ً‬
‫علي ما استأجر عليه الجير ‪ ،‬وإنما استعان بالجير لشغله‬
‫وتصنيعه ‪ ،‬فصار كالمستعين بالوكيل ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أجير مشترك ‪ :‬وهو الذي يتعاقد معه المستأجر علي عمل‬
‫معين يقوم به ‪ ،‬ويستحق الجر بانتهائه‪ ،‬ويمكن أن يتعاقد‬
‫مع كثيرين علي مثل هذا العمل أو غيره في زمن واحد ‪،‬‬
‫ول يكون عمله غاليا ً في حوزة المستأجر أو حضوره ‪ ،‬وإنما‬
‫يستقل بعمله في منزله أو دكانه أو معمله ‪ ،‬كالخياط‬
‫مال إذا حمل لثنين فأكثر‪ ،‬ومصلحي‬
‫واء والح ّ‬
‫والصّباغ والك ّ‬
‫السيارات ونحو ذلك ‪.‬‬
‫ُ‬
‫ون لدي الفقهاء أحيانا ً ‪:‬‬
‫فهؤلء الجراء أيضا ً ـ ويس ّ‬
‫م ْ‬
‫صّناع ـ ل يضمنون إل بالتعدي ‪ .‬والعين أمانة في يد الجير ‪،‬‬
‫ال ّ‬
‫لنه متطوع بالحفظ إذ ا ُ‬
‫لجرة مقابل العمل ‪ ،‬ولن قبضه للعين‬
‫دي أو قصر ‪.‬‬
‫إنما هو لمصلحة المستأجر ‪ ،‬فل يضمن إل إذا تع ّ‬
‫وذهب أبو يوسف ومحمد ـ من أصحاب أبي حنيفة ـ رحمهم‬
‫الله تعالي إلي ‪ :‬أن الجير المشترك يضمن ما هلك تحت يده ‪،‬‬
‫إل إذا كان الهلك بسبب عام ل يمكن الحتراز عنه كالحريق‬
‫والغرق الغالب ‪ ،‬فإذا كان الهلك أو التلف بسبب يمكن الحتراز‬
‫عنه غالبا ً ‪ ،‬كالسرقة ونحوها ‪ ،‬فإنه يضمن ‪.‬‬
‫‪165‬‬

‫وحجتهم في هذا ‪ :‬الحفاظ علي مصالح الناس ‪ ،‬لن أمثال‬
‫هؤلء ا ُ‬
‫لجراء إذا لم يضمنوا ما تحت أيديهم من الصناعات‬
‫استهانوا بأمتعة المستأجرين وأموالهم ‪ ،‬وتقبلوا أعمال ً تفوق‬
‫إمكاناتهم وقدرتهم علي حفظها ‪ ،‬والناس في حاجة شديدة‬
‫إلي صناعاتهم ‪ ،‬فكانت المصلحة في تضمينهم ‪ ،‬ضرورة حملهم‬
‫علي الحرص والمحافظة علي ما في أيديهم من أموال الناس‬

‫‪1‬‬

‫‪.‬‬
‫ونري أن العمل بهذا هو الرجح في أيامنا هذه ‪.‬‬
‫انتهاء الجارة ‪:‬‬
‫تنتهي الجارة وتنقضي أحكامها بأمور ‪ ،‬هي ‪:‬‬
‫‪ 1‬ـ الفسخ ‪:‬‬
‫عقد الجارة عقد لزم من الطرفين ‪ ،‬أي بعد انعقاده‬
‫صحيحا ً ليس للمؤجر أو المستأجر فسخه متى شاء ‪ ،‬ول يفسخ‬
‫إل بعذر ‪ ،‬وإذا فسخ فقد انتهت الجارة ‪.‬‬
‫ومن العذار التي تنفسخ بها الجارة ‪:‬‬
‫‪-1‬‬

‫هلك العين المؤجرة في إجارة العين ‪ ،‬فإذا استأجر‬

‫دارا ً معينة أو سيارة معينة ‪ ،‬ثم تهدمت الدار أو عطبت‬
‫السيارة استيفاء شيء من المنفعة فقد انفسخت الجارة ‪،‬‬
‫لفوات المح ّ‬
‫ل المعقود عليه ‪.‬‬
‫ومثل تلف العين تعيبها بحيث يتعذر استيفاء المنفعة‬
‫المقصودة منها ‪ .‬فإذا حصل التلف أو العيب بعد استيفاء شئ‬
‫من المنفعة ‪ :‬انفسخت الجارة بالنسبة للمستقبل من حين‬
‫الهلك ‪ ،‬ويستحق المؤجر أجرة ما استوفي من المنفعة‬
‫بقسطه من الجرة المتفق عليها في العقد ‪.‬‬

‫‪ 1‬انظر المسألة مفصلة بأدلتها لدى المذاهب الفقهية في كتاب ) أثر الدلة المختلف فيها في الفقه السلمي ( للدكتور مصطفى البغا ‪ ،‬ص ‪. 71‬‬

‫‪166‬‬

‫فإذا كانت الجارة إجارة ذمة ‪ ،‬كما إذا استأجره ليوصله‬
‫بسيارة موصوفة في الذمة إلي مكان كذا ‪ ،‬فأحضر سيارة ثم‬
‫عطبت أو تعيبت ‪ ،‬فإن الجارة ل تنفسخ ‪ ،‬بل علي المؤجر أن‬
‫يأتي ببدلها ‪ ،‬سواء أكان ذلك قبل استيفاء شيء من المنفعة أم‬
‫بعد استيفاء بعض منها ‪ ،‬لن المعقود عليه لم يفت بهلك‬
‫السيارة المحضرة ‪ ،‬لن العقد لم يرد علي سيارة معينة ‪ ،‬وإنما‬
‫علي سيارة موصوفة في الذمة ‪ ،‬فيمكن استبدالها ‪.‬‬
‫ومثل العين المستأجرة في كل ما سبق ‪ :‬الجير ‪ ،‬فإذا‬
‫اسـتأجر شخصا ً معينا ً ليقوم بعمل ‪ ،‬ثم مات أو مرض مرضا ً‬
‫يتعذر معه القيام بالعمل المستأجر عليه ‪ ،‬انفسخت الجارة ‪.‬‬
‫من يعمل فحصل الموت أو‬
‫وإذا كانت إجارة ذمة ‪ ،‬فأحضر له َ‬
‫المرض ‪ ،‬لم تنفسخ الجارة ‪ ،‬لن استيفاء المنفعة يمكن أن‬
‫يكون بغيره ‪.‬‬
‫ب – عدم تسليم العين المؤجرة في المدة ‪ :‬إذا كانت الجارة‬
‫إجارة عين ‪ ،‬وكانت المنفعة محددة بمدة من الزمن ‪،‬‬
‫وانقضت تلك المدة ولم يسلم المؤجر العين المؤجر ة ‪،‬‬
‫فقد انفسخت الجارة لفوات المعقود عليه قبل قبضه ‪.‬‬
‫جر ما‬
‫وكذلك إذا كانت الجارة إجارة ذمة ‪ ،‬ولم ُيحضر المؤ ّ‬
‫ُتستوفي منه المنفعة في الوقت المتفق عليه ‪ .‬فإذا لم ُيحدد‬
‫وقت لستيفاء المنفعة ولم يتعلق به غرض أصلي للمستأجر ‪،‬‬
‫جر ما ُتستوفي منه المنفعة حتى مضي وقت‬
‫ولم ُيحضر المؤ ّ‬
‫يمكن استيفاؤها فيه ‪ ،‬فل فسخ ول انفساخ ‪ ،‬لنه دين تأخر‬
‫وفاؤه ‪.‬‬
‫ي‬
‫فإذا سلم المؤجر العين المؤجرة أو أحضرها بعد مض ّ‬
‫بعض مدة الجارة الفسخ العقد فيما مضي ‪ ،‬وكان المستأجر‬
‫بالخيار فيما بقي ‪.‬‬
‫‪167‬‬

‫وإذا كانت المنفعة محددة بعمل ‪ ،‬وتأخر تسليم العين حتى‬
‫مضي وقت يمكن فيه إنجاز العمل ‪ ،‬لم تنفسخ الجارة ‪ ،‬لن‬
‫العقد تعلق بالمنفعة ل بالزمن ‪ ،‬فلم يتعذر الستيفاء حتى‬
‫تنفسخ الجارة ‪.‬‬
‫ما ل تنفسخ به الجارة ‪:‬‬
‫أ – ل تنفسخ الجارة بخروج العين المؤجرة من ملك المؤجر ‪،‬‬
‫كما إذا أجر دارا ً ثم وهبها أو باعها ‪ ،‬لن عقد الجارة يرد‬
‫علي المنفعة فل يمنع بيع الرقبة ‪ .‬وتنتقل ملكية العين‬
‫حين عقد البيع أو الهبة إلي المشتري أو الموهوب له دون‬
‫المنفعة ‪ ،‬لن البائع أو الواهب ما كان يملكها حين العقد ‪.‬‬
‫وتبقي في يد المستأجر إلي انتهاء مدة الجارة ‪ ،‬ولكن‬
‫يثبت للمشتري الخيار إن كان يجهل الجارة ‪ ،‬أو كان‬
‫يعلمها ويجهل مدتها ‪.‬‬
‫ب – وكذلك ل تنفسخ الجارة بموت أحد المتعاقدين المؤجر أو‬
‫المستأجر ول بموتهما ‪ ،‬بل تبقي إلي انقضاء المدة ‪ ،‬لنها‬
‫عقد لزم فل ينفسخ بالموت كالبيع ‪ ،‬ويخلف المستأجَر في‬
‫استيفاء المنفعة وارُثه ‪.‬‬
‫جـ ‪ -‬وكذلك ل تنفسخ الجارة بعذر طرأ في غير المعقود عليه ‪:‬‬
‫ كما أجر سيارة وهو سائق لها ‪ ،‬فمرض وعجز عن الخروج‬‫مع المستأجر ‪ ،‬لنه يمكن استيفاء منفعة العين المؤجرة‬
‫بغيره ‪.‬‬
‫ وكذلك لو استأجر سيارة للسفر عليها ‪ ،‬ثم مرض المستأجر‬‫وتعذر عليه السفر ‪ ،‬أو استأجر دارا ً للسكني ‪ ،‬ثم اضطر إلي‬
‫السفر ‪.‬‬

‫‪168‬‬

‫‪ 2‬ـ استيفاء المنفعة المعقود عليها ‪:‬‬
‫ينتهي عقد الجارة حكما ً باستيفاء المنفعة المعقود‬
‫عليها ‪ :‬فإن كانت مقدرة بعمل انتهت الجارة بإتمام العمل ‪،‬‬
‫درة بزمن انتهت الجارة بمضي ذلك الزمن ‪.‬‬
‫وإن كانت مق ّ‬
‫فإذا استعمل المستأجر العين المؤجرة بعد انتهاء الجارة‬
‫وجب عليه ُأجرة المثل ‪ ،‬مقابل ما استوفاه من المنفعة بعد‬
‫استيفاء المعقود عليه ‪ ،‬وكان ضامنا ً للعين المؤجرة ‪ ،‬لنه تعدي‬
‫باستعمالها بغير عقد ‪.‬‬
‫وكذلك إن استأجر أرضا ً مدة لزراعة معينة ‪ ،‬وانقضت المدة‬
‫ولم يستحصد الزرع ‪ ،‬فإنه ل ُيجبر علي قلعه ‪ ،‬لما في ذلك من‬
‫ضرر عليه ‪ ،‬وإنما يجب عليه ُأجرة المثل للمدة التي شغل بها‬
‫الرض بعد انتهاء مدة الجارة ‪ ،‬ولكنه ل يكون ضامنا ً الرض ‪،‬‬
‫لنه لم يكن متعديا ً بالستعمال ‪.‬‬

‫الخيارات في عقد الجارة‬

‫‪ 1‬ـ خيار المجلس وخيار الشرط ‪ :‬ل يثبت في عقد الجارة‬
‫خيار المجلس ول خيار الشرط ‪ ،‬لن عقد الجارة من عقود‬
‫الغرر ‪ ،‬لنها عقد علي معدوم ‪ ،‬وهي المنافع ‪ ،‬فإنها معدومة‬
‫عند العقد ‪ ،‬وإنما شرعت تيسيرا ً لحاجة الناس إليها ‪.‬‬
‫والخيار أيضا ً غرر ‪ ،‬فل يكون فيها ‪ ،‬لنه يصير عندئذ ضم غرر‬
‫ح التعاقد حال وجود الغرر الكثير ‪.‬‬
‫إلي غرر ‪ ،‬ول يص ّ‬
‫‪ 2‬ـ خيار العيب ‪ :‬أما خيار العيب فإنه يثبت في إجارة العين ‪،‬‬
‫فإذا حدث عيب بالعين المؤجرة ‪ ،‬وأّثر في منفعتها تأثيرا ً يظهر‬
‫في تفاوت ُأجرتها حال كونها سليمة وحال كونها معيبة بذلك‬
‫العيب ‪ ،‬كما لو استأجر أرضا ً للزراعة فانقطع ماؤها ‪ ،‬أو سيارة‬
‫جر إلي إصلح ذلك‬
‫للركوب فعطبت عجلتها ولم يبادر المؤ ّ‬
‫العيب ‪ ،‬كان المستأجر بالخيار بين إمضاء الجارة أو فسخها ‪،‬‬
‫‪169‬‬

‫ول شيء عليه حال الفسخ إن كان قبل مضي شيء من‬
‫الوقت ‪ ،‬فإن كان بعد مضي شيء من الوقت لمثله ُأجرة ‪ :‬ثبت‬
‫عليه قسطه من الجرة المسماة في العقد ‪.‬‬
‫ول يثبت خيار العيب في إجارة الذمة ‪ ،‬فإذا أحضر المؤجر‬
‫عينا ً ُتستوفي منها المنفعة المعقود عليها في الذمة ‪ ،‬ثم تعّيبت‬
‫تلك العين المحضرة ‪ ،‬وجب علي المؤجر أن ُيحضر بدلها ‪ ،‬لن‬
‫المعقود عليه في الذمة م ّ‬
‫قيد بوصف السلمة ‪ ،‬وما أحضره غير‬
‫سليم ‪ ،‬فإذا لم يرض به المستأجر رجع إلي ما في الذمة ‪ ،‬فل‬
‫ينفسخ عقد الجارة‪.‬‬

‫اختلف المؤجر والمستأجر في‬
‫دعوي الرد أو التلف‬

‫أ ـ دعوي التلف ‪ :‬إذا تلفت العين المؤجرة أو تعّيبت في يد‬

‫المستأجر ‪ ،‬وادعي المستأجر أنه لم يتعدّ بذلك ‪ ،‬وإنما حدث‬
‫بآفة سماوية أي بسبب قهري خارج عن إرادته ‪ ،‬أو حدث بسبب‬
‫د‬
‫دعي المؤجر أن ذلك حصل بتع ّ‬
‫الستعمال المأذون به عادة ‪ ،‬وا ّ‬
‫من المستأجر ‪ ،‬من تجاوز في الستعمال أو تفريط وعدم حفظ‬
‫للعين المؤجرة‪.‬‬
‫دق بيمينه ‪ ،‬لن‬
‫فالذي ُيقبل قوله هو المستأجر ‪ ،‬فُيص ّ‬
‫دعي عدمه ‪ ،‬والصل‬
‫دي والمستأجر ينكره وي ّ‬
‫دعي التع ّ‬
‫المؤجر ي ّ‬
‫عدم التعدي وبراءة الذمة من الضمان ‪ ،‬فالقول قول مدعي‬
‫الصل بيمينه ‪.‬‬
‫ب ـ دعوي الرد ‪ :‬وإذا اختلف المؤجر والمستأجر ‪ :‬فادعي‬
‫المستأجر أنه ردّ العين المستأجرة إلي المؤجر ‪ ،‬وأنكر ذلك‬
‫ي ‪ .‬فيقبل قول المؤجر‬
‫المؤجر فقال ‪ :‬إنك لم تر ّ‬
‫دها عل ّ‬
‫بيمينه ‪ ،‬لن المستأجر قبض العين المؤجرة لمنفعته ‪ ،‬والصل‬
‫دعيه ‪ ،‬فالقول قول المنكر بيمينه ‪،‬‬
‫عدم الرد ‪ ،‬والمستأجر ي ّ‬
‫‪170‬‬

‫دعي الصل وهو عدم‬
‫فُيقبل قول المؤجرة ‪ ،‬لنه ينكر الرد وي ّ‬
‫الرد‪.‬‬

‫‪171‬‬

172

‫الجعالـــة‬
‫تعريفها ‪:‬‬
‫الجعالة – في اللغة – بفتح الجيم وكسرها وضمها ‪ ،‬وهي‬
‫اسم لما يجعله النسان لغيره على شيء يفعله ‪ ،‬ويقال لها‬
‫عل وجعيلة ‪.‬‬
‫ج ْ‬
‫ُ‬
‫عين ‪ ،‬معلوم أو‬
‫وشرعا ً ‪ :‬هي التزام عوض معلوم على عمل م ّ‬
‫مجهول ‪ ،‬بمعين أو مجهول ‪ .‬أي يحصل هذا العمل من عامل‬
‫معين أو مجهول ‪ ،‬وسيتضح لنا معنى التعريف عند الكلم عن‬
‫أركانها ‪.‬‬

‫مشروعيتها ‪:‬‬

‫الجعالة مشروعة ‪ ،‬وقد د ّ‬
‫ل على مشروعيتها ‪ :‬ما رواه أبو‬

‫سعيد الخدري رضي الله عنه قال ‪ :‬انطلق نفر من أصحاب‬
‫ي من أحياء‬
‫النبي ‪ ‬في سفرة سافروها ‪ ،‬حتى نزلوا على ح ّ‬
‫وا أن يضّيفوهم ‪ ،‬فُلدغ سيد ذلك‬
‫العرب ‪ ،‬فاستضافوهم فأب َ ْ‬
‫ي ‪ ،‬فسعوا له بكل شيء ل ينفعه شيء ‪ ،‬فقال بعضهم ‪ :‬لو‬
‫الح ّ‬
‫أتيتم هؤلء الرهط الذين نزلوا ‪ ،‬لعله أن يكون عند بعضهم‬
‫عْينا‬
‫وهم فقالوا ‪ :‬يا أيها الرهط ‪ ،‬إن سيدنا لدغ ‪ ،‬وس َ‬
‫شيء ‪ ،‬فأت َ ْ‬
‫له بكل شيء ل ينفعه ‪ ،‬فهل عند أحد منكم من شيء ؟ فقال‬
‫بعضهم ‪ :‬نعم والله إني لرقي ‪ ،‬ولكن والله لقد استضفناكم‬
‫ق لكم حتى تجعلوا لنا جعل ً ‪.‬‬
‫فلم يضّيفونا ‪ ،‬فما أنا برا ٍ‬
‫فصالحوهم على قطيع من الغنم ‪ ،‬فانطلق يتفل عليه ويقرأ ‪) :‬‬
‫الحمد لله رب العالمين ( فكأنما نشط من عقال ‪ ،‬فانطلق‬
‫يمشي وما به قلبة ‪ .‬قال ‪ :‬فأو َ‬
‫وهم جعلهم الذي صالحوهم‬
‫ف ْ‬
‫عليه ‪ ،‬فقال بعضهم ‪ :‬اقسموا ‪ ،‬فقال الذي رقى ‪ :‬ل تفعلوا‬
‫حتى نأتي النبي ‪ ‬فنذكر له الذي كان ‪ ،‬فننظر ما يأمرنا ‪.‬‬
‫‪173‬‬

‫فقدموا على رسول الله ‪ ‬فذكروا له ‪ ،‬فقال ‪" :‬وما يدريك‬
‫أنها رقية ؟! " ‪ .‬ثم قال ‪ " .‬قد أصبتم ‪ ،‬اقسموا واضربوا لي‬
‫معكم سهما ً " فضحك رسول الله ‪ ) . ‬البخاري الجارة ‪ ،‬باب ‪:‬‬
‫ما ُيعطى في الرقية ‪ , ..‬رقم ‪ . 2156 :‬مسلم ‪ :‬السلم ‪ ،‬باب ‪:‬‬
‫جواز أخذ ا ُ‬
‫لجرة على الرقية ‪ ، ...‬رقم ‪. ( 2201 :‬‬
‫عل ‪.‬‬
‫ج ْ‬
‫فقوله ‪ ‬تقرير لفعلهم ‪ ،‬وهو دليل على مشروعية ال ُ‬
‫] فلدغ ‪ :‬لسعته حية أو عقرب ‪ .‬الرهط ‪ :‬جماعة الرجال ما‬
‫دون العشرة ‪ .‬لرقى ‪ :‬من الرقية ‪ ،‬وهي كل كلم ُيستشفى به‬
‫من وجع أو غيره ‪ .‬جعل ً ‪ :‬عطاءً على ما أفعله ‪ .‬فصالحوهم ‪:‬‬
‫اتفقوا معهم ‪ .‬قطيع ‪ :‬قبل القطيع ثلثون من الغنم ‪ .‬يتفل ‪:‬‬
‫ينفخ مع بصاق قليل ‪ .‬نشط من عقال ‪ُ :‬‬
‫فك من حبل كان‬
‫مشدودا ً به ‪َ .‬‬
‫قل ََبة ‪ :‬علة ‪ .‬اضربوا لي ‪ :‬اجعلوا لي منه نصيبا ً [ ‪.‬‬
‫قاُلوا ْ ن َ ْ‬
‫واستؤنس لها بقوله تعالى ‪َ ) :‬‬
‫من‬
‫وا َ‬
‫ف ِ‬
‫مل ِ ِ‬
‫ول ِ َ‬
‫ع ال ْ َ‬
‫قدُ ُ‬
‫ك َ‬
‫ص َ‬

‫عير َ‬
‫م ُ‬
‫م ( ) يوسف ‪ . ( 72 :‬فهو وإن‬
‫ه َز ِ‬
‫ه ِ‬
‫وأن َا ْ ب ِ ِ‬
‫جاء ب ِ ِ‬
‫َ‬
‫عي ٌ‬
‫ح ْ‬
‫ل بَ ِ ٍ َ‬
‫كان ورد في شرع من قبلنا ‪ ،‬فقد جاء في شرعنا ما يقرره ‪،‬‬

‫كما علمت من الحديث السابق ‪ ،‬فُيستأنس به للمشروعية ‪ ،‬وإن‬
‫كان ل يعتبر دليل ً ‪.‬‬
‫صواع ‪ :‬مكيال خاص ‪ .‬زعيم ‪ :‬ضامن وكفيل [ ‪.‬‬
‫] ُ‬

‫حكمتها ‪:‬‬
‫وحكمة مشروعيتها أن الحاجة داعية إلى مثل ذلك ‪ ،‬فقد‬
‫ده‬
‫يفقد النسان شيئا ً ول يجد من يتطوع له بالبحث عنه ور ّ‬
‫ح الجارة عليه للجهالة فيه ‪،‬‬
‫عليه ‪ ،‬وقد يعجز عن عمل ل تص ّ‬
‫عل يلتزمه ‪،‬‬
‫ج ْ‬
‫من يقوم به على ُ‬
‫فيستعين على تحصيل ذلك ب َ‬
‫ف ُ‬
‫شرعت تحقيقا ً لهذه المصلحة وتلبية لتلك الحاجة ‪.‬‬

‫أركانها ‪:‬‬

‫لها أربعة أركان ‪ :‬عاقدان ‪ ،‬وصيغة ‪ ،‬وعمل ‪ ،‬وعوض ‪.‬‬
‫‪174‬‬

‫‪-1‬‬

‫العاقدان ‪ :‬وهما ‪:‬‬

‫* الجاعل ‪ :‬صاحب العمل الذي يلتزم بالجعل ‪ ،‬وُيشترط‬
‫فيه أن يكون مكلفا ً أي بالغا ً عاقل ً رشيدا ً ‪.‬‬
‫* والعامل ‪ :‬وهو الذي يقوم بالعمل ‪ ،‬ويستحق الجعل‬
‫د‬
‫من ر ّ‬
‫عليه ‪ .‬ول ُيشترط أن يكون م ّ‬
‫عينا ً ‪ ،‬كأن يقول ‪َ :‬‬
‫علي سيارتي فله كذا ‪ ،‬ولنه قد يكون له عمل يحتاج‬
‫إلى إنجازه ‪ ،‬ول يعرف من يقوم به ‪ ،‬فجاز أن يجعل‬
‫جعل ً لمن يقوم به ولو كان مجهول ً ‪.‬‬
‫‪-2‬‬

‫الصيغة ‪ :‬وهي لفظ يدل على الذن في العمل‬

‫من ردّ علي‬
‫المطلوب بعوض ملتزم ‪ ،‬كقول الجاعل ‪َ :‬‬
‫ت‬
‫سيارتي – مثل ً – فله كذا ‪ .‬أو أن يقول لطبيب ‪ :‬إن عالج َ‬
‫مريضي فبرأ فلك كذا ‪ ،‬أو أن يقول لمعّلم ‪ :‬إن عّلمت‬
‫ولدي القراءة والكتابة فلك كذا ‪ ،‬ونحو ذلك ‪.‬‬
‫عينا ً ‪ ،‬لنها‬
‫ل ُيشترط قبول من يقوم بالعمل ‪ ،‬ولو كان م ّ‬
‫تجوز من إبهام العامل وجهالته ‪ ،‬فيكفي العمل ‪.‬‬
‫‪-3‬‬

‫العمل ‪ :‬وهو ما شرطه صاحب المال لستحقاق الجعل‬

‫ي ‪ ،‬أو معالجة مريض ‪ ،‬وما إلى‬
‫‪ ،‬من ردّ ضالة ‪ ،‬أو تعليم صب ّ‬
‫ذلك ‪.‬‬
‫ول ُيشترط أن يكون العمل معلوما ً كالمنفعة في‬
‫ح الجعالة‬
‫دد بعمل أو زمن ‪ ،‬فتص ّ‬
‫الجارة ‪ ،‬التي قد علمنا أنها تح ّ‬
‫دد بفعل أو زمن ‪ ،‬فقد‬
‫ولو كان العمل مجهول ً ‪ ،‬أي غير مح ّ‬
‫يستغرق ردّ الضالة أو تعليم الصبي – مثل ً – زمنا ً طويل ً أو‬
‫قصيرا ً ‪ ،‬وقد يكلفه الكثير من الجهد وقد ل يكلفه ‪ ،‬فكل ذلك‬
‫جهالة في العمل ‪ ،‬وهي مغتفرة للحاجة إلى ذلك ‪.‬‬
‫‪-4‬‬

‫العوض ‪ :‬وهو ما يلتزمه صاحب المال للعامل ‪،‬‬

‫ويشترط أن يكون معلوما ً ‪ ،‬لنه عقد معاوضة ‪ ،‬فل تجوز‬
‫‪175‬‬

‫بعوض مجهول ‪ .‬فلو شرط جعل ً مجهول ً كان العقد فاسدا ً ‪،‬‬
‫فإذا قام العامل بالعمل استحق ُأجرة المثل ‪ ،‬لن كل عقد‬
‫وجب المسمى والمعين في صحيحه وجب المثل في‬
‫فاسده ‪.‬‬

‫أحكامها ‪:‬‬
‫دة ‪ ،‬وهي ‪:‬‬
‫للجعالة أحكام ع ّ‬
‫‪-1‬‬

‫هي عقد جائز أي غير لزم ‪ ،‬بل هو قابل للفسخ من‬

‫صاحب العمل متى شاء ‪ ،‬كما أن للعامل أن يرجع عن عمله‬
‫من شاء ‪ ،‬رضي الطرف الخر أو لم يرض ‪ ،‬علم بذلك أو لم‬
‫يعلم ‪ .‬وذلك لنها عقد على عمل مجهول بعرض ‪ ،‬فجاز‬
‫لكل واحد من المتعاقدين فسخه ‪.‬‬
‫فإن فسخه العامل لم يستحق شيئا ً ‪ ،‬ولو قام بشيء من‬
‫العمل ‪ ،‬لنه ل يستحق الجعل إل بالفراغ من العمل – كما‬
‫ستعلم – وقد تركه ‪ ،‬فسقط حقه‪.‬‬
‫وإن فسخ صاحب العمل ‪ :‬فإن كان قبل الشروع بالعمل لم‬
‫يلزمه شيء‪ ،‬لنه فسخ قبل أن يستهلك شيئا ً من منفعة العامل‬
‫‪ ،‬فلم يلزمه شيء‪ .‬وإن كان بعد الشروع بالعمل لزمه أجرة‬
‫مل ‪ ،‬لنه استهلك شيئا ً من منفعته بشرط‬
‫المثل لمل ُ‬
‫ع ِ‬
‫العوض ‪ ،‬فلزمته ُأجرته ‪.‬‬
‫‪-2‬‬

‫ل يستحق الجعل إل بإذن صاحب العمل ‪ ،‬كأن يقول ‪:‬‬

‫من وجد لي ضاّلتي الفلنية فله كذا ‪ .‬فإذا عمل عامل‬
‫َ‬
‫بدون إذن لم يستحق شيئا ً ‪ ،‬كما إذا وجد إنسان ضالة لخر‬
‫دها عليه ‪ ،‬أو عّلم ولده دون إذن منه ‪ ،‬لنه بذل منفعته‬
‫فر ّ‬
‫من غير عوض ‪ ،‬فلم يستحقه ‪.‬‬

‫‪176‬‬

‫فإن أذن له بالعمل ولم يشرط له جعل ً ‪ :‬فالمذهب أنه ل‬
‫يستحق شيئًا‪ ،‬وقيل ‪ :‬تلزمه ُأجرة مثل عمله ‪ ،‬إن كان العامل‬
‫معروفا ً أنه يقوم بمثل هذا العمل با ُ‬
‫لجرة ‪.‬‬
‫وإن أذن لشخص بالعمل ‪ ،‬فعمل غيره فل شي له ‪ ،‬وإن كان‬
‫معروفا ً بالقيام بهذا العمل بعوض ‪ ،‬لنه لم يلتزم له بعوض ‪،‬‬
‫فوقع عمله تبرعا ً ‪.‬‬
‫‪-3‬‬

‫ل يستحق العامل الجعل إل بالفراغ من العمل ‪ ،‬كالبرء‬

‫من المرض إن كان الجعل على الشفاء ‪ ،‬أو الحذق‬
‫بالقراءة والكتابة إن كان على التعليم مثل ً ‪ ،‬أو تسليم‬
‫دها ‪ ،‬وهكذا ‪.‬‬
‫الضالة إن كان على ر ّ‬
‫وإن اشترك في العمل أكثر من واحد اشتركوا في الجعل‬
‫بالتساوي وإن تفاوت عملهم ‪ ،‬لن العمل ل ينضبط حتى يوّزع‬
‫الجعل بنسبة ما قام به كل منهم ‪.‬‬
‫‪-4‬‬

‫تجوز الزيادة والنقص في الجعل قبل الفراغ من‬

‫العمل ‪ ،‬فلو قال لشخص ‪ :‬اعمل كذا ولك عشرة ‪ ،‬ثم‬
‫قال ‪ :‬اعمله ولك عشرون أو ‪ :‬ولك خمسة لزمه بالفراغ‬
‫منه ما قاله أخيرا ً من العشرين أو الخمسة ‪ ،‬إن كان قاله‬
‫قبل الشروع بالعمل ‪ ،‬وقد علم به العامل إن كان معينا ً ‪،‬‬
‫أو أعلنه صاحب العمل إن كان العامل غير معين ‪.‬‬
‫وإن كان ذلك بعد الشروع بالعمل وجبت ُأجرة المثل‬
‫للعامل ‪ ،‬لن اللتزام الثاني فسخ للول ‪ ،‬والفسخ أثناء العمل‬
‫يقتضي الرجوع إلى ُأجرة المثل ‪.‬‬
‫وكذلك الحال إذا كان قبل الشروع ولم يعلم به العامل‬
‫المعين ‪ ،‬أو لم يعلنه الملتزم ‪ ،‬استحق ُأجرة المثل على‬
‫الراجح ‪.‬‬

‫‪177‬‬

‫‪-5‬‬

‫إذا اختلف العامل وصاحب المال ‪ :‬فإن اختلفا في‬

‫شرط الجعل ‪ :‬فقال العامل شرطت جعل ً على هذا العمل ‪،‬‬
‫وقال صاحب المال ‪ :‬لم أشرط ‪ ،‬فيقبل قول صاحب المال‬
‫دعى عليه‬
‫بيمينه ‪ ،‬لن الصل عدم الشرط ‪ ،‬ولن العامل ي ّ‬
‫الضمان واللتزام ‪ ،‬والصل عدمه ‪ ،‬والقول المعتبر هو‬
‫من يتمسك بالصل مع يمينه ‪.‬‬
‫قول َ‬
‫و‬

‫كذلك لو اختلفا في العمل الذي شرط له الجعل ‪ :‬كأن‬

‫يقول صاحب المال ‪ :‬شرطت الجعل لردّ سيارتي الضائعة ‪،‬‬
‫ويقول العامل ‪ :‬بل شرطته لرد متاعك الفلني الضائع ‪ .‬أو‬
‫اختلفا فيمن قام بالعمل ‪ :‬فقال زيد من الناس ‪ :‬أنا الذي قمت‬
‫بهذا ‪ ،‬وقال صاحب العمل ‪ :‬بل قام به فلن غيرك‪.‬‬
‫دق صاحب العمل بيمينه ‪ ،‬لن العامل‬
‫ففي الصورتين ُيص ّ‬
‫دعي‬
‫يدعى عليه شرط الجعل في عقد الصل عدمه ‪ ،‬كما أنه ي ّ‬
‫عليه شغل ذمته ‪ ،‬والصل براءة ذمته ‪.‬‬
‫وإن اختلفا في قدر الجعل أو صفته أو جنسه ‪ ،‬كأن قال‬
‫العامل ‪ :‬شرطت لي ألف درهم ‪ ،‬فقال صاحب المال ‪ :‬بل‬
‫شرطت خمسمائة ‪ ،‬أو قال‪ :‬شرطت عشرة دنانير ‪ ،‬فقال ‪ :‬بل‬
‫عشرة دراهم ‪ ،‬ونحو ذلك ‪ ،‬تحالفا ‪ ،‬أي حلف كل منهما على‬
‫إثبات قوله ونفي قول الخر ‪ .‬فإذا حلفا تساقطت أقوالهما ‪،‬‬
‫واستحق العامل أجرة المثل ‪.‬‬
‫وكذلك لو اختلفا في العمل ‪ :‬فقال العامل ‪ :‬شرطت لي‬
‫كذا على هذا العمل وحده ‪ ،‬وقال صاحب العمل ‪ :‬بل شرطته‬
‫على هذا العمل وذاك ‪.‬‬

‫ما تختلف به الجعالة عن الجارة ‪:‬‬
‫تختلف الجعالة عن الجارة من أوجه هي ‪:‬‬

‫‪178‬‬

‫‪-1‬‬

‫جواز الجعالة على عمل مجهول ‪ ،‬بينما ل تصح الجارة‬

‫إل على عمل معلوم ‪.‬‬
‫‪-2‬‬

‫ح الجارة مع‬
‫ح الجعالة مع عامل غير معّين ‪ ،‬ول تص ّ‬
‫تص ّ‬

‫مجهول ‪.‬‬
‫‪-3‬‬

‫في الجارة ل بدّ من قبول الجير القائم بالعمل ‪،‬‬

‫وفي الجعالة ل يشترط قبول العامل ‪.‬‬
‫‪-4‬‬

‫في الجعالة ل يستحق الجعل إل بالفراغ من العمل ‪،‬‬

‫ولو شرط تعجيله فسد العقد ‪ .‬وفي الجارة له أن يشرط‬
‫تعجيل الجرة ‪.‬‬
‫‪-5‬‬

‫الجعالة عقد جائز كما علمنا ‪ ،‬بينما الجارة عقد لزم ‪،‬‬

‫ليس لحدهما أن يفسخه إل برضا الخر ‪.‬‬

‫‪179‬‬

‫الصـــــلح‬
‫تعريفه‪:‬‬
‫هو – في اللغة – قطع النزاع والتوفيق بين الخصوم‬
‫وإحلل السلم بينهم ‪.‬‬
‫وشرعا ً ‪ :‬عقد يحصل به التوفيق ورفع النزاع ‪.‬‬

‫مشروعيته ‪-:‬‬

‫الصلح جائز ومشروع ‪ ،‬وربما كان مندوبا ً إليه ‪ ،‬وقد وصفه‬

‫خي ٌْر { ) النساء ‪( 128 :‬‬
‫ح َ‬
‫صل ْ ُ‬
‫القرآن بأنه خير ‪ ،‬قال تعالى ‪ }:‬وال ّ‬
‫وذلك دليل على مشروعيته ‪ ،‬لن كل ما كان خيرا ً فهو‬
‫مشروع ‪ ،‬وكل ما كان شرا ً فهو في شرع الله تعالى ممنوع ‪.‬‬
‫َ‬
‫مَر‬
‫وقال تعالى ‪} :‬ل ّ َ‬
‫وا ُ‬
‫خي َْر ِ‬
‫من ن ّ ْ‬
‫م ْ‬
‫نأ َ‬
‫م إ ِل ّ َ‬
‫ه ْ‬
‫ر ّ‬
‫ج َ‬
‫في ك َِثي ٍ‬
‫َ‬
‫ق َ‬
‫ل ذَل ِ َ‬
‫من ي َ ْ‬
‫ع ْ‬
‫غاء‬
‫ك اب ْت َ َ‬
‫صدَ َ ٍ‬
‫ف َ‬
‫عُرو ٍ‬
‫م ْ‬
‫ح ب َي ْ َ‬
‫و َ‬
‫و َ‬
‫و إِ ْ‬
‫بِ َ‬
‫س َ‬
‫فأ ْ‬
‫ةأ ْ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫صل َ ٍ‬
‫ؤِتي َ‬
‫ه َ‬
‫ظيما ً { ) النساء‪(114 :‬‬
‫جرا ً َ‬
‫و َ‬
‫مْر َ‬
‫ع ِ‬
‫ف نُ ْ ِ‬
‫ت الل ّ ِ‬
‫ضا ِ‬
‫هأ ْ‬
‫ف َ‬
‫َ‬
‫س ْ‬
‫] نجواهم ‪ :‬حديث الناس وكلمهم [‬
‫وستأتي أدلة ُأخرى من القرآن على مشروعيته ‪.‬‬
‫وقد تثبتت مشروعيته أيضا ً في السنة ‪.‬‬
‫روى عمرو بن عوف المزني رضي الله عنه ‪ :‬أن النبي ‪‬‬
‫قال ‪ )) :‬الصلح جائز بين المسلمين ‪ ،‬إل صلحا ً أحل حراما ً أو‬
‫حرم حلل ً (( ‪ .‬أخرجه الترمذي في أبواب الحكام ‪ ،‬باب ‪ :‬ما ذكر‬
‫عن رسول الله ‪ ‬في الصلح بين الناس ‪ ،‬رقم ‪ .1352‬وأبو‬
‫داود في القضية ‪ ،‬باب ‪ :‬الصلح رقم ‪ .3594:‬وابن ماجه في‬
‫الحكام ‪ ،‬باب ‪ :‬في الصلح ‪ ،‬رقم ‪.(2353‬‬
‫ص المسلمون بالذكر لنهم المقصودون غالبا ً في‬
‫و ُ‬
‫خ َ‬
‫الخطاب ‪ ،‬ولنهم ألكثر انقيادا ً لشرع الله تعالى ‪ ،‬وإل فغير‬
‫المسلمين في هذا كالمسلمين ‪.‬‬
‫‪180‬‬

‫وقد أجمع المسلمون في كل العصور على مشروعية الصلح ‪،‬‬
‫دوا الخصوم حتى‬
‫وقد ورد عن عمر رضي الله عنه أنه قال ‪ ) :‬ر ّ‬
‫يصطلحوا ‪ ،‬فإن فصل القضاء يورث الضغائن ( ‪ .‬قال ذلك في‬
‫حضور الصحابة رضي الله عنهم ‪ ،‬ولم ينكر عليه أحد منهم ‪،‬‬
‫فكان ذلك إجماعا ً ذلك منهم على مشروعية الصلح ‪.‬‬

‫حكمة مشروعيته ‪:‬‬

‫السلم دين الوحدة وا ُ‬
‫لخوة ‪ ،‬والتعاون والتضامن ‪ ،‬ونبذ‬

‫موا ْ‬
‫وا ْ‬
‫عت َ ِ‬
‫ص ُ‬
‫التفرقة وأسبابها وما يؤدي إليها ‪ ،‬قال تعالى ‪َ ):‬‬
‫فّر ُ‬
‫ول َ ت َ َ‬
‫قوْا( ) آل عمران ‪. (103 :‬‬
‫ج ِ‬
‫ل الل ّ ِ‬
‫ه َ‬
‫بِ َ‬
‫ميعا ً َ‬
‫حب ْ ِ‬
‫ث الناس على أداء الحقوق‬
‫ولذا نجد شرع الله تعالى يح ّ‬
‫لصحابها ‪ ،‬لن الخلل بذلك هو الغالب في إثارة الخصومة‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫كم ب َي ْن َ ُ‬
‫وال َ ُ‬
‫ل‬
‫ول َ ت َأك ُُلوا ْ أ ْ‬
‫كم ِبال َْباطِ ِ‬
‫م َ‬
‫والنزاع ‪ ،‬فقال تعالى ‪َ ) :‬‬
‫َ‬
‫ح ّ‬
‫كام ِ ل ِت َأ ْك ُُلوا ْ َ‬
‫ها إ َِلى ال ْ ُ‬
‫وت ُدُْلوا ْ ب ِ َ‬
‫م ْ‬
‫نأ ْ‬
‫ريقا ً ّ‬
‫وا ِ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫ف ِ‬
‫س ِبال ِث ْم ِ‬
‫ل الّنا ِ‬
‫َ‬
‫ن ( ) البقرة ‪ . (188 :‬وفي موضع آخر قرن بين‬
‫مو َ‬
‫م تَ ْ‬
‫عل َ ُ‬
‫وأنت ُ ْ‬
‫َ‬
‫ذلك وقتل النفس بغير حق ‪ ،‬لنه غالبا ً ما يؤدي إليها ‪ ،‬قال‬
‫تعالى‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ل إ ِل ّ َأن ت َ ُ‬
‫ن‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫كو َ‬
‫)َيا أي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫م ب َي ْن َك ُ ْ‬
‫وال َك ُ ْ‬
‫مُنوا ْ ل َ ت َأك ُُلوا ْ أ ْ‬
‫نآ َ‬
‫م ِبال َْباطِ ِ‬
‫م َ‬
‫ه َ‬
‫قت ُُلوا ْ َأن ُ‬
‫ول َ ت َ ْ‬
‫م‬
‫جاَرةً َ‬
‫كا َ‬
‫م إِ ّ‬
‫تِ َ‬
‫ف َ‬
‫ن ب ِك ُ ْ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫سك ُ ْ‬
‫منك ُ ْ‬
‫ض ّ‬
‫م َ‬
‫عن ت ََرا ٍ‬
‫حيما ً ( ) النساء ‪ (29:‬ورسول الله ‪ ‬يحذر من التباغض‬
‫َر ِ‬
‫والتنازع ‪ ،‬لن نتيجة ذلك التقاتل الذي قد يعود بالناس إلى‬
‫الكفر ‪ ،‬فيقول ‪ )) :‬ل تباغضوا ول تحاسدوا ول تقاطعوا ‪،‬‬
‫وكونوا عباد الله إخوانا ً (( ‪ ،‬ويقول ‪ )) :‬ل ترجعوا بعدي كفارا ً‬
‫يضرب بعضكم رقاب بعض (( ‪.‬‬
‫) البخاري ‪ :‬العلم ‪ ،‬باب ‪ :‬النصات للعلماء ‪ ،‬رقم ‪، 121 :‬‬
‫والدب ‪ ،‬باب ‪ :‬ما ينهي عن التحاسد والتدابر ‪ ،‬رقم ‪.5718‬‬
‫مسلم ‪ :‬اليمان ‪ ،‬باب ‪ :‬بيان معنى قول النبي ‪ )) : ‬ول‬
‫‪181‬‬

‫ترجعوا بعدي كفارا ً ‪ ،..‬رقم ‪ ، 65‬والبر والصلة والداب ‪ ،‬باب ‪:‬‬
‫تحريم التحاسد والتباغض والتدابر ‪ ،‬رقم ‪. ( 2559‬‬
‫ث الناس على ما يمّتن عرى المحبة بينهم ويزيل‬
‫ويح َ‬
‫بواغث الشقاق ‪ ،‬فيحّثهم على التسامح بدل التشاحح ‪ ،‬وعلى‬
‫التواصل بدل التقاطع ‪ ،‬فيقول عليه الصلة والسلم ‪ )) :‬رحم‬
‫الله رجل ً سمحا ً إذا باع وإذا اشترى ‪ ،‬وإذا قضى أقتضى ((‬
‫أحرجة البخاري في البيوع ‪ ،‬باب ‪ :‬السهولة والسماحة في‬
‫الشراء والبيع ‪ ،‬رقم ‪. ( 1970‬‬
‫ولما كان الصلح بين الناس ‪ ،‬والسعي في رفع الخصومات‬
‫من بينهم في طليعة ما يح ّ‬
‫قق الهداف السلمية المشار‬
‫ث عليه وجعله من الخير ‪ -‬بل هو‬
‫إليها ‪ ،‬شرعه السلم وح ّ‬
‫الخير – الذي تتطلع إليه القلوب ‪ ،‬وتهواه النفوس السليمة‬
‫السامية ‪ ،‬التي كانت كبحت جماح الهوى وتغلبت على الشح‬
‫ي من الرغبات ‪ ،‬فكان في‬
‫فيها ‪ ،‬وارتقت فوق المطامع والدن ِ ّ‬
‫ذلك خير ل ُ‬
‫لمة في كل زمان ومكان ‪ ،‬وكل حادثة وحال ‪.‬‬
‫ونجد رسول الله ‪ ‬يبيح للمسلم في سبيل الصلح أن‬
‫يقول كلما ً لم يقل ‪ ،‬طالما ً أنه من شأنه أن يزيل النزاع ويحل‬
‫بدله الوفاق ‪ ،‬فيقول ‪ )) :‬ليس الك ّ‬
‫ن الناس ‪،‬‬
‫صل ُ‬
‫ذا ُ‬
‫ح بي َ‬
‫ب الذي ي ُ ْ‬
‫في َْنمي خْيرا ً ويقول خيرا ً (( ‪ ) .‬البخاري ‪ :‬الصلح ‪ ،‬باب ‪ :‬ليس‬
‫الكاذب الذي يصلح بين الناس ‪ ،‬رقم ‪ .2546 :‬مسلم ‪ :‬البّر‬
‫والصلة والداب ‪ ،‬باب ‪ :‬تحريم الكذب وبيان المباح منه ‪ ،‬رقم ‪:‬‬
‫‪. ( 2605‬‬
‫] ينمي خيرا ً ‪ :‬من نمي الحديث إذا رفعه وبلغه ونقله بين‬
‫المتخاصمين [ ‪.‬‬

‫أنواع الصلح ‪:‬‬
‫الصلح في الشرع أنواع ‪ ،‬وكلها مشروعه ‪ ،‬ومنها ‪:‬‬
‫‪182‬‬

‫‪-1‬‬

‫الصلح بين دولة المسلمين وغيرهم ‪ ،‬قال تعالى ‪:‬‬

‫سل ْم ِ َ‬
‫وك ّ ْ‬
‫ه ( )النفال ‪:‬‬
‫ل َ‬
‫عَلى الل ّ ِ‬
‫جن َ ْ‬
‫فا ْ‬
‫جن َ ُ‬
‫وِإن َ‬
‫ح لَ َ‬
‫حوا ْ ِلل ّ‬
‫وت َ َ‬
‫ها َ‬
‫) َ‬
‫‪ . ( 61‬ومن ذلك صلح الحديبية ‪ ،‬وأمثله كثيرة في سيرته‬
‫‪.‬‬
‫‪-2‬‬

‫الصلح بين أهل العدل من المسلمين وأهل البغي‬

‫وِإن َ‬
‫نا ْ‬
‫طائ ِ َ‬
‫م ْ‬
‫قت َت َُلوا‬
‫ؤ ِ‬
‫ن ِ‬
‫مِني َ‬
‫م َ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫فَتا ِ‬
‫منهم ‪ ،‬قال تعالى ‪َ ) :‬‬
‫َ َ‬
‫ما ( ) الحجرات ‪.(9:‬‬
‫صل ِ ُ‬
‫حوا ب َي ْن َ ُ‬
‫ه َ‬
‫فأ ْ‬
‫الصلح بين الزوجين عند حصول النزاع بينهما ‪ ،‬قال‬
‫‪-3‬‬
‫َ‬
‫فل َ‬
‫عَراضا ً َ‬
‫خا َ‬
‫ها ن ُ ُ‬
‫مَرأ َةٌ َ‬
‫و إِ ْ‬
‫ت ِ‬
‫من ب َ ْ‬
‫ف ْ‬
‫عل ِ َ‬
‫نا ْ‬
‫شوزا ً أ ْ‬
‫وإ ِ ِ‬
‫تعالى ) َ‬
‫َ‬
‫ح َ َ‬
‫صْلحا ً ( ) النساء‪. (128 :‬‬
‫صل ِ َ‬
‫جن َا ْ َ‬
‫ُ‬
‫حا ب َي ْن َ ُ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫ما ُ‬
‫ما أن ي ُ ْ‬
‫علي ْ ِ‬
‫الصلح بين المتخاصمين في غير المور المالية وليس‬
‫‪-4‬‬
‫منهم بغاة ‪ ،‬فقد روى سهل بن سعد رضي الله عنه ‪ :‬أن‬
‫وا بالحجارة ‪ ،‬فأخبر رسول الله‬
‫أهل قباء اقتتلوا حتى ترا َ‬
‫م ْ‬
‫ح بينهم ((‪ .‬البخاري ‪:‬‬
‫صل ْ‬
‫‪ ‬بذلك فقال ‪ ) :‬اذهُبوا بنا ن ُ ْ‬
‫الصلح ‪ ،‬باب قول المام لصحابه ‪ :‬اذهبوا بنا نصلح ‪ ،‬رقم ‪:‬‬
‫‪. ( 2547‬‬
‫‪-5‬‬

‫الصلح في المعاملة التي لها علقة بالمال ‪ ،‬وهو‬

‫المقصود بالباب لدى الفقهاء عند عنونتهم للصلح ‪ ،‬وأما‬
‫أنواع الصلح ا ُ‬
‫لخرى فتبحث ضمن أبوابها ‪.‬‬

‫‪183‬‬

‫الصلح في المعاملة ‪:‬‬
‫قد يجري الصلح في المعاملة بين المتداعيين ‪ ،‬وقد يجري‬
‫بين المدعي وأجنبي ‪ ،‬ولكل من الحالين أحكام ‪.‬‬

‫*الصلح بين المدعي والمدعى‬
‫عليه ‪:‬‬
‫دعى‬
‫دعى عليه ‪ ،‬والم ّ‬
‫قد يجري الصلح بين المدعي والم ّ‬
‫دعى عليه به ‪ ،‬ويسمى ‪ :‬الصلح مع‬
‫عليه مقّر بهذا الحق ‪ ،‬الذي ا ّ‬
‫دعى عليه منكر وغير مقر بما‬
‫القرار ‪ .‬وقد يجري الصلح والم ّ‬
‫دعى عليه به ‪ ،‬ويسمى ‪ ،‬الصلح مع النكار فما حكم ك ّ‬
‫ل‬
‫ا ّ‬
‫منهما ؟‬

‫الصلح مع النكار ‪:‬‬

‫دعي إنسان على آخر حقا ً – من َْ‬
‫دين كألف درهم‬
‫وهو أن ي ّ‬

‫مثل ً ‪ ،‬أو عين كسجادة أو دار – فل يقر المدعي عليه بذلك ‪،‬‬
‫دعي عليه حقا ً ‪ ،‬أو يسكت ‪ ،‬ثم يطلب من المدعي‬
‫وينكر أن للم ّ‬
‫دعاه ‪ ،‬فما حكم هذا الصلح لو وقع ؟‬
‫ما أ ّ‬
‫أن يصالحه ع ّ‬
‫والجواب ‪ :‬أن هذا الصلح غير جائز وغير مشروع ‪ ،‬ولو حصل‬
‫ي أثر أو حكم من أحكام الصلح‬
‫وقع باطل ً ل يترتب عليه أ ّ‬
‫التي سنعرفها إن شاء الله تعالى ‪.‬‬
‫والحجة فيه بطلنه ‪ :‬أنه صلح يح ّ‬
‫ل حراما ً أو يحّرم حلل ً ‪،‬‬
‫ح‬
‫صل ُ‬
‫وهو غير جائز بنص الحديث السابق الذكر ‪ ،‬إذ قال ‪ ) ‬ال ّ‬
‫جائز بين المسلمين ‪ ،‬إل صلحا ً أحل حراما ً أو حرم حلل ً (( ‪. 1‬‬

‫‪ 1‬انظر ‪ :‬مشروعية الصلح ‪ ،‬صفحة ‪. 169 :‬‬

‫‪184‬‬

‫وبيان ذلك ‪:‬‬
‫دعي – إن كان كاذبا ً في دعواه – يكون بالصلح قد‬
‫إن الم ّ‬
‫استحل مال غيره ‪ ،‬وهو حرام عليه ‪ ،‬فذلك صلح أح ّ‬
‫ل حراما ً ‪،‬‬
‫وهو ممنوع ‪.‬‬
‫وإن كان صادقا ً ‪ ،‬فقد حّرم على نفسه جزء من ماله ‪،‬‬
‫عي عليه اضطره بإنكاره إلى التنازل‬
‫وهو حلل عليه ‪ ،‬لن المدّ َ‬
‫عنه ‪ ،‬فيكون صلحا ً حّرم حلل ً ‪ ،‬وهو ممنوع ‪.‬‬

‫الصلح مع القرار ‪:‬‬

‫دعي إنسان حقا ً على أخر ‪ ،‬من دين أو عين ‪،‬‬
‫وهو أن ي ّ‬

‫دعي عليه ويقّر بهذا الحق ‪ ،‬ثم يطلب المصالحة‬
‫فيعترف الم ّ‬
‫عن ذلك ‪ .‬فإذا حصل الصلح كان جائزا ً ووقع صحيحا ً ‪ ،‬وترتبت‬
‫عليه آثار الصلح وأحكامه ‪ ،‬لنه مما يدخل في أدلة مشروعيته‬
‫الصلح دخول ً أولي ّا ً ‪.‬‬
‫وفي هذه الحالة إما أن يكون الحق المدعى المصاَلح عنه‬
‫عينا ً ‪ ،‬وإما أن يكون دينا ً ‪ ،‬ولكل أحكامه ‪.‬‬
‫‪-1‬‬

‫الصلح عن العين ‪:‬‬

‫ى صلح‬
‫قد يكون المصالح عليه عن العين بعضها ‪ ،‬ويسم َ‬
‫حطِيطة ‪ ،‬وقد يكون عينا ً أخرى غيرها أو منفعة ‪ ،‬فيسمى‬
‫ال َ‬
‫صلح المعاوضة ‪.‬‬
‫‪-‬‬

‫حطِيطة ‪:‬‬
‫صلح ال َ‬
‫إذا كان الحق المدعى والمصالح عنه عينا ً ‪ ،‬وجرى الصلح‬

‫عى عليه على جزء من هذا العين ‪ ،‬كأن كان‬
‫دعي والمدّ َ‬
‫بين الم ّ‬
‫دعي نصفها مثل ً ‪ ،‬كان ذلك‬
‫دارا ً فجري الصلح على أن يأخذ الم ّ‬
‫دعي لمن العين في‬
‫هبة للنصف الثاني من صاحب الحق الم ّ‬
‫عي عليه ‪ ،‬وتأخذ هذه الصورة من الصلح أحكام‬
‫يده وهو المدّ َ‬

‫‪185‬‬

‫الهبة التي عرفتها في بابها ‪ ،‬والتي من جملتها اشتراط‬
‫دعي عليه ونحو ذلك ‪.‬‬
‫القبول من الم ّ‬
‫حطِيطة ‪ ،‬لن‬
‫ويسمى هذا النوع من الصلح ‪ :‬صلح ال َ‬
‫دعي عليه ‪.‬‬
‫صاحب الحق قد حط جزءا عن الم ّ‬
‫ صلح المعاوضة ‪:‬‬‫عي المصالح عنه عينا ً ‪ ،‬وجرى الصلح بين‬
‫وإذا كان حق المدّ َ‬
‫عى عليه – الذي في‬
‫عى عليه على أن يدفع المدّ َ‬
‫دعي والمدّ َ‬
‫الم ّ‬
‫يده العين – عينا ً أخرى غير المدعاة بدل ً عنه ‪ ،‬كما لو كان‬
‫المدعي – مثل ً – دارا ً ‪ ،‬فجرى الصلح على أن يعطيه عوضا ً عنها‬
‫سيارة ‪ ،‬فإن ذلك جائز وصحيح ‪ ،‬ويكون في الحقيقة بيعا ً للعين‬
‫المدعاة بهذه العين المدفوعة ‪ ،‬فيثبت فيه جميع أحكام البيع‬
‫التي عرفتها ‪ :‬من العلم بالثمن ‪ ،‬وكونه مال ً منتفعا ً به شرعا ً‬
‫مثل ً ‪ ،‬كما يثبت فيه خيار المجلس وخيار الشرط وخيار الرد‬
‫بالعيب ‪ ،‬ويفسده ما يفسد البيع من الشروط على ما علمت ‪،‬‬
‫ويحرم فيه ما يحرم في البيع من الغرر ونحو ذلك ‪.‬‬
‫ويسمى هذا النوع من الصلح في كل صورة ‪ :‬صلح‬
‫المعاوضة ‪ ،‬لن صاحب الحق قد استعاض عن حقه بشيء أخر‬
‫رضي به ‪ ،‬عينا ً كان أم منفعة ‪.‬‬
‫وإن جرى الصلح على منفعة عين ُأخرى ‪ ،‬كان صالحه عن‬
‫الدار على استعمال سيارته سنه مثل ً ‪ ،‬كان ذلك الصلح عقد‬
‫إجارة ‪ ،‬فيثبت فيه أحكام الجارة لنه فيه معناها ‪.‬‬

‫وإن جرى‬

‫دعاة ‪ ،‬كأن صالحه على أن‬
‫الصلح على منفعة نفس العين الم ّ‬
‫دها إليه ‪،‬‬
‫دعي الدار المدعاة مثل ً عشر سنوات ثم ير ّ‬
‫يسكن الم ّ‬
‫فهو إعارة ‪ ،‬تثبت فيه أحكامها ‪ ،‬لنه في معناها ‪.‬‬
‫‪ -2‬الصلح عن الدين ‪-:‬‬

‫‪186‬‬

‫دعي إنسان على أخر دَْينا ً ‪ ،‬ألف درهم مثل ً ‪ ،‬فيقر‬
‫وهو أن ي ّ‬
‫دعي عليه بذلك ويتصالحان عنه ‪ ،‬وقد يكون المصالح عليه‬
‫الم ّ‬
‫حطِيطة ‪ ،‬أو عينا ً أو منفعة فيكون‬
‫بعض الدين فيكون صلحه ال َ‬
‫صلح المعاوضة ‪.‬‬
‫حطِيطة ‪ :‬أن يختصم مع المدين وهو مقّر‬
‫‪-1‬‬
‫صلح ال َ‬
‫بالدين ‪ ،‬ثم يتصالحا على أن يح ّ‬
‫ط عنه قسما ً معينا ً من‬
‫الدين ‪ ،‬كان يصالحه عن اللف التي له عليه بخمسمائة ‪.‬‬
‫فهذا صلح صحيح ‪ ،‬ويكون إبراءا ً للمدين من بقية الدّْين ‪.‬‬
‫روى كعب بن مالك رضي اله عنه ‪ :‬أنه تقاضى عبد الله بن‬
‫أبي حدرد راضي الله عنه دينا ً كان له عليه ‪ ,‬في عهد رسول‬
‫الله ‪ ‬في المسجد ‪ ,‬فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول‬
‫الله ‪ ‬وهو في بيت ‪ ،‬فخرج رسول الله ‪ ‬إليهما ‪ ،‬وحتى‬
‫ب ((‬
‫ج َ‬
‫جرته ‪ ،‬فنادى كعب بن مالك فقال ‪ )) :‬يا كع ُ‬
‫ح ْ‬
‫ف ُ‬
‫كشف س ْ‬
‫فقال ‪ :‬لّبيك يا رسو َ‬
‫ع الشطر ‪،‬‬
‫ل الله ‪ ،‬فأشار بيده ‪ :‬أنا َ‬
‫ض ِ‬
‫فقال كعب ‪ :‬قد فعلت يا رسول الله ‪ ،‬فقال رسول الله ‪‬‬
‫)) قم فأقضه(( ‪ .‬البخاري ‪ :‬باب الصلح ‪ ،‬باب ‪ :‬الصلح بالدّْين‬
‫والعين ‪ ،‬رقم ‪ .2563:‬مسلم ‪ :‬المساقاة ‪ ،‬باب ‪ :‬استحباب‬
‫الوضع من الدين ‪ ،‬رقم ‪.(1558 :‬‬
‫جف حجرته ‪ :‬ستر باب غرفته‬
‫] تقاضي ‪ :‬طالب بالوفاء ‪ِ .‬‬
‫س ْ‬
‫[‪.‬‬
‫ويصح هذا الصلح بلفظ الصلح كما يصح بلفظ البراء‬
‫والح ّ‬
‫ط والسقاط ‪.‬‬
‫فإذا كان بلفظ البراء ونحوه لم يشترط فيه القبول ‪،‬‬
‫واشترط فيه تحقق شروط البراء ‪ ،‬وهي ‪:‬‬

‫‪187‬‬

‫‪-1‬‬

‫أن يكون المبرئ من أهل التبرع فيما أبرأ منه ‪ ،‬فل‬

‫ح من الولي عن الصبي ‪ ،‬لنه ليس من أهل التبرع‬
‫يص ّ‬
‫بماله ‪.‬‬
‫‪-2‬‬

‫أن يكون عاما ً بما أبرأ منه ‪ ،‬فل يصح أن يقول ‪،‬‬

‫أبرأتك من جزء الدّْين ‪ ،‬وكذلك ل يصح لو قال ‪ :‬من ربع‬
‫الدين وهو يجهل قدره ‪.‬‬
‫‪-3‬‬

‫أن يكون البراء عن دين ‪ ،‬فإذا كان الصلح عن عين‬

‫ح بلفظ البراء ‪.‬‬
‫فل يص ّ‬
‫أن يكون معلقا ً على شرط ول مؤقتا ً بزمن ‪.‬‬
‫‪-4‬‬
‫وإذا جرى بلفظ الصلح اشترط فيه القبول كباقي أنواع‬
‫الصلح ‪.‬‬

‫إذا لم يؤدي المبرأ بقية الدين ‪:‬‬

‫ي له الباقي ‪،‬‬
‫إذا أبرأ الدائن المدين من جزء من الدين ليؤدّ َ‬

‫ثم امتنع المدين عن أداء ذلك فهل يعود الدين كما كان ‪،‬‬
‫وللدائن أن يطالب بجميعه ؟‬
‫والجواب ‪ :‬الصح أنه ل يعود الدين كما كان ‪ ،‬وليس للدائن‬
‫أن يطالب إل بما بقي بعد البراء ‪ ،‬لن البراء إسقاط للحق من‬
‫الذمة ‪ ،‬فبه سقط جزء من الدين من ذمة المدين ‪ ،‬والقاعدة‬
‫الفقهية تقول ‪ ) :‬الساقط ل يعود ( ‪.‬‬
‫ولذا ينبغي على أصحاب الديون أن ينتبهوا إلى هذا فل‬
‫يتلفظوا بالبراء ونحوه من اللفاظ التي معناه كسامحتك – مثل ً‬
‫ بما لي عليك ‪ ،‬فإن ديوانهم تسقط من ذمة المدين ‪ ،‬وليس‬‫للدائن بعد ذلك مطالبة بها ‪ ،‬سواء َأقبل ذلك البراء أم ل ‪،‬‬
‫وسواء أقبل ذلك البراء أم ل ‪ ،‬وسواء أكان ذلك في حالة غضب‬
‫ن‬
‫أو نشوة سرور – كما تفعل الزوجات أحيانا ً حين تبرئ إحداه ّ‬
‫خر في ذمته – أم ل ‪.‬‬
‫الزوج مما لها من مؤ ّ‬
‫‪188‬‬

‫‪-2‬‬

‫دعي دينا ً‬
‫وأما صلح المعاوضة في الدين ‪ :‬فهو أن ي ّ‬

‫على أخر ‪ ،‬كألف مثل ً وي ّ‬
‫عى عليه بذلك ‪ ،‬ثم‬
‫قر له المدّ َ‬
‫عينة ‪ ،‬غسالة مثل ً فهذا‬
‫يصالحه عنها أن يعطيه سلعه م ّ‬
‫معاوضة وبيع ‪ ،‬تجري عليه أحكام البيع ‪ ،‬وإذا صالحه على‬
‫منفعة عين – كأن يسكنه دارا ً سنة مثل ً – فهو إجارة ‪،‬‬
‫تجري عليها أحكام الجارة ‪ ،‬كما علمنا عن الصلح في‬
‫العين ‪.‬‬

‫دعي وأجنبي ‪:‬‬
‫*الصلح بين الم ّ‬

‫دعي إنسانا ً حقا ً على أخر ‪ ،‬فيأتي شخص ثالث‬
‫وذلك بأن ي ّ‬

‫دعاه ‪ .‬ولهذا الصلح‬
‫غير المدّ َ‬
‫ما أ ّ‬
‫عي عليه ويصالح الم ّ‬
‫دعي ع ّ‬
‫عى عليه وموقف الجنبي من ذلك ‪ ،‬ولكل‬
‫صور حسب حال المدَّ َ‬
‫صورة حكمها ‪ ،‬إليك بيان ذلك ‪:‬‬
‫دعي عليه ويصالح له ‪،‬‬
‫دعي الجنبي الوكالة عن الم ّ‬
‫‪ -1‬أن ي ّ‬
‫كأن يقول ‪ :‬و ّ‬
‫دعي عليه أن أصالحك ‪ ،‬وهو مقر لك‬
‫كلني الم ّ‬
‫دعي عليه الوكالة بعد ذلك ‪،‬‬
‫دعيت ‪ ،‬ولم ينكر الم ّ‬
‫بما أ ّ‬
‫وصالح ‪ ،‬كان الصلح صحيحا ً ‪ ،‬وصار المصاَلح عنه – وهو الحق‬
‫دعي عليه مو ّ‬
‫كل الجنبي ‪ .‬وإن كان أنكر‬
‫دعى – مْلكا ً للم ّ‬
‫الم ّ‬
‫المدعى عليه الوكالة بعد ذلك كان الصلح باطل ً ‪.‬‬
‫‪ -2‬أن يصالح الجنبي لنفسه ‪ ،‬بأن يقول ‪ :‬إن فلنا ً الذي‬
‫دعيت عليه الحق مقّر لك به ‪ ،‬وأنا ُأصالحك عنه علة كذا ‪،‬‬
‫ا ّ‬
‫دون دعوى الوكالة ‪ ،‬فهو كشراء الفضولي ‪ ،‬أي شراء‬
‫النسان لغيرة ‪ ،‬والصحيح أنه باطل ‪.‬‬
‫‪ -3‬أن يكون المدعى علبه منكرا ً ويقول الجنبي ‪ :‬هو مبطل‬
‫في إنكاره ‪ ،‬ويصالح عن الحق المدعى لنفسه ‪ ،‬فهو في‬
‫حكم بيع المغضوب لغير الغاضب ‪ :‬فإن كان قادرا ً على‬

‫‪189‬‬

‫ح الصلح ‪ ،‬وإن لم تكن قادرا ً‬
‫انتزاعه من يد المدعى عليه ص ّ‬
‫على ذلك لم يصح ‪.‬‬
‫دعى عليه منكرا ً ‪ ،‬ولم يعرف الجنبي ببطلن‬
‫‪ -4‬أن يكون الم ّ‬
‫دعي عن الحق المدعى لنفسه ‪ ،‬فالصلح‬
‫إنكاره ‪ ،‬وصالح الم ّ‬
‫دعي ما لم‬
‫في هذه الحالة باطل ‪ ،‬ولنه في حكم شراءه للم ّ‬
‫يثبت له ملكه ‪ ،‬فل يصح ‪.‬‬

‫أركان الصلح وشروطها ‪:‬‬
‫للصلح أركان ‪ ،‬لنه عقد ‪ ،‬ولكن عقد أركانه ‪ ،‬وأركان عقد‬
‫الصلح أربعه ‪:‬‬
‫عاقدان ‪ ،‬وصيغة ‪ ،‬ومصالح عنه ‪ ،‬ومصالح عليه ‪.‬‬
‫الركن الول ‪ :‬العاقدان ‪:‬‬
‫عي عليه المصالح ‪،‬‬
‫دعي المصاَلح ‪ ،‬والمدّ َ‬
‫وهما ‪ :‬الم ّ‬
‫ويشترط في كل منهما شروط‪ ،‬هي ‪:‬‬
‫ح‬
‫‪ -1‬التكليف ‪ ،‬أي أن يكون كل منهما عاقل ً بالغا ً ‪ ،‬فل يص ّ‬
‫الصلح من الصبي ولو كان مميزا ً ‪ ،‬ول من المجنون ‪ ،‬لن‬
‫الصلح نقد وتصّرف ‪ ،‬وتصرفاتهما غير معتبرة شرعا ً‬
‫وعقودها باطله ‪ ،‬كما علمت مرارا ً ‪.‬‬
‫‪-2‬‬

‫ولية التصرف في المال ‪ ،‬إذا كان الصلح عن الصغير ‪،‬‬

‫ي ‪ ،‬لن الصلح تصّرف في المال ‪،‬‬
‫وذلك كالب والجدّ والوص ّ‬
‫ول يملك التصّرف في مال الصغيرين من الولياء غير‬
‫هؤلء ‪.‬‬
‫‪-3‬‬

‫أن ل يكون في الصلح ضرر ظاهر ‪ ،‬إذا كان الصلح من‬

‫دعي عليه ‪.‬‬
‫دعيا ً أو م ّ‬
‫ي الصغير عنه ‪ ،‬سواء أكان م ّ‬
‫ول ّ‬
‫دعي عليه ‪ ،‬وصالح ولّيه عما ً ادعي به على‬
‫ فلو كان الصبي م ّ‬‫شيء به من مال الصبي ‪:‬‬

‫‪190‬‬

‫‪-‬‬

‫دعي بّينه على مدعاه ‪ ،‬وكان ما صالح‬
‫فإن كان الم ّ‬

‫عليه الولي مثل الحق المدعي به ‪ ،‬أو بزيادة يتغابن الناس‬
‫بمثلها عادة ‪ ،‬فالصلح جائز ‪ .‬لن الصلح في معنى‬
‫المعاوضة ‪ ،‬والولي يلمك المعاوضة لمن تحت وليته بالغبن‬
‫اليسر المألوف عادة‪.‬‬
‫‪-‬‬

‫دعي بّينة على مدعاه ‪ ،‬أو كان ما‬
‫وإن لم يكن للم ّ‬

‫دعي بزيادة فاحشة ل‬
‫صالح عليه الولي أكثر من الحق الم ّ‬
‫يتغابن الناس بمثلها عادة ‪ ،‬فالصلح باطل ‪.‬لن في مل‬
‫التبرع بمال الصبي ‪ ،‬والتبرع ضرر محض في حقه ‪ ،‬فل‬
‫يملكه الولي ‪.‬‬
‫ي من ماله الخاص جاز ‪ ،‬لنه ما أضّر الصغير‬
‫فلو صالح الول ّ‬
‫بل نفعه ‪ ،‬حيث قطع الخصومة عنه ‪.‬‬
‫عي عليه‬
‫دعي له ‪ ،‬وصالحه المدّ َ‬
‫ ولو كان ولي الصبي هو الم ّ‬‫دعي به وأخذ الباقي ‪:‬‬
‫على حق بعض الم ّ‬
‫فإن كان للولي المدعي بّينه على الدين لم‬
‫•‬
‫ح الصلح ‪ ،‬لن الح ّ‬
‫ط من الدّْين تبرع ‪ ،‬وهو ل يملك التبرع‬
‫يص ّ‬
‫للمال الصبي ‪.‬‬
‫•‬

‫دعي ‪ ،‬وصالحه على مثل‬
‫وإن لم يكن للولي الم ّ‬
‫ح الصلح ‪ ،‬لنه‬
‫قيمة الحق المدعي به ‪ ،‬أو مع غبن يسير ‪ ،‬ص ّ‬
‫في معنى البيع من مال الصبي – كما سبق – وهو يملكه فإن‬
‫كان مع غبن فاحش لم يصح ‪ ،‬لنه تبرع ل يملكه كما علمت ‪.‬‬

‫الركن الثاني ‪ :‬الصيغة ‪:‬‬
‫حْين ‪ ،‬وكما يقول‬
‫وهي اليجاب والقبول من المتصال َ‬
‫دعي عليه المصالح ‪ :‬صالحتك عن كذا على كذا ‪ ،‬أو ‪ :‬من‬
‫الم ّ‬
‫دعواك كذا على كذا ‪ .‬ويقول الخر ‪ :‬قبلت ‪ ،‬أو رضيت ‪ ،‬أو‬
‫صالحت ‪ ،‬ونحو ذلك مما يدل على رضاه وقبوله بهذا الصلح ‪.‬‬
‫‪191‬‬

‫ح في بعض أنواعه بلفظ البراء والحط‬
‫مر معنا أنه يص ّ‬
‫وقد ّ‬
‫وما في معناه ‪.‬‬
‫الركن الثالث ‪ :‬المصالح عنه ‪:‬‬
‫دعيه ‪ ،‬ويطلب منه أن يصالح عنه على‬
‫وهو الحق الذي ي ّ‬
‫عين أو دين أو منفعة ‪ ،‬على ما سبق ‪ ،‬ويشترط فيه شروط ‪:‬‬
‫‪-1‬‬

‫أن يكون حقا ً لدمي ‪ ،‬مال ً أم ليس بمال كالقصاص ‪،‬‬

‫ح الصلح عنه ‪ ،‬فلو استحق إنسان على أخر القصاص‬
‫فإنه يص ّ‬
‫‪ ،‬فصالحه على مال بدل القصاص جاز ‪ ،‬سواء أكان البدل‬
‫المصالح عليه عينا ً – كدار مثل ً – أم دينا ً – كألف دينار مثل ً –‬
‫فإذا كان دينا ً اشترط التقابض في مجلس الصلح ‪ ،‬حتى ل‬
‫يكون دَْينا ً بدَْين ‪.‬‬
‫وتصح المصالحة عن القصاص ‪ ،‬سواء أكان في النفس أم‬
‫فيما دون النفس من ألعضاء والجراح ‪.‬‬
‫عن أنس رضي الله عنه ‪ :‬أن الّرب َّيع – وهي ابنة النضر –‬
‫كسرت ث ِن َّية جارية ‪ ،‬فطلبوا الرش وطلبوا العفو فأبوا ‪ ،‬فأتوا‬
‫سر ث َن ِّية‬
‫النبي ‪ ‬فأمرهم بالقصاص ‪ ،‬فقال أنس بن النضر ‪ :‬أت ُك ْ َ‬
‫الربيع يا رسول الله ؟ ل والذي بعث بالحق ل تكسر ثنيتها ‪.‬‬
‫ص (( ‪ .‬فرضي القوم‬
‫س ‪ ،‬كتاب الله القصا َ‬
‫فقال ‪ )) :‬يا أن ُ‬
‫ن من عباد‬
‫وعفوا‪ -‬وفي الرواية وقبلوا الرش – فقال ‪ )) ‬إ ّ‬
‫من لو أ ْ‬
‫قسم على الله لب َّره (( البخاري ‪ :‬الصلح ‪ ،‬باب ‪:‬‬
‫الله َ‬
‫الصلح في الدية ‪ ،‬رقم ‪ . 2556 :‬مسلم ‪ :‬القسامة ‪ ،‬باب ‪ :‬إثبات‬
‫القصاص في السنان وما في معناها ‪ ،‬رقم ‪. ( 1675 :‬‬
‫مة أنس بن مالك بن النضر ‪ ،‬رضي الله عنه‬
‫] ابنة النضر ‪ :‬أي ع ّ‬
‫دم‬
‫مه وعمته ‪ .‬ثنية ‪ :‬هي إحدى السنين التي في مق ّ‬
‫وعن ع ّ‬
‫السنان ‪ .‬جارية ‪ :‬امرأة شابة أو بنتا ً صغيرة ‪ .‬فطلبوا ‪ :‬أي أهل‬
‫الجانية ‪ .‬الرش ‪ :‬أن يصالحوا على أن يدفعوا مال ً يقابل الجناية‬
‫‪192‬‬

‫‪ ،‬القصاص ‪ :‬لكثر سنها ‪ .‬كتاب الله القصاص ‪ :‬أي حكم كتاب‬
‫الله تعالى يقضي بالقصاص ‪ ،‬فكيف تقول ذلك ‪ .‬لبّره ‪ :‬لحقق‬
‫له ما أقسم عليه كي ل يقع في الثم ‪ ،‬لعلمه بصدقه وإخلصه (‬
‫‪.‬‬
‫فلو كان المصالح عنه حقا ً من حقوق الله تعالى ‪ ،‬كان‬
‫يصالح زانيا ً على ما يأخذه منه على أن يرفع أمره إلى القضاء –‬
‫مثل ً – كي ل يقيم عليه الحد ‪ ،‬لم يصح الصلح ‪ ،‬لن الحدّ حق الله‬
‫تعالى ‪ ،‬ول يصح العتياض عن حق الغير على أن الصلح من‬
‫الحدود صلح يح ّ‬
‫ل الحرام فل يجوز ‪.‬‬
‫عن أبي هريرة رضي الله عنه وزيد بن خالد الجهني رض‬
‫الله عنهما قال ‪ :‬جاء أعرابي فقال ‪ :‬يا رسول الله ‪ ،‬اقض بيننا‬
‫بكتاب الله ‪ ،‬فقام خصمه فقال ‪ :‬صدق ‪ ،‬أقض بيننا بكتاب الله –‬
‫وفي راوية وائذن لي – فقال رسول الله ‪ ) : ‬قل ( ‪ .‬فقال ‪:‬‬
‫سيفا ً على هذا ‪ ،‬فزني بامراته ‪ ،‬فقالوا لي ‪:‬‬
‫إن ابني كان َ‬
‫ع ِ‬
‫ت ابني منه بمائة من الغنم ووليدة ‪ ،‬ثم‬
‫على ابنك الرجم ‪ ،‬ففدي ُ‬
‫سألت أهل العلم فقالوا ‪ :‬إنما على ابنك الجلد مائة وتغريب‬
‫عام ‪ .‬فقال النبي ‪ " ‬ل ْ‬
‫ة‬
‫ن بينكما بكتاب الله ‪ ،‬أما الوليد ُ‬
‫قضي َ ّ‬
‫م فردّ عليك ‪ ،‬وعلى ابنك الجلد مائة و تغريب عام ‪ ،‬وأما‬
‫والغن ُ‬
‫ُ‬
‫س – لرجل – فأ ْ‬
‫جمها ) رواه‬
‫غد على امرأة هذا فاْر ُ‬
‫أَنت يا أن َ ْ‬
‫ور فالصلح‬
‫البخاري في الصلح ‪ ،‬باب ‪ :‬إذا اصطلحوا على صلح َ‬
‫ج ْ‬
‫من اعترف على‬
‫مردود ‪ ،‬رقم ‪ 2549 :‬مسلم في الحدود ‪ ،‬باب ‪َ :‬‬
‫نفسه بالزنا ‪ ،‬رقم ‪. (1697 :‬‬
‫) عسيفا ً ‪ :‬أجيرا ً ‪ .‬وليدة ‪ :‬امرأة مملوكة ‪ .‬أهل العلم ‪:‬‬
‫الصحابة العلماء رضي الله عنهم ( ‪.‬‬
‫فقوله ‪ " : ‬أما الوليدة والغنم فردّ عليك " دليل صريح‬
‫في بطلن هذا الصلح الذي جرى على حق من حقوق الله تعالى‬
‫‪193‬‬

‫‪ ،‬والذي مقتضاه تحليل حّرم الله عز وجل ‪ ،‬وهذا ما صّرح به‬
‫البخاري رحمه الله تعالى لترجمته للحديث ‪.‬‬
‫ويقاس على حدّ الزنا جميع الحدود التي تغلب فيها حق‬
‫الله تعالى ‪ ،‬كحدّ السرقة وحدّ القذف ‪ ،‬وإن كان فيها حق‬
‫للعبد ‪ ،‬ولكن الغالب حق الله تعالى ‪ ،‬وحق العبد مغلوب ‪،‬‬
‫والمغلوب تابع للغالب ‪ ،‬فل يلتفت إليه شرعا ً ‪.‬‬
‫ح الصلح على أل شهد عليه ‪ ،‬أي أن يعطيه‬
‫وكذلك ل يص ّ‬
‫ملها عليه ‪ ،‬لن الشهادة حق‬
‫مال ً كي ل يؤدي الشهادة التي تح ّ‬
‫موا ال ّ‬
‫الله تعالى ‪ ،‬قال ج ّ‬
‫ه(‬
‫وأ َ ِ‬
‫هادَةَ ل ِل ّ ِ‬
‫ش َ‬
‫قي ُ‬
‫ل وعل ‪َ ) :‬‬
‫) الطلق ‪ . ( 2 :‬وقال ‪ُ ) :‬‬
‫كوُنوا ْ َ‬
‫ط ُ‬
‫ه(‬
‫ن ِبال ْ ِ‬
‫داء ل ِل ّ ِ‬
‫س ِ‬
‫وا ِ‬
‫ه َ‬
‫ش َ‬
‫ق ْ‬
‫مي َ‬
‫ق ّ‬
‫) النساء ‪. ( 135 :‬‬
‫من أخذ‬
‫فالصلح عن هذه الحقوق صلح باطل ‪ ،‬ويجب على َ‬
‫من أخذه منه ‪ ،‬لنه أخذ بغير حق‬
‫المال بدل ً عنها ر ّ‬
‫ده إلى َ‬
‫وكسب خبيث ‪ ،‬وهو فسوق تردّ به الشهادة عند القاضي إذا‬
‫علم به ‪.‬‬
‫‪ -2‬أن يكون حقا ً للمصالح ‪ ،‬فإن لم يكن حقا ً له لم يصح الصلح ‪،‬‬
‫إل إن كان الصالح عن الذي تحت وليته وفي حجرة كما علمت ‪.‬‬
‫دعت امرأة مطلقة أن الولد الذي في يدها ابن زوجها‬
‫فلو ا ّ‬
‫المطلق ‪ ،‬فأنكر زوجها ذلك ‪ ،‬فصالحته عن النسب إليه على‬
‫شيء ‪ ،‬فالصلح باطل ‪ .‬لن النسب حق الصبي ل حقها ‪ ،‬فل‬
‫تملك المعاوضة عنه ‪.‬‬
‫‪ -3‬أن يكون حقا ً ثابتا ً للمصالح في محل الصلح ‪ ،‬أي ما يرد عليه‬
‫عقد الصلح ‪ .‬فلو صالح الشفيع – أي الشريك في العقار‬
‫ق‬
‫ونحوه ‪ ،‬الذي باع شريكه حصته لغيره دون علمه ‪ ،‬فإن يح ّ‬
‫له أخذ هذه الحصة من المشتري بثمنها ‪ ،‬كما ستعلم في‬
‫باب الشفعة – فلو صالح هذا الشفيع المشتري عن حق‬
‫‪194‬‬

‫الشفعة الذي ثبت له بالشرع على مال معلوم يأخذه منه‪،‬‬
‫على أن يترك الحصة لهذا المشتري ‪ ،‬فإن الصلح باطل ‪،‬‬
‫لن الشريك الشفيع ل حق له في محل الصلح – وهو حصة‬
‫شريكه المباعة – حتى يحق له أن يصالح عنها ‪ ،‬وإنما أثبت‬
‫له الشرع حق التملك القهري لما اشتراه المشتري ‪ ،‬دفعا ً‬
‫لما يتوهم من ضرر الشريك الجديد عليه ‪ ،‬فإذا رضي به‬
‫فقد سقط حقه ‪ ،‬فليس له أخذ المال منه ‪ ،‬لنه أخذ لمال‬
‫غيره بغير عوض ‪.‬‬
‫‪ -4‬أن يكون معلوما ً ‪ ،‬فلو كان المصالح عنه مجهول ً للمتصالحين‬
‫أو أحدهما كان الصلح باطل ً ‪ ،‬لما فيه من الغرر المنهي عنه‬
‫ل حراما ً‬
‫‪ ،‬فيكون داخل ً في معنى الصلح الذي أح ّ‬
‫الركن الرابع ‪ :‬المصالح عليه ‪:‬‬
‫دعى عليه مقابل ما‬
‫دعي من الم ّ‬
‫وهو البدل الذي يأخذه الم ّ‬
‫دعاه من الحق ‪ ،‬وُيشترط فيه‬
‫ا ّ‬
‫دعاه‬
‫‪-1‬‬
‫أن يكون مال ً شرعا ً ‪ ،‬فلو صالح من الحق الذي ا ّ‬
‫ح الصلح ‪ ،‬لن‬
‫و – مثل ً – لم يص ّ‬
‫على خمر أو خنزير أو أداة له ِ‬
‫هذه الشياء ليست بمال شرعا ً ‪ ،‬وعقد الصلح فيه معنى‬
‫المعاوضة ‪ ،‬فالمصالح عنه والمصالح عليه كالمبيع والثمن‬
‫في عقد البيع ‪ ،‬وما ليس بمال شرعا ً ل يصلح عوضا ً في‬
‫البيع ‪ ،‬وما ل يصلح عوضا ً في البيع ل يصلح بدل ً في‬
‫الصلح ‪.‬‬
‫ول مانع أن يكون المال المصالح عليه عينا ً كسجادة مثل ً ‪ ،‬أو‬
‫دينا ً كألف دينار ‪ ،‬أو منفعة كسكنى دار سنة مثل ً ‪ ،‬لن مثل ذلك‬
‫يكون عوضا ً في المبايعات وعقود المعاوضة ‪ ،‬فيصح أن يكون‬
‫بدل ً في الصلح ‪ ،‬وقد مّر معنا أمثلة كثيرة على ذلك ‪.‬‬

‫‪195‬‬

‫‪-2‬‬

‫أن يكون مملوكا ً للمصالح ‪ ،‬فلو صالح على شيء ثم‬

‫تبين أنه ل يملكه ‪ ،‬كما لو كان خرج مسروقا ً أو مغصوبا ً أو‬
‫نحو ذلك ‪ ،‬فإن الصلح يبطل حتى ولو كان المصاَلح قد‬
‫قبضه ‪ ،‬لنه تبّين أنه صالح على ما ل يملك ‪ ،‬فتبين أنه ل‬
‫صلح ‪ ،‬لنه ل يملك أن يصالح على مال غيره‪.‬‬
‫‪-3‬‬

‫أن يكون المصالح عليه معلوما ً للعاقدين ‪ ،‬لن جهالة‬

‫البدل تؤدي إلى المنازعة ‪ ،‬وذلك من شأنه أن يفسد العقد ‪.‬‬

‫التزاحم على الحقوق المشتركة‬

‫جرت عادة الفقهاء أن يعقدوا في كتاب الصلح فصل ً‬

‫للتزاحم على الحقوق المشتركة ‪ ،‬ويبينوا ما يجوز فيه الصلح‬
‫منها وما ل يجوز ‪ ،‬ونحن نذكر فيما يلي طرفا ً من هذه الحقوق‬
‫المشتركة ‪:‬‬
‫‪ -1‬بناء الروشن والساباط والميزات ‪:‬‬
‫الروشن ‪ :‬هو الخشب الخارج من الحائط الممتد في‬
‫الهواء ‪ ،‬ويسمى جناحا ً تشبيها ً بجناح الطائر ‪ ،‬ويسمى شرفة‬
‫أيضا ً ‪.‬‬
‫الساباط ‪ :‬هو السقيفة على حائطين والطريق بينهما ‪.‬‬
‫الميزاب ‪ :‬مسيل الماء من السطح ‪ ،‬وهو المز راب ‪.‬‬
‫وهذه الشياء الثلثة إما أن تنشأ في طريق نافذ ‪ ،‬أو في‬
‫طريق غير نافذ ‪ ،‬ولك ّ‬
‫ل منهما تفاصيل وأحكام نوجزها فيما يلي‬
‫‪:‬‬
‫أ – إنشاء هذه الشياء في الطريق النافذ ‪:‬‬
‫الطريق النافذ ‪ :‬هو ما يستحق المرور فيه كل إنسان ‪ ،‬ول‬
‫يختص به واحد دون آخر ‪ .‬هذا الطريق ل يجوز أن ُيتصرف فيه‬
‫بما يضر الماّرة ‪ ،‬كإشراع جناح وبناء ساباط ووضع ميزاب ‪ .‬لن‬
‫‪196‬‬

‫الحق ليس له بل هو للمارة ‪ ،‬فإن فعل ما هو ممنوع منه وجبت‬
‫إزالته ‪ ،‬لقوله عليه الصلة والسلم ‪ " :‬ل ضرر ول ضرار "‬
‫من بني في حقه ما يضّر‬
‫) أخرجه ابن ماجه في الحكام ‪ ،‬باب ‪َ :‬‬
‫بجاره ‪ ،‬رقم ‪ . 2341 ، 2340 :‬ومالك في الموطأ ‪ :‬القضية ‪،‬‬
‫باب القضاء في المرفق ‪. ( 2/745 :‬‬
‫والذي يقوم بإزالته الحاكم خوفا ً من وقوع فتنة ‪ ،‬لكن لكل‬
‫واحد المطالبة بإزالته لنه منكر ‪ .‬فإن كان إنشاء ما ذكر غير‬
‫ضاّر بالمارة ‪ ،‬وكان الطريق خاصا ً بالمشاة اشتُرط ارتفاعه‬
‫بحيث إذا مّر الماشي الطويل وهو حامل على رأسه أو ظهره‬
‫شيئا ً لم يتضّرر به عادة ‪ ،‬واشترط أيضا ً أن ل يكون حاجبا ً للنور‬
‫بحيث يظلم المكان إظلما ً ل يحتمل ‪.‬‬
‫وإن كان الطريق غير خاص بالمشاة ‪ ،‬بل هو ممر للفرسان‬
‫والقوافل ومثلها السيارات في عصرنا هذا ‪ ،‬فيشترط أن يرفع‬
‫بناء الروشن والساباط بحيث يمر تحته المحمل على البعير مع‬
‫أخشاب المظلة التي فوق المحمل ومثلها حمولة الشاحنات‬
‫الكبيرة على اختلفها ‪.‬‬
‫والصل في جواز البناء حيث ل ضرر حديث " نصب بيده‬
‫الكريمة ‪ ‬ميزابا ً في دار عمه العباس وكان شارعا ً إلى مسجد‬
‫الرسول ‪ ) ‬ذكر في نيل الوطار ] ‪ [5/278‬في كتاب الصلح ‪،‬‬
‫باب ‪ :‬إخراج ميازيب المطر إلى الشارع ‪ :‬أنه أخرجه أحمد‬
‫والبيهقي والحاكم ( ‪.‬‬
‫فورد النص في الميزاب وقيس عليه الباقي ‪.‬‬
‫وهذه الشياء يحرم الصلح عليها سواء أكان الصلح من جانب‬
‫المام أم من غيره ‪ ،‬لن الهواء ل يفرد بالعقد وإنما هو تابع‬
‫للقرار ‪ ،‬وهو الرض الموازية له ‪ ،‬ولنه إن ضّر لم يجز فعله‬
‫بعوض أو غير عوض ‪ ،‬وإن لم يضّر فالباني مستحق له ‪ ،‬وما‬
‫‪197‬‬

‫يستحقه النسان في الطريق ل يجوز أخذ العوض عنه‬
‫كالمرور ‪.‬‬
‫ب – إنشاء هذه الشياء في الطريق غير النافذ ‪:‬‬
‫الطريق غير النافذ إن كان لواحد فقط فهو ملك له ‪ ،‬وإن‬
‫كان مشتركا ً بين جماعة فل يجوز له بناء شيء مما ذكر إل بإذن‬
‫ح الصلح على ذلك ‪.‬‬
‫بقية الشركاء ‪ ،‬ول يص ّ‬
‫هذا ويعدّ شريكا ً فيما بين رأس الدرب ك ّ‬
‫من نفذ باب داره‬
‫ل َ‬
‫من لصق جداره الدرب ‪ ،‬ويكون شريكا ً فيما بين رأس‬
‫إليه ‪ ،‬ل َ َ‬
‫الدرب وباب داره فقط ‪ .‬أما ما يلي باب داره إلى آخر الدرب‬
‫فل حق له فيه ‪ ،‬ول يعتبر إذنه في البناء أو عدم إذنه ‪.‬‬
‫‪ -2‬فتح باب جديد في الدرب ‪:‬‬
‫يحق لمن كان شريكا ً في الدرب أن يفتح بابا ً جديدا ً إذا كان‬
‫الباب المفتوح أقرب على رأس الدرب ‪ ،‬لنه تنازل منه عن‬
‫بعض حقه بشرط سدّ القديم ‪ .‬أما إذا كان أبعد من القديم عن‬
‫رأس الدرب وأقرب إلى نهايته فل يجوز له فتحه إل بإذن‬
‫الشركاء ‪ .‬وكذلك الحكم إذا فتح بابا ً ثانيا ً ولم يسدّ الول ‪.‬‬
‫ل صح ‪،‬‬
‫وحيث منع من فتح الباب فصالحه أهل الدرب على ما ٍ‬
‫لنه انتفاع بالرض ‪.‬‬
‫‪ -3‬بناء دكة وغرس شجرة في الطريق ‪:‬‬
‫يحرم أن يبني في الطريق دكة – مصطبة – أو دعامة لجدار‬
‫وأن يغرس شجرة ‪ ،‬ولو اتسع الطريق ولم يضّر بالماّرة وأذن به‬
‫المام ‪ ،‬لنه قد تزدحم المارة فيتعثرون ويضيق الطريق‬
‫عليهم ‪ ،‬ولنه إذا طالت المدة أشبه موضعهما الملك وانقطع‬
‫أثر الستحقاق في الطروق فيه ‪.‬‬

‫‪198‬‬

‫وعلى هذا فل يجوز المصالحة على ذلك ‪ ،‬إذا كان غرس‬
‫الشجار للتمّلك الفردي ‪ .‬أما إذا كان الغرس لعموم المسلمين‬
‫ولمصلحتهم فل مانع من ذلك حيث ل ضرر ‪.‬‬

‫‪199‬‬

‫‪ -4‬وضع خشبة على جدار غيره ‪:‬‬
‫قد يكون الجدار الملصق ملكا ً لشخص آخر ‪ ،‬وعلى هذا فل‬
‫يجوز وضع خشبة على هذا الجدار أو غرزها فيه إل برضا مالكه‬
‫في المذهب الجديد ‪ ،‬ول يجبر المالك له إن امتنع ‪ ،‬لقوله عليه‬
‫الصلة والسلم ‪ " :‬ل يح ّ‬
‫ل لمرئ من مال أخيه إل ّ ما أعطاه عن‬
‫بن ْ‬
‫فس " ) مسند أحمد ‪ (5/113 :‬ولقوله ‪ " :‬ل ضرَر ول‬
‫ِ‬
‫طي ِ‬
‫ضراَر "‬

‫‪((1‬‬

‫وفي المذهب القديم يجوز ذلك ‪ ،‬ويجبر المالك إن امتنع ‪،‬‬
‫لما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن‬
‫ه في‬
‫ن جار جاَره أن يض َ‬
‫من َ َ‬
‫ع ّ‬
‫ع خشب ً‬
‫رسول الله ‪ ‬قال ‪ " :‬ل ي َ ْ‬
‫جداره " ثم قال أبو هريرة ‪ :‬ما لي أراكم عنها معرضين ؟!‬
‫ِ‬
‫ن بها بين أكتافكم‬
‫والله لْر ِ‬
‫مي َ ّ‬
‫) أخرجه البخاري في المظالم ‪ ،‬باب ل يمنع جار جاره أن يغرز‬
‫خشبة في جداره ‪ ،‬رقم ‪ .2331 :‬ومسلم في المساقاة ‪ ،‬باب ‪:‬‬
‫غرز الخشب في جدار الجار ‪ ،‬رقم ‪. ( 1609:‬‬
‫فلو رضي المالك بوضع الخشبة بل عوض كان ذلك عارية ‪،‬‬
‫تثبت فيها أحكام العارية فيستفيد بها المستعير مرةّ واحدة ‪،‬‬
‫حتى لو رفع جذوعه أو سقطت بنفسها ‪ ،‬سقط الجدار ‪ ،‬فبناه‬
‫صاحبه بتلك اللة لم يكن له الوضع ثانيا ً في الصح ‪ ،‬لن الذن‬
‫يتناول مرة واحدة ‪.‬‬
‫جر رأس‬
‫ولو رضي بوضع الجذوع والبناء عليها بعوض ‪ ،‬فإن أ ّ‬
‫الجدار للبناء فإجارة ‪ ،‬وإن قال بعته للبناء أو بعته حق البناء‬
‫عليه فالصح أن هذا العقد فيه شوب بيع وشوب إجارة ‪ ،‬لن‬
‫المستحق به منفعة فقط فهو إجارة ‪ ،‬ولكون مؤيدا ً فهو بيع ‪.‬‬

‫)‪ (1‬انظر تخريجه في الفقرة ‪ :‬أ ‪ ،‬ص ‪182‬‬

‫‪200‬‬

‫مبطلت الصلح ‪:‬‬
‫ويبطل الصلح بأشياء غير ما سبق في مواضعه ‪ ،‬منها ‪:‬‬
‫‪ -1‬القالة في غير الصلح عن القصاص ‪ ،‬فلو قال أحد‬
‫المتصالحين للخر بعد الصلح ‪ :‬أقلني عن هذا الصلح ‪ ،‬أي‬
‫أحب فسخ هذا العقد ‪ ،‬وقبل الخر انفسخ الصلح ‪ ،‬لنه عقد‬
‫فيه معنى معاوضة المال بالمال ‪ ،‬فكان محتمل ً للفسخ‬
‫كالبيع ‪.‬‬
‫فلو كان الصلح عن القصاص فإنه ل ينفسخ ‪ ،‬لن الصلح‬
‫ي الدم في استيفاء‬
‫عن القصاص إسقاط محض لحض ول ّ‬
‫القصاص من القاتل ‪ ،‬لنه عفو عنه ‪ ،‬وقد علمت أن الساقط ل‬
‫يعود بعد إسقاطه ‪ ،‬فل يحتمل الفسخ ‪ .‬وفي هذه الحالة يرجع‬
‫دعي على القاتل بالدية ‪ ،‬ل بما صالح عليه ‪ ،‬لن القصاص‬
‫الم ّ‬
‫سقط لشبهة الصلح ‪ ،‬فيسقط إلى بدله المشروع وهو الدية ‪.‬‬
‫‪ -2‬الرد بخيار العيب ‪ ،‬كما لو صالحه على شيء ثم قبضه‬
‫المصالح ‪ ،‬فوجد فيه عيبا ً ينقص قيمته عرفا ً – على ما عرفت‬
‫ده انفسخ الصلح‬
‫ده ‪ ،‬فإذا ر ّ‬
‫في عقد البيع – فإن له الخيار أن ير ّ‬
‫وبطل ‪.‬‬

‫حكم الصلح بعد بطلنه ‪:‬‬
‫دعي إلى أصل دعواه إن كان‬
‫إذا بطل عقد الصلح يرجع الم ّ‬
‫الصلح عن إنكار ‪ ،‬وقد علمت أن الصلح مع النكار باطل أصل ً ‪.‬‬
‫دعى‬
‫دعي على الم ّ‬
‫وإذا كان الصلح مع القرار ‪ :‬رجع الم ّ‬
‫دعى به ل غيره ‪ ،‬لن بطلن الصلح جعله كأن لم يكن ‪،‬‬
‫عليه بالم ّ‬
‫وعاد المر إلى ما كان عليه قبل الصلح ‪.‬‬

‫‪201‬‬

202

‫الحـوالـــة‬
‫تعريفهـا ‪:‬‬
‫في اللغة ‪ :‬هي النقل أو النتقال ‪ ،‬قال في المصباح‬
‫ولته تحويل ً نقلته من‬
‫المنير ‪ ) :‬تحول من مكانه انتقل عنه ‪ ،‬وح ّ‬
‫ولت الرداء نقلت كل طرف إلى موضع‬
‫موضع إلى موضع ‪ ...‬وح ّ‬
‫حوالة – بالفتح – مأخوذة من هذا ‪ ،‬فأحلته بدي َْنه نقلته‬
‫الخر ‪ ،‬وال َ‬
‫إلى ذمة غير ذمتك ‪ ،‬وأحلت الشيء إحالة نقلته أيضا ً ‪ .‬ويقال ‪:‬‬
‫حال عن العهد أي انتقل عنه وتغّير ( ‪.‬‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬عقد يقتضي نقل دَْين من ذمة إلى أخرى ‪.‬‬
‫قال في "مغني المحتاج " ‪:‬‬
‫) وُيطلق على انتقاله من ذمة إلى ُأخرى ‪ ،‬والول هو غالب‬
‫الستعمال ( ‪.‬‬

‫مشروعيتها ‪:‬‬

‫د ّ‬
‫ل على مشروعية الحوالة وجوازها ‪ :‬ما رواه البخاري‬

‫ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ‪ ‬قال ‪" :‬‬
‫ُ‬
‫مط ْ ُ‬
‫دكم على مليء فل ْي َت َْبع " وفي‬
‫ي ظُْلم ‪ ،‬فإذا أْتبع أح ُ‬
‫َ‬
‫ل الغن ّ‬
‫حَتل " ) البخاري‬
‫ن أ ُِ ِ‬
‫حيل على مليء فلي َ ْ‬
‫رواية عند أحمد ‪ " :‬وم ْ‬
‫في كتاب الحوالة ‪ ،‬باب ‪ :‬في الحوالة وهل يرجع في الحوالة ‪،‬‬
‫رقم ‪ . 2166 :‬ومسلم في المساقاة ‪ ،‬باب ‪ :‬فضل إنظار‬
‫المعسر رقم ‪ . 1564 :‬وأحمد في مسنده ] ‪. ( [2/463‬‬
‫] مطل الغني ‪ :‬تأخيره ما استحق عليه أداؤه ‪ ،‬والغني ‪:‬‬
‫المستدين الذي يجد لديه ما يفي به دينه ‪ .‬ظلم ‪ :‬تعدّ على حق‬
‫من كان منكم له دين‬
‫غيره وهو محّرم عليه‪ .‬أتبع أحدكم ‪ :‬أحيل َ‬
‫على غيره ‪ .‬مليء ‪ :‬غني قادر يجد ما يقتضي به الدين فليحتل ‪:‬‬
‫فليقبل الحوالة [ ‪.‬‬
‫‪203‬‬

‫وقد أجمع المسلمون في مختلف العصور على مشروعية‬
‫الحوالة وجوازها ‪ ،‬ولم ُيعلم مخالف في هذا ‪.‬‬
‫وجمهور العلماء على أن المر المذكور في الحديث بقوله "‬
‫فليتبع " وقوله " فليحتل " أمر ندب واستحباب ل أمر فرض‬
‫من كان له دين على آخر ‪ ،‬فأحاله المستدين‬
‫وإيجاب ‪ .‬وعليه ‪ :‬ف َ‬
‫ب له أن يقبل هذه الحوالة ولم يجب عليه‬
‫على غيره استح ّ‬
‫ذلك ‪ .‬بل ويعتبر في هذا الستحباب أن يكون من ُأحيل عليه‬
‫لديه ما يفي بدين المحال ‪ ،‬وان ل يكون في ماله شبهة ‪ .‬فإذا‬
‫لم يكن لديه وفاء بدين المحال ‪ ،‬أو كان في ماله شبهة لم يكن‬
‫محال ‪.‬‬
‫قبول الحوالة مستحبا ً في حق ال ُ‬

‫أركان الحوالة وشروطها ‪:‬‬

‫للحوالة أركان تقوم عليها وتتألف منها ‪ ،‬وك ّ‬
‫ل من هذه‬

‫الركان له شروط تتعلق به ‪ .‬وإليك بيان هذه الركان مع بيان‬
‫ما يتعلق بك ّ‬
‫ل منها من شروط ‪:‬‬
‫مدين الذي يحيل دائنه بدَْينه على غيره ‪.‬‬
‫محيل ‪ :‬هو ال َ‬
‫‪ -1‬ال ُ‬
‫وُيشترط فيه ‪ :‬أن يكون أهل ً للعقد ‪ ،‬أي أن يكون عاقل ً‬
‫بالغا ً ‪ ،‬فل تصح الحوالة من المجنون والصبي غير الممّيز ‪،‬‬
‫لنه في حكم الذي ل يعقل ‪ ،‬والعقل شرط لصحة ممارسة‬
‫التصرفات ‪.‬‬
‫محال ‪ :‬وهو الدائن الذي يحال بدينه ليستوفيه من غير‬
‫‪ -2‬ال ُ‬
‫مدينه ‪ ،‬أي هو الدائن للمحيل الذي أحاله ليستوفي دينه‬
‫من غيره ‪ ،‬ويقال له أيضا ً ‪ :‬المحتال ‪ ،‬أي طالب الحالة ‪.‬‬
‫ويشترط فيه أيضا ً ‪ :‬أن يكون أهل ً للعقد ‪ ،‬أي أن يكون عاقل ً‬
‫‪ ،‬لن قبول المحال من أركان عقد الحوالة ‪ ،‬وغير العاقل ليس‬
‫من أهل القبول ‪ .‬وأن يكون بالغا ً أيضا ً ‪ ،‬لن قبول الصبي غير‬
‫صحيح ‪ ،‬لعدم اعتبار أقواله في المعاملت شرعا ً ‪.‬‬
‫‪204‬‬

‫محال عليه ‪ :‬وهو الذي يلتزم بأداء الدّْين للمحال ‪.‬‬
‫‪ -3‬ال ُ‬
‫ح الحوالة على‬
‫ويشترط فيه ‪ :‬العقل والبلوغ ‪ ،‬فل تص ّ‬
‫المجنون ول على الصبي ولو كان عاقل ً مميزا ً ‪ ،‬لن التزام‬
‫الدّْين وأداءه فيه معنى التبّرع ‪ ،‬وغير البالغ العاقل ل يصح منه‬
‫التبرع ‪.‬‬
‫محال به ‪ :‬وهو الحق الذي يكون للمحال على المحيل ‪،‬‬
‫‪ -4‬ال ُ‬
‫ويحيله به على المحال عليه ‪.‬‬
‫ويشترط فيه ‪:‬‬
‫ح الحوالة بالعيان القائمة ‪ ،‬لن الحوالة‬
‫أ – يكون دينا ً ‪ :‬فل تص ّ‬
‫نَ ْ‬
‫قل حكمي ‪ ،‬لنها نقل لما في الذمة إلى ذمة ُأخرى ‪ ،‬والنقل‬
‫في العيان القائمة نقل حقيقي ل حكمي ‪ ،‬لنها ل تثبت في‬
‫الذمة ‪ ،‬فل حوالة فيها ‪.‬‬
‫فإذا أحاله ليستوفي عينا ً قائمة – كسجادة مثل ً أو غسالة –‬
‫كانت وكالة ل حوالة ‪ ،‬وتثبت في هذه الحالة أحكام الوكالة ل‬
‫أحكام الحوالة ‪.‬‬
‫ب – أن يكون الدين لزما ً ‪ :‬كالثمن بعد تسليم المبيع وانتهاء‬
‫مدة الخيار ‪ ،‬أو آيل ً إلى اللزوم ‪ :‬كالثمن في زمن الخيار ‪ ،‬لنه‬
‫يؤول إلى اللزوم بانتهاء مدة الخيار ‪ .‬وهذا هو الصح ‪ ،‬فلو‬
‫حت‬
‫أحال البائع أحدا ً على المشتري ليقبض منه الثمن ‪ ،‬ص ّ‬
‫الحوالة ‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬ل تصح الحوالة بالثمن زمن الخيار ‪ ،‬لنه دين غير‬
‫لزم ‪.‬‬
‫ح الحوالة بالدّْين وإن لم يستقر بعد ‪ ،‬كالصداق قبل‬
‫وتص ّ‬
‫الدخول ‪ ،‬والجرة قبل مضي مدة الجارة ‪ ،‬والثمن قبل قبض‬
‫البيع ‪.‬‬

‫‪205‬‬

‫‪ -5‬الصيغة ‪ :‬وهي اليجاب والقبول ‪ ،‬فاليجاب أن يقول المحيل‬
‫‪ :‬أحلتك على فلن ‪ ،‬والقبول أن يقول المحال ‪ :‬قبلت أو‬
‫رضيت ‪.‬‬
‫ويشترط في اليجاب والقبول أن يكونا في مجلس العقد ‪.‬‬

‫خيار الشرط وخيار المجلس ‪:‬‬

‫ويشترط في عقد الحوالة أن يكونا باتا ً ‪ ،‬فل يثبت فيه خيار‬

‫المجلس ول خيار الشرط ‪:‬‬
‫أما خيار الشرط ‪ :‬فلن الصل فيه أن يثبت في العقود‬
‫ن على‬
‫لحماية المتعاقدَْين من الغبن ‪ ،‬وعقد الحوالة لم ي ُب ْ َ‬
‫المغابنة ‪ ،‬وإنما هو عقد للرفاق والمعاونة ‪.‬‬
‫وأما خيار المجلس ‪ :‬فلنه يثبت في بيع العيان ‪ ،‬والحوالة‬
‫بيع دين بدين على الصح ‪.‬‬

‫شروط صحة الحوالة ‪:‬‬

‫‪ -1‬وجود دين للمحيل على المحال عليه ‪:‬‬

‫من كان عليه دَْين للمحيل ‪ ،‬لن‬
‫فل تصح الحوالة إل على َ‬
‫الصح أنها بيع دين بدين ُأجيز للحاجة ‪ ،‬فل بدّ أن يكون للمحيل‬
‫على المحال عليه شيء يكون عوضا ً عن حق المحال ‪.‬‬
‫ويشترط في الدين للمحال عليه ‪:‬‬
‫أ – أن يكون دَْينا ً لزما ً أو آيل ً إلى اللزوم ‪ ،‬كما هو الحال في‬
‫الحق المحال به ‪.‬‬
‫ب – أن يكون متساويا ً مع الدين المحال به ‪ :‬حلول ً وأجل ً ‪،‬‬
‫وجنسا ً وقدرا ً وصفة ‪ .‬فإذا اختلف الحقان في شيء من هذا لم‬
‫ح الحوالة ‪ ،‬لن الحوالة عقد معاوضة للرتفاق ‪ُ ،‬أجيزت‬
‫تص ّ‬
‫للحاجة والتعاون ‪ ،‬فاعتبر فيها التفاق كما هو الحال في‬
‫القرض ‪ ،‬فإذا اختلف الحقان صار في طلب زيادة على الحق ‪،‬‬
‫فل يجوز ‪.‬‬
‫‪206‬‬

‫صة ‪ ،‬لنه يسقط بها ما‬
‫وكذلك الحوالة تجري مجرى المقا ّ‬
‫في ذمة المحيل بمقابل ماله في ذمة المحال عليه ‪ ،‬والمقاصة‬
‫ل تصح حال الختلف بين الح ّ‬
‫قْين ‪.‬‬
‫‪ -2‬رضا أطراف الحوالة ‪ :‬المحيل والمحال والمحال عليه ‪.‬‬
‫أما المحيل ‪ :‬فلن له إيفاء الحق الذي في ذمته من حيث‬
‫شاء ‪ ،‬فله أن يوفي دائنه بنفسه ‪ ،‬وله أن يوفيه بواسطة مدينه‬
‫الذي هو المحال عليه ‪ ،‬فل ُيلزم بجهة معينة سواء كانت نفسه‬
‫أو مديَنه ‪ ،‬فإذا رغب دائنه أن يستوفي حقه من جهة غيره فل‬
‫بد أن يكون ذلك برضاه ‪.‬‬
‫ح الحوالة ‪ ،‬لنه‬
‫وأما المحال ‪ :‬فقد اشُترط رضاه حتى تص ّ‬
‫هو صاحب الحق الذي سينتقل بالحوالة من ذمة المحيل إلى‬
‫ذمة المحال عليه ‪ ،‬وحقه إنما ثبت له في ذمة المحيل ل في‬
‫ذمة غيره ‪ ،‬فل يصح أن ينتقل إل برضاه ‪ ،‬لن الذمم تتفاوت‬
‫في حسن القضاء أو المماطلة ‪ ،‬فإذا انتقل حقه بدون رضاه‬
‫من ل ُيحسن وفاءه‬
‫كان في ذلك ضرر عليه ‪ ،‬بإلزامه أن يتبع َ‬
‫لحقه ‪.‬‬
‫وأما المحال عليه ‪ :‬فل يشترط رضاه لن الحق عليه ل له ‪،‬‬
‫والمحيل صاحب الحق له أن يستوفيه بنفسه وأن يستوفيه‬
‫بغيره ‪ ،‬كما لو و ّ‬
‫كل غيره بالستيفاء وقبض الدين ‪ ،‬فل يعتبر‬
‫من عليه ‪.‬‬
‫رضا َ‬
‫‪ُ -3‬يشترط لصحة الحوالة أن يعلم المحيل والمحال بالدّْين‬
‫المحال به والدين المحال عليه ‪ ،‬قدرا ً وجنسا ً وصفة ‪ ،‬لن‬
‫الحوالة بيع – كما ذكرنا – والجهالة في الثمن أو المبيع تمنع‬
‫صحة البيع ‪.‬‬

‫حكم الحوالة ‪:‬‬
‫‪207‬‬

‫هو انتقال الحق من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه ‪،‬‬
‫حت الحوالة باستكمال أركانها وتوفر شروطها ترتب‬
‫فإذا ص ّ‬
‫عليه حكمها ‪ ،‬وهو ‪ :‬براءة ذمة المحيل من دين المحال ‪،‬‬
‫وانتقال الحق من ذمته إلى ذمة المحال عليه ‪ .‬وبالتالي ‪:‬‬
‫يسقط دينه عن المحال عليه ‪ ،‬مقابل نظيره الذي صار في‬
‫ذمته وأصبح محال ً عليه ‪ ،‬ليوفيه إلى المحتال ‪.‬‬

‫انتهاء الحوالة ‪:‬‬
‫علمنا أن حكم الحوالة انتقال الحق من ذمة المحيل إلى ذمة‬
‫المحال عليه بصورة تبرأ بها ذمة المحيل من الدين ‪.‬‬
‫وبهذا تنتهي الحوالة ‪ ،‬ول تبقى أية علقة بين المحيل‬
‫والمحال ‪ ،‬وإنما تصبح العلقة بين المحال والمحال عليه ‪،‬‬
‫وليس للمحال عودة على المحيل حتى ولو لم يستطع الحصول‬
‫على الدّْين من المحال عليه بسبب من السباب ‪ ،‬كما لو وجده‬
‫م ْ‬
‫فلسا ً ‪ ،‬أو أنكر المحال عليه الدين‬
‫ُ‬
‫وذلك لن الحق تحول بالحوالة من موضعه الول إلى غيره ‪،‬‬
‫ول من موضعه ل يعود إليه إل بتجديد عودته ‪.‬‬
‫وما تح ّ‬
‫وكذلك بالحوالة سقط الحق من ذمة المحيل ‪ ،‬وهو سقط‬
‫ل يعود بإعسار ول بغيره ‪ ،‬كما لو قبل عوضا ً من حقه ل تلف‬
‫في يده ‪ ،‬فإنه ل يعود عليه بشيء لسقوط الحق من ذمته ‪،‬‬
‫وتعذُّر الحصول على الحق كتلفه في يده ‪.‬‬
‫وسواء في ذلك أعلم بإعسار المحال عليه عند الحوالة أم‬
‫من أشترى شيئا ً هو‬
‫ل ‪ .‬وسواء أشرط يساره أم ل ‪ .‬فيكون ك َ‬
‫مغبون فيه ‪ ،‬فإنه ل يرجع بشيء ولو شرط عدم الغبن ‪ ،‬لنه‬
‫صر بترك البحث عن حال المحال عليه عند الحوالة ‪ ،‬ول‬
‫مق ّ‬
‫عبره بشرطه ‪.‬‬

‫‪208‬‬

‫ولو شرط المحال الرجوع المحيل عند تع ّ‬
‫ذر الستيفاء‬
‫ف‬
‫بسبب من السباب بطلت الحوالة ‪ ،‬لن هذا الشرط منا ٍ‬
‫ول الحق وانتقاله ‪.‬‬
‫صراحة لمضمون الحوالة ‪ ،‬وهو تح ّ‬

‫اختلف الحيل والمحال في‬
‫الحوالة ‪:‬‬

‫إذا قبض المحال الدّْين من المحال عليه ‪ ،‬ثم اختلف مع‬

‫ى دَْين ‪ ،‬وإنما أنت‬
‫المحيل ‪ :‬فقال المحيل ‪ :‬لم يكن لك عل ّ‬
‫وكيلي في القبض ‪ ،‬والقبض لي ‪ ،‬وقال المحال بل أحلتني بما‬
‫لي عليك من دين فقبضته ‪ .‬فالقول قول المحيل مع يمينه ‪،‬‬
‫دعي عليه دينا ً ‪ ،‬المحيل ينكر ‪ ،‬والقول قول المنكر‬
‫لن المحال ي ّ‬
‫عند عدم البينة مع يمينه ‪.‬‬
‫وكذلك لو أقّر المحيل بالدّْين ‪ ،‬ولكن قال ‪ :‬و ّ‬
‫كلتك لتقبض‬
‫لي ‪ ،‬وقال الخر ‪ :‬بل أحلتني أو قال المحيل ‪ :‬أردت بقوله‬
‫دق المحيل‬
‫ص ّ‬
‫أحلتك الوكالة ‪ ،‬فقال المحال ‪ :‬بل أردت الحوالة ‪ُ ،‬‬
‫بيمينه ‪ ،‬لنه أعرف بإرادته وقوله ‪ .‬ولن ألصل بقاء كل حق‬
‫دعي خلف ذلك ‪.‬‬
‫على حاله والمحال ي ّ‬
‫ولو قال ‪ :‬أردت قولي ‪ ) :‬أحلتك بالمائة التي لي على‬
‫فلن ( الوكالة ‪ ،‬لم ُيقبل قوله ‪ ،‬لن اللفظ ل يحتمل إل حقيقة‬
‫دعيها مع يمينه ‪.‬‬
‫الحوالة ‪ ،‬فُيقبل قول م ّ‬

‫حوالة المحال أو المحال عليه ‪:‬‬

‫حت الحوالة كان للمحال أن ُيحيل غيرة من دائنية‬
‫إذا ص ّ‬

‫على المحال عليه ‘ ليقبض دينه منه ‪.‬‬
‫وكذلك للمحال عليه أن يحيل المحال على غيره من مدينيه‬
‫‪ ،‬ليقبض دينه منه ‪.‬‬

‫الحوالة البريدية ‪:‬‬
‫‪209‬‬

‫إذا أعطى إنسان أخر مبلغا ً ليدفعه مبلغا ً من المال ليدفعه‬
‫إلى فلن من الناس في بلد كذا ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫فإن أعطاه إياه أمانة جاز بل كراهة ‪ ،‬ول يضمنه‬

‫الناقل إذا لم يقصر في حفظه ول يخلطه مع ماله ‪،‬‬
‫فإن خلطه بماله كان ضامنا ً له ‪.‬‬
‫ومن هذا القبيل ما يسمى الن بالحوالة البريدية ‪ ،‬فإن‬
‫المبالغ التي يدفعها الناس لمؤسسة البريد ‪ ،‬لتوصيلها‬
‫إلى أشخاص معينين ‪ُ ،‬يخلط بعضها ببعض وبغيرها ‪ ،‬ول‬
‫ُتدفع هي بذاتها للمحمولة إليه ‪ .‬ولذلك فهي مضمونة‬
‫إلى المؤسسة ‪.‬‬
‫‪-‬‬

‫وإذا أعطاه إياه قرضا ً ‪ ،‬دون أن يشرط عليه دفعها إلى‬

‫فلن في بلد كذا ‪ ،‬ثم طلب منه ذلك بعض القرض جاز أيضا ً‬
‫ول كراهة ‪.‬‬
‫فإذا أعطاه إياه قرضا ً بشرط أن يدفعها إلى فلن في بلد‬
‫كذا ‪ ،‬كانت كشرط الجل في القرض ‪:‬‬
‫ح القرض ولغا الشرط ‪ ،‬وإن‬
‫إن لم يكن للمقرض فيه غرض ص ّ‬
‫كان يندب الوفاء به ‪،‬‬
‫‪-‬‬

‫ح القرض ولغا الشرط ‪،‬‬
‫وإن كان للمقرض فيه غرض ص ّ‬

‫وإن كان يندب الوفاء به ‪.‬‬
‫‪-‬‬

‫وإن كان للمقرض غرض فيه ‪ ،‬كما إذا كان في طريق خطر‬

‫محقق ‪ ،‬بطل العقد ‪ ،‬لما فيه من جّر المنفعة للمقرض ‪.‬‬
‫تم الجزء السادس من هذه السلسة بعون الله وتوفيقه ويأتي‬
‫الجزء السابع – إن شاء الله تعالى – في المعاملت ‪ ،‬ونسأل‬
‫الله تعالى حسن القبول ‪.‬‬

‫‪210‬‬

****************************

211

‫الفهرس‬
‫الموضوعات‬
‫مقدمـة‬

‫الصفحـة‬

‫‪1 ..............................................................‬‬
‫الباب الول ‪ :‬البيع‬

‫تعريفه –‬
‫مشروعيته ‪....................................................‬‬

‫‪4‬‬

‫حكمة‬
‫التشريع ‪6 ..........................................................‬‬
‫أركان عقد البيع‬
‫وشروطها ‪7 .............................................‬‬
‫قبض المبيع‬
‫وضمانه ‪...................................................‬‬

‫‪18‬‬

‫الخيارات في‬
‫البيع ‪.....................................................‬‬

‫‪19‬‬

‫البيوع‬
‫الخاصة ‪........................................................‬‬

‫‪31‬‬

‫البيوع‬
‫الجائزة ‪.........................................................‬‬
‫البيوع المنهي‬
‫عنها ‪33 ....................................................‬‬
‫بيع الثمار قبل بدو صلحها‬
‫) الضمان ( ‪34 ................................‬‬

‫‪212‬‬

‫‪31‬‬

‫البيع‬
‫بالتقسيط ‪..........................................................‬‬
‫‪39‬‬
‫من آداب‬
‫البيع ‪48 ..........................................................‬‬
‫القالة ‪..................................................................‬‬
‫‪51‬‬

‫‪213‬‬

‫الباب الثاني ‪ :‬السلم‬
‫تعريفه –‬
‫مشروعيته ‪55 .................................................‬‬
‫حكمة تشريعه ‪.......................................................‬‬
‫‪56‬‬
‫أركانه‬
‫وشروطه ‪......................................................‬‬

‫‪57‬‬

‫عقد‬
‫الستصناع ‪......................................................‬‬
‫‪65‬‬
‫بيع المنازل على‬
‫الخارطة ‪............................................‬‬

‫‪67‬‬

‫الباب الثالث ‪ :‬الربا‬
‫تعريف‬
‫الربا ‪...........................................................‬‬

‫‪69‬‬

‫الموال التي يجري فيها‬
‫الربا ‪.........................................‬‬

‫‪70‬‬

‫أنواع الربا وحكم كل‬
‫منها ‪72 .............................................‬‬
‫تبايع الموال الربوية وشروط‬
‫صحته ‪..................................‬‬

‫‪77‬‬

‫المزابنة‬
‫والمحاقلة ‪.....................................................‬‬

‫‪86‬‬

‫العرايا ‪.................................................................‬‬
‫‪87‬‬
‫‪214‬‬

‫بيع اللحم‬
‫باللحم ‪88 .......................................................‬‬
‫بيع الحيوان‬
‫بالحيوان ‪..................................................‬‬

‫‪88‬‬

‫بيع اللحم‬
‫بالحيوان ‪89 .....................................................‬‬
‫حكم التعامل‬
‫الربوي ‪....................................................‬‬

‫‪90‬‬

‫ربا‬
‫القرض ‪91 ............................................................‬‬
‫الباب الرابع ‪ :‬الصرف‬
‫معناه ‪................................................................‬‬
‫‪100‬‬
‫حكمه من حيث‬
‫‪101‬‬

‫مشروعيته ‪..........................................‬‬
‫الشروط الخاصة‬

‫‪101‬‬

‫به ‪..................................................‬‬
‫الباب الخامس ‪ :‬القرض‬
‫تعريفه –‬

‫مشروعيته ‪108 .................................................‬‬
‫حكمة تشريعه ‪.......................................................‬‬
‫‪110‬‬
‫حكمه من حيث الوصف‬
‫الشرعي ‪....................................‬‬

‫‪111‬‬

‫أركان عقد القرض‬
‫وشروطها ‪........................................‬‬
‫‪215‬‬

‫‪112‬‬

‫حكمه من حيث ما ترتب‬
‫عليه ‪.........................................‬‬

‫‪115‬‬

‫ما يجب رده بدل‬
‫القرض ‪117 ...............................................‬‬
‫الشروط في‬
‫القرض ‪....................................................‬‬

‫‪118‬‬

‫شرط الجل في‬
‫القرض ‪121 ................................................‬‬
‫الباب السادس ‪ :‬الهبة‬
‫تعريفها ‪...............................................................‬‬
‫‪124‬‬
‫مشروعيتها ‪..........................................................‬‬
‫‪127‬‬
‫المكافأة على‬
‫الهبة ‪...................................................‬‬

‫‪129‬‬

‫حكمة‬
‫مشروعيتها ‪...................................................‬‬
‫‪130‬‬
‫أركان الهبة‬
‫وشروطها ‪...............................................‬‬

‫‪131‬‬

‫العمرى‬
‫والرقبي ‪.....................................................‬‬
‫هبة المشغول بغيره أو المتصل‬
‫به ‪......................................‬‬

‫‪216‬‬

‫‪136‬‬

‫‪134‬‬

‫هبة‬
‫المشاع ‪137 ............................................................‬‬
‫لزوم الهبة‬
‫بالقبض ‪138 .....................................................‬‬
‫شروط‬
‫القبض ‪...........................................................‬‬

‫‪140‬‬

‫حكم‬
‫الهبة ‪142 ..............................................................‬‬
‫صفة حكم الهبة وحكم الرجوع‬
‫فيها ‪.....................................‬‬

‫‪142‬‬

‫الهبة المطلقة والهبة‬
‫بثواب ‪144 .............................................‬‬
‫التسوية في الهبة للولد‬
‫وعطاياهم ‪....................................‬‬

‫‪145‬‬

‫المساواة بين الوالدين في‬
‫العطايا ‪........................................‬‬

‫‪147‬‬

‫المساواة بين الخوة في‬
‫الهبات ‪........................................‬‬

‫‪147‬‬

‫الباب السابع ‪ :‬الجارة‬
‫تعريفها –‬
‫‪150‬‬

‫مشروعيتها ‪..................................................‬‬
‫أركان الجارة‬
‫وشروطها ‪152 .................................................‬‬
‫أقسام الجارة‬
‫وشروطها ‪................................................‬‬

‫‪217‬‬

‫‪163‬‬

‫حكم‬
‫الجارة ‪165 .............................................................‬‬
‫حق استيفاء‬
‫المنفعة ‪167 ....................................................‬‬
‫الجارة الفاسدة وأجرة‬
‫المثل ‪168 ............................................‬‬
‫ضمان العين‬
‫المستأجرة ‪................................................‬‬

‫‪169‬‬

‫ضمان‬
‫الجير ‪.........................................................‬‬

‫‪171‬‬

‫انتهاء‬
‫الجارة ‪........................................................‬‬

‫‪173‬‬

‫الخيارات في عقد‬
‫الجارة ‪............................................‬‬

‫‪176‬‬

‫اختلف المؤجر‬
‫والمستأجر ‪..........................................‬‬

‫‪177‬‬

‫الباب الثامن ‪ :‬الجعالة‬
‫تعريفها –‬
‫مشروعيتها ‪...............................................‬‬

‫‪180‬‬

‫حكمتها ‪..............................................................‬‬
‫‪181‬‬
‫أركانها‬
‫وشروطها ‪...................................................‬‬

‫‪182‬‬

‫أحكامها ‪............................................................‬‬
‫‪183‬‬

‫‪218‬‬

‫ما تختلف به عن‬
‫‪186‬‬

‫الجارة ‪...........................................‬‬
‫الباب التاسع ‪ :‬الصلح‬

‫تعريفه – مشروعيته ‪..............................................‬‬
‫‪188‬‬
‫حكمة مشروعيته ‪..................................................‬‬
‫‪189‬‬
‫أنواع الصلح ‪.....................................................‬‬
‫‪191‬‬
‫أركان الصلح وشروطها ‪.........................................‬‬
‫‪198‬‬
‫التزاحم على الحقوق‬
‫المشتركة ‪.................................‬‬

‫‪205‬‬

‫مبطلت الصلح ‪..................................................‬‬
‫‪209‬‬
‫حكم الصلح بعد بطلنه ‪...........................................‬‬
‫‪209‬‬
‫الباب العاشر ‪ :‬الحوالة‬
‫تعريفها‪ -‬مشروعيتها ‪............................................‬‬
‫‪211‬‬
‫أركانها وشروطها ‪.................................................‬‬
‫‪212‬‬
‫الخيارات فيها ‪....................................................‬‬
‫‪214‬‬
‫شروط صحة الحوالة ‪..............................................‬‬
‫‪214‬‬
‫‪219‬‬

‫حكم الحوالة ‪.......................................................‬‬
‫‪216‬‬
‫انتهاء الحوالة ‪......................................................‬‬
‫‪216‬‬
‫اختلف المحيل‬
‫والمحال ‪217 ..............................................‬‬
‫حوالة المحال أو المحال‬
‫عليه ‪........................................‬‬

‫‪218‬‬

‫الحوالة‬
‫البريدية ‪218 ......................................................‬‬

‫‪220‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful