‫اﻟﻤﻘﺪﻣﺔ‬

‫بسم ﷲ الرحمن الرحيم‬
‫ھذا الكتاب الذي بين يدي القارئ الكريم‪ .‬عبارة عن جھد جبّار قام به مركز نون لل تأليف والترج مة‪ ،‬ح يث ت ّم مطال عة‬
‫ومراقبة الدورة العقائديّة الكاملة للشھيد مرتضى مطھّري قدس سره المؤلّفة من خمسة مجل ّدات في الل غة العربي ّة‪ ،‬ث ّم‬
‫مقابلتھا باللغة الفارسيّة وعمد إلى تفادي بعض األخطاء الموجودة في الترجمة‪ ،‬وإلى تصحيح بعض العبارات‪ ،‬ث ّم قام‬
‫المركز بالتوحيد والتأليف ب ين المطا لب المتفرّ قة في أن حاء ھذه ا لدورة‪ ،‬وجمع ھا ب شكل عل ميّ ومو ضوعيّ ‪ ،‬و حذف‬
‫الموارد االستطراديّة التي ُتناسب المحاضرات وال ُتناسب الكتب العلميّة الدراسيّة‪ ،‬وترتيب ھذه األبحاث دروسا ً يسھل‬
‫على األستاذ تقديمھا‪ ،‬وعلى الطالب االستفادة منھا‪ ،‬وقد را عى المر ك ُز األ‬
‫ساليب العلمي ّة الم ّتب عة حديثا ً في ا لدروس‪،‬‬
‫َ‬
‫من وضع األھداف والمختصرات واألسئلة‪ ،‬لتكبر الفائدة من الكتاب‪.‬‬
‫كما وقام المركز بوضع عناوين للفقرات الطويلة‪ ،‬ح ّتى يسھل على الطالب حصر الفكرة والموضوع المطروح‪.‬‬
‫فھذا الكتاب ھو فكر الشھيد مرتضى مطھّري قدس سره الموجود في ا لدورة العقائدي ّة الكام لة‪ ،‬حرّ ره ولخ صه ورتب ّه‬
‫وراقبه وبوَّ به مركز نون‪.‬‬
‫نسأل ﷲ سبحانه وتعالى أن يزيد به أجر الشھيد‪ ،‬وينفع به األمّة اإلسالميّة ويتقبّل ع مل المر كز إن ّ ه ِن عم المو لى و ِن عم‬
‫المجيب‪.‬‬

‫مركز نون للتأليف والترجمة‬

‫اﻟﺪرس اﻷول‪ :‬ﻣﺒﺎدئ ﻋﺎﻣـّﺔ ﻓﻲ اﻟﺘﻮﺣﻴﺪ‬
‫أھداف الدرس‬
‫‪ -1‬توضيح الفارق بين طريقة ح ّل المسائل وأسلوب العرض‪.‬‬
‫‪ -2‬إختيار األسلوب السليم لعرض مسألة التوحيد‪.‬‬
‫‪ -3‬إثبات قدرة العقل اإلنساني على إدراك ما وراء المحسوسات‪.‬‬
‫‪ -4‬إثبات قدرة العقل على معرفة ﷲ وكيفية تصوره‪.‬‬
‫‪ -5‬توضيح عدم التنافي بين إمكانية إثبات وجود ﷲ وتناھي الزمان والمكان‪.‬‬
‫‪ -6‬إثبات أن ارتباط المعلول بعلته ال يستلزم كونه حادثا ً‪.‬‬
‫‪9‬‬

‫يقول تعالى‪:‬‬

‫مونَ‬
‫م ُنونَ بِا ْل َ‬
‫غ ْي ِ‬
‫ِين ُي ْؤ ِ‬
‫ب َ‬
‫﴿الﱠذ َ‬
‫و ُيقِي ُ‬

‫اھُم ُين ِف ُقونَ ﴾‪.1‬‬
‫ما َر َز ْق َن‬
‫و ِ‬
‫صال َة َ‬
‫ْ‬
‫م ﱠ‬
‫ال ﱠ‬

‫المؤمنين اإللھيّين‪ ،‬بأ ّنھم الذين يعتقدون بأنّ العالم غير محدود ومحصور في إ طار عالم الطبي عة‬
‫يعرّ ف القرآن الكريم‬
‫َ‬
‫والمادّة المسمّى بعالم الشھادة‪ ،‬فھم يؤمنون بمسائل ترتبط بعالم وراء عالم المحسوسات‪ ،‬وذلك العالم ھو عالم ما وراء‬
‫الطبيعة المسمّى بعالم الغيب‪.2‬‬
‫وعلى رأس ھذه المسائل ھي مسألة التوحيد‪ ،‬بمعنى االعتقاد بأصل وجود ﷲ‪ ،3‬و قد صرّح بذلك أ مير ال مؤمنين عل يه‬
‫السالم حيث يقول‪ّ " :‬أول الدين معرفته"‪.4‬‬
‫وقبل الدخول في البحث‪ ،‬ال ب ّد من تقديم بعض المق ّدمات‪:‬‬

‫‪11‬‬
‫التصور الصحيح لمسألة التوحيد‪:‬‬
‫المقدّمة األولى‪:‬‬
‫ّ‬
‫تنقسم المسائل المشكلة التي يُراد حلُّھا إلى قسمين‪:‬‬
‫األول‪ :‬ھي المسائل التي تكمن صعوبتھا في معرفة طريقة حلّھا‪ ،‬مع كون عرضھا‪ -‬كمسألة‪ -‬في غاية ال سھولة‪،‬‬
‫القسم ّ‬
‫فيعرضھا الجميع بنحو واحد‪ ،‬وذ لك من قب يل م سائل الريا ضيّات‪) ،‬و ھذا ما يُعب ّر ع نه في المن طق بأنّ الم شكلة في‬
‫التصديق ال في التصوّ ر(‪.‬‬
‫القسم الثاني‪ :‬ھي المسائل التي تكمن مشكلتھا في فقدان العرض الصحيح والتصوّ ر السليم لھا‪ ،‬ممّا يثير إ شكاالت في‬
‫حلّھا‪ ،‬وذلك من قبيل الم سائل الفل سفيّة‪ ،‬ف قد يب حث المفك ّ ر عن ح ّل م سألة فتر ًة طوي ً‬
‫لة من ا لزمن دون جدوى‪ ،‬بين ما‬
‫تكمن مشكلته في أ ّنه وضع من األساس تصوّ راً خاطئا ً لھا‪ .‬فاألساس في مثل ھذه المسائل ھو الت صوّ ر ا لذھني ال سليم‪،‬‬
‫ممّا ال يجعل مشكلة في التصديق‪) ،‬وھذا ما يصطلح عليه في المنطق بأنّ المشكلة في التصوّ ر ال في التصديق(‪.‬‬
‫وفي مورد بحثنا‪ ،‬وھو مسألة التوحيد‪ ،‬فإنّ ھذه المسألة تعتبر من القسم الثاني‪ ،‬حيث اإل شكاالت ا لتي ت ثار حول ھا ھي‬
‫نتيجة عدم العرض الصحيح لھذه المسألة الجليلة‪ ،‬وسنوضّح ذلك بالمثال‪.‬‬
‫التصور الصحيح لمسألة التوحيد‪:‬‬
‫مثال إلشكاالت نشأت عن عدم‬
‫ّ‬
‫يذكر العلماء بأنّ مسألة التوحيد ھي مسألة فطري ّة‪ ،‬مم ّا أ ثار في األذ ھان اعترا ضات وإ شكاالت‪ ،‬بأن ّ ه لو كان كذ لك‬
‫صحيحاً‪ ،‬لما انقسم الناس‪ ،‬في ك ّل عصر وعلى مختلف الطبقات‪ -‬حتى العلماء‪ ،‬إلى معسكرين‪ ،‬أحدھما يؤمن بالتوح يد‬
‫واآلخر ينكره!‬
‫‪12‬‬
‫فعلى األقلّ‪ ،‬ال تقو لوا إنّ م سألة التوح يد فطري ّة‪ ،‬بل ھي مع ضلة فكري ّة ع جز اإلن سان عن التوص ّل إ لى ح ّل يقي نيّ‬
‫ضروريّ بشأنھا‪.‬‬
‫والجواب‪ :‬إنّ الشبھات المثارة حول مسألة التوحيد تعود إلى تصوّ رھم وعرضھم غير الصحيح لھذه المسألة‪ ،‬فھم مثالً‬
‫يت صوّ رون مو جوداً مادي ّا ً يطل قون عل يه ا سم )ﷲ(‪ ،‬ثم ي ثيرون ال شبھات وال شكوك حو له‪ .‬وأم ّا لو عُر ضت الم سألة‬
‫بصورتھا السليمة‪ ،‬لما وقعت ھذه الشبھات‪ ،‬ولذا يمكن أن نعبّر عن مسألة التوحيد بأ ّنھا من )السھل الممتنع(‪.‬‬
‫إذاً‪ ،‬فاألولويّة في م سألة التوح يد ھي ال عرض ال سليم ل ھا‪ .‬وھ ناك عدّة أ مور ال ب ّد أن يالحظ ھا البا حث ع ند الت حرّك‬
‫للبحث في مسألة التوحيد‪.‬‬
‫كيف ّية العرض السليم لمسألة التوحيد‪:‬‬
‫سليم ل ھذه‬
‫عرض‬
‫مور تؤث ّ ر في ت كوين‬
‫ٍ‬
‫إذا أردنا البحث في إثبات وجود ﷲ أو عدمه‪ ،‬فال ب ّد من االلت فات إ لى ع ّدة أ ٍ‬
‫ٍ‬
‫المسألة‪:‬‬
‫ّأوالً‪ :‬األشياء المراد إثباتھا تنقسم إلى قسمين‪:‬‬
‫األول‪ :‬يشمل األشياء التي يُراد إثبات وجودھا كموجود مستقل يضاف إلى بقية الموجودات‪ ،‬ك ماإذا أر يد إث بات و جود‬
‫ّ‬
‫ّار جدي ٍد نضيفه إلى مجموعة الكواكب السيّارة‪ ،‬حيث نثبت وجو َد شي ٍء إلى جانب األشياء‪.‬‬
‫ي‬
‫س‬
‫ب‬
‫ٍ‬
‫كوك‬
‫ٍ‬
‫خارج عن ھا‪ ،‬بل يمث ّ ل‬
‫الثاني‪ :‬يشمل األشياء التي يُبحث فيھا عن موجودٍ‪ ،‬إ ّنما ھو موجو ٌد في الموجودات ومعھا غير‬
‫ٍ‬
‫امتداداً وجود ّيا ً لھا‪.‬‬

‫وھذا النوع الثاني من قبيل الزمان‪ ،5‬فلو أراد الباحث إثبات وجود الزمان‬
‫‪13‬‬
‫كان ما من ھذا ال عالم‪ -‬أي بالطري قة نف سھا ا لتي يب حث في ھا الفل كيّ عن‬
‫كعنصر إ لى جا نب العنا صر األ خرى في م ٍ‬
‫ّار جديدٍ‪ ،‬فإ ّنه لن يفلح أبداً في إثبات وجوده أو الع ثور عل يه‪ .‬ويخت لف ال حال في ما لو كوّ ن ت صوّ راً صحيحا ً‬
‫كوك ٍ‬
‫ب سي ٍ‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫للزمان‪ ،‬وأنه يمثل بعدا لألشياء ومعھا يضاف إلى أبعادھا الثال ثة‪ -‬ال طول وال عرض والع مق‪.‬ول يس جزءا من أ جزاء‬
‫عالم الطبيعة يقع إ لى جنب ھا‪ ،‬فيتم حور بح ثه ع نه في دا ئرة و جود ُب ع ٍد وام تدا ٍد آ خر لمو جودات عالم الطبي عة ي سمّى‬
‫)الزمان(‪.‬‬
‫ومسألة التوحيد ھي من قبيل النوع الثاني‪ .‬ومثال الزمان يقرّ ب الفكرة في نوعي ّة التوح يد ا لذي ي ُراد إثبا ته‪ ،‬إال أن ّ ه ال‬
‫ينطبق عليه بالكامل‪ ،‬فإنّ ﷲ ّ‬
‫عز وج ّل ليس بعداً وامتداداً في األ شياء‪ ،‬ولكن ّه ينب ّه إ لى أ ّن نا حين ما نب حث في التوح يد‪،‬‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫م َ‬
‫فنحن ال نبحث عن وجو ٍد محدو ٍد يحت ّ‬
‫م‬
‫ما ُ‬
‫ن َ‬
‫وھُ َ‬
‫ل مكانا معيّنا وسط بقية الموجودات‪ ،‬بل عن موجو ٍد‪َ ﴿ :‬‬
‫ُم أ ْي َ‬
‫و َ‬
‫عك ْ‬
‫ك ْنت ُ ْ‬
‫َ‬
‫م َو ْج ُه ﷲ‪ ،﴾7‬ومو جود صدرت م نه المو جودات جمي عا‪ً،‬‬
‫ﱡ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫﴾‪ ،6‬وموجود قد أحاطت ذاته بكل األشياء‪﴿ :‬فأ ْي َن َ‬
‫ما تُ َ‬
‫ولوا ف َث ﱠ‬
‫ل َو ْ‬
‫و ْ‬
‫م﴾‪.8‬‬
‫و بِ ُ‬
‫خ ُر َوالظﱠا ِ‬
‫اآل ِ‬
‫ل َ‬
‫وھُ َ‬
‫ِن َ‬
‫وإليه تعود‪ ،‬فھو أوّ لھا وآخرھا‪﴿ :‬ھُ َ‬
‫األَ ﱠ‬
‫ك ِّ‬
‫ي ٍء عَ لِي ٌ‬
‫ھ ُر َوا ْلبَاط ُ‬
‫و ُ‬
‫ش ْ‬
‫اإللھي‪:‬‬
‫ثانيا ً‪ :‬االلتفات إلى خصوص ّية الوجود‬
‫ّ‬
‫من األمور التي ال ب ّد للباحث أن يالحظھا عند وضعه الت صوّ ر ال صحيح لم سألة التوح يد‪ ،‬ھو أن يأ خذ بع ين االعت بار‬
‫س َ‬
‫ي ٌء‪.﴾9‬‬
‫ك ِ‬
‫م ْث ِل ِ‬
‫ه َ‬
‫خصوصيّة أنّ ما يريد إثباته ھو وجو ٌد ليس كمثله وجو ٌد‪﴿ :‬لَ ْي َ‬
‫ش ْ‬
‫‪14‬‬
‫اإللھي‪:‬‬
‫ثالثا ً‪ :‬االلتفات إلى مفاھيم ترتبط بالوجود‬
‫ّ‬
‫وأخيراً فال ب ّد للباحث أن يراجع المفاھيم المرتبطة با ج ّل و عال‪ ،‬فإنّ و جوده‪ -‬ال مراد إثبا ته‪ -‬مرتبط ب ھذه الم فاھيم‪،‬‬
‫ب الْع ِ ﱠز ِة عَ ﱠمـا يَصِـ ُفونَ ﴾‪ ) ،10‬سبحان رب ّي العظ يم(‪ ،‬فو جوده و جو ٌد ّ‬
‫منزهٌ و قدوسٌ ‪،‬‬
‫ك َر ّ ِ‬
‫حانَ َرب ّ ِ َ‬
‫س ْب َ‬
‫وذلك من قب يل‪ُ ﴿ :‬‬
‫شكل من أشكال الح ّد والنقص‪.‬‬
‫وكذلك‪) :‬ﷲ أكبر( فھو أكبر من أن يوصف ومن أن يعتري وجوده أيّ‬
‫ٍ‬
‫المقدّمة الثانية‪ :‬إمكان إثبات وجوده‪:‬‬
‫ظھرت في التاريخ الحديث وفي أوروبا فكر ٌة تقول بأنّ اإلنسان عاج ٌز عن إث بات و جود ﷲ أو نف يه‪ ،‬ذ لك أنّ الو سائل‬
‫المتاحة لإلنسان واألدوات التي يمتلكھا تنحصر في دا ئرة ال حواس‪ ،‬وتنت مي إ لى اكت شاف عالم ال مادّة‪ ،‬وال يمكن ھا أن‬
‫تطال عال َم ما وراء الطبيعة‪ ،‬فال يمكن إثبات وجود ﷲ‪ ،‬أل ّنه ليس من الموجودات المحسوسة‪ ،‬ولذلك‪ ،‬فحريّ باإلن سان‬
‫أن يتو ّقف في ھذه المسألة المشكلة‪.‬‬
‫إال أنّ أصحاب ھذا الرأي قد أخطأوا في حصرھم دائرة علم اإلنسان باألمور المحسوسة‪ ،‬فقد غفلوا عن قدرات أخرى‬
‫لإلنسان‪ ،‬وھي القدرة الفكريّة ‪ -‬العقلية ‪ -‬التي تؤھّله للبحث وإصدار األحكام بشأن مسائل غير محسوسة‪ ،‬و لذلك نرى‬
‫كثير من األ شياء ونث بت وجود ھا دون أن ن حسّ ب ھا‪ ،‬فال نقت صر ع لى إدراك المحسو سات‪ ،‬فيُن قض‬
‫أ ّننا ندرك وجود‬
‫ٍ‬
‫على ھؤالء بما نثبته من أمور غير محسوسة‪ ،‬كوجود العليّة‪ -‬وھي العالقة واالرتباط الوجوديّ القائم ب ين شيئين‪ ،‬بأن‬
‫يكون وجود الشيء )أ( سببا ً لوجود آخر )ب(‪ ،-11‬وكذلك ما يحكم اإلنسان‬
‫‪15‬‬
‫بكونه ضرور ّيا ً وما يقابله من المحال‪ ،‬كما يت عاطى الريا ضيّ ع ندما يث بت أنّ مج موع زوا يا المث لث ي ساوي مج موع‬
‫زاويتين قائمتين‪ ،‬فيعتبر ذ لك ب عد أن يبرھن عل يه ضرور ّياً‪ ،‬ويع تبر غيره‪ -‬بأن ي كون مج موع زوا ياه أ كثر أو أ ق ّل‪-‬‬

‫محاالً‪ .‬فمسألة كون الشيء محاالً أو ضرور ّيا ً مسألة بديھيّة‪ ،‬مع أ ّنھا تحمل مفھوما ً يقع خارج دائرة المحسوسات‪ ،‬ك ما‬
‫‪12‬‬
‫أقرّ العلم بوجود الزمان‪ ،‬مع أنّ اإلنسان ال يمكن أن يدركه بأيّ حاسّة من حواسّه‪....‬‬
‫وھنا يُطرح سؤا ٌل آخر‪ ،‬وھو حول تم ّكن العقل البشريّ من تصوّ ر ﷲ‪.‬‬
‫تصور ﷲ‪:‬‬
‫قدرة العقل على‬
‫ّ‬
‫تصور ﷲ ّ‬
‫عز وجلّ‪:‬‬
‫ث ّمة ثالثة أقوال في مسألة تم ّكن العقل من‬
‫ّ‬
‫‪1‬ـ ذھب العرفاء إلى عدم إمكانيّة المعرفة العقليّة ‪ ،‬لك ّنھم في المقابل أيّدوا إمكانيّة المعرفة القلبيّة الشھوديّة‪ ،‬وأسبغوا‬
‫على ھذه المعرفة قيمة فائقة‪ ،‬فاعترضوا على من يريد أن )يتعلّم من كتاب العقل آية العشق(‪.13‬‬
‫‪2‬ـ نفى آخرون ك ّل معرف ٍة ‪ ،‬وا ّدعوا أنّ تصوّ ر ﷲ خارج عن قدرة الفكر البشريّ ‪ ،‬ألنّ تصوّ ر أيّ شي ٍء ھو لون من‬
‫اإلحاطة العلميّة به‪ ،‬فما يرد إلى الذھن الب شريّ م حدو ٌد‪ ،‬وا لذات اإللھي ّة ال يم كن اإلحا طة ب ھا‪ ،‬ألنّ ذا ته مطل ٌ‬
‫قة غ ير‬
‫محدودة‪.‬‬
‫ّ‬
‫المعطلة إلى أنّ المطلوب ھو االعتقاد المبھم كحال عامة الناس وأنكروا امكان معرفة ذات الباري‪.‬‬
‫من ھنا‪ ،‬ذھب‬
‫‪16‬‬
‫ويؤ ّيد ھؤالء كالمھم ببعض ما ورد من النصوص الدين ّية‪:‬‬
‫يقول أمير المؤمنين في ن ھج البال غة‪) :‬ا لذي ال يدر كه ب عد الھ مم‪ ،‬وال ينا له غوص الف طن(‪ ،14‬و في خط بة أ خرى‪:‬‬
‫)وأن ّ ك أ نت ﷲ ا لذي لم تت نا َه في الع قول فت كون في م ھبّ فكر ھا مك ّي فاً‪ ،‬وال في روي ّات خواطر ھا فت كون م حدوداً‬
‫مصرّ فا ً(‪ ،15‬كما ورد في بعض النصوص‪) :‬احتجب عن العقول كما احتجب عن األبصار(‪.16‬‬
‫ّ‬
‫المعطلة‪ ،‬من عجز العقل البشريّ عن معر فة ﷲ‪ ،‬غير صحيح‪،‬‬
‫‪3‬ـ وھناك جماعة من العلماء يقولون‪ :‬انّ ما طرحه‬
‫ّ‬
‫المعطلة ‪ -‬النصوص بشكل خاطئ‪ ،‬فإن ما تفيده ھذه الروايات ھو أنّ لإلمكانات العقلي ّة الب شريّة في معر فة‬
‫وقد فھم ‪-‬‬
‫ﷲ حدوداً معيّنة ال يمكن تجاوزھا وھو الصحيح‪.‬‬
‫ولذلك‪ ،‬يوجد في روايات المعصومين عليھم السالم توجي ھا ً للم سيرة العقلي ّة الب شريّة‪ ،‬ع لى خالف ما ي ُدّعى من أ ّن ھا‬
‫منعت العقل عن ورود ھذا المع ين‪ ،‬ي قول أ مير ال مؤمنين عل يه ال سالم ك ما روي ع نه‪ ) :‬لم يُط لع الع قو َل ع لى تحد يد‬
‫صفته‪ ،‬ولم يحجبھا عن واجب معرفته(‪.17‬‬
‫بل نحن نرى أنّ عل ّيا ً عليه السالم قد طرح أبحا ثا ً عمي قة ج ّداً وبطري قة ا ستدالليّة عقلي ّة وفل سفيّة في م جال اإللھي ّات‪،‬‬
‫أبحاثا ً ليس لھا سابق في تاريخ الفكر الفل سفيّ ‪ ،18‬و قد لع بت و صاياه دوراً ھام ّ ا ً في االھت مام باألب حاث اإللھي ّة العقلي ّة‬
‫وفي تطويرھا‪.‬‬
‫‪17‬‬
‫فالنتيجة‪ :‬صحيح أنّ العقول عاجزةٌ عن الوصول إ لى ك نه ال باري ّ‬
‫عز و جلّ‪ ،‬إال أ ّن نا نؤمن بأ ّن ھا تتمك ّ ن من معرف ته‬
‫ضمن حدود معيّنة‪ ،‬بل ثمّة مقدار واجب من ھذه المعرفة‪.‬‬
‫تصور ﷲ‪:‬‬
‫كيف ّية‬
‫ّ‬
‫تصورنا‬
‫التعرض لكيف ّية‬
‫ولتت ّمة البحث‪ ،‬ال بدّ من‬
‫ّ‬
‫ّ‬

‫ّ‬
‫عز وجلّ عبر عقولنا‪:‬‬

‫ال يمكن أن يرد تصوّ ر ﷲ إلى الذھن عن طريق الحواس‪ ،‬ذلك أنّ مدركاتنا الحسيّة م حدودة ومقي ّدة وﷲ ت عالى حقي قة‬
‫مطلقة‪ ،‬ال تنسجم المحدوديّة مع ذاته‪ ،19‬فھل يمكن تصوّ ره؟‬
‫مصداق حسيٍّ له لنتخيّله ثم نتع ّقله؟‬
‫ث ّم ما السبيل إلى تصوّ ره مع عدم وجود‬
‫ٍ‬
‫ٌ‬
‫مصداق ح سيٌّ ليت س ّنى ت صوّ رھا‪ ،‬بل ھو ت صوّ ر لسل سلة‬
‫إنّ تصوّ ر ﷲ ليس من نوع الماھيّات التي يلزم أن يكون لھا‬
‫من المعاني والمفاھيم )المعقوالت الفلسفيّة الثانية(‪ ،‬والتي ينتزعھا العقل مباشرة من الصور الحسيّة والخيالي ّة‪ ،‬وي كون‬
‫تصورّ ه لھا في الذھن كل ّيا ً‪.‬‬
‫فارق أنّ ت صوّ ر ﷲ ي كون مر ّك با ً من عدّة م فاھيم‪،‬‬
‫وھذا من قبيل تصوّ ر مفاھيم‪ :‬الوجود‪ ،‬الوجوب‪ ،‬العلّيّة‪ ،‬القِدَم‪ ،‬مع‬
‫ِ‬
‫نوان انتزا عيٍّ عا ٍّم‪ ،‬ك ـ‪ :‬وا جب الو جود‪ ،‬خالق ال كلّ‪ ،‬الك مال‬
‫ول يس من نوع الت صوّ ر لمف ھوم وا حد‪ ،‬فنت صوّ ر ﷲ بع ٍ‬
‫المطلق‪ ،‬العلّة األولى‪ ،‬دون أن نستطيع تصوّ ر كنه ذاته‪.‬‬
‫والنتيجة أنّ العقل الفلسفيّ قادر على معرفة ﷲ ضمن إطار المفاھيم العامّة‬
‫‪18‬‬
‫بال حاجة إلى مصداق حسيٍّ خارجيّ ‪ ،‬ويستطيع أن يحكم على ھذه المفاھيم‪ ،‬ممّا يؤسّس إلى علم معرفيّ برھانيّ ‪.20‬‬
‫المقدّمة الثالثة‪ :‬إثبات ﷲ خارج دائرتي الزمان والمكان‪:‬‬
‫عندما نبحث في مسألة التوحيد عن إثبات وجود ﷲ‪ ،‬فال ب ّد أن نبحث عن صفح ٍة خفي ّ ٍة خارج إ طار الز مان والم كان‪،‬‬
‫فال نبحث عن موجو ٍد نريد أن نعرف متى كان‪ ،‬كما ال نبحث عن موجو ٍد نسأل عنه أين ھو؟‪ ،‬أل ّن نا نب حث عن و جو ٍد‬
‫كليٍّ ومحيطٍ باألشياء‪ ،‬عن حقيق ٍة كامل ٍة مطلقةٍ‪ ،‬وليس عن شي ٍء كسائر األشياء‪.‬‬
‫عنصري الزمان والمكان في مسألة التوحيد‪.‬‬
‫إذاً ال ب ّد للباحث عن ﷲ أن ال يُقحم‬
‫َ‬
‫المكان ومحدود ّيته‪:‬‬
‫وعلى ھذا األساس نفھم أنّ النقاش الدائر حول النظريتين بشأن أبعاد العالم والفضاء الكوني‪ ،‬وأ ّنه ھل له نھا ية م ح ّددة‬
‫‪ 21‬أو أنه غير متناه‪ ،22‬ال ّ‬
‫يؤثر على مسألة إثبات وجود ﷲ‪ ،‬خالفا ً لما يتوھّمه البعض‪ .‬وتوضيح ذلك‪:‬‬
‫يعتقد البعض بأ ّنه لو ثبت أنّ الكون غير محدودٍ‪ّ ،‬‬
‫ألثر ذلك سلبا ً على إثبات التوح يد‪ ،‬وذ لك أل ّن نا لن ن جد مكا نا ً خارج‬
‫حدود كونِنا يقع فيه ھذا اإلله ومالئكته‪.‬وبالتالي اعتقدوا بأنّ من شروط االعتقاد بالتوحيد أن يكون ھذا الكون م حدوداً‪،‬‬
‫ليكون وراءه سما ٌء يكون ﷲ فيھا‪.‬‬
‫‪19‬‬
‫والجواب‪ :‬أنّ الموجود الذي ي ّتخذ لنفسه مكانا ً إلى جوار العالم ليس إلھا ً في الواقع‪ ،‬واإلله الحقيقيّ ال يحتاج في وجوده‬
‫و ﷲ فِـي‬
‫وھُ ـ َ‬
‫إلى مكان خاصّ به‪ ،‬بل ھو موجو ٌد في األرض وفي السماء وفي جميع المو جودات ع لى ح ّد سواء‪َ ﴿ :‬‬
‫ولﱡوا َ‬
‫األ َ ْرضِ‪َ ﴿ ،﴾23‬‬
‫ما َواتِ َوفِي ْ‬
‫م َو ْج ُه ﷲ﴾‪.24‬‬
‫فأَ ْي َن َ‬
‫الس َ‬
‫ما تُ َ‬
‫ﱠ‬
‫ف َث ﱠ‬
‫تناھي الزمان‪:‬‬
‫أمّا المسألة الثانية‪ ،‬ف ھي م سألة ت ناھي الز مان‪ ،‬ح يث يمھ ّد ك ثي ٌر من الموحّ دين األوربي ين لم سألة االعت قاد بو جود ﷲ‬
‫بمحدوديّة الزمان‪ ،‬فيتوھّمون بأ ّنه لنتم ّكن من إثبات و جود ﷲ‪ ،‬فال ب ّد أن ت كون للز مان بدا ً‬
‫ية‪ ،‬ألنّ ﷲ ھو ا لذي خ لق‬
‫تالزم حتميٍّ بين اإليمان با واالعتقاد بحدوث العالم )بأن ي كون له‬
‫العالم والزمان‪ .‬وبعبارة أخرى‪ :‬يتصوّ رون وجود‬
‫ٍ‬

‫نقطة بداية(‪.‬‬
‫وفي الواقع إنّ ھذه المسألة تش ّكل إحدى القضايا المھمّة التي اختلفت بشأنھا كلمة الموحّ دين م نذ ال قدم‪ ،‬فالمتكلّمون ھم‬
‫الذين يعتقدون بما تقدّم من ضرورة حدوث العالم‪ ،‬ويقع على الطرف النقيض منھم الفال سفة ح يث يرون ع كس ذ لك‪،‬‬
‫ونبيّن النظريّة التي يعتقد بھا الفالسفة في ما يلي‪:‬‬
‫نظر ّية الفالسفة‪:‬‬
‫ً‬
‫يعتقد الفالسفة اإللھيّون المسلمون‪-‬‬
‫قاطبة‪ -‬أنّ اإليمان با يستلزم االعتقاد بعدم وجود بداية للعالم‪ ،‬فإنّ و جود ﷲ ب ح ّد‬
‫ذاته دلي ٌل على عدم وجود بداي ٍة للعالم الكونيّ ‪ ،‬ألنّ وجوده ھو الو جود الكا مل وال تا ّم من جم يع الج ھات‪ ،‬وال ّ‬
‫منزه عن‬
‫جميع أشكال الوجود بالقوّ ة واالستعداد‪ ،‬فال يمكن أن يكون فاقداً لشي ٍء ث ّم‬
‫‪20‬‬
‫يحصل عليه فيما بعد‪ ،‬فھذا يعني أ ّنه واجب الوجود من جميع الجھات‪ ،‬فكل ما فيه واجبٌ وضروريّ ‪.‬‬
‫وھذا يصدق على فيضه وخالقيّته‪ ،‬فال يمكن أن ال يكون خالقا ً م نذ األزل ث ّم ي صبح خال قا ً في ما ب عد‪ ،‬فخالق ّي ته ال ب ّد أن‬
‫تكون غير محدودةٍ‪ ،‬كما أنّ إلھيّته غير محدودةٍ‪ ،‬ال في ذاتھا وال في أفعالھا‪.‬‬
‫وفي األدعية المأثورة ما يشير إلى ھذا المعنى‪ ،‬مثل تع بير‪ ) :‬يا قديم اإلح سان(‪ ،‬ف ھو يف يد أنّ اإلح سان اإلل ھيّ ‪ -‬ا لذي‬
‫يعني الخلق واإليجاد وإيصال الفيض اإللھيّ إلى مخلوقاته ‪ -‬ھو إحسانٌ قدي ٌم وموجو ٌد دائما ً‪.‬‬
‫القرآن والخالق ّية‪:‬‬
‫أمّا بالنسبة للمنطق القرآنيّ ‪ ،‬فھو عندما ي شير إ لى ھذا المو ضوع‪ ،‬فإنّ غا ية ما يثب ته ھو كون ﷲ ھو ال خالق‪ ،‬ي قول‬
‫تعالى‪َ ﴿ :‬‬
‫ق َو ْ‬
‫ك ﷲ َربﱡ‬
‫ه ا ْل َ‬
‫ُم ال إِلَ َ‬
‫ق ُ‬
‫ل َ‬
‫و َ‬
‫ه إِ ﱠال ھُ َ‬
‫م ُر تَبــ َا َر َ‬
‫ي ٍء﴾‪ ،25‬وفي آية أ خرى‪﴿ :‬أَال لَ ُ‬
‫األَ ْ‬
‫ُم ﷲ َربﱡك ْ‬
‫ك ِّ‬
‫خ ْل ُ‬
‫خالِ ُ‬
‫ذلِك ُ‬
‫ش ْ‬
‫ٌ‬
‫ِـين﴾‪ s‬دون أن يكون ثمّة ٌ‬
‫بداية أم ال‪.‬‬
‫فرق بين أن يكون العالم محدوداً أو غير محدودٍ‪ ،‬فا خلقه وكانت له‬
‫ا ْلعَالَم َ‬
‫معنى كون العالم مخلوقا ً ومعلوالً‪:‬‬
‫ٌ‬
‫مخلوق؟! فالمخلوق ھو الذي لم يكن ث ّم كان؟!‬
‫قد يسأل سائل‪ :‬إذا كان العالم قديماً‪ ،‬فكيف يمكن وصفه بأ ّنه‬
‫والجواب‪ :‬إنّ المخلوقيّة‪ -‬ومعلوليّة المعلول لعلّته‪ -‬ال تستلزم كون المعلول‬
‫‪21‬‬
‫زمان ث ّم يظ ھر للو جود الح قاً‪ ،‬بل يك في أن ي كون و جوده مفا ضا ً عل يه من غيره‪ ،‬وأن ت كون ذا ته قائ ً‬
‫مة‬
‫معدوما ً في‬
‫ٍ‬
‫ّ‬
‫بغيره‪ -‬بأن يكون ممكن الوجود‪ ،‬بحيث يكون وجوده بعل ّ ٍة خار ج ٍة عن ذا ته‪ .‬وإذا كان األ مر كذلك‪ ،‬فال يؤث ر ف يه أن‬
‫بعدم أو ال‪.‬‬
‫يكون مسبوقا ً ٍ‬
‫دور في كون ال شيء مع لوالً ل غيره أو ال‪ ،‬ف لو فر ضنا و جود شي ٍء من األزل إ لى األ بد‪،‬‬
‫إذاً‪ ،‬ليس للعدم الز مانيّ أيّ‬
‫ٍ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ولكنّ وجوده مرتھنٌ بوجود ﷲ ومفاضٌ منه ج ّل وعال‪ ،‬فإنّ ھذا الشيء يكون مخلوقا ومعلوال ‪ ،‬فـ )الحدوث ا لذاتيّ (‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫مخلوقة‬
‫لألشياء يكفي إلثبات كونھا‬
‫عز وج ّل‪.‬‬
‫وبعبارة أخرى‪ :‬إنّ معنى الخالق ھو أ ّنه القيّوم‪ ،‬أي الذي يقوم به عالم الخلق‪.‬‬
‫إفتقار الكون إلى ﷲ‪:‬‬

‫وممّا يتر ّتب على اعتقاد الفالسفة اإللھيّين‪ ،‬ھو أنّ ال كون ك ما ھو ف قي ٌر إ لى ﷲ في أ صل و جوده‪ ،‬ف ھو يفت قر إل يه في‬
‫استمراره أيضا ً‪.‬‬
‫وكذلك فإنّ الروح اإللھيّة لم ُتنفخ في الحيّ األوّ ل فحسب‪ ،‬بل الحياة دائما ً وفي ك ّل األحوال‪ ،‬سواء في البدا ية أم خالل‬
‫التكامل‪ ،‬ھي فيض إلھيّ ‪.‬‬
‫ٌ‬
‫بفيض إل ھيٍّ ‪ ،‬كذلك جم يع الب شر‪ .‬و لذلك ن جد ال قرآن ع ندما ي سرد قص ّة ال نبيّ آدم عل يه‬
‫مخلوق‬
‫فكما أنّ آدم أبا البشر‬
‫ٍ‬
‫ً‬
‫السالم‪ ،‬وبالرغم من أ ّنه يذكر مجموعة كبير ًة من الدروس والتعليمات‪ ،‬فإ ّنه لم يستدل بخلقه عليه السالم على التوح يد‪،‬‬
‫وذلك لما أشرنا إليه من أنّ اإلفاضة لم تقتصر على آدم عليه السالم ليقتصر استدالل القرآن ع لى التوح يد بقص ّته‪ ،‬بل‬
‫إفا ضة الح ياة من ﷲ ت ع ّم جم يع المخلو قات‪ ،‬و بذلك ي ستد ّل ع لى التوح يد‪ ،‬وال يتمس ّك في اال ستدالل ع لى التوح يد‬
‫بموضوع بدء الحياة والخليقة فحسب‪.‬‬
‫‪22‬‬
‫النتيجة‪:‬‬
‫يعتقد الفالسفة اإللھيّون بأنّ ﷲ خالق ھذا العالم الكونيّ بال حاج ٍة إلى سؤال‪ :‬متى خل قه؟‪ ،‬ألنّ ﷲ م ستم ٌر في إفا ضته‬
‫ٌ‬
‫بداية أم ال‪.‬‬
‫وخلقه لھذا العالم‪ ،‬سواء كانت له‬
‫‪23‬‬

‫ﺧﻼﺻﺔ اﻟﺪرس‬
‫ـ يمتاز المؤمنون عن الماديّين بأ ّنھم يعتقدون بعالم الغيب‪ ،‬باإلضافة إلى اعتقادھم بعالم الشھادة‪.‬‬
‫ـ يؤمن اإللھيّون بسلسلة اعتقاداتٍ‪ ،‬يقع على رأسھا مسألة التوحيد‪.‬‬
‫ـ ھناك عدّة مق ّدمات ال ب ّد منھا للوصول إلى نتيج ٍة صحيح ٍة في مسألة التوحيد‪:‬‬
‫صحيح لھا‪ ،‬وإذا أردنا أن‬
‫‪1‬ـ المقدّمة األولى‪ :‬إنّ التوحيد من نوع المسائل التي تكمن مشكلة حلّھا في وضع تصوّ ٍر‬
‫ٍ‬
‫أمور‪:‬‬
‫نضع تصوّ راً صحيحا ً لمسألة التوحيد‪ ،‬فال ب ّد من االلتفات إلى‬
‫ٍ‬
‫أ‪ -‬إنّ ما نريد إثباته ھو موجود في األشياء ومعھا‪ ،‬وليس إلى جنبھا‪.‬‬
‫ب‪ -‬وأ ّنه موجو ٌد ليس كمثله شيء‪.‬‬
‫ج‪ -‬وأنّ ھناك بعض المفاھيم المرتبطة به‪ ،‬فھو وجو ٌد ّ‬
‫منزهٌ وقدّوسٌ ‪...‬‬
‫‪2‬ـ المقدّمة الثانية‪ :‬ادّعى البعض بأنّ اإلنسان بأجھزته‪ -‬الحواسّ ‪ -‬التي يمتلكھا‪ ،‬عاج ٌز عن إدراك وجود ﷲ‪ ،‬على‬
‫فرض كان موجوداً‪ ،‬وھؤالء قد غفلوا عن إمتالك اإلنسان للقدرة الفكريّة التي تؤھّله إلصدار األحكام بشأن المسائل‬
‫غير المحسوسة‪.‬‬
‫ومطلق‪ ،‬محيطٍ باألشياء‪ ،‬فنبحث عنه خارج‬
‫‪3‬ـ المقدّمة الثالثة‪ :‬عندما نبحث عن ﷲ‪ ،‬فال ب ّد أن نبحث عن وجو ٍد كليٍّ‬
‫ٍ‬
‫دائرتي الزمان والمكان‪ ،‬ولذا‪ ،‬فال ّ‬
‫يؤثر في إثبات وجوده كون المكان محدوداً أو ال‪ ،‬وال كون الزمان متناھيا ً أو ال‪.‬‬

‫أﺳﺌﻠﺔ اﻟﺪرس‬
‫‪ -1‬أين تكمن مشكلة التوحيد‪ ،‬في التصوّ ر أو التصديق؟‬

‫‪ -2‬ما ھي أھ ّم المسائل التي ينبغي رعايتھا للعرض الصحيح لمسألة التوحيد؟‬
‫‪ -3‬ما ھي مشكلة من ادّعى عدم إمكان إثبات وجوده تعالى؟‬
‫‪ -4‬ھل يستطيع العقل أن يتصوّ ر ﷲ؟ وكيف؟‬
‫‪ -5‬ھل يقع البحث عن ﷲ في داخل دائرتي الزمان والمكان أو خارجھما؟‬

‫ﻫﻮاﻣﺶ‬
‫‪ -1‬البقرة‪.3 :‬‬
‫بحواسـھم الخارجيّـة‪ ،‬وھـذا من ال فوارق بيـن‬
‫ويحسـون ب ھا مبا شرة‬
‫ن الماديّين ال يؤمنون بأكثر من عالم الطبيعـة وال مادّة الـتي يشـھدونھا‬
‫‪ -2‬في المقابل فإ ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ي ھـو الـذي ينكــر‬
‫الماديّين واإللھيّين‪ .‬فيما يحاول البعض المغالطة في ذلك‪ ،‬حيث يعتمد التمييز بينھما ـ كما نشاھد في الكتب الفلسفيّة األوروبيّة ـ بكون الماد ّ‬
‫ي الذي ينكر وجودھا ويؤمن بوجود الروح فحسب‪.‬‬
‫وجود الروح ويؤمن بوجود المادّة‪ ،‬في مقابل المثال ّ‬
‫‪ -3‬سيأتي في البحوث الالحقة بحث التالزم بين اإليمان با‬
‫‪ -4‬نھج البالغة ‪ /‬الخطبة األولى‪.‬‬

‫واإليمان بوحدانيّته‪ ،‬ونحن ھنا ننطلق من منطلق الترادف بينھما‪.‬‬

‫ي أكثرھم‪.‬‬
‫‪ -5‬احتدم الجدل حول مسألة الزمان منذ أمد بعيد بين العلماء والفالسفة‪ ،‬فنفى كثير وجوده‪ ،‬فيما أثبته كوجود خارج ّ‬
‫‪ -6‬الحديد‪.4 :‬‬
‫‪ -7‬البقرة‪.115 :‬‬
‫‪ -8‬الحديد‪.3:‬‬
‫‪ -9‬الشورى‪.11 :‬‬
‫‪ -10‬الصافات‪.180:‬‬
‫ي يم كن أن‬
‫ي ممكن حتى مع عـدم وجـود عليّـة‪ ،‬كمـا أ ّ‬
‫ي‪ ،‬فإ ّ‬
‫‪ -11‬وليس المراد من العليّة ما يتو ّ‬
‫ن التوالـي الزمـان ّ‬
‫ن التوالي الزمان ّ‬
‫ھمه البعض من التوالي الزمان ّ‬
‫تدركه العين‪ ،‬من غير أن تحكم بارتھان وجود الثاني لوجود األوّل!‬
‫‪ -12‬كذلك استحالة الدور والتسلسل‪.‬‬
‫ي إلى ﷲ‪ ،‬والذي ھو طريق الفطرة إلى إثبات وجود ﷲ‪ ،‬بـ‪) :‬العشق(‪ ،‬وسيأتي ذلك في بحث طريق الفطرة‪.‬‬
‫ي القلب ّ‬
‫‪ -13‬يعبّر العرفاء عن االنجذاب الباطن ّ‬
‫‪ -14‬نھج البالغة‪ /‬الخطبة األولى‪.‬‬
‫‪ -15‬نھج البالغة‪ /‬الخطبة ‪.89‬‬
‫‪ -16‬تحف العقول ‪ -‬ص‪.245‬‬
‫‪ -17‬م‪.‬ن‪ /.‬الخطبة ‪.49‬‬
‫دث عن التوحيد‪ ،‬وھي مليئة بمثل األبحاث المذكورة‪.‬‬
‫‪ -18‬يمكن مالحظة خطب نھج البالغة الكثيرة التي تتح ّ‬
‫ن اإلدراكات الحسيّة من مقولة ال نعثر فيھا على تصوّر ﷲ‪.‬‬
‫‪ -19‬كما أ ّ‬
‫‪ -20‬بالنسبة لتفاصيل كيفيّة معرفة ﷲ وصفاته‪ ،‬فإنّھا ستأتي أخيراً ضمن البحث عن وحدانيّته وصفاته تعالى‪ ،‬بعد أن نثبت وجوده في البحوث األولى‪.‬‬
‫‪ -21‬كما يعتقد إينشتاين‪.‬‬
‫‪ -22‬كما يذھب إليه موريس مترلينغ‪.‬‬
‫‪ -23‬األنعام‪.3 :‬‬
‫‪ -24‬البقرة‪.115 :‬‬
‫‪ -25‬األنعام‪.102 :‬‬
‫‪ -26‬األعراف‪.54 :‬‬

‫اﻟﺪرس اﻟﺜﺎﻧﻲ‪ :‬ﻃﺮق اﻟﺘﻮﺣﻴﺪ‪ ،‬ﻃﺮﻳﻖ اﻟﻔﻄﺮة‬
‫أھداف الدرس‬
‫‪ 1‬ـ تعداد طرق إثبات وجود ﷲ‪.‬‬
‫‪ 2‬ـ إثبات عجز العلم عن الكشف على وجود ﷲ استقالال‪ً.‬‬
‫‪ 3‬ـ معرفة دليل الفطرة الدال على وجود ﷲ‪.‬‬
‫‪ 4‬ـ النصوص الحاكية عن دليل الفطرة الشرعية والعلمية‪.‬‬
‫‪ 5‬ـ فھم موقف الفالسفة والعرفاء من الطريق الفطري‪.‬‬
‫‪ 6‬ـ تحديد أسلوب تنمية التوجه الفطري‪.‬‬
‫‪25‬‬

‫طرق إثبات وجود ﷲ‪:‬‬
‫ٌ‬
‫طرق رئيسة‪ ،‬يتفرّ ع عنھا‬
‫عام إلى ثالثة‬
‫يمكن تصنيف طرق إثبات وجود ﷲ‬
‫طرق أخرى‪ ،1‬وھي كما يلي‪:‬‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫بشكل ٍ‬
‫‪1‬ـ طريق الفطرة‪.‬‬
‫العلمي وشبه الفلسفي‪.‬‬
‫‪2‬ـ الطريق‬
‫ّ‬
‫الفلسفي‪.‬‬
‫‪3‬ـ الطريق‬
‫ّ‬
‫بيان عا ّم للطرق‪:‬‬
‫ونبيّن بإختصار ھذه الطرق‪ ،‬ح ّتى ي ّتضح الفارق بينھا‪.‬‬
‫‪1‬ـ طريق الفطرة‪:‬‬
‫ويعبّر عنه أيضا ً بطريق القلب‪ ،‬وينطلق ھذا الطريق من خالل باطن اإلنسان و اإلحساس الكامن في كيان ك ّل إن سان‪ ،‬ف قد‬
‫إحساس وميل ذاتيّ يھديه بصور ٍة طبيع ّي ٍة إلى ﷲ ويجذبه إليه‪.‬‬
‫ج ُِبل اإلنسان في فطرته وخلقته على‬
‫ٍ‬
‫‪27‬‬

‫فھذا الطريق ينطلق من النفس‪ ،‬ليستكشف تلك الجاذبيّة التي تربطه بحقي قة إ سمھا )ﷲ(‪ ،‬ليث بت من خالل ذ لك و جود ھذه‬
‫ٌ‬
‫عالقة بالعلم التجريبيّ أو بالفكر واالستدالل‪.‬‬
‫الحقيقة‪ ،‬من دون أن يكون له‬
‫العلمي‪:‬‬
‫‪2‬ـ الطريق‬
‫ّ‬
‫وھو المعبَّر عنه بطريق الحسّ أو العلوم التجريبيّة‪ ،‬والذي يقوم على أساس التجارب واالختبارات‪ .‬ونحن نعرف أنّ مھم ّة‬
‫الع لم ھي التعر يف بظوا ھر ال عالم‪ .‬و لذلك فإنّ اكت شافات الع لم ال ب ّد أن ت كون م حدود ًة‪ ،‬كاكت شاف العنا صر والكوا كب‬
‫السيّارة‪ ....‬فينطلق ھذا الطريق من الموجودات والمخلوقات واألمور المحسوسة إلثبات و جود ﷲ‪ .‬و من ھ نا‪ ،‬ي ستحيل أن‬
‫يقوم العلم وحده بالكشف عن ﷲ وتعريفه ـ خالفا ً لرأي األكثر‪ -‬فإنّ الشيء الذي يحيط به العلم ويخ ضعه لتجار به ال يم كن‬
‫أن يكون إلھا ً وال روحا ً وال زما نا ً وال غير ھا من األ مور ا لتي ل يس ل ھا حدود‪ ،‬ف ھذه األ مور خار جة عن دا ئرة التجر بة‬
‫وأدواتھا‪.‬‬

‫وبعبارة أخرى‪ ،‬فإنّ طريق العلم التجريبيّ يبحث عن العناصر التي تكون إلى ج نب األ شياء‪ .‬و قد ذكر نا في الم قدّمات أنّ‬
‫من خصوصيّات مسألة التوحيد أ ّنھا من نوع الم سائل ا لتي يُب حث في ھا عن مو جود ال ي قع إ لى جا نب األ شياء‪ ،‬وإ ّن ما ھو‬
‫موجو ٌد في األشياء ومعھا‪.‬‬
‫مباشر ومستق ٍّل من الكشف عن ﷲ ّ‬
‫دور العا مل الم ساعد في عملي ّة‬
‫بشكل‬
‫إذاً‪ ،‬ال يتم ّكن العلم‬
‫عز و جل‪ ،‬وإ ّن ما يل عب الع لم َ‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫الكشف ھذه‪ ،‬وذلك بعد أن نض ّم إليه العقل)الفلسفة(‪ ،‬فنستعين بالعلم لمعرفة ﷲ عن طريق مخلوقاته التي نحسّ بھا‪.‬‬
‫ولذا‪ ،‬فالجدير أن يسمّى ھذا الطريق بالطريق شبه الفلسفيّ ‪.‬‬
‫‪28‬‬

‫الفلسفي‪:‬‬
‫ـ الطريق‬
‫ّ‬
‫وھــو طريــق العقــل واالســتدالل البرھــانيّ ‪ ،‬ويقــوم علــى سلســلة مــن المعــاني والمفــاھيم‪ ،‬وبوســيلة نــوع مــن المحاســبات‬
‫والتقسيمات الذھنيّة والعقليّة‪ ،‬يمكن إثبات وجود ﷲ‪ .‬فال حاجة في ھذا الطر يق لإل ستناد إ لى معر فة المخلو قات والظوا ھر‬
‫الموجودة والمحسوسة‪ .‬ولذا‪ ،‬فھو طريق فلسفيّ محض‪.‬‬
‫وخالصة الكالم‪ :‬أنّ طرق معرفة ﷲ الثالثة‪ ،‬بعضھا يرتبط بالقلب واألحاسيس الذاتي ّة الفطري ّة‪ ،‬وبع ضھا ي ستند إ لى الع لم‬
‫التجريبيّ فيستد ّل بالمخلوق على معرفة ﷲ‪ ،‬والطريق األخير يعتمد االستدالل والبرھان العقليّ ‪.‬‬
‫ونشرع في بيان ھذه الطرق الواحدة تلو األخرى‪ ،‬ونفصلھا في بحوث‪.‬‬
‫طريق الفطرة‪:‬‬
‫ذكرنا أنّ طريق الفطرة ھو الطر يق األوّ ل في إث بات و جود ﷲ‪ ،‬و ھو يعت مد ع لى التعل ّق ا لذاتيّ واالن جذاب المو جود في‬
‫إنسان‪ ،‬بحيث يھديه بالطبع والغريزة إلى المبدأ ج ّل وعال‪ ،‬من غير أن يعت مد ع لى التجر بة العلمي ّة أو اال ستدالل‬
‫كيان ك ّل‬
‫ٍ‬
‫والبرھان الفلسفي‪ .‬وتوضيحه‪:‬‬
‫أجھزة اإلنسان‪:‬‬
‫يمتلك اإلنسان نوعين من األجھزة‪:‬‬
‫الحس واإلدراك‪:‬‬
‫‪1‬ـ جھاز‬
‫ّ‬
‫ونقصد به ما يدركه بحواسّه الخمس ـ أو أكثر ـ باإلضافة إلى تع ّقله وتفكيره بواسطة العقل واإلدراك وتحليله لما أحسّ به‪،‬‬
‫وھو الجھاز الذي يعتمد عليه في‬
‫‪29‬‬

‫اإلحساس بالموجودات من حوله‪ ،‬ويصل من خالله إلى اكتشاف العلوم الطبيعيّة‪ ،‬وإلى اكتساب المعارف الفلسفيّة‪.‬‬
‫‪2‬ـ الميول واألحاسيس‪:‬‬
‫لدى اإلنسان جھاز آخر ّ‬
‫يتمثل بتلك الميول الكامنة في نفسه والتي ترتبط بقل به ـ ح سب اإل صطالح ال شائع ـ‪ ،‬إذ تو جد في‬

‫اإلنسان مجموعة من الميول والغرائز‪ ،‬بعضھا من الغرائز الحيوانيّة‪ ،‬كغريزة الرغبة في الطعام والجنس‪ ،‬وبعضھا ي ش ّكل‬
‫ً‬
‫مجموعة من الميول والتطلّعات السامية‪ ،‬كالميل إلى الفضائل وإلى البحث والتحقيق)حبّ االستطالع والمعرفة(‪.‬‬
‫وھنا نشير إلى أنّ أكثر العلماء يقرّ ون ويسلّمون بوجود ھذه الميول واألحاسيس‪.‬‬
‫تقرير طريق الفطرة‪:‬‬
‫ٌ‬
‫مرتبط بحقي ق ٍة ير غب في الت قرّ ب من ھا‪ ،‬مت حرّراً من‬
‫إذا تبيّن ذلك نقول‪ :‬إذا رجع اإلنسان إلى نفسه‪ ،‬فإ ّنه سوف يرى أن ّ ه‬
‫سجن )األنا(‪ ،‬فيندفع إلى التسبيح لھا والسير إليھا‪.‬‬
‫سام كامنٌ في مركز ميول اإلنسان القلبيّة ـ ال العقليّة ـ يدفعه إلى االعتراف با وعبادته والسير إليه‪.‬‬
‫إذاً‪ ،‬ھناك مي ٌل ٍ‬
‫إنسان نزو عا ً وإ ندفاعا ً داخل يا ً ن حو م صدر ال عالم‪ ،‬ون حو ال قدرة المطل قة والع لم المط لق‬
‫وبعبارة أخرى‪ :‬إنّ في قرارة ك ّل‬
‫ٍ‬
‫ٌ‬
‫مخلوق ضمن فطرة ك ّل إن سان‪ ،‬ول كن يحجب ھم ع نه ستار الغف لة ال ماديّ ‪ ،‬فإذا ا نزاح ھذا‬
‫والوجود المطلق‪ ،‬فاالعتقاد با‬
‫ال ستار‪ ،‬يرى اإلن سان مع بوده الف طريّ ‪ .‬و لذا‪ ،‬فإنّ اإلن سان إذا أ حسّ بالخطر وال ضرر وانقط عت ع نه األ سباب المادي ّة‬
‫والظاھريّة يحيا ھذا الشعور‬
‫‪30‬‬

‫الفطريّ من جديد‪ ،‬فيندفع ھذا اإلنسان إلى ﷲ وينسى العلل واألسباب الظاھريّة‪ ،‬وذ لك ما أ شار إل يه اإل مام ال صادق عل يه‬
‫السالم عندما جاءه ذ لك الر جل المتحي ّر و قال له‪ ) :‬يا ا بن ر سول ﷲ‪ ،‬دل ّني ع لى ﷲ ما ھو؟‪ ،‬ف قد أ كثر ع ليّ الم جادلون‬
‫وحيّروني‪ ،‬فقال له‪ :‬يا عبد ﷲ‪ ،‬ھل ركبت سفينة قط؟ قال‪ :‬نعم‪ ،‬قال‪ :‬فھل ك سرت بك ح يث ال سفينة تنج يك‪ ،‬وال سباحة‬
‫تغنيك؟‪ ،‬قال‪ :‬نعم‪ ،‬قال‪ :‬فھل تعلّق قلبك ھنالك أنّ شيئا ً من األ شياء قادر ع لى أن يخلّ صك من ورط تك؟‪ ،‬قال‪ :‬ن عم‪ ،‬قال‬
‫منجي‪ ،‬وعلى اإلغاثة حيث ال مغيث(‪.2‬‬
‫الصادق عليه السالم‪ :‬فذلك الشيء ھو ﷲ القادر على اإلنجاء حيث ال ّ‬
‫القرآن والفطرة‬
‫وي ع ّد اإل سالم أوّ ل من أ ماط الل ثام عن حقي قة أنّ ﷲ سبحانه قد خ لق اإلن سان مف طوراً ع لى ا لدين‪ :‬و من أ برز اآل يات‬
‫وأوضحھا قوله ت عالى‪َ ﴿:‬‬
‫ت ﷲ الﱠتِي َ‬
‫خ ْلقِ ﷲ َ‬
‫حنِيفاً فِ ْ‬
‫ل لِ َ‬
‫ِيـن‬
‫فطَ َر ال ﱠن‬
‫ج َ‬
‫اس عَ لَ ْي َ‬
‫ذلِ َ‬
‫ھا ال تَ ْبدِي َ‬
‫َ‬
‫ِين َ‬
‫ك ال ّ‬
‫ط َر َ‬
‫ك لِل ّ‬
‫ھ َ‬
‫فأَق ْ‬
‫ِم َو ْ‬
‫د ُ‬
‫د ِ‬
‫‪3‬‬
‫ِن أَ ْك َث َر ال ﱠناسِ ال يَ ْعلَ ُمونَ ﴾ ‪.‬‬
‫م َولَك ﱠ‬
‫ا ْلق َِي ّ ُ‬
‫تنبيه القرآن إلى طريق الفطرة‪:‬‬
‫ت متع ّدد ٍة إلى طريق الفطرة‪ .‬ولذلك‪ ،‬فإنّ القرآن يُع ّد أ صل ھذا الطر يق‪ ،‬ويعب ّر ال قرآن عن ھذه الحقي قة‬
‫نبّه القرآن في آيا ٍ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫خ َ‬
‫م‬
‫ِن بَنِـي آ َ‬
‫وإِ ْذ أ َ‬
‫د َ‬
‫ذ َربﱡ َ‬
‫بأشكال متعدّدةٍ‪ ،‬فيعتمد أحيانا لغة الرمز واإلشارة‪ ،‬كما في )آية عالم الذرّ ( وھي قوله تعالى‪َ ﴿ :‬‬
‫كم ْ‬
‫ٍ‬
‫ُم َ‬
‫م َ‬
‫َـن‬
‫ة إِن ﱠا ُ‬
‫م ِ‬
‫علَى أَ ْن ُف ِ‬
‫ش َ‬
‫قالُوا بَلَى َ‬
‫ك ﱠنا ع ْ‬
‫م ا ْل ِق َيا َ‬
‫و َ‬
‫م أَلَ ْ‬
‫ھ ْدنَا أَنْ تَقُولُوا يَ ْ‬
‫ھدَھُ ْ‬
‫م َوأَ ْ‬
‫ِم ُذ ِرّيﱠ َت ُھ ْ‬
‫ِن ظ ُُھو ِرھ ْ‬
‫م ْ‬
‫ت بِ َربِ ّك ْ‬
‫ھ ْ‬
‫س ُ‬
‫ش ِ‬
‫س ِ‬
‫‪4‬‬
‫ھ َذا َ‬
‫َ‬
‫ِم﴾‬
‫غافِل َ‬
‫ِن ظ ُُھو ِرھ ْ‬
‫ِين ﴾‪ ،‬فالمقصود من قوله‪﴿ :‬م ْ‬

‫‪31‬‬

‫أ ّنه جذبھم إليه وھم ال يزالون في أصالب آبائھم‪ .‬ولذلك‪ ،‬فھو لم يعبّر بأ ّنه أخذ من ظھر آدم الذريّة بل عب ّر من ظ ھورھم‪،‬‬
‫ُم﴾ فأقرّ وا و‪َ ﴿ :‬قالُوا بَلَى﴾‪.‬‬
‫وأشھدھم على أنفسھم وسألھم‪﴿ :‬‬
‫ألست بِ َربِ ّك ْ‬
‫ُ‬
‫ومن ذلك قوله‬

‫م ُنوا َوتَ ْ‬
‫ر ﷲ تَ ْ‬
‫مئِنﱡ‬
‫م بِ ِ‬
‫ر ﷲ أَال بِ ِ‬
‫ط َ‬
‫ط َ‬
‫ِين آ َ‬
‫تعالى‪﴿ :‬الﱠذ َ‬
‫مئِنﱡ ُقلُو ُب ُھ ْ‬
‫ذ ْك ِ‬
‫ذ ْك ِ‬

‫ُوب﴾‪.5‬‬
‫ا ْل ُقل ُ‬

‫حيث تبيّن اآلية أنّ أي قوّ ة سوى ﷲ عاجزةٌ عن بعث الطمأنينة والسكينة فيه‪ ،‬وما ذلك إال للتوجّ ه والم يل ال باطني لإلن سان‬
‫بفطرته إلى ﷲ‪.‬‬
‫والقرآن إذ يبيّن ھذه الحقيقة‪ ،‬فھو تار ًة يبيّنھا بمفھومھا الخاصّ )أي يبيّن التوجّ ه والميل لدى خصوص اإلنسان(‪ ،‬وذلك من‬
‫قبيل اآليات اآلنفة الذكر‪ ،‬وأخرى يبيّنھا بمفھومھا العام القائل بأنّ جميع المخلوقات ‪ -‬ب ما في ھا اإلن سان ‪ -‬تت حرّك ن حو ﷲ‪،‬‬
‫يقول تعالى‪﴿ :‬أَ َ‬
‫ف َ‬
‫و ْ‬
‫و َ‬
‫ج ُعونَ ﴾‪.6‬‬
‫ن فِي‬
‫ِين ﷲ يَ ْب ُ‬
‫وإِلَ ْي ِ‬
‫ك ْرھاً َ‬
‫األ َ ْرضِ طَ ْوعاً َ‬
‫سلَ َ‬
‫ه ُي ْر َ‬
‫ما َواتِ َ‬
‫غونَ َولَ ُ‬
‫الس َ‬
‫م َ‬
‫ه أَ ْ‬
‫ﱠ‬
‫م ْ‬
‫غ ْي َر د ِ‬
‫األحاديث والفطرة‪:‬‬
‫وكذلك نجد اإلشارة إ لى و جود االعت قاد با في ف طرة وع مق ك ّل إن سان في األحاد يث‪ ،‬ك ما في ال حديث ال شريف‪ ) :‬كل ّ‬
‫يمج سانه(‪ .7‬و في الخط بة األو لى من خ طب ن ھج‬
‫مو لود يو لد ع لى الف طرة‪ ،‬حتى ي كون أ بواه ّ‬
‫يھودا نه أو ينص ّ رانه أو ّ‬
‫البالغة يقول أمير المؤمنين عليه السالم‪...) :‬فبعث في ھم ر سله‪ ،‬ووا تر إلي ھم أنب ياءه لي ستأدوھم مي ثاق فطر ته‪ ،‬ويذ ّكرو ھم‬
‫منسيّ نعمته‪ ،(...‬إلى غير ذلك من األحاديث الكثيرة في ھذا الباب‪.‬‬
‫‪32‬‬

‫و قد أي ّد ھذا الطر يق ك ّل من عل ماء الن فس والفال سفة والعر فاء‪ ،‬إال أنّ ك ّل وا ح ٍد قام ببيا نه ع لى طريق ته وو فق أدوا ته‬
‫واصطالحاته‪ ،‬ونتعرّ ض لذلك على نحو االختصار‪.8‬‬
‫موقف علماء النفس والفالسفة‬
‫المعاصرين تجاه فطر ّية التوحيد‪:‬‬
‫قام علماء النفس المعاصرون بالكشف بواسطة التجربة وأساليب علم النفس عن اإلحساس ا لذاتيّ واالن جذاب المع نويّ إ لى‬
‫ﷲ‪ ،‬و لذلك‪ ،‬فإنّ من النظري ّات المھم ّة والر صينة في أدلّت ھا ا لتي توص ّل إلي ھا المح ّق قون من عل ماء الن فس ھي النظري ّة‬
‫المؤيّدة لحقيقة فطريّة معرفة ﷲ‪ ،9‬ونتعرّ ض ألھ ّم ھؤالء‪:‬‬
‫ـ عالم الن فس ال شھير يو نغ‪ :‬يوا فق )يو نغ( ما قام بك شفه أ ستاذه )فرو يد( من عدم ح صر ال شعور اإلن ساني بم صداقه‬
‫شعور غفلوا عنه ھو‪ :‬ال شعور ال باطنيّ في اإلن سان‪ ،‬ويعت قد أنّ ھذا ال شعور مو جو ٌد في‬
‫الظاھر‪ ،‬ويعتقد‪ -‬بالتالي‪ -‬بوجود‬
‫ٍ‬
‫إنسان وأصل خلقته قبل أن يولد ويأتي إلى الدنيا‪.‬‬
‫فطرة ك ّل‬
‫ٍ‬
‫إلى ذلك يعتقد )يونغ( بأنّ االعتقاد با عنصر أصليّ في الشعور الباطنيّ ‪.10‬‬
‫ـ عالم النفس والفيلسوف األميركي وليم جيمس‪ :11‬ويع ّد ھذا ال عالم من ال مدافعين ب قوّ ة عن م سألة و جود الم يل وا لنزوع‬
‫الغريزيّ لالعتقاد با في كيان‬
‫‪33‬‬

‫اإلنسان‪ ،‬فھو يعتقد بأنّ معظم الرغبات والميول الموجودة فينا ھي منبعثة من عالم ما وراء الطبي عة وال سيّما ت لك الم يول‬
‫السامية‪ ،‬ولذلك‪ ،‬فإ ّنه من غير الممكن تفسير الك ثير من ھذه الم يول ع لى ضوء الح سابات المادي ّة والعقالئي ّة )أي المنا فع‬
‫والم صالح(‪ .‬و ھذا إن د ّل ع لى شيء فإن ّ ه يد ّل ع لى أنّ تعلّق نا بذلك ال عالم أ ش ّد وأ قوى من تعلّق نا ب ھذا ال عالم المح سوس‬
‫والمعقول‪ .‬ويصرّح ھذا العالم بما ذكرناه من حقيقة فطريّة الميل ن حو ﷲ‪ ،‬و ھو ي قول‪) :‬إن ّني مقت نع ‪ -‬وب قوّ ة‪ -‬ب كون الق لب‬

‫منبع الحياة الدينيّة ومبعث التوجّ ه الدينيّ )‪ ،(...‬وإ ّنني مقت نع بأنّ ا لرؤى والم ناھج العملي ّة الفل سفيّة والتوحيدي ّة ھي بمثا بة‬
‫ترجمات لحقائق كتبت بلغة أخرى(‪.‬‬
‫ـ ألكسيس كارل‪ :‬يدافع ھذا العالم الم شھور في كتا به )ا لدعاء( بح ماس عن نظري ّة ال حسّ ا لديني وكو نه حس ّ ا ً أ صيالً في‬
‫اإلنسان‪ .‬فمثالً عندما يتح ّدث عن أصالة الدعاء‪ ،‬يقول‪) :‬ا لدعاء عروج رو حيّ إ لى ﷲ‪ ،‬و ھو عروج ا لروح الحقي قيّ إ لى‬
‫ﷲ(‪ .‬وفي فقرة أخرى يقول‪) :‬الدعاء أسمى حا لة ديني ّة مق ّد سة‪ ،‬ح يث تح لق روح اإلن سان إ لى ﷲ‪ ...‬ويو جد في الو جدان‬
‫اإلنسانيّ شعلة تعرّ ف اإلنسان إلى خطاياه وانحرافاته‪ ،‬وھي التي تصدّه عن الوقوع فيھا‪.(...‬‬
‫صلوا إلى عين ھذه النتائج‪:‬‬
‫ومن الفالسفة المعاصرين الذين تو ّ‬
‫المؤرخ والفيلسوف الفرنسي أرنست رينان‪ :‬ينقل فريد و جدي في دا ئرة الم عارف عن )ري نان( قو له‪ ) :‬من المم كن أن‬
‫ـ‬
‫ّ‬
‫ي ضمح ّل ويتال شى ك ّل شي ٍء نحب ّه و ك ّل شيء ن عدّه من مالذ الح ياة ونعيم ھا )‪ ،(...‬ول كن ي ستحيل أن ينم حي ال تديّن أو‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ناطقة ع لى ب طالن ال مذھب ال ماديّ ا لذي يو ّد أن يح صر الف كر اإلن سانيّ في الم ضائق‬
‫حجة‬
‫يتالشى‪ ،‬بل سيبقى أبد اآلباد‬
‫الدنيئة للحياة الطينيّة(‪.12‬‬
‫‪34‬‬

‫ّ‬
‫عز وجلّ‪:‬‬
‫صرحوا بفطر ّية الدين واالعتقاد با‬
‫ومن العلماء الذين ّ‬
‫ـ إينشتاين‪ :‬يقول في كتابه )العالم كما أراه أنا(‪ ..) :‬يو جد اعت قاد ود ين)‪ (...‬مو جو ٌد في الجم يع بال إ ستثناء‪ ،‬وإن كان ال‬
‫يوجد بصور ٍة نق ّي ٍة وخالص ٍة بالكامل في أيٍّ من ھم‪ .‬وأعت قد أنّ ھذا ھو إح ساسٌ د ينيٌّ كامنٌ في خل قة اإلن سان أو و جوده(‪،‬‬
‫صور مختل فةٍ‪ ،‬بل عن إ له ھو أع ظم من أن ي كون باإلم كان‬
‫ويقول الحقا ً‪..) :‬إنّ الحديث ھنا ليس عن اإلله ا لذي يظ ھر ب‬
‫ٍ‬
‫وصفه(‪.13‬‬
‫الفطري ‪:‬‬
‫الطريق‬
‫ّ‬
‫قد يتوھّم البعض بأنّ علماء النفس المعاصرين ھم السبّاقون في مجال اكتشاف ذلك االنجذاب الباطني الكامن في ك ّل وا ح ٍد‬
‫م ّنا نحو ﷲ‪ ،‬إال أنّ ھذا األ مر كان قد سبق إل يه الفال سفة‪ ،‬و قد ب ّي نوا ھذه الحقي قة و فق طريقتھم في اال ستدالل والبر ھان‬
‫الفلسفيّ ‪.‬‬
‫العرفاني ‪:‬‬
‫المسلك‬
‫ّ‬
‫ومم ّن سبق العل ما َء المعا صرين في ك شف حقي قة االن جذاب ال باطني لإلن سان إ لى ﷲ العر فاءُ‪ ،‬بل ي ع ّد أ صحاب الم سلك‬
‫العر فانيّ من أ ش ّد المتح ّم سين والمھتمي ّن بحقي قة فطري ّة التوج ّ ه إ لى ﷲ‪ ،‬إ لى در ج ٍة جع لت العر فاء ينت قدون الفال سفة‬
‫ويھاجمون الحك ماء ح ين أف نوا ج ھدھم في االعت ماد ع لى الع قل واال ستدالل‪ ،‬وي ّتھ مونھم بأ ّنھم لم يدركوا قي مة ھذه ال قوّ ة‬
‫المعنويّة التي أسموھا واصطلحوا عليھا بمصطلح‪) :‬العشق( الذي يكثر في األدبيّات العرفانيّة‪.14‬‬
‫‪35‬‬

‫بل ذھب العرفاء إلى أبعد من ذلك‪ ،‬حيث اعتبروا أنّ اإلنسان ال يمكن أن يع بد غير ﷲ‪ .‬ف حتى في م ثل الو ثنيّ ‪ ،‬فإن ّ ه يع بد‬
‫ﷲ من حيث ال يدري‪ ،‬ففطرته تدفعه إلى عبادة ﷲ‪ ،‬ولك ّنه يخطئ في تشخيص المصداق‪.15‬‬
‫الفطري ‪:‬‬
‫التوجه‬
‫تنمية‬
‫ّ‬
‫ّ‬

‫الفطري؟‬
‫التوجه‬
‫والسؤال الذي يطرح نفسه ھو‪ :‬كيف يمكن تبليغ أو تقوية ھذا‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫وفي جواب ذلك نقول‪ :‬إنّ ھذا الحسّ األصيل الموجود في اإلنسان ھو من قبيل ال حسّ ال فنيّ كاإلح ساس بالج مال‪ ،‬و لذلك‪،‬‬
‫وتدريس إليجاده‪ ،‬بل ھو موجود في داخل اإلنسان‪ ،‬فھو إ ّنما يحتاج إلى إثار ٍة فحسب‪ ،‬بحيث يُح فظ‬
‫تعليم‬
‫فھو ال يحتاج إلى‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫ح ّيا ً في وجودنا‪.‬‬
‫ومن طرق إثارة ھذا الحسّ مسأل ُة العبادات‪ ،‬فاإلنسان بعد أن يقت نع بوا سطة ال طرق األ خرى ـ كاالقت ناع العق ليّ ـ بتوح يد‬
‫ﷲ‪ ،‬لكي يصير موحّ داً عمل ّيا ً ولكي ينمّي ھذا اإلحساس فال ب ّد أن يلجأ إلى العبادات بشروطھا المطلوبة‪.16‬‬
‫وأمّا العوامل التي تضعف ھذا الميل والتوجّ ه‪ ،‬فھي الرغبات التي تسوق اإلنسان إلى الحياة الماديّة الدانية واالنحطاط‪.‬‬
‫إشكال ور ّد‪:‬‬
‫يتوھّم بعض الناس أنّ اإلنسان بطبعه يرغب في التنوّ ع ويميل إليه‪ ،‬فھو يطلب‬
‫‪36‬‬

‫شيئا ً ويميل إليه ث ّم بعد أن يصل إليه يتبدّل شوقه إلى برود وملل‪ ،‬ثم يميل إلى شي ٍء آخر‪ ،‬وھكذا‪...‬‬
‫وبنا ًء عليه فإنّ اإلنسان يطلب التنوّ ع بح ّد ذاته‪.‬‬
‫و ھذا ال توھّم با طلٌ‪ ،‬فإنّ ال سبب في كون اإلن سان يط لب الت نوّ ع ھو أن ّ ه يط لب أ ھدافا ً متوھ مة ين جذب إلي ھا باعت قاد أ ّن ھا‬
‫معشوقه الحقيقيّ ‪ ،‬وعندما يصل إليھا ينكشف له زيفھا‪ ،‬فيما اإلنسان الذي يطلب المعشوق الحقيقيّ واألصيل‪ ،‬اإلنسان الذي‬
‫يطلب ﷲ وحده‪ ،‬فإنّ إنسانا ً كھذا لن يھدأ شوقه ولن يتب ّدل‪ ،‬ولن يط لب شيئا ً آ خر إذا ما و صل إل يه‪ ،‬ألن ّه مطلو به الحقي قيّ‬
‫الذي طالما بحث عنه‪.‬‬
‫ت إلى ھذه الحقيقة في اآليات الكريمة التي تتحدث عن المؤمنين الذين ي صلون إ لى الج نة و ھي ھدف ھم‬
‫ونحن نالحظ إشارا ٍ‬
‫‪17‬‬
‫ِين فِي َھـا ال يَ ْبغ ُ ونَ عَ ْن َھـا حِـ َوال ً ﴾‪ ،‬وال سرّ في ذ لك أ ّن ھم قد ح صلوا ع لى مطلوب ھم‬
‫الحقيقي‪ ،‬كما في قو له ت عالى‪َ ﴿ :‬‬
‫خالِـد َ‬
‫الواقعيّ والحقيقيّ ‪ ،‬فھم ال يستبدلون به غيره‪.‬‬
‫‪37‬‬

‫ﺧﻼﺻﺔ اﻟﺪرس‬
‫ـ ھناك ثالثة طرق إلثبات وجود ﷲ‪ :‬الطريق الفطريّ ‪ ،‬الطريق العلميّ )شبه الفلسفيّ (‪ ،‬الطريق الفلسفيّ ‪.‬‬
‫يعتمد طريق الفطرة على االنجذاب الذاتيّ الكامن في نفس ك ّل إنسان نحو خالقه‪.‬‬
‫فلدى اإلنسان نوعان من األجھزة‪ :‬جھاز الحسّ واإلدراك‪ ،‬وجھاز الميول واألحاسيس‪.‬‬
‫سام كامنٌ في نفس اإلنسان يدفعه نحو اإليمان واالعتقاد با ‪.‬‬
‫وھناك مي ٌل وتوجّ ٌه ٍ‬
‫وقد أشار القرآن الكريم إلى طريق الفطرة وعبّر عنه بتعابير مختلف ٍة‪ .‬كما أنّ القرآن قد أشار إلى أنّ الميل والتوجّ ه إ لى ﷲ‬
‫مخصوص باإلنسان بل يع ّم المخلوقات جميعا ً‪.‬‬
‫غير‬
‫ٍ‬

‫وأ ّيــدت مجموعـ ٌ‬
‫ـة مــن العلمــاء والفالســفة المعاصــرين فطر ّيــة توحيــد ﷲ‪ ،‬مــن أمثــال‪ :‬يونــغ‪ ،‬جيمــس‪ ،‬ألكســيس‪ ،‬رينــان‪،‬‬
‫إينشتاين‪...‬‬
‫علما ً أنه قد سبق الفالسف ُة القدما ُء العلما َء المعاصرين‪ ،‬في االستدالل على فطريّة التوح يد‪ ،‬وا ستدلّوا عل يه بطري ق ٍة فل سف ّيةٍ‪،‬‬
‫وعبّروا عنه بقولھم‪) :‬النھايات ھي الرجوع إلى البدايات(‪.‬‬
‫ويع ّد العرفاء من أش ّد المھتمّين والمتحمّسين للطر يق الف طريّ ‪ ،‬و قد ھاجموا الفال سف َة ع لى اعت بار أ ّن ھم لم يھتم ّوا ب ما ف يه‬
‫الكفاية بھذه القوّ ة المعنويّة التي أسموھا‪) :‬العشق(‪ ،‬حيث استغرقوا في البراھين العقليّة‪.‬‬
‫كما أنّ الميل الفطريّ إلى ﷲ‪ ،‬ھو من نوع الحسّ الفنيّ الذي تقوم تنميته على إثارته بمثل العبادات‪ ،‬فيما ت ضعفه الرغ بات‬
‫الماديّة الدانية‪.‬‬
‫شوق‬
‫واإلنسان ال يطلب التنوّ ع بطبعه‪ ،‬ولكن ّ ه يط لب مع شوقا ً حقيقي ّا ً ال ير غب ع نه حوالً‪ ،‬إال أن ّه يخ طئ فيط ّب قه ع لى مع‬
‫ٍ‬
‫مجازيٍّ ال يلبث أن يملّه ويبحث عن غيره‪.‬‬

‫أﺳﺌﻠﺔ اﻟﺪرس‬
‫‪1‬ـ ما ھي الطرق الرئيسة إلثبات وجود ﷲ؟‬
‫‪2‬ـ كيف يُستد ّل بالفطرة على وجود ﷲ؟‬
‫‪3‬ـ ھل يؤيّد القرآن طريق الفطرة؟ وھل تشير األحاديث إلى ذلك؟‬
‫‪4‬ـ ما ھو موقف علماء النفس والفالسفة من ھذا الطريق؟‬
‫‪5‬ـ ما ھي مالحظة العرفاء على الفالسفة في ھذا الطريق؟‬

‫ﻫﻮاﻣﺶ‬
‫حة ھذه الطرق جميعاً‪.‬‬
‫‪ -1‬ونحن نعتقد بص ّ‬
‫‪ -2‬معاني األخبارـ الشيخ الصدوق ـ ص‪.4 :‬‬
‫‪ -3‬الروم‪.30:‬‬
‫‪ -4‬األعراف‪.172:‬‬
‫‪ -5‬الرعد‪.28:‬‬
‫‪ -6‬آل عمران‪.83:‬‬
‫‪ -7‬المجلسي‪-‬بحار األنوار‪-‬ج‪- 3‬الطبعة الثانية المصححة‪ -‬مؤسسة الوفاء ‪ -‬بيروت‪.‬‬
‫‪ -8‬ھذا المقطع من البحث منتقى من كتاب الفطرة‪ ،‬الشھيد مطھري‪ ،‬مؤسسة البعثة‪ ،‬ط‪ ،1‬ص‪ 196:‬ـ ‪.208‬‬
‫دعي أنّه قد اتفقت كلمة علماء العصر الحديث على ھذا الرأي!‬
‫‪ -9‬ونحن ھنا ال ن ّ‬
‫ي‬
‫‪ -10‬يختلف )يونغ( مع أستاذه )فرويد( في تشكّل الشعور الباطني‪ ،‬ففيما يعتقد )فرويد( أ ّ‬
‫ن الشعور الباطني إنّما يتشكل من العناصر الـتي ينبـذھا الشـعور الظـاھر ّ‬
‫ي فحسب‪.‬‬
‫وال يرغب بھا‪ ،‬يعتبر )يونغ( أ ّ‬
‫ن ھذه العناصر إنّما تشكّل جزءاً من الشعور الباطن ّ‬
‫د ھذا العالم من العلماء المعاصرين حيث أدرك القرن العشرين وتوفّي في النصف األول منه‪.‬‬
‫‪ -11‬ويع ّ‬
‫‪ -12‬دائرة المعارف ‪ ،111 :4‬مادة )دين(‪.‬‬
‫ن‪ ،‬ألنّھمـا عرّ فا ﷲ بصـورة‬
‫‪ -13‬ويعتبر إينشتاين‪ ،‬وھو ينتمي إلى الديانة اليھوديّة‪ ،‬أ ّ‬
‫ن الصورة التي يعرضھا كتاب اليھـود وكـذلك اإلنجيـل عـن ﷲ ھـي بمسـتوى متــد ٍّ‬
‫ي متجليّاً بالكامل في مزامير داود‪ ،‬وكذلك في البوذيّة‪.‬‬
‫ي الفطر ّ‬
‫إنسان‪ ،‬في حين نجد ھذا اإلحساس الدين ّ‬
‫ما الفيلسوف فيعتقد بأن‬
‫ي‪ ،‬فالعارف يعتقد بلزوم االھتمام بتنمية اإلحساس الوجدان ّ‬
‫ي والمسلك الفلسف ّ‬
‫‪ -14‬وھنا تكمن نقطة االفتراق بين المسلك العرفان ّ‬
‫ي با ‪ ،‬أ ّ‬
‫األولويّة ھي لتنمية العقل والفكر وقوّة االستدالل‪.‬‬
‫َ‬
‫سـاناً‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ﱠ‬
‫ﱠ‬
‫إ‬
‫ن‬
‫ي‬
‫د‬
‫ِـ‬
‫ل‬
‫ا‬
‫و‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ب‬
‫و‬
‫ه‬
‫ـا‬
‫ي‬
‫إ‬
‫ال‬
‫إ‬
‫وا‬
‫ـد‬
‫ب‬
‫ع‬
‫ت‬
‫ال‬
‫أ‬
‫ك‬
‫ﱡـ‬
‫ب‬
‫ر‬
‫َـى‬
‫ض‬
‫ق‬
‫و‬
‫{‬
‫‪:‬‬
‫تعـالى‬
‫لقولـه‬
‫العرفـاء‬
‫سير‬
‫تف‬
‫فـي‬
‫كمـا‬
‫ھاء‪،‬‬
‫الفق‬
‫واعتراضـات‬
‫ة‬
‫ج‬
‫‪ -15‬وقد أثارت‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ح َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ٌ‬
‫ْ ِ ِ ْ‬
‫ُ ُ ِ ِﱠ ُ ِ‬
‫عبارات لھم في ھذا المجـال ال ض ّ‬
‫َ‬
‫ل إنسان‪.‬‬
‫} )اإلسراء‪ ،(23 :‬بكون ھذا القضاء تكوينيّاً محتوماً على ك ّ‬
‫ة‪ ،‬فھذا يھزّ باطنه ويحرّكه في طريق السير إلى ﷲ‪.‬‬
‫ة خالص ٍ‬
‫ه قلبي وني ّ ٍ‬
‫ج ٍ‬
‫‪ -16‬كاالستيقاظ عند السحر أو عند مطلع الفجر ويتفرّغ في خلو ٍة مناسب ٍ‬
‫ة إلقامة ركعتين بتو ّ‬
‫‪ -17‬الكھف‪.108:‬‬

‫اﻟﻌﻠﻤﻲ ‪-1-‬‬
‫اﻟﺪرس اﻟﺜﺎﻟﺚ‪ :‬اﻟﻄﺮﻳﻖ‬
‫ّ‬
‫أھداف الدرس‬
‫‪ 1‬ـ فھم الطريق العلمي إلثبات وجود ﷲ وإعطاء أمثلة على ذلك‪.‬‬
‫‪ 2‬ـ إكتساب القدرة على شرح برھا َنيْ الحدوث وال ِّن َظام‪.‬‬
‫‪ 3‬ـ تعداد أنواع العلل وشرح معانيھا‪.‬‬
‫‪ 4‬ـ شرح الخالف بين اإللھيين والماديين حول علة وجود الكون‪.‬‬
‫‪ 5‬ـ القدرة على شرح حساب االحتماالت‪.‬‬
‫‪ 6‬ـ إثبات نسبية الصدفة وعدم تنافيھا مع العلة الغائية‪.‬‬
‫‪41‬‬
‫الفلسفي‪:‬‬
‫العلمي أو شبه‬
‫الطريق‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫مرّ معنا في المقدّمات أنّ النوع الثاني من طرق إثبات وجود ﷲ‪ ،‬ھو الطريق العل ميّ ا لذي يعت مد الت جارب وي قوم بدرا سة‬
‫ظواھر ال عالم‪ ،‬وذكر نا أن ّه من الم ستحيل أن يك شف الع لم التجر يبيّ عن ﷲ ب شكل م ستقل‪ ،‬النح صار اكت شافاته باألمور‬
‫الخارجيّة المحسوسة والمحدودة‪ .‬ولكن يمكن للعلم أن يقوم بدور العامل المساعد وغير المبا شر في تعر يف اإلن سان با ‪،‬‬
‫اإلنسان ﷲ عبر مخلوقاته‪.‬‬
‫وذلك بعد أن نض ّم إليه العقل)الفلسفة(‪ ،‬وحينھا يكون دور العلم مفيداً جداً حيث يُعرّ ف‬
‫َ‬
‫أنحاء المعرفة العلم ّية‪:‬‬
‫ً‬
‫ھناك ثالثة أنحاء إلثبات وجود ﷲ عن طر يق المعر فة العلمي ّة‪ ،‬نذكر لم ً‬
‫سريعة عن ھا‪ ،‬ق بل أن نت عرّ ض إ لى كل ّن حو‬
‫حة‬
‫بشكل مستق ٍّل ومفصّل‪:‬‬
‫ٍ‬
‫‪1‬ـ االستدالل بال َن ْظم‪ :‬وذلك بالتعرّ ف إلى النظام الدقيق الذي يحكم الموجودات‪ ،‬وبالتالي إكتشاف ّ‬
‫منظم ي ّتصف بقدرة عال ية‬
‫من التدبير والحكمة‪.‬‬
‫‪43‬‬
‫غة ّ‬
‫ت بلي ً‬
‫منظ ً‬
‫ً‬
‫صدفة‪،‬‬
‫مة قد ُكت بت ع لى ور قة‪ ،‬فإن ّ ه يعت قد بأنّ ھذا ال يم كن أن ي حدث‬
‫ومثاله‪ :‬ع ندما يرى اإلن سان ع بارا ٍ‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫ويكتشف أنّ وراء ذلك موجداً عاقالً مدبّرا قد نضّد حروفھا ونظم كلماتھا‪.‬‬
‫ٌ‬
‫‪2‬ـ االستدالل بالخلق‪ :‬إنّ اإلنسان يعتقد بأنّ ھذا ال عالم مخ ٌ‬
‫لوق و‬
‫خالق له‪ ،‬فينط لق للب حث عن‬
‫حادث‪ ،1‬فال ب ّد من و جود‬
‫ٍ‬
‫خالقه‪ ،‬ھذا بغضّ النظر عن ال َن ْظم الموجود في ھذا العالم‪.‬‬
‫ٌ‬
‫ً‬
‫حادث ـ لم يكن من ق بل ـ‬
‫كومة من تراب قد أُلقيت إلى جنب الطريق‪ ،‬فينظر إليھا على أ ّنھا أم ٌر‬
‫ومثاله‪ :‬ربما يجد اإلنسان‬
‫ممّا يكشف عن موج ٍد لھا‪ ،‬فنفس حدوث ھذا األمر يكشف عن محدثٍ‪ ،‬مع أ ّنه ال يرى فيه نظما ً‪.‬‬
‫ً‬
‫مرتبطة بمسير حركتھا‪ ،‬فھي تسير على وفق‬
‫‪3‬ـ االستدالل بالھداية‪ :‬عندما يتأمّل اإلنسان في األشياء من حوله فإ ّنه يجدھا‬
‫علم‪ ،‬ممّا يكشف عن و جود قوّ ٍة مع ّي ن ٍة‬
‫ھداية خاصّة‪ ،‬فك ّل مخلوق يتحرّ ك في‬
‫ٍ‬
‫مسير خاصٍّ بحيث تبدو حركته صادر ًة عن ٍ‬
‫مخف ّي ٍة فيه تھديه‪.‬‬
‫ومثاله‪ :‬ما لو تأمّلت في سلوك الجنين بُعيد والدته‪ ،‬حيث تراه يبحث تلقائ ّيا ً عن ثدي أمّه‪ ،‬ممّا يكشف عن وجود قوّ ٍة كام ن ٍة‬
‫فيه تھديه‪ ،‬وھكذا بقية الموجودات وبالتالي يكشف عن ظاھر ِة الھداية‪ ،‬وھذا يختلف عن ك ّل من النظم والخلق‪.‬‬

‫وبعبار ٍة مختصر ٍة‪ :‬إنّ العلم يعرّ فنا بطبيعة وخصائص الموجودات المحسوسة في عالمنا‪ ،‬فعندما ي شاھدھا اإلن سان يت ساءل‬
‫مرّ ًة‪ :‬من خلق ھذه األشياء؟!‪ ،‬وأخرى‪ :‬كيف وُ جد ھذا النظام الدقيق في ع مل أج ھزة ھذه المخلو قات؟!‪ ،‬وثال ثة‪ :‬من ھدى‬
‫ھذه المخلوقات في حركتھا ومسيرھا نحو غايتھا؟!‬
‫‪44‬‬
‫إشارة القرآن إلى ھذه األنحاء‪:‬‬
‫أشار القرآن في سورة األعلى إلى األنحاء العلميّة الثالثة في معرفة ﷲ‪ ،‬ي قول ت عالى‪:‬‬
‫ق َ‬
‫س ﱠوى َوالﱠذِي َق ﱠد َر َف َھدَى‪﴾2‬‬
‫ف َ‬
‫خلَ َ‬
‫َ‬

‫ك ْ‬
‫األَعْ ل َى الﱠـذِي‬
‫اسـ َ‬
‫م َربِّـ َ‬
‫﴿س َ ِب ّحِ ْ‬

‫ق‪ ﴾...‬إشارةٌ إلى برھان الخلق‪.‬‬
‫خلَ َ‬
‫فقوله‪﴿ :‬الﱠذِي َ‬
‫وقوله‪َ ﴿ :‬‬
‫س ﱠوى﴾ وكذلك‪َ ﴿ :‬والﱠذِي َق ﱠد َر‪ ﴾...‬إشارةٌ إلى النظام الدقيق الذي يتجلّى في وجود األشياء‪.‬‬
‫ف َ‬

‫وأخيراً قوله‪َ ﴿ :‬ف َھدَى﴾ يتضمّن ذكر ھداية األشياء إلى غاياتھا‪.‬‬
‫ھان‬
‫ھكذا نكون قد بيّنا األنحاء الثالثة لالستدالل بالطريق العلميّ‬
‫ٍ‬
‫حو وبر ٍ‬
‫صر‪ ،‬فال ب ّد أن ن شرع في ب يان ك ّل ن ٍ‬
‫بشكل مخت ٍ‬
‫منھا بشكل مستق ٍّل ومفصّل‪.‬‬
‫ّأوالً‪ :‬برھان الخلق‪:‬‬
‫ويسمّى بـ )حدوث العالم( بحسب تعبير الفالسفة القدماء‪.‬‬
‫وينطلق ھذا البرھان من حدوث األشياء وخلقھا إلثبات ضرورة وجود موج ٍد لھا‪ ،‬فإنّ ذلك ما يثبته األصل العقليّ البديھيّ ‪،‬‬
‫خالق لھا‪.‬‬
‫فھذا الدليل يستد ّل بالمخلوقات على ضرورة وجود‬
‫ٍ‬
‫وتكمن أھميّة ھذا الدليل في أ ّنه يرتبط بالثوابت الدينيّة‪ ،‬فإنّ ك ّل م تديّن ال ب ّد أن يعت قد بأنّ ﷲ خالق ك ّل شيء‪ ،‬بم عنى أن ّه‬
‫الموجد له‪.‬‬
‫وقد بنى عليه البعضُ عقائدَ تصوّ روا أ ّنھا ضروري ٌّة في باب التوح يد‪ ،‬كت صوّ رھم ال تالزم ب ين اإلي مان بأنّ ﷲ خالق ھذا‬
‫العالم‪ ،‬وبين كون ھذا العالم متناھيا ً زمانا ً ومحدوداً‬
‫ً‬
‫مكانا◌‪.3‬‬
‫‪45‬‬
‫ثانيا ً‪ :‬برھان النظم‪:‬‬
‫معنى النظم‪:‬‬
‫إذا تأمّل اإلنسان من حوله فإ ّنه سيرى أنّ الكيان ال ماديّ ل ھذا ال عالم وأ شكال أجزا ئه قد أُت قن صنعھا و ُن ّ‬
‫يق‬
‫ظ مت ب ٍ‬
‫شكل دق ٍ‬
‫فألّف بين أجزاء االفراد‪ ،‬وأوجد االنسجام بين األفراد والتوازن بين الماھيّات بحيث يؤدي إلى الھدف والغاية من وجودھا‪،‬‬
‫ممّا يكشف عن أنّ وراءھا موجداً عالما ً وصانعا ً مدركا ً مختاراً‪.‬‬
‫إذاً‪ ،‬عندما نرى ھذا النظم نوقن أنّ ھذا العالم لم يوجد على نحو الصدفة‪ ،‬وبالتالي توجد علّة أوجدته بنظمه المت قن‪ ،‬فالن ظم‬

‫ھو ما كان ناشئا ً عن علّة مدرك ٍة مختار ٍة وھادف ٍة‪.‬‬
‫قن‪ ،‬ويث بت من خالل ھا و جود ﷲ ت عالى‪ ،‬ال ب ّد أن نبي ّن‬
‫ظم مت ٍ‬
‫نظم وأيّ علّ ٍة قادر ٍة ع لى إي جاد ھ كذا ن ٍ‬
‫ولكن ح ّتى يتبيّن أيّ ٍ‬
‫أنواع العلّة‪.‬‬
‫أنواع العلل‪:‬‬
‫ھناك أربعة أنواع من العلل‪ ،‬وبعض ھذه العلل ال يكفي وحده إلثبات التوحيد ـ بخالف ما تو ّھ مه ب عض ال باحثين ‪ -‬ولذ لك‬
‫نتعرّ ض إلى ھذه األنواع بإختصار‪ ،‬ث ّم نبيّن ما ينفعنا في بحثنا ھذا‪.‬‬
‫ولتوضيح أنواع العلل نذكر مثاالً‪ ،‬وإن كان المثال يقرّب من جھة ويبعّد من جھة‪:‬‬
‫ً‬
‫عندما يريد اإلنسان أن يكتب‬
‫رسالة‪ ،‬فرسالته ح ّتى ُتنجز تحتاج إلى ع ّدة علل‪:‬‬
‫‪1‬ـ العلّة الماد ّية‪ :‬والمقصود منھا المواد التي يلزم تو ّفرھا لكتابة الرسالة‪ :‬الورق‪ ،‬القلم‪ ،‬الحبر‪ ...‬فھذه أمور ماديّة للكتابة‪.‬‬
‫‪46‬‬
‫‪ 2‬ـ العل ّة ال صور ّية‪ :‬وت عني الھي ئة وال شكل ا لذي يُط لب أن ت كون عل يه الكتا بة وال خط حتى تؤ ّدي الم عنى المق صود من‬
‫الر سالة )أي ال شكل ال صحيح ا لذي ي جب أن تر سم ال حروف عل يه لت كوين الكل مة فالع بارة(‪ ،‬و ك ّل جم ل ٍة ل ھا صورةٌ غ ير‬
‫األخرى‪ ،‬وإذا تغيّر مكان حر ٍ‬
‫ف من الرسالة فإنه تتغيّر بالتالي صورتھا‪.‬‬
‫‪3‬ـ العلّة الفاعل ّية‪ :‬والمراد منھا القوّ ة والفاعل الذي سيقوم بفعل الكتابة )القوّ ة المو ِجدة(‪.‬‬
‫‪4‬ـ العلة الغائ ّية‪ :‬وھي الھدف المقصود من وراء ھذه الكتابة والرسالة‪ ،‬ومنھا يستك شف أنّ ال قوة المو جدة والفا عل ھادفٌ‬
‫وبالتالي يتم ّتع بإدراكٍ وإرادة وإختيار‪.‬‬
‫وھنا ال ب ّد من اإلشارة إلى أنّ ھذه العلل مترابطة فيما بينھا‪ .‬والعل ّة التام ّة ا لتي تؤدّي إ لى ظ ھور معلول ھا ال ب ّد أن ت كون‬
‫مشتملة على األنواع األربعة ـ مع فقدان المانع ‪ -‬بينما تكون العلّة ناقصة غير مثمرة إذا ما فُقد أحدھا‪.‬‬
‫اعتقاد اإللھ ّيين والماد ّيين بالعلّة الفاعل ّية‪:‬‬
‫يتوھّم بعض الباحثين في مسألة التوحيد بأنّ الخالف بين الماديّين واإللھيّين ھو حول وجود العلّة الفاعليّة ـ أي لزوم و جود‬
‫فاعل وقوّ ة ما تتولّى إي جاد ال حوادث والظوا ھر في ھذا ال عالم ‪ -‬فيت صوّ رون بأنّ ال ماديّين‪ ،‬خالف اإللھ ّي ين‪ ،‬ين فون الع لل‬
‫الفاعلية‪ ،‬ويعتقدون بأنّ العالم وُ جد من تلقاء نفسه‪.‬‬
‫وعند النقاش معھم يستدلون بأنّ العلم التجر يبيّ ي ُذعن بحقي قة ق يام األ شياء ع لى أ ساس العل ّة والمع لول‪ ،‬وبحقي قة عال قات‬
‫ضروريّة تحكم ك ّل عالم الطبيعة‪،‬‬
‫‪47‬‬
‫كما أ ّنه ينكر االستقالل الذاتيّ لألشياء وظھورھا على نحو الصدفة‪ ،‬وبنا ًء عليه ال يمكن للماديّ أن ين كر و جود من ظم ل ھذا‬
‫الكون‪ ،‬نعم أقصى ما يم كن أن يدّع يه ھو و جود الن ظم دون أن ي سمّي المنظ ّ م‪ ،‬في ما الموحّ د ي سمّي ھذا المن ظم و ھو ﷲ‪،‬‬
‫فالماديّ يتحدّث عن فاعل مجھول‪ ،‬والموحّ د عن فاعل معلوم‪.4‬‬

‫إذاً يُفھم من نقاش ھؤالء الباحثين مع ال ماديّين أ ّن ھم يتو ّھ مون أنّ الن ظم المق صود في بر ھان الن ظم ھو الن ظم النا شئ عن‬
‫العلة الفاعليّة‪.‬‬
‫ً‬
‫صدفة‪ ،‬وي عترفون بعل ّ ٍة أو جدت ال عالم دون أد نى‬
‫لكنّ ھذا التوھّم باطل‪ ،‬فحتى ال ماديّين ي ستنكرون ال قول بأنّ ال عالم وُ جد‬
‫شكّ‪ ،‬بل على العكس ھم يعتقدون بوجود سلسل ٍة دقيق ٍة ومنظ م ٍة من الع لل والمع لوالت‪ ،‬ويعت قدون بحتمي ّة و جود عل ّ ٍة ل ك ّل‬
‫حادث‪ ،‬بل إنّ الماديّين أكثر تأكيداً على ھذا اإلرتباط من غيرھم‪.5‬‬
‫فالخالف بين اإللھيّين والماديّين ليس في ضرورة وجود العلّة الفاعليّة بما يعني أن يكون ك ّل معلول ناشئا ً عن عل ّة‪ ،‬بل ال‬
‫يوجد عاقل في العالم يدّعي وجود العالم من تلقاء نفسه‪.‬‬
‫وبرھان النظم لم يقم على أساس النظم الناشئ من العلّة الفاعليّة‪ ،‬ألنّ ھذا ال يكفي إلثبات عق يدة الموحّ د ال مؤمن با ‪ ،‬فإنّ‬
‫ّ‬
‫المنظم لھذا الكون ھو نفس تلك السلسلة من العلل والمع لوالت ـ أي عنا صر الطبي عة نف سھا ـ بال‬
‫الماديّ يعتقد بأنّ الفاعل‬
‫حاجة إلى وجود ﷲ أو إلى عالم ما وراء الطبيعة‪.‬‬
‫ٌ‬
‫ٌ‬
‫منظم‬
‫ناقصة وھي إثبات‬
‫حلقة‬
‫لذلك فإنّ ھذا البيان يبقى قاصراً‪ ،‬وتبقى فيه‬
‫ٍ‬
‫‪48‬‬
‫ومختار‪ ،‬يقف وراء تلك السلسلة الطبيعيّة من العلل والمعلوالت‪.‬‬
‫وفاعل ھادفٍ‪ ،‬مدركٍ ومري ٍد‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫معنى النظم في استدالل اإللھ ّيين‪:‬‬
‫إذاً الخالف بين الماديّين واإللھيّين ھو في ضرورة وجود إرادة واختيار لدى ھذا الفاعل‪ ،‬وبه يت ّم االستدالل على وجود ﷲ‬
‫في برھان النظم‪ .‬فالنظم المقصود في ھذا الدليل ھو النظم الناشئ من وجود العلّة الغائيّة في ھذا الكون‪.‬‬
‫ففي حين ينكر الماديّ أصل وجود العلّة الغائيّة‪ ،6‬يعتقد اإللھيّ بأ ّنه من المحال تفسير النظم الموجود في العالم إذا لم ُند خل‬
‫أص َل العلّة الغائيّة‪.‬‬
‫ولتقريب الفكرة نستعين بمثال كتابة الرسالة المتق ّدم‪:‬‬
‫ً‬
‫مضمون وقضايا واضحةٍ‪ ،‬فھو يعت قد بو جود قوّ ٍة وطا ق ٍة كت بت ھذه الر سالة )العل ّة‬
‫رسالة تشتمل على‬
‫عندما يجد اإلنسان‬
‫ٍ‬
‫الفاعليّة(‪.‬‬
‫باإل ضافة إ لى ذ لك‪ ،‬يعت قد بأنّ ھذه ال قوّ ة ال ب ّد أن ت كون ذات إدراك وإراد ٍة واخت يار‪ ،‬بح يث أح سنت إخت يار األحـرف‬
‫ھائل من األ حرف والكل مات‪ ،‬لتو صل ھذا الم ضمون الوا ضح‬
‫واع ألشكالھا من بين ك ٍّم‬
‫ٍ‬
‫والكلمات‪ ،‬وقامت بعمليّة انتخاب ٍ‬
‫بواسطة الكتابة‪ ،‬وبالتالي فال يمكن أن يكون كاتب ھذه الرسالة أ ّم ّيا ً أو طفالً جاھالً بالكتابة‪.‬‬
‫فالنتيجة‪ ،‬ال تكفي العلّة الفاعلة وحدھا في مثل ھذه الموارد بل تحتاج إلى توف ّر إراد ٍة وإخت يار ل كي يتحق ّق ال ھدف والغا ية‬
‫المرجوّ ة‪.‬‬
‫‪49‬‬
‫دور العلّة الغائ ّية في إثبات وجود ﷲ‪:‬‬

‫و من ھ نا ينط لق اإلل ھي في بر ھان الن ظم‪ ،‬بأ ّن نا إذا نظر نا في ھذا ال كون‪ ،‬فإ ّن نا سنجد ك ثيراً من الظوا ھر والمخلو قات‬
‫ّ‬
‫فاعل مري ٍد ومدركٍ‬
‫ومختار‪ .‬فكما نستكشف سعة إط ّ الع كا تب‬
‫المنظمة الھادفة‪ ،‬بحيث ال يمكن أن نقتنع بوجودھا من غير‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫ما من خالل مقال ٍة نقرؤھا له‪ ،‬مع أنّ سعة اإلطالع ھي من األمور التي ال يمكن رؤيتھا أو إدراكھا بالحواسّ ‪ ،7‬فإ ّننا عند ما‬
‫ندرس عالم خلق الموجودات‪ّ ،‬‬
‫ً‬
‫حكيمة ومدر ً‬
‫كة ـ وراء سل سلة الع لل‬
‫ونطلع على النظام الذي يحكمھا‪ ،‬فإ ّننا سنؤمن بأنّ قو ًة‬
‫الطبيعيّة التي ال تتم ّتع باإلختيار والتدبيرـ ھي التي تسيّرھا بمقتضى إدراكھا على وفق إرادتھا وإختيارھا‪.‬‬
‫دور العلم في ھذا الدليل‪:‬‬
‫ّ‬
‫وأدق‪ -‬إلى د ّقة النظم السائد في مو جودات‬
‫وھنا يأتي دور العلم التجريبيّ حيث يعرّ فنا‪-‬بتطوّ ره وتوصّله إلى معارف أعمق‬
‫عالم الطبي عة‪ ،‬م ما يك شف أ كثر وأ كثر عن و جود عا مل اإلدراك واإلخت يار واإلرادة في إيجاد ھا‪ ،‬وھ نا يك من دور الع لم‬
‫كعامل مساعد في إثبات وجود ﷲ ـ كما تقدّم‪.‬‬
‫واألمثلـة علـى ذلـك كثــيرة‪ :‬تبــدأ بـالتنظيم الھائـل لجسـم اإلنســان)عينيــه‪ ،‬أســنانه‪ ،‬معدتــه‪ ،(...‬إلــى التناســب العجيــب لــدى‬
‫الحيوانات‪ ،‬إلى غرائب تنسيق المجموعة الشمسيّة وغيرھا‪...8‬‬
‫‪50‬‬
‫وحكيم لھا‪.‬‬
‫واع‬
‫ك ّل ھذه المظاھر بنظمھا الدقيق ال يمكن أن تكون إال على أساس‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫اختيار ٍ‬
‫حساب اإلحتماالت‪:‬‬
‫شعور ل ھذا ال عالم‪ ،‬وذ لك عبر ما ُي سمّى‬
‫ويم كن أن ُي ستد ّل بطري ق ٍة ريا ض ّي ٍة حدي ث ٍة ع لى و جود منظ ّ ٍم حك ٍيم ذي إراد ٍة و‬
‫ٍ‬
‫بحساب اإلحتمال‪.‬‬
‫وتوضيحه عبر مسألتين‪:‬‬
‫كيس مثالً ثالث رصا صا ٍ‬
‫ت سوداء‪ .‬فالوقوع‬
‫المسألة األولى‪ :‬إنّ احتمال وقوع أيّ حادثة يش ّكل عدداً كسر ّياً‪ ،‬فلو كان في‬
‫ٍ‬
‫ً‬
‫الحتميّ ‪ :‬ھو أ ّنك إذا أدخلت يدك وأخرجت عشوائ ّيا ً‬
‫رصاصة واحد ًة فإنّ إحت مال أن ت كون سوداء ھو ‪ 1/1‬أي وا حد‪ ،‬ألنّ‬
‫جميع الرصاصات سوداء اللون‪.‬‬
‫الحوادث الممتنعة‪ :‬إنّ احتمال أن تكون بيضاء ھو ‪ 1/0‬أي صفر‪ ،‬أل ّنه ال يوجد أيّ رصاص ٍة بيضاء‪.‬‬
‫ت ح مراء‪ ،‬و صار المج موع ‪ 7‬رصا صات‪ ،‬فالحوادث المحتم لة‪ :‬إنّ احت مال أن‬
‫وأم ّا إذا أ ضفنا إ لى الك يس ‪ 4‬رصا صا ٍ‬
‫ٌ‬
‫رصاصة سوداء من المجموع ھو‪ ،7/3 :‬واحتمال أن تكون الرصاصة حمراء ھو‪.7/4 :‬‬
‫تخرج‬
‫المسألة الثانية‪ :‬إنّ وقوع حادثتين على التوالي ھو حاصل ضرب عدديھما اإلحتماليين‪ ،‬ومثال ذلك‪:‬‬
‫ما لو وجدنا ھذا البيت من الشعر مطبوعا ً على ورقة‪:‬‬
‫أتحسب أ ّنك جر ٌم صغير‬
‫ُ‬

‫وفيك انطوى العالم األكبر‬

‫فھنا لو ا ُّدعي أنّ الذي طبع ھذا البيت شخصٌ أمّيّ ال يعرف إستعمال اآللة‬
‫‪51‬‬

‫بشكل عشوائيّ على الطابعة‪ ،‬لكان الجواب على ھذا االدّعاء بحساب االحت مال‬
‫الكاتبة سوى أ ّنه جلس وأخذ يُحرّ ك أصابعه‬
‫ٍ‬
‫على النحو التالي‪:‬‬
‫‪1‬ـ إنّ احتمال إختياره أوّ الً للحرف )أ( من بين األحرف األبجديّة نسبته ‪ ،(0.036 =) 28/1‬بنا ًء على ما مرّ في الم سألة‬
‫األولى‪.‬‬
‫‪ 2‬ـ وإحت مال أن يخ تار )أ( وب عده مبا شرة )ت( ن سبته‪ 28/1 * 28/1 :‬أي ‪ ،(0.00127=) 784/1‬ب نا ًء ع لى الم سألة‬
‫الثانية‪ ،‬وھذا إحتمال ضعيفٌ ج ّداً‪.‬‬
‫‪3‬ـــــــ واحتمــــــال أن يختــــــار )أ( وبعــــــده )ت( وبعــــــده )ح( نســــــبته‪ 28/1 * 28/1 * 28/1 :‬أي ‪) 21952/1‬‬
‫‪ ،(0.00004555393‬وھذا احتمال أضعف بكثير‪.‬‬
‫‪4‬ـ ـ أ ّمــا إحتمــال أن يختــار الترتيــب الكامــل لكلمــة‪) :‬أتحســب( فنســبته‪ 28/1 * 28/1* 28/1* 28/1 * 28/1 :‬أي ‪/1‬‬
‫‪ ،(0.00000000581) 17210368‬وھذا إحتمال ال يمكن ت صوّ ره‪ ،‬فك يف إذا ا ستمرّ الح ساب إلحت مال أن ي كون قد‬
‫طبع البيت الكامل المؤلّف من ‪ 36‬حرفا ً ب شكل ع شوائيٍّ ؟! فإ ّن نا سوف ن ضرب ‪ 28/1‬بنف سھا ‪ 36‬مرّة‪ ،‬و ھذا ين تج عدداً‬
‫كسر ّيا ً ال يمكن للذھن البشريّ أن يحتفظ به‪.‬‬
‫ت واح ٍد من الشعر‪ ،‬وال نتع ّقل رجالً أم ّيا ً قد صفّ ھذه األحرف‪ ،‬بل ال ب ّد من وجود كات ٍ‬
‫وشاعر‪،‬‬
‫عالم‬
‫إذا كان ذلك في بي ٍ‬
‫ٍ‬
‫ب ٍ‬
‫فكيف بنظام العالم؟‬
‫بل نجد في ك ّل جز ٍء من أجزاء العالم النظام المع ّقد والدقيق‪ .‬أال يشير ذلك إلى وجود ّ‬
‫شعور وإراد ٍة وحكمةٍ؟!‬
‫منظ ٍم ذي‬
‫ٍ‬
‫جزء له ٌ‬
‫آية‬
‫ٍ‬
‫ففي كل ّ‬

‫تدل ّ على أ ّنه واحد‬
‫‪52‬‬

‫الصدفة ومبدأ العل ّية الغائ ّية‪:‬‬
‫يعترض البعض على العليّة الغائيّة والھدفي ّة في طبي عة األ شياء‪ ،‬ب ما نراه من صدف ٍة تؤ ّدي إ لى ب عض األ حداث‪ .‬ف ھؤالء‬
‫يرفضون أن يكون النظم ھو الحاكم في ھذا العالم‪ ،‬إذ للصدفة تأثي ٌر في حواد ثه وظوا ھره‪ ،‬مم ّا يب طل االعت قاد بالنظم في‬
‫وعلم‬
‫فاعل كليٍّ ذي حكم ٍة‬
‫طبيعة أشياء ھذا العالم‪ ،‬وبالتالي ينفي وجود‬
‫وإختيار‪.‬‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫في الواقع‪ ،‬نحن نقرّ بوجود الصدفة في ھذا العالم‪ ،‬فنحن ن شاھد أحيا نا ً سائقا ً يتوجّه ن حو عم له فإذا به ي صدم أ حد ال مارّ ة‬
‫ً‬
‫صدفة من بين أحجار الجدار‪ ،‬فنحن نؤمن بوقوع‬
‫الذي ينوي التوجّه إلى منزله‪ ،‬ونشاھد أيضا ً نبتة ور ٍد صغيرة قد خرجت‬
‫ً‬
‫ھذين األمرين وال ننكر ذلك‪ ،‬ولكن السؤال‪ :‬ھل صحيح أنّ مثل ھذين الحادثين ـ اللذين يق عان صدفة ـ ين في و جود الن ظام‬
‫ف معيّن؟!‬
‫القائم على أساس مبدأ العليّة الغائيّة‪ ،‬وعلى أساس القول بأنّ عالم الطبيعة يتحرّك باتجاه ھد ٍ‬
‫نسبي أو مطلق؟‬
‫لتحقيق ھذا األمر ال ب ّد من البحث في دور الصدفة وحقيقتھا‪ ،‬وھل أنّ دورھا‬
‫ّ‬
‫نسبي‪:‬‬
‫الصدفة أمر‬
‫ّ‬
‫إنّ الباحث إذا حلّل الصدفة فسيجد أنّ الحوادث التي تقع مصادفة ھي عبارة عن أحداث ظھرت بسبب ت قاطع م سار علّت ين‬
‫تتحرّك ك ّل منھما نحو ھدفھا مع الغفلة عن مسار حركة العلّة األخرى‪ ،‬فال سائق ت حرّك إ لى عم له‪ ،‬و عابر الطر يق ت حرّك‬
‫إلى منزله‪ ،‬وكان ك ّل واح ٍد منھما غافالً عن حركة اآلخر فوقع اإلصطدام‪ ،‬وكذلك النبتة في الجدار‪ ،‬فإ ّن ھا قد ن مت انطال قا ً‬
‫من حركتھا الطبيعيّة نحو ھدفھا‪.‬‬

‫‪53‬‬
‫إلى ھنا يتب ّين أنّ ھذه األ شياء كا نت ت سير و فق ال ھدف والن ظام المر سوم والم حدّ د ل ھا‪ ،‬ف ما ھو دور ال صدفة في ھذه‬
‫األحداث؟‬
‫ٌ‬
‫صدفة في ن ظرة مع ّي نة‪ ،‬بين ما ھي ن ظ ٌم في ن ظرة‬
‫إنّ دور الصدفة في وقوع األ حداث ھو دور ن سبيّ ‪ ،‬وذ لك بم عنى أ ّن ھا‬
‫أخرى‪ ،‬وتوضيح ذلك‪:‬‬
‫ً‬
‫صدفة‪ ،‬وأم ّا إذا نظر نا إلي ھا بن ظرة أ كثر شموليّة‬
‫إذا نظر نا إ لى ت لك األ حداث بن ظرة جزئي ّة فإ ّن نا ن قول إ ّن ھا قد وق عت‬
‫فسي ّتضح أ ّنھا كانت تسير نحو ھدفھا وغايتھا‪ ،‬فمن زاوية النظام الكليّ لل عالم‪ ،‬إن حادث اإل صطدام ھو جزء من ال ھدف‪،‬‬
‫لكنّ نظرة ك ّل من السائق والعابر الجزئيّة لم تكن ترى ھذا الھدف‪ ،‬أم ّا ال ناظر من بع يد فإن ّه ع ندما يرى ال سيّارة والعا بر‬
‫فإ ّنه سيرى اإلصطدام أمراً يسير وفق طبيعة األشياء وغاياتھا‪ .‬فنحن عندما نتحدّث عن حالة الھدفيّة في عالم الطبيعة ف ھذا‬
‫يعني أن تتجسّد الھدفيّة و فق قانون ك ليّ ‪ ،‬ف قوانين الھدفي ّة كلي ّة ولي ست جزئي ّة وشخ صيّة‪ ،‬و لذلك ال حا جة ألن نب حث في‬
‫الموارد الجزئيّة والشخصيّة‪.‬‬
‫ٌ‬
‫مر ما نن سبه إ لى ال صدفة‪ ،‬لذ لك‬
‫وبعبارة أخرى‪ ،‬إنّ الحكم على أمر بأ ّنه‬
‫صدفة ناشئٌ عن جھلنا‪ ،‬فعندما نجھل سرّ وقوع أ ٍ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫أرض ال يعلم أن في أعماقھا كنزا نقول بأنه وجده صدفة‪ ،‬أمّا لو حفر نفس األرض من يعلم بو جود‬
‫عندما يحفر إنسانٌ في‬
‫ٍ‬
‫ً‬
‫صدفة في نظر العالم بو جوده في ب طن األرض‪ ،‬بين ما‬
‫ھذا الكنز فال نحكم على ذلك بأ ّنه صدفة! فالعثور على الكنز لم يقع‬
‫ٌ‬
‫صدفة بنظر الجاھل!‬
‫ھو‬
‫ف معيّن‪ ،‬فإذا ع لم من ي طوي ھذا الم سار بحقي قة ھد فه‪ ،‬فإن ّه لن يرى‬
‫مسار وھد ٍ‬
‫و ظواھر وأحداث العالم ھذه تقع ضمن‬
‫ٍ‬
‫ً‬
‫صدفة‪ ،‬بينما ننسب ھذا التحرك ‪ -‬بسبب محدوديّة علمنا وعدم شموليّة نظرنا ‪ -‬إلى الصدفة‪.‬‬
‫تحرّكه فيه‬
‫‪54‬‬
‫ففي النتيجة‪ ،‬إنّ ما نراه من أنظمة في عالم الوجود ليس ناشئا ً عن الصدفة‪ ،‬فإنّ من يرى العالم على حقيقته خاضعا ً لتأثير‬
‫علم كليّ وإراد ٍة كل ّيةٍ‪ ،‬يراه يسير وفق غايته وھدفه‪.‬‬
‫وتدبير ٍ‬
‫تعابير القرآن في إشارته إلى برھان النظم‪:‬‬
‫تختلف تعابير القرآن إذ يشير إلى برھان النظم‪ ،‬فتار ًة يعبّر بإتقان الصنع‪ ،‬كما في قو له ت عالى‪:‬‬
‫ص ْن َ‬
‫م ﱠر‬
‫خب ِي ٌر بِم َ ا تَ ْف َعلُـونَ ‪ ،﴾9‬في ما يعب ّر في آ يات أ خرى‬
‫َن ُ‬
‫جا ِ‬
‫م َد ًة َو ِ‬
‫ع ﷲ الﱠذِي أَ ْتق َ‬
‫الس َ‬
‫م ﱡر َ‬
‫َ‬
‫ه َ‬
‫ل َ‬
‫ي ٍء إِنﱠ ُ‬
‫ك ﱠ‬
‫ﱠ‬
‫حابِ ُ‬
‫ي تَ ُ‬
‫ھ َ‬
‫ش ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ﱠ‬
‫بالتقدير‪ ،‬كما مرّ في اآلية من سورة األعلى‪َ ﴿ :‬والذِي ق ﱠد َر ف َھدَى﴾ وھو صدور الخلق على أساس الحكمة‪.‬‬

‫ھا‬
‫ـب َ‬
‫َح َ‬
‫﴿ َ‬
‫وت َ َرى ا ْلجِبَـا َ‬
‫لت ْ‬
‫س ُ‬

‫‪55‬‬

‫ﺧﻼﺻﺔ اﻟﺪرس‬
‫ـ يمكن للباحث عن التوحيد أن يعتمد على العلم كعامل مساعد للتوصّل إلى إثبات وجود ﷲ‪.‬‬
‫ـ ھناك ثالثة أنحاء لمعرفة ﷲ عن طريق العلم‪:‬‬
‫‪1‬ـ برھان النظم‪.‬‬
‫‪2‬ـ برھان الخلق‪.‬‬

‫‪3‬ـ برھان الھداية‪.‬‬
‫ـ أشار القرآن الكريم إلى األنحاء الثالثة من أنحاء الطريق العلميّ ‪ ،‬في آيتي سورة العلق‪.‬‬
‫‪1‬ـ برھان النظم‪ :‬في مقابل الصدفة‪ ،‬فالنظم يعني اإلعتماد على العلّة في وجود األشياء‪.‬‬
‫ـ للعلة أربعة أقسام‪ :‬العلّة الماديّة‪ ،‬العلّة الصوريّة‪ ،‬العلّة الفاعليّة‪ ،‬العلّة الغائيّة‪.‬‬
‫ـ يؤمن ك ّل من الموحدين والماديّين بالنظم الناشئ عن العلة الفاعليّة‪ ،‬بأن يكون لك ّل ظاھر ٍة أو حادث ٍة في ھذا العالم فاع ٌل‬
‫وقوّ ةٌ سبّبته‪ ،‬ولكن ھذا ال يكفي إلثبات وجود ﷲ‪.‬‬
‫ـ ما ينفع في إثبات وجود ﷲ‪ ،‬والذي كان موضع خالف الماديّين واإللھيّين‪ ،‬ھو النظم الناشئ عن العلّة الغائيّة‪ ،‬بأن يكون‬
‫من وراء نظم العالم فاع ٌل مدر ٌ‬
‫ك مختارٌ‪ ،‬حيث يكون وراء ھذا النظم الدقيق مدبّر حكي ٌم‪.‬‬
‫فاعل يستطيع إيجاد ھذه األشياء‪ ،‬وإ ّنما ھي موجودة بإرادة‬
‫ـ إنّ التأمّل في الموجودات يجعلنا نؤمن بأ ّنه ليس مطلق قوّ ٍة أو‬
‫ٍ‬
‫وإختيار خالق ي ّتصف بقدر ٍة عالي ٍة من التدبير والحكمة‪.‬‬
‫ـ يتحدّث البعض عن الصدفة‪ ،‬ويعتبر أ ّنھا تنافي النظم والھدفيّة في طبيعة األشياء‪ ،‬إال أنّ الصحيح أنّ ما يوصف بأ ّنه وقع‬
‫ً‬
‫جھل بشؤون العالم‪ ،‬وأمّا بالنسبة لمن ينظر إلى العالم بنظرة كليّة شموليّة‪،‬‬
‫صدفة ھو نتيجة نظر ٍة جزئ ّي ٍة لألحداث ونتيجة‬
‫ٍ‬
‫فإ ّنه ال يجد للصدفة مكانا ً كي ّ‬
‫تؤثر في أحداث العالم‪.‬‬

‫أﺳﺌﻠﺔ اﻟﺪرس‬
‫‪1‬ـ ما ھي أنحاء المعرفة العلميّة وشبه الفلسفيّة؟‬
‫‪2‬ـ ھل أشار القرآن الكريم إلى ھذه األنحاء؟‬
‫‪3‬ـ ما ھي أنواع العلل؟ وما ھي العلّة التي وقعت مح ّل نزاع بين الماديّين واإللھيّين؟‬
‫‪ -4‬ما معنى النظم في استدالل اإللھيّين؟‬
‫‪5‬ـ ما ھو دور العلّة الغائيّة في إثبات وجود ﷲ؟‬

‫ﻫﻮاﻣﺶ‬
‫‪ -1‬الحادث في االصطالح‪ :‬ھو الموجود المسبوق بالعدم‪ .‬ويقابله القديم‪ :‬ھو الموجود غير المسبوق بالعدم‪.‬‬
‫‪ -2‬األعلى‪ 1:‬ـ ‪.3‬‬
‫ج ع‪.‬‬
‫‪،‬‬
‫(‬
‫مات‬
‫د‬
‫المق‬
‫)‬
‫ل‬
‫و‬
‫األ‬
‫الدرس‬
‫في‬
‫البحث‬
‫ھذا‬
‫إلى‬
‫‪ -3‬وقد تعرّضنا‬
‫فليرا َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ُ‬

‫د من‬
‫‪ -4‬كما وقع فيه المھندس بازركان في كتابه )الطريق المسلوك( ـ وغيره‪ ،‬إال أ ّ‬
‫ن له كتاباً آخر بعنوان‪) :‬الذرّة الالمتناھية( اعتمد فيه على مبادئ أخرى‪ .‬لذلك ال بـ ّ‬
‫د أن يكون قائماً على العل ّة الغائيّة ال الفاعليّة‪.‬‬
‫االلتفات عند قراءة بعض الكتب حول برھان النظم إلى أ ّ‬
‫ن االستدالل فيه ال ب ّ‬
‫‪ -5‬اال أن الماديين يعتقدون بأن سلسلة العلل والمعلوالت غير متناھية من كال الطرفين التصاعدي والتنازلي‪ ،‬ويكتفون بھذه السل سلة لتفسـير حـوادث وظواھـر ھذا‬
‫العالم‪.‬‬
‫‪ -6‬العلماء التجريبيّون المعاصرون منقسمون بشأن قبول العليّة الغائيّـة وعـدم قبولھـا ــ ب خالف تسـليمھم بالعليّـة الفاعليّـة ‪ -‬ولـذلك يجـب االسـتدالل علـى وجودھـا‬
‫حتھا‪.‬‬
‫وص ّ‬
‫ن ھنـاك أمثلـ ًة‬
‫دعي بأنه ال يمكن االستدالل بالمعلول على صفات العل ّة‪ ،‬أو يشكل بأنّنا ال نصـدق إال مـا نـراه ونحـس بـه‪ .‬كمـا أ ّ‬
‫‪ -7‬وبھذا الجواب يمكن الردّ على من ي ّ‬
‫كثير ًة من واقع الحياة واإلنسان تؤكّد االستناد إلى أمر محسـوس للتصـديق بـآخر غـير مح سوس؛ كنسـبة اإلدراك أو الرأ فة أو الغضـب أو غيرھــا إلـى مـن حولنـا من‬
‫الناس‪...‬‬
‫ي فھذا أمر يحتاج إلى كتب لبيانه‪ ،‬ويمكن الرجوع إلى كتب مؤل ّفـة في ھـذا المجـال ككتـب‬
‫‪ -8‬بالنسبة لمصاديق وشواھد وجود النظم في مختلف أجزاء العالم الكون ّ‬
‫)كريستيان موريسن(‪ ،‬و)الكسيس كارل(‪...‬‬
‫‪ -9‬النمل‪88:‬‬

‫اﻟﻌﻠﻤﻲ ‪-2-‬‬
‫اﻟﺪرس اﻟﺮاﺑﻊ‪ :‬اﻟﻄﺮﻳﻖ‬
‫ّ‬
‫أھداف الدرس‬
‫‪ 1‬ـ القدرة على شرح برھان الھداية‪.‬‬
‫‪ 2‬ـ التمييز بين برھان الھداية وبرھان النظم من خالل اآليات القرآنية‪.‬‬
‫‪ 3‬ـ القدرة على إثبات إستقاللية برھان الھداية عن برھان النظم‪.‬‬
‫‪ 4‬ـ اإلتيان بأمثلة حول الھداية في اإلنسان والحيوان والنبات والجماد‪.‬‬
‫‪ 5‬ـ شرح اإلسھامات اإلنسانية وأنواعھا‪.‬‬
‫‪ 6‬ـ إثبات شمول الھداية للجماد من خالل آيات قرآنية‪.‬‬
‫‪59‬‬

‫برھان الھداية‪:‬‬
‫يتعلّق برھان الھداية بسلوك الموجودات‪ ،‬فھو يتناول األشياء والموجودات في حركتھا وسيرھا نحو التكامل‪ ،‬ذلك أن ّه ح ين‬
‫ً‬
‫عجيبة خار ً‬
‫ً‬
‫جة عن تركيبت ھا الذاتي ّة ـ أي غير الحر كة الذاتي ّة التلقائي ّة واإلرادي ّة‬
‫حركة‬
‫نتأمّل ھذه الحركة‪ ،‬نالحظ أنّ لھا‬
‫المترتبة على حسن نظمھا وإتقان صنعھا ‪ -‬ممّا يكشف ـ وبال ريب ـ عن وجود قوّ ٍة خار ج ٍة ت ھديھا في ھذه الحر كة‪ ،‬وإن‬
‫ً‬
‫مجھولة بالنسبة لنا‪ ،‬ولذلك نطلق عليھا أسماء من قب يل‪ :‬قوّ ة الع شق أو اإلرادة‪ ،‬أو الت سخير الغ يبيّ ‪،‬‬
‫كانت حقيق ُة ھذه القوّ ة‬
‫أو النور أو الجاذبيّة‪...‬‬
‫بھذا الشكل يتبيّن أنّ برھان الھداية ـ الذي ينطلق من ھداية األشياء في حركتھا ـ يختلف عن بر ھان الن ظم ا لذي كان يھ ت ّم‬
‫بمستوى نظم وتكوين األشياء والمو جودات ‪ -‬من ح يث شكلھا وتركيب ھا وإت قان صنعھا لت صل إ لى ھدفھا ـ ح يث ي ستد ّل‬
‫بطبيعة نظامھا على أنّ لھا فاعالً مدركا ً ومختاراً‪.‬‬
‫تمييز القرآن بين برھان الھداية وبرھان النظم‪:‬‬
‫يع ّد تصنيف النظم والھداية كدليلين مستقلّين أمراً مبتكراً‪ .‬ويمكن أن يُستم ّد‬
‫‪61‬‬

‫ھذا التقسيم من كلمات الفخر الرازيّ في تفسيره لسورة األعلى‪ ،‬حيث استند في ھذا التم ييز إ لى ال قرآن ال كريم‪ ،‬إذ ال قرآن‬
‫الكريم ھو أوّ ل من ذكر برھان النظم وبرھان الھداية كدليلين مستقلّين‪ ،‬وذلك في مجموعة من آياته‪:‬‬
‫ً‬
‫حكاية عن النبيّ موسى عليه السالم عند سؤال فر عون‪:‬‬
‫‪1‬ـ في قوله تعالى‪:‬‬
‫‪1‬‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫م ھدَى﴾ ‪.‬‬
‫أَعْ طَى ُ‬
‫خلق ُ‬
‫ي ٍء َ‬
‫ل َ‬
‫َه ُث ﱠ‬
‫ك ﱠ‬
‫ش ْ‬

‫﴿ َ‬
‫وسى َ‬
‫ل َ‬
‫ل َربﱡن َا ال ﱠذِي‬
‫ن َربﱡ ُ‬
‫قا َ‬
‫ف َ‬
‫م َ‬
‫ك َ‬
‫قا َ‬
‫م ْ‬
‫ما يَا ُ‬

‫لوق شك َل‬
‫ل َ‬
‫خ ْلق ُ‬
‫ـي ٍء َ‬
‫فقوله ت عالى‪َ ﴿ :‬ربﱡ َنا الﱠـذِي أَعْ طَـى كُـ ﱠ‬
‫ش ْ‬
‫َـه﴾ إ شارة إ لى بر ھان الن ظم‪ ،‬ح يث أع طى سبحانه ك ّل مخ ٍ‬
‫م َ‬
‫ھدَى﴾‪ ،‬إشارةٌ إلى برھان الھدا ية‪ ،‬ح يث ع طف ب ـ ) ث ّم( مم ّا ي شير‬
‫وصور َة الخلق وفق ما تقتضيه الحكمة‪ ،‬فيما قوله‪﴿ :‬ثُ ﱠ‬
‫إلى أنّ الھداية مستقلّ ٌة وتكون بعد النظم‪ ،‬فھي غير الھداية التلقائيّة الذاتيّة المترتبة على نفس النظم‪.‬‬
‫ق َ‬
‫ك ْ‬
‫س ﱠوﯨ َوالﱠذِي ق َ ﱠد َر َفھ َ دَى﴾‪ ،2‬و قد ب ّي نا أنّ ھذه‬
‫ف َ‬
‫خلَ َ‬
‫اس َ‬
‫‪2‬ـ قوله تعالى ـ في سورة األع لى‪َ ﴿ :‬‬
‫األَعْ لَى الﱠذِي َ‬
‫م َربِّ َ‬
‫س ِب ّحِ ْ‬
‫ّ‬
‫ٌ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ﱠ‬
‫س ﱠوى﴾‪﴿ ،‬‬
‫ف‬
‫﴿‬
‫‪:‬‬
‫وقوله‬
‫الخلق‪،‬‬
‫برھان‬
‫إلى‬
‫ة‬
‫إشار‬
‫﴾‬
‫ق‬
‫ل‬
‫خ‬
‫ِي‬
‫ذ‬
‫ل‬
‫ا‬
‫﴿‬
‫‪:‬‬
‫فقوله‬
‫ٍ‪،‬‬
‫ة‬
‫ل‬
‫مستق‬
‫كطرق‬
‫اآلية تشير إلى البراھين العلميّة الثالثة‬
‫َ‬
‫َ َ‬
‫ٍ‬
‫َوالﱠذِي َق ﱠد َر﴾ إشارةٌ إلى برھان النظم‪ ،‬فيما قوله‪َ ﴿ :‬ف َھدَى﴾ إشارةٌ إلى برھان الھداية‪.‬‬

‫خلَقَن ِي َ‬
‫ِين﴾‪ ،3‬فتبي ّن اآل ية أنّ ﷲ يتول ّى ھدا ية‬
‫ف ُھـ َ‬
‫‪3‬ـ قوله تعالى‪ :‬حاكيا ً قول إ براھيم الخل يل عل يه ال سالم‪﴿ :‬الﱠـذِي َ‬
‫و يَ ْھـد ِ‬
‫الموجودات بعد خلقھا‪.‬‬

‫‪4‬ـ ومن اآليات التي تبيّن بر ھاني الن ظم والھدا ية كدليلين م ستقلّين‪ ،‬اآل ُ‬
‫يات األو لى من سورة الع لق‪ ،‬ي قول‬
‫ق‬
‫خلَ َ‬
‫ق* َ‬
‫خلَ َ‬
‫م َربِّ َ‬
‫ك الﱠذِي َ‬
‫بِ ْ‬
‫اس ِ‬

‫ت عالى‪﴿ :‬إ ْقـ َر ْأ‬

‫‪62‬‬
‫م بِا ْل َ‬
‫ك ْ‬
‫م َ‬
‫م ِْ‬
‫ِْ‬
‫علﱠ َ‬
‫األن َ‬
‫م الﱠذِي عَ لﱠ َ‬
‫و َربﱡ َ‬
‫ِن عَ لَقٍ ا ْق َر ْأ َ‬
‫األن َ‬
‫ْسانَ م ْ‬
‫قلَ ِ‬
‫األَ ْك َر ُ‬
‫ْسانَ َما لَ ْم يَ ْعلَ ْم﴾‪ ،4‬فاآليات ھذه ت شتمل ع لى ف صلين‬
‫مستقلّين‪ ،‬يبتدئ ك ّل منھما بكلمة‪﴿ :‬ا ْق َر ْأ﴾‪ ،‬ويشير الفصل األوّ ل إلى برھان النظم‪ ،‬والفصل الثاني إلى برھان الھداية‪.5‬‬

‫بين برھان الھداية وبرھان النظم‪:‬‬
‫قد يقول قائل‪ :‬إنّ الھداية ھي جز ٌء من النظم‪ ،‬وليست أمراً مستقالً‪ ،‬فإنّ حركة األشياء ـ الھداية ـ ھي الزمة جبري ّة لطبي عة‬
‫قل‪،‬‬
‫صنعھا ـ النظم ‪ -‬وليست شيئا ً آخر‪ ،‬فإنّ طبيعة صنع السيارة ـ مثالً ـ ب ھذا ال شكل ي ستلزم أن تع مل وتت حرّك كو سيلة ن ٍ‬
‫وليس في البين شي ٌء جدي ٌد غير الكشف عن إدراك وحسن إختيار صانعها‪.‬‬
‫ولكنّ ھذا القائل قد غ فل عن أنّ اال ستدالل ببر ھان الھدا ية‪ ،‬ال ي كون بت لك الحر كة العادي ّة للمخلو قات‪ ،‬وا لتي ھي نتي جة‬
‫جبريّة لتركيبتھا الماديّة ونظمھا‪ ،‬بل اال ستدالل ھو بأمر ُي ضاف إ لى م بدأ الن ظم المو جود في الت كوين اآل ليّ للمو جودات‬
‫والذي له أث ٌر حتميٌّ في عمله‪ ،‬وبحرك ٍة ھاد ف ٍة وواع ي ٍة خار ج ٍة ت حرّك األ شياء في م ساراتھا‪ ،‬وال ترتبط بطبي عة تركيب ھا‪،‬‬
‫ممّا يكشف عن قوّ ٍة خارج ٍة تتح ّكم بھا فتسيّر األشياء وفق ھدايتھا‪ .‬فاأل شياء مخلو ٌ‬
‫ظام خاصّ ‪ ،‬ومھدي ٌّة ثان يا ً طب قا ً‬
‫قة أوّ الً بن ٍ‬
‫لمبدأ آخر‪.‬‬
‫فنحن نتحدّث ھنا عن نوع من ال قدرة ع لى اإل بداع واإلخت يار‪ .‬ول يس من شأن الترك يب ال ماديّ الق يام باإل بداع واإلخت يار‬
‫مھما كان نظمه دقيقا ً ومتطوّ راً‪ ،‬فجھاز‬
‫‪63‬‬

‫الترجمة يعمل وفق ما ُن ّ‬
‫ظمت عليه تركيبته الماديّة‪ ،‬ألنّ المادّة تعمل ضمن دائرة قوانين ھا وطبي عة األنظ مة ا لتي تحكم ھا‪،‬‬
‫لذا فھو يُترجم الكالم الذي أعطي له مسبقاً‪ ،‬وھو ال يستطيع ـ وحده ـ أن يستعمل التورية أو التقية فيترجم كالما ً غير ا لذي‬
‫أعطي له مثالً‪،‬كما لو كان في الغرفة من ال تريد أن ّ‬
‫يطلع على ما تقو له! إنّ ھذا غير مم كن ما دام ھذا الج ھاز ال يتم تع‬
‫بالشعور والتفكير واإلبداع الموجودة في الكائنات الحيّة‪.‬‬
‫إنّ طبيعة ما تقوم به الموجودات الحيّة من أعمال إختياريّة وإبداعيّة‪ ،‬إضافة إلى ما يو ّفره لھا تكوينھا الذاتيّ من مؤھّالت‪،‬‬
‫تكشف عن حتميّة وجود قوّ ة تجذبھا للتحرّك بھذا اإلتجاه‪.‬‬
‫الفلسفي‪:‬‬
‫الھداية بلغة المنھج‬
‫ّ‬
‫بشكل آخر فيقول‪ :‬ال ب ّد من اإلقرار بأ ّنه ال يمكن تف سير حر كة ال عالم الكو نيّ ع لى أ ساس‬
‫يعبّر المنھج الفلسفيّ عن الھداية‬
‫ٍ‬
‫)مبدأ الميكانيكيّة( ـ بأن يكون كيان العالم أشبه باآللة المصنوعة بدق ّة‪ ،‬يترت ّب علي ھا حرك ته الميكانيكي ّة ـ إذ ال يم كن ل ھذا‬
‫المبدأ أن يفسّر جميع الحوادث الكونيّة‪ .‬من ھنا ال ب ّد من اللجوء إلى مبدأ آ خر ي سمّيه الغربي ّون ب ـ )م بدأ الديناميكي ّة( ا لذي‬
‫يتولّى ھداية موجودات العالم‪ ،‬وبصورة ٍتصل أحيانا ً إلى مرتبة الخلق الذاتيّ ‪.‬‬
‫نتيجة ما تق ّدم‪:‬‬

‫إلى ھنا تبيّن أ صل ف كرة بر ھان الھدا ية‪ .‬و ما يھ ّم نا‪ ،‬حتى يث بت صحة اال ستدالل ب ھذا البر ھان‪ ،‬ھو أن ن ّب ين و جود ھذه‬
‫الحركة الھادفة اإلضافيّة في الموجودات‪.‬ولذلك سنبيّن وجود ھذه الھداية في اإلنسان‪ ،‬ث ّم في الحيوان‪ ،‬فالنبات‪ ،‬فالجماد‪.‬‬
‫‪64‬‬

‫ّأوالً‪ :‬الھداية في اإلنسان‪:‬‬
‫ت مو جود ٍة في ج سم اإلن سان‪ .‬من ھذه الخصو صيّات أن ّ ه ي قوم تلقائي ّا ً وال‬
‫ھر وخصو صيّا ٍ‬
‫يكشف الع لم ال حديث عن ظوا َ‬
‫ضرر‪ ،‬و كذلك ي قوم د مه ال‬
‫جرح أو‬
‫لكسر أو‬
‫شعور ّيا ً بترميم ما يتلف من خالياه ـ ضمن حدود معيّنة‪ .‬وذلك عند تعرّضه‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫مقدار يكمل النقص الذي قد يحصل في ب عض أجزا ئه ـ كالكر يات البي ضاء‪ -‬وم ثل ھذه األ مور تع تبر أ موراً‬
‫إراد ّيا ً بتوليد‬
‫ٍ‬
‫ّ‬
‫مستقلّة عن طبيعة نظم تركيبته الماديّة مھ ما ع ُ ّد بد نه آ ً‬
‫ومنظ ً‬
‫قة‪ ،‬ومھ ما كا نت أع ضاؤه مر ّت ً‬
‫لة دقي ً‬
‫مة‪ ،‬ألنّ ھذه األ مور‬
‫بة‬
‫تحصل بصور ٍة وكأنّ لتركيبته الماديّة شعوراً ووعيا ً وإراد ًة غير شعوره وإرادته‪ ،‬فيما ھذا األ مر غير مع ھو ٍد في أيّ آ لة‬
‫أو تركيبة ماديّة‪.‬‬
‫ثانيا ً‪ :‬الھداية في الحيوان‪:‬‬
‫من المبادئ الثابتة في علم البيئة‪) :‬مبدأ التكيّف مع البيئة(‪ ،6‬ويعتبر ھذا المبدأ من أسرار ھذا العالم‪ ،‬وتوضيحه‪:‬‬
‫حيوان يعيش في منطق ٍة بارد ٍة إلى منطق ٍة حارّ ةٍ‪ ،‬فھنا سنرقب ع ّدة تحوّ الت في طبيعته وباقي أجھزته‪ ،‬بع ضھا‬
‫إذا قمنا بنقل‬
‫ٍ‬
‫تأثيره طبيعيّ واآلخر خارجيّ ‪:‬‬
‫ّ‬
‫ستؤثر على جلده الشمس ممّا يُحدث فيه تغييرات فيزيائيّة أو كيميائيّة‪ ،‬وھذا أمر عاديّ ‪.‬‬
‫ـ‬
‫فعل إراديّة ّ‬
‫تؤثر في بدنه‪ ،‬كأن يحتاج في البيئة الجديدة إلى م ّد عن قه إلقت طاف أوراق ال شجرة العال ية‪،‬‬
‫ـ ستكون لديه ردود ٍ‬
‫ممّا قد يؤدّي إلى إطالة عنقه‪ ،‬وفق نظريّة )المارك(‪.‬‬
‫‪65‬‬

‫غيرات ھاد ٌ‬
‫ٌ‬
‫فة تلقائي ٌّة و غير إرادي ّ ٍة ـ ال تن شأ من اآل ثار البيئي ّة المبا شرة‪ ،‬وال من اإلرادة الذاتي ّة للح يوان‪-‬‬
‫ـ ستحدث فيه ت‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫وتكون ھذه التغيرات ھادفة تتناسب ومقتضيات البيئة الجديدة‪ ،‬فيتغيّر شعر جلده ولون بدنه حت ى يتمك ن من مقاو مة أ شعّة‬
‫الشمس القويّة‪ ،‬إلى تغيرات أخرى في أعضائه وجوارحه‪.‬‬
‫ٌ‬
‫مكان ال يوجد ف يه د ي ٌ‬
‫ك يدافع عن ھا‪ ،‬ف في ھذه الحا لة سيظھر‬
‫دجاجة في‬
‫وذكر )إبن سينا( مثاالً لذلك‪ ،‬وھو ما لو وُ ضعت‬
‫ٍ‬
‫تدريج ّيا ً مخلبٌ خلف قدمھا ـ كما ھو عند الديك‪ ،‬ث ّم يشت ّد لتستخدمه كحربة في العراك‪.‬‬
‫نتيجة طبيعي ًّة ّ‬
‫ً‬
‫لتأثر ما‪ ،‬وال يكون إراد ّيا ً من ن فس الح يوان‪ ،‬وبال تالي ھو‬
‫إنّ مح ّل كالمنا ھو مثل ھذا التغيّر‪ ،‬الذي ال يكون‬
‫ٌ‬
‫ٌ‬
‫بنوع من ال شعور غير اإلراديّ ‪ ،‬مم ّا يك شف عن ھدا ي ٍة‬
‫ليس مقتضى طبيعة نظمه وتركيبه‪ ،‬وإ ّنما ھو عم ٌل وحركة ھادفة‬
‫ٍ‬
‫ّ‬
‫يتدخل في سير وحركة ھذا الحيوان يُضاف إلى طبيعة نظمه وإتقان صنعه‪.‬‬
‫وتدبير خفيّ‬
‫ٍ‬
‫يتحصّل من ذلك أنّ ھذه الن شاطات الم ثيرة للدھ شة وا لتي نرا ھا في سلوكيّات اإلن سان و غيره من الكائ نات الحي ّة ـ م ثل‬
‫ترميم خاليا اإلنسان وظھور أعضا ٍء جديد ٍة لدى الحيوان ـ شيء غير النظم الموجود في بدن المخلو قات‪ ،‬و ھذا يع طي أن‬
‫في البناء العا ّم للموجودات المنظم)النظم( شيئا ً ي شبه الل غز خفِ يت علي نا حقيق ته‪ ،‬و ھو يك شف عن و جود‬
‫نوع من الھدا ية‬
‫ٍ‬
‫الخفيّة تقود الموجودات الحيّة نحو أھدافھا‪.‬‬

‫ث ّم إنّ ھناك مظاھر أخرى يمكن مالحظتھا في ك ّل من اإلن سان والح يوان‪ ،‬وا لتي ال يم كن تف سيرھا سوى باالعت قاد بت لك‬
‫الھداية الخفيّة‪ ،‬كالغريزة في الحيوان واإللھامات لدى اإلنسان‪ ،‬وبيانھا‪:‬‬
‫‪66‬‬

‫الغريزة عند الحيوان‪:‬‬
‫ويمكن اإلطالل على مجموعة أخرى من ھذه الھدايات في الحيوانات‪ ،‬وذلك من قبيل ما يُعرف بـ )الغريزة(‪ ،‬و ھي مظ ھ ٌر‬
‫من مظاھر الھداية المتنوّ عة التي يمكن مالحظتھا في سلوكيّات الحيوا نات‪ .‬والغر يزة ھذه ت كون أ قوى كلّ ما كان الح يوان‬
‫ـة وعجيبـ ٌ‬
‫ـات مدھشـ ٌ‬
‫أضــعف‪ ،‬ولــذلك توجــد فــي الحشــرات غرائــز وتحرّ كـ ٌ‬
‫ـة‪ ،‬نظــير مــا ھــو موجــو ٌد فــي النحــل والنمــل‬
‫والعنكبوت‪...‬‬
‫و َيفترض البعض أنّ مثل عمل النحل عم ٌل صاد ٌر على نحو التعل يم والتعل ّم‪ ،‬ونتي جة تجر ب ٍة إ ستمرّ ت آالف ال سنين‪ ،‬إال أنّ‬
‫ھذه الفرضيّة بطلت‪ ،‬لوجود أنواع من الحشرات ك ـ )األموف يل(‪ ،7‬و كذلك نوع من األ سماك‪ ،‬ت قوم بأع مال عجي ب ٍة ودقي ق ٍة‬
‫ومنظ م ٍة تنا سب حيات ھا الخاص ّة‪ ،‬وت ستمرّ في مخت لف األج يال‪ ،‬مع أنّ الج يل الال حق في ھذه الحيوا نات ال يرى الج ي َل‬
‫السابق أصالً ـ فال معنى للتعليم ‪ -‬حيث يموت الجيل السابق كل ّيا ً قبل أن يظھر الجيل الالحق أو تزامنا ً مع ظھوره‪.‬‬
‫ّ‬
‫مخطط أو ھدا ية ل ھذه ال سلوكيّات في الحيوا نات‪،‬‬
‫إنّ وجود ھذه الظواھر في الحيوانات‪ ،‬ال يمكن تفسيره إال بالقول بوجود‬
‫ما دامت األجھزة الدماغية العصبيّة أليّ حيوان‪ ،‬عاجز ًة عن القيام بمثل ھذا التوجيه والھداية‪.‬‬
‫اإللھامات عند اإلنسان‪:‬‬
‫إنّ في اإلن سان من م ظاھر الھدا ية والتوج يه ما ھو أ سمى من الغر يزة ا لتي في الح يوان‪ ،‬ونن سبھا إ لى مجمو ع ٍة من‬
‫اإللھامات‪ ،‬ويمكن تقسيمھا إلى ثالث مجموعات‪:‬‬
‫‪67‬‬

‫اإللھامات األخالق ّية‪ ،‬واإللھامات اإلشراق ّية‪ ،‬الرؤى واألحالم‬
‫‪1‬ـ اإللھامات األخالق ّية‪:‬‬
‫وھي األوامر التي يجب على اإلن سان أن ي قوم ب ھا‪ ،‬وا لتي تحق ّق م صلحة المجت مع‪ ،‬وي طوي ب ھا اإلن سان طر يق الك مال‪،‬‬
‫وھي أنواع‪:‬‬
‫اإلنساني‪ :‬وھو مجموعة من األوامر التي تحكم بھا فطرة اإلنسان و تدعوه إ لى الق يام ب ھا مقا بل نوا ٍه عن‬
‫أ‪ -‬حكم الوجدان‬
‫ّ‬
‫أ شياء أ خرى‪ ،‬كأن ي ُدرك اإلن سان أنّ جزاء اإلح سان ھو اإلح سان‪ ،‬ا لذي عب ّر ع نه‬
‫سانُ ﴾‪.8‬‬
‫ِْ‬
‫ح َ‬
‫األ ْ‬

‫ال قرآن‪َ ﴿ :‬‬
‫ن إِ ﱠال‬
‫ســا ِ‬
‫ج ـ َزا ُء ْ ِ‬
‫ـل َ‬
‫ح َ‬
‫األ ْ‬
‫ھـ ْ‬

‫حض ‪ -‬من غير أن ي كون ھذا‬
‫فاإلن سان إذا ما و قع في مح نةٍ‪ ،‬و جاءه شخصٌ فأن قذه من ھذه المح نة‪ ،‬و‬
‫بدافع إن سانيٍّ م ٍ‬
‫ٍ‬
‫ً‬
‫صدفة ھذا الشخص في م كان آ خر و قد و قع في ور ط ٍة فإن ّه‬
‫الشخص يعرفه أو يطمع في المقابل‪ .‬فإنّ اإلنسان إذا ما وجد‬
‫يستغ ّل ھذه الفرصة ليقابل إحسانه السابق‪.‬‬
‫ً‬
‫معتدلة سوي ًّة‪ ،‬قد أُلھمت وعرفت طبيعة األعمال القبيحة واألعمال الصالحة‬
‫إذاً إنّ النفس اإلنسانيّة وفطرتھا‪ ،‬بعد أن ُخلقت‬

‫ھا َ‬
‫وا َ‬
‫وا َ‬
‫ُجو َر َ‬
‫ھا﴾‪.9‬‬
‫فأَ ْل َ‬
‫م َ‬
‫ھا َوتَ ْق َ‬
‫ھ َ‬
‫ما َ‬
‫فميّزت بينھا‪ ،‬وھذا ما أشار إليه القرآن في قوله تعالى‪َ ﴿ :‬‬
‫ْس َو َ‬
‫س ﱠ‬
‫ھا ف ُ‬
‫ونَف ٍ‬

‫األو لي أُل ھم ب عض‬
‫ب‪ -‬الم عارف القلبي ّ ة‪":‬ال تنح صر م عارف اإلن سان ب ما يتع ّل مه من األح كام‪ ،‬بل إنّ و جدان اإلن سان ّ‬
‫األحكام‪ ،‬كعدم جواز إ ّتباع العالم الذي ال يعمل بما يقول" ـ كما ورد في الحديث عن الصادق عليه السالم في تفسير اآل ية‪:‬‬
‫ِي َوإِنْ ھُ ْم إِ ﱠال يَظُنﱡونَ ﴾‪.10‬‬
‫ميﱡونَ ال يَ ْ‬
‫و ِ‬
‫اب إِ ﱠال أَ َ‬
‫﴿ َ‬
‫مونَ ا ْلكِ َت َ‬
‫م ْن ُھ ْ‬
‫م ُأ ِ ّ‬
‫علَ ُ‬
‫مان ﱠ‬
‫‪68‬‬

‫اللوامة‪ :‬ھناك نو ٌع من المحاسبة الذاتيّة تقوم به نفس اإلنسان‪ ،‬حيث تلومه على ما يرتكبه من سيئات األع مال‬
‫ج ـ النفس ّ‬
‫ّ‬
‫وتحاكمه بعد أن يختلي بنفسه‪ ،‬مم ّا يج عل ال جاني يدرك أن ه يرت كب ال جرائم‪ .‬و لذلك تك شف ك ثي ٌر من الت جارب أنّ الج ناة‬
‫ت روح ّيةٍ‪ ،‬كما ينقل عن )بسر بن أرطأة( الذي كان أحد جالوزة‬
‫بأمراض نفس ّي ٍة وعصب ّي ٍة وأزما ٍ‬
‫يصابون في عاقبة أمرھم‬
‫ٍ‬
‫معاوية حيث كانت عاقبته أن ابتلي بالجنون‪ ،‬وكذلك ينقل عن الطيّار الذي ألقى القنبلة الذريّة على مدينة )ھيروشيما(‪.‬‬
‫‪2‬ـ اإللھامات اإلشراق ّية )الحدس(‪:‬‬
‫طرق يستطيع اإلنسان من خاللھا الحصول على المعلومات في الفنون العلميّة المتنوّ عة‪:‬‬
‫ھناك عدّة‬
‫ٍ‬
‫األول‪ :‬أنّ يعتمد التجربة واإلختبارات التي ُتثمر كشف الحقائق بصور ٍة تدريجيّة‪.‬‬
‫ـ الطريق ّ‬
‫ـ الطريق الثاني‪ :‬أن يعتمد التف كير واال ستدالل والبر ھان واألقي سة‪ ،‬فيح صل ع لى ن تائج كا نت مجھو لة لد يه‪ ،‬إ ستناداً إ لى‬
‫ً‬
‫مقدّمات يعرفھا‬
‫مسبقا◌‪.11‬‬
‫ھذه ھي الطرق المعھودة والمعروفة‪ ،‬إال أنّ ھناك طريقا ً ثالثا ً ّ‬
‫مؤثراً في ح صول اإلن سان ع لى الم عارف‪ ،‬و ھو ما ُي عرف‬
‫باإللھام اإلشراقيّ ‪ ،‬وھو مح ّل بحثنا‪.‬‬
‫فاإللھام اإلشراقيّ ھو نو ٌع من اإللقاء في الروع حيث تنقدح فكرةٌ في ذ ھن اإلن سان ف جأ ًة ب عد أن ي كون قد ع جز عن ح ّل‬
‫المسألة التي بين يديه‪ ،‬وذلك عبر طريق آخر لم يكن قد ف ّكر به سابقا ً‪ .‬فھذا النوع من المعرفة ال يكون معلوالً‬
‫‪69‬‬

‫نوع من اإلل ھام واإلي حاء‪ ،‬ف ھو ا لذي‬
‫ل حوادث الما ضي وال نتي جة حتمي ًّة ل ھا‪ ،‬بل ھو ث مرة إ ستعداد ذ ھن اإلن سان لتلق ّي‬
‫ٍ‬
‫يتحدّث عنه )إينشتاين( بقوله‪...) :‬إنّ النظريّات المھمّة والكبرى في العالم ھي التي تنقدح ـ ع لى ن حو اإلل ھام ـ ف جأ ًة و في‬
‫حال ٍة معيّن ٍة في أذھان العلماء(‪.12‬‬
‫‪3‬ـ الرؤى واألحالم‪:‬‬
‫إنّ النظريّة الصحيحة‪ 13‬والتي تع ّم جميع أنواع األحالم ھي النظريّة التي تعتمد على تقسيم األحالم إلى عدّة أنواع‪:‬‬
‫فبعضھا يحصل نتيجة األحوال الجسميّة لإلنسان‪ ،‬كالجائع أو الظامئ يرى الط عام أو ال ماء ال عذب في الم نام‪ ،‬و كذلك من‬
‫يتناول طعاما ً يؤذي معدته يؤدي ذلك إلى إيجاد إضطرابات‪ ،‬تؤ ّدي بدورھا إلى رؤية كوابيس‪.‬‬
‫وبعضھا مرھونٌ بأحواله الروحية‪ ،‬وذلك من قبيل الرؤى التي تعبّر عن األمور‬

‫‪70‬‬

‫المكتومة في داخل اإلنسان‪ ،‬فتكون أحالمه عبار ًة عن تجليا ٍ‬
‫ت دقيق ٍة لتلك األمور المكتومة‪ ،‬ك سارق األك فان ا لذي رأى في‬
‫منامه أ ّنه يق ّشر البيض المسلوق فيأكل بياضه ويطرح صفاره‪.‬‬
‫ٌ‬
‫ثالث يعتبر من اإلشراق واإللھام‪ ،‬وال يرتبط بأيٍّ من أحوال اإلنسان الروحيّة أو الجسميّة‪.‬‬
‫وثمّة نو ٌع‬
‫ك با ً‬
‫وھذا من قبيل رؤيا النبيّ يوسف عليه السالم في طفول ته‪﴿ :‬إِ ْذ َ‬
‫ك ْو َ‬
‫عَشـ َر َ‬
‫حـ َد‬
‫ف َألَبِي ِ‬
‫قا َ‬
‫َ‬
‫ـت أَ َ‬
‫ل ُي ُ‬
‫ه يَـا أَبَـتِ إِنِّـي َرأَ ْي ُ‬
‫وس ُ‬
‫َ‬
‫و َ‬
‫س َوا ْل َ‬
‫ك إِنِ ّي أ َرى‬
‫و‬
‫سا ِ‬
‫ج ِ‬
‫ل ا ْل َ‬
‫قا َ‬
‫ق َ‬
‫ين﴾‪ ،14‬ورؤيا الملك التي فسّرھا نفس يوسف عليه ال سالم‪َ ﴿ :‬‬
‫د َ‬
‫م لِي َ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫م َر َرأَ ْي ُت ُھ ْ‬
‫الش ْ‬
‫ﱠ‬
‫ملِ ُ‬

‫ع بَ َ‬
‫س ْب َ‬
‫س ْب َ‬
‫ساتٍ﴾‪ ،15‬وكذلك رؤ يا الر سول األ كرم صلى‬
‫ن يَ ْأ ُ‬
‫س ْب ٌ‬
‫ق َراتٍ ِ‬
‫خ ْ‬
‫ع ِ‬
‫ج ٌ‬
‫ما ٍ‬
‫ر َو ُأ َ‬
‫خ َر يَابِ َ‬
‫ع َ‬
‫ن َ‬
‫س َ‬
‫َ‬
‫اف َو َ‬
‫كل ُُھ ﱠ‬
‫ع ُ‬
‫س ْن ُبالتٍ ُ‬
‫ض ٍ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫نْ‬
‫ﱡ‬
‫َقَ‬
‫‪:‬‬
‫الفتح‬
‫عام‬
‫قت‬
‫ق‬
‫تح‬
‫التي‬
‫وسلم‬
‫وآله‬
‫عليه‬
‫ﷲ‬
‫شا َء ﷲ‬
‫إ‬
‫م‬
‫ا‬
‫ر‬
‫ح‬
‫ل‬
‫ا‬
‫د‬
‫ج‬
‫س‬
‫م‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ُن‬
‫ل‬
‫خ‬
‫ت‬
‫ل‬
‫ق‬
‫ح‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ب‬
‫ْيا‬
‫ؤ‬
‫ر‬
‫ال‬
‫ه‬
‫ل‬
‫و‬
‫س‬
‫ر‬
‫ﷲ‬
‫د‬
‫ص‬
‫ق‬
‫ل‬
‫﴿‬
‫َ ْ ِ َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫دْ َ‬
‫ِ َ ّ ِ َدْ ُ ﱠ‬
‫َ ُ‬
‫َ َ َ ِ‬
‫ِين‪.16﴾...‬‬
‫آ ِ‬
‫من َ‬

‫ت وإيحاءا ٍ‬
‫ت ال نعرف كنھھا وال حقيقتھا‬
‫إنّ مثل ھذا القسم األخير من الرؤى ال يمكن تفسيره إال بعد اإلقرار بوجود إلھاما ٍ‬
‫أفق آخر‪.‬‬
‫وال نعلم سوى أ ّنھا تأتي من ٍ‬
‫ثالثا ً‪ :‬الھداية في النبات‪:‬‬
‫يذكر علم األحياء أنّ جميع الكائنات الحيّة ـ من حيوان ونبات ـ ير جع في التحل يل الن ھائيّ إ لى ما ُي عرف بالخلي ّة األو لى‪،‬‬
‫ً‬
‫مرتبة من التكامل تحوّ لت معھا‬
‫أصل واحدٍ‪ ،‬وھذا ھو مبدأ التكامل‪ ،‬ث ّم إنّ ھذه الخليّة بلغت‬
‫فترجع النباتات والحيوانات إلى‬
‫ٍ‬
‫إلى خليّتين‪ :‬خليّة نباتيّة وأخرى حيوانيّة‪ ،‬بحيث صارت طريقة أداء وإحتياجات ك ّل‬
‫‪71‬‬

‫ً‬
‫درجة جعلت ّ‬
‫كالً منھما عاجز ًة عن موا صلة الح ياة لو‬
‫واحد ٍة من ھاتين الخليّتين على طرفي النقيض‪ ،‬وبلغ التمايز بينھما‬
‫وضعت في غير بدنھا‪.‬‬
‫وھنا نقول‪ :‬إنّ الخليّة األولى بتكوينھا الماديّ المنظ ّم‪ ،‬مھما بلغت من الدقة‪ ،‬فإنّ غا ية ما يم كن أن ت قوم به ھو أن تتكا ثر‬
‫تدريج ّيا ً بحيث تش ّكل مجموعة من األعضاء المتناسقة‪ ،‬أمّا أن تنقسم إلى نوعين مختلفين تماما ً بل ومتناق ضين أحيا ناً‪ ،‬ف ھذا‬
‫ما يعجز عنه تركيبھا الماديّ ‪ ،‬وھو بحاج ٍة إلى قوّ ٍة خارج ٍة عن ذاتھا‪.‬‬
‫رابعا ً‪ :‬الھداية في الجماد‪:‬‬
‫﴿ َ‬
‫ي ٍء‬
‫قـا َ‬
‫ل َربﱡن َا الﱠـذِي أَعْ طَـى كُـ ﱠ‬
‫ل شَ ْ‬

‫يصرّ ح القرآن الكريم بأنّ مبدأ الھداية عا ٌّم يشمل جميع المو جودات‪ ،‬ي قول ت عالى‪:‬‬
‫م َ‬
‫م َر َ‬
‫ھا‪ ،﴾18...‬أي ت ّم إبالغ ك ّل سما ٍء بما ت قوم به وھد يت‬
‫حى فِي ُ‬
‫خ ْلق ُ‬
‫َ‬
‫ل َ‬
‫وأَ ْو َ‬
‫ھدَى﴾‪ ،17‬وفي آي ٍة أخرى‪َ ...﴿ :‬‬
‫س َ‬
‫ما ٍء أَ ْ‬
‫َه ثُ ﱠ‬
‫ك ِّ‬
‫‪19‬‬
‫إلى مسار حركتھا ‪.‬‬

‫إال أنّ العلوم الحديثة لم تستطع ح ّتى اآلن إثبات ھكذا ھداية ـ أي غير اللوازم الذاتيّة ـ في الج ماد‪ ،‬بل ظ ّل األ مر مج ھوالً‬
‫بالنسبة لھا‪ ،‬لك ّنھا في المقابل لم تستطع أن تنفيھا‪.‬‬
‫فمثالً إكتشف ن يوتن ) قانون الجاذبي ّة(‪ ،‬وا لذي وف قا ً له تفس ّر حر كات األ شياء‪.‬إال أنّ غا ية ما اكت شفه ھو و جود نوع من‬
‫الجاذبيّة بين األجسام واألجرام في الكون ووضع المعادلة الرياضيّة لذلك‪ .‬فھو عرّف ھذا القانون بآثاره لك ّنه ب قي عاجزاً ـ‬
‫بإعترافه ـ عن تبيين ماھية ھذه الجاذبية‪ ،‬فما ھو سرّ ھذه الظاھرة؟!‬

‫‪72‬‬

‫إنّ نيوتن نفسه صرّ ح بتأثير اإلرادة اإللھيّة في قانون الجاذبيّة‪ ،‬ف قال‪):‬إنّ ال قانون ا لذي اكت شفته ال يك في و حده إلي جاد ھذا‬
‫النظم وال ب ّد من وجود قوّ ٍة ّ‬
‫مؤثر ٍة إضافة لذلك(‪.‬‬
‫إنّ العلم إذا كان عاجزاً عن إثبات الھداية اإلضافيّة في حركة الجماد‪ ،‬فھو عاج ٌز أيضا ً عن إنكارھا بإثبات أنّ ھذه الظاھرة‬
‫الحركيّة ھي من اللوازم الذاتيّة في تركيب األجرام‪.‬‬
‫‪73‬‬

‫ﺧﻼ ﺻﺔ اﻟﺪرس‬
‫ـ يعتمد برھان الھداية على التأمّل في الھداية التي تظھر كحركة مفاجئة في أثناء مسير األشياء والموجودات نحو التكا مل‪،‬‬
‫فيما يعتمد برھان النظم على التأمّل في نفس ترك يب وت كوين األ شياء المت قن بح يث تت حرّ ك ذاتي ّا ً ع لى و فق ھذا الترك يب‬
‫لتصل إلى ھدفھا‪.‬‬
‫ـ الفرق بين برھان النظم والھداية‪ ،‬أ ّننا حين نتحدّث عن النظم فنحن نتح ّدث عن حر كة عادي ّة ت كون نتي ً‬
‫جة حتمي ًّة لطبي عة‬
‫تركيبة األشياء الماديّة‪ ،‬أمّا عندما نتحدّث عن الھداية‪ ،‬فنحن نتح ّدث عن حرك ٍة غير متو ّقعة وال تخلو من إبداع ممّا يك شف‬
‫عن وجود قوّ ة خارجيّة تضاف إلى طبيعة النظم والتركيب الماديّ ‪.‬‬
‫ـ أوّ ل من ميّز بين برھاني الھداية والنظم ھو القرآن الكريم‪ ،‬حيث ذكرھما كدليلين مستقلّين‪.‬‬
‫ـ لكي يصح االستدالل ببرھان الھداية ال ب ّد من إثبات وجود ھذه الھداية في الموجودات‪.‬‬
‫أشكال‪ ،‬منھا ترميم جسمه تلقائ ّيا ً للخاليا التالفة‪ ،‬وتعديل دمه لألجزاء التي قد يفقدھا‪.‬‬
‫ـ تظھر الھداية في اإلنسان في عدّة‬
‫ٍ‬
‫ـ تظھر الھداية في الحيوانات عندما نتأمّل م بدأ التكي ّف مع البي ئة‪ ،‬ح يث تظ ھر للح يوان ال شعور ّيا ً ب عض األع ضاء ال تي‬
‫تساعده ليعيش في بيئ ٍة جديد ٍة‪ .‬كما تظھر الھداية في الغريزة التي نجدھا في ھذا الحيوان‪.‬‬
‫ـ ومن مظاھر الھداية في اإلنسان والحيوان‪ ،‬ما يطلق عليه ا سم الغر يزة في الح يوان‪ ،‬واإللھا مات المتنو عة في اإلن سان‪،‬‬
‫حيث نرى آثار ھذه اإللھامات‪ ،‬ونبقى عاجزين عن الكشف عن حقيقتھا وماھيّتھا‪.‬‬
‫ّ‬
‫تتدخل في ھذا ال كون‪ ،‬ع ندما نتأم ّل ما اكت شفه الع لم ال حديث‪ ،‬من أنّ الكائ نات‬
‫ـ يمكننا أن نستد ّل على وجود قوّ ٍة خارج ّي ٍة‬
‫ً‬
‫تناقض أحيا نا ب ين‬
‫فرق بل‬
‫ٍ‬
‫الحيّة جميعا ً ترجع إلى خل ّي ٍة واحدةٍ‪ ،‬نتج عنھا في ما بعد الحيوانات والنباتات‪ ،‬مع ما ھنالك من ٍ‬
‫ھذين النوعين‪.‬‬
‫ـ يعتبر القرآن الكريم مبدأ الھداية شامالً ح ّتى للجماد‪ ،‬إال أنّ العلم الحديث لم يتم ّكن من إثبات ذ لك‪ ،‬ك ما أن ّ ه ال ي ستطيع أن‬
‫ينفي‪.‬‬

‫أﺳﺌﻠﺔ اﻟﺪرس‬
‫‪1‬ـ ما ھو برھان الھداية؟‬
‫‪2‬ـ ھل ميّز القرآن بين برھاني الھداية والنظم؟‬
‫‪3‬ـ ما ھو الفارق الدقيق بين برھان الھداية وبرھان النظم؟‬

‫‪4‬ـ في أيّ الموجودات تالحظ ظاھرة الھداية؟‬
‫‪5‬ـ ما ھي اإللھامات األخالقيّة واإللھامات اإلشراقيّة عند اإلنسان؟‬

‫ﻫﻮاﻣﺶ‬
‫‪ -1‬طـه‪49:‬ـ ‪50‬‬
‫‪ -2‬األعلى‪ 1:‬ـ ‪.3‬‬
‫‪ -3‬الشعراء‪.78:‬‬
‫‪ -4‬العلق‪1:‬ـ‪.5‬‬
‫ل ھذه اآليات‪ ،‬وحدھا‪ ،‬تبيّن استقالل برھان الھداية عن برھان النظم‪.‬‬
‫ن لع ّ‬
‫‪ -5‬ھناك آيات أخرى كثيرة تشير إلى نظام الھداية ـ وسيأتي التعرّض إلى بعضھا‪ ،‬ولك ّ‬
‫‪ -6‬وتأتي اإلشارة إلى ھذا المبدأ عند الحديث عن اإلشكاالت على التوحيد في مبحث التوحيد ونظريّة التطوّر‪.‬‬
‫‪ -7‬نوع من الحشرات أصغر من النحل وأكبر من الذباب‪.‬‬
‫‪ -8‬الرحمن‪.60:‬‬
‫‪ -9‬الشمس‪ 7:‬ـ ‪.8‬‬
‫‪ -10‬البقرة‪.78:‬‬
‫‪ -11‬راجع منطق المظفر في تعريف الفكر‪ ،‬وخطوات التفكير‪.‬‬
‫ي من الكتاب والس ّنة‪ ،‬وكلمات العلماء القدامى والمعاصرين‪.‬‬
‫‪ -12‬يمكن تأييد وجود اإللھام اإلشراق ّ‬
‫‪ -13‬وتوجد نظريّات أخرى في تفسير الرؤى واألحالم‪:‬‬
‫النظريّة األولى‪ :‬يقل ّل أصحاب ھذه النظريّة من أھميّة األحالم‪ ،‬ويعتبرون أنّه كما يعمل فكر اإلنسان وشعوره حال اليقظة بشكل منظ ّم‪ ،‬فإنّه يعمـل عنــد نومـه بطريقـة‬
‫غير منظ ّمة‪ ،‬ويؤدّي ذلك إلى توليد مجموعة من التخيّالت غير المنطقيّة وھي األحالم‪.‬‬
‫ن لألحالم ـ بما يشمل أضغاث األحالم ـ أسساً منطقيّة‪ ،‬وإن اختلفوا في طبيعة ھذه األسس‪.‬‬
‫وھذه النظرية باطلة‪ ،‬بعد أن أثبت العلماء أ ّ‬
‫ي)الـال شـعور(‪،‬‬
‫ي)الشـعور(‪ ،‬وضــمير باطن ّ‬
‫النظريّة الثانية‪ :‬اكتشف العلماء أثناء بحوثھم في بعض األمراض النفسيّة وجود نوعين من الضمير في اإلنسان‪ :‬ضمير ظاھر ّ‬
‫ددة منھا أنّه يظھر في عالم المنام ويؤث ّر في حصول الرؤى واألحالم‪.‬‬
‫وقالوا بأ ّ‬
‫ن للضمير الباطن ّ‬
‫ي نشاطات متع ّ‬

‫ي‪ .‬فـاألحالم جميعـاً‬
‫لذا يعتقد ھؤالء بأ ّ‬
‫ي‪ ،‬فتدخل حيّز الشـعور البـاطن ّ‬
‫ن األحالم والرؤى ـ كل ّھا ـ عبارة عن تجليّات للميول المكبوتة والخفيّة التي طردھا الشعور الظاھر ّ‬
‫بنظر ھؤالء ھي نتيجة مخزون من سوابق اإلنسان الجسميّة والروحيّة‪.‬‬
‫ن األساس الذي انطلقت منه ھذه النظريّة صحيح‪ ،‬ولكنّھا أخطأت في تعميم تفسير الرؤى واألحالم علـى أسـاس ھـذا المبـدأ ف من المالحـظ أن‬
‫ونحن بدورنا نعتقد بأ ّ‬
‫ة من المحال أن تكون قـد حــدثت سابقاً‪،‬‬
‫ي نحو‪ ،‬بل ترتبط أحياناً بأمورٍ مستقبلي ّ ٍ‬
‫بعض الرؤى المناميّة ال يمكن تفسيرھا على ھذا األساس‪ ،‬حيث ال ترتبط بالماضي بأ ّ‬
‫د من نظريّة تستوعب الرؤى‬
‫كثير‬
‫واختزنت في باطن اإلنسان‪ ،‬ومثل ھذه الرؤى‬
‫ي‪ ،‬ولذلك فال ب ّ‬
‫ومشھود بين سكان مختلف أرجاء المعمورة‪ ،‬وعلى مدى التاريخ البشر ّ‬
‫ٌ‬
‫ُ‬
‫ٌ‬
‫واألحالم جميعاً‪ ،‬وھي النظريّة التي ذكرناھا في المتن‪.‬‬
‫‪ -14‬يوسف‪.4:‬‬
‫‪ -15‬يوسف‪.43 :‬‬
‫‪ -16‬الفتح‪.27 :‬‬
‫‪ -17‬طـه‪.50:‬‬
‫‪ -18‬فصلت‪.12 :‬‬
‫د أن يكون من نوع الھمس في األذن‪.‬‬
‫‪ -19‬فليس المراد من الوحي ما قد ُيتو ّ‬
‫ھم من أنّه ال ب ّ‬

‫اﻟﺘﻄﻮر‬
‫اﻟﺪرس اﻟﺨﺎﻣﺲ‪ :‬اﻟﺘﻮﺣﻴﺪ وﻧﻈﺮﻳـّﺔ ّ‬
‫أھداف الدرس‬
‫‪ 1‬ـ شرح نظرية قدم األنواع ومناقشتھا‪.‬‬
‫‪ 2‬ـ القدرة على التمييز بين نظريتي قدم األنواع وثباتھا‪.‬‬
‫‪ 3‬ـ شرح نظرية التطور بين المارك وداروين‪.‬‬
‫‪ 4‬ـ إكتساب القدرة على دحض نظرية داروين علميا‪ً.‬‬
‫‪ 5‬ـ شرح نظرية الطفرة‪.‬‬
‫‪ 6‬ـ القدرة على مناقشة نظرية التطوّ ر وعدم قدرتھا على نفي الخالق‪.‬‬
‫‪75‬‬

‫تمھيد‪:‬‬
‫ظھرت في العلوم الحديثة نظري ٌّة اعتبر البعض أ ّن ھا ُت ش ّكل نق ضا ً لب عض براھين التوح يد‪ ،‬و ھي نظري ّة الت طوّ ر والتكا مل‬
‫المعروفة باسم نظريّة داروين‪ .‬فال ب ّد أن نط ّل على ھذه المسألة‪ ،‬لنبحث ھل تؤث ّ ر واق عا ً ع لى أدل ّة التوح يد أم ال؟ وبع بارة‬
‫أخرى‪ :‬ھل يستلزم اإليمان بالتوحيد االعتقاد بالنظريّة المقابلة لنظريّة التطوّ ر‪ ،‬وھي نظريّة ثبات األنواع؟‬
‫تاريخ المسألة‪:‬‬
‫جرى البحث منذ القديم عن مسألة ثبات األنواع الحيّة وتبدّلھا‪ .‬ويُذكر في أغلب الكتب ا لتي تناو لت تاريخ ھذه الم سألة أنّ‬
‫ثمّة نظريّتين في الم قام‪ ،‬ت قول األو لى بث بات األ نواع‪ ،‬وأنّ أ نواع الكائ نات الحي ّة جمي عا ً قد حدثت ف جأ ًة في ز من معي ّن‪،‬‬
‫والثانية بتبدّل األنواع وتطوّ رھا‪ ،‬وينسبونھا إلى داروين‪ ،‬ويدّعون أ ّنه ال ثالثة لھما‪.‬‬
‫كثير‬
‫ولكن لألسف فإنّ الكاتبين في تاريخ العلوم واألديان تفتقد آراؤھم إلى‬
‫ٍ‬
‫‪77‬‬

‫من الصحّة‪ ،‬إمّا للعجز عن اإلحاطة بجميع العلوم التي يؤرّ خون لھا‪ ،‬وإمّا لوجود تحريفات في ھذا التاريخ ناتجة عن سوء‬
‫نيّة‪.‬‬
‫وفي المقام يمكن أن نالحظ‪:‬‬
‫ّأوالً‪ :‬أن النظريّة المنسوبة لداروين لي ست نظري ًّة جد يد ًة بل ھي نظري ٌّة قدي ٌ‬
‫مة‪ ،‬ف قد نقلت ھا ب عض الك تب الفل سفيّة‪ ،‬كك تاب‬
‫الشفاء إلبن سينا‪ ،‬واألسفار للمال صدرا عن قدماء فالسفة اليونان‪ ،‬وھي منقولة عن الفيل سوفين اليو نانيين‪ :‬أنك سيمندروس‬
‫عام‪ ،‬غاية األمر أ ّنھم لم يبيّنوا تفصيالتھا التي بيّنھا داروين‪.‬‬
‫وإنباذقلس‪ ،‬أي أ ّنھا ظھرت قبل ‪ٍ 2500‬‬
‫ً‬
‫ثالثة في المقام‪ ،‬وھي ت قول بث بات أ نواع المو جودات‪ ،‬ولك ّن ھا ال تؤمن ب حدوثھا في ز من معي ّن بل‬
‫ثانيا ً‪ :‬أن ھناك نظري ًّة‬
‫ٌ‬
‫قديمة‪ ،‬فھذه النظريّة تقول بقدم األنواع باإلضافة إلى ثباتھا‪.‬‬
‫تقول بأ ّنھا‬
‫عرض النظر ّيات‪:‬‬
‫‪1‬ـ نظر ّية ثبات األنواع‪:‬‬

‫ذكرنا أنّ ثمّة نظري ًّة أخرى تقول بثبات األنواع‪ .‬ويعتبر أصحاب ھذه النظريّة أنّ أنواع الموجودات الحيّة كلّھا ظھرت إلى‬
‫حيّز الوجود في زمن معيّن فجأة ومن العدم)الحدوث الزمانيّ (‪ ،1‬وذلك بصور ٍة غير مألوف ٍة وال طبيعي ّةٍ‪ ،‬ف ُي قال بذلك ب شأن‬
‫خلق آدم وحوّ اء‪ ،‬وك ّل زوجين من أنواع الحيوانات‪.‬‬
‫وقد أطلق أنصار ھذه النظريّة عليھا اسم )نظريّة الخلق(‪.‬‬
‫‪78‬‬

‫وفي الواقع فإنّ العامّة من الناس ھم الذين كانوا يؤمنون بھذه النظري ّة‪ ،‬أم ّا العل ماء ف لم يؤي ّدوھا‪ ،‬بل كانوا يرون ھا نظري ًّة‬
‫عامي ًّة وليست فلسفي ًّة‪ ،‬فبعضھم عارضھا وبعضھم سكت عنھا‪.‬‬
‫وعلى ك ّل حال فإنّ الوقائع أثبتت وھن ھذه النظريّة(‪.‬‬
‫التطور‪:‬‬
‫‪2‬ـ نظر ّية‬
‫ّ‬
‫تقدّم أنّ جذور ھذه النظريّة ترجع إلى ما قبل ‪ 2500‬سنة‪ ،‬ولك ّنھا اشتھرت باسمي العالِ َمين‪ :‬المارك‪ ،‬وداروين ال لذين ب ّي نا‬
‫تفصيالتھا‪ ،‬وھذه خالصة كالمھما‪:‬‬
‫ـ المارك‪:‬‬
‫إشتھر عالم األحياء الفرنسيّ المارك)القرن التاسع عشر الميالديّ ( بأ ّنه أوّ ل من صرّ ح بھذه النظريّة في العصر الحديث‪.‬‬
‫نواع بحري ّ ٍة ب سيط ٍة ذات خلي ّ ٍة وا حدةٍ‪،‬‬
‫و قد كان يعت قد أن الكائ نات الحي ّة ت طورت ع لى مدى ح قب تاريخ األرض‪ ،‬من أ ٍ‬
‫ّ‬
‫تكاملت بصور ٍة تدريج ّي ٍة إلى أن ظھر اإلنسان المعاصر‪ ،‬لذلك فھو يعتقد بأنّ الكائنات الحيّة قد تولد بعضھا من ب عض ب عد‬
‫أن كانت نوعا ً واحداً‪ ،‬وذلك بفعل مجموع ٍة من القوانين الطبيعيّة التي أحدثت ھذه التغييرات والتطوّ رات(‪.‬‬
‫‪3‬ـ نظر ّية قِدَم األنواع‪:‬‬
‫ً‬
‫حادثة ظھرت إلى الو جود‬
‫ذكرنا بأنّ أصحاب ھذه النظريّة يقولون بأنّ أنواع الموجودات الحيّة ثابتة لم تتبدّل‪ ،‬وھي ليست‬
‫ٌ‬
‫قديمة ال بداية لھا‪ ،‬فك ّل الموجودات الحيّة كانت موجود ًة دائما ً وبالصور التي ھي عليھا اليوم‪.‬‬
‫في زمن معيّن‪ ،‬بل ھي‬
‫‪79‬‬

‫وقد تب ّنى ھذه النظريّة بعض الفالسفة‪ ،‬إنطالقا ً من األصول الفلسفيّة‪ ،‬كأرسطو وإبن سينا‪.‬‬
‫ويستند ھؤالء في نظر ّيتھم إلى‪:‬‬
‫‪1‬ـ أصل فلسفيّ يقول بقدم الفيض‪ ،2‬ولذلك فال ب ّد أن تكون الكائنات الحيّة موجودة منذ القدم‪.‬‬
‫ٌ‬
‫ثابتة ال يمكن أن تتغيّر أبداً‪ ،‬ولھذا‬
‫‪2‬ـ أصل طبيعيّ من أصول علم الطبيعيّات والفلكيّات القديم‪ ،‬يقول بأنّ األرض واألفالك‬
‫إعتقدوا بثبات األنواع‪.‬‬
‫نقد ھذه النظر ّية‪:‬‬

‫إنّ األساس الثاني الذي قامت عليه ھذه النظري ّة‪ ،‬و ھو ث بات األ فالك‪ ،‬قد إ ّت ضح ال يوم وھ نه‪ ،‬ف قد ان ھارت أ سس النظري ّة‬
‫الفلكيّة القديمة تلك‪ ،‬بعد أن ثبت أنّ وضع األرض قبل ماليين السنين كان يختلف كثيراً عن و ضعھا ال حالي‪ ،‬وبال تالي فإنّ‬
‫ً‬
‫صالحة لحياة أنواع الموجودات الحيّة الحاليّة‪ ،‬وھذا يُبطل النظريّة القائلة بقدم أنواع الموجودات(‪.‬‬
‫بيئتھا السابقة لم تكن‬
‫الحي‪:‬‬
‫تأثير البيئة وحاجات الكائن‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫المؤثر في إحداث ھذه التغييرات ھو عامل البيئة‪ ،‬من ماء و ھواء و ش ّح موا ٍد غذائي ّ ٍة‬
‫وقد اعتبر المارك أنّ العامل الوحيد‬
‫وأعداء‪ ،‬ألنّ ھذه العوامل توجد ردود فعل في الكائن ال حيّ تتنا سب مع إحتياجا ته الجد يدة‪ ،‬ف ك ّل احت ياج يؤدّي مع مرور‬
‫ت تدريجي ّ ٍة في ت كوين أ فراد ھذا ال نوع‪ ،‬فالع ضو ا لذي َي ْكث ُر إ ستخدامه ين مو ويت طوّ ر أ كثر من‬
‫الزمن إلى ظ ھور تغ ييرا ٍ‬
‫غيره‪ ،‬فيما العضو الذي يُھمل يضعف‬
‫‪80‬‬

‫ويضمر بصور ٍة تدريجيّة‪.‬‬
‫ويضرب المارك مثال الزرا فة الم عروف لتو ضيح نظر ّي ته‪ ،‬ح يث يُال حظ أن ال جزء األ ماميّ من بدنھا أع لى من ال جزء‬
‫الخل فيّ ‪ ،‬ك ما أنّ عنق ھا طو يل للغا ية‪ ،‬فترجع عل ّة ذ لك إ لى أ ّن ھا كا نت تع يش في بي ئة لم ت جد في ھا عل فا ً ع لى األرض‪،‬‬
‫فاضطرھا األمر إلى أن ترفع جسمھا األماميّ وأن ت م ّد عنق ھا‪ ،‬و مع ت كرار الع مل صار ج سم الزرا فة ـ شيئا ً فشيئا ً ـ ب ھذا‬
‫الشكل‪.‬‬
‫التغييرات اإليجاب ّية والسلب ّية‪:‬‬
‫وعلى ھذا األساس يفسّر المارك جميع التغييرات واإلختال فات في أ نواع الكائ نات الحي ّة‪ ،‬سواء كا نت إيجابي ًّة بإ ستحداث‬
‫‪3‬‬
‫نوع من المو جودات‬
‫عضو جديدٍ‪ ،‬أو سلبي ًّة بإلغاء‬
‫يير في أيّ‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫عضو بصور ٍة تدريجيّة ‪ ،‬وفي المقابل فإ ّنه لن ي حدث أيّ تغ ٍ‬
‫ٍ‬
‫الحيّة ما دامت األوضاع البيئيّة التي يعيش فيھا أفراد ھذا النوع ثابتة‪.‬‬
‫تنصب في صالح الكائن‪:‬‬
‫التغييرات‬
‫ّ‬
‫واعتبر المارك أنّ التغييرات الحاصلة في ال كائن ال حيّ تن صبّ دائ ما ً في صالحه‪ ،‬ف ھو دائ ما ً في سير ت كامليّ صعوديّ ‪،‬‬
‫حيث تؤدّي التغييرات إلى إيجاد حال ٍة من االنسجام بين تكوي نه ال بدنيّ وأو ضاع البي ئة‪ .‬فال كائن ال حيّ يخت لف عن الج ماد‪،‬‬
‫ٌ‬
‫منفعلة دائما ً بالعوامل البيئيّة‪ ،‬وھي تؤثر عليھا سلبا ً أو إيجاباً‪ ،‬أمّا الكائن ال حيّ ‪ ،‬ف ھو باإل ضافة إ لى إنفعا له فإن ّ ه‬
‫فالجمادات‬
‫فعل تؤدّي إلى تغييرا ٍ‬
‫ت لصالحه‪.‬‬
‫تظھر منه ردّة ٍ‬
‫‪81‬‬

‫عامل الوراثة‪:‬‬
‫تنتقل الصفات الجديدة بالوراثة إلى األجيال الالحقة‪.‬‬
‫ـ داروين‪:4‬‬
‫بقيت نظريّة المارك التي تقوم على أساس مبدأ )تأثير البيئة( عاجز ًة عن تفسير علّة ما قا له ب شأن كون التغ ييرات تن صب‬
‫دائما ً لصالح الكائن الحيّ‪ ،‬إلى أن أتى داروين)‪1809‬م( بأصول إضافيّة في ھذا المجال‪.‬‬

‫فداروين لم ينفِ تأثير البيئة‪ ،‬لك ّنه لم يجعل ذلك األصل الوحيد في ھذا الم جال‪ ،‬بل اع تبر أنّ العا مل الم حوريّ في إي جاد‬
‫التبدّل في األنواع‪ ،‬ھو عامل )اإلنتخاب الطبيعيّ (‪ ،‬فيما يُع ّد عامل البيئة عامالً ثانو ّيا ً‪.‬‬
‫خطوات داروين‪:‬‬
‫النوعي‪:‬‬
‫قابل ّية التغ ّير‬
‫ّ‬
‫ال حظ دارو ين أنّ في الكائ نات الحي ّة قابلي ًّة للتغ يير النو عيّ عبر أ ساليب االنت خاب اإل صطناعيّ ‪ ،‬ك ما ي قوم به مرب ّو‬
‫ً‬
‫صفة ممي ّز ًة ومتفوّ ً‬
‫قة ع ند ب عض الحيوا نات قاموا بعزل ھا وتزويج ھا من ب عض‪ ،‬مم ّا‬
‫الحيوانات األليفة‪ ،‬فإ ّنھم إذا الحظوا‬
‫يؤدّي إلى تقوية ھذه الصفة في الجيل الالحق‪ ،‬ممّا يوجد نوعا ً جديداً من ھذا الكائن الحيّ بعد مدّة من الزمن‪ ،‬وأط لق ع لى‬
‫ذلك اسم )اإلنتخاب االصطناعيّ (‪.‬‬
‫وإستنتج‪ :‬قابليّة الكائنات لتغيير أشكالھا وھيئاتھا وصفاتھا‪ ،‬أضف إلى ذلك إمكانيّة تقوية ھذه الصفات‪.‬‬
‫‪82‬‬

‫)التنازع ألجل البقاء( وبقاء األصلح‪:‬‬
‫وجد داروين أنّ الطبيعة عاجزة عن تلبية إحتياجات تكاثر الكائنات الحيّة‪ ،‬ممّا يجعل األفراد في حال ٍة م ستمر ٍة من الت نازع‬
‫لتلبية إحتياجاتھم‪.‬‬
‫ث ّم إلتفت إلى عدم تماثل مواليد الحيوانات‪ ،‬فھي تتمايز بخصائصھا الفرديّة‪ ،‬وعند التنازع سيكون اإلنتصار والبقاء لألقوى‬
‫واألصلح بينھا‪ ،‬فيما يتعرّ ض الضعيف لإلنقراض‪.‬‬
‫ھكذا تنبّه دارو ين إ لى عا مل )الت نازع من أ جل الب قاء(‪ ،‬ا لذي أن تج )االنت خاب الطبي عيّ (‪ ،‬وا لذي يؤدّي بدوره إ لى )ب قاء‬
‫األصلح(‪.‬‬
‫عامل الوراثة‪:‬‬
‫نوع تنتقل خصائصھم بالوراثة إلى أبنائھم‪ ،‬فيكون الجيل ال تالي من األوالد أف ضل من الج يل‬
‫بعد أن يبقى األقوياء من ك ّل ٍ‬
‫السابق‪ ،‬مع ما ھنالك من اإلختالف في ما بين أبناء نفس ھذا الجيل في الصفات‪ ،‬فتتكرّ ر العمليّة نف سھا ليب قى المت فوّ ق من‬
‫بينھا وينقرض الباقون‪ ،‬وھكذا‪ ...‬وبھذه الصورة يحصل التكامل عبر األجيال المتتابعة‪ ،‬ويكون العامل الذي يحفظ الت فوّ ق‪،‬‬
‫ھو عامل الوراثة‪.5‬‬
‫التطور‪:‬‬
‫اإلشكال ّية المطروحة في نظر ّية‬
‫ّ‬
‫إعتقد البعض أنّ نظريّة التطوّ ر تضرّ بأدلّة إثبات وجود ﷲ‪ ،‬في حين‬
‫‪83‬‬

‫اعتبرھا بعض الماديّين إنتصاراً لعقيدتھم في عدم وجود ﷲ‪ ،‬في ما ا نبرى ب عض اإللھ ّي ين إ لى مكاف حة ھذه النظري ّة ب ھدف‬
‫الدفاع عن عقيدة التوحيد واإليمان با ‪ ،‬وإعتقد آخرون بأن التوحيد يستلزم االعتقاد بنظريّة ثبات األنواع ـ نظريّة الخلق‪.‬‬
‫يوان‬
‫قن في أيّ ن با ٍ‬
‫ت أو ح ٍ‬
‫يق ومت ٍ‬
‫ظم دق ٍ‬
‫واإلشكال المتوھّم ھو أنّ أساس برھان النظم يقوم على أساس االستدالل بوجود ن ٍ‬

‫نخضعه للدراسة‪ .‬ووجود ھذا النظم يد ّل بصور ٍة واضح ٍة على وجود قوّ ٍة حكي م ٍة و مدبّر ٍة ھي ا لتي قا مت بإي جاده انطال قا ً‬
‫من أھداف معيّنة‪ ،‬فإذا قلنا بأنّ القوانين التي ذكرھا المارك وداروين قادرةٌ على إيجاد ھذا النظم المتقن والقائم على أ ساس‬
‫الحكمة‪ ،‬فيكون النظم الحاليّ نتيجة عوامل التفوّ ق التي تراكمت ب صور ٍة تدريجي ّ ةٍ‪ ،‬دون الحا جة إ لى و جود قو ٍة ذات إراد ٍة‬
‫وحكم ٍة‬
‫وإختيار‪ ،‬وبالتالي يسقط برھان النظم من أدلّة إثبات وجود ﷲ‪.6‬‬
‫ٍ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫وعالمة أوجد ته ب ھذا ال شكل‪ ،‬بل إ ستغرقت‬
‫حكيمة‬
‫دفعة واحد ًة‪ ،‬حتى ُنثبت أنّ قوّ ًة‬
‫فاإلنسان لم يُخلق بھذه الصورة المنظمة‬
‫ُ‬
‫مئات الماليين من السنين‪ ،‬ليظھر في صورته الحاليّة نتيجة مجموع ٍة من ال قوانين المادي ّة‬
‫ك ّل خصوص ّي ٍة من خصوصيّاته‬
‫والطبيعيّة‪.‬‬
‫والسؤال ھو‪ :‬ھل صحي ٌح أنّ ھذه النظريّة ّ‬
‫تؤثر ع لى أدل ّة التوح يد؟ و ھل ي ستلزم اإلي مان بالتوح يد االعت قا َد بنظري ّة ث بات‬
‫األنواع؟‬
‫التطور‪:‬‬
‫الردود على نظرية‬
‫ّ‬
‫ٌ‬
‫مجموعة من الردود على ھذه النظريّة‪ ،‬بعضھا علميّ تجريبيّ يدحض‬
‫ھناك‬
‫‪84‬‬

‫ث معاصر ٍة أثب تت ب طالن ھذه النظري ّة‪ ،‬وبع ضھا توح يديّ ينط لق من فرض الت سليم ب ھذه‬
‫نفس النظريّة‪ ،‬وھو نتيجة أبحا ٍ‬
‫النظريّة فيبيّن أ ّنھا ال ّ‬
‫تؤثر ـ ال ھي وال غيرھا ـ على عقيدة التوحيد‪ ،‬وبالتالي ال ي ستلزم اإلي مان بالتوح يد االعت قاد بنظري ّة‬
‫أخرى‪.‬‬
‫‪1‬ـ الجواب األول‪ :‬بطالن النظرية‪:‬‬
‫ٌ‬
‫شكاالت ك ثيرةٌ‪ ،‬جع لت‬
‫ر غم ال قرائن الك ثيرة ا لتي عر ضھا دارو ين فإنّ نظر ّي ته بق يت م ح ّل ن قاش العل ماء‪ ،‬و بدت في ھا إ‬
‫العلماء ال يقتنعون بھا‪.‬‬
‫التطور‪:‬‬
‫أسئلة مثارة حول نظر ّية‬
‫ّ‬
‫وھن التفسير الذي قام به دارون‪ ،‬نعرض نموذجا ً منھا‪:‬‬
‫فقد طرح العلماء مجموعة من األسئلة تبيّن‬
‫َ‬
‫ـ إذا كان إستخدام الرأس كوسيلة للعراك يؤدّي إلى ظھور القرون فيھا‪ ،‬فلماذا ظھر للثور قرنان ولوحيد القرن قرنٌ واح ٌد‪،‬‬
‫في حين لم يظھر للحصان أيّ قرن؟!‬
‫ـ لماذا لم يرجع العضو الطارئ إلى حالته األولى بعد أن عادت األوضاع البيئيّة إلى حالتھا األولى؟! فلماذا لم ير جع ع نق‬
‫الزرافة إلى ما كان عليه بعد أن أصبح علفھا متو ّفراً على سطح األرض؟!‬
‫عامل الوراثة‪:‬‬
‫مجموعة من مثل ھذه األسئلة جعلت العلماء ال يقتنعون بنظريّة داروين‪ .‬ولكنّ الذي أجھز على ھذه النظريّة ھو إكت شافات‬
‫العلم التجريبيّ الالحقة‪ .‬فإنّ من األصول األساسيّة التي بنى عليھا المارك وداروين النظر ّي َة في تفسير تطوّ ر‬
‫‪85‬‬

‫األنواع‪ ،‬ھو مسألة إنتقال الصفات بالوراثة‪ ،‬ولوال ھذا األصل لما ت ّم أيٌّ من كالمھما‪ ،‬وقد إكتشف العلماء في ما ب عد عدم‬
‫صحة اإلنتقال الوراثيّ للصفات المكتسبة وللتغييرات السطحيّة التابعة لتغيّر البيئة‪.‬‬
‫فبعد سنة من وفاة داروين‪ ،‬إكتشف العالم البلجيكيّ )وان بندن( كيفيّة التكاثر في الحيوانات‪ ،‬وأثبت أنّ ال صفات الوراثي ّة ال‬
‫تنتقل إال عبر الخليّتين الجنسيّتين‪ ،‬وبعد أن أجروا التجارب والبحوث ثبت لديھم أنّ جميع التغييرات التي تحدث في الكا ئن‬
‫الحيّ ‪ ،‬سواء أكانت بتأثير البيئة‪ ،‬أم بواسطة اإلنتخاب الطبيعيّ ‪ ،‬ال تنتقل بالوراثة إلى األجيال الالح قة‪ ،‬فال صفات المكت سبة‬
‫ال يمكن أن تنتقل بالوراثة‪ ،‬وبذلك ّ‬
‫حطموا أصالً أساس ّيا ً من نظريّة المارك وداروين‪ ،‬وبالتالي قد أجھزوا عليھا‪.‬‬
‫نظر ّية الطفرة‪:‬‬
‫وظ ھرت ب عد ذ لك نظري ّة أ خرى قدّمھا ال عالم البلجي كيّ )ھو غو دو فريس(‪ ،‬وعُر فت بنظري ّة الط فرة الوراثي ّة أو نظري ّة‬
‫ت ب صور ٍة مفاج ئ ٍة في الكائ نات الحي ّة‪ ،‬وال ي كون ل ھذه الخصو صيّات إرت ٌ‬
‫باط‬
‫موتاسيون‪ ،‬وتعت مد ع لى ظ ھور خصو صيّا ٍ‬
‫بعامل البيئة‪ .‬و ھذه الط فرة تترك آثار ھا ع لى الجي نات بح يث يم كن أن تنت قل وراثي ّاً‪ ،‬وبال تالي‪ ،‬فإن ّه قد أ ُ سند ت ب ّدل أ نواع‬
‫الكائنات وتطوّ رھا إلى ھذه الطفرة‪ ،‬بعد أن إتضح عدم إمكان تطوّ ر الكائنات الحيّة وتكامل ھا إ ستناداً إ لى عا َملي اإلنت خاب‬
‫الطبيعيّ وإنتقال الصفات المكتسبة وراثيا ً‪.‬‬
‫النتيجة‪:‬‬
‫سير‬
‫وما وصلت إليه العلوم الطبيعيّة ھو حقيقة يعترف بھا جميع علماء األحياء في أرجاء العالم‪ ،‬وھي العجز عن إي جاد تف ٍ‬
‫ماديّ للتناسق المشھود في تكوين‬
‫‪86‬‬

‫الموجودات الحيّة‪ ،‬والتي ال يمكن أن تكون قد جاءت على نحو الصدفة‪.‬‬
‫على الرغم من بطالن نظريّة داروين فنحن سنبحث في أ ّنھا لو ُسلّمت فھل تض ّر بأدلّة التوحيد ‪7‬؟‬
‫‪ 2‬ـ الجواب الثاني‪ :‬علّة الظاھرة‪:‬‬
‫إنّ نظر ّي َة التطوّ ر نظري ٌّة وصفي ٌّة‪ ،‬تفسّر كيفيّة حدوث التطوّ ر‪ .‬ولكن في ھكذا أبحاث ـ أبحاث العقائد‪ 8‬ـ ال يك في أن نال حظ‬
‫ظاھر ًة مشھود ًة‪ ،‬ونبيّن كيفيّتھا‪ ،‬بل يبقى السؤال قائما ً عن علّتھا‪ .‬فنحن ولو إعتقدنا بوجود قابل ّي ِة التغيّر والتبدّل النوعيّ في‬
‫ً‬
‫ً‬
‫الكائنات الحيّة والتي تؤدّي إلى حدوث تغييرا ٍ‬
‫وھادفة في‬
‫متقنة‬
‫ت‬
‫ت في أنواعھا‪ ،‬فال ب ّد أن نسأل عن الذي أوجد ھكذا قابليّا ٍ‬
‫الكائنات‪.‬‬
‫ومدركة قد ّ‬
‫ٌ‬
‫ٌ‬
‫ك أ ّنھا قوةٌ‬
‫نظمت الكائنات بھذا الشكل الھادف بحيث تصل إلى تكاملھا‪.‬‬
‫عالمة‬
‫ال ش ّ‬
‫يقول المارك‪ :‬ھناك حاجة إلى قوّ ٍة مدبّرةٍ‪ ،‬جھّزت ھذا الكائن بأجھزة تؤدّي إلى إحداث التغيير‪.‬‬
‫ويقول داروين‪ :9‬إنّ جميع العوامل التي ذكرتھا ال تكفي للكشف عن سرّ الخ لق‪ ،‬فالطبي عة تتوجّ ه ن حو األف ضل و فق م بدأ‬
‫)إنتخاب األصلح(‪ ،‬وھذا يعني أ ّنھا تتوجّ ه إلى غاية وإلى ھدف معيّن‪ ،‬وبالتالي فال ب ّد من وجود قدر ٍة جعلت الطبيعة تتوجّ ه‬
‫كذلك‪.‬‬
‫ووجود قوانين قد جعلھا ﷲ في الكائنات تحكم تبدّلھا وتغيّرھا النوعيّ ‪،‬‬

‫‪87‬‬

‫أم ٌر طبيعيّ قد جرت س ّنة الخلق عليه ‪ ،10‬فا ھو الذي خلق ّ‬
‫ونظم عالمنا على أساس األسباب والمسبّبات‪.‬‬
‫من ھنا‪ ،‬ي ّتضح أنّ أدلّة اإللھ ّي ين التوحيدي ّة بق يت ع لى قوّ ت ھا ب عد ظ ھور م ثل ھذه النظري ّات‪ ،‬بل ازدادت قوّ ًة‪ ،‬بم عنى أنّ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ھادفة‪ ،‬فسبحان من أودع ھذه الطبي عة نظ َم ھا‬
‫حركة‬
‫النظريّات العلميّة الحديثة قد بيّنت بصور ٍة أفضل كون حركة الطبيعة‬
‫المتقن فيھا!‬
‫‪3‬ـ الجواب الثالث‪ :‬عدم كفاية النظر ّية‪:‬‬
‫ٌ‬
‫كافية إليجاد التنوّ ع في الموجودات‪.‬‬
‫من الخطأ االعتقاد بأنّ القوانين التي ذكرھا ك ّل من المارك وداروين‬
‫ت ال تكون إرادي ًّة أو شعوري ًّة في ن فس ال كائن ال حيّ ‪ ،‬ف ھو يرت ّب و ضعه ب صور ٍة ال شعور ّي ٍة بح يث‬
‫ذلك أنّ ھناك تغييرا ٍ‬
‫ينسجم مع التغييرات البيئي ّة‪ ،‬وذ لك ب خالف التغ ييرات اإلرادي ّة من قب يل طول ع نق الزرا فة‪ .‬و قد ظ ھرت نظري ٌّة حدي ٌ‬
‫ثة‬
‫تتحدّث عن )التكيّف مع البيئة( تؤيّد ھذا الكالم ‪.11‬‬
‫واعترف المارك نفسه بأنّ ثمّة قوّ ة داخليّة أو حسا ً داخليا ً يساھم في إيجاد التغييرات المناسبة‪.‬‬
‫مجھول‪ ،‬وبالتالي ال يمكن معرفة سرّ الخلق وفق القوانين وحدھا‪.‬‬
‫لعامل‬
‫دور‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫وكذلك يصرّ ح داروين بوجود ٍ‬
‫فلماذا يفقد العضو الذي ال يُستفاد منه التغذية والرعاية الالزمة من البدن؟‬
‫‪88‬‬

‫كيف تظھر أعضاء جديدة تتناسب مع الحاجات الطارئة ـ كظ ھور ال قرون لل عراك في ب عض ا لذكور من الحيوا نات ال تي‬
‫تتعرّض لإلعتداء ـ وبد ّق ٍة متناھية؟‬
‫مل‬
‫ضو كا ٍ‬
‫ھذا ال يم كن أن ي كون م سبّبا ً عن اإلحتيا جات الطار ئة و حدھا‪ ،‬فاإلحت ياج نف سه ال يخ لق شيئاً‪ ،‬ف ضالً عن ع ٍ‬
‫متكامل‪ ،‬وإ ّنما اإلحتياج يوجد األرضيّة للخلق واإليجاد‪ .‬اإلحتياج ليس سوى الفقر‪ .‬والذي يوجد ھكذا أعضاء متناھية الدق ّة‬
‫جھاز أو قوّ ٍة مدبّر ٍة وذات‬
‫ھو عبارة عن‬
‫شعور في و جود ال كائن ال حيّ ‪ ،‬غير إرادة و شعور ن فس ال كائن ‪ .12‬و ھذا ال حسّ‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫بنفسه يع ّد سرّ اً ك بيراً ومھم ّ ا ً في عالم الطبي عة‪ ،‬فا لدور الم ھ ّم ھو لردود الف عل ا لتي ي بديھا ال كائن ال حيّ بھدا ي ٍة من ال ُب عد‬
‫الھدفيّ في طبيعته‪.‬‬
‫النتي جة‪ :‬إنّ دور العوا مل وال قوانين الخارجي ّة ھو اإل عداد )عل ّة إعدادي ّة( للتغ يير‪ ،‬ولك ّن ھا لي ست ھي ا لتي تو جد التغي ير‬
‫ٌ‬
‫مجھولة في الطبيعة‪ ،‬ين تج عن ھا ر ّد الف عل المعي ّن ذ لك‪ ،‬وبت لك ال صورة الھاد فة‪،‬‬
‫والتبدّل‪ ،‬أمّا العلّة الموجدة فھي قوّ ةٌ خفي ٌّة‬
‫حيث انتخبت نوعا ً معيّنا ً من األجھزة التي ال يدركھا الحيوان نفسه قبل وجودھا‪.‬‬
‫‪ 4‬ـ الجواب الرابع‪ :‬أجھزةٌ متكاملة‪:‬‬
‫إنّ ثمّة أجھز ًة في تكوين الكائن الحيّ ال يمكن اإلستفادة منھا ما لم تكن متكاملة‪ ،‬وإال فإ ّنھا ال تنفعه‪ ،‬وفي مثل ھذه الحاالت‬
‫ال يمكن تصوّ ر التدريج في تكوينھا‪ ،‬ومثال ذلك العين‪:‬‬
‫فإنّ العين مكوّ ٌ‬
‫نة من جھاز مع ّق ٍد للغاية‪ ،‬ال يمكن لإلنسان االستفادة منه إال بوجود ت مام أجزا ئه‪ ،‬ف في م ثل ذ لك ك يف يم كن‬
‫تصوّ ر التدريج والتكامل في تكوين العين؟‬

‫‪89‬‬

‫فلو لم تكن العين موجود ًة بھذا الشكل من التكامل في مراحل تطوّ رھا األولى فإنّ اإلنسان لم يكن ليستفيد منھا‪ ،‬وبالتالي لما‬
‫كا نت م ّ‬
‫حالً للت طوّ ر والتكا مل ال و فق قوانين ال مارك‪ ،‬إذ و فق قواني نه سيؤدّي عدم اإل ستفادة من ھا إ لى اإل ستغناء عن ھا‬
‫وفقدانھا‪ ،‬وال وفق قوانين داروين‪ ،‬حيث ال مكان النتخاب األف ضل ما دا مت الع ين حين ھا غير قاب ل ٍة لال ستفادة من ھا حت ّى‬
‫تتطوّ ر‪.‬‬
‫ففي مثل ھذه األج ھزة ا لتي ال ُي ستفاد من ھا إال و ھي متكام لة‪ ،‬و ما أكثر ھا‪ ،‬ال يم كن أن ن قول‪ :‬قد ب قي ال جزء المف يد من ھا‬
‫تلقائ ّيا ً إلى أن ظھر جز ٌء جدي ٌد أكمله‪.‬‬
‫‪90‬‬

‫ﺧﻼ ﺻﺔ اﻟﺪرس‬
‫ـ يدّعي البعض أنّ نظريّة تطوّ ر أنواع الكائنات الحيّة التي ظھرت في العلم الحديث تنافي بعض أدلّة التوحيد‪.‬‬
‫ُ‬
‫ت في مجال ثبات األنواع وتطوّ رھا‪:‬‬
‫ثالث نظريّا ٍ‬
‫ـ ثمّة‬
‫التطور‪.‬‬
‫‪1‬ـ نظر ّية ثبات األنواع وقدمھا‪2 .‬ـ نظر ّية ثبات األنواع‪3 .‬ـ نظرية‬
‫ّ‬
‫تقوم نظرية التطور على أساس أنّ التغييرات التي تحدث في الكائنات الحيّة‪ ،‬والتي أدّت إلى ظ ھور ھذا الت نوّ ع في ھا‪ ،‬ھي‬
‫نتيجة قوانين وعوامل طبيعية‪.‬‬
‫ـ واإلشكال الذي يُطرح ـ بنا ًء على ھذه النظريّة ـ على أدلّة التوحيد‪ ،‬ھو أنّ اإللھيّين إستدلّوا بإتقان النظم في العالم‪ ،‬ليُثب توا‬
‫ين‬
‫وجود قوّ ٍة حكيم ٍة و مدبّر ٍة وراء ھذا ال عالم‪ ،‬وال حال أنّ ھذه النظري ّة ُتث بت أن اإلت قان في الن ظم ل يس سوى نتي جة قوان َ‬
‫ماد ّي ٍة طبيع ّيةٍ‪ ،‬أ ّدت على مدى‬
‫قرون متطاول ٍة إلى ظھور ھذا النظم‪ ،‬وبالتالي فال مح ّل لقوّ ة أخرى‪.‬‬
‫ٍ‬
‫ـ أ ّما الجواب على اإلشكال‪:‬‬
‫أوالً‪ :‬بعد أن عجزت نظريّة التطوّ ر عن اإلجابة على مجموع ٍة كبير ٍة من المشاھدات الخارجية‪ ،‬ثبت علم ّيا ً عد ُم صحّ ة ھذه‬
‫النظريّة في تفسير التكامل‪ ،‬وبقي العلماء عاجزين عن تفسير التطوّ ر تفسيراً طبيع ّيا ً‪.‬‬
‫ثانيا ً‪ :‬تكتفي ھذه النظري ّة بو صف كيفي ّة حدوث الت طوّ ر‪ ،‬وتن سبه إ لى قابلي ّ ٍة ھاد ف ٍة في الكائ نات ت سمح ل ھا بالت ب ّدل‪ ،‬بين ما‬
‫ً‬
‫السؤال في برھان النظم عن القوّ ة التي أتقنت صنع الكائنات بحيث أودعتھا قابلي ًّة‬
‫ھادفة تسير بھا نحو التكامل‪.‬‬
‫ثالثـا ً‪ :‬تع جز ھـذه النظري ّة عن تف سير مجموعـ ٍة من التغ ييرات النات جة عن ر ّدات ف عل الكائ نات غير اإلرادي ّة‪ ،‬و ھذه‬
‫وشعور داخليٍّ ‪ ،‬يبقى سرّ اً من أسرار الخلق‪.‬‬
‫التغييرات تحدث نتيجة حسٍّ‬
‫ٍ‬
‫رابعا ً‪ :‬بعض أجھزة الكائنات الحيّة ال يمكن اإلستفادة منھا إال متكاملة‪ ،‬وفي مثلھا ال يُتصوّ ر التدريج في تطوّ رھا‪.‬‬

‫أﺳﺌﻠﺔ اﻟﺪرس‬
‫‪1‬ـ ھل ھناك أكثر من نظريّة ترتبط بتنوّ ع الموجودات؟‬
‫‪2‬ـ ما ھو األصل األساس في نظريّة المارك؟‬

‫‪3‬ـ كيف أكمل داروين ھذه النظريّة وحدّدھا؟‬
‫‪4‬ـ كيف ر ّد العلم الحديث على نظريّة داروين؟‬
‫‪5‬ـ ھل تكفي نظريّة داروين لتفسير وقوع تبدّل األنواع؟‬

‫ﻫﻮاﻣﺶ‬
‫‪ -1‬الحدوث الزماني يعني‪ :‬كون وجود الشيء مسبوقاً بالعدم الزماني مثل‪ :‬مسبوقيّة اليوم بالعدم في األمس‪ ،‬ومسبوقيّة حوادث اليوم بالعدم في األمس‪.‬‬
‫دمات(‪.‬‬
‫دم التعرّض إلى ھذا األصل في البحث األول)المق ّ‬
‫ي كالذات اإللھيّة‪ ،‬وقد تق ّ‬
‫‪ -2‬حيث ال يمكن الفصل بين الخالق والخلق‪ ،‬فالخلق أزل ّ‬
‫ة‬
‫‪ -3‬ويقول المارك إ ّ‬
‫ن األفعى كان لھا أرجل في بداية أمرھا‪ ،‬لكنّھا عاشت في بيئة تضطرھا إلى االختفاء باستمرار والزحف للدخول تحت األرض‪ ،‬ولم يكــن لـديھا حاجـ ٌ‬
‫ما أدّى إلى ضمور رجليھا شيئاً فشيئاً إلى أن زالتا‪.‬‬
‫إلى المشي‪ ،‬م ّ‬
‫دة معارضة طائفة من علماء الطبيعة والـدين لنظريّتـه‪ ،‬ولثباتـه علـى نظريّتـه‬
‫دم أ ّ‬
‫ن ھذه النظريّة قد اشتھرت بنظريّة داروين‪ ،‬وعل ّة اشتھارھا باسمه تعود إلى ش ّ‬
‫‪ -4‬تق ّ‬
‫دمته له بعض التيارات التي اعتقدت في نظريّته ما يؤيّد أفكارھا‪ ،‬مثل التيارات الماركسيّة والماديّة والفاشيّة‪...‬‬
‫ق‬
‫الذي‬
‫الدعم‬
‫ذلك‬
‫إلى‬
‫أضف‬
‫ّة‪،‬‬
‫ل‬
‫األد‬
‫مختلف‬
‫وتقديمه‬
‫ّ‬
‫‪ -5‬أصل اإلنسان قرد‪ :‬بعد ذلك نشر داروين أبحاثاً جديد ًة سعى فيھا إلى نفي جميع أشـكال االختالفـات الكبـيرة المتصـوّرة بيـن اإلن سان والحيوان‪،‬معتــبراً أن مـا في‬
‫ي والمتكـاملين مـن فصـيلة‬
‫اإلنسان ال يعدو كونه صفات أكثر تكامال ً مما ھو موجود في الحيوانات‪ .‬وكان داروين يجري باستمرار مقارناتٍ بين البدائيّين من النوع الب شر ّ‬
‫ي‪ ،‬ولذلك فھما يشتركان في وحدة الجدود!‬
‫القرود‪ ،‬وتوصّل إلى أ ّ‬
‫ن اإلنسان والقرد يشتركان في األصل النوع ّ‬
‫م فسيؤث ّر على برھان الھداية أيضاً‪.‬‬
‫‪ -6‬كما ال يخفى فإ ّ‬
‫ن ھذا الكالم لو ت ّ‬
‫دعى أنّھا تضرّ بأدل ّة التوحيـد‪ ،‬أو بوجـود‬
‫‪ -7‬ال يخفى أ ّ‬
‫ن ھذا النقاش يسحب نفسه على مجموعة من القوانين الماديّة األخرى التي تظھر بين الفينة واألخرى‪ ،‬والتي ُي ّ‬
‫عالم الغيب‪ ،‬وھنا تكمن أھميّته‪.‬‬
‫بغض النظر عن سرّ ذلك‪.‬‬
‫ي قد يكتفي بوصف ما يحدث‬
‫ّ‬
‫‪ -8‬في أبحاث العقائد نبحث عن الوقائع وخفايا األمور‪ ،‬فيما العلم التجريب ّ‬
‫ل‪.‬‬
‫‪ -9‬داروين نفسه لم يكن ماديّاً بل كان مؤمناً با ‪ ،‬وقد صرّح بنفسه أ ّ‬
‫ن نظريّته ال تنفي وجود الخالق عزّ وج ّ‬
‫ً‬
‫ل شيء سببا‪) (...‬بحار األنوار‪(168/2 :‬‬
‫‪ -10‬كما عن الصادق عليه السالم ‪) :‬أبى ﷲ أن يجري األشياء إال باألسباب‪ ،‬فجعل لك ّ‬
‫دم التعرض لذلك في برھان الھداية‪.‬‬
‫‪ -11‬وقد تق ّ‬
‫دثنا عنه في برھان الھداية‪ ،‬وذكرنا أنّه دور الالشعور‪.‬‬
‫‪ -12‬وھو الذي تح ّ‬

‫اﻟﺪرس اﻟﺴﺎدس‪ :‬اﻟﺒﺮاﻫﻴﻦ اﻟﻔﻠﺴﻔﻴـّﺔ واﻟﻌﻘﻠﻴـّﺔ‬
‫أھداف الدرس‬
‫‪ -1‬إثبات صالحية البراھين الفلسفية حول وجود ﷲ‪.‬‬
‫‪ -2‬شرح برھان الحركة‪.‬‬
‫‪ -3‬فھم برھان الوجوب واإلمكان وإثبات وجود ﷲ من خالله‪.‬‬
‫‪ -4‬القدرة على فھم البرھان الوجودي عند صدر المتألھين والفالسفة الغربيين والفارق بينھما‪.‬‬
‫‪ -5‬فھم نظرية صدر المتألھين من أصالة الوجود واعتبارية الماھية إجماالً وربطه بالدليل الوجودي‪.‬‬
‫‪93‬‬

‫تمھيد‪:‬‬
‫ت ذھنيّة وعقليّة معيّنة لبعض المعاني والمفاھيم وتثبت من خالل‬
‫ذكرنا في ما سبق أنّ البراھين الفلسفيّة تنطلق من محاسبا ٍ‬
‫ذلك وجود ﷲ‪.‬‬
‫إشكال على البراھين الفلسف ّية‪:‬‬
‫إال أنّ البعض‪ -‬من غربيّين ومصريّين‪ -‬ينفي صالحيّة البراھين الفلسفيّة إلثبات وجود ﷲ‪ ،‬ويحصر طرق معرفته بالطرق‬
‫التي ذكرناھا سابقاً‪ ،‬كطريق الفطرة والقلب‪ ،‬وطريق الخلق‪ ،‬وطريق تأمّل النظم الدقيق في المخلو قات‪ ،‬و كذلك معر فة ﷲ‬
‫من خالل تأمّل ظاھرة الھداية المشھودة في حركة المخلوقات وعملھا‪.‬‬
‫ٌ‬
‫قديمة ال توصل إلى المط لوب‪ ،‬و لذلك فإنّ ال قرآن لم ي سلكھا‪ ،‬وإ ّن ما اعت مد ع لى ال طرق‬
‫وقالوا‪ :‬إنّ جميع الطرق الفلسفيّة‬
‫آنفة الذكر‪.‬‬
‫ونحن نف ّند ھذا اإلعتراض إلى جوابين‪:‬‬
‫ّأوالً‪ :‬محدودية معرفة التوحيد في الطرق األخرى‪:‬‬
‫ك في صحّ ة الطرق المذكورة إلثبات وجود ﷲ ج ّل وعال‪ -‬كما ب ّي ّنا في‬
‫ال ش ّ‬
‫‪95‬‬

‫بحوث سابقة‪ -‬ولكن ما يُالحظ عليھا محدوديّة المعرفة التوحيديّة التي تقدّمھا‪:‬‬
‫ـ فصحيح أنّ الطريق الفطريّ يكفي لإلنسان نفسه دليالً على وجود ﷲ‪ ،‬فإنّ من يجد في قل به ال شعور الو جدانيّ برب ّه ف ھذا‬
‫من أسمى المعرفة بوجوده تعالى‪ ،‬ولكنّ ھذا الطر يق يب قى قا صراً عن اال ستدالل به لآل خرين‪ ،‬ألن ّه ال ينط لق من الع قل‬
‫والبراھين االستدالليّة‪.1‬‬
‫ـ وأمّا الطرق العلميّة )الخلق والنظم والھداية(‪ ،‬فھي على تماميّتھا في إثبات وجود ﷲ‪ ،‬لك ّنھا غاية ما ُتثبته ھو وجود ّ‬
‫منظم‬
‫ف في مسألة إث بات التوح يد ومعار فه‪ ،‬ف ھذه ال طرق ال تو صلنا إ لى مرت ب ٍة أ سمى من‬
‫وخالق لھذا العالم‪ ،‬ولكن ھذا غير كا ٍ‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫ھول في تف صيالته‪ .‬و في المقا بل‬
‫ھذه المرتبة في معرفة ﷲ‪ ،‬أي مرتبة من يعرف وجود المؤثر والمدبّر إجماال‬
‫وكأمر مج ٍ‬
‫ٍ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫المنظم والمدبّر لعالم الوجود‪ ،‬ربما إلى ما ال نھاية‪.‬‬
‫البت بشأن وحدانية أو تع ّدد‬
‫فاألدلّة الحسيّة عاجزةٌ بالكامل عن‬

‫والحال أ ّنه ال يكفي في معارف التوحيد إثبات مدب ٍّر إجماليّ لھذا العالم‪ ،‬فھا ھو القرآن يصف المالئكة بمثل ھذه الصفة‪.‬‬
‫وال تجيب تلك الطرق على أسئلة من قبيل‪:‬‬
‫ّ‬
‫ٌ‬
‫المنظم؟ وھل وجوده قائ ٌم بذاته أو‬
‫كيف وُ جد ھذا الخالق‬
‫مخلوق لغيره؟! وھل أنّ وجوده أزليٌّ أبديّ ؟‪.‬‬
‫وھي إذ تشير إ لى ب عض صفاته‪ ،‬ككو نه عال ما ً و قادراً‪ ،‬فإ ّن ھا ال تبي ّن ھذه ال صفات ك ما ي جب أن نعت قد بتو ّفر ھا ف يه ج ّل‬
‫وعال‪ ،‬فھي تذكر أ ّنه عال ٌم‪ -‬لطبيعة النظم الموجود في العالم‪ -‬ولك ّنھا تثبت علمه بالمخلوق الذي صنعه‪ ،‬دون أن‬
‫‪96‬‬

‫م‪ ،﴾2‬أي االعتقاد بخلوّ ذاته من جميع أَشكال الجھل‪.‬‬
‫ُتثبت أ ّنه‪﴿:‬بِ ُ‬
‫ل َ‬
‫ك ِّ‬
‫ي ٍء عَ لِي ٌ‬
‫ش ْ‬
‫ي ٍء َقدِيراً‪ ،﴾3‬وأن ّه ّ‬
‫منزهٌ عن‬
‫وھي ُتثبت قدرته‪ ،‬حيث خلق كونا ً بھذه العظمة‪ ،‬ولك ّنھا تعجز عن إثبات كو نه‪﴿:‬على ُ‬
‫ل َ‬
‫ك ِّ‬
‫ش ْ‬
‫جميع أَشكال العجز‪.‬‬
‫س َ‬
‫ـي ٌء‪﴾4‬‬
‫ك ِ‬
‫م ْث ِل ِ‬
‫ه َ‬
‫وھكذا تعجز عن إثبات أ ّنه الموجد والمدبّر لجميع شؤون ھذا العالم‪ ،‬وھو معكم أينما كنتم‪ ...‬وأ ّنه‪﴿ :‬لَ ْي َ‬
‫ش ْ‬

‫‪...‬‬

‫وفي النتيجة‪:‬‬
‫إنّ أدوات الع لم الح سيّ يمكن ھا أن توف ّر ل نا م ستوى مع ّي نا ً من المعر فة با ‪ ،‬لك ّن ھا بأدوات ھا ال تر قى إ لى ت قديم األجو بة‬
‫الالزمة لألسئلة المثارة حول الخالق ّ‬
‫عز وج ّل‪.‬وھذا الم ستوى من معر فة ﷲ ال يؤس ّس لع لم التوح يد‪ ،‬وال لت شكيل معار فه‬
‫الجليلة‪.‬‬
‫ثانيا ً‪ :‬القرآن واألدلة الفلسف ّية‪:‬‬
‫وأمّا ما ُذكر من إھتمام القرآن الكريم بمثل طرق الفطرة والخلق والنظم دون الطرق الفلسفيّة‪ ،‬فالجواب عليه من جھتين‪:‬‬
‫األولى‪ :‬إنّ القرآن قد أشار إلى المعارف التوحيديّة الفلسفيّة‪ ،‬وأ شار إلي ھا ك ما سنتعرّض ع ند ب يان البر ھان الفل سفيّ ‪ ،5‬بل‬
‫بيّن من حقائقھا ما ھو أسمى ممّا توصّلت إليه الفلسفة اليوم‪.‬‬
‫‪97‬‬

‫الثانية‪ :‬إنّ سبيل عام ّة ال ناس في معر فة ﷲ ھو سلوك ھذه ال طرق‪ ،‬فإنّ الم ھ ّم بالن سبة لل عوام ھو الح صول ع لى أ صل‬
‫اإليمان با ‪ ،‬لذلك يكفيھم أن يستدلّوا بوجود ما ي شاھدونه من آ ثار ال قدرة والع لم وال تدبير اإلل ھيّ ‪ ،‬دون أن يت قدّموا خ طوة‬
‫ٌ‬
‫ّ‬
‫معرفة أسمى با‬
‫عز وج ّل‪.‬‬
‫إضافيّة إلى األمام‪ .‬ويختص بھذه الخطوة من كان لديه‬
‫ولذلك فنحن نعت قد بأنّ ال سبيل الفل سفيّ ‪ ،‬وإن لم ي كن عام ّ ا ً في صدر اإل سالم‪ ،‬إال أن ّه قد سلكه ب عض ال خواصّ من أ ھل‬
‫التوحيد‪.‬‬
‫بيان البراھين الفلسف ّية‪:‬‬

‫إنّ البرھان الفلسفيّ الكامل الذي يھمّنا في المقام ھو البر ھان الو جوديّ ‪ ،‬ول كن ق بل الت عرّ ض له‪ ،‬ال ب ّد من سرد تاري خيّ‬
‫إجماليّ لبعض البراھين الفلسفيّة التي سبقته‪ ،‬لذا نتعرّ ض إلى ثالثة براھين فلسفيّة‪:‬‬
‫األول‪.‬‬
‫‪1‬ـ برھان‬
‫المحرك ّ‬
‫ّ‬
‫الوجودي‪.‬‬
‫‪2‬ـ برھان الوجوب واإلمكان‬
‫ّ‬
‫الوجودي‪.‬‬
‫‪3‬ـ البرھان‬
‫ّ‬
‫األول‪:‬‬
‫‪ -1‬برھان‬
‫المحرك ّ‬
‫ّ‬
‫يعتمد ھذا البرھان على الحركة الموجودة في ھذا العالم‪ .‬وقد ُنقل ھذا البرھان عن أرسطو‪ .‬وقبل أن نشرع في بيا نه ال ب ّد‬
‫من توضيح مفھوم الحركة في المصطلح الفلسفيّ ‪:‬‬
‫فالحركة في الفلسفة ال تختصّ بأنواع الحركات المكانيّة‪ ،‬بل تشمل ك ّل تغي ّر وت حوّ ل سواء أ كان مكاني ّا ً أم كمي ّا ً أم كيفي ّا ً أم‬
‫وضع ّيا ً أم جوھر ّياً‪ ،‬فالحركة عند الفيلسوف تقابل الثبات‪.‬‬
‫‪98‬‬

‫ونعرض ھذا البرھان ضمن مقدّمات‪:‬‬
‫المقدّمة األولى‪:‬‬
‫ٌ‬
‫ث)محرّك(‪.‬‬
‫ث يحتاج إلى محدث)علّة‪/‬محرّ ك(‪ ،‬فالحركة تحتاج إلى محد ٍ‬
‫حادث‪ ،‬وك ّل حاد ٍ‬
‫الحركة أم ٌر‬
‫المقدّمة الثانية‪:‬‬
‫إنّ العلّة ُتقارن معلو َلھا زمان ّياً‪ ،‬فمن المحال وجود فاصل ٍة زمان ّي ٍة بينھما‪ ،6‬كذلك المحرّ ك والحركة‪.‬‬
‫المقدّمة الثالثة‪:‬‬
‫مقارن لھا زمان ّيا ً‪.‬‬
‫الحركة موجودةٌ في العالم‪ ،‬فھي تحتاج إلى مح ّركٍ‬
‫ٍ‬
‫ٌ‬
‫ثابت أو متحرّ ك؟‬
‫إذا تبيّن ذلك نسأل عن ھذا المحرّ ك نفسه‪ :‬ھل ھو‬
‫إذا كان ھذا المحرّك ثابتا ً فال ب ّد أن يكون وراء عالم الطبيعة‪ ،‬ألنّ في ك ّل جز ٍء من أ جزاء ھذه الطبي عة نو عا ً من التغي ّر‬
‫ٌ‬
‫ثبات‪ ،‬وبالتالي يثبت مطلوب أرسطو‪.‬‬
‫والتحرّك‪ ،‬فال يوجد في عالم الطبيعة‬
‫وأمّا إذا كان متحرّ كا ً فھو بحاج ٍة إلى محرّ ك‪ ،‬فيتكرّ ر السؤال عن المحرّك الثاني ھل ھو ثا ٌ‬
‫بت أو مت حرّ ك؟ وھ كذا إ لى أن‬
‫تنتھي الحركات إلى محرّ كٍ ثاب ٍ‬
‫ت وھو الذي سمّوه بـ‪) :‬المحرّ ك األوّ ل(‪.‬‬
‫إشكال ور ّد‪:‬‬
‫قد يُعترض على برھان أرسطو بأنّ علم الفيزياء يرفض نظريّة احتياج الحركة‬
‫‪99‬‬

‫بنفسھا إلى محرّ ك‪ ،‬وإ ّنما تغيير الحركة)كزيادة سرعتھا أو تغيير اتجاھھا( ھو الذي يحتاج إلى محرّك‪.‬‬
‫إال أنّ المحرّك الذي يقصده أرسطو غير المحرّ ك الذي تحدّثت ع نه الفيز ياء‪ ،‬فالمحرّك ا لذي يذكره أر سطو ھو الم حرّ ك‬
‫الكامن في داخل الجسم المتحرّك‪ ،‬بينما الذي تتحدّث ع نه الفيز ياء ھو عا م ٌل ي قع خارج و جود المت حرّك‪ ،‬فال ي صلح ھذا‬
‫الكالم ألن يكون دليالً على بطالن نظريّة أرسطو‪.‬‬
‫األول‪:‬‬
‫مالحظات حول برھان‬
‫المحرك ّ‬
‫ّ‬
‫من المالحظات على برھان أرسطو‪:‬‬
‫أ ّنه لم يعتمد البرھان الفلسفيّ المحض‪ ،‬بل ا ستعان باآل ثار الطبيعي ّة‪ ،‬وذ لك في المق ّد مة الثال ثة)و جود الحر كة في ال عالم(‪،‬‬
‫وھذا ممّا يضعف قيمته الفلسفيّة العقليّة‪.‬‬
‫كما أنّ ھذا البرھان‪ ،‬وإن أثبت وجود محرّ كٍ ثاب ٍ‬
‫ت خارج نطاق عالم الطبي عة‪ ،‬إال أن ّ ه عاج ٌز عن إث بات وحدان ّي ته‪ ،‬و لذا ال‬
‫يمكنه أن يجيب على مسألة أن يكون مخلوقا ً لمحرّك آخر‪ ،‬وھذا بدوره إلى محرّ كٍ ثالث‪ ،‬وھكذا إلى ما ال نھاية‪.‬‬
‫وع لى أي حال ن حن ال نر يد اإل ستناد إ لى ھذا البر ھان‪ ،‬فنكت في ب ھذا الم قدار من ال عرض له وا لذي يزوّ د نا بالمعر فة‬
‫التاريخيّة الالزمة‪.‬‬
‫الوجودي‪:‬‬
‫‪ -2‬برھان الوجوب واإلمكان‬
‫ّ‬
‫ذكر إبن سينا ھذا البرھان‪ ،‬معتمداً على م بدأ )الو جوب واإلم كان(‪ -‬بدالً من م بدأ الحر كة‪ -‬و ھو م بدأ فل سفيّ ‪ ،‬و لذلك فإنّ‬
‫الصبغة العقليّة والمحاسبات‬
‫‪100‬‬

‫الفلسفيّة في ھذا البرھان أوضح من السابق‪.‬‬
‫وممكن‪ ،‬لذلك‪ -‬وق بل تو ضيح ھذا البر ھان‪ -‬ال ب ّد من ب يان‬
‫ب‬
‫وينطلق إبن سينا في ھذا البرھان من تقسيم الوجود إلى واج ٍ‬
‫ٍ‬
‫تقسيمات الوجود‪.‬‬
‫تقسيمات الوجود‪:‬‬
‫موضوع وصفة‪ ،‬فحاالته ال تخلو من إحدى ثالث‪:‬‬
‫إذا ك ّنا أمام‬
‫ٍ‬
‫إمّا أن يكون إتصاف الموضوع بھذه الصفة‪ -‬أي وجود ھذه ال صفة في ھذا المو ضوع‪ -‬واج با ً و ضرور ّيا ً بح يث ي ستحيل‬
‫عدم اإلتصاف‪ ،‬فھذا ھو الضرورة أو الوجوب‪ ،‬كضروررة ثبوت الزوجية لألثنين‪.‬‬
‫وإمّا أن يكون االتصاف مستحيالً وممتنعاً‪ ،‬فذلك اإلمتناع أو االستحالة‪ ،‬كاستحالة ثبوت الفرديّة لالثنين‪.‬‬
‫وإمّا أن يكون اتصاف الموضوع بصفته ممكناً‪ ،‬وذلك أغلب الحاالت الطبيعيّة‪ ،‬كإمكان وجود عشرة أ شخاص في القا عة‪،‬‬
‫فھنا ال توجد ضرورة اإلتصاف وال إستحالته‪ ،‬ولذلك نقول إ ّنه‪ -‬في ح ّد ذاته‪ -‬متساوي الطرفين بالنسبة للوجود أو العدم‪.‬‬
‫وال تخ لو حاالت المو جودات من إ حدى ھذه ال حاالت ال ثالث‪ ،‬ن عم ھ ناك ما ُي عرف ب ين ال ماديّين واإللھ ّي ين ب ـ "ن ظام‬
‫الضرورة"‪ ،‬ومعنى ذلك‪:‬‬

‫أنّ ممكن الو جود‪ ،‬وا لذي ذكر نا أن ّه مت ساوي ال طرفين بالن سبة للو جود وال عدم‪ ،‬ال يم كن أن يو جد إال بأن يترجّ ح و جوده‬
‫بقي مت ساوي‬
‫فيخرج إلى حيّز الوجود‪ ،‬وبعبارة أخرى إال بأن ينتقل بسبب ھذا العامل الخارجيّ إلى ضرورة الوجود‪ ،‬وإال َ‬
‫الطرفين‪ ،‬غير مرجّ ح الو جود وال ال عدم و ھو المعب ّر ع نه ) بأنّ ال شيئ ما لم يج ِ ب لم يو جد(‪ ،‬وي سمّى المم كن حين ھا ب ـ‪:‬‬
‫"واجب الوجود بالغير"‪.‬‬
‫‪101‬‬

‫تنبيه‪:‬‬
‫إنّ قول نا إنّ الممك نات ضروريّة الو جود بالغير ال ي نافي اعتقاد نا بو جود اإلخت يار‪ -‬في مقا بل ال جبر‪ ،-‬وذ لك أنّ و جوب‬
‫وجودھا ناتج عن علل خارجة‪.‬‬
‫تقرير البرھان‪:‬‬
‫يھدف ھذا البرھان إلى إثبات واجب الوجود‪ ،‬وينط لق في محا سبة و جود المو جودات في ھذا ال عالم‪ ،‬في قول‪ :‬إنّ وجود ھا‬
‫ليس أمراً محاالً‪ ،‬إذ إنّ وجودھا ھو دليل عدم كونھا من المحاالت‪.‬‬
‫وعليه فوجود ھذه الموجودات إمّا ممكنٌ وإمّا واجب ضروريّ ‪:‬‬
‫فإذا كان وجودھا واجبا ً فھو المطلوب‪ ،‬أي إثبات وجود واجب الوجود‪.‬‬
‫وأمّا إذا كان وجودھا ممكناً‪ ،‬فھنا نقول‪:‬‬
‫خارج عن ذا ته‪-‬ك ما‬
‫مر‬
‫إنّ ممكن الوجود ھو متساوي الطرفين بالنسبة للوجود والعدم‪ ،‬وھذا يعني أن و جوده ھو نتي جة أ ٍ‬
‫ٍ‬
‫ٌ‬
‫واجبة ضروري ٌّة أو ممكنة؟‬
‫تقدّم‪ -‬وھذا يستلزم وجود علّة أوجدته‪ ،‬فھنا نسأل ھل ھذه العلّة‬
‫إذا كا نت واج بة الو جود ف ھو المط لوب‪ -‬ح يث يث بت وا جب الو جود‪ -‬وأم ّا إذا كا نت ھذه العل ّة ممك نة الو جود‪ -‬مت ساوية‬
‫الطرفين‪ -‬فھنا نقول‪ :‬إنّ ھذا يستلزم وجود علّة أوجدتھا‪ ،‬وھكذا‪ ...‬فإمّا أن ي لزم التسل سل‪ ،‬و ھو با طل‪ ،‬وإم ّا أن ن صل إ لى‬
‫علّ ٍة تكون واجبة الوجود وھو المطلوب‪.‬‬
‫إشكال وجوابه‪:‬‬
‫يعترض البعض بأنّ الماديّين يعتقدون باستمرار نظام ھذه السلسلة من العلل‬
‫‪102‬‬

‫والمعلوالت إلى ما ال نھاية‪ ،‬فيكون نظام الوجود مكوّ نا ً من سلسل ٍة غير متناھي ٍة من ممكنات الوجود‪.‬‬
‫والجواب عبر بيان استحالة تسلسل الممكنات‪:7‬‬
‫إنّ تسلسل العلل محالٌ‪ ،‬ويمكن بيان ھذه اإلستحالة على النحو التالي‪:‬‬
‫إنّ ما يذكره الماديّون ھو أنّ عالم الوجود بجميع أجزائه ممكن في سلسلة ال متناھية من العلل والمعلوالت‪ ،‬وھنا ننظر إلى‬

‫المجموع وإلى السلسلة ككلّ‪ ،‬ونقول‪ :‬إنّ ھذه السلسلة ستأخذ حكم أفرادھا وھو إمكان الوجود‪ ،‬أي تساوي ال طرفين بالن سبة‬
‫إلى الوجود والعدم‪ ،‬وبالتالي فتحتاج إلى عامل خارجيّ يرجّ ح وجود ھا ويخرج ھا إ لى حي ّز الو جود لت كون واج بة الو جود‬
‫بالغير‪ ،‬وھذا ھو مقتضى نظام الضرورة السابق الذي يعتقد به الماديّ نفسه‪.‬‬
‫‪ -3‬البرھان‬
‫الوجودي◌‪:8‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫وأدق وأقوى من برھان ابن سينا‪ ،‬ويقوم على أساس االستدالل على و جود‬
‫وھذا الطريق قد سلكه المال صدرا‪ ،‬وھو أسمى‬
‫ّ‬
‫ھ َد‬
‫الحق بذاته المق ّدسة‪ ،‬دون الحاجة إلى االستدالل بغيره عليه‪ ،‬وھذا ما ھو مشھود في اآليات القرآنيّة‪ ،‬كقوله ت عالى‪﴿ :‬ش َ ِ‬
‫‪9‬‬
‫اآل َ‬
‫م آ َياتِن َا ف ِي ْ‬
‫م‬
‫ﱠه ال إِلَ َ‬
‫ه إِ ﱠال ھُ َ‬
‫ﷲ أَن ُ‬
‫ِھ ْ‬
‫يھ ْ‬
‫فـا ِ‬
‫و ﴾‪ ،‬وفي آية أخرى يستشھد ب ھا ال مال صدرا نف سه‪﴿:‬س َ ُن ِ‬
‫ق َوفِـي أَ ْنفُس ِ‬
‫ر ِ‬
‫م‬
‫حقﱡ أَ َ‬
‫ه ا ْل َ‬
‫َ‬
‫ولَ ْ‬
‫ح ﱠتى يَ َتبَيﱠ َ‬
‫م أَن ﱠ ُ‬
‫ن لَ ُھ ْ‬

‫‪103‬‬

‫ش ِھي ٌد‪.﴾10‬‬
‫يَ ْ‬
‫ه عَ لَى ُ‬
‫ك ِ‬
‫ي ٍء َ‬
‫ل َ‬
‫ف بِ َربِّ َ‬
‫ك أَنﱠ ُ‬
‫ك ِّ‬
‫ش ْ‬
‫كما نجد إشارة إلى ذلك في بعض األدعية الواردة عن أھل البيت علي ھم ال سالم‪ ،‬ك ما في د عاء ال صباح‪ ) :‬يا م َ ن دلَّ ع لى‬
‫ذاتِه بذاتِه(‪ ،‬وفي دعاء أبي حمزة الثماليّ ‪) :‬ب َك عرف ُت َك وأ نت دَ َللت َ ني َعل ي َك(‪ ،‬و في د عاء اإل مام الح سين عل يه ال سالم يوم‬
‫ھور َما ليس ل َك ح ّتى يكونَ ھ َُو المظ ھر ل َك(‪ ،‬إ لى غير ذ لك من الن صوص اإل سالميّة ال تي‬
‫عرفة‪) :‬أَ َيكونُ لغير َك مِن ال ُظ ِ‬
‫تكرّ ر ھذا المضمون كثيراً‪.‬‬
‫الوجودي عند األوروبيين‪:‬‬
‫البرھان‬
‫ّ‬
‫قبل بيان الطريق الذي سلكه صدر المتألّھين‪ ،‬ال ب ّد من اإلشارة إلى ما ذكره الفال سفة األوروبي ّون من البر ھان الو جوديّ ‪،‬‬
‫والذي ال يخلو من َش َب ٍه بالبرھان الذي أقا مه‪ -‬قبل ھم‪ -‬صدر الم تألّھين‪ ،‬وذ لك ب ھدف المقار نة ب ين ال سبيلين في معر فة ﷲ‪،‬‬
‫ومعرفة الخلل الواقع في البرھان كما ذكره األوروبيّون‪.‬‬
‫الوجودي‪:‬‬
‫عرض آنسلم للبرھان‬
‫ّ‬
‫أوّ ل من ذكر البرھان الوجوديّ في الفلسفة األوروبيّة ھو ال قدّيس والفيل سوف الم سيحيّ )آن سلم(‪ ،‬وذ لك في ال قرن ال حادي‬
‫عشر الميالديّ ‪.‬‬
‫وينطلق ھذا البرھان من تصوّ رات اإلنسان‪ ،‬وبيانه‪:‬‬
‫المقدّمة األولى‪ :‬إنّ لدى ك ّل إن سان ت صوّ راً عن ذات ھي ا لذات األك مل‪ ،‬وبع بار ٍة أ خرى‪ :‬إنّ اإلن سان قاد ٌر ع لى ت صوّ ر‬
‫)الكامل المطلق(‪.‬‬
‫المقدّمة الثانية‪ :‬الوجود صفة كمال‪ ،‬فالذات التي ال يكون لھا وجود ال تكون كاملة‪.‬‬
‫‪104‬‬

‫النتيجة‪ :‬فال ب ّد أن تكون ھذه الذات‪ -‬األكمل تصوّ راً‪ -‬موجود ًة‪ ،‬وإال لما كانت أكمل )يلزم خلف فرض كونھا األكمل(‪.‬‬
‫إذاً توجد ذات ھي في التصوّ ر والواقع أكبر من ك ّل ذات‪ ،‬وھي ﷲ‪.‬‬

‫الوجودي‪:‬‬
‫عرض ديكارت للبرھان‬
‫ّ‬
‫عرض الفيلسوف الفرنسي ديكارت البرھان الوجوديّ بطريقة أخرى‪ ،‬فقد بدأ دي كارت تف كيره بال شك المنھ جيّ ‪ ،‬أي بال شك‬
‫في ك ّل شيء للوصول إلى نقطة يقينيّة َيع ُب ُر من خاللھا إلى الحقيقة‪ .11‬ونقطة اليقين التي وصل إليھا ھي اليق ين بأن ّه ي شكّ‪،‬‬
‫ك فعالً!‬
‫ك في كوني أش ّ‬
‫فقال‪ :‬يمكن أن أش ّ‬
‫ك في ك ّل شيء ولكن ال يمكن أن أش ّ‬
‫ك فھو موجود أيضا ً‪ ،12‬وھذا م عنى عبار ته ال شھيرة‪) :‬أ نا أفك ّ ر إذاً أ نا‬
‫وبعد أن أيقن بأ ّنه يشكّ‪ ،‬أدرك وجوده‪ ،‬أل ّنه ھو الشا ّ‬
‫موجود(‪.‬‬
‫وتساؤل عن كيفيّة تكوّ نھا في ذھنه‪ ،‬ليبحث في أ ّنه ھل ھو ا لذي أو جدھا أو‬
‫ت‬
‫بعدھا توجّ ه ديكارت إلى ما لديه من تصوّ را ٍ‬
‫ٍ‬
‫ّ‬
‫غيره‪ ،‬وتابع بح ثه ب ھذه الطري قة إ لى أن و صل إ لى ت صوّ ره عن المط لق غير المت ناھي‪ ،‬وحين ھا قال بأن ه ال ي ستطيع أن‬
‫ت مطل ق ٍة غ ير‬
‫ينسب إيجاد ھذا التصوّ ر الالمتناھي إلى نفسه‪ ،‬ألنّ وجودَ ه م حدو ٌد ومت نا ٍه فيع ج ُز عن إي جاد ت صوّ ٍر عن ذا ٍ‬
‫محدود ٍة وال متناھيةٍ‪ ،‬فال مفرّ من القول بأنّ الذي أودع في ذھ نه ھذا الت صوّ ر غير المت ناھي ھو مو جو ٌد ال مت نا ٍه‪ .‬وبذ لك‬
‫يثبت وجود ﷲ‪.‬‬
‫‪105‬‬

‫الجواب على طريقة االستدالل‪:‬‬
‫من المالحظ أنّ األوروبيين إنطلقوا في استداللھم بالبرھان الوجوديّ من مسألة التصوّ ر‪ ،‬وھذا ھو ما أوقعھم في المغالطة‪،‬‬
‫ألنّ تصوّ ر الشيء غير حقيقة ھذا الشيء وواقعه‪ ،‬فتصوّ ر النار مثالً غير واقع وحقيقة النار‪ ،‬و لذلك ن جد اإلن سان يت صوّ ر‬
‫النار من غير أن يحترق ذھنه‪ ،‬فتصوّ ر الموجودات في الذھن ال تتر ّتب عليه آثارھا الخارجيّة‪.‬‬
‫وھكذا فإنّ تصوّ ر الذات الالمتناھية ال يكون شيئا ً غير متنا ٍه بحيث ال يمكن أن يصدر عن المحدود المتناھي‪.‬‬
‫ولذا فإنّ بين الفالسفة األوروبيين أنف سھم من ن قض ھذا البر ھان ورف ضه‪ ،‬كالفيل سوف األل ماني )كا نت(‪ ،‬ح يث ذ كر بأنّ‬
‫و جوب و جود ا لذات الكام لة ھو فرع تحق ّق وجود ھا‪ ،‬ال م جرّ د و جود ت صوّ ر عن ھا‪ ،‬وعل ّق ع لى كالم ھم بالقول‪ :‬إنّ‬
‫استداللھم ھو بمثابة من يتصوّ ر وجود مائة قطعة ذھبيّة لديه‪ ،‬ويبني عليه وجودھا في خزنته!‪.‬‬
‫وھكذا الحال في الذات المقدّسة‪ ،‬فإنّ مجرّ د تصوّ ر وجودھا ال يستلزم وجودھا واقعا ً‪.‬‬
‫الوجودي عند صدر المتألّھين‪:‬‬
‫البرھان‬
‫ّ‬
‫ھكذا يتبيّن أنّ األوروبيين إنطلقوا من التصوّ ر الذھنيّ في البرھان الوجوديّ ‪ ،‬وبالتالي لم يكن ا ستداللھم تام ّ ا ً و لم ي خ ُل من‬
‫إشكال‪ ،‬أمّا صدر المتألھين فقد سلك طريقا ً آخر يسلم من اإلشكال‪ ،‬حيث سلك طريق الوجود نفسه‪ ،‬معتبراً أنّ جميع ما في‬
‫ٍ‬
‫معان ومفاھيم ھي في الحقيقة تعيّنات يدركھا الذھن للوجودات المتح ّققة في الخارج‪.‬‬
‫من‬
‫األذھان‬
‫ٍ‬
‫‪106‬‬

‫أصالة الوجود‪:‬‬
‫والنظري ّة ا لتي ش ّكلت نق طة إرت كاز ل صدر الم تألّھين ھي م سألة )أ صالة الو جود وإعتباري ّة الماھي ّة(‪ ،13‬وم عنى ذ لك أنّ‬
‫المتح ّقق في الواقع الخارجيّ ھو الوجود نفسه‪ ،‬وك ّل شيء غير الوجود فھو مظاھر وتجليّات له وأ مور إعتباري ّة ال حقي قة‬
‫لھا في الواقع الخارجيّ ‪ .‬فواقع ما نراه في ال خارج من أ شياء)إن سان‪ ،‬شجر‪ ،‬ح جر‪ (...‬لي ست أ موراً محقّ قة بح يث ي كون‬

‫الوجود أحد صفاتھا‪ ،‬وإ ّنما المتحق ّق واق عا ً ھو الو جود ذا ته‪ ،‬و ھو ھ نا إن سان وھ ناك شجرة وھنا لك ح جر‪ ،‬فالمتحقّق ھو‬
‫الوجود وله مظاھر وتجليّات متنوّ عة‪ ،‬فيظھر ھنا بشكل وھناك بشكل آخر‪.‬‬
‫وبكلمة واحدة‪ :‬إنّ األصالة في العالم ھي للوجود ذاته‪ ،‬فھو وحده الحقيقة وما عداه أمور إعتباريّة‪.‬‬
‫بيان برھان صدر المتألھين‪:‬‬
‫بعد أن أثبت صدر المتألّھين أنّ المتح ّقق واألصيل في ال خارج ھو الو جود بنف سه وذا ته‪ ،‬توجّه إ لى ھذا الو جود ليت عرّ ف‬
‫إليه‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫إنّ الوجود يمكن أن يكون على نوعين ھما‪:‬‬
‫ٌ‬
‫وجو ٌد ناقصٌ ومحدو ٌد‪ ،‬ووجو ٌد كام ٌل‬
‫ومطلق‪.‬‬
‫ولكنّ طبيعة الوجود تقتضي أن يكون وجوداً مطلقا ً وأبد ّيا ً وخالداً‪ .‬فإ ّننا لو تعمّقنا في الوجود بذاته لوجدناه م ساويا ً لو جوب‬
‫الوجود وعدم التناھي والكمال المطلق‪ ،‬فما ال ب ّد من بحثه ھو في الو جودات الناق صة لنرى سرّ الن قص واالحت ياج في ھا‪،‬‬
‫ً‬
‫والصحيح أنّ مصدر النقص واإلحتياج ھو كونھا‬
‫معلولة لوجو ٍد‬
‫‪107‬‬

‫ّ‬
‫التأخر والنقص والعدم‪ ،‬وليس ذلك من لوازم الوجود‪.‬‬
‫غيرھا‪ ،‬ألنّ من لوازم المعلوليّة‬
‫ٌ‬
‫ٌ‬
‫ممكنة ھي أضعف وأنقص‪.‬‬
‫وجودات‬
‫بذلك ي ّتضح أنّ الوجود في مرتبته األولى ھو ﷲ‪ ،‬ث ّم من ناحية المعلوليّة تتح ّقق‬
‫‪108‬‬

‫ﺧﻼﺻﺔ اﻟﺪرس‬
‫الفلسفي بأ ّنه‪:‬‬
‫ـ يتم ّيز البرھان‬
‫ّ‬
‫ـ برھان عقليّ يعتمد االستدالل والبرھان‪ ،‬فيمكن اإلستفادة منه إلقناع اآلخرين‪.‬‬
‫ـ ويمكن أن يدحض جميع اإلشكاالت المثارة حول مسألة التوحيد‪ ،‬وذلك عن طريق العقل أيضا ً‪.‬‬
‫ً‬
‫مجھولة لدينا‪.‬‬
‫ـ يبيّن تفاصيل الصفات اإللھيّة فال تبقى عام ًّة أو‬
‫ـ ويؤسّس إلى معارف توحيديّة تفصيليّة جديرة بأن ُتسمّى بعلم التوحيد‪.‬‬
‫ً‬
‫سامية‬
‫عارف‬
‫ـ إنّ القرآن إعتمد كثيراً على طرق الفطرة وباقي الطرق العلميّة بما يتوافق والعوا ّم من الناس‪ ،‬إال أ ّنه بي ّن م‬
‫َ‬
‫في التوحيد‪ ،‬تلك المعارف ھي التي يبيّنھا البرھان الفلسفيّ ‪ ،‬ويختصّ بھا الخواصّ من أھل التوحيد‪.‬‬
‫ـ ھناك مجموعة من البراھين الفلسفيّة نعرض بعضھا‪:‬‬
‫األول‪ :‬و قد ذ كره أر سطو‪ ،‬ويعت مد ع لى أنّ ك ّل ما في عالم الطبي عة مت حرّ ك‪ ،‬والمت حرّك يح تاج إ لى‬
‫حرك ّ‬
‫ـ بر ھان الم ّ‬

‫م حرّك‪ ،‬وال ب ّد أن ي كون ھذا الم حرّك ثاب تاً‪ ،‬وإال لزم أن ي كون له م حرّك آ خر وھ كذا‪ ،‬و ما ي كون ثاب تا ً ف ھو وراء عا لم‬
‫الطبيعة‪.‬‬
‫ـ يالحظ على برھان أرسطو أ ّنه يعتمد على مقدّمة طبيعيّة غير فلسفيّة‪ ،‬وأ ّنه عاجز عن إثبات الوحدانيّة‪.‬‬
‫ـ برھان الوجوب واإلمكان‪ :‬وھو البرھان الذي ذكره إبن سينا‪ ،‬ويعتمد على تقسيمات الو جود الثال ثة‪ :‬الو جوب‪ ،‬اإلم كان‪،‬‬
‫بة وإم ّا ممك ٌ‬
‫مستحيلة‪ ،‬فھي إمّا واج ٌ‬
‫ً‬
‫نة‪،‬‬
‫اإلستحالة‪ ،‬وعلى مبدأ نظام الضرورة‪ ،‬فيبيّن أنّ موجودات العالم ال يمكن أن تكون‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ممكنة‪ ،‬فال ب ّد من واجب يرجّ ح ويوجب وجودھا‪ ،‬وفق مبدأ الضرورة‪.‬‬
‫واجبة ثبت المطلوب‪ ،‬وأمّا إذا كانت‬
‫إذا كانت‬
‫الوجودي‪ :‬و ھو البر ھان ا لذي ذ كره ال مال صدرا‪ ،‬وي شبھه ما يذكره الفال سفة األوروبي ّون‪ .‬إال أنّ األوروبي ين‬
‫ـ البرھان‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫وقعوا في مشكل ٍة حيث إنطلقوا من التصوّ رات الذھنية إلى التح ّقق الخارجيّ ‪ ،‬فيما إنطلق صدر المتألھين من ن فس الو جود‪،‬‬
‫ألن ّه ھو المتحق ّق واأل صيل في ال خارج‪ ،‬وطبي عة ھذا الو جود تقت ضي الك مال واإل طالق مم ّا يث بت و جود ا لذات الكام لة‬
‫المطلقة وھي ذات ﷲ ّ‬
‫عز وجلّ‪ ،‬والتي كانت علّ ًة لوجودا ٍ‬
‫ت ناقص ٍة ومحدود ٍة‪.‬‬

‫أﺳﺌﻠﺔ اﻟﺪرس‬
‫‪1‬ـ ما ھي ميزات البرھان الفلسفيّ ؟‬
‫‪2‬ـ ما ھي البراھين الفلسفيّة المذكورة إلثبات وجود ﷲ؟‬
‫‪3‬ـ ما ھو برھان المحرّك األوّ ل؟‬
‫‪4‬ـ ما ھو البرھان الوجوديّ ؟‬
‫‪5‬ـ بماذا يفترق برھان المال صدرا عن البرھان الوجوديّ عند األوروبيين؟‬

‫ﻫﻮاﻣﺶ‬
‫دم في طريق الفطرة‪.‬‬
‫‪ -1‬الل ّھم إال تنمية ھذا الشعور ومحاولة إحيائه عبر إثارته‪ ،‬كما تق ّ‬
‫‪ -2‬البقرة‪.29 :‬‬
‫‪ -3‬األحزاب‪.27 :‬‬
‫‪ -4‬الشورى‪.11 :‬‬

‫﴿‬

‫ة إِ ﱠال ﷲ‬
‫مـا آلِ َھـ ٌ‬
‫ِيھ َ‬
‫‪ -5‬سيأتي في البرھان الوجودي التعرض لآليات الدالة عليه؛ وھناك آيات أخرى تشير إلى أدلة عقلية وفلسفية نذكر منھــا قولـه تعـالى‪ :‬لَـ ْو كَـانَ ف ِ‬
‫ِـن َولَـ ٍد‬
‫حانَ ﷲ َر ّ ِ‬
‫ما يَ ِ‬
‫ُل لَ ْو كَانَ َم َع ُه آلِ َھ ٌ‬
‫ة َك َ‬
‫ما يَ ُقولُونَ إِذاً َال ْب َت َغ ْوا إِلَى ذِي ا ْل َع ْرشِ َ‬
‫َس ْب َ‬
‫لَ َف َ‬
‫سبِيال ً )االسـراء‪َ ،(42:‬مـا اتﱠخ َ َذ ﷲ م ْ‬
‫ص ُفونَ )األنبياء‪ ،(22:‬ق ْ‬
‫ب ا ْل َع ْرشِ َع ﱠ‬
‫س َدتَا ف ُ‬
‫ص ُفونَ )المؤمنون‪.(91:‬‬
‫ب ُك ﱡ‬
‫ما يَ ِ‬
‫ل إِلَ ٍ‬
‫ِن إِلَ ٍ‬
‫خل َ‬
‫ما َ‬
‫َق َولَ َعال بَ ْع ُ‬
‫ه إِذاً لَ َذ َ‬
‫س ْب َ‬
‫ه بِ َ‬
‫ھ َ‬
‫ض ُھ ْ‬
‫حانَ ﷲ َع ﱠ‬
‫َو َما كَانَ َم َع ُه م ْ‬
‫م َعلَى بَ ْعضٍ ُ‬
‫مة‪ ،‬أ ّما العل ّة اإلعداديّة فيمكن أن تنفصل عن معلولھا زماناً‪.‬‬
‫‪ -6‬المقصود من العل ّة ھنا‪ :‬العل ّة التا ّ‬

‫﴾‬

‫﴿‬

‫﴾‬

‫﴾‬

‫﴿‬

‫دمات فلسفيّة من استحالة تسلسل العلل المتقارنة زماناً‪.‬‬
‫ي يعتمد على ما تثبته مق ّ‬
‫‪ -7‬يوجود طريق آخر إلثبات بطالن التسلسل‪ ،‬وھو طريق فلسف ّ‬
‫مى‬
‫‪ -8‬يصرّح صدر المتأل ّھين بأ ّ‬
‫ديقين(‪ ،‬وھو جدير ب ھذا االسـم وإن سـ ّ‬
‫ديقين‪ ،‬ولذا اشتھر برھانه باسم‪) :‬برھان الص ّ‬
‫ن طريقة االستدالل على ﷲ با ھي طريق الص ّ‬
‫ل على ﷲ با ‪.‬‬
‫ابن سينا برھانه‪ -‬اإلمكان والوجوب‪ -‬بھذا االسم أيضاً؛ فإ ّ‬
‫ن ابن سينا‪ ،‬وإن لم ينطلق من المخلوقات في إثبات وجود ﷲ‪ ،‬لكنّه لم يستد ّ‬
‫‪ -9‬آل عمران‪.18 :‬‬
‫‪ -10‬فصلت‪.53:‬‬
‫ل شيء لنفي الحقيقة ال للوصول إليھا!‬
‫‪ -11‬وھذا على خالف طريقة الشكاكين‪ ،‬الذي يشكّكون في ك ّ‬
‫ن اإلنسان يمكن أن يدرك وجوده من خالل أحد اآلثار كالعمل‬
‫‪ -12‬لقد أنكر ابن سينا ھكذا طريقة في االستدالل وأثبت بطالنھا قبل ظھورھا‪ ،‬حيث قال بأنّه إذا ادّعي بأ ّ‬
‫ن الصـحيح أن ُيـدرك‬
‫ي)نفسـه(‪ ،‬ولـذلك يقـول ابـن سـينا إ ّ‬
‫أو التفكير‪ ،‬فالجواب أنّه إنّما ُيثبت وجود مطلق المفكّر أو العامل‪ ،‬وال يستطيع أن ُيثبت وجود المفكّر الشخصـ ّ‬
‫وعمل(‪.‬‬
‫ك‬
‫ي شيء آخر)قبل آثار ھذا الوجود من تفكيرٍ وش ٍ ّ‬
‫اإلنسان حقيقة وجوده عن طريق علم النفس الحضور ّ‬
‫ي بذاتھا‪ ،‬وعليه فإنّه ُيدرك وجوده قبل أ ّ‬
‫ٍ‬
‫‪ -13‬وھي من ابتكارات صدر المتأل ّھين‪.‬‬

‫اﻟﺪرس اﻟﺴﺎﺑﻊ‪ :‬ﺗﻮﺣﻴﺪ اﻟﺬات‬
‫أھداف الدرس‬
‫‪ -1‬إثبات وجود ﷲ من خالل برھان أن المطلق والصرف ال يتث ّنى‪.‬‬
‫‪ -2‬اثبات وحدانية ﷲ من خالل برھان التمانع‪.‬‬
‫‪ -3‬إكتساب القدرة على شرح برھان التمايز‪.‬‬
‫‪ -4‬القدرة على شرح برھان النبوّ ة ورد اإلشكال الوارد عليه‪.‬‬
‫‪111‬‬

‫تمھيد‪:‬‬
‫ت ّم في البحوث السابقة إثبات وجود ﷲ من خالل طرق متعدّدة )طريق الفطرة‪ ،‬الطريق العلميّ ‪ ،‬والطريق الفلسفيّ (‪.‬‬
‫ومن الفوارق بين ھذه الطرق في مجال إثبات و جود ﷲ‪ ،1‬أنّ الطر يق الوح يد ا لذي ي ستمرّ في الب حث لي صل إ لى معر فة‬
‫صفات ﷲ وكماالته‪ ،‬والذي يقدّم المعارف التوحيديّة السامية‪ ،‬ھو الطريق الفلسفيّ ‪:‬‬
‫جامع للك ماالت‪ ،‬و لذا ينت ھي الب حث‬
‫ـ أمّا طريق الفطرة فإنّ سبيل البحث ف يه‪ ،‬ھو أن نب حث م نذ ال بدء عن مو جو ٍد وا ح ٍد‬
‫ٍ‬
‫حيث يبتدئ‪ ،‬حيث تثبت الكماالت بشكل عا ّم منذ البداية‪ ،‬وبطريقة قلبيّة باطنيّة‪.‬‬
‫مة ومدر ً‬
‫ـ وأمّا الطريق العلميّ ف قد الحظ نا أن ّه ينط لق من آ ثار ﷲ وآيا ته في ال كون‪ ،‬ليُث بت قوّ ًة عال ً‬
‫كة وراء الطبي عة قد‬
‫دبّرت ھذا العالم‪.‬‬
‫‪113‬‬

‫ت من قب يل الع لم واإلدراك واإلرادة ب شكل عا ّم ت عالى ليُث بت من خالل ھا‬
‫فاإلنسان الذي يسلك ھذا الطر يق يدرك صفا ٍ‬
‫وجوده‪ ،‬دون أن يتقدّم في ھذا الطريق خطو ًة إضافي ًّة في بيان حقيقة ھذه ال صفات‪ ،‬فال يبي ّن م عارف وم فاھيم أسا سيّة في‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫ي ٍء‬
‫مجال التوحيد‪ ،‬كحقيقة علمه تعالى أو قدرته‪ ،‬وأن ّ ه‪﴿ :‬بِ ُ‬
‫ل َ‬
‫ل َ‬
‫ـي ٍء ق َدِي ٌر ﴾‪ ،‬و﴿بِكُـ ِ ّ‬
‫م ﴾‪ ،‬و﴿عَل َى كُـ ِ ّ‬
‫ك ِّ‬
‫ي ٍء عَ لِي ٌ‬
‫ل شَ ْ‬
‫ش ْ‬
‫ش ْ‬
‫ُمحِيطٌ‪ -...﴾4‬كما تقدّم‪.5‬‬
‫ـ ويبقى المنھج الفلسفيّ المنھج الوحيد الذي ي ستطيع أن ُي قدّم الم عارف اإللھي ّة ال سامية‪ ،‬ف ھو ينط لق أوّ الً من إث بات و جود‬
‫واجب الوجود‪ ،6‬ث ّم يتقدّم خطوات إلى األمام ليُث بت أوّ الً وحدان ّي ته‪ ،‬لينط لق في ما ب عد ليبي ّن حقي قة و صفات ھذا الو جود‪،‬‬
‫وفق نظام خاصّ ومراحل ُتطوى بالتدريج‪ ،‬وھذا ما نقوم بدراسته في ھذا البحث‪.‬‬
‫أ‪ -‬إثبات وحدان ّية ﷲ‪:‬‬
‫أثبتنا في البحث السابق‪ -‬ومن خالل البراھين الفلسفيّة‪ -‬أنّ ثم ّة و جوداً م ستقالً قائ ما ً بذا ته ھو األ صل في طبي عة الو جود‪،‬‬
‫ٌ‬
‫مطلق غير محدو ٍد‪ .‬وما نريد أن نثبته ھنا ھو أنّ ھذا الوجود واح ٌد ال يمكن أن يكون متع ّدداً‪.‬‬
‫وھو وجو ٌد‬
‫‪114‬‬

‫إثبات ذلك من خالل عدّة براھين‪:‬‬

‫يتكرر‪:‬‬
‫البرھان ّ‬
‫األول‪ :7‬المطلق والصرف ال يتث ّنى وال ّ‬
‫أقام ھذا البرھان صدر المتألّھين‪ ،‬بنا ًء على برھانه الوجوديّ في إثبات وجود ﷲ‪ ،‬ووفق أصول ومبادئ فل سفيّة‪ ،‬وخال صة‬
‫ھذا البرھان في مقدّمتين‪:‬‬
‫أـ واجب الوجود وجو ٌد مطلقٌ غير متنا ٍه‪:‬‬
‫تقدّم في البرھان الوجوديّ أنّ حقيقة الوجود بذاتھا ال تق بل ال ح ّد والق يد‪ ،‬وأنّ المحدودي ّة والن قص ال لذين نراھ ما في ب عض‬
‫الموجودات ناشئان عن جھ ٍة خارج ٍة عن ذات الوجود‪ ،‬وھما في الواقع نتيجة معلوليّة ھذا الوجود لوجود غيره‪ ،‬أم ّا حقي قة‬
‫ٌ‬
‫الوجود فتساوي عدم المحدوديّة واإلطالق‪ ،‬وھكذا فإنّ وجود واجب الوجود وجو ٌد‬
‫مطلق وال متنا ٍه‪.‬‬
‫‪115‬‬

‫يتصوران في الوجود المطلق وغير المتناھي‪:‬‬
‫ب‪ -‬التعدّد والتك ّثر ال‬
‫ّ‬
‫إنّ الكثرة فرع المحدوديّة‪ .‬فلو أخذنا اإلنسان مثالً‪ ،‬فإ ّنه يقبل التكرار والتعدّد إذا الحظنا فيه ب عض الق يود‪ ،‬من ق يود ال ما ّدة‬
‫والزمان والمكان‪ .‬فھناك إنسان في ھذا المكان وآخر في مكان آخر‪ ،‬وثمّة إنسان ھذه حدوده وآخر يتم ّتع بحدو ٍد أخرى‪.‬ھ نا‬
‫وبواسطة ھذه القيود يمكن أن يُفرض التع ّدد والكثرة‪ .‬وأمّا ما يكون مطلقا ً وغير متنا ٍه فيكون خاليا ً من ھذه القيود‪ ،‬وبالتا لي‬
‫ال يمكن أن يتكرّ ر أو يتعدّد‪ ،‬فلو فرضنا أنّ العا َلم الماديَّ غير متناھي األبعاد‪ ،‬أي ليس له أيّ حدّ‪ ،‬فك يف يم كن أن ن فرض‬
‫ثان سنفرضه سوف يكون عين العالَم األوّ ل حيث فرضناه غير متنا ٍه وال محدود‪.‬‬
‫عالَما ً ماد ّيا ً آخر؟! إنّ أيّ‬
‫عالم ماديٍّ ٍ‬
‫ٍ‬
‫وھكذا األمر في الوجود المطلق غير المتناھي‪ ،‬حيث ال يمكن أن نفرض وجوداً مطل قا ً غيره‪ ،‬و ما نفر ضه غيره ل يس إال‬
‫ظھوره وتجلّيه‪.‬‬
‫ھذا ويمكن اإلنطالق في المقدّمة األو لى من ھذا البر ھان من حقي قة أنّ و جود ﷲ و جو ٌد م حضٌ و صرفٌ و خالصٌ ‪ -‬بدل‬
‫اإلستفادة من اإلطالق‪ -‬فھو ذات الوجود دون ض ّم أيّ شي ٍء إليه‪.‬‬
‫ّ‬
‫والتكثر في الوجود الصرف‪ .‬فلو أخذنا اإلنسان مثالً ونظرنا إليه كصرف كونه‬
‫وتكون المقدّمة الثانية أ ّنه ال يتصوّ ر التعدّد‬
‫ثان ي كون أي ضا ً صرف اإلن سان‪ ،‬بل‬
‫نظر آخر‪ ،‬فال يم كن أن ي كون له ٍ‬
‫إنساناً‪ ،‬من دون األخذ بعين اإلعتبار أيّ لحاظٍ أو ٍ‬
‫يعود ما فُرض ثانيا ً عين صرف اإلنسان األوّ ل‪.‬‬
‫ومن ھنا يمكن تقرير ھذا البرھان بنحوين‪ ،‬وھذا في الواقع برھانان ال برھان واحد‪.‬‬
‫‪116‬‬

‫البرھان الثاني‪ :‬برھان التمانع‪:‬‬
‫ومصدر ھذا البرھان ھو اآلية القرآنيّة‪:‬‬

‫َس َدتَا َ‬
‫حانَ‬
‫ھ ٌ‬
‫ة إِ ﱠال ﷲ لَف َ‬
‫م ا آل ِ َ‬
‫س ْب َ‬
‫ِيھ َ‬
‫ف ُ‬
‫﴿لَ ْو كَانَ ف ِ‬

‫ب ا ْل َ‬
‫ص ُفونَ ‪.﴾8‬‬
‫ما يَ ِ‬
‫ﷲ َر ّ ِ‬
‫ع ْرشِ عَ ﱠ‬

‫بشكل سطحيٍّ ‪ ،‬حيث يقال‪:‬‬
‫وقد جرت العادة على بيان ھذا البرھان‬
‫ٍ‬
‫إنّ المبدأ والخالق لو كان متعدّداً‪ -‬اثنين مثال‪ -‬فسوف تت عارض و تتزاحم م يول وإرادات ك ّل وا ح ٍد من ال خالقين‪ ،‬فإذا أراد‬
‫أحدھما شيئا ً أراد اآلخر شيئا ً ثانياً‪ ،‬وحينھا‪:‬‬

‫إمّا أن تغلب إرادة وقدرة أحدھما‪ ،‬وھذا يعني أن الذي ُغلِبت إرادته ليس إلھاً‪ ،‬فإنّ ضعف القدرة يتنافى مع صفات الك مال‬
‫لإلله‪.‬‬
‫وإمّا أن ال تغلب أيّ إرادة منھما‪ ،‬بنا ًء على أ ّنه يستحيل تغلّب قدرة أحدھما على اآلخر لما يتم ّت عان به من صفات الك مال‪.‬‬
‫تجر في ال كون قدرة وإرادة أيٍّ منھ ما‪ ،‬ف ھذا مع ناه عدم و قوع أيّ حاد ث ٍة و عدم و جود أيّ مو جود‪ ،‬و ھذا ھو‬
‫ولكن إذا لم ِ‬
‫‪9‬‬
‫َس َدتَا ﴾‪.‬‬
‫معنى الفساد‪﴿ :‬لَف َ‬
‫ھذا ھو التقرير السطحيّ للبرھان‪ ،‬إال أنّ ھذا التقرير رب ما ت عرّ ض لب عض اإل شكاالت من ناح ية فرض ت عارض وتزا حم‬
‫وعرض فلسفيٍّ يؤسّس لبرھان تا ٍّم ح ّتى ع لى فرض ان سجام إرادة ك ٍّل‬
‫اإلرادات‪ ،‬ولذا يمكن إحكامه وتقريره عبر مقدّمات‬
‫ٍ‬
‫من اإللھين المفترضين‪.‬‬
‫‪117‬‬

‫يقوم ھذا البرھان على أساس ثالث مقدّمات‪:‬‬
‫أـ واجب الوجود بالذات‪ :‬واجب من جميع الجھات‪ ،‬فواجب الوجود ليس ف يه أيّ حيثي ّ ٍة إمكاني ّة‪ ،‬بأن ي كون ف يه م جرّ د قوّ ِة‬
‫واستعداد جھة ما‪.‬‬
‫ٌ‬
‫خالق وفي ّاضٌ بالوجوب ال‬
‫فعل مه وا جبٌ ل يس ف يه إم كانٌ وم جرّ د ا ستعداد‪ ،‬وقدر ته بالوجوب ال باإلم كان‪ ،‬وھ كذا فإن ّ ه‬
‫كن قد وُ ج ِ د ف ھو م نه ال محا لة‪ ،‬و لو ف ُرض و جود‬
‫باإلمكان وبمحض استعداد‪ ،‬وبما أنّ فيضه واجبٌ ال إمكان فيه ف ك ّل مم ٍ‬
‫ممكن لم يكن وجو ُده مفاضا ً منه‪ ،‬يكون ذلك خالف فرض أ ّنه واجبٌ من جميع الجھات‪.‬‬
‫ٍ‬
‫فالنتيجة‪ :‬إنّ ك ّل الممكنات مفاضة منه‪.‬‬
‫جدة له‪ -‬أم ٌر وا ح ٌد ال أ كثر‪ ،‬فو جود المع لول ھو ع ين ا لربط‪ ،‬أو ق ُل إنّ الو جود‬
‫ب‪ -‬إنّ وجود المعلول ووجود العلّة‪ :‬المو ِ‬
‫واإليجاد أم ٌر واح ٌد ال أمران )كسرت اإلبريق فانكسر(‪.‬‬
‫ج‪ -‬يستحيل الترجيح بال‬
‫مرجح‪ :‬فلو كانت نسبة شيئين إلى الفا عل‪ -‬بالقوّ ة‪ -‬مت ساوية‪ ،‬فال يم كن أن يف عل أي ّا ً منھ ما إال إذا‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫تدخل عام ٌل خارجيٌّ ورجّ ح أحدھما‪.‬‬
‫كذلك األمر في مثل الھارب الذي يجد نفسه أمام طريقين متساويين بالن سبة إل يه‪ ،‬فإن ّ ه ال يم كن أن يت حرّ ك إ لى أ حدھما إال‬
‫عامل خارجيّ ‪ ،‬نعم قد يكون ھذا العامل خف ّيا ً ال شعور ّيا ً وغير عقالئيّ ‪.‬‬
‫بتأثير‬
‫ٍ‬
‫إذا إ ّتضحت ھذه المقدّ مات نقول‪:‬‬
‫إذا عي ّنا أحد الوجودات الممكنة )صفته أ ّنه ممكن الوجود وقد أُفيض عليه الوجود الحقا ً(‪ ،‬فال ب ّد أن ي كون قد أُف يض عل يه‬
‫الوجود من كال الواجبين‪ ،‬وفق‬
‫‪118‬‬

‫المقدّمة األولى‪ .‬ولكن‪ ،‬بحكم المقدّمة الثانية‪ ،‬فإنّ إيجاد ك ّل واح ٍد من ا لواجبين ي ستلزم ح صول و جودين‪ ،‬في ما ا لذي ع ّي ناه‬
‫ھو وجو ٌد واح ٌد‪ ،‬وبعبار ٍة أخرى إنّ انتساب ھذا المعلول الواحد إلى كال ا لواجبين ي عني ت عدّد و جوده‪ .‬وأم ّا أن ينت سب إ لى‬
‫أحد الواجبين بعينه‪ ،‬فھذا يكون ترجيحا ً بال مرجّح‪ ،‬وقد ثبت بطالنه‪ ،‬كما بي ّنا في المق ّدمة الثالثة‪.‬‬

‫اللّھ ّم إال أن يفرض قائ ٌل أنّ ھذا الوجود ينتسب إلى كال ا لواجبين‪ ،‬و قد ت عدّد إم كان الو جود ا لذي ف يه‪ ،‬فھ نا ن سأل عن ك ّل‬
‫كان إ لى‬
‫واح ٍد من ھذين اإلمكانين إلى من ينتسبان‪ ،‬والجواب ال ب ّد أن يكون أنّ في ك ّل إمكان إم كانين حتى ينت سب ك ّل إم ٍ‬
‫إمكان بعدد الوا جب‪ ،‬ون عود إ لى ال سؤال عن ھذه اإلمكا نات‪ .‬وھ كذا ي لزم من ھذا ال فرض أن ال‬
‫كال الواجبين فيتعدّد ك ّل‬
‫ٍ‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫ٍ‬
‫ممكن على الوجود‪ ،‬وحينھا يص ّح أن ُي قال‪ :‬إذا ت عدّد وا جب‬
‫ر‬
‫ف‬
‫يتو‬
‫لن‬
‫وبالتالي‬
‫‪،‬‬
‫ا‬
‫أبد‬
‫ة‬
‫ٍ‬
‫ي‬
‫ّ‬
‫شخص‬
‫ت‬
‫نقف على آحا ٍد ووجودا‬
‫أيّ‬
‫ٍ‬
‫ً‬
‫ھ ٌ‬
‫َس َدتَا﴾‪.‬‬
‫ة إِ ﱠال ﷲ لَف َ‬
‫ما آلِ َ‬
‫ِيھ َ‬
‫الوجود يجعل العال َم عدما ال وجود له‪ ،‬وھو قوله تعالى‪﴿ :‬لَ ْو كَانَ ف ِ‬
‫البرھان الثالث‪ :‬برھان الفرجة)التمايز(‪:‬‬
‫وبيان ھذا البرھان‪:‬‬
‫لو كان ھناك واجب وجود آخر لتشارك الواجبان في كونھ ما وا جبي الو جود فال ب ّد من امت ياز أ حدھما عن اآل خر ب شيئ‬
‫غير ذلك األمر المشترك ‪ -‬وھو مقتضى االثنية‪ ،‬إذ بدون االمتياز يكون واحداً ‪ -‬وذلك يستلزم تر ّكب كالً منھما من شيئين‬
‫احدھما األمر المشترك وثانيھما األمر المتميّز وھذا باطل من جھتين‪.‬‬
‫ـ األولى‪ :‬أ ّنه يلزم منه التركيب‪ ،‬وھو باطل الستلزامه الحاجة لالجزاء‬
‫‪119‬‬

‫المنافي لوجوب الوجود‪ ،‬فيكون ممكنا ً وھو خالف الغرض‪.‬‬
‫ـ الثانية‪ :‬لزوم التسلسل ألن ما به االمتياز على فرض وجوب وجوده يحتاج أيضا ً إلى جھة امتياز‪ ،‬فيصبح االث نان خم سة‬
‫وھكذا‪ ....‬إلى ما ال نھاية له ‪ -‬وھو باطل‪.‬‬
‫ج ِبي الوجود‪ ،‬أي يستلزم أن يتر ّكب واجبٌ واح ٌد من ما ال نھا ية له‬
‫فالنتيجة‪ :‬أنّ وجود واج َبيْ وجود يستلزم عدم تناھي وا ِ‬
‫من واجبي الوجود‪ ،‬وھذا باطل من جھتين‪:‬‬
‫‪1‬ـ التركيب يُعارض الوجوب‪.‬‬
‫‪2‬ـ إنّ ھذا النوع من التركيب‪ ،‬وھو أن يتر ّكب شيء من أ جزاء ت كون بح يث ي ستلزم ك ّل جزء من ھا جزءاً جد يداً بإ ضافة‬
‫األجزاء المفروضة أوّ الً‪ ،‬مستحي ٌل‪.‬‬
‫النبوة‪:‬‬
‫البرھان الرابع‪:‬‬
‫ّ‬
‫يعتمد ھذا البرھان على تعريف ﷲ بنفسه أ ّنه واح ٌد‪ ،‬وأساس ھذا البرھان ھو النبوّ ة‪.‬‬
‫ٌ‬
‫وقبل بيان ھذا البرھان‪ ،‬قد يخطر في األذھان إشكال وھو‪ :‬أنّ النبوّ ة‬
‫الحقة للتوحيد‪ ،‬فكيف ن ّتخذھا دليالً عليه؟!‬
‫والجواب‪ :‬إ ّنه إ ّنما ال يص ّح أن تكون النبوّ ة منطلقا ً إلثبات أصل وجود ﷲ‪ ،‬حيث يلزم الدور‪ ،10‬وأمّا إثبات وحدانيّة ﷲ عن‬
‫طريق آخر فليس في ذلك أيّ إشكال‪.‬‬
‫طريق النبوّ ة بعد إثبات وجوده عن‬
‫ٍ‬
‫ث ّم ال ب ّد من االلتفات إلى أ ّنه ليس المقصود بالبرھان ھنا ھو االستناد إلى‬
‫‪120‬‬

‫نصّ النبيّ إلثبات وحدانيّة ﷲ‪ ،‬وإ ّنما أساس ھذا البرھان يعتمد على النبوّ ة بوصفھا ظاھر ًة من ظوا ھر ال عالم‪ ،‬ح يث ت ش ّكل‬
‫بنفسھا برھانا ً على وحدانيّته تعالى‪ ،‬كما ذكر أمي ُر المؤمنين عليه السالم في خطا به لو لده الح سن عل يه ال سالم‪ ،‬ي قول‪ ) :‬يا‬
‫بني إ ّنه لو كان لر ّبك شريك ألتتك ر سله‪ ،(...) ،‬ولكن ّ ه إ ل ٌه وا ح ٌد ك ما و صف نف سه ال ي ضادّ ه في مل كه أ حد(‪ .‬وخال صة‬
‫ّ‬
‫االستدالل‪ :‬أنّ الوحي وإرسال األنبياء لھداية البشر الزم لوجود ﷲ‪ ،‬فلو كان ھناك إل ٌه آخر لكانت له رسل‪.‬‬
‫بيان ھذا البرھان‪:‬‬
‫أـ إنّ واجب الوجود واجبٌ من جميع الجھات‪ ،‬ومنھا الفيض‪.‬‬
‫ب‪ -‬الوحي‪ -‬إلى من ھو مؤھّل لتل ّقيه)النبيّ (‪ -‬من أنواع الفيض الواجب‪.‬‬
‫النتيجة‪ :‬ال يمكن أن يوجد مؤ ّھ ٌل لتل ّقي الوحي وال يوحى إليه من قِبل الواجب‪.‬‬
‫ومن الواضح أنّ ھذا األمر ليس من قبيل الواجب الكفائيّ ‪ ،‬أل ّننا بيّنا أنّ الفيض على واجب الو جود وا جبٌ ‪ ،‬و لذلك لو كان‬
‫يوح إلى األنبياء عليھم السالم إال من قبل إ ل ٍه وا حدٍ‪،‬‬
‫ھناك )واجبا وجود( للزم أن يوحي ك ّل واح ٍد منھما إلى النبيّ ‪ ،‬فيما لم َ‬
‫فال إله غيره‪.‬‬
‫‪121‬‬

‫ﺧﻼﺻﺔ اﻟﺪرس‬
‫ـ يتميّز البحث الفلسفيّ بأ ّنه بعد أن يثبت وجود ﷲ‪ ،‬يتق ّدم في البحث ليُق ّدم معارف إلھيّة سامية من قب يل إث بات وحداني ّة ﷲ‬
‫وصفاته‪ ،‬وھذا بخالف طريق الفطرة والطريق العلميّ ‪.‬‬
‫ـ ھناك عدّة براھين إلثبات وحدان ّية ﷲ‪:‬‬
‫األول‪ :‬إنّ واجب الوجود وجود مطلق وصرف‪ ،‬والمطلق والصرف ال يتث ّنى وال يتكرّ ر‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬برھان التمانع‪ :‬ويعتمد على ثالث مقدّمات‪:‬‬
‫أ‪ -‬واجب الوجود واجبٌ من جميع الجھات‪ ،‬ففيضه على الممكن واجبٌ ‪.‬‬
‫ب‪ -‬وجود العلّة عين وجود المعلول‪ ،‬أو اإليجاد عين الوجود‪.‬‬
‫ج‪ -‬الترجيح بال مرجّ ح مستحيل‪.‬‬
‫ب ثا ل ٍ‬
‫الثا لث‪ :‬بر ھان الفر جة )الت مايز(‪ :‬وي قوم ع لى أ ساس أنّ الزم ت عدّد وا جب الو جود ھو و جود وا ج ٍ‬
‫ث يمي ّز بينھ ما‪،‬‬
‫ووجود الثالثة يستلزم الخمسة‪ ،‬وھكذا‪ ....‬وھذا التركيب محالٌ‪ ،‬ويتناقض مع الواجب‪.‬‬
‫الرابع‪ :‬برھان النبوّ ة‪ :‬فإنّ ظاھرة الن بوّ ة والو حي من في ضه الوا جب‪ ،‬فال يم كن أن ي كون ھ ناك مؤھ ّ ٌل لتلق ّي الو حي وال‬
‫يوحي إليه الواجب‪ ،‬وحيث لم يو َح من غيره ج ّل وعال فھو واحد‪.‬‬

‫أﺳﺌﻠﺔ اﻟﺪرس‬

‫‪1‬ـ ما ھي البراھين التي تثبت وحدانيته تعالى؟‬
‫‪2‬ـ ما ھو البرھان الذي أقامه صدر المتألّھين على التوحيد؟‬
‫‪ -3‬كيف يصاغ برھان التمانع؟‬
‫‪ -4‬كيف يثبت برھان الفرجة التوحيد؟‬
‫‪ -5‬ھل يمكن االستدالل ببرھان النبوّ ة على التوحيد؟‬

‫ﻫﻮاﻣﺶ‬
‫دمة‪.‬‬
‫‪ -1‬مرّت بعض الفوارق بين الطرق في البحوث المتق ّ‬
‫‪ -2‬البقرة‪.29 :‬‬
‫‪ -3‬البقرة‪.20 :‬‬
‫‪ -4‬فصّلت‪.54 :‬‬
‫دم ذلك في بحث البراھين الفلسفيّة‪.‬‬
‫‪ -5‬تق ّ‬
‫ي‪.‬‬
‫دم ذلك في البحث السابق‪ ،‬وال سيما من خالل البرھان الوجود ّ‬
‫‪ -6‬وقد تق ّ‬

‫دمات فلسفيّة أُثبتت في محل ّ ھا‪ ،‬ون حن نعــرض ھـذا البرھـان‬
‫مة برھان آخر في ھذا المجال‪ ،‬ولكنّه يعتمد على مق ّ‬
‫‪ُ -7‬يذكر ھذا البرھان في الكتب الفلسفيّة‪ ،‬ولكن ث ّ‬
‫مق فيه من خالل دراسة البحوث الفلسفيّة‪ ،‬وھو برھان‪ :‬داللة وحدة العالم على وحدة مبدئه‪:‬‬
‫ھنا بإختصار‪ ،‬ويمكن التع ّ‬
‫دمات‪:‬‬
‫ويتأل ّف ھذا البرھان من أربع مق ّ‬
‫أـ وحدة العالم وحدة واقعيّة‪ :‬ففي مجال ارتباط أجزاء العالم ھناك ثالثة اتجاھات‪:‬‬
‫ي إختالل‪.‬‬
‫‪1‬ـ القول بعدم االرتباط‪ ،‬وإ ّ‬
‫ن أجزاء العالم متفرّقة ال تؤث ّر على بعضھا‪ ،‬وبالتالي فلو إنعدم بعضھا ال يؤدّي ذلك إلى حدوث أ ّ‬
‫ي‬
‫ل جزء من أجزائه دوراً يؤث ّر على فعاليّة المجمـوع‪ ،‬وبالتـالي فـإ ّ‬
‫ن تغيـير أو نقـص أ ّ‬
‫ي‪ ،‬فتكون أجزاء العالم بمثابة أجزاء المصنع‪ ،‬حيث يؤ ّدي ك ّ‬
‫‪2‬ـ القول باالرتباط الصناع ّ‬
‫ل ما على وضع المجموع‪.‬‬
‫جزء يؤدّي إلى إختال ٍ‬
‫ن وا ح ٍد‪ ،‬و ُتب حث ھـذه‬
‫ما الذي ثبت في الفلسفة‪ ،‬فھو أ ّ‬
‫ن ارتباط أجزاء العالم أعمق من إرتباط أجزاء آلة من اآلالت‪ ،‬بل اإلرتباط بين أجزائه بمثابة ارتباط أعضـاء بـد ٍ‬
‫‪3‬ـ وأ ّ‬
‫دمة في مقالة العل ّة والمعلول وفي مقالة القوّة والفعل‪.‬‬
‫المق ّ‬
‫ويبحث ذلك في أبحاث اإللھيّات‪.‬‬
‫ب‪ -‬ليس ھناك عالم سوى ھذا العالم‪ُ ،‬‬
‫ج‪ -‬المعلول الواحد ال يصدر إال عن عل ّة واحدة‪ ،‬و ُيبحث ذلك في مقالة العل ّة والمعلول‪.‬‬
‫ويبحث ذلك في أبحاث اإللھيّات‪.‬‬
‫د‪ -‬واجب الوجود بالذات واجب من جميع الجھات‪ُ ،‬‬
‫دما ته علـى‬
‫ي‪ ،‬فإ ّ‬
‫ن من الواضح أ ّ‬
‫ن ھـذا البر ھان يعتمـد فـي مق ّ‬
‫مالحظة‪ُ :‬يعرف ھذا البرھان أيضاً ببرھان وحدة النظم‪ ،‬إال أنّه ال يرتبط ببرھان النظم في الطريق العلم ّ‬
‫األصول الفلسفيّة‪ ،‬وليس على نتائج العلوم التجريبيّة‪.‬‬
‫‪ -8‬األنبياء‪.22:‬‬
‫ن ذلك سيؤدّي إلى فساد المصنع أو تحكّم مدير واحد‪.‬‬
‫ويقرّب ذلك بما لو كان مديران يتمتّعان بكامل اإلرادة والقدرة في مصنعٍ واحد‪ ،‬فإ ّ‬
‫‪ُ -9‬‬
‫دمة‬
‫متق‬
‫فتكون‬
‫ذلك‪،‬‬
‫قبل‬
‫ﷲ‬
‫بوجود‬
‫مذعنين‬
‫نكون‬
‫أن‬
‫د‬
‫ب‬
‫فال‬
‫ﷲ‪،‬‬
‫ِبل‬
‫ق‬
‫من‬
‫كانت‬
‫إذا‬
‫إال‬
‫تثبت‬
‫ال‬
‫ة‬
‫و‬
‫النب‬
‫ن‬
‫أ‬
‫والحال‬
‫ة‪،‬‬
‫و‬
‫النب‬
‫طريق‬
‫عن‬
‫ﷲ‬
‫وجود‬
‫ثبت‬
‫ن‬
‫أن‬
‫نريد‬
‫‪:‬‬
‫الدور‬
‫بيان‬
‫‪-10‬‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫خرة في آن واحد‪.‬‬
‫ومتأ ّ‬

‫اﻟﺪرس اﻟﺜﺎﻣﻦ‪ :‬اﻟﺼﻔﺎت‬
‫أھداف الدرس‬
‫‪ -1‬التفرقة بين الصفات الثبوتية والصفات السلبية وإعطاء مصاديق لكل منھا‪.‬‬
‫‪ -2‬القدرة على شرح اآلراء حول معرفة صفات ﷲ بالعقل‪.‬‬
‫‪ -3‬القدرة على عرض اإلشكاالت الواردة على معرفة ﷲ بالعقل والرد عليھا‪.‬‬
‫‪ -4‬فھم آراء المناھج المختلفة في التعرف إلى صفات ﷲ‪.‬‬
‫‪ -5‬إثبات أن صفات ﷲ مطلقة‪.‬‬
‫‪125‬‬

‫تمھيد‪:‬‬
‫ّ‬
‫ت ثبوتي ًّة‪ ،‬كالعلم والقدرة والحياة والخ لق‬
‫عز وج ّل صفات‪ ،‬بعضھا يُثبت جماالً له ج ّل وعال‪ ،‬ولذا سمّيت صفا ٍ‬
‫قد ذكروا‬
‫وا لرزق‪ ،‬وبع ضھا ي ھدف إ لى ن في الن قص والحا جة عن ساحته‪ ،‬كن في الج سميّة والتحي ّز والحر كة والتغي ّر ون في الو لد‬
‫والشريك له تعالى‪ ،‬ولذا سمّيت صفا ٍ‬
‫ت سلبية‪.1‬‬
‫البشري على معرفة صفات ﷲ‪:‬‬
‫‪1‬ـ قدرة العقل‬
‫ّ‬
‫جرى البحث بين مختلف أطياف علماء الكالم )والفلسفة(حول مسألة قدرة العقل على ورود ميدان التعرّف إلى صفات ﷲ‪،‬‬
‫وأ ّنه ھل مُنع شرعا ً عن الخوض في مسألة الصفات اإللھيّة أو ال؟‬
‫ّ‬
‫وتمخض البحث عن عدّة أقوال‪:‬‬
‫‪1‬ـ عجز الفكر البشريّ عن إدراك صفات ﷲ ّ‬
‫عز وجلّ‪ ،‬ألنّ‬

‫س‬
‫ﷲ‪﴿ :‬لَ ْي َ‬

‫‪127‬‬

‫ٌ‬
‫َ‬
‫صفات سلكت طريق ھا إل يه بوا سطة م شاھدتھا في المخلو قات‪.‬‬
‫ي ٌء﴾‪ ،2‬بينما الصفات التي يُدركھا العقل البشريّ‬
‫ك ِ‬
‫م ْثلِ ِ‬
‫ه َ‬
‫ش ْ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ت إلى ﷲ عز وج ّل نكون قد أثبتنا صفة مشتركة بينه وب ين خل قه‪ ،‬لذا ال بد أن نقت في سبيل )التنز يه(‬
‫وإذا نسبنا ھكذا صفا ٍ‬
‫ح ّتى ال نقع في )التشبيه(‪.‬‬
‫ٌ‬
‫صفات م غايرةٌ تما ما ً لل صفات ا لتي نعرف ھا‪ ،‬وال نع لم‬
‫وأمّا الصفات التي وردت في ال قرآن ال كريم‪ ،‬كالعلم وال قدرة‪ ،‬ف ھي‬
‫معانيھا الواقعيّة‪ ،‬فيجب أن نجرّ د ذھننا من معانيھا عندما نطلقھا‪ ،‬وتكون ذات ﷲ تعالى مجھول َة الصفات بالنسبة للبشر‪.‬‬
‫و قد ورد في ال حديث‪ ) :‬كل ّ ما م ّيزت موه بأو ھامكم في أدقّ معان يه‪ ،‬مخ ٌ‬
‫لوق م صنو ٌع مثل كم‪ ،‬مردو ٌد إلي كم‪ ،‬ول علّ الن مل‬
‫الصغار تتوھّم أنّ زبانتين!(‪.3‬‬
‫‪2‬ـ االعتقاد بإمكانيّة معرفة صفات ﷲ السلبيّة‪ ،‬دون اإليجابيّة‪ .‬وھذا إ ّتجاهٌ أكثر إعتداالً في مجال معرفة صفات ﷲ‪.‬‬
‫فالتشبيه بحسب ھذا اإلتجاه يقع حينما ُنثبت للخالق صفة‪ ،‬أل ّنھا ستكون مشتركة بينه وبين خلقه‪ ،‬أمّا نفي الصفة فال ي ستلزم‬
‫ذلك‪.4‬‬

‫من ھنا يمكن أن نطلق ع لى ﷲ ت عالى صفاته اإليجابي ّة‪ ،‬كالعلم وال قدرة‪ ،‬ون عني ب ھا معاني ھا ال سلبيّة ال اإليجابي ّة‪ ،‬فالعل يم‬
‫يعني غير الجاھل‪ ،‬والقدير غير العاجز‪ ،‬وھكذا‪...‬‬
‫‪3‬ـ ثمّة فريق ثالث لم يمانع معرف َة صفات ﷲ من جھة التنزيه والتشبيه‪،‬‬
‫‪128‬‬

‫للفرق بين صفات ﷲ وصفات المخلوق‪ ،‬فعلم زيد حادث وعلم ﷲ قديم‪ ،‬وعلم زيد مقيّد فيما علم ﷲ مطلق‪...‬‬
‫إال أنّ أصحاب ھذا الرأي يقفون عند مسأل ٍة أخرى‪ ،‬وھي أ ّننا ال نستطيع أن نح ّدد بعقولنا صفة الك مال ا لتي ت ّت صف ا لذات‬
‫اإللھيّة بھا‪ ،‬وال نستطيع أن نحدّد صفة الن قص ا لتي ت ّ‬
‫تنزه ا لذات عن اإل ّت صاف ب ھا‪ ،‬وغا ية ما نفھ مه أن ّ ه جام ٌع لل صفات‬
‫ّ‬
‫ومنزه عن ك ّل نقص‪.‬‬
‫الكماليّة‪،‬‬
‫فالمسألة توقيفيّة‪ ،‬فما ثبت في الكتاب أو الس ّنة نثبته‪ ،‬وما لم يُشر إليه نسكت عنه‪.‬‬
‫ويؤيّد ھؤالء ما ذھبوا إليه بالنصوص التي ُت ّ‬
‫نزه ﷲ تعالى عمّا وصفه به البشر‪:‬‬
‫فقد ورد في القرآن الكريم‪:‬‬
‫ُعلُوّاً َكبِيراً﴾‪...6‬‬

‫حانَ‬
‫س ْب َ‬
‫﴿ ُ‬

‫ص ُفونَ ‪ ،﴾5‬وفي آي ٍة‬
‫ب ا ْل ِ‬
‫ما يَ ِ‬
‫ك َر ّ ِ‬
‫َربِّ َ‬
‫ع ﱠز ِة عَ ﱠ‬

‫ه َوتَع َالَى عَم ﱠ ا يَقُولُـونَ‬
‫أ خرى‪﴿ :‬س ُ ْب َ‬
‫حانَ ُ‬

‫كما ورد في األخبار واألحاديث النھي عن توصيف ﷲ تعالى بصف ٍة ما لم يكن ﷲ تعالى وصف نفسه بھا‪.7‬‬
‫صحيح إمكاني ّ ُة معر فة صفات ﷲ ّ‬
‫عز و جلّ‪ ،‬و ما أ ثاروه من‬
‫ھذه ب عض األ قوال في م سألة معر فة صفات ﷲ‪ ،‬ول كنّ ال‬
‫َ‬
‫إشكاالت مردود‪:‬‬
‫اإلشكال األول‪ :‬إنّ ك ّل صف ٍة نطلقھا على ﷲ تعالى ھي صفة مشتركة بين ﷲ ومخلوقاته‪ ،‬ويلزم من ھذا التشبيه‪.‬‬
‫‪129‬‬

‫والجواب‪:‬‬
‫ك‪ -‬شرعا ً وعقالً‪ -‬أنّ ﷲ ت عالى ل يس كمث له شيءٌ‪ ،‬ول كن ھذا ال ي عني أنّ ك ّل صف ٍة ت صدق ب شأن المخ لوق ال‬
‫أوال◌ً ‪ :‬ال ش ّ‬
‫تصدق بشأن ال خالق‪ ،‬بل يم كن أن ي ّت صف ال خالق ب ھذه ال صفة مع الت مايز بأن ّ ه ي ّت صف ب ھا ع لى ن حو الو جوب‪ ،‬وال قدم‪،‬‬
‫واإلطالق‪ ،‬وفي كونھا بالذات‪ ،‬وذلك تماما ً بخالف المخلوق‪.‬‬
‫فا عال ٌم واإلنسان عالم‪ ،‬والعلم ليس سوى الكشف واإلحاطة‪ ،‬لكنّ عل َم ﷲ ذاتيّ ‪ ،‬واجبٌ ‪ ،‬قدي ٌم‪ ،‬مط ٌ‬
‫لق ال مت نا ٍه‪ ،8‬في ما ع لم‬
‫ٌ‬
‫حادث‪ ،‬محدو ٌد‪.‬‬
‫اإلنسان بالغير‪ ،‬ممكنٌ ‪،‬‬
‫إذاً ع ندما نن في الت شبيه‪ ،‬ون قول إنّ المخ لوق ال ي شبه ال خالق‪ ،‬فالمق صود أنّ م صداق المخ لوق ال ي شبه ال خالق‪ ،‬ال أنّ ك ّل‬
‫مفھوم يصدق على المخلوق ينبغي أن ال يصدق على الخالق‪ ،‬واإلشتباه بھما يُسمّى بإختالط المفھوم والمصداق‪.‬‬
‫ُ‬
‫يثبت لونا ً من الض ّديّة بين الخالق والمخلوق‪ ،‬والصحيح‬
‫ثانيا ً‪ :‬كما أنّ القول بأنّ ك ّل ما في المخلوق مباين مع ما في الخالق‬
‫أ ّنه ليس ض ٌّد كما ليس له ن ٌّد‪.‬‬

‫ثالثا ً‪ :‬ث ّم إنّ ھناك إشكاالً نقض ّيا ً يرد على ھذا القول‪ ،‬فإن ّه إذا ق يل إنّ مقت ضى الت شبيه أن ال ي صدق ع لى ال خالق أيّ مع نىً‬
‫نوع من إن كار و جود ﷲ تعا لى‬
‫يصدق على المخلوق‪ ،‬فھذا ي سري أي ضا ً إ لى و جوده ووحدان ّي ته ت عالى‪ ،‬و ھذا يؤدّي إ لى ٍ‬
‫ووحدانيّته‪ ،‬وھذا ما ال يلتزم به أحد‪.‬‬
‫اإلشكال الثاني‪ :‬يرتبط ھذا اإلشكال بحدود قدرة العقل‪ ،‬ويُبتنى على‬
‫‪130‬‬

‫ّ‬
‫الحق تعالى‪ ،‬ولذا فليس لنا سوى إ ّتباع الشريعة في ذلك‪ ،‬فنصفه ت عالى ب ما‬
‫قادر على اكتشاف صفات‬
‫أساس أنّ العقل غي ُر ٍ‬
‫وصفته به الشريعة دون ما سوى ذلك‪.‬‬
‫الجواب‪:‬‬
‫قد تقدّم في بحث المق ّدمات أنّ قدرة العقل ال تنحصر في تعميم وتجريد وتركيب ما تدركه حواسّه‪ ،‬بل العقل يدرك المعا ني‬
‫لعلم برھانيّ ‪.‬‬
‫العامّة‪ ،‬ويستطيع أن يحكم بشأنھا‪ ،‬ممّا يؤسّس ٍ‬
‫وبنا ًء عليه فإنّ العقل الفلسفيّ المتدرّب قاد ٌر على درس الصفات الالئقة بذات ﷲ ت عالى‪ ،‬وال صفات ا لتي ت ّ‬
‫تنزه ذا ته عن ھا‪،‬‬
‫دون أن يعني ذلك أ ّنه يستوعب كنه ذات ﷲ أو كنه صفاته ج ّل وعال‪.‬‬
‫اإلشكال الثالث‪ :‬النصوص الواردة بشأن النھي عن الخوض في ھذه المسائل‪.‬‬
‫الجواب‪:‬‬
‫ك أنّ التعليمات واإليضاحات التي قدّمھا القرآن ومن بعده أئمّة الدين ھي أرقى وأكمل المعارف اإللھيّة ا لتي يم كن أن‬
‫ال ش ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ملھم لھذه الحقائق‪ ،‬فليس كالمنا في ھذا‬
‫أعظم‬
‫ھا‬
‫ن‬
‫أل‬
‫التعاليم‬
‫ھذه‬
‫باع‬
‫ت‬
‫ا‬
‫من‬
‫مباحث‬
‫ينالھا بشر‪ ،‬وال بد عند الخوض في ھكذا‬
‫ٍ‬
‫المجال‪ ،‬وإ ّنما ينصبّ حديثنا في مفاد ھذه الروايات‪.‬‬
‫ح ّتى نتح ّقق من مفاد الروايات الناھية عن الخوض في الصفات‪ ،‬ال ب ّد أن ّ‬
‫نطلع على ظروفھا الموضوعيّة حين صدرت‪:‬‬
‫عصر النصّ أفرا ٌد طرحوا بشأن األلوھيّة أفكاراً دون أن يتوفّروا على ال صالحيّة العلمي ّة‪،‬‬
‫فقد ظھر في المجتمع اإلسالميّ‬
‫َ‬
‫ودون أن يأخذوا تعاليم القرآن‬
‫‪131‬‬

‫ً‬
‫ً‬
‫ومخالفة للقرآن أيضا ً‪.‬‬
‫مخالفة للمقاييس العقليّة والعلميّة‪،‬‬
‫بعين اإلعتبار‪ ،‬فجاءت أفكارھم‬
‫ولذا ال يكون مفاد ھذه الروايات لزوم التقليد والتع ّبد في ھذا المجال‪ ،‬وإ ّنما مفادھا‪:‬‬
‫ـ منع األفراد غير المؤھّلين من ورود ھذا الم يدان‪ ،‬فق بل ال خوض في مبا حث الحك مة المتعال ية ال ب ّد من طيّ الم قدّمات‬
‫ال ضروريّة‪ ،‬ف ضالً عن توف ّر اإل ستعداد المال ئم وا لذوق ال سليم إلدراك ھذه الم فاھيم الرفي عة‪ ،9‬ل ُتبحَ ث ھذه الق ضايا و فق‬
‫األصول والموازين العلميّة والعمليّة‪.‬‬
‫ـ متابعة القرآن عند الخوض في ھذه األبحاث‪ ،‬بحيث يكون اإلستلھام واإلستنباط من خالله‪.10‬‬

‫ـ على أن تكون الروايات ھي الموجّ ه والمحرّك للعقول بغية إدراك األمور ومعرفتھا بشكل حقيقيّ ‪.‬‬
‫كثير من النصوص نوعا ً من االستدالالت العقليّة والتحليل الفكريّ ‪ ،‬ولم يكن لھا معنى لو كن ّ ا ملزم ين‬
‫ولذلك فنحن نجد في‬
‫ٍ‬
‫بالتعبّد والتقليد!‬
‫التعرف إلى صفات ﷲ‪:‬‬
‫‪2‬ـ كيف ّية‬
‫ّ‬
‫طرق لمعرفة صفات ﷲ‪:‬‬
‫ھناك عدّة‬
‫ٍ‬
‫الطريق األول‪ :‬إ ّتخاذ الذات برھانا ً على الصفات‪:‬‬
‫ٌ‬
‫بما أنّ الذات اإللھيّة وجو ٌد محضٌ‬
‫ومطلق‪ ،‬من دون أن يكون فيھا أيّ ح ّد‪-‬‬
‫‪132‬‬

‫ك ما ث بت و فق البر ھان الو جوديّ ‪ -‬فال ب ّد أن ت صدق ع لى ذا ته ت عالى جم يع شؤون الو جود وكماال ته ب ح ّدھا المط لق‬
‫والالمتناھي‪.‬‬
‫الطريق الثاني‪ :‬إ ّتخاذ المخلوقات مرآة للصفات‪:‬‬
‫ويمكن طرح ھذا الطريق من خالل منھجين‪:‬‬
‫‪1‬ـ المنھج‬
‫الفلسفي‪ :‬ويقوم على أ ساس ما ث بت لد يه من قا عدة‪) :‬فا قد ال شيء ال يعط يه(‪ .‬وح يث إنّ ھ ناك مجمو عة من‬
‫ّ‬
‫الكماالت المشھودة في المخلوقات نظير الع لم والح ياة وال قدرة واإلرادة‪ ،‬ف ھذا يد ّل ع لى أنّ م بدأ ومن شأ المو جودات وا ج ٌد‬
‫لتلك الكماالت‪.‬‬
‫الكالمي‪ :‬ينطلق المنھج الكالميّ من خالل التأمّل في النظم الدقيق لعالم المخلوقات‪ ،‬ممّا يد ّل على عدم ح صول‬
‫‪2‬ـ المنھج‬
‫ّ‬
‫‪11‬‬
‫ً‬
‫علم وقدر ٍة وإرادةٍ‪ ،‬فيُثبت مثل ھذه الصفات إلى ھذه القوّ ة ‪.‬‬
‫ذلك‬
‫صدفة‪ ،‬بل صدرت عن قوّ ٍة ذات ٍ‬
‫مالحظة‪ :‬يتميّز الطريق األوّ ل عن الطريق الثاني‪ ،‬بمنھجيه الفلسفيّ والكالميّ ‪ ،‬بأن ّ ه يعرّ ف نا إ لى ﷲ بأن ّ ه ك ما ٌل مط ٌ‬
‫لق ل يس‬
‫للنقص إليه طريق‪ ،‬بخالف الطريق الثاني الذي يكتفي بإثبات تو ّفر الذات اإللھيّة على كماالت المخلوقات بحدّھا األعلى‪.‬‬
‫‪3‬ـ اإلطالق في صفات ﷲ‪:‬‬
‫تبيّن أ ّنه وفق الطريق األوّ ل‪ -‬وھو الطريق األسلم‪ -‬في التعرّ ف إلى الصفات‪ ،‬أنّ صفات ال باري مطل ٌ‬
‫قة غير مقي ّدةٍ‪ ،‬فعل مه‬
‫ٌ‬
‫مطلقة‪ ،‬فھل الذھن قاد ٌر على تصوّ ر ھذه الصفات المطلقة أو لمحدوديّته ال يتصوّ ر إال‬
‫وقدرته وحكمته وك ّل صفاته‬
‫‪133‬‬

‫الصفات المق ّيدة المحدودة؟‬
‫في الواقع إنّ الذھن عندما يتصوّ ر المقيّد إ ّنما يتصوّ ر بض ّم مجموعة من المفاھيم المطلقة )اإلنسان ال عالم ال مؤمن(‪ ،‬ف ما لم‬
‫يتصوّ ر المطلق ال يمكن أن يتصوّ ر المقيّد‪.‬‬

‫ونحن عندما نريد أن نتصوّ ر الباري وصفاته في ذھننا فليس المطلوب أن ي ّتحد ذھ ُننا مع ما ھو موجود في ال خارج‪ ،‬وإ ّن ما‬
‫نكتفي بأن نت صوّ ر ال صفة الم شتركة بي نه وب ين مخلوقا ته‪ ،‬ثم ن ستعين بالنفي لنن في عن ھا أيّ شكل من أ شكال المحدودي ّة‬
‫والقيديّة والنقص‪ ،‬كما نفعل عندما نتصوّ ر الفضاء الالمتناھي‪.‬‬
‫توره أيّ ق يد‪ ،‬ول يس‬
‫ول كن ما ال ب ّد من اإل شارة إل يه ھو أنّ اإل طالق في ال باري ھو إ طالق من جم يع الج ھات ال يع ِ‬
‫كاإلطالقات التي نطرحھا عاد ًة والتي يكون اإلطالق فيھا نسب ّيا ً!‬
‫كما أ ّننا عندما نقول إنّ ذات ال باري مطل قة‪ ،‬فالمق صود أنّ له تح ّق قا ً وو جوداً خارجي ّا ً مطل قاً‪ ،‬ال أنّ مفھوم َ ه أ ع ّم الم فاھيم‪.‬‬
‫فاإلطالق في ذات الباري وجوديٌّ وليس كبقية اإلطالقات التي يكون اإلطالق فيھا مفھوم ّيا ً )اإلنسان‪ ،‬األبيض(!‬
‫‪134‬‬

‫ﺧﻼﺻﺔ اﻟﺪرس‬
‫ٌ‬
‫فريق إلى عجز العقل البشريّ عن إدراك صفات ﷲ‪ ،‬و لذا قالوا بالتنز يه خو فا ً من الت شبيه‪ ،‬و قال آ خرون بإمكاني ّة‬
‫ذھب‬
‫ٌ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ٌ‬
‫معرفة الصفات السلبيّة دون اإليجابيّة‪ ،‬وقال فريق ثالث بأننا قادرون على معرفة الصفات‪ ،‬لكننا عاجزون عن معر فة أيّ‬
‫الصفات ي ّتصف بھا‪ ،‬فنكتفي بما ورد في النصوص الشرعيّة‪.‬‬
‫والصحيح تم ّكن العقل‪ ،‬عبر إدراكه المفاھيم والمعاني الكليّة‪ ،‬من معرفة الصفات‪ ،‬وذلك لتمايز الصفات التي ننسبھا ل لذات‬
‫اإللھيّة عن الصفات التي نعرفھا في المخلوق‪ ،‬وإال لزم إن كار ن فس و جوده ووحدان ّي ته‪ .‬وأم ّا الروا يات ا لواردة في الن ھي‬
‫عن وصفه تعالى‪ ،‬فقد وردت في جماع ٍة خاضت في الم سألة دون أن ي كون لديھا الك فاءة العلمي ّة‪ ،‬و لم تعت مد ع لى توج يه‬
‫القرآن وأئمّة الدين في إستنباط الصفات‪.‬‬
‫التعرف إلى صفات الباري عبر أحد طريقين‪ :‬إمّا بإ ّتخاذ الذات برھانا ً على الصفات‪ ،‬وإم ّا بإ ّت خاذ المخلو قات مرآ ًة‬
‫ـ يمكن‬
‫ّ‬
‫للصفات‪.‬‬
‫ـ إنّ ذات الباري وصفاته مطلقة‪ ،‬وإطالقھا وجوديٌّ من جميع الجھات‪ ،‬ويمكن للذھن أن يتصوّ رھا بمعونة النفي ألي شكل‬
‫من أشكال المحدودية والنقص‪.‬‬

‫أﺳﺌﻠﺔ اﻟﺪرس‬
‫‪1‬ـ ھل يتاح للعقل البشري معرفة الصفات اإللھية ؟‬
‫‪2‬ـ ما المقصود من الروايات الواردة في النھي عن وصفه تعالى؟‬
‫‪ -3‬ما ھي طرق التعرف على صفات ﷲ تعالى؟‬
‫‪ -4‬ھل يمكن للذھن معرفة الصفات المطلقة؟‬
‫‪ -5‬ما المقصود من اإلطالق في الصفات اإللھية؟‬

‫ﻫﻮاﻣﺶ‬
‫‪ -1‬لالطالع على تفصيل تقسيمات صفات ﷲ يمكن مراجعة كتاب اإللھيّات للشيخ جعفر السبحاني‪.‬‬
‫‪ -2‬الشورى‪.11 :‬‬
‫‪-3‬‬
‫‪-4‬‬
‫‪-5‬‬
‫‪-6‬‬

‫البھائي العاملي‪ ،‬مشرق الشمسين‪ ،‬ص‪ ،398‬منشورات مكتبة بصيرتي‪ -‬قم‪.‬‬
‫ل‪.‬‬
‫نفي‬
‫ن ھذا النفي‬
‫ال سيّما بعد االلتفات إلى أ ّ‬
‫ٌ‬
‫مطلق‪ ،‬فال يوجد من يصدق عليه ھكذا نفي سوى ﷲ عزّ وج ّ‬
‫ٌ‬
‫الصافات‪.180:‬‬
‫االسراء‪.43:‬‬

‫ل وعال‪ ،‬وباب النسبة‪ ،‬وباب النھي عن الكيفيّة‪ ،‬وباب إبطال الرؤية‪.‬‬
‫‪ -7‬يمكن مراجعة كتاب الكافي‪ :‬كتاب التوحيد‪ /‬باب النھي عن الصفة بغير ما وصف ﷲ به نفسه ج ّ‬

‫ت َوال فِي ْ‬
‫األَ ْرضِ})سـبأ‪.(3 :‬‬
‫َال ذ ﱠَر ٍة فِي‬
‫ِم ا ْل َغ ْي ِ‬
‫ما َوا ِ‬
‫‪ -8‬فيعلم الكليّات والجزئيّات‪ ،‬والماضي والحاضر‪ ،‬والغيب والشھادة { َعال ِ‬
‫الس َ‬
‫ﱠ‬
‫ب َع ْن ُه ِم ْثق ُ‬
‫ب ال يَ ْع ُز ُ‬
‫ة‬
‫ل جناب‬
‫ل وارد‪ ،‬أو يط ّلع عليه إال واحد بعد واحد‪ ،‬ولذلك فإ ّ‬
‫ن ضـحك ٌ‬
‫ّ‬
‫ن ما يشتمل عليه ھذا الفـ ّ‬
‫الحق عن أن يكون شريع ًة لك ّ‬
‫ل ما ھم‪ ،‬وكما قال ابن سينا‪) :‬ج ّ‬
‫‪ -9‬وقلي ٌ‬
‫صل()اإلشارات‪ /‬النمط التاسع(‪.‬‬
‫للمغ ّفل وعبر ٌة للمح ّ‬
‫‪ -10‬وليست المتابعة بمعنى التقليد‪.‬‬
‫دثنا عن برھان النظم‪.‬‬
‫‪ -11‬قد أشرنا إلى ھذا المعنى عندما تح ّ‬

‫اﻟﺪرس اﻟﺘﺎﺳﻊ‪ :‬اﻟﻌﺪل‪ ،‬إﺗﺠﺎﻫﺎﺗﻪ وآﺛﺎرﻩ‬
‫أھداف الدرس‬
‫‪ 1‬ـ القدرة على تعريف العدل اإللھي‪.‬‬
‫‪ 2‬ـ حفظ بعض اآليات الدالة على العدل‪.‬‬
‫‪ 3‬ـ القدرة على عرض اآلراء المختلفة حول العدل‪.‬‬
‫‪ 4‬ـ تقسيم معاني كلمة العدل وإستعماالتھا‪.‬‬
‫‪ 5‬ـ القدرة على التفريق بين العدل والحكمة‪.‬‬
‫‪139‬‬

‫تمھيد‪:‬‬
‫العادل كما يراه معظم الناس‪ ،‬ھو من ال يضمر سوءاً لآلخرين‪ ،‬وال يتجاوز حقوقھم‪ ،‬وھو الذي يت ساوى ع نده ال ناس‪ ،‬فإذا‬
‫كان في موقع المسؤولية‪ ،‬قام بنصرة المظلوم ع لى ال ظالم‪ .‬وال ظالم ھو ا لذي يت جاوز ح قوق ال ناس و يرجح بع ضھم ع لى‬
‫بعض‪....‬‬
‫اإللھي‪:‬‬
‫العدل‬
‫ّ‬
‫إنّ البحث حول العدل اإللھي تار ًة يكون من جھة أنّ العدالة ھي صفة كمال في الخالق‪ ،‬حيث إنّ ﷲ ّ‬
‫عز و جل ھو الجا مع‬
‫لجميع الصفات الكمالية والجمالية‪.‬‬
‫وأخرى من جھة أنّ العدل عبارة عن رعاية ّ‬
‫حق الغير‪ .‬و ھذا الم عنى يم كن أن يتحق ّق في العال قة ب ين المخلو قات في ما‬
‫بينھا‪ ،‬وال يتحقق في العالقة بين الخالق والمخلوق‪ ،‬ألنّ ك ّل ما لدى المخلوق فمن الخالق‪ ،‬وملكية المخلوق في طول ملك ية‬
‫الخالق‪ ،‬فإنّ ملكيّة اإلنسان ھي كملكي ّة الط فل بالن سبة لملكي ّة أب يه‪ ،‬ح يث يع تبر نف سه مال كا ً أللعا به‪ ،‬وال ي نافي ذ لك ملكي ّة‬
‫األب لھا‪.‬‬
‫‪141‬‬

‫إذاً فا ع ّز وجل مالك الملك على اإل طالق‪ ،‬وأيّ ت صرّف م نه في ال كون إ ّن ما ھو ت صرّف في مل كه‪،‬‬
‫صداق للظ لم في حق ّه ت عالى‪ ،‬و من ھ نا ي قال إنّ ﷲ ل يس‬
‫نعثر ع لى م‬
‫ح ْم ُد﴾‪﴿ 1‬وإلي ِه يرج ُِع األم ُر كلﱡ ُه﴾‪ ،2‬لذا ال يمكن أن‬
‫َ‬
‫ا ْل َ‬
‫ٍ‬
‫ظالم‪ ،‬أل ّنه ال يمكن إفتراض غيره مالكا ً ٍّ‬
‫لحق ما‪ ،‬حتى تكون رعايته عدالً وعدمھا ظلما ً‪.‬‬
‫بعادل وال‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬

‫ه‬
‫ك َول َ ُ‬
‫﴿ل َ ُ‬
‫مل ْ ُ‬
‫ه ا ْل ُ‬

‫العدل في القرآن‪:‬‬
‫إنّ العدل بمفھومه اإلجتماعي ھدفٌ للنبوّ ة‪ ،‬قال تعالى‪:‬‬
‫ِسط‪.3﴾...‬‬
‫م ال ﱠن‬
‫لِيَقُو َ‬
‫اس بِا ْلق ْ‬
‫ُ‬
‫والعدل بمفھومه الفلسفي أساسٌ‬

‫﴿ل َ َ‬
‫اب َوا ْلمِـي َزانَ‬
‫م ا ْلكِت َ َ‬
‫سـ ْل َنا ُرس ُ لَ َنا بِا ْلبَ ِي ّن َاتِ َوأَ ْن َز ْل َنـا َ‬
‫قدْ أَ ْر َ‬
‫معَھ ُ ُ‬

‫ة َ‬
‫فال ُت ْ‬
‫ل‬
‫وإِنْ ك َانَ ِ‬
‫م ِ‬
‫ونَض ُ‬
‫ش ْيئاً َ‬
‫َع ا ْل َ‬
‫م ْثقَـا َ‬
‫للم عاد‪َ ﴿ :‬‬
‫ْس َ‬
‫م ا ْل ِقيَا َ‬
‫وا ِز َ‬
‫م َ‬
‫ِسطَ لِيَ ْ‬
‫ين ا ْلق ْ‬
‫و ِ‬
‫م نَف ٌ‬
‫ظلَ ُ‬

‫ھا َو َ‬
‫ين‬
‫خ ْر َ‬
‫حا ِ‬
‫د ٍ‬
‫حب ﱠ ٍ‬
‫ل أَتَ ْي َنا بِ َ‬
‫كفَى بِ َنا َ‬
‫َ‬
‫س ِب َ‬
‫ِن َ‬
‫ةم ْ‬

‫‪4‬‬

‫﴾‪.‬‬

‫ْـم َ‬
‫كما أن القرآن الكريم أث َب َ‬
‫ت‬
‫ط ال‬
‫ه ال إِلَ َ‬
‫مالئِكَةُ َو ُأولُو ا ْل ِ‬
‫ِسـ ِ‬
‫وا ْل َ‬
‫و َ‬
‫ه إِ ﱠال ھُ َ‬
‫صفة العدالة فقال‪َ ﴿ :‬‬
‫ھ َد ﷲ أَنﱠ ُ‬
‫قائِ ماً بِا ْلق ْ‬
‫عل ِ‬
‫ش ِ‬
‫‪6‬‬
‫‪5‬‬
‫ِيم﴾ ‪ّ ،‬‬
‫ونزھه عن الظلم‪َ ﴿ :‬‬
‫م يَ ْ‬
‫ما كَانَ ﷲ لِيَ ْ‬
‫و ا ْل َ‬
‫ظلِ ُمونَ ﴾ ‪.‬‬
‫إِلَ َ‬
‫ع ِزي ُز ا ْل َ‬
‫ِن كَا ُنوا أَ ْنف َ‬
‫ف َ‬
‫ه إِ ﱠال ھُ َ‬
‫ظلِ َ‬
‫م َولَك ْ‬
‫م ُھ ْ‬
‫ُس ُھ ْ‬
‫حك ُ‬

‫العدل واتجاھاته المتعدّدة‪:‬‬
‫توجد عدة إتجاھات بين المسلمين في مسألة العدل‪:‬‬
‫‪1‬ـ إتجاه أھل الحديث‪ :‬يؤمن أصحابه بإتصاف ﷲ ّ‬
‫عز وجل بصفة العدل‪،‬‬
‫‪142‬‬

‫ً‬
‫حاجة للبحث في معنى العدل والدليل عليه‪ ،‬وال يعتبرون أنفسھم ملزمين باإلجابة‬
‫لورود ذلك في الكتاب والس ّنة‪ ،‬وال يرون‬
‫‪ 7‬عن الشبھات الواردة على العدل اإللھي‪.‬‬
‫عل‬
‫‪ 2‬ـ إتجاه المتكلّمين من األشاعرة‪ :‬يقول أتباع ھذا االتجاه إنّ العدل منتز ٌع من ف عل ﷲ سبحانه‪ ،‬و ك ّل ف ٍ‬
‫فقد يعاقب ﷲ فاع َل الخير ويثيبُ فاع َل الشرّ‪ ،‬ويكون ذلك عدالً منه تعالى‪.‬‬

‫ف ھو عدلٌ‪،‬‬

‫وھذه الفئة وإن لم تنكر صف َة ال عدل‪ ،‬لك ّن ھم بالتف سير ا لذي تبن َّ وه أن كروا ال عدل عملي ّا ً‪ .‬وال ي ضطرّ ھؤالء أي ضا ً إ لى تقد يم‬
‫ت على األسئلة المثارة حول العدل اإللھي‪.‬‬
‫إجابا ٍ‬
‫وقد قام ُح ّكام الجور كالمتو ّكل العبّاسي بالدفاع عن ھذا التفسير‪ ،‬ألنه يبرّ ر ما يقو مون به من ظ لم‪ ،‬فإنّ ك ّل األف عال ال تي‬
‫تحدث في ھذا الكون ھي من ﷲ‪ ،‬وك ّل فعل يصدر منه تعالى فھو عدلٌ‪ ،‬إذاً ال وجود للظلم في قاموس الوجود‪.‬‬
‫ٌ‬
‫‪3‬ـ إتجاه المتك ّلمين من المعتزلة والشيعة‪ :‬وقد ذھبوا إلى أنّ العدل‬
‫حقيقة واقعي ٌّة في العالم‪ ،8‬وإلى أنّ الحسن والقبح ذاتيّان‬
‫سن‬
‫في بعض األفعال‪ ،‬وأ ّنھما معيا ُر الفعل اإلنساني والفعل اإللھي‪ ،‬فالعدل بذاته حسنٌ والظلم بذاته قبيحٌ‪ ،‬وﷲ ال يترك الح َ‬
‫وال يفعل القبي َح‪.‬‬
‫‪4‬ـ إتجاه الحكماء اإللھيين‪ :‬فقد أثبت الحكماء صف َة العدل‬
‫الحسن‪ ،‬ألنه ال معنى‬

‫عز وجل ال من ج ھة أنّ العدا ل َة ح ٌ‬
‫ّ‬
‫سنة وأنّ ﷲ ال يترك ف ع َل‬
‫‪143‬‬

‫ٌ‬
‫إنسانية‪ ،‬وتب ّني ذلك ب ّ‬
‫حق‬
‫للحسن والقبح وغيرھما من المفاھيم في ساحة القدس اإللھية‪ ،‬حيث إنّ ھذه المعايير كلّھا معايي ٌر‬
‫ﷲ تعالى يعتبر نوعا ً من تعيين الوظيفة له ع ّز وجل‪ ،‬بل يثبت الحكماء له سبحانه صف َة العدل من جھ ٍة أعمق يأتي الحديث‬
‫عنھا في المعنى الرابع من معاني العدل‪.‬‬
‫ويتبيّن مم ّا ت قدّم أنّ اإل شكاالت المطرو حة‪ 9‬حول م سألة ال عدل اإلل ھي إ ّن ما ت طرح لدى اإلت جاھين األ خيرين‪ ،‬أي العدل ية‬
‫والحكماء‪.‬‬
‫معاني العدل‪:‬‬
‫تستعمل كلمة العدل في أربعة موارد‪:‬‬
‫‪1‬ـ العدل بمعنى التناسب ويقابله عدم التناسب ال الظلم‪ ،‬كما يوصف المجتمع بأنه مجتم ٌع عادل‪ ً،‬فيكون المراد أنّ ك ّل شي ٍء‬
‫ُ‬
‫موجو ٌد فيه بالقدر الالزم والمناسب‪ ،‬وما ورد في الحديث النبوي‪) :‬بالعدل قام ِ‬
‫سماوات‬
‫واألرض(‪ ،10‬واآل ية ال شريفة ﴿‬
‫ت ال‬
‫ُ‬

‫الس َما َء َر َف َع َھا َو َوض َ َع ا ْلمِـي َزانَ ﴾‪ ،11‬معناھ ما أنّ ال عا َلم كل ّه مت عاد ٌل وم توازنٌ ‪ ،‬و ھذا من لوازم كون ﷲ سبحانه حكي ما ً‬
‫و‬
‫َ‬
‫ﱠ‬
‫ً‬
‫وعليما‪ ،‬إال أنّ ھذا المعنى خارج عن مح ّل البحث‪.‬‬
‫‪2‬ـ العدل بمعنى التساوي وترك الترجيح‪ ،‬وھذا المعنى إن كان المراد منه عدم مرا عاة األ نواع المختل فة لإل ستحقاق‪ ،‬ف ھذا‬
‫ھو عين الظلم‪ ،‬أل ّنه ال يمكن إعتبار من يستحق ومن ال يستحق على ح ّد سواء‪.‬‬
‫‪3‬ـ العدل بمعنى مراعاة الحقوق وھو إعطاء ك ّل ذي ّ‬
‫حق حق ّه‪ ،‬ويقاب له الظ لم و ھو الت جاوز عن ح قوق اآل خرين‪ ،‬ويعت مد‬
‫العدل بھذا المعنى على أساسين‪:‬‬
‫‪144‬‬

‫إختراع ما فھو أولى به من غيره‪.‬‬
‫بعمل أو‬
‫أ ـ ثبوت الحقوق واألولويات‪ :‬فمن يقوم‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫ب ـ خصوصية اإلنسان الذاتية‪ :‬فإنه مخلوق ع لى ن حو إذا أراد الو صول إ لى أھدا فه فعل يه مرا عاة مجمو ع ٍة من األف كار‬
‫اإلعتبارية كالحقوق واألولوي ّات‪ ،‬وا لتي يحكي ھا اإلن سان بع بارا ٍ‬
‫ت إن شائ ّي ٍة من قب يل )ينب غي وي جب وال ب ّد(‪ .‬وال عدل ب ھذا‬
‫حق ﷲ ّ‬
‫ٌّ‬
‫المعنى ال يمكن تصوّ ره في ّ‬
‫مستحق في قباله تعالى أو من له‬
‫عز وجل‪ ،‬ألنّ ﷲ ھو المالك على اإلطالق وال يوجد‬
‫أولوية عليه‪ ،‬وكذلك الظلم المقابل حيث ال يمكن تصوّ ر تجاوزه سبحانه عن حقوق اآلخرين على فرض ثبوتھا أو إعطائھا‬
‫لھم‪.‬‬
‫‪ -4‬العدل بم عنى رعا ية اإل ستحقاق في إفا ضة الو جود والك مال‪ ،‬فإنّ ك ّل مو جود يم لك إ ستحقاقا ً خا صا ً من ج ھة قابلي ته‬
‫ك ھذا‬
‫مال‪ ،‬والظ لم ھو م ن ُع وإم سا ُ‬
‫إلكتساب الفيض اإللھي‪ ،‬فالعدل ھو أن يأخذ ك ّل موجود ما ھو ممكنٌ له من و جو ٍد وك ٍ‬
‫ً‬
‫الفيض‪ .‬وھذا المعنى ھو الذي يتب ّناه الحكماء اإللھيون‪ .‬وال يراد باإلستحقاق للفيض أنّ ھذا الموجود يملك ح ّقا على ﷲ‪ ،‬بل‬
‫بمعنى أنّ عد َل ﷲ ھو عين الف ضل وال جود‪ ،‬و ھذا ما ح كاه أ مير ال مؤمنين عل يه ال سالم في ن ھج البال غة‪ ) :‬فالحقّ أو س ُع‬
‫األشياءِ في التواصفِ‪ ،‬وأضيقھا في التناصفِ‪ ،‬ال يجري ألح ٍد إال جرى عليه‪ ،‬وال يجري عليه إال جرى له‪ ،‬ولو كان ألح ٍد‬
‫أن يجري له وال يجري عليه لكان ذلك خالصا ً سبحانه دون خلقه‪ ،‬لقدرته ع لى ع باده ولعد له في كل ّ ما جرت عل يه‬
‫صروف قضائه‪ ،‬ولك ّنه جعل ح ّقه على العباد أن يطيعوه‪ ،‬وجعل جزاءھم عليه م ضاعفة ال ثواب تفضّ الً م نه وتو سعا ً ب ما‬
‫ھو من المزيد أھله(‪.12‬‬
‫‪145‬‬

‫والدليل على ثبوت صفة العدل بھذا المعنى‬
‫تعطي ك ّل موجو ٍد بحسب قابليته‪.‬‬

‫ّ‬
‫عز وجل‪ ،‬ھو أنّ الذات اإللھية خي ٌر وكما ٌل مط لق تع طي وال تم سك‪ ،‬لك ّن ھا‬

‫العدل من أصول الدين‪:‬‬
‫يعتبر العدل من أصول الدين عند الشيعة والمعتزلة‪ ،‬دون سائر الصفات اإللھ ية كالعلم وال قدرة واإلرادة‪ ...‬ألن ّ ه ال خالف‬
‫فيھا بين جميع الفرق اإلسالمية‪ ،‬وذلك ألنّ مسألة العدل اإللھي قد ا ستولت ع لى إھت مام عا مة ال ناس حتى ال قروي األم ّي‬
‫نزاع شدي ٍد ب ين ال شيعة والمعتز لة من ج ھة وب ين مخت لف ال مذاھب وال فرق اإل سالميّة من ج ھ ٍة‬
‫منھم‪ ،‬وأل ّنھا كانت مح ّل‬
‫ٍ‬
‫أخرى‪ ،‬بخالف سائر الصفات اإللھية التي لم‬
‫تستول على إھتمام عام ِة الناس‪ ،‬ولم يقع فيھا ذلك النزاع‪.‬‬
‫ِ‬
‫بين العدل والحكمة‪:‬‬
‫إن كان المقصود من العدل ھو إعطاء ك ّل مو جو ٍد ما ي ستح ّقه‪ ،‬فإنّ الحك م َة ت عني كون الن ظام ا لذي خ َلق َ ه ﷲ سبحانه ھو‬
‫نظام‬
‫أحسن وأفضل‬
‫ممكن‪ ،‬وھو ما يصطلح عليه بالنظام األصلح‪ ،13‬والدليل على حكمته كونه عادالً ومريداً‪.‬‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬

‫ت الفعل‪.‬‬
‫والفرق بين العدل والحكمة‪ :‬أنّ الحكم َة من صفا ِ‬
‫ت الذات‪ ،‬فيما العدل يعتبر من صفا ِ‬
‫‪146‬‬

‫ﺧﻼﺻﺔ اﻟﺪرس‬
‫‪1‬ـ العادل عند معظم الناس ھو من ال يضمر السوء لآلخرين‪ ،‬وال يتجاوز حقوقھم‪.‬‬
‫‪2‬ـ ال يمكننا أن نعثر على مصداق للظلم بھذا المعنى ّ‬
‫ف في الكون ھو تصرفٌ في ملكه‪.‬‬
‫بحق ﷲ‪ ،‬ألنّ أيّ تصرّ ٍ‬
‫كأساس للمعاد‪ ،‬كما يثبت العدل صفة‬
‫ف للنبوة‪ ،‬وبمفھومه الفلسفي‬
‫‪3‬ـ يذكر القرآن العدل بمفھومه االجتماعي كھد ٍ‬
‫ٍ‬
‫وينزھه عن الظلم‪.‬‬

‫تعا لى‬

‫‪4‬ـ ھناك إتجاھات متعدّدة في مسألة العدل‪:‬‬
‫أ‪ -‬إتجاه أھل الحديث الذين يتعبدون بصفة العدل لورودھا في تعاليم اإلسالم‪.‬‬
‫صي‬
‫ب‪ -‬األشاعرة الذين يقولون بأنّ العدل منتز ٌع من الفعل اإللھي‪ ،‬ففعل ﷲ ھو ال عدل‪ ،‬لذا لو عا قب المط َ‬
‫يع وأ ثاب العا َ‬
‫كان ذلك عدالً منه‪.‬‬
‫ج‪ -‬العدليّة من المعتزلة والشيعة الذين ذھبوا إلى إتصاف ﷲ بالعدل‪ ،‬أل ّنه حسنٌ ذاتا ً والظلم قبي ٌح ذاتا ً‪.‬‬
‫د‪ -‬الحكماء اإللھيون الذين يتب ّنون معنى أعمق للعدل‪ ،‬ويعتبرون أنّ الحسن والقبح ال مكان لھ ما في ساحة ال قدس اإللھي ّة‪،‬‬
‫ألنّ ھذه المعايير كلّھا معايي ٌر إنساني ٌّة‪.‬‬
‫‪5‬ـ ليس المراد من العدل اإللھي التناسب وال المساواة وال مراعاة الحقوق‪ ،‬بل ھو إفاضة الوجود والكمال بقدر القابليّات‪.‬‬

‫أﺳﺌﻠﺔ اﻟﺪرس‬
‫‪ -1‬ما ھي معاني العدل؟‬
‫‪ -2‬ما المقصود من العدل اإللھي؟‬
‫‪3‬ـ كيف فسّر أمير المؤمنين عليه السالم العدل؟‬
‫‪4‬ـ ما السرّ في إختالف الفرق اإلسالميّة فيه؟‬
‫‪5‬ـ ما الفرق بين العدل والحكمة؟‬

‫ﻫﻮاﻣﺶ‬
‫‪ -1‬التغابن‪.1 :‬‬
‫‪ -2‬ھود‪.123:‬‬
‫‪ -3‬الحديد‪.25:‬‬
‫‪ -4‬األنبياء‪.47:‬‬
‫‪ -5‬آل عمران‪.18:‬‬
‫‪ -6‬التوبة‪.70 :‬‬
‫ي نوع من أنواع التفكير والمنطق واالستدالل في ھذه األمور‪.‬‬
‫‪ -7‬وھم بشكل عام يؤمنون بالتعبّد والتسليم في أصول الدين وفروعه‪ ،‬ويخالفون أ ّ‬
‫‪ -8‬ولذلك عرفوا بالعدليّة‪.‬‬
‫‪ -9‬والتي سيأتي اإلشارة إليھا في ھذا البحث‪ ،‬واإلجابة عليھا بشكل مفصل في أبحاث الحقة‪.‬‬
‫‪ -10‬تفسير الصافي ج‪ 2‬ص ‪ 638‬في ذيل اآلية المذكورة‪.‬‬
‫‪ -11‬الرحمن‪.7 :‬‬

‫‪ -12‬نھج البالغة‪ ،‬الخطبة‪.214 ،‬‬
‫ي شيء فيه إما أن يكون خيراً بنفسه‪ ،‬وإما أن يكون وسيلة للوصول إلى الخير‪.‬‬
‫‪ -13‬وھو أن يكون للكون والوجود معنى وغاية‪ ،‬فأ ّ‬

‫اﻟﺪرس اﻟﻌﺎﺷﺮ‪ :‬اﻻﺧﺘﻼف واﻟﺘﺮﺟﻴﺢ‬
‫أھداف الدرس‬
‫‪ -1‬فھم شبھة اإلختالف والترجيح‪.‬‬
‫‪ -2‬القدرة على حل الشبھات الواردة حول العدل اإللھي بشكل عام‪.‬‬
‫‪ -3‬تمييز الفارق بين اإلختالف والترجيح‪.‬‬
‫‪ -4‬القدرة على رد شبھة اإلختالف والترجيح من خالل اآليات القرآنية بأسلوب فلسفي‪.‬‬
‫‪ -5‬إثبات أن المعجزة والدعاء ليسا خرقا ً لقانون العلية‪.‬‬
‫‪149‬‬

‫تمھيد‪:‬‬
‫بعدما انتھى الكالم عن معنى العدل والحكمة‪ ،‬يجدر التعرّض لل شبھات ا لتي أ ثيرت في ھذا الم جال‪ ،‬و قد طر حت بص َُور‬
‫متعدّدةٍ‪ ،‬وسوف نذكر الشبھة ونلحقھا اإلجابة عليھا تاركين بقية الشبھات إلى األبحاث اآلتية‪:‬‬
‫شبھة االختالف والترجيح‪:‬‬
‫لماذا ھذا الترجيح واإلختالف في العالم؟ لماذا تكون بشرة أحدنا بيضاء واآلخر سوداء؟! لماذا أحدنا قب ي ٌح واآل خر جم يلٌ؟!‬
‫لماذا أحدنا معافى واآلخر عليلٌ؟! فلماذا ال يكون الجميع متساوين؟ وإذا كان ال ب ّد من اإلخ تالف‪ ،‬فل ماذا ال يح صل الع كس‬
‫أبيض‪ ،‬والجميل قبيحا ً والقبيح جميالً؟‬
‫بأن يكون األبيض أسو َد واألسود‬
‫َ‬
‫تعتـبر الشـبھات المطروحـة حـول مسـألة ال عدل اإللھـي من أھـ ّم وأعقـد اإلشـكاالت الـتي شـغلت البشـرية بجميـع أديانھـا‬
‫وفلسفاتھا‪ ،‬وتجدر بنا اإلشارة إلى بعض المدارس والفلسفات الناجمة عن النظر في ھذه الشبھات‪.‬‬
‫‪151‬‬

‫كون إ لى قطب ين أسا سيّين‪ ،‬ال خير وال شر‪ ،‬ث ّم ج عل من نف سه المق ياس والم حور للت شخيص‪،1‬‬
‫لقد قسَّم اإلنسانُ م نذ ال قدم ال َ‬
‫فاعتبر أنّ النور والمطر والشمس واألرض مصاديق للخير‪ ،‬وأنّ القحط والسيول والزالزل واألمراض في قائمة الشر‪ ،‬ث ّم‬
‫بدأ بالتساؤل عن مبدأ الخير ومبدأ الشر‪ ،‬ھل ھو واح ٌد؟ أو أنّ لھما مبدأين مختلفين؟‬
‫ذھبت الثنوية إلى أنّ للكون مبدأين )خالقين(‪ ،‬إله للخير يخلق الخير دون الشر‪ ،‬وإله للشر ال يخلق إال الشر‪.‬‬
‫واعت قد اإليران يون ال قدامى بذلك‪ ،‬و سموا إ له ال خير‪ ) :‬يزدان( وإ له ال شر‪) :‬أ ھريمن(‪ ،‬إ لى أن ظ ھر زراد شت ب شريعة‬
‫المجوسيّة‪ ،‬التي يبدو من خالل اعتقاد بعض علماء المسلمين بأنّ الم‬
‫جوس من أ ھل الك تاب‪ ،2‬أن ھا عق يدة توحيدي ّة‪ .‬إال أنّ‬
‫َ‬
‫ھذه الشريعة لم تستطع أن تقاوم الثنويّة وتقلع الشرك من قلوب اإليرانيين القدامى‪ ،‬فتحوّ ل الزرادشتيون أنفسُھم إلى الثنو ية‬
‫ّ‬
‫يجتث جذور الثنوية والشرك من أفكارھم‪.‬‬
‫من جديدٍ‪ ،‬حتى جاء اإلسالم العظيم الذي استطاع أن يجعلھم موحّ دين‪ ،‬وأن‬
‫اإللھي‪:‬‬
‫حل ّ الشبھات المطروحة حول العدل‬
‫ّ‬
‫سوف ننھج في ح ّل الشبھة بذكر جوا ٍ‬
‫عام مشتركٍ عن جميع ال شبھات المطرو حة‪ ،3‬ثم نت عرّض ل ح ّل كل شبھة ب جواب‬
‫ب ٍ‬
‫خاص بھا‪.‬‬

‫‪152‬‬

‫الجواب العام على جميع الشبھات‪:‬‬
‫إنّ الجواب اإلجمالي المشترك عن كل الشبھات شائ ٌع عند أ ھل اإلي مان‪ ،‬ناب ٌع من إي مانھم‪ -‬من خالل األد لة القاط عة‪ -‬بأنّ‬
‫الخالق سبحانه وتعالى قاد ٌر علي ٌم حكي ٌم‪ ،‬وھو إذ ي ّتصف بھذه الصفات فال يُع قل وال يت صوّ ر في حق ّه الظ لم وال عدوان‪ ،‬ألنّ‬
‫الذي يبعث على الظلم أحد أمرين مستحيلين في ح ّقه تعالى وھما‪:‬‬
‫‪ -1‬إما عقدة نفسيّة وحبّ اإلعتداء‪ ،‬وھذا يرجع إلى الضعف النفسيّ ووجود أعداء‪.‬‬
‫‪ -2‬وإما حاجة معيّنة مھما كان نوعھا سواء كان سببھا الفقر‪ ،‬أم العجز‪.‬‬
‫حق ﷲ ّ‬
‫واألمران مستحيالن في ّ‬
‫عز وجل‪ ،‬أل ّنه الكمال المطلق فال يتصف بالضعف‪ ،‬وال غنيّ عن ال عالمين ال يت صوّ ر في‬
‫ح ّقه الحاجة‪.‬‬
‫والعالم بالنظام األصلح واألمثل قادر على إيجاد أفضل وأصلح نظام ممكن‪.‬وك ّل ما ھو شرّ محض وض ّد النظام األصلح ال‬
‫يخلقه ﷲ سبحانه‪ .‬وأمّا ما يحدث في الكون من ظواھر أو في حياة اإلنسان‪ ،‬سواء كان بإرادة اإلنسان أو دون إرادته‪ ،‬مم ّا‬
‫ال يم كن إي جاد تف سير له وتوجي ھه‪ ،‬فذلك ال يو جب ن سبة الظ لم إ لى ﷲ‪ ،‬بل ن قول إنّ لت لك األ شياء لو نا ً من الم صلحة‬
‫المجھولة بالنسبة لإلنسان‪ ،‬ولذا يطلق الناس عليھا اسم )سرّ القدر(‪ ،‬فھم يُرجعون ما ال يجدون تف سيراً له إ لى ق صور ف ھم‬
‫اإلنسان عن الوصول إلى أسرار الكون‪.‬‬
‫وعلى سبيل المثال لو ك ّنا نثق بشخص وبخبرته في إدارة األمور‪ ،‬وقد اتخذ ھذا الشخص قراراً أو قام بعمل ال نفھ مه أو ال‬
‫نعرف مغزاه‪ ،‬فإ ّننا ال نعتبر ذلك‬
‫‪153‬‬

‫ً‬
‫صلحة ما في‬
‫دليالً على عدم أھليّته وموجبا ً لفقدان الثقة به‪ ،‬لما لدينا من صور ٍة م سبق ٍة ع نه‪ ،‬بل ن قول إنّ ھ ناك سرّ اً وم‬
‫عمله نحن ال ندركھا‪.‬‬
‫نحوا ھذا المنحى في اإلجابة ع لى م سألة ال شرور‪ ،‬ألن ھم ك ما ذكر نا يتعب ّدون ب ما ورد في األخ بار وال‬
‫ولع ّل أھل الحديث َ‬
‫يبدون آراءھم‪.‬‬
‫تحليل البرھان‪:‬‬
‫ً‬
‫صبغة برھانية‪ ،‬وقالوا إ ّنه كال ٌم يعت مد ع لى التم سك بالعل ّة وكمال ھا ليث بت‬
‫وقد أضفى الفالسفة على ھذا االستدالل التعبدي‬
‫كمال المعلول‪ ،‬حيث نستدل بصفات الخالق وكماله على كمال ما خلق‪ .‬وھذا االستدالل ينطلق من العل ّة إ لى المع لول و من‬
‫ال سبب إ لى الم سبب‪ ،‬و ھو المعب ّر ع نه في الفل سفة ب ـ )البر ھان الل ميّ (‪ ،‬وب ھذا اال ستدالل من األع لى إ لى األ سفل تن ح ّل‬
‫المشكلة وتنمحي ك ّل األخطاء المتوھمة والشبھات المطروحة‪.‬‬
‫عبر ال كون‪ ،‬و كذلك أت باع‬
‫عبر النظام الكوني‪ ،‬ومن المعلول إلى العل ّة )البر ھان اإلن ّي(‪ ،‬و يرى ﷲ‬
‫َ‬
‫وأمّا َمن يسير إلى ﷲ َ‬
‫األسلوب الحسيّ في اإللھيات‪ ،‬ف سوف توج ِب ھذه اإل شكاالت المطرو حة واأل مور غير المفھو مة في ال كون تشوي شا ً في‬
‫الرؤية لديھم‪.‬‬
‫الجواب على شبھة الترجيحات‪:‬‬

‫أ ّما اإلشكال القائل‪ :‬لماذا ھذا الترجيح واإلختالف في العالم؟ لماذا تكون بشرة أحدنا بيضاء واآلخر سوداء؟ ل ماذا ال ي كون‬
‫الجميع متساوين؟ وإذا كان ال ب ّد من اإلختالف‪ ،‬فلماذا ال يحصل العكس؟ فالجواب عليه يت ّم من خالل الت عرّ ف إ لى ال فرق‬
‫بين كلمتي اإلختالف والترجيح‪:‬‬
‫‪154‬‬

‫بين االختالف والترجيح‪:‬‬
‫فاإلختالف‪ :‬ھو التفرقة بين األشياء غير المتساوية في اإلستحقاق‪.‬‬
‫والترجيح‪ :‬ھو التفرقة بين األشياء المتساوية في اإلستحقاق‪.‬‬
‫والمثال الذي يوضح الفرق بين األمرين ھو أننا لو أخذنا إناءين يسع ك ّل واح ٍد منھما عشرة ليترات‪ ،‬ومألنا أحدھما ع شرة‬
‫ليترات ما ًء واآلخر خمسة فھذا ھو الترجيح‪ ،‬ألنّ سعة ك ّل واحد منھ ما وا حدةٌ‪ ،‬أل ّن نا متى و ضعنا في األول ما ًء أز يد ف قد‬
‫رجحناه على الثاني‪ .‬وكذلك الحال في معلّم المدرسة إذا كان لديه تلميذان متفوقان فأعطى أ حدھما مكا فأ ًة دون اآل خر فإ نه‬
‫قد رجّحه عليه‪ .‬وأما لو كان لدينا إناءان يسع أحدھما عشرة ليترات واآلخر خمسة‪ ،‬ومألنا العشرة عشرة والخم سة خم سة‬
‫فھذا ھو اإلختالف‪ ،‬وال يوجد أي ترجيح فيه‪ ،‬ألنّ قابلية وإستعداد أحدھما غير قابلية وإستعداد اآلخر‪ ،‬وكذلك لو كا فأ مع لم‬
‫المدرسة المتفوّ َق دون الضعيف فھو لم يرجح بينھما‪.‬‬
‫ّ‬
‫وﷲ ّ‬
‫عز‬
‫عز وجل تصرّف مع الخلق على أساس إختالفھم فأعطى ك ّل واحد ما ي ستحقه‪ ،‬و لم يرجّ ح أ حداً ع لى أ ح ٍد‪ .‬فا‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫وجل لم يحرم أحدا من خلقه أمرا◌ً كان يستحقه وأعطاه لآلخرين‪ ،‬وإذا م نع إن سانا ما من ب عض الفيو ضات اإللھ ية فإن ما‬
‫ھو نتيجة عدم إستحقاقه وعدم قابليّته وإستعداده لھذه الرحمة‪.‬‬
‫الكوني‪:‬‬
‫تحليل النظام‬
‫ّ‬
‫إن الباحث في مجال الرد على ھذا اإلعتراض في مسألة العدل اإللھي يجد نفسه ال محا لة واق عا ً في أح ضان ب حث فل سفي‬
‫عميق مھما حاول اإلبتعاد عنه‪ ،‬ويرى عبارة عميقة للفالسفة )إنّ إختالف الموجودات ذاتيٌّ من ذاتيات ھا والز ٌم لن ظام العل ّة‬
‫والمعلول(‪ .‬وھذه العبارة تصلح جوابا ً لكنھا معقدة بحاجة إلى شرح‬
‫‪155‬‬

‫وتوضيح ضمن مقدمات ترتبط بتحليل النظام الكوني‪ ،‬واإلرادة اإللھية في بدا ية خل قة ال كون‪ ،‬وبالن ظام ا لذي اقت ضته ھذه‬
‫اإلرادة‪ ،‬وھل تعرّ ض القرآن الكريم لھذا النظام أم ال‪.‬‬
‫‪ -1‬اإلرادة اإللھية واحدة‪:‬‬
‫إن اإلرادة اإللھية لم تتعل ّق ب ك ّل مو جود ع لى حدة‪ ،‬ف لم تت عدّد إراد ته بت ع ّدد المو جودات‪ ،‬ف ھو سبحانه لم يخ لق المو جود‬
‫األول‪ ،‬ثم تعلّقت إرادته بالموجود الثاني فخلقه‪ ،‬ثم بالثالث وھكذا‪ ،‬وإنما الكون بأسره من بدايته إلى نھاي ته تعلّ قت به إرادة‬
‫ة َ‬
‫صـ ِر‪ ،﴾4‬وإراد ته لو جود‬
‫واحِـ َد ٌ‬
‫كلَ محٍ بالبَ َ‬
‫ـي ٍء َ‬
‫م ُر نا إِال َ‬
‫خلَقْن َ ا ُه بِق َ دَر َو َ‬
‫ل َ‬
‫مـا أَ ْ‬
‫إلھية بسيطة واحدة‪ ،‬قال ت عالى‪﴿ :‬إِن ﱠا ك ّ‬
‫ش ْ‬
‫األشياء عين إرادته لوجود نظامھا‪.‬‬
‫‪ -2‬النظام الطولي‪:‬‬

‫يو جد في ال كون ن ظا ٌم ي سمى بالن ظام الطو لي ب ين العل ّة والمع لول‪ ،‬أي إنّ إرادة ﷲ إقت ضت أن ت كون األ شياء رت ً‬
‫بة ب عد‬
‫أ خرى‪ ،‬وأن ت كون ك ُّل سابق ٍة عل ّ ًة لالح قةٍ‪ ،‬والترت يب ھ نا ل يس بح سب الز مان‪ -‬ألن الز مان أ حد المخلو قات‪ -‬بل ترت يب‬
‫ً‬
‫رتبة وأنّ وجود األولى ھو علّ ٌة لوجود الثانية‪.‬‬
‫األسبق‬
‫عز و جل له صد ُر قائ مة الو جود‪ ،‬والمالئ كة ھم المن فذون لألوا مر اإللھ ية‪ ،‬وب ين المالئ كة أي ضا ً تو جد سل ٌ‬
‫ّ‬
‫سلة من‬
‫فا‬
‫المراتب‪ ،‬فبعضٌ له مقام الرئاسة واألمر‪ ،‬وبعضٌ يع ّد من األعوان وآخر من األنصار كملك ال موت عزرائ يل عل يه ال سالم‬
‫وأعوانه المو ّكلين بقبض األرواح‪ ،‬ولك ٍّل منصب معيّن ووظيفة خاصة ﴿ َو َما ِم ﱠنا إِ ﱠال لَ ُه َمقَا ٌم َم ْعلُو ٌم‪.﴾5‬‬
‫‪156‬‬
‫ولذا ينسب القرآن الكريم تدبير الكون تار ًة إ لى ﷲ‪ ،‬قال ت عالى‪ُ ﴿ :‬يـ َدبِّ ُر ْ‬
‫السـ َما ِء إِلَـى ْاألَ ْرض‪ ،﴾6‬وأ خرى إ لى‬
‫ِـن‬
‫مـ َر م َ‬
‫األ َ ْ‬
‫ﱠ‬
‫المالئكة‪ ،‬قال تعالى‪َ ﴿ :‬فا ْل ُم َدبِّ َراتِ أَ ْمراً‪.﴾7‬‬

‫وعليه إذا كانت )الف( علّ ًة لـ )باء( فألجل خصوصي ٍة مو جود ٍة في ھا‪ ،‬ال أن ھا أ م ٌر إعت باريٌّ ‪ ،‬وال يم كن أن تنع كس الم سألة‬
‫بأن ت صبح ) باء( عل ّ ًة ل ـ)أ لف(‪ ،‬فو جود ك ّل رت ب ٍة ھو ع ين حقيقت ھا‪ ،‬ف لم يوك ّ ل م لك ال موت بق بض األرواح إعت باراً بل‬
‫ٌ‬
‫صية غير مو جود ٍة في غيره وھ كذا‪ ،‬ال يم كن أن ي قوم م لك‬
‫لخصو صي ٍة ف يه‪ ،‬ولقابل ية ع نده‪ ،‬و كذلك جبرائ يل ف يه خصو‬
‫بوظي فة اآل خر‪ ،‬وال أن ي ح ّل أ ح ٌد م كان اآل خر‪ .‬واإلن سان أل نه ال يدرك الخ صائص الذات ية لأل شياء وال ي عرف مراتب ھا‬
‫الوجودية وال عالقتھا الواقعية في ما بينھا‪ ،‬يسأل لماذا ال يكون اإلنسان بدل الحيوان أو العكس؟ وليس ھذا إال قياسا ً للنظام‬
‫الذاتي للعالم ع لى الن ظام اإلعت باري الجع لي لإلن سان‪ ،‬وبتع بير آ خر إنّ ھذه األ سئلة تن شأ من ق ياس الح قائق الذات ية ع لى‬
‫اإلعتبارية اإلجتماعية‪.8‬‬
‫‪ -3‬النظام العرضي‪:‬‬
‫يوجد في الكون نظا ٌم آخر و ھو الن ظام العر ضي‪ ،‬و ھو ي عني أنّ و جود أيّ ظاھر ٍة معي ن ٍة خا ض ٌع لمجمو ع ٍة من ال شروط‬
‫ً‬
‫ومستقلة عن بقيّة الحوادث‪ .‬والحكمة اإللھية إنمّا تظھر إذا نظر اإلنسان إلى األشياء مع‬
‫المادية‪ ،9‬وليست ھي منفرد ًة‬
‫‪157‬‬

‫ً‬
‫ومستقلة‪.‬‬
‫ما ترتبط به‪ ،‬ال إذا ما نظر إليھا منفرد ًة‬
‫مريض‪ ،‬ف سوف لن ن جد‪ -‬ألول وھ ل ٍة‪ -‬أي ارت باط ب ين‬
‫فلو نظرنا إلى ر ّفاء ير فو سجاّد ًة‪ ،‬ث ّم الحظ نا طبي با ً ي عالج حروق‬
‫ٍ‬
‫ھذين العملين‪ ،‬ولكننا لو فحصنا جيداً لوجدنا م ثالً أنّ حري قا ً كان ال سبب في إ حراق ال سجادة وال مريض م عاً‪ ،‬فعملھ ما إذاً‬
‫منبعث من مصدر واحد‪ .‬والن ظرة الدقي قة إ لى ال كون تق نع ال مرء بأن الن ظام العر ضي ھو الم سيطر في ال كون‪ ،‬ألن كل‬
‫الحوادث تعود إلى عل ّة أسا سية‪ ،‬ولم ّا كا نت ال ضرورة حاك مة ب ين الع لة والمع لول ال ب ّد أن ت كون ال ضرورة حاك مة ب ين‬
‫جميع الحوادث‪ ،‬وھذا اإلرتباط الضروري العام نشأ من أصول أربعة‪:‬‬
‫أ‪ -‬إنّ قانون العليّة والمعلولية ھو الحاكم‪ ،‬والدليل عليه البداھة‪ ،‬وھو األساس لك ّل العلوم‪.‬‬
‫ب‪ -‬وھذا القانون ضروري‪ ،‬فإذا و جد المع لول فال ي عني أن الع لة مو جودةٌ ف قط‪ ،‬بل إن ما اكت سب المع لول ضرورته من‬
‫ناحية وجود العلة‪ ،‬فوجود العلة ضروري‪.‬‬
‫ج‪ -‬وال ب ّد من وجود تناسب وإنسجام تام )سنخية( بين العلّة والمعلول‪ ،‬فال يصدر المعلول من أيّ عل ّةٍ‪ ،‬وال أيّ عل ّ ٍة يم كن‬
‫أن يصدر منھا أيّ معلول‪ ،‬وإال لصدر أيّ شي ٍء من أيّ شيء‪.‬‬

‫د‪ -‬ال ب ّد أن ينتھي الكون إلى علّة العلل‪ ،‬وھذا ھو أصل التوحيد في مبدأ الوجود‪.‬‬
‫ومن األصول الثالثة األولى نصل إ لى أنّ في ال كون نظا ما ً قطع يا ً وال يق بل الت بديل‪ ،‬وب ض ّم األ صل الرا بع ن ستنتج أ نه ال‬
‫ٌ‬
‫مرتبطة بشكل يقيني في ما بينھا‪.‬‬
‫يمكن أن نفصل أيّ ظاھرة تجري في الكون عن سائر الظواھر المحيطة بھا‪ ،‬بل جميعھا‬
‫‪158‬‬

‫نظام الكون في القرآن‪:‬‬
‫إنّ ما يُطلق عليه في الفلسفة إسم )نظام الكون( و )قانون األسباب( يتحدث ال قرآن ال كريم ع نه ويط لق عل يه إ سم س ّنة ﷲ‪،‬‬
‫ٌ‬
‫ن َ‬
‫س ﱠن َ‬
‫وھي‬
‫ِس ﱠن ِة ﷲ تَ ْبدِيال ً‪.﴾10‬‬
‫ن تَجِ َ‬
‫خلَ ْوا ِ‬
‫ِين َ‬
‫ة ﷲ فِي الﱠذ َ‬
‫ل َولَ ْ‬
‫م ْ‬
‫ق ْب ُ‬
‫ثابتة ال تتب ّدل‪ ،‬قال تعالى‪ُ ﴿ :‬‬
‫دل ُ‬
‫ومثال ال ُس َنن اإللھية التي ال تتب ّدل قوله تعالى‪:‬‬
‫وأن يبدأ بنفس اإلنسان‪.‬‬

‫﴿إِنﱠ‬

‫ما بِ َ‬
‫ح ﱠتى ُيغ َِي ّ ُروا َمـا بِأَ ْنفُس ِ ِھ ْم‪ ،﴾11‬فأيّ تغ يير ال ب ّد‬
‫ﷲ ال ُيغ َِي ّ ُر َ‬
‫م َ‬
‫ق ْو ٍ‬

‫و َ‬
‫ِـدنﱠ فِـي‬
‫ل فِـي ا ْل ِ‬
‫ك َتـا ِ‬
‫قضَـ ْي َنا إِلَـى بَن ِي إِسْ رائي َ‬
‫ومن السنن اإللھية كون الفساد مقدّمة للھزيمة‪ ،‬قال ت عالى‪َ ﴿ :‬‬
‫ب لَ ُت ْفس ُ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫كبِيراً َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫فإِ َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ع ُلوّاً َ‬
‫ما بَ َ‬
‫ل‬
‫ُم ِ‬
‫ُن ُ‬
‫شـ ِ‬
‫دي ٍ‬
‫وعْ ُد ُأوالھُ َ‬
‫ذا َ‬
‫األَ ْرضِ َ‬
‫دف َ‬
‫عبَادا ل َنـا أولِـي ب َأسٍ َ‬
‫جا َء َ‬
‫جاس ُ وا خِـال َ‬
‫ن َولَ َت ْعل ﱠ‬
‫ع ْث َنا عَ ل ْيك ْ‬
‫م ﱠرتَ ْي ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُم ا ْل َ‬
‫ج َ‬
‫م‬
‫م َر َ‬
‫م ْف ُ‬
‫وا ٍ‬
‫وعْ دا َ‬
‫ديَارِ َوكَانَ َ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫ال ِّ‬
‫ح َ‬
‫ين َو َ‬
‫ل َوبَنِ َ‬
‫ُم بِأ ْ‬
‫م َد ْدنَاك ْ‬
‫وأ ْ‬
‫ُم أ ْكثَـ َر نَف ِ يرا إِنْ أ ْ‬
‫ھ ْ‬
‫سـ ْن ُت ْ‬
‫ع ْل َنـاك ْ‬
‫عوال ث ّ‬
‫د ْدنَا لك ُ‬
‫ك ﱠرة عَ ل ْي ِ‬
‫ھا َ‬
‫م َ‬
‫جو َ‬
‫فإِ َ‬
‫جا َء َوعْ ُد ْ‬
‫سـجِ َد َ‬
‫ل‬
‫مـا َ‬
‫اآل ِ‬
‫ُم َولِيَ ْ‬
‫م َألَ ْن ُف ِ‬
‫فلَ َ‬
‫خلُوا ا ْل َ‬
‫ذا َ‬
‫ُم َوإِنْ أَ َ‬
‫و َ‬
‫ك َ‬
‫د َ‬
‫ح َ‬
‫أَ ْ‬
‫س ْأ ُت ْ‬
‫س ْن ُت ْ‬
‫خلُـو ُه أَ ﱠ‬
‫م ْ‬
‫ھك ْ‬
‫سك ْ‬
‫ـد ُ‬
‫سو ُءوا ُو ُ‬
‫خ َر ِة لِيَ ُ‬
‫ً‪12‬‬
‫َم ﱠر ٍة َول ُِي َت ِبّ ُروا َما عَ لَ ْوا تَ ْت ِبيرا ﴾‪.‬‬

‫نتيجة المقدّمات‪:‬‬
‫شكل‬
‫إذاً‪ ،‬إن القانون الحاكم في ھذا الكون ھو ن ظام العل ية‪ .‬ول يس ل ھذا الن ظام و جو ٌد م ستق ٌّل و لم تتع لق به عمل ية الخ لق ب ٍ‬
‫منفصل في الخارج‪ ،‬وإنما ھو مفھو ٌم كليٌّ ينتزعه الذھن من وجود األ شياء في ال خارج‪ ،‬ح يث ي جد ن ظام العل ّة والمع لول‪.‬‬
‫ٍ‬
‫وليس القانون أمراً إعتباريا ً يخترعه اإلنسان‪ ،‬ولذا فھو ال يقبل التغيير وال الت بديل‪ ،‬و كذلك ال يق بل قانون ال كون اإل ستثناء‬
‫وال خرق القانون‪ ،‬ألن ك ّل موجود له درجته ورتبته‪ ،‬وال يمكن أن تتخلّى ٌ‬
‫علة عن موقعھا لعلّ ٍة أخرى‪ .‬وأيّ‬
‫‪159‬‬

‫أ ّما المعجزة‪:‬‬
‫فقد يتصور اإلنسان أن في بعض األشياء خرقا ً للقانون ولنظام العلة والمعلول وما ذلك إال نتي جة جھ له بالقوانين الحاك مة‪،‬‬
‫فمثالً قد يعتبر اإلنسان المعجزة خرقا ً للقانون‪ ،‬مع أنھا ليست كذلك‪ ،‬بل ھي ضمن ال قانون وتحكم ھا قوانين ال كون‪ .‬ول كن‬
‫ذ لك ضمن شروط و ظروف جد يدة ال نح يط ب ھا ن حن‪ .‬وبف ضل إت صال روح ال نبي ال طاھر ب قدرة ﷲ الالمتناھ ية تد خل‬
‫عوامل أخرى وتتغير الظروف والشروط وتحصل المعجزة‪ .‬فمثالً والدة النبي عيسى عليه السالم ال تع ّد خرقا ً للقانون‪ ،‬بل‬
‫نحن نتصور أنّ الموجود الحيّ يأتي دائما ً من أب وأم‪ .‬ولكن ھذا ما يظھر لنا ھو قشرة القانون وال س ّنة اإللھ ية‪ ،‬ول يس ھو‬
‫حقيقة القانون الواقع الموجود‪ .‬و ما يعر فه اإلن سان من قوانين لل كون ھل ھي وا قع ال قانون أم ق شور ال قانون؟ فالق شر قد‬
‫يتخلّف‪ ،‬بينما واقع القانون ال يمكن أن يتخلّف أبداً‪.‬‬
‫أ ّما الدعاء‪:‬‬
‫ّ‬
‫الحث على الدعاء والصدقة وأن ّ ه بھ ما ي ُدفع ال بالء‪،‬‬
‫ومثل ذلك يقال في الدعاء والصدقة‪ .‬فقد ورد في العديد من النصوص‬
‫ئل إ لى حائطٍ آ خر‪،‬‬
‫ما‬
‫حائطٍ‬
‫ند‬
‫ع‬
‫من‬
‫ل‬
‫ع‬
‫سالم‬
‫ال‬
‫يه‬
‫كما ورد في رواية عن األصبغ بن نباتة‪ ،‬قال‪ :‬إنّ أمير ال مؤمنين عل‬
‫دَ‬
‫َ‬
‫ٍ‬
‫فقيل له‪ ،‬يا أمير المؤمنين أتفرّ من قضاء ﷲ؟ فقال‪ :‬أفرّ من قضاء ﷲ إلى‬

‫‪160‬‬

‫قدر ﷲ ّ‬
‫عز وجل‪ .13‬والمستفاد من الرواية أنّ اإلنسان إذا عرّ ض نفسه للخطر وت ضرر من ذ لك ف ھذا قانون ﷲ وق ضاؤه‪،‬‬
‫ـث ال‬
‫مخْ َرجـاً َ‬
‫ِـن َ‬
‫وإذا فرّ من الخطر ونجا‪ ،‬فذلك أيضا ً من قانون ﷲ وت قديره‪َ ...﴿ ،‬‬
‫ويَ ْر ُز ْق ُ‬
‫ه َ‬
‫َل لَ ُ‬
‫و َ‬
‫جع ْ‬
‫م ْ‬
‫ـه م ْ‬
‫ق ﷲ يَ ْ‬
‫ح ْي ُ‬
‫ن يَ ﱠت ِ‬
‫ً‪14‬‬
‫علَى ﷲ َ‬
‫ر ِه َ‬
‫ج َ‬
‫ه إِنﱠ ﷲ بَالِ ُ‬
‫ﱠل َ‬
‫ي ٍء َقدْ را ﴾‪.‬‬
‫ل ﷲ لِ ُ‬
‫ع َ‬
‫ف ُھ َ‬
‫ن يَ َت َ‬
‫ل َ‬
‫قدْ َ‬
‫غ أَ ْ‬
‫س ُب ُ‬
‫و َ‬
‫ِب َو َ‬
‫وك ْ‬
‫ح ْ‬
‫م ْ‬
‫يَ ْ‬
‫ك ِّ‬
‫ح َتس ُ‬
‫م ِ‬
‫ش ْ‬
‫النتيجة‪:‬‬
‫شخص ما يستحقه‪ ،‬وحيث كان ال كون‬
‫إنّ ما نصل إليه كنتيج ٍة لما تق ّدم‪ ،‬ھو أنّ اإلختالف ليس ھو الترجيح أل ّنه إعطاء ك ّل‬
‫ٍ‬
‫يُدار بسلسل ٍة من األنظمة والقوانين التي ال تتغيّر‪ ،‬وھذا النظام الواحد يقتضي تعدد مراتب الو جود و ھو ال سبب في ظ ھور‬
‫اإلختالفات والنقص والعدم‪ ،‬وھذه اإلختالفات ليست مخلوقة بل ھي من اللوازم الذاتية للمخلوقات‪ ،‬ولذا ال يص ّح أن نن سب‬
‫شرور وترجيحات إلى ﷲ‪ ،‬بل ھو من خصوصيات وذاتيات ھذا الكون‪ .‬ولو أرد نا أن‬
‫ما يوجد في ھذا الكون مما نراه من‬
‫ٍ‬
‫شرور وترجيحات النتفى النظام الكوني من األساس‪.‬‬
‫نرفع ھذه األشياء من‬
‫ٍ‬
‫‪161‬‬

‫ﺧﻼﺻﺔ اﻟﺪرس‬
‫‪1‬ـ من اآلثار المترتبة على عدم ح ّل ال شبھات الم ثارة حول م سألة ال عدل‪ ،‬ف كرة الثنوي ّة واإلي مان بإ له ال خير وإ له ال شر‪،‬‬
‫والتشاؤم في الحياة لدى أتباع الفلسفة الماديّة‪.‬‬
‫‪ -2‬الجواب المشترك والعام على اإلشكاليات المثارة حول مسألة العدل اإللھي ھو‪ :‬إنّ ﷲ لما كان علي ما ً حكي ما ً غن ياً‪ ،‬ف ما‬
‫خلقه من الكون ھو النظام األفضل واألكمل‪ .‬وعليه فاإليمان بھذا الخالق بھذه الصفات يح ّل لنا المشكلة‪ ،‬ألنّ ك ّل ما في ھذا‬
‫الكون إنمّا ھو لمصلحة‪ ،‬وإن كانت مجھولة بالنسبة لنا‪.‬‬
‫‪ -3‬إنّ الجواب الصحيح حول مسألة الترجيحات الموجودة في ھذا الكون ھو بالتفرقة بين ا لترجيح واإلخ تالف‪ .‬والمو جود‬
‫في ھذا ال كون إنم ّا ھو اإلخ تالف‪ ،‬و ھو ع بارةٌ عن إع طاء ك ّل مو جود ما ي ستحقه ال اإلع طاء بالت ساوي‪ ،‬وأ ما اإلع طاء‬
‫بحسب السعة والقابلية فھو عين العدل‪.‬‬
‫‪ -4‬إذا جاء السؤال بأ ّنه لماذا خلق ﷲ األشياء مختلفة من حيث اإلستعداد ولماذا لم تكن متساوية في القابليات من األ ساس؟‬
‫كان الجواب إنّ االختالف من ذاتيات النظام الحاكم في الكون‪ .‬ووجود ك ّل شيء محكوم لمجموعة من ال شروط واأل سباب‬
‫التي لو تبدّلت لكان ذلك الشيء غيره ال نفسه‪.‬‬
‫‪ -5‬قد يتصوّ ر اإلنسان في الكون بعض األشياء المخالفة للقانون‪ ،‬وذ لك نتي جة جھ له و عدم معرف ته بوا قع ال سنن الحاك مة‪،‬‬
‫ومن ذلك المعجزة وخرق العادة والدعاء‪ ،‬مع أنھا كلھا طبق النظام الكوني العام الذي ال يتبدل وال يخرق وال ي جري عل يه‬
‫اإل ستثناء‪ ،‬وإن ما ت تدخل قدرة ﷲ الالمتناھ ية بتغ يير ال ظروف وال شروط المحي طة ا لتي ال يدركھا اإلن سان‪ ،‬إال أن ھا كل ھا‬
‫بقضاء ﷲ وقدره‪.‬‬

‫أﺳﺌﻠﺔ اﻟﺪرس‬
‫‪ -1‬كيف نشأت الفلسفة الثنوية؟‬
‫‪ -2‬ما معنى المصلحة في ّ‬
‫حق ﷲ تعالى؟‬
‫‪ -3‬ما الفرق بين اإلختالف والترجيح؟‬
‫‪ -4‬ما ھو الجواب العام على الشبھات في العدل اإللھي؟‬

‫‪ -5‬لماذا لم يخلق ﷲ القابليات على ح ّد سواء؟‬

‫ﻫﻮاﻣﺶ‬
‫‪-1‬‬
‫‪-2‬‬
‫‪-3‬‬
‫‪-4‬‬

‫ل ما يؤذي اإلنسان فھو شرّ‪ ،‬وما يفرحه وينفعه يعتبره خيراً‪.‬‬
‫بمعنى أ ّ‬
‫نك ّ‬
‫دة أقسام‪ :‬التكاليف الدينية‪ ،‬األناشيد‪ ،‬القوانين ضد األشرار‪ ،‬واألدعية الخاصة‪.‬‬
‫األوستا كتاب زرادشت المقدس‪ ،‬يحتوي على ع ّ‬
‫وقد ذكرنا شبھة واحدة وسوف نتعرض في األبحاث التالية للشبھات األخرى‪ ،‬ويكون ھذا الجواب العام صالحاً للرد عليھا جميعاً‪.‬‬
‫القمر‪.50 ،49:‬‬

‫‪ -5‬الصافات‪.164 :‬‬
‫‪ -6‬السجدة‪.5 :‬‬
‫‪ -7‬النازعـات‪.5 :‬‬
‫‪ -8‬ففي عالم اإلعتبار يرى أنه ال مانع من أن يصبح الرئيس مرؤوساً والمرؤوس رئيساً‪ ،‬بينما في عالم الذاتيات ال بد من تقدم الرئيس مثال ً علـى المــرؤوس لخصو صية‬
‫في الرئيس جعلته رئيساً مق ﱠدماً‪ ،‬ولو تغيّرت لما كان كذلك‪.‬‬
‫ن ھذه العِلـل ال توجـد المعلــول وإنمـا تشــكل األرضــية وال شروط‬
‫‪ -9‬العلل المادية والزمانية مثل عليّة األب واألم للولد‪ ،‬فھما بنظر الفالسفة عِلل إعدادية ال إيجادية‪ ،‬أل ّ‬
‫اإلمكانية للوجود من قِبل الفاعل اإليجادي‪ ،‬ولذلك قد يطلق عليھا العِلل العرضية بخالف العِلل اإليجادية الفاعلية‪ ،‬فلكونھـا أعلـى رت بة ومحيطـة ومســلطة ع لى ھـذا‬
‫العالم تسمى بالعلل الطولية‪.‬‬
‫‪ -10‬األحزاب‪62:‬‬
‫‪ -11‬الرعد‪.11:‬‬
‫‪ -12‬االسراء‪.8 -4 :‬‬
‫‪ -13‬التوحيد للصدوق ‪.369/‬‬
‫‪ -14‬الطالق‪ 2 :‬و‪.3‬‬

‫اﻟﺪرس اﻟﺤﺎدي ﻋﺸﺮ‪ :‬ﺷﺒﻬﺔ اﻟﺸﺮور‬
‫أھداف الدرس‬
‫‪ -1‬إكتساب القدرة على إثبات عدمية الشرور‪.‬‬
‫ً‬
‫‪ -2‬القدرة على اإلجابة على عدم خرق المسماة شرورا لمسألة العدل‪.‬‬
‫‪ -3‬القدرة على شرح أن الشرور نسبية‪.‬‬
‫‪ -4‬تعليل سبب خلق ﷲ لبعض اآلفات‪.‬‬
‫‪ -5‬إثبات بعض فوائد المصائب‪.‬‬
‫‪165‬‬

‫تمھيد‪:‬‬
‫تقدّم في البحث السابق تقسيم البحث إلى محورين‪ ،‬وقد ذكرنا الجواب ع لى الم حور األول و ھو الترجي حات المو جودة في‬
‫العالم‪ ،‬ووصل الدور للحديث عن المحور الثاني‪:‬‬
‫لماذا الشرور في ال َعالم؟‬
‫لماذا وجدت اآلفات والبال يا والم صائب؟ ل ماذا ال شيطان واأل مراض وال سيول وا لزالزل‪...‬؟ إنّ ھذه األ مور تج عل و جود‬
‫اإلنسان مقرونا ً بالعذاب والمعاناة‪ ،‬حيث تعترضه في منتصف الطريق‪ ،‬وتذھب به إلى دار الفناء‪ ،‬فلماذا وُ جدت؟‬
‫ل قد أدّت ال حيرة حول م سألة ال شرور بب عض ال ناس إ لى ال قول بالثنو ية‪ ،1‬ح يث الح ظوا أنّ في ال كون خيراً و شراً‪ ،‬وأنّ‬
‫الشرور من اآلالم والمآسي ال تنف ّ‬
‫ك تحدث في ال كون‪ ،‬وال يم كن ن سبتھا إ لى اإل له ال جامع لل صفات الكمال ية‪ ،‬اإل له الم حبّ‬
‫ً‬
‫لخلقه والذي ال يريد لھم إال الخير والسعادة‪ .‬ولم يجد ھؤالء مفرّ ا إال‬
‫‪167‬‬

‫القول بوجود مبدأين للوجود‪ ،‬أحدھما تصدر منه الموجودات الخيّرة‪ ،‬واآل خر ت صدر م نه ال شرور‪.‬و ھؤالء ع ندما ع جزوا‬
‫عن ح ّل مشكلة الشرور حاولوا تبر ئة ﷲ من ال شرّ ف قالوا بو جود شريك له‪ ،‬وأل قوا ع لى ھذا ال شريك م سؤولية ك ّل شرّ‬
‫موجو ٍد في ھذا العالم‪.‬‬
‫فما ھي حقيقة الشرور‬
‫اإللھي؟‬
‫وھل تتنافى مع العدل‬
‫ّ‬
‫ونستعرض في المقام األجوبة المذكورة حول مسألة الشرور في ھذا العالم‪.‬‬
‫الشرور أمور عدم ّية ال وجود ّية‪:‬‬
‫ت واقع ي ٍة أ صيل ٍة حتى تح تاج‬
‫إنّ الجواب األول عن مسألة الشرور يكمن في فھم حقيقة الشرور‪ ،‬فال شرور لي ست مو جودا ٍ‬
‫خالق ومبدأ‬
‫إلى‬
‫مستقل‪ -‬كما ذھب الثنويّة‪ -‬بل الشرور أمو ٌر عدميّة‪.‬‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫وھذا الجواب قد َيشعر البعض بأ ّنه شديد الغرابة وال يمكن تصوّ ره‪ ،‬إذ كيف يمكننا أن ننكر أمراً بديھياً‪ ،‬ح يث إنّ ال شرور‬
‫موجودةٌ نحسّ بھا ونشعر بھا ونعاني منھا‪ ،‬فكيف يقال إنھا أمور عدميّة؟!‬

‫ً‬
‫إال أنّ ھذه الغرابة سوف تزول عندما يتبيّن أنّ إلتزامنا بكونھا أموراً‬
‫عدمية ال يعني أبداً إنكارھا‪ ،‬وإ ّنما قمنا بتحليلھا وبيان‬
‫حقيقتھا بعد التسليم بھا‪ .‬وسي ّتضح المراد من األمور العدمية في تفصيل الجواب‪.‬‬
‫تفصيل الجواب‪:‬‬
‫إنّ الشرور الموجودة ترجع إلى أحد نوعين‪:‬‬
‫‪ -1‬إ ّما أن تكون بنفسھا عدما ً ونقصا ً وفراغا ً‪ :‬حيث إنّ ھناك أنواعا ً من‬
‫‪168‬‬

‫الشرور ترجع بذاتھا إلى كونھا عدما ً ونقصاً‪ ،‬فالعمى‪ -‬مثالً‪ -‬ليس أمراً وجود ّيا ً بل ھو عدم البصر‪ ،‬والفقر عبارة عن عدم‬
‫تملّك المال ال أنّ الفقر شيء موجود‪ ،‬والجھل كذلك ھو عدم الع لم‪ ،‬و لذا فاإلن سان ع ندما يتعل ّم يك سب أ شياء ال أ نه يخ سر‬
‫شيئا ً كان موجوداً لديه إسمه الجھل‪.‬‬
‫سبب والمن شأ‬
‫‪ -2‬وإمّا أن ت كون أ موراً مو جودة ت سبِّب ال عدم والن قص وال فراغ‪ :‬و ھذا ال نوع نع تبره من ال شرور لكو نه ال َ‬
‫للعدم‪ ،‬كالزواحف السامة والمكروبات والسيول واآلفات‪ ،‬ف ھذه األ شياء لي ست شراً بنف سھا وإ ّن ما ن سميھا شرّ اً أل ّن ھا تؤ ّدي‬
‫إليه‪ ،‬فالحيوان المفترس إ ّنما يكون شراً إذا أ ّدى إلى سلب الحياة من مخ لوق آ خر‪ ،‬و لوال ذ لك لم نط لق عل يه أ نه شرّ ‪ ،‬بل‬
‫لعلّنا ُنعجب بجماله أو نستفيد منه بعض الفوائد الحياتية المھمّة فنراه خيراً لنا‪.‬‬
‫الجواب على النوع األول‪:‬‬
‫إن النوع األول غالبا ً ما ي كون ھو المن شأ لأل مور ا لواردة في ال نوع ال ثاني من ال شرور‪ ،‬فالفقر والج ھل ھ ما ال سبب في‬
‫األمراض والحروب والمكروبات وغيرھا‪ ،‬و متى تمك ّ ن اإلن سان من محار بة ال نوع األول من ھا أمك نه ن في ال نوع ال ثاني‪،‬‬
‫فاإلنسان عندما تطوّ رت خبراته في الحياة تم ّكن من محاربة الكثير من األ مراض‪ ،‬وع ندما إنت فت ع نه صفة الج ھل إنت فى‬
‫عنه المرض الذي كان يجھل سببه‪ .‬وما زال اإلنسان يسعى حثيثا ً لكي يعالج جميع األ مراض المو جودة في ال كون‪ ،‬ولك نه‬
‫نتيجة جھله بأسباب تولّدھا أو بطرق عالجھا تبقى ھذه األمراض في دائرة الشرور وينسبھا إلى ﷲ‪.‬‬
‫نوع واح ٍد فقط وھو ال خير‪ ،‬وأ ما ال شرور ف ھي أ عدام‬
‫وبھذا يتضح الجواب عن المشكلة وھي أ ّنه ال يوجد في الكون سوى ٍ‬
‫لم تخلق‪ ،‬وبالتالي فال تحتاج إلى خالق فال يصل األمر إلى اإليمان بوجود خالقين كما ذھبت إليه الثنوية‪.‬‬
‫‪169‬‬

‫والوجود والعدم ھما كالشمس والظلّ‪ ،‬فعندما نضع شيئا ً في الشمس فالقسم الذي يبقى مظلما ً ومحروما ً من ال شمس ي قال له‬
‫الظلّ‪ ،‬فما ھو الظلّ؟ إنّ ال ظ ّل ھو الظل مة و ھو عدم ال نور‪ ،‬وع ندما ن قول إنّ ال نور قد شعّ من ال شمس فإ نه ال ي ص ّح أن‬
‫ً‬
‫مجعولة بالذات وإن ما‬
‫نسأل‪ :‬ومن أين تشعّ الظلمة وما ھو مبدؤھا؟ وھذا ما يقصده الحكماء من قولھم‪) :‬إنّ الشرور ليست‬
‫ٌ‬
‫بالعرض(‪.‬‬
‫مجعولة‬
‫ھي‬
‫َ‬
‫الجواب على النوع الثاني‪:‬‬
‫إنّ الصفات التي نصف بھا األشياء على نوعين‪:‬‬
‫‪1‬ـ الصفات الحقيقية‪ :‬و ھي ال صفات ا لتي َتثب ُ‬
‫ُت لل شيء بق طع الن ظر عن أيّ شي ٍء آ خر‪ ،‬ك صفة الح ياة ا لتي ي ّت صف ب ھا‬

‫الموجود بغض النظر عن مالحظة أيّ شي ٍء آ خر‪ ،‬و كذلك الب ياض وال سواد‪ ،2‬ف ھي تع تبر من ال صفات الحقيق ية‪ ،‬فال شيء‬
‫األبيض مثالً مع غضّ النظر عن قياسه بأيّ شي ٍء آخر ھو أبيض‪.‬‬
‫‪2‬ـ الصفات اإلضافية )النسبية(‪ :‬وھي الصفة التي ال ب ّد لتصوّ رھا من تصوّ ر شي ٍء آخر معھا‪ ،‬م ثل ال صغر وال كبر‪ ،‬فإ ّن نا‬
‫إذا قلنا إنّ الشيء الفالني صغير فال بد أن نالحظه بالنسبة لشي ٍء آخر أكبر منه‪.‬‬
‫قانون آ خر ال يؤمّن م صلحة‬
‫وھكذا عندما نقول إنّ القانون الفالني ھو أفضل أو أحسن‪ ،‬فإن ذلك ي كون ع ندما نقي سه إ لى‬
‫ٍ‬
‫اإلنسان كالقانون األول‪.‬‬
‫فالفارق بين ھذين النوعين من الصفات كالفارق بين قولك فالن كريم وفالن أ كرم‪ ،‬فإن ّك ع ندما ت صفه ب صفة أ نه كريم لم‬
‫تالحظ معه أحداً آخر‪ ،‬وأمّا عندما تقول فالنٌ أكرم فإنّ مرادك ال ب ّد وأن يكون أنه أكرم بالقياس إلى غيره‪.‬‬
‫‪170‬‬

‫وھذه أشيا ٌء إعتباريّة ألنّ وجودھا بھذه الصفة جاء تابعا ً لوجودھا الحقيقي‪ ،‬فا منح الوجود لھذه األشياء بذاتھا و لزم من ھا‬
‫ھذه الصفات‪ ،‬وھذه الصفات لم تخلق إبتدا ًء‪ .‬إنّ ھذه الصفات نشأت من مقايسة اإلنسان المخلوقات مع بعضھا البعض وإال‬
‫لو نظر اإلنسان إلى ھذه األشياء مجرّ دة عن غيرھا فلن يأتي إلى ذھنه السؤال عن المفاضلة بينھا وبين غيرھا‪.‬‬
‫و متى أو ضحنا ھذين اإل صطالحين ن سأل‪ :‬ھل ال شرور قبي ٌ‬
‫حة ذا تا ً أو أنّ قبح ھا ن سبيٌّ ؟ وبتع بير آ خر ھل ال شرور من‬
‫الصفات الحقيقية أو من الصفات اإل ضافية؟ ف ھل يت صف ال شيء بأ نه شرّ إذا لوحظ من فرداً أي ضا ً أو أن ھذه ال صفة تن شأ‬
‫نتيجة مقارنته بغيره؟‪.‬‬
‫ٌ‬
‫ً‬
‫وجودية تسبّب أموراً‬
‫ك بأنّ ھذه األ شياء‬
‫فالشرور التي ھي أمو ٌر‬
‫عدمية‪ ،‬كالسيول وا لزالزل والحيوا نات المفتر سة‪ .‬ال ش ّ‬
‫ً‬
‫إنما تكون صفة الشر فيھا من الصفات النسبية‪ ،‬فھي شر إذا قيست إلى أشياء أخرى‪ ،‬فمثال س ّم الح ية ھو شرّ بالن سبة إ لى‬
‫اإلن سان والمو جودات األ خرى ا لتي تت ضرر م نه‪ ،‬ولك نه ل يس شراً بالن سبة للح ية نف سھا‪ ،‬وإال إذا أرد نا أن نعتبر ھا شراً‬
‫الكثير من األمور التي نح كم علي ھا بأن ھا خيرات شروراً‪ ،‬فم ثالً األغ نام شرٌّ بالن سبة إ لى‬
‫نعتبر‬
‫لمجرد ذلك لكان علينا أن‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫النبات الذي تعبث به وتفسده ولكنھا ليست شرا بالنسبة لإلنسان‪.‬‬
‫إذاً ھناك أشيا ٌء ھي شرور بالنسبة لغيرھا ولكنھا ليست شرّ اً بالنسبة لنفسھا‪.‬‬
‫فالجواب على النوع ال ثاني‪ :‬إنّ الو جود الحقي قي لل شيء ھو ب صفاته الحقيق ية‪ ،‬وأ ما الو جود اإل ضافي اإلعت باري ف ھو لم‬
‫يخلق مستقالً بل ھو من لوازم الوجود الحقيقي‪ .‬وعليه ال يص ّح أن نسأل ل ماذا خ لق ﷲ ھذه األ مور اإلعتبار ية اإل ضافيّة‪،‬‬
‫وإنما ال يصح ھذا السؤال ألنھا ال تملك وجوداً مستقالً‪ ،‬فال يقال‬
‫‪171‬‬

‫ل ماذا كا نت الحي ّة شراً لإلن سان؟ ن عم ي صح أن ن سأل ل ماذا خ لق ﷲ الحي ّة؟ و ھذا ما يأتي ال جواب عل يه في ب حث فوا ئد‬
‫الشرور‪.‬‬
‫فوائد الشرور‪:‬‬
‫إنّ للشرور فوائد في الكون‪ ،‬فاإلنسان إذا الحظ ھذه الشرور دون أن يالحظ الفوائد المترتبة عليھا فسوف يتساءل أال تنافي‬
‫الشرور العدل اإللھي؟!‪ ،‬ولكن لو الحظ فوائدھا فلن يعود لھذا التساؤل أي م عنى‪ ،‬لذلك ي جب الب حث عن الفوا ئد المترت بة‬
‫على وجود ھذه األشياء‪.‬‬

‫األول‪ :‬دور الشرور في تكميل المجموعة الكونية‪:‬‬
‫ھل يمكن أن يوجد الكون بدون الشرور أو أنّ إلغاء الشرور من ال كون غير مم كن‪ ،‬في كون عدم و جود الم صائب م ساويا ً‬
‫لعدم وجود الكون نفسه؟‬
‫إنّ شرور الكون ال تنفك عن خيراته‪ ،‬فالكون ك ٌّل وا ح ٌد يرفض التجز ئة‪ ،‬وأ جزاء ال كون لي ست بن حو يم كن فرض حذف‬
‫قسم منھا واإلبقاء على القسم اآلخر‪ ،‬بل حذف بعضھا يستلزم حذف جميع األجزاء‪ ،‬وھذا ما يُعبّر عنه ال ناس بأ نه ال يو جد‬
‫ورد بال شوك‪.‬‬
‫ً‬
‫ظام متكا مل‬
‫فإذاً‪ ،‬األشياء إذا الحظناھا م‬
‫ستقلة من فرد ًة عن البق ية ف سوف ي كون ل ھا ح ك ٌم‪ ،‬وأم ّا إذا الحظنا ھا ك جز ٍء من ن ٍ‬
‫ً‬
‫فحكمھا سوف يكون مختلفاً‪ ،‬ھكذا الشرور إذا لوحظت مستقلة فسيحكم عليھا اإلنسان بأنھا شرورٌ‪ ،‬لكن لو لوح ظت ك جز ٍء‬
‫من ھذا الكون بزوالھا تزول الخيرات فالحكم عليھا يتغيّر‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬القبح يظھر الحسن‪:‬‬
‫إنّ الشرور ضروري ٌّة ألنھا ُتظھر األشياء الجميلة‪ ،‬فلو تم ّتع الناس جميعھم‬
‫‪172‬‬

‫بالجمال لما كان أح ٌد منھم جميالً‪ ،‬ولو كانوا جميعا ً قبيحين لم يكن ھناك قبي ٌح وا ح ٌد‪ .‬إنّ إح ساس اإلن سان بالج مال وإدرا كه‬
‫له ال يوجدان إال ضمن شروطٍ وھي أن يكون في مقابل الجمال قبح‪ .‬إن كثيراً من األشياء ال يدركھا اإلن سان إال بمقاي ستھا‬
‫إ لى األ شياء األ خرى‪ ،‬و لذا كل ما ازدادت معر فة اإلن سان إزدادت مالحظا ته وإ ستنتاجاته حول ھذا ال كون وإزداد إيما نه‬
‫بخالق الكون‪.‬‬
‫ولكن من الطبيعي أن يأتي إلى ذھننا السؤال التالي‪ :‬إذا كان األمر كذلك فلماذا كان زي ٌد قبيحا ً إلظھار جمال خالد؟ ل ماذا لم‬
‫يكن األمر بالعكس؟ أال يكون ذلك من الظلم لزي ٍد أن يخلقه ﷲ قبيحا ً ليظھر جمال غيره؟‬
‫والجواب‪ :‬إن الصانع الحكيم ال نتصور أ ّنه من أ جل أن ي كون الن ظام المو جود ھو الن ظام األح سن خ لق المو جودات ب ھذا‬
‫مخلوق ھو ذاتيات ذلك المخ لوق‬
‫وبتعبير آخر إنّ ما أعطاه ﷲ لك ّل‬
‫الشكل‪ ،‬بل إنه أعطى ك ّل موجود ما لديه من القابليات‪،‬‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫التي لوالھا لم يكن‪ ،‬ونتيجة اختالف ھذه القابليات كان اإلختالف بين ھذه المخلوقات‪.‬‬
‫وتوضيح ذلك عبر مثال األشكال الھندسية‪ :‬إنّ ما يميّز المثلّث ھو أنّ مجموع زواياه يساوي مجموع زاويتين قائمتين‪ ،‬وما‬
‫يميّز المربّع ھو أن مجموع زواياه يساوي أربعة زوا يا قائ مة‪ ،‬وھ نا ال يم كن أن ي سأل أ ح ٌد ل ماذا كان المثل ّث ھ كذا و كان‬
‫المربّع ھكذا؟ فالمثلّث منذ أن وُ ِجدَ وُ جد ھكذا ال أنه وُ ِجدَ ثم اتصف بھذه الصفة‪ .‬وھذا األمر نالحظه في الكون‪ ،‬فالج مادات‬
‫ال تنمو وال تدرك‪ ،‬والنباتات تنمو وال تدرك‪ ،‬والحيوان ينمو و يدرك‪ .‬إن ھذا اإلخ تالف ير جع إ لى خصو صيات مو جودة‬
‫في ذوات ھذه األشياء‪ ،‬ولم تخلق ھذه األشياء أوالً ثم تعطى ھذه الخصوصيات لھا‪ ،‬بل ھذه ھي خصوصياتھا المراف قة ل ھا‬
‫منذ وجودھا‪.‬‬
‫والبن سينا عبارةٌ مختصرةٌ جداً يشرح فيھا ھذه الفكرة‪ ،‬يقول‪) :‬ما جعل‬
‫‪173‬‬

‫شة مشم ً‬
‫ﷲ المشم َ‬
‫شة بل أو جدھا( أي إنّ ﷲ خ لق الم شمش و غيره من الفوا كه والث مار و ھي من البدا ية ھ كذا‪ ،‬ال أ نه‬

‫أوجدھا ثم أعطاھا ھذه الصفة‪.‬‬
‫يعبر القرآن الكريم عن ھذه الفكرة في الحوار الذي دار بين موسى عليه السالم وفرعون حيث سأ َل فر عونُ ‪ :‬من ر بك يا‬
‫م َ‬
‫ھدَى﴾‪3‬أي إنّ ﷲ خلق األشياء على ما تقبله ھي من لون الوجود‪.‬‬
‫ي ٍء َ‬
‫خ ْلق ُ‬
‫ل َ‬
‫َه ُث ﱠ‬
‫موسى؟ فقال‪َ ﴿ :‬ربﱡ َنا الﱠذِي أَعْ طَى ك ّ‬
‫ش ْ‬
‫الثالث‪ :‬في المصائب تكمن السعادة‪:‬‬
‫إنّ في أعماق الشدائد والمصائب تكمن السعادة والرفاه‪ ،‬يقول ﷲ ت عالى‪َ ﴿ :‬‬
‫مـ َ‬
‫م َ‬
‫سـراً﴾‪.‬‬
‫ع ا ْل ُ‬
‫سراً إِنﱠ َ‬
‫فإِنﱠ َ‬
‫ر ُي ْ‬
‫ر ُي ْ‬
‫ع ْ‬
‫ع ا ْلع ْ‬
‫ُسـ ِ‬
‫س ِ‬
‫وعندما ند ّقق في اآلية الكريمة نجدھا ال تقول إنّ بعد الشدة يأتي اليسر بل ت قول إن الي سر مترافق مع الع سر‪ ،‬و ھذه اآل ية‬
‫ھي خطاب للنبيّ صلى ﷲ عليه وآله وسلم في سورة اإلنشراح حيث يقول تعالى‪:‬‬
‫ك َو َر َ‬
‫ك َ‬
‫ر ُيسْ را إِنﱠ م َ َ‬
‫ع‬
‫مـ َ‬
‫ك الﱠذِي أَ ْنق‬
‫و َو َ‬
‫ع ا ْل ُ‬
‫فـإِنﱠ َ‬
‫ف ْع َنـا لَـ َ‬
‫َ‬
‫َش َرحْ لَ َ‬
‫ك ِذكْـ َر َ‬
‫و ْز َر َ‬
‫ض ْع َنا عَ ْن َ‬
‫ك صَدْ َر َ‬
‫َـض ظَ ْھـ َر َ‬
‫ك َ‬
‫ع ْ‬
‫﴿أَلَ ْ‬
‫من ْ‬
‫سـ ِ‬
‫ك ِ‬
‫سراً﴾‪.4‬‬
‫ا ْل ُ‬
‫ع ْ‬
‫ر ُي ْ‬
‫س ِ‬

‫فالسورة تخاطب النبيّ األكرم صلى ﷲ عليه وآله وسلم بنغم ٍة مليئة بالعطف والحنان لتطيّب خاطره إزاء الشدائد التي تمرّ‬
‫بھا دعوته‪ ،‬فتذ ّكره بالحمل الثقيل الذي رفع عن كاھله وح ّل محلّه اليسر‪ ،‬ثم يستنتج بطريق ٍة علمي ٍة من الوا قع الم شھود ھذا‬
‫ذا َ‬
‫القانون العام‪ :‬فإن مع العسر ي سراً‪ ،‬ثم يخا طب ال نبي بقو له ﴿ َ‬
‫ـت َ‬
‫ـإ َ‬
‫ف َر ْ‬
‫ـب‪ ،﴾5‬إنّ الي سر كامنٌ في أع ماق الت عب‬
‫فا ْن َ‬
‫غ َ‬
‫ص ْ‬
‫ف ِ‬
‫ت تجد في نفسك فراغا ً فألقِھا من جدي ٍد في خض ّم التعب لتعتصر منه اليسر‪.‬‬
‫والعذاب‪ ،‬وفي أيّ وق ٍ‬
‫إن المخلوقات الحيّة ال سيما اإلنسان تمتاز بھذه الخصوصية‪ ،‬وھي أنھا‬
‫‪174‬‬
‫تتكا مل وتت قدّم عبر ال شدائد والم شاكل‪ ،‬ي قول ت عالى‪﴿ :‬لَ َ‬
‫ْســانَ فِــي َكبَـ ٍد‪ ﴾6‬بم عنى أن نا خلق ناه و سط اآلالم‬
‫خلَ ْق َنــا ْ ِ‬
‫األن َ‬
‫قــدْ َ‬
‫والشدائد‪ ،‬ولذا كان اإلستغراق في الدالل والنعمة والبُعد عن الشدائد موجبا ً للضعف وعدم القدرة على التقدم‪ .‬وقد ورد عن‬
‫أمير المؤمنين عليه السالم التعبير عن ھذه الحقيقة بقو له‪) :‬أال وإنّ ال شجرة البري ّ ة أ صلب عوداً والروا ئع الخ ضراء ّ‬
‫أرق‬
‫جلوداً والنباتات البدو ّية أقوى وقوداً وأبطأ خموداً(‪.7‬‬

‫البالء وآثاره‪:‬‬
‫وب عد أن تم ّت األجو بة ع لى م سألة ال شرور‪ ،‬ال بأس بأنّ نت حدث قل يالً عن ال بالء‪ ،‬ف قد ورد ذ كر ال بالء في العد يد من‬
‫النصوص‪:‬‬
‫ل َو ْ‬
‫ِن ْ‬
‫ن ا ْل َ‬
‫ين﴾‪...8‬‬
‫م َراتِ َوبَ ّ ِ‬
‫وا ِ‬
‫خ ْو ِ‬
‫ي ٍء ِ‬
‫ُس َوال ﱠث َ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫ولَ َن ْب ُل َ‬
‫قال تعالى‪َ ﴿ :‬‬
‫ر َ‬
‫ْص م َ‬
‫ْجوعِ َ‬
‫ُم بِ َ‬
‫األَ ْ‬
‫ر ال ﱠ‬
‫ونﱠك ْ‬
‫ف َوال ُ‬
‫صاب ِ ِ‬
‫ش ِ‬
‫األَ ْنف ِ‬
‫ونَق ٍ‬
‫ش ْ‬

‫وفي رواية عن اإلمام الباقر عليه السالم‪) :‬إنّ ﷲ ّ‬
‫عز وجل ليتعا ھد ال مؤمن بالبالء ك ما يتعا ھد الر جل أھ له بالھد ية من‬
‫الغيبة(‪.9‬‬
‫وفي رواية أخرى‪) :‬إنّ ﷲ إذا‬
‫أحب عبداً غ ّته بالبالء غ ّتا(‪.10‬‬
‫ّ‬
‫وروي عن اإلمام الصادق عليه السالم‪) :‬إن أش ّد الناس بال ًء األنبياء ثم الذين يلونھم ثم األمثل فاألمثل(‪.11‬‬
‫‪175‬‬

‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫إنّ للبالء آثاراً‬
‫وطاقة‪.‬‬
‫مھمة‪ ،‬فھو ينمي النفس على الرضى بالقضاء ويصقل النفس ويجعلھا أكثر قو ًة‬
‫تربوية‬
‫البالء والنعمة نسب ّيان‪:‬‬
‫إنّ المصائب والشدائد التي يواجھھا اإلنسان قد تتبدّل إلى ن َِع ٍم يستفيد منھا اإلنسان‪ ،‬كما أنّ الن َِعم الدنيوية العظي مة قد تت بدّل‬
‫إلى بالء‬
‫وبؤس‪.‬‬
‫ٍ‬
‫إننا نستطيع أن نصل إلى السعادة عن طريق الفقر و عن طر يق ا لثراء أي ضاً‪ ،‬ك ما أن نا ن ستطيع أن ن صل إ لى ال بؤس عن‬
‫طريق الفقر وعن طريق الثراء أيضاً‪ ،‬إنّ الشيء الوا حد قد يع تبر بالن سبة إ لى شخص ما نع ً‬
‫مة‪ ،‬و ھو بنف سه بالن سبة إ لى‬
‫ً‬
‫ونقمة‪ ،‬وبيد اإلنسان أن يب ّدل النقمة إلى نعم ٍة‪.‬‬
‫شخص آخر يكون بال ًء‬
‫ٍ‬
‫‪176‬‬

‫ﺧﻼﺻﺔ اﻟﺪرس‬
‫إنّ األجوبة المطروحة لحل ّ مشكل ِة َتنافي الشرور مع العدل اإللھي ثالثة‪:‬‬
‫الشرور أمو ٌر عدمية وليست مخلوقة‪ ،‬فإنّ الجھل والفقر والعمى وأمثالھا ليست أموراً موجود ًة في الخارج بل ھي‬
‫‪1‬ـ إن‬
‫َ‬
‫أعدام لم تخلق‪ ،‬وھذا جواب عن النوع األول من الشرور‪.‬‬
‫الشرور أمور نسبية‪ ،‬ألنّ الشرور التي تكون شراً بالنسبة لغيرھا ھي خيرات بالنسبة لنفسھا‪ ،‬فس ّم الحيّة ش ٌر بالنسبة‬
‫‪2‬ـ إن‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ٌ‬
‫لإلنسان ولكنه خير بالنسبة لنفس الحيّة‪ ،‬كما أنّ ھذه الشرور لم تخلق استقالال بل ھي من لوازم خلق ھذه األشياء‪ ،‬وھذا‬
‫يصلح جوابا ً عن النوع الثاني من الشرور‪.‬‬
‫‪3‬ـ وتعميق الجواب عن النوع الثاني في تحليل لماذا خلق ﷲ بعض اآلفات مثالً أن للشرور فوائ َد متعدد ًة وخيرا ٍ‬
‫ت جمّة‬
‫منھا‪:‬‬
‫أ‪ -‬تكميل المجموعة الكونية إذ ال يمكننا تصوّ ر الخيرات دون الشرور‪ ،‬ولو أردنا أن نحذف الشرور من قائمة الوجود‬
‫النمحت الخيرات معھا‪.‬‬
‫ب‪ -‬إنّ الحُسن ال يظھر إال مع مالحظة القبيح‪ ،‬والخيرات ال تعرف إال بمالحظة الشرور‪.‬‬
‫ج‪ -‬إنّ في المصائب تكمن سعادة اإلنسان ألنّ بھا يسعى اإلنسان إلى التكامل‪.‬‬

‫أﺳﺌﻠﺔ اﻟﺪرس‬
‫‪ -1‬ما المراد من كون الشرّ أمراً عدم ّياً؟‬
‫‪2‬ـ ھل يتم ّكن اإلنسان من إزالة الشرور؟‬
‫ً‬
‫‪3‬ـ كيف تكون الشرور أموراً‬
‫نسبية؟‬
‫‪4‬ـ ما ھي فوائد الشرور؟‬
‫‪5‬ـ ھل حصل أن تصوّ َ‬
‫رت شرّ اً وكان في الواقع مفيداً؟‬

‫ﻫﻮاﻣﺶ‬
‫‪ --1‬وقد تقدم الكالم حول الثنوية في البحث األول‪.‬‬

‫‪ -2‬على فرض كون األلوان أموراً واقعية‪.‬‬
‫‪ -3‬طـه‪.50:‬‬
‫‪ -4‬الشرح‪.6/ 1:‬‬
‫‪ -5‬الشرح‪.7:‬‬
‫‪ -6‬البلد‪.4:‬‬
‫‪ -7‬نھج البالغة‪ ،‬من كتاب اإلمام إلى عامله عثمان بن حنيف‪.‬‬
‫‪ -8‬البقرة‪.155:‬‬
‫‪ -9‬الكليني‪ ،‬أصول الكافي‪ ،‬ج ‪ 2‬ص ‪ ،255‬الحديث ‪ ،17‬ط‪ .‬دار الكتب اإلسالمية‪.‬‬
‫‪ -10‬م‪ .‬ن الكليني‪ ،‬أصول الكافي‪ ،‬ج ‪ 2‬ص ‪ ،253‬الحديث ‪ ،6‬ط دار الكتب اإلسالمية‪.‬‬
‫‪ -11‬م‪ .‬ن ج ‪ 2‬ص ‪ ،253‬الحديث ‪.4‬‬

‫اﻟﺪرس اﻟﺜﺎﻧﻲ ﻋﺸﺮ‪ :‬ﺷﺒﻬﺔ اﻟﻤﻮت واﻟﻔﻨﺎء‬
‫أھداف الدرس‬
‫‪ -1‬شرح شبھة الموت والفناء‪.‬‬
‫‪ -2‬إثبات أن الموت عدم نسبي‪.‬‬
‫‪ -3‬شرح دور الدين وھدف وجود اإلنسان‪.‬‬
‫‪ -4‬القدرة على الدفاع عن إشكال عدم تناسب العقاب مع الذنب‪.‬‬
‫‪ -5‬القدرة على التفرقة بين أنواع الجزاء‪.‬‬
‫‪179‬‬

‫ھناك مجموعة من الشبھات التي تطرح حول العدل اإللھي ينبغي اإلجابة عنھا‪:‬‬
‫الشبھة األولى‪ :‬لماذا فناء األشياء؟‬
‫َ‬
‫يذوق اإلنسان ّلذة الوجود يعاد إلى العدم؟ أليس من الجليّ أنّ ال عدم الم حض‬
‫لماذا تعدم األشياء ولماذا الموت؟ لماذا بعد أن‬
‫خي ٌر من الوجود الناقص؟‬
‫الجواب‪:‬‬
‫إنّ فكرة الموت ھي من األفكار التي ّ‬
‫عذبت اإلنسانية‪ ،‬فمنذ وجود اإلنسان بدأ يتساءل عن السبب في مجيئه إلى ھذه ا لدنيا‪،‬‬
‫وكان ھذا السؤال النابع من خوف اإلنسان من الموت من األسباب الموجبة لنشأة الفلسفة المتشائمة‪ ،‬ح يث ت صوّ ر الفال سفة‬
‫ً‬
‫وخالية عن الحكمة‪.‬‬
‫ف وال فائدةٍ‪،‬‬
‫المتشائمون ھذه الحياة بال ھد ٍ‬
‫إنّ النفور من الموت ھو من الميزات الخاصة باإلنسان‪ ،‬وأما الحيوانات فال تف ّكر في ال موت‪ ،‬وإنّ ما يو جد لديھا ل يس إال‬
‫غريزة الفرار من الخطر‪ .‬ولع ّل األساس في اختصاص اإلنسان بھذا األمر ھو رغبته في الخلود‪ .‬ولذا يعتبر‬
‫‪181‬‬

‫المتكلّمون ھذه الرغبة الموجودة في اإلنسان ھي الدليل على بقاء اإلنسان بعد الموت‪.‬‬
‫كما أن وجود ھذه الرغبة في اإلنسان دليل على وجود كمال يسعى إليه‪ ،‬ومن ھنا ينشأ السؤال لماذا كان الموت؟ أل يس ھو‬
‫من الشرور التي يواجھھا اإلنسان؟‬
‫طرق متعدد ٍة وأجوب ٍة مختلف ٍة نستعرضھا واحداً تلو اآلخر‪.‬‬
‫والجواب على فكرة الموت ممكن عبر‬
‫ٍ‬
‫األول‪ :‬الموت عد ٌم نسبي‪:‬‬
‫إنّ نفور اإلنسان من الموت جاء نتيجة ت صوّ ره لل موت ع لى أن ّه عدم‪ .‬وال حال أن ّه ل يس كذلك‪ ،‬وإ ّن ما ھو ت طوّ ٌر وت حوّ لٌ‪،‬‬
‫غروبٌ عن نشأ ٍة وشروق بنشأ ٍة أخرى‪ ،‬وبعبار ٍة ثاني ٍة‪ :‬الموت عد ٌم ولكنه ليس عدما ً مطلقا ً بل ھو عد ٌم ن سبيٌّ ‪ ،‬عد ٌم لن شأ ٍة‪.‬‬
‫واإلنسان ال يتجرّع الموت المطلق‪ ،‬وإنما يعاني فقدان حال ٍة خاص ٍة والتحوّ َل إلى حال ٍة أخرى‪.1‬‬
‫الثاني‪ :‬الدنيا رح ٌم للروح‪:‬‬

‫إنّ أھم صور ٍة يمكن أن يق ّدمھا اإلنسان لإلنتقال من عالم الدنيا إلى عالم اآلخرة‪ ،‬أي لفكرة الموت‪ ،‬ھي عملية الوالدة‪ .‬نعم‪،‬‬
‫خارج‬
‫عالم‬
‫ثير من‬
‫ھذا التشبيه يبعّد الصور َة من جھ ٍة ولكنه يقرّ بھا من جھة ٍٍ◌ أخرى‪ ،‬فھو يبعّد ألنّ عالم اآلخرة أعمق بك ٍ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫داخل الرحم وخارجه ھما من نفس الدنيا‪ .‬ومن ھنا فھو بعي ٌد عن حقي قة عالم اآل خرة ا لذي‬
‫الرحم بالنسبة للطفل‪ ،‬ألنّ عال َم‬
‫ِ‬
‫ھو نشأةٌ أخرى وعال ٌم‬
‫‪182‬‬

‫مختلفٌ ‪ .‬ولكن ھذا التشبيه يوضّح لنا الصور َة وأنّ ظروف الطفل داخ َل الرحم تختلف إختالفا ً واضحا ً عم ّا سيعي شه خارج‬
‫الرحم‪ ،‬فھو يتغذى من الحبل السري وال يتنفس من رئتيه إال ب عد أن ي خرج من ا لرحم‪ ،‬مع أنّ ج ھازه الھ ضمي والرئت ين‬
‫تتكون داخل الرحم ولكنه ال يتمكن من ا ستخدامھا‪ .‬إنّ جم يع أع ضاء ال بدن ا لتي تت كوّ ن في ا لرحم لم ُتج عل لي ستفيد من ھا‬
‫الطفل داخل الرحم وإنما جُعلت لتتم اإلستفادة منھا خارج الرحم‪ .‬وعالم الدنيا أيضا ً كذلك‪ ،‬فھو كالرحم حيث ي ت ّم ف يه صنع‬
‫وإعداد األجھزة الروحية لإلنسان كي يستفيد منھا في عالم آخر ھو عالم ما بعد الموت‪.‬‬
‫إنّ اآلمال العريضة التي يعيشھا اإلنسان والقابليّات الموجودة لديه قد ُخل قت بن حو يتنا سب مع ح يا ٍة أ طول وأو سع‪ ،‬خا لد ٍة‬
‫أبدي ٍة‪ .‬ويبيّن القرآن الكريم ھذا األمر حيث يقول‪﴿ :‬أَ َ‬
‫ج ُعونَ ﴾‪ ،2‬ف ھل تت صور‬
‫ح ِ‬
‫ُم عَ َبثاً َ‬
‫ف َ‬
‫ُم إِلَ ْي َنا ال ُت ْر َ‬
‫م أَن ﱠ َ‬
‫ما َ‬
‫خلَ ْق َناك ْ‬
‫س ْب ُت ْ‬
‫وأَنﱠك ْ‬
‫أيّھا اإلنسان أ ّنك بك ّل ھذه األجھزة التي زوّ دت بھا قد ُخلقت عبثاً‪ ،‬وأن ھذه األجھزة ال ھدف منھا وال غاية؟ إنّ اإلنسان لو‬
‫لرحم ح يث ال ي كون ب عده عال ُم ا لدنيا‪ ،‬ح يث ت موت‬
‫عالم ا‬
‫كان بك ّل ما ُجھّز به ال عود َة له إلى ﷲ ونحو ٍ‬
‫ِ‬
‫عالم أوسع ل كان ك ِ‬
‫األج ّنة بمجرّ د إتمام تكوينھا وخروجھا من الرحم‪ ،‬أليس ذلك من العبث؟‬
‫إذاً‪ ،‬الموت ليس سوى بداي ٍة لمرحل ٍة جديدةٍ‪ ،‬وھو كوالد ٍة جديد ٍة في ذلك العالم‪.‬‬
‫ٌ‬
‫مدرسة لإلنسان‪:‬‬
‫الثالث‪ :‬الدنيا‬
‫تعتبر الدنيا مرحل َة إعدا ٍد لإلنسان إلى عالم أوسع وھو عالم اآلخرة‪ ،‬فقد‬
‫‪183‬‬

‫ن عَ م َ ال ً َوھُ ـ َو ا ْل َع ِزيـ ُز ا ْل َغفُـو ُر﴾‪،3‬‬
‫ح َيا َة لِيَ ْبلُـ َ‬
‫ت َوا ْل َ‬
‫م ْو َ‬
‫ق ا ْل َ‬
‫خلَ َ‬
‫ورد في القرآن الكريم قوله ت عالى‪﴿ :‬الﱠذِي َ‬
‫ُـم أَ ْ‬
‫وك ْ‬
‫ُم أَيﱡك ْ‬
‫حس َ ُ‬
‫اختبار لإلنسان‪ .‬إننا نتحدث عن الجھة الروحيّة والنفسية‪ ،‬أي عن األفعال اإلختيار ية لإلن سان‪ ،‬وال نت حدث عن‬
‫فالدنيا دار‬
‫ٍ‬
‫األمور التكوينية‪ ،‬أي ال نتحدث عن خلق اإلنسان كما ذكرنا في الجواب السابق‪.‬‬
‫إذاً‪ ،‬الدنيا دار إخراج ھذه القوى اإلنسانية الكامنة في داخله إلى عالم الوجود‪ ،‬فھو إختبا ٌر لزيادة الوزن ال لمعر فة ما عل يه‬
‫األمر وواقع الحال‪.‬‬
‫الرابع‪ :‬الموت توسي ٌع للحياة‪:‬‬
‫صالحة لتع يش ف ٌ‬
‫ً‬
‫ئة‬
‫إنّ ظاھرة ال موت والح ياة تحق قان في ال كون نظا ما ً متعاق باً‪ ،‬فإنّ موت ف ئة من ال ناس يھي ّئ أر ضي ًّة‬
‫عام لم يمو توا ل ما و صل‬
‫أخرى‪ ،‬حتى أن جثث األموات تفيد األرض وتمدھا بالطاقة‪ ،‬فلو أنّ الناس الذين عاشوا قبل ألف ٍ‬
‫الدور إلى الذين يعيشون اآلن‪ ،‬وھكذا إذا امتدت حياة من يعيش اآلن فإنه سيمنع غيره من الوجود‪ .‬ولنالحظ ذ لك في عا لم‬
‫الطبيعة‪ ،‬فلو لم تمت أزھار العام الماضي لما وجدت أزھار العام الحالي الفرصة لنمائھا‪.‬‬
‫النتيجة‪:‬‬
‫إنّ اإلنسان قد ُخلق بنحو ُغرس فيه األمل بالخلود‪ .‬وحيث كانت اإلستعدادات التي يملكھا أكبر من ھذه الح ياة ا لتي يعي شھا‬

‫عالم آخر‪ ،‬ولذا فإن من ال يؤمن باآلخرة سوف يعيش التناقض بين تكوينه الواقعي وب ين ما سي صير إل يه‬
‫فال ب ّد من وجود ٍ‬
‫بحسب تصوره‪ ،‬فإنه سوف يحدّث نفسه بأنّ نھاية الوجود ھي العدم‪ ،‬وتكون حياته عبثاً‪ ،‬وأما اإلنسان الذي يؤمن باآلخرة‬
‫فإنه سوف يعتبر الدنيا ممرّ اً ومدرسة ليعبر منھا إلى عالم أوسع‪.‬‬
‫‪184‬‬

‫الشبھة الثانية‪ ،‬الجزاء األخروي‪:‬‬
‫من الم سائل ا لتي ت طرح عادة في مو ضوع ال عدل اإلل ھي م سألة الم جازاة األخرو ية‪ ،‬فيُت ساءل عن أن ّ ه ال ب ّد من رعا ية‬
‫التناسب بين الذنب والعقوبة‪.‬‬
‫ففي القوانين الجزائية‪ ،‬إذا رمى شخص ما النفايات على قارعة الطريق‪ -‬مثالً‪ -‬فالعدالة تقتضي معاقب ته‪ ،‬ول كن ال شك في‬
‫أنّ عقوبته ينبغي أن تتناسب مع ذنبه‪ ،‬فال يعا قب باإل عدام أو ال سجن المؤب ّد‪ ،‬وإال ت نافى ذ لك مع ال عدل و لم ين سجم م عه‪،‬‬
‫فالتناسب بين الذنب والعقوبة ضروريّ وإال كان من الظلم الواضح‪.‬‬
‫إن الذنوب كالغيبة والكذب والزنا وقتل النفس ھي جرائم يستحق مرتكبھا العقوبة‪ ،‬ولكن أليست العقوبة التي ُخصّصت ل ھا‬
‫في اآل خرة تت جاوز ال حدود؟! بم عنى أنّ العقو بات الم قرّرة في ال قرآن ال كريم قا ٌ‬
‫سية وال تق بل التحم ّل؟! أال يت ناقض عدم‬
‫التناسب ھذا بين الذنب والعقوبة مع العدل اإللھي؟!‬
‫واإلجابة على ھذا السؤال تتوقف على بيان أمور ثالثة‪:‬‬
‫األول‪ :‬إختالف عالم الدنيا عن اآلخرة‪:‬‬
‫األمر ّ‬
‫إنّ بين عالم الدنيا وعالم اآلخرة إختالفا ً كبيراً‪ ،‬فھما نشأتان مختلفتان‪ ،‬إنھما لونان من الح ياة‪ .‬و قد ت قدّم من ّا أنّ عالم الدن يا‬
‫بالنسبة لعالم اآلخرة كعالم الرحم لدى الجنين بالنسبة لعالم الدنيا‪ .‬إنّ عالم الرحم يختلف عن الدنيا‪ ،‬فالطفل ال يتن فس برئت يه‬
‫وال يأكل بفمه‪ ،‬ومتى ما و لد و خرج إ لى ھذه ا لدنيا فإ نه لن يتم كن من أن يع يش لح ً‬
‫ظة وا حد ًة ك ما كان يع يش في عا لم‬
‫الرحم‪ ،‬والعكس صحيحٌ‪ ،‬أي إن الطفل لو دخل الھواء إلى رئتيه وھو في عالم الرحم‪ ،‬أو‬
‫‪185‬‬

‫دخل الطعام عبر فمه‪ ،‬فإنه سوف يموت كما أ ّنه لو لم يتنفس برئتيه متى خرج إلى الدنيا سوف يموت أيضا ً!‬
‫إن ھذا المثال يوضح لنا أنّ بين العالمين اختالفاً‪ ،‬فكذلك إنّ لك ّل واحد من عالمي ا لدنيا واآل خرة قواني نه ونظ مه‪ ،‬ف ما ھي‬
‫النقاط التي يختلف فيھا العالمان؟‬
‫أ‪ -‬الثبات والتغ ّير‪:‬‬
‫عالم الدنيا ھو عالم المتغيّرات‪ ،‬فالطفل يكت مل لي صبح شابا ً ث ّم ي صل إ لى ال شيخوخة ث ّم ال موت‪ ،‬فھ نا الجد يد ي صبح قدي ما ً‬
‫والقديم يفنى‪.‬‬
‫أمّا في العالم اآلخر فال شيخوخة وال قدم وال موت‪ ،‬ولذا كان عالمنا ھذا عالم الفناء وكان ذلك العالم عالم البقاء‪.‬‬
‫ب‪ -‬الحياة الخالصة والحياة المشوبة‪:‬‬

‫تقترن الحياة في ھذه الدنيا بالموت‪ ،‬وأما في عالم اآلخرة فھناك حياة بال موت‪ ،‬قال ت عالى‪:‬‬
‫دا َر ْ‬
‫حيَوَانُ لَ ْو كَا ُنوا يَ ْعلَ ُمونَ ﴾‪ ،4‬فالحياة الحقيقية ھي في ذ لك ال عالم ح يث ت سيطر الح ياة‬
‫اآل ِ‬
‫وإِنﱠ ال ﱠ‬
‫ي ا ْل َ‬
‫ِب َ‬
‫و َ‬
‫ولَع ٌ‬
‫لَ ْھ ٌ‬
‫خ َر َة لَ ِ‬
‫ھ َ‬
‫َ‬
‫ي ف ھم وإدراك‬
‫◌‬
‫و‬
‫ذ‬
‫صبحان‬
‫ي‬
‫عالم‬
‫ال‬
‫ھذا‬
‫في‬
‫إدراك‬
‫وال‬
‫ما‬
‫لھ‬
‫شعور‬
‫ال‬
‫لذين‬
‫ال‬
‫فر‬
‫والظ‬
‫بدن‬
‫ال‬
‫لد‬
‫ج‬
‫حتى‬
‫أجزائه‪،‬‬
‫جميع‬
‫على‬
‫ِ ِ َ‬
‫م َو ُت َ‬
‫ِـبونَ ﴾‪،5‬‬
‫س‬
‫ك‬
‫ْ‬
‫ي‬
‫َش َ‬
‫ما كَـا ُنوا َ‬
‫ِم عَ لَى أَ ْف َ‬
‫و َ‬
‫م بِ َ‬
‫ِيھ ْ‬
‫ِھ ْ‬
‫جل ُُھ ْ‬
‫م َوت ْ‬
‫ونطق في ذلك العالم‪ ،‬قال تعالى‪﴿ :‬ا ْل َي ْ‬
‫ك ِل ّ ُ‬
‫م نَخْ ت ُ‬
‫ھ ُد أَ ْر ُ‬
‫م َنا أَ ْيد ِ‬
‫واھ ِ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م عَ لَ ْي َنا َ‬
‫و َ‬
‫خلَ َ‬
‫قالُوا أ ْنطَ َ‬
‫مـ ﱠر ٍة‬
‫ل َ‬
‫و َ‬
‫ي ٍء َوھ ُ َ‬
‫ق َنـا ﷲ الﱠـذِي أ ْنطَ َ‬
‫م َ‬
‫وقال تعالى‪َ ﴿ :‬‬
‫و َ‬
‫ِم لِ َ‬
‫ُـم أ ﱠ‬
‫قك ْ‬
‫ھدْ ُت ْ‬
‫جلُو ِدھ ْ‬
‫ـق كُـ ﱠ‬
‫قالُوا لِ ُ‬
‫ش ِ‬
‫ل شَ ْ‬
‫‪6‬‬
‫ج ُعونَ ﴾‪.‬‬
‫وإِلَ ْي ِ‬
‫َ‬
‫ه ُت ْر َ‬
‫حيَـا ُة الـ ﱡ‬
‫د ْنيَا إِ ﱠال‬
‫مـا ھ َ ِ‬
‫ذ ِه ا ْل َ‬
‫﴿ َ‬
‫و َ‬

‫‪186‬‬

‫ج‪ -‬البذر والحصاد‪:‬‬
‫الدنيا ھي دار عمل‪ ،‬أمّا اآلخرة فدار حساب ال عمل فيھا ينفع اإلنسان أو ينجيه من الع قاب‪ ،‬و قد ورد عن أ مير المؤمن ين‬
‫عليه السالم‪) :‬اليوم عمل بال حساب وغداً حساب بال عمل(‪.7‬‬
‫وما أجمل عبارة النبي صلى ﷲ عليه وآله وسلم التي تبين ذلك إذ قال‪) :‬الدنيا مزرعة اآلخرة(‪.8‬‬
‫الخاص والمصير المشترك‪:‬‬
‫د‪ -‬المصير‬
‫ّ‬
‫الحياة الدنيا حياة إجتماعيّة يرتبط المصير فيھا ويشترك بين أفراد المجتمع إلى ح ٍّد ما‪ ،‬وأمّا في اآلخرة فم صير كل إن سان‬
‫يرتبط به وحده‪.‬‬
‫ففي ھذه الدنيا تؤثر األعمال الصالحة في سعادة اآلخرين‪ ،‬كما أن األعمال الباطلة لھا تأثيرھا السلبيّ ع لى ح ياة اآل خرين‪،‬‬
‫ولذا كان أفراد المجتمع في ھذه الدار كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر األعضاء بالسھر والحمى‪.‬‬
‫وأما في اآلخرة فيستحيل أن يكون لشخص سھم في عمل اآلخر‪ ،‬فال ّ‬
‫يعذب إنسان بسبب ذنو ٍ‬
‫ب لم يشارك في حدوثھا‪ ،‬ولذا‬
‫‪10‬‬
‫قال تعالى‪َ ﴿ :‬وا ْم َتا ُزوا ا ْل َي ْو َم أَيﱡ َھا ا ْل ُم ْج ِر ُمونَ ﴾‪ ،9‬ويقول تعالى‪َ ﴿ :‬وال تَ ِز ُر َوا ِز َر ٌة ِو ْز َر ُأ ْخ َرى﴾ ‪.‬‬
‫شخص ھ ناك يع يش بم فرده وال يرى أ حداً‪،‬‬
‫عندما نقول بأنّ الحياة في عالم اآلخرة ليست إجتماعيّة فنحن ال نقصد أنّ ك ّل‬
‫ٍ‬
‫بل إنّ ما نريده ھو أن الترابط‪،‬‬
‫‪187‬‬

‫التأثير والتأثر‪ ،‬التعاون والتضاد وغير ذلك مما ھو موجود في ھذه الدنيا‪ ،‬ال وجود له في ذلك العالم‪ ،‬وإال ففي الجنة توجد‬

‫وا ناً َ‬
‫سـ ُر ٍر‬
‫ونَ َزعْ َنا َ‬
‫حياة إجتماعية‪ ،‬فالصالحون مجتمعون تسودھم األلفة والمح بة ﴿ َ‬
‫خ َ‬
‫ل إِ ْ‬
‫ِم م ْ‬
‫ـدو ِرھ ْ‬
‫ص ُ‬
‫ِن غِـ ٍ ّ‬
‫علَـى ُ‬
‫ما ف ِي ُ‬
‫‪12‬‬
‫َ‬
‫ِين﴾‪ ،11‬والفاسقون تفرقھم األحقاد والضغائن ﴿إِنﱠ َ‬
‫مأ ْ‬
‫ل ال ﱠنا ِر﴾ ‪.‬‬
‫ك لَ َ‬
‫ذلِ َ‬
‫م َتقَابِل َ‬
‫حقﱞ تَخَا ُ‬
‫ُ‬
‫ص ُ‬
‫ھ ِ‬

‫األمر الثاني‪ :‬اإلرتباط بين عالم الدنيا وعالم اآلخرة‪:‬‬
‫إن بين عالم الدنيا وعالم اآلخرة‪ -‬رغم اإلختالف الذي تقدّم ذكره‪ -‬إرتباطا ً وثيقاً‪ ،‬ذلك أ ّننا نحصد غداً في اآلخرة ما نزرعه‬
‫في ھذه الدنيا‪ ،‬وھذا ما تحدثت عنه الروايات‪ :‬فقد ورد عن أھل بيت العصمة والط ھارة‪) :‬إنّ الج نة قي عان‪ 13‬وإنّ غرا سھا‬
‫سبحان ﷲ والحمد وال إله إال ﷲ وﷲ أكبر(‪.14‬‬
‫وفي حديث آخر عن رسول ﷲ صلى ﷲ عليه وآله وسلم قال‪) :‬ل ّما أسري بي إلى السماء دخلت الجنة فرأ يت في ھا قيعا نا ً‬

‫ً‬
‫ورأيت فيھا مالئكة يبنون ً‬
‫لبنة من ذھ ٍ‬
‫ولبنة من فض ٍة وربما أمسكوا‪ ،‬فقلت لھم‪ :‬ما لكم قد أمسكتم؟ قالوا‪ :‬حتى تجيئ نا‬
‫ب‬
‫النفقة‪ ،‬قلت‪ :‬وما نفقتكم؟ قالوا‪ :‬قول المؤمن سبحان ﷲ والح مد وال إ له إال ﷲ وﷲ أ كبر‪ ،‬فإذا قال بني نا وإذا سكت‬
‫أمسكنا(‪.15‬‬
‫‪188‬‬

‫األمر الثالث‪ :‬أنواع الجزاء‪:‬‬
‫إن معرفة أنواع الجزاء له الدور األساس في ح ّل مشكلة التناسب في الجزاء األخرويّ ‪ ،‬فأنواع الجزاء ثالثة‪:‬‬
‫اإلعتباري‪.‬‬
‫‪1‬ـ الجزاء‬
‫ّ‬
‫الطبيعي‪.‬‬
‫التكويني‬
‫‪2‬ـ الجزاء‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫سد للذنب‪.‬‬
‫‪3‬ـ الجزاء الذي ھو تج ّ‬
‫اإلعتباري‪:‬‬
‫‪1‬ـ الجزاء‬
‫ّ‬
‫وإنما أسميناه إعتبار ّيا ً أل ّنه عبارة عن مقررات جزائيّة‪ ،‬إمّا إلھيّة وإما بشريّة‪.‬‬
‫فالحياة اإلجتماعيّة للبشريّة متقوّ مة بأمرين‪:‬‬
‫أحدھما‪ :‬عامل التربية‪ ،‬ألنّ التربية السليمة تخفض نسبة الجريمة‪.‬‬
‫وثانيھما‪ :‬العقوبة العادلة للمتخلّف‪.‬‬
‫وال يكفي أحد ھذين األمرين بمفرده لبناء الحياة اإلجتماع ية العاد لة‪ ،‬فالترب ية مع عدم ع قاب الم جرم ال تك في لم نع و قوع‬
‫وتكرّر الفعل المخالف للقانون‪ ،‬ولذلك فإنّ الھدف من الجزاء اإلعتباريّ أمران‪:‬‬
‫أوالً‪ :‬الحيلولة دون تكرر الذنب من قِ َبل المجرم أو غيره في عقوبة منبّھة وبھا يحفظ المجتمع‪.‬‬
‫ثانيا ً‪ :‬تسلية المظلوم وإدخال شي ٍء من الطمأنينة إلى نفسه‪ ،‬ألن الطبيعة اإلنسانية تقتضي التش ّفي للمظلوم بعقاب الظالم‪.‬‬
‫ولكنّ ھذا النوع من الجزاء ال يمكن تصوره في عالم اآلخرة‪ ،‬ألنه ليس في‬
‫‪189‬‬

‫ذلك العالم مجال لتكرّ ر الذنب حتى يكون الغرض من العقوبة الحيلولة دون تكرّ ر الذنب‪ ،‬كما أ ّنه ال مجال للتش ّفي في ّ‬
‫حق‬
‫ﷲ تعالى ال سيما في العقوبات التي ترجع إلى الحقوق اإللھيّة التي ال ترتبط بحقوق الناس‪.‬‬
‫الطبيعي‪:‬‬
‫الوضعي‬
‫‪2‬ـ الجزاء‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫إن من أنواع الجزاء ما يرتبط بالذنب إرتباط المعلول بعلّته‪ ،‬أي إ ّنه نتيجة طبيعي ّة ل لذنب‪ ،‬و ھو ما ي سمى باألثر الو ضعي‬
‫للذنب‪.‬‬
‫ك االرت باط بين ھا وب ين الع مل‪ ،‬فم ثال شرب ال سم ال ب ّد أن‬
‫إن لبعض األعمال التي يقوم بھا اإلنسان آ ثاراً ذات ية ال يم كن ف ّ‬

‫صغير لم ي ستمر سوى لدقائق فك يف يعا قب‬
‫مل‬
‫يؤدي إلى الھالك‪ ،‬فال يمكن أن يقال‪ :‬إن ھذا المسكين قد قام بإرت كاب ع ٍ‬
‫ٍ‬
‫حق له أن ي عترض مت سائالً‬
‫بھذا العقاب؟! وكذا لو ُنبِّه شخصٌ إلى عدم إلقاء نفسه من ق ّم ِة الج بل بأن ّ ه سوف ي موت‪ ،‬فال ي ّ‬
‫ّ‬
‫الشاق‪.‬‬
‫عن التناسب بين معاندته وھذا الجزاء‬
‫ھكذا الذنوب فإنّ لبعضھا آثاراً و ضعي ًّة ذاتي ًّة ال يم كن التفك يك بين ھا وب ين الع مل‪ ،‬فاإل ساءة للوا لدين‪ -‬م ثالً‪ -‬ل ھا عقو بة ال‬
‫ك عنھا‪ .‬وينقل لنا التاريخ في ھذا المجال أنّ المنتصر‪ -‬الخليفة العباسي‪ -‬سمع أباه المتوك ّ ل ي شتم ال سيدة الز ھراء علي ھا‬
‫تنف ّ‬
‫ً‬
‫السالم فسأل رجال يثق به عن جزاء من يفعل ذلك‪ ،‬فقال له‪ :‬إن جزاءه القتل‪ ،‬ولكنه نبّھه على أنّ ك ّل من يقتل أباه ال يعم ّر‬
‫طويالً بعده‪ ،‬ولكنّ المنتصر صمّم على قتل والده‪ ،‬فقتله ولم َ‬
‫يبق ح ّيا ً بعده سوى ع ّدة أشھر‪.‬‬
‫‪3‬ـ الجزاء عين العمل )العذاب األخروي(‪:‬‬
‫إن اإلرتباط بين العمل والجزاء األخرويّ ھو إرت باط تكو ينيّ ‪ ،‬ولك نه أ قوى من اإلرت باط المت قدم‪ ،‬و ھو أع لى من إرت باط‬
‫العلّة والمعلول واألثر والمؤثر‪ ،‬إذ ھو‬
‫‪190‬‬

‫إرتباط اال ّتحاد والعينيّة‪ ،‬أي إنّ الجزاء األخرويّ ھو عبارة عن تجسّم األعمال التي قام ب ھا اإلن سان في ھذه ا لدنيا‪ ،‬وإ لى‬
‫ك ﱡ‬
‫ِن‬
‫ما عَ ِ‬
‫ما عَ ِ‬
‫م تَجِ ُد ُ‬
‫ت ِ‬
‫حضَراً َ‬
‫و َ‬
‫مل َ ْ‬
‫و َ‬
‫ن َ‬
‫ملَ ْ‬
‫ْس َ‬
‫م ْ‬
‫تم ْ‬
‫م ْ‬
‫ھذا يشير القرآن في العديد من اآليات‪ ،‬منھا قوله تعالى‪﴿ :‬يَ ْ‬
‫ر ُ‬
‫خ ْي ٍ‬
‫ل نَف ٍ‬
‫‪16‬‬
‫و ﱡ‬
‫ح ِّ‬
‫ملُـوا‬
‫مـا عَ ِ‬
‫ُوف بِا ْل ِ‬
‫وﷲ َرؤ ٌ‬
‫ُم ﷲ نَف َ‬
‫مداً بَعِيداً َ‬
‫و أَنﱠ بَ ْي َن َ‬
‫ـدوا َ‬
‫و َو َ‬
‫ع َبا ِد﴾ ‪ ،‬وقال تعالى‪َ ﴿ :‬‬
‫ه أَ َ‬
‫ه َ‬
‫و ُي َ‬
‫سو ٍء تَ َ‬
‫ْس ُ‬
‫ھا َوبَ ْي َن ُ‬
‫د لَ ْ‬
‫ج ُ‬
‫ُ‬
‫ذ ُرك ُ‬
‫‪17‬‬
‫م َ‬
‫ل َ‬
‫وال َي ْ‬
‫ذ ﱠر ٍة‬
‫ص ُد ُر ال ﱠن‬
‫ـن َي ْ‬
‫ـل ِ‬
‫م ِئ ٍ‬
‫ف َ‬
‫ك أَ َ‬
‫ِم َربﱡ َ‬
‫حاضِراً َ‬
‫َ‬
‫م ْثقَـا َ‬
‫ع َ‬
‫ش َتاتاً ل ُِي َر ْوا أَعْ َ‬
‫و َ‬
‫اس أَ ْ‬
‫ذ َي ْ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫مـالَ ُھ ْ‬
‫حداً ﴾‪ ،‬وفي آية أ خرى‪َ ﴿ :‬ي ْ‬
‫ظل ُ‬
‫ُ‬
‫‪18‬‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ﱠ‬
‫ُونَ‬
‫نﱠ‬
‫كلُونَ فِـي‬
‫ـأ‬
‫ي‬
‫ا‬
‫م‬
‫ن‬
‫إ‬
‫ا‬
‫م‬
‫ل‬
‫ظ‬
‫ُ‬
‫ى‬
‫م‬
‫ا‬
‫ت‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ل‬
‫ا‬
‫و‬
‫م‬
‫أ‬
‫ل‬
‫ك‬
‫أ‬
‫ي‬
‫ِين‬
‫ذ‬
‫ل‬
‫ا‬
‫إ‬
‫﴿‬
‫‪:‬‬
‫قوله‬
‫وكذلك‬
‫‪،‬‬
‫﴾‬
‫ه‬
‫ر‬
‫ي‬
‫ا‬
‫ر‬
‫ش‬
‫ة‬
‫ر‬
‫ذ‬
‫ل‬
‫َا‬
‫ق‬
‫ث‬
‫م‬
‫ل‬
‫م‬
‫ع‬
‫ي‬
‫ن‬
‫م‬
‫و‬
‫ه‬
‫ر‬
‫ي‬
‫ا‬
‫ر‬
‫ي‬
‫خ‬
‫ْ‬
‫َ ْ َ َ ُ َ َ ْ َ َ ْ ِْ‬
‫ِﱠ َ َ ُ‬
‫َ َ ُ‬
‫ْ َ َ ََ َ‬
‫َ ﱠ ٍ َ ّ َ َ ُ‬
‫ِ‬
‫ً‪19‬‬
‫سعِيرا ﴾‪.‬‬
‫م نَاراً َ‬
‫ونَ َ‬
‫صلَ ْ‬
‫و َ‬
‫ِھ ْ‬
‫سيَ ْ‬
‫ُبطُون ِ‬
‫فجزاء اآل خرة ھو تجس ّم ألع مال ا لدنيا‪ ،‬والنع يم وال عذاب في ذ لك ال عالم ھ ما ن فس الع مل ال صالح وال سيّئ ال لذين أداھ ما‬
‫اإلنسان ھنا وقد ُكشف عنھما الغطاء فظھرا للعيان‪.‬‬
‫‪191‬‬

‫ﺧﻼﺻﺔ اﻟﺪرس‬
‫‪ -1‬إنّ رغبة اإلنسان في الخلود ھي السبب في نفوره من الموت‪.‬‬
‫‪ -2‬إنّ ح ّل مشكلة النفور من الموت ھي بأمور‪:‬‬
‫أ‪ -‬االلتفات إلى حقيقة الموت‪ ،‬وأ ّنه ليس عدما ً بل ھو إنتقال من عالم إلى عالم آخر‪.‬‬
‫ب‪ -‬إنّ الجھاز الذي زوّ د به اإلنسان دليل على أنّ الموت ال يعني نھاية اإلنسان‪.‬‬
‫ج‪ -‬إنّ الدنيا ھي دار إمتحان وإختبار إلى عالم أوسع وأرحب‪.‬‬
‫د‪ -‬إنّ في الموت توسعة للحياة اإلنسانية ألنّ موت فئة من الناس يھيّئ الظروف المناسبة لحياة من سيأتي‪.‬‬
‫‪3‬ـ يتساءل بعض الناس عن العذاب األخرويّ ‪ :‬أال يشكل عذاب جھ ّنم نوعا ً من الظلم حيث ال تناسب بين نوع ا لذنب و نوع‬
‫العقوبة؟!‬

‫والجواب‪ :‬ھو أنّ عالم الدنيا يختلف عن عالم اآل خرة بج ھات‪ ،‬ف عالم ا لدنيا عالم التغي ّر و عالم اآل خرة عالم الث بات‪ ،‬وعا لم‬
‫الدنيا عالم مشوب بالموت وأما اآلخرة فھي الح ياة األبد ية‪ ،‬الم صير ا لدنيوي م شترك وأ ما في اآل خرة فل ك ّل إن سان نتي جة‬
‫عمله‪ .‬ومن اإلختال فات أنّ ال جزاء األ خروي ھو ع بارة عن ن فس ع مل اإلن سان أي إنّ جزاء اآل خرة ھو تجس ّم ألع مال‬
‫الدنيا‪ ،‬والنعيم والعذاب ھناك ھما نفس العمل الصالح والسيئ ال لذين أداھ ما اإلن سان ھ نا و قد ُك شف عنھ ما الغ طاء فظ ھرا‬
‫للعيان‪.‬‬

‫أﺳﺌﻠﺔ اﻟﺪرس‬
‫‪ -1‬ما سبب نفور اإلنسان من الموت ؟‬
‫‪ -2‬ما ھي حقيقة الموت ؟ وما الدليل على أنه ليس النھاية ؟‬
‫‪ -3‬ما ھي حقيقة الحياة ؟‬
‫‪ -4‬ما ھي فوائد الموت بالنسبة للحياة الدنيا ؟‬
‫‪ -5‬ما ھو جواب اإلشكال حول عدم التناسب بين الذنب والعقاب األخروي ؟‬

‫ﻫﻮاﻣﺶ‬
‫‪ -1‬ومن أمثلة ذلك تحوّل الماء إلى بخار‪ ،‬فإن الماء لم يصبح عدماً وانما تحوّل من حالة إلى حالة وصار في حالة البخاريّة بعد أن كان في حالة المائية‪.‬‬
‫‪ -2‬المؤمنون‪115:‬‬
‫‪ -3‬الملك‪2:‬‬
‫‪ -4‬العنكبوت‪.64:‬‬
‫‪ -5‬يّـس‪.65:‬‬
‫‪ -6‬فصلت‪.21:‬‬
‫‪ -7‬نھج البالغة‪ ،‬من كالم له عليه السالم رقم ‪.43‬‬
‫‪ -8‬غوالي الآللي‪ ،‬اإلحسائي ص ‪.267‬‬
‫‪ -9‬يـس‪.59:‬‬
‫‪ -10‬اإلسراء‪.15 :‬‬
‫‪ -11‬الحجر‪.47:‬‬
‫‪ -12‬ص‪.64:‬‬
‫‪ -13‬قيعان جمع قيعة والقيعة والقاع بمعنى واحد وھو المستوي من األرض )مجمع البحرين ‪ ،‬ج‪ ،4‬ص‪ 385‬مادة‪ -‬قوع( دار ومكتبة الھالل لبنان )معجـم مقـاييس اللغـة‬
‫مادة‪ -‬قوع(‬
‫‪ -14‬بحار األنوار‪ ،‬المجلسي‪ ،‬ج ‪ 7‬ص ‪.229‬‬
‫‪ -15‬وسائل الشيعة )آل البيت(‪ -‬الحر العاملي ج ‪ 7‬ص ‪.188‬‬
‫‪ -16‬آل عمران‪.30:‬‬
‫‪ -17‬الكھف‪.49 :‬‬
‫‪ -18‬الزلزلة‪.8:‬‬
‫‪ -19‬النساء‪.10:‬‬

‫اﻟﺪرس اﻟﺜﺎﻟﺚ ﻋﺸﺮ‪ :‬اﻟﺸﻔﺎﻋﺔ‬
‫أھداف الدرس‬
‫‪ -1‬حفظ بعض اآليات الدالة على الشفاعة‪.‬‬
‫‪ -2‬القدرة على شرح أقسام الشفاعة وأنواعھا‪.‬‬
‫‪ -3‬القدرة على بيان األصول الحاكمة في نظام الكون‪.‬‬
‫‪ -4‬بيان عالقة المغفرة بالشفاعة‪.‬‬
‫‪ -5‬توضيح ميزان الشفاعة المتناسب مع التوحيد‪.‬‬
‫‪ -6‬القدرة على رد اإلشكاالت الواردة على الشفاعة‪.‬‬
‫‪193‬‬

‫تمھيد‪:‬‬
‫من األبحاث المھمّة التي وقع فيھا الخالف الشديد‪ ،‬والتي ال ب ّد من تحقيقھا في أب حاث ال عدل اإلل ھي‪ ،‬ب حث ال شفاعة‪ ،‬و ھو‬
‫بحث يتمسك به أتباع مدرسة أھل البيت علي ھم ال سالم ب شدّة‪ ،‬ويست شھدون له و يدافعون ع نه بأد لة عقل ية‪ ،‬وأ خرى قرآن ية‬
‫‪1‬‬
‫كـونَ الش ﱠ فَاعَ َ‬
‫ه‬
‫ن اتﱠخَـ َذ عِنـ َ‬
‫ملِ ُ‬
‫مئ ِ ٍ‬
‫و َ‬
‫ن أَ ِذنَ ل َ ُ‬
‫ن ْ‬
‫ح َ‬
‫ذ ﱠال تَنف َ عُ الش ﱠ فَاعَةُ إِ ﱠال م َ ْ‬
‫عَھـدًا﴾ ‪﴿،‬يَ ْ‬
‫د ا ل ﱠر ْ‬
‫كقوله ت عالى ﴿ال يَ ْ‬
‫م ِ‬
‫ة إِ ﱠال م َ ِ‬
‫ه َ‬
‫الشـفَاعَ َ‬
‫و َال تَن َ‬
‫ة‬
‫ه‬
‫عونَ مِن ُدونِـ ِ‬
‫فعُ‬
‫ِين يَ ْد ُ‬
‫ه﴾‪َ ﴿ 3‬‬
‫ن أَ ِذنَ لَ ُ‬
‫ق ْو ًال﴾‪َ ﴿ 2‬‬
‫ن َ‬
‫ح َ‬
‫ك الﱠذ َ‬
‫الشفَاعَ ةُ عِن َد ُه إِ ﱠال لِ َ‬
‫ِي لَ ُ‬
‫و َال يَ ْ‬
‫م ْ‬
‫ال ﱠر ْ‬
‫ﱠ‬
‫ﱠ‬
‫ملِ ُ‬
‫م ُ‬
‫و َرض َ‬
‫‪4‬‬
‫ھُم يَ ْعلَ ُمونَ ﴾ ‪ ،‬وآيات أخرى تفيد ھذا المضمون‪.‬‬
‫ھ َد بِا ْل َ‬
‫إِ ﱠال َ‬
‫من َ‬
‫ق َو ْ‬
‫ح ِّ‬
‫ش ِ‬

‫ويقف على طرف النقيض المذھبُ الوھابيّ ‪ ،‬الذي يحمل على فكرة الشفاعة ب ك ّل شرا سة‪ ،‬ويع يب ع لى مذھب أ ھل الب يت‬
‫فكرتھم ھذه‪ ،‬ويطرح ك َّل ما يملك من إعتراضات وإشكاالت‪.‬‬
‫‪195‬‬

‫ون حن في ھذا الب حث سوف نت ناول م سألة ال شفاعة ب شكل مو ضوعي‪ ،‬متعرّ ضين ل ما يُق بل ول ما يُن كر من ھا‪ ،‬ثم نخ تم‬
‫باإلعتراضات الموجَّ ھة إليھا‪ ،‬مجيبين بما يقتضيه المنطق الصحيح‪ ،‬وما يكون شافيا ً للقارئ الكريم‪.‬‬
‫أقسام الشفاعة‪:‬‬
‫ھناك قسمان يمكن تصورھما للشفاعة‪:‬‬
‫القسم األول‪ :‬الشفاعة المرفوضة‪:‬‬
‫عندما يضعف القانون في المجتمع نجده ال يطبّق إال على ال ضعيف‪ ،‬أم ّا ال قويّ فإن ّ ه يمت لك من ال قوة ما يجع له أ قوى من‬
‫ف أھمّھا ثالثة‪ -1:‬ال مال‪ -2 ،‬الو ساطة‪ -3 ،‬ال قوة‪.‬‬
‫القانون وفوقه‪ .‬وعادة ينفذ القويّ من تطبيق القانون من خالل نقاط ضع ٍ‬
‫ً‬
‫وسيلة من ھذه الوسائل بحيث يحول من خالل ھا دون تطب يق الح كم اإلل ھي‪ -‬ك ما‬
‫والشفاعة إذا كانت بمعنى أن يجد المجرم‬
‫يظنّ كثير من الناس أنّ شفاعة النبي صلى ﷲ عليه وآله وسلم واألئ مة علي ھم ال سالم ھي من ھذا ال نوع‪ ،‬وك ما ھو الف ھم‬
‫البدوي البسيط‪ -‬فھي مرفوضة‪ 5‬بال أدنى شك‪.‬‬
‫وقد نفى القرآن الكريم أن يتأثر القانون اإللھي بشيء من ھذه الثالثة‪ ،‬فال مال يمكن أن ي فدي من عذاب‪ ،‬وال ت جزي ن فس‬
‫ْـس‬
‫زي نَف‬
‫عن نفس‪ ،‬أو تكون شفيعة لھا‪ ،‬وال قوة وال نصرة ألحد على القانون يوم القيامة‪ ،‬قال تعالى‪َ ﴿ :‬‬
‫وماً ال ت ْ‬
‫واتﱠقُوا يَ ْ‬
‫ٌ‬
‫َج ِ‬
‫شفَاعَ ٌ‬
‫ـم ُي ْنص َ ُرونَ ‪ ،﴾6‬وال مراد بال عدل في ھذه اآل ية ھو‬
‫خـذُ ِ‬
‫ل ِ‬
‫م ْن َ‬
‫ش ْيئاً َ‬
‫ة َوال ُي ْؤ َ‬
‫ھا َ‬
‫ْس َ‬
‫ع ْ‬
‫ل َوال ھُ ْ‬
‫م ْنھ َ ا عَ ـدْ ٌ‬
‫وال ُي ْق َب ُ‬
‫َن نَف ٍ‬

‫المال‪.‬‬
‫ويشھد تاريخ اإلسالم على مدى قوة القانون وعدم ضعفه أمام ھذه العوامل‬
‫‪196‬‬

‫الثالثة‪ ،‬وأنه كان يطبَّق حتى على أقارب الحك ّ ام‪ ،‬وذ لك بمراج عة ب سيطة ل سيرة ال نبي صلى ﷲ عل يه وآ له و سلم واألئ مة‬
‫عليھم السالم‪.‬‬
‫فقد ورد عن علي عليه السالم التأكيد على أن العقوبة ال تستثني أحداً‪) :‬وﷲ لو أنّ الحسن والحسين قد ارتكبا ھذا الخالف‬
‫لم أرفق بھما(‪.7‬‬
‫من ھنا فالذي يظنّ بأن الظفر برضا ﷲ يمكن تحصيله عبر الب كاء ع لى اإل مام الح سين عل يه ال سالم بدون ف عل الواج بات‬
‫وترك المحرمات‪ -‬بحيث يأتي الحسين عليه ال سالم يوم القيا مة في شفع له كي ُتم حى ذنو به‪ ،‬إن صاحب ھذا ال ظنّ يمت لك‬
‫تصوراً باطالً للشفاعة‪ ،‬بل إنّ ھذا التصور ھو إھا نة لشخ صية اإل مام الح سين عل يه ال سالم‪ ،‬ألن الح سين عل يه ال سالم لم‬
‫يستشھد ألجل إضعاف القوانين اإللھية‪ ،‬وتكون إرادته في مقابل إرادة ﷲ‪ ،‬وال شريعته في مقابل شريعة جدّه‪ ،‬وإن ما أل جل‬
‫إقامة الصالة وإيتاء الزكاة وإحياء الفرائض والسنن‪.‬‬
‫وھكذا فمن يظنّ أنّ الرسول األكرم صلى ﷲ عليه وآله وسلم والزھراء واألئمة عليھم السالم لھم نفوذ في ال ساحة اإللھ ية‪،‬‬
‫وھم يستغلّون نفوذھم لتغ يير إرادة ﷲ ون قض ومعار ضة قواني نه‪ ،‬وا ھ ٌم ومخ طئٌ‪ ،‬و ھو م ثل ال جاھليين من ال عرب الذ ين‬
‫كانوا يظنون أن لألصنام قدر ًة على الشفاعة‪ ،‬وتقرّ بھم إلى ﷲ زلفى‪ ،‬وقد وصفھم ﷲ بالمشركين رغم أ ّن ھم لم ين سبوا إلي ھا‬
‫خلق العالم‪ ،‬إذ يكفي أ ّنھم يقولون بأنھا تشارك ﷲ في إدارة الكون‪ ،‬والتدخل في معارضة القوانين اإللھية‪.‬‬
‫إن ھذا القسم من الشفاعة المنحرفة مرفوض ال يقول به أحد‪ ،‬وھو يؤدي إ لى ال شرك في الربوب ية وال تدبير اإلل ھي‪ ،‬و ھذا‬
‫القسم يتنافى مع القانون وال يمكن تع ّقله في ّ‬
‫حق القانون اإللھي‪.‬‬
‫‪197‬‬

‫القسم الثاني‪ :‬الشفاعة المقبولة‪:‬‬
‫وھي الشفاعة التي ال تتنافى مع القانون‪ ،‬بل تحفظه‪ ،‬وتقيم حدوده‪ .‬وھناك الكثير من الروايات من طريق أھل البيت علي ھم‬
‫السالم ومن طريق أھل السنة تثبت ھذه الشفاعة الصحيحة‪ ،‬وھي على نوعين‪:‬‬
‫‪1‬ـ شفاعة )العمل( أو شفاعة )القيادة(‪.‬‬
‫‪2‬ـ شفاعة )المغفرة( أو شفاعة )الفضل(‪.‬‬
‫النوع األول‪ :‬شفاعة القيادة‪:‬‬
‫فھو الموجب للنجاة من العذاب ونيل الحسنات وعلوّ الدرجات‪ ،‬وتوضيح ھذا النوع‪:‬‬
‫قد تقدّم في بحث سابق‪ -‬عند الحديث عن العذاب األخروي‪ -‬أنّ األعمال ا لتي ي قوم ب ھا اإلن سان تتج سد في اآل خرة‪ ،‬أي أنّ‬
‫حقيقة العمل تظھر للعيان‪ ،‬ونضيف ھنا أنّ التجسّم ال يقت صر ع لى الع مل‪ ،‬بل العال قة المعنو ية ب ين ال ناس في ھذه الدن يا‬
‫تتحوّ ل في اآلخرة إلى صور ٍة واقعي ٍة أيضا ً‪.‬‬

‫شخص آخر‪ ،‬فإنّ رابطة الھداية ھذه تتحوّ ل يوم القيامة إلى صور ٍة يكون في ھا ال ھادي‬
‫وعليه فإذا كان إنسانٌ ما سببا ً لھداية‬
‫ٍ‬
‫‪8‬‬
‫َاس بِ ِإ َمام ِِھ ْم﴾ ‪ ،‬أي أنّ ك ّل إنسان يحشر مع قدوته الذي كان سبب ھدايته في‬
‫ل ُأن‬
‫عو ُ‬
‫م ن َْد ُ‬
‫و َ‬
‫ك ﱠ‬
‫بصورة القدوة‪ ،‬قال تعالى‪َ ﴿ :‬ي ْ‬
‫ٍ‬
‫العمل‪ ،‬ومن ھنا تسمية ھذه الشفاعة بشفاعة العمل‪ ،‬ألن العمل ھو العا مل األ ساس ا لذي يو جب الن جاح أو الخي بة‪ ،‬ويم كن‬
‫تسميتھا بشفاعة القيادة‪ ،‬ألن ك ّل أمة تأتي ويقدمھا قائدھا وإمامھا الذي تتبعه‪.‬‬
‫‪198‬‬

‫كما ويحدث ھذا األمر أيضا ً في الجھة األخرى‪ ،‬أي في حالة الضالل واإلضالل‪ ،‬كما يقول تعالى في شأن فرعون‪:‬‬
‫َ‬
‫ة َ‬
‫َھُم ال ﱠنا َر َوبِئ‬
‫ْس الْـ ِو ْر ُد ا ْل َمـ ْو ُرو ُد‪ ،﴾9‬ھ كذا يظ ھر فر عون ب صورة شفيع ووا سطة لقو مه الذ ين‬
‫م ِ‬
‫م ا ْل ِق َيا َ‬
‫ق ْو َ‬
‫َ‬
‫و َ‬
‫ه يَ ْ‬
‫م ُ‬
‫فأَ ْو َرد ُ‬
‫ً‬
‫اتبعوه خطوة خطوة ليدخلھم إلى جھنم‪.‬‬

‫م‬
‫﴿يَق ُ‬
‫ْد ُ‬

‫فالشفاعة في معناھا األول تعني القيادة‪ ،‬ويكون الرسول حينھا شفيعا ً أل مير ال مؤمنين عل يه ال سالم ولفاط مة علي ھا ال سالم‪،‬‬
‫وھما شفيعين للحسنين عليھما السالم وكل إمام شفيعا ً لإلمام اآلخر‪ ،‬وكذلك العلماء ھم شفعاء لمن يھتدي بھم‪.‬‬
‫ب نا ًء عل يه‪ ،‬فإنّ ما ورد من روا يات أن اإل مام الح سين عل يه ال سالم سي شفع لك ثير من ال ناس ي كون تف سيره أنّ المدر سة‬
‫الفكرية لإلمام الحسين عليه السالم ھي ال سبب في إح ياء ا لدين وھدا ية ك ثير من ال ناس في ھذه ا لدنيا للع مل ع لى نھ جه‬
‫وخطه‪ ،‬فيكون شفيعا ً بھذا المعنى وقائداً لھم يوم القيامة‪ ،‬نعم للحسين عليه السالم شفاعة أخرى وھي‪:‬‬
‫النوع الثاني‪ :‬شفاعة المغفرة‪:‬‬
‫ويقصد منھا الشفاعة ألجل غفران ا لذنوب‪ .‬وال شفاعة ب ھذا الم عنى ھي ا لتي أ صبحت ھدفا ً للمنت قدين‪ ،‬و ھي م ح ّل ا لنزاع‬
‫والخالف بين مذھب أھل البيت عليھم السالم ومنكري الشفاعة‪.‬‬
‫ويتو ّقف ر ّد اإلنتقادات المطروحة حول النوع الثاني من الشفاعة‪ ،‬أي شفاعة المغفرة‪ ،‬على بيان أمور‪:‬‬
‫‪199‬‬

‫غلبة الرحمة في نظام الكون‪:‬‬
‫إنّ ل صفة الرحمان ية ال سبق في ال صفات اإللھ ية‪ ،‬ف قد ورد في ب عض األدع ية‪ ) :‬يا من سبقت رحم ته غ ضبه(‪ ،‬فالرح مة‬
‫جور أ مو ٌر عار ٌ‬
‫ضة غير أ صيلة‪ ،‬و لذا ف ھذه‬
‫كفر وف ٍ‬
‫والسعادة ھما الواقع الحقيقي في نظام الوجود‪ ،‬وما عداھما من ٍ‬
‫سق وف ٍ‬
‫األ مور سوف تنزوي ب سبب جاذبي ّ ِة الرح مة‪ .‬ول يس اإل مداد الغ يبي والتأي يدات الرحمان ية إال شواھد قاط عة ع لى أ سبقية‬
‫الرحمة وغلبتھا على الغضب اإللھي‪ ،‬وتتجلّى ھذه الصفة العامة من خالل ع ّدة أصول حاكمة في نظام الكون‪:‬‬
‫أصل التطھير‪:‬‬
‫من مظاھر رحمة ﷲ وجود التطھير في نظام الوجود‪ ،‬والتطھير في الكون يشمل عالمين‪:‬‬
‫‪1‬ـ عالم الطبيعة والمادة‪ :‬ومن مظاھر ذلك إمتصاص النباتات والبحار لغاز ثاني أكسيد الكر بون من ال جوّ لت صفيته‪ ،‬و لو‬
‫ً‬
‫قاطبة‪.‬‬
‫تلوّ ث الجوّ ولم يكن ثمّة مصفاة أو مطھّر لفقدت األرض صالحيتھا للحياة‬
‫‪2‬ـ عالم المعنويات‪ :‬والمغفرة ھي عبارة عن تطھير القلوب واألرواح من آثار الذنوب‪ ،‬طالما ھي تقدر على إزا لة وغ سل‬
‫درن الذنوب‪ ،‬وإال فإن بعض القلوب قد صدىء وال تقدر المغفرة ع لى أن تؤ ثر ف يه الن عدام قابلي ته للتط ھير ولل ُّ‬
‫تأثر‪ ،‬و لذا‬

‫يعبر القرآن عن بعض الحاالت بالختم‪ ،‬قال ت عالى‪:‬‬
‫م عَ َ‬
‫م﴾‪.10‬‬
‫اب َ‬
‫َ‬
‫ولَ ُھ ْ‬
‫ذ ٌ‬
‫عظِي ٌ‬

‫ة‬
‫ِشـا َو ٌ‬
‫م ِ‬
‫وعَ لَى َ‬
‫خ َت َ‬
‫﴿ َ‬
‫ِم غ َ‬
‫م َوعَ لَى أَ ْب َ‬
‫م َ‬
‫س ْ‬
‫صـا ِرھ ْ‬
‫ھ ْ‬
‫ھ ْ‬
‫ع ِ‬
‫م ﷲ عَ لَى ُقلُوبِ ِ‬

‫‪200‬‬

‫أصل السالمة‪:‬‬
‫إنّ من شواھد غلبة الرحمة على الغ ضب في ن ظام ال كون‪ ،‬ھو أن ال سالمة وال صحة ھي األ صل دائ ما ً في ال كون‪ ،‬و ھذا‬
‫األمر نالحظه في العالمين أيضا ً‪:‬‬
‫ً‬
‫خصوصية في ج سم اإلن سان‬
‫‪ -1‬في عالم المادة‪ :‬فنجد أن المرض ھو الحالة الطارئة والتي تأتي ثم تزول‪ ،‬وكذلك نالحظ‬
‫وھي قابليّته لترميم العظام فيما لو حصل كس ٌر ما‪ ،‬ووجود جھاز المناعة في الجسم من أي عنصر أو عا مل غر يب يد خل‬
‫إلى الجسم‪.‬‬
‫‪ -2‬وأ ّما في عالم المعنويات‪ :‬فتنصّ الروايات ع لى كون األ صل في اإلن سان ھو ال سير في طر يق ال خير وال ھدى‪ ،‬ف في‬
‫ينصرانه(‪.11‬‬
‫يھودانه أو ّ‬
‫الحديث‪) :‬كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه ّ‬
‫أصل شمول ّية الرحمة‪:‬‬
‫إن المغفرة ليست ظاھرة إستثنائية‪ ،‬وإنما ھي قانون كليّ مستنتج من غلبة الرحمة في نظام الوجود‪ .‬فالرحمة اإللھية ت شمل‬
‫جميع الموجودات في الكون في حدود قابلياتھا‪ .‬ونحن ن شاھد أن أ قرب ال ناس إ لى ﷲ‪ ،‬أي األنب ياء واألئ مة علي ھم ال سالم‪،‬‬
‫يطلبون من ﷲ أن يرحمھم برحمته‪ ،‬وھذا يشھد على شمول أصل الرحمة وعموميته‪ ،‬كلّما كان اإلن سان أ قرب إل يه تعا لى‬
‫كانت قابليته وقدرته على االستفادة من أصل الرحمة أكبر وأ كثر‪ ،‬ويست ضيء ب نور الرح مة وأ سماء ﷲ الح سنى و صفاته‬
‫الكمالية بشكل أفضل‪.‬‬
‫‪201‬‬

‫عالقة المغفرة بالشفاعة‪:‬‬
‫من خالل ما تقدّم يمكن أن نستنتج التالي‪ :‬إن الرحمة والمغفرة ھي من القوانين اإللھية في ھذا ال كون‪ ،‬وھ نا ن قول إن ھذه‬
‫الرحمة اإللھية ال ب ّد أن تصل إلى المخطئين والمذنبين‪ ،‬ل كن ينب غي أن ي كون للرح مة قانون و سبيل ت سير عل يه‪.‬وب ض ّم ما‬
‫تقدم منا في أبحاث سابقة ‪12‬من أن التفاوت واإلختالف في ھذا العالم ذاتي ال اعتباري‪ ،‬وأنه ال ب ّد منه في ھذا ال كون‪ ،‬نف ھم‬
‫قانون ھذه الرحمة‪ ،‬وأن ھا ت شمل ال مذنبين والمخطئ ين ل كن ل يس مبا شر ًة‪ ،‬وإن ما ب عد أن ت مرّ باألنب ياء واألول ياء وأ صحاب‬
‫نظام في ھذا الكون‪.‬‬
‫األرواح الكبيرة‪ ،‬وھذا أمر من لوازم وجو ِد‬
‫ٍ‬
‫ويمكن توضيحه بمالحظة مسألة الوحي والنبوّ ة‪ ،‬فإنّ إرسال ﷲ للرسل ھو من مظاھر الرح مة اإللھ ية‪ ،‬ول كن ال يم كن أن‬
‫يكون الناس كلّھم أنبياء‪ ،‬فال بد من وجود خاصة من الناس يكونون ھم الواسطة في نزول الرحمة اإللھ ية بالوحي‪ ،‬فكذ لك‬
‫الرح مة والمغ فرة اإللھ ية ال ب ّد وأن ت ت ّم عبر وا سطة‪ ،‬ألن ھذا ما يفر ضه ن ظام ال كون‪ ،‬فال شفاعة إذاً ھي إ حدى مظا ھر‬
‫الرحمة اإللھية‪ ،‬وھي رحمة إلھية ت ت ّم بوا سطة شفعاء ھي ّأھم ﷲ ل ما ل ھم من صفات الك مال‪ ،‬و ھم األنب ياء واألئ مة علي ھم‬
‫السالم‪.‬‬
‫فارق في التسمية لجھة النسبة فقط‪ ،‬فإنھا إذا ُنسبت إلى من بع ال خير والرح مة سمّيت ) بالمغفرة(‪،‬‬
‫فالمغفرة ھي الشفاعة مع‬
‫ٍ‬
‫وإذا نسبت إلى وسائط الرحمة سمّيت )بالشفاعة(‪.‬‬

‫‪202‬‬

‫النتيجة‪:‬‬
‫يظھر مما تقدّم الفرق بين الشفاعة المقبولة والشفاعة المرفوضة‪ ،‬فال شفاعة المقبو لة ت بدأ من ﷲ لت صل إ لى ال مذنب‪ ،‬وأ ما‬
‫الشفاعة المرفوضة فھي على العكس‪ ،‬ذلك أن المجرم ھو الذي يدفع الشفيع للشفاعة‪ ،‬و ھذا ما ن جده في ال قوانين ال ضعيفة‬
‫في ھذه الدنيا‪ ،‬حيث يقع الشفيع تحت تأثير المشفوع له )المذنب( لسبب من األسباب التي ذكرناھا‪.‬‬
‫من ھو الشفيع والوسيلة؟‬
‫التوسّل ال ب ّد أن يكون بمن جعله ﷲ وسيلة لذلك‪ ،‬قال ت عالى‪:‬‬
‫ه لَ َ‬
‫ُم ُت ْفل ُِحونَ ﴾‪.13‬‬
‫سبِيلِ ِ‬
‫َ‬
‫ِدوا فِي َ‬
‫و َ‬
‫علﱠك ْ‬
‫جا ھ ُ‬

‫وسِـيلَ َ‬
‫ة‬
‫م ُنـوا اتﱠقُـوا ﷲ َوا ْب َتغُـوا إِلَ ْيـ ِ‬
‫﴿ي َا أَيﱡ َ‬
‫ه ا ْل َ‬
‫ھـا ال ﱠذ َ‬
‫ِين آ َ‬

‫لقد جعل ﷲ في ھذا العالم لكل شيء سبباً‪ ،‬وال بد للتوصل إ لى الم سبَّب من ال مرور عبر ال سبب ال خاص به‪ .‬و في حيات نا‬
‫المادية نتوسّل باألسباب الظاھرية لتوصلنا إلى مطلوبنا‪ ،‬وكذلك الحال بالن سبة لأل مور األخرو ية والمعنو ية‪ ،‬فإ نه ال ب ّد أن‬
‫نتوسّل بأ سبابھا ل كي تو صلنا لن يل الرح مة اإللھ ية‪ .‬و ھذه األ سباب إن ما نعرف ھا بالرجوع إ لى الك تاب وال س ّنة‪ ،‬و ھذا ع ين‬
‫التوحيد‪ ،‬وال يع ّد شركا ً أبداً‪ ،‬ألن ﷲ ھو ا لذي ج عل ھذه األ مور أ سباباً‪ ،‬و ھو ا لذي أمر نا بالرجوع إلي ھا‪ ،‬والر جوع إلي ھا‬
‫ليس إال إنصياعا ً ألوامره تعالى وليست من الشرك في شيء‪.‬‬
‫ولذا ينبغي االلتفات إلى أن ال يكون التوجّ ه األساسيّ إلى نفس ھذه الوسائل بل إلى ﷲ حتى ال نقع في الشرك في العبادة‪.‬‬
‫وينبّه القرآن ال كريم إ لى ھذا األ مر فيط لب من الم سلمين أن ي سألوا المغ فرة من ﷲ ثم من الر سول صلى ﷲ عل يه وآ له‬
‫ل إِ ﱠال ل ُِيطَا َ‬
‫نﷲ‬
‫ع بِإِ ْذ ِ‬
‫سو ٍ‬
‫وسلم‪ ،‬قال تعالى‪َ ﴿ :‬‬
‫ما أَ ْر َ‬
‫و َ‬
‫س ْل َنا م ْ‬
‫ِن َر ُ‬
‫‪203‬‬
‫ك َ‬
‫اس َت ْغ َ‬
‫اس َت ْغ َ‬
‫ج ُدوا ﷲ تَ ﱠواباً َرحِيماً﴾‪.14‬‬
‫و َ‬
‫ول لَ َ‬
‫موا أَ ْنف َ‬
‫َ‬
‫جا ُءو َ‬
‫م َ‬
‫ولَ ْ‬
‫ف ْ‬
‫و أَن ﱠ ُھ ْ‬
‫ف ُروا ﷲ َو ْ‬
‫ُس ُھ ْ‬
‫م إِ ْذ ظَلَ ُ‬
‫م ال ﱠر ُ‬
‫س ُ‬
‫ف َر لَ ُھ ُ‬

‫فالشفاعة من ﷲ‪ ،‬وبإذن ﷲ‪ ،‬ومن األسباب التي جعلھا ﷲ في عالم المعنويات‪ ،‬فالتمسك بھا ال يكون إبطاالً للقوانين اإللھية‬
‫وإنما ھو عمل بھا‪ ،‬وال يكون رداً على ﷲ وإنما ھو إطا عة له‪ ،‬وال ت كون ناف ية إلراد ته ألن إراد ته بالرجوع إ لى ال شفيع‬
‫الذي ھو جعله وأبرز مقامه لسعة وعلوّ روحه‪.‬‬
‫إعتراضات على الشفاعة‪:‬‬
‫وبعد أن أنھينا البحث عن الشفاعة ال بأس بالتعرّ ض للشبھات التي تطرح ھنا وھناك وتوجّ ه إ لى ال قائلين بال شفاعة‪ ،‬لنرى‬
‫أنّ بعض ھذه االعتراضات ناشئ من عدم فھم حقيقة الشفاعة‪ ،‬والبعض اآلخر أصبح الر ّد عليه واضحا ً ممّا تقدم‪:‬‬
‫األول‪ :‬إنّ الشفاعة تتنافى مع التوحيد في العبادة‪ ،‬واالعتقاد بھا نوع من أنواع الشرك‪.‬‬
‫مة ورأ ً‬
‫الثاني‪ :‬إن القول بال شفاعة يت نافى مع التوح يد ا لذاتي أل نه ي لزم م نه أن ي كون ال شفيع أ كثر رح ً‬
‫فة من ﷲ‪ ،‬إذ لوال‬
‫الشفيع ّ‬
‫لعذب ﷲ المذنب‪.‬‬
‫وجوابھما‪ :‬إن الشفاعة ال تتنافى مع التوحيد في العبادة وال التوحيد ا لذاتي أ بداً‪ ،‬أل ّن ھا بإذن ﷲ ول من ارت ضى ﷲ قول َه‪ ،‬ال‬
‫أنھا مستقلّة عنھا أو في عرضھا وجانبھا‪ ،‬كما أنّ رحمة الشفيع أشعة من الرحمة اإللھيّة‪ ،‬فھي منبعثة منھا فال ت كون أك بر‬

‫من رحمة ﷲ‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬إن االعتقاد بالشفاعة يدفع النفوس المريضة إلى التجرّي وإرتكاب الذنوب‪.‬‬
‫‪204‬‬

‫والجواب‪ :‬إنّ ھذه النتيجة ال يص ّح إستنباطھا وفھمھا من االعتقاد بالشفاعة‪ ،‬فھي ال تدفع اإلنسان نحو الت جرّ ي‪ ،‬ألنّ ب عض‬
‫شروطھا بقي طيّ الكتمان‪ ،‬فال يعلم اإلنسان المذنب ھل حقق شروط الشفاعة أم ال؟‬
‫نعم ھي تحيي األمل لديه في نيل الرحمة اإللھية‪ ،‬ويكون أثر الشفاعة إنقاذ النفوس من اليأس‪ ،‬فيح يا متأرج حا ً ب ين ال خوف‬
‫والرجاء‪ ،‬وھذا ھو المطلوب من الشفاعة ومن اإلنسان المؤمن‪ .‬إضافة إلى أن حال الشفاعة حال التوبة فكما أن التو بة في‬
‫الحياة الدنيا ولو آخر العمر ال تستلزم الجرأة على الذنوب فكذلك الشفاعة‪.‬‬
‫الرابع‪ :‬لقد نفى القرآن ال شفاعة يوم القيا مة إذ ي قول‪:‬‬
‫شفَا َ‬
‫ع ٌ‬
‫ص ُرونَ ﴾‪.15‬‬
‫خذُ ِ‬
‫م ْن َ‬
‫ة َوال ُي ْؤ َ‬
‫م ُي ْن َ‬
‫َ‬
‫ل َوال ھُ ْ‬
‫ھا عَدْ ٌ‬

‫ھـا‬
‫زي نَف‬
‫ل ِ‬
‫م ْن َ‬
‫شـ ْيئاً َ‬
‫﴿ َ‬
‫ن نَفْـسٍ َ‬
‫ْـس ع َ ْ‬
‫ومـاً ال ت ْ‬
‫واتﱠقُـوا يَ ْ‬
‫ٌ‬
‫وال ُيقْب َ ُ‬
‫َجـ ِ‬

‫والجــواب‪ :‬إن اآليــات الــتي وردت فــي الشــفاعة علــى نــوعين‪ ،‬مثبتــة ونافيــة‪ .‬وقــد ذكرنــا‪ -‬تحــت عنــوان العقــل والقــرآن‬
‫ً‬
‫قرآنية تثبت الشفاعة لبعض الناس الذين يتحلّون بصفات معيّنة ذكرتھا اآليات‪ .‬و ھذه ال شفاعة سبحانه‬
‫ت‬
‫والروايات‪ -‬آيا ٍ‬
‫أعطاھا لبعض عباده‪ .‬وأما اآليات النافية فقد أرادت أن تنفي الشفاعة الباطلة ال الشفاعة الح ّقة‪.‬‬
‫ال خامس‪ :‬تت نافى ال شفاعة مع ما أ ّس سه ال قرآن من أن سعادة ك ّل ا مرئ مرھو نة بعم له‪ ،‬إذ ي قول سبحانه‪:‬‬
‫سعَى﴾‪.16‬‬
‫ْسا ِ‬
‫ن إِ ﱠال َ‬
‫ِإلن َ‬
‫ما َ‬
‫ل ِْ‬

‫ـس‬
‫وأَنْ لَ ْيـ َ‬
‫﴿ َ‬

‫والجواب‪ :‬ھذه اآلية وإن كان ظاھرھا الحصر إال أنه توجد في مقابلھا آيات الشفاعة بحيث ال بد من الجمع بينھما‪ ،‬وت كون‬
‫النتيجة أن العمل جزء العلة‪ ،‬وبذلك يتبين أنه )ال تتنافى الشفاعة مع العمل‪ ،‬ألن العمل ھو جزء العلّة المنفعلة‬
‫‪205‬‬

‫القابلة‪ ،‬ورحمة ﷲ جزء العلّة الفاعلة(‪ ،‬وبتعبير آخر‪ :‬إنّ اإلنسان مرھون بعمله‪ ،‬لكن ليس الع مل ع لة تا مة لدخول الج نة‪،‬‬
‫وإنما العمل جزء العلة التي تؤثر في دخول الجنة‪ ،‬فھو بحاجة أيضا ً إلى الرحمة اإللھية فھي العلة المؤثرة واألساس‪ ،‬ومن‬
‫مظاھر رحمة ﷲ وممّا يصدر عنھا الشفاعة التي تحدّثنا عنھا‪.‬‬
‫كما أن الشفاعة ال بد لھا من سعي كما تقدم في شروط الشفاعة فتندرج ضمن السعي المذكور في اآلية‪.17‬‬
‫السادس‪ :‬إن الزم االعتقاد بالشفاعة وقوع ﷲ تحت تأثير الشفيع‪ ،‬في حوّ ل غ ضبه سبحانه إ لى رح مة‪ ،‬مع أن ﷲ ال ينف عل‬
‫وال يتغيّر حاله‪ ،‬وال يؤثر فيه شيء‪.‬‬
‫والجواب‪ :‬ال يقع ﷲ تحت تأثير أحد في الشفاعة‪ ،‬بل الشفاعة تبدأ من ﷲ لتصل إ لى اإلن سان‪ ،‬وﷲ ھو ا لذي ج عل ال شفيع‬
‫شفيعاً‪ ،‬وھو ال يثبت الشفاعة إال لمن يرتضي قوله‪ ،‬أو يقول صدقاً‪ ،‬أو حقا ً‪.‬‬
‫ال سابع‪ :‬إن ال شفاعة لون من أ لوان إ قرار ا لترجيح واإل ستثناء والالعدا لة‪ ،‬فمم ّا ال شك ف يه أنّ ال شفاعة ال ت شمل جم يع‬
‫المذنبين‪ ،‬وإال فقدت معناھا‪ ،‬فكيف يمكن تقسيم المجرمين إلى قسمين‪ :‬فئة تنجو من العقاب ألنھا تم لك الوا سطة والو سيلة‪،‬‬
‫وأخرى تقع ت حت طائ لة الع قاب ألن ھا ال وا سطة لديھا ت شفع ل ھا؟! وك يف يمكن نا ت صور ھذا مع ال عدل اإلل ھي؟! ويم كن‬
‫صياغة ھذا اإلعتراض بطريقة علميّة‪ :‬إن س ّنة ﷲ كلية ال تبديل فيھا‪ ،‬والقوانين الكل ية ترفض اإل ستثناء‪ ،‬ولي ست ال شفاعة‬

‫إال إستثناء من قوانين ﷲ‪.‬‬
‫والجواب‪ :‬ال إستثناء في الرحمة اإللھية‪ ،‬وإ ّنما الشفاعة ال تنال بعض الناس‬
‫‪206‬‬

‫ألنه ال قابلية له لنيل الشفاعة اإللھية‪ ،‬فيما تنال آخرين ألنھم حققوا شروطھا‪ ،‬وال سيما ال شرط األ ساس و ھو اإلي مان با‬
‫سبحانه وتعالى‪ .‬فالشفاعة تسير ضمن القوانين اإللھية ومعھا‪ ،‬بل ھي من قوانين الرحمة اإللھية العامة والشاملة‪ ،‬ولكن لھا‬
‫شروطھا وضوابطھا‪ ،‬فمن يحقق الشروط ينالھا ومن ال يحققھا يحرم منھا لق صور ف يه ال ل ضعف في ال قانون أو إل ستثناء‬
‫في القانون‪.‬‬
‫الثامن‪ :‬لماذا جعل ﷲ بعض الناس شفعاء‪ ،‬وآخرين مشفوعا ً لھم؟ أليس ھذا ترجيحا ً في نظام الكون؟!‬
‫والجواب‪ :‬نعم ھذا ترجيح في ن ظام ال كون‪ ،‬ولك نه ضروري وذا تي‪ ،‬إذ ال بد من ھذا ا لترجيح‪ ،18‬وب ما أ نه كذلك فا لذي‬
‫يتحلى بصفات سامية وروح عالية يستحق أن يكون شفيعاً‪ ،‬ومن ال يحمل ھذه ا لروح وت لك ال صفات إ ما أن يح قق شروط‬
‫الشفاعة فيشفع له‪ ،‬وإما أن ال يحققھا فال يستحق الشفاعة وليس عنده القابلية لھا‪.‬‬
‫‪207‬‬

‫ﺧﻼﺻﺔ اﻟﺪرس‬
‫الشفاعة على نحوين‪:‬‬
‫أ‪ -‬الشفاعة المرفوضة‪ :‬والتي تعني أن يجد المجرم وسيلة يحول من خاللھا دون تطبيق الحكم اإللھي‪.‬‬
‫ب‪ -‬الشفاعة المقبولة وھي‪:‬‬
‫‪1‬ـ إما شفاعة العمل والتي تعني أن الھداية التي تتحقق من قبل اإلمام تظھر يوم القيامة‪ ،‬ك ما أن ال ضالل ا لذي يتح قق من‬
‫أھل الباطل يتجسّم يوم القيامة‪.‬‬
‫‪2‬ـ وإما شفاعة المغفرة من الذنوب‪ ،‬وتبتنى على أساس الرحمة اإللھية التي ھي من القوانين الحاكمة في ھذا ال كون‪ ،‬ف ھذه‬
‫الرحمة إن ُنسبت إلى ﷲ سميت مغفرة وإن ُنسبت إلى أھل الشفاعة سميت شفاعة‪.‬‬
‫‪3‬ـ إن السبب في حرمان بعض الناس من المغفرة اإللھية ھو عدم وجود قابلية لھم لذلك‪.‬‬
‫‪4‬ـ إن التوسل ال بد وأن يكون بمن جعله ﷲ وسيلة لذلك‪ ،‬ولذا ال يكون التوسل شركا ً ألنه من التمسك باألسباب اإللھية‪.‬‬

‫أﺳﺌﻠﺔ اﻟﺪرس‬
‫‪ -1‬ما ھي الشفاعة المقبولة؟‬
‫‪2‬ـ ھل تتنافى الشفاعة مع التوحيد؟‬
‫‪3‬ـ ما ھي الشفاعة المرفوضة؟‬
‫‪4‬ـ لماذا يحرم بعض الناس من الشفاعة اإللھية؟‬
‫‪ -5‬كيف ال يكون التوسل شركاً؟‬

‫ﻫﻮاﻣﺶ‬
‫‪ -1‬مريم‪.87 :‬‬
‫‪ -2‬طه‪.109:‬‬
‫‪ -3‬سبأ‪.23 :‬‬
‫‪ -4‬الزخرف‪.86 :‬‬
‫‪ -5‬وسيأتي توضيح كيفية شفاعة األئمة‪.‬‬
‫‪ -6‬البقرة‪.48 :‬‬
‫‪ -7‬نھج البالغة‪ :‬الرسالة ‪.41‬‬
‫‪ -8‬اإلسراء‪71 :‬‬
‫‪ -9‬ھود‪98:‬‬
‫‪ -10‬البقرة‪.7 :‬‬
‫‪ -11‬بحار األنوار‪ ،‬ج ‪ 2‬ص ‪.88‬‬
‫ل من ھذه السلسلة تحت عنوان‪) :‬االختالف والترجيح((‪.‬‬
‫‪ -12‬عند البحث في الفصل الثاني من كتاب العدل اإللھي‪) ،‬وقد أدرجناه في موضوع مستق ّ‬
‫‪ -13‬المائدة‪.35 :‬‬
‫‪ -14‬النساء‪.64 :‬‬
‫‪ -15‬البقرة‪.48 :‬‬
‫‪ -16‬النجم‪.39 :‬‬
‫‪ -17‬إن عبارة الشھيد في الجواب على ھذه الشبھة مختصرة وغامضة‪ ،‬وقد وضعناھا بين مزدوجين‪ ،‬وأما توضيحھا فھو تصرّف من المحرّر‪.‬‬
‫ل من ھذه السلسلة تحت عنوان‪) :‬االختالف والترجيح((‪.‬‬
‫‪ -18‬وقد بيّنّا ذلك عند البحث في الفصل الثاني من كتاب العدل اإللھي‪) ،‬وقد أدرجناه في موضوع مستق ّ‬

‫اﻟﻨﺒﻮة ﺿﺮورﺗﻬﺎ وﻣﻨﺎﻫﺞ اﻹﺛﺒﺎت‬
‫اﻟﺪرس اﻟﺮاﺑﻊ ﻋﺸﺮ‪ّ :‬‬
‫أھداف الدرس‬
‫‪ -1‬إثبات وجود حاجة إلى الرسالة‪.‬‬
‫‪ -2‬القدرة على برھان عدم كفاية العقل لھداية اإلنسان‪.‬‬
‫‪ -3‬القدرة على شرح المناھج المختلفة في إثبات النبوّ ة والفرق بينھا‪.‬‬
‫‪ -4‬القدرةعلى نقد المنھج اإل ّني في اثبات النبوّ ة‪.‬‬
‫‪ -5‬اكتساب القدرة على عرض الشبھات في إختيار األنبياء وردھا‪.‬‬
‫‪211‬‬
‫تمھيد‬
‫النبوّ ة ھي األصل الثاني من أصول الدين الثالثة عند المسلمين‪ ،‬واألصل الثالث من األ صول الخم سة و فق مذھب مدر سة‬
‫ً‬
‫سطة ب ين ﷲ و سائر ال ناس‪ ،‬يتل قون األوا مر‬
‫أھل البيت عليھم السالم‪ .‬ويفھم العرفُ النبوّ ة بأنَّ أفراداً من البشر ي شكلون وا‬
‫من ﷲ ويبلِّغونھا لھم‪ .‬ومن ھذا الفھم والتصور تنشأ عدة تساؤالت تعتبر مفتاح أبحاث النبوّ ة‪:‬‬
‫ ھل اإلنسانيّة بحاج ٍة إلى مثل ھذه العمليّة )التوسطية(؟‬‫ّ‬
‫ على فرض أنھا ضرورة‪ ،‬فھل ھي األسلوب الوحيد أم أنه توجد ُس ُب ٌل أخرى لتلقي تعاليم السماء؟‬‫ ما ھي ع لة ھذه ال ضرورة؟ ف ھل أ نه بدونھا تخ ت ّل الح ياة اإلجتماع ية الدنيو ية ف قط‪ ،‬أم األخرو ية ف قط‪ ،‬أم أ نه من دون‬‫االقتداء بتعاليم السماء واإللتزام بأحكام ﷲ ستختل كال الحياتين معاً؟‬
‫وھكذا نجد أنفسنا في خض ّم البحث عن الحاجة إلى األنبياء والرسل‪ ،‬ومنشأ ھذه الحاجة‪.‬‬
‫‪213‬‬
‫الحاجة إلى الرسالة‬
‫إنّ اإليمان باآلخرة‪ ،‬وأنّ حياة اإلنسان ال تنتھي بالموت وإن ما ھ ناك ن شأةٌ وح ياة أ خرى‪ ،‬ون حو آ خر من ا لرزق وال سعادة‬
‫والشقاء‪ ،‬يدفع اإلنسان للبحث عن تحديد األشياء النافعة والضارّ ة للسعادة األخرويّة‪.‬‬
‫وال يزال العلم والعقل اإلنسانيّ ‪ -‬مع ك ّل التقدُّم الذي أحرزه‪ -‬عاجزاً عن الوصول بنفسه إلى عالم ما بعد ال موت‪ ،‬وال يم كن‬
‫للعلم أن ّ‬
‫قاطع‪ ،‬فجاء األنبياء عليھم السالم أنفسھم وأخبروا عن أصل وجود ھا‪ ،‬وأو ضحوا‬
‫بنحو‬
‫يبت بأمر وجوده أو عدمه‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫نھج السعادة ونھج الشقاء فيھا‪ ،‬وبذلك تصبح الحاجة إلى النبوّ ات ثابتة‪ ،‬قطعيّة‪ ،‬ال مجال للنقاش فيھا‪.‬‬
‫ولم يقتصر إھتمام القرآن على اآلخرة وحدھا‪ ،‬بل كانت الحياة الدنيا من أھداف األنبياء عليھم السالم أيضا ً‪ .‬فقد أ ّكد ال قرآن‬
‫الز ٌم لب سط العدا لة‪ ،‬ف قال‬
‫الكريم على أنَّ العدالة من ضرورات الحياة البشريّة‪ ،‬وأنّ وجود األنبياء عليھم ال سالم ضروريّ ِ‬
‫تعالى‪﴿ :‬لَ َ‬
‫ط‪.﴾1‬‬
‫م ال ﱠن‬
‫ِس ِ‬
‫م ا ْلكِ َت َ‬
‫اب َوا ْلمِي َزانَ لِيَقُو َ‬
‫سلَ َنا بِا ْلبَ ِي ّ َناتِ َوأَ ْن َز ْل َنا َ‬
‫قدْ أَ ْر َ‬
‫َھ ْ‬
‫اس بِا ْلق ْ‬
‫مع ُ‬
‫س ْل َنا ُر ُ‬
‫ُ‬
‫إن الحياة اإلجتماعيّة لإلنسان تتعلَّق بشرط ّ‬
‫يتمثل بو جود اإلي مان‪ .‬فاإلن سان ال ي ستطيع أن يدير حيا ته االجتماعي ّة إذا ب قي‬
‫في إطار حالته الطبيعيّة والغريزيّة‪ ،‬التي تملي على ك ّل فرد من أبناء البشر أن يف ّكر في منفع ته الشخ صيّة ف قط‪ ،‬وأن ي قدّم‬
‫منفعته الخاصّة على المصلحة االجتماعيّة‪.‬‬
‫إذاً ھو بحاجة إلى اإليمان الذي يھيمن على وجوده‪ ،‬ويستطيع من خالله أن يحترم القوانين واأل خالق‪ ،‬ا لتي ت ع ّد ضرورية‬

‫من أجل المصالح االجتماعيّة‬
‫‪214‬‬
‫وإدارة الحياة اإلنسانيّة‪ ،‬سوا ًء كانت من قِ َبل ﷲ أو من قِ َبل الناس‪ ،‬ولكن بشرط أن تكون أصولھا من عند ﷲ‪.‬‬
‫وقد بُعث األنبياء عليھم ال سالم لينھ ضوا بالمھمّتين م عاً‪ ،‬ف ھم ي ھدون اإلن سان وير شدونه ن حو الم صالح اإلجتماعي ّة‪ ،‬و في‬
‫الوقت ذاته يجعلونه‪ -‬وربما كانت ھذه ھي الوظيفة األ ھ ّم‪ -‬م سؤوالً عن أن يمك ّ ن قوّ ة مع ّي نة بإ سم "اإلي مان" للھيم نة ع لى‬
‫و جوده‪ ،‬بح يث ي ستطيع‪ -‬بح كم ھذه ال قوّ ة أو ال قدرة‪ -‬أن ينف ّذ الم صالح اإلجتماعي ّة‪ ،‬وأن ي سعى وراء ك ّل ما ي ّ‬
‫شخص أن َّ ه‬
‫ٌ‬
‫صلحة اجتماعي ّة‪ ،‬أو م صلحة روحي ّة وم صلحة أخروي ّة من خالل معر فة ال ھدف من و جود اإلن سان وتحد يد الطر يق‬
‫م‬
‫الموصل إلى الھدف سواء كان ھذا التشخيص للمصالح االجتماعيّة بحكم الوحي‪ ،‬أم العقل‪ ،‬أم العلم‪.‬‬
‫ويذھب أصحاب ھذا الرأي إلى أ َّنه لوال وجود ھذه السلطة للدين واألنبياء عليھم السالم إلندثرت البشريّة‪ ،‬إذ كا نت ستأكل‬
‫نفسھا‪ ،‬وتدمّر وجودھا بذاتھا‪.‬‬
‫العقل واألنبياء عليھم السالم‬
‫وإن قيل إنه ال يصح فرض أن اإلنسان ينطلق وراء مصالحه الشخ صيّة ع لى ح ساب م صالحه اإلجتماعي ّة‪ ،‬أل نه ك ما ھو‬
‫مزوَّ د بغريزة حبّ الحياة وإرادة العيش‪ ،‬فإن َّ ه مزوَّ ٌد أي ضا ً بالع قل ا لذي ي صحّح له م سيره كلّ ما إ َّت جه ن حو اإلن حراف عن‬
‫المسار الصحيح والسليم‪ ،‬وبه يستغني عن العامل اإلضافي‪ -‬النبوات‪ -‬الذي يمارس دور الھداية والتحذير‪.‬‬
‫قلنا في مقام الجواب‪ :‬إ َّننا ال ننكر وجود ھذا العقل في اإلنسان‪ ،‬ولكن نحن نشاھد بالحسّ والوجدان أنَّ الك ثيرين من الب شر‬
‫قد إنساقوا وراء غرائزھم‪ ،‬وأھملوا تعليمات وإرشادات عقولھم‪ .‬وال أظنّ أنَّ أحداً يمكنه أن يتن ّكر لھذا‬
‫‪215‬‬
‫األ مر‪.‬و من ث َ ّم يب قى اإلن سان بحا ج ٍة إ لى م َ نْ يھد يه إ لى م صالحه اإلجتماعي ّة في ما لو ترك ھا سعيا ً وراء مناف عه الفردي ّة‬
‫الضيّقة‪ .‬وھذا ال يعني أن األنبياء عليھم السالم قد بع ثوا من أ جل تعط يل الع قل اإلن سانيّ ودف عه إ لى الر كود‪ ،‬و لم يكو نوا‬
‫بديالً للعقل‪ ،‬بل على العكس تماماً‪ ،‬فقد بُعثوا لتحريك العقول وتحريرھا‪.‬‬
‫النبوة‬
‫المناھج في إثبات‬
‫ّ‬
‫قد يقال‪ :‬إ َّنه ال وجود لما ذكرتموه من حاجة البشريّة إلى النبوّ ة واألنبياء‪ ،‬وبالتالي ف ھي ال تح تاج إ لى ا لدين ا لذي يأتي به‬
‫ھؤالء من عند ﷲ‪.‬‬
‫وقد يرى البعض أ ّنه ليس من الصحيح أن نستد ّل على ضرورة النبوّ ة بحاجة البشريّة‪ ،‬وبع بارة أ خرى‪ :‬من غير ال صحيح‬
‫أن نقول‪ :‬لمّا كانت البشريّة بحاج ٍة إلى النبوّ ة فال ب ّد أن يكون ھناك أنبياء في ال عالم‪ ،‬إذ ل يس من ال ضروريّ أن يو جد في‬
‫العالم ك ّل ما تحتاج إليه البشريّة‪ ،‬وإنْ كانت الحاجة واقعيّة‪.‬‬
‫وھنا يتح ّتم علينا أن نستعرض مناھج البحث في مقولة الحاجة‪.‬‬
‫وقد ُذكر في ذلك منھجان‪ :‬المنھج الكالميّ ‪ ،‬والمنھج الفلسفِيّ ‪.‬‬
‫النبوة‬
‫الكالمي في إثبات‬
‫‪ -1‬المنھج‬
‫ّ‬
‫ّ‬

‫أ‪ -‬إنكار نظام العل ّية‪ :‬يذھب المتكلِّمون‪ 2‬إلى وجوب نسبة ك ّل شي ٍء إلى ﷲ مباشر ًة وبال واسطةٍ‪ ،‬ويظنون أنَّ اإللتزام بنظام‬
‫العلّيّة ھو ضربٌ من التحديد ‪ ،‬فلذا نجدھم يرفضون نظام العلّية‪ -‬وأما ما يحفل به الوجود من نظام فھو تقريبا ً أم ٌر شكلِيٌّ‬
‫تشريفِيٌّ ‪.‬‬
‫ب‪ -‬مقتضى الحكمة فعل المصلحة‪ :‬ويقول من يؤمن بالحسن والقبح منھم‪:‬‬
‫‪216‬‬
‫ما دام ﷲ حكيما ً فال يصدر منه فع ٌل إالّ طبق المصلحة‪ ،‬فما ھو ح سن ي جب عل يه فع له‪ ،‬بمقت ضى حكم ته‪ ،‬وإالّ أ ضرّ ذ لك‬
‫بحكمته‪ ،‬وما ھو قبي ٌح ينبغي له أن ال يفعله‪ ،‬وإالّ كان ذلك طعنا ً في حكمته‪.‬‬
‫ولكن ھذا النھج من االستدالل ليس صحيحاً‪ ،‬سواء لجھة إنكار ن ظام العلّي ّة‪ ،‬أو لج ھة و ضع قا عدة و قانون يتح ّك مان با ‪،‬‬
‫فع للف عل اإللھ ِ يّ ‪ ،‬و ھذا ما‬
‫ويضبطان فعله‪ ،‬إذ معنى أن نقول‪" :‬ينب غي له أن يف عل"‪ ،‬أو "ينب غي له أن ال يف عل"‪ ،‬تحد ي ُد دا ٍ‬
‫يتنافى مع واجب الوجود‪ ،‬الذي ال يخضع لتأثير أيّ علّ ٍة مھما كانت‪ ،‬مضافا ً إلى أنّ الحسن والقبح اللذين ندركھما‪ ،‬ما ھ ما‬
‫إال أمور إعتبارية بمعنى أنھا تصدق في نطاق الحياة البشرية فقط ال غيرھا‪.‬‬
‫النبوة‬
‫الفلسفي الل ّمي في إثبات‬
‫‪ -2‬المنھج‬
‫ّ‬
‫ّ‬

‫‪3‬‬

‫يعتمد الفالسفة على مقولة االحتياج التي تعد قانونا ً طبيعياً‪ ،‬فيذھبون إلى أنّ ك ّل معدوم في العالم تعود علّة عدم وجوده إلى‬
‫يوجد‪.‬‬
‫عدم اإلمكان وعدم قابليّته للوجود‪ ،‬وأنّ ك ّل ما له إمكان وقابليّة للوجود فال ُب ّد أن َ‬
‫ويطبق ھذا المنھج ضمن مقدمتين على مسألة النبوّ ة‪:‬‬
‫ٌ‬
‫ممكنة‪ ،‬بمعنى إمكان إ ّتصال اإلنسان بالعالم اآلخر‪ ،‬حيث يُلقى إليه من ھ ناك اإلل ھام والغ يب‪ ،‬و ھذا ما يذ كر‬
‫النبوة‬
‫أ‪ -‬إنّ‬
‫ّ‬
‫برھانه في طيّات الحديث عن حقيقة الوحي‪.‬‬
‫ّ‬
‫ضربٌ‬
‫فراغ‬
‫ھور‬
‫ب‪ -‬إنّ البشر ّية بحاج ٍة إلى‬
‫ظ‬
‫لى‬
‫إ‬
‫ھا‬
‫وجود‬
‫عدم‬
‫ي‬
‫د‬
‫يؤ‬
‫و‬
‫مال‪،‬‬
‫والك‬
‫سعادة‬
‫وال‬
‫خير‬
‫ال‬
‫من‬
‫النبوة‪ ،‬والن بوّ ة‬
‫ّ‬
‫ٍ‬
‫وجوديّ لدى البشر يفضي إلى اضطراب‬
‫‪217‬‬
‫عا ّم في الحياة اإلنسانيّة‪.‬‬
‫ومن ھاتين المقدّمتين نصل إلى ضرورة وجود النبوّ ة في نظام العالم‪.‬‬
‫ونالحظ أن ھذا المنھج ال يتحدّث عن تكليف ﷲ‪ ،‬بل يقول الفالسفة )حكماء اإلسالم(‪ :‬إنّ ﷲ فاع ٌل تا ٌّم‪ ،‬وال يمكن أن يمت نع‬
‫الفيض من ناحيته‪ ،‬فال مجال للبخل في ذا ته كي يم نع الف يض‪ ،‬لذلك إذا ما كان ل شي ٍء في ن ظام الو جود إم كان الو جود‪،‬‬
‫وإمكان الديمومة‪ ،‬فسيُفاض عليه الوجود من ِق َبل ﷲ‪.‬‬
‫ولھذا المنھج أصول قرآنيّة‪ ،‬فقد قال تعالى‪ ،‬في معرض إنتقاد منكري النبوّ ة‬
‫ي ٍء‪.﴾4‬‬
‫ل ﷲ عَ لَى بَ َ‬
‫ما أَن َز َ‬
‫َ‬
‫ِن َ‬
‫رم ْ‬
‫ش ٍ‬
‫ش ْ‬

‫ما َ‬
‫ق َ‬
‫قدْ ِر ِه إِ ْذ ق َ الُوا‬
‫والوحي‪َ ﴿ :‬‬
‫ق َد ُروا ﷲ َ‬
‫و َ‬
‫ح ﱠ‬

‫فھو يقول‪ :‬إنّ َمن عرف ﷲ ّ‬
‫حق قدره ال يمكنه أن ينكر أنّ ﷲ قد أنزل الوحي ع لى أ شخاص معيّن ين‪ ،‬و ھم األنب ياء علي ھم‬
‫السالم‪.‬‬
‫وھذا استدالل با على وجود النبوّ ة والوحي‪.‬‬

‫النبوة‬
‫‪ -3‬المنھج اإل ّني في إثبات‬
‫ّ‬

‫‪5‬‬

‫قد يُدعى أ ّنه إذا لم نستطع إثبات حاجة الخلق إ لى الن بوّ ة بالبر ھان اللم ّيّ ‪ -‬أي عن طر يق اال ستدالل بالعل ّة ع لى المع لول‪-‬‬
‫فإ َّننا نستطيع ذلك عن طريق االستدالل بالبرھان اإل ّني‪ ،‬أي بالمعلول على العلّة‪.‬‬
‫ك في وجودھا وتح ُّقق ھا‪ ،‬وع ندما نب حث عن م صدر ھذه األ مور ن جد أن َّ ه ال‬
‫وبيان ذلك‪ :‬أننا نرى في الخارج أموراً ال نش ّ‬
‫ً‬
‫يمكن أن يكون ما ّد ّيا ً وعاد ّياً‪ ،‬إذ لھذه األمور من الخصائص ما يوجب أن يكون م صدرھا إلھي ّا‪ ،‬وبح سب تعبير نا ما وراء‬
‫الطبيعة‪.‬‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫ومثال ذلك‪ :‬غرائز الحيوانات‪ ،‬وأمثلتھا كثيرة جدا‪ ،‬فالھداية الموجودة في‬
‫‪218‬‬
‫الحيوانات ال يمكن أن يكون لھا منشأ غير اإللھام اإللھيّ ‪.‬‬
‫وقد أ ّكد القرآن ھذه الفكرة بقوله تعالى‪:‬‬
‫َي ْ‬
‫شونَ ‪.﴾6‬‬
‫ر ُ‬
‫ع ِ‬

‫ر َومِم ﱠ ا‬
‫ِـن ا ْلجِب َا ِ‬
‫ـل أَنْ اتﱠخ ِ ِ‬
‫حى َربﱡ َ‬
‫ِـن الش ﱠ َ‬
‫ل ُب ُيوتـاً َ‬
‫وأَ ْو َ‬
‫﴿ َ‬
‫وم ْ‬
‫ذي م ْ‬
‫ك إِلَـى ال ﱠن ْ‬
‫ج ِ‬
‫ح ِ‬

‫وفي مسألة النبوّ ة نرى لألنبياء آثاراً ال يمكن أن ت ّت سق مع التعل يم‪ ،‬واالكت ساب من المعل ِّم‪ ،‬والمح يط ا لداخليّ وال خارجيّ ‪،‬‬
‫نحو من التل ّقي واإللھام‪.‬‬
‫وبالتالي ال ُب ّد وأن نذعن بوجود ٍ‬
‫وكذا نرى لتعاليمھم التطابق الكامل مع مصالح العباد‪ ،‬ومع شؤون الب شريّة كاف ّ ًة‪ ،‬بخ ِالف ت عاليم العل ماء والفال سفة‪ ،‬الذ ين‬
‫كانوا يظھرون بين فتر ٍة وأخرى‪ ،‬حيث كانت ناق ً‬
‫صة‪ .‬و ھذا الك مال ال يُع قل أن ي كون نتا جا ً ل فر ٍد عاديٍّ ‪ ،‬ك ما ال يم كن أن‬
‫يكون ناتجا ً عن التعليم‪ ،‬أو التجربة‪ ،‬أو عن طريق النبوغ وما يحظى به إنسانٌ ما من تفوُّ ٍق على اآلخرين‪.‬‬
‫ٌ‬
‫خارجة عن مق ّدرات الع قل اإلن سانيّ ومعط يات الف كر اإلن سانيّ ‪ ،‬في جب‬
‫إذاً فھذه التعاليم التي جاء بھا األنبياء عليھم السالم‬
‫عندئ ٍذ اإليمان بوجود اإللھام‪.‬‬
‫وھذا السبيل ھو نفسُه النھج الذي سلكته اآليات‪.‬‬
‫مقومات النظر ّية ونقدھا‬
‫ّ‬
‫إن ھذه النظريّة تعتمد على جمل ٍة من المق ِّدمات‪ ،7‬وھي‪:‬‬
‫‪ -1‬لقد نھض األنبياء عليھم السالم على الدوام ض ّد اإل ّتجاه الحاكم في مجتمعاتھم‪.‬‬
‫ٌ‬
‫وھذه الفكرة‬
‫صحيحة‪ ،‬غير أنَّ ھذا ال يختصُّ باألنبياء عليھم السالم وحدھم‪ ،‬بل إنَّ‬
‫‪219‬‬
‫جميع الثائرين وأصحاب الحركات كانوا أساسا ً على ھذه السيرة‪.‬‬
‫‪ -2‬جاھد األنبياء عليھم السالم وضحّ وا في الطريق إلى تحقيق أھدافھم‪.‬‬
‫ٌ‬
‫صحيحة أيضاً‪ ،‬ولكنَّ ھذا ال يختصّ باألنبياء عليھم السالم وحدھم‪ ،‬فكم ھم الم ضحّون في سبيل أ ھدافھم و ما‬
‫وھذه الفكرة‬
‫يعتقدون به؟ فھل يكون ھؤالء أنبياء؟!‬

‫‪ -3‬لقد نھض األنبياء عليھم السالم بمفردھم‪ ،‬ولم يح َظ ْوا بحماية سلطةٍ‪ ،‬أو سياسةٍ‪ ،‬أو طبق ٍة معيَّنةٍ‪ ،‬فقد كانوا وح يدين ع لى‬
‫الدوام‪.‬‬
‫وھذا صحي ٌح أيضاً‪ ،‬ولكنْ يُشاركھم فيه غيرُھم‪.‬‬
‫‪ -4‬لم يكن األنبياء نفعيّين‪ ،‬يندفعون وراء جمع المال وكسب السلطة‪.‬‬
‫ٌ‬
‫شخص‬
‫نقطة نؤمن بھا‪ ،‬ولكنْ ال نستطيع أن نحت ّج بھا إلثبات النبوّ ة ل َمنْ يُنكرھا وال يؤمن بھا‪ ،‬إذ يرى ھؤالء أنَّ ك ّل‬
‫وھذه‬
‫ٍ‬
‫ّ‬
‫ير ْون أنّ األنبياء علي ھم ال سالم ھم أ شخاص يتملّك ھم ھ ياج التمك ّ ن‬
‫ھم‬
‫ن‬
‫إ‬
‫بل‬
‫العالم‪،‬‬
‫ھذا‬
‫في‬
‫به‬
‫يقنع‬
‫َّن‬
‫ي‬
‫مع‬
‫ف‬
‫ٍ‬
‫ھد‬
‫وراء‬
‫يسعى‬
‫َ‬
‫ٍ‬
‫ب من المنفعة‪.‬‬
‫من السلطة المعنويّة على الناس‪ ،‬وھذه الحالة تعبِّر بذاتھا عن ضر ٍ‬
‫وعليه فاالستدال ُل بأ ّنه ما دام األنبياء ال يرغبون بالمال فھم ال يرغبون بالسلطة أيضا ً مخدوشٌ من ِق َبل المنكرين للنبوّ ة‪.‬‬
‫نعم‪ ،‬ال ُك ّل يُسلِّم بأنَّ األنبياء لم يكونوا يرغبون في سلط ٍة تشبه سلطة الملوك والسالطين‪ ،‬وال سلطة العلماء والفال سفة‪ ،‬ف ھم‬
‫ٌ‬
‫فريق آخر‪ ،‬ولكنَّ ھذا ال يعني أ َّنھم مبعوثون من عند ﷲ‪.‬‬
‫عظيم ال نظير له‪.‬‬
‫بتوفيق‬
‫‪ -5‬حظي األنبياء عليھم السالم‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫وھذا أم ٌر صحي ٌح‪.‬‬
‫‪220‬‬
‫‪ -6‬تختلف تعاليم األنبياء عن تعاليم اآلخرين )الفالسفة والعلماء( في النھج‪.‬‬
‫فنھ ُج العلماء والفالسفة نھ ٌج َّ‬
‫كريٌّ وا ستداللِيٌّ ‪ ،‬ينط لق‬
‫منظ ٌم‪ ،‬يقوم على أساس الحركة من المق ِّد مة إ لى النتي جة‪ ،‬ف ھو ن ھ ٌج ف ِ‬
‫من عدد من المق ِّدمات‪ ،‬ويتحرَّ ك إلى األمام‪ ،‬ح ّتى يبلغ النتيجة‪.‬‬
‫أمّا األنبياء فليس نھجھم باألساس نھجا ً استدالل ّياً‪ ،‬ومنطق ّياً‪ ،‬وما شابه‪.‬‬
‫وي ستثني صاحب النظر ية ال قرآن ال كريم‪ ،‬ف قد جاء عن طر يق الع قل والمن طق‪ ،‬وا قترن بھ ما‪ .‬ف في ال قرآن أن ٌ‬
‫ماط من‬
‫االستدالالت العقلِيّة والفلسفيّة بالكامل‪ ،‬وليس فقط العقل التجريبيّ ‪.‬‬
‫وھذا الكالم صحي ٌح إلى ح ٍّد ما‪ ،‬ولك َّنه ليس صحيحا ً‬
‫بشكل تا ٍّم‪.‬‬
‫ٍ‬
‫‪ -7‬إنّ األمم التي إ َّت َب َعت تعاليم األنبياء عليھم السالم حظيت بالرقيّ والتقدُّم‪.‬‬
‫ونحن نؤمن بھذا‪ ،‬وينبغي علينا إثباته‪ ،‬ولكنْ ھل يؤمن به الذين ينكرون النبوّ ة؟‬
‫إ ّنھم يعدّون أغلب ما جاءت به تعاليم األنبياء من مظاھر الرجعيّة والتخلُّف‪.‬‬
‫والنتيجة التي يتوصل إليھا ھي أنّ األنبياء لم يكونوا نفعيّين‪ ،‬وكانوا مؤمنين بأنفسھم‪.‬‬
‫ير ْون أنّ األنب ياء علي ھم ال سالم جما عة من النفع ّي ين‬
‫للجدَ ل والنقاش أيضاً‪ ،‬إذ يُنكر البعض‪ ،‬وھم ا لذين َ‬
‫وھذه النتيجة مثا ٌر َ‬

‫الذين يس َع ْون وراء الجاه والسلطة‪ ،‬أنّ األنبياء عليھم السالم كانوا يعتقدون بصدق أنفسھم‪.‬‬
‫ولكنَّ اإلنصاف أنّ تضحيات األنبياء عليھم السالم وسيرتھم تد ّل بوضوح على أ ّنھم‬
‫‪221‬‬
‫كانوا مؤمنين بما يقولونه‪.‬‬
‫ف إلثبات نبوّ تھم؟‬
‫ولكنْ يبقى السؤال‪ :‬ھل أنَّ إيمان ھؤالء بصدق أنفسھم كا ٍ‬
‫الجواب‪ :‬كالّ‪ ،‬فصحي ٌح أنّ الكثير ممَّن أنكر النبوّ ة في الماضي والحاضر ال يرى أنَّ األنب ياء ھم مح تالون من ذوي الم كر‬
‫ً‬
‫حالة تنتابھم بحيث تلقي عليھم ظالالً من التخيُّالت تجعلھم يتوھَّمون أ َّنه قد أُوحي إليھم‪.‬‬
‫والخداع‪ ،‬ولك َّنه يرى أنّ ھناك‬
‫فنحن نؤمن بأنّ األنبياء عليھم السالم لم يكونوا مستبدّين قصّار نظر‪ ،‬كما لم ّ‬
‫يتأثروا ببيئتھم ولم يتعلَّ موا من محيط ھم‪ ،‬و لم‬
‫يكونوا مصابين بإنفصام الشخصيّة‪ ،‬كما أ ّنھم لم يكونوا ّ‬
‫سذجاً‪ ،‬ولكنَّ اآلخرين ينكرون ذلك كلّه‪.‬‬
‫محصَّل النظريّة في ثالث مقدّمات‪:‬‬
‫ّأوالً‪ :‬ما دامت تعاليم األنبياء عليھم السالم منبثقة من وجودھم‪ ،‬وليس من المحيط‪ ،‬أو بتأثير معلِّ ٍم‪.‬‬
‫ثانيا ً‪ :‬ما دامت تعاليمھم منبثقة من منشأ فكريّ ‪ ،‬ومنتھية إلى مقصد ھو ﷲ‪.‬‬
‫ثالثا ً‪ :‬لمّا كانت مھمّتھم وخدماتھم قد إقترنت بالصدق والنبوغ والنضج‪.‬‬
‫إذاً‪ ،‬ما جاؤوا به إمّا أن يكون إبداعا ً ذات ّياً‪ ،‬نتيجة خياالت وت صوّ رات شخ صيّة‪ ،‬أو أنّ له من شأ ً واقعي ّا ً وحقيقي ّاً‪ ،‬و ھو غ ير‬
‫بشريّ في الوقت ذاته‪.‬‬
‫واإلحتما ُل األوّ ل باطِ لٌ‪ ،‬إذ مھما بلغت إبداعات الشخص من الكمال ف سيبقى للن قص في ھا ن صيبٌ ك بيرٌ‪ ،‬و ھذا الن قصُ غ ي ُر‬
‫موجو ٍد في تعاليم األنبياء عليھم السالم‪.‬‬
‫فتعيّن االحتمال الثاني‪.‬‬
‫‪222‬‬
‫مع اإلشارة إلى أنَّ ھؤالء األنبياء عليھم السالم لمّا كانوا يؤمنون بعمق تديّنھم‪ ،‬وقد ثبت أ ّنھم ّ‬
‫منزھون عن الكذب والحي لة‪،‬‬
‫فيكون ك ّل ما قالوه صدقاً‪ ،‬ومنه أنَّ ھذه التعاليم ليست من عند أنفسھم‪ ،‬وال من تداعيات ع قولھم‪ ،‬بل إ ّن ھم أ خذوھا من إ له‬
‫مفترض‪.‬‬
‫ث ّم أشار صاحب النظرية‪ 8‬إلى أنّ نھج األنبياء عليھم السالم نھج داخليّ ‪ ،‬فھم يستمدّون اإللھام من داخل ھم‪ ،‬تما ما ً ك ما يتأث ّر‬
‫الف ّنانون بداخلھم‪.‬‬
‫وھذا الوجه المشترك يع ّد عند ھذه الحدود صحيحا ً إلى ح ٍّد ما‪.‬‬
‫مع فارق وھو أنّ الف ّنانين ال يخرجون أبداً من أطرھم النف سيّة‪ ،‬وأم ّا األنب ياء علي ھم ال سالم ف قد فت حوا نا فذ ًة صوب الع قل‪،‬‬
‫وبإ ّتجاه الخارج وتربية المجتمع‪.‬‬
‫وھنا نسأل‪ :‬ما ھو الدليل على أنّ ما يدخل في عداد إل ھام األنب ياء علي ھم ال سالم‪ ،‬ا لذي ھو إل ھام داخ ليّ أي ضاً‪ ،‬ھو إل ھا ٌم‬

‫إلھيّ ؟‬
‫إذاً‪ ،‬إن كل ما ذكر من الشواھد والقرائن على صحّة طر يق البر ھان اإلن ّ يّ )طر يق اال ستدالل بالمعلول ع لى العل ّة( غ ير‬
‫تا ٍّم‪ .‬ن عم ھو ي صلح في م قام اإلف حام بن سبة ما‪ ،‬وإنْ كان الطر يق في حد ذا ته أسا س ّيا ً في ب حث إث بات الن بوّ ة‪ ،9‬و سيأتي‬
‫التعرض له في بحث المعجزة‪ ،‬الذي ھو استدالل باإلنّ على الن بوّ ة‪ ،‬بح يث لو أھمل نا اآل ثار وا لدالئل ا لتي ذكر ھا األنب ياء‬
‫عليھم السالم فلن نستطيع إثبات النبوّ ة‪.‬‬
‫‪223‬‬
‫شبھات وحلول‬
‫بعد أن إتضحت الحاجة إلى النبوّ ة‪ ،‬قد تخطر على البال بعض األ سئلة ا لتي ال بد ل ھا من إجا بة مقن عة‪ ،‬و بذلك ي تم الب حث‬
‫عن ضرورة النبوّ ة‪ ،‬وعن المناھج المذكورة في إثباتھا‪.‬‬
‫المرتبة الوجود ّية للموجودات‬
‫قد يُقال‪ :‬لماذا ُخلق اإلنسان على ھذه الشاكلة؟ ولماذا لم يُخلَق على بنية أخرى؟ لماذا لم توھب النبوّ ة للجميع؟‬
‫ھذه أسئلة ال مح ّل لھا في صميم الخلقة‪ ،‬وغير صائبة من األساس‪.‬‬
‫فالخلقة تتحرّ ك في إطار‬
‫نظام مح َّدد ال يتخلَّف‪ ،‬وال يمكن تغييره‪ .‬ونحن عندما نقول بحاجة البشر إلى النبوّ ة فليس معناه أنَّ‬
‫ٍ‬
‫ﷲ مكلَّفٌ ‪ ،‬وأنَّ من الواجب عليه أن يخلق األنبياء لكي يتدارك ھذا النقص في نظام الخلقة‪ ،‬بل إنَّ مشروع الخل قة م شروع‬
‫متكامِل يحت ّل فيه ك ّل شيء مكانه‪ ،‬فإذا ما كان ث َ ّم حا جة في ن ظام الخل قة‪ ،‬و كان ھ ناك إ ستعدا ٌد وإم كان لتل ّقي ھا‪ ،‬فسيح صل‬
‫الفيض قطعاً‪ ،‬ألنّ فيض ﷲ مط َل ٌق‪.‬‬
‫ومن ھنا ال معنى للقول‪ :‬لماذا لم يكن ك ّل أفراد البشر على ھذه الشاكلة؟ ألنَّ للخلقة نظا ما ً م ّت سقا ً ومن سجماً‪ ،‬يح ت ّل ف يه كل‬
‫موجود مكانه الطبيعي الذي لو حاد عنه الختل النظام‪ ،‬وليس بم قدور أيّ مو جو ٍد أن يوجَ د إالّ في إ طار مرتب ته الوجودي ّة‬
‫الموجود فيھا فعالً‪.‬‬
‫مثال العدد‬
‫وأفض ُل مثال في مجال نظام الخلقة والتكوين ھو األعداد‪ ،‬فھي تصوِّ ر‬
‫‪224‬‬
‫لماذا ال يمكن أن نفترض اإلنسان موجوداً في مرتبة موجو ٍد آخر‪ ،‬ولماذا لم يَصِ ر اإلنسان فرسا ً والفرس إنساناً‪ ،‬ولماذا لم‬
‫جھل؟‬
‫يصبح أبو جھل نب ّيا ً والنبيّ أبا‬
‫ٍ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫أربعة؟‬
‫خمسة‪ ،‬والخمسة‬
‫فھل يتساءل أح ٌد‪ :‬لماذا لم تصبح األربعة‬
‫ً‬
‫أربعة أل َّن ھا مو جودةٌ أسا سا ً في الم كان ا لذي ھي مو جودةٌ ف يه اآلن‪ ،‬ف لو نقلنا ھا إ لى م كان‬
‫كال‪ ،‬ألنَّ األربعة إ َّنما صارت‬
‫ً‬
‫ً‬
‫أربعة‪ ،‬وھكذا بقيّة األعداد‪.‬‬
‫سبعة‪ ،‬ولن تبقى‬
‫السبعة فستصير‬
‫والموجودات في ھذا العالم متقوِّ ٌ‬
‫ُ‬
‫مة بمراتبھا‪ ،‬كما يُعبِّر عن ذلك الفالسفة‪ ،‬فك ّل مو جو ٍد في أيِّ رت ب ٍة وُ جد فإنّ ت لك المرت بة‬

‫ھي جزء من ذاته‪ ،‬وبالتالي فمن المحال أن تتغيَّر مرتبته ويبقى الموجود ھو الموجود نفسه‪.‬‬
‫ﷲ يصطفي رسال‬
‫وبشكل عشوائيّ ؟‬
‫صيّة تميّزه عن غيره أم يأتي اإلختيار جزافاً‪،‬‬
‫وقد يعترض بأنه ھل لمن يختاره ﷲ للنبوّ ة خا ّ‬
‫ٍ‬
‫الجواب‪ :‬كال‪ ،‬ال ي ت ّم إخت يار ال نبي من دون ضابطة‪ .‬وإ ستعداد وقابل ية ال شخص ل ھا د خ ٌل في ھذا اإلخت يار‪ ،‬و قد صرّ ح‬
‫‪10‬‬
‫سالَ َت ُه‪.﴾11‬‬
‫َل ِر َ‬
‫م َ‬
‫ث َي ْ‬
‫صطَفَا ُه عَ لَ ْيك ْ‬
‫القرآن الكريم بھذا العنصر‪﴿:‬إِنﱠ ﷲ ا ْ‬
‫جع ُ‬
‫ُم ﴾‪ ،‬واآلية األصرح في ذلك‪﴿ :‬ﷲ أَعْ لَ ُ‬
‫ح ْي ُ‬
‫إذاً‪ ،‬ليس لجميع األفراد أھليّة النبوّ ة‪ ،‬وإ َّنما يستند اإلختيار إلى إستعداد خاصّ ‪.‬‬
‫‪225‬‬
‫لماذا نلحظ كثرة األنبياء في أرض مع ّينة؟‬
‫َل ِرس َ الَ َت ُه‪ ،﴾12‬فإذا كان اإل صطفاء للر سالة له‬
‫م َ‬
‫ث يَ ْ‬
‫جع ُ‬
‫إنّ لذلك عالقة بالعنصر ذاته الذي تشير إليه اآل ية‪﴿ :‬ﷲ أَعْ لَ ُ‬
‫ح ْي ُ‬
‫صلة باإل ستعدادات الخاص ّة ا لتي ين طوي علي ھا األ فراد‪ ،‬ف من الثا بت أنّ لجغراف ية األرض تأثيرات ھا المتنوّ عة في ترب ية‬
‫اإلستعدادات‪.‬‬
‫مث ـالً يقولــون عــن أرض الشــرق‪ :‬إ َّنھــا أرض العرفــان واإلشــراق‪ ،‬وعليــه فليــس جزاف ـا ً أن يميــل الغرب ّيــون‪ -‬مث ـالً‪ -‬إلــى‬
‫المحسوسات أكثر‪ ،‬في حين يميل الشرقيّون إلى ما وراء الحسّ أكثر‪.‬‬
‫كما ومن الثابت أنّ للمحيط الجغرافيّ ‪ ،‬والظروف المناخيّة‪ ،‬وحرارة الشمس‪ ،‬تأثيراً مفيداً في نموّ ج سم اإلن سان‪ ،‬وللو ضع‬
‫صا ً‪.‬‬
‫الجسميّ تأثيره في تربية الروح وإعدادھا إعداداً خا ّ‬
‫عام‪-‬‬
‫وع لى ضوء ھذا ل يس ھ ناك ما يم نع أن ي كون لب عض األ قاليم ا ستعداد أ كبر لتنم ية األ فراد ا لذين يح ظون‪ -‬ب ٍ‬
‫شكل ٍ‬
‫بقابليّات على اإلشراق واإللھام‪.‬‬
‫نب ٍّي بينھم؟‬
‫ھل ُح ِرم بعض األقوام من وجود ِ‬
‫إن لم يمكن تاريخ ّيا ً إثبات أنّ األنبياء عليھم السالم كانوا منتشرين في جميع األصقاع‪ ،‬إال أن ا لدليل ال تاريخيّ لم يُث بت ل نا‬
‫خلوّ بعض األصقاع واألقاليم من األنبياء عليھم السالم تماما ً‪ .‬وبعبارة أخرى‪ ،‬إن لم يكن ھناك دليل ع لى اإلث بات فال دل يل‬
‫أيضا ً على النفي‪.‬‬
‫والمنطق القرآنيّ في ھذه المسألة ھو أنَّ ﷲ تعالى بعث لك ِّل أ ّم ٍة نذيراً‪ ،‬قال‬
‫‪226‬‬
‫ِن ُأ ﱠم ٍة إِال ﱠ خال َ فِي َھا نَذِي ٌر‪ ،﴾13‬وھذا يعني و جود الن بوّ ات في ك ّل األ مم واأل قوام‪ .‬و ھذا المن ُ‬
‫طق ھو المر جع‬
‫تعالى‪َ ﴿ :‬‬
‫وإِنْ م ْ‬
‫واألصل لنا مع فقد الدليل التاريخيّ على اإلثبات والنفي‪.‬‬
‫‪227‬‬

‫ﺧﻼﺻﺔ اﻟﺪرس‬

‫النبوة‪:‬‬
‫ُذكرت ثالثة مناھج في إثبات‬
‫ّ‬
‫‪ -1‬المنھج الكالمي‪ :‬الذي ينكر قانون العلية ألنه يؤدي إلى تحديد ﷲ سبحانه‪ ،‬ويؤمن بالحك مة اإللھ ية وأن ﷲ ال يف عل إال‬
‫الحسن وطبق المصلحة‪.‬‬
‫‪ -2‬المنھج الفلسفي‪ :‬الذي يرى أنّ ك ّل معدوم في العالم تعود علّة عدم وجوده إلى عدم اإلمكان وعدم قابليّته للو جود‪ ،‬وأنّ‬
‫يوجد‪.‬‬
‫ك ّل ما له إمكان وقابليّة للوجود فال ُب ّد أن َ‬
‫ً‬
‫ُّ‬
‫ك في وجودھا وتحققھا‪ ،‬وعندما نبحث عن م صدر‬
‫‪ -3‬المنھج اإلني‪ :‬يرى صاحب ھذا المنھج أن في الخارج أمورا ال نش ّ‬
‫ھذه األمور نجد أ َّنه ال يمكن أن يكون ما ّد ّيا ً وعاد ّياً‪ ،‬إذ لھذه األمور من الخصائص ما يوجب أن يكون مصدرھا إلھ ّيا ً‪.‬‬
‫وفي مسألة النبوّ ة نرى لألنبياء عليھم السالم آثاراً ال يم كن أن ت ّت سق مع التعل يم واإلكت ساب من المعل ِّم‪ ،‬والمح يط الداخ ليّ‬
‫نحو من التل ّقي واإللھام‪.‬‬
‫والخارجيّ ‪ ،‬وبالتالي ال ُب ّد وأن نذعن بوجود ٍ‬
‫والحق ھو أن كل ما ذكر من الشواھد والقرائن على صحّ ة طريق البرھان اإل ّنيّ غير تا ٍّم‪ ،‬نعم ھو يصلح في م قام اإلف حام‬
‫بنسبة ما‪ ،‬وإنْ كان الطريق في حد ذاته أسا س ّيا ً في ب حث إث بات الن بوّ ة‪ ،14‬ا لذي ھو ا ستدالل باإلنّ ع لى الن بوّ ة‪ ،‬بح يث لو‬
‫أھملنا اآلثار والدالئل التي ذكرھا األنبياء عليھم السالم فلن نستطيع إثبات النبوّ ة‪.‬‬
‫ْ◌‬

‫وما ذكر عن إختيار األنبياء عليھم السالم فإنه ال يت ّم من دون أي ضابطة‪ ،‬بل لإلستعداد دخ ٌل في اإلختيار‪ ،‬والقرآن الكريم‬
‫سالَ َته◌ُ ﴾‪.‬‬
‫َل ِر َ‬
‫م َ‬
‫يُبرز ھذا العنصر‪ ،‬في قوله‪﴿ :‬ﷲ أَعْ لَ ُ‬
‫ث يَجع ُ‬
‫ح ْي ُ‬
‫وال دليل من التاريخ على أنّ األنبياء عليھم السالم كانوا في جميع األصقاع‪ ،‬كما ال دليل ع لى أنّ ب عض األ صقاع قد خال‬
‫منھم‪.‬‬
‫ومنطق القرآن الكريم ھو وجود النبوّ ات في ك ّل األمم واألقوام‪.‬‬

‫أﺳﺌﻠﺔ اﻟﺪرس‬
‫‪ -1‬ھل اإلنسانية بحاجة إلى العملية التوسطية بين ﷲ والبشر؟‬
‫‪ -2‬ما ھي الحاجة الدنيوية واإلجتماعية للرسالة؟‬
‫‪ -3‬ھل يمكن لإلنسان أن يستغني بنور العقل عن النبوّ ة؟‬
‫‪ -4‬ما ھي المناھج المذكورة في إثبات النبوّ ة؟‬
‫‪ -5‬لماذا لم توھب النبوّ ة للجميع‪ ،‬وكان ھناك إصطفاء لألنبياء؟‬

‫ﻫﻮاﻣﺶ‬
‫‪ -1‬الحديد ‪.25 /‬‬
‫‪ -2‬المعروف نسبة ھذا القول إلى جھم بن صفوان‪ ،‬واألشاعرة‪ ،‬والنجاريّة‪ -‬راجع ارشاد الطالبين‪ -‬المقداد السيوري‪ -‬ص‪) 263‬منشورات المرع شي‪ ،‬قم( راجـع الملـل‬
‫والنحل للسبحاني‪ ،‬ج‪ -2‬ص‪.113‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫مي ينطلق من ﷲ وصفاته إلى ضرورة‬
‫ل‬
‫برھان‬
‫وھذا‬
‫‪،‬‬
‫ا‬
‫ي‬
‫طبيع‬
‫ا‬
‫قانون‬
‫بل‬
‫‪،‬‬
‫ا‬
‫قانون‬
‫ذاتھا‬
‫في‬
‫د‬
‫ع‬
‫ت‬
‫التي‬
‫الحاجة‪،‬‬
‫مقولة‬
‫طرح‬
‫خالل‬
‫من‬
‫عنه‬
‫رنا‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ُ ّ‬
‫‪ -3‬وھو المنھج الذي نتبنّاه‪ ،‬وعبﱠ‬
‫وجود النبوّة‪ ،‬أي من العلة إلى المعلول‪.‬‬
‫‪ -4‬األنعام ‪.91 /‬‬
‫‪ -5‬وھي نظرية المھندس بازركان‪ ،‬ذكرھا في كتابه )الطريق المطوي(‪.‬‬
‫‪ -6‬النحل ‪.68 /‬‬
‫ي"‪.‬‬
‫دِمات في كتا َب ْيه‪" :‬درس التديﱡن" و"الطريق المطو ّ‬
‫‪ -7‬ذكر المھندس بازركان ھذه المق ّ‬
‫ي"‪.‬‬
‫‪ -8‬في كتابه "الطريق المطو ّ‬
‫ي من خالل اآلية والمعجزة‪.‬‬
‫‪ -9‬إذ إن أصل ھذا الطريق وكليّه صحيح‪ ،‬وسوف يذكر تحت عنوان اآليات والبيّنات‪ ،‬ونثبت النبوّة بالطريق اإلن ّ‬
‫‪ -10‬البقرة ‪.247 /‬‬
‫‪ -11‬األنعام ‪.124 /‬‬
‫‪ -12‬األنعام ‪.124 /‬‬
‫‪ -13‬فاطر ‪.24 /‬‬

‫‪ -14‬إذ إن أصل ھذا الطريق وكليّه صحيح‪ ،‬وسوف يذكر تحت عنوان اآليات والبينات‪ ،‬ونثبت النبوّة بالطريق اإلني من خالل اآلية والمعجزة‪.‬‬

‫اﻟﺪرس اﻟﺨﺎﻣﺲ ﻋﺸﺮ‪ :‬اﻟﻮﺣﻲ‬
‫أھداف الدرس‬
‫‪ -1‬معرفة الوحي لغة واصطالحا ً‪.‬‬
‫‪ -2‬القدرة على شرح النظرية العامية حول الوحي‪.‬‬
‫‪ -3‬فھم النظرية التنويرية حول الوحي‪.‬‬
‫‪ -4‬القدرة على شرح نظرية حكماء المسلمين حول الوحي‪.‬‬
‫‪ -5‬القدرة على شرح رأي الفالسفة وعلماء النفس حول نظرية حكماء المسلمين‪.‬‬
‫‪ -6‬تع ُّدد استعماالت القرآن لكلمة الوحي باإلستناد إلى اآليات القرآنية‪.‬‬
‫‪229‬‬
‫تمھيد‪:‬‬
‫بعد أن اتضحت ضرورة الحاجة إلى وجود األنبياء‪ ،‬و ضرورة اإلت صال بأح كام ال سماء وتعاليم ھا‪ ،‬يأتي دور الب حث عن‬
‫الوحي‪ ،‬فإن األنبياء قد استعملوا إصطالح الوحي وقالوا إنه يوحى إليھم من ق بل ﷲ سبحانه‪ ،‬وإن ھم ع لى إت صال با إ ما‬
‫مباشرة أو عبر اإلتصال بالمالك الذي يشكل واسطة في تلق ّي الو حي‪ ،‬ف ما ھو الو حي؟ وك يف ت ت ّم ھذه العمل ية؟ و ما ھو‬
‫الدليل على صحة ھذا المدّعى ؟‪ 1‬ھذه أ سئلة تع تبر مف تاح وأ ساس الب حث عن م سألة الو حي‪ ،‬مع اإل شارة في مقد مة ھذا‬
‫البحث إلى أنه ال أحد يدعي بأنه يستطيع أن يشرح ويبيّن حقيقة ھذه العملية وكنھ ھا مع كل ما ل ھذه الكل مة من خ صائص‬
‫وميزات‪ ،‬وذلك ألنھا نحو عالقة وإرتباط خاص بين إنسان خاص مع ﷲ‪ ،‬وليست من نوع اإلرتباطات بين الب شر أنف سھم‪،‬‬
‫أو بين البشر وسائر الموجودات‪ .‬والذي بمقدوره أن يوضح ھذه العالقة وھذا النحو من االرتباط ھم األنب ياء علي ھم ال سالم‬
‫أنفسھم‪ ،‬ألنھم أصحاب العالقة ال غير‪.‬‬
‫‪231‬‬
‫لكن مع ذلك يمكن البحث عن الوحي ويمكن نفي بعض األمور من خالل ح كم الع قل أو من خالل ال قرائن‪ ،‬أو من خالل‬
‫اآليات القرآنية وما ذكره لنا األنبياء عليھم السالم أنفسھم‪.‬‬
‫ما ھو الوحي؟‬
‫يعرّ ف الوحي ً‬
‫لغة بأ ّنه "إلقاء علم )باعالم( في إخفاء أو غيره إلى غيرك"‪ ،2‬وك ّل ما ي ّتسم بالغموض والخفاء على اآلخرين‬
‫يُسمّى وحيا ً بحسب العرف‪ ،‬فمن الوحي أن يتح ّدث شخصٌ إلى آخر ويناجيه سرّ اً‪ ،‬أو يتح ّدث إليه باإليماء واإلشارة‪.‬‬
‫ولكنّ المعنى اللغويّ والعرفيّ يحمل في طياته عاد ًة مفھوما ً أع ّم وأوسع من المعنى المصطلح الذي إستعمله األنب ياء علي ھم‬
‫معاني وحقائق أخرى‪ ،‬والھدف ھو الب حث‬
‫السالم‪ ،‬فھو وإن كان قريبا ً من المعنى اللغوي من حيث المفھوم‪ ،‬إال أ ّنه يختزن‬
‫َ‬
‫عن المعنى المصطلح محاولين رسم صورة عنه‪ ،‬لنرى دائرته‪ ،‬وخصائصه‪ ،‬وتفسيره‪.‬‬
‫وقد طرحت ثالث نظريّات لتفسير ھذه الظاھرة‪ ،‬سنعرضھا ث ّم نرى أيّ النظري ّات ھي ا لتي تتنا سب مع ما ذ كره ال قرآن‬
‫من موارد الوحي‪ ،‬وتنسجم مع الخصائص التي وردت على لسان أولياء الوحي من األنبياء عليھم السالم‪.‬‬
‫‪ -1‬النظر ّية العام ّية‪:‬‬
‫يتصوّ ر عوا ّم الناس أنّ ﷲ قد إستقرّ في نقطة مرتفعة بعيدة جداً من ال سماء‪ ،‬بين ما ال نبي يع يش ع لى األرض‪ ،‬وعل يه فإنّ‬
‫ھناك فاصلة شاسعة بين ﷲ والرسول‪.‬وبما أنّ النبيّ بشر ال يمكنه أن يحلّق في السماء لتل ّقي التعاليم اإللھيّة‪،‬‬

‫‪232‬‬
‫فال ب ّد من موجود آخر يتم ّكن من قطع ھذه المسافة الشاسعة‪ ،‬يھبط إلى األرض ويت ح ّدث إ لى ال نبيّ ‪ ،‬وي كون حل قة الو صل‬
‫بينه وبين ﷲ‪.‬‬
‫وال ب ّد أن يتم ّتع ھذا الموجود بصفات تنسجم مع طبيعة مھمّته‪ ،‬فيتصورون أ نه لق طع الم سافة ال مذكورة ال ب ّد أن ي كون له‬
‫أجنحة يطير بھا وينقل تعاليم السماء ويبلغھا ال نبيّ ويت حدّث م عه‪ ،‬وال ب ّد أن ي كون ع لى قدر من الع قل واإلدراك وال قدرة‬
‫على النطق‪ ،‬فھو من الجھة األولى له بُع ُد‬
‫طائر‪ ،‬ومن الجھة الثانية له بعد إنسانيّ ‪.3‬‬
‫ٍ‬
‫في النتيجة يكون الوحي وفق ھذه النظريّة عبارة عن كالم من ﷲ يتل ّقاه النبيّ كما يتلق ّى كالم نا‪ ،‬ول كن من خالل وا سطة‪،‬‬
‫ھو ذلك الملَك العاقل الطائر‪.‬‬
‫وفي الواقع ال تتعدّى ھذه النظريّة كونھا تصوّ راً يخطر على بال عوا ّم الناس‪ ،‬فھي ال تعتمد على أيّ دليل أو تفسير علميّ ‪،‬‬
‫وإ ّنما ھي محض تبادر ذھنيّ ساذج‪ ،‬كان ح صيلة ب عض الم فردات المرتب طة با و بالوحي‪ ،‬وا لتي تو حي للوھ لة األو لى‬
‫بھكذا خطرات‪ .‬فھي ال تنسجم أبداً مع موارد الوحي التي ذكرھا القرآن‪ ،‬وال مع المعطيات التي ق ّدمھااألنبياء عليھم ال سالم‬
‫ّ‬
‫تستحق التو ّقف عندھا‪ ،‬وإ ّن ما ال جدير ب نا تنب يه ال عوا ّم ع لى ب عض أخ طائھم في ت صوّ ر الح قائق المرتب طة بعا لم‬
‫‪ ،4‬ولذا ال‬
‫الغيب‪.‬‬
‫‪ -2‬النظر ّية التنوير ّية‪:‬‬
‫وتقوم ھذه النظرية على تب ّني نمط خاصّ من التفسير‪ ،‬يقوم على تأويل ك ّل ما جاء ب شأن عال قة ال نبيّ با ‪ ،‬فتعتبر ھا من‬
‫األمور العاديّة الجارية بين أفراد البشر‪ ،5‬غاية ما ھناك أنھا أمور خاصة بالنوابغ واإلستثنائيين من البشر‪،‬‬
‫‪233‬‬
‫فترى أن ك ّل ما ورد بالنسبة للوحي ونزول المالئكة‪ ،‬نوع من التعبيرات المجازيّة‪ ،‬حيث ال يمكن التحدث مع عوام ال ناس‬
‫إال بھذه اللغة‪.‬‬
‫وفحوى ھذه النظريّة أنّ النبيّ نابغة إجتماعيّ محبّ للخير‪ ،‬تأمّل في ما آلت إليه أوضاع المجتمع‪ ،‬ور صد ما يح يط ال ناس‬
‫بوغ إ لى تغ يير أو ضاعھم‪ ،‬م ستلھما ً من داخ له‪ ،‬من رو حه ونف سه‪،‬‬
‫من أوجاع وضروب الفساد‪ ،‬ث ّم سعى بما آتاه ﷲ من ن ٍ‬
‫أفكاراً ترسم طريقا ً صحيحا ً يح ّل المشكالت‪ ،‬ث ّم قام ّ‬
‫ببث ھذه األفكار بين الناس‪.‬‬
‫ثاق من ع مق ف كر ال نبيّ إ لى ظاھر ف كره‪ ،‬و ھو ع م ٌل إ بداعيٌّ إقت ضته بن ية‬
‫فالوحي وفق ھذه النظريّة‪ ،‬ھو ع بارة عن إنب ٍ‬
‫النابغة الخاصّة‪.‬‬
‫في المقابل يرفض أصحاب ھذه النظري ّة اإلذ عان إ لى و جود حقي ق ٍة وراء ف كر اإلن سان ورو حه وعق له بح يث يرتبط ب ھا‬
‫باطن النبيّ ‪ ،‬ويتن ّكرون لإليمان بأيّ بُعد غير عاديّ في مسألة النبوّ ة والوحي‪.‬‬
‫وأمّا بالنسبة لبعض التعابير الواردة المتعلقة بالوحي فيقومون بتأويلھا‪:‬‬
‫فمثالً "الروح األمين وروح القدس" ليس شيئا ً غير روح النبيّ‪ ،‬فمعنى أن يأتي ا لروح األم ين باألف كار وت عاليم ا لدين‪ ،‬ھو‬
‫نفس إنبثاق ھذه األفكار من أعماق روح النبي النابغة‪.‬‬
‫وأما المالئكة ف ھي ع ندھم ع بارة عن قوى الطبي عة ذات ھا‪ ،‬ول ما كان ﷲ ي ستخدم ال قوى الطبيعي ّة ف ستكون المالئ كة ت حت‬

‫إختياره‪.‬‬
‫وأ ما "ا لدين" ف ھو ع ندھم ال يت عدّى كو نه مجمو عة ال قوانين ا لتي و ضعھا الناب غة‪ ،‬و ھي قوانين صالحة ومف يدة ل سعادة‬
‫المجتمع‪ ،‬وھذا ما ينشده الناس‪ ،‬ولذلك يمكننا أن نعتبر ھذا الدين من عند ﷲ‪.‬‬
‫‪234‬‬
‫ولكنّ ھذه النظريّة ال تتناسب مع ما ورد من إستعمال القرآن للوحي في مختلف الموجودات‪ ،‬ولذا فھي عاجزة عن تف سير‬
‫ذلك‪ ،‬كما أ ّنھا ُتعبّر عن تفسير بعيد عن الوقائع التي طرحھا األنبياء بالنسبة لخصائص الو حي المُل قى إلي ھم‪ ،‬كو جود حا لة‬
‫التعليم واألخذ من مصدر خارج ذواتھم‪ ،‬وشعورھم بمصدر الوحي العلويّ ‪ ،‬وإدراكھم للواسطة فيه‪...‬‬
‫فھي إذاً تتجاوز ك ثيراً من الم فاھيم والح قائق الديني ّة ا لتي أ تى ب ھا األنب ياء علي ھم ال سالم أنف سھم‪ ،‬وت حاول تب سيط األ مور‬
‫وجعلھا أموراً عاديّة‪ ،‬من خالل اللجوء إلى التأويل‪ ،‬فيما نعتقد أنّ ھكذا مسائل ُتع ّد مسائل عمي قة ومھم ّة‪ ،‬ف ھي جديرة بأن‬
‫يتأمّل فيھا اإلنسان أكثر‪ ،‬ويدخل إلى أعماق نفسه ويُراقب العوالم المحيطة به‪ ،‬ليقوم بتفسير الوحي تفسيراً صحيحا ً‪.‬‬
‫‪ -3‬نظر ّية حكماء اإلسالم‪:‬‬
‫وھي أھم نظريّة في ھذا المجال‪ ،‬فإ ّنھا تفسّر موارد إستعمال القرآن‪ ،‬وتجمع جم يع الخ صائص ا لتي ذكر ھا األنب ياء علي ھم‬
‫السالم في وحي النبوّ ة‪ ،‬وتبتنى على رؤية معمّقة في معرفة اإلنسان والعوالم المحيطة به‪ ،‬والتي بيّنت عدّة حقائق وأُسس‪:‬‬
‫ّأوالً‪ :‬وجود عالم ْين‬
‫تنطلق ھذه النظريّة من اإليمان بوجود واقعيّ لعالَ َمين إثنين‪:‬‬
‫‪ -1‬عالم الطبيعة‪ ،‬وھو عالم المادّة والجسميّة والتغيّر‪ ،‬وھو ھذا العالم الذي نعيش فيه‪.‬‬
‫‪ -2‬عالم ما وراء الطبيعة‪ ،‬أو ما يُسمّى بعالم الغيب أو الملكوت‪ ،‬وھو عالم القوى الروحي ّة‪ ،‬ا لتي ُتع تبر قوى م ستقلّة ب ح ّد‬
‫ذاتھا‪.‬‬
‫فما حولنا يقع تحت تأثير مجموعتين من القوى‪ :‬القوى الماديّة للعالم‪ ،‬والقوى‬
‫‪235‬‬
‫الروحيّة‪ ،‬وتوجد األولى في العالم الماديّ الطبيعي‪ ،‬واألخرى في عالم ما وراء الطبيعة‪.‬‬
‫من جھة أخرى ّ‬
‫يمثل عالم الغيب والملكوت عالم القدرة‪ ،‬ألن له الھيمنة والسيطرة الحقيقيّة‪ ،‬وبالتالي تكون له فوقي ّة واقعي ّة‬
‫على عالم الطبيعة الذي ال يُع ّد أكثر من رشح وفيض لذلك العالم‪ ،‬أو ظ ّل ومعلول له‪ .‬وقد صرّ ح القرآن الكريم بأنّ ك ّل ما‬
‫ھو موجود في ھذه الدنيا إ ّنما ي ّ‬
‫خ َزائِ ُن ُه َو َما ُن َن ِزّل ُُه إِال ﱠ بِ َق َد ٍر ﱠم ْعلُو ٍم‪ ،﴾6‬و ھذا‬
‫مِن َ‬
‫ُنزل من ذلك ال عالم‪َ ﴿ :‬‬
‫ي ٍء إِال ﱠ عِن َدنَا َ‬
‫وإِن ّ‬
‫ش ْ‬
‫معنى السيطرة والھيمنة والفوقيّة‪.‬‬
‫ثانيا ً‪ :‬قدرة اإلنسان على االتصال بعالم ما وراء الطبيعة‬
‫ث ّم ينطلق أصحاب ھذه النظريّة إلى التأمّل في نفس اإلنسان‪ ،‬فيتح ّقق لديھم أنّ وجوده ال يقتصر على بدنه الماديّ ‪ ،‬وإ ّنما له‬
‫إستعدادات روحيّة ذات وجھين‪:‬‬
‫األول‪ :‬وج ٌه طبيعيّ ‪ ،‬يسمح له بالتواصل واإلرتباط مع الطبيعة عن طريق الحواسّ ‪ ،‬فيتل ّقى العلوم الطبيعيّة‪ ،‬ح يث ي ستجمع‬
‫ّ‬

‫ُسب ُغ الكل ّي َة والتعميم والتجريد على تلك المعلومات‪.‬‬
‫ما يأخذه من خالل حواسّه‪ -‬في خزانة الخيال والذاكرة‪ ،‬ث ّم ي ِ‬
‫ال ثاني‪ :‬و ج ٌه تت سانخ ف يه ا لروح مع عالم ما وراء الطبي عة‪ -‬أي عالم ال قوى الروحي ّة‪ ،‬ح يث يتم كن‪ ،‬ب قواه وإ ستعداداته‬
‫ّ‬
‫المؤثرة في عالم الطبيعة‪.‬‬
‫علوم ذلك العالم‪ ،‬فيغرف من حقائقه‬
‫الروحيّة‪ -‬من إكتساب‬
‫ِ‬
‫إذاً‪ ،‬لجم يع أ فراد الب شر‪ ،‬باإل ضافة إ لى الع قل وال حسّ ال عاديين‪ ،‬إدراك و شعور باطنيّ ‪ ،‬ي سمح باإلرت باط ب عالم ما وراء‬
‫الطبيعة ينھلون منه علوما ً وحقائق ترتبط‬
‫‪236‬‬
‫بعالمنا‪ ،‬وھذا ما نسمّيه بالوحي‪ .‬غاية األمر أنّ ھذا الشعور واإلستعداد الباطنيّ يتفاوت بين األفراد تفاوتا ً كبيراً‪ ،‬فھو نور‬
‫في أقوى مراتبه عند األنبياء‪ ،‬يؤھّلھم لإلرتباط الحقيقيّ الواقعيّ مع عالم الغيب فيطرقون مختلف أبوا به‪ ،‬في ما ي ضعف في‬
‫بقيّة أنواع البشر ليكون شعاعا ً خافتا ً وومضة طفيفة من عين ذلك النور‪.‬‬
‫وأدنى تجلّيات حا لة اإل ّت صال ب عالم ما وراء الطبي عة يتمث ّ ل في ا لرؤى واأل حالم ال صادقة‪ ،‬ف قد نص ّت الروا يات ع لى أنّ‬
‫الرؤيا الصادقة ھي جزء من سبعين جزءاً من النبوّ ة‪.‬‬
‫كذلك تع ّد اإللھامات التي تحصل لبعض الناس ضربا ً من ضروب اإل ّتصال بذلك العالم‪ ،‬ولك ّنه في مرتبة متدنيّة منه‪ ،‬ح يث‬
‫ال يشعر المُل َھم بعلّة اإللھام وال بمصدره‪ ،‬كما ربما يختلط بغيره‪.‬‬
‫تأييد الفالسفة وعلماء النفس لوجود ھذه القدرة‪:‬‬
‫إنّ من يراج ِع كل مات قدامى الفال سفة ع ند حديثھم عن الن فس‪ ،‬ي جد أ ّن ھم آم نوا بو جود ھذه ال قدرة الروحي ّة واإل ستعداد‬
‫الباطنيّ فيھا‪ ،‬واستدلّوا عليه‪.‬‬
‫كذلك فإنّ عدداً كبيراً من كبار عل ماء الن فس أي ّدوا ھذا الم عنى‪ ،‬ك‪" -‬ول يام جي مس"‪ ،‬ا لذي أر سى ع لم الن فس ع لى أ ساس‬
‫التجربة‪ ،‬حيث توصّل إلى أنّ لدى اإلن سان حس ّ ا ً باطني ّا ً ي ستطيع من خال له أن يتوا صل مع أرواح وأ ماكن أ خرى‪ ،‬ف كأنّ‬
‫ھناك آباراً محفورة في الباطن م ّتصلة في ما بينھا‪ ،‬وإن بدت في ظاھرھا منفصلة ومستقلّة عن بع ضھا الب عض‪ ،‬لذا يعت قد‬
‫"جيمس" بأنّ ھناك طريقا ً باطن ّيا ً يم ّكن الروح من االتصال بعالم األرواح األخرى‪.7‬‬
‫‪237‬‬
‫ثالثا ً‪ :‬ارتقاء النفس‬
‫وھو األساس الثالث التي تقوم عل يه ھذه النظري ّة‪ ،‬و ھو إث بات أنّ ن فس اإلن سان ورو حه‪ ،‬ع ندما تر يد أن ت ط ّل ع لى عا لم‬
‫الغيب‪ ،‬فإ ّنھا ترتقي من مرت بة الطبي عة ن حو األع لى إ لى أن ت صل إ لى عا َلم ما وراء الطبي عة‪ ،‬ع لى أ ّن ھا تكت سب في ك ّل‬
‫صا ً يتناسب مع طبيعة المرتبة‪.‬‬
‫مرتبة تصل إليھا شكالً ووضعا ً خا ّ‬
‫تتنزل من عالم ما وراء الطبيعة ت ّتخذ األشكال المناسبة للعوالم التي ّ‬
‫وفي الجھة المقابلة فإنّ الحقائق التي ّ‬
‫تتنزل إليھا‪.‬‬
‫وتوضيح ذلك‪:‬‬
‫إنّ الحقائق‬
‫المدركة تتناسب مع ظرف ووعاء وجودھا‪ ،‬فكما أنّ األ مر ال خارجيّ في الطبي عة له ن حو من الو جود ال ماديّ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ُدرك بحواسّ اإلنسان ي ّتخذ شكال آ خر‪ -‬صورة ح سيّة‪ -‬يتنا سب مع اإلدراك الحس ّي‪ ،‬فإذا انت قل إ لى‬
‫والجسميّ ‪ ،‬ث ّم عندما ي َ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫عالم الخيال إ ّتخذ وضعا جديدا‪ ،‬قبل أن يقوم العقل في مرتبته بتجريده وتعميمه بما يتنا سب ومرت بة الع قل‪ ،‬كذلك المو جود‬
‫في عالم ما وراء الطبيعة والمادّة‪ ،‬إذا ما ّ‬
‫تنزل إلى مرتبة الحسّ والمادّة‪ ،‬فإ ّنه ال ب ّد أن ي ّتخذ الشكل المناسب لھذا العالم‪.‬‬

‫الوحي‪ ،‬النزول‪ ،‬ال َملك‪:‬‬
‫عالم من‬
‫إذاً تقوم ھذه النظريّة ع لى أن ّ ه يو جد في ك ّل إن سان‪ ،‬و بدرجات متفاو تة‪ ،‬ا ستعدا ٌد رو حيّ باطنيّ لإلط ّ الع ع لى‬
‫ٍ‬
‫القوى الروحيّة‪ ،‬وھو عالم وراء عالمنا‪ ،‬مھيمنٌ ومسيط ٌر عليه‪ ،‬كما تبيّن في األساسين األوّ ل والثاني‪ ،‬ول يس الو حي سوى‬
‫نافذ ٍة تنفتح لإلنسان‪ -‬الذي يملك ھذا الحسّ واإلستعداد‪ -‬على‬
‫‪238‬‬
‫ذلك العالم ترفده بالعلوم والحقائق المرتبطة بعالمنا‪.‬‬
‫فالوحي‪ ،‬حالة من اإل ّتصال الباطنيّ مع عالم الغيب‪ ،‬و ھو ال يت فاوت أسا سا ً مع بق ية ا لرؤى واإللھا مات‪ -‬ا لتي ت طرأ ع لى‬
‫البشر‪ -‬من حيث الحقيقة والماھيّة‪ ،‬وإ ّنما يتفاوت من حيث الدرجة والمرتبة‪ ،‬فتختلف حالة الوحي بإختالف الوعاء الباط نيّ‬
‫المتل ّقي له‪ ،‬وھي موجودة بأقوى مراتبھا في وحي النبوّ ة‪.‬‬
‫وھذا يفسّر ما ورد في آيات القرآن من أنّ حالة الوحي ليست مختصّة باألنبياء بل ت ع ّم جم يع المو جودات‪ ،‬غا ية األ مر أنّ‬
‫النبيّ يمتلك االستعداد بدرجته العليا‪ ،‬بحيث يستطيع عقد إرتباطٍ حقي قيٍّ وواق عيٍّ مع ذ لك ال عالم المھي من‪ ،‬فيتمك ّ ن من أ خذ‬
‫الحقائق وتعاليم الدين منه‪ ،‬وھو في تمام إدراكه وشعوره‪.‬‬
‫بعدھا ّ‬
‫تتنزل حقائق ذلك العالم‪ ،‬التي كانت واقعا ً م جرّ داً ال ي ُدرك إال بالقوّ ة الباطني ّة المتنا سبة مع ظرف وجود ھا‪ ،‬ت ّ‬
‫تنزل‬
‫مر مح سوس‪ ،‬ك ما‬
‫أمر حسيّ مب صر أو م سموع‪ ،‬فيراه ال نبيّ كوا قع مجس ّد في أ ٍ‬
‫إلى عالم المادّة والطبيعة لتظھر بصورة ٍ‬
‫ذكر في األساس الثالث‪ ،‬وھذا ما يعبّر عنه بنزول الوحي‪.‬‬
‫والنزول ھنا ھو نزول واقعيّ ‪ ،‬ألنّ ما يأتي من حقائق في عمليّة الوحي‪ ،‬إ ّنما يأتي من عالم له فوقيّة حقيقيّة وھيمنة واقعي ّة‬
‫على عالمنا‪ ،‬ولذا ص ّح أن نقول عنه بأ ّنه نزول‪ ،‬غايته أ ّنه نزول معنويّ وليس نزوالً مكاني ًّا◌‪.8‬‬
‫وأمّا الم َلك‪ ،‬فھو الحقيقة التي يلمسھا النبيُّ ‪ .‬ويتناسب وضع الملَك مع ال عا َلم ا لذي يتمث ّ ل ف يه‪ ،‬فلجبرائ يل‪ ،‬ا لذي ھو ا لروح‬
‫تنزل إلى عالم الطبيعة فإ ّنه ّ‬
‫األمين وروح القدس‪ ،‬شكل ووضع خاصّ في ذلك العالم‪ ،‬وإذا ما ّ‬
‫يتمثل‬
‫‪239‬‬
‫في صورة إنسان ضمن نقطة محدّدة‪ ،‬لذا كان النبيّ تارة يرى جبرائ يل ع لى صورته الحقيقي ّة الواقعي ّة‪ ،‬ح يث كان يراه‬
‫ّ‬
‫متمثالً بصورة إنسان‪.‬‬
‫بباطنه وقد مأل األفق أمامه‪ ،‬وأخرى يراه‬
‫النظر ّية ومعطيات القرآن واألنبياء‪:‬‬
‫ويمكن بنا ًء على ھذه النظريّة أن نفھم معنى الوحي المل قى ع لى مخت لف الكائ نات‪ ،‬ك ما ورد في ال قرآن‪ ،‬ف ما ھو إال حا لة‬
‫خاصّة من الھداية الموجودة في األ شياء‪ ،‬و ضرب من اإلل ھام وال نور المع نويّ ا لذي يم كن أن ُي صاحب المو جودات و لو‬
‫بدرجات متفاوتة‪ ،‬وما ھذه الھداية واإللھام إال نوع ارتباطٍ بعالم الغيب‪.‬‬
‫كما أنّ ھذه النظريّة تتطابق مع ما ذكره األنبياء من خصائص لوحي النبوّ ة‪ ،‬فمن جھة يعبّر الوحي عن حا لة داخلي ّة و قوّ ة‬
‫باطنيّة خفيّة وال يت ّم عن طريق الحواسّ العاديّة‪ ،‬كما أنّ عنصر التعليم ّ‬
‫يتمثل بالح قائق ا لتي يُقارب ھا ال نبيّ في ذ لك ال عالم‪،‬‬
‫فاإل ّتصال والتماسّ الواقعيّ مع حقائق العالم اآلخر الذي ھو عبارة عن مصدر خارجيّ يتل ّقى منه النبيّ ‪ ،‬والنبيّ ‪ -‬و فق ھذه‬
‫النظريّة‪ -‬بما يتم ّتع به من إ ستعداد في أع لى مرات به‪ ،‬ي شعر تما ما ً بالم صدر ا لذي يتلق ّى م نه‪ ،‬وإذا ت ّم الو حي عن طر يق‬
‫واسطة تجسّمت بما يتوافق وعالم الطبيعة‪ ،‬فيدركھا النبيّ تمام اإلدراك‪.‬‬

‫النبوة‪:‬‬
‫إثبات دعوى وحي‬
‫ّ‬
‫إذا ت ّم التفسير المعقول لحالة الوحي‪ ،‬وتبيّن أ ّنه حاصل وواقع بدرجات متفاوتة‪ -‬وربما حصل معنا بعضھا‪ -‬وأعلى درجا ته‬
‫ھي درجة وحي النبوّ ة التي يت ّم بواسطتھا نقل تعاليم الدين للناس‪ ،‬يبقى البحث عن كيفية إمكان إثبات أنّ‬
‫‪240‬‬
‫ما ينقله شخصٌ معيّن ھو من وحي النبوّ ة‪ ،‬إذا ما ادّعى ذلك‪.‬‬
‫ّ‬
‫مشخصات ال ب ّد أن يأتي بھا صاحب ھذا اإل ّدعاء‪ .‬فقد صرّ ح القرآن بأنّ ال نبيّ ا لذي يُب عث ال ب ّد له من‬
‫ففي الواقع‪ ،‬ھناك‬
‫آيات وبيّنة‪ّ ،‬‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫تمثل العالمة والقرينة على صدق دعواه‪ .‬إذا‪ ،‬تتوقف صحّ ة د عوى و حي الن بوّ ة‪ ،‬ع لى إت يان مدّعيھا بمع جزة‬
‫ّ‬
‫يتل ّقاھا من ذلك العالم‪ ،‬تمثل اإلثبات على صحّ ة كالمه‪.‬‬
‫وبحث المعجزة بحث مستق ّل نبحثه في مقام خاصّ به‪.‬‬
‫إستعماالت القرآن‪:‬‬
‫ورد الو حي ضمن آ يات ال قرآن في موارد مت عدّدة‪ ،‬و لم يقت صر ع لى و حي الن بوّ ة‪ ،‬و ھذا ي عني عدم إخت صاص الو حي‬
‫باألنبياء‪ ،‬فالقرآن كما ذكر إلقاء الوحي إلى األنبياء‪ ،‬فإ ّنه حدّثنا عن أشخاص أو حي إلي ھم مع أ ّن ھم لم يكو نوا في عدادھم‪،‬‬
‫وذلك من قبيل الوحي الذي تل ّقته أ ّم موسى عليه السالم‪ ،‬كما ُتشير اآليات الكريمة‪﴿ :‬إذ أوحينا إلى أ ّمك ما يوحى‪.﴾9‬‬
‫واأل مر نف سه ت كرّ ر مع ال سيّدة مريم‪ ،‬ا لتي ظ ھرت ل ھا المالئ كة وت حدّثت إلي ھا‪:‬‬
‫واصطفاك على نساء العالمين‪ ،﴾10‬بل كان غذاؤھا يأتيھا من وراء حجب الغ يب‪ ،‬مم ّا إ ستدعى إ ستغراب ال نبيّ زكري ّا‬
‫ن ﷲ يرزق مـن يشـاء بغ ير‬
‫عليه السالم‪ ،‬كما ينصّ القرآن الكريم‪﴿ :‬يا مريم أنّى لك ھذا؟‪ ،‬قالت‪ :‬ھو من عند ﷲ‪ ،‬إ ّ‬
‫حساب‪.﴾11‬‬

‫ك‬
‫﴿يــا مــريم إ ّ‬
‫ھــر ِ‬
‫ن ﷲ اصــطفاك وط ّ‬

‫وقد أطلقت روايات أھل البيت عليھم السالم على الشخص الذي يوحى إليه‪ ،‬من غير‬
‫‪241‬‬
‫أن يكون نب ّيا ً وال رسوالً‪ ،‬لقب "المح َّدث"‪.12‬‬
‫ّ‬
‫الخط يتلقون مسائل من الغيب‪ ،‬كحالة أ ھل‬
‫ث ّم إنّ أمير المؤمنين عليه السالم قد بيّن في نھج البالغة وجود أفراد على طول‬
‫الذكر‪ ،‬والتي يصفھا لنا في قوله‪" :‬إنّ ﷲ سبحانه وتعالى جعل الذكر جال ًء للقلوب ﴿فتتفتّح آذان قلوبھم﴾‪ ،‬تسمع به ب عد‬
‫ّ‬
‫عزت آالؤه في البر ھة ب عد البر ھة و في أز مان‬
‫الوقرة‪ ،‬وترى ف يه ب عد الع شوة‪ ،‬وتن قاد به ب عد المعا ندة‪ ،‬و ما برح‬
‫الفترات‪ ،‬عباد ناجاھم في فكرھم وكلّمھم في ذات عقولھم"‪.13‬‬
‫فاإلمام عليه السالم يريد في ھذا النصّ أن ينبّه على حقيقة كا نت في ا لدھور الما ضية‪ ،‬وستم ضي ّ‬
‫باطراد‪ ،‬و ھي أن ّ ه ث مة‬
‫ّ‬
‫الحق ويتل ّقون اإللھام عنه‪.‬‬
‫أشخاص من غير األنبياء‪ ،‬قد ل ّقنوا أنفسھم ذكر ﷲ‪ ،‬ممّا جعلھم يسمعون كالم‬
‫الوحي لغير اإلنسان‪:‬‬
‫صا ً بنوع اإلنسان‪ ،‬بل ھو واقع له و جوده في جم يع األ شياء‪ ،‬حت ّى‬
‫بل الذي ي ّتضح من اآليات الكريمة أنّ الوحي ليس مخت ّ‬
‫في الحيوانات والجمادات‪:‬‬

‫ما يعرشون‪.﴾14‬‬
‫فقد ورد في سورة النحل‪﴿ :‬وأوحى ربّك إلى النحل أن اتّخذي من الجبال بيوتاً‪ ،‬ومن الشجر‪ ،‬وم ّ‬
‫‪242‬‬
‫ن ربّـك أو حى لھـا‪ ،﴾15‬وأ خرى بالن سبة لل سماء‪﴿ :‬‬
‫دث أخبارھــا بـأ ّ‬
‫كما ورد ھذا المعنى تارة بالنسبة لألرض‪﴿ :‬يومئذ تُح ّ‬
‫ل سماء أمرھا‪.﴾16‬‬
‫وأوحى في ك ّ‬

‫وخال صة ال قول‪ :‬إنّ ال قرآن لم يع تبر الو حي أ مراً مختص ّ ا ً باألنب ياء و لم يح صره ب ھم‪ ،‬بل إع تبره حا ً‬
‫لة ُت صاحب جم يع‬
‫الموجودات بال إستثناء‪.‬‬
‫وينبغي التنبيه إلى أنّ الوحي‪ ،‬وإن كانت ماھيّته وحقيقته وا حدة‪ ،‬إال أن ّ ه ي ّت خذ أ شكاالً وأنما طا ً مت ع ّددة‪ ،‬متنا ً‬
‫سبة مع طبي عة‬
‫ك ّل واحد من الموجودات التي مرّ ذكرھا فلكل موجود وحي بحسبه‪.‬‬
‫والبحث المھ ّم ھو في خصوص الوحي المرتبط باألنبياء‪ ،‬الذين يتل ّقون بواسطته تعاليم الدين من ﷲ‪.‬‬
‫نعم ربما نستعين بحاالت الوحي األخرى لنحاول مقاربة النظريّة الصحيحة في تفسيره‪.‬‬
‫‪243‬‬

‫ﺧﻼﺻﺔ اﻟﺪرس‬
‫ يُعرّ ف الوحي في اللغة على أ ّنه مطلق اإلشارة الخفيّة‪ ،‬وھو معنى أع ّم من المعنى المصطلح عل يه في ال قرآن‪ ،‬و ما ورد‬‫على لسان األنبياء عليھم السالم‪.‬‬
‫ ال يعتبر القرآن مسألة الوحي مسألة خاصّة باألنبياء‪ ،‬بل يجد الم تابع لآل يات القرآني ّة أنّ الو حي حا لة ت شمل غيرھم كأم‬‫موسى وأم عيسى عليھما السالم وتع ّم جميع الموجودات أيضا ً‪.‬‬
‫ ھناك عدّة نظريّات في مسألة تفسير الوحي‪:‬‬‫‪ -1‬النظر ّية العام ّية‪ :‬السائدة بين عوا ّم الناس‪ ،‬والتي تقوم على أساس تفسير وجود مسافة شاسعة بين ﷲ والنبيّ ‪ ،‬ل كون ﷲ‬
‫طائر وب ع ٌد عا قل ناطق‪ ،‬يتول ّى عملي ّة ن قل الت عاليم إ لى‬
‫في السماء والنبيّ موجود على األرض‪ ،‬فيُوسّط ﷲ مالكاً‪ ،‬له بع ُد‬
‫ٍ‬
‫النبيّ ‪.‬‬
‫وھذا تصوّ ر ساذج ال يقوم على أيّ دليل أو برھان‪ ،‬وينافي ما ذكره األنبياء عليھم السالم والقرآن الكريم‪.‬‬
‫‪ -2‬النظر ّية التنويري ّ ة‪ :‬و ھي تر جع م سألة الن بوّ ة والو حي إ لى األ مور العاد ية ا لتي ت جري ب ين ال ناس‪ ،‬فت عد ال نبيّ ناب غة‬
‫يرغب في إصالح ما فسد من أمر المجتمع‪ ،‬من خالل اإلعت ماد ع لى نبو غه الشخ صيّ ‪ ،‬و ما ت جود به نف سه ورو حه من‬
‫أفكار تغييريّة‪ ،‬من غير أن يكون له إرتباط مع أيّ عالم آخر‪.‬‬
‫ث ّم تقوم ھذه النظريّة بتأويل جميع المفردات والحقائق التي وردت بشأن النبوّ ة والوحي وتحملھا على المعنى المجازيّ ‪.‬‬
‫وھذه النظريّة بعيدة ك ّل البعد عن الحقائق والمعطيات التي أتى بھا األنبياء عليھم السالم‪ ،‬وذكرھا القرآن الكريم‪.‬‬
‫‪ -3‬نظر ّية حكماء اإلسالم‪ :‬وھي أمتن النظريّات وأنسبھا‪ ،‬وھي تبتنى على و جود عالم وراء عالم الطبي عة‪ ،‬له خ صائص‬

‫تختلف عن خصائص عالمنا‪ ،‬كما أن ّ ه م سيطر ومھي من عل يه‪ ،‬وي ستطيع اإلن سان‪ -‬و غيره من المو جودات‪ -‬ب ما يم لك من‬
‫إستعداد باطنيّ ‪ ،‬بدرجات متفاوتة‪ ،‬من اإل ّتصال بذلك العالم‪ ،‬والحصول على حقائق واقعيّة مرتبطة بعالمنا‪ .‬واألنبياء عليھم‬
‫ال سالم ھم األ شخاص ا لذين يمل كون أع لى در جات ذ لك اال ستعداد‪ ،‬و لذلك فبإم كانھم ع قد إرت باط حقي قيّ مع ذ لك ال عالم‪،‬‬
‫فيغرفون من حقائقه‪ ،‬وھم على تمام اإلدراك واإلحساس بھذه العمليّة‪ ،‬وھذا ما يُسمّى بالوحي‪.‬‬
‫صائص ا لتي ُذ كرت‬
‫وھذه النظريّة توافق اآليات التي ورد فيھا إستعمال الوحي في مختلف الموجودات‪ ،‬كما تتنا سب والخ‬
‫َ‬
‫لوحي النبوّ ة‪.‬‬

‫أﺳﺌﻠﺔ اﻟﺪرس‬
‫‪ -1‬ھل ھناك عال ٌم وراء عالم المادّة والطبيعة؟‬
‫‪ -2‬كيف يت ّم اإلرتباط بعالم الغيب؟‬
‫‪ -3‬ما ھي النظريات المطروحة في تفسير ظاھرة الوحي؟‬
‫‪ -4‬كيف تبيّن النظرية المنسجمة مع القرآن في تفسير الوحي؟‬
‫‪ -5‬ھل الوحي واإلرتباط بعالم الغيب مخصوصٌ باألنبياء عليھم السالم ؟‬

‫ﻫﻮاﻣﺶ‬
‫‪ -1‬والجواب على ھذا السؤال يرتبط ببحث المعجزة اآلتي‪.‬‬
‫‪ -2‬معجم مقاييس اللغة البن فارس‪ ،‬ج‪ ،6‬ص‪ ،92‬طبع إيران )مادة وحي(‪.‬‬
‫ي لباس!!‬
‫‪ -3‬والناس حينما سمعوا أ ّ‬
‫ن المالئكة كائنات مجرّدة‪ ،‬فإنّھم صوّروھا من غير أن ترتدي أ ّ‬
‫‪ -4‬كما سيأتي إن شاء ﷲ‪.‬‬
‫خاص‪.‬‬
‫خون إنكار النبوّة‪ ،‬وإنّما يحاولون تفسيرھا ضمن نمط‬
‫‪ -5‬مع أ ّ‬
‫ن أصحاب ھذه النظريّة ال يتو ّ‬
‫ّ‬
‫‪ -6‬الحجر‪.21/‬‬
‫ھري شيئاً منھا‪ ،‬رواھا عن ثُقات‪ ،‬في كتاب النبوّة‪.‬‬
‫مط‬
‫الشھيد‬
‫أورد‬
‫وقد‬
‫المجال‪،‬‬
‫ھذا‬
‫في‬
‫نقل‬
‫ت‬
‫التي‬
‫الكثيرة‬
‫بالوقائع‬
‫دة‬
‫ي‬
‫مؤ‬
‫الحقيقة‬
‫‪ -7‬وھذه‬
‫ُ‬
‫ﱠ‬
‫ّ‬
‫ل‬
‫‪ -8‬كالفوقيّة المعنويّة التي يذكرھا القرآن‬
‫ل‪{ :‬وھو القاھر فوق عباده})األنعام‪ ،(18/‬وليس الوحي وحده ھو الذي ُعبّر عنه بأنّه ينزل من ذلك العـالم‪ ،‬بـل كـ ّ‬
‫عزّ وج ّ‬
‫ما في الدنيا على ھذا المنوال‪ ،‬وذلك قوله تعالى‪{ :‬وإن من شيء إال عندنا خزائنه وما ننزّله إال بقدر معلوم})الحجر‪.(21/‬‬
‫‪ -9‬طه‪.20/‬‬
‫‪ -10‬آل عمران‪42/‬ـ ‪.43‬‬
‫‪ -11‬آل عمران‪.37/‬‬
‫دث‪ .‬وقد كان أمير المؤمنين عليه الســالم يتلقّـى حقـائق مــن عـالم الغ يب‬
‫ي والمح ّ‬
‫جة‪ /‬باب الفرق بين الرسول والنب ّ‬
‫‪ -12‬الحظ أصول الكافي‪ /‬المجل ّد األوّل‪ /‬كتاب الح ّ‬
‫ي")نھج البالغة‪ /‬الخطبة‪.(190‬‬
‫ي‪ ،P‬فقد قال له الرسول‪" :P‬يا عل ّ‬
‫بدون واسطة النب ّ‬
‫ي‪ ،‬إنّك تسمع ما أسمع‪ ،‬وترى ما أرى‪ ،‬ولكنّك لست بنب ّ‬
‫‪ -13‬نھج البالغة‪ /‬الخطبة‪.220‬‬
‫‪ -14‬النحل‪.68/‬‬
‫‪ -15‬الزلزلة‪4/‬ـ ‪.5‬‬
‫‪ -16‬فصّلت‪.12/‬‬

‫اﻟﺪرس اﻟﺴﺎدس ﻋﺸﺮ‪ :‬اﻟﻤﻌﺠﺰة واﻟﻨﻈﺮﻳّﺎت اﻟﺘﻌﻠﻴﻠﻴّﺔ‬
‫أھداف الدرس‬
‫‪ -1‬معرفة المعجزة‪.‬‬
‫‪ -2‬فھم نظرية المنكرين للمعجزة‪.‬‬
‫‪ -3‬القدرة على شرح نظرية التأويل في المعجزة واآليات المستفادة وردھا‪.‬‬
‫‪ -4‬فھم النظرية القائلة بكون المعجزة فعل ﷲ‪.‬‬
‫‪ -5‬فھم نظرية "للمعجزة سر"‪.‬‬
‫‪247‬‬

‫تمھيد‬
‫النبوّ ة في القرآن قرينة المعجزة‪ ،‬فليس من نبيّ دعا ال ناس إ لى ق بول دعو ته واإلي مان ب ھا إالّ وتواء مت دعو ته مع آ ي ٍة أو‬
‫بح َسب تعبير القرآن‪ .‬وسيأتي بيان الفرق بين اآلية والبيِّنة من جھ ٍة ومصطلح المعجزة من جھ ٍة أخرى‪.‬‬
‫بيِّنةٍ‪َ ،‬‬
‫كما أن البحث عن المعجزة ينبغي تناوله من حيثيتين‪ ،‬عامة وخاصة‪ ،‬فأما العامة فھي البحث عن المعجزة بشكل عام‪ ،‬من‬
‫حيث إمكانھا ووقوعھا‪ ،‬وماھيتھا والھدف منھا‪ ،‬وتفسيرھا‪ ،‬وھذا ما سنتناوله في ھذا الب حث إن شاء ﷲ‪ ،‬وأ ما الب حث عن‬
‫المعجزة من الناحية الخاصة‪ ،‬فھي البحث عن معجزة كل نبي بالخصوص‪ ،‬ولذا تع ّد معجزة القرآن ھي المع جزة الخا صة‬
‫بالنبي األكرم محمد صلى ﷲ عليه وآله وسلم‪ ،‬وھي ما سنتناوله في البحث القادم إن شاء ﷲ تعالى‪.‬‬
‫ُ‬
‫أمور ع ّدةٍ‪ ،‬وھي‪:‬‬
‫وحديثنا حول المعجزة العامة يتر َّكز في‬
‫ٍ‬
‫‪249‬‬

‫تعريف المعجزة‬
‫يُعرِّ ف بعضٌ المعجزة بصيغ ٍة يجعلُھا أمراً غير‬
‫ممكن‪ ،1‬ولكنَّ ھذا تعريفٌ خاطِ ٌئ‪.‬‬
‫ٍ‬
‫ير ْد في القرآن‪ ،‬وإ ّنما ھو مصطلح إستخدمه المتكلّمون‪ ،‬وأرادوا به ما ذكره القرآن بكلمة "آية"‪،‬‬
‫والحق أن لفظ المعجزة لم ِ‬
‫وھي العالمة التي تكون دليالً على صدق دعوى النبيّ ‪.‬‬
‫ً‬
‫فالنبيّ يدّعي‬
‫عالقة وإ ّتصاالً بالعالم اآلخر‪ -‬عالم الغيب‪ -‬والمعجزةُ ھي الدليل على صدقه في دعواه تلك‪ .‬وقد عبّروا عن‬
‫اآلية بالمعجزة ألنّ من لوازم كون الشيء ً‬
‫آية أن يعجز بقيّة الناس عن اإلتيان بمثله‪ .‬وقد تحدّى األنبياء عليھم السالم‬
‫أممھم أن يأتوا بمثل ما يأتون به فلم يستطيعوا ذلك‪ ،‬فتكون المعجزة أو اآلية قد أبرزت عجزھم عن اإلتيان بمثلھا‪.‬‬
‫إبداعات الماھرين‬
‫ً‬
‫مجال من المجاالت األدبيّة‪ ،‬أو الصناعيّة‪ ،‬أو العلميّة‪ ،‬ويأتي بما ال يأتي به غيره‪،‬‬
‫مرتبة ال يبلغھا غيرُه في أيّ‬
‫إنّ َمنْ يبلغ‬
‫ٍ‬
‫ِّ‬
‫وأمثل ُة ذلك كثيرةٌ‪ ،‬ال يع ّد عمله ھذا معجز ًة من وجھة نظر المتكلمين وبالمعنى المصطلح عندھم‪ ،‬وإن كانت تشمله الكلمة‬
‫بالمعنى اللغوي‪ .‬ومن ھنا كان ال بد لألمر المعجز من تضمّن بُعد غيبي واعتباره أمراً غير بشري‪ ،‬وخارجا ً عن قدرة‬
‫البشر‪ ،‬وھذا ما يقصده المتكلمون من المعجزة‪.‬‬

‫‪250‬‬

‫جز ھو خار ٌج عن سنخ العمل البشريّ ‪ ،‬وفوق حدود‬
‫بشريٍّ ‪ .‬فالمع ِ‬
‫فمن شروط كون الشيء معجز ًة أن يكون عمالً غير ِ‬
‫القدرة اإلنسانيّة‪ ،‬وھذا ما نراه واضحا ً في معجزات األنبياء عليھم السالم السابقين على نبيّ اإلسالم محمّد صلى ﷲ عليه‬
‫وآله وسلم‪ .‬وسنتعرَّ ض لمعجزته صلى ﷲ عليه وآله وسلم‬
‫بشكل مستقِ ٍّل‪ .‬فمن طبيعة الماء أن يسيل‪ ،‬فإيقاف الماء كالجدار‬
‫ٍ‬
‫ح ّتى يمرّ موسى و َمنْ معه ليس عمالً بشر ّيا ً من الدرجة األولى‪ ،‬بل ھو عمل خار ٌج عن قدرة وطاقة البشر‪ ،‬وھكذا سائر‬
‫المعجزات‪.‬‬
‫ً‬
‫عالمة على وجود قدر ٍة ما وراء البشريّة في‬
‫فالمعجزة ھي فع ٌل وأث ٌر يأتي به النبيّ للتحدّي‪ ،‬أي إلثبات م ّدعاه‪ ،‬ليكون‬
‫بشكل عام‪.‬‬
‫إيجاده‪ ،‬تفوق حدود الطاقة اإلنسانيّة‬
‫ٍ‬
‫اإليمان بالمعجزة ضرورة‬
‫ال شك وال ريب بأنّ اإليمان بالمعجزة من ضروريات الدين اإلسالمي‪ ،‬وما ذكرته اآليات القرآنية في موضوع معجزات‬
‫األنبياء عليھم السالم ھو ممّا ال يمكن تأويله بأيّ وجه من الوجوه‪.‬‬
‫نعم قد يحصل نقاشٌ في بعض التفاصيل التي لم يذكرھا القرآن‪ ،‬وإنْ ُذكرت في الروايات‪ ،‬أو في بعض النقول التاريخيّة‪،‬‬
‫إالّ أنَّ ھذا ال يضرّ باإليمان بأصل المعجزة‪ ،‬وأ َّنھا أم ٌر غي ُر عادِيٍّ ‪ ،‬وفوق مستوى البشر‪.2‬‬
‫نظر ّيات حول المعجزة‬
‫بعد أن كانت ظاھرة المعجزة على يد األنبياء من الضروريات في الدين اإلسالمي‪ ،‬وكان من المسلّم أمر وقوعھا‬
‫وحصولھا بنقل القرآن الكريم والروايات‬
‫‪251‬‬

‫ت‪:3‬‬
‫والمصادر التاريخية‪ ،‬وقع الكالم في تفسير ھذه الظاھرة وبيانھا‪ ،‬وقد ذكر في ھذا المجال أرب ُع نظريّا ٍ‬
‫‪ -1‬المعجزة سح ٌر‪:‬‬
‫وھذه نظريّة المنكرين للمعجزة أساساً‪ ،‬وھم ينكرون النبوّ ة بالضرورة‪ ،‬فھي‪ -‬أي المعجزة‪ -‬عندھم إمّا كذب محضٌ ‪ ،‬أو‬
‫شي ٌء من قبيل الممارسات السحريّة‪ ،‬التي يتصوّ رھا الناس شيئا ً وھي ليست‬
‫بشيء◌‪.4‬‬
‫ٍ‬
‫‪ -2‬نظر ّية التأويل‪:‬‬
‫ت‬
‫وقد َق ِبل أصحابُ ھذه النظريّة‪ 5‬بالمعجزة‪ ،‬إالّ أ ّنھم تأوّ لوھا‪ ،‬وفسّروا جميع ما ذكره القرآن من معجزا ٍ‬
‫بشكل طبيعِيٍّ‬
‫ٍ‬
‫وعاديٍّ ‪ .‬وھذا في الواقع ضرب من اإلنكار للمعجزة إال أنه إنكار بشكل مؤدب‪.‬‬
‫ت على َن َمط خاصٍّ من الفكر فال يتس ّنى ل َمنْ يتب ّنى َن َمطا ً‬
‫ت بعيد ًة ج ّداً‪ ،‬إع َت َمدَ ْ‬
‫ت وتفسيرا ٍ‬
‫ولكن ذلك كلّه لم يعْ ُد كونه تأويال ٍ‬
‫آخر أن يتقبّلھا‪.‬‬
‫وقد اس َت َند ھؤالء في مذھبھم إلى دلي َليْن من القرآن نفسه‪:‬‬
‫ً‬
‫بخار ٍق للعادة‪ ،‬حيث يذكرون أ ّنھم بش ٌر مثل‬
‫صراحة بالرفض على َمنْ يطالبھم‬
‫األول‪ :‬اآليات التي ير ّد فيھا األنبياء‬
‫ّ‬
‫ِ‬

‫حانَ َربِّي َ‬
‫سوال ً‪.﴾6‬‬
‫ل ُ‬
‫ت إِ ﱠال بَ َ‬
‫س ْب َ‬
‫ھ ْ‬
‫اآلخرين‪ْ ﴿ ،‬‬
‫شراً َر ُ‬
‫ك ْن ُ‬
‫قل ُ‬
‫الثاني‪ :‬اآليات التي تطلق على نظام الخلقة والتكوين عنوان السنن اإللھيّة‪،‬‬

‫‪252‬‬

‫ٌ‬
‫اإللھيّة‪ ،‬وھذا‬
‫آيات كثيرةٌ‪ ،7‬والمعجزة بمعنى خرق العادة ھي تبديل للس ّنة‬
‫وتذكر بصراحة أنّ السنن اإللھيّة ال تتغيّر‪ ،‬وھي‬
‫ِ‬
‫ال يكون أبداً بنصّ القرآن‪.‬‬
‫اإليراد على النظر ّية الثانية‪:‬‬
‫مساو ٌ‬
‫قة إلنكار ما ذكره القرآن الكريم حول المع ِجزات‪.‬‬
‫النظريّة‬
‫َبيْد أنّ ھذه‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫وير ُد على الدليل األوّ ل ألصحابھا أنّ المفسِّرين فسَّروا ھذه اآليات بحيث ال تكون متناف ً‬
‫ِية مع المعجزات‪ ،‬وذلك في ثالث‬
‫ِ‬
‫نقاط‪:‬‬
‫النقطة األولى‪ :‬المعجزة تكون للشا ّكين في صدق النبوّ ة‪ ،‬فيُباح للنبيّ أن يظھر المعجزة‪ ،‬وليس النبيّ َ‬
‫ملزما ً من ِق َبل ﷲ‪،‬‬
‫وبمنطِ ق العقل أيضاً‪ ،‬أن يستجيب لمشتھيات ُك ّل‬
‫إنسان‪ ،‬وما يقترحه‪.‬‬
‫ٍ‬
‫النقطة الثانية‪ :‬ما جاء في َط َلبات القوم ال يدخل في عِ داد المعجزة‪ ،‬ألنّ بعضه َمحا ٌل أساساً‪ ،‬كإحضار ﷲ والمالئكة‪،‬‬
‫ينبوع من‬
‫وبعضُه ال معنى له‪ ،‬كرقِيّ النبيّ في السماء‪ ،‬وبعضه يدخل في نطاق المصلحة والمقايضة‪ ،‬كطلبھم تفجير‬
‫ٍ‬
‫التعبيريْن‪.‬‬
‫األرض‪ ،‬والدليل على منطقھم النفعِيّ قولھم‪" :‬لن نؤمن لك"‪ ،‬ولم يقولوا‪" :‬لن نؤمن بك"‪ ،‬وش ّتان بين‬
‫َ‬
‫اإللھيّة المألوفة‪ ،‬وإالّ‬
‫بفعل يُخالف الس ّنة‬
‫النقطة الثالثة‪ :‬المعجزة آي ُة الخالِق‪ ،‬واألنبياء ال يأتون‬
‫اإللھيّة‪ -‬والمقصو ُد الس ّنة‬
‫ٍ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫فسيأتي أنّ المعجزة ليست مخال ً‬
‫ض َّل‬
‫جب ذلك‪ ،‬بحيث إذا لم يفعلوا َ‬
‫ِفة للقوانين الطبي ِعيّة‪ -‬إالّ إذا كانت ھناك ضرورةٌ تستو ِ‬
‫الناس‪.‬‬
‫‪253‬‬

‫وأوردَ بعضھم‪ 8‬على الدليل الثاني ألصحاب ھذه النظريّة أنَّ السنن في القرآن تختصّ بالمسائل التي ترتبط بتكليف العباد‪،‬‬
‫َ‬
‫فس ّنة ﷲ في إنزال العقوبة بالمسيء وإثابة المحسِ ن لن تتغيَّر أبداً‪ ،‬ويؤ ِّكد ھذا األمر السياق القرآنِيّ لآليات التي تحدَّثت عن‬
‫بح َسب منطق القرآن‪ ،‬وأمّا قانون‬
‫اإللھيّة‪ .‬وبعبار ٍة‬
‫عدم تغيّر السنن‬
‫َ‬
‫موجز ٍة‪ :‬قانون الثواب والعقاب ھو الذي ال يتغيّر َ‬
‫ِ‬
‫الخلقة ونظام التكوين فال دليل في القرآن على أ ّنه ال يتغيَّر‪.‬‬
‫‪ -3‬المعجزة فعل ﷲ‪:‬‬
‫وتعود جذورھا إلى علماء األشاعرة‪ ،‬ويؤمن بھا أيضا ً بعض فضالئنا وأجالّئنا‪.9‬‬
‫ومفاد ھذه النظريّة أنّ المعجزة آية من ِق َبل ﷲ تظھر على يد النبيّ صاحب المعجزة‪ .‬فما يقوم به النبيّ ليس فعله‪ ،‬بل ھو‬
‫فعل ﷲ‪ ،‬وھو ال يختلف عن ك ّل ما في الوجود‪ ،‬إذ ھو من فعل ﷲ أيضاً‪ ،‬وعليه فك ّل ما في الوجود ھو معجزةٌ ٌ‬
‫وآية ‪،‬‬
‫بيد أنّ ما يأتي به النبيّ ھو إلثبات صدقه‪ ،‬وما ال يأتي به النبيّ ھو لإلشارة إلى قدرة الخالِق وحكمته‪.‬‬
‫غير‬
‫وبما أنَّ المعجزة من فعل ﷲ فال يص ّح لنا أن نتساءل‪ :‬ھل ھذا األمر محا ٌل أم غي ُر محال؟ ألنّ كون األمر محاالً أو َ‬
‫ٌ‬
‫ُلزمة بمشيئته وإرادته‬
‫ٍ‬
‫محال مرتبط بمخالفته للقوانين التي وضعھا ﷲ تعالى‪ ،‬وھذا القانون اكتسب صبغته القانو ِنيّة الم ِ‬
‫تعالى‪ ،‬ونحن محكومون لقانون ﷲ‪ ،‬وعليه فاألمر مخالِفٌ لقانون العالم بالنسبة لنا نحن البشر‪ ،‬أمّا بالنسبة فال شيء‬

‫عنده يُخالِف القانون‪ ،‬إذ بيده‬
‫‪254‬‬

‫تغيير القانون متى شاء‪ ،‬وكيف شاء‪.‬‬
‫ومن ھنا ذھب أصحاب ھذه النظريّة إلى أ ّنه ال ينبغي البحث في المعجزة‪ ،‬وال يص ّح الحديث عن سرّ المعجزة‪ ،‬إذ ليس‬
‫ھناك سرٌّ في المعجزة أصالً‪ ،‬بل ھي إرادة ﷲ‪.‬‬
‫نظام‬
‫بح َسب‬
‫فإنْ قيل‪ :‬وماذا نفعل بالعلم‪ ،‬والعلوم تشير إلى وجود س ّن ٍة في العالم تفيد أنّ ك ّل حادث ٍة تقع عقب حادث ٍة أخرى َ‬
‫ٍ‬
‫معي ٍَّن؟‬
‫ب‪ :‬إن العلوم ال تشير إلى أكثر من توالي القضايا‪ ،‬وبعبار ٍة أخرى ھي تشير إلى وجود القوانين بالكيفِيّة التي ھي‬
‫كان الجوا ِ‬
‫‪11‬‬
‫‪10‬‬
‫عليھا‪ ،‬وال تكشف عن ضرورة ھذه القوانين‪ ،‬وذلك بخِالف القوانين العقلِيّة الرياضِ يّة ‪ ،‬أو الفلسفِيّة ‪.‬‬
‫ُ‬
‫ومعجزات األنبياء ھي على خِالف القوانين الطبيعيّة‪ ،‬التي كشف اإلنسان عن وجودھا‪ ،‬والتي قد ال تكون ضروري ًّة‪،‬‬
‫الضروريّة‪.‬‬
‫وليست بخِالف القوانين العقلِيّة‬
‫ِ‬
‫وبعبار ٍة أخرى‪ :‬القوانين الرياضيّة‪ ،‬أو المنطقيّة‪ ،‬أو الفلسفيّة‪ ،‬تختلف عن القوانين العلميّة والطبيعيّة في أنّ األولى قوانين‬
‫يكشف الذھن عن ضرورتھا وحتميّتھا‪ ،‬بينما ال يكشف ذھننا عن ضرورة وحتميّة القوانين العلميّة والطبيعيّة‪.‬‬
‫وعليه‪ ،‬فإذا آم ّنا بوجود ﷲ القادر‪ ،‬المتعال‪ ،‬الفعّال لما يشاء‪ ،‬فحينھا نقول‪ :‬سيرافق مدّعي النبوّ ة والوحي فع ٌل ھو على‬
‫ً‬
‫عالمة‪ ،‬فھو سبحانه‬
‫خِالف الس ّنة المألوفة في العالم‪ ،‬وقد فعل ﷲ ھذا خِالفا ً للس ّنة المألوفة لكي يكون ھذا الفعل‬
‫‪255‬‬

‫وت عالى ي قوم ف جأ ًة بتغ يير ت لك ال س ّنة وذ لك ال قانون‪ ،‬ويخر جه عن نطا قه ال مألوف‪ ،‬ليري نا عال ً‬
‫مة ع لى أنّ مدّعي الن بوّ ة‬
‫ٌ‬
‫مبعوث من عنده‪.‬‬
‫ولو قلنا بأنّ من الم حال و قوع ما ي خالف قانو نا ً مع َّي نا ً فمع ناه أنّ ﷲ مجب َ رٌ‪ ،‬وبال تالي ن صير إ لى ال قول ب غ ّل يد ﷲ‪ ،‬و ھو‬
‫منطق اليھود‪ ،‬ال منطق اإلسالم والمسلمين‪.‬‬
‫ٌ‬
‫كامل‪ ،‬ونحن مج َبرون على ا ّتباعھا‪ ،‬وأمّا ﷲ تعالى فھو الذي و ضعھا‪ ،‬و ھو‬
‫بشكل‬
‫موضوعة‬
‫إذاً‪ ،‬القوانين الطبيعيّة قوانين‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫الذي ينقضھا‪.‬‬
‫وعليه فال معنى للسؤال‪ :‬كيف تظھر المعجزة؟ بل ھي مشيئة ﷲ‪.‬‬
‫اإليراد على النظر ّية الثالثة‪:‬‬
‫صحيح‪ ،‬وذ لك أ ّن نا ن سأل‪ :‬ل ماذا أو جد ﷲ ھذا الو ضع‬
‫إنّ ال قول بأنّ ال قوانين الطبيعي ّة ھي قوانين مو ضوعة أ م ٌر غي ُر‬
‫ٍ‬
‫الطبيعِيّ ؟‬
‫و سيُجيب أ صحاب ھذه النظري ّة بأنّ الم صلحة ت ستوجب ذ لك‪ ،‬وإالّ ل لزم ال ھرج وال مرج‪ ،‬والخ ت ّل ك ّل شيءٍ‪ ،‬و متى ما‬
‫موضع إستثنائيٍّ فإنّ الوضع يتغيّر مباشر ًة‪.‬‬
‫استوجبت المصلحة خِالف ذلك في‬
‫ٍ‬

‫ولكن نقول‪ :‬إنّ القبول ب ھذا المن طق سيُفقِد ھذه الم صلح َة ذا َت ھا مفھو َم ھا‪ ،‬و كذلك ستفقد م سألة عدم لزوم ال ھرج وال مرج‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ورابطة ذاتي ًّة بين الفعل والنتيجة ال مؤ ّدي إلي ھا‪،‬‬
‫عالقة‬
‫فعل ما ھو أنّ ھناك‬
‫مفھومھا‪ ،‬وذلك ألنّ معنى وجود مصلح ٍة وراء ٍ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫وإال فال معنى للمصلحة في ال عالم‪ ،‬بل سي صير باإلم كان ج عل ك ّل نتي ج ٍة م صلحة ما دام األ مر تعا ق ِد ّيا‪ ،‬وھ كذا لن ي لزم‬
‫الھرج والمرج ما دام ﷲ يوجد أيَّ نتيج ٍة يبتغيھا من أيِّ وسيل ٍة شاء‪.‬‬
‫‪256‬‬

‫وجواب‪:‬‬
‫ٌ‬
‫إشكال ٌ‬
‫ويقول أصحابُ ھذه النظريّة‪ :‬إنّ اإلذعان بأنّ لھذا العالم قانونا ً قط ِع ّيا ً يعني التسليم بمحدوديّة قدرة ﷲ وإرادته‪.‬‬
‫ويُجاب على ذلك نقضا ً وحالًّ‪.‬‬
‫أ ّما النقض فھو‪ :‬يسلّم أصحاب ھذه النظريّة‪ ،‬وينبغي لھم التسليم‪ ،‬بأنّ من المحال على ﷲ أن يذھب بالمطيع إلى جھ ّنم‪،‬‬
‫وبالعاصي إلى الج ّنة‪ ،‬فھل ھذا تحدي ٌد لقدرته ومشيئته؟!‬
‫وأمّا الح ّل فھو‪ :‬إنّ قطعيّة القوانين ال تعني محدوديّة قدرة ﷲ وإرادته أبداً‪ .‬ولتقريب الفكرة نقول‪ :‬اإلنسان الذي أدرك‬
‫الخطر والمفسدة الناج َميْن عن اإلحتراق بالنار ال يضع يده في النار أبداً‪ ،‬وكذلك ﷲ تعالى المحيط بنتائج ومفاسد تغيُّر‬
‫حال من النظم والتناسق‪ -‬ال يغيّرھا‪ ،‬بمحض إرادته وكمال قدرته‪.‬‬
‫القوانين‪ -‬بعد أن وضعھا على أفضل ٍ‬
‫ھذا الكال ُم ُكلُّه وفق مر َت َكزات أصحاب ھذه‬
‫النظريّة‪.‬‬
‫ِ‬
‫القانون الظاھري والقانون الواقعي‬
‫وأمّا َمنْ يؤمنون بقانون العلّيّة العا ّم‪ ،‬وقانون ضرورة ال ِعلّة والمعلول‪ -‬كالعالّمة الطباطبائيّ مثالً‪ ،‬الذي ذكر بأنّ القرآن قد‬
‫ل‬
‫آمن بقانون العلّيّة العا ّم‪ ،‬وعليه فلك ّ‬
‫ل شي ٍء في الطبيعة قانونٌ ال يتخلَّف عنه‪ ،‬ودليلُه قولُه تعالى‪﴿ :‬قد جعل ﷲ ل ُ‬
‫ك ّ‬
‫شي ٍء َقدْ راً‪ ،﴾12‬إالّ أنّ ھناك فرقا ً بين ال ِعلّة التي نألفھا عن طريق العادة‪ ،‬وال ِعلّة الواقعيّة‪ ،‬إذ قد ال تكون العلّة التي ع ّدھا‬
‫العلم البشريّ علّ ًة ھي العلّة الواقعيّة‪،‬‬
‫‪257‬‬

‫ٌ‬
‫بل ھي غطا ٌء فوق العلّة الواقعيّة‪ -‬فقد ذكروا أ ّنه ليست ھناك معجزةٌ‬
‫خارجة عن نطاق القانون الطبيعِيّ الواقعيّ ‪ ،‬ال‬
‫القانون الذي يعرفه البشر‪ ،‬فالقانون الذي يعرفه اإلنسان قد يكون ھو نفسُه قانون الطبيعة‪ ،‬وقد ال يكون‪.‬‬
‫بنوع من القدرة‬
‫نعم التوسُّل بالقانون الواقعيّ ‪ ،‬أي كشفه‪ ،‬والھيمنة عليه‪ ،‬واإلستفادة منه‪ ،‬يكون‬
‫الغيبيّة ما وراء الطبيعة‪.‬‬
‫ِ‬
‫ٍ‬
‫ھيمنة قانون ال نقض قانون‬
‫قانون آخر‪ ،‬مع كون كِليھما طبيع ّياً‪ ،‬إالّ‬
‫وبعبار ٍة أخرى‪ :‬ليست المعجزةُ‬
‫قانون على‬
‫قانون ما‪ ،‬بل المعجزةُ ھي ھيمن ُة‬
‫نقض‬
‫َ‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫أنّ المھيمِن ھو القانون الواقعِيّ ‪ ،‬والمھي َمن عليه ھو القانون المألوف‪.‬‬
‫واإلعتباريّة‪ ،‬وح ّتى الطبي ِعيّة‪ ،‬فمثالً الدواء في القوانين الط ّبيّة العاديّة ال ب ّد وأن يترك‬
‫ولھذا نظي ٌر في القوانين اإلجتماعِ يّة‪،‬‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫يأس روحِيٍّ فإ ّنھا ستفضي إلى بطء حالة الجسد‪ ،‬وبالتالي‬
‫ة‬
‫حال‬
‫اإلنسان‬
‫إعترى‬
‫ما‬
‫تأثيراً ص ّح ّيا ً على البدن‪ ،‬ولكنْ إذا‬
‫ٍ‬

‫ستمنع الدواء من التأثير‪ ،‬وبھذا يكون قانون تأثير الحالة الروحيّة مھيمِنا ً على قانون تأثير الدواء‪ ،‬مع أنّ ِك َليْھما طبيعيٌّ ‪،‬‬
‫إالّ أنّ قانون تأثير الدواء ھو المألوف والشائع والمعتاد‪.‬‬
‫سر المعجزة‬
‫‪ّ -4‬‬
‫وھذه ھي النظرية الرابعة في تفسير المعجزة‪ ،‬ويسعى أصحابُھا‪ 13‬بعكس أصحاب نظريّة التأويل للبحث عن سرّ‬
‫المعجزات‪ ،‬في حين ال يؤمِن أولئك بوقوع المعجزة أساساً‪ ،‬فال يس َع ْون ورا َء الكشف عن سرّ ھا‪.‬‬
‫‪258‬‬

‫وھم يختلفون مع أصحاب نظريّة األشاعرة‪ ،‬فإنّ أولئك ال يؤمنون بوجود سرٍّ للمعجزة أساسا ً‪.‬‬
‫َّ‬
‫غير قابل ٍة للتغيير‪ ،‬وأنّ للمعجزة سرّ اً‪ ،‬فالمعجزة أ م ٌر غي ُر عادِيٍّ ‪ ،‬خار ٌج عن‬
‫وملخصُ ھذه النظريّة أنّ ھناك سننا ً واقعي ًّة َ‬
‫ٌ‬
‫شريّة‪ ،‬ول كنّ ھذا ال يت نافى مع كون ال قوانين ا لتي تح كم في ال عالم ھي سل سلة من ال قوانين القطعي ّة‬
‫حدود الطا قة الب ِ‬
‫والضروريّة‪ .‬فالسرّ الكامِن وراء المعجزة ال يتعارض مع جز ِميّة القوانين الطبي ِعيّة‪.‬‬
‫آن م عاً‪ ،‬وذ لك أنّ ما ح صل عل يه األنب ياء‬
‫والذي تريد أن تثبته ھذه‬
‫النظريّة أنّ المعجزة أم ٌر ما فوق ب شريّ وب شريّ في ٍ‬
‫ِ‬
‫عليھم السالم من قدرات ليس يوجد عند اآلخرين‪ ،‬ولكنّ ھذه ال قدرات ھي من سنخ ال قدرة المو جودة ع ند ك ّل ال ناس‪ ،‬إالّ‬
‫أ ّنھا عند الناس بدرج ٍة ضعيف ٍة ج ّداً‪ ،‬وعند األنبياء عليھم السالم بدرج ٍة عالي ٍة‪.‬‬
‫‪259‬‬

‫ﺧﻼﺻﺔ اﻟﺪرس‬
‫ً‬
‫عالمة على وجود قدر ٍة ما وراء ب شريّة في إي جاده‪ ،‬ت فوق حدود الطا قة اإلن سانيّة‬
‫المعجزة فع ٌل وأث ٌر يأتي به النبيّ ليكون‬
‫بشكل عا ٍّم‪.‬‬
‫ٍ‬
‫ت حول المعجزة‪:‬‬
‫وھناك أرب ُع نظريّا ٍ‬
‫النظري ّ ة األو لى‪ :‬نظري ّة المن كرين للمع جزة أسا ساً‪ ،‬والمع جزة ع ندھم إم ّا كذب م حضٌ ‪ ،‬أو شي ٌء من قب يل الممار سات‬
‫السحريّة‪.‬‬
‫َ‬
‫بشكل طبيعِيٍّ وعاديٍّ ‪.‬‬
‫النظر ّية الثانية‪ :‬نظريّة التأويل‪ ،‬وقد ق ِبل أصحابھا المعجزة ولكنْ فسَّروھا‬
‫ٍ‬
‫النظر ّية الثالثة‪ :‬إن المعجزة آية من قِ َبل ﷲ تظھر على يد ال نبيّ صاحب المع جزة‪ ،‬ف ما ي قوم به ال نبيّ ل يس فع له‪ ،‬بل ھو‬
‫فعل ﷲ‪ ،‬الذي بيده تغيير قانون العالم متى شاء‪ ،‬وكيف شاء‪.‬‬
‫النظريّة‪.‬‬
‫ھذا الكال ُم ُكلُّه وفق مر َت َكزات أصحاب ھذه‬
‫ِ‬
‫وأمّا َمنْ يؤمنون بقانون العلّيّة العا ّم‪ ،‬وقانون ضرورة العِل ّة والمع لول‪ -‬كالعالّ مة الطباط بائيّ ‪ -‬ف قد ذ كروا أن ّه لي ست ھ ناك‬
‫ٌ‬
‫معجزةٌ‬
‫خارجة عن نطاق القانون الطبيعِيّ الواقعيّ ‪ ،‬إذ ليست المعجزةُ‬
‫قانون ع لى‬
‫قانون ما‪ ،‬بل المعجزةُ ھي ھيم ن ُة‬
‫نقض‬
‫َ‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫قانون آخر‪ ،‬مع كون كِليھما طبيع ّيا‪ ،‬إال أنّ المھيمِن ھو القانون الواقعِيّ ‪ ،‬والمھي َمن عليه ھو القانون المألوف‪.‬‬
‫ٍ‬
‫ف مع كون ال قوانين ا لتي تح كم في‬
‫شريّة‪ ،‬دون ت نا ٍ‬
‫النظريّة الرابعة‪ :‬المعجزة أم ٌر غي ُر عادِيٍّ ‪ ،‬خار ٌج عن حدود الطاقة الب ِ‬
‫ِ‬
‫ٌ‬
‫قانون‪.‬‬
‫قانون على‬
‫سلسلة من القوانين القطعيّة والضروريّة‪ ،‬بل تكون المعجزة من قبيل حكومة‬
‫العالم ھي‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬

‫أﺳﺌﻠﺔ اﻟﺪرس‬
‫‪ -1‬ما ھي المعجزة؟‬
‫‪ -2‬ھل يمكن أن توجد المعجزة؟‬
‫‪ -3‬ھل يتوافق العلم والمعجزة أم بينھما تناف ٌر وتضا ّد؟‬
‫‪ -4‬ما ھي النظريّات التعليليّة في تفسير المعجزة؟‬
‫‪ -5‬ما ھي أبرز اإلشكاالت المثارة حول المعجزة؟‬

‫ﻫﻮاﻣﺶ‬
‫عل ّـةٍ‪،‬‬
‫ة في العالم من دون مح ِدثٍ‪ ،‬ومـن دون ِ‬
‫ضھم المعجزة بمعنى ُيرادِف الصدفة‪ ،‬التي تعني وقوع حادث ٍ‬
‫‪ -1‬ھذا ھو السائد عاد ًة في كتب المادّيّين‪ ،‬فقد استخدم بع ُ‬
‫ل‪ ،‬ويرفضه اإللھيون؛ ألنﱠ إذعانھم له يمثّل نقضاً ألحد الط ُُرق التي استخدموھا منذ القديم في االستدالل على وجود ﷲ‪ ،‬كما أنﱠه ال يصلح ألن‬
‫أمر محا ٌ‬
‫باألساس‪ .‬وھذا ٌ‬
‫ي أو ال؟‬
‫يكون آي ًة إلثبات نبوّة أ ّ ِ‬
‫ي نبي؛ إذ ما عالقة حادثة ُوجدت بذاتھا بأنﱠ ھذا نب ّ‬
‫بعض التفاصيل ـ كخروجھا من الجبل والصخور ــ غـي َر مــذكور ٍة فــي القـرآن‬
‫ك والترديد‪ ،‬وإنْ كانت‬
‫‪ -2‬مثال ً‪ :‬ناق ُة صالح عليه السالم آي ٌ‬
‫ة من اآليات‪ ،‬وھذا م ّ‬
‫ما ال يقبل الش ّ‬
‫ُ‬
‫الكريم‪.‬‬
‫‪ -3‬مع ضم قول المنكرين للمعجزة‪ ،‬فإن إنكارھا قول في مقابل تلك النظريات المذكورة‪.‬‬
‫‪ -4‬والجواب‪ -‬باختصار‪ -‬ھو أن السحر ونحوه خاضع لمناھج تعليمية مع ممارسة دؤوبة بخالف االعجاز وألن السحر خاضع للتعل ّـم والتعليـم في كون قـابال ً للمعار ضة دون‬
‫المعجزة‪ ،‬إضافة إلى أن السحر متشابه في نوعه‪ ،‬متح ٌد في جنسه دون المعجزة‪ ،‬ويخت لف الســحر عـن المعجـزة مـن حيـث األھـداف والغايـات ‪ ...‬وللتفصـيل يراجـع‬
‫االلھيات للشيخ جعفر السبحاني ج‪ ،3‬ص ‪.108‬‬
‫ي‪.‬‬
‫‪ -5‬من أركان ھذه النظريّة السيّد أحمد خان الھن ِد ّ‬
‫‪ -6‬اإلسراء‪.93 :‬‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ﱠ‬
‫ﱠ‬
‫ة‬
‫ل‬
‫د‬
‫ِـ‬
‫ج‬
‫ت‬
‫َـن‬
‫ل‬
‫و‬
‫ال‬
‫ِي‬
‫د‬
‫ب‬
‫ت‬
‫ﷲ‬
‫ة‬
‫ن‬
‫ِس‬
‫ل‬
‫د‬
‫ج‬
‫ت‬
‫َن‬
‫ل‬
‫ف‬
‫ِين‬
‫ل‬
‫و‬
‫أل‬
‫ا‬
‫ة‬
‫ن‬
‫س‬
‫ال‬
‫إ‬
‫ُر‬
‫ظ‬
‫ن‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ھ‬
‫ف‬
‫{‬
‫‪:‬‬
‫ومنھا‬
‫‪.‬‬
‫‪62‬‬
‫‪/‬‬
‫األحزاب‬
‫}‬
‫ال‬
‫ِي‬
‫د‬
‫ب‬
‫ت‬
‫ﷲ‬
‫ة‬
‫ن‬
‫ِس‬
‫ل‬
‫د‬
‫ج‬
‫ت‬
‫َن‬
‫ل‬
‫و‬
‫ل‬
‫ب‬
‫ق‬
‫ِن‬
‫م‬
‫ا‬
‫و‬
‫ل‬
‫خ‬
‫ِين‬
‫ذ‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ِي‬
‫ف‬
‫ﷲ‬
‫س ﱠن َة‬
‫َ‬
‫ونَ‬
‫ِسـ ﱠن ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ﱠ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ُ ﱠ‬
‫ُ ﱠ‬
‫ُ ﱠ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ ْ ُ‬
‫‪ -7‬منھا‪ُ { :‬‬
‫ِ‬
‫ْ ُ‬
‫ح ِويال ً} فاطر ‪.43 /‬‬
‫ﷲ تَ ْ‬
‫‪ -8‬وھو األستاذ شريعتي‪.‬‬
‫مـد خاتـم‬
‫دِمة كتابه "التفسير الجديد"‪ ،‬وبالتفصيل في المجل ّد الثاني مـن كتابـه "مح ّ‬
‫‪ -9‬أمثال األستاذ مح ّ‬
‫مد تقي شريعتي‪ ،‬حيث تناول ھذه النظريّة باختصارٍ في مق ّ‬
‫غيرھا‪.‬‬
‫النظريّة‪ ،‬ال‬
‫ة تحت عنوان "الوحي والنبوّة"‪ ،‬وأصرّ في كتابه الثاني إصراراً كبيراً على ھذه الفكرة‪ ،‬مؤكِّداً أنﱠ األساس في المعجزة ھو ھذه‬
‫األنبياء" في مقال ٍ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫ي يفترضه الذھن‪ ،‬ويدرك ضرورته‪.‬‬
‫ث متساويان‪ ،‬ھذا‬
‫ض ﱞ‬
‫قانون ريا ِ‬
‫‪ -10‬ومثاله‪ :‬الشيئان المساويان لشي ٍء ثال ٍ‬
‫ٌ‬
‫ي ُيدرك العقل ضرورته‪.‬‬
‫ل أكبر من الجزء‪ ،‬ھذا‬
‫ي فلس ِف ﱞ‬
‫قانون عقلِ ﱞ‬
‫ٌ‬
‫‪ -11‬ومثاله‪ :‬الك ّ‬
‫‪ -12‬الطالق ‪.3 /‬‬
‫‪ -13‬وھم حكماء اإلسالم‪ ،‬مثل ابن سينا‪.‬‬

‫اﻟﺨﺎﺻﺔ‬
‫اﻟﺪرس اﻟﺴﺎﺑﻊ ﻋﺸﺮ‪ :‬اﻟﻤﻌﺠﺰة‬
‫ّ‬
‫أھداف الدرس‬
‫‪ -1‬إيضاح الفارق بين معجزة القرآن ومعاجز األنبياء اآلخرين‪.‬‬
‫‪ -2‬القدرة على شرح الفصاحة والبالغة وإعجاز القرآن من خاللھما‪.‬‬
‫‪ -3‬إعطاء بعض األمثلة حول اإلعجاز العلمي‪.‬‬
‫‪ -4‬القدرة على شرح اإلعجاز اللفظي‪.‬‬
‫‪ -5‬فھم اإلعجاز المنطقي في القرآن‪.‬‬
‫‪ -6‬القدرة على تعداد مناشئ الخطأ الذھني بحسب القرآن الكريم‪.‬‬
‫‪261‬‬
‫إعجاز القرآن الكريم‬
‫بشكل خاصٍّ ‪ ،‬أي عن معجزة ِنبيٍّ من‬
‫بشكل عا ّم‪ ،‬ونتح َّدث في ھذا البحث عن المعجزة‬
‫تح َّدثنا في ما سبق عن المعجزة‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫النبيّ األكرم محمّد صلى ﷲ عليه وآله وسلم الخالِدة‪ ،‬أال وھي‬
‫معجزة‬
‫حول‬
‫الكالم‬
‫وسنجعل‬
‫األنبياء عليھم السالم بعينِه‪،‬‬
‫ِ‬
‫ً‬
‫وا ْلجِنﱡ‬
‫اإل‬
‫نس َ‬
‫اج َت َ‬
‫مع ْ‬
‫ُل لَئ ْ‬
‫القرآن الكريم‪ ،‬الذي تحدّى بنفسه‪ ،‬ومنذ أوّ ل نزوله‪ ،‬البشر جميعا أن يأتوا بمثله‪ ،‬فقال‪﴿ :‬ق ْ‬
‫ِن ْ‬
‫ُ‬
‫َت ِ‬
‫ْل َ‬
‫َ‬
‫ض ُھ ْم لِبَعْضٍ ظَ ِھيراً‪.﴾1‬‬
‫ه َولَ ْو كَانَ بَ ْ‬
‫م ْثلِ ِ‬
‫ن ال َ يَ ْأ ُتونَ بِ ِ‬
‫ھ َذا ا ْل ُق ْرآ ِ‬
‫علَى أَنْ يَ ْأ ُتوا بِ ِ‬
‫ع ُ‬
‫مث ِ‬
‫ُل َ‬
‫ولم يكتفِ بذلك‪ ،‬بل تحدّاھم أن يأتوا بعشر‬
‫و ٍر‬
‫س َ‬
‫سور مثله‪ ،‬بل بسور ٍة مثله‪ ،‬فقال‪﴿ :‬أَ ْ‬
‫ف ْأ ُتوا بِع ْ‬
‫م يَقُولُونَ ا ْف َت َرا ُه ق ْ‬
‫ر ُ‬
‫َش ِ‬
‫ٍ‬
‫‪2‬‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ُل َ‬
‫سو َر ٍة‬
‫اس َتطَ ْ‬
‫م ْثلِ ِ‬
‫ِ‬
‫ِن ُدو ِ‬
‫واد ُ‬
‫ْعوا َ‬
‫ِين ﴾‪ ،‬وقال‪﴿ :‬أ ْ‬
‫صا ِدق َ‬
‫م َ‬
‫م ْف َت َريَاتٍ َ‬
‫م يَقُولُونَ ا ْف َت َرا ُه ق ْ‬
‫ن ﷲ إِنْ كُن ُت ْ‬
‫ع ُت ْ‬
‫مم ْ‬
‫ن ْ‬
‫م ْ‬
‫فأ ُتوا بِ ُ‬
‫ه ُ‬
‫ن ﷲ إِنْ‬
‫اس َتطَ ْ‬
‫م ْثلِ ِ‬
‫ِ‬
‫ِن ُدو ِ‬
‫ه َواد ُ‬
‫ْعوا َ‬
‫ع ُت ْ‬
‫مم ْ‬
‫ن ْ‬
‫م ْ‬

‫ِين‪.﴾3‬‬
‫ُ‬
‫صا ِدق َ‬
‫م َ‬
‫ك ْن ُت ْ‬
‫‪263‬‬

‫ميزة القرآن‬
‫بأمريْن‪:‬‬
‫غيره‬
‫َ‬
‫ويتميَّز القرآن عن غيره من معجزات األنبياء بأ َّنه كال ٌم‪ ،‬وطبيعة الكالم تختلف عن طبيعة ِ‬
‫فعل آخر‪.‬‬
‫ّأوالً‪ :‬أ َّنه يد ُّل على المتكلِّم أكثر من أيِّ ٍ‬
‫غيره‪.‬‬
‫ثانيا ً‪ :‬أ َّنه ِ‬
‫قاب ٌل للبقاء دون ِ‬
‫زمن ما‪ ،‬وشاھدھا عد ٌد محدو ٌد من الناس‪ ،‬وأمّا اآلخرون فينبغي‬
‫ومن ھنا نرى أنَّ معجزات األنبياء كانت وقائع حدثت في‬
‫ٍ‬
‫ّ‬
‫اإلطالع عليھا بالنقل‪.‬‬
‫لھم‬
‫في حين أنَّ القرآن الكريم‪ ،‬الذي ھو عبارة عن كالم ﷲ تعالى‪ ،‬بقي خالِداً‪ ،‬تتناقله األج يال في ما بين ھا‪ ،‬كمع جز ٍة حا ضر ٍة‬
‫ومكان‪.‬‬
‫زمان‬
‫ل ُك ِّل الناس‪ ،‬وفي ُك ِّل‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫بعض جھات إعجاز القرآن‬
‫‪ -1‬الفصاحة والبالغة‬
‫الفصاحة من مقولة الجمال‪ ،‬وھو يرتبط بالقلب والمشاعر‪ ،‬ال بالعقل والفكر‪.‬‬

‫والقرآن في ما يرتبط بإعجازه من ج ھة الج مال ھو نصٌّ ّ‬
‫جذابٌ ‪ ،‬ويت عاطى مع اإلح ساس المع نويّ لإلن سان‪ ،‬أي مع ت لك‬
‫العلويّ ‪.‬‬
‫األحاسيس التي تحرّك اإلنسان‪ ،‬وتدفعه صوب العالم‬
‫ِ‬
‫الشعري‬
‫القرآن والتعبير‬
‫ِ‬
‫لم يعتمد القرآن في تعابيره على ما شاع عند الفصحاء والبلغاء من أنَّ‬
‫‪264‬‬
‫كنوع‬
‫الجمال قد يكون في الكذب‪ ،‬بحيث ترى الشعراء يتف ّننون في تضمين أشعارھم بعض الصور الفاقعة الكذب‪ ،‬وذلك‬
‫ٍ‬
‫من إضفاء مسحة من الجمال على قصائدھم‪ ،‬وقد قيل في الشعر‪ :‬أعذبه أكذبه‪.‬‬
‫ولكنَّ القرآن الكريم رفض ھذا المنطق‪ ،‬ولم يستخدمه بتاتاً‪ ،‬فھو من ھذه الناحية يختلف مع الشعر تماماً‪ ،‬وإنْ كان يتفق‬
‫نواح أخرى‪ ،‬كقابليّته للنغم‪ ،‬وستأتي اإلشارة لھذا في ما بعد إنْ شاء ﷲ تعالى‪.‬‬
‫معه من‬
‫ٍ‬
‫القرآن والتشبيھات‬
‫لم يستخدم القرآن التشبيه كثيراً‪ ،‬بل التشبي ُه فيه قلي ٌل ج ّداً‪.‬‬
‫ولع ّل السرّ في ذلك أنَّ القرآن كتابُ ھدايةٍ‪ ،‬ومن ھنا لم يكن تركيزه على الجمال‪ ،‬بل ذكر المسائل التي يذعن لھا عق ُل‬
‫اإلنسان بعيداً عن الخيال‪.‬‬
‫ومع ذلك فھو جمي ٌل وإستثنائيٌّ ‪ ،‬حيث كانت كلما ُته وتعابيرُه وتصويرا ُته فائقة الجمال‪.‬‬
‫ومن ھنا نخلص إلى القول بأنَّ القرآن معجزةٌ‪ ،‬بمحتوياته‪ ،‬وبلفظه‪ ،‬وجماله وشكله‬

‫معا◌ً‬

‫‪.4‬‬

‫‪265‬‬
‫وبعبار ٍة أ خرى‪ :‬ل قد كان ال قرآن ال كريم الو سيلة الوح يدة ا لتي ا َّت خذھا النب ِيّ صلى ﷲ عل يه وآ له و سلم ل جذب ال ناس إ لى‬
‫دعوته‪ ،‬ومواجھة المناوئين‪ ،‬وقد أقرّ بجاذبيّته وتأثيره أعداء الرسالة آنذاك‪ ،‬إالّ أ َّنھم عزوه إلى السحر‪ ،‬وإلى أنَّ فيه طل سما ً‬
‫ھو الذي يضفي عليه قوّ ة الجذب‪.‬‬
‫والفكري للقرآن‬
‫العلمي‬
‫‪ -2‬اإلعجاز‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫وھو يرتبط بمحتويات القرآن‪ ،‬وال عالقة له بلفظه وظاھره‪.‬‬
‫حو ي فوق‬
‫ونحن لو أخذنا بعض الموضوعات التي تطرَّ ق لھا القرآن‪ ،‬كالتوحيد مثالً‪ ،‬فسنرى أنَّ مقاربة القرآن لھا كا نت بن ٍ‬
‫بكثير ما كان سائداً ومألوفا ً في العالم برمّته‪ ،‬ح ّتى ما كان سائداً عند اليونان والرومان‪.‬‬
‫ٍ‬
‫رجل عربيٍّ أُمِّيٍّ ‪.‬‬
‫دليل على إعجازه‪ ،‬وال سيّما أ َّنه صدر عن‬
‫ٍ‬
‫وھذا خي ُر ٍ‬
‫وھكذا ھو الحال في المسائل األخرى‪ ،‬كاألخالق‪ ،‬والتربية‪ ،‬والتعاليم‪ ،‬والقوانين‪ ،‬فھي في القرآن الكريم بمستوى يفوق ك ّل‬
‫مستوى كانت أو تكون عليه‪ ،‬ح ّتى إ َّنه يُلحظ أنَّ ما جاء في القرآن حول ھذه المواضيع أرقى وأسمى ممّا جاء في الروايات‬
‫شريَّة في الروا يات‬
‫والف قه اإل سالمِيّ حول ھا‪ ،‬وذ لك لتوا تر ال قرآن وبقا ئه محفو ظا ً من التحر يف‪ ،‬بين ما تدخلت األ يدي الب ِ‬
‫والفقه‪.‬‬

‫رجل أُمِّيٍّ ؟!‬
‫فكيف تكون مقارب ُة ھذه الموضوعات بھذا الرقيّ وھي صادِرةٌ من‬
‫ٍ‬
‫ك يثبت لنا أنَّ القرآن من عند ﷲ وحده ال شريك له‪.‬‬
‫ھذا وال ش َّ‬
‫وقــد ذكــر القــرآن الكــريم مســائل عديــدة فــي مجــال الطبيعــة‪ ،‬كالــذي ذكــره حــول الــريح‪ ،‬والمطــر‪ ،‬واألرض‪ ،‬والســماء‪،‬‬
‫ً‬
‫مفھومة‬
‫والحيوانات‪ .‬وال يزال العلم يصل بين فتر ٍة وأخرى إلى حقائق قد أثبتھا القرآن منذ ‪ 1400‬سنة‪ ،‬ولك َّنھا لم تكن‬
‫‪266‬‬
‫المتشابھات‪.‬‬
‫الموارد‬
‫آنذاك‪ ،‬وكانت ُتع َت َبر من‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫النبيّ صلى ﷲ عليه وآله وسلم واألئمّة عليھم السالم‪ ،‬الذين‬
‫وقابلِ ّي ُة الكشف ھذه في القرآن الكريم قد وردت في كالم ِ‬
‫‪5‬‬
‫ذكروا أنَّ القرآن مع ِج ٌز بلفظه ومعناه‪ ،‬وأ َّنه جدي ٌد على الدوام ال يبلى‪ ،‬وأ َّنه ال يختصُّ بزمان دون زمان ‪.‬‬
‫‪ -3‬اإلعجاز اللفظِ ّي‬
‫صيغة البيان القرآني‬
‫ً‬
‫ً‬
‫كالم آخر‪ ،‬ح ّتى كالم النبيّ صلى ﷲ عليه وآله وسلم‪،‬‬
‫وبالغة أيُّ‬
‫فصاحة‬
‫يمتاز القرآن الكريم بصيغ ٍة بيان ّي ٍة ال يضاھيھا‬
‫ٍ‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫َّ‬
‫ضمِّنت بعض خطبه خطبا أخرى‬
‫واإلمام عليّ عليه السالم‪ .‬فمع ما عليه نھج البالغة من بالغ ٍة وفصاح ٍة إال أنه لو ُ‬
‫اللتبس األمر على القارئ‪ ،‬ولم يميِّز كالم أمير المؤمنين عليه السالم عن كالم غيره‪ ،‬بينما ال يحصل ھذا األمر في القرآن‬
‫المعارضة‪ ،‬رغم أنَّ كثيرين حاولوا معارضته‪ ،‬لك َّنھم فشلوا فشالً ذريعاً‪ ،‬ح ّتى‬
‫أبداً‪ ،‬فھو عصِ يٌّ على التقليد‪ ،‬ممت ِن ٌع على‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫منحطا ً ح ّتى عن مستوى الكالم العاديّ ‪.‬‬
‫قيل فيھم بالصّرْ فة‪ ،‬بمعنى أنَّ ﷲ عاقبھم لمعارضتھم القرآن‪ ،‬بأن جعل كالمھم‬
‫قابل ّية القرآن للنغم‬
‫ً‬
‫من الواضح أ َّنه ليس ك ّل النصوص األدبيّة‬
‫قابلة للّحن والنغم‪ ،‬فقد تسالموا على قابليّة الشعر وحده لذلك‪ .‬ومعنى القابلِيّة‬
‫ولحن‪.‬‬
‫نغم‬
‫بنغم‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫ولحن موسيقِيٍّ أفضل في بيانه وتأثيره من أن يؤدّى بغير ٍ‬
‫للّحن ھو أن يكون أداؤه ٍ‬
‫‪267‬‬
‫ويمتاز القرآن الكريم عن غيره من النصوص النثريّة بقابليّته للنغم‪ ،‬فمع أ َّنه ليس شعراً‪ ،‬إذ ال وزن فيه‪ ،‬وال قافية‪ ،‬وال‬
‫الشعريّة‪ ،‬نراه يقبل اللحن والنغم‪ ،‬وتأثيره معھما أكبر من تأثيره من دونھما‪ ،‬ومن ھنا كانت‬
‫يعتمد الخيال والتشبيھات‬
‫ِ‬
‫‪6‬‬
‫ّ‬
‫َّ‬
‫الح َسن( ‪ ،‬وفي بعض األخبار‪" :‬تغن ْوا بالقرآن" وبطبيعة الحال ليس المراد التغني‬
‫الوصيّة منھم )بتالوة القرآن بالصوت َ‬
‫المحرّ م وھو المثير للشھوة بحيث يخرج العقل عن طبيعته بل المحرّك لألحاسيس الفطرية والمشاعر التي تفتح قلب‬
‫اإلنسان على ﷲ تعالى‪.‬‬
‫ً‬
‫عناية خاص ًّة لتالوة القرآن بالصوت الحسن‪ ،‬فرغم أنَّ القرآن قد نزل عليه ھو‪،‬‬
‫النبيّ صلى ﷲ عليه وآله وسلم‬
‫وقد أولى ِ‬
‫َّ‬
‫فقد كان يستدعي ذوي الصوت الحسن من أصحابه‪ ،‬ويطلب منھم أن يقرأوا القرآن في محضره‪ ،‬ويتأثر بقراءتھم‪ ،‬وما‬
‫ذلك إالّ إللتذاذه صلى ﷲ عليه وآله وسلم بسماع تالوة القرآن‪ ،‬األمر الذي ي َُع ُّد مظھراً من مظاھر إعجازه اللفظِ يّ ‪.‬‬
‫ويُالحظ المتأمِّل في القرآن أنَّ لحن القرآن ونغمه يختلف من آي ٍة إلى أخرى بإختالف موضوعاتھا‪.‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫طويلة‬
‫ففي الوقت الذي نرى فيه اآليات الداعية إلى التدبُّر‪ ،‬والتأمُّل‪ ،‬والتفكير‪ ،‬والتذ ُّكر‪ ،‬والموعظة‪،‬‬
‫ھادئة‪ ،‬كقوله تعالى‪﴿ :‬‬

‫ن اتﱠبَ َ‬
‫ط‬
‫ل‬
‫م إِلَى ِ‬
‫ماتِ إِلَى النﱡو ِر بِ ِإ ْذنِ ِ‬
‫ع ِر ْ‬
‫َي ْھدِي بِ ِ‬
‫ص َرا ٍ‬
‫ِن الظﱡلُ َ‬
‫هﷲ َ‬
‫ه َ‬
‫س ُب َ‬
‫ض َ‬
‫ج ُھ ْ‬
‫وانَ ُ‬
‫ِيھ ْ‬
‫مم ْ‬
‫ﱠ‬
‫م ْ‬
‫السال َ ِ‬
‫ه ُ‬
‫ر ُ‬
‫م َو ُيخْ ِ‬
‫و َي ْھد ِ‬
‫‪7‬‬
‫ُ‬
‫َّ‬
‫ِيم ﴾‪ ،‬إذ ال ب َّد وأن تلقن ھذه الكلمات للقلب بھدو ٍء وتأنٍّ ‪ ،‬نرى آيات العذاب‪ ،‬واإلنذار‪ ،‬والتخويف‪ ،‬قصير ًة شديد ًة‪،‬‬
‫م ْ‬
‫س َتق ٍ‬
‫ُ‬
‫ﱡ‬
‫وكِ َتابٍ َ‬
‫والطور َ‬
‫كقوله تعالى‪َ ﴿ :‬‬
‫م ْ‬
‫سطُو ٍر فِي َرقّ ٍ‬

‫‪268‬‬
‫جو ِر إِنﱠ‬
‫مو ِر َو‬
‫شور َوا ْل َب ْي ِ‬
‫الس ْقفِ ا ْل َ‬
‫ت ا ْل َ‬
‫ر ا ْل َ‬
‫م ْرفُوعِ َ‬
‫َ‬
‫م ْ‬
‫وا ْل َب ْ‬
‫ﱠ‬
‫م ْع ُ‬
‫م ْن ُ‬
‫س ُ‬
‫ح ِ‬

‫ِن دَافِعٍ‪.﴾8‬‬
‫واقِ ٌ‬
‫ك لَ َ‬
‫عَ َذ َ‬
‫ما ل َ ُ‬
‫ع َ‬
‫اب َربِ ّ َ‬
‫هم ْ‬

‫بشكل م َّتصِ ٍل‪ ،‬ال انفصال له‪ ،‬بحيث تنقلب بعد ھذا‬
‫والھدف من ھذا السجع القصير‪ ،‬والضغط الشديد‪ ،‬التأثير في الروح‬
‫ٍ‬
‫حال‪.‬‬
‫حال إلى ٍ‬
‫الكالم من ٍ‬
‫ت أخرى‪ ،‬ومن ھنا‬
‫ومن الطبيعيّ أنَّ ھذا الكالم إ َّنما يصدق في القرآن الكريم باللغة العربيّة‪ ،‬دون ما لو ُتر ِجم إلى لغا ٍ‬
‫َّ‬
‫ينبغي التركيز في ربط الناس‪ ،‬وال سيّما األجانب منھم‪ ،‬بالقرآن على أن يقرأوه باللغة العربيّة‪ ،‬فيتعلمونھا ولو ألجل أن‬
‫يقرأوا القرآن بھا‪ ،‬وأمّا أن نقلِّل من أھ ّميّة ذلك فھذا ما سيجعل ّ‬
‫اطالعھم على القرآن وإعجازه ناقصا ً ومشوَّ ھا ً‪.‬‬
‫المنطقي في القرآن‬
‫‪ -4‬اإلعجاز‬
‫ّ‬
‫ٌ‬
‫ً‬
‫عالمة على‬
‫مطروقة من قب ُل في تاريخ الفكر اإلنسانيّ ‪ ،‬وھذه‬
‫إنَّ بعض الموضوعات التي تطرَّ ق لھا القرآن الكريم لم تكن‬
‫ما نَ ﱠز ْل َنا عَ لَى‬
‫أفق أعلى‪ ،‬ولع ّ‬
‫ب ِ‬
‫م فِي َر ْي ٍ‬
‫ل ھذا ما تشير إليه اآلية‪َ ﴿ :‬‬
‫وإِنْ كُن ُت ْ‬
‫م ﱠ‬
‫أنَّ ھذا الكتاب قد أط ّل على البشر من ٍ‬
‫‪9‬‬
‫دنَا َ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫ِين ﴾‪ ،‬بناء على أنَّ الھاء في قوله‪" :‬من‬
‫ِن ُدو ِ‬
‫ِن ِ‬
‫ع ْب ِ‬
‫ه َوا ْد ُ‬
‫م ْثلِ ِ‬
‫ش َ‬
‫صا ِدق َ‬
‫م َ‬
‫ن ﷲ إِنْ كُن ُت ْ‬
‫ُم م ْ‬
‫ھدَا َءك ْ‬
‫سو َر ٍة م ْ‬
‫عوا ُ‬
‫ف ْأ ُتوا بِ ُ‬
‫ٌ‬
‫رجل‬
‫من‬
‫الجديدة‪،‬‬
‫الموضوعات‬
‫وھذه‬
‫الجمال‪،‬‬
‫بھذا‬
‫القرآن‬
‫ھذا‬
‫صدور‬
‫وسلم‪،‬‬
‫وآله‬
‫عليه‬
‫ﷲ‬
‫صلى‬
‫للنب‬
‫راجعة‬
‫"‬
‫مثله‬
‫فإنَّ‬
‫يّ‬
‫ٍ‬
‫ِ‬
‫مجتمع وبيئ ٍة ال يعرفان شيئا ً عن ھذه الموضوعات‪ ،‬لھو شي ٌء مدھشٌ‬
‫في‬
‫عاش‬
‫وقد‬
‫والكتابة‪،‬‬
‫القراءة‬
‫أُمِّيٍّ ‪ ،‬يفتقر إلى‬
‫ٍ‬
‫أفق أعلى من أفق النبيّ صلى ﷲ عليه وآله وسلم‪.‬‬
‫للغاية‪ ،‬ودلي ٌل على أنَّ ھذه الكلمات قد صدرت من ٍ‬
‫ومن ھذه الموضوعات التي تطرَّ ق لھا القرآن المنطق‪.‬‬
‫‪269‬‬
‫وھنا نذكر مقدّمة‪ ،‬وھي‪:‬‬
‫عرف العالم نو َع ْين من المنطق‪:‬‬
‫أ حدھما‪ :‬المن طق األر سطيّ ‪ :‬و ُي سمّى أي ضا ً من طق ال صورة‪ ،‬ل سعيه وراء شكل ت صميم ال صورة‪ ،‬ف ھو يرك ِّ ز ع لى كيفي ّة‬
‫ترتيب المقدّمات ترتيبا ً صحيحا ً لن صل إ لى النتي جة ال صحيحة‪ ،‬ولكن َّ ه لم ُيع ِرْ أيَّ أھ ِّمي َّ ٍة للتأك ُّ د من صحّ ة ھذه الم قدّمات‪،‬‬
‫األمر الذي أوصل الكثير من أصحاب ھذا المنطق إلى أفكار خاطئة‪.‬‬
‫ٌ‬
‫وفرق كبي ٌر بينھما‪.‬‬
‫وثانيھما‪ :‬منطق المادّة‪ ،‬وال نعني به المنطق الماديّ ‪،‬‬
‫وقد سعى أصحاب ھذا المنطق وراء شرط سالمة الموا ّد‬
‫الفكريّة وصحّتھا‪.‬‬
‫ِ‬
‫ً‬
‫صحيحة للو صول إ لى ن تائج صحيحةٍ‪ ،‬وإ ستخ ّفوا بالمن طق‬
‫وبع بار ٍة أ خرى‪ :‬صبّوا إھت مامھم ع لى كون الف كرة‪ -‬المق ّد مة‬
‫إنسان بفطرته يدرك الكيفيّة الصحيحة لترتيب المق ِّدمات‪ ،‬فالمھ ّم إذاً ھو ص ّحة ھذه الم قدّمات‪،‬‬
‫األرسطيّ ‪ ،‬معتبرين أنَّ ُك َّل‬
‫ٍ‬
‫وإالّ فستكون النتيجة خاطئة‪ً.‬‬
‫ومن أركان ھذا المنطق‪" :‬بيكون"‪ ،‬و"ديكارت"‪ ،‬حيث حاوال إكتشاف السبل التي تفضي إلى خطأ المادّة الفكريّة‪.‬‬

‫ص يّة‪ ،‬واإلجتماعِ ي ّة‪،‬‬
‫فذھب "بي كون" إ لى أنَّ من أ سباب خ طأ ال مادّة الفكري ّة و جود األ صنام الفِرقِي ّة )الطائفي ّة(‪ ،‬والشخ ِ‬
‫واإلقتصاديّة‪ ،‬وغيرھا من األصنام الشكلِيَّة‪ ،‬مثا ُل ذلك‪ :‬إنَّ لألھواء النفسيّة تأثيراً في الفكر والعقيدة‪ ،‬فبعضُ ما تقوله أحيا نا ً‬
‫ھو تعبير عن الھوى النفسيّ ‪ ،‬وليس عن لغة الفكر والعقل‪.‬‬
‫وذھب "ديكارت" إلى أنَّ خطأ العلماء والفالسفة يرجع في األكثر إلى تعجُّ لھم في الفصل في األمور‪ ،‬وبع بار ٍة أ خرى‪ :‬إ لى‬
‫إعتمادھم على ما يحصل لھم من ظنٍّ في فكر ٍة ما‪ ،‬وقبل أن يصل األمر إلى ح ّد القطع واليقين‪.‬‬
‫‪270‬‬
‫مناشئ الخطأ الذھني‬
‫بح َسب القرآن الكريم‪.‬‬
‫ونأتي اآلن لذكر مناشئ الخطأ الذھنِيّ َ‬
‫‪ -1‬إتباع الظن‪ :‬فيعتبر القرآن الكريم أنَّ من سبل الخطأ في الفكر ا ّتباع الظنّ ‪.‬‬
‫م‪.﴾10‬‬
‫ه ِ‬
‫ك بِ ِ‬
‫س لَ َ‬
‫ما لَ ْي َ‬
‫ْف َ‬
‫ومن ھنا كان تشديده على النھي عن إتباع الظنّ ‪ ،‬فقال‪َ ﴿ :‬‬
‫ع ْل ٌ‬
‫وال َ تَق ُ‬
‫وإستنكر قول الذين قالوا‪:‬‬
‫إِنْ‬
‫ھُم إِال ﱠ يَظُنﱡونَ ‪. ﴾11‬‬
‫ْ‬
‫وقال‪:‬‬

‫م بِ َ‬
‫ح َياتُ َنا ال ﱡ‬
‫ْم‬
‫ن ِ‬
‫ك َنا إِال ﱠ ال ﱠ‬
‫ما ُي ْھلِ ُ‬
‫ك ِ‬
‫ِي إِال ﱠ َ‬
‫ذلِ َ‬
‫دھْ ُر﴾‪ ،‬فقال‪َ ﴿ :‬‬
‫و َ‬
‫﴿ َ‬
‫و َ‬
‫َح َيا َ‬
‫وت َ‬
‫م ْ‬
‫ون ْ‬
‫ما لَ ُھ ْ‬
‫عل ٍ‬
‫د ْن َيا نَ ُ‬
‫م ُ‬
‫ما ھ َ‬

‫صونَ ‪.﴾12‬‬
‫ن فِي األ َ ْرضِ ُي ِ‬
‫يل ﷲ إِنْ يَ ﱠتبِ ُ‬
‫ن َ‬
‫ضلﱡو َ‬
‫﴿ َ‬
‫ن َوإِنْ ھُ ْ‬
‫وإِنْ ُتطِعْ أَ ْك َث َر َ‬
‫ك عَ ْ‬
‫م ْ‬
‫عونَ إِال ﱠ الظﱠ ﱠ‬
‫م إِال ﱠ يَخْ ُر ُ‬
‫سبِ ِ‬

‫ت من السنين‪ ،‬فكيف عرفه نبيّ الرحمة محمّد صلى ﷲ عليه وآله‬
‫ونسأل‪ :‬أليس ھذا ھو ما وصل إليه "ديكارت" بعد مئا ٍ‬
‫وسلم في ذلك الوقت؟!‬
‫كسبيل من ُسبُل الخطأ في الفكر‪ ،‬وھو عي ُنه ما سمّاه "بيكون"‬
‫‪ -2‬تقليد اآلخرين‪ :‬وكذلك ير ِّكز القرآن على تقليد الماضين‬
‫ٍ‬
‫الصنم الفِرقيّ واإلجتماعيّ ‪ ،‬وقد َّ‬
‫ج ْدنَا آبَا َءنَا‬
‫و َ‬
‫حذر جميع األنبياء عليھم السالم أم َمھم من ھذه السبيل المھلِكة‪ ،‬وھي‪﴿ :‬إِنﱠا َ‬
‫‪13‬‬
‫َ‬
‫وإِن ﱠا َ‬
‫ِم ُم ْق َت ُدونَ ﴾‪.‬‬
‫م ٍ‬
‫ة َ‬
‫علَى ُأ ﱠ‬
‫علَى آثَا ِرھ ْ‬
‫‪ -3‬سرعة الحكم‪ :‬وممّا عدَّه القرآن الكريم من سبل الخطأ في الفكر السرعة في القضاء‪ ،‬فنراه ي ِّ‬
‫ُحذر اإلنسان من الوقوع‬
‫في ھذه اآلفة الخطيرة‪ ،‬عبر‬
‫‪271‬‬
‫عَجوال ً‪﴾15‬‬
‫نسانُ‬
‫الع َ‬
‫تذكيره إيّاه بأ َّنه فُطِ ر على حبّ َ‬
‫ِن عَ َ‬
‫اإل َ‬
‫ل‪ ،﴾14‬وفي آي ٍة أخرى‪َ ﴿ :‬‬
‫اإل َ‬
‫خل َ‬
‫نسانُ م ْ‬
‫ُ‬
‫جلة‪ ،‬فيقول‪ُ ﴿ :‬‬
‫وكَانَ ِ‬
‫ِق ِ‬
‫ج ٍ‬

‫‪.‬‬

‫ّ‬
‫بشكل‬
‫الحق‬
‫ويُؤ ِّكد له في أكثر من آي ٍة أنَّ ما أو ِت َيه من العلم ليس إالّ القليل‪ ،‬الذي ال يخوِّ له معرفة‬
‫ما‬
‫سريع‪ ،‬فيقول‪َ ﴿ :‬‬
‫و َ‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫ْم إِال ﱠ َ‬
‫حيَا ِة ال ﱡ‬
‫عَن‬
‫ھُم‬
‫مونَ يَ ْ‬
‫ِن أَ ْك َث َر ال ﱠناسِ ال َ يَ ْ‬
‫ن ا ْل ِ‬
‫م ِ‬
‫د ْنيَا َ‬
‫ِن ا ْل َ‬
‫قلِيال ً‪ ،﴾16‬ويقول‪َ ...﴿ :‬‬
‫ْ‬
‫م ْ‬
‫ُأوتِي ُت ْ‬
‫و ْ‬
‫مونَ ظَاھِراً م ْ‬
‫ولَك ﱠ‬
‫عل ِ‬
‫علَ ُ‬
‫علَ ُ‬
‫‪17‬‬
‫خ َر ِة ھُ ْم َغافِلُونَ ﴾‪.‬‬
‫اآل ِ‬
‫وھذا ھو عين ما ذھب إليه "ديكارت"‪.‬‬

‫بح َسب القرآن أيضاً‪ ،‬ھوى النفس‪ ،‬حيث قال تعالى‪:‬‬
‫‪ -4‬ھوى النفس‪ :‬ومن ُسبُل الخطأ في الفكر‪َ ،‬‬
‫ُس‪.﴾18‬‬
‫ما ت َْھ َ‬
‫َ‬
‫و َ‬
‫وى األَ ْنف ُ‬

‫ن‬
‫﴿إِنْ يَ ﱠتبِ ُ‬
‫عونَ إِال ﱠ الظ ﱠ ﱠ‬

‫وھذا ھو بعينه ما يُعبِّر عنه "بيكون" بالصنم الشخصيّ ‪.‬‬
‫بح َسب القرآن أيضا ً ا ّتباع ال ُك َبراء‪ ،‬أصحاب المدارس والمذاھب‪ ،‬فقد بيَّن تعالى أنَّ ا ِّتباع ال ُك َبراء‬
‫‪ -5‬إتباع الكبراء‪َ :‬‬

‫و َ‬
‫م ُت َ‬
‫قالُوا‬
‫سو َ‬
‫و َ‬
‫ل َ‬
‫جوھُ ُھ ْ‬
‫والسادات ھو من المُھلكات‪ ،‬فقال‪﴿ :‬يَ ْ‬
‫قل ُ‬
‫م فِي ال ﱠنا ِر يَقُولُونَ يَا لَ ْي َت َنا أَطَ ْع َنا ﷲ َوأَطَ ْع َنا ال ﱠر ُ‬
‫ﱠب ُو ُ‬
‫‪19‬‬
‫كبَ َرا َءنَا َ‬
‫ل ﴾‪.‬‬
‫ضلﱡونَا‬
‫َربﱠ َنا إِنﱠا أَطَ ْ‬
‫فأَ َ‬
‫و ُ‬
‫سا َ‬
‫ع َنا َ‬
‫السبِي َ‬
‫دتَ َنا َ‬
‫ﱠ‬

‫وھذا ھو ما عبَّر عنه "بيكون" باألصنام الشكلِيَّة‪.‬‬
‫رجل أُمِّيٍّ ؟!‬
‫أ َفال ي َُع ُّد ھذا كلّه إعجازاً منطقِ ّيا ً للقرآن‪ ،‬وھو يصدر من‬
‫ٍ‬
‫‪272‬‬

‫ﺧﻼﺻﺔ اﻟﺪرس‬
‫النبيّ األكرم محمّد صلى ﷲ عليه وآله وسلم الخالِدة‪.‬‬
‫القرآن الكريم ھو معجزة ِ‬
‫ومن جھات إعجاز القرآن الكريم‪:‬‬
‫‪ -1‬الفصاحة والبالغة‪ :‬غير أنَّ القرآن الكريم رفض المنطق السائد في ال شعر‪ ،‬و ھو "أعذب ُه أكذب ُه"‪ ،‬و لم ي ستخدمه بتا تاً‪،‬‬
‫كما أ َّنه لم يستخدم التشبيه كثيراً‪ .‬ومع ذلك فھو في غا ية الف صاحة والبال غة‪ ،‬ح يث كا نت كلمات ُه‪ ،‬وت عابيرُه‪ ،‬وت صويرا ُته‪،‬‬
‫فائقة الجمال‪.‬‬
‫وقد أقرّ بجاذبيّته وتأثيره أعدا ُء الرسالة أنفسھم‪ ،‬وما ذلك إالّ لفصاحته وبالغته وجماله الساحر‪.‬‬
‫بكثير ما كان سائداً ومألوفا ً في العالم برمّته‪.‬‬
‫بنحو يفوق‬
‫والفكري‪ :‬فقد تطرَّ ق القرآن الكريم للتوحيد‬
‫العلمي‬
‫‪ -2‬اإلعجاز‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫وھكذا ھو الحال في المسائل األخرى‪ ،‬كاألخالق‪ ،‬والتربية‪ ،‬والتعاليم‪ ،‬والقوانين‪ ،‬فھي في القرآن الكريم بمستوى يفوق ك ّل‬
‫مستوى كانت أو تكون عليه‪.‬‬
‫صاحة وبال ً‬
‫ً‬
‫كالم آ خر‪ ،‬ويم تاز بقابل ّي ته للن غم‬
‫غة أيُّ‬
‫‪ -3‬اإلعجاز اللفظِ ّي‪ :‬يمتاز القرآن الكريم ب صيغ ٍة بياني ّ ٍة ال ي ضاھيھا ف‬
‫ٍ‬
‫واللحن‪ ،‬وتأثيره معھما أكبر من تأثيره من دونھما‪ .‬ويُالحظ المتأمِّل في القرآن أنَّ ل حن ال قرآن ونغ مه يخت لف من آ ي ٍة إ لى‬
‫أخرى باختالف موضوعاتھا‪.‬‬
‫‪ -4‬اإلعجاز‬
‫المنطقي‪ :‬فقد ذكر القرآن الكريم بعض مناشئ الخطأ ا لذھنِيّ ‪ ،‬أو سبل الخ طأ في الف كر‪ ،‬ومن ھا‪ :‬ا ّت باع ال ظنّ ‪،‬‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫تقليد الماضين‪ ،‬السرعة في القضاء‪ ،‬ھوى النفس‪ ،‬واتباع الك َبراء‪.‬‬
‫وھذه األمور ھي بعينھا التي ذكرھا "بيكون" و"ديكارت"‪ ،‬حين حاوال إكتشاف السبل التي تفضي إلى خطأ المادّة الفكريّة‪.‬‬

‫أﺳﺌﻠﺔ اﻟﺪرس‬
‫‪ -1‬ما ھي معجزة النبيّ األكرم صلى ﷲ عليه وآله وسلم األساسيّة؟‬

‫‪ -2‬كيف عرفنا بإعجاز القرآن الكريم؟‬
‫‪ -3‬ما ھي وجوه اإلعجاز القرآنيّ ؟‬
‫‪ -4‬ما المقصود من اإلعجاز المنطقي؟‬
‫‪ -5‬لماذا كان مضمون القرآن الكريم إعجازيا؟ً‬

‫ﻫﻮاﻣﺶ‬
‫‪ -1‬اإلسراء ‪.88 /‬‬
‫‪ -2‬ھود ‪.13 /‬‬
‫‪ -3‬يونس ‪.38 /‬‬
‫ي عليـه‬
‫ِـ‬
‫ل‬
‫ع‬
‫ـام‬
‫ـ‬
‫لإلم‬
‫البالغة‬
‫نھج‬
‫ى‬
‫ت‬
‫وح‬
‫‪،‬‬
‫‪P‬‬
‫ﷲ‬
‫رسول‬
‫كالم‬
‫ى‬
‫ت‬
‫ح‬
‫آخر‪،‬‬
‫م‬
‫كال‬
‫ي‬
‫أ‬
‫ته‬
‫ي‬
‫وجاذب‬
‫وبالغته‬
‫فصاحته‬
‫في‬
‫يضاھيه‬
‫ال‬
‫الكريم‬
‫القرآن‬
‫إلى‬
‫اإلشارة‬
‫من‬
‫ھنا‬
‫ﱡ‬
‫أنﱠ‬
‫ٍ‬
‫‪ -4‬وال ُب ﱠد ُ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫لشعرت بسعة الفرق بين‬
‫ة من القرآن‪،‬‬
‫م اعترضتك فيھا آي ٌ‬
‫َ‬
‫داً من الفصاحة والبالغة‪ ،‬ومع ذلك فإنﱠك لو كنت تقرأ إحدى خطبه‪ ،‬ث ّ‬
‫السالم ‪ ،‬الذي ُيع َتبَر في مرتبة عالية ج ّ‬
‫ة‪،‬‬
‫ح ُفوفَـ ٌ‬
‫ار بِـا ْلبَال َ ِء َم ْ‬
‫كالم أمير المؤمنين عليه السالم وكالم القرآن‪ ،‬فالحظ الخطبة رقم ‪ 225‬من نھج البالغة‪ ،‬وھي في التنفير من الدنيا‪ ،‬حيث يقول عليه السـالم ‪َ :‬د ٌ‬
‫م إِلَـى َمـا‬
‫َوبِا ْلغ َْد ِر َم ْع ُرو َف ٌ‬
‫م يقـول‪َ :‬وكَـأَنْ ق ْ‬
‫م يذكر ما فعلته ھذه الدنيا ب َ‬
‫م ْ‬
‫وم أَ ْ‬
‫ِـرتُ ْ‬
‫ح َوالُ َھا‪َ ،‬وال َ يَ ْ‬
‫ن مضى من الناس‪ ،‬وال سيما األغنياء والملـوك‪ .‬ثـ ّ‬
‫م ُن ﱠزا ُل َھا‪ .‬ث ّ‬
‫سل َ ُ‬
‫َـد ص ْ‬
‫ة‪ ،‬ال َ تَ ُد ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ـم‬
‫ھ‬
‫ال‬
‫و‬
‫م‬
‫ﷲ‬
‫َى‬
‫ل‬
‫إ‬
‫ﱡوا‬
‫د‬
‫ر‬
‫و‬
‫ت‬
‫ف‬
‫ل‬
‫س‬
‫أ‬
‫ا‬
‫م‬
‫س‬
‫ف‬
‫ن‬
‫ل‬
‫ك‬
‫ُو‬
‫ل‬
‫ب‬
‫ت‬
‫ك‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ن‬
‫ھ‬
‫{‬
‫!‬
‫؟‬
‫ور‬
‫ب‬
‫ق‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ت‬
‫ر‬
‫ث‬
‫ع‬
‫وب‬
‫‪،‬‬
‫ور‬
‫م‬
‫أل‬
‫ا‬
‫ُم‬
‫ك‬
‫ب‬
‫ت‬
‫ھ‬
‫ا‬
‫ن‬
‫ت‬
‫و‬
‫ل‬
‫ُم‬
‫ك‬
‫ب‬
‫ف‬
‫ي‬
‫ك‬
‫ف‬
‫‪،‬‬
‫ع‬
‫د‬
‫و‬
‫ت‬
‫س‬
‫م‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ك‬
‫ل‬
‫ذ‬
‫ُم‬
‫ك‬
‫م‬
‫ض‬
‫و‬
‫‪،‬‬
‫ع‬
‫ج‬
‫ض‬
‫م‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ُ‬
‫ﱡ َ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُم ذلِ َ‬
‫ك َ ْ َ ُ َ َ ﱠ ْ ِ َ ُ ْ َ ْ َ ُ‬
‫ارتَ َھ َنك ْ‬
‫ُ َ ِ َ َْ‬
‫َ ْ ُ ُ‬
‫صاروا إِلَ ْيهِ‪َ ،‬و ْ‬
‫ْ َ ِ ْ ْ ََ َ ْ ِ ُ‬
‫ِ‬
‫ْ َ ْ َُ‬
‫ُ ُ ُ ْ َِ ِ ُ ُ ُ‬
‫ي‪ ،‬ال‬
‫ق‬
‫الحقي‬
‫مواله‬
‫إلى‬
‫يرجع‬
‫فاإلنسان‬
‫الوصف‪،‬‬
‫عنه‬
‫يعجز‬
‫مدھش‬
‫أمر‬
‫ھو‬
‫"‬
‫ق‬
‫الح‬
‫موالھم‬
‫"‬
‫بـ‬
‫اآلية‬
‫في‬
‫ﷲ‬
‫عن‬
‫التعبير‬
‫كم‬
‫فالحظ‬
‫‪.‬‬
‫}‬
‫ون‬
‫ر‬
‫ت‬
‫ف‬
‫ي‬
‫وا‬
‫ن‬
‫َا‬
‫ك‬
‫ما‬
‫م‬
‫ھ‬
‫ن‬
‫أنﱠ‬
‫ِ‬
‫ق َو َ‬
‫ْ‬
‫ا ْل َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ل َع ْ ُ ْ‬
‫ض ﱠ‬
‫ّ‬
‫ٌ‬
‫ح ِّ‬
‫ٌ‬
‫َُ‬
‫ي ال اط ِّـالع لـه‪ ،‬كـان ينبغـي أن يغـرق ــ وفــق‬
‫ى يطيعه‪ .‬فھذه الصياغة التعبيرِيّة ال يمكن أن تكون من صياغة وإنشاء‬
‫إلى ما يعبد في ھذه الدنيا‪ ،‬ويتّخذه مول ً‬
‫رجل أ ّ‬
‫مِـ ّ ٍ‬
‫ٍ‬
‫المقاسات المألوفة ـ في األوھام والخرافات‪.‬‬
‫جائ ُِب ُه‪َ ،‬والَتَ ْن َقضِي غَ َرائ ُِب ُه‪....،‬‬
‫ِيق‪ ،‬ال َ تَ ْف َنى َع َ‬
‫ِيق‪َ ،‬وبَاط ُِن ُه َعم ٌ‬
‫‪ -5‬راجع الخطبة ‪ 18‬من نھج البالغة‪ ،‬حيث يقول أمير المؤمنين عليه السالم ‪َ :‬وإِنﱠ القُرآنَ ظَاھ ُِر ُه أَن ٌ‬
‫‪ -6‬راجع‪ :‬وسائل الشيعة ‪ 210 :6‬ـ ‪ 211‬ـ ‪ ،212‬باب ‪ 24‬من أبواب قراءة القرآن‪ ،‬وھو بعنوان باب تحريم الغناء في القرآن واستحباب تحسـين الصـوت بـه بمـا دون الغنـاء‬
‫جع فيه ترجيعاً"‪.‬‬
‫ﱡ‬
‫ج ْ‬
‫ب الصوت الحسن ير ﱠ‬
‫ِع بالقرآن صوتك‪ ،‬فإنﱠ ﷲ تعالى يح ّ‬
‫والتوسط في رفع الصوت‪ ،‬األحاديث ‪ 2‬ـ ‪ 3‬ـ ‪ 4‬ـ ‪ 5‬ـ ‪ ،6‬وفي الحديث الخامس منھا‪ ":‬ور ّ‬
‫‪ -7‬المائدة ‪.16 /‬‬
‫‪ -8‬الطور ‪ 1 /‬إلى ‪.8‬‬
‫‪ -9‬البقرة ‪.23 /‬‬
‫‪ -10‬اإلسراء ‪.36 /‬‬
‫‪ -11‬الجاثية ‪.24 /‬‬
‫‪ -12‬األنعام ‪.116 /‬‬
‫‪ -13‬الزخرف ‪.23 /‬‬
‫‪ -14‬األنبياء ‪.37 /‬‬
‫‪ -15‬اإلسراء ‪.11 /‬‬
‫‪ -16‬اإلسراء ‪.85 /‬‬
‫‪ -17‬الروم ‪ 6 /‬ـ ‪.7‬‬
‫‪ -18‬النجم ‪.23 /‬‬
‫‪ -19‬األحزاب ‪ 66 /‬ـ ‪.67‬‬

‫اﻟﺪرس اﻟﺜﺎﻣﻦ ﻋﺸﺮ‪ :‬ﻣﺒﺎدئ ﻋﺎﻣﺔ ﻓﻲ اﻹﻣﺎﻣﺔ‬
‫أھداف الدرس‬
‫‪ -1‬حفظ بعض األحاديث حول ضرورة اإلمامة‪.‬‬
‫‪ -2‬فھم تعريف اإلمامة لغة واصطالحا ً‪.‬‬
‫‪ -3‬تعداد وظائف النبي األكرم صلى ﷲ عليه وآله وسلم‪.‬‬
‫‪ -4‬القدرة على شرح مراتب اإلمامة‪.‬‬
‫‪ -5‬القدرة على مناقشة طرق اختيار اإلمام‪.‬‬
‫‪ -6‬فھم نظرية مدرسة الخلفاء ومدرسة أھل البيت حول اإلمامة والفارق بينھما‪.‬‬
‫‪277‬‬
‫أھم ّية مسألة اإلمامة‬
‫إنّ مسألة اإلمامة‪ -‬سواء اعتبرناھا من األصول أم من الفروع‪ -‬لھا أھميتھا الخاصة عند كل من مدرسة الخلفاء ومدرسة‬
‫أھل البيت عليھم السالم‪ .‬وإننا لنجد حديثا ً عن النبيّ صلى ﷲ عليه وآله وسلم تتفق عليه المدرستان‪ ،1‬وإن اختلفت فيه‬
‫ً‬
‫ميتة‬
‫العبائر ولكنّ مضمونه واح ٌد‪ ،‬فترويه مدرسة أھل البيت عليھم السالم بصيغة‪) :‬من مات ولم يعرف إمام زمانه مات‬
‫الجاھلية(‪ ،2‬وفي مصادر مدرسة الخلفاء بصيغة )من مات بغير إمام مات ميتة جاھلية(‪ ،3‬وفي صياغة أخرى )من مات‬
‫وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاھلية(‪ 4‬وثالثة )من مات وال إمام له مات ميتة جاھلية(‪.5‬‬
‫والمالحظ في ھذه الرواية ھو اللغة الشديدة التي تعكس مدى اھتمام النبي صلى ﷲ عليه وآله وسلم بمسألة اإلمامة‪.‬‬
‫والجميع م ّتفق على أن الحديث يبرز أھميّة اإلمامة‪ .‬نعم قد اختلفت التفاسير باختالف النظر‪ 6‬في اإلمامة‪.‬‬
‫‪279‬‬
‫اإلمامة لغة‬
‫إن كلمة اإلمام بمدلولھا اللغوي ال تحمل أيّ مفھوم مقدّس‪ ،‬ألن اإلمام في اللغة ھو الشخص الم َّت َبع والمقتدى به‪ ،‬سواء‬
‫أكان قدوة الناس في طريق الخير أم في طريق الشر‪ ،‬وسواء أقاد الناس نحو الھدى أم باتجاه الضالل‪ .‬ولذا نجد القرآن‬
‫م ً‬
‫ج َ‬
‫م‬
‫وأَ ْو َ‬
‫رنَا َ‬
‫الكريم يطلق كلمة اإلمام على كال النحوين‪ ،‬فقال تعالى في أئمة الھدى‪َ ﴿ :‬‬
‫و َ‬
‫ھ ْ‬
‫ة يَ ْھ ُدونَ بِأَ ْ‬
‫ع ْل َناھُ ْ‬
‫م أَئِ ﱠ‬
‫م ِ‬
‫ح ْي َنا إِلَ ْي ِ‬
‫َ‬
‫مةً‬
‫خ ْي َراتِ َوإِ َ‬
‫ل ا ْل َ‬
‫ج َ‬
‫ع ْل َن‬
‫قا َ‬
‫ِين‪ ﴾7‬وفي شأن أئمة الضالل قال تعالى‪َ ﴿ :‬‬
‫صال ِة َوإِي َتا َء ال ﱠزكَا ِة َوكَا ُنوا لَ َنا عَابِد َ‬
‫فِ ْع َ‬
‫و َ‬
‫ْ‬
‫م ال ﱠ‬
‫اھُم أئِ ﱠ‬
‫‪8‬‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ونَ‬
‫ونَ‬
‫ع‬
‫ص ُر ﴾‪.‬‬
‫م ِ‬
‫يَدْ ُ‬
‫ة ال ُي ْن َ‬
‫م ال ِقيَا َ‬
‫و َ‬
‫إِلى ال ﱠنا ِر َويَ ْ‬
‫اإلختالف في مفھوم اإلمامة‬

‫‪9‬‬

‫وما يھمّنا ھنا ھو البحث عن مفھوم اإلمامة اصطالح‪ ،‬وھو الذي تختلف في تفسيره مدرسة أھل البيت عليھم السالم عن‬
‫الفرق األخرى‪ ،‬فالخالف القائم إنما ھو في تحديد المصطلح لمفھوم اإلمامة‪ .‬لذا ال يصح أن نصوّ ر اإلختالف بين مدرسة‬
‫أھل البيت عليھم السالم والمدارس األخرى في خصوص شخص اإلمام‪ ،‬ألن اإلختالف في مفھوم اإلمامة وما يتضمنه‬
‫ھذا المفھوم‪ ،‬رغم وجود جھات إشتراك تتضمنھا اإلمامة‪ ،‬كاإليمان بأنھا رئاسة المجتمع أو الرئاسة العامة‪ .‬ولتوضيح ھذا‬
‫اإلختالف ال ب ّد من تحديد وظائف النبوّ ة وخصوصيات النبي لننتقل منھا إلى تعريف مفھوم اإلمامة‪ ،‬ألن اإلمام ھو القائد‬
‫الذي يحمل مسؤولية الدين بعد النبي‪ ،‬فھل له كل أو بعض ما كان للنبي من شؤون ووظائف؟‬
‫‪280‬‬

‫النبي األكرم صلى ﷲ عليه وآله وسلم‪:‬‬
‫شؤون ووظائف‬
‫ّ‬
‫لقد كان للنبي األكرم صلى ﷲ عليه وآله وسلم بما حكاه القرآن وبما حكته السيرة شؤون ووظائف متعددة‪ ،‬فقد كان ينھض‬
‫ت واحدٍ‪ ،‬ويمكن تقسيمھا إلى ثالث وظائف‪:‬‬
‫بأعباء متعددة في وق ٍ‬
‫النبوة‪ :‬قال تعالى‪:‬‬
‫أول‪،‬‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫وھنا يكون كالم النبيّ وحيا إلھي‪ ،‬ووظيفة النبيّ فيه التبليغ‪.‬‬

‫ه َ‬
‫ول َ‬
‫واتﱠقُوا ﷲ إِنﱠ‬
‫ما ن َ َ‬
‫فخُ ذُو ُه َ‬
‫﴿ َ‬
‫فا ْن َت ُھوا َ‬
‫و َ‬
‫و َ‬
‫ُم عَ ْن ُ‬
‫ھا ك ْ‬
‫ُم ال ﱠر ُ‬
‫س ُ‬
‫ما آتَاك ُ‬

‫يد ا ْل ِعقَابِ‪.﴾10‬‬
‫ش ِ‬
‫ﷲ َ‬
‫د ُ‬

‫ح َرجاً‬
‫ثاني‪ ،‬القضاء‪ :‬قال تعالى‪َ ﴿ :‬‬
‫ك ال ُي ْؤ ِ‬
‫ح ِ‬
‫م ُنونَ َ‬
‫م َ‬
‫ما َ‬
‫مو َ‬
‫فال َو َربِ ّ َ‬
‫ش َ‬
‫ك فِي َ‬
‫ح ﱠتى ُي َ‬
‫ِھ ْ‬
‫م ُث ﱠ‬
‫ج َر بَ ْي َن ُھ ْ‬
‫كّ ُ‬
‫م ال يَجِ ُدوا فِي أَ ْن ُفس ِ‬
‫ً‪11‬‬
‫ّ‬
‫ما َ‬
‫َسلِيما ﴾‪ .‬وھنا يمارس النبيّ عمليّة تطبيق للموازين اإلسالمية في القضاء دون تدخل إلھيّ ‪ ،‬أي‬
‫ق َ‬
‫ِ‬
‫و ُي َ‬
‫ت َ‬
‫ض ْي َ‬
‫موا ت ْ‬
‫م ﱠ‬
‫س ِل ّ ُ‬

‫ّ‬
‫للحق كالبيّنة ونحوھا‪.‬‬
‫إنّ النبيّ عندما يقضي بين إثنين إنما يقضي بينھما بما لديھما من حجة واثبات‬

‫م ُنوا‬
‫﴿يَا أَيﱡ َ‬
‫ھا الﱠذ َ‬
‫ِين آ َ‬

‫ثالث‪ ،‬الرئاسة العامة‪ :‬فقد كان النبي صلى ﷲ عليه وآله وسلم قائد المسلمين ورئيسھم‪ ،‬قال تعالى‪:‬‬
‫ل َو ُأولِي ْ‬
‫ُم‪ .﴾12‬وھنا تكون األوامر النبوية غير الوحي اإللھي‪ .‬وفي ھذه الدائرة‬
‫ر ِ‬
‫أَطِي ُ‬
‫عوا ﷲ َوأَطِي ُ‬
‫سو َ‬
‫األَ ْ‬
‫م ْنك ْ‬
‫عوا ال ﱠر ُ‬
‫م ِ‬
‫كان النبي يشاور أصحابه‪ ،‬فيسألھم عمّا يرونه ثم يأمرھم بما ھو يراه‪ .‬وھنا ال يكون ما يصدره النبي صلى ﷲ عليه وآله‬
‫كحاكم وقائ ٍد‬
‫وسلم من ﷲ مباشرة‪ ،‬بل تصدر ھذه األوامر طبق الصالحية التي أعطاھا ﷲ للنبيّ صلى ﷲ عليه وآله وسلم‬
‫ٍ‬
‫لألمة اإلسالمية‪ ،‬لذلك تكون واجبة الطاعة‪.‬‬
‫‪281‬‬
‫ً‬
‫عامة وإنما ھو‬
‫وإذا شوھد في تاريخ النبيّ صلى ﷲ عليه وآله وسلم بعض أنواع التدخل الغيبّي‪ ،‬ولكن ذلك ال يش ّكل قاعد ًة‬
‫استثناء‪.‬‬
‫مراتب اإلمامة‬
‫ب عد أن ات ضحت و ظائف ال نبي صلى ﷲ عل يه وآ له و سلم‪ ،‬نن قل ال كالم إ لى اإلما مة لن شرح مراتب ھا بالنظر إ لى كون ھا‬
‫استمراراً لوظائف النبوّ ة‪ ،‬وبال تالي ي كون لإلما مة أي ضا ً مرا تب ثالث‪ ،‬و قع اإلخ تالف في بع ضه‪ ،‬و من خالل تو ضيحھا‬
‫يظھر محل النزاع بين الفرق اإلسالمية‪.‬‬
‫األولى‪ :‬الرئاسة العامة‪:‬‬
‫فكما أنّ النبيّ صلى ﷲ عليه وآله وسلم ھو القا ئد وال حاكم في المجت مع اإل سالمي‪ ،‬كذلك تنت قل الق يادة إ لى من يأتي ب عده‬
‫صلى ﷲ عليه وآ له و سلم‪ .‬و ھذه الم سألة م ح ّل ات فاق ب ين ال فريقين )مدر سة أ ھل الب يت علي ھم ال سالم ومدر سة الخل فاء(‪،‬‬
‫فالفريقان يتفقان على أصل اإلمامة بھذه المرتبة‪ ،‬ولكن اإلختالف في شكل ھذه المرتبة‪ ،‬وأنھا بالتعيين والنص أو ال‪.‬‬
‫لو كان يقت صر مف ھوم اإلما مة ع ند مدر سة أ ھل الب يت علي ھم ال سالم ع لى ھذه المرت بة‪ ،‬و لم ي كن لديھم إي مان بالمرا تب‬
‫األخرى لإلمامة‪ ،‬لكانت اإلمامة عندھم من فروع الدين ال من أ صوله‪ ،‬إال أنّ مدر سة أ ھل الب يت علي ھم ال سالم تعت قد بأن‬
‫لإلمام مرتبتين أخريين‪ ،‬لذلك ال ترى ھذه المدرسة أنّ عليا ً ھو المتقدم أو األف ضل من ب ين أ صحاب ال نبي صلى ﷲ عل يه‬
‫وآله وسلم فقط‪ ،‬بل ترى له مرتبتين ال يشاركه فيھما أح ٌد من أصحاب النبي صلى ﷲ عليه وآله وسلم‪.‬‬
‫‪282‬‬
‫الثانية‪ :‬المرجع ّية الدين ّية‪:‬‬
‫إنّ من وظائف النبيّ التي ت قدّم ذكر ھا وظي فة ب يان األح كام اإللھ ية )الن بوّ ة(‪ .‬ول كنّ ح ياة ال نبيّ صلى ﷲ عل يه وآ له و سلم‬

‫الم حدودة بزمن معي ّن‪ ،‬وال ظروف المحي طة به‪ ،‬قد من عت من أن ي كون ما بلّ غه ال نبيّ صلى ﷲ عل يه وآ له و سلم لعا مة‬
‫شخص وتلقي نه ھذه األح كام‪ ،‬لي قوم‬
‫المسلمين شامالً لجميع أحكام اإلسالم‪ ،‬ولذا كان األسلوب األمثل ھو ق يام ال نبيّ بتعل يم‬
‫ٍ‬
‫بعد وفاته بإكمال وظيفة تبليغ األحكام اإللھية‪.‬‬
‫وتعتقد مدرسة أھل البيت عليھم السالم أنّ عل ّيا ً عليه السالم كان ھو ذلك الشخص الذي قام النبيّ صلى ﷲ عليه وآله و سلم‬
‫بتعليمه أحكام اإلسالم‪ ،‬وأصبح ھو العالِم اإلستثنائي المتق ِّدم على أصحاب النبيّ صلى ﷲ عليه وآله وسلم‪ ،‬وكان عل مه ھو‬
‫قول وال حكم‪ .‬وھذا التعليم لم ي كن بالطري قة المتعار فة‪ ،‬بل لذلك طر يق غ يبي إل ھي‪.‬‬
‫العلم المعصوم‪ ،‬أي أنه ال يشتبه في ٍ‬
‫وھذه المعرفة انتقلت من اإلمام عليه السالم إلى األئمة من بعده‪.‬‬
‫الثالثة‪ :‬اإلمامة بمعنى الوالية‪:‬‬
‫تش ّكل ھذه المرتبة الذروة في مفھوم اإلمامة‪ ،‬وتشمل كل ما قبلھا من مراتب وتزيد عل يه‪ ،‬أي إنّ االعت قاد بأنّ اإل مام عل يه‬
‫السالم ھو اإلنسان الكامل وھو حجة العصر‪ ،‬ھذا اإلنسان ال ب ّد من وجوده في ك ّل ع صر‪ ،‬و لواله ل ساخت األرض بأھ له‪،‬‬
‫ٌ‬
‫ٌ‬
‫ودرجات عالية‪ .‬وقد اعتبرت مدرسة أھل البيت عليھم ال سالم أنّ ھذه المرت بة ثاب تة لل نبي صلى ﷲ‬
‫مقامات‬
‫ولھذا اإلنسان‬
‫ٌ‬
‫ٌ‬
‫مل و له مقا مات بع يدة عن ت صوّ رنا‪.‬‬
‫عليه وآله وسلم ولألئمة عليھم السالم من بعده‪ ،‬وأنه ال بد في ك ّل ع صر من و ليٍّ كا ٍ‬
‫وأما سائر المسلمين‪ -‬عدا الوھابية‪ -‬فال يعتقدون بثبوت ھذه المرتبة سوى للنبي صلى ﷲ عليه وآ له و سلم‪ .‬و سنذكر ب عض‬
‫فروع ھذه المرتبة في آخر البحث إن شاء ﷲ تعالى‪.‬‬
‫ھذه ھي المراتب الثالث لإلمامة‪ .‬وقد انقسم الشيعة في ھذه المراتب إلى‬
‫‪283‬‬
‫ثالثة أقوال‪ ،‬فبعضٌ يعتقد بأن اإلمامة ھي بمعنى القيادة والرئاسة العامة فقط أي المرت بة األو لى‪ ،‬وب عضٌ آ خر يعت قد بأن ھا‬
‫مرجعية دينية أي ضا ً أي بالمرت بة الثان ية لإلما مة‪ ،‬ول كنّ أ كثر ال شيعة يعت قدون بأ ّن ھا وال ية كام لة‪ ،‬أي المرت بة الثال ثة ال تي‬
‫تشمل ك ّل مراتب اإلمامة‪.‬‬
‫الطرح البسيط لمسألة اإلمامة‬
‫إننا إذا اختزلنا اإلمامة وقدّمناھا بمرتبة الحكومة والرئاسة العامة‪ ،‬فسوف يتفرّ ع على ذلك أسئلة مختلفة منھا‪:‬‬
‫ ھل ينبغي أن يكون الشخص الذي يتولى الحكومة ھو األفضل من جميع الجھات واقعاً؟ أو أنه تكفي األفضلية النسبية؟‬‫ ھل من الضروري أن يكون معصوماً؟‬‫ ھل ينبغي أن يكون ھو المرجع في الفقه واألحكام‪ ،‬أم يكفي أن يرجع إلى اآلخرين في المسائل التي يبتلى بھا؟‬‫نتائج الطرح البسيط‪:‬‬
‫إنّ بناء البحث في مسألة اإلمامة بھذا النحو سوف يسير بالبحث بإتجاه آخر‪ ،‬وتترتب على ذلك نتائج‪ ،‬منھا‪:‬‬
‫أوالً‪ :‬إ ّننا إن اعتبرنا اإلمامة بمعنى الحكومة والرئاسة العا مة ف قط‪ ،‬وتب ّني نا نظر ية ال نصّ ‪ ،‬ف ھذا ي عني أ نه ال ضرورة ألن‬
‫يكون تعيين النبيّ صلى ﷲ عليه وآ له و سلم لع لي عل يه ال سالم من ِقب َ ِل ال سماء‪ ،‬و عن طر يق الو حي‪ ،‬بل يمك نه أن ي قوم‬
‫بتعيي نه ب ما يراه ھو وب ما يؤدي إل يه ن ظره‪ ،‬و كذلك األئ مة علي ھم ال سالم من ب عده‪ ،‬في قوم ك ّل إ مام بتعي ين من يل يه‪ ،‬فال‬
‫ضرورة ألن يكون التعيين وحيا ً من السماء‪.‬‬
‫‪284‬‬

‫وبعبارة أخرى إننا لن نعود بحاج ٍة إلى النصب اإللھي‪ ،‬بل يكفينا النصب النبوي أو من قِ َبل الولي‪ .‬إذ‪ ،‬يكفي أن يبلّغ‬
‫الوح ُي النبيّ صلى ﷲ عليه وآله وسلم ضرورة تعيين خليف ٍة من بعده كي يقوم النبيّ بھذه المھمّة‪ ،‬دون أن ينصّ الوحي‬
‫على‬
‫شخص معيّن‪.‬‬
‫ٍ‬
‫ومصر‪ ،‬ألنّ القاعدة العامة‬
‫عصر‬
‫ثانيا ً‪ :‬وسوف لن يكون األمر مختصا ً باألئمة اإلثني عشر عليھم السالم‪ ،‬بل سيع ّم ك ّل‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫أو قل إن الرؤية اإلسالمية العامة لن تختصّ بصورة كون الدولة اإلسالمية صغيرة الحجم‪ ،‬بل حتى لو اتسعت الدولة‬
‫إمام بتعيين من بعده بما يراه مناسبا ً‪.‬‬
‫اإلسالمية فأصبحت تشمل ماليين المسلمين‪ ،‬سوف يقوم ك ّل ٍ‬
‫ثالثا ً‪ :‬إنّ قضية تعيين عليٍّ عليه السالم من بعد النبي صلى ﷲ عليه وآله وسلم ومسألة الخالفة واإلمامة سوف تنزل إلى‬
‫وال على مكة أو غيره‪ ،‬ويكون ذلك شأنا ً من شؤون النبي صلى ﷲ عليه وآله‬
‫مستوى إداري خاص‪ ،‬يت ّم تعيينه كتعيين أيّ ٍ‬
‫وسلم بصفته الحاكم بين المسلمين‪ ،‬وال ترقى اإلمامة إلى أي مستوى رفيع تقول به مدرسة أھل البيت عليھم السالم‪.‬‬
‫رابعا ً‪ :‬إنّ مسألة الخالفة واإلمامة إذا طرحت بھذا الشكل فسوف تكون نظرية مدرسة الخلفاء‪ -‬التي ترى أنّ أمر تعيين‬
‫أكثر جاذبي ًّة من نظر ّي ِة النصّ عند‬
‫الحاكم ھو بيد األمة أو بيد أھل الح ّل والعقد‪ ،‬وليس من حق الحاكم تعيين الذي يليه‪َ -‬‬
‫مدرسة أھل البيت عليھم السالم‪ ،‬ألنھا سوف تعطي األمة دوراً في شأن إداري يھمّھا وھو انتخاب اإلمام الحاكم الذي‬
‫يسوس أمورھا‪.‬‬
‫ھذه ھي األسئلة والنتائج التي سوف تتفرّ ع وتترتب على الطرح البسيط للمسألة وحصرھا بالحكومة‪ ،13‬وبالتالي جعلھا‬
‫أمراً إداريا ً ھامشيا ً ضيق‪ ،‬كما وقع في ھذا الخطأ بعض القدماء من المتكلمين‪.‬‬
‫‪285‬‬
‫الطرح الصحيح لمسألة اإلمامة‬
‫شخص واحد‪ ،‬بنحو يكون ما‬
‫ھل تقع مھمّة بيان األحكام اإللھية وتعاليم السماء بعد النبيّ صلى ﷲ عليه وآله وسلم على‬
‫ٍ‬
‫ً‬
‫يجيب به ھو الصواب والحقيقة‪ ،‬دون أيّ احتمال للخطأ والھوى‪ ،‬ويكون مثل ھذا الشخص مرجعا ألحكام الدين كما كان‬
‫النبيّ مرجعا ً لذلك؟ أو أن األمر ليس كذلك وليس لدينا مثل ھذا الشخص؟ ونالحظ أن السؤال قد انصبّ على المرتبة‬
‫الثانية لإلمامة‪ ،‬وھي المرجعية الدينية‪ ،‬فھل نقول بھا لإلمام من بعد النبي صلى ﷲ عليه وآله وسلم أو أنّ الوصاية كانت‬
‫إدارية صرفة؟‬
‫فھذه المرتبة ھي مح ّل النزاع‪ ،‬وبھا تختلف مدرسة الخلفاء عن مدرسة أھل البيت عليھم السالم‪ ،‬فال تعتقد بمثل ھذا‬
‫شخص على اإلطالق‪ ،‬وال تراھا ال لعلي عليه السالم وال لغيره‪.‬‬
‫المنصب أليّ‬
‫ٍ‬
‫شخص له مثل ھذا األمر‪ ،‬وإنما في أصل وجود مثل ھذا الشخص‪ .‬والذي يشھد لھذا األمر نقلھم‬
‫فالخالف ليس في أيّ‬
‫ٍ‬
‫‪14‬‬
‫بكر وعمر‪ ،‬والعبائر الصادرة عن ك ٍّل منھما ‪ ،‬ممّا يدل بوضوح على عدم عصمتھم‪ ،‬وبالتالي على‬
‫لألخطاء عن مثل أبي ٍ‬
‫عدم كونھما مرجعية بعد النبي صلى ﷲ عليه وآله وسلم‪.‬‬
‫الحاجة إلى المرجع ّية الدين ّية‬
‫لقد نزل اإلسال ُم على النبيّ صلى ﷲ عليه وآله وسلم كامالً تاما ً‪ .‬وقد تلقى صلى ﷲ عليه وآله وسلم جميع ما يحتاج إليه‬
‫الناس من تعاليم دينھم وأحكام شرعھم‪ .‬ولكن السؤال ھو أنّ ما بلّغه النبيّ صلى ﷲ عليه وآله وسلم للمسلمين ھل ھو ك ّل‬
‫ما نزل إليه‪ ،‬أو أن قسما ً كبيراً منه لم يبيّنه‬
‫‪286‬‬

‫للناس‪ ،‬ألنه متوقف على حلول أوانه‪ ،‬والنبي صلى ﷲ عليه وآله و سلم بلّغ ھا لع لي عل يه ال سالم لي قوم ببيان ھا لل ناس م تى‬
‫دعت الحاجة إلى ذلك؟‬
‫ولع ّل الجواب يظھر بعد مالحظة النقاط التالية‪:‬‬
‫أحكام مختصر ٍة جد‪ ،‬مضافا ً إلى‬
‫األولى‪ :‬مالحظة ما يتضمنه القرآن الكريم من أحكام‪ ،‬حيث نجد أنّ ما ورد فيه ليس سوى‬
‫ٍ‬
‫كونھا كليّات مثل فريضة الصالة والحج اللذين لم يرد في القرآن تفاصيل إقامتھما وكيفية أدائھما‪.‬‬
‫الثانية‪ :‬مالحظة س ّنة النبيّ األكرم صلى ﷲ عليه وآله وسلم وما ورد خاللھا من أح كام‪ ،‬فإ ّن ھا مخت صرةٌ مجم ٌ‬
‫لة أ يض‪ ،‬ال‬
‫سيما بمالحظة الفترة التي عاشھا النبيّ صلى ﷲ عليه وآله وسلم‪ ،‬والمشكالت التي عاشھا سواء في م كة‪ ،‬وا لتي ا ستمرت‬
‫وحصار‪ ،‬أم في المدينة وفي ظ ّل حروب ومعارك‪.‬‬
‫ثالثة عشر عاما ً في ظ ّل ضغطٍ‬
‫ٍ‬
‫الثالثة‪ :‬حتى إن غضضنا النظر عن ظروف النبي صلى ﷲ عليه وآله وسلم‪ ،‬وفرضنا أ ّنه صلى ﷲ عل يه وآ له و سلم كان‬
‫كالمعلّم الذي يذھب إلى المدرسة ك ّل يوم لتعل يم ال ناس‪ ،‬فإنّ ھذا الو قت لن ي كون كاف يا ً لب يان جم يع ما و صله من ر سالة‬
‫اإلسالم‪ ،‬ال سيما بمالحظة أنّ اإلسالم دين يبسط حاكميّته على جميع شؤون البشر‪.‬‬
‫الرابعة‪ :‬ضياع كثير من أحاديث رسول ﷲ صلى ﷲ عليه وآله وسلم وذلك بسبب أمر تاريخيّ ثابت‪ ،‬وھو ما قام به ع مر‬
‫بن الخطاب من المنع من تدوين ال حديث‪ .‬و لو أرد نا أن ال نل حظ ھذه الواق عة التاريخ ية من من ظار مدر سة األئ مة علي ھم‬
‫السالم وتجرّ دنا عن ذلك‪ ،‬أمكننا القول بأن سبب المنع ھذا ھو اعتبار ال قرآن المر جع الوح يد )ح سبنا ك تاب ﷲ(‪ .‬و قد ب قي‬
‫ھذا المنع مستمراً إلى عھد عمر بن عبد العزيز‪ ،‬أي إلى حدود سنة ‪ 99‬ھجرية‪.‬‬
‫الخامسة‪ :‬كثيراً ما كان رسول ﷲ صلى ﷲ عليه وآله وسلم يبيّن األحكام عندما تستجد‪ ،‬وليس‬
‫‪287‬‬
‫قبل أوانھا‪ .‬ومن المسلّم أن ھناك مسائل كبيرة وصغيرة سوف تستجد وتطرأ على األمة بعد غياب النبي صلى ﷲ عليه‬
‫وآله وسلم‪ ،‬فھل اإلسالم ناقص لم يبيّنھا أم أنه ترك بيانھا لإلمام من بعد النبي صلى ﷲ عليه وآله وسلم ؟‬
‫بعد مالحظة ھذه النقاط يظھر بوضوح فرضية كال المدرستين ومستلزماتھما‪:‬‬
‫أمّا فرضية مدرسة الخلفاء‪ :‬فترى انقطاع البيان الواقعي للدين بوفاة النبيّ صلى ﷲ عليه وآله وسلم‪.‬وال يوجد لدينا بيانٌ‬
‫ّ‬
‫منزه عن الخطأ واإلشتباه‪ ،‬وال شيء وراء ما ورد عن النبيّ األكرم صلى ﷲ عليه وآله وسلم‪ ،‬وليس ألي شخص بعد‬
‫النبي صلى ﷲ عليه وآله وسلم منصب المرجعية الدينية‪ .‬لذلك واجھت مشكلة المسائل المستجدة‪ ،‬فھي تعتمد فقط على‬
‫القرآن والس ّنة‪ ،‬وھما غير كافيين في ذلك‪ ،‬وخصوصا ً بعد غياب كثير من أحاديث النبي صلى ﷲ عليه وآله وسلم‪ ،‬فكانت‬
‫النتيجة ھي اإلعتماد على القياس‪ ،‬أي اإلعتماد على مواطن التشابه بين ما ورد في الكتاب والس ّنة وبين ما لم يرد فيھم‪،‬‬
‫وكان اإلعتماد على القياس ي ّتسع كلما اتسع العالم اإلسالمي واتسعت المسائل الجديدة‪.15‬‬
‫أما فرضيّة مدرسة أھل البيت عليھم السالم التي أثبتت المرجعية الدينية لإلمام علي عليه السالم ولألئمة من بعده‪ ،‬فھي‬
‫تستمد أحكامھا منھم كما كانت تستمدھا من النبي صلى ﷲ عليه وآله وسلم‪ ،‬لذلك لم تضطرّ للجوء إلى القياس‪ ،‬وتعتبر أن‬
‫كل األحكام قد بيّنھا األئمة عليھم السالم بعد الرسول صلى ﷲ عليه وآله وسلم‪ ،‬ولذلك وقفت من القياس موقف المنكر له‬
‫أشد النكير‪ .‬وروايات ھذه المدرسة تضرب جذوره من األساس‪ ،‬إذ إنّ الحاجة إلى القياس إنما تنشأ من االعتقاد بعدم كفاية‬
‫الكتاب والس ّنة‪ ،‬ولدى مدرسة أھل‬
‫‪288‬‬

‫البيت عليھم السالم ما يكفي لح ّل جميع ما يستج ّد من مسائل‪ ،‬سواء عبر اللجوء إلى الس ّنة مباشر ًة أم من خالل األئمة‬
‫عليھم السالم‪ ،‬وﷲ عز وجل لم ينزل دينا ً ناقصا ً إلى نبيه صلى ﷲ عليه وآله وسلم‪ ،‬وأنّ النبيّ بلّغه كامل‪ ،‬ولكن الصيغة‬
‫الكاملة من األحكام لم يبلّغھا النبي صلى ﷲ عليه وآله وسلم لعامة الناس‪ ،‬وإنما خصّ بھا اإلمام عليا ً عليه السالم واألئمة‬
‫من بعده وأمرھم ببيانھا للناس‪ .‬ويتفرّ ع على ھذا االعتقاد‪:‬‬
‫القول بالعصمة‪ 16‬لدى مدرسة أھل البيت عليھم السالم‬
‫فإنّ النبيّ صلى ﷲ عليه وآله وسلم المبلّغ لألحكام اإللھية ال يمكن أن يخطئ في قوله‪ ،‬وال يجوز في ح ّقه اإلشتباه‪ ،‬بل ھو‬
‫مس ّد ٌد من ِق َب ِل ﷲ‪ ،‬فكذلك ينبغي لوصيّه وخليفته في تبيين األحكام‪.‬‬
‫وإذا كان لإلمام منصب المرجعية الدينية‪ ،‬فضالً عن القيادة والحاكمية‪ ،‬ويت ّم تنصيبه من قبل النبي صلى ﷲ عليه وآله‬
‫وسلم‪ ،‬فھو معصوم عن الخطأ واإلشتباه‪ .‬وعليه ال معنى للبحث عن نظام الحكم في اإلسالم ھل ھو إنتخاب أو شورى مع‬
‫وجود اإلمام‪ ،‬كما لم يكن معنى له في النبي صلى ﷲ عليه وآله وسلم‪ ،‬وال معنى للبحث عن اشتباھه وخطئه وما شابه‬
‫ذلك‪.‬‬
‫علم اإلمام عليه السالم ليس بالوحي‬
‫تتبنى مدرسة أھل البيت عليھم السالم القول بأنّ النبي أوصى ونصّب إماما ً من بعده وھو علي عليه السالم‪ ،‬ويقوم بتبيان‬
‫فارق ھو أن ما‬
‫أحكام الدين وتعاليم السماء كالنبي صلى ﷲ عليه وآله وسلم‪ ،‬وال مجال لإلشتباه والخطأ في ح ّقه‪ ،‬مع‬
‫ٍ‬
‫يصدر عن النبيّ صلى ﷲ عليه وآله وسلم كان يصدر بمباشرة الوحي للنبي صلى ﷲ عليه وآله وسلم‪ ،‬وأما ما يصدر عن‬
‫علي عليه السالم فھو يستند إلى‬
‫‪289‬‬
‫النبيّ صلى ﷲ عليه وآله وسلم‪ ،‬عبر ما تل ّقاه منه صلى ﷲ عليه وآله وسلم‪.‬‬
‫ونحن نجھل كيف حصل ھذا األمر‪ ،‬كما نجھل كيف كان النبيّ صلى ﷲ عليه وآله وسلم يتلقى الوحي اإللھي‪ .‬وقد ورد‬
‫ب ألف باب(‪ ،‬كما يتحدث في‬
‫عن اإلمام علي عليه السالم قوله‪) :‬علّمني رسول ﷲ ألف باب من العلم‪ ،‬ينفتح لي من ك ّل با ٍ‬
‫خطبة له في نھج البالغة عن االرتباط الوثيق بينه وبين النبيّ صلى ﷲ عليه وآله وسلم حيث يقول عليه السالم‪) :‬ولقد‬
‫سمعت رنة الشيطان حين نزل الوحي عليه صلى ﷲ عليه وآله وسلم‪ ،‬فقلت يا رسول ﷲ ما ھذه الر ّنة؟ فقال ھذا الشيطان‬
‫أيس من عبادته‪ .‬إ ّنك تسمع ما أسمع وترى ما أرى إال أ ّنك لست بنبي‪ ،‬ولكنك وزير وإ ّنك لعلى خير(‪.17‬‬
‫‪290‬‬

‫ﺧﻼﺻﺔ اﻟﺪرس‬
‫يتفق الفريقان على أھميّة اإلمامة‪ ،‬ويختلفان في مفھومھا‪ .‬وھذا اإلختالف ھو منشأ إعتبار مدرسة أھل البيت علي ھم ال سالم‬
‫اإلمام َة أصالً من أصول الدين‪ ،‬فيما اعتبرتھا مدرسة الخلفاء فرعا ً من فروعه‪ ،‬وھذا يدلّنا على أنّ الخالف يت جاوز م سألة‬
‫شخص اإلمام إلى مفھوم اإلمامة‪.‬‬
‫وإذا كان للنبي صلى ﷲ عليه وآله وسلم ثالث مھام‪:‬‬
‫أ‪ -‬النبوّ ة )بيان األحكام اإللھية(‪.‬‬

‫ب‪ -‬القضاء والحكم بين الناس بالعدل‪.‬‬
‫ج‪ -‬الرئاسة العامة‪.‬‬
‫فإن لإلمام بعد النبي مراتب ثالثا ً‪:‬‬
‫‪ -1‬الرئاسة العامة‪ ،‬وھذا مما يتفق عليه الفريقان‪.‬‬
‫‪ -2‬المرجعية الدينية ووظيفة بيان األحكام اإللھية‪ ،‬وفي ھذه المرتبة يقع الخالف بين المدرستين‪.‬‬
‫‪ -3‬الوالية واالعتقاد بأن اإلمام ھو اإلنسان الكامل الذي ال بد من وجوده في ك ّل عصر‪.‬‬
‫وقد طرحت مسألة اإلمامة بشكل بسيط من قبل الكثيرين‪ ،‬فاختصرت بمسألة الحكومة‪ ،‬وبالتالي تصبح اإلما مة م جرّ د أ مر‬
‫وال على منطقة ما‪.‬‬
‫إداري شأنه شأن قيام النبيّ بنصب ٍ‬
‫أما الطرح الصحيح للمسألة فھو ما تخ تص به مدر سة أ ھل الب يت علي ھم ال سالم من أنّ ب يان المرجع ية الدين ية ب عد الن بيّ‬
‫األكرم صلى ﷲ عليه وآله وسلم ھي لألئمة المعصومين الذين عينوا من ق بل ال نبيّ ‪ ،‬في مقا بل مدر سة الخل فاء ا لتي ترى‬
‫إنقطاع البيان الواقعي لألحكام بوفاة النبيّ األكرم صلى ﷲ عليه وآله وسلم‪.‬‬

‫أﺳﺌﻠﺔ اﻟﺪرس‬
‫‪ -1‬ما معنى اإلمامة عند مدرسة الخلفاء ومدرسة أھل البيت عليھم السالم ؟‬
‫‪ -2‬ما ھي وظائف وشؤون النبي األكرم صلى ﷲ عليه وآله وسلم ؟‬
‫‪ -3‬ما ھي مراتب اإلمامة وأين تختلف مدرسة أھل البيت عليھم السالم عن الفرق األخرى؟‬
‫‪ -4‬بماذا تستدل مدرسة أھل البيت عليھم السالم على اإلمامة؟‬
‫‪ -5‬ما ھي النتائج المترتبة على اختالف المدرستين حول مسألة اإلمامة؟‬

‫ﻫﻮاﻣﺶ‬
‫م جداً؛ ألن ذلك يعطي الحديث قوّة في إثبات صدوره عن النبي‪.P‬‬
‫أمر مھ ٌ‬
‫‪ -1‬وھذا ٌ‬
‫‪ -2‬وسائل الشيعة‪ ،‬ج ‪ 16‬ص ‪ ،246‬باب ‪ 33‬من أبواب األمر بالمعروف‪ ،‬ط مؤسسة آل البيت‪.‬‬
‫‪ -3‬كنز العمال‪ ،‬ج ‪ 1‬ص ‪ ،103‬مؤسسة الرسالة‪.‬‬
‫‪ -4‬صحيح مسلم‪ ،‬ج‪ 6‬ص ‪ ،22‬دار الفكر‪.‬‬
‫‪ -5‬شرح نھج البالغة‪ ،‬ابن أبي الحديد المعتزلي‪ ،‬ج ‪ 13‬ص ‪ ،242‬دار إحياء الكتب العربية‪.‬‬
‫‪ -6‬وسوف تتضح ھذه الفروقات من خالل فھم مراتب اإلمامة في ھذا البحث‪.‬‬
‫‪ -7‬األنبياء‪.73 :‬‬
‫‪ -8‬القصص‪.41 :‬‬
‫‪ -9‬سيأتي تعريف اإلمامة في مبحث اإلمامة عند العقل‪.‬‬
‫‪ -10‬الحشر‪.7 :‬‬
‫‪ -11‬النساء‪.65 :‬‬
‫‪ -12‬النساء‪.59 :‬‬
‫‪ -13‬وواضح أن الحكومة من الفروع ال من أصول الدين‪ ،‬وال تعدو في وجھة نظر مدرسة أھل البيت‪R‬أن تكون شأناً من شؤون اإلمامة‪.‬‬
‫ن لـي شـيطانا يعتر يني‪ (...‬اإلمامـة والسياسـة‪ ،‬ابـن‬
‫أحسنت فأعينوني‪ ،‬وإن‬
‫ولست بخيركم‪ ،‬فإن‬
‫‪ -14‬كقول أبي بكر‪) :‬أيّھا الناس‪ ،‬إنّي ول ّيتكم‬
‫أخطـأت فقوّمونـي‪ ،‬إ ّ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ل الناس أفقه من عمر حتى ربّات الحجال‪ ،‬أال تعجبون من إمام أخطأ ومــن امـرأة‬
‫قتيبة‪ ،‬ج ‪ 1‬ص ‪ .2‬وقول عمر بعد أن أظھرت امرأ ٌة خطأه في مسألة صداق النساء‪) :‬ك ّ‬
‫فاضلت إمامكم ففضلته؟( شرح نھج البالغة‪ ،‬ابن أبي الحديد‪ ،‬ج ‪ 3‬ص ‪.113‬‬
‫أصابت‪،‬‬
‫ْ‬
‫‪ -15‬نعم لم يعتمد جميع أتباع مدرسة الخلفاء على القياس‪ ،‬فقد أنكره أحمد بن حنبل ولم يمارسه مالك بن أنس‪ .‬ولكن ما حصل مع أبي حنيفـة ھـو أنـه فتـح البـاب‬
‫ل اعتماده على الروايات‪ ،‬بل قيل إنه لم يعمل سوى بـ )‪ (15‬حديث‪ ،‬وأما الشافعي فقد استخدم السنّة كما استخدم القياس‪.‬‬
‫واسعاً أمام القياس‪ ،‬وق ّ‬
‫‪ -16‬وسوف نتعرّض للعصمة في بحث مستقل إن شاء ﷲ تعالى‪.‬‬
‫‪ -17‬نھج البالغة‪ ،‬خطب اإلمام علي عليه السالم ‪ ،‬خطبة ‪.192‬‬

‫اﻟﻌﻘﻠﻲ‬
‫اﻟﺪرس اﻟﺘﺎﺳﻊ ﻋﺸﺮ‪ :‬اﻟﺪﻟﻴﻞ‬
‫ّ‬
‫أھداف الدرس‬
‫‪ -1‬فھم الدليل العقلي على اإلمامة‪.‬‬
‫‪ -2‬القدرة على شرح برھان اللطف‪.‬‬
‫‪ -3‬القدرة على بيان ضرورة النص على اإلمام وشرح رواية اإلمام الصادق عليه السالم‪.‬‬
‫‪ -4‬االستدالل على ضرورة عصمة اإلمام بأنواعھا وتعليل بعض أفعال األئمة المتشابھة‪.‬‬
‫‪ -5‬فھم حقيقة العصمة وضرورتھا‪.‬‬
‫‪ -6‬القدرة على توجيه نسبة المعصية لألنبياء عليھم السالم قرآنيا ً‪.‬‬
‫‪293‬‬
‫أ‪ -‬اإلمامة عند العقل‬
‫واضح أن م حل‬
‫بشكل‬
‫بعد أن تعرّ ضنا في البحث السابق لمفھوم اإلمامة ومراتبھا‪ ،‬وأشرنا إلى أنھا استمرار للنبوة‪ ،‬وظھر‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫الــنزاع فــي المرتبــة الثانيــة لإلمامــة وھــي المرجعيــة الدينيــة‪ ،‬حــان الوقــت للــدخول فــي البحــوث االســتداللية علــى‬
‫اإلمامة‪.‬والترتيب المنطقي للبحث أن نذكر األدلة العقلية‪ ،‬ثم القرآنية‪ ،‬ثم الروائ ية‪ .‬ول ھذا كان ترتيب نا للب حوث ع لى ال شكل‬
‫المذكور‪.‬‬
‫العقلي على اإلمامة‪:‬‬
‫الدليل‬
‫ّ‬
‫لقد ذكر الشيخ نصير الدين الطوسي ھذا الدليل في جمل ٍة واحد ٍة بقوله‪) :‬اإلمام لطف في جب ن صبه ع لى ﷲ ت عالى تح صيالً‬
‫للغرض(‪ 1‬وقد قام علماء مدرسة أھل البيت عليھم ال سالم ب شرحھا‪ .‬و كان ا ستداللھم من ص ّبا ً ع لى إما مة اإل مام ع لي عل يه‬
‫السالم‪ ،‬ومتى ثبتت إمامته‪ ،‬أمكن االستدالل على إما مة األئ مة ال باقين علي ھم ال سالم من ب عده‪ .‬وب يان ھذا ا لدليل ي تم ع بر‬
‫المقدمات التالية‪:‬‬
‫‪295‬‬
‫‪ -v1‬إنّ اإلسالم دينٌ يشمل جميع شؤون الحياة الب شرية‪ ،‬و ھذا أ م ٌر ي شھد به وا قع ھذا ا لدين‪ ،‬ف ما من واق عة إال و في ھا‬
‫حكم‪.‬‬
‫‪ -2‬إنّ الفرصة لم تتوفر للنبي صلى ﷲ عليه وآله وسلم خالل مدّة رسالته‪ ،‬والتي استمرت ثالثة وعشرين عا ماً‪ ،‬كي يعل مّ‬
‫الناس اإلسالم كامالً بك ّل ما ينطوي عليه‪ ،‬وإن كان النبيّ صلى ﷲ عل يه وآ له و سلم قد قام بب يان ك ّل ما أمك نه من أح كام‬
‫وتعاليم‪.‬‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫شخص أو مجمو عة أ شخاص من‬
‫‪ -3‬إ ّنه من الم ستحيل أن ي كون ھذا ا لدين قد ت رك بيا نه ناق صا‪ ،‬و لذا ال ب ّد من و جود‬
‫ٍ‬
‫الصحابة تل ّقت اإلسالم من النبيّ صلى ﷲ عليه وآله وسلم كامالً‪ ،‬وإستوعبته‪ ،‬ليكون من وظيفتھا بيان ھذا ا لدين ب عد و فاة‬
‫النبيّ صلى ﷲ عليه وآله وسلم‪.‬‬
‫‪ -4‬إنّ م ثل ھذا ال شخص مو جو ٌد ع ند مدر سة أ ھل الب يت علي ھم ال سالم و غير مو جود ع ند أت باع مدر سة الخل فاء‪ .‬و ھذا‬
‫ناقص‪ ،‬و لذا ل جأوا إ لى الق ياس ح ين و جدوا أ مامھم م سائل‬
‫كدين‬
‫اإلختالف ھو الذي أدّى بأھل الس ّنة إلى معام لة اإل سالم‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫ً‬
‫جديدة ال يملكون جوابا ً لھا‪ ،‬واستنكر أتباع مدرسة أھل البيت عليھم السالم الق ياس تب عا ألئمت ھم‪ ،‬ك ما وأدا نوا اإل ّد عاء بأنّ‬
‫الدين كان ناقصا ً‪ .‬ولذا ورد عن أمير المؤمنين علي عليه السالم في نھج البالغة قوله‪):‬أم أنزل ﷲ دينا ً ناقصا ً فإستعان ب ھم‬
‫على إتمامه(‪2‬‬
‫وقد ورد العديد من الروايات عن أھل البيت عليھم السالم تتحدث عن أنّ ما من شي ٍء من الحالل وال حرام إال و قد جاء به‬
‫كتابٌ أو س ّن ٌة‪.‬‬

‫والنتيجة التي نصل إليھا في مسألة اإلفتراق بين المدرستين ھي‪ :‬أنّ النبيّ صلى ﷲ عل يه وآ له و سلم قام‪ -‬باعت قاد مدر سة‬
‫أشخاص بعينھم‪ ،‬لھم‬
‫أھل البيت عليھم السالم بتعيين‬
‫ٍ‬
‫‪296‬‬
‫ٌ‬
‫ٌ‬
‫قدسية ليكونوا خلفاء من بعده‪ .‬والدليل على ذلك ھو نفس الضرورة التي دعت إلى إرسال ال نبيّ صلى ﷲ عل يه وآ له‬
‫جنبة‬
‫وسلم‪ ،‬بينما ترك النبيّ صلى ﷲ عليه وآله وسلم‪ -‬باعتقاد مدرسة الخلفاء‪ -‬األم َة ھمالً ومضى‪.‬‬
‫بيان برھان اللطف‪:‬‬
‫ولع ّل شرح دليل اللطف بشكل أ كثر و ضوحا ً ي ت ّم عبر الم ثال ال تالي‪ :‬إنّ أي ب ل ٍد ي قوم بت صنيع ج ھاز ما مت طوّ ر أو معق ّد‪،‬‬
‫ير‬
‫كب عض أ نواع ال طائرات الحرب ية‪ ،‬ال ب ّد له ع ندما ي قوم بب يع وت صدير ھذا الج ھاز إ لى ا لدول األ خرى من إر سال خب ٍ‬
‫متخصص يشرح كيفية عمل ذلك الجھاز‪ .‬وال شك أنّ ھذا الخبير لسنا بحا ج ٍة له إذا أرد نا ت صدير حا جة ب سيطة كالق ماش‬
‫ٍ‬
‫ٌ‬
‫ٌ‬
‫ً‬
‫بير‪ ،‬ال‬
‫مثالً‪ .‬وعليه فإن دينا كاإلسالم ال يمكن أن ينظر إليه على أنه حاجة بسيطة كالقماش‪ ،‬بل ال بد من وجود‬
‫ٍ‬
‫شخص خ ٍ‬
‫يمكن أن يقع في الخطأ أو الھوى‪ ،‬يتحمّل مھمّة بيان ھذا الدين وتوضيحه لل ناس‪ .‬إن م ثل ھذا ال شخص ھو اإل مام بح سب‬
‫اعتقاد مدرسة أھل البيت عليھم السالم‪ .‬والمراد من ع بارة )الل طف( ا لتي وردت في كالم الطو سي ھو ھذه الحا جة إ لى‬
‫الشخص الذي يتولى ھداية الناس إلى ا لدين‪ ،‬و ھي حا جة ضروريّة للب شر‪ .‬وتع تبر ھذه القا عدة ھي أ ساس ا لدليل العق لي‬
‫على اإلمامة‪.‬‬
‫ضرورة النص على اإلمام‪:‬‬
‫بعد أن تبيّن أنّ اإلمامة لطفٌ واجبٌ من ِق َب ِل ﷲ سبحانه كالنبوّ ة‪ ،‬وأن اإلمام والنبي ال ب ّد أن يكو نا مع صومين‪ ،‬ألن ال سبب‬
‫الموجب لعصمة النبيّ صلى ﷲ عليه وآله وسلم ھو الموجب لع صمة اإل مام عل يه ال سالم‪ ،‬أال و ھو انق ياد ال ناس وطاعت ھم‬
‫له‪ ،‬يظھر أنّ اإلمامة كالنبوّ ة‪ .‬فكما أن تعيين النبيّ صلى ﷲ عل يه وآ له و سلم ي كون من ﷲ ف كذلك تعي ين اإل مام ي كون من‬
‫ﷲ‪ .‬وفي كليھما ال شأن للناس بتشخيص من ھو النبيّ أو اإلمام‪،‬‬
‫‪297‬‬
‫غاية األمر أن طريق تعيين النبيّ للناس يكون عبر المعجزة واآليات اإللھية‪ ،‬وأما طريق تعي ين اإل مام ف ھو ي ت ّم من خالل‬
‫النبيّ ‪ ،‬أي بالنصّ من قبله على ذلك‪.‬‬
‫وھنا ننتقل باالستدالل إلى مرحلته األخيرة‪ ،‬وأ ّنه إذا ثبت ضرورة النصّ على اإلمام والخليفة من قبل النبيّ صلى ﷲ عل يه‬
‫وآله وسلم‪ ،‬فإنّ ذلك يالزم ثبوت اإلمامة لعلي عليه السالم‪.‬‬
‫وتوضيح ذلك أنّ الخالف بين المدر ستين ال ين صبّ في م سألة أنّ ال نبيّ صلى ﷲ عل يه وآ له و سلم نصّ ع لى ع لي عل يه‬
‫السالم أو على غيره‪ ،‬بل ال أحد يختلف في أنه ال نصّ على غير علي عليه السالم‪ ،‬ولذا لم يد ِّع أح ٌد وجود نصّ ع لى غ ير‬
‫علي عليه السالم‪ ،‬حتى الخلفاء أنفسھم لم تصدر منھم دعوى النصّ على أنفسھم‪ ،‬بل الخالف ب ين المدر ستين في أن الن بيّ‬
‫صلى ﷲ عليه وآله وسلم ھل نصّ على إمامة أح ٍد‪ -‬وھو ما تتبناه مدرسة أھل الب يت علي ھم ال سالم أو لم ي نصّ ع لى أ ح ٍد‪-‬‬
‫وھو ما تتب ناه مدر سة الخل فاء‪-‬؟ و متى ما ث بت ضرورة ال نصّ فال ب ّد أن ي كون ال نصّ ع لى ع لي عل يه ال سالم‪ .‬وبع بارة‬
‫مختصرة إنّ ھناك مالزمة بين القول بضرورة النصّ على اإلمام وكون المنصوص عليه ھو علي عليه السالم‪ ،‬فمتى ثبت‬
‫األول ثبت الثاني‪ ،‬وبھذا يتم الدليل الكالمي على اإلمامة‪ ،‬ويثبت لنا إمامة اإلمام علي عليه السالم‪.3‬‬
‫كمقام‬
‫والنتيجة ھي إنّ دراسة مسألة اإلمامة بالنحو المتقدم‪ ،‬والنظر إليھا‬
‫ٍ‬

‫‪298‬‬
‫يقوم فيه اإلمام ببيان أحكام الدين‪ ،‬توصل إلى أنّ أحداً لم ي ّد ِع لغير اإلمام علي عليه السالم ھذا األمر‪.‬‬
‫الدليل على اإلمامة في رواية عن اإلمام الصادق عليه السالم‪:‬‬
‫ورد عن اإلمام الصادق عليه السالم في جوابه للسائل الذي سأله‪ :‬من أين أثبت األنبياء والرسل؟‬
‫)قال عليه السالم‪ :‬إ ّنا لمّا أثبتنا أن لنا خالقا ً صانعا ً متعاليا ً ع ّنا وعن جميع ما خلق‪ ،‬وكان ذلك الصانع حكيما ً متعاليا ً لم ي جز‬
‫أن يشاھده خلقه‪ ،‬وال يالمسوه‪ ،‬فيباشرھم ويبا شروه‪ ،‬وي حاجّ ھم وي حاجّ وه‪ ،‬ث بت أنّ له سفراء في خل قه‪ ،‬ي عبرون ع نه إ لى‬
‫خلقه وعباده‪ ،‬ويدلّونھم على مصالحھم ومنافعھم و ما به ب قاؤھم و في تر كه ف ناؤھم‪ ،‬فث بت اآل مرون وال ناھون عن الحك يم‬
‫العليم في خلقه والمعبرون عنه جل وعز‪ ،‬وھم األنبياء عليھم السالم وصفوته من خلقه‪ ،‬حكماء مؤدبين بالحك مة‪ ،‬مبعوث ين‬
‫بھا‪ ،‬غير مشاركين للناس‪ -‬على مشاركتھم لھم في الخلق والتركيب‪ -‬في شيء من أحوالھم‪ ،‬مؤيدين من ع ند الحك يم العل يم‬
‫بالحكمة‪ ،‬ثم ثبت ذلك في كل دھر وزمان م ما أ تت به الر سل واألنب ياء من ا لدالئل وا لبراھين‪ ،‬لك يال تخ لو أرض ﷲ من‬
‫حجة يكون معه علم يدل على صدق مقالته وجواز عدالته(‪.4‬‬
‫إنسان له خا صية اإلت صال با ‪ ،‬بن حو يتم كن من تلق ّي الو حي وإبال غه‬
‫إنّ ھذه الرواية تثبت بوضوح أ ّنه ال ب ّد من وجود‬
‫ٍ‬
‫للناس‪ .‬وما ذكره اإلمام عليه السالم في ھذه الرواية ھو عبارة عن الدليل العقلي ع لى ضرورة الن بوّ ة‪ ،‬و ھذا ا لدليل يظ ھر‬
‫بوضوح في آخر الرواية حيث يتحدث عن ضرورة وجود ھذه الوسائط في ك ّل‬
‫‪299‬‬
‫وزمان‪.(...‬‬
‫دھر‬
‫ٍ‬
‫األزمنة فيقول‪) :‬ث ّم ثبت ذلك في ك ّل ٍ‬
‫ب‪ -‬عصمة اإلمام‬
‫إشتھر قول الشيعة بعصمة األئمة عليھم السالم‪ .‬وھذا أم ٌر إختصوا به من بين الفرق اإل سالمية‪ .‬و لذا يت ساءل الب عض عن‬
‫العصمة‪ ،‬وھل أ ّنھا أم ٌر اخترعه ال شيعة أو ال؟ و ما م عنى أن ي كون اإلن سان مع صوماً؟ ف ھل ت عني الع صمة أن ال ي قع في‬
‫المعصية فقط‪ ،‬أو أ ّن ھا ت عني أي ضا ً عدم و قوع المع صوم في اإل شتباه والخ طأ؟ وإذا كان كذلك‪ ،‬فك يف نفس ّر ب عض آ يات‬
‫القرآن الكريم التي ظاھرھا نسبة المعصية لألنبياء عليھم السالم ؟ وما وقع في التاريخ من قيام األئمة عليھم السالم بب عض‬
‫األعمال التي تبدو للوھلة األولى أنھا معصية أو خطأً‪ ،‬ويعترض عليھا البعض بأنه لو فعل غير ذلك لكان أفضل؟ والكث ير‬
‫من الحوادث من ھذا القبيل والتي تحتاج إلى تفسير معقول ومقبول ينسجم مع عصمة اإلمام‪.‬‬
‫وتظھر اإلجابة على ك ّل ھذه األسئلة من خالل شرح حقيقة العصمة وتوضيحھا‪.‬‬
‫حقيقة العصمة‪:‬‬
‫ً‬
‫صمة تمن عه من إرت كاب ب عض األ مور‪ ،‬وت لك الع صمة تن شأ من اإلي مان الكا مل‬
‫إن ك ّل إن سان ي جد في نف سه أنّ لد يه ع‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫شاھق أو في ال نار‪ ،‬مع أن نا نتمك ن من ذ لك‪،‬‬
‫بالمخاطر المحيطة بذلك األمر‪ ،‬فمثالً ال يقدم أ ح ٌد من ا ع لى ر مي نف سه من‬
‫ٍ‬
‫ولكن علمنا بمخاطر ذلك األمر يجعلنا ال نقدم عليه‪ ،‬بينما نجد أنّ الطفل الذي ليس لديه عل ٌم بمخاطر النار يقدم على م ّد يده‬
‫إليھا‪.‬‬
‫إذاً‪ ،‬نحن نتيجة علمنا بالمخاطر المحيطة بمجموعة من األمور ال نقدم‬

‫‪300‬‬
‫على اإلمامة والعصمة‬
‫عليھا‪ .‬وذلك يرجع إلى درجة اإليمان بمخاطر العمل‪ .‬ولذا نجد أ ّننا ال نقدم على مثل شرب الخمر أو لعب القمار ل ما نرى‬
‫آثار سلبيّة وإجتماع ية تتر تب ع لى ذ لك‪ .‬و ھذا األ مر قد يح صل حتى ل غير الم سلم‪،‬‬
‫فيھما من مساوئ‪ ،‬أو لما نشاھده من ٍ‬
‫ُ‬
‫وكلّما إزداد إيمان الشخص‬
‫بمخاطر الذنوب ازدادت عصمته عن مقاربتھا‪.‬‬
‫ِ‬
‫ٌ‬
‫إحاطة وعل ٌم وإيمانٌ بمخاطر الذنوب‪ ،‬بحيث تتجس ّد أما مه ھذه الم خاطر فال ي قدم‬
‫وبھذا يظھر لنا أنّ المعصوم إنسانٌ لديه‬
‫على إرتكابھا‪ .‬والعصمة ھي اإلمتناع عن إرتكاب الذنوب نتي جة ھذا الع لم و ھذا اإلي مان‪ ،‬فالمع صوم يع لم وي شعر وجدا نا ً‬
‫بأنّ اإلساءة بالقول لآلخرين ھي بمثابة أن يسلّط اإلنسان عقربا ً على نفسه‪ ،‬ولذا يمتنع عن القيام بمثل ھذا العمل‪ .‬وقد أشار‬
‫ه َو َ‬
‫قدْ َ‬
‫ولَ َ‬
‫وال أَنْ َرأى ُب ْرھَـانَ‬
‫ت بِ ِ‬
‫القرآن إلى حقيقة العصمة ھذه في قصة يوسف عليه السالم فقال ت عالى‪َ ﴿ :‬‬
‫م بِھ َ ا لَـ ْ‬
‫ھـ ﱠ‬
‫م ْ‬
‫ھ ﱠ‬
‫ه َ‬
‫ﱡ‬
‫ه‬
‫ِين‪.﴾5‬‬
‫ِن ِ‬
‫َربِّ ِ‬
‫َح َ‬
‫ك َذلِ َ‬
‫مخْ لَص َ‬
‫شا َء إِنﱠ ُ‬
‫السو َء َوا ْلف ْ‬
‫رفَ عَ ْن ُ‬
‫هم ْ‬
‫ك لِ َن ْ‬
‫ع َبا ِدنَا ا ْل ُ‬
‫ص ِ‬
‫فتد ّل اآلية على أن يوسف عليه السالم ھو إنسانٌ لديه غريزةٌ‪ ،‬وأنَّ ھذه الغريزة كادت تؤدي به إ لى الم يل إ لى ت لك ال مرأة‬
‫لوال ما لديه من برھان ربّه‪ .‬لقد كان ليوسف عليه السالم من اإليمان الكامل ما يمنعه من اإلقدام على م ثل ھذا الع مل‪ .‬بل‬
‫لم يھ ّم بالمعصية بسبب وجود ھذا البرھان وھو العصمة‪.‬‬
‫وفي رواية عن اإلمام أمير ال مؤمنين عل يه ال سالم أن ّه قال‪ ) :‬لو ك شف لي الغ طاء ما ازددت يقي نا ً(‪ .6‬فالم خاطر المحي طة‬
‫بالذنوب تتجسّد أمامه بحيث يتساوى الحاضر المشھود منھا والغائب‪.‬‬
‫‪301‬‬
‫التفسير الخاطئ للعصمة‪:‬‬
‫ذھب بعضھم إلى تفسير العصمة بشكل خاطئ‪ ،‬ح يث ج عل الع صمة نو عا ً من الم نع اإلل ھي عن ارت كاب ا لذنوب‪ ،‬أي إنّ‬
‫المعصوم خاضع للرقابة اإللھية الخاصة بنحو كلّما ھ ّم بارتكاب المعصية منعه ﷲ من ذ لك فوراً‪ .‬ويت صوّ ر ھؤالء أنّ ﷲ‬
‫نع المع صوم من ارت كاب ا لذنوب‪ .‬فالمع صوم ي ھ ّم بالمع صية ويفك ّ ر ب ھا ول كنّ ﷲ ي قف حائالً أ مام قيا مه‬
‫وك ّ ل مل كا ً بم ِ‬
‫بارتكابھا فعالً وخارجا ً‪.‬‬
‫ّ‬
‫ستحق علي ھا‬
‫ھذا النحو من تفسير العصمة خاطئ جداً‪ ،‬ألنھا إذا كانت كذلك‪ ،‬فھذا يعني أنھا ال ُتع ّد كماالً للمع صوم‪ ،‬و لن ي‬
‫طفل معيّن‪ ،‬بنحو يمنعه من‬
‫أي مديح‪ ،‬وذلك واض ٌح لكل من الحظ المثال التالي‪ :‬فإ ّننا لو افترضنا أن أحدھم اعتنى بمراقبة‬
‫ٍ‬
‫دائم‪ ،‬فإنّ ھذا اإلمتناع للطفل عن الوقوع بالخطأ لن يُسجّ ل كماالً له‪.‬‬
‫الوقوع في ما ال ينبغي‬
‫ٍ‬
‫بشكل ٍ‬
‫رادع خارجي كالمالئكة لدى المع صوم ال‬
‫لو كانت العصمة كذلك فما الفرق بين المعصوم وبين اإلنسان العادي‪ .‬إنّ وجود‬
‫ٍ‬
‫ً‬
‫شكل دا ٍئم‪ ،‬من غ ير‬
‫يعتبر‬
‫فضيلة له‪ .‬إنّ ھذه الحالة تشبّه بأن يتھي ّأ شخصٌ لل سرقة ثم يمت نع عن ھا لو جود شرطيّ يتب عه ب ٍ‬
‫وجود مِنع ٍة ذاتي ٍة خاص ٍة عنده تجاه السرقة‪.‬‬
‫إنّ التفسير الصحيح للعصمة ھو بما يرجع إلى وجود حال ٍة خاص ٍة لدى المعصوم تمنعه من ارت كاب ا لذنوب‪ ،‬و ھذه الحا لة‬
‫ھي محل البحث‪.‬‬
‫العصمة عن الخطأ‪:‬‬
‫إنّ ما تقدم كان شرحا ً لمسألة العصمة عن الذنوب‪ ،‬وأما العصمة عن الخ طأ ف ھي م سألة أ خرى‪ ،‬ح يث ي سأل الب عض عن‬
‫الدليل على كون النبي صلى ﷲ عليه وآله و سلم أو اإل مام عل يه ال سالم مع صوما ً عن الخ طأ واإل شتباه في التبل يغ‪ .‬فالن بي‬

‫صلى ﷲ عليه وآله وسلم بيّ ◌ّ ن لنا‬
‫‪302‬‬
‫شكل آ خر‪ ،‬ك ما قد يح صل الخ طأ‬
‫األحكام ولكنه ربّما يكون قد أخطأ‪ .‬فلع ّل ﷲ أوحى له بالحكم ب شكل ما و ھو ب ّي نه ل نا ب ٍ‬
‫بالنسبة لنا نحن حين يطلب م ّنا شخصٌ إيصال رسالة ما‪ ،‬فنبلّغھا بطريق ٍة أخرى‪.‬‬
‫إنّ النبي صلى ﷲ عليه وآله وسلم واإلمام عليه السالم ال ب ّد وأن يكونا معصومين في بيان األحكام الشرعية وتعاليم الدين‪،‬‬
‫والدليل على ذلك ھو أنّ النبي واإلمام لو لم يكونا معصومين في ذلك وكان باب الخ طأ واإل شتباه مو جوداً في حقّھ ما ف ھذا‬
‫يعني أن ال تكون لدينا ثقة بكالم النبي صلى ﷲ عليه وآله وسلم أو اإلمام عليه السالم‪ ،‬وھذا يت نافى مع كون نا نتل قى أح كام‬
‫الدين وتعاليم اإلسالم منھما‪.‬‬
‫إ ّننا نستطيع أن نثبت ذلك من خالل مالح ظة ا لدليل العق لي ع لى اإلما مة ع ند مدر سة أ ھل الب يت علي ھم ال سالم‪ ،‬ووظي فة‬
‫اإلمام عند الشيعة‪ ،‬فإن اإلمام ھو مبلّغ للدين عن النبي‪ ،‬وذلك ألن أحكام اإلسالم لم يتم بيانھا من ق بل ال نبي بتمام ھا لعا مة‬
‫الناس‪ ،‬وذلك ألن مجموعة من األسباب منھا ضيق الفترة التي عاشھا النبي بعد البعثة والھجرة منعته من بيان جميع أحكام‬
‫الدين‪ ،‬فقام النبي صلى ﷲ عليه وآله وسلم بإبالغ اإلمام بھا والذي يقوم بدوره ببيانھا لسائر الناس‪ .‬فإذاً‪ ،‬اإلما مة إ ستمرار‬
‫لوظيفة النبوّ ة في بيان أحكام الشريعة‪ ،‬وھذا أمر اختصت به مدرسة أھل البيت عليھم السالم دون مدر سة الخل فاء‪ .‬إنّ ھذا‬
‫الدليل العقلي على مسألة اإلمامة ھو نفسه الدليل ا لذي يقود نا إ لى ال قول بالع صمة‪ ،‬ألن نا متى آم نا بأنّ اإل مام ھو الحا فظ‬
‫للشريعة وھو القيّم عليھا الذي نرجع إليه لمعرفة اإلسالم‪ ،‬فال بد أن يكون معصوما ً‪.‬‬
‫العصمة ضرورية في الھداية‪:‬‬
‫إننا إذا أردنا أن نالحظ النبوّ ة نجد أننا إنما التزمنا بالعصمة‬
‫‪303‬‬
‫لألنبياء عليھم السالم ألن من يبع ثه ﷲ ھاد يا ً لل ناس ال ي جوز عل يه الخ طأ والمع صية‪ ،‬وإال لم يتب عه ال ناس أل نه يخ طئ‪،‬‬
‫وبذلك ينتفي الغرض من بعثته‪ .‬إن ھذا الكالم بنفسه يأتي في م سألة اإلما مة‪ ،‬ألن ھا ح يث كا نت ھي اال ستمرار للن بوة في‬
‫مجال بيان الدين وكان على الناس اتباع اإلمام وأخذ معالم الدين منه‪ ،‬كان ال بد أن يكون معصوما ً من الخطأ‪.‬‬
‫طريق آخر‪:‬‬
‫عـو ْا‬
‫﴿وأَطِي ُ‬

‫كما أن العصمة يمكن أن نثبتھا بطرق أخرى منھا‪ :‬أننا كمسلمين مأمورون بطا عة اإل مام ك ما في قو له ت عالى‪:‬‬
‫ُم‪ .﴾7‬فلو كان الخطأ ممكنا ً في حقّه لوجب اإلن كار عل يه من ق بل اآل خرين‪ ،‬و ھذا‬
‫وأَطِي ُ‬
‫سو َ‬
‫ﷲ َ‬
‫و ُأ ْولِي األ َ ْ‬
‫ل َ‬
‫ر مِنك ْ‬
‫عو ْا ال ﱠر ُ‬
‫م ِ‬
‫يتنافى وبوضوح مع األمر بطاعته‪.‬‬
‫شخص آ خر ي سدد له خ طأه‬
‫قد يعترض البعض ويقول‪ :‬ال حاجة ألن يكون اإلمام معصوماً‪ ،‬ألننا نستغني عن ذلك بوجود‬
‫ٍ‬
‫إذا أخطأ‪.‬‬
‫ولكن ھذا اال عتراض غير صحيح‪ ،‬ألن نا ن سأل الم عترض عن ذ لك ال شخص اآل خر ا لذي ينب غي أن ي قوم بمھ مة الت سديد‬
‫لإلمام‪ ،‬ھل ھو معصوم أو يحتاج ھو أيضا ً إلى من يسدده؟ وھكذا يتسل سل األ مر إ لى ما ال نھا ية‪ ،‬و بذلك يظ ھر أ نه ال بد‬
‫معصوم بال حاجة إلى وجود شخص آخر يسدده‪.‬‬
‫شخص‬
‫من وجود‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫كيف ينسب القرآن المعصية لألنبياء عليھم السالم ؟‬

‫صى آد َُم َربﱠ ُه َف َغ َوى‪.﴾8‬‬
‫وعَ َ‬
‫إ ّننا نجد العديد من اآليات القرآنية تنسب المعصية إلى األنبياء عليھم السالم‪ ،‬مثل قوله تعالى‪َ ﴿ :‬‬
‫ما تَ َ‬
‫ن‬
‫وقوله تعالى‪﴿ :‬لِيَ ْ‬
‫غ ِ‬
‫ق ﱠ‬
‫م ِ‬
‫د َ‬
‫كﷲ َ‬
‫ف َر لَ َ‬
‫م ْ‬
‫‪304‬‬
‫َ‬
‫س َتقِيماً‪.﴾9‬‬
‫ك ِ‬
‫ك َويَ ْھ ِ‬
‫ه عَ لَ ْي َ‬
‫ك َو َ‬
‫ذ ْنبِ َ‬
‫ديَ َ‬
‫م نِ ْع َ‬
‫م َت ُ‬
‫ما تَأَ ﱠ‬
‫م ْ‬
‫خ َر َو ُيتِ ﱠ‬
‫ص َراطاً ُ‬

‫فكيف تنسجم ھاتان اآليتان وغيرھما من اآل يات ا لتي تت عرض ل ما يظ ھر م نه مع صية لألنب ياء علي ھم ال سالم مع اإل لتزام‬
‫بعصمتھم؟‬
‫إت ضح ب ما ت قدم من تف سير الع صمة أن ھا ت كون تاب ً‬
‫عة لدر جة اإلي مان لدى ال شخص المع صوم‪ .‬وح يث كان اإلي مان ع لى‬
‫ً‬
‫درجات‪ ،‬فالعصمة أيضا ً على درجات‪ .‬والمعصومون ال يمكن أن يقدموا على ما نقدم عليه نحن من الذنوب أحيانا‪ ،‬بل ھم‬
‫مع صومون أمام ھا‪ .‬ول كن للمع صومين أنف سھم مرا حل ومرا تب ولي سوا سواء‪ ،‬ف قد ال يم لك بع ضھم الع صمة في كل‬
‫المراتب‪ ،‬وما يع ّد ذنبا ً بالنسبة إلي ھم ھو من الح سنات بالن سبة إلي نا‪ ،‬ألن نا لم نب لغ ت لك المرت بة و لذا ق يل )ح سنات األ برار‬
‫سيئات المقربين(‪ ،‬أي إن األمر خاضع لدرجات القرب من ﷲ‪.‬‬
‫وبھذا يت ّم تفسير منطق القرآن في نسبة المعصية لألنبياء عليھم السالم‪ .‬فالسيئات التي يتحدث عنھا ال قرآن ھي ع بارة عم ّا‬
‫نعتبره نحن من الحسنات‪ ،‬وليس ھو من المعاصي التي تدخل في اآلثام‪.‬‬
‫سر بعض أفعال المعصومين عليھم السالم ؟‬
‫كيف نف ّ‬
‫ومن األسئلة التي تثار حول العصمة ھو السؤال عن بعض ما صدر عن اإل مام ع لي عل يه ال سالم من تعي ين ع بد ﷲ بن‬
‫عباس واليا ً على البصرة مع قيامه بسرقة بيت المال واللجوء إلى معاوية‪ ،‬و قد ي صل األ مر بالبعض إ لى اعت بار ذ لك من‬
‫األخطاء التي صدرت عن اإلمام عليه السالم‪ ،‬وأن اإلمام عيّن ھذا ال شخص مع و جود أ شخاص آ خرين يم كن أن يقو موا‬
‫بھذه المھمة‪.‬‬
‫‪305‬‬
‫والجواب‪:‬‬
‫أوالً‪ :‬إنّ أول ما ينبغي أن نلفت النظر إليه ھو أن إصدار أحكام سريعة على أحداث جرت قبل م ئات ال سنين ودون إحا طة‬
‫شخص عاش قبل خمسمائة سنة بالقول‪ :‬إ نه لو ف عل كذا‬
‫تامة ھو خطأ في حد نفسه‪ .‬إ ّننا ال نستطيع أن نحكم على ممارسة‬
‫ٍ‬
‫لكان أفضل أو نحو ذلك‪.‬‬
‫ثانيا ً‪ :‬إنّ اإلمام عليه السالم عاش الوقائع بنفسه‪ ،‬وھو يعرف عبد ﷲ بن ع باس ت مام المعر فة‪ .‬واآلن ھل ي ستطيع أ حد أن‬
‫يثبت وجود أشخاص أكفاء ومؤھلين وتركھم اإلمام ولم يعتمد عليھم؟ إن الجواب ھو بالنفي‪.‬‬
‫ثالثا ً‪ :‬ث ّم إ ّننا ال بد من مالحظة الظروف والمرحلة التي كان يعيشھا اإلمام علي عليه السالم‪ ،‬فإ ّننا ن جد اإل مام ي صرّ ح بأ نه‬
‫ال يجد أفراداً مؤھلين وأن الوقت ليس مناسبا ً لخالفته‪ .‬لقد كان اإلمام يرى نفسه ھو األحق بالخالفة من بدا ية األ مر‪ ،‬و ھذا‬
‫أمر يعترف به الفريقان‪ ،‬ولكننا نجده يقول لمن جاء يريد مبايعته‪) :‬دعوني والتسموا غيري‪ ،‬فإن ّا م ستقبلون أ مراً له و جوه‬
‫وألوان‪ ...‬وإنّ اآلفاق قد أغمّت والحجة قد تن ّكرت(‪.‬‬
‫ثم يقول اإلمام )لوال حضور الحاضر‪ ،‬وقيام الحجة بوجود الناصر‪ .10(...‬فاإلمام إنما قام بتولي شؤون الخالفة ألنه لم ي عد‬
‫عذر في االبتعاد‪ ،‬مع أنّ الفرصة للقيام بعملية تغيير تامة لم تكن مؤاتية‪ ،‬ولم يكن يم لك من األ فراد من يعي نه في‬
‫لديه من ٍ‬
‫مھمته ھذه‪.‬‬

‫‪306‬‬

‫ﺧﻼﺻﺔ اﻟﺪرس‬
‫ الدليل العقلي على اإلمامة مؤلف من مقدمات‪:‬‬‫كدين يشمل جميع شؤون الحياة البشرية‪.‬‬
‫‪ -1‬إنّ اإلسالم‬
‫ٍ‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫‪ -2‬إنّ الفرصة لم تسمح للنبيّ صلى ﷲ عليه وآله وسلم بأن يعلم الناس الدين كامال في حياته‪.‬‬
‫أشخاص قام النبيّ صلى ﷲ عل يه وآ له‬
‫شخص أو‬
‫‪ -3‬من المستحيل أن يكون ھذا الدين قد ترك ناقصاً‪ ،‬بل ال ب ّد من وجود‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫وسلم بإبالغھم الدين كامالً‪ ،‬ووظيفتھم بيانه بعده صلى ﷲ عليه وآله وسلم‪.‬‬
‫‪ -4‬إن مثل ھذا الشخص موجو ٌد ع ند مدر سة أ ھل الب يت علي ھم ال سالم و ھو اإل مام ع لي عل يه ال سالم و غير مو جود ع ند‬
‫مدرسة الخلفاء‪.‬‬
‫ العصمة ھي عبارةٌ عن إبعاد احتمال االشتباه والخطأ أو اتباع الھوى‪ ،‬والدليل العقلي على اإلمامة ھو الدليل العقلي ع لى‬‫العصمة‪ ،‬ألن احتمال الخطأ والمع صية واال شتباه إن كان وارداً في ّ‬
‫حق من نأ خذ م نه م عالم ا لدين‪ ،‬النت فى ال غرض من‬
‫وجوده‪.‬‬
‫ إنّ الدليل العقلي المتقدم يثبت لنا وجوب النصّ على الخليفة واإلمام بعد النبيّ صلى ﷲ عليه وآ له و سلم ألن معر فة م ثل‬‫ھذا الشخص غير ممكن إال من خالل النبيّ صلى ﷲ عليه وآله وسلم‪.‬‬
‫ إنّ ھذا النص منحصر باإلمام علي عليه السالم ألن أحداً لم يذھب إلى القول بوجود نصّ على غيره‪.‬‬‫ تختص مدرسة أھل البيت عليھم السالم من بين الفرق اإل سالمية بالتزام ھا بالع صمة لالئ مة خل فاء ال نبي صلى ﷲ عل يه‬‫وآله وسلم‪.‬‬
‫ إنّ حقيقة العصمة ھي أنھا عبارة عن اإلي مان ال شديد بم خاطر ا لذنوب‪ ،‬فالمع صوم ي شعر حقي قة بآ ثار ا لذنوب فال ي قدم‬‫عليھا‪.‬‬
‫يصوّ ر البعض العصمةعلى أ ّنھا عبارة عن نوع من الرقابة اإللھية‪ ،‬تمنع المعصوم من اإلقدام على ارتكاب الذنوب‪ ،‬و ھذا‬
‫تصوير خاطئ ألنه سوف ينفي أي فضيلة للمعصوم‪.‬‬
‫عاص خا صة ب ھم تاب عة لدرجات قرب ھم‬
‫إن التفسير الصحيح لآليات التي تنسب المعصية لألنب ياء ھو أن ھا تت حدث عن م ٍ‬‫وحاالتھم‪.‬‬
‫إن الدليل العقلي الذي تعتمد عليه مدرسة أھل البيت عليھم السالم إلثبات اإلمام الحافظ للشريعة بعد النبي ھو ا لدليل ع لى‬‫كون مثل ھذا الشخص معصوما ً‪.‬‬
‫فعل من أفعال المعصوم ھو أنّ ذلك كان نتيجة عدم معرفتنا بالظروف المحيطة بذ لك‬
‫إنّ الجواب على أي سؤال حول أي ٍ‬‫العمل‪.‬‬

‫أﺳﺌﻠﺔ اﻟﺪرس‬
‫‪ -1‬ھل يوجد دليل من العقل على اإلمامة؟‬
‫‪ -2‬كيف يثبت الدلي ُل العقلي إمام َة علي عليه السالم ؟‬
‫‪ -3‬ما ھو التفسير الصحيح للعصمة؟‬
‫‪ -4‬ما ھو التفسير الخاطئ للعصمة؟‬
‫‪ -5‬ما ھو الدليل على عصمة المعصوم عن اإلشتباه والغفلة؟‬

‫ﻫﻮاﻣﺶ‬
‫‪ -1‬كشف المراد‪ ،‬طبع مؤسسة النشر اإلسالمي‪ -‬قم‪ ،‬ص‪.362‬‬

‫م فيه اختالف العلماء في الفتيا‪ ،‬رقم ‪.18‬‬
‫‪ -2‬من كالم له يذ ّ‬
‫د مــن‬
‫‪ -3‬وما ذكرناه يأتي في مسألة العصمة ونكرّر فيه ما تقدم فنقول‪ :‬حيث ثبت لنا ضرورة أن يكون من يقوم ببيان أحكام الدين وتعاليم اإلسالم معصـوماً‪ ،‬فھنـا ال ب ّ‬
‫أن يكون ھو اإلمام علي عليه السالم ‪ ،‬وذلك ألن أحداً لم يذھب إلى عصمة غيره‪ ،‬بل من تصدى للخالفة غير اإلمام علي عليه السالم اعترف بالخطأ واإلشتباه ولـذا‬
‫ن لي شيطانا يعتر يني‪ ،(...‬اإلمامـة والسيا سة‪،‬‬
‫أحسنت فأعينوني‪ ،‬وإن‬
‫ولست بخيركم‪ ،‬فإن‬
‫اشتھر عن أبي بكر قوله‪) :‬أيّھا الناس‪ ،‬إنّي ول ّيتكم‬
‫أخطأت فقوّموني‪ ،‬إ ّ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ل الناس أفقه من عمر حتى ربّات الحجال‪ ،‬أال تعجبـون مـن إمـام أخطـأ ومــن‬
‫ابن قتيبة‪ ،‬ج ‪ 1‬ص ‪ .2‬وقول عمر بعد أن أظھرت امرأ ٌة خطأه في مسألة صداق النساء‪) :‬ك ّ‬
‫فاضلت إمامكم ففضلته(‪ ،‬شرح نھج البالغة‪ ،‬ابن أبي الحديد‪ ،‬ج ‪ 3‬ص ‪ .113‬وكان علي عليه السالم يصحح ما يقـع فيـه عمـر مـن الخطـأ حتى اشـتھر‬
‫امرأة أصابت‪،‬‬
‫ْ‬
‫قوله‪) :‬لوال علي لھلك عمر(‪ ،‬وھكذا تنحصر العصمة في اإلمام علي عليه السالم ‪ ،‬وال معصوم غيره وبنيه‪.R‬‬
‫‪ -4‬الكافي ج ‪ ،1‬كتاب الحجة‪ ،‬ص ‪.168‬‬
‫‪ -5‬يوسف‪.24 :‬‬
‫‪ -6‬سفينة البحار ج ‪ 2‬ص ‪.734‬‬
‫‪ -7‬النساء‪.59 :‬‬
‫‪ -8‬طـه‪.121 :‬‬
‫‪ -9‬الفتح‪.2 :‬‬
‫ي‪ ،‬بحار األنوار‪ ،‬ج‪ 29‬ص‪ ،499‬دار الرضا‪ -‬بيروت‪.‬‬
‫‪ -10‬العالمة المجلس ّ‬

‫اﻟﺪرس اﻟﻌﺸﺮون‪ :‬اﻹﻣﺎﻣﺔ ﻓﻲ اﻟﻘﺮآن‬
‫أھداف الدرس‬
‫‪ -1‬فھم الفارق بين مقامي النبوّ ة واإلمامة‪.‬‬
‫‪ -2‬القدرة على شرح أنواع الظلم وعدم نيل الظالمين عھد ﷲ‪.‬‬
‫‪ -3‬فھم بعض اآليات الواردة في اإلمامة الخاصة‪.‬‬
‫‪ -4‬فھم كيف بيّن القرآن موضوع اإلمامة والسبب وراء ذلك‪.‬‬
‫‪309‬‬

‫أ‪ -‬اإلمامة العامة في القرآن‪:‬‬
‫تمھيد‪:‬‬
‫تبيّن من األب حاث ال سابقة أن ال خالف في اإلما مة ل يس في شخص اإل مام‪ ،‬وإن ما ت عدّاه إ لى أ صل ث بوت اإلما مة بمعنا ھا‬
‫األوسع من الحكومة والسلطة‪ ،‬بما يشمل المرجعية الدينية بعد النبي صلى ﷲ عليه وآله وسلم‪ ،‬وأنه من الخ طأ ما و قع به‬
‫الكثير من علماء الكالم في اشتباه عند تصويرھم للنزاع بين المدرستين في شخص اإل مام‪ ،‬فك ما أن الن بوّ ة ال ت عني الح كم‬
‫ف قط‪ ،‬بل الن بوّ ة تت ضمن العد يد من ال شؤون من ضمنھا م سألة الح كم‪ ،‬كذلك ھي اإلما مة ع ند مدر سة أ ھل الب يت علي ھم‬
‫السالم‪ ،‬بينما في المقابل حصرت مدرسة الخلفاء اإلمامة في مجال السلطة فقط‪.‬‬
‫اإلمامة والنبوة‬
‫إنّ مقام اإلمامة عند مدرسة أھل البيت عليھم السالم ھي أرفع شأنا ً من م قام الن بوّ ة‪ ،‬فأنب ياء أو لي ال عزم علي ھم ال سالم ھم‬
‫الذين جمعت لھم اإلمامة إضافة إلى النبوّ ة‪ ،‬وليس من الضروري أن يكون ك ّل نبي إماماً‪ ،‬بل إنّ كثيراً من‬
‫‪311‬‬
‫ه بِ َ‬
‫وإِ ِذ ا ْب َتلَـى إِب ْ َرا ِ‬
‫مـاتٍ‬
‫كلِ َ‬
‫م َرب ﱡ ُ‬
‫ھي َ‬
‫األنبياء عليھم السالم لم يصلوا إلى رتبة ومقام اإلمامة‪ ،‬فقد ورد في ال قرآن ال كريم‪َ ﴿ :‬‬
‫‪1‬‬
‫ماماً َ‬
‫َ‬
‫ِن ُذ ِرّيﱠتِي َ‬
‫ن َ‬
‫ِين ﴾‪.‬‬
‫ك لِل ﱠن‬
‫جا ِ‬
‫قا َ‬
‫قا َ‬
‫قا َ‬
‫اس إِ َ‬
‫ع ُل َ‬
‫ل إِنِ ّي َ‬
‫ال عَ ْھدِي الظﱠالِم َ‬
‫ل َوم ْ‬
‫فأَتَ ﱠ‬
‫م ُھ ﱠ‬
‫ل ال يَ َن ُ‬
‫ِ‬

‫ولمعرفة داللة اآلية على اإلمامة‪ ،‬ال بد من معرفة اإلبتالءات التي عاشھا إبراھيم عليه السالم‪ ،‬وموقفه منھا‪.‬‬
‫فقد ثبت إبراھيم عليه السالم أمام نمرود وألقي في النار‪ ،‬وھو مسلّم ألمر ربه‪ ،‬ثم إنه عليه السالم لم يرزق بذري ّة إال ع لى‬
‫كبر س ّنه‪ ،‬ولما رزق بإب نه‪ ،‬جاءه األ مر اإلل ھي بم غادرة بالد ال شام مع زوج ته وطف له إ لى الح جاز‪ ،‬وأ مر بترك زوج ته‬
‫وطفله ھناك وحيدين والرجوع‪ .‬إلى بالد الشام‪ ،‬وقد امتثل عليه السالم أمر ﷲ بتسليم كامل‪ ،‬وقد أشار تعالى إلى ھذا األمر‬
‫صـال َة َ‬
‫وا ٍد َ‬
‫س َ‬
‫ِن‬
‫ر ذِي َز ْرعٍ ِ‬
‫م َ‬
‫ع ْن َد بَ ْيتِ َ‬
‫َل أَ ْفئ ِ َد ًة م َ‬
‫ف ْ‬
‫ِن ُذ ِرّيﱠتِي بِ َ‬
‫بقو له‪َ ﴿ :‬ربﱠ َنا إِنِّي أَ ْ‬
‫اجع ْ‬
‫مـوا ال ﱠ‬
‫تم ْ‬
‫ح ﱠر ِ‬
‫ك ا ْل ُ‬
‫ك ْن ُ‬
‫م َربﱠن َا ل ُِيقِي ُ‬
‫غ ْي ِ‬
‫م َراتِ لَ َ‬
‫ال ﱠن‬
‫ك ُرونَ ‪.﴾2‬‬
‫ش ُ‬
‫ِن ال ﱠث َ‬
‫مم َ‬
‫م َي ْ‬
‫علﱠ ُھ ْ‬
‫م َوا ْر ُز ْق ُھ ْ‬
‫ھ ْ‬
‫اس ت َْھ ِ‬
‫وي إِلَ ْي ِ‬
‫ِ‬

‫وأشد ما تعرّ ض له إبراھيم عليه السالم‪ ،‬و ھو يدل ع لى ت سليمه المط لق أ مام األوا مر اإللھ ية‪ ،‬األ مر اإلل ھي بذبح إب نه إذ‬
‫قال‪:‬‬

‫﴿ َ‬
‫ذا تَـ َرى َ‬
‫ك َ‬
‫ْي َ‬
‫ما بَلَ َ‬
‫ما َ‬
‫َـل م َ ا‬
‫فا ْن ُ‬
‫َه‬
‫غ َ‬
‫قـا َ‬
‫ظ ْر َ‬
‫ح َ‬
‫ي إِنِ ّي أَ َرى فِي ا ْل َ‬
‫قا َ‬
‫مع ُ‬
‫ل يَـا أَبَـتِ ا ْفع ْ‬
‫فلَ ﱠ‬
‫ﱠ‬
‫م َنا ِ‬
‫م أَنِ ّي أَ ْذبَ ُ‬
‫السع َ‬
‫ل يَا ُب َن ﱠ‬

‫ين‪.﴾3‬‬
‫س َتجِ ُدنِي إِنْ َ‬
‫تُ ْؤ َ‬
‫شا َء ﷲ م َ‬
‫م ُر َ‬
‫ر َ‬
‫ِن ال ﱠ‬
‫صابِ ِ‬

‫وھنا يتحدث القرآن عن تسليمه وتسليم إبنه المطلق أمام األمر اإللھي‪ ،‬وما إن حانت اللحظة ﴿ َ‬
‫ين‪﴾4‬‬
‫سلَ َ‬
‫ه لِ ْل َ‬
‫ما َوتَل ﱠ ُ‬
‫ما أَ ْ‬
‫فلَ ﱠ‬
‫جبِ ِ‬

‫‪ ،‬جاء النداء‪:‬‬

‫ِيم‬
‫ونَا َ‬
‫﴿ َ‬
‫د ْي َنا ُه أَنْ يَا إِ ْب َراھ ُ‬

‫‪312‬‬
‫َ‬
‫ت ال ﱡرؤْيا إِن ﱠا َ‬
‫ين‪ ،﴾5‬وھ كذا اج تاز إ براھيم عل يه ال سالم اإلمت حان اإلل ھي‪ ،‬ف لم ي كن ال مراد‬
‫ح ِ‬
‫ص ﱠ‬
‫د ْق َ‬
‫سنِ َ‬
‫قدْ َ‬
‫ك َذلِ َ‬
‫م ْ‬
‫كن ْ‬
‫زي ا ْل ُ‬
‫َج ِ‬
‫ذبح ابنه بقدر ما كان المراد معرفة درجة التسليم التي وصل إليھا إبراھيم عليه السالم‪.‬‬

‫النبوة‬
‫اإلمامة مقا ٌم بعد‬
‫ّ‬
‫ل ھذه اإلبتالءات التي تعرّ ض لھا النبي إبراھيم عليه السالم‪ ،‬خا طب ﷲ نب يه ﴿ َ‬
‫اس إِ َما ماً﴾‪،‬‬
‫بعد ك ّ‬
‫جا ِ‬
‫علُـ َ‬
‫قـا َ‬
‫ل إِن ّ ِي َ‬
‫ك لِلن ﱠ‬
‫ِ‬
‫ً‬
‫ك أنه كان بعد أن كان إبراھيم عليه السالم نب ّيا وبعد أن وصل إلى سنّ متقدمة وذلك ألمرين‪:‬‬
‫فمتى كان ذلك؟ ال ش ّ‬

‫أحدھما‪ :‬إن اآلية ذكرت أن إبراھيم عليه السالم نال اإلمامة بعد أن اج تاز جم يع اإلب تالءات الرباني ّة‪ ،‬و ھذه االب تالءات لم‬
‫تح ّل به إال بعد أن كان نب ّيا ً‪.‬‬
‫ثانيھما‪ :‬إنّ إبراھيم عليه السالم بعد أن أعطاه ﷲ اإلمامة طلبھا عل يه ال سالم لذرّي ته‪ ،‬و ھذا ي عني أن اإلما مة جاء ته عند ما‬
‫كان له ولد‪ ،‬وھو عليه السالم لم يكن له ولد إال بعد النبوّ ة وبعد أن تقدّم به العمر‪.‬‬
‫فإذا كانت اإلمامة إلبراھيم عليه السالم بعد النبوّ ة‪ -‬واآلية تتحدث عن أنھا منصب ومقام سوف يھبه ﷲ لنبيّه‪ ،‬لم يصل إل يه‬
‫إبراھيم عليه السالم إال بعد أن إجتاز اإلبتالءات كلّھا‪ -‬فما ھو ھذا المنصب الرا قي ا لذي ھو أع لى شأنا ً من الن بوّ ة وا لذي‬
‫أعطي إلبراھيم عليه السالم ؟ إنه اإلمامة‪.‬‬
‫اإلمامة عھد ﷲ‬
‫اإلمامة ھي عھد ﷲ على ما ذكرته اآلية‪ ،‬ألنّ إبراھيم عليه السالم أحبّ أن تكون اإلمامة لذريته‪ ،‬ولكن الجواب كان‬
‫ين﴾‪ ،‬فإذاً اإلمامة‬
‫دي الظﱠالِ ِ‬
‫ال عَ ْھ ِ‬
‫م َ‬
‫ال َي َن ُ‬

‫﴿ َ‬
‫ل‬
‫قا َ‬

‫‪313‬‬

‫ھي من عھود ﷲ‪ .‬ولذا ترى مدرسة أھل البيت عليھم السالم أنّ اإلمامة ترتبط با وال شأن للناس بھا‪ .‬وھذا العھد ال يناله‬
‫بنحو يصبح ھو اإلنسان الكامل‪ .‬ومن ھنا ن جد اآل ية تخ بر‬
‫شخصٌ إال بعد أن يمرّ بمراحل من الطاعة والتسليم واالنقياد‬
‫ٍ‬
‫عن عدم وصول الظالم إلى مقام اإلمامة‪ .‬ولكن يقع الكالم في تحديد الظالم‪.‬‬
‫إنّ الظالم قد يكون ظالما ً لنفسه وقد يكون ظالما ً لآلخرين‪ ،‬وكال الق سمين ال ي نال ع ھد ﷲ‪ .‬وظ لم ال غير أ م ٌر وا ض ٌح إذ ھو‬
‫التعدّي على اآلخرين‪ .‬وأمّا ظلم النفس فھو عبارة عن المع صية‪ .‬ف قد ورد التع بير القرآ ني عن العا صي بأن ّ ه ظالم لنف سه‪،‬‬
‫شخص كان ظالما ً لنفسه فال ينال عھد ﷲ‪.‬‬
‫وأيّ‬
‫ٍ‬
‫من ھو الظالم؟‬
‫‪ -1‬شخصٌ يكون ظالما ً لنفسه دائما ً من أوّ ل عمره إلى آخره‪.‬‬
‫‪ -2‬شخصٌ يكون صالحا ً غير ظالم لنفسه أوّ ل عمره‪ ،‬ولك ّنه يظلمھا آخر عمره‪.‬‬
‫‪ -3‬شخصٌ يكون ظالما ً لنفسه في أوّ ل عمره ولك ّنه عاد بالتوبة ورفع الظلم عنھا‪.‬‬
‫ويمكن تصوّ ر شخص رابع وھو من لم يظلم نفسه أبداً وفي أي وقت من األوقات‪.‬‬

‫ومن المستحيل أن ي كون ط لب إ براھيم عل يه ال سالم اإلما مة‪ -‬مع ما ل ھا من ال شأن الرف يع‪ -‬ل من كان من الق سمين األول‬
‫والثاني‪.‬‬
‫أمّا الثالث فھو كمن كان مشركا ً ثم آمن‪ ،‬وقد جاء الجواب بالنفي إذ ﴿ َ‬
‫عَھـدِي الظﱠـالِمِين﴾‪ ،‬أي أن ك ّل إن سان‬
‫ال ْ‬
‫قـا َ‬
‫ل ال يَن َ ُ‬
‫كان في سابق حياته ظالما ً فال ينال‬
‫‪314‬‬

‫اإلمامة‪ ،‬ولذا تد ّل اآلية على أن اإلمامة ال تكون من نصيب من كان مشركا ً في بعض حياته‪.‬‬
‫وعليه فكل من صدق عليه الظلم لنفسه ولو لفترة قصيرة ال ينال اإلمامة‪ .‬فكل ھذه األق سام ال ت ستحق اإلما مة‪ .‬وبال تالي ال‬
‫يبقى إال من لم يظلم نفسه أبداً‪ ،‬وھو الت صوّ ر الرا بع‪ .‬و ھذا مم ّا ال شك أنّ إ براھيم عل يه ال سالم ط لب اإلما م َة له‪ ،‬أل نه ال‬
‫ينطبق عليه عنوان الظالم أبداً‪.‬‬
‫ب‪ -‬اإلمامة الخاصة في القرآن‪:‬‬
‫ت قرآنية‪ .‬وتوجد روايات لدى مدرسة الخلفاء تؤيد التفسير ا لذي‬
‫تستدل مدرسة أھل البيت عليھم السالم إلثبات اإلمامة بآيا ٍ‬
‫تذھب إليه مدرسة أھل البيت عليھم السالم‪ ،‬ونذكر منھا‪:‬‬
‫‪ -1‬آية اإلنفاق‪:‬‬
‫قوله تعالى‪:‬‬

‫صال َة َو ُي ْؤ ُتونَ‬
‫ُه َوالﱠذ َ‬
‫م ُنوا الﱠذ َ‬
‫ِين آ َ‬
‫سول ُ‬
‫﴿إِنﱠ َ‬
‫مونَ ال ﱠ‬
‫ما َولِيﱡك ُ‬
‫ِين ُيقِي ُ‬
‫ُم ﷲ َو َر ُ‬

‫ال ﱠزكَا َة َوھُ ْم َراكِ ُعونَ ‪.﴾6‬‬

‫إنّ طريق إثبات ذلك ھو قوله ﴿ ُي ْؤ ُتونَ ال ﱠزكَا َة َوھُ ْم َراكِ ُعونَ ﴾ فھذا القول ليس تشريعا ً وليس إنشاء‪ ،‬فال تر يد اآل ية أن ت قول‬
‫إنه يستحب إع طاء الز كاة حال الر كوع‪ ،‬وإ نه شامل لجم يع الم سلمين‪ ،‬بل اآل ية تر يد أن تت حدث عن واق ع ٍة ح صلت في‬
‫ّ‬
‫وملخ صھا أنّ سائالً د خل‬
‫أمر قد ح صل‪ .‬و ھذه الحاد ثة ات فق ع لى نقل ھا كال المدر ستين‪،‬‬
‫الخارج‪ ،‬فھي تريد إخبارنا عن ٍ‬
‫المسجد واإلمام علي عليه السالم يصلي‪ ،‬فأومأ اإلمام إليه ليأتي ويأخذ منه خاتما ً كان في إصبعه‪ ،‬ولم ينت ظر اإل مام انت ھاء‬
‫صالته ليتصدّق على ذلك السائل‪ ،‬فنزلت اآلية الكريمة‪.‬‬
‫‪315‬‬

‫وتتفق المدرستان على أن اآلية إنما نزلت في ھذه الحادثة‪ .‬وأما تع بير اآل ية ب صيغة الج مع بقول ھا )يؤ تون( مع أن ال مراد‬
‫شخصٌ واح ٌد فليس غريباً‪ ،‬ألن استعمال الجمع مكان المفرد للتعظيم ھو أم ٌر متعارف في اللغة العربية‪.‬‬
‫واآلية الكريمة إبتدأت أوال بكلمة )إنما(‪ ،‬وھي في اللغة العربية أداة حصر تدل ع لى التخ صيص‪ ،‬ك ما ورد في اآل ية قو له‬
‫ّ‬
‫)وليّكم(‪ ،‬والولي ھو بمعنى من له ّ‬
‫وحق القيمومة واألمر والنھي‪.‬‬
‫حق التصرّ ف‬
‫فاآلية تريد أن تفيدنا بأن من له ّ‬
‫حق الوالية واألمر والن ھي منح صر با ور سوله وا لذين يقي مون ال صالة ويؤ تون الز كاة‬
‫وھم راكعون‪ ،‬وھو علي عليه السالم‪.‬‬
‫كما أنّ اآلية تتحدث عن حالة استثنائية ال عن حالة عامة‪ ،‬ألنّ إعطاء الزكاة أثناء الركوع ال يعبر عن ممارسة عام ّة‪ ،‬وال‬
‫عن قا عدة عا مة‪ ،‬ولكن نا مع ذ لك ن جد أنّ ال قرآن ال كريم لم ي صرّ ح بالواق عة وال بإ سم صاحبھا‪ ،‬مع ات فاق كل مة ال فرق‬
‫اإلسالمية على أنّ اآلية وردت في علي بن أبي طالب عليه السالم‪.‬‬
‫علي عليه السالم في صالته؟‬
‫كيف يلتفت ّ‬

‫وقد يش ّكك البعض في كون اآلية وردت بحق عليّ عليه السالم‪ ،‬ألنّ ما ينقل عن عليّ عليه السالم ھو أنه كان يستغرق في‬
‫صالته حتى يذھل عن نفسه‪ ،‬فال يعرف ما يدور حوله‪ ،‬فك يف الت فت إ لى الف قير و عرف به وت صدّق عل يه و ھو في حال‬
‫الصالة؟‬
‫ولكنّ ھذا التشكيك غير صحيح‪ ،‬ألن خشوع اإلمام علي عليه السالم في صالته‪ ،‬وإن كان كما ذكر واشتھر‪ ،‬ولكن ال يعني‬
‫أن جميع حاالت األولياء كبعضھا البعض‪.‬وھذا ما ينقل عن النبي األكرم صلى ﷲ عليه وآله وسلم وأنه في بعض ال حاالت‬
‫كانت تعتريه الجذبة في الصالة‪ ،‬وأحيانا ً كان الح سن والح سين عليھ ما ال سالم يعلوا نه في صبر عليھ ما ويط يل في ال سجود‬
‫حتى ينھضا عنه‪.‬‬
‫‪316‬‬

‫وقد يقال في مسألة التفات أمير المؤمنين عليه السالم إلى الفقير حال الصالة‪ ،‬إنه لم يلتفت عن ﷲ إ لى غيره‪ ،‬وإن ما الت فت‬
‫من ﷲ إلى ﷲ‪ ،‬فإن توجھه إلى ﷲ بلغ من الكمال درجة أضحى يرى فيھا العالم بأسره‪.7‬‬
‫‪ -2‬آية الغدير‪:8‬‬
‫ُم َ‬
‫ك َ‬
‫ِين َ‬
‫ُم‬
‫ش ْو ِ‬
‫ُـم َوأَ ْت َ‬
‫م أَ ْك َ‬
‫و َ‬
‫فال تَخْ َ‬
‫م يَئ َ‬
‫و َ‬
‫اخ َ‬
‫ِس الﱠذ َ‬
‫ھُم َو ْ‬
‫ش ْو ْ‬
‫ِن دِينِك ْ‬
‫ت عَ لَ ْيك ْ‬
‫ُم دِي َنك ْ‬
‫ت لَك ْ‬
‫ن ا ْليَ ْ‬
‫ف ُروا م ْ‬
‫قال ت عالى‪﴿ :‬ا ْليَ ْ‬
‫م ْل ُ‬
‫مم ْ ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ال‬
‫س‬
‫األ‬
‫ُم‬
‫ك‬
‫ل‬
‫ِيت‬
‫م دِيناً‪.﴾9‬‬
‫َ‬
‫نِ ْع َ‬
‫ُ ِ ْ‬
‫متِي َو َرض ُ‬

‫ت تتحدث في ما قبلھا وفي ما بعدھا عن أح كام فرع ية‪ ،‬إذ تت حدث اآل يات ا لتي قبل ھا عن‬
‫إنّ ھذه اآلية وردت في سياق آيا ٍ‬
‫اللحوم المحلّلة ثم تأتي اآلية الكريمة‪ .‬وھذه اآلية ال ترتبط بما قبلھا وما بعدھا‪ ،‬ولذا فإننا لو رفعناھا النسجم ما قبلھا مع ما‬
‫بعدھا تماما ً‪.‬‬
‫‪ -3‬آية التطھير‪:‬‬
‫قال‬

‫س أَ ْ‬
‫ْھيراً‪.﴾10‬‬
‫ل ا ْلبَ ْي ِ‬
‫ھ َ‬
‫يد ﷲ ل ُِي ْذھ َ‬
‫ج َ‬
‫تعالى‪﴿ :‬إِنﱠ َ‬
‫ھ َرك ْ‬
‫رّ ْ‬
‫ر ُ‬
‫ت َو ُيطَ ِّ‬
‫ِب عَ ْنك ُ‬
‫ما ُي ِ‬
‫ُم ال ِ‬
‫ُم تَط ِ‬

‫إنّ المراد من التطھير الذي ذكرته اآلية الكريمة‪ ،‬ھو التطھير مما يعتبره القرآن الكريم رجساً‪ ،‬وھو ي شمل في ال قرآن ك ّل‬
‫ما كان قد ُن ھي ع نه‪ ،‬سواء أ كان من ا لذنوب االعتقاد ية أم األخالق ية أم العمل ية‪ ،‬و لذا ي قول عل ماء مدر سة األئ مة علي ھم‬
‫السالم إنّ اآلية تدل على عصمة أھل البيت عليھم السالم‪.‬‬
‫‪317‬‬

‫إن نزول اآلية في وصف أھل ب يت الن بوّ ة علي ھم ال سالم‪ ،‬و في سياق اجت ماع حدث ب ين ال نبي صلى ﷲ عل يه وآ له و سلم‬
‫وعلي والزھراء وفاطمة والحسنين عليھم السالم‪ ،‬ھو من األمور المتفق عليھا بين المدرستين في أ ھم كتب ھم المع تبرة‪ .‬وال‬
‫تقتصر مصادر األحاديث التي تدل على ذلك على كتاب أو كتابين بل ھي كثيرة حتى في روايات مدرسة الخلفاء‪.‬‬
‫ت أخرى تتحدث قبلھا وبعدھا عن نساء ال نبي صلى ﷲ عل يه وآ له و سلم‪ ،‬ول غة‬
‫ولكننا نجد أن اآلية وردت ضمن سياق آيا ٍ‬
‫اآلية التحذير لنساء ال نبي صلى ﷲ عل يه وآ له و سلم بأنّ ا لذنب ال صادر من إ حداھنّ ي كون عذا به م ضاعفا‪ ً،‬و ضمن ھذا‬
‫ال سياق تأتي اآل ية المتقد مة ا لواردة في شأن أ ھل الب يت علي ھم ال سالم‪ .‬وا لذي يح صل في ھذا ال سياق أنّ ھذه اآل ية‬
‫بخصوصھا تفترق عن اآليات التي قبلھا والتي بعدھا في أمرين‪:‬‬
‫ي﴾‬
‫األول‪ :‬أن الضمير يتبدل في اآلية من التأنيث إلى التذكير‪ ،‬وليس ذلك أمراً جزافياً‪ ،‬فقد تبدل الخطاب من ﴿يَا ن َ‬
‫ِساء ال ﱠنبِ ّ ِ‬

‫موضوع جدي ٍد‪.‬‬
‫س﴾‪ .‬فإذاً قد تب ّدل الموضوع‪ ،‬والقرآن يريد أن يتحدث عن‬
‫ج َ‬
‫إلى ﴿ل ُِي ْذھ َ‬
‫رّ ْ‬
‫ِب عَ ْنك ُ‬
‫ُم ال ِ‬
‫ٍ‬
‫الثاني‪ :‬إن اآليات السابقة على ھذه اآلية والالحقة لھا والموجھة لنساء النبي صلى ﷲ عليه وآله وسلم‪ ،‬كانت تحمل صيغة‬
‫و َ‬
‫ُن َو ْ‬
‫ن﴾‪ ،‬وأم ّا م فاد آ ية التط ھير ف ھو قد ت جاوز ذ لك‪ ،‬بل ت جاوز ال مدح‬
‫التھديد واألمر والتكليف ﴿ َ‬
‫ج ﱠ‬
‫ال تَبَ ﱠر ْ‬
‫ِي ُب ُي ْوتِك ﱠ‬
‫ق ْرنَ ف ْ‬
‫ليتحدث عن التنزيه عن الذنوب والمعاصي والتطھير من الموبقات‪.‬‬
‫إنّ ھذا كلّه يشھد على أنّ المخاطب بھذه اآلية ھم أ ھل الب يت علي ھم ال سالم‪ ،‬في ما كان المخا طب ب ما سبق ھذه اآل ية و ما‬
‫لحقھا نساء النبي صلى ﷲ عليه وآله وسلم‪ ،‬فكانت اآلية كالجملة المعترضة التي ترد في سياق الحديث عن‬
‫موضوع آخر‪.‬‬
‫ٍ‬
‫‪318‬‬

‫‪ -4‬آية البالغ‪:‬‬
‫َل َ‬
‫ول بَل ّ ْ‬
‫ه َوﷲ يَ ْ‬
‫قوله تعالى‪﴿ :‬يَا أَيﱡ َ‬
‫ما بَلﱠغ َ‬
‫ْت ِر َ‬
‫ف َ‬
‫ِن َربِ ّ َ‬
‫ل إِلَ ْي َ‬
‫ز َ‬
‫ِغ َ‬
‫كم َ‬
‫م َ‬
‫ك َ‬
‫سـالَ َت ُ‬
‫م تَ ْفع ْ‬
‫وإِنْ لَ ْ‬
‫كم ْ‬
‫عصِـ ُ‬
‫ھا ال ﱠر ُ‬
‫س ُ‬
‫ما ُأ ْن ِ‬
‫ِن ال ﱠنـاسِ‬
‫‪11‬‬
‫إِنﱠ ﷲ ال َي ْھدِي ا ْل َ‬
‫ين ﴾‪.‬‬
‫ر َ‬
‫ق ْو َ‬
‫م ا ْلكَافِ ِ‬

‫ال شك في أن اآلية تتصف بلھجة شديدة‪ ،‬ال سيما بمالحظة أنّ ھذه اآليات من سورة الما ئدة ھي آ خر ما نزل ع لى الن بي‬
‫صلى ﷲ عليه وآله وسلم‪.‬‬
‫سياق مختلف‪ ،‬فلو رفعناھا من وسط اآل يات األ خرى‬
‫إنّ ھذه اآلية أيضا ً ھي كاآليات السابقة‪ ،‬حيث نجد أ ّنھا وردت ضمن‬
‫ٍ‬
‫ت ً‬
‫موضوع آخر‪.‬‬
‫تتمة لما قبلھا وال مقدمة لما بعدھا‪ ،‬بل تتحدث عن‬
‫لم ينقطع السياق ولم يختل‪ .‬فھذه اآلية لم تأ ِ‬
‫ٍ‬
‫ما ھو ھذا األمر الذي لو لم يبلّغه النبي صلى ﷲ عليه وآله وسلم فكأنه ما بلّغ رسالته؟‬
‫ليس لدى مدرسة الخلفاء جواب! وأمّا مدرسة أھل البيت عليھم السالم فجوابھا ھو مسألة اإلمامة‪ ،‬ال سيما بمالح ظة و جود‬
‫ت كثير ٍة لدى مدرسة الخلفاء على أنّ اآلية نزلت في غدير خم‪.‬‬
‫روايا ٍ‬
‫ت َ‬
‫األسْ ال َم دِينـا‪ ،﴾12‬فإنّ ھذه اآل ية‬
‫متِـي َو َرض‬
‫ُم نِ ْ‬
‫ُم ْ ِ‬
‫ُم َوأَ ْت َ‬
‫م أَ ْك َ‬
‫و َ‬
‫ع َ‬
‫علَ ْيك ْ‬
‫م ْ‬
‫ُم دِي َنك ْ‬
‫ت لَك ْ‬
‫وذلك قوله تعالى‪﴿ :‬ا ْليَ ْ‬
‫م ْل ُ‬
‫ِيت لَك ُ‬
‫ُ‬
‫م ُ‬
‫تشير أيضا ً إلى واقع ِة الغدير‪ ،‬وأھميّة ما حصل في ذلك اليوم بنحو كان به كمال الدين وإتمام النع مة‪ .‬وتع تبر مدر سة أ ھل‬
‫البيت عليھم السالم أنّ اإلمامة ھي التي كان بھا كمال الدين‪ ،‬فيما ال يجد الفريق اآلخر جوابا ً‪.‬‬

‫القرآن وعدم التصريح‬
‫ھذه ھي اآليات الواردة في حق أھل البيت عليھم السالم‪ .‬وقد الحظنا أ ّنھا جميعا ً‬
‫‪319‬‬
‫سياق مخت لفٍ‪،‬‬
‫تمتاز بخصوصيّة خاص ّة‪ .‬ف ھي مع أ ّن ھا ت شتمل ع لى دال ئل و قرائن تؤك ّ د المط لوب‪ ،‬إال أ ّن ھا وردت في‬
‫ٍ‬
‫وأدرجت ضمن سياق آيات تتحدث عن أفكار أخرى وقضايا مختلفة‪ ،‬م ما قد ي عرّض الف كرة المرتب طة بأ ھل الب يت علي ھم‬
‫السالم إلى اإلغفال‪ .‬ومن ھنا يطرح السؤال‪ :‬لماذا اعتمد القرآن ھذا األسلوب؟ فال ب ّد من وجود سرٍّ وراء ذلك‪.‬‬
‫وبعبارة مختصرة‪ ،‬إذا كانت مسألة اإلمامة مھمة جداً‪ ،‬وإمامة أمير ال مؤمنين عل يه ال سالم ع لى ھذه الدر جة من األھمي ّة‪،‬‬
‫ّ‬
‫فيحق لنا أن نسأل‪ :‬لماذا لم يذكر القرآن الكريم شأن أ ھل الب يت علي ھم ال سالم في آ يات م ستقلّ ٍة صريح ٍة ووا ضحةٍ‪ ،‬وإن ما‬
‫ت أخرى تتحدث عن مواضيع مختلفة؟‬
‫ضمّنھا آيا ٍ‬

‫لماذا اعتمد القرآن ھذا األسلوب؟‬
‫والجواب يتم بمالحظة أمرين‪:‬‬
‫أحدھما‪ :‬األسلوب القرآني في بيان الموضوعات‪:‬‬
‫وھذا األسلوب يعتمد على بيان األصل والقاعدة العامة‪ ،‬ال على بيان الحالة الفردية والشخصية الخاصة‪ ،‬وھذا من مميزات‬
‫ُم‪ .﴾13‬وقد قلنا إنّ الكفار في‬
‫م أَ ْك َ‬
‫و َ‬
‫ُم دِي َنك ْ‬
‫ت لَك ْ‬
‫النصّ القرآني‪ .‬وقد بيّن القرآن ھذا األمر عبر اآلية الكريمة المتقدمة ﴿ا ْل َي ْ‬
‫م ْل ُ‬
‫ن﴾‪،‬‬
‫اخش َ ْو ِ‬
‫ذلك اليوم أصيبوا باليأس من القضاء على ھذا الدين‪ ،‬وإنّ الخوف اليوم ھو من الم سلمين أنف سھم‪ ،‬و لذا قال ﴿ َ‬
‫و ْ‬
‫فالقلق على األمة أصبح من داخلھا‪.‬‬
‫‪320‬‬
‫ثانيھما‪ :‬صون القرآن من التحريف‪:‬‬
‫إنّ مسألة اإلمامة ال تق ّل أھميّة عن أيّ مسألة أخرى جاء بھا اإلسالم‪ .‬ولكن المشكلة كانت في العصبية و عدم و جود قابل ية‬
‫لدى ال عرب لتح مل ھذه الم سألة‪.‬و لذا ن جد ال نبي صلى ﷲ عل يه وآ له و سلم يخ شى ردّة ف عل الم نافقين ا لذين سيرف ضون‬
‫تنصيب اإلمام علي عليه السالم وسيتھمون النبي بأنه اختص أھل بيته بأمر ومي ّزھم عن غيرھم‪ ،‬و لذا ن جد ﷲ عز و جل‬
‫واخشون}‪ ،‬أي الخوف ينب غي أن ي كون من‬
‫بعد أن يخبر المسلمين عن يأس الكفار من المسلمين‪ ،‬يخاطب المسلمين بقوله {‬
‫ِ‬
‫ً‬
‫ﷲ ألن األمة إذا بدّلت ما كانت عليه‪ ،‬أزال ﷲ عنھا النعمة التي كانت لديھا‪ .‬فإذا المشكلة في ن فس الم سلمين وال خوف من‬
‫أنفسھم‪.‬‬
‫اس}‪ .‬و ھذا يد ّل ع لى أن‬
‫وكذلك يخاطب ﷲ نبيّه في اآلية التي يط لب م نه في ھا إ بالغ ال ناس بقو له‪َ { :‬وﷲُ َيعْ ِ‬
‫صم َ‬
‫ُك م َِن الن َّ ِ‬
‫النبي صلى ﷲ عليه وآله وسلم كان يخشى ر فض ال ناس ما ير يد إبالغ ھم إ ياه‪ ،‬و لذا ن جد الل غة ال شديدة في ت شجيع الن بي‬
‫صلى ﷲ عليه وآله وسلم على اإلقدام على إبالغ ھذا األمر للناس بنحو يشكل عدم إ بالغ ھذا األ مر لل ناس نو عا ً من عدم‬
‫إبالغ الرسالة بتمامھا‪.‬‬
‫إذاً‪ ،‬الخوف من عدم تقبّل الناس ھذا األمر ھو الذي أدّى إلى اعتماد ال قرآن ھذا األ سلوب في ب يان شأن إما مة أ ھل الب يت‬
‫عليھم السالم‪ ،‬والتاريخ يشھد أيضا ً لھذا األمر‪ ،‬إذ نجد أنّ التبرير ا لذي يق ّد مه الراف ضون لخال فة اإل مام ع لي عل يه ال سالم‬
‫ھو أن ذلك كان حيطة ع لى اإل سالم‪ ،‬ألن ال قوم ال ين قادون إل يه وال يقبلو نه‪ ،‬ألن اإل مام َوت َ َرھم ف ھو من أ ل ّد أ عدائھم و لن‬
‫يقدموا على طاعته‪.‬‬
‫إذاً‪ ،‬لقد كان ھناك نو ٌع من الق لق من الق يام بت مرّ ٍد ع لى م سألة إما مة أ ھل الب يت علي ھم ال سالم‪ ،‬و لذا كان أن جاء ال قرآن‬
‫باآليات التي تتحدّث عن أھل البيت عليھم السالم‬
‫‪321‬‬
‫ً‬
‫واضحة لمن ليس لديه أغراض خاصة‪ ،‬وكان طالبا ً للحقيقة‪ .‬إن القرآن الكريم لم‬
‫ضمن سياقات أخرى‪ ،‬وتكون ھذه اآليات‬
‫يرد أن يعبّر عن ذلك بصراحة لئال يتمرّ د أولئك على القرآن مباشرة‪.‬‬
‫عِلما ً أنّ النبيّ صلى ﷲ عليه وآله وسلم قد نصّ ع لى اإل مام أ مير ال مؤمنين عل يه ال سالم في حديث ال غدير المتوا تر ع ند‬
‫الفريقين‪ ،‬وغيره من األحاديث‪ ،‬ومع ذلك لم ينفع‪ ،‬وبادر أتباع المدرسة األخرى للقيام بعمل ية تأو يل ل كالم ال نبيّ صلى ﷲ‬
‫عليه وآله وسلم الصريح ھذا‪ ،‬ويستنتج من ذلك أ ّنه لو كانت ھناك آية قد تحدثت عن الموضوع بصراح ٍة لبادروا أيضا ً إلى‬
‫توجيھھا وتأويلھا‪.‬‬

‫‪322‬‬

‫ﺧﻼﺻﺔ اﻟﺪرس‬
‫إنّ شأن اإلمامة أعلى من شأن النبوّ ة‪ ،‬ولذا لم يكن جميع األنبياء عليھم ال سالم أئ مة بل كان أو لو ال عزم علي ھم ال سالم من‬
‫الرسل ھم األئمة‪.‬‬
‫لقد وھب ﷲ اإلمامة لنبيه إبراھيم عليه السالم على ِك َبر من س ّنه وبعد أن اجتاز اإلبتالءات اإللھية بصبر وثبات‪.‬‬
‫اإلمامة في حقيقتھا ھي عھد إلھي ال يناله إال من وصل إلى الكمال اإلنساني‪.‬‬
‫ال يمكن أن ينال اإلمامة من كان ظالما ً لنفسه بالشرك والمعصية ولو في بعض عمره‪.‬‬
‫لقد اعت مد األ سلوب القرآ ني ذ كر م سألة اإلما مة وف ضائل أ ھل الب يت علي ھم ال سالم ضمن سياق آ يات تت حدث عن أ مور‬
‫أخرى‪ ،‬ومن تلك اآليات آية التطھير‪ ،‬وآية إكمال الدين وإتمام النعمة‪ ،‬وآية التبليغ‪.‬‬
‫وإنما اعتمد القرآن ھذا األسلوب مع ما لمسألة اإلمامة من أھميّة‪ ،‬ألن النبي صلى ﷲ عليه وآله وسلم كان يخشى من عدم‬
‫تقبّل بعض المسلمين وإرجاف المنافقين بھذا األمر‪ ،‬ويشھد لھذا الواقع التاريخي الذي كان سائداً في ز من ال نبي صلى ﷲ‬
‫عليه وآله وسلم‪.‬‬

‫أﺳﺌﻠﺔ اﻟﺪرس‬
‫‪ -1‬ما ھي اآليات الواردة في القرآن حول آل البيت عليھم السالم ؟‬
‫‪ -2‬ما ھي خصوصية األسلوب القرآني في تلك اآليات؟ ولماذا كان ذلك؟‬
‫‪ -3‬كيف تحدث القرآن عن اإلمامة العامة؟‬
‫‪ -4‬ما ھو اليوم الذي كان فيه كمال الدين وتمام النعمة؟‬
‫‪ -5‬لماذا لم ينصّ القرآن صراحة على اإلمام علي عليه السالم ؟‬

‫ﻫﻮاﻣﺶ‬
‫‪ -1‬البقرة‪.124 :‬‬
‫‪ -2‬إبراھيم‪.37 :‬‬
‫‪ -3‬الصافات‪.102 :‬‬
‫‪ -4‬الصافات‪.103 :‬‬
‫‪ -5‬الصافات‪.105 :‬‬
‫‪ -6‬المائدة‪.55:‬‬
‫‪ -7‬وبتعبير العرفاء أن بعض الناس يعيش في عالم الكثرة فال يصل إلى الوحدة‪ ،‬وبعض يعيش في الوحدة دون أن يلتفت إلى الكثرة‪ ،‬وبعض وصل إلى مقام الجمـع بيـن‬
‫الوحدة والكثرة‪ ،‬فھو في الوقت الذي يكون في الوحدة ھو في الكثرة‪ ،‬وفي الوقت الذي ھو في الكثرة ھو في الوحدة‪ .‬وھذا أعلى وأر قى المقامـات وال يصـل إليــه إال‬
‫األوحدي‪.‬‬
‫‪ -8‬نتعرّض للبحث حول ھذه اآلية بشكل مفصّل عند التعرّض لحديث الغدير‪ ،‬وذلك في مبحث اإلمامة في السنّة‪.‬‬
‫‪ -9‬المائدة‪.3 :‬‬
‫‪ -10‬األحزاب‪.33 :‬‬
‫‪ -11‬المائدة‪.67 :‬‬
‫‪ -12‬المائدة‪.3 :‬‬
‫‪ -13‬المائدة‪.3 :‬‬

‫اﻟﺪرس اﻟﻮاﺣﺪ واﻟﻌﺸﺮون‪ :‬اﻹﻣﺎﻣﺔ ﻓﻲ اﻟﺴﻨّﺔ‬
‫أھداف الدرس‬
‫‪ -1‬القدرة على إثبات اإلمامة استناداً للنصوص النبوية في حق اإلمام علي عليه السالم‪.‬‬
‫‪ -2‬فھم اآلراء المفسّرة آلية إكمال الدين وتفسيرھا لكلمة "اليوم" في اآلية‪.‬‬
‫‪ -3‬القدرة على الدفاع عن الرأي الصواب في المسألة‪.‬‬
‫‪ -4‬تعليل عدم تصدي اإلمام علي عليه السالم للخالفة بعد مقتل عثمان‪.‬‬
‫‪325‬‬
‫تمھيد‪:‬‬
‫ذكرنا في ما سبق أنّ اإلختالف بين المدرستين في مسألة الحكم والقيادة يرجع إ لى تبن ّي مدر سة أ ھل الب يت علي ھم ال سالم‬
‫نظرية النصّ ‪ ،‬فيما تتب ّنى المدرسة األخرى نظريّة اإلنتخاب‪ .‬وبعد أن ذكرنا حقي قة اإلما مة ع ند مدر سة أ ھل الب يت علي ھم‬
‫السالم‪ ،‬يظھر لنا أ ّنه ال معنى لإلنتخاب عند ھذه المدرسة وال للشورى‪ ،‬ألن النبيّ صلى ﷲ عل يه وآ له و سلم متى أو صى‬
‫بالخالفة من بعده إلى من ھو معصوم كالنبي صلى ﷲ عل يه وآ له و سلم ال ي صبح لإلنت خاب أي م عنى‪ .‬و قد صرّ ح الن بيّ‬
‫صلى ﷲ عليه وآله وسلم بثبوت منصب الحكم لعلي عليه السالم‪ ،‬وفي مناسبات متعددة‪ .‬ونحن نع قد ھذا الب حث لذكر أ ھم‬
‫المناسبات واألحاديث الواردة من قبل النبي صلى ﷲ عليه وآله وسلم ّ‬
‫بحق علي عليه السالم‪.‬‬
‫األول‪ :‬واقعة يوم اإلنذار‪:‬‬
‫ھذه الرواية نقلھا ابن ھشام في كتابه سيرة النبيّ صلى ﷲ عليه وآله وسلم‪ ،‬والذي نق له عن ا بن إ سحاق ا لذي عاش أوا ئل‬
‫القرن الھجري الثاني‪ ،‬وھو كتاب معتمد عند أتباع مدرسة الخلفاء‪) ،‬وھذه الواق عة ح صلت أوا ئل بع ثة ال نبيّ األ كرم ح يث‬
‫ك ْ‬
‫ين‪ ،﴾1‬و لم ي كن ال نبي ّ صلى ﷲ عل يه وآ له‬
‫وأَ ْن ِ‬
‫نزاللوحي على النبيّ صلى ﷲ عليه وآله وسلم بقو له‪َ ﴿ :‬‬
‫األ َ ْق َربِ َ‬
‫ذ ْر عَ شِي َرتَ َ‬
‫وسلم قد ابتدأ‬
‫‪327‬‬
‫بالدعوة العامة‪ ،‬فطلب من اإلمام علي عليه السالم والذي كان يعيش في كنفه أن يع ّد طعا ماً‪ ،‬ث ّم د عا ال نبيّ صلى ﷲ عل يه‬
‫وآله وسلم إليه بني ھاشم وبني عبد المطلب‪ ،‬وبعد أن اجتمعوا وأكلوا‪ ،‬أراد ال نبيّ صلى ﷲ عل يه وآ له و سلم ال حديث ف قال‬
‫أبو لھب‪ :‬لش ّد ما سحركم صاحبكم‪ ،‬فتفرقوا ولم يحدثھم النبيّ صلى ﷲ عليه وآله و سلم ب ما أراد‪ .‬وھ كذا أ عاد ال نبيّ صلى‬
‫ﷲ عليه وآله وسلم الدعوة في اليوم التالي والمدعوون أربعون رجالً‪ ،‬فقال لھم ال نبيّ صلى ﷲ عل يه وآ له و سلم‪ :‬إ ني وﷲ‬
‫ما أعلم شابا ً في العرب جاء قومه بأفضل مما قد جئتكم به‪ ،‬إني قد جئتكم بخير الدنيا واآلخرة‪ ،‬و قد أمر ني ﷲ‪ -‬ت عالى‪ -‬أن‬
‫أدعوكم إليه‪ ،‬فأيّكم يؤازرني على ھذا األ مر ع لى أن ي كون أ خي وو صيي وخلي فتي في كم؟ أح جم ال قوم جمي عا ً غير ع لي‪،‬‬
‫ً‬
‫فأعاد النبيّ صلى ﷲ عليه وآله وسلم قوله‪ ،‬فأحجموا‬
‫ثانية إال علي‪ ،‬فأخذ النبيّ صلى ﷲ عليه وآله وسلم بيد علي وقال‪ :‬إنّ‬
‫ھذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم‪.2‬‬
‫النبي صلى ﷲ عليه وآله وسلم مع القبائل‪:‬‬
‫الثاني‪ :‬كالم‬
‫ّ‬
‫وھذه الواقعة ينقلھا ابن ھشام في كتابه السيرة النبوية‪ ،‬ومفاد ھذه الواقعة ھو أن النبيّ صلى ﷲ عليه وآله وسلم كان ينت ھز‬
‫الفرصة فيعرض نفسه على القبائل في موسم الحج‪ ،‬وقد تكلّم النبيّ صلى ﷲ عليه وآله وسلم مع زعيم إحدى القبا ئل و كان‬
‫ي ّتسم بالفراسة‪ ،‬فقال‪ :‬وﷲ‪ ،‬لو أني أخذت ھذا الفتى من قريش ألكلت به العرب‪ ،‬ثم التفت الرجل إ لى ال نبيّ صلى ﷲ عل يه‬
‫وآله وسلم قائالً‪) :‬أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك‪ ،‬ثم أظھرك ﷲ على من خالفك‪ ،‬أيكون لنا األمر من بعدك(؟‬

‫فقال رسول ﷲ‪) :‬األمر إلى ﷲ يضعه حيث يشاء(‪.‬‬
‫ويد ّل ھذا الحديث على أنّ تعيين خليفة النبيّ صلى ﷲ عليه وآله وسلم ھو أم ٌر م ٌ‬
‫نوط با ول يس ب يد ال نبيّ صلى ﷲ عل يه‬
‫وآله وسلم‪ ،‬وأنّ اإلمامة ليست مجرّ د تدبير إداري بيد النبيّ صلى ﷲ عليه وآله وسلم‪.‬‬
‫‪328‬‬
‫الثالث‪ :‬حديث المنزلة‪:‬‬
‫لقد استد ّل الخواجة نصير الدين بھذا الحديث‪ ،‬واعتبره من المسلّمات‪ ،‬فيما اعتبره القوشجي ال يزيد عن كونه خبراً وا حداً‪،‬‬
‫ولكن تك ّفل كتاب عبقات األنوار وكتاب الغدير بإثبات ھذا الحديث‪.‬‬
‫ومفاد الحديث‪ :‬أن النبيّ صلى ﷲ عليه وآله وسلم عندما أراد أن يذھب في غزوة تبوك‪ ،‬وھي إلظھار القوة أمام الروم ولم‬
‫يقع فيھا أي قتال‪ ،‬ترك اإلما َم عليا ً عليه السالم في المدي نة خلي ً‬
‫فة له في غيب ته‪ .‬و قد ضاق صدر اإل مام بذلك ب عد أن بدأ‬
‫المنافقون الحديث بأن النبيّ صلى ﷲ عليه وآله و سلم إن ما تر كه ا ستثقاالً م نه‪ ،‬ول كن ال نبيّ صلى ﷲ عل يه وآ له و سلم ر ّد‬
‫على حديثھم بأن خاطب عليا ً عليه السالم بقوله‪) :‬أما ترضى أن تكون م ّني بمنزلة ھارون من موسى إال أنه ال نبيّ بعدي(‬
‫‪.3‬‬
‫والحديث يد ّل بوضوح على أن ك ّل ما كان لھارون عليه السالم بالنسبة لموسى عليه السالم ھو لعلي عليه السالم من الن بيّ‬
‫صلى ﷲ عليه وآله وسلم سوى النبوّ ة‪ ،‬وإذا أردنا أن نعرف منزلة ھارون عليه السالم من موسى عليه ال سالم و جدنا قو له‬
‫ِن أَ ْ‬
‫ھلِي‪ ،﴾4‬والوزير ھو من يعين في حمل الثقل عن اآلخرين‪ ،‬ولذا كان ھارون عليه ال سالم‬
‫َل لِي َ‬
‫تعالى‪َ ﴿ :‬‬
‫اجع ْ‬
‫و ِزيراً م ْ‬
‫و ْ‬
‫ھو خليفة موسى عليه السالم في قومه عند غيبته‪ .‬فالنبيّ صلى ﷲ عليه وآله وسلم أراد كل شيء له أن يجع له لع لي عل يه‬
‫السالم باستثناء النبوّ ة‪ -‬إال أ ّنه ال نبيّ بعدي‪.‬‬
‫‪329‬‬
‫الرابع‪ :‬حديث الغدير‪:‬‬
‫ٌ‬
‫واقعة شھيرةٌ‪ ،‬وفيھا ورد قول النبيّ صلى ﷲ عليه وآله وسلم‪ ) :‬من ك نت مواله ف ھذا ع لي مواله(‪ .‬ف قد ذ كر‬
‫واقعة الغدير‬
‫‪5‬‬
‫ّ‬
‫الخواجة نصير الدين الطوسي أنّ من أدلة مدرسة أھل البيت عليھم السالم على اإلمامة ھو حديث الغدير المتواتر ‪.‬‬
‫ممكن مع الرسول صلى ﷲ عليه وآله و سلم‪ ،‬نزل‬
‫مفاد الحديث‪ :‬بعد حجة الوداع‪ ،‬وعند غدير خم‪ ،‬حيث احتشد أكبر جمع‬
‫ٍ‬
‫َـل َ‬
‫ول بَل ّ ْ‬
‫ه َوﷲ‬
‫الوحي على النبيّ بقوله ت عالى‪﴿ :‬يَا أَيﱡ َ‬
‫مـا بَلﱠغ َ‬
‫ْـت ِر َ‬
‫ف َ‬
‫ِـن َربِ ّـ َ‬
‫ل إِلَ ْي َ‬
‫ز َ‬
‫ِغ َ‬
‫ك َ‬
‫سـالَ َت ُ‬
‫ـم تَ ْفع ْ‬
‫وإِنْ لَ ْ‬
‫كم ْ‬
‫ھا ال ﱠر ُ‬
‫س ُ‬
‫ما ُأ ْن ِ‬
‫ِن ال ﱠناسِ إِنﱠ ﷲ ال يَ ْھدِي ا ْل َ‬
‫يَ ْ‬
‫ين‪ ،﴾6‬فج مع صلى ﷲ عل يه وآ له و سلم الم سلمين و قام في ھم خطي با ً‪:‬‬
‫ع ِ‬
‫م ا ْلك َافِرِ َ‬
‫كم َ‬
‫ق ْو َ‬
‫م َ‬
‫ص ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫كنت مواله فھذا علي مواله(‪.‬‬
‫ألست أولى بكم من أنفسكم(؟ قالوا‪ :‬بلى‪ .‬قال‪):‬من‬
‫)‬
‫إنّ الوالية التي أراد النبيّ صلى ﷲ عليه وآله وسلم نقلھا لعلي عليه السالم ھي الوالية الواردة في اآل ية الكري مة‪:‬‬
‫ِن أَ ْن ُفس ِِھ ْم‪.﴾7‬‬
‫م ْؤ ِ‬
‫من َ‬
‫ِين م ْ‬
‫أَ ْولَى بِا ْل ُ‬

‫ي‬
‫﴿ال ﱠنب ِ ﱡ‬

‫آية اإلكمال وحديث الغدير‬
‫ُم َ‬
‫ك َ‬
‫ِين َ‬
‫ُـم‬
‫ش ْو ِ‬
‫ُم َوأَ ْت َ‬
‫م أَ ْك َ‬
‫و َ‬
‫فال تَخْ َ‬
‫م يَئ َ‬
‫و َ‬
‫اخ َ‬
‫ِس الﱠذ َ‬
‫م َو ْ‬
‫ش ْوھُ ْ‬
‫ِن دِينِك ْ‬
‫ـت عَ لَ ْيك ْ‬
‫م ْ‬
‫ُم دِي َنك ْ‬
‫ت لَك ْ‬
‫ن ا ْليَ ْ‬
‫ف ُروا م ْ‬
‫قال تعالى‪﴿ :‬ا ْليَ ْ‬
‫م ْل ُ‬
‫م ُ‬
‫ً‪8‬‬
‫سال َم دِينا ﴾‪.‬‬
‫ُم ْ ِ‬
‫نِ ْع َ‬
‫األ ْ‬
‫ِيت لَك ُ‬
‫متِي َو َرض ُ‬

‫قسم منھما يبدأ بكلمة ) ْال َي ْو َم(‪ ،‬لذا‬
‫إ ّننا نالحظ أنّ اآلية تتضمّن قسمين‪ ،‬وك ّل ٍ‬
‫‪331‬‬
‫تكرّ رت كلمة )اليوم( مرتين في آية واحدة‪ ،‬وھذا يعني أنّ ك ّل واح ٍد من الق سمين يرتبط بف كرة م ستقلّة‪ .‬إنّ كل مة ) يوم( قد‬
‫دخلت عليھا )ال( وھي تعني تار ًة ذلك اليوم )إشارة إلى يوم آ خر(‪ ،‬وأ خرى ھذا ال يوم‪ ،‬وت عرف ب‪) -‬ال( العھد ية‪ .‬ول كي‬
‫يوم معين‪ ،‬واآلية ھنا لم تسبق بذكر يوم معين فال ي كون المع نى‬
‫يكون المراد منھا ذلك اليوم ال بد وأن تكون مسبوقة بذكر ٍ‬
‫األول مقصوداً‪.‬‬
‫ك َ‬
‫ِين َ‬
‫ُم﴾‪ ،‬والمراد من اليأس ھنا ھو أ ّنھم يئسوا من التفوّ ق عليكم ومحق دين كم‪ ،‬و لذا‬
‫ِس الﱠذ َ‬
‫ثم تقول اآلية ﴿يَئ َ‬
‫ِن دِينِك ْ‬
‫ف ُروا م ْ‬
‫ك ّفوا عن مواجھتكم‪ ،‬فال ينبغي عليكم أن تخشوھم بعد اآلن‪.‬‬

‫ـت﴾‪ ،‬وب ين اإلك مال واإلت مام يو جد فرق‪ ،‬ألنّ اإلت مام ھو بم عنى ان ضمام‬
‫ثم ورد في اآل ية قو له ﴿أَ ْك َ‬
‫ْت﴾ وقو له ﴿ َ◌أَ ْت َ‬
‫م ْ‬
‫مل ُ‬
‫م ُ‬
‫أجزاء الشيء إلى بعضھا البعض‪ ،‬بحيث ال يبقى في ھا ن قصٌ ‪ ،‬و لذا ي قال ت ّم ب ناء الب يت إذا و ضعت أس سه وا ستوفى جم يع‬
‫الشروط الالزمة له‪.‬‬
‫وأما الكمال فليس فيه ذلك‪ ،‬ألن الشيء قد يكون تاما ً ال نقص فيه‪ ،‬ولكنه ال يكون كامالً‪ ،‬ومثاله الجنين في ب طن أم ّه‪ ،‬فإ نه‬
‫كامل األجزاء‪ ،‬ولك ّنه ال يكون إنسانا ً كامالً‪ ،‬أي ال يتحلّى بالنضج الذي ينبغي أن يتحلّى به اإلنسان‪.‬‬
‫إنّ اإلختالف األساس بين الكمال والتمام ھو‪ :‬اإلختالف بين الكيفي والنوعي‪ ،‬فالكمال يقال لكيفية الشيء وأ ما الت مام في قال‬
‫لنوع الشيء‪ .‬وﷲ ّ‬
‫عز وجل يريد أن يقول في اآلية‪ :‬إنّ اإلسالم قد ت ّم وكمل‪ ،‬أيّ إنه قد انتھى نوعا ً وكيفا ً‪ .‬لكن ما ھو ذ لك‬
‫اليوم الذي ت ّم فيه الدين وكمل؟‬
‫يوم إكمال الدين وإتمام النعمة‬
‫ك فيه أنّ ھذا اليوم له أھميّة زائدة وخصوصية إضافيّة‪ ،‬فال ب ّد من‬
‫ممّا ال ش ّ‬
‫‪331‬‬
‫أن يكون قد احتضن واقعة إستثنائية عظيمة ترتبط بك ّل من يدين باإلسالم دينا ً‪ .‬فما ھو ھذا اليوم؟‬
‫مر و ھو أنّ ھذه اآل يات ت قع‬
‫لقد اختلفت النظريّات في تحديد ھذا اليوم‪ ،‬وسنذكر ثالثة آراء‪ ،‬ولكن ال ب ّد من االلت فات إ لى أ ٍ‬
‫في أوائل سورة المائدة‪ ،‬وھذه السورة مدنية وھي آخر سور ٍة نزلت على النبيّ صلى ﷲ عليه وآله وسلم باتفاق المفسّرين‪.‬‬
‫الرأي األول‪ :‬يوم البعثة‪:‬‬
‫قلنا إنّ )ال( قد يراد منھا اإلشارة إلى يوم بعيدٍ‪ ،‬أي يراد منھا‪ :‬ذلك ال يوم‪ .‬وأ صحاب ھذا ا لرأي يقو لون إنّ كل مة يوم ھ نا‬
‫استعملت كذلك‪ ،‬ألنّ المراد منھا يوم البعثة‪ ،‬ألن ما يتصف بأ ّنه اليوم الذي رضي فيه اإلسالم دينا ً ھو يوم البع ثة‪ ،‬فالقري نة‬
‫م دِيناً﴾‪.‬‬
‫ُم ْ ِ‬
‫إذاً من نفس اآلية وھي قوله ﴿ َ‬
‫سال َ‬
‫األ ْ‬
‫ِيت لَك ُ‬
‫و َرض ُ‬
‫ُم نِ ْع َمتِي﴾‪ ،‬وھذا األ مر‬
‫إنّ أھم ما يرد على ھذا الرأي ھو‪ :‬إنّ اآلية قد اقترنت بقوله‪﴿ :‬أَ ْك َ‬
‫وأَ ْت َ‬
‫ُم َ‬
‫ت عَ لَ ْيك ْ‬
‫م ْ‬
‫ُم دِي َنك ْ‬
‫ْت لَك ْ‬
‫مل ُ‬
‫م ُ‬
‫ض ُ‬
‫يت َلك ُ ُم‬
‫ال يم كن أن ي كون قد ح صل أول البع ثة‪ ،‬ألن بدا ية النع مة كا نت أوّ ل أ يام البع ثة‪ ،‬و لذا ي كون قو له ت عالى‪َ { :‬ر ِ‬
‫األسْ ال َم دِي نا ً} لب يان أنّ اإل سالم ا لذي ك مل اآلن ھو ذ لك اإل سالم المر ضي‪ ،‬و لذا ال يم كن أن ي كون ال مراد من اآل ية يوم‬
‫ِْ‬

‫البعثة‪.‬‬
‫الرأي الثاني‪ :‬يوم فتح مكة‪:‬‬
‫م ِبينـاً‬
‫ك َ‬
‫إنّ من أعظم األيام في تاريخ اإلسالم ھو يوم فتح مكة‪ ،‬ولذا قال ت عالى في شأن يوم الف تح‪﴿ :‬إِن ﱠا َ‬
‫ح َنـا لَـ َ‬
‫ف َت ْ‬
‫ف ْتحـاً ُ‬
‫ن َ‬
‫ما ت َ َ‬
‫س َتقِيما‪ ،﴾9‬وأھميّة ھذا ال يوم تأتي من‬
‫م نِ ْ‬
‫ك َويَ ْھ ِ‬
‫ق ﱠ‬
‫ك ِ‬
‫م ِ‬
‫ديَ َ‬
‫ه عَ لَ ْي َ‬
‫خ َر َ‬
‫ك َو َ‬
‫ذ ْن ِب َ‬
‫د َ‬
‫كﷲ َ‬
‫لِيَ ْغ ِف َر لَ َ‬
‫ع َ‬
‫م َت ُ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫و ُيتِ ﱠ‬
‫ما تَأَ ﱠ‬
‫ص َراطاً ُ‬

‫خالل مالحظة أمرين‪:‬‬

‫‪332‬‬
‫األول‪ :‬لقد كان لمكة المكرمة دورھا التاريخي ومكانت ھا المھم ّة لدى ال عرب في الجاھل ية‪ .‬و ھذه المكا نة ارتب طت بالكع بة‬
‫الشريفة ال سيما بعد حادثة أصحاب الفيل‪ ،‬ولذا وُ لد ال شعور ع ند ال ناس بأن أ حداً لن يتمك ّ ن من ال سيطرة ع لى م كة‪ .‬و قد‬
‫استحكم الغرور بقريش حتى احتلت بذلك مكانتھا لدى القبائل العربية‪ ،‬ثم كان أن تم ّكن النبيّ صلى ﷲ عليه وآله وسلم من‬
‫فتح م ّكة دون إراقة دم‪ .‬وھذا أمر مھ ّم جداً قد اقترن بفتح مكة‪ ،‬لئال تقول قريش‪ -‬في ما لو أ صيب أ صحاب ال نبيّ صلى ﷲ‬
‫عليه وآله وسلم بسوء‪ -‬لقد أصابھم ما أصاب أصحاب الفيل‪.‬‬
‫فقُوا فِي‬
‫ُم أَ ﱠال ُت ْن ِ‬
‫الثاني‪ :‬إنّ يوم الفتح كان له أثره النفسي على القبائل العربية فدخلت في اإلسالم‪ ،‬وقد قال تعالى‪َ ﴿ :‬‬
‫و َ‬
‫ما لَك ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫جـ ً‬
‫و َ‬
‫ن َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ل ا ْل َ‬
‫ما َواتِ َو ْ‬
‫ة‬
‫ـ‬
‫ظ‬
‫عْ‬
‫أ‬
‫ك‬
‫ِـ‬
‫ئ‬
‫ل‬
‫و‬
‫أ‬
‫ل‬
‫اث‬
‫م َ‬
‫وي ِ‬
‫يل ﷲ َولِلﱠ ِ‬
‫َق ِ‬
‫ن أَ ْنف َ‬
‫د َر َ‬
‫قات َ َ‬
‫الس َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ف ْتحِ َ‬
‫ُم َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫م ْنك ْ‬
‫ض ال يَ ْ‬
‫ﱠ‬
‫ُ‬
‫ه مِي َر ُ‬
‫س َت ِ‬
‫ق ْب ِ‬
‫األَ ْر ِ‬
‫س ِب ِ‬
‫‪10‬‬
‫َ‬
‫و َ‬
‫ِين أ ْن َ‬
‫خبِي ٌر ﴾‪.‬‬
‫ما ت َ ْ‬
‫وك ّ‬
‫ُال ً َ‬
‫ملُونَ َ‬
‫قاتَلُوا َ‬
‫ِن الﱠذ َ‬
‫م َ‬
‫ع َ‬
‫س َنى َوﷲ بِ َ‬
‫ْد َ‬
‫ح ْ‬
‫ِن بَع ُ‬
‫فقُوا م ْ‬
‫وعَ َد ﷲ ا ْل ُ‬

‫والر ّد على ھذا الرأي‪ :‬إنّ أصحاب ھذا القول‪ -‬مع ت سليمنا بأھمي ّة يوم الف تح‪ -‬ال يمل كون شاھداً قرآني ّا ً أو تاريخي ّا ً يؤ يد ما‬
‫ُم‬
‫ذھبوا إليه‪ ،‬بل على العكس‪ ،‬فنحن لدينا شواھد تم نع من األ خذ به‪ ،‬فقو له ت عالى ﴿أَ ْك َ‬
‫وأَ ْت َ‬
‫ُـم َ‬
‫ـت عَ لَ ْيك ْ‬
‫م ْ‬
‫ُـم دِي َنك ْ‬
‫ْـت لَك ْ‬
‫مل ُ‬
‫م ُ‬
‫نِ ْع َمتِي﴾ ال ينسجم مع كون نزول اآلية يوم الف تح‪ ،‬ألنّ يوم الف تح لم ي كن يوم إك مال ا لدين‪ ،‬بل إنّ سورة الما ئدة بتمام ھا‬
‫نزلت بعد الفتح‪.‬‬
‫ك َ‬
‫ِين َ‬
‫ُم﴾ فإنّ ال حال لم ي كن كذلك يوم الف تح‪ ،‬ألن الم شركين لم ي صل ب ھم‬
‫م يَئ َ‬
‫و َ‬
‫ِس الﱠذ َ‬
‫ِن دِينِك ْ‬
‫ف ُروا م ْ‬
‫مضافا ً إلى قوله ﴿ا ْل َي ْ‬
‫األمر إلى اليأس من الدين في ذلك اليوم‪.‬‬

‫الرأي الثالث‪ :‬يوم آية البراءة‪:‬‬
‫إنّ من أيام اإلسالم المھمّة ھو يوم قراءة سورة براءة من قبل اإلمام أمير‬
‫‪333‬‬
‫المؤمنين عليه السالم‪ ،‬وذلك في السنة التاسعة للھجرة‪.‬‬
‫فإنّ فتح م ّكة لم ين ِه حالة التعايش مع المشركين‪ ،‬بل من بقي على الشرك كان له أن ي حج وي طوف بالب يت و غير ذ لك إ لى‬
‫السنة التاسعة للھجرة‪ ،‬حيث أرسل النبيّ صلى ﷲ عليه وآله وسلم عليا ً عليه السالم باآليات األولى من سورة براءة ليبلّغھا‬
‫للناس في الحج‪ ،‬بعد أن جاء األمر اإللھي بأنّ ھذه اآل يات ال يؤدي ھا إال ال نبيّ صلى ﷲ عل يه وآ له و سلم أو ر ج ٌل م نه‪.11‬‬
‫وھكذا ت ّم اإلعالن عن أنّ الحرم مختص بالمسلمين‪ ،‬وال ّ‬
‫يحق للمشركين الم شاركة في مرا سم ال حج‪ ،‬و لذا كان ل ھذا ال يوم‬
‫أھمّيته الخاصة عند المسلمين‪ ،‬وعليه فاآلية الكريمة تشير إلى يوم البراءة‪.‬‬
‫والر ّد على ھذا الرأي‪ :‬ھو ما تقدم من الجواب على ما سبقه‪ ،‬من أنّ ھذه اآل يات نز لت و لم ي كن ا لدين قد ك مل ب عد‪ ،‬ألن‬
‫الكثير من األحكام إنما جاءت بعد يوم آية البراءة‪.‬‬

‫النتيجة‪ :‬إنّ ما نصل إليه ھو‪ :‬أنّ ھذه اآلراء جمعاء ال تنسجم مع كون اآلية من اآليات التي نزلت أواخر حياة النبيّ صلى‬
‫ﷲ عليه وآله وسلم بنحو لم ينزل بعدھا حك ٌم جدي ٌد‪.‬‬
‫الرأي الرابع‪ :‬يوم الغدير‪:‬‬
‫يتبنى الشيعة القول بأنّ ھذه اآلية الكريمة نزلت يوم غدير خم‪ ،‬وھو يوم تنصيب اإلمام علي عليه السالم خليفة للنبي صلى‬
‫ﷲ عليه وآله وسلم‪ .‬والذي تذكره مدرسة أ ھل الب يت علي ھم ال سالم إلث بات ذ لك يم كن تق سيمه إ لى ق سمين‪ ،‬فأ صحاب ھذا‬
‫الرأي تارة يعتمدون الشاھد التاريخي‪ ،‬وأخرى القرائن التي في نفس اآلية‪.‬‬
‫‪334‬‬
‫أ ّما الشاھد التاريخي‪:‬‬
‫لقد ذكرت الكتب التاريخية والروائية قصّة مفصّلة تتحدث عن ھذا ال يوم‪ ،‬وأنّ ال نبيّ صلى ﷲ عل يه وآ له و سلم في ح جة‬
‫ا لوداع‪ ،‬ح ين عود ته إ لى المدي نة‪ ،‬و صل إ لى مو قع قرب الجح فة ي سمى غدير خم‪ ،‬فط لب من قوا فل الح جاج الو قوف‪،‬‬
‫ست أو لى ب كم من أنف سكم؟ قالوا‪ :‬ب لى‪ .‬قال‪ :‬من ك ُ‬
‫وخطب فيھم قائالً‪) :‬أل ُ‬
‫نت مواله ف ھذا ع لي مواله(‪ .‬ول ما أ ت ّم الر سول‬
‫خطابه نزلت اآليات الكريمة‪.‬‬
‫لقد تناولت المصادر ھذه الحادثة من المدر ستين‪ ،‬وال حديث ھو من األحاد يث المتوا ترة ك ما ت قدّم‪ ،‬وذ لك يظ ھر بمراج عة‬
‫كتابي الغدير وعبقات األنوار‪.‬‬
‫الشاھد من نفس اآلية‪:‬‬
‫إ ّن نا ق بل ا لدخول في ب يان ال شاھد ا لداخلي من ن فس اآل ية الكري مة‪ ،‬ال ب ّد من اإل شارة إ لى و جود آ يات محك مات وآ يات‬
‫ات َ‬
‫ن ُأ ﱡ‬
‫ح َ‬
‫ل َ‬
‫ـن‬
‫اب ِ‬
‫م ا ْلكِ َتا ِ‬
‫شابِ َ‬
‫م َت َ‬
‫و ُأ َ‬
‫ب َ‬
‫ك َ‬
‫علَ ْي َ‬
‫متشابھات‪ ،‬قال تعالى‪﴿ :‬ھُ َ‬
‫مـا الﱠذِيـ َ‬
‫ك ا ْلكِ َت َ‬
‫و الﱠذِي أَ ْن َز َ‬
‫م ْن ُ‬
‫فأَ ﱠ‬
‫م ْ‬
‫ات ھُ ﱠ‬
‫ھ ٌ‬
‫م ٌ‬
‫خ ُر ُ‬
‫ات ُ‬
‫ه آ َي ٌ‬

‫غ َ‬
‫م َز ْي ٌ‬
‫ِـخونَ فِـي‬
‫َشابَ َ‬
‫ويلِـ ِ‬
‫ه ا ْبتِغَا َء ا ْل ِف ْتن َ ِ‬
‫ه ِ‬
‫ه إِ ﱠال ﷲ َوال ﱠراس ُ‬
‫فيَ ﱠتبِ ُ‬
‫عونَ َ‬
‫ويلَـ ُ‬
‫ما ت َ‬
‫م ْن ُ‬
‫ھ ْ‬
‫ه َوم َ ا يَ ْعلَـ ُ‬
‫ة َوا ْبتِغَـا َء ت َْأ ِ‬
‫م ت َْأ ِ‬
‫فِي ُقلُوبِ ِ‬
‫‪12‬‬
‫ما يَ ﱠ‬
‫ك ُر إِ ﱠال ُأولُو ْ‬
‫ُونَ‬
‫األَ ْل َبابِ ﴾‪.‬‬
‫ذ ﱠ‬
‫ك‬
‫ه‬
‫ب‬
‫ا‬
‫ن‬
‫م‬
‫آ‬
‫ل‬
‫ْم يَقُو‬
‫ا ْل ِ‬
‫ع ْن ِ‬
‫ِن ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫و َ‬
‫د َربِّ َنا َ‬
‫لم ْ‬
‫ﱠ‬
‫عل ِ‬
‫ّ‬
‫ِ‬

‫إذا عرفنا ھذا نأتي إلى اآلية التي ھي مح ّل بحثنا فنجد قوله تعالى‪:‬‬
‫ن﴾‪ .‬فاآليــة تقــول إ ّنــه ال داعــي اآلن مــن الخشــية مــن الكفــار أل ّنھــم وصــلوا إلــى ح ـ ّد اليــأس مــن إلحــاق األذى‬
‫شــ ْو ِ‬
‫اخ َ‬
‫َ‬
‫و ْ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ن﴾‪ ،‬فما معنى ھذا؟ ھل أنّ ﷲ عدوّ لدي نه؟ طب عا ال‪ .‬إذا ھذه اآل ية‬
‫ش ْو ِ‬
‫اخ َ‬
‫بالمسلمين‪.‬ولكن اآلية تخاطب المسلمين بقولھا ﴿ َ‬
‫و ْ‬
‫من المتشابه‪ ،‬وح ّل ذلك بالرجوع إلى اآلية‬

‫ُم َ‬
‫ك َ‬
‫ِين َ‬
‫ھُم‬
‫فـال تَخْ َ‬
‫م َيئ َ‬
‫و َ‬
‫ِس الﱠذ َ‬
‫شـ ْو ْ‬
‫ِن دِينِك ْ‬
‫ف ُروا م ْ‬
‫﴿ا ْل َي ْ‬

‫‪335‬‬
‫‪13‬‬
‫قوم غي ّروا ما بأنف سھم‪ ،‬مم ّا ا ستوجب نزول‬
‫المحكمة ‪ ،‬التي تتحدث عن ٍ‬
‫أمر وھو أنّ ﷲ سنّ س ّن ًة في خلقه و ھي أنّ أيّ ٍ‬
‫النعمة عليھم‪ ،‬فإنّ نعمة ﷲ سوف تزول عنھم إذا غيّروا بأنفسھم بحيث استوجبوا إزالة النع مة عن ھم‪ .‬فإذاً‪ ،‬الخ شية من ﷲ‬
‫ھي عبر الخشية من النفس اإلن سانية‪ ،‬فا عز و جل ير يد أن ي قول للم سلمين‪ :‬إ نني أنع مت علي كم ب ھذه النع مة‪ ،‬ول كن إن‬
‫حصل منكم أيّ تغيير أو تبديل‪ ،‬فعليكم أن تخافوا من أن أرفع ھذه النعمة عنكم‪ ،‬فالخطر اآلن من أنفسكم‪.‬‬

‫خالصة ونتيجة‬
‫إذاً‪ ،‬اآلية تتحدث عن مرحلة انتھى فيھا الخوف من المشركين‪ ،‬وأصبح ال خوف من الم سلمين أنف سھم‪ .‬و ھذا إ ّن ما كان في‬
‫أواخر حياة النبيّ صلى ﷲ عليه وآ له و سلم‪ .‬وبمالح ظة ال شواھد التاريخ ية‪ ،‬وال قرائن المحتف ّة باآل ية‪ ،‬وبال حديث المتوا تر‬

‫عن النبي صلى ﷲ عليه وآله وسلم‪ ،‬وبإرجاع المتشابه إلى المحكم‪ ،‬كل ذ لك ي صب في أن ھ ناك يو ما ً ح صلت ف يه واق عة‬
‫الغدير وت ّم فيھا تنصيب علي عليه السالم بعد النبي صلى ﷲ عليه وآ له و سلم إما ماً‪ ،‬و قام الم سلمون جمي عا ً ر جاالً ون سا ًء‬
‫بمبايعته عليه السالم‪ ،‬عندھا نزلت آية إكمال الدين وإتمام النعمة‪.‬‬
‫وبھذا نختم الحديث حول النصوص الواردة في إمامة عليٍّ عليه السالم من ِق َب ِل النبيّ صلى ﷲ عليه وآله وسلم‪.‬‬
‫علي عليه السالم واإلقدام على التصدّ ي‬
‫ّ‬
‫إنّ ما نصل إليه مما تقدّم‪ ،‬ھو أنّ اإلمامة منحصرة‪ -‬بعد ال نبي مبا شرة‪ -‬باإل مام ع لي عل يه ال سالم‪ .‬ل كن يب قى ھذا ال سؤال‬
‫بحاج ٍة إلى إجاب ٍة وھو‪ :‬لماذا لم‬
‫‪336‬‬
‫يُقدِم اإلمام عليه السالم على قبول البيعة عندما ُ‬
‫طلب منه ذلك بعد مقتل عثمان؟ ألم يكن األولى اإلقدام على التصدّي؟‬
‫الجواب يظھر بمالحظة كالم اإلمام علي عليه السالم الذي ذكره في ذلك الوقت‪ ،‬فقد قال عليه السالم عندما ر فض البي عة‪:‬‬
‫)دعوني والتمسوا غيري فإ ّنا مستقبلون أمراً له وجوهٌ وألوان( ثم قال‪) :‬إنّ اآلفاق قد أغا مت‪ ،‬والمحجّ ة قد تنك ّ رت(‪ .14‬ل قد‬
‫ً‬
‫مختلفة عمّا كانت عل يه ع ند و فاة ال نبي صلى ﷲ عل يه وآ له و سلم‪ .‬و ھذا‬
‫كان اإلمام عليه السالم يرى أنّ األمور أصبحت‬
‫من األمور الثابتة تاريخيا ً‪ .‬فقد كان اإلمام عليه السالم يرى انحرافا ً في الكثير من األمور‪ ،‬ويرى أنّ تولي الخالفة من ِق َبل ِه‬
‫ير‬
‫يعني تغيير الك ثير من األ مور ا لتي كا نت سائد ًة آ نذاك‪ .‬فاإل مام عل يه ال سالم إذا تول ّى الخال فة ف سوف ي قوم بعملي ّة تغي ٍ‬
‫خاص من الطاعة واإلتباع من قِب َ ل الم سلمين‪ ،‬و لذا أل قى ذ لك ال كالم لي ت ّم‬
‫نوع‬
‫ٍ‬
‫واسعة النطاق‪ ،‬ومثل ھذا األمر يحتاج إلى ٍ‬
‫عليھم الحجّة‪ ،‬ألنّ البيعة تعني أخذ العھد بالطاعة واإلتباع‪ ،‬وال يريد منھم الطاعة على ما يريدو نه ھم‪ ،‬وإ ّن ما البي عة ع لى‬
‫ما يريده ھو‪.‬‬
‫‪337‬‬

‫ﺧﻼﺻﺔ اﻟﺪرس‬
‫ھناك عدّة نصوص صادرة عن النبيّ صلى ﷲ عليه وآله وسلم بحق إمامة علي عليه السالم نذكر منھا‪:‬‬
‫‪ -1‬واقعة يوم اإلنذار‪.‬‬
‫‪ -2‬حديث المنزلة‪.‬‬
‫‪ -3‬حديث الغدير‪ .‬وقد نزلت بعد ذلك آية إكمال الدين وإتمام النعمة‪ .‬وليس المراد من اليوم في اآلية يوم بع ثة ال نبي صلى‬
‫ﷲ عليه وآله وسلم‪ ،‬وال يوم فتح مكة‪ ،‬وال يوم تبليغ آيات البراءة‪ ،‬ألنّ ذلك كلّه ال ينسجم مع اآل ية ا لتي تت حدث عن ال يوم‬
‫الذي حصل فيه اليأس لدى المشركين من محاربة اإلسالم‪ ،‬وعن اليوم الذي كمل فيه الدين‪.‬‬
‫إنّ ھذا اليوم ھو يوم عيد الغدير‪ ،‬ويشھد لذلك أمران‪:‬‬
‫األول تاريخي‪ :‬وھو حديث يوم الغدير‪ ،‬وما حصل فيه من إعالن النبيّ صلى ﷲ عليه وآله وسلم لوالية ع لي عل يه ال سالم‬
‫وقد نزلت اآليات في ذلك اليوم‪.‬‬
‫ال ثاني من ن فس اآل ية‪ :‬و ھو أنّ ال يوم ا لذي أ صبح ف يه ا لدين في أ مان من الم شركين‪ ،‬وأ صبح ال خوف عل يه من ن فس‬
‫المسلمين‪ ،‬كان في أواخر حياة النبيّ صلى ﷲ عليه وآله وسلم‪ ،‬ألنّ قيامھم بأيّ تغيير في الدين سوف يؤدّي إلى زوال ھذه‬
‫ما ب ِ َ‬
‫س ِھ ْم﴾‪.‬‬
‫ما بِأَ ْن ُف ِ‬
‫ح ﱠتى ُيغ َِي ّ ُروا َ‬
‫النعمة لقوله تعالى‪﴿ :‬إِنﱠ ﷲ ال ُيغ َِي ّ ُر َ‬
‫م َ‬
‫ق ْو ٍ‬

‫إنّ عدم إ قدام اإل مام عل يه ال سالم ع لى ق بول البي عة إن ما كان أل جل أن ّه أراد الق يام بعمل ية تغ يير وإ صالح ل ما حدث من‬
‫محاوالت تحريف لرسالة اإلسالم‪ ،‬ومثل ھذا األمر إنما يت ّم مع البيعة الخاصة ع لى ھذا األ مر‪ .‬فاإل مام ر فض أل جل إل قاء‬
‫الحجة على المسلمين الّذين يريدون مبايعته‪.‬‬

‫أﺳﺌﻠﺔ اﻟﺪرس‬
‫‪ -1‬ما الفرق بين الدليل العقلي وبين النصوص في إثبات اإلمامة؟‬
‫‪ -2‬ما ھي واقعة اإلنذار؟‬
‫‪ -3‬ما ھي اإلحتماالت المذكورة في تفسير يوم إكمال الدين؟‬
‫‪ -4‬إستدل على تفسير يوم إكمال الدين بالشواھد والقرائن‪.‬‬
‫‪ -5‬لماذا لم يتص َّد عليٌّ عليه السالم بعد مقتل عثمان؟‬

‫ﻫﻮاﻣﺶ‬
‫‪ -1‬الشعراء‪.214 :‬‬
‫‪ -2‬الكامل في التاريخ‪ ،‬ابن األثير‪ ،‬ج ‪ 2‬ص ‪.62‬‬
‫‪ -3‬صحيح البخاري‪ ،‬ج ‪ 4‬ص ‪ ،24‬الصواعق المحرقة‪ ،‬ص ‪.121‬‬
‫‪ -4‬طـه‪.29 :‬‬
‫‪ -5‬إشارة إلى اصطالحات علم الحديث‪ ،‬حيث ھناك اصطالح "الخبر ا لواحد" واصطالح " الخبر المتواتر"‪ .‬و الخبر الواحد‪ :‬ھـو الخـبر الـذي ال يفيـد اليق ين والعلـم‪ ،‬ســواء‬
‫أكان الناقل له شخصاً واحداً أم عشرة أشخاص أم أكثر‪ .‬وأما الخبر المتواتر‪ :‬فھو الخبر الذي ينقله مجموعة من األشخاص بنحو يمتنع اتفاقھم ع لى الكــذب‪ ،‬فمثـال ً لـو‬
‫شخص آخر وأخبر بنفس الخبر‪ ،‬فسوف يزداد الظن بوقوع الخبر وصدقه‪،‬‬
‫شخص أنه سمع خبراً من المذياع‪ ،‬فسوف يحصل لنا الظن بصدق ھذا الخبر‪ ،‬فإذا جاء‬
‫نقل لنا‬
‫ٌ‬
‫ٌ‬
‫وھكذا كلما جاء بنفس الخبر شخص جديد‪ ،‬إلى أن يصبح ھذا الخبر منقوال ً من قبل الكثيرين بنحو ال نحتمل اتفـاقھم ع لى الكـذب‪ ،‬األمـر الـذي يوجـب اليقيـن بصـحة‬
‫الخبر‪.‬‬
‫‪ -6‬المائدة‪.67 :‬‬
‫‪ -7‬األحزاب‪.6 :‬‬
‫‪ -8‬المائدة‪.3 :‬‬
‫‪ -9‬الفتح‪.2 :‬‬
‫‪ -10‬الحديد‪.10 :‬‬
‫مة منه‪ ،‬وقفل األوّل راجعاً إلى المدينة‪.‬‬
‫ي قد بعث أبا بكر أوالً‪ ،‬ثم أرسل وراءه علياً عليه السالم ليأخذ المھ ّ‬
‫‪ -11‬وكان النب ّ‬
‫‪ -12‬آل عمران‪.7 :‬‬
‫ن ﷲ ال يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسھم" سورة الرعد‪.11 :‬‬
‫‪ -13‬قال تعالى‪" :‬ا ّ‬
‫ي‪ ،‬بحار األنوار‪ ،‬ج‪ 41‬ص‪ ،116‬دار الرضا‪ -‬بيروت‪.‬‬
‫المجلس‬
‫‪ -14‬العالمة‬
‫ّ‬

‫اﻟﻌﺎﻣﺔ ﻟﻠﻤﻌﺎد‬
‫اﻟﺪرس اﻟﺜﺎﻧﻲ واﻟﻌﺸﺮون‪ :‬اﻟﻤﺒﺎدئ ّ‬
‫أھداف الدرس‬
‫‪ -1‬إستعراض أدلة القرآن على المعاد من خالل اآليات القرآنية‪.‬‬
‫‪ -2‬شرح نظرة القرآن للمعاد‪.‬‬
‫‪ -3‬فھم الجنبة التربوية للمعاد‪.‬‬
‫‪ -4‬عرض رأي العلم الحديث بالمعاد مع ذكر أمثلة‪.‬‬
‫‪343‬‬
‫تمھيد‪:‬‬
‫يجد المُراجع لسِ َير األنبياء عليھم السالم ھدفا ً مشتركا ً من بعثتھم‪ ،‬وھو ھداية الناس إلى اإليمان بحقيقتين‪:‬‬
‫‪ -1‬اإليمان بالتوحيد‪.‬‬
‫‪ -2‬واإليمان بالمعاد‪.‬‬
‫ك أن ّه لم‬
‫وقد ر ّكز القرآن الكريم على حقيقة المعاد‪ ،‬إلى ح ٍّد بلغت فيه اآليات التي تتح ّدث عنه حوالي )‪ (1400‬آية‪ .‬وال ش ّ‬
‫ير ْد مثل ھذا العدد من اآليات في أيّ موضوع آخر‪ ،‬وال جرى تأكيده بمثل ھذه الكثافة‪.‬‬
‫ِ‬
‫مناھج إدراك المعاد‬
‫إذاً‪ ،‬يدعونا القرآن إلى اإليمان واالعتقاد بالمعاد‪ .‬وقد بلغت ھذه الم سألة ح ّداً من التعق يد‪ 1‬أل جأت الك ثيرين إ لى ال قول بأنّ‬
‫قضيّة المعاد تعبّديّة محضة‪ ،‬ليس لنا أمامھا سوى التسليم بھا‪ ،‬وال سبيل إلى معرفة المعاد إال بالوحي اإللھيّ ‪.‬‬
‫‪345‬‬
‫وقد بذل العلماء جھوداً إلدراك المعاد‪ ،‬وسلكوا في ذ لك م ناھج ش ّتى‪ ،‬ولك ّن ھا لم ت خ ُل من إنح ياز إ لى ما ينا سب قواعد ھم‬
‫وأفكارھم المسبقة‪ ،‬كما َف َع َل كثي ٌر من المحدّثين والفقھاء‪ ،‬والفالسفة والحك ماء‪ ،‬وأ كثر العل ماء الم تأخرين‪ ،‬ف ك ّل فر يق من ھم‬
‫نظر إلى المعاد من زاوية تخصّه‪ ،‬وتمّم المسألة بما يناسب مبانيه‪ ،‬ث ّم إخ تار اآل يات ا لتي تن سجم مع ما ذ ھب إل يه‪ ،‬وع مد‬
‫إلى تأويل اآليات التي ال توافق مسلكه‪.‬‬
‫أمّا المنھج الذي سنتبعه‪ ،‬بحيث ال ننظر إلى المعاد من زاوية خاصّة‪ ،‬وال نختار من اآليات قسما ً مع ّي ناً‪ ،‬ھو أن ننط لق في‬
‫بناء صيغة المعاد من القرآن نفسه‪ ،‬فنستعرض اآليات الدالّة على المعاد كما بيّنھا القرآن‪ ،‬قبل السعي خلف الج ھود العلمي ّة‬
‫والعقليّة والفلسفيّة واإلجتھادات الخاصّة‪ ،‬وبالتالي لن يكون لنا أيّ فكرة م سبقة لنظري ّة مع ّي نة عن الم عاد ت خ ّل في ف ھم ما‬
‫أراده القرآن‪ ،‬ث ّم في ما بعد نسعى وراء الجھود العلميّة والعقليّة وغيرھا‪.‬‬
‫المعاد في القرآن‬
‫ترد كل مة )الم عاد( ب ھذه ال صيغة في أيّ آ ية من آ يات ال قرآن‪ .‬ف ھي وإن كا نت من أ شھر األ سماء ال شائعة ع لى ل سان‬
‫لم ِ‬
‫‪3 2‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫المتشرّعين‪ ،‬إال أنه ال وجود لھا في التعبيرات القرآنيّة الدالة على القيامة‪ ،‬بل )المعاد( إصطالح اخترعه المتكلمون ‪.‬‬
‫نعم‪ ،‬استخدم القرآن كلمات شبيھة بالمعاد مثل )مآب(‪ ،‬و)رجوع(‪،‬‬

‫‪346‬‬
‫ت أَنْ‬
‫و)منتھى(‪ .‬وقد استخدِمت ھذه التعبيرات كلّھا بمعنى العود والرجوع إلى ﷲ‪ ،‬كما في قوله ت عالى‪...﴿ :‬ق ْ‬
‫ُـل إِنﱠم َ ا ُأمِـ ْر ُ‬
‫ھى‬
‫ْعو َوإِلَ ْي ِ‬
‫ه إِلَ ْي ِ‬
‫ك بِ ِ‬
‫ه أَد ُ‬
‫م ْن َت َ‬
‫ﱡجعَى‪ ﴾5‬وقوله تعالى‪َ ﴿ :‬‬
‫ه َ‬
‫ر َ‬
‫وأَنﱠ إِلَى َربِّ َ‬
‫ك الر ْ‬
‫مآبِ‪ ،﴾4‬وقوله‪﴿:‬إِنﱠ إِلَى َربِّ َ‬
‫أَعْ ُب َد ﷲ َوال ُأ ْ‬
‫ك ا ْل ُ‬
‫ش ِ‬

‫‪.﴾6‬‬

‫نستنتج من ذلك أنّ مصطلح )المعاد( كي ينسجم مع التعبير القرآنيّ ‪ ،‬فال ب ّد أن يكون بمعنى العودة إلى ﷲ‪ ،‬دون غيره من‬
‫المعاني‪.‬‬
‫أدلّة القرآن على المعاد‬
‫إنّ القرآن الكريم يقيم الدليل على المعاد لإليمان واالعتقاد به‪ ،‬ودليله على نحوين‪:‬‬
‫‪ -1‬إنطالقا ً من مسألة التوحيد‪ :‬فمن يؤمن بوجود ﷲ‪ ،‬وأ ّنه الخالق الحكيم لھذا الكون‪ ،‬ال ب ّد أن يعتقد بأنّ ھ ناك حك مة وراء‬
‫ھذا الخلق‪ ،‬حيث ال يمكن أن ي كون خ لق الحك يم عبثي ّا ً‪ .‬و لو لم ي كن ھ ناك م عاد ل كان ھذا الخ لق عب ثا ً و بال حك مة‪ ،‬ي قول‬
‫تعالى‪﴿ :‬أَ َ‬
‫ج ُعونَ ؟!‪.﴾7‬‬
‫ح ِ‬
‫ُم عَ َبثاً َ‬
‫ف َ‬
‫ُم إِلَ ْي َنا ال ُت ْر َ‬
‫م أَن ﱠ َ‬
‫ما َ‬
‫خلَ ْق َناك ْ‬
‫س ْب ُت ْ‬
‫وأَنﱠك ْ‬
‫ث ّم إنّ االعتقاد بقدرة ﷲ المطلقة‪ ،‬يعني أ ّنه تعالى قادر على ب عث ك ّل شيء‪ ،‬بل إنّ م بدع الخ لق األول قادر ع لى إعاد ته‪،‬‬
‫و أَ ْ‬
‫و الﱠذِي َي ْبد َُأ ا ْل َ‬
‫ه‪.﴾8..‬‬
‫ھوَنُ عَ لَ ْي ِ‬
‫خ ْل َ‬
‫وھُ َ‬
‫ِيد ُه َ‬
‫وھُ َ‬
‫وھو أھون عليه‪ .‬وھو ما أشار إليه تعالى بقوله‪َ ﴿ :‬‬
‫ق ُث ﱠ‬
‫م ُيع ُ‬
‫‪ -2‬انطالقا ً من نظام الخلق والتكوين‪ :‬إنّ الرجوع إلى النظام المحيط‬
‫‪347‬‬
‫ب نا‪ ،‬يدفع اإلن سان إ لى اإلي مان بحقي قة الم عاد‪ .‬فالمتأم ّل في مرا حل خ لق اإلن سان وتكوّ نه‪ ،‬من م بد ِأ انع قاده نط ً‬
‫فة إ لى‬
‫صيرورته طفالً فإنسانا ً كامالً‪ ،‬ث ّم موته‪ ،‬ھذا المتأمل يصل إلى حقيقة أنّ ھذا السير ال تدريجيّ ال ب ّد أن ي ستمرّ إ لى الم عاد‪،‬‬
‫ث َ‬
‫ِن ُن ْ‬
‫ط َ‬
‫ِن‬
‫ِن ا ْل َب ْ‬
‫ھا ال ﱠن‬
‫اس إِنْ ُ‬
‫ع ِ‬
‫ف ٍ‬
‫ِن عَ لَق َ ٍ‬
‫م فِي َر ْي ٍ‬
‫قال تعالى‪﴿ :‬يَا أَيﱡ َ‬
‫ف ِإنﱠا َ‬
‫بم َ‬
‫مم ْ‬
‫خلَ ْق َناك ْ‬
‫مم ْ‬
‫ة ثُـ ﱠ‬
‫مم ْ‬
‫ِن ُت َرابٍ ثُ ﱠ‬
‫ُم م ْ‬
‫ك ْن ُت ْ‬
‫ة ُث ﱠ‬
‫ُ‬

‫ة َو َ‬
‫خلﱠ َ‬
‫خلﱠ َ‬
‫ق ﱡر فِي ْ‬
‫ض َ‬
‫م َ‬
‫م لِ َت ْب ُلغُـوا‬
‫م َ‬
‫ُم ِ‬
‫ُم َو ُن ِ‬
‫م ْ‬
‫ق ٍ‬
‫ق ٍ‬
‫غ ٍ‬
‫َشا ُء إِلَى أَ َ‬
‫م َ‬
‫ما ن َ‬
‫م َ‬
‫األَ ْر َ‬
‫ة لِ ُن َب ِي ّ َ‬
‫ط ْفال ً ث ُ ﱠ‬
‫ن لَك ْ‬
‫جك ْ‬
‫ى ُث ﱠ‬
‫حا ِ‬
‫س ّ‬
‫ر ُ‬
‫ُ‬
‫ر ُ‬
‫م ً‬
‫ل ُ‬
‫ة ُ‬
‫م ُنخْ ِ‬
‫غ ْي ِ‬
‫ج ٍ‬
‫‪10‬‬
‫‪9‬‬
‫ً‬
‫م إنّكم يوم القيامة تُبعثون ﴾‪.‬‬
‫ث‬
‫تون‪،‬‬
‫لمي‬
‫ذلك‬
‫بعد‬
‫كم‬
‫ن‬
‫إ‬
‫م‬
‫ث‬
‫﴿‬
‫‪:‬‬
‫ا‬
‫أيض‬
‫‪،‬وقال‬
‫﴾‬
‫‪...‬‬
‫ُم‬
‫ك‬
‫د‬
‫ش‬
‫ﱠ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫أَ ُ‬
‫ّ‬

‫وكذلك يدعو القرآن من يرتاب بالقيامة‪ ،‬إلى النظر والتأمّل في تجدّد األرض وانبعاث الحياة في ھا ب عد موت ھا‪ ،‬ليز يل أدران‬
‫ك والريب عن صدره‪.‬‬
‫الش ّ‬
‫حقيقة المعاد‬
‫إنّ للمعاد حقيقة واقعيّة‪ ،‬إال أنّ اإلن سان قا صر عن ت صوّ ر حقيق ته ك ما ھي‪ ،‬ألن ّه يع يش ضمن مح يط يخت لف عن مح يط‬
‫المعاد‪ .11‬ويمكن ت شبيه ذ لك بالجنين والن ظام ا لذي يعي شه في ر حم أم ّه‪ ،‬ح يث ال يب صر ما حو له‪ ،‬وال ي شعر إال بنظا مه‬
‫الخاصّ المحيط به‪ ،‬ولذلك فھو ال يملك أيّ تصوّ ر عن حياته بعد ا لوالدة‪ ،‬كذلك اإلن سان ا لذي يع يش الح ياة ا لدنيا وي شعر‬
‫بمحيطه الخاصّ ‪ ،‬فإ ّنه يصعب عليه تصور الحياة األخرويّة تصوّ راً واقع ّيا ً‪.‬‬
‫وھذا األمر ال يضرّ في اعتقادنا بالمعاد‪ ،‬إذ يكفي االعتقاد بھذه الحقيقة ضمن المقدار الثابت‪ ،‬والذي أشار إليه القرآن بشكل‬
‫قطعيّ محكم‪ ،‬فيكفينا‬
‫‪348‬‬

‫االعتقاد بوجود حياة أخرى غير الحياة الدنيا‪ ،‬وأ ّنھا خالدة‪ ،‬وأنّ ھناك ارتباطا ً وثيقا ً بين الحياتين‪ ،‬من قبيل ارت باط المق ّد مة‬
‫بالنتيجة والزرع بالحصاد‪.‬‬
‫فھذه الثوابت والحقائق التي أخبر بھا القرآن ال يمكن إنكارھا‪ .‬في المقابل فإ ّنه ليس من ال ضروريّ معر فة كيفي ّة ال عود‪ ،‬أو‬
‫كيف تكون الحياة ھناك‪ ،‬أو علّة خلود الحياة األخرى وما شابه‪ ...‬وال يجب على المُسلِم االعتقاد بذلك‪.‬‬
‫القيامة في القرآن‬
‫يثبت القرآن أن القيامة حتمية‪ ،‬لك ّنه يشير إلى أن توقيتھا مجھول ال يعلمه إال ﷲ‪:‬‬
‫ُل إِنﱠ َما ِع ْل ُم َھا ِع ْن َد َربِّي‪.﴾12‬‬
‫ق ْ‬

‫سـا َ‬
‫ھا‬
‫ن‬
‫الساعَ ِ‬
‫م ْر َ‬
‫سأَلونَ َ‬
‫ﱠ‬
‫﴿يَ ْ‬
‫ة أَيﱠانَ ُ‬
‫ك عَ ِ‬

‫ويصف القرآن القيامة وصفا ً يصعب على اإلنسان تصوّ ره‪ ،‬فھي ال تقتصر على اإلنسان‪ ،‬بل تقترن بانقالب كو نيّ جذريّ‬
‫وشامل‪ ،‬يستوعب ك ّل ما في الكون‪.‬‬
‫ُوش‪ ،﴾13‬ويطرأ ع لى‬
‫م ْنف‬
‫ن ا ْل َ‬
‫ھكذا نجد القرآن يتحدّث عن تحوّ ل الجبال إلى ما يشبه القطن الناعم‪َ ﴿ :‬‬
‫ال كَا ْلع ْ‬
‫وتَكُونُ ا ْلجِ َب ُ‬
‫ِ‬
‫ِھ ِ‬
‫ض َ‬
‫ض‪ ،﴾14‬وينط فئ نور ال شمس وتتبخّ ر الب حار وتن كدر الن جوم‪﴿:‬إِ َ‬
‫غ ْي َر ْ‬
‫ل ْ‬
‫ذا‬
‫م ُت َب ﱠ‬
‫و َ‬
‫األرض تحوّ ل ال سابق له‪﴿ :‬يَ ْ‬
‫د ُ‬
‫األَ ْر ُ‬
‫األَ ْر ِ‬
‫ت َوإِ َ‬
‫وإِ َ‬
‫وم ا ْن َ‬
‫ت‪...﴾16‬‬
‫س ُ‬
‫ك َد َرت‪َ ﴿،﴾15‬‬
‫ذا ا ْلبِ َ‬
‫ج َر ْ‬
‫س ِّ‬
‫وّ َر ْ‬
‫الش ْ‬
‫ﱠ‬
‫ذا الن ُ‬
‫م ُ‬
‫ﱡج ُ‬
‫حا ُر ُ‬
‫ك ِ‬

‫الجنبة التربو ّية للمعاد‬
‫يستبطن المعاد جنبة تربويّة بارزة‪ ،‬وھي اإلرتباط الوثيق بين الحياتين الدنيا‬
‫‪349‬‬
‫واآلخرة‪ ،‬وقد ُعبّر عنھا في الحديث النبويّ الشريف‪) :‬الدنيا مزرعة اآلخرة(‪ ،17‬بل ك ّل أحاديث المعاد صدرت في إ طار‬
‫ھذه الجنبة‪.‬‬
‫ومفاد ھذه الفكرة أنّ ك ّل ما نفعله في دار الدنيا سنجده في تلك الدار‪ ،‬يقول تعالى‪:‬‬
‫ُم ْحضَراً‪﴿ ،﴾18‬فمن يعمل مثقال ذرّة خيراً يره‪ ،﴾19...‬وكذا في كثير من اآليات‪...‬‬

‫ك ﱡ‬
‫ر‬
‫ما عَ ِ‬
‫م تَجِ ُد ُ‬
‫ت ِ‬
‫و َ‬
‫ن َ‬
‫ملَ ْ‬
‫ْس َ‬
‫م ْ‬
‫﴿يَ ْ‬
‫خ ْي ٍ‬
‫ل نَف ٍ‬

‫ث ّم إ ّنه لش ّدة تأكيد القرآن على حضور األعمال يوم القيامة‪ ،‬ذھب بعضُ المفسّرين إلى ال قول بح ضورھا حقي قة‪ ،‬في ما ح مل‬
‫آخرون التعبير القرآنيّ على الم جاز‪ ،‬ألنّ األع مال تح صل في ا لدنيا وت فنى‪ ،‬في ما قال فر يق ثا لث إنّ صورتھا ھي ال تي‬
‫تحضر في اآلخرة‪ ،‬ولعلّه ھو األقرب!‬
‫وعلى ك ّل حال فالتعبير القرآنيّ صريح بأنّ ك ّل ما نعمله في الدنيا نجده في اآلخرة‪ .‬وما أبلغ التعبير ا لذي ا ستخدمه ال قرآن‬
‫في بيان ھذا المعنى‪ ،‬إذ يدعو اإلنسان إلى النظر في أعمال الدنيا على أ ّنھا واقعة في اآلخرة‪ ،‬حيث ي قول ت عالى‪:‬‬

‫و ْل َت ْنظُـ ْر‬
‫﴿ َ‬

‫ما َ‬
‫ت لِ َ‬
‫د‪.﴾20‬‬
‫ق ﱠ‬
‫غ ٍ‬
‫د َ‬
‫ْس َ‬
‫م ْ‬
‫نَف ٌ‬

‫المعاد والعلم الحديث‬
‫ُ‬
‫ط ِرحت في العصور القديمة إشكاالت حول المعاد‪ .‬وقد أعان العلم الحديث بتطوره على ح ّل ھذه اإلشكاالت‪ ،‬و ساعد ع لى‬
‫فھم المعاد بشكل عا ّم أكثر ممّا سبق‪.‬‬
‫‪350‬‬

‫فقد تو ّقف القدماء أمام مجموعة من تفاصيل المعاد‪ ،‬التي لم ت كن مقبو لة علمي ّا ً لديھم‪ ،‬بح يث أل جأھم ذ لك إ لى ضرب من‬
‫التأويل والتوجيه‪ ،‬كمسألة تحوّ ل األرض إلى دخان‪ ،‬ح يث كانوا يفتر ضون أنّ ن ظام األ فالك كان ع لى ھذه ال صورة م نذ‬
‫القدم وسيدوم عليھا إلى األبد‪ ،‬وكذا الكالم بالنسبة إلى ك ّل ما يشير إليه ال قرآن من ان قالب كو نيّ في أنظ مة الو جود ح يث‬
‫يطال التغيّر الشمس والنجوم والبحار‪...‬‬
‫أمّا في عصرنا الحالي وبعد اإلكتشافات العلميّة الحديثة‪ ،‬فإنّ ھذه المسائل أصبحت محلولة ومقبولة‪ ،‬ولم يعد الع لم الحد يث‬
‫معارضا ً لنظريّة المعاد بالشكل الذي طرحه القرآن وفھمه المفسّرون‪ ،‬فھذا العلم إن لم يؤيّدھا ويتوقعھا‪ ،‬فھو ع لى األ ق ّل ال‬
‫ينفيھا‪.‬‬
‫مرة أخرى( علم ّيا ً‬
‫رفع إستبعادات القيامة )الحياة ّ‬

‫‪21‬‬

‫‪ -1‬سبات الطبيعة ويقظتھا‪:‬‬
‫في الطبي عة من حول نا سبات ويق ظة يع مان المو جودات‪ ،‬ف في اإلن سان سبات ويق ظة خالل الل يل والن ھار‪ ،‬و في ب عض‬
‫الحيوانات كل س ّتة أشھر‪ ،‬كما في الطبيعة ذلك سنو ّيا ً‪.‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫إنسان يمثل سباتا في ال نوع اإلن ساني‪ ،‬ك ما أنّ والدة آ خر تمث ل يق ظة‬
‫كما أنّ ھناك سباتا ً ويقظة في النوع ككلّ‪ ،‬فإنّ موت‬
‫ٍ‬
‫لھذا النوع‪.‬‬
‫إذاً‪ ،‬إنّ مسار الطبيعة برمّته ھو عبارة عن تعاقب حاالت السبات واليقظة‪.‬والقرآن أ ّكد ھذا األمر واعتمد عل يه للتع بير عن‬
‫الموت والحياة‪ ،‬ليقول في ما بعد إنّ القيامة ليست إال واحدة من اليقظات أو اإلنقالبات‪ ،‬نعم ھي يقظة على مستوى‬
‫‪351‬‬
‫األرض والشمس والنجوم‪ ...‬ھي عبارة عن إنقالب أو يقظة أو حياة كليّة‪.‬‬
‫‪ -2‬ثبات الطبيعة وبقاؤھا‪:‬‬
‫باق ال يُعدم‪ ،‬وما نتخيّله من إنعدام ليس أكثر من إنحالل وتحوّ ل إلى شيء آخر‪.‬‬
‫إنّ ك ّل ما ھو موجود في ھذه الطبيعة ٍ‬
‫اكتسبوه‬
‫وما‬
‫آثارھم‬
‫باق في الطبيعة والوجود‪.‬‬
‫بيد‬
‫األفراد‬
‫وفي النتيجة إنّ اآلثار تبقى ماكثة‪ ،‬يموت‬
‫أنّ‬
‫ٍ‬
‫‪ -3‬تجدّد الحياة بعد الموت‪:‬‬
‫بدن م يت‬
‫من‬
‫سجة‬
‫األن‬
‫عة‬
‫زرا‬
‫في‬
‫كما‬
‫الموت‪،‬‬
‫بعد‬
‫الحياة‬
‫ّد‬
‫د‬
‫لتج‬
‫كثيرة‬
‫وأمثلة‬
‫نماذج‬
‫على‬
‫يعثر‬
‫إنّ المتابع لألبحاث العلميّة‬
‫ٍ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫في بدن حيّ بح يث ت عود ھذه األن سجة للح ياة‪ ،‬واإلح ياء م جدّدا ل من ي سجّل مي تا طبي ّا بالتنفس اإل صطناعيّ وال صعقة‬
‫الكھربائيّة وغيرھا‪ ،‬حيث تعود األجھزة‪ -‬من قبيل القلب وجھاز التن ّفس‪ -‬للعمل من جديد‪ .‬بل أ كثر من ذ لك‪ ،‬ف قد ت ّم إح ياء‬
‫أموات قد توفوا فعالً بالرصاص عبر ض ّخ األوكسجين وترميم األجزاء التالفة وتبديل الدم‪ ..‬كذلك نوم المرتاضين لعدّة أيّام‬
‫بل أشھر في القبر‪...‬‬
‫كلھا أمثلة على إمكانيّة تعطيل الحياة اإلنسانيّة وإحيائھا مجدّداً في شروط مالئ مة‪ ،‬بل إذا عمّم نا نظرت نا إ لى الح ياة بح يث‬
‫تشمل الحيوانات والنباتات‪ ،‬فسنجد أمثلة أبرز نشھد فيھا بقاء الحياة ونموّ ھا وتش ّكلھا مج ّدداً‪.‬‬
‫‪ -4‬الطبيعة واختزال األجيال وحفظھا‪:‬‬
‫ً‬
‫إ ّننا إذا تأمّلنا في الطبيعة لوجدنا فيھا قدرة على تكثيف عدّة أجيال واستخالصھا في بيئة صغيرة‪ ،‬كما أنّ فيھا قانو نا يح مي‬
‫ھذا التكثيف ويحافظ عليه‪ ،‬وھو ما يعبّر عنه القرآن ب‪) -‬القرار المكين(‪.‬‬
‫‪352‬‬
‫ھذا كلّه يندرج تحت النظري ّة العلمي ّة القائ مة ع لى أ ساس أنّ أي ّة قط عة من ج سم اإلن سان ت ستطيع أن تع يد إن تاج اإلن سان‬

‫األوّ ل عينه بشكله وصفاته وخواطره ذاتھا لو وضعت في مح يط منا سب ون مت‪ ،‬تما ما ً ك ما تف عل النط فة وال بذرة وال جذر‬
‫وغيرھا‪ ...‬وھذا الشخص سيكون وارثا ً للشخص الذي سبقه واستمراراً له‪.‬‬
‫ولو كان المحيط الجديد ينطوي على شروط أف ضل وتتوا فر ف يه لوازم أن سب من ت لك المو جودة في ا لدنيا‪ ،‬لح صل لت لك‬
‫ّ‬
‫المتمثلة بصورة ملكات وروحيّات مكت سبة‬
‫القطعة نموّ إستثنائيّ بحيث يرى الشخص الجديد نتاج وعواقب األعمال السابقة‬
‫ّ‬
‫حو وا سع و شديد ج ّداً‪ ،‬و ستبرز في و جود اإلن سان مكت سبات وتب عات ما تعا طاه اإلن سان مع المؤث رات الخارجي ّة‬
‫على ن ٍ‬
‫ّ‬
‫بحسب رد الفعل الصادر عنه والسلوك الذي انتھجه‪ ،‬وسيكون ل ھذه ال حاالت و ما أنت جه ال شخص أو المل كات والمكت سبات‬
‫إنعكاس في جميع أنحاء بدنه‪..‬‬
‫في النتيجة‪ :‬إن في الطبيعة قدرة على أن تختزل وتستخلص عدّة أجيال في نق طة صغيرة‪ ،‬ت ستودعھا الخلي ّة الحي ّة ھذه أو‬
‫النطفة والبيضة‪ .‬ث ّم إنّ ھذه األشياء ّ‬
‫تتنزل عن حدود الذرّ ة‪ -‬بمعناھا الكيميائيّ ‪ -‬لتبلغ حالة اإللكترون‪ ،‬وبالتالي تؤمّن لنف سھا‬
‫ّ‬
‫عندئذ حماية كاملة ومصونيّة تامّة‪ ،‬وتكون بمنأى عن تقلبات الھواء والبرد والح ّر والعوامل الميكانيكيّة‪.‬‬
‫وھكذا يكون إلحدى خاليا جسم اإلنسان‪ -‬التي تحمل جميعھا خصائصه‪ -‬مسؤوليّة إحياء كل فرد من أفراده‪ .22‬وھذه الخلي ّة‬
‫على غاية من الصغر ومحفوظة وفق ما ب ّي ّنا‪ ،‬بحيث لو افترضنا أن ذئبا ً أكل ھذا اإلنسان‪ ،‬ث ّم أكل النم ُر‬
‫‪353‬‬
‫ھذا الذئب‪ ،‬لبقيت ھذه الذرّ ة محفوظة في أي صورة كانت في أعماق الب حر أو أ عالي الج بال‪ ،‬فإ ّن ھا ستكون وار ثة لجم يع‬
‫خصوصيّات الشخصيّة ومكتسباتھا والذاكرة من بين ذلك‪ ،‬ثم في القيامة تح ّل حالة التمايز واإلنفصال‪ ،‬وتبدأ في ذ لك ال يوم‬
‫تلك الذرة المحفوظة بالنموّ لتنتج اإلنسان بكامل شخصيّته‪ .‬نعم قد يكون البدن الذي يعود فيه ھو بدن جديد فحسب‪.23‬‬
‫إنّ ھذا كلّه يثبت أ ّنه باإلمكان عودة اإلنسان بمعطياته واستعداداته وشخصيّته ذات ھا‪ .‬وي ّت ضح من خالل ذ لك أنّ ما نتخ ّي له‬
‫من فاصلة كبيرة ج ّداً بين الحياة والموت ليست كذلك‪ ،‬بل كأنّ الموت والحياة درج تان لحقي قة وا حدة‪ ،‬بح يث ي كون م صير‬
‫اإلنسان بعد القيامة بحسب ما كان عليه في الدنيا من عقيدة ومقصد ومسير‪ ،‬وما قام به من أفعال وأع مال‪ ،‬وطبي عة الحا لة‬
‫التي اعتمدھا في تنظيم نفسه واستكماله‪ ،‬إذ سيكون ذلك كلّه ميراثا ً يرجع إليه في القيامة مج ّدداً‪.‬‬
‫‪354‬‬

‫ﺧﻼﺻﺔ اﻟﺪرس‬
‫ إنّ المنھج الصحيح إلدراك المعاد وب ناء صيغته‪ ،‬ھو اإلعت ماد ع لى اآل يات القرآني ّة‪ ،‬دون اإلن طالق من خلفي ّات مع ّي نة‬‫نمارس على أساسھا االستدالل العلميّ والعقليّ ‪.‬‬
‫ يقيم القرآن الدليل على المعاد تارة انطالقا ً من التوحيد‪ ،‬فا حكيم ال يخلق شيئا ً عبثاً‪ ،‬و ھو قادر ع لى ب عث األ شياء ب عد‬‫ك أو ريب‪.‬‬
‫موتھا‪ ،‬وأخرى انطالقا ً من نظام الخلق والتكوين الذي يسير بشكل تدريجيّ نحو المعاد بال ش ّ‬
‫ إنّ ذھن اإلنسان قاصر عن تصوّ ر المعاد‪ ،‬ألنّ اإلنسان يعيش في محي طه وعال مه ا لذي يخت لف عن عالم الم عاد‪ .‬ول كن‬‫ھذا ال ّ‬
‫يؤثر في اعتقاد المسلم بالمعاد‪ ،‬إذ يكفيه االعتقاد به ضمن المقدار الذي أشار إليه القرآن ب غض الن ظر عن تفا صيله‬
‫وكيفيّته‪.‬‬
‫ يشير القرآن إلى المعاد على أ ّنه انقالب جذريّ وشامل بحيث يصعب على اإلنسان تصوّ ره‪.‬‬‫‪ -‬ت ش ّكل م سألة الم عاد عامالً تربوي ّا ً بامت ياز‪ .‬وال قرآن يؤك ّ د ع لى ھذا العا مل ع لى أ ساس أنّ األع مال في ا لدنيا سيجدھا‬

‫اإلنسان حاضرة في تلك الدار‪.‬‬
‫ أعان العلم ال حديث ع لى ف ھم مجمو عة من م سائل الم عاد‪ ،‬ا لتي كا نت ت ع ّد و فق ال قدماء م شكلة‪ .‬وب شكل عا ّم فإنّ الع لم‬‫الحديث إن لم يتبنّ مسائل المعاد فھو لم يعد ينفيھا‪ ،‬بل يرتفع من خالله اإلستبعاد للقيامة وللحياة مرّ ة أخرى‪.‬‬

‫أﺳﺌﻠﺔ اﻟﺪرس‬
‫‪ -1‬ما ھو المنھج الصحيح في إدراك المعاد؟‬
‫‪ -2‬كيف استدل القرآن على المعاد؟‬
‫‪ -3‬ما ھي الجنبة التربوية في المعاد؟‬
‫‪ -4‬ھل يجب على المسلم االعتقاد بتفاصيل المعاد؟‬
‫‪ -5‬ما ھو رأي العلم الحديث في المعاد؟‬

‫ﻫﻮاﻣﺶ‬
‫‪ -1‬لكون الحديث عنه يرجع إلى الحديث عن شيء لم نشھد له مثيال ً من قبل‪.‬‬
‫ي في اعتراضه على مسألة عودة األرواح إلى األبـدان؛ ح يث ت ساءل‬
‫ل أوّل من ذكر مسألة عدم ورود كلمة )المعاد( في النصوص اإلسالمية‪ ،‬العالمة المجلس ّ‬
‫‪ -2‬ولع ّ‬
‫ل على عودة األرواح لألجساد‪.‬‬
‫فيما إذا كانت ھناك كلمة باألصل تد ّ‬
‫ودونَ } األعراف‪ ،29 /‬فھي وإن دل ّت على العود‪ ،‬إال أنّھا لم تذكر "المعا د" بھـذا الـوزن بمعـنى زمـان أو‬
‫‪ -3‬وأما استخدام القرآن لكلمة "تعودون" كما في { َك َ‬
‫ما بَ َدأَك ْ‬
‫ُم تَ ُع ُ‬
‫مكان العود‪.‬‬
‫‪ -4‬الرعد‪.36:‬‬
‫‪ -5‬العلق‪.8:‬‬
‫‪ -6‬النجم‪.42:‬‬
‫‪ -7‬المؤمنون‪.115/‬‬
‫‪ -8‬الروم‪.27 :‬‬
‫‪ -9‬الحج‪.5:‬‬
‫‪-10‬‬
‫‪-11‬‬
‫‪-12‬‬
‫‪-13‬‬

‫المؤمنون‪.16-15 /‬‬
‫كما نجد ذلك في األمثلة التي يطرحھا القرآن عن المعاد‪ ،‬فإنّھا ترتبط بعالم غريب عن تصوّر ذھننا‪.‬‬
‫سورة األعراف‪.187 :‬‬
‫سورة القارعة‪.5 :‬‬

‫‪ -14‬سورة ابراھيم‪.48 :‬‬
‫‪ -15‬سورة التكوير‪.2-1:‬‬
‫‪ -16‬سورة التكوير‪.6:‬‬
‫‪ -17‬بحار األنوار ج‪ ،67‬ص‪.225‬‬
‫‪ -18‬آل عمران‪.30:‬‬
‫‪ -19‬الزلزلة‪.8-7/‬‬
‫ت لِغَـ ٍد َواتﱠ ُقـوا ﷲ‬
‫ـس َمـا قَـ ﱠد َم ْ‬
‫ل ما نبعثه زاداً إلى تلك الدار‪{ :‬يَا أَيﱡ َھا الﱠذ َ‬
‫‪ -20‬الحشر‪ .18 /‬وتُلفت ھذه اآلية إلى ضرورة مراعاة الدقّة في ك ّ‬
‫ِين آ َم ُنـوا اتﱠ ُقـوا ﷲ َو ْل َت ْنظُـ ْر نَ ْف ٌ‬
‫ملُونَ }‪.‬‬
‫د أن نخلص العمل ونضع ﷲ نصب أعيننا‪ ،‬فإ ّ‬
‫ن الناقد بصير‪{ ،‬إِنﱠ ﷲ َ‬
‫ما تَ ْع َ‬
‫ير بِ َ‬
‫} مؤكّد ًة على المراعاة بتكرار قوله )اتقوا ﷲ(‪ ،‬فال ب ّ‬
‫خبِ ٌ‬
‫ھري من خالل المداخالت التي جـرت بينـه وب ين ھـذا‬
‫‪ -21‬ھذا الكالم ذكره المھندس بازركان في كتابيه )الطريق القويم( و )درس التديّن(‪ ،‬وقد تعرّض لھا الشھيد مط ّ‬
‫المھندس خالل ھذه البحوث‪.‬‬
‫ح اإلشكال بأنّه ما دامت خصائص اإلنسان تتـوزّع‬
‫‪ -22‬إذاً تكون خليّة واحدة من بين الخاليا التي كانت تحمل خصائص اإلنسان ھي المسؤولة عن إحيائه‪ ،‬ولذلك ال يص ّ‬
‫دث فــي ح شر‬
‫على الخاليا كل ّھا‪ ،‬فما الذي يمنع أن يحشر من ك ّ‬
‫ل إنسان شخصيّات كثيرة‪ ،‬كما تنبـت مـن أ قالم األشـجار المغروسـة أشـجار كثـيرة؟ والقـرآن ال يتحـ ّ‬
‫اإلنسان الواحد عن أكثر من شخصيّة واحدة‪.‬‬
‫ل شبھة اآلكل وال مأكول‬
‫دل بدننا في حياتنا مرات عديدة‪ ،‬من دون أن يؤث ّر ذلك في كوننا ذاتنا‪ ،‬وبھذا تنح ّ‬
‫‪ -23‬وھذا ال يضرّ في كون الُمعاد ھو نفس الشخص‪ ،‬فنحن نب ّ‬
‫التي طُرحت في الكتب الكالميّة وغيرھا‪...‬‬

‫اﻟﺪرس اﻟﺜﺎﻟﺚ واﻟﻌﺸﺮون‪ :‬ﻋﺎﻟﻢ اﻟﺒﺮزخ‬
‫أھداف الدرس‬
‫‪ -1‬فھم نظرة الطب والقرآن للموت‪.‬‬
‫‪ -2‬القدرة على شرح بعض اآليات الحاكية عن الحياة بعد الموت‪.‬‬
‫‪ -3‬تعداد أصناف البشر بعد الموت‪.‬‬
‫‪ -4‬فھم إشكال الكفار حول الموت والقدرة للرد عليه‪.‬‬
‫‪357‬‬

‫تمھيد‪:‬‬
‫نعتقد‪ -‬نحن المتديّنين‪ -‬أنّ اإلنسان بعد أن يموت سوف يُبعث في يوم القيا مة يوم الج مع األ كبر‪ .‬ل كن ھ ناك فا صلة زمني ّة‬
‫طويلة بين الموت والقيامة تمت ّد آالف بل ربما ماليين السنين‪ ،‬فكيف تكون الحال في ھذه الفاصلة؟‬
‫ھل ھي سكونٌ عظيم يشبه السُبات؟ أم ھي لون آخر من ألوان الحياة؟‬
‫إنّ معرفة ما يدور في ھذه الفترة يسوقنا إلى نتيجتين مھمّتين‪:‬‬
‫‪ -1‬إنّ ھذه المعرفة بذاتھا ھي تعبير عن جزء من عوالم ما بعد الموت‪.‬‬
‫‪ -2‬تش ّكل ھذه المعرفة إلى ح ّد كبير قرينة تساعد على فھم القيامة نفسھا‪.‬‬
‫نظرة القرآن ونظرة الطب‬
‫َ‬
‫الموت تلفا ً وفساداً لإلنسان‪ ،‬فيكون شبيه اآللة إذا عط بت أو‬
‫ال ينظر الطبّ إلى اإلنسان إال باعتباره جسماً‪ ،‬ولذا فھو يعتبر‬
‫الجسم الطبيعيّ إذا تحلّل‪ ،‬حيث يفقد بذلك ھويّته وشخصيّته وال يعود إليھا أبدا‪ً.‬‬
‫‪359‬‬
‫أمّا القرآن الكريم فينظر إلى ھذه األمور بشكل أعمق‪ ،‬ويراھا على حقيقتھا‪ ،‬فالموت في المنطق القرآنيّ ليس تلفا ً وفساداً‬
‫مكان جديد يبقى فيه اإلنسان ح ّيا ً إلى يوم القيامة‪ ،‬حيث إنبعاث البشر من القبور أحيا ًء‬
‫وصرف انھدام‪ ،‬بل ھو انتقال إلى‬
‫َ‬
‫ٍ‬
‫وحيث الحشر‪ .‬وسنتعرّ ض إلى تفصيل ذلك في ما يلي‪.‬‬
‫القرآن والحياة بعد الموت‬
‫تشير مجموعة من اآليات القرآنيّة إلى حقيقة الفترة الفاصلة بين الموت والقيامة‪ ،‬وإلى أنّ اإلنسان يكون ح ّيا ً في ھذه‬
‫الفترة‪ .‬وتستمرّ حال اإلنسان ھذه إلى يوم القيامة‪ ،‬حيث يعيش في عالم أطلق عليه القرآن اسم )البرزخ(‪ ،‬وتبعت القرآن‬
‫الكريم على ذلك األحاديث وكلمات العلماء‪.‬‬
‫والبرزخ في اللغة ھو الحائل والفاصل بين شيئين‪ .‬وفي القرآن تشير ھذه الكلمة إلى فترة ما بعد الموت إلى يوم البعث‪﴿ :‬‬
‫ت في المستقبل( بقرينة‪﴿:‬‬
‫ِن َو َرائ ِِھ ْم َب ْر َز ٌخ إِلَى يَ ْو ِم ُي ْب َع ُثونَ ‪ ،﴾1‬وبالطبع فإنّ كلمة )وراء( استعملت بمعنى‪) :‬ما ھو آ ٍ‬
‫َ‬
‫وم ْ‬
‫م ُي ْب َ‬
‫ع ُثونَ ﴾‪.‬‬
‫إِلَى يَ ْ‬
‫و ِ‬

‫ونستعرض في ما يلي اآليات التي أشارت إلى حياة اإلنسان في عالم البرزخ‪:‬‬

‫‪ -1‬الوفاة‪:‬‬
‫و ﱠ‬
‫َ‬
‫يعتبر القرآن‬
‫ُم‪ ،﴾2‬وفي آية‬
‫ك ا ْل َ‬
‫ُم َ‬
‫م ْوتِ الﱠذِي ُوكِّ َ‬
‫ُل َي َت َ‬
‫ل بِك ْ‬
‫الموت وفاة‪ ،‬يقول تعالى‪﴿:‬ق ْ‬
‫فا ك ْ‬
‫ملَ ُ‬
‫و ﱠ‬
‫منِين‪.﴾3‬‬
‫م ْؤ ِ‬
‫ت أَنْ أَ ُ‬
‫ُم َو ُأ ِ‬
‫كونَ م َ‬
‫الﱠذِي يَ َت َ‬
‫فاك ْ‬
‫ِن ا ْل ُ‬
‫م ْر ُ‬

‫ِن أَعْ ُب ُد ﷲ‬
‫أخرى‪َ ...﴿:‬‬
‫ولَك ْ‬

‫‪360‬‬
‫فيستخدم مشتقات مادّة )وفى(‪ ،‬ومعناھا‪) :‬إستيفاء الشيء وقبضه بتمامه(‪ 4‬بإجماع أھل اللغة‪ ،‬فالمعنى أنّ ﷲ يأخذ األنفس‬
‫بتمامھا وكمالھا عندما يحين أجلھا‪.‬‬
‫وال تعني ھذه المادة الفوت والھالك والزوال‪ -‬كما قد يتوھّمه البعض‪ -‬وال ربط لھا بذلك‪.‬‬
‫والقرآن في إحدى ھذه اآليات يردف الموت بالنوم‪ ،‬ويعتبر أ ّنھما معا ً من نوع تو ّفي النفس وعزلھا‪ ،‬ونحو من اإلنفصال‪﴿ :‬‬
‫و ﱠ‬
‫فى ْ‬
‫ھا‪...﴾5‬‬
‫م َنا ِ‬
‫م َ‬
‫م ْوتِ َ‬
‫ت فِي َ‬
‫ِين َ‬
‫ﷲ يَ َت َ‬
‫ھا َوالﱠتِي لَ ْ‬
‫ُس ح َ‬
‫األَ ْنف َ‬
‫م ْ‬
‫م تَ ُ‬
‫نعم! يمسك ﷲ التي قُضي عليھا الموت بحيث تكون الوفاة تامّة‪َ ﴿ :‬‬
‫ك الﱠتِي َ‬
‫ت﴾‪ ،‬وتؤجَّ ل األخرى‪،‬‬
‫م ِ‬
‫ھا ا ْل َ‬
‫قضَى عَ لَ ْي َ‬
‫م ْو َ‬
‫ف ُي ْ‬
‫س ُ‬
‫ِل ْ‬
‫ى﴾‪.‬‬
‫خ َرى إِلَى أَ َ‬
‫بحيث تكون الوفاة مؤ ّقتة‪َ ﴿:‬‬
‫م َ‬
‫األُ ْ‬
‫س ّ‬
‫م ً‬
‫ل ُ‬
‫و ُي ْرس ُ‬
‫ج ٍ‬

‫فالنوم الذي ال ندرك من حقيقته سوى ضعف شعور اإلنسان بحيث يكون منقطعا ً عن واقعنا‪ ،‬يفسّره القرآن على أ ّنه نوع‬
‫من عزل النفس المؤقت‪.‬‬
‫والموت حالة شبيھة بھذه الحالة وليس ھو ھالكا ً وفساداً وتلفا ً‪.‬‬
‫‪ -2‬التصريح بالحياة‪:‬‬
‫من أصرح اآليات الدالّة على عدم الفناء والحياة بعد الموت‪ ،‬قوله‬
‫َش ُع ُرونَ ‪ ،﴾6‬كما َتكرّ ر مفادھا في آية ثانية‪.‬‬
‫ِن ال ت ْ‬
‫ل أَ ْ‬
‫حيَا ٌء َولَك ْ‬
‫بَ ْ‬

‫ات‬
‫م َ‬
‫تعالى‪َ ﴿:‬‬
‫ل فِي َ‬
‫وال تَقُولُوا لِ َ‬
‫يل ﷲ أَ ْ‬
‫م ْ‬
‫و ٌ‬
‫ن ُي ْق َت ُ‬
‫سبِ ِ‬

‫‪361‬‬
‫وھذه اآلية واضحة في الداللة على الحياة بعد الموت‪ ،‬بل ال تدانيھا بصراحتھا آية أخرى‪.‬‬
‫لكن الذين أنكروا الحياة بعد الموت أوّ لوا اآلية وحملوھا على المجاز‪ ،‬فقالوا إ ّنھا بمعنى أنّ الشھداء يبقون بعد موتھم أحياء‬
‫في قلوب الناس‪ ،‬أي إنّ ذكر الشھداء وأسمائھم خالدة حي ّة بعد فقدھم‪ ،‬فھي من قبيل التعبير‪) :‬أعيانھم مفقودة وأمثالھم في‬
‫القلوب موجودة(‪_-7‬مصدر_نھج_البالغة‪_،‬قصار_الحكم‪_،‬الحكمة_‪.147.7‬‬
‫وفي الواقع ھذا الكالم في غير محلّه‪:‬‬
‫أوالً‪ :‬إنّ تعبير اآلية الكريمة في ذيلھا ﴿ولكن ال تشعرون﴾ ينافي تماما ً ما ُذكِر‪ ،‬إذ لو كان المعنى أ ّنه مع عدم حياتھم فإ ّنھم‬
‫ما زالوا خالدين في النفوس والقلوب‪ ،‬فيشعر الناس بھم كأ ّنھم أحياء‪ ،‬فكيف يعود ليخاطبھم القرآن بأنه ﴿ولكن ال تشعرون‬
‫﴾؟!‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ﱠ‬
‫ُ‬
‫‪:‬‬
‫تعالى‬
‫قوله‬
‫وھي‬
‫اآلية‪،‬‬
‫ھذه‬
‫مفاد‬
‫رت‬
‫التي‬
‫الثانية‬
‫اآلية‬
‫‪:‬‬
‫ا‬
‫ثاني‬
‫ل‬
‫ب‬
‫ا‬
‫ات‬
‫و‬
‫م‬
‫أ‬
‫ﷲ‬
‫يل‬
‫ب‬
‫س‬
‫ِي‬
‫ف‬
‫ُوا‬
‫ل‬
‫ت‬
‫ق‬
‫ِين‬
‫ذ‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ن‬
‫ب‬
‫س‬
‫َح‬
‫ت‬
‫ال‬
‫و‬
‫﴿‬
‫إنّ‬
‫كرّ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ْ َ‬
‫َ‬
‫َ ْ‬
‫ْ َ َ ﱠ‬
‫َ ِ ِ‬
‫م ُي ْر َزقُونَ َ‬
‫ِن َ‬
‫ف‬
‫ف ْ‬
‫ع ْن َ‬
‫س َت ْب ِ‬
‫حيَا ٌء ِ‬
‫ضلِ ِ‬
‫خ ْو ٌ‬
‫م أَ ﱠال َ‬
‫م يَ ْل َ‬
‫ش ُرونَ بِالﱠذ َ‬
‫ِن َ‬
‫ِين لَ ْ‬
‫ِين بِ َ‬
‫رح َ‬
‫أَ ْ‬
‫ِھ ْ‬
‫مم ْ‬
‫ه َويَ ْ‬
‫ھ ْ‬
‫ُم ﷲ م ْ‬
‫ھ ْ‬
‫ما آتَاھ ُ‬
‫ف ِ‬
‫د َربِّ ِ‬
‫خ ْلف ِ‬
‫حقُوا بِ ِ‬
‫‪8‬‬
‫َعلَ ْي ِھ ْم َوال ھُ ْم يَ ْح َزنُونَ ﴾‪ ،‬إنّ ھذه اآلية تتحدّث بصراحة عن أنّ ھؤالء الشھداء بعد موتھم يُرزقون ويفرحون‬

‫ويستبشرون‪ ،‬وھذا يتنافى مع القول بأنّ حياتھم مجرّ د خلود أسمائھم في القلوب‪.‬‬

‫ث ّم إنّ البعض ادّعى اختصاص ھذه الحياة بالشھداء‪ ،‬ألنّ ھذه اآلية خاصّة بھم‪.‬‬
‫‪362‬‬
‫ولكن نقول‪ :‬صحيح أنّ تلك الحالة من الرزق والفرح واإلستبشار خاصّة بالشھداء‪ ،‬إال أ ّنه من غير المحتمل في المقابل‬
‫أن تكون األصناف األخرى من البشر‪ -‬غير الشھداء‪ -‬يل ّفھا سكون وفناء مطلق‪ ،‬بل ال ب ّد أ ّنھم يعيشون حياة تتناسب مع ما‬
‫ّ‬
‫استحق الشھداء ھذا النوع من الحياة‪.‬‬
‫يليق بما عملوه في ھذه الدنيا‪ ،‬كما‬
‫فاآلية حينما تشير إلى الحياة السعيدة التي يحياھا الشھداء بعد موتھم‪ ،‬فھي تنبّه إلى أنّ لكل بني البشر حيا ًة بعد الموت‬
‫تناسب ما عملوه في الدنيا‪.‬‬
‫‪ -3‬حوار المالئكة واألموات‪:‬‬
‫و ﱠ‬
‫مالئِكَةُ‬
‫م ا ْل َ‬
‫ِين تَ َ‬
‫تشير اآليات القرآنيّة إلى حوار يجري بين المالئكة وبين جماعة من األشقياء‪ ،‬يقول تعالى‪﴿ :‬إِنﱠ الﱠذ َ‬
‫فاھُ ُ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫األَ ْرضِ َ‬
‫م َ‬
‫ِين فِي ْ‬
‫س َ‬
‫ج ُروا‬
‫ض َ‬
‫قالُوا ُ‬
‫م ُ‬
‫س َت ْ‬
‫ھا ِ‬
‫ض ﷲ َوا ِ‬
‫عة ف ُت َ‬
‫عف َ‬
‫قالُوا فِي َ‬
‫م تَك ْ‬
‫قالُوا أَلَ ْ‬
‫م ْ‬
‫ك ْن ُت ْ‬
‫ِھ ْ‬
‫ُن أَ ْر ُ‬
‫ك ﱠنا ُ‬
‫ظَالِمِي أَ ْن ُفس ِ‬
‫‪9‬‬
‫ھا َ‬
‫ت َمصِيراً ﴾‪ ،‬وھذا الحوار خير دليل على أنّ ھؤالء يعيشون ضربا ً من الحياة‪.‬‬
‫ج َ‬
‫م ْأ َ‬
‫فِي َ‬
‫و َ‬
‫م َ‬
‫ف ُأولَئِ َ‬
‫م َ‬
‫ك َ‬
‫سا َء ْ‬
‫واھُ ْ‬
‫ھ ﱠن ُ‬

‫كما ورد حوار آخر بين المالئكة وجماعة من الطيّبين بعد الموت مباشرة‪ ،‬ويد ّل على المراد أيضا ً بوضوح‪ ،‬جاء في‬
‫و ﱠ‬
‫ج ﱠن َ‬
‫ملُونَ ‪.﴾10‬‬
‫ما ُ‬
‫ين َيقُولُونَ َ‬
‫م ا ْل َ‬
‫م تَ ْع َ‬
‫ْخلُوا ا ْل َ‬
‫ة بِ َ‬
‫مالئِكَةُ طَ ِي ّ ِب َ‬
‫ِين تَ َت َ‬
‫اآليات الشريفة‪﴿:‬الﱠذ َ‬
‫ك ْن ُت ْ‬
‫سال ٌ‬
‫فاھُ ُ‬
‫ُم اد ُ‬
‫م عَ لَ ْيك ُ‬
‫كما تصرّ ح مجموعة آيات أخرى بأنّ بعض األموات عندما يرى وضعه وخيماً‪ ،‬يطلب العودة إلى الدنيا ليعمل الصالحات‪:‬‬
‫صالِحاً‬
‫ن لَ َ‬
‫عو ِ‬
‫ب ا ْر ِ‬
‫﴿ َر ّ ِ‬
‫ج ُ‬
‫علِّي أَعْ َ‬
‫ل َ‬
‫م ُ‬

‫‪363‬‬
‫أمان وطلبات‪...‬‬
‫ْت‪ ،﴾11‬وھذا يد ّل على أنّ اإلنسان يبقى ح ّيا ً بعد موته‪ ،‬فيكون له شعور وإدراك‪ ،‬بل يكون له‬
‫فِي َ‬
‫ما تَ َرك ُ‬
‫ٍ‬
‫‪ -4‬مؤمن آل ياسين‪:‬‬
‫يذكر القرآن في سورة ياسين )يس( قصّة رجل آمن بالرسل الثالثة الذين أُرسلوا إلى قريته وقام بتبليغ رسالتھم اإللھيّة‪.12‬‬
‫ة َ‬
‫ت َ‬
‫ج ﱠن َ‬
‫مي‬
‫ق ْو ِ‬
‫ل ا ْل َ‬
‫قا َ‬
‫يتحدّث القرآن عن أ ّنه وبعد أن قُتل أُدخل مباشرة إلى ج ّنة في عالم البرزخ‪﴿ :‬قِي َ‬
‫ل يَا لَ ْي َ‬
‫ل ا ْد ُ‬
‫خ ِ‬
‫ما َ‬
‫غ َ‬
‫ِين‪ .﴾13‬وحيا ُته في ج ّنة بعد موته مباشرة‪ ،‬وتأ ّسفُه على قومه وتم ّنيه أن‬
‫م ْ‬
‫ج َ‬
‫َي ْ‬
‫علَنِي ِ‬
‫ك َرم َ‬
‫م َ‬
‫و َ‬
‫مونَ بِ َ‬
‫ف َر لِي َربِ ّي َ‬
‫ن ا ْل ُ‬
‫علَ ُ‬
‫يھتدوا لينالوا مثلھا‪ ،‬خي ُر دليل على الحياة بعد الموت وقبل القيامة‪.‬‬
‫وھنا نلفت إلى أ ّنه ليس من الغريب أن يدخل مؤمن آل ياسين الج ّنة قبل يوم القيامة‪ ،‬إذ اآليات القرآنيّة ال تتحدّث عن ج ّنة‬
‫واحدة فقط بل عن ج ّنات متعدّدة‪ ،‬فھناك )ج ّنة الخلد(‪ ،‬و)ج ّنة عدن(‪ ،‬و)ج ّنة ﷲ( التي ھي فوق بقيّة الجنان‪...‬والذي يفھم‬
‫من القرآن أنّ الج ّنة ليست مكانا ً يختصّ باآلخرة‪ .‬وقد نقل الفريقان‪ ،‬الس ّنة والشيعة‪ ،‬الحديث عن النبيّ صلى ﷲ عليه وآله‬
‫وسلم‪):‬القبر إمّا روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران(‪ ،14‬فالمراد ج ّنة البرزخ أو ناره ال اآلخرة‪.‬‬
‫‪ -5‬المشاھدة في اللحظات األخيرة‪:‬‬
‫ورد في مقطع من آيات سورة الواقعة إشارة إلى الفترة األخيرة من حياة اإلنسان في الدنيا‪ ،‬ولحظات إنتھاء ھذه الحياة‪﴿ :‬‬
‫َ‬
‫وال إِ َ‬
‫ذا بَلَ َ‬
‫م‬
‫غ ِ‬
‫ْح ْلقُو َ‬
‫فلَ ْ‬
‫م َوأَ ْن ُت ْ‬
‫ت ال ُ‬

‫‪364‬‬
‫ص ُرونَ ‪.﴾15‬‬
‫ذ تَ ْن ُ‬
‫ِن ال تُ ْب ِ‬
‫ه ِ‬
‫ب إِلَ ْي ِ‬
‫حِي َنئِ ٍ‬
‫ظ ُرونَ َون ْ‬
‫ُم َولَك ْ‬
‫م ْنك ْ‬
‫ن أَ ْق َر ُ‬
‫َح ُ‬

‫في ھذا المقطع يذكر القرآن أنّ الح ّد الفاصل واألخير بين الحياة والموت ھو بلوغ الروح الحلقوم‪ ،‬حيث ال يمكن إعادة‬
‫الحياة للمحتضر عندما تبلغ ذلك المكان‪ -‬كما يستفاد من األخبار والروايات‪ -‬وأنّ اإلنسان في ھذه الحالة يعيش حالتين‪ :‬من‬
‫ناحية ھو ينظر إلى ھذه الدنيا ومن حوله من الناس‪ ،‬ومن ناحية أخرى يعاين بعضا ً من معالم العالم اآلخر فيشاھد وضعه‬
‫ّ‬
‫الحق‪.‬‬
‫ھناك‪ ،‬فيرى أعماله واألشياء بصورة مثاليّة‪ ،‬كما يرى المالئكة وأولياء‬
‫وفي النتيجة‪ ،‬تشير ھذه اآليات إلى خروج النفس أو الروح من البدن تدريج ّيا ً حتى تصل إلى الحلقوم‪ ،‬المرحلة الحاسمة‬
‫التي يعاين فيھا الميت عالمه القادم فضالً عن الحالي‪ .‬وھذه الحالة ھي حالة الموت‪ .‬وعلى ضوئھا ي ّتضح أنّ ماھية الموت‬
‫قرآن ّيا ً ھي اإلنفصال واإلنقطاع‪ ،‬وليس الفناء واإلندثار‪.‬‬
‫‪ -6‬تصنيف البشر‪:‬‬
‫يص َّنف البشر بعد موتھم مباشرة إلى ثالثة أصناف‪:‬‬
‫أ‪ -‬المقرّ بون‪ :‬وھم الذين سبقوا إلى الخيرات في الحياة الدنيا‪.‬‬
‫ب‪ -‬أصحاب اليمين‪ :‬وھم أدنى درجة من سابقيھم‪.‬‬
‫ّ‬
‫المكذبين الضالين‪.‬‬
‫ج‪ -‬أصحاب الشمال‪ :‬وھم األشقياء الذين كانوا من‬
‫واآليات في سورة الواقعة تشير إلى ھذا التصنيف‪َ ﴿ :‬‬
‫ين َ‬
‫م َ‬
‫ما إِنْ‬
‫ف َر ْو ٌ‬
‫حانٌ َ‬
‫ح َو َر ْي َ‬
‫ما إِنْ كَانَ م َ‬
‫و َ‬
‫ق ﱠربِ َ‬
‫ف َأ ﱠ‬
‫ِيم َوأَ ﱠ‬
‫ت نَع ٍ‬
‫ِن ا ْل ُ‬
‫ج ﱠن ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِين َ‬
‫ك ِّ‬
‫م َ‬
‫ِن‬
‫ين ال ﱠ‬
‫حابِ ا ْليَ ِ‬
‫ف َ‬
‫م لَ َ‬
‫ص َ‬
‫ضال ّ َ‬
‫ذبِ َ‬
‫ما إِنْ كَانَ م َ‬
‫ص َ‬
‫ِن أَ ْ‬
‫كم ْ‬
‫ِن أَ ْ‬
‫لم ْ‬
‫ين َوأ ﱠ‬
‫كَانَ م ْ‬
‫ِين ف ُن ُز ٌ‬
‫سال ٌ‬
‫ِن ا ْل ُ‬
‫م ِ‬
‫حابِ ا ْليَم ِ‬
‫‪16‬‬
‫ح‬
‫ج‬
‫ة‬
‫ُ‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ص‬
‫ت‬
‫و‬
‫يم ﴾‪.‬‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫حمِي ٍ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ٍ‬
‫َ‬

‫‪365‬‬
‫وتأتي ھذه اآليات عقب اآليات التي تحدّثت عن وصول الروح إلى الحلقوم‪ ،‬والتعبير عند التصنيف فيھا ب‪)-‬أمّا(‪ ،‬التي‬
‫تد ّل على اإلتصال في اللغة‪ ،‬يشير إلى أنّ ھذا التصنيف يصار إليه مباشرة بعد الموت بال أيّ تأخير وال حالة منتظرة‬
‫ساكنة‪ ،‬أي قبل يوم القيامة‪.‬‬
‫كما أنّ ھذه اآليات أشارت إلى مرحلتين من الثواب والعقاب‪ ،‬تكون المرحلة األولى منھما بمنزلة المقدمة للثانية‪:‬‬
‫بالنسبة للمقربين فھم في)روح وريحان( في مرحلتھم األولى‪ -‬أي في عالم البرزخ‪ -‬وفي الثانية‪ -‬أي في يوم القيامة‪ -‬في‬
‫ّ‬
‫)ج ّنة نعيم(‪ .‬أمّا‬
‫المكذبون فيُستقبلون أوّ الً في ) ُن ُزل من حميم(‪ ،17‬إلى أن يأتي يوم القيامة ليساقوا إلى ) َتصْ لِ َية جحيم(‪ .‬ولم‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫تشِ ر اآليات إلى مصير أصحاب اليمين تفصيال‪ ،‬سوى أنھم في مأمن وسالم‪.‬‬
‫من ذلك كلّه نستفيد وجود حياة بعد الموت مباشرة تستمرّ إلى يوم القيامة‪ ،‬حيث الحساب بالكمال والتمام‪.‬‬
‫‪ -7‬النفس المطمئ ّنة‪:‬‬
‫م ْ‬
‫ضيَ ًة َم ْرضِيﱠ ًة‪ .﴾18‬وھذا‬
‫ك َرا ِ‬
‫جعِي إِلَى َربِّ ِ‬
‫مئِ ﱠنة ا ْر ِ‬
‫في سورة الفجر‪ ،‬يخاطب ﷲ النفس بعد موتھا‪﴿ :‬يَا أَيﱠ ُت َ‬
‫ط َ‬
‫ْس ا ْل ُ‬
‫ھا ال ﱠنف ُ‬
‫الخطاب ال يمكن أن يكون إال مع كائن مدرك وحيّ ‪ ،‬وإال فال معنى للخطاب مع معدوم قد تالشى‪.‬‬

‫كما أنّ اطمئنان النفس الذي تشير إليه اآلية ال يمكن أن يت ّم إال بذكر‬

‫‪366‬‬
‫ر ﷲ تَ ْ‬
‫مئِنﱡ‬
‫﴿أَال بِ ِ‬
‫ط َ‬
‫ذ ْك ِ‬

‫ﷲ‪:‬‬
‫حيّ مدرك وعارف‪.‬‬

‫ُوب‪ ،﴾19‬وھذا الذكر ينطلق على أساس اإليمان والمعرفة التامّة‪ ،‬فال يكون إال من كائن‬
‫ا ْل ُقل ُ‬

‫كذلك طلب الرجوع إلى ﷲ من ھذه النفس ال يكون له معنى إذا كانت تذوي وتتالشى وتسير نحو الفناء واإلنتھاء‪.‬‬
‫وجودي‪:‬‬
‫‪ -8‬الموت أمر‬
‫ّ‬
‫يتعاطى القرآن مع الموت على أنّ له َم َلكا ً معيّنا ً ومالئكة مخصّصين‪ ،‬تماما ً كما يتعامل مع الحياة‪ .‬ولو كان الموت نھاية‬
‫الحياة فال معنى لبعث رسل ومالئكة تقوم بالقبض والتو ّفي وما إلى ھنالك‪.20‬‬
‫نعم‪ ،‬يذكر القرآن أنّ الرزق ينعدم بعد الموت مباشرة‪ ،21‬مع أنّ الرزق من خصائص الحياة‪ .‬إال أنّ ذلك في الواقع ال يعني‬
‫أن الميت يفنى‪ ،‬بل ذلك ألن الموت ّ‬
‫يمثل حالة أقوى وأش ّد وأكثر نورانيّة من الحياة العاديّة‪ ،‬فھو ليس بحاجة إلى رسل‬
‫رزق أصالً‪ ،‬لكونه أسمى من الحياة العاديّة وليس لكونه فنا ًء وانتھا ًء‪.‬‬
‫ويمكن تشبيه ھذه الحالة بخروج الجنين من رحم أمّه‪ ،‬حيث ينتقل إلى حياته الطبيعيّة التي ھي أش ّد من حياته الجنينيّة‪،‬‬
‫وھذا يت ّم دون أن ُتسلب منه حياته السابقة‪.‬‬
‫مرتين‪:‬‬
‫‪ -9‬الموت والحياة ّ‬
‫ورد في اآلية الشريفة على لسان المنتظرين ليوم القيامة‪:‬‬

‫﴿ َ‬
‫م ﱠت َنا‬
‫قالُوا َربﱠ َنا أَ َ‬

‫‪367‬‬
‫فاعْ َت َر ْف َنا بِ ُذ ُنوبِ َنا َ‬
‫ن َ‬
‫س ِبيل‪ .﴾22‬في اآلية إشارة وداللة على الموت والحياة‬
‫ف َ‬
‫ِن َ‬
‫ن َوأَ ْ‬
‫ھ ْ‬
‫خ ُروجٍ م ْ‬
‫ل إِلَى ُ‬
‫ح َي ْي َت َنا ا ْث َن َت ْي ِ‬
‫ا ْث َن َت ْي ِ‬
‫مرّتين‪ ،‬ولو لم يكن ھناك برزخ لقالوا‪) :‬ربّنا أم ّتنا مرّ ة واحدة‪ ،‬وأحييتنا مرّ ة واحدة(‪ .‬فاآلية تد ّل على وجود عالمين قبل‬
‫يوم القيامة‪ :‬عالم الدنيا والطبيعة‪ ،‬وعالم البرزخ‪ ،‬فاإلنسان يكون ح ّيا ً ث ّم يغادر ھذه الدنيا‪ ،‬فيحيا في البرزخ‪ ،‬وعندما يحين‬
‫موعد القيامة يغادر البرزخ ليحيا في عالم ثالث جديد‪.23‬‬

‫ث ّم إنّ ك ّل حياة جديدة ّ‬
‫تمثل الموت بالنسبة إلى سابقتھا‪ .‬فعندما يغادر اإلنسان ھذا العالم إلى البرزخ بالموت‪ ،‬يع ّد ميتا ً في‬
‫ھذه الحياة الدنيا وح ّيا ً حسب البرزخ‪ ،‬وعندما ينھض في القيامة فكأ ّنه مات في البرزخ وأُحيي فيھا‪ .‬فالحياة في البرزخ‬
‫موت الدنيا‪ ،‬كما أنّ حياة القيامة موت البرزخ‪.‬‬
‫‪ -10‬إشكال الك ّفار‪:‬‬
‫يبيّن القرآن في آياته اشكاالً للكفّار على البعث‪ ،‬وذلك قولھم المحكيّ في القرآن‪:‬‬
‫ل ھُ ْم بِ ِلقَا ِء َربِّ ِھ ْم كَافِ ُرونَ ‪.﴾24‬‬
‫جدِي ٍ‬
‫ق َ‬
‫َ‬
‫د َب ْ‬
‫خ ْل ٍ‬

‫و َ‬
‫قالُوا أَإِ َ‬
‫ضلَ ْل َنا فِي ْ‬
‫األ َ ْرضِ أَإِنﱠا لَفِي‬
‫ذا َ‬
‫﴿ َ‬

‫و ﱠ‬
‫ُم‪ ،﴾25‬فللوھلة‬
‫ك ا ْل َ‬
‫ُم َ‬
‫م ْوتِ الﱠذِي ُوكِّ َ‬
‫ُل يَ َت َ‬
‫ل بِك ْ‬
‫والمالحظ أنّ ﷲ يدعو النبيّ إلى ر ّد إشكالھم بالحقيقة التالية‪﴿ :‬ق ْ‬
‫فا ك ْ‬
‫ملَ ُ‬
‫األولى يظھر أنّ ھذا الجواب ال يتسق مع إشكالھم‪.‬‬

‫لكن مع التأمّل ي ّتضح أنّ الكفار ھنا ال يستشكلون ب‪)-‬تف ّتت العظام وصيرورتھا‬

‫‪368‬‬
‫َه َ‬
‫م‪ ،﴾26‬ليجيبھم بأنّ الذي‬
‫و َ‬
‫ح ِيي ا ْل ِ‬
‫عظَا َ‬
‫قا َ‬
‫م َثال ً َ‬
‫ض َر َ‬
‫رميما ً(‪ ،‬كما في اآلية‪َ ﴿ :‬‬
‫ل َ‬
‫خ ْلق ُ‬
‫ِي َ‬
‫ب لَ َنا َ‬
‫ن ُي ْ‬
‫م ْ‬
‫ِي َرمِي ٌ‬
‫م َوھ َ‬
‫ونَس َ‬
‫خلقھا أوّ ل مرّ ة ھو الذي يجمع ذرّ اتھا‪ ،‬وھو أھون عليه‪ ،‬وإ ّنما اإلشكال ھنا ناشئ عن اعتقادھم فناء شخصيّة اإلنسان وذاته‬
‫وانعدامھا بالموت‪ ،‬ال الجسد فقط‪ .‬وعليه كيف يمكن لھذه الشخصيّة المعدومة أن تعود؟! ولذا جاء الجواب بأ ّنھم مخطئون‬
‫في فھم الموت على أ ّنه انعدام‪ ،‬بل ھو انتقال ووفادة يتوالھا ملك الموت‪ .‬فصحيح أنّ جسد اإلنسان يفنى ويتالشى‬
‫ويھترئ‪ ،‬لكن ھذا الجسد ال يعبّر عن الشخصيّة الحقيقيّة لإلنسان‪ ،‬إذ شخصيّته محفوظة في روحه التي قبضھا ملك‬
‫الموت‪ .‬وھكذا يظھر تمام اإلنسجام بين السؤال والجواب‪.‬‬

‫وسيأتي التعرّ ض تفصيالً إلى ھذه الروح التي بھا يحيا اإلنسان حياته في البرزخ بعد تلف وتالشي جسده وبدنه‪.27‬‬
‫النتيجة‪:‬‬
‫تد ّل مجموعة اآليات التي رصدناھا‪ ،‬على أنّ لإلنسان ما بين الموت والقيامة نوعا ً من الحياة‪ ،‬أُطلق عليھا اسم )الحياة‬
‫البرزخيّة(‪.‬‬
‫‪369‬‬

‫ﺧﻼﺻﺔ اﻟﺪرس‬
‫ ينظر الطبّ إلى موت اإلنسان على أ ّنه انعدام وفناء‪ ،‬أم ّا ال قرآن فيع تبر ال موت ح يا ًة جد يدة لإلن سان في عالم جد يد من‬‫عوالم اآلخرة ھو عالم البرزخ‪ .‬ويتبيّن ذلك بمراجعة اآليات القرآنيّة المتعرضة للموت‪:‬‬
‫‪ -1‬يعتبر القرآن الموت وفاة‪ .‬والوفاة ليست أكثر من استيفاء الشيء وقبضه بتمامه‪ .‬فالموت ليس سوى استيفاء ﷲ الن فوس‬
‫وأخذھا بتمامھا‪ ،‬دون أن يكون ھناك زوال أو ھالك أو ما شابه‪...‬‬
‫‪ -2‬وتصرّ ح آيات أخرى بأنّ اإلنسان بعد الموت يعيش حياة أخرى‪ .‬وتشير إلى أنّ ھذه الحياة تتناسب مع ما قدّمه في ھذه‬
‫الدنيا‪.‬‬
‫‪ -3‬وتورد آيات أ خرى حوارات ت جري ب ين المالئ كة واأل موات مبا شرة ب عد ال موت‪ ،‬مم ّا يد ّل ع لى أنّ اإلن سان في ت لك‬
‫المرحلة حيّ في عالم آخر‪.‬‬
‫‪ -4‬من اآليات التي توضح بعض مالمح عالم ما بعد الموت‪ -‬البرزخ‪ -‬اآليات التي تتحدّث عن مؤمن آل فر عون‪ .‬وي ستفاد‬
‫منھا أنّ في ذلك العالم أيضا ً ھناك ج ّنة يمكن لإلنسان أن يدخلھا مباشرة بعد موته وقبل يوم القيامة وجنانه‪.‬‬
‫‪ -5‬تت عرّض آ يات أ خرى لحا لة ال موت‪ ،‬وتبي ّن أ ّن ھا نوع من اإلنف صال واإلنق طاع ا لذي يح صل تدريج ّيا ً‪ .‬و في مراح له‬
‫األخيرة يعاين المحتضر عالمين‪ ،‬عالمه الحالي والعالم القادم بعد موته‪.‬‬
‫‪ -6‬كما تشير اآليات إلى مصير الميت في ذلك العالم‪ ،‬وأنّ فيه أيضا ً نو عا ً من ال جزاء‪ .‬و لذا ھي ت شير إ لى مرحلتين من‬
‫الجزاء‪ ،‬المرحلة األولى ھي في عالم البرزخ‪ ،‬والمرحلة الثانية و ھي ا لتي ي ت ّم في ھا ال جزاء والح ساب بالت مام والك مال في‬
‫يوم القيامة‪.‬‬
‫‪ -7‬يخاطب ﷲ النفس المطمئنة بعد موتھا‪ ،‬كما يُبيّن بعض اآليات‪ .‬و ھذا الخ طاب من ﷲ و ھذا اإلطمئ نان للن فس ال يم كن‬
‫أن يكون إال من كائن له شعور وإدراك‪.‬‬
‫ً‬
‫‪ -8‬إنّ للموت في القرآن مالئكة مخصّصين‪ ،‬تماما ك ما للح ياة ا لدنيا مالئكت ھا‪ ،‬و ھذا ي عني أنّ ال موت أ مر و جوديّ ول يس‬
‫انعداما ً وفناءً‪ ،‬وإال لم يكن معنى لذلك‪.‬‬
‫ّ‬
‫‪ -9‬تشير اآليات إلى عالمين يسبقان عالم القيامة‪ :‬عالم الدنيا والطبيعة‪ ،‬وعالم البرزخ‪ .‬واإلنتقال من كل عالم يمث ل ال موت‬
‫في ھذا العالم‪ ،‬والدخول في عالم جديد ّ‬
‫يمثل حياة فيه‪.‬‬
‫‪ -10‬ويعيش اإلنسان حياته في عالم البرزخ بروحه‪ ،‬بعد أن يفنى ويتالشى جسده‪ ،‬كما تبيّن اآليات الشريفة‪.‬‬

‫أﺳﺌﻠﺔ اﻟﺪرس‬
‫‪ -1‬أين يكون اإلنسان في الفاصلة الزمنيّة بين الموت والقيامة؟‬
‫‪ -2‬كيف ينظر الطبّ إلى اإلنسان بعد الموت؟ وما ھو رأي القرآن؟‬
‫‪ -3‬اآليات التي تصرّ ح بأنّ الشھداء أحياء يرزقون ھل ھي خاصة بالشھداء أم ال؟‬
‫‪ -4‬كيف نستفيد من تصنيف البشر وأحوال النفس في إثبات الحياة بعد الموت؟‬
‫‪ -5‬ھل الموت وجود أم عدم؟‬

‫ﻫﻮاﻣﺶ‬
‫‪ -1‬سورة المؤمنون‪.100 :‬‬
‫‪ -2‬سورة السجدة‪.11:‬‬
‫‪ -3‬سورة يونس‪.104:‬‬
‫‪ -4‬معجم مقاييس اللغة ج‪ ،6‬ص‪ ،129‬مادة )وفى(‪.‬‬
‫‪ -5‬سورة الزمر‪42:‬‬
‫‪ -6‬سورة البقرة‪.154:‬‬
‫‪ -7‬مصدر نھج البالغة‪ ،‬قصار الحكم‪ ،‬الحكمة ‪.147‬‬
‫‪ -8‬آل عمران‪.170 -169:‬‬
‫‪ -9‬النساء‪ .97:‬وھذه اآلية في مقام بيان وظيفة الذين تضرّ بدينھم حياتھم في دار الكفر‪ ،‬وأنّه كان عليھم أن ينتقلوا ويھاجروا إلى حيث يمكنھم حفظ دينھم‪.‬‬
‫‪ -10‬النحل‪.32:‬‬
‫‪ -11‬سورة المؤمنون‪ 99 :‬و ‪.100‬‬
‫ن َف َ‬
‫ل‬
‫مدِي َنـ ِ‬
‫اب ا ْل َق ْريَ ِ‬
‫جا َء َ‬
‫‪َ { -12‬وا ْ‬
‫صـى ا ْل َ‬
‫ِـن أَ ْق َ‬
‫سـلُونَ }‪َ {....‬و َ‬
‫ُـم ُم ْر َ‬
‫وھ َ‬
‫سلُونَ إِ ْذ أَ ْر َ‬
‫ْم ْر َ‬
‫ة إِ ْذ َ‬
‫ح َ‬
‫ص َ‬
‫م َم َثال ً أَ ْ‬
‫جـا َء م ْ‬
‫ب ل َُھ ْ‬
‫ما َف َع ﱠز ْزنَا بِثَالِثٍ َفقَالُوا إِنﱠـا إِلَ ْيك ْ‬
‫كذ ُﱠب ُ‬
‫ض ِر ْ‬
‫جـ ٌ‬
‫ھا ال ُ‬
‫ة َر ُ‬
‫س ْل َنا إِلَ ْي ِھ ُ‬
‫م ا ْث َن ْي ِ‬
‫ِين} )يّـس‪ (14 -13:‬و‪ ...‬يّـس‪.20:‬‬
‫س َعى قَا َ‬
‫سل َ‬
‫م ْر َ‬
‫يَ ْ‬
‫ل يَا َق ْو ِم اتﱠبِ ُعوا ا ْل ُ‬
‫‪ -13‬سورة يـس‪.27-26 :‬‬
‫‪ -14‬بحار األنوار‪ /‬ج‪ ،6‬ص ‪.275‬‬
‫‪ -15‬سورة الواقعة‪.85 -84-83:‬‬
‫‪ -16‬سورة الواقعة‪ 88:‬إلى ‪.94‬‬
‫ِين }‪.‬‬
‫م لﱠ َ‬
‫‪ -17‬لم تشِر اآليات إلى تفصيل ما يعيشه أصحاب اليمين في المرحلتين‪ ،‬سوى أنّھا عبّرت عن أنّھم في حالة جيّدة وعلى خير{ف َ‬
‫ص َ‬
‫ِن أَ ْ‬
‫كم ْ‬
‫َس َال ٌ‬
‫حابِ ا ْليَم ِ‬
‫‪ -18‬الفجر‪.28 -27:‬‬
‫‪ -19‬الرعد‪.28 :‬‬
‫م ًال} سورة تبارك ـ آية ‪.2‬‬
‫‪ -20‬ويشير إلى حقيقة أ ّ‬
‫خل َ‬
‫م ْو َ‬
‫ي قوله تعالى‪{ :‬الﱠذِي َ‬
‫ت َوا ْل َ‬
‫َق ا ْل َ‬
‫ن َع َ‬
‫ح َ‬
‫ُم أَ ْ‬
‫ُم أَيﱡك ْ‬
‫حيَا َة لِيَ ْبلُ َوك ْ‬
‫ن الموت أمر وجود ّ‬
‫س ُ‬
‫م ُي ْر َزقُونَ }‪ ،‬فھذا الرزق المذكور في ذلـك العــالم ليــس‬
‫ح َيا ٌء ِ‬
‫ل أَ ْ‬
‫ھ ْ‬
‫ما اآليات التي تشير إلى الرزق ھناك‪ ،‬كما في اآليات التي ذكرناھا في مقام الشھداء‪َ { :‬ب ْ‬
‫‪ -21‬أ ّ‬
‫ع ْن َد َربِ ّ ِ‬
‫من قبيل الرزق الذي يقسمه ﷲ في الحياة الدنيا‪ ،‬بل المقصود أنّھم مكرّمون منعمون في ذلك العالم‪.‬‬
‫‪-22‬‬
‫‪-23‬‬
‫‪-24‬‬
‫‪-25‬‬

‫غافر‪.11:‬‬
‫ل بھذه اآلية على الرجعة‪ ،‬فالحظ!‬
‫البعض يستد ّ‬
‫سورة السجدة‪.10:‬‬
‫سورة السجدة‪.11 :‬‬

‫‪ -26‬سورة يـس‪.78:‬‬
‫‪ -27‬الحظ الفصلين الرابع والخامس‪.‬‬

‫اﻟﺪرس اﻟﺮاﺑﻊ واﻟﻌﺸﺮون‪ :‬ﻫﺪﻓﻴﺔ اﻟﺨﻠﻖ ﻓﻲ اﻟﻘﺮآن‬
‫أھداف الدرس‬
‫‪ -1‬تعداد طرق استدالل القرآن على المعاد‪.‬‬
‫‪ -2‬فھم وشرح الالعبثية في الخلق‪.‬‬
‫‪ -3‬فھم العالقة بين عدم العبث ووجود المعاد ونظرية المتكلمين حولھا‪.‬‬
‫‪-4‬شرح ھدفية الخلق وإثبات المعاد من خاللھا‪.‬‬
‫‪ -5‬شرح استعدادات اإلنسان وھدفه‪.‬‬
‫‪373‬‬
‫طرق استدالل القرآن على المعاد‬
‫عندما يستد ّل القرآن على المعاد فإ ّنه يعتمد طرقا ً ثالثة‪:‬‬
‫ األول‪ :‬آيات قرآنيّة تر ّد استبعاد المنكرين للقيامة فحسب‪ ،‬من دون أن تقيم دليالً برھان ّيا ً قائما ً بذاته على ثبوت المعاد‪.‬‬‫واآليات في ھذا المجال ھي تلك المستندة إلى القدرة اإللھيّة‪ ،‬حيث تر ّد ع لى الم ستبعدين أنّ ا لذي قدِر ع لى الن شأة األو لى‬
‫‪1‬‬
‫قادر على األخرى‪ ،‬كما في قوله تعالى حكاية عن الكف َّار‪َ ﴿ :‬‬
‫ُـل‬
‫حيِي ا ْل ِ‬
‫ِـي َر ِ‬
‫عظَا َ‬
‫ل َ‬
‫قا َ‬
‫م ﴾‪ ،‬ح يث يجيب ھم‪﴿ :‬ق ْ‬
‫ن ُي ْ‬
‫م ْ‬
‫مي ٌ‬
‫م َوھ َ‬
‫ْشأَ َ‬
‫م‪.﴾2‬‬
‫و بِ ُ‬
‫ح ِيي َ‬
‫وھُ َ‬
‫و َ‬
‫ل َ‬
‫م ﱠر ٍة َ‬
‫ل َ‬
‫ھا الﱠذِي أَن َ‬
‫ھا أ َ ﱠ‬
‫ُي ْ‬
‫ك ِّ‬
‫ق عَ لِي ٌ‬
‫خ ْل ٍ‬

‫فھذه اآليات ال تنطوي على أكثر من ر فع ھذا اإل ستبعاد‪ ،‬ب عد اال ستناد إ لى ال قدرة اإللھي ّة المطل قة‪ ،‬ح يث ال ي كون مع نى‬
‫للتعجّب من المعاد بعد أن تبيّنت القدرة اإللھية الكاملة في النشأة األولى‪.‬‬
‫ الثاني‪ :‬تذھب آيات أخرى إلى أبعد من نفي اإلستبعاد‪ ،‬فتقيم دليالً على‬‫‪375‬‬
‫قاعدة‪) :‬إنّ خير دليل ع لى إم كان ال شيء وقو عه(‪ ،‬و ھي مجمو عة اآل يات ا لتي ت شير إ لى ن ظام الح ياة وال موت في ھذه‬
‫الدنيا‪ ،‬من حياة األرض بعد موتھا‪ ،‬ونشأة اإلنسان وتطوّ رات حياته‪ .‬وھذه األمور حقائق مشھودة ال سبيل إلى إنكارھا‪.3‬‬
‫ث ّم تشير اآليات إلى أنّ الذي يحصل في اآلخرة ھو ا ستمرار لن ظام الح ياة وال موت ا لذي ن شھد جزءاً م نه في ھذه ا لدنيا‪.‬‬
‫فلھذا النظام مسيرة ال ب ّد أن تستمرّ ‪ ،‬وليس المعاد أمراً◌ً جديداً‪.‬‬
‫ الثالث‪ :‬ينطلق القرآن في مجموعة ثالثة من اآليات ليقيم ا لدليل ا لذي يأ خذ شكل األدل ّة الكالمي ّة والفل سفيّة التام ّة‪ ،‬وذ لك‬‫حين تشير اآليات إلى عدم عبثيّة الخلق‪ ،‬وھذا ا لدليل ھو دل يل منب ثق عن التوح يد‪ ،‬فإنّ اإلي مان بالتوح يد يم نع من عبثي ّة‬
‫الخلق‪ ،‬وذلك ال يكون إال بوجود القيامة‪.‬‬
‫أمّا كيف يكون ذلك؟ فذلك ھو مح ّل بحثنا في ما يلي‪.‬‬
‫أ‪ -‬كيف ب ّين القرآن ھذا الدليل‪:‬‬
‫عدم عبث ّية خلق البشر‬

‫يقول تعالى في سورة )المؤم نون(‪:‬‬

‫عونَ ؟! َ‬
‫﴿أ َ َ‬
‫حـقﱡ‬
‫ح ِ‬
‫ج ُ‬
‫ُم عَ بَثاً َ‬
‫ف َ‬
‫ك ا ْل َ‬
‫ف َتعَالَى ﷲ ا ْل َ‬
‫ُم إِلَ ْي َنا ال ُت ْر َ‬
‫م أَن ﱠ َ‬
‫ما َ‬
‫خلَ ْق َناك ْ‬
‫س ْب ُت ْ‬
‫وأَنﱠك ْ‬
‫ملِ ُ‬

‫﴾‪ .‬ون مط اال ستدالل في ما ورد يظ ھر من خالل اإل ستفھام اإل ستنكاريّ ال مذكور في‬

‫‪4‬‬

‫ريم‬
‫ال إِلَ َ‬
‫ه إِ ﱠال ھُ َ‬
‫و َربﱡ ا ْلعَـ ْرشِ ا ْلكَـ ِ‬

‫اآلية‪ ،‬وتوضيحه‪:‬‬
‫أوالً‪ :‬إن لم تكن ھناك رجعة إلى ﷲ كان خلق البشر عبثا‪ً.‬‬

‫‪376‬‬
‫ثانيا ً‪ :‬العبث إ ّنما يصدر عن العاجز أو عمن كانت قدرته ناقصة‪.‬‬
‫ّ‬
‫الحق المطلق الذي ال سبيل في ذاته أليّ باطل ونقص وعدم‪ ،‬فال‬
‫ثالثا ً‪ :‬إنّ ﷲ حكيم صاحب القدرة المطلقة والسلطان‪ ،‬فھو‬
‫ّ‬
‫الحق‪.‬‬
‫يصدر عنه العبث‪ ،‬إذ ال يصدر عن الحق إال‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ﱠ‬
‫بﱡ‬
‫ھُ‬
‫إذ‬
‫‪،‬‬
‫ال‬
‫مث‬
‫آخر‬
‫إله‬
‫من‬
‫ة‪،‬‬
‫ق‬
‫الح‬
‫قدرته‬
‫إعمال‬
‫من‬
‫كما تشير اآلية إلى أ ّنه ال يوجد مانع يمنع‬
‫ش‬
‫ر‬
‫َـ‬
‫ع‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ر‬
‫و‬
‫ـ‬
‫ال‬
‫إ‬
‫ه‬
‫ـ‬
‫ل‬
‫إ‬
‫ال‬
‫﴿‬
‫للشرّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ً‬
‫ا ْل َ‬
‫يم﴾‪ ،‬فھو اإلله الخالق وحده‪ ،‬وھو الربّ المعبود وال ربّ سواه‪ ،‬فال مانع من أن يكون خلقه حقا وال موجب ألن يكون‬
‫ر ِ‬
‫ك ِ‬
‫فعله عبثا ً‪.‬‬
‫وفي ھاتين اآليتين يتبيّن أنّ خلق بني آدم )البشر( من دون وجود القيامة يكون عبث ّياً‪ ،‬تعالى ﷲ عن ذلك علوّ اً كبيراً‪.‬‬
‫عدم عبث ّية خلق السماوات واألرض )الكون(‬
‫تشير مجموعة أخرى من اآليات‪ -‬في سياق االستدالل على المعاد‪ -‬إلى عدم عبثيّة خلق السماوات واألرض‪ -‬ب غضّ الن ظر‬

‫و ْ‬
‫ھُم ال‬
‫خلَ ْق َنا‬
‫ما ال ِ‬
‫ما إِ ﱠال بِا ْل َ‬
‫خلَ ْق َناھُ َ‬
‫ما َ‬
‫ع ِب َ‬
‫ما بَ ْي َن ُھ َ‬
‫ما َواتِ َ‬
‫الس َ‬
‫ما َ‬
‫عن البشر‪ ،-‬يقول ت عالى‪َ ﴿ :‬‬
‫ين َ‬
‫ض َو َ‬
‫األَ ْر َ‬
‫و َ‬
‫ِن أَ ْك َث َر ْ‬
‫ق َولَك ﱠ‬
‫ﱠ‬
‫ح ِّ‬
‫‪5‬‬
‫َ‬
‫م ا ْل َ‬
‫يَ ْ‬
‫ِين ﴾‪.‬‬
‫ج َ‬
‫مع َ‬
‫و َ‬
‫مأ ْ‬
‫ف ْ‬
‫مونَ إِنﱠ يَ ْ‬
‫ل مِيقَا ُت ُھ ْ‬
‫علَ ُ‬
‫ص ِ‬

‫تنفي اآل يات أن ي كون خ لق ال سماوات واألرض لع باً‪ ،‬بأن ال يترت ّب ع لى خ لق ﷲ لھ ما أ ث ٌر وغا ية‪ ،‬فل يس خلقھ ما كع مل‬
‫األطفال الذي ال أثر له سوى اللعب واللھو‪ .‬وفي المقابل لو لم تكن قيامة لكان خلقھما بال غاية أو أثر‪.6‬‬
‫‪377‬‬
‫نھاية المطاف‪:‬‬
‫إذاً‪ ،‬يستد ّل القرآن على المعاد بأنّ الخلق والكون قائمان على أساس الحق ال الباطل‪ ،‬و لو لم ت كن قيا مة ل كان الخ لق عب ثاً‪،‬‬
‫تعالى ﷲ عن ذلك علوّ اً كبيراً‪.‬‬
‫والسؤال الذي يطرح نفسه ھنا ھو أ ّنه‪ :‬ما معنى ما يذكره القرآن من أنّ تفسير الخلق ي كون بالقيا مة ف قط وإال ف ھو مخ لوق‬
‫عبثاً؟ فما ھو سر الربط بين عدم عبثية الخلق و وجود القيامة؟‬
‫أال يمكن اإليمان بالتوحيد وبأنّ ﷲ ھو الخالق‪ ،‬دون القول برجوع األشياء إلى ﷲ‪ ،‬بل ھي تفنى وتنعدم؟!‬
‫ث ّم إنّ الجميع قائل بأنّ الجمادات توجد وتفنى‪ ،‬كذلك بدن اإلنسان وصورته‪ ،‬من دون أن يلزم من ذلك العبث‪ ،‬فلي كن األ مر‬
‫كذلك في اإلنسان وغيره‪.‬‬
‫وللجواب على ذلك ھناك نظريّتان نتعرّ ض لھما مع ما يمكن أن يرد على البعض من إشكال‪.‬‬
‫سر العالقة بين عدم العبث ّية ووجود المعاد‪:‬‬
‫ب‪ّ -‬‬
‫‪ -1‬نظر ّية المتكلّمين‪:‬‬

‫ونبيّن ھذه النظريّة عبر مقدمتين ونتيجة‪:‬‬
‫مقدمة أولى‪ :‬إنّ ﷲ قد جعل لإلنسان اختياراً وإرادة وحريّة في ف عل األع مال الح سنة واألع مال ال سيّئة م عاً‪ ،‬وب ھذا ي فترق‬
‫اإلنسان عن سائر المخلوقات من حيوانات ونباتات‪....‬‬
‫مقدمة ثانية‪ :‬يختار بعض الناس القيام باألعمال الصالحة في ھذه الدنيا‪ ،‬وھي أع مال ح سنة ممدو حة‪ ،‬وي قترف فر يق آ خر‬
‫السيّئات‪ ،‬التي ھي قبيحة ومذمومة‪.‬‬
‫‪378‬‬
‫النتيجة‪ :‬فلو لم يكن يوم القيامة لذھبت الصالحات والسيّئات ھدراً‪ ،‬ح يث ُي ھدر حق ال صالحين وال يب لغ الم سيئون ال جزاء‪،‬‬
‫وحينھا يكون خلق اإلنسان‪ -‬الذي تنطوي أبعاده على استعداد فعل الصالح أو السيّئ‪ -‬عبثاً‪ ،‬ومن ھنا ال بد لرفع ھذه العبث ية‬
‫من يوم للحساب‪.‬‬
‫مناقشة النظر ّية‪:‬‬
‫يرد على ھذه النظر ّية‪:‬‬
‫ّ‬
‫ّأوالً‪ :‬إنّ ھذه النظريّة ال تعلل خلق بقيّة موجودات الكون‪ ،‬بما فيه من السماوات واألرض‪ ،‬إذ غاية ما تثبته ھو تعل يل عدم‬
‫عبثيّة خلق اإلنسان بوجود القيامة‪.‬‬
‫وقد تبيّن معنا أنّ اآليات تتعرّ ض لعدم عبثيّة خلق اإلنسان والكون كليھما‪ ،‬فال ب ّد من تعليل يفي بھما معا ً‪.‬‬
‫أمر وجز ٍء و ِجد لتالفي النقص الحاصل في ا لدنيا‪ .‬فھ ناك ن قص‬
‫ثانيا ً‪ :‬يلزم من ھذه النظريّة القول بأنّ اآلخرة ليست سوى ٍ‬
‫في ھذه الدنيا يح صل نتي جة عدم و جود جزاء الخت يار اإلن سان الح سنة أو ال سيّئة‪ .‬و ھذا الن قص ال يم كن تالف يه إال بذ لك‬
‫العالم األخرويّ ‪ ،‬فتكون القيامة مجرّ د عالم تابع لھذه الدنيا‪.‬‬
‫وھذا القول ال ينسجم ال مع من طق ال قرآن وال مع قانون الخ لق‪ ،‬ح يث إنّ عال ما ً آ خر ف يه‪:‬‬
‫و ْ‬
‫ِين‪ ،﴾7‬ويخلد فيه الناس إلى األبد‪ ،‬ھكذا عالم يزيد على عالم ا لدنيا بأ ضعاف ال تح صى‪ ،‬ك يف يم كن‬
‫ض ُأ ِ‬
‫ع ﱠ‬
‫َ‬
‫م ﱠتق َ‬
‫د ْ‬
‫ت لِ ْل ُ‬
‫األ َ ْر ُ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫أن يكون قد وُ جد لمجرّ د س ّد النقص الحاصل في عالم الدنيا‪ ،‬ويكون تابعا له طفيل ّيا؟!‬

‫ات‬
‫جن ﱠ ٍ‬
‫ضـ َ‬
‫﴿‪َ ...‬‬
‫ھا الس ﱠ َ‬
‫ة عَ ْر ُ‬
‫ما َو ُ‬

‫‪379‬‬
‫‪ -2‬النظرية األخرى‪ :‬معنى ھدف ّية الخلق‪:‬‬
‫ويمكن أن توضّح ھذه الفكرة بأحد بيانين‪:‬‬
‫أ‪ -‬البيان األول‪ :‬أن يقال‪ :‬إن معنى العبثيّة أن يكون مآل ال شيء إ لى الف ناء المط لق‪ ،‬ف ك ّل مو جود ين عدم نھائي ّا ً ال ت كون له‬
‫غاية‪ ،‬ويكون عبثاً‪ ،‬فيما يكون الخلق ھادفا ً إذا بقي الشيء إلى األبد‪ ،‬بح يث يدوم تلق يه للف يض اإلل ھي‪ ،‬أو ي فنى ل كن يو جد‬
‫ثان بينه وبين األول صلة‪ ،‬كأن يكون األول مخلوقا ً كمقدمة لبقاء الثاني وإستمراره األبدي‪ ،‬فإن ھذا ال ي كون عب ثا ً‬
‫مخلوق ٍ‬
‫أصالً‪.‬‬
‫وبالتالي فالموجودات على نحوين‪:‬‬
‫باق ويتلقى الفيض من ﷲ دائماً‪ ،‬ولو بعد رجوعه إلى ﷲ‪.‬‬
‫‪ -1‬ما يوجد للبقاء‪ ،‬فھو ٍ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ثان وديمومته‪ ،‬فالعدم الذي نتخيّله فيه ليس عدما واقع ّيا بل ھو تب ّد ٌل من حقيقة‬
‫‪ -2‬ما يوجد ويفنى‪ ،‬لكنه يكون مخلوقا لبقاء ٍ‬
‫إلى حقيقة أخرى‪.‬‬
‫ونتيجة ھذا القول أنّ كل األ شياء المو جودة باق ية‪ ،‬و لو ع لى ن حو المقد مة لغير ھا‪ ،‬فال شيء ي سير ن حو اإلن عدام والف ناء‪،‬‬

‫وعليه فك ّل ما في الكون ھادف ألنه يسير نحو األبديّة والبقاء‪.‬‬
‫نعم ھناك فريق يذھب إلى عدم ضرورة بقاء المخلوقات جميعا ً دون أن يفنى منھا شيء مطلقاً‪ ،‬بل ربما ال ي ساعدنا ال قرآن‬
‫على ھذا الفھم‪ .‬ويكفينا لنفي العبث أن يكون قسم من المو جودات يب قى وال ي فنى‪ ،8‬ھي ز بدة المو جودات ا لتي تر جع إ لى‬
‫ﷲ‪ ،‬فتتحقق الھدفيّة بھا‪ ،‬وھي تعلّل الغرض من وجود بقية الموجودات‬
‫‪380‬‬
‫في ھذا الكون‪ ،‬فيكفي لھدفيّة خلق ما في الكون جميعا ً أن تكون قد وُ جدت ألجل بقاء اإلنسان وديمومته‪ ،‬فھي بمنزلة المھد‬
‫لھذا الموجود الذي ينبغي أن يتصل باألبديّة‪.‬‬
‫ب‪ -‬البيان الثاني‪ :‬وھو تفسير أعم وأشمل وأسھل من سابقه‪ ،‬ويستند إلى الوضع الموجود والمشھود‪ ،‬وتوضيحه‪:‬‬
‫القاعدة األساسية للعبث‬
‫إذا كان لشيء ثمّة غاية وھدف‪ ،‬فال ب ّد أ ّنه يسير نحوھا‪ ،‬وتكون ھذه الغاية ھي المتمِّمة له بحيث ينتھي إليھا‪.‬‬
‫والقاعدة األساسيّة للعبث ھي أن يقوم أيُّ عاقل عالم بتمھيد مقدمات لھا غاية وھدف ما‪ ،‬ث َّم يع مد إ لى ن قض الم قدّمات ق بل‬
‫أن تبلغ ھدفھا وغايتھا‪ ،‬وقبل أن تثمر‪ ،‬فمثل ھذا العمل يع ّد عبثا ً‪.‬‬
‫على سبيل المثال‪ :‬نحن نعرف أنّ الجنين وھو في ا لرحم مزوّ د بأع ضاء و جوارح من قب يل الع ين واألذن وج ھاز التن فس‬
‫و‪ ...‬مع أ ّنه يعيش في الرحم حياة نباتيّة حيث ال حاجة إلى م ثل ھذه األع ضاء‪ .‬و ھذه اآلالت إ ّن ما تنا سب ح ياة أ خرى في‬
‫عالم خارج ا لرحم‪ .‬ووجود ھا ي ش ّكل مق ّد مة ليع يش في ال عالم ال خارجيّ ‪ .‬ف لو كا نت ح ياة األج نة تقت صر ع لى خ صوص‬
‫األشھر التسعة األولى فقط لكان خلق الجوارح المذكورة عبثا ً و باطالً‪ ،‬ول كان تزو يد الجن ين ب ھذه اال ستعدادات)الم قدمات(‬
‫لغواً و بال معنى‪.‬‬
‫وإذا أردنا أن نطبّق ذلك على اإلن سان لنرى ك يف ي كون خل قه عبثي ّ ا ً وك يف ي كون ھاد فاً‪ ،‬فال ب ّد أن نن ظر في ھد فه و في‬
‫اإلستعدادات التي جھّز بھا لتحقيق ھذا الھدف‪.‬‬
‫‪381‬‬
‫التكامل ھدف اإلنسان‬
‫إذا تأمّلنا في اإلنسان وجدنا أ ّنه يسعى إلى التكا مل‪ ،‬ف ھو ھد فه وغاي ته‪ ،‬و ھو ي سير ن حو تحق يق ھد فه وغاي ته‪ ،‬فإنّ تحق يق‬
‫التكامل ال يكون اتفاق ّيا ً‪.‬‬
‫وقد يتوھّم البعض أنّ تحقيق التكامل يت ّم تلقائي ّ ا ً وف قا ً ل ما ط ُ رح في الم يادين العلمي ّة من )التكي ّف مع البي ئة(‪ ،‬ك ما طرح ھا‬
‫داروين‪.‬‬
‫لكن التكيّف مع البيئة ال يعني التخل ّي عن الغا ية وال ھدف )التكا مل( تما ماً‪ ،‬بل بم عنى أنّ اإلن سان يوجّ ه األو ضاع البيئي ّة‬
‫والطبيعيّة التي يواجھھا بحيث تتالءم مع غايته وھدفه‪ ،‬ودون أن َيضرَّ بھا‪.‬‬
‫ھذا يشبه عمل السياسيّ الذي يحاول التكيّف مع الظروف الطارئة واألوضاع الموجودة‪ ،‬ويتفاعل معھا لكن ليس إلقرار ھا‬
‫بل لتكييفھا بحيث تعينه على بلوغ ھدفه‪.‬‬

‫استعدادات اإلنسان‬
‫إذا نظرنا إلى استعدادات اإلنسان وجدنا أ ّنه كما ھو مجھّز بقدرات تتناسب مع الحياة الدنيا‪ ،‬فإنّ لديه استعدادات وإمكانيات‬
‫وأجھزة ووسائل أبديّة تتناسب مع حياة أخرى بعد الموت‪،‬برزخيّة وأخرويّة‪.‬‬
‫فلإلنسان وراء ھذا ال بدن حقي قة ب سيطة )ا لروح( ال ت جري علي ھا أح كام ال مادّة وال تق بل اإلن عدام‪ ،‬ألن ھا مو جود ب سيط ال‬
‫ترك يب ف يه‪ ،‬والب سيط ال يق بل التجز ئة وال التغي ّر‪ ،‬أي ال يق بل ما ي سبب اإلن عدام‪ .9‬و في الوا قع فإنّ ھذه اإل ستعدادات‬
‫والجواھر اإلستثنائية ھي حقيقة اإلنسان وبھا إنسانيّته‪ .‬فھي التي‬
‫‪382‬‬
‫تمنحه العواطف السامية الرفيعة للتوجه إلى ﷲ‪ ،‬واستعداد لإلتصال بالحق سبحانه‪ ،‬وبال تالي للو صول إ لى ھد فه وغاي ته‪،‬‬
‫الكمال‪.‬‬
‫نعم اإلنسان ال يلتفت غالبا ً إال إلى الجا نب ا لدنيويّ ال ماديّ م نه‪ ،‬و لو تعم ّق في نف سه اللت فت إ لى الجوا نب واإل ستعدادات‬
‫األخرى‪ ،‬التي بھا يكون حفظ شخصيّته ومعاده‪.10‬‬
‫اإلنسان في مرحلة الجنينية‬
‫إن اإلنسان الذي ُجھّز بكل ھذه اإلستعدادات التي ليست من سنخ العالم الذي يعيشه في الدنيا‪ ،‬لو انتھت حياته في ھذه الدنيا‬
‫التي ال يستفيد فيھا من ھذه اإل ستعدادات واإلمكا نات‪ ،‬و لم ت كن قيا مة وح ياة ما ب عد ال موت‪ ،‬لكا نت ك ّل ھذه اإل ستعدادات‬
‫عبث ّيــة وال معــنى لھـا‪ ،‬تمامـا ً كـالجنين إذا كانـت نھايــة حياتـه بانتھــاء فــترة الحمــل دون أن يكـون ھنــاك حسـاب لألجھــزة‬
‫واإلستعدادات التي زوّ د بھا‪.‬‬
‫والقرآن يصرّ ح بأنّ األمر على العكس تماما ً‪﴿ :‬أَ َ‬
‫ج ُعونَ ‪.﴾11‬‬
‫ح ِ‬
‫ُم عَ بَثاً َ‬
‫ف َ‬
‫ُم إِلَ ْي َنا ال ُت ْر َ‬
‫م أَن ﱠ َ‬
‫ما َ‬
‫خلَ ْق َناك ْ‬
‫س ْب ُت ْ‬
‫وأَنﱠك ْ‬

‫فھذه اآليات تريد أن تنبّھنا إلى وجودنا بكامل جوانبه‪ ،‬وإلى أ ّننا كما انحدرنا من عند ﷲ فسنعود ونرجع ون صعد إل يه‪ ،‬ألنّ‬
‫كال القوّ تين‪ -‬النزول والصعود‪ -‬موجود فينا‪.12‬‬
‫‪383‬‬
‫نعم‪ ،‬إن مثل النباتات والجمادات التي جھّزت باستعدادات تتناسب مع ھذه ا لدنيا ل يس أ كثر‪ ،‬فإنّ م صيرھا ينت ھي في ھذه‬
‫الدنيا دون أن يكون ذلك عبثا ً وباطالً‪.‬‬
‫النتيجة‪:‬‬
‫بھذا البيان يتبيّن سر العالقة بين ضرورة وجود القيامة وعدم العبثية في الخلق‪ ،‬وي ّت ضح أنّ ا لدنيا ھي مق ّد مة لح ياة أو سع‬
‫وأشمل يستفيد اإلنسان فيھا من كامل استعداداته الھائلة ا لتي ال يل يق ب ھا أن ت كون مق صورة ع لى ا لدنيا فح سب‪ ،‬وأنَّ ھذه‬
‫الدنيا ھي بمثابة المزرعة لذلك العالم‪ ،‬ومرحلة من المرا حل ا لتي يجتاز ھا اإلن سان في سيره الطو يل‪ ،‬وال ت كون اآل خرة‬
‫مجرّ د تابع طفيليّ وتتمّة للنقص الحاصل في ھذه الدنيا‪ ،‬كما تبيّن من تحليل بيان المتكلمين‪.‬‬
‫االستدالل من المعاد على النبوة‬
‫ھذا الطريق في استدالل القرآن على المعاد‪ ،‬والمنبثق عن التوح يد‪ُ ،‬ي ش ّكل منطل قا ً إلث بات الن بوّ ة‪ ،‬فب ما أنّ الم عاد والرج عة‬
‫إلى ﷲ حتميّة وواقعيّة‪ ،‬ال ب ّد إذاً من نبوّ ة تضطلع بھداية البشر وإرشادھم إلى ھذه الحقيقة‪.‬‬

‫وھذا االستدالل يتش ّكل على خالف المألوف عندنا‪ ،‬والذي اعتدنا عليه في حياتنا اإلجتماعيّة‪ ،‬إذ الطري قة المألو فة أنّ ھ ناك‬
‫قانونا ً تشريع ّيا ً ما )يشبه دور النبوّ ة( ولضمان تنفيذ ھذا القانون نجعل ثوابا ً وعقابا ً )المعاد(‪.‬‬
‫‪384‬‬

‫ﺧﻼﺻﺔ اﻟﺪرس‬
‫ يكتفي القرآن أحيانا ً بر فع اإل ستبعاد ا لذي يذكره المن كرون للم عاد‪ ،‬وذ لك باإلعت ماد ع لى ال قدرة اإللھ ية ا لتي تجل ّت في‬‫الخلقة األولى‪ ،‬ويشير أخرى إلى أنّ حقيقة المعاد ليست سوى استمرار لنظام الموت والحياة الذي نشھد جزءاً منه في ھذه‬
‫الدنيا‪ ،‬فيما يقيم ثالثة دليالً تا ّما ً على المعاد منطلقا ً من التوحيد وعدم عبثيّة الخلق‪ ،‬وال يكون ذلك إال بالمعاد‪.‬‬
‫ تبيّن مجموعة من اآليات أنّ خلق اإلنسان لو كان بال معاد لكان ذلك الخلق عبث ّياً‪ ،‬تعالى ﷲ الحكيم عن ذلك علوّ اً ك بيراً‪،‬‬‫فيما تبيّن آيات أخرى ذلك باإلشارة إلى خلق السماوات واألرض بغض النظر عن خلق البشر‪.‬‬
‫ يذھب المتكلمون في تفسيرھم لھذه العبثيّة إلى أ ّنه لوال القيامة ل ما و صل ل ك ّل من الم سيء والمح سن جزاء أعما له ال تي‬‫كانت تحت اختياره في ھذه الدنيا‪.‬‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫ يرد على نظرية المتكلمين‪ :‬أنّ نظريّتھم إنما تعلل خلق اإلنسان دون خلق السماوات واألرض‪ ،‬فضال عن أنّ ھكذا تفسير‬‫إ ّنما يجعل القيامة مجرّ د تابع متمّم للنقص الحاصل في الدنيا‪ ،‬وھذا ال ينسجم مع منطق القرآن وال طبيعة الخلق‪.‬‬
‫ يبيّن آخرون الھدفيّة‪ ،‬بأنّ الخلق إ ّنما يكون ھادفا ً إذا كان وجوده باقيا ً ومستمراً‪ ،‬بحيث ال ينقطع تل ّقيه للفيض اإللھي‪.‬‬‫نعم ال مانع من أن يكون الھدفُ من إيجاد بعض الموجودات التي قد تفنى‪ ،‬ھو م ن ُح اإل ستمراريّة والب قاء للمو جودات ال تي‬
‫ستبقى إلى األبد‪.‬‬
‫ ھناك بيان أشمل وأسھل من البيان السابق في تبيين الھدفيّة وعدم العبثية‪ ،‬ويبتنى على أنّ القاعدة األساس في العبثيّة ھي‬‫في أن يبني العاقل مقدّمات لغاية ما‪ ،‬ث ّم ينقض ھذه المقدّمات قبل أن تصل إلى غايتھا‪.‬‬
‫ولتطب يق ذ لك ع لى اإلن سان ن جد أنّ لد يه م قدّمات وا ستعدادات للع يش في عالم غير عالم ا لدنيا‪ ،‬ولد يه ھدفا ً وراء ھذه‬
‫اإلستعدادات‪ ،‬وھو الوصول إلى الكمال‪ .‬فلو انتھت حياة اإلنسان في الدنيا من دون أن يستفيد من إمكاناته ويصل إلى ھدفه‬
‫لكان خلقه عبثاً‪ ،‬أمّا بوجود القيامة والحياة األخرى التي يستفيد فيھا اإلنسان من ھذه اال ستعدادات وينط لق إلك مال م سيرة‬
‫تحقيق ھدفه فإنّ خلقه ال يكون عبثا ً‪.‬‬

‫أﺳﺌﻠﺔ اﻟﺪرس‬
‫‪ -1‬ھل في خلق البشر داللة على ضرورة وجود المعاد؟‬
‫‪ -2‬ما ھو سر العالقة بين ضرورة القيامة وعدم عبثية الخلق؟‬
‫‪ -3‬ھل َيسْ لم تفسير المتكلمين لھذه العالقة من اإلشكال؟‬
‫‪ -4‬كيف تكون الھدفية تفسيراً لس ّر العالقة بين القيامة وعدم العبثية؟‬
‫‪ -5‬ما معنى أن ال شيء ينعدم في ھذا الوجود؟‬

‫ﻫﻮاﻣﺶ‬
‫‪ -1‬يـس‪.78 :‬‬
‫‪ -2‬يـس‪.79:‬‬
‫ه ْ‬
‫ور} فاطر ـ ‪9‬‬
‫حيَ ْي َنا بِ ِ‬
‫ل الرِّيَا َ‬
‫ض بَ ْع َد َم ْوتِ َھا َك َذلِ َ‬
‫األَ ْر َ‬
‫َس ْق َنا ُه إِلَى بَلَ ٍد َم ِي ّتٍ فَأَ ْ‬
‫س َ‬
‫ِير َ‬
‫س َ‬
‫‪ -3‬وذلك كقوله تعالى‪َ { :‬وﷲ الﱠذِي أَ ْر َ‬
‫ك الن ُ‬
‫حاباً ف ُ‬
‫ﱡش ُ‬
‫ح َف ُتث ُ‬
‫‪ -4‬المؤمنون‪.116-115:‬‬
‫‪ -5‬الدخان‪.39-38:‬‬
‫‪ -6‬ھناك مجموعة آيات أخرى أشارت أيضاً إلى عدم عبثيّة خلق السماوات واألرض‪ ،‬كما في‪ :‬ص)‪ ،(28-26‬األنبياء)‪ ،(18-16‬والجاثية‪21) :‬ـ ‪.(22‬‬
‫‪ -7‬آل عمران‪.133 :‬‬

‫مم ذلك لكل موجود له ا ستعداد البقـاء األبـدي‪ ،‬وربمـا كـان‬
‫ح ِ‬
‫ش َر ْ‬
‫ت} التكوير‪ .5:‬ويمكن أن نع ّ‬
‫ح ُ‬
‫‪ -8‬وھو اإلنسان‪ ،‬والحيوانات كذلك كما في اآلية الشريفة‪َ { :‬وإِذَا ال ُْو ُ‬
‫وش ُ‬
‫موجوداً في كوكب آخر‪.‬‬
‫‪ -9‬فجميع األعدام في الدنيا ھي تعبير عن تجزئة المركّبات وتغيير في الحاالت‪.‬‬
‫ي‬
‫ن القرآن عندما يمثّل للقيامة يطرح مسألة اإلحياء واإلماتة في الطبيعة ثم يقول‪{ :‬كذلك تخرجون}‪ ،‬أو {كذلك النشور}‪ ،‬ليقول إ ّ‬
‫‪ -10‬قد يعترض البعض بأ ّ‬
‫ن البعث مـاد ّ‬
‫ل الجھات‪ ،‬وھنا األمر كـذلك فالت شبيه يـراد‬
‫محض من باب تجديد المثل وال عودة فيه للشخص ذاته‪ .‬لكن الصحيح أ ّ‬
‫ن التشبيه في اللغة يكون من جھة وال يكون من ك ّ‬
‫م‬
‫ي التـا ّ‬
‫ما النموذج الحقيق ّ‬
‫ل تفاصيلھا‪ .‬أ ّ‬
‫منه ھنا اإلشارة إلى أصل مسألة اإلحياء التي ھي بيد ﷲ‪ ،‬وليس األمر أنّه يوم القيامة ھو بنفس ھذه الطريقة من اإلحياء بك ّ‬
‫للقيامة فھو ما أتى به األنبياء من معجزة إحياء الموتى‪ ،‬وھذا اإلحياء ال نعثر على نموذج واحد مشابه له في المسارات الطبيعيّة‪.‬‬
‫‪ -11‬المؤمنون‪.115:‬‬
‫ن ھذا ال يعني أن البحث ينتھي ھنا وأن ال مكان للرأي اآلخـر‪ ،‬بل ربمـا يمكـن‬
‫‪ -12‬ھذا ما توصّل إليه الشھيد المطھري بعد التدبر في ھذه اآليات‪ ،‬وھو نفسه يقول بأ ّ‬
‫استكشاف غير ذلك بعد التدبّر والتأمّل في اآليات‪.‬‬

‫اﻟﺪرس اﻟﺨﺎﻣﺲ واﻟﻌﺸﺮون‪ :‬اﻟﺮوح‬
‫أھداف الدرس‬
‫‪ -1‬تعداد إستخدامات القرآن لكلمة الروح‪.‬‬
‫‪ -2‬القدرة على إثبات وجود الروح من خالل نھج البالغة‪.‬‬
‫‪ -3‬القدرة على شرح حقيقة الروح من خالل القرآن‪.‬‬
‫‪ -4‬شرح معنى أن الروح أمر إلھي‪.‬‬
‫‪387‬‬
‫تمھيد‬
‫برأ في ھذه ا لدنيا بل جاءت من م ح ّل أع لى‬
‫يطلق القرآن لفظ )الروح( على مجموعة من الحقائق غير الجسميّة‪ ،‬التي لم ُت َ‬
‫‪1‬‬
‫وعالم أسمى‪ ،‬ومن ھذه األمور رو ُ‬
‫ِن ُروحِي ﴾‪.‬‬
‫ت فِي ِ‬
‫ح اإلنسان‪ ،‬يقول تعالى‪َ ﴿:‬‬
‫هم ْ‬
‫ونَفَخْ ُ‬
‫ويطلق على روح اإلنسان اسم )النفس( أيضا ً‪ .‬ونفس الشيء ھو عينه وذاته‪.‬فھذا اإلطالق ھو لتب يان أنّ ا لروح ھي حقي قة‬
‫اإلنسان وشخصيّته الواقعيّة فھي نفسه وذاته‪ ،2‬فيما ّ‬
‫يمثل الجسد والبدن ما يشبه اآللة واللباس لھا فحسب‪.‬‬
‫وحقيقة الروح تبقى حيّة بعد أن يفنى الجسد‪ ،‬من ھنا نرى القرآن بعد أن يت حدّث عن الر فات وتال شي الج سد‪ .‬نراه ير جع‬
‫فيعبّر عن صاحبه بأ ّنه حيّ ‪ ،‬وھذا إشارة إلى تلك الحقيقة التي بھا يحيا الجسد‪ ،‬والتي ل ھا ُب عد وراء ال بدن بح يث تب قى حي ّة‬
‫بعد تحوّ ل الجسد إلى رفات‪.‬‬
‫‪389‬‬
‫ق‪ ،﴾3‬والمراد ب‪َ )-‬ما عِ ْندَ ُك ْم( ھو ما نراه في عالم الطبيعة‬
‫ما ِ‬
‫ما ِ‬
‫َد َو َ‬
‫وكذلك يصرّ ح القرآن‪َ ﴿ :‬‬
‫ُم َي ْنف ُ‬
‫ع ْن َدك ْ‬
‫ع ْن َد ﷲ َبا ٍ‬
‫باق‪.‬‬
‫المتغيّر‪ ،‬حيث يتعرّ ض للبلى دوماً‪ ،‬وأمّا ) َما عِ ْندَ ﷲ( وك ّل ما له جنبة إلھيّة فال ينفد وال يفنى بل ھو ٍ‬
‫إثبات الروح في نھج البالغة‬
‫سنتعرّض لخطب ثالث صرّ حت بھذا الموضوع‪:‬‬
‫‪ -1‬الروح تبقى رھينة‪ :‬وذلك في الخطبة الغرّاء‪ ،‬حيث يقول األمير عليه السالم‪) :‬فھل دفعت األقارب أو نفعت النواحب‪،‬‬
‫وقد غودر في محلّة األموات رھيناً‪ ،(...)،‬وصارت األجساد شحبة بعد بضّتھا‪ ،‬والعظام نخر ًة بعد قوّ تھا‪ ،‬واألرواح‬
‫مرتھنة بثقل أعبائھا‪ ،‬موقنة بغيب أنبائھا‪.4(...‬‬
‫ومحل الشاھد ھو المقارنة التي يبيّنھا اإلمام عليه السالم بين مآل األجساد واألرواح‪ ،‬فالعظام تتيبَّس في القبر ويصيبھا‬
‫النخر‪ ،‬فيما األرواح تبقى رھينة بما كسبت‪ ،‬وقد صارت على يقين من الغيب الذي كانت ُتذ ّكر به في الدنيا ولم تستيقنه‪،‬‬
‫فالجسد يؤول إلى التھرّؤ والتف‪ُّ -‬تت‪ ،‬والروح باقية في عالم آخر‪.‬‬
‫‪ -2‬سكرات الموت‪ :‬ويتحدّث فيھا اإلمام عليه السالم عن حال المحتضر وھو بين أھله فيقول‪) :‬يردّد طرفه بالنظر في‬
‫وجوھھم‪ ،‬يرى حركات ألسنتھم‪ ،‬وال يسمع رجع كالمھم‪ ،‬ث ّم ازداد الموت التياطاً‪ ،‬فقبض بصره كما قبض سمعه‪،‬‬
‫ً‬
‫وخرجت الروح من جسده‪ ،‬فصار‬
‫جيفة بين أھله(‪.5‬‬

‫ففي ھذا النص يبيّن اإلمام عليه السالم أنّ حقيقة الموت ھي خروج الروح من البدن‪.‬‬
‫‪390‬‬
‫ك الموت‬
‫‪ -3‬ملك الموت‪ :‬فيصفه عليه السالم‪ ،‬ويشير إلى كيفية وفاة الجنين في بطن أمّه‪ ،‬فيقول‪) :‬بل‪ ،‬كيف يتو ّفى{مل ُ‬
‫الجنين في بطن أمّه؟! أيل ُ‬
‫}‬
‫ج عليه من بعض جوارحھا؟! أم الروح أجابته بإذن ربّھا!(‪.6‬‬
‫َ‬
‫يؤ ّكد ھذا النص أنّ أمير المؤمنين ينظر إلى الموت على أ ّنه انفصال للروح عن الجسد‪.‬‬
‫النتيجة‪:‬‬
‫ھذه النصوص الثالثة من نھج البالغة تصرّ ح بالروح على أ ّنھا حقيقة واقعيّة‪ ،‬وھذا ال يتعدّى كونه نموذجا ً لما في النھج‬
‫واألحاديث واألدعية‪ ،7‬فضالً عن القرآن‪.‬‬
‫الروح في القرآن‬
‫معان مختلفة‪ ،‬سنتوفر على ذكر ھذه الموارد‪ ،‬ث ّم سيتبيّن لنا أ ّنھا في الواقع تعود إلى حقيقة‬
‫إستعمل القرآن الروح في‬
‫ٍ‬
‫واحدة تصدق على عدّة أمور‪.‬‬
‫ح غي ُر المالئكة‪:‬‬
‫‪ -1‬الرو ُ‬
‫يتحدّث بعض آيات القرآن الكريم عن الروح على أ ّنھا أمر وحقيقة غير المالئكة‪ ،‬كما ورد ذلك في ع ّدة آيات‪ ،‬ففي ع ّم‪﴿ :‬‬
‫‪8‬‬
‫ﱡوح فِي َھا‪ ،﴾9‬وفي‬
‫ص ّ‬
‫ل ا ْل َ‬
‫مالئِكَةُ َ‬
‫ﱡوح َوا ْل َ‬
‫مالئِكَةُ َوالر ُ‬
‫ُوم الر ُ‬
‫و َ‬
‫يَ ْ‬
‫فاً ﴾‪ ،‬وفي القدر ورد‪﴿ :‬تَ َن ﱠز ُ‬
‫م يَق ُ‬

‫‪391‬‬
‫ك َ‬
‫مالئِ َ‬
‫ِن أَ ْم ِر ِه‪....﴾10‬‬
‫ل ا ْل َ‬
‫ة بِالرﱡوحِ م ْ‬
‫آية ثالثة { ُي َنزِّ ُ‬

‫ففي ھذه اآليات يتبيّن أن الروح ليست من المالئكة‪ ،‬وإال لم يكن من المناسب ذكرھا في عرضھم‪.‬‬
‫وفي حديث مرويّ عن األمير عليه السالم االستدالل بأنّ الروح غير المالئكة ب الثالثة المذكورة‪.11‬‬
‫‪) -2‬الروح األمين( أو )روح القدس(‪:‬‬
‫في مواطن أخرى‪ ،‬يصف القرآن الروح ب‪) -‬األمين(‪ ،‬وب‪) -‬القدس(‪ ،‬يقول تعالى‪:‬‬
‫‪12‬‬
‫ك‪.﴾13...‬‬
‫ِن َربِّ َ‬
‫ه ُر ُ‬
‫ُل نَ ﱠزلَ ُ‬
‫﴾‪ ،‬وفي آية أخرى‪﴿ :‬ق ْ‬
‫سم ْ‬
‫وح ا ْلق ُ‬
‫ُد ِ‬

‫ِين عَ لَى َ‬
‫ﱡوح ْ‬
‫ك‪...‬‬
‫ل بِ ِ‬
‫ه الر ُ‬
‫ق ْلبِ َ‬
‫﴿نَ َز َ‬
‫األَم ُ‬

‫وفي ھذه المواطن من اآليات ذھب البعض إلى القول بأنّ روح القدس والروح األمين ھو جبرائيل‪ ،‬إذ ھو الذي نزل‬
‫بالقرآن على النبيّ صلى ﷲ عليه وآله وسلم‪.‬‬
‫فيما يذھب العالمة الطباطبائي صاحب تفسير الميزان إلى أنّ ما يفھم من القرآن أنّ ثمّة مخلوقا ً أو موجوداً حامالً للقرآن‬
‫إلى جوار جبرائيل‪ ،‬فإنّ جبرائيل وإن نزل بالوحي إال أ ّنه ليس الذي يحمله‪.‬‬
‫وحامل الوحي ھذا ھو الذي يطلق عليه القرآن اسم روح القدس األمين‪ ،‬فھو في عرض المالئكة أيضاً‪ ،‬وليس منھم‪.‬‬

‫‪392‬‬
‫‪ -3‬الروح توأم الوحي‪:‬‬
‫و َ‬
‫ما‬
‫ما ُ‬
‫رنَا َ‬
‫ح ْي َنا إِلَ ْي َ‬
‫ك أَ ْو َ‬
‫﴿ َ‬
‫ت ت َْد ِري َ‬
‫ك ْن َ‬
‫ك َذلِ َ‬
‫ِن أَ ْ‬
‫ك ُروحاً م ْ‬
‫م ِ‬

‫ذكرت آيات أخرى الرو َح كتوأم لكلمة الوحي‪ ،‬يقول تعالى‪:‬‬
‫األي َمانُ ‪ ،﴾14‬فيعبّر القرآن عن آيات القرآن بأنھا روح‪ ،‬فھي التي أوحاھا إلى النبي صلى ﷲ عليه وآله وسلم‪.‬‬
‫اب َوال ْ ِ‬
‫ا ْلكِ َت ُ‬
‫وھنا يمكن أن يقال بأن آيات القرآن ھي ضربٌ من تلك الحقيقة التي إسمھا )الروح(‪ ،‬حيث تنزل على قلب النبي ّ صلى‬
‫ﷲ عليه وآله وسلم بتلك الحقيقة المجرّ دة أوالً‪ ،‬ث ّم تكتسي اآليات في ما بعد الصيغة اللفظيّة‪.‬‬
‫لكن ّ‬
‫العالمة يذھب ھنا أيضا ً إلى أ ّنھا بمعنى حامل الوحي‪ ،‬وليست ھي الوحي نفسه‪ ،‬والمقصود من )أوحينا(‪ّ ) :‬‬
‫نزلنا(‪،‬‬
‫فتكون ھذه اآليات مشابھة لآليات السابقة‪.‬‬
‫‪ -4‬الروح لقب للمسيح‪:‬‬
‫ومن الموارد التي أطلقھا القرآن على الروح ھو اللقب الذي اكتسبه عيسى بن مريم عليھا السالم‪،‬‬
‫ه أَ ْلقَا َ‬
‫ول ﷲ َو َ‬
‫م َو ُرو ٌح ِم ْن ُه‪.﴾15‬‬
‫ھا إِلَى َ‬
‫ن َ‬
‫م ْريَ َ‬
‫كلِ َ‬
‫م ْريَ َ‬
‫م ُت ُ‬
‫س ُ‬
‫م َر ُ‬
‫ا ْب ُ‬

‫ِيسى‬
‫ما ا ْل َ‬
‫ِيح ع َ‬
‫مس ُ‬
‫﴿إِن ﱠ َ‬

‫‪ -5‬الروح تأييد للمؤمنين‪:‬‬
‫كما أُطلقت كلمة الروح أيضا ً في مجال تأييد المؤمنين‪ ،‬ففي الشريفة‪:‬‬
‫ِ ّم ْن ُه‪.﴾16‬‬

‫ك َ‬
‫اإلي َ‬
‫ك َت َ‬
‫﴿ ُأ ْولَئِ َ‬
‫ھ ُ‬
‫مانَ َوأَيﱠدَھُم بِ ُروحٍ‬
‫ب فِي ُقلُوبِ ِ‬
‫م ِْ‬

‫ي‪-‬قصد بھذه الروح تلك الحقيقة التي في عرض المالئكة‪،‬‬
‫وھنا إما أن ُ‬
‫‪393‬‬
‫حيث ترسل لتأييد المؤمنين كما كانت مؤيّدة للمالئكة‪ ،‬وإمّا أ ّنھا بمعنى الحالة المعنوية واإللھام والقوة التي ألقيت في‬
‫قلوب المؤمنين‪ ،‬وھذا ليس ببعيد‪.‬‬
‫‪ -6‬الروح مع السيدة مريم‪:‬‬
‫﴿ َ‬
‫ھا‬
‫س ْل َنا إِلَ ْي َ‬
‫فأَ ْر َ‬

‫ومن المواطن التي استخدم فيھا القرآن كلمة الروح ما حدث مع السيدة مريم عليھا السالم‪ ،‬يقول تعالى‪:‬‬
‫ّ‬
‫ح َنا َ‬
‫متمثلة في ھيئة بشر‪ ،‬وھبت الحياة لعيسى من غير‬
‫س ِويّاً‪ .﴾17...‬فا ج ّل وعال قد أرسل الروح‬
‫ل لَ َ‬
‫شراً َ‬
‫ھا بَ َ‬
‫م ﱠث َ‬
‫ف َت َ‬
‫ُرو َ‬
‫أب‪.‬‬
‫وليس ببعيد أن تكون الروح ھذه نفس تلك الحقيقة التي ُذكرت رديفا ً للمالئكة‪.‬‬
‫‪ -7‬الروح اإلنسانية‪:‬‬
‫ومن الموارد ما يذكره القرآن عن اإلنسان بشكل عام عندما ينبض بالحياة‪ ،‬فبشأن آدم تقول الشريفة‪:‬‬
‫ه‪ ،﴾18‬وفي الحجر‪َ ﴿ :‬‬
‫ِن ُروحِي َ‬
‫فإِ َ‬
‫ف َ‬
‫ِين‪.﴾19‬‬
‫ت فِي ِ‬
‫ح ِ‬
‫فِي ِ‬
‫سا ِ‬
‫ِن ُرو ِ‬
‫جد َ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫ذا َ‬
‫قعُوا لَ ُ‬
‫و ْي ُت ُ‬
‫هم ْ‬
‫هم ْ‬
‫س ﱠ‬
‫ونَفَخْ ُ‬

‫وا ُه َونَ َ‬
‫خ‬
‫ف َ‬
‫م َ‬
‫﴿ثُ ﱠ‬
‫س ﱠ‬

‫والمستفاد من مجموع اآليات أن ال اختصاص لذلك بآدم األول‪.‬‬

‫وال تزال ھناك آيات أخرى كثيرة إستخدم القرآن فيھا كلمة الروح‪ ،‬ولكن ما ذكرناه ھو جميع الموارد التي وردت فيھا‬
‫اآليات‪ ،‬فھذه ھي الموارد التي استخدمت فيھا الروح في القرآن بشكل كلّي‪.‬‬
‫ونالحظ أن ھذا اللفظ كما استخدم في السور المدنيّة فإنه استخدم أيضا ً في السور المكية‪.20‬‬
‫‪394‬‬
‫ويسألونك عن الروح )حقيقة الروح(‬
‫ن أَ ْم ِر َربِّي‪ .﴾21‬وردت ھذه‬
‫ك‬
‫ﱡوح ِ‬
‫ُل الر ُ‬
‫سأَلونَ َ‬
‫ومن اآليات التي وردت فيھا كلمة الروح‪ ،‬في اإلسراء‪َ ﴿ :‬‬
‫م ْ‬
‫ويَ ْ‬
‫عَن الرﱡوحِ ق ِ‬
‫ِ‬
‫‪22‬‬
‫في سياق اإلستفھام عن حقيقة الروح‪ ،‬وأجابت على ذلك بأنّ الروح )من أمر ربّي( ‪.‬‬
‫في البداية ال ب ّد من معرفة ما ھي الروح التي وقع السؤال عنھا‪ ،‬ث ّم نشرح ما ھي حقيقتھا وفقا ً لھذه ‪.‬‬
‫إختلف المفسّرون في الروح التي وقعت محالً للسؤال‪:‬‬
‫ص ّفاً﴾ وأمثالھا‪ 23‬فوقع‬
‫مالئِكَةُ َ‬
‫ﱡوح َوا ْل َ‬
‫ُوم الر ُ‬
‫و َ‬
‫‪ -1‬فذھب فريق إلى أ ّنھا الروح التي ُذكرت بعرض المالئكة في ﴿يَ ْ‬
‫م يَق ُ‬
‫السؤال عنھا‪.‬‬
‫َ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫‪:‬‬
‫أخرى‬
‫آية‬
‫في‬
‫ورد‬
‫لما‬
‫ا‬
‫طبق‬
‫نفسه‪،‬‬
‫القرآن‬
‫ھنا‬
‫الروح‬
‫من‬
‫المقصود‬
‫إلى‬
‫آخر‬
‫فريق‬
‫‪ -2‬وذھب‬
‫ك‬
‫أنّ‬
‫ح ْي َنا إِل ْي َ‬
‫ك أ ْو َ‬
‫﴿ َ‬
‫وكذلِ َ‬
‫َ‬
‫ِن أ ْم ِرنَا﴾‪ ،‬ف بمعنى أ ّنھم إذا سألوك عن القرآن فقل ھو من أمر ربّي‪ ،‬أي أمر نازل من عند ﷲ‪.‬‬
‫ُروحاً م ْ‬
‫‪ -3‬فيما ذكر فريق من المفسّرين أن المقصود ھو جبرائيل‪ .‬وھذا الفريق ھو الفريق الذي ساوى بين الروح األمين وروح‬
‫القدس وبين جبرائيل‪ ،‬فالمراد معرفة ماھية جبرائيل‪.‬‬
‫ه‬
‫ت فِي ِ‬
‫‪ -4‬وثمة مجموعة أخرى تقول بأنّ المراد من الروح ھنا الروح اإلنسانيّة‪ ،‬التي ُذكرت في اآليات من قبيل‪َ ﴿ :‬‬
‫ونَفَخْ ُ‬
‫ِن ُروحِي﴾‪.‬‬
‫م ْ‬
‫ّ‬
‫‪ -5‬والرأي األخير‪ ،‬وقد اختاره صاحب الميزان‪ ،‬يتبنى أنّ السؤال عن الروح‬
‫‪395‬‬
‫ھنا ليس عن الروح بمعنىً خاصّ ‪ ،‬بل عندما رأوا القرآن يذكر لفظة الروح كثيراً لم ت ّتضح لديھم‪ ،‬فسألوا عنھا‪.‬‬
‫وعلى أيّ حال فإنّ الجواب قد جاءھم‪﴿ :‬قُ ِل الرُّ و ُح مِنْ أَم ِْر َربِّي﴾‪ .‬وھو جواب واقعيّ ‪ ،‬فما ھي حقيقته‪ ،‬وما ھي الروح؟‬
‫حقيقة الروح‬
‫تبيّن معنا أنّ القرآن يجيب السائلين عن الروح بأ ّنھا‪) :‬من أمر ربّي(‪ .‬وھذا التعريف يشتمل على جزءين‪ ،‬فھي أمر‪ ،‬وھي‬
‫من ﷲ‪ ،‬فما معنى ذلك؟‬
‫أوالً‪ :‬ما معنى أ ّنھا من ﷲ )تفسير نسبتھا إلى ﷲ(‪.‬‬
‫إذا أردنا أن نعرّف شيئا ً فتارة نعرّ فه بأجزائه الذاتية أي التي يتكوّ ن منھا‪ ،‬كأن نعرّف السجادة بأ ّنھا مجموعة خيوط ملوّ نة‬
‫من القطن أو الصوف‪ ،‬ويسمّى ھذا التعريف بالتعريف بالعلل الداخليّة )أي العلة المادية للشيء والعلة الصوريّة(‪ ،‬وأخرى‬
‫نعرّف ھذا الشيء بأمور خارجة عن ذاته‪ ،‬كالغاية والغرض الذي وُ جد ألجله‪ ،‬بأن نعرّف السجادة بأ ّنھا ما يُفرش ويستفاد‬
‫منه بالجلوس‪ ،‬كما أ ّنه قد نعرّ فه بفاعله‪ ،‬كأن نقول إ ّنھا سجادة عجميّة من صناعة أھل يزد مثالً‪ ،‬ويُسمّى التعريف بالغاية‬
‫أو بالفاعل تعريفا ً بالعلل الخارجية )أي العلّة الغائيّة والعلّة الفاعليّة(‪.‬‬

‫وليكون التعريف تا ّما ً فال ب ّد أن يتو ّفر على بيان العلل الداخليّة والخارجيّة‪ ،‬ف ُتذكر أجزاؤه و ُتبيّن غايته وفاعله‪.‬‬
‫ن أَ ْم ِر َربِّي﴾‪ ،‬فھي لم‬
‫ﱡوح ِ‬
‫ُل الر ُ‬
‫م ْ‬
‫إذا عدنا إلى التعريف الذي َذ َك َر ْته ُ للروح نجد أ ّنھا عرّ فتھا بأ ّنھا شيء ناشئ من ﷲ‪﴿ :‬ق ِ‬
‫تذكر أجزاءھا‪ ،‬أل ّنھا بسيطة ال أجزاء لھا‪ ،‬ولم تبيّن غايتھا‪ ،‬إذ ليس للروح غاية يمكن أن يعرفھا السائل‪.24‬‬
‫‪396‬‬
‫ثانيا ً‪ :‬ما معنى كون الروح أمراً إلھ ّياً؟‪.‬‬
‫األمر في القرآن‬

‫‪25‬‬

‫تارة يتحدّث القرآن عن )خلق ﷲ(‪ ،‬وأخرى عن )أمر ﷲ(‪.‬‬
‫حينما يعبّر القرآن بقوله )خلق ﷲ( فالمنظور ھو اإليجاد التدريجيّ ‪ ،‬الذي يرتبط بعاملي الزمان والمكان‪ ،‬كما في خلق‬
‫السماوات واألرض في ستة أيام‪ -‬أيا ً كان المقصود من األيّام الس ّتة‪ ،-‬وكما في تحوّ الت النطفة في الرحم‪.‬‬
‫أمّا حين يعبّر ب‪) -‬أمر ﷲ(‪ 26‬فالمقصود ھو الوجود الدفعيّ ‪ ،‬الذي ال مح ّل للتدرّ ج فيه‪ ،‬فھو ينتسب إلى ﷲ مباشرة من‬
‫ُن َ‬
‫م ُر ُه إِ َ‬
‫ة َ‬
‫ح َد ٌ‬
‫دون‬
‫ذا أَ َرا َ‬
‫وا ِ‬
‫م ُرنَا إِ ﱠال َ‬
‫ف َيكُونُ ‪َ ﴿ ،﴾27‬‬
‫د َ‬
‫ما أ َ ْ‬
‫و َ‬
‫ل لَ ُ‬
‫ش ْيئاً أَنْ يَقُو َ‬
‫دخل لعام َلي الزمان والمكان‪﴿ ،‬إِن ﱠ َ‬
‫كلَ ْ‬
‫ما أَ ْ‬
‫هك ْ‬
‫ٍ‬
‫محٍ‬
‫‪28‬‬
‫ص ِر ﴾‪ ،‬والمقصود أ ّنه ال محل للزمان والتدرّ ج وما شاكل في أمر ﷲ‪ ،‬فقوله وفعله أي ما يريده عين الوجود وعين ما‬
‫بِا ْل َب َ‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫يوجده‪ ،‬دون أن تكون ھناك لبثة انتظار أصال‪..‬‬
‫ه ا ْل َ‬
‫ق َو ْاألَ ْم ُر‪.﴾29‬‬
‫وقد اجتمع كال المعنيين في قوله تعالى‪﴿:‬أَال لَ ُ‬
‫خ ْل ُ‬

‫ن أَ ْم ِر َربِّي﴾‪ ،‬فباإلضافة إلى أنھا منسوبة إلى ﷲ وحده‪ ،‬فإ ّنھا من جنس‬
‫ﱡوح ِ‬
‫ُل الر ُ‬
‫م ْ‬
‫و ھكذا نفھم المراد من قوله تعالى‪﴿ :‬ق ِ‬
‫أمره‪ ،‬وليست من جنس خلقه كالسماوات واألرض وباقي موجودات ھذا العالم‪.‬‬
‫‪397‬‬
‫اإلنسان ووجھاه األمري والخلقي‬
‫تبيّن في ما سبق أن الروح التي ذكرنا تشمل روح اإلنسان أيضاً‪ ،‬و ھذا ي عني أنّ في اإلن سان‪ ،‬باإل ضافة إ لى بد نه‪ ،‬رو حا ً‬
‫ووجھتان وجوديّتان‪ :‬الوجھة الخلقيّة والوجھة األمريّة‪.‬‬
‫ھي من موجودات )أمر ﷲ(‪ ،‬ولذا فلإلنسان جنبتان ِ‬
‫يعبّر القرآن عن الوجھة الخلقيّة بصيغة‪َ ﴿ :‬‬
‫ف ِإ َ‬
‫خـ َر‪ ،﴾30‬أو ﴿‬
‫خ ْلقـاً آ َ‬
‫ذا َ‬
‫م أَ ْنش َ ْأنَا ُه َ‬
‫و ْي ُت ُ‬
‫ه﴾‪ ،‬وعن الوجھة األمريّة بالقول‪﴿ :‬ثُ ﱠ‬
‫س ﱠ‬
‫ِن ُروحِي﴾ ‪.‬‬
‫ت فِي ِ‬
‫َ‬
‫هم ْ‬
‫ونَفَخْ ُ‬

‫والذي يظھر من اآليات أنّ اإلنسان بعد أن يصل في خلقته التدريجي ّة إ لى مرح لة مع ّي نة فإن ّ ه ُي فاض عل يه ب شيء من ع ند‬
‫ﷲ‪ ،‬أي بشيء له أُفُق أرفع من ھذا األفق‪.‬‬
‫يبقى أن نشير إلى أنّ المتي ّقن ھو استخدام الروح األمريّة بأزاء اإلنسان دون بقيّة موجودات العالم‪.‬‬
‫‪398‬‬

‫ﺧﻼﺻﺔ اﻟﺪرس‬
‫ ّ‬‫تمثل الروح مجموعة من الحقائق غير الجسميّة‪ ،‬ومنھا روح اإلنسان التي تش ّكل شخصيّته الحقيقيّة‪ ،‬والتي تبقى بعد ف ناء‬
‫جسده‪.‬‬
‫ تتو ّفر الن صوص الديني ّة المختل فة‪ ،‬من قرآن وأدع ية وأحاد يث‪ ،‬ع لى ذ كر ا لروح‪ ،‬بح يث بل غت ح ّد التوا تر‪ ،‬وال تترك‬‫ك فيھا‪.‬‬
‫مجاالً للش ّ‬
‫ ذكر القرآن الروح في استعماالت متعدّدة‪ ،‬وتعود جميعھا إلى حقيقة واحدة‪ ،‬وھي كونھا مخلوقا ً من نوع أمر ﷲ‪.‬‬‫ معنى كون الروح من أمر ﷲ مسألتان‪:‬‬‫مـا‬
‫‪ -1‬فمعنى أنھا أمر وليست خلقاً‪ ،‬كون إيجادھا دفعيّ‪ ،‬ال مح ّ‬
‫ل للتدرّ ج والزمان وما شابه ف يه‪ ،‬بل ينت سب إ لى ﷲ ﴿ َ‬
‫و َ‬
‫ة َ‬
‫ح َد ٌ‬
‫ص ِر‪.﴾31‬‬
‫م ُرنَا إِ ﱠال َوا ِ‬
‫محٍ بِا ْلبَ َ‬
‫أَ ْ‬
‫كلَ ْ‬
‫‪ -2‬ومعنى أ ّنھا من ﷲ كونھا مُنحت نفحة إلھية تمنحھا البساطة والتجرّ د والبقاء‪.‬‬

‫أﺳﺌﻠﺔ اﻟﺪرس‬
‫‪ -1‬ما ھي الروح؟‬
‫‪ -2‬أين تتجلّى شخصيّة اإلنسان الحقيقيّة؟‬
‫‪ -3‬ھل ينھى القرآن عن السؤال عن طبيعة الروح؟‬
‫‪ -4‬ما معنى الروح في القرآن الكريم؟‬
‫‪ -5‬كيف يذكر القرآن موت اإلنسان وتالشيه ث ّم يذكر أ ّنه حيّ ؟!‬

‫ﻫﻮاﻣﺶ‬
‫‪ -1‬الحجر‪ 29 :‬و ص‪.72 :‬‬
‫‪ -2‬والفالسفة عندما يعبّرون بـ )النفس( ينصرف المعنى أكثر إلى جھات تعلقات الروح الماديّة‪ ،‬فيعنون باألمور النفسانية األمور الشـھوانية والبدنيـة‪ ،‬وعنـدما يعـبرون بـ‬
‫)الروح واألمور الروحيّة( فأكثر ما يعنون بھا الجنبات المستقلة للروح عن البدن وعالم المادّة‪.‬‬
‫‪ -3‬النحل‪.96:‬‬
‫‪ -4‬نھج البالغة‪ ،‬الخطبة ‪ ،81‬طبعة فيض اإلسالم‪.‬‬
‫‪ -5‬نھج البالغة‪ ،‬الخطبة‪ ،107‬طبعة فيض اإلسالم‪.‬‬
‫‪ -6‬نھج البالغة‪ ،‬الخطبة ‪ ،110‬طبعة فيض اإلسالم‪.‬‬
‫دامنا عبدك وابن عبدك نزل بك وأنت خير منزول بـه‪ ،(...) ،‬الل ّھـم إنّـك قبضـت‬
‫‪ -7‬كما في الدعاء الذي ُيقرأ في صالة الميت قبل آخر تكبيرة‪) :‬الل ّھم إ ّ‬
‫جى ق ّ‬
‫ن ھذا المس ّ‬
‫روحه إليك‪.(...‬‬
‫‪ -8‬النب‪.38 :‬‬
‫‪ -9‬القدر‪.4:‬‬
‫ل على ذكر الروح في عرض المالئكة سواء كانت الباء في )بالروح( للمصاحبة ـ أي يـنزّل المالئكـة ويصـاحبھا ا لروح‪ ،‬أو لإل ستمداد ــ أي تتـنزل‬
‫‪ -10‬النحل‪ ،2:‬وھي تد ّ‬
‫المالئكة باإلستمداد من الروح واإلستعانة بھا‪.‬‬
‫‪ -11‬الكافي‪ ،‬ج‪ ،1‬ص‪ ،274‬حديث ‪) 6‬كتاب الحجة(‪.‬‬
‫‪ -12‬الشعراء‪.194-193:‬‬
‫‪ -13‬النحل‪.102:‬‬
‫‪ -14‬الشورى‪.52:‬‬
‫‪ -15‬النساء‪.171:‬‬
‫‪ -16‬المجادلة‪.22:‬‬
‫‪ -17‬مريم‪17:‬‬
‫‪ -18‬السجدة‪.9:‬‬
‫‪-19‬‬
‫‪-20‬‬
‫‪-21‬‬
‫‪-22‬‬

‫الحجر‪.29:‬‬
‫ن ال ﱡروحِ"‪.‬‬
‫سأَلونَ َ‬
‫كما في اآلتية من اإلسراء‪َ " :‬ويَ ْ‬
‫ك َع ِ‬
‫اإلسراء ‪.85 :‬‬
‫وليست في مقام النھي عن السؤال عن حقيقة الروح!‪.‬‬

‫‪ -23‬كھذه من النب‪ ,38:‬واآليات ‪ 4‬و‪ 2‬من سورتي القدر والنحل‪.‬‬
‫‪ -24‬فغاية الروح أن ترجع إلى ﷲ‪ ،‬والسائل ال يعرف معنى العودة إلى ﷲ‪.‬‬
‫‪ -25‬يسوق ھذا الكالم العالمة الطباطبائي‪ ،‬وھو معنى موجود في كلمات آخرين سبقوه كما في كلمات المال صدرا‪.‬‬
‫ل َو ُأولِي ْ‬
‫ُم"الن ساء‪ ،59 :‬وقــد ينسـبھا‬
‫سو َ‬
‫ـر ِم ْنك ْ‬
‫‪ُ -26‬ينسب األمر في القرآن أحياناً إلى غير ﷲ‪ ،‬كنسبته إلى المتص ّ‬
‫الر ُ‬
‫دين للشؤون‪ ،‬كما في "أَطِي ُعوا ﷲ َوأَطِي ُعوا ﱠ‬
‫األَ ْم ِ‬
‫إلى أشياء أخر‪.‬‬

‫‪ -27‬يس ‪.82 :‬‬
‫‪ -28‬القمر‪.50 :‬‬
‫‪ -29‬األعراف‪.54:‬‬
‫‪ -30‬المؤمنون‪.14:‬‬
‫‪ -31‬القمر‪.50 :‬‬

‫اﻟﺪرس اﻟﺴﺎدس واﻟﻌﺸﺮون‪ :‬اﻟﻌﻠﻢ واﻟﺮوح‬
‫أھداف الدرس‬
‫‪ -1‬إكتساب القدرة على فھم برھان التغيرات في الكون‪.‬‬
‫‪ -2‬شرح برھان التكامل‪.‬‬
‫‪ -3‬إستعراض برھان ظھور اإلنسان‪.‬‬
‫‪ -4‬شرح برھان التكيّف‪.‬‬
‫‪ -5‬فھم برھان قابلية اإلنسان العلمية‪.‬‬
‫‪ -6‬القدرة على االستدالل على ال تناھي أماني اإلنسان وتدليله على الروح‪.‬‬
‫‪401‬‬
‫تمھيد‪:‬‬
‫نعرض في ھذا البحث الجنبة العلميّة المعاصرة للروح‪ .‬وإذ نتحدّث عن الجنبة العلميّة فھذا ال يعني أننا نكت في بم جرّ د ن قل‬
‫ما َق ِبله علماء العلم الحديث‪ ،‬بل نقوم بممارسة االستدالل وفق الصيغ والقوانين التي سلّم بھا ھؤالء العلماء مع مالحظة أ ّننا‬
‫نجد العلم الحديث‪ .‬قد انحسرت قدرته وضعفت عن البيان عندما تجاوز األمر حدود الحسّ ‪ .‬لھذا ال يمكننا أن ن سلّم ب ك ّل ما‬
‫أ تى به العل ماء المعا صرون ب شكل تا ّم وأع مى‪ ،‬بح يث إذا أن كروا ا لروح أنكرنا ھا وإذا آم نوا ب ھا آم نا‪ ،‬بل ن ستفيد من‬
‫طروحاتھم لنصل بالعلم إلى أرقى مقاماته‪.‬‬
‫‪ -1‬برھان التغ ّيرات في الكون‬
‫يقوم ھذا البرھان‪ 1‬على أ ساس أ نه ال يم كن علمي ّا ً‪ -‬وباإلعت ماد ع لى عن صري ال مادّة والطا قة ف قط‪ -2‬ك ما يفع له ال ماديون‪-‬‬
‫تفسي ُر وجود بعض الظواھر‬
‫‪403‬‬
‫صــة اإلنســان‪ ،‬كمــا ال يمكــن تقــديم تعليــل لإلختالفــات‬
‫الكون ّيــة‪ ،‬ال س ـيّما التحــوّ الت والتغ ّيــرات فــي الكائنــات الح ّيــة‪ ،‬خا ّ‬
‫‪3‬‬
‫ّ‬
‫والتنوّ عات ا لتي تح صل في مواد ھذا ال كون وف قا ً للعن صرين ال مذكورين‪ ،‬بل ال ب ّد من و جود عن صر ثا لث يعل ل ذ لك‬
‫التحوّ ل والتغيّر وتلك اإلختالفات والتنوّ عات‪ ،‬التي نراھا ونشاھدھا عيانا ً وبالحواسّ الماديّة‪.‬‬
‫تفصيل ذلك أنّ صور وحاالت الموا ّد األوليّة للكائنات غير ثابتة‪ ،‬فھناك تغيّرات وتحوّ الت تحصل في ھا دائ ماً‪ ،‬ك ما أنّ ب ين‬
‫ھذه الموا ّد اختالفات‪ ،‬ك ّل ذلك ناشئ عن الصفات والخواصّ الموجودة في طبيعة األشياء والعناصر وكيفيّاتھا‪ ،‬بح يث أدّت‬
‫إلى عدم ثبات موا ّد ال عالم وحاالت ھا‪ .‬وال ب ّد أن ي كون وراء ھذا الت غير والت حول واإلخ تالف ق صد وإرادة وحر كة معي نة‪.‬‬
‫وھذا القصد واإلرادة غير موجودين في المادة والطاقة‪ ،‬فال يب قى إال أنّ ثم ّة عن صرآً ثال ثا ً في ھذا ال كون ي كون الم سؤول‬
‫عن ھذه األمور‪.‬‬
‫أما عن مكان ھذا العنصر أو مركزه فليس له مح ٌّل أصالً‪ ،‬كما أنّ ھذا العنصر ل يس من سنخ المو جودات المحسو سة ل نا‪،‬‬
‫عنصري المادّة والطاقة‪ ،‬وإذا لم يكن ما ّدة فليس له حجم أو ح ّد ي ح ّده‪ ،‬بل‬
‫وال من عناصر ھذا العالم المادي‪ ،‬فھو أمر غير‬
‫َ‬
‫ً‬
‫إنّ لھذا العنصر قوة تمك ّنه من أن يكون حاكما ً على ال ما ّدة مھيم نا علي ھا‪ ،‬ك ما نرى أ ثره في اإلن سان من خالل الع بادات‬
‫بنحو يخرج من إسار الطبيعة ويتحرّ ر منھا‪ ،‬وكذلك‬
‫كالصوم مثالً‪ ،‬حيث يحصل الصائم على استقاللية‬
‫ٍ‬
‫‪404‬‬

‫األمر في التنويم المغناطيسيّ إذ يخضع اإلنسان لتأثيره بحيث يھيمن على جميع قواه‪ .‬وھذه النقطة ّ‬
‫تمثل ذروة تسلّط الروح‬
‫على البدن‪ ،‬وھي تعكس ذروة تسلّط اإلرادة الموجودة في البعد الثالث‪ ،‬و ُتبرز ھيمن َتھا على المادّة والطاقة‪.‬‬
‫وبنا ًء عليه يتبيّن‪ 4‬أن ّ ه بالم قدّمات ا لتي ذكرنا ھا تث بت ا لروح الم جرّ دة‪ ،‬فإن نا ع ندما نت حدّث عن ُب ع ٍد ثا لث ل يس له أ صول‬
‫ماديّة‪ ،‬وأ ّنه غير متغيّر وال متحوّ ل في ذاته‪ ،‬وأ ّنه م جرّ د عن الم كان‪ ،‬ن كون قد أثبت نا ا لروح الم جرّ دة‪ ،‬فإنّ م عنى الت جرّ د‬
‫ليس سوى التجرّ د عن ھذه النواقص المذكورة‪.‬‬
‫من ناح ية أ خرى ال ب ّد أن ي كون ھذا العن صر‪ ،‬ا لذي يھي من ع لى ال ما ّدة ويق بل التلق ين‪ ،‬واع ياً‪ ،‬بح يث يرتبط به شعورنا‬
‫اإلراديّ الواعي‪ ،‬الذي ال يمكن أن يرتبط بالعنصر المادّي وال بالطاقة‪.‬‬
‫‪ -2‬برھان التكامل‬
‫يع ّد تكامل الموجودات الحيّة وتطوّ رھا من مظاھر الحياة التي ال تقبل اإلنكار‪ ،‬في ما ل يس بم قدور الع لم المعا صر‪ ،‬بقواني نه‬
‫الحاك مة وبج ھاز عنا صره‪ -‬ال قائم ع لى ا فتراض عن صرين ف قط في إ طار الز مان والم كان )ال مادّة والطا قة(‪ -‬تف سير ھذا‬
‫عنصر ثال ٍ‬
‫ث وبُع ٍد آخر غير المادة والطاقة يفسر لنا ظاھرة التطور في الحياة‪.‬‬
‫التكامل‪ ،‬بل الب ّد من إثبات‬
‫ٍ‬
‫وتوضيح ذلك‪:‬‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫إنّ جن بة اإلن سان المادي ّة ا لتي تخ ضع ل قوانين الع لم ال حديث‪ -‬ا لتي ت شمل كال من ال ما ّدة والطا قة‪ -‬ت سير ن حو التدا عي‬
‫والتالشي‪ ،‬حيث تخضع لقانونين‪:‬‬
‫‪405‬‬
‫األول‪ :‬قانون التداعي والكھولة )اآلنتروبي( القائل بأنّ ك ّل مادّة في ھذا العالم تتجه منذ اللح ظة األو لى ن حو ال ھرم‬
‫القانون ّ‬
‫والضعف‪ ،‬حتى تضمحل وتتالشى‪ ،‬كما ھو الحال في اآلالت الصناعيّة‪ ،‬فإ ّنھا ت كون في أول يوم من إنتاج ھا أ قوى وأ ش ّد‬
‫وأكثر سالمة من أيّ وقت آخر‪ ،‬ث ّم تراھا تضعف وتتداعى وتبلى كلّما مرَّ عليھا الزمن‪.‬‬
‫القانون الثاني‪ :‬وھو القانون المضا ّد لل )اآلنتروبي(‪ ،‬وھو حالة يطلق عليھا اسم )الطاقة المفيدة أو المؤثرة(‪ ،‬و ھي تظ ھر‬
‫بأشكال مختلفة‪ ،‬كما أ ّنھا قابلة لإلستفادة‪.‬‬
‫والعالقة بين القانونين ھي النسبية المعاكسة‪ ،‬أي كلما يزداد اآلنتروبي تق ّل الطاقة المؤث ّ رة‪ ،‬ف في كل كائن حيّ ر صيد من‬
‫الطاقة المؤثرة يستفيد منھا في نموّ ه‪ ،‬وتكون ھذه الطاقة في أوج عطائھا في اللحظات األولى لنشأته‪ ،5‬وعندما ي ستفيد من ھا‬
‫في ن موّ ھيك له وج سمه ت بدأ بالت ضاؤل يو ما ً ب عد يوم‪ ،‬لتزداد ع لى ح سابھا الطا قة الم ضا ّدة ل ھا )اآلنترو بي( أي ان حدار‬
‫اإلنسان نحو التداعي والشيخوخة‪ ،‬ويستمرّ ازدياد اآلنتروبي على حساب تضاؤل الطاقة المؤثرة إلى الح ّد ا لذي تظ ھر ف يه‬
‫حالة الركود والتعادل وعدم الحركة في اإلنسان وھي الموت نفسه‪ ،‬سواء أكان الموجود ح ّيا ً أم غير حيّ ‪.‬‬
‫وخال صة ال قول‪ :‬إنّ ل كل إن سان ر صيداً تا ما ً من الطا قة المؤث ّرة في أول مرح لة من ن شوئه‪ ،‬ت بدأ ھذه الطا قة بال ضعف‬
‫واإلضمحالل فتق ّل حركته شيئا ً‬
‫‪406‬‬
‫فشيئاً‪ ،‬ويسير بذلك نحو الموت‪ ،‬وھذا ما يعب ّر ع نه اإل مام ع ليّ عل يه ال سالم بأنّ اإلن سان يت حرّ ك ن حو ال موت م نذ ال يوم‬
‫األول لوالدته‪.6‬‬
‫ھذا في الجنبة الماديّة والنموّ الظاھريّ لإلنسان‪ .‬إال أننا نرى في اإلنسان جنبة أخرى‪ ،‬وتلك ھي الن موّ الجو ھري له‪ ،‬فإ ّن نا‬
‫نرى اإلنسان في مسيرة حياته يسير من ناح ية أ خرى ن حو التكا مل والت طوّ ر‪ ،‬ت شت ّد ذا ته وي قوى جو ھره‪ ،‬وي ّت جه تدريجي ّا ً‬

‫نحو الشدّة والكمال‪ ،‬وليس نحو التداعي والضعف !‪.‬‬
‫فنحن نرى اإلنسان كلمّا مرّ به الزمن‪ ،‬قطع شوطا ً من العلم وحاز مجموعة من الملكات العلميّة واألخالقيّة‪ ،‬ف ھو‪ -‬في ھذه‬
‫الجنبة منه‪ -‬دائما ً في حالة تصاعديّة إشتداديّة‪ ،‬و ھذا يت نافى تما ما ً مع التف سير العل مي‪ ،‬بل ي عد م حاالً علمي ّا ً وف قا ً للتفا سير‬
‫القائمة على المادة والطاقة فقط‪.‬‬
‫والواقع أنّ لإلنسان‪ ،‬إ لى جا نب ال مادة والطا قة ا لتي تحكم ھا قوانين ت سير ب ھا ن حو ال تداعي واإل ضمحالل‪ ،‬جن بة روحي ّة‬
‫وحياتيّة‪ ،‬تشھد منذ اللحظة األولى لوجوده تكامالً واشتداداً‪.‬‬
‫ھكذا نرى أنّ القوانين الطبيعية ال تسري إلى تكامل اإلنسان‪ ،‬كما أنّ الج ھاز المؤل ّف من عن صرين ف قط‪ -‬ال مادّة والطا قة‪-‬‬
‫يقف عاجزاً عن تفسير ھذا التكامل الحاصل‪.‬‬
‫مالحظة مھمة‪:‬‬
‫إنّ ھذا االستدالل يت ّم بمجرّ د أن يكون ھناك تكامل ولو على مستوى الفرد‪،‬‬
‫‪407‬‬
‫سواء أكان ھناك تكامل آخر ع لى م ستوى ال نوع أم ال‪ ،7‬ح يث إنّ التكا مل في أيّ شكل من أ شكاله يح تاج إ لى ذ لك الب عد‬
‫الثالث‪ ،‬حيث ال يمكن لجھاز الطاقة والمادة وال لقانون اآلنتروبي تفسير ھذا التكامل‪.‬‬
‫وفي النتيجة فإن قوانين العلم الحديث‪ ،‬بعنصريه‪ -‬ال مادّة والطا قة‪ -‬ال لذين ت ّم إكت شافھما‪ ،‬إن ما تتحك ّ م بم سألة ال ھرم فالموت‬
‫فقط‪ ،‬فيما يتحكم بمسألة الحياة وتجددھا وتكاملھا بعد ثالث غير المادّة والطاقة ال ب ّد من وجوده في اإلنسان‪.‬‬
‫فالتكامل‪ -‬وطبقا ً لما يراه القدماء‪ -‬يحكي جنبة ما ورائية‪ ،‬أي ما وراء الجسم والمادّة )ما وراء الطبيعة(‪.‬‬
‫‪ -3‬برھان ظھور اإلنسان‬
‫ضع ال مادّة والطا قة ب عد وجودھ ما‪ ،‬لكن ھا ت قف‬
‫قد تفس ّر نظري ّة العن صرين‪ -‬ال مادّة والطا قة‪ -‬بالقوانين الحاك مة عليھ ما و َ‬
‫عاجزة عن تفسير أصل ظھور اإلنسان والحياة على صفحة الوجود‪ ،‬بل أصل وجود ھذا الكون‪.‬‬
‫وتوضيحه‪ :‬إنّ تفسير ظھور الحياة واإلنسان يتو ّقف على الحديث عن طفرة‪ ،‬أي عن حلقة فارغة ومبھمة‪ ،‬ھي ا لتي تول ّت‬
‫ھذا الوجود‪ .‬وھذه الطفرة إمّا أن تكون معلولة للصدفة أو معلولة ألمر موجود آخر‪.‬‬
‫‪408‬‬
‫أمّا أن تكون معلولة للصدفة فذلك غير ممكن‪ ،‬إذ الصدفة قائمة على م بدأ ظ ھور األ شياء من خالل التغ ييرات التدريجي ّة‪،‬‬
‫بنا ًء على أنّ تكرار الحوادث ماليين المرات يُظھر بالصدفة شيئا ً ناف عا ً يب قى ويت حوّ ل إ لى إرث للج يل ا لذي يل يه‪ ،8‬و ھذا‪-‬‬
‫التغيير التدريجيّ ‪ -‬ال يمكن أن يص ّح في الكائنات الحيّة التي تتم ّتع بخصو صيّات عجي بة‪ ،‬و لدقتھا وتعق يدھا و تزامن حا جة‬
‫ك ّل جزء من ھا إ لى أجزا ئه األ خرى في آن وا حد ال ب ّد أ ّن ھا وُ ج ِ دت دف عة وا حدة‪ ،‬كالج ھاز الب صريّ ‪ ،‬ال يم كن أن ي كون‬
‫وجودھا تدريجيا ً بحيث يبقى النافع من األجزاء تدريج ّياً‪ ،‬وال ب ّد أن توجد دفعة واحدة‪.‬‬
‫إذاً‪ ،‬إنّ مثل ھذه األجھزة وھذه الخصوصيّات ال تتسق مع حسابات التصادف الماديّ ‪ ،‬وبالتالي فالطفرة في ظ ھور اإلن سان‬
‫بتجھيزاته ال يمكن أن تكون معلولة للصدفة بل ذلك يحكي عن وجود قوة أو عنصر ثالث ھو الذي أحدث ھذه الطفرة‪.‬‬
‫‪ -4‬برھان التك ّيف مع البيئة‬

‫‪9‬‬

‫يتميّز وجود الكائنات الحيّة بخاصيّة مذھ لة‪ ،‬و ھي تكي ّف ال كائن ال حيّ مع شروط البي ئة‪ ،‬بح يث تت طابق شروطه الحياتي ّة‬
‫والوجوديّة مع الشروط الخارجية‪ ،‬وذلك إمّا بأن يكيّف ذاته معھا‪ ،‬وإمّا بأن يكيّف البيئة والمحيط مع ما يناسبه‪.10‬‬
‫ھكذا تبرز في أجھزة الكائنات الحيّة الداخليّة تغييرات تتناسب مع المحيط الجديد‪ ،‬كلما تغيّرت األوضاع عليھا‪ ،‬فتلبّي بذلك‬
‫اإلحتياجات المستجدّة للحياة في البيئة الجديدة‪.‬‬
‫‪409‬‬
‫فاإلنسان‪ -‬مثالً‪ -‬عندما يعيش في بيئة تحتاج إلى نسبة أكبر من الكر يات البي ضاء‪ ،‬ف سرعان ما ترى طبيع ته تت بدّل لتو جد‬
‫تعادالً وتوازناً‪ ،‬ليعيش مع متطلبات البيئة الجديدة وضروراتھا‪ ،‬وھذه األ مور قد ع ّدت اآلن من الثوا بت تقري با ً‪ .‬وال سؤال‬
‫الذي يطرح نفسه ھو‪:‬‬
‫ما ھو العامل المؤ ّثر في ھذه التغييرات؟‬
‫قد ثبت أن ھذا التغيير في أجھزة الكائن الحيّ ليس بتأثير العوامل الخارجي ّة‪ ،‬و لذلك ال نرى له أ ثراً في الج مادات‪ ،‬وإ ّن ما‬
‫المسبّب له قوّ ة الحياة الموجودة في الكائنات الحيّة‪ ،‬وھي قوة ھادفة وموجّ ھة لھذا الجسد تبادر إلى تغيير و ضع ال بدن كل ما‬
‫دعت الحاجة إلى ذلك‪ ،‬طبعا ً ضمن حدود قدرتھا‪.‬‬
‫‪ -5‬برھان قابلية اإلنسان العلمية‬
‫ھناك نظريّتان في كيفيّة تل ّقي اإلنسان للمعلومات‪:‬‬
‫‪ -1‬ا لدماغ ظرف للمعلو مات‪ :‬و ھي ا لتي كا نت سائدة سابقاً‪ ،‬تب تنى ع لى أنّ خال يا ا لدماغ ھي ظرف للمعلو مات ال تي‬
‫يحص ّلھا اإلن سان‪ ،‬ف مع ك ّل معلو مة يكت سبھا ويحفظ ھا‪ -‬سواء أكا نت شِ عراً أم قانو نا ً علمي ّا ً أم غير ذ لك‪ -‬تنت قش صورة‬
‫مص ّغرة لھا في نقطة معيّنة من دماغنا‪ ،‬كذا في المعلومة الثانية‪ ،‬وھكذا‪...‬‬
‫فكل معلومة تأخذ مكانا ً معيّنا ً في نقطة من دماغنا‪ ،‬ومعنى ذلك أ ّنه إذا استوفى اإلنسان نقاط الدماغ جميعا ً فلن ي كون ھ ناك‬
‫مكان لمعلو مات جد يدة‪ ،‬وال يم لك اإلن سان ب عدھا أيّ ا ستعداد للتعل ّم‪ ،‬ح يث ي صير ا لدماغ تما ما ً كال صحيفة البي ضاء ال تي‬
‫امتألت كتابة في جميع جوانبھا وحواشيھا‪.‬‬
‫وفي النتيجة تكون قابلية اإلنسان بنا ًء على ھذه النظرية محدودة بمحدوديّة حجم دماغه‪.‬‬
‫‪410‬‬
‫‪ -2‬الدماغ آ لة ارت باط‪ :‬ب عد ر فض الع لم ال حديث للنظر ية ال سابقة‪ ،‬قا مت النظر ية الثان ية ع لى اعت بار ا لدماغ آ لة ارت باط‬
‫بالظرف الواقعيّ للمعلومات‪ .‬والظرف الواق عيّ ھو ت لك الحا لة ا لتي ن حسّ أ ّن ھا في داخل نا ح ضور ّياً‪ ،‬و ھي حا لة روحي ّة‬
‫مجرّ دة غير ماديّة‪ ،‬فال حدود لھا‪ ،‬وبالتالي فإ ّنھا تقبل المعلومات إلى ما ال نھاية‪ ،‬وال معنى المتالء الدماغ بالمعلومات‪.‬‬
‫نعم‪ ،‬قد يتعب الدماغ على أثر الكبر والضعف‪ ،‬فتضعف قابلية اإلن سان ع لى تلق ِّي المعلو مات‪ ،‬وذ لك لت باطؤ أداة اإلرت باط‬
‫وليس المتالء الظرف‪ 11‬الواقعيّ ‪ ،‬ولذا فلو أمكننا أن نأ خذ المعلو مات عن طر يق اإلل ھام واإل شراق‪ ،‬من دون أن ن ستخدم‬
‫‪12‬‬
‫دماغنا وأعصابنا‪ ،‬لحصلنا على العلم ال إلى نھاية‪.‬‬
‫وممّا يساعد على ھذه النظريّة‪ -‬في تل ّقي المعلومات‪ -‬كالم لإلمام عليه السالم في نھج البالغة‪) :‬ك ّل وعاء ي ضيق ب ما ج عل‬
‫‪13‬‬
‫فيه )حيث يتد ّنى استيعابه بمقدار ما وُ ضع فيه(‪ ،‬إال وعاء العلم فإ ّنه يتسع به(‪.‬‬
‫في النتيجة‪ ،‬إنّ عدم محدوديّة تل ّقي اإلنسان للمعلومات تث بت أنّ ف يه و عا ًء وظر فا ً غير م حدود في قابل ّي ته‪ ،‬وال ي كون ف يه‬

‫سعة مكان ية مع ّي نة وم حدودة م عدّة لن قش الع لم‪ ،‬بل ھو ظرف م جرّ د غير ماديّ يزداد ات ساعا ً ب قدر ما ي صبّ ف يه من‬
‫معلومات‪ ،‬وليس ذلك سوى روحه التي بين جنبيه‪.‬‬
‫‪411‬‬
‫‪ -6‬برھان ال محدودية أماني اإلنسان‬
‫من المسائل غير المتناھية في اإلنسان مسألة أمانيه وآماله‪ ،14‬فلكل إنسان أمنيات تحدّثه بھا نفسه‪ ،‬وكلّما أُعطي ھا ترى قل به‬
‫يتمنى أموراً جديدة‪ ،‬فوعاء أماني اإلنسان وقابليّته على التم ّني غير محدودة‪.‬‬
‫وإذا ما رأينا إنسانا ً محدود األماني فذلك يعود إلى األوضاع المحيطة به ا لتي ُتم لي عل يه ھذه المحدود ية‪ ،‬ح يث يتمن ّ ى ما‬
‫يرى أنّ له نيله ويمكن تحقيقه‪ ،‬فإذا ما حصل عليه تبرز لديه أمانيُّ وآمال جديدة‪.‬‬
‫حقيقة األماني الالمتناھية‪:‬‬
‫وواقع األمر أنّ اإلنسان في أمنياته الالمحدودة إنما ينشد الكمال المطلق‪ ،‬فھو ين فر من المحدودي ّة والن قص وال عدم‪ ،‬يتمن ّى‬
‫شيئا ً ويسعى وراءه ظ ّنا ً منه أ ّنه مبتغاه وضالّته الواقعيّة‪ ،‬وإذا ما حصل عليه وجده أق ّل من المطلوب فيسعى إلى شيء آخر‬
‫أكمل من األول‪.‬‬
‫إذاً‪ ،‬ليست أماني اإلنسان الالمحدودة أمانيَّ مش ّتتة بال ھدف‪ ،‬كما أ ّن ھا لي ست ت مني ما يف قده ف قط‪ ،‬ك ما في ب عض الكتا بات‬
‫المعاصرة‪ ،‬والصحيح أنّ اإلن سان إ ّن ما ي سعى في كل أمان يه إ لى الك مال المط لق‪ ،‬و لذا لو ب لغ كما له ھذا ل ھدأ وا ستراح‪،‬‬
‫ولشعر براحة القلب واإلطمئنان ولم ينشد التحوّ ل عنه أبداً‪ ،‬فاإلنسان في أعماق شعوره الباطني ال يبغي شيئا ً غير ﷲ الذي‬
‫ھو الكمال المطلق‪.‬‬
‫وبشأن ھذه الفكرة يقول القرآن‪:‬‬

‫م ُنوا َوتَ ْ‬
‫ر ﷲ أَال‬
‫م بِ ِ‬
‫ط َ‬
‫ِين آ َ‬
‫﴿الﱠذ َ‬
‫مئِنﱡ ُقلُو ُب ُھ ْ‬
‫ذ ْك ِ‬

‫‪412‬‬
‫ري َ‬
‫ر ﷲ تَ ْ‬
‫فإِنﱠ‬
‫بِ ِ‬
‫ُوب‪ ،﴾15‬وفي آية أخرى‪َ ﴿ :‬‬
‫ط َ‬
‫ن أَعْ َر َ‬
‫و َ‬
‫ض عَ ْ‬
‫م ْ‬
‫مئِنﱡ ا ْل ُقل ُ‬
‫ن ِذ ْك ِ‬
‫ذ ْك ِ‬
‫‪17‬‬
‫َ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ﱡ‬
‫َ‬
‫ك كدْ حا ف ُمالقِيه ﴾‪.‬‬
‫ھا ِ‬
‫﴿يَا أي َ‬
‫ك كَا ِد ٌ‬
‫األن َ‬
‫ح إلى َربِّ َ‬
‫ْسانُ إِنﱠ َ‬

‫ِيش ً‬
‫ض ْنكاً‪ ،﴾16‬وكذلك قوله ت عالى‪:‬‬
‫ة َ‬
‫مع َ‬
‫ه َ‬
‫لَ ُ‬

‫نتيجة البرھان‪:‬‬
‫وفي الخالصة‪ ،‬إنّ في اإلنسان قوّ ة تدفعه للسعي وراء حقيقة ال أثر فيھا للنقص والمحدودية بل ھي الك مال المط لق‪ .‬و ھذه‬
‫القوة الدافعة إلى الالمحدود ال يمكن أن تكون محدودة في ذات ھا‪ ،‬و لذا لي ست ھي ال مادّة‪ ،‬بل أ مر آ خر ل يس سوى ا لروح‬
‫المجرّ دة عن المادّة المحدودة‪.‬‬
‫ويبقــى أنّ ھنــاك أمــوراً أخــرى ُتعتــبر مــن خصــائص اإلنســان وال يمكــن تفســيرھا مــن وجھــة النظــر الماد ّيــة‪ ،‬كــاألحالم‬
‫والتنبّؤات‪ ،‬والتخاطر والكرا مات والم عاجز‪ ،‬وأ مور إ ستثنائيّة أ خرى في اإلن سان ال يم كن إنكار ھا‪ ،‬وي ستدعي ال قول ب ھا‬
‫وجود بعد ثالث في اإلن سان غير ال مادّة والطا قة‪ ،‬وي ستدعي أي ضا ً أن ت كون ال قوى ا لتي في اإلن سان ت غاير ت لك ا لتي في‬
‫الكائنات الحية األخرى‪.‬‬
‫‪413‬‬

‫ﺧﻼﺻﺔ اﻟﺪرس‬
‫ يمكن إثبات الروح علم ّيا ً من خالل ممارسة االستدالل وفقا ً لقوانين العلم الحديث‪:‬‬‫‪ -1‬برھان التغيّرات الكونيّة‪ :‬نالحظ في ھذا الكون وجود تغيّرات وتحوّ الت في عنا صره‪ ،‬ك ما نال حظ تفاو تا ً وتنوّ عا ً ب ين‬
‫عناصره‪ ،‬وال يمكن أن يكون منشأ ذلك المادّة والطاقة‪ ،‬إذ إنّ ھذا األمر حاكم عليھ ما أي ضاً‪ ،‬فال ب ّد من عن صر ثا لث ھو‬
‫الذي ّ‬
‫يؤثر في ذلك‪ ،‬وال بد أن يكون واعياً‪ ،‬وأن ال يكون من نوع العناصر الماديّة‪ ،‬فليس ذلك سوى الروح المجرّ دة‪.‬‬
‫‪ -2‬برھان تكامل اإلنسان‪ :‬يع ّد تكامل اإلنسان وتطوّ ره من المظاھر المسلّمة في الحياة‪ ،‬فيما العلم المعاصر بقوانينه وجھاز‬
‫عناصره‪ ،‬القائم على افتراض عنصري المادّة والطاقة‪ ،‬يفترض أنّ األ شياء المؤلّ فة من ھذين العن صرين كل ھا ت سير ن حو‬
‫اإلضمحالل والتداعي‪ ،‬فالبد من إثبات عنصر ثالث وبعد آخر وراء المادة والطاقة يفسر لنا ظاھرة التطور والتكامل ا لذي‬
‫نراه في اإلنسان‪ ،‬وليس ھذا البعد أو العنصر سوى الجنبة الروحيّة لإلنسان‪.‬‬
‫‪ -3‬برھان ظھور اإلنسان‪ :‬إنّ الع لم ال حديث وعنا صره قد ي قدم تف سيراً لو ضع ال ما ّدة والطا قة ب عد ظھور ھا ع لى صفحة‬
‫الوجود‪ ،‬ولكنه يقف عاجزاً عن تعليل أ صل ظ ھور الح ياة واإلن سان والعنا صر في ھذا ال كون‪ .‬من ھ نا ن شأ ال حديث عن‬
‫ط فرة تول ّت ھذا الظ ھور‪ .‬و ھذه الط فرة ال يم كن أن ت كون معلو لة لل صدفة‪ ،‬ل عدم ان سجام ب عض التج ھيزات مع الو جود‬
‫الدفعيّ ‪ ،‬وال يبقى إال أن تكون معلولة لبعد ثالث‪ ،‬وھو المبدأ سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫‪ -4‬برھان التكيّف مع البيئة‪ :‬تتميّز الكائنات الحيّة بأ ّنھا تتكيّف مع البيئة‪ ،‬بحيث تتغي ّر أجھزت ھا الداخلي ّة وف قا ً الحتياجات ھا‪،‬‬
‫ك أنّ سببه قوة داخل ال كائن ال حيّ ‪،‬‬
‫وليس مسبّب ھذا التغيّر العوامل الخارجيّة‪ ،‬وإال لوجدنا ذلك في الجمادات أيضاً‪ ،‬فال ش ّ‬
‫ھي قوة الحياة والروح‪.‬‬
‫‪ -5‬برھــان قابل ّيــة اإلنســان العلم ّيــة‪ :‬أثبــت العلــم الحــديث أنّ لإلنســان قابل ّيــة ال متناھيــة لتل ّقــي المعلومــات‪ .‬وھــذه القابل ّيــة‬
‫الالمتناھية تحتاج إلى ظرف غير محدود يتسع للمعلومات التي ترد عليه‪ ،‬فھو ظرف مجرّ د غير مادّي‪ ،‬ول يس ذ لك سوى‬
‫روح اإلنسان التي نشعر بھا في داخلنا حضور ّيا ً‪.‬‬
‫‪ -6‬برھان ال محدوديّة أماني اإلنسان‪ :‬إنّ في اإلنسان قوة تجعله غير محدود األ ماني‪ ،‬وتدف عه ن حو الك مال المط لق‪ ،‬و ھذه‬
‫القوة ال ب ّد أن تكون بنفسھا غير محدودة‪ ،‬ولذا ال يمكن أن تكون الما ّدة‪ ،‬فھي الروح المجرّ دة‪.‬‬

‫أﺳﺌﻠﺔ اﻟﺪرس‬
‫‪ -1‬ھل يمكن تفسير التحوّ الت الكونيّة بواسطة عنصري الطاقة والمادة وحدھما؟‬
‫‪ -2‬كيف نفسّر التكامل الحاصل في الكائنات الحيّة؟‬
‫‪ -3‬ھل تكفي قوانين الطبيعة لتفسير ظھور اإلنسان؟‬
‫‪ -4‬ما ھو دور فكرة التكيّف مع البيئة في إثبات الروح؟‬
‫‪ -5‬ما السرّ في ال تناھي استعدادات اإلنسان وقابلياته وال محدودية أمانيه؟‬

‫ﻫﻮاﻣﺶ‬
‫ن الشھيد سيتعرّض له‪.‬ويـذكر صـاحب الكتـاب بأنّـه ليــس بصـدد إثبـات الـروح‬
‫‪ -1‬ھذا البيان مأخوذ من كتاب )الذرة الالمتناھية( لمؤل ّفه المھندس بازركان والذي قلنا بأ ّ‬
‫المجرّدة في اإلنسان‪ ،‬فيما انتھى ـ من حيث يدري أو ال يدري ـ في النتيجة إلى إثباتھا‪ ،‬كما سيأتي بيان ذلك‪.‬‬
‫د ھذين العنصرين عنصراً واحداًـ كما فعله القدماءـ حيث يمكن تبديل أحدھما باآلخر‪.‬‬
‫‪ -2‬من الممكن ع ّ‬
‫دث عن أبعاد لإلنسان وليس فقط عن عناصر له ـ كما ورد في أصـل الكتـاب "الـذرة‬
‫ھري على اصطالح العنصر ھنا‪ ،‬ويقول إنﱠه من األفضل أن نتح ّ‬
‫‪ -3‬يعترض الشھيد مط ّ‬
‫ن ل ھذا اإلنسـان فــي شخصـيّته أبعــاداً ثالثـة تشـكّل‬
‫ن عناصر اإلنسان الثالثة تتآلف بينھا لتشكل مركّباً واحداً‪ ،‬بـل المق صود أ ّ‬
‫الالمتناھية" ؛ حيث إنّه ليس المقصود أ ّ‬
‫جھات مختلفة من شخصية ھذا اإلنسان‪ ،‬فاألفضل أن يكون التعبير بالبعد وليس بالعنصر‪ .‬لكننا مضطرون أحياناً إلى مماشاة ما ورد في ھذا الكتاب‪ ،‬لعرض الدليل كمـا‬
‫ھو‪.‬‬
‫دم تثبت الروح المجرّدة‪ ،‬شاء مؤلف كتاب "الذرّة الالمتناھية" ذلك أم ال!‬
‫‪ -4‬ھذا االستنتاج ھو من نفس الشھيد مطھري‪ ،‬ويتبيّن كيف أنّه بنا ًء على ما تق ّ‬

‫ن نموّ اإلنسان في مرحلة تكوّنه جنيناً تعادل مرات نموّه بعد أن يولد‪ ،‬إذ في مرحلة الجنينيّة تتكوّن أعضاء كاملة لإلنسان‪ ،‬وھذا ال يحصل طيلـة فـترة‬
‫‪ -5‬ولذلك نالحظ أ ّ‬
‫ن اإلنسان في مرحلة الطفولة ينمو بشكل أكبر وأسرع من المراحل التالية‪ ،‬وھكذا إلى أن يصير اإلنسان في نم ّوه في حالة ركود ويسير باتجـاه معاكـس‬
‫حياته‪ ،‬كما أ ّ‬
‫نحو الشيخوخة والتداعي بعد أن يكون قد استنفد قدرة الطاقة المؤثرة المفيدة‪.‬‬
‫خطاه إلى أجله(‪ .‬العالمة المجلسي‪ ،‬بحار األنوار‪ ،‬ج ‪ 75‬ص‪ ،24‬دار إحياء التراث العربي‪.‬‬
‫‪ -6‬قال أمير المؤمنين عليه السالم ‪) -‬أنفاس المرء ُ‬
‫‪ -7‬ولم نتعرض للتكامل في النوع ألنه في النتيجة يعود إلى التكامل على مستوى األفراد‪ .‬وھذا ال يعني أنّنا ننكر التكامل في النوع‪ ،‬بل العكس فإن تكامـل ال نوع أمـر‬
‫د موافقـاً للنظريّـة التوحيديّـة مئـة فـي المئـة‪ ،‬بـل ج عل‬
‫يؤمن به الجميع اآلن‪ ،‬وليس بالضرورة أن يكون على اساس نظرية داروين‪ .‬كما أ ّ‬
‫ن ھذا التكامل فـي ال نوع يعـ ّ‬
‫نﷲ‬
‫استدالل الموحدين واإللھيين أكثر قوة واستحكاماً‪ ،‬حيث فرض وجود قوة غيبيّة بشكل دائم وراء ھذا التكامل الحاصل في النوع‪ ،‬على خالف اليھود الذين قالوا بأ ّ‬

‫بعد أن أوجد العالم صارت يده مغلولة‪ ،‬ولم يعد العالم محتاجاً إليه‪ .‬نعم قد تتعارض ھذه النظرية مع ظواھر بعـض الكتـب الســماويّة‪ ،‬ل كن فــي القـرآن نف سه مـا يؤيّـد‬
‫حصول التكامل في نوع اإلنسان‪ ،‬بل يذھب أبعد من الذين تبنوا التكامل النوعي علمياً‪ ،‬ففيما يقول ھؤالء إن اإلنسان منحدر من القرد أو مــن مو جود أحـادي الخليّـة ـ‬
‫ل‬
‫َـق ْ ِ‬
‫ْق ْ ِ‬
‫صـا ٍ‬
‫خل َ‬
‫ِين})السـجدة‪ ،(7 :‬بل أكـثر مـن ذلـك‪َ { :‬‬
‫خل َ‬
‫أي من خلية واحدة ـ يذھب القرآن إلى أن اإلنسان مخلوق من طين‪َ { :‬وبَ َدأَ َ‬
‫ص ْل َ‬
‫ِـن َ‬
‫األ ْن َ‬
‫األ ْن َ‬
‫سانِ م ْ‬
‫سـانَ م ْ‬
‫ِن ط ٍ‬
‫تمس بجوھر التوحيد أصالً‪ ،‬بل على العكس تدعمولذا فمن الخطأ تصور البعض بأنّھا نظرية ماديّة محضة‪.‬‬
‫ن ھذه النظرية ال‬
‫ار} )الرحمن‪ .(14:‬ففي النتيجة إ ّ‬
‫كَا ْل َف ﱠ‬
‫ّ‬
‫خ ِ‬

‫‪ -8‬كما يؤمن بذلك داروين‪.‬‬
‫‪ -9‬وھذه الخاصيّة أتى بھا داروين إال أنّھا ـ على خالف باقي نظريّاته ـ لم ينكرھا أو يعترض عليھا أحد‪ ،‬وھي مسل ّمة حتى اآلن‪.‬‬
‫‪ -10‬ويشترك اإلنسان والحيوان في تكييف ذاته مع البيئة‪ ،‬ويختص اإلنسان بتكييف البيئة معه‪.‬‬
‫‪ -11‬وھكذا يعتقد برغسون في مسألة النسيان‪ ،‬فھو عبارة عن العجز عن قدرة اإلرجاع من الذاكرة إلـى الشـعور‪ ،‬ومــن الخطـأ أن يت صوّر اإلنسـان بأنّـه ين سى شيئاً‬
‫بحيث تمحى األشياء أصال ً‪.‬‬
‫ي صلى ﷲ عليه وآله وسلم في آخر لحظات حياته صلى ﷲ عليه وآله وسلم ‪،‬حيث يذكر عليه‬
‫‪ -12‬ھذه الطريقة تلقى األمير عليه السالم بواسطتھا العلوم من النب ّ‬
‫ل باب ألف باب‪.‬‬
‫السالم أ ّ‬
‫ن النب ّ‬
‫ي صلى ﷲ عليه وآله وسلم عل ّمه آخر لحظات حياته ألف باب من العلم ُيفتح له من ك ّ‬
‫‪ -13‬نھج البالغة‪ ،‬ج‪ 4‬ص‪ ،47‬دار الذخائر‪ -‬قم‪.‬‬
‫‪ -14‬واألمنية غير الغريزة‪ ،‬فالغريزة قوة ماديّة حيوانيّة تجرّ اإلنسان إلشباعھا‪ ،‬من قبيل األكل والنوم والشھوة الجنسيّة‪ ،‬أمّا األمنيّة فھي حالة مثاليّة ينشـدھا الب شر‪،‬‬
‫فھي غير متطلباته الطبيعيّة‪.‬‬
‫‪ -15‬الرعد‪.28:‬‬
‫‪ -16‬طه‪.124:‬‬
‫‪ -17‬االنشقاق‪.6:‬‬