‫من املحرر‬

‫‪www.alrihla.com‬‬

‫‪From The Editor‬‬

‫الرحلة‬
‫مؤسسها وراعيها ‪Founded Sponsered‬‬

‫حممد �أحمد ال�سويدي‬
‫‪Mohamed Al Sowaidi‬‬

‫رئيس التحرير ‪Edetor in Chief‬‬

‫نوري اجل َّراح‬

‫هذه المجلة في شكلها وخطتها الصحفية‪ ،‬نريد لها أن تكون حدثًا‬
‫في تاريخ الصحافة العربية‪ .‬سيما أنها األولى من نوعها ألدب الرحلة‬
‫في اللغة العربية‪ .‬ستصدر شهريًا لتكون منبرًا يغطي األخبار والكتابة‬
‫والفنون الخاصة بالسفر واالكتشاف‪.‬‬
‫وبالتالي ستحفل مجلة الرحلة باالستطالعات والرسوم والصور‬
‫والخرائط المعاصرة عن السفر وأدبه وفنونه‪ ،‬فتقرب البعيد‪ ،‬وتضيء‬
‫على المجهول‪ ،‬وتجعل القاريء العربي يقوم برحالت في العالم والناس‬
‫والمدنية والطبيعة‪.‬‬
‫مع كل عدد‪ ،‬وعلى رأس كل شهر‪ ،‬تشرع مجلة الرحلة نوافذها على‬
‫العالم وما يذخر به من ثراء وتقدم علمي وأدبي وفني وعلى صعيد‬
‫إنساني‪ ،‬وفي الوقت نفسه تفتح نافذة على الماضي لتنقل إلينا أخباره‬
‫عبر طرق السفر والتجارة والحضارة القديمة والوسيطة‪ ،‬لتنقل لنا‬
‫قصص السفر والمسافرين وكيف تطورت عالقات العرب بجغرافية العالم‬
‫بحرًا وبرًا‪ ،‬وكيف قدموا أنفسهم للعالم وتفاعلوا معه عبر العصور‪.‬‬
‫خطة المجلة تنهض على تبويب مبتكر وحيوي ففي تبويبها مثلًا هناك‪:‬‬
‫أشرعة‪ ،‬مسالك‪ ،‬أسواق‪ ،‬مدن‪ ،‬تجارة‪ ،‬استشراق‪ ،‬دبلوماسية‪ ،‬سكك‬
‫حديد استكشافات‪ ،‬فلك‪ ،‬مواصالت‪ ،‬هجرة‪ ،‬حياة طبيعية‪ ،‬آثار‪ ،‬رواد‪،‬‬
‫رحالت قديمة‪ ،‬سندباد الجديد‪ ،‬أدوات‪ ،‬يوميات‪ ،‬جزر وبحار‪ ،‬كوارث‪،‬‬
‫خزانة الرحلة‪ ،‬فوتوغراف‪ ..‬وغيرها من األبواب‪ .‬وهناك ملفات شهرية‪،‬‬
‫وخرائط‪ ،‬وأقراص موسيقا وأفالم وثائقية توزع مع المجلة شهريا‪.‬‬
‫وسيكون من شأن هذه المجلة أن تنشر يوميات الفائزين بجوائز ابن‬
‫بطوطة للرحلة المعاصرة الذين أرسلهم المركز في بعثات حول العالم‪.‬‬
‫أخيرًا‪ ،‬تهدف المجلة الوصول إلى قراء العربية من مختلف األعمار‬
‫والمرجعيات‪ ،‬بما يغطي مساحة واسعة منهم‪ ،‬وتحض األجيال الطالعة‬
‫على السفر للسياحة والمتعة والمعرفة وإقامة الصالت مع اآلخرين بما‬
‫يساعد على رفع االلتباس وردم الفجوة المعرفية والنفسية بين العرب‬
‫والعالم‪.‬‬

‫‪122‬‬

‫‪50‬‬

‫‪Nouri Al Jarrah‬‬

‫‪92‬‬

‫مدير التحرير ‪Consulting Edetor‬‬

‫علي كنعان‬

‫‪Ali Kanaan‬‬
‫اإلخراج الفني‬

‫ناصر بخيت‬
‫كُ تاب العدد‬
‫محمد أحمد السويدي‪ ،‬دنيس جونسن‬
‫ديفس‪ ،‬محسن خالد‪ ،‬علي كنعان‪ ،‬عبد‬
‫الرحمن بن خلدون‪ ،‬أسامة بن منقذ‪،‬‬
‫محمد علي باشا‪ ،‬إرنستو غيفارا‪، ،‬شاكر‬
‫لعيبي‪ ،‬أحمد إبراهيم الفقيه‪ ،‬علي بدر‪ ،‬علي‬
‫مصباح‪ ،‬شاكر نوري‪ ،‬تيم ماكنتوش ‪ -‬سميث‪،‬‬
‫نوري اجلراح‪ ،‬آبو دلف املسعري‪ ،‬املقدسي‬
‫البشاري‪ ،‬محمد الشحري‪ ،‬نوري اجلراح‬
‫التدقيق اللغوي‬
‫أمين حجازي‬
‫التصوير‬
‫محمد أحمد السويدي‪ ،‬محسن خالد‪،‬‬
‫نوري اجلراح‪ ،‬خليل النعيمي‪ ،‬كمال بستاني‬

‫‪16‬‬

‫‪74‬‬
‫‪ 16‬رحلة يف �إيطاليا النه�ضة‬

‫العبور من بوابة دافن�شي ‪ -‬حممد‬

‫�أحمد ال�سويدي‬

‫‪ 38‬الو�صول �إىل زنزانة مانديال‬

‫ال�سجني الأكرث حرية يف العامل‬

‫حم�سن خالد‬

‫‪ 50‬الرحلة ال�سماوية يف �أر�ض الرباكني‬

‫ت�شيلي‪� :‬شريط القاع‬

‫املح�صور بني الآنديز واملحيط ‪ -‬خليل النعيمي‬

‫‪ 74‬يوميات دراجة نارية‬

‫رحلة �إرن�ستو ت�شي غيفارا يف �أمريكا الالتينية‬

‫‪ 92‬يف ب�ستان ابي �سامل العيا�شي‬
‫‪ 122‬ظفار يف حتفة النظار‬

‫‪� -‬صور وحكايات‬

‫عر�ض حممد بن م�ستهيل ال�شحري‬

‫‪ 112‬اللقاء العجيب بني العامل وال�سفاح‬
‫تيمور لنك عند �أبواب دم�شق‬

‫ابن خلدون يف �ضيافة‬

‫‪112‬‬

‫‪38‬‬

‫الأبواب والزوايا‪:‬‬

‫أطياف‪ ،‬كلمة من احملرر‪ ،‬البريد‪،‬‬
‫فوتوغراف‪ ،‬سندباد‪ 24 ،‬ساعة‪ ،‬صفحة‬
‫من‪ ،‬غرائب األمصار‪ ،‬كتب‪ ،‬إيجاز‪،‬‬
‫حملات‪ ،‬زيارة‪ ،‬رسالة‪ ،‬احلوار‬
‫الغالف‪:‬‬

‫حجر في ميناء سمهرم وعليه كتابة‬
‫بحروف املسند ‪ -‬تصوير‪ :‬نوري اجلراح‬
‫اال�شرتاكات‬

‫سنوي ًا‪ :‬الوطن العربي ‪ 30‬دوالر ‪.‬‬
‫األمريكيتان‪ 40 :‬دوالر‪ .‬آوروبا‪ 35 :‬يورو‬
‫ترسل قيمة االشتراك مبوجب حوالة‬
‫مصرفية على عنوان املجلة‪.‬‬
‫ثمن النسخة‪ 2٫50 :‬دوالر للوطن‬
‫العربي‪ 3 ،‬يورو أو ما يعادلها في آوروبا‬

‫املحرر‬
‫‪4‬‬

‫الرحلة دي�سمرب ‪2010‬‬

‫‪5‬‬

‫الربيد‬

‫‪Mail‬‬

‫تآسس املركز العربي لألدب اجلغرافي واسمه‬
‫األدبي "ارتياد اآلفاق" مطلع سنة ‪ 2000‬في محاولة‬
‫ع ــربيـة جتمــع علم ــاء ودارس ـ ــي املشــرق واملغ ــرب‪،‬‬
‫إلحياء االهتمـ ــام بأدب الــرحلة وبثقافة العلقة مع‬
‫املكـ ــان وهـ ــو غير ربحي مختص بتحقيق ونش ــر‬
‫كالسي ــكيات أدب الـ ــرحلة‪ ،‬والكشف عن يوميات‬
‫الرحلة الـ ــعرب واملس ـ ــلمني عبر الق ــرون‪ ،‬وصوالً‬
‫إل ــى مــدونات الرحـ ــالة في الق ـ ــرنني التاسع عشر‬
‫والعشرين‪ ،‬والرحالت املعاصرة‪.‬‬
‫املركز العربي للأدب اجلغرايف‬

‫‪www.alrihla.com‬‬

‫�أعمال التحقيق والتحرير والبحث‬

‫هاتان الصفحتان مخصصتان لنشر المالحظات واألفكار واالنطباعات‬
‫التي تصدر عن القراء حول المجلة ومشروعها في أدب الرحلة‪.‬‬
‫قدمنا هذه الزاوية على غيرها من الزوايا تقديرًا للقراء واهتمامًا‬
‫بمالحظلتهم وآرائهم‪ .‬في هذا العدد ننشر استثنا ًء آراء بمشروع ارتياد اآلفاق‬
‫كانت قد نشرت في الصحافة العربية‪.‬‬

‫جائزة ابن بطوطة للأدب اجلرايف‬
‫ندوة الرحالة العرب وامل�سلمني‬

‫دار ال�سويدي النا�شرة لأعمال املركز‬

‫‪Abu Dhabi Office::‬‬
‫‪tel: 00971263287‬‬

‫أصقاع األرض ونشروا العلم‬
‫ورجعوا ومعهم علم آخر ومعرفة‬
‫جديدة بأقوام أخرى وحضاراتهم‪.‬‬
‫جهاد الخازن‬
‫الحياة ‪ 18 /‬مارس ‪2001‬‬

‫كلما قر�أت اال�سم‬

‫ال اخفي هنا فرحي كلما قرأت‬
‫االسم األدبي لهذا المركز «ارتياد‬
‫اآلفاق» فهو اسم على جسم وعلم‬
‫على فكرة إلى أبعد الحدود‪ ،‬لما‬
‫يجسده من معاني المغامرة مع‬
‫نصوص السفر بحثًا وتحقيقًا‬
‫وإبداعًا ونشرًا في مضمار طال‬
‫إهماله‪ ،‬بل وطالما اعتبر شأنه‬
‫صغيرًا‪ ،‬هو مضمار علم وأدب‬
‫طالما شغفت به‪ ،‬وألَّفت فيه‬
‫أكثر من كتاب منذ أواسط القرن‬
‫الماضي‪ ،‬وقد طال الوقت حتى‬

‫صارت لهذا األدب مؤسسة عربية‬
‫تعنى به‪ .‬بينما تأسست له في‬
‫الغرب جمعيات ومراكز بحث‬
‫ودور نشر مختصة منذ مطلع‬
‫القرن التاسع عشر‪.‬‬
‫نقوال زيادة‬
‫بيروت أواخر ‪2005‬‬

‫جائزة ابن بطوطة‬

‫جائزة ابن بطوطة» أول جائزة‬
‫ألدب الرحالت في الوطن العربي‪،‬‬
‫خصصتها «دار السويدي للنشر»‬
‫التي أسسها الشاعر اإلماراتي‬
‫محمد أحمد السويدي ويشرف‬
‫على سلسلة أدب الرحالت‬
‫الشاعر نوري الجراح‪ ،‬وقد‬
‫تم تأسيس دار النشر خصيصًا‬
‫إلصدار كتب الرحالت العربية‬
‫سواء القديمة أو الحديثة‪ ،‬وبعد‬

‫‪fax: 0097126214311‬‬

‫�إ�ضافة عاملية‬

‫إن مشروع تحقيق الرحالت‬
‫العربية يعد مشروعًا نوعيًا‬
‫لما فيه من جوانب مطلوبة‬
‫مرحليا‪ ،‬منها أن هذه الرحالت‪،‬‬
‫وقد تحقق منها أربع إلى اآلن‬
‫وهناك الكثير في طريقه إلى‬
‫المعالجة‪ ،‬ستبين كيفية تعامل‬
‫العربي مع اآلخر المتقدم لجهة‬
‫منجزه الحضاري التقني أو‬
‫الثقافي وكيفية احترامه له على‬
‫الرغم من عدم االتفاق معه في‬
‫المنهج الفكري والبناء المنطقي‬
‫مثلًا‪ ،‬ومدى إنسانية الرؤية لدى‬
‫الرحالة العربي وهو يكتب عن‬
‫مجتمعات تخالفه في طريقة‬
‫التفكير والمعتقد‪ ،‬وتطلعاته‬
‫ليكون رصيفًا لهم مع االحتفاظ‬
‫بتمايزه عنهم من حيث غائية‬
‫اعتماره للوجود وسعيه فيه‪..‬‬
‫الخ؟‬
‫‪6‬‬

‫الرحلة دي�سمرب ‪2010‬‬

‫ولهذا ننظر إلى مشروع تحقيق‬
‫هذا العدد الكبير من المخطوطات‬
‫الغنية للرحالة العرب على أنه‬
‫مشروع ثقافي فكري علمي‪،‬‬
‫يحمل قيمة معرفية عالية‪،‬‬
‫سيكون إضافة إلى المكتبة‬
‫العربية‪ ،‬وربما‪ ،‬إذا قيض له‬
‫عملية ترجمة دقيقة‪ ،‬سيكون‬
‫إضافة عالمية‪..‬‬
‫محمد حسن الحربي‬

‫‪P.O. Box: 44480 Abu Dhabi‬‬
‫‪Email:info@alrihla.com‬‬

‫‪London Office:‬‬
‫‪Telefax: 004402089920507‬‬
‫‪Adress: 50Sussex SQ‬‬
‫‪London W2 2sp UK‬‬

‫الإعالنات‪:‬‬
‫فونو للت�سويق ‪Vono Marketing‬‬
‫‪Email» yvonne@vonomarketing.com‬‬

‫صحيفة الخليج‪ 17 /‬أكتوبر ‪2001‬‬

‫مغامرة الأوائل‬

‫إن مشروع نشر أدب الرحالت‬
‫العربية الذي اضطلعت به دار‬
‫السويدي ومركزها ارتياد اآلفاق‬
‫لهو عمل جليل وحدث ريادي‬
‫في الثقافة العربية لما فيه من‬
‫كشف عن مغامرة األوائل من‬
‫الرحالة العرب الذين جابوا‬

‫القرية الإلكرتونية‬

‫موقع «امل�سالك» على �شبكة االنرتنت‬

‫‪www.almasalik.com‬‬
‫موقع الوراق على �شبكة االنرتنت‬

‫‪www.alwaraq.com‬‬

‫شهور من التأسيس صدرت عدة‬
‫رحالت منها رحلة العالمة ابن‬
‫خلدون‪ ،‬والتي كانت ملحقة‬
‫بتاريخه‪ ،‬هذا بخالف العديد من‬
‫الرحالت التي تمت في العصر‬
‫الحديث‪.‬‬
‫عالء عريبي‬
‫جريدة الوفد ‪ 30 /‬يوليو‬

‫�إحياء �أدب الرحلة‬

‫أدب الرحلة ليس جديدًا‬
‫في الثقافة العربية‪ ،‬لكنه‬
‫يتجدد دائمًا برحالت الرحالة‬
‫ومشاهداتهم وكتاباتهم‬
‫وتصويرهم واكتشافاتهم لمناطق‬
‫مجهولة في الجغرافية العالمية‪.‬‬
‫«دارة السويدي الثقافية» حققت‬
‫هذا التصور عبر ثالث دورات‪،‬‬
‫وأعادت إلى الحياة نصوص‬
‫الرحالت إلى مكتباتنا العربية‬

‫بأكثر من طريقة‪.‬‬
‫وارد بدر السالم‬
‫المرأة اليوم ‪ /‬أبوظبي ‪ 10‬ديسمبر ‪2005‬‬

‫قدمي ًا وحديث ًا‬

‫«ارتياد اآلفاق» هو االسم الذي‬
‫تحمله سلسلة من المنشورات‬
‫المكون من يوميات وقصص‬
‫مغامرات ودراسات وبحوث‪.‬‬
‫من خالل هذه السلسلة‬
‫يريد «المركز العربي لألدب‬
‫الجغرافي» أن يثبت بأن العرب‬
‫كانوا منذ القدم منشغلين‬
‫بمغامرة ارتياد اآلفاق‪.‬‬
‫كما يطمح إلى إعطاء دفع إضافي‬
‫إلى الجدال اإلصالحي الدائر‬
‫حاليًا عن طريق كتب الرحالت‬
‫القديمة والحديثة‪.‬‬
‫جوليا غرالخ‬
‫‏‪Qantara.de‬‬

‫خلب‬
‫عنوان اّ‬

‫«ارتياد اآلفاق» عنوان خالب‬
‫لمشروع طموح والفت يتقصى‬
‫أدب الرحلة العربي من ابن‬
‫بطوطة وابن جبير إلى آخر‬
‫رحالة عربي دوّ ن رحلته في‬
‫كتاب‪ ،‬ينطلق المشروع من فكرة‬
‫جوهرية هي الحوار مع اآلخر‬
‫ومعرفته‪ ،‬فإذا كان الرحالة‬
‫الغربيون قد سعوا بقصد أو‬
‫بغيره إلى تنميط الشرق وإنتاج‬
‫صورة تصوغ إحكام القبضة‬
‫عليه فإن هاجس الرحلة العربية‬
‫البحث عن الجديد واآلخذ‬
‫بمعطيات التطور والحداثة‪.‬‬
‫زياد بركات‬
‫فضائية الجزيرة‬
‫الدوحة ‪2006 / 12 /11‬‬

‫‪7‬‬

‫�أ�شرعة‬

‫فوتوغراف‬

‫‪Sails‬‬

‫‪Photograph‬‬

‫ثقافة العبور �إىل الآخر‬
‫أخيراً‪ ،‬مجلة الرحلة‪ ،‬في عددها األول‪ .‬وهذه هي الصيغة التي تطلعنا إليها‪،‬‬
‫لتكون لنا مجلة جديدة من نوعها في الثقافة العربية املعاصرة‪.‬‬
‫كل شهر تصدر فيه «الرحلة» نريد أن يقوم القاريء العربي برحلة في املعرفة واملتعة‬
‫واملؤانسة‪ .‬ففي عالم هيمن عليه التلفزيو‪ ،‬وتراجعت أمامه الكلمة‪ ،‬بات على حراس‬
‫الثقافة العربية أن يطوروا عالقة الكلمة بالصورة‪ ،‬وأن يوظفوا هذه العالقة في خدمة‬
‫وعي راق يبنونه في األجيال اجلديدة املهددة بنوع من الصور االستهالكية السلبية‪.‬‬
‫مجلة الرحلة‪ ،‬ستعطي‪ ،‬وللمرة األولى مكانة مميزة للصورة‪ ،‬وتظفها بطريقة جتعل من‬
‫العدد معرضاً للفنونن البصرية يعانق متحفاً ممتعاً من فنون الكتابة في أدب الرحلة‪.‬‬
‫بعد ذلك‪ ،‬املجلة ستكونن الواجهة اجلمالية واإلعالمية الراقية ملشروع «ارتياد اآلفاق»‬
‫الذي بنيناه لبنة لبنة على مدار السنوات السبع املنصرمة‪ .‬ستسعى املجلة‪ ،‬أساساً‪ ،‬إلى‬
‫تكريس أدب عريق ومهمل في الثقافة العربية‪ ،‬هو أدب العالقة مع املكان والعالقة مع‬
‫اآلخر‪ ،‬في محاولة جادة إلعادة االعتبار لثقافة امللموس واملعاين واملستدرك بالوعي‬
‫الفردي والذائقة الشخصية واحلركة في اجتاه اآلخر‪ .‬لم يعد مقبوالً أن نرى العالم‪،‬‬
‫نحن العرب‪ ،‬بعيون غيرنا‪ ،‬وحتديداً بعيون غربية‪ .‬علينا أن ننهض لرؤيته بعيوننا‪.‬‬
‫السفر في العالم يتيح لنا ذلك‪ ،‬ومجلة الرحلة هي مجلة هذا السفر‪ .‬فهي سوف تتيح‬
‫فرصة حقيقية للمبدعني املولعني بالسفر وكتابة اليوميات‪ ،‬وللمصورين العرب الفنانني‬
‫لكي يستأنفوا اإلبداع في حقل فني ثقافي عربي انقطعت ذخيرته‪ ،‬ومن شأن إحيائه‬
‫واستئناف العمل فيه أن يترك أثراً كبيراً في ثقافتنا العربية احلديثة‪ ،‬وفي عالقة‬
‫العربي بنفسه وبالعالم‪.‬‬
‫لذلك فإن مجلة الرحلة سوف تعني في خطتها بأدب الرحلة املعاصرة‪ ،‬باليوميات‪،‬‬
‫بالريبورتاج الرحلي‪ ،‬بفن تصوير املناظر الطبيعية والظواهر واخلبرات اإلنسانية‬
‫املختلفة‪ ،‬برسم األمكنة «باختصار» بكل ما يرتبط باملكان من أدب وفن على ما في ذلك‬
‫من غنى وتنوع وقدرة على املفاجأة‪.‬‬
‫بصدور مجلة «الرحلة» تكتمل حلقات مشروع «ارتياد اآلفاق»‪ ،‬وتتأس الواجهة اجلمالية‬
‫واإلعالمية للمشروع‪ ،‬الذي بدأناه بسلسلة كتب الرحالت‪ ،‬و»جائزة ابن بطوطة لألدب‬
‫اجلغرافي» بفروعها املختلفة‪ ،‬و»ندوة الرحالة العرب واملسلمني‪ :‬اكتشاف الذات‬
‫واآلخر» وهي املنتدى السنوي للباحثني العرب في أدب الرحلة معاربة ومشارقة‪.‬‬
‫وكان قد سبق هذه األعمال زمنياً موقع الوراق على شبكة االنترنت‪ ،‬وهو يحتوي على‬
‫سلة متكاملة من األعمال واملشروعات التي تربط الثقافة العربية حاضراً وماضياً‬
‫بالتكنولوجيا احلديثة‪ ،‬وتعيد تقدمي هذه الثقافة بلغة العصر‪ .‬مجلة «الرحلة» هي املنبر‬
‫العربي لثقافة الرحلة‪ ،‬وهي بامتياز ثقافة العبور إلى اآلخر‪ ،‬والتفاعل بني احلضارات‪.‬‬
‫وصدورها في حد ذاته دعوة إلحياء احلوار بني الثقافة العربية والثقافات األخرى‪.‬‬

‫حممد �أحمد ال�سويدي‬
‫‪8‬‬

‫الرحلة دي�سمرب ‪2010‬‬

‫كهول و�شيوخ يف �ساحة مدينة تيهرت‪ ،‬حيث جالت عد�سة «الرحلة»‪ ،‬والتقطت �صورا وم�شاهد من املدينة التي‬
‫طاملا مر بها التاريخ وذكرها امل�ؤرخون‪ ،‬يف جهة من جهاتها اخل�رضاء العامرة بالأ�شجار املثمرة وا�شجار الزينة‪،‬‬
‫توجد مغارة‪ .‬هنا اعتكف العالمة ابن خلدون وكتب املقدمة‪.‬‬

‫اليافطة �رشاع والعامل على ال�سلم بحار يف مدينة‪.‬‬
‫�شاب ن�شيط يف و�سط باري�س ي�صعد ال�سلم لين�رش يف‬
‫هواء املدينة خرب ًا جديداً‪.‬‬

‫�سندباد اجلديد‬

‫‪The New Sinbad‬‬

‫قمر هافانا‬
‫رأيت القمر‪ ،‬أخيرًا فابتسمت‪ .‬قمر يعلو هافانا بصمت‪ .‬يقف‬
‫فوقها مثل صورة مرسومة في الفضاء‪ .‬الهواء ساكن‪ ،‬واألضواء‬
‫خافتة‪ ،‬والناس يمشون بهدوء‪ .‬يجرون أجسادهم بعناء وكأنهم‬
‫يريدون أن يناموا في المكان‪ .‬وأقف بعيدًا عنه‪ ،‬قمر صحرائي القديم‪،‬‬
‫حين كنا نسري لنستقي الماء من عيون الجبل السرية‪ ،‬ونعود إلى‬
‫الفيء قبل سقوط القيظ‪ .‬أقف في مساء هافانا البديع‪ ،‬وأنا أمشي‪.‬‬
‫في شارع "ترانزيتو"‪ ،‬يستحضر الكون نفسه من العدم‪ .‬الكائنات‬
‫ّ‬
‫تتطلع إليك‪ ،‬وأنت‬
‫البسيطة التي تبدو متوحشة من شدة بساطتها‪،‬‬
‫تمشي مذهولًا! شيخوختها البائسة ال تخفي أعراضها المملوءة‬
‫بالقشف‪ .‬وهي ال تتسوّل العطف منك‪ ،‬حتى ولو ُخ ِّيل إليك ذلك‪ .‬إنها‬
‫تحتفي برؤية الغريب‪ ،‬مسرورة لمروره‪ ،‬وكأنها ال تريده أن ينساها‪.‬‬
‫أحد من عالَم آخر! عالم ما وراء البحار الذي غمرها بهمجيته‪ ،‬وهو‬
‫ّ‬
‫نبي! أال تدرك‬
‫يدعي العكس‪ ،‬مثل كل المستعمرين‪ .‬لكأن الغريب ّ‬
‫هذا؟ ألم يأتها المبشرون من وراء تلك البحار‪ ،‬ذات يوم؟ ولربما كان‬
‫ذلك الكذب هو ثمن االنتصار المجيد الذي تحوّل إلى موت!‬
‫أعرف "جبهة الكتابة"‪ .‬جبهة الكائن الصغير الذي يمأل رأسه بالكون‪.‬‬
‫ّ‬
‫ليحلها‪ ،‬من أجل أالّ ُتفيد‬
‫يختلق المشاكل التي لمْ يعانِ منها‪ ،‬يومًا‪،‬‬
‫أحدًا آخر‪ .‬إحساس مريع‪ ،‬مثل هذا‪ ،‬مأل نفسي‪ ،‬وأنا أرى إلى جاري‬
‫انكب على دفتر صغير‪ ،‬يرتّب فيه مقدمات المسألة‪،‬‬
‫الضامر الذي‬
‫َّ‬
‫ْ‬
‫ولواحق حلولها الالمتناهية‪ ،‬جالسًا‪ ،‬مثلي‪ ،‬في كافتيريا "إنغالتيرا‬
‫هوتيل" الشهير! وهو ما لجمني‪ ،‬زمنًا طويلًا‪ ،‬عن القلم‪ .‬الغريب‪،‬‬
‫ْ‬
‫كالملسوع‪ ،‬منذ أن رآني أبدأ‬
‫أنه قام من جانبي‪ ،‬وخرج من المكان‬
‫الكتابة‪ .‬إننا ال نكتب بلغة واحدة‪ ،‬ولكننا ِّ‬
‫نفكر بها!‬
‫في الليلة الثالثة‪ ،‬أُ ّ‬
‫بدل مكاني ألصبح في مواجهة القمر‪ ،‬من جديد‪.‬‬
‫قمر كامل التدوير‪ .‬ضوؤه ّ‬
‫ّ‬
‫يتصدر الفضاء العلوي‪ ،‬بأبهة‪.‬‬
‫فضي ناصع‪.‬‬
‫أنت لي! وأراني في البوادي القديمة‪ ،‬ماسكًا ذيل‬
‫يقول لـ"هافانا"‪ِ :‬‬
‫فرسي الدهماء‪.‬‬
‫‪10‬‬

‫الرحلة دي�سمرب ‪2010‬‬

‫غافيًا وأنا أمشي خلف الظعون‪ .‬والصوت‬
‫يتردد من ذيل إلى ذيل‪ :‬عند غياب‬
‫القمر نمرح (من المراح‪ ،‬ال من المرح)!‬
‫ّ‬
‫ويهزني الهازوز‪ ،‬برفق‪ :‬ال ت َنمْ ‪ ،‬يا خليل!‬
‫يقول الرجل الراكب قدميه الحافيتين‪،‬‬
‫لصق امرأته الطريّة التي تلتهم المسافات‬
‫بصمت! وفجأة ينطلق الصوت منها‪ ،‬قلقًا‪:‬‬
‫حمد‪ ،‬وصلنا‪ ،‬الوغد (أي الطفل) نام! قالتْ‬
‫وهي تسندني من الوقوع في الفراغ‪.‬‬
‫عيني‪ ،‬وال أرى سوى القمر‪ ،‬وبي‬
‫وأفتح‬
‫ٌ‬
‫رجفة من برد ليل الصحراء الخاتل في‬
‫ُ‬
‫جئت‪ ،‬مرة أخرى‪ ،‬إلى هافانا؟‬
‫الجو! عالم‬
‫وعلي أن أختفي!‬
‫القمر‪،‬‬
‫اختفى‬
‫َّ‬
‫ما هذا الهباء األعظم؟ ما هذه الروعة؟‬
‫خليل النعيمي ‪ -‬طبيب وروائي من سوريا‬

‫أدخل تركيا‬
‫�‬
‫ُ‬

‫هل يمكن التخلص حقا من ثقل ذاكرة‬
‫التاريخ الرابض فوق المدينة؟ هل تتخلص‬
‫البنايات والمعالم والجدران والحجارة‬
‫من وهج األحياء الذين التصقوا بها في يوم‬
‫ما‪ ،‬في زمن ما‪ ،‬ومن الوقائع وألحداث‬
‫التي صاغتها على تلك الشاكلة؟ أال تلبس‬
‫األرواح بالمكان وتظل تهيم فوقه مثل‬
‫إشعاعات تحت األحمرأو فوق البنفسجي؟‬
‫أليس اتصالها بنا هو الذي يستثير ذلك‬
‫الحشد من الخواطر الذي يجعل‬
‫محتويات ذاكرتنا تنهض للحضور مجددا؟‬
‫شاب أوروبي‬
‫أمام حديقة غولهانة يقف‬
‫ّ‬

‫الرصيف‪ .‬قال لي‬
‫وراء عدد كبير من الكتب المعروضة مباشرة فوق ّ‬
‫إنّه طالب إيرلندي‪ ،‬يدرس الموسيقى في إيرلندا‪ ،‬أو في بريطانيا‪ ،‬لم‬
‫أعد أذكر ذلك بالتحديد‪ .‬وهو يعيش لشهور عديدة متجوّال عبر المدن‬
‫والقرى التركيّة‪ ،‬يستمع إلى الموسيقى ويبيع الكتب القديمة‪ .‬وقعت‬
‫عيناي على كتاب باللغة األلمانيّة وإذا هو أنطولوجيا شعريّة تضمّ‬
‫شاعرا ترك ًّيا منذ القرن الثالث عشر‬
‫مختارات شعريّة لخمس وس ّتين‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫ح ّتى العشرينات من هذا القرن‪ ،‬ومن أشهرهم‪ :‬يونس عمري المتوفى‬
‫صوفي من تالمذة موالنا جالل ّ‬
‫الرومي‪.‬‬
‫سنة ‪ 1321‬وهو شاعر‬
‫الدين ّ‬
‫ّ‬
‫ومن أجمل قصائده‪« :‬لماذا تبكي أيّها العندليب؟ « والقاضي برهان‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫المتوفى سنة ‪ ،1398‬والنسيمي‬
‫الدين‬
‫المتوفى سنة ‪ ،1405‬واألمير شام‪،‬‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫والفوضولي‪ ،‬ونديم المتوفي‬
‫وسليمان شلبي‪ ،‬وبير سلطان عبد اهلل‪،‬‬
‫سنة ‪ ،1730‬ويحي كمال البياتي‪ ،‬وغيرهم‪ .‬قلت‪ :‬ها أنا أدخل تركيا من‬
‫هذا الباب البديع! وكدت أنسى مجددا لغط الحاضر من حولي‪.‬‬
‫علي مصباح ‪ -‬كاتب من تونس مقيم في ألمانيا‬

‫ذلك النور البعيد‬

‫الرحلة هي البحث عن سعادة النهار في خرائط المدن‪ ،‬البحث عن‬
‫المكان الذي يثير كل ما هو شهواني وأرضي في تجربة الغموض التي‬
‫يكشف عنها‪ ،‬والقلق واالنفصال ا سد‪ ،‬والمدن التي ُت َ‬
‫ختزل في تعاقب‬
‫وتركيز وكثافة وتتفجر صورًا‪ .‬الرحلة تجدد المدن بالنظرة وبالروح‪..‬‬
‫تغيرها وتنعشها‪ ،‬تجعلها متجددة ألنها تعطيها قيمتها‪ ،‬فمدننا التي نألفها‬
‫وال نراها سنراها مرة أخرى بعيون اآلخرين‪ ،‬بعيون الرحالة الذين‬
‫يهبونها صورة جديدة ونظرة عميقة‪ ،‬سنراها نحن أيضا على خالف‬
‫ما كانت تبدو لنا‪ ،‬وهكذا سيرى اآلخرون مدنهم التي ألفوها بعيوننا‪.‬‬
‫الرحلة منذورة للشعر من جهة ومنذورة للحقيقة من جهة أخرى‪،‬‬
‫وهذا التوتر والصراع يمنحها جوهرها الوجودي‪ ،‬يعطيها روح الكائن‪ ،‬أي‬
‫أن المكان يبطل أن يكون فضاء خاليا أو مادة أو جمادا‪ ،‬ويتحول إلى كائن‬
‫حي يعيش ويتنفس‪ .‬الرحلة تمنح المكان مفاتيح الفردوس‪ ،‬مثلما المكان‬
‫يمنح النص أبديته الحية ويجدده‪ ،‬فالمكان الذي يتجدد عبر النص يؤثر‬
‫في النص‪ ،‬يمنحه صورة جديدة ومعجما جديدا ونسقا إنشائيا جديدا‪،‬‬
‫إنه يجدده ويثريه‪ ،‬ويغنيه بالصور واألحداث والعواطف‪ .‬وهكذا كان‬
‫الشعراء يسيحون بحثا عن مكان يجدد لهم معجمهم وصورهم وحياتهم‪.‬‬

‫هذه العالقة المتبادلة بين النص‬
‫والمكان هي النصر الحاسم على‬
‫الموت‪ ،‬موت اللغة أو موت المكان‪،‬‬
‫كما أنه تجديد لحوار الكائن مع‬
‫مخلوقاته ومع خالقه‪ ،‬إنه النور‪...‬‬
‫النور األبدي الذي يأتينا من هذه‬
‫الجهة ونرى تأثيره على التراب‪...‬‬
‫كيف نكتشف المكان‪ ،‬المكان البعيد‪،‬‬
‫والنائي بعيدا عن عاديته‪ ،‬وبعيدا‬
‫عن كل ما يجعل منه مألوفا‪ ،‬أتذكر‬
‫اآلن وصولي األول إلى اسطنبول‪،‬‬
‫كنا نسير على ضفة من الحصى‬
‫قرب البحر‪ ،‬وكان الظالم دامسا‪ ،‬وفي‬
‫الغسق الشفاف كان رذاذ البحر يضرب‬
‫وجوهنا‪ ،‬انتابني تلك اللحظة شعور‬
‫غريب‪ ،‬شيء أشبه بلحظات نسيان‬
‫أو نوم‪ ،‬حركة الظالم التي تسقط‬
‫في المياه العميقة في البحر‪ ،‬صوت‬
‫الصخرة التي يضرب بها الموج‪ ،‬وهذا‬
‫العشب الغضر والذي كنت أجاوره‬
‫بحذائي‪ ،‬أحسست بدماء عنيفة‬
‫تنبض في داخلي‪ ،‬تدفع عني الضعف‬
‫والنوم والخور والنسيان‪ ،‬شيء يلهبني‬
‫يجعلني أركض أو أنغمر بالماء‪..‬أتحد‬
‫بالبحر والفضاء والرمال ‪...‬الرحلة‬
‫ببساطة هي هذه‪...‬الرحلة تمرين حي‬
‫على الشعر‪ ..‬تجديد وانبعاث للجسد‬
‫مثلما يجدد الشعر بفعالية جسد‬
‫اللغة ويمنع عنها التكلس والموت‪...‬‬
‫مثلما يهزها أو ينفضها بقوة ويجعلها‬
‫نابضة فتية تتالئم بشكل فتان مع‬
‫عواطفنا‪..‬الرحلة هي الشعر‪ ،‬أي بمعنى‬
‫آخر هي إخالص للمعرفة والتحرر‪،‬‬
‫شيء يضاء في الروح وفي الدم‬
‫واللحم‪ ،‬دروب تنار من جديد تمنحها‬
‫نظرة متجددة‪ .‬والرحالة شاعر تائه‬
‫تسيطر عليه فكرة عمر اإلنسان‬
‫وعمر األرض‪ ،‬وروح المكان‪.‬‬
‫علي بدر‪ -‬روائي من العراق‬

‫‪11‬‬

‫�س�ؤال املدينة‬
‫هل تكفي القواميس الباردة لتصف لحظة افتراق عن‬
‫ميناء أو عن امرأة أو عن مدينة تركت فيها أحالمك؟‬
‫المدينة تسألك‪ ..‬وأنت تسألها‪ ..‬لكن ثمة من يفك أسرارها‪.‬‬
‫من أين نبدأ في الكتابة عن المدن؟‬
‫أمن خرائط الجغرافيا أم من سجالت التاريخ أم من أرقام الدليل‬
‫السياحي ـ كم هي مقيتة األدلة السياحية! ‪ -‬أم نبدأ من عيون‬
‫النساء؟‬
‫وهل يمكن أن نقرأ المدن من غير أن نقرأ عيون النساء؟‬
‫قال لي صديق ذات مرة‪:‬‬
‫« ‪ ...‬ويا صديقي‪ ،‬فالمدينة مثل المرأة‪ ،‬ليست مستوطنة في‬
‫الجسد‪ ،‬بل هي مستوطنة في الروح‪« ...‬‬
‫ثم أضاف‪:‬‬
‫«من يصدق أننا نحب مدننا رغم أن مدننا هي كلها انهيارات‬
‫القلب؟»‬
‫المدن هنا موجودة على الخارطة أمامي‪ ،‬أبصرها‪ ،‬أفتح أبوابها‪،‬‬
‫لكني أرغب أن أكون فيها مرة واحدة‪ ..‬وفي لحظة واحدة‪.‬‬
‫المدينة هاجس‪ ،‬يتشكل كبذرة في الوعي قبل أن تغزو القلب‪.‬‬
‫ومدن المغرب العربي‪ ،‬هذا البياض الذي ما إن تدخل في دائرته‬
‫حتى تكتشف أنك داخل في مدن تركت قدسيتها لتصبح مدنا‬
‫مألوفة‪ ،‬تتألق بشمس القادمين وتأفل بقمر العشاق‪.‬‬
‫في هذه النقاط القصية‪ ،‬تقترب من نفسك ومن غرائزك‪،‬‬
‫تستقبلها باحات المنازل المطلة على السماء‪:‬‬
‫الرباط‪ ..‬مدينة تتنفس برئة قرية‪.‬‬
‫الجزائر تنفتح كجرح أو كفم على الفضاء‪.‬‬
‫قرطاج‪ ..‬ما تزال تبحث عن هنيبعل‪.‬‬
‫طنجة تنظر إلى األندلس بحنين طارق بن زياد‪ ..‬وإلى الصين‬
‫وسمرقند بحماس ابن بطوطة‪.‬‬
‫‪12‬‬

‫الرحلة دي�سمرب ‪2010‬‬

‫وهران تتذكر بألم أقدام الجيش‬
‫اإلنكشاري والغزاة اإلسبان‬
‫والمستعمرين الفرنسيين دون أن‬
‫تنسى الطاعون‪.‬‬
‫والقيروان تتألق بالمجانين ‪.‬‬
‫وفاس‪ ..‬تؤدي بك أزقتها إلى المتاهة‪..‬‬
‫متاهة الذاكرة والكتابة‪ ..‬ابن عربي‬
‫وابن خلدون وابن باجة‪.‬‬
‫وتلمسان‪ ..‬مدينة الحرير والسبع‬
‫وثالثين منارة والحرير‪ ...‬وهمفري‬
‫بوغارت يتذكر « كازابالنكا «‪.‬‬
‫وأصيلة تستعير لون أبواب بيوتها من‬
‫زرقة السماء‪.‬‬
‫أما العرائش‪ ..‬فقد اختارها جان جينيه‪،‬‬
‫منزال فقيرا‪ ..‬أمام البحر ‪.‬‬
‫ما هي المدينة؟‬
‫أنصنعها نحن أم تصنعنا هي؟‬
‫لنسأل المعماريين والبنائين‪ ..‬ولم ال‬
‫نسأل دواة الحبر‪ ..‬وريشة الوراقين؟‬
‫المدينة تأخذ شكل الحبر‪ ..‬والحبر‬
‫يأخذ شكل الحروف‪ .‬تبزغ هذه المدن‬
‫في ذاكرتي كلما حاولت نسيانها‪..‬‬
‫وأتذكر أن لكل مدينة عطرا خاصا‪ ،‬هو‬
‫عطر األم ‪.‬‬
‫أليست المدن تولد من رحم الذاكرة؟‬
‫واأللفاظ تولد من رحم دواة الحبر؟‬
‫شاكر نوري ‪ -‬شاعر وروائي عراقي‬
‫مقيم في اإلمارات العربية المتحدة‬

‫هد‬
‫�ص ْي َ‬
‫عبور مفازة َ‬

‫من المصادفات التاريخية التي سيبدو‬
‫سردها‪ ،‬هنا‪ ،‬ذا فائدة وطرافة هي‬
‫أنه لوال مقالة لـ باكون يقترح فيها‬
‫إمكانية عبور الربع الخالي بالمنطاد‬
‫لكان بيرسي كوكس أثناء رحلته بين‬
‫«عبري» و»أدَم» في العام ‪ 1905‬أول‬
‫من سيحظى من األوروبيين بريادة‬
‫اكتشاف الربع الخالي بعد أن وافق‬
‫رفاقه البدو على مرافقته في تلك‬
‫الرحلة‪ ،‬لكنه تراجع عن تلك الفكرة‬
‫بعد أن قرأ تلك المقالة‪ ،‬كما يروي في‬

‫مقالة له نشرت في «المجلة الجغرافية» عام‬
‫‪ .1925‬لذلك تسابق كل من برترام توماس وجون‬
‫فيلبي في ثالثينيات القرن العشرين من األلفية‬
‫الثانية لعبور الربع الخالي‪ ،‬تلك الصحراء التي‬
‫سماها العرب األقدمون مفازة صَ ْيهَد‪ .‬لكن برترام‬
‫توماس هو من فاز بإحراز قصب السبق حين‬
‫اجتاز بيداء الربع الخالي من صاللة حتى قطر عام‬
‫‪ ،1931‬تاركًا لمنافسه جون فيلبي عكس رحلته‬
‫تلك باجتيازها بعد عام واحد فقط من الشمال إلى‬
‫الجنوب‪ .‬وقبل ذلك بكثير استطاع الرحالة جيمس‬
‫ويل ستيد عام ‪ ،1835‬الذي لم يعبُر الربع الخالي‪،‬‬
‫أن ُ‬
‫يرصد من قمة الجبل األخضر المشهد المترامي‬
‫لذلك الربع قائلًا في وصفه‪« :‬سهول شاسعة من‬
‫الرمال المتحركة الفضفاضة تمتد على مرمى‬
‫البصر‪ ،‬والتي في اجتيازها حتى البدويّ الشديد بالكاد يجرؤ على‬
‫المجازفة‪ .».‬لكن الرحالة البريطاني ويلفرد ثسيجر هو الوحيد الذي‬
‫استطاع اجتياز تلك البيداء بشاعرية وحُ ب قل نظيرهما‪ ،‬وبوصف لمّ اح‬
‫لحياة البدو الذين رافقوه فشرب من مشربهم ولبس مالبسهم وتعلم‬
‫أس َر ُ‬
‫ته وأضحت ذكراه‬
‫لغتهم‪ ،‬في محاولة منه للتماهي مع حياتهم التي َ‬
‫الطيبة الوحيدة من هذه الحياة التي تتغير باستمرار وال تتيح ألولئك‬
‫البدو إال أن يغيروا نمط حياتهم كما يروي في كتابه الشيق «الرمال‬
‫العربية» عن رحلتيه اللتين َع َبر فيهما الربع الخالي مرتين بين ‪1946‬‬
‫ ‪ 1948‬منزعجًا من هول المصير الذي سيؤولون إليه بعد اكتشاف‬‫النفط في الجزيرة العربية‪.‬‬
‫محمد الحارثي ‪ -‬شاعر من سلطنة عمان‬

‫الق�صر ال�صيفي يف بكني‬

‫ّ‬
‫يعد هذا القصر أكبر حديقة إمبراطورية موجودة في العالم في وقتنا‬
‫الحاضر‪ ,‬وأكملها و أكثرها جمالًا وقيمة ثقافية ومعماريّة‪ .‬وقد أُدرج‬
‫يجسد‬
‫هذا القصر في قائمة التراث العالمي‪ ،‬وذلك في عام ‪ ,1998‬وهو‬
‫ّ‬
‫خالصة الحدائق الصينيّة التقليدية‪ ،‬وجوهرها األساس‪ .‬وقد بني بجوار‬
‫جبل ساحر االخضرار‪ ،‬وعليه أيضًا‪ .‬و حتى تكتمل الصورة الجماليّة لدى‬
‫ّ‬
‫يشقوا‬
‫اإلمبراطور تشان لونغ فقد جمع آالف العمال و الفالحين لكي‬
‫بحيرة واسعة أمامه‪ ,‬بحيث يبدو الجبل وراء القصر والبحيرة أمامه‪.‬‬

‫وتبلغ مساحة هذا القصر مع البحيرة‬
‫حوالي ثالث مائة هكتار‪.‬‬
‫وتتكون هيكلية هذا القصر ‪-‬‬
‫اللوحة الجماليّة البديعة ‪ -‬من‬
‫البحيرة السابقة بحيرة (كون مينغ)‪,‬‬
‫ّ‬
‫تشكل ثالثة أرباع هذا القصر‪,‬‬
‫التي‬
‫ومن جبل تغطيه غابات جميلة‬
‫متناسقة‪ ،‬و يطلق عليه الصينيون‪:‬‬
‫(جبل العمر المديد)‪ ،‬وهو جبل‬
‫متوسط االرتفاع ّ‬
‫مغطى بطبقة وفيرة‬
‫من النباتات المتناسقة‪ ,‬واألشجار‬
‫القديمة التي ال تزال تحتفظ بجاذبيتها‬
‫وسحرها حتى اآلن‪ .‬وهو ّ‬
‫يطل‬
‫ّ‬
‫وتتوزع‬
‫على بحيرة (كون مينغ)‪.‬‬
‫مقصورات هذا القصر على مساحة‬
‫جبل العمر المديد‪ ،‬وهي في آية من‬
‫اإلبداع في التصميم‪ ،‬و الروعة في‬
‫الجمال و الزخرفة والتصوير‪ .‬وهي‬
‫تقع بالقرب من باب القصر الشرقي‪,‬‬
‫بجوار شاطئ البحيرة‪ ,‬وتجمع بين‬
‫فخامة القصور اإلمبراطورية عبر‬
‫ّ‬
‫تشكلها التاريخي‪ ,‬وجمال الحدائق‬
‫المشهورة في جنوب الصين‪ ,‬وروعة‬
‫هندستها وتخطيطها الجمالي المدهش‪.‬‬
‫ومن أهم المقاصير الموجودة في هذا‬
‫القصر مقصورة (الفضيلة البوذية)‬
‫التي تقع على قمة الجبل‪ ,‬وهي ّ‬
‫تعد‬
‫مركزًا للقصر الصيفي‪ ,‬ورمزًا روحيًا‬
‫ودينيًا مهمًا جدًا‪ ،‬حيث كان أفراد‬
‫األسرة اإلمبراطورية يتعبدون تقربا‬
‫إلى بوذا داخل هذه المقصورة‪ .‬وقد‬
‫بُنيت هذه المقصورة البوذية على‬
‫قاعدة من األحجار الضخمة‪ ،‬وبلغ‬
‫ارتفاعها أكثر من عشرين مترًا‪.‬‬
‫وتتكوّن المقصورة من ثمانية جوانب‪،‬‬
‫وثالثة طوابق يغطيها سقف قرميدي‬
‫مطلي بالمينا الخضراء والصفراء وهي‬
‫من أهم رموز العمران اإلمبراطوري‬
‫الصيني‪.‬‬
‫من «رحلة بكين» ‪2001 -‬‬
‫محمد عبد الرحمن يونس‬

‫‪13‬‬

‫‪� 24‬ساعة‬

‫‪24 Hours‬‬

‫حياة مفعمة باحلرية يف �إفريقيا‬
‫أوراق من طفولتي في وادي حلفا وإفريقيا‬
‫دينيس جونسون ديفز‬

‫هذه ال�صور التقطتها عد�سة م�صور الرحلة تنتمي �إىل البيئة‬
‫ال�سودانية التي عا�ش فييها الكاتب الربيطاين‪ ،‬وخرب �إن�سانها‬
‫وجماليات طبيعتها‪ ،‬من وادي حلفا وحتى �سهول مملكة مروي‬
‫‪14‬‬

‫الرحلة دي�سمرب ‪2010‬‬

‫وصلت إلى إنكلترا قادمًا من إفريقيا وعمري ‪ 11‬سنة‪،‬‬
‫فأنا مولود في كندا سنة ‪ ،1922‬رحلت مع عائلتي‬
‫طفلًا إلى القاهرة‪ ،‬فإلى وادي حلفا في السودان‪ ،‬ثم‬
‫إلى أوغندا‪ ،‬بعد ذلك إلى إنكلترا التي لم أحبذ العيش‬
‫فيها أبدًا‪ ..‬عندما جئت إلى ما كان ينبغي أن يكون‬
‫وطني في األحوال الطبيعية‪ ..‬لندن كانت مشاعري‪،‬‬
‫وحواسي وتصوراتي وما أحب وافضل وأرفض‪ ،‬قد‬
‫تشكلت وانتهى األمر‪ ..‬والسبب أنني عشت طفولة‬
‫في بيئة مختلفة‪ ..‬كانت طفولتي غريبة ففي وادي‬
‫حلفا ومصر مثلًا كنت وحيدأ ً لم يكن هناك أطفال‬
‫إنكليز غيري‪ ..‬وفي السودان كان كل أصدقائي من‬
‫العرب‪ ،‬وكنت أتقن العربية في ذلك الوقت أكثر‬
‫من إتقاني اإلنكليزية‪ ..‬لكن الذي ال يعرف أن يقرأ‬
‫ويكتب العربية ينساها‪ .‬لم أسعد بهذا االنتقال‪ ..‬في‬
‫إنكلترا يتحدثون عن المسرح والفن والحضارة‪ ..‬وفي‬
‫السودان كان عندي حمار وفي أوغندا كان عندي‬
‫بسكليت‪ ..‬في السودان كنت أركب الحمار بفرح‬
‫كبير‪ ..‬وكانت لي صور في النيل على ظهر مركب‪..‬‬
‫حياة بسيطة‪ ،‬بدائية‪ ،‬لكنها رائعة الجمال‪ ،‬فهي حياة‬
‫مفعمة بالحرية‪ .‬في إنكلترا حشرت في مدرسة كلها‬
‫أوامر وضوابط ونواهي صارمة‪ ..‬وكان الضرب ينزل‬
‫بنا ‪ ..‬كانوا يضربوننا بقسوة في ذلك الوقت‪ .‬لذلك‬
‫كرهت المدرسة واشتقت إلى الحياة الحرة والعفوية‬
‫في إفريقيا‪ ..‬ولك ان تتخيل المصاعب النفسية التي‬
‫تحل بالطفل والناشيء في المدرسة الداخلية‪..‬‬
‫من الصباح إلى الليل‪ ،‬وهكذا‪ ..‬واستطعت أن أهرب‬
‫بمعجزة‪ ..‬ففي تلك الفترة من حياتي‪ ،‬لم أكن شاطرًا‬
‫في األلعاب الرائجة بين األقران‪ ..‬كنت أجيد السكواش‬
‫وحسب‪ .‬فقد كانت أمي تحب هذه اللعبة ووجدت‬
‫نفسي بطلًا للعبة السكواش ‪..‬مع أن جميع الذين‬
‫يلعبونها كانوا أكبر سنًا مني‪ ..‬لكن الناظر حرمني‬

‫من اللعبة ألنني دون سن الـ ‪ 16‬سنة‪ .‬والدي الذي لم‬
‫يكن يهتم بالرياضة‪ ..‬زعل‪ ..‬وقال للناظر‪ :‬إذا لم تترك‬
‫ابني يلعب السكواش سأخرجه من المدرسة‪ .‬فقال‬
‫له الناظر‪ :‬لن أسمح له بممارسة اللعبة مادام صغيرًا‪..‬‬
‫وهذا مخالف للقواعد‪ ،‬وال نستطيع تغيير القوانين من‬
‫أجل ابنك! كانت معحزة ووقعت‪ ،‬فقد كنت أحلم لليال‬
‫طويلة بالخالص من هذه المدرسة‪ ..‬فإذا بوالدي الذي‬
‫كان محاميًا يومها يتسبب بخالص من تلك المدرسة‪.‬‬
‫جاء والدي إلى لندن ليعمل سكرتيرًا لمنظمة‬
‫السيارات‪ .‬أما والدتي فكانت تهتم بالكتابة‪ ،.‬وقد‬
‫كتبت ونشرت بعض األعمال األدبية‪ .‬وقد اهتمت هي‬
‫بدراستي‪ ،‬فقد كان علي ان أدرس واواصل دراستي‬
‫لدخول جامعة كامبردج‪ ..‬وقد حاولت ذلك في سن‬
‫مبكرة‪ ..‬فرفضت الجامعة‪ ..‬قالوا أن علي أن أبلغ ‪18‬‬
‫سنة حتى يسمح لي بدخول الجامعة‪ ...‬وقد توصلت‬
‫والدتي معهم إلى تسوية فدخلت في سن ‪ 16‬سنة‪..‬‬
‫وخالل ذلك الوقت الفاصل دخلت لسنة في مدرسة‬
‫اللغات الشرقية في لندن ودرست العربية‪ ،‬وذلك‬
‫سنة ‪.1937‬‬
‫عندما كنت ما أزال في إنكلترا أذكر أننا كنا نسافر‬
‫أمي وأبي وأنا بالسيارة ونمضي أسبوعين في فرنسا‬
‫مثلًا‪ ..‬نشاهد الكنائس ‪ ..‬وكان هذا مملًا بالنسبة لي‪..‬‬
‫قلت لهم مرة أعطوني الفلوس وأنا أسافر إلى مصر‪.‬‬
‫وذات مرة فوجئت بأمي وأبي يوافقان‪ ،‬وكان عمري‬
‫‪ 14‬سنة فقط‪ ..‬وها هما يسمحان لي بالسفر إلى مصر‬
‫في تلك السن‪ ..‬رحت وسكنت في منطقة السكاكيني‪،‬‬

‫ولما رجعت وجدت لي أمًا جديدة‪ ..‬والغريب أن‬
‫أمي قالت مرة ألبي أن الصديقة الفالنية مسكينة‪،‬‬
‫فلنأخذها معنا في رحلة‪ ..‬وهو ما حصل‪ ..‬وخالل تلك‬
‫الرحلة بدأت عالقة بينها وبين أبي‪ ..‬كانت أمي طيبة‬
‫القلب‪ ،‬ولم تفكر أن شيئًا من هذا القبيل يمكن أن‬
‫يحدث‪ .‬دخلت في العائلة ونسفتها‪ ،‬عدت من مصر‪..‬‬
‫كما قلت‪ ..‬ولم أجد عائلتي!‬
‫ومع ذلك‪ ،‬فإن صباي المبكر أي أول ما جئت إلى لندن‬
‫لم يكن سيئة‪ ..‬بل كانت أيامًا وسنوات جميلة على‬
‫الصعيد العائلي‪.‬‬
‫في أفريقيا لم تكن هناك أي عنصرية من الناس نحو‬
‫المختلفين عنهم لونًا أو ثقافة أو تكوينًا‪ .‬عدت إلى‬
‫وادي حلفا مرات كثيرة لكنني لم أذهب إلى كامباال‬
‫حيث عشت سنوات‪ ..‬أيضًا‪ ..‬إنما زرت زنجبار‪ ..‬ومن‬
‫زنجبار سافرت إلى كينيا حيث كنت مرة في مدرسة‬
‫داخلية‪ ،‬وهناك التقيت الناظر‪ ..‬وسألني أنت كنت هنا؟‬
‫قلت نعم‪ ..‬كنت هنا من سنة ‪ 1926‬إلى ‪ ،1932‬فاستغرب‬
‫كثيرًا‪ ..‬لكنني سعدت‪ ،‬وكنت أعتقد أن مدرستي كبيرة‬
‫جدًا‪ ..‬كان لها ضخامتها في ذاكرتي ومخيلتي‪ ..‬ولما‬
‫دخلت إليها وجدتها أصغر بكثير مما كنت أتصور‪ .‬تلك‬
‫كانت السنوات السعيدة في حياتي‪.‬‬
‫مستعرب بريطاني معروف يعيش في القاهرة‪ ،‬أول من ترجم رواية‬
‫لنجيب محفوظ والطيب صالح وتوفيق احلكيم وتوفيق يوسف‬
‫عواد وغسان كنفاني وغيرهم‬

‫‪15‬‬

‫تمثال ليوناردو دافنشي حارس مدينة ميالنو‬
‫تصوير‪ :‬محمد أحمد السويدي‬

‫رحلة يف �إيطاليا النه�ضة‬
‫العبور من بوابة دافن�شي‬

‫‪16‬‬

‫‪ .‬حممد �أحمد ال�سويدي‬

‫املجنـحة‪ ،‬بعد �إقامة ت�شاكلت لياليها فبدت طوا ًال كليل العا�شقني‪.‬‬
‫ا�ستجاب هريم�س لنجوى رق لها قلبه‪ ،‬ف�أعارنا �صنادله ّ‬
‫�إنتعلنا ال�صنادل املقد�سة ميممني باري�س بن بريام بطل طروادة‪ ،‬الذي ق�ضى للربة فينو�س ب�أنها الأجمل فكاف�أته بهيلينا‬
‫الإ�سبارطية تديفء خمدعه الطرواديّ ‪ ،‬وجتلب على وطنه احلرب التي دارت رحاها لع�رش �سنني‪ ،‬وعادت بالويل والدمار على‬
‫طروادة و�شعبها‪.‬‬
‫ال�صباح ق�صدنا اللوفر‪ ،‬وذهبنا لتح ّية الأمري الطروادي الذي ولد من ر�أ�س دافيد‪ ،‬وكذلك الإمرباطور املت ّوج‬
‫و ّملا �أ�رشف علينا ّ‬
‫الفن للتز ّود ب�أك�سجني الفنون‪ ،‬فالطريق �إىل �إيطاليا‬
‫– نابليون – الذي ح ّول �إيطاليا من ا�سم �إىل �أ ّمة‪ ،‬وعرجنا على روائع ّ‬
‫تطول‪ ،‬ونحن يف حاجة للتعرف على الإرث املرتبط برحلتنا امل�أمولة‪ ،‬وقد �ض ّمه املتحف‪ ،‬فع�رص النه�ضة الذي بد�أ يف �إيطاليا‬
‫املرحبة ب�أنواره‪ ،‬وقد ا�ستقبلت مبدعيه وكبريهم ليوناردو دافن�شي الذي انتقل اليها‪ ،‬ولقى وجه ر ّبه‬
‫انتقل منها �إىل فرن�سا ّ‬
‫الفرن�سي وا�سطة عقد اللوفر وتاجه‪ :‬املونا ليزا‪ ،‬وبها يبد�أ الذكر اجلميل ويختم‪.‬‬
‫فيها‪ ،‬خملفا وراءه للملك‬
‫ّ‬
‫ها هي �إيطاليا تنادينا فليوناردو حار�س ميالنو ينتظرنا عند باب حجرة طعام دير القدي�سة ماريا ديلي غرات�سي ليك�شف‬
‫لنا بع�ض �أ�رسار الع�شاء الأخري‪ ،‬وفيفالدي يقف �أمام كاتدرائية �سان ماركو�س ي�ستعد و�أورك�سرتاه لعزف ف�صوله الأربعة‪،‬‬
‫وجولييت ّ‬
‫تطل من �رشفتها يف فريونا وت�سائلنا عن اخبار روميو‪ ،‬وراعوث �أم النبي مت�سح ر�ؤو�سنا يف قد�س �أقدا�س متحف الفنون‬
‫يعد �سفينته البوليفار لي�أخذنا‬
‫املعا�رصة يف بولونيا‪ ،‬وال�س ّيدة مونتاجو حت�ضرّ لنا الإ�س ّرب�سو على الطريقة اجلنو ّية‪ ،‬وبايرون ّ‬
‫اىل رحلة يف خليج ال�شعراء برفقة �شيللي‪� ،‬أ ّما كاروزو‪ ،‬فقد وعدنا �أن يغنّي لأجلنا ثانية يف مدينته نابويل‪�« :‬أو �ساال ميو»‪.‬‬
‫هنا يوا�صل حممد �أحمد ال�سويدي رحلته الإيطالية‪� ،‬إنها رحلة من بوابات خمتلفة‪ ،‬لكن �أعلى هذه البوابات واكرثها جاذبية‬
‫وقوة وثراء هي �شخ�ص ليوناردو دافن�شي جوهرة النه�ضة الأوربية وا�سطورتها الفنية‪.‬‬
‫‪17‬‬

‫مقطع من البوابة البرونزية ذائعة الصيت لجبرتي‬

‫‪18‬‬

‫الرحلة دي�سمرب ‪2010‬‬

‫‪19‬‬

‫‪1‬‬
‫�سيدة من فلورن�سا‬

‫يف عام ‪1502‬م‪ ،‬اقتنى ليوناردو عد�سات مكبرّ ة‪ ،‬دلّت على بداية �ضعف ب�صره‪ ،‬وبعد‬
‫ظل‬
‫عام ذهب يف ّت�ش عن فتاة توافق م�شروعه اجلديد الذي مل مينحه ا�سما بعد‪� ،‬أو‬
‫ّ‬
‫�سيدة من فلورن�سا‪.‬‬
‫ي�سميه جتاوزا‪ّ :‬‬
‫ّ‬

‫بدأ دافنشي‪ ،‬وقد ناهز الخمسين‪ّ ،‬‬
‫يقلب‬
‫أفكارا راودته عن الموت وراح يكتب‪:‬‬
‫تنزع الروح إلى أن تبقى مالزمة لجسدها‪،‬‬
‫الحس وآلية الحياة‪.‬‬
‫فهو الذي يمنحها‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫وقال‪ :‬لكل أذى ما‪ ،‬ذكرى مؤلمة يخلفها‪،‬‬
‫إال أعظمها‪ ،‬وهو الموت‪ ،‬الذي يقتل الذكرى‬
‫جنبا إلى جنب مع الحياة‪ .‬وقال أيضا‪ :‬أيها‬
‫القابع في سباتك‪ ،‬ما النوم؟ النوم صورة الموت‪ ،‬فاألحرى‬
‫بك أن تبتدع من األعمال ما ّ‬
‫يخلدك بعد موتك‪ ،‬بدلًا من‬
‫أن تفني حياتك نائمًا متشبهًا بالميتين‪ .‬وكان ير ّدد على‬
‫أصحابه‪ :‬الحياة المادية هي موطن الروح‪ ،‬والموت هو‬
‫إقصاؤها‪ ،‬إنها تخرج «على غير إرادتها»‪ ،‬وال يبدو أنها‬
‫متجهة إلى السكنى باألعالي‪.‬‬
‫كان دافنشي قد رأى الموت رأي العين في غزوات‬
‫سيزاري وحروبه‪ ،‬رأى مصارع الرجال بشكل ّ‬
‫مكثف في‬
‫ذلك العام الذى بدأ فيه بصره يخبو‪ ،‬رأى آالته وخرائطه‬
‫وسالحه كيف راحت تحصد األرواح‪ ،‬وانتهى بعد عام‬
‫في فلورنسا يتابع ما انتهت اليه دولة آل بورجيا وما‬
‫انتهى إليه سيّده‪ ،‬فشرع يف ّتش عن وجه لمشروعه‬
‫الجديد كعادته‪ ،‬ووجد ضالّته في امرأة متزوّجة‪ّ ،‬‬
‫لعلها‬
‫ليزا جيرارديني ذات األربع والعشرين عاما‪ ،‬زوجة‬
‫تاجر الحرير الفلورنسي‪ .‬وكانت أمّا لثالثة أطفال‪ ،‬مات‬
‫‪20‬‬

‫الرحلة دي�سمرب ‪2010‬‬

‫آخرهم (طفلة) عام ‪1499‬م‪ .‬وشرع في الرسم‬
‫عام ‪1503‬م‪ .‬أطلق الفلورنسيون على اللوحة‬
‫اسم الجيوكاندا (المرحة)‪ ،‬وكان يعرض‬
‫على زائريه في مرسمه في فرنسا في سنيه‬
‫األخيرة ثالث لوحات‪ :‬األولى لوحة ّ‬
‫القديس‬
‫يوح ّنا‪ ،‬والثانية العذراء والطفل مع ّ‬
‫القديسة‬
‫آن‪ ،‬ولوحة ثالثة ّ‬
‫يقدمها بقوله‪ :‬سيّدة من‬
‫فلورنسا‪ ،‬يجمع ّ‬
‫النقاد على أنها الموناليزا‪ ،‬االسم الذي‬
‫ّ‬
‫السر الدائم ح ّتى اآلن‪.‬‬
‫وظل يالحقها في زمن‬
‫لحق بها‪،‬‬
‫ّ‬
‫هل اختار ليوناردو دافنشي ليزا جيرارديني من فلورنسا‬
‫ّ‬
‫ستستل‬
‫نموذجا لمالك األرواح؟ تلك اليد الخفيّة التي‬
‫روحه بعد سنين‪ ،‬هذا ما صرت إليه ّ‬
‫كلما اقتربت متأمال‬
‫اللوحة‪ ،‬عيناها ّ‬
‫ّ‬
‫المحدقة‪ ،‬ابتسامتها‬
‫الضيقتان‪ ،‬نظرتها‬
‫الحلي‪ ،‬زيّها الضارب إلى السواد‪،‬‬
‫الغامضة‪ ،‬عطلها من‬
‫ّ‬
‫والدروب الموحشة الموحلة لتوسكانيا خلفها‪ ،‬واأللوان‬
‫ّ‬
‫وتعلله الدائم‪،‬‬
‫التي تشعرك بدنوّ ساعة غروب األجل‪،‬‬
‫بأنه لم يفرغ منها بعد (قبل أن تفرغ منه)‪ ،‬والقاعة‬
‫الثالثة عشرة التي تسكنها في سماء قصر اللوفر األولى‪.‬‬
‫وأظ ّنه نظر إليها يوم السبت الثالث والعشرين من أبريل‬
‫ّ‬
‫وظل ينظر‬
‫عام ‪1519‬م‪ ،‬بعد أن فرغ من إمالء وصيّته‪،‬‬
‫إليها إلى أن فاضت روحه في الثاني من مايو بعد بضعة‬
‫ّ‬
‫استعد العالم فيه والف ّنان لولوج البحر العظيم‪.‬‬
‫أيام‪ ،‬بعد أن‬

‫الموناليزا أو السيدة ليزا‬

‫‪21‬‬

‫بونتي فيشو‪( Ponte Vecchio‬الجسر المسقوف) في فلورنسا‬

‫‪22‬‬

‫الرحلة دي�سمرب ‪2010‬‬

‫‪23‬‬

‫‪2‬‬
‫اجليوكندا‬

‫اختطاف اآللهة مارس‬
‫وفينوس للرسام مانتينا‬

‫كل من �شاهد زوجة تاجر احلرير‬
‫هل �سبق لك �أن ر�أيت املوناليزا وجها لوجه؟ �س�ألت ّ‬

‫عما انتابه حلظة لقائها العني بالعني؟‬
‫الفلورن�سي ّ‬

‫أجاب بعضهم‪ّ :‬أنه شعر بسحر غامض يسرى في‬
‫ّ‬
‫بهت‪ ،‬قال أحدهم؛‬
‫جسده‪ ،‬ولم يجد له تفسيرا‪.‬‬
‫«خيبة أمل كبيرة» قال آخر؛ بعضهم قال‪ :‬خيّل لي‬
‫أنّها ّ‬
‫قديسة ّ‬
‫تنزلت من السماء؛ قال شاعر كبير‪ :‬رأيت‬
‫تحرك فينا ساكنا‪ ،‬فالفتاة‬
‫رجال! وآخرون قالوا‪ :‬لم‬
‫ّ‬
‫ليست على حظ وافر من الجمال‪ ،‬إن لم تكن هناك‬
‫جملة من العيوب‪ :‬فاألنف طويل نسبيّا‪ ،‬والحواجب‬
‫نسيتها ريشة الف ّنان‪ ،‬والعينان ضيّقتان يعوزهما‬
‫الكحل؛ وقال آخرون‪ّ :‬‬
‫كلها جبين‪ ،‬أو خفيفة الشعر‪،‬‬
‫إلى غير ذلك من مثالب‪.‬‬
‫مادالينا زوجة التاجر أجنولو دوني‪ ،‬جلست ذات‬
‫الجلسة في نفس التاريخ ونفس المدينة أمام الشاب‬
‫رافائيل الذي كان متأثرا بدافنشي ح ّتى سرق فكرته‪،‬‬
‫وأنجز لوحته الشبيهة بالمادونا على عجل‪ ،‬دون أن‬
‫يثير جلبة‪ .‬واللوحة تمنحك صفاء في األلوان ّ‬
‫قل‬
‫نظيره‪ ،‬كما أن مادلينا بدت مزيّنة بقطع المجوهرات‬
‫على خالف الموناليزا العاطل‪.‬‬
‫ال يكترث المه ّتمون اليوم بموناليزا رافائيل المغمورة‪،‬‬
‫بل بالحسناء العاطل‪ ،‬ولك ّنهم يسألون‪ :‬أليست العذراء‬
‫عند الصخور‪ ،‬أوالمادونا في أكثر من لوحة له‪ ،‬أو‬
‫ّ‬
‫القديسة آن‪ ،‬أو ليدا المغرية‪ ،‬أكثر جماال؟ ويعجبون‪،‬‬
‫كيف قضى السنوات الباقية من عمره ‪ -‬وكان قد ناهز‬
‫الخمسين‪ -‬في لوحة أنفق عليها من ماله وروحه‪،‬‬
‫ّ‬
‫يسخر لها فريقا من العازفين والم ّهرجين‪،‬‬
‫إذ راح‬
‫ليذهب عن نفسها الغمّ والحزن أو الوحدة والملل‪،‬‬
‫‪24‬‬

‫الرحلة دي�سمرب ‪2010‬‬

‫السيدة مادالينا زوجة‬
‫التاجر اغنولو دوني‬
‫(بريشة رفآئيل)‬

‫ّ‬
‫يرف لها جفن‪.‬‬
‫وهي ماثلة في وضع ثابت ال‬
‫جفني الموناليزا‪ ،‬ولكن‬
‫لقد أسهب فاساري في وصف‬
‫ْ‬
‫كل االختبارات الحديثة التى أجريت على اللوحة لم‬
‫تعثر لهما على أثر‪ .‬فهل تراه رآها أو نقل ما سمعه‬
‫عنها؟ وهل طالت الترميمات وعوامل األكسدة طوال‬
‫الخمسمائة سنة الماضية نهار اللوحة ّ‬
‫فبدلته إلى‬
‫(غروب)‪ ،‬إذ شكا الناس ذلك منذ مطلع القرن السابع‬
‫عشر‪ ،‬وسوء ما آلت إليه اللوحة‪ ،‬إثر األخطاء التي‬
‫ارتكبها المرمّمون؟‬

‫وعلى الرغم من حماس البعض للموناليزا‪ ،‬إال أنها لم‬
‫ّ‬
‫تعد عمال خارقا أو استثنائيا‪ .‬ولكن بزوغ نجمها‬
‫بدأ في منتصف القرن التاسع عشر‪ ،‬وولد في‬
‫شمال أوروبا بالتحديد‪ ،‬إثر موجة االفتنان بعصر‬
‫النهضة في إيطاليا بشكل عام‪ ،‬وبعبقريّة ليوناردو‬
‫ّ‬
‫المتعدد المواهب بالتحديد‪ .‬وكان اختيار السيّدة‬
‫الفلورنسيّة قصر اللوفر سكنى لها في باريس منعطفا‬
‫آخر لتلك الشهرة‪ ،‬إذ اختارت هذه النبيلة ودافنشي‬
‫نفسه المنفى وطنا‪ .‬ثمّ أسهم األدباء في إعالء شأنها‬
‫بما دبّجوا بها من عبارات المديح والثناء‪ .‬قال عنها‬
‫الروائي والناقد الف ّني ثيوفيل جوتيه‪ :‬عنقاء الجمال‬
‫ذات االبتسامة المحيّرة‪ ،‬وأثنى عليها الشاعر ييتس‬
‫بطريقته‪ ،‬وكذلك أوسكار وايلد‪ ،‬وسومرست موم‪،‬‬
‫وفورستر الذى نعتها في روايته «غرفة ذات إطاللة»‬
‫بقوله‪ :‬تلك التي ال نحبّها‪ ،‬ألنها تضنّ علينا بما يجيش‬
‫في صدرها من حديث‪.‬‬
‫في يوم االثنين الحادي والعشرين من أغسطس‬
‫عام ‪1911‬م‪ّ ،‬‬
‫حلقت الموناليزا في سماوات المجد‪،‬‬
‫لص في الحادية والثالثين من العمر‬
‫عندما خطفها ّ‬
‫يدعى فينزنسو بيروجيا‪ ،‬رسّ ام ومرمّم وصاحب‬
‫سوابق يعمل في اللوفر‪ ،‬كان يريد اختطاف اآللهة‬
‫مارس وفينوس لمانتينا‪ ،‬ولكن اللوحة كانت أكبر‬
‫من أن يحتملها كاهله‪ ،‬فاكتفى بالموناليزا األصغر‬
‫حجما واألخف حمال‪ّ .‬‬
‫ولف الحسناء التي استسلمت‬

‫للثعلب في قماش‪ ،‬وخرج دون أن يثير أدنى ريبة‪.‬‬
‫ولم يفلح البوليس في الكشف عن هويّة الخاطف‪،‬‬
‫وطال التحقيق كثيرا من المشتبه بهم بمن فيهم‬
‫مرة يحوم حول اللوحة‪.‬‬
‫بيكاسو الذي شوهد غير ّ‬
‫وفي أواخر نوفمبر ‪1913‬م أرسل فينزنسو رسالة إلى‬
‫تاجر التحف الفلورنسي ألفريدو جيري يعرض فيها‬
‫ر ّد السيّدة الفلورنسيّة إلى وطنها لقاء نصف مليون‬
‫ليرة‪ ،‬فأعلن التاجر قبوله العرض‪ .‬وفي الثاني عشر‬
‫ّ‬
‫الخشبي‬
‫استقل بيروجيا بصندوقه‬
‫من ديسمبر‬
‫ّ‬
‫القطار إلى فلورنسا‪ ،‬واستأجر لدى وصوله غرفة في‬
‫فندق خامل‪ ،‬سيعرف باسم الجيوكندا فيما بعد‪ .‬وفي‬
‫لحظة اللقاء الحاسمة فتح الصندوق أمام تاجر التحف‬
‫ّ‬
‫يتوقف قلبه‪ ،‬وأخرج زوجا من األحذية‬
‫الذي كاد أن‬
‫القديمة‪ ،‬وبعضا من المالبس الداخليّة البالية التي‬
‫تبعث على الغثيان‪ ،‬ثمّ جال العروس التي طال غيابها‪.‬‬
‫اعترف الفريدو بالمشاعر التي انتابته ساعة رآها‪،‬‬
‫وكيف راح بورجيا يعرض اللوحة ويتقمّ ص دور‬
‫دافنشي نفسه‪« .‬أميرتكم ر ّدت إليكم»‪ ،‬قال بيروجيا‬
‫كمن ّ‬
‫حقق مجدا مؤثال‪ ،‬وها أنا أنتظر الثواب‪ .‬عندها‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫انقض رجال الشرطة من كل مكان وألقوا القبض‬
‫على الثعلب فينزنسو وأودع السجن‪.‬‬
‫ّ‬
‫تصطف طوابير الزوّ ار القادمة من‬
‫ومنذ ذلك اليوم‬
‫ّ‬
‫كل فجّ عميق أمام الغرفة ‪ 13‬في الدور األول من‬
‫القصر لتقديم واجب االحترام للنبيلة الفلورنسيّة‪،‬‬
‫حمدا على سالمة اإلياب‪.‬‬
‫‪25‬‬

‫في الطريق إلى بوسيتانو‬

‫‪26‬‬

‫الرحلة دي�سمرب ‪2010‬‬

‫‪27‬‬

‫‪3‬‬
‫ُل ْذ فراراً من �أريت�سو‬

‫الشيميرا –رمز مدينة أريتسو‬

‫قط‪ ،‬وفعلت كل ما من �ش�أنه جعل �أبنائها‬
‫�أريت�سو‪ ،‬هي الأم التي مل تكن يوما ر�ؤوما ّ‬

‫كحبات م�سبحة بعيدا عنها‪� ،‬إنها مدينة ت�شبه رحما يلفظ �أبناءه ‪ ،‬ما �أن‬
‫ينفرطون‬
‫ّ‬
‫ال�سري‪.‬‬
‫تقطع عنها حبلهم‬
‫ّ‬
‫لقد دفعت إلى احلياة نوابغ كبترارك واوروتينو وفاساري‪،‬‬
‫ولفظتهم كفم عجوز تلفظ النوى‪ ،‬فمن يلومهم إذا ساروا‬
‫في األرض‪.‬‬
‫زرتها وكأني ذهبت أفتّش عن تلك األسباب التي جعلت‬
‫نوابغها يتقلبون في البالد‪ ،‬ودفعني ذلك إلى شعور من‬
‫التّوجس من سبب ما‪ ،‬لعلّه في الهواء‪ ،‬أو في اجلغرافيا‪،‬‬

‫ميدان اريتسو (من اجمل ساحات ايطاليا)‬

‫‪28‬‬

‫أو لعلّه املاء‪ ،‬أو الشمس‪.‬‬
‫لكنها مدينة ال تفتقر إلى اجلمال وال إلى البهاء‪ ،‬وال‬
‫احملدقة بك‪ ،‬وال ساحتها‬
‫الهواء املنعش‪ ،‬وال من اخلضرة‬
‫ّ‬
‫أجمل الساحات‪ ،‬وهي مع ذلك ما زالت في القلب من‬
‫توسكانيا‪ ،‬لع ّل السبب – قلت في نفسي – وانا أجوب‬
‫شوارع املدينة‪ ،‬وألتقط صور وجوه أهلها‪ ،‬مخبوء في‬

‫أزقتّها القدمية‪ ،‬في جدران بيوتها أو في الشيميرا وجه‬
‫األسد وذيل الثعبان ورأس املعزة تنبثق من الظهر‪ ،‬رمز‬
‫مدينتهم‪ ،‬وحيوانهم األسطوري الذي جاء على ذكره‬
‫هومر في إلياذته‪.‬‬
‫دخلتها وأنا أريد ان أتعقّب ما بذره بترارك وصحبه في‬
‫طريق السالكني إليها‪ ،‬كنت اف ّكر أن رجاال كهؤالء منحوا‬
‫العالم طريقتهم في احلياة‪ ،‬البد وأن تكون بقايا منهم‬
‫علقت في طرقات اريتسو وسبلها الضيقة وساحاتها‬
‫ومصاطبها‪.‬‬
‫حانت ساعة الغداء‪ ،‬ورحنا نفتّش عن مطعم نلوذ به‪،‬‬
‫فشدتنا لوحة عريضة‪ ،‬ومدخل نصب كالفخ لطريدة‬
‫ّ‬
‫مثلنا‪ ،‬فدخلناه‪ ،‬وأدركنا على الفور ملاذا هجر بترارك‬
‫أريتسو ‪.‬‬
‫لم نكن نعرف قراءة قائمة طعام باإلتروسكان ّية‪ ،‬كما أ ّنه‬
‫ليس لنا سابق معرفة باملكان ور ّواده‪ ،‬فقد دفعتنا إليه‬
‫الصدفة احملضة‪ ،‬وتلك اللوحة البغيضة التي نصبت‬
‫ّ‬
‫للسادرين‪ .‬كان الناس من حولنا متجهمون غالظا‪،‬‬
‫يعكفون على ازدراد الطعام بنهم‪ ،‬تقول مالمحهم إ ّننا‬
‫نتحدر من جدود إتروسكان‪.‬‬
‫ّ‬
‫لم نكن نشعر باجلوع الذي دفعنا إلى جحيم دانتي‬
‫هذا بال شفقة‪ ،‬فاختار صاحبي طبقا واخترت طبقا‬
‫آخر‪ ،‬وعندما ن ّبهني أن طلبي مك ّون من ثالثة أطباق‬
‫على التوالي‪ ،‬حاولت استدراك األمر على عجل‪ ،‬فقلت‬
‫لصاحب املطعم بهمس بعد أن سألته اإلقتراب‪ :‬سأكتفي‬
‫بالطبق الرئيسي وال حاجة لي بالطبقني األخريني‪.‬‬

‫حدق بي الرجل بغلظة‪ ،‬ونفاذ صبر‪ ،‬وقال بإجنيليز ّية‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫مهشمة ال تكاد تفهم ما معناه‪ :‬ال ميكنك ذلك‪ ،‬فالطباخون‬
‫كادوا أن ينتهوا من إعداد أطباقك‪ ،‬ولقد انتهوا هم‬
‫أنفسهم من تناول وجباتهم‪ ،‬وماعادوا يطيقون على أكل‬
‫املزيد‪ ،‬وأنا كذلك‪ ،‬أما الزبائن فكما ترى منهمكني بتناول‬
‫الطعام‪ ،‬فأين ستراني اذهب بأطباقك؟‬
‫فقلت له البأس سأسدد الثمن‪ ،‬وكنت أريد بذلك أن‬
‫ال يبالغ بسورة غضبه‪ ،‬وأن أعمل على تهدئته‪ ،‬ولكنه‬
‫أعد نفسه ملثل هذه اخلطوب‪ ،‬فقال‪ :‬وقد‬
‫كان يبدو كمن ّ‬
‫بالغ بنفاد صبره أكثر من ذي قبل‪ :‬األمر ال يتعلّق بثمن‬
‫ماطلبت‪ ،‬بل مبا طلبت أنت بنفسك‪ ،‬أين سأذهب به‪،‬‬
‫ماذا سأفعل باطباقك الثالث إن لم تأكلها‪.‬‬
‫شعرت في تلك اللحظة أن الرجل قد خرج من عباءة‬
‫أريتينو‪ ،‬أو أن إلريتينو أحفادا ما زالوا يداولون حرفة‬
‫اإلبتزاز‪ ،‬واستعدت على نحو غير متو ّقع في موقف كهذا‬
‫صورة أريتينو‪ ،‬ويده املقطوعة األصابع‪ ،‬ومتاثل الشبه‬
‫حليتي الرجلني‪ ،‬فقلت في نفسي أن حلية أريتينو‬
‫بني‬
‫ّ‬
‫وحدها ال تكفي‪.‬‬
‫لقد حتققت أسوأ كوابيسي‪ ،‬وحدث ماكنت أخشاه من‬
‫رجل‬
‫حيث لم أحتسب‪ ،‬فقد كنت متوجسا من مصادفة ٍ‬
‫ٍ‬
‫مدينة كهذه‪.‬‬
‫كهذا في‬
‫يحدثهم باإليطالية‬
‫ثم استدار ناحية زبائنه وصار‬
‫ّ‬
‫مما جعلني ملفوفا بغاللة من احلرج الشديد‪ ،‬وهكذا‬
‫اضطررنا إلى التظاهر باألكل‪ .‬كان األكل غليظا كاملطعم‬
‫وصاحبه‪.‬‬
‫وخرجنا من املطعم عدوا‪ ،‬بل من أريتسو كلها كما خرج‬
‫من قبلنا بترارك وفاساري‪ ،‬وفارقنا املكان ولسان حالنا‬
‫يقول‪ ،‬كما يقول الطليان‪( :‬لذ فرارا من فوجيا‪ ،‬ال من‬
‫فوجيا نفسها‪ ،‬ولكن من أهل فوجيا)‪.‬‬
‫‪29‬‬

‫‪4‬‬
‫عزيزي برونو‬

‫يف قلب البيازا كامبو دي فيوري ( �ساحة ميدان الزهور ) يقف ن�صب جيوردانو برونو‬
‫يف �صمت وهيبة‪ ،‬يف ذات املكان الذي حتلّق حوله �شرذمة من الغوغاء يف �صبيحة‬

‫ال�سابع ع�شر من فرباير عام ‪1600‬م مل�شاهدة تنفيذ حكم حمكمة التفتي�ش‪.‬‬

‫جرد الفيلسوف المشاغب من ثيابه‪ ،‬وربط لسانه‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫السليط‪ ،‬وشد إلى خازوق من الحديد وأحرق فوق‬
‫كومة من الخشب‪ .‬أثر أنّه خاطب القضاة عندما‬
‫ّ‬
‫«لعلكم ّ‬
‫أشد جزعا من هذا‬
‫تلوا عليه قرارهم قائال‪:‬‬
‫الحكم م ّني أنا الذي ّ‬
‫تلقيته»‪ .‬لم يكن ذنب برونو‬
‫الذي جناه سوى أنّه ذهب مذهب كوبرنيكوس في‬
‫أن األرض ليست مركز الكون كما زعم بطليموس‬
‫وأن البابا ليس مركز األرض‪ ،‬وأن األرض ما هي‬
‫ذرة في فضاء ال متناه‪ ،‬كون ال نهائي ليس له‬
‫إال ّ‬
‫مركز أو محيط تنفث فيه الحياة روح واحدة‪.‬‬
‫وخالف أستاذه قائال‪ :‬أن النجوم (وذلك قبل‬
‫مولد التلسكوب) غير ثابتة وأنّها تغيّر‬
‫مواقعها على الدوام وتساءل ما إذا كان‬
‫هناك نجوم تسكنها كائنات ذكيّة‬
‫فهل مات المسيح من أجلها أيضا‪.‬‬
‫وقال ما أشبه الشعب بالبهيمة‬
‫ّ‬
‫يتحكم‬
‫والحاكم بالطفل الذي‬

‫نصب برونو في ساحة‬
‫ميدان الزهور –روما‬

‫تمثال البابون في روما‬

‫ّ‬
‫يتفضل عليها بالنزر القليل‬
‫بها فيوجّ هها ّأنى شاء بما‬
‫من المال‪ ،‬والذي هو في األصل مالها هي‪ .‬لم يحتمل‬
‫الحاكم البابوي هذا التحريض فأسلم برونو إلى‬
‫محكمة التفتيش بعد أن قبض عليه في البندقيّة‬
‫وذلك بعد أن طاف أوروبا ستة عشر عاما محاضرا‬
‫في أرقى جامعاتها كأكسفورد والسوربون والكوليج‬
‫دي فرانس وحمل بعدها أسيرا في مركبة إلى روما‬
‫وتعرض في عاصمة األنوار إلى الكثير من المهانة‬
‫ّ‬
‫واإلذالل من عبيد البابا ورهطه قبل أن يصدر عليه‬
‫الحكم بالهرطقة والموت حرقا‪ .‬وبعد ثالثة وثالثين‬
‫عاما من هذا التاريخ وخوف لقاء نفس المصير من‬
‫محكمة التفتيش ذاتها وقف الشيخ الكبير جاليليو‬
‫بعد أن أبصر ورأى بمناظيره وعدساته أن الكون‬
‫أكبر ممّ ا يظنّ البابا نفسه وأعلن أمام المحكمة في‬
‫ّ‬
‫أشد الندم على هرطقته وزيف ما‬
‫روما بأنه نادم‬

‫خيّل إليه أنه رآه‪ ،‬وأن كوبرنيكوس ما هو إالّ مدلّس‬
‫كبير‪ .‬أقف أمام النصب الذي أقيم احتفاء بذكرى‬
‫الرجل العظيم‪ ،‬والذي جمعت فيه التبرعات من‬
‫كل أصقاع الدنيا عام ‪1889‬م في قلب ساحة الكامبو‬
‫دي فيوري وأهمس للهيكل الذي ّ‬
‫يلفه صمت ووقار‪:‬‬
‫عزيزي برونو أنت من ألي الفضل إلى ما بلغه الغرب‬
‫من ّ‬
‫تقدم ال بفلسفتك وعلمك فحسب بل بحدسك‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫الشعريّ الذي حيّر الزمان‪ .‬لعلك تأسى أو لعلك تبتسم‬
‫إلى ما بلغناه نحن‪ ،‬فنحن يا سيّدي بعد خمسة قرون‬
‫خلت على رحيلك ما زلنا بسالمة صدر شبيهة‬
‫بغباوة طبع نقسم بأن األرض هي مركز الكون وأن‬
‫المجرات الضخمة ما هي إالّ مصابيح تزيّن صفحة‬
‫ّ‬
‫السماء وما زلنا على يقين راسخ بأن الحاكم الذي‬
‫صاح قائال (على ّ‬
‫حد قولك)‪ - :‬يا أيها الرجال كونوا‬
‫حميرا ‪ -‬هو مركز األرض الذي ندور في فلكه‪.‬‬
‫‪31‬‬

‫‪5‬‬
‫خليج ال�شعراء‬

‫إيطالية ب�أنها تيجان تكلّل هامات‬
‫يف طريقه �إىل جنوه‪ ،‬و�صف برتارك مدن الريفريا ال‬
‫ّ‬
‫الزوردية‬
‫اجلبال املنحدرة �إىل بحار‬
‫ّ‬

‫قال فيها الشاعر الشاب‪ّ :‬‬
‫«إنها أشبه بالسماء منها‬
‫هب إلى تلك الشطآن‬
‫باألرض»‪ .‬فما وسع بايرون إالّ أن ّ‬
‫يجرب فيها مواهبه في العشق والسباحة والشعر‪،‬‬
‫ّ‬
‫فكتب في أحد مغاورها قصيدته «القرصان»‪،‬‬
‫وكذلك شيللى الذي اختار أن يلقى هناك منيّته‬
‫على غرار التراجيديا اإلغريقيّة التي كان مولعا بها‪،‬‬
‫فاحتفظ بنسخة من سوفوكليس وجدت في جيب‬
‫بنطاله عند غرقه‪ ،‬أمّا مونتيل الحائز على جائزة‬
‫نوبل في اآلداب عن عام ‪1975‬م‪ ،‬فقد آثر أن ّ‬
‫يوزع‬
‫أشعاره على أصحاب البقاالت والمحالت وكأنه يعود‬

‫منظر بحري من شرفة شللي‬

‫‪32‬‬

‫الرحلة دي�سمرب ‪2010‬‬

‫بالشعر إلى رحمه األولى‪ .‬ومن كوكبة النجوم تلك‬
‫اش ّتق اسم الخليج‪.‬‬
‫ّ‬
‫يحف بالخليج عقد من القرى أهم ّها وأجملها بورت‬
‫فينيري‪ ،‬وهي مفردة مركبة ومنحوتة من كلمتين‪:‬‬
‫األولى ميناء‪ ،‬واألخرى ربّة الحب فينوس‪ .‬هكذا‬
‫اختار الرومان األوائل هذا المكان الرومانسي منتجعا‬
‫يليق بالربّة‪ ،‬وأقاموا لها معبدا على هامة جبل‪ ،‬ما‬
‫زال ّ‬
‫العشاق منذ القدم وإلى اليوم يسترقون القبالت‬
‫بين صخوره المشرفة على وجهها الكريم‪ .‬وكان‬
‫أهلها يرون أنه عند بوتوفينيري ينتهي العالم‪ .‬ولكن‬

‫معبد فينوس في بورتي فيرني‬

‫نافذة على خليج الشعراء‬

‫‪33‬‬

‫قرية في الشينكوي تيري (األراضي الخمس) في الريفييرا اإليطالية‬

‫‪34‬‬

‫الرحلة دي�سمرب ‪2010‬‬

‫‪35‬‬

‫ر�سم ميثل حرق جثمان ال�شاعر‬
‫الإنكليزي �شللي بح�ضور‬
‫�صديقه بايرون‬

‫الكنيسة سرعان ما استلهمت خطوط حمار وحش‬
‫إفريقي مسحت به ظهر معبد الربّة ونسبته إلى‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫القديس بطرس في ‪1277‬م‪.‬‬
‫واليوم يبدو مثل جرم صغير فقد ذاكرته‪ ،‬وال يسع‬
‫الزائر إالّ الشعور بمغناطيس فينوس الطاغي في ّ‬
‫كل‬
‫مكان‪ ،‬وغياب أي أثر لبخور ّ‬
‫القديس‪.‬‬
‫ثمّ ال سبيزيا‪ ،‬التي كانت يوما ما مدينة تعبق من‬
‫بيوتاتها وأزقتها رائحة البحر والسراخس واألصداف‬
‫والطحالب العالقة على الصخور والتي منحت البحر‬
‫صفاءه الخالص قبل أن تتحوّل الحقا إلى ميناء‬
‫اإليطالي‪ ،‬ففسد‬
‫صاخب‪ ،‬ومركز لألسطول الحربي‬
‫ّ‬
‫بذلك سحرها القديم‪ .‬ولقد أنكرتنا كما أنكرناها‪،‬‬
‫فالميناء واألسطول ملكان قد أفسدا القرية وذهبا‬
‫ببهائها‪.‬‬
‫ومدينة ليرشي‪ ،‬وهي المدينة التي أقام فيها الشاعر‬
‫تحسس موقع القلب في‬
‫بيرسي شيللي‪ ،‬وربما فيها‬
‫ّ‬
‫صدره قبل أن يفقده في رحلته األخيرة‪ .‬كما أقام بها‬
‫الحقا الروائي دي إتش لورنس‪.‬‬
‫ثمّ لوفيرنو التي أبحر منها شيللي في صبيحة يوم‬
‫الثامن من يوليو عام ‪ 1822‬مع زمرة من صحبه ولم‬
‫ّ‬
‫ليريشي‪.‬‬
‫يصل منهم أحد إلى‬
‫مات شيللي غرقا‪ ،‬وعُ ثر على جثته بعد أيام عند‬
‫فياريجيو وقد ّ‬
‫تحللت على نحو جعل بايرون ينفر‬
‫منها فزعا فسبح إلى سفينته البوليفار بعد أن حرق‬
‫جسد الشاعر وانتزع صديقه تريالوني من الجسد‬
‫المحترق القلب‪.‬‬
‫كتبت الصحافة البريطانية بعد أن بلغها نبأ وفاته‪:‬‬
‫طوى الموت شيللي‪ ،‬الشاعر الرقيق‪ ،‬واآلن سيعرف‬
‫‪36‬‬

‫الرحلة دي�سمرب ‪2010‬‬

‫إن كان اهلل هناك أو لم يكن‪.‬‬
‫احتفظت زوجته ماري برماد قلبه‪ ،‬طوال حياتها‪،‬‬
‫وبعد وفاتها دفن مع ابنهما فلورنس شيللي‪.‬‬
‫كان شيللي قد رثى قبل عام من موته بقصيدته‬
‫ّ‬
‫السل في‬
‫أدونيس صديقه كيتس الذي قضى بمرض‬
‫روما‪ ،‬ورحّ ب في مقاطعها األخيرة بالموت‪ ،‬ففي‬
‫الموت راحته ألنه سيلتقي بالميت الحي (كيتس)‪:‬‬
‫نور اهلل يشرق دائما‪ ،‬وظالل األرض تزول‪،‬‬
‫ّ‬
‫والحياة كقبة مزدانة بكثير من الزجاج المعشق‬
‫تلقي ظاللها على شعاع األبدية األبيض فتغير لونه‬
‫ّ‬
‫فيهشمها‬
‫حتى يسحقها الموت‬
‫أيها الموت إن كان هذا ما تطلبه‬
‫فلم تتوانى! لم تتراجع! ولم تحزن قلبي؟‬
‫اآلن‪ ،‬وأكثر من أي وقت مضى‪ ،‬يبدو شيئا نفيسا‬
‫أن تموت‪،‬‬
‫أن تتوقف أنفاسك في منتصف الليل بال ألم‪،‬‬
‫بينما أنت تدفع روحك خارجك‬
‫في نشوة ما بعدها نشوة‪ ،‬وانجذاب يفوق كل وصف‪.‬‬
‫كيف للجنة أن تكون إذا لم تعد فيها بورتو فينو‪،‬‬
‫لن تكون كذلك أبدا‪ ،‬كنت ّ‬
‫أتطلع إلى مينائها والحياة‬
‫تدب فيه‪ ،‬ومن ذلك المكان الذي يشرف عليه‬
‫التي‬
‫ّ‬
‫كنت أرنو إلى سفن صغيرة راسية على الرصيف‬
‫تخرج الحبال من خواصرها إلى قضبان حديدية‬
‫لتثبيتها‪ ،‬وكان المشهد عرسا من األلوان يشعرك‬
‫بأن نبتون يرقص طربا‪ .‬رأيت رجال بقميصه األحمر‬
‫وهو منهمك بجمع القواقع على حافة زورقه‪ ،‬قلت‬
‫لصاحبي وأنا أرمقه‪ :‬ستكون هذه وجبتنا اليوم في‬
‫بورتو فينو‪.‬‬

‫�أ�صفهان‬
‫ن�صف العامل‬

‫مدينة �أ�صفهان يف كتابات‬
‫الرحالة العرب والرتك والإيرانيني‬
‫يف العدد القادم‬

‫الو�صول �إىل زنزانة مانديال‬
‫هنا عا�ش ال�سجني الأكرث حرية يف العامل‬

‫رحلة إلى روبن أيالند ورأس الرجاء الصالح وقمة جبال املائدة‬
‫كتابة وتصوير‪ :‬محسن خالد‬

‫طفلتان سائحتان ترقبان من ّ‬
‫حافة الزورق جزيرة‬
‫روبن قبل بلوغها‬

‫يف مطار كاب تاون‪ ،‬بينما امل�سافرون يعربون يف عجلة‪ ،‬خمطويف البال‪ ،‬خمطوفياللغات والألوان‪ ،‬مزعزعني بني تاريخهم‬
‫ُ‬
‫ا ُمل ّر‪ ،‬وبني جنوب �إفريقيا اليوم‪� ،‬صاحبة �أنزه و�أقيم د�ستور ونظام برملاين‪ُ ،‬‬
‫املخطوف ك ّله‪،‬‬
‫كنت �أعرب بينهم و�أنا‬
‫ُ‬
‫مكر ٌ�س بتمامي لأم�سي الذي َن َفق‪ ،‬قلبي يعدو متعرث ًا فوق‬
‫وك ّل ما اختُطِ ف‪� .‬أح�س�ست بذاك ال�صباح طوي ًال كجدران‪ ،‬و�أنا ّ‬
‫"يزِّ ق‬
‫ذكريات كثرية‪ ،‬احلزن الوجودي الفاتر ُي َلفّعني‬
‫ٍ‬
‫مرة �أح�س�ست بتلك العبارة ال�ساذجة التي تقول‪ :‬مُ َ‬
‫رَّ َ‬
‫كال�شى‪ ،‬لأول ّ‬
‫نياط القلب"‪ ،‬التي كانت ت�ضحكني فيما م�ضى‪ ،‬وحني �أقر�أها متتلئ �أ�شداقي بال�ضحك‪ ،‬وقلبي باملرح‪ ،‬من حالها وحال‬
‫لغتها اله�شَّ ة‪ ،‬مبا�رشة اال�ستجداء للرحمة‪ .‬رحمتك يا رب‪ ،‬ثم رحمتك يا �صباح "�سندي وودز مان"‪.‬‬

‫محسن خالد‬

‫هذا كان حين مغادرتي لمدينة الكاب يوم السبت‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫هبطت في مطارها ببداية‬
‫وكنت قد‬
‫‪ 7‬جانوري‪،‬‬
‫ُ‬
‫الشهر نفسه‪ ،‬حللتها في ضحى غائم‪ ،‬وقلبي ينكت‬
‫كأنّه على موعد عشق‪ ،‬ومن ورائه خلفية خافتة‬
‫وجارية مثل نهر‪ ،‬نحو سمو مرتقب‪ .‬لم أكن أعرف‬
‫بأنني سأصعد مع المتسلقين إلى قمة جبال المائدة‬
‫التي ُتحاصر كاب تاون كمائدة مستديرة‪ ،‬والمدينة‬
‫تت َف َّلت منها هنا وهناك‪ ،‬لتنوجد منافذ وألسنة‬
‫العقة للمحيط األطلسي‪ ،‬من أعلى تلوح تلك المائدة‬
‫ملعوقة لدى جانبين بألسنة من المحيط‪ .‬أعلى القمة‬
‫يُس َّمى "قمة ُ‬
‫ُ‬
‫رأيت السحاب يمور‬
‫األسود"‪ ،‬من هناك‬
‫َ‬
‫قدمي‪ ،‬والبعيد مني أراه فَ َّوارًا‬
‫في مرمى َك ّفي‪ ،‬وبين‬
‫ّ‬
‫يتماوج وينكب أمام الجبال مثل شالل وهمي‪ ،‬أو‬
‫كفتاة فاقعة البياض سندت ظهرها إلى المخفي من‬
‫الصخور‪ ،‬وتركت شعرها تتالعب به ريح الجبال‪.‬‬
‫شوارع المدينة البعيدة من ذلك العلو تلوح كأزقة‬
‫تتعرج هنا وهناك في األسفل‪ ،‬بين المنازل‬
‫صغيرة‬
‫ّ‬
‫البيضاء والطوبية القانية‪ .‬أثناء نزولي من قمة األسود‬
‫ّ‬
‫وتسلق المتر هنا يساوي الكثير من‬
‫بعدة أمتار‪،‬‬
‫‪40‬‬

‫الرحلة دي�سمرب ‪2010‬‬

‫الرعب والحذر والزمن‪ ،‬اجتياز المتر في عرض هذه‬
‫السماء الرحبة والسحاب‪ ،‬ال يساوي شبحة المتر‬
‫ُ‬
‫وجدت شجرة جميلة وظليلة‪ ،‬اختارت‬
‫فوق األرض‪،‬‬
‫ُ‬
‫لنفسها كل تلك الرفعة والخيالء‪ ،‬جلست تحت ظلها‬
‫ألرى المدينة من زاوية محيطة ومهيمنة‪ ،‬وألكتب‬
‫وصفي هذا‪ ،‬أسمي ُتها شجرة السمو العاطفي‪ ،‬فقد‬
‫حملت من جميع جوانبها نقوشًا لمحبين ُكثر رسموا‬
‫بأعينهم وكاميراتهم مشهد مدينة الكاب من هنا‪ ،‬كما‬
‫سجّ لوا أسماءهم في ارتباط الحب بالحفر على جذعها‪،‬‬
‫نقش ليليان لجانب استيوارت‪ ،‬وبيتر مع حبيبته لورا‪،‬‬
‫ُ‬
‫قمت بنقش محسن خالد لجانب سندي وودز مان‪،‬‬
‫الصبيّة البحّ ارة‪ ،‬من باب المرح واالحتفاظ بالمكان‬
‫ُ‬
‫شعرت بوخز مجهولها الدافئ في‬
‫وروح اللحظة‪ ،‬فقد‬
‫قلبي‪ ،‬بينما أنا أنزل مطار مدينة الكاب‪ ،‬وحين كانت‬
‫هي في تلك الساعة لدى المنطقة المعروفة بالووتر‬
‫فرونت ‪-Water front‬الوجه البحري‪ُ -‬تعِدُّ الزوارق‬
‫التي تحمل الناس من لدى بوابة مانديال الشهيرة‪ ،‬من‬
‫حيث يعبرون إلى جزيرة روبن‪ ،‬التي اح ُت ِبس فيها‬
‫مانديال مع معظم مشاهير النضال الوطني في جنوب‬
‫إفريقيا‪.‬‬

‫متحف األكوريم‬

‫قدمت فيها لبوابة مانديال لم أكن أعرف ّ‬
‫ُ‬
‫أن‬
‫في أوّ ل مرة‬
‫متحف األكوريم يجاور البوابة‪ ،‬فالناس يقصدون الوتر‬
‫فرونت ألسباب عديدة‪ ،‬أهمها بالطبع الذهاب لجزيرة‬
‫روبن‪ ،‬وكذلك الخروج في رحالت الصيد‪ ،‬وأيضًا‬
‫لمشاهدة سباقات الزوارق البحرية‪ ،‬أي كان بوسعي‬
‫أن أتوقع وجود متحف التاريخ المالحي لجنوب إفريقيا‬
‫ُ‬
‫تأكدت من ذلك بالذهاب إلى‬
‫بالقرب من هنا‪ ،‬وبالفعل‬
‫ُ‬
‫المتحف‪ ،‬أما متحف األكوريم فقد توقعت أن يكون إلى‬
‫داخل المرسى أكثر‪ ،‬وهو ي َُس َّمى في دعاية تقديمه‬
‫المخصص‬
‫بـ»‪ ،"Two Oceans Aquarium‬أي المتحف‬
‫ّ‬

‫لعرض طبيعية الحياة البحرية بالنسبة لمحيطين‪،‬‬
‫المحيط األطلسي والمحيط الهندي‪ ،‬هذا بالرغم من َّ‬
‫أن‬
‫المتحف يحتوي أيضًا على عرض دقيق لحياة الكائنات‬
‫بداخل نهر لورينز ‪ ،Lourens River‬هنا بالطبع تلعب‬
‫ٌ‬
‫مذهل‬
‫التكنولوجيا واإلمكانيات دورها‪ ،‬فالمتحف شيء‬
‫بالفعل‪ ،‬وتبدأ المخلوقات المعروضة بداخله من ّ‬
‫أقلها‬
‫ضآلة‪ ،‬كالكائنات الرخوة والبدائية‪ ،‬شديدة القرب من‬
‫النباتات‪ ،‬وحتى بلوغ الحيتان الضخمة من فصيلة‬
‫أبي سيف وأبي منشار وجميع أنواع أسماك القرش‪.‬‬
‫بنوع من الت َم ُّيز ُي َن َّوه‬
‫الكائنات الغريبة أو التي تتميز‬
‫ٍ‬
‫إليها في الالفتات اإلرشادية المنتشرة في كل مكان‪،‬‬
‫باإلضافة للشابّات والشبّان األدالء والمتخصصين في‬
‫قيادة الزوّ ار بداخل المتحف‪.‬‬
‫لقد أعجبتني نجوم البحر‪ ،‬التي لم أكن أعرف أنها‬
‫ليست عمياء فحسب‪ ،‬بل هي ُخلقت بدون عيون‪،‬‬
‫ّ‬
‫وأن مياه البحر هي التي تجري بداخل أقنيتها بدل‬
‫الدم‪ ،‬وأنها لخروج أو دخول الطعام إلى أمعائها تقوم‬
‫بقلب تلك األمعاء إلى الداخل والخارج فحسب‪ ،‬وليس‬
‫مخصصة ومعلومة كما هو الحال مع‬
‫عبر منافذ‬
‫ّ‬

‫المخلوقات األخرى‪.‬‬
‫ٌ‬
‫أنواع ش ّتى‪ ،‬منها النجوم الحمراء‪ ،‬والشوكية‬
‫وهي‬
‫ُ‬
‫شاهدت جميع أنواع السرطانات‬
‫‪ .spiny‬كما‬
‫والرخويات األخرى‪ ،‬الذي يصلح لألكل منها والسام‪ .‬أمّا‬
‫أهم نوع َّأثر في من هذه األنواع‪ ،‬وكان الجميع يلتف‬
‫من حول سياجه الزجاجي ليتأمله أو ليصوره أو‬
‫حتى ليرسمه‪ ،‬فالمعرض يستهوي الكثير من الفنانين‬
‫التشكيليين الذين يهتمون برسم األسماك وكائنات‬
‫البحر‪ ،‬فهو سمك الصندوق أو الـ‪ ،Box Jelly Fish‬وهو‬
‫عبارة عن صندوق مربّع بكل دقة وهندسة‪ ،‬من يراه‬
‫يظن أنّه "قيطان" فانوس أبيض‪ ،‬من نوع تلك الفوانيس‬
‫القديمة التي تعمل بالسبيرتو‪ ،‬لوال أنّه في شكل مربّع‬
‫ّ‬
‫المثلث الشكل‪ ،‬ونظرًا لرهافتها‬
‫غير قيطان الفانوس‬
‫وضعفها‪ ،‬كتلك الحلوى التي يسمونها حالوة قطن‪،‬‬
‫وبالفعل تشبه هذه األسماك أن تكون مخلوقة من‬
‫القطن الرهيف للغاية وناصع البياض‪ ،‬أو هي بالضبط‬
‫ّ‬
‫تشكلت من خيوط العنكبوت‪ .‬ولذلك فهي‬
‫تبدو كأنّها‬
‫قاتلة وف ّتاكة للغاية‪ ،‬كحال كل المخلوقات الضعيفة‬
‫والواهية‪ ،‬ال ب ُّد لها أن تت َميّز بأسلحة دمار ال يمكن‬
‫ّ‬
‫صدها‪ ،‬وذلك من أجل الحفاظ على حياتها ومن ثم‬
‫نوعها في الوجود‪ ،‬فهذه الصناديق المصنوعة من‬
‫خيوط العنكبوت مرهوبة للغاية وال يمكن ألي مخلوق‬
‫بحري االقتراب منها إال بحذر مبالغ فيه‪.‬‬
‫ٌ‬
‫جداول ضخمة ومتوسعة في المقارنة بين‬
‫هناك‬
‫المحيطين األطلسي والهندي‪ ،‬األعماق‪ ،‬طبيعة الحياة‬
‫البحرية فيهما‪ ،‬درجات الملوحة‪ ،‬الثروات‪ ،‬الشواطئ‬
‫والثقافات المرتبطة بهما‪ُ ،‬‬
‫وك ُّل شيء يدخل في إطار‬
‫التمايز بين المحيطين كمياه‪ ،‬وكامتدادات لهما خارج‬
‫المياه‪.‬‬
‫كما هناك إطارات لعرض المخلوقات البحرية الجميلة‪،‬‬
‫هنا الجمال ينصب بشكل أساسي على األلوان ثم‬
‫الحقًا تقاطيع الكائن‪ ،‬وتقف سمكة الكالون ‪Clown‬‬
‫‪ Tiggerfish‬على رأس حسناوات األعماق‪ ،‬بألوانها التي‬
‫ال يمكن تصديق درجة نقاءها وتداخلها وتنوعها‪،‬‬
‫مازحني أحد الف ّنانين األمريكان لدى هذه السمكة‬
‫قائلًا‪ :‬هل تعرفني يا رجل‪ ،‬من أي بلد أنت؟ ُ‬
‫قلت ال‬

‫هل تعرفني يا رجل‪ ،‬من �أي بلد �أنت؟ قلتُ ال �أعرفك‪� ،‬أنا من ال�سودان‪ .‬ف�أجابني �أنا �أف�ضل‬
‫ت�شكيلي يف الدنيا‪ ،‬و�أنت ال تعرفني فقط لأنني مل �أكن �أ�ستخدم �ألوان هذه ال�سمكة‪ .‬قلتُ له‬
‫�ضاحكاً‪ ،‬وهل هي حتمل �ألواناً ال ُتوجد باخلارج �أو ي�صعب حت�ضريها؟ �أجابني‪ :‬بل هي حتمل‬
‫�ألواناً جمهولة بالن�سبة يل‪� ،‬أنا مل أ� َر بها ًء كهذا يف حياتي‬
‫‪41‬‬

‫تتعرج‬
‫�شوارع املدينة البعيدة من ذلك العلو تلوح ك�أزقة �صغرية‬
‫ّ‬

‫هنا وهناك يف الأ�سفل‪ ،‬بني املنازل البي�ضاء والطوبية القانية‬

‫في الطريق إلى عمق الجزيرة والمعتقل‬

‫الجوال التي تقدم عروضها في كل‬
‫أحد أعضاء فرق المسرح ّ‬
‫ناحية من بوابة مانديال‬

‫أعرفك‪ ،‬أنا من السودان‪ .‬فأجابني أنا أفضل تشكيلي‬
‫في الدنيا‪ ،‬وأنت ال تعرفني فقط ألنني لم أكن أستخدم‬
‫ألوان هذه السمكة‪ُ .‬‬
‫قلت له ضاحكًا‪ ،‬وهل هي تحمل‬
‫ألوانًا ال ُتوجد بالخارج أو يصعب تحضيرها؟ أجابني‪:‬‬
‫بل هي تحمل ألوانًا مجهولة بالنسبة لي‪ ،‬أنا لم أ َر‬
‫بها ًء كهذا في حياتي‪ .‬بعدها انتقلت ألغرب موضوعة‬
‫في المتحف‪ ،‬وهي األسماك التي تحمل وجوه‬
‫حيوانات معروفة لنا‪ ،‬بكل دقة وتطابق‪ ،‬وليست من‬
‫ٍ‬
‫نوع الموضوعات التي يصنعها التهويل الصحفي‪ ،‬من‬
‫جنس ّ‬
‫أن اسم الجاللة أو الرسول وُ جِ د مكتوبًا على‬
‫ظهر سمكة‪ ،‬أو رأس طفل وأحيانًا السحب تكتب‬
‫في يوم عرفة اسم الجاللة في السماء‪ ،‬وحين تنظر‬
‫إلى الصور ال تجد إال خياالت صاحب الموضوع‪ ،‬هنا‬
‫الحكاية مختلفة كثيرًا‪ ،‬فالسمكة القطة ‪Striped eel-‬‬
‫‪ catfish‬هي هي‪ ،‬بدون مبالغة أو خياالت‪ ،‬وهي تعيش‬
‫في المياه الدافئة من المحيط الهندي‪ ،‬والباسفيكي‬
‫الغربي‪ ،‬وكذلك البحر األحمر نزولًا إلى جنوب إفريقيا‬
‫وحتى ميناء اليزابيث‪ ،‬وتتميّز برقتها لدرجة أنها ال‬
‫تحتمل اللمس‪ .‬وأيضًا هناك أسماك حصان البحر التي‬
‫تطابق بالفعل وجه الحصان ‪ Knysna Seahorse‬وهي‬
‫ال ُتوجد بالعالم كله‪ ،‬إال في منطقة كينيسا التي تحمل‬
‫اسمها ومنطقة سوارتفيلي ‪ Swartvlei‬وشواطئ الكاب‬

‫تحركنا ناحية الجزيرة في الساعة الواحدة من يوم‬
‫الجمعة‪ .‬الجانب األسفل من القارب ُمهَيكل بطريقة‬
‫تشبه مقهى متحركًا‪ ،‬قاعة كبيرة الحجم‪ ،‬وهناك‬
‫تلفزيون يعرض حال المساجين أيام روبن أيالند في‬
‫فتوتها ودورها‪.‬‬
‫ُ‬
‫اخترت أن أكون في الطابق األعلى كي أرى جيدًا‪،‬‬
‫وكي أت َم َّكن من التصوير‪ ،‬وأخذ راحتي في تدوين‬
‫مالحظاتي‪ .‬مكبرات الصوت كانت تزودنا بالمعلومات‬
‫والسرد التاريخي‪ ،‬منذ أن كانت الجزيرة قرية‬
‫عادية وإلى أن استحالت لسجن يضم المجرمين‬
‫ُ‬
‫تذكرت سؤال ذلك‬
‫والسياسيين في بقعة واحدة‪.‬‬
‫اإلنجليزي لي على قمة جبال المائدة‪ ،‬حين قال لي‬
‫َّ‬
‫بأن موقع الجزيرة واضح ومكشوف‪ ،‬فقلت له هذا‬
‫اآلن فقط‪ ،‬ألنه من المسموح لك النظر إلى الجزيرة‬
‫من كل الزوايا‪ ،‬بل ومن قمة رأس ُ‬
‫األسود‪ .‬وبالفعل‬
‫في السابق كان هناك نوع من التعتيم الممارس على‬
‫موقع الجزيرة‪ .‬أما اآلن فيكفيها أنها أصبحت مادة‬
‫للدعاية والسياحة‪ .‬هذه الجزيرة كانت في تاريخها‬
‫القديم جدًا مُجَ َّرد منطقة وادعة بمساجدها وكنائسها‬
‫وتجارها وسُ َّكانها من كل شاكلة ولون وصقع‪ ،‬وإن‬
‫كانت المياه العذبة ُتجلب لها من الخارج‪ .‬الكنيسة‬
‫التي بداخلها بناها الكابتن ريتشارد وولف ‪Captain‬‬
‫‪ Richard Wolfe‬في العام ‪1841‬م‪ ،‬كما هناك كلينيك‬
‫طبي ومدرسة ابتدائية ومسجد وسوبر ماركت‬
‫ً‬
‫ارة‬
‫كبير‪ ،‬أي أنها في السابق كانت تعيش‬
‫حياة قَ َّ‬
‫وطبيعية إبّان العام ‪1657‬م قبل أن ُتحَ وّل إلى سجن لم‬
‫تنقض عجائبه إال في العام ‪1996‬م‪ .‬أثناء تجوالنا كانت‬
‫ِ‬

‫الجنوبية‪.‬‬

‫جزيرة روبن‬

‫ُ‬
‫علي اآلن الذهاب لبوابة مانديال ومنها إلى جزيرة‬
‫قلت ّ‬
‫روبن‪ ،‬وسأعود لالستمتاع بهذا المتحف مرة ثانية‪.‬‬

‫علي الآن الذهاب لبوابة مانديال ومنها �إىل جزيرة روبن‪ ،‬و�س�أعود لال�ستمتاع بهذا املتحف‬
‫قلتُ ّ‬
‫ُ‬
‫اخرتت �أن �أكون يف‬
‫مرة ثانية‪ .‬حتركنا ناحية اجلزيرة يف ال�ساعة الواحدة من يوم اجلمعة‪.‬‬
‫الطابق الأعلى كي �أرى جيداً‪ ،‬وكي �أ َ‬
‫مت َّكن من الت�صوير‪ ،‬و�أخذ راحتي يف تدوين مالحظاتي‪.‬‬
‫‪44‬‬

‫تمثال مانديال‬

‫هناك الكثير من الغزالن البرية تتجول في انسراح‬
‫وحرية تامة‪ ،‬المقبرة أجمل ما أثارني‪ ،‬ألنها تحتفظ‬
‫بمدافن قديمة جدًا‪ ،‬لبحارين وقناصين وقراصنة‬
‫ورهبان ومساجين وقتلة ومناضلين‪ ،‬قساوسة‬
‫وأئمة مساجد من جميع الجنسيات‪ .‬أخذونا للمكان‬
‫الذي كان يعمل فيه مانديال مكسرًا للصخور‪ ،‬ما تزال‬
‫ٌ‬
‫كومة من الحجارة التي كان يعمل عليها مانديال‬
‫هناك‬
‫كأثَارةٍ منه وممن كانوا معه‪.‬‬
‫وكانت إجراءات األبارتيد تعمل مع مانديال دائمًا‬
‫بسياسة العزل‪ ،‬كما ُتحَ ِّرم عليهم الحديث مع بعضهم‬
‫بعضًا‪ ،‬كي ال يكون هنالك تنوير‪ ،‬أو تنظيم وتخطيط ألي‬
‫فعل جماعي‪ .‬كنا محظوظين َّ‬
‫ألن السجين السياسي‬
‫السابق فينسنت ديبا ‪ Vincent Diba‬كان دليلنا‪ ،‬هم‬
‫يتعاقدون مع من بقي حيًا من السجناء السابقين كي‬
‫يشرحوا للزوار والمبعوثين الصحفيين والسياسيين‬
‫ما كان يجري في روبن أيالند‪ ،‬وفنسنت ال تبدو عليه‬
‫الشيخوخة أبدًا‪ ،‬يلوح كرجل في بداية العقد الخامس‬
‫وإن كان مسجونًا منذ العام ‪1923‬م وقضى ‪ 18‬عامًا‬
‫بداخل روبن أيالند‪.‬‬
‫شرح لنا كيف كان يقوم السجناء بتدريس بعضهم‬
‫بعضًا‪ ،‬ثم قادنا لقوائم الطعام التي كانت ُت َقدَّ م للسجناء‪،‬‬
‫ما تزال بطاقة فنسنت كسجين موجودة‪ ،‬وهي مكبّرة‬
‫بحجم واضح ليتم قراءة البيانات من عليها‪ ،‬والجزيرة‬
‫كانت مخصصة للسجناء السود والهنود ومن األجناس‬
‫األخرى غير األوربية فحسب‪ ،‬األوربيون لم يكن‬
‫ٌ‬
‫موضوع كبير‬
‫يتم سجنهم هنا على اإلطالق‪ .‬األكل‬

‫بالنسبة للسجناء طبعًا‪ ،‬وكانت تمرر أجندة السيطرة‬
‫من خالله‪ ،‬فهم ال يعطونهم ما يكفيهم ليكون التفكير‬
‫فيه دومًا‪ ،‬والصراع حوله‪ ،‬ومع الحرمان من الدخان‬
‫يتم تشتيت قدرات السجين الذهنية تمامًا بجعله‬
‫بهيمة ينحصر تفكيرها في متطلبات غرائزها اليومية‬
‫فحسب‪ ،‬ومع الحرمان من الصحف والتلفاز والراديو‬
‫ألجل العزل المعرفي‪ ،‬يكتمل لهم إزالة السجين‬
‫من الوجود‪ .‬ومحو الشعور لديه بالزمن وبالحراك‬
‫والتبدل‪ ،‬فيسقط بذلك العالم الخارجي من اهتماماته‪.‬‬
‫هنا ُتوجد الكثير من العنابر الصغيرة جدًا‪،‬‬
‫فالحال يختلف قليلًا عن بعض أقسام َّتلة الدستور‬
‫بجوهانسبيرغ‪ ،‬الحمّ امات ُتقارب ذلك الوضع المزري‬
‫الذي تحدثنا عنه في خلية مانديال وغاندي‪ ،‬وإن‬
‫تختلف عنه قليلًا لعامل ِك َبر المساحة على الجزيرة‬
‫بالطبع‪ ،‬وضيق المكان في ّتلة الدستور‪ .‬واضح َّ‬
‫أن العنبر‬
‫هنا مصمم ليكون باردًا في الشتاء وحارًا في الصيف‪،‬‬
‫كأكواخ الزنك الحديدية‪ ،‬التي ال ُت َؤثِّر على الطبيعة‬
‫بتاتًا‪ ،‬تقف في تمام مواعيد العطالة والالوظيفة‪ ،‬الحر‬
‫يشعلها ومع البرد ُ‬
‫تثلج‪.‬‬
‫تسأل إمرأة إسبانية فنسنت‪ ،‬الغسيل يا سيد فنسنت‪،‬‬
‫كيف كنتم تغسلون مالبسكم؟‬
‫يقول فنسنت‪ ،‬مع نظرة إلى السحب التي تمر‪ ،‬كنا‬
‫نستخدم ماء المطر في غسل مالبسنا‪ ،‬يشير إلى‬
‫قيعان وأخاديد في األرض السبخة والحمراء‪ ،‬يمكنك‬
‫يا سيدتي أن تستعملي تلك ُ‬
‫الحفرة كطشت غير‬
‫ّ‬
‫مكلف أبدًا‪.‬‬
‫التجوال بين عنبر وآخر غير مُصَ َّرح به‪ ،‬وقطعًا‬
‫ستتلَ َّقى عقوبة صارمة لو ت َن َّقلت بين العنابر‪ُ ،‬‬
‫وتصرف‬
‫لك عشرة أيام من العمل اإلضافي في تكسير الصخور‪.‬‬
‫والزيارة ممنوعة إال نادرًا وفي حاالت استثنائية‬
‫تستوجب منتهى الضرورة‪ ،‬ويتم الترتيب لها بشكل‬
‫صارم ودقيق لدرجة القسوة المهينة والمزرية للزائر‬
‫والمُ زار‪.‬‬
‫ذهب بنا فنسنت بعد ذلك في جولة حول السجن‪،‬‬
‫ُ‬
‫كنت متشوقًا ألرى زنزانة مانديال‪ ،‬يسمونها الخلية‬
‫ُ‬
‫رقم ‪ 5‬وفيها توجد متعلقاته‪ ،‬ذكروا َّ‬
‫بأن الملعقة التي‬
‫كان يستخدمها قد سُ رقت بواسطة أحد السياح‪،‬‬
‫ولذلك أُغلقت "الخلية" وأصبحت متحفًا للحفاظ‬
‫على ما تبقى من متعلقات مانديال‪ .‬هناك البطانية‬
‫التي كانت له‪ ،‬وهي تشبه البطاطين العسكرية جدًا‪،‬‬
‫كوز للشراب ومسند ُم َغ َّبر‪ ،‬الزنزانة تبدو مترين‬
‫الناس هنا ألخذ الصور‪ ،‬فالوقت‬
‫في مترين‪ .‬تدافَع‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫أخذت الكثير من‬
‫المسموح به يشارف على االنتهاء‪،‬‬
‫‪45‬‬

‫الصور بتلكئي المعهود‪ ،‬الدليل ينبهني لكوني ال أُراعي‬
‫القوانين‪ ،‬قلت له‪ ،‬جئت من بالد بعيدة لكي تترسخ‬
‫أؤرخ لها في سجل مذكراتي‬
‫األشياء في رأسي‪ ،‬ولكي ّ‬
‫بكاميرتي‪ ،‬إنني كاتب وما أنا بسائح‪ .‬أخذنا فنسنت‬
‫بعدها إلى الفصل الدراسي الذي كان في السابق ملجأ‬
‫للسجناء‪ ،‬يتدارسون فيه ما سمح السجّ ان بذلك؟‬
‫صاف كان يلفح وجوهنا بينما نحن نخرج إلى‬
‫هواء‬
‫ٍ‬
‫فسحة العنابر الكبرى‪ ،‬كانت هنالك منارة عالية‬
‫للجزيرة‪ ،‬ال تضاهيها في االرتفاع إال تلك األبراج‬
‫ُ‬
‫والح َّراس‪ ،‬الساحة العامة ينتصب‬
‫المخصصة للدرك‬
‫فيها بفخار كولينالي أصيل مدف ٌع كبير كان يستخدم‬
‫في الحراسة‪ ،‬فلم يكونوا يستبعدون أن يتم الهجوم‬
‫على الجزيرة‪ ،‬فمعظم قادة النضال في جنوب إفريقيا‬
‫كانوا بداخلها‪ ،‬وربما يصدرون تعليماتهم لخالياهم‬
‫السريّة بمهاجمتها‪ ،‬لذا فالحراسة على الجزيرة لم‬
‫مجرد طاقم حُ ّراس‪ ،‬أبدًا‪ ،‬بل مليشيا‬
‫يكن يقوم بها‬
‫ّ‬
‫عسكرية كاملة وبكامل عتادها‪.‬‬
‫أذكر أنني في رحلة العودة لمحت فنسنت يجلس‬
‫معنا في الزورق ورائي لم يكن هناك كرسي مجاور‬
‫له‪ ،‬دعوته ليجلس بقربي وأخذت أتحدث معه حول‬
‫السجن والسجناء‪ ،‬أنا شخصيًا شغلتني فكرة الهرب‬
‫من هذه الجزيرة‪ ،‬سألته‪ ،‬هل هناك من فَ َّكر في الهرب‬
‫أو من استطاع ذلك؟‬
‫أجاب نعم‪ ،‬وقاطعني بسؤال من أي بلد قدمت‪ ،‬قلت‬
‫له أنا سوداني وجئت من اإلمارات‪ .‬قال اإلمارات بلد‬
‫ثري‪ .‬قلت له نعم‪.‬‬

‫من داخل سجن مانديال أما الفراش والمغسلة‬
‫والتواليت فهي في زنزانته الشخصية‬

‫‪46‬‬

‫الرحلة دي�سمرب ‪2010‬‬

‫قال َّ‬
‫إن هناك سجينان سياسيان حاوال الهرب‪ ،‬ديفيد‬
‫ستورمان ‪ David Stuurman‬الذي نجح في الهروب ولم‬
‫يُقبض عليه ثانية‪ .‬والنجاح في عملية كهذه ال ب ُّد له‬
‫أن يتم على مراحل‪ ،‬اإلفالت أولًا من حُ ّراس الساحة‬
‫الداخلية للعنابر‪ ،‬ثم من حُ ّراس البوابات الخارجية‬
‫للسجن‪ ،‬وبعدها مرواغة المليشيا العسكرية‬
‫المتخندقة خارج كل ذلك‪ ،‬لتفصل بين مجمل الجزيرة‬
‫ومياه المحيط‪ ،‬قال ّ‬
‫إن المناضل ديفيد أفلت من كل‬
‫هذه الحراسات بالليل‪ ،‬ثم نجح بعدها في المرحلة‬
‫األخطر من كل ذلك‪ ،‬وهي تمضية الليل كله سباحة‬
‫حتى شواطئ مدينة الكاب واإلفالت من الحارس‬
‫الكبير "الغرق"‪ ،‬أما السجين الثاني الذي حاول الهرب‬
‫فهو ماكانا ‪ Makana‬والذي نجح في خداع الحرس‪،‬‬
‫واجتياز كل تلك السياجات والمتاريس‪ ،‬ولكن لم يفلح‬
‫في خداع المحيط األطلسي‪ ،‬فلقي حتفه غرقًا‪.‬‬
‫أضاف بأ َّنه في الثمانينات استطاع أحد المجرمين‬

‫صخور فتتها مانديال خالل فترة األشغال الشاقة‬

‫طربيزة في باحة السجن كانت مخصصة الستخدام ُ‬
‫الح ّراس‬

‫السجناء أن يهرب هو اآلخر من هنا‪ ،‬المسألة ليست‬
‫مستحيلة فحسب‪ ،‬بل الهرب من الكاتارز يبدو مزحة‬
‫مسلية مقارنة بالهرب من جزيرة روبن الشهيرة‪.‬‬
‫هاهنا أمضى مانديال من العمر ما يكفي لوالدة إنسان‬
‫تخرجه من الجامعة‪ .‬معظم‬
‫وعيشه حتى مرحلة‬
‫ّ‬
‫من دخل هذا المكان إما أ َّنه مات من سوء التغذية‬
‫والمعاملة‪ ،‬وإما أنّه أُصيب بالوحشة وانتحر بنفسه‪،‬‬
‫أو أُصيب بكامل الجنون لي ُْلقِي به ُ‬
‫الح ّراس بعدها‬
‫في مياه المحيط‪ ،‬كما قال لي فنست‪ .‬الذي تنفرط‬
‫أعصابه وال يستطيع التماسك‪ ،‬يُلقى في المحيط‪،‬‬
‫هذا قانون معروف هنا‪ ،‬فهم لم يكونوا يعتقدون ّ‬
‫بأن‬
‫األسود يمتلك عقلًا باألساس‪ ،‬لكي يبعث بعدها إلى‬
‫مصحة تستعيده له‪ ،‬والذي ينجو من كل ذلك يموت‬
‫موتًا طبيعيًا بالداخل‪ّ ،‬‬
‫ألن المعتقلين كلهم محكومون‬
‫بالتأبيدة‪.‬‬
‫كعروق للمدينة في‬
‫الحت بوّابة مانديال من بعيد‪،‬‬
‫ٍ‬
‫المحيط‪ ،‬بين َغ َبش المياه والضباب‪ ،‬فما أصدق أنها‬
‫ُ‬
‫تاريخ هذه البالد منطقة ال يلجها‬
‫بوّابة‪ ،‬من هنا ولج‬
‫الزمن نفسه إن لم يكن في صحبة مانديال‪.‬‬

‫قارة السحر والغابة‪ ،‬الخلق والطقس الديني‪ ،‬األقنعة‬
‫ّ‬
‫وكنوز سليمان‪ ،‬ورؤية كورنتها المبذولة بكل‬
‫مجانية التاريخ والبحار‪ ،‬ألمزجة المغامرين الكبار‪،‬‬
‫القراصنة والغزاة‪ ،‬المستطلعين‪ُ ،‬‬
‫وتجّ ار العاج والذهب‬
‫والرقيق‪ .‬قلت إذن لنذهب إلى ما هو أبعد‪ ،‬إلى رأس‬
‫الرجاء الصالح‪ ،‬بالرغم من أنّها دونها المدن والجبال‪،‬‬
‫وتكلفتها تكون مرتفعة جدًا لو حاول الشخص أن‬
‫ُ‬
‫تشاركت نفقات الذهاب مع‬
‫يذهب إليها بمفرده‪ ،‬لذا‬
‫سالي دومينك‪ ،‬صاحبة ذلك الصباح‪ ،‬ليكن رأس الرجاء‬
‫الصالح‪ ،‬وجبال المائدة باألصل هي منتظرة منذ القديم‪،‬‬
‫فل ُتضف النتظارها قليل انتظار‪.‬‬
‫خرجنا في طرق الطبيعة الوعرة وهي تصطرع مع‬
‫التكنلوجيا الوعرة‪ ،‬ورأس المال الوعر‪ ،‬الجسور‬
‫القافزة‪ ،‬الطائرة‪ ،‬الدرابزينية‪ ،‬حتى تخال نفسك تسير‬
‫في عالم مالئكي وبأجمل األجنحة‪ ..‬غاية الجمال‪ُّ ،‬‬
‫كل‬
‫شيء فيه يبدو كالرسم بخطوط ّ‬
‫معلقة في السماء‪،‬‬
‫عندما ارتفعت بنا السيارة من إحدى جوانب جبل‬
‫المائدة أصبح بوسعي النظر إلى المدينة من زاوية‬
‫شاملة وجميلة‪ ،‬توقفنا لنلتقط بعض الصور من ذلك‬
‫ً‬
‫مبهولة في البحر‪ ،‬أو كأنها‬
‫العلو‪ ،‬فبدت منه المدينة‬
‫شفطت البحر إلى حضنها‪.‬‬
‫أمتعنا ذلك الصباح المج ّنح والمعروش بالرذاذ‪ ،‬قبل أن‬
‫نصل إلى مدينة سايمون ‪ Simon’s Town‬التي هي‬
‫أكبر مدينة في تلك األنحاء‪ ،‬نزلنا كي ندخل إلى‬
‫مرسى السفن الضخم الذي يقوم على وجهها البحري‪،‬‬
‫ولكن ُ‬
‫الحراس منعونا من الدخول إلى هناك‪ ،‬غافلتهم‬
‫ُ‬
‫قليلًا والتقطت بعض الصور ليأتي أحدهم ويقول لي‬
‫امسحها اآلن وفورًا‪ ،‬و َم ّد بوزه ناحية الكاميرا مدعيًا‬
‫أنه "بصير" بالتكنولوجيا‪ ،‬فجعلتها ُتصَ ِّوت تصويتات‬
‫مضحكة ألؤكد له أنها لم تمسح الصور فحسب‪ ،‬بل‬
‫أعلنت توبتها عن التصوير‪ ،‬وتطالب بكاهن لالعتراف‪.‬‬
‫هذه المدينة تجذب التشكيليين بجميع ألوانهم‬

‫ر�أ�س الرجاء ال�صالح‬

‫الصباحات دائمًا تشبه أن تكون نسا ًء‪ ،‬في صباح‬
‫سالي دومينك األشقر قليلًا‪ ،‬الصباح البعيد والمعروش‬
‫بالرذاذ‪ ،‬نَ َّسقت لي مديرة ُنزل تويليب مع سائحة‬
‫سويدية من جذور فرنسية للذهاب إلى منطقة رأس‬
‫الرجاء الصالح البعيدة جدًا من الكاب‪ ،‬في نَ ْفس الصباح‬
‫الذي كنت قد ُ‬
‫هيأته لمهمة أخرى‪ ،‬فقد رأيت الجميع‬
‫ال يذهبون من مدينة الكاب دون رؤيتها وتوديعها‬
‫من لدى أعلى قمة في جبل المائدة‪ُ ،‬تعرف برأس‬
‫األسود‪ ،‬ولكن ما كان بوسعي أن أُف ِّوت تلك الفرصة‬
‫ّ‬
‫القارة الغامضة‪،‬‬
‫حافة‬
‫لرؤية رأس الرجاء الصالح‪،‬‬
‫ّ‬

‫‪47‬‬

‫بوابة مانديال كرنفال كبير‪ :‬سباقات زوارق‪ ،‬فرق رقص ومسرح‪ ،‬معارض‪ ،‬سحرة‪ ،‬وسيّ اح من كل أنحاء العالم‬

‫ّ‬
‫المتسلقة‬
‫وحركاتهم لهدوئها وجمال طبيعتها‪ ،‬البيوت‬
‫كما يمكن تسميتها‪ ،‬تبدو كنباتات زاحفة قامت‬
‫بتس ُّلق الصخور والمرتفعات‪ ،‬التشكيليون يأتونها من‬
‫َ‬
‫أرجاء متفرقة من الدنيا ومن داخل جنوب إفريقيا‪،‬‬
‫هناك مشاغل ومعارض فنون كثيرة جدًا‪ ،‬قمنا بزيارة‬
‫واحد من أهمها تمتلكه سيدة لطيفة ومح ّنكة في‬
‫آن‪ ،‬معرضها تشارك فيه كمية كبيرة من الفنانين‪،‬‬
‫اشترت منها سالي دومينك تمثالًا جميلًا وغاليًا‪،‬‬
‫بعدها اتجهنا ناحية رأس الرجاء الصالح مباشرة‪،‬‬
‫نَ ْفس طرق المرتفعات المتعرجة والخضراء‪ ،‬تلتف‬
‫من حول الهضاب وتتخللها‪ ،‬بعد مسيرة معقولة‬
‫أخرى‪ ،‬أصبح الطريق يكتظ بالسيارات ف َن َّبهنا السائق‬
‫إلى أننا قد اقتربنا‪ ،‬وبالفعل أخذنا نرى قوافل وقواطر‬
‫والرحالين والمغامرين يملؤون فسحة الوادي‬
‫السياح‬
‫َّ‬
‫َ‬
‫عُ‬
‫لو المرتفعات‬
‫الرياضية‬
‫بمالبسهم‬
‫نون‬
‫و‬
‫ُل‬
‫ي‬
‫و‬
‫الرحيب‪،‬‬
‫ِّ‬
‫َّ‬
‫نحو النقطة المأكولة في جنبة الجبل‪ ،‬تلك القرمة‬
‫الشهيرة للمنطقة التي يتحَ دَّ د بها رأس الرجاء الصالح‬
‫فوق قمة الجبل‪ ،‬ما كنا نراها في الصور ُ‬
‫والخ َرط‪.‬‬
‫هــاهو يا ربي‪ ..‬المنعـــرج أو الكـــورنر التي التف مــــن‬
‫حولها العمالقة وجوابو البحار العظماء‪ ،‬أمثال "ماركو‬
‫بولو"‪" ،‬ماجالن"‪" ،‬فاسكو داغاما" ورفيقه "ابن ماجد"‪،‬‬
‫‪48‬‬

‫الرحلة دي�سمرب ‪2010‬‬

‫واألدميرال جينج خه الصيني المسلم‪ ،‬الذي جاب مياه‬
‫كوننا في أضخم آرمادا تبجّ ح بها التاريخ المالحي‪.‬‬
‫الدراجات تعين الناس‬
‫أوّ ل ما تلمحه موقعًا الستئجار ّ‬
‫ّ‬
‫التسلق‪ ،‬وإن رأينا ّ‬
‫أن الدراجات ستكون مرهقة‬
‫في‬
‫ّ‬
‫أكثر من السير على األقدام‪ ،‬كما أنك تستخدمها لمسافة‬
‫صغيرة بعدها يستحيل االعتماد عليها‪ ،‬اتفقنا على ذلك‬
‫ثالثتنا‪ ،‬السائق وسالي وأنا‪ .‬رك ّنا السيارة وانطلقنا في‬
‫المرتفعات التي تمتلئ ببشر من كا َّفة أنحاء الدنيا‪.‬‬
‫كلهم يقصدون رأس الجبل لبلوغ تلك "الق ِْر َمة" الشهيرة‬
‫من جبل نقطة رأس الرجاء الصالح‪ ،‬التي تراها من‬
‫األرض معيّنة بمحطة ضخمة أسفلها قليلًا‪ ،‬أما النقطة‬
‫نفسها فهي تشبه أبراج المراقبة المعروفة‪ ،‬وإن كانت‬
‫مستديرة‪ ،‬ومسيّجة لحجب الناس عن الهاوية التي‬
‫تحيطها من الجوانب كلها‪ ،‬من ذلك العلو ترى السفن‬
‫العمالقة مثل سفن أطفال ورقية‪.‬‬
‫ّ‬
‫تتقدم ألكثر من عشرة أمتار دون أخذ‬
‫ال تستطيع أن‬
‫راحة‪ ،‬أخذ السائق يمضغ عُ شبة التقطها من األرض‬
‫تشبه عُ شبة "التمليكة" السودانية كثيرًا‪ ،‬وإن هي‬
‫أخشن منها‪ ،‬سألته عنها‪ ،‬فقال ّ‬
‫ُ‬
‫إن اسمها سورفيكز‬
‫‪ ،Sourfigs‬سألته سالي باستغراب هل تأكلونها هكذا‪،‬‬
‫قال ال‪ ،‬ولكن تلك طريقته هو في أكلها‪ ،‬أما بالنسبة‬

‫لآلخرين فهم يطبخونها مع الصوص واللحم‪ .‬منظر الناس‬
‫في ذلك الضباب وبين الخضرة بمالبسهم الملوّنة‪ ،‬بدا‬
‫فاتنًا ومنغمسًا في المرح ألبعد الحدود‪ ،‬لم ّ‬
‫يهزني‬
‫ٌ‬
‫مشهد مثله إال حينما مررت ببحيرة بروما في قلب‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫مدينة جوهانسبيرغ ورأيت حشودًا من الناس يصَ لون‬
‫بين األشجار وعلى الحشائش‪ ،‬في ثياب بيضاء كلهم‪،‬‬
‫القساوسة يخطبون‪ ،‬ف َِرق اإلنشاد الديني ُترتّل‪ ،‬مثل‬
‫هذه المشاهد تجعل اإلنسان فخورًا بنفسه وبالطبيعة‬
‫في آن‪ .‬هكذا هم جعلوا من الطبيعة الخضراء كلها‬
‫كنيستهم‪.‬‬
‫واصلنا في زحفنا ذلك ألكثر من ساعة ونصف‪،‬‬
‫حتى بلغنا المحطة بقرب النقطة النهائية‪ ،‬هنا أقاموا‬
‫بناءات مسيّجة ومكاتب تعطي الكثير من المعلومات‬
‫عن رأس الرجاء الصالح‪ ،‬باإلضافة لمحطة صغيرة آللة‬
‫الفنكيلور ‪ Funicular‬إذ يسمونها‪ ،‬أي ترولي الجبال‬
‫الذي يسير بالحبال الكهربائية المُ َع َّلقة‪ ،‬فالناس الذين‬
‫ّ‬
‫التسلق يركبونه‪ ،‬وهناك من يركبه‬
‫ال يستطيعون‬
‫ألجل المرح واالستمتاع بركوبه‪ .‬كما يُوجد مطعم‬
‫صغير وبار محشوران بين الصخور وجذوع الشجر‪.‬‬
‫ُ‬
‫يلهث وتحت‬
‫كل من يمر بك قريبًا من القمة تجده‬
‫مطر من العرق‪ ،‬ولكن نسبة لهواء المرتفع المنعش‪،‬‬
‫بمجرد جلوسك ّ‬
‫عدة دقائق على صخرة أو بنش‪،‬‬
‫ّ‬
‫تستجمع طاقتك فورًا وتفارق بلل العرق‪ ،‬المكان ملئ‬
‫ّ‬
‫التسلق‪.‬‬
‫بالبنشات كي يستجم عليها الناس من عناء‬
‫بعد عشر دقائق أخرى "بلغنا َو ْقع الصوت‪ ،‬ووقوع‬
‫الخالص‪ ،‬خارجًا‪ ،‬هنا يجري تأمل الشرنقة وهي‬
‫تختفي" كما يقول الشاعر نوري الجَ ّراح‪ .‬االزدحام لدى‬
‫القمة ونقطة النهاية كان مزعجًا‪ ،‬ال يمكن للناس كلهم‬
‫الدخول في لحظة واحدة‪ ،‬والطريق الذي تدخل منه ال‬
‫يمكنك أن ترجع عبره ّ‬
‫ألن الناس يسيرون من خلفك‪،‬‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫محدد بعالمة كالصليب‪ ،‬والهواية تحيطها من‬
‫النقطة‬
‫الجهات األربع‪ ،‬لذلك سوّروها بجدار صخري مرتفع‪،‬‬
‫كي ال ّ‬
‫يفكر أحد في التجوّل خارج حدود نقطة‬
‫في بأن ال‬
‫النهاية‪ ،‬أما أنا فلم يردعني صياح الناس ّ‬
‫أقفز من فوق الجدار الصخري‪ ،‬لقد جئت من أقصى‬
‫وعلي أن أنظر إلى المحيط من هنا‪ ،‬وليس من‬
‫الدنيا‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ودسست نفسي بإحكام بين‬
‫صور الهيلكوبتر‪ ،‬فعلتها‬
‫صخرتين ثابتتين‪ّ ،‬‬
‫ألن الهواء خارج الجدار كان قويًا‬
‫جدًا‪ ،‬ثم أخرجت كاميرتي ألسجّ ل تلك اللحظة التي‬
‫ربما ال تتكرر ثانية‪ ،‬فالشاعر محمد أحمد السويدي‬
‫لن ُي َب ِّدد أمواله كلها على رحالتي‪.‬‬
‫لو بقيت بداخل الجدار لن يسمح لك تزاحم الناس‬
‫بأكثر من خمسة دقائق‪ ،‬أما في مكاني الخاص ذلك‬

‫الذي اشتري ُته بمجازفتي فقد بقيت ألكثر من ربع‬
‫ساعة‪ّ ،‬‬
‫ألن الهواء أخذ يشتد‪.‬‬
‫هبطنا مرة ثانية وتجوّلنا بين شعاب الجبل والحشائش‪،‬‬
‫ّ‬
‫التسكع في الطبيعة طاقة مجانية للروح دون شك‪،‬‬
‫أخذ نهارُ نا يجفل بعيدًا‪ ،‬ومعه الحماسة والنشاط‬
‫الصباحيين‪ ،‬أفواجٌ تصل وأفواجٌ تغادر‪ ،‬زحفنا مرة ثانية‬
‫ناحية األرض‪ ،‬لنرتاح قليلًا في المطاعم واالستراحات‬
‫المقامة بأسفل قمة رأس الرجاء الصالح‪ .‬ثم انطلقنا‬
‫إيابًا من جديد‪ ،‬لنمر بمدينة سايمون ثانية‪ .‬قررنا‬
‫سالي وأنا زيارة المدينة األشهر في هذه األنحاء‪ ،‬ثم‬
‫أجرينا اتفاقًا جديدًا مع السائق ل ُي َغ ِّير طريقه ويأخذنا‬
‫إلى مدينة ستيلن بوش ‪ ،Stellen Boasch‬مدينة النبيذ‪،‬‬
‫والتي تبعد قليلًا عن طريقنا األول‪ .‬ولكم يشبه مدخلها‬
‫مدخل فيلم الموسيقار راي شارلز‪ ،‬الذي يبدأ بالزجاج‬
‫المُ َع َّلق في األشجار تمرجحه الريح‪ ،‬نَ ْفس المشهد هنا‪،‬‬
‫األشجار تمتلئ بالقناني المُ َع َّلقة‪ ،‬ما جعل ذلك الفيلم‬
‫يقفز إلى رأسي فور دخولنا المدينة‪ ،‬التي هي مزرعة‬
‫تتكون من مئات المزارع الصغيرة لصناعة‬
‫عمالقة‬
‫َّ‬
‫النبيذ الجنوب إفريقي الشهير‪ ،‬وتعتبر من أبرز معالم‬
‫السياحة في جنوب إفريقيا‪ .‬الناحية التي جئناها منها‬
‫تعتبر بمثابة المعرض أو السوق الذي‬
‫هي ناحية‬
‫ُ‬
‫يعرض فيه أصحاب المزارع والشركات منتجاتهم‪.‬‬
‫اختاروا له مكانًا دافئًا يجاور بحيرة كبيرة وإن هي‬
‫أصغر حجمًا من بحيرة بروما في جوهانسبيرغ‪.‬‬
‫البحيرات هنا وأنواع النبات هي التمايز الوحيد الذي‬
‫القارة اإلفريقية لدى آخرها بجنوب‬
‫يقف بين طبيعة‬
‫ّ‬
‫إفريقيا‪ ،‬وبين أوّ لها في بلدان المغرب تونس والجزائر‬
‫والمغرب األقصى‪ ،‬أما ناحية الهضاب القصيرة بداخل‬
‫المدن وطبيعة ولون األرض فمتطابقة كما ّ‬
‫تقدم‪.‬‬
‫أُقيمت مراوح ال حصر لها فوق جداول صغيرة من‬
‫البالستيك يجري فيها النبيذ‪ّ ،‬‬
‫"وأنهار من‬
‫تذكرت اآلية‪:‬‬
‫ٍ‬
‫طقس‬
‫َخ ْم ٍر ل َ َّذةٍ للشاربين"‪ ،‬وإن كان الهدف منها هنا‬
‫ٌ‬
‫غريب‪ ،‬فهذه المراوح تدفع بهوائها من خالل مواسير‬
‫يتسرب منها النبيذ في رفق‪ ،‬ليكون له رذاذ‬
‫صغيرة‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ليتنفحوه بأيديهم و ُي َع ِّرضون‬
‫وغبار م ُْسكِ ر‪ ،‬يأتي الناس‬
‫وجوههم له‪ ،‬كما نفعل بأعواد البخور وروائحها‪.‬‬
‫هي مدينة باخوس بتفوّق‪ ،‬تجوّلت لجوار البحيرة التي‬
‫ُ‬
‫رأيت فيها من الطيور المائة أنواعًا غريبة جدًا‪ ،‬تتسم‬
‫بمالمح تشبه طيورًا تأتينا في مواسم الصيف عادة‪ .‬لم‬
‫أستطع االقتراب منها وتصويرها لطبيعة الشط الزَّ لِق‬
‫للبحيرة‪ ،‬تناولنا غداءنا هناك والشمس تلمع باحمرار‬
‫مغيبها‪ ،‬ثم غادرنا مدينة أبي نواس ناحية الكاب تاون‬
‫من جديد‪.‬‬
‫‪49‬‬

‫ت�شـــيــلــي‪ :‬رَ‬
‫�شيط القاع بني الآنديزْ واملحيط‬

‫الرحلة ال�سماوية يف �أر�ض الرباكني‬

‫« م�سكني َم ْن ال ي�سافر‪ ،‬لأنه ميت»‬

‫ـ بابلو نريودا ـ‬

‫خليل نعيمي حائز على «جائزة ابن بطوطة للرحلة املعا�رصة » لعام ‪ ٢٠٠٦‬التي مينحها املركز‬
‫العربي للأدب اجلغرايف «ارتياد الآفاق»‪ ،‬عن كتابه «قراءة العامل»‪ .‬له يف �أدب الرحلة العديد من‬
‫امل�ؤلفات بينها‪« :‬خم ّيلة الأمكنة‪ :‬من نواك�شوط �إىل ا�ستانبول»‪« ،‬كتاب الهند‪ :‬احلج �إىل هاري دوار»‬

‫كتابة خليل النعيمي‬
‫هذا النص عن التشيلي لروائي وجراح من البادية السورية مقيم‬
‫في باريس منذ ربع قرن‪ ،‬وهو رحالة عتيد يتجول في العالم‬
‫بأكبر قدر من الحرية الفكرية والروحية‪ .‬تجربة النعيمي تفصح‬
‫(وتضمر بطبيعة الحال) غنى فكريًا ورؤيويًا غير مسبوق في أدب‬
‫الرحلة الحديث المكتوب بالعربية‪ ،‬وهو عندي نموذج للرحالة‬
‫الحديث المثابر على السفر وكتابة اليوميات ونشرها‪ ،‬ولكن‬
‫الساخر أيضًا من فكرة االكتشاف الجغرافي‪ ،‬والمتطلع إلى المكان‬
‫واإلنسان بوصفهما كينونة متصلة‪ ،‬وإلى الذات واآلخر بوصفهما‬
‫الصوة الكاملة للكائن‪ .‬ولعل ابرز ما يشغل النعيمي حقًا هو‬
‫اإلنسان وجوده الفردي وحياته االجتماعية وأثره الحضاري في‬
‫عالم مدهش الجمال‪ ،‬ولكنه قاس وغير رحيم بالبشر‪.‬‬
‫يوميات رحالته التي شملت أربع قارات؛ ذات اللغة الكثيفة‪،‬‬
‫والمطبوعة بتلك النزعة الرؤيوية‪ ،‬لعلها أن تنطق عن هواه‬
‫كرحالة يجرب أن يقبض بكلتي يديه على ماء العالم‪ .‬وخطواته‬
‫جاست العالم جبلًا وسهلًا قرية ومدينة‪ ،‬بدوًا وحضرًا‪ ،‬بحرًا‬
‫وصحراء‪ ،‬وتنفست رئتاه هواء الكوكب في صباحات وأماسي‪،‬‬
‫تحت سماء مفعمة بزرقة الوجود‪ .‬فالرحالة الشرقي هذا ال‬
‫يسافر ليرى العالم بعينيه‪ ،‬وحسب‪ ،‬وإنما بقلبه أولًا‪ ،‬كما يفعل‬
‫الصوفي السارح في هيام مع المطلق ومخيلة بصيرة‪.‬‬
‫مع هذه الرحلة إلى ارض التشيلي ارض البراكين كأني بالكاتب‬
‫يقول‪ :‬أما وقد اك ُتشف العالم منذ قرون وقرون‪ ،‬فلم يبق علينا‪،‬‬
‫نحن البشر إال أن نرى العالم بعيون الشعراء‪ ،‬ليمكننا أن نكتشف‬
‫القارة االخيرة‪ :‬اإلنسان‪.‬‬

‫خليل النعيمي في صحراء ''آتاكاما'' التشيلية‬

‫‪52‬‬

‫الرحلة دي�سمرب ‪2010‬‬

‫‪53‬‬

‫�أقف يف �ساحة الق�رص‪ ،‬طوي ًال‪ .‬حويل جمهور �صامت‬
‫ومت�أ ّثر �إىل حد البكاء‪ .‬ومثلهم �أنا‬

‫لنحَ ِّلق اآلن‪ ،‬في الفضاء‪ .‬في فضاء الكون المليء‬
‫باألالعيب‪.‬‬
‫يطول الليل كثيرًا بين « باريس» و «سانتياغو»‬
‫حتى ليكاد يتضاعف‪ .‬وفي الصبح نرى الجبال‪ .‬جبال‬
‫عمالقة ُّ‬
‫تحد شريط األرض الطويل الهابط من «‬
‫البيرو» حتى « أرض النار»‪.‬‬
‫أرضي محصور بين سالسل‬
‫« التشيلي» شريط‬
‫ّ‬
‫جبال «اآلنديز» المقدسة‪ ،‬وبين المحيط الهاديء‪،‬‬
‫بطول ‪ ٤٥٠٠‬كم تقريبًا‪ .‬و« أرض النار» هي أسفل‬
‫نقطة في القطب الجنوبي‪ .‬إنها « تشيلي» بالد‬
‫العجائب واألساطير‪.‬‬
‫أرضي مخيف من شدة الجمال‪ ،‬ينحدر من‬
‫شريط‬
‫ّ‬
‫أعالي الكرة األرضية إلى أسفلها‪ ،‬متجاوزًا «مضيق‬
‫ّ‬
‫ماجال ْن» إلى الجنوب‪ ،‬إلى أغرب نقاط الكوكب‬
‫األرضي‪ ،‬حيث الهنود األوائل كانوا يشعلون نيرانهم‬
‫مساء للتقرب من آلهة « اآلنديز»‪ ،‬ممّا جعل «‬
‫ماجالن» يعتقد أن النار تنبجس من القاع ‪ :‬تلك هي‬
‫«التشيلي»‪.‬‬
‫سالسل جبال « اآلنديز» العمالقة‪ ،‬تبدو وكأن‬
‫سطح األرض ال يكفيها عُ ْرضًا‪ ،‬ولذا فهي تتطاول‪،‬‬
‫وتَـ ْنـ َم ُّ‬
‫ـط‪ ،‬من أعلى إلى أسفل‪ ،‬حاضنة شريط األرض‬
‫المسكين‪ ،‬المُ ْـل َتمّ على نفسه‪ ،‬لتقدمه ُ‬
‫«ق ْربانًا»‬
‫لتهدئه‪ ُ ،‬م َم ِّهدة‪ ،‬هكذا‪ ،‬للسيطرة األزلية‬
‫للمحيط ِّ‬
‫عليه‬
‫(المحيط الهاديء)‪.‬‬
‫خدعوا الهنود‪.‬‬
‫خدعوهم عندما وصلوا على خيولهم‪.‬‬
‫وقد كان الهنود يعتقدون‪ ،‬حسب مزاعم الغزاة‪،‬‬
‫بأن آلهتهم بيض‪ ،‬ويمتطون الخيل‪ .‬ولكن‪ ،‬من أين‬
‫جاءتهم فكرة ال معقولة كهذه‪ ،‬وهم على العكس من‬
‫ذلك؟ ّ‬
‫لعل االسبان ال ي َْصدقون فيما ي َْـروون‪ .‬على‬
‫أي حال‪ ،‬براءة الهنود العفوية‪ ،‬وطبعهم المسالِم‬
‫بالفطرة‪ ،‬وغياب مفهوم التوسّ ع والعبودية لديهم‪،‬‬
‫وكلها ِق َيم إنسانية خالصة‪ ،‬إضافة إلى أنهم يجهلون‬

‫تمامًا «مفهو تراكم الثروة» حتى ولو حساب قتل‬
‫اآلخرين‪ ،‬هو الذي خدعهم باألحرى‪.‬‬
‫يقول مؤرخو االسبان إن الهنود استقبلوهم مهللين‬
‫فرحين بقدومهم‪ ،‬وكأنهم هبطوا من السماء!‬
‫(والمقصود في الحقيقة ‪ :‬من أعالي جبال اآلنديز‬
‫ّ‬
‫متمكن من ال‬
‫المقدسة‪ ،‬ألن مفهوم السماء غير‬
‫شعور الهندي‪ .‬وهو ما يفضح التفاوت العميق بين‬
‫الديني عند االسبان‪ ،‬وبين الطبيعي عند الهنود‪.‬‬
‫ويجعلنا ُن َخ ِّمن بسهولة عمق ال َت ْلفيق والكذب عند‬
‫أرخوا لهذه الفترة من األوربيين)‪ .‬ويضيف هؤالء‬
‫َم ْن ّ‬
‫المؤرخون أن الهنود منذ أن اكتشفوا الخدعة‪،‬‬
‫وعرفوا الطبيعة العدوانية للقادمين‪ ،‬قاوموهم‬
‫بعنف‪.‬‬
‫وأتصوّر أن هذا« العنف» المزعوم‪ ،‬وهو بالتأكيد‬
‫نسبي و «بدائي» عند الهنود‪ ،‬كما هو حال العنف‬
‫« الفلسطيني» اليوم‪ ،‬كان مبررًا إلبادة الهنود‬
‫واالستيالء على أرضهم‪.‬‬
‫ومنذ أن استقر لهم الحال‪ ،‬بنى اإلسبان «‬
‫سانتياغو» لتكون عاصمة للبالد‪ .‬بنوها في البدء‬
‫على جزيرة صغيرة وسط النهر الذي يمر بها‪ .‬وأول‬
‫ما ُ‬
‫أفعله‪ ،‬عندما أصل إليها‪ ،‬هو الذهاب لزيارة «‬
‫ال مونيدا»‪ :‬القصر الجمهوري الذي ُقتِل فيه «‬
‫سلفادور أليندي»‪ .‬أمام القصر التاريخي‪ ،‬الذي أصبح‬
‫تاريخيًا باألحرى‪ ،‬يقوم تمثاله المهيب‪ ،‬وعليه َم ْرقوم‬
‫قوله األخير‪ « :‬إنني مؤمن بتشيلي‪ ،‬وبشعبها»‪.‬‬
‫كلماته األخيرة‪ ،‬هذه‪ ،‬قالها في راديو تشيلي‪ .‬وأطلق‬
‫النار‪.‬‬
‫أقف في ساحة القصر‪ ،‬طويلًا‪ .‬حولي جمهور صامت‬
‫ومتأثّر إلى حد البكاء‪ .‬ومثلهم أنا‪ .‬ال أحب العاطفة‬
‫الجيّاشة عندما أكون «غريبًا»‪.‬أصمد أمام دموعي‪،‬‬
‫هذه المرة‪ ،‬وأنا أقول ‪ :‬سأعود إلى هنا‪ ،‬مرة أخرى‪،‬‬
‫عيني للحظات‪ ،‬استعيد‬
‫وحدي‪ .‬أقول هذا وأُ ْغمِض‬
‫َّ‬
‫خاللها وقت الهجوم في «دمشق»‪.‬‬
‫مقابل القصر يقع الفندق الذي صار هو اآلخر‬
‫من معالم «سانتياغو»‪ ،‬الفندق الذي منه صَ َوّر‬
‫قصر المونيدا حيث أغتيل الرئيس أليندي‬

‫‪54‬‬

‫الرحلة دي�سمرب ‪2010‬‬

‫‪55‬‬

‫�سمى اليوم‬
‫يف ‪ ،١٥٢٠‬كان «ماج ّال ْن» �أول َم ْن وطئ �أر�ض ما ُي ّ‬
‫بــ« ت�شـــيلي»‪ ،‬وقد و�صلها بعد عدة حماوالت فا�شلة‪.‬‬

‫ّ‬
‫يتكدسون فيه‪ ،‬وقائع الهجوم‬
‫الصحافيون األجانب الذين كانوا‬
‫البربري على «أليندي» وحاشيته‪ .‬وعندما أدرك « أليندي»‬
‫مصيره المُ فجع‪ ،‬طلب من أهله‪ ،‬أن يغادروا القصر‪ ،‬ألنه يريد‬
‫اإلذاعي‬
‫أن يظل وحيدًا بعض الوقت‪ .‬كان يريد أن يم ّهد لخطابه‬
‫ّ‬
‫ـن يعرف أنه سينتصر بعد قليل‪.‬‬
‫األخير‪ ،‬وأن يلقيه بشجاعة َم ْ‬
‫وإن كان هذا الــ«قليل» بعيدًا‪ .‬وأي أهمية لزمن ال يحمل‬
‫موقفًا وال سلوكًا جديدًا‪ .‬يومها‪ ،‬يوم قتله‪ ،‬ألقى خطابه الشهير‪،‬‬
‫المحفورة كلماته األخيرة على التمثال‪ ،‬والتي ال زال صداها ُ‬
‫يرنّ‬
‫في عيون التشيليين الذين كنت أراهم ساهمين‪ ،‬وكأنهم يقرأون‬
‫الوقت‪.‬‬
‫اآلن سيأخذوننا إلى « ساحة األسلحة»‪ ،‬والدليل يحكي‪ “ :‬أنظروا‬
‫إلى اليمين‪.‬القصر العربي األندلسي‪ .‬بنى على طراز قصر الحمراء‬
‫في أسبانيا‪ .‬وهو اليوم متحف للفنون”‪ .‬ويتابع الدليل ‪ “ :‬أنظروا‬
‫حولكم‪ .‬هل ال حظتم غياب نمط معماري موحد في سانتياغو” ؟‬
‫ويضيف مشمئزًا ‪ “ :‬من السهل أن يالحظ الزائر ذلك وسط هذا‬
‫االمتزاج العشوائي الصاخب للعمارة هنا”‪ .‬ويتابع بحماس ‪ “ :‬أنظروا‬
‫هناك‪ ،‬على اليمين‪ ،‬في أفق النظر‪ ،‬البيت الجميل األحمر هو أول‬
‫بيت بُني بعد اإلستقالل عام ‪ .١٨١٠‬وه أجمل دار في سانتياغو‪،‬‬
‫كلها”‪.‬‬
‫وبالفعل يبدو القصر عندما نقترب منه ‪ :‬جميلًا‪ ،‬رائعًا‪ ،‬وعلى‬
‫نمط العمارة الكولونيالية‪ .‬أُ ّ‬
‫فكِ ر‪ .‬ويقطعني صوت الدليل من‬
‫جديد‪ “ :‬نحن اآلن في مركز المدينة‪ .‬وكما رأيتم فإن البساطة‬
‫والفقر هما السائدان”‪ .‬وبعد لحظة صمت أمام المشهد المحزن‪،‬‬
‫يتابع ‪ “ :‬على العكس من أوربا‪ ،‬هنا يسكن البسطاء وذوو الدخل‬
‫المحدود في مراكز المدن‪ .‬واألثرياء يذهبون بعيدًا‪ ،‬يختبئون‬
‫يحرضنا‪ .‬ولكن‪ ،‬كيف‪،‬‬
‫في قصورهم‪ ،‬وال يراهم أحد منا”‪ .‬أحسه ِّ‬
‫وبأية وسيلة‪ ،‬يمكن لإلنسانية أن تحقق المساواة؟‬
‫«وسط المدينة» فقير‪ ،‬قريب من القلب‪ ،‬وكثير األلوان‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫سيتأفَ ُف من مشهد كهذا‪ ،‬أكاد أعرفه‬
‫لست أنا الذي‬
‫والفقاعات‪.‬‬
‫مغمض العينين‪ ،‬أنا الذي تَلَ َوّعْ ُ‬
‫ت صغيرًا بما هو أشنع منه‪ .‬أنا‪،‬‬
‫َ‬
‫والنظر‪ .‬أستدير إلى‬
‫في الحقيقة‪ ،‬في مقامي‪ .‬وأُطيل التأمّل‬
‫الجهات جميعًا‪ .‬أريد أن أشتمل بكل ما يمكن للعين أن ترسله‬
‫إلى القلب‪ .‬أحاول أن أُدرك كيف تتماثل أقطاب اإلنسانية رغم‬
‫افتراقها الكبير‪ .‬كيف يحس الكائن الذي لم يسعفه الحظ بأن‬
‫ي ًَت ّ‬
‫خلَص من بؤسه القديم‪ .‬أريد‪ ،‬ويريد الدليل شيئًا آخر‪ .‬وأفترق‬
‫فوهة بركان خامد لكن ماءها يحترق‬

‫‪56‬‬

‫الرحلة دي�سمرب ‪2010‬‬

‫‪57‬‬

‫عنهم‪ .‬أصير وحيدًا في جسدي‪ ،‬عديدًا في مشاعري‬
‫وارتكاساتي‪.‬‬
‫في « ساحة الجيوش»( بالزا دي آرماس)‪ ،‬أجد مقهى‬
‫صغيرًا‪ ،‬خاتلًا في الزاوية‪ .‬أجلس فيه على َو َجل‪.‬‬
‫أطلب القهوة بالحليب‪ .‬وأدع نفسي تتأمل العابرين‬
‫بحرية‪ ،‬وتت َم َعّن في أنحاء المكان بال قيود‪ .‬المكان‬
‫ُّ‬
‫يشف عن خفايا الكائنات التي تقيم‬
‫هو الوحيد الذي‬
‫فيه‪ .‬لماذا نلجأ إلى األساليب األخرى‪ ،‬إذن؟‬
‫جو «سانتياغو» لطيف هذا النهار‪ .‬ال برد‪ ،‬وال حر‪،‬‬
‫والناس لُ َطفاء‪ .‬وأتساءل ‪ “ :‬كيف تتكوّن ذاكرتنا‬
‫النقدية حول األمكنة وسُ ّكانها”؟ وكيف ننتقل من‬
‫موضع إلى آخر‪ ،‬ونحن ‪ ،‬أحيانًا‪ ،‬ال نغادر المكان”؟‬
‫ال ُنغادره بالمعنى النفسي‪ ،‬أو المعرفي‪ ،‬مع أننا نبعد‬
‫عنه آالف الكيلو مترات‪.‬‬
‫وتحاصرني الذكرى‪ :‬في «دمشق»‪ ،‬عندما صعد‬
‫« أليندي» إلى قمة السلطة‪ُ ،‬‬
‫كنت متحمّ سًا له‪،‬‬
‫ومنحازًا إليه بال حدود‪ .‬كان الفضاء الدمشقي‪،‬‬
‫ُفرز مثل هذه العواطف الجَ يّاشة‪ ،‬والتي‬
‫آنذاك‪ ،‬ي ِ‬
‫ُ‬
‫تبدو‪ ،‬أحيانًا‪ ،‬غير مفهومة‪ .‬كنت أحلم بأن أراه‪.‬‬
‫بأن أرى تشيلي‪ .‬وعندما ُقتِل‪ ،‬لم َ‬
‫يبق على لساني‬
‫كلما ُذكِر سوى‪ “ :‬إنها تمطر فوق سانتياغو”‪ .‬وقبل‬
‫أن أذهب بعيدًا‪ ،‬يسحبنا الدليل نحو قمة الهضبة‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫توبال»‪،‬‬
‫كريس‬
‫«سان‬
‫المطلة على المدينة‪ .‬هضبة‬
‫ْ‬
‫الرحّ الة‪ ،‬حيث يقوم تمثال العذراء حامية‬
‫قديس َ‬
‫«سانتياغو»‪ ،‬أو كما يلفظونها محليًا ‪ « :‬سانْ‬
‫جياكو»‬
‫(ومعناها سان جاك)‪.‬‬
‫أمر سريعًا على التمثال‪ .‬فليس ثمة ما يثير الدهشة‬
‫ُّ‬
‫فيه‪ .‬عندما تكون قد رأيت تمثال المسيح فوق أعلى‬
‫جبل في «ريو دي جانيرو»‪ ،‬فسيبدو هذا لعبة‬
‫طفولية‪ ،‬شديدة البساطة‪ .‬أعود إلى «أليندي»‪ .‬في‬
‫ُ‬
‫وكنت أتردد‬
‫أواسط السبعينيات جئت إلى «باريس»‪.‬‬
‫على صالة سينما تجريبية في قلب الحي الالتيني‪،‬‬
‫تعرض‪ ،‬وحدها‪ ،‬الفيلم الذي ّ‬
‫شدني كثيرًا ‪ « :‬إنها‬
‫ّ‬
‫تمطر فوق سانتياغو»‪ .‬كان الفيلم يتعلق بالهجوم‬

‫ُ‬
‫وكنت أضطرب شغفًا للبالد البعيدة‬
‫على «المونيدا»‪.‬‬
‫بالرؤى واألحالم‪.‬‬
‫التي تملؤني ُ‬
‫ُ‬
‫وكنت حزينًا لذلك وكأنه‬
‫كان « أليندي » قد ُقتل‪،‬‬
‫أبي‪ُ .‬‬
‫كنت متح ِّفزًا ومتعاطفًا ال معه فحسب‪ ،‬وإنما‪،‬‬
‫مثل كثيرين غيري في ذلك العهد الذي يبدو اآلن‬
‫جميلًا‪ ،‬مع كل الحركات المناهضة للقمع في العالم‪.‬‬
‫ُ‬
‫كنت أقف طويلًا أمام الصور والعالمات‪ ،‬مأخوذًا‪ .‬لم‬
‫يكن يخطر لي أنني سأقف ذات يوم أمام قصر«ال‬
‫مونيدا»‪ ،‬نفسه‪ .‬أقف طويلًا وأنا أستعيد واجهة‬
‫السينما العتيقة وصورها المعلقة في الفراغ‪.‬‬
‫الطريق إلى « ْ‬
‫فالباريزو»‬
‫في الطريق إلى «فالباريزو«‪ ،‬صفائح الهضاب مثل‬
‫أنصال َم ْسنونة‪ ،‬تتوالى بال حدود‪ .‬لكأن المحيط‬
‫ص َقلَها عمدًا على هذا الشكل قبل أن ي ُْلقي بها على‬
‫وجه القاع ‪ .‬المحيط الذي ي َُسمّ ى هادئًا‪.‬‬
‫هضاب بركانية قذفَ ْت بها الماء ذات يوم‪،‬‬
‫وتدح َر َج ْت متالحقة حتى أسفل نقطة في القطب‬
‫ْ‬
‫الجنوبي‪ .‬األرض‪ ،‬هي ُ‬
‫األخرى‪ ،‬تَ ْلحق اإلنحدار مثل‬
‫الماء‪ .‬بين الهضاب نكتشف الوديان‪ .‬ألن العل َّو ال‬
‫يوجد دون إنخفاض‪ .‬واإلنخفاض في األرض‪ ،‬كما‬
‫َ‬
‫والخ ْصب‪ .‬وهنا‪ ،‬في‬
‫في الجسد‪ ،‬هو مصدر الثروة‬
‫الثريّ‬
‫‪ ،‬والبشر‪،‬‬
‫هذه اإلنخفاضات العظمى‪ ،‬تج َّمع الماء‬
‫والشجر‪ ،‬وأكاد أقول والجَ مال‪ .‬والجمال أصلًا‬
‫ُخصوبة‪ .‬أما قمـم الجبال الصاعدة نحو السماء فال‬
‫تحتاج إلى شيء«ثانويّ » كهذا‪ ،‬ألنها مكتفية بعلوّها‬
‫حتى ولو كان قاحلًا‪ .‬أ َوليس البشر كذلك‪ ،‬أيضًا؟‬
‫بابلو نيرودا‬
‫في «فالباريزو» سنزور بيت الشاعر « بابلو‬
‫نيرودا» الحائز على جائزة «نوبل» ‪.١٩٧١‬‬
‫ولد ‪ ،١٩٠٤‬في مقاطعة حدودية بعيدة‪ ،‬في جنوب‬
‫التشيلي بالقرب من القطب الجنوبي‪ .‬أبوه عامل‬
‫في السكك الحديدية‪ .‬واسمه الحقيقي ‪« :‬ريكادو‬
‫ْ‬
‫«فاسوالتو» اسم‬
‫نيفتالي ريّس»‪ ،‬و تَ َسمّ ى أيضًا‪ ،‬بـ‬
‫أمه‪ .‬وقد أتخذ في حياته أكثر من اسم ( يذكرنا‬
‫بيت الشاعر ''بابلو نيرودا'' وقد صممه على شكل باخرة‪ ،‬ألنه كان مصابًا ُبرهاب البحر‬

‫‪58‬‬

‫الرحلة دي�سمرب ‪2010‬‬

‫‪59‬‬

‫�أية مدينة هي هذه؟ تكاد ت�شبه �أي �شيء؟ اجلنة؟ وديان وه�ضاب و�أبنية‬
‫مل ّونة تخرج من بطن القاع لرتقى �إىل ال�سماء‬

‫هذا بفرناندو بيسوا البرتغالي)‪ ،‬ولكنه اشتهر فقط بـ«بابلو‬
‫تعرف وهو فتى على الشاعرة التشيلية الشهيرة‪:‬‬
‫نيرودا»‪ّ .‬‬
‫«غابرييال ميسترال»‪ ،‬وكانت قد حازت قبله على«نوبل» عام‬
‫‪ ،١٩٤٥‬وهي ُت َع ُّد بشكل من األشكال معلمة له‪.‬‬
‫اشتهر بحبه للنساء‪ .‬وعاش مع الكثيرات‪ ،‬دون أن يكون مخلصًا‬
‫ألي منهن‪ .‬كان فقيرًا‪ ،‬ولكنه لم يكن بائسًا وال معدمًا‪ .‬عمل في‬
‫مهن كثيرة‪ ،‬كان آخرها سفيرًا لبالده في باريس‪ .‬توفي عام ‪.١٩٧٣‬‬
‫مأخوذًا بالودْ يان والهضاب ذات الروعة الالمحدودة‪ ،‬ونحن نسير‬
‫نحو «فالباريزو»‪ ،‬أتساءل‪ :‬كيف تتحدد األرض‪ ،‬وما هو دور‬
‫الهضاب والوديان في جاللها؟ وخارج التناقض الشكلي البسيط‬
‫بينهما‪ ،‬ماذا يعني هذا الالتماثل المستمر لعناصر الكون؟ وأي‬
‫فضاء مرهق للعين سيكون فضاء العالم لو كانت األرض منبسطة‬
‫فقط؟ أيكون هذا َ‬
‫التك ُّسر‪ ،‬هذا اإلنحدار والصعود المتواليان‪ ،‬هذا‬
‫ّ‬
‫الخالق الذي نحسه بوضوح في صفائح األرض العظمى‪،‬‬
‫التناقض‬
‫ُ‬
‫أنفسنا الوالهةَ‬
‫هو‪ ،‬وحده‪ ،‬مصدر السعادة التي بها تَ ْـمأل عيوننا‬
‫َ‬
‫إلى اإلختالف؟ وفي الحقيقة ليس الجَ مال سوى شعور الدهشة‬
‫العميق إزاء مظاهر الكون‬
‫(والكائن جزء منها)‪.‬‬
‫أية مدينة هي هذه؟ تكاد تشبه أي شيء؟ الجنة؟ وديان وهضاب‬
‫وأبنية ملوّنة تخرج من بطن القاع لترقى إلى السماء‪ .‬إلى قمم‬
‫هي نفسها جنائن كونية مرمية للبشر ليستأنسوا بها من أجل‬
‫اكتشاف روح الكون بال توتر أو ضغينة‪ .‬ومع ذلك أُبيد أهلها ذات‬
‫ْ‬
‫«فال بارا ئيزو» ( أو وادي الجنة)‪ .‬ياسالم‪.‬‬
‫يوم‪ .‬واسمها الحقيقي‬
‫أصعد إلى أعلى قمة في الجبل‪ .‬أرى الماء في األسفل باهتًا وبعيدًا‪.‬‬
‫إلي‪ .‬إلى القمة‬
‫ومن قاع الوادي تَ َتراقى األبنية الملونة إلى أن تصل َّ‬
‫ّ‬
‫وأتطلع‪ .‬وأرى‪ .‬تالل مملوءة‬
‫التي الفوق لها سوى السماء‪ .‬أستدير‪.‬‬
‫بتالل‪ .‬تالل األبنية التي تعلو األبنية األخفض منها تتراصف مثل‬
‫ركام أسطوري يريد أن يدفن كونًا عمالقًا وال يحالفه الحظ‪.‬‬
‫وحدها‪ ،‬الشمس تسطع بهدوء فوق ارتجاجات المحيط الذي ال‬
‫يتململ وال يغضب مهما راح من البشر ومهما جاء‪ .‬ب ََش ُره في‬
‫قلبه‪ .‬وهو حريص على أالّ يسمح للمتطفلين بأن يؤذوهم كثيرًا‪.‬‬
‫عسى أن يستطيع تحقيق ذلك‪ .‬ولكن لِـ َم ال؟ أ َولم يكن إلهًا بالنسبة‬
‫للهنود الذين قَ َّدسوه؟‬
‫فجأة‪ ،‬ينقشع الغمام عن أعالي الهضاب‪ ،‬وتأخذ ألوان البنايات‬
‫بالسطوع وكأنها تريد أن تزهو بنفسها بعد أن امتألت بنور‬
‫ْ‬
‫''فال باريزو'' أو ''وادي الجنة'‬
‫منظر لمدينة‬

‫‪60‬‬

‫الرحلة دي�سمرب ‪2010‬‬

‫‪61‬‬

‫الشمس‪ .‬بنايات «فالباريزو» أعجوبة التشيلي‬
‫الحقيقية‪ .‬ألوان وأساطير تمأل فضاء هذه المدينة‬
‫التي تشبه في وجه من وجوهها مدينة «عَمّ ان»‬
‫األردنية‪ .‬وإذا كانت «عَمّ ان» سوداء‪ ،‬وشهباء‪،‬‬
‫لوني ال يُقارن‪ .‬لها‬
‫وأحيانًا باللون‪ ،‬فإن هذه َمـ ْنجم‬
‫ّ‬
‫أشكال وأحجام من اللون واإلشعاع‪ .‬لكأن الفضاء‪،‬‬
‫فضاءها‪ ،‬ال يستقيم وجوده إالّ باللون والنور‪ .‬حتى‬
‫عل وكأنها إحدى التزيينات‬
‫الشمس تبدو من ٍ‬
‫اليومية لهذه المدينة التي بال نظير‪ .‬وكل ذلك من‬
‫أجل أن يشعر الزائر بالسعادة ‪ :‬سعادة ألوان الطيف‬
‫الالمحدودة‪.‬‬
‫غياب اللون بالدة‪.‬‬
‫بالدة حقيقية‪ ،‬تجعل الكائن يشبه الحجر‪ ،‬واألرض‬
‫تشبه التراب‪َ .‬س َكن الكائن هو الكائن نفسه‪ .‬هذا‬
‫ُ‬
‫صرت مقتنعًا به في «فالباريزو»‪ .‬والعربي القديم‬
‫ما‬
‫الذي َس َكن بيت َ‬
‫الشعر ذا اللون الواحد لقرون‬
‫طويلة‪ ،‬لم يتغيّر إحساسه ّ‬
‫ني‪ ،‬وال شعوره‬
‫اللَ ْو ّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫بالضوء ( أألن ضوء الشمس الباهر َضأل الفروق‬
‫لديه؟) عندما ح َو ْته ْألواح الحجر والطين في المدن‬
‫الكثيرة‪ .‬لكأنه يستحي من التعبير عن مشاعره‬
‫اللونية‪ .‬بيوتنا تكاد تكون ْ‬
‫أض ِرحة‪ ،‬وهي هنا جِ نان‪.‬‬
‫لِنتجا َو ْز حاالت البذخ في القصور والمضافات‪ .‬إننا‬
‫نتكلم هنا عن مدينة «هامشية» َ‬
‫أنقذ ْتها ألوانها من‬
‫اإلهمال‪ .‬وألوانها تشبه إلى حد بعيد ألوان أحياء‬
‫التانغو التاريخية البائسة في «بوينس ايرس» في‬
‫األرجنتين‪ .‬وهو ما يجعلنا نحس أننا نشارك السكان‬
‫بعض ما يسكنون ‪ :‬ألوان بيوتهم‪.‬‬
‫ل َ ِوّنوا بيوتكم قبل أن يأخذكم السيل‪ .‬سيل الزمان‬
‫الذي ال ُي ِّفرق األسود عن األبيض‪.‬‬
‫في أعلى الهضبة المركزية في «فالباريزو» سنزور‬
‫بيت الشاعر التشيلي الشهير‪ ،‬كما قيل من قبل‪،‬‬
‫«بابلو نيرودا»‪ .‬منزل جميل مصمم على هيئة‬
‫باخرة عمالقة بطوابق ثالث‪« .‬بابلو نيرودا» كان‬
‫يحب البحر‪ ،‬ولكنه يخشى السفر في البواخر‪.‬‬
‫ولذا بنى هذا البيت ـ الباخرة‪ ،‬في أعلى قمة على‬
‫‪62‬‬

‫الرحلة دي�سمرب ‪2010‬‬

‫المحيط الهاديء ليعيش فيه‪ .‬وكان عندما يشرب‪،‬‬
‫و«ينبسط»‪ ،‬يقول ألصحابه ‪ ”:‬أرأيتم! يمكن أن‬
‫ُنصاب ُ‬
‫بدوار البحر دون أن نكون مضطرين للركوب‬
‫في باخرة”‪ .‬وقد أصبح اليوم متحفًا يضمّ مخلفات‬
‫الشاعر وأغراضه وأثاثه‪.‬‬
‫أمام البيت الباخرة أقف طويلًا متأملًا الفضاء الرائع‪،‬‬
‫والمحيط الهاديء‪ ،‬وأعالى الهضاب المحيطة به‪،‬‬
‫َّ‬
‫وأتذكر أسماء نظائر «بيسوا» وأحد ها المدعو‬
‫‪«:‬ريكادو ريس»‪ .‬وباألسم نفسه رواية للبرتغالي‬
‫اآلخر‪ ،‬حائز جائزة نوبل ‪« :‬ساراماغو»‪ ،‬والتي‬
‫ْ‬
‫فيرناندو بيسوا»‪.‬‬
‫تدور أحداثها حول «ثنائية» «‬
‫«بابلو نيرودا» يتربع فوق المحيط الهاديء‪ ،‬وفمه‬
‫ممتليء بالضحك‪ .‬بضحك كبير وسعيد‪ .‬كان يحب‬
‫رح ْت صَ ْدره لهذه الفضيلة‬
‫الحياة كثيرا‪ .‬ولقد َش َ‬
‫«غابرييال ميسترال» شاعرة البؤساء والرعاة‪ ،‬عندما‬
‫ّ‬
‫«غض اإلهاب»‪ .‬وحفظ الدرس جيدًا‪ .‬ال بد‬
‫كان‬
‫ّ‬
‫أنه يتذكر‪ ،‬اآلن‪ ،‬في غمرة الضحك السعيد‪ ،‬النساء‬
‫الكثيرات اللواتي عشقهنّ بال إخالص‪ .‬وأنتقل من‬
‫واحدة إلى أخرى دون تأنيب ضمير‪ .‬لقد كان قلبه‬
‫م ُْف َعمًا بحب اإلنسانية وليس فيه مكان للهفوات‪.‬‬
‫وأجدني أُردد‪ ،‬في باحة بيته الجميل ‪ “ :‬أُ ْر ُق ْد‬
‫َ‬
‫بسالم‪ ،‬سيدي بابلو نيرودا‪ .‬بعد أن تَ َم َّتعْ َ‬
‫بحياتك‪،‬‬
‫ت‬
‫َ‬
‫بموتك ”‪.‬‬
‫تَم َّتع اآلن‬
‫أرض النار‬
‫هذا الصباح‪ ،‬سنسافر إلى الصحراء التشيلية‪ ،‬ذات‬
‫طاول‬
‫العجائب الكثيرة ‪ :‬صحراء «آتاكاما» التي ُت ِ‬
‫سالسل جبال « ْ‬
‫اآلنديز» منذ بداياتها إلى نهاياتها‬
‫في القطب الجنوبي للكوكب األرضي‪.‬‬
‫وكما أوضح علماء البيئة والجيولوجيا‪ ،‬حديثًا‪،‬‬
‫يستحسن استعمال عبارة ‪« :‬الكوكب األرضي»‪،‬‬
‫على التسميات «الدينية» القديمة‪ ،‬مثل األرض‪،‬‬
‫تذكيرا بالطوفان)‪ ،‬والقاع ( تذكيرًا‬
‫واليابسة (‬
‫ً‬
‫بالسماء)‪ ،‬والكرة األرضية‪ ،‬وغيرها‪ .‬ألن االكتشافات‬
‫الحديثة ب َّي َن ْت كم هو شديد الوسع والالمحدودية‬
‫‪63‬‬

‫مل يكن الهنود احلمر يف ّ ِرقون بني عنا�رصالطبيعة واحلياة‪ .‬بني الأ�شياء والفكر‬
‫�أو بني املرئي واملجرد‪� .‬أو بني ما هو كائن‪ ،‬وما ميكن له �أن يكون‬

‫هذا«الكوزموس»‪ ،‬أوهذا «الكون»‪ .‬وليست األرض‪،‬‬
‫أقصد «الكوكب األرضي» إال ذرة في رماله‪ .‬ويقولون‬
‫أننا ال نستطيع حتى مقارنتها بذرة رمل إذا ما أخذنا‬
‫في اعتبارنا بعض ما يحتويه مركب الكوزموس‬
‫الالمتناهي من كواكب َ‬
‫وضخامات‪ .‬لنع ُْد إلى األرض‪.‬‬
‫جبال اآلنديز هي العمود الفقري للقارة‪ .‬وهي صلة‬
‫الوصل لكل بلدان الجزء الجنو بي من القارة‬
‫األمريكية‪ .‬وع ْبرها تصعد الدروب حتى «آالسكا»‬
‫في القطب الشمالي للكوكب‪ .‬تبدأ من أقصى الشمال‬
‫فوق «بوليفيا»‪ ،‬وتنحدر مطاولة ماء المحيط حتى‬
‫أرض النار في الجنوب‪.‬‬
‫تبدأ عالية وشامخة ومليئة ببؤر البراكين الح َيّة‬
‫والميتة‪ ،‬أو «المقتولة» حسب المعتقدات الهندية‪.‬‬
‫ألن بركانًا «فَ ْحلًا» يمكن أن يقطع رأس بركان آخر‬
‫َّ‬
‫أقل ُفحولة منه‪ ،‬أى أقل عنجهية وارتفاعًا‪ ،‬وخاصة‬
‫إذا كان مجاورًا له‪ .‬وهي تكون‪ ،‬في البدء‪ ،‬متعددة‬
‫األنواء والمشاهد والقمم‪ ،‬ولها صفحات أرضية‬
‫عجيبة تكاد أن تَ ْقرأ عليها تاريخ الكوزموس‪ .‬وشيئًا‬
‫فشيئًا ت َتطا َم ْن كلما ْانحَ َد َر ْت نحو الجنوب حتى‬
‫تات جبلية‬
‫تتحَ َوّل‪،‬‬
‫ْ‬
‫هور ْن»‪ ،‬إلى ُف ٍ‬
‫عند«كاب دو ْ‬
‫متناثرة‪ ،‬وهضاب متفرقة ال هيبة لها وإن كانت‬
‫مملوءة بالجَ مال‪ ،‬وجُ ُزر صغيرة محدودة‪ ،‬قبل أن‬
‫تغرق في ماء المحيط‪ .‬أريد أن أقول «المحيطات»‪،‬‬
‫ألن التقاء الماء بالماء ال حدود له‪ ،‬وإن كان البحارة‬
‫الشياطين أعطوا لكل بقعة من الماء فوق سطح‬
‫الكوكب األرضي إسمًا‪.‬‬
‫البركان المقطوع الرأس‬
‫صفائح الرقيم على طول الطريق الذاهب من مدينة‬
‫المناجم ‪« :‬كاالما»‪ ،‬إلى حاضرة « سان بيدرو‬
‫دي آتاكاما»‪ ،‬في قلب الصحراء‪ ،‬حيث سنستقر‬
‫بعض الوقت‪ ،‬تعيدني إلى أُصولي‪ .‬وأشعر بالسعادة‪،‬‬
‫على العكس من األوربيين‪ ،‬إلحساسي المفاجيء‬
‫بأنني قادم من ال مكان‪ .‬من الصحراء‪ .‬من الصحراء‬
‫العربية‪ ،‬وهذه بعض منها‪ .‬أنا‪ ،‬إذن‪ ،‬في «مكاني»‪.‬‬
‫‪64‬‬

‫الرحلة دي�سمرب ‪2010‬‬

‫أوه! ما هذه الفضاءات الالمتناهية‪ ،‬وهذه اإلضاءات‬
‫الكونية التي تحتفل بالتراب؟ ولماذا تبدو الشمس‬
‫األزلي‪ ،‬وهي لمْ تترك منذ أول‬
‫في فرحتها‪ ،‬وبهائها‬
‫ّ‬
‫النهار سمت الكون؟‬
‫ذهبي‪ .‬وهو كذلك في الصحارى األخرى‪،‬‬
‫لون القاع‬
‫ّ‬
‫ربما‪ .‬وال بد أن لذلك عالقة بالنور‪ .‬بنور الشمس‬
‫الذي تر ُّده األرض إلى مصدره بعد أن ترتوي منه‪.‬‬
‫هنا ال تغرب الشمس‪ ،‬وإنما تظل تمشي بهدوء نحو‬
‫فضائها األحمر‪.‬‬
‫على الطريق الهابط نحو «سان بيدرو»‪ ،‬يشرح لنا‬
‫الشراح‪ “ :‬أُنظروا‪ ،‬هذا هو البركان المقطوع الرأس”‪.‬‬
‫ّ‬
‫ونكاد نشهق عَجَ بًا! لكنه يتابع ‪ “ :‬تقول األسطورة‬
‫الهندية إن البركان « الفحل» الذي ال يحب أن‬
‫يعلو عليه أحد‪ ،‬أو شيء‪ ،‬قطع رأس هذا‪ ،‬وجعله «‬
‫أصـلَم» على شاكلة هضبة عالية‪ ،‬مستوية الرأس‪ ،‬ال‬
‫ْ‬
‫وإن ّ‬
‫ُق َّمة لها‪ْ ،‬‬
‫ظلَ ْت تنفث الدخان”‪.‬‬
‫ونتساءل‪ ،‬ويجيب ‪ “ :‬تقول أساطير الهنود‪ ،‬سكان‬
‫تسيـ ِّر أمور‬
‫البالد األوائل‪ :‬إن البراكين هي التي ُ َ‬
‫الكوزموس‪ .‬وهم لذلك يقدسونها‪ .‬يقدسون براكين‬
‫جبالهم ‪« :‬جبال اآلنديز» التي ترونها اآلن تمر‬
‫أمامكم كالسراب‪ .‬كسراب بعيد ال تدركون منه‬
‫سوى سِ ماته العابرة كالبرق‪ .‬أنظروا‪ ،‬اآلن! وننظر‪.‬‬
‫ال ‪ ،‬أنظروًا شمالًا ‪ ،‬يحدد‪ .‬وننظر‪“ .‬ذاك هو البركان‬
‫القاطع للرؤوس”‪.‬‬
‫وفي أقصى األفق البعيد نرى‪ ،‬بالفعل‪ ،‬قمة هائلة‬
‫العلو‪ .‬دخانها يصعد عموديًا نحو السماء‪ .‬وهي‬
‫محاطة بقمم أخرى أقل منها رفعة وعلوًّا‪ ،‬وال تنفث‬
‫إال القليل من الدخان‪ .‬لكأنها تخشى من سورة‬
‫غضبها القاطعة ْ‬
‫أكثر ْت‪.‬‬
‫إن هي‬
‫َ‬
‫يفرقون بين عناصرالطبيعة والحياة‪.‬‬
‫لم يكن الهنود ِّ‬
‫أقصد بين األشياء والفكر‪ .‬أو بين المرئي والمجرد‪.‬‬
‫أو بين ما هو كائن‪ ،‬وما يمكن له أن يكون‪ .‬هل‬
‫«تع َّم ْق ُ‬
‫ت» كثيرًا؟‬
‫كانت عناصر الطبيعية التي نسميها نحن‬
‫«جامدة»‪ ،‬بالنسبة إليهم عوامل أساسية‪ ،‬وحتى‬
‫‪65‬‬

‫يفرقون كثيرًا بين وجودهم ووجودها‪ .‬فالحجر‬
‫«عاقلة»‪ .‬وهم ال ِّ‬
‫عندهم ليس هو الحجر عندنا‪ .‬أقصد أن إعتبارهم له يختلف‬
‫عن إعتبارنا‪ .‬هم كانوا يعتقدون بأن لألشياء فاعليّة وكيانًا‪ .‬لكل‬
‫«شيء» حجم‪ ،‬ومساحة فعل خاصة به‪ .‬له مجال تأثيره‪ ،‬تمامًا‪،‬‬
‫«يدب» على قدمين‪ْ .‬‬
‫إن لَمْ يكن «الشيء»‪ ،‬أو‬
‫مثل الكائن الذي‬
‫ُّ‬
‫«العنصر األولي» أكثر أهمية وفاعلية من البشريّ ‪ .‬ولذلك كانو‬
‫يحترمون عناصر الكون‪ ،‬ويقدسون بعضها‪.‬‬
‫كانوا يعتقدون أن البراكين التي تنفث دخان نيرانها الجوّانية‪،‬‬
‫إنما تعبّر عن عنف كامن في أعماقها‪ .‬عنف جدير بأن يهدد‬
‫الطبيعة‪ ،‬ويفني الكائنات‪ .‬لذلك كانوا يخشون غضبها كثيرًا‪،‬‬
‫ويحجّ ون إليها مقدسين‪.‬‬
‫العالَم عندهم ليس هو جُ موع البشر البائس الذي يزحف كالديدان‬
‫أمام هذه القمم العمالقة‪ .‬وإنما هو مجموع عناصر الكون‪ .‬فذرة‬
‫الرمل‪ ،‬مثلًا‪ ،‬ليست أقل أهمية من غيرها‪ .‬ولكي يكون الكائن‬
‫منسجمًا مع ذاته‪ ،‬كما كانوا يعتقدون‪ ،‬ال بد أن يكون منسجمًا مع‬
‫عناصر الكون األخرى‪ ،‬وإال فإنه يسعى إلى الخراب‪ّ .‬‬
‫ظلوا كذلك‬
‫إلى أن جاء الفكر الديني التوحيدي‪ ،‬على أيدي الغزاة القادمين من‬
‫« الشرق األوربي»‪ ،‬ليدمّر ثقافتهم ‪« :‬ثقافة التالؤم العميق بين‬
‫الكائن وبين عناصر الكون»‪ ،‬ويبيد حضارتهم المسالمة بعمق‪.‬‬
‫دخان الماء‬
‫من أجل أن نشاهد « الظاهرة» في أعالي اآلنديز‪ ،‬نصعد ‪٤٥٠٠‬م‬
‫فوق سطح البحر‪ ،‬وبدرجة حرارة ‪ ١٤‬تحت الصفر‪ ،‬لكي نصل‬
‫إلى السفح‪ .‬إلى َس ْفح كبير‪ .‬إلى دائرة عمالقة تحيط بها الجبال من‬
‫جميع الجهات‪ .‬في األرض ثقوب ضخمة‪ ،‬وأخرى ّ‬
‫أقل شأنًا منها‪.‬‬
‫من كل ثقب يصعد الدخان‪ .‬دخان الماء‪ ،‬كما سيشرحون لنا‪،‬‬
‫يصعد نحو السماء‪ .‬وال يحدث ذلك إال مرة في النهار‪ ،‬عندما «‬
‫تحترق الماء» بفعل الحرارة الجوفية لألرض‪ ،‬وقت الصباح ‪ُ :‬ق َب ْيل‬
‫شروق الشمس‪ ،‬وبعده بقليل‪ ،‬قبل أن تتعادل الحرارتان ‪ :‬حرارة‬
‫جوف األرض‪ ،‬وحرارة سطحها‪.‬‬
‫لكأن الماء التي تغلي في أعماق األرض ترسل أبخرتها الجهنمية‬
‫ّ‬
‫وتفك الحصارعنها‪ .‬حصار َ‬
‫األزلي‬
‫الد ْفن‬
‫لتخترق قشرة القاع‪،‬‬
‫ّ‬
‫لعناصر الطبيعة السائلة الملوّعة بانحباسها تحت كتلة اآلنديز‬
‫الخرافية‪.‬‬
‫ماذا ُتخفي حُ ْف َرة « َج ْي َز ْر تا ْتيو» العمالقة‪ ،‬هذه‪ ،‬غير هذا الدخان‬
‫خليل النعيمي أمام أحد تماثيل ''جزيرة باك‬

‫‪66‬‬

‫الرحلة دي�سمرب ‪2010‬‬

‫‪67‬‬

‫ربوع ُعظمى وت�ش ُّققات‪ .‬الأر�ض م�شطورة بق�سوة ‪ ،‬وك�أن الإله‬
‫َح َّززها ب�سكني خرافية‬

‫المشبع بالماء ال َم ْسلوقة تحت األرض؟ الدخان الذي‬
‫يَ ْن ُفر من أعماق الجبال الكونية‪ ،‬متحديًا أنظمة‬
‫الكوزموس‪ ،‬أو مستجيبًا لها‪ ،‬باألحرى‪.‬‬
‫الكوزموس‪ ،‬هو اآلخر‪ ،‬بحاجة إلى نظام‪ ،‬مثله مثل‬
‫كائناته الهشة‪ ،‬السريعة العطب‪ ،‬التي هي نحن‪.‬‬
‫عندما تختلف درجات الحرارة الجوانية وال َب ّرانية‪،‬‬
‫عندما يختلف التوتر بين الظاهر والباطن‪ ،‬يحدث‬
‫في الكوزموس ما يحدث‪ ،‬تمامًا‪ ،‬عند الكائن ‪:‬‬
‫تنكسر القشرة الماسكة للسطح‪ ،‬أو للنفس‪ ،‬وتحدث‬
‫فيها فوهات‪ ،‬أو شروخ‪ ،‬منها ينبثق التوتر المحصور‬
‫في األعماق‪ ،‬قبل أن يغدو الوجود‪ ،‬أو التوازن‪،‬‬
‫مستحيلًا‪.‬‬
‫“حرروا ما في أعماقكم‪ ،‬قبل أن تنفجروا”‪ ،‬هذا ما‬
‫زر تا ْتيو»‪ ،‬في أعالي جبال‬
‫تقوله لنا ظاهرة َ‬
‫«ج ْي ْ‬
‫ْ‬
‫اآلن ْ‬
‫ديز التشيلية‪.‬‬
‫تحت الشمس مباشرة أقف‪ ،‬اآلن‪ ،‬وأكتب‪.‬‬
‫ّ‬
‫أتطلع بذهول حولي‪ ،‬وأطوف ببصري أنحاء «‬
‫الحفرة» المثيرة للقلق من شدة ضخامتها‪ ،‬وأتمتم ‪:‬‬
‫ال بد أنها كانت فوهة بركان عمالق فَ َّجر السلسلة‬
‫الجبلية في أعالي اآلنديز‪ ،‬ذات يوم‪ .‬وهذه «‬
‫ُّ‬
‫التشققات األرضية» التي أسميها أنا “ صغيرة”‬
‫ُ‬
‫مقارنة ب َبواذِخ الكون المحيطة بها‪ ،‬مع أنها تقارب‬
‫ال َع ْملَقة‪ ،‬ما هي إالّفوهات تَ ْنفيس كوني هائلة‪ ،‬مهمتها‬
‫تخفيف الضغط الجواني البالغ العنف حتى ال تنفجر‬
‫األرض‪.‬‬
‫أقول فوهات صغيرة! وقطر الواحدة منها يتجاوز‬
‫عشرات الكيلومترات‪ .‬تحيط بها ُ‬
‫القمم واألحجار‬
‫البركانية التي ان َق َذفَ ْت بعنف ال حدود له خارج‬
‫ّ‬
‫مشظى ومتعدد العناصر واأللوان‪.‬‬
‫بُؤرتها‪ .‬سطحها‬
‫تربتها مزيج من األرض السوداء‪ ،‬واألحجار‬
‫المهروسة‪ ،‬والماء ال َّنزيز‪ ،‬والملح‪ ،‬وبعض أقحاف‬
‫الجبال التي َ‬
‫تك َّس ْ‬
‫رت هاهنا عند ارتمائها الالزمن له‪.‬‬
‫س! أُخاطب أحدًا ال أراه‪ ،‬وهو مع ذلك ّ‬
‫قدامي ‪:‬‬
‫ال تَ ْن َ‬
‫أننا في حضرة جبال كونية ال يمكن حتى للخيال‬
‫أن يقارب هولها وعظمتها‪ .‬وأزاءها تبدو اللغة فقيرة‬

‫بالتعابير التي يمكن لها أن تشرح ما يراه البصر‪.‬‬
‫وفجأة تشغلني حالي‪ ،‬فأصير أتَحَ َّرض ‪ :‬أيها الركود‬
‫متى تتحرك؟ أيها ُ‬
‫الكمون متى تثور؟‬
‫فَجّ بوريتاما العميق‬
‫ت َع ّلَ ْم ُ‬
‫الص َور واألحاسيس”‪،‬‬
‫ت من البركان ‪ “ :‬أختزن ُ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫وفجأة‪ ،‬أكتب‪ .‬ت ْنشق نفسي عن ألـهوفة‪ ،‬أو فكرة‪ ،‬أو‬
‫َغ ْمر‪ ،‬وتنبثق الكلمات لتأخذ طريقها إلى منطق العقل‬
‫الكاتب‪ .‬خزائن إحساسي تَ ْفرغ سريعًا‪ ،‬وتتأ َّهب‬
‫لإلمتالء‪ ،‬من جديد‪ .‬أنا في فضاء خارق ال يسمح‬
‫لألحاسيس بأن تغفو إال من أجل أن ترتاح‪ ،‬قليلًا‪،‬‬
‫لتزداد طاقة‪ .‬أن تضيق ل َتـ َّتسع أكثر عندما تفيق‪.‬‬
‫ثمة ُش ْبه كبير بين الكائن والبركان‪ .‬حاولوا أن‬
‫تلتقطوا‪ ،‬على األقل‪ ،‬عناصر الشبه األساسية بينكم‬
‫وبينه‪ ،‬ألنها هي التي ستنقذكم عند الضرورة‪ ،‬إالّ‬
‫إذا أردتم أن تبقوا هامدين‪.‬‬
‫يطلع القمر في منتصف النهار؟ أم هي الشمس لم‬
‫تغب‪ ،‬أبدًا؟ عندما َس َريْنا كان فوقنا والنجوم تتألأل‬
‫ْ‬
‫حوله في أعماق الكون‪ .‬وها نحن نعود وهو ال زال‬
‫واقفًا في مكانه‪ ،‬لكن النجوم لم تعد تحيط به‪ .‬لكأنه‬
‫عقد حلفًا مع « اآلنديز»على أالّ يغيب عنها‪ ،‬أبدًا‪:‬‬
‫قمر الهنود الجميل‪.‬‬
‫ُّ‬
‫وتشققات‪ .‬األرض مشطورة بقسوة ‪،‬‬
‫ربوع عُ ظمى‬
‫وكأن اإلله َح َّززها بسكين خرافية‪ .‬إنهدامات هذا‬
‫تخرب الطمأنينة التي ّ‬
‫تعلَ ْمناها من سهول‬
‫الكون ِّ‬
‫العشب والرمال المبسوطة على وجه القاع مثل‬
‫اللباس‪ .‬هنا‪ ،‬الوضع مختلف تمامًا‪ .‬نحن في بؤر‬
‫كونية ‪ ،‬ال فوق قاع مفهومة‪.‬‬
‫تحت ضوء الشمس الساطع أقف وأضيع في فضاء‬
‫اآلنديز الحجريّ األحمر المتو ِّقد من الغيظ ألنه لم‬
‫يبرح مكانه منذ ماليين السنين‪ ،‬بعدما غيضت ماء‬
‫المحيط عنه‪ .‬متى يسير؟‬
‫النوء ساكن مثل ُك َتل األحجار التي تقذفها البراكين‬
‫من آن آلخر‪ .‬الشمس في السمت‪ .‬والصمت ال يمكن‬
‫إختراقه‪ ،‬ألن الضوء الباهر يمتص حركة الكائنات‬
‫المختفية من َح َمأة الشمس‪ .‬أنهكها الجوع‪ ،‬وال‬
‫صحارى الملح الغنية بالمعادن‬

‫‪68‬‬

‫الرحلة دي�سمرب ‪2010‬‬

‫‪69‬‬

‫بعد قليل‪� ،‬سنخ ّ ِلف هذا ال�ضوء الأبي�ض على الأر�ض‪ ،‬ونرتك ال�سماء الزرقاء‬
‫الذهبي‪ ،‬تراب �أر�ض الت�شيلي اخلالدة‬
‫فوقنا‪ ،‬ونغادر هذا الرتاب‬
‫ّ‬

‫بد‪ .‬ولكن َم ْن منها يجرؤ على البحث عن طعام‬
‫والشمس القاسية لها بالمرصاد؟ ال بد أنها “ شبعتْ‬
‫جوعًا” ! وأكاد أسمع « عبد الباسط عبد الصمد»‬
‫يردد بصوته النحيف المتصل كلمات “ موسى” (ص)‬
‫لفتاه‪ ...“ :‬آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا‬
‫نَصَ ـبًا”‪.‬‬
‫أخيرًا‪ ،‬نهبط فَجّ «بوريتاما» العميق‪ ،‬حيث منابع‬

‫المياه المعدنية الساخنة في أعماق األرض‪ .‬في‬
‫أعماقها بالفعل‪ ،‬وليس بالمجاز‪ .‬نهبط على مراحل‬
‫َّ‬
‫المهش َمة من أ َ َزليّة السيول‬
‫إلى حضيض القاع‬
‫والبراكين‪ .‬حتى تَ َف َّجر ماؤها سيولًا صغيرة الزالت‬
‫تَفور من حرارة جوف القاع المشتعل في األعماق‪.‬‬
‫سيدهشني نبات ال َب ْردي الذي ينمو بكثافة على‬
‫َك ِت َف ّي الوادي‪ ،‬غارقا في الماء الساخنة‪ .‬سنتعرى‬

‫ونسبح في األحواض الحجرية التي ابدعتها الطبيعة‬
‫على مدى قرون‪ .‬أحواض جاهزة الستقبال الحياة‪،‬‬
‫وكأن مهندسًا بارعًا صممها‪ ،‬منذ األزل‪ ،‬لهذه الغاية‪.‬‬
‫ستعيد الماء ارتباطنا باآلنديز وأجماته‪ .‬سننسى‬
‫ّ‬
‫المتأزم إلى الحضيض‪ .‬وخوفنا‬
‫سريعًا إنحدارنا‬
‫ّ‬
‫المتعثر من السقوط‪ ،‬سيعقبه شعورنا باإلمتنان لهذه‬
‫البقعة من وجه األرض‪ .‬الشيء يعادل الراحة بعد‬
‫العناء‪ ،‬إالّ األمن بعد خوف‪.‬‬
‫أقف مأخوذًا ‪ :‬كيف تنفطر األرض من جسد الكون؟‬
‫جراح الكوزموس العظيم الذي أبدع‬
‫وأين يختفي ّ‬
‫كل هذه الروائع؟ لماذا يظل الماء يسيل من ثنايا‬
‫جسد األرض العميقة‪ ،‬وإلى أين يروح؟ لكأن جسد‬
‫الكائن ُص ِمّم على هذه الشاكلة‪ ،‬تمامًا‪ .‬وفي النهاية‪،‬‬
‫ليس نَ َسـق الحياة اإلنسانية إال تقليدًا بائسًا لعظمة‬
‫ف بال َت َب ُّصر والصمت‪.‬‬
‫الكوزموس‪ .‬فألك َت ِ‬
‫وس ْيرنا المتباطيء‪،‬‬
‫األعماق‪،‬‬
‫بعد خروجنا من‬
‫َ‬
‫نتوقف تحت أضالع الجبل العمالقة‪ ،‬في قرية «‬
‫سوكايْده»‪ .‬قرية هندية مرمية في فضاء اآلنديز‬
‫دون أي إعتبار‪ .‬تتوسطها كنيسة صغيرة‪ ،‬مبنية من‬
‫الحجر والتراب‪ ،‬وال يؤمها أحد‪ ،‬هي كل ما بقي من‬
‫آثار الغزاة في هذا اإلرتفاع الكوني اآلسر‪.‬‬
‫الجبل يحرس القرية مثل أسد جاثم فوق ربوة‬
‫يراقب الظباء التي َس َت ِرد ال َع ْين‪ ،‬وال بد‪ .‬والهنود‬
‫يمشون ال ُه َويْنى‪ ،‬وكأن الزمن لم يعد يخصهم‪ .‬لكأنهم‬
‫فقدوا روحهم الكونية عندما هبط البيض على‬
‫أرضهم األولى‪ .‬الشيء يثير اهتمام الهنود مما نفعل‪،‬‬
‫أو ال نفعل‪ .‬ينظرون إلينا بحيادية‪ ،‬ولكن بعدائية‬
‫واضحة‪ ،‬وي َولّون األدبار‪ ،‬وكأنهم يشتموننا على‬
‫وقوفنا فوق أرواح أجدادهم‪ .‬الهنود «اللطفاء» بنوا‬
‫قريتهم تحت الجبل‪ ،‬مباشرة‪ّ ،‬‬
‫ليظلوا على اتصال دائم‬
‫مع روح الكون العليا‪ ،‬كما يعتقدون‪.‬‬
‫أنـــا مكـــان‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫يتكلمَ‬
‫َ‬
‫وحذر‪ ،‬ولكن‪ ،‬لِـ َم‬
‫يتكلم الهندي بهدوء َ‬
‫بعينيه؟ الكوندور والالما والجبل والريح والشمس‬

‫والثلج‪ ،‬ال يحيا الهندي دون أن تحيط به هذه‬
‫ويحسها في روحه بعمق‪ .‬أما هذه الرائحة‪،‬‬
‫العناصر‪،‬‬
‫ّ‬
‫رائحة َمـ ْني الشجر‪ ،‬أين َش َم ْـم ُتها؟ أ َ َولَمْ يكن‪ ،‬ذات‬
‫مساء‪ ،‬في “ دمشق ”؟‬
‫بعد قليل‪ ،‬سنخ ِّلف هذا الضوء األبيض على األرض‪،‬‬
‫ونترك السماء الزرقاء فوقنا‪ ،‬ونغادر هذا التراب‬
‫الذهبي‪ ،‬تراب أرض التشيلي الخالدة‪ .‬ونعود‪.‬‬
‫ّ‬
‫ول َ َكمْ يبدو ذلك ثقيلًا على القلب ‪ “ :‬العودة”‪ .‬العودة‬
‫التي ستجعلك تَ َت َخ ّلى عن األمكنة التي أحببتها‪،‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ولدت فيها‪ .‬وأجدني أتساءل ‪ “ :‬ما سِ ُّر‬
‫وكأنك‬
‫هذا اإلرتباط المباشر والعفوي بيني وبين األمكنة‪،‬‬
‫حتى تلك التي لم أ َ َرها من قبل ؟ ولِـ َم هذا ال َت َع ُّلق‬
‫وأحسني مدفوعًا ب َن ْز َوة عميقة لزيارة‬
‫اآلسر بها “؟‬
‫ُّ‬
‫ُ‬
‫أخيرة لقصر«ال مونيدا»‪ .‬القصر الذي “ قتِل “ فيه‬
‫«سلفادور ألي ْندي» عام ‪.١٩٧٣‬‬
‫في ساحة القصر أقف بصمت‪ ،‬لفترة طويلة‪ .‬أكاد‬
‫أنسى موعد الرحيل‪َ .‬ش َغف عميق وجميل يملؤني‬
‫بما ال أعرف كيف أصفه‪ .‬المكان الذي في وجهي‬
‫يغدو هائلًا ومُريبًا‪ .‬أحسه يتكلم‪ّ .‬‬
‫يكلمني‪ .‬يراني‬
‫وأراه‪ .‬يو ّدعني قبل أن أقوم أنا بتوديعه‪.‬‬
‫وأرى في األفق القريب مكتوبًا فوق السراب ‪ « :‬إنها‬
‫أس َر ْتني في‬
‫تمطر فوق سانتياغو»‪ ،‬الجملة التي َ‬
‫صباي‪ .‬اللعنة! َم ْن َخ َّطها‪ ،‬اآلن‪ ،‬في السماء؟ وعلى‬
‫الحجر أسمع الكالم األخير الذي تَلَ َّف َظ به «أليندى»‬
‫قبل أن تخترق الرصاصة رأسه ‪ « :‬إنني مؤمن‬
‫بشعبي»‪ .‬وي َُدوّ ي الظالم‪.‬‬
‫ـن أصابه‬
‫أقف طويلًا في ساحة القصر بال حِ راك‪َ ،‬كـ َم ْ‬
‫َشلل مفاجيء‪ .‬تملؤني نَ ْـمـ َن َمـة َ‬
‫وخ َ‬
‫ـدر‪ .‬أحس إلى‬
‫أي ّ‬
‫حد يختلط قلبي بالمكان الذي أقف فيه‪ ،‬حتى‬
‫أشتهي أن آكله‪ .‬أقف‪ ،‬وأنا أُردد‪:‬‬
‫“ ْ‬
‫عد ُت إلى « ال مونيدا» أل َو ّدعه‪.‬‬
‫ُ‬
‫أحب أن أ َو ِّدع األمكنة‬
‫ُّ‬
‫وال أحب أن أُو ِّدع الناس‪.‬‬
‫أنــا مكــان “‪.‬‬

‫أعلى‪ :‬صورة بابلو نيرودا على طابع بريد‬

‫‪72‬‬

‫أسفل‪ :‬إلى اليمين سلفدور أليندي ‪ -‬إلى اليسار‪ :‬فبكتور جارا‬

‫‪73‬‬

‫يوميات دراجة نارية‬

‫على العقبات العديدة التي وضعتها األمم العصرية في‬
‫طرق الرحالة المحتملين‪ .‬لحفظ ماء الوجه‪ ،‬قررنا‬
‫القول إننا ذاهبون إلى تشيلي كاحتياط ليس إال‪.‬‬
‫كانت مهمتي الرئيسة قبل المغادرة أن أُمتحن في‬
‫أكبر عدد ممكن من المواد وعلى ألبيرتو تحضير‬
‫الدراجة للرحلة الطويلة‪ ،‬ودراسة وتخطيط دربنا‪.‬‬
‫غابت عنا في تلك اللحظات ضخامة مسعانا‪ .‬كان كل‬
‫ما بوسعنا رؤيته غبار الطريق أمامنا ونحن فوق‬
‫الدراجة نلتهم الكيلومترات طائرين إلى الشمال‪.‬‬

‫رحلة �إرن�ستو ت�شي غيفارا يف �أرجاء �أمريكا الالتينية‬

‫يوميات تشي غيفارا يطبعها سحر خاص‪ ،‬شخصية مألت القرن‬
‫العشرين وفاضت أطيافها على األلفية الثالثة‪ .‬مثال إنساني وكفاحي‬
‫مضيء لكل األزمنة‪ .‬هذه صفحات مقتطفة من اليوميات التي كتبها‬
‫تشي غيفارا خالل رحلة في أرجاء أميركا الالتينية سنة ‪ 1952‬قطع‬
‫خاللها مع صديقه ألبرتو غرانادو على دراجة نارية ‪ 4500‬كيلومتر‪،‬‬
‫كانت البوابة التي ولج منها الطبيب األرجنتيني الشاب غيفارا إلى‬
‫فضاء أميركا الالتينية‪ ،‬وصوال إلى «سرة العالم» – عاصمة األنكا‪،‬‬
‫ليعود من هناك بالشعلة التي صهرت روحه النقية ومزجتها بآالم‬
‫شعوب القارة المنهوبة‪.‬‬
‫إنها الرحلة هي التي وضعت غيفارا على الطريق التي اختار‪ ،‬طريق‬
‫الفداء‪ .‬وعلى درب العودة إلى غرناطةِ األرجنتين‪ ،‬كتب أرنستو‬
‫تشي غيفارا‪ ،‬إثر احتفاله بعيد ميالده الرابع والعشرين‪« :‬علمت أنه‬
‫حين تشق الروح الهادية العظيمة اإلنسانية إلى شطرين متصارعين‪،‬‬
‫سأكون إلى جانب الشعب‪ .‬أعلم هذا‪ ،‬أراه مطبوعًا في سماء الليل‪،‬‬
‫أرى نفسي قربانًا في الثورة الحقيقية‪ ،‬المعادل العظيم إلرادة األفراد‪.».‬‬
‫هل نستطيع قراءة يوميات تشي غيفارا الشاب‪ ،‬بعيدا عن صورة‬
‫األسطورة التي تخطت الزمن بإنسانيتها المذهلة وكفاحيتها العظيمة؟‬

‫‪74‬‬

‫اكت�شاف املحيط‬

‫كان صباح من شهر أكتوبر‪/‬تشرين األول‪ .‬مستفيدًا‬
‫من عطلة السابع عشر منه‪ ،‬ذهبت إلى قرطبة‬
‫(كانت آنذاك عطلة وطنية احتفاال بذكرى خروج‬
‫خوان بيرون من السجن عام ‪ .1945‬كان بيرون‬
‫رئيس األرجنتين من ‪ 1946‬وحتى ‪ ، 1955‬ومن‬
‫‪ 1973‬حتى موته سنة ‪ . )1974‬كنا في بيت ألبيرتو‬
‫جرانادو نشرب «متة» حلوة تحت كرمة ونعلق‬
‫على األحداث الراهنة في «الحياة بنت الكلبة» هذه‬
‫ونصلح دون طائل «الجبارة (‪ : La Poderosa‬دراجة‬
‫جرانادو النارية – نورتون ‪ ، 500‬التي تعني حرفيًا‬
‫«الجبارة»)‪ .‬كان ألبيرتو يندب حقيقة أن عليه‬
‫وظيفته في مستعمرة الجذام في سان فرانسيسكو‬
‫ديل شانيار‪ ،‬وضآلة راتبه في المستشفى اإلسباني‪.‬‬
‫وأنا كنت قد تركت أيضًا عملي‪ ،‬لكني على عكسه‬
‫كنت سعيدًا بالمغادرة‪ .‬شعرت بعدم الراحة أكثر‬
‫من أي وقت مضى وألني أملك روح حالم كنت‬
‫متعبًا بشكل خاص من كلية الطب والمستشفيات‬
‫واالمتحانات‪.‬‬
‫بلغنا في طرقات حلم يقظتنا بالدًا نائية‪ ،‬وأبحرنا في‬
‫بحار مدارية وارتحلنا عبر كل آسيا‪ .‬وفجأة برز‬
‫السؤال منسابًا كما لو كان جزءًا من تخيالتنا‪:‬‬
‫«لم ال نذهب إلى أمريكا الشمالية؟»‬
‫«أمريكا الشمالية؟ لكن‪ ،‬كيف؟»‬
‫«على متن الجبارة‪ ،‬يا رجل‪».‬‬
‫هكذا اتخذنا قرار الرحلة‪ ،‬ولم يحد قط عن المبدأ‬
‫الرئيس المطروح آنذاك‪ :‬االرتجال‪ .‬انضم إلينا أخوة‬
‫ألبيرتو في شرب المتة ونحن على وشك االنتهاء من‬
‫وضع مخططنا بعدم التخلي إطالقًا عن الفكرة حتى‬
‫نحقق الحلم‪ .‬وهكذا بدأ العمل الرتيب في مالحقة‬
‫تأشيرات الدخول والشهادات والوثائق‪ ،‬أي التغلب‬

‫القمر في تمامه يطل صورة ظلية قبالة البحر‪،‬‬
‫يكسو األمواج بانعكاسات فضية‪ .‬نراقب المد والجزر‬
‫المستمرين‪ ،‬بأفكارنا الواضحة‪ ،‬ونحن جالسان على‬
‫كثيب رملي‪ .‬كان البحر دائما بالنسبة لي مؤتمنًا‬
‫على األسرار‪ ،‬صديقًا يمتص كل ما يباح له وال يفشي‬
‫قط منها شيئًا‪ ،‬ودومًا يقدم خير النصح ‪ -‬ويمكن أن‬
‫تفسر أصواته الطافحة بالمعنى على أي وجه تريد‪.‬‬
‫بالنسبة أللبيرتو‪ ،‬هو منظر جديد مشوش بغرابة‪،‬‬
‫والحدة‪ ،‬التي تتابع بها عيناه كل موجة تتجمع‬
‫وترتفع ثم تهمد على الشاطىء‪ ،‬تعكس دهشته‪.‬‬
‫ألبيرتو‪ ،‬المقترب من الثالثين‪ ،‬يرى األطلسي أول‬
‫مرة ويغمره االكتشاف الذي يعني عددًا ال متناهيًا‬
‫من الدروب إلى كل أطراف العالم‪ .‬يمأل الهواء العليل‬
‫الحواس بقوة البحر وحالته‪ ،‬يتحول كل شيء إثر‬
‫لمسته‪ ،‬حتى كمباك (‪ Comeback‬االسم اإلنجليزي‬
‫المستعار الذي أطلقه إرنستو على الكلب الصغير‬
‫الذي يأخذه إلى صديقته "تشيشنيا " التي تقضي‬
‫عطلتها في ميرامار) بأنفه الصغير الغريب الشامخ‬
‫يحدق في األشرطة الفضية المنتشرة أمامه عدة‬
‫مرات في الدقيقة‪.‬‬
‫كمباك‪ ،‬رمز وكائن قادر على البقاء حيًا في آن‪ :‬رمز‬
‫الوحدة التي تريد عودتي‪ ،‬حي رغم حظه التعس –‬
‫سقطتان عن الدراجة (إحداهما طار وحقيبته من‬
‫المقعد الخلفي) – إسهال بطنه المتواصل وحتى أن‬
‫داسه مرة حصان‪.‬‬
‫نحن في فيليا خيسيل‪ ،‬شمال مار ديل بالتا‪ ،‬نحظى‬
‫بكرم ضيافة بيت عمي ونراجع أول ‪ 1200‬كلم –‬
‫من الجلي أنها األسهل‪ ،‬رغم أنها تمنحنا حسًا صحيًا‬
‫بالمسافات‪ .‬ال ندري إن كنا سنصل إلى هناك أم ال‪،‬‬
‫لكننا نعلم أن بلوغ ذلك سيكون صعبًا – على األقل‬
‫هكذا كان انطباعنا في تلك المرحلة‪ .‬ألبيرتو يضحك‬
‫‪75‬‬

‫البحار �إىل بالد ق�صية‪ ،‬بعيد ًا عن جمريات دراما حياتي‪ .‬انتابني قلق عميق‪،‬‬
‫�شعرت فج�أة ب�أين �أحلق مع َّ‬
‫�شعرت ب�أين غري قادر على الإح�سا�س ب�أي �شيء‪ .‬بد�أت �أ�شعر باخل�شية على نف�سي فرحت �أخط ر�سالة‬
‫م�سيلة للدموع‬
‫على خططه بالغة التفاصيل بدقة‪ ،‬التي ينبغي أن‬
‫نكون وفقها قد اقتربنا من النهاية‪ ،‬بينما نحن في‬
‫الواقع كنا قد بدأنا منذ برهة فقط‪.‬‬
‫غادرنا خيسيل محملين بمؤونة من الخضار وعلب‬
‫اللحم المحفوظ "تبرع" بها عمي‪ .‬طلب منا أن نرسل‬
‫له برقية من باريلوتشي – إذا وصلنا إلى هناك –‬
‫حتى يمكنه أن يشتري برقم البرقية ورقة يانصيب‪،‬‬
‫ما بدا لنا في غاية التفاؤل‪ .‬في تلميح سخر اآلخرون‬
‫من أن الدراجة ستكون ذريعة جيدة للسفر ركضًا‪..‬‬
‫الخ‪ ،‬وبالرغم من تصميمنا القوي على إثبات أنهم‬
‫مخطئون‪ ،‬أبقتنا خشية طبيعية من التصريح بثقتنا‬
‫المتبادلة‪.‬‬
‫يحافظ كمباك طوال الطريق الساحلي على نبضاته‬
‫المالحية‪ ،‬خارجًا دون أن يصاب بأذى من اصطدام‬
‫آخر آت‪ .‬يصعب التحكم بالدراجة النارية مع وجود‬
‫ثقل إضافي على الحامل الكائن خلف مركز الجاذبية‬
‫ينحو لرفع العجل األمامي‪ ،‬وتجعلنا أدنى هفوة في‬
‫التركيز نطير في الهواء‪ .‬نتوقف عند قصاب ونشتري‬
‫بعض اللحم للشواء‪ ،‬وقليلًا من الحليب للكلب الذي ال‬
‫يحاول حتى تذوقه‪ .‬ينتابني قلق على صحة الحيوان‬
‫الصغير أكثر من المال المدفوع ثمنًا للحليب‪ .‬ظهر أن‬
‫اللحم لحم حصان وحلو جدًا حتى إننا لم نقدر على‬
‫تناوله‪ .‬ضجرًا ألقي بالقطعة بعيدًا‪ ،‬ومن المدهش‬
‫‪76‬‬

‫الرحلة دي�سمرب ‪2010‬‬

‫أن يلتهمها الكلب بنهم دفعة واحدة‪ .‬ألقي له بقطعة‬
‫أخرى ويتكرر األمر ثانية‪ .‬حميته في عدم تناول‬
‫الحليب تنتهي‪ .‬في غمرة صخب المعجبين بكمباك‪،‬‬
‫أدخل‪ ،‬هنا ميرمار‪...‬‬
‫واآلن أشعر أن جذوري العظيمة مقتلعة‪ ،‬حر و‪...‬‬
‫احتمينا في مطبخ مركز الشرطة من عاصفة أطلقت‬
‫العنان لجام غضبها في الخارج‪ .‬قرأت وأعدت قراءة‬
‫الرسالة التي ال تصدق‪ .‬وهكذا كل أحالمي ببلدتي‬
‫المرتبطة بتلك العيون التي ودعتني في ميرامار‪،‬‬
‫تحطمت بال سبب وجيه‪ .‬اعتراني تعب شديد‬
‫وأصغيت نصف نائم إلى حديث سجين جوال مثير‬
‫يلفق ألف قصة غريبة ويشعره جهل المستمعين إليه‬
‫باألمان‪ .‬كنت قادرًا على فهم معنى كلماته الدافئة‬
‫اللعوبة بينما الوجوه المحيطة به تميل مقتربة كي‬
‫تسمع بشكل أفضل قصصه وهي تكشف بأسرارها‪.‬‬
‫كما لو من خلل ضباب بعيد كان بإمكاني رؤية طبيب‬
‫أمريكي قابلناه هناك في باريلوتشي يومىء برأسه‪:‬‬
‫«أعتقد أنكما ستصالن المكان الذي تقصدانه‪ ،‬فأنتما‬
‫تملكان الشجاعة‪ .‬لكني أظن أنكما ستمكثان فترة‬
‫في المكسيك‪ ،‬إنها بالد رائعة‪».‬‬
‫البحار إلى بالد قصية‪،‬‬
‫شعرت فجأة بأني أحلق مع َّ‬
‫بعيدًا عن مجريات دراما حياتي‪ .‬انتابني قلق عميق‪،‬‬
‫شعرت بأني غير قادر على اإلحساس بأي شيء‪ .‬بدأت‬

‫أشعر بالخشية على نفسي فرحت أخط رسالة‬
‫مسيلة للدموع‪ ،‬لكني عجزت عن الكتابة ومن غير‬
‫الممكن المحاولة‪ .‬في شبه النور المحيط بنا‪ ،‬دارت‬
‫أشباح ملتفة كدوامة غير «أنها» لم تظهر‪ .‬كنت عند‬
‫اعتقادي أني أحبها حتى تلك اللحظة‪ ،‬عندما أدركت‬
‫أني ال أحس بشيء‪.‬‬
‫أجبرت على استدعائها لتعود بإشارة من يدي‪ .‬توجب‬
‫على القتال من أجلها‪ ،‬كانت ملكي‪ ...‬لي‪ ...‬ونمت‪.‬‬
‫أنارت شمس معتدلة اليوم الجديد‪ ،‬يوم مغادرتنا‪،‬‬
‫وداعنا أرض األرجنتين‪ .‬لم يكن حمل الدراجة إلى‬
‫«موديستا فيكتوريا» مهمة يسيرة‪ ،‬لكننا نجحنا‬
‫أخيرًا في تحقيق ذلك بقليل من الصبر‪ .‬شكل إنزالها‬
‫صعوبة مماثلة‪ .‬هانحن في تلك البقعة الصغيرة قرب‬
‫البحيرة المدعوة باسم طنان «بويرتو بليست»‪.‬‬
‫بضعة كيلومترات على الطريق‪ ،‬ثالثة أو أربعة على‬
‫األكثر‪ ،‬أعادتنا إلى الماء‪ ،‬بحيرة خضراء قذرة هذه‬
‫المرة‪ ،‬الغونا فرياس‪.‬‬
‫رحلة قصيرة قبل الوصول أخيرًا إلى نقطة الجمارك‪،‬‬
‫ثم مركز دائرة الهجرة التشيلية الكائن في الجزء‬
‫اآلخر من سلسلة الجبال – األدنى كثيرًا عند خط‬
‫العرض هذا‪ .‬هناك عبرنا بحيرة أخرى تصب فيها مياه‬
‫ريو ترونادور الذي ينبع من البركان العظيم الذي‬
‫يحمل االسم نفسه‪ .‬تمتاز هذه البحيرة "إسميرالدا"‪،‬‬
‫نقيض بحيرات األرجنتين‪ ،‬بماء معتدل الحرارة‬
‫يجعل السباحة متعة مغرية جدًا‪ .‬هناك في أعالي‬
‫سلسلة الجبال في مكان يدعى كازا بانغو موقع‬
‫يشرف على منظر خالب فوق تشيلي‪ .‬نقطة تقاطع‬

‫إلى حد ما‪ ،‬على األقل بالنسبة لي في تلك اللحظة‪.‬‬
‫كنت أتطلع إلى المستقبل عبر الشريط الضيق‬
‫لتشيلي وما وراءه‪ ،‬مما يعيد أبيات قصيدة أوتيرو‬
‫سيلفا إلى ذهني‪.‬‬

‫اخلرباء‬

‫الكرم التشيلي‪ ،‬كما ال يتعبني القول‪ ،‬أحد أسباب جعل‬
‫الترحال في البلد المجاور لنا متعة عظيمة‪ .‬ولقد‬
‫استفدنا من ذلك أيما استفادة‪ .‬استيقظت تدريجيًا‬
‫تحت المالءة مفكرًا بقيمة السرير الجيد ومحصيًا‬
‫كمية السعرات الحرارية لوجبة الليلة السابقة‪.‬‬
‫راجعت األحداث األخيرة في ذهني‪ :‬ثقب عجل‬
‫الجبارة الغادر‪ ،‬الذي خلفنا على قارعة الطريق في‬
‫المطر وفي مكان مجهول‪ ،‬مساعدة راؤول الكريمة‪،‬‬
‫صاحب الفراش الذي ننام فيه اآلن‪ ،‬والمقابلة التي‬
‫أجريناها مع صحيفة « ‪ « Al Austral‬في تيموكو‪.‬‬
‫كان راؤول طالب طب بيطري‪ ،‬ليس مولعًا بالدراسة‬
‫كما بدا‪ ،‬وكان قد حمل دراجتنا القديمة المسكينة‬
‫في شاحنته‪ ،‬وجلبنا إلى هذه البلدة الوديعة وسط‬
‫تشيلي‪ .‬حقًا‪ ،‬ربما كانت هناك لحظة أو اثنتان‬
‫تمنى فيهما صديقنا لو أنه لم يقابلنا‪ ،‬ألننا سببنا‬
‫له ليلة من النوم غير المريح‪ ،‬لكن ينبغي عليه أن‬
‫ال يلوم إال نفسه‪ ،‬متباهيًا بالمال الذي أنفقه على‬
‫النساء ودعوتنا ليلة إلى "كاباريه" على حسابه‬
‫طبعًا‪ .‬كانت دعوته وراء تطويل إقامتنا في بالد بابلو‬
‫نيرودا‪ ،‬واشتركنا في وصلة تفاخر حية لبعض‬
‫الوقت‪ .‬خرج في النهاية‪ ،‬بطبيعة الحال‪ ،‬من هذه‬
‫‪77‬‬

‫المعضلة المحتومة (نقص النقود)‪ ،‬بمعنى أننا أجبرنا‬
‫على تأجيل زيارتنا إلى مكان اللهو المثير لالهتمام‬
‫ذاك‪ ،‬وإن قدم لنا تعويضًا على ذلك فراشًا ومأوى‪.‬‬
‫وها نحن في الواحدة صباحًا نشعر بالرضا ونلتهم‬
‫كل ما على المائدة‪ ،‬وهو كثير حقًا‪ ،‬باإلضافة إلى‬
‫ما جلب الحقًا‪ .‬ثم استولينا على سرير مضيفنا ألن‬
‫والده كان قد نقل إلى سانتياجو ولم يبق كثير من‬
‫األثاث في البيت‪.‬‬
‫كان ألبيرتو الساكن دون حركة يقاوم محاولة‬
‫شمس الصباح إلقالق نومه العميق‪ ،‬بينما رحت‬
‫أرتدي مالبسي ببطء‪ ،‬مهمة لم نجدها صعبة على‬
‫وجه الخصوص ألن الفرق بين لباسنا في الليل‬
‫وفي النهار يكون عادة الحذاء‪ .‬تباهت الصحفية‬
‫بعدد وافر من الصفحات على عكس صحفنا اليومية‬
‫الفقيرة غير المتطورة‪ ،‬لكني لم أكن مهتمًا بأي شيء‬
‫سوى خبر محلي وجدته مطبوع بحروف كبيرة في‬
‫القسم الثاني‪:‬‬
‫خبيرا جذام من األرجنتين يطوفان‬
‫أمريكا الالتينية على دراجة نارية‬
‫ثم بحروف أصغر‪:‬‬
‫موجودان في تيموكو ويريدان زيارة رابا‪-‬نوي‬
‫هذه خالصة تهورنا‪ .‬نحن‪ ،‬خبراء‪ ،‬شخصيات رئيسة‬
‫في حقل الجذام في الدول األمريكية‪ ،‬بتجربة‬
‫واسعة‪ ،‬عالجنا ‪ 3000‬مريض‪ ،‬نعرف أهم مراكز‬
‫الجذام في القارة والباحثين في الحاالت الصحية في‬
‫هذه المراكز‪ ،‬قبلنا زيارة هذا البلدة الصغيرة الرائعة‬
‫الكئيبة‪ .‬حسبنا أنهم قد يقدرون كليًا احترامنا‬
‫‪78‬‬

‫الرحلة دي�سمرب ‪2010‬‬

‫للبلدة‪ ،‬لكننا لم نكن في الواقع نعرف‪ .‬اجتمعت‬
‫العائلة كلها بعد حين حول المقالة وأصبحت كل‬
‫األخبار األخرى في الصحيفة موضع ازدراء أولمبي‪.‬‬
‫وهكذا‪ ،‬ونحن متنعمان بتقديرهم‪ ،‬ودعنا هؤالء‬
‫الناس الذين ال نذكر عنهم شيئًا‪ ،‬وال حتى أسماءهم‪.‬‬
‫طلبنا السماح لنا بترك الدراجة في مرآب رجل‬
‫يعيش على أطراف البلدة وسرنا هناك‪ ،‬لم نعد مجرد‬
‫متشردين محبوبين بدراجة مقطورة‪ ،‬كال‪ ،‬أصبحنا‬
‫اآلن «الخبراء» وعوملنا كذلك‪ .‬قضينا اليوم كله في‬
‫إصالح وإعداد الدراجة بينما بين فينة وأخرى تأتي‬
‫خادمة داكنة البشرة ومعها بعض الطعام الخفيف‪ .‬في‬
‫الساعة الخامسة‪ ،‬بعد شاي بعد الظهيرة اللذيذ الذي‬
‫أعده مضيفنا‪ ،‬ودعنا تيموكو وانطلقنا إلى الشمال‪.‬‬

‫الو�صول �إىل �سانتياجو‬

‫وصلنا سانتياجو يوم أحد وكان الذهاب مباشرة إلى‬
‫مرآب أوستين أول ما قمنا به‪ .‬كنا نحمل رسالة‬
‫توصية إلى المالك‪ ،‬لكننا دهشنا بتعاسة حين وجدنا‬
‫أن المرآب مقفل‪ .‬أخيرًا‪ ،‬أقنعنا المسؤول هناك قبول‬
‫الدراجة وغادرنا لندفع من عرق الجبين لقاء ما‬
‫تبقى من رحلتنا‪.‬‬
‫كان لمهمتنا كناقلي أثاث مراحل مختلفة‪:‬‬
‫األولى‪ ،‬المثيرة بشكل خاص‪ ،‬تتألف من استهالك‬
‫كيلوجرامين من العنب في وقت قياسي‪ ،‬يساعدنا‬
‫في ذلك غياب أصحاب البيت‪ .‬الثانية‪ ،‬وصول أصحاب‬
‫البيت وبالتالي القيام ببعض المهام الصعبة‪ .‬الثالثة‪،‬‬
‫اكتشاف ألبيرتو أن غرور زميل سائق الشاحنة كان‬

‫ا�ستطعنا تعقب قن�صل �سفارتنا الذي ظهر �أخري ًا ًا متحجر الوجه و�سمح لنا بالنوم يف الباحة‪ ،‬بعد خطبة‬
‫الذعة �ساخرة حول واجباتنا كمواطنني‬
‫مفرطًا‪ ،‬خاصة في ما يتعلق بجسده‪ ،‬وعليه ربح‬
‫المسكين كل رهان أجريناه معه لحمل أثاث أكثر‬
‫منا االثنين والمالك معًا (لعب األخير دور األحمق‬
‫براحة همجية)‪.‬‬
‫استطعنا تعقب قنصل سفارتنا الذي ظهر أخيرًا في ما‬
‫يمكن أن يدعى مكتبًا متحجر الوجه (ال بأس إذا أخذ‬
‫في االعتبار أن ذلك كان يوم أحد) وسمح لنا بالنوم‬
‫في الباحة‪ ،‬بعد خطبة الذعة ساخرة حول واجباتنا‬
‫كمواطنين الخ‪ ،‬توج كرمه بتقديم ‪ 200‬بيسوس لنا‪،‬‬
‫رفضناها العتبارها إهانة‪ .‬لو أنه عرض هذا المبلغ‬
‫بعد ثالثة أشهر لكانت هناك قصة أخرى‪ .‬يا للتوفير!‬
‫تشبه أجواء سانتياجو إلى حد ما أجواء قرطبة‪،‬‬
‫رغم أن إيقاعها اليومي أسرع وحركة المرور فيها‬
‫نوعًا ما أكثف‪ .‬تذكرنا أبنيتها وطبيعة شوارعها‬
‫ومناخها وحتى وجوه أهلها بمدننا المتوسطية‪ .‬لم‬
‫نستطع معرفة المدينة جيدًا ألننا كنا هناك لبضعة‬
‫أيام وتحت ضغط الوقت إلنجاز كثير من المهام قبل‬
‫الشروع في الترحال ثانية‪.‬‬
‫رفض قنصل بيرو منحنا تأشيرة دخول دون رسالة‬
‫توصية من مثيله األرجنتيني‪ ،‬الذي رفض بدوره‬
‫إعطاءها لنا بحجة أن الدراجة قد ال توصلنا إلى هناك‬
‫وسينتهي بنا األمر لطلب المساعدة من السفارة (لم‬
‫يدر المالك الصغير أن الدراجة قد انتهت)‪ ،‬لكنه‬
‫الن أخيرًا ومنحنا تأشيرة بيرو مقابل ‪ 400‬بيسوس‬

‫تشيلي‪ ،‬مبلغ كبير بالنسبة لنا‪ .‬في أيام سوكويا هذه‪،‬‬
‫جاء فريق بولو الماء من قرطبة في زيارة لسانتياجو‪.‬‬
‫كان كثير من الالعبين من أصدقائنا‪ ،‬لذا قمنا بزيارة‬
‫مجاملة لهم أثناء لعبهم مباراة‪ ،‬فدعينا إلى إحدى‬
‫الوالئم التشيلية النمط التي تسير على النحو التالي‪:‬‬
‫«تفضل فخذ خنزير‪ ،‬جرب بعض الجبن‪ ،‬اشرب‬
‫نبيذًا أكثر» وتقف – إذا استطعت – من إجهاد كل‬
‫عضالت الصدر في جسمك‪ .‬صعدنا في اليوم التالي‬
‫إلى سانتا لوسيا‪ ،‬كتلة صخرية في وسط المدينة‬
‫لها تاريخها الخاص‪ .‬كنا نقوم بمهمة تصوير المدينة‬
‫بسالم عندما وصل موكب أعضاء سوكويا يقودهم‬
‫أشخاص بهيئات مميزة من النادي المضيف‪ .‬أُحرج‬
‫المساكين – غير متأكدين أيقدموننا إلى سيدات‬
‫المجتمع التشيلي المرموقات‪ ،‬كما فعلوا الحقًا‪ ،‬أو‬
‫لعب دور الحمقى والتظاهر بعدم معرفتنا (تذكر‬
‫مالبسنا غير التقليدية)‪ ،‬لكنهم نجحوا في إدارة‬
‫الورطة العويصة بكل مهارة ممكنة وكانوا ودودين‬
‫– كما يمكن للناس أن يكونوا من عوالم مختلفة عن‬
‫عوالمهم وعالمنا في تلك اللحظة المعينة من حياتنا‪.‬‬
‫أخيرًا حل اليوم الكبير‪ ،‬وانحدرت دمعتان حرثتا‬
‫وداع للجبارة‬
‫وجنتي ألبيرتو بشكل رمزي‪ .‬مع آخر‬
‫ٍ‬
‫المتروكة خلفنا في المرآب‪ ،‬شرعنا رحلتنا إلى‬
‫فالباريسو‪ .‬انطلقنا في طريق جبلي رائع‪ ،‬أجمل ما‬
‫يمكن للحضارة أن تقدمه مقارنة بعجائب الطبيعة‬
‫‪79‬‬

‫اجلزء الذي ي�ستحق الو�صف يف ليما هو مركز املدينة املحيط بكاتدرائيتها الرائعة املختلفة متام ًا عن الثقل‬
‫الوح�شي لكاتدرائية كوزكو‪ ،‬حيث خلد الغزاة �أنف�سهم بق�سوة‬
‫الحقيقية (التي لم تخربها أيدي البشر)‪ ،‬في شاحنة‬
‫تحمل حملنا الثقيل‪ ،‬نحن المتحررين من األحمال‪.‬‬

‫مدينة الفرا�ش‬

‫كنا في نهاية واحدة من أهم مراحل رحلتنا‪ ،‬دون‬
‫سنت أو أي فرصة في المدى القصير لكسب أي‬
‫ٍ‬
‫نقود‪ ،‬لكننا كنا سعداء‪.‬‬
‫مدينة جميلة أخمدت ماضيها االستعماري تحت‬
‫بيوتها الجديدة (بعد زيارة كوزكو تبدو كثيرًا‬
‫كذلك)‪ .‬شهرتها كمدينة ودرة ثمينة غير مبررة‪،‬‬
‫غير أن ضواحيها السكنية متصلة مع المنتجعات‬
‫المقبولة القريبة من البحر بشوارع عريضة‪ .‬يسافر‬
‫سكان ليما من المدينة إلى ميناء كالالو على طول‬
‫عدة طرق رئيسة عريضة في غضون دقائق‪ .‬ال‬
‫يتحلى الميناء بفتنة خاصة (يبدو أن بناء جميع‬
‫المواني يسير على نسق واحد) باستثناء الحصن‪،‬‬
‫موقع معارك عديدة‪ .‬وقفنا على طول أسواره الضخمة‬
‫متعجبين من عمل اللورد كوتشراني الخارق حين‬
‫قاد بحارته األمريكيين الالتينيين وهاجم هذا‬
‫الحصن واحتله في واحدة من أشهر فصول تاريخ‬
‫تحرير أمريكا الالتينية‪.‬‬
‫الجزء الذي يستحق الوصف في ليما هو مركز‬
‫المدينة المحيط بكاتدرائيتها الرائعة المختلفة تمامًا‬
‫‪80‬‬

‫الرحلة دي�سمرب ‪2010‬‬

‫عن الثقل الوحشي لكاتدرائية كوزكو‪ ،‬حيث خلد‬
‫الغزاة أنفسهم بقسوة‪ .‬في ليما‪ ،‬أصبح الفن أسلوبيًا‬
‫بلمسة أنثوية نوعًا ما‪ :‬أبراج الكاتدرائية عالية‬
‫مهيبة‪ ،‬لعلها األرفع بين كل كاتدرائيات المستعمرات‬
‫اإلسبانية‪ُ .‬تركت القطع الخشبية الفنية السخية‬
‫في كوزكو وتبنت هنا الذهب‪ .‬صحن الكنائس هنا‬
‫خفيف طليق الهواء‪ ،‬على نقيض تلك الكهوف المظلمة‬
‫والعدوانية في مدينة إنكا‪ .‬اللوحات متألقة ساطعة‬
‫أيضًا‪ ،‬مبهجة إلى حد ما‪ ،‬وتتبع مدارس أحدث من‬
‫لوحات الفنانين الهجن المتكتمين على أنفسهم‪،‬‬
‫الذين رسموا القديسين بغضب مظلم أسير‪ .‬تحمل‬
‫كل الكنائس في واجهاتها ومذابحها الخواص الكاملة‬
‫لفن شوريجوريسك (عمارة باروك إسبانية تتصف‬
‫بالسطح المفصل والمعقد المحكم‪ ) .‬المزين بالذهب‪.‬‬
‫أهلت هذه الثروة الهائلة األرستقراطية لمقاومة‬
‫جيوش تحرير أمريكا حتى اللحظة األخيرة‪ .‬ليما هي‬
‫المثال الكامل لبيرو التي لم تتطور ما وراء ظروف‬
‫االستعمار اإلقطاعية‪ ،‬وما زالت في انتظار دم ثورة‬
‫التحرر الحقيقي‪.‬‬
‫غير أن هناك ركنا في الجزء الفاخر من المدينة‬
‫عزيزًا على قلبي‪ ،‬وكثيرًا ما كنا نذهب هناك الستعادة‬
‫ذكريات ماتشو بيتشو‪ ،‬ذلك هو متحف اآلثار وعلم‬
‫اإلنسان‪ .‬كان دون خوليو تيللو قيم المتحف دارسا‬
‫تجري في عروقه دماء هندية نقية‪ .‬يحتوي المتحف‬

‫على مجموعة قيمة‪ ،‬توليفة ثقافية كاملة‪.‬‬
‫ليما هادئة على عكس قرطبة‪ ،‬وإن كانت لها سمة‬
‫المدينة االستعمارية نفسها‪ ،‬أو باألحرى الريفية‪.‬‬
‫زرنا القنصلية حيث كانت هناك رسائل في انتظارنا‪.‬‬
‫بعد قراءتها ذهبنا لنرى ما يمكننا فعله برسالة‬
‫التوصية التي نحملها إلى بيروقراطي في مكتب‬
‫وزارة الخارجية‪ ،‬الذي لم يود‪ ،‬طبعًا‪ ،‬أن يتعرف‬
‫علينا‪ .‬همنا على وجهينا من مركز شرطة إلى‬
‫آخر – حتى حصلنا أخيرًا في واحدة منها على طبق‬
‫أرز – وبعد الظهر زرنا الدكتور هوجو بيسي‪ ،‬خبير‬
‫الجذام‪ ،‬الذي رحب بنا بلطف غير عادي لمسؤول عن‬
‫وحدة طبية محترمة مثل هذه‪ .‬أمن مكان إقامتنا‬
‫في مستشفى الجذام‪ ،‬ودعانا تلك الليلة لتناول‬
‫الطعام في بيته‪ .‬تبين أنه متحدث رائع‪ ،‬وكان الوقت‬
‫متأخرًا حين ذهبنا للنوم‪.‬‬
‫كما استيقظنا في وقت متأخر أيضًا وتناولنا اإلفطار‪.‬‬
‫كان من الواضح عدم وجود "أمر" بتقديم الطعام لنا‪ ،‬لذا‬
‫قررنا الذهاب إلى كلالو وزيارة الميناء‪ .‬كان الذهاب‬
‫بطيئًا ألن ذلك كان األول من مايو‪/‬أيار وليست‬
‫هناك مواصالت عامة‪ ،‬فسرنا على األقدام مسافة‬
‫‪ 14‬كيلومترا‪ .‬لم يكن هناك شيء معين لزيارته‬
‫في كالالو‪ ،‬وأقل من ذلك المراكب األرجنتينية‪.‬‬
‫بوجه جريء أكثر من أي وقت مضى‪ ،‬قدمنا أنفسنا‬
‫في مركز شرطة متسولين بعض الطعام‪ ،‬ثم عدنا‬
‫بسرعة إلى ليما‪ .‬مرة أخرى تناولنا الطعام في منزل‬
‫الدكتور بيسي‪ ،‬الذي أخبرنا عن تجاربه مع أنواع‬
‫الجذام المختلفة‪.‬‬

‫في الصباح ذهبنا إلى متحف اآلثار وعلم اإلنسان‪ .‬شيء‬
‫ال يصدق‪ ،‬لكن ضيق الوقت كان يعنى أننا لن نتمكن‬
‫عمن رؤية كل شيء‪ .‬كرسنا بعد الظهر للتعرف على‬
‫مستشفى الجذام المسمى دي غيا القريب‪ ،‬برفقة‬
‫دليلنا الدكتور الدكتور مولينا‪ ،‬وهو باإلضافة إلى‬
‫كونه مختصا جيدا في الجذام‪ ،‬من الواضح أنه جراح‬
‫صدر ممتاز‪ .‬كما هي عادتنا ذهبنا لتناول الطعام في‬
‫بيت الدكتور بيسي‪.‬‬
‫أضعنا صباح يوم السبت كله في مركز المدينة في‬
‫محاولة لصرف ‪ 50‬كرونا سويديا‪ .‬نجحنا أخيرًا‬
‫بعد قليل من الخداع‪ .‬قضينا بعد الظهر في اكتشاف‬
‫المختبر الذي ال يحتوي على ما يستحق الحسد‪.‬‬
‫في الواقع‪ ،‬كان بحاجة إلى الكثير‪ .‬مع ذلك‪ ،‬كانت‬
‫سجالت حياة األشخاص مروعة في وضوحها ومنهج‬
‫تنظيمها وكذلك في تفاصيلها الشاملة‪ .‬في المساء‬
‫كنا مدعوين على العشاء في بيت الدكتور بيسي‪،‬‬
‫وكالعادة أثبت مهارته في الحديث المفعم بالحياة‪.‬‬
‫األحد يوم مهم بالنسبة لنا‪ ،‬إذ رأينا أول مصارعة‬
‫ثيران‪ ،‬وبالرغم من أنها جرت تحت اسم «نوفيالدا»‪،‬‬
‫مصارعة مع ثيران ومصارعين أقل كفاءة من‬
‫المألوف‪ ،‬كنا في غاية اإلثارة لدرجة أني لم أقدر‬
‫على التركيز على أحد كتب تيللو التي كنت أقرأها‬
‫في المكتبة ذاك الصباح‪ .‬وصلنا في بداية المصارعة‪،‬‬
‫ومع دخولنا كان ثمة ثور يقتل لكن ليس بالطريقة‬
‫العادية «ضربة رحمة»‪ ،‬وعليه كان الثور يعاني‬
‫مطروحا على األرض والمصارع يحاول إنهاء المهمة‬
‫والجمهور يصرخ‪ .‬صاحب الثور الثالث إثارة معتبرة‬
‫‪81‬‬

‫بجد �إىل اجلذام‪� ،‬ستكون‬
‫�إن كان هناك ما �سيجعلنا نكر�س �أنف�سنا‬
‫ٍ‬
‫العاطفة التي �أظهرها لنا كل ه�ؤالء املر�ضى الذين قابلناهم يف الطريق‪.‬‬

‫عندما أمسك بالمصارع بشكل مشهدي وألقى به إلى‬
‫األرض‪ ،‬وكان هذا كل ما في األمر‪ .‬أقفل االحتفال‬
‫مع موت الثور السادس غير المالحظ‪ .‬فن! لم أر منه‬
‫شيئًا‪ .‬شجاعة! إلى حد ما‪ .‬مهارة! ليست كثيرة‪.‬‬
‫إثارة! نسبية‪ .‬باختصار‪ ،‬كل شيء يعتمد على ما‬
‫ستفعله هنالك يوم األحد‪.‬‬
‫صباح االثنين ذهبنا ثانية إلى المتحف‪ .‬في المساء‬
‫إلى بيت الدكتور بيسي‪ ،‬حيث قابلنا برفسور طب‬
‫نفسي‪ ،‬الدكتور فالينزا‪ ،‬متحدث جيد آخر روى لنا‬
‫حكايات عن الحرب وأخرى مثل الحكاية التالية‪:‬‬
‫«قبل أيام ذهبت إلى دار السينما المحلية لمشاهدة‬
‫فيلم لكانتينفالس‪ .‬كان الجميع يضحكون لكني لم أفهم‬
‫شيئًا‪ ،‬ولم يكن ذلك شيئًا غير عادي‪ ،‬ألن الباقين لم‬
‫يستطيعوا فهم شيء أيضًا‪ .‬إذًا‪ ،‬لم كانوا يضحكون؟ في‬
‫الواقع كانوا يضحكون على أنفسهم‪ .‬كل واحد منهم‬
‫يضحك على جزء منهم‪ .‬نحن دولة فتية دون تقاليد‬
‫أو ثقافة‪ ،‬وبالكاد مك َت َشفون‪ ،‬لذا ضحكوا على كل‬
‫الفساد الذي استطاعت حضارتنا الناشئة إصالحه…‬
‫لكن هل نضجت أمريكا الشمالية تمامًا رغم ناطحات‬
‫سحابها وعرباتها وثروتها الجيدة؟ هل تركت شبابها‬
‫في الوراء؟ كال‪ ،‬الفروق في الشكل فقط‪ ،‬هم ليسوا‬
‫أساسيين أصيلين‪ ،‬كل أمريكا واحدة في ذلك‪ .‬فهمت‬
‫أميركا كلها وأنا أشاهد الكوميدي الشهير كاتينفالس!"‬
‫لم تسنح فرصة يوم الثالثاء لزيارة المتحف‪ ،‬لكن في‬
‫‪82‬‬

‫الرحلة دي�سمرب ‪2010‬‬

‫الثالثة بعد الظهر قابلنا الدكتور بيسي الذي أعطى‬
‫ألبيرتو طاقمًا أبيض وقدم لي جاكيت من اللون‬
‫نفسه‪ .‬استوى الجميع‪ ،‬فبدونا إلى حد ما كالبشر‪.‬‬
‫لم يكن في بقية اليوم شيء مهم‪ .‬مرت بضعة أيام‬
‫وضعنا خاللها قدمًا في ركاب الجواد‪ ،‬وإن بقينا غير‬
‫متأكدين من موعد المغادرة‪ .‬كان علينا أن نغادر‬
‫قبل يومين‪ ،‬غير أن الشاحنة التي من المفترض‬
‫أن تقلنا لم تغادر بعد‪ .‬األجزاء العديدة التي تشكل‬
‫رحلتنا كانت تسير سيرًا حسنًا‪ .‬في ما يتعلق في‬
‫إثراء معلوماتنا‪ ،‬زرنا متاحف ومكتبات‪ ،‬لكن المتحف‬
‫الوحيد الذي له أهمية حقيقية كان متحف اآلثار‬
‫وعلم اإلنسان الذي أسسه الدكتور تيللو‪ .‬من منظور‬
‫علمي‪ ،‬كان الجذام حيث قابلنا الدكتور بيسي أهم‬
‫حدث‪ ،‬بينما كان الباقون تالمذته وعليهم قطع طريق‬
‫طويل قبل تقديم شيء له قيمة تذكر‪ .‬وحيث لم‬
‫يكن هناك مختصون في الكيمياء الحيوية في بيرو‪،‬‬
‫يدير المختبر أطباء مختصون تحدث ألبيرتو مع‬
‫بعضهم‪ ،‬حيث وصلهم بأناس من بيونس أيرس‪ .‬انسجم‬
‫ألبيرتو مع اثنين منهم‪ ،‬لكن الثالث… حسنًا‪ ،‬قدم‬
‫ألبيرتو نفسه باسم الدكتور جرانادو‪ ،‬مختص في‬
‫الجذام …الخ فاعتبروه طبيبًا‪ .‬أجاب الرجل السخيف‬
‫الذي سأله بقوله «كال‪ ،‬ال يوجد مختصون بالكيمياء‬
‫الحيوية هنا‪ ،‬ومثلما هناك قانون يمنع األطباء من‬
‫فتح الصيدليات‪ ،‬فإننا ال نسمح للصيادلة بالتدخل في‬

‫أشياء ال يفهمونها‪».‬‬
‫كان ألبيرتو مستعدًا ألن يصبح عنيفًا‪ ،‬لذا أمسكت به‬
‫برفق وهذا ثناه عن فعل ذلك‪.‬‬
‫كانت الطريقة التي ودعنا بها مرضى المستشفى‬
‫في ليما‪ ،‬على بساطتها‪ ،‬من أهم األشياء التي تركت‬
‫تأثيرا قويًا لدينا‪ .‬قدموا لنا مئة نصف من السوليس‬
‫مع رسالة معبرة جدًا‪ .‬بعد ذلك جاء بعضهم لوداعنا‬
‫شخصيًا وفي أكثر من حالة ذرفوا دموعًا‪ ،‬وهم‬
‫يشكروننا على القليل من الحياة التي بعثت فيهم‪.‬‬
‫صافحنا أيديهم‪ ،‬قبلنا هداياهم وجلسنا معهم نصغي‬
‫إلى مباراة كرة قدم تبث في المذياع‪ .‬إن كان هناك‬
‫بجد إلى الجذام‪ ،‬ستكون‬
‫ما سيجعلنا نكرس أنفسنا‬
‫ٍ‬
‫العاطفة التي أظهرها لنا كل هؤالء المرضى الذين‬
‫قابلناهم في الطريق‪.‬‬
‫ليما كمدينة ال ترقى إلى تقليدها الطويل كعاصمة‬
‫بالنيابة‪ ،‬لكن ضواحيها السكنية جميلة جدًا‬
‫وواسعة وكذلك شوارعها الجديدة‪ .‬األمر المثير‬
‫لالهتمام كان عدد الشرطة المحيطين بالسفارة‬
‫الكولومبية‪ .‬كان هناك ما ال يقل عن ‪ 50‬شرطيا‬
‫بالبزة الرسمية والمالبس المدنية يقومون بحراسة‬
‫دائمة حول المبنى كله‪.‬‬
‫اليوم األول في رحلة الخروج من ليما لم يكن شيئًا‬
‫يذكر‪ .‬رأينا الطريق إلى ال أورويا والباقي قطعناه في‬
‫الليل‪ ،‬إلى أن وصلنا سيرو دي باسكو في الفجر‪.‬‬
‫سافرنا في صحبة األخوين بيكيرا‪ ،‬اللذين أطلقنا‬
‫عليهما لقب «كامباالتشي» (تعني باإلسبانية تحف‬
‫زينة كالخزف والتماثيل أو مخزن خردة) أو كامبا‪،‬‬

‫لالختصار‪ .‬كانا في منتهى اللطف‪ ،‬خاصة األكبر‬
‫سنًا‪ .‬داومنا على السير بالعربة طوال اليوم هابطين‬
‫إلى أماكن أكثر بهجة‪ ،‬أصابني صداع وشعور عام‬
‫باعتالل الصحة‪ ،‬ما لم أعانِ منه منذ مغادرتنا‬
‫تيكليو‪ .‬حين أصبحنا على ارتفاع ‪ 4853‬مترًا فوق‬
‫سطح البحر بدأت في التحسن‪ .‬عندما عبرنا وانوكو‬
‫واقترابنا من تينغو ماريا كسر محور العجلة األمامي‬
‫من جهة اليسار‪ ،‬لكن من حسن الحظ أن العجلة‬
‫التصقت بالرفرف فلم تنقلب العربة‪ .‬اضطررنا تلك‬
‫الليلة للنزول بفندق‪ .‬احتجت إلى أخذ حقنة‪ ،‬لكن‬
‫كما شاء حظي كسرت إبرة الحقنة‪.‬‬
‫كان اليوم التالي هادئًا خاليًا من األحداث ويوم ربو‪،‬‬
‫لكن في الليل حالفنا الحظ حين ذكر ألبيرتو بصوت‬
‫كئيب أن اليوم‪ 20 ،‬مايو‪/‬أيار‪ ،‬هو ذكرى الشهر‬
‫السادس لرحيلنا‪ .‬كان ذلك ذريعة لتطاير السوليس‪.‬‬
‫بعد القارورة الثالثة تعثر ألبيرتو وانطرح أرضًا‪،‬‬
‫متخليًا عن القرد الصغير الذي يحمله بين يديه‬
‫وغاب عن المكان‪ .‬استمر كامبا األصغر في احتساء‬
‫نصف قارورة أخرى حتى سقط على األرض‪.‬‬
‫غادرنا بسرعة في الصباح التالي قبل أن تستيقظ‬
‫المرأة التي تملك المحل‪ ،‬ألننا لم ندفع الفاتورة ولم‬
‫يملك األخوان كامبا مالًا بسبب تصليح محور العجلة‪.‬‬
‫سارت العربة بنا طوال النهار حتى انتهى بنا األمر‬
‫إلى أحد حواجز الطرق التي أقامها الجيش لمنع الناس‬
‫من السفر عند هطول مطر غزير‪.‬‬
‫انطلقنا ثانية في اليوم التالي وحجزنا ثانية عند‬
‫حاجز‪ .‬لم يسمح لنا بالمرور حتى حلول المساء‪ ،‬وإن‬
‫‪83‬‬

‫توقفنا مرة أخرى في بلدة صغيرة تدعى نيسكويال‪،‬‬
‫آخر موقف لنا في ذاك النهار‪.‬‬
‫كان الدرب ال يزال مقفلًا في اليوم التالي‪ ،‬لذا‬
‫ذهبنا إلى مركز الجيش للحصول على بعض الطعام‪.‬‬
‫غادرنا بعد الظهر ومعنا جندي جريح ليساعدنا في‬
‫المرور عند حواجز الطرق العسكرية‪ .‬بالفعل‪ ،‬بعد‬
‫كلومترات على الطريق‪ ،‬حين كانت باقي الشاحنات‬
‫متوقفة‪ ،‬سمح لشاحنتنا بالمرور إلى بوكالبا التي‬
‫وصلناها بعد حلول الليل‪ .‬دفع كامبا الصغير ثمن‬
‫وجبتنا‪ ،‬وللوداع شربنا أربع زجاجات من النبيذ‬
‫التي جعلته عاطفيًا فنذر لنا حبه السرمدي‪ ،‬ودفع‬
‫ثمن إقامتنا في الفندق‪.‬‬
‫كانت المهمة الرئيسة الملقاة علينا هي الوصول‬
‫إلى إيكيتوس‪ .‬كان رئيس البلدية أول من زرناه‪،‬‬
‫شخص يدعى كوهين سمعنا عنه كثيرًا‪ .‬كان يهوديًا‬
‫فيما يتعلق بالمال‪ ،‬لكنه رجل طيب‪ .‬ال ريب أنه‬
‫كان بخيلًا مغلول اليد‪ ،‬المشكلة كانت هل هو من‬
‫نوعية جيدة‪ .‬عهد بنا إلى وكيل الشحن البحري‬
‫الذي أرسلنا بدوره للحديث مع الربان اللطيف‪،‬‬
‫الذي وعدنا بمنحنا امتياز السفر في الدرجة األولى‬
‫ودفع تكاليف السفر في الدرجة الثالثة‪ .‬لم يسرنا‬
‫ذلك‪ ،‬فذهبنا لمقابلة رئيس الحامية العسكرية الذي‬
‫قال إنه ال يملك ما يقدمه لنا‪ .‬ثم وعد المسؤول‬
‫الثاني بعد استجوابنا (وبذلك أبدى غبا ًء عظيمًا)‬
‫‪84‬‬

‫الرحلة دي�سمرب ‪2010‬‬

‫بالمساعدة‪.‬‬
‫ذهبنا للسباحة بعد ظهر ذلك اليوم في ريو أوكايالي‬
‫التي بدت إلى حد ما مثل بارانا العليا‪ .‬صادفنا الوكيل‬
‫المساعد الذي قال إنه ضمن الكثير لنا‪ ،‬إكرامًا له‬
‫وافق الربان على أن ندفع تكاليف الدرجة الثالثة‬
‫ونسافر في الدرجة األولى‪ .‬صفقة عظيمة‍!‬
‫كان هناك نوعان نادران من السمك حيث نسبح‬
‫يدعوهما مواطنو المنطقة «بوفيو»‪ .‬تقول األسطورة‬
‫إنها تأكل الرجال وتغتصب النساء وترتكب ألف‬
‫عميلة عنف أخرى‪ .‬من الواضح أنها دولفين نهري‪،‬‬
‫التي لها أعضاء تناسلية مثل المرأة‪ ،‬فضال عن سمات‬
‫غريبة أخرى‪ .،‬لذا يستخدمها الهنود كبديل لكن‬
‫عليهم قتلها حالما ينتهون من معاشرتها ألن منطقة‬
‫األعضاء التناسلية تقبض على عضو الرجل وال يمكن‬
‫إخراجه‪ .‬قمنا تلك الليلة بمهمة مقابلة زمالئنا‬
‫الشاقة في المستشفي لنطلب مكانًا نقيم فيه‪ .‬كما‬
‫هو متوقع قابلونا ببرود وكان يمكن أن يرفضوا‬
‫طلبنا لو لم تكسبنا رباطة جأشنا ودهم فقدموا لنا‬
‫سريرين حيث استطعنا إراحة عظامنا المتعبة‪.‬‬

‫ي�صدر قريب ًا‬

‫هذه الصفحات مقتطفة من الكتاب الذي أصدرته "دار السويدي" في‬
‫أبو ظبي حتت عنوان "يوميات دراجة نارية" ترجمة صالح صالح‪.‬‬

‫ترجمة نعمان الحموي‬
‫‪85‬‬

‫امللف‬

‫‪The File‬‬

‫يحتوي هذا امللف على عدد من املو�ضوعات التي تتحرك يف ف�ضاء الرحلة العربية يف الف عام‪ ،‬من ابن‬
‫ف�ضالن واملقد�سي الب�شاري وابي دلف امل�سعري يف القرنني ‪ 10‬و‪� 11‬إىل ابن بطوطة‬
‫يف القرن الرابع ع�رش وابن خلدون يف القرن اخلام�س ع�رش‪ ،‬و�أبي �سامل العيا�شي يف القرن ال�سابع ع�رش‪ ،‬و�صوال �إىل‬
‫رحالة الع�رص احلديث‪ ،‬طواف على ثيمات �شغلت الرحالة ون�صو�صهم‪ ،‬وحيث حتولت الرحلة �إىل مر�آة الأزمنة‪،‬‬
‫والرحالة �إىل م�ؤرخ من طراز خا�ص‪.‬‬
‫ثيمات هذا امللف ون�صو�صه يف غالبيتها �شغلت �أبحاث امل�ؤمتر الدويل لأدب الرحلة امل�سمى « العرب بني البحر‬
‫وال�صحراء»‪ ،‬وها هي ت�شغل �صفحات من جملة الرحلة يف عددها الأول‪.‬‬
‫وبعد �أيام من �صدور العدد الأول من جملة «الرحلة»‪� ،‬سيكون هذا امل�ؤمتر قد عقد بالتعاون بني «املركز العربي‬
‫للأدب اجلغرايف‪-‬ارتياد الآفاق» لندن‪�-‬أبو ظبي‪ ،‬و «احلي الثقايف‪-‬كاتارا» يف الدوحة حتت عنوان عري�ض هو «العرب‬
‫بني البحر وال�صحراء» وير�صد الأدوار الثقافية واحل�ضارية للعرب وامل�سلمني يف عالقتهم بجوارهم ال�رشقي‬
‫وبالآخر الغربي من خالل ن�صو�ص �أدب الرحلة‪ ،‬ور�ؤى الرحالة وكتابات اجلغرافيني والبلدانيني العرب‬
‫وامل�سلمني‪ .‬ويتزامن انعقاد امل�ؤمتر مع منا�سبة مرور ع�رش �سنوات على ت�أ�سي�س «املركز العربي للأدب اجلغرايف‪-‬‬
‫ارتياد الآفاق»‪ ،‬و�سبع �سنوات على ت�أ�سي�س «جائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة»‪ .‬وي�أتي هذا الن�شاط ك�أول ن�شاط‬
‫ثقايف كبري ي�ست�ضيفه «احلي الثقايف‪-‬كاتارا» يف قاعاته و�أروقته‪.‬‬

‫العرب بني البحر وال�صحراء‬

‫الرحلة العربية يف �ألف عام‬

‫وكما جاء يف ن�رشة امل�ؤمتر ف�إن �أبحاثه ت�سلط ال�ضوء على م�ضيق هرمز وال�شواطئ العربية والآ�سيوية والإفريقية‪،‬‬
‫والرحالت عربها‪� ،‬إ�ضافة �إىل التوا�صل بني الآ�ستانة واجلزيرة العربية من خالل ن�صو�ص ال�سفر‪ ،‬وكذلك على دور‬
‫العرب يف تاريخ العلوم البحرية والفلكية وريادتهم يف الت�أ�سي�س لعلم اجلغرافية ولأدب الرحلة‪ ،‬وعلى دور رحالت‬
‫احلج يف نقل العلوم واملعارف والأفكار اجلديدة‪ .‬‬
‫ير�صد عدد مهم من �أبحاث امل�ؤمتر العالقات الثقافية وال�سيا�سية واالقت�صادية بني كل من العرب وال�صني والهند‬
‫وفار�س والرتك قدمي ًا وو�سيط‪ ،‬والعالقة ب�إفريقيا من جهة‪ ،‬وبني العرب و�أوروبا حديث ًا من جهة �أخرى‪.‬‬
‫‪ ‬وي�شهد امل�ؤمتر‪ ،‬وللمرة الأوىل لقا ًء ي�ضم عدد ًا من مرتجمي رحلة ابن بطوطة �إىل لغات �أوروبية و�آ�سيوية خمتلفة‪،‬‬
‫�سيقدمون �شهادات حول جتاربهم يف نقل الرحلة �إىل لغاتهم‪.‬‬
‫هنا يف هذا امللف مغامرة املا�ضي بني ما هو ذاتي وما هو مو�ضوعي تتحول �إىل م�سافات جتتازها وت�ستجليها عني‬
‫احلا�رض‪.‬‬

‫‪86‬‬

‫‪87‬‬

‫خارطة شكل إقليم جزيرة العرب أعدها حاجي «خليفة محمد بن عبد اهلل» ‪ 1732‬م‬

‫أشكال رمال في صحراء ليوا على تخوم الربع الخالي‬

‫طيور مهاجرة في ميناء سمهرم في ظفار‬

‫يف ب�ستان �أبي �سامل العيا�شي‬

‫�صور وحكايات‬

‫طويلة هي الرحلة من الدار البيضاء إلى سجلماسة حيث تقع زاوية العياشي‪ ،‬وضريحه وضريح‬
‫أجداده وأحفاده‪ ،‬وجمعهم ينتمون إلى قبيلة آيت أعياش‪ ،‬وفي المصادر المختلفة ولكن في نقل‬
‫مباشر عن الصديق الراحل سعيد الفاضلي الذي حقق رحلته «المسماة الرحلة المغربية»‪ ،‬ان‬
‫الرحالة واسمه الكامل عبد اهلل بن محمد بن ابي بكر بن يوسف بن موسى العياشي الملقب‬
‫بعفيف الدين ولد في ‪ 1628‬وتوفي بالطاعون سنة ‪.1679‬‬
‫يا لمشقة الطريق وقصر العمر‪ .‬لقد شد العياشي الرحال إلى المشرق فزار مكة والمدينة وأدى‬
‫فريضة الحج ثم يمم شطر أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين‪ ،‬فحج وزار وعاد إلى المفرب‬
‫‪92‬‬

‫الرحلة دي�سمرب ‪2010‬‬

‫زاوية العياشي في سجلماسة‬

‫في الجوار‬

‫اختيار‪ :‬محمد أحمد السويدي‬
‫تصوير‪ :‬كمال بستاني‬
‫عبر مصر‪.‬‬
‫الرحلة إلى زاوية العياشي وبيت اهله شاقة في الصيف‪ ،‬فقد كانت رحلة صيفية‪...‬وما من كثرة‬
‫من الناس تفكر في زيارة قبر هذا العالم األديب وزاويته في فصل الصيف‪ ،‬بل في أصعب شهور‬
‫الصيف‪.‬‬
‫مع ذلك كانت الفكرة ان أتجول في سجلماسة وأتوقف حيثما عن لي‪ ،‬ولرفاق الرحلة ذلك‪ ،‬لنطلع‪،‬‬
‫عن قرب‪ ،‬ولو لوقت قصير‪ ،‬على المكان الذي اطلع هذا الرحالة الذي دون في رحلته العلم واألدب‬
‫والفتوى والحكمة‪ ،‬والحكاية والخبر والمالحظة والخاطرة‪ ،‬والطرفة‪ ،‬والشعر وغير ذلك مما جعل‬
‫من نص رحلته ديوان أدب‪ ،‬وزاوية تصوف‪ ،‬وفضاء‪ ،‬ومحراب عبادة‪.‬‬
‫‪93‬‬

‫في جوار الزاوية‪ :‬حياة بسيطة‬

‫مفتاح الزاوية‬

‫في بيته‪ ،‬حيث ضريحه وبستانه والهضبة التي أطل منها على العالم‪ ،‬هناك عبرنا ساقية ماء‪،‬‬
‫عذب‪ ،‬ومررنا بنساء يغسلن المالبس واألواني‪ ،‬وسرعان ما حضر صبية وحضر رجل ترك عمله‬
‫وسعى أمامنا كدليل‪ ،‬بمنتهى الحماسة واللطف والكرم‪.‬‬
‫وجاء فقيه فتح لنا مكتبة الزاوية حيث كتب العياشي ومخطوطاته مكبس تجليد المخطوطات‬
‫ومالبسه ونعله وجرة السمن كلها دليل إلى نفس بسيطة متقشفة‪ ،‬كذا هو الصوفي‪...‬على باب‬
‫اهلل‪ ،‬ال يتطلب لكنه يفني ذاته في وجود فسيح‪.‬‬
‫قصدت أن أعود ومعي صور للبيئة التي ظهر فيها العياشي في الطريق من األطلس المتوسط نحو‬
‫الريصاني‪..‬مررورا بالرشيدية ووصوال إلى مرزوكة على الحدود الجزائرية‪.‬‬
‫ولما أزف الوقت كانت طريق العودة عبر جبال األطلس‪ ،‬وواحات أوفوس وغيرها من الواحات‬
‫الخضراء المنخفظة في أرض تشقها األنهار ويكثر فيها النخيل‪ .‬هي نفسها كطريق الرحالة‬
‫‪94‬‬

‫الرحلة دي�سمرب ‪2010‬‬

‫والمتصوفة الذين عبروا هذه الواحات ذهابا وغيابا في الطريق إلى الحج‪ ،‬وكذا في الرحالت‬
‫الداخلية التي لم تتوقف عبر قرون‪ ،‬والتي تركت لنا غرثا مغربيا ومغاربيا هائال‪ ،‬جله ما يزال‬
‫ينتظر التحقيق والنشر‪.‬‬
‫محمد أحمد السويدي الذي فكك الرحلة والذي مشى معي الرحلة عبر غوغل واتصل بي مرارا‬
‫على الطريق بين نقطتي االنطالق والعودة في مسار طوله أكثر من ألف كيلومتر وخمسمائة كيلو‬
‫مترا‪.‬‬
‫هنا في هذه الصفحات ماعادت به عدسة المصور من سجلماسة‪ ،‬وما اختاره محمد أحمد‬
‫السويدي من نصوص حكائية‪ ،‬ومرات طريفة استلها من رحلة ابي سالم العياشي لتكون قطوفا‬
‫أولى من الرحلة ندنيها من ذائقة القارئ‪.‬‬

‫‪95‬‬

‫من متعلقات الرحالة‬

‫واركال‬
‫وكان دخولنا للمدينة عشية الخميس‪ ،‬وأقمنا بها‬
‫يوم الجمعة واليومين اللذين بعده‪ ،‬ودخلنا للمدينة‬
‫لحضور صالة الجمعة‪ ،‬وصلينا بجامع يسمى جامع‬
‫المالكية‪ ،‬وخطب الخطيب بخطبة أكثر فيها اللحن‬
‫والخطأ والتحريف‪ ،‬والتقديم والتأخير‪ ،‬مع إدغام‬
‫أكثر حروفها‪ ،‬حتى كأنها همهمة‪ ،‬فكنت أتخوف‬
‫أال تصح لنا معه جمعة إن كانت صالته كخطبته‪،‬‬
‫فنجى اهلل‪ ،‬فأحسن في قراءة الفاتحة‪ .‬فما ظننا‬
‫أن صالتنا معه مجزية‪ ،‬ودعا في خطبته لإلمام‬
‫المهدي ثم للسلطان األعظم‪ ،‬الخاقان األفخم‪ ،‬محمد‬
‫بن إبراهيم بن مراد‪ ،‬ثم لسلطان بلده موالي عالهم‪.‬‬
‫فلما فرغ من الصالة بعثت بعض أصحابنا ليسأله‬
‫عن المهدي المدعو له في الخطبة‪ ،‬أهو المنتظر‬
‫‪98‬‬

‫الرحلة دي�سمرب ‪2010‬‬

‫المدخل الرئيسي لمبنى الزاوية‬

‫أم أحد المنتحلين ذلك ممن مضى‪ ،‬فسأله عن‬
‫ذلك فإذا هو ال يفقه شيئا من ذلك‪ ،‬وقال‪ :‬أظنه‬
‫النبي صلى اهلل عليه وسلم‪ .‬فعلمت أنه إنما وجد‬
‫الخطبة مكتوبة في صحيفة عنده فحفظها كما‬
‫وجدها‪ ،‬إال أنه لم يحرر حفظها ونقلها‪ ،‬ولعلها من‬
‫خطب بعض من كان في أيام المهدي بن تومرت‬
‫(مؤسس دولة الموحدين بالمغرب) زاد فيها هذا‬
‫الدعاء لإلمامين اللذين في عصره‪.‬‬

‫الألعاب النارية‬
‫ولما وصلنا إلى البحر َّ‬
‫تأخرنا لدفن بعض األشراف‬
‫مات بعد النزول من العقبة مطعونًا‪َ ،‬‬
‫وخشي أقاربه‬
‫من جور الوالة إن أوصلوه إلى البندر‪ ،‬فدفن هناك‬

‫رحمة اهلل علينا وعليه‪ ،‬ووصلنا إلى البندر عند‬
‫الظهر‪ ،‬وفيه حصن حصين في قرية على شاطئ‬
‫البحر في سفح جبل‪ ،‬وبها آبار كثيرة‪ ،‬وفيها نخيل‬
‫وسوق كبير يحضره أهل غزة وتأتيه األعراب‬
‫باإلبل والغنم والسمن والعسل والعلف للدواب‪،‬‬
‫ووجدنا الفول فيها رخيصًا أرخص مما اكتري عليه‬
‫من مصر‪ ،‬وبتنا بها‪ ،‬وبات المصري هناك‪ ،‬وأوقد‬
‫بالليل نيرانًا كثيرة وضرب المدافع ورمى المحارق‬
‫في الهواء‪ ،‬ولها منظر عجيب وأسلوب غريب كأ ّنَها‬
‫شهب النجوم يرمى بها من األرض إلى السماء‪،‬‬
‫فتراها في الجو طالعة حتى ترى من هام شوامخ‬
‫الجبال دونها‪ ،‬ثم تنعطف راجعة كأنها ثعبان‪ ،‬ثم‬
‫يُسمع لها صوت وتخرج منها شرارات من النار‪ ،‬فإذا‬
‫انقطعت تلك أتبعها بأخرى‪ ،‬وخروجهن فيما نرى‬
‫من نار زرقًا كأنها نار الكبريت تشتعل اشتعالًا قويًا‬

‫فتطلع منها تلك الشهب‪ ،‬وال نعلم صنعة ذلك‪ ،‬وهي‬
‫من الغرائب‪ ،‬والرمي بها وبالمدافع عادة المصري في‬
‫كل منزل أقام فيه إذا أراد الرحيل‪.‬‬

‫تون�س‬
‫وقد خرج معنا رجل من أهل الزاوية المذكورة‬
‫ممن ينتحل الفقه ومعه بعض الحمارنة قدموا‬
‫هنالك يمتارون تمرا‪ ،‬وسألهم أمير الركب أن يدلونا‬
‫الطريق إلى بالدهم فساروا معنا‪ ،‬فبينما أنا أسير‬
‫في اليوم الثاني ضحى إذ هم قد جاؤوا على خيلهم‪،‬‬
‫وبأيديهم صقور‪ ،‬يسألون عني في الركب حتى‬
‫وجدوني‪ ،‬فسلموا علي بعدما نزلوا عن خيلهم‪ .‬فلما‬
‫ركبوا قال لي المتفقه منهم‪ :‬أريد أن تأذن لي في‬
‫‪99‬‬

‫جرة السمن الخاصة بأبي سالم العياشي ومكبس الورق الخاص به‪ ،‬والفقيه يشرح للزائر‬

‫السؤال عن مسائل فقهية‪ ،‬واستحسنت أدبه في‬
‫االستئذان في السؤال‪ ،‬واستقبحت فعله في سؤاله‬
‫إياي وهو راكب وأنا ماش‪ .‬فأذنت له في السؤال‬
‫حيا ًء من رده‪ ،‬فأخذ يسأل عن مسائل من العبادات‪،‬‬
‫فبينما أنا آخذ معه في ذلك إذ نفج الركب أرنبا‬
‫فتصايح الحجاج عليها يمينا وشماال‪ ،‬فلما رأى ذلك‬
‫أرسل عليها الصقر‪ ،‬وأخذ يركض في إثرها‪ ،‬وذهب‬
‫وتركني ولم يسمع تمام الجواب عن مسائله‪.‬‬
‫فتعجبت من استئذانه في السؤال وذهابه من‬
‫غير استئذان قبل إتمام الجواب‪ ،‬فعلمت أن الرجل‬
‫في الغالب أخرق وأن استئذانه أوال لم يكن عن‬
‫أدب‪ ،‬وإنما هو شيء رآه من غيره أو سمع به فعلق‬
‫بذهنه‪ .‬وفي اليوم الثلث من رحيلنا من نفزاوة‬

‫‪100‬‬

‫الرحلة دي�سمرب ‪2010‬‬

‫تركنا جبال مطماطة (موقعها بالقرب من مدينة‬
‫قابس‪ ،‬ماؤها شروب‪ ،‬وبها نخل كثير) عن يميننا‪.‬‬

‫امل�صريني‬
‫لغط‬
‫ّ‬
‫ولما كان يوم الثالثاء سابع الشهر ارتحل الركب‬
‫المصري من المدينة بعد إقامة ثالثة أيام بها‪ ،‬وكان‬
‫الحرم الشريف في أيام إقامتهم ال تكاد تسمع فيه‬
‫صوت قارئ وال مؤذن لكثرة اللغط والصخب ورفع‬
‫األصوات وازدحام الناس في المسجد‪ ،‬ال ينقطع‬
‫ذلك ليلًا وال نهارًا‪َّ ،‬‬
‫ألن أبواب الحرم الشريف ال‬
‫ْ‬
‫تغلق ماداموا هناك‪ ،‬ويُكثِرون بالليل إيقاد الشموع‬

‫ممر في الطريق خروجا من الزاوية‬

‫في المسجد ويجتمع إليهم صبيان أهل المدينة‬
‫يقرؤون لهم موالد وقصائد في مدح النبي‪ ،‬صلى‬
‫اهلل عليه وسلم‪ ،‬وهم محدقون بهم‪ ،‬ويسمون ذلك‬
‫مولد النبي‪ ،‬صلى اهلل عليه وسلم‪ ،‬يستعدون له‬
‫من بالدهم بالشمع والحلواء‪ ،‬ويدفعون للصبيان‬
‫أجرة على ذلك‪ ،‬ويقع على أرض الحرم من‬
‫الشمع المذاب شيء كثير ألجل ذلك‪ ،‬فيلتقطونه‬
‫ويجمعونه ويرجعون به إلى بالدهم تَ َب ُّر َكًا به‪،‬‬
‫فتجد منهم في المسجد بالليل جماعات كثيرة‬
‫على هذا النمط‪ ،‬فيكثر لذلك الصياح في المسجد‬
‫واللغط الذي ال ينبغي‪ ،‬ال سيما مع ما ينضاف إلى‬
‫ذلك من والول النساء وبكاء األطفال واختالط‬
‫النساء بالرجال‪ .‬وبالجملة فعوام المصريين من أبعد‬

‫الغوغاء عن إصابة الصواب لوال أن مسجد رسول‬
‫اهلل‪ ،‬صلى اهلل عليه وسلم‪ ،‬ال تكدره الدالء لكانوا‬
‫جديرين بالمقت بسبب ما يحصل منهم من سوء‬
‫األدب وسيئ األقذار في الحرم الشريف‪.‬‬
‫وألهل المدينة عند قدومهم عادة مذمومة‪ ،‬وهي‬
‫أنه ال تبقى مخدرة من النساء شريفة كانت أو‬
‫وضيعة إال خرجت تباشر البيع والشراء بنفسها‪،‬‬
‫ولهن على الرجال في ذلك الوقت إتاوة يؤدونها‬
‫لهن يبتعن بها ما أحببن من الالئق بهن‪ ،‬من طيب‬
‫أو شبهه‪ ،‬وربما ال تقنع إحداهن من زوجها إال‬
‫بالخمسين دينارًا فما فوقها‪ ،‬فقد حُ كي أن امرأة‬
‫بعض المدرسين بها أعرفه طلبت منه في ذلك‬
‫اليوم ما تخرج به إلى السوق على العادة‪ ،‬فدفع لها‬
‫‪101‬‬

‫بعض المخطوطات الخاصة بالعياشي‬

‫عشرة دنانير ذهبًا‪ ،‬فاستقلتها وذهبت من شدة‬
‫الغيظ فرمت بها في المرحاض وأتلفتها عليه وقالت‬
‫له‪ :‬أمثلي يخرج إلى السوق بهذا المقدار‪ ،‬فلم يملك‬
‫من أمره إلى أن ذهب وتسلف خمسين دينارًا‬
‫فدفعها لها‪ ،‬وهذه حسرة عظيمة وذل للرجال الذين‬
‫جعلهم اهلل قوامين على النساء‪ ،‬فال ينبغي لذي همة‬
‫أن يرضى بذلك‪ ،‬بيد أن نساءهم يبالغون في الستر‬
‫الظاهر بحيث ال يبدو من المرأة وال مغرز إبرة‪،‬‬
‫حتى من أطرافها‪ ،‬يلبسن الخفاف السود‪ ،‬ويتبرقعن‬
‫ويسدلن من أزورهن ما يكون نهاية في الستر‪ ،‬إال‬
‫أنهن يكثرن من الطيب عند الخروج فيوجد عرف‬
‫الطيب منهن من مسافة فيكون ما سترنه ظاهرًا‬
‫أبدينه باطنًا‪ ،‬وبهذا فسر بعض العلماء قوله‪ ،‬صلى‬
‫اهلل عليه وسلم‪ :‬رب كاسية في الدنيا عارية في‬
‫اآلخرة‪ ،‬ألن الحكم في اآلخرة إنما هو للحقائق‪ ،‬ومن‬
‫هذه صفته من النساء‪ ،‬وإن اكتست في الظاهر فهي‬
‫في الحقيقة عارية‪َّ ،‬‬
‫ألن حقيقة التعري إبداء ما‬
‫حقه أن يخفى‪ ،‬كما أن التستر إخفاء ما ال ينبغي‬
‫أن يظهر‪ ،‬وال خفاء أن عطر المرأة من أعظم زينتها‬
‫وألذ ما يُشتهى منها‪ ،‬وقد أُمرت بإخفاء ما هذا‬
‫سبيله من أوصافها‪ ،‬فإذا ظهر منها ذلك فهي في‬
‫الحقيقة عارية وإن اكتست‪َّ ،‬‬
‫فإن من العورات ما ال‬
‫‪102‬‬

‫الرحلة دي�سمرب ‪2010‬‬

‫تواريه الكسوة وال يُواريه إال تركه رأسًا أو الخلوة؛‬
‫ككالم المرأة‪ ،‬فالصحيح أنه عورة‪ ،‬وكذلك عطرها‪،‬‬
‫فال يواريه إال تركه‪ ،‬ولذلك جاز لها الطيب المؤنث‪،‬‬
‫وهو ما ظهر لونه وخفي ريحه‪ ،‬ألن اللون تستره‬
‫الثياب‪ ،‬بخالف الريح فال يستره إال الترك رأسًا‪ ،‬أو‬
‫عدم الخروج‪ ،‬فليتأمل‪.‬‬

‫�أعجوبة‬
‫حكى لي بعض المجاورين أنه وُ جِ د في بعض‬
‫المواسم رجل مع امرأة في الحرم الشريف‪ُ ،‬‬
‫فحمِال‬
‫إلى الحاكم‪ ،‬فشهدت البينة أنها زوجته‪ ،‬وقيل‬
‫له‪ :‬ما حملك على ما فعلت؟ فقال‪ :‬إنه ال ولد لنا‪،‬‬
‫فرجوت أن تحمل المرأة ببركة هذا الحرم‪ ،‬فعذر‬
‫بجهله‪ ،‬ولم ُي َعاقب‪.‬‬

‫البداوة‬
‫ولقد أُخبرت أن للنساء عليهم عادة يسمونها‬
‫الشخشخة‪ ،‬وهو ما تشتري به المرأة ما تشتهيه‬

‫النعل الذي كان يرتديه الرحالة‬

‫من األزهار‪ ،‬فربما بلغ ذلك ريالًا في كل يوم‪ ،‬ولقد‬
‫سألت شيخنا الثعالبي عن سبب إيثاره سكنى‬
‫مكة على المدينة‪ ،‬مع أنا نقول بفضل المدينة‬
‫على مكة‪ ،‬فقال‪َّ :‬‬
‫إن أهل هذه المدينة قد تحضروا‬
‫وغلب عليهم طبع األعاجم ورفاهيتهم وإسرافهم‪،‬‬
‫وتشبهوا بهم في ملبسهم وفي غالب أحوالهم‪ ،‬وأنا‬
‫امرؤ مسكين فقير أخاف أن ينشأ أوالدي وأزواجي‬
‫ويتطبعوا بطبعهم في ذلك‪ ،‬بخالف أهل مكة فإنهم‬
‫لم يزالوا على أعرابيتهم واستعمال البداوة وعدم‬
‫المباالة واالعتناء في الملبس والمأكل‪ ،‬قد غلبت‬
‫عليهم البداوة‪ ،‬وكثرة مخالطتهم ألهل البادية‬
‫وسكناهم بها حتى أمراؤها من األشراف‪ ،‬فإن غالب‬
‫سكناهم بالبادية‪ ،‬وإن كانت لهم منازل بمكة‪ ،‬ومن‬
‫ولد له مولود منهم استرضع له من العرب بالبادية‪،‬‬

‫فال يأت به حتى يقارب الحلم‪ ،‬ولباس الملك وأوالده‬
‫وبني عمه‪ ،‬وإن كان في غاية الرفعة واللطافة‬
‫فإنه على زي لباس العرب في تعممهم وتقمصهم‪،‬‬
‫فيلبسون العمائم القصار ذوات األهداب الطويلة‬
‫ويرسلون لها العذبة إلى قريب من ذراع‪ ،‬ويلبسون‬
‫الدشوت الرفيعة إال أنها على هيئة دشوت األعراب‪،‬‬
‫وال يلبسون الجوخ التي تلبسها العجم وال األقبية‬
‫التي هي على زيهم‪ ،‬ويلبسون النعال ذات السيور‬
‫التي على ظهر القدم دون السرموجة (السرموجة‪:‬‬
‫نوع من األحذية) التي تلبسها األعاجم‪ .‬وعلى‬
‫كل حال فأهل مكة قد غلبت البداوة على جميع‬
‫شؤونهم وظهرت فيهم دون أهل المدينة‪ ،‬ولذلك قل‬
‫سكنى األعاجم بها‪ ،‬إال القليل‪ ،‬ألنها وطن السلطان‬
‫وأوالده وأقاربه‪ ،‬ونفوسهم ال تنقاد للذل وجريان‬
‫‪103‬‬

‫مخطوطة جميلة الخط‬

‫األحكام عليها في كل ورد وصدر‪ ،‬فيشمئزون من‬
‫سكنى مكة ويميلون إلى المدينة لكون عسكر‬
‫الترك بها وهم جنسهم وأحكام السلطان‪ ،‬وإن كانت‬
‫نافذة هناك أيضًا‪ ،‬لكنها بعيدة منهم فليست كمحل‬
‫وطنه‪ .‬أخبرني بهذا من سبر حال البلدين وعلمه‬
‫زيادة على ما رأيته أنا من ذلك‪.‬‬

‫الأغوات‬
‫ولقد أجاد شيخ الحرم في وضع هذا الحاجز وفي‬
‫تنقية البالليع التي في صحن المسجد‪ ،‬وشيخ الحرم‬
‫وهو كبير العبيد األغوات الموقوفين على خدمة‬
‫‪104‬‬

‫الرحلة دي�سمرب ‪2010‬‬

‫الخط المغربي وزخارف المخطوط‬

‫المسجد والحجرة الشريفة‪ ،‬واآلغا بلغتهم كناية‬
‫الخصي دون‬
‫الخصي من العبيد‪ ،‬واختاروا وقف‬
‫عن‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫غيره لكونه أطهر وأنزه وأكثر فراغًا من االشتغال‪،‬‬
‫إذ ال أهل له وال ولد يشتغل بهم‪ ،‬وهو أبعد من دنس‬
‫الجنابة ومباشرة النساء‪ ،‬وهم عدد كثير قريب‬
‫من الثمانين‪ ،‬يزيدون وينقصون بحسب كثرة‬
‫الراغبين في الوقف ّ‬
‫وقلتهم‪ ،‬واألربعون منهم هم‬
‫الكبار الذين يأتي رزقهم ومؤونتهم من بيت المال‪،‬‬
‫وما زاد على ذلك إنما يرزقون من األوقاف التي لهم‬
‫بالمدينة‪ ،‬أو مما يأتيهم من الهدايا والصدقات من‬
‫أقطار األرض‪ ،‬ويسمى ما سوى األربعين البطالين‪،‬‬
‫ألنهم إنما يستعملون في األشغال التي هي خارج‬
‫الحجرة والمسجد النبوي من األعمال الممتهنة‪،‬‬

‫وال يجلسون مع األكابر في الدكة‪ ،‬إنما يجلسون‬
‫خارجها‪ ،‬ولهم ضبط وسياسة كسياسة الملوك‪،‬‬
‫فلكل واحد منهم رتبة معلومة وشغل معلوم‪ .‬فإذا‬
‫مر باألصاغر أحد األكابر قاموا كلهم‪ ،‬وكذلك األكابر‬
‫َّ‬
‫فيما بينهم‪ ،‬فأكبرهم شيخ الحرم وهو يتجدد في‬
‫الغالب إما في سنة أو سنتين أو أكثر‪ ،‬وال يأتي‬
‫إال من دار السلطان من عبيده‪ ،‬ويليه النقيب‪،‬‬
‫ويليه المستشار‪ ،‬وهو الذي يتولى قبض الصدقات‬
‫وما يهدى لهم أو للحجرة‪ ،‬وبيده مفاتيح الحجرة‬
‫وحواصل الزيت والشمع‪ ،‬والحاصل أن جميع‬
‫ما يتصرف فيه األغوات ومصالح المسجد ومن‬
‫أوقافهم كل ذلك بيده‪ ،‬فإذا مات أحد من األربعين‬
‫دخل أحد البطالين في موضعه‪ ،‬وهو من كان شيخ‬

‫البطالين والترتيب في ذلك بالتقدم‪ ،‬فمن تقدم‬
‫مجيئه يقدم على من تأخر مجيئه‪ ،‬وليس فيهم‬
‫شافعي وال حنبلي‪ ،‬بل كلهم حنفية ومالكية على‬
‫مذهب ساداتهم الذين أوقفوهم‪ ،‬وذلك ألن الشافعية‬
‫والحنابلة ال يرون صحة وقف الحيوان‪.‬‬
‫ومن أوقف عبدًا من األغوات على الحجرة نسب‬
‫إليه‪ ،‬سواء كان من التجار أو من األمراء أو العلماء‪،‬‬
‫فيقال‪ :‬آغا فالن‪ ،‬وقد كان كبيرهم المستسلم أيام‬
‫مجاورتنا األغا يحيى‪ ،‬وهو من أوقاف الشيخ الصالح‬
‫الحاج األبر سيدي أبي حفص بن الشيخ عبد القادر‬
‫بن بوسماحة المغربي من ناحية فِجيج‪ ،‬وتوفي‬
‫األغا يحيى بعد خروجنا من المدينة ونحن ّ‬
‫بمكة‪،‬‬
‫وتولّى مكانه اآلغا مصطفى وهو مالكي أيضًا‪.‬‬
‫‪105‬‬

‫قبر العياشي ابي سالم‪ :‬تنقصه العناية‬

‫وكالهما كان يبالغ في تعظيمنا واإلحسان إلينا‪،‬‬
‫فجزاهما اهلل خيرا‪ ،‬وكل األغوات أهل خير وبركة‬
‫وشرفهم‬
‫قد اختارهم اهلل لخدمة أشرف البقاع‬
‫ّ‬
‫بالنسبة إلى أشرف الخلق‪ ،‬صلى اهلل عليه وسلم‪،‬‬
‫ولقد شاهدت منهم أناسا على قدم صدق في العبادة‬
‫منهم األغا عبد النبي‪ ،‬وهو شيخ البطالين إذ ذاك‪،‬‬
‫واألغا عنبر منهم أيضًا‪ ،‬ولقد اعتكفت ليلة في‬
‫المسجد فلم يبت فيه أحد غير سوى األغوات‪،‬‬
‫فاجتهدت أن أساويه في القيام والصالة فما قدرت‪،‬‬
‫والفضل بيد اهلل‪.‬‬
‫واألغوات كلهم يبيتون في المسجد ما عدا شيخ‬
‫الحرم والنقيب‪ ،‬وأما اآلخرون فال يبيت واحد منهم‬
‫بداره إال لعذر بيّن من مرض أو نحوه‪ ،‬ولكنهم‪،‬‬
‫جزاهم اهلل خيرًا عن تعظيم المكان وتوقيره‬
‫وتبجيله‪ ،‬وعادتهم كل ليلة‪ ،‬إذا فرغ الناس من‬
‫صالة العشاء ورواتبها‪ ،‬قاموا بيدهم الفوانيس الكبار‬
‫مشعلة‪ ،‬ليخرجوا الناس من المسجد‪ ،‬فيأتون إلى‬
‫المواجهة والصف األول فيقف بعضهم أول الصف‬
‫ووسطه وآخره‪ ،‬فيخرجون كل من فيه‪ ،‬فإذا‬
‫لم َ‬
‫يبق أحد في ذلك الصف‪ ،‬تكلموا بكلمة ذكر‬
‫‪106‬‬

‫الرحلة دي�سمرب ‪2010‬‬

‫رافعين أصواتهم بها‪ ،‬فينتقلون إلى الصف الذي‬
‫يليه‪ ،‬ثم كذلك حتى ال يبقى في المسجد أحد إال‬
‫هم‪ ،‬فيغلقون األبواب ويطفئون المصابيح كلها إال‬
‫التي في مواجهة الوجه الشريف والتي في داخل‬
‫الحجرة‪ ،‬فيخرجون من المسجد إلى الصحن‬
‫وإلى األروقة التي بجانبه‪ ،‬فيخرجون فرشهم من‬
‫الحواصل‪ ،‬وينامون هناك‪ ،‬وال ينام أحد منهم في‬
‫المسجد‪ ،‬بل وال يأتيه إال من قصد منهم الصالة‪،‬‬
‫وغالب نوم الصغار منهم في مؤخر المسجد‪.‬‬
‫ومن وراء المسجد‪ ،‬في الناحية الشامية‪ ،‬ميضأة‬
‫كبيرة فيها بئر كبيرة وأخلية‪ ،‬وفتح لها باب إلى‬
‫مؤخر المسجد وال تفتح إال ليال بعد غلق األبواب‪،‬‬
‫وتسرج فيها المصابيح لوضوء األغوات وإزالة‬
‫حقنة من احتاج إلى ذلك بليل‪ ،‬فإذا غلقت األبواب‬
‫هدأت األصوات منهم وخشعوا‪ ،‬فال تكاد تسمع من‬
‫أحد منهم كلمة‪ ،‬فمن احتاج منهم إلى أحد كلمه‬
‫السرار‪ .‬ولقد رأيتهم يبالغون في خفض‬
‫اآلخر ِّ‬
‫أصواتهم بالليل‪ ،‬حتى بالسعال والعطاس‪ ،‬وتنزل‬
‫عليهم السكينة‪ ،‬وتلحقهم هيبة المكان‪ ،‬وليس‬
‫ذلك منهم مجرد استعمال‪ ،‬بل لما يخالط قلوبهم‬

‫جماعة من أحفاده‬

‫من هيبة المكان‪ .‬ولقد أخبروني أنه ال يقدر أحد‬
‫منهم بليل أن يصل إلى الروضة وأطراف الحجرة‬
‫والمواجهة إال األفراد منهم‪ ،‬وأنهم يسمعون بالليل‬
‫قعقعة السقوف وفرقعة الشبابيك‪ ،‬حتى يظن أن‬
‫أحد أبواب الحجرة فتح‪ ،‬وأن بعض السقوف وقع‪ ،‬فال‬
‫يجدون شيئًا من ذلك‪ ،‬واهلل أعلم‪ ،‬لتنزل مالئكة‬
‫ّ‬
‫الرحمة على قبره‪ّ ،‬‬
‫وسلم‪ ،‬أو قدوم‬
‫صلى اهلل عليه‬
‫بعض رجال الغيب للزيارة‪ ،‬ويظهر ذلك بالليل لهدوء‬
‫األصوات به وخلو المكان‪ ،‬وإن كان تنزل المالئكة‬
‫على قبره‪ ،‬صلى اهلل عليه وسلم‪ ،‬وغشيان الرحمة‬
‫له ال ينقطع ليلًا وال نهارًا‪ ،‬ولقد شاهدت من الهيبة‬
‫والعظمة في إحدى الليالي التي بتها في المسجد‬
‫ما أعجز عن وصفه‪ ،‬ولقد كنت أجهد إذا عسعس‬

‫الليل أن أصل إلى المواجهة وأقف للتسليم والدعاء‬
‫فما أصل إلى ذلك حتى تكاد أوصالي تتقطع هيبة‪،‬‬
‫فإذا وصلت وسلمت وأردت إطالة الوقوف للدعاء‬
‫كما كنت أفعل نهارًا فال أقدر‪ ،‬فأخفف السالم‬
‫والدعاء وأرجع‪ ،‬ولقد سمعت بعض ما ذكر من‬
‫فرقعة السقف وما أشبه ذلك فملئت منه رعبا إال‬
‫أني كنت أشتغل عنه وأتلهى عن سماعه بقراءة‬
‫القرآن سرا‪ ،‬فيا لها من ليلة هي نتيجة عمري‬
‫وفريدة أيامي‪ ،‬فلئن كانت ليلة القدر كألف شهر‬
‫فهذه الليلة عندي كألف ليلة القدر‪ ،‬اللهم ال أحصي‬
‫ثناء عليك‪ ،‬أنت كما أثنيت على نفسك‪ ،‬فلك الحمد‬
‫على جزيل عطائك ولك الشكر على سوابغ آالئك‪.‬‬
‫فإذا كان بعد الثلث اآلخر من الليل جاء رئيس‬
‫‪107‬‬

‫أحصنة األلعاب النارية وفرسانها يرتدون ازياء تقليدية‬

‫المؤذنين‪ ،‬ففتحوا له وصعد إلى المئذنة الرايسية‪،‬‬
‫وأذن وشرع في الدعاء والذكر والصالة على النبي‪،‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫وسلم‪ ،‬فيقوم كل من في المسجد‬
‫صلى اهلل عليه‬
‫من األغوات فيتوضؤون‪ ،‬ثم يصبحون كل ما في‬
‫المسجد من المصابيح‪ ،‬فإذا فرغوا من اإلصباح‪،‬‬
‫وقرب الصباح‪ ،‬فتحوا أبواب الحرم‪ ،‬وال يأتي وقت‬
‫فتحها حتى تجتمع بأبواب المسجد جماعات‬
‫كثيرة من المجتهدين‪ ،‬ينتظرون الفتح‪ ،‬فإذا فتحت‬
‫األبواب دخلوا مزدحمين‪ ،‬وتسابقوا الصف األول‬
‫من الروضة فيما بين القبر والمنبر‪ ،‬فمن سبق إلى‬
‫موضع كان أحق به‪ ،‬فإذا أراد القيام لحاجة كزيارة‬
‫أو تجديد وضوء بسط نمرة له في محله‪ ،‬فال‬
‫يجلس فيه أحد ولو أبطأ‪ ،‬وكثيرًا ما يعتدي في ذلك‬
‫أقوام فيدخلون مع أول داخل من غير طهارة لقصد‬
‫السبق إلى الموضع وتحجيره‪ ،‬فإذا بسط فيه فروته‬
‫أو منديله ذهب إذ ذاك إلى الطهارة وأسبابها‪ ،‬وكثير‬
‫منهم يبطئ في الطهارة فيحجر على الناس المحل‪،‬‬
‫وربما عرض ألحدهم حاجة في منزله أو في‬
‫السوق فيترك النمرة في محله فال يقربه أحد وإن‬
‫أبطأ كثيرا‪ ،‬وفي ذلك من الضرر على المصلين ما‬
‫ال يخفى‪ ،‬على أن في دخولهم مزدحمين واستباقهم‬
‫إلى الروضة ربما سمع ألقدامهم دوي من شدة‬
‫‪108‬‬

‫الرحلة دي�سمرب ‪2010‬‬

‫العدو‪ ،‬سوء أدب ال يخفى وربما يحتج لذلك محتج‬
‫بقوله عليه السالم‪ :‬لو يعلم الناس ما في الصف‬
‫األول الستبقوا إليه‪ ،‬فال بد بتقييد ذلك بما ال يخل‬
‫بأدب البقعة المطهرة وساكنها لقوله عليه السالم‪:‬‬
‫وآتوها تمشون‪ ،‬يعني الصالة‪ ،‬وعليكم السكينة‬
‫والوقار‪ ،‬فما أدركتم فصلوا‪ ،‬وما فاتكم فأتموا‪،‬‬
‫والمراد بالمسابقة في الحديث المتقدم االهتمام‬
‫بشأنه والحرص على الصالة فيه والتبكير إليه من‬
‫غير عدو باألقدام ومزاحمة بالمناكب‪.‬‬
‫وساداتنا األغوات‪ ،‬رضي اهلل عنهم‪ ،‬ال يغفلون طرفة‬
‫عين عن حراسة الحرم الشريف وتأديب من أساء‬
‫األدب فيه بلغط ورفع صوت أو نوم‪ ،‬ولو في قائلة‪،‬‬
‫إال في مؤخر المسجد‪ ،‬ومن وجدوه مضطجعًا من‬
‫دون نوم لالستراحة‪ ،‬فإن ّ‬
‫مد رجليه إلى ناحية‬
‫الحجرة زجروه‪ ،‬وإن استقبل القبلة بوجهه أو‬
‫الحجرة من غير أن يكون مستدبرًا لها تركوه‪ ،‬وال‬
‫يغفلون عن حضور المسجد في ساعة من ليل أو‬
‫نهار‪ ،‬فإن خرجت طائفة جلست طائفة‪.‬‬
‫ولهم ديار وخدم وأتباع‪ ،‬وضياع وخيل‪ ،‬وسعة‬
‫دنيا‪ ،‬وال يشغلهم ذلك َع َّما هم بصدده من خدمة‬
‫المسجد‪ ،‬بل لبعضهم أزواج وسراري‪ ،‬اتخذوها‬
‫للتلذذ بما سوى الجماع‪.‬‬

‫حصان مغربي اصيل‬

‫وأحكامهم فيما بينهم منضبطة غاية االنضباط‪ ،‬وال‬
‫يحكم فيهم سلطان وال غيره‪ ،‬وال يولّى عليهم وال‬
‫يعزل منهم‪ ،‬إال بأمر شيخهم‪ .‬وال يرث معهم بيت‬
‫المال إن مات أحدهم‪ ،‬إنما يتوارثون بينهم‪ .‬ومن‬
‫وجبت عليه عقوبة أو أدب منهم أدبوه‪ ،‬من غير‬
‫أن تكون ألحد عليهم والية‪ ،‬كل ذلك تعظيمًا لجانب‬
‫ّ‬
‫النبي‪ّ ،‬‬
‫وسلم‪ ،‬أن تكون ألحد والية‬
‫صلى اهلل عليه‬
‫على عبيده‪ .‬ولقد أنكرت منهم تأديب من لزمه‬
‫األدب من صغارهم في المسجد في بيت بإزاء دكتهم‬
‫قريبًا من الحجرة فيسمع صياحه وصوت الضرب‬
‫كل من بإزاء الحجرة‪ ،‬فكنت أرى أن لو جعلوا لذلك‬
‫محلًا بعيدًا من المسجد والحجرة الشريفة‪ ،‬وال‬
‫يدخل معهم من العبيد الذين يهدون من اآلفاق إال‬

‫من أرادوا إدخاله بمال يدفعه عنه سيده عنه‪ ،‬أو‬
‫يدفعه هو إن كان له مال‪ ،‬ومع ذلك يبقى في مرتبة‬
‫الصغار المشتغلين بالخدمة الخارجية‪ ،‬فإن رضوا‬
‫حاله وحسنت أخالقه تركوه حتى تأتي نوبته في‬
‫الدخول في زمرة األربعين‪ ،‬وإن ظهرت منه خيانة‬
‫وسوء أخالق وسرقة أو شيء يشينه‪ ،‬نفوه إلى‬
‫حيث شاء من البالد‪.‬‬
‫ولقد وجدت هناك خصيا لبعض ملوك المغرب‬
‫دفع لهم مالًا جزيال ليدخل في زمرتهم وكان كهال‬
‫ال يحسن خدمة الصغار‪ ،‬فدفع لهم مالًا آخر على‬
‫تحريره من الخدمة‪ ،‬وقنع بأن يكون محسوبا في‬
‫زمرتهم يناله من أوقافهم وصدقاتهم‪ ،‬ولقد أصاب‬
‫في ذلك وأحسن النظر لنفسه إذ أنقذه اهلل من‬
‫‪109‬‬

‫في جوار الزاوية‪ :‬وقائع حياة‬

‫خدمة سالطين الدنيا إلى خدمة سلطان الدنيا‬
‫واآلخرة‪ ،‬ومن جوار الظلمة العجزة إلى جوار‬
‫الكرام البررة‪.‬‬
‫ّ‬
‫وبالجملة فلعبيد النبي‪ّ ،‬‬
‫وسلم‪،‬‬
‫صلى اهلل عليه‬
‫ّ‬
‫وخدام مسجده جاللة قدر‪ ،‬وعظم منصب‪ ،‬وسعة‬
‫ّ‬
‫أرزاق‪ ،‬وكرم أخالق‪ ،‬وهم أحقاء بذلك‪ .‬ولكبيرهم‬
‫كلمة نافذة في المدينة‪ ،‬تنفذ أحكامه‪ ،‬وتمضي‬
‫تصرفاته‪ ،‬في القويّ والضعيف ويطأ عقبه الكبراء‬
‫واألشراف‪.‬‬
‫أدر كيفية تصرف‬
‫لم‬
‫بالمدينة‬
‫إقامتي‬
‫طول‬
‫وعلى‬
‫ِ‬
‫الوالة فيها‪ ،‬وال من له التصرف التام بها‪ ،‬فإن شيخ‬
‫ّ‬
‫الخدام كما تقدم تنفذ أحكامه‪،‬‬
‫الحرم وهو كبير‬
‫وكبير العسكر الساكنين بالقلعة أمير أيضًا‪ ،‬وابن‬
‫‪110‬‬

‫الرحلة دي�سمرب ‪2010‬‬

‫عم السلطان زيد وزوج ابنته السيدة تقية النائب‬
‫عنه في النظر في مصالح البلد كذلك‪ ،‬واألمير الذي‬
‫تنسب إليه إمرة المدينة من الشرفاء الحسينيين‬
‫كذلك‪ ،‬والحاكم الذي يسجن ويضرب ويقتل‬
‫ويؤدب‪ ،‬وهو من خدام السلطان كذلك‪ .‬وال أعلم هل‬
‫لكل واحد من هؤالء والية على قوم بالخصوص أو‬
‫على عمل من األعمال‪ ،‬ولم يشف لي أحد غرض‬
‫إال مجرد العلم باإلحاطة بأخبار المدينة دينيّها‬
‫ودنيويّها لحبي لها ولساكنيها أسأل غرضًا في‬
‫كيفية ذلك‪ ،‬ولم أبالغ في الفحص عنه‪ ،‬إذ لم يتعلق‬
‫لي به اهلل أن يحقق لي ذلك ويجعل قبري بها على‬
‫أحسن حال تسر المؤمن في دينه ودنياه آمين‪.‬‬

‫الطفولة طرافة الوجود‬

‫الزباد‬
‫أخبرني أن سيدي علي الخضيري ذكر في شرحه‬
‫على المختصر (يقصد مختصر خليل) أن الزباد‬
‫(مثل السنور الصغير يجلب من نواحي الهند)‬
‫المسمى في عرف غربنا بالغالية (نوع من الطيب) ‪،‬‬
‫نجس وأن كان عرق حي لمروره بمحل البول‪ .‬قال‪:‬‬
‫وكان بعض الصالحين ال يتطيب به لذلك‪ ،‬وأظنه‬
‫شيخنا اللقاني‪ .‬قال شيخنا‪ :‬وكنت أتوهم ذلك إلى‬
‫أن بعثت بحضرة الشيخ سيدي عبد الحفيظ إلى قط‬
‫من القطوط التي يستخرج منها الزباد‪ ،‬وكان عند‬
‫بعض األتراك‪ ،‬فلما أحضر أمرنا متولي استخراج‬
‫الزباد منه بإخراجه بحضرتنا ففعل‪ .‬فشاهدنا محل‬

‫اجتماع ذلك منه خارجا عن محل البول ال يمر به‬
‫أصال‪ ،‬وإنما هو جليدة رقيقة عن يمين المحل أو‬
‫يساره يجتمع فيها ذلك العرق وتشتد عليه وتنطوي‬
‫حتى يؤخذ منها‪ .‬قال‪ :‬فحينئذ اطمأنت نفوسنا‬
‫وأيقنا بطهارته (وردت الحكاية في كتاب‪ :‬صفوة‬
‫من انتشر)‪.‬‬
‫هذه الصفحات اختيرت واقتطفت من كتاب‬
‫«الرحلة العياشية» حتقيق د‪ .‬سعيد الفاضلي‬
‫ود‪ .‬سليمان القرشي‪ ،‬حائزة على «جائزة ابن‬
‫بطوطة لألدب اجلغرافي» ‪ ، 2005‬منشورات‬
‫دار السويدي ‪.2006‬‬
‫‪111‬‬

‫ابن خلدون يف �ضيافة تيمور لنك عند �أبواب دم�شق �سنة ‪ 803‬هـ‬

‫العال‬
‫وال�سفاح‬
‫اللقاء العجيب بني‬
‫مِ‬
‫َّ‬

‫�شد ابن خلدون رحاله متوجه ًا من املغرب نحو امل�رشق‪ .‬وقد وردت �أخبار هذه‬
‫يف �سنة ‪ 803‬هجرية ّ‬
‫الرحلة ووقائعها يف ذيل كتابه "العرب" حتت عنوان "التعريف بابن خلدون ورحلته �رشق ًا وغرب ًا"‪ .‬ويت�ضمن‬
‫هذا الق�سم الأخري من الكتاب ما يعرب كتاب ًا م�ستق ًال‪ ،‬ترجم فيه ابن خلدون لنف�سه‪ ،‬م�ستعر�ض ًا ن�ش�أته‬
‫وم�شيخته وحاله‪ .‬ودون وقائع رحالته املتكررة ما بني املغرب وتون�س واجلزائر والأندل�س ومن ثم رحلته‬
‫�إىل ال�شام والقاهرة‪ ،‬مبا يف ذلك �أخبار توليه املنا�صب وعزله عنها يف امل�رشق العربي‪ .‬وما لعبه من �أدوار يف‬
‫ال�سيا�سة والق�ضاء‪ ،‬وما ت�ضلع به من دور الو�سيط بني �سالطني امل�رشق و�سالطني املغرب‪.‬‬
‫و�صل ابن خلدون �إىل دم�شق مع و�صول التتار �إىل �أ�سوارها‪ .‬و�إذا كانت واقعة �سقوط هذه املدينة العظيمة‬
‫حتت �سيوف التتار هي واحدة من الوقائع الأكرث �ش�ؤم ًا يف تاريخها‪ ،‬ملا �شهدته خالل ذلك من فظائع تق�شعر‬
‫لها الأبدان‪ ،‬ف�إن هذه امل�صادفة �ست�شكل عالمة فارقة يف حياة ابن خلدون‪ .‬ولعل هذا العالمة الكبري ما كان‬
‫ليخطر يف باله يوم ًا �أن يلعب دور الو�سيط بني املدينة وتيمور لنك الذي ن�صب خيمته حتت �أ�سوارها و�رضب‬
‫احل�صار عليها‪ ،‬فدافعت املدينة عن نف�سها متحدة �إىل �أن بد�أت بوادر الفرقى تدب ب�سبب خالف بني القلعة‬
‫املدافعة عنها والق�ضاة الذين ي�أ�سوا من �إمكان ا�ستمرار املدينة يف ال�صمود‪ ،‬وخافوا على �أنف�سهم وعلى‬
‫رعاياهم من مذبحة ال تبقي �أحد ًا يف دم�شق‪ ،‬ف�آثروا ت�سليم املدينة‪ .‬لكن �أهل القلعة رف�ضوا اال�ست�سالم‬
‫لتيمور لنك وع�ساكره وقرروا موا�صلة الدفاع‪.‬‬

‫هنا يبرز دور ابن خلدون الذي طلب من القضاة‬
‫الذين اجتمعوا في مدرسة العادلية‪ ،‬وشكلوا‪-‬‬
‫بحضوره ‪ -‬وفدًا للقاء تيمور‪ ،‬وبحث صيغة‬
‫االستسالم أن يساعدوه على الخروج معهم‪ .‬وبالفعل‬
‫فإن ابن خلدون سيتدلى من السور ويخرج من‬
‫المدينة المحاصرة بعد عودة الوفد من اللقاء األول‬
‫له مع تيمور‪ .‬رأس الوفد القاضي برهان الدين‬
‫بن ابرهيم بن محمد بن مفلح‪ ،‬وكان يجيد إلى‬
‫جانب اللغة العربية‪ ،‬اللغتين التركية والفارسية‪.‬‬
‫يذكر ابن خلدون أنه خالل اللقاء الذي دار بين‬
‫القضاة الدمشقيين وتيمور‪ ،‬سأل األخير عن ابن‬
‫فر مع الوفد المسافر‬
‫خلدون باالسم‪ ،‬وما إذا كان ّ‬
‫إلى القاهرة لطلب النجدة؟ فقيل له ال‪ ،‬وهو موجود‬
‫في المدرسة العادلية حيث يقيم‪ .‬ويذكر المؤرخ‬
‫المغربي أن تيمور أحسن لقاء الوفد وكتب له‬
‫الرقاع باألمان‪ ،‬ورد أعضاءه إلى المدينة بوعود‬
‫وآمال عراض‪ ،‬إذا ما أمكنهم إقناع المدافعين بالكف‬
‫عن األعمال الحربية وفتح األبواب لجيشه‪.‬‬
‫في تلك الليلة بات ابن خلدون على أهبة الخروج‬
‫للقاء تيمورلنك‪ ،‬ولما علم المدافعون عن المدينة‬
‫بأخبار الوفد‪ ،‬والمفاوضات دارت سجاالت واسعة‬
‫بين فريقي الداعين إلى الصمود والقتال حتى‬
‫النصر أو الشهادة‪ ،‬وبين القائلين باالستسالم‪،‬‬
‫ووقعت شجارات يذكر ابن خلدون أحدها بقوله‪:‬‬
‫"فحدث بين بعض الناس تشاجر في المسجد‬
‫الجامع‪ ،‬وأنكر البعض ما وقع من االستنامة إلى‬
‫القول (أي االطمئنان إلى وعود التتار)"‪ .‬وهنا يعبر‬
‫ابن خلدون عن خشيته على نفسه من أذى‬
‫الرافضين االستسالم‪ .‬وعلى األرجح أن المؤرخ‬
‫المغربي لم ينم تلك الليلة‪ ،‬وفي الفجر سيكون‬
‫عند السور‪ .‬يقول‪ّ ..." :‬‬
‫وبك ُ‬
‫رت سحرًا إلى جماعة‬
‫ُ‬
‫وطلبت الخروج أو التدلي من‬
‫القضاة عند الباب‪،‬‬
‫السور‪ ،‬لما حدث عندي من تو ّهمات ذلك الخبر‪،‬‬
‫علي أولًا‪ ،‬ثم أصبحوا‪ ،‬ودلّوني من السور‪،‬‬
‫فأبو ّ‬
‫ُ‬
‫فوجدت بطانته –يقصد تيمور‪ -‬عند الباب‪ ،‬ونائبه‬
‫الذي عيّنه للوالية على دمشق"‪ .‬وكان هذا التتاري‬
‫يدعى شاه ملك‪ ،‬يصف ابن خلدون لقاءه به على‬
‫وفد ُ‬
‫يت ّ‬
‫النحو التالي‪ " :‬فحيّيتهم وحيّوني‪ّ ،‬‬
‫وفدوني‪،‬‬
‫ّ‬
‫وقدم لي شاه ملك‪ ،‬مركوبًا‪ ،‬وبعث معي من بطانة‬
‫السلطان من أوصلني إليه"‪.‬‬
‫بعد ذلك نجوز إلى واقعة دخول ابن خلدون على‬
‫تيمور لنك في خيمته‪ .‬والنص المنشور‪ ،‬هنا‪ ،‬هو‬
‫ما دونه ابن خلدون بنفسه عما دار في هذا اللقاء‬

‫رسم يمثل ابن خلدون‬

‫بينه وبين تيمور من سؤال وجواب وحوار حول‬
‫مسائل مختلفة‪ .‬وال يذكر ابن خلدون شيئًا عن‬
‫وساطته بين قضاة المدينة والسفاح‪ ،‬إال ما كان من‬
‫طلبه العون لبعض األصدقاء والمعارف في المدينة‬
‫أن يلحقهم تيمور في خدمته‪.‬‬
‫مستويات النص‬
‫يمكن قراءة هذا النص في مستويات مختلفة‪ .‬في‬
‫جانب منه تتجلى لغة ابن خلدون الموضوعية‬
‫الخالية من أي مبالغة‪ ،‬والبعيدة عن الحماسة؛ لغة‬
‫تقرير ورصد وإخبار‪ .‬وعلى رغم أنه أقرب إلى‬
‫سرديات أدب الرحلة منه إلى الدرس والتحليل‬
‫العلمي الذي طالما كان األركز واألكثر أساسية‬
‫في آثار ابن خلدون كعالم اجتماع ومؤرخ‪ ،‬فإن ما‬
‫يسرده ابن خلدون ويدونه عن هذا اللقاء يترك‬
‫ُ‬
‫المجال واسعًا أمام التكهن والتحليل‪ ،‬والقراءة‬
‫المعاصرة بحرية كبيرة‪ .‬فهو لم يصمت عما وسم‬
‫شخصه من خضوع خالل اللقاء‪ ،‬وال هو سكت‬
‫عن محاولته استمالة تيمورلنك عن طريق‬
‫الخطاب والهدية‪ .‬في خطابه زيغ ومواربة وتدليس‬
‫واستعمال للخرافة لم يعهد عنه في تأريخه أو في‬
‫نظرته إلى األشياء‪ ،‬السيما عندما يم ِّثل ابن خلدون‬
‫الشوق للقاء من كتبت له األقدار أن يلتقي به‪.‬‬
‫أما الهدية‪ :‬المصحف‪ ،‬والسجادة والقصيدة وعلب‬
‫الحلوى‪ ،‬فهي تحمل أكثر من تحية وترحاب‪.‬‬
‫إنها في تلك اللحظة العصيبة بالنسبة إلى مدينة‬
‫محاصرة فعلة غريبة من عالم هو قاض وفقيه‬
‫ومؤرخ له مكانته في ديار اإلسالم‪ ،‬كما لو كانت‬
‫تقديرًا إستثنائيًا لما قام به‪ ،‬وما سيقوم به سفاح‬
‫‪113‬‬

‫العادلية‪ ،‬واتفق رأيهم على طلب األمان من األمير‬
‫تمر على بيوتهم وحرمهم‪ ،‬وشاوروا في ذلك نائب‬
‫القلعة‪ ،‬فأبى عليهم ذلك ونكره‪ ،‬فلم يوافقوه‪ .‬وخرج‬
‫القاضي برهان الدين بن مفلح الحنبلي (‪803--749‬‬
‫وكان يحسن اللغتين التركية والفارسية ) ومعه‬
‫شيخ الفقراء‪ ،‬فأجابهم إلى التأمين‪ ،‬وردهم باستدعاء‬
‫الوجوه والقضاة‪ ،‬فخرجوا إليه متدلين من السور‬
‫بما صبحهم من التقدمة‪ ،‬فأحسن لقاءهم وكتب لهم‬
‫الرقاع باألمان‪ ،‬وردهم على أحسن اآلمال‪ ،‬واتفقوا‬
‫معه على فتح المدينة من الغد‪ ،‬وتصرف الناس في‬
‫المعامالت‪ ،‬ودخول أمير ينزل بمحل اإلمارة منها‪،‬‬
‫ويملك أمرهم بعز واليته‪.‬‬

‫المدرسة العادلية القسم الشمالي‬

‫يطوق مدينة ويتأهب لالنقضاض عليها‪.‬‬
‫هنا في هذا النص القيم بما يعكسه من أحوال‬
‫شخصية لعالم كبير‪ ،‬في برهة غير شخصية أبدًا‪،‬‬
‫وما يحمله من دالالت استثنائية في حركة الكاتب‬
‫والمثقف باتجاه الغازي العدو‪ ،‬يمكننا أن نقف‬
‫على نموذج في سلوك المثقف‪ ،‬ال نغامر في إطالق‬
‫توصيف جازم في رخاوته‪ ،‬ولكننا ندعو‪ ،‬أقله‪،‬‬
‫إلى التأمل فيه‪ ،‬في سياق إعادة النظر‪ ،‬وفي سياق‬
‫الضرورة القائلة بأهمية جذور األشياء في فهم‬
‫ظواهر حديثة تتعلق بموقف المثقف من الطاغية‬
‫أكان أهليًا أم غريمًا خارجيًا وغازيًا له سمعة كتلك‬
‫التي أسبغتها على تيمورلنك أعماله الوحشية بحق‬
‫اإلنسان والمدنية في التاريخ‪.‬‬
‫ما يضاعف من قوة المفارقة في سلوك ابن‬
‫خلدون خالل لقاء تيمور لنك أنه عالم رصد البعد‬
‫المتحضر في سلوك الناس والمجتمعات!‬
‫لقاء األمير تَمُ ر سلطان المُ ُغل ّ‬
‫والططر‬
‫لما وصل الخبر إلى مصر بأن األمير تمر َملَ َك‬
‫بالد الروم‪ ،‬وخرب سيواس ورجع إلى الشام‪ ،‬جمع‬
‫السلطان عساكره‪ ،‬وفتح ديوان العطاء‪ ،‬ونادى في‬
‫الجند بالرحيل إلى الشام‪ ،‬وكنت أنا يومئذ معزولًا‬
‫عن الوظيفة‪ ،‬فاستدعاني َد َواداره يشبك (من أمراء‬
‫الملك الظاهر)‪ ،‬وأرادني على السفر معه في ركاب‬
‫السلطان‪ ،‬فتجافيت عن ذلك‪ .‬ثم أظهر العزم علي‬
‫‪114‬‬

‫الرحلة دي�سمرب ‪2010‬‬

‫بلين القول‪ ،‬وجزيل اإلنعام فأصخيت‪ ،‬وسافرت‬
‫معهم منتصف شهر المولد الكريم من سنة ثالث‬
‫وثمانمائة‪ ،‬فوصلنا إلى غزة‪ ،‬فأرحنا بها أيامًا نترقب‬
‫األخبار‪ ،‬ثم وصلنا إلى الشام مسابقين الططر إلى‬
‫أن نزلنا شقحب (جنوب دمشق)‪ ،‬وأسرينا فصبحنا‬
‫دمشق‪ ،‬واألمير تمر في عساكره قد رحل من بعلبك‬
‫قاصدًا دمشق‪ ،‬فضرب السلطان خيامه وأبنيته‬
‫بساحة قبة يلبغا‪ .‬ويئس األمير تمر من مهاجمة‬
‫البلد‪ ،‬فأقام بمرقب على قبة يلبغا يراقبنا ونراقبه‬
‫أكثر من شهر‪ .‬تجاول العسكران في هذه األيام‬
‫مرات ثالثًا أو أربعًا‪ ،‬فكانت حربهم سجالًا‪ ،‬ثم نمي‬
‫الخبر إلى السلطان وأكابر أمرائه‪ ،‬أن بعض األمراء‬
‫المنغمسين في الفتنة يحاولون الهرب إلى مصر‬
‫للثورة بها‪ ،‬فأجمع رأيهم للرجوع إلى مصر خشية‬
‫من انتقاض الناس وراءهم‪ ،‬واختالل الدولة بذلك‪،‬‬
‫فأسروا ليلة الجمعة‪ ،‬وركبوا جبل الصالحية‪،‬‬
‫ثم انحطوا في شعابه‪ ،‬وساروا على شافة البحر‬
‫إلى غزة‪ ،‬وركب الناس ليلًا يعتقدون أن السلطان‬
‫سار على الطريق األعظم إلى مصر‪ ،‬فساروا عصبًا‬
‫وجماعات على شقحب إلى أن وصلوا إلى مصر‪،‬‬
‫وأصبح أهل دمشق متحيرين قد عميت عليهم‬
‫األنباء‪.‬‬
‫قضاة دمشق يستسلمون‬
‫وجاءني القضاة والفقهاء‪ ،‬واجتمعت بمدرسة‬

‫تيمور لنك يسأل عن ابن خلدون‬
‫وأخبرني القاضي برهان الدين أنه سأله عني‪ ،‬وهل‬
‫سافرت مع عساكر مصر أو أقمت بالمدينة‪ ،‬فأخبره‬
‫بمقامي بالمدرسة حيث كنت‪ ،‬وبتنا تلك الليلة‬
‫على أهبة الخروج إليه‪ ،‬فحدث بين بعض الناس‬
‫تشاجر في المسجد الجامع‪ ،‬وأنكر البعض ما وقع‬
‫من االستنامة إلى القول‪.‬‬
‫وبلغني الخبر من جوف الليل‪ ،‬فخشيت البادرة‬
‫على نفسي‪ ،‬وبكرت سحرًا إلى جماعة القضاة عند‬
‫الباب‪ ،‬وطلبت الخروج أو التدلي من السور‪ ،‬لما‬
‫حدث عندي من توهمات ذلك الخبر‪ ،‬فأبوا علي‬
‫أولًا‪ ،‬ثم أصخوا لي‪ ،‬ودلّوني من السور‪ ،‬فوجدت‬
‫بطانته عند الباب‪ ،‬ونائبه الذي عينه للوالية على‬
‫دمشق‪ ،‬واسمه شاه ملك‪ ،‬من بني جقطاي أهل‬
‫وفديت ّ‬
‫عصابته‪ ،‬فحييتهم وحيوني‪ّ ،‬‬
‫وفدوني‪،‬‬
‫وقدم لي شاه ملك‪ ،‬مركوبًا‪ ،‬وبعث معي من بطانة‬
‫السلطان من أوصلني إليه‪ .‬فلما وقفت بالباب خرج‬
‫اإلذن بإجالسي في خيمة هنالك تجاور خيمة‬
‫جلوسه‪ ،‬ثم زيد في التعريف باسمي أني القاضي‬
‫المالكي المغربي‪ ،‬فاستدعاني‪ ،‬ودخلت عليه بخيمة‬
‫جلوسه‪ ،‬متكئًا على مرفقه‪ ،‬وصحاف الطعام تمر‬
‫بين يديه‪ ،‬يشير بها إلى عصب ال َم ُغل جلوسًا أمام‬
‫خيمته‪َ ،‬حلَقًا َحلَقًا‪ .‬فلما دخلت عليه فاتحت‬
‫بالسالم‪ ،‬وأوميت إيماءة الخضوع‪ ،‬فرفع رأسه‪،‬‬
‫ومد يده إلي فقبلتها‪ ،‬وأشار بالجلوس فجلست‬
‫حيث انتهيت‪ .‬ثم استدعى من بطانته الفقيه عبد‬
‫الجبار بن النعمان من فقهاء الحنفية بخوارزم‪،‬‬
‫فأقعده يترجم ما بيننا‪ ،‬وسألني‪ :‬من أين جئت من‬
‫المغرب‪ ،‬ول َم جئت؟‬

‫رسم يمثل تيمور لنك‬

‫فقلت‪ :‬جئت من بالدي لقضاء الفرض ركبت إليها‬
‫البحر‪ ،‬ووافيت مرسى اإلسكندرية يوم الفطر سنة‬
‫أربع وثمانين من هذه المائة الثامنة‪ ،‬والمفرحات‬
‫بأسوارهم لجلوس الظاهر على تخت الملك لتلك‬
‫العشرة األيام بعددها‪.‬‬
‫فقال لي‪ :‬وما فعل معك؟‬
‫قلت‪ :‬كل خير‪ ،‬بر مقدمي‪ ،‬وأرغد قراي‪ ،‬وزودني‬
‫للحج‪ ،‬ولما رجعت وفر جرايتي‪ ،‬وأقمت في ظله‬
‫ونعمته‪ ،‬رحمه اهلل وجزاه‪.‬‬
‫فقال‪ :‬وكيف كانت توليته إياك القضاء؟‬
‫فقلت‪ :‬مات قاضي المالكية قبل موته بشهر‪،‬‬
‫وكان يظن بي المقام المحمود في القيام بالوظيفة‪،‬‬
‫وتحري المعدلة والحق‪ ،‬واإلعراض عن الجاه‪،‬‬
‫فوالني مكانه‪ ،‬ومات لشهر بعدها‪ ،‬فلم يرض أهل‬
‫الدولة بمكاني‪ ،‬فأدالوني منها بغيري جزاهم اهلل‪.‬‬
‫فقال لي‪ :‬وأين ولدك؟‬
‫فقلت‪ :‬بالمغرب الجواني كاتبًا للملك األعظم هنالك‪.‬‬
‫فقال وما معنى الجواني في وصف المغرب‪ ،‬فقلت‬
‫هو في عرف خطابهم معناه الداخلي‪ ،‬أي األبعد‪ ،‬ألن‬
‫المغرب كله على ساحل البحر الشامي من جنوبه‪،‬‬
‫فاألقرب إلى هنا برقه‪ ،‬إفريقية (تونس السوم)‪،‬‬
‫والمغرب األوسط (الجزائر اليوم)‪ :‬تلمسان وبالد‬
‫زناتة‪ ،‬واألقصى‪ :‬فاس ومراكش‪ ،‬وهو معنى الجواني‪.‬‬
‫فقال لي‪ :‬وأين مكان طنجة من ذلك المغرب؟‬
‫فقلت‪ :‬في الزاوية التي بين البحر المحيط‪ ،‬والخليج‬
‫المسمى بالزقاق‪ ،‬وهو خليج البحر الشامي‪.‬‬
‫وس ْبته؟‬
‫فقال‪َ :‬‬
‫قلت‪ :‬على مسافة من طنجة على ساحل الزقاق‪،‬‬
‫ومنها التعدية إلى األندلس‪ ،‬لقرب مسافته‪ ،‬ألنها‬
‫‪115‬‬

‫جانب من السور بين باب السالم وباب توما‬

‫أعمدة جوبيتر (سوق المسكية)‬

‫هناك نحو العشرين ميلًا‪.‬‬
‫فقال‪ :‬وفاس؟‬
‫فقلت‪ :‬ليست على البحر‪ ،‬وهي في وسط التلول‪،‬‬
‫وكرسي ملوك المغرب من بني َمرين‪.‬‬
‫ماسة؟‬
‫فقال‪ :‬وسِ جِ ْل َ‬
‫قلت‪ :‬في الحد ما بين األرياف والرمال من جهة‬
‫الجنوب‪.‬‬
‫فقال‪ :‬ال يقنعني هذا‪ ،‬وأحب أن تكتب لي بالد‬
‫المغرب كلها‪ ،‬أقاصيها وأدانيها وجباله وأنهاره وقراه‬
‫وأمصاره‪ ،‬حتى كأني أشاهده‪.‬‬
‫فقلت‪ :‬يحصل ذلك بسعادتك‪.‬‬

‫قد سمعت كثيرًا من الحدثان في ظهوره‪ ،‬وكان‬
‫المنجمون المتكلمون في قِرانات الع ُْل ِو ّيَ ْين (لقاء‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫زحل بالمشتري) يترقبون القِران العاشر في المثلثة‬
‫الهوائية‪ ،‬وكان يترقب عام ستة وستين من المائة‬
‫السابعة‪ .‬فلقيت ذات يوم من عام أحد وستين‬
‫بجامع القرويين من فاس‪ ،‬الخطيب أبا علي بن‬
‫باديس خطيب قسنطينة‪ ،‬وكان ماهرًا في ذلك الفن‪،‬‬
‫فسألته عن هذا القرآن المتوقع‪ ،‬وما هي آثاره؟‬
‫فقال لي‪ :‬يدل على ثائر عظيم في الجانب الشمالي‬
‫الشرقي‪ ،‬من أمة بادية أهل خيام‪ ،‬تتغلب على‬
‫الممالك‪ ،‬وتقلب الدول‪ ،‬وتستولي على أكثر‬
‫المعمور‪.‬‬
‫فقلت‪ :‬ومتى زمنه؟‬
‫فقال‪ :‬عام أربعة وثمانين تنتشر أخباره‪ .‬وكتب لي‬
‫بمثل ذلك الطبيب ابن َز ْر َزر اليهودي‪ ،‬طبيب ملك‬
‫اإلفرنج ابن أُذفونش ومنجمه‪ .‬وكان شيخي رحمه‬
‫اهلل إمام المعقوالت محمد بن إبراهيم اآلبِلي متى‬
‫فاوضته في ذلك‪ ،‬أو سايَل ُته عنه يقول‪ :‬أمره قريب‪،‬‬
‫َ‬
‫عشت أن تراه‪.‬‬
‫وال بد لك إن‬
‫وأما المتصوفة فكنا نسمع عنهم بالمغرب لرقبهم‬
‫لهذا الكائن‪ ،‬ويرون إن القائم به هو الفاطمي‬
‫المشار إليه في األحاديث النبوية من الشيعة‬
‫وغيرهم‪ ،‬فأخبرني يحيى بن عبد اهلل حافد الشيخ‬
‫أبي يعقوب البادسي كبير األولياء بالمغرب‪ ،‬إن‬
‫الشيخ قال لهم ذات يوم‪ ،‬وقد انفتل من صالة الغداة‪:‬‬
‫إن هذا اليوم ولد فيه القائم الفاطمي‪ ،‬وكان ذلك‬
‫في عشر األربعين من المائة الثامنة‪ ،‬فكان في‬

‫العالم والسفاح‬
‫وكتبت له بعد انصرافي من المجلس لما طلب‬
‫ُ‬
‫وأوعبت الغرض فيه في مختصر وجيز‬
‫من ذلك‪،‬‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫يكون قدر اثنتي عشرة من الكراريس المنظفة‬
‫القطع‪ .‬ثم أشار إلى خدمه بإحضار طعام من بيته‬
‫يسمونه الرش َتة‪ ،‬ويحكمونه على أبلغ ما يمكن‪،‬‬
‫فأحضرت األواني منه‪ ،‬وأشار تعرضها علي‪ ،‬فمثلت‬
‫قائمًا‪ ،‬وتناولتها وشربت واستطبت‪ ،‬ووقع ذلك منه‬
‫أحسن المواقع‪ ،‬ثم جلست وسكتنا‪ ،‬وقد غلبني‬
‫الوجل بما وقع من نكبة قاضي القضاة الشافعية‪،‬‬
‫صدر الدين المناوي‪ ،‬أسره التابعون لعسكر مصر‪،‬‬
‫بشقحب‪ ،‬وردوه‪ ،‬فحبس عندهم في طلب الفدية‬
‫منه‪ ،‬فأصابنا من ذلك وجل‪.‬‬
‫فزورت في نفسي كالمًا أخاطبه به‪ ،‬وأتلطفه‬
‫بتعظيم أحواله‪ ،‬وملكه‪ .‬وكنت قبل ذلك بالمغرب‬
‫‪116‬‬

‫الرحلة دي�سمرب ‪2010‬‬

‫نفسي من ذلك كله ترقب له فوقع في نفسي ألجل‬
‫الوجل الذي كنت فيه أن أفاوضه في شيء من ذلك‬
‫يستريح إليه‪ ،‬ويأنس به مني‪ ،‬ففاتحته وقلت‪ :‬أيدك‬
‫اهلل! لي اليوم ثالثون‪ ،‬أو أربعون سنة أتمنى لقاءك‪.‬‬
‫فقال لي الترجمان عبد الجبار‪ :‬وما سبب ذلك‪،‬‬
‫فقلت‪ :‬أمران‪ ،‬األول أنك سلطان العالم‪ ،‬وملك الدنيا‪،‬‬
‫وما أعتقد أنه ظهر في الخليقة منذ آدم لهذا العهد‬
‫ملك مثلك‪ ،‬ولست ممن يقول في األمور بالجزاف‪،‬‬
‫فإني من أهل العلم‪ ،‬وأبين ذلك فأقول‪ :‬إن الملك إنما‬
‫يكون بالعصبية‪ ،‬وعلى كثرتها يكون قدر الملك‪،‬‬
‫واتفق أهل العلم من قبل ومن بعد‪ ،‬أن أكثر أمم‬
‫البشر فرقتان‪ :‬العرب والترك‪ ،‬وأنتم تعلمون ملك‬
‫العرب كيف كان لما اجتمعوا في دينهم على نبيهم‪،‬‬
‫وأما الترك ففي مزاحمتهم لملوك الفرس وانتزاع‬
‫ملكهم أفراسياب خراسان من أيديهم شاهد بنصابهم‬
‫من الملك‪ .‬وال يساويهم في عصبيتهم أحد من‬
‫ملوك األرض من كسرى‪ ،‬أو قيصر‪ ،‬أو اإلسكندر‪،‬‬
‫نصر (‪ : )561-604‬أعظم ملوك‬
‫أو بختنصر (نبوخذ ّ‬
‫الكلدانيين) أما كسرى فكبير الفرس ومليكهم‪،‬‬
‫وأين الفرس من الترك‪ ،‬وأما قيصر واإلسكندر‬
‫فملوك الروم‪ ،‬وأين الروم من الترك‪ ،‬وأما بختنصر‬
‫فكبير أهل بابل‪ ،‬والنبط‪ .‬وأين هؤالء من الترك‪،‬‬
‫وهذا برهان ظاهر على ما ادعيته في هذا الملك‪.‬‬
‫وأما األمر الثاني مما يحملني على تمني لقائه‪،‬‬
‫فهو ما كنت أسمعه من أهل الحدثان بالمغرب‪،‬‬
‫واألولياء‪ ،‬وذكرت ما قصصته من ذلك قبل‪ .‬فقال‬
‫لي‪ :‬وأراك قد ذكرت بختنصر مع كسرى‪ ،‬وقيصر‪،‬‬
‫واإلسكندر‪ ،‬ولم يكن في عدادهم‪ ،‬ألنهم ملوك أكابر‪.‬‬
‫وبختنصر قائد من قواد الفرس‪ ،‬كما أنا نائب من‬
‫نواب صاحب التخت‪ ،‬وهو هذا‪ ،‬وأشار إلى الصف‬
‫القائمين وراءه‪ ،‬وكان واقفًا معهم‪ ،‬وهو ربيبه الذي‬
‫تقدم لنا أنه تزوج أمه بعد أبيه ساطلمش فلم يلفه‬
‫هناك‪ ،‬وذكر له القائمون في ذلك الصف أنه خرج‬
‫عنهم‪.‬‬
‫إلي‪ ،‬فقال‪ :‬ومن أي الطوائف هو بختنصر؟‬
‫فرجع َّ‬
‫فقلت‪ :‬بين الناس فيه خالف‪ ،‬فقيل من النبط بقية‬
‫ملوك بابل‪ ،‬وقيل من الفرس األولى‪ ،‬فقال‪ :‬يعني‬
‫من ولد منوشهر (منوجِ هر‪ :‬اسم ملك من الفرس‬
‫القدماء‪ ،‬ومعناه ّ‬
‫فضي الطلعة) قلت نعم هكذا ذكروا‪.‬‬
‫فقال‪ :‬ومنوشهر له علينا والدة من قبل األمهات‪.‬‬
‫ثم أفضت مع الترجمان في تعظيم هذا القول منه‪،‬‬
‫وقلت له‪ :‬وهذا مما يجعلني على تم ّني لقائه‪.‬‬
‫فقال الملك‪ :‬وأي القولين أرجح عندك فيه‪ ،‬فقلت‬

‫إنه من عقبة ملوك بابل‪ ،‬فذهب هو إلى ترجيح‬
‫القول اآلخر‪.‬‬
‫فقلت‪ :‬يعكر علينا رأي الطبري‪ ،‬فإنه مؤرخ األمة‬
‫ومحدثهم‪ ،‬وال يرجحه غيره‪.‬‬
‫فقال‪ :‬وما علينا من الطبري؟ نحضر كتب التاريخ‬
‫للعرب والعجم‪ ،‬ونناظرك‪.‬‬
‫فقلت‪ :‬وأنا أيضًا أناظر على رأي الطبري‪.‬‬
‫خبر فتح باب دمشق‬
‫وانتهى بنا القول‪ ،‬فسكت‪ ،‬وجاءه الخبر بفتح باب‬
‫المدينة‪ ،‬وخروج القضاة وفاء بما زعموا من الطاعة‬
‫التي بذل لهم فيها األمان‪ ،‬فرفع من بين أيدينا‪ ،‬لما‬
‫في ركبته من الداء‪ ،‬وحمل على فرسه فقبض‬
‫شكائمه‪ ،‬واستوى في مركبه‪ .‬وضربت اآلالت‬
‫حفافيه حتى ارت َّج لها الجو‪ .‬وسار نحو دمشق‪،‬‬
‫ونزل في تربة منجك عند باب الجابية‪ ،‬فجلس‬
‫ُ‬
‫ودخلت‬
‫هناك‪ ،‬ودخل إليه القضاة وأعيان البلد‪،‬‬
‫في جملتهم‪ ،‬فأشار إليهم باالنصراف‪ ،‬وإلى شاه‬
‫ملك نائبه أن يخلع عليهم في وظائفهم‪ ،‬وأشار إلي‬
‫بالجلوس‪ ،‬فجلست بين يديه‪ .‬ثم استدعى أمراء‬
‫دولته القائمين على أمر البناء‪ ،‬فأحضروا عُ رفاء‬
‫البُنيان المهندسين‪ ،‬وتناظروا في إذهاب الماء الدائر‬
‫بحفير القلعة‪ ،‬لعلهم يعثرون بالصناعة على منفذه‪،‬‬
‫فتناظروا في مجلسه طويلًا‪ ،‬ثم انصرفوا‪ ،‬وانصرفت‬
‫إلى بيتي داخل المدينة بعد أن استأذنته في ذلك‪،‬‬
‫فأذن فيه‪.‬‬
‫سقوط القلعة وحريق "األموي"!‬
‫وأقمت في ك ِْسر البيت‪ ،‬واشتغلت بما طلب مني‬
‫في وصف بالد المغرب‪ ،‬فكتبته في أيام قليلة‪،‬‬
‫ورفعته إليه فأخذه من يدي‪ ،‬وأمر فوقعه بترجمته‬
‫إلى اللسان المُ غلي‪ .‬ثم اشتد في حصار القلعة‪،‬‬
‫ونصب عليها اآلالت من المجانيق‪ ،‬والنفوط‪،‬‬
‫والعرادات‪ ،‬والنقب‪ ،‬فنصبوا أليام قليلة ستين‬
‫منجنيقًا إلى ما يشاكلها من اآلالت األخرى‪ ،‬وضاق‬
‫الحصار بأهل القلعة‪ ،‬وتهدم بناؤها من كل جهة‪،‬‬
‫فطلبوا األمان‪.‬‬
‫وكان بها جماعة من خدام السلطان ومخلفه‪،‬‬
‫فأمنهم السلطان تمر‪ ،‬وحضروا عنده‪ .‬وخرب‬
‫القلعة وطمس معالمها‪ ،‬وصادر أهل البلد على‬
‫قناطير من األموال استولى عليها بعد أن أخذ جميع‬
‫ما خلفه صاحب مصر هنالك‪ ،‬من األموال والظهر‬
‫والخيام أطلق أيدي النهابة على بيوت أهل المدينة‪،‬‬
‫‪117‬‬

‫دار قديمة في شقحب‬

‫فاستوعبوا أناسيها‪ ،‬وأمتعتها‪ ،‬وأضرموا النار فيما‬
‫ُ‬
‫ثي‪ ،‬فاتصلت النار‬
‫بقي من سقط األقمشة‬
‫والخ ْر ّ‬
‫بحيطان الدور المدعمة بالخشب‪ ،‬فلم تزل تتوقد‬
‫إلى أن اتصلت بالجامع األعظم (الجامع األموي)‪،‬‬
‫وارتفعت إلى سقفه‪ ،‬فسال رصاصه‪ ،‬وتهدمت‬
‫سقفه وحوائطه‪ ،‬وكان أمرًا بلغ مبالغه في الشناعة‬
‫والقبح‪ .‬وتصاريف األمور بيد اهلل يفعل في خلقه‬
‫ما يريد‪ ،‬ويحكم في ملكه ما يشاء‪.‬‬
‫الحاكم العباسي‬
‫وكان أيام مقامي عند السلطان تمر‪ ،‬خرج إليه‬
‫من القلعة يوم أمن أهلها رجل من أعقاب الخلفاء‬
‫بمصر‪ ،‬من ذرية الحاكم العباسي( أبو العباس أحمد‬
‫بن أبي علي الحسن المتوفي سنة ‪ )701‬الذي نصبه‬
‫الظاهر بيبرس‪ ،‬فوقف إلى السلطان تمر يسأله‬
‫النصفة في أمره‪ ،‬ويطلب منه منصب الخالفة كما‬
‫كان لسلفه‪.‬‬
‫فقال له السلطان تمر‪ :‬أنا أحضر لك الفقهاء‬
‫والقضاة‪ ،‬فإن حكموا لك بشيء أنصفتك فيه‪.‬‬
‫واستدعى الفقهاء والقضاة‪ ،‬واستدعاني فيهم‪،‬‬
‫فحضرنا عنده وحضر هذا الرجل الذي يسأل‬
‫منصب الخالفة‪.‬‬
‫فقال له عبد الجبار‪ :‬هذا مجلس النصفة فتكلم‪.‬‬
‫فقال‪ :‬إن هذه الخالفة لنا ولسلفنا‪ ،‬وإن الحديث‬
‫صح بأن األمر لبني العباس ما بقيت الدنيا‪ ،‬يعني‬
‫أمر الخالفة‪ .‬وإني أحق من صاحب المنصب اآلن‬
‫‪118‬‬

‫الرحلة دي�سمرب ‪2010‬‬

‫بمصر‪ ،‬ألن آبائي الذين ورثتهم كانوا قد استحقوه‪،‬‬
‫إلي هذا بغير مستند‪.‬‬
‫وصار َّ‬
‫فاستدعى عبد الجبار كلًا منا في أمره‪ ،‬فسكتنا‬
‫برهة‪.‬‬
‫ثم قال‪ :‬ما تقولون في هذا الحديث؟‬
‫فقال برهان الدين بن مفلح‪ :‬الحديث ليس بصحيح‪.‬‬
‫واستدعى ما عندي في ذلك فقلت‪ :‬األمر كما قلتم‬
‫من أنه غير صحيح‪.‬‬
‫فقال السلطان تمر‪ :‬فما الذي أصار الخالفة لبني‬
‫العباس إلى هذا العهد في اإلسالم؟‬
‫وشافهني بالقول‪ ،‬فقلت‪ :‬أيدك اهلل! اختلف‬
‫المسلمون من لدن وفاة النبي صلى اهلل عليه‬
‫وسلم‪ ،‬هل يجب على المسلمين والية رجل منهم‬
‫يقوم بأمورهم في دينهم ودنياهم‪ ،‬أم ال يجب ذلك؟‬
‫فذهبت طائفة إلى أنه ال يجب‪ ،‬ومنهم الخوارج‪،‬‬
‫وذهب الجماعة إلى وجوبه‪ ،‬واختلفوا في مستند‬
‫ذلك الوجوب‪ ،‬فذهب الشيعة كلهم إلى حديث‬
‫الوصية‪ ،‬وأن النبي صلى اهلل عليه وسلم أوصى‬
‫بذلك لعلي‪ ،‬واختلفوا في تنقلها عنه إلى عقبه إلى‬
‫مذاهب كثيرة تشذ عن الحصر‪ .‬وأجمع أهل السنة‬
‫على إنكار هذه الوصية‪ ،‬وأن مستند الوجوب‬
‫في ذلك إنما هو االجتهاد‪ ،‬يعنون أن المسلمين‬
‫يجتهدون في اختيار رجل من أهل الحق والفقه‬
‫والعدل‪ ،‬يفوضون إليه النظر في أمورهم‪.‬‬
‫ولما تعددت فرق ال َعلَويَّة وانتقلت الوصية بزعمهم‬
‫من بني الحنف َيّة إلى بني العباس‪ ،‬أوصى بها أبو‬

‫هاشم بن محمد بن الحنفية إلى محمد بن علي بن‬
‫عبد اهلل بن عباس‪ ،‬وبث دعاته بخراسان‪ ،‬وقام أبو‬
‫مسلم بهذه الدعوة‪ ،‬فملك خراسان والعراق‪ ،‬ونزل‬
‫شيعتهم الكوفة‪ ،‬واختاروا لألمر أبا العباس السفاح‬
‫بن صاحب هذه الدعوة‪ ،‬ثم أرادوا أن تكون بيعته‬
‫والشيعة‪ ،‬فكاتبوا كبار‬
‫على إجماع من أهل الس َّنة‬
‫ِّ‬
‫األمة يومئذ‪ ،‬وأهل الحل والعقد‪ ،‬بالحجاز والعراق‪،‬‬
‫يشاورونهم في أمره‪ ،‬فوقع اختيارهم كلهم على‬
‫الرضى به‪ ،‬فبايع له شيعته بالكوفة بيعة إجماع‬
‫وإصفاق ثم عهد بها إلى أخيه المنصور‪ ،‬وعهد‬
‫بها المنصور إلى بنيه‪ ،‬فلما تزل متناقلة فيهم‪ ،‬إما‬
‫بعهد أو باختيار أهل العصر‪ ،‬إلى أن كان المستعصم‬
‫آخرهم ببغداد‪ .‬فلما استولى عليها هوالكو ((نحو‬
‫‪ :)1265-1217‬فاتح مغولي ومؤسس دولة المغول‬
‫اإللخانية في إيران ‪ ) 1265-1251‬وقتله‪ ،‬افترق‬
‫قرابته‪ ،‬ولحق بعضهم بمصر‪ ،‬وهو أحمد الحاكم من‬
‫عقب الراشد‪ ،‬فنصبه الظاهر بيبرس بمصر‪ ،‬بمماألة‬
‫ّ‬
‫الحل والعقد من الجند والفقهاء‪ ،‬وانتقل األمر‬
‫أهل‬
‫في بيته إلى هذا الذي بمصر‪ ،‬ال يعلم خالف ذلك‪.‬‬
‫ُ‬
‫سمعت مقال القضاة‪ ،‬وأهل‬
‫فقال لهذا الرافع‪ :‬قد‬
‫الفتيا‪ ،‬وظهر أنه ليس لك حق تطلبه عندي‪.‬‬
‫فانصرف راشدًا‪.‬‬
‫أسألك‪ :‬أن تعرف لي ما أريد؟!‬
‫كنت لما لقيته‪ ،‬وتدلَّيت إليه من السور‪ ،‬كما مر‬
‫أشار علي بعض الصحاب ممن يخبر أحوالهم بما‬
‫تقدمت له من المعرفة بهم‪ ،‬فأشار بأن أُطرفه‬
‫ببعض هدية‪ ،‬وإن كانت نزرة فهي عندهم متأكدة‬
‫في لقاء ملوكهم‪ ،‬فانتقيت من سوق الكتب مصحفًا‬
‫رائعًا حسنًا في جزء محذو‪ ،‬وسجادة أنيقة‪،‬‬
‫ونسخة من قصيدة البردة المشهورة لألبوصيري في‬
‫مدح النبي صلى اهلل عليه وسلم وأربع علب من‬
‫حالوة مصر الفاخرة‪ .‬وجئت بذلك فدخلت عليه‪،‬‬
‫وهو بالقصر األبلق جالس في إيوانه‪ ،‬فلما رآني مقبلًا‬
‫مثل قائمًا وأشار إلي عن يمينه‪ ،‬فجلست وأكابر‬
‫من الجقطية حفافية‪ ،‬فجلست قليلًا‪ ،‬ثم استدرت‬
‫بين يديه‪ ،‬وأشرت إلى الهدية التي ذكرتها‪،‬‬
‫وهي بيد ّ‬
‫خدامي‪ ،‬فوضعتها‪ ،‬واستقبلني‪ ،‬ففتحت‬
‫المصحف فلما رآه وعرفه‪ ،‬قام مبادرًا فوضعه على‬
‫رأسه‪ .‬ثم ناولته البردة‪ ،‬فسألني عنها وعن ناظمها‬
‫فأخبرته بما وقفت عليه من أمرها‪ .‬ثم ناولته‬
‫السجادة‪ ،‬فتناولها وقبلها‪ .‬ثم وضعت علب الحلوى‬
‫بين يديه‪ ،‬وتناولت منها حرفًا على العادة في‬

‫التأنيس بذلك‪ .‬ثم قسم هو ما فيها من الحلوى بين‬
‫الحاضرين في مجلسه‪ ،‬وتقبل ذلك كله‪ ،‬وأشعر‬
‫بالرضى به‪ .‬ثم ح َوّمت على الكالم بما عندي في‬
‫شأن نفسي‪ ،‬وشأن أصحاب لي هنالك‪ .‬فقلت‪ :‬أيدك‬
‫اهلل! لي كالم أذكره بين يديك‪.‬‬
‫فقال‪ :‬قل‪.‬‬
‫فقلت‪ :‬أنا غريب بهذه البالد غربتين‪ ،‬واحدة من‬
‫المغرب الذي هو وطني ومنشئي وأخرى من مصر‬
‫وأهل جيلي بها‪ ،‬وقد حصلت في ظلك‪ ،‬وأنا أرجو‬
‫رأيك لي فيما يؤنسني في غربتي؟‬
‫فقال‪ :‬قل الذي تريد أفعله لك؟‬
‫فقلت‪ :‬حال الغربة أنستني ما أريد‪ ،‬وعساك ‪-‬أيدك‬
‫اهلل‪ -‬أن تعرف لي ما أريد (!!!)‬
‫فقال‪ :‬انتقل من المدينة إلى األردو (المعسكر‬
‫بالتركية) عندي‪ ،‬وأنا إن شاء اهلل أوفى كنه‬
‫قصدك‪.‬‬
‫فقلت يأمر لي بذلك نائبك شاه ملك‪.‬‬
‫فأشار إليه بإمضاء ذلك‪ ،‬فشكرت ودعوت‪ ،‬وقلت‪:‬‬
‫وبقيت لي أخرى‪.‬‬
‫فقال‪ :‬وما هي؟‬
‫فقلت‪ :‬هؤالء المخلفون عن سلطان مصر‪ ،‬من‬
‫القراء والموقعين‪ ،‬والدواوين‪ ،‬والعمال‪ ،‬صاروا إلى‬
‫إيالتك‪ ،‬والملك ال يغفل مثل هؤالء‪ ،‬فسلطانكم كبير‪،‬‬
‫وعماالتكم متسعة‪ ،‬وحاجة ملككم إلى المتصرفين‬
‫في صنوف الخدم أشد من حاجة غيركم‪.‬‬
‫فقال وما تريد لهم؟‬
‫قلت‪ :‬مكتوب أمان يستنيمون (بمعنى يطمئنون)‬
‫إليه‪ ،‬ويعولون في أحوالهم عليه‪.‬‬
‫فقال لكاتبه‪ :‬أكتب لهم بذلك‪.‬‬
‫فشكرت‪ ،‬ودعوت‪ ،‬وخرجت مع الكاتب حتى كتب‬
‫لي مكتوب األمان‪ ،‬وختمه شاه ملك بخاتم السلطان‪،‬‬
‫وانصرفت إلى منزلي‪ .‬ولما قرب سفره واعتزم‬
‫علم الرحيل عن الشام‪ ،‬دخلت عليه ذات يوم‪ ،‬فلما‬
‫قضينا المعتاد‪ ،‬التفت إلي وقال‪ :‬عندك بغلة هنا؟‬
‫قلت نعم‪.‬‬
‫قال حسنة؟‬
‫قلت نعم‪.‬‬
‫قال وتبيعها؟ فأنا اشتريها منك‪.‬‬
‫فقلت‪ :‬أيدك اهلل! مثلي ال يبيع من مثلك‪ ،‬إنما أنا‬
‫أخدمك بها‪ ،‬وبأمثالها لو كانت لي‪.‬‬
‫فقال‪ :‬أنا أردت أن أكافئك عنها باإلحسان‪.‬‬
‫فقلت‪ :‬وهل بقي إحسان وراء ما أحسنت به‪،‬‬
‫اصطنعتني‪ ،‬وأحللتني من مجلسك محل خواصك‪،‬‬
‫‪119‬‬

‫مئذنة جامع محمد الطالوي‬

‫وقابلتني من الكرامة والخير بما أرجو اهلل أن‬
‫ُ‬
‫ُّ‬
‫وس َك َ‬
‫وحملت البغلة‬
‫ت‪،‬‬
‫يقابلك بمثله‪،‬‬
‫وسكت َ‬
‫وأنا معه في المجلس‪ -‬إليه‪ ،‬ولم أرها بعد‪.‬‬‫ثم دخلت عليه يوما آخر‪ ،‬فقال لي‪ :‬أتسافر إلى‬
‫مصر؟‬
‫فقلت‪ :‬أيَّدك اهلل‪ ،‬رغبتي إنما هي أنت‪ ،‬وأنت‬
‫قد أويت وكفلت‪ ،‬فإن كان السفر إلى مصر في‬
‫خدمتك فنعم‪ ،‬وإال فال بغية لي فيه‪.‬‬
‫َ‬
‫فالتفت إلى‬
‫فقال ال‪ ،‬بل تسافر إلى عيالك وأهلك‬
‫ابنه‪ ،‬وكان مسافرًا إلى شقحب لمرباع دوابه‪،‬‬
‫واشتغل يحادثه‪ ،‬فقال لي الفقيه عبد الجبّار الذي‬
‫كان يترجم بيننا‪ :‬إن السلطان يوصي ابنه بك‪.‬‬
‫فدعوت له‪ ،‬ثم رأيت أن السفر مع ابنه غير‬
‫مستبين الوجهة‪ ،‬والسفر إلى صفد أقرب السواحل‬
‫إلينا ُ‬
‫أملك ألمري‪ .‬فقلت له ذلك‪ ،‬فأجاب إليه‪،‬‬
‫وأوصى بي قاصدًا كان عنده من حاجب صفد ابن‬
‫الداويداري فودعته وانصرفت‪ ،‬واختلفت الطريق‬
‫مع ذلك القاصد‪ ،‬فذهب عني‪ ،‬وذهبت عنه‪.‬‬
‫السفر إلى القاهرة‬
‫وسافرت في جمع من أصحابي‪ ،‬فاعترضتنا جماعة‬
‫من العشير قطعوا علينا الطريق‪ ،‬ونهبوا ما معنا‪،‬‬
‫ونجونا إلى قرية هنالك عرايا‪ .‬واتصلنا بعد يومين‬
‫بالص َب ْي َبة َ‬
‫فخلَفنا بعض الملبوس‪ ،‬وأجزنا‬
‫أو ثالثة ُّ‬
‫مركب من‬
‫إلى صفد‪ ،‬فأقمنا بها أيامًا‪ .‬ثم مر بنا‬
‫ٌ‬
‫مراكب ابن عثمان سلطان بالد الروم‪ ،‬وصل فيه‬
‫رسول كان سفر إليه عن سلطان مصر‪ ،‬ورجع‬
‫‪120‬‬

‫الرحلة دي�سمرب ‪2010‬‬

‫مئذنة العروس‬

‫بجوار رسالته‪ ،‬فركبت معهم البحر إلى غزة‪،‬‬
‫ونزلت بها‪ ،‬وسافرت منها إلى مصر‪ ،‬فوصلتها في‬
‫شعبان من هذه السنة‪ ،‬وهي سنة ثالث وثمانمائة‪،‬‬
‫وكان السلطان صاحب مصر‪ ،‬قد بعث من بابه‬
‫سفيرًا إلى األمير تمر إجابة إلى الصلح الذي طلب‬
‫منه‪ ،‬فأعقبني إليه‪ .‬فلما قضى رسالته رجع‪ ،‬وكان‬
‫وصوله بعد وصولي‪ ،‬فبعث إلي مع بعض أصحابه‬
‫يقول لي‪ :‬إن األمير تمر قد بعث معي إليك ثمن‬
‫البغلة التي ابتاع منك‪ ،‬وهي هذه فخذها‪ ،‬فإنه عزم‬
‫علينا من خالص ذمته من مالك هذا‪.‬‬
‫فقلت ال أقبله إال بعد إذن من السلطان الذي بعثك‬
‫إليه‪ ،‬وأما دون ذلك فال‪ .‬ومضيت إلى صاحب‬
‫الدولة فأخبرته الخبر فقال‪ :‬وما عليك؟!‬
‫فقلت إن ذلك ال يجمل بي أن أفعله دون اطالعكم‬
‫عليه‪ ،‬فأغضى عن ذلك‪ ،‬وبعثوا إلي بذلك المبلغ بعد‬
‫مدة‪ ،‬واعتذر الحامل عن نقصه بأنه أُعطيه كذلك‪،‬‬
‫وحمدت اهلل على الخالص‪.‬‬
‫وكتبت حينئذ كتابًا إلى صاحب المغرب‪ ،‬عرفته‬
‫بما دار بيني وبين سلطان الططر تمر‪ ،‬وكيف كانت‬
‫واقعته معنا بالشام‪ ،‬وضمنت ذلك في فصل من‬
‫الكتاب (يقصد كتاب العبر)‪.‬‬

‫أصدر "المركز العربي لألدب الجغرافي‪ -‬ارتياد اآلفاق" كتاب‬
‫"رحلة ابن خلدون" من تحقيق ابن تاويت الطنجي‪ ،‬وقد حرره‬
‫و قدم له نوري الجراح ونشر الكتاب "دار السويدي" في أبو ظبي‬
‫بالتعاون مع "المؤسسة العربية للدراسات والنشر" في بيروت‪.‬‬

‫النظار‬
‫ظفار يف تحُ فة‬
‫ّ‬
‫كتابة حممد بن م�ستهيل ال�شحري‬
‫ت�صوير‪ :‬نوري اجلراح‬
‫�أ�صبحت كتابات الرحالة واجلغرافيني حق ًال مهما للدار�سني والباحثني‪ ،‬خا�صة �أولئك املهتمني بالعلوم‬
‫الإن�سانية‪ ،‬نظر ًا لغنى تلك الكتابات واحتوائها على معلومات ومالحظات قيمة تزداد احلاجة �إليها كلما‬
‫تقدم بها الزمن‪ ،‬فقد وثق الرحالة حالة املجتمعات التي مروا بها ودونوا كل ما �شاهدوه من عادات‬
‫وتقاليد وفنون و�أ�سلوب حياة‪ ،‬ومن �أولئك‪ ،‬الرحالة ابن بطوطة �صاحب رحلة (حتفة النظار يف غرائب‬
‫الأم�صار وعجائب الأ�سفار)‪ ،‬والذي زار ظفار يف �سنة ‪1331‬م‪ ،‬ور�صد احلياة االجتماعية والثقافية والدينية‬
‫يف مدينة ظفار‪ ،‬و�أ�صبحت رحلة ابن بطوطة مرجعا للعديد من الباحثني واملهتمني بتاريخ املنطقة‪.‬‬
‫‪122‬‬

‫الرحلة دي�سمرب ‪2010‬‬

‫حجر في ميناء سمهرم عليه كتابة المسند‬

‫إن المدينة التي ذكرها ابن بطوطة في ظفار هي‬
‫مدينة المنصورة‪ ،‬والتي بناها حاكمها أحمد بن‬
‫عبد اهلل الحبوضي سنة ‪620‬هـ‪1228 /‬م‪ ،‬وانتقل‬
‫إليها من ظفار القديمة‪ ،‬التي يعتقد البعض أنها‬
‫مدينة مرباط‪ ،‬عاصمة الدولة المنجوية‪ ،‬وقد سمى‬
‫بعض الجغرافيين والرحالة المدينة الجديدة التي‬
‫بناها الحبوضي َ‬
‫(بظ َفار الحبوضي)‪.‬‬
‫زار ابن بطوطة ظفار في ‪ 23‬من رمضان من‬

‫سنة ‪ 731‬هـ‪ 30 /‬يونيو ‪1331‬م‪ ،‬قادما إليها من كلوا‬
‫ار الحموض‬
‫«ركبنا البحر من كلوا إلى مدينة ُظ َف ِ‬
‫وهي آخر بالد اليمن على ساحل البحر الهندي‪،‬‬
‫ومنها ُتحمل الخيل العتاق إلى الهند‪ ،‬ويقطع البحر‬
‫فيما بينها وبين بالد الهند مع مساعدة الريح في‬
‫مرة من قالقوط من بالد الهند‬
‫شهر كامل‪ ،‬قد قطعته ّ‬
‫إلى ظفار في ثمانية وعشرين يوما بالريح الطيب‪،‬‬
‫لم ينقطع لنا جريٌ بالليل وال بالنهار‪ ،‬وبين ظفار‬
‫وعدن مسيرة شهر في الصحراء‪ ،‬وبينها وبين‬
‫حضرموت ستة عشر يوما‪ ،‬وبينها وبين عُ مان‬
‫عشرون يوما»‪ ،‬سمى ابن بطوطة ظفار الحموض‪،‬‬
‫ولكن اسمها الصحيح هو ظفار الحبوضي‪ ،‬وقد‬
‫زارها مرتين‪ ،‬كانت الزيارة األولى ضمن رحلته‬
‫األولى التي امتدت نحو ‪ 28‬سنة‪ ،‬وزار ظفار مرة‬
‫أخرى حين عودته من القارة الهندية‪.‬‬
‫كانت ظفار حينما زارها ابن بطوطة في عهد‬
‫الدولة الرسولية‪ ،‬أيام السلطان المُ غيث ابن الملك‬
‫الفائز ابن عم ملك اليمن‪ ،‬وكان أبوه أميرا على‬
‫ظفار من قِبل صاحب اليمن‪.‬‬
‫ي ّ‬
‫ُقدم ابن بطوطة في رحلته وصفا لمدينة ظفار‬
‫من حيث المكان فيقول‪« :‬ومدينة في صحراء‬
‫منقطعة ال قرية بها وال عمالة لها»‪ ،‬ولكن في الواقع‬
‫الجغرافي فإن مدينة ظفار – صاللة الحالية‪ -‬تقع‬
‫في سهل حجري أجرد منبسط يسمى (الجربيب)‬
‫تحيط به جبال ظفار من جهة الشمال وبحر‬
‫العرب من جهة الجنوب‪.‬‬
‫يمتد هذا السهل من مرفأ ريسوت غربا إلى مدينة‬
‫مرباط شرقا‪ ،‬ويرجع إغفال ابن بطوطة عن ذكر‬
‫الجبال المحيطة بالمدينة‪ ،‬إلى حالة الطقس في‬
‫الوقت الذي زار فيه ظفار‪ ،‬حيث يسود المناخ‬
‫الموسمي نتيجة هبوب الرياح الموسمية الغربية‬
‫من المحيط الهندي‪ ،‬فإذا كانت زيارته قد تمت في‬
‫‪ 23‬من رمضان من سنة ‪ 731‬هـ‪ ،‬وهو ما يقابله‬
‫في التاريخ الميالدي ‪ 30‬يونيو ‪1331‬م‪ ،‬فيعني ذلك‬
‫أن زيارته كانت في فصل الخريف كما يسمى في‬
‫ظفار‪ ،‬فالفصول األربعة يتم تقسيمها في ظفار على‬
‫غير عادة تقسيم الفصول‪ ،‬فعلى سبيل الذكر يبدأ‬
‫فصل الخريف في ‪ 21‬يونيو وينتهي ‪ 21‬سبتمبر‪،‬‬
‫وخالل هذا الفصل تتساقط األمطار لمدة ثالثة‬
‫شهور متتالية‪ ،‬وتعد هذه األمطار مهمة للنشاط‬
‫الزراعي في ظفار‪ ،‬أما فصل الربيع الذي يسمى‬
‫(بالصرب) فيبدأ من ‪ 21‬سبتمبر وينتهي في ‪21‬‬
‫ديسمبر‪ ،‬ويبدأ فصل الشتاء في ‪ 21‬ديسمبر وينتهي‬
‫‪123‬‬

‫اطالل البلدة ومبانيها في ميناء سمهرم‬

‫مرعى خصب ف البليدة‬

‫إشارة إلى ضريح عابر بن هود في صاللة‬

‫احلياة االقت�صادية‪:‬‬

‫في ‪ 21‬مارس‪ ،‬وبعد الشتاء يأتي فصل الصيف‬
‫ويسمى (القيظ) ويبدأ من ‪ 21‬مارس وينتهي‬
‫يونيو‪.‬‬
‫لكن ذلك ال يعني أن ما كتبه ابن بطوطة في‬
‫ظفار يدخل في باب التزييف أو االفتراء‪ ،‬فقد أنصف‬
‫أهل ظفار ولم يجاملهم‪ ،‬في الوقت الذي نجد فيه‬
‫إجحافا بحق بعض المدن العُمانية التي كتب‬
‫عنها بعض المغالطات مثل قصته مع السلطان حامي‬
‫الفساد‪.‬‬
‫إن زيارة ابن بطوطة لظفار‪ ،‬ووصفه للحالة التي‬
‫رآها فيها‪ُ ،‬تعد من أهم المراجع التي اعتمد عليها‬
‫‪21‬‬

‫‪124‬‬

‫الرحلة دي�سمرب ‪2010‬‬

‫الدارسين والمهتمين بالتاريخ العُماني بشكل عام‬
‫وتاريخ ظفار بصفة خاصة‪ ،‬وذلك للمعلومات‬
‫الدقيقة التي احتفظت بها ذاكرة ابن بطوطة لمدة‬
‫ربع قرن من الزمان‪ ،‬وقد رصد من خالل إقامته‬
‫بعض الظواهر االجتماعية واالقتصادية‪ ،‬وكتب‬
‫عن بعض العادات الدينية كما رآها‪ ،‬واعتمادا على‬
‫وصفه يمكننا أن نتحدث عن ثالثة جوانب من‬
‫حياة أهل ظفار في رحلة (تحفة النظار في غرائب‬
‫األمصار وعجائب األسفار) هي الحياة االقتصادية‪،‬‬
‫والحياة االجتماعية‪ ،‬والحياة الدينية‪ ،‬وسنتحدث‬
‫عن كل جانب ببعض التفصيل‪.‬‬

‫عدد ابن بطوطة األنشطة االقتصادية التي يمارسها‬
‫أهل ظفار‪ ،‬فيقول بأنهم أهل تجارة وال عيش لهم إال‬
‫منها‪ ،‬وكان حكمه على ذلك بناء على مشاهدته‬
‫للسوق الموجود خارج القرية في مكان يسمى‬
‫الحرجاء‪ ،‬وقد وصف السوق بأنه من أقذر األسواق‬
‫وأشدها نتنا‪ ،‬وأكثرها ذبابا لكثرة ما يباع بها من‬
‫الثمرات والسمك‪ ،‬وهو كالم دقيق إذا اعتبرنا أن‬
‫الرجل قد جاء إلى ظفار في موسم الخريف‪ ،‬حيث‬
‫يكثر الذباب‪ ،‬وتصبح األماكن رطبا بفعل األمطار‪،‬‬
‫وذلك ال يعني أن ما ينطبق على السوق ينطبق على‬
‫أهل ظفار‪ ،‬فقد قال عنهم «يغتسلون مرات في‬
‫اليوم‪ ،...‬ولهم في كل مسجد مطاهر كثيرة معدة‬
‫لالغتسال»‪ ،‬وذلك يعني أن الرجل يكتب بعفوية‬
‫عما يتذكره‪ ،‬دون أن يتحامل على أهل البلدان التي‬
‫زارها‪.‬‬
‫ويقول أيضا عن ظفار «ومنها تحمل الخيل العتاق‬
‫إلى الهند»‪ ،‬كذلك وصفه عن استقبال أهل ظفار‬
‫للتجار‪ ،‬كل ما ذكره يدعم وصفه ألهل ظفار بأنهم‬
‫أهل تجارة‪.‬‬
‫أما قوله «أكثر سمكها النوع المعروف بالسردين‪،‬‬
‫وهو بها في النهاية من السمن‪ ،‬ومن العجائب أن‬
‫دوابهم إنما علفها من هذا السردين‪ ،‬وكذلك غنمهم‪،‬‬
‫ولم أر ذلك في سواها»‪.‬‬
‫وهو قول صحيح‪ ،‬ألن المجتمع في ظفار مجتمع‬
‫رعوي يربي الماشية إلطعام ماشيتهم من أجل‬
‫االنتفاع بحليبها ولحمها وسمنها‪ ،‬وظهرها‪.‬‬
‫إذا وصف ابن بطوطة أهل ظفار بأنهم أهل تجارة‪،‬‬
‫فيمكننا أن نضيف أيضا أن أهل ظفار هم أهل‬

‫بحر‪ ،‬فهم صيادون في معظم أنشطتهم االقتصادية‪،‬‬
‫فهو يصف قرية األحقاف بأنها قرية صيادين‪ ،‬وهو‬
‫وصف صحيح لنشاط السكان القاطنين في السواحل‬
‫التي مر عليها ابن بطوطة في رحلته في ظفار‪.‬‬
‫كان سمك السردين في ظفار يلفت أنظار الرحالة‪،‬‬
‫فقد ذكر ابن المجاور «ومطعوم دوابهم السمك‬
‫اليابس وهو ال َع ْيد‪ ،‬ولم يزبلوا أراضيهم إال بالسمك»‪،‬‬
‫ولم يكن الرحالة العرب وحدهم من ذكر سمك‬
‫السردين في ظفار‪ ،‬فهذا الرحالة البريطاني‬
‫ثيسيجر يقول حينما زار صاللة في ‪ 15‬أكتوبر‬
‫‪1945‬م‪»،‬عندما وصلت كان الصيادون يصطادون‬
‫بشباكهم سمك السردين‪ ،‬وتحت أشعة الشمس‬
‫يجففون كميات كبيرة منه‪ ،‬ورائحتها العفنة تعم‬
‫البلدة»‪ ،‬ويتم اصطياد السردين في صاللة في‬
‫الشواطئ الممتدة من ريسوت غربا إلى شواطئ‬
‫طاقة شرقا‪.‬‬
‫ويتم صيد السردين بطريقتين تقليديتين‪ ،‬الطريقة‬
‫األولى تتم في شهر أكتوبر وتمتد حتى شهر‬
‫أبريل وتسمى (الضواغي) وتعني تعاون عدد كبير‬
‫من الناس لصيد السردين بكميات كبيرة‪ ،‬ويقوم‬
‫الصيادين يقودهم الربان باإلبحار في السنبوق‪،‬‬
‫ويلقون بالشبكة الكبيرة في البحر‪ ،‬التي تجمع‬
‫أعدادا كبيرة من السردين‪ ،‬ومن ثم يسحبون‬
‫الشبكة إلى الشاطئ»‪ ،‬كما ذكر باعمر‪ ،‬حسين‬
‫علي المشهور‪ ،‬تاريخ ظفار التجاري ( ‪.)1950-1800‬‬
‫أما الطريق الثانية فتسمى صيد عْ يد العال‪ ،‬وهي‬
‫عادة اقتصادية تنتشر في سواحل محافظة ظفار‬
‫ويمارسها الذكور من سن العاشرة إلى سن الستين‪،‬‬
‫وتشارك النساء في هذه العادة ولكن بأعداد قليلة‬
‫‪125‬‬

‫جوز النارجيل الذي تحدث عنه ابن بطوطة‬

‫وعثمان وعلي‪ ،‬أما الظهر فيحمل ألقاب المظفر‬
‫يوسف‪« :‬السلطان الملك المظفر شمس الدين يوسف‬
‫بن الملك المنصور عمر»‪ ،‬ويوجد على الحاشية‬
‫اسم آخر خلفاء العباسين‪ ،‬المستعصم باهلل أمير‬
‫المؤمنين‪ ،‬باإلضافة إلى دار الضرب والتاريخ‪ ،‬تتسم‬
‫دراهم األسرة الرسولية برقتها وبكونها أخف كثيرا‬
‫من الدراهم التقليدية‪ ،‬ومن المحتمل أن يكون‬
‫الرحالة األمريكي ويندل فيليبس هو الذي أخذ معه‬
‫هذه العملة المعدنية من ظفار إلى نيويورك‪.‬‬

‫ملتقى الخور بالبحر في مدخل ميناء سمهرم‬

‫ويقتصر دورهن على تقليب ال َع ْيد و جمعها‪.‬‬
‫ُتمارس هذه العادة في آخر شهر أبريل من كل سنة‬
‫عندما تجنح أعداد كبيرة من أسماك السردين إلى‬
‫الشواطئ الشرقية لمحافظة ظفار‪ ،‬وقد قمت‬
‫بصيد عيد العال‪ ،‬وجففتها وحشوتها في أكياس من‬
‫الخيش لنطعهما لإلبل‪ ،‬أو نقوم بتخزينها في حفر‬
‫ونغطيها بساتر من البالستيك أو من أقمشة بالية‪،‬‬
‫ومن ثم نفرش فوقها التراب والرمال‪.‬‬
‫باإلضافة إلى سمك السردين يذكر ابن بطوطة‬
‫أصناف عدة من األسماك التي رآها في ظفار فيقول‬
‫عن أهل حاسك «وال معيشة ألهل ذلك المرسى‬
‫‪126‬‬

‫إال من صيد األسماك‪ ،‬وسمكهم يُعرف باللخم‪،‬‬
‫وهو شبيه كلب البحر‪ ،‬يُشرح ويقدد ويقتات‬
‫به‪ ،‬وبيوتهم من عظام السمك»‪ ،‬وهو قول صحيح‪،‬‬
‫فإلى هذه الساعة فإن أهل حاسك يشتغلون بصيد‬
‫السمك‪ ،‬ومنها سمك القرش الذي يُقدد ويجفف‪،‬‬
‫وتلك هي طريقة حفظه‪ ،‬وتوجد في قرية حاسك‬
‫القديمة بقايا البيوت التي شاهدها ابن بطوطة‪،‬‬
‫وعظام األسماك التي ذكرها هي عظام لحوت العنبر‪،‬‬
‫فإذا جنح الحوت إلى البر‪ ،‬ينتفع األهالي بعظمه‪.‬‬
‫يُعد ابن بطوطة من الرحالة القالئل الذين تحدثوا‬
‫عن العملة المتداولة في ظفار أثناء زيارتهم‬

‫لها‪ ،‬فقد ذكر بأن دراهم هذه المدينة من النحاس‬
‫والقصدير‪ ،‬وال ُتنفق في سواها‪ ،‬وقد قمنا بالبحث‬
‫عن هذه العُملة‪ ،‬ووجدنا أنه كانت في ظفار دار‬
‫ضرب للنقود أيام حكم الدولة الرسولية‪ ،‬التي‬
‫حكمت ظفار أثناء زيارة ابن بطوطة‪ ،‬وقد سكت‬
‫عملة معدنية هي درهم على الطراز الرسولي‬
‫التقليدي مؤرخ في ‪689‬هـ‪ ،‬وهذه العملة موجودة‬
‫حاليا ضمن مجموعة الجمعية األمريكية لقطع‬
‫النقود في نيويورك‪ ،‬ويحمل وجه هذا الدرهم لفظ‬
‫الشهادتين والمعنى المأخوذ من اآلية ‪ 33‬من سورة‬
‫التوبة‪ ،‬وأسماء الخلفاء الراشدين‪ ،‬أبو بكر وعمر‬

‫ساهمت ذاكرة ابن بطوطة في حفظ العملة‬
‫الرسولية وذكرها ضمن المظاهر االقتصادية التي‬
‫شاهدها وكتبها كما هي‪ ،‬األمر الذي جعل الباحثين‬
‫يتوصلون إلى معرفة النقد المتداول في ظفار أيام‬
‫الرسوليين‪ ،‬كما يكشف أيضا عن االستقالل اإلداري‬
‫لسلطان ظفار عن القوى اإلقليمية في جنوب‬
‫الجزيرة العربية‪.‬‬
‫يذكر ابن بطوطة العديد من المحاصيل الزراعية‬
‫في ظفار ويعدد استخداماتها وفوائدها‪ ،‬فهو يتحدث‬
‫عن شجرة النارجيل (جوز الهند)‪ ،‬ويتحدث عن‬
‫التنبول‪ ،‬وعن شجر الموز‪ ،‬والقمح الذي يُسمى في‬
‫ظفار العلس‪ ،‬ويسمى بذلك ألنه يُطحن‪ ،‬كما ذكر‬
‫أيضا شجرة اللبان حينما نزل في بندر حاسك‪،‬‬
‫وسماه شجر الكندر‪ ،‬ويستخرج من الجبال المحيط‬
‫بحاسك أجود أنواع اللبان في ظفار‪ ،‬وذلك لبعده‬
‫عن المناطق التي تتأثر بالرياح الموسمية‪ ،‬ويكون‬
‫‪127‬‬

‫وجه صاللي‬
‫الصائد والسمكة العمانيون مازالوا صائدي سمك مهرة‬

‫بواسطة الجمال‪ ،‬ويقوم واحد أو اثنان من الرجال‬
‫بإدارة الجمال ذهابا ورواحا» كما ورد في دراسة‬
‫باعمر‪ ،‬حسين علي المشهور‪ ،‬تاريخ ظفار التجاري‬
‫( ‪ ،)1950-1800‬وكانت هذه الطريقة مستخدمة في‬
‫رعي المزارع في ظفار إلى بداية سنة ‪.1970‬‬
‫ويوجد هناك تشابه بين اسم هذه العادة وبين اسم‬
‫المزرعة في بالد المغرب العربي‪ ،‬حيث يُطلق على‬
‫المزرعة هناك اسم (السانية)‪ ،‬وتوجد في والية‬
‫وهران في الغرب الجزائري بلدية اسمها (السانية)‬
‫واسمها مشتق من الساقية أو النافورة‪ ،‬وجمعها‬
‫سوان كما جاء في موقع الموسوعة الحرة‬
‫‪.http://ar.wikipedia.org/wiki‬‬

‫اإلزار الظفاري الذي وصفه ابن بطوطة‬

‫النارجيل‬

‫اللبان جيدا في المناطق التي تشتد فيها الحرارة‪.‬‬
‫لم يغب عن بال ابن بطوطة الوجبات الغذائية ألهل‬
‫ظفار‪ ،‬فيقول إن األرز أكثر طعامهم‪ ،‬وأكلهم الذرة‪،‬‬
‫وإنه أحضر معه كعك وخبز من ظفار حينما سافر‬
‫على ظهر المركب‪ ،‬وتشتهر ظفار بصناعة خبز‬
‫في تنور أرضي‪ ،‬و يسمى الخبز بالكعك‪ ،‬أو خبز‬
‫القالب‪ ،‬ويذكر أنهم يشوون السمك ويأكلونه مع‬
‫التمر‪ ،‬ال تزال هذه العادة في ظفار‪ ،‬مما يدل على‬
‫أن أهل ظفار متمسكين بعاداتهم‪ ،‬منذ زيارة ابن‬
‫بطوطة إلى هذه الساعة‪.‬‬
‫لقد وصف ابن بطوطة طريقة سقي المزارع في‬

‫ظفار‪« ،‬وكيفية سقيهم أنهم يصنعون دلوا كبيرة‪،‬‬
‫ويجعلون لها حباال كثيرة‪ ،‬ويتحزم بكل حبل عبد‬
‫أو خادم‪ ،‬ويجرون الدلو على عود كبير مرتفع عن‬
‫البئر‪ ،‬ويصبونها في صهاريج يسقون منه»‪ ،‬وهذه‬
‫الطريقة تسمى في ظفار بالسناوه «وهي طريقة‬
‫تقليدية في سقي المزروعات‪ ،‬وأدواتها الشروعة‪،‬‬
‫وتتكون الشروعة من حبال وعجالت وقطع من‬
‫الحطب وأخشاب النارجيل‪ ،‬إذ يُربط الغرب (دلو‬
‫مصنوع من جلد الماعز أو الوعل) بحبل غليظ‬
‫يسمى «الرشا» ويُنزل إلى البئر‪ ،‬ومن ثم يُرفع‬
‫الماء على عجال مصنوعة من خشب جوز الهند‬

‫‪128‬‬

‫الرحلة دي�سمرب ‪2010‬‬

‫وقد رصد ابن بطوطة األمراض السائدة في ظفار‬
‫والمنتشرة بين أهلها حيث قال‪« :‬والغالب على‬
‫أهلها رجالًا ونساء المرض المعروف بداء السفيل‪،‬‬
‫وهو انتفاخ القدمين‪ ،‬وأكثر رجالهم مبتلون باألدر‪.‬‬
‫وقد رأيت رجال في بداية العام ‪ 2000‬مصاب بداء‬
‫السفيل‪ ،‬أما األدر فيصيب الرجال في ظفار بسبب‬
‫تسلقهم ألشجار النارجيل حيث يؤدي تسلق النخلة‬
‫في بعض األحيان إلى اصطدام الخصية بجذع‬
‫الشجرة مما يسبب في فتقها‪.‬‬

‫احلياة االجتماعية‪:‬‬

‫قدم ابن بطوطة وصفا فوتوغرافيا لسكان ظفار‪،‬‬
‫حيث ذكر مالبسهم وطريقة لبسها‪ ،‬فيقول «أكثر‬
‫باعتها الخدم‪ ،‬وهن يلبسن السواد‪ ،...‬ولباسهم‬
‫القطن‪ ،...‬ويشدون الفوط في أوساطهم عوض‬
‫ّ‬
‫يشد فوطة في وسطه‪ ،‬ويجعل‬
‫السروال‪ ،‬وأكثرهم‬

‫فوق ظهره أخرى من شدة الحر‪ ،‬وأكثر أهلها‬
‫رؤوسهم مكشوفة ال يجعلون عليها عمائم»‪ .‬تتفق‬
‫مالحظات ابن بطوطة مع صورة المجتمع الظفاري‪،‬‬
‫فال تزال بعض النسوة ذوات البشرة السمراء‬
‫يبعن في األسواق‪ ،‬ولكن دون اللباس األسود‪ ،‬وهو‬
‫في الحقيقة لباس من النيلة يستورد من الهند‪،‬‬
‫وبمرور الوقت تذهب النيلة منه‪ ،‬ويتحول الثوب‬
‫إلى لون السواد‪ ،‬وهذا اللباس يشبه لباس النساء‬
‫في الصحراء الكبرى‪ ،‬حيث يُطلى الثوب النسائي‬
‫بالنيلة‪ ،‬لما للنيلة من فوائد حيث تستخدمه‬
‫النساء كمفتح للبشرة‪ ،‬ومن هنا يُمكن أن تكون‬
‫مقارنة ابن بطوطة صحيحة حينما عقد مقارنة‬
‫في ذهنه بين أهل ظفار وأهل المغرب‪ ،‬وليست‬
‫األزياء وحدها من دعمت تشابه أهل ظفار وأهل‬
‫المغرب عند ابن بطوطة‪ ،‬بل أسماء الجواري أيضا‪،‬‬
‫فقد نزل بدار خطيب المسجد عيسى بن علي‪،‬‬
‫الذي يملك جواري مسميات بأسماء ّ‬
‫خدام المغرب‬
‫(بخيتة‪ ،‬وزاد المال)‪.‬‬
‫أما فيما يتعلق بالخدم فإن ظاهرة تجارة الرقيق‬
‫كانت تجارة رائجة في ظفار‪ ،‬نظرا لقربها من‬
‫السواحل اإلفريقية‪ ،‬إضافة إلى كون ظفار إحدى‬
‫المحطات البحرية في الذهاب والعودة من السواحل‬
‫اإلفريقية‪ ،‬وقد قامت ثورة ظفار بعد مؤتمر حمرين‬
‫‪ 1968‬بتجريم تجارة الرق وحررت العبيد‪ .‬لكن‬
‫وضع الخدم في ظفار كان أفضل حاال من بعض‬
‫المجتمعات التي عرفت الرق والعبودية‪.‬‬
‫يلبس الرجال في جنوب الجزيرة العربية الفوطة‬
‫التي تسمى (الوزار) عوضا عن السراويل‪ ،‬أما‬
‫‪129‬‬

‫موقع مدينة البليد‪ :‬زارها ابن بطوطة وتحدث عنها‬

‫قباب في جوار ضريح عابر بن هود‬

‫قبر عابر بن هود‬

‫لوحة تشير الى زيارة ابن بطوطة موقع مدينة البليد‬

‫الفوطة التي ذكرها ابن بطوطة فهي الصبيغة‪،‬‬
‫وهي قطعة طويلة من القماش المصبوغ بالنيلة‪،‬‬
‫فيشد الرجل نصفها حول وسط جسمه بينما يترك‬
‫النصف اآلخر على ظهره‪ ،‬ومع مرور الوقت أصبح‬
‫هذا لباس أهل الجبل في ظفار‪ ،‬وهذا اللباس يثير‬
‫انتباه الرحالة ومنهم الرحالة البريطاني ثيسجر‪.‬‬
‫إن الحديث عن الحياة االجتماعية في ظفار أثناء‬
‫زيارة ابن بطوطة‪ ،‬يقودنا إلى التطرق إلى الحديث‬
‫عن العادات والتقاليد في تلك الفترة‪ ،‬ومنها تلك‬
‫المتعلقة باستقبال التجار وطريقة معاملتهم‬
‫وحسن ضيافتهم‪ ،‬وهي عادة لم تعد موجودة نتيجة‬
‫‪130‬‬

‫لتطور الحياة االقتصادية‪ ،‬أما العادة الثانية وهي‬
‫مصافحة المصلين بعد صالة الفجر والعصر وصالة‬
‫الجمعة‪ ،‬فإنها ال تزال موجودة في ظفار باستثناء‬
‫التصافح بعد صالة الجمعة‪ ،‬حيث ينصرف الناس إلى‬
‫شؤونهم دون انتظار مصافحة جميع المصلين‪.‬‬
‫يذكر ابن بطوطة عادة قرع الطبول واألبواق‬
‫واألنفار على أبواب قصر السلطان الرسولي المسمى‬
‫(بالحصن)‪ ،‬وإذا بحثنا عن هذه العادة لوجدنا شيئا‬
‫منها حاضرا في الحياة الثقافية في ظفار إذ تقام‬
‫األفراح وحفالت الرقص التي يؤديها الرجال والنساء‬
‫معا‪ ،‬وخاصة رقصات الزنوج‪ ،‬أما قصر الحصن فال‬

‫يزال عامرا حتى اآلن‪ ،‬حيث يتخذه السلطان قابوس‬
‫مقرا حينما يتواجد في مدينة صاللة‪ ،‬ويوجد‬
‫بالقرب منه سوق الحصن الشعبي‪.‬‬

‫احلياة الدينية‪:‬‬

‫إن االهتمام الذي أبداه ابن بطوطة تجاه ظفار‬
‫يرجعه بعض الباحثين إلى عدة أسباب منها تصوف‬
‫ابن بطوطة وتحمسه لعالم الصوفية والمتصوفة‪،‬‬
‫ومن خالل بعض الدالئل الواردة في الرحلة نجد‬
‫الصوفية حاضرة بقوة لدى ابن بطوطة من خالل‬
‫جلوسه مع مشايخ ظفار وخطيب الجامع كما اشار‬

‫بوتشيش‪ ،‬إبراهيم القادري‪ ،‬في دراسته «أضواء‬
‫على مجتمع ظفار وعاداته الشعبية من خالل‬
‫رحلة ابن بطوطة»‪ ،‬وقد نتفق مع هذا الرأي‬
‫إذا علمنا أن الفكر الصوفي قد بدأ بالظهور في‬
‫القرن السادس الهجري في منطقة جنوب الجزيرة‬
‫العربية‪ ،‬وكانت مدينة مرباط هي الحاضنة األولى‬
‫للفكر الصوفي‪ ،‬إذ توجد أضرحة للعديد من علماء‬
‫الصوفية‪ ،‬مثل محمد بن علي باعلوي‪ ،‬ومحمد بن‬
‫علي القلعي‪ ،‬باإلضافة إلى وجود قبر الصحابي زهير‬
‫بن قرضم الذي وفد على النبي صلى اهلل عليه‬
‫وسلم على رأس قومه يعلنون دخول أهل ظفار إلى‬
‫‪131‬‬

‫السنبوق‪ :‬مركب صاللي قديم في ميناء البليد‬

‫بالتصوف‪.‬‬
‫التشابه بين أهل ظفار وأهل المغرب‪:‬‬
‫أشرنا في بداية هذا البحث إلى أن ابن بطوطة‬
‫يُعتبر من األوائل القائلين بعروبة البربر وسكان‬
‫شمال إفريقيا‪ ،‬فهو ال يُورد وجه المقارنة بين‬
‫أهل ظفار وأهل المغرب من باب عجائب األسفار‪،‬‬
‫بل يورد األدلة المادية على ذلك التشابه فيذكر‬
‫«من الغرائب أن أهل هذه المدينة أشبه الناس‬
‫بأهل المغرب في شؤونهم‪ .‬نزلت بدار الخطيب‬
‫بمسجدها األعظم‪ ،‬وهو عيسى بن علي‪ ،‬كبير القدر‬
‫كريم النفس‪ .‬فكان له جوار مسميات بأسماء خدام‬
‫المغرب‪ ،‬إحداهن اسمها بخيتة واألخرى زاد المال‪.‬‬
‫ولم أسمع هذه األسماء في بلد سواها‪ ،...‬وفي كل‬
‫دار من دورهم سجادة الخوص‪ ،‬معلقة في البيت‪،‬‬
‫يصلي عليها صاحب البيت‪ ،‬كما يفعل أهل المغرب‪.‬‬
‫وأكلهم الذرة‪ .‬وهذا التشابه كله مما يقوي القول‬
‫بأن صنهاجة وسواهم من قبائل المغرب أصلهم من‬
‫حمير»‪.‬‬

‫اإلسالم‪ ،‬وقد أكرمه النبي صلى اهلل عليه وسلم‬
‫لبعد بالده وكتب له كتابًا إلى قومه‪.‬‬
‫وتحظى قبور علماء الصوفية في ظفار باهتمام‬
‫الناس‪ ،‬ويوجد العديد من األسر التي تطوعت‬
‫لخدمة هذه األضرحة‪ ،‬وتقام عند قبر محمد‬
‫بن علي باعلوي‪ ،‬بعض الشعائر المعروفة لدى‬
‫الصوفيين مثل الحضرة التي تقام صبيحة كل يوم‬
‫جمعة‪ ،‬وليلة المولد النبوي‪ ،‬وليلة الخامس عشر‬
‫من شعبان والتي تسمى بالشعبانية‪ .‬وقد انتقل‬
‫التصوف من مرباط إلى ظفار الحبوضي‪.‬‬
‫يذكر ابن بطوطة صورة أخرى من صور التصوف‬
‫‪132‬‬

‫الرحلة دي�سمرب ‪2010‬‬

‫في ظفار اإلقليم‪ ،‬حينما نزلوا من المركب بإحدى‬
‫جزر كوريا موريا (الحالنيات حاليا)‪ ،‬ووجدوا‬
‫بالجزيرة شيخا نائما‪ ،‬وليس معه متاع فال ركوة‬
‫وال إبريق وال عُ كاز وال نعل‪ ،‬وهي عادة من انقطع‬
‫إلى اهلل وترك الدنيا‪ ،‬وقد رفض طعامهم‪ ،‬وصلى‬
‫بهم العصر والمغرب والعشاء‪ ،‬وكان حسن الصوت‬
‫مجيدا لها‪.‬‬
‫إذن هل نستطيع أن نقول إن (الذاكرة الصوفية)‬
‫لدى ابن بطوطة‪ ،‬حفظت اسم صاحب الزاوية‬
‫الشيخ الصالح العابد أبي محمد بن أبي بكر بن‬
‫عيسى من أهل ظفار‪ ،‬كما احتفظت بأسماء أبناء‬

‫الشيخ أبي بكر‪ ،‬أبي العباس أحمد وأبي عبد اهلل‬
‫محمد ابني الشيخ المذكور‪ ،‬باإلضافة إلى ذكر‬
‫قاضي المدينة أبي هاشم عبد الملك الزبيدي‪ ،‬والتي‬
‫ما تزال عائلته (الزبيدي) موجودة اآلن في ظفار‪.‬‬
‫إن قوة التذكير عند ابن بطوطة واحتفاظه بأسماء‬
‫العلماء والشيوخ في ظفار‪ ،‬تعود إلى أنه أعاد الحياة‬
‫إلى اللحظة الصوفية التي رآها وسمعها وعايشها‬
‫أثناء تواجده في ظفار‪ ،‬ألن قوة التذكر تكمن في‬
‫إعادة الحياة إلى الشيء المراد تذكره‪ ،‬ومن ثم‬
‫يمكن استرجاع المعلومة من الذهن‪ ،‬ومن هنا‬
‫نقول إن ظفار قد ارتبطت في ذهن ابن بطوطة‬

‫في ختام هذه الجولة يبقى أن ّ‬
‫نذكر بأن الظفاريين‬
‫ال يزالون يحتفظون ببعض العادات االجتماعية التي‬
‫ذكرها ابن بطوطة مثل التقوى وإكرام الضيف‪،‬‬
‫وأهل تواضع وحسن أخالق ومحبة للغرباء‪ ،‬كما‬
‫ال يزال طبق الرز بالسمك من أفضل الوجبات في‬
‫ظفار‪ ،‬بل يعتبر الطبق اليومي في أي بيت ظفاري‪،‬‬
‫باإلضافة إلى أكل التمر مع السمك‪ ،‬وصيد السردين‬
‫وتجفيفه‪ ،‬وال زال الناس في ظفار يسمون أبنائهم‬
‫وبناتهم بأسماء مثل بخيت وبخيتة وزاد المال‪.‬‬
‫إن رحلة ابن بطوطة إلى ظفار تعتبر من أهم‬
‫الوثائق التاريخية واالجتماعية لهذه المنطقة‪ ،‬وال‬
‫يُمكن أن ُتذكر ظفار دون ذكر رحلة ابن بطوطة‬
‫وتقديم تصوره عن مدينة ظفار (البليد الحالية)‬
‫والتي اتسعت وأصبح يُطلق عليها مدينة صاللة‪،‬‬
‫وهذا ما قدمه أدب الرحلة إلى الثقافة العربية‪.‬‬
‫لقد اجتهدنا هنا لكشف وتوضيح بعض اآلثار التي‬
‫ذكرها ابن بطوطة حينما زار ظفار‪ ،‬مثل ذكر‬
‫األسر الحاكمة في ظفار من المنجويين وحتى آل‬
‫كثير‪ ،‬وكذلك الكشف عن الدرهم الرسولي‪ ،‬وإلقاء‬
‫الضوء على الفكر الصوفي في ظفار‪ ،‬وكذلك التطرق‬
‫إلى التشابه بين لهجات أهل ظفار وأهل المغرب‪.‬‬
‫‪133‬‬

‫عجوز يف �سفينة تقتل �شابة بخ�شبة‬
‫لت�سافر مع امللك �إىل العامل الآخر‬

‫ف�ضالن‬
‫قطوف من رحلة ابنُ‬
‫َ‬
‫بتكليف من‬
‫ال نعرف الكثري عنه‪ .‬انطلق ابنُ ف�ضالنَ يوم اخلمي�س ‪� 11‬صفر �سنة ‪309‬هـ ‪ ،‬املوافق ‪ 21‬حزيران �سنة ‪921‬م‪ ،‬برحل ٍة �شائق ٍة‬
‫ٍ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫الرحلة من بغداد وحتى ما يعتقد اليوم انه فنلندا �أحد ع�رش �شهراً‬
‫ال�صقالبة العونَ منه‪ .‬وا�ستغرقت‬
‫العبا�سي الذي طلب‬
‫اخلليف ِة ا ُمل ْقتَدِ ِر‬
‫ِّ‬
‫الذهابِ ‪ ،‬وكانت ً‬
‫ِّ‬
‫يف َّ‬
‫املختلف ثقافي ًا‪ .‬وقد مر الرحالة على الرتك‬
‫وامل�شاق وامل�صاعبِ ال�سيا�س َّي ِة واالنفتاح على الآخ ِر‬
‫ِ‬
‫مليئة باملغامراتِ‬
‫الوخزر والرو�س‪ ،‬و�صوال �إىل بالد ال�صقالبة‪ .‬وقد اعتمد حمرر الطبعة الأحدث من هذه الرحلة ال�شاعر �شاكر لعيبي على التحقيق الذي‬
‫ا�ستند على خمطوطة م�شهد‪-‬ايران‪ .‬و�صدرت هذه الطبعة عن «م�رشوع ارتياد الآفاق» �سنة ‪ ،2003‬و�ست�صدر قريبا يف طبعة جديدة‪.‬‬

‫وكان يقال لي إنهم يفعلون برؤسائهم عند الموت أمورًا‬
‫أقلها الحرق‪ ،‬فكنت أحب أن‬
‫أقف على ذلك‪ ،‬حتى بلغني موت رجل منهم جليل‬
‫فجعلوه في قبره وسقفوا عليه عشرة أيام حتى فرغوا‬
‫من قطع ثيابه وخياطتها‪.‬‬
‫وذلك أن الرجل الفقير منهم يعملون له سفينة صغيرة‬
‫ويجعلونه فيها ويحرقونها‪ ،‬والغني يجمعون ماله‬
‫ويجعلونه ثالثة أثالث‪ :‬فثلث ألهله‪ ،‬وثلث يقطعون له‬
‫به ثيابًا‪ ،‬وثلث ينبذون به نبيذًا يشربونه يوم تقتل‬
‫جاريته نفسها ُ‬
‫وتحرق مع موالها‪.‬‬
‫وهم مستهترون بالنبيذ يشربونه ليلًا ونهارًا‪ ،‬وربما‬
‫مات الواحد منهم والقدح في يده‪ .‬وإذا مات الرئيس‬
‫منهم قال أهله لجواريه وغلمانه‪ :‬من منكم يموت‬
‫معه؟ فيقول بعضهم‪ :‬أنا‪ .‬فإذا قال ذلك فقد وجب عليه‪،‬‬
‫ال يستوي له أن يرجع أبدا ولو أراد ذلك ما ُترك‪ .‬وأكثر‬
‫من يفعل هذا الجواري‪.‬‬
‫فلما مات ذلك الرجل الذي قدمت ذكره قالوا لجواريه‪:‬‬
‫من يموت معه فقالت إحداهن‪ :‬أنا فوكلوا بها جاريتين‬
‫تحفظانها وتكونان معها حيث سلكت‪ ،‬حتى إنها ربما‬
‫غسلتا رجليها بأيديهما‪ .‬وأخذوا في شأنه وقطع‬
‫الثياب له وإصالح ما يحتاج إليه‪ ،‬والجارية في كل يوم‬
‫تشرب وتغني فرحة مستبشرة‪.‬‬
‫ُ‬
‫حضرت‬
‫فلما كان اليوم الذي يُحرق فيه هو والجارية‬
‫إلى النهر الذي فيه سفينته‪ ،‬فإذا هي قد أخرجت‬
‫وجعل لها أربعة أركان من خشب الخدنك وغيره‪،‬‬
‫وجعل أيضًا حولها مثل األنابير الكبار من الخشب‪ .‬ثم‬
‫مدت حتى جعلت على ذلك الخشب‪ ،‬وأقبلوا يذهبون‬
‫ويجيئون ويتكلمون بكالم ال أفهم‪ ،‬وهو بعد في قبره‬
‫لم يخرجوه‪ .‬ثم جاءوا بسرير فجعلوه على السفينة‬

‫‪134‬‬

‫الرحلة دي�سمرب ‪2010‬‬

‫وغشوه بالمضربات الديباج الرومي والمساند الديباج‬
‫الرومي‪ ،‬ثم جاءت امرأة عجوز يقولون لها ملك الموت‬
‫ففرشت على السرير الفرش التي ذكرنا‪ ،‬وهي وليت‬
‫خياطته وإصالحه‪ ،‬وهي تقتل الجواري‪ ،‬ورأيت‬
‫جوان بيرة ضخمة مكفهرة‪.‬‬
‫فلما وافوا قبره نحوا التراب عن الخشب‪ ،‬ونحوا‬
‫الخشب واستخرجوه في اإلزار الذي مات فيه‪،‬‬
‫فرأيته قد اسود لبرد البلد‪ ،‬وقد كانوا جعلوا معه في‬
‫قبره نبيذًا وفاكهة وطنبورًا‪ ،‬فأخرجوا جميع ذلك فإذا‬
‫هو لم ينتن ولم يتغير منه شيء غير لونه‪.‬‬
‫فألبسوه سراويل ورانا وخفًا وقرطقًا وقفتان‬
‫ديباج له أزرار ذهب‪ ،‬وجعلوا على رأسه قلنسوة‬
‫ديباج سمورية‪ ،‬وحملوه حتى أدخلوه القبة التي‬
‫على السفينة‪ ،‬وأجلسوه على المضربة وأسندوه‬
‫بالمساند‪ ،‬وجاءوا بالنبيذ والفاكهة والريحان فجعلوه‬
‫معه‪.‬‬
‫وجاءوا بخبز ولحم وبصل فطرحوه بين يديه‪،‬‬
‫وجاءوا بكلب فقطعوه نصفين وألقوه في السفينة‪ .‬ثم‬
‫جاءوا بجميع سالحه فجعلوه إلى جانبه‪ ،‬ثم أخذوا‬
‫دابتين فأجروهما حتى عرقتا ثم قطعوهما بالسيف‬
‫وألقوا لحمهما في السفينة‪.‬‬
‫ثم جاءوا ببقرتين فقطعوهما أيضا وألقوهما فيها ثم‬
‫أحضروا ديكًا ودجاجة فقتلوهما وطرحوهما فيها‪.‬‬
‫والجارية التي تريد أن تقتل ذاهبة وجائية تدخل‬
‫قبة ً‬
‫ً‬
‫قبة من قبابهم فيجامعها صاحب القبة ويقول‬
‫لها‪ :‬قولي لموالك إنما فعلت هذا من محبتك‪.‬‬
‫فلما كان وقت العصر من يوم الجمعة جاءوا‬
‫بالجارية إلى شيء قد عملوه مثل ملبن الباب‪،‬‬
‫فوضعت رجليها على أكف الرجال وأشرفت على‬

‫ذلك الملبن‪ ،‬وتكلمت بكالم لها فأنزلوها ثم أصعدوها‬
‫ثانية ففعلت كفعلها في المرة األولى‪ ،‬ثم أنزلوها‬
‫وأصعدوها ثالثة ففعلت فعلها في المرتين‪ ،‬ثم دفعوا‬
‫إليها دجاجة فقطعت رأسها ورمت به وأخذوا‬
‫الدجاجة فألقوها في السفينة‪.‬‬
‫فسألت الترجمان عن فعلها‪ ،‬فقال‪ :‬قالت في أول مرة‬
‫أصعدوها‪ :‬هو ذا أرى أبي وأمي‪ .‬وقالت في الثانية‪:‬‬
‫هو ذا أرى جميع قرابتي الموتى قعودًا‪ .‬وقالت في‬
‫المرة الثالثة‪ :‬هو ذا أرى موالي قاعدًا في الجنة‪،‬‬
‫والجنة حسنة خضراء ومعه الرجال والغلمان وهو‬
‫يدعوني فاذهبوا بي إليه‪.‬‬
‫فمروا بها نحو السفينة فنزعت سوارين كانا عليها‬
‫ودفعتهما إلى المرأة التي تسمى ملك الموت وهي التي‬
‫تقتلها‪ .‬ونزعت خلخالين كانا عليها ودفعتهما إلى‬
‫الجاريتين اللتين كانتا تخدمانها‪ ،‬وهما ابنتا المرأة‬
‫المعروفة بملك الموت‪.‬‬
‫ثم أصعدوها إلى السفينة ولم يدخلوها إلى القبة‬
‫وجاء الرجال ومعهم التراس والخشب‪ ،‬ودفعوا إليها‬
‫قدحًا نبيذًا فغنت عليه وشربته‪ .‬فقال لي الترجمان‪:‬‬
‫إنها تودع صواحباتها بذلك‪ .‬ثم دفع إليها قدحًا آخر‬
‫فأخذته وطولت الغناء‪ ،‬والعجوز تستحثها على‬
‫شربه والدخول إلى القبة التي فيها موالها‪ ،‬فرأيتها‬
‫وقد تبلدت وأرادت دخول القبة فأدخلت رأسها بينها‬
‫وبين السفينة‪ ،‬فأخذت العجوز رأسها وأدخلتها القبة‬
‫ودخلت معها‪.‬‬
‫وأخذ الرجال يضربون بالخشب على التراس لئال‬
‫يسمع صوت صياحها فيجزع غيرها من الجواري وال‬
‫يطلبن الموت مع مواليهن‪ .‬ثم دخل إلى القبة ستة‬
‫رجال فجامعوا بأسرهم الجارية ثم أضجعوها إلى‬
‫جانب موالها‪ ،‬وأمسك اثنان رجليها واثنان يديها‬
‫وجعلت العجوز التي تسمى ملك الموت في عنقها‬
‫حبلًا مخالفًا ودفعته إلى اثنين ليجذباه‪ ،‬وأقبلت‬

‫ومعها خنجر عريض النصل‪ ،‬فأقبلت تدخله بين‬
‫أضالعها موضعًا موضعًا وتخرجه‪ ،‬والرجالن يخنقانها‬
‫بالحبل حتى ماتت‪.‬‬
‫ثم وافى أقرب الناس إلى ذلك الميت فأخذ خشبة‬
‫وأشعلها بالنار‪ ،‬ثم مشى القهقرى نحو قفاه إلى‬
‫السفينة ووجهه إلى الناس‪ ،‬والخشبة المشعلة‬
‫في يده الواحدة‪ ،‬ويده األخرى على باب استه وهو‬
‫عريان‪ ،‬حتى أحرق الخشب المعبأ الذي تحت‬
‫السفينة‪ ،‬من بعدما وضعوا الجارية التي قتلوها في‬
‫جنب موالها‪.‬‬
‫الناس بالخشب والحطب‪ ،‬ومع كل واحد‬
‫ثم وافى‬
‫ُ‬
‫خشبة قد ألهب رأسها‪ ،‬فيلقيها في ذلك الخشب‬
‫فتأخذ النار في الحطب‪ ،‬ثم في السفينة‪ ،‬ثم في القبة‬
‫والرجل والجارية وجميع ما فيها‪ .‬ثم هبت ريح‬
‫عظيمة هائلة فاشتد لهب النار واضطرم تسعرها‪.‬‬
‫وكان إلى جانبي رجل من الروسية فسمعته يكلم‬
‫الترجمان الذي معي‪ ،‬فسألته عما قال له؟ فقال‪ :‬إنه‬
‫يقول‪ :‬أنتم يا معاشر العرب حمقى‪.‬‬
‫فقلت‪ :‬لم ذلك؟ قال‪ :‬إنكم تعمدون إلى أحب الناس‬
‫إليكم وأكرمهم عليكم فتطرحونه في التراب وتأكله‬
‫التراب والهوام والدود‪ ،‬ونحن نحرقه بالنار في‬
‫لحظة فيدخل الجنة من وقته وساعته‪.‬‬
‫ثم ضحك ضحكًا مفرطًا‪ ،‬فسألت عن ذلك فقال‪ :‬من‬
‫محبة ربه له قد بعث الريح حتى تأخذه في ساعة‪،‬‬
‫فما مضت على الحقيقة ساعة حتى صارت السفينة‬
‫والحطب والجارية والمولى رمادًا مددًا‪.‬‬
‫ثم بنوا على موضع السفينة وكانوا قد أخرجوها من‬
‫النهر شبيها بالتل المدور‪ ،‬ونصبوا في وسطه خشبة‬
‫كبيرة خدنك‪ ،‬وكتبوا عليها اسم الرجل واسم ملك‬
‫الروس وانصرفوا‪.‬‬
‫قال‪ :‬ومن رسم ملك الروس أن يكون معه في قصره‬
‫أربعمئة رجل من صناديد أصحابه وأهل الثقة‬
‫عنده‪ ،‬فهم يموتون بموته ويقتلون دونه‪ ،‬ومع كل‬
‫واحد منهم جارية تخدمه وتغسل رأسه وتصنع‬
‫له ما يأكل ويشرب‪ ،‬وجارية أخرى يطؤها‪ .‬وهؤالء‬
‫األربعمئة يجلسون تحت سريره‪ ،‬وسريره عظيم‬
‫مرصع بنفيس الجوهر‪ ،‬ويجلس معه على السرير‬
‫أربعون جارية لفراشه‪ ،‬وربما وطئ الواحدة منهن‬
‫بحضرة أصحابه الذين ذكرنا‪.‬‬
‫وال ينزل عن سريره‪ ،‬فإذا أراد قضاء حاجة قضاها في‬
‫طشت‪ ،‬وإذا أراد الركوب قدموا دابته إلى السرير‬
‫فركبها منه‪ ،‬وإذا أراد النزول قدم دابته حتى‬
‫يكون نزوله عليه‪ ،‬وله خليفة يسوس الجيوش‬
‫ويواقع األعداء ويخلفه في رعيته‪.‬‬
‫‪135‬‬

‫الفل�سطيني الذي من فل�سطني‬

‫قطوف من رحلة املقد�سي الب�شاري‬
‫ولد املقد�سي كما يرى البع�ض عام ‪ 336‬للهجرة �أي �سنة ‪ 947‬امليالدية وتويف �سنة ‪ 380‬الهجرية التي تعادل �سنة ‪ 990‬امليالدية‪.‬‬
‫وللأ�سف ال�شديد ف�إن معظم معاجم الرجاالت قد �أغفلت ذكره‪ ،‬حتى �أن معا�رصه ابن الندمي �صاحب (الفهر�ست) ال�شهري الذي �صنّفه‬
‫يعرج على الكثري من جغرافيي امل�سلمني‪ ،‬وهو �أمر ّ‬
‫يدل على عدم �إيالء الثقافة املعا�رصة‬
‫عام ‪ 377‬الهجري مل يذكر عنه �شيئ ًا مثلما مل ِّ‬
‫البن الندمي اهتمام ًا كبري ًا لأدب الرحلة والرحالت‪.‬‬

‫هذا البحر‬

‫«وبينا أنا يومًا جالس مع أبي علي بن حازم أنظر في‬
‫البحر ونحن بساحل عدن إذ قال لي‪:‬‬
‫ ما لي أراك متفكرًا‪.‬‬‫قلت‪:‬‬
‫ أيد اهلل الشيخ قد حار عقلي في هذا البحر‬‫لكثرة االختالف فيه‪ ،‬والشيخ اليوم من أعلم الناس‬
‫به ألنه إمام التجار ومراكبه أبدًا تسافر إلى‬
‫أقاصيه‪ ،‬فإن رأى أن يصفه لي صفة اعتمد عليها‬
‫وأرجع من الشك إليها فعل‪.‬‬
‫فقال‪:‬‬
‫ على الخبير بها سقطت‪( .‬ثم مسح الرمل بكفه‬‫ورسم البحر عليه ال طيلسان وال طير‪ ،‬وجعل له‬
‫معارج متلسنة وشعبًا عدة ثم قال)‪ :‬هذه صفة هذا‬
‫البحر ال صورة له غيرها»‪.‬‬
‫عارف بالعمارة‬

‫وقال في مطارحته ألحد البنائين في شيراز أثناء‬
‫إحدى رحالته‪ ،‬وفيها يتكشف عارفًا بفن العمارة‪،‬‬
‫وقد كان يقول قبل ذلك‪ ،‬من جهة أخرى‪ ،‬مالحظات‬
‫جد مهمة أخرى عن معرفته ونظراته الجمالية‬
‫بالعمارة في ثنايا كتابه‪:‬‬
‫«وجلست يومًا إلى بعض البنائين‪ ،‬أعني بشيراز‪،‬‬
‫وأصحابه ينقشون بمعاول وحشة وإذا حجارتهم‬
‫على ثَ َخانة اللبن فإذا اعتدلت َّ‬
‫قدروها ثم خطوا‬
‫خطًا وقطعوه بالمعول‪ ،‬فربما انكسرت البالطة فإذا‬
‫أعتدلت أقاموها على حدها‪ .‬فقلت لهم‪:‬‬
‫ُ‬
‫وأحكيت لهم‬
‫ لو أتخذتم َم ْس َفنة وربَّعتم األحجار‪،‬‬‫بناء فلسطين وطارحتهم مسائل في البناء‪.‬‬
‫فقال لي األستاذ‪:‬‬
‫ أنت مصري؟‬‫قلت‪:‬‬
‫ ال بل فلسطيني؟‪.‬‬‫‪136‬‬

‫قال‪:‬‬
‫ُخرم‬
‫ سمعت أن عندكم‬‫تخرم األحجارُ كما ي َّ‬
‫َّ‬
‫الخشب‪.‬‬
‫قلت‪:‬‬
‫ أجل‪.‬‬‫قال‪:‬‬
‫ أحجاركم لينة ولصناعكم لطافة»‪.‬‬‫الرحالة ساردا‬
‫يبدو المقدسي (حكواتيًا) حقيقيًا في بعض تلك‬
‫السرديات بل قصاصًا يستمتع بحبكات وعقد وحل‬
‫قصته‪ ،‬يقول مثلًا‪:‬‬
‫وكنت يومًا في مجلس القاضي المختار أبي يحيى‬
‫بن بهرام بالبصرة فجرى ذكر مصر إلى أن سئلت‬
‫أج ُّل؟‬
‫بلد َ‬
‫أي ٍ‬
‫قلت‪:‬‬
‫ بلدنا‪.‬‬‫قيل‪ :‬فأيها أطيب؟‬
‫قلت‪:‬‬
‫ بلدنا‪،‬‬‫قيل‪ :‬فأيها أفضل؟‬
‫قلت‪:‬‬
‫ بلدنا؟‬‫قيل‪ :‬فأيها أحسن؟‬
‫قلت‪:‬‬
‫ بلدنا‪.‬‬‫قيل‪:‬‬
‫فأيها أكثر خيرات؟‬
‫قلت‪:‬‬
‫ بلدنا‪.‬‬‫قيل‪ :‬فأيها أكبر؟‬
‫قلت‪:‬‬
‫‪ -‬بلدنا‪.‬‬

‫فتعجب أهل المجلس من ذلك‪.‬‬
‫َ‬
‫أدعيت ما ال يقبل‬
‫محصل وقد‬
‫وقيل‪ :‬أنت رجل‬
‫ِّ‬
‫منك وما مثلك إال كصاحب الناقة مع الحجاج‪.‬‬
‫قلت‪:‬‬
‫ّ‬
‫أما قولي أجل‪ »..‬إلى آخر القصة‪.‬‬
‫أنا من فلسطين‬
‫هنا مثال أخير لهذه السرديات ويكشف عن روح‬
‫الفكاهة والطرافة لدى المقدسي‪:‬‬
‫ُ‬
‫فسألت‬
‫«وبعث إلي أمير عدن مصحفًا أجلده‪،‬‬
‫عن األشراس بالعطارين فلم يعرفوه ودلّوني على‬
‫المحتسب وقالوا عساه يعرفه‪ ،‬فلما سألته‪،‬‬
‫قال‪:‬‬
‫ من أين أنت؟‬‫قلت‪:‬‬
‫ من فلسطين‪.‬‬‫قال‪:‬‬
‫ أنت من بلدة الرخاء لو كان لهم أشراس ألكلوه‬‫عليك بالنشاء»‪.‬‬
‫يت بستة وثالثين إسمًا ُد ُ‬
‫«ولقد سُ ِّم ُ‬
‫عيت‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫وطبت بها مثل‪ :‬مقدسي وفلسطيني ومصري‬
‫وخ‬
‫ومغربي وخراساني وسلمي ومقرئ وفقيه وصوفي‬
‫وولي وعابد وزاهد وسياح ووراق ومجلد‬
‫ّ‬
‫ومذكر وإمام ومؤذن وخطيب وغريب‬
‫وتاجر‬
‫وكرى‬
‫وعراقي وبغدادي وشامي وحنيفي ومتؤدب‬
‫ّ‬
‫ومتفقه ومتعلم وفرائضي واستاذ ودانشومند‬
‫وشيخ ونشاسته وراكب ورسول‪ ،‬وذلك الختالف‬
‫البلدان التي حللتها‪ ،‬وكثرة المواضع التي دخلتها‪.‬‬
‫ثم إنه لم يبق شيء مما يلحق المسافرين إال وقد‬
‫ُ‬
‫أخذت منه نصيبًا غير الكدية وركوب الكبيرة‪،‬‬
‫وتعبدت‪ ،‬وفقهتُ‬
‫ُ‬
‫وتأدبت‪ ،‬وتزهدتُ‬
‫ُ‬
‫فقد تفقهتُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫وأذنت على المنائر‪.‬‬
‫وخطبت على المنابر‪،‬‬
‫وأدبت‪.‬‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫وأممت في المساجد‪ ،‬وذكرت في الجوامع‪،‬‬

‫ُ‬
‫ُ‬
‫ودعوت في المحافل‪،‬‬
‫واختلفت إلى المدارس‪.‬‬
‫وتكلمت في المجالس‪ .‬وأكلت مع الصوفية الهرائس‪.‬‬
‫ومع الخانقائيين الثرائد‪ ،‬ومع النواتي العصائد‪.‬‬
‫وطردت في الليالي من المساجد‪ ،‬وسحت في‬
‫ُ‬
‫وتهت في الصحاري‪ .‬وصدقت في الورع‬
‫البراري‪،‬‬
‫زمانا‪ ،‬وأكلت الحرام عيانا‪ .‬وصحبت عباد جبل‬
‫لبنان‪ ،‬وخالطت حينًا السلطان‪ .‬وملكت العبيد‪،‬‬
‫وحملت على رأسي بالزبيل‪ .‬وأشرفت مرارًا‬
‫على الغرق‪ ،‬وقطع على قوافلنا الطرق‪ .‬وخدمت‬
‫القضاة والكبراء‪ ،‬وخاطبت السالطين والوزراء‪.‬‬
‫وصاحبت في الطرق الفساق‪ ،‬وبعت البضائع في‬
‫األسواق‪ .‬وسجنت في الحبوس‪ ،‬وأخذت على أني‬
‫جاسوس‪ ،‬وعاينت حرب الروم في الشواني وضرب‬
‫النواقيس في الليالي‪ .‬وجلدت المصاحف بالكرى‪،‬‬
‫واشتريت الماء بالغال وركبت الكنائس والخيول‪،‬‬
‫ومشيت في السمائم والثلوج‪ ،‬ونزلت في عرصة‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫وسكنت بين ُ‬
‫الج ّهال في محلة‬
‫االجلة‪،‬‬
‫الملوك بين‬
‫الحاكة‪ .‬وكم نلت العز والرفعة‪ ،‬ودبر في قتلي‬
‫غير مرة‪ .‬وحججت وجاورت‪ ،‬وغزوت ورابطت‪.‬‬
‫وشربت بمكة من السقاية السويق‪ ،‬وأكلت الخبز‬
‫والجلبان بالسيق‪ .‬ومن ضيافة ابراهيم الخليل‪،‬‬
‫وجميز عسقالن السبيل‪ .‬وكسيت خلع الملوك‬
‫وأمروا لي بالصالت‪ .‬وعريت وافتقرت مرات‪،‬‬
‫وكاتبني السادات‪ ،‬ووبخني األشراف‪ .‬وعرضت‬
‫علي األوقاف‪ ،‬وخضعت لألخالف‪ .‬ورُ ميت بالبدع‪،‬‬
‫ُ‬
‫واتهمت بالطمع‪ .‬وأقامني األمراء والقضاة أمينا‪،‬‬
‫ودخلت في الوصايا وجعلت وكيال‪ .‬وامتحنتُ‬
‫الطرارين‪ ،‬ورأيت دول العيّارين‪ .‬واتبعني االرذلون‪،‬‬
‫ّ‬
‫وعاندني الحاسدون‪ ،‬وسعي بي إلى السالطين‪.‬‬
‫ودخلت حمامات طبرية‪ ،‬والقالع الفارسية‪ .‬ورأيت‬
‫يوم الفوّارة‪ ،‬وعيد بربارة‪ ،‬وبئر قضاعه‪ ،‬وقصر‬
‫يعقوب وضياعه»‪.‬‬
‫‪137‬‬

‫من البحر الأحمر �إىل نهر ال�صني‬

‫قطوف من رحلة �أبي دلف‬
‫ا�سي‪ .‬جتاوز الت�سعني من عمره متنق ًال‬
‫�أبو دلف م�سعر بن مهلهل اخلزرجي‬
‫الينبوعي (‪093 -...‬هـ‪1000-.../‬م تقريب ًا) �شاعر ّ‬
‫ورحالة ع ّب ّ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫الكدية‬
‫كر�سة لفنون ْ‬
‫يف البالد‪ .‬كان يرت ّدد �إىل ال�صاحب بن عباد فريتزق منه ويتز ّود كتبه يف �أ�سفاره‪� .‬صاحب (الق�صيدة ال�سا�سان ّية) امل َّ‬
‫الثعالبي بع�ضها يف «يتيمة الدهر»‪ .‬والن�ص‬
‫العبا�سي‪ ،‬وقد �أورد‬
‫التي ت�شتمل على جمموعة كبرية من الكلمات ال�شائعة يف عام ّية الع�رص‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫املن�شور هنا منتزع من كتاب �سي�صدر يف من�شورات «املركز العربي للأدب اجلغرايف»‪ .‬من حتقيق ال�شاعر �شاكر لعيبي‪.‬‬

‫ثم انتهينا إلى مقام الباب‪ ،‬وهو ٌ‬
‫بلد في الرمل‪ ،‬يكون‬
‫في (حجبة ملك الصين)‪ .‬ومنه يُستأذن لمن (يرد‬
‫ببلد) الصين من قبائل الترك وغيرهم‪ .‬فسرنا فيه‬
‫ثالثة أيام في ضيافة الملك‪ ،‬يغير لنا عند كل رأس‬
‫فرسخ مركوب ‪ .‬ثم انتهينا إلى وادي المقام‪ ،‬فاستؤذن‬
‫َّ‬
‫وتقدمتنا الرسل‪ ،‬فأذن لنا‪ ،‬بعد أن أقمنا بهذا‬
‫لنا منه‪،‬‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫الوادي‪ ،‬وهو أنز ُه (بالد اهلل وأحسنها) ‪ ،‬ثالثة أيام‬
‫في ضيافة الملك‪ .‬ثم عبرنا الوادي‪ ،‬وسرنا يومًا تامًا‪،‬‬
‫وأشرفنا على مدينة سندابل‪ .‬وهي قصبة الصين ‪،‬‬
‫مرحلة منها‪ ،‬ث َّم سرنا‬
‫وبها دار المملكة‪ ،‬فبتنا على‬
‫ٍ‬
‫من الغد طول نهارنا حتى وصلنا إليها عند المغرب‪.‬‬
‫وهي مدينة عظيمة‪ ،‬تكون مسيرة يوم‪ ،‬ولها ستون‬
‫شارعًا‪ ،‬كل شارع منها إلى دار الملك‪ ،‬ثم إلى باب من‬
‫أبوابها ‪ .‬وارتفاع سورها تسعون ذراعًا ‪ ،‬وعرضه‬
‫تسعون ذراعًا‪ .‬وعلى رأس السور نهر عظيم يتفرق‬
‫على ستين جزءًا‪ ،‬كل جزء منها ينزل على باب من‬
‫رحى تصب على ما دونها ثم إلى‬
‫األبواب‪ ،‬تتلقاه‬
‫ً‬
‫غيرها‪ ،‬ثم يصير إلى األرض‪ ،‬ثم يخرج نصفه تحت‬
‫السور‪ ،‬فيسقي البساتين‪ ،‬ويرجع نصفه إلى المدينة‪،‬‬
‫فيسقي أهل ذلك الشارع إلى دار الملك‪ ،‬ثم يخرج‬
‫في الشارع‪ .‬واآلخر إلى خارج البلد‪ .‬فكل شارع‬
‫ٌّ‬
‫كل يخال ُِف‬
‫فيه نهران‪ .‬وكل خالء فيها مجريان‬
‫ْ‬
‫صاحبه‪ .‬فالداخل يسقيهم‪ ،‬والخارج يُخرج فضوالتهم‬
‫‪( .‬ولهم ُ‬
‫بيت عبادةٍ عظيم‪ ،‬يُقال‪ :‬إنه أكبر من مسجد‬
‫ٌ‬
‫وصور وأصنامٌ‪ .‬وبد ٌه‬
‫تماثيل‬
‫وفيه‬
‫‪.‬‬
‫المقدس‬
‫[بيت]‬
‫ٌ‬
‫ٌ‬
‫ٌ‬
‫ٌ‬
‫عظيمٌ ‪ .‬ولهم سياسة عجيبة وأحكا ٌم متقنة) ‪ .‬وال‬
‫يذبحون وال يأكلون اللحوم أصلًا‪ .‬ومن قتل منهم‬
‫شيئًا من الحيوان ُقت َِل‪ .‬وهي دار مملكة الهند والترك‬
‫معًا‪.‬‬
‫ُ‬
‫ودخلت على ملكها فوجدته فائقًا في فنه ‪ ،‬كاملًا‬
‫‪138‬‬

‫الرحلة دي�سمرب ‪2010‬‬

‫ُ‬
‫الرسل فيما جاؤوا له تزويجه‬
‫في رأيه‪ ،‬فخاطبه‬
‫ابنته من نوح بن نصر ‪ ،‬فأجاب إلى ذلك وأحسن‬
‫ْ‬
‫نجزت‬
‫الرسل‪ .‬وأقمنا في ضيافته حتى‬
‫إلي وإلى‬
‫ِ‬
‫َّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫أمور المرأة‪ ،‬وتمّ ما ج َهزها به‪ ،‬ثم سلمها إلى مائتي‬
‫خواص خدمه وجواريه؛‬
‫جارية من‬
‫خادم وثالثماية‬
‫ّ‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫وحُ ْ‬
‫ملت إلى خراسان‪ ،‬إلى نوح بن نصر‪( ،‬فأولدها‬
‫عبد الملك) ‪( .‬ومات نصر بن أحمد قبل موافاتها‪،‬‬
‫فتبرك بها) ‪.‬‬
‫وصارت المملكة إلى نوح بن نصر‪،‬‬
‫َّ‬
‫وبلغنا أن نصرًا عمل قبره قبل وفاته بعشر سنين‬
‫‪ ،‬وذلك أنه أخذ له في مولده مبلغ عمره ووقت‬
‫ّ‬
‫بالسل‪ ،‬وعرف اليوم‬
‫انقضاء أجله‪ ،‬وأن موته يكون‬
‫الذي يموت فيه‪ ،‬فخرج يوم موته إلى بُخارى ‪ ،‬وقد‬
‫أعلم الناس أنه ميّت يومه ذلك‪ ،‬وأ َم َرهَم أن يتج َّهزوا‬
‫له بجهاز التعزية والمصيبة ليتص َوّرهم بعد موته‬
‫بالحال التي يراهم بها‪ ،‬فسار بين يديه ألوف من‬
‫الغلمان األتراك المرد‪ ،‬وقد ظاهروا اللباس السواد ‪،‬‬
‫ّ‬
‫وشقوا عن صدورهم‪ ،‬وجعلوا التراب على رؤوسهم‪،‬‬
‫ثم تبعهم نحو ألفا جارية من أصناف الرقيق مختلفي‬
‫األجناس واللغات على تلك الهيئة ؛ ثم جاء على‬
‫آثارهم عامّة الجيش واألولياء يجنبون دوابهم‬
‫ويفردون قودهم ‪ ،‬وقد خالفوا في نصب السروج‬
‫عليها‪ ،‬وس َّودوا نواصيها وجباهها‪ ،‬حاثين التراب‬
‫غم‬
‫على رؤوسهم؛ واتصل بهم الرعيّة والتجار في ّ ٍ‬
‫َّ‬
‫يتقدمُهم أوالدهم ونساؤهم؛‬
‫وضجيج‪،‬‬
‫وحزن وبكا ٍء‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫ثم اتصل بهم الشاكريّة والمكارون والحمّ الون‪،‬‬
‫بضرب‬
‫فريق منهم قد غي َّر زيَّه) وشهر نفسه‬
‫(كل‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫من اللباس‪ ،‬ثم جاء أوالده‪ ،‬يمشون بين يديه حفاة‬
‫حاسرين‪ ،‬والتراب في رؤوسهم‪ ،‬وبين أيديهم وجوه‬
‫ّ‬
‫وجلة خدمه ورؤساء ُقوّ اده؛ ثم أقبل‬
‫الكتاب ‪،‬‬
‫والقضاة والمعدلون والفقهاء والعلماء (يسايرونه‬

‫وكآبة وأحضر سجلًا ملفوفًا‪ ،‬فأمر القضاة‬
‫غم‬
‫ٍ‬
‫في ّ ٍ‬
‫ّ‬
‫والمعدلين ) والفقهاء والكتاب (ومن يجري مجراهم‬
‫بختمة ) ‪ ،‬وأمر نوحًا ابنه أن يعمل بما فيه بعده ‪،‬‬
‫ٍ‬
‫الصيني‬
‫من‬
‫ّة‬
‫ي‬
‫زبد‬
‫في‬
‫حساء‬
‫من‬
‫شيئًا‬
‫لها‬
‫واستدعى‬
‫ّ‬
‫األصفر ‪ ،‬فتناول منه شيئًا يسيرًا‪ ،‬ثم تغرغرت عيناه‪،‬‬
‫وحمد اهلل تعالى‪ ،‬وتش ّهد‪ ،‬ثم قال‪ :‬هذا آخر زاد يغر‬
‫من دنياكم‪ ،‬وسار إلى قبره‪ ،‬ودخله‪ ،‬وقرأ عشرًا فيه‬
‫‪ ،‬وخرج عنه‪ ،‬واستقر به‪ .‬ومات رحمه اهلل تعالى‪.‬‬
‫وتولى األمر نوح ابنه ‪.‬‬
‫ّ‬
‫[نحن نشك في صحة هذا الخبر‪ ،‬ألن محدثنا كان‬
‫ربّما ذكر شيئًا‪ ،‬نسأل اهلل تعالى أن ال يؤاخذنا بها]‪.‬‬
‫مد ًة‪ ،‬ألقى َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫بسندابل مدينة الصين َّ‬
‫ملكها‬
‫وأقمت‬
‫قال‪:‬‬
‫أمور‬
‫عن‬
‫ويسألني‬
‫‪،‬‬
‫شيئًا‬
‫فيفاوضني‬
‫األحايين‪،‬‬
‫في‬
‫ٍ‬
‫ُ‬
‫استأذنت في االنصراف‪،‬‬
‫أمور بلد اإلسالم‪ .‬ثم‬
‫من‬
‫ِ‬
‫ً‬
‫غاية في أمري‪،‬‬
‫ُبق‬
‫فأذ َِن لي بعد أن ْ‬
‫أح َسنَ ّ‬
‫إلي‪ ،‬ولم ي ِ‬
‫ُ‬
‫فخرجت على الساحل أريد «كله» ‪ .‬وهي أوّ ُل‬
‫مدينة الهند‪ ،‬ومنتهى مسير المراكب‪ .‬ال يتهيّأ لها‬
‫تجاوزها‪ ،‬وإالّ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫وصلت إليها ‪ ،‬رأي ُتها‬
‫غرقت ‪ ،‬فلما‬

‫عظيمة‪ ،‬منيعة عالية السور‪ ،‬كثيرة البساتين‪،‬‬
‫ُ‬
‫القلعي ‪ ،‬ال‬
‫ووجدت بها معدنًا للرصاص‬
‫غزيرة الماء‪.‬‬
‫ّ‬
‫يكون إالّ في قلعتها في سائر الدنيا‪ .‬وفي هذه القلعة‬
‫ُتضرب السيوف المعروفة بالقلعيّة ‪ ،‬وهي الهنديّة‬
‫العتيقة‪ ،‬وأهل هذه القلعة يمتنعون على ملكهم إذا‬
‫أرادوا ويطيعونه إذا أحبّوا‪ ،‬و َر ْسمُ هم َر ْسمُ الصين‬
‫في ترك الذباحة‪ ،‬وليس في جميع (أقاليم األرض)‬
‫ٌ‬
‫القلعي إالّ في هذه القلعة‪ .‬وبينها‬
‫معدن للرصاص‬
‫ّ‬
‫ٌ‬
‫مدن‬
‫وبين مدينة الصين ثالثمائة فرسخ ‪ ،‬وحولها‬
‫وحبوس وجنايات) ‪.‬‬
‫ورساتيق ‪ ،‬وفيها لهم (أحكا ٌم‬
‫ٌ‬
‫وأكلهم الب ُْسر والتمور‪ ،‬وبقولهم كلها ُتباع وزنًا‪،‬‬
‫وأرغفة خبزهم ُتباع ع ََددًا‪ .‬وال (حمّ امات لهم) ‪ ،‬بل‬
‫حار ٌة يغتسلون فيها ‪ .‬ودرهمهم ي َِز ُن‬
‫أعين‬
‫عندهم‬
‫ٌ‬
‫ّ‬
‫فلوس يتعاملون‬
‫ثلثي درهمنا‪ ،‬ويُعرف بالفهريّ ‪ .‬ولهم‬
‫ٌ‬
‫الصيني‬
‫بها‪ .‬ويلبسون كأهل الصين ‪ ،‬اإلفرند‬
‫ّ‬
‫المثمّ ن‪ .‬وملكها دون ملك الصين‪ ،‬وي َْخطب لملك‬
‫الصين‪ُ ،‬‬
‫وق ْبلته إليه‪ ،‬وبيته ُ‬
‫بيت عبادةٍ له‪.‬‬
‫‪139‬‬

‫حوار‬

‫‪Interview‬‬

‫الكاتب والرحالة الربيطاين تيم ماكنتو�ش ‪� -‬سميث يف جل�سة لندنية مع «الرحلة»‬

‫وطني هو العامل‬

‫ومدينتـي �صنعـاء‬

‫هذا احلوار مع تيم ماكنتو�ش – �سميث الرحالة والكاتب الربيطاين املعروف‪ ،‬والذي �أعطى زهرة عمره‬
‫لل�سفر مع ابن بطوطة‪ ،‬جرى يف لندن التي ي�أتيها تيم زائرا‪ .‬مل تكن هذه املرة زيارة �سعيدة‪ ،‬بل كانت قلقة‪،‬‬
‫حزينة‪ .‬فقد و�صل من �صنعاء‪ ،‬التي ي�سميها بــ«مدينتي» و�صول �شخ�ص م�ضطرب‪ ،‬جاء للقاء والدته‬
‫املري�ضة‪ ،‬وهو ال يعرف �إن كان �سيلحق بها على قيد احلياة �أم ال‪ .‬الحقا قال يل تيم‪ :‬اليوم فقط �رصت يتيم ًا‪.‬‬
‫رغم حزن الفقد فهو حوار �شيق مع كاتب من طراز خمتلف‪ ،‬و�إن�سان له روح وثابة تتطلع �إىل معانقة الوجود‪،‬‬
‫كل الوجود‪ ،‬واالحتفاء بكل ما هو �إن�ساين‪ ،‬ول�سان حاله ما نطق به ال�شيخ الأكرب حميي الدين ابن عربي ‪:‬‬

‫ر�أى الربق �رشقيا فحن �إىل ال�رشق‬
‫ولو الح غــربيا حلن �إىل الغــرب‬
‫فـ�إن غــرامي بالربوق وملحــهـا‬
‫ولي�س غرامي بالأماكن والرتب‬

‫ابن بطوطة هو كاتب الأ�سفار‬
‫النموذجي يف العامل‪ ،‬ورحالته‬
‫غطت العامل الإ�سالمي كله‬
‫وما حوله‪ ،‬من متبكتو �إىل‬
‫بكني‬

‫لدي أي رغبة في أن اغادرها‪ .‬وإذا كان وطني هو‬
‫العالم كله‪ ،‬فإن صنعاء هي مدينتي‪.‬‬

‫كاتب ال رحالة‬

‫تيم في مكتبة «الساقي» بلندن‬

‫يعتبر تيم ماكنتوش ‪ -‬سميث الكاتب البريطاني‬
‫المولود سنة ‪ ،1961‬والذي طاف العالم على خطا‬
‫شمس الدين الطنجي ابن بطوطة لربع قرن من‬
‫الزمن‪ ،‬واحدا من أشهر الكتاب وأكثرهم ارتباطا‬
‫بفكرة السفر والبحث جريا وراء شيخ الرحالين‬
‫العرب والمسلمين المنتمي برحالته واسفاره إلى‬
‫عالم القرون الوسطى‪.‬‬
‫وخالل مسيرته األدبية والبحثية وتجواله في‬
‫العالم‪ ،‬وضع تيم ماكنتوش ‪ -‬سميث الذي تخرج‬
‫من جامعة اكسفورد‪ ،‬وضع العديد من المؤلفات‪،‬‬
‫وصورت البيبي سي سلسلة من األفالم الوثائقية‬
‫عن اسفار تيم‪ .‬من مؤلفاته المطبوعة‪“ :‬أسفار مع‬
‫ابن طنجة” عام ‪« ،2001‬قاعة األلف عمود» عام‬
‫‪142‬‬

‫الرحلة دي�سمرب ‪2010‬‬

‫‪« .2005‬الوصول إلى اليابسة»‪.2010 .‬‬
‫وعلى رغم ان تيم هو أصال كاتب نثر مميز‪ ،‬فقد‬
‫اشتهر بكتب الرحالت‪ ،‬فقد كتب عن رحالته إلى‬
‫عدد من مدن العالم العربي‪ ،‬والشرق وأشهرها‬
‫رحلتان إلى طنجة واليمن‪ ،‬ورحلة إلى هندوستان‬
‫وذلك خالل تجواله وترحاله على خطى الرحالة‬
‫شمس الدين الطنجي المشهور بأبن ان بطوطة‪.‬‬
‫وبالتالي فإن كتاباته األشهر هي التي تناول فيها‬
‫أسفار ابن بطوطة ورحالته‪ ،‬والتي أبرز من خاللها‬
‫صدى المستكشف العربي العظيم في أغرب األماكن‬
‫وأعجب الحوادث‪.‬‬
‫وعن سر حبه لصنعاء واختيار اليمن بلدا لسكناه‬
‫وعيشه‪ ،‬يقول ماكنتوش ‪ -‬سميث مرددًا أبيات‬

‫الشيخ عبد الهادي الجواهري‪:‬‬
‫�صنعـ ـاء يا دار احلـــ�ضارة والعـال‬
‫ومقام كـل �سميدع ومليك‬
‫باري�س دونك يف اجلـمـــال ولندن‬
‫وعوا�صم الرومـان والأمـريك‬
‫فـجـمال تلك مـزخـرف متكلف‬
‫وجمـالك املطبوع مـن باريك‬
‫ويضيف‪ :‬ال تزال صنعاء جميلة‪ ،‬وهي من اهم‬
‫المدن التاريخية العربية‪ ،‬وألن أبي كان من محبي‬
‫كتب الرحالت‪ ،‬ويملك مجموعة من الكتب من‬
‫بينها كتب مصورة‪ ،‬كانت نفسي ‪ ،‬تسول لي أن‬
‫اطلع على كتبه وعلى صور اليمن خاصة‪ ،‬لي في‬
‫اليمن ما يقارب الستة والعشرين عامًا‪ ،‬وليست‬

‫حول تجاربه مع السفر والترحال يقول سميث‬
‫«لست متيمًا بحب السفر»‪ .‬يبدو هذا اعترافًا‬
‫غريبًا من رجل تعتبر سلسلة كتبه التي تتبع فيها‬
‫خطى ابن بطوطة‪ ،‬المستكشف العربي الذي عاش‬
‫في القرن الرابع عشر الميالدي‪ ،‬من بين أفضل‬
‫الكتب الحديثة عن األسفار والرحالت‪.‬‬
‫في كتبه عمومًا ينسج سميث خيوطًا من المعرفة‬
‫الواسعة‪ ،‬التي تتسم غالبًا بالروح المرحة‪ ،‬وأحيانًا‬
‫بعمق الفكر‪ ،‬ودائمًا بالجاذبية‪ ،‬وينسجها بوجهة‬
‫نظر لمستعرب تخرج من جامعة أكسفورد‪ ،‬ولكنه‬
‫اختار أن يعيش في اليمن ويتجول في العالم العربي‪.‬‬
‫في مستهل لقائي به سالني إن كنت مرتاحا في‬
‫لندن فقلت إنها مدينتي األحب‪ ،‬إنها وطني الثاني‪.‬‬
‫فقال أما أنا فوطني هو اليومن ومدينتي هي صنعاء‪.‬‬
‫في اليمن يشعر تيم ماكنتوش ‪ -‬سميث أنه بين‬
‫أهله وذويه‪ ،‬وفي بعض أجزاء العالم اإلسالمي يشعر‬
‫أن هذا العالم الذي اختاره هو العالم الذي ينتمي‬
‫إليه أكثر مما ينتمي إلى مسقط راسه في وطنه‬
‫األم‪ ،‬بريطانيا‪.‬‬
‫بعض من التقى به في منزله التقليدي القديم‬
‫المتعدد الطبقات بصنعاء ‪ ،‬حيث يعيش منذ أكثر‬
‫من ‪ 20‬عاما‪ ،‬يقول‪ ،‬إن تم يظل يكرر «لست ممن‬
‫ينطلقون للسفر بعيدًا ويكادون يهلكون أنفسهم‬
‫على الطريق‪ .‬من هذا المنطلق أعتقد أني مختلف‬
‫عن ابن بطوطة‪ ،‬فالمظاهر يمكن أن تكون خادعة»‪.‬‬
‫فأنا اوال واخيرا كاتب‪ .‬وبالتالي فأنا رحالة ألنني‬
‫‪143‬‬

‫لقطتان لتيم في المغرب والهند‬

‫مجرد سياحة او معامرة لقياس المسافات بين‬
‫زمنين زمن الرحالة القروسطي‪ ،‬والزمن الحديث‪.‬‬
‫هذا مجرد ملمح بسيط من الهدف‪ ،‬جزء صغير من‬
‫طموح الرحلة‪ .‬الواقع أن ابن بطوطة‪ ،‬الذي أمضى‬
‫أكثر من ربع قرن يتنقل بين آسيا وأفريقيا‪ ،‬انما‬
‫يوفر لنا صورة مفصلة وغير مسبوقة عن واقع‬
‫الحضارة في القرون الوسطى‪ .‬وهنا تكمن اهميته‬
‫الفعلية‪ ،‬والطاقة المذهلة الكامنة في نصه السردي‬
‫وما احتوى عليه من اخبار وحكايات ومعلومات‬
‫وتواريخ واسماء بشرية وجغرافية‪.‬‬

‫موجز حياة‬

‫الرحلة لديك تلخيصك الشخصي لرحلة ابن بطوطة‪،‬‬
‫شخصيته‪ ،‬رحلته واخباره‪ ،‬وهو تلخيص البد أن‬
‫يسر كل قاريء عربي أن يستمع إليه لكونه يقدم‬
‫له الرحالة العظيم بعيني كاتب ينتميحضارة وزمن‬
‫مختلفين‪...‬هل لك ان توجز لنا هذا التلخيص؟‬
‫تيم‪ :‬ولد الشيخ أبو عبد اهلل محمد ابن بطوطة‬
‫في طنجة عام ‪ 1304‬م وهو ابن لقاض ينتمي إلى‬
‫المذهب المالكي في الفقه اإلسالمي‪ ،‬اتجه نحو‬
‫الشرق وعمره ‪ 21‬عاما‪ ،‬ويبدو أنه كان ينوي‬
‫الحج‪ .‬ازدادت سعة اطالعه وأفقه وهو مسافر‬
‫إلى الشرق‪ .‬في عام ‪1341‬م أرسله السلطان محمد‬
‫بن تغلق سلطان دلهي محمال بهدايا في مهمة إلى‬
‫إمبراطور الصين لكن ابن بطوطة أضاع هذه الهدايا‬
‫في ساحل ما‬
‫أغلفة بعض إصدارات الرحالة‬

‫كاتب‪ ،‬وليس العكس‪.‬‬
‫من هنا‪ ،‬وبينما توحي كتبه وأدبياته بأنه رجل‬
‫مسفار ولد وفي جيبه أدلة رحالت‪ ،‬فإنه في‬
‫الحقيقة يفضل عادة الجلوس في منزله بين أرفف‬
‫مكتبته‪.‬‬
‫وبعد أن عاد من رحلة استمرت عدة أشهر في‬
‫إسبانيا متعقبًا خطى سلفه الذي يعود للقرون‬
‫الوسطى‪ ،‬فإنه اآلن يعد لجولة في الصحراء‬
‫األفريقية الكبرى إلعداد الجزء الثالث من ثالثية‬
‫ابن بطوطة‪ ،‬ولينهي المغامرة التي بدأها في كتابه‬
‫“أسفار مع ابن طنجة” الصادر عام ‪ ،2001‬الذي يبدأ‬
‫من مسقط رأس الرحالة العظيم في طنجة بالمغرب‪،‬‬
‫والرحلة التي تواصلت في رحلته التي جال بها في‬
‫أرجاء الهند‪ ،‬وهي الرحلة التي ضمنها كتابًا يحمل‬
‫‪144‬‬

‫عنوان “قاعة األلف عمود” أصدره في عام ‪.2005‬‬

‫م�سار الرحلة‬

‫الرحلة كيف كان مخططك في رحلة تتبعك لمسار‬
‫ابن بطوطة ففي رحالته‪ .‬هل كان ذلك ممكنا دائما‬
‫بالنسبة إليك‪ ...‬خصوصا ان بعض المدن الواقعة اليوم‬
‫على مسار رحلته تعتبر اماكن يسودها االضطراب‬
‫السياسي؟‬
‫تيم‪ :‬هذه مالحظة في مكانها‪ .‬والواقع انني تتبعت‬
‫طريق ابن بطوطة‪ ،‬ولكن ليس بشكل أعمى‪ .‬فابن‬
‫بطوطة سافر مثلًا عبر الجزائر‪ ،‬وعندما كان علي‬
‫أن أفعل مثله خالل سنوات التسعينات‪ ،‬كانت‬
‫البالد تعاني من حمامات دم‪ .‬في الواقع ال أعتقد‬
‫أنه كان مهتمًا جدًا بالجزائر‪ ،‬لذا تغاضيت عن‬

‫هذا الجزء من رحلته‪ .‬وبالمثل مع العراق‪ .‬فلم‬
‫يكن لديه الكثير مما يقوله‪ ،‬أو حكايات مشوقة‬
‫عما وجده هناك‪ ،‬لذا‪ ،‬تخليت عن هذا الجزء‬
‫أيضًا‪ .‬كانت الطريق التي سلكها ابن بطوطة إلى‬
‫الهند من أفغانستان قد اكتنفتها صعوبات كثيرة‪.‬‬
‫وكما أوضحت في الكتاب الخاص بالهند‪ ،‬الفرصة‬
‫الوحيدة لحل هذه المشكلة كانت السير راجلًا‬
‫عبر الحدود بين باكستان وأفغانستان‪.‬‬

‫ملاذا ابن بطوطة‬

‫الرحلة لكن لماذا ابن بطوطة‪ ..‬كهدف يكاد يكون‬
‫األبرز لك ككاتب‪ ...‬تمشي على خطاه‪ ،‬وتبحث في‬
‫زوايا حياته المكشوف منها والغامض أو الظليل؟‬
‫تيم‪ :‬الواقع ان الرحلة على خطا ابن بطوطة ليست‬

‫ليبار‪ ،‬وبدال من المخاطرة بالعودة إلى دلهي أقام‬
‫في جزر المالديف اإلسالمية وعمل فيها كقاض‪.‬‬
‫وبعد أكثر من سنة اتخذ طريقه نحو الصين عن‬
‫طريق سيالن والبنغال وسومطرة‪ .‬بالتأكيد كان‬
‫ابن بطوطة يحاول تطبيق ما جاء في األثر‪« :‬اطلبوا‬
‫العلم ولو في الصي‪.‬‬

‫مملكة مايل‬

‫عاد ابن بطوطة إلى المغرب وإسبانيا عبر دول‬
‫فتك بها مرض الطاعون ثم قام برحلة إلى منطقة‬
‫الصحارى ثم مملكة مالي حيث انتهت رحلته في‬
‫عام ‪1353‬م‪ .‬وقد قام بقطع مسافات تعادل ما قطعه‬
‫ماركو بولو قبل عشر سنوات منه‪ ،‬لكنه‪ ،‬أي ابن‬
‫بطوطة‪ ،‬ال يعتمد في أسفاره على معلومات غير‬
‫مؤكدة أو ثانوية‪ .‬وقد كتب المختصر لرحالته ابن‬
‫جزي نيابة عن السلطان المغربي في عام ‪،1356‬‬
‫‪145‬‬

‫ما يفترض أنه ضريح ابن بطوطة في قصبة طنجة بالمغرب‬

‫وال يعرف أحد تفاصيل أخرى عن حياته بعد ذلك‬
‫التاريخ إال فيما ندر‪.‬‬

‫�سالم املغول‬

‫كان ابن بطوطة وماركو بولو محظوظين في‬
‫حياتهما إذ إن كليهما عاشا في الفترة التي عرفت‬
‫بـ»سالم المغول» حيث اتخذ الخلفاء الذين جاؤوا‬
‫بعد جنكيز خان بعد تدميره للشرق اإلسالمي‬
‫ممثلًا في بغداد مبادئ تدعو إلى السالم وذلك‬
‫بفتحهم لطرق التجارة‪ ،‬وكانت خبرة ابن بطوطة‬
‫في الفقه اإلسالمي تساعده في العمل في المناطق‬
‫التي دخلت اإلسالم حديثا في ذلك الوقت‪.‬‬
‫كان الرحالة ابن بطوطة مقتنعا بعلو شأن الثقافة‬
‫‪146‬‬

‫التي ينتمي إليها وهي هنا اإلسالم والمدرسة‬
‫المالكية‪ ،‬وكان لديه في الوقت نفسه حب‬
‫استطالع لمعرفة المدارس األخرى والحضارات‬
‫األخرى غير اإلسالمية‪ .‬أقلقته الصين بكفرها‬
‫ومدنها الواسعة وتطورها المذهل‪ ،‬كما وجد مالي‬
‫دولة غير متحضرة تماما‪ ،‬اصبح ابن بطوطة مرنا‬
‫نوعا ما رغم أنه يبدو من الخارج متعصبا‪ ،‬لكنه‬
‫حافظ على دينه وإنسانيته‪.‬‬

‫نزار قباين‬

‫الرحلة سئلت مؤخرا عن معنى وجود اشعار نزار‬
‫قباني في وذكره في بعض كتاباتك‪ ..‬والواقع انني‬
‫مشوق لمعرفة ذلك ايضا؟‬

‫تيم‪ :‬زرت سوريا مرة قبل سنوات كثيرة ‪ ،‬ودخلت‬
‫مدينة دمشق‪ ،‬مدينة نزار قباني‪ ،‬ومدينة الياسمين‬
‫الذي في شعر هذا الشاعر المجيد‪ .‬وجاءني عاشق‬
‫تلى علي ابياتا من شعر نزار وطلب مني أن اكتب‬
‫رسالة لحبيبته‪ ،‬فسجلت االبيات وحفظتها‪ ،‬ثم‬
‫كانت لي رحلة مع شعره‪.‬‬

‫اخلطة االوىل‬

‫الرحلة كيف تورطت بابن بطوطة‪ ،‬وما هو المخطط‬
‫األولي الذي حملك على الخوض في رحلة تشبه‬
‫الحرب مرة مع المعلوم ومرة مع المجهول لم تضع‬
‫أوزارها حتى اليوم‪ ...‬وقد مضى على الشروع بها‬
‫اكثر من عقدين؟‬

‫تيم‪ :‬كانت الخطة األصلية تتبع أسفار ابن بطوطة‬
‫كلها في مجلد واحد‪ ،‬ولكن سرعان ما تراجعت‬
‫هذه الفكرة بعد أن اتضح المدى البعيد الذي‬
‫وصلت إليه رحالت ابن بطوطة‪ ،‬والتي استغرقت‬
‫نحو ‪ 29‬عاما‪ .‬والبداية من مسقط رأس الرحالة‬
‫العظيم في طنجة بالمغرب‪ ،‬ومن هنا جاء عنوان‬
‫المجلد األول‪.‬‬
‫وحيث كانت البداية غير مشجعة لتيم عند‬
‫زيارته القبر المفترض لبطله العربي‪ ،‬والذي فشل‬
‫في الشعور باتصال خاص مع ساكنه وشبه القبر‬
‫بحمام عام تابع للبلدية‪ ،‬وظل على مدى الصفحات‬
‫الـ ‪ 300‬التالية من كتابه‪ ،‬يسعى الهثا وراء شعور‬
‫مراوغ بانه يصطحب أثر سلفه الرحالة العربي‬
‫معه‪ .‬وجاءت النتيجة على شكل رواية شخصية‬
‫إلى حد كبير تدور حول محاولة االتصال بالماضي‬
‫من خالل األسواق‪ ،‬واألزقة‪ ،‬وأماكن بيع البيتزا‬
‫المنتشرة في أنحاء القارات األربع‪ ،‬تتخللها لحظات‬
‫مما يطلق عليه تيم الدوار المؤقت وهو شعور‬
‫بالدوار مرتبط بالنظر إلى نقطة بالزمن‪ ،‬بعيدة‪،‬‬
‫ولكن يمكن الوصول إليها بوثبة تأخذ باألنفاس‪.‬‬
‫ورغم أن كال من رحلتي تيم تبدأ بنقلة تاريخية‬
‫عظيمة‪ ،‬فقد توجت كالهما بلحظات إنسانية‬
‫غريبة‪ .‬ففي السوق الكبير بطنجة‪ ،‬يبرز رجل رث‬
‫الثياب من بين الجمهور‪ ،‬ويهمس بغموض قائال أنه‬
‫سبق ان شاهد المؤلف عند محطة القطارات‪ ،‬ثم‬
‫يختفي ثانية وسط الزحام دون أي توضيح‪ .‬هذه‬
‫مفاجآت السفر وتقلباته‪ ،‬وتيم يكتب عنها بحماس‬
‫شديد‪.‬‬
‫عبارات وجمل ترغب بوضع خط تحتها أو نقلها‬
‫لآلخرين بصوت عال‪ ،‬وتصعب قراءتها دون ان‬
‫ترتسم على شفتيك ابتسامة عريضة كل بضع‬
‫صفحات‪ .‬وبمذاق ممتع يستمر طويال تحت لسانك‬
‫يصور تيم‪ .‬بكل دقة مشاعر المسافر وميله الفطري‬
‫إلى أن يكون دائما خارج السرب إلى حد ما‪ ،‬فعندما‬
‫يكون المرء عابر سبيل‪ ،‬يمكنه أن يخطو بعيدا‬
‫عن نفسه التي بين جنبيه‪ ،‬وبهذا يصبح قادرا‬
‫على مالحظة سير الحياة حوله بمزيد من الوضوح‬
‫والعمق‪.‬‬

‫على حدود طالبان‬

‫وعندما يصل حدود افغانستان يقول تيم‪ :‬وفي‬
‫الوقت الذي كان يفترض أن أقوم فيه بذلك‪ ،‬فإن‬
‫حركة طالبان كانت ما تزال تحكم أفغانستان‪ ،‬وال‬
‫‪147‬‬

‫مازلت اجد ال�سري بحثا ورحلتي‬
‫مع ابن بطوطة �ستطول‬

‫خارطة لرحلة‬
‫ابن بطوطة‬
‫مأخوذة من أحد مؤلفات‬
‫تيم‬

‫مني بخيبة أمل‪ .‬فقد وجد القصر المتداعي‬
‫مسودا تغطيه بقرب ملعب‪ ،‬خيوط العنكبوت لكرة‬
‫القدم ومكب نفايات ترعى فيه وليس سوى بضعة‬
‫لوحات‪ .‬الماعز مهملة ملقاة على األرض في الساحة‬
‫المهجورة تشير إلى األهمية التي كان عليها المكان‪.‬‬
‫في المجلد الثاني‪ ،‬نقرأ ثانية كيف قدم ابن بطوطة‬
‫على حكام الهند‪ ،‬حيث ظل يتلقى الهدايا الثمينة‬
‫والجواري الحسان أينما حل‪ .‬كما مر بمرحلة‬
‫صوفية‪ ،‬كما يسميها تيم حيث عاش الرحالة‬
‫كناسك بين مجموعة من النساك بعد أن فشل‬
‫في نيل رضا السلطان المحلي‪ .‬ودعاه نفس هذا‬
‫السلطان في النهاية من المنفى‪ ،‬وقادته مباهج حياة‬
‫البالط السلطاني مرة أخرى بعيدا عن حياة التأمل‬
‫الروحي التي عاش فيها‪.‬‬

‫بني املادة والروح‬

‫أعتقد أنهم كانوا سيرحبون بغرباء يستكشفون ‪.‬‬
‫الجغرافيا التاريخية لبالدهم‪.‬‬
‫ورغم هذه المعوقات ‪ -‬أو بفضلها ‪ -‬يرسم تيم‪،‬‬
‫ببطء وبقلم خفيف صورة للمغامر غريب األطوار‬
‫الذي سبقه بنحو سبعة قرون‪ .‬وبعيدا عن كتاب‬
‫ابن بطوطة الموسوعي والذي يتحف‪ ،‬فيه القارئ‬
‫بحكايات عن رحلته شملت وصفا مسهبا للهدايا‬
‫التي أنعم بها عليه الملوك والخانات والمهراجات‬
‫الذين مر بهم‪ ،‬فإن اإلشارات إلى السيرة الذاتية‬
‫البن بطوطة نفسه تظل هزيلة إلى حد بعيد في‬
‫كتابه‪ .‬فكل ما نعرفه عنه أنه ترك موطنه طنجة‬
‫حوالي عام ‪ 1325‬وهو في سن ‪ 21‬ألداء فريضة الحج‬
‫إلى مكة‪ ،‬وعاد بعد أن قضى نصف حياته مسافرا‪،‬‬
‫قطع خاللها نحو ‪ 120‬ألف كيلومتر‪.‬‬
‫‪148‬‬

‫الرحلة دي�سمرب ‪2010‬‬

‫وإلى جانب ماركو بولو‪ ،‬والذي قطع نحو ثلث‬
‫هذه المسافة فقط‪ ،‬يعد ابن بطوطة كاتب األسفار‬
‫النموذجي في العالم‪ ،‬حيث غطى كل العالم اإلسالمي‬
‫وما حوله‪ ،‬من تمبكتو إلى بكين‪ ،‬واجتاز عددا ال‬
‫يحصى من الممالك واإلمارات والمشيخات‪ .‬ومع‬
‫عودته إلى المغرب‪ ،‬جمع الكثير من النوادر الكفيلة‬
‫بأن تجعل المستمعين في حالة ذهول‪ .‬وأمره حاكم‬
‫فاس أن يضع قصصه في رحالت » كتاب‪ ،‬فكانت‬
‫النتيجة كتاب ابن بطوطة‪.‬‬

‫�شخ�صية م�شاك�سة‬

‫يقول تيم‪ :‬لقد كان ابن بطوطة شخصية مشاكسة‬
‫‪ ،‬ومفعمة بالحيوية صغيرا‪ ،‬ويشبه إلى حد ما‬
‫كلب صيد نشيط‪ .‬كانت لديه الكثير من الرغبات‪،‬‬

‫ولكنه كان دائما‪ ،‬بالطبع‪ ،‬ملتزما بخط الشريعة‬
‫اإلسالمية‪ .‬ينتهي المجلد األول في القسطنطينية‪،‬‬
‫حيث اقتيد ابن بطوطة‪ ،‬في قصر بالكرنه‪ ،‬محاطا‬
‫بالفسيفساء البراقة ورجال الحاشية الصامتين‪،‬‬
‫إلى حضرة اإلمبراطور أندرونيكوس الثالث نفسه‪،‬‬
‫وريث القياصرة‪ .‬وبعدما وقف أمام الرجل ذي‬
‫الحذاء البنفسجي‪ ،‬حدثه ابن بطوطة عن أسفاره‪،‬‬
‫وطلب بتواضع دليال ومترجما يجوالن به بين‬
‫األماكن المهمة في االمبراطورية البيزنطية‪ .‬تأثر‬
‫اإلمبراطور بحديثه وطيب خاطره‪ ،‬وأرسله مكرما‬
‫على صهوة حصان مكسو مزين‪ ،‬تحفه مظلة تقيه‬
‫حر الشمس‪ ،‬برفقة مترجم محترف‪ .‬كان ابن‬
‫بطوطة بارعا في انتزاع إعجاب الحكام والناس‬
‫ووصف األجواء من حوله‪.‬‬
‫غير أن تيم‪ ،‬وفي المكان ذاته باسطنبول اليوم‪،‬‬

‫كان ابن بطوطة مسلما يسعى لاللتزام بأحكام دينه‪،‬‬
‫لكنه اتسم ببعض التناقض في شخصيته‪ ،‬حيث لم‬
‫يستطع حسم أمره بين المادة والروح‪ .‬يقول تيم‪:‬‬
‫لقد أراد ابن بطوطة الحصول سميث على الوظائف‬
‫الجيدة‪ ،‬والرواتب العالية‪ ،‬وغير هذا‪ ،‬ولكنه كان‬
‫متيما أيضا بالنساك والعباد واألماكن المقدسة‪.‬‬
‫ُ‬
‫شعرت كما لو أنني كنت أقف‬
‫وفي لحظات نادرة‪،‬‬
‫جنبا إلى جنب مع هذا الرحالة األسطوري «الحاضر‬
‫الخالد» الحاالت‪ ،‬واللحظة األهم في رحالته‪،‬‬
‫جاءته في الهند‪ ،‬قرب مدينة دار‪ ،‬التي تعرف اآلن‬
‫بماديا براديش‪ .‬فهناك‪ ،‬شهد ابن بطوطة طقوس‬
‫مرعبة إلحراق أحياء‪ ،‬كانت فيها الزوجات األرامل‬
‫يلقين أنفسهن فوق محارق جثث أزواجهن في‬
‫الجنازات‪ .‬ووصف ابن بطوطة تلك الطقوس بتفصيل‬
‫رهيب‪ ،‬ولم ينس تسجيل كلمات زوجة قبل أن‬
‫تلقي بنفسها إلى التهلكة‪ .‬وقد عثرت على الموقع‬
‫ووجدت أن المكان لم يتغير قيد أنملة عما كان‬
‫عليه قبل ‪ 660‬عاما فما تزال األشجار ذاتها تعلو في‬
‫‪149‬‬

‫لوحة من أعمال الفنان والرحالة االسكتلندي ديفد روبيرتس‬

‫ي�صور ماكنتو�ش بكل دقة م�شاعر امل�سافر وميله‬
‫الفطري �إىل �أن يكون دائما خارج ال�رسب‬

‫األفق الفسيح‪ ،‬وبعضها أقدم من ابن بطوطة نفسه‪،‬‬
‫وما يزال يقف هناك حجر مسود متفحم‪ ،‬كما لو‬
‫كانت نيران المحارق قد انطفأت لتوها‪.‬‬
‫لقد وقف شعر رأسي من الرهبة‪ ،‬كما شعر ابن‬
‫بطوطة تماما قبل قرون مضت‪ .‬وهو اإلحساس‬
‫بالرعب نفسه الذي انتاب ابن بطوطة أمام هذا‬
‫المنظر المخيف‪ ،‬بل إني أستطيع سماع األصوات‬
‫نفسها تتردد في المكان‪.‬‬
‫إنها مثل هذه اللحظات غير المتوقعة التي تجعل كل‬
‫رحلة جديرة بتحمل العناء ألجلها‪ ،‬حتى بالنسبة‬
‫ألولئك األكثر ولعا بالكتب أو المتنسكين الذين‬
‫يفضلون المكوث في بيوتهم‪ .‬فهل شعر ابن بطوطة‬
‫بهذا الوجود الذي يكاد يخدر العمود الفقري‪ ،‬أيضا؟‬
‫يتذكر تيم قول الفيلسوف ديكارت‪ ،‬الذي قال ذات‬
‫مرة إن قراءة الكتب العظيمة أشبه بمحادثة النبالء‪.‬‬
‫لقد كان صوت ابن بطوطة ‪ «.‬من القرون الماضية‬
‫‪150‬‬

‫الرحلة دي�سمرب ‪2010‬‬

‫ابن بطوطة‪ ،‬وهو يتردد عبر القرون الخوالي كلها‬
‫واضحا كصوت الرنين‪ ،‬كفيال بإنجاح هذا المشروع‪.‬‬

‫جديد الرحلة‬

‫بعد رحلة مع ابن بطوطة استمرت أكثر من‬
‫عشرين عاما‪ ،‬أختم بالسؤال‪ .‬تيم‪ ،‬ما هو مشروعك‬
‫المقبل‪ ،‬هل بقي شيء تعمله مع ابن بطوطة؟‬
‫بقي الكثير‪ ،‬فأنا اآلن بصدد البحث عن الحياة‬
‫المجهولة البن بطوطة‪ ،‬سواء عن طريق الكتب‬
‫أو السفر للبحث عن أي ما يخص هذا الرحالة‬
‫العظيم‪ ،‬أو عن طريق ما يسمع ويتناقل عنه‪ ،‬وكل‬
‫ذلك يأتي بهدف إثبات شخصية السيد شمس الدين‬
‫الطنجي‪ ،‬وأن ما وصلنا عنه ليس من قبيل الخرافة‬
‫أو األكذوبة بل انه واقع وقع ذات يوم‪ ،‬وها انا اجد‬
‫السير بحثا عنه لكشف جوانبه المجهولة‪ ،‬وتمام‬
‫معرفتي به‪ ،‬إنها محاولة‪ ...‬فلنر ما ستسفر عنه‪.‬‬

‫‪www.almasalik.com‬‬
‫امل�سالك‬

‫موقع على الإنرتنت‬

‫يهدف هذا املوقع �إىل �إعادة اكت�شاف ح�ضارة املكانوحا�ضره‬
‫وما ات�صل به من �أحداث ووقائع‪ ،‬وحكايات و�شخ�صيات‪ ،‬و�سلوك‬
‫وفكر ‪ ،‬من خالل املزج بني الو�سائط املتعددة واخلرائط احلية‬
‫(املرتبطة مبوقع غرغل)‪ ،‬لإحداث عملية تفاعل متبادل بني‬
‫املكان وبني الفنون والآداب والعلوم واملعارف‪.‬‬

‫‪www.almasalik.com‬‬

‫غرائب الأم�صار‬
‫خروف ينطح �أ�سداً‬
‫و�أ�سد يفر �أمام كلب‬
‫كان بمدينة دمشق َج ْرو أسد قد‬
‫رباه َسبّاع معه‪ ،‬حتى كبر وصار‬
‫ّ‬
‫وتأذى الناس به‪.‬‬
‫يطلب الخيل‪،‬‬
‫فقيل لألمير معين الدين رحمه‬
‫اهلل وأنا عنده‪« :‬هذا السبع قد‬
‫آذى الناس‪ ،‬والخيل تنفر منه‪،‬‬
‫وهو في الطريق»‪ .‬وكان على‬
‫مصطبة‪ ،‬بالقرب من دار معين‬
‫الدين‪ ,‬في النهار والليل‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫«قولوا للسبّاع يجيء به»‪ .‬فقال‬
‫للخِ وان سالر (أي مدير المطلخ‬
‫بالفارسية)‪« :‬أ َ ْخ ِرجْ من ذبائح‬
‫المطبخ خروفًا‪ْ ،‬‬
‫اتركه في قاعة‬
‫الدار‪ ،‬حتى نبصر كيف يكسره‬
‫السبع»‪ .‬فأخرج خروفًا إلى قاعة‬
‫الدار‪ .‬ودخل السبّاع ومعه‬
‫السبع‪ .‬فساعة رآه الخروف‪ ،‬وقد‬
‫ّ‬
‫أرسله السبّاع من السلسلة التي‬
‫امل�أمون قتلته �سمكة‬
‫بعد أن فتح المأمون أربعة عشر‬
‫حصنًا وانصرف من غزاته فنزل‬
‫عين البذندون المعروفة بالقشيرة‬
‫وأقام هناك حتى ترجع رسله من‬
‫الحصون‪ ،‬فوقف على العين ومنبع‬
‫الماء فأعجبه برد مائها وصفاءه‬
‫وحسن بياضه وطيب الموضع‬
‫وكثرة الخضرة‪ ،‬فأمر بقطع خشب‬
‫طوال فبسطت على العين كالجسر‬
‫وجلس عليه والماء تحته‪ ،‬وطرح‬
‫في الماء درهمًا فقرأ كتابته وهو في‬
‫قرار الماء لصفائه‪ ،‬ولم يقدر أحد‬
‫يدخل الماء من شدة برده‪ ،‬فبينما‬
‫هو كذلك إذ الحت سمكة نحو‬
‫الذراع كأنها سبيكة فضة‪ ،‬فأمر من‬
‫أخرجها‪ .‬فلما صارت على حرف‬
‫العين أو على الخشب اضطربت‬
‫وانملست من يد الفراش فوقعت في‬
‫‪152‬‬

‫‪Wonderland‬‬

‫في رقبته‪ ،‬حمل عليه فنطحه!‬
‫فانهزم السبّعُ يدور حول البركة‪،‬‬
‫والخروف خلفه يطرده وينطحه!‬
‫ونحن قد َغلَبنا الضحك عليه‪.‬‬
‫فقال األمير معين الدين رحمه‬
‫أخرجوه‬
‫اهلل‪« :‬ذا سبع منحوس! ِ‬
‫اذبحوه‪ ،‬واسلخوه‪ .‬وهاتوا جلده»‪.‬‬
‫فذبحوه وسلخوه‪ ،‬وأ َ َ‬
‫عتق ذلك‬
‫الخروف من الذبح‪.‬‬
‫من عجيب أمور السباع‪ :‬أن‬
‫أسدًا ظهر عندنا في أرض شيزر‪.‬‬
‫فخرجنا إليه‪ ،‬ومعنا َرجّ الة من‬
‫أهل شيزر‪ ،‬فيهم غالم للمُ ت َع َبّد‬
‫الذي كان يطيعه أهل الجبل‪،‬‬
‫ويكاد أن يُعبد‪ .‬ومع ذلك الغالم‬
‫كلب له‪ ،‬فأخذ ذلك الغالم وبرك‬
‫عليه‪ .‬فوثب الكلب على ظهر‬
‫األسد‪ ،‬فنفر عن الرجل وعاد إلى‬
‫األ َ َجمة! وخرج الرجل إلى بين‬
‫يدي والدي رحمه اهلل يضحك‪.‬‬
‫وقال‪« :‬يا موالي! وحياتك‪ ،‬ما‬

‫الماء كالحجر‪ ،‬فنضحت الماء على‬
‫صدر المأمون ونحره وترقوته‪،‬‬
‫ّ‬
‫الفراش ثانية‬
‫فبلت ثوبه‪ .‬ثم أخذها ّ‬
‫فوضعها بين يدي المأمون في منديل‬
‫تضطرب‪ .‬فقال المأمون‪:‬‬
‫ تقلى الساعة‪.‬‬‫ثم أخذته رعدة من ساعته لم‬
‫يقدر يتحرك من مكانه‪ ،‬فغطي‬
‫باللحف والدواويج وهو يرعد‬

‫جرحني وال آذاني!»‪ ،‬وقتلوا األسد‪.‬‬
‫ودخل الرجل فمات في تلك الليلة‬
‫من غير جرح أصابه! إال انقطع‬
‫قلبه‪ ،‬فكنت أعجب من إقدام ذلك‬
‫الكلب على األسد‪ ،‬وكل الحيوان‬
‫ينفر من األسد ويتجنبه‪.‬‬
‫ُ‬
‫"كتاب االعتبار" أسامة بن منقذ‬
‫‪584‬هـ ‪1188 1095-/‬م‬
‫تحقيق وتقديم د‪ .‬عبد الكريم األشتر‬

‫كالسعفة ويصيح‪:‬‬
‫ البرد‪ ..‬البرد‪..‬‬‫ثم حول إلى المضرب و ُدثِّر وأوقدت‬
‫النيران حوله وهو‪ ،‬يصيح‪:‬‬
‫ البرد‪.‬‬‫ثم أتي بالسمكة وقد فرغ من قليها‬
‫فلم يقدر على ذوقها‪ ،‬وشغله ما هو‬
‫فيه عن تناول شيء منها‪ .‬ولما اشتد‬
‫األمر عليه سأل المعتصم بختيشوع‬
‫وابن ماسويه عنه وهو في سكرات‬
‫الموت‪ :‬ما الذي يدل عليه علم‬
‫الطب من أمره وهل يمكن برؤه؟‬

‫فتقدم ابن ماسويه فأخذ إحدى‬
‫يديه وبختيشوع األخرى‪ ،‬وأخذا‬
‫المجسة من كلتا يديه فوجدا‬
‫نبضه خارجًا عن االعتدال منذرًا‬
‫بالفناء‪ ،‬والتزقت أيديهما ببشرته‬
‫لعرق كان يظهر في سائر جسده‬
‫كالرب أو كلعاب األفاعي‪ ،‬فأنكرا‬
‫ّ‬
‫معرفة العرق‪ ،‬وذكرا أنهما لم يجداه‬
‫في شيء من الكتب‪ ،‬وأنه دال على‬
‫انحالل الجسد‪.‬‬
‫وأفاق المأمون من غشيته وفتح‬
‫عينيه‪ ،‬وأمر بإحضار ناس من الروم‬
‫فسألهم عن اسم الموضع‪ ،‬فأحضر له‬
‫عدة من األسرى واألدالء فقيل لهم‪:‬‬
‫ ما تفسير هذا االسم وهو‬‫القشيرة؟‬
‫فقالوا‪:‬‬
‫ تفسيره مد رجليك‪.‬‬‫فلما سمعها المأمون اضطرب من‬
‫هذا الفأل وتطير به‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫ سلوهم ما اسم هذا الموضع‬‫بالعربية؟‬
‫فقالوا‪:‬‬
‫ الرقة‪.‬‬‫وكان فيما عمل من مولد المأمون‪،‬‬
‫أنه يموت بالموضع المعروف‬
‫بالرقة‪ ،‬فكان يحيد عن المقام‬
‫بمدينة الرقة خوفًا من الموت‪ .‬فلما‬
‫سمع هذا من الروم علم أنه الموضع‬
‫الذي وعِ د فيه فيما تقدم من‬
‫مولده‪ ،‬وأن فيه وفاته‪ .‬والبذندون‬
‫تفسيره مد رجليك‪.‬‬
‫فلما ثقل المأمون‪ ،‬قال‪:‬‬
‫ أخرجوني أُشرف على عسكري‬‫وأنظر إلى رجالي وأتبين ملكي‪.‬‬
‫وذلك بالليل‪ .‬وأخرج فأشرف على‬
‫الخيم والجيش وانتشاره وكثرته‬
‫وما قد أوقد من النيران‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫ يا من ال يزول ملكه ارحم من‬‫قد زال ملكه‪.‬‬
‫ثم رد إلى مرقده‪ ،‬وأجلس المعتصم‬
‫رجلًا يلقنه الشهادة‪ ،‬لما أثقل فرفع‬
‫الرجل بها صوته ليقولها المأمون‪،‬‬

‫فقال ابن ماسويه‪:‬‬
‫ ال تصح‪ ،‬فواهلل ما يفرق اآلن بين‬‫ربه وبين ماني!‬
‫ففتح المأمون عينيه وبها من العظم‬
‫والتورم واالحمرار ما لم يُر مثله‬
‫قط‪ ،‬وأقبل يحاول البطش بابن‬
‫ماسويه‪ ،‬ورام مخاطبته فعجز عن‬
‫ذلك‪ ،‬فرمى بطرفه نحو السماء وقد‬
‫امتألت عيناه دموعًا‪ ،‬وانطلق لسانه‬
‫من ساعته فقال‪:‬‬
‫ يا من ال يموت ارحم من يموت‪.‬‬‫وقضى من ساعته‪ ،‬وذلك لثالث‬
‫عشرة ليلة بقيت من رجب سنة‬
‫ثمان عشرة ومائتين‪ ،‬وحمل إلى‬
‫طرسوس فدفن بها‪.‬‬
‫من "الروض المعطار في خبر االقطار"‬
‫للحميري المتوفي سنة ‪ 800‬هـ‬

‫غرقا وهما متعانقان‬
‫على �سرير يف تايتانيك‬
‫ولما قررت السفر إلى الجهات‬
‫(األمريكية)‪ ،‬اتفقت مع كوك‬
‫وقررت السفر على الباخرة‬
‫(كرون برنسيس سيسيل) في‬
‫أول مايو‪ ،‬أي قبل دخول فصل‬
‫الحر الشديد بأمريكا‪ .‬وهذه‬
‫الباخرة تابعة لشركة (النورد‬
‫تشر لويد) األلمانية‪ .‬ولما وصلت‬
‫إلى باريس أخذت أعد العدة لهذا‬

‫السفر‪ ،‬وكنت أتردد على محل كوك‬
‫ألقرر خطة السياحة النهائية‪ .‬وقد‬
‫ساعدني الحظ ووفقت لعمل برنامج‬
‫السياحة بمساعدة المستر بروكر‪،‬‬
‫أحد رؤساء محل كوك الذي رأيت فيه‬
‫الكفاءة العظيمة‪ ،‬فلم نترك أعجوبة‬
‫أو منظرا جميال يستحق الزيارة في‬
‫الدنيا الجديدة إال وقررناه في خطة‬
‫سياحتنا التي تستغرق ثالثة شهور‪.‬‬
‫وبينما كنا نعلل النفس بقرب السفر‬
‫وننتظر بفارغ صبر يوم قيامنا برحلتنا‬
‫الجميلة‪ ،‬حدثت فاجعة غرق أكبر‬
‫باخرة في العالم‪( ،‬في ‪ 14‬فبراير‪ /‬شباط‬
‫‪ )1912‬وهي التي تسمى «تيتانيك»‬
‫التابعة لشركة «ويت ستار الين»‬
‫أثناء سفرها ألول مرة من إنجلترا إلى‬
‫أمريكا‪ ،‬وكانت حمولتها «‪»46000‬‬
‫طن وسرعتها ‪ 21‬عقدة‪ .‬وسبب غرقها‬
‫مصادمتها‪ ،‬في الساعة الثانية عشرة‬
‫مساء‪ ،‬بجبل من الجليد «آيس برج»‬
‫عائم على وجه الماء‪ .‬وقد فصلت‬
‫الجرائد األوربية كيف كانت المصادمة‬
‫وحصول الغرق تفصيال مسهبا‪ ،‬ال داعي‬
‫إلعادته اآلن في رحلتنا‪ .‬إال أننا نقتصر‬
‫من ذلك على ذكر ما رأيناه مهما‪،‬‬
‫ويستحق المدح واإلعجاب‪ .‬إن عدد‬
‫الركاب الذين كانوا في التيتانيك ال يقل‬
‫عن ‪ 2500‬شخص‪ ،‬كان من المستحيل‬
‫نجاتهم جميعا بواسطة الستة عشر‬
‫زورقا (من زوارق النجاة) التي كانت‬
‫بها‪ .‬ولذا ابتدئ بإنقاذ النساء واألطفال‬
‫أوال‪ ،‬ثم نزل بعض الرجال في المحال‬
‫الباقية من هذه الزوارق‪ .‬وكان من‬
‫بين الراكبين في الباخرة الكولونيل‬
‫«أستور» ياور المستر «تافت» رئيس‬
‫الجمهورية السابق‪ ،‬وهو من أصحاب‬
‫الثروة التي تقدر بمبلغ ‪ 750‬مليون‬
‫فرنك‪ ،‬وكان قد تزوج في إنجلترا‬
‫بممثلة اشتهرت بجمالها الرائع‪ ،‬وكان‬
‫عائدا بعد أن قضيا «شهر العسل» في‬
‫مصر في فصل الشتاء الماضي احتفاال‬
‫باليوبيل الذهبي لزواجهما‪ ،‬فبدل أن‬
‫يسرع إلى النجاة بنفسه أظهر شهامة‬

‫‪153‬‬

‫ومروءة وصار يساعد السيدات‬
‫واألطفال على النجاة وفضلهم على‬
‫نفسه‪.‬‬
‫والذي أثر في نفسي كثيرا منتهى‬
‫اإلخالص والصداقة التي أظهرتها‬
‫السيدة «ستورس» لزوجها الذي‬
‫كان معها في هذه الباخرة‪ ،‬وهو‬
‫المشهور بثروته التي ال تقل‬
‫عن ‪ 250‬مليون فرنك‪ ،‬فإنها لما‬
‫دعيت لمفارقة الباخرة كغيرها‬
‫من السيدات أبت نفسها الشريفة‬
‫أن تفارق زوجها‪ ،‬وأجابت الربان‬
‫الذي كان يدعوها إلى النجاة بنفسها‬
‫قائلة‪ :‬إن الخمسين سنة التي‬
‫أمضيتها مع زوجي المحبوب بين‬
‫السعادة والشقاء ال تسمح لي اليوم‬
‫بأن أفارقه في وقت الشدة‪ ،‬فأنا‬
‫أفضل الموت معه على أن أعيش‬
‫لحظة واحدة بعده‪ ،‬فمات االثنان‬
‫المسنان متعانقين بعد قبلة الوداع‬
‫األخير‪ .‬وأضافت السيدة ستورس‬
‫إلى صحيفة اإلخالص أكمل مثال له‬
‫يستحق أن يدون بالذهب وينشر‬
‫في العالم‪ ،‬ليكون عبرة ومثال لمحبي‬
‫المروءة والشهامة واإلخالص‪.‬‬
‫إن هذا الضرب من اإلخالص قلما‬
‫يوجد له مثال بين الرجال والنساء‪.‬‬
‫وهل لنا أن نؤمل‪ ،‬بعد أن أبدت‬
‫هذه السيدة أمام العالم أجمع هذا‬
‫المثال لإلخالص الكامل‪ ،‬أن هذه‬
‫الروح الطاهرة ستسري بين النفوس‬
‫في أكثر األسرات حتى تقوي صالت‬
‫المحبة بين أفرادها‪ ،‬وبذلك تسود‬
‫األلفة بين أبناء البشر؟‬
‫أما أسباب الغرق فهي االعتقاد بأن‬
‫هذه الباخرة الكبيرة متينة جدا‬
‫وال سبيل إلى أن تغرق‪ ،‬ولذا أمر‬
‫ربانها بأن يسرع في السير بآخر‬
‫قوة باخرته حتى يقطع المسافة‬
‫بين إنجلترا وأمريكا في مدة أقل‬
‫مما تقطعها باقي بواخر العالم فتأخذ‬
‫التيتانيك الشهرة وتفوز بالسبق‪.‬‬
‫ولكن‪ ،‬يا لألسف‪ ،‬خاب الظن‬
‫وكانت العاقبة وباال‪ .‬لقد أسرعت‬
‫‪154‬‬

‫الرحلة دي�سمرب ‪2010‬‬

‫السفينة‪ ،‬ولكن ماذا كانت العاقبة؟‬
‫تصادمت بذلك الجبل الهائل ولشدة‬
‫سرعتها لم يمكن تحويل سيرها‬
‫وإيقافها دفعة واحدة‪ ،‬فذهبت هباء‬
‫منثورا‪.‬‬
‫إن هذه الحادثة أخذت دورا هائال‬
‫في باريس‪ ،‬حتى كنا من الصباح‬
‫إلى المساء ال نسمع إال أخبار‬
‫غرق التيتانيك‪ .‬إن حصول مثل‬
‫هذه الفاجعة لمما يثني الهمم عن‬
‫السياحات‪ .‬فكم من صديق كان‬
‫ينصحنا بالرجوع عن عزمنا‪ ،‬ولكن‬
‫هلل الحمد‪ ،‬أنا ورفيقاي مسلمون‬
‫مخلصون هلل ولدينه الحنيف‪،‬‬
‫نعتقد أن لكل أجل كتابا‪ ،‬فيقيننا‬
‫ننثن‬
‫باهلل زادنا توكال عليه‪ ،‬فلم ِ‬
‫عن عزمنا‪ .‬وكنت كلما سئلت‪ :‬هل‬
‫أنت مسافر؟ قلت نعم‪.‬‬
‫ أفلست خائفا؟‬‫ ال‪ .‬إن اهلل قادر أن يحميني من‬‫األذى‪ ،‬وهو الحي الذي ال يموت‪.‬‬
‫إني ال أريد أن أخفي عليك‪ ،‬أيها‬
‫القارئ‪ ،‬مقدار ما كان من تأثري من‬
‫سماع كل هذه األخبار المزعجة‬
‫التي ال تطمئن القلوب لها‪ .‬نعم‪ ،‬إني‬
‫كنت أشعر بسرور ألني سأرى‬
‫أشياء جديدة لم أرها أثناء سياحاتي‬

‫الماضية‪ ،‬إال أني في الحقيقة كنت‬
‫أشعر بأن هذا السرور يكون عندي‬
‫أعظم‪ ،‬بعد أن أتمم هذه الرحلة وأعود‬
‫سالما إلى بالدي العزيزة‪ .‬ولما لم يبق‬
‫لنا سوى ‪ 24‬ساعة على ميعاد السفر‪،‬‬
‫ذهبت إلى كوك وتسلمت جواز‬
‫السفر ووقعت على حسابي عندهم‪،‬‬
‫وأخذت منه دفتر شيكات ألخذ‬
‫ما يلزمني من النقود بأمريكا‪ .‬وقد‬
‫أخبرت بأن الشركة اعتنت بي كثيرا‪،‬‬
‫وأعدت لي أحسن محل بالباخرة‬
‫«رون برنسيس سيسيل»‪ .‬وقد‬
‫أخبرني أيضًا محل كوك إنه سيمر‬
‫على محل سكننا اليوم «‪ 30‬أبريل‬
‫سنة ‪ »1912‬الساعة ‪ 8‬ونصف مساء‬
‫من هو مكلف بأخذ أمتعتنا الثقيلة‬
‫إلرسالها مباشرة إلى الباخرة حتى ال‬
‫نتعب‪ ،‬وقد حصل ذلك‪ .‬وبما أننا غدا‬
‫صباحا سنقوم الساعة ‪ 9‬والدقيقة‬
‫‪ 50‬من محطة «سان الزار» ويلزمنا‬
‫أن نكون مبكرين إلى المحطة‪ ،‬فضلنا‬
‫أن نبادر إلى النوم حتى يكون لنا من‬
‫ِّ‬
‫مشاق‬
‫الراحة ما يساعدنا على تحمل‬
‫السفر‪ ،‬إن شاء اهلل تعالى‪.‬‬
‫األمير محمد علي باشا‬
‫الرحلة األميركية ‪1912 -‬‬

‫مو�سوعة رحالت احلج‬

‫مائة رحلة �إىل مكة واملدينة وبيت املقد�س‬

‫�إيجاز‬

‫‪Abeigment‬‬

‫م�صطلحات‬
‫خريطة‪:‬‬

‫‪Carte, Carta, Cart, Map‬‬

‫علم الخرائط وفن رسمها‪:‬‬

‫‪Cartographie, Cartography‬‬

‫الكارتوغرافيا‪ :‬هي مجموعة الدراسات‬
‫والتجارب العلمية والفنية والتقنية‬
‫المستخلصة من مشاهدات الرحالة‬
‫والبلدانيين ومالحظاتهم المباشرة‬
‫واالستفادة من مدوناتهم من أجل إعداد‬
‫الخرائط والمصورات والتصاميم‪ ،‬وكيفية‬
‫استعمالها كذلك‪.‬‬
‫الخرائط البحرية‪:‬‬

‫‪Cartes marines‬‬

‫األرصاد الجوية‬

‫‪Météorologie, meterology‬‬

‫رسم الخرائط والبيانات الجوية‪:‬‬

‫‪Meteorographics‬‬

‫علم الظواهر الجوية ودراسة األنواء‪:‬‬
‫‪Météorologie meteorology‬‬

‫الدسار (ج دسر) ‪:‬‬
‫مسمار أو خيط من ليف تشد به ألواح‬
‫السفينة‪.‬‬
‫َّ‬
‫الد َقل ‪:‬‬
‫(الصاري الرئيسي) وهو العمود الخشبي‬
‫الذي يمد عليها الشراع‪.‬‬
‫َّ‬
‫الطوْ ف (جمع أطواف)‪:‬‬
‫ما يعوم على وجه الماء‪ ،‬وهي قطع من‬
‫خشب أو قرب ينفخ فيها ويشد بعضها‬
‫إلى بعض فتصير كهيئة سطح لركوب‬
‫الماء أو حمل األمتعة‪.‬‬

‫�أعالم‬
‫ابن حوقل ‪:‬‬
‫(توفي سنة ‪977‬م) محمد بن حوقل‬
‫البغدادي الموصلي‪ ،‬أبو القاسم‪ :‬رحالة‪،‬‬

‫‪156‬‬

‫من علماء البلدان‪ .‬كان تاجرًا‪.‬‬
‫رحل من بغداد سنة ‪331‬هـ‪،‬‬
‫ودخل المغرب وصقلية‪ ،‬وجاب‬
‫بالد األندلس وغيرها‪ .‬ويقال‪ :‬كان‬
‫عينًا للفاطميين‪ .‬وله "المسالك‬
‫والممالك"‪.‬‬
‫البيروني‬
‫بدأ القرن الحادي عشر مشرقًا‬
‫بالنسبة للعلم العربي؛ ففي عام‬
‫(‪390‬هـ‪ )1000 :‬أتم تأليف كتابه‬
‫المشهور "اآلثار الباقية" ّ‬
‫عالمة‬
‫شاب هو البيروني‪ ،‬وهو كتاب ال‬
‫مثيل له في جميع آداب الشرق‪.‬‬
‫وفي خالل نصف قرن تقريبًا من‬
‫هذا التاريخ لم يتوقف البيروني‬
‫عن تزويد مختلف فروع العلم‬
‫بمؤلفاته العديدة التي يمكن القول‬
‫بأنها بلغت ذروتها بكتابه عن الهند‬
‫المسمى "تحقيق ما للهند‪ ،"....‬ذلك‬
‫الكتاب الذي وصفه روزن منذ‬
‫أكثر من خمسين عامًا بأنه "أثر‬
‫فريد في بابه ال مثيل له في األدب‬
‫العلمي القديم أو الوسيط سواء في‬
‫الغرب أو الشرق"‪.‬‬
‫ولد البيروني في الثاني من ذي‬
‫الحجة عام (‪362‬هـ‪ 4 :‬سبتمبر ‪)973‬‬
‫بضاحية من ضواحي خوارزم‪،‬‬
‫ومنها أخذ نسبته البيروني التي‬
‫تنطق في العربية بكسر الباء‪،‬‬
‫وكنيته أبو الريحان غير واضحة‬
‫بدورها‪ ،‬كما وأن نسبه مجهول‬
‫تمامًا‪ .‬أما اسمه محمد بن أحمد‬
‫فال يفاد منه شيء البتة‪ ،‬بل جرت‬
‫العادة على استعمال هذه األسماء‬
‫عندما تكون األسماء الحقيقية غير‬
‫معروفة‪ .‬توفي البيروني بغزنة‬
‫في الثالث من رجب عام (‪444‬هـ‬
‫الموافق ‪ 13‬ديسمبر ‪.)1048‬‬
‫أطلق علماء الغرب على القرن‬
‫الحادي عشر اسم عصر البيروني‬
‫ألنه أكبر شخصية علمية عاشت‬
‫في ذلك الوقت‪.‬‬

‫مدينة‬
‫الر ُّي‪ :‬مدينة مشهورة من أمهات البالد‬
‫َّ‬
‫وأعالم المدن‪ ،‬كثيرة الفواكه والخيرات‪،‬‬
‫وهي محط الحاج على طريق السابلة‬
‫وقصبة بالد الجبال‪ ،‬بينها وبين نيسابور‬
‫مائة وستون فرسخًا‪ ،‬وإلى قزوين سبعة‬
‫وعشرون فرسخًا‪ ،‬ومن قزوين إلى أبهر‬
‫اثنا عشر فرسخًا‪ ،‬وإلى زنجان خمسة عثر‬
‫فرسخًا‪.‬‬
‫الري بلد بناه فيروز بن‬
‫العمراني‪:‬‬
‫قال‬
‫َّ‬
‫الري‬
‫ذكر‬
‫ثم‬
‫فيروز‪،‬‬
‫رام‬
‫وسماه‬
‫يزدجرد‬
‫َّ‬
‫المشهورة بعدها وجعلهما بلدتين‪ ،‬وال‬
‫الري المشهورة فإني‬
‫أعرف األخرى‪ ،‬فأما َّ‬
‫رأيتها‪ ،‬وهي مدينة عجيبة الحسن مبنية‬
‫باآلجر المنمق الملمع بالزرقة‪ ،‬وإلى جانبها‬
‫جبل مشرف عليها أقرع ال ينبت فيه شيء‪.‬‬
‫وكانت مدينة عظيمة خرب أكثرها‪ ،‬واتفق‬
‫أنني اجتزت في خرابها في سنة ‪617‬هـ وأنا‬
‫منهزم من التتر‪ ،‬فرأيت حيطان خرابها قائمة‬
‫ومنابرها باقية وتزاويق الحيطان بحالها‬
‫لقرب عهدها بالخراب‪ ،‬إال أنها خاوية على‬
‫عروشها‪.‬‬
‫ووصفها اإلصطخري بأنها كانت أكبر من‬
‫والري مدينة ليس بعد‬
‫أصبهان‪ .‬وقال‪َّ :‬‬
‫بغداد في المشرق أعمر منها‪ .‬وهي مدينة‬
‫مقدارها فرسخ ونصف في مثله‪ ،‬والغالب‬
‫وللري قرى‬
‫على بنائها الخشب والطين‪َّ .‬‬
‫كبار كل واحدة أكبر من مدينة وعدَّ د منها‬
‫ومرج َبى وغير ذلك من القرى‬
‫قوهذ والسد‬
‫َ‬
‫التي بلغني أنها تخرج من أهلها ما يزيد على‬
‫عشرة آالف رجل‪.‬‬
‫قال جعفر بن محمد الرازي‪ :‬لما قدم المهدي‬
‫الري‬
‫الري في خالفة المنصور بَ َنى مدينة َّ‬
‫َّ‬
‫التي بها الناس اليوم وجعل حولها خندقًا‬
‫وجرى ذلك على‬
‫وبَ َنى فيها مسجدًا جامعًا‬
‫َ‬
‫يد عمار بن أبي الخصيب وكتب اسمه‬
‫على حائطها وتَ َّم عملها سنة ‪158‬هـ وجعل‬
‫لها فصيلًا يطيف به فارقين آجر‪ ،‬والفارقين‬
‫الخندق وسماها المحمدية‪ .‬فأهل الري‬
‫يدعون المدينة الداخلة المدينة‪ ،‬ويسمون‬
‫الفصيل المدينة الخارجة‪ ،‬والحصن‬
‫المعروف بالزينبدى في داخل المدينة‬
‫المعروفة بالمحمدية‪.‬‬

‫�صفحة من‬

‫‪A page from‬‬

‫كتاب القانون ‪ -‬ابن �سينا‬

‫�إر�ضـاع املـولود‬
‫أما كيفية إرضاعه وتغذيته‪ ،‬فيجب أن يرضع ما أمكن بلبن أمه‪ ،‬فإنه أشبه األغذية‬
‫بجوهر ما سلف من غذائه‪ ،‬وهو في الرحم أعني طمث أمه‪ ،‬فإنه بعينه‬
‫هو المستحيل لبنًا‪ ،‬وهو أقبل لذلك وآلف له حتى إنه قد صح بالتجربة‬
‫أن إلقامه حلمة أمه عظيم النفع جدًا في دفع ما يؤذيه‪ .‬ويجب أن يُكتفى‬
‫بإرضاعه في اليوم مرتين أو ثالثًا‪ ،‬وال يبدأ في أول األمر في إرضاعه بإرضاع‬
‫كثير‪ ،‬على أنه يستحب أن تكون من ترضعه في أول األمر غير أمه حتى‬
‫يعتدل مزاج أمه‪ .‬واألجود أن يلعق عسلًا ثم يرضع‪ .‬ويجب أن يحلب من‬
‫اللبن الذي يرضع منه الصبي في أول النهار حلبتان أو ثالث ثم يلقم الحلمة‪،‬‬
‫وخصوصًا إذا كان باللبن عيب‪ .‬واألولى باللبن الرديء والحريف أن ال ترضعها‬
‫المرضعة وهي على الريق‪ ،‬ومع ذلك فإنه من الواجب أن يلزم الطفل شيئين‬
‫نافعين أيضًا لتقوية مزاجه‪ ،‬أحدهما‪ :‬التحريك اللطيف‪ ،‬واآلخر‪ :‬الموسيقى‬
‫والتلحين الذي جرت به العادة لتنويم األطفال‪ .‬وبمقدار قبوله لذلك يوقف على‬
‫تهيئته للرياضة‪ ،‬والموسيقى‪ :‬أحدهما ببدنه واآلخر بنفسه‪ ،‬فإن َم َن َع عن إرضاعه‬
‫لبن والدته مانع من ضعف وفساد لبنها أو ميله إلى الرقة‪ ،‬فينبغي أن يختار له‬
‫مرضعة على الشرائط التي نصفها‪ ،‬بعضها في س ِّنها‪ ،‬وبعضها في َسحنتها‪ ،‬وبعضها‬
‫في أخالقها‪ ،‬وبعضها في هيئة ثديها‪ ،‬وبعضها في كيفية لبنها‪ ،‬وبعضها في مقدار‬
‫مدة ما بينها وبين وضعها‪ ،‬وبعضها من جنس مولودها‪ .‬وإذا أصبت شرائطها فيجب أن يجاد غذاؤها فيجعل‬
‫من الحنطة والخندريس ولحوم الخرفان والجداء والسمك الذي ليس بعفن اللحم وال صلبه‪ .‬والخس غذاء‬
‫وشر البقول لها الجرجير والخردل والباذروج فإنه يفسد اللبن‪ ،‬وفي النعناع‬
‫محمود‪ ،‬واللوز أيضًا والبندق‪.‬‬
‫ُّ‬
‫قوة من ذلك‪.‬‬
‫وأما شرائط المرضع فسنذكرها‪ :‬ونبدأ بشريطة سنها فنقول‪ :‬إن األحسن أن يكون ما بين خمس وعشرين‬
‫سنة إلى خمس وثالثين سنة‪ ،‬فإن هذا هو سن الشباب وسن الصحة والكمال‪ .‬وأما في شريطة سحنتها‬
‫وتركيبها‪ ،‬فيجب أن تكون حسنة اللون‪ ،‬قوية العنق والصدر واسعته‪ ،‬عضالنية صلبة اللحم‪ ،‬متوسطة‬
‫في السمن والهزال لحمانية ال شحمانية‪ .‬وأما في أخالقها فأن تكون حسنة األخالق محمودتها بطيئة عن‬
‫االنفعاالت النفسانية الرديئة من الغضب والغم والجبن وغير ذلك‪ ،‬فإن جميع ذلك يفسد المزاج وربما‬
‫للهّ‬
‫أعدى بالرضاع ولهذا نهى رسول ا صلى اهلل عليه وسلم عن استظئار المجنونة‪ ،‬على أن سوء خلقها‬
‫أيضًا مما يسلك بها سوء العناية بتع ّهد الصبي وإقالل مداراته‪ .‬وأما في هيئة ثديها‪ ،‬فأن يكون ثديها مكتنزًا‬
‫عظيمًا‪ ،‬وليس مع عظمه بمسترخ‪ ،‬وال ينبغي أيضًا أن يكون فاحش العظم‪ ،‬ويجب أن يكون معتدلًا في‬
‫الصالبة واللين‪ .‬وأما في كيفية لبنها‪ ،‬فأن يكون قوامه معتدلًا‪ ،‬ومقداره معتدلًا‪ ،‬ولونه إلى البياض‪ ،‬ال كمد‬
‫وال أخضر وال أصفر وال أحمر‪ ،‬ورائحته طيّبة ال ونة فيها وال عفونة‪ .‬وطعمه إلى الحالوة ال مرارة فيه‬
‫وال ملوحة وال حموضة‪ ،‬وإلى الكثرة ما هو وأجزاؤه متشابهة‪ ،‬فحينئذ ال يكون رقيقًا سيالًا وال غليظًا جدًا‬
‫جبنيًا‪ ،‬وال مختلف األجزاء‪ ،‬وال كثير الرغوة‪ ،‬وقد يجرب قوامه بالتقطير على الظفر فإن سال فهو رقيق‪،‬‬
‫وإن وقف عن اإلسالة من الظفر فهو ثخين‪ .‬ويجرب أيضًا في زجاجة بأن يلقي عليه شيء من المر ويحرك‬
‫باألصبع فيعرف مقدار جبنيته ومائيته‪ ،‬فإن اللبن المحمود هو المتعادل الجبنية والمائية‪ ،‬فإن اضطر إلى‬
‫من لبنها ليس بهذه الصفة دبر فيه‪ ،‬من وجه السقي‪ ،‬ومن عالج المرضعة‪ .‬أما من وجه السقي فما كان‬
‫من األلبان غليظًا كريه الرائحة‪ ،‬فاألصوب أن يسقى بعد حلب ويعرض للهواء‪ ،‬وما كان شديد الحرارة‪،‬‬
‫فاألصوب أن ال يسقى على الريق البتة‪.‬‬
‫‪158‬‬

‫ر�سالة‬

‫‪Letter‬‬

‫من ال�سلطان موالي �إ�سماعيل �إىل لوي�س الرابع ع�رش‬

‫لي�س عندك قول �صحيح وال كالم رجيح‬
‫هذه الر�سالة ذات قيمة ا�ستثنائية لكونها تك�شف عن طبيعة العالقة‬
‫التي قامت بني املغرب وفرن�سا يف القرن ال�سابع ع�رش يف ظل وجود‬
‫�سلطان مغربي قوي يف احلكم‪ ،‬هو موالي �إ�سماعيل �إىل مت ّيز عهده بالقوة يف‬
‫العالقة مع �أوروبا‪ ،‬وبالبط�ش يف عالقته بخ�صومه الداخليني‪ .‬لقد هزّ هذا‬
‫ال�سلطان قب�ضته لإ�سبانيا عندما خا�ض جي�شه عدة معارك ناجحة مع‬
‫جي�شها وكذلك مت ّيزت دبلوما�سيته مع فرن�سا بال�شدة وال�صالبة‪.‬‬

‫أما بعد‪ ،‬فأعلم أن الذي ظهر لنا أنك ليس عندك‬
‫قول صحيح‪ ،‬وال كالم رجيح‪ ،‬وال أظنك إال غلب‬
‫عليك أهل ديوانك‪ ،‬وصاروا يلعبون بك كيف شاءوا‪،‬‬
‫وال بقي لك معهم ضرب وال لقب‪ ،‬ودليل ذلك أننا‬
‫ما زلنا ما قبضنا منك صحة قول وال أبرمت معنا‬
‫شئيًا‪ ،‬ففال منك الذين ليس لهم رئيس وما عندهم‬
‫إال الديوان‪ ،‬تكلموا معنا كلمة معنا كلمة وقبضناها‬
‫عليك وثبتوا فيها ّ‬
‫ُ‬
‫واالنجليز تكلموا معنا‬
‫ووفَوا بها‪،‬‬
‫َ‬
‫كلمة وقبضناها عليهم وثبتوا فيها ووفوا بها‪ ،‬فحين‬
‫ذهب خديمنا لبالدهم لما أن طلبوا منا ذلك فرحوا‬
‫به وأكرموه وبروا به‪ ،‬وأتى من عندهم بعشر مئة‬
‫مكحلة وستة عشر مئة قنطار من البارود ومئة‬
‫وسبعة من المسلمين أطلقوهم من األسر لوجوهنا‪،‬‬
‫وعملوا من الخير ما عملوا مراعاة لنا‪ ،‬وثبتوا في‬
‫قولهم‪ ،‬ووفوّا بكالمهم‪ ،‬وأنت ال زال لم يصح منك‬
‫قول وال وفاء‪ ،‬وأوالئك الذين كانوا قدموا إليك من‬
‫هذه البالدج ليس هم من خدامنا وال من أصحابنا وال‬
‫ممن له معرفة معنا‪ ،‬فالحاج علي معنينو حيث أسر‬
‫له ولده الذ بالبعض من خدامنا واستحرم به‪ ،‬وقدم‬
‫إليكم على شأن أوالئك المسلمين‪ ،‬وجاز على دار‬
‫السباع ودار النعام‪ ،‬وأتى إليكم بما أتى وال شعرنا‬
‫به وال عرفناه كم أخذ‪ ،‬وقلفنا إنه إن وصلكم‬
‫وال بد تعملون له غرضه في أوالئك المسلمين‬
‫وتسرحونهم‪ ،‬فإذا به هو تحيل على ولده إلى أن‬
‫جاء به‪ ،‬وأنتم ما عملتهم صوابًا في غيره‪ ،‬وال صدر‬
‫منكم ما تراعون ألجله‪.‬‬
‫ثم بعد ذلك قدم لعلي مقامنا صاحبكم انبسدور‬

‫بسم اهلل الرحمن الرحيم‬
‫وال حول وال قوة إال باهلل العلي العيم‬
‫من عبد اهلل تعالى اإلمام المظفر باهلل‪ ،‬أمير المؤمنين‪ ،‬المجاهد في سبيل رب العالمين‪ ،‬الشريف الحسني‬
‫أيده اهلل ونصره آمين‪.‬‬
‫(الطابع السلطاني بداخله)‬
‫(إسماعيل بن الشريف الحسني أيده اهلل)‬
‫(وبدائرته الي ُ‬
‫ُمن واإلقبال‪ ،‬وبلوغ األمال)‬
‫إلى عظيم الروم بفرانصيص‪ ،‬لويس الرابع عشر من هذا االسم‪ .‬السالم على من اتبع الهدى‪ ،‬وباعد طريق‬
‫ألغي والردى‪.‬‬
‫‪160‬‬

‫وأتانا بشيء من الخرق مع فالصو الحرير‪ ،‬وهل‬
‫نحن ممن يعجبه ذلك ويسره؟ فنحن معشر العرب‬
‫ال نعرف إال الصحيح‪ ،‬وال يسرنا إال مخا فيه مصلحة‬
‫المسلمين كلهم‪ ،‬ومع ذلك أعطينا لصاحبك عشرين‬
‫نصرانيا سيفظناه بها‪ ،‬وظننا أنك وال بُد تراعي‬
‫الخير وتبعث لنا ولو عشرين مسلمًا تجبر بها‬
‫خواطرنا‪ ،‬وتكون هي الطريق للكالم الذي تريده‬
‫منا‪ ،‬فإذا بك ما عملت شئيا من هذا‪ ،‬وال جازيت‬
‫بإحسان‪.‬‬
‫وثانيا قبضنا لك سفينة قبل أن يقع الكالم بيننا‬
‫وبينك بثالثة أيام أو أربعة على التحقيق‪ ،‬وهي‬
‫موسوقة بالسكر وتبغة وثقفناها نحوًا من ثالث‬
‫سنين بقصدك‪ ،‬وال تركنا أحدًا يمد يده فيها‪ ،‬وقلنا‬
‫إنك تراعي خيرنا‪ ،‬وتعمل ألولئك المسلمين طريقا‬
‫وتسرحهم‪ ،‬وإن كان ليس فيهم من هو خديمنا وال‬
‫من هو محسوب من جيشنا وال من هو معرفتنا‪،‬‬
‫فما هو إال ممن ال خالق له‪ ،‬وال يركب البحر عندنا‬
‫إال أهل التمرييل ولو أطلقتهم وإن كانوا ليسوا‬
‫بشيء فتكون عملت الخير بذلك‪ ،‬وتقول إنك‬
‫عملت مسألة تراعي عليها‪.‬‬
‫وأعظم من ذلك كله هو أن رئيسا من بالدنا اسمه‬
‫التاج كان أعطاه صاحبك الذي أتانا خط يده‪ ،‬على‬
‫أن يشتري سفينة من الجزائر يسافر بها قرصان‬
‫وما عليه فيمن لقيه من فرانصيص‪ ،‬فلما أن‬
‫اشتراها وسافر بها وغنم قطارمة موسوقة بالرخام‬
‫والريال مع ما فيها من الحرير وغيره وبعثنا مع‬
‫أصحابه ستة وعشرين مسلمًا‪ ،‬وتعرضوا لها‬
‫سفنكم وأخذوها وثقفتها أنت أيامًا ثم بعد ذلك‬
‫مزقتها‪ ،‬والمسلمون الذين كانوا معها خدمتهم في‬
‫الغراب فلما ذا لم تردها أو تثقفها ثالث سنين كما‬
‫ثقفنا نحن سفينتكم؟ وهل هذه هي صحة القول؟‬
‫فهاذا مما يدل على عدم صحة كالمك‪ ،‬ومما يثبت‬
‫االخالل بقولك وقلة وفائك‪ ،‬فحتى اآلن فالذي ظهر‬
‫لنا أنه ما يليق بنا معك إال الشر‪ ،‬وإن أردت تثبيت‬
‫المهادنة وإبرام الكالم فيها وإمضاء حجتها‪ ،‬فابعث‬
‫لنا من عندك قونصو بالتفويض على هذا األمر‪،‬‬
‫ويجلس هنا في أحد مراسينا‪ ،‬ويكون كالمنا معه‬
‫في هذا كله‪ ،‬ونبرم معه هذا األمر‪ ،‬ويكون من‬
‫أهل الحل والربط عندكم‪ ،‬وإال فإن ظهر لكم خالف‬
‫ذلك فأعلمنا وعرفنا بما عليه عملك وما أضمرته‬
‫طويتك‪ ،‬والسالم على من اتبع الهدى‪.‬‬
‫في التاسع من شعبان المبارك سنة خمس وتسعين وألف‬

‫أعضاء وفد السلطان المغربي كما رسمتهم الصحافة الفرنسية‬

‫‪161‬‬

‫كتب‬

‫‪Books‬‬

‫�سندباد من ال�سودان‬
‫�أحمد ح�سن مطر‬

‫أحمد حسن مطر الرحالة‬
‫السوداني األشهر في القرن‬
‫العشرين‪ ،‬طاف العالم مرارًا‬
‫خالل ‪ 33‬سنة وقعت ما بين‬
‫النصف األول من القرن العشرين‬
‫والنصف الثاني منه‪.‬‬
‫عندما استلم العمل في مصلحة‬
‫البريد والبرق‪ ،‬وعمل مع‬
‫اسكندر رينو الذي تولى بناء‬
‫خزان سنار‪ ،‬استطاع في فترة‬
‫وجيزة أن يتحدث اإليطالية‪ .‬سنة‬
‫‪ 1918‬اتصل بشركة إنجليزية‬
‫في ود مدني وعمل معها فكان‬
‫المُ حَ ِّرك لكل أعمال الشركة في‬
‫مكاتب الحكومة ومع الشركة‬
‫الزراعية السودانية‪.‬‬
‫قرر مطر أن يهجر السودان‪،‬‬
‫فذهب إلى القاهرة عام ‪ 1922‬ورأى‬
‫أن ميدانه هو الصحافة‪ ،‬فاتصل‬
‫بجريدة األهرام ولم ُت َر ِّحب به‪،‬‬
‫وعرضت عليه جريدة المقطم‬
‫أن يعمل مراسلًا لها في باريس‬
‫بمكافأة‪ ،‬فذهب إلى باريس‬
‫واستطاع أن ينشئ مكتبًا باسمه‪،‬‬
‫وليس باسم المقطم‪ .‬وتأخرت‬
‫المكافأة شهرين‪ ،‬فكتب للدكتور‬
‫فارس نمر وشاهين مكاريوس‬
‫مهددًا بأ ّنَه سيستقيل‪ ،‬فأرسلت‬
‫المقطم له مبلغ ثالثين جنيهًا‬
‫إسترلينيًا‪ ،‬ولكنه َش َّق طريقه‬
‫وامتد مكتبه إلى التعاون مع‬
‫صحف أمريكية‪ ،‬وصحف في‬
‫أمريكا الالتينية‪ ،‬فنجح في لقائه‬
‫مع السياسي الفرنسي الشهير‬
‫حينذاك كليمنصو‪ ،‬والتقى بالعالم‬
‫السياسي بونكاريه‪ ،‬وبالفنانة‬
‫العالمية سارة برنار‪ ،‬ونشر‬
‫لقاءه معها في أكثر من عشرين‬
‫صحيفة‪ ،‬فأبرقت له جريدة‬
‫األهرام ليتعاون معها وعرضت‬
‫عليه مكافأة شهرية قدرها‬
‫‪162‬‬

‫عشرين جنيهًا إسترلينيًا‪.‬‬
‫في عام ‪1925‬م رأى أن سفره إلى‬
‫أمريكا الالتينية سيهيئ له فرص‬
‫النجاح‪ ،‬ويحكى أنه لم يملك أكثر‬
‫من عشرة جنيهات إسترلينية‬
‫بعد ما دفع ثمن التذاكر على‬
‫باخرة في الدرجة األولى‪.‬‬
‫وصل إلى األرجنتين‪ ،‬وهو ال‬
‫يعرف أحدًا هناك‪ ،‬ف َن َّظم لنفسه‬
‫عددًا من المحاضرات التي ألقاها‬
‫في األندية العربية نظير أجر‬
‫دفعته له وكالة صحيفة بوينس‬
‫إيرس‪ .‬وبعد أسبوع حصل على‬
‫ترخيص إلصدار جريدة باللغتين‬
‫العربية واألسبانية‪ .‬ويحكى أنه‬
‫لم يكن يعرف من اللغة األسبانية‬
‫غير األلفاظ المشتركة بينها وبين‬
‫اللغة الفرنسية واإليطالية‪ ،‬ولكنه‬
‫استعان ببعض الشباب العرب‬
‫في تحرير القسم األسباني وبعد‬
‫أسبوع أتقن اللغة األسبانية!‬
‫عانت األرجنتين انقالبًا عسكريًا‪،‬‬
‫وأُغلقت كل الصحف ما عدا‬
‫صحيفة مطر واستطاع مطر أن‬
‫يلج مغاليق السياسة‪ ،‬وخاض‬
‫االنتخابات وحصل على مقعد في‬
‫البرلمان األرجنتيني ونال كل‬
‫أصوات العرب هناك‪ .‬لكنه ضاق‬
‫بالعيش في األرجنتين فهاجر إلى‬
‫بوليفيا‪ ،‬وأخرج صحيفة أخرى‬
‫هناك باسم الوطن وباللغتين‬
‫العربية واألسبانية‪ ،‬وشخص بعد‬
‫ذلك إلى البرازيل وأخرج صحيفة‬
‫بالعربية والبرتغالية‪ ،‬ودخل‬
‫البرلمان وكاد أن يكون وزيرًا‪.‬‬
‫ولما نشبت الحرب اإليطالية‬
‫اإلثيوبية‪ ،‬جاء إلى ميدان القتال‬
‫كمراسل عسكري‪ ،‬يرتدي بدلة‬
‫ضابط برازيلي برتبة عميد‪ ،‬وبعد‬
‫ذلك ذهب إلى برلين‪ ،‬فالتقى‬
‫بصديقه القديم يونس بحري‬
‫وبالسياسي الفلسطيني تاج الدين‬
‫الحسيني‪ ،‬و َرتَّب له لقاء مع‬
‫أدولف هتلر‪ .‬ولم يستقر ببرلين‬

‫طويلًا وكتب مقالًا نشرته الديلي‬
‫تلغراف تنبأ بنشوب الحرب‬
‫العالمية الثانية‪ ،‬وتصَ ُّدع عصبة‬
‫األمم‪.‬‬
‫وفي عام ‪ 1956‬دعاه السيد عبد‬
‫اهلل بك خليل للرجوع إلى‬
‫السودان ف َن َّظم وزارة الخارجية‬
‫السودانية وكان من رأي عبد‬
‫اهلل خليل أن ُي َع ِيّنه سفيرًا‪،‬‬
‫ولكن وقفت عقبات أمامه‪ ،‬ف ُع ِيّن‬
‫مسؤولًا عن المراسم والترجمة‪.‬‬
‫ولما استولى العسكر عام ‪1958‬م‬
‫على الحكم في السودان‪ ،‬استطاع‬
‫مطر أن يدعو وفودًا من أمريكا‬
‫الالتينية‪ ،‬وكان أول وفد هو وفد‬
‫كوبا وكان به شي جيفارا‪ ،‬وظهر‬
‫جيفارا في حديث في اإلذاعة‬
‫السودانية ترجمه مطر‪.‬‬
‫كتاب مهم ومؤثر عن مغامر من‬
‫طراز فريدد‬
‫المؤلف‪ :‬أحمد صالح مطر‬
‫حررها وقدَّ م لها‪ :‬محسن خالد‬
‫الناشر‪ :‬دار السويدي‪ -‬أبو ظبي‬

‫الرحلة العيا�شية‬
‫‪1661‬م–‪1663‬‬

‫�أبو �سامل عبد اهلل العيا�شي‬

‫تعتبر هذه الرحلة ديوان علم‬
‫وأدب‪ ،‬وسجل تاريخ وتصوف‪،‬‬
‫وكتاب أخبار وآثار‪ ،‬انفردت‪،‬‬
‫دون سواها من الكتب والرحالت‬
‫وأمهات المصادر‪ ،‬بإيراد جملة‬
‫من النصوص والرسائل واإلجازات‬
‫والنقول وخطب الكتب التي ال‬
‫نكاد نقف لها على أثر في غيرها‬
‫نص يكشف النقاب‬
‫من المظان‪ٌّ ،‬‬
‫عن عدد من المواقف والرجال‪،‬‬
‫والطرق والزوايا‪ ،‬والكتب‬
‫واألشعار‪،‬والخزائن والمكتبات‪،‬‬
‫والوقائع واألحداث‪ ،‬والمعارك‬
‫والجوالت‪ ،‬والبيوع والمعامالت‪،‬‬
‫واإلجازات والتوقيعات التي ال شك‬

‫في أن الوقوف عندها سيعطي‬
‫فكرة عامة وشاملة وموضوعية‬
‫عن خصائص القرن الحادي عشر‬
‫الهجري الثقافية واالجتماعية‬
‫واالقتصادية والسياسية‪ ،‬فكانت‪،‬‬
‫كما وصفها‪ ،‬صاحبها ديوان علم‬
‫ال كتاب سمر وفكاهة‪ ،‬فقد‬
‫دارت عجلتها باتجاه الديني‬
‫في تساوق تام مع العلمي‪ ،‬وال‬
‫غرابة أن يتالزم الهدفان عند‬
‫أبي سالم العياشي الفقيه العالم‪،‬‬
‫والمؤمن الورع خالل رحلته‬
‫الروحية إلى من المغرب العربي‬
‫إلى الديار المقدسة وجوارها‬
‫المشرقي‪ .‬ولكونها تمت في سياق‬
‫تاريخي محدد‪ ،‬ونظرا لخصوصية‬
‫المجتمع العربي اإلسالمي‪،‬‬
‫االقتصادية والسياسية والثقافية‬
‫واالجتماعية‪ ،‬خالل القرن الحادي‬
‫عشر للهجرة‪ ،‬فقد عمد الرحالة‬
‫العالم بحرص الفقيه‪ ،‬وعين‬
‫الرحالة اليقظة‪ ،‬إلى تسجيل‬
‫وتدوين كل ما صادفه في‬
‫طريقه أثناء رحلته الموسوعية‬
‫من أفكار ومعتقدات‪ ،‬وأعراف‬
‫وعادات‪ ،‬وطقوس وممارسات‪،‬‬
‫تداخل في تكوينها الخرافي‬
‫بالديني‪ ،‬وشارك في نشأتها‬
‫االجتماعي واالقتصادي‪ ،‬وتعاون‬
‫على تشكيلها اليومي والمعيش‬
‫جنبا إلى جنب مع الثقافي‬
‫والمكتسب‪.‬‬
‫هذا النص أكبر أثر دونه المغرب‬
‫العربي في أدب الرحلة‪ .‬حققه‬

‫الراحل د‪ .‬سعيد الفاضل بالتعاون‬
‫مع تلميذه وصديقه سليمان‬
‫القرشي‬
‫المؤلف‪ :‬أبو سالم عبد اهلل بن‬
‫محمد العياشي‬
‫تحقيق‪ :‬د‪ .‬سعيد الفاضلي‪،‬‬
‫د‪ .‬سليمان القرشي‬
‫الناشر‪ :‬دار السويدي‪ -‬أبوظبي‬

‫خرائط منت�صف الليل‬
‫علي بدر‬

‫اختير هذا الكتاب للفوز بجائزة‬
‫ابن بطوطة للرحلة المعاصرة في‬
‫سنتها الثالثة‪ ،‬وهو األول لمؤلفه‬
‫في هذا الميدان‪ ،‬لكونه يجمع‬
‫في لغته وموضوعاته وأفكاره‬
‫بين توق المسافر إلى السفر‬
‫الحر بحثًا عن المعرفة مقرونة‬
‫بالمتعة‪ ،‬وبين العين التي ترى‬
‫العالم ذاخرًا بالحقائق المرئية‬
‫والمحتجبة‪ ،‬وقد عبر عن‬
‫الكاتب شغفه باألمكنة من خالل‬
‫لغة مبدعة ذكية في التقاطاتها‪،‬‬
‫وشاعرية في ما تنزع إليه من‬
‫مغامرة مع األمكنة وبحث فيها‪.‬‬
‫فالرحلة له هي الشعر والشعري‬
‫بامتياز‪ ،‬مادام العالم قد تم‬
‫اكتشافه منذ قرون‪.‬‬
‫الرحلة لدى كاتب هذه اليوميات‬
‫هي البحث عن سعادة النهار في‬
‫خرائط المدن‪ ،‬البحث عن المكان‬
‫الذي يثير كل ما هو شهواني‬

‫وأرضي في تجربة الغموض التي‬
‫يكشف عنها‪ ،‬والقلق واالنفصال‬
‫الذي يذهب وال يعود‪ ،‬واألرض‬
‫الباردة التي تتحول إلى شعر‬
‫غنائي للتجسد‪ ،‬والرحالة شاعر‬
‫أصيل وغامض‪ ،‬مكتشف رائد‪،‬‬
‫كائن مليء باألسرار‪ ،‬إنه مثل‬
‫الشاعر متوحش قليال‪ ،‬وحيواني‬
‫أيضا ألنه يفترس الجمال بنهم مثل‬
‫حيوان جائع‪.‬‬
‫بهذا الوعي رفيع المستوى كتب‬
‫الروائي العراقي يوميات اتصاله‬
‫باألمكنة التي زارها وسفره‬
‫عنها‪ ،‬مدن صنعت التاريخ‪:‬‬
‫اسطانبول‪ ،‬أثينا‪ ،‬الجزائر طهران‪،‬‬
‫لكنها اآلن مسرح وقائع معاصرة‬
‫وجمال سديمي منهوب تحت‬
‫بصر الساكنة والزوار‪ ،‬في‬
‫عالم اكتشف بال رحمة ولم‬
‫يبق للرحالة المعاصرين إال‬
‫أن يكتشفوا على سطح الصور‬
‫المرئية صور أعماقهم اإلنسانية‪.‬‬
‫لغة مدهشة في نضارتها‬
‫وجاذبيتها‪ ،‬وعين ترى العالم‬
‫بحواس خالقة وتقرن المرئي في‬
‫َّ‬
‫المدن القديمة باألبدي الذي ال‬
‫يرى من دون عمل قلب‪ .‬يوميات‬
‫استحق عنها صاحبها بجدارة‬
‫جائزة ابن بطوطة للرحلة‬
‫المعاصرة‪.‬‬
‫تأليف‪ :‬علي بدر‬
‫الناشر‪ :‬دار السويدي ‪ -‬أبوظبي‬
‫‪2006‬‬

‫‪163‬‬

‫بلغة املرام‬

‫يف الرحلة �إىل بيت اهلل احلرام‬

‫واملدينة النبوية‬

‫تعتبر هذه المخطوطة من نوادر‬
‫المخطوطات وأنفسها في مجال‬
‫الرحالت التي تركها أهل اليمن‪.‬‬
‫وهي عبارة عن وصف لرحلة قام‬
‫بها المؤلف ألداء فريضة الحج عام‬
‫‪ 1211‬هجرية‬
‫ّ‬
‫يقدم الرحالة وصفًا دقيقًا‬
‫لتفاصيل رحلته من لحظة‬
‫خروجه من مقر إقامته في‬
‫صنعاء وحتى وصوله الى مكة‬
‫المكرمة والمدينة المنورة‪ ،‬ومن‬
‫ثم عودته إلى صنعاء‪ ،‬وينقل‬
‫لنا ما لقيه والجماعة التي ح َّج‬
‫معها من مصاعب السفر في‬
‫البر والبحر‪ ،‬خصوصًا مشاق‬
‫اإلبحار في المركب‪ .‬وقد أعطى‬
‫الرحالة وصفًا دقيقًا للمراكب‬
‫التي شاهدها والتي كانت ترسو‬
‫في موانئ المدن التي مر عليها‬
‫في أثناء رحلته‪ ،‬فجاء وصفه‬
‫أشبه ما يكون بالتحقيقات‬
‫العلمية التي اتصف بها عالمتنا‬
‫في سائر مؤلفاته الفقهية‬
‫والتاريخية‪ ،‬ويتحدث عن قيادة‬
‫السفينة ودائرتها والشراع‪،‬‬
‫ويعطي معلومات مهمة عن السفن‬
‫وأنواعها في ذلك الوقت‪ ،‬ويتحدث‬
‫ُّ‬
‫ويعد أو‬
‫عن البحر وعجائبه‪،‬‬
‫من وصف الغوص من أهل اليمن‪،‬‬
‫ويروى مشاهدته للحيتان في‬
‫البحر‪ ،‬كما يتحدث عن آالت‬
‫الصيد وطرقـه‪ .‬وبين أفضل‬
‫ما تقدمه الرحلة ذلك الوصف‬
‫الشامل والدقيق لما كانت عليه‬
‫مكة المكرمة والمدينة المنورة‪،‬‬
‫ومدينة جدة في عصره‪.‬‬
‫وقد اجتهد الباحثان المحققان‬
‫اللذان كشفا عن هذا النص‬
‫النادر في تقديم شروح وهوامش‬
‫‪164‬‬

‫مفيدة أضاءت على الرحالة‬
‫وعصره‪ ،‬ووضعته المقدمة في‬
‫مكانته العلمية‪ ،‬فاستحقًا عن‬
‫عملهما جائزة ابن بطوطة لألدب‬
‫الجغرافي‪.‬‬
‫تحقيق‪ :‬عبد اهلل الحبشي‬
‫وحسني محمد ذياب‬
‫الناشر‪ :‬دار السويدي‪-‬‬
‫أبوظبي‪2005/‬‬
‫يوميات دراجة نارية‬
‫�إرن�ستو ت�شي غيفارا‬

‫يوميات تشي غيفارا يطبعها سحر‬
‫خاص‪ ،‬شخصية مألت القرن‬
‫العشرين وفاضت أطيافها على‬
‫األلفية الثالثة‪ .‬مثال إنساني‬
‫وكفاحي مضيء لكل األزمنة‪.‬‬
‫هذه اليوميات كتبها تشي غيفارا‬
‫خالل رحلة في أرجاء أميركا‬
‫الالتينية سنة ‪ 1952‬وقطع خاللها‬
‫مع صديقه ألبرتو غرانادو على‬
‫دراجة نارية ‪ 4500‬كيلومتر‪،‬‬
‫فكانت البوابة التي ولج منها‬
‫الطبيب األرجنتيني الشاب غيفارا‬
‫إلى فضاء أميركا الالتينية‪ ،‬وصوال‬
‫إلى "سرة العالم" – عاصمة األنكا‪،‬‬
‫ليعود من هناك بالشعلة التي‬
‫صهرت روحه النقية ومزجتها‬
‫بآالم شعوب القارة المنهوبة‪ ،‬بدءا‬
‫من تاريخ اإلبادات الجماعية التي‬
‫ارتكبتها غزوات الرجل األبيض‪،‬‬
‫وانتهاء باألمل اإلنساني المعذب‪.‬‬
‫كتب أرنستو تشي غيفارا‪،‬‬
‫إثر احتفاله بعيد ميالده الرابع‬
‫والعشرين‪" :‬علمت أنه حين تشق‬
‫الروح الهادية العظيمة اإلنسانية‬
‫إلى شطرين متصارعين‪ ،‬سأكون‬
‫إلى جانب الشعب‪ .‬أعلم هذا‪،‬‬
‫أراه مطبوعًا في سماء الليل‪ ،‬أرى‬
‫نفسي قربانًا في الثورة الحقيقية‪،‬‬
‫المعادل العظيم إلرادة األفراد‪.‬‬
‫أشعر أن أنفي يتسع ليستنشق‬

‫الرائحة الالذعة للبارود والدم‬
‫وموت العدو‪ .‬أفعم جسدي بعزم‬
‫فوالذي‪ ،‬و أعد نفسي للمعركة‪."...‬‬
‫حين قرأت هذه اليوميات أول‬
‫مرة‪ ،‬لم تكن قد وضعت في شكل‬
‫كتاب بعد‪ ،‬ولم أعرف الشخص‬
‫الذي كتبها‪ .‬كنت آنذاك صغيرة‪،‬‬
‫وتقمصت ذلك الرجل الذي سرد‬
‫مغامراته بطريقة تلقائية كهذه‪.‬‬
‫ثم بدأت‪ ،‬وأنا مستمرة في القراءة‪،‬‬
‫أرى من كان هذا الشخص بوضوح‬
‫أكثر‪ ،‬ولكم سررت ألني ابنته‪.‬‬
‫كانت هناك لحظات آخذ فيها‬
‫مكان جرانادو على الدراجة‬
‫النارية وأتشبث بظهر أبي‪،‬‬
‫مسافرة معه فوق الجبال وحول‬
‫البحيرات‪ .‬وصدقًا‪ ،‬إني كلما قرأت‬
‫أكثر‪ ،‬كلما أحببت الفتى الذي‬
‫كان عليه والدي‪ ...‬وهو يروي لنا‬
‫عن عالم أمريكا الالتينية المعقد‬
‫الفطري‪ ،‬عن فقر أهلها واالستغالل‬
‫الذي يتعرضون له‪...‬‬
‫أبي (هذا الرجل الذي كان) يرينا‬
‫أمريكا الالتينية‪ ،‬ويصف مناظرها‬
‫الطبيعية بكلمات تلون كل صورة‬
‫لتصل حواسنا‪ ،‬حتى يمكننا‬
‫أن نرى األشياء كما شهدتها‬
‫عيناه‪ ...‬وفي وعيه ينمو إدراك‬
‫أن ما يحتاجه الفقراء ليست‬
‫معرفته العلمية كطبيب‪ ،‬بل قوته‬
‫ومثابرته في محاولة إحالل‬
‫تغيير اجتماعي قد يمكنهم من‬
‫العيش بالكرامة التي سلبت منهم‬
‫وسحقتهم لقرون‪.‬‬
‫يرينا هذا المغامر الشاب بعطشه‬
‫للمعرفة ومقدرته العظيمة على‬
‫الحب كيف يمكن للواقع إذا فسر‬
‫بشكل سليم أن يخترق اإلنسان‬
‫إلى درجة تغيير طريقة تفكيره‬
‫أو تفكيرها‪.‬‬
‫إذا سنحت لكم الفرصة يومًا‬
‫للسير فعلًا على خطواته‪،‬‬
‫ستكتشفون بحزن أن كثيرًا من‬

‫األمور بقيت على حالها دون‬
‫تغيير أو حتى أصبحت أسوأ‪،‬‬
‫وهذا‬
‫تحد للذين يتحلون منا‪،‬‬
‫ٍّ‬
‫مثل هذا الشاب الذي أصبح‬
‫بعد سنوات تشي‪ ،‬بحساسية‬
‫إزاء الواقع الذي يسيء معاملة‬
‫أكثر التعساء بيننا‪ ،‬الملتزمين‬
‫بالمساعدة لخلق عالم أكثر عدلًا‪.‬‬
‫سأترككم اآلن مع الرجل الذي‬
‫عرفته‪ ،‬الرجل الذي أحببته‪...‬‬
‫استمتعوا بالقراءة! ودومًا إلى‬
‫األمام!‬
‫المؤلف‪ :‬أرنستو تشي غيفارا‬
‫الناشر‪ :‬دار السويدي أبو ظبي‬
‫‪2005‬‬

‫الرحلة ال�سفارية‬

‫�إنتاج الدالئل ومنطق الأ�شياء‬
‫د‪ .‬الطائع احلداوي‬

‫جهد أكاديمي رفيع المستوى‪،‬‬
‫َّ‬
‫ومحكم‬
‫وعمل بحثي رصين‬
‫يتناول أدب الرحلة بوصفه‬
‫منظومة معرفية وبنية مرآوية‬
‫تنعكس عليها وتتقاطع عندها‬
‫العلوم والمعارف والتجارب‬
‫والخبرات اإلنسانية والثقافات‬
‫في تالقيها وتالقحها‪ ،‬ما تنتجه‬
‫من دالالت‪ .‬وهي دراسة مبتكرة‬
‫في منهجها وأسلوب تناولها‬
‫للموضوعات التي عالجتها‪،‬‬
‫خصوصًا ربطها الخالق بين‬
‫األجزاء المختلفة لمكونات‬

‫المعرفة كما تحصلت عند‬
‫العرب‪ ،‬وبين األصول النظرية‬
‫اليونانية من جهة‪ ،‬والمصادر‬
‫والمراجع األوربية الحديثة من‬
‫جهه أخرى‪ ،‬وصولًا إلى الربط‬
‫المبدع بين المهاد والمداخل‬
‫النظرية للدراسة وبين األمثلة‬
‫المتمثلة في نماذج أساسية‬
‫من أدب الرحلة السفارية‬
‫عند العرب‪ ،‬في حركتهم شرقًا‬
‫وغربًا‪ ،‬ومع رحالة من أمثال‬
‫المكناسي‪ ،‬والصفار‪ ،‬والطهطاوي‪،‬‬
‫والتمجروتي‪ ،‬البلوي‪ ،‬الزياني‪،‬‬
‫وغيرهم‪ .‬وإذا كانت الدالئل ماثلة‬
‫في عالقات النصوص‪ ،‬فإن الوقوف‬
‫عليها وتجليتها تحت ضوء الدرس‬
‫هو ما أنجزته هذه الدراسة‬
‫بتميز واقتدار‪ .‬وبذلك استحقت‬
‫بجدارة جائزة ابن بطوطة لألدب‬
‫الجغرافي‪.‬‬
‫المؤلف‪ :‬د‪ .‬الطائع الحداوي‬
‫الناشر‪ :‬دار السويدي‬
‫أبوظبي‪2005/‬‬
‫تطور الفكر اجلغرايف‬

‫عند العرب وامل�سلمني‬

‫حتى نهاية الع�صر العبا�سي‬
‫‪556‬هـ ‪1258‬م‬

‫عبد الرحمن �صالح مزوري‬

‫تبحث هذه الدراسة المحكمة‬
‫في نشوء الجغرافية اإلسالمية‬
‫على أيدي الجغرافيين والرحالة‬

‫والبلدانيين العرب والمسلمين‪،‬‬
‫وترصد تطور الفكر الجغرافي‬
‫وعلومه في الثقافة العربية بدقة‬
‫ّ‬
‫وشمول‪ ،‬وتحلل ألجل ذلك كمًا‬
‫هائال من األفكار والتصورات‬
‫والمعلومات الجغرافية التي وردت‬
‫في الكتب والمخطوطات الجغرافية‬
‫وخارجها؛ في نصوص دينية‬
‫وعلمية وشعرية وأدبية‪ ،‬وبالتالي‬
‫فإن الدارس مسح كتب المغازي‬
‫والتاريخ واألخبار واألموال والخراج‪،‬‬
‫وهو ما لم يسبق االلتفات إليه من‬
‫قبل الدارسين في هذا الحقل‪ ،‬أو‬
‫أقله لم يجر التركيز عليه‪ .‬إضافة‬
‫إلى وقوف الدراسة على الخرائط‬
‫والمصورات التي رسمها وصنعها‬
‫الجغرافيون المسلمون‪ .‬هذه‬
‫الدراسة جعلت هدفها األساسي هو‬
‫البحث بعمق وموضوعية وشمول‬
‫في تطور الفكر الجغرافي اإلسالمي‬
‫نفسه‪ ،‬بفروعه المختلفة وتحديد‬
‫المستويات العلمية آلفاقه وتعيين‬
‫رؤاه‪ ،‬والتي أثرت من جملة ما‬
‫أثرت على الفكر الجغرافي األوروبي‬
‫في العصور الوسطى‪ ،‬ومن ثم بيان‬
‫مساهمة العرب والمسلمين في‬
‫تنمية علم الجغرافيا‪ ،‬وتعميق أفكاره‬
‫وتوسيع آفاقه‪.‬‬
‫المؤلف‪ :‬عبد الرحمن صالح‬
‫مزوري‬
‫الناشر‪ :‬دار السويدي أبو ظبي‬
‫‪2005‬‬

‫‪165‬‬

‫�أطياف‬

‫‪Vision‬‬

‫نزهة يف �أ�ضخم �سفينة ف�ضائية‬
‫الزمان أوائل الستينات من القرن املاضي‪ ،‬واملكان بادية الشام على مقربة من حمامات (أبو رباح)‬
‫الكبريتية بني حمص وتدمر‪ ،‬والوقت أواخر الربيع‪ .‬كانت ليلة صافية والنجوم قريبة منا تتألأل فوقنا‬
‫مبودة وبهجة وكأنها تواقة أن تسمر معنا‪.‬‬
‫كنا في رحلة جامعية لالستمتاع بصفاء صفحة السماء في البادية وتأمل حركة أجرامها‪ .‬راح األستاذ‬
‫املشغول بالفلك يحدثنا عن مواقع الكواكب والنجوم وحركتها في النهر اللّ َبني (در ال ّت ّبانة) وخارجة‪.‬‬
‫كنت أعرف أسماء بعض النجوم كالثريا وامليزان والنسر الرامح والواقع وبنات نعش الكبرى والصغرى‪،‬‬
‫حيث يبدو جنم القطب مسمرا في الشمال كحارس أبدي‪ .‬لكن حديث األستاذ أخذني إلى تلك العوالم‬
‫ّ‬
‫املغشاة بسدمي ضبابي ساحر‪ .‬ولعلي في تلك الليلة التي سهرنا فيها حتى الثالثة صباحا‪،‬‬
‫القصية‬
‫وقعت في عشق أكثر من جنمة‪ ،‬كما فعل غيري‪ ،‬دون أن يجرؤ أحد منا على البوح مبا يختلج في حبة‬
‫القلب وسكينة الوجدان‪.‬‬
‫حياة البادية تفرض اإلملام بعلم الفلك ومسار النجوم‪ ،‬كما تقضي املالحة البحرية بذلك أيضا‪ .‬وقد‬
‫كان أجدادنا‪ ،‬منذ أقدم العصور‪ ،‬مولعني بهذا العلم والتبحر في مطالع أجرامه ومواسمه وأنوائه‪ .‬في‬
‫البحر والصحراء‪ ،‬ال تستطيع أن حتدد موقعك وال تعرف الشرق من الغرب وال الشمال من اجلنوب‬
‫إال بفضل تلك اخلريطة النيرة املبسوطة في السماء‪ ،‬وال بد أن تعرف مطلع كل جنم وموقعه وحركته‬
‫في كل فصل‪ ،‬بل وفي كل شهر‪.‬‬
‫اليوم النجمي يقل عن اليوم الشمسي نحو أربع دقائق إال قليال‪ ،‬وذلك بسبب ميالن محور األرض؛‬
‫ثوان كل يوم‪.‬‬
‫وهذا يعني أن النجم يبكر في الطلوع أربع دقائق إال أربع ٍ‬
‫فلو تأملت الثريا‪ ،‬وحددت موقعها في الساعة العاشرة لي ً‬
‫ال من أول يوليو‪ /‬متوز‪ ،‬على سبيل املثال‪،‬‬
‫ستراها في مثل هذا التاريخ من السنة التالية في موقعها ذاته‪ ،‬وهذا يعني أن السنة النجمية تزيد‬
‫السنة الشمسية يوما كامال كل سنة‪.‬‬
‫لم تكن سهرة مألوفة‪ ،‬ومن املؤسف أنها لم تتكرر‪ .‬املشاعر واخلواطر واألحالم التي عشتها في‬
‫تلك التجربة املدهشة حملتني عبر األجيال السالفة مئات السنني‪ .‬ويوم زرت املرصد الفلكي في‬
‫ضاحية سمرقند‪ ،‬وهو من آثار العصر الذهبي في احلضارة العربية أيام كانت بغداد عاصمة الدنيا‬
‫شرقا وغربا‪ ،‬تذكرت رحلة البادية الشامية‪ ..‬وأخذت أطل من الشبابيك ال ّثُمانية في جدران املرصد‬
‫الثماني‪ ،‬لعلَّي أرى وميض جنم بعيد ولو في عز الظهيرة! لكن الزمن تغير‪ ،‬وموجات الغزو نسفت تلك‬
‫األطياف احلضارية املشرقة على قاع التاريخ‪...‬‬
‫وأعود إلى نزهتنا في بادية الشام‪ ،‬وإلى تلك احللقة الطالبية املستغرقة في حديث األستاذ وجتواله‬
‫في فضاء سماوي كاخليال‪ .‬والسؤال املدهش الذي سألنا إياه األستاذ كان‪ :‬أتعرفون ما هي أضخم‬
‫سفينة فضائية مأهولة؟ وحني عجزنا عن اجلواب قال‪ :‬ال جتنحوا وراء اخليال‪ ،‬نحن اآلن على منت‬
‫هذه السفينة‪ ،‬وإن كنا ال نحس بحركتها! فاألرض تدور حول نفسها مرة كل يوم‪ ،‬وتدور حول الشمس‬
‫مرة كل سنة‪ ،‬والشمس وتوابعها تدور حول مركز املجرة (درب الت ّبانة) أو النهر اللّ َبني‪ ،‬واملجرة تدور‬
‫حول مركز كوني ال علم لنا به‪ ...‬وهكذا ننطلق في فضاء ال نهائي بسرعة خارقة‪ ،‬من دون أن نشعر‬
‫بذلك‪.‬‬
‫ويبدو أن أجدادنا كانوا يدركون ذلك‪ ،‬لكن كثيرا منهم آثر السكوت خوفا أن تكون نهايته كما انتهى‬
‫السهروردي واحلالج‪.‬‬

‫علي كنعان‬
‫‪166‬‬

‫كلمة‬

‫‪Landmark‬‬

‫�ألف عام جمهولة من ال�سفر‬
‫قبل بضع سنوات فوجئت خالل محاضرة لي في معرض فرنكفورت الدولي للكتاب موضوعها «الرحالة العرب‬
‫إلى أوروبا في القرن التاسع عشر‪ ،‬واحلداثة»‪ ،‬بتلك االنتباهة املميزة التي سجلتها النظرة األملانية إلى وحاهة‬
‫فكرة أن تكون وصافاً عبر أدب الرحلة ال موصوفاً‪ ..‬على الدوام‪ ،‬أي فاع ً‬
‫ال ال مفعوالً بك في كل وقت!‬
‫كان وقتاً طيباً‪ ،‬وأكاد أقول استثنائياً لي‪ ،‬أن أملس عن قرب‪ ،‬في الديار األملانية‪ ،‬وقع الفكرة التي طاملا شغلتني‪،‬‬
‫وهي أن العرب لم يكن طوال الوقت كائناً عجيباً يقرأه األوروبيون ويحارون فيه! وأن هذا الكائن القادم من‬
‫ثقافة غير أوروبية‪ ،‬لي ّواجه بثقافة طاملا انشغلت بشرقيته‪ ،‬وعبرت عن انشغالها عبر وسائط بينها أدب الرحلة‪،‬‬
‫له نظر في الغرب ومدنيته‪ ،‬مبنى على اخلبرة املباشرة‪.‬‬
‫وفي لقاءات حميمة جمعتني مرات بنخبة من الكتاب األملان من مشارب فكرية مختلفة‪ ،‬أبدى البعض منهم‬
‫دهشة كبيرة من فكرة أن تكون هناك مصنفات عربية يعتد بها تعود إلى ثالثة قرون مضت‪ ،‬مك ّرسة بصورة‬
‫مباشرة النطباعات ومالحظات وأفكار عن املدنية الغربية‪ ،‬د ّونها مسافرون عرب حلوا في ظهراني األوروبيني‪،‬‬
‫وطافوا احلواضر األوروبية ودونوا يومياتهم‪ .‬وقد اتسعت دهشتهم عندما نبهت إلى أن عدد هذه املصنفات في‬
‫الفترة التي أشرت إليها يكاد يربو على املائة مصنف‪.‬‬
‫ليس مفزعاً لثقافة أن ال تكون قرئت من قبل ثقافة أخرى‪ ،‬ما دامت أعمال مؤلفيها لم تغادر اللغة التي كتبت‬
‫فيها‪ ..‬إمنا املفزع أن جتهل الثقافة ذاتها‪ .‬أن ال حتفظ ذاكرة القارئ العربي من مجمل أدب الرحلة العربي‬
‫الذي ميتد على مدار عشرة قرون سوى عمل أو اثنني‪ ،‬هما ابن بطوطة وابن جبير للعموم‪ ،‬وللمثقفني من‬
‫القراء ابن فضالن‪ ،‬وأن ال حتفظ باملقابل من أدب الرحلة العربي إلى أوروبا سوى رفاعة رافع الطهطاوي‬
‫وأحمد فارس الشدياق‪ ،‬وكلتا الرحتلني وضعتا في النصف األول من القرن التاسع عشر‪.‬‬
‫لقد علكت النخبة العربية اسم الطهطاوي حتى لم يعد مثقف يستطيع أن يغادر هذا االسم إلى سواه من‬
‫أسماء عشرات الرحالة الذين ال يقولون أهمية عنه‪ ،‬وإلى الدرجة التي لم تبق للشدياق نفسه معاصر‬
‫الطهطاوي قارئاً متفكراً‪.‬‬
‫قرئ الطهطاوي معزوالً عن إرث كامل من أعمال الرحالة العرب املشارقة واملغاربة الذين سبقوه أو عاصروه‪،‬‬
‫فبات نسيج وحده‪ ،‬وأوحى القراء والشارحون والصحافيون وحتى املفكرون من جنباء أمتنا ممن تناولوا نص‬
‫الطهطاوي على مدار القرن العشرين‪ ،‬بفقر املكتبة العربية من أعمال النظرة إلى اآلخر‪ ،‬أو على األقل بندرة‬
‫هذه النظرة‪ ،‬بينما يتكشف لنا اليوم مع األعمال املتالحقة التي أخذت تظهر إلى النور‪ ،‬مؤخراً‪ ،‬أن الرحالة‬
‫العرب قبل الطهطاوي وبعده يتجاوز عددهم األلف‪ ،‬وتتجاوز مصنفاتهم عددهم‪ ،‬وهي مصنفات ثاوية في‬
‫مخطوطات وكراسات لم حتقق بعد‪ ،‬وطبعات حجرية لم تعد في التداول‪ ،‬ومؤلفات صدرت ملرة ولم تشغل‬
‫النخبة العربية املثقفة نفسها بالبحث عنها‪ .‬بل إن الكثيرين من أبناء هذه النخبة لطاملا نظروا إلى هذا األدب‬
‫على أنه أدب وضيع‪ .‬والتعبير هذا ليس لي وإمنا للمؤرخ الراحل نقوال زيادة الذي كان وما يزال من بني قلة من‬
‫املثقفني العرب الذين أبدوا انشغاالً بهذا األدب‪.‬‬
‫ومما يؤسف له أن أول انتباهة موضوعية وشاملة في التأريخ ألدب الرحلة العربي بصفته وثائق على وقوف‬
‫الثقافات في مرايا الثقافات‪ ،‬والشعوب في مريا الشعوب‪ ،‬وإن يكن ذلك عبر األفراد‪ ،‬جاءت من مستعرب‬
‫روسي وليس من مؤرخ أو باحث عربي‪ ،‬وأعني بها ذلك السفر الضخم الذي كتبه أغناطيوس كراتشكوفسكي‬
‫حتت عنوان «تاريخ األدب اجلغرافي العربي» ويقع في مجلدين ضخمني وما يزيد على األلف صفحة‪ ،‬صرف‬
‫في تأليفهما خمسني عاماً‪ .‬وبدءاً من هذا األثر التأريخي ميكن لقراء العربية أن يقفوا على مئات األعمال‬
‫واملؤلفني من جغرافيني وبلدانيني ورحالة‪ ،‬ويكتشفوا بالتالي فداحة اجلهل بكل هذا الثراء‪.‬‬

‫نوري اجل ّ َراح‬
‫‪168‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful