‫نبـي‬

‫الـرحمة‬
‫الرسـالة والنسـان‬
‫تأليف‬
‫محمد مسعد ياقوت‬

‫تقديم فضيلة الدكتور‬

‫فريد عبد الخالق‬

‫‪www.nabialrahma.com‬‬

‫‪1‬‬

‫الطبعة الولى ‪ ، 2007‬القاهرة ‪ ،‬الزهراء للعلم‬
‫العربي‬

‫الهـــداء ‪..‬‬
‫إلى الذي قال الله تعالى فيه ‪:‬‬
‫ص ع َل َي ْ ُ‬
‫ن َر ُ‬
‫م‬
‫ف ّر ِ‬
‫ؤو ٌ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫م َ‬
‫حي ٌ‬
‫كم ِبال ْ ُ‬
‫ما ع َن ِت ّ ْ‬
‫زيٌز ع َل َي ْهِ َ‬
‫ري ٌ‬
‫مِني َ‬
‫ح ِ‬
‫"ع َ ِ‬
‫"]التوبة ‪[128‬‬
‫في َْنا َ‬
‫ن "]الحجر ‪[95‬‬
‫"إ ِّنا ك َ َ‬
‫م ْ‬
‫ك ال ْ ُ‬
‫ست َهْزِِئي َ‬
‫َ‬
‫سل َْنا َ‬
‫ن "]النبياء ‪[107‬‬
‫م ً‬
‫ة ل ّل َْعال َ ِ‬
‫ك إ ِّل َر ْ‬
‫ما أْر َ‬
‫ح َ‬
‫"وَ َ‬
‫مي َ‬
‫"إ ِن ّ َ‬
‫قيم ٍ " ]الزخرف ‪[43‬‬
‫ست َ ِ‬
‫صَرا ٍ‬
‫ك ع ََلى ِ‬
‫م ْ‬
‫ط ّ‬
‫ك ل ََعلى ُ ُ‬
‫"وَإ ِن ّ َ‬
‫ظيم ٍ "]القلم ‪[4‬‬
‫ق عَ ِ‬
‫خل ٍ‬

‫‪2‬‬

‫بسم الله الرحمن الرحيم‬
‫تقديم بقلم فضيلة الدكتور فريد عبد الخالق‬

‫‪1‬‬

‫أشهد أن لديَ قناعة قد توفرت لهذا المؤ ََلف القّيم بعد الطلع‬
‫على محتوياته؛ كافة المقومات الساسية التي تسلكه في مجاله‬
‫كدراسة علمية يعتد بها في موضوعها ومرجعيتها‪ ،‬متمثلة فيما‬
‫يلي ‪:‬‬
‫أول ً – ما يتعلق بالسبب الذي قام من أجله الكاتب بإعداد هذا‬
‫م بجوانب الموضوع ومجالته‬
‫الموضوع‪ ،‬ذلك الباحث المدقق المل ّ‬
‫الستاذ محمد مسعد ياقوت ‪ ،‬وأي داعية الكتابة في هذا‬
‫الموضوع – على الصعيدين الداخلي والخارجي – حيث يشغل‬
‫التيار السلمي السياسي في هذه الحقبة حي ًّزا كبيًرا ومتنامًيا‬
‫على المسرح السياسي في دول عربية وإسلمية كثيرة – يثير‬
‫لدى خصومه من غلة العلمانية واللبرالية مجموعة تساؤلت‬
‫وهواجس عن علقة هذا التيار بالديمقراطية والحريات والتعددية‬
‫السياسية والمجتمعية – المطروحة حالًيا – وفيها قضية وضع غير‬
‫المسلمين في الدول السلمية‪ ،‬وقضية المرأة وحقوقها المدنية‪،‬‬
‫والحداثة ‪ ،‬وعلقة الدين بالسياسة‪ ،‬والدولة الدينية وحوار الديان‬
‫والحضارات‪ ،‬وهو ما يشغل حيًزا كبيًرا‪ ،‬وحدة أوفر عند الغرب؛‬
‫عبروا عنه " بالسلموفوبيا"‪ ،‬ومحاربة الرهاب والتطرف‪،‬‬
‫وربطوا بين ذلك وبين العولمة الستعمارية الجديدة ‪ ،‬التي تتبعها‬
‫الدارة المريكية التي ترمي إلى تفكيك عرى المة العربية‬
‫والسلمية واختراق وحدتها وأمنها ومقوماتها كما حدث في غزو‬
‫أفغانستان والعراق‪ ،‬وما يحدث من الكيان الصهيوني في‬
‫المنطقة‪ ،‬في توافق في الستراتيجية الستعمارية ‪ ،‬واستخدام‬
‫القوة في المنطقة لتحقيق أهدافهما وعلى رأسها الستيلء على‬
‫النفط‪ ،‬والبقاء على الشرق الوسط دول ً مفككة وسوًقا‬
‫استهلكًيا لمنتجاتهم‪ ،‬وإعاقة وحدتها‪ ،‬وتنميتها‪ ،‬بكل الطرق ‪..‬‬
‫وتحت أسماء ودعاوى مختلفة باطلة‪ ،‬ومنها دعوى الحرب‬
‫الصليبية التي أعلنها بوش في أول كلمة له بعد أحداث ‪11‬‬
‫سبتمبر الشهيرة‪ ،‬وإعلن مشروعه المبراطوري الستعماري‬
‫المعروف باسم الشرق الوسط الجديد‪ ،‬الذي أفشلته المقاومة‬
‫في جنوب لبنان وفي العراق‪ ،‬وفي بؤر المقاومة الشعبية‬
‫الساخنة في دول المنطقة‪ ،‬وتأبي شعوب العالم العربي‬
‫‪ 1‬فضيلة الدكتور فريد عبد الخالق أحد رموز الحركة السلمية في القرن العشرين‪،‬‬
‫ما لدار الكتب المصرية ودار الوثائق القومية في السبعينيات‪ ،‬ثم وكيل‬
‫عمل مديرا عا ً‬
‫لوزارة الثقافة المصرية‪ ،‬وهو صاحب أحد أهم المؤلفات التي تناولت نظام الحكم في‬
‫السلم وهو كتاب " في الفقه السياسي السلمي " ‪.‬‬
‫‪3‬‬

‫والسلمي على العولمة والعلمنة التي تستهدف سلخه عن دينه‬
‫وهويته الحضارية وانقياده لعدائه ثقافًيا وسياسًيا واقتصادًيا‬
‫واجتماعًيا في محاولت مخططة‪ ،‬ومنها اختراق أنظمته الحاكمة‪،‬‬
‫والتجويع‪ ،‬والمعونات المشروطة‪ ،‬وتهديد المن الغذائي‪ ،‬وإقامة‬
‫القواعد العسكرية في أرض العرب والمسلمين‪ ،‬وتفجير النعرات‬
‫المذهبية والخلفات العرقية والمشاحنات اليدلوجية ‪.‬‬
‫ثانًيا ‪ :‬أما العنصر الثاني من بين هذه المقومات الساسية لبحث‬
‫الستاذ ياقوت‪ ،‬فيتمثل في مكانة الموضوع وتداعياته لدى‬
‫ما ‪،‬‬
‫شعوب عالمنا العربي والسلمي‪ ،‬عقيدة وسياسة وإعل ً‬
‫وتقدمه في سلم الولويات التي تشغل اهتمامات عالمنا العربي‬
‫والسلمي‪ ،‬والطموحات التي يتطلع إليها لبناء وحدتها وحراسة‬
‫أمنها القومي وإحياء ثقافتها‪ ،‬وحضارتها ‪ ،‬وتجديد فكرها‪ ،‬وحشد‬
‫طاقاتها من أجل بلوغ ما الحد الوفى في الكرامة وتأمين حقوق‬
‫المواطن وحرياته ‪ ،‬وإتاحة الفرصة للشعوب العربية والسلمية‬
‫ممارسة حقوقها الدستورية والسياسية وحقها في اختيار‬
‫حكامها‪ ،‬وممثليها من البرلمانيين‪ ،‬وحقها في مساءلة الحاكم‬
‫وتغييره عند المقتضى سلمًيا‪.‬‬
‫إن صفة " الرحمة " موضوع الدراسة التي بين أيدينا‪ ،‬تشكل‬
‫عنصًرا جوهرًيا في هذه الدراسة‪ ،‬الذي اختار المؤلف " نبي‬
‫الرحمة" عنوًنا لها ‪ .‬وهي الرحمة النبوية للبشر التي نجح المؤلف‬
‫في عرضها بمفوهمها الواسع‪ ،‬دون تكلف خلل فصول دراسته‬
‫ونصوصها‪ ،‬من تناول جامع في وجازة غير مخلة لسيرة النبي –‬
‫صلى الله عليه وسلم – قبل البعثة وبعدها‪ ،‬وفي مكة قبل‬
‫الهجرة‪ ،‬وفي المدينة بعدها‪ ،‬حيث أقام الرسول – صلى الله عليه‬
‫وسلم ‪ -‬مجتمًعا مدنًيا‪ ،‬ودولة مدنية على أساس مبدأ المواطنة‬
‫ومساواة كافة مواطني الدولة في الحقوق والواجبات ‪...‬‬
‫وقد تناول الكتاب هذه العناصر في مباحث متعددة‪ ،‬في هيكلية‬
‫تتسم بالموضوعية‪ ،‬وتكامل في التناول‪ ،‬مع الوفاء بجوانب‬
‫الدراسة‪ ،‬والعتماد على المصادر الصلية الموثوقة‪ ،‬ومن ثم يجد‬
‫قا لدعاية القراءة ‪.‬‬
‫القارىء في ذلك تحقي ً‬
‫وثمت عنصر آخر لبد منه في ذلك ؛ وهو ما أوتي الباحث من‬
‫توفيق و إخلص لوجه الله وتحري الصدق والحق دون هوى‬
‫صارف أو تعصب زميم‪ ،‬أو جهل مقعد‪ ،‬في كل ما قال‪..‬‬
‫أحيه !‬
‫‪4‬‬

‫دا ‪ ،‬ولكن من باب معرفة‬
‫أحييه كذلك ول أزكي على الله أح ً‬
‫الفضل لهله‪ .‬وهذا العنصر ل بديل عنه لكل باحث مصلح‪ ،‬وهو‬
‫توفيق الله له فيما ابتغاه من إصلح وأمر بالمعروف ونهي عن‬
‫دا‪ ،‬يتوثق بالله في إمضاء المر‬
‫المنكر ماستطاع ل يألو فيه جه ً‬
‫على سنته ويطلب منه المعونة والتأييد من الله‪ ،‬كما في قوله‬
‫تعالى ‪:‬‬
‫" إن إريد إل الصلح ما استطعت وما توفيقي إل بالله عليه‬
‫توكلت وإليه أنيب" ] هود ‪.[88 :‬‬
‫هذا‪ ،‬وأريد أن أقف على مادة هذا المؤ ََلف الموسوعية الواضحة‬
‫الدللة ‪ ،‬المينة الوصف‪ ،‬في لمحات محدودة فيما يلي ‪:‬‬
‫أول ً – التأكيد على أن " الرحمة " خصيصة سائدة في شرع‬
‫ما وحياة‪ ،‬وتعامل ً مع الخر ‪ ،‬في‬
‫السلم كله ‪ ،‬كتاًبا وسنة‪ ،‬ونظا ً‬
‫كل حال من سلم أو حرب‪ ،‬ومن تمكين أو ضعف‪ ،‬كما في قوله‬
‫تعالى ‪:‬‬
‫" هذا بصائر للناس‪ ،‬وهدى ورحمة لقوم يوقنون " ‪.‬‬
‫فالقرآن كله بمنزلة بصائر للقلوب‪ ،‬لقوم حياة للناس كافة‪،‬‬
‫وهداية للناس من الضلل‪ ،‬ورحمة للمهتدين به كما هو رحمة‬
‫للمارقين من حيث تأخير عقوبتهم في الدنيا‪ ،‬لعلهم يهتدون ‪..‬‬
‫فشريعة السلم رحمة كلها ‪..‬‬
‫ثانًيا – إن رحمة الله بمخلوقاته هي الصفة العظمى التي اختارها‬
‫الله سبحانه لوصف نفسه بها ‪ ،‬دون غيرها من الصفات‪ ،‬وهي‬
‫كلها عظيمة وشريفة ‪..‬‬
‫فذكرها سبحانه في سورة الفاتحة التي ل صلة لمن ل يقرأ بها –‬
‫كما في صحيح الحديث – والتي سميت أم الكتاب‪ ،‬لشتمالها‬
‫على كليات العقيدة السلمية‪ ،‬فاختارها لتتوكد قيمة الرحمة‪ -‬في‬
‫كل صلة‪ -‬في وجدان المسلم ‪ ..‬بما في ذلك كل معاني الرحمة‬
‫وحالتها ومجالتها ‪..‬‬
‫ثالًثا ‪ -‬إن الرحمة كانت خصلة رسول الله – صلى الله عليه‬
‫وسلم – لم تفارقه قط في كل سيرته‪ ،‬وفي كل مراحل حياته‬
‫وأحواله‪ ،‬فكان – صلى الله عليه وسلم – كما قالت عائشة ‪" :‬‬
‫خلقه القرآن " الذي هو رحمة !‬
‫وقد قال له ربه – يحثه على نهج الرحمة ‪ " : -‬خذ العفو وأمر‬
‫بالعرف وأعرض عن الجاهلين" ‪ ..‬أي خذ ما عفا لك من أفعال‬
‫الناس‪ ،‬وأخلقهم‪ ،‬ول تطلب منهم الجهد وما يشق عليهم حتى ل‬
‫‪5‬‬

‫ينفروا ‪ ..‬كقوله – صلى الله عليه وسلم ‪ " : -‬يسروا ول تعسروا‬
‫" ‪..‬‬
‫وقد أمره الله بالمعرف‪ ،‬أي الجميل من الفعال والقوال ‪ ..‬ونهاه‬
‫عن مكافئة السفهاء بسفههم‪ ،‬أو مماراتهم‪ ،‬وأمره بالحلم عنهم‪،‬‬
‫والعراض عن إساءتهم ‪.‬‬
‫لقد أمره الله أن يصل من قطعه ‪ ،‬ويعطي من حرمه‪ ،‬ويعفو‬
‫عمن ظلمه ‪ ..‬وأرسله ليتمم مكارم الخلق‪ ،‬وبشيًرا ونذيًرا‬
‫دا للعالمين ‪ ..‬وحجاًبا للعالمين من عذاب‬
‫ومربًيا ومرش ً‬
‫الستئصال والنتقام العام في الدنيا‪ ،‬لقوله تعالى ‪:‬‬
‫" وما كان الله معذبهم وأنت فيهم " ‪.‬‬
‫ومن رحمته – صلى الله عليه وسلم – أن كان على أعلى درجة‬
‫في الحرص على الناس والخوف الشديد عليهم من الهلك‬
‫والضلل‪ ،‬ورغبته الشديدة في رفع العنت عنهم ‪ ،‬قال تعالى ‪:‬‬
‫" لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم‪ ،‬حريص‬
‫عليكم‪ ،‬بالمؤمنين رءوف رحيم " ‪.‬‬
‫عا – لقد رفع الله ذكر نبيه في محكم التنزيل‪ ،‬ومن رفع الله‬
‫راب ً‬
‫ذكره ل يحط في الناس‪ ،‬وإن اجتمعوا له‪ ،‬وإنما يحطون من‬
‫أنفسهم‪ .‬فما صدر من ذلك من قبل الرسوم الكاركاتورية التي‬
‫تسيء له ولدينه‪ ،‬من رجل دين مسيحي متعصب‪ ،‬أو إعلم غربي‬
‫مصهين‪ ،‬بدعوى حرية التعبير‪ ،‬إنما هي إساءة لكل البشرية ‪.‬‬
‫وبالمثل تلك الساءات الخرى كتصريحات بابا الفاتيكان المسيئة‬
‫للنبي محمد – صلى الله عليه وسلم – أو صدور كتاب " نبي‬
‫الخراب " على أوسع نطاق لمؤلف يتهم رسول الله – صلى الله‬
‫عليه وسلم – بقطع الطريق والشذوذ الجنسي ‪ ..‬كلها تسيء –‬
‫في حقيقة المر ‪ -‬إلى تاريخ النسانية في حق النبياء والشرائع‬
‫السماوية ‪ .‬إنها ردة حضارية ! ونزعة إلحادية ! ونكسة آدمية !‬
‫تجاهلت حتى آراء المنصفين من علماء الغرب أنفسهم‪ ،‬ممن‬
‫قالوا كلمة الحق وشهادة الصدق في النبي – صلى الله عليه‬
‫وسلم – وعرفت له مكانته ‪.‬‬
‫سا ‪ -‬لقد جعل الله تعالى من محمد – صلى الله عليه وسلم‬
‫خام ً‬
‫– " أسوة حسنة" وقدوة عظمى للمؤمنين‪ ،‬يقتدي به كل إنسان‬
‫يريد أن يؤدي رسالة حضارية على كوكب الرض ‪ .‬قال تعالى ‪" :‬‬
‫لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله‬
‫واليوم الخر " ‪ ..‬وهي شهادة من الله تعالى " لكريم خصاله –‬
‫صلى الله عليه وسلم ‪. -‬‬
‫‪6‬‬

‫لقد أوجب الله التأسي به – صلى الله عليه وسلم – في كل أمور‬
‫عا من الرسل‪ ،‬بل‬
‫الدين ومهام الصلح ‪ .‬وهو مع ذلك ليس بد ً‬
‫كان بشًرا مثلهم ‪ ،‬كما في قوله تعالى ‪ " :‬قل سبحان ربي هل‬
‫كنت إل بشًرا رسول ً " ‪ ..‬أي رسول ً كسائر الرسول‪ ،‬بشًرا كسائر‬
‫البشر‪ ،‬فالقتداء به داخل في حدود البشرية‪ ،‬وهو المؤمنون‬
‫مؤمورن بشرع الله كما في قوله تعالى ‪ " :‬فاستقم كما أمرت‬
‫ومن تاب معك ول تطغوا إنه بما تعملون بصير" ] هود‪،[112 :‬‬
‫إنها الستقامة التي صار عليها الرسول‪ ،‬على جادة الحق‪ ،‬غير‬
‫معلم الول والمرشد‬
‫عادل عنها‪ ،‬ول خارج عن حدود الله‪ ،‬وكان ال َ‬
‫الكبر في إزالة الطغيان وردع الظالمين وحكام الجور‪ ،‬وهو مع‬
‫ذلك رحمة للحكام والمحكومين‪ ،‬ورحمة بالمة جمعاء ‪.‬‬
‫سا‪ -‬رحمات النبي – صلى الله عليه وسلم – في حجة‬
‫ساد ً‬
‫الوداع‪ ،‬وفي خطبته التاريخية فيها‪ -‬في السنة العاشرة – حيث‬
‫حج – صلى الله عليه وسلم – بالناس حجة‪ ،‬ودع فيها المسلمين‬
‫ولم يحج بعدها ‪..‬‬
‫كانت سلسلة من الرحمات تلك الوصايا الجليلة التي اشتملت‬
‫عليه خطبته ‪:‬‬
‫رحمته – صلى الله عليه وسلم ‪ -‬بالناس في تحريم الدماء‬
‫والموال‪ ،‬رحمته بالناس في معاملتهم بتحريم الربا‪.‬‬
‫رحمته بالناس بأن وضع عنهم دماء الجاهلية‪ ،‬ومآثر الجاهلية ‪..‬‬
‫رحمته بالنساء إذا قال ‪" :‬أيها الناس! فإن لكم على نسائكم‬
‫دا‬
‫قا ‪ ،‬ولهن عليكم ح ً‬
‫ح ً‬
‫قا ‪ ،‬لكم عليهن أن ل يوطئن فرشكم أح ً‬
‫تكرهونه وعليهن أن ل يأتين بفاحشة مبينة‪ ،‬فإن فعلن فإن الله‬
‫قد أذن لكم أن تهجروهن في المضاجع وتضربوهن ضرًبا غير‬
‫مبرح فإن انتهين فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف‪ ،‬واستوصوا‬
‫بالنساء خيًرا ‪ ،‬فإنهن عندكم عوان ل يملكن لنفسهن شيًئا ‪،‬‬
‫وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمات‬
‫الله فاعقلوا أيها الناس قولي ‪ ،‬فإني قد بلغت " ‪.‬‬
‫ضا ‪ ..‬فقال‪ -‬في خطابه‬
‫ورحمته بالمؤمنين‪ ،‬أل يضرب بعضهم بع ً‬
‫الخالد ‪ " -‬أل ! ل ترجعوا بعدي كفارا ً يضرب بعضكم رقاب بعض؛‬
‫أل هل بّلغت ‪ ..‬اللهم أشهد"‬
‫" قد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به‪ :‬كتاب الله‬
‫"‪..‬‬
‫ورحمته بالناس في أل يتفاضلوا إل بالتقوى ‪ " ..‬كلكم لدم وآدم‬
‫من تراب"‪ "،‬ل فضل لعربي على أعجمي إل بالتقوى " ‪..‬‬

‫‪7‬‬

‫ورحمته بالناس بإرساء قيم العدالة‪ ،‬لسيما بين البناء والعدل‬
‫في الرث‪ ،‬فل تجوز لوارث وصية في أكثر من الثلث ‪..‬‬
‫ورحمته بالبناء في حفظ النسب‪،‬في قوله ‪ " :‬الولد للفراش‬
‫وللعاهر الحجر"‪ ،‬ومن ادعي إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه؛‬
‫فعليه لعنة الله والملئكة والناس أجمعين‪ ،‬ل يقبل من صرف ول‬
‫عدل" ‪..‬‬
‫وقد ختم – صلى الله عليه وسلم – خطبته بقوله ‪ " :‬والسلم‬
‫عليكم ورحمة الله " ‪ .‬فختم كلمة الوداع ووصاياه بالسلم‬
‫والرحمة !‬
‫وأخيًرا يطيب لي أن أختم مقدمتي هذه بالعراب عن تقديري‬
‫وشكري لمؤسسة الزهراء للعلم العربي التي أصدرت هذا‬
‫الكتاب الموسوعي القيم من كل الوجوه‪ ،‬وبالدعاء إلى الله‬
‫لصاحبها الستاذ الفاضل والعلمي النابه والكاتب الحاذق "‬
‫أحمد رائف " بدوام التوفيق في أداء رسالته الدعوية والوطنية‪،‬‬
‫وبحسن الجزاء عما قدم من عطاء لمته‪ ،‬وبعافية الدين والبدن‬
‫وبالحفظ من كل سوء ‪..‬‬
‫كما أدعو الله تعالى أن يرزق مؤلف هذا الكتاب الفذ في‬
‫موضوعه وفي منهج البحث الذي اتبعه في دراسته‪ ،‬أحسن‬
‫الجزاء عما تجشم من جهد علمي في إعداد مادته‪ ،‬والوفاء‬
‫بجوانب الموضوع التي غ ّ‬
‫طت حاجة ملحة لدى المة في‬
‫التعريف بالسلم ‪ ،‬وخصائصه الحضارية‪ ،‬ومميزاته التنويرية‪،‬‬
‫وشمائل نبيه محمد – صلى الله عليه وسلم – والتي أهمها‬
‫الرحمة التي تجلت في كل سيرته‪ ،‬قبل البعثة وبعدها‪ ،‬وفي‬
‫الحرب والسلم‪ ،‬وفي تعامله مع الصديق والعدو‪ ،‬وإيثار الرفق‬
‫والتيسير‪ ،‬على العنف والتعسير‪ ،‬والحوار على الصدام والبطش ‪،‬‬
‫والتعاون بين الناس على اختلف الملل والتوجهات في كل ما‬
‫تصلح به الحياة‪ ،‬ويوفر المن لكل المواطنين‪ ،‬ويحقق للبشرية‬
‫التنمية والسلم‪..‬‬
‫أكثر الله من أمثال باحثنا الكريم الستاذ محمد مسعد ياقوت‪،‬‬
‫ما فوق علم‪،‬‬
‫وأمده بعونه‪ ،‬وحفظه‪ ،‬وزاده إيماًنا مع إيمان‪ ،‬وعل ً‬
‫ونفع به الملة والمة وهدى به البشر‪.‬‬
‫وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين وكان‬
‫حق علينا نصر المؤمنين‪..‬‬
‫فريد عبد الخالق‬

‫‪8‬‬

9

‫تأملت في الرسالة والرسول‬
‫بقلم فضيلة الستاذ الدكتور أحمد إدريس الطعان‬

‫‪1‬‬

‫ن الّر ِ‬
‫سم ِ الل ّ ِ‬
‫ه الّر ْ‬
‫بِ ْ‬
‫ح َ‬
‫حيم ِ‬
‫م ِ‬
‫ك‬
‫ن الّر ِ‬
‫ب ال َْعال َ ِ‬
‫مال ِ ِ‬
‫ن * الّر ْ‬
‫مد ُ ل ِل ّهِ َر ّ‬
‫‪‬ال ْ َ‬
‫حيم ِ * َ‬
‫ح َ‬
‫ح ْ‬
‫مي َ‬
‫م ِ‬
‫صَرا َ‬
‫ك ن َعْب ُد ُ وَإ ِّيا َ‬
‫ن * إ ِّيا َ‬
‫ط‬
‫ي َوْم ِ ال ّ‬
‫ك نَ ْ‬
‫ن * اهْد َِنا ال ّ‬
‫ست َِعي ُ‬
‫دي ِ‬
‫َ‬
‫صَرا َ‬
‫ب‬
‫ط ال ّ ِ‬
‫م* ِ‬
‫ست َ ِ‬
‫مغْ ُ‬
‫م ْ‬
‫م غ َي ْرِ ال ْ َ‬
‫ت ع َل َي ْهِ ْ‬
‫م َ‬
‫ن أن ْعَ ْ‬
‫قي َ‬
‫ال ْ ُ‬
‫ضو ِ‬
‫ذي َ‬
‫ن *‪ ‬آمين ‪.‬‬
‫م وََل ال ّ‬
‫ع َل َي ْهِ ْ‬
‫ضاّلي َ‬
‫والصلة والسلم على سيدنا محمد النبي المي الصادق المين‬
‫وعلى آله وصحبه الطييبين الطياهرين والتيابعين لهيم بإحسيان‬
‫إلى يوم الدين ‪ ،‬وبعد ‪:‬يشعر الكاتب بالضآلة حين ينوي الكتابيية‬
‫عن سيد البشر محمد رسول الله ‪ ، ‬لنه ل يجد في قاموسه‬
‫العبارات التي تترجم الشعور بأمانة للقارئ ‪ ،‬يكفيه أن رّبه عز‬
‫وجل وصفه بقوله ‪:‬‬
‫ك ل ََعلى ُ ُ‬
‫‪‬وَإ ِن ّ َ‬
‫ظيم ٍ ‪ ]‬سورة القلم آية ‪.[4 :‬‬
‫ق عَ ِ‬
‫خل ٍ‬
‫إن هذه الجملة تتعاقب فيها كما هو واضييح ‪ -‬لميين يتييذوق لغيية‬
‫العرب ‪ -‬عناصر المدح والثناء بإلحاح شديد ‪.‬‬
‫كما يقف الكاتب حائرا ً وهو يتأمل في قوله عز وجل‪:‬‬
‫َ‬
‫سل َْنا َ‬
‫ن ‪ ] ‬سورة النبياء آية‬
‫م ً‬
‫ة ل ِل َْعال َ ِ‬
‫ك إ ِّل َر ْ‬
‫ما أْر َ‬
‫ح َ‬
‫‪ ‬وَ َ‬
‫مي َ‬
‫‪[ 107‬‬
‫فهو عز وجل يحصر رسالة المصطفى ‪ ‬في الرحمة‬
‫العالمية ‪ ،‬الرحمة الشاملة ‪ ،‬فهل تبقى أية قيمة لحديث البشر‬
‫بعد هذا الثناء الرباني والتوجيه الرحماني ؟!‬
‫لقد كان قلبه يفيض بالرحمة مذ كان طفل ً كيف ل وقد‬
‫غسلته الملئكة الكرام بها ‪ -‬أي بالرحمة ‪ -‬يوم كان يرعى‬
‫الغنام مع أبناء حليمة ! ‪ .‬ولقد رقق اليتم قلبه إذ ُولد يتيم الب‬
‫فلم يحظ بحنان البوة ‪ ،‬وحين ذهب ذات يوم مع أمه لزيارة قبر‬
‫أبيه ماتت أمه في الطريق فغسلت دموع أجفانه صفحات‬
‫قلبه ‪.‬‬
‫معدما ً يرعى الغنم على قراريط‬
‫وهذبه الفقر حين عاش ُ‬
‫لهل مكة‪ ،‬فعاش حياة الفقراء واليتامى‪ ،‬يشعر بمشاعرهم‬
‫ويتألم بآلمهم ‪ ،‬فأكسبه ذلك حسا ً مرهفا ً وشعورا ً نبيل ً دفعه‬
‫‪ 1‬الكاتب السلمي والستاذ بكلية الشريعة جامعة دمشق‬

‫‪10‬‬

‫لمباشرة العمل بالتجارة‪ ،‬حتى ل يكون عبئا ً ثقيل ً على عمه أبي‬
‫طالب ‪ ،‬فخالط الناس وعاشر أصنافهم ‪ ،‬وخبر أخلقهم ‪ ،‬وأخذ‬
‫وأعطى بيعا ً وشراء ليعيش الواقع كما هو بحلوه ومره‪ ،‬برخائه‬
‫وشدته ‪.‬‬
‫حّبب الله جل وعل إليه‬
‫ولكي ل ينجرف في تيار الواقع َ‬
‫الخلء ليعتزل الناس ‪ ،‬ويخلو بنفسه يراجعها يحاسبها ‪ ،‬ويعتني‬
‫بقلبه تزكية وتطهيرا ً ‪ ،‬ويتجه إلى ربه عز وجل تعبدا ً وتلقيا ً‬
‫وتفكيرا ً ‪.‬‬
‫ولم يكن ذلك صدفة بل كان تقديرا ً إلهيًا‪ ،‬وتدبيرا ً ربانيا ً‬
‫لرجل اختاره الباري جل شانه لعظم مهمة على مر الدهور‪،‬‬
‫مهمة الرسالة الخاتمة ‪ ،‬والرحمة الشاملة ‪.‬‬
‫إنها مهمة ذات وجهين ‪:‬‬
‫الول ‪ :‬الصلة مع الله عز وجل ‪ ،‬والنخراط في عالم‬
‫الملكوت‪ ،‬والنسلخ من عالم الملك والشهادة‪ ،‬والتلقي عن الله‬
‫تبارك وتعالى ‪.‬‬
‫الثاني ‪ :‬التواصل مع الناس على سبيل البلغ والبيان‬
‫والهداية ‪.‬‬
‫إنها مهمة عظيمة وخطيرة‪ ،‬إنها مفترق الطرق بين عالم‬
‫الشهادة وعالم الغيب ‪ ،‬عالم الدنيا وعالم الخرة ‪ ،‬إنها صلة‬
‫الوصل بين عالمين ‪.‬‬
‫ولذلك هيأه الله عز وجل ورباه لتحمل هذه المهمة‪ ،‬فاتصل‬
‫بالناس‪ ،‬وعرك الحياة بمرها ومرارها ‪ ،‬وخل بربه عز وجل ليصفو‬
‫قلبه من أدران الكون‪ ،‬فيتهيأ عقله وتستعد روحه للتلقي عن‬
‫ون عز وجل ‪.‬‬
‫المك ّ‬
‫إن أصعب مهمة يعاني منها الدعاة اليوم هي النسلخ من‬
‫واقعهم العاجي والنخراط في الواقع العادي للناس ‪ .‬يعيش‬
‫الداعية معاني اليمان والهداية والتقوى فتصفو روحه وتميل إلى‬
‫الكتفاء بربها عز وجل خلوة وعبادة وتبتل ً ‪ ،‬فإذا ما شعر‬
‫بالمسؤولية تجاه الناس تبرمت روحه وضاقت‪ ،‬لنه يريد العودة‬
‫بها من جديد إلى عالم الذى والهوى‪.‬‬
‫هذا على مستوى الدعاة المخلصين من آحاد المة فكيف‬
‫بالمصطفى ‪ ‬؟! إن حالته من أشق الحالت ‪ ،‬لنها تتضمن‬
‫النسلخ من البشرية إلى الملئكية لتلقي الوحي‪ ،‬ثم الوب من‬
‫جديد إلى عالم البشر ‪ ،‬لتحمل مسؤولية كبرى ! ‪ ،‬وهل يرضى‬
‫‪11‬‬

‫النسان الذي يدخل الجنة ويعيش نعيمها وسعادتها أن يعود إلى‬
‫دنيا الهموم والحزان ؟!‬
‫إن أمر النتقال من عالم الشهادة إلى عالم الغيب أو من‬
‫عالم الملكوت إلى عالم الملك أشق – فيما أحسب ‪ -‬مما‬
‫نتصور إذا ما نظرنا إلى المر من زاوية السباب فقط‪.‬‬
‫ومن هنا كانت رسالة المصطفى ‪ ‬هدفها المحوري هو‬
‫الرتقاء بالبشرية‪ ،‬والصعود بالنسانية من المستوى البهيمي أول ً‬
‫إلى المستوى النساني ‪ ،‬ثم من أدنى درجة في النسانية إلى‬
‫أعلى درجة فيها حيث تبدأ الرتبة الملئكية ‪.‬‬
‫إذن فالنسانية التائهة والبشرية الضائعة وجدت ضالتها في‬
‫بعثة النبي ‪ ‬من حيث السمو والرفعة والمان‪ ،‬لن الهدف هو‬
‫النسان والغاية هي سعادته ونجاته‪.‬‬
‫وإذا ما نظرنا في جوانب هذه البعثة السيمحاء سينجد ذليك‬
‫متجليا ً في مختلف الوامر والنييواهي ‪،‬سييواء القضييايا العقدييية أو‬
‫الوصايا الخلقية أو المسيائل التشريعية ‪.‬‬
‫فللنسان تساؤلته الكبرى منذ أن ولد على ظهر هذه‬
‫الرض ‪ :‬من أنا ؟ ومن أين أتيت ؟ وكيف أتيت ؟ ولماذا أتيت ؟‬
‫وإلى أين المصير ؟ وما الغاية ؟ ولقد تتابع الوحي اللهي تترا‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫سل ََنا ت َت َْرا ك ُ ّ‬
‫ة‬
‫م ً‬
‫ما َ‬
‫سل َْنا ُر ُ‬
‫م أْر َ‬
‫جاءَ أ ّ‬
‫ل َ‬
‫كما قال عز وجل‪ :‬ث ُ ّ‬
‫َ‬
‫رسول ُها ك َذّبوه َ َ‬
‫ث‬
‫حاِدي َ‬
‫عل َْنا ُ‬
‫ع ً‬
‫ع َ‬
‫مأ َ‬
‫ج َ‬
‫و َ‬
‫م بَ ْ‬
‫عَنا ب َ ْ‬
‫فأت ْب َ ْ‬
‫ض ُ‬
‫َ‬
‫َ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ُ ُ‬
‫ضا َ‬
‫دا ل ِ َ‬
‫َ‬
‫وم ٍ َل ي ُ ْ‬
‫مُنونَ ‪] ‬سورة المؤمنون آية ‪. [ 44‬‬
‫ؤ ِ‬
‫ع ً‬
‫فب ُ ْ‬
‫ق ْ‬
‫لكي يطمئن النسان ويريحه‪ ،‬ويحل له ألغاز الوجود‪،‬‬
‫وينقذه من عذاب التساؤلت‪ ،‬وظلم الحيرة ‪ ،‬وقلق الشك‪،‬‬
‫وكلما ابتعد النسان عن منارة الوحي هاجمته شكوكه‪ ،‬وأقبلت‬
‫عليه وساوسه‪ ،‬واستبد به شياطين النس والجن‪ ،‬وأحدق به‬
‫أنصار الشر والفساد ‪ .‬فأراد الله عز وجل لهذه البشرية الهائمة‬
‫رسالة خالدة‪ ،‬تحمل أجوبة خالدة‪ ،‬تظل ماثلة أمام العقول‪،‬‬
‫وملمسة شغاف القلوب‪ ،‬فكانت بعثة المصطفى ‪ ‬ومعجزته‬
‫الخالدة المشرقة في القرآن الكريم ‪.‬‬
‫ومن نعم الله عز وجل ورحمته بهذه المة أنه تفضل عليها‬
‫)‪( 1‬‬
‫بالقرآن ومثله معه ‪‬أل إني أوتيت القرآن ومثله معه ‪‬‬
‫ليكون بيانا ً ساطعًا‪ ،‬ونورا ً مشرقًا‪ ،‬يسد الباب أمام عشاق‬
‫‪ ()1‬سنن أبي داوود ‪ . 324 / 13‬ومسند المام أحمد ‪ 107 / 37‬برقم)‪ ،(16546‬وهو صحيح‪ ،‬ومخرج في‬
‫) تخريج المشكاة ( ) ‪ 163‬و‪( 4247‬‬

‫‪12‬‬

‫الوهام‪ ،‬وخفافيش الظلم‪ ،‬الذين ينشطون لشكلة الواضحات‬
‫وتعويص الهينات ‪ .‬فجاءت بحمد الله عز وجل ‪:‬‬
‫َ‬
‫م‬
‫مل ْ ُ‬
‫و َ‬
‫م ِدين َك ُ ْ‬
‫ت ل َك ُ ْ‬
‫م أك ْ َ‬
‫ رسالة كاملة شاملة ‪ ‬ال ْي َ ْ‬‫َ‬
‫م ِديًنا ‪‬‬
‫ت َ‬
‫وَر ِ‬
‫م نِ ْ‬
‫سَل َ‬
‫ضي ُ‬
‫م ُ‬
‫م اْل ِ ْ‬
‫ت ل َك ُ ُ‬
‫ع َ‬
‫عل َي ْك ُ ْ‬
‫م ْ‬
‫وأت ْ َ‬
‫مِتي َ‬
‫َ‬
‫] سورة المائدة آية ‪. [ 3‬‬
‫غطت كل جوانب الحياة العقدية والتشريعية والخلقية‪،‬‬
‫وقام جهابذة العلم فيها بما يشبه المعجزة في التعليم والبيان ‪،‬‬
‫والتأليف والبداع في الصول والفقه والحديث والتفسير‬
‫والكلم ‪ ،‬وكل ذلك ظل دائما ً مشدودا ً إلى الصلين العظيمين‬
‫الكتاب والسنة‪.‬‬
‫َ‬
‫س َ‬
‫د‬
‫‬‫ق ْ‬
‫ححة مس ّ‬
‫هادية منيرة مص ّ‬
‫ددة ‪َ ‬يا أي ّ َ‬
‫ها الّنا ُ‬
‫َ‬
‫مِبيًنا ‪‬‬
‫م ب ُْر َ‬
‫ن ِ‬
‫ها ٌ‬
‫َ‬
‫م ْ‬
‫م ُنوًرا ُ‬
‫وأن َْزل َْنا إ ِل َي ْك ُ ْ‬
‫ن َرب ّك ُ ْ‬
‫جاءَك ُ ْ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ب َ‬
‫ه َ‬
‫م‬
‫] سورة النساء آية ‪َ [ 174‬يا أ ْ‬
‫قدْ َ‬
‫جاءَك ُ ْ‬
‫ل الك َِتا ِ‬
‫خ ُ‬
‫ب‬
‫م تُ ْ‬
‫ن ِ‬
‫م ك َِثيًرا ِ‬
‫فو َ‬
‫َر ُ‬
‫م َ‬
‫سول َُنا ي ُب َي ّ ُ‬
‫ما ك ُن ْت ُ ْ‬
‫م ّ‬
‫ن ل َك ُ ْ‬
‫ن ال ْك َِتا ِ‬
‫ر َ‬
‫ع ُ‬
‫ن*‬
‫فو َ‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫م ِ‬
‫وك َِتا ٌ‬
‫قدْ َ‬
‫وي َ ْ‬
‫مِبي ٌ‬
‫م َ‬
‫ع ْ‬
‫ب ُ‬
‫جاءَك ُ ْ‬
‫ه ُنوٌر َ‬
‫َ‬
‫ن ك َِثي ٍ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫سب ُ َ‬
‫م‬
‫وي ُ ْ‬
‫ر ْ‬
‫دي ب ِ ِ‬
‫ه ِ‬
‫ر ُ‬
‫ن ات ّب َ َ‬
‫ج ُ‬
‫ل ال ّ‬
‫ه ُ‬
‫يَ ْ‬
‫ه ْ‬
‫وان َ ُ‬
‫ه َ‬
‫ه الل ُ‬
‫سلم ِ َ‬
‫ض َ‬
‫خ ِ‬
‫ع ِ‬
‫م ِ‬
‫ط‬
‫صَرا ٍ‬
‫م إ َِلى ِ‬
‫ه ِ‬
‫ر ب ِإ ِذْن ِ ِ‬
‫ما ِ‬
‫ِ‬
‫وي َ ْ‬
‫م َ‬
‫ه ْ‬
‫ن الظّل ُ َ‬
‫ه َ‬
‫ت إ َِلى الّنو ِ‬
‫دي ِ‬
‫قيم ٍ‪]‬سورة المائدة آية ‪ [ 16 – 15‬تخرج الناس من‬
‫ست َ ِ‬
‫م ْ‬
‫ُ‬
‫الظلمات إلى النور ‪ :‬من ظلمة الجهل إلى نور العلم ‪ ،‬ومن‬
‫ظلمة الكفر إلى نور اليمان ‪ ،‬ومن ظلمة المعصية إلى نور‬
‫الطاعة ‪ ،‬ومن ظلمة الشك إلى نور اليقين‪ ،‬ومن ظلمة الخوف‬
‫إلى نور الرجاء والمان‪ ،‬ومن ظلمة الجور إلى نور العدل‬
‫والقسط ‪ ،‬ومن ظلمة العصبية والجاهلية إلى نور الخوة‬
‫النسانية ‪.‬‬
‫ واضحة بينة‪ " :‬بيضاء ليلها كنهارها ل يزيغ عنها إل هالك‬‫" )‪ ( 1‬ل لبس فيها ول غموض‪ ،‬ول رموز ول كتمان ‪ ،‬إنها أجلى‬
‫من الشمس في رابعة النهار غير أن العشى ل يراها والعمى ل‬
‫يستفيد من نورها ‪.‬‬
‫ع َ‬
‫ن‬
‫ل َ‬
‫م ِ‬
‫ن ِ‬
‫في ال ّ‬
‫ج َ‬
‫ما َ‬
‫م ْ‬
‫عل َي ْك ُ ْ‬
‫و َ‬
‫ ليس فيها حرج ‪َ  :‬‬‫دي ِ‬
‫ج ‪ ] ‬سورة الحج آية ‪[ 78‬‬
‫َ‬
‫حَر ٍ‬
‫ه نَ ْ‬
‫ها‬
‫‬‫سهلة يسيرة ‪َ :‬ل ي ُك َل ّ ُ‬
‫س َ‬
‫ع َ‬
‫و ْ‬
‫ف ً‬
‫ف الل ّ ُ‬
‫سا إ ِّل ُ‬
‫ها ‪ ]‬سورة البقرة آية ‪ "" [ 286‬إن هذا الدين يسر ولن‬
‫لَ َ‬
‫‪ ()1‬راجع سنن أبي داوود – المستدرك على الصحيحين للحاكم – مسند المام أحمد – سنن ابن ماجه – المعجم‬
‫الكبير للطبراني ‪.‬‬
‫‪13‬‬

‫يشاد الدين أحد إل غلبه ‪" ..‬‬
‫ول تنفروا "" )‪. ( 2‬‬

‫)‪( 1‬‬

‫‪ "" .‬يسروا ول تعسروا وسكنوا‬

‫ فيها تنوع وثراء في تشريعاتها وتوجيهاتها‪ ،‬تمد الوجود‬‫الواقعي والحياتي دائما ً بمعطياتها ونصائحها دون عسف أو غمط‬
‫للواقع‪ ،‬ودون إهمال أو تفريط به ‪.‬‬
‫وفيها تنوع في خطابها بحسب أصناف الناس‬
‫‬‫وقدراتهم وطاقاتهم من تقاعس أو نشاط‪ ،‬وقوة أو ضعف ‪،‬‬
‫فتشجع القوي والنشيط وتحثه على المزيد "" المؤمن القوي‬
‫خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف"" )‪ ( 3‬ولكنها ل تقنط‬
‫الضعيف والفقير "" ففي كل خير "" ‪ -‬وتراعي حال المريض‬
‫ع َ‬
‫عَلى‬
‫فا ِ‬
‫وَل َ‬
‫س َ‬
‫عَلى ال ّ‬
‫ض َ‬
‫والمحرج والمضطر ‪‬ل َي ْ َ‬
‫ء َ‬
‫ف ُ‬
‫ج إِ َ‬
‫ذا‬
‫وَل َ‬
‫ما ي ُن ْ ِ‬
‫مْر َ‬
‫عَلى ال ّ ِ‬
‫قو َ‬
‫دو َ‬
‫حَر ٌ‬
‫ن َ‬
‫ج ُ‬
‫ذي َ‬
‫ن َ‬
‫ال ْ َ‬
‫ن َل ي َ ِ‬
‫ضى َ‬
‫ه‬
‫ما َ‬
‫ن ِ‬
‫ح ِ‬
‫سول ِ ِ‬
‫حوا ل ِل ّ ِ‬
‫م ْ‬
‫ص ُ‬
‫ن َ‬
‫وَر ُ‬
‫م ْ‬
‫سِني َ‬
‫والل ّ ُ‬
‫عَلى ال ْ ُ‬
‫ه َ‬
‫نَ َ‬
‫ل َ‬
‫سِبي ٍ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫غ ُ‬
‫عَلى‬
‫س َ‬
‫فوٌر َر ِ‬
‫حي ٌ‬
‫م ‪] ‬سورة التوبة آية ‪[ 91 :‬ل َي ْ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ض‬
‫وَل َ‬
‫عَلى اْل ْ‬
‫وَل َ‬
‫اْل ْ‬
‫حَر ٌ‬
‫ج َ‬
‫حَر ٌ‬
‫مى َ‬
‫عَلى ال ْ َ‬
‫ع َ‬
‫ج َ‬
‫ج َ‬
‫م ِ‬
‫ري ِ‬
‫عَر ِ‬
‫ضطُّر َ‬
‫ج‪ ]‬سورة النور آية ‪َ  [ 61 :‬‬
‫وَل‬
‫نا ْ‬
‫حَر ٌ‬
‫َ‬
‫ف َ‬
‫غ َ‬
‫غي َْر َبا ٍ‬
‫م ِ‬
‫ه َ‬
‫غ ُ‬
‫عاٍد َ‬
‫م ‪ ]‬سورة البقرة آية‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫فوٌر َر ِ‬
‫عل َي ْ ِ‬
‫ه إِ ّ‬
‫حي ٌ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫فَل إ ِث ْ َ‬
‫‪[ 173‬‬
‫ول تؤيس العاصي والمخطئ بل تدعوه إلى التوبة‬
‫‬‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫م تُ ْ‬
‫م ْ‬
‫ن‬
‫ؤ ِ‬
‫ج ِ‬
‫وُتوُبوا إ ِلى الل ِ‬
‫حو َ‬
‫مُنو َ‬
‫فل ِ ُ‬
‫نل َ‬
‫مي ً‬
‫ه َ‬
‫عا أي ّ َ‬
‫علك ُ ْ‬
‫ها ال ُ‬
‫‪َ ‬‬
‫‪] ‬سورة النور آية ‪  [ 31‬إّل ال ّذين َتابوا َ‬
‫وب َي ُّنوا‬
‫صل َ ُ‬
‫ُ‬
‫ِ َ‬
‫وأ ْ‬
‫حوا َ‬
‫َ‬
‫َ ِ‬
‫فُأول َئ ِ َ َ‬
‫ب َ َ‬
‫َ‬
‫م ‪ ] ‬سورة‬
‫ب الّر ِ‬
‫وا ُ‬
‫ك أُتو ُ‬
‫حي ُ‬
‫ه ْ‬
‫وأَنا الت ّ ّ‬
‫م َ‬
‫علي ْ ِ‬
‫البقرة آية ‪.[160 :‬‬
‫"" التائب من الذنب كمن ‪""..‬‬

‫)‪( 4‬‬

‫‪.‬‬

‫ول تقطع أمل المنحرف والمسرف على نفسه بل‬
‫‬‫تفتح له نافذة من الرجاء والمل ‪ُ ‬‬
‫ق ْ‬
‫ن‬
‫ل َيا ِ‬
‫ي ال ّ ِ‬
‫ذي َ‬
‫عَباِد َ‬
‫َ‬
‫قن َ ُ‬
‫م َل ت َ ْ‬
‫عَلى أ َن ْ ُ‬
‫سَر ُ‬
‫ن‬
‫فوا َ‬
‫ة الل ّ ِ‬
‫م ِ‬
‫طوا ِ‬
‫ف ِ‬
‫ه إِ ّ‬
‫ن َر ْ‬
‫أ ْ‬
‫م ْ‬
‫ح َ‬
‫ه ْ‬
‫س ِ‬
‫غ ُ‬
‫م‪‬‬
‫و ال ْ َ‬
‫ه يَ ْ‬
‫فوُر الّر ِ‬
‫ه ُ‬
‫غ ِ‬
‫ج ِ‬
‫مي ً‬
‫ب َ‬
‫فُر الذُّنو َ‬
‫حي ُ‬
‫عا إ ِن ّ ُ‬
‫الل ّ َ‬
‫ه َ‬
‫] سورة الزمر آية ‪ [ 53‬لحظ كيف يصف المسرفين بأنهم‬
‫عباده ويضيفهم إلى نفسه سبحانه وتعالى ‪ ،‬ثم ينهاهم عن‬
‫القنوط واليأس من رحمة الله ‪ ،‬ثم يعدهم بمغفرة الذنوب‬
‫جميعا ً دون استثناء ‪ ،‬ثم يعقب ذلك بوصف نفسه جل وعل‬
‫‪( )1‬‬
‫‪( )2‬‬
‫‪( )3‬‬
‫‪()4‬‬

‫راجع صحيح البخاري برقم )‪ – (38‬وسنن النسائي ‪.‬‬
‫راجع صحيح البخاري – وصحيح مسلم ‪.‬‬
‫راجع صحيح مسلم وسنن النسائي وابن ماجه ‪.‬‬
‫سنن البيهقي الكبرى وشعب اليمان للبيهقي أيضًا وسنن ابن ماجه والمعجم الكبير للطبراني ‪.‬‬
‫‪14‬‬

‫بالمغفرة والرحمة ‪ .‬ثم تأمل في هذه الية كم فيها من معاني‬
‫ش ً َ‬
‫عُلوا َ‬
‫ذا َ‬
‫ح َ‬
‫ن إِ َ‬
‫و‬
‫فا ِ‬
‫وال ّ ِ‬
‫ف َ‬
‫ذي َ‬
‫ةأ ْ‬
‫الرجاء للعصاة والمذنبين ‪َ ‬‬
‫غ َ‬
‫ه َ‬
‫موا أ َن ْ ُ‬
‫ن‬
‫ست َ ْ‬
‫فا ْ‬
‫س ُ‬
‫ف َ‬
‫م ْ‬
‫و َ‬
‫ه ْ‬
‫م ذَك َُروا الل ّ َ‬
‫ه ْ‬
‫ظَل َ ُ‬
‫م َ‬
‫فُروا ل ِذُُنوب ِ ِ‬
‫ما َ‬
‫م‬
‫يَ ْ‬
‫صّروا َ‬
‫و ُ‬
‫غ ِ‬
‫م يُ ِ‬
‫ف َ‬
‫فُر الذُّنو َ‬
‫ه ْ‬
‫عَلى َ‬
‫ول َ ْ‬
‫ب إ ِّل الل ّ ُ‬
‫عُلوا َ‬
‫ه َ‬
‫ن ‪ ] ‬سورة آل عمران آية ‪[ 135‬‬
‫مو َ‬
‫يَ ْ‬
‫عل َ ُ‬
‫وي بين الكسول‬
‫‬‫كما أنها بعدلها وإنصافها ل تس ّ‬
‫المتقاعس والنشيط الجاد‪ ،‬ول بين المهمل المقصر وصاحب‬
‫الهمة والعزيمة ‪ ،‬بل تفتح الباب لكل واحد منهما للرقي‬
‫والسمو ‪ ،‬وذلك عبر المراتب الثلث ‪ :‬السلم واليمان‬
‫والحسان ‪.‬‬
‫فمن أراد أن يرقى فدونه الجبل ل أحد يمنعه‪ ،‬ودونه القمة‬
‫عى‬
‫ن أ ََرادَ اْل َ ِ‬
‫س َ‬
‫و َ‬
‫م ْ‬
‫و َ‬
‫خَرةَ َ‬
‫فليتسلق إليها ل أحد يدفعه ‪َ .‬‬
‫ش ُ‬
‫ك َ‬
‫فُأول َئ ِ َ‬
‫ن َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫كوًرا‬
‫و ُ‬
‫ؤ ِ‬
‫كا َ‬
‫س ْ‬
‫س ْ‬
‫عي ُ ُ‬
‫ن َ‬
‫عي َ َ‬
‫ها َ‬
‫لَ َ‬
‫م ٌ‬
‫م َ‬
‫ه ْ‬
‫و ُ‬
‫ه َ‬
‫ها َ‬
‫‪ ]‬سورة السراء آية ‪ [ 19‬فمن يعمل ويسعى ويجاهد ليس‬
‫م‬
‫دوا ِ‬
‫جا َ‬
‫ه ِ‬
‫وال ّ ِ‬
‫ه ُ‬
‫ن َ‬
‫دي َن ّ ُ‬
‫فيَنا ل َن َ ْ‬
‫ذي َ‬
‫ه ْ‬
‫كمن ينام ويتقاعس ‪َ ‬‬
‫ن ‪] ‬سورة العنكبوت آية ‪6‬‬
‫ح ِ‬
‫وإ ِ ّ‬
‫م ْ‬
‫م َ‬
‫ُ‬
‫سِني َ‬
‫ع ال ْ ُ‬
‫ه لَ َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫سب ُل ََنا َ‬
‫وليس الناس على درجة واحدة من الهمة والعزيمة والقصد ‪‬‬
‫َ‬
‫عَباِدَنا َ‬
‫صط َ َ‬
‫م‬
‫ن ِ‬
‫ف ِ‬
‫في َْنا ِ‬
‫ب ال ّ ِ‬
‫وَرث َْنا ال ْك َِتا َ‬
‫من ْ ُ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫ه ْ‬
‫ثُ ّ‬
‫نا ْ‬
‫مأ ْ‬
‫َ‬
‫م ْ‬
‫م ل ِن َ ْ‬
‫ت‬
‫ق ِبال ْ َ‬
‫خي َْرا ِ‬
‫و ِ‬
‫قت َ ِ‬
‫و ِ‬
‫س ِ‬
‫ف ِ‬
‫م َ‬
‫من ْ ُ‬
‫من ْ ُ‬
‫ساب ِ ٌ‬
‫ه ْ‬
‫م ُ‬
‫ه ْ‬
‫ظال ِ ٌ‬
‫صدٌ َ‬
‫ه َ‬
‫ه ذَل ِ َ‬
‫و ال ْ َ‬
‫ض ُ‬
‫ل ال ْك َِبيُر ‪ ] ‬سورة فاطر آية ‪32‬‬
‫ك ُ‬
‫ف ْ‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫ه َ‬
‫ب ِإ ِذْ ِ‬
‫[‬
‫ والسلم َ‬‫طموح ويعلم أبناءه الطموح والهمة العالية ""‬
‫يقال لقارئ القرآن اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل‬
‫)‪( 1‬‬
‫ي بالعمل ‪،‬بل وبإتقان العمل‬
‫في الدنيا ‪"...‬‬
‫ويربط الرق ّ‬
‫أيضًا‪ ،‬ويدعو أبناءه إلى طلب القمة والسعي إليها "" إذا‬
‫)‪( 2‬‬
‫سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس العلى ""‬
‫هذه رسالة محمد ‪ ، ‬رسالة النسان ‪ ،‬رسالة السعادة ‪،‬‬
‫رسالة الحضارة رسالة العدالة ‪ ،‬رسالة الرحمة ‪ .‬ل تنظر إليها‬
‫وف إلى سعادة النسان‬
‫من زاوية من الزوايا إل وتجد فيها التش ّ‬
‫وراحته ‪ ،‬ومنفعته وقد يدرك النسان أبعاد هذه المنفعة‬
‫والسعادة وقد تخفى عنه فل يلحظها إل بعد حين ‪.‬‬
‫إنها رسالة تراعي سر الخلق في كيان النسان‪ ،‬لنها تنزيل‬
‫َ‬
‫ف‬
‫ن َ‬
‫طي ُ‬
‫و ُ‬
‫و الل ّ ِ‬
‫من العليم الخبير ‪ ‬أَل ي َ ْ‬
‫م ْ‬
‫خل َ َ‬
‫م َ‬
‫عل َ ُ‬
‫ه َ‬
‫ق َ‬
‫‪ ()1‬سنن الترمذي وسنن النسائي الكبرى وصحيح ابن حبان ومسند المام أحمد والمعجم الكبير للطبراني ‪.‬‬
‫‪ ()2‬صحيح ابن حبان والمعجم الكبير للطبراني ‪.‬‬

‫‪.‬‬

‫‪15‬‬

‫ون من جسد‬
‫ال ْ َ‬
‫خِبيُر ‪ ]‬سورة الملك آية ‪ [ 14‬فالنسان مك ّ‬
‫س وعقل وقلب وروح ‪ ،‬هذه هي كينونة النسان‪ ،‬وكل جزءٍ‬
‫ونف ٍ‬
‫من هذه الكينونة له متطلباته وحاجاته‪ ،‬له غذاؤه الذي يليق به ‪،‬‬
‫فجاءت رسالة السلم خاتمة الرسائل متوائمة مع متطلبات‬
‫هذه الكينونة‪ ،‬تقيم التوازن في تلبية حاجاتها‪ ،‬وإن أي خلل في‬
‫تلبية أجزاء هذه الكينونة يؤدي إلى شقاء النسان‪ ،‬فللروح غذاء‬
‫العبادة والتبتل‪ ،‬وللجسد غذاء الطعام والشراب‪،‬وللنفس‬
‫الطيبات من الرزق‪ ،‬وللعقل العلم والمعرفة ‪ ،‬وللقلب التفكر‬
‫والتدبر ‪ ،‬وإذا ما طغى جانب من هذه الجوانب على غيره فإنه‬
‫يؤدي إلى اختلل في توازن النسان ‪ ،‬وانفراط في نظامه‬
‫ري َ‬
‫ه‬
‫ن ِذ‬
‫ض َ‬
‫ن أَ ْ‬
‫فإ ِ ّ‬
‫ع ْ‬
‫م ْ‬
‫ن لَ ُ‬
‫و َ‬
‫عَر َ‬
‫فيشقى النسان ‪َ ‬‬
‫كْ ِ‬
‫َ‬
‫ضن ْ ً‬
‫ح ُ‬
‫عي َ‬
‫مى ‪ ]‬سورة طه‬
‫ةأ ْ‬
‫ش ً‬
‫م ال ْ ِ‬
‫م ِ‬
‫ة َ‬
‫م ِ‬
‫ون َ ْ‬
‫و َ‬
‫ع َ‬
‫قَيا َ‬
‫َ‬
‫شُرهُ ي َ ْ‬
‫كا َ‬
‫آية ‪. [ 124‬‬
‫فجاءت رسالة محمد ‪ ‬رسالة الرحمة لتحفظ نظام الكيان‬
‫النساني من النفراط‪ ،‬وعقد الكينونة من الختلل‪ ،‬فأعطت‬
‫عي ْن ِ َ‬
‫عل َي ْ َ‬
‫د َ‬
‫ح ّ‬
‫كل ذي حق حقه "" َ‬
‫ك‬
‫ك َ‬
‫س ِ‬
‫وإ ِ ّ‬
‫فإ ِ ّ‬
‫ن لِ َ‬
‫ك َ‬
‫ن لِ َ‬
‫ج َ‬
‫قا ‪َ ،‬‬
‫عل َي ْ َ‬
‫ر َ‬
‫عل َي ْ َ‬
‫ج َ‬
‫عل َي ْ َ‬
‫ح ّ‬
‫ح ّ‬
‫ك‬
‫ك َ‬
‫ك َ‬
‫َ‬
‫وإ ِ ّ‬
‫وإ ِ ّ‬
‫ك َ‬
‫ك َ‬
‫و ِ‬
‫ن ل َِز ْ‬
‫قا ‪َ ،‬‬
‫ن ل َِز ْ‬
‫قا ‪َ ،‬‬
‫و ِ‬
‫)‪( 1‬‬
‫ح ّ‬
‫ورفضت نظام الترهبن والنسحاب من الحياة‬
‫قا‪""...‬‬
‫َ‬
‫"" أما إني لخشاكم لله وأتقاكم له وإني أصوم‬
‫وأفطر وأصلي وأرقد ‪ ،‬وأتزوج النساء فمن رغب عن‬
‫سنتي فليس مني "" )‪. ( 2‬‬
‫فكانت تشريعا ً معجزا ً بديعًا‪ ،‬تستطيع أن تقول وأنت واثق‬
‫من نفسك ‪ :‬إن نظام الرسالة المحمدية الكوني ينسجم تماما ً‬
‫ل رائع آيات القرآن مع آيات الكون‪،‬‬
‫مع الكون‪ ،‬وتتطابق بشك ٍ‬
‫ل عجيب مع‬
‫كذلك إن نظام الرسالة التشريعي يتطابق بشك ٍ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫نظام الكينونة النسانية فردا ً ومجتمعا ً ‪ ‬أَل ي َ ْ‬
‫م ْ‬
‫م َ‬
‫عل َ ُ‬
‫خِبيُر ‪ ]‬سورة الملك آية ‪. [ 14‬‬
‫ف ال ْ َ‬
‫َ‬
‫طي ُ‬
‫و ُ‬
‫و الل ّ ِ‬
‫خل َ َ‬
‫ه َ‬
‫ق َ‬
‫هذه رسالة السلم ‪ ،‬رسالة النسان ‪ ،‬رسالة الرحمة اللهية‬
‫‪ ،‬وفي كثير من الحيان يجهل النسان بدوافع من رغباته‬
‫وأهوائه كم هو محظوظ‪ ،‬لنه يتقلب في ربيع النعمة اللهية ‪،‬‬
‫والبركة المحمدية فيعرض النسان فردا ً أو جماعة عن الحتماء‬
‫بمظلة السلم ‪ ،‬ويهيم ملحقا ً شهواته في فيافي الوهام‪،‬‬
‫ومفاوز الثام ول يكتشف ضلله وضياعه إل بعد فوات الوان ‪،‬‬
‫وكان يكفي النسان لكي يقي نفسه هذا الضلل والتيه أن يثق‬
‫‪ ()1‬صحيح البخاري – وسنن النسائي وصحيح ابن حبان وغيرهما ‪.‬‬
‫‪ ()2‬صحيحي البخاري ومسلم وغيرهما ‪.‬‬
‫‪16‬‬

‫بربه عز وجل‪ ،‬ويقبل رسالته الهادية‪ ،‬ويقبل رسوله المبّلغ‬
‫المب ّ‬
‫شر‪ ،‬ويعتصم بحبله المتين ‪،‬ونوره المبين‪ ،‬فيوفر على نفسه‬
‫ألوانا ً من الضنك وأشكال ً من الخيبة في مسيرة الحياة ‪.‬‬
‫وهذا ما عمل وجاهد من أجله النبياء جميعا ً عبر الحقاب‬
‫الزمنية المتوالية‪ ،‬ثم جاء خاتمهم المصطفى ‪ ‬ليكمل البناء‬
‫وينير الطريق وينشر العدل ويتمم الهداية ‪.‬‬
‫فكان ‪ ‬المثل العلى للبشرية في الخلق والعمال‪ ،‬وكان‬
‫السوة الحسنة لمن أراد أن يرقى في مدارج الكمال‪ ،‬وكان‬
‫النموذج المتألق في التأنق والتحضر والجمال‪ ،‬وكان العلم‬
‫الباسق في الرزانة والرصانة والثقة والتزان والعتدال ‪.‬‬
‫ولم يكن منفصل ً عن الناس يعيش في برجه العاجي‪ ،‬بل‬
‫كان يأكل مما يأكلون ويشرب مما يشربون وينام كما ينامون ‪.‬‬
‫"" ينام على الحصير فيؤثر في جنبه حتى يبكي سيييدنا عميير‬
‫)‪( 1‬‬
‫تأثرا ً على حال رسول الله صلى الله عليه وسلم ""‬
‫"" وتمر الليالي والشهور ول يوقد في بيته نار ""‬
‫)‪ ( 2‬أي ل يوجد ما يطبخونه‪.‬‬
‫)‪( 3‬‬

‫"" ويشد الحجر على بطنه من الجوع ""‬
‫"" ويمر على نسائه فل يجد طعاما ً فيقول إني‬
‫صائم "" )‪. ( 4‬‬
‫"" ويطوي اليام ثم إذا وجد الخل أكل منه فحمد‬
‫)‪( 5‬‬
‫الله ثم قال نعم الدام الخل "" ‪.‬‬
‫ن أ َن ْ ُ‬
‫َ‪َ ‬‬
‫سو ٌ‬
‫ما‬
‫زيٌز َ‬
‫م َ‬
‫عل َي ْ ِ‬
‫ف ِ‬
‫ل ِ‬
‫قدْ َ‬
‫م َر ُ‬
‫م ْ‬
‫ه َ‬
‫سك ُ ْ‬
‫جاءَك ُ ْ‬
‫ع ِ‬
‫م ْ‬
‫م‪...‬‬
‫ص َ‬
‫َ‬
‫ف َر ِ‬
‫ءو ٌ‬
‫ن َر ُ‬
‫ؤ ِ‬
‫م َ‬
‫مِني َ‬
‫حي ٌ‬
‫م ِبال ْ ُ‬
‫عل َي ْك ُ ْ‬
‫عن ِت ّ ْ‬
‫ري ٌ‬
‫ح ِ‬
‫فسنا‪،‬‬
‫فسنا ومن أن َ‬
‫] سورة التوبة آية ‪ . [ 128‬أجل إنه ‪ ‬من أن ُ‬
‫حريص علينا ‪،‬شفوق بنا ‪،‬يحزنه عصياننا وانحرافنا‪ ،‬رؤوف رحيم‬
‫بنا ‪ ،‬يقف على الصراط ويقول ‪:‬‬
‫‪ ()1‬صحيحي البخاري ومسلم وغيرهما ‪.‬‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ل َ‬
‫ه أ َك ْ ُ‬
‫‪ ()2‬ب َ ْ‬
‫ن‬
‫جَر ِ‬
‫ح َ‬
‫ه لي َْرب ِط ع َلى ب َطن ِهِ ال َ‬
‫صب ََر َ‬
‫سَر فَإ ِ ْ‬
‫كا َ‬
‫ما ت َي َ ّ‬
‫حّتى إن ّ ُ‬
‫ل َ‬
‫ن هَد ْي ُ ُ‬
‫ن أع ْوََزه ُ َ‬
‫م ْ‬
‫ل َوال ْهَِل ُ‬
‫ل َوال ْهَِل ُ‬
‫جوِع وَي َُرى ال ْهَِل ُ‬
‫ل وََل ُيوقَد ُ ِفي ب َي ْت ِهِ َناٌر ‪ .‬راجع زاد المعاد لبن القيم‬
‫ال ْ ُ‬
‫‪.. 1 / 142‬‬
‫‪ ()3‬راجع تهذيب الثار للطبري ‪ 3 / 21‬وحلية الولياء لبي نعيم ‪ 2 / 137‬والسيرة النبوية لبن كثير ‪/ 188‬‬
‫‪ . 3‬وسبل الهدى والرشاد ‪. 7 / 104‬‬
‫‪ ()4‬سنن النسائي وسنن البيهقي الكبرى ‪.‬‬
‫جَع َ‬
‫ل‬
‫عا ِبِه َف َ‬
‫ل‪َ .‬فَد َ‬
‫خّ‬
‫ل َ‬
‫عْنَدَنا ِإ ّ‬
‫لُدَم َفَقاُلوا َما ِ‬
‫ل َأْهَلُه ا ُ‬
‫سَأ َ‬
‫ى ‪-‬صلى ال عليه وسلم‪َ -‬‬
‫ن الّنِب ّ‬
‫ل َأ ّ‬
‫عْبِد ا ِّ‬
‫ن َ‬
‫جاِبِر ْب ِ‬
‫‪ ()5‬عن َ‬
‫ل «‪ .‬أخرجه مسلم ‪.‬‬
‫خّ‬
‫لُدُم اْل َ‬
‫ل ِنْعَم ا ُ‬
‫خّ‬
‫لُدُم اْل َ‬
‫ل » ِنْعَم ا ُ‬
‫ل ِبِه َوَيُقو ُ‬
‫َيْأُك ُ‬
‫‪17‬‬

‫" رب سيييلم رب سيييلم "" )‪ ( 1‬ويطيـــل الســـجود والـــدعاء‬
‫والتبتل يدعو لمته بالنجــاة والســعادة والهدايــة ‪.‬ويــوم‬
‫القيامة يسجد تحت العرش فل يرفع رأسه حــتى يقــال‬
‫له ‪ :‬إرفع رأسك ‪ ،‬وسل تعييط ‪ ،‬واشييفع تشييفع ! فيقييول ‪ :‬يييارب‬
‫أمتي ‪ ( 2) .‬لقد جعل همه هما ً واحدا ً هو رضوان الله جــل‬
‫شأنه ‪ ،‬وتفرع عن هذا الهم حرصــه الشــديد علــى أمتــه‬
‫رحمة ورأفــة ورجــاءً وهــذا مــا يعــبر عنــه هــذا الحــديث‬
‫الشريف "" حدث َنا أ َبو الزناد ع َن ع َبد الرحمن أ َنه حدث َ َ‬
‫ع‬
‫سي ِ‬
‫ّ َ ِ‬
‫م َ‬
‫َ ّ َ ُ‬
‫ه َ‬
‫ه أن ّ ُ‬
‫ْ ْ ِ ّ ْ َ ِ ّ ُ َ ّ ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫سييو َ‬
‫ل الل ّيهِ ‪ -‬صييلى اللييه‬
‫سي ِ‬
‫معَ َر ُ‬
‫ه َ‬
‫أَبا هَُري َْرة َ ‪ -‬رضى الله عنه ‪ -‬أن ّي ُ‬
‫مث َي ُ‬
‫قييو ُ‬
‫ل‬
‫عليييه وسييلم ‪ -‬ي َ ُ‬
‫ل َر ُ‬
‫س كَ َ‬
‫مث َل ِييى وَ َ‬
‫مييا َ‬
‫ل ‪ » :‬إ ِن ّ َ‬
‫جي ٍ‬
‫مث َي ِ‬
‫ل الن ّييا ِ‬
‫َ‬
‫جعَ َ‬
‫ب‬
‫ل ال ْ َ‬
‫ش وَهَيذ ِهِ اليد َّوا ّ‬
‫ه َ‬
‫ما َ‬
‫ما أ َ‬
‫ا ْ‬
‫حوْل َ ُ‬
‫ت َ‬
‫ضاَء ْ‬
‫ست َوْقَد َ َناًرا ‪ ،‬فَل َ ّ‬
‫فيَرا ُ‬
‫جعَي َ‬
‫ن‬
‫ه فَي َ ْ‬
‫قعُ ِفى الّنارِ ي َ َ‬
‫ال ِّتى ت َ َ‬
‫قت َ ِ‬
‫ن ِفيَها ‪ ،‬فَ َ‬
‫ح ْ‬
‫ن وَي َغْل ِب ْن َي ُ‬
‫مي َ‬
‫ل ي َن ْزِع ُهُي ّ‬
‫قعْ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫)‪( 3‬‬
‫ن ِفيَهييا "" ‪.‬‬
‫م تَ ْ‬
‫ِفيَها ‪ ،‬فَأَنا آ ُ‬
‫قت َ ِ‬
‫مييو َ‬
‫ح َ‬
‫خذ ُ ب ِ ُ‬
‫ح ُ‬
‫ن الّنارِ ‪ ،‬وَأن ْت ُ ْ‬
‫جزِك ُ ْ‬
‫م عَ ِ‬
‫إن غايته الكبرى هي نجاة أمته‪ ،‬نجاتها فــي الــدنيا مــن‬
‫دار الغرور ‪ ،‬وفي الخرة من العذاب الحرور ‪ ،‬فهــو لــم‬
‫يكن يخشى علينا الفقر‪ ،‬بل كان خوفه علينا من الــدنيا‬
‫وانبساطها وإغرائها أشد كما قال للنصار ذات يوم ‪» :‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫خ َ‬
‫م‪،‬‬
‫ف ْ‬
‫مييا ال ْ َ‬
‫قيَر أ َ ْ‬
‫فَأب ْ ِ‬
‫مييا ي َ ُ‬
‫شييى ع َل َي ْك ُي ْ‬
‫والل ّهِ َ‬
‫سيّرك ُ ْ‬
‫مُلوا َ‬
‫شُروا وَأ ّ‬
‫م ‪ ،‬فَ ي َ‬
‫َ‬
‫س َ‬
‫خ َ‬
‫م‬
‫وَل َك ِّنى أ َ ْ‬
‫ما ب ُ ِ‬
‫شى أ ْ‬
‫ن ت ُب ْ َ‬
‫ن قَب ْل َك ُ ْ‬
‫ت ع ََلى َ‬
‫سط َ ْ‬
‫م الد ّن َْيا ك َ َ‬
‫ط ع َل َي ْك ُ ُ‬
‫م ْ‬
‫ها ‪ ،‬وتهل ِك َك ُم ك َ َ‬
‫)‪( 4‬‬
‫م«‪.‬‬
‫سو َ‬
‫سو َ‬
‫ما ت ََنافَ ُ‬
‫‪ ،‬فَت ََنافَ ُ‬
‫ما أهْل َك َت ْهُ ْ‬
‫ْ َ‬
‫ها ك َ َ‬
‫َُْ‬
‫دى ب ِ َ‬
‫وقال لسيدنا علي يوم خيبر ‪َ "" :‬‬
‫ك‬
‫والل ّ ِ‬
‫ه لَ ْ‬
‫ه َ‬
‫ن يُ ْ‬
‫ف َ‬
‫)‪( 5‬‬
‫خي ٌْر ل َ َ‬
‫ج ٌ‬
‫لنه سيكون‬
‫عم ِ «‬
‫حدٌ َ‬
‫وا ِ‬
‫ك ِ‬
‫ر الن ّ َ‬
‫ن ُ‬
‫َر ُ‬
‫م ْ‬
‫ح ْ‬
‫ل َ‬
‫م ِ‬
‫ً‬
‫سببا في إنقاذ رجل ‪ -‬بل ربما أسرة ممتدة إلى يوم القيامة ‪ -‬من‬
‫الشقاء البدي والجحيم السرمدي ‪.‬‬
‫لقد كانت رسالته ‪ ‬أشبه بالمظلة الباردة في اليوم القائظ‬
‫‪ ،‬وأشبه بالركن الدافئ في البرد القارس ‪ ،‬وأشبه بالغيث الصّيب‬
‫في في السنة الجائحة القاحلة‪ ،‬وهكذا شبه رسول الله ‪ ‬بعثته‬
‫ج ّ‬
‫مث َ َ‬
‫ن‬
‫ه َ‬
‫ل ِ‬
‫ه بِ ِ‬
‫المباركة فقال ‪ » :‬إ ِ ّ‬
‫و َ‬
‫ما ب َ َ‬
‫م َ‬
‫عث َِنى الل ّ ُ‬
‫ل َ‬
‫ن َ‬
‫عّز َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ف َ‬
‫ل َ‬
‫ضا َ‬
‫ها‬
‫وال ْ ِ‬
‫ب أْر ً‬
‫ت ِ‬
‫غي ْ ٍ‬
‫صا َ‬
‫ه َ‬
‫كان َ ْ‬
‫من ْ َ‬
‫ال ْ ُ‬
‫عل ْم ِ ك َ َ‬
‫ثأ َ‬
‫مث َ ِ‬
‫دى َ‬
‫قبل َت ال ْماءَ َ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫طائ ِ َ‬
‫ع ْ‬
‫ب ال ْك َِثيَر‬
‫ة طَي ّب َ ٌ‬
‫ف ٌ‬
‫فأن ْب َت َ ِ‬
‫ة َ ِ ِ‬
‫ش َ‬
‫وال ْ ُ‬
‫َ‬
‫ت ال ْك َل َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫و َ‬
‫فن َ َ‬
‫ماءَ َ‬
‫س‬
‫سك َ ِ‬
‫ن ِ‬
‫كا َ‬
‫ف َ‬
‫جاِد ُ‬
‫ها أ َ‬
‫ه بِ َ‬
‫م َ‬
‫من ْ َ‬
‫ع الل ّ ُ‬
‫ت ال ْ َ‬
‫بأ ْ‬
‫ها الّنا َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ف َ‬
‫خَرى‬
‫ها أ ْ‬
‫وَر َ‬
‫ب طائ ِف ً‬
‫ة ِ‬
‫رُبوا ِ‬
‫صا َ‬
‫من ْ َ‬
‫و َ‬
‫من ْ َ‬
‫وأ َ‬
‫وا َ‬
‫ع ْ‬
‫وا َ‬
‫سق ْ‬
‫ها َ‬
‫ش ِ‬
‫‪()1‬‬
‫‪() 2‬‬
‫‪() 3‬‬
‫‪()4‬‬
‫‪( )5‬‬

‫الحديث في صحيح مسلم ‪.‬‬
‫الحديث في صحيح البخاري ‪.‬‬
‫الحديث في صحيحي البخاري ومسلم وغيرهما ‪.‬‬
‫أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما ‪.‬‬
‫أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما ‪.‬‬
‫‪18‬‬

‫فذَل ِ َ‬
‫س ُ‬
‫ت ك َل ً َ‬
‫مث َ ُ‬
‫ل‬
‫ى ِ‬
‫م ِ‬
‫ما ِ‬
‫عا ٌ‬
‫قي َ‬
‫ول َ ت ُن ْب ِ ُ‬
‫ك َ‬
‫ك َ‬
‫ن ل َ تُ ْ‬
‫إ ِن ّ َ‬
‫ماءً َ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫ون َ َ‬
‫ف ُ‬
‫ن َ‬
‫م‬
‫ه ِ‬
‫ه بِ ِ‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫ف َ‬
‫ما ب َ َ‬
‫ف َ‬
‫م ْ‬
‫عل ِ َ‬
‫عث َِنى الل ّ ُ‬
‫ه بِ َ‬
‫ع ُ‬
‫ق َ‬
‫َ‬
‫ه َ‬
‫فى ِدي ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫دى‬
‫و َ‬
‫م ي َقب َل ُ‬
‫ه َ‬
‫م ي َْرف ْ‬
‫ع ب ِذل ِك َرأ ً‬
‫م ْ‬
‫ول ْ‬
‫نل ْ‬
‫مثل َ‬
‫و َ‬
‫عل َ‬
‫سا َ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫)‪( 1‬‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫أجل إنه ‪ ‬كالغيث الهامع لهذه‬
‫ه «‪.‬‬
‫ت بِ ِ‬
‫ذى أْر ِ‬
‫ه ال ِ‬
‫الل ِ‬
‫سل ُ‬
‫البشرية الشاخصة إلى السماء ‪ ،‬أحيا الله به قلوبا ً غلفا ً ‪ ،‬وأعينا ً‬
‫عميا ً ‪ ،‬وآذانا ً صما ً ‪ ،‬بل أحيا به الباري عز وجل أمة كانت في‬
‫مجاهيل النسيان ‪ ،‬وبراثن الجهل‪ ،‬ومخالب الشتات والفرقة‪،‬‬
‫فجعل منها أمة محورية بين المم ‪ ،‬وحضارة مركزية بين‬
‫الحضارات‪ ،‬أقامت راية السماحة والمحبة ‪ ،‬ونصبت ميزان العدل‬
‫والمساوة ‪ ،‬وأنارت دروب العلم والمعرفة فكانت مثال ً ُيحتذى‬
‫ونبراسا ً يقتدى ‪.‬‬
‫هذه رسالة محمد ‪ ‬ذلكم الطفل اليتيم الذي نشأ‬
‫وترعرع في ربوع مكة يرعى أغنامها ‪ ،‬ويراقب أحلمها ‪ ،‬ويعايش‬
‫شبابها‪ ،‬ويرافق تجارها‪ ،‬ويخالط زعماءها‪ ،‬ويحضر مجالسها‬
‫وأحلفها – حلف الفضول – ويشارك في حروبها – حرب الفجار –‬
‫فكان مثال ً للرجولة ‪ ،‬وعنوانا ً للخلق‪ ،‬ونبراسا ً للصدق والمانة‪،‬‬
‫فاستحق بجدارة لقب الصادق المين من أعدائه وخصومه قبل‬
‫أقربائه وأصدقائه ‪ .‬فتهيأ لتحمل المسؤولية العظمى بأن يكون‬
‫رسول ً للناس أجمعين‪ ،‬ورحمة مهداة للعالمين‪ ،‬ومبلغا ً ليات‬
‫الوحي المبين ‪.‬‬
‫فكييان ‪‬بييإزاء هييذه النعميية الكييبرى عليييه ‪ ،‬وهييذا الفضييل‬
‫ميي َ‬
‫ه ع َل َي ْ َ‬
‫الرباني العظيم ‪ ‬وَأ َن َْز َ‬
‫مييا‬
‫م َ‬
‫ب َوال ْ ِ‬
‫ك ال ْك َِتا َ‬
‫ك َ‬
‫ة وَع َل ّ َ‬
‫حك ْ َ‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫م وَ َ‬
‫ل الل ّهِ ع َل َي ْ َ‬
‫ض ُ‬
‫ما ‪ ]‬سورة النساء آييية‬
‫ك عَ ِ‬
‫ن فَ ْ‬
‫كا َ‬
‫ظي ً‬
‫ن ت َعْل َ ُ‬
‫لَ ْ‬
‫م ت َك ُ ْ‬
‫‪ [ 113‬ل يرى نفسه إل عبدا ً لله عز وجييل "" يجييوع يوم يا ً فيصييبر‬
‫ويييدعو ويتضييرع إلييى ربييه عييز وجييل ‪ ،‬ويشييبع يوميا ً فيشييكر ربييه‬
‫ويحمده " )‪ ( 2‬يرجو رحمة الله ويخيياف عقييابه سييبحانه وتعييالى‬
‫خ َ َ‬
‫ه‬
‫ن ي ُيد ْ ِ‬
‫حي ً‬
‫لأ َ‬
‫مل ُي ُ‬
‫دا ع َ َ‬
‫أليس هو القائل صلى الله عليه وسلم ‪ » :‬ل َ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ل الل ّيهِ قَييا َ‬
‫سييو َ‬
‫ن‬
‫جن ّ َ‬
‫ل » ل َ ‪ ،‬وَل َ أن َييا إ ِل ّ أ ْ‬
‫ال ْ َ‬
‫ت ي َييا َر ُ‬
‫ة « ‪َ .‬قاُلوا وَل َ أن ْي َ‬
‫)‪. ( 3‬‬
‫ة«‬
‫ه بِ َ‬
‫م ٍ‬
‫ل وََر ْ‬
‫ف ْ‬
‫ح َ‬
‫مد َِنى الل ّ ُ‬
‫ي َت َغَ ّ‬
‫ض ٍ‬
‫وبرغم ما أكرمه الله عز وجل به من النصر العزيز‪،‬‬
‫والفتح المبين لم يشمخ بأنفه إلى السحاب كما يفعل‬
‫‪ ()1‬أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما ‪.‬‬
‫‪ ()2‬عن أبي أمامة الباهلي ‪ ،‬أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‪ » :‬عرض علي‬
‫ربي عز وجل أن يجعل لي بطحاء مكة ذهبا ‪ ،‬فقلت ‪ :‬ل يا رب ‪ ،‬ولكن أجوع يوما‬
‫وأشبع يوما ‪ ،‬فإذا شبعت حمدتك وشكرتك ‪ ،‬وإذا جعت تضرعت إليك ودعوتك «‪ .‬راجع‬
‫شعب اليمان للبيهقي ‪ 21 / 343‬وحلية الولياء لبي نعيم الصبهاني ‪. 8 / 133‬‬
‫‪ ()3‬أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما ‪.‬‬
‫‪19‬‬

‫القادة عادة ‪ ،‬ولم يصدع رؤوس الناس بعظمته‬
‫وانتصاراته كما يفعلون عادة‪ ،‬ولم ُين ّ‬
‫كل بأعدائه وخصومه‬
‫الذين آذوه وطردوه وقتلوا أصحابه وأحبابه‪ ،‬بل قال‬
‫كلمته المشهورة التي ينبغي أن ُتكتب برؤوس البر‬
‫على آماق البصر‪ ،‬وبماء الذهب على شغاف القلب‪ ،‬قال‬
‫‪ "" ‬اذهبوا فأنتم الطلقاء "")‪ ( 1‬لمن ؟!‬
‫لمن طردوه وآذوه أشد الذى‪ ،‬وقاتلوه أشد القتال‪،‬‬
‫وتكالبوا عليه‪ ،‬وأّلبوا عليه العرب‪ ،‬وقتلوا أعز الناس على‬
‫قلبه ! قال لهم ‪ :‬اذهبوا فأنتم الطلقاء ! ‪.‬‬
‫يدخل الفاتحون المنتصرون عادة إلى البلدان‬
‫المهزومة بالزغاريد والشموخ والبهة والعظمة ‪ ،‬فكيف‬
‫دخل المصطفى ‪ ‬مكة المكرمة ؟‬
‫دخل وهو يركب فرسه متواضعا ً متخشعا ً لله عز‬
‫وجل‪ ،‬يترنم بسورة الفتح ويتطلع إلى السماء شاكرا ً‬
‫لربه عز وجل‪ ،‬ومستمطرا ً رحمته وكرمه ‪.‬‬
‫إن حالة دخوله ‪ ‬إلى مكة فاتحا ً منتصرا ً وحوله‬
‫كتيبته الخضراء ‪ ،‬هذه الحالة من التواضع والتذلل في‬
‫مثل هذا الموطن الذي يدعو إلى الزهو والتعاظم‪ ،‬لهي‬
‫رسالة إلى كل عقل حر ‪ ،‬وقلب حي ‪ ،‬وإنسان صادق‬
‫في بحثه عن الحقيقة تخبره عن حقيقة هذا الرجل من‬
‫هو ؟! أهو طالب ملك ؟ ها هو الملك بين يديه فلماذا ل‬
‫يتعاظم به؟ أهو رائد دنيا وعظمة ؟ ها هي الدنيا‬
‫والعظمة تتضاءل بين يديه فلماذا ل يمتلكها ؟ أم هو نبي‬
‫مرسل يرجو رحمة ربه ويخاف عذابه ويبتغي رضوانه ؟‬
‫أجل لقد اقترب منه رجل أعرابي فرأى حوله جنده‬
‫وجيشه غاطسون في الحديد‪ ،‬فأخذته رعدة من الخوف‬
‫فهدأ النبي ‪ ‬من روعه وقال له ‪ :‬ياأخا العرب إنما أنا‬
‫ابن امرأة كانت تأكل القديد بمكة )‪! ( 2‬‬
‫أجل إنه ‪ ‬في هذه اللحظة الحاسمة بعد عشر‬
‫سنوات من الجهاد والحروب ها هي مكة بين يديه ‪،‬‬
‫وأهلها طوع أمره‪ ،‬وعتاتها وطغاتها في قبضته‪ ،‬إنها‬
‫صورة رائعة تدعو إلى التطاول والكبرياء‪ ،‬وتغري‬
‫‪ ()1‬انظر السنن الكبرى للبيهقي وسيرة ابن هشام وسائر المصنفات في السيرة أثناء الحديث عن فتح مكة‬
‫‪()2‬سنن أبي داود )‪ (3303‬وهو في " السلسلة الصحيحة " ‪496 / 4‬‬

‫‪.‬‬

‫‪20‬‬

‫دبه ربه عز وجل فأحسن تأديبه‪،‬‬
‫بالنتقام‪ ،‬ولكنه ‪‬وقد أ ّ‬
‫تذ ّ‬
‫كر أن هذا فضل من الله عز وجل‪ ،‬وكرم وتوفيق‬
‫ونصر منه سبحانه وتعالى‪ ،‬ثم عاد مباشرة بذاكرته إلى‬
‫معدماً‪ ،‬يوم‬
‫اليام الخوالي‪ ،‬يوم كان طفل ً يتيما ً فقيرا ً ُ‬
‫كانوا يرشون التراب في وجهه‪ ،‬يوم كان يرعى الغنام‪،‬‬
‫يوم الطائف‪ ،‬يوم الجزور‪ ،‬يوم الحصار والجوع‪ ،‬ثم توقف‬
‫عند صورة مؤثرة هي‪ :‬يوم كان يأكل القديد مع أمه‬
‫بمكة !! أجل ياأخا العرب فأنا ابن امرأة كانت تأكل‬
‫القديد بمكة ! ‪.‬‬
‫في وسط البهجة والنتصار‪ ،‬وفي وسط المجد‬
‫والفخار‪ ،‬وفي وسط العزة والقتدار‪ ،‬يتذكر وُيذ ّ‬
‫كر النبي‬
‫‪‬بحالة ضعفه وفقره لينفعل مع جيشه وجنده والناس‬
‫جميعا ً بالشكر لله عز جل ‪ ،‬فكل ما هو فيه الن هو‬
‫محض فضل وإنعام من الله جل وعل‪.‬‬
‫ولم يستطع بعض أصحابه أن يئد حالة الزهو‬
‫والفخر في كيانه‪ ،‬فقال وهو يمر على بعض سادة قريش‬
‫الواجمين المنكسرين ‪ :‬اليوم يوم الملحمة‪ ،‬وُنقل ذلك له‬
‫‪ ‬فقال ‪ :‬بل اليوم يوم المرحمة )‪ ، ( 1‬ونزع اللواء من‬
‫صاحبه وأعطاه لبنه – لبن صاحب اللواء ‪ -‬وهنا تتجلى‬
‫رحمة النبي ‪ ‬وسياسته في إصلح الخطاء‪ ،‬وتأليف‬
‫القلوب ‪ ،‬وتضميد الجراح ‪ ،‬وتنظيف الصدور ‪ ،‬وتطييب‬
‫الخواطر ‪.‬‬
‫إنه ‪ ‬قد كف نفسه عن شهوة السلطان والملك‪،‬‬
‫وغرور القوة والتمكين‪ ،‬ورغبة التشفي والنتقام‪ ،‬وأراد‬
‫للناس جميعا ً أن يتعايشوا متحابين متكافلين تحت مظلة‬
‫التوحيد والعدل ‪.‬‬
‫جاءه عثمان بن طلحة بمفاتيح الكعبة‪ ،‬فتناولها منه‬
‫النبي ‪ ‬ففتح الكعبة المشرفة وصّلى فيها ثم أعادها‬
‫إليه وقال له ‪ :‬خذوها ل ينزعها منكم إل ظالم ‪ .‬ول شك‬
‫أن عثمان خجل من نفسه‪ ،‬وتمنى لو تبتلعه الرض حين‬
‫فاجأه النبي بهذا الكلم‪ ،‬ذلك لنه يذكر يوما ً آخر في مكة‬
‫ذبا ً‬
‫مك ّ‬
‫قبل هذا اليوم ‪ ،‬حين كان النبي‪ ‬فقيرا ً وحيدا ً ُ‬
‫طريدًا‪ ،‬فقد طلب منه النبي ‪ ‬المفاتيح‪ ،‬فأبى عثمان‪،‬‬
‫فقال له النبي ‪ :‬كيف بك ياعثمان ذات يوم والمفاتيح‬
‫‪ ()1‬أخرجه البخاري وفيه زيادات مختلفة عند البيهقي في السنن ودلئل النبوة له أيضًا والمعجم الكبير‬
‫للطبراني‪ ،‬وتراجع كتب السيرة المختلفة عند قصة الفتح ‪. .‬‬
‫‪21‬‬

‫بيدي أضعها حيث أشاء؟ فقال له عثمان ‪ :‬لقد ذّلت‬
‫مرت‬
‫قريش يومئذ وهانت ‪ ،‬فقال المصطفى ‪ : ‬بل ع َ َ‬
‫وعزت )‪. ( 1‬‬
‫وقد ذ ّ‬
‫كره النبي ‪ ‬بذلك فقال له ‪ :‬ألم يكن الذي‬
‫قلت لك ؟ ولكن ل ليجرح خاطره‪ ،‬وإنما ليزيده إيمانا ً‬
‫بنبوته ‪ ،‬وقد فهم عثمان الرسالة فقال ‪ :‬بلى أشهد أنك‬
‫رسول الله ‪ .‬وبدل ً من التفكير بالنتقام أكرمه النبي ‪‬‬
‫غاية الكرام ‪ .‬أجل إنه يتمّثل قول الله عز وجل ‪:‬‬
‫ص ْ‬
‫ص َ‬
‫‪َ ‬‬
‫مي َ‬
‫ل ‪ ] ‬الحجر آية ‪[ 85‬‬
‫ج ِ‬
‫ح ال ْ َ‬
‫ف َ‬
‫ح ال ّ‬
‫فا ْ‬
‫ف ِ‬
‫وقول سبحانه وتعالى فيه ‪َ  :‬‬
‫ه‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫ة ِ‬
‫م ٍ‬
‫ما َر ْ‬
‫م َ‬
‫ح َ‬
‫فب ِ َ‬
‫غِلي َ‬
‫ف ّ‬
‫ظا َ‬
‫ب َلن ْ َ‬
‫ظ ال ْ َ‬
‫ت َ‬
‫ضوا‬
‫ف ّ‬
‫و ك ُن ْ َ‬
‫ل ِن ْ َ‬
‫ت لَ ُ‬
‫ه ْ‬
‫قل ْ ِ‬
‫ول َ ْ‬
‫م َ‬
‫ول ِ َ‬
‫ك َ‬
‫م ‪ ] ‬سورة‬
‫ست َ ْ‬
‫ف َ‬
‫فا ْ‬
‫غ ِ‬
‫ع ُ‬
‫ِ‬
‫ن َ‬
‫فْر ل َ ُ‬
‫وا ْ‬
‫عن ْ ُ‬
‫م ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫م َ‬
‫ح ْ‬
‫آل عمران آية ‪[ 159‬‬
‫هكذا كانت رسالته ‪ ،‬وهكذا كانت دعوته ‪ :‬المحبة‬
‫التسامح‪ ،‬والعفو والرحمة‪ ،‬والتواضع لله جل شأنه ‪.‬‬
‫هَري َْرةَ ‪ -‬رضى الله‬
‫تأمل في قوله ‪َ "" : ‬‬
‫ن أ َِبى ُ‬
‫ع ْ‬
‫َ‬
‫سو َ‬
‫ه ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪-‬‬
‫ل الل ّ ِ‬
‫عنه ‪ -‬أ ّ‬
‫ن َر ُ‬
‫ن َ‬
‫َ‬
‫مث َ َ‬
‫قا َ‬
‫ل‬
‫ل ال َن ْب َِيا ِ‬
‫ء ِ‬
‫ل » إِ ّ‬
‫م ْ‬
‫قب ِْلى ك َ َ‬
‫و َ‬
‫ن َ‬
‫مث َ ِ‬
‫مث َِلى َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ل ب ََنى ب َي ًْتا َ‬
‫ة‬
‫ع ل َب ِن َ ٍ‬
‫و ِ‬
‫ض َ‬
‫وأ ْ‬
‫فأ ْ‬
‫َر ُ‬
‫ح َ‬
‫ه ‪ ،‬إ ِل ّ َ‬
‫مل َ ُ‬
‫ج َ‬
‫سن َ ُ‬
‫م ْ‬
‫ه َ‬
‫ج ٍ‬
‫س يَ ُ‬
‫طو ُ‬
‫ة‪َ ،‬‬
‫ع َ‬
‫ن‬
‫ن بِ ِ‬
‫وي َ ٍ‬
‫ِ‬
‫جُبو َ‬
‫فو َ‬
‫ع َ‬
‫وي َ ْ‬
‫ج َ‬
‫ف َ‬
‫م ْ‬
‫ل الّنا ُ‬
‫ه َ‬
‫ن َزا ِ‬
‫َ‬
‫ل َ‬
‫ة َ‬
‫وي َ ُ‬
‫قا َ‬
‫فأَنا‬
‫ه الل ّب ِن َ ُ‬
‫ت َ‬
‫ن َ‬
‫ذ ِ‬
‫ه ِ‬
‫و ِ‬
‫قوُلو َ‬
‫ض َ‬
‫ع ْ‬
‫لَ ُ‬
‫هل ّ ُ‬
‫ه‪َ ،‬‬
‫َ‬
‫ن « ‪ ( 2) "" .‬كم يحمل‬
‫وأَنا َ‬
‫الل ّب ِن َ ُ‬
‫م الن ّب ِّيي َ‬
‫خات ِ ُ‬
‫ة‪َ ،‬‬
‫هذا الحديث من دللت معبرة ‪ ،‬ومعاني مؤثرة‪ ،‬فهو ‪‬‬
‫يرى أن الدين بناء شكل النبياء جميعا ً فيه لبنات‬
‫متماسكة‪ ،‬ولم يبق من هذا البناء إل مقدار لبنة ‪ ،‬وكان‬
‫البناء جميل ً وبديعا ً تعجب منه الناس‪ ،‬وتمنوا لو وضعت‬
‫تلك اللبنة‪ ،‬فكانت بعثته ‪‬هي لبنة الكمال‪ ،‬ولكنه ‪ ‬لم‬
‫يجعل من نفسه ركيزة البناء‪ ،‬أو أحد جدرانه‪ ،‬وإنما جعل‬
‫ص مع إخوانه من‬
‫من نفسه لبنة في بناء النبوة‪ ،‬يترا ّ‬
‫ون للبشر بناء يحقق لهم المأوى‬
‫النبياء السابقين ليتك ّ‬
‫ي‬
‫والمثوى والسعادة في الدنيا والخرة‪ ،‬فلم يبخس النب ّ‬
‫إخواَنه من النبياء ‪ -‬عليهم السلم جميعا ً ‪ -‬حقهم‪ ،‬ولم‬
‫ينكر فضلهم وجهادهم ‪.‬‬
‫‪ ()1‬راجع ‪ :‬زاد المعاد لبن قيم الجوزية ‪. 3 / 356‬‬
‫‪ ()2‬أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما‬

‫‪.‬‬
‫‪22‬‬

‫إنه ‪ ‬يعلمنا كيف نتكامل "" إنما بعثت لتمم‬
‫)‪( 1‬‬
‫ويعلمنا كيف نتواضع فيقول‬
‫مكارم الخلق ""‬
‫َ‬
‫َ‬
‫حى إ ِل َ‬
‫حّتى ل َ‬
‫وا َ‬
‫ىأ ْ‬
‫وإ ِ ّ‬
‫عوا َ‬
‫ض ُ‬
‫و َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ن تَ َ‬
‫هأ ْ‬
‫‪َ » "" :‬‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ف َ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫يَ ْ‬
‫د «‪"" .‬‬
‫حدٌ َ‬
‫حدٌ َ‬
‫ول َ ي َب ْ ِ‬
‫ح ٍ‬
‫ح ٍ‬
‫على أ َ‬
‫غى أ َ‬
‫على أ َ‬
‫خَر أ َ‬
‫د َ‬
‫)‪( 2‬‬
‫ص ‪ ،‬لكي نكون أقوى‬
‫ويعلمنا كيف نتعاون ونترا ّ‬
‫في مسيرة الحياة‪ ،‬وأقدر على العمار‪ ،‬وأصبر على‬
‫الشدائد ‪.‬‬
‫دى المانة‪ ،‬ونصح‬
‫أما هو ‪ ‬فقد بّلغ الرسالة‪ ،‬وأ ّ‬
‫مة‪ ،‬وجاهد في الله حتى أتاه اليقين‪،‬‬
‫المة‪ ،‬وكشف الغ ّ‬
‫خّير فاختار الرفيق العلى ‪.‬‬
‫و ُ‬
‫صرت المة في الوفاء بحقه ‪ ‬في هذا‬
‫ولقد ق ّ‬
‫العصر‪ ،‬فلم تحسن عْرض سيرته على الناس‪ ،‬فتعّرض‬
‫له الناس ‪ ،‬وأساؤوا لعظم إنسان عاش على ظهر هذه‬
‫الرض ‪ ،‬وجاهد لتطهيرها من الفساد والظلم والخداع‬
‫والكذب والستبداد ‪.‬‬
‫ومن واجب المة الن أن تخاطب المم بلغاتها‪،‬‬
‫ومن خلل ثقافاتها وحضاراتها ‪ ،‬وأن تراعي تغيرات‬
‫الفهام‪ ،‬وتبدلت العصار‪ ،‬واختلف الوسائل‪ ،‬والتباس‬
‫المسائل ‪ ،‬فتكشف الغيوم الداكنة بشمس الحقائق‬
‫الساطعة ‪ ،‬وتكنس الوهام المتراكمة‪ ،‬بالحجج النيرة‬
‫سرة عن سيرة وشخصية وحياة سيدنا‬
‫والبراهين المي ّ‬
‫رسول الله ‪ ، ‬وأن تخاطب بذلك الناس جميعًا‪،‬‬
‫بمختلف بلدانهم وعقولهم ولغاتهم‪ ،‬وأن تحشد لذلك كل‬
‫المكانات العقلية والفكرية والسياسية والعلمية‬
‫والمادية ‪.‬‬
‫وفي هذا الطار يأتي كتاب الخ الفاضل‪ ،‬والصديق‬
‫المكّرم محمد مسعد ياقوت‪ ،‬وهو باحث نشط ‪ ،‬بدايته‬
‫مشرقة‪ ،‬وأرجو من الله عز وجل أن تكون كذلك نهايته‬
‫بعد عمر طويل‪ ،‬عامر بالعطاء والثراء‪ ،‬ليقف على ثغر‬
‫من ثغور السلم‪ ،‬يصد عنه المتكالبين بالحجة والبرهان‪،‬‬
‫ويدعو إليه التائهين بالكلمة والحكمة والبيان ‪.‬‬
‫‪ ()1‬أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين ‪ 28 / 4‬وقال ‪ :‬هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه‬
‫‪ ،‬وقال الذهبي في تعليقه ‪ :‬على شرط مسلم ‪ .‬وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى ‪ 192 / 10‬والطبراني في‬
‫المعجم الوسط ‪. 165 / 15‬‬
‫‪ ()2‬أخرجه مسلم في صحيحه والبخاري في الدب المفرد وأبو داوود في سننه وابن ماجه والبيهقي في سننهما‬
‫وغيرهم ‪.‬‬
‫‪23‬‬

‫أسأل الله عز وجل له ولي دوام التوفيق والسعادة‬
‫‪ ،‬وحسن القصد والريادة‪ ،‬والخلص والسداد في القول‬
‫والعمل إنه سميع قريب مجيب ‪.‬‬
‫وصلى الله على سيدنا محمد النبي المي‬
‫وعلى آله وصحبه وسلم‬
‫والحمد لله رب العالمين ‪.‬‬

‫أحمد إدريس الطعان‬
‫عفا الله عنه‬
‫داريا ‪ 2007 / 9 / 8‬م منتصف ليلة الربعاء ‪.‬‬

‫‪24‬‬

‫الحاقدون وصور من الساءات‬
‫صدور كتاب "نبي الخراب"‪:‬‬
‫صدور كتاب باسم "نبي الخراب" ‪ – Prophet Of Doom‬بعد أحداث‬
‫‪ 11‬سبتمبر ‪ - 2001‬للمؤلف كريك ونن ‪ Craig Winn‬الذي وصف‬
‫النبي – صلى الله عليه وسلم ‪ -‬بقاطع طريق استعمل ‪ -‬حسب‬
‫زعمه – العنف والغدر للوصول إلى الحكم والسلطة‪ ،‬وكان أيضا‬
‫حسب زعم المؤلف شا ً‬
‫سيا ! والكتاب حقق مبيعات‬
‫ذا جن ً‬
‫خيالية!!‬
‫رسوم كاريكاتيرية ‪:‬‬
‫أعلنت صحيفة )يولندس بوستن( ‪ ،‬في سبتمبر ‪2005‬عن‬
‫مسابقة في الكاريكاتير‪ ،‬وتم اختيار اثنى عشر كاريكاتيرا ً كلها‬
‫تسيء إلى رسول الله ‪ -‬صلى الله عليه وسلم‪ ، -‬وتصدر احداها‬
‫رسما ً مزعوما ً لرسول الله ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬وهو يضع‬
‫على رأسه عمامة على شكل قنبلة شديدة النفجار‪ .‬والجريدة‬
‫أصرت على النشر‪ ،‬ورفضت العتذار‪.‬‬
‫ثم أعادت نشر هذه الرسوم عدة صحف أوروبية بدعوى التضامن‬
‫مع الصحيفة الدنماركية‪ ،‬ورفضت جميع هذه الصحف العتذار عن‬
‫تلك الرسوم المسيئة‪ ،‬تحت زعم حرية التعبير‪ ،‬كما رفضت‬
‫ضا ‪.‬‬
‫الحكومة الدنماركية العتذار أي ً‬
‫هذا‪ ،‬وقد نشرت صحيفة "نيريكيس أليهاندا" ‪-‬وهي صحيفة‬
‫سويدية محلية تصدر في أوريبرو‪ -‬رسومات مسيئة تصور‬
‫الرسول الكريم‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪-‬في أشكال مهينة بعددها‬
‫الصادر الحد ‪ 26‬أغسطس ‪2007‬؛ ما أثار موجة احتجاجات‬
‫محلية من جانب القلية السلمية في السويد‪.‬‬
‫كتيبات مسيئة‪:‬‬
‫قامت شركة دار نشر القمر ‪CRESCENT MOON‬‬
‫‪ ،PUBLISHING‬المريكية‪ ،‬بنشر كتيب كاريكاتيري‪ ،‬سافل‪ ،‬أسمه‬
‫‪" :‬محمد صدق و إل" ‪ ،‬لحساب رسام إستعمل اسم مستعار و‬
‫هو "عبدالله عزيز" ‪ ،‬والكتيب عبارة عن ‪ 26‬صفحة‪ ،‬يتناول السنة‬
‫دا‪ ،‬بهدف إقناع السود المريكين بعدم‬
‫النبوية بشكل مهين ج ً‬
‫التحول إلى السلم‪.‬‬
‫تصريحات همجية ‪:‬‬
‫‪25‬‬

‫أدلى مارتين هنريكسن النائب عن حزب الشعب الدانمركي‪،‬‬
‫بتصريح نشرته صحيفة )بيرلنسكة يتذته( وبثه هنريكسن على‬
‫موقعه اللكتروني ‪ ،‬والذي قال فيه )إن السلم منذ بداياته كان‬
‫عبارة عن شبكة إرهابية( ووصف المسلمين المنحدرين من جذور‬
‫دانمركية بأنهم أناس )ساقطون أخلقيًا‪ ،‬إلى مستوى يصعب‬
‫وصفه‪ ،‬وانهم يخونون جذورهم وإرثهم الحضاري باعتناقهم‬
‫السلم( وأكد هنيكسن أنه لن يتراجع عن هذه التصريحات‪. ،‬ولم‬
‫يكن هنريكسن الوحيد الذي وصف المسلمين بهذه الصواف‬
‫البذيئة بل سبقه بها نائبة من نفس الحزب تدعى )لويسة‬
‫فيفرش( التي وصفت المسلمين بأنهم" غدة سرطانية" ‪.‬‬
‫إساءة بابا الفاتيكان لنبي الرحمة ‪:‬‬
‫تطرق البابا بنديكتوس السادس عشر خلل محاضرة شهيرة‬
‫مثيرة للجدل في جامعة ريغينسبورغ جنوب المانيا – في سبتمبر‬
‫‪ - 2006‬عن العلقة بين العقل والعنف في السلم‪ ،‬وستشهد‬
‫بهذه المناسبة بكتاب للمبراطور البيزنطي مانويل الثاني )‬
‫دا أتى‬
‫‪(1425-1350‬م‪ ،‬ونقل منه عبارة تقول ‪ ":‬أرني شيئا جدي ً‬
‫به محمد‪ ،‬فلن تجد إل ما هو شرير ول إنساني‪ ،‬مثل أمره بنشر‬
‫الدين الذي كان يبشر به بحد السيف" ‪!! ..‬‬
‫ن العقيدة المسيحية تقوم‬
‫وقال البابا – في نفس المحاضرة ‪ -‬إ ّ‬
‫على المنطق لكن العقيدة في السلم تقوم على أساس أن‬
‫إرادة الله ل تخضع لمحاكمة العقل أو المنطق‪ .‬كما انتقد فريضة‬
‫الجهاد في السلم بلغة مبطنة‪.‬‬
‫دعوات بنسف مكة والمدينة ومصادرة المصاحف ‪:‬‬
‫تصريحات صليبية أطلقها نائبا الكونجرس المريكي والبرلمان‬
‫الهولندي حول السلم )في أغسطس ‪(2007‬؛ حيث طالب "توم‬
‫تانكريدو " ‪ -‬النائب الجمهوري بالكونجرس ‪ -‬بنسف مدينَتي مكة‬
‫مع ِ‬
‫قَلي الرهاب على حد ّ‬
‫المكرمة والمدينة المنورة؛ باعتبارهما َ‬
‫وقاحته‪ ،‬أما عضو البرلمان الهولندي" غيرت فيلدرز " فقد دعا‬
‫إلى منع المصحف الشريف وقراءة القرآن حتي في منازل‬
‫فا القرآن الكريم بالكتاب اللعين‪ .‬ودعا فيلدرز‬
‫المسلمين‪ ،‬واص ً‬
‫إلي منع إدخال القرآن إلي المساجد في هولندا ولمنع بيعه في‬
‫مكتبات هولندا‪.‬‬
‫مذيع كبير يسب المة السلمية ‪:‬‬
‫‪26‬‬

‫فقد شّبه مذيع أمريكي بارز المسلمين بال "الصراصير" ‪ ،‬لنهم‬
‫يصومون في نهار رمضان‪ ،‬ويأكلون في الليل‪ .‬ففي برنامجه‬
‫ث في جميع أنحاء الوليات المتحدة المريكية‪،‬‬
‫الذاعي الذي ُيب ّ‬
‫انتقد "نيل بورتز" طلب عدد من المستشفيات الحكومية في‬
‫اسكتلندا العاملين بها بتناول الطعام بعيدا ً عن المكاتب خلل‬
‫شهر رمضان‪ ،‬حفاظا ً علي مشاعر زملئهم المسلمين الصائمين‪،‬‬
‫معتبرا ً أن هذا دليل علي ما أسماه أسلمة غرب أوروبا ‪.‬‬
‫تقول جريدة الراية القطرية )في عدد ‪ : (17/8/2007‬وليست‬
‫هذه المرة الولي التي يهاجم فيها "بورتز " المسلمين‪ ،‬حتي صار‬
‫معروفا ً بتصريحاته المعادية لهم‪ .‬ففي اكتوبر ‪2006‬وصف‬
‫السلم أنه فيروس مميت‪ ،‬ينتشر في جميع أنحاء أوروبا والعالم‬
‫ور لقاحا ً‬
‫الغربي ‪ .‬مضيفًا‪ :‬سوف ننتظر طويل ً جدا ّ حتي نط ّ‬
‫لنكافحه به ‪ .‬وبحسب نص التصريحات قال بورتز أعتقد أن‬
‫المسلمين ل يأكلون أثناء النهار في رمضان‪ .‬إنهم يصومون خلل‬
‫النهار ويأكلون بالليل‪) .‬إنهم( نوع من الصراصير ‪.‬‬

‫‪27‬‬

‫بسم الله الرحمن الرحيم‬
‫مقدمة المؤلف‬
‫ما أكثر الحروب العلمية التي تشن لتشويه صور العظماء ! وما‬
‫أقبحها حينما تجعل من الفساق فضلء‪ ،‬ومن الخيار أشراًرا‪،‬‬
‫حينها نرى وسائل العلم المغرضة أبواًقا تنفث سمها يمنة‬
‫ويسرة‪ ،‬لتتخلى عن رسالتها النسانية وترتدي عباءة الذل‬
‫والعار‪..‬‬
‫لقد أساءت إلينا جميًعا‪ ،‬وأساءت لكل إنسان‪ ،‬تلك الساءات‬
‫المتكررة لجناب نبي النسانية وسيد ولد آدم ‪ ..‬رسوم‬
‫كاريكاتيرية ‪ ..‬كتب ‪ ..‬صحف ‪ ..‬برامج تلفزيونية ‪..‬تصريحات من‬
‫أعلى القيادات السياسية والدينية ‪ ..‬أصبح شغلها الشاغل تشويه‬
‫صورة " محمد بن عبد الله " ومحاولة النيل من دينه وشرفه‬
‫وأخلقه‪..‬‬
‫إنها محاولت حمقاء‪ ،‬تحاول أن تطعن في أقوى سلح يمتلكه‬
‫نبي السلم‪ ،‬إنه سلح "الرحمة "‪ ..‬إنهم يتهمون نبي السلم ‪‬‬
‫في أخص خصائصه على الطلق‪ ،‬أل وهي خصيصة " الرحمة"‪،‬‬
‫التي ساد وقاد بها العالم ‪.‬‬
‫وكون هذه الساءات ل تضير نبي الرحمة‪ -‬فل يضر السحاب نبح‬
‫الكلب‪ -‬ل يعفي المسلمين المعاصرين من المسئولية أمام الله‬
‫تعالى‪ ،‬فضل ً عن المسئولية أمام التاريخ النساني والسلمي ‪..‬‬
‫نعم‪ ،‬نحن مسؤلون أمام الله يوم القيامة عن سكوتنا عن هذا‬
‫ضا‬
‫المنكر الفظيع‪ ،‬وسلبيتنا أمام هذا الظلم المريع ‪ .‬ومسؤلون أي ً‬
‫أمام التاريخ‪ ،‬وعرضة أكيدة للسب واللعن من أحفادتنا حينما‬
‫توارينا اليام والسنون تحت أطباق التراب ‪ ..‬عندها نموت وقد‬
‫سب رسولنا العظم– صلى الله عليه وسلم –‬
‫لحق بنا العار؛ أن ُ‬
‫ونحن في خرص ونيام وسلبية !‬
‫سب رسول الله في‬
‫سييقول أحفادنا ‪-‬وهم يلعنوننا – لقد ُ‬
‫عصركم ولم تفعلوا ما يبيض الوجه ويزيل حمرة الخجل !‬
‫آن لنا أن يبرىء كل منا ذمته‪ ،‬على النحو الذي يتفق وقدراته ‪..‬‬
‫فكل مسلم الن " واجب عليه أن يعرف الناس برسول الله‬
‫وينصره قدر استطاعته " ‪..‬‬
‫فالمعلم والمدرس والستاذ يغرس في نفوس تلميذه وطلبه‬
‫قيم حب النبي – صلى الله عليه وسلم ‪ -‬وتوقيره والقتداء به ‪.‬‬
‫ورب السرة يربي الولد على منهج النبي – صلى الله عليه‬
‫وسلم – يحفظهم الغزوة كما يحفظهم السورة من القرآن‪.‬‬
‫والموظف في مكتبه‪ ،‬يعلي من قيمة حب النبي – صلى الله عله‬
‫وسلم – بين زملئه وأمام المواطنين ‪.‬‬
‫‪28‬‬

‫والمدير في شركته أو مصنعه‪ ،‬يجعل من نصرة النبي – صلى‬
‫الله عليه وسلم – وتعميق حبه في نفوس العاملين هدًفا سامًيا‬
‫من أهداف مؤسسة العمل ‪.‬‬
‫والعلمي والصحفي يرصد كل إساءة لديننا ونبينا‪ ،‬فيفندها‪،‬‬
‫ويناقشها‪ ،‬ويتثير همم الجماهير في الزود عن حياض الدين‪،‬‬
‫واتباع منهج الحبيب – صلى الله عليه وسلم ‪-‬‬
‫والتاجر والصانع يقاطع منتجات العداء ومنتجات كل دولة أو‬
‫حكومة أساءت لنبينا – صلى الله عليه وسلم ‪. -‬‬
‫إن رجال العمال والغنياء عليهم دور كبير‪ ،‬وواجب أكيد في‬
‫التعريف بنبي الرحمة ونصرته بأموالهم‪ ،‬عليهم أن يدعموا الكتب‬
‫والصدارات والفعاليات التي من شئنها التعريف بنبي الرحمة‬
‫ونصرته ‪.‬‬
‫أحرى برجال العمال المسلمين أن ينفقوا – ولو من ذكاة‬
‫أموالهم – في تأسيس مثل هذه المشاريع الخيرية التي من شأنها‬
‫نصرة رسول الله – صلى الله عليه وسلم ‪.-‬‬
‫وليتهم ينفقون معشار ما ينفقه الغرب على الحرب على السلم‬
‫ونبي السلم !‬
‫ولذلك رأيت أن أقوم – بدوري ‪ -‬وإلقاء الضوء على صفات النبي‬
‫‪ ‬الدالة على رحمتة بالبشرية وأخلقه وشمائله وخصائصه‪،‬‬
‫وتعامله مع المسلمين وغيرهم‪ ،‬وذلك بإسلوب سهل ويسير‪..‬وقد‬
‫جعلت البحث يتحدث بلسان حال علماء الغرب الذين أنصفوا‬
‫رسول السلم ‪ ‬في كتاباتهم ودراساتهم‪.‬‬
‫ولقد تبين لي من خلل هذا البحث أن الكثير من علماء الغرب‬
‫قد كشفوا عن الكثير والكثير من الجواهر والدرر في حياة محمد‬
‫‪ ،‬فبينوا الكثير من مظاهر الرحمة والدروس والعبر في سيرة‬
‫ومسيرة النبي محمد ‪.. ‬‬
‫وتنبع أهمية هذا البحث ؛ من كونه رسالة تعريف مبسطة لنبي‬
‫السلم في وقت تكالبت فيه القلم المسمومة واللسنة‬
‫الحاقدة للنيل من مكانته ‪.. ‬‬
‫سهم بمحاولة توضيح صورة نبي السلم للعالم‪،‬‬
‫والدراسة إذ ت ّ ْ‬
‫تنطلق من اليمان بأهمية شهادات العلماء الغربيين المنصفين‬
‫لنبي السلم‪.‬‬
‫فرب شهادة باحث غربي أوقع في قلوب الغربيين من نصوص‬
‫إسلمية كثيرة !‬

‫‪29‬‬

‫ولقد جعل البحث من أدبيات علماء الغرب وحديثهم عن فضائل‬
‫النبي ‪ ،‬مصدرا ً رئيسيا ً للبحث‪ ،‬ولم يستخدم البحث السلوب‬
‫المعتاد أو التقليدي في الحديث عن شمائل النبي ‪ ،‬بل‬
‫استخدم أدبيات الغرب أنفسهم في الحديث عن أخلقيات‬
‫وشمائل النبي ‪ .‬هذا‪ ،‬و ركز البحث على تناول مظاهر الرحمة‬
‫في شخصية محمد ‪ ،‬بلغة سهلة‪ ،‬غير إنها تخاطب العقل‪،‬‬
‫ت على الدراسات الستشراقية‬
‫وتحرك الوجدان‪ ،‬واعتمد ُ‬
‫المنصفة بالساس‪ ..‬إضافة إلى كتب السيرة والشمائل والحديث‬
‫النبوي والدراسات العربية المعاصرة‪.‬‬
‫مخطط البحث ‪:‬‬
‫المقدمة ‪:‬‬
‫الفصل الول‪ :‬من هو محمد ‪ ‬؟ ‪ ،‬وفيه ‪:‬‬
‫مة ‪‬‬
‫المبحث الول‪ :‬تعري ٌ‬
‫م بنبي الَر ْ‬
‫ف عا ٌ‬
‫ح َ‬
‫المطلب الول ‪ :‬الميلد والنشأة‬
‫المطلب الثاني ‪ :‬أخلق وصفات محمد‬
‫المطلب الثالث ‪ :‬حال العالم عشية البعثة‬
‫المطلب الرابع ‪:‬النبوة والوحي ‪:‬‬
‫المطلب الخامس ‪ :‬لمحة مختصرة عن سيرة النبي ‪:‬‬
‫المبحث الثاني‪ :‬محمد ‪ ‬رحمة للعالمين في أدبيات‬
‫الغرب‬
‫المطلب الول‪:‬شهادة إنجيل برنابا‬
‫المطلب الثاني‪ :‬شهادة الراهب النصراني بحيرا‬
‫المطلب الثالث‪ :‬شهادة العلمة توماس كارليل‬
‫المطلب الرابع ‪ :‬شهادة المفكر البريطاني لين بول‬
‫المطلب الخامس ‪ :‬شهادة السير وليم موير‬
‫المطلب السادس‪ :‬شهادة القسيس السابق د ُّراني‬
‫المطلب السابع ‪ :‬شهادة الكاتب السباني "جان ليك"‬
‫المطلب الثامن ‪ :‬شهادة العلمة واشنجتون ايرفنج‬
‫المطلب التاسع ‪ :‬شهادة الباحث الفرنسي جوستاف لوبون‬
‫المطلب العاشر‪ :‬شهادة المؤرخ الشهير جيمس متشنر‬
‫المبحث الثالث‪ :‬خصائص رحمته ‪‬‬
‫المطلب الول‪ :‬ربانية الرحمة‬
‫المطلب الثاني ‪ :‬دعوية الرحمة‬
‫المطلب الثالث ‪ :‬عالمية الرحمة‬
‫المطلب الرابع ‪ :‬عبقرية الرحمة‬
‫المطلب الخامس ‪ :‬وسطية الرحمة‬
‫المطلب السادس ‪ :‬عملية الرحمة‬
‫‪30‬‬

‫الفصل الثاني ‪ :‬رحمته للعالمين في مجال التنوير‬
‫والحضارة‪ ،‬وفيه ‪:‬‬
‫المبحث الول‪ :‬التنوير والتوحيد‪:‬‬
‫المطلب الول ‪ :‬محمد ‪ ‬تنويريا ً عملًقا‪:‬‬
‫المطلب الثاني ‪ :‬نضاله في إخراج الناس من الظلمات إلى النور‬
‫المطلب الثالث ‪ :‬نجاح حركة التنوير‬
‫المبحث الثاني‪ :‬التحضر والرقي‬
‫المطلب الول ‪ :‬العرب من القبيلة إلى الدولة والمة‪:‬‬
‫المطلب الثاني ‪ :‬إشادة العلماء الغربيين بجهود النبي ‪‬‬
‫المطلب الثالث‪ :‬فضل النبي في تحضر العالم‬
‫المبحث الثالث‪ :‬التسامح الديني‬
‫المطلب الول ‪ :‬محمد]‪[‬الحاكم المتسامح الحكيم المشرع‬
‫المطلب الثالث‪ :‬استقبال الوفود النصرانية‬
‫المطلب الرابع ‪ :‬الحرية في العتقاد وممارسة الشعائر‬
‫المبحث الرابع‪ :‬رعاية العلم والمعرفة‬
‫المطلب الول ‪ :‬بداية عصر العلم والمعرفة‪:‬‬
‫المطلب الثاني ‪ :‬القراءة أولي تعاليم النبي ‪: r‬‬
‫المطلب الثالث ‪ :‬احترام العقل‬
‫المطلب الرابع ‪ :‬حثه على طلب العلم‬
‫المطلب الخامس‪ :‬العلم من وظائف رسالته‬
‫المطلب السادس ‪ :‬من توجيهات النبي‪r‬‬
‫المبحث الخامس‪ :‬الخطاب التربوي‬
‫المطلب الول ‪ :‬المعلم الرحيم‬
‫المطلب الثاني‪ :‬نماذج رحمته للمتعلمين‬
‫المطلب الثالث ‪ :‬أساليبه في الخطاب التربوي‪:‬‬
‫المبحث السادس‪ :‬خدمة النسانية‬
‫المطلب الول ‪ :‬النبي ‪‬خادم النسانية‬
‫المطلب الثاني‪ :‬خطبة الوداع ‪ :‬الميثاق السلمي العالمي لحقوق‬
‫النسان‬
‫المطلب الثالث‪ :‬توجيهات إنسانية‬
‫الفصل الثالث‪ :‬رحمته للعالمين في مجال الخلق ‪،‬‬
‫وفيه ‪:‬‬
‫المبحث الول‪ :‬الرفق واللين‬
‫المطلب الول‪ :‬طريق محمد ‪ ..‬طريق الرفق‬
‫المطلب الثاني ‪ :‬حثه على الرفق‬
‫المطلب الثالث‪ :‬نماذج رفقه‪‬‬
‫المبحث الثاني‪ :‬العفو‬
‫‪31‬‬

‫المطلب الول ‪ :‬محمد ‪‬العفو ‪.‬‬
‫المطلب الثاني ‪ :‬نماذج عفوه ‪‬‬
‫المبحث الثالث‪ :‬العدالة والمساواة‬
‫ما عادل ً‬
‫المطلب الول ‪ :‬محمد ‪ ‬حاك ً‬
‫المطلب الثاني ‪ :‬العدالة ومساواة في معاملته اليومية‬
‫المطلب الثالث‪ :‬نماذج عدله في سنته وسيرته ‪: ‬‬
‫المبحث الرابع‪ :‬الحب والخاء‬
‫المطلب الول ‪ :‬ا ُ‬
‫لخوة مكان العصبية‬
‫المطلب الثاني ‪ :‬لماذا نجح النبي ‪ ‬في تحقيق الحب والخاء ؟‬
‫المطلب الثالث ‪ :‬نماذج تعاليمه ‪: ‬‬
‫المبحث الخامس‪ :‬سماحته في المعاملت المالية‬
‫المطلب الول ‪ :‬حثه على السماحة في المعاملت المالية ‪:‬‬
‫المطلب الثاني ‪ :‬نماذج سماحته في المعاملت المالية‬
‫الفصل الرابع‪ :‬رحمته للعالمين في مجال التشريع ‪،‬‬
‫وفيه‪:‬‬
‫المبحث الول‪ :‬المرونة والتجديد‪:‬‬
‫المطلب الول – شهادة علماء الغرب‬
‫المطلب الثاني‪ :‬الشريعة السلمية ‪ :‬ثوابت و متغيرات‬
‫المطلب الثالث ‪ :‬في مجال الثابت و مجال المتغير‬
‫المطلب الرابع ‪ :‬منطقة الفراغ التشريعي والنصوص المحتملة‪:‬‬
‫المطلب الخامس ‪ :‬صيانة الثابت و تجديد المرن‬
‫المبحث الثاني‪ :‬الوسطية والعتدال‪:‬‬
‫المطلب الول‪ :‬شهادة علماء الغرب‬
‫المطلب الثاني ‪ :‬حثه‪ ‬على الوسطية وتحذيره من التشدد‬
‫المطلب الثالث ‪ :‬وسطية السلم في الحكام‬
‫المبحث الثالث‪ :‬التيسير‪:‬‬
‫المطلب الول – شهادة علماء الغرب‬
‫المطلب الثاني ‪ :‬نماذج التيسير‬
‫المطلب الثالث ‪ :‬حثه على التيسير‬
‫المبحث الرابع‪ :‬الرخص الشرعية‪:‬‬
‫المطلب الول ‪ :‬الرخص الشرعية ‪ :‬ماهيتها وشرعيتها‬
‫المطلب الثاني ‪ :‬نماذج الرخص الشرعية‬
‫المبحث الخامس‪ :‬التدرج في التشريع‪:‬‬
‫المطلب الول ‪ :‬التدرج في التشريع‪ :‬مفهومه والحكمة منه ‪:‬‬
‫المطلب الثاني ‪ :‬نماذج للتدرج في التشريع ‪:‬‬
‫الفصل الخامس ‪ :‬رحمته للعالمين في ميدان‬
‫الصراعات السياسية والعسكرية ‪ ،‬وفيه‪:‬‬
‫‪32‬‬

‫المبحث الول‪ :‬الحوار ل الصدام‬
‫المطلب الول ‪ :‬الحوار مظهر من مظاهر الرحمة‬
‫المطلب الثاني ‪ :‬السلم يرفض المركزية الحضارية‬
‫المطلب الثالث ‪ :‬نماذج عملية من سيرة النبي‪‬‬
‫المبحث الثاني‪ :‬حرصه ‪ ‬على نشر السلم‬
‫المطلب الول ‪ :‬محمد‪ ‬رجل السلم‬
‫المطلب الثاني ‪ :‬نموذج في حادث بناء الكعبة‬
‫المطلب الثالث ‪ :‬نماذج المعاهدات مع القبائل المجاورة‬
‫للمدينة ‪:‬‬
‫المطلب الرابع‪ :‬نموذج في معركة الحزاب‬
‫المطلب الخامس ‪ :‬نموذج معاهدة الحديبية‬
‫المطلب السادس‪ :‬نموذج الصلح مع أهل خيبر‬
‫المبحث الثالث‪ :‬رحمته للخصوم والعداء‬
‫المطلب الول ‪ :‬لماذا القتال ؟‬
‫المطلب الثاني ‪ :‬محمد ‪ ‬القائد الرحيم‬
‫المطلب الثالث ‪ :‬هدي محمد في المعارك ‪:‬‬
‫المطلب الرابع‪ :‬فرية العنف ونشر السلم بالسيف ‪:‬‬
‫المطلب الخامس ‪ :‬فرية ‪ :‬القتل الجماعي ليهود بني قريظة‬
‫المبحث الرابع‪ :‬رحمته‪ ‬للسرى‬
‫المطلب الول ‪ :‬نماذج في معركة بدر‬
‫المطلب الثاني ‪ :‬نموذج معركة بني المصطلق‬
‫المطلب الثالث ‪ :‬نموذج معركة حنين‬
‫المطلب الرابع ‪ :‬نماذج أخرى‪.‬‬
‫المبحث الخامس ‪ :‬رحمته لقتلى العدو‬
‫المطلب الول ‪ :‬مواراة جيف قتلى العدو في بدر‪:‬‬
‫المطلب الثاني ‪ :‬جثة نوفل بن عبد الله‬
‫المطلب الثالث ‪ :‬جثة عمرو بن ود‬
‫المبحث السادس ‪:‬رحمته لهل الذمة‬
‫المطلب الول ‪ :‬من هم أهل الذمة وما موقف نبي السلم‬
‫منهم ؟‬
‫المطلب الثاني ‪ :‬شهادات علماء الغرب ‪:‬‬
‫المطلب الثالث ‪ :‬وصايا النبي ‪ ‬بأهل الذمة والتحذير من‬
‫إيذائهم‪:‬‬
‫المبحث السابع‪ :‬قيم حضارية في غزوة بدر‬
‫جا[‬
‫الكبرى] نموذ ً‬
‫المطلب الول ‪ :‬ل نستعين بمشرك على مشرك ‪:‬‬
‫المطلب الثاني ‪ :‬مشاركة القائد جنوده في الصعاب‪:‬‬
‫‪33‬‬

‫المطلب الثالث الشورى ‪:‬‬
‫المطلب الرابع ‪ :‬النهي عن استجلب المعلومات بالعنف ‪:‬‬
‫المطلب الخامس ‪ :‬احترام آراء الجنود‪:‬‬
‫المطلب السادس ‪ :‬العدل بين القائد والجندي ‪:‬‬
‫المطلب السابع ‪ :‬الحوار قبل الصدام ‪:‬‬
‫المطلب الثامن ‪ :‬الوفاء مع المشركين ‪:‬‬
‫المطلب التاسع ‪ :‬حفظ العهود ‪:‬‬
‫المطلب العاشر ‪ :‬النهي عن المثلة بالسير ‪:‬‬
‫الفصل السادس‪ :‬رحمته للعالمين في مجال المرأة‬
‫والطفل‪ ،‬وفيه‪:‬‬
‫المبحث الول – تحرير المرأة من الجاهلية‪:‬‬
‫المطلب الول ‪ :‬محمد ‪ ‬منقذ المرأة‬
‫المطلب الثاني ‪ :‬افتراءات وردود‬
‫المبحث الثاني ‪ :‬مميزات المرأة في السلم‬
‫المطلب الول‪ :‬الستقلل الفكري للمرأة‬
‫المطلب الثاني‪ :‬حقوق المرأة في أمور الزواج‬
‫المطلب الثالث‪ :‬حقوق المرأة في الميراث والتملك‬
‫المطلب الرابع‪ :‬حق المرأة في العمل‬
‫المطلب الخامس‪ :‬تقدير الدور السياسي للمرأة‬
‫المطلب السادس‪ :‬إحترام جوار المرأة‬
‫المطلب السابع ‪ :‬تأملت في هذه المميزات‬
‫المبحث الثاني‪ :‬رحمته للبنات‬
‫المطلب الول ‪ :‬فضل النبي ‪ ‬على البنات‬
‫المطلب الثاني ‪ :‬نماذج رحمته‪ ‬للبنات‪:‬‬
‫المبحث الثالث‪ :‬رحمته للطفال‬
‫المطلب الول ‪ :‬شهادة علماء الغرب‬
‫المطلب الثاني ‪ :‬نماذج رحمته للطفال ‪:‬‬
‫المبحث الرابع‪ :‬رحمته لليتام‬
‫المطلب الول ‪ :‬النبي ‪ ‬اليتيم ‪:‬‬
‫المطلب الثاني ‪ :‬نماذج في رحمته‪ ‬لليتيم‪:‬‬
‫المبحث الخامس‪ :‬رحمته للرامل‬
‫المطلب الول‪ :‬حثه على السعي على الرامل‪:‬‬
‫المطلب الثاني ‪ :‬سعيه على الرامل‬
‫الفصل السابع‪ :‬رحمته ‪ r‬للضعفاء وفيه‪:‬‬
‫المبحث الول‪ :‬رحمته للفقراء‬
‫المطلب الول ‪ :‬فضل النبي ‪ ‬على الفقراء‬
‫جا‬
‫المطلب الثاني ‪ :‬نظام الزكاة – نموذ ً‬
‫‪34‬‬

‫المطلب الثالث‪ :‬دوره ‪ ‬في مكافحة البطالة ‪:‬‬
‫المبحث الثاني‪ :‬رحمته للعبيد والخدم‬
‫المطلب الول ‪ :‬تحرير العبيد‬
‫المطلب الثاني ‪ :‬فرية سن السترقاق‪:‬‬
‫المطلب الثالث ‪ :‬نماذج رحمته للعبيد ‪:‬‬
‫المطلب الرابع‪ :‬تحريم التجار بالبشر‬
‫المطلب الخامس – رفقه وعطفه على الخدم‬
‫المبحث الثالث‪ :‬رحمته بذوي الحتياجات الخاصة‬
‫المطلب الول ‪ :‬الفئات الخاصة في المجتمعات الجاهلية‪:‬‬
‫المطلب الثاني ‪ :‬رعاية النبي ‪ ‬لذوي الحتياجات الخاصة‪:‬‬
‫المطلب الثالث‪ :‬الولوية لهم في الرعاية وقضاء احتياجاتهم‪:‬‬
‫المطلب الرابع‪ :‬عفوه‪ ‬عن سفهائهم وجهلئهم ‪:‬‬
‫المطلب الخامس ‪ :‬تكريمه وموساته ‪ ‬لهم ‪:‬‬
‫المطلب السادس ‪ :‬زيارته‪ ‬لهم‬
‫المطلب السابع‪ :‬الدعاء لهم‬
‫المطلب الثامن ‪ :‬تحريم السخرية منهم‬
‫المطلب التاسع ‪ :‬رفع العزلة والمقاطعة عنهم‬
‫المطلب العاشر‪ :‬التيسير على ذوي الحتياجات الخاصة‬
‫المبحث الرابع ‪ :‬رحمته‪ ‬للمسنين‬
‫المطلب الول ‪ :‬حثه على إكرام المسنين والرفق بهم‪:‬‬
‫المطلب الثاني ‪ :‬نماذج رحمته ‪ ‬للمسنين ‪:‬‬
‫المبحث الخامس‪ :‬رحمته بالموات‬
‫المطلب الول ‪ :‬زيارته ‪‬لقبور الموات‬
‫المطلب الثاني ‪ :‬مشاركته في دفن الموات بنفسه ‪:‬‬
‫المطلب الثالث ‪ :‬حزنه ‪ ‬إذا فاتته جنازة وصلته عليها‬
‫المطلب الرابع ‪:‬توقيره‪ ‬للجنائز والقبور ولو كانت لغير‬
‫المسلمين ‪:‬‬
‫المطلب الخامس‪ :‬دعاؤه ‪ ‬للموات‬
‫المطلب السادس ‪ :‬بكاؤه ‪ ‬على الموات وعند القبور‪:‬‬
‫الخاتمة ‪ :‬وفيها ملخص البحث ونتائج البحث والتوصيات‬
‫المصادر والمراجع‬
‫فهذا هو جهدنا المتواضع ‪..‬‬
‫وأسال الله أن يتقبله‪ ،‬وأن يهدي وينفع به‪..،‬وأن يجعله في ميزان‬
‫حسنات كل من ساهم في نشره ‪.‬‬
‫محمد‬
‫مسعد ياقوت‪ ،‬مصر‬
‫‪35‬‬

0020104420539 :‫جوال‬
yakoote@gmail.com
www.nabialrahma.com

‫الفصل الول‬
‫ ؟‬ ‫من هو محمد‬

36

‫م بنبي الرحمة ‪‬‬
‫المبحث الول ‪ :‬تعري ٌ‬
‫ف عا ٌ‬
‫المبحث الثاني ‪ :‬محمد ‪ ‬رحمة للعالمين في‬
‫أدبيات الغرب‬
‫المبحث الثالث ‪ :‬خصائص رحمته ‪‬‬

‫المبحث الول‬
‫مة ‪‬‬
‫تعري ٌ‬
‫م بنبي الَر ْ‬
‫ف عا ٌ‬
‫ح َ‬
‫المطلب الول ‪ :‬الميلد والنشأة ‪:‬‬

‫‪37‬‬

‫هو محمد‪ 1‬بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم‪ ،‬القرشي‬
‫والذي يمتد نسبه إلى إسماعيل بن إبراهيم ي عليهما السلم ي ‪.‬‬
‫وللنبي عدة أسماء‪ ،‬أشار إلى بعضها في أحد الحاديث‪ ،‬فقال "‬
‫لي خمسة أسماء‪ :‬أنا محمد‪ ،‬وأنا أحمد‪ ،‬وأنا الماحي الذي يمحو‬
‫الله به الكفر‪ ،‬وأنا الحاشر الذي ُيحشر الناس على قدمي )أي‬
‫ُيحشر الناس إثر بعثه(‪ ،‬وأنا العاقب"‪ 2‬والعاقب الذي ليس بعده‬
‫نبي‪.‬‬
‫يقول المؤرخ المريكي رالف لنتون ‪" :‬ولد محمد]‪ [‬في مكة ]‬
‫ن أباه مات‬
‫‪ 20‬أبريل ‪571‬م[ من عائلة ذات مركز حسن‪ ،‬ولك ّ‬
‫قبل ولدته‪ ،‬كما ماتت أمه عندما كان في السادسة من عمره‪..‬‬
‫وفي السنوات الولى من سن المراهقة كان يعمل راعيًا‪..‬‬
‫‪4‬‬
‫‪3‬‬
‫م له‬
‫وعندما بلغ السابعة عشرة من عمره ذهب إلى سوريا مع ع ّ‬
‫ بقصد التجارة –‪ ،‬وعندما أصبح في الرابعة والعشرين كان ينوب‬‫عن أرملة غنية – هي السيدة خديجة – في السفر بقافلتها‬
‫التجارية‪ ،‬وبعد عام آخر‪ -‬أي في عام ‪595‬م ‪ -‬تزوج تلك الرملة‬
‫التي كانت في الربعين من عمرها‪ ،‬وكانت قد تزوجت قبل ذلك‬
‫مرتين‪ ،‬ولها من زوجيها السابقين ولدان وبنت‪ .‬وولدت له هذه‬
‫الرملة ولدين ماتا عندما كانا طفلين‪ ،5‬وأربع بنات‪ .‬وفي السنوات‬
‫الواقعة بين عامي ‪ 610-595‬م كان محمد تاجرا ً محترما ً في‬
‫مكة‪ ،‬وكان يلقب بالمين نظرا ً لما اتصف به من صدق وحكمة‬
‫في أحكامه"‪. 6‬‬
‫المطلب الثاني ‪ :‬أخلق وصفات محمد‪: ‬‬
‫أول ً ‪ :‬أخلقه ‪:‬‬
‫عاش النبي ‪‬بعد وفاة عمه أبي طالب ‪ -‬في بيت جده عبد‬
‫المطلب زعيم مكة‪ ،‬ومن ثم نال حظا ً وافرا ً من الفطنة والفكر‬
‫السديد‪ ،‬ومعايشة قضايا العالم ومشكلته ونزاعاته ‪ ..‬فطالع‬
‫النبي محمد ‪ ‬صحائف البشرية وأحوال القبائل والجماعات‬
‫والحلف‪ ،‬وقد كان النبي ‪ ‬في ذروة اليجابية مع قضايا أمته ‪،‬‬
‫فهو عضو في " حلف الفضول " للدفاع عن المظلومين‪ ،‬ورفض‬
‫‪ 1‬أكدت موسوعة جينيس للرقام القياسية أن اسم محمد قد حقق أعلى معدل للتسمى به بين البشر‪ ،‬حيث بلغ عدد‬
‫الذين يحملون هذا السم المبارك ‪ 70‬مليون شخص على مستوى العالم ليصبح أكثر اسم في الوجود ‪.‬من جهة‬
‫أخرى كانت صحيفة ديلي تليجراف البريطانية قد كشفت أن اسم محمد الكثر انتشارا بين المواليد في انجلترا‬
‫وويلز في عام‪ ،2006‬أكثر من اسم جورج !) لندن ـ وكالة النباء السلمية ‪ :‬بتاريخ ‪(2007 \ 1 \ 8‬‬
‫‪ 2‬صحيح البخاري‪ ،‬ج ‪ ،2‬كتاب المناقب ‪ -‬باب‪ :‬ما جاء في أسماء رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬و أخرجه مسلم‬
‫في الفضائل ‪ -‬باب‪ :‬في أسمائه صلى ال عليه وسلم ‪ -‬رقم‪2354 :‬‬
‫‪ 3‬الصحيح في سن ‪ 12‬سنة ) ابن الجوزي ‪ :‬تلقيح فهوم أهل الثر ص ‪(7‬‬
‫‪ 4‬هو أبو طالب‬
‫‪ 5‬هما القاسم وعبد ال ‪ ،‬وقد ماتا في سن الطفولة قبل بعثة النبي صلى ال عليه وسلم‬
‫‪ 6‬رالف لنتون ‪ :‬شجرة الحضارة‪1/340 ،‬‬
‫‪38‬‬

‫كل صور الظلم‪ ،‬وأكل الحقوق بالباطل ‪ ..‬كما إنه حكم عدل في‬
‫فض النزاعات والمشكلت التي تحدث بين القبائل والعائلت ‪..‬‬
‫ما‪،‬‬
‫خل ً‬
‫كان أفضل قومه مروءة‪ ،‬وأحسنهم ُ‬
‫قا‪ ،‬وأعظمهم حل ً‬
‫دا‪..‬‬
‫سا‪ ،‬وأوفاهم عه ً‬
‫ريكة‪ ،‬وأعفهم نف ً‬
‫وأصدقهم حديًثا‪ ،‬وألينهم ع َ ِ‬
‫‪1‬‬
‫إنه ي ببساطة شديدة ي كما وصفته زوجته خديجة ي رضي الله‬
‫عنها ي ‪ ،‬يصل الرحم‪ ،‬ويحمل الكل‪ ،‬وُيكسب المعدوم‪ ،‬وُيقري‬
‫الضيف‪ ،‬وُيعين على نوائب الدهر ‪.‬‬
‫‪ -1‬المتياز في الخلق ‪:‬‬
‫يقول المستشرق آرثر جيلمان ‪" :‬لقد اتفق المؤرخون على أن‬
‫محمدا ً ]‪[‬كان ممتازا ً بين قومه بأخلق جميلة؛ من صدق‬
‫الحديث‪ ،‬والمانة‪ ،‬والكرم‪ ،‬وحسن الشمائل‪ ،‬والتواضع‪ ..‬وكان ل‬
‫يشرب الشربة المسكرة‪ ،‬ول يحضر للوثان عيدا ً ول احتفال ً"‪. 2‬‬
‫‪ -2‬لم تشبه شائبة ‪:‬‬
‫و يقول كارل بروكلمان‪:‬‬
‫ب محمدا ً ]‪[‬شائبة من قريب أو بعيد؛ فعندما كان صبيا ً‬
‫"لم تش ْ‬
‫وشابا ً عاش فوق مستوى الشبهات التي كان يعيشها أقرانه من‬
‫‪3‬‬
‫بني جنسه وقومه"‬
‫‪ -3‬المفكر الخلوق ‪:‬‬
‫‪4‬‬
‫ويتحدث توماس كارليل عن نبينا محمد ‪ ‬قائ ً‬
‫ل‪:‬‬
‫"لوحظ على محمد ]‪[‬منذ ]صباه[ أنه كان شاًبا مفكًرا وقد‬
‫ماه رفقاؤه المين – رجل الصدق والوفاء – الصدق في أفعاله‬
‫س ّ‬
‫وأقواله وأفكاره‪ .‬وقد لحظوا أنه ما من كلمة تخرج من فيه إل‬
‫وفيها حكمة بليغة ‪ . .‬وإني لعرف عنه]‪ [‬أنه كان كثير الصمت‬
‫ب ! وقد‬
‫يسكت حيث ل موجب للكلم‪ ،‬فإذا نطق فما شئت من ل ّ‬
‫رأيناه]‪ [‬طول حياته رجل ً راسخ المبدأ‪ ،‬صارم العزم‪ ،‬بعيد الهم‪،‬‬
‫صا‪ ،‬وهو مع‬
‫كري ً‬
‫ما بّرا رؤوًفا تقًيا فاضل ً حًرا‪ ،‬رجل ً شديد الجد ّ مخل ً‬
‫م اِلبشر والطلقة حميد‬
‫ذلك سهل الجانب لين العريكة‪ ،‬ج ّ‬
‫العشرة حلو اليناس‪ ،‬بل ربما مازح وداعب‪ ،‬وكان على العموم‬
‫تضيء وجهه ابتسامة مشرقة من فؤاد صادق‪ ..‬وكان ذكي اللب‪،‬‬
‫ما بفطرته‪ ،‬لم تثقفه مدرسة‪ ،‬ول هذبه معلم‪،‬‬
‫شهم الفؤاد‪ ..‬عظي ً‬
‫وهو غني عن ذلك‪ ..‬فأدى عمله في الحياة وحده في أعماق‬
‫الصحراء"‪.5‬‬
‫‪ 1‬انظر‪:‬صحيح البخاري‪ ،‬برقم ‪ ،4572‬وصحيح مسلم‪ ،‬برقم ‪231‬‬
‫‪ 2‬آرثر جيلمان ‪:‬الشرق‪ ،‬ص ‪.117‬‬
‫ل عن محمد عثمان عثمان ‪ :‬في كتابه )محمد في الداب العالمية المنصفة( ص ‪.110‬‬
‫‪ 3‬نق ً‬
‫‪ 4‬توماس كارليل) ‪ 1881 – 1795‬م( الكاتب النجليزي الشهير‪ ،‬من أعماله )الثورة الفرنسية(‬
‫ل رائًعا عن النبي صلى ال عليه وسلم‪..،‬الخ‪.‬‬
‫ل كام ً‬
‫و)البطال( )‪ ،(1940‬وقد عقد فيه فص ً‬
‫‪ 5‬توماس كارليل ‪ :‬البطال ‪ ،‬ص ‪.51 ،50‬‬
‫‪39‬‬

‫‪ -4‬أعظم الناس مروءة‬
‫ويتحدث الباحث البلجيكي ألفرد الفانز‪ :‬عن أخلق محمد ‪‬‬
‫فيقول‪:‬‬
‫"شب محمد ]‪ [‬حتى بلغ ‪ ،‬فكان أعظم الناس مروءة وحلما ً‬
‫وأمانة ‪ ،‬وأحسنهم جوابًا‪ ،‬وأصدقهم حديثا ً ‪ ،‬وأبعدهم عن الفحش‬
‫حتى عرف في قومه بالمين ‪ ،‬وبلغت أمانته وأخلقه المرضية‬
‫خديجة بنت خويلد القرشية ‪ ،‬وكانت ذات مال ‪ ،‬فعرضت عليه‬
‫خروجه إلى الشام في تجارة لها مع غلمها ميسرة ‪ ،‬فخرج وربح‬
‫كثيرا ً ‪ ،‬وعاد إلى مكة وأخبرها ميسرة بكراماته ‪ ،‬فعرضت نفسها‬
‫عليه وهي أيم ‪ ،‬ولها أربعون سنة ‪ ،‬فأصدقها عشرين بكرة‪،‬‬
‫وتزوجها وله خمسة وعشرون سنة‪ ،‬ثم بقيت معه حتى ماتت‪.‬‬
‫"‪. 1‬‬
‫‪ -5‬احترام الناس له ‪:‬‬
‫ويتحدث الباحث الروسي آرلونوف‪ ،‬عن نبي الرحمة‪ ،‬ويقول ‪:‬‬
‫"اشتهر ]‪ [‬بدماثة الخلق‪ ،‬ولين العريكة‪ ،‬والتواضع وحسن‬
‫المعاملة مع الناس‪ ،‬قضى محمد ]‪ [‬أربعين سنة مع الناس‬
‫بسلم وطمأنينة‪ ،‬وكان جميع أقاربه يحبونه حبا ً جمًا‪ ،‬وأهل مدينته‬
‫يحترمونه احتراما ً عظيمًا‪ ،‬لما عليه من المبادئ القويمة‪ ،‬والخلق‬
‫الكريمة‪ ،‬وشرف النفس‪ ،‬والنزاهة ‪.2".‬‬
‫‪ -6‬أقوال من عاصروه ‪:‬‬
‫هذه بعض أقوال علماء الغرب المنصفين في حديثهم عن أخلق‬
‫محمد ‪..‬‬
‫فماذا كانت أقوال من عاصروا النبي وكانوا معه كظله ؟ ‪:‬‬
‫يقول علي بن أبي طالب‪:‬‬
‫"كان رسول الله ‪ -‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬يخزن لسانه إل مما‬
‫يعنيهم ويؤلفهم ‪ ،‬ول يفرقهم ‪ ،‬يكرم كريم كل قوم ‪ ،‬ويوليه‬
‫عليهم ‪ ،‬ويحذر الناس ويحترس عنهم ‪ ،‬من غير أن يطوي عن‬
‫أحد بشره وخلقه ‪ ،‬ويتفقد أصحابه ‪ ،‬ويسأل الناس عما في‬
‫الناس ‪ ،‬ويحسن الحسن ويصوبه ‪ ،‬ويقبح القبيح ويوهنه ‪ ،‬معتدل‬
‫المر غير مختلف ‪ ،‬ل يغفل مخافة أن يغفلوا ‪ ،‬أو يملوا ‪ ،‬لكل‬
‫حال عنده عتاد ‪ ،‬ل يقصر عن الحق ‪ ،‬ول يجاوزه إلى غيره ‪،‬‬
‫الذين يلونه من الناس خيارهم ‪ ،‬وأفضلهم عنده أعمهم نصيحة‬
‫وأعظمهم عنده منزلة ‪ :‬أحسنهم مواساة ومؤازرة ‪. 3 ".‬‬
‫‪ 1‬انظر‪ :‬محمد شريف الشيباني‪ :‬الرسول في الدراسات الستشراقية المنصفة ‪ ،‬ص ‪.17‬‬
‫‪ 2‬آرلونوف ‪ :‬مقالة "النبي محمد "‪ ،‬مجلة الثقافة الروسية ‪ ،‬ج ‪ ، 7‬عدد ‪9‬‬
‫‪ 3‬رواه أبو الشيخ الصبهاني في أخلق النبي )‪(16‬‬
‫‪40‬‬

‫"كان رسول الله ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪ -‬دائم البشر ‪ ،‬سهل‬
‫الخلق‪ ،‬لين الجانب ‪ ،‬ليس بفظ‪ ، 1‬ول غليظ ول صخاب‪ 2‬في‬
‫السواق ‪ ،‬ول فاحش ول عياب ‪ ،‬ول مداح يتغافل عما ل يشتهي ‪،‬‬
‫ويؤيس منه ‪ ،‬ول يجيب فيه‪ ،‬قد ترك نفسه من ثلث ‪ :‬المراء‪،3‬‬
‫والكثار ‪ ،‬ومال يعنيه وترك الناس من ثلث ‪ :‬كان ل يذم أحدا ‪،‬‬
‫ول يعيره ‪ ،‬ول يطلب عوراته‪ ،‬ول يتكلم إل فيما رجا ثوابه‪ ،‬إذا‬
‫تكلم أطرق‪ 4‬جلساؤه ‪ ،‬كأنما على رءوسهم الطير‪ ،‬وإذا سكت‬
‫تكلموا‪ ،‬ول يتنازعون عنده الحديث من تكلم أنصتوا له ‪ ،‬حتى‬
‫يفرغ حديثهم عنده حديث أولهم ‪ ،‬يضحك مما يضحكون ‪،‬‬
‫‪5‬‬
‫ويتعجب مما يتعجبون ويصبر للغريب على الجفوة في منطقه" ‪.‬‬
‫"كان سكوت رسول الله‪ -‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬على أربع ‪:‬‬
‫على الحلم ‪ ،‬والحذر ‪ ،‬والتقدير ‪ ،‬والتفكير ‪ ،‬فأما تقديره ففي‬
‫تسوية النظر ‪ ،‬والستماع من الناس ‪ ،‬وأما تفكيره ففيما يبقى ‪،‬‬
‫ول يفنى وجمع له الحلم في الصبر ‪ ،‬فكان ل يغضبه شيء ‪ ،‬ول‬
‫يستفزه وجمع له الحذر في أربع ‪ :‬أخذه بالحسن ليقتدى به ‪،‬‬
‫وتركه القبيح لينتهى عنه ‪ ،‬واجتهاده الرأي فيما أصلح أمته ‪،‬‬
‫والقيام فيما هو خير لهم ‪ ،‬جمع لهم خير الدنيا والخرة"‪.6‬‬
‫كان " دائم البشر‪ ،‬سهل الخلق‪ ،‬لين الجانب‪ ،‬ليس بفظ ول‬
‫غليظ‪ ،‬ول صخاب ول فحاش ول عياب ول مشاح‪ ،‬يتغافل عما ل‬
‫يشتهي ول يؤيس منه راجيه ول يخيب فيه"‪..7‬‬
‫ثانًيا ‪ :‬صفاته ‪:‬‬
‫‪ -1‬كلم أنس في وصف النبي ‪‬‬
‫قال أنس بن مالك – خادم النبي ‪: -‬‬
‫ْ‬
‫ن‬
‫"كان رسول الله –‬
‫صلى الله َعليه وسلم – ليس بالطويل الَبائ ِ ِ‬
‫مه‬
‫َول ِبال ْ َ‬
‫جعْدِ‬
‫ق ِ‬
‫س ِبال ْ َ‬
‫م‪ ،‬وَل َي ْ‬
‫س ِباْلد َ‬
‫ق‪ ،‬وَل َي ْ‬
‫س ِباْل َب ْي َ‬
‫صير‪ ،‬وَل َي ْ‬
‫ض اْل ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫قط َط‪ ،8‬وَل بالسبط‪ ،9‬بعث َه الل ّه ع ََلى رأ ْ‬
‫م‬
‫ال ْ َ‬
‫سن َ ً‬
‫ِ‬
‫ة‪ ،‬فَأَقا َ‬
‫ن َ‬
‫ُ‬
‫َ ِ ّ ْ ِ ََ ُ‬
‫س أْرب َِعي َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫ن‪ ،‬وَت َوَّفاه ُ الل ّ ُ َ‬
‫دين َةِ ع َ ْ‬
‫ة عَ ْ‬
‫س‬
‫مك ّ َ‬
‫شَر ِ‬
‫م ِ‬
‫شَر ِ‬
‫ن وَِبال ْ َ‬
‫بِ َ‬
‫سِني َ‬
‫سِني َ‬
‫ه ع َلى َرأ‪ِ 10‬‬
‫ْ‬
‫ن َ‬
‫ع ْ‬
‫ضاَء"‬
‫حي َت ِهِ ِ‬
‫سن َ ً‬
‫س ِفي َرأ ِ‬
‫ِ‬
‫شعََرة ً ب َي ْ َ‬
‫شُرو َ‬
‫سهِ وَل ِ ْ‬
‫ن َ‬
‫ة‪ ،‬وَل َي ْ َ‬
‫سّتي َ‬
‫خُلق‬
‫يء ال ُ‬
‫سّ‬
‫‪ 1‬الَفظ ‪َ :‬‬
‫صام‬
‫خ َ‬
‫ت لل ِ‬
‫ب الصوا ِ‬
‫جة‪ ،‬واضطرا ُ‬
‫ضّ‬
‫خب ‪ :‬ال ّ‬
‫‪ 2‬الص ّ‬
‫‪ 3‬المراء ‪ :‬المجادلة العقيمة‬
‫‪ 4‬أطرق ‪ :‬أمال رأسه إلى صدره منصًتا‬
‫‪ 5‬رواه أبو الشيخ الصبهاني في أخلق النبي ‪(16) -‬‬
‫‪ 6‬رواه أبو الشيخ الصبهاني في أخلق النبي ‪(16) -‬‬
‫‪ 7‬الترمذي ‪ :‬مختصر الشمائل المحمدية‪24 ،‬‬
‫‪ 8‬القطط‪ :‬الشعر فيه التواء وانقباض‬
‫‪ 9‬السبط‪ :‬الشعر المسترسل‪.‬‬
‫‪ 10‬صحيح البخاري ‪ ،(5449) -‬وجعله المام الترمذي أول أحاديث كتابه الشمائل‬
‫‪41‬‬

‫خ َ ْ‬
‫ن‪،‬‬
‫ن َوال ْ َ‬
‫ض ْ‬
‫" كان النبي – صلى الله عليه وسلم – َ‬
‫قد َ َ‬
‫مي‪ِ ْ 1‬‬
‫م الي َد َي ْ ِ‬
‫حسن ال ْوجه‪ ،‬ل َ َ‬
‫س َ‬
‫ه وَ َ‬
‫ن"‬
‫ط ال ْك َ ّ‬
‫ن بَ ِ‬
‫ه ِ‬
‫َ َ َ َ ْ ِ‬
‫في ْ‬
‫كا َ‬
‫مث ْل َ ُ‬
‫م أَر ب َعْد َه ُ وََل قَب ْل َ ُ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫‪2‬‬
‫" َ‬
‫ب َ‬
‫ه" ‪.‬‬
‫من ْك ِب َي ْ ِ‬
‫ضرِ ُ‬
‫ن يَ ْ‬
‫كا َ‬
‫شعَُر النبي – صلى الله عليه وسلم – َ‬
‫‪ -2‬كلم ابن عباس في وصف النبي ‪‬‬
‫َ‬
‫ب‬
‫وافَ َ‬
‫ق َ‬
‫" كان النبي – صلى الله عليه وسلم – ي ُ ِ‬
‫ح ّ‬
‫ب ُ‬
‫ل ال ْك َِتا ِ‬
‫ة أهْ ِ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫م وَ َ‬
‫ه‪ ،‬وَ َ‬
‫ن أ َهْ ُ‬
‫نأ ْ‬
‫ن‬
‫مْر ِفي ِ‬
‫كا َ‬
‫سد ُِلو َ‬
‫كا َ‬
‫ب يَ ْ‬
‫شَعاَرهُ ْ‬
‫م ي ُؤ ْ َ‬
‫ما ل َ ْ‬
‫ِفي َ‬
‫ل ال ْك َِتا ِ‬
‫شرِ ُ‬
‫سد َ َ‬
‫م ْ‬
‫ل النبي – صلى الله عليه‬
‫ن يَ ْ‬
‫فُرُقو َ‬
‫كو َ‬
‫م‪ ،‬فَ َ‬
‫ن ُرُءو َ‬
‫سه ُ ْ‬
‫ال ْ ُ‬
‫د"‪. 3‬‬
‫وسلم – َنا ِ‬
‫م فََرقَ ب َعْ ُ‬
‫ه ثُ ّ‬
‫صي َت َ ُ‬
‫‪ -3‬كلم البراء في وصف النبي ‪‬‬
‫‪4‬‬
‫عا ‪ ،‬بعيد ما‬
‫" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل ً مربو ً‬
‫بين المنكبين‪ 5‬عظيم الجمة إلى شحمة أذنيه‪ ،‬عليه حلة حمراء ‪،‬‬
‫ما رأيت شيئا قط أحسن منه"‪.6‬‬
‫‪ -4‬كلم جابر بن سمرة في وصف النبي ‪‬‬
‫" رأيت رسول الله ‪-‬صلى الله عليه وسلم ‪-‬في ليلة إضحيان ] أي‬
‫مضيئة مقمرة [ وعليه حلة حمراء فجعلت أنظر إليه وإلى القمر‬
‫فلهو عندي أحسن من القمر "‪. 7‬‬
‫" كان رسول الله ‪ -‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬ضليع الفم أشكل‬
‫العين منهوس العقب " ‪ .‬قال شعبة ‪ :‬قلت لسماك ‪ :‬ما ) ضليع‬
‫الفم ( ؟ قال ‪ :‬عظيم الفم ‪ .‬قلت ‪ :‬ما ) أشكل العين ( ؟ قال ‪:‬‬
‫طويل شق العين ‪ .‬قلت ‪ :‬ما ) منهوس العقب ( ؟ قال ‪ :‬قليل‬
‫لحم العقب‪. 8‬‬
‫‪ -5‬كلم علي بن أبي طالب في وصف النبي ‪‬‬
‫" لم يكن النبي ‪-‬صلى الله عليه وسلم ‪-‬بالطويل ول بالقصير‪،‬‬
‫شثن الكفين والقدمين‪ ،‬ضخم الرأس‪ ،‬ضخم الكراديس‪ ،9‬طويل‬
‫المسربة‪ ،10‬إذا مشى تكفأ تكف ً‬
‫ؤا كأنما ينحط من صبب‪ ،11‬لم أر‬
‫قبله ول بعده مثله ‪ -‬صلى الله عليه وسلم – "‪.12‬‬
‫‪ 1‬صحيح البخاري ‪(5456) -‬‬
‫‪ 2‬صحيح البخاري ‪(5453) -‬‬
‫‪ 3‬صحيح البخاري ‪(5462) -‬‬
‫‪ 4‬ليس بالطويل البائن ول بالقصير‬
‫جَتَمع رأس الكتف والعضد‬
‫‪ 5‬المنكب ‪ُ :‬م ْ‬
‫‪ 6‬صحيح – رواه الترمذي في الشمائل ) ‪ ، (3‬وصححه اللباني في مختصر الشمائل‪،‬‬
‫‪ 7‬صحيح – رواه الترمذي في الشمائل ) ‪ ، (8‬وصححه اللباني في مختصر الشمائل‪،‬‬
‫‪ 8‬صحيح – رواه الترمذي في الشمائل ) ‪ ، (7‬وصححه اللباني في مختصر الشمائل‪،‬‬
‫‪ 9‬رؤوس العظام‪.‬‬
‫‪ 10‬الَمسَربة‪ :‬الشعر الدقيق الذي يبدأ من الصدر وينتهي بالسرة‪.‬‬
‫‪ 11‬الصبب‪ :‬انخفاض من الرض‪.‬‬
‫‪ 12‬صحيح – رواه الترمذي في الشمائل ) ‪ ، (4‬وصححه اللباني في مختصر الشمائل‪،‬‬

‫ص ‪14‬‬
‫ص ‪26‬‬
‫ص ‪26‬‬

‫ص ‪15‬‬
‫‪42‬‬

‫‪ -6‬كلم أبي الطفيل في وصف النبي ‪‬‬
‫"رأيت النبي ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬وما بقي على وجه الرض‬
‫أحد رآه غيري "‬
‫‪1‬‬
‫دا " ‪.‬‬
‫حا مقص ً‬
‫قيل له ‪ :‬صفه لي ‪ .‬قال ‪ " :‬كان أبيض ملي ً‬
‫‪ -7‬كلم أبي هريرة في وصف النبي ‪‬‬
‫"كان أحسن الناس ) صفة و أجملها كان ( ربعة إلى الطول ما‬
‫هو‪ ،‬بعيد ما بين المنكبين‪ ،‬أسيل الخدين‪ ،‬شديد سواد الشعر‪،‬‬
‫أكحل العينين‪ ،‬أهدب الشفار‪ ،‬إذا وطئ‪ 3‬بقدمه وطئ بكلها‪ ،‬ليس‬
‫له أخمص إذا وضع رداءه عن منكبيه فكأنه سبيكة فضة ) و إذا‬
‫ضحك يتلل(‪. 4‬‬
‫ُ‬
‫د في وصف النبي ‪‬‬
‫عب َ ٍ‬
‫م ْ‬
‫‪ -8‬كلم أ ّ‬
‫م َ‬
‫وهو أدق وصف – وصفه بشر في النبي‪ -‬على الطلق ‪! ..‬‬
‫ُ‬
‫معْب َد ٍ تصف رسول الله لزوجها‪ ،‬لما مر بها في رحلة‬
‫قالت أ ّ‬
‫م َ‬
‫الهجرة ‪:‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن ال ْ َ ْ‬
‫جل َ‬
‫م‬
‫ج ِ‬
‫ه‪َ .. 5‬‬
‫ج ال ْوَ ْ‬
‫ضاَءةِ ‪ ..‬أب ْل َ َ‬
‫ظاهََر ال ْوَ َ‬
‫ت َر ُ‬
‫ح َ‬
‫ق ‪..‬ل َ ْ‬
‫"َرأي ْ ُ‬
‫س َ‬
‫خل ِ‬
‫ج‪ ، 6‬وَِفي‬
‫صعْل َ ٌ‬
‫حل َ ٌ‬
‫ة ‪ ،‬وَ ِ‬
‫م ‪ِ ،‬في ع َي ْن َي ْهِ د َع َ ٌ‬
‫ه ثُ ْ‬
‫سي ٌ‬
‫ة‪..‬وَل َ ْ‬
‫ت َعِب ْ ُ‬
‫م ت ُْزرِ ب ِهِ َ‬
‫َ ‪9‬‬
‫‪8‬‬
‫‪7‬‬
‫صهَ ٌ‬
‫أَ ْ‬
‫ع ‪ ،‬وَِفي‬
‫ش َ‬
‫فارِهِ وَط َ ٌ‬
‫ل ‪،‬وَِفي ع ُن ُ ِ‬
‫سط ٌ‬
‫قه ِ َ‬
‫صوْت ِهِ َ‬
‫ف ‪ ،‬وَِفي َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن ‪..‬‬
‫حي َت ِهِ ك ََثاث َ ٌ‬
‫ج‪ 11‬أقَْر ُ‬
‫ة‪ ، 10‬أَز ّ‬
‫لِ ْ‬
‫عله ُ ال ْب ََهاُء ‪..‬‬
‫ماه ُ وَ َ‬
‫ت فَعَل َي ْهِ ال ْوََقاُر ‪ ،‬وَإ ِ ْ‬
‫إِ ْ‬
‫م َ‬
‫س َ‬
‫ن ت َك َل ّ َ‬
‫م َ‬
‫ص َ‬
‫ن َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م ُ‬
‫ب ‪..‬‬
‫م‬
‫ل الّنا‬
‫ه ِ‬
‫س وَأب ََهاه ُ ِ‬
‫حله ُ وَأ ْ‬
‫ن ب َِعيد ٍ ‪،‬وأ ْ‬
‫أ ْ‬
‫ح َ‬
‫سن ُ ُ‬
‫ج َ‬
‫ري ٍ‬
‫م ْ‬
‫ْ‬
‫ن قَ ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫‪13‬‬
‫حل ْوُ ال ْ ِ َ‬
‫ص ٌ‬
‫م‬
‫من ْط ِ َ‬
‫ه َ‬
‫ل ل هَذ ٌِر َول ت َزٌِر ‪ ،12‬ك َأ ّ‬
‫ُ‬
‫ت ن َظ ْ ٌ‬
‫خَرَزا ٌ‬
‫ق ُ‬
‫ن َ‬
‫ق ‪ ،‬فَ ْ‬
‫من ْط ِ‬
‫ن ‪..‬‬
‫حد ّْر َ‬
‫ي َت َ َ‬
‫ْ‬
‫ن ُ‬
‫صرٍ ‪..‬‬
‫ل ‪َ ،‬ول ت َ ْ‬
‫قت َ ِ‬
‫ن ِ‬
‫س ِ‬
‫م ُ‬
‫ح ُ‬
‫ن قِ َ‬
‫َرب ْعٌ ل ي َأ َ‬
‫م ْ‬
‫ه ع َي ْ ٌ‬
‫طو ٍ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ه‬
‫من ْظ ًَرا ‪ ،‬وَأ ْ‬
‫ن فَهُوَ أن ْ َ‬
‫ح َ‬
‫م قَد ًْرا ‪ ،‬ل َ ُ‬
‫سن ُهُ ْ‬
‫ضُر الّثلث َةِ َ‬
‫ن غُ ْ‬
‫غُ ْ‬
‫ن ب َي ْ َ‬
‫ص ٌ‬
‫صن َي ْ ِ‬
‫ن ب ِهِ ‪،‬‬
‫ح ّ‬
‫ُرفَ َ‬
‫فو َ‬
‫قاُء ي َ ُ‬
‫‪2‬‬

‫‪ 1‬صحيح – رواه الترمذي في الشمائل )‪ ، (12‬وصححه اللباني في مختصر الشمائل‪ ،‬ص ‪27‬‬
‫‪ 2‬الربعة ‪ :‬ليس بالطويل ول بالقصير‬
‫‪ 3‬وطئ ‪ :‬وضع قدمه على الرض أو على الشيء وداس عليه ‪ ،‬ونزل بالمكان‬
‫‪ 4‬حسن‪ -‬رواه البيهقي )‪ :( 234‬وحسنه اللباني في صحيح وضعيف الجامع الصغير )‪(8762‬‬
‫‪ 5‬أبلج الوجه ‪ :‬مشرق الوجه مضيئه‬
‫‪ 6‬شدة سواد العينين مع سعتهما‪ ،‬دللة علي شدة جمل العينين‬
‫‪ 7‬في شعر أجفانه طول‬
‫‪ 8‬فيه بحة‪ ،‬كانت تجمل الصوت ‪.‬‬
‫‪ 9‬طول‬
‫‪ 10‬الكث ‪ :‬الغزير والكثيف‬
‫‪ 11‬الحاجب الرقيق‬
‫ق والباطل‬
‫صل بين الح ّ‬
‫‪ 12‬الفصل ‪ :‬الَبّين الظاهر ‪ ،‬الذي َيْف ِ‬
‫‪ 13‬الخرز ‪ :‬حبات تنظم في عقد تضعه المرأة في رقبتها لتتزين به‪ ،‬دللة على تنسيق الكلم‪ ،‬وترتيبه‪ ،‬جمال‬
‫العرض‪.‬‬
‫‪43‬‬

‫َ‬
‫قول ِه ‪ ،‬وإ َ‬
‫إن َقا َ َ‬
‫مرِهِ ‪..‬‬
‫صُتوا ل ِ َ ْ ِ َ ِ ْ‬
‫ِ ْ‬
‫مَر ت ََباد َُروا إ َِلى أ ْ‬
‫نأ َ‬
‫ل أن ْ َ‬
‫‪4 3‬‬
‫‪2‬‬
‫‪1‬‬
‫ح ُ‬
‫فن ّد ٌ " ‪.‬‬
‫م َ‬
‫ح ُ‬
‫شود ٌ ل َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫س َول ُ‬
‫فود ٌ َ‬
‫َ‬
‫عاب ِ ٌ‬
‫المطلب الثالث ‪ :‬حال العالم عشية البعثة ‪:‬‬
‫"بينما كان العالم الشرقي والعالم الغربي بفلسفاتهما العقيمة‬
‫يعيش في دياجير ظلم الفكر وفساد العبادة‪ ،‬بزغ من مكة‬
‫المكرمة في شخص محمد رسول الله ]‪ [‬نور وضاء؛ أضاء‬
‫على العالم فهداه إلى السلم" ‪. 5‬‬
‫فقد ُولد النبي ]‪ [‬والبشرية ُتعاني صنوف الجهل والتخلف‬
‫والنحطاط الخلقي والحضاري‪ ..‬العرب في الجزيرة العربية كانوا‬
‫يعبدون الصنام ويقتلون البنات ويتكسبون من وراء الزنى‬
‫والدعارة ‪ ..‬أما الشعب الفارسي فقد أدمن عبادة النار كما أدمن‬
‫عبادة الطاغية كسرى‪ ،‬الذي كرث الطبقية والكراهية بين صفوف‬
‫الشعب الفارسي ‪ ..‬وهذا هرقل أجج الخلف الطائفي بين‬
‫الرومان فأخذ ي ّ‬
‫ذبح من يخالفه في المذهب‪ ،‬فضل ً عن فساد‬
‫السلطة الرومانية الحاكمة ماليا ً وإداريا ً وسياسيا ً ‪ ..‬حتى وصل‬
‫بهم الحد أن فرضوا ضريبة على الشعوب تسمى " ضريبة‬
‫الرأس" ‪ ..‬وهي ضريبة يدفعها المواطن نظير ترك رأسه دون‬
‫ذبح !‬
‫ومن ثم " فإننا نجد استعدادات عامة للنتحار الجتماعي العام ‪.‬‬
‫لم يكن النوع البشري في ذلك الزمان راضًيا بالنتحار فحسب‪،‬‬
‫‪6‬‬
‫بل كان يتساقط عليه‪ ،‬ويتهالك فيه !! "‬
‫وهكذا كان العالم يموج بالظلم والتخلف ‪ ..‬إلى أن أرسل الله ي‬
‫تبارك ي هذا الصادق المين ‪.‬‬
‫ويبين هنري ماسيه ‪: 7‬‬
‫أن "بفضل إصلحات محمد ]‪ [‬الدينية والسياسية‪ ،‬وهي‬
‫إصلحات موحدة بشكل أساسي‪ ،‬فإن العرب وعوا أنفسهم‬
‫‪ 1‬المحفود ‪ :‬الذي يخدمه أصحابه‬
‫‪ 2‬المحشود ‪ :‬الذي يجتمع إليه الناس‬
‫‪ 3‬ل مفند ‪ :‬يعني ل عابس ول مكذب‬
‫‪ 4‬صحيح – رواه الطبراني في المعجم الكبير )‪،(3524‬والحاكم في المستدرك )‪،(4243‬والبيهقي في دلئل‬
‫النبوة‪ ،‬وابن عمرو الشيباني في الحاد والمثاني)‪ ،(3083‬وقال الذهبي – في التلخيص ‪ : -‬صحيح‬
‫‪ 5‬إبراهيم خليل أحمد)القـس إبراهيم فيلـوبـوس سابًقا(‪ :‬محمد في التوراة والنجيل والقرآن ‪ ،‬ص ‪47‬‬
‫‪ 6‬أبو الحسن علي الحسني الندوي ‪ :‬السيرة النبوية‪ ،‬ص ‪467‬‬
‫‪ 7‬هنري ماسيه ‪ :‬ولد عام ‪ ،1886‬عمل مديًرا للمعهد الفرنسي بالقاهرة‪ ،‬وعين أستاًذا في جامعة الجزائر‬
‫)‪ ،(1927-1916‬وعضًوا في المجمع العلمي العربي بدمشق‪ ،‬وانتدبته الحكومة لعديد من المهام الثقافية‬
‫واختارته اليونسكو في لجنة المستشرقين‪.‬من آثاره‪:‬كتاب )السلم( )‪ ،(1957‬ونشر العديد من البحاث‬
‫في المجلت الستشراقية الشهيرة ‪.‬‬
‫‪44‬‬

‫دوا دخلوهم النهائي‬
‫وخرجوا من ظلمات الجهل والفوضى‪ ،‬ليع ّ‬
‫إلى تاريخ المدنية"‪..1‬‬
‫المطلب الرابع ‪:‬النبوة والوحي ‪:‬‬
‫أول ً ‪ :‬شهادة الكتب السماوية السابقة‬
‫لقد أخبرت التوراة والنجيل عن بعثة محمد ‪ ‬بشكل صريح تارة‬
‫وبشكل فيه تلميح تارة أخرى ‪:‬‬
‫ففي بشارة سفر العدد‪ :‬ورد في قصة بلعام بن باعوراء أنه قال‪:‬‬
‫"انظروا كوكبا ً قد ظهر من آل إسماعيل‪ ،‬وعضده سبط من‬
‫العرب‪ ،‬ولظهوره تزلزلت الرض ومن عليها"‪ . .‬قال المهتدي‬
‫السكندراني معلقًا‪" :‬ولم يظهر من نسل إسماعيل إل محمد ‪،‬‬
‫قا إنه كوكب آل إسماعيل‪،‬‬
‫وما تزلزلت الرض إل لظهوره ‪ .‬ح ً‬
‫وهو الذي تغير الكون لمبعثه ‪‬؛فقد حرست السماء من استراق‬
‫السمع‪ ،‬وانطفأت نيران فارس‪ ،‬وسقطت أصنام بابل‪ ،‬ودكت‬
‫عروش الظلم على أيدي أتباعه‪.2".‬‬
‫حرف هذا النص في الطبعات المحدثة إلى‪" :‬يبرز كوكب من‬
‫وقد ُ‬
‫يعقوب‪ ،‬ويقوم قضيب من إسرائيل‪ ،‬فيحطم موآب‪ ،‬ويهلك من‬
‫الوغى"‪.3‬‬
‫هزمت جيوش بني إسرائيل أمام العمالقة‪،‬‬
‫وفي سفر التثنية لما ُ‬
‫توسل موسى إلى الله سبحانه وتعالى مستشفعا ً بمحمد ‪‬قائ ً‬
‫ل‪:‬‬
‫"اذكر عهد إبراهيم الذي وعدته به من نسل إسماعيل أن تنصر‬
‫جيوش المؤمنين‪ ،‬فأجاب الله دعاءه ونصر بني إسرائيل على‬
‫العمالقة ببركات محمد ‪ "‬وقد استبدل هذا النص بالعبارات‬
‫التالية‪" :‬اذكر عبيدك إبراهيم وإسحاق ويعقوب‪ ،‬ول تلتفت إلى‬
‫غلظة هذا الشعب وإثمه وخطيئته" ول يمكن أن يكون هذا‬
‫الدعاء – الذي في النص الول – قد صدر من موسى عليه‬
‫السلم‪ ،‬لنه ينافي كمال التوحيد‪.4‬‬
‫وقال يوحنا في الفصل الخامس عشر من إنجيله ‪ :‬إن المسيح ي‬
‫عليه السلم ي قال‪" :‬إن الفارقليط الذي يرسله أبي باسمي‬
‫يعلمكم كل شيء" وقال – أيضا – في الفصل السادس عشر‪:‬‬
‫"إن الفارقليط لن يجيئكم مالم أذهب‪ ،‬فإذا جاء وبخ العالم على‬
‫‪ 1‬هنري ماسيه ‪ :‬السلم ‪ ،‬ص ‪.55‬‬
‫‪ 2‬انظر‪ :‬محمد بن عبد ال السحيم‪ :‬أعظم إنسان في الكتب السماوية‪ ، .‬فصل ‪ :‬بشارات العهد القديم بمحمد صلى‬
‫ال عليه وسلم‪ ،‬ص ‪ ،21‬وما بعدها‪.‬‬
‫‪ 3‬انظر‪ :‬المصدر السابق‬
‫‪ 4‬انظر‪ :‬المصدر السابق‬
‫‪45‬‬

‫الخطيئة‪ ،‬ول يقول من تلقاء نفسه شيئًا‪ ،‬لكنه يسوسكم بالحق‬
‫‪1‬‬
‫كله‪ ،‬ويخبركم بالحوادث والغيوب"‬
‫ويقول عيسى ي عليه السلم ي في إنجيل برنابا ‪" :‬لن الله‬
‫سيصّعدني من الرض وسيغير منظر الخائن حتى يظنه كل أحد‬
‫إّياي‪ .‬ومع ذلك فإنه حين يموت شر ميتة أمكث أنا في ذلك العار‬
‫زمًنا طويل ً في العالم ولكن متى جاء محمد رسول الله المقدس‬
‫تزال عني هذه الوصمة"‪. 2‬‬
‫هذا‪ ،‬وقد شهد بنبوة محمد ‪ ‬رجالت اليهودية‪ ،‬كأمثال الحبر عبد‬
‫الله بن سلم‪ ،‬ورجلت النصرانية كورقة بن نوفل ‪..‬‬
‫ليكونا حجة على كل يهودي أو نصراني إلى قيام الساعة !‬
‫ثانًيا‪ :‬شهادات علماء الغرب‪:‬‬
‫كما شهد بنبوة محمد ‪‬كبار المفكرين والباحثين الغربيين في‬
‫العصر الحديث ‪ ،‬ونذكر من هذه الشهادات ‪:‬‬
‫‪ -1‬شهادة واشنجتون إيرفنج‬
‫يقول الكاتب المريكي واشنجتون إيرفنج ) ‪ 1859-1783‬م(‪:‬‬
‫"كان محمد ]‪ [‬خاتم النبيين وأعظم الرسل الذين بعثهم الله ؛‬
‫ليدعوا الناس إلى عبادة الله"‪..3‬‬
‫‪ -2‬شهادة مارسيل بوازار‬
‫ويثبت "مارسيل بوازار" نبوة محمد ‪ ‬بإسلوب عقلني وعلمي‬
‫بكلمات بليغة فيقول ‪:‬‬
‫"منذ استقر النبي محمد ]‪ [‬في المدينة‪ ،‬غدت حياته جزًءا ل‬
‫ينفصل من التاريخ السلمي‪ .‬فقد ُنقلت إلينا أفعاله وتصرفاته‬
‫ما شديد الحيوية‪ ،‬فقد أثبت‬
‫منظ ً‬
‫في أدق تفاصيلها‪ ..‬ولما كان ُ‬
‫نضالية في الدفاع عن المجتمع السلمي الجنيني‪ ،‬وفي بث‬
‫الدعوة‪ ..‬وبالرغم من قتاليته ومنافحته‪ ،‬فقد كان يعفو عند‬
‫المقدرة‪ ،‬لكنه لم يكن يلين أو يتسامح مع أعداء الدين‪ .‬ويبدو أن‬
‫مزايا النبي الثلث‪ ،‬الورع والقتالية والعفو عند المقدرة قد طبعت‬
‫سدت المناخ الروحي‬
‫المجتمع السلمي في إبان قيامه وج ّ‬
‫للسلم‪.4 "..‬‬
‫ويضيف قائل ً ‪:‬‬
‫دا عظيمًا ملء قلبه الرأفة‪،‬‬
‫" وكما يظهر التاريخ محمدًا ]‪ [‬قائ ً‬
‫حا قوي الشكيمة له سياسته‬
‫يصوره كذلك رجل دولة صري ً‬
‫‪ 1‬انظر‪ :‬المصدر السابق‬
‫‪ 2‬إنجيل برنابا ‪( 16 - 112 :80)،‬‬
‫‪ 3‬واشنجتون إيرفنج ‪ :‬حياة محمد ‪ ،‬ص ‪. 72‬‬
‫‪ 4‬مارسيل بوازار‪ :‬إنسانية السلم ‪ ،‬ص ‪46‬‬
‫‪46‬‬

‫الحكيمة التي تتعامل مع الجميع على قدم المساواة وتعطي كل‬
‫صاحب حق حقه‪ .‬ولقد استطاع بدبلوماسيته ونزاهته أن ينتزع‬
‫العتراف بالجماعة السلمية عن طريق المعاهدات في الوقت‬
‫الذي كان النصر العسكري قد بدأ يحالفه‪ .‬وإذا تذكرنا أخيًرا على‬
‫الصعيد النفساني هشاشة السلطان الذي كان يتمتع به زعيم من‬
‫زعماء العرب‪ ،‬والفضائل التي كان أفراد المجتمع يطالبونه‬
‫بالتحلي بها‪ ،‬استطعنا أن نستخلص أنه لبد ّ أن يكون محمد ]‪[‬‬
‫الذي عرف كيف ينتزع رضا أوسع الجماهير به إنساًنا فوق‬
‫قا‪ ،‬وأنه لبد أن يكون نبًيا حقيقًيا من أنبياء الله !‬
‫مستوى البشر ح ً‬
‫! "‪. 1‬‬
‫‪-3‬شهادة إميل درمنغم‪:‬‬
‫أما إميل درمنغم‪ 2‬فيدلل على نبوة محمد ‪ ،‬من خلل حادث‬
‫وفاة ابراهيم ابن رسول الله‪ ،‬فيقول ‪:‬‬
‫"‪ ..‬ولد لمحمد ]‪]،[‬من مارية القبطية[ ابنه إبراهيم فمات‬
‫طف ً‬
‫حده بيده وبكاه‪ ،‬ووافق موته‬
‫ل‪ ،‬فحزن عليه ]‪[‬كثيًرا ول ّ‬
‫كسوف الشمس‪ ،‬فقال المسلمون‪ :‬إنها انكسفت لموته‪ ،‬ولكن‬
‫دا ]‪[‬كان من سموّ النفس ما رأى به رد ّ ذلك فقال‪" :‬إن‬
‫محم ً‬
‫الشمس والقمر آيتان من آيات الله ل يخسفان لموت أحد‪."..‬‬
‫فقول مثل هذا مما ل يصدر عن كاذب دجال‪.3"..‬‬
‫‪ -4‬شهادة ليتنر ‪:‬‬
‫يقول ليتنر‪: 4‬‬
‫ي اليهود والنصارى أقول بأن ما علمه‬
‫" بقدر ما أعرف من دين ْ‬
‫سا بل قد أوحي إليه به ول ريب بذلك طالما‬
‫محمد]‪[‬ليس اقتبا ً‬
‫نؤمن بأنه قد جاءنا وحي من لدن عزيز عليم‪ .‬وإني بكل احترام‬
‫وخشوع أقول‪ :‬إذا كان تضحية الصالح الذاتي‪ ،‬وأمانة المقصد‪،‬‬
‫وإيمان القلب الثابت‪ ،‬والنظر الصادق الثاقب بدقائق وخفايا‬
‫الخطيئة والضلل‪ ،‬واستعمال أحسن الوسائط لزالتها‪ ،‬فذلك من‬
‫العلمات الظاهرة الدالة على نبوة محمد ]‪ [‬وأنه قد أوحي‬
‫إليه"‪. 5‬‬
‫‪ -5‬شهادة لورافيشيا فاغليري ‪:‬‬
‫‪ 1‬مارسيل بوازار‪ :‬إنسانية السلم ‪ ،‬ص ‪46‬‬
‫‪ 2‬إميل درمنغم مستشرق فرنسي ‪ ،‬من آثاره ‪ ) :‬حياة محمد( )باريس ‪ (1929‬وهو من أدق ما صنفه مستشرق عن‬
‫النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬و ) محمد والسنة السلمية ( )باريس ‪.(1955‬‬
‫‪ 3‬إميل درمنغم ‪:‬حياة محمد ‪ ،‬ص ‪318‬‬
‫‪ 4‬ليتنر ‪ :‬باحث إنكليزي‪ ،‬حصل على أكثر من شهادة دكتوراه في الشريعة والفلسفة واللهوت‪ ،‬وزار الستانة‬
‫عام ‪ ،1854‬كما طوف بعدد من البلد السلمية والتقى برجالتها وعلمائها‬
‫‪ 5‬ليتنر ‪ :‬دين السلم ‪ ،‬ص ‪. 5 ، 4‬‬
‫‪47‬‬

‫أما الكاتبة اليطالية لورافيشيا فاغليري‪ 1‬فتقول ‪:‬‬
‫"حاول أقوى أعداء السلم‪ ،‬وقد أعماهم الحقد‪ ،‬أن يرموا نبي‬
‫دا ]‪ [‬كان‬
‫الله ]‪ [‬ببعض التهم المفتراة‪ .‬لقد نسوا أن محم ً‬
‫قبل أن يستهل رسالته‪ ،‬موضع الجلل العظيم من مواطنيه‬
‫بسبب أمانته وطهارة حياته‪ .‬ومن العجب أن هؤلء الناس ل‬
‫يجشمون أنفسهم عناء التساؤل؛ كيف جاز أن يقوى محمد ]‪[‬‬
‫على تهديد الكاذبين والمرائين‪ ،‬في بعض آيات القرآن اللسعة‬
‫بنار الجحيم البدية‪ ،‬لو كان هو قبل ذلك رجل ً كاذًبا ؟ كيف جرؤ‬
‫على التبشير‪ ،‬على الرغم من إهانات مواطنيه‪ ،‬إذا لم يكن ثمة‬
‫قوى داخلية تحثه‪ -‬وهو الرجل ذو الفطرة البسيطة ‪-‬حًثا‬
‫سا ؟ كيف‬
‫موصول ً ؟ كيف استطاع أن يستهل صرا ً‬
‫عا كان يبدو يائ ً‬
‫وفق إلى أن يواصل هذا الصراع أكثر من عشر سنوات‪ ،‬في‬
‫دا ‪ ،‬وفي أحزان ل تحصى‪ ،‬إذا لم يكن‬
‫مكة‪ ،‬في نجاح قليل ج ً‬
‫قا بصدق رسالته ؟ كيف جاز أن يؤمن به هذا‬
‫مؤمًنا إيماًنا عمي ً‬
‫العدد الكبير من المسلمين النبلء والذكياء‪ ،‬وأن يؤازروه‪،‬‬
‫ويدخلوا في الدين الجديد ويشدوا أنفسهم بالتالي إلى مجتمع‬
‫مؤلف في كثرته من الرقاء‪ ،‬والعتقاء‪ ،‬والفقراء المعدمين إذا لم‬
‫يلمسوا في كلمته حرارة الصدق ؟ ولسنا في حاجة إلى أن نقول‬
‫أكثر من ذلك‪ ،‬فحتى بين الغربيين يكاد ينعقد الجماع على أن‬
‫دا"‪..2‬‬
‫صدق محمد]‪[‬كان عمي ً‬
‫قا وأكي ً‬
‫‪ -6‬شهادة روم لندو ‪:‬‬
‫ويكشف المفكر البريطاني روم لندو زيف المكذبين لنبوة محمد‬
‫‪ ‬بقوله ‪:‬‬
‫"كانت مهمة محمد ]‪ [‬هائلة ! كانت مهمة ليس في ميسور‬
‫دجال تحدوه دوافع أنانية‪ ،‬وهو الوصف الذي رمى به بعض‬
‫الكتاب الغربيين المبكرين محمد العربي]‪ ... [‬إن الخلص‬
‫الذي ت ّ‬
‫كشف عنه محمد]‪[‬في أداء رسالته‪ ،‬وما كان لتباعه من‬
‫إيمان كامل في ما ُأنزل عليه من وحي‪ ،‬واختبار الجيال‬
‫ي‬
‫والقرون‪ ،‬كل أولئك يجعل من غير المعقول اتهام محمد ]‪ [‬بأ ّ‬
‫ضرب من الخداع المتعمد‪ .‬ولم يعرف التاريخ قط أي تلفيق‬
‫)ديني( متعمد استطاع أن يعمر طوي ً‬
‫ل‪ .‬والسلم لم يعمر حتى‬
‫الن ما ينوف على ألف وثلثمائة سنة وحسب‪ ،‬بل إنه ل يزال‬
‫دا‪ .‬وصفحات التاريخ ل تقدم إلينا‬
‫يكتسب‪ ،‬في كل عام أتبا ً‬
‫عا جد ً‬
‫‪ 1‬لورا فيشيا فاغليري ‪ :‬باحثة إيطالية في التاريخ السلمي واللغة العربية‪.‬من آثارها‪) :‬قواعد العربية( )‪،(1937‬‬
‫و)السلم( )‪ ،(1946‬و)دفاع عن السلم( )‪.(19529‬‬
‫‪ 2‬لورافيشيا فاغليري ‪ :‬دفاع عن السلم ‪ ،‬ص ‪.38 ،37‬‬
‫‪48‬‬

‫دا على محتال كان لرسالته الفضل في خلق إمبراطورية‬
‫مثل ً واح ً‬
‫‪1‬‬
‫من إمبراطوريات العالم وحضارة من أكثر الحضارات نبل ً !" ‪.‬‬
‫المطلب الخامس ‪ :‬لمحة مختصرة عن سيرة محمد ‪:‬‬
‫أول ً ‪ :‬أول ما نزل عليه ‪:‬‬
‫كان أول ما ُبدئ به رسول الله ‪ ‬من أمر النبوة الرؤيا الصادقة‬
‫واستمر ذلك ستة أشهر‪ ،‬ثم أكرمه الله تعالى بالنبوة‪ ،‬فجاءه‬
‫الملك جبريل – عله السلم ‪ -‬وهو في خلوته بغار حراء‪ ،‬وقرأ‬
‫ْ‬
‫سم ِ َرب ّ َ‬
‫ذي‬
‫ك ال ّ ِ‬
‫عليه النصف الول من سور العلق ‪  :‬اقَْرأ ِبا ْ‬
‫من ع َل َق)‪ (2‬اقْرأ ْ ورب ّ َ َ‬
‫ذي‬
‫ق)‪َ (1‬‬
‫َ‬
‫م)‪ (3‬ال ّ ِ‬
‫سا َ‬
‫ك اْلك َْر ُ‬
‫لن َ‬
‫خل َ َ‬
‫َ ََ‬
‫ن ِ ْ‬
‫خل َقَ ا ْ ِ‬
‫ٍ‬
‫م ِبال ْ َ َ‬
‫م)‪.(5‬‬
‫سا َ‬
‫لن َ‬
‫م ي َعْل َ ْ‬
‫ما ل َ ْ‬
‫ن َ‬
‫م)‪ (4‬ع َل ّ َ‬
‫ع َل ّ َ‬
‫ماِْ‬
‫قل ِ‬
‫يقول المفكر البلجيكي جورج سارتون‪ :‬و" صدع محمد ]‪[‬‬
‫بالدعوة نحو عام ‪610‬م وعمره يوم ذاك أربعون سنة‪ ...‬مثل‬
‫إخوانه النبياء السابقين ]عليهم السلم[‪. 2"..‬‬
‫ثانًيا‪ :‬إسلم العالم والكاتب النصراني ورقة بن نوفل ‪:‬‬
‫فبعدما استمع للنصف الول من سورة اقرأ من فم رسول الله‬
‫‪:‬‬
‫ً‬
‫قال ورقة فورا ‪" :‬هذا الناموس الذي نزل الله به على موسى‪ ،‬يا‬
‫ليتني فيها جذع‪ ،‬ليتني أكون حيا ً إذ يخرجك قومك" ‪ ،‬فقال النبي‬
‫‪" :‬أومخرجي هم؟"‪ .‬قال‪ :‬نعم‪ ،‬لم يأت رجل قط بمثل ما جئت‬
‫به إل عودي‪ ،‬وإن يدركني يومك أنصرك نصًرا مؤزًرا‪ ،3‬وأسلم‬
‫جل التاريخ أن أول رجل يصد ّقُ محمدا ً ويعتنق دينه هو‬
‫ورقة‪ ،‬ليس ّ‬
‫م نصراني‪.‬‬
‫عال ٌ‬
‫ثاًلثا‪:‬أول من أسلم ‪:‬‬
‫أمر الله رسوله ‪ ‬بتبليغ الدعوة سرا ً لمدة ثلث سنين‪ ،‬فدعا‬
‫قومه إلى السلم‪ ،‬فحاز قصب السبق صديقه ووزيره أبو بكر‪،‬‬
‫وزوجته خديجة‪ ،‬وابن عمه علي بن أبي طالب‪ ،‬وخادمه زيد من‬
‫حارثه‪.‬‬
‫وهؤلء نواة السلم‪ ،‬ومنهم انبثق الدين السلمي‪ ،‬وانتشر في‬
‫الناس‪ ،‬وعم نوره في البقاع‪.‬‬
‫يقول رالف لنتون ‪ :‬و" اجتذب الوحي الذي نزل على محمد ]‪[‬‬
‫عددا ً من التباع‪ ،‬وبدأ ينتشر بين الناس‪. 4"..‬‬
‫عا‪ :‬إيذاء المسلمين ‪:‬‬
‫راب ً‬
‫‪ 1‬انظر‪ :‬أرنولد توينبي ‪ :‬السلم والعرب والمستقبل‪،‬ص ‪.34 ،33‬‬
‫‪ 2‬جورج سارتون ‪ :‬الثقافة الغربية في رعاية الشرق الوسط ‪ ،‬ص ‪30،31 ،29‬‬
‫‪ 3‬صحيح – رواه البخاري‪ ،‬بدء الوحي‪ ،‬باب‪ :‬كيف كان بدء الوحي إلى رسول ال‪ -‬صلى ال عليه وسلم‪ ،‬برقم ‪3‬‬
‫‪ 4‬رالف لنتون ‪ :‬شجرة الحضارة‪.1/341 ،‬‬
‫‪49‬‬

‫د‪ ،‬وكثر أتباع محمد‬
‫س في دين الله واحدا ً بعد واح ٍ‬
‫لما دخل النا ّ ُ‬
‫‪ ‬فحينئذ ناصبه الوثنيون العداوة‪ ،‬فحمى الله رسوله ‪‬بعمه‬
‫فا معظما ً في قومه‪ ..‬وأما أصحابه فمن‬
‫أبي طالب‪ ،‬لنه كان شري ً‬
‫ب عليهم‬
‫ص ّ‬
‫كان له عشيرة تحميه امتنع بعشيرته‪ ،‬وسائرهم َ‬
‫المشركون العذاب صب ًّا‪ ،‬وفتنوهم عن دينهم فتونًا‪ ،‬منهم بلل بن‬
‫رباح العبد الثيوبي وعمار بن ياسر‪ ،‬وأمه سمية وأهل بيته الذين‬
‫عُ ّ‬
‫ذبوا في الله عذابا ً شديدًا‪ ،‬حتى قضى ياسر نحبه‪ ،‬ومّر أبو جهل‬
‫بسمية ‪ -‬أم عمار ‪ -‬وهي ُتعذب‪ ،‬فطعنها بحربة في فرجها فقتلها‪.‬‬
‫كما قام صناديد قريش بتعذيب العديد من النساء اللئي أسلمن‪،1‬‬
‫وضربن أروع المثلة في الثبات والصبر والعتزاز بدعوة السلم‪،‬‬
‫مة رومية قد أسلمت فُعذبت في الله ‪،‬‬
‫وكانت من بينهن زِّنيَرة ُ – أ َ‬
‫وُأصيبت في بصرها حتى عميت‪ ، -‬وأسلمت جارية عمر بن مؤمل‬
‫من بني عدى‪ ،‬فكان عمر بن الخطاب يعذبها ي وهو يومئذ على‬
‫عيذبن أيضا ً ‪:‬‬
‫الشرك ي فكان يضربها حتى يفتر ‪ ،‬وممين أسلمين و ُ‬
‫‪ .‬أم ع ُب َْيس والنهدية وابنتها‬
‫سا‪ :‬الهجرة إلى الحبشة وإسلم ملك نصارى‬
‫خام ً‬
‫الحبشة‪:‬‬
‫‪2‬‬
‫ويتحدث العلمة آتيييين دينيه ‪ ،‬عيين مأسيياة المسييلمين فييي هييذه‬
‫الفترة‪ ،‬قائ ً‬
‫ل‪:‬‬
‫" وامتلت نفس محمد ]‪ [‬حزنا ً ‪ ،‬أمام هذه المآسي التي كان‬
‫يتحملها ضعاف المسلمين الذين ل يجدون من يحميهم ‪ .‬حقا ً إن‬
‫شجاعة المعذبين والشهداء في سبيل الله برهنت على إسلمهم‬
‫العميق ‪ ،‬ولكنه رأى أن من الخير أل يستمر هذا البلء ‪ ،‬فنصح‬
‫الضعفاء ومن لم تدعهم الضرورة إلى البقاء في مكة بالهجرة‬
‫إلى الحبشة حيث المسيحيون ‪ ،‬وحيث التسامح والعدل اللذان‬
‫اشتهر بهما ملكها النجاشي"‪. 3‬‬
‫وهو ملك نصراني صالح‪ ،‬ل ُيظلم عنده أحد‪ .‬فأقام المهاجرون‬
‫عند النجاشي على أحسن حال‪ ،‬فبلغ ذلك قريشا ً فأرسلوا وفدًا‪،‬‬
‫ليكيدوهم عند النجاشي‪،‬وليخرجهم النجاشي خارج أرضه إلى‬
‫المشركين فرجعوا خائبين‪ .‬وأسلم النجاشي على يد رئيس الوفد‬
‫السلمي الصحابي الجليل جعفر بن أبي طالب‪ ،‬بعدما قرأ على‬
‫النجاشي آيات بينات من سورة مريم‪ .‬وظ ّ‬
‫ل المهاجرون عند‬
‫‪ 1‬انظر‪ :‬صفي الرحمن المباركفوري‪ :‬الرحيق المختوم‪ ،‬ص ‪71‬‬
‫‪ 2‬باحث فرنسي ‪ ،‬أشهر إسلمه عام ‪1927‬م وتسمى بناصر الدين‪ ،‬وكان شديد الهجوم على المستشرقين المعادين‬
‫للسلم‪ ،‬ومن آثاره ‪" :‬الشرق كما يراه الغرب"‪ ،‬و" أشعة خاصة بنور السلم"‪ ،‬و " محمد رسول ال "‪.‬‬
‫‪ 3‬آتيين دينيه ‪ :‬محمد رسول ال ‪ ،‬ص ‪145‬‬
‫‪50‬‬

‫النجاشي ينشر عليهم ظله وحمايته حتى رجعوا إلى المدينة‬
‫المنورة سنة سبع للهجرة‪.‬‬
‫سا‪ :‬الحصار وعام الحزن‪:‬‬
‫ساد ً‬
‫اشتد أذى المشركين لرسول الله ‪ ،‬فحصروه وأهل بيته في‬
‫شعب )وهو مكان بين جبلين في مكة يشبه السجن المفتوح (‬
‫ِ‬
‫سجن النبي ‪ ‬مدة ثلث سنين‪ ،‬حتى‬
‫ُ‬
‫عرف بشعب أبي طالب‪ ،‬و ُ‬
‫سمع أصوات صبيانهم بالبكاء من وراء‬
‫بلغهم الجوع و الجهد و ُ‬
‫شعب‪ ،‬و بدأ حبس محمد ‪ ‬وأصحابه في هلل المحرم سنة‬
‫ال ِ‬
‫سبع من البعثة وخرج من الحصار وله تسع وأربعون سنة‪ ،‬وبعد‬
‫ذلك بأشهر مات عمه أبو طالب‪ ،‬ثم ماتت خديجة بعد ذلك‬
‫بيسير‪ ،‬فاشتد أذى الكفار له‪ ،‬وتطاولوا عليه‪.‬‬
‫وفي شوال سنة عشر من النبوة ) في أواخر مايو أو أوائل يونيو‬
‫سنة ‪ 619‬م( خرج إلى الطائف هو وزيد بن حارثة يدعو إلى الله‬
‫تعالى وأقام به أيامًا‪ ،‬فلم يجيبوه وآذوه وأخرجوه ورجموه‬
‫بالحجارة حتى أدموا قدميه‪ ،‬وكان أشد يوم في حياته ‪..‬‬
‫وفي ذي القعدة سنة عشر من النبوة ) في آواخر يونيو أو أوائل‬
‫يوليو سنة ‪619‬م ( عاد رسول الله‪ ‬ليستأنف الدعوة السلمية‬
‫مرة أخرى في مكة ‪.‬‬
‫عا‪ :‬دعوة القبائل ولقاء النصار‪:‬‬
‫ساب ً‬
‫أقام النبي ‪ ‬بمكة يدعو القبائل إلى الله تعالى‪ ،‬ويعرض نفسه‬
‫يبلغ رسالة ربه ولهم‬
‫عليهم في مواسم الحج‪ ،‬وأن يؤووه حتى ّ‬
‫الجنة ليس غير‪ ،‬فلم تستجب له قبيلة واحدة‪ ،‬فلما رأى النصار‬
‫رسول الله ‪ ، ‬وتأملوا أحواله‪ ،‬وقد سمعوا عنه من أهل الكتاب‪،‬‬
‫قال بعضهم لبعض‪" :‬يا قوم ! تعلمون والله ! إنه للنبى الذى‬
‫توعدكم به يهود فل يسبقنكم إليه ! "‪ .1‬وكان اليهود ينتظرون‬
‫مبعثه ‪ ،‬ويحذرون قبائل يثرب من اقتراب موعد نبي ‪..‬‬
‫ثامًنا‪ :‬الهجرة إلى المدينة المنورة ‪:‬‬
‫وبايع رسول الله ‪ ‬وفد النصار‪ ،‬ووعدوه أن ينصروه ويمنعييوه –‬
‫في المدينة المنورة ‪ -‬حييتى يّبلييغ رسييالة السييلم‪ ،‬وميين ثييم أميير‬
‫رسول الله ‪ ‬أصحابه بالهجرة ‪..‬‬
‫يقول الباحث النكليزي جان باغوت غلوب ‪:‬‬
‫"ولم تنقض سبعة أسابيع أو ثمانية حتى كان جميع المسلمين قد‬
‫هاجروا من مكة باستثناء النبي]‪[‬نفسه وابن عمه علي بين أبييى‬
‫طالب وولده بالتبني زيد بن حارثة ورفيقه المين أبو بكر الصديق‬
‫‪ 1‬ابن سيد الناس‪ :‬عيون الثر ‪ ،205 /1‬وابن كثير ‪ :‬السيرة النبوية ‪ ،2/176‬وابن القيم ‪ :‬زاد المعاد ‪3/38‬‬
‫‪51‬‬

‫‪ ...‬وجدير بنا أن نعترف هنا بأن محمدا ً ]‪ [‬أبدى جرأة منقطعيية‬
‫النظير ببقائه في مكة حيث لم يعد يحظى بحماية عمه أبو طالب‬
‫كييبير بنييي هاشيم ‪.‬وأدركييت قرييش خطييورة ميا وقييع مين تطيور‬
‫وهييالهم أن المسييلمين أخييذوا يقيمييون الن فييي يييثرب مجتمع يا ً‬
‫متلحم الوشائج خارجا ً على نفوذهم وبعيييدا ً عيين متنيياول أيييديهم‪،‬‬
‫وأنهييم شييرعوا يكسييبون أنصييارا ً إلييى جييانبهم ميين أبنيياء القبييائل‬
‫الخرى الذين قد يتحولون إلى معاداة قريش ‪ .‬واجتمع كبار القوم‬
‫في دار النييدوة يتشيياورون فييي أميير محمييد]‪[‬ورأى بعضييهم أن‬
‫محمدا ً ]‪[‬هو سبب كل ما يواجهونه من متاعب‪ ،‬وأن من الخييير‬
‫لهم لو تخلصوا منه في أسرع وقييت ممكيين قبييل أن يتمكيين ميين‬
‫اللحاق بأصحابه في يثرب]المدينة المنورة[ "‪. 1‬‬
‫وبالفعل حاول صناديد قريش – كما يقول رالف لنتون " ممن‬
‫كانوا يكرهون عائلة محمد]‪ ،[‬ورأوا في تعاليمه ما يهدد‬
‫مصالحهم‪ ،‬حاولت أن تغتاله؛ ولكنها لم تنجح في محاولتها‪ .‬وهاجر‬
‫محمد ]‪[‬والجماعة المخلصة القليلة من أتباعه إلى المدينة يوم‬
‫‪ 16‬يوليه ‪622‬م وهو تاريخ هام يجب أن ل ننساه لنه عام‬
‫الهجرة الذي يؤرخ به جميع المسلمين حتى الن"‪.. 2‬‬
‫وهناك في المدينة المنورة جمع الله علي محمد‪ ‬أهل يثرب‬
‫من قبيلتي الوس والخزرج أخوة ً متحابين بعد قتال مرير وعداوة‬
‫وقعت بينهم بسبب قتيل‪ ،‬فلبثت بينهم الحروب والصراعات مائة‬
‫وعشرين سنة إلى أن أطفأها الله بمحمد ‪ ،‬وألف بينهم؛ حتى‬
‫صاروا أمة واحدة‪ ،‬ودولة واحدة‪ ،‬ولكن المشركين ازداد حنقهم‬
‫على السلم وأهله‪ ،‬لسيما بعد هذا التقدم الهائل لدعوة السلم‪،‬‬
‫وقيام دولة للمسلمين‪ ،‬فشن المشركون المكيون على رسول‬
‫الله ‪ ‬سلسلة من الحروب المتتابعة‪ ،‬ومن ثم أذن الله‬
‫للمسلمين بالقتال للدفاع عن دينهم وأنفسهم ودولتهم الناشئة‪..‬‬
‫التي يحاول الوثنيون القضاء عليها في مهدها‪ .‬فشنوا على‬
‫المسلمين حروبًا‪ ،‬كمعركة بدر )‪ 17‬رمضان ‪2‬هي‪13/‬مارس‬
‫‪624‬م(‪ ،‬ومعركة ُأحد ) شوال ‪3‬هي‪/‬إبريل ‪ 624‬م(‪ ،‬ومعركة‬
‫الحزاب ) شوال ‪ 5‬هي\ مارس ‪627‬م( ‪..‬‬
‫ولقد بلغ عدد الغزوات التي قادها النبي ‪  28‬غزوة‪ ،‬منها ‪9‬‬
‫غزوات دار فيها القتال بين الطرفين‪ ،‬والباقي لم يحدث فيها‬
‫‪ 1‬جان باغوت غلوب ‪ :‬الفتوحات العربية الكبرى ‪ ،‬ص‪. 81-80‬‬
‫‪ 2‬رالف لنتون ‪ :‬شجرة الحضارة‪.1/341 ،‬‬
‫‪52‬‬

‫قتال‪ ،‬واستمرت هذه الغزوات من العام الثاني للهجرة حيث‬
‫دان ) البواء ( ) صفر ‪2‬هي ‪ -‬أغسطس ‪ 623‬م(‪.‬وحتى‬
‫غزوة و ّ‬
‫العام التاسع حيث غزوة تبوك )رجب ‪ 9‬هي ‪ /‬أكتوبر ‪630‬م( ‪.‬‬
‫قا على هذه المعارك ‪: -‬‬
‫يقول المؤرخ لويس سيديو‪ - 1‬معل ً‬
‫" فدفع الله شرهم ‪ ،‬وهو أولى أن يحفظ نبيه ]‪[‬القائم بالدعوة‬
‫له ‪ ،‬وأحق أن يجعل كيدهم في نحورهم وما زال آخذا ً بيمينه‪،‬‬
‫حتى غنى له الزمن ‪ ،‬وصفق له الدهر"‪. 2‬‬
‫وعقب هجرة النبي ‪ ‬أسلم عدد من خيار علماء اليهود في‬
‫دقوا بمحمد ٍ ‪ ‬واتبعوه بعد أن عرفوه بنعته الوارد في‬
‫المدينة‪ ،‬ص ّ‬
‫كتبهم‪ ،‬منهم الحبر اليهودي العلمة‪ :‬عبد الله بن سلم – رضوان‬
‫الله تعالى عليه ‪. -‬‬
‫عا‪ :‬الفتح وانتشار الدعوة‪:‬‬
‫تاس ً‬
‫واستطاع النبي ‪ ‬بعد حوالي ‪ 19‬سنة – كلها معاناة وإيذاء من‬
‫مي صلح الحديبية في‬
‫المشركين ‪ -‬أن ينتزع من قريش صلحا ً س ّ‬
‫شهر ذي القعدة سنة ست من الهجرة )في مارس ‪ 628‬م( ‪،‬‬
‫ليتفرغ للدعوة ونشر الرسالة‪ ،‬فبعث رسل ً سفراء من أصحابه‪،‬‬
‫وكتب معهم كتبا ً إلى الزعماء والملوك‪ ،‬يدعوهم فيها إلى‬
‫السلم‪ ،‬في رسائل وخطابات رفيعة المستوى‪ ،‬سامقة الذوق ‪..‬‬
‫ونجح النبي ‪ ‬في دعوته على نطاق واسع ‪ ،‬وانتشر السلم في‬
‫الجزيرة العربية كالنار في الهشيم‪ ،‬وزالت الجاهلية بتقاليدها‬
‫المتخلفة‪ ،‬وعقائدها الفاسدة ‪..‬‬
‫وفتح رسول الله خيبر معقل الدس والمؤمرات في المحرم سنة‬
‫‪ 7‬هي ) مايو ‪.(628‬‬
‫ثم فتح مكة في رمضان ‪8‬هي) يناير ‪ 630‬م( اثر نقض قريش‬
‫للعهد‪ ،‬وأصدر عفوا ً عاما ً عنهم ‪ ..‬وأعلن الرسول ‪ ‬المان العام‬
‫لكل الناس‪ ،‬فل طوارىء ول تعسف ‪ ،‬فقال ‪" : ‬من دخل دار‬
‫أبى سفيان فهو آمن ! ومن أغلق بابه عليه فهو آمن! ومن دخل‬
‫المسجد فهو آمن !"‪ .3‬وعهد إلى أمرائه من المسلمين حين‬
‫أمرهم بدخول مكة أن ل يقاتلوا إل من قاتلهم‪..4‬‬

‫‪ 1‬لويس سيديو ) ‪ :( 1876 – 1808‬مستشرق فرنسي‪ .‬ولد وتوفي بباريس‪ .‬كان أبوه )جان جاك إمانويل سيديو‪،‬‬
‫المتوفي سنة ‪ (1832‬فلكيًا من المستشرقين أيضًا‪ .‬وتخّرج بكلية هنري الرابع‪ ،‬وعين مدرسًا للتاريخ في كلية‬
‫»بوربون« سنة ‪ . 1823‬وهو صاحب كتاب »‪ « Histire des Arabes‬أّلفه بالفرنسية‪ ،‬وأشرف علي مبارك‬
‫ضا‪ » :‬جامع‬
‫ى العربية‪ ،‬وسماه »خلصة تاريخ العرب العام « ومن آثار »سيديو« أي ً‬
‫ى ترجمته إل َ‬
‫باشا عل َ‬
‫للت الفلكية« ‪.‬‬
‫المبادىء والغايات في ا َ‬
‫‪ 2‬لويس سيديو ‪ :‬خلصة تاريخ العرب ص ‪54‬‬
‫‪ 3‬ابن سيد الناس ‪:‬عيون الثر ‪188 / 2 ،‬‬
‫‪ 4‬ابن سيد الناس ‪:‬عيون الثر‪194 / 2 :‬‬
‫‪53‬‬

‫" فما إن ُأقر السلم؛ حتى انتشر السلم في كل ناحية‪ ،‬بخطى‬
‫واسعة‪ ،‬ل‪ !..‬لقد بدا وكأن قوة غير منظورة كانت تعمل على‬
‫إدخال الناس في دين الله أفواجا ً بعد أفواج "‪..1‬‬
‫حطمت الصنام‪ ،‬وسقطت رموز الوثنية‪ ،‬وتوحدت الشعوب‬
‫و ُ‬
‫والقبائل المتناحرة‪ ،‬وخرج العربي من عبادة العباد إلى عبادة‬
‫الخالق رب العباد‪ ،‬وألغيت الطبقيات والعصبيات والنعرات‬
‫الجاهلية ‪ ،‬وانتشر العدل والسلم والمن ‪...‬‬
‫وأصبحت دولة السلم مهيبة قوية أمام قوى الفرس والرومان ‪..‬‬
‫ولما اعتدى عامل الرومان شرحبيل بن عمرو الغساني وَقتل‬
‫سفير النبي ‪ ‬الصحابي السفير‪ /‬الحارث بن عمير الزدي‪ ،‬عندما‬
‫أرسله النبي‪ ‬برسالة دعوية إلى عظيم بصرى في الشام‪ ،‬إذا‬
‫بالنبي‪ ‬يعلن التعبئة العامة‪ ،‬ويغزو حدود الرومان الجنوبية‪ ،‬في‬
‫سرية مؤتة) جمادى الولى ‪8‬هي‪ /‬سبتمبر ‪ 629‬م (‪ ،‬وغزوة تبوك‬
‫)رجب ‪ 9‬هي ‪ /‬أكتوبر ‪ (630‬التي ملئت قلب النظام الروماني‬
‫بالفزع والهلع‪ ،‬من هذا القطب الدولي الثالث الناشىء المتمثل‬
‫في دولة السلم‪..‬‬
‫عاشًرا‪ :‬حجة الوداع‪ ،‬ووفاة النبي‬
‫بعد أن نجح النبي ‪ ‬في دعوته‪ ،‬وقويت دولة السلم‪ ،‬واستتب‬
‫المن في الجزيرة العربية‪ ،‬ودخل الناس في السلم أفواجًا‪،‬‬
‫وشاء الّله أن يري رسوله ‪ ‬ثمار دعوته‪ ،‬التي عانى في سبيلها‬
‫ثلثة وعشرين عامًا‪ ،‬حافلة بالجهد والعمل والبلء ‪ ،‬وأحس رسول‬
‫الله ‪ ‬بدنو أجله‪ ،‬ولذلك قصد نبي الله ‪ ‬الحج‪ ،‬ليجتمع بالمة ‪،‬‬
‫فيأخذوا منه أصول السلم وكلياته‪ ،‬ويأخذ منهم الشهادة على أنه‬
‫أدى المانة‪ ،‬وبلغ الرسالة ‪.‬‬
‫وفي اليوم التاسع من ذي الحجة )يوم عرفة ( في العام العاشر‬
‫من الهجرة )‪6‬مارس ‪ 632‬م( وقد اجتمع حوله مئة ألف وأربعة‬
‫وأربعون ألفا ً من الناس‪ ،‬فقام فيهم خطيبًا‪ ،‬وألقى خطبة بلغية‬
‫ن عام ٍ لحقوق النسان عرفته البشرية‪،‬‬
‫جامعة تضمنت أول إعل ٍ‬
‫أعلن فيها الخاء والمساواة والعدالة وحرمة الدماء والموال‬
‫وحقوق المرأة‪ ،‬ووضع تقاليد الجاهلية الفاسدة‪ ،‬فألغى دماء‬
‫الجاهلية‪ ،‬والمعاملت الربوية والنعرات الجاهلية‪.‬‬
‫وأهدى للبشرية أعظم وأحكم وأجمل شريعة في التاريخ‪ ،‬تلك‬
‫الشريعة التي تحدث عنها العلمة"شبرل"‪ - 2‬مبدًيا فخره‬
‫واعتزازه بالنبي محمد‪ - ‬قائ ً‬
‫ل‪:‬‬
‫‪ 1‬مولنا محمد علي ‪ :‬حياة محمد وسيرته ‪ :‬ص ‪221‬‬
‫‪ 2‬عميد كلية الحقوق بجامعة "فيينا"‪،‬وقال هذه الجملة في مؤتمر الحقوق سنة ‪1927‬‬
‫‪54‬‬

‫" إن البشرية لتفتخر بانتساب رجل كمحمد]‪[‬إليها ‪ ،‬إذ رغم‬
‫أميته استطاع قبل بضعة عشر قرنًا؛ أن يأتي بتشريع سنكون‬
‫نحن الوربيين أسعد ما نكون ؛ لو وصلنا إلى قمته بعد ألفي سنة‬
‫"‪. 1‬‬
‫وعاد رسول الله ‪ ‬إلى المدينة‪ ،‬وسرعان ما أحس بالمرض‬
‫ودنو الجل‪.‬‬
‫وُتوفي رسول الله ‪ ‬يوم الثنين الثاني عشر من شهر ربيع‬
‫الول عام ‪11‬هي)‪6‬يونيو ‪(632‬وخلفه في حكم الدولة وزيره‬
‫وصديقه الجليل أبو بكر الصديق‪ ،‬ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان‬
‫بن عفان ثم علي بن أبي طالب – رضي الله عنهم جميعا ً –‪.‬‬
‫هذه لمحة سريعة جدا ً من سيرة صاحب المعالي محمد ‪ ،‬وهي‬
‫غيض من فيض‪ ،‬كان ل بد ّ منها بين يدي الدراسة‪ ،‬ولتكون تميهدا ً‬
‫للحديث عن صفات النبي وشمائله وأخلقه وخصائصه الدالة على‬
‫الرحمة‪.‬‬
‫المبحث الثاني‬
‫مة للعالمين في أدبيات الغرب‬
‫محمد ‪َ ‬ر ْ‬
‫ح َ‬
‫المطلب الول‪:‬شهادة إنجيل برنابا‪:‬‬
‫شهدت أدبيات الغرب وأشادت برحمة محمد ‪ ‬للبشر‪ ،‬ويأتي‬
‫على رأس هذه الدبيات إنجيل برنابا الذي بشر برحمة محمد ‪‬‬
‫التي ينالها العالم عند قدومه من أرض الجنوب ) الحجاز (‪.‬‬
‫فيقول إنجيل برنابا‪" :2‬سيأتي مسيا ]أي محمد ‪ [‬المرسل من‬
‫الله لكل العالم‪ ..،‬وحينئذ يسجد لله في كل العالم‪ ،‬وتنال‬
‫الرحمة‪. 3"..‬‬
‫يقول القيس إبراهيم فيليوبيوس‪: 4‬‬
‫‪ 1‬انظر ‪ :‬عبد ال ناصح علوان ‪ :‬معالم الحضارة في السلم وأثرها في النهضة الوربية‪ ،‬ص ‪155‬‬
‫"‬
‫‪ 2‬يقول المستشرق سايل ‪ :‬إن مكتشف النسخة اليطالية لنجيل برنابا هو راهب لتيني يسمى‬
‫مرينو"‪...‬واتفق أنه أصبح حينا من الدهر مقربا من البابا "سكتس الخامس "‪ ،‬فحدث يوما أنهما دخل معا مكتبة‬
‫البابا العتقية‪ ،‬فأخذ النوم هذا البابا ‪ ،‬فأحب الراهب مرينو أن يقتل الوقت بالمطالعة إلى أن يفيق البابا ‪ ،‬فكان‬
‫الكتاب الول الذي وضع يده عليه هو إنجيل القديس برنابا ‪ ،‬فخبأ هذا النجيل في ثوبه ‪ ،‬ولبث إلى أن إستفاق‬
‫ل ذاك الكنز معه ‪ ،‬فلما خل بنفسه طالعه بشوق عظيم فاعتنق على إثر ذلك‬
‫البابا فاستأذنه بالنصراف حام ً‬
‫السلم ‪ .‬اهـ ‪.‬‬
‫وبعد اكتشاف هذا النجيل‪ ،‬شاع خبره في بداية القرن الثامن عشر فأحدث دويًا كبيرًا‪ ،‬عند النصارى بشتى‬
‫ل بعد جيل ‪ ،‬بل قام‬
‫طوائفهم‪ ،‬وأجمعوا على محاربته وتكذيبه ‪ ،‬بل إن هذا العداء توارثته أجيال النصارى جي ً‬
‫أساقفة النصارى بتصنيف الردود على هذا النجيل الذي يبشر بشكل صريح جدًا بمحمد صلى ال عليه وسلم ‪..‬‬
‫‪ 3‬إنجيل برنابا ‪18 – 16 : 82 ،‬‬
‫‪ 4‬أسلم وأطلق على نفسه اسم " إبراهيم خليل أحمد "‪ ،‬وهو حاصل على ماجستير في اللهوت من جامعــة‬
‫برنسـتون المريكية ‪.‬ومن كتبه )محمد في التوراة والنجيل والقرآن( و)المسيح إنسان ل إله( و)السلم في الكتب‬
‫السماوية( و)اعرف عدوك اسرائيل( و)الستشراق والتبشير وصلتهما بالمبريالية العالمية( و)المبشرون‬
‫والمستشرقون في العالم العربي السلمي(‪.‬وقد كان راعيًا للكنيسة النجيلية ‪ ،‬وأستاذًا للهوت ‪ ،‬وأسلم على يديه‬
‫‪55‬‬

‫" كلمة إنجيل كلمة يونانية تعني بشارة أو بشرى‪ ،‬ولعل هذا هو‬
‫الذي نستفيده من سيرة سيدنا عيسى عليه السلم‪ ،‬أنه كان‬
‫بشرى من الله للرحمة‪ ،‬وبشرى بتبشيره عن المسيا الذي‬
‫سيأتي للعالمين هدى ورحمة‪ ،‬أل وهو محمد ‪.1"‬‬
‫وجاء في الفصل السادس والتسعين – في إنجيل برنابا ‪ -‬من‬
‫محاورة بين المسيح ورئيس كهنة اليهود‪ ،‬أن الكاهن سأله عن‬
‫نفسه فأجاب بذكر اسمه واسم أمه‪ ،‬وبأنه بشر ميت ثم قال‬
‫النجيل ما نصه‪:‬‬
‫" أجاب الكاهن ‪ :‬إنه مكتوب في كتاب موسى أن إلهنا سيرسل‬
‫لنا مسّيا الذي سيأتي ليخبرنا بما يريد الله ‪ ،‬وسيأتي للعالم‬
‫برحمة الله‪ .‬لذلك أرجوك أن تقول لنا الحق هل أنت مسيا الله‬
‫الذي ننتظره؟ ‪ .‬وأجاب يسوع‪ :‬حقا ً أن الله وعد هكذا ولكني‬
‫لست هو‪ ،‬لنه خلق قبلي وسيأتي بعدي‪ .‬أجاب الكاهن ‪ :‬إننا‬
‫نعتقد من كلمك وآياتك على كل حال أنك نبي وقدوس الله ‪.‬‬
‫لذلك أرجوك باسم اليهودية كلها وإسرائيل كلها أن تفيدنا حبا ً‬
‫في الله بأية كيفية سيأتي مسيا؟ فأجاب يسوع ‪ :‬لعمر الله‬
‫الذي تقف بحضرته نفسي‪ .‬أني لست مسيا الذي تنتظره كل‬
‫قبائل الرض كما وعد الله أبانا إبراهيم ‪ .‬قائل ً ‪ :‬بنسلك أبارك‬
‫كل قبائل الرض ‪ .‬ولكن عندما يأخذني الله من العالم سيثير‬
‫الشيطان مرة أخرى لهذه الفتنة المعونة بأن يحمل عادم‬
‫التقوى على العتقاد بأني الله وابن الله ‪ .‬فيتنجس بسبب هذا‬
‫كلمي وتعليمي حتى ل يكاد يبقى ثلثون مؤمنا ً ‪ .‬حينئذ ٍ يرحم‬
‫الله العالم ويرسل رسوله الذي خلق كل الشياء لجله ‪ .‬الذي‬
‫سيأتي من الجنوب بقوة وسيبيد الصنام وعبدة الصنام ‪.‬‬
‫وسينتزع من الشيطان سلطته على البشر وسيأتي برحمة الله‬
‫لخلص الذين يؤمنون به ‪ .‬وسيكون من يؤمن بكلمه مباركا ً ‪".‬‬
‫‪.2‬‬
‫هكذا يتحدث إنجيل برنابا عن محمد ‪ ‬وأنه "سيأتي للعالم‬
‫برحمة الله"‪ ،‬بل لن يأتي محمد ‪ –‬حسب إنجيل برنابا – إل‬
‫حين " يرحم الله العالم"‪ ،‬فيبعثه الله من الجنوب حيث أرض‬
‫الحجاز ويهدم الصنام في فتح مكة في العام الثامن الهجري‪،‬‬
‫ن لهم الله‬
‫وسيأتي برحمة الله لخلص الذين يؤمنون به‪ ،‬فيمك ّ‬
‫في الرض‪ ،‬ويستخلفهم كما استخلف الذين من قبلهم ‪.‬‬
‫عدد كبير من الناس ‪.‬‬
‫‪ 1‬إبراهيم خليل أحمد )القـس إبراهيم فيلـوبـوس سابقًا( ‪ :‬محمد في التوراة والنجيل والقرآن ‪ ،‬ص ‪115‬‬
‫‪ 2‬إنجيل برنابا ‪16-3 : 96 ،‬‬
‫‪56‬‬

‫المطلب الثاني‪ :‬شهادة الراهب النصراني بحيرا ‪:‬‬
‫إن أول جملة قالها الراهب النصراني الشهير "بحيرا "حييين رأى‬
‫محمدا ً ‪ ‬في رحلته الولى إلى الشام مع أبي طالب ‪: -‬‬
‫" هذا سيد العالمين ! هذا رسول رب العالمين ! هذا يبعثه الله‬
‫رحمة للعالمين !"‪. 1‬‬
‫وإن في ذلك لدللة بينة على ما كان يتدارسه الرهبان‬
‫والقساوسة في الناجيل‪ ،‬حيث صفة الرحمة التي سجلتها الكتب‬
‫السماوية السابقة في محمد‪.‬‬
‫المطلب الثالث‪ :‬شهادة العلمة توماس كارليل‬
‫في كلمات تنم عن عميق الحب وعلو التقدير‪ ،‬يتحدث توماس‬
‫كارليل ) ‪1881 – 1795‬م ( الكاتب النجليزي المعروف‪ ،‬في‬
‫إعجاب بصفات الرحمة في شخصية محمد ‪ ‬فيقول‪:‬‬
‫"‪ ..‬لقد كان في فؤاد ذلك الرجل الكبير ]‪ ... [‬العظيم النفس‪،‬‬
‫المملوء رحمة‪ ،‬وخيًرا‪ ،‬وحناًنا‪ ،‬وبًرا‪ ،‬وحكمة‪ ،‬وحجى‪ ،‬ونهى‪..‬‬
‫أفكار غير الطمع الدنيوي‪ ،‬ونوايا خلف طلب السلطة والجاه‪.‬‬
‫وكيف وتلك نفس صامتة كبيرة ورجل من الذين ل يمكنهم إل أن‬
‫يكونوا مخلصين جادين ؟ فبينما نرى آخرين يرضون بالصطلحات‬
‫دا ]‪ [‬لم‬
‫الكاذبة ويسيرون طبق اعتبارات باطلة‪ .‬إذ ترى محم ً‬
‫دا بنفسه‬
‫يرض أن يلتفع بالكاذيب والباطيل‪ .‬لقد كان منفر ً‬
‫العظيمة ‪. 2"..‬‬
‫المطلب الرابع ‪ :‬شهادة المفكر البريطاني لين بول‪:‬‬
‫ل ُيخفي "لين بول" ) ‪ ( 19 17_ 1652‬تأثره بمحمد‪ ،‬فيتحدث‬
‫في مؤلفه ‪" :‬رسالة في تاريخ العرب " عن سجايا خلق الرحمة‬
‫في شخصية محمد‪ ‬في إعجاب جم قائل ً ‪:‬‬
‫"إن محمدا ً ]‪ [‬كان يتصف بكثير من الصفات كاللطف‬
‫والشجاعة ‪ ،‬وكرم الخلق ‪ ،‬حتى إن النسان ل يستطيع أن يحكم‬
‫عليه دون أن يتأثر بما تطبعه هذه الصفات في نفسه ‪ ،‬ودون أن‬
‫يكون هذا الحكم صادرا ً عن غير ميل أو هوى‪ ،‬كيف ل‪ ،‬وقد‬
‫احتمل محمد ]‪ [‬عداء أهله وعشرته سنوات بصبر وجلد‬
‫عظيمين‪ ،‬ومع ذلك فقد بلغ من نبله أنه لم يكن يسحب يده من‬
‫يد مصافحه حتى لو كان يصافح طفل ً ! وأنه لم يمر بجماعة يوما ً‬
‫من اليام رجال ً كانوا أم أطفال ً دون أن يسلم عليهم ‪ ،‬وعلى‬
‫‪ 1‬الحاكم‪ :‬المستدرك على الصحيحين ‪ ، 672 \2‬عن أبي موسى برقم ‪ ،4229‬ومصنف ابن أبي شيبة ‪317 \6‬‬
‫برقم ‪ ،31733‬وابن عساكر‪:‬تاريخ دمشق ‪ ،4\3‬والطبري ‪:‬تاريخ المم والملوك) تاريخ الطبري( ‪،520 \1‬‬
‫وسيرة ابن حبان ‪ . 58‬محمد بن يوسف الصالحي ‪ :‬سبل الهدى والرشاد ‪.140\2‬‬
‫‪ 2‬توماس كارليل ‪ :‬البطال‪52 ،51 ،‬‬
‫‪57‬‬

‫شفتيه ابتسامة حلوة ‪ ،‬وبنغمة جميلة كانت تكفي وحدها لتسحر‬
‫سامعيها ‪ ،‬و تجذب القلوب إلى صاحبها جذبا ً !!"‪.1‬‬
‫المطلب الخامس ‪ :‬شهادة السير وليم موير‪:‬‬
‫وأما الباحث وليم موير فيتحدث في مؤلفه ‪ " :‬حياه محمد " عيين‬
‫أخلقيييات النييبي ‪ ‬فييي تقييدير بييالغ لرقيية النييبي ‪ ‬ورفقييه‬
‫ورأفته‪،‬ولين عريكته ‪ ،‬فيقول ‪:‬‬
‫حرية‬
‫"ومن صفات محمد]‪ [‬الجليلة الجديرة بالذكر ‪ ،‬وال َ‬
‫بالتنويه ‪ :‬الرقة و الحترام ‪ ،‬اللذان كان يعامل بهما أصحابه ‪،‬‬
‫حتى أقلهم شأنا ً ‪ ،‬فالسماحة والتواضع والرأفة والرقة تغلغلت‬
‫في نفسه ‪ ،‬ورسخت محبته عند كل من حوله ‪ ،‬وكان يكره أن‬
‫يقول ل ‪ ،‬فإن لم يمكنه أن يجيب الطالب على سؤاله ‪ ،‬فضل‬
‫السكوت على الجواب ‪ ،‬ولقد كان أشد حياء من العذراء في‬
‫خدرها ‪ ،‬وقالت عائشة]رض الله عنها[‪: ،‬وكان إذا ساءه شيء‬
‫تبينا ذلك في أسارير وجهه ‪ ،‬ولم يمس أحدا ً بسوء ال في سبيل‬
‫الله ‪ ،‬وُيؤثر عنه أنه كان ل يمتنع عن إجابة الدعوة من أحد مهما‬
‫كان حقيرا ً ‪ ،‬ول يرفض هدية مهداة إليه مهما كانت صغيره‪ ،‬وإذا‬
‫جلس مع أحد أيا ً كان لم يرفع نحوه ركبته تشامخا ً وكبرًا"‪.2‬‬
‫المطلب السادس‪ :‬شهادة القس السابق دُّراني‬
‫يقول العلمة النجليزي د ُّراني‪ ،3‬مشيرا ً إلى خلق الرحمة في‬
‫النبي ‪: ‬‬
‫"أستطيع أن أقول بكل قوة أنه ل يوجد مسلم جديد واحد ل‬
‫يحمل في نفسه العرفان بالجميل لسيدنا محمد ]‪ [‬لما غمره‬
‫به من حب وعون وهداية وإلهام‪ ..‬فهو القدوة الطيبة التي‬
‫أرسلها الله رحمة لنا وحًبا بنا حتى نقتفي أثره]‪.. 4"![‬‬
‫المطلب السابع ‪ :‬شهادة الكاتب السباني "جان ليك"‪:‬‬
‫يقول الدكتور جان ليك في كتابه ) العرب( ‪:‬‬
‫"وحييياة محمييد]‪ [‬التاريخييية ل يمكيين أن توصييف بأحسيين ممييا‬
‫وصفها الله ‪ ..‬بألفاظ قليلة ‪ ،‬بين بها سبب بعث النبي محمييد]]‪‬‬
‫َ‬
‫سل َْنا َ‬
‫ن‪] ‬النبييياء‪ ،[107 :‬وقييد برهيين‬
‫مي ً‬
‫ة ل ّل ْعَييال َ ِ‬
‫ك ِإل َر ْ‬
‫ما أْر َ‬
‫ح َ‬
‫‪‬وَ َ‬
‫مي َ‬
‫بنفسه على أن لديه أعظم الرحمات لكل ضعيف ‪ ،‬ولكييل محتيياج‬
‫إلى المساعدة ‪ ،‬كان محمد]‪[‬رحمة حقيقة لليتييامى‪ ،‬والفقييراء‪،‬‬
‫‪ 1‬لين بول ‪ :‬رسالة في تاريخ العرب نقل عن ‪ :‬عفيف عبد الفتاح طبارة ‪ :‬روح الدين السلمي ‪ ،‬ص ‪.438‬‬
‫‪ 2‬وليم موير ‪:‬حياة محمد ‪14‬‬
‫‪ 3‬الدكتور م‪ .‬ج‪ُ .‬دّراني ‪ :‬سليل أسرة مسلمة منذ القدم‪ ،‬أصبح نصرانًيا في فترة مبكرة من حياته وتحت تأثير إحدى‬
‫سا منذ عام ‪ 1939‬وحتى‬
‫حا من حياته في كنيسة إنكلترا‪ ،‬حيث عمل قسي ً‬
‫المدارس التبشيرية المسيحية‪ ،‬وقضى رد ً‬
‫عام ‪ 1963‬حيث عاد إلى السلم ‪.‬‬
‫‪ 4‬انظر‪ :‬عرفات كامل العشي ‪ :‬رجال ونساء أسلموا ‪. 28 – 27 / 4 ،‬‬
‫‪58‬‬

‫وابن السبيل‪ ،‬والمنكييوبين‪ ،‬والضييعفاء‪ ،‬والعمييال‪ ،‬وأصييحاب الكييد‬
‫والعناء ‪ ،‬وإني بلهفة وشوق‪ ..‬أصلى عليه وعلى أتباعه ! "‪.1‬‬
‫المطلب الثامن ‪ :‬شهادة العلمة واشنجتون ايرفنج‪.‬‬
‫يقول واشنجتون ايرفنج‪ ،‬في كتابه )حياة محمد(‪ ،‬مدلل ً على خلق‬
‫الرحمة في شخصية النبي ‪ ‬بموقفه في فتح مكة وهو القائد‬
‫المنتصر ‪:‬‬
‫"كانت تصرفات الرسول ]‪ [‬في ]أعقاب فتح[ مكة]رمضان‬
‫‪8‬هي‪ /‬يناير ‪ 630‬م[ تدل على أنه نبي مرسل ل على أنه قائد‬
‫مظفر‪ .‬فقد أبدى رحمة وشفقة على مواطنيه برغم أنه أصبح في‬
‫وج نجاحه وانتصاره بالرحمة والعفو"‪.2‬‬
‫مركز قوي‪ .‬ولكنه ت ّ‬
‫المطلب التاسع ‪ :‬شهادة الباحث الفرنسي جوستاف‬
‫لوبون ‪:‬‬
‫‪3‬‬
‫يتحدث جوستاف لوبون في كتابه )الدين والحياة(‪ ،‬عن علو‬
‫أخلق النبي محمد ‪ ‬لسيما رحمته ورقة قلبه‪ ،‬فيقول ‪:‬‬
‫"لقد كان محمد ]‪[‬ذا أخلق عالية‪ ،‬وحكمة‪ ،‬ورقة قلب‪ ،‬ورأفة‪،‬‬
‫ورحمة‪ ،‬وصدق وأمانة"‪.4‬‬
‫وهذه الخلق هي التي جذبت آراء المنصفين لنبي السلم ‪،‬‬
‫وعد ُّته من أعاظم رجالت التاريخ ‪..‬‬
‫فيقول جوستاف لوبون في موضع آخر ‪:‬‬
‫"إذا ما قيست قيمة الرجال بجليل أعمالهم؛ كان محمد ]‪ [‬من‬
‫دا‬
‫أعظم من عرفهم التاريخ‪ ،‬وقد أخذ علماء الغرب ينصفون محم ً‬
‫]‪ ، [‬مع أن التعصب الديني أعمى بصائر مؤرخين كثيرين عن‬
‫العتراف بفضله !"‪.5‬‬
‫المطلب العاشر‪ :‬شهادة المؤرخ الشهير جيمس متشنر‬
‫‪:‬‬
‫ويتحدث جيمس متشنر عن بعض صور الرحمة في شخص النبي‬
‫‪ ،‬مشيرا ً إلى بساطة النبي ‪ ، ‬وإنسانيته‪ ،‬ونبله‪ ،‬وحزمه‪،‬‬
‫فيقول متشنر ‪:‬‬
‫"إن محمدا ً ]‪ [‬هذا الرجل الملهم ‪،‬‬
‫الذي أقام السلم ‪،‬‬
‫ولد في قبيلة عربية تعبد الصنام‪،‬‬
‫‪ 1‬جان ليك" العرب‪ ،‬ص ‪43‬‬
‫‪ 2‬واشنجتون ايرفنج ‪ :‬حياة محمد ‪ ،‬ص ‪. 72‬‬
‫‪ 3‬جوستاف لوبون ‪ :‬ولد عام ‪ 1841‬وهو مؤرخ فرنسي مشهور‪ ،‬عني بالحضارات الشرقية‪.‬من آثاره‪) :‬حضارة‬
‫العرب( )باريس ‪) ،(1884‬الحضارة المصرية(‪ ،‬و)حضارة العرب في الندلس(‪.‬‬
‫‪ 4‬جوستاف لوبون‪ :‬الدين والحياة‪ ،‬ص ‪.67‬‬
‫‪ 5‬جوستاف لوبون‪ :‬حضارة العرب ‪ ،‬ص ‪. 115‬‬
‫‪59‬‬

‫ولد يتيما ً محبا ً للفقراء والمحتاجين والرامل واليتامى والرقاء‬
‫والمستضعفين‪.‬‬
‫وقد أحدث محمد]‪ [‬بشخصيته الخارقة للعادة ثورة في شبه‬
‫الجزيرة العربية وفى الشرق كله ‪.‬‬
‫فقد حطم الصنام بيديه ‪،‬‬
‫وأقام دينا ً يدعو إلى الله وحده ‪،‬‬
‫ورفع عن المرأة قيد العبودية التي فرضتها تقاليد الصحراء ‪،‬‬
‫و نادى بالعدالة الجتماعية وقد عرض عليه في آخر أيامه أن‬
‫يكون حاكما ً بأمره ‪ ،‬أو قديسا ً ‪،‬‬
‫ولكنه أصر على أنه ليس إل عبدا ً من عباد الله أرسله إلى العالم‬
‫منذرا ً وبشيرًا"‪! 1‬‬
‫المبحث الثالث‬
‫خصائص رحمته ‪‬‬
‫المطلب الول‪ :‬ربانية الرحمة‪:‬‬
‫فمن أسماء الله تبارك وتعالى الرحمن والرحيم ‪..‬‬
‫وقد افتتح سور القرآن‪ ،‬ببسم الله الرحمن الرحيم ‪..‬‬
‫َ‬
‫ن عَ َ‬
‫ذاِبي‬
‫عَباِدي أ َّني أ ََنا ال ْغَ ُ‬
‫فوُر الّر ِ‬
‫ئ ِ‬
‫وقال الله تعالى ‪ ‬ن َب ّ ْ‬
‫م * وَ أ ّ‬
‫حي ُ‬
‫َ‬
‫هُوَ ال ْعَ َ‬
‫م‪ ]‬الحجر‪ :‬اليتان ‪[50 ، 49‬‬
‫ذا ُ‬
‫ب الِلي َ‬
‫وعن أبي هريرة ‪ ‬قال‪ :‬قال رسول الله ‪" :‬لما قضى الله‬
‫الخلق كتب في كتابه‪ ،‬فهو عنده فوق العرش‪ :‬إن رحمتي غلبت‬
‫غضبي"‪.2‬‬
‫ن أ َِبي هَُري َْرة َ ‪َ ‬قا َ‬
‫ل‪:‬‬
‫وع َ ْ‬
‫قو ُ‬
‫سو َ‬
‫قَها‬
‫خل َ َ‬
‫ه‪ ‬ي َ ُ‬
‫م َ‬
‫ه َ‬
‫م َ‬
‫ل الل ّ ِ‬
‫س ِ‬
‫خل َقَ الّر ْ‬
‫ل ‪ " :‬إِ ّ‬
‫ة ي َوْ َ‬
‫ت َر ُ‬
‫َ‬
‫ح َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫معْ ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ه‬
‫سل ِفي َ‬
‫م ً‬
‫سك ِ‬
‫مائ َ‬
‫ق ِ‬
‫خل ِ‬
‫ِ‬
‫ن َر ْ‬
‫ة َر ْ‬
‫ة‪ ،‬وَأْر َ‬
‫سًعا وَت ِ ْ‬
‫عن ْد َه ُ ت ِ ْ‬
‫م َ‬
‫ح َ‬
‫مة ٍ ف أ ْ‬
‫ح َ‬
‫سِعي َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫م ال َ‬
‫كافُِر ب ِك ُ ّ‬
‫ن‬
‫ذي ِ‬
‫ة َوا ِ‬
‫م ً‬
‫عن ْد َ اللهِ ِ‬
‫ل ال ِ‬
‫م َر ْ‬
‫حد َة ً ! فَلوْ ي َعْل ُ‬
‫ح َ‬
‫ك ُلهِ ْ‬
‫م ْ‬
‫ن ب ِك ُ ّ‬
‫ه‬
‫ذي ِ‬
‫عن ْد َ الل ّ ِ‬
‫ل ال ّ ِ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫جن ّ ِ‬
‫س ِ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫الّر ْ‬
‫م ال ْ ُ‬
‫ة‪،‬وَل َوْ ي َعْل َ ُ‬
‫مة ِ ل َ ْ‬
‫ح َ‬
‫م ي َي ْئ َ ْْ‬
‫م ُ‬
‫م ْ‬
‫‪3‬‬
‫ن ال ْعَ َ‬
‫ن الّناِر" ‪.‬‬
‫ن ِ‬
‫ِ‬
‫م ي َأ َ‬
‫ب لَ ْ‬
‫ذا ِ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫ك‪َ ‬قا َ‬
‫ل‪:‬‬
‫مال ِ ٍ‬
‫ن َ‬
‫وعن أن َ ُ‬
‫س بْ ُ‬
‫ه ت ََباَر َ‬
‫ل ‪َ ":‬قا َ‬
‫قو ُ‬
‫سو َ‬
‫ن‬
‫ل الل ّهِ ‪ ‬ي ُ‬
‫س ِ‬
‫ت َر ُ‬
‫َ‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫معْ ُ‬
‫ك وَت ََعاَلى ‪َ :‬يا اب ْ َ‬
‫ك وَلَ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن ِفي َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫جوْت َِني غ َ‬
‫ما كا َ‬
‫ما د َع َوْت َِني وََر َ‬
‫آد َ َ‬
‫ت لك ع َلى َ‬
‫فْر ُ‬
‫م ! إ ِن ّك َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ت ذ ُُنوب ُ َ‬
‫م‬
‫ك ع ََنا َ‬
‫ن آد َ َ‬
‫ن ال ّ‬
‫ماِء؛ ث ُ ّ‬
‫س َ‬
‫م ! لوْ ب َلغَ ْ‬
‫أَباِلي‪َ .‬يا اب ْ َ‬
‫ُ‬
‫م ! إ ِن ّ َ‬
‫ت لَ َ‬
‫ب‬
‫ك ل َوْ أ َت َي ْت َِني ب ِ ُ‬
‫فْرت َِني‪،‬غ َ َ‬
‫ست َغْ َ‬
‫ن آد َ َ‬
‫ا ْ‬
‫فْر ُ‬
‫قَرا ِ‬
‫ك وََل أَباِلي‪َ .‬يا اب ْ َ‬
‫‪ 1‬انظر‪ :‬حسين الشيخ خضر الظالمي ‪ :‬قالوا في السلم ص ‪.50‬‬
‫ق ُثّم ُيِعيُدُه‬
‫خْل َ‬
‫‪ 2‬صحيح – رواه البخاري‪ ،‬كتاب بدء الخلق – باب‪ :‬ما جاء في قول ال تعالى‪"َ:‬وُهَو اّلِذي َيْبَدُأ اْل َ‬
‫عَلْيِه" )الروم‪ .(27 :‬ورواه مسلم في التوبة‪ ،‬باب‪ :‬في سعة رحمة ال تعالى ‪ ،‬رقم‪.2751 :‬‬
‫ن َ‬
‫َوُهَو َأْهَو ُ‬
‫‪ 3‬صحيح – رواه البخاري‪ ،‬كتاب الرقاق – باب‪ :‬الرجاء مع الخوف‪ .‬رقم ‪5988‬‬
‫‪60‬‬

‫َْ‬
‫خ َ‬
‫شي ًْئا َل َت َي ْت ُ َ‬
‫شرِ ُ‬
‫ك ِبي َ‬
‫قيت َِني َل ت ُ ْ‬
‫ة"‬
‫ك بِ ُ‬
‫ض َ‬
‫فَر ً‬
‫مغْ ِ‬
‫م لَ ِ‬
‫قَراب َِها َ‬
‫طاَيا ث ُ ّ‬
‫الْر ِ‬
‫‪.‬‬
‫وقد ضرب النبي ‪ ‬مثال ً على رحمة الله للعبد ‪:‬‬
‫فقد رأى امرأة متلهفة على ولدها‪ ،‬تبحث عنه‪ ،‬فلما رأته‪ ،‬تلقفته‪،‬‬
‫فألصقته ببطنها وأرضعته‪ ،‬فقال النبي ‪ ‬لصحابه ‪" :‬أترون هذه‬
‫طارحة ولدها في النار ؟"‪ .‬قالوا‪ :‬ل‪ ،‬وهي تقدر على أن ل‬
‫‪2‬‬
‫تطرحه‪ ،‬فقال‪" :‬لله أرحم بعباده من هذه بولدها !"‬
‫وقد اتصف وتخّلق محمد ٌ‪ ‬بخلق ربه – سبحانه وتعالى – من‬
‫أخلق الرحمة والعفو ‪ ،‬حتى زكاه ربه بها وأثنى عليه فقال‪ :‬‬
‫ص ع َل َي ْ ُ‬
‫سو ٌ‬
‫كم‬
‫ن َأن ُ‬
‫ف ِ‬
‫م َ‬
‫قَد ْ َ‬
‫م َر ُ‬
‫ما ع َن ِت ّ ْ‬
‫زيٌز ع َل َي ْهِ َ‬
‫سك ُ ْ‬
‫ل ّ‬
‫جاءك ُ ْ‬
‫ري ٌ‬
‫م ْ‬
‫ح ِ‬
‫م عَ ِ‬
‫ن َر ُ‬
‫م‪] ‬التوبة‪:‬الية ‪[128‬‬
‫ف ّر ِ‬
‫ؤو ٌ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫حي ٌ‬
‫ِبال ْ ُ‬
‫مِني َ‬
‫‪1‬‬

‫المطلب الثاني ‪ :‬دعوية الرحمة ‪:‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫سل َْنا َ‬
‫ن ‪] ‬النبياء ‪:‬الية‬
‫م ً‬
‫ة للَعال ِ‬
‫ك ِإل َر ْ‬
‫ما أْر َ‬
‫ح َ‬
‫قال الله تعالى ‪‬وَ َ‬
‫مي َ‬
‫‪. [ 107‬‬
‫هكذا قالها الله بإسلوب القصر ‪ ،‬يعني النفي ثم الستثناء‪ ،‬أي‬
‫أنت لست إل رحمة لست شيئا آخر غير الرحمة‪ ..‬كما يقول النبي‬
‫‪" ‬أيها الناس ‪ ..‬إنما أنا رحمة مهداه"‪.3‬‬
‫فكما أن دعوة محمد ‪ ‬للعالمين؛ فهذه الرسالة رحمة للعالمين‬
‫جميعا ً ‪ ..‬وهذا القرآن – الذي جاء فيه لفظ رحم ومشتقاته‬
‫ثلثمائة مرة‪ - 4‬رحمة للعالمين جميعا ً ‪ ..‬رحمة في ذاته‪ ،‬ورحمة‬
‫في تعاليمه‪ ،‬ورحمة في أحكامه ‪..‬‬
‫وفي ذلك يقول واشنجتون ايرفنج ‪" :‬يدعو القرآن إلى الرحمة‬
‫والصفاء وإلى مذاهب أخلقية سامية"‪ ..5‬كما أن القرآن ‪ -‬في‬
‫رأي جاك ريسلر‪ " - 6‬يجد الحلول لجميع القضايا‪ ،‬ويربط ما بين‬
‫القانون الديني والقانون الخلقي‪ ،‬ويسعى إلى خلق النظام‪،‬‬
‫والوحدة الجتماعية‪ ،‬وإلى تخفيف البؤس والقسوة والخرافات‪.‬‬

‫‪ 1‬سنن الترمذي ‪3463‬‬
‫‪ 2‬صحيح – رواه البخاري‪ ،‬كتاب الدب ‪ -‬باب‪ :‬رحمة الولد وتقبيله ومعانقته ‪ /‬و أخرجه مسلم في التوبة‪ ،‬باب‪:‬‬
‫في سعة رحمة ال تعالى وأنها سبقت غضبه‪ ،‬رقم‪.2754 :‬‬
‫‪ 3‬صحيح ‪ -‬رواه الحاكم في مستدركه عن أبي هريرة‪ ،‬والبيهقي‪ ،‬باب إنما أنا رحمة مهداة‪ ،‬برقم ‪ ،61‬ورواه ابن‬
‫أبي شيبة عن ابي صالح ‪ ،441 \7‬وصححه اللباني في السلسلة الصحيحة‪ ،‬رقم ‪490‬‬
‫‪ 4‬انظر‪ :‬أحمد عبد الرحمن إبراهيم ‪ :‬الفضائل الخلقية في السلم‪147 ،‬‬
‫‪ 5‬واشنجتون ايرفنج ‪ :‬حياة محمد‪ ،‬ص ‪304‬‬
‫‪ 6‬جاك‪ .‬س‪ .‬ريسلر‪ :‬باحث وكاتب فرنسي معاصر‪ ،‬وأستاذ بالمعهد السلمي بباريس‪ .‬والحاصل على جائزة‬
‫الكاديمية الفرنسية‪ ،‬تقديرا لكتابه "الحضارة العربية" بوصفه دراسة أساسية لمعرفة السلم‪.‬‬
‫‪61‬‬

‫إنه يسعى على الخذ بيد المستضعفين‪ ،‬ويوصي بالبر‪ ،‬ويأمر‬
‫بالرحمة"‪.1‬‬
‫وأوامره كما تقول "إلس ليختنستادتر" ‪" 2‬هي أوامر العدل‬
‫للجميع‪ ،‬والرحمة بالضعيف والرفق والحسان‪ .‬وتلك هي الوسائل‬
‫التي يضعها الله في يد النسان لتحقيق نجاته‪ ،‬فهو ثم مسؤول‬
‫عن أعماله ومسؤول كذلك عن مصيره‪. 3".‬‬
‫وهو كتاب هداية عظيم للبشرية‪ ،‬وهو أبلغ منهج للهداية ‪..‬‬
‫يقول نصري سلهب‪: 4‬‬
‫دا ]‪ [r‬كييان أمي ًييا ل يقييرأ ول يكتييب‪ .‬فييإذا بهييذا المييي‬
‫"‪ ..‬إن محم ً‬
‫يهدي إلى النسانية أبلغ أثر مكتوب حلمت به النسانية منذ كييانت‬
‫النسانية‪ -‬ذاك كان القرآن الكريم‪ ،‬الكتاب الذي أنزلييه اللييه علييى‬
‫رسوله هدى للمتقين ‪. 5".‬‬
‫ول شك أن أخلق الرحمة هي عامل الجذب الساس لدخول‬
‫الناس في السلم‪ ،‬أو كما يقول يول‪ " :6‬الحسان والرحمة‬
‫والنزعة النسانية الخيرة العريقة – هذه وغيرها من العوامل‬
‫كانت بالنسبة لي أعظم دليل على صدق هذا الدين" ‪ .. 7‬المر‬
‫الذي يعبر عنه "بشير تشاد بقوله" ‪ " :‬إن السلم هو دين الرحمة‬
‫والحب والتعاطف النساني"‪.8‬‬
‫المطلب الثالث ‪ :‬عالمية الرحمة ‪:‬‬
‫َ‬
‫سل َْنا َ‬
‫ن‪‬‬
‫م ً‬
‫ة ل ّل َْعال َ ِ‬
‫ك ِإل َر ْ‬
‫ما أْر َ‬
‫ح َ‬
‫كذلك نستفيد من قول الله تعالى ‪‬وَ َ‬
‫مي َ‬
‫]النبياء‪ ، [ 107 :‬أن رحمة النبي رحمة شاملة وعامة وعالمية‪،‬‬
‫وليست عنصرية تقوم على العراق أو اللوان أو المذاهب ‪ ..‬بل‬
‫رحمة لكل البشر‪ ،‬رحمة عامة ومجردة للعالمين جميعًا‪ ،‬ليست‬
‫رحمة للعرب دون العجم أو للمسلمين دون غيرهم‪ ،‬أو للشرق‬
‫دون الغرب ‪ ..‬بل هي رحمة للعالمين‪..‬‬
‫‪ 1‬جاك ريسلر ‪:‬الحضارة العربية ‪ ،‬ص ‪. 51‬‬
‫‪ 2‬الدكتورة إلس ليختنستادتر‪ :‬باحثة ألمانية‪ ،‬درست العلوم العربية والسلمية في جامعة فرانكفورت‪ ،‬ثم في‬
‫جامعة لندن‪ ،‬وأقامت زهاء ثلثين سنة بين بلد الشرقين الدنى والوسط‪ ،‬وعنيت عناية خاصة بدعوات الجتهاد‬
‫والتجديد والمقابلة بين المذاهب‪ .‬من مؤلفاتها )السلم والعصر الحديث(‪.‬‬
‫ل عن‪ :‬عباس محمود العقاد‪ :‬ما يقال عن السلم ‪ ،‬ص ‪19‬‬
‫‪ 3‬إلس ليختنستادتر‪ :‬السلم والعصر الحديث‪ ،‬نق ً‬
‫عرف بنشاطه الدؤوب لتحقيق التعايش‬
‫‪ 4‬باحث مسيحي لبناني ‪ ،‬يتميز بنظرته الموضوعية نحو السلم‪ ،‬و ُ‬
‫السلمي بين السلم والمسيحية في لبنان‪ ..‬ألقى العديد من المحاضرات في المناسبات السلمية والمسيحية على‬
‫السواء‪ ،‬متوخًيا الهدف نفسه‪ .‬من آثاره‪) :‬لقاء المسيحية والسلم( )‪ ،(1970‬و)في خطى محمد( )‪.(1970‬‬
‫‪ 5‬نصري سلهب ‪ :‬لقاء المسيحية والسلم ‪ ،‬ص ‪22‬‬
‫‪ 6‬علي يول ‪ :‬دانمركي‪ ،‬تعرف على السلم عام ‪ 1973‬خلل إحدى رحلته إلى المغرب‪ ،‬وبعد عدد من اللقاءات‬
‫مع بعض المسلمين هناك أعلن انتماءه للسلم‪ ،‬وهو الن يعيش في كوبنهاجن العاصمة‪.‬‬
‫‪7‬انظر‪ :‬عرفات كامل العشي ‪:‬رجال ونساء أسلموا ‪. 127 / 4 ،‬‬
‫‪8‬انظر‪ :‬عرفات كامل العشي‪ :‬رجال ونساء أسلموا ‪22 – 21 / 7 ،‬‬
‫‪62‬‬

‫وفي ذلك تقول لورافيشيا فاغليري ‪":‬إن الية القرآنية التي تشير‬
‫إلى عالمية السلم بوصفه الدين الذي أنزله الله على نبيه ]‪[‬‬
‫)رحمة للعالمين(‪ ،‬هي نداء مباشر للعالم كله‪ .‬وهذا دليل ساطع‬
‫دا ]‪ [‬شعر في يقين كّلي أن رسالته مقدر لها أن‬
‫على أن محم ً‬
‫تعدو حدود المة العربية وأن عليه أن يبلغ )الكلمة( الجديدة إلى‬
‫شعوب تنتسب إلى أجناس مختلفة‪ ،‬وتتكلم لغات مختلفة" ‪. 1‬‬
‫وعن أبي موسى ‪ :‬أنه سمع النبي ‪ ‬يقول‪" :‬لن تؤمنوا حتى‬
‫تراحموا !"‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬يا رسول الله كلنا رحيم! قال‪" :‬إنه ليس برحمة أحدكم‬
‫صاحبه ولكن رحمة العامة‪..‬رحمة العامة!"‪.. 2‬‬
‫فهي الرحمة بالعامة‪ ،‬أي بعامة البشر‪ ،‬ويجعل النبي ‪ ‬ذلك من‬
‫شروط اليمان‪ ،‬فل يعد الرجل مؤمًنا حتى يرحم الناس بصفة‬
‫عامة ‪.‬‬
‫كما في حديث أنس بن مالك ‪ ،‬أن رسول الله ‪ ‬قال‪" :‬والذي‬
‫نفسي بيده ‪ ،‬ل يضع الله رحمته إل على رحيم" ‪ ،‬قالوا ‪ :‬يا رسول‬
‫الله ‪ ،‬كلنا يرحم ‪ ،‬قال ‪ ":‬ليس برحمة أحدكم صاحبه ‪ ..‬يرحم‬
‫الناس كافة "‪. 3‬‬
‫رو قال ‪:‬‬
‫ن عَ ْ‬
‫وعن ع َب ْد َ الل ّهِ ب ْ َ‬
‫م ٍ‬
‫َ‬
‫موا أهْ َ‬
‫سو ُ‬
‫َقا َ‬
‫ل‬
‫ل الل ّهِ ‪ ": ‬الّرا ِ‬
‫ن ‪ ،‬اْر َ‬
‫م الّر ْ‬
‫ن ي َْر َ‬
‫مو َ‬
‫ل َر ُ‬
‫ح ُ‬
‫ح َ‬
‫مه ُ ُ‬
‫ح ُ‬
‫ح ُ‬
‫م ُ‬
‫َ‬
‫‪4‬‬
‫َ‬
‫م أهْ ُ‬
‫ماِء " ‪..‬‬
‫ض ي َْر َ‬
‫ل ال ّ‬
‫س َ‬
‫مك ُ ْ‬
‫ح ْ‬
‫الْر ِ‬
‫فالرحمة بأهل الرض تتجاوز النسان الناطق إلى الحيوان‬
‫العجم‪ ،‬فالمؤمن يرحمه ويتقى الله فيه‪ ،‬ويعلم أنه مسؤول‬
‫أمام الله عن هذه العجماوات‪.5‬‬
‫كما أن الرحمة بالخلق وأهل الرض شر ٌ‬
‫ط لنيل رحمة الخالق‪،‬‬
‫م أ َهْ ُ‬
‫موا أ َهْ َ‬
‫ل‬
‫ض ي َْر َ‬
‫بحسب عبارة الحديث‪ " :‬اْر َ‬
‫مك ُ ْ‬
‫ح ْ‬
‫ح ُ‬
‫ل الْر ِ‬
‫سماِء"‪.‬‬
‫ال ّ‬
‫ومن ثم كانت رحمته إنسانية عامة‪ ،‬شملت المسلم وغير‬
‫المسلم‪ ،‬والمؤمن والمنافق‪ ،‬والعربي وغير العربي‪ ،‬والشرقي‬
‫وغير الشرقي ‪ ،‬والفريقي والوربي‪ ،‬والكبير والصغير‪ ،‬والرجل‬
‫والمرأة‪ ،‬والنسان وغير النسان‪ ،‬والحيوان والطير والجماد‪ .‬فهو‬
‫‪ 1‬لورافيشيا فاغليري ‪ :‬دفاع عن السلم ‪ ،‬ص ‪25 – 24‬‬
‫‪ 2‬حسن لغيره ‪ -‬رواه الحاكم في المستدرك‪ ،‬برقم ‪ ،7418‬ورواه الطبراني ورواته رواة الصحيح ‪ ،‬وحسنه لغيره‬
‫اللباني في صحيح الترغيب والترهيب‬
‫‪ 3‬صحيح ‪ -‬رواه أبو يعلى الموصلي ‪ ، 4145‬وصححه اللباني في السلسلة الصحيحة‪ ،‬برقم ‪167‬‬
‫‪ 4‬صحيح ‪-‬رواه الحميدي‪ ،‬برقم ‪ ،619‬وأحمد برقم ‪ ،6206‬وصححه اللباني في السلسلة الصحيحة‪ ،‬برقم ‪925‬‬
‫‪ 5‬انظر‪ :‬يوسف القرضاوي‪ :‬اليمان والحياة‪283 ،‬‬
‫‪63‬‬

‫يعتبر البشرية جميعها أسرة واحدة‪ ،‬تنتمي إلى رب واحد وإلى‬
‫أب واحد وإلى أرض واحدة ‪..‬كما قال النبي ‪: ‬‬
‫َ‬
‫حد ‪ ،‬وإ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ض َ‬
‫ل‬
‫م َوا ِ‬
‫د‪ ،‬أَل َل فَ ْ‬
‫ح ٌ‬
‫م َوا ِ ٌ َ ِ ّ‬
‫س أَل إ ِ ّ‬
‫ن أَباك ُ ْ‬
‫ن َرب ّك ُ ْ‬
‫"َيا أي َّها الّنا ُ‬
‫َ‬
‫مَر ع ََلى‬
‫ج ِ‬
‫ج ِ‬
‫ي‪ ،‬وََل ِل َ ْ‬
‫ي ‪ ،‬وََل ل ِعَ َ‬
‫ي ع ََلى أع ْ َ‬
‫ح َ‬
‫ي ع ََلى ع ََرب ِ ّ‬
‫م ّ‬
‫م ّ‬
‫ل ِعََرب ِ ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫‪1‬‬
‫وى" ‪.‬‬
‫مَر إ ِّل ِبالت ّ ْ‬
‫سوَد َ ع ََلى أ ْ‬
‫سو َ َ‬
‫د‪ ،‬وََل أ ْ‬
‫أ ْ‬
‫ح َ‬
‫ق َ‬
‫ومن ثم كان رسول الله ‪ ‬رحمة لكل المم ‪ ،‬ولمته خاصة‪،‬‬
‫ما بأمرها‪ ،‬يخشى عليها من عذاب الله يوم القيامة‪ ،‬وقد كانت‬
‫مهت ً‬
‫مشاعره جياشة في هذه المسألة‪ ،‬فذات مرة قرأ قول الله‬
‫م‬
‫م فَإ ِن ّهُ ْ‬
‫تعالى في القرآن على لسان عيسى ‪ِ  :‬إن ت ُعَذ ّب ْهُ ْ‬
‫ك وإن تغْفر ل َهم فَإن َ َ‬
‫م‪]‬المائدة‪،[118 :‬‬
‫ِ‬
‫ح ِ‬
‫عَباد ُ َ َ ِ َ ِ ْ ُ ْ ِ ّ‬
‫زيُز ال ْ َ‬
‫كي ُ‬
‫ك أن َ‬
‫ت ال ْعَ ِ‬
‫ففاض ينبوع الرحمة‪ ،‬واهتز قلب النبي ‪ ‬يناجي ربه في‬
‫ُ‬
‫خشوع ‪ " :‬الل ّه ُ‬
‫مِتي وَب َ َ‬
‫كى‪ .."!!..‬وسرعان ما نزل المين‬
‫مِتي أ ّ‬
‫مأ ّ‬
‫ُ ّ‬
‫ً‬
‫جبريل مهدًئا من فزع محمد ‪ ‬على أمته‪ ،‬ومبلًغا قائل‪ :‬إن الله‬
‫ُ‬
‫سوُء َ‬
‫مت ِ َ‬
‫ضي َ‬
‫ك"‪. 2‬‬
‫سن ُْر ِ‬
‫ك وََل ن َ ُ‬
‫يقول لك ‪ " :‬إ ِّنا َ‬
‫ك ِفي أ ّ‬
‫وكان رحمة كذلك لغير المسلمين‪ ،‬بل وأشر الخلق ‪ ،‬فكان‬
‫سو ُ‬
‫ل الل ّهِ ‪ ‬يمارس هذه الرحمة مع شرار الناس‪ ،‬حتى يظن‬
‫َر ُ‬
‫الفاجر أنه بخير!‬
‫وتأمل قول عمرو بن العاص‪ -‬رضي الله عنه‪: -‬‬
‫"كان رسول الله ‪ ‬يقبل بوجهه وحديثه على أشر القوم يتألفهم‬
‫ي حتى ظننت أني خير "‪. 3‬‬
‫بذلك ‪ ،‬فكان يقبل بوجهه وحديثه عل ّ‬
‫واستفاد غير المسلمين من رحمة النبي ‪‬؛ ولن الله تعالى‬
‫كان يهلك من قبل المم الكافرة بسبب كفرها وعصيانها للنبياء‬
‫هلكا ً جماعيّا‪ ،‬بينما رفع الله تعالى بعد بعثة محمد هذا الهلك‬
‫الجماعي‪ ،‬فاستفاد الناس من خلصهم من مثل هذا العذاب‪،‬‬
‫فكان ذلك نعمة دنيوية بالنسبة للكفار‪ .‬يخاطب الله تعالى نبيه‬
‫َ‬
‫ما َ‬
‫م‬
‫كا َ‬
‫ت ِفيهِ ْ‬
‫م وَأن َ‬
‫ه ل ِي ُعَذ ّب َهُ ْ‬
‫ن الل ّ ُ‬
‫في هذا الخصوص فيقول‪  :‬وَ َ‬
‫ما َ‬
‫ن ‪] ‬النفال‪[ 33 :‬‬
‫ست َغْ ِ‬
‫فُرو َ‬
‫كا َ‬
‫م يَ ْ‬
‫م وَهُ ْ‬
‫معَذ ّب َهُ ْ‬
‫ه ُ‬
‫ن الل ّ ُ‬
‫وَ َ‬
‫وتأمل قدر النبي ‪ ‬ومنزلته عند الله‪ :‬أي طالما أنت تعيش‬
‫بينهم فلن يعذبهم الله‪ .‬طالما أن ذكرك موجود‪ ،‬وتلهج به‬
‫اللسنة‪ ،‬وطالما أن الناس يتبعون طريقك فلن يعذبهم الله ولن‬
‫يهلكهم‪.4‬‬
‫‪ 1‬صحيح ‪ -‬رواه أحمد ‪ ،‬برقم ‪ ،22391‬والطبراني في المعجم الوسط برقم ‪ ،4905‬البيهقي برقم ‪،4921‬‬
‫وصححه اللباني في السلسلة الصحيحة برقم ‪2700‬‬
‫عَلْيِهْم‪ ،‬رقم ‪301‬‬
‫شَفَقًة َ‬
‫لّمِتِه َوُبَكاِئِه َ‬
‫سّلَم ُِ‬
‫عَلْيِه َو َ‬
‫ل َ‬
‫صّلى ا ُّ‬
‫ي َ‬
‫عاِء الّنِب ّ‬
‫‪ 2‬صحيح – رواه مسلم‪َ ،‬باب ُد َ‬
‫‪ 3‬حسن – رواه الترمذي في الشمائل المحمدية ) ‪ ،( 295‬وحسنه اللباني في مختصر الشمائل المحمدية‬
‫‪ 4‬انظر‪ :‬محمد فتح ال كولن ‪ :‬النور الخالد محمد صلى ال عليه وسلم مفخرة النسانية‪2/69 ،‬‬
‫‪64‬‬

‫ضا‪ .‬فبسبب هذه الرحمة الواسعة لم يَر‬
‫وكان رحمة للمنافقين أي ً‬
‫المنافقون العذاب في الحياة الدنيا‪ .‬فقد حضروا إلى المسجد‬
‫واختلطوا بالمسلمين واستفادوا من كل الحقوق التي تمتع بها‬
‫المسلمون‪ .‬ولم يقم رسول الله ‪ ‬بفضحهم وإفشاء أسرار‬
‫نفاقهم أبدا ً مع أنه كان يعرف دخائل نفوسهم ونفاقهم‪ ،‬حتى إنه‬
‫حذيفة رضي الله عنه بذلك‪ 1‬لذا‪ ،‬كان عمر بن الخطاب‬
‫أخبر ُ‬
‫حذيفة‪ ،‬فإن رآه ل يصلي على جنازة لم‬
‫رضي الله عنه يراقب ُ‬
‫يصلها هو كذلك‪ ،2‬دون إحداث ضجة أو تشهير بالمنافق الميت ‪.‬‬
‫ومع ذلك فلم يهتك السلم سرهم‪ ،‬فبقوا بين المؤمنين‪ ،‬وانقلب‬
‫كفرهم المطلق إلى ريبة وشك على القل‪ ،‬فلم يحرموا من‬
‫لذائذ الدنيا؛ لن النسان الذي يعتقد أنه سيفنى ويذهب إلى‬
‫العدم ل يمكن أن يهنأ في عيشه‪ ،‬ولكن إن انقلب كفره إلى‬
‫شك وشبهة فإنه يقول في نفسه‪" :‬ربما توجد هناك حياة‬
‫أخروية"‪ ،‬عندئذ لن تكفهر حياته تمام الكفهرار‪ .‬ومن هذا‬
‫المنطلق كان رسول الله ‪ ‬رحمة لهم بهذا المعنى‪.3‬‬
‫المطلب الرابع ‪ :‬عبقرية الرحمة ‪:‬‬
‫لقد كانت رحمة النبي ‪ ‬من عوامل نجاحه التي استعملها‬
‫واستفاد منها في دعوته‪ ،‬قال الله تعالى ‪:‬‬
‫ت فَظ ّا ً غ َِلي َ‬
‫ب‬
‫ظ ال ْ َ‬
‫مةٍ ِ‬
‫ما َر ْ‬
‫م وَل َوْ ك ُن ْ َ‬
‫ت ل َهُ ْ‬
‫ن الل ّهِ ل ِن ْ َ‬
‫ح َ‬
‫‪ ‬فَب ِ َ‬
‫قل ْ ِ‬
‫م َ‬
‫حوِْلك‪] ‬آل عمران ‪[:159‬‬
‫لن ْ َ‬
‫ضوا ِ‬
‫ن َ‬
‫ف ّ‬
‫م ْ‬
‫يعني ‪ :‬لول رحمتك يامحمد لنفضوا من حولك رافضين دعوتك ‪..‬‬
‫كما إن رحمته ‪‬من دلئل عبقريته وفطنته‪ ،‬بمعنى آخر كانت‬
‫دا آخر من أبعاد عبقريته وفطنته‪ ،‬وكانت هذه‬
‫رحمته تشكل ُبع ً‬
‫الرحمة من عوامل نجاحه التي استعملها واستغلها‪ ،‬وجعل منها‬
‫شَباك رحمة لصيد القلوب ‪ ،‬واتخذ رحمته وسيلة لفتح القلوب‬
‫ِ‬
‫السوداء‪ ،‬وتحريك المشاعر الصماء‪ ،‬ول يعني هذا أنه كان يتصنع‬
‫الرحمة‪ ،‬ويتخذها ذريعة للوصول إلى مآرب غير شرعية‪ ،‬بل كانت‬
‫سمته الطبيعي وفطرته التي جبله الله عليها ‪.‬‬
‫وشتان ما بين رحمة خالصة لوجه الله‪ ،‬ورحمة خالصة من أجل‬
‫منفعة شخصية وضيعة‪ ،‬وشتان بين رحمة من أجل رسالة سامية‪،‬‬
‫ورحمة من أجل زعامة فانية ‪.‬‬
‫حا سحرّيا‪.‬‬
‫"هكذا كانت "الرحمة" في يد رسول الله ‪ ‬مفتا ً‬
‫وبهذا المفتاح فتح مغاليق أقفال صدئة لم يكن أحد يتوقع فتحها‬
‫بأي مفتاح‪ ،‬وأشعل شعلة اليمان في القلوب‪ ..‬أجل‪ ،‬لقد سّلم‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫البخاري‪ ،‬فضائل أصحاب النبي‪20 ،‬؛ ابن الثير ‪ :‬أسد الغابة ‪1/468‬‬
‫ابن الثير ‪ :‬أسد الغابة ‪1/468‬‬
‫انظر‪ :‬محمد فتح ال كولن ‪ :‬النور الخالد محمد صلى ال عليه وسلم مفخرة النسانية‪2/69 ،‬‬
‫‪65‬‬

‫هذا المفتاح الذهبي إلى محمد المصطفى ‪ ‬؛ لنه كان أليق‬
‫ما يسلم المانة لمن هو أهل لها‪. 1".‬‬
‫الناس به‪ ،‬والله تعالى دائ ً‬
‫المطلب الخامس ‪ :‬وسطية الرحمة‪:‬‬
‫ومن خصائص رحمة النبي ‪ ‬أيضا ً أنها رحمة متزنة وعادلة‪ ،‬فهو‬
‫يل‬
‫رحيم دون ضعف‪ ،‬متواضع بغير ذلة‪ ،‬محار ٌ‬
‫ب ل يغدر‪ ،‬سياس ّ‬
‫يكذب‪ ،‬يستخدم الحيلة في الحرب ولكن ل ينقض العهود‬
‫والمواثيق‪ ،‬آمن خصومه بصدقه وأمانته‪ ،‬يجمع بين التوكل‬
‫والتدبير‪ ،‬وبين العبادة والعمل‪ ،‬وبين الرحمة والحرب‪..2‬‬
‫وهذا وهو الحال في أخلق محمد ‪ ‬جميعها‪ ،‬فهي تعمل ضمن‬
‫منظومة متناسقة متناغمة‪ ،‬تتشابك جميعها لتأدية أغراضها‪ ،‬فل‬
‫تتوسع صفة أو تقوى على حساب أخرى‪ ،‬ول تعمل إحداها ضد‬
‫الصفة التي تقابلها‪ .‬كالقرآن والسيف في دعوة النبي ‪،‬‬
‫فالقرآن – في يدي النبي‪ -‬كتاب هداية لمن أراد الهدى‪،‬‬
‫والسيف معه ‪ ‬وسيلة لردع من يعتدي عليه‪.‬‬
‫ويشير "جورج حنا"‪ 3‬إلى هذا التوازن في شخصية النبي ‪،‬‬
‫فيقول‪:‬‬
‫ده‬
‫ده اليسر لمن يضربه على خ ّ‬
‫ول خ ّ‬
‫" إنه ]‪[‬لم يرض بأن يح ّ‬
‫اليمن‪ ..‬بل مشى في طريقه غير هّياب‪ ،‬في يده الواحدة رسالة‬
‫هداية‪ ،‬يهدي بها من سالموه‪ ،‬وفي يده الثانية سيف يحارب به‬
‫من يحاربوه‪ .‬لقد آمن به نفر قليل في بداية الدعوة‪ ،‬وكان نصيب‬
‫هذا النفر مثل نصيبه من الضطهاد والتكفير‪ ..‬كان هؤلء باكورة‬
‫الديانة السلمية‪ ،‬والشعلة التي انطلقت منها رسالة محمد]‪[‬‬
‫‪4‬‬
‫"‬
‫ومظهٌر آخر للتوازن‪ ،‬هو ثبات صفة الرحمة فيه‪ ، ‬فهر رحيم‬
‫في كل أحواله وأطواره ومواقفه‪ ،‬فالنبي ‪ ‬رحيم قبل البعثة‬
‫وبعد البعثة‪ ،‬قبل الفتح وبعد الفتح‪ ،‬رحيم في النصر والهزيمة‪،‬‬
‫رحيم في عسره ويسره‪ ،‬رحيم في سفره وحضره ‪ ...‬الخ‬
‫المطلب السادس ‪ :‬عملية الرحمة‪:‬‬
‫ومن خصائص رحمة النبي ‪ ‬أيضا ً أنها ليست مجرد تعاليم‬
‫نظرية‪ ،‬أو تطلعات فلسفية‪،‬أو كما يقال حبرا ً على ورق‪ ،‬بل‬
‫شأنها كشأن سائر خصاله وأخلقه التي ترجمها إلى منهج حياة‬
‫‪ 1‬محمد فتح ال كولن ‪ :‬النور الخالد محمد صلى ال عليه وسلم مفخرة النسانية ‪1/6‬‬
‫‪ 2‬انظر محمد علي الخطيب‪ :‬محمد رسول ال صلى ال عليه وسلم الرحمة المهداة‪33 ،‬‬
‫‪3‬الدكتور جورج حنا ‪ :‬كاتب نصراني من لبنان‪ ،‬وصاحب كتاب )قصة النسان(‪.‬‬
‫‪ 4‬جورج حنا ‪ :‬قصة النسان ‪ ،‬ص ‪. 76‬‬
‫‪66‬‬

‫عملية‪ ،‬وواقع حي عاشه المسلمون في العهود السلمية العريقة‬
‫‪..‬‬
‫فرحمة النبي محمد ‪ ‬رحمة تطبيقية يمارسها في حياته‬
‫اليومية‪ ،‬كما تقول عائشة رضي الله عنها عندما سئلت عن‬
‫خلقه‪ ،‬فقالت" كان خلقه القرآن "‪ ،1‬فقد خرج من تعاليم القرآن‬
‫المكتوبة إلى واقع الحياة بتطبيق هذه التعاليم وممارستها سلوكا ً‬
‫عملًيا ‪.‬‬

‫الفصل الثاني‬
‫رحمته للعالمين في مجال التنوير والحضارة‬
‫المبحث الول ‪ :‬التنوير والتوحيد‬
‫المبحث الثاني ‪ :‬التحضر والرقي‬
‫‪ 1‬صحيح – رواه أحمد برقم ‪ ،23460‬وصححه اللباني في صحيح الجامع‪ ،‬رقم ‪. 4811‬‬
‫‪67‬‬

‫المبحث‬
‫المبحث‬
‫المبحث‬
‫المبحث‬

‫الثالث ‪ :‬التسامح الديني‬
‫الرابع ‪ :‬رعاية العلم والمعرفة‬
‫الخامس‪ :‬الخطاب التربوي‬
‫السادس ‪ :‬خدمة النسانية‬

‫المبحث الول‬
‫التوحيد والتوير‬
‫المطلب الول ‪ :‬محمد ‪ ‬تنويريا ً عمل ً‬
‫قا‪:‬‬
‫يقول رودي بارت‪" :‬كان من بين ممثلي حركة التنوير من رأوا‬
‫ما‪ ،‬ورسول ً‬
‫في النبي العربي ]‪ [‬أدلة الله‪ ،‬ومشر ً‬
‫عا حكي ً‬
‫‪1‬‬
‫قا بكلمة الدين الطبيعي الفطري‪ ،‬مبشًرا به"‬
‫للفضيلة‪ ،‬وناط ً‬
‫‪ 1‬رودي بارت ‪ :‬الدراسات العربية والسلمية في الجامعات اللمانية ‪ ،‬ص ‪.20‬‬
‫‪68‬‬

‫لقد كان النبي ‪ ‬في رأي علماء الغرب ‪ -‬الذين درسوا سيرته ‪-‬‬
‫تنويريا ً عملقًا‪ ،‬وتوحيدًيا كبيًرا‪ ،‬فهم يرون أن محمدا ً ‪ ‬يحمل‬
‫كتابا ً نورانيا ً لم يعرف التاريخ كتابا ً مثله في الحكام وروعة البيان‬
‫ومعالجته لمشكلت النسانية‪..‬‬
‫وإذا كان علماء الغرب قد أطلقوا صفة التنوير على النبي ‪، ‬‬
‫فالحق أن القرآن الكريم سبقهم وأطلقها عليه‪ ، ‬وهذه الصفة‬
‫في القرآن تعبر في الغالب عن التوحيد‪ ،‬إضافة إلى العلم‬
‫والحضارة والمدنية ‪:‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫هدا ً‬
‫سل َْنا َ‬
‫ك َ‬
‫شا ِ‬
‫ي إ ِّنا أْر َ‬
‫قال الله تعالى في ذلك ‪َ  :‬يا أي َّها الن ّب ِ ّ‬
‫مب َ ّ‬
‫مِنيرا ً ‪] ‬الحزاب‪:‬‬
‫دا ِ‬
‫عيا ً إ َِلى الل ّهِ ب ِإ ِذ ْن ِهِ وَ ِ‬
‫شرا ً وَن َ ِ‬
‫ذيرا ً * وَ َ‬
‫سَراجا ً ّ‬
‫وَ ُ‬
‫‪. [46 ،45‬‬
‫َ‬
‫وقال ‪َ  :‬يا أهْ َ‬
‫ما‬
‫ب قَد ْ َ‬
‫م َر ُ‬
‫م ّ‬
‫م ك َِثيرا ً ّ‬
‫ن ل َك ُ ْ‬
‫جاءك ُ ْ‬
‫ل ال ْك َِتا ِ‬
‫سول َُنا ي ُب َي ّ ُ‬
‫جاء ُ‬
‫ُ‬
‫ن الل ّهِ ُنوٌر‬
‫ب وَي َعْ ُ‬
‫خ ُ‬
‫فو َ‬
‫م تُ ْ‬
‫ن ِ‬
‫عن ك َِثيرٍ قَد ْ َ‬
‫فو َ‬
‫كم ّ‬
‫كنت ُ ْ‬
‫ن ال ْك َِتا ِ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫ن ( ]المائدة‪[15 :‬‬
‫وَك َِتا ٌ‬
‫ب ّ‬
‫مِبي ٌ‬
‫"يجلو الظلمات ‪ ،‬ويكشف الشبهات ‪ ،‬وينير الطريق ‪ ،‬نورا ً هادئا ً‬
‫هاديا ً كالسراج المنير في الظلمات‪.‬وهكذا كان رسول الله ‪ ‬وما‬
‫جاء به من النور‪ .‬جاء بالتصور الواضح البين النير لهذا الوجود ‪،‬‬
‫ولعلقة الوجود بالخالق ‪ ،‬ولمكان الكائن النساني من هذا الوجود‬
‫وخالقه ‪ ،‬وللقيم التي يقوم عليها الوجود كله ‪ ،‬ويقوم عليها وجود‬
‫هذا النسان فيه؛ وللمنشأ والمصير ‪ ،‬والهدف والغاية ‪ ،‬والطريق‬
‫والوسيلة"‪. .1‬‬
‫و"أي الناس أولى بنفي الكيد عن سيرته من أبي القاسم ]‪ [‬؛‬
‫الذي حول المليين من عبادة الصنام الموبقة إلى عبادة الله رب‬
‫العالمين‪ ،‬ومن الضياع والنحلل إلى السموّ واليمان‪ ،‬ولم يفد‬
‫من جهاده لشخصه أو آله شيًئا مما يقتتل عليه طلب الدنيا من‬
‫زخارف الحطام"‪. 2‬‬
‫يقول المستشرق اليرلندي المستر هربرت وايل " ‪:‬‬
‫"بعد ستمائة سنة من ظهور المسيح ظهر محمد ]‪ [‬فأزال كل‬
‫الوهام ‪ ،‬وحرم عبادة الوهام ‪ ،‬وكان يلقبه الناس بالمين ‪ ،‬لما‬
‫كان عليه من الصدق والمانة وهو الذي أرشد أهل الضلل إلى‬
‫الصراط المستقيم "‪.3‬‬
‫فبعدما كانت عبادة الحجارة والشخاص والنار والبهائم هي‬
‫العبادة السائدة المسيطرة على الشعوب‪ ،‬أصبحت عبادة الله ي‬
‫‪ 1‬سيد قطب ‪ :‬في ظلل القرآن ‪) -‬ج ‪ / 6‬ص ‪(91‬‬
‫‪ 2‬نظمي لوقا‪ :‬محمد في حياته الخاصة ‪ ،‬ص ‪.12‬‬
‫‪ 3‬هربرت وايل ‪ :‬المعلم الكبر ‪ ،‬ص ‪17‬‬
‫‪69‬‬

‫تبارك وتعالى ي هي العبادة السائدة وأكثر انتشارًا‪ ،‬وبذلك يكون‬
‫النبي ‪ ‬قد أعاد دين إبراهيم وموسى وعيسى ي ابن مريم ي‬
‫حرف الدين الحق‬
‫عليهم السلم‪ ،-‬إلى الحياة مرة أخرى‪ ،‬بعدما ُ‬
‫)دين النبياء( من قبل النظمة الغابرة المستبدة‪ ،‬التي استعبدت‬
‫الشعوب‪،‬وأغرقته في الظلم والجهل‪..‬‬
‫إن عظمة النبي ‪ ‬البارزة لكل متبصر ‪ ،‬تكمن في أنه كان حامل‬
‫رسالة سماوية تنويرية‪ ،‬عنوانها ل إله إل الله ‪ ،‬تهدف أساسا ً إلى‬
‫إصلح حياة البشرية عامة‪ ،‬تحريرها من عبادة الوثان‬
‫والشيطان ‪ ..‬ومن ثم نقلها من البربرية والوثنية إلى الحضارة‬
‫المستنيرة‪..‬‬
‫جاء النبي ‪ ‬بشريعة خلقت جيل ً فريدا ً ضرب المثل العلى في‬
‫النبوغ العقدي والفكري‪..‬‬
‫المر الذي دفع علماء الغرب إلى النظر للسلم على أنه دين‬
‫تنويري‪ ،‬أو بعبارة الدكتور مكسيم رودنس "دين عقلني بعيد كل‬
‫البعد عن العقائد المسيحية المخالفة للعقل‪ ..‬ثم إنه وّفق بين‬
‫الدعوة إلى حياة أخلقية وبين حاجات الجسد والحواس والحياة‬
‫دا من الدين‬
‫في المجتمع‪ .‬وخلصة القول فهو كدين كان قريًبا ج ً‬
‫‪1‬‬
‫الطبيعي الذي كان يعتقد به معظم رجال عصر التنوير‪.. "..‬‬
‫ومن ثم يقول "ناجيمو راموني"‪": 2‬إن السلم هو أعظم الديان‬
‫ملءمة لجيلنا المتحضر ولكل جيل‪ .‬فالسلم ل يفصل بين الدين‬
‫ما‪ ،‬وهذا‬
‫والدنيا بحيث تتحول الحياة إلى طريقين مختلفين تما ً‬
‫يشكل خلصة الزمة المعاصرة للنسان‪ .‬لقد اعتنقت السلم لنه‬
‫دين طبقات الناس جميًعا‪ ،‬كبيرها وصغيرها‪ ،‬غنيها وفقيرها‪ ،‬دين‬
‫الحرار والعبيد‪ ،‬والسادة والمسودين"‪.3‬‬
‫ولذلك يقول الستاذ القانوني النكليزي المستر ولز ‪ " :‬كل‬
‫شريعة ل تسير مع المدنية في طور من أطوارها فاضرب بها‬
‫عرض الحائط ول تبال بها ! لن الشريعة التي ل تسير مع المدنية‬
‫جنًبا إلى جنب هي شر مستطير على أصحابها‪ ،‬تجرهم إلى‬
‫الهلك‪ ،‬وإن الشريعة التي وجدُتها تسير مع المدنية‪ ،‬أنى سارت‬
‫هي الشريعة السلمية"‪..4‬‬
‫ويدلل على ذلك قائ ً‬
‫ل‪ " :‬وإذا أراد إنسان أن يعرف شيًئا من هذا؛‬
‫فليقرأ القرآن وما به من نظريات علمية وقوانين وأنظمة لربط‬
‫‪ 1‬انظر ‪ :‬شاخت وبوزورت ‪ :‬تراث السلم ‪. 66 – 64 / 1‬‬
‫صر سابق‪ ،‬من غانا‪ ،‬بإفريقية الغربية‪ ،‬ولد لبوين مسيحيين‪ ،‬وتلقى تعليمه في المدارس التنصيرية‪ ،‬ولما بلغ‬
‫‪ 2‬من ّ‬
‫العشرين بدأ مهمته كمبشر متحّمس‪ ،‬لكنه عثر يوًما على كتاب عن السلم قدمه إليه أحد أصدقائه فاهتّزت‬
‫قناعاته بالنصرانية‪ ،‬واستمر في طريق البحث عن الحق حتى خريف عام ‪ 1963‬حيث أعلن إسلمه‪.‬‬
‫‪ 3‬انظر‪ :‬عرفات كامل العشي‪ :‬رجال ونساء أسلموا ‪. 58 – 57 / 9 ،‬‬
‫‪ 4‬انظر‪ :‬حكمت بشير ياسين‪ ،‬عناية السنة النبوية بحقوق النسان‪337 ،‬‬
‫‪70‬‬

‫خلقي‪،‬‬
‫المجتمع‪ ،‬فهو كتاب ديني‪ ،‬علمي‪ ،‬اجتماعي‪ ،‬تهذيبي‪ُ ،‬‬
‫تاريخي‪ ،‬وكثير من أنظمته وقوانينيه تستعمل حتى في وقتنا‬
‫الحالي‪ ،‬وستبقى مستعمله حتى قيام الساعة‪ ،‬وهل في استطاعة‬
‫إنسان أن يأتي بدور من الدوار كانت فيه الشريعة السلمية‬
‫مغايرة للمدنية والتقدم ؟ ! "‪.1‬‬
‫إن الشريعة السلمية كانت خير هدية من الله للعالم المتحضر‪،‬‬
‫حا عن‬
‫على حد قول جوزيف شاخت‪ 2‬فهي" تختلف اختلًفا واض ً‬
‫جميع أشكال القانون‪ ،‬إلى حد ّ أن دراستها أمر ل غنى عنه لكي‬
‫نقدر المدى الكامل للمور القانونية تقديًرا كافًيا‪ ..‬إن الشريعة‬
‫السلمية شيء فريد في بابه‪ ،‬وهي جملة الوامر اللهية التي‬
‫تنظم حياة كل مسلم من جميع وجوهها‪ ،‬وهي تشتمل على‬
‫أحكام خاصة بالعبادات والشعائر الدينية كما تشتمل على قواعد‬
‫‪3‬‬
‫سياسية وقانونية‪"..‬‬
‫ويبين "ديبورا بوتر" أن السلم جاء بعصر التنوير الحقيقي في‬
‫المجالت الحياتية المختلفة‪ ،‬فيقول‪:‬‬
‫"لقد جاء السلم بعصر التنوير الحقيقي في المجالت العلمية‬
‫والثقافية والفنية بصورة لم يسبق لها مثيل في عظمتها إلى يوم‬
‫الناس هذا‪ ..‬فبين عام ‪ 700‬و ‪ 1400‬بعد الميلد‪ ،‬وفي الوقت‬
‫الذي كانت فيه أوروبا تغط في سبات عميق في عصور الظلم‬
‫المسماة بالعصور الوسطى‪ ،‬كان العلماء المسلمون قد توصلوا‬
‫إلى المنهج التجريبي في البحث الذي ح ّ‬
‫ل محل المنهج المنطقي‬
‫دا عند الغريق قبل ذلك‪ ..‬لقد أنتجت هذه‬
‫العقيم الذي كان سائ ً‬
‫الحقبة من الزمان للدنيا رجال ً عظماء‪ ..‬ساهموا مساهمة عظيمة‬
‫في تشييد صرح الحضارة النسانية وكانوا يستلهمون هديهم من‬
‫القرآن الكريم في جميع نشاطاتهم"‪.4‬‬
‫المطلب الثاني ‪ :‬نضاله في إخراج الناس من الظلمات‬
‫إلى النور‪:‬‬
‫دخل الرسول ‪ ‬في صراع ونضال ضد أصحاب عصر الظلم‪،‬‬
‫والنزعات الرجعية‪ ،‬والموروثات المتخلفة التي عفى عليها الزمن‪،‬‬
‫كما تبين لورافيشيا فاغليري بقولها ‪" :‬دعا الرسول العربي ]‪[‬‬
‫بصوت ملهم باتصال عميق بربه‪ ..‬دعا عبدة الوثان وأتباع‬
‫‪ 1‬انظر‪ :‬حكمت بشير ياسين‪ ،‬عناية السنة النبوية بحقوق النسان‪337 ،‬‬
‫‪ 2‬جوزيف شاخت‪ :‬ولد عام ‪ ،1902‬وعين أستاًذا في عدد من الجامعات اللمانية )‪ ،(1934-1927‬ومحاضًرا‬
‫للدراسات السلمية في جامعة أكسفورد )‪ ،(1948‬وليدن )‪ ،(1954‬وكولومبيا )‪ ،(1958-1957‬وقد اشتهر‬
‫بدراسة التشريع السلمي وبيان نشأته وتطوره‪.‬من آثاره‪) :‬دين السلم( )‪ ،(1931‬و)نشأة الفقه في السلم( )‬
‫‪ ،(1950‬و)خلصة تاريخ الفقه السلمي( )‪.(1952‬‬
‫‪ 3‬انظر ‪ :‬شاخت وبوزورت ‪ :‬تراث السلم ‪. 9 / 3‬‬
‫‪ 4‬انظر ‪ :‬عرفات كامل العشي ‪ :‬رجال ونساء أسلموا ‪. 109 – 1108 / 8 ،‬‬
‫‪71‬‬

‫نصرانية ويهودية محّرفتين على أصفى عقيدة توحيدية‪ .‬وارتضى‬
‫عا مكشوًفا مع بعض نزعات البشر الرجعية التي‬
‫أن يخوض صرا ً‬
‫‪1‬‬
‫تقود المرء إلى أن يشرك بالخالق آلهة أخرى‪. "..‬‬
‫ولقد بذل النبي ‪ ‬مجهودا ً ضخما ً في سبيل تنوير العرب ودحر‬
‫الوثنية‪ ..‬يّبين ذلك المؤرخ المريكي واشنجتون إيرفنج بقوله ‪:‬‬
‫"لقي الرسول ]‪ ... [‬كثيًرا من العناء‪ ،‬وبذل عدة تضحيات‪.‬‬
‫فقد شك الكثير في صدق دعوته‪ ،‬وظل عدة سنوات دون أن‬
‫حا كبيًرا‪ ،‬وتعرض خلل إبلغ الوحي إلى الهانات‬
‫ينال نجا ً‬
‫والعتداءات والضطهادات‪ ،‬بل اضطر إلى أن يترك وطنه ويبحث‬
‫عن مكان يهاجر إليه هنا وهناك‪ ،‬وتخلى عن كل متع الحياة وعن‬
‫السعي وراء الثراء من أجل نشر العقيدة‪.2" .‬‬
‫ويؤكد ذلك هنري دي كاستري )‪ (1850-1927‬بقوله ‪ .." :‬ولقد‬
‫ما نفسية كبرى‬
‫نعلم أن محم ً‬
‫دا ]‪[‬مّر بمتاعب كثيرة وقاسى آل ً‬
‫حضت للدين‪،‬‬
‫قبل أن يخبر برسالته‪ ،‬فقد خلقه الله ذا نفس تم ّ‬
‫ومن أجل ذلك احتاج إلى العزلة عن الناس لكي يهرب من عبادة‬
‫الوثان‪ ،‬ومذهب تعدد اللهة الذي ابتدعه المسيحيون‪ ،‬وكان‬
‫بغضهما متمكًنا من قلبه‪ ،‬وكان وجود هذين المذهبين أشبه بإبرة‬
‫في جسمه ]‪ ، [‬ولعمري ! فيم كان يفكر ذلك الرجل الذي بلغ‬
‫الربعين وهو في ريعان الذكاء ومن أولئك الشرقيين الذين‬
‫امتازوا في العقل بحدة التخّيل وقوة الدراك‪ ..‬إل أن يقول مراًرا‬
‫ويعيد تكراًرا هذه الكلمات "الله أحد الله أحد"‪ .‬كلمات رددها‬
‫المسلمون أجمعون من بعده وغاب عنا معشر المسيحيين‬
‫مغزاها لبعدنا عن فكرة التوحيد‪.3"..‬‬
‫وتقول الكاتبة النكليزية اللدي ايفلين كوبولد‪:4‬‬
‫"كان العرب قبل محمد ]‪ [‬أمة ل شأن لها ول أهمية لقبائلها ول‬
‫دا يصح‬
‫لجماعتها‪ ،‬فلما جاء محمد ]‪ [‬بعث هذه المة بعًثا جدي ً‬
‫أن يكون أقرب إلى المعجزات فغلبت العالم وحكمت فيه آجال ً‬
‫وآجا ً‬
‫ل‪ ...‬لقد استطاع النبي ]‪ [‬القيام بالمعجزات والعجائب‪،‬‬
‫ما تمكن من حمل هذه المة العربية الشديدة العنيدة على نبذ‬
‫لَ ّ‬

‫‪ 1‬لورافيشيا فاغليري ‪ :‬دفاع عن السلم ‪ ،‬ص ‪.43‬‬
‫‪ 2‬إميل درمنغم‪ :‬حياة محمد‪ ،‬ص ‪.300‬‬
‫‪ 3‬هنري دي كاستري‪ :‬السلم‪ :‬خواطر وسوانح ‪ ،‬ص ‪17 ،16‬‬
‫‪ 4‬كاتبة إنجليزية‪ ،‬اعتنقت السلم وزارت الحجاز‪ ،‬وحجت إلى بيت ال‪ ،‬وكتبت مذكراتها عن رحلتها تلك في‬
‫كتاب لها بعنوان‪) :‬الحج إلى مكة( )لندن ‪ (1934‬والذي ترجم إلى العربية بعنوان‪) :‬البحث عن ال(‪.‬‬
‫‪72‬‬

‫قا‬
‫الصنام وقبول الوحدانية اللهية‪ ..‬لقد وّفق إلى خلق العرب خل ً‬
‫دا ونقلهم من الظلمات إلى النور"‪.1‬‬
‫جدي ً‬

‫المطلب الثالث ‪ :‬نجاح حركة التنوير ‪:‬‬
‫دم الصنام بأيد من صنعوها‬
‫وإن المبهر في سيرة النبي ‪ ‬أنه ه ّ‬
‫وعبدوها ‪ ..‬وهذا لشك من دلئل نجاح حركة التنوير التي قادها‬
‫النبي ‪‬‬
‫فهدمها سدنتها أمثال خالد بن الوليد وعمرو بن العاص و سعد بن‬
‫زيد بن الشهلي‪..‬‬
‫وما أروعهم !‬
‫بعدما قاتلوا في سبيل هذه الوثان والحجارة ‪..‬‬
‫هم الذين يهدمونها بأيديهم‪ ،‬ويحطمونها بسواعدهم ‪!! ..‬‬
‫هم ُ‬
‫ُ‬
‫ول شك أن هذا أوقع في قلوب الناس‪ ،‬لجذبهم إلى طريق‬
‫التوحيد‪..‬‬
‫فلما دخل النبي ‪ ‬مكة )في رمضان ‪8‬هي‪/‬يناير ‪ 630‬م( في يوم‬
‫فتحها‪ ،‬متجها ً إلى البيت‪ ،‬وحوله ثلثمائة وستون صنما ً ‪ ،‬جعل‬
‫يطعنها الواحدة تلو الخرى بعود في يده ‪ ،‬وهو يقول‪:‬‬
‫" جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوًقا‪ ،‬جاء الحق وما‬
‫يبدىء الباطل وما يعيد"‪.2‬‬
‫وكان في جوف الكعبة أيضا أصناما ً فأبى أن يدخل وفيها هذه‬
‫الوثان ‪ ،‬وأمر بها فأخرجت وأخرجت صور لبراهيم وإسماعيل‬
‫في أيديهما الزلم‪ ،3‬فقال النبي ‪‬‬
‫" قاتلهم الله ! لقد علموا ما استقسما بها قط "‪ ..‬ثم دخل البيت‬
‫فكبر في نواحي البيت‪.4‬‬
‫أما عن الصنام والوثان المنتشرة في الجزيرة العربية‪ ،‬فقد‬
‫أرسل إليها رجاله‪ ،‬ليهدموها واحدا ً تلو الخر‪ ،‬ليسدل الستار بذلك‬
‫على عصر الظلم‪..‬‬
‫فإليك هذه المشاهد ‪:‬‬
‫‪1‬ي لما اطمأن رسول الله ‪ ‬بعد الفتح؛ بعث خالد بن الوليد إلى‬
‫صنم العزى لخمس ليال بقين من شهر رمضان سنة ‪ 8‬هي)يناير‬
‫‪ 630‬م ( ليهدمها وكانت بنخلة – بين مكة والطائف ‪ ،-‬وكانت‬
‫‪ 1‬اللدي ايفلين كوبولد‪ :‬البحث عن ال‪ ،‬ص ‪66 ،51‬‬
‫‪ 2‬انظر‪ :‬ابن كثير‪ :‬السيرة النبوية‪ ،573 \3 ،‬والبداية والنهاية ‪346 \4‬‬
‫‪ 3‬السهام التي كانوا يستقسمون بها الخير والشر‪ ،‬وهو عمل سخيف‪ ،‬يعيق النسان عن العمل والحركة‪ ،‬إل بقرار‬
‫من هذه الزلم !‬
‫‪ 4‬المصدر السابق‬
‫‪73‬‬

‫لقريش وجميع بني كنانة وهي أعظم أصنامهم‪ .‬وكان سدنتها بني‬
‫سا حتى انتهى إليها‪،‬‬
‫شيبان‪ ،‬فخرج إليها خالد في ثلثين فار ً‬
‫فهدمها‪.1‬‬
‫‪2‬ي وبعث النبي ‪ ‬عمرو بن العاص في نفس الشهر إلى الصنم‬
‫سواع ليهدمه وهو صنم لهذيل برهاط‪ ،‬على قرابة ‪ 150‬كيلوا‬
‫مترا شمال شرقي مكة‪ ،‬فلما انتهى إليه عمرو قال له السادن‪:‬‬
‫ما تريد؟ قال‪ :‬أمرني رسول الله ‪‬أن أهدمه قال‪ :‬ل تقدر على‬
‫ذلك قال‪ :‬لم ؟ قال ُتمنع قال‪ :‬حتى الن أنت على الباطل؟‬
‫ويحك فهل يسمع أو يبصر؟ ثم دنا فكسره‪ ،‬وأمر أصحابه فهدموا‬
‫بيت خزانته فلم يجدوا فيه شيًئا‪ ،‬ثم قال للسادن‪ :‬كيف رأيت؟‬
‫قال‪ :‬أسلمت لله‪. 2 !!.‬‬
‫‪3‬ي وفي الشهر نفسه بعث ‪ ‬القائد سعد بن زيد بن الشهلي‬
‫سا إلى الصنم مناة وكانت بالمشلل عند قديد‬
‫في عشرين فار ً‬
‫للوس والخزرج وغسان وغيرهم‪ ،‬فلما انتهى سعد إليها قال له‬
‫‪3‬‬
‫سادنها‪ :‬ما تريد؟ قال‪ :‬هدم مناة‪ ،‬قال‪ :‬أنت وذاك‬
‫أرأيت كيف تحول حال هؤلء الصحابة من أناس يقدسون الصنام‬
‫والوثان إلى رجال موحدين‪ ،‬وقادة فاتحين‪ ،‬وعلماء‬
‫ومفكرين ‪ ..‬؟ !‬
‫وهكذا كان النبي كما وصفه جورج حنا بإنه " كان ثائًرا‪ ،‬عندما‬
‫أبى أن يماشي أهل الصحراء في عبادة الصنام وفي عاداتهم‬
‫الهمجية وفي مجتمعهم البربري‪ .‬فأضرمها حرًبا ل هوادة فيها‬
‫على جاهلية المشركين وأسيادهم وآلهتهم‪ .‬فكفره قومه‬
‫واضطهدوه وأضمروا له الموت‪ .‬فهاجر تحت جنح الليل مع نفر‬
‫من أتباعه‪ ،‬وما تخلى عن النضال في نشر دعوته‪ ،‬وما أحجم عن‬
‫تجريد السيف من أجلها‪ .‬فأخرج من جاهلية الصحراء عقيدة دينية‬
‫واجتماعية تجمع بين مئات المليين من البشر في أقطار‬
‫"‪4‬‬
‫المعمورة‬
‫وهكذا تتجلى أهم مظاهر رحمة النبي محمد ‪ ‬للعالمين‪..‬‬

‫‪ 1‬انظر ‪ :‬صفي الرحمن المباركفوري ‪ :‬الرحيق المختوم ‪.471 ،‬‬
‫‪ 2‬انظر ‪ :‬المصدر السابق‬
‫‪ 3‬انظر ‪ :‬المصدر السابق‬
‫‪ 4‬جورج حنا ‪ :‬قصة النسان ‪ ،‬ص ‪25‬‬
‫‪74‬‬

‫والتي تتمثل في كونه ‪ ‬المحرر العظم للبشر في إخراجهم من‬
‫دركات عبادة الحجارة إلى مستوى عبادة الخالق سبحانه‬
‫وتعالى ‪ ..‬وكون النسان ل يعبد مخلوقا؛ً دللة على حريته‬
‫وكرامته ‪ .‬أما عابد النار‪ ،‬وعابد الحجارة‪ ،‬وعابد البقرة‪ ،‬فل شك‬
‫أنه ل يهنىء بحياة إنسانية كريمة‪ ،‬قد قيدتهها الموروثات العقدية‬
‫الواهية ‪ .‬فكون النبي محمد ‪ ‬يجعل من جوهر رسالته أن يخرج‬
‫هؤلء البشر من هذا الحضيض إلى الحياة السلمية الشريفة؛‬
‫فذلك مظهر من مظاهر رحمته ‪ ،‬وكان هذا هو ديدنه حتى كان‬
‫له الفضل الكبر في تحويل سدنة الوثان إلى علماء‪ ،‬ودعاة‬
‫حضارة وتنوير !‬
‫المبحث الثاني‬
‫التحضر والرقي‬
‫من مظاهر رحمته ‪ ‬أنه ارتقى بالعرب إلى مستوى التحضر‬
‫فوحد صفهم وأقام لهم دولة و جعل منهم أمة‪ ،‬وصفها القرآن‬
‫بإنها خير أمة أخرجت للناس‪ ..‬إن في ذلك لرحمة ! رحمة أن‬
‫يعيش العربي في ظلل دولة مدنية‪ ،‬وأمة متحضرة‪ ،‬وفي سبيل‬
‫فكرة مستنيرة ‪ ..‬ل أن يعيش في صراعات قبلية‪ ،‬واقتتال على‬
‫الناقة والعنزة‪ ،‬في سبيل أفكار رجعية أو عصبية منتنة‪ ،‬كما كان‬
‫‪.1‬‬
‫يسميها النبي ‪ " :‬دعوها فإنها منتنة"‬
‫هذا ولم يقتصر فضل النبي ‪ ‬على تحضر العرب وحدهم ‪ ..‬بل‬
‫يمتد خيره ونوره إلى الشعوب والمم الخرى‪ ،‬خصوصا ً أوربا‪..‬‬
‫المطلب الول ‪ :‬العرب من القبيلة إلى الدولة والمة‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬العرب لم يعرفوا الوحدة الحضارية قبل النبي ‪‬‬
‫يقول المفكر اللماني رودي بارت‪: 2‬‬
‫"كان العرب يعيشون منذ قرون طويلة في بوادي وواحات شبه‬
‫دا‪ .‬حتى أتى محمد ]‪ [‬ودعاهم إلى‬
‫الجزيرة‪ ،‬يعيثون فيها فسا ً‬
‫اليمان بإله واحد‪ ،‬خالق بارئ‪ ،‬وجمعهم في كيان واحد‬
‫متجانس"‪.3‬‬
‫ويقول رودي بارت ‪ ،‬في موضع آخر‪ ،‬مفص ً‬
‫ل‪:‬‬
‫صاِر " َفَقا َ‬
‫ل‬
‫لْن َ‬
‫ن ا َْ‬
‫جل ِم ْ‬
‫ن َر ُ‬
‫جِري َ‬
‫ن اْلُمَها ِ‬
‫جلٌ ِم ْ‬
‫‪ 1‬صحيح البخاري‪ ،‬برقم ‪ ، 4525‬قال هذه الكلمة عندما ضرب َر ُ‬
‫سّلَم –‬
‫عَلْيِه َو َ‬
‫ل َ‬
‫صّلى ا ُّ‬
‫ل‪َ -‬‬
‫ل ا ِّ‬
‫سو ُ‬
‫ك َر ُ‬
‫سِمَع َذِل َ‬
‫ن !! َف َ‬
‫جِري َ‬
‫ي َيا َلْلُمَها ِ‬
‫جِر ّ‬
‫ل اْلُمَها ِ‬
‫صاِر !! َوَقا َ‬
‫ي ‪َ :‬يا لل ْن َ‬
‫صاِر ّ‬
‫لْن َ‬
‫ا َْ‬
‫ل‪":‬‬
‫صاِر ‪َ .‬فَقا َ‬
‫لْن َ‬
‫ن ا َْ‬
‫ل ِم ْ‬
‫جً‬
‫ن َر ُ‬
‫جِري َ‬
‫ل ِمنْ اْلُمَها ِ‬
‫جٌ‬
‫سَع َر ُ‬
‫ل ‪َ:‬ك َ‬
‫ل ا ِّ‬
‫سو َ‬
‫جاِهِلّيِة !!" َقاُلوا‪َ :‬يا َر ُ‬
‫عَوى اْل َ‬
‫ل َد ْ‬
‫ل‪َ ":‬ما َبا ُ‬
‫َفَقا َ‬
‫عوَها َفِإّنَها ُمْنِتَنٌة" يعني العصبية والتفاخر بالقبائل ‪.‬‬
‫َد ُ‬
‫‪ 2‬مفكر وباحث ألماني‪ ،‬عكف على الدراسات الشرقية في جامعة هايدلبرج‪ ،‬وكرس حياته لدراسة السلم‪،‬‬
‫وصنف عدًدا كبيًرا من الكتب والبحاث‪ ،‬منها ترجمته للقرآن الكريم ‪ ،‬التي أصدرها في عامي ‪ 1964‬و‬
‫‪ ،1965‬وله كتاب عن النبي محمد صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫‪ 3‬رودي بارت ‪ :‬الدراسات العربية والسلمية في الجامعات اللمانية ‪ ،‬ص ‪.20‬‬
‫‪75‬‬

‫"جاء محمد بن عبد الله ]‪ ،[‬النبي العربي وخاتمة النبيين‪ ،‬يبشر‬
‫العرب والناس أجمعين‪ ،‬بدين جديد‪ ،‬ويدعو للقول بالله الواحد‬
‫الحد‪ ،‬كانت الشريعة ]في دعوته[ ل تختلف عن العقيدة أو‬
‫اليمان‪ ،‬وتتمتع مثلها بسلطة إلهية ملزمة‪ ،‬تضبط ليس المور‬
‫ضا المور الدنيوية‪ ،‬فتفرض على المسلم‬
‫الدينية فحسب‪ ،‬بل أي ً‬
‫الزكاة‪ ،‬والجهاد ضد المشركين‪ ..‬ونشر الدين الحنيف‪ ..‬وعندما‬
‫قُبض النبي العربي ]‪ ،[‬عام ‪632‬م‪ ،‬كان قد انتهى من دعوته‪،‬‬
‫كما انتهى من وضع نظام اجتماعي يسمو كثيًرا فوق النظام‬
‫القبلي الذي كان عليه العرب قبل السلم‪ ،‬وصهرهم في وحدة‬
‫قوية‪ ،‬وهكذا تم للجزيرة العربية وحدة دينية متماسكة‪ ،‬لم تعرف‬
‫مثلها من قبل‪.1"..‬‬
‫ثانًيا‪ :‬جهود مضنية من النبي‪: ‬‬
‫ولقد كانت الحياة العربية قبل السلم تقوم أساسا ً على نمطية‬
‫خاصة‪ ،‬فالقبيلة هي التنظيم الجتماعي والسياسي الذي يضمم‬
‫حياة الفرد في القبيلة ‪ ،‬فكان انتماء العربي الجاهلي انتماء‬
‫قبليا ً ‪ ،‬وليس هناك أية رابطة عملية توحد القبائل وتجمعها ‪ ،‬بل‬
‫على العكس كانت القبائل متناحرة متحاربة ‪ ،‬وإذا ما قامت‬
‫أحلف قبلية ‪ ،‬فلمناصرة قبيلة على أخرى ‪ ،‬وبالتحديد كانت‬
‫القبيلة العربية تشكل وحدة سياسية مستقلة‪. . 2‬‬
‫ومن هنا كان النقلب الذي أحدثه الرسول ‪‬عميقا ً في حياة‬
‫الجزيرة العربية إذ استطاع بسياسته الكفاحية التي تمليها روح‬
‫السلم أن يحول هذه الوحدات القبلية المستقلة ويرتقى بها‬
‫لتظهر في إطار المة السلمية‪.3‬‬
‫فيبين "فيليب حتي" هذا النقلب الذي أحدثه الرسول ‪‬‬
‫فيقول ‪ ":‬إذا نحن نظرنا إلى محمد ]‪ [‬من خلل العمال التي‬
‫دا الرجل والمعلم والخطيب ورجل الدولة‬
‫حققها‪ ،‬فإن محم ً‬
‫دا من أقدر الرجال في جميع‬
‫والمجاهد؛ يبدو لنا بكل وضوح واح ً‬
‫أحقاب التاريخ‪ .‬لقد نشر ديًنا هو السلم‪ ،‬وأسس دولة هي‬
‫الخلفة‪ ،‬ووضع أساس حضارة هي الحضارة العربية السلمية‪،‬‬
‫وأقام أمة هي المة العربية‪ .‬وهو ل يزال إلى اليوم قوة حية‬
‫فعالة في حياة المليين من البشر"‪.. 4‬‬
‫وعن ضخامة هذا الجهد العظيم الذي بذله النبي ‪‬لحداث هذا‬
‫التحول في المجتمع العربي الجاهلي ‪ ،‬يقول إميل درمنغم ‪" :‬إن‬
‫‪ 1‬رودي بارت ‪ :‬الدراسات العربية والسلمية في الجامعات اللمانية ‪ ،‬ص ‪.20‬‬
‫‪ 2‬انظر للباحث ‪ " :‬دور النبي صلى ال عليه وسلم في تحضر العرب"‪ ،‬المقالة الفائزة بمسابقة " انصر نبيك وكن‬
‫داعيًا " من الموقع السلمي " اللوكة " ‪ ..‬فرع المقالة الصحفية‪2006 -‬‬
‫‪ 3‬انظر‪ :‬محمد شريف الشيباني ‪ :‬الرسول في الدراسات الستشراقة المنصفة‪ ،‬ص ‪ 68‬وما بعدها‪.‬‬
‫‪ 4‬فيليب حتى ‪:‬السلم منهج حياة ‪ ،‬ص ‪.56‬‬
‫‪76‬‬

‫النبي ]‪ [‬لم يعرف الراحة ول السكون بعد أن أوحي إليه في‬
‫غار حراء‪ ،‬فقضى حياة يعجب النسان بها‪ ،‬والحق أن عشرين‬
‫سنة كفت لعداد ما يقلب الدنيا‪ ،‬فقد نبتت في رمال الحجاز‬
‫الجديبة حبة سوف تجدد‪ ،‬عما قليل‪ ،‬بلد العرب وتمتد أغصانها‬
‫إلى بلد الهند والمحيط الطلنطي‪ .‬وليس لدينا ما نعرف به أن‬
‫دا ]‪ [‬أبصر‪ ،‬حين أفاض من جبل عرفات‪ ،1‬مستقبل أمته‬
‫محم ً‬
‫وانتشار دينه‪ ،‬وأنه أحس ببصيرته أن العرب الذين أّلف بينهم‬
‫سيخرجون من جزيرتهم لفتح بلد فارس والشام وأفريقية‬
‫وإسبانية"‪. 2‬‬
‫ويبين آرنولد توينبي‪ 3‬أن النبي قد كّرس حياته لتحقيق رسالته في‬
‫كفاليية مظهرييين أساسيييين فييي الييبيئة الجتماعييية العربييية؛ همييا‬
‫الوحدانية في الفكرة الدينية‪ ،‬والقانون والنظام في الحكم‪" .‬وتييم‬
‫ذلك فعل ً بفضل نظام السلم الشييامل الييذي ضييم بييين ظهرانيييه‬
‫الوحدانية والسلطة التنفيذيية مًعيا‪ ..‬فغيدت للسيلم بفضيل ذليك‬
‫قوة دافعة جبارة لم تقتصر على كفالة احتياجات العييرب ونقلهييم‬
‫من أمة جهالة إلى أمة متحضرة‪ ..‬بييل تييدفق السييلم ميين حييدود‬
‫شبه الجزيرة‪ ،‬واستولى على العالم السوري بأسره من سييواحل‬
‫الطالسي إلى شواطئ السهب الوراسي "‪.4‬‬
‫ثالًثا‪ :‬تميز فكرة المة السلمية‬
‫وينيياقش المستشييرق الفرنسييي مارسيييل بييوازار فكييرة " الميية‬
‫السلمية " ومغايرتها المفهوم الغربي‪ ،‬فيقول‪:‬‬
‫"ليس لفكرة المة السلمية مقابل في فكر الغرب ول في‬
‫جمع من المؤمنين‬
‫تجربته التاريخية‪ .‬فالجماعة السلمية‪ ،‬وهى ت ّ‬
‫يؤلف بينهم رباط سياسي وديني في آن واحد‪ ،‬ويتمحورون حول‬
‫كلم الله القدسي‪ ...‬و الفرد يندمج في السلم بالجماعة المؤمنة‬
‫بالتساوي عن طريق شهادته‪ ،‬الفردية واستبطان إرادته وصفاته‬
‫الخاصة كمؤمن‪ ،‬فالنية المعلنة والجهر بالكلم شرطان من‬
‫شروط النتماء إلى المجتمع ‪ .‬وبصورة تلزمية يحدد المتثال‬
‫لمشيئة الله البنية الجتماعية ‪ .‬وهكذا تكون النظم التأسيسية‬
‫للجماعة مشروطة بالعبادة الواجبة عليها نحو الله "‪.5‬‬
‫‪ 1‬يقصد حجة الوداع‪ ،‬في اليوم التاسع من ذي الحجة‪ ،‬في العام العاشر من الهجرة )‪6‬مارس ‪ 632‬م(‬
‫‪ 2‬إميل درمنغم ‪:‬حياة محمد‬
‫‪ 3‬آرنولد توينبي ‪ :‬المؤرخ البريطاني‪ ،‬الذي انصبت معظم دراساته على تاريخ الحضارات‪ ،‬وكان أبرزها مؤلفه‬
‫الشهير )دراسة للتاريخ( الذي شرع يعمل فيه منذ عام ‪ 1921‬وانتهى منه عام ‪ ،1961‬وهو يتكون من اثني عشر‬
‫جزًءا عرض فيها توينبي لرؤيته الحضارية للتاريخ‪.‬‬
‫‪ 4‬سومر فيل‪ ،‬وإشراف‪ :‬آرنولد توينبي ‪ :‬مختصر دراسة للتاريخ ‪381 / 10‬‬
‫‪ 5‬مارسيل بوزار ‪ :‬إنسانية السلمية ‪ ،‬ص ‪.183-182‬‬
‫‪77‬‬

‫إ ً‬
‫ذا ليس لفكرة المة السلمية ما ينافسها في تجارب الغرب‬
‫على مدار تارخيه‪..‬‬
‫فتاريخ الغرب عبارة عن مجموعة إمبراطوريات متتابعة قائمة‬
‫على الطبقية والعرق واللون‪..‬‬
‫ولم تقم لهم حضارة في تاريخهم تقوم على أساس الرباط‬
‫اليماني‪ ،‬اللهم إل حضارة السلم! ‪.‬‬
‫ولم يحدث أن دولة من دول الغرب في عصور الظلم‪ ،‬أن سوت‬
‫بين أفراد الشعب في المعاملة وتوزيع الثروة والسلطة‪ ،‬اللهم إل‬
‫دولة السلم !‬
‫المطلب الثاني ‪ :‬إشادة العلماء الغربيين بجهود النبي‬
‫‪‬‬
‫هييذا‪ ،‬ولقييد أثييار موضييوع فضييل الرسييول محمييد ‪‬علييى تحضيير‬
‫العرب‪ ،‬اهتمام علماء الغرب وغيرهييم‪ ،‬فهييو الييذي وحييد الجزيييرة‬
‫العربية أول مرة في التاريخ في ظل حكم إسييلمي ‪ ،‬متنييور نقييل‬
‫العييرب ميين الجاهلييية إلييى الحضييارة والمدنييية‪ ..‬يقييول البيياحث‬
‫الروسي آرلونوف‪:‬‬
‫"فييي شييبه جزيييرة العييرب المجيياورة لفلسييطين ظهييرت ديانيية‬
‫‪1‬‬
‫أساسها العتراف بوحدانية الله ‪ ،‬وهذه الديانة تعرف بالمحمدييية‬
‫أو كما يسميها أتباعها السلم‪ ،‬وقد انتشرت هذه الديانيية انتشييارا ً‬
‫سريعًا‪ ،‬و مؤسس هذه الديانة هو العربي محمد ]‪ ،[‬وقد قضييى‬
‫على عادات قومه الوثنييية‪ ،‬ووحييد قبييائل العييرب‪ ،‬وأثييار أفكييارهم‬
‫وأبصارهم بمعرفة اللييه الواحييد‪ ،‬وهييذب أخلقهييم ولييين طبيياعهم‬
‫وقلوبهم وجعلها مسييتعدة‪ ،‬للرقييي والتقييدم‪ ،‬ومنعهييم ميين سييفك‬
‫الدماء ووأد البنات‪ ،‬وهذه العمال العظيمة التي قييام بهييا محمييد]‬
‫‪ [‬تدل على أنه من المصييلحين العظييام‪ ،‬وعلييى أن فييي نفسييه‬
‫قوة فوق قوة البشر‪ ،‬فكان ذا فكر نير ‪ ،‬وبصيرة وقيادة "‪. 2‬‬
‫وهكذا فإن فضل الرسول ‪ ‬على العرب ل حييد لييه‪ ،‬إذ أخرجهييم‬
‫من الجاهلية إلى نور السلم‪.‬‬
‫ويضيف "هنري سيرويا"‪ 3‬أن "محمدا ً ]‪ [‬لم يغرس في نفوس‬
‫‪4‬‬
‫ضا المدنية والدب"‬
‫العراب مبدأ التوحيد فقط‪ ،‬بل غرس فيها أي ً‬
‫‪.‬‬
‫‪ 1‬خطأ ! بل السلم‪ ،‬أما مصطلح المحمدية‪ ،‬فيستخدمه المعادون للسلم عى أساس أنه دين من اختلق محمد‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫‪ 2‬آرلونوف ‪ :‬مقالة "النبي محمد " ‪ ،‬مجلة الثقافة الروسية ‪ ،‬ج ‪ ، 7‬عدد ‪9‬‬
‫‪ 3‬مستشرق فرنسي‪ ،‬من آثاره‪) :‬موسى بن ميمون‪ :‬ترجمته وآثاره وفلسفته( )‪) ،(1921‬الصوفية والمسيحية‬
‫واليهودية(‪) ،‬فلسفة الفكر السلمي(‪.‬‬
‫‪ 4‬هنري سيرويا ‪ :‬فلسفة الفكر السلمي ‪ ،‬ص ‪8‬‬
‫‪78‬‬

‫ويتحدث الباحث المريكي "جييورج دي تولييدز") ‪(1897-1815‬ي ‪،‬‬
‫عن فضل الرسول ‪‬على العرب حين نقلهم من الهمجييية إلييى‬
‫المدنية‪ ،‬وعن دور الرسالة في تبديل أخلق عرب الجاهلية ‪ ،‬حين‬
‫عمر ضياء الحق واليمان قلوبهم ‪ ،‬فيقول ‪:‬‬
‫" إن من الظلم الفادح أن نغمط حق محمد ]‪ ،[‬و العرب علييى‬
‫ما علمناهم من التوحش قبل بعثته‪ ،‬ثيم كييف تبيدلت الحالية بعيد‬
‫إعلن نبوته ‪ ،‬وما أورته الديانيية السييلمية ميين النييور فييي قلييوب‬
‫المليين من الذين اعتنقوها بكل شييوق وإعجيياب ميين الفضييائل ‪،‬‬
‫لذا فإن الشك في بعثة محمد]‪[‬إنما هو شك في القدرة اللهييية‬
‫التي تشمل الكائنات جمعاء"‪.1‬‬
‫ويؤكد ذلك القس السابق د ُّراني‪ 2‬بقوله‪:‬‬
‫"‪ ..‬وأخيرا ً أخذت أدرس حياة النبي محمد ]‪ [‬فأيقنت أن من‬
‫أعظم الثام أن نتنكر لذلك الرجل الرباني الذي أقام مملكة لله‬
‫بين أقوام كانوا من قبل متحاربين ل يحكمهم قانون‪ ،‬يعبدون‬
‫الوثن‪ ،‬ويقترفون كل الفعال المشينة‪ ،‬فغير طرق تفكيرهم‪ ،‬ل‬
‫بل بدل عاداتهم وأخلقهم‪ ،‬وجمعهم تحت راية واحدة وقانون‬
‫واحد ودين واحد وثقافة واحدة وحضارة واحدة وحكومة واحدة‪،‬‬
‫دا يستحق‬
‫ما واح ً‬
‫وأصبحت تلك المة‪ ،‬التي لم تنجب رجل ً عظي ً‬
‫الذكر منذ عدة قرون‪ ،‬أصبحت تحت تأثيره وهديه تنجب ألوًفا من‬
‫النفوس الكريمة التي انطلقت إلى أقصى أرجاء المعمورة تدعو‬
‫إلى مبادئ السلم وأخلقه ونظام الحياة السلمية وتعلم الناس‬
‫أمور الدين الجديد"‪.3‬‬
‫كان فضل النبي ‪ ‬في تحضيير العييرب ميين العمييق وُبعييد الثيير ل‬
‫يحصره زمان أو يحده مكان‪ ،‬يقول البيياحث قسييطاكي حمصييي )‬
‫‪: (1941-1858‬‬
‫"إذا كان سيد قريش نبي المسلمين ومؤسس دينهييم‪ ،‬فهييو أيضييا‬
‫نبي العرب ومؤسس جييامعتهم القومييية‪ ،‬وكمييا أنييه ميين الحمييق‬
‫والمكابرة أن ننكر أن ما لسيد قريش من بعيييد الثيير فييي توحيييد‬
‫اللهجات العربية ‪ ،‬وقتل العصبيات الفرعييية فييي نفييوس القبييائل‪،‬‬
‫بعد أن أنهكها القتال في الصييحراء ‪ ،‬و تنيياحر ملوكهييا فييي الشييام‬
‫والعييراق تنيياحرا ً أطييال أمييد الحماييية الرومانييية والفارسييية فييي‬
‫‪ 1‬انظر ‪ :‬محمد شريف الشيباني‪ :‬الرسول في الدراسات الستشراقية المنصفة‪182 ،‬‬
‫‪ 2‬سليل أسرة مسلمة منذ القدم‪ ،‬أصبح نصرانًيا في فترة مبكرة من حياته وتحت تأثير إحدى المدارس التبشيرية‬
‫سا منذ عام ‪ 1939‬وحتى عام ‪ ، 1963‬ثم‬
‫حا من حياته في كنيسة إنكلترا‪ ،‬حيث عمل قسي ً‬
‫المسيحية‪ ،‬وقضى رد ً‬
‫عاد إلى دين السلم‪.‬‬
‫‪ 3‬عرفات كامل العشي ‪:‬رجال ونساء أسلموا‪29 – 28 / 4 ،‬‬
‫‪79‬‬

‫البلدين الشقيقين حتى الفتح السلمي‪ .‬فمن الخطييأ أن ننكيير مييا‬
‫للرسول العربي الكريم ]‪ [‬وخلفائه من يد علييى الشييرق ! ‪...‬‬
‫والمنافحة لتحرييير الشييرق ميين رق الرومييان وأسيير الفييرس ‪.‬إن‬
‫سيد قريش هو المنقذ الكبر للعرب من فوضى الجاهلية‪ ،‬وواضييع‬
‫حجيير الزاوييية فييي صييرح نهضييتهم الجبييارة المتأصييلة فييي تربيية‬
‫الخلود !! "‪.1‬‬
‫المطلب الثالث‪ :‬فضل النبي في تحضر العالم‬
‫ويبين المستر سنكس أن لمحمد‪ ‬الفضل الكبر ليس فقط‬
‫في رقي العرب بل في رقي العالم كله حتى اليوم ‪ ،‬فيقول‬
‫سنكس ‪:‬‬
‫" ظهر محمد ]‪[‬بعد المسيح بخمسمائة وسبعين سنة‪،‬‬
‫وكانت وظيفته ترقية عقول البشر‪ ،‬بإشرابها الصول الولية‬
‫للخلق الفاضلة‪ ،‬وبإرجاعها إلى العتقاد بإله واحد‪ ،‬وبحياة بعد‬
‫هذه الحياة ‪ " ....‬إلى أن قال‪:‬‬
‫إن الفكرة الدينية السلمية‪ ،‬أحدثت رقيا ً كبيرا ً جدا ً في‬
‫العالم‪ ،‬وخّلصت العقل النساني من قيوده الثقيلة التي كانت‬
‫تأسره حول الهياكل بين يدي الكهان‪ .‬ولقد توصل محمد ]‪[‬‬
‫بمحوه كل صورة في المعابد وإبطاله كل تمثيل لذات الخالق‬
‫المطلق ‪ ،‬إلى تخليص الفكر النساني من عقيدة التجسيد‬
‫الغليظة"‪. .2‬‬
‫أما المفكر " برتلي سانت هيلر " فيبين أن فضل النبي محمد ‪‬‬
‫‪ ،‬يمتد إلى كل شعوب العالم‪ ،‬بقوله ‪:‬‬
‫"وقد كان دينه ]‪ [‬الذي دعا الناس إلييى اعتقيياده‪ ،‬جزيييل النعييم‬
‫على جميع الشعوب التي اعتنقته"‪.3‬‬
‫أما الكاتب الفرنسي موريس بوكاي فيخص أوربا والغرب ‪ ،‬على‬
‫أساس أن الشعوب الغربية هم أكثر الشعوب إستفادة من‬
‫حضارة السلم‪ ،‬فيقول بوكاي‪" :‬إن السلم ينظر إلى العلم‬
‫والدين كتوءمين‪ ،‬وأن تهذيب العلم كان جزءا ً من التوجيهات‬
‫الدينية منذ البداية‪ ،‬وأن تطبيق هذه القاعدة أدى إلى التقدم‬
‫العلمي العجيب في عصر الحضارة السلمية العظمى‪ ،‬التي‬
‫استفاد منها الغرب قبل نهضته"‪. 4‬‬
‫ل عن ‪ :‬محمد شريف الشيباني‪183 ،‬‬
‫‪ 1‬قسطاكي حمصي ‪ :‬مجلة الفتح القاهرية‪ ،‬عام ‪ ،1930‬نق ً‬
‫‪ 2‬انظر‪ :‬آن بيزينت‪ :‬حياة وتعاليم محمد ‪ ،‬ص ‪.5‬‬
‫‪ 3‬انظر ‪ :‬محمد شريف الشيباني‪ ،‬الرسول في الدراسات الستشراقية المنصفة‪ ،‬ص ‪.204‬‬
‫‪ 4‬موريس بوكاي ‪ :‬التوراة والنجيل والقرآن والعلم‪ ،‬ص ‪14‬‬
‫‪80‬‬

‫ويؤيده العلمة " سان سيمون " في كتابه " علم النسان "‬
‫بقوله‪:‬‬
‫" إن الدارس لبنيات الحضارات النسانية المختلفة ‪ ،‬ل يمكنه أن‬
‫يتنكر للدور الحضاري الخلق الذي لعبه العرب والمسلمون في‬
‫‪1‬‬
‫‪.‬‬
‫بناء النهضة العلمية لوربا الحديثة "‬
‫ويقارن "كويليام " حال العالم بعد عهد محمد ‪ r‬وبين عصر‬
‫الجاهلية فيقول ‪" :‬لما شرف محمد ‪ r‬ساحة عالم الشهود‬
‫بوجوده الذي هو الواسطة العظمى والوسيلة الكبرى إلى اعتلء‬
‫النوع النساني وترقّيه في درجات المدنية‪ ،‬أكمل ما يحتاجه‬
‫البشر من اللوازم الضرورية على نهج مشروع وأوصل الخلق إلى‬
‫أقصى مراتب السعادة بسرعة خارقة‪ .‬ومن نظر بعين البصيرة‬
‫في حال النام قبله ‪ r‬وما كانوا عليه من الضللة‪ ..‬ونظر في‬
‫حالهم بعد ذلك وما حصل لهم في عصره من الترّقي العظيم‬
‫ما كما بين الثريا والثرى"‪.2‬‬
‫رأى بين الحالين فرًقا عظي ً‬
‫و"‪ ..‬امتدت أنوار المدنية بعد محمد ]‪ [r‬في قليل من الزمان‬
‫ساطعة في أقطار الرض من المشرق إلى المغرب حتى إن‬
‫وصول أتباعه في ذلك الزمن اليسير إلى تلك المرتبة العلية من‬
‫المدنية قد حّير عقول أولي اللباب‪ .‬وما السبب في ذلك إل كون‬
‫أوامره ونواهيه موافقة لموجب العقل ومطابقة لمقتضى‬
‫الحكمة"‪.3‬‬
‫ويبين المستشرق المريكيي "إدوارد رمسيي" أن السيلم منييح"‬
‫المدنية والحضارة قوة جديدة وشييجع العييالم علييى درس العلييوم‬
‫ه‪ ،‬وهكييذا خييرج إلييى الييدنيا فلسييفة وخطبيياء وأطبيياء‬
‫باتساٍع متنا ٍ‬
‫ومؤرخييون يفخيير بهييم السييلم أمثييال‪ :‬أبييي عثمييان – الجيياحظ –‬
‫والبيروني والطبري وابن سينا وابيين رشييد والفييارابي وابيين بيياجه‬
‫والغزالييي وغيرهييم‪ ..‬والمسييلمون بل نييزاع هييم مخييترعو علييم‬
‫الكيمياء ومؤسسيوه‪ ،‬أميا عليم الطيب والصييدلة فقيد حسينوهما‬
‫تحسينا ً عظيمًا‪ ،‬وبواسييطة المسييلمين تقييدم علييم الفلييك سييريعا ً‬
‫حييتى الطيييران‪ ،‬وهييم مخييترعو علييم الجييبر ومكتشييفو علييم‬
‫الطيران"‪..4‬‬
‫و" قليلون من هم على علم بما أسيهم بيه العيالم السيلمي مين‬
‫جهود متميزة في تقدم النسانية "‪. 5‬‬
‫كييل هييذا وغيييره دفييع المفكيير الفرنسييي ‪ -‬أحييد عمالقيية فلسييفة‬
‫‪ 1‬انظر ‪ :‬رشدي فكار‪ :‬نظرات إسلمية للنسان والمجتمع خلل القرن الرابع عشر الهجري ‪ ،‬ص ‪.31‬‬
‫‪ 2‬عبد ال كويليام ‪ :‬أحسن الجوبة عن سؤال أحد علماء أوروبا ‪ ،‬ص ‪.22 ، 21‬‬
‫‪ 3‬عبد ال كويليام ‪ :‬أحسن الجوبة عن سؤال أحد علماء أوروبا ‪ ،‬ص ‪.23 ، 22‬‬
‫‪ 4‬انظر ‪ :‬محمد عثمان عثمان ‪ :‬محمد في الداب العالمية المنصفة‪ ،‬ص ‪107‬‬
‫‪ 5‬هذه الجملة للمؤرخ ‪ :‬ستانورد كب ‪ :‬المسلمون في تاريخ الحضارة‪21 ،‬‬
‫‪81‬‬

‫الجتميياع‪ -‬جوسييتاف لوبييون )‪ (1931-1841‬إلييى أن يييدعو أبنيياء‬
‫عصره إلى القتييداء بمحمييد‪ ، ‬واعتنيياق دعييوته لن فيهييا صييلح‬
‫المجتمعات النسانية ‪ ،‬فيقول في كتابه "الحضارة السلمية" ‪:‬‬
‫"أنني ل أدعو إلى بدعة محدثة ‪ ،‬ول إلى ضللة مسييتهجنة ‪ ،‬بييل‬
‫إلى دين عربي قد أوحاه الله إلى نبيه محمييد‪ ،‬فكييان أمين يا ً علييى‬
‫بث دعوته بين قبييائل تلهييت بعبييادة الحجييار والصيينام ‪ ،‬وتلييذذت‬
‫بترهات الجاهلية ‪ ،‬فجمع صفوفهم بعد أن كييانت مبعييثرة ‪ ،‬ووحييد‬
‫كلمتم بعد أن كييانت متفرقيية ‪ ،‬ووجييه أنظييارهم لعبييادة الخييالق ‪،‬‬
‫فكان خير البرية على الطلق حبا ً ونسبا ً وزعامة ونبوة ‪ ،‬هييذا هييو‬
‫محمد الذي اعتنق شريعته أربعمئة مليون مسلم ‪ ،‬منتشيرين فيي‬
‫أنحاء المعمورة ‪ ،‬يرتلون قرآنا ً عربيا ً مبينا ً "‪.‬‬
‫"فرسول كهذا جدير باتباع رسالته ‪ ،‬والمبادرة إلى اعتناق‬
‫دعوته ‪ ،‬إذ أنها دعوة شريفة ‪ ،‬قوامها معرفة الخالق ‪ ،‬والحض‬
‫على الخير والردع عن المنكر ‪ ،‬بل كل ما جاء فيها ما يرمي إلى‬
‫الصلح والصلح ‪ ،‬والصلح أنشودة المؤمن ‪ ،‬وهو الذي أدعو إليه‬
‫‪1‬‬
‫جميع النصارى"‬
‫المبحث الثالث‬
‫التسامح الديني‬
‫إن التسامح الديني‪ -‬بين الطوائف والجماعات والدول ‪ -‬الذي‬
‫جا‬
‫تبناه النبي ‪ r‬يعد من أهم مظاهر رحمته ‪ ..r‬وقد كان ‪ r‬نموذ ً‬
‫فذا في التسامح الديني ‪ .‬فالنبي ‪r‬لم ُيكره اليهود و ل النصارى‬
‫على قبول دينه‪ ،‬لنهم أهل الكتاب‪ .‬بل أمر النبي ‪ r‬بإكرام علماء‬
‫أهل الكتاب كالبطاركة والرهبان وخدمهم وحرم ‪ r‬قتل الرهبان ‪-‬‬
‫على الخصوص ‪ -‬حتى في حال الحرب‪.‬‬
‫المطلب الول ‪" :‬محمد]‪[‬الحاكم المتسامح الحكيم‬
‫المشرع"‪:2‬‬
‫التسامح عند سيدنا محمد ‪ ‬كما يقول الباحث الفرنسي‬
‫مارسيل بوازار "هو واجب ديني وأمر شرعي"‪.3‬‬
‫ويقول الفيلسوف اللماني الشهير "غوته" في كتابه )أخلق‬
‫المسلمين وعاداتهم(‪" :‬ول شك أن التسامح الكبر أمام اعتداء‬
‫أصحاب الديانات الخرى‪ ،‬وأمام إرهاصات وتخريفات اللدينيين‪،‬‬
‫‪ 1‬جوستاف لوبون ‪ :‬الحضارة السلمية ‪ ،‬ص ‪.67‬‬
‫‪ 2‬هذه الجملة للباحث الفرنسي‪ :‬مكسيم رودنسن‪ ،‬انظر‪ :‬عماد الدين خليل‪ :‬قالوا عن السلم ص ‪112‬‬
‫‪ 3‬مارسيل بوزار ‪ :‬إنسانية السلم ‪ ،‬ص ‪183‬‬
‫‪82‬‬

‫التسامح بمعناه اللهي‪ ،‬غرسه رسول السلم]‪ [‬في نفوس‬
‫المسلمين‪ ،‬فقد كان محمد ]‪ [‬المتسامح الكبر‪ ،‬ولم يتخذ‬
‫رسول السلم]‪ [‬موقفا ً صعبا ً ضد كل الذين كانوا يعتدون عليه‬
‫بالسب أو بمد اليدي أو بعرقلة الطريق وما شابه ذلك‪ ،‬فقد كان‬
‫متسامحًا؛ فتبعه أصحابه وتبعه المسلمون‪ ،‬وكانت وما زالت صفة‬
‫التسامح هي إحدى المميزات والسمات الراقية للدين السلمي‪،‬‬
‫وللحق أقول‪ :‬إن تسامح المسلم ليس من ضعف؛ ولكن المسلم‬
‫يتسامح مع اعتزازه بدينه‪ ،‬وتمسكه بعقيدته"‪.. 1‬‬
‫وتتحدث لورافيشيا فاغليري عن مظهر التسامح الديني عند النبي‬
‫‪ ،r‬فتقول‪:‬‬
‫ما بالمبادئ اللهية شديد التسامح‪،‬‬
‫"كان محمد ]‪ [r‬المتمسك دائ ً‬
‫وبخاصة نحو أتباع الديان الموحدة‪ .‬لقد عرف كيف يتذرع بالصبر‬
‫دا منه بأن الزمن سوف‬
‫ما اعتقا ً‬
‫مع الوثنيين‪ ،‬مصطنًعا الناة دائ ً‬
‫يتم عمله الهادف إلى هدايتهم وإخراجهم من الظلم إلى النور‪..‬‬
‫دا أن الله لبد أن يدخل آخر المر إلى القلب‬
‫لقد عرف جي ً‬
‫‪2‬‬
‫البشري"‬
‫إن سياسة التسامح الديني التي انتهجها محمد ‪ r‬تجاه أصحاب‬
‫الديانات الخرى حظيت باحترام وتقدير المفكرين الغرب فعقدوا‬
‫المقارنة بين تسامح السلم وتعصب الصليبيين‪ ..‬يقول القس‬
‫اللماني ميشون ‪:‬‬
‫"إن السلم الذي أمر بالجهاد متسامح نحو أتباع الديان الخرى ‪،‬‬
‫وهو الذي أعفى البطاركة والرهبان وخدمهم من الضرائب وحييرم‬
‫قتل الرهبان ‪-‬على الخصوص ‪ -‬لعكوفهم على العبادات ولم يمس‬
‫عمر بن الخطاب النصييارى بسييوء حييين فتييح القييدس ‪..‬وقييد ذبييح‬
‫الصليبيون المسلمين و حرقوا اليهود عندما دخلوها "‪.3‬‬
‫ويضيف الكاتب نفسه في موضع آخر ‪ ،‬متحدثا ً عن تاريخ العلقات‬
‫السلمية المسيييحية ‪ ،‬وكيييف أن المسيييحيين تعلمييوا الكييثير ميين‬
‫المسلمين في التسامح وحسن المعاملة ‪ ،‬يقول ‪:‬‬
‫"وإنه لميين المحييزن أن يتلقييى المسيييحيون عيين المسييلمين روح‬
‫التعامل وفضائل حسن المعامليية ‪ ،‬وهمييا أقييدس قواعييد الرحميية‬
‫والحسان عند الشييعوب والمييم‪ ،‬كييل ذلييك بفضييل تعيياليم نييبيهم‬
‫محمد]‪.4"[r‬‬
‫جا‪:‬‬
‫المطلب الثاني‪ :‬دستور المدينة نموذ ً‬
‫‪ 1‬انظر‪ :‬محمد عثمان عثمان ‪ :‬محمد في الداب العالمية المنصفة‪ ،‬ص ‪.20‬‬
‫‪ 2‬لورافيشيا فاغليري ‪ :‬دفاع عن السلم ‪ ،‬ص ‪.73‬‬
‫‪ 3‬ميشون ‪ :‬تاريخ الحروب الصليبية‪ ،‬نقل عن عفيف عبد الفتاح طبارة‪ ،‬ص ‪383‬‬
‫‪ 4‬ميشون ‪ :‬سياحة دينية في الشرق ‪ ،‬ص ‪.31‬‬
‫‪83‬‬

‫لقد كان التعييايش بييين مختلييف الطييوائف والفصييائل فييي الدوليية‬
‫السلمية الولى هو أحد أهداف الدستور السييلمي الييذي وضييعه‬
‫النبي ‪ ‬عقب هجرته إلى المدينة ‪ ،‬والذي ضمن تنظيم العلقات‬
‫ما بين المسلمين من جهة ‪ ،‬وأصحاب الديانات الخييرى ميين جهيية‬
‫أخييرى ‪ ،‬فييي إطييار ميين التسييامح الييديني والحرييية الدينييية فييي‬
‫ممارسة الشعائر‪ ،‬ويقول في ذلك "كونستانس جيورجيو" ‪:1‬‬
‫"وقيد حيوى هيذا الدسيتور اثنيين وخمسيين بنيدا ً ‪ ،‬كلهيا مين رأي‬
‫رسول الله]‪ . [r‬خمسة وعشرون منهييا خاصيية بييأمور المسييلمين‬
‫وسييبعة وعشييرون مرتبطيية بالعلقيية بييين المسييلمين وأصييحاب‬
‫الديان الخرى ‪ ،‬ولسيييما اليهيود وعبييدة الوثييان ‪ .‬وقيد دون هيذا‬
‫الدسييتور بشييكل يسييمح لصييحاب الديييان الخييرى بييالعيش مييع‬
‫المسلمين بحرييية ‪ ،‬ولهييم أن يقيمييوا شييعاثرهم حسييب رغبتهييم ‪،‬‬
‫ومن غير أن يتضايق أحد الفرقاء ‪ .‬وضع هذا الدستور فييي السيينة‬
‫الولى للهجرة‪ ،‬أى عام ‪623‬م ‪ .‬ولكن في حال مهاجمة المدينيية‬
‫من قبل عدو عليهم أن يتحدوا لمجابهته وطرده "‪. 2‬‬
‫وقد نص دستور المدينة على حرييية العتقيياد وممارسيية الشييعائر‬
‫فجاء فيه ‪:‬‬
‫وجاء في هذا الصل‪:‬‬
‫"وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين‪ ،‬لليهود دينهم‪ ،‬وللمسلمين‬
‫دينهييم‪ ،‬ومييواليهم وأنفسييهم إل ميين ظلييم نفسييه وأ َِثييم فييإنه ل‬
‫يوتغ] أي ُيهلك[ إل نفسه وأهل بيته"‪. 3‬‬
‫ونص على الستقلل المالي لكل طائفة‪ ،‬فكان ميين ضييمن مييواد‬
‫دستور المدينة‪:‬‬
‫‪4‬‬
‫"وإن على اليهود نفقتهم‪ ،‬وعلى المسلمين نفقتهم"‬
‫فمع وجييوب التعيياون الميالي بيين جمييع طييوائف الدوليية ليرد أي‬
‫عدوان خارجي‪ ،‬فإن لكل طائفة استقللها المالي عن غيرها ميين‬
‫الطوائف‪.‬‬
‫كما نص الدستور على النصح والبر بين المسلمين وأهل الكتاب‪:‬‬
‫فيقول الدستور ‪:‬‬
‫‪ 1‬المستشرق والوزير الروماني كونستانس جيورجيو ) المولود عام ‪ (1916‬صاحب كتاب ‪ " :‬نظر ة جديدة في‬
‫سيرة رسول ال"‬
‫‪ 2‬كونستانس جيورجيو ‪ :‬نظرة جديدة في سيرة رسول ال ‪ ،‬ص ‪ 192‬وما بعدها‬
‫‪ 3‬ابن كثير‪ :‬السيرة النبوية ‪ ،322 /2‬ابن هشام ‪ :‬السيرة النبوية ‪503 /1‬‬
‫‪ 4‬ابن سيد الناس ‪ :‬عيون الثر ‪ 1/261‬وابن كثير‪ :‬السيرة النبوية ‪ ،322 /2‬ابن هشام ‪ :‬السيرة النبوية ‪503 /1‬‬
‫‪84‬‬

‫‪1‬‬

‫"وإن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الثم"‬

‫فالصل فيي العلقية بيين جمييع طيوائف الدولية –مهميا اختلفيت‬
‫معتقييداتهم– هييو النصييح المتبييادل‪ ،‬والنصيييحة الييتي تنفييع البلد‬
‫والعباد‪ ،‬والبر والخير والصلة بين هذه الطوائف‪.‬‬
‫المطلب الثالث‪ :‬استقبال الوفود النصرانية ‪:‬‬
‫وتجلت مظاهر التسامح الديني في عهد النبي ‪ r‬عام الوفود حييين‬
‫استقبل وفودا ً نصرانية وبعث برسالة إلى أسقف نجران ‪. .‬‬
‫وميين ثييم يتحييدث "كونسييتانس جيورجيييو" عيين أوضيياع أصييحاب‬
‫الديانات السماوية في ظل الحكم السلمي فيقول‪: 2‬‬
‫" مع أن السلم عم الجزيرة كلها في السنة التاسعة فإن محمدا ً‬
‫]‪ [‬لم ُيكره اليهود و ل النصييارى علييى قبييول دينييه‪ ،‬لنهييم أهييل‬
‫الكتياب ‪ .‬و قيد جياء فيي رسيالة محميد ]‪ [‬إليى أبيي الحيارث‬
‫أسييقف نجييران أن وضييع المسيييحيين فييي الجزيييرة بعييد السييلم‬
‫تحسن كثيرًا‪ ،‬يقول في الرسالة ‪:‬‬
‫"بسم الله الرحمن الرحيم ‪ ،‬من محمد النبي‪ ،‬إلى السقف أبي‬
‫الحارث‪ ،‬وأساقفة نجران‪ ،‬وكهنتهم‪ ،‬ومن تبعهم‪ ،‬ورهبانهم ‪ :‬إن‬
‫لهم ما تحت أيديهم‪ ،‬من قليل أو كثير من بَيعهم وصلواتهم‪،‬‬
‫ورهبانيتهم‪ ،‬وجوار الله ورسوله‪ ،‬ل ُيغّير ُأسقف من ُأسقفيّته‪ ،‬ول‬
‫راهب من رهبانيته‪ ،‬ول كاهن من كهانته‪ .‬ول ُيغير حق من‬
‫حقوقهم ول سلطانهم‪ ،‬ول شيء مما كانوا عليه ‪] .‬على ذلك‬
‫دا [‪ ،‬ما نصحوا واصطلحوا فيما عليهم‪ ،‬غير‬
‫جوار الله ورسوله أب ً‬
‫‪3‬‬
‫قلين بظلم ول ظالمين" ‪...‬‬
‫مث َ‬
‫قا ‪:‬‬
‫يقول جيورجيو معل ً‬
‫"تشير هذه الرسالة إلى أن المسيحيين ) وكذلك اليهود ( في‬
‫الجزيرة أحرار في أداء شعائرهم‪ ،‬ولن يزاحمهم من المسلمين‬
‫دم في السنة التاسعة وفد من مسيحي نجران‬
‫مزاحم ‪ .‬وقد ق ْ‬
‫يرأسهم أبو الحارث السقف الكبر‪ ،‬وعبد المسيح السقف ‪،‬‬
‫واليهم رئيس القافلة ‪ ،‬وحين أرادوا الدخول على النبي ]‪[r‬‬
‫ارتادوا ألبستهم الدينية الرسمية الكاملة‪ ...‬وبعد أن زاروا النبي ]‬
‫‪[r‬سألوه أن يسمح لهم بأداء شعائرهم فطلب منهم أن يؤدوا‬
‫صلواتهم في مسجد المدينة‪ ،‬فدخلوا واتجهوا نحو بيت المقدس‪،‬‬
‫و تعبدوا هناك ‪ . .‬ول شك أن النبي ]‪ [r‬كان يحترم النصارى‬
‫‪ 1‬ابن سيد الناس ‪ :‬عيون الثر ‪ 1/261‬وابن كثير‪ :‬السيرة النبوية ‪ ،322 /2‬ابن هشام ‪ :‬السيرة النبوية ‪503 /1‬‬
‫‪ 2‬كونستانس جيورجيو ‪ :‬نظرة جديدة في سيرة رسول ال ‪ ،‬ص ‪.372 ،371‬‬
‫‪ 3‬انظر ‪ :‬محمد حميد ال ‪ :‬الوثائق السياسية‪،‬ص ‪ ،179‬وقد نقلنا النص الصلى‪ ،‬وليس النص المترجم عن‬
‫جيورجيو‪.‬‬
‫‪85‬‬

‫احتراما ً خاصا ً ‪ ،‬لن القرآن ذكرهم وأكرمهم ‪ .‬وقد أشار الله‬
‫تعالى إلى هذه النقطة في محكم كتابه في سورة المائدة‬
‫ن أَ َ‬
‫ن‬
‫داوَة ً ل ّل ّ ِ‬
‫س عَ َ‬
‫جد َ ّ‬
‫)الخامسة( في الية ) ‪ : ( 82‬ل َت َ ِ‬
‫ذي َ‬
‫شد ّ الّنا ِ‬
‫كوا ْ ول َتجد َ‬
‫مُنوا ْ‬
‫ن أَ ْ‬
‫موَد ّة ً ل ّل ّ ِ‬
‫مُنوا ْ ال ْي َُهود َ َوال ّ ِ‬
‫شَر ُ َ َ ِ َ ّ‬
‫نآ َ‬
‫م ّ‬
‫ن أقَْرب َهُ ْ‬
‫آ َ‬
‫ذي َ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫م لَ‬
‫صاَرى ذ َل ِ َ‬
‫سي ِ‬
‫ن ِ‬
‫ال ّ ِ‬
‫ك ب ِأ ّ‬
‫م قِ ّ‬
‫ن وَُرهَْبانا وَأن ّهُ ْ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫ن َقالوَا إ ِّنا ن َ َ‬
‫سي َ‬
‫ذي َ‬
‫ن ‪ ،‬ويقول في الية التي بعدها ‪ :‬وَإ ِ َ‬
‫ما‬
‫س ِ‬
‫ست َك ْب ُِرو َ‬
‫ذا َ‬
‫يَ ْ‬
‫مُعوا ْ َ‬
‫َ‬
‫ُأنزِ َ‬
‫ن‬
‫ما ع ََرُفوا ْ ِ‬
‫مِع ِ‬
‫ض ِ‬
‫م تَ ِ‬
‫ل إ َِلى الّر ُ‬
‫م ّ‬
‫ن الد ّ ْ‬
‫ل ت ََرى أع ْي ُن َهُ ْ‬
‫في ُ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫سو ِ‬
‫‪1‬‬
‫معَ ال ّ‬
‫ن‪] ‬المائدة ‪".. [83:‬‬
‫حقّ ي َ ُ‬
‫شاه ِ ِ‬
‫قوُلو َ‬
‫ال ْ َ‬
‫مّنا َفاك ْت ُب َْنا َ‬
‫ن َرب َّنا آ َ‬
‫دي َ‬
‫ويعلق آتيين دينيه على ما فعله النبي ‪ ‬مع وفد نجران النصراني‬
‫قائل ً ‪:‬‬
‫"‪ ..‬من الحقائق التاريخية أن النبي ]‪ [‬أعطى أهل )نجران(‬
‫المسيحيين نصف مسجده ليقيموا فيه شعائرهم الدينية‪ .‬وها نحن‬
‫أول ً نرى المسلمين إذا بشروا بدينهم فإنهم ل يفعلون مثل ما‬
‫يفعل المسيحيين في الدعوى إلى دينهم‪ ،‬ول يتبعون تلك الطرق‬
‫المستغربة التي ل تتحملها النفس والتي ليحبها الذوق السليم‪.‬‬
‫وقد أنصف القس ميثون الحقيقة في كتابه )سياحة دينية في‬
‫الشرق( حيث يقول‪ :‬إنه لمن المحزن أن يتلقى المسيحيون عن‬
‫المسلمين روح التسامح وفضائل حسن المعاملة وهما أقدس‬
‫قواعد الرحمة والحسان عند الشعوب والمم"‪. 2‬‬
‫المطلب الرابع ‪ :‬الحرية في العتقاد وممارسة‬
‫الشعائر ‪:‬‬
‫يقول جيمس متشنر ‪:‬‬
‫" القرآن صريح في تأييده لحرية العقيدة ‪ ،‬والدليل قوي على أن‬
‫السلم رحب بشعوب مختلفة الديان ‪ ،‬ما دام أهلها يحسنون‬
‫المعاملة ‪ ،‬وقد حرص محمد ]‪[‬على تلقين المسلمين التعاون‬
‫مع أهل الكتاب‪ ،‬أي اليهود والنصارى ‪ ،‬ولشك أن حروبا ً نشبت‬
‫بين المسلمين وغيرهم في بعض الحيان ‪ ،‬وكان سبب ذلك أن‬
‫أهل هذه الديانات الخرى أصروا على القتال‪ ،‬وقد قطع الرهبان‬
‫بأن أهل الكتاب كانوا ُيعاملون معاملة طيبة وكانوا أحرارا ً في‬
‫عبادتهم ‪ ،‬ولعل مما يقطع بصحة ذلك ‪ ،‬الكتاب الذي أرسله‬
‫البطريرك النسطوري إيشوياب الثالث إلى البطريرك سمعان ‪،‬‬
‫زميله في المجمع ‪ ،‬بعد الفتح السلمي وجاء فيه‪ ) :‬ها ! إن‬
‫العرب الذين منحهم الرب سلطة العالم وقيادة الرض أصبحوا‬
‫عندنا ‪ ،‬ومع ذلك نراهم ل يعرضون للنصرانية بسوء ‪ ،‬فهم‬
‫‪ 1‬كونستانس جيورجيو ‪ :‬نظرة جديدة في سيرة رسول ال ‪ ،‬ص ‪.372‬‬
‫‪ 2‬آتيين دينيه ‪ :‬أشعة خاصة بنور السلم ‪ ،‬ص ‪. 19 – 18‬‬
‫‪86‬‬

‫يساعدوننا ‪ ،‬ويشجعوننا على الحتفاظ بمعتقداتنا ‪ ،‬وإنهم ليجلون‬
‫الرهبان والقديسين !(‪.1" ..‬‬
‫وفي ذلك يقول روبرتسون ‪ " :‬إن المسلمين وحدهم هم الذين‬
‫جمعوا بين الجهاد والتسامح نحو اتباع الديان الخرى الذين‬
‫غلبوهم وتركوهم احرارا ً في اقامة شعائرهم الدينية "‪.2‬‬
‫وكييان لهييذا التسييامح أثييره فييي أن يصييبح الييدين السييلمي دين يا ً‬
‫عالميا ً ‪ ،‬بدءا ً من مراحله الولى أيام الرسول في جزيييرة العييرب‬
‫إلى أن عم أماكن شاسعة‪ ،‬يقول العلمة جولد تسهير ‪:‬‬
‫"سار السلم لكي يصبح قوة عالمية على سياسة بارعة ‪ ،‬ففي‬
‫العصور الولى لم يكن اعتناقه أمرا ً محتوما ً فإن المؤمنين‬
‫بمذاهب التوحيد أو الذين يستمدون شرائعهم من كتب منزلة‬
‫كاليهود والنصارى والزرادشتية كان في وسعهم متى دفعوا‬
‫] الشتراك السنوي للدولة ‪ -‬الجزية [ أن يتمتعوا بحرية الشعائر‬
‫وحماية الدولة السلمية ‪ ،‬ولم يكن واجب السلم أن ينفذ إلى‬
‫أعماق أرواحهم إنما كان يقصد إلى سيادتهم الخارجية ‪ .‬بل لقد‬
‫ذهب السلم في هذه السياسة إلى حدود بعيدة ‪ ،‬ففي الهند مثل ً‬
‫كانت الشعائر القديمة تقام في الهياكل و المعابد في ظل الحكم‬
‫السلمي ! "‪.3‬‬
‫لقد أثارت مبادئ التسييامح الييديني وحرييية العتقيياد فييي السييلم‬
‫فيما أثارته احترام المفكرين والعلماء والمستشييرقين المنصييفين‬
‫من الغرب وكذلك الكتاب والباحثين العرب النصارى‪ ،‬فقد تطييرق‬
‫"يوسف نعيم عرافة" في خطبيية ليه فيي مناسيبة المولييد النبييوي‬
‫عييام ‪1346‬هييي ‪1927‬م ‪ ،‬إلييى معاهييدة الرسييول مييع أصييحاب‬
‫الديانات الخرى ‪ ،‬لسيما المسيحيين منهم‪ ،‬فيقول‪:‬‬
‫" إن محمدا ]‪[r‬هو باني أساس المحبة والخاء بيننا ‪ ،‬فقد كان‬
‫يحب المسيحيين ويحميهم‪ ،‬من ذلك‪ :‬ما قام به في السنة‬
‫السادسة بعد الهجرة ‪ ،‬حيث عاهد الرهبان خاصة والمسيحيين‬
‫عامة ‪ ،‬على أن يدفع عنهم الذى ‪ ،‬ويحمي كنائسهم وعلى أن ل‬
‫يتعدى على أحد من أساقفتهم ول يجبر أحدا ً على ترك دينه ‪ ،‬وأن‬
‫ُيمدوا بالمساعدة لصلح دينهم وأديرتهم ‪ ،‬كما أن القرآن نطق‬
‫بمحبة المسيحيين للمسلمين وبمودتهم لهم ‪ ،‬وإن الية الشريفة ‪:‬‬
‫‪‬ول َتجد َ‬
‫صاَرى ذ َل ِ َ‬
‫ك‬
‫مُنوا ْ ال ّ ِ‬
‫موَد ّة ً ل ّل ّ ِ‬
‫َ َ ِ َ ّ‬
‫نآ َ‬
‫م ّ‬
‫ن أقَْرب َهُ ْ‬
‫ن َقال ُوَا ْ إ ِّنا ن َ َ‬
‫ذي َ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫‪4‬‬
‫َ‬
‫ن ‪ ، ‬لتبعث على‬
‫سي ِ‬
‫ن ِ‬
‫ست َك ْب ُِرو َ‬
‫ب ِأ ّ‬
‫م ل َ يَ ْ‬
‫م قِ ّ‬
‫ن وَُرهَْبانا ً وَأن ّهُ ْ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫سي َ‬
‫‪ 1‬انظر‪ :‬محمد أمين حسن ‪ :‬خصائص الدعوة السلمية ‪ ،‬ص ‪166‬‬
‫‪ 2‬انظر ‪ :‬شوقي أبو خليل‪ :‬السلم في قفص التهام ‪125 ،‬‬
‫‪ 3‬انظر‪ :‬محمد أبو فارس‪ :‬النظام السياسي في السلم ‪ ،‬ص ‪21‬‬
‫‪ 4‬سورة المائدة ‪:‬الية ‪ ،82‬والستشهاد للباحث النصراني يوسف نعيم عرافة‪.‬‬
‫‪87‬‬

‫شد أواصر الصداقة بين الطرفين ‪ ،‬بل حتى مع الشعب‬
‫السرائيلي في أكثر الوقات ‪ ،‬إننا لنعلم أن ما أتى به الرسل‬
‫موسى وعيسى ومحمد]عليهم والصلة والسلم[ما هو إل لصلح‬
‫العالم ل لفساده وخرابه ‪ ،‬وما الكتب الثلثة المنزلة إل نور‬
‫صادر من بؤرة واحدة ينعكس نورها في ثلثة أشعة‪ ،‬كل منها‬
‫‪1‬‬
‫للبشر"‬
‫هذا ‪ ،‬ومن أهم النصوص السلمية في التسامح الديني وحرية‬
‫العتقاد ‪..‬‬
‫ن الّر ْ‬
‫شد ُ‬
‫قول الحق تبارك وتعالى‪ :‬ل َ إ ِك َْراه َ ِفي ال ّ‬
‫ن َقد ت ّب َي ّ َ‬
‫دي ِ‬
‫فْر ِبال ّ‬
‫س َ‬
‫طا ُ‬
‫ك‬
‫من ِبالل ّهِ فَ َ‬
‫ن ي َك ْ ُ‬
‫ت وَي ُؤ ْ ِ‬
‫غو ِ‬
‫ِ‬
‫م َ‬
‫قد ِ ا ْ‬
‫ست َ ْ‬
‫ي فَ َ‬
‫م ْ‬
‫ن ال ْغَ ّ‬
‫م َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫م ‪] ‬البقرة‪[256 :‬‬
‫ِبالعُْروَةِ الوُث ْ َ‬
‫س ِ‬
‫ى ل َ ان ِ‬
‫صا َ‬
‫ه َ‬
‫ميعٌ ع َِلي ٌ‬
‫م لَها َوالل ُ‬
‫ف َ‬
‫ق َ‬
‫‪.‬‬
‫يقول الستاذ سيد قطب – رحمه الله ‪ -‬في ظلل هذه الية ‪" :‬‬
‫إن قضية العقيدة ‪ -‬كما جاء بها هذا الدين ‪ -‬قضية اقتناع بعد‬
‫البيان والدراك؛ وليست قضية إكراه وغصب وإجبار ‪ .‬ولقد جاء‬
‫هذا الدين يخاطب الدراك البشري بكل قواه وطاقاته ‪ .‬يخاطب‬
‫العقل المفكر ‪ ،‬والبداهة الناطقة‪ ،‬ويخاطب الوجدان المنفعل ‪،‬‬
‫كما يخاطب الفطرة المستكنة ‪ .‬يخاطب الكيان البشري كله ‪،‬‬
‫والدراك البشري بكل جوانبه؛ في غير قهر حتى بالخارقة المادية‬
‫التي قد تلجىء مشاهدها الجاء إلى الذعان ‪ ،‬ولكن وعيه ل‬
‫يتدبرها وإدراكه ل يتعقلها لنها فوق الوعي والدراك ‪ ...‬فكيف‬
‫بالمذاهب والنظم الرضية القاصرة المتعسفة وهي تفرض فرضا ً‬
‫بسلطان الدولة؛ ول يسمح لمن يخالفها بالحياة؟!"‪.2‬‬
‫المبحث الرابع‬
‫رعاية العلم والمعرفة‬
‫المطلب الول ‪ :‬بداية عصر العلم والمعرفة‪:‬‬
‫إن الحركة العلمية والثقافية التي قام بها محمد ‪ r‬متعددة‬
‫الجوانب‪ ،‬اجتماعيا ً وسياسيا ً ودينيا ً وثقافيا ً ‪ .‬لقد كان العهد‬
‫السلمي الذي بدأ مع إقامة أول دولة إسلمية بقيادته ‪ r‬في‬
‫المدينة المنورة ‪ ،‬فاتحة عهد جديد وخير للبشرية جمعاء ‪ :‬عهد‬
‫علم وثقافة ومعرفة‪.‬‬

‫‪ 1‬انظر ‪ :‬محمد شريف الشيباني ‪ :‬الرسول في الدراسات الستشراقية المنصفة ‪.110‬‬
‫‪ 2‬سيد قطب‪ :‬في ظلل القرآن‪ ،‬المجلد الول‪ ،‬تفسير الية ‪ 256‬من سورة البقرة‪.‬‬
‫‪88‬‬

‫فلقد افتتح النبي محمد ‪ r‬حسب رأي العديد من علماء الشرق‬
‫والغرب عهدا ً جديدًا‪،‬وعصرا ً للنور والعلم والمعرفة ‪ ،‬فكان كفاحه‬
‫حين صدع بالدعوة السلمية ‪ ،‬لنشر رسالة الله ‪ ،‬لزالة ما تراكم‬
‫في ذلك المجتمع الجاهلي الوثني من معتقدات خرقاء ‪ ،‬وأنماط‬
‫اجتماعية سوداء ‪ . .‬وهذا ما دفع الدكتور ماركس إلى إعلن‬
‫قولته الشهيرة التي نصها‪:‬‬
‫" هذا النبي ]‪ [r‬الذي افتتح برسالته عصر العلم والنور والمعرفة‬
‫ل بد أن تدون أقواله وأفعاله على طريقة علمية خاصة ‪ ،‬وبما أن‬
‫هذه التعاليم التي قال بها]يعنى النبي محمد ‪ ،[r‬هي وحي الله‬
‫المنزل ورسالته ‪ ،‬فقد كان عليه]‪ [r‬أن يمحو ما تراكم على‬
‫الرسالت السابقة من التبديل والتحوير ‪ ،‬وما أدخله عليها الجهل‬
‫من سخافات ل يعول عليها عاقل "‪ .1‬وهذا ما فعله النبي ‪! r‬‬
‫"ومنذ عيام ‪700‬م بيدأت إشيراقة الحضيارة العربيية السيلمية‬
‫تمتد من شرقي المتوسط إلى بلد فيارس شيرقا ً وإسيبانيا غربيًا‪،‬‬
‫فأعيد اكتشاف قسم كبير من العلم القديم‪ ،‬وسييجلت اكتشييافات‬
‫جديدة في الرياضيات والكيمييياء والفيزييياء وغيرهييا ميين العلييوم‪..‬‬
‫وفي هذا المجييال كمييا فييي غيييره؛ كييان العييرب معلمييين لوربيية‪،‬‬
‫فساهموا في نهضة العلوم على هذه القارة"‪.2‬‬
‫المطلب الثاني ‪ :‬القرأة أولي تعاليم النبي ‪: r‬‬
‫يقول نصري سلهب‪" :‬أولى اليات البّينات‪ ..‬كانت تلك الدعوة‬
‫الرائعة إلى المعرفة‪ ،‬إلى العلم عبر القراءة‪ ..‬اقَْرأ ْ ‪ ..3‬وقول‬
‫الله هذا لم يكن لمحمد ]‪ [r‬فحسب‪ ،‬بل لجميع الناس‪ ،‬ليوضح‬
‫لهم‪ ،‬منذ الخطوة الولى‪ ،‬بل منذ الكلمة الولى أن السلم جاء‬
‫يمحو الجهل وينشر العلم والمعرفة"‪. 4‬‬
‫وهذا ما يشيد به أيضا ً "واجنر"‪ ،‬حيث يقول ‪ .." :‬السلم دين‬
‫العلم‪ ،‬ويكفي أن أول آية في القرآن أنزلت على محمد ]‪[r‬هي‬
‫قوله تعالى‪ :‬اقَْرأ ْ ‪ ،‬وهذا اتجاه فريد يصعب وجوده في تاريخ‬
‫الكنائس والديان الخرى‪ .‬ولهذا تجدني وصلت من خلل‬
‫الدراسات السلمية وما قرأته في كتاب الله تعالى الذي ل يترك‬
‫صغيرة ول كبيرة إل أحصاها‪ ،‬والذي ل يأتيه الباطل من بين يديه‬
‫ول من خلفه‪ ،‬وصلت إلى ما أبغيه لنفسي من الستقرار‬
‫والمان‪..5"!!..‬‬
‫‪ 1‬انظر ‪ :‬محمد شريف الشيباني‪ :‬الرسول في الدراسات الستشراقية المنصفة ‪178 ،‬‬
‫‪ 2‬دانييل بريفولت‪ :‬نشأة النسانية‪ ،‬ص ‪84‬‬
‫ق‪ ‬سورة العلق ‪ :‬الية الولى ‪.‬‬
‫خَل َ‬
‫ك اّلِذي َ‬
‫سِم َرّب َ‬
‫‪ 3‬قول ال تعالى ‪‬اْقَرْأ ِبا ْ‬
‫‪ 4‬نصري سلهب ‪ :‬لقاء المسيحية والسلم‪92 ،‬‬
‫‪ 5‬انظر‪ :‬عرفات كامل العشي‪ :‬رجال ونساء أسلموا ‪. 37 / 5‬‬
‫‪89‬‬

‫المطلب الثالث ‪ :‬احترام العقل‪:‬‬
‫يبين "ليون"‪ 1‬أن من روائع دعوة محمد ‪ r‬أنها تحترم العقل‪ ،‬وأن‬
‫دا بإلغاء هذه الملكة الربانية الحيوية‪.‬‬
‫السلم " ل يطالب أتباعه أب ً‬
‫‪2‬‬
‫فهو على النقيض من الديان الخرى التي تصّر على أتباعها أن‬
‫يتقبلوا مبادئ معينة دون تفكير ول تساؤل حّر‪ ،‬وإنما تفرض هذه‬
‫ضا بسلطان الكنيسة‪ .‬أما السلم فإنه يعشق البحث‬
‫المبادئ فر ً‬
‫والستفسار ويدعو أتباعه إلى الدراسة والتنقيب والنظر قبل‬
‫اليمان‪ ...‬إن السلم يؤيد الحكمة القائلة‪ :‬برهن على صحة كل‬
‫سك بالخير‪ .‬وليس هذا غريًبا‪ ،‬إذ أن الحكمة ضالة‬
‫شيء ثم تم ّ‬
‫المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها‪ .‬فالسلم دين العقل‬
‫والمنطق‪ ...‬فالسلم هو الحق ! وسلحه العلم! وعدوه اللدود‬
‫هو الجهل! "‪.3‬‬
‫ويتحدث المفكر الشهير " أوجست كونت" عن هذه النقطة‪ ،‬وعن‬
‫قدرة السلم في التعامل واحتواء جميع العقول والفلسفات‬
‫والفكار النسانية ‪ ..‬فعّبر عن ذلك بقوله ‪:‬‬
‫" إن عبقرية السلم وقدرته الروحية ل يتناقضان البتة مع العقل‬
‫كما هو الحال في الديان الخرى ؛ بل ول يتناقضان مع الفلسفة‬
‫الوضعية نفسها ؛ لن السلم يتمشى أساسا ً مع واقع النسان‪،‬‬
‫كل إنسان‪ ،‬بما له من عقيدة مبسطة ‪ ،‬ومن شعائر عملية مفيدة‬
‫! "‪..4‬‬
‫ويقول المؤرخ العلمة سيديو – في مقارنة رائعة ‪" : -‬لم يشهد‬
‫المجتمع السلمي ما شهدته أوربة من تحجر العقل وشل‬
‫التفكير‪ ،‬وجدب الروح‪ ،‬ومحاربة العلم والعلماء حيث يذكر التاريخ‬
‫أن اثنين وثلثين ألف عالم قد أحرقوا أحياء! ول جدال في أن‬
‫تاريخ السلم لم يعرف هذا الضطهاد الشنيع لحرية الفكر‪ ،‬بل‬
‫كان المسلمون منفردين بالعلم في تلك العصور المظلمة‪ ،‬ولم‬
‫يحدث أن انفرد دين بالسلطة ومنح مخالفيه في العقيدة كل‬
‫أسباب الحرية كما فعل السلم"‪.. 5‬‬
‫ومنذ حوالي ألف عام‪ ،‬عندما كان العلماء في أوربة ُيحرقون‬
‫أحياء كما قال سيديو؛ كان العالم الندلسي المسلم )ابن حزم(‬
‫صل في الملل والهواء والنحل( عن كروية‬
‫يعلن في كتابه )ال ِ‬
‫ف َ‬
‫ل وعضًوا فخرًيا في العديد من‬
‫‪ 1‬البروفيسور هارون ليون‪ :‬باحث إنكليزي‪ ،‬اعتنق السلم عام ‪ ،1882‬وكان زمي ً‬
‫الجمعيات الدينية في أوروبا وأميركا‪ ،‬وكان أستاًذا قديًرا في علم اللغويات‪ ،‬وقد تلقى العديد من الوسمة الفخرية‪،‬‬
‫أحدها من السلطان عبد الحميد الثاني – رحمه ال ‪. -‬‬
‫‪ 2‬هكذا‪ ،‬ولعلها ‪" :‬تفرض"‬
‫‪3‬انظر‪ :‬عرفات كامل العشي‪ :‬رجال ونساء أسلموا ‪. 7 – 6 / 7 ،‬‬
‫‪ 4‬انظر ‪ :‬عرفات كامل العشي‪ :‬رجال ونساء أسلموا ‪ ،‬ص ‪32‬‬
‫‪ 5‬انظر‪ :‬محمد حسام الدين الخطيب‪ :‬نبي المسلمين ودين السلم والحضارة السلمية ‪42 ،41‬‬
‫‪90‬‬

‫الرض‪ 1‬منطلقا ً من القرآن الكريم ومن التنظيم المطرد‬
‫لمواقيت الصلة في محيط الرض‪.2‬‬
‫رغم أن أوربا في عهد الكنيسة وفي ذلك الوقت‪ ،‬اعتبرت" أن‬
‫من الكفر والضلل القول بأن الرض كروية؛ فمعلم الكنيسة‬
‫ن الناس إلى هذا الحد‬
‫لكتانتيوس يتساءل مستنكرًا‪ :‬أيعقل أن ُيج ّ‬
‫فيدخل في عقولهم أن البلدان والشجار تتدلى من الجانب الخر‬
‫تعلو رؤوسهم ؟ !"‪. 3‬‬
‫من الرض‪ ،‬وأن أقدام الناس‬
‫المطلب الرابع ‪ :‬حثه على طلب العلم ‪:‬‬
‫يقول ول ديورانت ‪" :‬تدل الحاديث النبوية على أن النبي ]‪ [r‬كان‬
‫يحث على طلب العلم ويعجب به‪ ،‬فهو من هذه الناحية يختلف‬
‫عن معظم المصلحين الدينيين"‪ .. 4‬وتقول هونكه‪ ": 5‬لقد أوصى‬
‫محمد ]‪ [r‬كل مؤمن رجل ً كان أو امرأة بطلب العلم‪ ،‬وجعل من‬
‫ذلك واجًبا دينًيا‪ .‬وكان يرى في تعمق أتباعه في دراسة‬
‫المخلوقات وعجائبها وسيلة للتعرف على قدرة الخالق‪ .‬وكان‬
‫يرى أن المعرفة تنير طريق اليمان‪ ..‬ويلفت أنظارهم إلى علوم‬
‫كل الشعوب‪ ،‬فالعلم يخدم الدين والمعرفة من الله وترجع إليه‪،‬‬
‫لذلك فمن واجبهم أن يصلوا إليها وينالوها أًيا كان مصدرها ولو‬
‫ما يتساءل بولس الرسول‬
‫نطق بالعلم كافر‪ .‬وعلى النقيض تما ً‬
‫‪6‬‬
‫‪ Paulus‬مقًرا‪) :‬ألم يصف الرب المعرفة الدنيوية بالغباوة(؟ ‪"...‬‬
‫وهي لفتة ذكية من هونكه في الفرق بين وجوب طلب العلم في‬
‫من خلفه‬
‫تعاليم محمد ‪ ،r‬وتحريم المعرفة في تعاليم بولس و ِ‬
‫الكنائس النصرانية في عصور الظلم !‬
‫تماما ً كما قارنت الدكتورة هونكة في موضع آخر ‪ ،‬حيث قالت ‪:‬‬
‫"نادى النبي بالطموح إلى المعرفة والسعي إلى العثور عليها‪،‬‬
‫وقد أدى ذلك إلى اندفاع العرب بأسرهم إلى المدارس يعّلمون‬
‫ويتعلمون‪ ،‬بينما كان الغربيون يتباهون بجهلهم للقراءة‬
‫والكتابة !"‪.7‬‬
‫ومن ثم تقول تزفسكن‪: 8‬‬
‫‪ 1‬انظر ابن حزم ‪ :‬الفصل في الملل والهواء والنحل‪ ،‬مطلب )بيان كروية الرض(‪78\2 ،‬‬
‫‪ 2‬انظر‪ :‬محمد حسام الدين الخطيب‪ :‬نبي المسلمين ودين السلم والحضارة السلمية‪ ،‬ص ‪42‬‬
‫‪ 3‬انظر‪ :‬زيغريد هونكه‪:‬شمس ال تسطع على الغرب‪ ،‬ص ‪370‬‬
‫‪ 4‬ول ديورانت ‪ :‬قصة الحضارة ‪167 / 13،‬‬
‫‪ 5‬دكتورة زيغريد هونكه ‪ :‬مستشرقة ألمانية معاصرة‪ ،‬وهي زوجة الدكتور شولتزا‪ ،‬المستشرق اللماني المعروف‬
‫الذي تعمق في دراسة آداب العرب والمسلمين والطلع على آثارهم ومآثرهم‪ .‬من آثارها‪) :‬أثر الدب العربي‬
‫في الداب الوروبية( ‪ ،‬و)الرجل والمرأة( وهو يتناول جانًبا من الحضارة السلمية )‪ ،(1995‬و)شمس ال‬
‫تسطع على الغرب( الذي ترجم بعنوان‪) :‬شمس العرب تسطع على الغرب(‪.‬‬
‫‪ 6‬زيغريد هونكه‪ :‬شمس العرب تسطع على الغرب‪ ،‬ص ‪369‬‬
‫‪ 7‬زيغريد هونكه‪ :‬شمس العرب تسطع على الغرب‪ ،‬ص ‪369‬‬
‫‪91‬‬

‫" لم يتبّين لي الفرق الشاسع بين تعاليم السلم وبين كثير من‬
‫العادات الشرقية إل عندما دخلت عالم السلم الروحي عن‬
‫طريق القرآن والكتابات السلمية‪ ..‬فشعرت ببطء كيف يجذبني‬
‫السلم‪ .‬وكانت تعاليمه تخاطب عقلي وفطرتي‪ .‬وكان من أهم‬
‫دني ‪...‬الجتهاد في طلب العلم الذي ُيعتبر فريضة على كل‬
‫ما ش ّ‬
‫‪1‬‬
‫مسلم ومسلمة‪. " ..‬‬
‫‪2‬‬
‫وهوالمر الذي نال إعجاب وتقدير لمير التي تقول‪" :‬في الوقت‬
‫الذي تهاوت فيه تعاليم الديان الخرى ومبادئها أمام جبروت‬
‫العلم؛ أخذ علماء الدنيا في الوقت الحاضر يتطلعون إلى السلم‬
‫طالبين السلوى‪ ،‬لن تعاليمه أقرب إلى العلم من أي دين آخر‪.‬‬
‫بل إن السلم يحض على العلم‪ .‬وهو دين تقدمي يناسب كافة‬
‫المناخات والبلد‪ ،‬كما يصلح لجميع العصور"‪. 3‬‬
‫المطلب الخامس‪ :‬العلم من وظائف رسالته‪:‬‬
‫يقول آتيين دينيه‪:‬‬
‫"‪ ..‬إن السلم منذ البداية في أيامه الولى قد أخذ في محاربة‬
‫الخرافات والبدع‪ ،‬وهو نفس العمل الذي يقوم به العلم إلى يومنا‬
‫هذا"‪.. 4‬‬
‫ما مع مبادئ السلم‪،‬‬
‫وبالتالي فإن "المنجزات العلمية تتفق تما ً‬
‫لن السلم هو دين العلم"‪ ،5‬على حد قول فيلويز‪. 6‬‬
‫ومن هنا يذكر جوستاف لوبون أن‪":‬السلم من أكثر الديان‬
‫ملءمة لكتشافات العلم"‪.7‬‬
‫‪8‬‬
‫م‪ ،‬فيقول ‪":‬إنما‬
‫وعلى هذا الساس يعّرف "جارودي " السل َ‬
‫السلم هو تلك الرؤية لله ‪ ..‬وللعالم وللنسان‪ ،‬التي تنيط‬
‫‪ 8‬فاطمة تزفسكن‪ :‬من تشيكوسلوفاكيا كانت تحمل اسم )مونيكا(‪ .‬ولدت عام ‪1943‬م‪ ،‬قرأت كثيًرا واتصلت بعدد‬
‫من المسلمين اللمان‪ ،‬وبعد أن اقتنعت بالسلم ديًنا‪ ،‬أعلنت انتماءها إليه عام ‪1963‬م‪.‬‬
‫‪ 1‬انظر‪ :‬عرفات كامل العشي‪ :‬رجال ونساء أسلموا ‪. 99 – 98 / 2 ،‬‬
‫‪ 2‬فاطمة سي لمير ‪ :‬ألمانية‪ ،‬لم تقنعها الديانة النصرانية‪ ،‬فأخذت تتصل منذ مطلع عام ‪ ،1951‬عن طريق‬
‫المراسلة‪ ،‬بعدد من المسلمين الذين شرحوا لها مبادئ السلم‪ ،‬فانشرح صدرها له وانتمت إليه‪.‬‬
‫‪3‬انظر‪ :‬عرفات كامل العشي‪ :‬رجال ونساء أسلموا ‪. 96 / 3 ،‬‬
‫‪ 4‬آتيين دينيه ‪:‬أشعة خاصة بنور السلم ‪ ،‬ص ‪18‬‬
‫‪ 5‬هذه الكلمة لفيلويز‪ ،‬انظر‪ :‬عرفات كامل العشي‪ :‬رجال ونساء أسلموا ‪. 61 / 6 ،‬‬
‫‪ 6‬ح‪ .‬ف‪ .‬فيلويز ‪ :‬ضابط بحرية بريطاني‪ ،‬شارك في الحربين العالميتين الولى والثانية‪ ،‬نشأ في بيئة نصرانية‪،‬‬
‫تأصلت فيها التقاليد المسيحية بشكل عميق‪ ،‬ومع ذلك فقد هداه ال إلى السلم بعد أن اطلع على القرآن الكريم‬
‫وقرأ عدًدا من المؤلفات السلمية‪ ،‬وذلك عام ‪.1924‬‬
‫‪ 7‬فيلويز ‪ :‬حضارة العرب ‪ ،‬ص ‪126‬‬
‫‪ 8‬روجيه جارودي ‪ :‬المفكر الفرنسي المعروف‪ ،‬وأحد كبار زعماء الحزب الشيوعي الفرنسي‪ ،‬سابًقا‪ ،‬تتميز ثقافته‬
‫بالعمق والشمولية‪ ،‬والرغبة الجادة في البحث عن الحق‪ .‬أتيح له منذ مطلع الربعينات أن يحتك بالفكر السلمي‬
‫والحياة السلمية‪ .‬وازداد هذا الحتكاك بمرور الوقت‪ ،‬وتمخض عن اهتزاز قناعاته المادية وتحوله بالتدريج إلى‬
‫خط اليمان‪ ،‬المر الذي انتهى به إلى فصله من الحزب الشيوعي الفرنسي‪ ،‬كما قاده في نهاية المر )أواخر‬
‫السبعينات( إلى اعتناق السلم‪ ،‬حيث تسمى بـ)رجاء جارودي(‪ .‬كتب العديد من المؤلفات منها‪) :‬حوار‬
‫الحضارات(‪) ،‬منعطف الشتراكية الكبير(‪) ،‬البديل(‪) ،‬واقعية بل ضفاف(‪ ،‬وبعد إسلمه أنجز سيرة ذاتية خصبة‬
‫ل عن العديد من المحاضرات التي ألقاها في أكثر من بلد‪.‬‬
‫وعدًدا من المؤلفات‪ ،‬أبرزها‪) :‬دعوة السلم(‪ ،‬فض ً‬
‫‪92‬‬

‫بالعلوم وبالفنون وبكل إنسان وبكل مجتمع مشروع بناء عالم‬
‫إلهي وإنساني ل انفصام فيه باقتضاء البعدين العظمين‪،‬‬
‫المفارقة والجماعة‪ ،‬التسامي والمة"‪.. 1‬‬
‫ويبين روم لندو العلقة بين الدين والعلم في السلم‪ ،‬فيقول ‪:‬‬
‫"‪ ..‬في السلم لم يول كل من الدين والعلم ظهره للخر ويتخذ‬
‫قا معاكسة ل‪ ،‬والواقع أن الول كان باعًثا من البواعث‬
‫طري ً‬
‫‪2‬‬
‫الرئيسية للثاني" ‪.‬‬
‫صل روم لندو القول في هذه العلقة‪ ،‬قائل ً ‪" :‬العلم السلمي‬
‫وُيف ّ‬
‫لم ينفصل عن الدين قط ! والواقع أن الدين كان هو ملهمه‬
‫وقوته الدافعة الرئيسية‪ .‬ففي السلم ظهرت الفلسفة والعلم‬
‫مًعا إلى الوجود ل ليحل محل ألوهية الدين )البدائية( ولكن‬
‫لتفسيرها عقلًيا‪ ،‬لقامة الدليل عليها وتمجيدها‪ ..‬إن المسلمين‬
‫وّفقوا‪ ،‬طوال خمسة قرون كاملة‪ ،‬إلى القيام بخطوات حاسمة‬
‫في مختلف العلوم من غير أن يديروا ظهورهم للدين ‪...‬وأنهم‬
‫وجدوا في ذلك النصهار عامل تسريع وإنجاح ل عامل تعويق‬
‫وإحباط"‪.. 3‬‬
‫ومن ثم بلغوا مبلغا ً عظيما ً في ميادين العلوم النسانية‬
‫والطبيعية‪ ،‬وظهر منهم مسلمو إسبانيا " الذين أهدوا إلى الغرب‬
‫اللتيني هباتهم النفيسة في ميادين العلم والفلسفة‪ ..‬وكان الطب‬
‫كالرياضيات من مفاخر العلوم العربية وأركانها الوطيدة"‪ 4‬على‬
‫حد قول سرارنست باركر )‪.(1960-1874‬‬
‫وكانت هذه العلوم التي نبغ فيها المسلمون في عصورهم الذهبية‬
‫– كما يقول الدومييلي – هي "حلقة التصال والستمرار بين‬
‫الحضارة القديمة وبين العالم الجديد"‪. 5‬‬
‫وهنا يحذر "الدومييلي" من شبهة‪ ،‬فيقول‪" :‬ينبغي أل نظن أن‬
‫دا إلى العلم الذي كانوا أوصياء عليه !‬
‫العرب لم يضيفوا شيًئا جدي ً‬
‫‪6‬‬
‫بل على النقيض من ذلك ‪".‬‬
‫وعن رسالة المسلمين في هذه العلوم يقول "أرنست بانرث" ‪: 7‬‬
‫إنهم – أي المسلمين ‪ " -‬لم يخربوا ما وجدوه من عناصر ثقافية‪،‬‬
‫بل اهتموا بها وبذلوا جهدهم لهضمها ومن ثم تطويرها‪ .‬ونرى هنا‬
‫‪ 1‬روجيه جارودي‪ :‬دعوة السلم ‪ ،‬ص ‪22‬‬
‫‪ 2‬روم لندو ‪ :‬السلم والعرب‪246 ،‬‬
‫‪3‬روم لندو‪ :‬السلم والعرب ‪ ،‬ص ‪281 – 280‬‬
‫‪ 4‬انظر‪ :‬سير توماس أرنولد )إشراف( ‪ :‬تراث السلم ‪ ،‬ص ‪105‬‬
‫‪5‬الدومييلي‪ :‬العلم عند العرب ‪ ،‬ص ‪. 11 – 10‬‬
‫‪ 6‬الدومييلي ‪ :‬العلم عند العرب‪144،‬‬
‫‪ 7‬أرنست بانرث ‪ :‬ولد في مدينة ليبزج‪ ،‬سنة ‪ ،1895‬نال الدكتوراه في اللغات السلمية من جامعة فينا‪ .‬وعين‬
‫أستاًذا للفلسفة والتاريخ والداب اللمانية‪ .‬من آثاره‪) :‬السلم اليوم وغًدا( )‪) ،(1958‬التفاهم بين الشرق والغرب(‬
‫)بتكليف من اليونسكو(‪ ،‬وله دراسات عن الفلسفة المسلمين‪.‬‬
‫‪93‬‬

‫أن العرب فتحوا باب التعرف على الحضارة اليونانية ‪ ...‬بواسطة‬
‫المترجمين‪ ،‬وعلى هذه الطريقة تطورت الثقافة تحت حماية‬
‫السلم بالعربية التي هي واسطة ممتازة للتعبير عن الفكار‬
‫العليا والتي ل تفوقها في هذا لغة من لغات الدنيا‪ .‬ول أراني‬
‫بحاجة إلى ذكر أسماء الفلسفة] المسلمين [ الذين فتحوا آفاًقا‬
‫جديدة لفهم أسرار الطبيعة والوجود‪... ،‬ول شك أن الحضارة‬
‫السلمية ارتفعت في القرون الوسطى إلى علوّ لم ينتبه إليه‬
‫قوم آخرون‪ .‬ول يخفى أن هذا العتلء كان ثمرة الجتهاد في كل‬
‫نواحي الثقافة وتطبيق الطرق العلمية‪ .‬أما الغرب الوروبي فلم‬
‫يستطع حينئذ فهم الثقافة وتطويرها‪ .‬وكذلك دولة بيزنطية فقد‬
‫تجمدت‪ ،‬والن نرى كيف تعجبت القوام الوروبية من جمال‬
‫الثقافة العربية التي امتدت من حدود الصين والهند إلى جبال‬
‫البرانس"‪. 1‬‬
‫المطلب السادس ‪ :‬من توجيهات النبي ‪:r‬‬
‫وهذه باقة من توجيهات نبينا العظيم ‪ ،r‬وحثه على طلب العلم‪،‬‬
‫ونشر المعارف والثقافات‪ ،‬وأمره بمحو المية والخرافات‪:‬‬
‫فيقول – صلوات ربي وسلمه عليه ‪: -‬‬
‫"طلب العلم فريضة على كل مسلم"‪.. 2‬‬
‫" ‪ ..‬و إن طالب العلم يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في‬
‫‪3‬‬
‫البحر"‬
‫ً‬
‫"إن الله أوحى إلي ‪ :‬أنه من سلك مسلكا في طلب العلم سهلت‬
‫له طريق الجنة‪ ،‬و من سلبت كريمتيه أثبته عليهما الجنة‪ ،‬و فضل‬
‫في علم خير من فضل في عبادة‪ ،‬و ملك الدين الورع"‪. 4‬‬
‫"ما من خارج خرج من بيته في طلب العلم إل وضعت له‬
‫الملئكة أجنحتها رضا بما يصنع حتى يرجع"‪. 5‬‬
‫من علم علمًا‪ ،‬فله أجر من عمل به‪ ،‬ل ينقص من أجر العامل"‬
‫‪"6 ..‬شيء‬
‫"إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته ‪ :‬علما علمه‬
‫‪7‬‬
‫ونشره‪ ،‬وولدا صالحا تركه‪ ،‬أو مصحفا ورثه‪"...‬‬
‫‪ 1‬أرنست بانرث ‪ :‬تأثير الفلسفة السلمية في تطور الفكر الوروبي ‪ ،‬ص ‪. 9 – 8‬‬
‫‪ 2‬صحيح – رواه ابن ماجة عن أنس) ‪ ، (81 \1‬برقم ‪ ،224‬وصححه اللباني في الجامع الصغير‪ ،‬برقم ‪7360‬‬
‫‪ 3‬صحيح – رواه ابن عبد البر في العلم عن أنس ‪ ،‬برقم ‪ ،24‬وصححه اللباني في الجامع الصغير‪ ،‬برقم ‪7361‬‬
‫‪ 4‬صحيح – رواه البيهقي عن عائشة‪ ،‬وصححه اللباني في الجامع الصغير‪ ،‬برقم ‪2607‬‬
‫‪ 5‬صحيح – رواه أحمد والبيهقي وابن حبان والحاكم‪ ،‬عن صفوان بن عسال وصححه اللباني الجامع الصغير‪،‬‬
‫برقم ‪10639‬‬
‫‪ 6‬حسن لغيره ‪ -‬رواه ابن ماجه‪ ،‬وحسنه اللباني لغيره في صحيح الترغيب والترهيب ‪ ،19\1‬برقم ‪80‬‬
‫‪ 7‬حسن ‪ -‬رواه ابن ماجه بإسناد حسن والبيهقي ورواه ابن خزيمة في صحيحه‪ ،‬وحسنه اللباني في صحيح‬
‫الترغيب والترهيب)‪ ،( 18 \ 1‬برقم ‪77‬‬
‫‪94‬‬

‫وعن صفوان بن عسال المرادي ‪ ‬قال‪:‬‬
‫أتيت النبي ‪ r‬وهو في المسجد متكىء على برد له أحمر فقلت‬
‫له‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬إني جئت أطلب العلم ‪.‬‬
‫فقال‪ " :‬مرحًبا بطالب العلم ‪ ..‬إن طالب العلم تحفه الملئكة‬
‫ضا حتى يبلغوا السماء الدنيا من‬
‫بأجنحتها‪ ،‬ثم يركب بعضهم بع ً‬
‫محبتهم لما يطلب"‪. 1‬‬
‫وعن أبي أمامة قال‪ُ :‬‬
‫ذكر لرسول الله‪ -‬صلى الله عليه وسلم‪-‬‬
‫رجلن ‪ :‬أحدهما عابد والخر عالم‪ ..‬فقال ‪ -‬عليه أفضل الصلة‬
‫والسلم ‪ " : -‬فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم "‪ ..‬ثم‬
‫‪ -:‬قال ‪ -‬رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫إن الله وملئكته وأهل السموات والرض حتى النملة في جحرها"‬
‫‪"2‬وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير‬
‫‪:‬قال ابن عباس‬
‫كان ناس من السارى يوم بدر ليس لهم فداء‪ ،‬فجعل رسول‪-‬‬
‫الله صلى الله عليه وسلم ‪ -‬فداءهم أن يعلموا أولد النصار‬
‫الكتابة‪3‬؛ وبذلك شرع السرى يعلمون غلمان المدينة القراءة‬
‫والكتابة‪ ،‬وكل من يعلم عشرة من الغلمان يفدي نفسه‪ .‬وقبول‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم تعليم القراءة والكتابة بدل الفداء في‬
‫ذلك الوقت الذي كانوا فيه بأشد الحاجة إلى المال يرينا سمو‬
‫‪4..‬السلم في نظرته إلى العلم والمعرفة‪ ،‬وإزالة المية‬
‫‪ ...‬هذه كانت توجيهات محمد في العلم والمعرفة‬
‫صور رائعة وتعاليم رفيعة‪ ،‬يقف أمامها العاقل المتبصر وقفة‬
‫خشوع وإجلل‪ ،‬لسيما لهذا المظهر العظيم من مظاهر الرحمة‬
‫من النبي ‪ ،r‬أل وهو رعاية العلم والمعرفة‪ ..‬وفي ذلك رحمة‬
‫للبشر من زعيم كبير ونبي جليل ‪..‬‬
‫مما دفع "لبيب رياشي" أن يرفع قبعته تقديرا ً لهذه التعاليم‬
‫قائل ً ‪" :‬حقا ً يا محمد ‪ ...‬إنك )السوبرمان(‪ 5‬الول العالمي‪،‬‬
‫رسول الثقافة والعلم‪ ،‬رسول الهداية والتضحية‪ ،‬رسول الفلسفة‬
‫الجديدة‪ ،‬رسول النسانية الجديدة"‪..6‬‬
‫‪ 1‬حسن – رواه رواه أحمد والطبراني بإسناد جيد واللفظ له وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال صحيح السناد‬
‫وروى ابن ماجه نحوه باختصار‪ ،‬وحسنه اللباني في صحيح الترغيب والترهيب)‪ ( 17 \ 1‬برقم ‪.71‬‬
‫‪ 2‬حسن لغيره ‪ -‬رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح‪ ، ،‬وحسنه اللباني لغيره في صحيح الترغيب‬
‫والترهيب ‪ ،19\1‬برقم ‪81‬‬
‫‪ 3‬ابن كثير ‪ :‬السيرة النبوية‪512 \2،‬‬
‫‪ 4‬على محمد الصلبي ‪ :‬السيرة النبوية ‪46\2‬‬
‫‪ 5‬ل بأس بها ! فهي تعنى الرجل الفضل أو العظم‪ .‬أو ذو القدرات الخارقة !‬
‫ل عن‪ :‬محمد شريف الشيباني ‪100‬‬
‫‪ 6‬لبيب رياشي ‪ :‬نفسية الرسول العربي‪ ،‬نق ً‬
‫‪95‬‬

‫دل الضلل بالهدى ‪ ،‬والجهل بالعلم ‪ ،‬والهمجية بالمدنية"‪..1‬‬
‫"ب ّ‬
‫"علمه الله العلم والحكمة ‪ ،‬فوجب علينا أن نصغي إليه قبل كل‬
‫شيء !"‪..2‬‬
‫المبحث الخامس‬
‫الخطاب التربوي‬
‫دا‪ ،‬أو براجماتًيا‬
‫لم يكن خطابه ‪ r‬إلى الناس خطاًبا دكتاتورًيا مستب ً‬
‫نفعًيا‪ ،‬إنما كان خطابه إلى الناس خطاًبا تربوًيا ‪ ..‬لم يكن يغلب‬
‫عليه طابع الحاكم بقدر ما غلب عليه طابع المعلم الوقور الذي‬
‫يتحدث إلى تلميذه ‪ ..‬وهذا من تجليات رحمته ‪..r‬‬
‫المطلب الول ‪ :‬المعلم الرحيم ‪:‬‬
‫كان النبي ‪ r‬هو المعلم الرحيم والمصلح الكبير لبنيياء النسييانية‪،‬‬
‫علمهم الحييياة ‪ ،‬والحضييارة‪ ،‬فأصييلح شييؤونهم بعييد فسيياد‪ ،‬يقييول‬
‫الباحث الهولندي وث ) ‪1899 – 1814‬م( ‪:‬‬
‫"لقد جاء قرآن العرب‪ 3‬على لسان نبيهم محمد العظيم ]‪، ![r‬‬
‫وعلمهم كيف يعيشون في هذه الحياة ‪ ،‬وقد وحد صفوفهم وجمع‬
‫كلمتهم وأدبهم حتى ل ترى أمة من المم أحسن منهم‪ ،‬وبالنهاية‬
‫اعتمدوه في كل أمورهم ‪ ،‬وكان يتلقى الوحي من ربه الذي‬
‫يوحي إليه ‪ ،‬ثم ينقله إلى الناس ‪ ،‬بعد أن يكتبه له الكتاب الذين‬
‫انتدبهم لذلك"‪.. 4‬‬
‫كما كان النبي ‪r‬في سائر مراحل حياته القدوة النسانية والمثييل‬
‫العليى والنميوذج المثيل للمعليم الكيبير‪ ،‬وقيد جياء فيي القيرآن‬
‫ُ‬
‫ن لَ ُ‬
‫قييد ْ َ‬
‫ة‬
‫الكريييم‪َ :‬ل َ‬
‫سيين َ ٌ‬
‫سييوَة ٌ َ‬
‫كييا َ‬
‫ح َ‬
‫ل الّلييهِ أ ْ‬
‫م ِفييي َر ُ‬
‫كيي ْ‬
‫سييو ِ‬
‫‪ ]‬الحزاب ‪[21 :‬‬
‫"فهو القدوة الطيبة التي أرسلها اللييه رحميية لنييا وحب ًييا بنييا ‪،‬حييتى‬
‫‪5‬‬
‫نقتفي أثره"‬
‫وهذه القدوة التي تمسك بها المسلمون‪ ،‬عادت عليهم بانتشار‬
‫هذا الدين في تلك الرقعة الفسيحة في الرض كما يقول توماس‬
‫آرنولد‪ ،‬و"وقفوا حياتهم على الدعوة إلى السلم‪ ،‬متخذين من‬
‫هدي الرسول ]‪ [r‬مثل ً أعلى وقدوة صالحة"‪.6‬‬
‫ل عن‪ :‬محمد شريف الشيباني ‪150‬‬
‫‪ 1‬ميخائيل طعمة ‪ :‬جريدة الكرمل‪ ،‬نق ً‬
‫‪ 2‬توماس كارليل‪ :‬البطال ‪ ،‬ص ‪70 ،60‬‬
‫‪ 3‬بل هو قرآن البشر كلهم !‬
‫‪ 4‬وث ‪ :‬محمد والقران ‪ ،‬ص ‪.78‬‬
‫‪ 5‬هذه الكلمة للقس السابق الدكتور ُدّراني‪ ،‬انظر‪ :‬عرفات كامل العشي‪ :‬رجال ونساء أسلموا ‪. 28 – 27 / 4 ،‬‬
‫‪ 6‬توماس آرنولد ‪:‬الدعوة إلى السلم ‪ ،‬ص ‪27‬‬
‫‪96‬‬

‫المطلب الثاني‪ :‬نماذج رحمته بالمتعلمين ‪:‬‬
‫مَعاوِي َ َ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫فمن نماذج رحمته ‪ r‬في التربية ما رواه ُ‬
‫حك َم ِ‬
‫ةب ِ‬
‫ج ٌ‬
‫م‪.‬‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ل ِ‬
‫سل َ ِ‬
‫س َر ُ‬
‫ال ّ‬
‫ت َ‬
‫صل ّي ْ ُ‬
‫ل الله ‪r‬فَعَط َ َ‬
‫ي قال‪َ :‬‬
‫م َ‬
‫مع رسو ِ‬
‫م ّ‬
‫قو ْ ِ‬
‫م َ‬
‫ت‪َ :‬واث ُك ْ َ‬
‫ل‬
‫م‪ ،‬فَ ُ‬
‫ماِني ال ْ َ‬
‫فَ ُ‬
‫ت‪ :‬ي َْر َ‬
‫قو ْ ُ‬
‫قل ْ ُ‬
‫صارِه ِ ْ‬
‫ك الله‪ ,‬فََر َ‬
‫ح ُ‬
‫قل ْ ُ‬
‫م ِبأب ْ َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫كم ت َن ْ ُ‬
‫شأ ن ُ ُ‬
‫ما َ‬
‫ي؟ ! قال‪:‬‬
‫ظرو َ‬
‫مّياه ُ ! َ‬
‫أ َ‬
‫ن إل َ ّ‬
‫مُتوِني‪،‬‬
‫م ع ََلى أفْ َ‬
‫ن ِبأي ْ ِ‬
‫ضرُِبو َ‬
‫جعَُلوا ي َ ْ‬
‫فَ َ‬
‫ص ّ‬
‫ت أن ّهُ ْ‬
‫م فَعََرفْ ُ‬
‫خاذ ِه ِ ْ‬
‫ديهِ ْ‬
‫م يُ َ‬
‫صّلى رسو ُ‬
‫ل الله ‪ِ - r‬بأِبي‬
‫ت‪ ،‬فَل َ ّ‬
‫م ُيسك ُّتوِني سك َ ّ‬
‫ما َرأي ْت ُهُ ْ‬
‫فَل َ ّ‬
‫ما َ‬
‫ُ‬
‫صل َةَ‬
‫م قال‪":‬إ ّ‬
‫ما َ‬
‫ضَرَبني َول قهََرني َول َ‬
‫سب ِّني‪ .‬ث ُ ّ‬
‫مي ‪َ -‬‬
‫وَأ ّ‬
‫ن هَذ ِهِ ال ّ‬
‫ن َ‬
‫ح ّ‬
‫س هَ َ‬
‫ل فيها َ‬
‫ح َوالت ّك ِْبيُر‬
‫ل يَ ِ‬
‫يٌء ِ‬
‫سِبي ُ‬
‫ما هُوَ الت ّ ْ‬
‫ذا‪ .‬إن ّ َ‬
‫م ْ‬
‫ش ْ‬
‫كلم ِ الّنا ِ‬
‫‪1‬‬
‫ن" ‪.‬‬
‫وَقَِراَءة ُ ال ْ ُ‬
‫قْرآ ِ‬
‫ومن أعاجيب المواقف التي تدل على سعة صدره ورحمته‬
‫للمتعلمين‪ ،‬قصة العرابي الذي بال في المسجد‪ ..‬فعن أنس ‪‬‬
‫‪2‬‬
‫قال‪ :‬بينما نحن في المسجد مع رسول الله ‪ r‬إذ جاء أعرابي‬
‫فقام يبول في المسجد وأصحاب الرسول ‪ r‬يصيحون به‪ :‬مه مه!‬
‫)أي اترك(‪ ،‬فقال رسول الله ‪" :r‬ل تزرموه دعوه!" )ل تقطعوا‬
‫عليه بولته(‪ ،‬فترك الصحابة العرابي يقضي بوله‪ ،‬ثم دعا‬
‫الرسول ‪ r‬العرابي‪ ،‬فقال رسول الله ‪ r‬للعرابي‪ " :‬إن المساجد‬
‫ل تصلح لشيء من هذا البول والقذر؛ إنما هي لذكر الله والصلة‬
‫وقراءة القرآن"‪ .‬وهنا قال رسول الله ‪ r‬لصحابه‪" :‬إنما بعثتم‬
‫ميسرين ولم تبعثوا معسرين صبوا عليه دلوا من الماء"‪ .‬فقال‬
‫العرابي‪ :‬اللهم ارحمني ومحمدا ول ترحم معنا أحدا!!! فقال‬
‫الرسول ‪" :r‬لقد تحجرت واسًعا‪) ،‬أي ضيقت واسًعا("‪. 3‬‬
‫وهكذا نرى نبي الرحمة ‪ r‬في مثل هذه المواقف‪ ،‬التي يغلب‬
‫عليها الجانب التربوي السمح‪ ،‬ل الجو العسكري الصارم ‪ .‬وإن‬
‫كان رسول الله ‪ r‬هو "الرجل والمعلم والخطيب ورجل الدولة‬
‫والمجاهد"‪ 4‬في آن واحد ‪.‬‬
‫المطلب الثالث ‪ :‬أساليبه في الخطاب التربوي ‪:‬‬
‫وأساليبه ‪ r‬في الخطاب التربوي والتعليم‪ ،‬رحمة للمتعلمين‪،‬‬
‫رحمة لكل من يستمع إليه ‪..‬‬
‫فتراه ‪ r‬وهو يحدث الناس‪ ،‬يمهد لحديثه ليفهموه‪ ،‬ويكرر‬
‫المعلومة ويوكدها ليعقلوها‪ ،‬ويضرب المثلة ليصل المعنى إلى‬
‫‪ 1‬صحيح ‪ -‬أخرجه مسلم في الصلة باب تحريم الكلم في الصلة ونسخ ماكان من إباحة‪.‬‬
‫‪ 2‬هو ذو الخويصرة اليماني رضي ال عنه‪.‬‬
‫ق عليه‪ ،‬صحيح البخاري‪ ،‬باب صب الماء على البول في المسجد‪ ،‬رقم ‪217‬‬
‫‪ 3‬متف ٌ‬
‫‪ 4‬هذه العبارة لفيليب حتي‪ :‬السلم منهج حياة ‪ ،‬ص ‪56‬‬
‫‪97‬‬

‫السامعين‪ ،‬ويتخولهم بالموعظة مخافة الملل‪ ،‬ويرسم بيده على‬
‫الرض‪ ،‬ويستخدم أصابعه ممث ً‬
‫قا ورحمة‬
‫ل‪...‬كل هذا رف ً‬
‫بالمستمعين والمتعلمين‪. 1‬‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬التمهيد والتهيئة‪:‬‬
‫كان النبي ‪ r‬يمهد للمعلومة قبل إيصالها للمتعلم‪ ،‬بحيث يستوعبها‬
‫السامع‪ ،‬بسهولة ويسر‪ ،‬ومثال ذلك ‪:‬‬
‫‪ -1‬ما رواه أبو هريرة ‪ ‬عن النبي ‪ r‬قال‪ " :‬أل أدلكم على ما‬
‫يمحو الله به الخطايا‪ ..‬ويرفع به الدرجات؟ " قالوا‪ :‬بلى يارسول‬
‫الله قال‪ " :‬إسباغ الوضوء على المكاره‪ ..‬وكثرة الخطى إلى‬
‫المساجد‪ ...‬وانتظار الصلة بعد الصلة؛ فذلكم الرباط‪ ..‬فذلكم‬
‫الرباط‪ ...‬فذلكم الرباط "‪.2‬‬
‫‪ -2‬وعن أبي هريرة أن رسول الله ‪ r‬قال‪ " :‬أتدرون من‬
‫المفلس؟"‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬المفلس فينا من ل درهم له ول متاع‪ .‬فقال‪ " :‬إن‬
‫المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلة وصيام ويأتي وقد‬
‫شتم هذا‪ ..‬وقذف هذا‪ ..‬وأكل مال هذا‪ ..‬وسفك دم هذا‪ ...‬وضرب‬
‫هذا‪ ...‬فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته‪ ...‬فإن فنيت‬
‫حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم‪ ..‬فطرحت عليه‬
‫ثم يطرح في النار "‪. 3‬‬
‫ففي المثال الول مهد للمستمعين قائل ً ‪ " :‬أل أدلكم على ما‬
‫يمحو الله به الخطايا‪ ..‬ويرفع به الدرجات‪..‬؟" ‪ ،‬ليتهيىء السامع‪،‬‬
‫ويتجاوب مع السؤال‪ ،‬وُيعمل عقله‪ ،‬في محاولة الجابة‪ ،‬ومن ثم‬
‫يقوم النبي بالجابة على السؤال بنفسه وقد استثار عقل السامع‬
‫نحو فكرة الموضوع ‪ .‬فتدخل المعلومة إلى العقل‪ ،‬وقد اشتاق‬
‫إلى المعلومة‪ ،‬كما تشتاق الرض العطشى للمطر !‬
‫وبالمثل في المثال الثاني‪ ،‬فالسامع في اشتياق لمعرفة هذا‬
‫المفلس وصفاته‪ ،‬بعدما تحرك العقل يميًنا وشمال ً لمعرفة‬
‫الجواب الصحيح ‪ .‬فل يزال العقل في حيرة حتى تصل إليه‬
‫المعلومة الشافية‪ ،‬فتحصل الفائدة وترسخ المعلومة‪.‬‬
‫ثانًيا‪ :‬التكرار والعادة‪:‬‬
‫فعن أنس بن مالك ‪ ‬عن النبي ‪ r‬أنه " كان إذا تكلم بكلمة‬
‫أعادها ثلثا حتى تفهم عنه‪.4" ..‬‬
‫‪ 1‬انظر‪ :‬سعيد رفعت راجح‪ :‬الوسائط التعليمية في الحاديث النبوية‪ ،‬بحث منشور على موقع ‪alukah.net‬‬
‫‪ 2‬صحيح ‪ -‬رواه مسلم في كتاب الطهارة‪ ،‬باب فضل إسباغ الوضوء على المكاره‪ ،‬رقم ‪251‬‬
‫‪ 3‬صحيح ‪ -‬رواه مسلم في كتاب البر والصلة‪ ،‬باب تحريم الظلم‪ ،‬رقم ‪.2581‬‬
‫‪ 4‬صحيح – رواه البخاري في كتاب العلم ‪ ،‬باب من أعاد الحديث ثلثا ليفهم عنه‪ ،‬رقم ‪95‬‬
‫‪98‬‬

‫ومثال ذلك‪:‬‬
‫‪ -1‬قوله ‪ " :r‬أل وقول الزور " فما زال يكررها‪...‬‬
‫‪ -2‬ويقول ابن عمر‪ :‬قال النبي ‪ " : r‬هل بلغت؟ " ثلًثا ‪.‬‬
‫‪ -3‬وعن عبد الله بن عمرو عن النبي ‪ r‬قال‪ " :‬ويل للعقاب من‬
‫النار " مرتين أو ثلثًا‪.‬‬
‫والتكرار في هذه النماذج للتفهيم والحفظ‪ .‬وهذه من قبيل رفقه‬
‫وتنبيهه للمستمع‪.‬‬
‫ثالًثا‪ :‬التأني أثناء العرض‪:‬‬
‫فتصف عائشة طريقة عرض النبي ‪ r‬فتقول ‪ " :‬ما كان رسول‬
‫الله ‪ r‬يسرد كسردكم هذا ولكنه كان يتكلم بكلم بّين‪ ،‬فصل‪،‬‬
‫يحفظه من يجلس إليه "‪. 1‬‬
‫والنبي ‪ r‬بطريقة عرضه هذه‪ ،‬إن دلت على شيء فإنما تدل على‬
‫رفقه ورحمته بالمستمعين‪..‬‬
‫عا‪ :‬مراعاة طاقة المتعلمين‪:‬‬
‫راب ً‬
‫فلقد كان النبي ‪ ،r‬يقتصد في دروسه وخطبه ومواعظه‪ ،‬حتى ل‬
‫يمل المتعلمين من تعاليمه ‪ ،r‬وحتى ينشطوا لحفظها ويسهل‬
‫عليهم فهمها ‪..‬‬
‫فقد كان النبي ‪ r‬يحسن اختيار أوقات النشاط الذهني‪،‬‬
‫والستعداد النفسي لدى المتعلمين‪ ..‬ومباعدته بين الخطبة‬
‫وأختها‪ ،‬والموعظة وأختها‪ ..‬حتى تشتاق النفوس‪ ،‬وتنشرح‬
‫الصدور لتلقي العلم‪..‬‬
‫فعن عبد الله بن مسعود ‪ ‬قال‪ " :‬كان النبي ‪ r‬يتخولنا‬
‫بالموعظة في اليام كراهة السآمة علينا "‪.2‬‬
‫سا‪ :‬ضرب المثال‪:‬‬
‫خام ً‬
‫وقد كان هذا السلوب هو المعتاد والمفضل في منهج النبي ‪ r‬في‬
‫العرض والتفهيم‪ ،‬ومثال ذلك قوله ‪": r‬مثل المؤمنين في توادهم‬
‫وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد‪ ...‬إذا اشتكى منه عضو‬
‫‪3‬‬
‫تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى "‬
‫‪ 1‬صحيح ‪ -‬رواه الترمذي في كتاب المناقب‪ ،‬باب كيف كان كلم رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬رقم ‪،191‬‬
‫وقال اللباني ‪ :‬صحيح ‪.‬‬
‫‪ 2‬صحيح ‪ -‬رواه البخاري في كتاب العلم‪ ،‬باب ما كان النبي صلى ال عليه وسلم يتخولهم بالموعظة‪ ،‬رقم ‪.68‬‬
‫‪ 3‬صحيح ‪ -‬رواه البخاري في كتاب الدب‪ ،‬باب رحمة الناس والبهائم‪ ،‬رقم ‪.5665‬‬
‫‪99‬‬

‫وفي ذلك أثر كبير في إيصال المعنى إلى المتعلم‪ ،‬ذلك أنه يقدم‬
‫القيمة المعنوية في صورة حسية ملموسة‪ ،‬فيربطه بالواقع‬
‫ويقربه إلى الذهن ‪.‬‬
‫سا‪ :‬استخدام الوسائط المتعددة‪:‬‬
‫ساد ً‬
‫كان النبي ‪ r‬يستخدم ما يسمى اليوم بالوسائل التعليمية‬
‫أوالوسائط التوضيحية‪ ،‬لتبيين المعنى‪ ،‬وتوضيح المغزى في عقول‬
‫السامعين‪ ،‬وشغل كل حواسهم بالموضوع‪:‬‬
‫ومن هذه الوسائط‪:‬‬
‫‪ -1‬التعبير بحركة اليد والصابع‪:‬‬
‫كتشبيكه ‪ r‬بين أصابعه وهو يبين طبيعة العلقة بين المؤمن‬
‫وأخيه‪ .‬فعن أبى موسى الشعري ‪ ...‬عن النبي ‪ r‬قال‪" :‬‬
‫المؤمن للمؤمن كالبنيان‪ ..‬يشد بعضه بعضا " وشبك بين‬
‫أصابعه‪.1‬‬
‫‪ -2‬التعبير بالرسم والمجسمات‪:‬‬
‫أ( أما الرسم ‪ :‬فعن عبد الله بن مسعود ‪ ‬قال‪ " :‬خط النبي ‪r‬‬
‫طا مربًعا‪ ..‬وخط خ ً‬
‫خ ً‬
‫طا في الوسط خارجا منه ي وقد أحاط به ي‬
‫وهذا الذي هو خارج أمله‪ ...‬وهذه الخطوط الصغار العراض‪..‬‬
‫فإن أخطأه هذا؛ نهشه هذا‪ .‬وإن أخطأه هذا؛ نهشه هذا"‪. 2‬‬
‫ففي هذا الحديث بين لهم النبي ‪ r‬بالرسم على الرض كيف‬
‫يحال بين النسان وبين آماله الكثيرة الواسعة بالموت ‪ ..‬وفيه‬
‫حض على الستعداد للموت قبل هجومه المفاجئ‪.‬‬
‫ب( وأما المجسمات ‪ :‬فعن علي بن أبي طالب ‪ ‬قال‪ " :‬إن‬
‫نبي الله ‪ r‬أخذ حريًرا فجعله في يمينه وأخذ ذهًبا فجعله في‬
‫شماله‪ :‬ثم قال‪ " :‬إن هذين حرام على ذكور أمتي‪ ...‬حل لناثهم‬
‫"‪.3‬‬
‫‪ -3‬التعليم التطبيقي العملي‪:‬‬
‫ولقد انتهج الرسول ‪ r‬هذا السلوب في التعليم عندما كان يعلم‬
‫الصحابة الصلة حيث قال بعد ما فرغ من الصلة ذات يوم ‪" :‬‬
‫أيها الناس إنما صنعت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلتي "‪. 4‬‬
‫كل هذه الوسائط والساليب من قبيل الرحمة بالمتعلمين‪ ،‬تبين‬
‫لك عظيم رحمة النبي ‪ ،r‬وهذا إن دل على شىء فإنما يدل على‬
‫عظم قدر العلم والمعرفة والثقافة في نفس محمد ‪ ،r‬وتقديره‬
‫غْيِرِه‪ ،‬رقم ‪459‬‬
‫جِد َو َ‬
‫سِ‬
‫صاِبِع ِفي اْلَم ْ‬
‫ل َ‬
‫ك ا َْ‬
‫شِبي ِ‬
‫‪ 1‬صحيح ‪ -‬رواه البخاري‪َ ،‬باب َت ْ‬
‫‪ 2‬صحيح ‪ -‬رواه البخاري في كتاب الرقاق‪ .‬باب في المل وطوله‪ ،‬رقم ‪5938‬‬
‫‪ 3‬صحيح ‪ -‬رواه أبو داود في كتاب اللباس‪ ،‬كتاب في الحرير للنساء‪ ،‬رقم ‪ ،3535‬وقال اللباني‪ :‬صحيح‪.‬‬
‫صّلى‬
‫ي َ‬
‫ب الّنِب ّ‬
‫ط َ‬
‫خَ‬
‫عْنُه َ‬
‫ل َ‬
‫ي ا ُّ‬
‫ضَ‬
‫س َر ِ‬
‫ل َأَن ٌ‬
‫عَلى اْلِمْنَبِر َوَقا َ‬
‫طَبِة َ‬
‫خ ْ‬
‫‪ 4‬صحيح ‪ -‬رواه البخاري في كتاب الصلة‪َ ،‬باب اْل ُ‬
‫عَلى اْلِمْنَبِر‪ ،‬رقم ‪.866‬‬
‫سّلَم َ‬
‫عَلْيِه َو َ‬
‫ل َ‬
‫ا ُّ‬
‫‪100‬‬

‫البالغ لرسالة التربية والتعليم‪ ،‬وممارسته الماهرة لشتى الوسائل‬
‫التي تفيد المنظومة التربوية ‪..‬‬

‫المبحث السادس‬
‫خدمة النسانية‬
‫المطلب الول ‪ :‬محمد ‪‬خادم النسانية‪:‬‬
‫وفي رعايته للنسانية وحقييوق النسييان مظهيير آخيير ميين مظيياهر‬
‫رحمته ‪.. r‬‬
‫لقد عاش النبي‪ r‬حياته يخدم النسييان‪ ،‬ويهييذب النسييان‪ ،‬ويعلييم‬
‫النسان‪ ،‬ويدافع عن النسان‪! ..‬‬
‫لقد كان إنساًنا بكييل مييا فييي الكلميية ميين معييان‪ .‬وكييانت سييعادة‬
‫نفسه ورضاها‪ ،‬في كونه إنساًنا‪ ،‬يأكل كما يأكل العبد‪ ،‬ويلبس كما‬
‫ما أن يحيه مسييكيًنا وأن يمتييه مسييكيًنا‪،‬‬
‫يلبس العبد‪ ،‬يسأل ربه دو ً‬
‫وأن يحشييره فييي زمييرة المسيياكين ‪ ..‬و ل يييأنف أن يطمئن رجل ً‬
‫دخل علي حضرته – صلوات الله وسييلمه عليييه ‪ ، -‬وقييد ارتعييدت‬
‫أوصال الرجل‪ ،‬من شدة هيبة النبي ‪ ،r‬ظًنا منه أنه إنما دخل على‬
‫جبار أو ملك‪ ،‬والنبي يهدىء من روعه قائل ً ‪:‬‬
‫" هون عليك ! فإني لست بملك إنما أنييا ابيين امييرأة ميين قريييش‬
‫كانت تأكل القديد !"‪.1‬‬
‫جا للحياة النسانية بسيرته وصدق‬
‫"لقد كان محمد ]‪ [r‬أنموذ ً‬
‫إيمانه ورسوخ عقيدته القويمة‪ .‬بل مثال ً كامل ً للمانة والستقامة‬
‫و‬
‫وإن تضحياته في سبيل بث رسالته اللهية خير دليل على سم ّ‬
‫ذاته ونبل مقصده وعظمة شخصيته وقدسية نبوته‪ ...‬وما حياة‬
‫الرسول ]‪ [r‬سوى سلسلة وقائع تاريخية عظيمة الشأن نبيلة‬
‫المرمى يتجلى فيها مقامه السامي من الحلقة النسانية "‪.. 2‬‬
‫تقول "اللدي ايفلين كوبولد"‪:‬‬
‫"‪ ..‬لعمري‪ ،‬ليجدن المرء في نفسه‪ ،‬ما تقدم إلى قبر محمد ]‪[r‬‬
‫روعة ما يستطيع لها تفسيًرا‪ ،‬وهي روعة تمل النفس اضطراًبا‬
‫وذهول ً ورجاء وخوًفا وأم ً‬
‫ل‪ ،‬ذلك أنه أمام نبي مرسل وعبقري‬
‫عظيم لم تلد مثله البطون حتى اليوم‪ ..‬إن العظمة والعبقرية‬
‫يهزان القلوب ويثيران الفئدة فما بالك بالعظمة إذا انتظمت مع‬

‫‪ 1‬صحيح ‪ -‬رواه الحاكم عن أبي مسعود‪ ،‬رقم ‪ ،3692‬قال اللباني في السلسلة الصحيحية )‪ : (1876‬صحيح ‪.‬‬
‫‪ 2‬أحمد سوسة ‪ :‬في طريقي إلى السلم ص ‪.175 – 174 / 1‬‬
‫‪101‬‬

‫النبوة‪ ،‬وما بالك بها وقد راحت تضحي بكل شيء في الحياة في‬
‫سبيل النسانية وخير البشرية"‪.1‬‬
‫ويؤكد القس "دافيد بنجامين كلدانى" فييي مييؤلفه ‪ " :‬محمييد فييي‬
‫الكتاب المقدس " هذه الحقيقيية بييأن النييبي ‪" r‬خييادم النسييانية"‬
‫بقوله ‪:‬‬
‫"إن الخدمة الجليليية العظيميية المدهشيية الييتي قييدمها محمييد ]‪[r‬‬
‫لله ‪ ..‬ولصالح البشر‪ ،‬لم يقدمها أي مخلوق ميين عبيياد اللييه ملك يا ً‬
‫كييان أو نبييًا‪ ...‬فييإنه ]‪ [r‬أقلييع جييذور الوثنييية ميين جييزء كييبير ميين‬
‫الرض‪ ،‬وأما خييدمته للنسييان فقييد قييدم لييه أكمييل دييين وأفضييل‬
‫شريعة لرشاده وأمنه "‪.2‬‬
‫ويتابع القس كلدانى القول ‪:‬‬
‫" أقام دين السلم الذي وحييد فييي أخييوة حقيقييية ‪ ،‬جميييع المييم‬
‫والشعوب التي ل تشرك بالله شيئا ً ‪ .‬إن جميع الشعوب السلمية‬
‫تطيع رسول الله]‪ [r‬وتحبه تحييترمه! لنييه مؤسييس دعييائم دينهييا‪،‬‬
‫ولكنها ل تعبده أبدا ً ول ترفعه إلى مقام التقديس والتأليه"‪..3‬‬
‫ويقول الباحث السويسري ماكس فان برشم ) ‪( 1921 _ 1863‬‬
‫‪:‬‬
‫" إن محمدا ً ]‪ [r‬نبي العرب من أكبر مريدي الخير للنسانية‪ ،‬وإن‬
‫ظهور محمد]‪ [r‬للعالم أجمع إنما هو أثر عقل عال ‪ ،‬وإن افتخرت‬
‫آسية بأبنائها فيحق لها أن تفتخر بهذا الرجل العظيم ‪.. 4"..‬‬
‫و تلخص الموسوعة البريطانية السيرة الكفاحية لحياة الرسول ‪r‬‬
‫واجتهاده في خدمة النسانية عربيا ً وعالميا ً فتقول ‪:‬‬
‫"إن محمدا ً ]‪ ،[r‬اجتهد فييي اللييه ‪ ..‬وفييي نجيياة أمتييه ‪ ،‬وبالصييح ‪:‬‬
‫اجتهد في سبيل النسانية جمعاء" ‪..5‬‬
‫عَييا ُ‬
‫ه‪،‬‬
‫و"ما أجمل ما قال المعلم العظيم ]‪): [r‬ال ْ َ‬
‫م ِ‬
‫ل الّلي ِ‬
‫خل ْقُ ك ُل ُّهي ْ‬
‫َ‬
‫‪6‬‬
‫ب ال ْ َ ْ‬
‫ه‪" ..(.‬‬
‫ق إ َِلى الل ّهِ أ َن ْ َ‬
‫م ل ِعَِيال ِ ِ‬
‫ح ّ‬
‫فَأ َ‬
‫فعُهُ ْ‬
‫خل ِ‬
‫المطلــب الثــاني‪ :‬خطبــة الــوداع ‪ :‬الميثــاق الســلمي‬
‫لحقوق النسان ‪:‬‬
‫‪ 1‬اللدي ايفلين كوبولد‪ :‬البحث عن ال ‪ ،‬ص ‪.52‬‬
‫‪ 2‬دايفد بنجامين كلداني )عبد الحد داوود ( ‪ :‬محمد في الكتاب المقدس ‪.82 ،‬‬
‫‪ 3‬المصدر السابق‪.‬‬
‫‪ 4‬ماكس فان برشم ‪ :‬العرب في آسية‪57 ،‬‬
‫‪ 5‬الموسوعة البريطانية‬
‫خْل ِ‬
‫ق‬
‫ب اْل َ‬
‫ح ّ‬
‫ل‪َ ،‬فَأ َ‬
‫ل ا ِّ‬
‫عَيا ُ‬
‫ق ُكّلُهْم ِ‬
‫خْل ُ‬
‫‪ 6‬جان ليك ‪ :‬العرب ‪ ،‬ص ‪ .43‬والستشهاد بالحديث من جان ليك‪ .‬وحديث ‪):‬اْل َ‬
‫ل َأْنَفُعُهْم ِلِعَياِلِه‪ (.‬هو حديث رواه الطبراني في المعجم الكبير‪ ،‬برقم ‪ ،9891‬وفي رواية البيقهي في شعب‬
‫ِإَلى ا ِّ‬
‫اليمان‪ » ،‬الخلق كلهم عيال ال ‪ ،‬وأحب الخلق أنفعهم لعياله « برقم ‪ ،7193‬ولقد ضعف اللباني هذه الصيغة في‬
‫" السلسلة الضعيفة و الموضوعة " ‪ ،372 / 4‬لكنه صحح الصيغة الخرى في حديث‪ " :‬الخلق كلهم عيال ال ‪،‬‬
‫و تحت كنفه ‪ ،‬فأحب الخلق إلى ال من أحسن إلى عياله " في الصحيحة " ) ‪.( 427‬‬
‫‪102‬‬

‫وقد جاء في هذه الخطبة الجامعة ‪:‬‬
‫"أيها الناس ! إني والله ل أدري لعلييي ل ألقيياكم بعييد ييومي هييذا‪،‬‬
‫بمكاني هذا‪ ،‬فرحم الله مين سيمع مقيالتي اليييوم فوعاهيا‪ ،‬فييرب‬
‫حامل فقه ول فقه له ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه"‪. 1‬‬
‫" إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا‪ ،‬في‬
‫شهركم هذا‪ ،‬في بلدكم هذا‪ .‬أل كل شيء من أمر الجاهلية تحييت‬
‫قدمي موضوع‪ ،‬ودماء الجاهلية موضييوعة‪ ،‬وإن أول دم أضييع ميين‬
‫دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث ي وكان مسترضعا ً فييي بنييي سييعد‬
‫فقتلته هُذ َْيل ي وربا الجاهلية موضوع‪ ،‬وأول ربا أضع من ربانييا ربييا‬
‫عباس بن عبد المطلب‪ ،‬فإنه موضوع كله"‪. 2‬‬
‫" ل ترجعوا بعدي كفارا يضييرب بعضييكم رقيياب بعييض‪ ،‬ول ُيؤخييذ‬
‫الرجل بجريرة أبيه ول بجريرة أخيه!"‪. 3‬‬
‫" واعلمييوا أن القلييوب ل تغييل علييى ثلث إخلص العمييل للييه‬
‫ومناصحة أولي المر وعلى لزوم جماعة المسلمين فإن دعييوتهم‬
‫‪4‬‬
‫تحيط من ورائهم "‬
‫ّ‬
‫"فاتقوا الّله في النساء‪ ،‬فإنكم أخذتموهن بأمانة الله‪ ،‬واستحللتم‬
‫فروجهيين بكلميية الل ّييه‪ ،‬ولكييم عليهيين أل يييوطئن فرشييكم أحييدا ً‬
‫مَبيّرح‪ ،‬ولهيين‬
‫تكرهييونه‪ ،‬فيإن فعلين ذليك فاضيربوهن ضيربا ً غييير ُ‬
‫عليكم رزقهيين وكسييوتهن بيالمعروف‪..‬وقييد تركييت فيكييم مييا لين‬
‫تضلوا بعده إن اعتصمتم به ‪..‬كتاب الله‪. 5‬‬
‫"أيها الناس ! إنه ل نبي بعدي ول أمة بعدكم واعبدوا ربكم وصلوا‬
‫خمسكم وصوموا شهركم وأطيعوا ولة أمركم تدخلوا جنة ربكييم‪.‬‬
‫"‪. 6‬‬
‫"وأنتم تسألون عني‪ ،‬فما أنتييم قييائلون؟" قييالوا‪ :‬نشييهد أنييك قييد‬
‫بلغت وأديت ونصحت‪.‬‬
‫فقال بأصبعه السبابة يرفعهييا إليى السيماء‪ ،‬وينكتهيا إليى النيياس‪:‬‬
‫"اللهم اشهد!!"ثلث مرات‪.7‬‬
‫ويعلق "هربرت جورج ولز "على هذه الخطبة فيقول ‪:‬‬
‫ن أول فقرة فيها تجرف أمامها كل ما بين المسلمين من نهييب‬
‫"إ ّ‬
‫وسلب ومن ثارات ودماء‪ ،‬وتجعييل الفقييرة الخيييرة منهيا الزنجييي‬
‫المؤمن عدل ً للخليفيية‪ ..‬إنهييا أسسييت فييي العييالم تقاليييد عظيميية‬
‫‪ 1‬صحيح ‪ -‬سنن الدارمي‪ ، 86 \1‬برقم ‪ ،227‬قال حسين سليم أسد ‪ :‬إسناده حسن والحديث صحيح‪.‬‬
‫‪ 2‬صحيح – رواه ابن حبان‪ ،‬عن جابر‪ ، 1457 ،‬وقال شعيب الرنؤوط ‪ :‬حديث صحيح‬
‫‪ 3‬صحيح ‪ -‬السلسلة الصحيحة‪ ،‬رقم ‪1974‬‬
‫‪ 4‬صحيح ‪ -‬سنن الدارمي ‪ ، 86 \1‬برقم ‪ ،227‬قال حسين سليم أسد ‪ :‬إسناده حسن والحديث صحيح‬
‫‪ 5‬صحيح – رواه مسلم ‪ ، 886\ 2‬برقم ‪1218‬‬
‫‪ 6‬صحيح – رواه الطبراني في المعجم الكبير ‪ ، 136 \ 8‬برقم ‪ ،7617‬عن أبي أمامه ‪ .‬وقال اللباني ‪ :‬صحيح‬
‫)ظلل الجنة في تخريج السنة لبن أبي عاصم رقم ‪(1061‬‬
‫‪ 7‬صحيح – رواه ابن حبان‪ ،‬عن جابر‪ ، 1457 ،‬وقال شعيب الرنؤوط ‪ :‬حديث صحيح‬
‫‪103‬‬

‫للتعامييل العييادل الكريييم‪ ،‬وإنهييا لتنفييخ فييي النيياس روح الكييرم‬
‫والسماحة‪ ،‬كما أنها إنسانية السمة ممكنيية التنفيييذ‪ ،‬فإنهييا خلقييت‬
‫جماعة إنسانية يقل ما فيهيا مميا يغمير اليدنيا مين قسيوة وظليم‬
‫اجتماعي‪ ،‬عما في أي جماعة أخرى سبقتها"‪. 1‬‬
‫ويعلق العلمة إميل درمنغم ‪ ،‬على هذه الرحلة العظيمة‪ ،‬وهذه‬
‫الخطبة البليغة‪ ،‬قائ ً‬
‫ل‪:‬‬
‫"‪ ..‬تجلت بهذه الرحلة الباهرة ]حجة الوداع[ ما وصييلت إليييه ميين‬
‫العظمة والسؤدد رسالة ذلك النبي ]‪[r‬الذي أنهكه اضطهاد عشيير‬
‫سنين وحروب عشر سيينين أخييرى بل انقطيياع‪ ،‬وهييو النييبي الييذي‬
‫‪2‬‬
‫جعل من مختلف القبائل المتقاتلة على الدوام أمة واحدة‪"..‬‬
‫المطلب الثالث‪ :‬توجيهات إنسانية ‪:‬‬
‫وإلى جانب خطبة الوداع الجامعة هناك توجيهييات وتعيياليم أخييرى‬
‫للنبي ‪ ،r‬تعنى بحقوق النسان‪ ،‬لسيما في مسألة الدماء ‪:‬‬
‫ل قَِتي ٌ‬
‫ل‪ :‬قُت ِ َ‬
‫س ‪َ ،‬قا َ‬
‫م‬
‫ل ع ََلى ع َهْد ِ َر ُ‬
‫ل الل ّهِ ‪ r‬ل ي ُعْل َي ُ‬
‫سو ِ‬
‫ن ع َّبا ٍ‬
‫ن اب ْ ِ‬
‫فعَ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ل قَِتي ٌ‬
‫قت َ ُ‬
‫قا َ‬
‫ن‬
‫س ! أي ُ ْ‬
‫من ْب ََره ُ ‪ ،‬فَ َ‬
‫صعِد َ ِ‬
‫َقات ِل ُ ُ‬
‫ل‪َ ":‬يا أي َّها الّنا ُ‬
‫ه‪ ،‬فَ َ‬
‫ل وَأَنييا ب َْييي َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن أ َهْ ي َ‬
‫معُييوا‬
‫ضا ْ‬
‫ه؟ ل َيوْ أ ّ‬
‫ل ال ّ‬
‫جت َ َ‬
‫سي َ‬
‫ن قَت َل َ ُ‬
‫م َ‬
‫م ل ي ُعْل َ ُ‬
‫أظ ْهُرِك ُ ْ‬
‫م ْ‬
‫ماِء َوالْر ‪ِ 3‬‬
‫ساب"‬
‫ه ِبل ع َد َد ٍ َول ِ‬
‫ح َ‬
‫م ْ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫سل ِم ٍ ل َعَذ ّب َهُ ُ‬
‫ئ ُ‬
‫لا ْ‬
‫مرِ ٍ‬
‫ع ََلى قَت ْ ِ‬
‫ك‪:‬‬
‫ن عُ ْ‬
‫قب َ َ‬
‫مال ِ ٍ‬
‫ن َ‬
‫وع َ ْ‬
‫ة بْ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ج ٌ‬
‫شوا أهْ َ‬
‫ل الل ّهِ ‪ r‬غ َ ُ‬
‫ل‬
‫سرِي ّ ً‬
‫ل ِ‬
‫حا فَب ََرَز َر ُ‬
‫صب ْ ً‬
‫أ ّ‬
‫ة ل َِر ُ‬
‫ن َ‬
‫ل َ‬
‫ماٍء ُ‬
‫ن أهْي ِ‬
‫م ْ‬
‫سو ِ‬
‫قا َ‬
‫ج ٌ‬
‫م َ‬
‫ه‪،‬‬
‫م فَ َ‬
‫ن‪ ،‬فَ َ‬
‫سل ِ ِ‬
‫ل ِ‬
‫ل ع َل َي ْهِ َر ُ‬
‫ماِء فَ َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫قت ََليي ُ‬
‫سييل ِ ٌ‬
‫ل إ ِّني ُ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫ح َ‬
‫ال ْ َ‬
‫مي َ‬
‫م ْ‬
‫ي ‪ r‬ب ِذ َل ِ َ‬
‫سو ُ‬
‫ك فَ َ‬
‫ل الل ّهِ ‪َ r‬‬
‫موا أ َ ْ‬
‫ح ِ‬
‫خ ِ‬
‫مييد َ‬
‫طيًبا فَ َ‬
‫قا َ‬
‫م َر ُ‬
‫ما قَد ِ ُ‬
‫فَل َ ّ‬
‫خب َُروا الن ّب ِ ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫جي َ‬
‫قت ُي ُ‬
‫ما َبا ُ‬
‫م َقا َ‬
‫ل‬
‫سل ِم ِ ي َ ْ‬
‫ل الّر ُ‬
‫م ْ‬
‫ل ال ْ ُ‬
‫ما ب َعْد ُ فَ َ‬
‫ل‪":‬أ ّ‬
‫ه وَأث َْنى ع َل َي ْهِ ث ُ ّ‬
‫الل ّ َ‬
‫ج ُ‬
‫قا َ‬
‫قو ُ‬
‫مت َعَيوّ ً‬
‫ف‬
‫م" فَ َ‬
‫وَهُوَ ي َ ُ‬
‫ص يَر َ‬
‫ل الّر ُ‬
‫م ْ‬
‫ما َقال َهَييا ُ‬
‫ل‪ :‬إ ِن ّ َ‬
‫سل ِ ٌ‬
‫ل إ ِّني ُ‬
‫ذا‪ .‬فَ َ‬
‫َ‬
‫قا َ‬
‫سو ُ‬
‫ن‬
‫مَنى فَ َ‬
‫ل الل ّهِ ‪ r‬وَ ْ‬
‫َر ُ‬
‫ي َ‬
‫ل ‪ " :‬أَبى الل ّي ُ‬
‫مد ّ ي َد َه ُ ال ْي ُ ْ‬
‫ه وَ َ‬
‫جه َ ُ‬
‫مي ْ‬
‫ه ع َل َي ّ‬
‫‪4‬‬
‫قَت َ َ‬
‫ت ‪..‬‬
‫ما "ث ََل َ‬
‫مّرا ٍ‬
‫م ْ‬
‫ث َ‬
‫سل ِ ً‬
‫ل ُ‬
‫و"مثل هذه القوال وهذه الفعال ترينا في محمد]‪ [r‬أخا النسانية‬
‫الرحيم ‪ ،‬أخانا جميعا ً الرؤوف الشفيق ‪ ،‬وابن أمنا الولى وأبينا‬
‫الول"‪. 5‬‬

‫‪ 1‬هربرت جورج ولز ‪ :‬معالم تاريخ النسانية ‪641 – 640 / 3 ،‬‬
‫‪ 2‬اميل درمنغم ‪:‬حياة محمد‪ ،‬ص ‪359‬‬
‫‪ 3‬رواه الطبراني في المعجم الكبير برقم ‪12513‬‬
‫‪ 4‬رواه أحمد في مسنده‪ ،‬برقم ‪16395‬‬
‫‪ 5‬هذه الجملة لتوماس كارليل ‪ :‬البطال ‪ ،‬ص ‪85-84‬‬
‫‪104‬‬

‫الفصل الثالث‬
‫رحمته للعالمين في مجال الخلق‬
‫المبحث الول ‪ :‬الرفق واللين‬
‫المبحث الثاني ‪ :‬العفو‬
‫المبحث الثالث ‪ :‬العدالة والمساواة‬
‫المبحث الرابع ‪ :‬الحب والخاء‬
‫المبحث الخامس ‪ :‬السماحة في المعاملت المالية‬

‫‪105‬‬

‫المبحث الول‬
‫الرفق واللين واللطف‬
‫المطلب الول‪ :‬طريق محمد ‪ ..‬طريق الرفق ‪:‬‬
‫ماهي طريقة محمد ‪ ‬في دعوة الناس إلى منهج الله القويم ؟‬
‫يجيب عن هذا السؤال توماس أرنولد ‪ ،‬ويقول ‪:‬‬
‫" قد جاءهم محمد ]‪[‬من طريق الرفق"‪! 1‬‬
‫أما لويس سيديو‪ ،‬فيفصل في الجابة‪ ،‬ويقول ‪:‬‬
‫دون سؤاله‪ ،‬فيسحر‬
‫"كان]‪ [‬يستقبل بلطف ورفق جميع من يو ّ‬
‫كلماءه بما يعلو وجهه الرزين الزاهر من البشاشة‪ ،‬وكان ل يضج‬
‫م ما يقول على‬
‫من طول الحديث‪ ،‬وكان ل يتكلم إل قليل ً فل ين ّ‬
‫كبرياء أو استعلء‪ ،‬وكان يوحي في كل مرة باحترام القوم له‪..‬‬
‫"‪.2‬‬
‫ويقول " برتلي سانت هيلر "‪" :‬كان محمد ]‪[‬أزكى العرب في‬
‫عهده وأكثرهم تقوى ودينًا‪ ،‬وأرحبهم صدرا ً ‪ ،‬وأرفقهم‬
‫بأعدائه"‪.. 3‬‬
‫ما‬
‫ولهذا قال هنري دي كاستري‪ " :‬هكذا جذب السلم قس ً‬
‫ما من العالم‪ ...‬بما اشتمل عليه من الترفق بطبيعة البشر‬
‫عظي ً‬
‫حيث أتاح للناس شيًئا مما يشتهون !"‪ .. 4‬فهو دين واقعي‪،‬‬
‫يتعامل مع حاجات النسان بفهم ورفق‪ ،‬أو بعبارة كويليام ‪ ":‬ليس‬
‫‪ 1‬توماس كارليل‪ :‬البطال ‪ ،‬ص ‪76 – 75‬‬
‫‪ 2‬لويس سيديو ‪ :‬تاريخ العرب العام ‪ ،‬ص ‪103‬‬
‫‪ 3‬برتلي سانت هيلر‪ :‬مع الشرق‪.77 ،‬‬
‫‪ 4‬هنري دي كاستري ‪ :‬السلم ‪ :‬خواطر وسوانح ‪ ،‬ص ‪13‬‬
‫‪106‬‬

‫بين الديان أقرب للفهم من الدين السلمي للذين يفقهونه‪ ،‬كما‬
‫‪1‬‬
‫أنه ليس بينها أثبت ول أرفق منه‪".‬‬
‫ويقول "هربرت جورج ولز"‪" :‬هذا اللحاح على الرفق والرعاية‬
‫في الحياة اليومية إنما هو واحد من فضائل السلم الكبرى بيد‬
‫أنه ليس الفضيلة الوحيدة فيه"‪ ،.2‬ول زال الغرب يتعلم أخلق‬
‫الرفق من السلم ونبي السلم‪ ،‬كما يقول "ريشار وود" حتى‬
‫صار النصارى يتعلمون من الدولة السلمية‪ ،‬و"ما يرمي إليه‬
‫ض على الرفق واللين"‪!.. 3‬‬
‫الدين ] السلمي [ من الح ّ‬
‫ومن ثم يدعو "سوسة"‪ 4‬أتباع موسى وعيسى ]عليهما السلم[ "‬
‫أن يراجعوا التاريخ السلمي ليقفوا على ما يأمر به السلم‬
‫بشأن الرفق بالطفال والنساء والشيوخ وغير المقاتلين بصورة‬
‫عامة‪ .‬ويثبت لنا التاريخ‪ ...‬أن المسلمين ساروا وفق شريعتهم‬
‫القاضية بوجوب عدم مس الطفال والنساء والشيوخ‪ ،‬بكل أمانة‬
‫وحرص حتى في الظروف التي كان فيها العدو المقابل يقتل‬
‫الطفال والنساء وغير المحاربين من المسلمين"‪..5‬‬
‫المطلب الثاني ‪ :‬حثه على الرفق ‪:‬‬
‫أول ً ‪ :‬الرفق يحبه الله ‪:‬‬
‫عائ ِ َ‬
‫ي ‪:‬‬
‫ن َ‬
‫ش َ‬
‫ج الن ّب ِ ّ‬
‫عَ ْ‬
‫ة َزوْ ِ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ل اللهِ ‪َ ‬قا َ‬
‫سو َ‬
‫عائ ِ َ‬
‫ق‪،‬‬
‫ل‪َ " :‬يا َ‬
‫ه َرِفيقٌ ي ُ ِ‬
‫ش ُ‬
‫ح ّ‬
‫ة إِ ّ‬
‫أ ّ‬
‫ن َر ُ‬
‫ب الّرفْ َ‬
‫ن الل َ‬
‫َ‬
‫ما‬
‫ما َل ي ُعْ ِ‬
‫ما َل ي ُعْ ِ‬
‫وَي ُعْ ِ‬
‫طي ع ََلى ال ْعُن ْ ِ‬
‫طي ع ََلى َ‬
‫ف وَ َ‬
‫ق َ‬
‫طي‪ 6‬ع َلى الّرفْ ِ‬
‫ه"‬
‫ِ‬
‫وا ُ‬
‫س َ‬
‫ي ‪ ‬قال‪:‬‬
‫ن َ‬
‫دا َ‬
‫معْ َ‬
‫ن َ‬
‫ن أن الن ّب ِ ّ‬
‫و عَ ْ‬
‫خال ِد ِ ب ْ ِ‬
‫ه ت ََباَر َ‬
‫ه‬
‫ك وَت ََعاَلى َرِفيقٌ ي ُ ِ‬
‫ن ع َل َي ْ ِ‬
‫ضى ب ِ ِ‬
‫ب الّرفْقَ وَي َْر َ‬
‫ح ّ‬
‫"إ ِ ّ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ه‪ ،‬وَي ُِعي ُ‬
‫‪7‬‬
‫ف‪. "...‬‬
‫ن ع ََلى ال ْعُن ْ ِ‬
‫َ‬
‫ما َل ي ُِعي ُ‬
‫ثانًيا‪ :‬الرفق جمال وذوق‪:‬‬
‫عائ ِ َ‬
‫ة‪:‬‬
‫ن َ‬
‫ش َ‬
‫عَ ْ‬
‫ن الّرفْقَ َل ي َ ُ‬
‫ي ‪َ ‬قا َ‬
‫ن ِفي َ‬
‫ه وََل ي ُن َْزعُ‬
‫كو ُ‬
‫ل ‪" :‬إ ِ ّ‬
‫يٍء إ ِّل َزان َ ُ‬
‫ش ْ‬
‫أن الن ّب ِ ّ‬
‫‪8‬‬
‫ّ‬
‫يٍء إ ِل َ‬
‫ن َ‬
‫ه" ‪..‬‬
‫ِ‬
‫شان َ ُ‬
‫ش ْ‬
‫م ْ‬
‫ثالًثا‪ :‬الرفق يجلب الخير‪:‬‬
‫ر‪:‬‬
‫ن َ‬
‫و عَ ْ‬
‫ري ٍ‬
‫ج ِ‬
‫‪ 1‬عبد ال كويليام‪ :‬العقيدة والشريعة في السلم ‪ ،‬ص ‪62‬‬
‫‪ 2‬هربرت جورج ولز ‪ :‬معالم تاريخ النسانية ‪ ،‬ص ‪. 642 / 3‬‬
‫‪3‬ريشار وود‪ :‬السلم والصلح ‪ ،‬ص ‪. 21‬‬
‫‪ 4‬أحمد سوسة ‪ :‬كاتب عراقي ‪ ،‬كان يهوديًا‪ ،‬ومن مؤلفاته‪" :‬مفصل العرب واليهود في التاريخ " و في طريقي‬
‫إلى السلم " الذي تحدث فيه عن سيرة حياته وكيف أسلم ‪.‬‬
‫‪ 5‬أحمد سوسة ‪ :‬في طريقي إلى السلم ‪94 / 1 ،‬‬
‫‪ 6‬صحيح‪ -‬رواه مسلم ‪ ،‬باب الرفق‪ ،‬برقم ‪469‬‬
‫‪ 7‬صحيح ‪ -‬موطأ مالك‪ ،‬برقم ‪ ، 1551‬وصححه اللباني في صحيح وضعيف الجامع الصغير‪ ،‬رقم ‪2651‬‬
‫‪ 8‬صحيح‪ -‬رواه مسلم ‪ ،‬باب الرفق‪ ،‬برقم ‪4698‬‬
‫‪107‬‬

‫ي ‪َ ‬قا َ‬
‫خي َْر !"‪. 1‬‬
‫م ال ْ َ‬
‫م الّرفْقَ ي ُ ْ‬
‫ن يُ ْ‬
‫حَر ْ‬
‫حَر ْ‬
‫ل‪َ ":‬‬
‫م ْ‬
‫ن الن ّب ِ ّ‬
‫عَ ْ‬
‫المطلب الثالث‪ :‬من نماذج رفقه‪: ‬‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬الرفق بالمتعلمين‪:‬‬
‫عَ َ‬
‫ك‪:‬‬
‫مال ِ ٍ‬
‫ن َ‬
‫ْ‬
‫س بْ ِ‬
‫ن َأن َ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫قا َ‬
‫ن أع َْراب ِّيا َبا َ‬
‫ل‬
‫موا إ ِلي ْهِ ) ليضربوه (‪ ،‬فَ َ‬
‫جد ِ ف َ َ‬
‫أ ّ‬
‫م ْ‬
‫قا ُ‬
‫س ِ‬
‫ل ِفي ال َ‬
‫سو ُ‬
‫ل الل ّهِ ‪:‬‬
‫َر ُ‬
‫موه ُ !"‬
‫"َل ت ُْزرِ ُ‬
‫ه‪. 2‬‬
‫م دَ َ‬
‫ب ع َل َي ْ ِ‬
‫عا ب ِد َل ْوٍ ِ‬
‫ص ّ‬
‫ن َ‬
‫ثُ ّ‬
‫ماٍء فَ ُ‬
‫م ْ‬
‫ثانيًا‪ :‬الرفق بالسفهاء ‪:‬‬
‫عائ ِ َ‬
‫ت‪:‬‬
‫عن َ‬
‫ش َ‬
‫ة َر ِ‬
‫ه ع َن َْها َقال َ ْ‬
‫ي الل ّ ُ‬
‫ض َ‬
‫‪3‬‬
‫ل َرهْ ٌ‬
‫خ َ‬
‫م‬
‫ل الل ّهِ ‪ . ‬فَ َ‬
‫دَ َ‬
‫ط ِ‬
‫سا ُ‬
‫قاُلوا‪ :‬ال ّ‬
‫ن ال ْي َُهود ِ ع ََلى َر ُ‬
‫م ع َل َي ْك ُ ْ‬
‫سو ِ‬
‫م ْ‬
‫عائ ِ َ‬
‫ة‪.‬‬
‫مت َُها‪ .‬فَ ُ‬
‫ة‪ :‬فَ َ‬
‫ت َ‬
‫م َوالل ّعْن َ ُ‬
‫ش ُ‬
‫سا ُ‬
‫م ال ّ‬
‫ت ‪ :‬وَع َل َي ْك ُ ْ‬
‫قل ْ ُ‬
‫فه ِ ْ‬
‫‪َ .‬قال َ ْ‬
‫سو ُ‬
‫قا َ‬
‫عائ ِ َ‬
‫ق‬
‫فَ َ‬
‫مهًْل َيا َ‬
‫ه يُ ِ‬
‫ش ُ‬
‫ح ّ‬
‫ة ! ! إِ ّ‬
‫ل َر ُ‬
‫ب الّرفْ َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ل الل ّهِ ‪َ " : ‬‬
‫َ‬
‫ه"‪.‬‬
‫مرِ ك ُل ّ ِ‬
‫ِفي اْل ْ‬
‫َ‬
‫سو َ‬
‫ما َقاُلوا ؟‬
‫فَ ُ‬
‫م تَ ْ‬
‫ت ‪َ :‬يا َر ُ‬
‫معْ َ‬
‫س َ‬
‫ل الل ّهِ أوَل َ ْ‬
‫قل ْ ُ‬
‫سو ُ‬
‫قا َ‬
‫م"‪.. 4‬‬
‫ف َ‬
‫ل َر ُ‬
‫ت ‪ :‬وَع َل َي ْك ُ ْ‬
‫ل الل ّهِ ‪" : ‬قَد ْ قُل ْ ُ‬
‫ما إذا سابه أحد أو شاتمه‪..‬‬
‫وهذا وهو خلق رسول الله ‪ ‬دو ً‬
‫ثالًثا ‪ :‬الرفق بالعصاة ‪:‬‬
‫ُ‬
‫عَ َ‬
‫ة َقا َ‬
‫ل‪:‬‬
‫م َ‬
‫ما َ‬
‫ن أِبي أ َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫قا َ‬
‫ن فًَتى َ‬
‫ل ‪َ :‬يا‬
‫م ‪ -‬فَ َ‬
‫إِ ّ‬
‫ه ع َلي ْهِ وَ َ‬
‫سل َ‬
‫صلى الل ُ‬
‫ي‪َ -‬‬
‫شاّبا أَتى الن ّب ِ ّ‬
‫َ‬
‫ن ِلي ِبالّزَنا !! فَأقْب َ َ‬
‫سو َ‬
‫ه‪َ ،‬قاُلوا ‪:‬‬
‫ل ال ْ َ‬
‫م ع َل َي ْهِ فََز َ‬
‫ل الل ّهِ ائ ْذ َ ْ‬
‫قو ْ ُ‬
‫َر ُ‬
‫جُرو ُ‬
‫ه !!!‬
‫م ْ‬
‫ه َ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫قا َ‬
‫ه " ‪..‬‬
‫فَ َ‬
‫ه ع َلي ْهِ وَ َ‬
‫م ‪ " :-‬اد ْن ُ ْ‬
‫سل َ‬
‫صلى الل ُ‬
‫ي‪َ -‬‬
‫ل الن ّب ِ ّ‬
‫ه قَ‬
‫س‬
‫فَد ََنا ِ‬
‫ريًبا‪ ..‬فَ َ‬
‫من ْ ُ‬
‫جل َ َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫حب ّ ُ‬
‫م َ‬
‫َقا َ‬
‫ك؟"‬
‫ه ع َل َي ْهِ وَ َ‬
‫ه ِل ّ‬
‫م ‪" : -‬أت ُ ِ ُ‬
‫سل ّ َ‬
‫صّلى الل ّ ُ‬
‫ي‪َ -‬‬
‫ل الن ّب ِ ّ‬
‫داَء َ‬
‫َقا َ‬
‫ك!‬
‫ه فِ َ‬
‫ل‪َ :‬ل َوالل ّهِ َ‬
‫جعَل َِني الل ّ ُ‬
‫ُ‬
‫َقا َ‬
‫م‪".‬‬
‫س يُ ِ‬
‫مَهات ِهِ ْ‬
‫ه ِل ّ‬
‫حّبون َ ُ‬
‫ل ‪" :‬وََل الّنا ُ‬
‫ه ِلب ْن َت ِ َ‬
‫ك؟"‬
‫"أ َفَت ُ ِ‬
‫حب ّ ُ‬
‫داَء َ‬
‫سو َ‬
‫َقا َ‬
‫ك‬
‫ه فِ َ‬
‫ل الل ّهِ َ‬
‫ل ‪َ :‬ل َوالل ّهِ َيا َر ُ‬
‫جعَل َِني الل ّ ُ‬
‫َقا َ‬
‫م‬
‫س يُ ِ‬
‫ه ل ِب ََنات ِهِ ْ‬
‫حّبون َ ُ‬
‫ل‪" :‬وََل الّنا ُ‬
‫خت ِ َ‬
‫ك؟"‬
‫ه ِل ُ ْ‬
‫" أ َفَت ُ ِ‬
‫حب ّ ُ‬
‫داَء َ‬
‫َقا َ‬
‫ك ‪..‬‬
‫ه فِ َ‬
‫ل‪َ :‬ل َوالل ّهِ َ‬
‫جعَل َِني الل ّ ُ‬
‫َ‬
‫َقا َ‬
‫م"‬
‫ه ِل َ‬
‫س يُ ِ‬
‫وات ِهِ ْ‬
‫حّبون َ ُ‬
‫ل ‪" :‬وََل الّنا ُ‬
‫خ َ‬
‫‪ 1‬صحيح – رواه مسلم‪ ،‬باب الرفق‪ ،‬رقم ‪4694‬‬
‫‪ 2‬صحيح‪ -‬رواه البخاري‪ ،‬برقم ‪5566‬‬
‫‪ 3‬السام ‪ :‬يعني الموت‪ ،‬والسام عليكم ‪ :‬يعني الموت لكم ‪.‬‬
‫‪ 4‬صحيح‪ -‬رواه البخاري‪ ،‬باب الرفق في المر كله‪ ،‬رقم ‪5565‬‬
‫‪108‬‬

‫مت ِ َ‬
‫ك؟"‬
‫" أ َفَت ُ ِ‬
‫ه ل ِعَ ّ‬
‫حب ّ ُ‬
‫داَء َ‬
‫َقا َ‬
‫ك‬
‫ه فِ َ‬
‫ل‪َ :‬ل َوالل ّهِ َ‬
‫جعَل َِني الل ّ ُ‬
‫َقا َ‬
‫م"‬
‫س يُ ِ‬
‫مات ِهِ ْ‬
‫ه ل ِعَ ّ‬
‫حّبون َ ُ‬
‫ل‪ ":‬وََل الّنا ُ‬
‫خال َت ِ َ‬
‫ك؟"‪.‬‬
‫ه لِ َ‬
‫"أ َفَت ُ ِ‬
‫حب ّ ُ‬
‫داَء َ‬
‫َقا َ‬
‫ك‪.‬‬
‫ه فِ َ‬
‫ل ‪َ :‬ل َوالل ّهِ َ‬
‫جعَل َِني الل ّ ُ‬
‫َقا َ‬
‫م" ‪.‬‬
‫ه لِ َ‬
‫س يُ ِ‬
‫خاَلت ِهِ ْ‬
‫حّبون َ ُ‬
‫ل ‪ " :‬وََل الّنا ُ‬
‫ه‪ ،‬وََقا َ‬
‫ل ‪:‬‬
‫ضعَ ي َد َه ُ ع َل َي ْ ِ‬
‫فَوَ َ‬
‫ه" ‪..‬‬
‫م اغ ْ ِ‬
‫ن فَْر َ‬
‫ه وَ َ‬
‫ج ُ‬
‫ه وَط َهّْر قَل ْب َ ُ‬
‫فْر ذ َن ْب َ ُ‬
‫"الل ّهُ ّ‬
‫ح ّ‬
‫ص ْ‬
‫ن ب َعْد ُ ذ َل ِ َ‬
‫ت إ َِلى َ‬
‫يٍء‪.1‬‬
‫ك ال ْ َ‬
‫فَتى ي َل ْت َ ِ‬
‫ف ُ‬
‫فَل َ ْ‬
‫ش ْ‬
‫م ي َك ُ ْ‬
‫عا‪ :‬الرفق بالشعب والرعية ‪:‬‬
‫راب ً‬
‫ة َقا َ‬
‫ل‪:‬‬
‫ة عَ‬
‫س َ‬
‫مل َ ُ‬
‫ن ِ‬
‫ن ع َب ْد ِ الّر ْ‬
‫عن َ‬
‫ما َ‬
‫ش َ‬
‫ح َ‬
‫حْر َ‬
‫ْ‬
‫ن بْ ِ‬
‫م ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن َ‬
‫عائ ِ َ‬
‫يٍء ‪..‬‬
‫ت َ‬
‫ش َ‬
‫ة‪ ،‬أ ْ‬
‫أت َي ْ ُ‬
‫ش ْ‬
‫سأل َُها ع َ ْ‬
‫قال َت‪ :‬مم َ‬
‫ت؟‬
‫ن أن ْ َ‬
‫فَ َ ْ ِ ّ ْ‬
‫َ‬
‫ج ٌ‬
‫صَر‬
‫فَ ُ‬
‫ل ِ‬
‫ل ِ‬
‫ت َر ُ‬
‫قل ْ ُ‬
‫م ْ‬
‫ن أهْ ِ‬
‫م ْ‬
‫ف َ‬
‫فَ َ‬
‫صا ِ‬
‫ت‪ :‬ك َي ْ َ‬
‫م هَذ ِهِ‬
‫كا َ‬
‫م ِفي غ ََزات ِك ُ ْ‬
‫م ل َك ُ ْ‬
‫حب ُك ُ ْ‬
‫قال َ ْ‬
‫ن َ‬
‫ن َ‬
‫قا َ‬
‫ه َ‬
‫مّنا ال ْب َِعيُر‬
‫ما ن َ َ‬
‫فَ َ‬
‫ل ِ‬
‫مَنا ِ‬
‫ت ِللّر ُ‬
‫كا َ‬
‫شي ًْئا إ ِ ْ‬
‫مو ُ‬
‫ن ل َي َ ُ‬
‫من ْ ُ‬
‫ق ْ‬
‫ل‪َ :‬‬
‫ج ِ‬
‫ه‬
‫ف َ‬
‫ج إ َِلى الن ّ َ‬
‫طي ِ‬
‫قةِ فَي ُعْ ِ‬
‫طيهِ ال ْب َِعيَر َوال ْعَب ْد ُ فَي ُعْ ِ‬
‫فَي ُعْ ِ‬
‫حَتا ُ‬
‫د‪ ،‬وَي َ ْ‬
‫طيهِ ال ْعَب ْ َ‬
‫ة ‪..‬‬
‫ف َ‬
‫الن ّ َ‬
‫ق َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن أِبي ب َ ْ‬
‫ذي فَعَ َ‬
‫كرٍ‪-‬‬
‫فَ َ‬
‫من َعُِني ال ّ ِ‬
‫م َ‬
‫ح ّ‬
‫ل ‪ِ -‬في ُ‬
‫ه َل ي َ ْ‬
‫ما إ ِن ّ ُ‬
‫ت‪ :‬أ َ‬
‫قال َ ْ‬
‫مد ِ ب ْ ِ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫خب َِر َ‬
‫ه‬
‫نأ ْ‬
‫أَ ِ‬
‫ه ع َل َي ْ ِ‬
‫ت ِ‬
‫س ِ‬
‫خي أ ْ‬
‫ن َر ُ‬
‫ما َ‬
‫صّلى الل ّ ُ‬
‫معْ ُ‬
‫ك َ‬
‫ل الل ّهِ ‪َ -‬‬
‫سو ِ‬
‫م ْ‬
‫قو ُ‬
‫ل ِفي ب َي ِْتي ‪:‬‬
‫م ‪ -‬يَ ُ‬
‫وَ َ‬
‫سل ّ َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫م َفا ْ‬
‫شي ًْئا فَ َ‬
‫مِتي َ‬
‫"هَ َ‬
‫ق‪،‬‬
‫ش ُ‬
‫ي ِ‬
‫ق ْ‬
‫شقّ ع َل َي ْهِ ْ‬
‫مرِ أ ّ‬
‫نأ ْ‬
‫م َ‬
‫ذا الل ّهُ ّ‬
‫م ْ‬
‫ن وَل ِ َ‬
‫م ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫‪2‬‬
‫مِتي َ‬
‫م َفاْرفُقْ ب ِهِ " ‪.‬‬
‫ي ِ‬
‫شي ًْئا فََرفَقَ ب ِهِ ْ‬
‫مرِ أ ّ‬
‫نأ ْ‬
‫ع َل َي ْهِ وَ َ‬
‫م ْ‬
‫ن وَل ِ َ‬
‫م ْ‬
‫سا ‪ :‬الرفق بالمستفتي وصاحب المسألة ‪:‬‬
‫خام ً‬
‫ي َقا َ‬
‫ل‬
‫ص ْ‬
‫م َ‬
‫خرٍ ال ْب ََيا ِ‬
‫ة بْ‬
‫ن َ‬
‫سل َ َ‬
‫ن َ‬
‫ض ّ‬
‫عَ ْ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫جًل َ‬
‫ن ذ َل ِ َ‬
‫ما‬
‫ب ِ‬
‫ن يُ ِ‬
‫ست َك ْث ُِر ِ‬
‫صي ُ‬
‫كا َ‬
‫ساِء َل أَرى َر ُ‬
‫ن الن ّ َ‬
‫مَرأ أ ْ‬
‫ك َ‬
‫تا ْ‬
‫ك ُن ْ ُ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ظاهَرت من ا َ‬
‫ُ‬
‫خ َ‬
‫سل ِ َ‬
‫خ‬
‫ما د َ َ‬
‫أ ِ‬
‫مَرأِتي َ‬
‫ضا ُ‬
‫م َ‬
‫صي ُ‬
‫حّتى ي َن ْ َ‬
‫ن َ ْ ُ ِ ْ ْ‬
‫ل َر َ‬
‫ب! فَل َ ّ‬
‫من َْها َ‬
‫ت ل َي ْل َةٍ ان ْك َ َ‬
‫حد ّث ُِني َ‬
‫يٌء ‪،‬‬
‫ش َ‬
‫ف ِلي ِ‬
‫ي تُ َ‬
‫ضا ُ‬
‫م َ‬
‫ذا َ‬
‫ن‪ ،‬فَب َي ْن َ َ‬
‫َر َ‬
‫ش ْ‬
‫ما ه ِ َ‬
‫َ‬
‫مي‬
‫ت ع ََلى قَوْ ِ‬
‫صب َ ْ‬
‫ت غ َد َوْ ُ‬
‫ح ُ‬
‫واقَعْت َُها ‪ ،‬فَل َ ّ‬
‫فَوَث َب ْ ُ‬
‫ما أ ْ‬
‫ت ع َل َي َْها فَ َ‬
‫َ‬
‫سو َ‬
‫ه‬
‫م َ‬
‫فَأ ْ‬
‫سُلوا ِلي َر ُ‬
‫م‪َ :‬‬
‫صّلى الل ّ ُ‬
‫ت ل َهُ ْ‬
‫ري ‪ ،‬وَقُل ْ ُ‬
‫خب َْرت ُهُ ْ‬
‫ل الل ّهِ ‪َ -‬‬
‫خب َ ِ‬
‫م‪!!-‬‬
‫ع َل َي ْهِ وَ َ‬
‫سل ّ َ‬
‫ل ِفيَنا ك َِتاًبا أ َوْ ي َ ُ‬
‫ج ّ‬
‫ذا ي ُن ْزِ َ‬
‫فعَ ُ‬
‫ل إِ ً‬
‫ن‬
‫ما ك ُّنا ن َ ْ‬
‫فَ َ‬
‫كو َ‬
‫ه ع َّز وَ َ‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫قاُلوا ‪َ :‬‬
‫م‪ -‬قَوْ ٌ‬
‫قى ع َل َي َْنا‬
‫ل فَي َب ْ َ‬
‫ل الل ّ ِ‬
‫ِفيَنا ِ‬
‫ه ع َل َي ْهِ وَ َ‬
‫ن َر ُ‬
‫سل ّ َ‬
‫صّلى الل ّ ُ‬
‫ه‪َ -‬‬
‫سو ِ‬
‫م ْ‬
‫‪1‬‬
‫صحيح ‪ -‬رواه أحمد ‪ (21185) -‬وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد‪ ،‬وعزاه إلى الطبراني وقال‪:‬‬
‫رجاله رجال الصحيح ‪ ،1/129‬وانظر‪ :‬سلسلة الحاديث الصحيحة لللباني‪ ،‬برقم ‪. 370‬‬
‫‪ 2‬صحيح – رواه مسلم ‪ -‬كتاب الجهاد‪ ،‬باب فضيلة المام العادل‪ ،‬وعقوبة الجائر والحث على الرفق بالرعية‬
‫والنهي عن إدخال المشقة عليهم‪ ،‬برقم )‪(3407‬‬

‫‪109‬‬

‫َ‬
‫شأ ْن َ َ‬
‫ريَرت ِ َ‬
‫م َ‬
‫ت َفاذ ْك ُْر َ‬
‫ك‬
‫َ‬
‫سو ْ َ‬
‫ك‪ ،‬اذ ْهَ ْ‬
‫ك لِ َ‬
‫ف نُ َ‬
‫ن َ‬
‫ب أن ْ َ‬
‫سل ّ ُ‬
‫عاُر ُ‬
‫ه‪ ،‬وَل َك ِ ْ‬
‫ج ِ‬
‫م ‪..-‬‬
‫ل الل ّهِ ‪-‬‬
‫ه ع َل َي ْهِ وَ َ‬
‫ل َِر ُ‬
‫سل ّ َ‬
‫صّلى الل ّ ُ‬
‫َ‬
‫سو ِ‬
‫َ‬
‫َقا َ‬
‫خب ََر ‪.‬‬
‫ه ال ْ َ‬
‫ه فَأ ْ‬
‫ل‪ :‬فَ َ‬
‫ت َ‬
‫خَر ْ‬
‫خب َْرت ُ ُ‬
‫جئ ْت ُ ُ‬
‫حّتى ِ‬
‫ج ُ‬
‫َ‬
‫ذا َ‬
‫سو ُ‬
‫قا َ‬
‫ت بِ َ‬
‫ك؟"‬
‫فَ َ‬
‫ه ع َل َي ْهِ وَ َ‬
‫ل َر ُ‬
‫م ‪" : -‬أن ْ َ‬
‫سل ّ َ‬
‫صّلى الل ّ ُ‬
‫ل الل ّهِ ‪َ -‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ذا َ‬
‫سو َ‬
‫ت ‪ :‬أَنا ب ِ َ‬
‫ي‪.‬‬
‫فَ ُ‬
‫ك‪ ،‬وَ َ‬
‫صاب ٌِر ل ِ ُ‬
‫ها أَنا َيا َر ُ‬
‫قل ْ ُ‬
‫ل الل ّهِ َ‬
‫حك ْم ِ الل ّهِ ع َل َ ّ‬
‫َ‬
‫َقا َ‬
‫ة" ‪.‬‬
‫ل‪ " :‬فَأع ْت ِقْ َرقَب َ ً‬
‫َ‬
‫َ‬
‫مل ِ ُ‬
‫ذي ب َعَث َ َ‬
‫ك إ ِّل َرقَب َِتي هَذ ِهِ !‬
‫ت ‪َ :‬وال ّ ِ‬
‫صب َ ْ‬
‫ك ِبال ْ َ‬
‫تأ ْ‬
‫ح ُ‬
‫حقّ َ‬
‫قُل ْ ُ‬
‫ما أ ْ‬
‫َقا َ‬
‫م َ‬
‫ن" ‪.‬‬
‫ن ُ‬
‫ص ْ‬
‫ل ‪ " :‬فَ ُ‬
‫مت ََتاب ِعَي ْ ِ‬
‫شهَْري ْ ِ‬
‫خ َ‬
‫خ َ‬
‫ل الل ّهِ وَهَ ْ‬
‫سو َ‬
‫ن ال ْب ََلِء إ ِّل‬
‫ما د َ َ‬
‫ل دَ َ‬
‫ل ِ‬
‫ت‪َ :‬يا َر ُ‬
‫ي َ‬
‫قُل ْ ُ‬
‫م ْ‬
‫ل ع َل َ ّ‬
‫صوْم ِ !‬
‫ِبال ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َقا َ‬
‫كيًنا " ‪.‬‬
‫س ِ‬
‫ن ِ‬
‫م ِ‬
‫م ْ‬
‫صد ّقْ أوْ أط ْعِ ْ‬
‫ل‪ " :‬فَت َ َ‬
‫سّتي َ‬
‫ذي ب َعَث َ َ‬
‫ما ل ََنا ع َ َ‬
‫شاٌء !!‬
‫حقّ ل َ َ‬
‫ت ‪َ :‬وال ّ ِ‬
‫ك ِبال ْ َ‬
‫قد ْ ب ِت َْنا ل َي ْل َت ََنا هَذ ِهِ َ‬
‫قُل ْ ُ‬
‫ق ْ‬
‫َقا َ‬
‫ه فَل ْي َد ْفَعَْها‬
‫ق‪ ،‬فَ ُ‬
‫صا ِ‬
‫ل ‪َ " :‬فاذ ْهَ ْ‬
‫ل لَ ُ‬
‫ب َ‬
‫ح ِ‬
‫ب إ َِلى َ‬
‫صد َقَةِ ب َِني ُزَري ْ ٍ‬
‫َ‬
‫إ ِل َي ْ َ‬
‫قي ّت َِها !!!" ‪.‬‬
‫فعْ ب ِب َ ِ‬
‫كيًنا َوان ْت َ ِ‬
‫س ِ‬
‫ن ِ‬
‫م ِ‬
‫م ْ‬
‫ك‪ ،‬وَأط ْعِ ْ‬
‫سّتي َ‬
‫ت‪:‬‬
‫مي فَ ُ‬
‫ت إ َِلى قَوْ ِ‬
‫فََر َ‬
‫قل ْ ُ‬
‫جعْ ُ‬
‫ْ‬
‫ه‬
‫ت ِ‬
‫ت ِ‬
‫ي وَوَ َ‬
‫م ال ّ‬
‫وَ َ‬
‫ضيقَ وَ ُ‬
‫صّلى الل ّ ُ‬
‫جد ْ ُ‬
‫عن ْد َك ُ ْ‬
‫جد ْ ُ‬
‫ي‪َ -‬‬
‫عن ْد َ الن ّب ِ ّ‬
‫سوَء الّر ْأ ِ‬
‫َ‬
‫م!‬
‫سعَ َ‬
‫ة وَ ُ‬
‫ح ْ‬
‫م ‪-‬ال ّ‬
‫ع َل َي ْهِ وَ َ‬
‫صد َقَت ِك ُ ْ‬
‫ي‪ ،‬وَقَد ْ أ َ‬
‫سل ّ َ‬
‫مَر ِلي ب ِ َ‬
‫س َ‬
‫ن الّرأ ِ‬
‫ها ِلي‪. 1‬‬
‫قال ‪َ :‬فاد ْفَُعو َ‬
‫سا‪ :‬الرفق بالحيوانات ‪:‬‬
‫ساد ً‬
‫نهى النبي ‪ ‬عن تعذيب الحيوانات والطيور وكل شيء فيه‬
‫َ‬
‫ماًنا أ َوْ فِت َْياًنا نصبوا أمامهم‬
‫مّر أنس بن مالك فََرأى ِغل ْ َ‬
‫روح‪ ،‬فقد َ‬
‫َ‬
‫قا َ‬
‫س‪:‬‬
‫دجاجة‪ ،‬وجعلوها هدًفا لهم‪ ،‬وأخذوا يرمونها بالحجارة فَ َ‬
‫ل أن َ ٌ‬
‫َ‬
‫‪2‬‬
‫م‪".‬‬
‫ي‪‬أ ْ‬
‫صب ََر ال ْب ََهائ ِ ُ‬
‫ن تُ ْ‬
‫" ن ََهى الن ّب ِ ّ‬
‫أي تحبس أوتعذب أوتقيد أوترمي حتى الموت‪.‬‬
‫ما‪:‬‬
‫مَر َر ِ‬
‫ه ع َن ْهُ َ‬
‫ي الل ّ ُ‬
‫ن عُ َ‬
‫ض َ‬
‫وع َ ْ‬
‫ن اب ْ ِ‬
‫َ‬
‫حَيى؛ َراب ِ ٌ‬
‫خ َ‬
‫ة‬
‫ه دَ َ‬
‫ج ً‬
‫م ِ‬
‫جا َ‬
‫ط دَ َ‬
‫ن ب َِني ي َ ْ‬
‫حَيى ب ْ‬
‫ل ع ََلى ي َ ْ‬
‫سِعيد ٍ وَغ َُل ٌ‬
‫ن َ‬
‫أن ّ ُ‬
‫م ْ‬
‫ِ‬
‫م أ َقْب َ َ‬
‫م َ‬
‫ه‬
‫ي َْر ِ‬
‫حّتى َ‬
‫مَر َ‬
‫معَ ُ‬
‫ل ب َِها وَِبال ْغَُلم ِ َ‬
‫حل َّها ث ُ ّ‬
‫ن عُ َ‬
‫ميَها‪ ،‬فَ َ‬
‫شى إ ِل َي َْها اب ْ ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫قا َ‬
‫صب َِر هَ َ‬
‫ل فَإ ِّني‬
‫ذا الطي َْر ل ِل َ‬
‫فَ َ‬
‫نأ ْ‬
‫ل‪ :‬اْز ُ‬
‫مك ُ ْ‬
‫جُروا غ ُل َ‬
‫ن يَ ْ‬
‫قت ْ ِ‬
‫م عَ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫‪3‬‬
‫ل‪. ".‬‬
‫ها ل ِل ْ َ‬
‫ة أوْ غ َي ُْر َ‬
‫م ٌ‬
‫س ِ‬
‫ي ‪ ‬ن ََهى أ ْ‬
‫َ‬
‫صب ََر ب َِهي َ‬
‫معْ ُ‬
‫ن تُ ْ‬
‫قت ْ ِ‬
‫ت الن ّب ِ ّ‬
‫‪4‬‬
‫ن فَعَ َ‬
‫ل هَ َ‬
‫ذا" ‪.‬‬
‫وقال" إ ّ‬
‫ن َ‬
‫م ْ‬
‫ي ‪ ‬ل َعَ َ‬
‫ن الن ّب ِ ّ‬
‫‪ 1‬صحيح ‪ -‬رواه ابن ماجه )‪ (2052‬أحمد)‪ ، (15825‬وأبو داود )‪ ، (1892‬والترمذي) ‪، ،(1121‬وصححه‬
‫اللباني في الرواء ) ‪ ، ( 2091‬صحيح أبي داود ) ‪ ( 1917‬وصحيح وضعيف سنن ابن ماجة ‪ (2062) -‬وغير‬
‫ذلك من الكتب التي حققها ‪.‬‬
‫‪ 2‬صحيح – رواه البخاري‪ ،‬برقم ‪5089‬‬
‫‪ 3‬صحيح – رواه البخاري‪ ،‬برقم ‪5090‬‬
‫‪ 4‬صحيح – رواه البخاري‪ ،‬رقم ‪5091‬‬
‫‪110‬‬

‫وقال ‪ " :‬إن رسول الله ‪ ‬لعن من اتخذ شيًئا فيه الروح‬
‫‪1‬‬
‫ضا ‪"..‬‬
‫غر ً‬
‫أي ‪:‬هدًفا ُيتدرب عليه ونحو ذلك ‪.‬‬
‫مَر َقا َ‬
‫ل‪:‬‬
‫ن عُ َ‬
‫و عَ ْ‬
‫ن اب ْ ِ‬
‫‪2‬‬
‫مث ّ َ‬
‫قو ُ‬
‫سو َ‬
‫ن" ‪.‬‬
‫ل الل ّهِ ‪ ‬ي َ ُ‬
‫س ِ‬
‫ل ِبال ْ َ‬
‫ت َر ُ‬
‫َ‬
‫ن َ‬
‫ه َ‬
‫ن الل ّ ُ‬
‫معْ ُ‬
‫وا ِ‬
‫حي َ َ‬
‫م ْ‬
‫ل‪ " :‬ل َعَ َ‬
‫وفيه دللة على حرمة إيذاء الحيوان حًيا أو ميًتا‪ ،‬أل لضرورة أو‬
‫منفعة ‪.‬‬
‫وقد بين النبي ‪ ‬أن الله سبحانه قد غفر لرجل؛ لنه سقى كلًبا‬
‫كاد يموت من العطش ‪.‬‬
‫فّبين " أن رجل ً رأى كلًبا يأكل الثرى من العطش‪ ،‬فأخذ الرجل‬
‫خفه فجعل يغرف له به حتى أرواه فشكر الله له‪ ،‬فأدخله‬
‫الجنة ‪.3".‬‬
‫بينما دخلت امرأة النار؛ لنها حبست قطة‪ ،‬فلم تطعمها ولم‬
‫قَها حتى ماتت !‬
‫س ِ‬
‫تَ ْ‬
‫عا‪،‬‬
‫عذبت امرأة في هرة‪ ،‬حبستها حتى ماتت جو ً‬
‫فقال ‪ُ " :‬‬
‫‪4‬‬
‫فدخلت فيها النار " ‪.‬‬
‫ومن الرفق بالحيوان ذبحه بسكين حاد حتى ل يتعذب‪ ،‬يقول‬
‫النبي ‪:‬‬
‫َ‬
‫ةَ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ن ع َلى ك ُ ّ‬
‫يٍء فَإ ِ َ‬
‫ل َ‬
‫ش‬
‫قت ْل َ‬
‫سُنوا ال ِ‬
‫ح ِ‬
‫م فَأ ْ‬
‫سا َ‬
‫ب ال ِ ْ‬
‫ه ك َت َ َ‬
‫"إ ِ ّ‬
‫ح َ‬
‫ذا قَت َلت ُ ْ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫]أي‪ :‬في الحروب والمعارك[‪ ،‬وَإ ِ َ‬
‫ح‪.‬وَل ْي ُ ِ‬
‫ح ِ‬
‫حد ّ‬
‫سُنوا الذ ّب ْ َ‬
‫م فَأ ْ‬
‫ذا ذ َب َ ْ‬
‫حت ُ ْ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫ح‬
‫ش ْ‬
‫ه ]السكينة التي يذبح بها الطير ونحوه[وَل ْي ُرِ ْ‬
‫أ َ‬
‫فَرت َ ُ‬
‫حد ُك ُ ْ‬
‫ه"‪.5‬‬
‫ذ َِبي َ‬
‫حت َ ُ‬
‫ويروي عبد الله بن مسعود رضي الله عنه‪:‬‬
‫جاء بعير يشتد حتى سجد لرسول الله ‪ ،‬ثم قام بين يديه‪،‬‬
‫فذرفت عيناه‪ ،‬فقال رسول الله ‪" : ‬من صاحب هذا البعير؟"‬
‫قالوا‪ :‬فلن‪ .‬فقال "ادعوه‪ ،‬فأتوا به"‪ ،‬فقال له رسول الله ‪‬‬
‫"يشكوك" فقال‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬هذا البعير كنا نسنو‪ 6‬عليه منذ‬
‫عشرين سنة‪ ،‬ثم أردنا نحره‪.‬‬
‫فقال رسول الله ‪" :‬شكا ذلك‪ ،‬بئسما جازيتموه‪ ،‬استعملتموه‬
‫عشرين سنة حتى إذا أرق عظمه‪ ،‬ورق جلده أردتم نحره بعينه"‬
‫‪ 1‬صحيح – رواه مسلم‪ ،‬باب النهي عن صبر البهائم‪ ،‬برقم ‪3617‬‬
‫‪ 2‬سنن النسائي ‪ ،4366‬وصححه اللباني في صحيح وضعيف سنن النسائي‪.‬‬
‫‪ 3‬صحيح – رواه البخاري )‪ ،( 75/ 1‬باب الماء الذي يغسل به شعر النسان‪ ،‬برقم ‪171‬‬
‫‪ 4‬صحيح – رواه البخاري ) ‪ ،( 834 / 2‬حديث رقم ‪ ،2236‬وأخرجه مسلم في السلم‪ ،‬باب تحريم قتل الهرة ‪.‬‬
‫وفي البر والصلة والداب باب تحريم تعذيب الهرة ونحوها‪ ،‬رقم ‪2242‬‬
‫شْفَرِة ‪ ،‬رقم ‪3615‬‬
‫حِديِد ال ّ‬
‫ل َوَت ْ‬
‫ح َواْلَقْت ِ‬
‫ن الّذْب ِ‬
‫سا ِ‬
‫حَ‬
‫لْمِر ِبِإ ْ‬
‫ن َأْوس‪َ ،‬باب ا َْ‬
‫شّداد ْب ِ‬
‫‪ 5‬صحيح – رواه مسلم‪ ،‬عن َ‬
‫‪ 6‬أي نستقي‬
‫‪111‬‬

‫قال‪ :‬بل هو لك يا رسول الله‪ .‬فأمر به رسول الله ‪ ‬فوجه نحو‬
‫الظهر‪ ،‬أي البل ‪. 1‬‬
‫و عن عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه قال كنا مع رسول الله‬
‫‪ ‬في سفر فانطلق لحاجته فرأينا حمرة معها فرخان فأخذنا‬
‫فرخيها فجاءت الحمرة فجعلت تفرش ‪ ،‬فجاء النبي ‪‬فقال‪:‬‬
‫" من فجع هذه بولدها ؟ ردوا ولدها إليها ! "‬
‫ورأى قرية نمل قد حرقناها فقال ‪:‬‬
‫"من حرق هذه ؟ "‬
‫قلنا‪ :‬نحن ‪..‬‬
‫‪2‬‬
‫قال ‪" :‬إنه ل ينبغي أن يعذب بالنار إل رب النار" ‪.‬‬
‫المبحث الثاني‬
‫العفو‬
‫العفو ترك المؤاخذه بالذنب‪ ،3‬وقد ضرب النبي ‪ ‬المثل العلى‬
‫في الصفح عن محاربيه ومعانديه ومن له عليهم قصاص ‪ .‬وذلك‬
‫من تجليات رحمته ‪.‬‬
‫المطلب الول ‪ :‬النبي ‪‬العفو‬
‫يذكر مارسيل بوازار عفو محمد‪ ‬فيقول‪:‬‬
‫" وبالرغم من قتاليته ومنافحته ‪ ،‬فقد كان يعفو عند المقدرة‬
‫"‪. 4‬‬
‫ويتناول الكاتب الهندي "مولنا محمييد علييي"‪ 5‬مظهيير العفييو فييي‬
‫أخلق الرسول‪ ،‬كمظهر مين مظياهر رحمية محميد‪ ‬للبشير ‪،‬‬
‫بشيىء من التفصيل والتدليل ويقول ‪:‬‬
‫"وكان العفو جوهرة أخرى بالغة الشييعاع فييي شخصييية الرسييول‬
‫‪ .‬لقد وجدت فيه تجسدها الكامل ‪ .‬ولقد أوصاه القرأن الكريييم‬
‫بيأن يأخذ بالعفو ويأمر بالمعروف ويعرض عن الجاهلين ‪.‬‬
‫ولقد جاءه تفسير ذلك من لدنه تعالى ‪ .‬على هذا النحو ‪ ) :‬صل‬
‫من قطعك ‪ ،‬وأعط من حرمك ‪ ،‬واغفر لمن أساء إليك (‪ ...‬لقد‬
‫عاش ]‪ [‬وفقها حتى في أحرج المواقف ‪ .‬وفي معركة أحد‬
‫جرح وسقط على الرض ‪،‬‬
‫] شوال ‪3‬هي‪/‬إبريل ‪ 624‬م[ ‪ ،‬عندما ُ‬
‫‪ 1‬حسن – رواه الطبراني في الوسط )‪ ، (11245‬والهيثمي ‪ :‬مجمع الزوائد )‪9/9 (14166‬؛ السيوطي ‪:‬‬
‫الخصائص الكبرى ‪ ، 2/95‬ورى أحمد بمثله عن عائشة بإسناد جيد ‪ .‬وقال الهيثمي ‪ :‬ورواه البزار بنحوه وفي‬
‫إسناد الوسط زمعة بن صالح وقد وثق على ضعفه وبقية رجاله حديثهم حسن وأسانيد الطريقين ضعيفة‬
‫‪ 2‬سنن أبي داود )‪ ،( 2675‬وصححه اللباني في صحيح وضعيف سنن أبي داود‬
‫‪ 3‬أحمد عبد الرحمن إبراهيم ‪ :‬الفضائل الخلقية في السلم‪180 ،‬‬
‫‪ 4‬مارسيل بوزار ‪ :‬انسانية السلم ‪ ،‬ص ‪.46‬‬
‫‪ 5‬زعيم هندي كبير‪ ،‬معروف بنشاطه في خدمة السلم‪ ،‬وصاحب ترجمة معروفة لمعاني القرآن إلى النجليزية‬
‫ومن مؤلفاته " الدين السلمي "‪ ،‬و" حياة محمد و رسالته" و" ساعات حاسمة في حياة الرسول"‪.‬‬
‫‪112‬‬

‫سأله أحد الصحابة أن يستنزل اللعنة على العدو‪ ،‬فأجاب ‪ ) :‬أنا‬
‫لم أُبعث لعانا ً للعالمين ‪ ،‬ولكن بعثت هادًيا ورحمة ‪ . .‬اللهم اهد‬
‫قومي فإنهم ل يعلمون !(‪ .‬وذات مرة جذبه بدوي طارحا ً دثاره‬
‫حول عنقه ‪ ،‬وحين سئل الرسول ‪ ‬لم ِ ليم يعامله بالمثل أجاب‬
‫قائل ً ‪ :‬إنه ل يرد على الشر بالشر أبدا ً ‪..1".‬‬
‫ويقول ‪" :‬إن تاريخ العالم ليعجز عن تزويدنا بنظير لهذا الصفح‬
‫الكريم الذي أغدقه الرسول ]‪ [‬على أمثال أولئك المجرمين‬
‫الكبار ‪ .‬إن الضرب على وتر المواعظ الداعية إلى الصفح‬
‫والغفران ل يكلف المرء شيئا ً كثيرا ً ‪ ،‬ولكن عفو المرء عن‬
‫معذبيه ليحتاج إلى قدر من الشهامة عظيم ‪ ،‬و بخاصة حين يكون‬
‫أولئك المِعذبون تحت رحمته"‪.2‬‬
‫ن وجدناه ‪ ‬أحسن الناس عفوًا‪ ،‬وألطفهم عشرة‪ ،‬يعفو‬
‫ول غرو أ ْ‬
‫عن المسيء‪ ،‬ويصفح عن المخطئ حتى وصفه الخالق سبحانه‬
‫سو ٌ‬
‫م‬
‫ن َأن ُ‬
‫وتعالى ‪  :‬ل َ َ‬
‫ف ِ‬
‫قد ْ َ‬
‫م َر ُ‬
‫ما ع َن ِت ّ ْ‬
‫زيٌز ع َل َي ْهِ َ‬
‫سك ُ ْ‬
‫ل ّ‬
‫جاءك ُ ْ‬
‫م ْ‬
‫م عَ ِ‬
‫ص ع َل َي ْ ُ‬
‫ن َر ُ‬
‫م [ ]التوبة ‪.[128 :‬‬
‫ف ّر ِ‬
‫ؤو ٌ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫َ‬
‫حي ٌ‬
‫كم ِبال ْ ُ‬
‫ري ٌ‬
‫مِني َ‬
‫ح ِ‬
‫فقد أمره الله تعالى بانتهاج نهج العفو في دعوته ‪ ..‬قال الله‬
‫ن‪‬‬
‫ص َ‬
‫ه يُ ِ‬
‫تعالى ‪َ :‬فاع ْ ُ‬
‫ح ِ‬
‫م ْ‬
‫ح ّ‬
‫ح إِ ّ‬
‫ف ْ‬
‫ب ال ْ ُ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ف ع َن ْهُ ْ‬
‫م َوا ْ‬
‫سِني َ‬
‫]المائدة ‪. [13 :‬‬
‫المطلب الثاني ‪ :‬نماذج عفوه ‪:‬‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬عفوه عن مشركي مكة عام الفتح) رمضان ‪8‬هـ‪/‬‬
‫يناير ‪ 630‬م (‪:‬‬
‫يضرب الكاتب الهندي " مولنا محمد علي"‪ ،‬مثال ً بعفو النبي ‪‬‬
‫عن مشركي مكة بعدما فعلوا به ما فعلوه‪ ..‬فيقول‪:‬‬
‫"والمكيون الذين أخضعوه وأصحابه ‪ ،‬دائما ً وأبدا ً ‪ ،‬لشد التعذيب‬
‫بربرية؛ منحهم عفوا ً عامًا"‪!3‬‬
‫ويقول " اللورد هيدلي" ‪ ،‬معقبا ً على عفو النبي ‪ ‬في فتح‬
‫مكة‪:‬‬
‫"عفا بل قيد ول شرط عن كل هؤلء الذين اضطهدوه وعذبوه !‬
‫آوى إليه كل الذين كانوا قد نفوه من مكة ! وأغنى فقراءهم‪،‬‬
‫وعفا عن ألد أعدائه ؛ عندما كانت حياتهم في قبضة يده وتحت‬
‫رحمته‪..4"!...‬‬
‫يقول "كولن" ‪:‬‬

‫‪ 1‬مولنا محمد علي‪ ،‬حياة محمد و رسالته ‪.274-273 :‬‬
‫‪ 2‬مولنا محمد علي ‪ :‬حياة محمد و رسالته ‪ ،‬ص ‪.207‬‬
‫‪ 3‬مولنا محمد علي‪ :‬حياة محمد و رسالته ‪ ،‬ص ‪.270-269‬‬
‫‪ 4‬انظر‪ :‬آتيين دينيه ‪ :‬محمد رسول ال ‪ ،‬ص‪27-‬‬
‫‪113‬‬

‫"تأملوا معي كيف أنهم أخرجوه هو ومن يقف معه من بيوتهم‬
‫إلى منطقة صحراوية معلنين عليهم المقاطعة‪ ،‬ومعلقين بنود‬
‫هذه المقاطعة الشريرة على جدار الكعبة‪ ،‬وكانت تقضي بعدم‬
‫التعامل معهم بيًعا وشراء وعدم التزوج من بناتهم أو تزويج‬
‫بناتهم لهم‪.‬‬
‫وقد دامت هذه المقاطعة ثلث سنوات بحيث اضطروا إلى أكل‬
‫العشب والجذور وأوراق الشجار‪ ،‬حتى هلك منهم الطفال‬
‫والشيوخ من الجوع دون أن تهتز منهم شعرة‪ ،‬أو تتحرك عندهم‬
‫عاطفة رحمة‪ .‬ولم يكتفوا بهذا‪ ،‬بل اضطروهم لترك بيوتهم‬
‫وأوطانهم والهجرة إلى أماكن أخرى بعيدة‪ .‬ولم يدعوهم في‬
‫راحة هناك فبدسائسهم المختلفة سلبوا منهم طعم الراحة‬
‫والطمئنان‪.‬‬
‫وفي غزوات بدر وُأحد والخندق اشتبكوا معهم في معارك‬
‫ضارية‪ ،‬وحرموهم حتى من أبسط حقوقهم كزيارة الكعبة‪،‬‬
‫وأرجعوهم إلى ديارهم بعد إبرام معاهدة ذات شروط قاسية‪.‬‬
‫ولكن الله تعالى أنعم عليهم ففتحوا مكة ودخلها رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم على رأس جيش عظيم‪.‬‬
‫فكيف كانت معاملته لهل مكة بعد كل هذا التاريخ المملوء‬
‫‪1‬‬
‫ضا؟ لقد قال لهم‪" :‬اذهبوا فأنتم الط َُلقاء" ‪" ..‬‬
‫عداوة وبغ ً‬
‫ولو كان محمد ‪ ‬من ملوك الدنيا لسالت دماء أهل مكة ولكنه‬
‫قابله صنيعهم بالعفو فما كان منهم إل أن دخلوا في دين الله‬
‫أفواجا ‪..‬‬
‫ثانًيا‪ :‬عفوه عن أهل الكتاب ‪:‬‬
‫يقول "مولنا محمد علي" ‪:‬‬
‫ً‬
‫"ولقد أسبغ عفوه على أتباع الديان جميعا ‪ -‬يهود ‪ ،‬ونصارى ‪،‬‬
‫‪2‬‬
‫ووثنيين‪ ،‬وغيرهم ‪ -‬إنه لم يقصر إحسانه على أتباع دينه فحسب"‬
‫‪..‬‬
‫ومثال ذلك عفوه عن قبيلة بني قينقاع اليهودية الذين ناصبوه‬
‫العداوة‪ ،‬وقد كان في استطاعته أن يفنيهم عن بكرة أبيهم في‬
‫معركته معهم‪ ،‬في ‪ 15‬شوال سنة ‪ 2‬هي‪ 9/‬إبريل ‪ .624‬رغم ما‬
‫صدر منهم من جريمة نكراء‪ ،‬قد تواطئوا فيها على كشف عورة‬
‫سيدة مسلمة في مكان عام‪ .‬وتواطئهم في قتل رجل مسلم‪،‬‬
‫دافع عن عرض السيدة المسلمة وحاول رد العدوان ‪..‬‬
‫‪ 1‬محمد فتح ال كولن ‪ :‬النور الخالد محمد صلى ال عليه وسلم مفخرة النسانية ‪2/100 ،‬‬
‫‪ 2‬مولنا محمد علي‪ :‬حياة محمد و رسالته ‪ ،‬ص ‪.270-269‬‬
‫‪114‬‬

‫ومثال آخر ‪ ،‬عفوه عن قبيلة بني النضير اليهودية‪ ،‬بعد أن خططوا‬
‫لعملية اغتيال فاشلة للنبي ‪ ، ‬وقد كان باستطاعته أن ينفذ‬
‫فيهم حكم العدام في من شرعوا في محاولة اغتياله كما هو‬
‫الحال في العراف والدبيات الدولية‪ ،‬وقد كانوا جميًعا تحت‬
‫رحمته‪ ‬بعد هزيمتهم في معركتهم ضد المسلمين )في ربيع‬
‫الول سنة ‪ 4‬هي‪ /‬أغسطس ‪625‬م(‪ ،‬ولكنه – صلوات الله وسلامه‬
‫ما لهم‪ ،‬مقابل أن يرحلوا خارج حدود‬
‫وا عا ً‬
‫عليه – أصدر عف ً‬
‫الدولة‪.‬‬
‫ثالًثا‪ :‬عفوه عن الضعفاء أثناء الحروب‪:‬‬
‫"إذ أمر جنوده أن يعفوا عن الضعفاء‪ ،‬والمسنين‪ ،‬والطفال‪،‬‬
‫والنساء‪ ،‬وحذرهم أن يهدموا البيوت أو يسلبوا التجار‪ ،‬أو أن‬
‫يقطعوا الشجار المثمرة"‪.1‬‬
‫وقد كان محمد ‪ ‬ينبه على هذه التعليمات‪ ،‬ويوصي بها جنوده‪،‬‬
‫ويأخذ عليهم العهود في ذلك‪ ،‬باعتباره القائد العام للقوات‬
‫المسلحة ‪.‬‬
‫عا‪ :‬عفوه عن العراب الغلظ ‪:‬‬
‫راب ً‬
‫‪ -1‬العرابي الذي رد على النبي‪ ‬بوقاحة‪:‬‬
‫قال أبو موسى الشعري‪ :‬كنت عند النبي ‪ ‬وهو نازل بالجعرانة‬
‫ي‪ ،‬فقال‪ :‬أل‬
‫ي ‪ ‬أعراب ُ‬
‫بين مكة والمدينة ومعه بلل‪ ،‬فأتى النب ّ‬
‫ي‬
‫تنجز لي ما وعدتني؟ فقال له‪ " :‬أبشر" فقال‪ :‬قد أكثرت عل ّ‬
‫من أبشر!! فأقبل على أبي موسى وبلل كهيئة الغضبان‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫"رد البشرى‪ ،‬فاقبل أنتما!!" قال‪ :‬قبلنا‪ .‬ثم دعا بقدح فيه ماء‬
‫فغسل يديه ووجهه فيه‪ ،‬ومج فيه ثم قال‪" :‬اشربا منه‪ ،‬وأفرغا‬
‫على وجوهكما ونحوركما وأبشرا !" فأخذا القدح ففعل‪ ،‬فنادت أم‬
‫سلمة من وراء الستر أن أفضل لمكما‪ ،‬فأفضل لها منه طائفة‪. 2‬‬
‫‪ -2‬العرابي الذي اتهم النبي ‪ ‬بالظلم‪:‬‬
‫لما كان يوم حنين ]شوال ‪ 8‬هي‪ /‬يناير ‪ 630‬م[‪ ،‬ويوم توزيع‬
‫سا في القسمة‪،‬‬
‫الغنائم على الجيش‪ ،‬آثر رسول الله ‪ ‬نا ً‬
‫سا من أشراف العرب‪ ،‬وآثرهم‬
‫سا أسلموا حديًثا و أنا ً‬
‫فأعطى أنا ً‬
‫يومئذ في القسمة‪ ،‬فقال رجل من العراب‪ :‬والله ! إن هذه‬
‫القسمة ما عدل فيها وما أريد فيها وجه الله !‪ .‬فرفع الصحابي‬
‫عبد الله بن مسعود إلى حضرة النبي تقريًرا بذلك‪ .‬فتغير وجه‬
‫‪ 1‬إميل درمنغم‪ :‬حياة محمد‪350 ،‬‬
‫‪ 2‬صحيح – رواه البخاري‪ ،‬كتاب المغازي رقم ‪.4328‬‬
‫‪115‬‬

‫النبي ‪ ‬حتى كان كالصرف‪ .‬ثم قال‪" :‬فمن يعدل إن لم يعدل‬
‫الله ورسوله؟!" ثم قال‪" :‬يرحم الله موسى؛ قد أوذي بأكثر من‬
‫هذا فصبر"‪. 1‬‬
‫‪ -3‬العرابي الذي قابل إحسان النبي بالساءة ‪:‬‬
‫عن أبي هريرة ‪ ،‬أن أعرابيا ‪ ،‬جاء إلى النبي ‪-‬صلى الله عليه‬
‫وسلم ‪-‬يستعينه في شيء ‪ ،‬فأعطاه شيئا ‪ ،‬ثم قال ‪ ":‬أحسنت‬
‫إليك ؟ "‬
‫فقال العرابي ‪ :‬ل ‪ ،‬ول أجملت !‬
‫قال ‪ :‬فغضب المسلمون ‪ ،‬وقاموا إليه ‪ ،‬فأشار إليهم أن كفوا ‪.‬‬
‫ثم قام النبي ‪-‬صلى الله عليه وسلم ‪ -‬فدخل منزله ‪ ،‬ثم أرسل‬
‫إلى العرابي ‪ ،‬فدعاه إلى البيت ‪ ،‬فقال ‪" :‬إنك جئتنا فسألتنا ‪،‬‬
‫فأعطيناك ‪ ،‬فقلت ‪ :‬ما قلته" ‪ ،‬فزاده رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم شيئا ‪ ،‬ثم قال ‪ ":‬أحسنت إليك ؟ " !‬
‫قال العرابي ‪ :‬نعم ‪ ،‬فجزاك الله من أهل وعشيرة خيًرا ‪..‬‬
‫فقال له النبي ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ ": -‬إنك كنت جئتنا‬
‫فسألتنا ‪ ،‬فأعطيناك ‪ ،‬وقلت ما قلت ‪ ،‬وفى أنفس أصحابي شيء‬
‫من ذلك ‪ ،‬فإن أحببت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي ‪ ،‬حتى‬
‫تذهب من صدورهم ما فيها عليك " !!‬
‫قال ‪ :‬نعم ‪.‬‬
‫فلما كان الغد أو العشي ‪ ،‬جاء فقال رسول الله ‪-‬صلى الله عليه‬
‫وسلم‪" : -‬إن صاحبكم هذا كان جاء فسألنا ‪ ،‬فأعطيناه ‪ ،‬وقال ما‬
‫قال ‪ ،‬وإنا دعوناه إلى البيت فأعطيناه فزعم أنه قد رضي ‪،‬‬
‫أكذلك؟"‬
‫قال العرابي ‪ :‬نعم ‪ ،‬فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا ‪.‬‬
‫فقال النبي‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪ ":-‬أل إن مثلي ومثل هذا‬
‫العرابي كمثل رجل كانت له ناقة فشردت عليه ‪ ،‬فاتبعها‬
‫الناس ‪ ،‬فلم يزيدوها إل نفوًرا ‪ ،‬فناداهم صاحب الناقة ‪ :‬خلوا بيني‬
‫وبين ناقتي ‪ ،‬فأنا أرفق بها وأعلم ‪ ،‬فتوجه لها صاحب الناقة بين‬
‫يديها وأخذ لها من قمام الرض ‪ ،‬فردها هونا هونا هونا حتى‬
‫جاءت واستناخت وشد عليها ‪ ،‬وإني لو تركتكم حيث قال الرجل‬
‫ما قال ‪ ،‬فقتلتموه‪ ،‬دخل النار !"‪. 2‬‬
‫وهذا الموقف قد ازدحمت فيه العديد فضائل وأخلق محمد‪،‬‬
‫وكرمه وحسن تصرفه ولطفه ورفقه ‪،‬‬
‫فاشتمل الموقف على‬
‫إل جانب خلق العفو الذي سطرنا تحته الحديث– صلوات الله‬
‫‪ 1‬صحيح – رواه مسلم‪ ،‬كتاب الزكاة‪ ،‬باب إعطاء المؤلفة قلوبهم‪ ،‬عن ابن مسعود‪ ،‬حديث ‪.1062‬‬
‫‪ 2‬رواه أبو الشيخ الصبهاني في أخلق النبي )‪ ،(170‬وانظر‪ :‬محمد بن نصر المروزي‪ :‬تعظيم قدر الصلة )‬
‫‪ . (861‬ولم أقف على سنده ‪ .‬ولم أسأل عنه ‪.‬‬
‫‪116‬‬

‫وسلمه على صاحب الخلق العظيم ‪. -‬‬
‫المبحث الثالث‬
‫العدالة والمساواة‬
‫نبين في هذا المبحث‪ ،‬مظهر آخر من مظاهر الرحمة في‬
‫شخصية نبينا محمد ‪ ..‬فلقد تحدث علماء الغرب عن أخلق‬
‫العدالة والمساواة في سلوك النبي ‪ ، ‬لسيما وهو يمثل الحاكم‬
‫الول لدولة المسلمين؛ التي تمخض عنها أعرق حضارة في تاريخ‬
‫البشرية ‪! ..‬‬
‫ولنتحدث عن أخلق العدالة والمساواة في شخصية النبي ‪!.. ‬‬
‫فجل النظمة الحالية التي تحكم كوكب الرض تتشدق بقيم‬
‫العدل‪ ،‬والمساواة بين الناس‪ ،‬وأنى لهذه النظمة أن تتطلع لهذه‬
‫الخلق السامقة ‪ ..‬بعدما جعلت من العدالة والمساواة شعارات‬
‫براقة جوفاء خالية من التطبيق على أرض الواقع ‪.‬‬
‫فإلى هذه النظمة هذا النموذج الفذ ‪..‬‬
‫ما عاد ً‬
‫ل‪:‬‬
‫المطلب الول ‪ :‬محمد ‪ ‬حاك ً‬
‫يقول برتلي سانت هيلر‪: 1‬‬
‫"كييان محمييد]‪ [‬رئيسييا ً للدوليية وسيياهرا ً علييى حييياة الشييعب‬
‫وحريته‪ ،‬وكان يعاقب الشخاص الذين يجترحون الجنايييات حسييب‬
‫أحوال زمانه وأحوال تلك الجماعييات الوحشييية الييتي كييان يعيييش‬
‫النبي ]‪ [‬بين ظهرانيها‪ ،‬فكان النبي داعيا ً إلى ديانة الله الواحييد‬
‫وكان في دعوته هيذه لطيفيا ً ورحيميا ً حيتى ميع أعيدائه‪ ،‬وإن فيي‬
‫شخصييته صيفتين هميا مين أجي ّ‬
‫ل الصيفات اليتي تحملهيا النفيس‬
‫‪2‬‬
‫البشرية وهما العدالة والرحمة‪".‬‬
‫كان الرسول ‪ ‬كمعلم ورئيس دولة ورجل سياسي؛ بالغ‬
‫الحرص على تطبيق المساواة على الجميع‪ ،‬خاصة وقد وضع‬
‫نفسه على قدم المساواة مع سائر المسلمين‪ ،‬يقول "مولنا‬
‫محمد علي" ‪:‬‬
‫"وفي إقامة العدالة كان الرسول]‪ [‬منصفا ً حتى التوسوس ‪.‬‬
‫كان المسلمون وغير المسلمين‪ ،‬والصدقاء والعداء ‪ ،‬كلهم‬
‫سواء في نظره ‪ .‬وحتى قبل أن ُيبعث إلى الناس كانت أمانته‬
‫وتجرده واستقامته معروفة لدى الخاص والعام‪ ،‬وكان الناس‬
‫يرفعون منازعاتهم إليه حتى يحكم فيها ‪ .‬وفي المدينة رضي‬
‫‪ 1‬العلمة برتلي سانت هيلر ) ‪ 1793‬ـ ‪ ( 1884‬مستشرق ألماني ولد في درسدن‪.‬‬
‫‪ 2‬برتلي سانت هيلر ‪ :‬الشرقيون وعقائدهم‪ ،‬ص ‪.39‬‬
‫‪117‬‬

‫الوثنيون واليهود به حكما ً في منازعاتهم كلها ‪ .‬وعلى الرغم من‬
‫حقد اليهود العميق الجذور على السلم فإن الرسول]‪ [‬حكم‬
‫ عندما عرض عليه ذات مرة نزاع بين يهودي ومسلم ‪-‬‬‫لليهودي بصرف النظر عن أن المسلم قد ينفر بذلك من السلم‬
‫‪ ،‬بل ربما بصرف النظر عن أن قبيلته كلها قد تنفر بذلك من‬
‫السلم ‪ .‬ول حاجة بنا إلى تبيان أهمية خسارة كهذه بالنسبة إلى‬
‫السلم في أيام ضعفه ومحنته تلك ‪ ،‬فالمر أوضح من أن يحتاج‬
‫إلى بيان ‪. 1" .‬‬
‫"ولقد نبه]‪ [‬ابنته فاطمة‪ ،‬إلى أن أعمالها وحدها سوف تشفع‬
‫لها يوم القيامة ‪ .‬وقال أيضا ً ‪ " :‬لو أن فاطمة بنت محمد سرقت‬
‫لقطعت يدها "‪ .2‬وفيما كان على فراش الحتضار ‪ ،‬قبيل وفاته‬
‫بقليل ‪ ،‬سأل كل من له عليه دين أن يتقاضاه ذلك الدين ‪ ،‬ولكل‬
‫من أساء إليه ذات يوم أن يثأر لنفسه منه"‪.3‬‬
‫خلق بها نبي السلم ونظام‬
‫إن صفة العدالة‪ /‬المساواة التي ت ّ‬
‫السلم قد دفعت الكثيرين إلى اعتناق السلم‪ ،‬فالمساواة‬
‫والعدالة في السلم – كما يقول "جاوبا "‪ "– 4‬تختلف عنها في‬
‫البلشفية التي تعمل على سحق الغنياء لصالح الفقراء‪ ،‬ول هي‬
‫كالمساواة عند النصارى حيث يجلد الرجل الزنجي ل لشيء إل‬
‫لنه وقع بصره على امرأة بيضاء‪ .‬ويعبد الزنوج ربهم في كنائس‬
‫خاصة بهم مستقلة عن كنائس البيض‪ .‬أما في السلم فجميع‬
‫المساجد مفتحة أبوابها لكل مسلم غنًيا كان أم فقيًرا‪ ،‬أسود َ كان‬
‫ض‪ ،‬مل ً‬
‫دا‪ .‬وهذه الصفة تقيم صرح وحدة حقيقية‬
‫كا كان أو عب ً‬
‫أو أبي َ‬
‫راسخة بين المسلمين‪ .‬ومن أجل ذلك فإن الدين السلمي ل‬
‫يقيم مراسيم خاصة لكل داخل في السلم كما تفعل الديان‬
‫وا‬
‫الخرى‪ ،‬وإنما حسب المرء أن ينطق بالشهادتين حتى يغدو عض ً‬
‫في أعظم أخوة عالمية يتساوى في ظلها الناس جميًعا في‬
‫الواقع العملي الملموس إلى جانب الناحية النظرية المجردة‪..‬‬
‫‪5‬‬
‫وليس في العالم كله أشمل وأصدق من هذه الخوة السلمي" ‪.‬‬
‫المطلــب الثــاني ‪ :‬العدالــة والمســاواة فــي معــاملته‬
‫اليومية ‪:‬‬
‫كييان النييبي ‪ ‬يمييارس سييلوكيات العداليية والمسيياواة فييي أدق‬
‫تفصيل حياته اليومية‪ ،‬مع الغريب والقريب‪ ،‬في السييفر والحضيير‪،‬‬
‫‪ 1‬مولنا محمد علي ‪ :‬حياة محمد و رسالته‪ ،‬ص ‪ 270‬وما بعدها‬
‫‪ 2‬صحيح – رواه البخاري برقم )‪ (3216‬ومسلم‪ ،‬برقم)‪.(3196‬‬
‫‪ 3‬مولنا محمد علي ‪ :‬حياة محمد و رسالته‪ ،‬ص ‪ 270‬وما بعدها‬
‫‪ 4‬ك ‪ .‬ل ‪ .‬جاوبا ‪ :‬هندوكي مثقف‪ ،‬ومحامي كبير بالمحاكم العليا‪ ،‬درس السلم‪ ،‬ولم يرض أن يظل على دينه‬
‫الذي ورثه عن آبائه وأجداده‪ ،‬وأخذ يقارن بين الديان‪ ،‬وانتهى المر به إلى اعتناق السلم‪.‬‬
‫‪ 5‬انظر‪ :‬عرفات كامل العشي ‪ :‬رجال ونساء أسلموا ‪. 84 – 83 / 3 ،‬‬
‫‪118‬‬

‫كمدين وكدائن ‪ ..‬بل نراه إيجابًيا عندما شييارك فييي تأسيييس هيئة‬
‫خيرية تعنى بنصرة المظلوم !‬
‫يقول "مولنا محمد علي" ‪:‬‬
‫"وفي معاملت النبي ]‪ [‬مع الخرين لم يكن يضع نفسييه علييى‬
‫مستوى أرفع من غيره البتة‪ .‬كان يضع نفسه على قدم المسيياواة‬
‫مع سائر الناس ‪ .‬وذات يوم‪ ،‬وكان قد احتل في "المدينة" مقامييا ً‬
‫أشبه بمقام الملك‪ ،‬وفد عليه يهودي يقتضيه دينا ً ما ‪ ،‬وخاطبه في‬
‫جلفة وخشنونه قائل ً ‪ :‬إن بني هاشم ل يردون أيما مال اقترضوه‬
‫من شخص آخر ‪ .‬فثارت ثائرة عمر بن الخطاب لوقاحة اليهودي ‪،‬‬
‫ولكن الرسول]‪ [‬عنفه ذاهبا ً إلى أن الواجب كان يقتضي عميير‬
‫أن ينصح كل ً من المدين والدائن ‪ :‬أن ينصييح المييدين ‪ -‬الرسييول]‬
‫‪ - [‬بييرد الييدين مييع الشييكر ‪ ،‬وأن ينصييح الييدائن بالمطالبيية بييه‬
‫بطريقة أليق ‪ .‬ثم دفع إلى اليهودي حقه وزيادة‪ ،‬فتأثر هذا الخييير‬
‫تأثرا ً عظيما ً بروح العدل والنصاف عند الرسول]‪ ، [‬ودخل فييي‬
‫‪1‬‬
‫السلم‪".‬‬
‫"وفي مناسبة أخرى وكان مع أصحابه في أجمة من الجام ‪ ،‬حان‬
‫وقت إعداد الطعام ‪ ،‬فمهد إلى كل امرئ في القيييام بجييانب ميين‬
‫العمل‪ ،‬وانصرف هييو نفسييه إلييى جمييع الوقييود ‪ .‬لقييد كييان برغييم‬
‫سلطانه الروحي والزمني يييؤدي قسييطه ميين العمييل مثييل رجييل‬
‫عادي ‪ .‬وكان يراعي ‪ ،‬في معاملته خدمه ‪ ،‬مبدأ المساواة نفسييه‪،‬‬
‫وقال أنس ‪ " :‬خدمت رسول الله ‪ ‬عشيير سيينين فمييا قييال لييي‬
‫أف قط ‪ ،‬وما قال لشيء صنعته ليم صينعته ‪ ،‬ول لشييء تركتيه‬
‫لم تركته‪. " .2‬‬
‫ولقد كان رسول الله ‪ ‬من مؤسسي حلف الفضول‪ ،‬الذي ما‬
‫ُأوسس إل لنصرة المظلوم ونشر العدل بين الناس‪ ،‬فتحرك‬
‫رسول الله في إيجابية شديدة في دعم وتأييد هذه الحلف‪ ،‬وقال‬
‫عنه‪:‬‬
‫" شهدت حلف المطيبين مع عمومتي ‪ -‬و أنا غلم ‪ -‬فما أحب أن‬
‫لي حمر النعم و أني أنكثه "‪.3‬‬
‫وقال ‪" :‬لقد شهدت مع عمومتي في دار عبدالله بن جدعان حلفا‬
‫ما أحب أن لي به حمر النعم ولو أدعى به في السلم لجبت "‪.4‬‬
‫‪ 1‬مولنا محمد علي ‪ :‬حياة محمد و رسالته ‪260 ،‬‬
‫‪ 2‬مولنا محمد علي ‪ :‬حياة محمد و رسالته ‪261 ،‬‬
‫‪ 3‬صحيح ‪ -‬رواه البخاري في " الدب المفرد " ) ‪ ( 567‬و ابن حبان ) ‪.(2062‬‬
‫‪ 4‬صحيح ‪ -‬السنن الكبرى للبيهقي )ج ‪ / 6‬ص ‪ ،(367‬وصححه اللباني في تحقيق كتاب فقه السيرة‪ ،‬ص ‪.67‬‬
‫‪119‬‬

‫المطلب الثالث‪ :‬نماذج العدالة في سنته وسيرته‪: ‬‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬تحذيره من استعباد الناس ‪:‬‬
‫لقد رسخ الرسول‪ ‬قيم العدالة والمساواة في نفوس وزرائه‬
‫وأتباعه ‪ ،‬فكان يقول ي محذرا ً من استعباد الناس ي ‪ " :‬ل يقولن‬
‫متي ‪ ..‬كلكم عباد الله وكل نسائكم إماء الله ‪.‬‬
‫أحدكم عبدي وأ َ‬
‫ولكن ليقل ‪ :‬غلمي وجاريتي وفتاي وفتاتي ‪ .‬ول يقل العبد ‪ :‬ربي‬
‫ولكن ليقل ‪ :‬سيدي "‪..1‬‬
‫ثانًيا‪ :‬نهيه عن التمييز العنصري ‪:‬‬
‫خلق من تراب‪ .‬لينتهين قوم‬
‫فيقول ‪ " :‬كلكم بنو آدم و آدم ُ‬
‫‪2‬‬
‫يفتخرون بآبائهم أو ليكونن أهون على الله من الجعلن " ‪.‬‬
‫ولقد عّنف الرسول ‪ ‬أبا ذر ‪ ‬تعنيفا ً شديدا لما عير بلل ً‬
‫بأمه ‪..‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫سوَي ْد ٍ َقا َ‬
‫ة‪ ،‬وَع َلى‬
‫حل ٌ‬
‫لل ِ‬
‫ت أَبا ذ َّرِبالّرب َذ َةِ وَع َلي ْهِ ُ‬
‫ن ُ‬
‫قي ُ‬
‫ن ال َ‬
‫فعَ ْ‬
‫معُْرورِ ب ْ َ ِ‬
‫ن ذ َل ِ َ‬
‫ك ‪-‬أى كيف تلبس حلة ويلبس خادمك‬
‫حل ّ ٌ‬
‫غ َُل ِ‬
‫مه ِ ُ‬
‫ة فَ َ‬
‫سأل ْت ُ ُ‬
‫ه عَ ْ‬
‫قا َ‬
‫جًل‬
‫أو صبيك نفس الحلة التى تلبسها؟ ‪ ، -‬فَ َ‬
‫ت َر ُ‬
‫ل‪ :‬إ ِّني َ‬
‫ساب َب ْ ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫مهِ ؟ ! إ ِن ّ َ‬
‫قا َ‬
‫ك‬
‫ه‪ .‬فَ َ‬
‫م ِ‬
‫ه ب ِأ ّ‬
‫ي ‪َ ":‬يا أَبا ذ َّر ! أع َي ّْرت َ ُ‬
‫ه ب ِأ ّ‬
‫فَعَي ّْرت ُ ُ‬
‫ل ِلي الن ّب ِ ّ‬
‫َ‬
‫مُرؤ ٌ ِفي َ‬
‫م‪،‬‬
‫خ‬
‫م َ‬
‫ة ‪ ..‬إ ِ ْ‬
‫جاه ِل ِي ّ ٌ‬
‫ت أي ْ ِ‬
‫ه تَ ْ‬
‫م َ‬
‫ك َ‬
‫ديك ُ ْ‬
‫ح َ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫جعَل َهُ ْ‬
‫خوَل ُك ُ ْ‬
‫وان ُك ُ ْ‬
‫ا ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ن َ‬
‫ما ي َأك ُ ُ‬
‫س‬
‫نأ ُ‬
‫ه ِ‬
‫ه ِ‬
‫خوه ُ ت َ ْ‬
‫كا َ‬
‫ل وَل ْي ُل ْب ِ ْ‬
‫م ّ‬
‫س ُ‬
‫م ّ‬
‫م ُ‬
‫ت ي َد ِهِ فَل ْي ُط ْعِ ْ‬
‫ح َ‬
‫فَ َ‬
‫ما ي َل ْب َ ُ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫‪3‬‬
‫م"‬
‫ن ك َل ّ ْ‬
‫وََل ت ُك َل ّ ُ‬
‫م فَأ ِ‬
‫م فَإ ِ ْ‬
‫عيُنوهُ ْ‬
‫موهُ ْ‬
‫فت ُ ُ‬
‫ما ي َغْل ِب ُهُ ْ‬
‫م َ‬
‫فوهُ ْ‬
‫فكأن أبي ذر رفع شعار المساواة بعد هذا التعنيف من رسول‬
‫الله ‪ ،‬فأصبح أبو ذر يأكل ما يأكل منه خادمه‪ ،‬ويلبس ما يلبس‬
‫منه خادمه !‬
‫ثالًثا‪ :‬العدل بين الولد ‪:‬‬
‫ر‬
‫ن بَ ِ‬
‫ما ُ‬
‫عن الن ّعْ َ‬
‫ن بْ ُ‬
‫شي ٍ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫أَ ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫مال ِهِ ِلب ْن َِها‬
‫ح َ‬
‫موْه ِب َةِ ِ‬
‫ت َرَوا َ‬
‫ّ‬
‫ة َ‬
‫ن َ‬
‫ض ال َ‬
‫سأل ْ‬
‫ه ب ِن ْ َ‬
‫م ُ‬
‫نأ ّ‬
‫ت أَباه ُ ب َعْ َ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫سو َ‬
‫حّتى ت ُ ْ‬
‫ل‬
‫ه فَ َ‬
‫سن َ ً‬
‫ضى َ‬
‫ت ‪ :‬ل أْر َ‬
‫م بَ َ‬
‫شهِد َ َر ُ‬
‫وى ب َِها َ‬
‫قال ْ‬
‫دا ل ُ‬
‫ة ثُ ّ‬
‫َفالت َ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫خذ َ أِبي‬
‫ت ِلب ِْني! فَأ َ‬
‫ه ع َل َي ْهِ وَ َ‬
‫ما وَهَب ْ َ‬
‫م ‪ -‬ع ََلى َ‬
‫سل ّ َ‬
‫صّلى الل ّ ُ‬
‫الل ّهِ ‪َ -‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫سو َ‬
‫م‪-‬‬
‫ب ِي َ ِ‬
‫مئ ِذ ٍ غ َُل ٌ‬
‫ه ع َل َي ْهِ وَ َ‬
‫م‪ ،‬فَأَتى َر ُ‬
‫سل ّ َ‬
‫صّلى الل ّ ُ‬
‫دي وَأَنا ي َوْ َ‬
‫ل الل ّهِ ‪َ -‬‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫شهِد َ َ‬
‫سو َ‬
‫قا َ‬
‫نأ ْ‬
‫م هَ َ‬
‫ك‬
‫فَ َ‬
‫ح َ‬
‫جب ََها أ ْ‬
‫ة أع ْ َ‬
‫ت َرَوا َ‬
‫ل الل ّهِ إ ِ ّ‬
‫نأ ّ‬
‫ل ‪َ :‬يا َر ُ‬
‫ذا ب ِن ْ َ‬
‫ت ِلب ْن َِها ‪.‬‬
‫ع ََلى ال ّ ِ‬
‫ذي وَهَب ْ ُ‬
‫شيُر أ َل َ َ‬
‫سو ُ‬
‫قا َ‬
‫فَ َ‬
‫م ‪َ " : -‬يا ب َ ِ‬
‫ك وَل َد ٌ‬
‫ه ع َل َي ْهِ وَ َ‬
‫ل َر ُ‬
‫سل ّ َ‬
‫صّلى الل ّ ُ‬
‫ل الل ّهِ ‪َ -‬‬
‫وى هَ َ‬
‫ذا ؟ "‬
‫ِ‬
‫س َ‬
‫َقا َ‬
‫م‪.‬‬
‫ل ‪ :‬ن َعَ ْ‬
‫َ‬
‫مث ْ َ‬
‫قا َ‬
‫ل هَ َ‬
‫ذا ؟؟"‬
‫فَ َ‬
‫ه ِ‬
‫ت لَ ُ‬
‫م وَهَب ْ َ‬
‫ل‪ " :‬أك ُل ّهُ ْ‬
‫‪ 1‬صحيح ‪ -‬رواه مسلم وصححه اللباني في تحقيق مشكاة المصابيح ‪ ،‬ج ‪ / 3‬ص ‪31‬‬
‫‪ 2‬صحيح – صححه اللباني في صحيح وضعيف الجامع الصغير ‪،‬ج ‪ / 18‬ص ‪344‬‬
‫‪ 3‬صحيح – رواه البخاري‪ ،‬برقم ) ‪(29‬‬
‫‪120‬‬

‫َقا َ‬
‫ل‪َ :‬ل‬
‫َ‬
‫‪1‬‬
‫َقا َ‬
‫ذا فَإ ِّني َل أ ْ‬
‫شهِد ِْني إ ِ ً‬
‫ل ‪" :‬فََل ت ُ ْ‬
‫جوٍْر" ‪.‬‬
‫شهَد ُ ع ََلى َ‬
‫عا‪ :‬عدله مع غير المسلمين‪:‬‬
‫راب ً‬
‫‪ -1‬العدل مع فصيل يهودي‪:‬‬
‫لقد حدث أن عبدالله بن رواحة ‪ ‬لما بعثه رسول الله ‪ ‬يقدر‬
‫على أهل خيبر محصولهم من الثمار والزروع لمقاسمتهم إياها‬
‫مناصفة حسب عهد رسول الله‪ ‬بعد فتح خيبر أن حاول اليهود‬
‫رشوته ليرفق بهم‪ ،‬فقال لهم ‪ :‬والله لقد جئتكم من عند أحب‬
‫ي‪ ،‬ولنتم والله أبغض إلي من أعدادكم من القردة‬
‫الخلق إل ّ‬
‫والخنازير‪ ،‬وما يحملني حبي إياه وبغضي لكم على أن ل أعدل‬
‫فيكم !!‬
‫‪2‬‬
‫فقالوا‪ :‬بهذا قامت السماوات والرض ‪!..‬‬
‫لقد كان ‪ ‬قد تخرج في مدرسة الرسول ‪‬على المنهج‬
‫الرباني المتفرد القائم على العدل والمساواة ‪.‬‬
‫‪ -2‬العدل مع رجل يهودي‪:‬‬
‫أ( رد الحق إلى رجل يهودي ‪:‬‬
‫عن اب َ‬
‫َ‬
‫ي‬
‫سل َ ِ‬
‫ن أِبي َ‬
‫حد َْرد ٍ اْل ْ‬
‫م ّ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫دى ع َلي ْهِ ‪..‬‬
‫ن ل ِي َُهود ِيّ ع َلي ْهِ أْرب َعَ ُ‬
‫ست َعْ َ‬
‫كا َ‬
‫م فا ْ‬
‫ة د ََراه ِ َ‬
‫أن ّ ُ‬
‫قا َ‬
‫ن ِلي ع ََلى‬
‫فَ َ‬
‫مد ُ إ ِ ّ‬
‫م َ‬
‫ح ّ‬
‫ل اليهودي ‪ -‬شاكًيا إلى رسول الله ‪َ : -‬يا ُ‬
‫َ‬
‫هَ َ‬
‫م‪ ،‬وَقَد ْ غ َل َب َِني ع َل َي َْهاّ!‬
‫ذا أْرب َعَ َ‬
‫ة د ََراه ِ َ‬
‫قا َ‬
‫م – آمًرا المسلم بالسداد‪: -‬‬
‫فَ َ‬
‫ه ع َل َي ْهِ وَ َ‬
‫سل ّ َ‬
‫صّلى الل ّ ُ‬
‫ي‪َ -‬‬
‫ل الن ّب ِ ّ‬
‫َ‬
‫ه " ‪..‬‬
‫ح ّ‬
‫"أع ْط ِهِ َ‬
‫ق ُ‬
‫ذي ب َعَث َ َ‬
‫َقا َ‬
‫ما‬
‫ل المسلم – معلل ً سبب المماطلة ‪َ :-‬وال ّ ِ‬
‫ك ِبال ْ َ‬
‫حقّ َ‬
‫أ َقْد ُِر ع َل َي َْها !‬
‫َقا َ‬
‫دا على ضرورة التنفيذ‬
‫م – مؤك ً‬
‫ه ع َل َي ْهِ وَ َ‬
‫سل ّ َ‬
‫صّلى الل ّ ُ‬
‫ي‪َ -‬‬
‫ل الن ّب ِ ّ‬
‫َ‬
‫ه"!‪.‬‬
‫ح ّ‬
‫فوًرا ‪ " : -‬أع ْط ِهِ َ‬
‫ق ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ه أن ّ َ‬
‫َقا َ‬
‫ك‬
‫ذي ن َ ْ‬
‫ما أقْد ُِر ع َل َي َْها! قَد ْ أ ْ‬
‫ف ِ‬
‫ل المسلم ‪َ :‬وال ّ ِ‬
‫خب َْرت ُ ُ‬
‫سي ب ِي َد ِهِ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫مَنا َ‬
‫ه‪..‬‬
‫ت َب ْعَث َُنا إ َِلى َ‬
‫ضي ِ‬
‫جعُ فَأقْ ِ‬
‫جو أ ْ‬
‫خي ْب ََر فَأْر ُ‬
‫شي ًْئا فَأْر ِ‬
‫ن ت ُغْن ِ َ‬
‫َ‬
‫َقا َ‬
‫ه‬
‫م – مكرًرا المر ‪" : -‬أع ْط ِ ِ‬
‫ه ع َل َي ْهِ وَ َ‬
‫سل ّ َ‬
‫صّلى الل ّ ُ‬
‫ي‪َ -‬‬
‫ل الن ّب ِ ّ‬
‫ه" ‪.‬‬
‫ح ّ‬
‫َ‬
‫ق ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ل الرواي ‪ :‬وَ َ‬
‫ذا َقا َ‬
‫َقا َ‬
‫م ‪-‬إ ِ َ‬
‫م‬
‫كا َ‬
‫ه ع َلي ْهِ وَ َ‬
‫ل ث َلًثا ل ْ‬
‫سل َ‬
‫صلى الل ُ‬
‫ي‪َ -‬‬
‫ن الن ّب ِ ّ‬
‫جعْ !!!‬
‫ي َُرا َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫و‬
‫فَ َ‬
‫صاب َ ٌ‬
‫سه ِ ِ‬
‫ق‪ ،‬وَع ََلى َرأ ِ‬
‫ن أِبي َ‬
‫خَر َ‬
‫حد َْرٍد( إ َِلى ال ّ‬
‫ع َ‬
‫ة‪ ،‬وَهُ َ‬
‫ج ب ِهِ )اب ْ ُ‬
‫سو ِ‬
‫ْ‬
‫قا َ‬
‫ل‪:‬‬
‫سهِ َفات َّزَر ب َِها‪ ،‬وَن ََزع َ ال ْب ُْرد َة َ فَ َ‬
‫م َ‬
‫ن َرأ ِ‬
‫ما َ‬
‫مت ّزٌِر ب ِب ُْرٍد‪ ،‬فَن ََزع َ ال ْعِ َ‬
‫ُ‬
‫ة عَ ْ‬
‫ْ‬
‫ا ْ‬
‫مّني هَذ ِهِ الب ُْرد َة َ ‪.‬‬
‫شت َرِ ِ‬
‫‪ 1‬صحيح‪ -‬رواه البخاري )‪ (2456‬و مسلم ‪ ،(3056) -‬واللفظ لمسلم‬
‫‪ 2‬ابن القيم ‪ :‬زاد المعاد‪ ،‬ج ‪ ،2‬ص ‪.11‬‬
‫‪121‬‬

‫ه ب ِأ َْرب َعَةِ الد َّراه ِم ِ ‪..‬‬
‫فََباع ََها ِ‬
‫من ْ ُ‬
‫ما ل َ َ‬
‫ه‬
‫جوٌز فَ َ‬
‫صا ِ‬
‫ح َ‬
‫ت عَ ُ‬
‫ب َر ُ‬
‫صّلى الل ّ ُ‬
‫ت‪َ :‬‬
‫قال َ ْ‬
‫مّر ْ‬
‫فَ َ‬
‫ل الل ّهِ ‪َ -‬‬
‫ك َيا َ‬
‫سو ِ‬
‫َ‬
‫دون َ َ‬
‫ك هَ َ‬
‫ه‬
‫ها فَ َ‬
‫م ‪-‬فَأ ْ‬
‫ت‪َ :‬‬
‫خب ََر َ‬
‫ذا ب ِب ُْرد ٍ ع َل َي َْها ‪ ،‬ط ََر َ‬
‫ها ُ‬
‫ع َل َي ْهِ وَ َ‬
‫حت ْ ُ‬
‫قال َ ْ‬
‫سل ّ َ‬
‫ع َل َي ْهِ ‪. 1‬‬
‫ب( آيات تنزل لتبرأة رجل يهودي ‪:‬‬
‫ولقد أنزل الله نحو خمس آيات في سورة النساء‪ ،‬على رأسها‬
‫قول الله تعالى ‪  :‬إ ِّنا أ َن َْزل َْنا إ ِل َي ْ َ‬
‫ن‬
‫حقّ ل ِت َ ْ‬
‫ب ِبال ْ َ‬
‫ك ال ْك َِتا َ‬
‫حك ُ َ‬
‫م ب َي ْ َ‬
‫ما أ ََرا َ‬
‫ما[ ] النساء ‪، [105 :‬‬
‫ن َ‬
‫ن ل ِل ْ َ‬
‫خ ِ‬
‫صي ً‬
‫ك الل ّ ُ‬
‫س بِ َ‬
‫خائ ِِني َ‬
‫ه وََل ت َك ُ ْ‬
‫الّنا ِ‬
‫ما !‬
‫لتبرأ رجل ً يهودًيا‪ ،‬اتهمه بعض المسلمين ظل ً‬
‫هذه اليات تحكي قصة ل تعرف لها الرض نظيرا ً ‪ ،‬ول تعرف لها‬
‫البشرية شبيها ً ‪ . .‬وتشهد ‪ -‬وحدها ‪ -‬بأن هذا القرآن وهذا الدين ل‬
‫بد أن يكون من عند الله؛ لن البشر ‪ -‬مهما ارتفع تصورهم ‪،‬‬
‫ومهما صفت أرواحهم ‪ ،‬ومهما استقامت طبائعهم ‪ -‬ل يمكن أن‬
‫يرتفعوا ‪ -‬بأنفسهم ‪ -‬إلى هذا المستوى الذي تشير إليه هذه‬
‫اليات؛ إل بوحي من الله ‪ . .‬هذا المستوى الذي يرسم خطا على‬
‫الفق لم تصعد إليه البشرية ‪ -‬إل في ظل هذا المنهج ‪ -‬ول تملك‬
‫الصعود إليه أبدا ً إل في ظل هذا المنهج كذلك!‬
‫إنه في الوقت الذي كان اليهود في المدينة يطلقون كل سهامهم‬
‫المسمومة ‪ ،‬التي تحويها جعبتهم اللئيمة ‪ ،‬على السلم‬
‫والمسلمين؛ في الوقت الذي كانوا فيه ينشرون الكاذيب؛‬
‫ويؤلبون المشركين؛ ويشجعون المنافقين ‪ ،‬ويحاولون تفسيخ‬
‫المجتمع المسلم من الداخل ‪ ،‬في الوقت الذي يؤلبون عليه‬
‫خصومه ليهاجموه من الخارج ‪ . .‬في هذا الوقت الحرج ‪ ،‬كانت‬
‫هذه اليات كلها تتنزل ‪ ،‬على رسول الله ‪ -‬صلى الله عليه وسلم‬
‫ ‪ ،‬لتنصف رجل ً يهوديا ً ‪ ،‬اتهم ظلما ً بسرقة؛ ولتدين الذين تآمروا‬‫على اتهامه ‪ ،‬وهم بيت من النصار في المدينة ‪ .‬والنصار يومئذ‬
‫هم عدة الرسول ‪ -‬صلى الله عليه وسلم ‪ -‬وجنده ‪ ،‬في مقاومة‬
‫هذا الكيد الناصب من حوله ‪ ،‬ومن حول الرسالة والدين والعقيدة‬
‫الجديدة ‪! . . .‬‬
‫أي مستوى هذا من النظافة والعدالة والتسامي! ثم أي كلم‬
‫يمكن أن يرتفع ليصف هذا المستوى؟ وكل كلم ‪ ،‬وكل تعليق ‪،‬‬
‫وكل تعقيب ‪ ،‬يتهاوى دون هذه القمة السامقة؛ التي ل يبلغها‬
‫البشر وحدهم ‪ .‬بل ل يعرفها البشر وحدهم‪ .‬إل أن يقادوا بمنهج‬
‫الله ‪ ،‬إلى هذا الفق العلوي الكريم الوضيء‪ 2‬؟!‬
‫ُ‬
‫ق ‪ ...‬وَ َ‬
‫فقد َ‬
‫كاُنوا أ َهْ َ‬
‫قا ُ‬
‫ن أ َهْ ُ‬
‫ل‬
‫من النصار ي ُ َ‬
‫ت ِ‬
‫ل ب َي ْ ٍ‬
‫كا َ‬
‫ل ل َهُ ْ‬
‫م ب َُنو أب َي ْرِ ٍ‬
‫‪ 1‬صحيح ‪ -‬رواه أحمد)‪ ، (14942‬وذكره اللباني في السلسلة الصحيحة ‪2108‬‬
‫‪ 2‬انظر‪ :‬سيد قطب‪ :‬في ظلل القرآن ‪) -‬ج ‪ / 2‬ص ‪(231‬‬
‫‪122‬‬

‫ن‬
‫سَلم ِ ‪ ...‬فَ َ‬
‫ضافِط َ ٌ‬
‫ة ِ‬
‫ب َي ْ ِ‬
‫ت َ‬
‫جةٍ وََفاقَةٍ ِفي ال ْ َ‬
‫حا َ‬
‫ت َ‬
‫جاه ِل ِي ّةِ َواْل ِ ْ‬
‫م ْ‬
‫قد ِ َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ال ّ‬
‫ة‬
‫ن َزي ْد ٍ ِ‬
‫شام ِ َفاب َْتاع َ لرَِفاع َ ُ‬
‫شَرب َ ٍ‬
‫مًل ِ‬
‫ك فَ َ‬
‫م ِ‬
‫ه ِفي َ‬
‫جعَل َ ُ‬
‫ن الد ّْر َ‬
‫ح ْ‬
‫م ْ‬
‫ة بْ ُ‬
‫م ْ‬
‫ت‬
‫سي ْ ٌ‬
‫ت ال ْب َي ْ ِ‬
‫ح ِ‬
‫ف فَعُد ِيَ ع َل َي ْهِ ِ‬
‫شَرب َةِ ِ‬
‫ن تَ ْ‬
‫سَل ٌ‬
‫ح وَد ِْرع ٌ وَ َ‬
‫ه وَِفي ال ْ َ‬
‫لَ ُ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫م ْ‬
‫ة‬
‫ح أَتى رَِفاع َ ُ‬
‫ة وَأ ِ‬
‫شَرب َ ُ‬
‫فَن ُ ِ‬
‫صب َ َ‬
‫سَل ُ‬
‫خذ َ الط َّعا ُ‬
‫م َوال ّ‬
‫ح‪ ،‬فَل َ ّ‬
‫ت ال ْ َ‬
‫قب َ ْ‬
‫ما أ ْ‬
‫َ‬
‫قا َ‬
‫ه قَد ْ ع ُد ِيَ ع َل َي َْنا ِفي‬
‫ن فَ َ‬
‫نأ ِ‬
‫خي إ ِن ّ ُ‬
‫ن الن ّعْ َ‬
‫ل‪َ :‬يا اب ْ َ‬
‫ما ِ‬
‫إلى قََتاد َة َ ب ْ ِ‬
‫حَنا‪َ .‬قا َ‬
‫م ْ‬
‫ن‬
‫سَل ِ‬
‫مَنا وَ ِ‬
‫ب ب ِط ََعا ِ‬
‫ل َي ْل َت َِنا هَذ ِهِ فَن ُ ِ‬
‫شَرب َت َُنا وَذ ُه ِ َ‬
‫ت َ‬
‫قب َ ْ‬
‫ل قََتاد َة َ ب ْ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫قي َ‬
‫ل ل ََنا ‪ :‬قَد ْ َرأي َْنا ب َِني‬
‫سأل َْنا فَ ِ‬
‫سَنا ِفي ال ّ‬
‫ن ‪ :‬فَت َ َ‬
‫دارِ وَ َ‬
‫س ْ‬
‫ح ّ‬
‫الن ّعْ َ‬
‫ما ِ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ض‬
‫أ ُب َي ْر‬
‫ست َوْقَ ُ‬
‫قا ْ‬
‫دوا ِفي هَذ ِهِ الل ّي ْل َةِ وََل ن ََرى ِفي َ‬
‫ِ‬
‫ٍ‬
‫ما ن ََرى إ ِل ع َلى ب َعْ ِ‬
‫ق‪َ ،‬قا َ‬
‫ة إلى‬
‫م‪ .‬فلما أشارت أصابع التهام لب َُني أ ُب َي ْر‬
‫ل رَِفاع َ ُ‬
‫ط ََعا ِ‬
‫مك ُ ْ‬
‫ِ‬
‫ٍ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ت‬
‫نأ ِ‬
‫خي ل َوْ أت َي ْ َ‬
‫قََتاد َة َ – صاحب المال المسروق – لقتادة ‪َ :‬يا اب ْ َ‬
‫ت ذ َل ِ َ‬
‫سو َ‬
‫ه ‪..‬‬
‫ه ع َل َي ْهِ وَ َ‬
‫َر ُ‬
‫ك لَ ُ‬
‫م ‪-‬فَذ َك َْر َ‬
‫سل ّ َ‬
‫صّلى الل ّ ُ‬
‫ل الل ّهِ ‪ََ -‬‬
‫سو َ‬
‫َقا َ‬
‫ت‪:‬‬
‫م ‪ -‬فَ ُ‬
‫ه ع َل َي ْهِ وَ َ‬
‫ت َر ُ‬
‫قل ْ ُ‬
‫سل ّ َ‬
‫صّلى الل ّ ُ‬
‫ل قََتاد َة ُ ‪ :‬فَأت َي ْ ُ‬
‫ل الل ّهِ ‪َ -‬‬
‫َ‬
‫مّنا أهْ َ‬
‫ن أ َهْ َ‬
‫قُبوا‬
‫ن َزي ْد ٍ فَن َ َ‬
‫ج َ‬
‫مي رَِفاع َ َ‬
‫ت ِ‬
‫ل ب َي ْ ٍ‬
‫ة بْ‬
‫م ُ‬
‫ل َ‬
‫إِ ّ‬
‫دوا إ َِلى ع َ ّ‬
‫فاٍء ع َ َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫خ ُ‬
‫م ْ‬
‫ما‬
‫ه وَأ َ‬
‫شَرب َ ً‬
‫دوا ع َل َي َْنا ِ‬
‫ذوا ِ‬
‫سَل َ‬
‫ه فَل ْي َُر ّ‬
‫سَل َ‬
‫حَنا فَأ ّ‬
‫م ُ‬
‫ه وَط ََعا َ‬
‫ح ُ‬
‫ة لَ ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ه‪.‬‬
‫ج َ‬
‫ة لَنا ِفي ِ‬
‫حا َ‬
‫م فل َ‬
‫الطَعا ُ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫مُر ِفي ذ َل ِ َ‬
‫قا َ‬
‫ك"‪..‬‬
‫فَ َ‬
‫م‪َ " :-‬‬
‫ه ع َلي ْهِ وَ َ‬
‫سآ ُ‬
‫سل َ‬
‫صلى الل ُ‬
‫ي‪َ -‬‬
‫ل الن ّب ِ ّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫قا ُ‬
‫ه‬
‫م يُ َ‬
‫معَ ب َُنو أب َي ْر‬
‫جًل ِ‬
‫س ِ‬
‫وا َر ُ‬
‫ما َ‬
‫ل لَ ُ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫فَل َ ّ‬
‫ق‪ ،‬وخافوا الفضيحة‪ ،‬أت َ ْ‬
‫ِ‬
‫ٍ‬
‫ك ناس م َ‬
‫ُ‬
‫موه ُ ِفي ذ َل ِ َ‬
‫ل‬
‫ك‪َ ،‬فا ْ‬
‫أ َ‬
‫جت َ َ‬
‫ن ع ُْروَة َ فَك َل ّ ُ‬
‫ن أهْ ِ‬
‫معَ ِفي ذ َل ِ َ َ ٌ ِ ْ‬
‫سي ُْر ب ْ ُ‬
‫داِر‪.‬‬
‫ال ّ‬
‫َ‬
‫سو َ‬
‫ل‬
‫فَ َ‬
‫م َ‬
‫ل الل ّهِ إ ِ ّ‬
‫قاُلوا ‪َ :‬يا َر ُ‬
‫ه عَ َ‬
‫م ُ‬
‫ن وَع َ ّ‬
‫ن الن ّعْ َ‬
‫دا إ َِلى أهْ ِ‬
‫ما ِ‬
‫ن قََتاد َة َ ب ْ َ‬
‫َ‬
‫سَلم وَ َ َ‬
‫ن غ َي ْرِ ب َي ّن َةٍ وََل‬
‫سرِقَةِ ِ‬
‫ت ِ‬
‫ب َي ْ ٍ‬
‫م ِبال ّ‬
‫مون َهُ ْ‬
‫ح ي َْر ُ‬
‫م ْ‬
‫مّنا أهْ ِ‬
‫صل ٍ‬
‫ل إِ ْ ٍ‬
‫ت !!‬
‫ث َب َ ٍ‬
‫َ‬
‫سو َ‬
‫َقا َ‬
‫ه‪.‬‬
‫ه ع َل َي ْهِ وَ َ‬
‫ت َر ُ‬
‫مت ُ ُ‬
‫م ‪ -‬فَك َل ّ ْ‬
‫سل ّ َ‬
‫صّلى الل ّ ُ‬
‫ل قََتاد َة ُ ‪ :‬فَأت َي ْ ُ‬
‫ل الل ّهِ ‪َ -‬‬
‫َ‬
‫قا َ‬
‫م‬
‫فَ َ‬
‫ح ت َْر ِ‬
‫ت ذ ُك َِر ِ‬
‫ل ب َي ْ ٍ‬
‫صَل ٌ‬
‫سَل ٌ‬
‫م إِ ْ‬
‫مهِ ْ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫مد ْ َ‬
‫ل ‪ " :‬عَ َ‬
‫م وَ َ‬
‫ت إ َِلى أهْ ِ‬
‫ت وََل ب َي ّن َةٍ !" ‪.‬‬
‫سرِقَةِ ع ََلى غ َي ْرِ ث َب َ ٍ‬
‫ِبال ّ‬
‫َ‬
‫َقا َ‬
‫م‬
‫م‬
‫ت أّني َ‬
‫ت ِ‬
‫ن ب َعْ‬
‫خَر ْ‬
‫ل قتادة ‪ :‬فََر َ‬
‫ماِلي وَل َ ْ‬
‫ض َ‬
‫ج ُ‬
‫ت وَل َوَد ِد ْ ُ‬
‫جعْ ُ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫م ‪ِ -‬في ذ َل ِ َ‬
‫سو َ‬
‫مي‬
‫ل الل ّهِ ‪-‬‬
‫ه ع َل َي ْهِ وَ َ‬
‫م َر ُ‬
‫ك ‪.‬فَأَتاِني ع َ ّ‬
‫سل ّ َ‬
‫صّلى الل ّ ُ‬
‫أك َل ّ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫سو ُ‬
‫ما َقا َ‬
‫قا َ‬
‫ل‬
‫ة ‪ ،‬فَ َ‬
‫ت فَأ ْ‬
‫ن أَ ِ‬
‫رَِفاع َ ُ‬
‫ل ِلي َر ُ‬
‫ه بِ َ‬
‫خب َْرت ُ ُ‬
‫صن َعْ َ‬
‫خي َ‬
‫ما َ‬
‫ل‪َ :‬يا اب ْ َ‬
‫‪1‬‬
‫قا َ‬
‫ن ‪..‬‬
‫م‪ -‬فَ َ‬
‫الل ّ ِ‬
‫ست ََعا ُ‬
‫م ْ‬
‫ه ع َل َي ْهِ وَ َ‬
‫ه ال ْ ُ‬
‫ل ‪ :‬الل ّ ُ‬
‫سل ّ َ‬
‫صّلى الل ّ ُ‬
‫ه‪َ -‬‬
‫وفي رواية ‪ :‬لما رأى السارق ذلك عمد إلى الدرع فألقاها في‬
‫‪2‬‬
‫بيت رجل يهودي ) اسمه زيد ابن السمين (‬
‫س هذا الرجل البريء – وإن كان من غير‬
‫وما لبث أن اتهم النا ُ‬
‫المسلمين ‪ -‬بسرقة هذا الدرع‪..‬‬
‫ن النصاري ‪ ،‬وحسنه اللباني في صحيح وضعيف‬
‫ن الّنْعَما ِ‬
‫ن َقَتاَدَة ْب ِ‬
‫عْ‬
‫‪ 1‬حسن – رواه الترمذي‪ ،‬رقم ‪َ ،2962‬‬
‫سنن الترمذي ‪.‬‬
‫‪ 2‬وهذه الرواية التي ُذكر فيها اليهودي ‪ ،‬رواية ضعيفة‪ ،‬انظر‪ :‬تفسير ابن كثير ‪) -‬ج ‪ / 2‬ص ‪ ،(405‬وقد رواه‬
‫الطبري في تفسيره )‪ (9/183‬وإسناده مسلسل بالضعفاء‪.‬‬
‫‪123‬‬

‫فَل َم يل ْب ْ َ‬
‫ن ن ََز َ‬
‫ن‪:‬‬
‫ل ال ْ ُ‬
‫قْرآ ُ‬
‫ثأ ْ‬
‫ْ َ َ‬
‫َ‬
‫ما أَرا َ‬
‫‪ ‬إ ِّنا َأنزل َْنا إ ِل َي ْ َ‬
‫ه‬
‫حقّ ل ِت َ ْ‬
‫ب ِبال ْ َ‬
‫ك ال ْك َِتا َ‬
‫ك الل ّ ُ‬
‫س بِ َ‬
‫حك ُ َ‬
‫م ب َي ْ َ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫‪1‬‬
‫ما‪‬‬
‫ن َ‬
‫ن ل ِل ْ َ‬
‫خ ِ‬
‫صي ً‬
‫خائ ِِني َ‬
‫َول ت َك ُ ْ‬
‫سا‪ :‬الكل سواء أمام القانون ‪:‬‬
‫خام ً‬
‫فعن عائشة رضي الله عنها‪:‬‬
‫أن قري ً‬
‫شا‪ ،‬أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت ‪ ..‬فقالوا‪:‬‬
‫ومن يكلم فيها رسول الله ‪‬؟ فقالوا‪ :‬ومن يجترئ عليه إل‬
‫أسامة ابن زيد حب رسول الله ‪ ‬فكلمه أسامة ‪..‬فقال رسول‬
‫الله ‪ " : ‬أتشفع في حد من حدود الله ؟ ! " ‪ .‬ثم قام‬
‫فاختطب‪ .‬ثم قال ‪ " :‬إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق‬
‫فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه‬
‫الحد ‪ ..‬وايم الله ! لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها‬
‫‪2‬‬
‫!"‬
‫سا‪ :‬عدله بين فصائل الدولة ‪:‬‬
‫ساد ً‬
‫‪ -1‬عدله بين قريظة والنضير في مسألة الديات‪:‬‬
‫و ما أروع عدله ! حتى بين غير المسلمين وبعضهم‪ ،‬فقد تحاكم‬
‫إليه يهود قريظة والنضير‪ ،‬في مسألة تتعلق بالديات‪ ،‬فقد كانت‬
‫بنو النضير أعز من بني قريظة‪ ،‬فكانت تفرض عليهم دية‬
‫مضاعفة لقتلها‪ ،‬فلما ظهر السلم في المدينة امتنعت بنو‬
‫قريظة عن دفع الضعف‪ ،‬وطالبت بالمساواة في الدية‪ ،‬وتحاكمت‬
‫‪3‬‬
‫م ِفيَها‬
‫إليه نبي الرحمة‪ ،‬فعدل بينهما ‪ ،‬ونزلت الية‪ ) :‬وَك َت َب َْنا ع َل َي ْهِ ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫فس َوال ْعَي ْ َ ْ‬
‫ن‬
‫ن الن ّ ْ‬
‫ن َوال َن ْ َ‬
‫ف َوال ُذ ُ َ‬
‫ف ِبال َن ْ ِ‬
‫أ ّ‬
‫ف َ‬
‫ن ِبالذ ُ ِ‬
‫ن ِبالعَي ْ ِ‬
‫س ِبالن ّ ْ ِ‬
‫ه‬
‫صد ّقَ ب ِهِ فَهُوَ ك َ ّ‬
‫جُرو َ‬
‫ن َوال ْ ُ‬
‫ن ِبال ّ‬
‫َوال ّ‬
‫فاَرة ٌ ل ّ ُ‬
‫ص فَ َ‬
‫من ت َ َ‬
‫صا ُ ٌ‬
‫ح قِ َ‬
‫س ّ‬
‫س ّ‬
‫َ‬
‫م ال ّ‬
‫ه فَأول َئ ِ َ‬
‫ما أن َْز َ‬
‫ن ( ]المائدة‪:‬‬
‫مو َ‬
‫م يَ ْ‬
‫ظال ِ ُ‬
‫ك هُ ُ‬
‫ل الل ُ‬
‫م بِ َ‬
‫حك ُ ْ‬
‫من ل ّ ْ‬
‫وَ َ‬
‫‪4‬‬
‫‪. [45‬‬
‫فعن ابن عباس قال‪:‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ح ُ‬
‫ؤو َ‬
‫جآ ُ‬
‫م‬
‫ك َفا ْ‬
‫لما نزلت هذه الية )فِإن َ‬
‫ض ع َن ْهُ ْ‬
‫كم ب َي ْن َُهم أوْ أع ْرِ ْ‬
‫ً‬
‫ح ُ‬
‫ضّرو َ‬
‫ك َ‬
‫م‬
‫ت َفا ْ‬
‫ن َ‬
‫شْيئا وَإ ِ ْ‬
‫م فََلن ي َ ُ‬
‫كم ب َي ْن َهُ ْ‬
‫م َ‬
‫حك َ ْ‬
‫ض ع َن ْهُ ْ‬
‫وَِإن ت ُعْرِ ْ‬
‫ن ( ]المائدة‪ ،[42‬قال ‪" :‬كان بنو‬
‫م ْ‬
‫ه يُ ِ‬
‫س ِ‬
‫ق ِ‬
‫س ِ‬
‫ِبال ْ ِ‬
‫ح ّ‬
‫ط إِ ّ‬
‫ق ْ‬
‫ب ال ْ ُ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫طي َ‬
‫النضير إذا قتلوا من بني قريظة أدوا نصف الدية وإذا قتل بنو‬
‫قريظة من بني النضير أدوا إليهم الدية كاملة‪ ،‬فسوى رسول الله‬
‫ن النصاري ‪ ،‬وحسنه اللباني في صحيح وضعيف‬
‫ن الّنْعَما ِ‬
‫ن َقَتاَدَة ْب ِ‬
‫عْ‬
‫‪ 1‬حسن – رواه الترمذي‪ ،‬رقم ‪َ ،2962‬‬
‫سنن الترمذي ‪.‬‬
‫‪ 2‬صحيح – رواه البخاري برقم ‪ ،3288‬و أخرجه مسلم في الحدود باب قطع السارق الشريف وغيره رقم ‪1688‬‬
‫‪ 3‬أكرم ضياء العمري‪ :‬السيرة النبوية الصحيحة ‪1/291‬‬
‫‪ 4‬علي محمد الصلبي ‪ :‬السيرة النبوية ‪1/331‬‬
‫‪124‬‬

‫صلى الله عليه وسلم‪ -‬بينهم"‪. 1‬‬‫وفي رواية ‪:‬‬
‫"فكان إذا قتل رجل من قريظة رجل من النضير قتل به‪ ،‬وإذا‬
‫قتل رجل من النضير رجل من قريظة‪ ،‬فودي بمائة وسق من تمر‬
‫! فلما ُبعث النبي ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬قتل رج ٌ‬
‫ل من النضير‬
‫رجل من قريظة‪ ،‬فقالوا‪ :‬ادفعوه إلينا نقتله ‪ ،‬فقالوا‪ :‬بيننا وبينكم‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم فأتوه فنزلت"‪ 2‬الية‪ ،‬وحكم بينهم‬
‫بالعدل ‪..‬‬
‫‪ -2‬عدله بين الفصائل في مسألة الري وتوزيع المياه ‪:‬‬
‫فقد اتاه أهل مهزور من قريظة‪ ،‬يتحاكمون إليه في مشكلة‬
‫تتعلق بالمياة والري‪ ،‬فحكم بينهم ‪..‬‬
‫عن ثعلبة بن أبي مالك أنه سمع ‪ ...‬أن رجل ً من قريش كان له‬
‫سهم في بني قريظة فخاصم إلى رسول الله ‪-‬صلى الله عليه‬
‫وسلم‪ -‬في ] سيل [مهزور‪ 3‬يعني السيل الذي يقتسمون ماءه‪،‬‬
‫فقضى بينهم رسول الله ‪-‬صلى الله عليه وسلم ‪-‬أن الماء إلى‬
‫‪4‬‬
‫الكعبين ل يحبس العلى على السفل‬
‫وفي رواية ‪ :‬قال ثعلبة بن أبي مالك ‪:‬‬
‫"قضى رسول الله ‪-‬صلى الله عليه وسلم ‪ -‬في سيل مهزور‪،‬‬
‫العلى فوق السفل ‪ .‬يسقي العلى إلى الكعبين ثم يرسل إلى‬
‫من هو أسفل منه"‪. 5‬‬
‫ومذينب ومهزور واديان بالمدينة معروفان يستويان يسيلن‬
‫بالمطر ويتنافس أهل المدينة في سيلهما فقضى رسول الله ‪-‬‬
‫صلى الله عليه وسلم‪ -‬في سيلهما أنه للعلى فأعلى والقرب‬
‫إلى السيل‪ ،‬فالقرب يمسك العلى جميع الماء حتى يبلغ الكعبين‬
‫‪6‬ثم يرسله إلى من تحته ممن يليه‬
‫عا‪ :‬مبادىء المساواة والعدالة في خطبة الوداع‪:‬‬
‫ساب ً‬
‫هذا‪ ،‬وتعد خطبة الوداع دستورا ً عظيما في إقامة العدالة‬
‫والمساواة في ربوع العالم ‪ ..‬ويعلق هربرت جورج ولز‪ 7‬على‬
‫‪ 1‬حسن – رواه أبو داود )‪ ( 3591‬والنسائي ) ‪ ، ( 4411 ) ، ( 4733‬وقال اللباني – في صحيح وضعيف سنن‬
‫أبي داود ‪ :-‬حسن صحيح السناد ‪.‬‬
‫‪ 2‬صحيح – رواه ابو داود )‪ ،(4494‬والنسائي ) ‪ ،(4411 – 4410 ) ،( 4733 - 4732‬وأحمد )‪،(3434‬‬
‫وصححه اللباني في صحيح وضعيف سنن أبي داود ‪ .‬وقال شعيب الرنؤوط ‪ :‬حسن‪.‬‬
‫‪ 3‬سيل مهزور ‪ :‬اسم واد لبني قريظة بالحجاز‬
‫‪ 4‬صحيح – رواه ابن ماجه )‪ ،(2481‬وأبو دواد)‪ ، (3638‬وصححه اللباني في صحيح وضعيف سنن أبي داود‬
‫‪ 5‬صحيح ‪ -‬رواه ابن ماجه )‪ ،(2481‬وصححه اللباني في صحيح وضعيف سنن ابن ماجه‪.‬‬
‫‪ 6‬ابن عبد البر ‪ :‬الستذكار‪ ،‬ج ‪ / 7‬ص ‪189‬‬
‫‪ 7‬هربرت جورج ولز )‪ (1946 – 1866‬الكاتب البريطاني المعروف‪ ..‬اشتهر بقصصه الذي يعتمد الخيال العلمي‬
‫وله كتابات في التاريخ ‪ ،‬مثل )معالم تاريخ النسانية( وأعقبه بـ)موجز تاريخ العالم(‪ .‬وكان آخر كتاب أصدره هو‬
‫)العقل في أقصى تواتراته( ‪.‬‬
‫‪125‬‬

‫هذه الخطبة بقوله ‪:‬‬
‫ج محمد ]‪ [‬حجة الوداع ]في ذي الحجة ‪10‬هي‪ /‬مارس‪632‬‬
‫"ح ّ‬
‫م[ من المدينة إلى مكة‪ ،‬قبل وفاته بعام‪ ،‬وعند ذاك ألقى على‬
‫ن أول فقرة فيها تجرف أمامها كل ما‬
‫شعبه موعظة عظيمة‪ ..‬إ ّ‬
‫بين المسلمين من نهب وسلب ومن ثارات ودماء‪ ،‬وتجعل الفقرة‬
‫الخيرة منها الزنجي المؤمن عدل ً للخليفة‪ ..‬إنها أسست في‬
‫العالم تقاليد عظيمة للتعامل العادل الكريم"‪.1‬‬
‫إن دروس العدالة والمساواة في سيرة النبي ‪ ‬ودولته ونظامه‪،‬‬
‫جلية بينة لكل ذي بال ‪ ،‬وهي تمثل مظهر من مظاهر رحمته ‪‬‬
‫للبشر‪ ،‬بيد أن الخرص كثيرا ً ما يصيب طائفة من الحاقدين‬
‫والحانقين على سيرة محمد ‪‬؛ فيغضون الطرف عن هذه القيم‬
‫الزاهية في سيرة النبي ‪.. ‬‬
‫المطلب الرابع ‪ :‬الناس سواء كأسنان المشط‪:‬‬
‫يقول رسول الله ‪ ،‬في جملة مشهورة للقاصي والداني‪:‬‬
‫" الناس كأسنان المشط "‪.. 2‬‬
‫ويشرح المستشرق والمؤرخ بودلي هذه العبارة البليغة قائ ً‬
‫ل‪:‬‬
‫أي" ليس هناك أي عائق لييوني للمسييلم فل يهييم أكييان المييؤمن‬
‫أبيض أو أسود أو أصفر‪ ،‬فالجميع يعاملون على قدم المساواة"‪.3‬‬
‫ويتعرض توماس كارليل لهذه القيمة في إعجاب شديد فيقول ‪:‬‬
‫"في السلم خّلة أراها من أشرف الخلل وأجّلهييا وهييي التسييوية‬
‫بين الناس‪ .‬وهذا يدل على أصدق النظر وأصييوب الييرأي‪ .‬فنفييس‬
‫المؤمن راجحة بجميييع دول الرض‪ ،‬والنيياس فييي السييلم سيواء‪.‬‬
‫"‪!4‬‬
‫و تأسيسا ً على مبييدأ الخييوة النسييانية بييين الجنيياس والشييعوب‪،‬‬
‫حقق نبينا محمد ‪ ‬واقعيا ً عملية توحيد مختلف الجناس في ظل‬
‫المساواة والعدل السلميين ‪ ،‬يقول "برج"مؤكدا ً ‪:‬‬
‫"إنه ليس هناك من مجتمع آخر سجل له التاريخ ميين النجيياح كمييا‬
‫سييجل للسييلم فييي توحيييد الجنيياس النسييانية المختلفيية ‪ ،‬مييع‬
‫التسوية بينها في المكانة والعمل وتهيئة الفرص للنجاح فييي هييذه‬
‫الحياة"‪.5‬‬
‫‪ 1‬هربرت جورج ولز ‪ :‬معالم تاريخ النسانية ‪.641 ، 640/ 3 ،‬‬
‫‪ 2‬مسند الشهاب القضاعي عن أنس بن مالك‪ ،‬برقم ‪ ،186‬أي متساوون في الحكام‪ ،‬ل يفضل شريف لشرفه على‬
‫وضيع‪ ،‬كأسنان المشط متساوية ل فضل لسن منها على أخرى ) العزلة للخطابي ص ‪.(144‬‬
‫‪ 3‬انظر‪ :‬عماد الدين خليل‪ :‬قالوا عن السلم ص ‪.137‬‬
‫‪ 4‬توماس كارليل ‪ :‬البطال ‪ ،‬ص ‪65‬‬
‫‪ 5‬توماس كارليل ‪ :‬البطال ‪ ،‬ص ‪65‬‬
‫‪126‬‬

‫فلقد ساوى السلم بين الناس في إيجاب العبادات وتحريم‬
‫المحرمات ‪ ،‬وكما ساوى بينهم في الفضل والثواب بحسب‬
‫َ ُ‬
‫م َ‬
‫ه‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫حا ِ‬
‫ن عَ ِ‬
‫ن فَل َن ُ ْ‬
‫صال ِ ً‬
‫حي ِي َن ّ ُ‬
‫ن ذ َك َرٍ أوْ أن َْثى وَهُوَ ُ‬
‫أعمالهم‪َ ‬‬
‫ل َ‬
‫م ٌ‬
‫م َْ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ما َ‬
‫ن [ ]النحل ‪:‬‬
‫حَياة ً ط َي ّب َ ً‬
‫ملو َ‬
‫م ب ِأ ْ‬
‫مأ ْ‬
‫ة وَلن َ ْ‬
‫َ‬
‫ح َ‬
‫كاُنوا ي َعْ َ‬
‫ن َ‬
‫جَرهُ ْ‬
‫جزِي َن ّهُ ْ‬
‫س ِ‬
‫الية ‪. [ 97‬‬
‫وساوى بينهم في كل حق ديني ودنيوي ‪ ،‬ولم يجعل لحد منهم‬
‫ميزة في مال أو لون أو عرق أوحسب أو نسب ‪ ،‬إنما الميزة‬
‫والتفضيل بالصلح القلبي والتقوى ‪ :‬فقال الله تعالى‪َ  :‬ياأ َي َّها‬
‫ُ‬
‫شُعوًبا وَقََبائ ِ َ‬
‫م ُ‬
‫ل‬
‫خل َ ْ‬
‫س إ ِّنا َ‬
‫م ِ‬
‫ن ذ َك َرٍ وَأن َْثى وَ َ‬
‫جعَل َْناك ُ ْ‬
‫قَناك ُ ْ‬
‫الّنا ُ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م ‪ ]‬الحجرات ‪[ 13 :‬‬
‫عن ْد َ الل ّهِ أت ْ َ‬
‫م ِ‬
‫ل ِت ََعاَرُفوا إ ِ ّ‬
‫قاك ُ ْ‬
‫مك ُ ْ‬
‫ن أك َْر َ‬
‫وهذا مظهر من مظاهر رحمة النبي ‪ .. ‬فلم تكن العدالة‬
‫والمساواة في اعتبارات زعماء العرب أو في أسلوب حكمهم‬
‫للعرب‪ ،‬قبل بعثة الرسول ‪ ،‬فقد كان قبل عهده ‪ ،‬السترقاق‬
‫ه العرب‬
‫على أشده‪ ،‬والتمييز العنصري في ذروته ‪ ..‬حتى أكرم الل ُ‬
‫برسالة محمد ‪‬‬
‫ولقد كان رسول الله ‪ ‬حريصا ً على تربية أصحابه تربية عملية‪،‬‬
‫بغرس قيم العدالة والمساواة في نفوس أصحابه ‪..‬فتخرج من‬
‫مدرسة محمد ‪ ‬رجال؛ ملئو الرض عدل ً ورحمة كما ملئت‬
‫ظلما ً وجورا ً ‪ ..‬من هؤلء الرجال عمر بن الخطاب صاحب‬
‫المقولة الشهيرة ‪ " :‬متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم‬
‫أحرارا ً "‪.‬ولقد ضرب المسلمون الوائل في فتوحاتهم أروع‬
‫المثلة في تحقيق العدل والمساواة بين الشعوب‪ ،‬حتى قال‬
‫جوستاف لوبون ‪ -‬في إعجاب وتقدير ‪ " : -‬ما عرف التاريخ‬
‫فاتحا ً أعدل ول أرحم من العرب"‪. 1‬‬

‫المبحث الرابع‬
‫الحب والخاء‬
‫المطلب الول ‪ :‬ا ُ‬
‫لخوة مكان العصبية ‪:‬‬
‫يقول آتيين دينيه‪:‬‬
‫"لقد دعا عيسى ]عليه السلم[ إلى المساواة والخوة‪ ،‬أما محمد‬
‫]‪ [‬فوفق إلى تحقيق المساواة والخوة بين المؤمنين أثناء‬
‫حياته"‪.2‬‬
‫فليس من الطييبيعي يي فييي اعتقيياد رسييول اللييه ‪ ‬يي أن يعيييش‬
‫‪ 1‬جوستاف لوبون ‪:‬حضارة العرب‪ ،‬ص ‪40‬‬
‫‪ 2‬آتيين دينيه‪ :‬محمد رسول ال ‪ ،‬ص ‪.323‬‬
‫‪127‬‬

‫الناس على هذه الرض في شقاق و تمزق وتفرق‪ ،‬و قد أوجدهم‬
‫الخالق سبحانه من أصل واحد‪ ،‬خلقهييم جميعًييا ميين آدم‪ ،‬أبيضييهم‬
‫وأسودهم‪ ،‬شرقيهم وغربيهم‪ ،‬عربيهم وعجميهم‪ ،‬غنيهم و فقيرهم‬
‫‪ ،‬بل إن أشد ما يتنافى مع الفطرة‪ ،‬ويتعارض مع العقل‪ ،‬أن يوحد‬
‫خلق والمنشأ‪ ،‬ثم يتفرقون في المرجع والمصير‪.‬‬
‫الله عباده في ال َ‬
‫ولجل هذا اتخذ السلم كل أساس وقاعدة تحمي هذا الكيان من‬
‫النشقاق والتصدع‪ ،‬وتمكنيه مين أداء مهمتيه عليى اليوجه المثيل‬
‫ومن بين تلك القواعد ‪ :‬الخاء‪ ..‬الذي يمحو أمامه جميع الفييوارق‬
‫بين أفراد هذا الكيان ‪،‬و امتيازاتهم من نسب أو جاه أو مال ‪..‬‬
‫ويتحدث المفكر "وليم موير " عن هذا المبدأ الكبير في السلم –‬
‫مبدأ الخاء ‪ ، -‬فيقول ‪:‬‬
‫‪1‬‬
‫"ومن عقيدة السلم أن النسان أخو النسان " ‪.‬‬
‫ويييبين المفكيير الكييبير "بييرج " ‪ ":‬أن مبييدأ الخيياء النسيياني هييو‬
‫أساس فلسفة الخلق الجتماعية في السلم "‪. 2‬‬
‫ويشير "فيليب حتي" إلى " أن إقامة الخوة في السلم مكان‬
‫العصبية الجاهلية )القائمة على الدم والقرابة( للبناء الجتماعي‬
‫دا؛ قام به النبي العربي ]‬
‫كان ‪ -‬في الحقيقة ‪ -‬عمل ً جريًئا جدي ً‬
‫‪.3"..[‬‬
‫إن النبي ‪ ‬أسس الدولة السلمية الولييى‪ ،‬علييى قاعييدة الخيياء‬
‫السلمى ما بين الوس والخزرج والمكيييين المهيياجرين‪ ،‬وأسييس‬
‫الدسييتور المييدني السييلمي الييذي نظييم العلقييات ميا بييين قييوى‬
‫الشعب‪ ،‬ونجيح هيذا الدسيتور فيي تحقييق التعيايش والخياء بيين‬
‫المسلمين وبعضهم‪ ،‬وبين المسلمين وغيرهييم‪ ،‬وتطييورت جييوانب‬
‫هذا التعايش مع قيام الدولة السلمية التي ضمت شييعوبا ً وُأممييا ً‬
‫مختلفة‪ ،‬حققت بينها النسجام والخوة بين أبنيياء الييوطن الواحييد‪،‬‬
‫بعيدا ً عن العصبية العرقية أو التعصب الديني ‪.‬‬
‫ومن أجل تحقيق الحييب والخيياء بييين فصييائل الشييعوب‪ ،‬اعييترف‬
‫السلم بصييدق الرسييالت السييماوية السييابقة ‪ ..‬يقييول مارسيييل‬
‫بوازار‪ –4‬في ذلك ‪:-‬‬
‫‪ 1‬وليم موير ‪ :‬حياة محمد‪.80 ،‬‬
‫‪ 2‬انظر‪ :‬أحمد أمين ‪ :‬التكامل في السلم ‪ ،‬ج ‪ ،2‬ص ‪.101‬‬
‫‪ 3‬فيليب حتى ‪ :‬السلم منهج حياة ‪ ،‬ص ‪.20 ، 19‬‬
‫‪ 4‬مفكر وقانونى فرنسى ‪ ،‬وله كتابات مشهورة عن السلم‪ ،‬أهمها ‪ " :‬إنسانية السلم"‪ ،‬و السلم اليوم"‪ .‬ويعد‬
‫كتابه الشهير " إنسانية السلم"‪ ،‬علمة مضيئة في مجال الدراسات الغربية للسلم‪ ،‬بما تميز به من موضوعية‪،‬‬
‫وعمق‪ ،‬وحرص على اعتماد المراجع التي ل يأسرها التحيز والهوى‪ ،‬وريادته في تناول الجانب الخلقي في‬
‫السلم‪.‬‬
‫‪128‬‬

‫" وقد فتح السلم الباب للتعايش على الصعيد الجتماعي‬
‫والعرقي حين اعترف بصدق الرسالت اللهية المنزلة من قبل‬
‫على بعض الشعوب ‪ ،‬وجعل المسلمين منحدرين من نسل‬
‫َ‬
‫س إ ِّنا‬
‫مشترك مع اليهود والنصارى عبر إبراهيم ‪َ  ...‬يا أي َّها الّنا ُ‬
‫ُ‬
‫قَنا ُ‬
‫شُعوبا ً وَقََبائ ِ َ‬
‫م ُ‬
‫ن‬
‫خل َ ْ‬
‫َ‬
‫ل ل ِت ََعاَرُفوا إ ِ ّ‬
‫من ذ َك َرٍ وَأنَثى وَ َ‬
‫جعَل َْناك ُ ْ‬
‫كم ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫‪2‬‬
‫‪1‬‬
‫خِبيٌر ‪. " .. ‬‬
‫عند َ الل ّهِ أت ْ َ‬
‫م َ‬
‫م ِ‬
‫م إِ ّ‬
‫ه ع َِلي ٌ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫قاك ُ ْ‬
‫مك ُ ْ‬
‫أك َْر َ‬
‫المطلب الثاني ‪ :‬لماذا نجح النبي ‪ ‬في تحقيق الحب‬
‫والخاء ؟‬
‫يبين توماس آرنولد أن السبب في نجاح النبي ‪ ‬في نشر قيم‬
‫الحب والخاء سواء بين الشعوب السلمية والقبائل والعشائر‬
‫المختلفة‪ ،‬هو حسن الخلق والمعاملة الحسنة والجاذبية التي كان‬
‫يتمتع بها رسول الله ‪ ،‬فيقول آرنولد‪:‬‬
‫"‪ ..‬إن المعاملة الحسنة التي تعودتها وفود العشائر المختلفة من‬
‫النبي ]‪ [‬واهتمامه بالنظر في شكاياتهم‪ ،‬والحكمة التي كان‬
‫يصلح بها ذات بينهم‪ ،‬والسياسة التي أوحت إليه بتخصيص قطع‬
‫من الرض مكافأة لكل من بادر إلى الوقوف في جانب السلم‬
‫وإظهار العطف على المسلمين‪ ،‬كل ذلك جعل اسمه]‪ [‬مألوًفا‬
‫دا‬
‫لديهم‪ ،‬كما جعل صيته ذائًعا في كافة أنحاء شبه الجزيرة‪ ..‬سي ً‬
‫ما‪ .‬وكثيًرا ما كان يفد أحد أفراد القبيلة على‬
‫ما ورجل ً كري ً‬
‫عظي ً‬
‫دا في‬
‫النبي ]‪ [‬بالمدينة ثم يعود إلى قومه داعًيا إلى السلم جا ً‬
‫تحويل إخوانه إليه‪.3"..‬‬
‫ولعل الفيلسوف إدوار مونته – هو الخر ‪ -‬يبين السبب الساس‬
‫في قدرة النبي الكريم ‪ ‬في نشر الحب والخاء بين الناس‪ ،‬و‬
‫هو ما عرف عن رسول الله ‪ " ‬بخلوص النية والملطفة‬
‫وإنصافه في الحكم‪ ،‬ونزاهة التعبير عن الفكر والتحقق‪،‬‬
‫وبالجملة كان محمد]‪ [‬أزكى وأدين وأرحم عرب عصره‪،‬‬
‫وأشدهم حفاظا ً على الزمام فقد وجههم إلى حياة لم يحلموا بها‬
‫من قبل‪ ،‬وأسس لهم دولة زمنية ودينية ل تزال إلى اليوم"‪.4‬‬
‫وكلها عوامل وأسباب أدت إلى نجاح محمد ‪ ‬في تحقيق‬
‫الحب والخاء بين فصائل وطوائف العرب ‪.‬‬
‫وكييان لمبييادىء الحييب والخيياء فييي السييلم وأثرهييا علييى بيياقي‬
‫الشييعوب‪ ،‬فييي الشييرق والغييرب‪ ،‬أن حفييرت عمق يا ً عميق يا ً فييي‬
‫‪ 1‬سورة الحجرات‪ :‬الية ‪ ، 13‬والستشهاد بالية من قبل مارسيل بوزار‪.‬‬
‫‪ 2‬مارسيل بوزار ‪ :‬إنسانية السلم ‪.185-184 ،‬‬
‫‪ 3‬توماس آرنولد ‪ :‬الدعوة إلى السلم ص ‪. 55‬‬
‫‪ 4‬كلمة للفيلسوف الفرنسي إدوار مونته الذي ولد في بلدته لوكادا) ‪ 1817‬ـ ‪ ،( 1894‬وقال هذه الكلمة في آخر‬
‫كتابه )العرب(‪.‬‬
‫‪129‬‬

‫وجدانها‪ ..‬تلييك النزعيية النسييانية الخيييرة ) الحييب ‪ /‬الخيياء( الييتي‬
‫ترفض التقسيم العرقي أو الطبقي‪.‬‬
‫ويتحدث "جييواهر لل نهييرو"‪ ، 1‬عيين هييذا الجييانب‪ ،‬ممثل ً بنمييوذج‬
‫الهند‪ ،‬فيقول ‪:‬‬
‫" إن نظرية الخوة السلمية ‪ ...‬التي كان المسلمون يؤمنون‬
‫بها‪ ،‬ويعيشون فيها‪ ،‬أثرت في أذهان الهندوس تأثيرا عميقا ً ‪.‬‬
‫حّرم عليهم‬
‫وكان أكثر خضوعا ً لهذا التأثير البؤساء الذين َ‬
‫المجتمع الهندي المساواة والتمتع بالحقوق النسانية "‪. 2‬‬
‫المطلب الثالث ‪ :‬نماذج تعاليمه ‪: ‬‬
‫لقد جعل النبي ‪ ‬من الحب والخاء في السلم عبادة رفيعة‬
‫ُيتقرب بها إلى الله تعالى‪ ،‬وُيستظل بها في ظل عرش الله يوم‬
‫القيامة ‪ ..‬ومن جملة أحاديثه ‪ ‬في ذلك ‪:‬‬
‫أول ً ‪ :‬المسلمون المتآخون المتحابون كالجسد‬
‫الواحد ‪:‬‬
‫شيرٍ عن رسول الله ‪ ‬أنه قال ‪:‬‬
‫ن بَ ِ‬
‫روى الن ّعْ َ‬
‫ما ِ‬
‫ن بْ ِ‬
‫مث َ ُ‬
‫مث َ ُ‬
‫سد ِ إ ِ َ‬
‫ذا‬
‫م وَت ََعاط ُ ِ‬
‫ح ِ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫ل ال ْ َ‬
‫م وَت ََرا ُ‬
‫ج َ‬
‫م َ‬
‫فه ِ ْ‬
‫مه ِ ْ‬
‫واد ّه ِ ْ‬
‫ل ال ْ ُ‬
‫" َ‬
‫ن ِفي ت َ َ‬
‫مِني َ‬
‫‪3‬‬
‫شت َ َ‬
‫ا ْ‬
‫مى" ‪.‬‬
‫دا َ‬
‫كى ِ‬
‫سهَرِ َوال ْ ُ‬
‫سائ ُِر ال ْ َ‬
‫ضو ٌ ت َ َ‬
‫ه عُ ْ‬
‫سد ِ ِبال ّ‬
‫ج َ‬
‫ه َ‬
‫ح ّ‬
‫عى ل َ ُ‬
‫من ْ ُ‬
‫ثانًيا‪ :‬المسلمون المتآخون المتحابون كرجل واحد ‪:‬‬
‫ْ‬
‫شت َ َ‬
‫نا ْ‬
‫عى‬
‫دا َ‬
‫ل َوا ِ‬
‫ح ٍ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫ه تَ َ‬
‫د‪ ،‬إ ِ ْ‬
‫ن ك ََر ُ‬
‫مُنو َ‬
‫كى َرأ ُ‬
‫س ُ‬
‫قال النبي ‪ " : ‬ال ْ ُ‬
‫ج ٍ‬
‫ر"‪.4‬‬
‫سد ِ ِبال ْ ُ‬
‫سائ ُِر ال ْ َ‬
‫مى َوال ّ‬
‫ج َ‬
‫ه َ‬
‫ح ّ‬
‫لَ ُ‬
‫سه َ ِ‬
‫ثالًثا‪ :‬المسلمون المتآخون المتحابون في ظلل الله ‪:‬‬
‫َ‬
‫عَ َ‬
‫ه ت ََباَر َ‬
‫سو ُ‬
‫ل‪َ :‬قا َ‬
‫ه َقا َ‬
‫ك‬
‫ل الل ّهِ ‪ " :‬إ ِ ّ‬
‫ل َر ُ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ن أِبي هَُري َْرة َ أن ّ ُ‬
‫ْ‬
‫ل يوم ال ْقيامة‪ :‬أ َين ال ْمتحابون ل ِجَلِلي ؟ ال ْيوم أ ُ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫م‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ظ‬
‫قو‬
‫ُ‬
‫ي‬
‫لى‬
‫عا‬
‫ُ َ َ ّ َ َ‬
‫َ‬
‫وَت َ َ‬
‫َ ْ َ‬
‫ِ ُ ْ‬
‫َ ْ َ ِ َ َ ِ ْ َ‬
‫م َل ظ ِ ّ‬
‫ل إ ِّل ظ ِّلي ‪. 5".‬‬
‫ِفي ظ ِّلي‪ ،‬ي َوْ َ‬
‫عا‪ :‬المسلمون المتآخون المتحابون وجبة لهم محبة‬
‫راب ً‬
‫الله ‪:‬‬
‫عن معاذ بن جبل قال ‪ :‬سمعت رسول الله ‪ ‬يقول ‪:‬‬
‫ي والمتجالسين في‬
‫" قال الله تعالى ‪ :‬وجبت محبتي للمتحابين ف ّ‬
‫ي"‪.6‬‬
‫والمتزاورين في والمتباذلين ف ّ‬
‫سا‪ :‬المسلمون المتآخون المتحابون يغبطهم‬
‫خام ً‬
‫النبياء والشهداء ‪:‬‬
‫‪ 1‬زعيم الهند الراحل ‪ ،‬وباني نهضتها الحديثة‪.‬‬
‫‪ 2‬انظر ‪ :‬محمد شريف الشيباني ‪ :‬الرسول في الدراسات الستشراقية المنصفة‪ ،‬ص ‪192‬‬
‫‪ 3‬صحيح – رواه مسلم‪ ،‬برقم ‪.4685‬‬
‫‪ 4‬صحيح – رواه مسلم‪ ،‬برقم ‪4686‬‬
‫‪ 5‬صحيح – رواه مسلم‪ ،‬برقم ‪ ،4655‬ورواه مالك في الموطأ‪ ،‬برقم ‪1500‬‬
‫‪ 6‬صحيح ‪ -‬رواه مالك‪ ،‬برقم ‪ ،1503‬وصححه اللباني في مشكاة المصابيح‪ ،‬برقم ‪.5011‬‬
‫‪130‬‬

‫قال النبي ‪ " :: ‬يقول الله تعالى ‪ :‬المتحابون في جللي لهم‬
‫منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء"‪.1‬‬
‫ما‬
‫وعن أبي الدرداء ‪ ‬قال ‪ :‬قال رسول الله ‪ "‬ليبعثن الله أقوا ً‬
‫يوم القيامة في وجوههم النور‪ ،‬على منابر اللؤلؤ ‪ ،‬يغبطهم‬
‫الناس‪ ،‬ليسوا بأنبياء ول شهداء "‪ .‬قال ‪ :‬فجثا أعرابي على‬
‫ركبتيه‪ ،‬فقال ‪ :‬يا رسول الله حلهم لنا نعرفهم ! قال ‪ " :‬هم‬
‫المتحابون في الله من قبائل شتى وبلد شتى‪ ،‬يجتمعون على‬
‫ذكر الله يذكرونه "‪.2‬‬
‫سخ رسول الله ‪ ‬قيم الحب والخاء بين شعبه‪ ،‬ورسخها‬
‫هكذا ر ّ‬
‫ً‬
‫‪ ‬عمليا‪ ،‬فيرغبهم في الحب والخاء وثوابهما‪ ،‬ويرهبهم من‬
‫التباغض والشقاق وعواقبهما في الدنيا والخرة ‪.‬‬
‫إن هذا مظهر من مظاهر رحمة النبي ‪ ، ‬فلقد نجح النبي ‪‬‬
‫في تحقيق الخوة والحب بين الشعب‪ ،‬حتى أصبح أبناء الدولة‬
‫في عهده كالجسد الواحد أوكالرجل الواحد ‪..‬‬

‫المبحث الخامس‬
‫سماحته في المعاملت المالية‬
‫من مظاهر رحمته‪ ،‬سماحته وسهولته في المعاملت المالية ‪،‬‬
‫واستعمال معالي الخلق‪ ،‬وترك المشاحنات‪ ،‬و تجنب إرهاق‬
‫الناس بالمطالبة أو المماطلة ‪..‬وكان يحث على إنظار المعسر‬
‫والرفق به‪ ،‬والتساهل في المعاوضات المالية‪ ،‬والمشاركة في‬
‫سداد الديون عن المدينين‪ ،‬والكرم والعطاء بين المتعاقدين‪.‬‬
‫المطلب الول ‪ :‬حثه على السماحة في المعاملت‬
‫المالية ‪:‬‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬في البيع والشراء والقضاء ‪:‬‬
‫َ‬
‫ل الل ّهِ ‪َ ‬قا َ‬
‫سو َ‬
‫ل‪:‬‬
‫عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما‪ :‬أ ّ‬
‫ن َر ُ‬
‫‪4‬‬
‫شت ََرى‪ ،‬وَإ ِ َ‬
‫ذا ا ْ‬
‫ع‪ ،‬وَإ ِ َ‬
‫حا‪ 3‬إ ِ َ‬
‫ضى" ‪..‬‬
‫ذا َبا َ‬
‫"َر ِ‬
‫ذا اقْت َ َ‬
‫م ً‬
‫ه َر ُ‬
‫جًل َ‬
‫س ْ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫ح َ‬
‫وعن أبي هريرة ‪ ‬أن رسول الله ‪ ‬قال‪" :‬غفر الله لرجل كان‬
‫قبلكم‪ ،‬كان سهل ً إذا باع‪ ،‬سهل ً إذا اشترى‪ ،‬سهل ً إذا اقتضى"‪.5‬‬
‫حَزام ٍ ‪َ ‬قا َ‬
‫ل‬
‫ن ِ‬
‫ح ِ‬
‫وعن َ‬
‫كيم ِ ب ْ ِ‬
‫‪ 1‬صحيح – رواه الترمذي‪ ،‬برقم ‪ ،2312‬وصححه اللباني في مشكاة المصابيح‪ ،‬برقم ‪.5011‬‬
‫‪ 2‬صحيح ‪ -‬رواه الطبراني بإسناد حسن‪ ،‬وصححه اللباني في صحيح الترغيب والترهيب‪ ،‬برقم ‪1509‬‬
‫طلب منه‪.‬‬
‫ل يوافق على ما ُ‬
‫‪ 3‬كريمًا متساه ً‬
‫‪ 4‬أي إذا طلب حقه‬
‫عَفا ٍ‬
‫ف‬
‫طُلْبُه ِفي َ‬
‫حّقا َفْلَي ْ‬
‫ب َ‬
‫طَل َ‬
‫ن َ‬
‫شَراِء َواْلَبْيِع َوَم ْ‬
‫حِة ِفي ال ّ‬
‫سَما َ‬
‫سُهوَلِة َوال ّ‬
‫‪ 5‬صحيح – رواه البخاري في البيوع‪َ ،‬باب ال ّ‬
‫رقم ‪1934‬‬
‫‪131‬‬

‫فّرَقا أ َوْ َقا َ‬
‫سو ُ‬
‫َقا َ‬
‫حّتى‬
‫م ي َت َ َ‬
‫ن ِبال ْ ِ‬
‫ل َ‬
‫ل َر ُ‬
‫ما ل َ ْ‬
‫خَيارِ َ‬
‫ل الل ّهِ ‪": ‬ال ْب َي َّعا ِ‬
‫صد ََقا وَب َي َّنا ُبورِ َ‬
‫ما وَك َذ ََبا‬
‫ي َت َ َ‬
‫ما وَإ ِ ْ‬
‫فّرَقا فَإ ِ ْ‬
‫ن ك َت َ َ‬
‫ما ِفي ب َي ْعِهِ َ‬
‫ك ل َهُ َ‬
‫ن َ‬
‫‪1‬‬
‫ما" ‪.‬‬
‫ح َ‬
‫ت ب ََرك َ ُ‬
‫م ِ‬
‫ة ب َي ْعِهِ َ‬
‫ق ْ‬
‫ُ‬
‫ثانًيا‪ :‬التيسير على المعسر ‪:‬‬
‫عن أبي هريرة ‪ ‬أن رسول الله ‪‬قال‪" :‬كان الرج ُ‬
‫ن‬
‫ل ُيداي ُ‬
‫سرا ً فتجاَوز عنه‪ ،‬لع ّ‬
‫الناس‪ ،‬فكان يقو ُ‬
‫ه‬
‫مع ِ‬
‫ل الل َ‬
‫ت ُ‬
‫ه‪ :‬إذا أتي َ‬
‫ل لفتا ُ‬
‫ه َفتجاوََز عنه"‪.2‬‬
‫أن َيتجاَوز عنا ‪ ..‬فل َ ِ‬
‫ي الل َ‬
‫ق َ‬
‫المطلب الثاني ‪ :‬نماذج سماحته في المعاملت‬
‫المالية ‪:‬‬
‫َ‬
‫عائ ِ َ‬
‫ت‪:‬‬
‫ن َ‬
‫ش َ‬
‫ة َقال ْ‬
‫عَ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫سو ُ‬
‫ق‬
‫ل ِ‬
‫ل الل ّهِ ‪ِ ‬‬
‫جُزوًرا أوْ َ‬
‫ب َ‬
‫ن َر ُ‬
‫جَزائ َِر ب ِوَ ْ‬
‫اب َْتاع َ َر ُ‬
‫ن اْلع َْرا ِ‬
‫م ْ‬
‫ج ٍ‬
‫م ْ‬
‫س ٍ‬
‫سو ُ‬
‫ل الل ّهِ ‪‬‬
‫مُر الذ ّ ِ‬
‫مرِ الذ ّ ِ‬
‫ِ‬
‫جوَة ُ ‪ -‬فََر َ‬
‫خَرةِ ال ْعَ ْ‬
‫جعَ ب ِهِ َر ُ‬
‫خَرةِ ‪ -‬وَت َ ْ‬
‫ن تَ ْ‬
‫م ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫سو ُ‬
‫ل اللهِ ‪.. ‬‬
‫ه‪ ،‬فَ َ‬
‫خَر َ‬
‫ج إ ِلي ْهِ َر ُ‬
‫جد ْ ُ‬
‫م يَ ِ‬
‫مَر فَل ْ‬
‫ه الت ّ ْ‬
‫سل ُ‬
‫إ ِلى ب َي ْت ِهِ َوالت َ َ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫من ْ َ‬
‫قا َ‬
‫جَزائ َِر‪-‬‬
‫فَ َ‬
‫ه َيا ع َب ْد َ الل ّهِ إ ِّنا قَد ْ اب ْت َعَْنا ِ‬
‫جُزوًرا ‪ -‬أوْ َ‬
‫ك َ‬
‫ل‪ " :‬ل َ ُ‬
‫جد ْه ُ !" ‪..‬‬
‫مرِ الذ ّ ْ‬
‫خَر ِ‬
‫ق ِ‬
‫م ْ‬
‫ب ِوَ ْ‬
‫م نَ ِ‬
‫سَناه ُ فَل َ ْ‬
‫ة‪َ ،‬فال ْت َ َ‬
‫ن تَ ْ‬
‫م ْ‬
‫س ٍ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫قا َ‬
‫ي ‪َ :‬وا غ َد َْراه ُ !!‬
‫فَ َ‬
‫ل الع َْراب ِ ّ‬
‫َ‬
‫س‪ .‬وََقاُلوا‪َ :‬قات َل َ َ‬
‫سو ُ‬
‫ه‬
‫ل الل ّ ِ‬
‫ه ! أي َغْد ُِر َر ُ‬
‫ك الل ّ ُ‬
‫م ُ‬
‫ت ‪ :‬فَن َهَ َ‬
‫َقال َ ْ‬
‫ه الّنا ُ‬
‫‪‬؟!‬
‫ً‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫سو ُ‬
‫قا َ‬
‫قال " ‪.‬‬
‫م َ‬
‫فَ َ‬
‫ل اللهِ ‪" : ‬د َ ُ‬
‫صا ِ‬
‫ب ال َ‬
‫عوه ُ ! فَإ ِ ّ‬
‫ل َر ُ‬
‫حقّ َ‬
‫ح ِ‬
‫ن لِ َ‬
‫من ْ َ‬
‫قا َ‬
‫سو ُ‬
‫ك‬
‫ل الل ّهِ ‪ ‬فَ َ‬
‫م َ‬
‫ل‪َ " :‬يا ع َب ْد َ الّله ‪ ..‬إ ِّنا اب ْت َعَْنا ِ‬
‫ه َر ُ‬
‫عاد َ ل َ ُ‬
‫ثُ ّ‬
‫َ‬
‫مي َْنا ل َ َ‬
‫جَزائ َِر َ‬
‫جد ْه ُ "‬
‫ن ِ‬
‫نأ ّ‬
‫ك وَن َ ْ‬
‫َ‬
‫م ْ‬
‫ما َ‬
‫م نَ ِ‬
‫سَناه ُ فَل َ ْ‬
‫ك َفال ْت َ َ‬
‫س ّ‬
‫عن ْد ََنا َ‬
‫ن ن َظ ُ ّ‬
‫ح ُ‬
‫‪..‬‬
‫َ‬
‫س وََقاُلوا ‪َ :‬قات َل َ َ‬
‫قا َ‬
‫ه!‬
‫فَ َ‬
‫ك الل ّ ُ‬
‫م ُ‬
‫ي ‪َ :‬وا غ َد َْراه ُ ‪ ! ..‬فَن َهَ َ‬
‫ه الّنا ُ‬
‫ل اْلع َْراب ِ ّ‬
‫َ‬
‫سو ُ‬
‫ل الل ّهِ ‪..‬؟ !‬
‫أي َغْد ُِر َر ُ‬
‫سو ُ‬
‫قا َ‬
‫قاًل" ‪..‬‬
‫م َ‬
‫فَ َ‬
‫ل الل ّهِ ‪ " : ‬د َ ُ‬
‫صا ِ‬
‫ب ال ْ َ‬
‫عوه ُ ! فَإ ِ ّ‬
‫ل َر ُ‬
‫حقّ َ‬
‫ح ِ‬
‫ن لِ َ‬
‫َ‬
‫فََرد ّد َ ذ َل ِ َ‬
‫سو ُ‬
‫ن أوْ ث ََلًثا ‪.‬‬
‫مّرت َي ْ‬
‫ك َر ُ‬
‫ل الل ّهِ ‪َ ‬‬
‫ِ‬
‫ل ل ِرجل م َ‬
‫ة‬
‫ف َ‬
‫ما َرآه ُ َل ي َ ْ‬
‫ب إ َِلى ُ‬
‫خوَي ْل َ َ‬
‫حاب ِهِ ‪ " :‬اذ ْهَ ْ‬
‫ص َ‬
‫ه ع َن ْ ُ‬
‫ق ُ‬
‫فَل َ ّ‬
‫نأ ْ‬
‫ه؛ َقا َ َ ُ ٍ ِ ْ‬
‫بنت حكيم ب ُ‬
‫ن َ‬
‫قو ُ‬
‫سو ُ‬
‫ق ْ‬
‫ن‬
‫ل الل ّهِ ‪ ‬ي َ ُ‬
‫ة فَ ُ‬
‫مي ّ َ‬
‫كا َ‬
‫ك إِ ْ‬
‫ل لَ ِ‬
‫ل ل ََها َر ُ‬
‫نأ َ‬
‫ِْ ِ َ ِ ِ ْ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن َ‬
‫شاَء‬
‫مرِ الذ ّ ِ‬
‫ِ‬
‫سل ِ ِ‬
‫خَر ِ‬
‫سقٌ ِ‬
‫ك‪ ،‬إ ِ ْ‬
‫ه إ ِلي ْ ِ‬
‫فيَناه ُ َ‬
‫عن ْد َ ِ‬
‫ة؛ فَأ ْ‬
‫ك وَ ْ‬
‫حّتى ن ُؤ َد ّي َ ُ‬
‫ن تَ ْ‬
‫م ْ‬
‫ه " ‪..‬‬
‫الل ّ ُ‬
‫قا َ‬
‫ج ُ‬
‫ج ُ‬
‫دي َيا‬
‫ل فَ َ‬
‫م هُوَ ِ‬
‫عن ْ ِ‬
‫جعَ الّر ُ‬
‫م َر َ‬
‫ب إ ِل َي َْها الّر ُ‬
‫فَذ َهَ َ‬
‫ت ‪ :‬ن َعَ ْ‬
‫ل‪َ :‬قال َ ْ‬
‫ل ثُ ّ‬
‫سو َ‬
‫ه‪.‬‬
‫ن يَ ْ‬
‫م‬
‫ه‪َ ،‬فاب ْعَ ْ‬
‫ل الل ّ ِ‬
‫قب ِ ُ‬
‫َر ُ‬
‫ض ُ‬
‫ث َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫سو ُ‬
‫قا َ‬
‫ه" ‪.‬‬
‫فَ َ‬
‫ب ب ِهِ فَأوْفِهِ ال ّ ِ‬
‫ل ‪" :‬اذ ْهَ ْ‬
‫ل الل ّهِ ‪ِ ‬للّر ُ‬
‫ل َر ُ‬
‫ذي ل َ ُ‬
‫ج ِ‬
‫َ‬
‫ه ‪..‬‬
‫ب ب ِهِ فَأوَْفاه ُ ال ّ ِ‬
‫فَذ َهَ َ‬
‫ذي ل َ ُ‬
‫‪ 1‬صحيح‪ -‬رواه البخاري ‪1937‬‬
‫‪ 2‬متفق عليه‪ -‬البخاري برقم ‪1936‬‬

‫‪132‬‬

‫َ‬
‫س ِفي‬
‫ل الل ّهِ ‪ ‬وَهُوَ َ‬
‫ي ب َِر ُ‬
‫ت عائشة ‪ :‬فَ َ‬
‫َقال َ ْ‬
‫جال ِ ٌ‬
‫سو ِ‬
‫مّر اْلع َْراب ِ ّ‬
‫َ‬
‫خيرا فَ َ َ‬
‫َ‬
‫جَزا َ‬
‫قا َ‬
‫ت‪.‬‬
‫ه‪ ،‬فَ َ‬
‫حاب ِ ِ‬
‫ل‪َ :‬‬
‫ص َ‬
‫ت وَأط ْي َب ْ َ‬
‫قد ْ أوْفَي ْ َ‬
‫ك الل ّ ُ‬
‫أ ْ‬
‫ه َ ًْ‬
‫ل الل ّهِ ‪ُ " : ‬أول َئ ِ َ‬
‫سو ُ‬
‫قا َ‬
‫ت عائشة ‪ :‬فَ َ‬
‫عَباد ِ الل ّهِ ِ‬
‫خَياُر ِ‬
‫ك ِ‬
‫عن ْد َ‬
‫ل َر ُ‬
‫َقال َ ْ‬
‫ن"‪.1‬‬
‫م ِ‬
‫م ِ‬
‫م ال ْ ِ‬
‫طيُبو َ‬
‫موُفو َ‬
‫الل ّهِ ي َوْ َ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫ة‪ ،‬ال ْ ُ‬
‫قَيا َ‬

‫الفصل الرابع‬
‫رحمته للعالمين في مجال التشريع‬
‫المبحث‬
‫المبحث‬
‫المبحث‬
‫المبحث‬
‫المبحث‬

‫الول ‪ :‬المرونة والتجديد‬
‫الثاني ‪ :‬الوسطية والعتدال‬
‫الثالث ‪ :‬التيسير‬
‫الرابع ‪ :‬الرخص الشرعية‬
‫الخامس ‪ :‬التدرج التشريعي‬

‫‪ 1‬صحيح ‪ -‬رواه أحمد‪ ،‬برقم ‪ ،25108‬وعبد الرزاق‪ ،‬برقم ‪ ،15358‬وهو في السلسلة الصحيحة برقم ‪2677‬‬
‫‪133‬‬

‫المبحث الول‬
‫المرونة والتجديد‬
‫المطلب الول – شهادة علماء الغرب‬
‫من مظاهر الرحمة في شخصية النبي ‪ ‬في ميدان التشريع‪،‬‬
‫‪1‬‬
‫أن أحكامه الشرعية تتسم بالمرونة‪ ،‬وقابلية تشريعاته للتجديد ‪،‬‬
‫والتمشي مع مقتضيات العصر والحاجات والمسائل المستجدة‪،‬‬
‫رحمة بالناس ‪..‬‬
‫فتعاليم نبينا محمد ‪ ‬بسيطة وسهلة ومرنة ‪ ..‬وهي تتسم‬
‫بالتطور الخصب‪ 2‬كما يقول توماس آرنولد‪" ،‬وإن بساطة هذه‬
‫التعاليم ووضوحها لهي على وجه التحقيق؛ من أظهر القوى‬
‫الفعالة في الدين وفي نشاط الدعوة إلى السلم‪.. 3"..‬‬
‫ويقول الدكتور "إيزيكو انسابا توحين" أحد علماء القانون‪:‬‬
‫" إن السلم يتمشى مع مقتضيات الحاجات الظاهرة فهو‬
‫يستطيع أن يتطور دون أن يتضاءل خلل القرون ‪ ،‬ويبقى‬
‫محتفظا ً بكل ما لديه من قوة الحياة والمرونة ‪ .‬فهو الذي أعطا‬
‫العالم أرسخ الشرائع ثباتًا‪ ،‬وشريعته تفوق كثيًرا الشرائع‬
‫الوربية"‪. 4‬‬
‫فالتشريع السلمي بعيد عن الجمود رغم تخرصات الكثير من‬
‫الحاقدين‪..‬وتحمل ذاتيته قوة التجدد لما يمتلكه من مرونة في‬
‫استيعاب التحولت الجتماعية ‪ ،‬فقد ثبتت مكانته العالية ورفعة‬
‫شأنه ‪.‬‬

‫‪ 1‬للباحث ‪ :‬دراسة تحت عنوان ‪ :‬التجديد والمجددون في السلم ) تحت الطبع (‬
‫‪La propagande chretienne et ses adversaires musulmans, pp. 17-18 2‬‬
‫‪ 3‬المصدر السابق‬
‫‪ 4‬انظر‪ :‬عبد المجيد بن عزيز الزنداني وآخرون‪ :‬شرح كتاب اليمان‪222 ،‬‬
‫‪134‬‬

‫ومن هنا ظهر السلم في مرحلتنا المعاصرة كشريعة عالمية‬
‫إنسانية‪ ،‬وكحل أمثل من الحلول المشتركة التي تطرحها فكرة‬
‫مستقبل النسان والمجتمع ‪..‬‬
‫ويقول "دافيد دي سانتيلنا" ‪:‬‬
‫"لما كان الشرع السلمي يستهدف منفعة المجموع‪ ،‬فهو‬
‫بجوهره شريعة تطورية غير جامدة خلًفا لشريعاتنا‪ 1‬من بعض‬
‫الوجوه‪ .‬ثم إنها علم ما دامت تعتمد على المنطق الجدلي‪..‬‬
‫وتستند إلى اللغة‪ ..‬إنها ليست جامدة‪ ،‬ول تستند إلى مجرد‬
‫العرف والعادة‪ ،‬ومدارسها الفقهية العظيمة تتفق كلها على هذا‬
‫الرأي‪ .‬فيقول أتباع المذهب الحنفي أن القاعدة القانونية ليست‬
‫بالشيء الجامد الذي ل يقبل التغيير‪ .‬إنها ل تشبه قواعد النحو‬
‫والمنطق‪ .‬ففيها يتمثل كل ما يحدث في المجتمع بصورة‬
‫‪2‬‬
‫عامة‪"..‬‬
‫المطلب الثاني‪ :‬الشريعة السلمية ‪ :‬ثوابت و‬
‫متغيرات ‪:‬‬
‫الثابت والمتغير‪ ،‬المطلق والنسبي‪ُ ،‬بعدان أساسيان في خلود‬
‫الرسالة السلمية وخاتميتها‪ ،‬وصلحيتها ورفقها بالمكلفين‪.‬‬
‫و لما كانت الشريعة السلمية شريعة البشرية من يوم أرسل‬
‫الله بها النبي ‪ ‬إلى يوم يرث الله الرض ومن عليها‪ ،‬كان لبد‬
‫لها ي لتتضمن وتؤمن مصالح البشر دائما ً ي من أن تكون نصوصها‬
‫مرنة تحتمل كل تطور الزمنة وتبدل العصور وتواكب الجديد ‪.3‬‬
‫إن هذه الشريعة بما فيها من مرونة وشمول‪ ،‬استجابت لمطالب‬
‫حياة البادية‪ ،‬كما استجابت فيما بعد لحياة الدولة الناشئة في عهد‬
‫النبي ‪ ، ‬المتوسعة في عهد عمر ‪ .‬ثم ظلت تستجيب لحياة‬
‫الحضارة فيما بعد‪.4‬‬
‫و الحق‪ ،‬أن المبدأين كليهما من الثبات والتغير يعملن معًا‪ ،‬في‬
‫الكون والحياة ‪ ،‬كما هو مشاهد و ملموس ‪ ..‬فل عجب أن تأتي‬
‫شريعة السلم‪ ،‬ملئمة لفطرة النسان و فطرة الوجود ‪ ،‬جامعة‬
‫بين عنصر الثبات و عنصر المرونة ‪ ..‬وبهذه المزية يستطيع‬
‫المجتمع المسلم أن يستمر و يرتقي؛ ثابتا ً على أصوله و قيمه‬
‫وغاياته‪ ،‬متطورا ً في معارفه و أساليبه وأدواته‪ .‬فبالثبات‪،‬‬
‫يستعصي هذا المجتمع على عوامل النهيار والفناء‪ ،‬أو الذوبان‬
‫‪ 1‬يقصد الشريعة الوضعية ‪.‬‬
‫‪ 2‬انظر‪ :‬سير توماس أرنولد )إشراف( ‪ :‬تراث السلم ‪ ،‬ص ‪434 – 433‬‬
‫‪ 3‬انظر‪ :‬أحمد الحجي الكردي ‪ :‬بحوث في علم أصول الفقه‪ ،‬ص ‪.45 ،44‬‬
‫‪ 4‬انظر‪ :‬سيد قطب ‪ :‬معركة السلم والرأسمالية ‪ ،‬ص ‪. 67‬‬
‫‪135‬‬

‫في المجتمعات الخرى ‪ ،‬أو التفكك إلى عدة مجتمعات ‪ ،‬تتناقض‬
‫في الحقيقة و إن ظلت داخل مجتمع و احد في الصورة ‪..‬‬
‫بالثبات يستقر التشريع وتتبادل الثقة و تبنى المعاملت‬
‫والعلقات على دعائم مكينة ‪ ،‬وأسس راسخة‪ ،‬ل تعصف بها‬
‫الهواء والتقلبات السياسية والجتماعية ما بين يوم و آخر ‪...‬‬
‫وبالمرونة ‪ ،‬يستطيع هذا المجتمع أن يكيف نفسه وعلقاته حسب‬
‫تغير الزمن‪ ،‬وتغير أوضاع الحياة ‪ ،‬دون أن يفقد خصائصه و‬
‫مقوماته الذاتية‪..1‬‬
‫وإن المبدأين كليهما ) الثبات و التغير ( يعبران عما هو أكثر من‬
‫سمة من سمات هذا الدين؛ إنهما يعبران عن مكونات هذه‬
‫الشريعة ‪ ..‬فأحكام الشريعة نجدها تنقسم إلى قسمين‬
‫أساسيين ‪ :‬قسم يمثل الثبات و الخلود‪ ،‬و قسم يمثل المرونة و‬
‫التطور ‪ ..‬ولكن ما هو مجال الثبات ومجال المرونة في شريعة‬
‫السلم ؟ و ما دلئل ذلك ‪ ..‬نبين ذلك في المطلب التالي‪.‬‬
‫المطلب الثالث ‪ :‬في مجال الثابت و مجال المتغير ‪:‬‬
‫يقول ابن القيم ي يرحمه الله ي ‪:‬‬
‫" الحكام نوعان ‪ :‬نوع ل يتغير عن حالة واحدة هو عليها ‪ ،‬ل‬
‫بحسب الزمنة و ل المكنة ‪ ،‬و ل اجتهاد الئمة ‪ ،‬كوجوب‬
‫الواجبات ‪ ،‬و تحريم المحرمات ‪ ،‬والحدود المقدرة بالشرع على‬
‫الجرائم ‪ ،‬و نحو ذلك ‪ ،‬فهذا ل يتطرق إليه تغيير ‪ ،‬و ل اجتهاد‬
‫يخالف ما ُوضع عليه ‪ .‬و النوع الثاني ‪ :‬ما يتغير بحسب اقتضاء‬
‫المصلحة له زمانا ً و مكانا ً و حال ً ‪ ،‬كمقادير التعزيرات ‪.2" ..‬‬
‫ويبين الدكتور يوسف القرضاوي مجال الثابت و مجال المرن في‬
‫شريعة السلم على نحو أشمل فيقول‪ .. " :‬إنه الثبات على‬
‫الهداف و الغايات‪ ،‬والمرونة في الوسائل و الساليب‪ ..‬الثبات‬
‫على الصول و الكليات‪ ،‬والمرونة في الفروع والجزئيات‪ ..‬الثبات‬
‫على القيم الدينية و الخلقية‪ ،‬والمرونة في الشئون الدنيوية و‬
‫العملية"‪.3‬‬
‫وإن للثبات والمرونة مظاهر و دلئل شتى‪ ،‬نجدها في مصادر‬
‫السلم وشريعته وتاريخه‪..‬يتجلى هذا الثبات في المصادر‬
‫الصلية النصية القطعية للتشريع من كتاب الله‪ ،‬وسنة رسوله‬
‫‪ ،‬فالقرآن هو الصل والدستور‪ ،‬والسنة هي الشرح النظري‪،‬‬
‫والبيان العملي للقرآن ‪ ،‬وكلهما مصدر إلهي معصوم ‪ ،‬ل يسع‬
‫مسلما ً أن يعرض عنه ‪..‬وتتجلى المرونة في المصادر الجتهادية‬
‫‪ 1‬انظر‪ :‬يوسف القرضاوي ‪:‬الخصائص العامة للسلم ‪ ،‬ص ‪.203‬‬
‫‪ 2‬ابن القيم ‪ :‬إغاثة اللهفان‪ ،‬ج ‪ ،1‬ص ‪.349 ، 346‬‬
‫‪ 3‬يوسف القرضاوي ‪ :‬السلم و العلمانية وجهًا لوجه ‪ ،‬ص ‪151‬‬
‫‪136‬‬

‫التي اختلف فقهاء المة في مدى الحتجاج بها ما بين موسع‬
‫ومضيق ‪ ،‬ومقل ومكثر‪ ،‬مثل الجماع‪ ،‬والقياس‪ ،‬والستحسان‪،‬‬
‫والمصالح المرسلة‪ ،‬و أقوال الصحابة‪ ،‬وشرع من قبلنا‪ ،‬وغير ذلك‬
‫من مآخذ الجتهاد‪ ،‬و طرائق الستنباط ‪.1‬‬
‫وهكذا‪ ،‬يتضح مدى سعة المساحة المفتوحة للجانب المرن‬
‫القابل للتجديد‪ ،‬ومدى ضخامة باب الجتهاد‪ .‬وأن الثابت الذي ل‬
‫اجتهاد فيه‪ ،‬يمثل الجانب القل من حيث حجم التكاليف والحكام‬
‫المنصوص عليها ‪ ..‬وبعد ذلك يجد المجتهد نفسه أمام مساحات‬
‫شاسعة ترحب بكل تجديد واجتهاد يتفق وأصول الشرع ‪ ..‬مثل‬
‫تلك المساحة التي يسميها الفقهاء " منطقة الفراغ التشريعي "‬
‫إلى جانب النصوص المتشابهات ‪..‬‬
‫المطلب الرابع ‪ :‬منطقة الفراغ التشريعي والنصوص‬
‫المحتملة‪:‬‬
‫أول ً ‪ :‬منطقة الفراغ التشريعي ‪:‬‬
‫هذه المساحة الكبيرة التي يسميها علماء الشريعة السلمية‪" :‬‬
‫منطقة الفراغ التشريعي "‪ ،‬أو " العفو " ‪ !..‬تلك المنطقة التي‬
‫تركتها النصوص – قصدًا‪ -‬لجتهاد أولي العلم وأولي المر والرأي‬
‫‪ ،‬وأهل الحل و العقد في المة ‪ ..‬يكشف الهدي النبوي عن هذه‬
‫المساحة في بعض الحاديث الشريفة ‪ ..‬و منها قول النبي ‪:‬‬
‫" ما أحل الله في كتابه فهو حلل ‪ ،‬وما حرم فهو حرام ‪ ،‬و ما‬
‫سكت عنه فهو عفو ! فاقبلوا من الله عافيته ‪ ،‬فإن الله لم يكن‬
‫‪3‬‬
‫ما َ‬
‫ن َرب ّ َ‬
‫سّيا ‪"..2 ‬‬
‫ك نَ ِ‬
‫كا َ‬
‫و َ‬
‫لينسى شيئا ً ‪ .‬و تل ‪َ  :‬‬
‫وقول النبي ‪ " :‬إن الله حد حدودا ً فل تعتدوها ‪ ،‬و فرض‬
‫فرائض فل تضيعوها‪ ،‬و حرم أشياء فل تنتهكوها ‪ ،‬وسكت عن‬
‫أشياء رحمة بكم ؛ من غير نسيان فل تبحثوا عنها "‪. 4‬‬
‫فالحدود التي قدرها الشرع ؛ ل يجوز اعتداؤها ‪ ..‬مثل تحديد‬
‫نصاب الزكاة‪ ،‬و مقدار الواجب منها ‪ ،‬و تحديد أنصبة الورثة في‬
‫تركة الميت‪ ..،‬ومثل ذلك الفرائض التي أوجبها الله كالعبادات‬
‫الربع التي هي أركان السلم‪ ،‬ومبانيه العظام ‪ ،‬و المر‬
‫بالمعروف والنهي عن المنكر‪ ،‬و بر الوالدين ‪ ،‬وصلة الرحام ‪،‬‬
‫‪ 1‬يوسف القرضاوي ‪ :‬الخصائص العامة للسلم ‪ ،‬ص ‪204 ، 203‬‬
‫‪ 2‬سورة مريم ‪ :‬الية ‪.64‬‬
‫‪ 3‬حسن ـ عن سلمان‪ :‬رواه البزار و الحاكم وصححه ‪ .‬وحسنه اللباني في الجامع الصغير )‪(551‬‬
‫‪ 4‬ضعيف ـ رواه الدارقطني و حسنه النووي في الربعين ‪ ،‬و نوزع في ذلك كما في شرح هذا الحديث لبن رجب‬
‫في كتابه ‪ ":‬جامع العلوم و الحكم"‪ ،‬وضعفه اللباني في الجامع الصغير )‪.( 352‬‬
‫‪137‬‬

‫والحسان إلى الجار‪ ،‬وأداء المانات‪ ،‬والحكم بالعدل وغيرها ‪ ..‬فل‬
‫يجوز لحد أن يسقط أو يلغي شيًئا من هذه الفرائض‪ ،‬أو يتساهل‬
‫فيها ‪ ،‬ففرضيتها ثابتة في شريعة السلم ‪ ،‬ل تقبل نسخا ً و ل‬
‫تجميدا ً و ل تطويرا ً و لتعدي ً‬
‫ل‪ ،‬ول يجوز أن تضيع في مجتمع‬
‫مسلم ‪ ..‬و كذلك المحرمات اليقينية‪ ،‬مثل ‪ :‬الشرك‪ ،‬و القتل‪،‬‬
‫وأكل مال اليتيم ‪ ،‬وقذف المحصنات المؤمنات الغافلت‪ ،‬و الزنا‬
‫و شرب الخمر‪ ،‬والسرقة‪ ،‬وأكل المال العام‪ ،‬و شهادة الزور‪،‬‬
‫ونحوها‪ ..‬فهذه كلها ثابتة ل تلين للعصور ‪ ،‬و ل ُيتهاون فيها يومًا‪،‬‬
‫فيفتي بحلها مجتهد‪ ،‬أو يرخص فيها حاكم‪.1‬‬
‫فما عدا هذه الحدود و الفرائض و المحرمات المنصوص عليها ‪،‬‬
‫فهي ي كما سمها الهدي النبوي ي ‪ " :‬مسكوت عنها " رحمة‬
‫بالبشر ‪..‬‬
‫ويكلف الشرع ُ علماء المسلمين أن يستغلوا هذه النعمة العظمى‬
‫من المشرع – سبحانه وتعالى ‪ -‬؛ فعليهم أن يملئوا هذا الفراغ‬
‫التشريعي بكل جديد ونافع يتفق مع مقاصد الشريعة الغراء !‬
‫وذلك من خلل طرائق ومسالك عديدة أقرها الشرع؛ مثل‬
‫القياس بقيوده و شروطه‪ ..‬و الستحسان‪ ..،‬والستصلح أو‬
‫اعتبار المصلحة المرسلة ؛ و هي التي لم يجيء نص خاص من‬
‫الشارع ي الحكيم ي باعتبارها و ل بإلغائها ‪ ..‬و هناك اعتبار العرف‬
‫بقيوده وشروطه ‪..‬‬
‫ثانًيا‪ :‬المتشابهات‪:‬‬
‫فيما يتعلق بمنطقة النصوص المتشابهات‪ ،‬التي اقتضت حكمة‬
‫الشارع أن تجعله هكذا محتملت‪ ،‬تتسع لكثر من فهم‪ ،‬و أكثر‬
‫من رأي ‪ ،‬ما بين موسع و مضيق ‪ ،‬و ما بين قياسي و ظاهري ‪ ،‬و‬
‫ما بين متشدد و مترخص‪ ،‬و ما بين واقعي و مفترض ‪ .‬و في كل‬
‫هذا رحمة‪ ،‬وفسحة لمن أراد الموازنة و الترجيح ‪ ،‬و أخذ أقرب‬
‫الراء إلى الصواب‪ ،‬وأولها بتحقيق مقاصد الشريعة‪ ،‬فقد يصلح‬
‫رأي أو مذهب لزمن و ل يصلح لخر ‪ ،‬أو يصلح لبيئة ول يصلح‬
‫لخرى ‪ ،‬أو يصلح لحال و ل يصلح لغيره‪. 2‬‬
‫و بذلك يمكننا أخذ ما نراه أقرب إلى مقاصد الشرع الحنيف‬
‫بالنظر إلى ظروف المجتمعات العصرية المتسارعة في التغير و‬
‫التطوير‪ ..‬إذا ً شاء الله أن يكون من مصادر هذا الدين النص‬
‫القطعي الراسخ الذي ل يقبل التجديد ‪..‬كما شاء – سبحانه – أن‬
‫‪ 1‬انظر‪ :‬يوسف القرضاوي ‪ :‬الخصائص العامة للسلم ‪ ،‬ص ‪224‬‬
‫‪ 2‬انظر‪ :‬يوسف القرضاوي ‪ :‬الخصائص العامة للسلم ‪ ،‬ص ‪224‬‬
‫‪138‬‬

‫يكون بجوارها المصادر الجتهادية التجديدية‪ ..‬و الدلة الظنية ‪..‬‬
‫لتتسع دائرة النظر والترجيح‪.‬‬
‫المطلب الخامس ‪ :‬صيانة الثابت و تجديد المرن‪:‬‬
‫هذا وصيانة الثابت في الشرع والحفاظ عليه واجب من‬
‫الواحبات‪ ،‬تماما ً كما التجديد والجتهاد في المرن مأمور به !‬
‫وسوف نتناول الثابت وحفظه ‪ ،‬و المرن و تجديده ؛ من خلل‬
‫ثلة من المثلة المتنوعة من سنة النبي ‪: ‬‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬يتمثل الثبات في رفضه ‪ ‬التهاون أو التنازل في كل ما‬
‫يتصل بتبليغ الوحي أو يتعلق بكليات الدين‪ ،‬و قيمه‪ ،‬وأسسه‬
‫العقائدية والخلقية ‪ ..‬ومهما حاول المحاولون أن ُيثنوا عنانه عن‬
‫شيء من ذلك بالمساومات أو التهديدات‪ ،‬أو غير ذلك من أنواع‬
‫التأثير على النفس البشرية ‪ ،‬فموقفه هو الرفض الحاسم ‪ ،‬الذي‬
‫علمه إياه القرآن في مواقف شتى ‪ ..‬فحين عرض عليه‬
‫المشركون أن يلتقوا في منتصف الطريق ‪ ،‬فيقبل شيئا ً من‬
‫عبادتهم ويقبلوا شيئا ً من عبادته ؛ أن يعبد آلهتهم مدة ‪ ،‬و يعبدوا‬
‫إلهه مدة ! كان الجواب الحاسم ؛ من رسول الله ‪ ‬يحمله‬
‫الوحي الصادق ‪ ،‬في سورة قطعت كل المساومات و حسمت‬
‫ل ي َأ َي َّها ال ْ َ‬
‫ن )‪ (1‬ل َ‬
‫كل المفاوضات‪ ،‬و هي قوله تعالى ‪ :‬قُ ْ‬
‫كافُِرو َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ما‬
‫د)‪ (3‬وَل َ أَنآ َ‬
‫م َ‬
‫مآ أع ْب ُ ُ‬
‫دو َ‬
‫عاب ِ ُ‬
‫دو َ‬
‫ما ت َعْب ُ ُ‬
‫عاب ِد ٌ ّ‬
‫ن َ‬
‫ن )‪ (2‬وَل َ أنت ُ ْ‬
‫أع ْب ُد ُ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫م َ‬
‫مآ أع ْب ُ ُ‬
‫دو َ‬
‫عاب ِ ُ‬
‫م ِدين ُك ُ ْ‬
‫د)‪ (5‬ل َك ُ ْ‬
‫ن َ‬
‫م )‪ (4‬وَل َ أنت ُ ْ‬
‫ع ََبدت ّ ْ‬
‫م وَل ِ َ‬
‫ي ِدي ِ‬
‫‪ ]‬سورة الكافرون[ ‪.‬‬
‫و هكذا تعلم ‪ ‬من وحي الله ‪ :‬أن ل تنازل و ل تساهل في أمور‬
‫العقيدة و ما يتصل بها‪ .‬وفي مقابل ذلك ؛ نجد مرونة واسعة في‬
‫مواقف السياسة والتخطيط و مواجهة العداء ؛ بما يتطلبه‬
‫الموقف المعين ‪ ،‬من حركة ووعي و تقدير لكل الجوانب‬
‫والملبسات ‪ ،‬دون تزمت أو جمود‪ ..‬نجده في معركة‬
‫الحزاب) شوال ‪ 5‬هي\ مارس ‪627‬م( ‪ ..‬مثل ً يأخذ برأي "سلمان‬
‫الفارسي " ‪ ‬في حفر الخندق حول المدينة ‪ ،‬و يشاور بعض‬
‫رؤساء النصار في إمكان إعطاء غطفان جزءا ً من ثمار المدينة ‪،‬‬
‫ليردهم و يفرقهم عن حلفائهم ‪ ،‬كسبا ً للوقت إلى أن يتغير‬
‫الموقف ‪ ..‬و يقول لي "نعيم بن مسعود الشجعي" – وقد أسلم و‬
‫أراد النضمام إلى المسلمين ‪ " : -‬إنما أنت رجل واحد ‪ ،‬فخذل‬
‫عنا ما استطعت"‪ ..1‬فيقوم الرجل بدور له شأنه في التفريق بين‬
‫تحالف القبائل المحاربة للدولة السلمية ‪..‬وفي يوم الحديبية‬
‫)في ذي القعدة ‪6‬هي مارس ‪ 628‬م( تتجلى المرونة النبوية‬
‫‪ 1‬تاريخ ابن خلدون ‪ ، 440\2‬والفصول في السيرة ‪ ،163\1‬ومختصر سيرة الرسول ‪.131\1‬‬
‫‪139‬‬

‫بأروع صورها ‪..‬تتجلى في قوله في ذلك اليوم ‪ " :‬و الله ل‬
‫تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألوني فيها صلة الرحم إل‬
‫أعطيتهم إياها"‪ .1‬و في قبوله ‪ ‬أن يكتب في عقد الصلح ‪" :‬‬
‫باسمك اللهم " بدل ‪ " :‬بسم الله الرحمن الرحيم "‪ ..2‬وهي‬
‫تسمية رفضتها قريش ‪ !..‬و في قبوله من الشروط ما في‬
‫ظاهره إجحاف بالمسلمين ‪ ،‬و إن كان عاقبته الخير ‪ ..‬كل‬
‫الخير ‪..‬‬
‫و السر في هذه المرونة هنا ‪ ،‬و التشدد في المواقف السابقة‪:‬أن‬
‫المواقف الولى تتعلق بالتنازل عن العقيدة و المبدأ ‪ ،‬فلم يقبل‬
‫فيها أي مساومة أو تساهل ‪ ،‬و لم يتنازل قيد أنملة عن دعوته ‪..‬‬
‫أما المواقف الخيرة فتتعلق بأمور جزئية ‪ ،‬و بسياسات وقتية ‪ ،‬أو‬
‫بمظاهر شكلية ‪ ،‬فوقف فيها موقف المتساهل‪..3‬‬
‫هكذا يتجلى الهدي النبوي في ضرورة التمسك بالثوابت اليمانية‬
‫العقدية ‪ ،‬وضرورة التجديد والجتهاد في طرائق السياسة وخطط‬
‫الصلح ‪.‬‬
‫ثانًيا‪ :‬يتمثل الحفاظ على الثابت في رفضه ‪ ‬كل دروب‬
‫البتداع فيما يتعلق بالعبادات‪ ،‬والمناسك‪ ،‬و صور التقرب إلى الله‬
‫تعالى‪ ،‬لن الصل في العبادات الحظر والتوقيف ‪ ،‬فل ُيعبد الله‬
‫إل بما شرعه و أذن به‪ ،‬ل بما تستحسنه العقول‪ ،‬وتستسيغه‬
‫الهواء ‪ ،‬فهذا هو باب الغلو وأصل التحريف و التزييف في‬
‫الدين ‪ ..‬و ل غرو أن أغلق الرسول ‪ ‬هذا الباب بإحكام و إصرار‬
‫بمثل قوله ‪:‬‬
‫‪4‬‬
‫" من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد " ‪.‬‬
‫"‪ ...‬وإياكم ومحدثات المور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة‬
‫ضللة "‪.5‬‬
‫و تتمثل المرونة في تشجيع البتكار والختراع في أمور الدنيا –‬
‫المعينة على الدين – مثل أدوات الحرب التي تدخل في قوله‬
‫تعالى‪:‬‬
‫‪ 1‬صحيح ـ البخاري )‪ ( 974\2‬و أبو داود ) ‪ (93\2‬و أحمد )‪ ،(323\4‬وابن حبان ) ‪(211\16‬‬
‫‪ 2‬ابن كثير ‪ :‬البداية و النهاية ‪،175\4‬وابن جرير ‪ :‬تاريخ الطبري ‪ ، 122\2‬و مختصر سيرة الرسول‬
‫‪ 3‬انظر‪ :‬يوسف القرضاوي ‪ :‬الخصائص العامة للسلم ‪ ،‬ص ص ‪. 212 – 209‬‬
‫‪ 4‬صحيح ـ عن عائشة ‪ :‬رواه البخاري )‪ ،(959 \2‬ومسلم )‪.(1343 \3‬‬
‫‪ 5‬صحيح ـ من حديث العرباض بن سارية ‪ :‬رواه أبو داود )‪ ،(610 \2‬والترمذي )‪ ،(44 \5‬وأحمد)‪،(126 \4‬‬
‫والدارمي في سننه)‪ ،(57 \1‬والحاكم في المستدرك )‪ ،(174 \1‬وصححه اللباني في الجامع الصغير)‪،(432‬‬
‫والمشكاة )‪ (36 \2‬والصحيحة)‪ (238 \6‬وصحيح الترغيب )‪.(10\1‬‬
‫‪140‬‬

‫ط ال ْ َ‬
‫‪‬وَأ َ ِ‬
‫ن ب ِهِ‬
‫من ّرَبا ِ‬
‫من قُوّةٍ وَ ِ‬
‫ل ت ُْره ُِبو َ‬
‫ع ّ‬
‫ما ا ْ‬
‫م ّ‬
‫ست َط َعْت ُ ْ‬
‫م ّ‬
‫دوا ْ ل َهُ ْ‬
‫خي ْ ِ‬
‫ما‬
‫خ‬
‫م َوآ َ‬
‫ن ِ‬
‫من ُ‬
‫م وَ َ‬
‫مه ُ ْ‬
‫ه ي َعْل َ ُ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫مون َهُ ُ‬
‫م ل َ ت َعْل َ ُ‬
‫دون ِهِ ْ‬
‫ع َد ْوّ الل ّهِ وَع َد ُوّك ُ ْ‬
‫ري َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫من َ‬
‫ن‪‬‬
‫ف ُ‬
‫ل الل ّهِ ي ُوَ ّ‬
‫قوا ْ ِ‬
‫ُتن ِ‬
‫مو َ‬
‫يٍء ِفي َ‬
‫م ل َ ت ُظ ْل َ ُ‬
‫م وَأن ْت ُ ْ‬
‫ف إ ِل َي ْك ُ ْ‬
‫سِبي ِ‬
‫ش ْ‬
‫]النفال ‪ [ 60 :‬و مثل سائر الصناعات الحربية و المدنية‬
‫َ‬
‫ه‬
‫ديد َ ِفي ِ‬
‫ح ِ‬
‫المختلفة ؛ التي تشير إليها الية الكريمة ‪  :‬وَأنَزل َْنا ال ْ َ‬
‫بأ ْ‬
‫َ‬
‫س ‪] ‬الحديد‪ . [25 :‬و لهذا رأيناه ‪‬‬
‫نا‬
‫لل‬
‫ع‬
‫ف‬
‫نا‬
‫م‬
‫و‬
‫د‬
‫دي‬
‫ش‬
‫س‬
‫ِ‬
‫ّ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫ٌ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ٌ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫يحفر الخندق حول المدينة في معركة الحزاب‪ ،‬ويستخدم‬
‫المنجنيق في معركة الطائف‪ ،‬و يحث على النتاج الحربي حتى‬
‫يجعل صانع السهم كالمجاهد الرامي في استحقاق المثوبة عند‬
‫الله ‪ ،‬و يحذر المة أن تكتفي بالزرع وتتبع أذناب البقر‪. .1‬‬
‫ولعل حديث النبي ‪ ‬الذي يقول فيه ‪:‬‬
‫"‪ ..‬أنتم أعلم بأمر دنياكم "‪.2‬‬
‫يفتح الباب في هذا المجال ‪ ،‬للجتهاد والتجديد ‪.‬‬
‫وبهذا تتجلى صفة المرونة في التشريع والمشرع‪ ،‬كمظهر من‬
‫مظاهر الرحمة في التشريع‪.‬‬
‫المبحث الثاني‬
‫الوسطية والعتدال‬
‫المطلب الول‪ :‬شهادة علماء الغرب‪:‬‬
‫يقول "ول ديورانت"‪ -‬عن النبي ‪: ‬‬
‫"أوجد بين المسلمين‪ ..‬درجة من العتدال والبعد عن الشهوات‬
‫لم يوجد لها نظير في أية بقعة من بقاع العالم"‪.3‬‬
‫وهذه الخاصية تعني أن محمدا ً ‪ ‬في نظرته للمور وعلجه‬
‫للمشكلت يقف موقفا وس ً‬
‫طا ل إفراط فيه ول تفريط ‪.‬‬
‫‪4‬‬
‫" وهذا العتدال بدوره يمهد السبيل نحو تقدم الفراد والمجتمع"‬
‫على حد قول ماري أوليفر ‪.‬‬
‫فالعتدال والتوسط في كل شيء – كما يقول "علي يول" – "‬
‫هما الفكرة الساسية للسلم"‪. 5‬‬
‫والحق – كما يقول جورج سارتون ‪ -‬أن ما يتميز به الشرع‬
‫السلمي من "البساطة والعتدال‪ ،‬يسّر لي إنسان في أي‬
‫‪ 1‬انظر ‪ :‬يوسف القرضاوي ‪ :‬الخصائص العامة للسلم ص ‪217 ، 216‬‬
‫‪ 2‬صحيح ـ من حديث أنس ‪ :‬رواه مسلم )‪.(1836 \4‬‬
‫‪ 3‬ول ديورانت‪ :‬قصة الحضارة ‪ ،‬ص ‪. 69 – 68 / 13‬‬
‫‪ 4‬انظر‪ :‬عرفات كامل العشي‪ :‬رجال ونساء أسلموا ‪144 / 4 ،‬‬
‫‪ 5‬انظر‪ :‬عرفات كامل العشي‪ :‬رجال ونساء أسلموا ‪. 128 / 4 ،‬‬
‫‪141‬‬

‫‪1‬‬

‫موطن‪ ،‬أن يتقبله وينفذ إلى روحه وجوهره منذ اللحظة الولى"‬
‫!‬
‫كما أن الشريعة السلمية هي أنجح الشرائع في الجمع بين ما‬
‫هو روحي وما هو مادي ‪ ..‬والتوازن بينهما ‪..‬‬
‫‪2‬‬
‫ولقد ُأعجب بهذا التوازن الباحث الهولندي الدكتور ميليما بين‬
‫المادة والروح في السلم‪ ،‬فقال ‪ .." :‬لقد أعجبني اهتمام‬
‫السلم بالمادة والروح باعتبارهما قيمتين أساسيتين‪ ،‬فالتطور‬
‫العقلي والروحي للنسان مرتبط في السلم وفي الفطرة على‬
‫السواء ارتبا ً‬
‫قا ل سبيل إلى فصله بحاجات الجسد"‪.3‬‬
‫طا وثي ً‬
‫المطلب الثاني ‪ :‬حثه‪ ‬على الوسطية وتحذيره من‬
‫التشدد‪:‬‬
‫يقول إميل درمنغم ‪ " :‬كان كثير من المسلمين يكثرون من ‪...‬‬
‫الصلة والصوم‪ ،‬فرأى محمد ]‪ [‬أن القصد أولى من الفراط‪.‬‬
‫فأشار بالعتدال في التقشف وبترك كل ما يميت النفس‪ ،‬وحدث‬
‫أن بعضهم قادوا أنفسهم إلى الحج بربط أنوفهم بأرسان الجمال‬
‫فقطع محمد ]‪ [‬هذه الرسان؛ لن الله ليست له حاجة بجدع‬
‫النوف !"‪.4‬‬
‫ومثال ذلك قصة الثلثة الذين سألوا عن عبادة الرسول‪  ،‬فلما‬
‫ما أنا فأصوم ول أفطر‪،‬‬
‫علموا ذلك كأّنهم تقاّلوه‍ا! فقال أحدهم‪ :‬أ ّ‬
‫ج‬
‫دا‪ ،‬وقال الخر‪ :‬ل أتزو ّ‬
‫صلي الليل أب ً‬
‫وقال الخر‪ :‬أ ّ‬
‫ما أنا فأ ّ‬
‫ما والله إني‬
‫النساء‪ ،‬فقال ‪ " : ‬أأنتم الذين قلتم كذا وكذ ؟؟ أ َ‬
‫ي أصوم وأفطر‪ ،‬وأصّلي وأرقد‪،‬‬
‫أخشاكم لله وأتقاكم له‪ ،‬لكن ّ‬
‫‪5‬‬
‫وأتزوج الّنساء‪ ،‬فمن رغب عن سّنتي فليس مّني" !‬
‫صبح‬
‫و قد جاء رجل إلى النبي‪ ‬فقال‪ :‬إّني لتأخّر عن صلة ال ّ‬
‫من أجل فلن مما يطيل بنا‪ ..‬قال أبو مسعود النصاري ‪ -‬راوي‬
‫ت النبي ‪ ‬غضب في موعظة ق ّ‬
‫ما‬
‫ط أشد ّ م ّ‬
‫الحديث ‪ :-‬فما رأي ُ‬
‫غضب يومئذ‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫ن‬
‫" أّيها الناس !! إن منكم من ّ‬
‫م الّناس فليوجز‪ ،‬فإ ّ‬
‫فرين ! فأّيكم أ ّ‬
‫‪6‬‬
‫من ورائه الكبير‪ ،‬والضعيف‪ ،‬وذا الحاجة" ‪.‬‬
‫خا يهادي بين ابنيه‪،‬‬
‫و عن أنس بن مالك ‪ ‬أن النبي ‪ ‬رأى شي ً‬
‫فقال‪:‬‬
‫‪ 1‬جورج سارتون ‪ :‬الشرق الدنى ‪ :‬مجتمعه وثقافته ) بإشراف كويلر يونغ (‪ ،‬ص ‪140‬‬
‫‪ 2‬الباحث الهولندي ومؤلف عدد من الكتب السلمية بالهولندية‪ .‬انتمى للسلم عام ‪ 1955‬خلل رحلة له إلى‬
‫باكستان بعد تأمل وبحث ‪.‬‬
‫‪ 3‬عرفات كامل العشي ‪ :‬رجال ونساء أسلموا ‪125 – 124 / 6 ،‬‬
‫‪ 4‬اميل درمنغم ‪ :‬حياة محمد ‪ ،‬ص ‪ .298 – 297‬ولم أبحث في صحة هذه القصة ‪.‬‬
‫‪ 5‬صحيح – رواه البخاري )‪ .(6/116‬ومسلم بمعناه )‪ (2/1020‬رقم ‪.1401‬‬
‫‪ 6‬صحيح – رواه البخاري )‪ .(173 ،1/172‬ومسلم )‪ (1/340‬رقم ‪467 ،466‬‬
‫‪142‬‬

‫ن الله عن تعذيب‬
‫"ما بال هذا؟" ‪ .‬قالوا‪ :‬نذر أن يمشي‪ ،‬قال‪ " :‬إ ّ‬
‫هذا لنفسه لغني" ‪ .‬وأمره أن يركب‪.. 1‬‬
‫ودخل مّرة المسجد فإذا حبل ممدود بين ساريتين فقال‪ :‬ما هذا‬
‫الحبل؟ فقالوا‪ :‬حبل لزينب‪ ،‬فإذا فترت تعّلقت به‪ ،‬فقال‪" :  ،‬‬
‫حّلوه‪ ،‬ليص ّ‬
‫ل أحدكم نشاطه فإذا فتر فليقعد "‪..2‬‬
‫وعن ابن عّباس‪ -‬رضي الله عنهما‪ -‬قال‪ :‬قال رسول الله‪" :  ،‬‬
‫دين‬
‫دين فإّنما أهلك من كان قبلكم الغلوّ في ال ّ‬
‫إّياكم والغلوّ في ال ّ‬
‫"‪.. 3‬‬
‫وعن ابن مسعود ‪ ‬قال‪ :‬قال رسول الله‪ " :  ،‬هلك‬
‫المتن ّ‬
‫طعون !!!" قالها ثلًثا‪. 4‬‬
‫وعن أنس بن مالك ‪ ‬أن رسول الله‪  ،‬كان يقول‪ " : :‬ل‬
‫تُ ّ‬
‫ددوا على‬
‫ما ش ّ‬
‫دد الله عليكم‪ ،‬فإ ّ‬
‫شددوا على أنفسكم فيش ّ‬
‫ن قو ً‬
‫ديارات‬
‫صوامع وال ّ‬
‫أنفسهم فش ّ‬
‫دد الله عليهم‪ ،‬فتلك بقاياهم في ال ّ‬
‫‪5‬‬
‫رهبانّية ابتدعوها ما كتبناها عليهم " ‪.‬‬
‫المطلب الثالث ‪ :‬وسطية السلم في الحكام‪:‬‬
‫إن الشرع السلمي وسط في أحكامه وأنظمته القانونية‬
‫والجتماعية‪ ،‬وبما في ذلك المجالت السرية والمدنية والجنائية‬
‫والدولية ‪: ..‬‬
‫فهو وسط في التحليل والتحريم بين اليهودية التي بالغت في‬
‫محّرمات‪.‬وبين النصرانية التي أسرفت‬
‫التحريم‪ ،‬وكثرت فيها ال ُ‬
‫في الباحة‪ ،‬حتى أحلت الشياء المنصوص على تحريمها في‬
‫التوراة‪ ،‬مع أن النجيل يعلن أن المسيح لم يجئ لينقض ناموس‬
‫التوراة‪ ،‬بل ليكمله‪ . 6‬ومع هذا أعلن رجال النصرانية أن كل شيء‬
‫طاهر للطاهرين‪ .7‬فالسلم قد أح ّ‬
‫ل وحّرم‪ ،‬ولكنه لم يجعل‬
‫التحليل ول التحريم من حق بشر‪ ،‬بل من حق الله وحده‪ ،‬ولم‬
‫ُيحرم إل الخبيث الضار‪ ،‬كما لم ُيحل إل الطيب النافع‪ ،‬ولهذا كان‬
‫‪ 1‬صحيح ‪ -‬رواه البخاري )‪ .(7/234‬ومسلم )‪ (1264 ،3/1263‬رقم ‪.1643 ،1642‬‬
‫‪ 2‬صحيح ‪ -‬رواه البخاري )‪ .(2/48‬ومسلم )‪ (1/542‬رقم )‪.(784‬‬
‫‪ 3‬صحيح ‪ -‬رواه النسائي )‪ (5/268‬برقم ‪ . 3057‬وابن ماجة )‪ (2/1008‬برقم ‪ 3029‬وأحمد )‪،(347 ،1/215‬‬
‫ضا‪ -‬اللباني كما في السلسلة الصحيحة رقم ‪،1283‬‬
‫وصححه الحاكم )‪ ،(1/466‬ووافقه الذهبي‪ ،‬وصححه ‪ -‬أي ً‬
‫وصحيح الجامع رقم ‪.2680‬‬
‫‪ 4‬صحيح ‪ -‬رواه مسلم )‪ (4/2055‬برقم )‪ .(2670‬وأبو داود )‪ (4/201‬برقم ‪ .4608‬وأحمد )‪.(1/386‬‬
‫‪ 5‬حسن – رواه أبو داود )‪ (277 ،4/276‬رقم ‪ ،4904‬وأبو يعلى‪ ،‬في المطالب العالية )‪ (1/117‬رقم ‪ 422‬وفي‬
‫إسناد هذا الحديث‪ :‬سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمياء؛ مختلف في توثيقه‪ .‬قال الحافظ في التقريب ص )‪(238‬‬
‫ضا ‪ -‬في التهذيب )‪ :(4/57‬ذكره ابن حبان في الثقات‪ ،‬وروى له أبو داود حديًثا واحًدا‪ ..‬وذكر‬
‫مقبول‪ .‬وقال ‪ -‬أي ً‬
‫هذا الحديث‪ .‬قال الهيثمي في مجمع الزوائد )‪ :(6/259‬رجاله رجال الصحيح‪ ،‬غير سعيد بن عبد الرحمن بن أبي‬
‫العمياء وهو ثقة! وضعف هذا الحديث اللباني كما في ضعيف الجامع رقم )‪ ،(6232‬والقرب حسن هذا السناد‪.‬‬
‫وال أعلم‪.‬‬
‫‪ 6‬إنجيل متى )‪(5/17‬‬
‫‪ 7‬رسالة بولس إلى تيطس )‪.(1/15‬‬
‫‪143‬‬

‫ح ّ‬
‫ت‬
‫من أوصاف الرسول عند أهل الكتاب أنه‪  :‬ي ُ ِ‬
‫م الط ّي َّبا ِ‬
‫ل ل َهُ ُ‬
‫ّ‬
‫ل الِتي َ‬
‫م َواْل َ ْ‬
‫غل َ‬
‫ت‬
‫م ال ْ َ‬
‫خَبائ ِ َ‬
‫ث وَي َ َ‬
‫وَي ُ َ‬
‫حّر ُ‬
‫كان َ ْ‬
‫صَرهُ ْ‬
‫ضعُ ع َن ْهُ ْ‬
‫م ع َل َي ْهِ ُ‬
‫م إِ ْ‬
‫م‪] ‬العراف‪[157 :‬‬
‫ع َل َي ْهِ ْ‬
‫والتشريع السلمي وسط في شؤون السرة‪ ،‬كما هو وسط في‬
‫شؤونه كلها‪ ،‬وسط بين الذين شرعوا تعدد الزوجات بغير عدد ول‬
‫قيد‪ ،‬وبين الذين رفضوه وأنكروه ولو اقتضته المصلحة وفرضته‬
‫الضرورة والحاجة‪.‬‬
‫فقد شرع السلم الزواج بشرط القدرة على الحصان والنفاق‪،‬‬
‫والثقة بالعدل بين الزوجتين‪ ،‬فإن خاف أل يعدل‪ ،‬لزمه القتصار‬
‫فت َ‬
‫دة‪‬‬
‫وا ِ‬
‫ن ِ‬
‫ح َ‬
‫على واحدة‪ ،‬كما قال تعالى‪ :‬فَإ ِ ْ‬
‫خ ْ ُ ْ‬
‫م أّل ت َعْد ُِلوا فَ َ‬
‫]النساء‪ :‬الية ‪. [3‬‬
‫وهو وسط في الطلق بين الذين حّرموا الطلق‪ ،‬لي سبب كان‪،‬‬
‫ولو استحالت الحياة الزوجية إلى جحيم ل يطاق‪ ،‬كالكاثوليك‪..‬‬
‫خو الِعنان في أمر الطلق‪ ،‬فلم يقيدوه بقيد‪ ،‬أو‬
‫وبين الذين أ َْر َ‬
‫شرط‪ ،‬فمن طلب الطلق من امرأة أو رجل كان أمره بيده‪،‬‬
‫وبذلك سهل هدم الحياة الزوجية بأوهى سبب ‪..‬أما الشرع‬
‫السلمي فقد شرع الطلق‪ ،‬عندما تفشل كل وسائل العلج‬
‫الخرى‪ ،‬ول يجدي تحكيم ول إصلح‪ ،‬ومع هذا فهو أبغض الحلل‬
‫مطّلق مرة ومرة أن يراجع مطلقته ويعيدها‬
‫إلى الله‪ ،‬ويستطيع ال ُ‬
‫‪1‬‬
‫إلى حظيرة الزوجية من جديد ‪.‬‬
‫ضا ‪ -‬وسط في نظامه الجتماعي بين‬
‫والشرع السلمي – أي ً‬
‫)الشتراكيين( أو)الماركسيين(‪ ،‬الذين يبالغون في حقوق‬
‫المجتمع ودوره على حساب حقوق الفرد ونوازعه الذاتية‬
‫وحريته‪.‬وبين )الليبراليين( أو )الرأسماليين( الذين يعطون للفرد‬
‫الحريات المفرطة من غير ضوابط أو آداب على حساب المجتمع‬
‫أو الجماعة النسانية ‪..‬‬
‫المبحث الثالث‬
‫التيسير‬
‫المطلب الول – شهادة علماء الغرب ‪:‬‬
‫تتحدث الباحثة ماري أوليفر‪ 2‬عن مظهر التيسير باعتباره مظهر‬
‫من مظاهر الرحمة لنبي السلم ‪ ،‬فتبين أن الشريعة السلمية‬
‫التي نادى بها محمد ‪ ‬هي تشريعات "بسيطة سهلة يستطيع‬
‫‪ 1‬انظر‪ :‬يوسف القرضاوي ‪ :‬الخصائص العامة للسلم ‪ 133،‬وما بعدها ‪ ،‬وانظر له‪ :‬الوسطية ودور العلم في‬
‫إبرازها‪ ،‬بحث مقدم لندوة اقرأ الفقهية )رمضان ‪1427‬هـ(‬
‫‪ 2‬ماري أوليفر‪ :‬باحثة نصرانية درست البوذية والهندوسية‪ ،‬و انتهى بها المطاف إلى السلم‪ ،‬حيث اعتنقته مؤمنة‬
‫بأنه الدين الوحيد الذي يستجيب لمطالب النسان‪.‬‬
‫‪144‬‬

‫كل إنسان أن يفهمها بكل يسر‪ .‬فالسلم يؤكد في تعاليمه أن‬
‫على الناس أن يفكروا وأن يستخدموا عقولهم في المور‬
‫الدينية"‪..1‬‬
‫كذلك يبين جورج سارتون أن الشريعة السلمية تمتاز بي"‬
‫السماحة والبساطة والعتدال" وهي – على حد قوله " يسّر لي‬
‫إنسان في أي موطن‪..2"..‬‬
‫كما أن الشرع السلمي الحنيف كما يقول آتيين دينيه‪ " :‬يستبين‬
‫ما قاطًعا ول يأمر به أمًرا‬
‫أقرب أنواع العلج‪ ،‬فل يحكم فيه حك ً‬
‫باّتا"‪.3‬‬
‫ويبين ‪ -‬آتيين دينيه‪ -‬أن الشرع السلمي ل يتعارض ول يتصادم‬
‫مع الطبيعة‪ ،‬لنه شرع يسير‪ ،‬فهو " يساير قوانينها ] أي الطبيعة [‬
‫ويزامل أزمانها‪ ،‬بخلف ما تفعل الكنيسة من مغالطة الطبيعة‬
‫ومصادمتها في كثير من شؤون الحياة‪ ،‬مثل ذلك الغرض الذي‬
‫تفرضه على أبنائها الذين يتخذون الرهبنة‪ ،‬فهم ل يتزوجون وإنما‬
‫يعيشون غرباء‪ .‬على أن السلم ل يكفيه أن يساير الطبيعة وأن‬
‫ل يتمرد عليها؛ وإنما هو ُيدخل على قوانينها ما يجعلها أكثر قبول ً‬
‫ضا ميسور مشكور‪ ،‬حتى‬
‫وأسهل تطبي ً‬
‫قا في إصلح‪ ،‬ونظام‪ ،‬ور ً‬
‫لقد سمي القرآن لذلك )بالهدى( لنه المرشد إلى أقوم مسالك‬
‫الحياة‪ ،‬والمثلة العديدة ل تعوزنا‪ ،‬ولكنا نأخذ بأشهرها‪ ،‬وهو‬
‫التساهل في سبيل تعداد الزوجات"‪. 4‬‬
‫المطلب الثاني ‪ :‬نماذج التيسير ‪:‬‬
‫يتحدث القرآن الكريم عن صفات النبي المي محمد ‪ ‬المكتوبة‬
‫صفته في التوراة والنجيل‪ ،‬ويبين أن من أهم صفات محمد‪‬‬
‫أنه ييسر على الناس في الحكام الشرعية‪ ،‬فقال الله تعالى ‪:‬‬
‫‪5‬‬
‫ل ال ِّتي َ‬
‫م َواْل َ ْ‬
‫غل َ‬
‫م‪‬‬
‫‪ ‬وَي َ َ‬
‫ت ع َل َي ْهِ ْ‬
‫كان َ ْ‬
‫صَرهُ ْ‬
‫ضعُ ع َن ْهُ ْ‬
‫م إِ ْ‬
‫فمحمد ‪ " ‬يضع عمن يؤمنون به من بني إسرائيل الثقال‬
‫والغلل التي علم الله أنها ستفرض عليهم بسبب معصيتهم ‪،‬‬
‫فيرفعها عنهم النبي المي حين يؤمنون به" ‪.6‬‬
‫والله تعالى ‪ -‬وهو الرحيم بعباده ‪ -‬ل يكلف نفسا ً إل وسعها ‪ ،‬وقد‬
‫امتن على عباده بهذا التيسير ؛قال تعالى ‪ُ  :‬يريد الله ب ِ ُ‬
‫كم‬
‫سر ول ُيريد ُ ب ِ ُ‬
‫سر ‪ ]‬البقرة‪. [185 :‬‬
‫كم العُ ْ‬
‫الي ُ ْ‬
‫‪ 1‬انظر‪ :‬عرفات كامل العشي‪ :‬رجال ونساء أسلموا ‪. 145 – 144 / 4 ،‬‬
‫‪ 2‬جورج سارتون ‪ :‬الشرق الدنى ‪ :‬مجتمعه وثقافته ) بإشراف كويلر يونغ (‪ ،‬ص ‪140‬‬
‫‪3‬‬
‫آتيين دينيه‪ :‬أشعة خاصة بنور السلم ‪ ،‬ص ‪. 31‬‬
‫‪ 4‬آتيين دينيه ‪ :‬أشعة خاصة بنور السلم ‪ ،‬ص ‪. 31‬‬
‫‪ 5‬سورة العراف‪ :‬الية ‪157‬‬
‫‪ 6‬سيد قطب ‪ :‬في ظلل القرآن ‪ ،‬سورة العراف‪ ،‬تفسير الية ‪157‬‬
‫‪145‬‬

‫ومن اليسر إعفاء النساء من وجوب صلة الجمعة والجماعة‬
‫وإعفاء الصغير‪ ،‬والمجنون‪ ،‬والنائم من سريان الحكام التكليفية‬
‫عليهم‪ ،‬والحدود‪ ،‬وبعض حقوق العباد كحق القصاص‪ ،‬وحق حد‬
‫القذف‪ ،‬فقد اشترط فيها جميعا ً البلوغ والعقل‪ ،‬واشترط في حد‬
‫الزنى أربعة شهود تقليل ً لحالت وجوب الحد‪ ،‬تخفيفا ً وتيسيرًا‪،‬‬
‫واشترط للرجم لشدته الحصان تخفيفا ً عن غير المحصن‪،‬‬
‫واستثنى الولي الفقير من عدم جواز الكل من مال اليتيم ؛‬
‫تخفيفا ً عنه‪ ،‬فقد أذن له أن يأكل ولكن بالمعروف‪ ،1‬ونماذج أخرى‬
‫كثيرة‪.‬‬
‫ولقد كان النبي ‪‬كمشرع يسعى إلى التيسير على الناس في‬
‫الحكام ما استطاع إلى ذلك سبيل ً ‪ ..‬والمواقف كثيرة في سنته‬
‫وسيرته ‪ ‬وقد كان يتفادى ما يكون سببا ً لتكاليف جديدة قد‬
‫تشق على المسلمين‪ ،‬وكان يتجنب أن يفعل شيئا ً يكون فيه‬
‫مشقة وحرج على المسلمين‪ ،2‬فهم يتتبعون أفعاله ليتأسوا ‪..‬‬
‫فمن ذلك أنه ‪ ‬كان يحث أصحابه على ترك السئلة الفقهية‬
‫المعقدة‪ ،‬أو التي ل ينبني عليها عمل‪ ،‬لئل ً تفرض عليهم فرائض‬
‫بسبب سؤالهم‪ .‬فقد سأله رجل عن الحج‪ :‬أفي كل عام هو؟‬
‫‪3‬‬
‫فقال ‪":‬لو قلت نعم لوجبت‪ ،‬ولما استطعتم‪ ،‬ذروني ما تركتكم"‬
‫‪.‬‬
‫وقال‪":‬لول أن أشق على أمتي لمرتهم بالسواك عند كل‬
‫وضوء"‪. 4‬‬
‫وقال لبعض أصحابه‪" :‬ما بالكم تأتوني قلحا ً ل تسوكون؟ لول أن‬
‫أشق على أمتي لفرضت عليهم السواك كما فرضت عليهم‬
‫الوضوء"‪.5‬‬
‫وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال ‪ :‬قال رسول الله ‪ " :‬لول‬
‫أن أشق على أمتي لمرتهم بتأخير العشاء وبالسواك عند كل‬
‫صلة "‪.6‬‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ن أَ ُ‬
‫ة "‪.7‬‬
‫خل ّ ْ‬
‫ما ت َ َ‬
‫سرِي ّ ٍ‬
‫وقال‪ " :‬ل َوَْل أ ْ‬
‫ن َ‬
‫ف ُ‬
‫مِتي َ‬
‫شقّ ع ََلى أ ّ‬
‫ت عَ ْ‬
‫‪ 1‬انظر‪ :‬الموسوعة الكويتية – مادة‪) :‬تيسير (‪.‬‬
‫‪ 2‬كما هو الحال في عدم مداومته على أداء صلة التراويح في رمضان‪ ،‬حتى ل يظن الناس أنها واجبة ‪..‬‬
‫‪ 3‬صحيح – رواه مسلم‪ ،‬باب فرض الحج مرة في العمر ‪ ،‬رقم ‪2380‬‬
‫‪ 4‬صحيح – رواه مسلم‪ ،‬باب السواك‪ ،‬رقم ‪370‬‬
‫‪ 5‬صحيح ‪ -‬رواه أحمد‪ ،‬وصححه الشيخ احمد شاكر في تعليقه على المسند ‪ ،248 – 246 / 3‬والشق الثاني من‬
‫الحديث في السلسلة الصحيحة برقم ‪3067‬‬
‫‪ 6‬صحيح ‪ -‬مشكاة المصابيح ‪) -‬ج ‪ / 1‬ص ‪ (81‬رقم ‪376‬‬
‫ل ‪ ،‬رقم ‪2750‬‬
‫سِبي ِ‬
‫ن ِفي ال ّ‬
‫لِ‬
‫حْم َ‬
‫ل َواْل ُ‬
‫جَعاِئ ِ‬
‫‪ 7‬صحيح – رواه البخاري‪ ،‬باب اْل َ‬
‫‪146‬‬

‫وعن قالت عائشة‪ :‬خرج النبي ‪ ‬من عندي وهو مسرور طيب‬
‫و‬
‫النفس ثم رجع إلي وهو كئيب‪ ،‬فقال‪ " :‬إ ِّني د َ َ‬
‫ت ال ْك َعْب َ َ‬
‫خل ْ ُ‬
‫ة وَل َ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫قبل ْت م َ‬
‫نأ ُ‬
‫ن‬
‫خل ْت َُها إ ِّني أ َ‬
‫ما د َ َ‬
‫خا ُ‬
‫كو َ‬
‫فأ ْ‬
‫ما ا ْ‬
‫ا ْ‬
‫ت َ‬
‫ست َد ْب َْر ُ‬
‫ري َ‬
‫نأ ْ‬
‫ست َ ْ َ ُ ِ ْ‬
‫م ُِ‬
‫‪1‬‬
‫َ‬
‫قَد ْ َ‬
‫مِتي" ‪.‬‬
‫ق ْ‬
‫ش َ‬
‫ت ع َلى أ ّ‬
‫ق ُ‬
‫فكونه قد دخل الكعبة‪ ،‬يخشى أن يشق بهذا العمل على‬
‫المسلمين‪ ،‬فهذا العمل شاق‪ ،‬وغير متاح لكل الناس ‪..‬‬
‫َ‬
‫سو َ‬
‫ل‬
‫وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما‪ ،‬أ ّ‬
‫ن َر ُ‬
‫الل ّه ‪ ‬وقَف في حجة ال ْوداع بمنى للناس ي َ‬
‫ج ٌ‬
‫ل‬
‫َ َ ِ‬
‫ِ‬
‫جاَءه ُ َر ُ‬
‫ه فَ َ‬
‫َ ّ ِ َ َ ِ ِ ِ ً ِ ّ ِ َ ْ‬
‫سأُلون َ ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫قا َ‬
‫ت قَب ْ َ‬
‫قا َ‬
‫مأ ْ‬
‫ج"‬
‫ح ! فَ َ‬
‫حل ْ‬
‫فَ َ‬
‫حَر َ‬
‫ح وَل َ‬
‫ل ‪ " :‬اذ ْب َ ْ‬
‫ن أذ ْب َ َ‬
‫لأ ْ‬
‫شعُْر فَ َ‬
‫ق ُ‬
‫ل‪:‬ل ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ي‪َ ،‬قا َ‬
‫ت قَب ْ َ‬
‫قا َ‬
‫مأ ْ‬
‫ل‪ " :‬اْرم ِ وََل‬
‫خُر فَ َ‬
‫جاَء آ َ‬
‫ن أْر ِ‬
‫لأ ْ‬
‫شعُْر فَن َ َ‬
‫فَ َ‬
‫حْر ُ‬
‫ل‪ :‬ل َ ْ‬
‫م َ‬
‫ُ‬
‫خَر إ ِّل َقا َ‬
‫سئ ِ َ‬
‫ن َ‬
‫ل‪":‬‬
‫م وََل أ ّ‬
‫حَر َ‬
‫َ‬
‫يٍء قُد ّ َ‬
‫ما ُ‬
‫ج " ‪ ،‬فَ َ‬
‫ش ْ‬
‫ي ‪ ‬عَ ْ‬
‫ل الن ّب ِ ّ‬
‫‪2‬‬
‫َ‬
‫افْعَ ْ‬
‫ج !" ‪.‬‬
‫حَر َ‬
‫ل وَل َ‬
‫المطلب الثالث ‪ :‬حثه على التيسير‪:‬‬
‫دين يسر ولن يشاد ّ‬
‫ن ال ّ‬
‫قال النبي ‪ ‬مب َي ًّنا طبيعة هذا الدين‪ " :‬إ ّ‬
‫‪3‬‬
‫ددوا وقاربوا وأبشروا ‪"..‬‬
‫دين أحد إل غلبه‪ ،‬فس ّ‬
‫ال ّ‬
‫وقال ابن عباس ‪ : ‬قيل للنبي ‪ :‬يا رسول الله! أي الديان‬
‫سمحة"‪..4‬‬
‫أح ّ‬
‫ب إلى الله؟ قال‪" :‬الحنيفّية ال ّ‬
‫ما بعثهما إلى اليمن‪:‬‬
‫وقال لمعاذ بن جبل وأبي موسى الشعري ل ّ‬
‫‪5‬‬
‫سرا وب َ ّ‬
‫فرا‪"..‬‬
‫شرا ول ت ُن َ ّ‬
‫سرا ول ُتع ّ‬
‫" يَ ّ‬
‫وعن عروة الفقيمي‪ ‬قال‪ :‬كّنا ننتظر النبي‪  ،‬فخرج يقطر‬
‫صلة جعل الّناس‬
‫رأسه من وضوء أو غسل فصّلى‪ ،‬فل ّ‬
‫ما قضى ال ّ‬
‫يسألونه‪ :‬يا رسول الله! أعلينا من حرج في كذا‪ ،‬فقال رسول‬
‫ن دين الله‪ -‬عّز وج ّ‬
‫ن دين‬
‫ل‪ -‬في يسر‪ ،‬إ ّ‬
‫الله‪"  ،‬ل أّيها الّناس‪ :‬إ ّ‬
‫‪6‬‬
‫ن دين الله‪ -‬عّز وج ّ‬
‫الله‪ -‬عّز وج ّ‬
‫ل‪ -‬في يسر"‬
‫ل‪ -‬في يسر‪ ،‬إ ّ‬
‫ي‬
‫ما ُ‬
‫وجاء في وصفه عن عائشة رضي الله عنها قالت‪َ " :‬‬
‫خي َّر الن ّب ِ ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫‪ ‬بي َ‬
‫م َ‬
‫ذا َ‬
‫م فَإ ِ َ‬
‫ن‬
‫ن إ ِّل ا ْ‬
‫كا َ‬
‫كا َ‬
‫خَتاَر أي ْ َ‬
‫ن اْل ِث ْ ُ‬
‫م ي َأث َ ْ‬
‫ما ل َ ْ‬
‫ما َ‬
‫سَرهُ َ‬
‫نأ ْ‬
‫َْ َ‬
‫مَري ْ ِ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫سهِ ِفي َ‬
‫حّتى‬
‫م ل ِن َ ْ‬
‫ما ان ْت َ َ‬
‫ف ِ‬
‫ما ِ‬
‫يٍء ي ُؤ َْتى إ ِلي ْهِ قَط َ‬
‫ق َ‬
‫ه َواللهِ َ‬
‫من ْ ُ‬
‫أب ْعَد َهُ َ‬
‫ش ْ‬
‫ت ُن ْت َهَ َ‬
‫ه "‪. 7‬‬
‫م ل ِل ّ ِ‬
‫ت الل ّهِ فَي َن ْت َ ِ‬
‫ك ُ‬
‫ق ُ‬
‫ما ُ‬
‫حُر َ‬
‫ن خير دينكم أيسره"‪.8‬‬
‫ن خير دينكم أيسره‪ ،‬إ ّ‬
‫و قال‪ "  ،‬إ ّ‬
‫‪ 1‬رواه أبو داود‪ ،‬باب في دخول الكعبة برقم ‪ .1734‬والترمذي برقم ‪ ،799‬وابن ماجة ‪3055‬‬
‫غْيِرَها‪ ،‬برقم ‪.81‬‬
‫عَلى الّداّبِة َو َ‬
‫ف َ‬
‫‪ 2‬صحيح ‪ -‬رواه البخاري‪َ ،‬باب اْلُفْتَيا َوُهَو َواِق ٌ‬
‫سٌر‪ ،‬رقم ‪38‬‬
‫ن ُي ْ‬
‫‪ 3‬صحيح ‪ -‬البخاري‪َ ،‬باب الّدي ُ‬
‫‪ 4‬حسن – رواه أحمد )‪ .(1/236‬والبخاري معلًقا )‪ .(1/15‬وحسن الحافظ إسناده في الفتح )‪.(1/117‬‬
‫‪ 5‬صحيح ‪ -‬البخاري )‪ .(5/108‬ومسلم )‪ (3/1359‬رقم )‪.(1733‬‬
‫‪ 6‬رواه أحمد )‪ .(5/69‬قال الهيثمي في المجمع )‪(1/67‬؛‪ :‬رواه أحمد والطبراني في الكبير وأبو يعلى وفيه عاصم‬
‫بن هلل‪ ،‬وثقه أبو حاتم وأبو داود‪ ،‬وضعفه النسائي وغيره‪ .‬قال الحافظ في التقريب ص )‪ :(286‬فيه لين‬
‫ل ‪ ،‬رقم ‪. 6288‬‬
‫ت ا ِّ‬
‫حُرَما ِ‬
‫لْنِتَقاِم ِل ُ‬
‫حُدوِد َوا ِ‬
‫‪ 7‬صحيح ‪ -‬رواه البخاري‪َ ،‬باب ِإَقاَمِة اْل ُ‬
‫‪ 8‬قال الهيثمي في المجمع )‪ :(4/18‬رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح‬
‫‪147‬‬

‫مة اليسير وكره لها‬
‫وقال‪ " : ،‬إ ّ‬
‫ن الله تعالى رضي لهذه ال ّ‬
‫العسير"‪.1‬‬
‫ن الله‬
‫ن رسول الله‪  ،‬قال‪ " :‬إ ّ‬
‫وعن عائشة‪ -‬رضي الله عنها‪ -‬أ ّ‬
‫‪2‬‬
‫ّ‬
‫سًرا "‬
‫ما مي ّ‬
‫لم يبعثني معن ًّتا ول متعن ًّتا‪ ،‬ولكن بعثني معل ً‬
‫المبحث الرابع‬
‫الرخص الشرعية‬
‫المطلب الول ‪ :‬الرخص الشرعية ‪ :‬ماهيتها وشرعيتها‬
‫‪:‬‬
‫من مظاهر رحمة نبينا الكريم ‪ ‬في التشريع‪ ،‬ما شرعه ‪ ‬من‬
‫رخص لصحاب العذار‪ ،‬عند تطبيقهم للحكام الشرعية ‪..‬‬
‫والرخصة في اللغة معناها اليسر والسهولة‪ .‬وفي الشريعة‪:‬‬
‫عبارة عما وسع للمكلف في فعله لعذر‪ ،‬وعجز عنه مع قيام‬
‫ما"‪ ،3‬كتناول‬
‫ما أ ُْر ِ‬
‫معَ ك َوْن ِهِ َ‬
‫حَرا ً‬
‫ص ِفيهِ َ‬
‫السبب المحرم‪ .‬أو " َ‬
‫خ َ‬
‫الميتة عند الضطرار‪ ،‬وسقوط أداء صيام رمضان عن المسافر‪.‬‬
‫وهو المعنى الحقيقي للرخصة‪ .‬ويقابلها العزيمة ‪.‬‬
‫وقد شرع السلم الرخص لرفع الضيق المؤدي في الغالب إلى‬
‫الحرج والمشقة لفقدان المصالح الضرورية‪ .‬ورفع الحرج مقصد‬
‫من مقاصد الشريعة وأصل من أصولها‪ ،‬فإن الشارع لم يكلف‬
‫الناس بالتكاليف والواجبات لعناتهم أو تحصيل المشقة عليهم ‪.‬‬
‫وقد دل على ذلك القرآن والسنة وانعقد الجماع على ذلك‪ .‬فمن‬
‫القرآن قوله تعالى‪ :‬ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن‬
‫يريد ليطهركم‪ ] ‬المائدة ‪[6:‬‬
‫ضط ُّر‬
‫نا ْ‬
‫وضرب القرآن مثال ً للرخصة في قوله تعالى ‪  :‬فَ َ‬
‫م ِ‬
‫م ‪] ‬المائدة ‪:‬‬
‫ه غَ ُ‬
‫م ْ‬
‫فوٌر ّر ِ‬
‫ف ّل ِث ْم ٍ فَإ ِ ّ‬
‫جان ِ ٍ‬
‫مت َ َ‬
‫حي ٌ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫صةٍ غ َي َْر ُ‬
‫خ َ‬
‫ِفي َ‬
‫م َ‬
‫‪.. [3‬‬
‫فمن ذلك الفطار في السفر أيام رمضان‪ ،‬وقصر الصلة‬
‫المفروضة في السفر‪ ،‬فتصلي الصلة الرباعية بركعتين فقط‬
‫حال السفر‪ .‬والمسح على الخفين في الوضوء‪ ،‬والتيمم بالتراب‬
‫إذا ُفقد الماء للوضوء أو إذا كان المسلم مريضًا‪ ..‬كما في قوله‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫من ُ‬
‫تعالى ‪  :‬وَِإن ُ‬
‫من‬
‫جاء أ َ‬
‫سفَرٍ أوْ َ‬
‫مْر َ‬
‫ضى أوْ ع ََلى َ‬
‫كم ّ‬
‫حد ٌ ّ‬
‫كنُتم ّ‬
‫َ‬
‫صِعيدا ً ط َّيبا ً‬
‫ال َْغآئ ِ ِ‬
‫ج ُ‬
‫م الن ّ َ‬
‫م ْ‬
‫م ُ‬
‫ماء فَت َي َ ّ‬
‫دوا ْ َ‬
‫م تَ ِ‬
‫ساء فَل َ ْ‬
‫ست ُ ُ‬
‫ط أوْ ل َ َ‬
‫موا ْ َ‬
‫َ‬
‫ه َ‬
‫فورا ً‪] ‬النساء ‪:‬‬
‫فوّا ً غ َ ُ‬
‫ن عَ ُ‬
‫م وَأي ْ ِ‬
‫كا َ‬
‫م إِ ّ‬
‫حوا ْ ب ِوُ ُ‬
‫س ُ‬
‫م َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ديك ُ ْ‬
‫جوه ِك ُ ْ‬
‫َفا ْ‬
‫‪[43‬‬
‫‪ 1‬قال الهيثمي في المجمع )‪ :(4/18‬رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح‪.‬‬
‫‪ 2‬صحيح – رواه مسلم )‪ (2/1105‬رقم )‪.(1478‬‬
‫‪ 3‬الغزالي ‪ :‬المستصفى ص ‪. 194‬‬
‫‪148‬‬

‫وفي الرخص الشرعية ‪ ..‬قال النبي ‪" :‬إن الله يحب أن تؤتى‬
‫رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته"‪ ..1‬وفي رواية ‪" :‬كما يحب أن‬
‫تؤتى عزائمه"‪.. 2‬‬
‫المطلب الثاني ‪ :‬نماذج الرخص الشرعية ‪:‬‬
‫خد ْرِيّ ‪َ ‬قا َ‬
‫ل‪:‬‬
‫سِعيد ٍ ال ْ ُ‬
‫عن أبي َ‬
‫مْنزًل‪،‬‬
‫مك ّ َ‬
‫ن ِ‬
‫ة وَن َ ْ‬
‫صَيا ٌ‬
‫معَ َر ُ‬
‫َ‬
‫م‪ ،‬فَن ََزل َْنا َ‬
‫ل الل ّهِ ‪ ‬إ َِلى َ‬
‫سافَْرَنا َ‬
‫ح ُ‬
‫سو ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫سو ُ‬
‫قا َ‬
‫وى‬
‫فَ َ‬
‫م َوال ِ‬
‫م ِ‬
‫ل َر ُ‬
‫ن ع َد ُوّك ُ ْ‬
‫م قَد ْ د َن َوْت ُ ْ‬
‫ل اللهِ ‪" : ‬إ ِن ّك ُ ْ‬
‫فطُر أقْ َ‬
‫م ْ‬
‫م" ‪.‬‬
‫ل َك ُ ْ‬
‫ة ‪ ..‬فَمنا من صام ومنا م َ‬
‫فَ َ‬
‫من ْزًِل‬
‫ت ُر ْ‬
‫ص ً‬
‫م ن ََزل َْنا َ‬
‫ن أفْط ََر‪ ،‬ث ُ ّ‬
‫كان َ ْ‬
‫خ َ‬
‫ِ ّ َ ْ َ َ َ ِ ّ َ ْ‬
‫َ‬
‫قا َ‬
‫م " ‪..‬‬
‫خَر فَ َ‬
‫آ َ‬
‫م َوال ْ ِ‬
‫صب ّ ُ‬
‫وى ل َك ُ ْ‬
‫حو ع َد ُوّك ُ ْ‬
‫م ُ‬
‫ل‪ " :‬إ ِن ّك ُ ْ‬
‫م َ‬
‫فط ُْر أقْ َ‬
‫َ‬
‫‪3‬‬
‫فَأفْط ُِروا ‪..‬‬
‫و عَ َ‬
‫س ‪َ ‬قا َ‬
‫ل‪:‬‬
‫ن أن َ‬
‫ْ‬
‫ٍ‬
‫فر فَصام بعض وأ َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫م‬
‫ز‬
‫ح‬
‫ت‬
‫ف‬
‫ض‪،‬‬
‫ع‬
‫ب‬
‫ر‬
‫ط‬
‫ف‬
‫َ‬
‫س‬
‫في‬
‫‪‬‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ال‬
‫ل‬
‫سو‬
‫ر‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫كا َ‬
‫َ َ ّ َ‬
‫ن َ ُ‬
‫َ َْ ٌ‬
‫َ َ َْ ٌ َ‬
‫َ ٍ‬
‫قا َ‬
‫ل‬
‫ل‪ ،‬فَ َ‬
‫م ْ‬
‫ضعُ َ‬
‫ن وَع َ ِ‬
‫ن ب َعْ‬
‫مُلوا‪ ،‬وَ َ‬
‫فط ُِرو َ‬
‫وا ُ‬
‫ض ال ْعَ َ‬
‫ال ْ ُ‬
‫ف ال ّ‬
‫م ِ‬
‫م عَ ْ‬
‫ص ّ‬
‫ِ‬
‫‪4‬‬
‫رسول الله‪ِ ‬في ذ َل ِ َ‬
‫ر"‬
‫ج‬
‫م ْ‬
‫م ِباْل َ ْ‬
‫فط ُِرو َ‬
‫ك ‪ " :‬ذ َهَ َ‬
‫ن ال ْي َوْ َ‬
‫ب ال ْ ُ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫سو َ‬
‫ه َقا َ‬
‫جد ُ ِبي‬
‫سل َ ِ‬
‫ن َ‬
‫ل‪َ :‬يا َر ُ‬
‫رو اْل ْ‬
‫ل الل ّهِ أ ِ‬
‫ي ‪ ‬أن ّ ُ‬
‫ن عَ ْ‬
‫ح ْ‬
‫م ّ‬
‫وع َ ْ‬
‫م ٍ‬
‫مَزة َ ب ْ ِ‬
‫سو ُ‬
‫قا َ‬
‫ر‪ ،‬فَهَ ْ‬
‫ه‬
‫ح ؟ فَ َ‬
‫س َ‬
‫ف‬
‫ل الل ّ ِ‬
‫جَنا ٌ‬
‫ي ُ‬
‫ل َر ُ‬
‫صَيام ِ ِفي ال ّ‬
‫قُوّة ً ع ََلى ال ّ‬
‫ل ع َل َ ّ‬
‫ِ‬
‫خذ َ ب َِها‬
‫ن أَ َ‬
‫ي ُر ْ‬
‫ص ٌ‬
‫ة ِ‬
‫ه ع َل َي ْهِ وَ َ‬
‫ن الل ّهِ فَ َ‬
‫سل ّ َ‬
‫صّلى الل ّ ُ‬
‫خ َ‬
‫َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫م ‪ " :‬هِ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫‪5‬‬
‫ه"‬
‫ح ع َل َي ْ ِ‬
‫جَنا َ‬
‫م فََل ُ‬
‫بأ ْ‬
‫ح ّ‬
‫نأ َ‬
‫فَ َ‬
‫صو َ‬
‫ح َ‬
‫ن ‪ ،‬وَ َ‬
‫ن يَ ُ‬
‫م ْ‬
‫س ٌ‬
‫ما‪:‬‬
‫ن ال َْعا‬
‫م‬
‫ص َر ِ‬
‫رو ب ْ‬
‫ه ع َن ْهُ َ‬
‫ي الل ّ ُ‬
‫ن عَ ْ‬
‫ض َ‬
‫وعن ع َب ْد ُ الل ّهِ ب ْ ُ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫خب َْر أ َن ّ َ‬
‫سو ُ‬
‫َقا َ‬
‫م الن َّهاَر‬
‫م أُ ْ‬
‫صو ُ‬
‫ل ِلي َر ُ‬
‫ل الل ّهِ ‪َ " :‬يا ع َب ْد َ الل ّهِ أل َ ْ‬
‫ك تَ ُ‬
‫فعَ ْ‬
‫ل الل ّهِ ‪َ .‬قا َ‬
‫سو َ‬
‫م الل ّي ْ َ‬
‫ل!‬
‫ل ‪ " :‬فََل ت َ ْ‬
‫ل؟ " فَ ُ‬
‫وَت َ ُ‬
‫قو ُ‬
‫ت ‪ :‬ب ََلى َيا َر ُ‬
‫قل ْ ُ‬
‫َ‬
‫ن ل ِعَي ْن ِ َ‬
‫ك ع َل َي ْ َ‬
‫سد ِ َ‬
‫ك‬
‫ح ّ‬
‫قا‪ ،‬وَإ ِ ّ‬
‫ك َ‬
‫ن لِ َ‬
‫م ‪ ،‬فَإ ِ ّ‬
‫ج َ‬
‫م وَن َ ْ‬
‫م وَأفْط ِْر ‪ ،‬وَقُ ْ‬
‫ص ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫ح ّ‬
‫ح ّ‬
‫ح ّ‬
‫قا‪ ،‬وَإ ِ ّ‬
‫ن ل َِزوْرِك ع َلي ْك َ‬
‫قا ‪ ،‬وَإ ِ ّ‬
‫جك ع َلي ْك َ‬
‫قا ‪ ،‬وَإ ِ ّ‬
‫ع َلي ْك َ‬
‫ن ل َِزوْ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن لَ َ‬
‫سب ِ َ‬
‫ك ب ِك ُ ّ‬
‫م كُ ّ‬
‫سن َةٍ ع َ ْ‬
‫ل َ‬
‫شَر‬
‫شهْرٍ ث ََلث َ َ‬
‫ل َ‬
‫م؛ فَإ ِ ّ‬
‫كأ ْ‬
‫بِ َ‬
‫صو َ‬
‫ح َ‬
‫ح ْ‬
‫ن تَ ُ‬
‫ة أّيا ٍ‬
‫َ‬
‫ن ذ َل ِ َ‬
‫ه" ‪..‬‬
‫م الد ّهْرِ ك ُل ّ ِ‬
‫ك ِ‬
‫مَثال َِها فَإ ِ ّ‬
‫صَيا ُ‬
‫أ ْ‬
‫سو َ‬
‫ت فَ ُ‬
‫قال عبدالله ‪ :‬فَ َ‬
‫ه‪ ،‬إ ِّني‬
‫ل الل ّ ِ‬
‫ت ‪َ :‬يا َر ُ‬
‫ي ‪ .‬قُل ْ ُ‬
‫شد ّد ْ ُ‬
‫شد ّد َ ع َل َ ّ‬
‫َ‬
‫ة‪.‬‬
‫جد ُ قُوّ ً‬
‫أ ِ‬
‫َقا َ‬
‫سَلم‪ ،‬وََل ت َزِد ْ ع َل َي ْهِ " ‪.‬‬
‫م ِ‬
‫ي الل ّهِ َ‬
‫صَيا َ‬
‫داوُد َ ع َل َي ْهِ ال ّ‬
‫ص ْ‬
‫ل‪ " :‬فَ ُ‬
‫م ن َب ِ ّ‬
‫ما َ‬
‫سَلم‪.‬‬
‫ن ِ‬
‫ي الل ّهِ َ‬
‫كا َ‬
‫صَيا ُ‬
‫داوُد َ ع َل َي ْهِ ال ّ‬
‫ت‪ :‬وَ َ‬
‫قُل ْ ُ‬
‫م ن َب ِ ّ‬
‫َقا َ‬
‫ف الد ّهْرِ " ‪..‬‬
‫ص َ‬
‫ل‪ ":‬ن ِ ْ‬
‫‪ 1‬رواه أحمد عن ابن عمر‪ ،‬برقم ‪، 5600‬وابن حبان‪ ،‬وقال شعيب الرنؤوط‪ :‬إسناده قوي‪ ،‬وقال اللباني في‬
‫الرواء)‪ : (564‬صحيح‬
‫ضا‪ .‬وقال اللباني في‬
‫‪ 2‬رواية في المعجم الوسط‪ ،‬للطبراني‪ ،‬برقم ‪ 8263‬وصحيح ابن حبان وإسنادها قوي أي ً‬
‫صحيح الترغيب والترهيب )‪ : (1060‬صحيح ‪.‬‬
‫ل‪ ،‬رقم ‪1888‬‬
‫سَفِر ِإَذا َتَوّلى اْلَعَم َ‬
‫طِر ِفي ال ّ‬
‫جِر اْلُمْف ِ‬
‫‪ 3‬صحيح – رواه مسلم ‪َ ،‬باب َأ ْ‬
‫ل‪1887 ،‬‬
‫سَفِر ِإَذا َتَوّلى اْلَعَم َ‬
‫طِر ِفي ال ّ‬
‫جِر اْلُمْف ِ‬
‫‪ 4‬صحيح – رواه مسلم‪َ ،‬باب َأ ْ‬
‫سَفِر‪1891 ،‬‬
‫طِر ِفي ال ّ‬
‫صْوِم َواْلِف ْ‬
‫خِييِر ِفي ال ّ‬
‫‪ 5‬صحيح – رواه مسلم‪َ ،‬باب الّت ْ‬
‫‪149‬‬

‫فَ َ‬
‫قو ُ‬
‫ي ‪.1‬‬
‫ن ع َب ْد ُ الل ّهِ ي َ ُ‬
‫ت ُر ْ‬
‫ص َ‬
‫كا َ‬
‫ما ك َب َِر َيا ل َي ْت َِني قَب ِل ْ ُ‬
‫ل‪ :‬ب َعْد َ َ‬
‫خ َ‬
‫ة الن ّب ِ ّ‬
‫جاب ِرٍ َقا َ‬
‫ل‪:‬‬
‫ن َ‬
‫وع َ ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫جٌر فَ َ‬
‫م‬
‫س َ‬
‫َ‬
‫ه ِفي َرأ ِ‬
‫جًل ِ‬
‫ما ْ‬
‫ش ّ‬
‫ح َ‬
‫مّنا َ‬
‫ب َر ُ‬
‫صا َ‬
‫خَر ْ‬
‫جَنا ِفي َ‬
‫حت َل َ َ‬
‫سه ِ ث ُ ّ‬
‫ج ُ‬
‫فرٍ فَأ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ل ‪ :‬هَ ْ‬
‫قا َ‬
‫سأ َ‬
‫م؟‬
‫ه فَ َ‬
‫ن ِلي ُر ْ‬
‫ص ً‬
‫دو َ‬
‫ج ُ‬
‫ص َ‬
‫فَ َ‬
‫ة ِفي الت ّي َ ّ‬
‫ل تَ ِ‬
‫حاب َ ُ‬
‫خ َ‬
‫لأ ْ‬
‫م ِ‬
‫َ‬
‫جد ُ ل َ َ‬
‫س َ‬
‫ل‬
‫ت تَ ْ‬
‫فَ َ‬
‫ك ُر ْ‬
‫ص ً‬
‫ماِء ‪َ .‬فاغ ْت َ َ‬
‫قد ُِر ع ََلى ال ْ َ‬
‫ة وَأن ْ َ‬
‫ما ن َ ِ‬
‫قاُلوا ‪َ :‬‬
‫خ َ‬
‫ُ‬
‫خب َِر ب ِذ َل ِ َ‬
‫قا َ‬
‫ك‪ ،‬فَ َ‬
‫ي ‪ ،‬أ ْ‬
‫ل ‪ " :‬قَت َُلوهُ‬
‫ما قَد ِ ْ‬
‫ت‪ .‬فَل َ ّ‬
‫ما َ‬
‫فَ َ‬
‫مَنا َع ََلى الن ّب ِ ّ‬
‫َ‬
‫ؤا ُ‬
‫س َ‬
‫ل‪.‬‬
‫ش َ‬
‫ما ِ‬
‫ي ال ّ‬
‫ه !! أَل َ‬
‫موا فَإ ِن ّ َ‬
‫م ي َعْل َ ُ‬
‫سأُلوا إ ِذ ْ ل َ ْ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫قَت َل َهُ ْ‬
‫فاُء ال ْعِ ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ما َ‬
‫ة‬
‫خْرقَ ً‬
‫حه ِ ِ‬
‫جْر ِ‬
‫صَر ‪ -‬أوْ ي َعْ ِ‬
‫م وَي َعْ ِ‬
‫ن ي َك ْ ِ‬
‫ب ‪ -‬ع ََلى ُ‬
‫ص َ‬
‫فيهِ أ ْ‬
‫كا َ‬
‫م َ‬
‫ن ي َت َي َ ّ‬
‫إ ِن ّ َ‬
‫‪2‬‬
‫س َ‬
‫ه" ‪.‬‬
‫سد ِ ِ‬
‫ح ع َل َي َْها وَي َغْ ِ‬
‫سائ َِر َ‬
‫س َ‬
‫ج َ‬
‫ل َ‬
‫م َ‬
‫م يَ ْ‬
‫ثُ ّ‬
‫شرِ ُ‬
‫م ْ‬
‫حّتى يقول كلمة الكفر‪،‬‬
‫ولقد أ َ َ‬
‫ماًرا فَعَذ ُّبوه ُ َ‬
‫كو َ‬
‫ن عَ ّ‬
‫خذ َ ا ل ْ ُ‬
‫َ‬
‫ش َ‬
‫كى ذ َل ِ َ‬
‫دوا‪ ،‬فَ َ‬
‫ي ‪ ،‬وقال له ‪:‬‬
‫ما أَرا ُ‬
‫م ِفي ب َْعض َ‬
‫وَقاَرب َهُ ْ‬
‫ك إ َِلى الن ّب ِ ّ‬
‫‪3‬‬
‫جعَ َ‬
‫ل–‬
‫ما ُتركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير ‪ ..‬وبكى‪ .‬فَ َ‬
‫ه‪ ،4‬وقال له‪ :‬ك َْيف‬
‫م َ‬
‫موع ع َن ْ ُ‬
‫سح الد ّ ُ‬
‫صلوات ربي وسلمه عليه ‪ -‬ي َ ْ‬
‫‪5‬‬
‫ن ‪َ ،‬قا َ‬
‫جد قَْلبك ؟ َقا َ‬
‫دوا فَعُد ْ " ‪.‬‬
‫ن َ‬
‫عا ُ‬
‫ل‪ ":‬فَإ ِ ْ‬
‫لي َ‬
‫مط ْ َ‬
‫ل‪ُ :‬‬
‫تَ ِ‬
‫ما ِ‬
‫مئ ِّنا ِبا ْ ِ‬
‫ن‬
‫من ك َ َ‬
‫فَر ِبالل ّهِ ِ‬
‫مان ِهِ إ ِل ّ َ‬
‫من ب َعْد ِ إي َ‬
‫ول الّله ت ََعاَلى‪َ  :‬‬
‫م ْ‬
‫وفيه نزل َقَ ْ‬
‫ُ‬
‫من َ‬
‫م‬
‫ح ِبال ْك ُ ْ‬
‫ن وََلي ِ‬
‫ص ْ‬
‫شَر َ‬
‫درا ً فَعَل َي ْهِ ْ‬
‫كن ّ‬
‫لي َ‬
‫مط ْ َ‬
‫ه ُ‬
‫أك ْرِه َ وَقَل ْب ُ ُ‬
‫فرِ َ‬
‫ما ِ‬
‫مئ ِ ّ‬
‫ن ِبا ِ‬
‫‪6‬‬
‫م عَ َ‬
‫م‪‬‬
‫ب عَ ِ‬
‫ذا ٌ‬
‫ض ٌ‬
‫غَ َ‬
‫ظي ٌ‬
‫ن الل ّهِ وَل َهُ ْ‬
‫ب ّ‬
‫م َ‬
‫المبحث الخامس‬
‫التدرج في التشريع‬
‫المطلب الول ‪ :‬التدرج في التشريع‪ :‬مفهومه والحكمة‬
‫منه ‪:‬‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬مفهومه ‪:‬‬
‫من مظاهر رحمته نبينا محمد ‪‬أنه كان ل يحمل الناس على‬
‫الحكام جملة واحدة‪ ،‬إنما كان مبدؤه التدرج‪ ،‬فهو القائل "يسروا‬
‫ول تعسروا وبشروا ول تنفروا"‪. 7‬‬
‫ومن ملمح الرحمة في شريعة السلم التدرج في التشريع‪ ،‬وقد‬
‫ُقررت في كثير من الحكام وخاصة في المحرمات كالخمر والربا‬
‫وذلك تهيئة للنفوس وضمانا للستجابة لحكامها ‪ .‬رحمة من‬
‫المشرع ‪.‬‬
‫وقد كان التدرج في التشريع مسل ً‬
‫كا من مسالك علج المجتمع‬
‫وإصلحه‪.‬‬
‫صْوِم برقم ‪1888‬‬
‫سِم ِفي ال ّ‬
‫جْ‬
‫ق اْل ِ‬
‫حّ‬
‫‪1‬صحيح – رواه البخاري‪َ ،‬باب َ‬
‫‪ 2‬حسن – رواه أبو داود ‪ ، 284‬قال اللباني في صحيح وضعيف سنن أبي داود‪ :‬حسن‪.‬‬
‫‪ 3‬البيهقي ‪.209 \8‬‬
‫جاله ِثَقات‪ ،‬فتح الباري لبن حجر ‪) -‬ج ‪ / 19‬ص ‪(398‬‬
‫ن َوِر َ‬
‫سيِري َ‬
‫طِريق اْبن ِ‬
‫ن َ‬
‫حَمْيد ِم ْ‬
‫عْبد ْبن ُ‬
‫ج َ‬
‫خَر َ‬
‫‪َ 4‬أ ْ‬
‫‪ 5‬الحاكم‪ ،‬برقم ‪3319‬‬
‫‪ 6‬سورة النحل‪ :‬الية ‪.106‬‬
‫‪ 7‬سبق تخريجه ‪..‬‬
‫‪150‬‬

‫حا‬
‫أما التدرج في الكشف عن حقيقة حكم ٍ ما؛ فإنه يبدأ تلوي ً‬
‫يفهمه الذكياء‪ ،‬ثم تزداد البانة بما يكاد يوحي بالحكم‪ ،‬ثم يجيء‬
‫ما بالمعنى المراد‪ ،‬وقد تم تحريم الربا والخمر بهذا‬
‫الحكم حاس ً‬
‫السلوب المتأني‪ ،‬وليس في القرآن نص بإباحة الخمر أو‬
‫الربا !‪.‬‬
‫ثانًيا‪ :‬الحكمة منه ‪:‬‬
‫والحكمة من التدرج هو ترويض النفوس على تقبل أحكام‬
‫الله ‪ ..‬والتمهل في استئصال العادات القبيحة المتأصلة في‬
‫فا‬
‫النفوس ل سيما العادات المتوارثة عبر قرون طويلة ‪ .‬وتخفي ً‬
‫على الناس‪ ،‬تماشًيا مع فطرة النسان التي يتطلب التعامل‬
‫معها التزام التدرج لتغييرها وحسن الرتقاء بها‪ ،‬كما أن التدرج‬
‫يتلءم مع منهج التغيير بشكل عام‪ ،‬إذ ل يمكن تغيير أوضاع‬
‫المجتمعات لتتفق مع الشريعة إل بأسلوب التدرج ‪.‬‬
‫المطلب الثاني ‪ :‬نماذج للتدرج في التشريع ‪:‬‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬تحريم الخمور‪:‬‬
‫كانت الخمور متعمقة في المجتمع قبل بعثة النبي عربًيا كان أو‬
‫عالمًيا ‪ .‬وفي البيئة العربية صار شرب الخمر جزًءا من السلوك‬
‫الجتماعي الذي يفاخر به ويتغنى به الشعراء‪ ،‬فلم يكن من‬
‫الحكمة تحريم الخمر مرة واحدة إنما النفع والصلح هو التدرج‬
‫في التحريم ‪ ،‬ومن ثم حرمت الخمر على أربع مراحل‪:1‬‬
‫خ ُ‬
‫سك ًَرا وَرِْزًقا‬
‫المرحلة الولى‪ :‬هي قوله تعالى‪ :‬ت َت ّ ِ‬
‫ن ِ‬
‫ذو َ‬
‫ه َ‬
‫من ْ ُ‬
‫سًنا [ ]النحل‪67 :‬ففرقت الية بين السكر والرزق الحسن‬
‫َ‬
‫ح َ‬
‫أي أن السكر ليس من الرزق الحسن‪.‬‬
‫سأ َُلون َ َ‬
‫ر‬
‫ن ال ْ َ‬
‫مي ْ ِ‬
‫المرحلة الثانية‪ :‬قوله تعالى‪ :‬ي َ ْ‬
‫مرِ َوال ْ َ‬
‫خ ْ‬
‫ك عَ ْ‬
‫س ِ‬
‫َ‬
‫قُ ْ‬
‫ما‪‬‬
‫ن نَ ْ‬
‫ما أك ْب َُر ِ‬
‫فعِهِ َ‬
‫مه ُ َ‬
‫س وَإ ِث ْ ُ‬
‫م ك َِبيٌر وَ َ‬
‫ما إ ِث ْ ٌ‬
‫ل ِفيهِ َ‬
‫م ْ‬
‫مَنافِعُ ِللّنا ِ‬
‫دا للتحريم !‬
‫]البقرة‪ :‬الية‪ [219 :‬تمهي ً‬
‫َ‬
‫قَرُبوا‬
‫مُنوا َل ت َ ْ‬
‫المرحلة الثالثة‪ :‬قوله تعالى‪َ :‬ياأي َّها ال ّ ِ‬
‫نآ َ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫س َ‬
‫ن ‪ ]‬النساء‪[43 :‬‬
‫ما ت َ ُ‬
‫قوُلو َ‬
‫كاَرى َ‬
‫م ُ‬
‫موا َ‬
‫حّتى ت َعْل َ ُ‬
‫صَلة َ وَأن ْت ُ ْ‬
‫ال ّ‬
‫‪.‬ومن ثم كان على المسلم أن يحذر أن يأتيه وقت الصلة وهو‬
‫سكران‪.‬‬
‫‪ 1‬انظر‪ :‬محمد الخضري‪ :‬تاريخ التشريع السلمي‪ ،‬ص ‪ ،21‬وانظر‪ :‬راوية أحمد عبد الكريم الظهار‪ :‬المقاصد‬
‫الشرعية للعقوبات في السلم‪203 ،‬‬
‫‪151‬‬

‫َ‬
‫مُنوا‬
‫المرحلة الرابعة‪ :‬هي المرحلة الحاسمة‪َ :‬ياأي َّها ال ّ ِ‬
‫نآ َ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫شي ْ َ‬
‫ل ال ّ‬
‫ن‬
‫ما ال ْ َ‬
‫س ِ‬
‫مي ْ ِ‬
‫م رِ ْ‬
‫صا ُ‬
‫ب َوالْزل ُ‬
‫ن عَ َ‬
‫مُر َوال ْ َ‬
‫خ ْ‬
‫إ ِن ّ َ‬
‫ج ٌ‬
‫سُر َوالن َ‬
‫طا ِ‬
‫م ِ‬
‫م ْ‬
‫ن‪] ‬المائدة‪ . [90 :‬ويمضي القرآن‬
‫م تُ ْ‬
‫حو َ‬
‫فل ِ ُ‬
‫َفا ْ‬
‫جت َن ُِبوه ُ ل َعَل ّك ُ ْ‬
‫َ‬
‫شي ْ َ‬
‫ريد ُ ال ّ‬
‫م‬
‫نأ ْ‬
‫طا ُ‬
‫ن ُيوقِعَ ب َي ْن َك ُ ْ‬
‫موضحا علة التحريم‪ :‬إ ِن ّ َ‬
‫ما ي ُ ِ‬
‫ن‬
‫ضاَء ِفي ال ْ َ‬
‫مي ْ ِ‬
‫داوَة َ َوال ْب َغْ َ‬
‫ال ْعَ َ‬
‫صد ّك ُ ْ‬
‫مرِ َوال ْ َ‬
‫خ ْ‬
‫سرِ وَي َ ُ‬
‫ن ذ ِك ْرِ الل ّهِ وَع َ ْ‬
‫م عَ ْ‬
‫الصلة فَه ْ َ‬
‫ن‪] ‬المائدة‪. [91 :‬‬
‫منت َُهو َ‬
‫م ُ‬
‫ل أن ْت ُ ْ‬
‫ّ ِ َ‬
‫ثانًيا‪ :‬تحريم الربا‪:‬‬
‫كان الربا بأنواعه وأشكاله المختلفة عصب القتصاد في المجتمع‬
‫العربي والرومي والفارسي آنذاك‪ ،‬وكانت النقلة الفجائية‬
‫للتحريم ربما أحدثت خلخلة أدت إلى النهيار الجتماعي‬
‫والقتصادي ومن ثم كانت الحكمة في أن يتدرج القرآن في‬
‫تحريمه على مرحلتين‪:‬‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ضَعاًفا‬
‫الولى‪ :‬قوله تعالى‪َ :‬ياأي َّها ال ّ ِ‬
‫مُنوا ل ت َأك ُُلوا الّرَبا أ ْ‬
‫نآ َ‬
‫ذي َ‬
‫ة‪] ‬آل عمران‪[130 :‬‬
‫ضاع َ َ‬
‫ف ً‬
‫م َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ي‬
‫مُنوا ات ّ ُ‬
‫ما ب َ ِ‬
‫الثانية‪ :‬قوله تعالى‪َ :‬ياأي َّها ال ّ ِ‬
‫ه وَذ َُروا َ‬
‫قوا الل ّ َ‬
‫نآ َ‬
‫ق َ‬
‫ذي َ‬
‫ن ُ‬
‫ن‪] ‬البقرة‪. [278 :‬‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫ِ‬
‫ن الّرَبا إ ِ ْ‬
‫م ُ‬
‫كنت ُ ْ‬
‫مِني َ‬
‫م ْ‬

‫‪152‬‬

‫الفصل الخامس‬
‫رحمته للعالمين في ميدان الصراعات السياسية‬
‫والعسكرية‬
‫المبحث الول ‪ :‬الحوار ل الصدام‬
‫المبحث الثاني ‪ :‬حرصه على نشر السلم‬
‫المبحث الثالث ‪:‬رحمته للخصوم والعداء‬
‫المبحث الرابع ‪ :‬رحمته للسرى‬
‫المبحث الخامس ‪ :‬رحمته لقتلى العدو‬
‫المبحث السادس ‪ :‬رحمته لهل الذمة‬
‫المبحث السابع‪ :‬قيم حضارية في غزوة بدر الكبرى‬
‫جا[‬
‫] نموذ ً‬

‫‪153‬‬

‫المبحث الول‬
‫الحوار ل الصدام‬
‫المطلب الول ‪ :‬الحوار مظهر من مظاهر الرحمة ‪:‬‬
‫إن تقديم لغة الحوار‪ 1‬على أسلوب الصدام‪ ،‬حقًنا للدماء وتغليب‬
‫العقل على العنف‪ ،‬يعد من مظاهر الرحمة في شخصية النبي‬
‫‪ ، ‬الذي ضرب المثل العلى في ميدان الحوار والتفاوض‪ ،‬كما‬
‫ضرب المثل العلى في القتال والزود عن حياض الدين والوطن‪.‬‬
‫ن السلم هو دين الحوار والعتراف بالخر‪ ،‬وهو شريعة تطوير‬
‫إ ّ‬
‫سبل‬
‫القواسم المشتركة بين النسان وأخيه النسان‪ ،‬وإيجاد ال ّ‬
‫الكفيلة بتحقيق ذلك بما يساعد على العيش بسلم وأمن‬
‫وطمأنينة‪ ،‬ويحفظ النسان من أن يحيا حياة البعاد والقصاء‬
‫دعوة بالتي هي‬
‫ونكران الخر‪ .‬لهذا أمر السلم بالحوار وال ّ‬
‫أحسن‪ ،‬وسلوك الساليب الحسنة ‪ ،‬وال ّ‬
‫طرق السليمة في‬
‫ل َرب ّ َ‬
‫ة‬
‫ك ِبال ْ ِ‬
‫م ِ‬
‫ى َ‬
‫حك ْ َ‬
‫سِبي ِ‬
‫مخاطبة الخر‪ .‬قال تعالى‪  :‬اد ْع ُ إ ِل ِ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن َرب ّ َ‬
‫م‬
‫مو ْ ِ‬
‫ن إِ ّ‬
‫يأ ْ‬
‫سن َةِ وَ َ‬
‫عظ َةِ ال ْ َ‬
‫ح َ‬
‫ح َ‬
‫ك هُوَ أع ْل َ ُ‬
‫َوال ْ َ‬
‫س ُ‬
‫جاد ِل ُْهم ِبال ِّتي ه ِ َ‬
‫َ‬
‫ض ّ‬
‫ن‪.2‬‬
‫ل َ‬
‫مهْت َ ِ‬
‫من َ‬
‫عن َ‬
‫م ِبال ْ ُ‬
‫سِبيل ِهِ وَهُوَ أع ْل َ ُ‬
‫بِ َ‬
‫دي َ‬
‫على هذه السس يرسي القرآن الكريم قواعد الحوار في‬
‫السلم على أساس الحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي‬
‫هي أحسن ‪ ،‬إنه منهج حضاري متكامل في ترسيخ مبادئ الحوار‬
‫بين الشعوب والمم ‪ " .‬ومن الملحظ على التعبير القرآني‬
‫المعجز في الية ‪ :‬أنه اكتفى في الموعظة بأن تكون)حسنة(‪،‬‬
‫ولكنه لم يكتف في الجدال إل أن يكون بالتي هي) أحسن(‪ .‬لن‬
‫الموعظة ي غالبا ً ي تكون مع الموافقين‪ ،‬أما الجدال فيكون ي عادة‬
‫ي مع المخالفين؛ لهذا وجب أن يكون بالتي هي أحسن ‪ .‬على‬
‫معنى أنه لو كانت هناك للجدال والحوار طريقتان‪ :‬طريقة حسنة‬
‫‪ 1‬للباحث دراسة تحت عنوان‪ :‬حوار الحضارات ‪ :‬الموجود والمفقود والمنشود‪ ،‬ومقالة تحت عنوان‪ :‬دور السلم‬
‫في مشروع حوار الحضارات‪ ،‬مجلة المجتمع‪ ،‬الكويت‪ ،‬العدد ‪ ،1677‬بتاريخ ‪.19/11/2005‬‬
‫‪ 2‬سورة النحل ‪ :‬الية ‪ ،125‬وانظر‪ :‬يوسف القرضاوي ‪ :‬خطابنا السلمي في عصر العولمة‪ ،‬ص ‪40‬‬
‫‪154‬‬

‫وجيدة ‪ ،‬وطريقة أحسن منها وأجود‪ ،‬كان المسلم الداعية مأمورا ً‬
‫أن يحاور مخالفيه بالطريقة التي هي أحسن وأجود "‪.1‬‬
‫جاد ِل ُوَا ْ أ َهْ َ‬
‫ب إ ِل ّ ِبال ِّتي‬
‫و‬
‫لذلك قال الله تعالى أيضا ‪  :‬وَل َ ت ُ َ‬
‫ل ال ْك ِ َُتا ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫مّنا ِبالذ ِيَ أنزِل إ ِلي َْنا‬
‫موا ِ‬
‫ن إ ِل ال ِ‬
‫يأ ْ‬
‫ح َ‬
‫م وَقولوَا آ َ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫ن ظل ُ‬
‫ذي َ‬
‫س ُ‬
‫هِ ُ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ن[‬
‫مو‬
‫ل‬
‫س‬
‫م‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ن‬
‫ح‬
‫ن‬
‫و‬
‫د‬
‫ح‬
‫وا‬
‫م‬
‫ك‬
‫ه‬
‫لـ‬
‫إ‬
‫و‬
‫نا‬
‫ه‬
‫لـ‬
‫إ‬
‫و‬
‫م‬
‫ك‬
‫ي‬
‫ل‬
‫إ‬
‫ل‬
‫ز‬
‫وَأن ِ ِ ْ ْ َ ِ ُ َ َ ِ ُ ْ َ ِ ٌ َ َ ْ ُ ُ ُ ْ ِ ُ َ‬
‫ن هناك قواسم مشتركة ‪،‬‬
‫]العنكبوت‪[46 :‬فالحوار ممكن ل ّ‬
‫ُ‬
‫وهناك مجال للّتفاهم والّتقارب ‪ ،‬وهي اليمان بما أنزل على‬
‫المسلمين وغيرهم ‪ ،‬فالمصدر واحد وهو الله ‪ .‬فليتعارفوا‬
‫وليعرفوا بعضهم ‪ ،‬ومن ثم فليتقاربوا وليتعاونوا على ما هو صالح‬
‫لهم جميعا‪ .‬فالقرآن يعطينا أسلوب بدء الّلقاء والحوار ‪ ،‬وكيف‬
‫نستغ ّ‬
‫ل نقط الّتلقي بين المتحاورين ‪.‬فيبّين الصول التي يمكن‬
‫َ‬
‫ب ت ََعال َوْا ْ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ل ي َأهْ َ‬
‫الّتفاق عليها ويركز على ذلك فيقول ‪ :‬قُ ْ‬
‫ل الك َِتا ِ‬
‫م أ َل ّ ن َعْب ُد َ إ ِل ّ الل ّ‬
‫إ ِل َ‬
‫شْيئا ً وَل َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ه‬
‫ب‬
‫ك‬
‫ر‬
‫ش‬
‫ن‬
‫ل‬
‫و‬
‫ه‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫مة ٍ َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫وآٍء ب َي ْ َن ََنا وَب َي ْن َك ُ ْ‬
‫ى ك َل َ َ‬
‫َ‬
‫س َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫شهدوا ْ بأناَ‬
‫ن الل ّهِ فَِإن ت َوَل ّوْا ْ فَ ُ‬
‫ي َت ّ ِ‬
‫قوُلوا ْ ا ْ َ ُ ِ ّ‬
‫من ُ‬
‫خذ َ ب َعْ ُ‬
‫ضَنا ب َْعضا ً أْرَبابا ً ّ‬
‫دو ِ‬
‫ن [ ]عمران‪ [ 64:‬ويبّين السلم نوع العلقة التي يجب‬
‫مو‬
‫ل‬
‫س‬
‫ِ‬
‫م ْ ُ َ‬
‫ُ‬
‫أن تسود المسلمين وغيرهم ‪ ..‬إّنها علقة الّتعاون والحسان والبّر‬
‫والعدل ‪ .‬فهذا هو الحوار الحضاري والعلقة السامية ‪ ،‬قال تعالى‪:‬‬
‫م‬
‫دي‬
‫م يُ َ‬
‫ذي‬
‫م يُ ْ‬
‫ه عَ‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫خرِ ُ‬
‫م ِفي ال ّ‬
‫جوك ُ ْ‬
‫ن وَل َ ْ‬
‫قات ُِلوك ُ ْ‬
‫ن لَ ْ‬
‫م َ الل ّ ُ‬
‫‪ ‬ل ّ ي َن َْهاك ُ ُ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ن‬
‫م ْ‬
‫م وَت ُ ْ‬
‫ه يُ ِ‬
‫س ِ‬
‫ق ِ‬
‫ق ِ‬
‫ح ّ‬
‫م إِ ّ‬
‫ب ال ْ ُ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫سط ُوَا ْ إ ِل َي ْهِ ْ‬
‫م أن ت َب َّروهُ ْ‬
‫من د َِيارِك ُ ْ‬
‫ّ‬
‫طي َ‬
‫‪ ]‬الممتحنة‪[8 :‬‬
‫" وتلك القاعدة في معاملة غير المسلمين هي أعدل القواعد‬
‫التي تتفق مع طبيعة هذا الدين ووجهته ونظرته إلى الحياة‬
‫النسانية‪ ،‬بل نظرته الكلية لهذا الوجود"‪.2‬‬
‫ومن ثم يتبين للباحث مدى الرحمة الواسعة التي منحها السلم‬
‫ورسول السلم‪ ،‬للبشر المخالفين للسلم‪ ،‬فقرر أن الشرع أن‬
‫التعامل يكون بالحوار‪ ،‬والدعوة الحسنة‪ ،‬والجدال بالتي هي‬
‫أحسن‪ ،‬ويخص السلم أهل الكتاب بهذا الفضل‪ ،‬فهم أهل كتاب‪،‬‬
‫وأخوة في النسانية‪ ،‬فالسلم ل ينهانا أن نبر ونحسن إلى اليهود‬
‫والنصارى ما داموا لم يقاتلون المسلمين في الدين ولم يخرجوا‬
‫ما لهل الكتاب أن‬
‫المسلمين من ديارهم‪ ،‬ونداء المسلم دائ ً‬
‫َ ْ َ‬
‫م" ‪.‬‬
‫مة ٍ َ‬
‫وآٍء ب َي ْن ََنا وَب َي ْن َك ُ ْ‬
‫ى ك َل َ َ‬
‫س َ‬
‫"ت ََعالوْا إ ِل َ‬
‫المطلب الثاني ‪ :‬السلم يرفض المركزية الحضارية ‪:‬‬
‫ونعتقد مع ذلك أن السلم كدين وحضارة عندما يدعو إلى الحوار‬
‫مع الخر‪ ..‬ينكر )المركزية الحضارية( التي تريد العالم حضارة‬
‫واحدة مهيمنة ومتحكمة في النماط والتكتلت الحضارية الخرى‪،‬‬
‫فالسلم يريد العالم )منتدى حضارات( متعدد الطراف‪ ،‬يريد‬
‫م لهذه الحضارات المتعددة أن تتفاعل وتتساند؛ في كل ما‬
‫السل ُ‬
‫‪ 1‬انظر‪ :‬يوسف القرضاوي ‪ :‬خطابنا السلمي في عصر العولمة‪ ،‬القاهرة‪ ،‬ص ‪41‬‬
‫‪ 2‬سيد قطب ‪ :‬في ظلل القرآن ‪ ،‬ج ‪ ،6‬ص ‪3544‬‬
‫‪155‬‬

‫هو مشترك إنساني عام ‪ .‬وإذا كان السلم دينا ً عالميا ً وخاتم‬
‫الديان‪ ،‬فإنه في روح دعوته وجوهر رسالته ل يرمي إلى‬
‫)المركزية الدينية( التي تجبر العالم على التمسك بدين واحد‪..‬‬
‫إنه ينكر هذا القسر عندما يرى في تعددية الشرائع الدينية سنة‬
‫من سنن الله تعالى في الكون‪ ،‬قال تعالى‪  :‬ل ِك ُ ّ‬
‫م‬
‫جعَل َْنا ِ‬
‫ل َ‬
‫منك ُ ْ‬
‫شآَء الل ّه ل َجعل َك ُ ُ‬
‫من َْهاجا ً وَل َوْ َ‬
‫م‬
‫ة َوا ِ‬
‫م ً‬
‫شْرع َ ً‬
‫حد َة ً وََلـ ِ‬
‫ة وَ ِ‬
‫ِ‬
‫كن ل ّي َب ْل ُوَك ُ ْ‬
‫مأ ّ‬
‫ُ َ َ ْ‬
‫خي َْرا ِ َ‬
‫ميعا ً فَي ُن َب ّئ ُ ُ‬
‫مآ آَتا ُ‬
‫كم‬
‫ست َب ِ ُ‬
‫قوا ال َ‬
‫ج ِ‬
‫م َ‬
‫كم َفا ْ‬
‫جعُك ُ ْ‬
‫مْر ِ‬
‫ى الله َ‬
‫ِفي َ‬
‫ت إ ِل َ‬
‫ما ُ‬
‫ن‪] ‬المائدة‪. [48:‬وقال أيضًا‪  :‬وَل َوْ َ‬
‫شآَء‬
‫خت َل ِ ُ‬
‫م ِفيهِ ت َ ْ‬
‫فو َ‬
‫كنت ُ ْ‬
‫بِ َ‬
‫ُ‬
‫َرب ّ َ‬
‫جعَ َ‬
‫ن[ ]هود‪ :‬الية‬
‫م ْ‬
‫ة َوا ِ‬
‫م ً‬
‫خت َل ِ ِ‬
‫حد َة ً وَل َ ي ََزاُلو َ‬
‫ك لَ َ‬
‫ن ُ‬
‫سأ ّ‬
‫ل الّنا َ‬
‫في َ‬
‫‪. 1  118‬‬
‫إن دعوة النبي ‪ ‬إلى الحوار مع باقي الدول والحضارات تنبع‬
‫من رؤيته في التعامل مع غير المسلمين الذين يؤمنون برسالتهم‬
‫السماوية‪ ،‬فعقيدة المسلم ل تكتمل إل إذا آمن بالرسل جميعًا‪:‬‬
‫قال تعالى‪:‬‬
‫ُ‬
‫هّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ن كُ ّ‬
‫مآ أن ْزِ َ‬
‫سو ُ‬
‫ن ِبالل ِ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫ل إ ِلي ْهِ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫ن الّر ُ‬
‫لآ َ‬
‫من ّرب ّهِ َوال ُ‬
‫ل بِ َ‬
‫"آ َ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫معَْنا‬
‫سل ِهِ ل َ ن ُ َ‬
‫س ِ‬
‫نأ َ‬
‫سل ِهِ وََقاُلوا ْ َ‬
‫من ّر ُ‬
‫ملئ ِك َت ِهِ وَك ُت ُب ِهِ وَُر ُ‬
‫حد ٍ ّ‬
‫وَ َ‬
‫فّرقُ ب َي ْ َ‬
‫ك َرب َّنا وَإ ِل َي ْ َ‬
‫فَران َ َ‬
‫صيُر" ] البقرة ‪ :‬الية ‪[285‬‬
‫وَأ َط َعَْنا غ ُ ْ‬
‫م ِ‬
‫ك ال ْ َ‬
‫لقد حمل نبي الرحمة‪ ‬وأتباعه قيم السلم العليا ومثله‬
‫السامية وأخذوا في نشرها في كل أرجاء الدنيا‪ ،‬دون إجبار الناس‬
‫عليها‪ ،‬وبدأت عملية التفاعل بين الحضارة السلمية والحضارات‬
‫الوربية والمصرية والفارسية والهندية‪ .‬فلم يلغ السلم الحضارة‬
‫المصرية إنما جودها‪ ،‬ولم يلغ السلم حضارة الهند إنما هذبها ‪،‬‬
‫ونقى الحضارات من خبيث العقائد والفكار‪ ،‬وجلى الطيب النافع‬
‫من الموروثات والثقافات القديمة ‪.‬‬
‫ومع مرور الزمن وانصرام القرون نتجت حضارة إسلمية جديدة‬
‫أسهمت في إنضاجها مكونات حضارات الشعوب والمم التي‬
‫دخلت في السلم‪ ،‬فاغتنت الحضارة السلمية بكل ذلك عن‬
‫طريق الحوار والتفاعل‪ ،‬وكانت هي بدورها فيما بعد عندما‬
‫استيقظت أوروبا من سباتها وأخذت تستعد للنهوض مكونا ً‬
‫حضاريا ً ذا بال أمد ّ الحضارة الوروبية الغربية بما تزخر به من‬
‫علوم وقيم وعطاء حضاري متنوع‪.2‬‬
‫الشيء نفسه يمكن قوله عن الحضارة الغربية التي لم تظهر‬
‫فجأة‪ ،‬بل تكونت خلل قرون كثيرة حتى بلغت أوجها في عصرنا‬
‫الحاضر وذلك نتيجة التفاعل الحضاري مع حضارات أخرى هيلينية‬
‫ورومانية وغيرها‪ ،‬وبفعل التراكم التاريخي وعمليات متفاعلة من‬
‫التأثر والتأثير خلل التاريخ النساني الحديث‪ .‬إن أكبر دليل على‬
‫‪ 1‬انظر ‪ :‬حسن عزوزي‪ :‬السلم وترسيخ ثقافة الحوار الحضاري‪ ،‬مجلة البلغ‪ ،‬يناير ‪2007‬‬
‫‪ 2‬انظر ‪ :‬حسن عزوزي‪ :‬السلم وترسيخ ثقافة الحوار الحضاري‪ ،‬مجلة البلغ‪ ،‬يناير ‪2007‬‬
‫‪156‬‬

‫أن الحضارة السلمية لم تسع في أي وقت من الوقات إلى‬
‫التصادم مع الحضارة الغربية‪ ،‬هو أن العرب والمسلمين لم‬
‫يضعوا في أي زمن من الزمان صوب أهدافهم القضاء على‬
‫خصوصيات الحضارة الغربية وهويتها الحضارية‪. 1‬‬
‫المطلب الثالث ‪ :‬نماذج عملية من سيرة النبي‪: ‬‬
‫إليك هذه النماذج الطيبة من سيرة النبي ‪ ،‬والتي تبين كيف كان‬
‫النبي يحاور الحضارات والمم الخرى‪ ،‬يدعوها إلى كلمة سواء ‪.‬‬
‫فبعدما عقد النبي ‪‬هدنة بينه وبين مشركي مكة الذين حاربوه‬
‫على مدار ثمانية عشر عاما ً ي أو أكثر ي‪ ،‬استغل النبي ‪‬هذه‬
‫الهدنة في مراسلة زعماء وأمراء وملوك العالم ‪..‬للحوار‬
‫والتواصل والتعريف بدعوة السلم‪ ..‬مركزا ً في خطاباته على‬
‫قيم السلم وحرية العتقاد‪ ،‬نرى ذلك جليا ً في محتوى هذه‬
‫الرسائل ‪..‬‬
‫هذا‪ ،‬ولنتأمل أحد هذه النماذج المشرقة‪ ،‬ولتكن رسالة النبي ‪‬‬
‫مّتي‬
‫إلى الملك المقوقس ‪ ..‬فكتييب النبييي ‪ ‬إلى ُ‬
‫جَرْيج بين َ‬
‫قوِْقس ملك مصر والسكندرية‪ ،‬رسالة نصها‪:‬‬
‫م َ‬
‫الملقب بال ُ‬
‫"بسم الله الرحمن الرحيم ‪ ..‬من محمد عبد الله ورسوله إلى‬
‫المقوقس عظيم القبط‪ ..‬سلم على من اتبع الهدى‪ ،‬أما بعد‪:‬‬
‫فإني أدعوك بدعاية السلم‪ ،‬أسلم تسلم‪ ،‬وأسلم يؤتك الله‬
‫َ‬
‫أجرك مرتين‪ ،‬فإن توليت فإن عليك إثم أهل القبييط‪َ ،‬يا أهْ َ‬
‫ل‬
‫ال ْكتاب تعال َوا ْ إَلى ك َل َمة سواء بيننا وبينك ُ َ‬
‫ه وَل َ‬
‫م أل ّ ن َعْب ُد َ إ ِل ّ الل ّ َ‬
‫َ ٍ َ َ َََْ َََْ ْ‬
‫َِ ِ ََ ْ ِ‬
‫َ‬
‫ن الل ّهِ فَإن ت َوَل ّوْا ْ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫شرِ َ‬
‫ك ب ِهِ َ‬
‫نُ ْ‬
‫شي ًْئا وَل ي َت ّ ِ‬
‫من ُ‬
‫خذ َ ب َعْ ُ‬
‫ضَنا ب َْعضا أْرَباًبا ّ‬
‫دو ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫‪2‬‬
‫قوُلوا ْ ا ْ‬
‫ن‪. "‬‬
‫فَ ُ‬
‫مو َ‬
‫شه َ ُ‬
‫م ْ‬
‫سل ِ ُ‬
‫دوا ْ ب ِأّنا ُ‬
‫واختار لحمل هذا الخطاب الصحابي المتحدث حاطب بن أبي‬
‫ب َل ْت ََعة ‪.‬‬
‫وجدير بنا أن نذكر كلم حاطب ‪ ‬للمقوقس حتى يعرف الغييرب‬
‫أن هذه البعوث كانت تعرف هدفها جيدا ً كما أنها بلغييت حييدا ً ميين‬
‫الفقه والحصافة يستحق العجاب البالغ‪.‬‬
‫قال حاطب‪ :‬إن هذا النبي دعا الناس‪ ،‬فكان أشدهم عليه قريش‪،‬‬
‫وأعداهم له اليهود‪ ،‬وأقربهييم منييه النصييارى‪ ،‬ولعمييري مييا بشييارة‬
‫موسى بعيسى إل كبشارة عيسى بمحمد‪ ،‬ومييا دعاؤنييا إييياك إلييى‬
‫القرآن إل كدعائك أهل التوراة إلى النجيل ‪..‬وكل نبي أدرك قوما ً‬
‫‪ 1‬انظر ‪ :‬حسن عزوزي‪ :‬السلم وترسيخ ثقافة الحوار الحضاري‪ ،‬مجلة البلغ‪ ،‬يناير ‪2007‬‬
‫‪ 2‬انظر‪:‬البيهقي ‪ :‬دلئل النبوة‪ ،‬ج ‪ ،5‬ص ‪ ،4‬وما بعدها ‪ ،‬باب ما جاء في كتاب النبي صلى ال عليه وسلم إلى‬
‫المقوقس‪.‬‬
‫‪157‬‬

‫فهم أمته‪ ،‬فحق عليهم أن يطيعوه‪ ،‬وأنت مميين أدرك هييذا النييبي‪،‬‬
‫ولسنا ننهاك عن دين المسيح ولكننا نأمرك به!‬
‫فقال المقوقس‪ :‬إني قد نظرت في أمر هذا النبي‪ ،‬فوجدته ل‬
‫يأمر بمزهود فيه‪ .‬ول ينهي عن مرغوب فيه‪ ،‬ولم أجده بالساحر‬
‫الضال‪ ،‬ول الكاهن الكاذب‪ ،‬ووجدت معه آية النبوة بإخراج الخبء‬
‫والخبار بالنجوي‪ ،‬وسأنظر‪.‬‬
‫حقّ من عاج‪ ،‬وختم عليه‪ ،‬ودفعه‬
‫وأخذ كتاب النبي ‪ ،‬فجعله في ُ‬
‫إلى جارية له‪ ،‬ثم دعا كاتبا ً له يكتب بالعربية‪ ،‬فكتب إلى النبي ‪‬‬
‫‪:‬‬
‫"بسم الله الرحمن الرحيم‪ .‬لمحمد بن عبد الله من المقوقس‬
‫عظيم القبط‪ ،‬سلم عليك‪ ،‬أما بعد ‪ :‬فقد قرأت كتابك‪ ،‬وفهمت ما‬
‫ذكرت فيه‪ ،‬وما تدعو إليه‪ ،‬وقد علمت أن نبيا ً بقي‪ ،‬وكنت أظن‬
‫أنه يخرج بالشام‪ ،‬وقد أكرمت رسولك‪ ،‬وبعثت إليك بجاريتين‪،‬‬
‫لهما مكان في القبط عظيم‪ ،‬وبكسوة‪ ،‬وأهديت بغلة لتركبها‪،‬‬
‫والسلم عليك"‪.1‬‬
‫ولم يزد على هذا ولم يسلم‪ ،‬فتزوج رسول الله ‪‬مارية‪ ،‬فأنجبت‬
‫له طفل ي سماه إبراهيم‪ ،‬تقديرا ً وتشريفا ً لبي النبياء ي عليه‬
‫السلم ي ‪ ،‬أما سيرين‪ ،‬فقد تزوجها الشاعر حسان بن ثابت ‪.‬‬
‫مث ٌ‬
‫ل لرسائله إلى رجالت النصرانية ومواقفهم منها‪ .‬وقد‬
‫"تلك ُ‬
‫ساق النبي كذلك مبعوثيه إلى رؤساء المجوسية يدعونهم إلى‬
‫الله‪ ،‬ويحدثونهم عن الدين الذي لو تبعوه نقلهم من الغي إلى‬
‫الرشاد‪ ..‬وقد تفاوتت ردودهم‪ ،‬بين العنف واللطف واليمان‬
‫والكفر"‪..2‬‬
‫و النبي ‪ ‬بذلك أول من نادى بالحوار بين الحضارات والدول‪،‬‬
‫في سبيل نشر قيم سامية ‪ ..‬ومارس هذا الحوار كما رأيت‬
‫بمستوى عال من الدب وحسن الخلق واحترام الرأي الخر‪.‬‬
‫ولقد أرسل الرسول ‪ ‬الكثير من الرسل والسفراء – يدعوهم‬
‫إلى السلم ‪ -‬ولتحقيق مثل هذا الحوار بينه وبين المم‬
‫والحضارات الخرى وملوك وزعماء العالم ‪:‬‬
‫‪ 1‬انظر ‪ :‬المصدر السابق‬
‫‪ 2‬محمد الغزالي ‪ :‬فقه السيرة‪ ،‬ص ‪.274‬‬
‫‪158‬‬

‫قا‬
‫)‪ (1‬فبعث الصحابي الفاضل دحية بن خليفة الكلبي – وكان أني ً‬
‫ما ‪ ،-‬إلى قيصر ملك الرومان‪ ،‬واسمه هرقل‪.‬‬
‫وسي ً‬
‫)‪ (2‬وبعث الصحابي المناضل عبد الله بن حذافة السهمي –‬
‫وكان راسخ الفكر واليمان متحدًثا بليًغا ‪ -‬إلى كسرى ابرويز بن‬
‫هرمز‪ ،‬ملك الفرس‪.‬‬
‫قا‬
‫)‪ (3‬وبعث الصحابي الجليل عمرو بن أمية الضمري – وكان لب ً‬
‫ذكًيا‪ ،-‬إلى النجاشي ملك الحبشة‪ ،‬ثم بعثه النبي‪ ‬مرة أخرى‬
‫ة ال ْك َ ّ‬
‫م َ‬
‫ب إل َي ْهِ‬
‫ب مدعي النبوة المشهور ‪ ،‬برسالة‪ ،‬وَك َت َ َ‬
‫م َ‬
‫سي ْل ِ َ‬
‫إلى ُ‬
‫ذا ِ‬
‫َ‬
‫م‪.‬‬
‫بآ َ‬
‫وام ِ أ ِ‬
‫م يُ ْ‬
‫معَ ال ّ‬
‫سل ِ ْ‬
‫خي الّزب َي ْرِ فَل َ ْ‬
‫خَر َ‬
‫سائ ِ ِ‬
‫ب ِك َِتا ٍ‬
‫ن ال ْعَ ّ‬
‫ب بْ ِ‬
‫ْ‬
‫ن ‪ -‬الصحابي القائد عمرو بن‬
‫)‪ (4‬وبعث ‪ِ -‬في ِذي ال َ‬
‫سن َ َ‬
‫قعْد َةِ َ‬
‫ة ثَ َ‬
‫ما ٍ‬
‫دى‬
‫جي ْ َ‬
‫جل َن ْ َ‬
‫ي ال ُ‬
‫العاص – داهية العرب ‪-‬؛ إلى َ‬
‫فرٍ وَع َب ْد ِ الل ّهِ اب ْن َ ْ‬
‫َْ‬
‫ن ‪ ،‬ملكي عمان‪.‬‬
‫الْزد ِي ّي ْ ِ‬
‫)‪ (5‬وبعث الصحابي الجليل سليط بن عمرو إلى هوذة ابن علي‪،‬‬
‫الملك على اليمامة‪ ،‬وإلى ثمامة بن أثال‪ ،‬الحنفيين‪.‬‬
‫ن‬
‫ضَر ِ‬
‫ح ْ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ي إَلى ال ْ ُ‬
‫م ّ‬
‫)‪ (6‬وبعث الصحابي الجليل ال ْعََلَء ب ْ َ‬
‫من ْذ ِرِ ب ْ ِ‬
‫ن‪.‬‬
‫ك ال ْب َ ْ‬
‫مل ِ ِ‬
‫َ‬
‫ساَوى ال ْعَب ْد ِيّ َ‬
‫حَري ْ ِ‬
‫)‪ (7‬وبعث الصحابي الجليل شجاع بن وهب السدي‪ ،‬من أسد‬
‫خزيمة‪ ،‬إلى الحارث ابن أبي شمر الغساني‪ ،‬وابن عمه جبلة بن‬
‫اليهم‪ ،‬ملكي البلقاء من عمال دمشق للرومان‪.‬‬
‫ُ‬
‫)‪ (8‬وبعث الصحابي الجليل ال ْمهاجر ب َ‬
‫ي إَلى‬
‫م ْ‬
‫مي ّ َ‬
‫خُزو ِ‬
‫ة ال ْ َ‬
‫ن أِبي أ َ‬
‫م ّ‬
‫ُ َ ِ َ ْ َ‬
‫مي َرِيّ أحد زعماء اليمن‪ ،‬وقال ‪ :‬سأنظر‬
‫ل ال ْ ِ‬
‫حارِ ِ‬
‫ال ْ َ‬
‫ح ْ‬
‫ن ع َب ْد ِ ك َُل ٍ‬
‫ث بْ ِ‬
‫‪.‬‬
‫)‪ (9‬وبعث العلمة الفقيه معاذ بن جبل إلى جملة اليمن‪ ،‬داعيا ً‬
‫إلى السلم‪ ،‬فأسلم جميع ملوكهم‪ ،‬كذى الكلع وذي ظليم وذي‬
‫زرود وذي مران وغيرهم‪.‬‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ي‪ ،‬إلى ِذي‬
‫)‪ (10‬وَب َعَ َ‬
‫ن ع َب ْد ِ اللهِ الب َ َ‬
‫ث الصحابي الجليل َ‬
‫ج َل ِ ّ‬
‫ريَر ب ْ َ‬
‫ج ِ‬
‫ال ْ َ‬
‫ي‬
‫رو ي َد ْ ُ‬
‫كلِع ال ْ ِ‬
‫سَلم ِ فَأ ْ‬
‫ما إَلى اْل ِ ْ‬
‫سل َ َ‬
‫عوهُ َ‬
‫مي َرِيّ وَِذي ع َ ْ‬
‫ح ْ‬
‫ما وَت ُوُفّ َ‬
‫م ٍ‬
‫سو ُ‬
‫م‪.‬‬
‫ج‬
‫ريٌر ِ‬
‫ل الل ّهِ ‪ ‬وَ َ‬
‫َر ُ‬
‫عن ْد َهُ ْ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ي‬
‫م ْ‬
‫ن أِبي َرِبيعَ َ‬
‫)‪ (11‬وَب َعَ َ‬
‫خُزو ِ‬
‫ة ال َ‬
‫ث الصحابي الجليل ع َّيا َ‬
‫م ّ‬
‫ش بْ َ‬
‫ل زعماء من‬
‫حارِ ِ‬
‫برسالة إَلى ال ْ َ‬
‫م ْ‬
‫ث وَ َ‬
‫ح وَن ُعَي ْم ٍ ب َِني ع َب ْد ِ ك َُل ٍ‬
‫سُرو ٍ‬
‫مي ََر ‪.‬‬
‫ِ‬
‫ح ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ج َ‬
‫ي ي َد ْ ُ‬
‫)‪ (12‬وَب َعَ َ‬
‫ذا ِ‬
‫رو ال ُ‬
‫عوه ُ إلى ال ِ ْ‬
‫ن عَ ْ‬
‫م ّ‬
‫م ٍ‬
‫سلم ِ‬
‫ث إلى فَْروَة َ ب ْ ِ‬
‫َ‬
‫‪.‬و َ‬
‫ي‪‬‬
‫مًل ل ِ َ‬
‫ن فَْروَة ُ َ‬
‫عا ِ‬
‫م وَك َت َ َ‬
‫مَعا َ‬
‫كا َ‬
‫ن فَأ ْ‬
‫سل َ َ‬
‫صَر ب ِ َ‬
‫قي ْ َ‬
‫ب إَلى الن ّب ِ ّ‬
‫ة َ‬
‫شهَْباُء‬
‫ي ب َغْل َ ٌ‬
‫ث إل َي ْهِ هَد ِي ّ ً‬
‫مهِ وَب َعَ َ‬
‫سَل ِ‬
‫ن َ‬
‫م ْ‬
‫ب ِإ ِ ْ‬
‫معَ َ‬
‫ة َ‬
‫سعْد ٍ وَه ِ َ‬
‫سُعود ِ ب ْ ِ‬
‫َ‬
‫ب‬
‫م َ‬
‫ماٌر وَب َعَ َ‬
‫س وَ ِ‬
‫واًبا وَقََباًء ِ‬
‫ن ُ‬
‫س ُ‬
‫ح َ‬
‫ص ِبالذ ّهَ ِ‬
‫وَفََر ٌ‬
‫م ْ‬
‫ث أث ْ َ‬
‫خو ّ ٍ‬
‫سن ْد ُ ٍ‬

‫‪159‬‬

‫قب ِ َ‬
‫ة وَن ِ ً‬
‫ي عَ ْ‬
‫شا‬
‫فَ َ‬
‫شَرة َ ُأوقِي ّ ً‬
‫ه وَوَهَ َ‬
‫ن َ‬
‫م ْ‬
‫ب لِ َ‬
‫ل ‪ ‬هَد ِي ّت َ ُ‬
‫سعْد ٍ اث ْن َت َ ْ‬
‫سُعود ِ ب ْ ِ‬
‫‪.‬‬
‫وأسلم سائر الملوك والمراء الذين ذكرنا ‪ ،‬وأسلم قومهم‪ ،‬حاشا‬
‫قيصر والمقومقس وهذوة وكسرى والحارث بن أبي شمر ‪..‬‬
‫وتأخر إسلم ثمامة بن أثال‪ ،‬ثم أسلم مختارا ً بعد ذلك‪.‬‬
‫وهكذا‪ ،‬أحدث الرسول ‪ ‬هذا الحوار البناء بين أمة السلم‬
‫والمم الخرى في شتى بقاع العالم ‪ ..‬وتواصل مع قيادات ورموز‬
‫العالم آن ذاك‪ ..‬فمنهم من تجاوب وتناقش‪ ،‬ومنهم من تعامل مع‬
‫رسل النبي بوقاحة‪ ،‬كما فعل كسرى ‪..‬‬
‫وهذا مظهر فريد من مظاهر الرحمة في شخصية النبي ‪ ،‬فقد‬
‫قدم الحوار على الصدام في تعامله مع المم الخرى لسيما‬
‫المخالفة للسلم‪ ،‬وراسل النبي ‪ ‬زعماء وأمراء وملوك العالم؛‬
‫برسائل على مستوى عال من التحضر والذوق الرفيع‪ ،‬لتعريفهم‬
‫بدعوة السلم وغايته‪ .‬فحقن الدماء وأعلى من شأن الحوار‬
‫والتبادل العلمي والثقافي ‪ ،‬حتى استفادت أوربا من الحضارة‬
‫السلمية في بناء النهضة العلمية الوربية الحديثة‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫المبحث الثاني‬
‫حرصه على نشر السلم‬
‫لمحمد‪ ‬الفضل العظم في نشر السلم في ربوع الجزيرة‬
‫العربية‪ ،‬التي عاشت عدة قرون في حروب طاحنة ومعارك على‬
‫أتفه السباب‪ ،‬وكثرت حروب "الفجار" التي انتهك أصحابها حرمة‬
‫البلد الحرام‪.‬‬
‫وفي هذا المبحث نبين من خلل شهادات علماء الغرب‬
‫والمواقف والحداث؛ هذا المظهر من مظاهر الرحمة في‬
‫شخصية محمد ‪:‬‬
‫‪2‬‬
‫المطلب الول ‪ :‬محمد‪ ‬رجل السلم ‪:‬‬
‫يقول المفكر هنري ماسيه ‪:‬‬
‫" إذا بحثنا عن محمد ]‪[‬إجماليا ً نجده ذا مزاج عصبي‪ ،3‬و فكر‪،‬‬
‫دائم التفكير‪ ،‬ونفس باطنها حزن ‪ ،‬وأما مداركه فهي تمثل‬
‫شخصا ً يعتقد بإله واحد ‪ ،‬وبوجود حياة أخرى ‪ ،‬ويتصف بالرحمة‬
‫‪ 1‬انظر‪ :‬هذه البعوث في كتب السيرة ‪ :‬ابن حزم ‪ :‬جوامع السيرة ‪ ،30 ،29‬وابن هشام ‪،25 /4‬وابن سعد ‪-2 / 1‬‬
‫‪ ،15‬و محمد بن حبيب البغدادي ‪:‬المحبر ‪ ، 75‬وابن سيد الناس‪ :‬عيون الثر ‪ ،270 - 260 /2‬وابن كثير ‪ :‬السيرة‬
‫النبوية ‪ ،262 /4‬والمتاع ‪ 307‬وتهذيب النووي ‪ ،1/30‬وابن القيم ‪ :‬زاد المعاد ‪ .116 /1‬وانظر صور ونصوص‬
‫رسائل النبي إلى الملوك في كتاب محمد حميد ال ‪ :‬الوثائق السياسية ص ‪ 135‬وما بعدها‪.‬‬
‫ضا‪ ،‬فكان رائدا في ميدان القتال‬
‫‪ 2‬أرجو أل نفهم من ذلك أن رسول ال رجل سلم وفقط‪ ،‬بل كان رجل حرب أي ً‬
‫والبأس ورائدا في ميدان الصلح والسلم ‪.‬‬
‫‪ 3‬هذه الجملة نرفضها‪ ،‬بل كان سيدنا محمد ‪-‬صلى ال عليه وسلم ‪-‬هادىء الطبع‪ ،‬لين العريكة ‪.‬‬
‫‪160‬‬

‫الخالصة ‪ ،‬والحزم في الرأي والعتقاد ‪ ،‬ويضاف إليه أنه رجل‬
‫حكومة ‪ ،‬وأحيانا ً رجل سياسة وحرب ‪ ،‬ولكنه لم يكن ثائرا ً بل‬
‫كان مسالما ً "‪. 1‬‬
‫ووصف جورج بروك‪ 2‬السلم بأنه ‪ " :‬دين السلم والمحبة بين‬
‫البشر "‪.3‬‬
‫وقال عنه المفكر اليرلندي برناردشو‪ " :‬إنه دين التعاون والسلم‬
‫والعدالة في ظل شريعة محكمة لم تدع أمرا ً من أمور الدنيا إل‬
‫رسمته ووزنته بميزان ل يخطئ أبدا ً"‪. 4‬‬
‫إن إقرار السلم في منطة الجزيرة العربية الذي حققه محمد ‪‬‬
‫يعد بحق مظهرا ً مهما ً من مظاهر الرحمة‪ ،‬فقد شهدت الجزيرة‬
‫العربية في عهد محمد ‪ ‬عدة معاهدات سلمية‪ ،‬مما يبين فضل‬
‫رسول الله ‪ ‬في نشر ثقافة السلم بين العرب بعد قرون‬
‫طويلة من الجاهلية والحروب الهلية‪ ،‬وفضله في حقن الدماء‬
‫وحفظ العراض والمقدسات‪ ،‬التي كانت منتهكة في عصور‬
‫الجاهلية ‪ ..‬ولم تحدث أي حروب أهلية – في الجزيرة العربية ‪-‬‬
‫بعد ظهور محمد ‪ ‬وتسلمه زمام قيادة العرب ‪.‬‬
‫المطلب الثاني ‪ :‬نموذج في حادث بناء الكعبة ‪:‬‬
‫لما بلغ محمد ‪ ‬من عمره الخامسة والثلثين – أي قبل بعثتة‬
‫بخمس سنين ‪ ،-‬تعرضت الكعبة للهدم ‪ ،‬بسبب سيل عرم انحدر‬
‫إلى البيت الحرام‪ ،‬فأوشكت الكعبة منه على النهيار‪ ،‬فاضطرت‬
‫صا على مكانتها‪ ،‬فعمدت قريش إلى‬
‫قريش إلى تجديد بنائها حر ً‬
‫بنائها‪ ،‬فلما تنازع القرشيون فيما بينهم من الذي يضع الحجر‬
‫السود في مكانه ‪ ،‬واختلفوا فيمن يمتاز بشرف وضعه في‬
‫سا‪ ،‬واشتد حتى كاد يتحول‬
‫مكانه‪ ،‬واستمر النزاع أربع ليال أو خم ً‬
‫إلى حرب ضروس في أرض الحرم‪ ،‬إل أن أبا أمية بن المغيرة‬
‫المخزومى عرض عليهم أن يح ّ‬
‫كموا فيما شجر بينهم أول داخل‬
‫عليهم من باب المسجد‪ ،5‬فارتضوه‪ ،‬وشاء الله أن يكون ذلك‬
‫محمد ‪ ، ‬فلما رأوه قالوا‪ :‬هذا المين‪ ،6‬قد رضينا به هذا محمد‪،7‬‬
‫فلما انتهى إليهم‪ ،‬وأخبروه الخبر طلب رداء فوضع الحجر وسطه‬
‫وطلب من رؤساء القبائل المتنازعين أن يمسكوا جميًعا بأطراف‬
‫‪ 1‬هنري ماسيه ‪ :‬السلم ‪ ،‬ص ‪11‬‬
‫‪ 2‬عضو البرلمان البريطاني‬
‫‪ 3‬مجلة العالم السلمي العدد ‪ ، 7‬السنة الخامسة ‪.‬‬
‫‪ 4‬مجلة الذكرى عدد ‪ ، 7‬دورة ‪ 1‬ص ‪22‬‬
‫‪ 5‬ابن سيد الناس‪ :‬عيون الثر ‪75 \1‬‬
‫‪ 6‬الحاكم ‪ :‬المستدرك‪ 628 \ 1 ،‬من حديث عبد ال بن السائب‪ ،‬برقم ‪1683‬‬
‫‪ 7‬الطبري‪ :‬تاريخ المم والملوك ‪ ،526\1‬وابن كثير‪ :‬البداية والنهاية‪303\2 ،‬‬
‫‪161‬‬

‫الرداء‪ ،‬وأمرهم أن يرفعوه‪ ،‬حتى إذا أوصلوه إلى موضعه أخذه‬
‫بيده فوضعه في مكانه‪..1‬‬
‫وهذا حل حكيم من رجل حكيم تراضت قريش بحكمه‪.‬‬
‫ولقد راح المفكرون والعلماء‪ ،‬يعلقون على هذا الحادث بتعليقييات‬
‫مليئة بالتقدير والعجاب لهذه الشعلة العبقريية اليتي تحياول فييي‬
‫حرص شديد دائم على تحقيق المن والسييلم بييين النيياس ‪ ،‬وعيين‬
‫نجاح محمد ‪ ‬من تفهم الموقف بسرعة عظيمة‪ ،‬والتوسل بهذه‬
‫الحيلة البريئة وإرضاء زعماء قريش جميعًا‪..‬‬
‫فقد استرعت هذه الحادثيية انتبيياه البيياحث اللميياني أغسييطينوس‬
‫موللر ) ‪ ،(1894 -1148‬فتوقف عندها مليا ً ‪ ،‬في كتابه "السلم‬
‫"‪ ،‬وتعرض لسياسة النبي ‪ ‬في هذا المقام وأنه "أدهش قريش يا ً‬
‫بسياسته الرشيدة "‪.2‬‬
‫كما توقف الب هنري لمنس عند هذه الحادثة فقال ‪:‬‬
‫" لما اختلفت قريش في قضية بناء الكعبة ‪ ،‬وأي فخذ منها يجب‬
‫أن يعهد إليه بوضع الحجر السود في مكانه ‪ ،‬وكادوا يقتتلون ‪،‬‬
‫فاتفقوا على أن يعهدوا بذلك إلى محمد بن عبد الله الهاشمي]‬
‫‪ ،[‬قائلين ‪ :‬هذا هو المين ! "‪. 3‬‬
‫ولقد ربييط المستشييرق "أرثيير جيلمييان" بييين هييذه الحادثيية الييتي‬
‫منعت اقتتال القبائل العربييية‪ ،‬وبيين المرحلية التالييية لبيدء البعثيية‬
‫والوحي ‪ ،‬والتي تشكل مقدمة الدعوة السلمية‪ ،‬بقوله ‪:‬‬
‫" ل بد أن يكون محمد ]‪[‬قد تأثر بإعجاب القوم وتقديرهم‬
‫العظيم بهذه الفكرة التي بسطت السلم بين مختلف القبائل ‪،‬‬
‫وليستبعد أن يكون محمد]‪ [‬قد أخذ يحس بنفسه أنه من طينة‬
‫أرقى من معاصريه ‪ ،‬وأنه يفوقهم جميعا ً ذكاًء وعبقرية ‪ ،‬وأن الله‬
‫قد اختاره لمر عظيم ‪. 4"! ..‬‬

‫المطلب الثالث ‪ :‬نماذج المعاهدات مع القبائل‬
‫المجاورة للمدينة ‪:‬‬
‫‪ 1‬انظر في هذه الحادثة أيضًا‪ :‬محمد بن يوسف الصالحي ‪ :‬سبل الهدى والرشاد‪ ،171 \2 ،‬وابن الجوزي ‪ :‬صفة‬
‫الصفوة‪77 \1،‬‬
‫‪ 2‬انظر‪ :‬محمد شريف الشيباني‪ :‬الرسول في الدراسات الستشراقية المنصفة‪ ،‬ص ‪.23 ،22‬‬
‫‪ 3‬هنري لمنس ‪ :‬عهد السلم ‪ ،‬ص ‪65‬‬
‫‪ 4‬ارثر جيلمان ‪ :‬الشرق ‪ ،‬ص ‪117‬‬
‫‪162‬‬

‫فلقد عقد النبي – صلى الله عليه وسلم – في العام الثاني من‬
‫الهجرة‪ -‬المعاهدات مع القبائل المجاورة للمدينة ل سيما تلك‬
‫القبائل التي كانت على الطريق التجاري المؤدي إلى الشام‪،‬‬
‫وذلك من أجل أربعة أهداف ‪:‬‬
‫الهدف الول ‪ :‬تحييد هذه القبائل في قضية الصراع بين‬
‫دا مع المشركين على‬
‫المسلمين والمشركين‪ ،‬وأل يكونوا ي ً‬
‫المسلمين ‪.‬‬
‫الهدف الثاني ‪ :‬تأمين الحدود الخارجية للدولة ‪.‬‬
‫الهدف الثالث ‪ :‬اعتراف هذه القبائل بدولة المسلمين‬
‫الهدف الرابع ‪ :‬تهيئة هذه القبائل لقبول السلم‪ ،‬والدخول فيه ‪.‬‬
‫نماذج لهذه المعاهدات ‪:‬‬
‫ة‬
‫مَر َ‬
‫وادَ َ‬
‫ع ُ‬
‫ة ب َِني َ‬
‫ض ْ‬
‫أول ً ‪ُ :‬‬
‫م َ‬
‫ة وَ َ‬
‫واد َع َةِ على النحو التالي ‪:‬‬
‫ن ك َِنان َ َ‬
‫ن ِ‬
‫كا َ‬
‫ن نص وثيقة ال ْ ُ‬
‫وَهُ ْ‬
‫م َ‬
‫م ْ‬
‫م ب َط ْ ٌ‬
‫حيم ِ ‪ .‬هَ َ‬
‫ه‬
‫م‬
‫ن الّر ِ‬
‫ل الل ّ ِ‬
‫ب ِ‬
‫م َ‬
‫ذا ك َِتا ٌ‬
‫سم ِ الل ّهِ الّر ْ‬
‫مد ٍ َر ُ‬
‫"ب ِ ْ‬
‫ح ّ‬
‫ن ُ‬
‫ح َ‬
‫سو ِ‬
‫م ْ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫صَر‬
‫م وَأن ْ ُ‬
‫ف ِ‬
‫مآ ِ‬
‫م وَأ ّ‬
‫مُنو َ‬
‫ل ِب َِني َ‬
‫ن ل َهُ ْ‬
‫سه ِ ْ‬
‫وال ِهِ ْ‬
‫ن ع ََلى أ ْ‬
‫مَرة َ ‪ ،‬فَإ ِن ّهُ ْ‬
‫ض ْ‬
‫م الن ّ ْ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫‪1‬‬
‫ّ‬
‫ما ب َ ّ‬
‫ة‬
‫صوفَ ً‬
‫ل بَ ْ‬
‫حارِ ُ‬
‫ن يُ َ‬
‫م ‪-‬إل أ ْ‬
‫ن اللهِ ‪َ -‬‬
‫مه ُ ْ‬
‫ن َرا َ‬
‫ع ََلى َ‬
‫حٌر ُ‬
‫م ْ‬
‫بوا ِفي ِدي ِ‬
‫َ‬
‫م ب ِذ َل ِ َ‬
‫يإ َ‬
‫ة‬
‫ذا د َ َ‬
‫م ُ‬
‫م ُ‬
‫صرِهِ أ َ‬
‫وَإ ِ ّ‬
‫ة الل ّهِ وَذ ِ ّ‬
‫ك ذِ ّ‬
‫ه‪ ،‬ع َل َي ْهِ ْ‬
‫جاُبو ُ‬
‫عاهُ ْ‬
‫م ل ِن َ ْ‬
‫ن الن ّب ِ ّ‬
‫‪2‬‬
‫قى ‪ . ".‬وكانت هذه‬
‫م َوات ّ َ‬
‫ن ب َّر ِ‬
‫سول ِ ِ‬
‫َر ُ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫صُر ع ََلى َ‬
‫ه‪ ،‬وَل َهُ ْ‬
‫م الن ّ ْ‬
‫م ْ‬
‫المعاهدة عقب أول غزوة للنبي وهي البواء أو ودان )في صفر‬
‫‪2‬هي ‪ -‬أغسطس ‪ 623‬هي (‬
‫‪3‬‬
‫ج في ) جمادي الولى ‪2‬هي‪-‬‬
‫كما عقد النبي معاهدة مع ب َِني ُ‬
‫مد ْل ِ ٍ‬
‫نوفمبر ‪ 623‬م( ‪ ،‬وكانت على نفس النحو من وثيقة بني ضمرة ‪.‬‬
‫ة جهينة ‪:‬‬
‫وادَ َ‬
‫ع ُ‬
‫ثانًيا ‪ُ :‬‬
‫م َ‬
‫وهذه القبيلة تسكن منطقة العيص على ساحل البحر الحمر‪،‬‬
‫وكان نص هذه المعاهدة ‪:‬‬
‫"إنهم آمنون على أنفسهم وأموالهم‪ ،‬وإن لهم النصر على من‬
‫ظلمهم أو حاربهم إل في الدين والهل‪ ،‬ولهل باديتهم من بر‬
‫منهم واتقى ما لحاضرتهم"‪.4‬‬
‫وقد دلت هذه الوثائق على مقتضيات أخلقية سامية‪ ،‬فنرى فيها‬
‫الرسول القائد السمح – صلى الله عليه وسلم ‪ -‬يوادع هذه‬
‫القبائل على النصرة المتبادلة في المعروف‪ ،‬ويضمن لهم النبي‬
‫‪ 1‬دللة على تأبيد هذا العقد‪ ،‬وفيه جواز تأبيد المعاهدات بين المسلمين وغير المسلمين مالم يكن في هذه المعاهدات‬
‫ما يخالف الشرع ‪.‬‬
‫‪ 2‬السهيلي ‪ :‬الروض النف ‪38 /3‬‬
‫‪ 3‬ابن سيد الناس ‪ :‬عيون الثر ‪300 / 1‬‬
‫‪ 4‬انظر‪ :‬محمد حميد ال‪ :‬مجموعة الوثائق السياسية‪ ،‬ص ‪ .62‬وانظر إلى المزيد والمزيد من هذه المعاهدات في‬
‫هذا الكتاب الفريد‪.‬‬
‫‪163‬‬

‫المن والمان على الموال والنفس‪ ،‬ويظهر لهم النبي أخلق‬
‫الحسان والصلة ‪..‬‬
‫المطلب الرابع‪ :‬نموذج في معركة الحزاب ‪:‬‬
‫ومن المواقف التي تدل على حرص محمد ‪ ‬على السلم‪ ،‬ما‬
‫حدث في معركة الحزاب )في شوال ‪ 5‬هي\ مارس ‪627‬م( ‪،‬‬
‫حيث حاصر المشركون المدينة المنورة‪ ،‬فلما اشتد على‬
‫المسلمين الحصار و البلء بعث رسول الله ‪ ،‬إلى عيينة بن‬
‫حصن والحارث بن عوف المرى‪ ،‬وهما قائدا غطفان ي في جيش‬
‫الحزاب ي وعرض عليهما النبي ‪ ‬ثلث ثمار المدينة‪ ،‬على أن‬
‫يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه‪ ،‬فأحضر النبي ‪ ‬الصحيفة‬
‫والدواة‪ ،‬وأحضر عثمان بن عفان فأعطاه الصحيفة‪ ،‬وهو يريد أن‬
‫يكتب الصلح بينهما‪ ،‬وعباد بن بشر قائم على رأس النبي ‪،‬‬
‫مقنع في الحديد‪ ..‬ولم تقع الشهادة ول عزيمة الصلح‪ ،‬إل‬
‫المراوضة‪.‬فلما أراد رسول الله ‪ ‬أن يفعل ذلك بعث إلى سعد‬
‫بن عبادة وسعد بن معاذ فذكر لهما ذلك‪ ،‬واستشارهما فيه‪. 1‬‬
‫فرفضا هذه الفكرة‪..‬‬
‫ونزل النبي ‪ ‬على رأي الجماعة‪ ،‬فلم يتم هذا الصلح!‬
‫ولكن الشهاد في هذا الموقف‪ ،‬هو حرص النبي الدائم في تجنب‬
‫الحل العسكري‪ ،‬قدر المكان‪ ..‬وميله الدائم نحو الحل السلمي ‪.‬‬
‫المطلب الخامس ‪ :‬نموذج معاهدة الحديبية‪:‬‬
‫لول مرة تشهد الجزيرة العربية تلك المعاهدة المحمدية التي‬
‫نادى بها النبي ‪ ‬وأبرمها في ذي القعدة سنة ست من الهجرة‬
‫)مارس ‪ 628‬م( ‪ ،‬وهي معاهدة صلح الحديبية‪.‬‬
‫رغم ما كان من بنود مجحفة بالمسلمين في هذا الصلح ‪..‬‬
‫وإن المتأمل لحداث صلح الحديبية يتبين له إصرار النبي ‪‬‬
‫على تحقيق السلم‪ ،‬وأنه ‪ ‬كان دائما ً يجنح للسلم إن هيئت له‬
‫أسباب إقامة السلم في أي وقت‪..‬‬
‫فعندما قصد رسول ‪ ‬العمرة مع أصحابه‪ ،‬في العام السادس‬
‫من الهجرة‪ ،‬أبت قريش أن تسمح للنبي وأصحابه بإداء عبادة‬
‫العمرة‪ ،‬وهذا الفعل من القريشيين يعد جريمة كبرى في عرف‬
‫العرب‪ ،‬إذ كيف ُيصد عن البيت الحرام من جاء معظما ً له !!‬
‫سهَْيل بن‬
‫وعرفت قريش ضيق الموقف‪ ،‬فأسرعت إلى بعث ُ‬
‫عمرو – متحدًثا رسمًيا لها ‪ -‬للتفاوض مع النبي ‪ ‬حول عقد‬
‫الصلح‪ ،‬وأكدت له أن يكون في شروط الصلح ‪ :‬أن يرجع عن‬
‫مكة عامه هذا دون عمرة‪ ،‬ففي ذلك – كما يرى القرشيون ‪-‬‬
‫‪1‬‬

‫انظر‪ :‬ابن كثير ‪ :‬السيرة النبوية ‪ ،201 / 3‬ومحمد بن يوسف الصالحي‪ :‬سبل الهدى والرشاد ‪376 / 4‬‬
‫‪164‬‬

‫جرح لمشاعر المشركين بعدما انتصر عليهم المسلمون في‬
‫دا‬
‫معركة بدر انتصاًرا ساح ً‬
‫قا ‪ ،‬وحتى ل تتحدث العرب أن محم ً‬
‫ما عن المشركين ‪.-‬‬
‫‪ ‬دخل مكة وأدى العمرة رغ ً‬
‫فأتاه سهيل بن عمرو‪ ،‬فلما رآه ‪ ‬قال‪" :‬قد سهل لكم أمركم‪،‬‬
‫أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل"‪ ،1‬فجاء سهيل فتكلم‬
‫طوي ً‬
‫ل‪ ،‬ثم اتفقا على قواعد الصلح‪ ،‬وهي هذه‪: 2‬‬
‫البند الول ‪ :‬الرسول ‪‬يرجع من عامه هذا‪ ،‬فل يدخل مكة‪،‬‬
‫وإذا كان العام القابل دخلها المسلمون فأقاموا بها ثلثًا‪ ،‬معهم‬
‫قُرب‪ ،‬ول يتعرض لهم بأي نوع من‬
‫سلح الراكب‪ ،‬السيوف في ال ُ‬
‫أنواع التعرض‪.‬‬
‫البند الثاني ‪ :‬وضع الحرب بين الطرفين عشر سنين‪ ،‬يأمن‬
‫فيها الناس‪ ،‬ويكف بعضهم عن بعض‪.‬‬
‫البند الثالث ‪ :‬من أحب أن يدخل في عقد محمد ‪ ‬وعهده‬
‫دخل فيه‪ ،‬ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل‬
‫فيه‪ ،‬وتعتبر القبيلة التي تنضم إلى أي الفريقين جزءا ً من ذلك‬
‫الفريق‪ ،‬فأي عدوان تتعرض له أي من هذه القبائل يعتبر عدوانا ً‬
‫على ذلك الفريق‪.‬‬
‫البند الرابع‪ :‬من أتي محمدا ً ‪ ‬من قريش من غير إذن وليه ي‬
‫أي هاربا ً منهم ي رده عليهم‪ ،‬ومن جاء قريشا ً ممن مع محمد‪ ‬ي‬
‫أي هاربا ً منه ي لم يرد عليهّ!‬
‫ثم دعي علي بن أبي طالب ليكتب مسودة المعاهدة‪ ،‬وكره‬
‫سهيل بن عمرو ي مبعوث القريشيين ي أن يكتب في صدر‬
‫ي بن أبي طالب‪ ،‬وهو‬
‫الوثيقة " محمد رسول الله " وأبى عل ّ‬
‫كاتب الوثيقة ‪ ،‬أن يمحو بيده " رسول الله " ‪ ،‬فمحا النبي‪ -‬صلى‬
‫الله عليه وسلم ‪-‬هذه الصفة بيده الكريمة‪ ،‬وأمر الكاتب أن يكتب‬
‫" محمد بن عبد الله "‪. 3‬وهذا الموقف يدل على سماحته في‬
‫التفاوض‪ ..‬ثم تمت كتابة الوثيقة ‪ ،‬ولما تم الصلح دخلت قبيلة‬
‫خزاعة في عهد رسول الله وكانوا حليف بني هاشم منذ عهد عبد‬
‫المطلب‪ ، ،‬فكان دخولهم في هذا العهد تأكيدا ً لذلك الحلف‬
‫‪4 .‬القديم ي ودخلت قبيلة بنو بكر في عهد قريش‬

‫‪ 1‬صحيح ـ رواه البيهقي في السنن الكبرى ) ‪ ،(220 \9‬وهو في الرواء)‪.(57 \1‬‬
‫‪ 2‬انظر‪ :‬السهيلي ‪ :‬الروض النف ‪،48 \4‬وابن هشام\ ‪ ،316‬وابن كثير‪ :‬السيرة النبوية ‪.320 \3‬‬
‫‪ 3‬انظر‪ :‬ابن حزم‪ :‬جوامع السيرة ‪. 209 / 1‬‬
‫‪ 4‬انظر‪ :‬محمد بن يوسف الصالحي سبل الهدى والرشاد ‪.52 \5‬‬
‫‪165‬‬

‫المطلب السادس‪ :‬نموذج الصلح مع أهل خيبر ‪:‬‬
‫لما استسلم يهود خيبر ) في المحرم ‪ 7‬هي ‪ /‬مايو ‪ ،(628‬في‬
‫نهاية معركة رسول الله معهم صالحهم صلى الله عليه وسلم ‪، -‬‬
‫م َ‬
‫ج‬
‫ما ي َ ْ‬
‫مُلوا فيها وَي َْزَر ُ‬
‫عو َ‬
‫خُر ُ‬
‫شط ُْر َ‬
‫ها‪ ،‬وَل َهُ ْ‬
‫وأعطاهم الرض ‪ ،‬ي َعْ َ‬
‫من َْها‪. 1‬‬
‫ِ‬
‫وفي هذه المصالحة ‪ -‬بهذا الشكل ‪ -‬رحمة وعفو كبيرين بأهل‬
‫خيبر ‪..‬‬
‫فهم في الحقيقة يستحقون العدام ! فهم قد خانوا النبي ‪‬‬
‫وغدروا وتحالفوا مع مشركي قريش سًرا‪ ،‬وأصبحت قيادات خيبر‬
‫والفصائل اليهودية الخرى عملء وجواسيس لمشركي مكة‬
‫وغطفان ‪..‬كل هذا إلى جانب أنهم السبب الرئيسي في تحزيب‬
‫جيوش الحزب‪ ،‬من كل حدب وصوب‪..‬‬
‫ه‬
‫صّلى الل ّ ُ‬
‫ولما أقدمت امرأة منهم على محاولة اغتيال النبي ‪َ -‬‬
‫م‬
‫ه ع َل َي ْهِ وَ َ‬
‫م – حيث أهدت ل َِر ُ‬
‫ع َل َي ْهِ وَ َ‬
‫سل ّ َ‬
‫صّلى الل ّ ُ‬
‫سل ّ َ‬
‫ل الل ّهِ ‪َ -‬‬
‫سو ِ‬
‫ َ‬‫م‪ ..2‬وُتوفي اثر هذه المحاولة الفاشلة أحد‬
‫شاة ٌ ِفيَها ُ‬
‫س ّ‬
‫الصحابة ‪ ..‬لم ينقلب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – على‬
‫أهل خيبر ولم يعمل فيهم القتل – كما يفعل بعض الزعماء في‬
‫مثل هذه المواقف – إنما أثبت الصلح وأقر العهد ‪.‬‬

‫المبحث الثالث‬
‫رحمته للخصوم والعداء‬
‫المطلب الول ‪ :‬لماذا القتال ؟‬
‫هاجر المسلمون من مكة إلى المدينة ]في يوليه ‪622‬م [‪ 3‬فراًرا‬
‫بدينهم ولبناء مجتمع إسلمي جديد آمن‪ ،‬ولتكون المدينة مقًرا‬
‫للدعوة السلمية تنطلق منها البعوث والرسل إلى شتى بقاع‬
‫الرض تبلغ رسالت الله إلى العالم ‪..‬‬
‫وبالفعل نجح المسلمون في تأسيس أول دولة إسلمية ‪ ،‬وأخذ‬
‫رسول الله يعقد الحلف والعقود مع القبائل والجماعات على‬
‫‪ 1‬صحيح البخاري ‪(3917) -‬‬
‫‪ 2‬صحيح البخاري ‪(3918) -‬‬
‫‪ 3‬رالف لنتون ‪ :‬شجرة الحضارة‪.1/341 ،‬‬

‫‪166‬‬

‫الصعيدين الداخلي والخارجي للمدينة ‪ ،‬وأصبح للمسلمين لول‬
‫مرة كيان معترف به من هذه القبائل ‪..‬‬
‫وفي كل يوم يزداد فيه التقدم السلمي عقب الهجرة‪ ،‬يزداد معه‬
‫حنق الوثنيين وغيظهم على المسلمين‪.‬‬
‫وأصبح المسلمون في حاجة ماسة للتسلح والدفاع عن أنفسهم‬
‫ولحماية عقيدتهم ودولتهم ‪ ،‬وبالفعل نزل النص القرآني يجيز‬
‫للمسلمين الدفاع عن أنفسهم بالسلح‪ ،‬إضافة جواز مطاردة‬
‫المصالح المادية والتجارية لقريش‪ ،‬من أجل استرداد الموال‬
‫والحقوق التي استلبتها قريش من المسلمين المستضعفين عند‬
‫هجرتهم‪.‬‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ه ع ََلى‬
‫ن يُ َ‬
‫ن ل ِل ّ ِ‬
‫موا وَإ ِ ّ‬
‫قات َُلو َ‬
‫قال الله تعالى ‪} :‬أذ ِ َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫م ظ ُل ِ ُ‬
‫ن ب ِأن ّهُ ْ‬
‫ذي َ‬
‫ديٌر {]الحج ‪.[39 :‬‬
‫م لَ َ‬
‫ق ِ‬
‫صرِه ِ ْ‬
‫نَ ْ‬
‫وكان الذن بالقتال واسترداد الحقوق بالقوة‪ ،‬لعدة اعتبارات‬
‫شرعية ومنطقية وجيهة‪:‬‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬مصادرة أموال المسلمين وعقاراتهم ‪:‬‬
‫عندما هاجر المسلمون من مكة إلى المدينة‪ ،‬أصبحوا في ضيق‬
‫من العيش‪ ،‬حيث صادر كفار مكة أموال وعقارات وتجارات‬
‫المسلمين‪ ،‬وقام المشركون بتوزيع هذه الموال بين صناديد مكة‬
‫ما وسحًتا !‬
‫ظل ً‬
‫وكانت تجارة قريش تمر بالمدينة في الذهاب وفي العودة حال‬
‫رحلتها الصيفية إلى الشام ‪ .‬وكانت بالنسبة للمسلمين فرصة‬
‫ذهبية لسترداد بعض حقوقهم ‪.‬‬
‫ثانًيا‪ :‬إعلن الحرب على الدولة السلمية الناشئة‪:‬‬
‫بادر زعماء مكة في إعلن الحرب على المسلمين‪ ،‬والسعي‬
‫بشتى الطرق لحداث حرب أهلية داخل المدينة‪ ،‬فأرسلوا إلى‬
‫عميلهم عبد الله بن أبي بن سلول‪ -‬وكان إذ ذاك مشر ً‬
‫كا بصفته‬
‫رئيس المدينة قبل الهجرة‪ ،‬فقد كاد الوس والخزرج أن يجعلوه‬
‫مل ً‬
‫كا عليهم‪ ،‬لول هجرة النبي كتبوا إلى ابن سلول ومن خلفه من‬
‫المنافقين في كلمات تنم عن شدة الحنق والغيظ على‬
‫المسلمين ‪:‬‬
‫خرجنه أوَ‬
‫َ‬
‫م ِبالل ّهِ ل َت ُ َ‬
‫حب ََنا ! وَإ ِّنا ن ُ ْ‬
‫صا ِ‬
‫ق ِ‬
‫قات ِل ُن ّ ُ‬
‫س ُ‬
‫م آوَي ْت ُ ْ‬
‫"إ ِن ّك ُ ْ‬
‫م َ‬
‫ه أوْ ل َت ُ ْ ِ ُ ّ ُ ْ‬
‫َ‬
‫قت ُ َ‬
‫م"‪..‬‬
‫م َ‬
‫حّتى ن َ ْ‬
‫ل َن َ ِ‬
‫ست َِبي َ‬
‫معَِنا َ‬
‫م ب ِأ ْ‬
‫سيَر ّ‬
‫ح نِ َ‬
‫م وَن َ ْ‬
‫ساَءك ُ ْ‬
‫قات ِل َت َك ُ ْ‬
‫ل ُ‬
‫ج َ‬
‫ن إ ِل َي ْك ُ ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ن َ‬
‫ما ب َل َغَ ذ َل ِ َ‬
‫ن‬
‫ه ِ‬
‫كا َ‬
‫معَ ُ‬
‫ن َ‬
‫ي وَ َ‬
‫فَل َ ّ‬
‫ن ع َب َد َةِ اْلوَْثا ِ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ن أب َ ّ‬
‫ك ع َب ْد َ الل ّهِ ب ْ َ‬
‫ما ب َل َغَ ذ َل ِ َ‬
‫قا َ‬
‫ل ‪ " :‬لَ َ‬
‫م فَ َ‬
‫ي ‪ ،‬لَ ِ‬
‫مُعوا ل ِ ِ‬
‫قد ْ‬
‫ا ْ‬
‫قي َهُ ْ‬
‫ي ‪ ،‬فَل َ ّ‬
‫جت َ َ‬
‫ك الن ّب ِ ّ‬
‫ل الن ّب ِ ّ‬
‫قَتا ِ‬
‫َ‬
‫ما َ‬
‫ما‬
‫ب َل َغَ وَ ِ‬
‫م ب ِأك ْث ََر ِ‬
‫ت تَ ِ‬
‫ش ِ‬
‫م ّ‬
‫كيد ُك ُ ْ‬
‫كان َ ْ‬
‫مَبال ِغَ ! َ‬
‫م ال ْ َ‬
‫من ْك ُ ْ‬
‫عيد ُ قَُري ْ ٍ‬

‫‪167‬‬

‫َ‬
‫فسك ُم‪ ،‬تريدو َ‬
‫َ‬
‫تريدو َ‬
‫م‬
‫ن تُ َ‬
‫ن تَ ِ‬
‫نأ ْ‬
‫دوا ب ِهِ أن ْ ُ َ ْ ُ ِ ُ َ‬
‫كي ُ‬
‫نأ ْ‬
‫ُ ِ ُ َ‬
‫قات ُِلوا أب َْناَءك ُ ْ‬
‫‪1‬‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫فّرُقوا ‪.‬‬
‫ي تَ َ‬
‫وَإ ِ ْ‬
‫مُعوا ذ َل ِك ِ‬
‫س ِ‬
‫ما َ‬
‫م ؟ ! "‪..‬فَل ّ‬
‫وان َك ْ‬
‫ن الن ّب ِ ّ‬
‫م ْ‬
‫خ َ‬
‫وهنا تظهر عظمة القائد الحكيم المربي – صلى الله عليه وسلم‬
‫‪ ،‬حيث قضى على هذه الفتنة في مهدها‪ ،‬وضرب على وتر العزة‬‫القبلية‪ ،‬فقد كان يدرك أغوار النفس البشرية التي يتعامل معها‪،‬‬
‫ولذلك كان خطابه مؤثًرا في نفوس مشركي أهل يثرب‪.2‬‬
‫وكان من أخلقه – صلى الله عليه وسلم – أن تعصب لوحدة‬
‫الصف ولم يتعصب لصحابه المهاجرين دون النصار‪ ،‬أو‬
‫المسلمين دون المشركين المدنيين‪ ،‬إنما ضرب ركز في خطابه‬
‫على مصلحة المدينة ‪ -‬بما فيها من طوائف وعقائد ‪ -‬ضد أعدائها‬
‫من الخارج ‪..‬‬
‫ثالًثا‪ :‬تهديد أمن المسلمين ‪:‬‬
‫وهو اعتبار آخر شرعي للذن بالقتال لسيما للدفاع عن حياة‬
‫المواطن سواء داخل الدولة السلمية أو خارجها ‪ ،‬ونستدل على‬
‫ذلك بحادث محاولة منع الصحابي الجليل سعد بن معاذ من أداء‬
‫العمرة‪:‬‬
‫ن‬
‫حد ّ َ‬
‫سُعود ٍ ‪َ -‬ر ِ‬
‫ه‪َ -‬‬
‫ن َ‬
‫م ْ‬
‫ه ع َن ْ ُ‬
‫ي الل ّ ُ‬
‫ن َ‬
‫ث عَ ْ‬
‫ض َ‬
‫فعن ع َب ْد َ الل ّهِ ب ْ َ‬
‫سعْد ِ ب ْ ِ‬
‫كا ُ‬
‫َ‬
‫دي ً ُ‬
‫ل َ‬
‫ه َقا َ‬
‫ة إِ َ‬
‫مّر‬
‫ن َ‬
‫مي ّ ُ‬
‫مي ّ َ‬
‫ص ِ‬
‫ف وَ َ َ‬
‫خل َ ٍ‬
‫ة بْ‬
‫كا َ‬
‫ذا َ‬
‫نأ َ‬
‫قا ِل َ‬
‫مَعاذ ٍ أن ّ ُ‬
‫ُ‬
‫ن َ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫د‪ ،‬وَ َ‬
‫ة ن ََز َ‬
‫دين َةِ ن ََز َ‬
‫سعْد ٌ إ ِ َ‬
‫ة‬
‫مي ّ َ‬
‫مك ّ َ‬
‫سعْ ٍ‬
‫م ِ‬
‫كا َ‬
‫ن َ‬
‫ل ع َلى َ‬
‫ل ع َلى أ َ‬
‫مّر ب ِ َ‬
‫ذا َ‬
‫ِبال َ‬
‫ُ‬
‫مًرا فَن ََز َ‬
‫سو ُ‬
‫ة‬
‫مي ّ َ‬
‫دين َ َ‬
‫معْت َ ِ‬
‫م ِ‬
‫ما قَد ِ َ‬
‫ة ان ْط َل َقَ َ‬
‫م َر ُ‬
‫ل ع ََلى أ َ‬
‫سعْد ٌ ُ‬
‫ل الل ّهِ ال ْ َ‬
‫فَل َ ّ‬
‫َ‬
‫قا َ ُ‬
‫ن أَ ُ‬
‫ت‬
‫ة‪ ،‬فَ َ‬
‫ة َ‬
‫طو َ‬
‫ساع َ َ‬
‫مي ّ َ‬
‫مك ّ َ‬
‫ف ِبال ْب َي ْ ِ‬
‫خل ْوَةٍ ل َعَّلي أ ْ‬
‫ة ‪ :‬ان ْظ ُْر ِلي َ‬
‫ل ِل َ‬
‫بِ َ‬
‫ل ‪ :‬يا أباَ‬
‫َ‬
‫قا َ‬
‫ل فَ َ‬
‫‪ ..‬فَ َ‬
‫ف الن َّهاِر‪ ،‬فَل َ ِ‬
‫ريًبا ِ‬
‫َ َ‬
‫ما أُبو َ‬
‫ص ِ‬
‫خَر َ‬
‫قي َهُ َ‬
‫ن نِ ْ‬
‫جهْ ٍ‬
‫م ْ‬
‫ج ب ِهِ قَ ِ‬
‫ل ل َه أ َبو جهل ‪ :‬أَلَ‬
‫معَ َ‬
‫قا َ‬
‫ل ‪ :‬هَ َ‬
‫ن هَ َ‬
‫سعْد ٌ ‪ .‬فَ َ‬
‫ك؟؟ فَ َ‬
‫ص ْ‬
‫وا َ‬
‫ذا َ‬
‫ذا َ‬
‫ن َ‬
‫َ‬
‫قا َ ُ ُ َ ْ ٍ‬
‫م ْ‬
‫ف َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م‬
‫ه‬
‫ن‬
‫رو‬
‫ص‬
‫ن‬
‫ت‬
‫م‬
‫ك‬
‫ن‬
‫أ‬
‫م‬
‫ت‬
‫م‬
‫ع‬
‫ز‬
‫و‬
‫ة‪،‬‬
‫با‬
‫ص‬
‫ال‬
‫م‬
‫ت‬
‫ي‬
‫و‬
‫أ‬
‫د‬
‫ق‬
‫و‬
‫نا‬
‫م‬
‫آ‬
‫ة‬
‫ك‬
‫م‬
‫ب‬
‫ف‬
‫طو‬
‫ت‬
‫ك‬
‫را‬
‫َ‬
‫ّ َ َ ََ َ ْ ُ ْ ّ ْ َْ ُ ُ َُ ْ‬
‫ُ ِ َ َ ِ ً َ ْ َُْ ْ‬
‫أَ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ما َوالل ّهِ ل َوَْل أ َن ّ َ‬
‫ت إ َِلى‬
‫ص ْ‬
‫ما َر َ‬
‫وا َ‬
‫جعْ َ‬
‫ن َ‬
‫ك َ‬
‫م!أ َ‬
‫وَت ُِعيُنون َهُ ْ‬
‫معَ أِبي َ‬
‫ف َ‬
‫َ‬
‫أ َهْل ِ َ‬
‫قا َ‬
‫ن‬
‫ما!! فَ َ‬
‫ه َ‬
‫ك َ‬
‫ه ع َل َي ْهِ ‪ -‬أ َ‬
‫صوْت َ ُ‬
‫ل لَ ُ‬
‫سال ِ ً‬
‫سعْد ٌ ‪ -‬وََرفَعَ َ‬
‫ما َوالل ّهِ ل َئ ِ ْ‬
‫من َعْت َِني هَ َ َ‬
‫ق َ‬
‫شد ّ ع َل َي ْ َ‬
‫من َعَن ّ َ‬
‫ما هُوَ أ َ َ‬
‫ة‬
‫ري َ‬
‫دين َ ِ‬
‫م ِ‬
‫ك ِ‬
‫ك ع ََلى ال ْ َ‬
‫من ْ ُ‬
‫ك َ‬
‫ذا َل ْ‬
‫َ‬
‫ه‪ ،‬ط َ ِ‬
‫‪.3‬‬
‫تدل هذه الحادثة على أن أبا جهل يعتبر سعد بن معاذ من أهل‬
‫الحرب بالنسبة إلى المشركين في مكة‪ ،4‬ولول أنه دخل في‬
‫جوار زعيم من زعمائها لهدر دمه‪ ،‬تأمل قول أبي جهل لسعد ‪" :‬‬
‫َ‬
‫ت إ َِلى أ َهْل ِ َ‬
‫ل َوَْل أ َن ّ َ‬
‫ما" ! فلم يكن‬
‫ص ْ‬
‫ما َر َ‬
‫وا َ‬
‫ك َ‬
‫سال ِ ً‬
‫جعْ َ‬
‫ن َ‬
‫ك َ‬
‫معَ أِبي َ‬
‫ف َ‬
‫أحد من المسلمين وإن كانوا معتمرين أو حجاج يستطيع أن‬
‫‪ 1‬سنن أبي داود‪ ،‬باب في خبر النضير‪ ،‬حديث ‪ ،2610‬وصححه اللباني في صحيح وضعيف سنن أبي داود‪.‬‬
‫‪ 2‬انظر‪ :‬على محمد الصلبي ‪ :‬السيرة النبوية‪364 \1 ،‬‬
‫ل ببدر‪ ،‬ح ‪. 3656‬‬
‫ن ُيْقَت ُ‬
‫‪ 3‬صحيح البخاري‪ ،‬باب ذكر النبي صلى ال عليه وسلم َم ْ‬
‫‪ 4‬انظر‪ :‬محمد خير هيكل‪ :‬الجهاد والقتال ‪ ،3/476‬وعلى محمد الصلبي‪ :‬السيرة النبوية‪،1/364 ،‬‬
‫‪168‬‬

‫جا أو معتمًرا أو نحو ذلك‪ ،‬إل في جوار زعيم من‬
‫يدخل مكة حا ً‬
‫الزعماء الوثنيين كما رأيت ‪.‬‬
‫وهكذا يتبدى للمتبصر أن المسجد الحرام تحت احتلل فعلي‪،‬‬
‫وإهانة واقعة‪ ،‬وعتو بّين من قبل هؤلء الذين جعلوا من أنفسهم‬
‫م‬
‫ما ل َهُ ْ‬
‫أوصياء على المسجد الحرام‪ ،‬وما هم ‪ .‬قال الله تعالى }وَ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ما َ‬
‫جد ِ ا ل ْ َ‬
‫دو َ‬
‫ص ّ‬
‫م ْ‬
‫كاُنوا ْ أوْل َِياءهُ‬
‫حَرام ِ وَ َ‬
‫س ِ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ه وَهُ ْ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫أل ّ ي ُعَذ ّب َهُ ُ‬
‫م يَ ُ‬
‫ن عَ َ ِ‬
‫إ َ‬
‫ن {النفال ‪34‬‬
‫مت ّ ُ‬
‫مو َ‬
‫قو َ‬
‫ِ ْ‬
‫م ل َ ي َعْل َ ُ‬
‫ن أك ْث ََرهُ ْ‬
‫ن أوْل َِيآؤ ُه ُ إ ِل ّ ال ْ ُ‬
‫ن وََليك ِ ّ‬
‫"إنهم ليسوا أولياء هذا البيت ول أصحابه ‪ .‬إنهم أعداء هذا البيت‬
‫وغاصبوه! إن بيت الله الحرام ليس تركة يرثها الخلف عن‬
‫السلف ‪ .‬إنه بيت الله يرثه أولياء الله المتقون لله "‪.1‬‬
‫ضا – من كلم سعد – على أن المسلمين في‬
‫ويدل هذا الحادث أي ً‬
‫هذا الوقت لم يتعرضوا ولو لمرة واحدة لقوافل مكة التجارية‪،‬‬
‫وأن الدولة السلمية في هذا الوقت لم تعامل أهل مكة‬
‫المشركين معاملة أهل الحرب‪ .‬ومعنى هذا أن اليدي الممسكة‬
‫بزمام المور في مكة هي التي بادرت بالعدوان‪ ،‬وأعلنت الحرب‬
‫على دولة السلم‪ ،‬وهددت الحجاج والمعتمرين من المسلمين‪،‬‬
‫واعتبرت المسلمين أهل حرب ل يدخلون مكة إل بصك أمان أو‬
‫بصفة مستأمنين‪. 2‬‬
‫فكان بعد كل هذا أن يدافع الشعب المسلم عن عقيدته وأرضه‬
‫ودولته ونبيه ‪..‬‬
‫تنبيه هام ‪:‬‬
‫ل يفهم من ذلك أن الجهاد في السلم لدفع العدوان فقط‪ ،‬أو أن‬
‫الجهاد هو نوع واحد أو مرحلة واحدة ‪ ..‬كل ! فالجهاد مراحل‬
‫وأقسام ‪ ،‬فقد كان الجهاد فى بداية الدعوة‪ ،‬مقتصرا ً على الدعوة‬
‫السلمية مع الصمود فى سبيلها للمحن و الشدائد‪ ،‬ثم شرع الى‬
‫جانبها ‪ -‬مع بدء الهجرة‪ -‬القتال الدفاعى‪ ،‬أى رد كل قوة بمثلها‪،‬‬
‫ثم شرع بعد ذلك قتال كل من وقف عقبة فى طريق إقامة‬
‫المجتمع السلمى‪ ،‬على أن ل يقبل من الملحدة و الوثنيين و‬
‫المشركين إل السلم وذلك لعدم إمكان النسجام بين المجتمع‬
‫السلمى الصحيح وما هم عليه من اللحاد و الوثنية‪ ،‬أما أهل‬
‫الكتاب فيكفى خضوعهم للمجتمع السلمى وانضوائهم فى دولته‬
‫على أن يدفعوا للدولة ما يسمى ) الجزية ( مكان ما يدفعه‬
‫المسلمون من الزكاة‪ .‬وعند هذه المرحلة الخيرة استقر حكم‬
‫الجهاد فى االسلم‪ ،‬وهذا هو واجب المسلمين فى كل عصر إذا‬
‫‪ 1‬سيد قطب ‪ :‬في ظلل القرآن‪ ،‬سورة النفال‪ ،‬الية ‪.34‬‬
‫‪ 2‬انظر‪ :‬محمد خير هيكل‪ :‬الجهاد والقتال ‪ ،3/476‬وعلى محمد الصلبي‪ :‬السيرة النبوية‪1/364 ،‬‬
‫‪169‬‬

‫توافرت لديهم القوة و العدة اللزمة ‪ .‬وعن هذه المرحلة يقول‬
‫الله تعالى ‪ ":‬قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة‬
‫واعلموا أن الله مع المتقين " ] التوبة ‪ ،[123‬وعنها أيضا ً يقول‬
‫الرسول ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ ": -‬أمرت أن أقاتل الناس حتى‬
‫يقولوا ل إله إل الله فمن قال ل إله إل الله عصم منى ماله‬
‫ونفسه إل بحقه وحسابه على الله "‪.1‬‬
‫المطلب الثاني ‪ :‬محمد ‪ ‬القائد الرحيم ‪:‬‬
‫يتحدث الباحث "وليم موير" عن معاملة النبي ‪ ‬أعداءه تلك‬
‫المعاملة التي اتسمت بالرحمة والعفو‪ ،‬حين فتحه مكة )في‬
‫رمضان ‪8‬هي‪ /‬يناير ‪ 630‬م( ‪ ،‬فيقول ‪:‬‬
‫"عامل حتى ألد أعدائه بكل كرم وسخاء حتى مع أهل مكة ‪ ،‬وهم‬
‫الذين ناصبوه العداء سنين طوال ً ‪ ،‬وامتنعوا من الدخول في‬
‫طاعته ‪ ،‬كما ظهر حلمه وصفحه في حالتي الظفر والنتصار ‪،‬‬
‫وقد دانت لطاعته القبائل التي كانت من قبل أكثر مناجزة وعداء‬
‫له "‪. 2‬‬
‫كذلك يقول واشنجتون إيرفنج‪":3‬كانت تصرفات الرسول ]‪[‬‬
‫في ]أعقاب فتح[ مكة تدل على أنه نبي مرسل ل على أنه قائد‬
‫مظفر‪ .‬فقد أبدى رحمة وشفقة على مواطنيه برغم أنه أصبح في‬
‫وج نجاحه وانتصاره بالرحمة والعفو"‪.4‬‬
‫مركز قوي‪ .‬ولكنه ت ّ‬
‫فهو الفاتح الرحيم‪ ،‬بالحق والعدل‪ ،‬ل الغازي الطاغية أو الظالم‪..‬‬
‫"وفي إمكان المرء أن يتخيل المعاملة التي كان يجدر بفاتح‬
‫دنيوي النزعة أن يعاملهم بها‪ .‬ولكن صفح الرسول ‪ ‬كان ل‬
‫يعرف حدودا ً ‪ .‬فقد غفر لهم ثلثة عشر عاما ً من الضطهاد‬
‫جروه‬
‫جروه وه ّ‬
‫والتآمر "‪ .. 5‬وهم الذين عذبوه وعذبوا أصحابه وه ّ‬
‫أصحابه‪ ،‬وقتلوا منهم نفرا ً ليس بالعديد القليل ‪..‬‬
‫يقول "جان باغوت غلوب" معقبا ً " وهكذا تم فتح مكة دون‬
‫إراقة دماء إلى حد كبير ‪ ...‬إل أنه اكتسب قلوب الجميع بما‬
‫أظهره من رحمة وعفو في يوم انتصاره "‪. 6‬‬
‫هذا‪ ،‬ويقول المستشرق إميل درمنغم متحدثا ً عيين الفاتييح والقييائد‬
‫الرحيم نبينا محمد ‪ ‬في حال انتصاراته ‪:‬‬
‫"فقد برهن ]محمد ‪ [‬في انتصاره النهائي‪ ،‬على عظمة نفسييية؛‬
‫‪ 1‬محمد سعيد رمضان البوطي ‪ :‬فقه السيرة ‪ ،126‬والحديث متفق عليه ‪.‬‬
‫‪ 2‬وليم موير ‪ :‬حياة محمد‪88 ،‬‬
‫‪ 3‬واشنجتون إيرفنج ‪ :‬مستشرق أمريكي‪ ،‬أولى اهتماًما كبيًرا لتاريخ المسلمين في الندلس‪ .‬من آثاره‪) :‬سيرة النبي‬
‫العربي( مذيلة بخاتمة لقواعد السلم ومصادرها الدينية )‪ ،(1849‬و)فتح غرناطة( )‪ ،(1859‬وغيرها‪.‬‬
‫‪ 4‬واشنجتون إيرفنج‪ :‬حياة محمد ‪ ،‬ص ‪72‬‬
‫‪ 5‬مولنا محمد علي‪ :‬حياة محمد و سيرته‪ ،‬ص ‪.270-269‬‬
‫‪ 6‬جان باغوت غلوب ‪ :‬الفتوحات العربية الكبرى ‪ ،‬ص ‪.157-156‬‬
‫‪170‬‬

‫ق ّ‬
‫ل أن يوجد لها مثال فييي التاريييخ؛ إذ أميير جنييوده أن يعفييوا عيين‬
‫الضييعفاء والمسيينين والطفييال والنسيياء‪ ،‬وحييذرهم أن يهييدموا‬
‫الييبيوت‪ ،‬أو يسييلبوا التجييار‪ ،‬أو أن يقطعييوا الشييجار المثمييرة‪،‬‬
‫وأمرهم أل يجردوا السيوف إل فييي حييال الضييرورة القيياهرة‪ ،‬بييل‬
‫رأيناه يؤنب بعض قواده ويصييلح أخطيياءهم إصييلحا ً مادي يا ً ويقييول‬
‫لهم‪ :‬إن نفسا ً واحدة خير من أكثر الفتوح ثراء ! "‪. 1‬‬
‫"وهكييذا ظهيير الرسييول ‪ ‬الييذي كييان رحميية للعييالمين‪ ،‬وحييرر‬
‫النسانية من أصفاد الجهل والخرافة والفساد"‪ .. 2‬بييل ظهيير كمييا‬
‫وصيييفه المفكييير البلجيكيييي هنيييري ماسييييه ‪":‬يتصيييف بالرحمييية‬
‫الخالصة"‪ .3‬تلك الرحمة الخالصيية الييتي غلبييت دوم يا ً – كمييا يييبين‬
‫مارسيييل بييوازار – علييى أحيياديث النييبي ‪ ‬وسيييرته‪ ،‬فل "تنفييك‬
‫الحيياديث الشييريفة والسيييرة النبوييية تصييور فييي الذهييان كييرم‬
‫الرسول وتواضعه‪ ،‬كما تصور اسييتقامته ونقيياءه ولطفييه وحلمييه ‪.‬‬
‫وكما يظهره التاريخ قائدا ً عظيما ً ملء قلبه الرأفة‪ ،‬يصوره كييذلك‬
‫رجل دولة صريحا ً قوي الشكيمة )ديمقراطيًا(‪. 4"..‬‬
‫وفوق أخلق الرحمة الييتي تخلييق بهييا النييبي ‪ ‬لمييا انتصيير علييى‬
‫أعدائه وتمكن منهم‪ ،‬في المعارك والفتوحات‪ ،‬نييراه أيض يا ً رحيم يا ً‬
‫بمجرمين وأعداء – داخل الدولة ‪ -‬أمضوا حياتهم في دس الفتيين‬
‫بين المسلمين‪ ،‬والعمييل الييدائب ميين أجييل هييدم الييدين والدوليية‪،‬‬
‫فضل ً عن عمالة هؤلء المجرمين لعداء المسييلمين خييارج حييدود‬
‫الدولة ‪..‬‬
‫يقول "مولنا محمد على" ‪:‬‬
‫"وسييماحة الرسييول ]‪ [‬نحييو أعييدائه يعييز نظيرهييا فييي تاريييخ‬
‫العالم ‪ .‬فقد كان عبد اللييه بين أبييي عيدوا ً للسييلم ‪ ،‬وكيان ينفيق‬
‫أيييامه ولييياليه فييي وضييع الخطييط ليقيياع الذى بالييدين الجديييد‪،‬‬
‫محرضا ً المكيين واليهود تحريضا ً موصول ً على سحق المسييلمين ‪.‬‬
‫ومع ذلك فيوم توفي عبد الله دعا الرسول]‪ [‬ربه أن يغفر لييه ‪،‬‬
‫بل لقد قدم رداءه إلى أهله كي يكفنوه به"‪. 5‬‬
‫إن نبي الرحمة ‪ ‬لم ينتقم في أيما يوم ميين اليييام ميين امرىييء‬
‫أساء إليه! صحيح أنييه أنييزل العقوبيية ببعييض أعييدائه فييي أحييوال‬
‫نادرة جدًا‪ ،‬وفي فترات جد متباعيدة ‪ .‬ولكين تليك الحيالت كيانت‬
‫تنطوى كلها على خيانييات بشييعة قييام بهييا أنيياس لييم يعييد الصييفح‬
‫‪ 1‬انظر‪ :‬بشرى زخاري ميخائيل ‪ :‬محمد رسول ال هكذا بشرت به الناجيل‪ ،‬ص ‪.50‬‬
‫‪ 2‬مولنا محمد علي ‪ :‬حياة محمد و سيرته ‪.282 ،‬‬
‫‪ 3‬هنري ماسيه ‪ :‬السلم ‪ ،‬ص ‪.11‬‬
‫‪ 4‬مارسيل بوزار ‪ :‬إنسانية السلم ‪ ،‬ص ‪.46‬‬
‫‪ 5‬مولنا محمد علي‪ :‬حياة محمد و سيرته ‪ ،‬ص ‪.270-269‬‬
‫‪171‬‬

‫يجييدي فييي تقييويمهم وإصييلحهم ‪ .‬والحييق أن تييرك أمثييال هييؤلء‬
‫المجرمين سييالمين غييانمين كييان خليقيا ً بييه أل يظيين البعييض أنييه‬
‫استحسن الذى والفساد ‪ ..‬والرسول ‪‬لم يلجا ً إلى العقوبة قط‬
‫حيثما كان ثمة مجيال لنجياح سياسية الصيفح كيرادع إن ليم نقيل‬
‫كإجراء إصلحي‪.1‬‬
‫المطلب الثالث ‪ :‬هدي محمد في المعارك ‪:‬‬
‫شرع نبي الرحمة لمته آداب سامية وضوابط حاكمة على سلوك‬
‫المقاتل المسلم‪ ،‬توجب عليه مخالفتها عقوبات زاجرة قييي الييدنيا‬
‫والخرة‪.2‬‬
‫فل يستخدم في الجهاد فييي سييبيل اللييه إل الوسييائل المشييروعة‬
‫والساليب النزيهة‪ ،‬فعن صفوان بن عسال قال ‪:‬بعثنا رسول اللييه‬
‫صلى الله عليه وسلم‪ -‬في سرية فقال‪ " :‬سيروا باسم الله وفي‬‫سبيل الله‪ ،‬قاتلوا من كفر بالله ‪ ،‬ول تمثلوا‪ ،‬ول تغدروا‪ ،‬ول تغلوا‪،‬‬
‫ول تقتلوا وليدا‪. 3"..‬‬
‫َ‬
‫ص يب ََر‬
‫م‪ -‬ن َهَييى أ ْ‬
‫ه ع َل َي ْيهِ وَ َ‬
‫س يل ّ َ‬
‫ص يّلى الل ّي ُ‬
‫ن تُ ْ‬
‫وعيين أنييس أن النييبي ‪َ -‬‬
‫ال ْب ََهاِئم‪. 4‬‬
‫وقال جابر ‪ :‬نهى رسول الله ‪-‬صييلى اللييه عليييه وسييلم‪ -‬أن يقتييل‬
‫‪5‬‬
‫شيء من الدواب صبرا‬
‫وعن حنظلة الكاتب قال ‪:‬‬
‫غزونا مع رسول الله ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬فمررنا على امييرأة‬
‫مقتولة قد اجتمع عليها الناس‪ ،‬فأفرجوا له فقال‪ " :‬ما كانت هييذه‬
‫تقاتل فيمن يقاتل !"‬
‫ثم قال لرجل ‪ " :‬انطلق إلى خالد بن الوليد فقييل ليه إن رسيول‬
‫الله ‪-‬صلى اللييه عليييه وسييلم‪ -‬يييأمرك يقييول‪ :‬ل تقتليين ذرييية ول‬
‫عسيفا‪. 7".. 6‬‬
‫وقال – ذات يوم في معركة مستنكًرا على بعض أصحابه ‪: -‬‬
‫" ما بال قوم جاوزهم القتل اليوم حتى قتلوا الذرية !" ‪.‬‬
‫فقال رجل ‪ :‬يا رسول الله ‪:‬إنما هم أولد المشركين !‬
‫فقال ‪" :‬أل إن خياركم أبناء المشركين ‪. "..‬‬
‫‪ 1‬انظر‪ :‬مولنا محمد علي‪ :‬حياة محمد و سيرته ‪ ،‬ص ‪.270-269‬‬
‫‪ 2‬أنجوغو أمبكي صمب ‪ :‬أروع القيم الحضارية في سيرة سيد البرية‪ ،‬ص ‪ 40‬وما بعدها‬
‫‪ 3‬رواه ابن ماجة )‪ ( 2857‬و الطبراني في المعجم الكبير ج ‪ 8‬ص ‪ ، 70‬وصححه اللباني في صحيح وضعيف‬
‫سنن ابن ماجة ‪.‬‬
‫‪ 4‬صحيح – رواه البخاري ‪ ،(5089) -‬ومسلم )‪(3616‬‬
‫‪ 5‬صحيح – رواه مسلم )‪(3620‬‬
‫‪ 6‬العسيف ‪ :‬الجير المستهان به‬

‫‪7‬‬

‫حسن ‪ -‬رواه ابن ماجة )‪ ،(2842‬و الحاكم ) ‪ ،( 122 / 2‬وهو في السلسلة الصحيحة برقم ) ‪( 701‬‬
‫‪172‬‬

‫ثم قال ‪ " :‬أل ل تقتلوا ذرية ‪ ،‬أل ل تقتلوا ذرية !! كل نسمة تولد‬
‫على الفطرة حتى يهب‬
‫‪1‬‬
‫عنها لسانها فأبواها يهودانها و ينصرانها " ‪.‬‬
‫وعن يحيى بن سعيد أن أبا بكر الصديق بعث جيوشيا إلييى الشيام‬
‫فخرج يمشي مع يزيد بن أبي سييفيان وكييان أمييير ربييع ميين تلييك‬
‫الرباع ‪ ،‬فقال أبو بكر له ‪:‬‬
‫ما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم لليه‪ ،‬فيذرهم وميا‬
‫"إنك ستجد قو ً‬
‫زعموا أنهم حبسوا أنفسهم له " ‪ ..‬وأوصاه قائل ً ‪ " :‬وإني موصيك‬
‫بعشر ‪ :‬ل تقتليين امييرأة‪ ،‬ول صييبيا‪ ،‬ول كييبيرا هرمييا‪ ،2‬ول تقطعيين‬
‫شجرا مثمرا‪ ،‬ول تخربيين عييامرا ‪ ،‬ول تعقييرن شيياة ‪ ،‬ول بعيييرا إل‬
‫لمأكلة‪ ،‬ول تحرقن نخل ] وفي رواية ‪ :‬نحل ول تفرقنه[ ول تغرقنه‬
‫‪4‬‬
‫ول تغلل‪ 3‬ول تجبن "‬
‫عن عمر بن الخطاب ‪ ،‬أنه قال ‪ " :‬اتقوا الله في الفلحين ‪ ،‬ول‬
‫تقتلوهم إل أن ينصبوا لكم الحرب"‪.5‬‬
‫وهييذه النصيوص وغيرهيا مين دسييتور العسييكرية السيلمية اليتي‬
‫وضعها رسول اللييه ‪ ‬تشييتمل علييى الصييول الخلقييية للحييرب‪،‬‬
‫وهذه جملتها‪:6‬‬
‫‪ -1‬الخلص والتجرد للهداف الحقيقية للحرب وترك ما يخالف‬
‫ذلك من غلول وغدر وثأر وانتقام‪.‬‬
‫‪ -2‬المحافظة على البيئة واجتناب الفسيياد فييي الرض بتحريييق‬
‫الشجار وقتل الحيوانات لغير ضرورة‪.‬‬
‫‪ -3‬عدم التعرض لغير المقاتلين من النساء والصبيان والشيوخ‪.‬‬
‫‪ -4‬السيماحة الدينييية واحيترام مقدسييات الخرييين‪ ،‬بعيدم قتييل‬
‫الرهبان والقسيسين ما لم يقاتلوا أو يعينييوا علييى القتييال‪ ،‬وعييدم‬
‫التعرض كذلك لبيعهم وكنائسهم بسوء‪.‬‬
‫المطلب الرابع‪ :‬فرية العنف ونشر السلم بالسيف ‪:‬‬
‫ومن العجيب أن بعض الحاقدين ألصقوا بمحمد ‪ ‬تهمة القسييوة‬
‫والعنف ‪ ،‬ونشر دعوة الله بالسيف!‬
‫والحيق أن رجيالت العليم والفكير فيي أوربيا قيد ردوا عليى هيذا‬
‫الزعم‪ ،‬وفندوه ‪..‬‬
‫‪ 1‬صحيح ‪ -‬رواه أحمد ) ‪ ( 435 / 3‬و الدارمي ) ‪ ،( 223 / 2‬وهو في السلسلة الصحيحة )‪(402‬‬
‫‪ 2‬الهرم ‪ :‬الذي بلغ أقصى الكبر‬
‫‪ 3‬الغلول ‪ :‬الخيانة والسرقة‬

‫‪4‬‬

‫مالك ) ‪ ،(858‬وابن أبي شيبة ج ‪ 7‬ص ‪ ، 645‬وعبد الرزاق )‪(9375‬‬
‫‪ 5‬معرفة السنن والثار للبيهقي ‪(5645) -‬‬
‫‪ 6‬أنجوغو أمبكي صمب ‪ :‬أروع القيم الحضارية في سيرة سيد البرية‪ ،‬ص ‪ 40‬وما بعدها‬
‫‪173‬‬

‫أول ً ‪ :‬رد العلمة لويس سيديو ‪:‬‬
‫وكييان ميين أبييرز المييدافعين والمظهرييين بطلن مييا نفثتييه أقلم‬
‫الحاقدين ‪ ،‬المؤرخ الفرنسي العلمة لويس سيديو حيث قال‪:‬‬
‫"من التجني على حقائق التاريخ ما كان مين عيزو بعيض الك ُّتياب‬
‫إلى محمد ]‪ [‬القسوة‪ ...‬فقد نسي هييؤلء أن محمييدا ً ]‪ [‬لييم‬
‫يأل جهدا ً في إلغاء عادة الثأر الموروثة الكريهيية الييتي كييانت ذات‬
‫حظوة لدى العرب‪ ،‬كحظوة المبارزات بأوروبة فيما مضى ‪ .‬وكأن‬
‫أولئك الك ُّتاب لم يقرأوا آيات القرآن التي قضى محمد ]‪] [‬بهييا[‬
‫على عادة الوأد الفظيعة ‪ .‬وكأنهم لم يفكييروا فييي العفييو الكريييم‬
‫الذي أنعم به على ألد أعدائه بعد فتح مكة‪ ،‬ول في الرحميية الييتي‬
‫حبا بها ‪ ،‬كثيرا ً من القبائل عند ممارسة قواعد الحييرب الشيياقة‪...‬‬
‫وكأنهم لم يعلموا أن محمدا ً ]‪ [‬لم يسئ استعمال ما اتفق لييه‬
‫من السلطان العظيم ‪ ،‬قضاء لشهوة القسييوة الييدنيئة ‪ ،‬وأنييه لييم‬
‫يأل جهدا ً ‪-‬في الغالب ‪ -‬في تقويم من يجور ميين أصييحابه‪ ،‬والكييل‬
‫يعلم أنه رفض ‪ -‬بعد غزوة بدر‪ -‬رأي عمر بيين الخطيياب فييي قتييل‬
‫السرى ‪ ،‬وأنه عندما حل وقت مجازاة بنييي قريظيية تييرك الحكييم‬
‫في مصيرهم لحليفهم القديم سعد بن معاذ ‪ ،‬وأنه صفح عن قاتل‬
‫عمه حمزة ‪ ،‬وأنه لم يرفييض ‪-‬قييط ‪ -‬مييا طلييب إليييه ميين اللطييف‬
‫والسماح"‪. 1‬‬
‫ثانًيا‪ :‬رد الدكتورة كارين أرمسترونج‬
‫تقول الباحثيية البريطانييية كييارين أرمسييترونج فييي مقدميية كتابهييا‬
‫)سيرة النبي محمد(‪" :‬من الخطأ أن نظن أن السلم دييين يتسييم‬
‫بالعنف أو بالتعصب في جوهره‪ ،‬علييى نحييو مييا يقييول بييه البعييض‬
‫أحيانًا‪ ،‬بل إن السلم دين عالمي‪ ،‬ول يتصف بأي سمات عدوانييية‬
‫شرقية أو معادية للغرب ‪. 2".‬‬
‫و تبين أن السبب في إلقاء هذه التهميية علييى النييبي ‪‬ميين قبييل‬
‫بعض الغربيين‪ ،‬إنما هو بسبب أحقاد قديمة‪ ،‬فتقول‪:‬‬
‫"إننا في الغرب بحاجة إلى أن نخّلص أنفسنا من بعض أحقادنا‬
‫القديمة‪ ،‬ولعل شخصا ً مثل محمد ]‪ [‬يكون مناسبا ً للبدء ! فقد‬
‫كان رجل ً متدفق المشاعر‪ ..‬وقد أسس دينا ً وموروثا ً حضاريا ً لم‬
‫يكن السيف دعامته‪ ،‬برغم السطورة الغربية‪ ،‬ودينا ً اسمه‬
‫السلم؛ ذلك اللفظ ذو الدللة على السلم والوفاق !! "‪. 3‬‬
‫ثالًثا‪ :‬رد الكاتب اللماني ديسون‬
‫‪ 1‬لويس سيديو‪ ،‬بتصرف ‪) :‬نقل عن كتاب السلم بين النصاف و الجحود ‪ ،‬ص ‪.(134‬‬
‫‪ 2‬كارين أرمسترونج ‪ :‬سيرة النبي محمد ص ‪19‬‬
‫‪ 3‬كارين أرمسترونج ‪ :‬سيرة النبي محمد‪ ،‬ص ‪.393‬‬
‫‪174‬‬

‫يقول المفكر "ديسون‪" :‬من الخطأ أن يصدق المرء ما يييرّوج لييه‬
‫البعييض ميين أن السيييف كييان المبشيير الول فييي تقييدم السييلم‬
‫وتبسطه‪ ،‬ذلك أن السبب الول في انتشار السلم يعود إلى هذه‬
‫الخوة الدينية الفريدة‪ ،‬وإلى هذه الحياة الجديدة الجتماعية الييتي‬
‫دعا إليها وم ّ‬
‫كن لها‪ ،‬ثم إلى هذه الحييياة الشييريفة الطيياهرة الييتي‬
‫راح يحياها محمد ]‪ [‬وخلفاؤه من بعده‪ ،‬والتي بلغت من العفة‬
‫والتضحية حدا ً جعل السلم قوة عظيمة ل ُتغلب"‪. 1‬‬
‫عا‪ :‬رد المفكر الهولندي دوزي‪:‬‬
‫راب ً‬
‫دا على‬
‫دا أن النبي ‪ ‬لم يجبر أح ً‬
‫يقول "دوزي" ‪ ،‬مبيًنا ومؤك ً‬
‫اعتناق السلم ‪ ..‬فيقول في كلمات محددة جازمة ‪:‬‬
‫"لم ُيفرض فرضا ً على أحد !!"‪..2‬‬
‫فلم يثبت ولو في مرة واحدة في تاريخ عهد النبي‪ ‬أن أجبر أي‬
‫إنسان على اعتناق السلم ولو بالضغط النفسي‪ ،‬فضل ً عن‬
‫استخدام العنف أو السيف‪.‬‬
‫سا‪ :‬رد المؤرخ الكبير جوستاف لوبون‪:‬‬
‫خام ً‬
‫يقول جوستاف لوبون ‪:‬‬
‫"لم ينتشر السلم بالسيف‪ ،‬بل انتشر بالدعوة وحدها‪ ،‬وبالدعوة‬
‫وحدها اعتنقته الشعوب التي قهرت العرب مؤخرا ً كالترك‬
‫والمغول‪ ،‬وبلغ القرآن من النتشار في الهند التي لم يكن العرب‬
‫فيها غير عابري سبيل‪ ..‬ولم يكن السلم أقل انتشارا ً في الصين‬
‫التي لم يفتح العرب أي جزء منها قط"‪.. 3‬‬
‫ويقول‪" :‬إن القوة لم تكن عامل ً في انتشار السلم‪ ،‬فقد ترك‬
‫ب المغلوبين أحرارا ً في أديانهم"‪. 4‬‬
‫العر ُ‬
‫سا‪ :‬رد الكاتبة اليطالية لورافيشيا فاغليري‪:‬‬
‫ساد ً‬
‫‪5‬‬
‫وتبين لورافيشيا فاغليري أن" السلم ليبيح امتشاق الحسام‬
‫إل ّ دفاعا ً عن النفس ‪ ،‬وهو يحرم العدوان تحريما ً صريحًا‪...‬‬
‫وأباحت الشريعة القتال للمسلمين دفاعا ً عن حرية الضمير‬
‫لقرار السلم‪ ،‬واستتاب المن والنظام"‪.6‬‬
‫كما حدث في معارك عديدة‪ ،‬كمعركة بدر )‪ 17‬رمضان ‪2‬هي‪/‬‬
‫‪13‬مارس ‪624‬م(‪ ،‬ومعركة ُأحد ) شوال ‪3‬هي‪/‬إبريل ‪ 624‬م(‪،‬‬
‫ومعركة الحزاب ) شوال ‪ 5‬هي\ مارس ‪627‬م( ‪ ..‬فكلها معارك‬
‫دفاعية‪ ،‬أقل ما يقال فيها أنها معارك دفاع عن النفس ‪.‬‬
‫‪ 1‬ديسون ‪ :‬محمد بن عبد ال‪59 ،‬‬
‫‪ 2‬دوزي‪ :‬ملحق وتكملة القواميس العربية‪ ،‬مقدمة الكتاب‬
‫‪3‬جوستاف لوبون ‪ :‬حضارة العرب‪ ،‬ص ص ‪129-128‬‬
‫‪ 4‬جوستاف لوبون ‪ :‬حضارة العرب‪ ،‬ص ‪127‬‬
‫‪ 5‬السيف‪.‬‬
‫‪ 6‬لورافيشيا فاغليري ‪ :‬دفاع عن السلم ‪12 ، 11‬‬
‫‪175‬‬

‫أو كما حدث في معارك أخرى‪ ،‬كمعركة قينقاع )السبت ‪15‬‬
‫شوال ‪2‬هي ‪ 9/‬إبريل ‪ ،624‬ومعركة النضير )ربيع الول ‪4‬‬
‫هي‪/‬غسطس ‪ 625‬م( ومعركة قريظة)ذي القعدة ‪ 5‬هي‪/‬إبريل ‪627‬‬
‫م(‪ ،‬ومعركة خيبر )المحرم سنة ‪ 7‬هي ‪/‬مايو ‪ ..(628‬فهي معارك‬
‫جائت نتيجة للخيانة‪ ،‬والتحالف ضد المسلمين‪ ،‬ونقض العهود‪،‬‬
‫ومحاولت عديدة لغتيال النبي ‪.‬‬
‫عا‪ :‬رد العلمة توماس كارليل‬
‫ساب ً‬
‫وحسبنا رد توماس كارليل على تلك الفرية التي تييذهب إلييى أن‬
‫محمدا ً ‪‬لم ينشر دعوته إل بحد السيف ‪،‬فقال ‪:‬‬
‫"إن اتهام محمد ]‪ [‬بالتعويييل علييى السيييف فييي حمييل النيياس‬
‫على الستجابة لدعوته؛ سخف غير مفهوم!!"‪ ..1‬ويقول مفصل ً ‪..‬‬
‫"لقد قيل كثيرا ً فيي شيأن نشير محميد]‪ [‬دينيه بالسييف ‪ ،‬فيإذا‬
‫جعل الناس ذلييك دليل ً علييى كييذبه]‪ ، [‬فييذلك أشييد مييا أخطييأوا‬
‫وجاروا ‪ ،‬فهم يقولون ما كان الدين لينتشر لول السيف ‪ ،‬ولكن ما‬
‫هو الذي أوجد السيف ؟ هو قوة ذلك الدين ‪ ،‬وأنييه حييق ‪ .‬والييرأي‬
‫الجديد أول ما ينشأ يكون في رأس رجييل واحييد ‪ ،‬فالييذي يعتقييده‬
‫هو فرد‪ -‬فرد ضد العالم أجمع‪ ،-‬فإذا تناول هذا الفرد سيييفا ً وقييام‬
‫في وجه الدنيا فقلما والله يضيع ! وأرى ‪ -‬على العموم‪ -‬أن الحييق‬
‫ينشر نفسه بأيية طريقيية حسييبما تقتضيييه الحيال‪ ،‬أو ليم تييروا أن‬
‫النصرانية كانت ل تأنف أن تستخدم السيف أحيان يًا‪ ،‬وحسييبكم مييا‬
‫فعل شارلمان بقبائل السكسون ! وأنييا ل أحفييل إذا كييان انتشييار‬
‫الحق بالسيييف أم باللسييان أو بأييية آليية أخييرى ‪ ،‬فلنييدع الحقييائق‬
‫تنشر سييلطانها بالخطابيية أو بالصييحافة أو بالنييار ‪ ،‬لنييدعها تكافييح‬
‫وتجاهييد بأيييديها وأرجلهييا وأظافرهييا فإنهييا ليين َتهييزم إل مييا كييان‬
‫يستحق أن ُيهزم ‪ ،‬وليس في طاقتها قط أن تقضي علييى مييا هييو‬
‫خير منها ‪ ،‬بل ما هو أحط وأدنى "‪ .. 2‬فإنها حرب ل حكم فيها إل‬
‫لله الذي أرسل الرسل ذاتها ‪ ،‬ونعم الحكم ما أعدله وما أقسطه‪،‬‬
‫إذا كان من عند الخالق !‬
‫المطلب الخامس ‪ :‬فرية حــول القتــل الجمــاعي ليهــود‬
‫بني قريظة ‪:‬‬
‫معروف لدى كتب التاريخ أن يهود قريظة كانوا فصيل من فصائل‬
‫المدينة المنورة ‪.‬‬
‫ومعروف أنه بمجرد قدوم النبي ‪ ‬المدينة عقد بينه وبين اليهود‬
‫الموجودين بها معاهييدة تنظييم الشييأن العييام الييداخلي والخييارجي‬
‫للمدينة‪ .‬وكان من بنود هذه المعاهدة‪:‬‬
‫‪ 1‬انظر ‪ :‬عباس محمود العقاد ‪ :‬حقائق السلم وأباطيل خصومه‪227 :‬‬
‫‪ 2‬توماس كارليل‪ :‬البطال ‪ ،‬ص ‪76‬‬
‫‪176‬‬

‫‪ -1‬التزام كل أبناء المدينة بما فيهم المسلمين واليهود بالمعايشة‬
‫السلمية فيما بينهما وعدم اعتداء أي فريق منهما على الخر ‪.‬‬
‫‪ -2‬الدفاع المشييترك عيين المدينيية ضييد أي اعتييداء خييارجي علييى‬
‫المدينة ‪.‬‬
‫وحدث في شوال ‪ 5‬هي \ مارس ‪627‬م ‪ ..‬أن مر المسلمون‬
‫بظروف قاسية عندما تجمعت أكبر قوة معادية للمسلمين في‬
‫ذلك الوقت للقضاء عليهم داخل المدينة‪ ،‬وأحاطت جيوش‬
‫التحالف المشركة بالمدينة في عشرة آلف مقاتل‪ ،‬من مشركي‬
‫قريش وأشجع وغطفان وبني سليم وأسد وفزارة ‪ ..‬على حين‬
‫لم يزد عدد المسلمين على ثلثة آلف مقاتل‪ ،‬وكان المتوقع أن‬
‫ينضم يهود بني قريظة إلى صفوف المسلمين ضد القوات‬
‫المحتلة لحدود المدينة‪ ،‬بناء على نصوص المعاهدة المبرمة بين‬
‫الفريقين‪ ..‬لكن الذي حدث هو عكس هذا‪ ،‬فقد فوجئ المسلمون‬
‫ببني قريظة يخونهم في أخطر أوقات محنتهم‪ ،‬ولم يرعوا للجوار‬
‫حقًا‪ ،‬ول للعهود حرمة‪ ،‬بل كانوا يسعون من وراء انضمامهم هذا‬
‫إلى صفوف القوات الغازية التعجيل بالقضاء على المسلمين‬
‫ودولتهم الناشئة !‬
‫حا‬
‫أحدثت هذه الخيانة زلزال ً عني ً‬
‫فا في نفوس المسلمين‪ ،‬وجر ً‬
‫قا في وجدانهم‪ ،‬ل سيما بعد إعلن قريظة – جهاًرا نهاًرا ‪-‬‬
‫عمي ً‬
‫النضمام إلى صفوف الغزاة ‪..‬لدرجة أن الرسول ‪ ‬حرص أول‬
‫المر على كتمان الخبر على الشعب لميا كان يخشى من وقعه‬
‫على نفوس الجنود‪ .‬وبمجرد أن انتهى إلى سمعه ‪ ‬النبأ أرسل‬
‫وفدا ً دبلوماسًيا مكونا ً من القادة الفاضل سعد بن معاذ)قائد‬
‫الوس(‪ ،‬وسعد بن عبادة )قائد الخزرج(‪ ،‬وعبد الله بن رواحة‪،‬‬
‫وخوات بن جبير‪ -‬رضوان الله تعالى عليهم ‪ -‬لي ّ‬
‫ذكروا القوم بما‬
‫بينهم وبين المسلمين من عقود وعهود‪ ،‬ويحذروهم مغبة ما هم‬
‫مقدمون عليه‪ ،‬ولكن دون جدوى!‬
‫وبعد أن ولى المشركون المحتلون وحلفاؤهم الدبار‪ ،‬يحملون‬
‫معهم الهزيمة والخفاق‪ ،‬وفشلت محاولتهم لقتحام المدينة‬
‫المنيعة ‪ .‬رجع المقاتلون المسلمون إلى بيوتهم بالمدينة‬
‫يستريحون من هذه الغمة‪ ،‬ويلتقطون أنفاسهم بعد فزع وقلق‬
‫نفسي مريع دام شهًرا كام ً‬
‫ل‪.‬‬
‫ويبدو أن بعض الصحابة ظن أن الموضوع انتهى إلى ذلك الحد !‬
‫لكن أيترك الخائنون العملء الناكثون للعهود دون محاسبة ؟‬
‫‪177‬‬

‫فنادى النبي ‪ ‬في المسلمين "أل ‪ ..‬ل يصلين أحد العصر إل في‬
‫بني قريظة !"‪ ،1‬فسار الجيش السلمي إلى فصيل الفتنة‬
‫والخيانة‪ ،‬وتبعهم النبي ‪ - ‬القائد العام ‪ -‬بعد أن استخلف على‬
‫المدينة – نائًبا عنه –عبد الله بن أم مكتوم‪ ،‬وحاصر المسلمون‬
‫بني قريظة شهرا ً تقريًبا‪ ،‬ولميا طال عليهم الحصار‪ ..‬ورفض‬
‫النبي ‪ ‬إل أن يستسلموا دون قيد أو شرط‪ ،‬واستسلم بنو‬
‫قريظة‪ ،‬ونزلوا على حكم رسول الله ‪ ، ‬فوكل ‪ ‬الحكم فيهم‬
‫إلى سعد بن معاذ– قائد الوس ‪ .. -‬وفي اختيار سعد دللة على‬
‫حكمة النبي ‪ ‬وُبعد نظره‪ ،‬وإدراكه لنفسيات يهود قريظة ‪ ،‬لن‬
‫دا كان حليف بني قريظة في الجاهلية‪ ،‬وقد ارتاح اليهود لهذا‬
‫سع ً‬
‫الختيار‪ ،‬وظنوا أن الرجل قد يحابيهم في حكمه‪ ،‬لكن سعدا ً نظر‬
‫إلى الموقف من جميع جوانبه‪ .‬وقدره تقدير من عاش أحداثه‬
‫وظروفه‪.‬‬
‫وبعد أن أخذ سعد ‪ ‬المواثيق على الطرفين أن يرضى كل‬
‫منهما بحكمه‪ .‬أعلن حكمه بالعدام على الخونة‪ ،‬قائ ً‬
‫ل‪" :‬فَإ ِّني‬
‫أ َحك ُم فيه َ‬
‫وا ُ‬
‫جا ُ‬
‫قت َ َ‬
‫ل "‪،‬‬
‫ة وَت ُ ْ‬
‫ن يُ ْ‬
‫سَبى الذ ّّري ّ ُ‬
‫ل الّر َ‬
‫مأ ْ‬
‫ق َ‬
‫ل وَت ُ ْ‬
‫م ال ْ‬
‫س َ‬
‫ْ ُ ِ ِ ْ‬
‫م َ‬
‫دا هذا الحكم ‪ " :‬ل َ َ‬
‫م بِ ُ‬
‫قد ْ َ‬
‫فقال رسول الله ‪‬مؤي ً‬
‫ت ِفيهِ ْ‬
‫م َ‬
‫حك َ ْ‬
‫حك ْم ِ‬
‫‪2‬‬
‫ت " ‪..‬‬
‫ماَوا ٍ‬
‫الل ّهِ ِ‬
‫سب ِْع َ‬
‫ق َ‬
‫س َ‬
‫م ْ‬
‫ن فَوْ ِ‬
‫فسيقوا إلى خنادق في المدينة‪ُ ،‬فقتل رجالهم ُوسبي نساؤهم‬
‫وذراريهم‪ .‬ولقى بنو قريظة هذا المصير على هذه الخيانة‪.‬‬
‫وهنا يحلو للبعض أن يتطاولوا على تصرف النبي ‪ ‬ومعاملته‬
‫لبني قريظة‪ ،‬ويعتبروا أن العدام الجماعي الذي تم لهؤلء الناس‬
‫يتسم بالقسوة والوحشية والجرام‪ ...‬الخ ‪..‬‬
‫ونرد على مثل هذه الراء ونقول ‪:‬‬
‫أو ً‬
‫ما كان يخطط‬
‫ل‪ :‬ماذا لو أن نتيجة غزوة الحزاب تمت حسب ً‬
‫لها بنو قريظة وأحزابهم؟ ألم تكن هي البادة التامة للمسلمين‬
‫دموا على هذا العمل الخسيس إل‬
‫أجمعين‪ .‬على أن اليهود لم يق ِ‬
‫بعد أن تكون لديهم ما يشبه اليقين بأنهم‪ -‬بمساعدة المشركين‪-‬‬
‫سوف يقومون بتدمير الكيان السلمي تدميرا ً كام ً‬
‫ل‪ ،‬واستئصال‬
‫شأفة المسلمين استئصال ً كليا ً – كما ورد في كتبهم إذا ظهروا‬

‫‪ 1‬انظر‪ :‬ابن سيد الناس ‪ :‬عيون الثر ‪50\2‬‬
‫‪ 2‬ابن القيم ‪ :‬زاد المعاد ‪ ،3/117‬و ابن سيد الناس ‪ :‬عيون الثر ‪ ،54 /2‬وابن هشام ‪2/240‬‬
‫‪178‬‬

‫على شعب من الشعوب ‪ -‬ولهذا لم يترددوا في الغدر بحلفائهم‬
‫المسلمين وعلى تلك الصورة البشعة‪.1‬‬
‫لقد جاء في سفر التثنية ‪" :‬حين تقترب من مدينة لكي تحاربها‬
‫استدعها للصلح‪ ،‬فإن أجابتك وفتحت لك؛ فكل الشعب الموجود‬
‫فيها يكون لك للتسخير ويستعبد لك‪ ،‬وإن لم تسالمك‪ ..‬بل عملت‬
‫معك حربا ً فحاصرها‪ ،‬وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك فاضرب‬
‫جميع ذكورها بحد السيف‪ ،‬وأما النساء والطفال والبهائم وكل ما‬
‫في المدينة كل غنيمتها فتغتنمها لنفسك‪ ،‬وتأكل غنيمة أعدائك‬
‫التي أعطاك الرب إلهك "‪. 2‬‬
‫ويعلق "مولنا محمد علي"‪ ،‬على هذا النص بقوله‪" :‬وهكييذا حكييم‬
‫قا للشريعة الموسييوية بقتييل ذكييور بنييي قريظيية وبسييبي‬
‫سعد وف ً‬
‫نسييائهم وأطفييالهم وبمصييادرة ممتلكيياتهم‪ ..‬ومهمييا بييدت هييذه‬
‫العقوبة قاسية‪ ،‬فقد كانت على درجة الضبط للعقوبيية الييتي كييان‬
‫اليهود ينزلونها‪ -‬تبعا ً لتشريع كتابهم‪ -‬بالمغلوبين من أعدائهم‪ ،‬فأي‬
‫اعتراض على قسوة هذه العقوبة هو في الواقع انتقاد ل شييعوري‬
‫للشريعة الموسوية‪ ،‬وتسليم بييأن شييريعة أكييثر إنسييانية يجييب أن‬
‫تحل محلها‪ ،‬وأيمييا مقارنيية بالشييريعة السييلمية فييي هييذا الصييدد‬
‫خليق بها أن تكشف‪ -‬في وضيوح بيالغ‪ -‬أي قيانون رفيييق عطيوف‬
‫رحيم قدمه السلم إلى الناس"‪.3‬‬
‫ثانيًا‪ :‬أن اليهود – ل سيما يهود قريظة ‪ -‬لم يلقوا من المسييلمين‬
‫طيلة السنوات الييتي تلييت المعاهييدة إل كييل بيير ووفيياء‪ ،‬ومعامليية‬
‫حسنة طيبة‪ ،‬كما شهدوا أنفسهم بيذلك‪ ،‬فعنييدما ذهييب حيييي بين‬
‫أخطب – أكبر زعماء اليهود ‪ -‬إلى كعب بين أسييد القرظييي زعيييم‬
‫ي !!‬
‫حييك ي َييا ُ‬
‫قريظة يغريه بنقض العهد مع النبي ‪ ‬قييال‪ " :‬وَي ْ َ‬
‫حي َي ّ‬
‫فَدع ِْني وما أ َنا ع َل َيه‪ ،‬فَإني ل َ َ‬
‫صييد ًْقا وَوََفيياًء " ‪..4‬‬
‫مد ٍ إّل ِ‬
‫م أَر ِ‬
‫ِّ‬
‫ْ ِ‬
‫َ َ َ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫ح ّ‬
‫ن ُ‬
‫ْ‬
‫م ْ‬
‫لكنه لم يزل به حتى أقنعه بالخيانة ونقض العهد‪.‬‬
‫ثالًثا ‪ :‬أن قانون أي دولة الن يحكم بالعدام على من يخون‬
‫وطنه ويقيم اتصالت مع العدو أو يتجسس لحسابه‪ ،‬و لو درس‬
‫الذين يطعنون في حكم سعد على بني قريظة القوانين‬
‫المعاصرة دراسة نافذة وطبقوها على قضية بني قريظة لرأوا أن‬

‫‪ 1‬انظر‪ :‬جمعة علي الخولي‪ :‬معاملة الرسول صلى ال عليه وسلم لبني قريظة‪ ،‬والرد على ما يثار حولها من‬
‫شبهات‪ ،‬مجلة جامعة المام محمد بن سعود‪ ،‬العدد ‪،57‬‬
‫‪ 2‬سفر التثنية – الصحاح العشرون ‪.18 :10‬‬
‫‪ 3‬مولنا محمد علي ‪ :‬حياة محمد ورسالته ص ‪175‬‬
‫‪ 4‬الروض النف ‪ ،422 /3‬ابن سيد الناس ‪ ،38 \2‬وابن كثير ‪ :‬البداية والنهاية ‪4/103‬‬
‫‪179‬‬

‫قوانين العصر الحديث والدول المتقدمة ل تختلف في شيء عما‬
‫أصدره سعد بن معاذ‪. .1‬‬
‫فيهود قريظة خانوا العقد‪ ،‬وتآمروا وانضموا إلى أعداء الدولة‬
‫السلمية وأوقعوا المسلمين بين شقي الرحى في المدينة‬
‫مكتوين بنار المشركين من جهة واعتداء اليهود في ساعة المحنة‬
‫من جهة ثانية فاقترفوا بذلك الغدر أربع جرائم‪:‬‬
‫أ ‪ -‬رفع السلح ضد سلطان المدينة مع الجنبي المعتدي‬
‫المحتل‪.‬‬
‫ب ‪ -‬تسهيل دخول العدو للبلد ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬التجسس لصالح تحالف المشركين‪.‬‬
‫د‪ -‬دس الفتن والمشاركة في الحرب العلمية النفسية على‬
‫الشعب المسلم‪.‬‬
‫‪2‬‬
‫إذا هو ) القصاص العادل( الذي أصاب بني قريظة على‬
‫خيانتهم ‪..‬‬
‫ومعظم قوانين العقوبات العصرية تجعل العدام عقوبة كل‬
‫جريمة من الجرائم الربع‪ ،‬وتسمى أي جريمة من هذه الجرائم‬
‫باسم الخيانة العظمى!‬
‫عا ‪ :‬قد يقال‪ :‬كان من الممكن أن يعامل النبي ‪ ‬يهييود بنييي‬
‫راب ً‬
‫قريظة كما يعامل القائد المنتصر رجال جيش عدوه الييذي انهييزم‬
‫َأمامه واستسلم‪ ،‬أو يعاملهم كمييا عامييل يهييود بنييي النضييير وبنييي‬
‫قينقاع‪ ..‬والجواب علييى ذلييك أن بنييي قريظيية لييم يكونييوا أسييرى‬
‫حرب حتى يميل بهم إلى الشفقة‪ ،‬ولم يكونوا في حالة حرب مييع‬
‫المسلمين‪ ،‬وإنما كانوا جيرانا متحييالفين يشييكلون مييع المسييلمين‬
‫وحييدة وطنييية ملزميية بالييدفاع المشييترك عيين المدينيية ضييد أي‬
‫عييدوان‪ ،‬لكنهييم ظهييروا أخطيير ميين العييداء‪ ،‬إذ يييبيتون لنيياس‬
‫يأمنونهم ويخصونهم بحقوق الجار‪ ،‬وواجبات الذمام‪ ،‬فكانوا بمثابة‬
‫الخائن المتآمر المتواطئ مع العدو علييى أمتييه ووطنييه فييي حاليية‬
‫الحرب القائمة وهذه خيانة عظمى ليس لها في جميع الشرائع إل‬
‫حا عيين موقييف‬
‫العدام السريع‪ ..‬وموقفهم هنا يختلف اختلًفا واض ً‬
‫بني قينقاع وبني النضير‪ ،‬فالولون قد أبدوا البغضاء ميين أفييواههم‬
‫حا ل‬
‫وأشاعوا الرعب والشكوك ورأوا في الدعاييية المغرضيية سييل ً‬
‫يفل‪ ..‬وبنوا النضير ائتمروا علييى قتييل الرسيول ‪ ،‬وتحييالفوا ميع‬
‫قييا‬
‫بعض المنافقين على المناجزة دون أن تتيح لهييم الفرصيية طري ً‬
‫يصلون منه إلى التنفيييذ‪ ،‬وهييؤلء وأولئك َأهييون خ ً‬
‫طبييا ميين الييذين‬
‫سلوا السيوف ووقفوا في صفوف العدو وأوقعوا الهلع في قلوب‬
‫‪ 1‬انظر‪ :‬محمد رجب البيومي ‪ ،‬مجلة الحج العدد ‪ 12‬السنة ‪.88‬‬
‫‪ 2‬محمود شيت خطاب ‪ :‬الرسول القائد‪259 ،‬‬
‫‪180‬‬

‫يحيط بها الروع من كل ناحييية‪ ،‬فتعييادل الكفييتين بينهمييا طيييش ل‬
‫يقره إنصاف‪. 1‬‬
‫المبحث الرابع‬
‫رحمته‪ ‬للسرى‬
‫في الوقت الذي كانت فيه الحروب الجاهلية ل تعرف أبسط‬
‫قواعد أخلقيات الحرب‪ ،‬ظهر النبي‪ ‬بمبادئه العسكرية‪ ،‬ليشرع‬
‫للعالمين تصوًرا شامل ً لحقوق السرى في السلم‪.‬‬
‫وفي هذا العصر الحديث الذي شّرعت فيه المنظمات الدولية‬
‫دا نظرية – غير مفعلة وغير مطبقة – لحقوق السرى‪،‬‬
‫بنو ً‬
‫كاتفاقيات جنيف بشأن أسرى الحرب في معاملة أسرى الحرب‬
‫ورعايتهم جسديا ً ونفسيًا‪.‬و نرى رسولنا ‪ ‬يشرع قبلهم بمئات‬
‫السنين حقوًقا شاملة وجامعة للسرى‪ ،‬أضف إلى ذلك أن النبي‬
‫دا نظرية بعيدة عن واقع الحروب –‬
‫‪ ‬لم يجعل هذه الحقوق بنو ً‬
‫جا عملًيا وطبقها بنفسه‬
‫كما هو الحال في عصرنا ‪ ،-‬بل جعلها منه ً‬
‫في غزواته وطبقها تلميذه في السرايا والمعارك السلمية ‪..‬‬
‫وفي إكرامه ‪ ‬للسرى‪ ،‬مظهر فريد من مظاهر الرحمة‪ ،‬في‬
‫وقت كانت تستباح فيه الحرمات والعراض ‪..‬‬
‫"وكثيرا ً ما أطلق ]‪ [‬سراح السرى في سماحة بالغة ‪ ،‬رغم أن‬
‫عددهم بلغ في بعض الحيان ستة آلف أسير"‪. 2‬‬
‫يقول سيديو ‪" :‬والكل يعلم أنه]‪ [‬رفض ‪-‬بعد غزوة بدر‪ -‬رأي‬
‫عمر بن الخطاب في قتل السرى‪ ...‬وأنه صفح عن قاتل عمه‬
‫حمزة ‪ ،‬وأنه لم يرفض ‪ -‬قط ‪-‬ما طلب إليه من اللطف‬
‫والسماح"‪.3‬‬
‫المطلب الول ‪ :‬نماذج في معركة بدر )‪ 17‬رمضان‬
‫‪2‬هـ‪13/‬مارس ‪624‬م(‪:‬‬
‫لقد استشار النبي ‪‬وزرائه في أسارى بدر فأشار عليه أبو بكر‬
‫‪ ‬أن يأخذ منهم فدية ‪ ،‬فهم بنو العم والعفو عنهم أحسن‪ ،‬ولعل‬
‫الله أن يهديهم إلى السلم‪ .‬وقال عمر ‪ : ‬ل والله ما أرى الذي‬
‫رأى أبو بكر ولكن أرى أن تمكننا فنضرب أعناقهم فإن هؤلء‬
‫أئمة الكفر وصناديدها!!‬

‫‪ 1‬انظر‪ :‬جمعة علي الخولي‪ :‬معاملة الرسول صلى ال عليه وسلم لبني قريظة‪ ،‬والرد على ما يثار حولها من‬
‫شبهات‪ ،‬مجلة جامعة المام محمد بن سعود‪ ،‬العدد ‪ ،57‬وانظر‪ :‬محمد رجب البيومي‪ ،‬مجلة الحج العدد ‪ 12‬السنة‬
‫‪.88‬‬
‫‪ 2‬مولنا محمد علي ‪ :‬حياة محمد و سيرته ‪ ،‬ص ‪269‬‬
‫‪ 3‬لويس سيديو‪) :‬نقل عن كتاب السلم بين النصاف و الجحود ‪ ،‬ص ‪.(134‬‬
‫‪181‬‬

‫فهوي النبي ‪ ‬ما قال أبو بكر‪ ،‬ولم يهو ما قال عمر‪ .‬فلما كان‬
‫من الغد أقبل عمر فإذا رسول الله ‪ ‬يبكى هو وأبو بكر فقال‪:‬‬
‫يا رسول الله! من أي شئ تبكي أنت وصاحبك فإن وجدت بكاء‬
‫بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما؟ فقال رسول الله ‪:‬‬
‫"أبكي للذي عرض على أصحابك من أخذهم الفداء ! لقد عرض‬
‫علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة !" وأنزل الله تعالى قوله‪:‬‬
‫كون ل َ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ما َ‬
‫ض‪.1‬‬
‫حّتى ي ُث ْ ِ‬
‫سَرى َ‬
‫كا َ‬
‫هأ ْ‬
‫ي أن ي َ ُ َ ُ‬
‫‪َ ‬‬
‫خ َ‬
‫ن ل ِن َب ِ ّ‬
‫ن ِفي الْر ِ‬
‫وقد تكلم العلماء في أي الرأيين كان أصوب فرجحت طائفة قول‬
‫عمر لهذا الحديث ورجحت طائفة قول أبي بكر لستقرار المر‬
‫عليه وموافقته الكتاب الذي سبق من الله بإحلل ذلك لهم‬
‫ولموافقته الرحمة التي غلبت الغضب‪ ،‬ولتشبيه النبي ‪ ‬له في‬
‫ذلك بإبراهيم وعيسى‪ ،‬وتشبيهه لعمر بنوح وموسى‪ ،‬ولحصول‬
‫الخير العظيم الذي حصل بإسلم أكثر أولئك السرى‪ ،‬ولخروج‬
‫من خرج من أصلبهم من المسلمين‪ ،‬ولحصول القوة التي‬
‫حصلت للمسلمين بالفداء ولموافقة رسول الله ‪ ‬لبي بكر أول ً‬
‫ولموافقة الله له آخرا ً حيث استقر المر على رأيه ولكمال نظر‬
‫الصديق فإنه رأى ما يستقر عليه حكم الله آخرا ً وغلب جانب‬
‫الرحمة على جانب العقوبة‪..2‬‬
‫وحين أقبل بالسارى – بعد بدر ‪ -‬فرقهم النبي‪ ‬بين أصحابه‬
‫وقال ‪:‬‬
‫ً ‪3‬‬
‫"استوصوا بهم خيرا " ‪..‬‬
‫وبهذه التوصية النبوية الرفيعة‪ ،‬تحقق في هذا الجيل السلمي‬
‫الفضيل قول الله تعالى‪:‬‬
‫َ‬
‫‪4‬‬
‫سيًرا ‪. ‬‬
‫ما وَأ ِ‬
‫س ِ‬
‫حب ّهِ ِ‬
‫م ع ََلى ُ‬
‫مو َ‬
‫ن الط َّعا َ‬
‫م ْ‬
‫كيًنا وَي َِتي ً‬
‫‪‬وَي ُط ْعِ ُ‬
‫وهذا أبو عزيز بن عمير أخو مصعب بن عمير يحدثنا عما رأى‪.‬‬
‫قال‪ :‬كنت في السرى يوم بدر‪ ، 5‬فقال رسول الله ‪":‬‬
‫َ‬
‫‪6‬‬
‫ُ‬
‫ن‬
‫ساَرى َ‬
‫صارِ ِ‬
‫ط ِ‬
‫ت ِفي َرهْ ٍ‬
‫صوا ِباْل َ‬
‫ا ْ‬
‫خي ًْرا" ‪ .‬وك ُن ْ ُ‬
‫ن اْلن ْ َ‬
‫ست َوْ ُ‬
‫حي َ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫ن ب َد ْرٍ فَ َ‬
‫م وَع َ َ‬
‫كاُنوا إ َ‬
‫صوِني‬
‫م َ‬
‫أقْب َُلوا ِبي ِ‬
‫موا غ َ َ‬
‫شاَءهُ ْ‬
‫داَءهُ ْ‬
‫ذا قَد ّ ُ‬
‫خ ّ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫م‬
‫ِبال ْ ُ‬
‫مَر ل ِوَ ِ‬
‫ه ع َل َي ْهِ وَ َ‬
‫صي ّةِ َر ُ‬
‫سل ّ َ‬
‫صّلى الل ّ ُ‬
‫خب ْزِ وَأك َُلوا الت ّ ْ‬
‫ل الل ّهِ َ‬
‫سو ِ‬
‫حِني ب َِها ‪.‬‬
‫خب ْزٍ إّل ن َ َ‬
‫ما ت َ َ‬
‫سَرة ُ ُ‬
‫ل ِ‬
‫ف َ‬
‫قعُ ِفي ي َد ِ َر ُ‬
‫م كِ ْ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫م ب َِنا ‪َ ،‬‬
‫إّياهُ ْ‬
‫ج ٍ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫‪7‬‬
‫َقا َ‬
‫سَها ‪.‬‬
‫م فَي َُرد ّ َ‬
‫ي فَأُرد ّ َ‬
‫ها ع ََلى أ َ‬
‫ست َ ْ‬
‫م ّ‬
‫ل فَأ ْ‬
‫ي ما ي َ َ‬
‫حد ِه ِ ْ‬
‫ها ع َل َ ّ‬
‫حي ِ َ‬
‫‪ 1‬سورة النفال‪:‬الية ‪67‬‬
‫‪ 2‬ابن القيم ‪ :‬زاد المعاد ‪99 \ 3 ،‬‬
‫‪ 3‬ابن كثير‪ :‬البداية والنهاية‪307 \3 ،‬‬
‫‪ 4‬سورة النسان‪:‬الية ‪8‬‬
‫‪ 5‬أيام كان على غير السلم‪ ،‬وكان في جيش المشركين‪.‬‬
‫‪ 6‬ابن هشام )‪ / 1‬ص ‪(644‬‬
‫‪ 7‬ابن هشام ) ‪ / 1‬ص ‪ ،(644‬وابن سيد الناس ‪ :‬عيون الثر ‪393\1‬‬
‫‪182‬‬

‫ويقول جابر بن عبدالله رضي الله عنه‪" :‬لما كان يوم بدر ُأتي‬
‫بالعباس ولم يكن عليه ثوب‪ ،‬فنظر النبي ‪ ‬له قميصا ً فوجدوا‬
‫‪1‬‬
‫قميص عبدالله بن ُأبي يقدر عليه فكساه النبي ‪ ‬إياه"‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ن الّرِبيِع يحدثنا قال‪ :‬كنت في رهط من النصار‬
‫ص بْ ُ‬
‫‪2‬وهذا أُبو الَعا ِ‬
‫ جزاهم الله خيًرا ‪ ،-‬كنا إذا تعشينا أو تغدينا آثروني بالخبز‬‫وأكلوا التمر‪ ،‬والخبز معهم قليل‪ ،‬والتمر زادهم‪ ،‬حتى إن الرجل‬
‫ي‪ ،‬وكان الوليد بن الوليد بن‬
‫لتقع في يده كسرة فيدفعها إل ّ‬
‫‪3‬‬
‫المغيرة يقول مثل ذلك ويزيد‪ :‬وكانوا يحملوننا ويمشون ‪.‬‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ن الّرِبيِع في السارى‪ ،‬وختن رسول الله ‪-‬‬
‫ص بْ ُ‬
‫وقد كان أُبو الَعا ِ‬
‫ن‬
‫صلى الله عليه وسلم‪ ،-‬وزوج ابنته زينب‪ ،‬أسره ِ‬
‫خَرا ُ‬
‫ش بْ ُ‬
‫ة ‪ ،‬فلما بعثت قريش فداء السرى بعثت زينب بنت رسول‬
‫م َ‬
‫ص ّ‬
‫ال ّ‬
‫الله ‪-‬صلى الله عليه وسلم ‪-‬في فداء أبي العاص وأخيه عمرو بن‬
‫الربيع بقلدة لمها خديجة‪ ،‬فلما رآها رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم رق لها رقة شديدة‪ ،‬وقال‪ " :‬إن رأيتم أن تطلقوا لها‬
‫أسيرها وتردوا عليها مالها فافعلوا "‪ ،‬فقالوا‪ :‬نعم يا رسول الله‪،‬‬
‫فأطلقوه وردوا عليها الذي لها‪.4‬‬
‫خلق الكريم الذي غرسه المعلم الكبير محمد ‪ ‬في‬
‫كان هذا ال ُ‬
‫أصحابه وجنده وشعبه‪ ،‬قد أثر في إسراع مجموعة من كبراء‬
‫السرى وأشرافهم إلى السلم‪ ،‬فأسلم أبو عزيز عقب معركة‬
‫بدر‪ُ ،‬بعيد وصول السرى إلى المدينة‪ ،‬وتنفيذ وصية ‪ ، ‬وأسلم‬
‫معه السائب بن عبيد‪.‬‬
‫وعاد السرى إلى بلدهم وأهليهم يتحدثون عن محمد ‪ ‬ومكارم‬
‫أخلقه‪ ،‬وعن محبته وسماحته‪ ،‬وعن دعوته وما فيها من البر‬
‫والتقوى والصلح والخير‪.5‬‬
‫المطلب الثاني ‪ :‬نموذج معركة بني المصطلق )شعبان‬
‫‪ 5‬هـ ‪/‬يناير ‪ 627‬م(‬
‫لقد أطلق المسلمون من في أيديهم من أسرى بني المصطلق‬
‫– بعد معركة مع بني المصطلق أعداء الرسول‪ ، ‬وذلك أن‬
‫جوَي ْرَِية بنت الحارث سيد بني المصطلق وقعت في سهم ثابت‬
‫ُ‬
‫ابن قيس‪ ،‬فكاتبها‪ ،‬فيأدي عنها رسول الله ‪ ‬وتزوجهيا‪ ،‬فأعيتق‬
‫المسليمون بسبيب هيذا التزوييج ميائية أهيل بييت مين بنيي‬
‫‪ 1‬البخاري )‪ (2846‬وانظر‪ :‬ابن حجر العسقلني‪ -‬فتح الباري ‪144 /6‬‬
‫‪ 2‬قبل إسلمه‪ ،‬أيام كان في جيش قريش‪ ،‬وأسره الصحابه في معركة بدر ‪.‬‬
‫‪ 3‬انظر‪ :‬الواقدي‪ :‬المغازي ‪.1/119‬‬
‫‪ 4‬سبل الهدى والرشاد ‪) -‬ج ‪ / 4‬ص ‪(71‬‬
‫‪ 5‬انظر‪ :‬علي محمد الصلبي ‪ :‬السيرة النبوية‪42\2 ،‬‬
‫‪183‬‬

‫المصطلق قيد أسلميوا‪ ،‬وقياليوا‪ :‬أصهيار رسول الله ‪ .1‬حيث‬
‫كره المسلمون أن يأسروا أصهار رسول الله ! قالت عائشة ‪:‬‬
‫فما أعلم امرأة أعظم بركة على قومها منها‪.2‬‬
‫واستكثر الصحابة على أنفسهم أن يتملكوا أصهار نبيهم وقائدهم‬
‫‪ ،‬وحيال هذا العتق الجماعي‪ ،‬وإزاء هذه الريحية الفذة‪ ،‬دخلت‬
‫القبيلة كلها في دين الله‪ .‬إن مرد هذا الحدث التاريخي وسببه‬
‫البعيد‪ ،‬هو حب الصحابة للنبي ‪ ،‬وتكريمهم إياه‪ ،‬وإكبارهم‬
‫شخصه العظيم‪ ،3‬وتأسيهم بأخلق قائدهم في معاملة السرى‪،‬‬
‫والتي عهدوها من معلمهم في حروب سابقة ‪.‬‬
‫المطلب الثالث ‪ :‬نموذج معركة حنين) ‪ 10‬شوال ‪ 8‬هـ‪/‬‬
‫‪ 30‬يناير ‪ 630‬م(‬
‫يقول "جان باغوت غلوب"‪:‬‬
‫"وكان انتصار المسلمين ]على هوازن[ في حنين كام ً‬
‫ل‪ ،‬حتى‬
‫أنهم كسبوا غنائم كثيرة بين أعداد وفيرة من البل والغنم ‪ ،‬كما‬
‫أسروا عددا ً ضخما ً من السرى معظمهم من نساء هوازن‬
‫وأطفالها ‪ ،‬وعندما عاد النبي ]‪ [‬عن الطائف دون أن يتمكن‬
‫من فتحها شرع يقسم الغنائم والسلب بين رجاله ‪ .‬ووصل إليه‬
‫وفد من هوازن المهزومة المغلوبة على أمرها يرجوه إطلق‬
‫سراح النسوة والطفال من السرى‪ ،‬وسرعان ما لبى النبي ]‪[‬‬
‫الطلب بما عرف عنه من دماثة و تسامح ‪ ،‬فلقد كان ينشد من‬
‫جديد في ذروة انتصاره أن يكسب الناس أكثر من نشدانه‬
‫عقابهم وقصاصهم"‪. 4‬‬
‫لقد تأثر مالك بن عوف زعيم هوازن المهزومة بهذا العفو الكريم‬
‫والخلق العظيم من محمد ‪ ،‬بعدما أطلق له كل السرى من‬
‫قومه‪..‬‬
‫فجادت قريحته لمدح النبي ‪ ، ‬فأخذ ينشد فاصل ً من الشعر‪،‬‬
‫يشكر فيه رسول الله ‪‬‬
‫فقال مالك ‪:‬‬
‫س‬
‫عت‬
‫وَل‬
‫ن َرأ َْيت‬
‫š ‪ِ šŠ¤1‬‬
‫س ِ‬
‫ما إ ْ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫في الّنا ِ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫د‬
‫م‬
‫ح‬
‫م‬
‫ل‬
‫ث‬
‫م‬
‫ب‬
‫م‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ك‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ث‬
‫م‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫م َ ِ‬
‫فى وأ َ‬
‫أب َِ‬
‫تى ت َ ِ َ‬
‫ما‬
‫شأ ي ُ ْ‬
‫خب ِْرك َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ع ّ‬
‫و َ‬
‫ذا š š َ‬
‫لإ َ‬
‫زي‬
‫ج‬
‫ل‬
‫ل‬
‫طى‬
‫ع‬
‫و‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ِ ِ‬
‫َ‬
‫ُ ْ‬
‫َ‬
‫ي‬
‫د‬
‫ت‬
‫ج‬
‫ا‬
‫ُ‬
‫د‬
‫غــ‬
‫في‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫ٍ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫‪5‬‬
‫بك ّ‬
‫ل‬
‫ْ‬
‫و َ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫š šِبال ّ‬
‫ر ّ‬
‫س ْ‬
‫ضْر ِ‬
‫ي َ‬
‫َ‬
‫ها‬
‫ب‬
‫يا‬
‫ن‬
‫أ‬
‫ت‬
‫د‬
‫ر‬
‫ع‬
‫ة‬
‫ب‬
‫تي‬
‫ك‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ذا‬
‫إ‬
‫ه ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ ْ‬
‫َ‬
‫Šš‬
‫د‬
‫هــن ّ ِ‬
‫م َ‬
‫ُ‬
‫‪ 1‬ابن كثير‪ :‬البداية والنهاية‪159 \4 ،‬‬
‫‪ 2‬ابن كثير‪ :‬البداية والنهاية‪159 \4 ،‬‬
‫‪ 3‬انظر‪ :‬علي محمد الصلبي ‪ :‬السيرة النبوية‪184\2 ،‬‬
‫‪ 4‬جان باغوت غلوب ‪ :‬الفتوحات العربية الكبرى‪ ،‬ص ‪.158 -157‬‬
‫‪ 5‬عردت‪ :‬اشتدت وضربت‪ ،‬القاموس المحيط )‪.(1/313‬‬
‫‪184‬‬

‫َ َ‬
‫عَلى أ َ ْ‬
‫ه‬
‫ه ل َي ْ ٌ‬
‫ث َ‬
‫شَبال ِ ِ‬
‫فك َأن ّ ُ‬
‫‪šŠ¤‬‬

‫س َ‬
‫خاِدٌر‬
‫ة‪َ 6‬‬
‫هَباءَ ِ‬
‫ط ال ْ َ‬
‫و ْ‬
‫š š َ‬
‫‪4‬‬
‫د ‪.‬‬
‫ِ‬
‫ص ِ‬
‫في َ‬
‫مْر َ‬

‫‪7‬‬

‫المطلب الرابع ‪ :‬نماذج أخرى‪:‬‬
‫أول ً ‪ :‬عفوه عن ثمانين أسيًرا في الحديبية ‪:‬‬
‫هبط عليه‪ ‬فى صلح الحديبية )في ذي القعدة ‪ 6‬هي‪ /‬مارس‬
‫‪ 628‬م( ‪ ،‬ثمانون متسلحون‪ ،‬من جبل التنعيم‪ ،1‬يريدون قتله‪،‬‬
‫ن عليهم‪.2‬‬
‫فأسرهم‪ ،‬ثم م ّ‬
‫ثانًيا ‪ :‬عفوه عن ثمامة بن أثال سيد بني حنيفة‬
‫ُأسر ثمامة بن أثال سيد بني حنيفة‪ ،‬وسيد اليمامة‪ ،‬فربطه‬
‫الصحابة بسارية بالمسجد النبوي‪ .3‬وإنما ُربط بسجد بناه أكرم‬
‫الخلق‪ ،‬مطلق العاني السير‪ ،‬خير من أكرم العزيز إذا ذل‪،‬‬
‫والغريب إذا ضل ‪.‬‬
‫َ‬
‫قا َ‬
‫ة " ‪..‬‬
‫ل النبي ‪ - ‬لصحابه ‪" :-‬أط ْل ِ ُ‬
‫فَ َ‬
‫م َ‬
‫ما َ‬
‫قوا ث ُ َ‬
‫خ َ‬
‫س َ‬
‫ل‬
‫م دَ َ‬
‫َفان ْط َل َقَ إ َِلى ن َ ْ‬
‫ب ِ‬
‫جد ِ ‪َ ،‬فاغ ْت َ َ‬
‫م ْ‬
‫ل ثُ ّ‬
‫س ِ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ري ٍ‬
‫م ْ‬
‫خ ٍ‬
‫ل قَ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫سو ُ‬
‫قا َ‬
‫ل‪ :‬أ ْ‬
‫ل الل ّهِ‪. 4‬‬
‫جد َ ف َ َ‬
‫م ً‬
‫م َ‬
‫ه وَأ ّ‬
‫شهَد ُ أ ْ‬
‫دا َر ُ‬
‫م ْ‬
‫ح ّ‬
‫ن ُ‬
‫ه إ ِّل الل ّ ُ‬
‫ن َل إ ِل َ َ‬
‫س ِ‬
‫ال ْ َ‬
‫فا‪ ،‬فطفق يهتف بأخلق‬
‫فلقد هزته الخلق المحمدية هًزا عني ً‬
‫محمد‪ ،‬ويقول ‪:‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ما َ‬
‫جه ُ َ‬
‫جهِ َ‬
‫ك‬
‫ك‪ ،‬فَ َ‬
‫ن ع ََلى الْر‬
‫ي ِ‬
‫ح وَ ْ‬
‫صب َ َ‬
‫ن وَ ْ‬
‫ض وَ ْ‬
‫كا َ‬
‫ج ٌ‬
‫" َ‬
‫قد ْ أ ْ‬
‫ه أب ْغَ َ‬
‫م ْ‬
‫ض إ ِل ّ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ما َ‬
‫ن ِدين ِ َ‬
‫ك‪،‬‬
‫ن ِدي‬
‫ي ِ‬
‫ن ِ‬
‫كا َ‬
‫ب ال ْوُ ُ‬
‫ح ّ‬
‫أ َ‬
‫ي!! َوالل ّهِ َ‬
‫ن أب ْغَ َ‬
‫م ْ‬
‫ض إ ِل َ ّ‬
‫م ْ‬
‫جوهِ إ ِل َ ّ‬
‫ٍ‬
‫َ‬
‫فَأ َصبح دين َ َ‬
‫ما َ‬
‫ي‬
‫دي‬
‫ن ِ‬
‫ْ َ َ ِ ُ‬
‫كا َ‬
‫ب ال ّ‬
‫ح ّ‬
‫كأ َ‬
‫ي !! َوالل ّهِ َ‬
‫ن ب َل َد ٍ أب ْغَ ُ‬
‫ض إ ِل َ ّ‬
‫م ْ‬
‫ن إ ِل َ ّ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫‪5‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ح ب َلد ُ َ‬
‫ن ب َل َد ِ َ‬
‫ي !! " ‪..‬‬
‫ِ‬
‫ح ّ‬
‫كأ َ‬
‫صب َ َ‬
‫ك‪ ،‬فَأ ْ‬
‫ب الب ِلد ِ إ ِل ّ‬
‫م ْ‬
‫بل ويترجم ثمامة هذا الحب عملًيا ‪..‬فيبغض في الله ويقاطع في‬
‫ه َقائ ِ ٌ‬
‫ة َقا َ‬
‫ت ؟؟!‬
‫مك ّ َ‬
‫ما قَد ِ َ‬
‫صب َوْ َ‬
‫ل لَ ُ‬
‫م َ‬
‫الله‪ ،‬فلما فَل َ ّ‬
‫ل‪َ :‬‬
‫َ‬
‫َقا َ‬
‫ه‬
‫ل الل ّهِ ‪-‬‬
‫سو‬
‫ه ع َل َي ْ ِ‬
‫ل‪َ " :‬ل وَل َك ِ‬
‫م َ‬
‫مد ٍ َر ُ‬
‫نأ ْ‬
‫صّلى الل ّ ُ‬
‫ح ّ‬
‫معَ ُ‬
‫ت َ‬
‫م ُ‬
‫سل َ ْ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ن ِفيَها‬
‫ة ِ‬
‫حب ّ ُ‬
‫م ِ‬
‫حّتى ي َأذ َ َ‬
‫حن ْط َةٍ َ‬
‫مة ِ َ‬
‫وَ َ‬
‫ما َ‬
‫ن ال ْي َ َ‬
‫م ‪ ،-‬وََل َوالل ّهِ َل ي َأِتيك ُ ْ‬
‫سل ّ َ‬
‫م ْ‬
‫‪6‬‬
‫م‪. ! " -‬‬
‫ه ع َل َي ْهِ وَ َ‬
‫سل ّ َ‬
‫صّلى الل ّ ُ‬
‫ي‪َ -‬‬
‫الن ّب ِ ّ‬
‫ثالًثا‪ :‬ل تجمعوا عليهم حر هذا اليوم وحر السلح ‪:‬‬
‫‪ 6‬الهباءة‪ :‬غبار الحرب‪ ,‬مختار الصحاح‪ ،‬ص ‪.689‬‬
‫‪7‬الخادر‪ :‬المقيم في عرينه‪ ،‬والخدر ستر يمد للجارية من ناحية البيت‪.‬‬
‫‪ 8‬انظر‪ :‬ابن هشام ‪ :‬السيرة النبوية )‪ ،.(4/144‬والبيهقي ‪ :‬دلئل النبوة ) ‪،(270 /5‬برقم ‪ ،5440‬وعلي محمد‬
‫الصلبي ‪ :‬السيرة النبوية‪ ،‬ص ‪،406 ،405‬‬
‫‪ 1‬جبل التنعيم ‪ :‬موضع بمكة في الحل‪ ،‬وهو الن مدينة صناعية بالمملكة العربية السعودية‪ .‬انظر‪:‬معجم البلدان ‪\2‬‬
‫‪ ،49‬ومعجم معالم الحجاز ‪44\2‬‬
‫‪ 2‬انظر‪ :‬ابن القيم ‪ :‬زاد المعاد )‪(99 \ 3‬‬
‫‪ 3‬انظر‪ :‬ابن القيم ‪ :‬زاد المعاد )‪(99 \ 3‬‬
‫‪ 4‬صحيح – رواه البخاري )‪ (442‬عن أبي هريرة‬
‫‪ 5‬صحيح – رواه البخاري )‪ ،(4024‬ومسلم ) ‪ ( 3310‬عن أبي هريرة‬
‫‪ 6‬صحيح – رواه البخاري )‪ ،(4024‬ومسلم ) ‪ ( 3310‬عن أبي هريرة‬
‫‪185‬‬

‫رأى الرسول أسارى بني قريظة موقوفين في قيظ النهار تحت‬
‫الشمس فأمر من يقومون بحراستهم قائ ً‬
‫ل‪" :‬ل تجمعوا عليهم حر‬
‫هذا اليوم وحر السلح‪ ..‬قيلوهم حتى يبردوا"‪ ،‬وقد سئل المام‬
‫مالك ‪ -‬يرحمه الله‪" :‬أيعذب السير إن رجي أن يدل على عورة‬
‫العدو؟" فأجاب قائ ً‬
‫ل‪" :‬ما سمعت بذلك"‪ 1‬وبذلك يحرم السلم‬
‫تعذيب السرى‪ ،‬ويرفض إهانتهم‪ ،‬ويقرر عدم إهمالهم‪ ..‬كما ل‬
‫يجوز تعذيب السير‪ ،‬ول إهانته للحصول على معلومات عسكرية‬
‫منه‪..‬‬
‫عا ‪ :‬كسوة ونفقة لسيرة ‪:‬‬
‫راب ً‬
‫وأعطى رسول الله كسوة ونفقة لبنة حاتم الطائي عندما‬
‫وقعت أسيرة في أيدي المسلمين‪ ،‬بل حملها حتى خرجت مع‬
‫بعض أناس من قومها‪.2‬‬
‫سا ‪ :‬عفوه عن مشركين قاتلوا يوم الفتح ‪:‬‬
‫خام ً‬
‫وأطلق يوم فتح مكة )رمضان ‪8‬هي‪ /‬يناير ‪ 630‬م ( جماعة من‬
‫قريش فكان يقال لهم ‪ :‬الطلقاء‪.3‬‬
‫فهذه نماذج‪ ،‬تبين لك مدى رحمة النبي ‪ ‬للسرى‪ ،‬وهذه‬
‫المواقف وغيرها تكشف الستار عن شخصية بلغت من السمو‬
‫دا‪ ،‬شخصية تحرك الفئدة نحوها بفيض عارم‬
‫والرفعة مبلًغا بعي ً‬
‫من الرحمة والعفو والجاذبية ‪.‬‬
‫المبحث الخامس‬
‫رحمته لقتلى العدو‬
‫المطلب الول ‪ :‬مواراة جيف قتلى العدو في بدر‪:‬‬
‫فلما انتصر النبي – صلى الله عليه وسلم – على المشركين في‬
‫قا‪ ،‬وُقتل في هذه الموقعة سبعون من‬
‫معركة بدر نصرا ً ساح ً‬
‫صناديد الوثنية‪ ،‬لم يأمر النبي – صلى الله عليه وسلم – بالتمثيل‬
‫بجثث القتلى أو إهانتها‪ ،‬بل أمر رسول الله‪ -‬صلى الله عليه‬
‫وسلم ‪ -‬بدفن هذه الجثث في بئر من آبار بدر القديمة ‪..‬‬
‫وقد ورد أنه ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬وقف على القتلى فقال –‬
‫يعاتبهم في حرقة ‪» : -‬بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم‪ ،‬كذبتموني‬
‫الناس‪ ،‬وخذلتموني ونصرني الناس‪ ،‬وأخرجتموني‬
‫وصدقني‬
‫‪4‬‬
‫وآواني الناس« ‪.‬‬
‫ونادى عليهم وهم في البئر قائ ً‬
‫ل‪» :‬يا عتبة بن ربيعة‪ ،‬ويا شيبة بن‬
‫قا فإني‬
‫ربيعة‪ ،‬ويا فلن‪ ،‬ويا فلن‪ ،‬هل وجدتم ما وعدكم ربكم ح ً‬
‫‪ 1‬انظر‪ :‬وهبة الزحيلي ‪ :‬آثار الحرب‪ ،‬ص‪.(414) :‬‬
‫‪ 2‬ممدوح إبراهيم الطنطاوي ‪ :‬أخلقيات الحرب في السلم‪ ،‬مجلة الجندي المسلم ‪ :‬العسكرية السلمية العدد‬
‫‪112‬‬
‫عنُكْم"‪ ،‬برقم ‪.،1808‬‬
‫ف َأْيِدَيُهْم َ‬
‫‪ 3‬انظر‪ :‬صحيح مسلم‪ ،‬كتاب الجهاد والسير‪ ،‬باب قوله تعالى ‪َ " :‬وهَُو اّلِذي َك ّ‬
‫وابن القيم ‪ :‬زاد المعاد ) ‪. ( 59 \ 5‬‬
‫‪ 4‬ابن القيم ‪ :‬زاد المعاد )‪.(3/187‬‬

‫‪186‬‬

‫قا« فقال عمر بن الخطاب‪ :‬يا رسول‬
‫وجدت ما وعدني ربي ح ً‬
‫الله! ما تخاطب من أقوام قد جيفوا؟ فقال‪» :‬والذي نفسي بيده‬
‫ما أنتم بأسمع لما أقول منهم‪ ،‬ولكنهم ل يستطيعون الجواب« ‪. 1‬‬
‫المطلب الثاني ‪ :‬جثة نوفل بن عبد الله !‬
‫لما حاول نوفل بن عبد الله – لعنه الله – اقتحام الخندق الذي‬
‫صنعه المسلمون لتحصين المدينة من حصار التحالف الوثني –‬
‫في غزو الحزاب ‪ -‬ومات مقتول ً في الخندق‪ ،‬عندما أصر على‬
‫اقتحامه في فرقة من المشركين‪ ،‬سأل المشركون المسلمين‬
‫جثته بمال يعطونه المسلمين‪ ،‬فأرسل المشركون إلى النبي‪ :‬أن‬
‫أرسل إلينا بجسده ونعطيك اثني عشر ألفا ً‪ ..2‬فتعفف رسول‬
‫الله عن هذا المال الخبيث‪ ،‬ونهاهم عن ذلك وكرهه !! وقال‪" :‬‬
‫‪3‬‬
‫ة"‬
‫جي َ‬
‫جي َ‬
‫فة ِ َ‬
‫ه َ‬
‫خِبي ُ‬
‫خِبي ُ‬
‫ث الد ّي َ ِ‬
‫ث ال ْ ِ‬
‫م فَإ ِن ّ ُ‬
‫فت َهُ ْ‬
‫م ِ‬
‫اد ْفَُعوا إ ِل َي ْهِ ْ‬
‫وفي رواية قال‪ " :‬ول نمنعكم أن تدفنوه‪ ،‬ول أرب لنا في ديته"‪.4‬‬
‫فلم يقبل منهم شيًئا‪ ،‬وخلى بينهم وبينه ‪..‬‬
‫وفي رواية ‪ :‬عن عن عكرمة أن نوفل ً تردى به فرسه يوم الخندق‬
‫قتل فبعث أبو سفيان إلى النبي ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬بديته‬
‫ف ُ‬
‫مائة من البل فأبى النبي ‪-‬صلى الله عليه وسلم ‪-‬وقال ‪" :‬خذوه‬
‫فإنه خبيث الدية خبيث الجثة"‪..5‬‬
‫‪6‬‬
‫وقال صلى الله عليه وسلم ‪ " :‬هو لكم ‪ ،‬ل نأكل ثمن الموتى "‬
‫وإنما كره هذا لئل ينسب إلى المسلمين ما ل يليق بمكارم‬
‫الخلق‪ ،‬فقد كان عليه السلم يقول‪ :‬بعثت لتمم مكارم‬
‫الخلق‪.7‬‬
‫المطلب الثالث ‪ :‬جثة عمرو بن ود ‪:‬‬
‫وبالمثل في نفس الغزوة‪ ،‬حدث مع عمرو بن ود – طاغية العرب‬
‫ ‪ ،‬عندما قتله علي – رضي الله عنه – في مبارزة عنيفة‪ ..‬وذكر‬‫ابن إسحاق أن المشركين بعثوا إلى رسول الله ‪ -‬صلى الله عليه‬
‫وسلم ‪ -‬يشترون جيفة عمرو بعشرة آلف‪ ،‬فقال رسول الله ‪-‬‬
‫صلى الله عليه وسلم‪:-‬‬
‫‪8‬‬
‫"هو لكم ول نأكل ثمن الموتى" ‪.‬‬
‫ولما أقبل علي – رضي الله عنه ‪ -‬بعد قتله لعمرو بن عبد ود‬
‫على رسول الله ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬وهو متهلل‪ ،‬قال له عمر‬
‫قريش‪.‬‬

‫‪ 1‬البخاري )‪ (7/234‬كتاب المغازي‪ ،‬باب دعاء النبي صلى ال عليه وسلم على كفار‬
‫‪2‬علي بن برهان الدين الحلبي‪ :‬السيرة الحلبية ‪2/628‬‬
‫ي ) ‪ ( 1715‬والقصة منتشرة في كتب السيرة‪.‬‬
‫‪ 3‬رواه أحمد )‪ ،( 2442 (،(2230‬والّتْرِمِذ ّ‬
‫‪ 4‬علي بن برهان الدين الحلبي‪ :‬السيرة الحلبية ‪2/628‬‬
‫‪ 5‬رواه ابن أبي شيبة )‪ ، (36824‬المتقي الهندي ‪ :‬كنز العمال ) ‪ ،( 30102‬ورواه الفزاري في السير ) ‪، (10‬‬
‫ولم أقف على صحة الحديث ‪.‬‬
‫‪ 6‬رواه البيهقي في دلئل النبوة )‪ ،(1320‬ولم أقف على سنده ‪.‬‬
‫‪ 7‬السرخسي ‪ :‬شرح كتاب السير الكبير ‪) -‬ج ‪ / 1‬ص ‪(448‬‬
‫‪ 8‬علي بن برهان الدين الحلبي‪ :‬السيرة الحلبية ‪628 /2‬‬
‫‪187‬‬

‫بن الخطاب رضي الله عنه‪ :‬هل سلبته درعه‪ ،‬فإنه ليس في‬
‫العرب درع خير منها؟ قال‪ :‬إني حين ضربته استقبلني بسوءته‬
‫فاستحييت يا ابن عمي أن أسلبه‪.1‬‬
‫المبحث السادس‬
‫رحمته لهل الذمة‬
‫المطلب الول ‪ :‬من هم أهل الذمة وما موقف الدولة‬
‫السلمية منهم ؟‬
‫أهل الذمة هم القليات من أهل الكتاب دخل الدولة السلمية ‪..‬‬
‫يقول أدوار بروي‪:‬‬
‫ضا من أهل الكتاب‪ ،‬حق لهم أن‬
‫"فاليهود والنصارى الذين هم أي ً‬
‫يتمتعوا بالتساهل وأن ل يضاموا‪ .‬وكان لبد ّ من وقوف هذا‬
‫الموقف نفسه من الزرادشتية والبوذية والصابئة‪ ..‬وغيرها من‬
‫الملل والنحل الخرى‪ .‬والمطلوب من هؤلء السكان أن يظهروا‬
‫الولء للسلم ويعترفوا بسيادته وسلطانه‪ ،‬وأن يؤدوا له الرسوم‬
‫المترتبة على أهل الذمة تأديتها‪ ..‬وفي نطاق هذه التحفظات التي‬
‫لم يكن لتؤثر كثيًرا على الحياة العادية‪ ،‬تمتع الزميون] في‬
‫السلم[ بكافة حرياتهم"‪.2‬‬
‫ويقول ‪ :‬مونتكومري وات‪:‬‬
‫فا تجاه اليهود والمسيحيين‬
‫"إن تعامل المسلمين كان مختل ً‬
‫والزرادشتيين وغيرهم ممن اعتبرت دياناتهم شقيقة للسلم‪،‬‬
‫رغم الدعوى القائلة بأن التباع المعاصرين لتلك الديانات قد‬
‫ابتعدوا عن جوهرها‪ .‬ومهما كان المر فقد كان بالمكان قبولهم‬
‫عا من الحلفاء للمسلمين في معظم القطار التي فتحتها‬
‫نو ً‬
‫العرب‪ .‬لذلك فإن غرض الجهاد لم يكن يهدف إلى تحويل أولئك‬
‫السكان نحو السلم بقدر ما كان يهدف إلى اعترافهم بالحكم‬
‫السلمي وبمنزلة أناس يحميهم السلم‪ .‬وبعامة فإنهم )أهل‬
‫الذمة(" ‪. 3‬‬
‫" وكانت الطائفة الذمية مجموعة من الناس تعتنق ديانة واحدة‬
‫لها استقللها الداخلي برعاية رئيس ديني كالبطريك أو الرابي‪،‬‬
‫وكان على كل فرد من أفراد المجموعة الذمية دفع ضريبة‬
‫شخصية إلى الحاكم المسلم ‪ ...‬وكانت تلك الضرائب أحياًنا أقل‬
‫وطأة من الضرائب التي كانت تدفع للحكام السابقين‪ .‬وكانت‬
‫‪ 1‬رواه البيهقي في دلئل النبوة )‪ ،(1320‬وانظر‪ :‬علي بن برهان الدين الحلبي‪ :‬السيرة الحلبية ‪628 /2‬‬
‫‪ 2‬أدوار بروي‪ :‬تاريخ الحضارات العام ‪116 / 3 ،‬‬
‫‪3‬مونتكومري وات‪ :‬تأثير السلم على أوروبا في العصور الوسطى ‪ ،‬ص ‪13‬‬
‫‪188‬‬

‫حمايتهم بصورة فعالة بالنسبة للدولة السلمية تمثل كلمة شرف‬
‫تلتزم بها الدولة وتنفذها"‪. 1‬‬
‫المطلب الثاني ‪ :‬شهادات علماء الغرب ‪:‬‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬حرية أهل الذمة في العتقاد ‪:‬‬
‫يقول "روم لندو" ‪:‬‬
‫"على نقيض المبراطورية النصرانية التي حاولت أن تفرض‬
‫ضا‪ ،‬اعترف العرب بالقليات‬
‫المسيحية على جميع رعاياها فر ً‬
‫الدينية وقبلوا بوجودها‪ .‬كان النصارى واليهود والزرادشتيون‬
‫يعرفون عندهم بي )أهل الذمة(‪ ،‬أو الشعوب المتمتعة بالحماية‪.‬‬
‫لقد ضمنت حرية العبادة لهم من طريق الجزية‪ ..‬التي أمست‬
‫تدفع بدل ً من الخدمة العسكرية‪ .‬وكانت هذه الضريبة مضاًفا إليها‬
‫الخراج‪ ،‬أقل في مجموعها من الضرائب التي كانت مفروضة في‬
‫ظل الحكم البيزنطي‪ .‬كانت كل فرقة من الفرق التي تعامل‬
‫كمّلة‪ ،‬أي كطائفة نصف مستقلة استقلل ً ذاتًيا ضمن الدولة‪.‬‬
‫وكانت كل مّلة تخضع لرئيسها الديني"‪.2‬‬
‫ثانًيا‪ :‬حرية أهل الذمة في ممارسة الشعائر ‪:‬‬
‫يقول ول ديورانت‪:‬‬
‫"‪ ..‬كان أهل الذمة المسيحيون‪ ،‬والزردشتيون‪ ،‬واليهود‪،‬‬
‫والصابئون يستمتعون في عهد الخلفة الموية بدرجة من‬
‫التسامح ل نجد نظيًرا لها في المسيحية في هذه اليام‪ .‬فلقد‬
‫كانوا أحراًرا في ممارسة شعائر دينهم‪ ،‬واحتفظوا بكنائسهم‬
‫ومعابدهم‪ ..‬وكانوا يتمتعون بحكم ذاتي يخضعون فيه لزعمائهم‬
‫وقضاتهم وقوانينهم"‪..3‬‬
‫ويقول" آدم متز"‬
‫"كانت حياة الذمي عند أبي حنيفة وابن حنبل تكافئ حياة‬
‫دا من حيث المبدأ‪..‬‬
‫المسلم‪ ،‬ودية المسلم‪ ،‬وهي مسألة مهمة ج ً‬
‫ولم تكن الحكومة السلمية تتدخل في الشعائر الدينية لهل‬
‫الذمة‪ ،‬بل كان يبلغ من بعض الخلفاء أن يحض مواكبهم وأعيادهم‬
‫ويأمر بصيانتهم‪ ..‬وكذلك ازدهرت الديرة بهدوء‪.4"..‬‬
‫ثالًثا‪ :‬رعاية المسلمون لهل الذمة‪:‬‬
‫يقول آرثر ستانلي تريتون‪: 5‬‬
‫‪ 1‬مونتكومري وات ‪ :‬تأثير السلم على أوروبا في العصور الوسطى ‪ ،‬ص ‪. 14 – 13‬‬
‫‪ 2‬روم لندو‪:‬السلم والعرب ‪ ،‬ص ‪119‬‬
‫‪ 3‬ول ديورانت ‪ :‬قصة الحضارة ‪. 131 – 130 / 3 ،‬‬
‫‪4‬آدم متز‪ :‬الحضارة السلمية في القرن الرابع ‪. 70 – 69 / 1 ،‬‬
‫‪ 5‬آرثر ستانلي تريتون ‪ :‬ولد عام ‪ 1881‬عين مساعد أستاذ للعربية في أدنبرا )‪ (1911‬وكلسكو )‪ (1919‬وأستاذ‬
‫في عليكرة في الهند )‪ (1921‬ومدرسة الدراسات الشرقية والفريقية بلندن )‪(47-38-1931‬من آثاره‪) :‬الخلفاء‬
‫ورعاياهم من غير المسلمين( )‪) ،(1930‬علم الكلم في السلم( )‪) ،(1947‬السلم إيمان وشعائر( )‪،(1950‬‬
‫)مواد في التربية السلمية( )‪.(1957‬‬
‫‪189‬‬

‫"ولما تدانى أجل )عمر بن الخطاب( أوصى من بعده وهو على‬
‫فراش الموت بقوله‪) :‬أوصي الخليفة من بعدي بأهل الذمة خيًرا‪،‬‬
‫وأن يوفي لهم بعهدهم‪ ،‬وأن يقاتل من ورائهم‪ ،‬وأل يكلفهم فوق‬
‫طاقتهم( وفي الخبار النصرانية شهادة تؤيد هذا القول‪ ،‬وهي‬
‫شهادة )عيثويابه( الذي تولى كرسي البطريركية من سنة ‪647‬‬
‫إلى ‪657‬م إذ كتب يقول‪) :‬إن العرب الذين مكنهم الرب من‬
‫السيطرة على العالم يعاملوننا كما تعرفون‪ ،‬أنهم ليسوا بأعداء‬
‫ديسينا‪،‬‬
‫للنصرانية بل يمتدحون مّلتنا ويوقرون قسيسينا وق ّ‬
‫ويمدون يد المعونة إلى كنائسنا وأديرتنا(‪ .‬والظاهر أن التفاق‬
‫الذي تم بين )عيثويابه( وبين العرب كان من صالح النصارى‪ ،‬فقد‬
‫ص على وجوب حمايتهم من أعدائهم‪ ،‬وأل يحملوا قسًرا على‬
‫ن ّ‬
‫الحرب من أجل العرب‪ ،‬وأل يؤذوا من أجل الحتفاظ بعاداتهم‬
‫وممارسة شعائرهم‪ ،‬وأل تزيد الجزية المجباة من الفقير على‬
‫أربعة دراهم‪ ،‬وأن يؤخذ من التاجر والغني اثنا عشر درهما‪ ،‬وإذا‬
‫كانت أمة نصرانية في خدمة مسلم فإنه ل يحق لسيدها أن‬
‫‪1‬‬
‫يجبرها على ترك دينها أو إهمال صلتها والتخلي عن صيامها‪. ".‬‬
‫عا‪ :‬الستعانة بهم في أجهزة الدولة ‪:‬‬
‫راب ً‬
‫يقول آدم متز‪:‬‬
‫"ومن المور التي نعجب لها كثرة عدد العمال والمتصّرفين غير‬
‫المسلمين في الدولة السلمية"‪.. 2‬‬
‫وقد كان عمر بن الخطاب ‪ ‬يستخدمهم في كتابة الدواوين‬
‫والترجمة‪.‬‬
‫المطلب الثالث ‪ :‬وصايا النبي ‪ ‬بأهل الذمة والتحذير‬
‫من إيذائهم‪:‬‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬حرمة قتل الذمي بغير حق ‪:‬‬
‫ّ‬
‫رو‪:‬‬
‫ن عَ ْ‬
‫عَ ْ‬
‫م ٍ‬
‫ن ع َب ْد ِ اللهِ ب ْ ِ‬
‫ن قَت َ َ‬
‫ي ‪َ‬قا َ‬
‫ة‬
‫ل نَ ْ‬
‫ح َ‬
‫جن ّ ِ‬
‫ة ال ْ َ‬
‫ح َرائ ِ َ‬
‫م ي َرِ ْ‬
‫مَعاهَ ً‬
‫ف ً‬
‫دا ل َ ْ‬
‫سا ُ‬
‫ل‪َ ":‬‬
‫م ْ‬
‫ن الن ّب ِ ّ‬
‫عَ ْ‬
‫َ‬
‫‪3‬‬
‫َ‬
‫ما" ‪.‬‬
‫ن َ‬
‫م ِ‬
‫جد ُ ِ‬
‫حَها لُيو َ‬
‫ن ِري َ‬
‫وَإ ِ ّ‬
‫عا ً‬
‫ن َ‬
‫سيَرةِ أْرب َِعي َ‬
‫م ْ‬
‫ثانًيا‪ :‬حرمة قذف الذمي ‪:‬‬
‫‪4‬‬
‫سو ُ‬
‫َقا َ‬
‫ط‬
‫ن قَذ َ َ‬
‫سيا ٍ‬
‫مة ِ ب ِ ِ‬
‫م ال ْ ِ‬
‫مّيا ُ‬
‫ه ي َوْ َ‬
‫ل َر ُ‬
‫قَيا َ‬
‫حد ّ ل َ ُ‬
‫ف ذِ ّ‬
‫ل الل ّهِ ‪َ : ‬‬
‫م ْ‬
‫قا ُ‬
‫ل‪َ ،‬قا َ‬
‫قا ُ‬
‫ما أ َ َ‬
‫ن‬
‫ل‪ :‬ي ُ َ‬
‫ما ي ُ َ‬
‫ِ‬
‫مك ْ ُ‬
‫ل لَ ُ‬
‫شد ّ َ‬
‫ل‪َ :‬‬
‫ن َناٍر" قيل ل ِ َ‬
‫ه‪َ:‬يا اب ْ َ‬
‫حو ٍ‬
‫م ْ‬
‫‪5‬‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫الكاِفر ِ‪.‬‬
‫ثالًثا‪ :‬تحريم ظلمه ‪:‬‬
‫‪ 1‬آرثر ستانلي تريتون ‪ :‬أهل الذمة في السلم ‪ ،‬ص ‪159 – 158‬‬
‫‪ 2‬آدم متز ‪ :‬الحضارة السلمية في القرن الرابع ‪. 87 / 1‬‬
‫جْرٍم‬
‫ل ِذّمّيا ِبغَْيِر ُ‬
‫ن َقَت َ‬
‫‪ 3‬صحيح – رواه البخاري‪ ،‬برقم ‪ ،6403‬باب َباب ِإْثِم َم ْ‬
‫حد ‪ :‬أقيم عليه الحد والعقوبة‬
‫‪ُ 4‬‬
‫‪ 5‬المعجم الكبير للطبراني )ج ‪ / 15‬ص ‪ ،(434‬مسند الشاميين للطبراني )ج ‪ / 9‬ص ‪(316‬‬
‫‪190‬‬

‫عن عبد الله بن جراد ‪ ،‬أن رسول الله ‪ ‬قال ‪ ":‬من ظلم ذمًيا‬
‫مؤديا ً الجزية‪ 1‬مقًرا بذلته ‪ ،‬فأنا خصمه يوم القيامة "‪. 2‬‬
‫وفي ذلك يقول يقول كولدتسيهر‪: 3‬‬
‫"فظلم أهل الذمة‪ ،‬وهم أولئك المحتمون بحمى السلم من غير‬
‫المسلمين‪ ،‬كان يحكم عليه بالمعصية وتعدي الشريعة‪ .‬ففي‬
‫بعض المرات عامل حاكم إقليم لبنان الشعب بقسوة عندما ثار‬
‫ضد ظلم أحد عمال الضرائب‪ ،‬فحكم عليه بما قاله الرسول ]‬
‫دا‪ ،‬وكلفه فوق طاقته فأنا حجيجه يوم‬
‫‪) :[‬من ظلم معاه ً‬
‫القيامة(‪ .‬وفي عصر أحدث من هذا ما رواه بورتر ‪ Porter‬في‬
‫كتابه )خمس سنين في دمشق( من أنه رأى بالقرب من بصرى‬
‫)بيت اليهود( وحكى أنه كان في هذا الموضع مسجد هدمه عمر ]‬
‫‪ [‬لن الحاكم قد اغتصبه من يهودي ليبني عليه هذا‬
‫المسجد!"‪.4‬‬
‫المبحث السابع‬
‫جا[‬
‫قيم حضارية في غزوة بدر ] نموذ ً‬
‫كثيرة هي تلك القيم الحضارية التي ظهرت في غزوة بدر]الجمعة‬
‫‪ 17‬رمضان ‪2‬هي ‪13 -‬مارس ‪624‬م[كأحداث رئيسية في هذه‬
‫المعركة‪..‬تلك المعركة التي لم تكن في حسبان جيش المسلمين‬
‫الذين خرجوا لمطاردة ثفقة تجارية لقريش قادمة من الشام‬
‫يقودها أبو سفيان بن حرب‪ ،‬كمحاولة جديدة لسترداد بعض‬
‫أموال المسلمين التي صادرتها قريش !‬
‫ولكن قضى الله أمًرا غير الذي أراده المسلمون‪ ،‬فقد استطاع‬
‫أبو سفيان أن يفلت بالقافلة‪ ،‬بعدما أرسل الى مكة من يخبر‬
‫قريشا ً بالخبر غير الذي أراده المسلمون‪ ،‬فغضب المشركون في‬
‫مكة‪ ،‬فتجهزوا سراعًا‪ ،‬وخرجوا في ألف مقاتل ‪ ..‬أما أبو سفيان‬
‫فقد أرسل إلى قيادات مكة ‪ ،‬من يخبرهم بأن القافلة قد نجت‪،‬‬
‫وأنه ل داعي للقتال‪ ،‬وحينئذ رفض أبو جهل إل المواجهة‬
‫العسكرية‪..‬‬
‫‪ 1‬الجزية ‪ :‬هي عبارة عن اشتراك مالي يدفعه المعاهد أو الذمي من غير المسلمين‪ ،‬وهي مقابل إقامتهم في الدولة‬
‫السلمية وحمايتها لهم‪.‬‬
‫‪ 2‬أبو نعيم الصبهاني ‪ :‬معرفة الصحابة )ج ‪ / 11‬ص ‪(339‬‬
‫‪ 3‬كولد تسيهر )‪1921-1850‬م( ‪ :‬عين أستاًذا محاضًرا في كلية العلوم بجامعة بودابست )‪ (1873‬ثم أستاذ كرسي‬
‫)‪ .(1906‬من آثاره‪ :‬كتاب )العقيدة والشريعة في السلم( )باريس ‪ ،(1920‬و)درس في السلم( في جزأين‬
‫كبيرين‪.‬‬
‫‪ 4‬كولدتسيهر‪ :‬العقيدة والشريعة في السلم ‪ ،‬ص ‪47-46‬‬
‫‪191‬‬

‫وفيما يلي نقف – سريًعا ‪ -‬على بعض القيم الحضارية المستفادة‬
‫من هذه الغزوة ‪:‬‬
‫المطلب الول ‪ :‬ل نستعين بمشرك على مشرك ‪:‬‬
‫لما خرج رسول الله ‪ ، ‬إلى بدر‪ ،‬أدركه خبيب بن إساف‪ ،‬وكان‬
‫دا لقومه من‬
‫ذا بأس ونجدة ولم يكن أسلم‪ ،‬ولكنه خرج منج ً‬
‫الخزرج طالًبا للغنيمة‪ ،‬وكانت ُتذكر منه جرأة وشجاعة‪ ،‬ففرح‬
‫أصحاب النبي ‪ ‬حين رأوه‪ ،‬فلما أدركه قال‪ :‬جئت لتبعك‬
‫وأصيب معك‪ ،‬فقال له النبي ‪ "‬أتؤمن بالله ورسوله؟ " قال‪:‬‬
‫ل‪ ،‬قال‪" :‬فارجع فلن نستعين بمشرك" " فلم يزل خبيب يلح‬
‫هّ‬
‫سو ُ‬
‫ل الل ِ‬
‫سّر َر ُ‬
‫على النبي‪ ،‬والنبي يرفض‪ ،‬حتى أسلم خبيب‪ ،‬فَ ُ‬
‫‪ ‬ب ِذ َل ِ َ‬
‫ك ‪ ،‬وََقا َ‬
‫ل ‪ " :‬انطلق"‪.. 1‬‬
‫ث‪ ،‬يطلب‬
‫حّر ٍ‬
‫م َ‬
‫ن ُ‬
‫وعلى النقيض من هذا الموقف‪ ،‬جاء أبو قَي ْ ُ‬
‫س بْ ُ‬
‫القتال مع المسلمين وقد كان مشر ً‬
‫كا‪ ،‬فلما رفض السلم‪ ،‬رده‬
‫‪2‬‬
‫سو ُ‬
‫جعَ الرجل إَلى المدينة‪ ،‬وأسلم بعد ذلك ‪.‬‬
‫ل الل ّهِ ‪ ‬وََر َ‬
‫َر ُ‬
‫نرى القائد السلمي في هذا الموقف‪ ،‬يرفض أشد الرفض أن‬
‫يستعين بمشرك على قتال مشرك‪ ،‬وأقل ما ن َُعنون به هذا‬
‫الموقف الحضاري المتكرر في السيرة الغراء‪ ،‬هو عنوان الحرب‬
‫الشريفة النظيفة‪ ،‬التي تكون من أجل العقائد والمثل‪ ،‬ل من أجل‬
‫القهر والظفر بالمغانم ‪ ..‬ففي هذا الموقف دللة على أن‬
‫الحرب في السلم ل تكون إل من أجل العقيدة‪ ،‬فل يصح إذن –‬
‫إذا كنا نقاتل من أجل العقيدة – أن نستعين بأعداء هذه العقيدة‬
‫في الحرب ‪..‬‬
‫وتخيل معي شعور الجيش المشرك‪ ،‬عندما تأتيه أنباء رفض‬
‫القائد السلمي الستعانة عليهم بغير المسلمين‪ ..‬بيد أن الحروب‬
‫الجاهلية في الماضي والحاضر يستعين فيها الخصم على خصمه‬
‫بشتى الملل والنحل‪ ،‬الصالحة والطالحة‪ ،‬المهم أن يظفر الخصم‬
‫بخصمه‪ ،‬فينهب ويسلب ويغدر ‪ ..‬دون اللتفات إلى قيم أو مثل !‬
‫أما القيادة السلمية الكريمة ترسخ هذا الصل الصيل في‬
‫أخلقيات الحروب‪ ،‬بحيث ُتظهر عقيدتها السمحة‪ ،‬وتستميل‬
‫نفوس الجنود الذين جاءوا لحرب المسلمين‪ ،‬ناهيك عن البعد‬
‫العلمي‪ ،‬الذي يسحب القائد السلمي بساطه من تحت خصمه‪،‬‬
‫الذي جاء بطًرا ورئاء الناس‪ ،‬فيظهر الخصم المشرك أمام الرأي‬
‫العام العالمي والقليمي بمظهر المتعجرف ‪ ..‬أما الجيش‬
‫السلمي فيظهر بمظهر جيش الخير ‪ ،‬الذي يحترم العقيدة ‪ ،‬إلى‬
‫‪ 1‬ابن سعد )ج ‪ / 3‬ص ‪(535‬‬
‫‪ 2‬الواقدي )ج ‪ / 1‬ص ‪(48‬‬
‫‪192‬‬

‫الدرجة التي يرفض فيها أن يستعين في قتاله بمن يخالف‬
‫عقيدته!‬
‫المطلب الثاني ‪ :‬مشاركة القائد جنوده في الصعاب‪:‬‬
‫عن عبد الله بن مسعود ‪ -‬رضي الله عنه ‪ -‬قال ‪ :‬كنا يوم بدر‪ ،‬كل‬
‫ثلثة على بعير‪ ،‬فكان أبو لبابة وعلي بن أبي طالب زميلي رسول‬
‫الله ‪ ‬قال ‪ :‬فكانت إذا جاءت عقبة رسول الله ‪ ‬قال ‪ :‬نحن‬
‫نمشي عنك قال ‪ " :‬ما أنتما بأقوى مني وما أنا بأغنى عن الجر‬
‫‪1‬‬
‫منكما "‬
‫فالقائد الصالح هو من يشارك جنوده الصعاب‪ ،‬ويحفزهم على‬
‫القليل والكثير من الصالحات‪ ،‬ليكون قدوة طيبة أخلقية لجنوده‬
‫في المنشط والمكره‪ ،‬وليس القائد بالذي يتخلف عن جيشه رهًبا‬
‫من الموقف أو يتلذذ بصنوف النعيم الدنيوي وجنده يكابد الحر‬
‫والقر‪.‬‬
‫المطلب الثالث الشورى ‪:‬‬
‫ن بلغ النبي نجاة القافلة وتأكد من حتمية‬
‫ففي وداي ذ َفَِرا َ‬
‫المواجهة العسكرية مع العدو‪ ..‬فاستشار الناس ووضعهم أمام‬
‫الوضع الراهن إما ملقاة العدو وإما الهروب إلى المدينة ‪ ..‬فقال‬
‫لجنوده ‪ " :‬أ َشيروا ع َل َ َ‬
‫س"‪ ،‬ول زال يكررها عليهم‪،‬‬
‫ي أي َّها الّنا ُ‬
‫ّ‬
‫ِ ُ‬
‫فيقوم الواحد تلو الخر ويدلو بدلوه‪ ،‬فقام أبو بكر فقال وأحسن ‪.‬‬
‫رو فقال‬
‫م ْ‬
‫ثم قام عمر فقال وأحسن ‪ .‬ثم قام ال ْ ِ‬
‫ق َ‬
‫ن عَ ْ‬
‫داد ُ ب ْ ُ‬
‫م ٍ‬
‫وأحسن‪ ..‬حتى قام القيادي النصاري البارز سعد بن معاذ‪،‬‬
‫فحسم نتيجة الشورى لصالح الحل العسكري ‪.‬‬
‫فهذا هو المجتمع السلمي‪ ،‬الذي يعتبر الشورى ركًنا من أركانه‪،‬‬
‫وأصل ً في بنيانه‪ ..‬في أيام كانت أوربا تحت حكم وراثي كنسي‬
‫مستبد‪ ،‬يقيد الجنود بالسلسل – في المعارك – حتى ل يفروا‪ .‬ل‬
‫قيمة عندهم لرأي‪ ،‬ول وزن ‪ -‬في تصوراتهم – لفكر !‬
‫المطلب الرابع ‪ :‬النهي عن استجلب المعلومات‬
‫بالعنف ‪:‬‬
‫وهذا مظهر آخر من المظاهر الحضارية في السيرة‪ ،‬فقد حذر‬
‫رسولنا ‪ ‬من انتزاع المعلومات بالقوة من الناس‪ ،‬ففي ليلة‬
‫ث النبي ‪ ‬ع َل ِي ب َ‬
‫ماءِ‬
‫المعركة ب َعَ َ‬
‫ن أِبي طالب ِفي مفرزة إَلى َ‬
‫ّ ْ َ‬
‫ب َد ْرٍ في مهمة استخباراتية لجمع المعلومات‪ ،‬فوجدوا غلمين‬
‫يستقيان للمشركين‪ ،‬فأ َتوا بهما فَ َ‬
‫سو ُ‬
‫ل الل ّهِ ‪‬‬
‫ما ‪ ،‬وََر ُ‬
‫َ‬
‫سأُلوهُ َ‬
‫َ ْ ِِ َ‬
‫‪ 1‬ابن هشام ) ‪ ( 389 /2‬وحسنه اللباني في تحقيق فقه السيرة ‪167‬‬
‫‪193‬‬

‫ش ‪ .‬فطفق الصحابة يضربوهما‪،‬‬
‫س َ‬
‫صّلي‪ ،‬فقال ‪ :‬ن َ ْ‬
‫ن ُ‬
‫يُ َ‬
‫ح ُ‬
‫قاة ُ قَُري ْ ٍ‬
‫حتى اضطر الغلمان لتغيير أقوالهما ‪ .‬فلما أتم رسول الله صلته؛‬
‫قال لهما مستنكًرا ‪" :‬والذي نفسي بيده إنكم لتضربونهما إذا‬
‫ما‪ ،‬وَإ ِ َ‬
‫صدقا و تتركونهما إذا كذبا ‪ ..‬إ َ‬
‫ذا‬
‫م َ‬
‫موهُ َ‬
‫ضَرب ْت ُ ُ‬
‫صد ََقاك ُ ْ‬
‫ذا َ‬
‫‪1‬‬
‫ش" ‪.‬‬
‫ما ل ِ ُ‬
‫صد ََقا ‪ ،‬وََالل ّهِ إن ّهُ َ‬
‫موهُ َ‬
‫م ت ََرك ْت ُ ُ‬
‫ك َذ ََباك ُ ْ‬
‫ما ؟ ! ‪َ ،‬‬
‫قَري ْ ِ‬
‫هكذا كانت معاملة القيادة السلمية لمن وقع في قبض‬
‫المخابرات السلمية للستجواب‪ ،‬فنهى القائد عن تعذيب‬
‫وب‪ ،‬أو انتزاع المعلومات منه بالقوة‪ ،‬فسبق اتفاقية‬
‫المستج َ‬
‫جينيف الثالثة لعام ‪ 1949‬التي تحظر إجبار السير على الدلء‬
‫بمعلومات سوى معلومات تتيح التعرف عليه مثل اسمه وتاريخ‬
‫ميلده ورتبته العسكرية‪ ، ،‬وجّرم رسول الله كل أعمال التعذيب‬
‫أو اليذاء أوالضغط النفسي والجسدي التي تمارس على السير‬
‫ليفصح عن معلومات حربية ‪.‬‬
‫وثمة تقدم إسلمي على هذه التفاقات الخيرة‪ ،‬فرسول الله قد‬
‫طبق هذه التعاليم التي تحترم حقوق السير‪ ،‬بيد أن دول الغرب‬
‫ما لهذه التفاقات ولم تحترمها‪،‬‬
‫في العصر الحديث لم تعير اهتما ً‬
‫والدليل على ذلك ما يفعله الجنود المريكيون في الشعب‬
‫العراقي والفغاني ‪ ..‬وما يفعله الصهاينة في الشعب‬
‫الفلسطيني‪.‬‬
‫المطلب الخامس ‪ :‬احترام آراء الجنود‪:‬‬
‫فلما تحرك رسول الله إلى موقع المعركة‪ ،‬نزل بالجيش عند‬
‫ن‬
‫أدنى بئر من آبار بدر من الجيش السلمي‪ ،‬وهنا قام ال ْ ُ‬
‫حَباب ب ْ َ‬
‫من ْذ ِرِ وأشار على النبي بموقع آخر أفضل من هذا الموقع‪ ،‬وهو‬
‫ال ْ ُ‬
‫سو ُ‬
‫قا َ‬
‫ل الل ّهِ ‪ - ‬مشجًعا ‪": -‬‬
‫عند أقرب ماء من العدو‪ ،‬فَ َ‬
‫ل له َر ُ‬
‫ْ‬
‫قد ْ أ َ َ‬
‫ي"‪.2‬وبادر النبي بتنفيذ ما أشار به الحباب ‪ ،‬ولم‬
‫لَ َ‬
‫شْرت ِبالّرأ ِ‬
‫يستبد برأيه رغم أنه القائد العلى‪ ،‬وعليه ينزل الوحي من‬
‫السماء!‬
‫إن هذه المواقف لتبين كيف تكون العلقة بين القائد وجنوده‪ ،‬إنها‬
‫علقة تحترم الراء الناضجة وتشجع الفكار الصاعدة ‪.‬‬
‫المطلب السادس ‪ :‬العدل بين القائد والجندي ‪:‬‬
‫قلما نرى في تاريخ الحروب صورة تعبر عن العدل بيت القادة‬
‫والجنود‪ ،‬فالتاريخ النساني حافل بصور استبداد القادة‬
‫العسكريين وظلمهم للجنود‪ ..‬أما محمد فنراه في أرض المعركة‬
‫‪ 1‬ابن هشام )ج ‪ / 1‬ص ‪(616‬‬
‫‪ 2‬ابن هشام ‪) -‬ج ‪ / 1‬ص ‪(620‬‬
‫‪194‬‬

‫يقف أمام جندي من جنوده لّيقتص الجندي منه ‪ ..‬أما الجندي فهو‬
‫ست َن ِْتل من الصف‪ ،‬غمزه النبي غمزة خفيفة‬
‫ن غ َزِي ّ َ‬
‫ة‪ ،‬لما ا ْ‬
‫ِ َ‬
‫س َ‬
‫واد ِ ب ْ ِ‬
‫ست َوِ َيا‬
‫في ب َط ْن ِهِ ‪ -‬بالسهم الذي ل نصل له ‪ -‬وقال ‪ " :‬ا ْ‬
‫واد ُ !" ‪ ..‬قال ‪ :‬يا رسول الله ! أوجعتني ! وقد بعثك الله بالحق‬
‫َ‬
‫س ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ه‪ ،‬وََقا َ‬
‫ل‪":‬‬
‫ن ب َطن ِ ِ‬
‫والعدل؛ فَأقِد ِْني ! فكشف رسول اللهِ ‪ ‬ع َ ْ‬
‫قا َ‬
‫قب ّ َ‬
‫مَلك ع ََلى‬
‫ه ! فَ َ‬
‫ه فَ َ‬
‫د" ‪َ ..‬فاع ْت َن َ َ‬
‫ست َ ِ‬
‫ما َ‬
‫ق ْ‬
‫ا ْ‬
‫ح َ‬
‫ل النبي ‪َ " : ‬‬
‫ل ب َط ْن َ ُ‬
‫ق ُ‬
‫َ‬
‫هَ َ‬
‫ت أن يكون آخر‬
‫ذا َيا َ‬
‫واد ُ ؟ " ‪ ،‬قال ‪ :‬حضر ما ترى‪ ،‬فَأَرد ْ ُ‬
‫س ّ‬
‫‪1‬‬
‫العهد بك أن يمس جلدي جلدك ! فدعا له رسول الله بخير‬
‫المطلب السابع ‪ :‬الحوار قبل الصدام ‪:‬‬
‫أراد النبي أن يستنفذ كل وسائل الصلح والسلم قبل أن يخوض‬
‫المعركة‪ ،‬فما ُأرسل إل رحمة للعالمين‪ ،‬فأراد أن يبادر بمبادرة‬
‫للسلم ليرجع الجيشان إلى ديارهما‪ ،‬فُتحقن الدماء‪ ،‬أو ليقيم‬
‫َ‬
‫س َ‬
‫الحجة على المشركين‪ ،‬فلما ن ََز َ‬
‫ل‬
‫ل الجيش الوثني أرض بدر أْر َ‬
‫طا ِ َ‬
‫خ ّ‬
‫سو ُ‬
‫ش‪ ،‬وقد كان سفيرهم‬
‫ن ال ْ َ‬
‫َر ُ‬
‫ل الل ّهِ ‪ ‬ع ُ َ‬
‫مَر ب ْ َ‬
‫ب إلى قَُري ْ ٍ‬
‫في الجاهلية‪ ،‬فنصحهم عمر بالرجوع إلى ديارهم حقًنا للدماء ‪..‬‬
‫ض‬
‫ن ِ‬
‫ح ِ‬
‫فتلقفها َ‬
‫كي ُ‬
‫حَزام ٍ أحد عقلء المشركين‪ ،‬فقال‪ :‬قد ع ََر َ‬
‫م بْ ُ‬
‫ف‪.‬‬
‫ص ً‬
‫ص ِ‬
‫صُرو َ‬
‫فا‪َ ،‬فاقْب َُلو ُ‬
‫ن عليه بعد ما عرض من الن ّ ْ‬
‫ه‪ ،‬والله ل ت ُن ْ َ‬
‫نِ ْ‬
‫‪2‬‬
‫فقال أبو جهل ‪ :‬والله ل نرجع بعد أن أمكننا الله منهم ‪ .‬فانظر‬
‫حرص الرسول على حقن الدماء وحرص أبي جهل على سفك‬
‫الدماء‪ ،‬وانظر إلى هذه القيمة الحضارية التي يسجلها نبي‬
‫الرحمة في هذه المعركة ‪ :‬الحوار قبل الصدام ‪.‬‬
‫المطلب الثامن ‪ :‬الوفاء مع المشركين ‪:‬‬
‫ُ‬
‫ساَرى بدر‪ " :‬ل َوْ َ‬
‫حّيا‬
‫ن ع َد ِيّ َ‬
‫كا َ‬
‫فقد قال الن ِّبي في أ َ‬
‫مط ْعِ ُ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫م بْ ُ‬
‫ه"‪!! 3‬‬
‫م لَ ُ‬
‫مِني ِفي هَؤ َُلِء الن ّت َْنى ل َت ََرك ْت ُهُ ْ‬
‫م ك َل ّ َ‬
‫ثُ ّ‬
‫وذلك لن المطعم قد أدخل النبي ‪ ‬في جواره فور رجوعه من‬
‫الطائف إلى مكة‪ ،‬وفي الوقت الذي تخلى فيه الناس عن حماية‬
‫النبي خوًفا من بطش أبي جهل‪ ،‬قال المطعم ‪" :‬يا معشر‬
‫دا فل يهجه أحد منكم " ‪ ..‬وقد حفظ‬
‫قريش‪ ،‬إني قد أجرت محم ً‬
‫النبي ‪ ‬للمطعم هذا الصنيع وهذه الشهامة ‪.‬‬
‫َ‬
‫ن‬
‫ي أَبا ال ْب َ ْ‬
‫ن لَ ِ‬
‫ي ‪ ‬في هذا اليوم أي ً‬
‫ضا‪َ " :‬‬
‫خت َرِيّ ب ْ َ‬
‫ق َ‬
‫م ْ‬
‫وقال الن ّب ِ ّ‬
‫َ‬
‫هِ َ‬
‫سد ٍ فََل ي َ ْ‬
‫ن ع َب ْدِ‬
‫ن لَ ِ‬
‫حارِ ِ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫نأ َ‬
‫ه‪ ،‬وَ َ‬
‫قت ُل ْ ُ‬
‫ي ال ْعَّبا َ‬
‫س بْ َ‬
‫ق َ‬
‫م ْ‬
‫ث اب ْ ِ‬
‫شام ِ ب ْ ِ‬
‫‪ 1‬ابن هشام ‪) -‬ج ‪ / 1‬ص ‪ ،(626‬وصححه اللباني في السلسلة الصحيحة‪،‬‬
‫‪2835‬‬
‫‪ 2‬الواقدي ‪) -‬ج ‪ / 1‬ص ‪(62‬‬
‫‪ 3‬البخاري‪ ،‬ح‪2906 :‬‬

‫‪195‬‬

‫ها ‪ 1".‬وقد كان‬
‫ب‪ ،‬فََل ي َ ْ‬
‫ما أ ُ ْ‬
‫ست َك َْر ً‬
‫خرِ َ‬
‫م ْ‬
‫ج ُ‬
‫ه إن ّ َ‬
‫ه‪ ،‬فَإ ِن ّ ُ‬
‫قت ُل ْ ُ‬
‫ال ْ ُ‬
‫مط ّل ِ ِ‬
‫العباس في مكة بمثابة قلم المخابرات للدولة السلمية‪ ،‬وقد‬
‫خت َرِيّ فقد كان أكف‬
‫ما يكتم إيمانه ‪ ..‬أما أبو ال ْب َ ْ‬
‫كان مسل ً‬
‫المشركين عن المسلمين‪ ،‬بل ساند المسلمين في محنتهم أيام‬
‫شعب‪ ،‬وكان ممن سعى في نقض صحيفة‬
‫اعتقالهم في ال ِ‬
‫المقاطعة الظالمة‪ ،‬ومن ثم كانت له يد على المسلمين‪ ،‬فأرد‬
‫النبي يوم بدر أن يكرمه‪ .‬فالقيادة السلمية تحفظ الجميل‬
‫لصحاب الشهامة وإن كانوا من فسطاط المشركين ‪.‬‬
‫المطلب التاسع ‪ :‬حفظ العهود ‪:‬‬
‫قال حذيفة بن اليمان‪ :‬ما منعنا أن نشهد بدًرا إل أني وأبي أقبلنا‬
‫نريد رسول الله ‪ ‬فأخذنا كفار قريش فقالوا‪ :‬إنكم تريدون‬
‫دا‪ ،‬فقلنا‪ :‬ما نريده إنما نريد المدينة‪ ،‬فأخذوا علينا عهد الله‬
‫محم ً‬
‫وميثاقه لتصيرن إلى المدينة ول تقاتلوا مع محمد ‪ ، ‬لما‬
‫جاوزناهم أتينا رسول الله ‪ ‬فذكرنا له ما قالوا وما قلنا لهم‬
‫فيما ترى؟ قال‪" :‬نستعين الله عليهم ونفي بعهدهم"‪. !! 2‬‬
‫وهذا الموقف من رسول الله يعد من مفاخر أخلقيات الحروب‬
‫في تاريخ النسانية‪ ،‬فلم ير المؤرخون في تاريخ الحروب قاطبة‬
‫فا يناظر هذا الموقف المبهر‪ ،‬ذلك الموقف الذي نرى فيه‬
‫موق ً‬
‫القيادة السلمية تحترم العهود والعقود لقصى درجة‪ ،‬حتى‬
‫العهود التي أخذها المشركون على ضعفاء المسلمين أيام‬
‫الضهاد‪ ،‬رغم ما يعلو هذه العقود من شبه الكراه ‪.‬‬
‫المطلب العاشر ‪ :‬النهي عن المثلة بالسير ‪:‬‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫مَر‬
‫لما أسر سهيل بن عمرو أحد صناديد مكة فيمن أسر‪ ،‬قال ع ُ َ‬
‫َ‬
‫خ ّ‬
‫سو َ‬
‫ي‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ل الل ّ ِ‬
‫ل الل ّهِ ‪َ :‬يا َر ُ‬
‫ب ل َِر ُ‬
‫طا ِ‬
‫ه‪ ،‬د َع ِْني أن ْزِع ْ ث َن ِي ّت َ ْ‬
‫سو ِ‬
‫بْ َ‬
‫ه فل يقوم عليك خطيًبا في موطن‬
‫سهيل بن عمرو‪ ،‬وَي َد ْل َعُ ل ِ َ‬
‫سان َ ُ‬
‫سو ُ‬
‫قا َ‬
‫ل الل ّهِ ‪‬‬
‫ها‪ ،‬يهجو السلم‪ .‬ف َ‬
‫دا ! وقد كان خطيًبا مفو ً‬
‫أب ً‬
‫ل َر ُ‬
‫ُ‬
‫مث ّ ُ‬
‫مث ّ ُ‬
‫ت‬
‫ل بِ ِ‬
‫ه ِبي وَإ ِ ْ‬
‫ن ك ُن ْ ُ‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫ه‪ ،‬فَي ُ َ‬
‫ في سماحة وسمو ‪ " :-‬ل أ َ‬‫ن َب ِّيا !!"‪ .3‬فلم يمثل به كما يمثل الهمجيون في قتلى وأسرى‬
‫الجيش المهزوم‪ ،‬وسن بذلك سنة حسنة في الحروب‪ ،‬ويبقى له‬
‫الفضل والسبق في تحريم إهانة السرى أو إيذائهم ‪.‬‬

‫‪ 1‬ابن سعد ‪) -‬ج ‪ / 4‬ص ‪(10‬‬
‫‪ 2‬انظر‪ :‬المستدرك للحاكم )‪ ،( 4896‬صحيح السناد وأقره الذهبي‬
‫‪ 3‬ابن هشام ‪) -‬ج ‪ / 1‬ص ‪(649‬‬
‫‪196‬‬

‫هكذا كان نبي الرحمة في ميدان القتال ‪ ،‬ل يستعين بمشرك‬
‫على مشرك‪ ،‬يشارك جنوده ‪ ،‬ويستشيرهم‪ ،‬ويعدل بينهم‪ ،‬ويحترم‬
‫ما لهل الفضل منهم‪،‬‬
‫آرائهم‪ ،‬ويحاور أعدائه‪ ،‬ويكون وفًيا كري ً‬
‫ويكرم االسرى‪ ،‬وينهى عن إيذائهم‬

‫الفصل السادس‬
‫رحمته للعالمين في مجال المرأة والطفل‬
‫المبحث الول ‪ :‬تحرير المرأة من الجاهلية‬
‫المبحث الثاني ‪ :‬مميزات المرأة في السلم‬
‫المبحث الثالث ‪ :‬رحمته للطفال‬
‫المبحث الرابع ‪ :‬رحمته للبنات‬
‫المبحث الخامس ‪ :‬رحمته لليتام‬
‫المبحث السادس ‪ :‬رحمته للرامل‬
‫‪197‬‬

‫المبحث الول‬
‫تحرير المرأة من الجاهلية‬
‫في هذا المبحث نرى مظهرا ً جليا ً من مظاهر رحمة سيدنا محمد‬
‫‪ .. ‬إنه تحرير المرأة‪ ،‬من ظلم الجاهلية ‪. .‬‬
‫وبالطبع يحدثنا عن هذا المظهر من مظاهر الرحمة علماء الغرب‬
‫!‬
‫ل سيما في معرض تناولهم لوضع المرأة العربية في عهد النبي‬
‫‪..‬‬
‫ونلحظ في هذه الراء التقدير العالي من هؤلء العلماء الغربيين‬
‫لصلحت النبي ‪ ‬التي رفعت من قدر المرأة‪ ،‬وحمايتها من‬
‫الوأد والقصاء والتهميش ‪.‬‬
‫‪198‬‬

‫المطلب الول ‪ :‬محمد ‪ ‬منقذ المرأة ‪:‬‬
‫يقول الباحث البريطاني " جب "‪ ،‬متحدًثا عن محمد ‪:‬‬
‫سلم به عالميا ً بصفة عامة أن إصلحاته ]‪ [‬رفعت‬
‫" إنه من الم َ‬
‫‪1‬‬
‫من قدر المرأة ومنزلتها ووضعها الجتماعي والشرعي " ‪.‬‬
‫‪2‬‬
‫"ورفع عن المرأة قيد العبودية التي فرضتها تقاليد الصحراء " ‪..‬‬
‫ويرى العلمة ول ديورانت‪ 3‬أن السلم قد رفع "من مقام المرأة‬
‫وى بين‬
‫في بلد العرب ‪ ...‬وقضى على عادة وأد البنات‪ ،‬وس ّ‬
‫الرجل والمرأة في الجراءات القضائية والستقلل المالي‪،‬‬
‫وجعل من حقها أن تشتغل بكل عمل حلل ‪ ،‬وأن تحتفظ بما لها‬
‫ومكاسبها‪ ،‬وأن ترث‪ ،‬وتتصرف في مالها كما تشاء‪ ،‬وقضى على‬
‫ما اعتاده العرب في الجاهلية من انتقال النساء من الباء إلى‬
‫البناء فيما ينتقل لهم من متاع ‪ ،‬وجعل نصيب النثى في الميراث‬
‫نصف نصيب الذكر‪ ،‬ومنع زواجهن بغير إرادتهن"‪. 4‬‬
‫ويوضح إميل درمنغم كيف حرر النبي ‪‬المرأة‪ ،‬ويفصل في‬
‫ذلك‪..‬قائ ً‬
‫ل‪:‬‬
‫" مما ل ريب فيه أن السلم رفع شأن المرأة في بلد العرب و‬
‫سن حالها‪ ،‬قال عمر بن الخطاب ]‪): [ ‬مافتئنا نعد النساء من‬
‫ح ّ‬
‫المتاع حتى أوحى في أمرهن مبيًنا لهن (‪ ،‬وقال النبي ]‪:[‬‬
‫) أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقًا‪ ،‬وخياركم خياركم‬
‫لنسائهم (‪ ..‬أجل‪ ،‬إن النبي ]‪ [‬أوصى الزوجات بإطاعة‬
‫أزواجهن‪ ،‬ولكنه أمر بالرفق بهن ونهى عن تزويج الفتيات كرها ً‬
‫وعن أكل أموالهن بالوعيد أو عند الطلق " ‪.5‬‬
‫يقول نظمي لوقا " ولم يكن للنساء نصيب في المواريث أيام‬
‫الجاهلية ‪ ...‬فأنزلت الية التي تورث النساء‪ .‬وفي القرآن تحريم‬
‫لوأد البنات‪ ،‬وأمر بمعاملة النساء واليتام بالعدل‪ ،‬ونهى محمد ]‬
‫‪[‬عن زواج المتعة وحمل الماء على البغاء ‪. 6 "..‬‬
‫ما محض‬
‫ويقول سوسة ‪ .." :‬كانت المرأة في ديار العرب قدي ً‬
‫متاع‪ ،‬مجرد ذكرها أمٌر ممتهن‪ .‬هكذا كان الوضع حينما جاء محمد‬
‫]‪ ،[‬فرفع مقام المرأة في آسيا من وضع المتاع الحقير إلى‬
‫‪ 1‬هـ‪ .‬أ‪ .‬ر‪ .‬جب ‪ :‬المحمدية ‪ ،‬ص ‪.33‬‬
‫ل عن نقل عن كتاب قالوا في السلم بقلم حسن الشيخ خضر الظالمي ص ‪50‬‬
‫‪2‬هذه الجملة لجيمس متشنر‪ ،‬نق ً‬
‫‪ 3‬مؤلف أمريكي معاصر‪ ،‬تعد موسوعته ) قصة الحضارة( ذات ثلثين مجلدا ‪ ،‬واحد ة من أشهر الموسوعات‬
‫التي تؤرخ للحضارة البشرية‪ ،‬عكف على تأليفها السنين الطوال‪ ،‬وأصدر الكتاب الول منها عام ‪ ،1935‬ثم تلته‬
‫بقية الجزاء ومن كتبه ) قصة الفلسفة ( ‪.‬‬
‫‪ 4‬ول ديورانت‪ :‬قصة الحضارة ‪13/60 ،‬‬
‫‪ 5‬إميل درمنغم ‪:‬حياة محمد ‪ ،‬ص ‪.330-329‬‬
‫‪ 6‬نظمي لوقا‪ :‬محمد الرسالة والرسول ص ‪96‬‬
‫‪199‬‬

‫مرتبة الشخص المحترم الذي له الحق في الحياة حياة محترمة‪،‬‬
‫كما أن له الحق في أن يملك ويرث المال"‪.1‬‬
‫المطلب الثاني ‪ :‬افتراءات وردود ‪:‬‬
‫وهذه افتراءات يلوكها بعض الحاقدين‪ ،‬والرد عليها من قبل‬
‫العلماء المسلمين وغير المسلمين‪:‬‬
‫الفرية الولى ‪ :‬حول تعدد الزوجات ‪:‬‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬فيما يخص تعدد الزوجات الخاص بشخص النبي‬
‫‪: ‬‬
‫يقول كويليام ‪:‬‬
‫"أما تعدد الزوجات فإن موسى ]عليه السلم[ لم يحرمها‪ ،‬وداود‬
‫]عليه السلم[ أتاها‪ ،‬وقال بها ولم تحرم في العهد الجديد )أي‬
‫النجيل( إل من عهد غير بعيد‪ .‬ولقد أوقف محمد ]‪ [‬الغلوّ فيها‬
‫‪2‬‬
‫عند حد ّ معلوم‪".‬‬
‫عا من الرسل في قضية التعدد‪،‬‬
‫والحق أن محمد‪ ‬لم يكن بد ً‬
‫فإبراهيم عليه السلم تزوج سارة ثم هاجر‪ ،‬و يعقوب عليه‬
‫السلم تزوج بأربع نسوة‪ ،‬و داود عليه السلم تزوج بأكثر مما‬
‫ما ‪ -‬بأنه زنى بامرأة‬
‫تزوج رسول الله بل يتهمه العهد القديم – ظل ً‬
‫أوريا وقتل زوجها بالحيلة‪ ،‬ثم أخذها‪ ،3‬وتزوج سليمان ‪-‬عليه‬
‫السلم‪ -‬بألف امرأة‪ ،‬سبعمائة منهن حرائر من بنات السلطين‬
‫وثلثمائة جوار‪.4‬‬
‫ة جارية عند العرب‪ ،‬لسيما عند الزعماء‪،‬‬
‫كما أن التعدد كان سن ً‬
‫فهو رمز للفحولة عندهم‪ ،‬ولقد كان الرجل يأتي النبي ‪، ‬‬
‫فيقول‪ :‬عندي ست زوجات أو تسع أو عشر أو أكثر‪ ،‬فبم‬
‫‪5‬‬
‫تأمرني؟‪ .‬فيأمره بأن يمسك أربعا ً منهن ويسرح الخريات ! وإل‬
‫لو لم يكن التعدد شائعا ً عند العرب لتخذوا تعدد الرسول‬
‫‪ ‬مطعنا ً فيه‪ ،‬أو سبة له‪ ،‬ولم يرد ذلك على لسان أحد ٍ منهم‪ .‬بل‬
‫دا متواضعا في عرف‬
‫نرى أن جمع النبي بين تسع نسوة يعد عد ً‬
‫العرب في ذلك الوقت !‬
‫‪ 1‬أحمد سوسة ‪ :‬في طريقي إلى السلم ‪2/42 ،‬‬
‫‪2‬‬
‫عبد ال كويليام‪ :‬العقيدة السلمية ‪:‬ص ‪23 – 22‬‬
‫‪ 3‬انظر‪ :‬العهد القديم ‪:‬سفر صموئيل الثاني ‪ ،‬الباب الحادي عشر‬
‫‪ 4‬انظر‪ :‬العهد القديم ‪ :‬الباب الحادي عشر من سفر الملوك الول‬
‫‪ 5‬صحيح – أخرجه الترمذي ) ‪ ( 211 / 1‬وابن أبي شيبة ) ‪ ( 1 / 51 / 7‬وابن ماجه ) ‪ ( 1953‬وقال اللباني ‪:‬‬
‫صحيح‪ ،‬وذلك عن قول الرسول ‪-‬صلى ال عليه وسلم‪ -‬لغيلن بن سلمة حين أسلم وتحته عشر نسوة ‪ " :‬أمسك‬
‫أربعا وفارق سائرهن " ‪ .‬وفي رواية أخرى قال عروة بن مسعود الثقفي ‪ " :-‬أسلمت وتحتي عشر نسوة‪ ،‬أربع‬
‫منهم من قريش إحداهن بنت أبي سفيان" ‪ ..‬فقال لي رسول ال ‪-‬صلى ال عليه وسلم ‪ " :-‬اختر منهن أربًعا وخل‬
‫سائرهن فاخترت منهن أربعا منهن ابنة أبي سفيان " ‪.‬‬
‫‪200‬‬

‫ثانًيا‪:‬فيما يخص تعدد الزوجات العام‪:‬‬
‫يقول إميل درمنغم‪:‬‬
‫"وأباح ]النبي ‪ [‬تعدد الزوجات‪..‬ولم يوصي الناس به‪ ،‬ولم‬
‫يأذن فيه إل بشرط العدل بين الزوجات فل يهب لحداهن إبرة‬
‫دون الخرى"‪.1‬‬
‫ويتسائل إميل درمنغم قائل ً ‪" :‬وأيهما أفضل ‪ :‬تعدد الزوجات‬
‫الشرعي أم تعدد الزوجات السري؟‪...‬إن تعدد الزوجات من شأنه‬
‫إلغاء البغاء والقضاء على عزوبة النساء ذات المخاطر"‪.2‬‬
‫ويقول جاك ريسلر‪ " :‬وفي الحق أن تعدد الزوجات بتقييده‬
‫النزلق مع الشهوات الجامحة‪ ،‬قد حقق بهذا التشريع السلمي‬
‫تماسك السرة‪ ،‬وفيه ما يسوغ عقوبة الزوج الزاني "‪.3‬‬
‫ويبن "ليتنر" ‪ " :‬أن هذا التعدد في الزواج مشروط بشروطه‪،‬‬
‫فيقول "َيقدر الرجل أن يتزوج من أربع نساء بشرط المساواة‬
‫بينهن في كل شيء حتى بالمحبة والوداد‪ ،‬فإن لم يكن قادًرا على‬
‫كل ذلك فل يباح له بإن يتزوج غير واحدة ‪.‬ومن يتدبر شريعته ]‬
‫‪ [‬يرى أنه قد حض على الزواج بامرأة واحدة ‪ ،‬ولقد رفع مقام‬
‫ما ‪ ،‬فإنها بعد ما كانت تعد كمتاع مملوك‬
‫المرأة ورقاها رقًيا عظي ً‬
‫‪4‬‬
‫صارت مالكة‪ ،‬وحكمها مؤيد وحقوقها محفوظة" ‪.‬‬
‫ضا ‪ -‬على أصحاب هذه الفرية‪ ،‬فيقول لهم ‪:‬‬
‫ويرد " كويليام " –أي ً‬
‫َ‬
‫حد َةً‪) ‬سورة‬
‫خ ْ‬
‫وا ِ‬
‫ن ِ‬
‫" جاء في القرآن ‪‬فَإ ِ ْ‬
‫فت ُ ْ‬
‫م أل ّ ت َعْد ُِلوا ْ فَ َ‬
‫النساء‪ ،‬الية‪ ،(3 :‬فيما يتعلق بمسألة تعدد الزوجات التي تنتقدون‬
‫ما وعدواًنا‪ .‬إذ ل شك في أنكم تجهلون‬
‫فيها على المسلمين ظل ً‬
‫عدل النبي ]‪ [‬بين أزواجه ]رضوان الله عليهن[ وحبه فيهن‬
‫حّبا مساوًيا مما علم المسلمين النتماء والنصاف بينهن‪ .‬على أن‬
‫القرآن لم يأمر بتعدد الزوجات بل جاء بالحظر مع الوعيد لمن ل‬
‫يعدل في الية المتقدمة‪ ،‬ولذلك ترى اليوم جميع المسلمين منهم‬
‫القليل ل يتزوجون إل امرأة واحدة خوف الوقوع تحت طائلة ما‬
‫جاء من النذار في القرآن المجيد‪ .‬وإذا سّلمنا على العموم بأن‬
‫عدم تعدد الزوجات أوفق للمعاشرة الدنيوية من تكررهن‪ ،‬فل‬
‫نسلم بالعتراف بذلك على الوجه المتعارف اليوم بأوروبا من‬
‫حصر الزواج في امرأة واحدة إذعانا للقانون واتخاذ عدة أزواج‬
‫‪5‬‬
‫أخرى ]غير شرعيات[ من وراء الجدار‪"!!..‬‬
‫‪ 1‬إميل درمنغم‪ :‬حياة محمد ‪ ،‬ص ‪.330‬‬
‫‪ 2‬إميل درمنغم‪ :‬حياة محمد ‪ ،‬ص ‪.331-330‬‬
‫‪3‬جاك ريسلر‪ :‬الحضارة العربية ‪ ،‬ص ‪52‬‬
‫‪ 4‬ليتنر‪ :‬دين السلم ‪ ،‬ص ‪11‬‬
‫‪ 5‬عبد ال كويليام ‪ :‬العقيدة السلمية ص ‪39 – 38‬‬
‫‪201‬‬

‫الفرية الثانية‪ :‬قول أحدهم ‪:‬إن السلم ل يسوي بين‬
‫المرأة والرجل ‪:‬‬
‫ويرد جاك ريسلر على هذه الفرية‪ ،‬فيقول ‪:‬‬
‫"‪ ..‬لقد وضعت المرأة على قدم المساواة مع الرجال في‬
‫القضايا الخاصة بالمصلحة فأصبح في استطاعتها أن ترث‪ ،‬وأن‬
‫تورث‪ ،‬وأن تشتغل بمهنة مشروعة"‪. 1‬‬
‫ويقول العالم القانوني مارسيل بوازار‪:‬‬
‫" إن السلم يخاطب الرجال والنساء على السواء ويعاملهم‬
‫بطريقة )شبه( متساوية‪ 2‬وتهدف الشريعة السلمية بشكل عام‬
‫إلى غاية متميزة هي الحماية‪ ،‬ويقدم التشريع للمرأة تعريفات‬
‫دا بضمانها ‪ .‬فالقرآن‬
‫ما شدي ً‬
‫دقيقة عما لها من حقوق ويبدي اهتما ً‬
‫والسنة يحضان على معاملة المرأة بعدل ورفق وعطف‪...‬‬
‫دا‬
‫وسعيا] أي القرآن والسنة[ إلى رفع وضع المؤمنة بمنحها عد ً‬
‫من الطموحات القانونية ‪ .‬أمام القانون و الملكية الخاصة‬
‫الشخصية‪ ،‬والرث "‪.3‬‬
‫ويقول نظمي لوقا ‪":‬وفي سور القرآن أشار إلى المساواة عند‬
‫الله بين الذكر والنثى بغير تفريق في التكليف أو الجزاء ‪،‬‬
‫وإشارة صريحة مساواة المرأة والرجل في ثمرات العمال و‬
‫الجهود ‪ ..‬وفي بعض المم القديمة ‪ ،‬والحديثة‪ ،‬كانت المرأة‬
‫‪4‬‬
‫تحرم غالبا ً من الميراث‪ ،‬فأبى السلم هذا الغبن الفاحش‪. " ..‬‬
‫ويقول في موضع آخر ‪ " :‬ليس السلم‪-‬على حقيقته‪-‬عقيدة‬
‫رجعية تفرق بين الجنسين في القيمة ‪ .‬بل إن المرأة في موازينه‬
‫تقف مع الرجل على قدم المساواة ‪ .‬ل يفضلها إل بفضل‪ ،‬ول‬
‫يحبس عنها التفضيل إن حصل لها ذلك الفضل بعينه في غير‬
‫مطل أو مراء وما من امرأة سوية تستغني عن كنف الرجل‬
‫بحكم فطرتها الجسدية والنفسية على كل حال"‪.5‬‬
‫الفرية الثالثة ‪ :‬قول أحدهم‪ :‬إن السلم ل يهتم بتعليم‬
‫المرأة ‪:‬‬
‫تقول "ماكلوسكي "‪:‬‬
‫"لقد دعا السلم إلى تعليم المرأة‪ ،‬وتزويدها بالعلم والثقافة‬
‫لنها بمثابة مدرسة لطفالها‪ .‬قال رسول الله ‪) :‬طلب العلم‬
‫‪ 1‬جاك ريسلر ‪ :‬الحضارة العربية ‪ ،‬ص ‪52‬‬
‫‪ 2‬الصحيح ‪" :‬بطريقة متساوية"‪ ،‬ولعله يقصد أن السلم أخذ في اعتباره التفوق الجسمي للرجل على المرأة‪،‬‬
‫فكلف الرجل بالقتال أوالنفاق على السرة دون النساء على سبيل المثال‪.‬‬
‫‪ 3‬مارسيل بوازار‪ :‬إنسانية السلم‪ ،‬ص ‪108‬‬
‫‪ 4‬نظمي لوقا‪ :‬محمد الرسالة والرسول ص ‪96‬‬
‫‪ 5‬نظمي لوقا‪ :‬محمد الرسالة والرسول ص ‪101 ،100‬‬
‫‪202‬‬

‫فريضة على كل مسلم ومسلمة(‪ .‬لقد منح السلم المرأة حق‬
‫التملك وحرية التصرف فيما تملك‪ .‬وفي الوقت الذي نرى فيه أن‬
‫المرأة في أوروبا كانت محرومة من جميع هذه الحقوق إلى عهد‬
‫دا‪ ،‬نجد أن السلم منح المرأة بالضافة إلى ما تقدم حق‬
‫قريب ج ّ‬
‫إبرام العقود للزواج‪ .‬والمهر في نظر السلم هو حق شخصي‬
‫للمرأة‪ .‬والمرأة في السلم تتمتع بحرية الفكر والتعبير‪.1"..‬‬
‫الفرية الرابعة ‪ :‬حول ضرب الزوج لزوجته‪:‬‬
‫ونرد هذه الشبه ونقول ‪:‬‬
‫من المعلوم أن المذاهب والشرائع الوضعية التي كانت‬
‫تسود العالم قبيل بعثة النبي ‪ ،‬كانت تشّرع ُ العنف ضد ّ المرأة‬
‫إلى حد القتل!‬
‫وكانت المرأة في نظر الكنيسة في العصور الوسطى‪ ،‬جرثومة‬
‫ملعونة ‪ ،‬وهي مصدر الذنوب والثام‪! 2‬‬
‫أما السلم فهو يحّرم العنف ضد المرأة‪ ،‬غير إن الشرع أباح‬
‫ص‬
‫ق جدًا‪ ،‬وذلك خا ّ‬
‫استخدام الضرب للتأديب في نطا ٍ‬
‫ق ضي ٍ‬
‫بالمرأة الناشز التي خرجت عن قوامة زوجها‪ ،‬وشكلت تهديدا ً‬
‫لنظام السرة‪ ،‬وأصرت عليه‪ ،‬إذ ل يبيح السلم اللجوء إلى‬
‫الضرب إل بعد استخدام الوعظ كمرحلة أولى‪ ،‬ثم يجّرب الهجر‬
‫في المضاجع أثناء النوم بشروط وضوابط فقهية‪ ،‬ول يهجر إل في‬
‫البيت‪ ،‬فإذا لم يجد الوعظ ول الهجر فل حرج من اللجوء إلى‬
‫ب غير مبرح‪ ،‬هو إلى التهديد أقرب منه إلى التنفيذ‪ ،‬إذا وجد‬
‫ضر ٍ‬
‫ٌ‬
‫المصلحة في ذلك‪ ،‬ومثل هذه المرأة التي لم يصلحها وعظ ول‬
‫هجٌر ‪ -‬والهجر عند النساء أشد ّ من الضرب نفسه ؛ لرقتهن وغلبة‬
‫العاطفة عليهن – غالبا ً ما تكون في حالة شذوذ ٍ نفسي‪ ،‬وقد ينفع‬
‫فيه العقاب البدني كح ّ‬
‫ر‪ ،‬وهو ‪ -‬رغم ما فيه من ضررٍ على‬
‫ل أخي ٍ‬
‫المرأة ‪ -‬خيٌر من الطلق وتمزيق السرة‪ ،‬وهي أشبه ما تكون‬
‫بقاعدة الضرورة التي تباح في بعض الحالت الستثنائية‪.. 3‬‬
‫إن التشريع السلمي في هذه القضية منطقي وموزون ومعتدل‬
‫بالنظر إلى وضع المرأة المقذذ في الحضارات الخرى التي تضهد‬
‫ضا إلى النظام السلمي الذي يعطي الرجل‬
‫النساء‪ ،‬وبالنظر أي ً‬
‫حق القوامة على السرة‪ ،‬أي رئاسة مؤسسة البيت وتدبير‬
‫‪ 1‬انظر‪ :‬عرفات كامل العشي ‪ :‬رجال ونساء أسلموا ‪63 ، 9/62 ،‬‬
‫‪2‬‬
‫انظر‪ :‬اميل درمنغم‪ :‬حياة محمد ‪ ،‬ص ‪331‬‬
‫‪ 3‬انظر‪ :‬محمد علي الخطيب‪ :‬رسول ال صلى ال عليه وسلم الرحمة المهداة‪.50 ،‬‬
‫‪203‬‬

‫شؤونه‪ ،‬ومثل هذه السلطة ل بد لها من قوة تجعلها نافذة‬
‫ق ليس غير‪..‬‬
‫وضابطة وإل فإنها ستبقى حبرا ً على ور ٍ‬
‫الفرية الخامسة‪ :‬حول الحجاب وحق المرأة في ستر‬
‫عورتها ‪:‬‬
‫تقول "روز ماري هاو "‪:‬‬
‫" الحجاب يحافظ على كرامة المرأة ويحميها من نظرات‬
‫الشهوة‪ ،‬ويحافظ على كرامة المجتمع ويكف الفتنة بين أفراده‪.‬‬
‫لذلك فهو يحمي الجنسين من النحراف‪ .‬وأنا أؤمن أن السترة‬
‫ليست في الحجاب فحسب‪ ،‬بل يجب أن تكون العفة داخلية‬
‫ضا‪ ،‬وأن تتحجب النفس عن كل ما هو سوء"‪.1‬‬
‫أي ً‬
‫وتثني "لورا فيشيا فاغليري" على هذا الكلم وتقول‪" :‬وليس هذا‬
‫ناشًئا عن قلة احترام للنساء‪ ،‬أو ابتغاء كبت إرادتهن‪ ،‬ولكن‬
‫لحمايتهن من شهوات الرجال‪ .‬وهذه القاعدة العريقة في القدم‪،‬‬
‫القاضية بعزل النساء عن الرجال‪ ،‬والحياة الخلقية التي نشأت‬
‫عنها‪ ،‬قد جعلتا تجارة البغاء المنظمة مجهولة بالكلية في البلدان‬
‫الشرقية‪ ،‬إل حيثما كان للجانب نفوذ أو سلطان‪ .‬وإذا كان أحد ل‬
‫يستطيع أن ينكر قيمة هذه المكاسب فيتعين علينا أن نستنتج أن‬
‫عادة الحجاب‪ ..‬كانت مصدر فائدة ل تثمن للمجتمع السلمي"‪.2‬‬
‫المبحث الثاني‬
‫مميزات المرأة في السلم‬
‫يقول مارسيل بوازار‪:‬‬
‫"‪ ..‬أثبتت التعاليم القرآنية وتعاليم محمد ]‪ [‬أنها حامية حمى‬
‫حقوق المرأة"‪.. 3‬‬
‫ونذكر في ذلك عدة نماذج ‪:‬‬
‫المطلب الول‪ :‬الستقلل الفكري للمرأة ‪:‬‬
‫من أهم المميزات التي منحها السلم للمرأة‪ ،‬أن السلم احترم‬
‫الستقلل الفكري للمرأة‪ ،‬واحترم علمها وبيعتها وشهادتها ووجهة‬
‫َ‬
‫مُنوا إ ِ َ‬
‫ذا‬
‫نظرها ‪ ..‬فيقول الله تعالى في القرآن ‪َ :‬ياأي َّها ال ّ ِ‬
‫نآ َ‬
‫ذي َ‬
‫حنوهُن الل ّ َ‬
‫ن‬
‫مت َ ِ ُ‬
‫جَرا ٍ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫ن فَإ ِ ْ‬
‫َ‬
‫م ب ِِإي َ‬
‫ه أع ْل َ ُ‬
‫ُ‬
‫ت َفا ْ‬
‫مَها ِ‬
‫ت ُ‬
‫مَنا ُ‬
‫م ال ْ ُ‬
‫جاَءك ُ ْ‬
‫مان ِهِ ّ‬
‫ّ‬
‫ح ّ‬
‫م وََل‬
‫ن إ َِلى ال ْك ُ ّ‬
‫ن ِ‬
‫مَنا ٍ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫ل ل َهُ ْ‬
‫ت فََل ت َْر ِ‬
‫ن ُ‬
‫مت ُ ُ‬
‫ع َل ِ ْ‬
‫فارِ َل هُ ّ‬
‫جُعوهُ ّ‬
‫موهُ ّ‬
‫‪4‬‬
‫ن‪‬‬
‫م يَ ِ‬
‫حّلو َ‬
‫هُ ْ‬
‫ن ل َهُ ّ‬
‫‪1‬‬

‫انظر‪ :‬عرفات كامل العشي ‪ :‬رجال ونساء اسلموا ‪. 26-25\ 8‬‬
‫‪ 2‬لورافيشيا فاغليري ‪ :‬دفاع عن السلم ‪ ،‬ص ‪. 104 – 103‬‬
‫‪ 3‬مارسيل بوازار ‪ :‬إنسانية السلم ‪ ،‬ص ‪140‬‬
‫‪ 4‬سورة الممتحنة‪ :‬الية ‪10‬‬
‫‪204‬‬

‫"والية تشير ‪-‬بجانب ما فيها من أحكام‪ -‬إلى ما كانت تستمتع به‬
‫المرأة من استقلل فكري وكيان أدبي محترم"‪ 1‬في عهد محمد‬
‫‪‬‬
‫و"لم تكن النساء ]المسلمات[ متأخرات عن الرجال في ميدان‬
‫العلوم والمعارف فقد نشأ منهن عالمات في الفلسفة والتاريخ‬
‫والدب والشعر وكل ألوان الحياة"‪..2‬‬
‫المطلب الثاني‪ :‬حقوق المرأة في أمور الزواج ‪:‬‬
‫ولقد كانت المرأة في الجاهلية ل حق لها في اختيار زوجها‪ ،‬أما‬
‫م حقا ً للمرأة في حرية اختيار‬
‫في شريعة السلم فقد جعل السل ُ‬
‫زوجها‪ ،‬فقد بوب المام البخاري في صحيحه ‪ :‬وقال‪ :‬باب ل ينكح‬
‫الب وغيره البكر والثيب إل برضاهما‪ ،‬ثم أورد حديث أبي هريرة‬
‫‪ ‬أن النبي ‪ ‬قال‪" :‬ل تنكح اليم حتى تستأمر‪ ،‬ول تنكح البكر‬
‫حتى تستأذن"‪ ،‬قالوا يا رسول الله وكيف إذنها؟ قال‪" :‬أن‬
‫تسكت"‪..3‬‬
‫وفي هذا يقول الباحث الفرنسي آتيين دينيه ‪ " :‬بفضييل تشييريعاته‬
‫]‪ [‬الحكيمة أصبحت البنت البالغ تستشار قبل زواجهييا ‪ ،‬وأصييبح‬
‫المهيير ل يعطييى للب بييل للعييروس نفسييها ‪ ،‬وقييد وصييف أعييداء‬
‫السلم تلك السنة الحكيمة بأنهييا ‪ " :‬شييراء للمييرأة " ‪ .‬وهييم لييم‬
‫يسمعوا ‪ -‬فيما أظن ‪ -‬ذلك الجواب المفعم الذي يمكن أن يرد بييه‬
‫المسلمون عليهم حينا يقولون لهم ‪ :‬إن المهر في بعييض القطييار‬
‫العربية يدفعه والد البنت إلى رجلها ! ‪ ...‬وفييوق ذلييك ‪ ،‬فالمسييلم‬
‫مكلييف بسييائر حاجييات الييبيت دون أن يكييون لييه أي حييق فييي‬
‫‪4‬‬
‫التصرف في مال امرأته‪".‬‬
‫" وأتبع ]‪ [‬ذلك بأن منح المرأة حق المطالبة بالطلق إن لم‬
‫يوف الرجل بواجباته الزوجية "‪ ، 5‬وهو حق آخر للمرأة‪ ،‬يساعدها‬
‫في دخول حياة زوجية جديدة أكثر توفيقا ً ونجاحا ً ‪..‬‬
‫إلى جانب الحقوق الزوجية الخرى مثل حقها في الصداق‬
‫) المهر(‪ ،‬وحقها في الخلع‪ ،‬وحقها في النفقة‪ ،‬فقد أوجب السلم‬
‫على الزوج أن ينفق على زوجته مع حسن معاملته لها‪ ،‬وفي هذا‬
‫سأل أحد الناس النبي ‪ ‬فقال ‪ :‬يارسول الله ما حق زوجة أحدنا‬
‫‪ 1‬محمد الغزالي ‪ :‬فقه السيرة‪ ،‬ص ‪.260‬‬
‫‪ 2‬اللدي ايفلين كوبولد‪ :‬البحث عن ال ‪ ،‬ص ‪28‬‬
‫‪ 3‬صحيح – البخاري‪ ،‬باب ل ينكح الب وغيره البكر والثيب إل برضاها‪ ،‬برقم ) ‪ ،(4843‬ومسلم‪ ،‬باب استئذان‬
‫الثيب في النكاح بالنطق والبكر بالسكوت‪ ،‬برقم) ‪. ( 1419‬‬
‫‪ 4‬آتيين دينيه ‪ :‬محمد رسول ال ‪ ،‬ص ‪. 329-328‬‬
‫‪ 5‬آتيين دينيه ‪ :‬محمد رسول ال ‪. 329-328 ،‬‬
‫‪205‬‬

‫عليه ؟ قال " أن تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت ‪ ...‬ول‬
‫تضرب الوجه ول تقبح ول تهجر إل في البيت "‪.. 1‬‬
‫المطلب الثالث‪ :‬حقوق المرأة في الميراث والتملك‪:‬‬
‫وعيين حييق الميرأة فييي الميييراث يقيول البياحث الفرنسيي آتيييين‬
‫دينيه ‪:‬‬
‫" منح الرسول ]‪ [‬المرأة ‪ -‬كذلك ‪ -‬حييق فييي الميييراث‪ .‬وحقهييا‬
‫به ‪ :‬نصف حق الذكر ‪ ،‬وذلك لن المييرأة ل تييدفع مهييرا ً كالرجييل‪،‬‬
‫وليست مكلفة بحاجات البيت "‪. 2‬‬
‫ويقول روم لندو‪":‬يوم كانت النسوة يعتبرن‪ ،‬في العالم الغربي‪،‬‬
‫دي من‬
‫مجرد متاع من المتعة‪ ،‬ويوم كان القوم هناك في ريب ج ّ‬
‫حا! كان الشرع السلمي قد منحهن حق التملك‪.‬‬
‫أن لهن أروا ً‬
‫‪3‬‬
‫وتلقت الرامل نصيًبا من ميراث أزواجهن" ‪.‬‬
‫المطلب الرابع‪ :‬حق المرأة في العمل ‪:‬‬
‫وعن حق المرأة في العمل تقول روز ماري‪:4‬‬
‫" إن السلم قد كرم المرأة وأعطاها حقوقها كإنسانة ‪،‬‬
‫وكامرأة ‪ ،‬وعلى عكس ما يظن الناس من أن المرأة الغربية‬
‫حصلت على حقوقها ‪ ...‬فالمرأة الغربية ل تستطيع مثل أن‬
‫تمارس إنسانيتها الكاملة وحقوقها مثل المرأة المسلمة ‪ .‬فقد‬
‫أصبح واجًبا على المرأة في الغرب أن تعمل خارج بيتها لكسب‬
‫العيش ‪ .‬أما المرأة المسلمة فلها حق الختيار‪ ،‬ومن حقها أن‬
‫يقوم الرجل بكسب القوت لها ولبقية أفراد السرة ‪ .‬فحين جعل‬
‫الله سبحانه وتعالى للرجال القوامة على النساء كان المقصود‬
‫هنا أن على الرجل أن يعمل ليكسب قوته وقوت عائلته ‪.‬‬
‫فالمرأة في السلم لها دور أهم وأكبر‪ ..‬وهو النجاب وتربية‬
‫البناء‪ ،‬ومع ذلك فقد أعطى السلم للمرأة الحق في العمل إذا‬
‫رغبت هي في ذلك‪ ،‬وإذا اقتضت ظروفها ذلك "‪.5‬‬

‫‪ 1‬صحيح– رواه الترمذي عن حكيم بن معاوية القشيري عن أبيه‪،‬كتاب النكاح‪ ،‬باب باب في حق المرأة على‬
‫زوجها برقم ‪ 2142‬وقال أبو داود " ول تقبح " أن تقول قبحك ال‪ ،‬ورواه أحمد برقم ‪ ،20036‬والحاكم برقم‬
‫‪ ،2764‬والطبراني في المعجم الكبير برقم ‪ ،1034‬وقال اللباني ‪ :‬حسن صحيح‪ ،‬صحيح سنن أبي داود‪ ،‬برقم‬
‫‪.1875‬‬
‫‪ 2‬آتيين دينيه ‪ :‬محمد رسول ال ‪ ،‬ص ‪. 329-328‬‬
‫‪ 3‬روز ماري ‪ :‬السلم والعرب ‪ ،‬ص ‪. 203‬‬
‫‪ 4‬روز ماري ) مريم هاو( باحثة وصحفية إنكليزية‪ ،‬نشأت في عائلة نصرانية متدينة ‪ ،‬ولكنها مع بلوغها مرحلة‬
‫الوعي بدأت تفقد قناعاتها الدينية السابقة وتتطلع إلى دين يمنحها الجواب المقبول ‪ .‬وفي عام ‪ 1977‬أعلنت‬
‫إسلمها‪.‬‬
‫‪ 5‬انظر‪ :‬عرفات كامل العشي ‪ :‬رجال ونساء اسلموا‪28\8 ،‬‬
‫‪206‬‬

‫‪1‬‬

‫هذا إضافة إلى حق المرأة في العمل العام ‪ :‬فتبين ماكلوسكي‬
‫" أن نشاطات المرأة المسلمة قد تمتد أحيانا خارج المنزل‪،‬‬
‫فبعض النساء المسلمات كن يقمن بمسؤوليات عامة ‪..‬في‬
‫‪2‬‬
‫الحرب والتجارة‪ .‬ولكن ذلك كله كان في إطار الخلق الكريم" ‪.‬‬
‫المطلب الخامس‪ :‬تقدير الدور السياسي للمرأة ‪:‬‬
‫وتقديرا ً لدور المرأة في بناء المجتمع السلمي‪ ،‬فقد بايع رسول‬
‫الله ‪ ‬النساء في موقعة مشهودة للقاصي والداني‪ ،‬فكانت‬
‫بيعة النساء ثانى يوم الفتح )رمضان ‪8‬هي‪ /‬يناير ‪ 630‬م( على‬
‫جبل الصفا بعدما فرغ من بيعة الرجال ‪..‬‬
‫وس ّ‬
‫طرها القرآن الكريم بآيات خالدة أمد الدهر‪:‬‬
‫َ‬
‫ت ي َُباي ِعْن َ َ‬
‫جاء َ‬
‫ي إِ َ‬
‫ك ع ََلى‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫ذا َ‬
‫مَنا ُ‬
‫ك ال ْ ُ‬
‫قال الله تعالى ‪َ :‬يا أي َّها الن ّب ِ ّ‬
‫قتل ْ َ‬
‫ن ِبالل ّهِ َ‬
‫َأن ّل ي ُ ْ‬
‫ن‬
‫شْيئا ً وََل ي َ ْ‬
‫ن أوَْلد َهُ ّ‬
‫ن وََل ي َ ْ ُ َ‬
‫ن وََل ي َْزِني َ‬
‫سرِقْ َ‬
‫شرِك ْ َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫فترينه بي َ‬
‫صين َ َ‬
‫ك ِفي‬
‫ن وََل ي َعْ ِ‬
‫ن أي ْ ِ‬
‫ن وَأْر ُ‬
‫جل ِهِ ّ‬
‫ديهِ ّ‬
‫ن يَ ْ َ ِ َ ُ َ ْ َ‬
‫ن ب ِب ُهَْتا ٍ‬
‫وََل ي َأِتي َ‬
‫‪3‬‬
‫م‪‬‬
‫ه غَ ُ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫فوٌر ّر ِ‬
‫ست َغْ ِ‬
‫ه إِ ّ‬
‫معُْرو ٍ‬
‫ن َوا ْ‬
‫حي ٌ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫َ‬
‫فْر ل َهُ ّ‬
‫ف فََباي ِعْهُ ّ‬
‫فلما كان اشتراك المرأة مع الرجل ‪ ،‬على أساس المساواة‬
‫التامة ‪ ،‬في جميع المسؤوليات التي ينبغي أن ينهض بها‬
‫ن‬
‫المسلم ‪ ..‬كان على الخليفة أو الحاكم المسلم أن يأخذ عليه ّ‬
‫العهد بالعمل على إقامة المجتمع المسلم بكل الوسائل‬
‫المشروعة الممكنة ‪ ،‬كما يأخذ العهد فى ذلك على الرجال‪ ،‬ليس‬
‫بينهما فرق ول تفاوت ‪.‬‬
‫ومن هنا كان على المرأة المسلمة أن تتعلم شئون دينها ودنياها ‪،‬‬
‫كما يتعلم الرجل‪ ،‬وأن تسلك كل السبل المشروعة الممكنة إلي‬
‫التسلح بسلح العلم والوعي و التنبه إلي مكامن الكيد و أساليبه‬
‫لدى أعداء السلم الذين يتربصون به‪ ،‬حتى تستطيع أن تنهض‬
‫بالعهد الذي قطعته على نفسها وتنفذ عقد البيعة الذي في عنقها‪،‬‬
‫وواضح أن المرأة ل تستطيع أن تنهض بشيء من هذا إذا كانت‬
‫جاهلة بحقائق دينها غير منتبهة إلي أساليب الكيد الجنبي من‬
‫حولها‪.. 4‬‬
‫المطلب السادس‪ :‬إحترام جوار المرأة ‪:‬‬
‫ولقد احترم الرسول ‪ ‬جوار المرأة ‪ ،‬فكان النبي ‪ ‬أول من‬
‫اعترف بجوار المرأة في الجزيرة العربية بعد عهود الظلم ‪.‬‬
‫‪ 1‬أسلمت وسمت نفسها منى عبدال ماكلوسكي ‪ ،‬ألمانية‪ ،‬تعمل قنصل لبلدها‪ ،‬ألمانيا التحادية ‪ ،‬في بنغلديش‪،‬‬
‫واهتدت إلى السلم في مطلع عام ‪ ، 1976‬على يد شيخ الجامع الزهر الدكتور عبدالحليم محمود –رحمه ال –‬
‫وشعرت يومها )وكأنها ولدت من جديد‪ (.‬على حد قولها !‪.‬‬
‫‪ 2‬انظر‪ :‬عرفات كامل العشي‪ :‬رجال ونساء اسلموا ‪64\9،‬‬
‫‪ 3‬سورة الممتحنة‪:‬الية ‪12:‬‬
‫‪ 4‬انظر‪ :‬محمد سعيد رمضان البوطي‪ :‬فقه السيرة‪283 ،‬‬
‫‪207‬‬

‫ومثال أم هانىء واضح وجلي ‪ ..‬فقد أدخلت أحد المجرمين في‬
‫جوارها – أي في حمايتها ‪ -‬يوم فتح مكة وقَِبل رسول الله ‪‬‬
‫هذا الجوار‪ ،‬ومن ثم عفا عن هذا المجرم !‬
‫فلقد ذهبت أم هانئ بنت أبى طالب إلى رسول الله ‪‬عام‬
‫ى أنه قاتل رجل‬
‫الفتح‪ ،‬فقالت‪ :‬يا رسول الله زعم ابن أمي عل ّ‬
‫أجرته ‪ :‬فلن ابن هبيرة‪ ،‬فقال رسول الله ‪" :‬قد أجرنا من‬
‫أجرت يا أم هانئ"‪!! 1‬‬
‫المطلب السابع ‪ :‬تأملت في هذه المميزات ‪:‬‬
‫تسييتطيع أن تتأمييل فييي هييذه المميييزات الييتي منحهييا النييبي ‪‬‬
‫للمرأة‪..‬‬
‫فتعلم مدى الرفعة التي نالتها المرأة في حمى السييلم وظلييه‪،‬‬
‫وكيييف أنهييا نييالت كييل حقوقهييا النسييانية والجتماعييية كمييا نالهييا‬
‫الرجل سواء بسواء‪ ،‬مما لم يحدث نظيره في أمة من المم‪.‬‬
‫غييير أن المهييم أن تعلييم الفييرق بييين هييذه المسيياواة النسييانية‬
‫الرائعة التي أرستها شريعة السلم‪ ،‬والمظاهر الشيكلية لهيا مميا‬
‫ينادى به عشاق العُييري اليييوم‪ ،‬إنميا هييي نيزوات حيوانييية أصيييلة‬
‫يتوخى من ورائها اتخاذ المرأة مادة تسلية ورفاهييية للرجييل علييى‬
‫أوسع نطاق ممكن‪ ،‬دون أى نظر إلى شئ آخر‪.2‬‬
‫إن النبي ‪ ‬لم يعتبر المرأة جرثومة خبيثة كما اعتبرها الخرون‪،‬‬
‫ولكنه قرر حقيقة تزيل هذا الهوان عنها‪ ،‬وهي أن المرأة بين يدي‬
‫السلم قسيمة الرجل‪ ،‬لها ما له من الحقوق وعليها أيضا ً من‬
‫الواجبات ما يلئم تكوينها وفطرتها‪ ،‬وعلى الرجل بما اختص به‬
‫من صفة الرجولة‪ ،‬وقوة الجلد‪ ،‬وبسطة واتساع الحيلة‪ ،‬أن يلي‬
‫رعايتها‪ ،‬فهو بذلك وليها‪ ،‬يحوطها بقوته‪ ،‬ويذود عنها بدمه‪ ،‬وينفق‬
‫ن‬
‫عليها من كسب يده‪ ،‬ذلك ما قرره الله تعالى بقوله‪ :،‬وَل َهُ ّ‬
‫‪3‬‬
‫مث ْ ُ‬
‫ة‪‬‬
‫ج ٌ‬
‫ل ال ّ ِ‬
‫ِ‬
‫ن د ََر َ‬
‫ف وَِللّر َ‬
‫معُْرو ِ‬
‫ن ِبال ْ َ‬
‫ل ع َل َي ْهِ ّ‬
‫جا ِ‬
‫ذي ع َل َي ْهِ ّ‬
‫إن " تحرير المرأة" الذي قام به النبي ‪ ،‬كان تحريرا ً شامل ً‬
‫وكامل ً بمعنى الكلمة ‪ ..‬فقد كان النبي ‪‬هو العامل الساسي‬
‫في إيقاف الجريمة الكبرى التي كانت تمارس في حق المرأة‪ ،‬أل‬
‫وهي جريمة " قتل البنات خشية العار"‪ ..‬إن ثقافة وأد البنات‬
‫‪ 1‬صحيح ‪ -‬البخاري ) ‪ ،(469 \1‬ومسلم )‪.(45 \4‬‬
‫‪ 2‬انظر ‪ :‬محمد سعيد رمضان البوطي‪ :‬فقه السيرة ‪154 ،‬‬
‫‪ 3‬سورة البقرة‪:‬الية ‪228‬‬

‫‪208‬‬

‫كانت هي الثقافة السائدة في تصور المجتمع نحو المرأة ‪ ..‬ولم‬
‫يجرأ أحد المصلحين قبل النبي ‪ ‬التصدي لهذه العادة القبيحة ‪..‬‬
‫بل كانت تزداد فحشا ً وانتشارا ً في أنحاء الجزيرة ‪..‬‬
‫ث الله محمدا ً ‪‬‬
‫هذا‪ ،‬وقد كانت المرأة تباع وُتشترى‪ ..‬فلما بع َ‬
‫أعاد للمرأة حقوقها المسلوبة‪ ،‬فمنحها حق الحرية‪ ،‬وأن تبيع‬
‫وَتشتري ل أن ُتباع وُتشترى‪ ،‬وأن ترث كما يرث الرجل‪ ،‬ل أن‬
‫َتورث كما كان الرجل يرثها مع مال أبيه ‪ ..‬إن العالم عن بكرة‬
‫أبيه لم يعترف بالذمة المالية للمرأة ‪ ..‬وجاء النبي ‪‬وقرر هذا‬
‫الحق للمرأة ‪ ..‬فأصبحت تستطيع أن تعقد كبرى الصفقات‬
‫التجارية‪ ،‬وتتعاقد مع من تشاء وتوكل من تشاء ‪..‬‬
‫المبحث الثاني‬
‫رحمته للبنات‬
‫المطلب الول ‪ :‬فضل محمد ‪ ‬على البنات ‪:‬‬
‫لو كانت الخدمة الوحيدة التي أداها نبينا محمد ‪ ‬للبنات أنه‬
‫أنقذهن من عادة الوأد الجاهلية ‪ ..‬لكفى بذلك فضل ً له‬
‫عليهن ‪! ..‬‬
‫فقد " كانت قبائل العرب في الجاهلية تئد البنات كراهة لهن‬
‫‪1‬‬
‫دا" ‪.‬‬
‫وازدراء لشأنهن‪ ،‬ومن لم يئدهن كان يضيق بهن ضي ً‬
‫قا شدي ً‬
‫أضف إلى ذلك الفضل العظيم أنه ‪ ‬غير أفكار المجتمع العربي‬
‫القديم تغييرا ً جذريا ً ‪ ..‬في تعامله مع البنات ‪..‬‬
‫ولقد َ‬
‫كلف النبي‪ ‬المجتمع السلمي أن يتعهد البنات الصغيرات‬
‫بالتعليم والتثقيف والرعاية‪ -،‬كما يقول جاك ريسلر ‪ -‬حيث يتم "‬
‫تعليم البنات على تلقيهن تربية دينية قويمة ‪ ،‬وعلى تعويدهن‬
‫على الصلة‪ ،‬وجعلهن في وقت مبكر صالحات للعمال‬
‫‪2‬‬
‫المنزلية ‪.‬وبعد سنوات أيضا ً يعلمن قرض الشعر والفنون ‪.. "..‬‬
‫ويقول "ول ديورانت"‪" :‬كانت البنات يذهبن إلى المدارس سواء‬
‫بسواء‪ ،‬ونبغ عدد من النساء المسلمات في الدب والفن"‪. 3‬‬
‫المطلب الثاني ‪ :‬نماذج رحمته‪ ‬للبنات‪:‬‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬حثه على الحسان إليهن ‪:‬‬
‫عائ ِ َ‬
‫ت‪:‬‬
‫عن َ‬
‫ش َ‬
‫ة َزوْ َ‬
‫ي ‪َ ‬قال َ ْ‬
‫ج الن ّب ِ ّ‬
‫‪ 1‬نظمي لوقا ‪ :‬محمد الرسالة والرسول ‪ ،‬ص ‪. 96 – 95‬‬
‫‪ 2‬جاك ريسلر‪ :‬الحضارة العربية ‪ ،‬ص ‪53‬‬
‫‪ 3‬ول ديورانت‪ :‬قصة الحضارة ‪306 \ 13‬‬
‫‪209‬‬

‫جاَءتني امرأ َة‪ ،‬معها ابنتان ت َ‬
‫ة‬
‫جد ْ ِ‬
‫َ ِْ‬
‫مَر ٍ‬
‫عن ْ ِ‬
‫ْ َ ٌ َ َ َ ََْ ِ َ ْ‬
‫دي غ َي َْر ت َ ْ‬
‫م تَ ِ‬
‫سأل ُِني؛ فَل َ ْ‬
‫َ‬
‫خ َ‬
‫ل‬
‫ة‪ ،‬فَأع ْط َي ْت َُها‪ ،‬فَ َ‬
‫ت ‪،‬فَد َ َ‬
‫ت فَ َ‬
‫َوا ِ‬
‫حد َ ٍ‬
‫خَر َ‬
‫مت َْها ب َي ْ‬
‫ق َ‬
‫ج ْ‬
‫م ْ‬
‫م َقا َ‬
‫ن اب ْن َت َي َْها‪ ،‬ث ُ ّ‬
‫س َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫قا َ‬
‫ت َ‬
‫ن‬
‫ه‪ ،‬فَ َ‬
‫ن هَذ ِهِ ال ْب ََنا ِ‬
‫ن ي َِلي ِ‬
‫شي ًْئا فَأ ْ‬
‫ي ‪ ،‬فَ َ‬
‫ح َ‬
‫ل‪َ ":‬‬
‫حد ّث ْت ُ ُ‬
‫س َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫الن ّب ِ ّ‬
‫‪1‬‬
‫َ‬
‫ن الّناِر" ‪..‬‬
‫ست ًْرا ِ‬
‫ه ِ‬
‫نل ُ‬
‫م ْ‬
‫ن كُ ّ‬
‫إ ِل َي ْهِ ّ‬
‫فرعاية البنات في السلم ليس له جزاء إل الجنة‪ ،‬فهن حائط‬
‫الصد والحماية من النار يوم القيامة لمن أحسن إليهن ‪.‬‬
‫كما في حديث آخر قال فيه النبي ‪: ‬‬
‫" من كان له ثلث بنات فصبر عليهن‪ ،‬وأطعمهن‪ ،‬وسقاهن‪،‬‬
‫حجابا من النار يوم القيامة "‪.. 2‬‬
‫ً‬
‫وكساهن من جدته ؛ كن له‬
‫ثانًيا‪ :‬عطفه على البنات ‪:‬‬
‫عن أبي قََتاد َة َ َقا َ‬
‫ل‪:‬‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫صّلى‬
‫ص ع ََلى َ‬
‫َ‬
‫م ُ‬
‫عات ِ ِ‬
‫خَر َ‬
‫ة ب ِن ْ ُ‬
‫ما َ‬
‫ي ‪ ‬وَأ َ‬
‫قه ِ ف َ َ‬
‫ج ع َل َي َْنا الن ّب ِ ّ‬
‫ت أِبي الَعا ِ‬
‫‪3‬‬
‫ضعَ وَإ ِ َ‬
‫فَإ ِ َ‬
‫ذا َرفَعَ َرفَعََها ‪.‬‬
‫ذا َرك َعَ وَ َ‬
‫ُ‬
‫د‪ ،‬عن ذكريات الطفولة‪ ،‬عندما‬
‫ت َ‬
‫م َ‬
‫سِعي ٍ‬
‫خال ِد ٍ ب ِن ْ ِ‬
‫وتحكي أ ّ‬
‫ن َ‬
‫خال ِد ِ ب ْ ِ‬
‫ت‪:‬‬
‫زارت النبي برفقة أبيها‪ -‬بعدما قدمت من الحبشة ‪َ .. -‬قال َ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫سو ُ‬
‫فُر َقا َ‬
‫سو َ‬
‫ه‬
‫ص َ‬
‫ل الل ّ ِ‬
‫ي قَ ِ‬
‫ل َر ُ‬
‫ت َر ُ‬
‫ل الل ّهِ ‪َ ‬‬
‫أت َي ْ ُ‬
‫صأ ْ‬
‫مي ٌ‬
‫معَ أِبي وَع َل َ ّ‬
‫ه " ‪َ ..‬قا َ‬
‫ة" ‪..‬‬
‫سن َ ٌ‬
‫حب َ ِ‬
‫شي ّةِ " َ‬
‫ي ِبال ْ َ‬
‫ح َ‬
‫ه َ‬
‫‪َ " :‬‬
‫سن َ ْ‬
‫سن َ ْ‬
‫ل ع َب ْد ُ الل ّهِ وَه ِ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫‪4‬‬
‫ْ‬
‫سو ُ‬
‫قا َ‬
‫ل‬
‫ة‪ ،‬فََزب ََرِني أِبي ‪ .‬ف َ‬
‫ب بِ َ‬
‫خات َم ِ الن ّب ُوّ ِ‬
‫ت ألعَ ُ‬
‫ل َر ُ‬
‫ت‪ :‬فَذ َهَب ْ ُ‬
‫َقال َ ْ‬
‫سو ُ‬
‫م َقا َ‬
‫م‬
‫ل الل ّهِ ‪ " :‬أ َب ِْلي وَأ َ ْ‬
‫خل ِ ِ‬
‫ل َر ُ‬
‫قي ‪ ،‬ث ُ ّ‬
‫الل ّهِ ‪" :‬د َع َْها " ث ُ ّ‬
‫قي "‪.5‬‬
‫م أ َب ِْلي وَأ َ ْ‬
‫أ َب ِْلي وَأ َ ْ‬
‫خل ِ ِ‬
‫خل ِ ِ‬
‫قي‪ ،‬ث ُ ّ‬
‫انظر كيف تر َ‬
‫ب معه‪،‬‬
‫ك النبي‪ ‬هذه الصبية الصغيرة حتى َتلع َ‬
‫حها‪،‬‬
‫وتعبث بثوبه وجسمه كما يحلو لها ‪ ،‬فل ينهرها‪ ،‬بل تراه يمازِ ُ‬
‫ويلعبها‪ ،‬ويضحك إليها‪ ،‬ويخاطبها بلغتها لغة أهل الحبشة ‪ ..‬ويعلق‬
‫عي ْ‬
‫خّرْقي ث َِيابك َواْرقَْعيَها‪ ..‬كما يقول‬
‫شي وَ َ‬
‫على ثوبها‪ ،‬ويقول لها ِ‬
‫خِلف الّله ‪! ..‬‬
‫دا ‪ :‬ت ُب ِْلي وَي ُ ْ‬
‫ج ِ‬
‫دي ً‬
‫المسلم لخيه عندما يلبس ث َوًْبا َ‬
‫ثالًثا‪ :‬إكرامه لعائل البنات ‪:‬‬
‫كان أبو عزة عمرو بن عبد الله الجمحي‪ ،‬في أسرى معركة بدر )‬
‫جا ذا بنات‪ ،‬ول‬
‫‪ 17‬رمضان ‪2‬هي‪13/‬مارس ‪624‬م(‪ ،‬وكان محتا ً‬
‫يملك ثمن ما يفتدي به نفسه من السر ‪ ..‬فقال للنبي ‪ : ‬يا‬
‫ت ما لي من مال‪ ،‬وإني لذو حاجة‪ ،‬وذو‬
‫رسول الله‪ ،‬لقد عرف َ‬
‫‪ 1‬صحيح – رواه البخاري‪ ،‬باب رحمة الولد وتقبيله برقم ‪5536‬‬
‫‪ 2‬صحيح ‪ -‬السلسلة الصحيحة ‪ ،‬برقم ‪294‬‬
‫‪ 3‬صحيح – رواه البخاري‪ ،‬باب رحمة الولد وتقبيله برقم ‪5537‬‬
‫‪ 4‬يعني منعني من العبث بخاتم النبي‬
‫‪ 5‬صحيح‪ -‬رواه البخاري باب رحمة الولد وتقبيله برقم ‪5534‬‬
‫‪210‬‬

‫ي‪ ،‬فمن عليه رسول الله ‪ ‬وأخذ عليه أل يظاهر‬
‫بنات فامنن عل ّ‬
‫دا ‪ .‬فقال أبو عزة يمدح رسول الله ‪ ‬على هذا العفو‬
‫عليه أح ً‬
‫والكرم ونبل الخلق‪:‬‬
‫š ‪šŠ¤1‬بأنك حق‬
‫ن مبلغ عني‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫دا‬
‫والمليك حميدُ‬
‫الرسول محم ً‬
‫š šلها درجات سهلة‬
‫وئت‬
‫وأنت امرؤ ب ُ ّ‬
‫فينا مباءة‬
‫وصعودُ‬
‫ي ومن‬
‫شق‬
‫š‬
‫š‬
‫حاربته‬
‫فإنك من‬
‫ّ‬
‫د‬
‫لسعي‬
‫سالمته‬
‫ب‬
‫‪ُ1‬‬
‫لمحار ٌ‬
‫ولكن إذا ذكرت بدًرا š حسرة وقعود‬
‫š‬
‫وأهله‬
‫المبحث الثالث‬
‫رحمته للطفال‬
‫المطلب الول ‪ :‬شهادة علماء الغرب‪:‬‬
‫يقول السير وليم موير ‪" :‬وكان]‪ [‬سهل ً لين العريكة مع‬
‫الطفال‪ ،‬ل يأنف إذا مر بطائفة منهم يلعبون أن يقرئهم‬
‫السلم !"‪. 2‬‬
‫ويقول لويس سيديو‪" :‬ل شي أدعى إلى راحة النفس من عناية‬
‫محمد ]‪ [‬بالولد‪ .‬فهو قد حّرم عادة الوأد‪ ،‬وشغل باله بحال‬
‫اليتامى على الدوام‪ ..‬وكان يجد في ملحظة صغار الولد أعظم‬
‫لذة‪ .‬ومما حدث ذات يوم أن كان محمد ]‪ [‬يصلي فوثب‬
‫الحسين بن علي ]رضي الله عنهما[ فوق ظهره فلم يبال‬
‫‪3‬‬
‫بنظرات الحضور فانتظر صابًرا إلى حين نزوله كما أراد‪. " .‬‬
‫ولقدكافح النبي‪ ‬في سبيل استرداد حقوق الطفال المسلوبة‪،‬‬
‫عبر العصور الغابرة ‪ -‬خاصة في الميراث – بعدما كانت العصور‬
‫الجاهلية تحرم الطفال من الميراث‪ ،‬وتعتبر أن من لهم الحق‬
‫في الميراث هم الذين يتستطيعون جلب الغنائم أو يمتطون‬
‫الخيل بمهارة وفروسية !‪..‬‬
‫مل السرة كلها أمانة رعاية الطفال وصيانة‬
‫كما أن محمدا ً ‪ ‬ح ّ‬
‫حقوقهم‪.‬‬
‫ما‬
‫فكانت السرة السلمية ‪ -‬كما يقول جاك ريسلر‪ ":-‬ترعى دائ ً‬
‫الطفل‪ ،‬وصحته‪ ،‬وتربيته‪ ،‬رعاية كبيرة‪ .‬وترضع الم هذا الطفل‬
‫زمًنا طوي ً‬
‫ل‪ ،‬وأحياًنا لمدة أكثر من سنتين‪ ،‬وتقوم على تنشئته‬
‫‪ 1‬انظر‪ :‬ابن كثير‪ :‬السيرة النبوية ‪485 \2‬‬
‫‪ 2‬وليم موير ‪ :‬حياة محمد ‪. 15‬‬
‫‪ 3‬لويس سيديو ‪ :‬تاريخ العرب العام ‪ ،‬ص ‪111- 110‬‬
‫‪211‬‬

‫بحنان وتغمره بحبها وباحتياطات متصلة‪ .‬وإذا حدث أن أصاب‬
‫الموت بعض السرة‪ ،‬وأصبحوا يتامى‪ ،‬فإن أقرباءهم المقربين ل‬
‫‪1‬‬
‫يترددون في مساعدتهم وفي تبّنيهم"‬
‫ول فرق في ذلك بين ذكر وأنثى‪.. 2‬‬
‫المطلب الثاني ‪ :‬نماذج رحمته للطفال ‪:‬‬
‫أول ً ‪ :‬أرحم البشر بالعيال‪:‬‬
‫يقول أنس بن مالك‪:‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫‪3‬‬
‫دا َ‬
‫ل الل ّهِ ‪. "‬‬
‫ل ِ‬
‫ن أْر َ‬
‫كا َ‬
‫ح ً‬
‫تأ َ‬
‫ن َر ُ‬
‫ح َ‬
‫ما َرأي ْ ُ‬
‫" َ‬
‫سو ِ‬
‫م ْ‬
‫م ِبال ْعَِيا ِ‬
‫قال بريدة قال ‪ :‬كان رسول الله ‪ ‬يخطبنا إذ جاء الحسن‬
‫والحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران ] يتعثران في‬
‫المشي [ فنزل رسول الله ‪ ‬من المنبر فحملهما ووضعهما بين‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ة‪‬‬
‫م فِت ْن َ ٌ‬
‫م وَأوَْلد ُك ُ ْ‬
‫وال ُك ُ ْ‬
‫ما أ ْ‬
‫يديه ثم قال ‪ " :‬صدق الله ‪ ‬إ ِن ّ َ‬
‫م َ‬
‫] سورة التغابن‪ :‬الية‪ ،[15‬نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان‬
‫ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما "‪. 4‬‬
‫وعن شداد بن أوس قال ‪:‬‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫م ٌ‬
‫سو ُ‬
‫ي العِ َ‬
‫ل‬
‫َ‬
‫حا ِ‬
‫شاِء وَهُوَ َ‬
‫ح َ‬
‫ل الل ّهِ ‪ِ ‬في إ ِ ْ‬
‫خَر َ‬
‫ج ع َل َي َْنا َر ُ‬
‫دى َ‬
‫صلت َ ْ‬
‫َ‬
‫سو ُ‬
‫ة‬
‫سي ًْنا‪ ،‬فَت َ َ‬
‫صَل ِ‬
‫ل الل ّهِ ‪ ‬فَوَ َ‬
‫سًنا أوْ ُ‬
‫َ‬
‫قد ّ َ‬
‫م َر ُ‬
‫ح َ‬
‫ح َ‬
‫ه‪ ،‬ث ُ ّ‬
‫ضعَ ُ‬
‫م ك َب َّر ِلل ّ‬
‫َ‬
‫جد َة ً أ َ‬
‫طال ََها ‪ .‬قال شداد ‪:‬‬
‫س ْ‬
‫س َ‬
‫صَلت ِهِ َ‬
‫صّلى فَ َ‬
‫ي َ‬
‫فَ َ‬
‫ن ظ َهَْران َ ْ‬
‫جد َ ب َي ْ َ‬
‫ْ‬
‫سي وَإ ِ َ‬
‫ت َرأ ِ‬
‫جد ٌ‬
‫ل الل ّهِ ‪ ‬وَهُوَ َ‬
‫ي ع ََلى ظ َهْرِ َر ُ‬
‫سا ِ‬
‫فََرفَعْ ُ‬
‫ذا ال ّ‬
‫سو ِ‬
‫صب ِ ّ‬
‫صَلة َ َقا َ‬
‫سو ُ‬
‫ل‬
‫ما قَ َ‬
‫س ُ‬
‫فََر َ‬
‫ضى َر ُ‬
‫ت إ َِلى ُ‬
‫جوِدي فَل َ ّ‬
‫جعْ ُ‬
‫ل الل ّهِ ‪ ‬ال ّ‬
‫صَلت ِ َ‬
‫ل الل ّهِ ! إ ِن ّ َ‬
‫سو َ‬
‫جد َةً‬
‫س ْ‬
‫س َ‬
‫ك َ‬
‫ك َ‬
‫س‪َ :‬يا َر ُ‬
‫جد ْ َ‬
‫ي َ‬
‫الّنا ُ‬
‫ن ظ َهَْران َ ْ‬
‫ت ب َي ْ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫حى إ ِلي ْ َ‬
‫ل ‪" :‬ك ُ ّ‬
‫ك ‪َ .‬قا َ‬
‫ل‬
‫حد َ َ‬
‫ه ُيو َ‬
‫ه قَد ْ َ‬
‫أط َل ْت ََها َ‬
‫مٌر أوْ أن ّ ُ‬
‫ثأ ْ‬
‫حّتى ظن َّنا أن ّ ُ‬
‫ك ل َم يك ُن ‪ ،‬ول َكن ابِني ارتحل َِني فَك َرهْت أ َ ُ‬
‫ي‬
‫حّتى ي َ ْ‬
‫ق ِ‬
‫ه َ‬
‫ن أع َ ّ‬
‫ِ ُ ْ‬
‫ْ َ َ‬
‫َ ِ ّ ْ‬
‫جل َ ُ‬
‫ض َ‬
‫ذ َل ِ َ ْ َ ْ‬
‫ه "‪! 5‬‬
‫حا َ‬
‫َ‬
‫جت َ ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫‪6‬‬
‫ه وَ َ‬
‫ه‪.‬‬
‫هيم فَ َ‬
‫ن أَنس ‪ :‬أ َ‬
‫ي ‪ ‬إ ِب َْرا ِ‬
‫م ُ‬
‫ش ّ‬
‫قب ّل َ ُ‬
‫خذ َ الن ّب ِ ّ‬
‫وعن َثاِبت ع َ ْ‬
‫ويقول أنس ‪:‬‬
‫كان إبراهيم ) ابن محمد‪ ( ‬مسترضًعا له في عوالي المدينة‪،‬‬
‫فكان ينطلق ونحن معه فيدخل البيت وإنه ليدخن‪ ،‬وكان ظئره‬
‫قيًنا فيأخذه فيقبله ثم يرجع‪.7‬‬

‫‪ 1‬جاك ريسلر‪ :‬الحضارة العربية ‪ ،‬ص ‪53‬‬
‫‪ 2‬وقد أفردنا مبحثًا خاصًا برحمته للبنات‪.‬‬
‫‪ 3‬صحيح – رواه مسلم‪ ،‬باب رحمته صلى ال عليه وسلم ‪ ،-‬برقم ‪4280‬‬
‫‪ 4‬صحيح ‪ . -‬رواه الترمذي وأبو داود والنسائي‪ ،‬وصححه اللباني في مشكاة المصابيح برقم ‪6159‬‬
‫جَدٍة‪ ،‬رقم ‪ ،1129‬وصححه اللباني‬
‫سْ‬
‫ن َ‬
‫طَولَ ِم ْ‬
‫جَدٌة َأ ْ‬
‫سْ‬
‫ن َ‬
‫ن َتُكو َ‬
‫جوُز َأ ْ‬
‫ل َي ُ‬
‫‪ 5‬صحيح – راوه النسائي ‪ ،‬باب َباب َه ْ‬
‫في صحيح وضعيف سنن النسائي‪.‬‬
‫‪ 6‬ابن حجر‪ :‬فتح الباري ج ‪ ،10‬ص ‪.427‬‬
‫‪ 7‬صحيح – رواه مسلم برقم ‪2316‬‬
‫‪212‬‬

‫ثانًيا ‪ :‬توبيخه‪ ‬للغلظ مع الطفال‪:‬‬
‫عن َأبي هُريرة َ قا َ َ‬
‫َ‬
‫قب ّ ُ‬
‫ل‬
‫ي ‪ ‬وهُوَ ي ُ َ‬
‫ن َ‬
‫ل‪ :‬أب ْ َ‬
‫س اّلنب ّ‬
‫صَر ا ْلقَْرع ُ ب ُ‬
‫َ َْ‬
‫حاب ِ ٍ‬
‫م‪ ،‬فقا َ‬
‫ن فقا َ‬
‫ن ال ْوَل َد ِ ع َ َ‬
‫ل‬
‫حدا ً ِ‬
‫ن لي ِ‬
‫تأ َ‬
‫لإ ّ‬
‫ال ْ َ‬
‫ح َ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫شَرة ً ما قَب ّل ْ ُ‬
‫م َ‬
‫س َ‬
‫سو ُ‬
‫م" ‪.1‬‬
‫م ل ي ُْر َ‬
‫من ل َ ي َْر َ‬
‫َر ُ‬
‫ح ْ‬
‫ح ْ‬
‫ه َ‬
‫ل الله ‪" :‬إن ّ ُ‬
‫وهو نداء إلى غلظ القلوب عامة‪ ،‬وإلى المسيئين للطفال‬
‫خاصة‪..‬‬
‫ثالًثا ‪ :‬دعاؤه ‪ ‬للطفال ‪:‬‬
‫عن عائشة ‪:‬‬
‫أن رسول الله ‪ ‬كان يؤتى إليه بالصبيان "فيبّرك عليهم "– أي‬
‫يدعو لهم بالبركة‪" ،‬ويحنكهم"‪ – 2‬أي يضع في أفواههم التمر‬
‫اللين الذي مضغه في حنكه الشريف‪.‬‬
‫وعن ابن عباس قال ‪َ :‬‬
‫ن‬
‫ن َوال ْ ُ‬
‫ي ‪ ‬ي ُعَوّذ ُ ال ْ َ‬
‫كا َ‬
‫ح َ‬
‫ح َ‬
‫سي ْ َ‬
‫س َ‬
‫ن الن ّب ِ ّ‬
‫ل‪ :‬إ َ‬
‫ما ] إبراهيم عليه السلم [ َ‬
‫قو ُ‬
‫ن ي ُعَوّذ ُ ب َِها‬
‫وَي َ ُ‬
‫كا َ‬
‫ِ ّ‬
‫ن أَباك ُ َ‬
‫َ‬
‫شي ْ َ‬
‫ن كُ ّ‬
‫عي َ‬
‫ل َ‬
‫ن‪،‬‬
‫حاقَ ‪ :‬أ ُ‬
‫ما ِ‬
‫مة ِ ِ‬
‫ما ِ‬
‫س َ‬
‫ل وَإ ِ ْ‬
‫إِ ْ‬
‫ت الل ّهِ الّتا ّ‬
‫عوذ ُ ب ِك َل ِ َ‬
‫س َ‬
‫طا ٍ‬
‫م ْ‬
‫‪3‬‬
‫ن كُ ّ‬
‫ة" ‪.‬‬
‫وَ َ‬
‫م ٍ‬
‫مة ٍ و َ ِ‬
‫ل ع َي ْ‬
‫ن َل ّ‬
‫ها ّ‬
‫م ْ‬
‫ٍ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ه َ‬
‫قو ُ‬
‫ل‪:‬‬
‫ن وَي َ ُ‬
‫ن ي َأ ُ‬
‫خذ ُه ُ َوال َ‬
‫كا َ‬
‫ح َ‬
‫ي ‪ ‬أن ّ ُ‬
‫س َ‬
‫ن الن ّب ِ ّ‬
‫وعن أسامة بن زيد َع َ ْ‬
‫‪4‬‬
‫ما " ‪.‬‬
‫ما فَأ ِ‬
‫م إ ِّني أ ُ ِ‬
‫حب ّهُ َ‬
‫حب ّهُ َ‬
‫"الل ّهُ ّ‬
‫َ‬
‫ه‪،‬‬
‫ي ع ََلى َ‬
‫ق ِ‬
‫عات ِ ِ‬
‫ي ‪َ ‬وال ْ َ‬
‫ح َ‬
‫ت الن ّب ِ‬
‫وقال البراء ‪َ :‬رأي ْ ُ‬
‫ن ع َل ِ ّ‬
‫ن بْ ُ‬
‫س ُ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫قو ُ‬
‫ه"‪. 5‬‬
‫يَ ُ‬
‫ه فَأ ِ‬
‫م إ ِّني أ ُ ِ‬
‫حب ّ ُ‬
‫حب ّ ُ‬
‫ل ‪ ":‬الل ّهُ ّ‬
‫عا ‪ :‬سلمه‪ ‬على الطفال وعطفه عليهم‪:‬‬
‫راب ً‬
‫لقد كان محمد ‪ ‬يسلم على الطفال في الطرقات‪ ،‬ويمسح‬
‫مَرة َ ‪َ ،‬قا َ‬
‫ع‬
‫م َ‬
‫على رؤوسهم ووجوههم‪ ،‬فعن َ‬
‫جاب ِرِ بن َ‬
‫ت َ‬
‫صل ّي ْ ُ‬
‫س ُ‬
‫ل‪َ :‬‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ه‬
‫ست َ ْ‬
‫ج إ َِلى أهْل ِهِ ‪ ،‬وَ َ‬
‫م َ‬
‫خَر ْ‬
‫خَر َ‬
‫ه َفا ْ‬
‫َر ُ‬
‫قب َل َ ُ‬
‫معَ ُ‬
‫ت َ‬
‫ج ُ‬
‫ل الل ّهِ ‪ ‬الوَلى ث ُ ّ‬
‫سو ِ‬
‫َ‬
‫دا ‪َ ،‬قا َ‬
‫جعَ َ‬
‫ل‪:‬‬
‫ح َ‬
‫دا َوا ِ‬
‫م َوا ِ‬
‫دين َ ِ‬
‫م ِ‬
‫ح ً‬
‫ح ً‬
‫خد ّيْ أ َ‬
‫س ُ‬
‫ة‪ ،‬فَ َ‬
‫دا ُ‬
‫وِل ْ َ‬
‫م َ‬
‫حد ِه ِ ْ‬
‫ل يَ ْ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫ما أ َ ْ‬
‫ح َ‬
‫جَها ِ‬
‫خَر َ‬
‫دا وِري ً‬
‫ت ل ِي َد ِهِ ب َْر ً‬
‫دي فَوَ َ‬
‫خ ّ‬
‫س َ‬
‫م َ‬
‫حا ك َأن ّ َ‬
‫جد ْ ُ‬
‫ما أنا فَ َ‬
‫وَأ ّ‬
‫م ْ‬
‫جون َةِ ع َ ّ‬
‫طارٍ ‪.6‬‬
‫ُ‬
‫سا ‪ :‬رفقه ‪ ‬بالطفال إذا صلى بهم ‪:‬‬
‫خام ً‬
‫يقول " كولن " ‪:‬‬
‫"كانت صلة رسول الله ‪ ‬طويلة‪ ،‬ول سيما النوافل منها؛ إذ‬
‫كانت تتجاوز طاقة الصحابة‪ ،‬ولكنه عندما يقف للصلة يريد‬
‫وز‬
‫إطالتها ويسمع بكاء طفل في أثنائها؛ إذ به يخفف صلته ويَتج ّ‬
‫فيها؛ ذلك لن النساء كن يقفن للصلة خلف رسول الله ‪ ‬أي‬
‫‪ 1‬صحيح – رواه البخاري‪ ،‬باب رحمة الولد وتقبيله‪،‬برقم ‪5538‬‬
‫‪ 2‬صحيح – رواه مسلم )‪ (1691 / 3‬برقم ‪2147‬‬
‫‪ 3‬صحيح – رواه البخاري ‪ ،‬برقم ‪3120‬‬
‫‪ 4‬صحيح – رواه البخاري‪ ،‬باب مناقب الحسن والحسين‪ ،‬رقم ‪3464‬‬
‫‪ 5‬صحيح – رواه البخاري‪ ،‬باب مناقب الحسن والحسين‪ ،‬رقم ‪3466‬‬
‫‪ 6‬صحيح ‪ -‬رواه الطبراني في المعجم الكبير ‪ ،‬برقم ‪ ،1911‬وصححه اللباني في مشكاة المصابيح‪ ،‬برقم ‪5789‬‬
‫‪213‬‬

‫يشتركن في أداء صلة الجماعة خلفه‪ ،‬فخوفا ً من أن تكون أم‬
‫ذلك الطفل موجودة بين المصليات فإنه كان يخفف صلته‪،‬‬
‫ويسرع بها لكي يريح قلب تلك الم"‪.1‬‬
‫يقول النبي ‪" : ‬إني لقوم في الصلة أريد أن أطول فيها‬
‫فأسمع بكاء الصبي فاتجوز في صلتي كراهية ان أشق على‬
‫أمه"‪. 2‬‬
‫َ‬
‫ك قال‪:‬‬
‫مال ِ ٍ‬
‫ن َ‬
‫وعن أن َ َ‬
‫س بْ َ‬
‫َ‬
‫مام قَ ّ‬
‫ن‬
‫ط أَ َ‬
‫خ ّ‬
‫م ِ‬
‫ي ‪ ، ‬وَإ ِ ْ‬
‫صَلة ً وََل أت َ ّ‬
‫ت وََراَء إ ِ َ‬
‫صل ّي ْ ُ‬
‫َ‬
‫ف َ‬
‫ما َ‬
‫ن الن ّب ِ ّ‬
‫م ْ‬
‫ٍ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫‪3‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ه‪.‬‬
‫ن تُ ْ‬
‫خ ّ‬
‫م َ‬
‫ي في ُ َ‬
‫خاف َ‬
‫ف ُ‬
‫ةأ ْ‬
‫كا َ‬
‫ن لي َ ْ‬
‫م ُ‬
‫نأ ّ‬
‫ف َ‬
‫س َ‬
‫معُ ب ُكاَء ال ّ‬
‫فت َ َ‬
‫صب ِ ّ‬
‫سا‪ :‬تعزيزه ‪ ‬للطفل الصادق ‪:‬‬
‫ساد ً‬
‫فلما نزل القرآن‪ ،‬مصدًقا لكلم عمير بن سعيد‪ ،‬عندما قال قول‬
‫الصدق والحق في رجل شتم النبي ‪ ،‬أخذ النبي ‪ ‬بأذن عمير‬
‫حّييه على الصدق‪ " : -‬وفت أذنك يا‬
‫فقال له النبي‪ - ‬وهو ي ُ َ‬
‫ك َرب ُ َ‬
‫عمير‪ ..‬وصد ّقَ َ‬
‫ك"‪.4‬‬
‫عا‪ :‬ملطفته‪ ‬للطفال‪:‬‬
‫ساب ً‬
‫عن أنس بن مالك قال‪:‬‬
‫قا‪ ،‬وكان لي أخ يقال له أبو‬
‫كان رسول الله ‪ ‬أحسن الناس خل ً‬
‫عمير‪ ،‬فكان إذا جاء رسول الله ‪ ‬فرآه قال " أبا عمير ما فعل‬
‫النغير ؟"‪.. 5‬‬
‫والنغير طائر صغير كان أبو عمير يلعب معه !‬
‫وقد ‪‬كان يصلي فإذا سجد ؛ وثب الحسن والحسين على ظهره‬
‫فإذا أراد الناس أن يمنعوهما ؛ أشار إليهم أن دعوهما ‪..‬‬
‫قال أبو هريرة ‪ :‬كنا نصلي مع رسول الله ‪ ‬العشاء فكان‬
‫يصلي‪ ،‬فإذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره وإذا رفع‬
‫قا‬
‫قا [ فوضعهما وضًعا رفي ً‬
‫رأسه أخذهما ] بيده من خلفه أخذا رفي ً‬
‫دا‬
‫‪ ،‬فإذا عاد عادا فلما صلى ] وضعهما على فخذيه [ جعل واح ً‬
‫دا هاهنا ‪ ! ..‬قال أبو هريرة ‪:‬‬
‫هاهنا وواح ً‬
‫فجئته فقلت ‪ :‬يا رسول الله أل أذهب بهما إلى أمهما ؟ قال ‪:‬‬
‫ل ‪. 6"!..‬‬
‫ثامًنا‪ :‬رحمته‪ ‬بغلم يهودي‪:‬‬
‫فع َ‬
‫س ‪َ ‬قا َ‬
‫ل‪:‬‬
‫َ ْ‬
‫ن أن َ ٍ‬
‫‪ 1‬محمد فتح ال كولن ‪ :‬النور الخالد محمد صلى ال عليه وسلم مفخرة النسانية ‪2/33 ،‬‬
‫ي‪ ،‬برقم ‪666‬‬
‫صِب ّ‬
‫عْنَد ُبَكاِء ال ّ‬
‫لَة ِ‬
‫صَ‬
‫ف ال ّ‬
‫خ ّ‬
‫ن َأ َ‬
‫‪ 2‬صحيح ‪ -‬رواه البخاري عن ابن ربعي‪َ ،‬باب َم ْ‬
‫ي‪ ،.‬برقم ‪،667‬‬
‫صِب ّ‬
‫عْنَد ُبَكاِء ال ّ‬
‫لَة ِ‬
‫صَ‬
‫ف ال ّ‬
‫خ ّ‬
‫ن َأ َ‬
‫‪ 3‬صحيح – رواه البخاري‪َ ،‬باب ‪َ:‬م ْ‬
‫‪ 4‬مصنف عبد الرزاق )‪ ،18304 ( 47 / 10‬والقصة معروفة في كتب السيرة‪.‬‬
‫‪ 5‬صحيح – رواه البخاري‪ ،‬برقم ‪ ،5850‬و مسلم برقم ‪2150‬‬
‫‪ 6‬صحيح – السلسلة الصحيحة برقم ‪3325‬‬
‫‪214‬‬

‫َ‬
‫َ‬
‫م ي َُهود ِيّ ي َ ْ‬
‫كا َ‬
‫خد ُ ُ‬
‫ن غ َُل ٌ‬
‫ي ‪ ‬ي َُعود ُهُ‬
‫ي ‪ ‬فَ َ‬
‫مرِ َ‬
‫ض فَأَتاه ُ الن ّب ِ ّ‬
‫م الن ّب ِ ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫قا َ‬
‫سه ِ ف َ َ‬
‫فَ َ‬
‫م" فَن َظ ََر إ َِلى أِبيهِ وَهُوَ ِ‬
‫قعَد َ ِ‬
‫عن ْد َ َرأ ِ‬
‫ه ‪" :‬أ ْ‬
‫عن ْد َهُ‬
‫سل ِ ْ‬
‫ل لَ ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫قا َ‬
‫و‬
‫ه أط ِعْ أَبا ال ْ َ‬
‫‪.‬فَ َ‬
‫م ‪ ،‬فَ َ‬
‫قا ِ‬
‫خَر َ‬
‫سم ِ ‪ ‬فَأ ْ‬
‫سل َ َ‬
‫ل ‪ :‬لَ ُ‬
‫ي ‪ ‬وَهُ َ‬
‫ج الن ّب ِ ّ‬
‫قو ُ‬
‫ن الّناِر! !"‪. 1‬‬
‫ذي أ َن ْ َ‬
‫يَ ُ‬
‫قذ َه ُ ِ‬
‫مد ُ ل ِل ّهِ ال ّ ِ‬
‫ل‪ " :‬ال ْ َ‬
‫ح ْ‬
‫م ْ‬
‫وهكذا نرى أعلى درجات الرحمة في شخصية هذا النبي الكريم‬
‫‪ ، ‬الذي يطلب من غلم يعالج سكرات الموت‪ ،‬أن ينطق‬
‫بالشهادتين في لحظاته الخيره‪ ،‬لتكونا برهانا ً لرسول الله يشفع‬
‫به أمام الله لهذا الغلم ‪ ..‬يوم القيامة !‬
‫وهذا الشعور من رسول الله ‪ ‬يبين عمق عاطفته النبيلة‬
‫الجياشة تجاه سائر البشر على اختلف عقائدهم ودياناتهم ‪.‬‬
‫إتها الرغبة الشديدة الفياضة في هداية البشر ‪ ،‬رغم جهلهم‬
‫المطبق برسالة محمد – إل من رحم الله ‪ ،-‬فهو يدعوهم إلى‬
‫الجنة‪ ،‬وهم يتفلتون منه‪ ،‬كما في حديثه‪ ،‬الذي يمّثل فيه لرحمته‬
‫ل أ َوْقَد َ َناًرا‬
‫ل َر ُ‬
‫م‪ :‬ك َ َ‬
‫مث َل ُك ُ ْ‬
‫مث َِلي وَ َ‬
‫بتصوير رائع بليغ‪ ،‬فيقول‪َ " :‬‬
‫ج ٍ‬
‫مث َ ِ‬
‫َ‬
‫جعَ َ‬
‫خذ ٌ‬
‫ش يَ َ‬
‫ب َوال ْ َ‬
‫ن ع َن َْها‪ ،‬وَأَنا آ ِ‬
‫جَناد ِ ُ‬
‫ل ال ْ َ‬
‫فَ َ‬
‫فَرا ُ‬
‫ن ِفيَها وَهُوَ ي َذ ُب ّهُ ّ‬
‫قعْ َ‬
‫َ‬
‫‪2‬‬
‫دي" ‪.‬‬
‫م تَ َ‬
‫ن يَ ِ‬
‫ن ِ‬
‫فل ُّتو َ‬
‫ح َ‬
‫بِ ُ‬
‫ن الّنارِ وَأن ْت ُ ْ‬
‫جزِك ُ ْ‬
‫م ْ‬
‫م عَ ْ‬

‫المبحث الرابع‬
‫رحمته لليتام‬
‫المطلب الول ‪ :‬النبي‪ ‬اليتيم ‪:‬‬
‫يقول جيمس متشنر عن النبي‪ ":‬ولد يتيما ً محبا ً للفقراء‬
‫والمحتاجين والرامل واليتامى"‪ 3‬ويقول"فيليب حتي" ومع أنه‬
‫ما‬
‫ما فقيًرا‪ ،‬فقد كان في قلبه دائ ً‬
‫كان في دور من أدوار حياته يتي ً‬
‫‪4‬‬
‫سعة لمؤاساة المحرومين في الحياة" ‪.‬‬
‫ومن أولى بحب اليتيم من محمد‪ ،‬وهو نبي الرحمة اليتيم‪،‬‬
‫الذي رغب في كفالة اليتام وإيوائهم‪ ،‬وهو الذي ذاق مرارة اليتم‪،‬‬
‫رم محمد ‪ ‬من أمه وأبيه‪ ،‬فلم تكتحل عيناه برؤية أبيه‪ ،‬ثم‬
‫إذ ُ‬
‫ح ِ‬
‫لم يلبث أن فقد أمه وهو في سنة السادسة من عمره‪ ،‬فآواه ربه‬
‫ن عليه بهذه النعمة قائ ً‬
‫ل‪:‬‬
‫سبحانه ورباه‪ ،‬وامت ّ‬
‫َ‬
‫ك ي َِتيما َ َ‬
‫جدَ َ‬
‫جدْ َ‬
‫ضاّل َ‬
‫دى )‪(7‬‬
‫ك َ‬
‫ه َ‬
‫و َ‬
‫ف َ‬
‫ً‬
‫‪ ‬أل َ ْ‬
‫م يَ ِ‬
‫و َ‬
‫وى )‪َ (6‬‬
‫فآ َ‬
‫قهر )‪َ (9‬‬
‫غَنى )‪َ َ (8‬‬
‫جدَ َ‬
‫فأ َ ْ‬
‫م َ‬
‫عائ ًِل َ‬
‫ما‬
‫ك َ‬
‫و َ‬
‫وأ ّ‬
‫ما ال ْي َِتي َ‬
‫فأ ّ‬
‫َ‬
‫فَل ت َ ْ َ ْ‬
‫و َ‬
‫َ‬
‫‪ 1‬صحيح – رواه البخاري ‪ ،‬برقم ‪1268‬‬
‫‪ 2‬صحيح ‪ -‬صحيح مسلم ‪ ،‬برقم ‪4236‬‬
‫‪ 3‬نقل عن ‪ :‬محمد شريف الشيباني‪ ،‬الرسول في الدراسات الستشراقية المنصفة ‪120،‬‬
‫‪ 4‬فيليب حتى‪ :‬السلم منهج حياة ‪ ،‬ص ‪.54‬‬
‫‪215‬‬

‫فَل ت َن ْهر )‪َ (10‬‬
‫ة َرب ّ َ‬
‫ك َ‬
‫ل َ‬
‫سائ ِ َ‬
‫ث )‪، (11‬‬
‫حدّ ْ‬
‫م ِ‬
‫ف َ‬
‫ما ب ِن ِ ْ‬
‫ال ّ‬
‫ع َ‬
‫وأ ّ‬
‫َ‬
‫َ ْ‬
‫ً‬
‫وأمره بشكر هذه النعمة بأل يقهر يتيما أو يجرحه أو يهينه‪ ،‬وأن‬
‫يجبر كسر قلبه‪ ،‬ويمسح على رأسه‪ ،‬ويكون هو الب الكبر‬
‫الحنون لكل أيتام البشرية ! لسيما في أوقات كان المجتمع‬
‫ما ‪ .‬فقد ُبعث رسول الله ‪ ‬في مجتمعات ‪-‬‬
‫قاسيا ً ل يرحم يتي ً‬
‫كما يقول سيدني فيشر‪" : -‬يعامل فيها الرامل واليتامى وسائر‬
‫الضعفاء كأنهم من سقط المتاع‪ .‬فإذا بمحمد – عليه السلم –‬
‫وهو فقير من كل ما يعتز به المل قد جاءهم بالهداية إلى الله‬
‫وإلى سبل الخلص‪ ،‬وغّير مقاييس الخلق والداب في أرجاء‬
‫البلد العربية"‪.. 1‬‬
‫فعاش سيدنا محمد‪ ‬وقد "شغل باله بحال اليتامى على‬
‫الدوام‪ 2"..‬على حد قول لويس سديو ‪.‬‬
‫وبهذا ل تنكسر نفس اليتيم ول يشعر بذّلة أو حزن حينما يرى كل‬
‫ولد بجوار أبيه يقبل بفرح إليه ‪ ،‬ويرتمي في أحضانه‪ ،‬لنه وجد‬
‫في المسلمين أكثر من واحد يصنع معه ذلك ‪.‬‬
‫ولذك نجد أن القرآن الكريم تحدث في شأن اليتيم في ثلثة‬
‫وعشرين موضعًا‪ ،‬نظرا ً لهمية تضافر المجتمع لرعاية اليتيم‪ ،‬كما‬
‫سن النبي ‪. ‬‬
‫المطلب الثاني ‪ :‬نماذج في رحمته‪ ‬لليتيم‪:‬‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬ترغيبه في كفالة اليتيم ‪:‬‬
‫ل الله ‪" :‬أَنا وَ َ‬
‫كافِ ُ‬
‫سو ُ‬
‫ل‪َ :‬قا َ‬
‫سعْد ٍ قا َ‬
‫فعن ِ‬
‫ل َر ُ‬
‫ن َ‬
‫سهْ ِ‬
‫ل الي‪َِ 3‬تيم ِ‬
‫لب ِ‬
‫َ‬
‫س َ‬
‫َ‬
‫طي" ‪..‬‬
‫سّباب َ َ‬
‫في ال ْ َ‬
‫ة َوالوُ ْ‬
‫صبعَي ْهِ ي َعِْني ال ّ‬
‫ن‪ ،‬وأشا ََر بإ ِ ْ‬
‫جن ّةِ ك َهَات َي ْ ِ‬
‫وهو يشمل يتامى المسلمين وغيرهم‪ ،‬كما تدل عليه صيغة‬
‫العموم‪ ،‬لن "أل" في اليتيم للجنس‪...‬‬
‫ثانًيا‪ :‬مواساته لليتامى ‪:‬‬
‫فمن أخباره ‪ ‬في هذا الجانب‪ ،‬أنه عندما قُِتل جعفر أمهل آل‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫فرٍ ‪ :‬فقال رسول الله‬
‫جعْ َ‬
‫ن َ‬
‫جعفر ثلثا‪ ،‬ثم أتاهم‪ ،‬يقول ع َْبد اللهِ ب ْ ِ‬
‫‪ " :‬ل تبكوا على أخي بعد اليوم "‪ .‬ثم قال‪" :‬ادعوا لي بني‬
‫‪ 1‬سيدني فيشر ‪:‬الشرق الوسط في العصر السلمي ‪ ،‬عن العقاد‪ :‬ما يقال عن السلم ‪ ،‬ص ‪55- 54‬‬
‫‪2‬‬
‫لويس سديو ‪ :‬تاريخ العرب العام ‪ ،‬ص ‪. 110‬‬
‫‪ 3‬صحيح – رواه البخاري ‪ ،‬في الدب باب فضل من يعول يتيمًا وأبو داود في الدب باب في من ضم يتيمًا‪ ،‬رقم‬
‫‪5546‬‬
‫‪216‬‬

‫أخي "‪ .‬فجيء بنا كأّنا أفرخ فقال‪ " :‬ادعوا لي الحلق " فأمره‬
‫‪1‬‬
‫فحلق ر ُ‬
‫سول الل ّهِ ‪ ‬إلى أهله‪ ،‬قال‬
‫ؤوسنا ثم لما رجع َر ُ‬
‫لهم‪":‬إن آل جعفر قد شغلوا بشأن ميتهم‪ ،‬فاصنعوا لهم‬
‫طعامًا"‪.. 2‬‬
‫ثالًثا‪ :‬ترغيب النساء في تربية اليتام ‪:‬‬
‫يقول النبى ‪ ":‬أنا أول من يفتح باب الجنة فأرى امرأة تبادرنى]أى‬
‫تسابقنى[ تريد أن تدخل معى الباب فأقول لها‪ :‬من أنت؟ فتقول‪:‬‬
‫أنا امرأة قعدت على أيتام لي"‪.. 3‬‬
‫مات زوجها فأبت الزواج مع حاجتها إليه‪ ،‬وابتعدت عن مواطن‬
‫الشبهات والريبة‪ ،‬وعكفت على تربية البناء ‪ .‬هذه المرأة مكانتها‪-‬‬
‫في السلم ‪ -‬أنها تسابق النبى‪ ‬لتدخل معه الجنة!!‬
‫عا‪ :‬تحذيره من العتداء على مال اليتيم ‪:‬‬
‫راب ً‬
‫ن اليتيم‬
‫قال النبي ‪ r‬داعًيا ربه‪" :‬الله ّ‬
‫م إّني أحّرج حقّ الضعيفي ِ‬
‫مرأة "‪. 4‬‬
‫وال َ‬
‫ُ‬
‫ومعنى الحديث ‪ :‬أي ألحق الثم بمن ضّيع حقهما وأحذر من ذلك‬
‫تحذيرا ً بليغا ً ‪.‬‬
‫وعد أكل مال اليتيم من الموبقات‪ ،‬فقال النبي ‪ " : r‬اجَتنبوا‬
‫ل َيا رسو َ‬
‫قات " قي َ‬
‫ن ؟ فذكرهن إلى أن‬
‫سبعَ الموب َ‬
‫ال ّ‬
‫ل الله و َ‬
‫ما ه ّ‬
‫‪5‬‬
‫قال ‪" :‬وأك ُ‬
‫ل الَيتيم " ‪.‬‬
‫ل ما ِ‬
‫ده فيجب أن يسلم له جميع ماله ول يجوز‬
‫فإذا بلغ اليتيم أش ّ‬
‫للوصي أن يبخس أو يأخذ منه شيئا ً إل بطيبة نفس من اليتيم بعد‬
‫أن يبلغ أشده ويحصل رشده‪ ،‬فكل تصرف في مال اليتيم ل يقع‬
‫ي عنه‪ ،‬فأكل ماله‬
‫في دائرة ما هو أحسن فهو محظور ومنه ّ‬
‫طمعا ً فيه واستضعافا ً له محرم ومنهي عنه‪ ،‬وتجميد ماله وعدم‬
‫استثماره محرم ومنهي عنه‪ ،‬وإهماله وعدم صيانته محرم ومنهي‬
‫عنه ‪.‬‬

‫المبحث الخامس‬
‫رحمته للرامل‬
‫‪ 1‬رواه أبو داود‪ ،‬كتاب الترجل ‪ -‬باب في حلق الرأس‪ ،‬رقم ‪ . 4192‬وصححه اللباني في المشكاة برقم ‪ ،4463‬و‬
‫في صحيح وضعيف سنن أبي داود‬
‫‪ 2‬رواه ابن ماجه‪ ،‬كتاب الجنائز ‪ -‬باب ما جاء في الطعام يبعث إلى أهل الميت رقم ‪ ،1611‬وحسنه اللباني في‬
‫صحيح وضعيف سنن ابن ماجة ‪ ،‬والقصة منتشرة في كتب السيرة بعد معركة مؤتة ‪.‬‬
‫‪ 3‬صحيح ‪ -‬رواه أبو يعلى الموصلى ‪ ،‬وصححه اللبانى فى صحيح الجامع‪.‬‬
‫‪ 4‬حسن ‪ -‬رواه أحمد والنسائي وابن ماجة‪ ،‬وهو في السلسلة الصحيحة ‪ ،‬برقم ‪1015‬‬
‫‪ 5‬صحيح ‪ -‬رواه البخاري )‪ (2560‬ومسلم )‪ (129‬وغيرهما‬
‫‪217‬‬

‫المطلب الول‪ :‬حثه على السعي على الرامل‪:‬‬
‫حرمت من الزوج‪ ،‬تكون منكسرة ومجروحة‬
‫الرملة التي ُ‬
‫الخاطر وبحاجة إلى من يعولها‪ ،‬ولهذا رغب النبي ‪r‬بجبر كسرها‪،‬‬
‫ورعايتها فكان فيقول ‪:‬‬
‫ل الله‪:‬‬
‫"الساعي على الرملةِ والمسكين كالمجاهد ِ في َ‬
‫سبي ِ‬
‫طر"‪.1‬‬
‫كالقائم ل َيفُتر وكالصائم ل ُيف ِ‬
‫‪2‬‬
‫ومعنى الساعي ‪ :‬ال ْ َ‬
‫ما ‪ ،‬الذي يذهب‬
‫ما ‪ :‬ال َْعا ِ‬
‫كا ِ‬
‫مُئون َت ِهِ َ‬
‫مل ل ِ َ‬
‫سب ل َهُ َ‬
‫ويجيء في تحصيل ما ينفع الرملة والمسكين"‪ . .. 3‬فكافل‬
‫الرملة كالمجاهد في سبيل الله سواًء بسواء ‪..‬‬
‫َ‬
‫وَقا َ‬
‫و‬
‫صل ل ََها ِ‬
‫ما ي َ ْ‬
‫ل ا ِْبن قُت َي َْبة ‪ُ :‬‬
‫ن اْل ِْر َ‬
‫مَلة ل ِ َ‬
‫ت أْر َ‬
‫مي َ ْ‬
‫س ّ‬
‫ح ُ‬
‫مال ‪ ،‬وَهُ َ‬
‫م ْ‬
‫قد ِ الّزْوج‪.4‬‬
‫ف ْ‬
‫هاب الّزاد ب ِ َ‬
‫ف ْ‬
‫ال ْ َ‬
‫قر وَذ َ َ‬
‫المطلب الثاني ‪ :‬سعيه على الرامل ‪:‬‬
‫ن أ َِبي أ َوَْفى قال‪:‬‬
‫عن ع َب ْد َ الل ّهِ ب ْ َ‬
‫" َ‬
‫طي ُ‬
‫ق ّ‬
‫سو ُ‬
‫ة‪،‬‬
‫صَل َ‬
‫و‪ ،‬وَي ُ ِ‬
‫ل الل ّهِ ‪r‬ي ُك ْث ُِر الذ ّك َْر ‪ ،‬وَي ُ ِ‬
‫كا َ‬
‫ن َر ُ‬
‫ل ال ّ‬
‫ل الل ّغْ َ‬
‫ْ‬
‫ة‪ ،‬وَل يأن ُ َ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫وَي ُ َ‬
‫صُر ال ْ ُ‬
‫س ِ‬
‫مل َةِ َوال ْ ِ‬
‫م ِ‬
‫خط ْب َ َ َ َ َ‬
‫فأ ْ‬
‫م ْ‬
‫معَ اْلْر َ‬
‫ي َ‬
‫ن يَ ْ‬
‫ق ّ‬
‫ش َ‬
‫كي ِ‬
‫‪5‬‬
‫ة" ‪.‬‬
‫فَي َ ْ‬
‫ج َ‬
‫ق ِ‬
‫حا َ‬
‫ه ال ْ َ‬
‫ي لَ ُ‬
‫ض َ‬
‫َ‬
‫ك َقا َ‬
‫ل‪:‬‬
‫مال ِ ٍ‬
‫ن َ‬
‫وعن أن َ ُ‬
‫س بْ ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن َ‬
‫ل الل ّهِ ‪r‬‬
‫دين َةِ ل َت َأ ُ‬
‫م ُ‬
‫م ِ‬
‫ة ِ‬
‫"إ ِ ْ‬
‫خذ ُ ب ِي َد ِ َر ُ‬
‫ل ال ْ َ‬
‫ن إِ َ‬
‫ت اْل َ‬
‫كان َ ْ‬
‫سو ِ‬
‫ماِء أهْ ِ‬
‫م ْ‬
‫‪6‬‬
‫ث َ‬
‫ت" ‪.‬‬
‫حي ْ ُ‬
‫فَت َن ْط َل ِقُ ب ِهِ َ‬
‫شاَء ْ‬
‫وع َ َ‬
‫س َقا َ‬
‫ل‪:‬‬
‫ْ‬
‫ن أن َ ٍ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ن ِلي إ ِلي ْ َ‬
‫سو َ‬
‫ك‬
‫ل اللهِ ‪ r‬فَ َ‬
‫ل اللهِ إ ِ ّ‬
‫" َ‬
‫ت َيا َر ُ‬
‫مَرأة ٌ إ ِلى َر ُ‬
‫قال ْ‬
‫تا ْ‬
‫جاَء ْ‬
‫سو ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫قا َ‬
‫ك‬
‫ة فَ َ‬
‫وا ِ‬
‫ج ً‬
‫جل ِ ِ‬
‫سك َ ِ‬
‫نا ْ‬
‫حا َ‬
‫َ‬
‫ل ل ََها ‪َ " :‬يا أ ّ‬
‫حي ال ّ‬
‫سي ِفي أيّ ن َ َ‬
‫م فَُل ٍ‬
‫َ‬
‫ك " َقا َ‬
‫ي ‪ r‬إ ِل َي َْها‬
‫شئ ْ ِ‬
‫ِ‬
‫ت فَ َ‬
‫ل‪ :‬فَ َ‬
‫س إ ِل َي ْ ِ‬
‫حّتى أ ْ‬
‫ت‪َ ،‬‬
‫جل َ َ‬
‫س ْ‬
‫جل َ َ‬
‫جل ِ َ‬
‫س الن ّب ِ ّ‬
‫‪7‬‬
‫جت ََها ‪.‬‬
‫حا َ‬
‫ت َ‬
‫حّتى قَ َ‬
‫َ‬
‫ض ْ‬

‫‪ 1‬صحيح – رواه البخاري‪ ،‬باب الساعي على الرملة ‪ ،‬برقم ‪ ،4934‬ومسلم باب الحسان إلى الرملة‪ ،‬برقم‬
‫‪5295‬‬
‫‪ 2‬شرح النووي على مسلم ‪366 \9‬‬
‫‪ 3‬ابن حجر ‪ :‬فتح الباري )ج ‪ / 9‬ص ‪(366‬‬
‫‪ 4‬شرح النووي على مسلم ‪) -‬ج ‪ / 9‬ص ‪(366‬‬
‫طَبِة‪ ،‬برقم ‪ ،1397‬وصححه اللباني في صحيح وضعيف‬
‫خ ْ‬
‫صيِر اْل ُ‬
‫ن َتْق ِ‬
‫ب ِم ْ‬
‫ح ّ‬
‫سَت َ‬
‫‪ 5‬رواه النسائي‪،‬باب َباب َما ُي ْ‬
‫سنن النسائي‪.‬‬
‫‪ 6‬صحيح‪ -‬رواه البخاري البخاري‪ ،‬باب الكبر‪ ،‬برقم ‪5610‬‬
‫س َوَتَبّرِكِهْم ِبِه ‪ ،‬برقم ‪4293‬‬
‫ن الّنا ِ‬
‫لم ِم ْ‬
‫سَ‬
‫عَلْيِه ال ّ‬
‫ي َ‬
‫ب الّنِب ّ‬
‫‪ 7‬صحيح – رواه مسلم‪ ،‬باب َباب ُقْر ِ‬
‫‪218‬‬

‫المبحث‬
‫المبحث‬
‫المبحث‬
‫المبحث‬
‫المبحث‬

‫الفصل السابع‬
‫رحمته ‪ r‬للضعفاء‬
‫الول ‪ :‬رحمته للفقراء‬
‫الثاني ‪ :‬رحمته للعبيد والخدم‬
‫الثالث ‪ :‬رحمته لذوي الحتياجات الخاصة‬
‫الرابع ‪ :‬رحمته للمسنين‬
‫الخامس ‪ :‬رحمته للموات‬

‫‪219‬‬

‫المبحث الول‬
‫رحمته للفقراء‬
‫وفي رعاية محمد ‪ ‬للفقراء والمحتاجين مظهر من مظاهر‬
‫الرحمة في شخصيته ‪ ،‬وخصوصا ً تلك الجهود المشكورة التي‬
‫بذلها في مكافحة الفقر والبطالة ‪..‬‬
‫فبعدما عاشت الجزيرة العربية حياة الطبقية ‪ ..‬الغني يأكل‬
‫الفقير‪ ،‬والقوي يبتذ الضعيف‪ ،‬ظهر سيدنا محمد ‪ ‬بدعوته التي‬
‫حققت العدالة الجتماعية متمثلة في دولة المدينة المنورة من‬
‫ناحية‪ ،‬وفي منهج السلم في مكافحة الفقر والمرض والجهل‬
‫من ناحية أخرى ‪..‬‬
‫المطلب الول ‪ :‬فضل محمد‪ ‬على الفقراء ‪:‬‬
‫كان النبي ‪ ‬رحمة حقيقة للفقراء ‪..‬‬
‫رحمة لهم كم ّ‬
‫شرع‪ ،‬رحمة لهم كحاكم‪ ،‬ورحمة لهم كغني ‪،‬‬
‫ورحمة لهم كنبي قبل كل شيء!‬
‫يقول المستشرق السباني جان ليك‪:‬‬
‫" وقد برهن ]‪ [‬بنفسه على أن لديه أعظم الرحمات لكل‬
‫ضعيف ‪ ،‬ولكل محتاج إلى المساعدة ‪ ،‬كان محمد ]‪ [‬رحمة‬
‫حقيقة لليتامى والفقراء وابن السبيل والمنكوبين والضعفاء‬
‫والعمال وأصحاب الكد والعناء"‪.1‬‬
‫ما باًرا كأنه الريح السارية‪ ،‬ل‬
‫وكان ‪ -‬كما تقول كوبولد ‪" :-‬كري ً‬
‫يقصده فقير أو بائس إل تفضل عليه بما لديه‪ ،‬وما لديه كان في‬
‫أكثر الحايين قليل ً ل يكاد يكفيه"‪.2‬‬
‫"ومن يجهل أنه ]‪ [‬لم يعدل‪ ،‬إلى آخر عمره‪ ،‬عما يفرضه فقر‬
‫البادية على سكانها من طراز حياة وشظف عيش؟ وهو لم ينتحل‬
‫أوضاع المراء قط مع ما ناله من غنى وجاه عريض‪ ..‬وكان ]‪[‬‬
‫ما معتد ً‬
‫ل‪ ،‬وكان يأتي بالفقراء إلى بيته ليقاسمهم طعامه"‪.3‬‬
‫حلي ً‬
‫وذات مرة " أوحى الله تعالى إلى النبي ]‪ [‬وحًيا شديد‬
‫المؤاخذة لنه أدار وجهه عن رجل فقير أعمى ليخاطب رجل ً غنًيا‬
‫من ذوي النفوذ"‪. 4‬‬
‫ويلخص واشنجتون إيرفنج السلوك المالي للنبي ‪ ‬بقوله ‪:‬‬
‫"كان الرسول ]‪ [‬ينفق ما يحصل من جزية أو ما يقع في يديه‬
‫من غنائم في سبيل انتصار السلم‪ ،‬وفي معاونة فقراء‬
‫المسلمين‪ ،‬وكثيًرا ما كان ينفق في سبيل ذلك آخر درهم في‬
‫‪ 1‬جان ليك ‪ :‬العرب ‪ ،‬ص ‪43‬‬
‫‪2‬اللدي ايفلين كوبولد‪ :‬البحث عن ال ‪ ،‬ص ‪67‬‬
‫‪ 3‬لويس سيديو ‪ :‬تاريخ العرب العام ‪ ،‬ص ‪. 103‬‬
‫‪ 4‬ليتنر ‪ :‬دين السلم ‪. 133،‬‬
‫‪220‬‬

‫قا‪ ..‬وقد‬
‫ما أو رقي ً‬
‫بيت المال‪ ..‬وهو لم يخلف وراءه ديناًرا أو دره ً‬
‫خيره الله بين مفاتيح كنوز الرض في الدنيا وبين الخرة فاختار‬
‫الخرة !"‪.1‬‬
‫وفي يوم ازدحمت عليه العراب يطلبون المال حتى اضطروه‬
‫إلى شجرة‪ ،‬فانتزعت رداءه فقال ‪" :‬أيها الناس‪ ،‬ردوا علي ردائي‬
‫! فو الذي نفسي بيده لو كان عندي عدد شجر تهامة نعما ً‬
‫ً ‪.2‬‬
‫لقسمته عليكم‪ ،‬ثم ما ألفيتموني بخيل ً ول جبانا ً ول كذابا "‬
‫ورد على هوازن سباياهم وكانت ستة آلف‪ ،‬وأعطى العباس من‬
‫الذهب ما لم يطق حمله!‬
‫حملت إليه تسعون ألف درهم فوضعت على حصير !! فقام‬
‫و ُ‬
‫‪3‬‬
‫إليها يقسمها‪ ،‬فمارد سائل ً حتى فرغ منها !‪.‬‬
‫وأعطى صفوان بن أمية غنما ً ملت واديا ً بين جبلين فقال‬
‫صفوان‪ :‬أرى محمدا ً ‪ ‬يعطى عطاء من ل يخشى الفقر !‬
‫وفي ذلك؛ نرى في شخص رسول الله ‪ ‬نموذج الحاكم المسلم‬
‫العفيف‪ ،‬الذي يتعفف عن المغانم والموال في سبيل سد أبواب‬
‫الفقر في المجتمع السلمي‪ ،‬كما أنه ‪ ‬بهذا المسلك يكون‬
‫قدوة وأسوة للغنياء‪ ،‬فيكون محفزا ً لهم على البذل والنفاق‬
‫فوق الزكاة المفروضة‪..‬‬
‫جا‪:‬‬
‫المطلب الثاني ‪ :‬نظام الزكاة – نموذ ً‬
‫وفي نظام الزكاة رحمة عملية للفقراء ‪..‬‬
‫حصل زكاة المال من الغنياء لتردها إلى‬
‫فالحكومة السلمية ت ّ‬
‫فقراء الشعب‪..‬‬
‫ي ‪ ‬معاذ َ بن جبل إلى اليمن ‪ ،‬أوصاه الرسول ‪‬‬
‫فلما َبعث النب ُ‬
‫قائل ً ‪ " :‬أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم‬
‫فترد على فقرائهم فإن هم أطاعوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم‬
‫واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب"‪.. 4‬‬
‫وتعرف الزكاة بأنها الجزء المخصص للفقير والمحتاج من أموال‬
‫الغنى ‪ .‬وتحسب الزكاة كنسبة ‪ %2.5‬من المدخرات السنوية إذا‬
‫تعدت قيمة معينة تعرف بالنصاب ‪.‬‬
‫والزكاة مشتقة في اللغة العربية من زكا والتى تعنى النماء‬
‫والطهارة والبركة‪ .‬فإخراج الزكاة طهرة لموال المسلم وقربة‬
‫حا ‪.‬‬
‫إلى الله تعالى يزداد بها ومجتمعه بركة وصل ً‬

‫‪ 1‬واشنجتون إيرفنج ‪ :‬حياة محمد ‪ ،‬ص ‪303‬‬
‫‪ 2‬صحيح ـ صححه اللباني في تخريجح كتاب فقه السيرة لمحمد الغزالي ص ‪.392‬‬
‫‪ 3‬انظر‪ :‬ابن سيد الناس‪ :‬عيون الثر‪ ،‬ج ‪ / 2‬ص ‪.422 ،421‬‬
‫‪ 4‬صحيح ـ وهو في الرواء‪ ،‬وصححه اللباني في تخريج مشكلة الفقر‪ ،‬ص ‪.36‬‬
‫‪221‬‬

‫إذ ينظر السلم إلى مال المسلم الغني كأمانة استأمنه الله‬
‫عليها ينبغي عليه أن يؤدى حقها ويستعملها فيما يرضى الله‬
‫تعالى ‪.‬‬
‫والزكاة في السلم هى أول نظام عرفته البشرية لتحقيق‬
‫الرعاية للمحتاجين والعدالة الجتماعية بين أفراد المجتمع حيث‬
‫يعاد توزيع جزء من ثروات الغنياء على الطبقات الفقيرة‬
‫والمحتاجين ‪.‬‬
‫وخول "الفقراء حق أخذها إذا امتنع الغنياء من دفعها طوعًا"‪،‬‬
‫كما بين "ليورودتن"‪. 1‬‬
‫وتؤدى الزكاة إلى زيادة تماسك المجتمع وتكافل أفراده والقضاء‬
‫على الفقر وما يرتبط به من مشاكل اجتماعية واقتصادية‬
‫وأخلقية إذا أحسن استغلل أموال الزكاة وصرفها لمستحقيها ‪.‬‬
‫وفي الزكاة يقول "ول ديورانت" ‪:‬‬
‫حا فرض على الغنياء من‬
‫"‪ ..‬لسنا نجد في التاريخ كله مصل ً‬
‫‪3‬‬
‫)الضرائب(‪ 2‬ما فرضه عليهم محمد ]‪ [‬لعانة الفقراء‪. "..‬‬
‫صل "جاك ريسلر" القول في فضائل الزكاة فيقول ‪:‬‬
‫ويف ّ‬
‫"كانت الزكاة قبل كل شيء عمل ً تعاونًيا حًرا وإدارًيا ينظر إليه‬
‫على أنه فضيلة كبرى‪" .‬وفي تنظيم جماعة )المدينة( اعتد النبي ]‬
‫‪ [‬هذا العمل الخير كضريبة شرعية إجبارية لصالح الفقراء‬
‫والمعوزين‪ .‬وسيتحول فيما بعد هذا النظام وسيتولد عنه هيئة من‬
‫موظفين وبيت مال‪ ..‬لكن إذا كانت الدولة قد صنعت هذا العمل‬
‫الخّير مصدًرا لمواردها‪ ،‬فإن مبدأ الزكاة ظل – بفضل القرآن –‬
‫فضيلة مارسها المسلمون تلقائًيا بوصفه واجًبا دينًيا‪ .‬وينبغي أن‬
‫نزجي الثناء لمحمد ]‪ [‬فقد كان أول من شرع ضريبة تجبى من‬
‫الغنياء للفقراء‪ ،‬هكذا أوجد القرآن الرحمة الجبارية !" ‪. 4‬‬
‫وما أجمل ما قاله بنكمرت‪ 5‬في وصفه لنظام الزكاة‪ ،‬حين قال ‪:‬‬
‫"لم أجد ديًنا وضع للزكاة تشريًعا شامل ً كالسلم‪ .‬والمجتمع‬
‫السلمي الذي يحرص على إخراج الزكاة يخلو من الفقر‬
‫والحرمان والتشرد‪ ..‬إنني أتصور لو أن العالم كله اهتدى إلى‬
‫‪ 1‬انظر‪ :‬محمد شريف الشيباني‪ :‬الرسول في الدراسات الستشراقية المنصفة‪ ،‬ص ‪176‬‬
‫‪ 2‬الصحيح ‪ :‬الزكاة والصدقات‬
‫‪ 3‬ول ديورانت ‪ :‬قصة الحضارة ‪.59 / 13 ،‬‬
‫‪ 4‬جاك ريسلر ‪ :‬الحضارة العربية‪ ،‬ص ‪43‬‬
‫‪ 5‬بريشا بنكمرت )عثمان عبد ال ( ‪ :‬تربوي ‪ ،‬بمملكة تايلند‪ ،‬نشأ في أسرة بوذية‪ ،‬راح يبحث‪ ،‬بعد إكمال‬
‫دراسته‪ ،‬عن دين يجدر أن يكون "دين البشرية ودين الحياة"‪ ،‬كما يصفه‪ ،‬وفي مطلع عام ‪ 1971‬أعلن إسلمه‪،‬‬
‫وغير اسمه إلى عثمان عبد ال‪.‬‬
‫‪222‬‬

‫السلم لما بقي على ظهر الرض جائع أو محروم ! ! والمجتمع‬
‫المسلم الذي يلتزم بأحكام السلم وآدابه مجتمع نظيف سعيد‬
‫‪1‬‬
‫تنعدم فيه الجرائم بكافة ألوانها‪".‬‬
‫من ناحية أخرى ‪ ،‬فقد حذر سيدنا محمد ‪‬من مغبة منع الزكاة‬
‫وتوعد مانع الزكاة بالعذاب الشنيع يوم القيامة‪ ،‬فقال ‪‬‬
‫"من آتاه الله مال فلم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع‬
‫] نوع من الثعابين [ له زبيبتان يطوقه يوم القيامة ثم يأخذ‬
‫بلهزمتيه ) يعني شدقيه ( ثم يقول ‪ :‬أنا مالك أنا كنزك "‪ ..‬ثم تل‬
‫النبي ]‪ ]‬ول يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله‬
‫هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة‬
‫‪] ‬آل عمران ‪ :‬الية ‪.2" [180‬‬
‫وقال مرغبل ً في فريضة الزكاة ‪":‬من أدى زكاة ماله فقد ذهب‬
‫عنه شره"‪.3‬‬
‫وقال ‪" ‬ثلث من فعلهن فقد طعم طعم اليمان ‪ :‬من عبد الله‬
‫وحده‪ ،‬وعلم أن ل إله إل الله‪ ،‬وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه‬
‫رافدة عليه كل عام ولم يعط الهرمة ول الدرنة ول المريضة ول‬
‫الشرط اللئيمة ولكن من وسط أموالكم فإن الله لم يسألكم‬
‫خيره ولم يأمركم بشره"‪.4‬‬
‫وقال‪" :‬من أعطاها مؤتجرا فله أجرها ‪ ،‬ومن منعها فأنا آخذها‬
‫وشطر ماله غرمة من غرمات ربنا ‪ .‬ليحل لل محمد منها‬
‫شيء"‪.5‬‬
‫المطلب الثالث‪ :‬دوره ‪ ‬في مكافحة البطالة ‪:‬‬
‫أول ً ‪ :‬ترسيخ قيم العمل والنتاج ‪:‬‬
‫ما‬
‫لقد رسخ سيدنا محمد ‪ ‬في المجتمع بتعاليمه الغزيرة قي ً‬
‫اجتماعية وتنموية جليلة كالنتاجية والعمل‪.‬‬
‫فكرس في نفوس المسلمين بغض العطلة‪ ،‬وحب التكسب من‬
‫عرق الجبين‪..‬‬
‫فكان رسول الله ‪ ‬يمقت أن يرى الرجل ل شغل له‪ ،‬وقد فضل‬
‫‪ ‬ثواب العامل من أجل لقمة العيش على العابد العاكف في‬
‫المسجد‪ ،‬بل عد الساعي على إطعام بطنه وبطون أهله من‬
‫‪ 1‬انظر‪ :‬عرفات كامل العشي ‪ :‬رجال ونساء أسلموا ‪115 / 3 ،‬‬
‫‪ 2‬صحيح ـ أخرجه البخاري‪ ،‬برقم ‪ ،1315‬والنسائي برقم ‪ 8307‬وأحمد‪ ،‬برقم ‪ 8307‬عن أبي هريرة‪.‬‬
‫‪ 3‬حسن لغيره ‪ -‬رواه الطبراني في الوسط واللفظ له‪ ،‬وابن خزيمة في صحيحه والحاكم مختصرا‪ " :‬إذا أديت‬
‫زكاة مالك فقد أذهبت عنك شره " وقال صحيح على شرط مسلم‪ ،‬وقال اللباني في صحيح الترغيب والترهيب‪،‬‬
‫صحيح لغيره‪ ،‬برقم ‪.743‬‬
‫‪ 4‬صحيح لغيره – رواه ابو داوود‪ ،‬برقم ‪ ،1349‬والبيهقي في شعب اليمان يرقم ‪ ،3148‬وقال اللباني في‬
‫صحيح الترغيب والترهيب ‪:‬صحيح لغيره‪ ،‬برقم ‪750‬‬
‫‪ 5‬حسن – رواه النسائي برقم ‪ ،2401‬وأحمد برقم ‪ ،19183‬وحسنه اللباني في تخريج مشكلة الفقر‪ ،‬برقم ‪.64‬‬
‫‪223‬‬

‫الحلل كالخارج في سبيل الله ‪ .‬ونراه في أكثر من موضع يحبذ‬
‫لكل مسلم فقير أن يحفظ ماء وجهه من سؤال الناس والفضل‬
‫له أن يخرج يتكسب من أي وسيلة مشروعة‪ ،‬ولو في جمع‬
‫الحطب ‪..‬‬
‫فقال ‪ - ‬مشجعا ً على العمل منفًرا من البطالة ي ‪":‬لن يأخذ‬
‫أحدكم أحبله‪ ،‬فيأتي بحزمة من حطب على ظهره؛ فيبيعها فيكف‬
‫بها وجهه؛ خير له من أن يسأل الناس أعطوه أم منعوه"‪.1‬‬
‫قال العلمة القرضاوي ‪:‬‬
‫"فبين الحديث أن مهنة الحتطاب على ما فيها من مشقة‪ ،‬وما‬
‫يحوطها من نظرات الزدراء‪ ،‬وما يرجى منها من ربح ضئيل‪ ،‬خير‬
‫من البطالة وتكفف الناس"‪. 2‬‬
‫ثانًيا ‪ :‬قضاء حوائج العاطلين ‪:‬‬
‫تجده ‪ ‬يفكر ويخطط لشاب فقير بحيث يوفر له‪ ‬فرصة‬
‫عمل يتكسب منها ‪..‬‬
‫فعن أنس بن مالك‪ :‬أن رجل ً من النصار أتى النبي ‪‬يسأله‬
‫)الصدقة(‪ ،‬فقال " أما في بيتك شىء ؟ " قال‪ :‬بلى ‪ ،‬حلس‬
‫نلبس بعضه ونبسط بعضه ‪ ،‬وقعب نشرب فيه من الماء ‪ .‬قال "‬
‫ائتني بهما " قال‪ :‬فأتاه بهما‪ ،‬فأخذهما رسول الله ‪ ‬بيده وقال‬
‫" من يشتري هذين " ؟ قال‪ :‬رجل أنا آخذهما بدرهم‪ .‬قال ‪":‬‬
‫من يزيد على درهم ؟ " مرتين أو ثلثا ‪ .‬قال رجل ‪ ":‬أنا آخذهما‬
‫بدرهمين "‪ .‬فأعطاهما إياه ‪ ،‬وأخذ الدرهمين فأعطاهما‬
‫ما فانبذه إلى أهلك ‪ ،‬واشتر‬
‫النصاري‪ .‬وقال " اشتر بأحدهما طعا ً‬
‫دا‬
‫بالخر قدوما فأتني به " فأتاه به‪ .‬فشد فيه رسول الله ‪‬عو ً‬
‫بيده ثم قال له‪" :‬اذهب فاحتطب وبع ول أرينك خمسة عشر‬
‫ما " ‪ .‬فذهب الرجل يحتطب ويبيع‪ ،‬فجاء وقد أصاب عشرة‬
‫يو ً‬
‫ما ‪ .‬فقال رسول الله‬
‫دراهم‪ ،‬فاشترى ببعضها ثوًبا‪ ،‬وببعضها طعا ً‬
‫‪ " :‬هذا خير لك من أن تجيء المسألة نكتة في وجهك يوم‬
‫القيامة ‪ .‬إن المسألة ل تصلح إل لثلثة لذي فقر مدقع ] الفقر‬
‫الشديد [ أو لذي غرم مفظع‪ ،‬أو لذي دم موجع "‪.3‬‬
‫فانظر كيف خطط النبي ‪‬لهذا الشاب ‪ ،‬بحيث يوفر له النبي‬
‫‪‬فرصة عمل يتكسب منها‪.‬‬
‫ثالًثا‪ :‬تحريمه‪ ‬البطالة ‪:‬‬

‫‪ 1‬صحيح البخاري‪ ،‬رقم ‪ ،1933‬وابن ماجه برقم ‪1826‬‬