‫سيدنا محمد صلى الله عليه‬

‫وسلم‬
‫للشيخ محمد رشيد رضا‬

‫مقدمة الكتاب‬
‫بسييييييييييييم اللييييييييييييه الرحميييييييييييين الرحيييييييييييييم‬
‫كلميييييييييييييييييية عيييييييييييييييييين بلد العييييييييييييييييييرب‬
‫بلد العرب هي شبه جزيييرة فييي الطييرف الجنييوبي الغربييي‬
‫لقارة آسيا‪ ،‬يحدها شما ً‬
‫ل‪ ،‬الشام وفلسطين والجزيييرة‪ ،‬وجنوب يًا‪،‬‬
‫عمييان والخليييج‬
‫خليييج عييدن والمحيييط الهنييدي‪ ،‬وشييرقًا‪ ،‬خليييج ُ‬
‫الفارسي‪ ،‬وغربيًا‪ ،‬خليييج ومضيييق بيياب المنييدب والبحيير الحميير‬
‫وترعيييييييييييييييييييييييييييييييية السييييييييييييييييييييييييييييييييويس‪.‬‬
‫ويبلغ مجموع مساحة شبه جزيرة العرب مليون ميييل مربييع‪،‬‬
‫وأعظيييم طيييول لهيييا ‪ 1400‬مييييل مييين العقبييية إليييى عيييدن‪.‬‬
‫وها حار‬
‫وبلد العرب عبارة عن هضبة تنحدر نحو الشرق‪ ،‬وج ّ‬
‫ويبلغ عدد سكانها نحييو سييبعة مليييين وهييي مييوطن السيياميين‪،‬‬
‫وينقسم إلى عدة أقسام‪ ،‬أشهرها‪ ،‬اليمن والحجاز وتهامة ونجييد‬
‫واليماميييييييييييييييييييييييييييية وبلد البحرييييييييييييييييييييييييييييين‪.‬‬
‫حر‬
‫وتنقسم بلد اليمن إلييى خمسيية أقسييام‪ :‬حضييرموت و ِ‬
‫شي ْ‬
‫عميييييييييييييييييييان ونجيييييييييييييييييييران‪.‬‬
‫ومهيييييييييييييييييييرة و ُ‬
‫وُيقال‪ :‬إن سبب تسييمية »حضييرموت« بهييذا السييم‪ ،‬هييو أن‬
‫حضرموت بن قحطان كان أول من نزلها‪ ،‬وكييان اسييمه عييامرا ً‬
‫وإذا حضيير حربييا ً أكييثر فيهييا القتييل‪ .‬فصيياروا يقولييون عنييه‪،‬‬
‫حضرموت‪ ،‬فأطلق هذا السم على الرض الييتي كييانت تسييكنها‬
‫قييبيلته‪ ،‬ثييم أطلييق بعييد ذليك علييى جهيية متسييعة شييرقي عييدن‬
‫بالقرب من البحر وهي كثيرة الرمال‪ ،‬ويقييال‪ :‬إن بهييا قييبر هييود‬
‫عليه السلم‪ ،‬ويقال‪ :‬إن اليمن سمي بييذلك لوقييوعه عيين يمييين‬
‫الكعبة إذا استقبلت المشرق‪ ،‬ومن أشهر مدن اليميين )صيينعاء(‬
‫وهييي قاعييدته‪ ،‬وكييانت عاصييمة ملييوك اليميين‪ ،‬وبقربهييا معييادن‬
‫للفحم الحجري لم تستغل للن‪ .‬وهي ح سيينة السييواق واسييعة‬
‫ماة )سييبأ( نسييبة لعبييد‬
‫التجييارة وبقربهييا مدينيية )مييأرب( المس ي ّ‬
‫شمس الملقب بسبأ‪ ،‬يقال‪ :‬إنه بنى هنيياك سييدا ً عظيم يا ً وسيياق‬
‫إليه السيول من مكان بعيد‪ ،‬وشيد جزءا ً كبيرا ً من المدينة علييى‬
‫السد المذكور‪ ،‬وفيي بعيض السيينين تراكميت المطيار فييدفعت‬
‫رم( والعرم هييو‬
‫السد وهلك خلق كثير‪ ،‬فسمي السيل )سيل العَ ِ‬
‫الذي ل يطاق دفعه‪ ،‬وفي تلك الجهات كتابات بييالحرف المسييند‬

‫المعييروف بييالخط الحميييري‪ ،‬وميين مييدن اليميين )صييعدة( إلييى‬
‫الشيييييييييييييمال الغربيييييييييييييي مييييييييييييين صييييييييييييينعاء‪.‬‬
‫و )زبييييد( إليييى الغيييرب مييين صييينعاء و )بييييت الفقييييه(‪.‬‬
‫وبلد الحجاز واقعة في شمالي اليمن‪ ،‬شرقي البحر الحمر‪،‬‬
‫وتمتد إلى خليج العقبة‪ ،‬وعليى سياحلها جيزائر صيغيرة تلتجىيء‬
‫ي »حجييازًا« لوقييوعه بييين‬
‫إليها صغار السفن عند الحاجة‪ ،‬و ُ‬
‫س ّ‬
‫م َ‬
‫نجيييييييييييييييييييييييييييييييييييد وتهامييييييييييييييييييييييييييييييييييية‪.‬‬
‫ماة قديما ً عند علماء الغريييق‬
‫وأشهر بلد الحجاز‪ ،‬مكة المس ّ‬
‫)ماكورابا(‪ ،‬والمدينة المنورة ‪ -‬مدينة الرسول ‪ -‬وكييانت تسييمى‬
‫مدينة )يثرب( وبها قبر الرسييول صييلى اللييه عليييه وسييلم وفييي‬
‫شماليها‪ ،‬جبل )ُأحد( ويقيال للمدينية طيبية ولهيا أسيماء كيثيرة‪،‬‬
‫)والطائف( بلدة خصبة‪ ،‬طيبة المناخ‪ ،‬كييثيرة البسيياتين والعيييون‬
‫والجييييييييييييداول واقعيييييييييييية شييييييييييييرقي مكيييييييييييية‪.‬‬
‫ومن أشهر بلده خيبر‪ ،‬وهي واقعيية بالشييمال الشييرقي ميين‬
‫المدينة على طريق قوافل الشام‪ ،‬وبها سبعة حصون مشييهورة‬
‫عند العرب وهي‪ :‬ناعم والقموص‪ ،‬حصن أبيي الحقييق‪ ،‬وحصين‬
‫الشق وحصن النطاة‪ ،‬وحصن السللم وحصيين الوطيييح وحصيين‬
‫مييييييييات‪.‬‬
‫الكتيبييييييية‪ ،‬وتوصيييييييف خييييييييبر بكيييييييثرة الح ّ‬
‫وقسم تهامة‪ ،‬وهو على ساحل البحر الحمر بين اليمن جنوبا ً‬
‫والحجيياز شييما ً‬
‫ميت تهاميية لشييدة حرهييا وركييود ريحهييا‪.‬‬
‫ل‪ ،‬و ُ‬
‫سي ّ‬
‫ونجد‪ ،‬وهو جنييوبي الشييام وغربييي العييراق وشيرقي الحجياز‬
‫وشمالي اليمامة‪ ،‬وأراضيييها خصييبة وقاعييدتها مدينيية )الرييياض(‬
‫وكانت مركزا ً للوهابيين‪ .‬وهدمها المرحوم إبراهيييم باشييا‪ .‬وإلييى‬
‫الشمال منها‪ ،‬جبل شمر أي جبل )طي( قصييبته مدينيية الحييائل‪،‬‬
‫وأشهر مدنها )أبانا( وهي التي ولد فيها محمد بن عبييد الوهيياب‪،‬‬
‫شيييييييييييييييييييييخ مييييييييييييييييييييذهب الوهابييييييييييييييييييييية‪.‬‬
‫وقسييم اليماميية‪ ،‬وهييو بييين نجييد واليميين‪ ،‬ويتصييل بييالبحرين‬
‫شييرقًا‪ ،‬والحجيياز غربييًا‪ ،‬وميين مييدنه )اليماميية( وكييانت مدينيية‬
‫عظيميية‪ ،‬ذات مييياه ونخييل‪ ،‬وهييي مدينيية مسيييلمة الكييذاب‪.‬‬
‫دن( وهييي علييى السيياحل‬
‫ومن أشييهر ثغييور بلد العييرب‪) ،‬عَي َ‬
‫خا‪ ،‬وهي من الثغور‬
‫م َ‬
‫الجنوبي من بلد العرب‪ ،‬واسعة التجارة‪ ،‬و َ‬

‫الشهيرة على البحيير الحميير والمركييز الصييلي لتجييارة اليميين‪.‬‬
‫والحديدة‪ ،‬وهي من أشيهر ميدن اليميين‪ ،‬واقعية عليى البحيير‬
‫الحميييييير‪ ،‬وترسييييييو عليهييييييا سييييييفن حجيييييياج الهنييييييد‪.‬‬
‫جدة‪ ،‬على سياحل الحجياز عليى بعيد ‪ 65‬ميل ً غربيي مكية‪،‬‬
‫و ُ‬
‫وهيييييييييي أحسييييييييين ثغيييييييييور البحييييييييير الحمييييييييير‪.‬‬
‫والعرب أقدم المييم بعييد الطوفييان وُتنسييب إلييى يقظييان أو‬
‫قحطيييييييان‪ .‬وامتييييييياز العيييييييرب بيييييييالقوة والشيييييييجاعة‪.‬‬
‫وقد قسم المؤرخون العرب إلى ثلثة أقسام‪ :‬بييائدة وعاربيية‬
‫ومسيييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييتعربة‪.‬‬
‫أمييا البييائدة‪ ،‬فهييم العييرب ا ُ‬
‫لول الييذين ذهبييت عنييا تفاصيييل‬
‫أخبارهم لقدم عهدهم وانقطاع أسباب العلم بآثيارهم وهيم عياد‬
‫جْرهييم الولييى‪ .‬وكييانت مييواطن عيياد‬
‫جييديس و ُ‬
‫مو َ‬
‫وثمود وط َ‬
‫سي ْ‬
‫عمان إلى حضرموت والشحر‪ .‬ولمييا‬
‫بأحقاف الرمل بين اليمن و ُ‬
‫انتحلوا عبادة الصنام أبييادهم اللييه‪ ،‬وأمييا ثمييود فكييانت ديييارهم‬
‫بالحجر ووادي القرى بين الحجاز والشام‪ ،‬وكانوا ينحتون بيوتهم‬
‫في الجبال وكانوا أهل كفر وبغي‪ ،‬وأما جييديس فكييانت ديييارهم‬
‫باليمامة وهي إذ ذاك من أخصب البلد وأعمرها وأكثرهييا ثمييارا ً‬
‫جرهييم الولييى‪ ،‬فكييانت ديييارهم بيياليمن‬
‫وحدائق وقصورًا‪ ،‬وأمييا ُ‬
‫وكييانوا يتكلمييون بالعبرانييية فكييانوا علييى عهييد عيياد وانييدثروا‪.‬‬
‫جرهييم الثانييية‪ ،‬فهييم ميين ولييد قحطييان‪ ،‬وبهييم اتصييل‬
‫وأمييا ُ‬
‫إسماعيل بن إبراهيم الخليييل عليهمييا السييلم‪ .‬وكييانت مسيياكن‬
‫بني قحطان بالحجاز‪ ،‬ولما أسكن إبراهيم الخليل ابنه إسييماعيل‬
‫في مكة نشأ بينهم وتزوج منهم وصار يطلق على أولده العرب‬
‫المستعربة‪ ،‬لن أصل إسماعيل ولسانه كان عبرانيا ً ولذلك قيييل‬
‫لييييييييييييييييييييه ولولييييييييييييييييييييده )العييييييييييييييييييييرب(‪.‬‬
‫وأما العرب العاربة‪ ،‬فهم بنو سبأ‪ ،‬واسييم سييبأ عبييد شييمس‪،‬‬
‫وقالوا إنه لما أكثر الغزو والسبي‪ ،‬سمي )سبأ( وهو ابن يشجب‬
‫مَير وكهلن‬
‫بن يعرب بن قحطان‪ ،‬وكان لسبأ عدة أولد‪ ،‬منهم ِ‬
‫ح ْ‬
‫وعمر وأشعر وعاملة‪ ،‬بنييو سييبأ‪ ،‬وجميييع قبييائل اليميين وملوكهييا‬
‫مَير بن سييبأ‬
‫التبابعة من ولد سبأ‪ ،‬وجميع تبابعة اليمن من ولد ِ‬
‫ح ْ‬
‫خل عمييران وأخيييه موزيقييياء فإنهمييا ابنييا عييامر بيين حارثيية بيين‬

‫امرىء القيييس بيين ثعلييب بيين مييازن بيين الزد‪ .‬والزد ميين ولييد‬
‫كهلن بن سبأ‪ ،‬وقيل لهم )عاربة( لنزولهييم بالبادييية مييع العييرب‬
‫البيييييييييييييييييائدة وتخلقهيييييييييييييييييم بيييييييييييييييييأخلقهم‪.‬‬
‫أما من حيث المعتقد في الجاهلييية‪ ،‬فكييانت العييرب أصيينافًا‪:‬‬
‫فصنف أنكروا الخييالق والبعييث وقييالوا بييالطبع والحييين والييدهر‬
‫ى إ ِل ّ‬
‫المفني كما أخبر الله عنهم في كتابه العزيز‪} :‬وََقاُلوا ْ َ‬
‫ما هِ َ‬
‫مييا ي ُهْل ِك ُن َييآ إ ِل ّ ال يد ّهُْر{ )الجاثييية‪.(24 :‬‬
‫ت وَن َ ْ‬
‫َ‬
‫حَيا وَ َ‬
‫مو ُ‬
‫حَيات َُنا الد ّن َْيا ن َ ُ‬
‫وصنف اعترفوا بالخالق وأنكروا البعث‪ ،‬وهييم الييذين أخييبر اللييه‬
‫ن َ ْ‬
‫َ‬
‫عنهم بقوله‪} :‬أ َفَعَِييَنا ِبال ْ َ ْ‬
‫ل بَ ْ‬
‫ق‬
‫س ّ‬
‫ل هُ ْ‬
‫مي ْ‬
‫ق ال ْوّ ِ‬
‫خل ي ٍ‬
‫م ِفى لب ْي ٍ‬
‫خل ِ‬
‫د{ )قللييييييييييييييييييييييييييييييه‪.(15 :‬‬
‫دييييييييييييييييييييييييييييييي ٍ‬
‫ج ِ‬
‫َ‬
‫وصنف عبدوا الصيينام‪ ،‬وكييانت أصيينامهم مختصيية بالقبييائل‪،‬‬
‫سييواع لهييذيل‪ ،‬ويغييوث‬
‫فكييان وُد ّ لكلييب وهييو بدوميية الجنييدل‪ ،‬و ُ‬
‫ويعوق لمذحييج ولقبييائل ميين اليميين‪ ،‬ونسيير لييذي الكلع بييأرض‬
‫حمير‪ ،‬ويعوق لهمدان‪ ،‬واللت لثقيف بالطائف‪ ،‬والُعزى لقريييش‬
‫هبل أعظم أصنامهم وكان‬
‫وبني كنانة‪ ،‬ومناة للوس والخزرج‪ ،‬و ُ‬
‫على ظهر الكعبة‪ ،‬وكان إساف ونائلة بين الصفا والمروة‪ .‬وكان‬
‫منهم من يميل إلى اليهودية‪ .‬ومنهم ميين يميييل إلييى النصييرانية‪.‬‬
‫ومنهم من يميل إلى الصابئة ويعتقد فييي أنييواء المنييازل‪ .‬وكييان‬
‫منهم من يعبد الملئكة ومنهم من يعبد الجن‪ .‬وكييانت علييومهم‪:‬‬
‫علم النساب والنواء والتواريخ وتعبير الرؤيييا‪ .‬وكييانت الجاهلييية‬
‫تفعل أشياء جاءت الشييريعة السييلمية بهييا‪ ،‬فكييانوا ل ينكحييون‬
‫المهات والبنات‪ ،‬وكان أقبح شيء عندهم الجمييع بييين الخييتين‪،‬‬
‫ن( وكييانوا‬
‫ضيي َْز ْ‬
‫وكانوا يعيبون المتزوج بامرأة أخيه ويسييمونه )ال ّ‬
‫رمون ويطوفون ويسعون ويقفييون‬
‫يحجون البيت ويعتمرون وي ُ ْ‬
‫ح ِ‬
‫المواقف كلها‪ ،‬ويرمون بالحجارة‪ ،‬وكانوا يكبسون في كل ثلثيية‬
‫أعييييييوام شييييييهرا ً ويغتسييييييلون ميييييين الجنابيييييية الييييييخ‪.‬‬
‫وملوك التبابعة هييم بنييو حمييير‪ ،‬وقيييل لهييم تبابعيية لنييه يتبييع‬
‫بعضهم بعضيًا‪ ،‬كلمييا هلييك واحييد منهييم‪ ،‬قييام آخيير‪ .‬وليم يكونييوا‬
‫يسيييمون المليييك منهيييم بتبيييع حيييتى يمليييك اليمييين والشيييحر‬
‫وحضييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييرموت‪.‬‬
‫ولم تزل تتوالى الملوك على حمير حتى صار الملك إلى ذي‬

‫نواس سنة ‪480‬م واسمه ُزرعيية‪ .‬ولمييا تغلييب علييى ملييك آبييائه‬
‫صييب لييدين اليهودييية وحمييل عليييه‬
‫التبابعة تسمى )يوسييف( وتع ّ‬
‫قبائل اليمن فاستجمعت معه حمير على ذلك‪ ،‬وأراد أهل نجران‬
‫عليها وكانوا من بين العرب يدينون بالنصرانية‪ ،‬وكان هذا الييدين‬
‫وقع إليهييم قييديما ً ميين بقييية أصييحاب الحييواريين‪ .‬ولمييا كييان ذو‬
‫صب لها‪ ،‬اتخذ أخييدودا ً وأضييرمه نييارًا‪،‬‬
‫نواس يدين باليهودية ويتع ّ‬
‫ود ألقيياه فييي الخييدود‪ ،‬فقيييل لييه )صيياحب‬
‫وكان كل من لم يته ّ‬
‫الخدود( ويقال‪ :‬إن رجل ً من أهل نجران أفلت من القتل وسييار‬
‫حتى قدم على قيصر‪ ،‬صاحب الروم يستنصره على ذي نييواس‪،‬‬
‫فبعث إلى ملك الحبشة يأمره بنصره‪ ،‬فحاربه النجاشي وهزمييه‬
‫وانقرض أمر التبابعة سنة ‪529‬م ودخل أرييياط اليميين بالحبشيية‬
‫وأذل حمير وهدم حصون الملك‪ ،‬وعلى ذلك انتهييى ملييك حمييير‬
‫من اليمن مييدة ذي نييواس‪ .‬وبعييد ذلييك خييرج علييى أرييياط أحييد‬
‫رؤسيياء الحبشيية وحيياربه وقتلييه‪ ،‬ثييم أقيياموا أبرهيية ملك يا ً وهييو‬
‫الملقب )بالشرم( وسيأتي ذكره فييي قصيية الفيييل‪ ،‬ولمييا مييات‬
‫أبرهة‪ ،‬تولى بعده ابنه يكسوم سيينة ‪571‬م وأذل حمييير وقبييائل‬
‫اليمييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييين‪.‬‬
‫هذا ملخص عن بلد العرب وتاريخها نقييدمه للقييراء‪ ،‬وبعييدئذ‬
‫نبدأ بذكر السيرة النبوية على صاحبها أفضييل الصييلة والسييلم‪.‬‬
‫نسييييييبه الشييييييريف صييييييلى اللييييييه عليييييييه وسييييييلم‬
‫هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلييب بيين هاشييم بيين عبييد‬
‫ن‬
‫ي بن كلب بن ُ‬
‫مناف بن ُقص ّ‬
‫مّرة بن كعب بن لؤي بن غالب ب ِ‬
‫مدركية بين‬
‫كنانية بين ُ‬
‫فِْهر بن مالك بين النضير بين ِ‬
‫خزيمية بين ُ‬
‫معييييد ّ بيييين عييييدنان‪.‬‬
‫م َ‬
‫ضيييير بيييين ن ِييييزار بيييين َ‬
‫إلييييياس بيييين ُ‬
‫إن نسييب سيييدنا محمييد صييلى اللييه عليييه وسييلم ل يختلييف‬
‫النسابون فيه إلى معد بن عدنان كما هو ميذكور هيا هنيا‪ ،‬وإنميا‬
‫اختلف النسابون من عدنان إلى إسماعيل‪ ،‬لكنهم أجمعوا علييى‬
‫أنه ينتهي إلى إسماعيل‪ ،‬وكره المام مالك رفع النسب إلى آدم‬
‫لعدم ثبوته‪ ،‬وعن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى اللييه‬
‫عليه وسلم لما بلغ نسبه الكريم إلى عدنان قال‪» :‬ميين هييا هنييا‬

‫كييييييييييييييييييييييييييييييييذب النسييييييييييييييييييييييييييييييييابون«‪.‬‬
‫مضر وربيعة هم صييريح ولييد إسييماعيل باتفيياق جميييع أهييل‬
‫و ُ‬
‫النسييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييب‪.‬‬
‫وهذا النسب أشرف النساب‪ ،‬عن العبيياس رضييي اللييه عنييه‬
‫أن النبي صلى اللييه عليييه وسييلم قييال‪» :‬إن اللييه خلييق الخلييق‬
‫فجعلني من خيرهم‪ ،‬ثم تخّير القبائل فجعلني من خير قبيلة‪ ،‬ثم‬
‫تخّير البيوت فجعلني من خير بيوتهم‪ ،‬فأنا خيرهم نفسا ً وخيرهم‬
‫بيتًا«‪ .‬وعن واثلة بن السقع رضي الله عنييه قييال‪ :‬قييال رسييول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم »إن الله اصطفى ميين ولييد إبراهيييم‬
‫إسماعيل‪ ،‬واصطفى من ولييد إسييماعيل بنييي كنانيية‪ ،‬واصييطفى‬
‫ميين بنييي كنانيية قريش يًا‪ ،‬واصييطفى ميين قريييش بنييي هاشييم‪،‬‬
‫واصييييييييييييطفاني ميييييييييييين بنييييييييييييي هاشييييييييييييم«‪.‬‬
‫منيييييياقب أجييييييداده صييييييلى اللييييييه عليييييييه وسييييييلم‬
‫النبي صلى الله عليه وسييلم ميين سييللة آبيياء كييرام‪ ،‬وكلهييم‬
‫سادة وقادة‪ ،‬ولهم مكان مكين ومقام بين العييرب عظيييم‪ ،‬وقييد‬
‫اشتهروا بالحكمة والشجاعة والقييدام والكييرم كمييا يتييبين ذلييك‬
‫مميييييا نيييييذكره بالختصيييييار مييييين منييييياقبهم وأخبيييييارهم‪.‬‬
‫فقد كان )معد( صاحب حروب وغارات على بني إسييماعيل‪،‬‬
‫وليييم يحيييارب أحيييدا ً إل رجيييع بالنصييير‪ ،‬وهيييو أبيييو العيييرب‪.‬‬
‫وكييييان )نييييزار( أجمييييل أهييييل زمييييانه وأرجحهييييم عق ً‬
‫ل‪.‬‬
‫وكان )مضر( جميل ً كذلك‪ ،‬ولم يره أحد إل أحبه‪ ،‬ومن حكمه‬
‫المييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييأثورة‪:‬‬
‫»خييير الخييير أعجلييه‪ ،‬فيياحملوا أنفسييكم علييى مكروههييا‪،‬‬
‫واصرفوها عن هواها فيما أفسدها‪ ،‬فليس بين الصلح والفسيياد‬
‫إل صيييييييييييييييييييييييييييييييييبر فيييييييييييييييييييييييييييييييييواق«‪.‬‬
‫والفواق ما بين الحلبتين‪ ،‬ومضر أول من حدا للبل وكان من‬
‫أحسيييييييييييييييييييين النيييييييييييييييييييياس صييييييييييييييييييييوتًا‪.‬‬
‫وكان )إلياس( في العييرب مثييل لقمييان الحكيييم فييي قييومه‪،‬‬
‫ومييييييييييييييييييييييييييييييييييين حكميييييييييييييييييييييييييييييييييييه‪:‬‬
‫»ميين يييزرع خيييرا ً يحصييد غبطيية‪ ،‬وميين يييزرع شييرا ً يحصييد‬
‫نداميييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييية«‪.‬‬
‫وأما )فهر( فإليه جماع قريش‪ ،‬وما كان فييوق فهيير فل يقييال‬

‫له قرشي بل يقال له كناني‪ ،‬واسمه قريش‪ ،‬وكان فهيير كريمييا ً‬
‫يفتش على حاجة المحتاج فيسدها بميياله‪ ،‬وهييو الجييد السييادس‬
‫لبييييييييييييييي عبيييييييييييييييدة بيييييييييييييين الجييييييييييييييراح‪.‬‬
‫)كعب(‪ :‬وهو الجد الثامن لعمر بن الخطاب رضي اللييه عنييه‪،‬‬
‫كان يجمع قومه يوم الَعروبة أي يوم الرحمة وهو يييوم الجمعيية‪،‬‬
‫فيعظهم ويذكرهم بمبعث النبي صلى الله عليييه وسييلم وينييبئهم‬
‫بيييييييييأنه مييييييييين وليييييييييده وييييييييييأمرهم باتبييييييييياعه‪.‬‬
‫مّرة(‪ :‬وهو الجييد السييادس لرسييول اللييه صييلى اللييه عليييه‬
‫) ُ‬
‫ديق رضييي اللييه عنييه‪،‬‬
‫وسلم والجد السادس أيضا ً لبي بكر الص ّ‬
‫مرة أيضا ً يجتمع نسب المام مالك بنسب الرسييول صييلى‬
‫وفي ُ‬
‫اللييييييييييييييييييييييه عليييييييييييييييييييييييه وسييييييييييييييييييييييلم‬
‫)كلب(‪ :‬اسمه حكيم‪ ،‬وقيل‪ :‬عيروة‪ ،‬ولّقيب بكلب لنيه كيان‬
‫يكثر الصيد بالكلب‪ ،‬وهو الجد الثالث لمنة أمه صلى الله عليييه‬
‫وسلم فهو ملتقى نسب أبيييه بنسييب أمييه‪ ،‬وقيييل‪ :‬إنييه أول ميين‬
‫سييييييمى الشييييييهر العربييييييية المسييييييتعملة إلييييييى الن‪.‬‬
‫ي(‪ :‬ولييد حييوالي سيينة ‪400‬م اسييمه زيييد‪ ،‬ويقييال لييه‪:‬‬
‫)ُقص ي ّ‬
‫مع‪ ،‬وبه جمع الله القبائل من قريييش فييي مكيية بعييد تفّرقهييا‬
‫مج ّ‬
‫ُ‬
‫فأنزلهم أبطح مكة‪ ،‬وكان بعضهم في الشييعاب ورؤوس الجبييال‬
‫بمكة‪ ،‬فقسم منازلهم فسمي مجمعًا‪ ،‬وهذا عمل جليييل وفضييل‬
‫عظيم ل يتم إل علييى يييد ذوي النفييوس البييية والهمييم العالييية‪،‬‬
‫ي أول من أوقد نار المزدلفة وكانت توقد حييتى يراهييا ميين‬
‫وُقص ّ‬
‫دفع من عرفة‪ ،‬وهو أول من جدد بنيياء الكعبيية ميين قريييش بعييد‬
‫إبراهيم‪ ،‬وقيل‪ :‬إنما لّقب قصيا ً لنه ُأبعييد عيين أهلييه ووطنييه مييع‬
‫أمه بعد وفاة أبيه‪ ،‬فإنها تزوجت ربيعة بن حرام فرحل بهييا إلييى‬
‫الشيييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييام‪.‬‬
‫وفييييييييييه يقيييييييييول حذافييييييييية بييييييييين غيييييييييانم‪:‬‬
‫أبوكم قصي كان يدعى مجمعا ً **** به جمييع اللييه القبييائل‬
‫ميييييييييييييييييييييييييييييييييييييين فهيييييييييييييييييييييييييييييييييييييير‬
‫ي في الجاهلية حجابة الييبيت‪ ،‬وسييقاية الحيياج‪،‬‬
‫وكان إلى قص ّ‬
‫وإطعامه المسمى بالرفادة‪ ،‬والندوة وهي الشييورى ل يتييم أميير‬
‫إل في بيته‪ ،‬ول يعقد عقد نكاح إل في داره‪ ،‬ول يعقد لواء حرب‬

‫إل فيها‪ ،‬فكان بيته عبارة عن ناد للعرب‪ ،‬بييل هييو ملجييؤهم فييي‬
‫جميييع المشييكلت سييواء كييانت هييذه المشييكلت قومييية أم‬
‫شخصييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييية‪.‬‬
‫ولما حضرته الوفاة نهييى بنيييه عيين الخميير‪ ،‬ول بييد أنييه أدرك‬
‫ي عام‬
‫مضرتها فنهى أحب الناس إليه عن احتسائها‪ ،‬وتوفي ُقص ّ‬
‫‪ 480‬فعييييييييييييييييييييييييييييياش ‪ 80‬عاميييييييييييييييييييييييييييييًا‪.‬‬
‫وميييين كلمييييه الييييدال علييييى تجيييياربه ورجاحيييية عقلييييه‪:‬‬
‫»من أكرم لئيما ً شاركه في لؤمه‪ ،‬ومن استحسن قبيحا ً ُترك‬
‫إلى قبحه‪ ،‬ومن لم تصلحه الكرامة أصلحه الهوان‪ ،‬وميين طلييب‬
‫فوق قدره استحق الحرمان‪ ،‬والحسود هو العييدو الخفييي«‪ ،‬وإذا‬
‫كنا نحكم على النسان بكلمييه فهييذا يييدل علييى أن ُقصيييا ً كييان‬
‫يبغض اللؤم والقبح بغضا ً شييديدًا‪ ،‬وكييان شييجاعا ً كاره يا ً للغييرور‬
‫والحسييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييد‪.‬‬
‫)عبد مناف(‪ :‬اسمه المغيرة‪ ،‬وكان يقال له‪» :‬قمر البطحاء«‬
‫لحسنه وجماله‪ ،‬وكانت قريش تسميه الفّياض لكرمه‪ ،‬وهو الجد‬
‫الرابييع لعثمييان بيين عفييان والجييد التاسييع للمييام الشييافعي‪.‬‬
‫)هاشم(‪ :‬واسمه عمرو بن عبد مناف‪ ،‬ويقال له‪ :‬عمييرو العل‬
‫لعلو رتبته‪ ،‬وهو أخو عبد شمس‪ ،‬وقد ساد قييومه بعييد أبيييه عبييد‬
‫مناف‪ ،‬وقد وقعت مجاعة شديدة في قريش بسبب جدب شديد‬
‫حصل لهم‪ ،‬فخرج هاشم إلى الشام فاشترى دقيقا ً وكعكا ً وقدم‬
‫ج يُزرا ً وجعييل‬
‫به مكة في الموسم فهشم الخييبز والكعييك ونحيير ُ‬
‫ذلك ثريدا ً وأطعم الناس حتى أشبعهم فسمي بذلك »هاشييمًا«‪.‬‬
‫وكان يقال له‪» :‬سيد البطحاء«‪ ،‬والبطحاء مسيل الوادي ‪ -‬ولييم‬
‫تزل مائدته منصوبة في السراء والضييراء‪ ،‬وكييان موسييرا ً يييؤدي‬
‫ن الرحلييتين لقريييش‪:‬‬
‫الحق ويييؤ ّ‬
‫من الخييائف‪ ،‬وهييو أول ميين سي ّ‬
‫رحلة الشتاء ورحلة الصيف‪ ،‬فكان يرحل في الشتاء إلى اليميين‬
‫وإلييى الحبشيية‪ ،‬وفييي الصيييف إلييى الشييام‪ ،‬قييال الشيياعر‪:‬‬
‫عمرو الذي هشم الثريييد لقييومه *** ورجييال مكيية مسيينتون‬
‫عجييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييياف‬
‫ت إليه الرحلتان كلهما *** سفر الشتاء ورحلة الصياف‬
‫ُ‬
‫سن ّ ْ‬
‫وقد جاء ذكر الرحلتين في القرآن الكريم بسورة »قريييش«‬
‫ة ال ّ‬
‫ف‬
‫حل َ ي َ‬
‫ص يي ْ ِ‬
‫م رِ ْ‬
‫ليل َي ِ‬
‫ش ِإيل َِفهِ ي ْ‬
‫شييَتآء َوال ّ‬
‫قييال تعييالى‪ِ } :‬‬
‫ف قَُري ْي ٍ‬

‫َ‬
‫ب هَ َ‬
‫ن‬
‫ت ال ّ ِ‬
‫ذا ال ْب َي ْ ِ‬
‫ميين ُ‬
‫دوا ْ َر ّ‬
‫فَل ْي َعْب ُ ُ‬
‫من َهُييم ّ‬
‫جييوٍع َوءا َ‬
‫مهُييم ّ‬
‫ذى أط ْعَ َ‬
‫مي ْ‬
‫‪.(4‬‬
‫‬‫ف{ )قريييييييييييييييش‪1 :‬‬
‫خييييييييييييييوْ ٍ‬
‫ومييات هاشييم بغييزة ميين أرض الشييام تيياجرا ً سيينة ‪510‬م‪.‬‬
‫)عبد المطلب(‪ :‬وأمه سلمى بنت زيد النجارييية‪ .‬واسييم عبييد‬
‫المطلب شيبة الحمد لنه ولد وله شيبة‪ ،‬مع رجيياء حمييد النيياس‬
‫له‪ ،‬وإنما قيل له عبد المطلب لن عمييه المطلييب أردفييه خلفييه‬
‫وكان بهيئة رثة لفقره فقيل له‪ :‬مين هيذا؟ فقييال‪ :‬عبيدي‪ ،‬حيياًء‬
‫ممن سأله‪ .‬وكان عبد المطلب مجاب الدعوة‪ ،‬وكان يرفييع ميين‬
‫مييائدته للطييير والوحييوش فييي رؤوس الجبييال‪ ،‬وهييذا إحسيياس‬
‫لطيف ورفق بالحيوان العجم‪ ،‬ولذا يقال له‪» :‬مطعم الطييير«‪،‬‬
‫ويقال له‪» :‬الفّياض«‪ .‬وكان مفزع قريش في النوائب وملجأهم‬
‫في المور وشريفهم وسيدهم كمال ً وفعا ً‬
‫ل‪ ،‬وهو أول من تحّنييث‬
‫)تعّبد( بحراء‪ .‬كان إذا دخل شييهر رمضييان‪ ،‬صييعد حييراء وأطعييم‬
‫المساكين‪ .‬وعاش مائة وعشرين سنة أو أكثر وقييد انتهييت إليييه‬
‫الرياسيية بعييد عمييه المطلييب‪ .‬وكييان يييأمر أولده بييترك الظلييم‬
‫والبغي‪ ،‬ويحثهم على مكارم الخلق‪ ،‬وينهاهم عن دنّيات المور‪.‬‬
‫حد اللييه‪.‬‬
‫ورفض عبد المطلب في نهاية عمره عبادة الصنام وو ّ‬
‫سابة‪ :‬إن عبد المطلب كان أبيييض‪ ،‬مدييد القامية‬
‫وقال دغفل الن ّ‬
‫وة وعز الملك‪ ،‬يطيف به عشييرة‬
‫حسن الوجه في جبينه نور النب ّ‬
‫ُ‬
‫سيييييييييييد غييييييييييياب‪.‬‬
‫مييييييييييين بنييييييييييييه كيييييييييييأنهم أ ْ‬
‫وهو الذي كشف عيين زمييزم بئر إسييماعيل‪ ،‬وأقييام سييقايتها‬
‫للحجاج‪ ،‬فكانت له فخرا ً وعزا ً على قريش وعلى سائر العييرب‪.‬‬
‫وكان يكرم النبي صلى الله عليه وسلم ويعظمه وهييو صييغير‬
‫ويقول‪» :‬إن لبني هذا لشأنا ً عظيمًا«‪ ،‬وذلك ممييا كييان يسييمعه‬
‫ميين الكهييان والرهبييان قبييل مولييده وبعييده‪ .‬وكييانت كنييية عبييد‬
‫المطلب »أبا الحارث« كني بذلك لن الكييثر ميين ولييده الييذكور‬
‫كييييييييييييييييييييان اسييييييييييييييييييييمه الحييييييييييييييييييييارث‪.‬‬
‫أولد عبييييد المطلييييب أعمييييام رسييييول اللييييه وعميييياته‬
‫أولد عبييد المطلييب عشييرة ذكييور‪ :‬عبييد اللييه وأبييو طييالب‬
‫»واسييمه عبييد منيياف« والزبييير )أمهييم فاطميية بنييت عمييرو‬
‫المخزومية(‪ .‬العباس ‪ -‬جد الخلفاء العباسيييين ‪ -‬وضييرار )أمهمييا‬

‫نتيلة العمرية(‪ .‬حمزة والمقوم )أمهما هالة بنت وهب(‪ .‬أبو لهب‬
‫وهو عبد العزى )أمه ُلبنى الخزاعية(‪ .‬الحارث )أمييه صييفية ميين‬
‫بني عامر بن صعصعة(‪ .‬الغيييداق )أمييه ممنعيية( واسييمه حجييل‪.‬‬
‫وست نسوة وهن‪ :‬صفية وأم حكيم البيضاء وعاتكيية وأميميية‬
‫وأروى وبيييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييرة‪.‬‬
‫أما )عبد الله( فهو أبو رسييول اللييه صييلى اللييه عليييه وسييلم‬
‫ويكنى أبا قثم‪ ،‬وقيل‪ :‬أبا محمييد‪ ،‬وقيييل‪ :‬أبييا أحمييد‪ ،‬وهييو أصييغر‬
‫أولد عبيييييييييييييييييييييييييييييييد المطليييييييييييييييييييييييييييييييب‪.‬‬
‫وقيل إن عبد المطلب أول من خضب بالوسييمة أي السييواد‪،‬‬
‫ن ال ّ‬
‫شيب أسرع إليه وكان إذا دخل شهر رمضيان صيعد حيراء‬
‫ل ّ‬
‫وأطعييم المسيياكين جميييع الشييهر‪ ،‬وكييان صييعوده للتخلييي عيين‬
‫النيييييييياس يتفكيييييييير فييييييييي جلل اللييييييييه وعظمتييييييييه‪.‬‬
‫ويؤثر عن عبد المطلب سنن جاء القرآن وجاءت السّنة بهييا‪،‬‬
‫منها الوفاء بالنذر‪ ،‬والمنع من نكاح المحارم‪ ،‬وقطع يد السارق‪،‬‬
‫والنهي عن قتل الموءودة‪ ،‬وتحريم الخميير والزنييا والحييد عليييه‪،‬‬
‫عريان‪ ،‬وتعظيم الشهر الحرم‪ .‬وهو أول ميين‬
‫وأل يطوف بالبيت ُ‬
‫ن دية النفس مائة من البل فجرت فييي قريييش‪ ،‬ثييم نشييأت‬
‫س ّ‬
‫فيييييييييي العيييييييييرب وأقّرهيييييييييا رسيييييييييول الليييييييييه‪.‬‬
‫وكان نديمه في الجاهلية حرب بن أمية بن عبييد شييمس بيين‬
‫عبد مناف والد أبي سفيان‪ ،‬وكان في جوار عبد المطلب يهودي‬
‫فأغلظ ذلك اليهودي القول على حرب فييي سييوق ميين أسييواق‬
‫من قتله‪ ،‬فلما علم عبد المطلب بذلك‬
‫تهامة فأغرى عليه حرب َ‬
‫ترك منادمة حرب‪ ،‬ولم يفارقه حتى أخذ منييه مييائة ناقيية دفعهييا‬
‫جييدعان‬
‫لبن عم اليهودي حفظا ً لجواره‪ ،‬ثم نادم عبييد اللييه بيين ُ‬
‫الييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييتيمي‪.‬‬
‫نيييذر عبيييد المطلبجيييد النيييبي صيييلى الليييه علييييه وسيييلم‬
‫ت فييي حفيير‬
‫كان عبد المطلب نذر حين لقي من قريش العَن َ َ‬
‫ن‬
‫بئر زمزم لئن ولد له عشر نفر وبلغوا معه حتى يمنعوه لينحر ّ‬
‫أحدهم عند الكعبيية للييه تعييالى‪ ،‬ولييم يكيين لييه ولييد إل الحييارث‪.‬‬
‫وقد ارتاب بعضهم في حكاية هذا النذر‪ ،‬لكنا ل نرى مندوحيية‬
‫مهييات كتييب التاريييخ الييتي اسييتقينا‬
‫عن ذكرها لنها وردت فييي أ ّ‬

‫منها‪ ،‬فقد رواها ابن إسحاق ونقلهييا الطييبري وابيين الثييير وابيين‬
‫سييييييييييييييييييييعد فييييييييييييييييييييي »طبقيييييييييييييييييييياته«‪.‬‬
‫ولما بلغ أولد عبد المطلب عشييرة وعييرف أنهييم سيييمنعونه‬
‫أخبرهم بنذره فأطاعوه وقالوا‪ :‬كيف نصنع؟ قال‪ :‬يأخذ كل رجل‬
‫دحا ً ثم يكتب فيه اسمه‪ .‬ففعلوا وأتوه بالقييداح‪ ،‬فييدخلوا‬
‫منكم قِ ْ‬
‫هبل في جوف الكعبة وكان أعظم أصنامهم‪ ،‬وهو على بئر‬
‫على ُ‬
‫يجمع فيه ما يهييدى إلييى الكعبيية‪ ،‬فقيال عبييد المطليب لصياحب‬
‫ي هييؤلء بقييداحهم هييذه وأخييبره بنييذره‬
‫القداح‪ :‬اضرب علييى بني ّ‬
‫الذي نذر‪ ،‬وكان عبد الله أصغر إخييوته وأحبهييم إلييى أبيييه‪ ،‬فلمييا‬
‫أخذ صاحب القداح يضرب‪ ،‬قام عبد المطلب يدعو اللييه تعييالى‪،‬‬
‫ثييم ضييرب صيياحب القييداح فخييرج قييدح عبييد اللييه‪ ،‬فأخييذ عبييد‬
‫صنمان اللذان‬
‫المطلب بيده ثم أقبل إلى )إساف ونائلة( وهما ال ّ‬
‫ينحر الناس عندهما‪ ،‬فقييامت قريييش ميين أنييديتها فقييالوا‪ :‬ميياذا‬
‫تريد أن تصنع؟ قال‪ :‬أذبحه‪ .‬فقالت قريش وبنوه‪ :‬والله ل ندعك‬
‫تذبحه أبدا ً حتى ُتعذر فيه‪ ،‬ولئن فعلت هييذا ل يييزال الرجييل منييا‬
‫يأتي بابنه حتى يذبحه‪ ،‬فقال له المغيرة بن عبد اللييه بيين عمييرو‬
‫بن مخييزوم‪ :‬واللييه ل تييذبحه حييتى تعييذر فيييه فييإن كييان فييداؤه‬
‫بأموالنيييييييييييييييييييييييييييييييييا فيييييييييييييييييييييييييييييييييديناه‪.‬‬
‫وقالت قريش وبنوه‪ :‬ل تفعييل‪ ،‬وانطلييق إلييى كاهنيية بييالحجر‬
‫فسلها‪ ،‬فإن أمرتك بييذبحه ذبحتييه‪ ،‬وإن أمرتييك بمالييك ولييه فيييه‬
‫ص عليهييا عبييد المطلييب‬
‫فرج قبلتييه‪ .‬فييانطلقوا حييتى أتوهييا فقي ّ‬
‫خبره‪ ،‬فقالت لهم‪ :‬ارجعييوا اليييوم حييتى يييأتيني تييابعي فأسييأله‪،‬‬
‫فرجعوا عنها‪ ،‬ثم غدوا عليها فقالت‪ :‬نعم قد جاءني الخييبر فكييم‬
‫دية الرجل عندكم؟ قالوا‪ :‬عشرة من البل وكانت كذلك‪ ،‬قالت‪:‬‬
‫ارجعوا إلى بلدكم وقربوا عشرا ً من البل واضربوا عليها وعليه‬
‫بالقداح‪ ،‬فإن خرج على صاحبكم فزيييدوا فييي البييل عشييرا ً ثييم‬
‫اضييربوا أيضييا ً حييتى يرضييى ربكييم‪ ،‬وإن خرجييت علييى البييل‬
‫فانحروهييييييا فقييييييد رضييييييي ربكييييييم ونجييييييا صيييييياحبكم‪.‬‬
‫فخرجوا حتى أتوا مكة ثم قربوا عبد الله وعشييرا ً ميين البييل‬
‫فخرجت القداح على عبد الله‪ ،‬فييزادوا عشييرا ً فخرجييت القييداح‬
‫على عبد الله‪ ،‬فما برحوا يزيييدون عشييرا ً وتخييرج القييداح علييى‬
‫عبد الله حتى بلغت البل مئة ثم ضربت فخرجت القييداح علييى‬

‫البل فقال من حضر‪ :‬قد رضي ربك يا عبد المطلب‪ .‬فقال عبيد‬
‫المطلييب‪ :‬ل واللييه حييتى أضييرب ثلث مييرات‪ ،‬فضييربوا ثلثييا ً‬
‫فخرجت القييداح علييى البييل فُنحييرت‪ ،‬ثييم تركييت ل ُيصيد ّ عنهييا‬
‫إنسيييييييييييييييييييييييييييييييييان ول سيييييييييييييييييييييييييييييييييبع‪.‬‬
‫إن خروج القداح على عبد الله في كل مرة حتى بلغت البل‬
‫مئة من غرائب الصدف‪ ،‬ولول معارضة قريييش وبنيييه ومشييورة‬
‫الكاهنة لذهب عبد الله قربانا ً لنييذر عبييد المطلييب‪ ،‬ولكيين شيياء‬
‫الله سييبحانه وتعييالى أن يحفييظ أبييا محمييد حييتى يظهيير محمييد‬
‫رسيييييييول الليييييييه صيييييييلى الليييييييه علييييييييه وسيييييييلم‬
‫قد التجأ عبد المطلب إلى هذا النييذر لمييا عارضييه عييديّ بيين‬
‫نوفل بن عبد مناف في حفيير زمييزم وآذاه وقييال لييه‪» :‬يييا عبييد‬
‫المطلب أتستطيل علينا وأنت فذ ّ ل ولد لك؟«‪ ،‬فقال‪» :‬أبالقليية‬
‫تعّيرني فوالله لئن آتاني الله عشييرة ميين الولييد ذكييورا ً لنحييرن‬
‫أحدهم عند الكعبة«‪ ،‬وقيييل‪ :‬سييفه عليييه وعلييى ابنييه نيياس ميين‬
‫قريش ونازعوهما وقاتلوهما فاشييتدت بييذلك بلييواه وكييان معييه‬
‫ولده الحارث ولم يكن له سواه‪ ،‬فنذر ذلك النذر الييذي ذكرنيياه‪.‬‬
‫انصرف عبد المطلب بعد أن نحر البييل آخييذا ً بيييد ابنييه عبييد‬
‫ي‬
‫الله فمر به على امرأة من بني أسد بن عبد العييزى بيين قص ي ّ‬
‫وهي عند الكعبة‪ ،‬فقالت له حين نظرت إلى وجهه‪ :‬أييين تييذهب‬
‫يا عبد الله؟ قال‪ :‬مع أبي‪ ،‬قييالت‪ :‬لييك مثييل البييل الييتي نحييرت‬
‫ي الن‪ ،‬فأبى وقال‪ :‬إن معي أبي ل أستطيع خلفييه‬
‫عنك وقع عل ّ‬
‫ول فراقه‪ .‬وكان عبد الله أحسن رجل رئي في قريش‪ ،‬وكان ذا‬
‫عفيية وسييماحة‪ ،‬وكييانت ولدة عبييد اللييه نحييو سيينة ‪545‬م‪.‬‬
‫زواج عبييييييييييييييييييييييييييييييييد اللييييييييييييييييييييييييييييييييه‬
‫خرج عبد المطلب بعبد الله يريد تزويجه حتى أتى بييه وهييب‬
‫بن عبد مناف بن ُزهرة وهو يومئذ سيد بني زهرة س ين ّا ً وشييرفًا‪،‬‬
‫فزوجه ابنتييه آمنيية بنييت وهييب وهييي يييومئذ أفضييل امييرأة فييي‬
‫قريش نسبا ً وموضييعًا‪ ،‬فحملييت برسييول اللييه صييلى اللييه عليييه‬
‫وسلم فانتقل النور منه إليها‪ ،‬ثم خرج من عنييدها فييأتى المييرأة‬
‫ي‬
‫التي عرضت عليه نفسها فقال لهييا‪» :‬مييا لييك ل تعرضييين علي ّ‬

‫ي بالمس؟«‪ ،‬فقالت له‪ :‬فارقك النييور‬
‫اليوم ما كنت عرضت عل ّ‬
‫الذي كان معك بالمس فليس لي بك اليييوم حاجية؛ وقيد كيانت‬
‫تسمع من أخيها ورقة بن نوفل ‪ -‬وكان قد تنصر واتبييع الكتييب ‪-‬‬
‫ي‪ .‬وكان تزويييج عبييد اللييه ميين آمنيية بعييد‬
‫أنه كائن لهذه المة نب ّ‬
‫حفر زمزم بعشر سنين‪ ،‬وكان اسم عبد اللييه عبييد الييدار‪ ،‬فلمييا‬
‫كان في السنة التي فُدِيَ فيهييا قييال عبييد المطلييب‪» :‬هييذا عبييد‬
‫الليييييييييييييه« فسيييييييييييييماه ييييييييييييييومئذ كيييييييييييييذلك‪.‬‬
‫وبعد زواج عبد الله بقليل خرج من مكة قاصييدا ً الشييام فييي‬
‫تجارة وبعد أوبته منها‪ ،‬نزل بالمدينة وهو مريض وبها أخواله من‬
‫بني النجار‪ ،‬فأقام عندهم شهرا ً وهييو مريييض‪ ،‬وتييوفي لشييهرين‬
‫من الحمل بابنه محمد صييلى اللييه عليييه وسييلم ودفيين فييي دار‬
‫النابغة في الييدار الصييغرى إذا دخلييت الييدار علييى يسييارك فييي‬
‫البيت وله خمس وعشرون سيينة ‪ ،‬وهييذا هييو المشييهور‪ ،‬وقيييل‪:‬‬
‫ثمان وعشرون سيينة ‪ ،‬وتييرك عبييد اللييه جيياريته أم أيميين بركيية‬
‫الحبشية‪ ،‬وخمسة جمال وقطعة من غنم‪ ،‬وقد رثتييه آمنيية بهييذه‬
‫البيييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييات‪:‬‬
‫ب البطحاء من آل هاشييم *** وجيياور لحييدا ً خارج يا ً‬
‫عفا جان ُ‬
‫فيييييييييييييييييييييييييييييييييييي الغمييييييييييييييييييييييييييييييييييياغم‬
‫دعته المنايا دعوة ً فأجابها *** ومييا تركييت فييي النيياس مثي َ‬
‫ل‬
‫ابييييييييييييييييييييييييييييييييييييين هاشيييييييييييييييييييييييييييييييييييييم‬
‫ة راحييوا يحملييون سييريره *** تعيياوره أصييحاُبه فييي‬
‫عشييي ّ َ‬
‫الييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييتزاحم‬
‫معطيياء كييثير‬
‫فإن تك غييالته المنييون وريُبهييا *** فقييد كييان ِ‬
‫الييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييتراحم‬
‫إن آمنة وعبدالله لم يلدا غير رسول الله ولم يتزوج عبييدالله‬
‫غييييييييير آمنيييييييية‪ ،‬ولييييييييم تييييييييتزوج آمنيييييييية غيييييييييره‪.‬‬
‫أصييييييييييييييييييييييييييييييييحاب الفيييييييييييييييييييييييييييييييييل‬
‫من الحوادث المهمة التي وقعت عام مولده صلى الله عليييه‬
‫وسلم حوالي سنة ‪ 570‬من الميلد قييدوم أبرهيية الشييرم ملييك‬
‫اليميييين إلييييى مكيييية لهييييدم الكعبيييية وهييييذه خلصييييتها‪:‬‬
‫ملييك إلييى‬
‫إن الحبشة ملكوا اليميين بعييد حمييير فلمييا صييار ال ُ‬
‫أبرهة بن الصباح الشرم‪ ،‬بنى كنيسة عظيمة بصنعاء إلى جنييب‬

‫ُ‬
‫غمدان يقال لها الُقليس لم ير مثلها فييي زمانهييا بناهييا بالرخييام‬
‫وجيييد الخشييب المييذهب وقصييد أن يصييرف حييج العييرب إليهييا‬
‫ويبطييل الكعبيية‪ ،‬فلمييا تحييدث العييرب بييذلك غضييب رجييل ميين‬
‫الّنساءة من بني فقيم بن عدي بن عامر بن ثعلبيية بيين الحييارث‬
‫بن مالك بن كنانة بن خزيمة بين مدركية بين إليياس بين مضير‪.‬‬
‫والنسيياءة الييذين كييانوا ينسييئون الشييهور علييى العييرب فييي‬
‫الجاهلية فيحلون الشييهر ميين الشييهر الحييرم ويحرمييون مكييانه‬
‫الشهر من الشهر الحل ويؤخرون ذلك الشهر‪ ،‬ففيه أنييزل اللييه‬
‫ضي ّ‬
‫ن‬
‫ل ب ِيهِ ال ّي ِ‬
‫ما الن ّ ِ‬
‫سىء زَِياد َةٌ فِييى ال ْك ُْفيرِ ي ُ َ‬
‫تبارك وتعالى‪} :‬إ ِن ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫ه‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫واط ُِئوا ْ ِ‬
‫ك ََفُروا ْ ي ُ ِ‬
‫مييا َ‬
‫ما وَي ُ َ‬
‫ح يّر َ‬
‫م الل ّي ُ‬
‫عد ّةَ َ‬
‫عا ً‬
‫مون َ ُ‬
‫حّر ُ‬
‫عا ً‬
‫حّلون َ ُ‬
‫ما ل ّي ُ َ‬
‫ه{ )التوبة‪ ،(37 :‬قييال ابيين هشييام‪ :‬ليييواطئوا‬
‫فَي ُ ِ‬
‫ما َ‬
‫حّر َ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫حّلوا ْ َ‬
‫ليوافقوا؛ وكان أول من نسأ الشهور على العييرب فييأحلت منهييا‬
‫ما أحل وحرمت منها ما حرم القلمس وهو حذيفة بن عبييد اللييه‬
‫بن فقيم‪ ،‬وأول الشهر الحرم »المحرم«‪ ،‬فخرج الكنيياني حييتى‬
‫وط فيها ليل ً ثم خرج فلحق بأرضيه‪،‬‬
‫أتى القليس »الكنيسة« وتغ ّ‬
‫فلما ُأخبر بذلك أبرهة غضب وحلييف ليسيييرن إلييى الييبيت حييتى‬
‫سمي هذا العام بعام الفيل( فلما وصييل إلييى الطييائف‬
‫يهدمه )و ُ‬
‫بعد أن هزم من تعرض له من العرب‪ ،‬بعييث رجل ً ميين الحبشيية‬
‫يقال له السود بن مقصود إلى مكة فساق أموال أهلها وأصاب‬
‫فيها مائتي بعير لعبد المطلب بن هاشم وأحضييرها إلييى أبرهيية‪،‬‬
‫وأرسل أبرهة حناطة الحميري إلى مكة وقال له‪ :‬سل عن سيد‬
‫أهل هذا البلد وشريفهم‪ ،‬فسأل فقيل له عبد المطلب فقال له‪:‬‬
‫إن الملك يقول إني لم آت لحربكم إنما جئت لهدم هييذا الييبيت‪،‬‬
‫فقال له عبد المطلب‪ :‬والله ما نريد حربه ول لنييا بييذلك طاقيية‪،‬‬
‫هذا بيت الله الحرام وبيت خليله إبراهيم فإن لم يمنعه منه فهو‬
‫بيته وحرمه وإن يخل بينه وبينه فوالله مييا عنييدنا دفييع عنييه‪ .‬ثييم‬
‫انطلق عبد المطلب مع رسول أبرهة إليييه فلمييا اسييتؤذن لعبييد‬
‫المطلب قالوا لبرهة‪ :‬هذا سيد قريش فأذن له فلما رآه أبرهيية‬
‫أجله وأكرمه عن أن يجلسه تحته وكييره أن تييراه الحبشيية معييه‬
‫على سرير ملكه فنزل أبرهة عن سريره فجلس علييى بسيياطه‬
‫وأجلسه معه عليه إلى جنبه‪ ،‬ثم قييال لييه‪ :‬حاجتييك؟ فييذكر عبييد‬
‫المطلب أباعره التي أخذت له‪ ،‬فقال أبرهة‪ :‬قد كنييت أعجبتنييي‬

‫حييين رأيتييك ثييم زهييدت فيييك حييتى كلمتييك‪ ،‬أتكلمنييي عيين‬
‫مائة بعير أصبتها لك وتترك بيتا ً هو دينك ودين آبائك قد جئت‬
‫لهدمه ل تكلمني فيه؟ قال له عبد المطلييب‪ :‬أنييا رب البييل وإن‬
‫للبيت ربا ً سيمنعه‪ ،‬فرد أبرهة على عبد المطلب البل فانصرف‬
‫عبد المطلب إلى قريش فأخبرهم الخبر وأمرهم بييالخروج ميين‬
‫مكة والتحرز بالجبال والشعاب تخوفا ً عليهم معرة الجيش وقييد‬
‫كانوا أكثر من قريش عددًا‪ ،‬ثم قام عبييد المطلييب فأخييذ بحلقيية‬
‫باب الكعبة وقام معه نفر من قريش يدعون اللييه ويستنصييرونه‬
‫على أبرهة وجيشه‪ ،‬فقال عبد المطلييب وهييو آخييذ بحلقيية بيياب‬
‫الكعبييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييية‪:‬‬
‫حللييييك‬
‫م إن العبييييد يمييييي ييييينع رحلييييه فييييامنع ِ‬
‫ل ُ‬
‫هيييي ّ‬
‫ومحيييييالهم ِ غيييييدوا ً محاليييييك‬
‫ل يغلبييييين صيييييليبهم‬
‫َ‬
‫إن كنييييت تيييياركهم وقبييييي يييييلتنا فييييأمٌر مييييا بييييدا لييييك‬
‫فلما تهيأ أبرهة لدخول مكة وهيأ فيله العظم )محمودًا( وهو‬
‫مجمع على هدم البيت فكانوا كلما وجهوا الفيل إلى مكيية بييرك‬
‫ولم يبرح‪ ،‬وإذا وجهوه إلى سييائر الجهييات قييام يهييرول‪ .‬ويقييال‪:‬‬
‫كان عدد الفيلة في هذه الموقعيية ثلثيية عشيير في ً‬
‫ل‪ ،‬وبينمييا هييم‬
‫كييذلك أرسييل اللييه عليهييم طيييرا ً أبابيييل ميين البحيير أمثييال‬
‫الخطاطيف مع كل طائر ثلثة أحجار‪ ،‬واحد فييي منقيياره واثنييان‬
‫في رجليه فقذفتهم بها وهييي مثييل الحمييص والعييدس ل تصيييب‬
‫أحدا ً منهم إل هلك‪ ،‬وليس كلهم أصابت‪ ،‬ثييم أرسييل اللييه تعييالى‬
‫سيل ً فألقاهم في البحر والذي سلم منهم ولى هاربا ً مييع أبرهيية‬
‫إلييى اليميين يبتييدر الطريييق وأصيييب أبرهيية بتسيياقط أعضييائه‬
‫وخرجوا به معهم تتساقط أعضاؤه حتى قييدموا بييه صيينعاء وهييو‬
‫مثل فرخ الطائر فما مات حتى انصدع صدره عن قبلييه‪ ،‬وقيييل‪:‬‬
‫أول ما رؤيت الحصبة والجدري بأرض العرب ذلييك العييام‪ ،‬ولمييا‬
‫ميييات أبرهييية‪ ،‬مليييك مكيييانه ابنيييه يكسيييوم سييينة ‪571‬م‪.‬‬
‫ونظرا ً لهمية هذا الحييادث صييار العييرب يؤرخييون بييه؛ إذ لييو‬
‫تغلب أبرهة على قريش وتييم لييه هييدم الكعبيية لدخلييت الديانيية‬
‫المسيحية مكة وُأرغييم العييرب علييى اعتناقهييا لن اليميين كييانت‬

‫تابعة لمراء الحبشة المسيحيين وُأرغم كثير من أهلها سواء من‬
‫عباد الصنام أو اليهود علييى اعتنيياق المسيييحية وكييانت قريييش‬
‫ي‪ ،‬فلما كان عام‬
‫ي بن كلب لجللة قص ّ‬
‫تؤرخ السنين بموت قص ّ‬
‫الفيييييييييييييييييييييييل أرخييييييييييييييييييييييت بييييييييييييييييييييييه‪.‬‬
‫َ‬
‫م ت َيَر‬
‫وقد ذكرت حادثة الفيييل فييي القييرآن قييال تعيالى‪} :‬أَلي ْ‬
‫ك بأ َصيحب ال ْفييل أ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ف فَعَ َ‬
‫ل‬
‫لي‬
‫ي‬
‫ض‬
‫ت‬
‫يى‬
‫ي‬
‫ف‬
‫م‬
‫ه‬
‫د‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ك‬
‫ل‬
‫ي‬
‫ع‬
‫ج‬
‫ي‬
‫م‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫ك َي ْ َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ل َرب ّ َ ِ ْ َ ِ‬
‫ٍ‬
‫ِ ِ‬
‫َ‬
‫م ط َْيرا ً أ ََباِبي َ‬
‫س َ‬
‫م‬
‫ميِهم ب ِ ِ‬
‫من ِ‬
‫ل ت َْر ِ‬
‫ل فَ َ‬
‫سي ّ‬
‫ح َ‬
‫وَأْر َ‬
‫جعَل َهُ ي ْ‬
‫جاَرةٍ ّ‬
‫ل عَل َي ْهِ ْ‬
‫جي ٍ‬
‫ميييييييييأ ْ ُ‬
‫‪.(5‬‬
‫‬‫ل{ )الفييييييييييل‪1 :‬‬
‫صييييييييي ٍ‬
‫ف ّ‬
‫ك َعَ ْ‬
‫كو ِ‬
‫يخبر الله تعالى رسوله بما حدث لصحاب الفيل أي الجيييش‬
‫الذي سار لهدم الكعبة‪ ،‬ومعهم الفيل وما كان من انهزامهم بما‬
‫سلطه الله عليهم من جماعات الكير ترمي العييدو بحجييارة ميين‬
‫جيل‪ ،‬طييين يييابس أو متحجيير‪ .‬وورد ذكيير‬
‫سييجيل‪ ،‬وتفسييير السي ّ‬
‫السييجيل أيض يا ً فييي القييرآن فييي سييورة الحجيير‪ ،‬قييال تعييالى‪:‬‬
‫َ‬
‫ل{ )الحجيير‪ ،(74 :‬أي علييى‬
‫م ِ‬
‫ميين ِ‬
‫سي ّ‬
‫ح َ‬
‫جاَرةً ّ‬
‫مط َْرَنا عَل َي ْهِ ْ‬
‫}وَأ ْ‬
‫جي ٍ‬
‫َ‬
‫ميين‬
‫مط َْرن َييا عَل َي ْهَييا ِ‬
‫ح َ‬
‫جيياَرةً ّ‬
‫قوم لوط‪ ،‬وقال في سورة هود‪} :‬وَأ ْ‬
‫ضيييييييييييييييييوٍد{ )هيييييييييييييييييود‪.(82 :‬‬
‫ِ‬
‫من ْ ُ‬
‫سييييييييييييييييي ّ‬
‫ل ّ‬
‫جي ٍ‬
‫سره بالميكروب‪ ،‬لن اللفظ ل يفيد ذلك في‬
‫وقد أخطأ من ف ّ‬
‫اللغة‪ ،‬وقد فتكت هذه الحجار الصييغيرة بييالجيش الهيياجم فعيياد‬
‫مهزوما ً ميين غييير أن يبلييغ مييأربه‪ ،‬وجعلهييم كعصييف مييأكول أي‬
‫كورق زرع تأكله الدواب‪ ،‬فلما أصيبوا بهذه الحجييارة تسيياقطت‬
‫لحومهم‪ ،‬فإن قيل‪ :‬كيف يتصور أن هذه الحجارة الصغيرة تفتك‬
‫بالجيش؟ فهذه قدرة الله سبحانه وتعالى‪ ،‬وقد كان قادرا ً علييى‬
‫أن يهزمهم ويردهم من غير أن يسلط عليهم الطير ولكنه جعييل‬
‫ذليييييييييييييييييييييييييييييييييييييك سيييييييييييييييييييييييييييييييييييييببًا‪.‬‬
‫وبانهزام الحبشة كما تقدم حفييظ اللييه بيتييه الحييرام ميين أن‬
‫يهدم‪ ،‬وقيد صيار فيمييا بعييد قبلية المسيلمين فيي جمييع أقطيار‬
‫الرض‪.‬‬
‫مولييده صييلى اللييه عليييه وسييلم ‪ 0‬أغسييطس سيينة ‪570‬م‬
‫ولد النبي صلى الله عليه وسلم في فجر يوم الثنييين لثنييتي‬
‫عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الول ‪ 20‬أغسطس سنة ‪570‬‬
‫م )وأهل مكة يزورون موضع مولده في هذا الييوقت( فييي عييام‬

‫الفيل‪ ،‬ولربعين سنة خلت من حكم كسرى أنوشييروان خسييرو‬
‫بن قباذ بن فيروز بمكة في المكان المعروف بسوق الليييل فييي‬
‫الدار التي صارت تدعى بييدار محمييد بيين يوسييف الثقفييي أخييي‬
‫الحجاج بن يوسف وأدخل ذلك الييبيت فييي الييدار حييتى أخرجتييه‬
‫الخيزران أم الهادي والرشيد فجعلته مسجدا ً ُيصلى فيه وكييانت‬
‫قبل ذلك لعقيل بن أبي طالب‪ .‬ونزل علييى يييد الشييفاء أم عبييد‬
‫الرحمن بن عوف فهي قابلته‪ ،‬رافعا ً بصره إلى السييماء واضييعا ً‬
‫يده بالرض‪ .‬وكانت أمه تحدث أنها لم تجد حييين حملييت بييه مييا‬
‫تجده الحوامل من ثقل ول وحم ول غير ذلييك‪ .‬ولمييا ولييدته أمييه‬
‫عليه الصلة والسلم أرسلت إلى جده وكان يطوف بالبيت تلك‬
‫الليلة فجاء إليها فقالت له‪ :‬يا أبا الحارث ولد لك مولود عجيب‪،‬‬
‫فذعر عبد المطلييب وقييال‪ :‬أليييس بشييرا ً سييويًا؟ فقييالت‪ :‬نعييم‪،‬‬
‫ولكيين سييقط سيياجدا ً ثييم رفييع رأسييه وأصييبعيه إلييى السييماء‬
‫وذه ودعا لييه ثييم‬
‫فأخرجته ونظر إليه وأخذه ودخل به الكعبة وع ّ‬
‫خرج ودفعه إليها‪ ،‬وهو الذي سماه محمدًا‪ ،‬فقيل‪ :‬كيييف سييميت‬
‫بهذا السم وليس لحد من آبائك؟ فقال‪ :‬إني لرجييو أن يحمييده‬
‫أهل الرض كلهم‪ ،‬وكانت تلك السيينة الييتي حمييل فيهييا برسييول‬
‫الله صلى الله عليييه وسييلم سيينة الفتييح والبتهيياج فييإن قريشيا ً‬
‫كييانت قبييل ذلييك فييي جييدب وضيييق عظيييم فاخض يّرت الرض‬
‫وحملت الشجار وأتاهم الرغد في تلك السنة ‪ ،‬ومن عجيييب مييا‬
‫وقع عند ولدته ما ُروي من ارتجاج إيوان كسرى وسييقوط أربييع‬
‫عشرة شرفة من شرفاته وذليك إشيارة إليى أنيه ليم يبيق مين‬
‫ملوكهم المستبدين بالملك إل أربعة عشر ملك يًا‪ ،‬فهلييك عشييرة‬
‫في أربع سنين وهلك أربعة إلى زميين عثمييان رضييي اللييه عنييه‪،‬‬
‫وغيض بحيرة طبرية بفلسطين إشارة إلى أنه يحصل لصييحابها‬
‫بييييييييييأس شييييييييييديد‪ ،‬وخمييييييييييود نييييييييييار فييييييييييارس‬
‫وكان على ما يقال لها ألف عام لم تخمد كمييا رواه الييبيهقي‬
‫وأبو نعيم والخرائطي في »الهواتف« وابن عسياكر‪ .‬وميين ذلييك‬
‫أيضا ً ما وقع من زيييادة حراسيية السييماء بالشييهب وقطييع رصييد‬
‫الشيييياطين ومنعهيييم مييين اسيييتراق السيييمع‪ ،‬ولقيييد أحسييين‬
‫الشقراطيسييييييييييييييييييي حيييييييييييييييييييث قييييييييييييييييييال‪:‬‬
‫ضيياءت لمولييده الفيياق واتصييلت *** بشييرى الهواتييف فييي‬

‫الشييييييييييييييييييييييييييييييييراق والطفييييييييييييييييييييييييييييييييل‬
‫ض منكسيير‬
‫ص يْرح كسييرى تييداعى ميين قواعييده *** وانق ي ّ‬
‫و َ‬
‫الرجيييييييييييييييييييييييييييييييييياء ذا ميييييييييييييييييييييييييييييييييييل‬
‫ونار فارس لييم توقييد ومييا خمييدت *** مييذ ألييف عييام ونهيير‬
‫القييييييييييييييييييييييوم لييييييييييييييييييييييم يسييييييييييييييييييييييل‬
‫خيّرت لمبعثييه الوثييان وانبعثييت *** ثييواقب الشييهب ترمييي‬
‫الجيييييييييييييييييييييييييييييييييين بالشييييييييييييييييييييييييييييييييييهب‬
‫وينسب بعضهم ذلك إلى أنه حدث فييي ذلييك الييوقت زلييزال‬
‫عظيم‪ ،‬قال اليعقوبي فيي »تياريخه«‪» :‬وأصيابت النياس زلزلية‬
‫عميت جمييع اليدنيا« اليخ‪ ،‬وُييروى أن الرشييد أراد هيدم إييوان‬
‫كسييرى فقييال لييه وزيييره يحيييى بيين خالييد الييبرمكي‪ :‬يييا أمييير‬
‫المؤمنين‪ ،‬ل تهدم بنياء هيو آيية السيلم‪ ،‬وقيال البوصييري فيي‬
‫الهمزيييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييية‪:‬‬
‫وتداعى إيوان كسرى ولييول *** آييية منييك مييا تييداعى البنيياء‬
‫وغييدا كييل بيييت نييار وفيييه *** كربيية ميين خمودهييا وبلء‬
‫وعيون للفرس غييارت فهييل كييا *** ن لنيرانهييم بهييا إطفيياء‬
‫وفي سابع يوم من ولدته صلى اللييه عليييه وسييلم عَيقّ عنييه‬
‫جيييييييييييييييييييييييييييييييييييده بكبيييييييييييييييييييييييييييييييييييش‪.‬‬
‫الحتفيييييال بموليييييده صيييييلى الليييييه علييييييه وسيييييلم‬
‫قال المام أبو شامة شيخ النووي‪ :‬ومن أحسن ما ابتدع فييي‬
‫زماننا ما ُيفعل كل عام في اليوم الموافييق ليييوم مولييده صييلى‬
‫اللييه عليييه وسييلم ميين الصييدقات والمعييروف وإظهييار الزينيية‬
‫والسرور‪ ،‬فإن ذلك مع ميا فييه مين الحسيان للفقيراء‪ ،‬مشيعر‬
‫بمحبة النبي صلى الله عليه وسييلم وتعظيمييه فييي قلييب فاعييل‬
‫ن به ميين إيجيياد رسييوله صييلى‬
‫ذلك وشكر الله تعالى على ما م ّ‬
‫اللييييه عليييييه وسييييلم الييييذي أرسييييله رحميييية للعييييالمين‪.‬‬
‫قال السخاوي‪ :‬إن عمل المولد حدث بعد القرون الثلثيية ثييم‬
‫ل زال أهل السلم في سييائر القطييار والمييدن الكبييار يعملييون‬
‫المولد ويتصدقون في لياليه بييأنواع الصييدقات ويعتنييون بقييراءة‬
‫مولده الكريم ويظهر عليهم من بركاته كل فضل عميييم‪ .‬وقييال‬

‫ابن الجوزي‪ :‬من خواصه أنه أمان في ذلك العام وبشرى عاجلة‬
‫بنيييل البغييية والمييرام‪ ،‬وأول ميين أحييدثه ميين الملييوك‪ ،‬الملييك‬
‫المظفر أبو سعيد صاحب إربل‪ ،‬وألف له الحافظ بن دحية تأليفا ً‬
‫أسييماه‪» :‬التنييوير فييي مولييد البشييير النييذير« فَأجييازه الملييك‬
‫المظفر بألف دينار‪ ،‬وصنع الملك المظفيير المولييد وكييان يعملييه‬
‫ل‪ ،‬وكان شهما ً شجاعا ً بطل ً‬
‫في ربيع الول ويحتفل به احتفال ً هائ ً‬
‫عاقل ً عاد ً‬
‫ل‪ ،‬وقيل‪ :‬إنه كان يصييرف علييى المولييد ثلثمييائة ألييف‬
‫دينيييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييار‪.‬‬
‫وكان السلطان أبو حمو موسى صاحب تلمسان يحتفل ليليية‬
‫المولد غاية الحتفال كما كان ملوك المغرب والندلس في ذلك‬
‫العصر وما قبله‪ .‬ومن احتفاله له ما حكيياه الحييافظ سيييدي أبييو‬
‫عبد الله التنسي‪ ،‬ثييم التلمسيياني فييي كتييابه »راح الرواح فيمييا‬
‫قاله المولى أبو حمو من الشعر‪ ،‬وقيل فيييه ميين المييداح« ومييا‬
‫يوافق ذليك علييى حسيب القيتراح ونصيه‪ .‬إنيه كيان يقييم ليلية‬
‫الميلد النبييوي علييى صيياحبه الصييلة والسييلم بمشييورة ميين‬
‫تلمسان المحروسيية مييدعاة حفيليية يحشيير فيهييا النيياس خاصيية‬
‫وعامة فما شئت من نمارق مصييفوفة وزرابييي مبثوثيية‪ ،‬وبسييط‬
‫موشاة ووسائد بالذهب مغشيياة‪ ،‬وشييمع كالسييطوانات ومييوائد‬
‫كالهالت‪ ،‬ومباخر منصوبة كالقبياب يخالهيا المبصير تيبرا ً ميذابًا‪،‬‬
‫ويفاض على الجميع أنواع الطعمة كأنها أزهار الربيع المنمنميية‪،‬‬
‫فتشتهيها النفس وتستلذها النواظر ويخالط حسن رياها الرواح‬
‫ويخامر رتب الناس فيها على مراتبهم ترتيب احتفال وقد علييت‬
‫الجميع أبهة الوقار والجلل‪ ،‬وبعقييب ذلييك يحتفييل المسييتمعون‬
‫بأمداح المصطفى عليه الصلة والسلم‪ ،‬ومفكيرات ترغيب فيي‬
‫القلع عن الثام يخرجون فيها من فن إلييى فيين وميين أسييلوب‬
‫إلى أسلوب ويأتون من ذلك بما تطرب له النفوس وترتاح إلييى‬
‫سماعه القليوب‪ ،‬وبيالقرب مين السيلطان رضيوان الليه تعيالى‬
‫حليية يمانييية لهييا أبييواب‬
‫عليه خزانة المنجانة قد زخرفييت كأنهييا ُ‬
‫موجفة على عدد ساعات الليييل الزمانييية فمهمييا مضييت سياعة‬
‫وقع النقر بقدر حسابها وفتح عند ذلك باب ميين أبوابهييا وبييرزت‬
‫منه جارية صورت في أحسيين صييورة‪ ،‬فييي يييدها اليمنييى رقعيية‬
‫مشتملة على نظم فيه تلك الساعة باسمها مسييطورة فتضييعها‬

‫بييين يييدي السييلطان بلطافيية ويسييراها علييى فمهييا كالمؤدييية‬
‫بالمبايعة حيق الخلفية‪ .‬هكييذا حيالهم إليى انبلج عميود الصييباح‬
‫ي عليييييييى الفلح‪ ،‬انتهيييييييى‪.‬‬
‫ونيييييييداء المنيييييييادي حييييييي ّ‬
‫وفي زماننا هذا يحتفيل المسيلمون بييوم موليده صيلى الليه‬
‫لسييلمية‪ ،‬وفييي القطيير المصييري‬
‫عليه وسلم في جميع المييم ا ِ‬
‫تتلى الذكار وتوزع الصدقات علييى الفقييراء والمحتيياجين‪ ،‬وفييي‬
‫القاهرة يتحرك موكب أرباب الطرق بعد الظهر أمام المحافظة‬
‫ويسير قاصدا ً ميدان الحتفييال بالعباسييية مجتييازا ً شييوارع تحييت‬
‫الربييع فالسييكرية فالغورييية فميييدان الشييراقية فالفحييامين‬
‫فالحسينية فالعباسية ويشتد الزحام في هييذه الشييوارع وتتقييدم‬
‫المييوكب كوكبيية ميين فرسييان رجييال الشييرطة وتحييف بييه ميين‬
‫الجانبين قوة من رجال الجيش‪ ،‬وقييد جييرت عييادة الحكوميية أن‬
‫تحتفل بهذا اليوم المبييارك احتفييال ً رسييميا ً فييي العباسييية حيييث‬
‫تقام سرادقات للوزارات ويتوجه جللة الملك أو نائبه إلى مكان‬
‫الحتفال وهناك يستعرض الحامية المصرية على أثر وصوله‪ ،‬ثم‬
‫ينتقل إلى السرادق ويستقبل رجال الطرق الصييوفية بييأعلمهم‬
‫وبعدئذ يقصد سييرادق شيييخ مشييايخ الطيرق الصييوفية فيسيتمع‬
‫لتلوة القصيية النبوييية وبعييد سييماعها يخلييع علييى تاليهييا الخلعيية‬
‫الملكية وتدار المرطبات والحلوى على الحاضييرين ثييم ينصييرف‬
‫بعد ذلك بموكبه الحافل أثناء قصف المدافع‪ ،‬وفي المسيياء تنييار‬
‫الزينييات المقاميية علييى السييرادقات وتطلييق اللعيياب النارييية‬
‫البديعة‪ ،‬وفي الصباح تعطل الحكومة وزاراتها ومصالحها وتتلييى‬
‫القصة النبوية الشريفة في المشهد الحسيييني بحضييور محييافظ‬
‫مصر‪ ،‬وقد أبطلت بدع كثيرة بفضل عناية رجييال الييدين ويقظيية‬
‫رجييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييال الدارة‪.‬‬
‫هذا ول نزال نطالب ولة المور بمنع كييل مييا يخييالف الييدين‬
‫وه محاسيين‬
‫من آثار وما يجري في الموالييد عييادة لن ذلييك يش ي ّ‬
‫السلم ويفسد المقاصد الشريفة من إقامة مولييد رسييول اللييه‬
‫صييييييييييييييلى اللييييييييييييييه عليييييييييييييييه وسييييييييييييييلم‬
‫أسيييييييييماؤه صييييييييلى اللييييييييه عليييييييييه وسييييييييلم‬

‫قال رسول الله صلى الله عليه وسييلم »إن لييي أسييماء‪ :‬أنييا‬
‫محمد وأنا أحمد وأنا الماحي الييذي يمحييو الليه بيي الكفير‪ ،‬وأنييا‬
‫ي‪ ،‬وأنا العيياقب )والعيياقب‬
‫الحاشر الذي يحشر الناس على قدم ّ‬
‫الذي ليس بعده نييبي( وقيال‪ :‬أنييا محمييد‪ ،‬وأنييا أحمييد‪ ،‬وأنييا نييبي‬
‫الرحميية ونييبي التوبيية‪ ،‬وأنييا المقفييى وأنييا الحاشيير وأنييا نييبي‬
‫ماه اللييه عييز وجييل فييي القييرآن‬
‫الملحم«‪ ،‬وفي »التهذيب«‪ :‬س ّ‬
‫ل‪ ،‬نبي ّا ً شاهدًا‪ ،‬مبشرا ً ونذيرًا‪ ،‬وداعيا ً إلى الله بإذنه وسراجا ً‬
‫رسو ً‬
‫منيرًا‪ ،‬ورؤوفا ً رحيمًا‪ ،‬وجعله رحمة ونعمة وهاديا ً صلى الله عليه‬
‫وسلم وميين أسييمائه‪ :‬الفاتييح‪ ،‬وطييه‪ ،‬ويييس‪ ،‬وعبييد اللييه وخيياتم‬
‫النبياء والمختار‪ ،‬وكنيته أبو القاسم وكناه جبريل »أبا إبراهيم«‪.‬‬
‫مرضييييييييعاته صييييييييلى اللييييييييه عليييييييييه وسييييييييلم‬
‫أرضعته صلى الله عليه وسلم من النساء ثمييان وقيييل أكييثر‪،‬‬
‫أولهن أمه آمنة ثم ثويبة السلمية جارية عمييه أبييي لهييب الييتي‬
‫أعتقها حين بشرته بولدته أياما ً قبل قدوم حليميية‪ ،‬وخوليية بنييت‬
‫المنذر وأم أيمن‪ ،‬وامرأة سعدية غير حليميية‪ ،‬وثلث نسييوة ميين‬
‫العواتيييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييك‪.‬‬
‫وأكثرهن إرضاعا ً له حليمة بنت أبي ذؤيييب السييعدية وتكن ّييى‬
‫أم كبشة‪ .‬وكان من عادة العرب إذا ولد لهم مولود أن يلتمسييوا‬
‫له مرضعة ميين غييير قييبيلتهم ليكييون أنجييب للولييد وأفصييح لييه‪،‬‬
‫فجاءت نسوة من بني سعد إلى مكة يلتمسن الرضعاء ومعهيين‬
‫حليمة السعدية في سيينة شييديدة القحييط‪ ،‬فكييل امييرأة أخييذت‬
‫رضيعا ً إل حليمة وقد كانت تحييدث أنهييا خرجييت ميين بلييدها مييع‬
‫زوجها ‪ -‬الحارث بن عبد العزى ‪ -‬وابيين لهييا صييغير ترضييعه فييي‬
‫نسوة من بني سعد بن بكر يلتمسن الرضعاء‪ ،‬قالت‪ :‬وهي سنة‬
‫شهباء لم تبق لنييا شيييئًا‪ ،‬فخرجييت علييى أتييان لييي قمييراء معنييا‬
‫شارف لنا والله ما تبض بقطرة وما ننام ليلنييا ميين صييبينا الييذي‬
‫ي ما يغنيه وما في شييارفنا‬
‫معنا من بكائه من الجوع‪ ،‬ما في ثدي ّ‬
‫ما يغذيه ولكنا كنا نرجو الغيث والفرج‪ ،‬فخرجت على أتاني تلك‬
‫فلقد أدمت بالركب حتى شق ذلييك عليهييم ضييعفا ً وعجفيا ً حييتى‬
‫قدمنا مكة نلتمس الرضعاء فما منا امرأة إل وقد عييرض عليهييا‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم فتأباه إذا قيييل لهييا‪ :‬إنييه يييتيم‬

‫وذلك أنا إنما كنا نرجو المعروف من أبي الصبي فكنا نقول يتيم‬
‫وما عسى أن تصنع أمه وجييده؟ فكنييا نكرهييه لييذلك فمييا بقيييت‬
‫امرأة قدمت معي إل أخذت رضيعا ً فقلت لزوجي‪ :‬والله لذهبن‬
‫إلى ذلك اليتيم فلخذنه‪ ،‬فقال‪ :‬ل بأس عليييك أن تفعلييي عسييى‬
‫الله أن يجعل لنا فيه بركيية‪ ،‬فييذهبت إليييه فأخييذته ومييا حملنييي‬
‫على أخذه إل أني لييم أجييد غيييره‪ ،‬فلمييا أخييذته رجعييت بييه إلييى‬
‫ي بما شاء من لبن‬
‫رحلي فلما وضعته في حجري أقبل على ثدي ّ‬
‫فشرب حتى ُروي وشرب معه أخوه حتى ُروي ثم ناما ومييا كنييا‬
‫ننام منه قبل ذلك‪ ،‬وقام زوجييي إلييى شييارفنا فييإذا إنهييا لحافييل‬
‫فحلب منها ما شرب وشربت معه حييتى انتهينييا رييا ً فبتنييا بخييير‬
‫ليلة‪ ،‬وقال صاحبي حييين أصييبحنا‪ :‬تعلمييي واللييه يييا حليميية لقييد‬
‫أخذت نسمة مباركة‪ ،‬فقلت‪ :‬والله إني لرجييو ذلييك‪ ،‬ثييم خرجنييا‬
‫وركبت أتاني وحملته عليها معي فوالله لقطعييت بييالركب مييا ل‬
‫مرهم حييتى إن صييواحبي ليقليين لييي‪ :‬يييا‬
‫يقدر عليه شيء من ُ‬
‫ح ُ‬
‫ابنييييييييييييييية أبيييييييييييييييي ذؤييييييييييييييييب ويحيييييييييييييييك‬
‫اربعي علينا أليسييت هييذه أتانييك الييتي كنييت خرجييت عليهييا؟‬
‫فأقول لهن‪ :‬بلى والله إنها لهي‪ ،‬فيقلن‪ :‬والله إن لهييا شييأنًا‪ ،‬ثييم‬
‫قدمنا منازلنا في بلد بني سعد وما أعلييم أرضيا ً ميين أرض اللييه‬
‫ي حين قدمنا به معنييا شييباعا ً‬
‫أجدب منها فكانت غنمي تروح عل ّ‬
‫لبنا ً فنحلب ونشرب وما يحلب إنسان قطرة لبن ول يجدها فييي‬
‫ضرع حتى كان الحاضرون من قومنا يقولون لرعيييانهم‪ :‬ويلكييم‬
‫اسرحوا حيييث يسييرح راعييي بنييت أبييي ذؤيييب فييتروح أغنييامهم‬
‫جياعا ً وما تبض بقطرة لبن وتروح غنمي شييباعا ً لبن يا ً فلييم نييزل‬
‫نتعرف من الله الزيادة والخير حتى مضت سنتاه وفصلته وكان‬
‫يشب شبابا ً ل يشبه الغلمان‪ ،‬فلم يبلغ سيينتيه حييتى كييان غلم يا ً‬
‫جفرا ً فقدمنا به على أمه ونحن أحرص شيييء علييى مكثييه فينييا‬
‫لمييا كنييا نييرى ميين بركتييه فلييم نييزل بهييا حييتى ردتييه معنييا‪6.‬‬
‫شييييييييييييييييييييييييييييييييييق الصييييييييييييييييييييييييييييييييييدر‬
‫قالت حليمة‪ :‬فرجعنا فوالله إنه بعد مقدمنا بأشهر مييع أخيييه‬
‫لفي َبهم لنا خلف بيوتنا إذ أتانا أخوه يشتد فقال لي ولبيه‪ :‬ذاك‬
‫أخييي القرشييي قييد أخييذه رجلن عليهمييا ثييياب بيييض فأضييجعاه‬

‫فشقا بطنه فهمييا يسييوطانه‪ ،‬قييالت‪ :‬فخرجييت أنييا وأبييوه نحييوه‬
‫فوجدناه قائما ً منتقعا ً وجهه فالتزمته والتزمه أبوه فقلنا لييه‪ :‬مييا‬
‫لك يا بني؟ قال‪ :‬جياءني رجلن عليهميا ثيياب بييض فأضييجعاني‬
‫وشييييقا بطنييييي فالتمسييييا فيييييه شيييييئا ً ل أدري مييييا هييييو؟‪.‬‬
‫قييالت‪ :‬فرجعنييا إلييى خبائنييا وقييال لييي أبييوه‪ :‬يييا حليميية لقييد‬
‫خشيت أن يكون هذا الغلم قييد أصيييب فييألحقيه بيأهله قبييل أن‬
‫يظهر ذلك به‪ ،‬فاحتملناه فقدمنا به على أمه‪ ،‬فقالت‪ :‬ما أقدمك‬
‫به يا ظئر وقد كنت حريصة عليه وعلى مكثه عندك؟ فقلت‪ :‬قد‬
‫ي وتخوفت الحداث عليه فأديته‬
‫بلغ الله بابني وقضيت الذي عل ّ‬
‫إليك كما تحبين‪ ،‬قالت‪ :‬ما هذا شأنك فأصدقيني خييبرك‪ ،‬قييالت‪:‬‬
‫فلم تيدعني حيتى أخبرتهيا‪ ،‬قيالت‪ :‬أفتخيوفت علييه الشييطان؟‬
‫قلت‪ :‬نعم‪ ،‬قالت‪ :‬كل والله ما للشيطان عليييه ميين سييبيل‪ ،‬وإن‬
‫لبني لشأنا ً أفل أخبرك خييبره؟ قلييت‪ :‬بلييى‪ ،‬قييالت‪ :‬رأيييت حييين‬
‫حملت به أنه خرج مني نور أضاء لي به قصور ُبصرى من أرض‬
‫الشام‪ ،‬ثم حملت به فوالله ما رأيت من حمييل قييط كييان أخييف‬
‫ول أيسر منه ووقع حين ولدته وإنييه لواضييع يييديه بييالرض رافييع‬
‫رأسييييه إلييييى السييييماء‪ ،‬دعيييييه عنييييك وانطلقييييي راشييييدة‪.‬‬
‫كان أول ما شق صييدره عليييه الصييلة والسييلم فييي السيينة‬
‫الثالثة من عمره‪ ،‬وقيييل‪ :‬فييي الرابعيية وذلييك لتطهيييره وإخييراج‬
‫حظ الشيطان منه‪ ،‬وشق صييدره صييلى اللييه عليييه وسييلم ليليية‬
‫السييراء كمييا رواه البخيياري‪ ،‬ويقييول مؤرخييو الفرنييج ومنهييم‬
‫الستاذ نيكولسون في كتابه »تاريخ أدب العرب« صييفحة )‪147‬‬
‫ ‪ (148‬طبعيية ‪ 1907‬وكييذا السييتاذ مييوير فييي كتييابه »حييياة‬‫محمد« إن هذه نوبة صرعية‪ ،‬وهذا مردود لنييه لييم ُتشيياهد فيييه‬
‫علمييييييييييييات الصييييييييييييرع طييييييييييييول عمييييييييييييره‪.‬‬
‫وإلى قصة إرضيياعه صييلى اللييه عليييه وسييلم يشييير صيياحب‬
‫الهمزييييييييييييييييييييية حيييييييييييييييييييييث يقييييييييييييييييييييول‪:‬‬
‫وبدت في رضاعه معجزات *** ليس فيها عن العيون خفيياء‬
‫إذ أبتييه ليتمييه مرضييعات *** قليين مييا فييي اليييتيم عنييا غنيياء‬
‫فييأتته ميين آل سييعد فتيياة *** قييد أبتهييا لفقرهييا الرضييعاء‬
‫أرضييييعته لبانهييييا فسييييقتها *** وبنيهييييا ألبييييانهن الشيييياء‬
‫أصبحت شوّل ً عجافا ً وأمست *** مييا بهييا شييائل ول عجفيياء‬

‫ي منهييا غييذاء‬
‫أخصب العيش عندها بعد محل *** إذ غدا للنب ّ‬
‫يا لها منة لقد ضوعف الجي *** ير عليها من جنسها والجزاء‬
‫خر اللييييه أناسييييا ً *** لسييييعيد فييييإنهم سييييعداء‬
‫وإذا سيييي ّ‬
‫الحيييييييييييييض عليييييييييييييى قتليييييييييييييه صيييييييييييييغيرا‬
‫وكانت حليمة كلما ميير جماعيية ميين اليهييود وحييدثتهم بشييأنه‬
‫صلى الله عليه وسييلم حضييوا علييى قتلييه وكلمييا عرضييته علييى‬
‫العرافين في السواق‪ ،‬صاحوا بقتله وكانوا يقولون‪ :‬اقتلييوا هييذا‬
‫ي فليقتلن أهل دينكم وليكسرن أصنامكم وليظهييرن أمييره‬
‫الصب ّ‬
‫عليكم‪ ،‬وعن حليمة رضييي اللييه عنهييا أنييه ميير بهييا جماعيية ميين‬
‫اليهود فقالت‪ :‬أل تحدثوني عن ابني هذا حملته أمه كذا ووضعته‬
‫كذا ورأت عند ولدته كذا وذكرت لهم كل مييا سييمعته ميين أمييه‬
‫وك ّ‬
‫ل ما رأته هييي بعييد أن أخييذته وأسييندت الجميييع إلييى نفسييها‬
‫كأنهييا هييي الييتي حملتييه ووضييعته‪ ،‬فقييال أولئك اليهييود بعضييهم‬
‫لبعض‪ :‬اقتلوه‪ ،‬فقالوا‪ :‬أوَ يييتيم هييو؟ فقييالت‪ :‬ل‪ ،‬هييذا أبييوه وأنييا‬
‫أمه‪ ،‬فقالوا‪ :‬لو كان يتيما ً قتلنيياه لن ذليك عنيدهم مين علميات‬
‫نبوته‪ ،‬وعن حليمة أيضا ً رضي الله عنها أنها نزلت به صلى اللييه‬
‫عليه وسلم بسوق عكيياظ وكييان سييوقا ً للجاهلييية بييين الطييائف‬
‫ونخلة‪ ،‬المحل المعروف‪ ،‬كانت العرب إذا قصدت الحيج أقيامت‬
‫بهذا السوق شهر شوال يتفاخرون ويتناشدون الشعار ويييبيعون‬
‫ويشترون‪ ،‬فلما وصلت به حليميية سييوق عكيياظ رآه كيياهن ميين‬
‫ملك يًا‪،‬‬
‫الكهان فقال‪ :‬يا أهييل عكيياظ اقتلييوا هييذا الغلم فييإن لييه ُ‬
‫فميييييالت بيييييه وحيييييادت عييييين الطرييييييق فأنجييييياه الليييييه‪.‬‬
‫وقد رأت حليمة السعدية من النبي صييلى اللييه عليييه وسييلم‬
‫الخييير والبركيية وأسييعدها اللييه بالسييلم هييي وزوجهييا وبنوهييا‪.‬‬
‫وفييييييييييييييييييييييييييييييييييياة آمنييييييييييييييييييييييييييييييييييية‬
‫بعييد أن ردت حليميية رسييول اللييه صييلى اللييه عليييه وسييلم‬
‫خرجت به أمه مييرة إلييى المدينيية سيينة ‪576 - 575‬م لزيييارة‬
‫أخواله من بني النجار‪ ،‬أي أخوال جده عبييد المطلييب فمرضييت‬
‫وهييي راجعيية بييه‪ ،‬وميياتت وُدفنييت بييالبواء بييين مكيية والمدينيية‬
‫وعمره ست سنين وكان عمر آمنيية حييين وفاتهييا ثلثييين سيينة ‪.‬‬

‫وفي الحديث‪ :‬أن رسول الله صلى الله عليه وسلم زار قييبر‬
‫مَقن ِّع‪ ،‬فبكى وأبكييى‪ ،‬أي فييي ألييف فييارس‬
‫أمه بالبواء في أل ِ‬
‫ف ُ‬
‫مغطيييييييييييييييييييييييييييييييييى بالسيييييييييييييييييييييييييييييييييلح‪.‬‬
‫فحضنته أم أيمن بركة الحبشية التي ورثها من أبيييه وحملتييه‬
‫إلى جده عبد المطلب بن هاشم الذي كييان يحبييه ويكرمييه فقييد‬
‫كان يوضع لعبد المطلييب فييراش فييي ظييل الكعبيية فكييان بنييوه‬
‫يجلسون حول فراشه ذلك حتى يخرج إليه ل يجلييس علييه أحييد‬
‫من بنيه إجلل ً له فكان رسول الله صلى الله عليه وسييلم يييأتي‬
‫وهييو غلم حييتى يجلييس عليييه فيأخييذه أعمييامه ليييؤخروه عنييه‪،‬‬
‫فيقيييييييول عبيييييييد المطليييييييب إذا رأى ذليييييييك منهيييييييم‪:‬‬
‫»دعييييييييوا ابنييييييييي فييييييييوالله إن لييييييييه لشييييييييأنًا«‪.‬‬
‫ثم يجلسه معه علييه ويمسيح ظهيره بيييده ويسييره مييا يييراه‬
‫يصيييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييينع‪.‬‬
‫وبوفاة أمه صار يتيما ً وقد ُأشير إلى يتمييه فييي القييرآن قييال‬
‫َ‬
‫جد ْ َ‬
‫ك ي َِتيما ً َفآَوى{ )الضحى‪ ،(6 :‬وفي السنة الييتي‬
‫م يَ ِ‬
‫تعالى‪} :‬أل َ ْ‬
‫استقل جده صلى الله عليه وسلم فيهييا بكفييالته رمييد الرسييول‬
‫رميييييييييييييييييييييييييييييييييييدا ً شيييييييييييييييييييييييييييييييييييديدًا‪.‬‬
‫عبييييييد المطلييييييب يهّنىييييييء سيييييييف بيييييين ذي يييييييزن‬
‫لما ظفر سيف بيين ذي يييزن الحميييري بالحبشيية وذلييك بعييد‬
‫مولد النبي صلى الله عليه وسلم أتتييه وفييود العييرب وأشييرافها‬
‫وكان من جملتهم وفد قريش وفيهم عبد المطلب بن هاشم جد‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم وأمية بن عبد شمس وأسد بن عبد‬
‫جدعان فقدموا عليه وهو في قصر يقال له‬
‫العزى وعبد الله بن ُ‬
‫ُ‬
‫غمدان ‪ -‬بضم الغين ‪ -‬فطلبوا الذن عليه فأذن لهم وتكلييم عبييد‬
‫المطلب مهنئًا‪ .‬ولما فييرغ أدنيياه وقربييه ثييم استنهضييوا إلييى دار‬
‫الضيافة وقاموا ببابه شييهرا ً ل يصييلون إليييه ول يييؤذن لهييم فييي‬
‫النصراف‪ ،‬ثم انتبه إليهم انتباهة فدعا بعبد المطلب ميين بينهييم‬
‫فخل بييييييييييييه وأدنييييييييييييى مجلسييييييييييييه وقييييييييييييال‪:‬‬
‫»يا عبد المطلب إني مفوض إليك من علمي أمرا ً لييو غيييرك‬
‫كان لم أبح له به ولكنييي رأيتييك معييدنه فأطلعتييك عليييه فليكيين‬
‫مصونا ً حتى يأذن الله فيه‪ ،‬فإن اللييه بييالغ أمييره‪ ،‬إنييي أجييد فييي‬

‫العلييم المخييزون والكتيياب المكنييون الييذي ادخرنيياه لنفسيينا‬
‫واحتجبناه دون غيرنا خبرا ً عظيم يا ً وخطييرا ً جسيييما ً فيييه شييرف‬
‫الحياة وفضيييلة الوفيياة للنيياس كافيية ولرهطيك عاميية ولنفسيك‬
‫خاصييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييية«‪.‬‬
‫قال عبد المطلب‪» :‬مثلك يا أيها الملك بّر‪ ،‬وسّر‪ ،‬وب ّ‬
‫شيير‪ ،‬مييا‬
‫هييييييو؟ فييييييداك أهييييييل الييييييوبر زمييييييرا ً بعييييييد زميييييير«‪.‬‬
‫قال ابن ذي يزن‪» :‬إذا ولد مولود بتهامة‪ ،‬بين كتفيييه شييامة‪،‬‬
‫كيييييييانت ليييييييه المامييييييية‪ ،‬إليييييييى ييييييييوم القيامييييييية«‪.‬‬
‫قال عبد المطلب‪» :‬أبيت اللعن لقد ُأبت بخير ما آب به أحييد‬
‫فلول إجلل الملك لسألته عما ساّره إلى ما ازداد بييه سييرورًا«‪.‬‬
‫قال ابن ذي يييزن‪» :‬هييذا حينييه الييذي يولييد فيييه أو قييد ولييد‪،‬‬
‫يموت أبوه وأمه‪ ،‬ويكفله جده وعمه وقد وجييدناه مييرارًا‪ ،‬واللييه‬
‫باعثه جهارًا‪ ،‬وجاعل له منا أنصارا ً يعز بهم أولييياءه‪ ،‬ويييذل بهييم‬
‫أعداءه‪ ،‬ويفتتح كرائم الرض‪ ،‬ويضرب بهم النيياس عيين عييرض‪،‬‬
‫يخمد الديان‪ ،‬ويكسر الوثان ويعبد الرحمن‪ ،‬قوله حكم وفصل‪،‬‬
‫وأمره حزم وعدل‪ ،‬يأمر بالمعروف ويفعله‪ ،‬وينهييى عيين المنكيير‬
‫ويبطلييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييه«‪.‬‬
‫فقال عبد المطلب‪» :‬طال عمرك‪ ،‬ودام ملكييك‪ ،‬وعل جييدك‪،‬‬
‫وعييز فخييرك‪ ،‬فهييل الملييك يسييرني بييأن يوضييح فيييه بعييض‬
‫اليضييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييياح؟«‪.‬‬
‫فقيييال ابييين ذي ييييزن‪» :‬واليييبيت ذي الطنيييب‪ ،‬والعلميييات‬
‫والنصييب‪ ،‬إنييك يييا عبييد المطلييب لجييده ميين غييير كييذب«‪.‬‬
‫فخّر عبد المطلب ساجدًا‪ ،‬وقال ابن ذي يزن‪» :‬ارفع رأسك‪،‬‬
‫ثلج صدرك‪ ،‬وعل أمرك‪ ،‬فهل أحسست شيئا ً مما ذكرت لييك؟«‪.‬‬
‫فقال عبد المطلب‪» :‬أيها الملك‪ ،‬كان لي ابن كنت لييه محبيا ً‬
‫وعليه حدبا ً مشفقًا‪ ،‬فزوجته كريمة من كرائم قومه‪ ،‬يقييال لهييا‪:‬‬
‫آمنة بنت وهب بن عبد مناف‪ ،‬فجيياءت بغلم بييين كتفيييه شييامة‬
‫فيه كل ما ذكرت من علمة‪ ،‬مات أبوه وأمه وكفلته أنا وعمه«‪.‬‬
‫قال ابن ذي يزن‪» :‬إن الييذي قلييت لييك كمييا قلييت‪ ،‬فيياحفظ‬
‫ابنك واحذر عليه اليهود فييإنهم ليه أعيداء ولين يجعيل الليه لهييم‬
‫عليه سبي ً‬
‫ل‪ ،‬إطو ما ذكرت لييك دون هييؤلء الرهييط الييذين معييك‬

‫فإني لست آمن أن تدخلهم النفاسة من أن تكون لكم الرياسة‪،‬‬
‫فيبغون لك الغوائل وينصبون لك الحبائل وهم فاعلون وأبناؤهم‪،‬‬
‫ولول أني أعلم أن الموت مجتيياحي قبييل مبعثييه لسييرت بخيلييي‬
‫ورجلي حتى أصير بيثرب دار مهيياجره‪ .‬فييإني أجييد فييي الكتيياب‬
‫الناطق والعلم السابق أن يثرب دار هجرته‪ ،‬وبيت نصرته‪ ،‬ولول‬
‫أني أقيه الفات‪ ،‬وأحذر عليه العاهات لعلنت على حداثيية س يّنه‬
‫وأوطأت أقدام العرب عقبه ولكني صارف إليك ذلك عن تقصير‬
‫منيييييييييييييييييييييي بمييييييييييييييييييييين معيييييييييييييييييييييك«‪.‬‬
‫ثييم أمير لكييل رجيل منهييم بعشيرة أعبييد وعشيير إميياء سيود‬
‫وخمسة أرطال فضة وحلتين من حلييل اليميين وكييرش مملييوءة‬
‫عنييبرًا‪ ،‬وأميير لعبييد المطلييب بعشييرة أضييعاف ذلييك وقييال‪:‬‬
‫»إذا حيييال الحيييول فيييأنبئني بميييا يكيييون مييين أميييره«‪.‬‬
‫فما حال الحول حتى مات ابن ذي يزن‪ ،‬فكان عبد المطلييب‬
‫بن هاشم يقول‪» :‬يا معشر قريش ل يغبطني رجل منكم بجزيل‬
‫عطاء الملك فإنه إلى نفاد ولكن يغبطنييي بمييا يبقييى لييي ذكييره‬
‫وفخره ولعقبي«‪ ،‬فإذا قالوا لييه‪ :‬ومييا ذاك؟ قييال‪ :‬سيييظهر بعييد‬
‫حيييييييييييييييييييييييييييييييييييييين‪ ،‬اهيييييييييييييييييييييييييييييييييييييي‪.‬‬
‫وفي »أسد الغابة« أن سيف بن ذي يزن أدرك النييبي صييلى‬
‫الله عليه وسلم وأخبر جده عبد المطلب بنبوة محمد صلى الله‬
‫علييييييييييييييييييييييييييييييييييييه وسيييييييييييييييييييييييييييييييييييلم‬
‫كانت اليمن تابعة للحبشة فكره أهلها حكمهم ونهييض سيييف‬
‫بن ذي يزن لسييترداد عييرش آبييائه فسييعى لييدى المبراطورييية‬
‫الرومانية لشد أزره فلم يفلح فالتجأ إلييى ملييك الفييرس فأمييده‬
‫بجيش فحارب الحبشة وانتصيير عليهييا وقتييل واليهييا الييذي كييان‬
‫يدعى مسروقا ً وذلك حييوالي سيينة ‪575‬م ويوافييق العييام الييذي‬
‫توفيت فيه آمنة أم رسول الله صييلى اللييه عليييه وسييلم فليييس‬
‫هناك اعتراض على ذهيياب الوفييود العربييية لتهنئة ابيين ذي يييزن‬
‫من الوجهة التاريخية‪ ،‬أضف إلى ذلك أن الييواجب يقضييي علييى‬
‫رؤساء العييرب بييذلك لقرابتهييم وجييوارهم واشييتراك مصييالحهم‬
‫التجارية لنهم كانوا يرحلون إلى اليمن للتجارة في الشتاء كمييا‬
‫كيييييييييانوا يرحليييييييييون إليييييييييى الشيييييييييام صييييييييييفًا‪.‬‬
‫وقييد اعييترض السييتاذ »فيييل« ‪ Weil‬علييى صييحة القصيية‬

‫دمييية مييين الوجهييية التاريخيييية وفيميييا شيييرحه السيييتاذ‬
‫المتق ّ‬
‫»برسيفال« ‪ M.C. de Perceval‬رد على اعتراضه لنه أثبيت‬
‫انهزام الحبشة لول مرة في سنة ‪575‬م وإن كييانت لييم تطييرد‬
‫نهائييا ً ميين اليميين إل سيينة ‪597‬م‪ ،‬أمييا السييتاذ مييوير فييإنه لييم‬
‫يستطع تكذيب ذهاب الوفود ومعهم عبييد المطلييب )الييذي كييان‬
‫وقتئذ حاكم مكة( تكذيبا ً بات ّا ً بل قال‪ :‬إن القصة تشمل مبالغييات‬
‫كثيرة فيما يتعلق بالخبييار عيين النييبي المنتظيير وهييذا مييا جعلييه‬
‫يرتاب فيها‪ ،‬على أن المتتبع للسيرة النبوية يجد أن هذه القصيية‬
‫ليست فريدة في بابها من حيث الخبار برسول الله صييلى اللييه‬
‫عليه وسلم فإن ما أخبر بييه سيييف عبييد المطلييب قيياله بحيييرى‬
‫لبي طالب وعرفه سلمان الفارسي وأذاعييه أحبييار اليهييود ممييا‬
‫سيينعنى بييذكره مفص يل ً فييي كتابنييا هييذا إن شيياء اللييه تعييالى‪.‬‬
‫ولعل ما أخبر به ابن ذي يزن عبد المطلب كان من السباب‬
‫التي جعلت عبد المطلب يكييرم النييبي صييلى اللييه عليييه وسييلم‬
‫حوا رسول الله صلى اللييه عليييه وسييلم عيين‬
‫ويقول لولده إذا ن ّ‬
‫مجلسيييه لصيييغره‪) :‬دعيييوا ابنيييي فيييوالله إن ليييه لشيييأنًا(‪.‬‬
‫إن الطفل الصغير‪ ،‬ذا المستقبل العظيم‪ ،‬تظهيير عليييه آيييات‬
‫العظمة والذكاء منذ نعومة أظفيياره‪ ،‬ويكييون لييه جاذبييية خاصيية‬
‫تميزه عن سائر الطفال بل تميزه عن إخوته إذا كان له إخييوة‪،‬‬
‫ويكون محبوبيا ً مفضيل ً علييى غيييره أينمييا حييل‪ ،‬وهييذا هييو شييأن‬
‫عظميييييياء الرجييييييال كمييييييا تلونييييييا ميييييين سيييييييرهم‪.‬‬
‫فكان عبد المطلب‪ ،‬جد رسول الله صييلى اللييه عليييه وسييلم‬
‫يرعاه رعاييية خاصيية ويييؤثره علييى أولده بسييبب تلييك الجاذبييية‬
‫والعظمة الكامنة فيه منيذ الصيغر‪ ،‬وهيذه العظمية كيانت تيزداد‬
‫وضييوحا ً كلمييا ترعييرع وكييبر‪ ،‬وقييد ثبييت ممييا رواه الصييحابة أن‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت له جاذبية غريبة فكييانوا‬
‫يحبييييييونه محبيييييية فائقيييييية ول يخييييييالفون لييييييه أمييييييرًا‪.‬‬
‫إن عبييد المطلييب لييم يكيين يعلييم أن محمييدًا‪ ،‬ذلييك الطفييل‬
‫الصغير‪ ،‬سيكون رسول الله‪ ،‬لكنه كان يشعر في قييرارة نفسييه‬
‫بتلييك الجاذبييية الييتي لزمتييه طييول مييدة حييياته وبتلييك العظميية‬
‫الكامنة فيه‪ ،‬وهذا هييو السيير فييي محبتييه وشييدة رعييايته لييه ول‬

‫سيما أن عبد المطلب كان رجل ً عظيما ً جليل ً ذا فطنة وفراسيية‬
‫فكيييان يقيييول لولده‪):‬دعيييوا ابنيييي فيييوالله إن ليييه لشيييأنًا(‪.‬‬
‫وفاة جده عبد المطلب سنة ‪ 578‬موكفالة عمه أبييي طييالب‬
‫لما بلغ رسول الله صييلى اللييه عليييه وسييلم ثميياني سيينوات‬
‫توفي جييده عبييد المطلييب بمكيية سيينة ‪ 578‬م بعييد عييام الفيييل‬
‫بثماني سنين وله عشر ومائة سنة ‪ ،‬وقيل أكثر من ذلك‪ ،‬وكييان‬
‫رسول الله يبكي خلف سريره وُدفن بالحجون‪ ،‬جبل بأعلى مكة‬
‫ي‪ ،‬ولمييا حضييرته الوفيياة‬
‫عنده مدافن أهلها عند قييبر جييده قص ي ّ‬
‫أوصى به إلى عمه شقيق أبيه »أبي طالب« واسمه عبد منيياف‬
‫وعبد الكعبة وكان كريما ً لكنه كان فقيرا ً كثير الولد‪ ،‬وكان يرى‬
‫منه صلى الله عليه وسلم الخير والبركة ويحبه حبا ً شديدا ً ولييذا‬
‫ل ينام إل إلى جنبه ويخرج به متى خرج‪ ،‬وأوصى عبييد المطلييب‬
‫إلى أبي طالب أيضا ً بسقاية زمزم وإلييى ابنييه الزبيير بالحكوميية‬
‫وأمييييييييييييييييييييييييييييييييييير الكعبييييييييييييييييييييييييييييييييييية‪.‬‬
‫وفي هيذه السيينة مييات حيياتم الطيائي وكسيرى أنوشييروان‪.‬‬
‫وقييد أخييرج ابيين عسيياكر عيين جلهميية بيين عرفطيية قييال‪:‬‬
‫قدمت مكة وهييم فييي قحييط فقييالت قريييش‪ :‬يييا أبييا طييالب‬
‫أقحط الوادي وأجدب فهلم فاستسق فخييرج أبييو طييالب ومعييه‬
‫غلم كأنه شمس دجى تجلت عنيه سيحابة قتمياء حيوله أغيلمية‬
‫)جمع غلم مصغر( فأخذه أبو طالب فألصق ظهره بالكعبيية ولذ‬
‫الغلم بأصبعه )أشار بأصبعه إلى السماء كالمتضرع الملتجىييء(‬
‫وما في السماء قزعة )قطعة من سحاب( فأقبل السييحاب ميين‬
‫ههنييا وههنييا وأغييدق واغييدودق )كييثر مطييره( وانفجيير الييوادي‬
‫وأخصب النادي وفي ذلك يقول أبييو طييالب مادحيا ً النييبي صييلى‬
‫اللييييييييييييييييييييييه عليييييييييييييييييييييييه وسييييييييييييييييييييييلم‬
‫وأبيييييييييييض يستسييييييييييقى الغمييييييييييام بييييييييييوجهه‬
‫ِثميييييييييييال اليتيييييييييييامى عصيييييييييييمة للراميييييييييييل‬
‫يليييييييييييوذ بيييييييييييه الهلك مييييييييييين آل هاشيييييييييييم‬
‫فهيييييييييم عنيييييييييده فيييييييييي نعمييييييييية وفواضيييييييييل‬
‫)الِثمال( بكسر المثلثة الملجأ والغياث‪ ،‬وقيل‪ :‬المطعييم فييي‬
‫الشدة‪) ،‬عصمة للرامل( أي يمنعهم من الضياع والحاجة‪ ،‬هذان‬

‫بيتان من قصيدة طويلة لبي طالب‪ ،‬وقد شاهد أبو طييالب هييذا‬
‫الستسقاء فنظم هذه القصيدة وقييد شيياهده مييرة أخييرى قبييل‬
‫هذه‪ ،‬فروى الخطابي حديثا ً فيه أن قريشا ً تتييابعت عليهييم سيينو‬
‫جدب في حياة عبد المطلب فارتقى هو ومن حضره من قريش‬
‫أبا قبيس )بالتصغير اسم الجبل المشرف على مكة( فقام عبييد‬
‫المطلب واعتضده صلى الله عليييه وسييلم فرفعييه علييى عيياتقه‬
‫وهو يومئذ غلم فقال أيفع أو قرب ثم دعا فسييقوا فييي الحييال‪،‬‬
‫فقييد شيياهد أبييو طييالب مييا دلييه علييى مييا قييال أعنييي قييوله‪:‬‬
‫»وأبييييييييييض يستسيييييييييقى الغميييييييييام بيييييييييوجهه«‪.‬‬
‫وكان الستسقاء في الجاهلية الولييى بخلف هييذه الطريقيية‬
‫فكانوا إذا تتابعت عليهم الزمات واشييتد الجييدب واحتيياجوا إلييى‬
‫ع‬
‫المطييار يجمعييون بقييرا ً معلقيية فييي أذنابهييا وعراقيبهييا السييل َ‬
‫والُعشيير ويصييعدون بهييا إلييى جبييل وعيير ويشييعلون فيهييا النييار‬
‫ويفرقون بينها وبين أولدها ويسوقون البقر إلى ناحيية المغيرب‬
‫دون سييائر الجهييات وتسييمى هييذه النييار الييتي يشييعلونها نييار‬
‫الستمطار‪ ،‬قال ابيين أبييي الحديييد‪ :‬وإنمييا ضييرموا النيييران فييي‬
‫أذناب البقر تفاؤل ً للبرق بالنار ويضجون بالدعاء والتضرع وكانوا‬
‫يييرون ذلييك ميين السييباب المتوصييل بهييا إلييى نييزول الغيييث‪.‬‬
‫وفاة جده عبد المطلب سنة ‪ 578‬موكفالة عمه أبييي طييالب‬
‫لما بلغ رسول الله صييلى اللييه عليييه وسييلم ثميياني سيينوات‬
‫توفي جييده عبييد المطلييب بمكيية سيينة ‪ 578‬م بعييد عييام الفيييل‬
‫بثماني سنين وله عشر ومائة سنة ‪ ،‬وقيل أكثر من ذلك‪ ،‬وكييان‬
‫رسول الله يبكي خلف سريره وُدفن بالحجون‪ ،‬جبل بأعلى مكة‬
‫ي‪ ،‬ولمييا حضييرته الوفيياة‬
‫عنده مدافن أهلها عند قييبر جييده قص ي ّ‬
‫أوصى به إلى عمه شقيق أبيه »أبي طالب« واسمه عبد منيياف‬
‫وعبد الكعبة وكان كريما ً لكنه كان فقيرا ً كثير الولد‪ ،‬وكان يرى‬
‫منه صلى الله عليه وسلم الخير والبركة ويحبه حبا ً شديدا ً ولييذا‬
‫ل ينام إل إلى جنبه ويخرج به متى خرج‪ ،‬وأوصى عبييد المطلييب‬
‫إلى أبي طالب أيضا ً بسقاية زمزم وإلييى ابنييه الزبيير بالحكوميية‬
‫وأمييييييييييييييييييييييييييييييييييير الكعبييييييييييييييييييييييييييييييييييية‪.‬‬
‫وفي هيذه السيينة مييات حيياتم الطيائي وكسيرى أنوشييروان‪.‬‬

‫وقييد أخييرج ابيين عسيياكر عيين جلهميية بيين عرفطيية قييال‪:‬‬
‫قدمت مكة وهييم فييي قحييط فقييالت قريييش‪ :‬يييا أبييا طييالب‬
‫أقحط الوادي وأجدب فهلم فاستسق فخييرج أبييو طييالب ومعييه‬
‫غلم كأنه شمس دجى تجلت عنيه سيحابة قتمياء حيوله أغيلمية‬
‫)جمع غلم مصغر( فأخذه أبو طالب فألصق ظهره بالكعبيية ولذ‬
‫الغلم بأصبعه )أشار بأصبعه إلى السماء كالمتضرع الملتجىييء(‬
‫وما في السماء قزعة )قطعة من سحاب( فأقبل السييحاب ميين‬
‫ههنييا وههنييا وأغييدق واغييدودق )كييثر مطييره( وانفجيير الييوادي‬
‫وأخصب النادي وفي ذلك يقول أبييو طييالب مادحيا ً النييبي صييلى‬
‫اللييييييييييييييييييييييه عليييييييييييييييييييييييه وسييييييييييييييييييييييلم‬
‫وأبيييييييييييض يستسييييييييييقى الغمييييييييييام بييييييييييوجهه‬
‫ِثميييييييييييال اليتيييييييييييامى عصيييييييييييمة للراميييييييييييل‬
‫يليييييييييييوذ بيييييييييييه الهلك مييييييييييين آل هاشيييييييييييم‬
‫فهيييييييييم عنيييييييييده فيييييييييي نعمييييييييية وفواضيييييييييل‬
‫)الِثمال( بكسر المثلثة الملجأ والغياث‪ ،‬وقيل‪ :‬المطعييم فييي‬
‫الشدة‪) ،‬عصمة للرامل( أي يمنعهم من الضياع والحاجة‪ ،‬هذان‬
‫بيتان من قصيدة طويلة لبي طالب‪ ،‬وقد شاهد أبو طييالب هييذا‬
‫الستسقاء فنظم هذه القصيدة وقييد شيياهده مييرة أخييرى قبييل‬
‫هذه‪ ،‬فروى الخطابي حديثا ً فيه أن قريشا ً تتييابعت عليهييم سيينو‬
‫جدب في حياة عبد المطلب فارتقى هو ومن حضره من قريش‬
‫أبا قبيس )بالتصغير اسم الجبل المشرف على مكة( فقام عبييد‬
‫المطلب واعتضده صلى الله عليييه وسييلم فرفعييه علييى عيياتقه‬
‫وهو يومئذ غلم فقال أيفع أو قرب ثم دعا فسييقوا فييي الحييال‪،‬‬
‫فقييد شيياهد أبييو طييالب مييا دلييه علييى مييا قييال أعنييي قييوله‪:‬‬
‫»وأبييييييييييض يستسيييييييييقى الغميييييييييام بيييييييييوجهه«‪.‬‬
‫وكان الستسقاء في الجاهلية الولييى بخلف هييذه الطريقيية‬
‫فكانوا إذا تتابعت عليهم الزمات واشييتد الجييدب واحتيياجوا إلييى‬
‫ع‬
‫المطييار يجمعييون بقييرا ً معلقيية فييي أذنابهييا وعراقيبهييا السييل َ‬
‫والُعشيير ويصييعدون بهييا إلييى جبييل وعيير ويشييعلون فيهييا النييار‬
‫ويفرقون بينها وبين أولدها ويسوقون البقر إلى ناحيية المغيرب‬
‫دون سييائر الجهييات وتسييمى هييذه النييار الييتي يشييعلونها نييار‬
‫الستمطار‪ ،‬قال ابيين أبييي الحديييد‪ :‬وإنمييا ضييرموا النيييران فييي‬

‫أذناب البقر تفاؤل ً للبرق بالنار ويضجون بالدعاء والتضرع وكانوا‬
‫يييرون ذلييك ميين السييباب المتوصييل بهييا إلييى نييزول الغيييث‪.‬‬
‫كان عبد الليه أبييو رسيول الليه وأبييو طيالب ميين أم واحييدة‪،‬‬
‫وُروي أن أبا طالب قال لخيه العباس‪ :‬أل أخبرك عن محمد بما‬
‫ي فكنت ل أفييارقه‬
‫رأيت منه؟ فقال‪ :‬بلى‪ ،‬فقال‪ :‬إني ضممته إل ّ‬
‫ومه فييي‬
‫ساعة من ليل ول نهار ول آتمن عليه أحدًا‪ ،‬إني كنت أن ّ‬
‫فراشي فأمرته ليلة أن يخلع ثيابه وينييام معييي فرأيييت الكراهيية‬
‫في وجهه لكنه كره أن يخالفني‪ ،‬وقال‪ :‬يا عماه اصرف بوجهييك‬
‫عني حتى أخلع ثيابي إذ ل ينبغييي لحييد أن ينظيير إلييى جسييدي‪،‬‬
‫فتعجبت من قيوله وصيرفت بصيري حيتى دخييل الفييراش فلميا‬
‫دخلت معه الفراش إذا بيني وبينه ثوب‪ ،‬والله ما أدخلته فراشي‬
‫فإذا هو في غاية اللين وطيب الرائحة كأنه غمييس فييي المسييك‬
‫فجهدت لنظر إلى جسده فما كنت أرى شيييئا ً وكييثيرا ً مييا كنييت‬
‫أفتقده من فراشي فإذا قمت لطلبه ناداني‪ :‬ها أنا يا عم فأرجع‬
‫ولقد كنت كثيرا ً ما أسمع منه كلميا ً يعجبنييي وذلييك عنييد مضييي‬
‫مي علييى الطعييام والشييراب ول نحمييد‬
‫بعض الليل‪ ،‬وكنييا ل نس ي ّ‬
‫بعده وكان يقول في أول الطعام‪ :‬باسم اللييه الحييد‪ ،‬فييإذا فييرغ‬
‫من طعامه قال‪ :‬الحمد لله‪ ،‬فتعجبت منه ثم لم أر منه كذبة ول‬
‫ضيييييحكا ً ول جاهليييييية ول وقيييييف ميييييع صيييييبيان يلعبيييييون‪.‬‬
‫السيييييييييييفر إليييييييييييى الشيييييييييييام سييييييييييينة ‪582‬م‬
‫لما بلغ رسييول اللييه صييلى اللييه عليييه وسييلم اثنييتي عشييرة‬
‫سنة ‪ ،‬خرج مع عمه أبي طالب إلى الشييام فييي ركييب للتجييارة‬
‫سنة ‪582‬م فلمييا نييزل الركييب بصييرى ميين أرض الشييام وهييي‬
‫قصبة حوران وكانت في ذلك الوقت قصييبة للبلد العربييية الييتي‬
‫حيييرا‬
‫كانت تحت حكم الرومان وكان ببصييرى راهييب يقييال لييه ب َ ِ‬
‫في صومعة له‪ ،‬وكان ذا علم من أهل النصرانية ولييم يييزل فييي‬
‫تلك الصومعة راهبًا‪ ،‬إليه يصير علمهم عن كتاب يتوارثونه كابرا ً‬
‫عييييييييييييييييييييييييييييييييييييين كيييييييييييييييييييييييييييييييييييييابر‪.‬‬
‫فلما نزلوا ذلك العام ببحيرا وكانوا كثيرا ً ما يمييرون بييه قبييل‬
‫ذلك فل يكلمهم ول يعرض لهم حتى كييان ذلييك العييام نزلييوا بييه‬
‫قريبا ً من صومعته‪ ،‬فصنع لهم طعاما ً كثيرا ً وذلك عن شيييء رآه‬

‫وهيييييييييييييييييييييو فيييييييييييييييييييييي صيييييييييييييييييييييومعته‪.‬‬
‫فقد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الركب حييين‬
‫أقبلوا وغمامة تظله من بين القوم ثييم أقبلييوا فنزلييوا فييي ظييل‬
‫شييجرة قريبيا ً منييه فنظيير إلييى الغماميية حييتى أظلييت الشييجرة‬
‫وتهصرت أغصانها )مييالت( علييى رسييول اللييه صييلى اللييه عليييه‬
‫وسيييييييييييييلم حيييييييييييييتى اسيييييييييييييتظل تحتهيييييييييييييا‪.‬‬
‫فلما رأى ذلك بحيرا نزل من صومعته وقد أمر بذلك الطعام‬
‫فصنع ثم أرسل إليهم فقال‪ :‬إني صنعت لكم طعام يا ً يييا معشيير‬
‫قريش‪ ،‬فأنا أحب أن تحضروا كلكم صغيركم وكبيركم‪ ،‬وعبييدكم‬
‫وحركيييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييم‪.‬‬
‫قال له رجل منهم‪ :‬والله يا بحيرا إن لك لشأنا ً اليوم ما كنت‬
‫تصنع هذا بنا وقد كنا نمر بك كثيرا ً فمييا شييأنك اليييوم؟ قييال لييه‬
‫بحيرا‪ :‬صدقت قد كان ما تقول ولكنكييم ضيييف وقييد أحببييت أن‬
‫أكرمكم وأصنع لكم طعاما ً فتأكلون منه كلكم‪ .‬فاجتمعوا وتخلف‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم من بييين القييوم لحداثيية س يّنه‬
‫في رحال القوم تحت الشجرة‪ ،‬فلما نظر بحيرا في القوم ولييم‬
‫ير الصييفة الييتي يعييرف ويجييد عنييده قييال‪ :‬ييا معشيير قريييش ل‬
‫يتخلفن أحد منكم عن طعامي‪ ،‬قالوا‪ :‬يا بحيييرا مييا تخلييف عنييك‬
‫أحد ينبغي له أن يأتيك إل غلما ً وهو أحدث القييوم س ين ّا ً فتخلييف‬
‫في رحالهم‪ .‬فقال‪ :‬ل تفعلوا ادعوه فليحضر هذا الطعام معكييم‪.‬‬
‫ثم قام إليه رجل من قريش فاحتضنه وأجلسه مع القييوم‪ ،‬فلمييا‬
‫رآه بحييرا جعيل يلحظيه لحظيا ً شيديدا ً وينظير إليى أشيياء مين‬
‫جسده قد كان يجدها عنده من صفته حتى إذا فييرغ القييوم ميين‬
‫طعامهم وتفرقوا‪ ،‬قام إلييه بحييرا فقييال‪ :‬يييا غلم أسيألك بحييق‬
‫اللت والُعزى إل ما أخبرتني عمييا أسييألك عنييه؟ وإنمييا قييال لييه‬
‫بحيرا ذلك لنه سمع قومه يحلفون بهما‪ ،‬فييأبى رسييول اللييه أن‬
‫يستحلفه بهما‪ ،‬فقال له بحيرا‪ :‬فبييالله إل أخييبرتني عمييا أسييألك‬
‫عنه؟ فقال له‪ :‬سلني عما بدا لك‪ ،‬فجعل يسأله عن أشييياء ميين‬
‫حاله ومن نومه وهيئته‪ ،‬فجعل رسول الله يخبره بخبره فيوافق‬
‫ذلك ما عند َبحيرا من صفته ثم كشف عيين ظهييره فييرأى خيياتم‬
‫النبوة بين كتفيه وكان مثل أثر المحجميية )يعنييي أثيير المحجميية‬
‫القابضة عليى اللحييم حيتى يكييون نياتئًا( فلمييا فييرغ أقبيل علييى‬

‫عمه أبي طالب فقال له‪ :‬مييا هييذا الغلم منييك؟ قييال‪ :‬ابنييي‪،‬‬
‫قال له بحيرا‪ :‬ما هو بابنك وما ينبغي لهذا الغلم أن يكييون أبييوه‬
‫حي ًّا‪ ،‬قال‪ :‬فإنه ابن أخي‪ ،‬قال‪ :‬فما فعل أبوه؟ قال‪ :‬مييات وأمييه‬
‫حبلى به‪ ،‬قال‪ :‬صدقت‪ ،‬فارجع بابن أخيك إلى بلده واحذر عليييه‬
‫اليهود‪ ،‬فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغّنه شرا ً فييإنه‬
‫كائن له شأن عظيم‪ ،‬فأسرع به إلى بلييده‪ ،‬فخييرج بييه عمييه أبييو‬
‫طالب سريعا ً حتى أقدمه مكة حييين فييرغ ميين تجييارته بالشييام‪.‬‬
‫وف عليه من اليهود فنصح‬
‫إن بحيرا لما عرف رسول الله تخ ّ‬
‫لبي طييالب بييالرجوع بييه سييريعا ً والمحافظيية عليييه‪ ،‬وقييد روت‬
‫ض بعضهم بعضا ً على‬
‫حليمة أن اليهود كانوا إذا رأوه وعرفوه ح ّ‬
‫قتله حتى إنها كييانت تضييطر إلييى الختفيياء بييه والبتعيياد عنهييم‪،‬‬
‫ي وكييان‬
‫وعلى كل حال كانوا ينتظرون في ذلك الوقت ظهور نب ّ‬
‫بعييض المتعمقييين فييي الييدين يعرفييون علمييات ذلييك النييبي‪،‬‬
‫وسنذكر فيما بعد أوصافه صلى الله عليه وسلم المييذكورة فييي‬
‫التيييوراة ول شيييك أن عالميييا ً مثيييل بحييييرا كيييان يعرفهيييا‪.‬‬
‫الييييييييييييييرد علييييييييييييييى مسييييييييييييييتر مييييييييييييييوير‬
‫قال مستر ويليام موير في كتابه )حياة محمد( بشأن رحلتييه‬
‫صييييلى اللييييه عليييييه وسييييلم مييييع عمييييه إلييييى الشييييام‪:‬‬
‫»إن جميع الذين دونييوا سيييرة الرسييول قييد ذكييروا تفاصيييل‬
‫كييثيرة مضييحكة عيين هييذه الرحليية تييدل علييى عظميية نبييوته‬
‫المنتظييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييرة«‪.‬‬
‫ثم أورد قصة سفره كما ذكرت في هذا الكتاب وكما ذكرهييا‬
‫المؤرخون‪ ،‬وإنا ل ندري لماذا كانت هذه التفاصيل مضحكة فييي‬
‫نظر مستر مييوير إنييه يعييترف بييأن جميييع المييؤرخين رووا هييذه‬
‫التفاصيل ول شك أنه يستقي منهم سيرة الرسول‪ ،‬ومن بينهييم‬
‫من يعتمد عليه ويحتج بكلمه ويرفض ما يريد رفضه إذا لم تكن‬
‫الحادثة أو الرواية واردة في كتبهم أو إذا طرأ تحريف فييي نييص‬
‫ول مثل ً علييى ابيين إسييحاق وعلييى الطييبري‬
‫كلمهييم‪ ،‬فهييو يعيي ّ‬
‫والواقدي وغيرهم فكان الواجب عليييه باعتبييار كييونه مؤرخ يا ً أن‬

‫يقر هذه التفاصيل التي ذكرها جميع المؤرخين بل اسييتثناء‪ ،‬هيذا‬
‫وليس لديه رواية أثبت من روايتهم تعارض أو تنفي مييا ذكييروه‪،‬‬
‫أما كون هذه التفاصيل مضحكة‪ ،‬فهذا ما لييم يقييل بييه أحييد ميين‬
‫أكابر المؤرخين الذين استمد منهم مادته‪ ،‬وكان ينبغي عليييه أن‬
‫يقدر موقفه ويعلم أنه إنما يكتييب تاريييخ نييبي ل شييخص عييادي‪،‬‬
‫فالنبياء والرسل تقع في حياتهم أمور خارقة تدل علييى نبييوتهم‬
‫وتؤيد رسالتهم فالتي تقع قبل النبوة كالخوارق التي حدثت فييي‬
‫مولده صلى الله عليه وسييلم ومييا شيياهدته حليميية ميين تيسييير‬
‫الرزق والبركة وشق الصدر وما حدث أثناء سييفره إلييى الشييام‬
‫تسييمى إرهاصييات‪ ،‬والييتي تقييع بعييد النبييوة تسييمى معجييزات‪،‬‬
‫وكرامات الولياء كمعجزات النبياء غير أنهم لييم يييدعوا النبييوة‪،‬‬
‫َ‬
‫ف‬
‫ن أ َوْل ِي َييآء الل ّيهِ ل َ َ‬
‫خ يو ْ ٌ‬
‫ويجب اليمان بالولياء قال تعالى‪} :‬أل إ ِ ّ‬
‫ن{ )يونس‪ ،(62 :‬ول شك أن محمدا ً صييلى‬
‫حَزُنو َ‬
‫م يَ ْ‬
‫م وَل َ هُ ْ‬
‫عَل َي ْهِ ْ‬
‫الله عليه وسلم وقعت منه خوارق العادات قبييل النبييوة وبعييدها‬
‫ول سييبيل إلييى إنكييار مجمييوع إرهاصيياته ومعجزاتييه‪ ،‬أو ً‬
‫ل‪ :‬ميين‬
‫الوجهيية التاريخييية لن معاصييريه وكبييار الصييحابة قييد شيياهدوها‬
‫ورووهييا ورواهيا عنهييم كبيار المييؤرخين ولييو أبطلنييا مشيياهدتهم‬
‫وروايتهم لم يبق للتاريييخ قيميية‪ ،‬ثاني يًا‪ :‬ميين الوجهيية الدينييية لن‬
‫الييدين يقيير معجييزات النبييياء وكرامييات الولييياء‪ ،‬فميين ذلييك‬
‫معجزات عيسى عليه السلم فإنه تكلم فييي المهييد صييبيا ً وأبييرأ‬
‫الكميييييييييييه والبيييييييييييرص وأحييييييييييييى المييييييييييييت‪j.‬‬
‫ومع ذلك لم يقل أحد من المسلمين إن هذه أمور مضييحكة‪،‬‬
‫وكذا معجزات موسى عليه السلم وهييي مييذكورة فييي التييوراة‬
‫والقييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييرآن‪.‬‬
‫وفي العالم أنيياس ليسييوا بأنبييياء ول أولييياء تراهييم فييي كييل‬
‫زمان ممتازين علييى أبنيياء جيلهييم يييأتون أعمييال ً يسييتحيل علييى‬
‫غيرهم التيان بمثلها‪ ،‬ولقد شاهدنا في مصر فتى أمي ّا ً من أبنيياء‬
‫أحد المزارعين ذاع صيته ونشرت الجرائد صورته‪ ،‬هييذا الطفييل‬
‫يضرب أرقاما ً طوال ً وينطق بالجواب الصحيح بسهولة وبسييرعة‬
‫مدهشة من غير أن يخط بقلم‪ ،‬وقد رأيته شخصيا ً أكثر من مرة‬
‫وحييار فيييه علميياء الرياضيية وامتحنييه كبييار رجييال الحكوميية‬
‫والصحافة‪ ،‬فهذا إنسان عاديّ لييه موهبيية خاصيية أذهلييت عقييول‬

‫الخاصة‪ ،‬فكيف يمكيين إنكييار هييذه الموهبيية الخارقيية والفييتى ل‬
‫يزال حي ّا ً بين ظهرانينا يحل المسييائل فييي الطييرق ويجيييب كييل‬
‫سييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييائل‪.‬‬
‫فإذا جاء رجل مثل مستر موير بعد ذلك بجيل أو أكثر وزعييم‬
‫أن هذه خرافة مضحكة ابتدعها المصريون‪ ،‬لم يغي ّيير ذلييك شيييئا ً‬
‫مييييييييييييييييييييييييييييييييييين الحقيقييييييييييييييييييييييييييييييييييية‪.‬‬
‫وقد تواترت الروايات أن زكريا عليه السييلم كييان يجييد عنييد‬
‫مريم فاكهة الشتاء فييي الصيييف وفاكهيية الصيييف فييي الشييتاء‪،‬‬
‫فثبت أن الذي ظهر في حق مريم كان فعل ً خارقا ً للعييادة‪ ،‬ولييم‬
‫يقيييييييييييييل أحيييييييييييييد إن ذليييييييييييييك مضيييييييييييييحك‪.‬‬
‫وي ُييروى أن عيسييى عليييه السييلم لمييا ادعييى النبييوة وأظهيير‬
‫المعجزات أخذوا يتعنتييون عليييه وطييالبوه بخلييق خفيياش‪ ،‬فأخييذ‬
‫وره ثم نفخ فيه فييإذا هييو يطييير بييين السييماء والرض‪،‬‬
‫طينا ً وص‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ن ك َهَي ْئ َةِ الط ّي ْرِ فََأنُف ي ُ‬
‫ه‬
‫قال تعالى‪} :‬أ َِنى أ َ ْ‬
‫خ ِفي ي ِ‬
‫م ّ‬
‫خل ُقُ ل َك ُ ْ‬
‫م َ‬
‫ن الطي ِ‬
‫فَي َ ُ‬
‫ه{ )آل عمييران‪ ،(49 :‬فهييل قييال أحييد إن‬
‫ن الل ّي ِ‬
‫كو ُ‬
‫ن ط َي ًْرا ب ِإ ِذ ْ ِ‬
‫هذا أميير مضييحك؟ فلميياذا يسييتبعدون الرهاصييات والمعجييزات‬
‫على رسول الله؟ وروى القرآن أن عيسى تكلم في المهد‪ ،‬وقد‬
‫سييأله الحواريييون أن ينييزل عليهييم مييائدة ميين السييماء فسييأل‬
‫عيسى الله أن ينزل عليهم مائدة من السييماء تكييون عيييدا ً لهييم‬
‫وآية من الله فاستجاب الله دعاءه‪ ،‬فهل قال المسلمون إن هذا‬
‫مضيييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييحك؟‪.‬‬
‫مييييييييييييييييييييين هيييييييييييييييييييييو بحييييييييييييييييييييييرا؟‬
‫كان َبحيرا الذي مر ذكره راهبا ً مسيحيا ً في الشام فييي ذلييك‬
‫الوقت وقد ذكر في »الداب البيزنطييية« أنييه راهييب نسييطوري‬
‫علييى مييذهب أريييوس ونسييطور‪ ،‬وكييان ينكيير لهييوت المسيييح‬
‫ويقول إن تسميته بإله غير جائزة بل يجب أن يييدعى كلميية وأن‬
‫تدعى والييدته مريييم والييدة الناسييوت الييذي هييو مظهيير الكلميية‬
‫سا ً فلكيا ً منجم يا ً وقييد اتخييذ‬
‫السامي ل والدة الله‪ .‬وكان بحيرا ق ّ‬
‫صومعته بقرب الطريق الموصل إلى الشييام وأقييام هنيياك مييدة‬
‫تمر عليه العربان والقوافل فكييان يييأمرهم بعبييادة اللييه الواحييد‬

‫وينهاهم عن عبادة الصنام‪ ،‬له تلميذ اسييمه مييذهب‪ ،‬وكييان ميين‬
‫جملة المتتلمذين له سلمان الفارسييي قبييل إسييلمه‪ ،‬ولسييلمه‬
‫قصييييييييية غريبييييييييية سيييييييييتذكر فيييييييييي موضيييييييييعها‪.‬‬
‫قييال مييذهب‪ :‬إن بحيييرا تييوفي قييتيل ً بدسيسيية بعييض يهييود‬
‫أشرار‪ ،‬ومعنييى َبحيييرا فييي السييريانية عييالم متبحيير‪ ،‬وجيياء فييي‬
‫»دائرة المعارف السلمية« أن اسم بحيرا مشييتق ميين الكلميية‬
‫الرامية بحيرا ومعناها المنتخييب فهييو لقييب لييه‪ ،‬قيييل‪ :‬إن اسييم‬
‫بحيييييييرا المسيييييييحي هييييييو سييييييرجيوس أو جرجيييييييوس‪.‬‬
‫رعيييييييييية رسيييييييييول الليييييييييه الغنيييييييييم بمكييييييييية‬
‫قال رسول الله صلى الله عليه وسلم »مييا ميين نييبي إل قييد‬
‫رعى الغنم«‪ ،‬قالوا‪ :‬وأنت يا رسول الله؟ قييال‪» :‬وأنييا«‪ ،‬وقييال‪:‬‬
‫»ما بعث الله نبيا ً إل رعييى الغنييم« قييال لييه أصييحابه‪ :‬وأنييت يييا‬
‫رسول الله؟ قال‪» :‬وأنا رعيتهييا لهييل مكيية بييالقراريط«‪ ،‬وعيين‬
‫جابر بن عبد الله قال‪ :‬كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم نجني‬
‫ال َ‬
‫كباث فقال‪» :‬عليكم بالسود منه فإنه أطيبه فإني كنت أجنيييه‬
‫إذ كنت راعي الغنم«‪ ،‬قلنا‪ :‬وكنت ترعى الغنم يييا رسييول اللييه؟‬
‫قال‪» :‬نعم‪ ،‬وما من نبي إل وقد رعاها«‪ ،‬قيل‪ :‬من حكم ذلك أن‬
‫راعي الغنم التي هي من أضعف البهائم تسكن في قلبه الرأفيية‬
‫واللطف فإذا انتقل من ذلك إلى رعاييية الخلييق كييان قييد هييذب‬
‫أو ً‬
‫ل‪.‬‬
‫حييييييييييييرب الفجييييييييييييار )‪580‬‬

‫‪-‬‬

‫‪(590‬‬

‫أيام الفجار أربعيية‪ ،‬فالفجييار الول كييان بييين كنانيية وهييوازن‪،‬‬
‫والثاني بين قريش وكنانية‪ ،‬والثييالث بيين كنانية وبنييي نضيير بين‬
‫معاوية ولم يكن فيييه كييبير قتييال‪ ،‬والفجييار الخييير بييين قريييش‬
‫وكنانة كلها وهوازن وكان بين هييذا الخييير ومبعييث النييبي صييلى‬
‫الله عليه وسلم خمس وعشرون سنة ‪ ،‬وقد شييهد النييبي صييلى‬
‫الله عليه وسلم الفجار الخير وهو ابن خمس عشرة سنة وكان‬
‫سببها أن النعمان بن المنذر أمير الحيرة بعيث بلطيمية ليه إليى‬
‫سوق عكاظ للتجارة وأجارها له عروة الرجال ميين بنييي هييوازن‬
‫فنزلوا على ماء يقال له أوراة‪ ،‬فيوثب الييبّراض‪ ،‬خليييع مين بنييي‬

‫كنانة على عروة فقتله وهرب إلييى خيييبر فاسييتخفى بهييا ولقييي‬
‫بشر بن أبي خييازم السييدي الشيياعر فييأخبره الخييبر وأمييره أن‬
‫يعلم ذلك عبدالله بن جيدعان وهشيام بين المغييرة وحيرب بين‬
‫أمية ونوفل بن معاوية الديلي وبلعاء بيين قيييس‪ ،‬فييوافى عكيياظ‬
‫فأخبرهم فخرجوا مييوائلين منكشييفين إلييى الحييرم وبلييغ قيس يا ً‬
‫الخبر آخر ذلك اليوم فقال أبو براء رئيس هييوازن‪ :‬مييا كنييا ميين‬
‫قريش إل في خدعة فخرجوا فييي آثييارهم فييأدركوا وقييد دخلييوا‬
‫الحرم فناداهم رجل من بني عامر يقييال لييه الردم بيين شييعيب‬
‫بأعلى صوته‪ :‬إن ميعاد ما بيننا وبينكم هذه الليالي من قابل وأنا‬
‫ل نيييييييييييييييييييييأتلي فيييييييييييييييييييييي جميييييييييييييييييييييع‪.‬‬
‫ولم تقم تلك السنة سوق عُ َ‬
‫كاظ فمكثت قريش وغيرها ميين‬
‫كنانيية وأسييد بيين خزيميية وميين لحييق بهييم ميين الحييابيش سيينة‬
‫يتأهبون لهذه الحرب وتأهبت قيس عيلن ثم حضروا ميين قابييل‬
‫ورؤساء قريش‪ :‬عبد الله بن جدعان وهشام بن المغيرة وحرب‬
‫بن أمية وأبو أحيحة سعيد بن العاص وعتبيية بيين ربيعيية والعيياص‬
‫بن وائل ومعمر بن حبيب الجمحي وعكرمة بن عامر بن هاشييم‬
‫بن عبد مناف بن عبد الدار وخرجوا متساندين ويقال بل أمُرهم‬
‫إلى عبد الله بن جدعان وكان في قيس أبو براء عامر بن مالك‬
‫مة‬
‫صي ّ‬
‫بن جعفر وسبيع وربيعة بن معاوييية النضييري وُدريييد بيين ال ّ‬
‫ومسعود بن معتب وأبو عروة بن مسعود وعوف بن أبي حارثيية‬
‫المري وعباس بن رعل السلمي‪ ،‬وهؤلء هم الرؤسيياء والقييادة‪،‬‬
‫وُيقال‪ :‬بل كان أمرهم جميعا ً إلى أبي بييراء وكييانت الراييية بيييده‬
‫وى صفوفهم فالتقوا فكانت الييدبرة )الهزيميية( أول‬
‫وهو الذي س ّ‬
‫النهار لقيس وكنانة على هوازن ومن ضييوى إليهييم‪ ،‬ثييم صييارت‬
‫الدبرة آخر النهار لقريش وكنانة على قيس فقتلوهم قتل ً ذريع يا ً‬
‫حتى نادى عتبيية بين ربيعية ييومئذ ‪ -‬وإنيه لشياب ميا كمليت ليه‬
‫ثلثون سنة ‪ -‬إلى الصلح فاصطلحوا على أن يدوا القتلى وودت‬
‫قريييش لقيييس مييا قتلييت فضيل ً عيين قتلهييم ووضييعت الحييرب‬
‫أوزارهيييييييييييا فانصيييييييييييرفت قرييييييييييييش وقييييييييييييس‪.‬‬
‫قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكيير الفجييار فقييال‪:‬‬
‫»قد حضرته مع عمومتي ورميت فيه بأسهم وما أحييب أنييي لييم‬

‫أكن أفعل«‪ ،‬وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم »كنت أنبل‬
‫علييييييييى أعمييييييييامي« يعنييييييييي أنيييييييياولهم النبييييييييل‪.‬‬
‫حلييييييييييييييييييييييييييييييييف الفضييييييييييييييييييييييييييييييييول‬
‫ِ‬
‫حلف الفضول منصرف قريش من الفجار وكان أشيرف‬
‫كان ِ‬
‫حلف‪ ،‬وأول من دعا إليه الزبير بن عبد المطلب فيياجتمعت بنييو‬
‫هاشم وزهرة وتيييم فييي دار عبييد اللييه بيين جييدعان فصيينع لهييم‬
‫طعاما ً فتعاقدوا وتعاهدوا بالله لنكونن مع المظلوم حييتى يييؤدي‬
‫إليه حقه ما ب ّ‬
‫ل بحر صوفة‪ ،‬وفي التآسي في المعاش‪ ،‬فسييمت‬
‫قريش ذلك الحلف حلف الفضول‪ ،‬وعن رسول الله صييلى اللييه‬
‫عليه وسلم أنه قال‪» :‬ما أحييب أن لييي بحلييف حضييرته فييي دار‬
‫ابن جييدعان حميير النعييم وإنييي أعييذر بييه هاشييم وزهييرة وتيييم‪،‬‬
‫تحالفوا أن يكونوا مع المظلوم ما ب ّ‬
‫ل بحر صوفة ولو دعيييت بييه‬
‫لجبييييييييييييت وهييييييييييييو حلييييييييييييف الفضييييييييييييول«‪.‬‬
‫هيييييييييل سيييييييييافر النيييييييييبي إليييييييييى اليمييييييييين؟‬
‫قال الستاذ »فيييل« اللميياني ‪ :Weil‬إن رسييول اللييه سييافر‬
‫في السادسة عشرة من عمره إلى اليمن مع عمييه الزبييير فييي‬
‫رحلة تجارية‪ ،‬ورد عليييه الييدكتور إشييبرنجر ‪ Dr. Sprenger‬إن‬
‫هذا الخبر ليس لييه أسيياس صييحيح وإنييه لييم يجييده فييي الكتييب‬
‫الموثوق بها‪ ،‬والحقيقة كما قال الدكتور إشبرنجر‪ ،‬نعم قييد ذكيير‬
‫الطبري رواية جاء فيها‪ :‬أن خديجة إنما كانت استأجرت رسييول‬
‫الله ورجل ً آخر من قريش إلى سوق حباشة بتهامة الخ‪ ،‬غير أنه‬
‫جاء في الطبري بعييد ذلييك أن الواقييدي قييال‪»:‬فكييل هييذا خطييأ‬
‫والمشهور رواية ابن إسحاق وهي رحلته إلى الشام« كذلك لييم‬
‫يسافر الرسول إلى الحبشة بطريييق البحيير ول إلييى فييارس ول‬
‫إليييييى مصييييير فكيييييل هيييييذا مييييين الوهيييييام الكاذبييييية‪.‬‬
‫ابتعيياده صييلى اللييه عليييه وسييلم عيين معييايب الجاهلييية‬
‫كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكييره كشييف العييورة‬
‫قبل البعثة‪ ،‬وسمع وهو صغير من دار من دور مكة غناء وصوت‬

‫دفوف في حفلة زواج فنام فما أيقظيه إل حير الشيمس‪ ،‬وكيان‬
‫يأبى أن يحضر مع قومه العيد الذي كانوا يقيمونه لصنم يقال له‬
‫)بوانة( حتى غضب عليه عمه أبو طالب وعماته‪ ،‬ولم يذق شييئا ً‬
‫ذبح على الصنام حييتى أكرمييه اللييه برسييالته‪ ،‬ولييم يييدخل فييي‬
‫يهودية أو نصرانية‪ ،‬واعتزل الوثان ونهى عن الوأد وكان يحييهييا‬
‫وإذا أراد أحد ذلك أخذ الموءودة من أبيهييا وتكّفلهييا‪ ،‬ولييم يلعييب‬
‫الميسر ولم يشييرب خمييرا ً قييط مييع أنهييا كييانت منتشييرة إل أن‬
‫تحريم الخمر ليس ميين خصائصييه صييلى اللييه عليييه وسييلم بييل‬
‫حّرمها على نفسه كثير في الجاهلية لما في شييربها ميين آفييات‬
‫ي‬
‫وسيئات‪ ،‬وحّرمهييا ميين أجييداده صييلى اللييه عليييه وسييلم ُقصي ّ‬
‫ن عقوبيية‬
‫وعبدالمطلب‪ ،‬لكن السلم حّرمهييا تحريميا ً عا ّ‬
‫ميا ً وسي ّ‬
‫لشييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييياربها‪.‬‬
‫وعييادة وأد البنييات ميين أفظييع الجييرائم الييتي تقشييعر منهييا‬
‫البدان فحّرمها واستأصل شأفتها السلم وطهّيير العييرب منهييا‪،‬‬
‫َ‬
‫قال تعالى في سورة التكوير‪} :‬وَإ ِ َ‬
‫ب‬
‫وءود َةُ ُ‬
‫سئ ِل َ ْ‬
‫ذا ال ْ َ‬
‫ت ب ِأىّ َذنيي ٍ‬
‫م ْ‬
‫ت{ )التكييييييييييييييييييوير‪،8 :‬يييييييييييييييييي ‪.(9‬‬
‫قُت َِليييييييييييييييييي ْ‬
‫الرحليييييييييية الثانييييييييييية إلييييييييييى الشييييييييييام ‪595‬م‬
‫لما بلغ رسول الله صلى الله عليييه وسييلم خمسيا ً وعشييرين‬
‫سنة ‪ ،‬قال له أبو طالب‪ :‬أنا رجل ل مال لي وقد اشييتد الزمييان‬
‫علينا وهذه عير قومك وقد حضر خروجها إلييى الشييام وخديجيية‬
‫بنييت خويلييد تبعييث رجييال ً ميين قومييك فييي عيراتهييا فلييو جئتهييا‬
‫فعرضت عليها نفسك لسرعت إليك‪ .‬وبلغ خديجة مييا كييان ميين‬
‫محاورة عمه له فأرسلت إليه في ذلك وقييالت لييه‪ :‬أنييا أعطيييك‬
‫ضعف ما أعطييي رجل ً ميين قومييك‪ .‬فخييرج مييع غلمهييا ميسييرة‬
‫وجعل عمومته يوصييون بييه أهييل العييير حييتى قييدم ُبصييرى ميين‬
‫الشام وهي مدينة على طريق دمشق فنييزل فييي ظييل شييجرة‪،‬‬
‫فقال نسطور الراهب‪ :‬ما نزل تحت هذه الشجرة قييط إل نييبي‪،‬‬
‫ثم قال لميسرة‪ :‬أفي عينيه حمرة؟ قال‪ :‬نعييم ل تفييارقه‪ ،‬قييال‪:‬‬
‫ي وهو آخر النبياء‪ ،‬وكان ميسرة إذا كانت الهاجرة واشييتد‬
‫هو نب ّ‬
‫الحر‪ ،‬يرى ملكين يظلن رسول الله صلى الله عليه وسلم ميين‬
‫الشمس فوعى ذلك كله ميسرة وباعوا تجارتهم وربحوا ضييعف‬

‫ما كانوا يربحون‪ ،‬فلما رجعوا أخبرها ميسييرة بمييا قييال الراهييب‬
‫نسطور‪ ،‬فلما رأت خديجة الربح الكييثير أضييعفت لييه ضييعف مييا‬
‫سيييييييييييييييييييييييييييييييييييييمت ليييييييييييييييييييييييييييييييييييييه‪.‬‬
‫قال مستر موير عنيد ذكير هيذه الرحلية‪» :‬إن محميدا ً صيلى‬
‫الله عليه وسلم لييم يكيين فييي وقييت ميين الوقييات طامع يا ً فييي‬
‫الغنى‪ ،‬إنما كيان سيعيه لغييره وليو تيرك المير لنفسيه لثير أن‬
‫يعيش في هدوء وسلم قانعا ً بحالته ولما فكر في رحليية كهييذه‪،‬‬
‫ولكيين لمييا عييرض عليييه عمييه السييفر شييعرت نفسييه الكريميية‬
‫بضيييرورة تفرييييج كربييية عميييه فأجييياب طلبيييه مسيييرورًا‪.‬‬
‫تزويييييج رسييييول اللييييه خديجيييية رضييييي اللييييه عنهييييا‬
‫ي‬
‫كانت خديجة بنت خويلد بن أسد بيين عبييد العييزى بيين قصي ّ‬
‫امرأة حازمة جلدة شريفة غنية جميلة من أواسط قريش نسييبا ً‬
‫وأعظمهم شرفًا‪ ،‬وكانت تدعى في الجاهلية بالطيياهرة وبسيييدة‬
‫قريش‪ ،‬وقد عرض كثيرون عليها الزواج فلييم تقبييل‪ ،‬فلمييا رجييع‬
‫رسييول اللييه صييلى اللييه عليييه وسييلم ميين رحلتييه إلييى الشييام‪،‬‬
‫أرسلت إليه من يرغبه فيي اليزواج وقييل‪ :‬إنهيا أرسيلت أختهييا‪،‬‬
‫وقيل‪ :‬أرسلت نفيسة مولة لها‪ ،‬فقال‪» :‬ما بيدي ما أتزوج به«‪،‬‬
‫فقالت‪ :‬فإن كفيت ذلك ودعيت إلى المييال والجمييال والشييرف‬
‫والكفاءة أل تجيب؟ قال‪» :‬فمن هي؟«‪ ،‬قالت له‪ :‬خديجة‪ ،‬قال‪:‬‬
‫»فأنا أفعل«‪ ،‬فييذهبت فييأخبرت خديجيية فأرسييلت إليييه أن ائت‬
‫لساعة كذا وكذا وأرسلت إلى عمهييا عمييرو بيين أسييد ليزوجهييا‪،‬‬
‫فحضر ودخل رسول الله صلى اللييه عليييه وسييلم فييي عمييومته‬
‫فزوجييه أحييدهم‪ ،‬فقييال عمييرو بيين أسييد‪» :‬هييذا البضييع ل يقييرع‬
‫أنفه«‪ ،‬وتزوجها رسو ُ‬
‫ل اللييه صييلى اللييه عليييه وسييلم وهييو ابيين‬
‫خمس وعشرين سنة وخديجة يومئذ بنت أربعييين سيينة ‪ ،‬وذلييك‬
‫بعيييييييييد عيييييييييودته مييييييييين الشيييييييييام بشيييييييييهرين‪.‬‬
‫وقد حضر رؤساء مضر وحضر أبو بكر رضي اللييه عنييه ذلييك‬
‫العقييييييييييييييد‪ ،‬فقييييييييييييييال أبييييييييييييييو طييييييييييييييالب‪:‬‬
‫»الحمد لله الذي جعلنييا ميين ذرييية إبراهيييم وزرع إسييماعيل‬
‫وضئضىء معد )معدنه( وعنصر مضر )أصله( وجعلنا حضنة بيتييه‬
‫واس حرمييه‪ ،‬وجعييل لنييا بيت يا ً محجوجيا ً وحرم يا ً آمنيا ً وجعلنييا‬
‫وس ّ‬

‫الحكام على الناس‪ ،‬ثم إن ابن أخي هذا محمد بيين عبييد اللييه ل‬
‫يوزن برجل إل رجح به شرفا ً ونبل ً وفضل ً وعق ً‬
‫ل‪ ،‬فييإن كييان فييي‬
‫المال قل فإن المييال ظييل زائل وأميير حييائل‪ ،‬ومحمييد ميين قييد‬
‫عرفتم قرابته وقد خطب خديجة بنت خويلد وبذل لهييا مييا آجلييه‬
‫وعاجله كذا‪ ،‬وهييو واللييه بعييد هييذا لييه نبييأ عظيييم وخطيير جليييل‬
‫جسيم«‪ ،‬فلما أتم أبو طالب الخطبة تكلم ورقة بيين نوفييل ابيين‬
‫م خديجييييييييييييييييييييية فقيييييييييييييييييييييال‪:‬‬
‫عييييييييييييييييييييي ّ‬
‫»الحمد لله الذي جعلنا كما ذكرت وفضييلنا علييى مييا عييددت‬
‫فنحن سادة العرب وقادتها وأنتم أهل ذلك كله ل تنكر العشيييرة‬
‫فضلكم ول يرد أحد من الناس فخركم وشرفكم؛ وقد رغبنا في‬
‫ي معاشر قريش بأني قد‬
‫التصال بحبلكم وشرفكم فاشهدوا عل ّ‬
‫زوجت خديجة بنت خويلد من محمد بن عبد الله على كييذا« ثييم‬
‫سيييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييكت‪.‬‬
‫فقال أبو طالب‪ :‬قد أحببييت أن يشييركك عمهييا‪ ،‬فقييال عمهييا‬
‫عمييييييييييييييييييييييرو بيييييييييييييييييييييين أسييييييييييييييييييييييد‪:‬‬
‫ي يا معشر قريش أني قد أنكحت محمد بن عبد‬
‫»اشهدوا عل ّ‬
‫الله خديجة بنت خويلييد« فقبييل النييبي صييلى اللييه عليييه وسييلم‬
‫النكيييييياح وشييييييهد علييييييى ذلييييييك صييييييناديد قريييييييش‪.‬‬
‫وأولم عليهييا صييلى اللييه عليييه وسييلم فنحيير جييزورًا‪ ،‬وقيييل‪:‬‬
‫جزورييين وأطعييم النيياس وأمييرت خديجيية جواريهييا أن يرقصيين‬
‫ويضربن الدفوف‪ ،‬وفرح أبو طالب فرحيا ً شييديدا ً وقييال‪ :‬الحمييد‬
‫لله الذي أذهب عنا الكرب ودفع عنا الغمييوم‪ ،‬وهييي أول وليميية‬
‫أولمهيييييا رسيييييول الليييييه صيييييلى الليييييه علييييييه وسيييييلم‬
‫قال الواقدي‪ :‬ويقولون أيضًا‪ :‬إن خديجة أرسييلت إلييى النييبي‬
‫صلى الله عليه وسلم تدعوه إلى نفسها )تعني التزويج( وكييانت‬
‫امرأة ذات شرف وكان كل قرشي حريصا ً على نكاحها قد بذلوا‬
‫الموال لو طمعوا بذلك فدعت أباهييا فسييقته خمييرا ً حييتى ثمييل‬
‫ونحرت بقرة وخلقته بخلوق وألبسته حلة حبرة ثييم أرسييل إلييى‬
‫رسول الله صلى الله عليييه وسييلم فييي عمييومته فييدخلوا عليييه‬
‫فزوجه‪ ،‬فلما صحا قال‪ :‬ما هذا العقير وما هييذا العييبير ومييا هييذا‬
‫الحبير؟ قالت‪ :‬زوجتني محمد بن عبد الله‪ ،‬قال‪ :‬ما فعلت‪ ،‬أّنييى‬

‫أفعل هذا وقد خطبك أكابر قريييش فلييم أفعييل‪ ،‬قييال الواقييدي‪:‬‬
‫وهذا غلط‪ ،‬والثبت عندنا محفوظ من حديث محمد بن عبد اللييه‬
‫بن مسلم عن أبيه عن محمد بن جبير بن مطعييم‪ ،‬وميين حييديث‬
‫ابن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه عيين عائشيية‪ ،‬وميين‬
‫حديث ابن أبي حبيبة عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابيين‬
‫عباس »أن عمها عمرو بن أسد زوجها رسييول اللييه صييلى اللييه‬
‫عليه وسييلم وأن أباهييا )خويلييد بيين أسييد( مييات قبييل الفجييار«‪.‬‬
‫تزوج خديجة قبل رسول الله صلى الله عليه وسييلم يي وهييي‬
‫بكر ‪ -‬عتيق بن عائذ بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم ثييم هلييك‬
‫عنهييييا وتزوجهييييا بعييييده أبييييو هاليييية النبيييياش بيييين زرارة‪.‬‬
‫وولدت خديجة لعتيق‪ ،‬هندا ً بنت عتيق وولدت لبي هالة هندا ً‬
‫بنت أبي هالة‪ ،‬وهالة بن أبي هالة‪ ،‬فهند بنت عتيق وهنييد وهاليية‬
‫ابنا أبي هالية وكلهيم أخييوة أولد رسييول الليه صييلى الليه عليييه‬
‫وسيييييييييييييييييييييلم مييييييييييييييييييييين خديجييييييييييييييييييييية‪.‬‬
‫وبعد زواج رسول الله صييلى اللييه عليييه وسييلم بخديجيية لييم‬
‫يسافر فييي رحليية للتجييارة بييل أقييام بمكيية إلييى أن هيياجر إلييى‬
‫المدينييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييية‪.‬‬
‫وولدت خديجة لرسيول الليه صيلى الليه علييه وسيلم جميييع‬
‫ولده إل ّ إبراهيم فإنه من مارية القبطييية‪ ،‬فييأكبر أولده القاسييم‬
‫وبه كان ُيكنى‪» :‬أبا القاسم« ثم الطّيب‪ ،‬ثم الطاهر‪ ،‬ثييم رقييية‪،‬‬
‫ثييم زينييب‪ ،‬ثييم أم كلثييوم‪ ،‬ثييم فاطميية‪ ،‬قييال الواقييدي‪ :‬ولييم أر‬
‫أصيييييحابنا يثبتيييييون الطّييييييب ويقوليييييون هيييييو الطييييياهر‪.‬‬
‫تجدييييييييييييد بنييييييييييياء الكعبييييييييييية سييييييييييينة ‪605‬م‬
‫الكعبة هي بييت الليه الحيرام‪ ،‬وهيو بنياء مربيع الشيكل فيي‬
‫وسط المسجد الحرام‪ ،‬بابه مرتفع على الرض نحو قاميية‪ ،‬وقييد‬
‫بنى الكعبة إبراهيم عليه السلم لعبييادة اللييه‪ ،‬وهييو رسييول ميين‬
‫أولي العزم أرسله الله إلى الكلدانيين فييي جنييوب بابييل وكييانوا‬
‫يعبدون النجوم والوثان‪ ،‬ثييم تييرك إبراهيييم قييومه حييين عصييوه‬
‫وهيياجر إلييى مييدين وهنيياك أمييره اللييه تعييالى بييالهجرة بولييده‬
‫إسماعيل‪ ،‬وأمه هاجر إلى بلد العييرب فقصييدوا مكيية ثييم أمييره‬

‫الله ببناء الكعبة‪ .‬قال السيد المام التقي الفاسي‪ :‬بنيياء الخليييل‬
‫إبراهيم عليييه الصييلة والسييلم الكعبيية ثييابت بالكتيياب والسيّنة‪،‬‬
‫وروى الزرقي في »تاريخه« عن ابن إسييحاق أن الخليييل عليييه‬
‫ما بنى الييبيت جعييل طييوله فييي السييماء تسييع‬
‫الصلة والسلم ل ّ‬
‫أذرع وجعل طوله في الرض من قبل وجه البيت الشيريف مين‬
‫الحجر السود إلى الركيين السييود إلييى الركيين الشييامي اثنييتين‬
‫وثلثين ذراعا ً وجعل عرضه في الرض ميين قبييل الميييزاب ميين‬
‫الركن الشييامي إلييى الركيين الغربييي الييذي يسييمى الن الركيين‬
‫العراقي اثنتين وعشييرين ذراعيا ً وجعييل طييوله فييي الرض ميين‬
‫جانب ظهر البيت الشريف من الركن الغربي المييذكور اليميياني‬
‫إحدى وثلثين ذراعا ً وجعل عرضه في الرض من الركن اليماني‬
‫إلى الحجر السود عشرين ذراعًا‪ ،‬وجعل البيياب لصييقا ً بييالرض‬
‫وب حييتى جعييل لهييا تبييع الحميييري بابيًا‪.‬‬
‫غير مرتفع عنهييا ول مبي ّ‬
‫ومقام إبراهيم عليييه السييلم بييإزاء وسييط الييبيت الييذي فيييه‬
‫الباب‪ ،‬قال ياقوت في »معجييم البلييدان«‪ :‬إن خصييائص الكعبيية‬
‫كثيرة وفضائلها ل تحصى ول يسييع كتابنييا هييذا إحصيياء الفضييائل‬
‫وليست أميية فييي الرض إل وهييي تعظييم ذلييك الييبيت وتعييترف‬
‫بقدمه وفضييله وأنييه ميين بنيياء إبراهيييم حييتى اليهييود والنصييارى‬
‫والمجوس والصابئة‪ ،‬وقد بقيت الكعبة عليى هيئتهييا مين عمييارة‬
‫إبراهيم عليه السلم إلى أن بلغ النييبي صييلى اللييه عليييه وسييلم‬
‫خمسا ً وثلثين سنة من عمره فخافت قريييش أن تهييدم لتصييدع‬
‫جييدرانها بسيييل دخلهييا بعييد حريييق أصييابها وكييانت رضييما ً فييوق‬
‫جييدة فتحطمييت فخييرج‬
‫القامة وكان البحر قد رمى بسفينة إلى ُ‬
‫الوليد بن المغيرة في نفر من قريش فابتيياعوا خشييبها وأعييدوه‬
‫لتسقيفها‪ ،‬وكان بمكة نجار يدعى باقوم مولى سعيد بن العيياص‬
‫وصانع المنبر الشريف فأمروه أن يلي بناء الكعبيية وكييان صييلى‬
‫الله عليه وسيلم ينقييل الحجيارة معهييم فلميا بليغ البنيياء موضييع‬
‫الحجر السود اختلفوا فيمن يضييع الحجيير موضييعه وأرادت كييل‬
‫قبيلة رفعه وتواعدوا للقتال ثم تشاوروا بينهم فجعلييوا أول ميين‬
‫يدخل من باب بنييي شيييبة يقضييي بينهييم‪ ،‬فكييان أول ميين دخييل‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأوه‪ ،‬قالوا‪ :‬هييذا المييين‬
‫رضينا به‪ ،‬وأخبروه الخبر فوضييع رسييول اللييه صييلى اللييه عليييه‬

‫وسلم رداءه وبسطه على الرض ثم أخذ الحجر فوضعه فيه ثم‬
‫قال‪» :‬لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثييوب ثييم ارفعييوه«‪ ،‬ففعلييوا‬
‫فلمييا بلغييوا موضييعه‪ ،‬وضييعه هييو بيييده الشييريفة فرضييوا بييذلك‬
‫وانتهوا عن الشرور‪ ،‬وكانت قريييش تسييمي رسييول اللييه صييلى‬
‫الله عليه وسلم قبل أن ينزل عليه الوحي المين‪ ،‬لوقاره وهديه‬
‫وصيييييييييدق لهجتيييييييييه وبعيييييييييده عييييييييين الدنييييييييياس‪.‬‬
‫وفي كتاب »تهذيب السماء«‪ :‬أن أول امييرأة عربييية كسييت‬
‫الكعبة الحرير‪ ،‬نتيلة أم العبيياس وسييببه أن العبيياس ضيياع وهييو‬
‫صيييغير فنيييذرت إن وجيييدته أن تكسيييوها فوجيييدته ففعليييت‪.‬‬
‫تسيييييميته بيييييالمين صيييييلى الليييييه علييييييه وسيييييلم‬
‫جاء في »دائرة المعارف البريطانية« في ترجمة حياته صلى‬
‫مه )آمنة(‬
‫الله عليه وسلم أن تسميته بالمين مأخوذة من اسم أ ّ‬
‫وإن كان العرب ل يجعلون علقة بينهما في هذه التسييمية‪ ،‬هييذا‬
‫ما زعمه كاتب الترجمة في دائرة المعارف البريطانية فهو يريد‬
‫أن يقول‪ :‬إن العرب لم يسموه أمينا ً لمانته بل لن اسم والدته‬
‫آمنة فل فخر ول فضل‪ ،‬والحقيقة التاريخية هييي أنييه صييلى اللييه‬
‫عليه وسييلم سييمي أمينيا ً لمييانته ولييذا اسييتخدمته خديجيية فييي‬
‫تجارتهييا فربحييت ربحييا ً طييائل ً ثييم تزوجتييه لثقتهييا بييه‪ ،‬وكييانوا‬
‫يستأمنونه على ودائعهم وقد جعله قومه حكميا ً بينهييم فييي بنيياء‬
‫الكعبة عن طيب نفس‪ ،‬قال المسيو سيديو ‪ Sedillot‬في كتابه‬
‫»تاريخ العرب«‪» :‬ولما بلغ محمد ميين العميير خمس يا ً وعشييرين‬
‫سنة استحق بحسيين سيييرته واسييتقامة سييلوكه مييع النيياس أن‬
‫يلقب )بالمين(‪ .‬وقال موير ‪ :Muir‬إنه لقب بالمين بإجماع أهل‬
‫بلييده لشييرف أخلقييه‪ .‬وكتييب لفظيية أمييين بالنجليزييية هكييذا‪:‬‬
‫‪.Faithful‬‬
‫وكان أهل مكة يستأمنونه صلى الله عليييه وسييلم ويودعييون‬
‫عنده ودائعهم إلى أن هاجر إلى المدينة وترك عليا ً مكانه فبقييي‬
‫حيييييييتى رد اليييييييودائع إليييييييى أربابهيييييييا ثيييييييم هييييييياجر‪.‬‬
‫خلقيييه صيييلى الليييه علييييه وسيييلم فيييي طفيييولته وشيييبابه‬

‫الخبار عن حاله صلى الله عليييه وسييلم فييي طفييولته قليليية‬
‫غير مستفيضة لعدم العناية بتدوين السيرة وقتئذ‪ ،‬ونذكر هنا أنه‬
‫كان صلى الله عليه وسلم في صغره يلعب ذات مرة مع غلمان‬
‫قريش فكييانوا يحملييون الحجييارة فييي أ ُُزرهييم فتبييدو عييوراتهم‪،‬‬
‫فخالفهم صلى الله عليه وسييلم وصييار يحملهييا علييى رقبتييه لئل‬
‫تيييييييييييييييييييييييييييييييييييرى عيييييييييييييييييييييييييييييييييييورته‪.‬‬
‫ي ‪ -‬رضي الله عنه ‪ -‬قال‪ :‬سمعت رسول الله صييلى‬
‫وعن عل ّ‬
‫م بيه أهيل‬
‫الله عليييه وسيلم يقيول‪» :‬مييا هممييت بقبيييح مميا هي ّ‬
‫الجاهلية حتى أكرمني الله بالنبوة إل مرتين من الييدهر كلتاهمييا‬
‫عصمني الله عز وجل من فعلهما‪ :‬قلييت لفييتى كييان معييي ميين‬
‫قريش بأعلى مكة في غنم لهله يرعاها‪ :‬أبصر لي غنمييي حييتى‬
‫أسمر هذه الليلة بمكة كما يسمر الفتيان‪ ،‬قال‪ :‬نعم‪ ،‬فلما جئت‬
‫أدنى دار من مكة سمعت غناء وصوت دفوف ومزامير‪ ،‬فقلييت‪:‬‬
‫ما هذا؟ قيالوا‪ :‬فلن تييزوج فلنيية‪ ،‬فلهيوت بييذلك الصيوت حيتى‬
‫س الشمس فرجعت إلييى‬
‫غلبني النوم فنمت‪ ،‬فما أيقظني إل م ّ‬
‫صاحبي‪ ،‬فقال‪ :‬ما فعلت؟ فأخبرته‪ ،‬ثم فعلت الليلة الخرى مثل‬
‫ذليييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييك«‪.‬‬
‫إن الله إذا أراد أن يحفظ شخصًا‪ ،‬سد عليييه أبييواب الملهييي‬
‫والفساد وأوجد العقبات في طريقها وصده عن سبيلها بكيفية ل‬
‫تخطر على بال‪ ،‬لذلك سلط جييل شييأنه عليييه صييلى اللييه عليييه‬
‫وسلم النعاس حتى ل يشاهد شيئا ً مميا كيان يجيري فيي أفيراح‬
‫الجاهلية من لهو وفرح وخمر وما شاكل ذلك‪ ،‬ليبقى نقيا ً طاهرا ً‬
‫ميييييين كييييييل شييييييائنة بييييييل ميييييين كييييييل ريبيييييية‪u.‬‬
‫وعن أم أيمن قالت‪ :‬كانوا في الجاهلييية يجعلييون لهييم عيييدا ً‬
‫عند بوانة‪ ،‬وهو صيينم ميين أصيينام مكيية تعبييده قريييش وتعظمييه‬
‫وتنسك أي تذبح له وتحلف عنده‪ ،‬وتعكف عليه يوميا ً إلييى الليييل‬
‫في كل سنة ‪ ،‬فكان أبو طالب يحضر مييع قييومه ويكلييم رسييول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم أن يحضر ذلك العيد معه فيأبى ذلك‪.‬‬
‫قالت‪ :‬حتى رأيت أبا طالب غضييب عليييه ورأيييت عميياته غضييبن‬
‫عليه أشد الغضب وجعلن يقلن‪ :‬إنا نخاف عليك ممييا تصيينع ميين‬
‫اجتناب آلهتنا وما تريد يا محمد أن تحضر لقومك عيييدا ً ول تكييثر‬

‫لهييم جمعيا ً فلييم يزالييوا بيه حييتى ذهييب معهييم‪ ،‬ثييم رجييع فزعيا ً‬
‫مرعوبًا‪ ،‬فقلن‪ :‬ما دهاك؟ فقال‪ :‬إني أخشى أن يكييون بييي لميم‬
‫)أي لمة وهي المس من الشيطان(‪ ،‬فقلن‪ :‬ما كان الله ليبتليييك‬
‫بالشيطان وفيك من خصال الخييير مييا فيييك‪ ،‬فمييا الييذي رأيييت؟‬
‫فقال‪» :‬إني كلما دنوت من صنم تمّثل لييي رجييل أبيييض طويييل‬
‫يصيح بي‪» :‬وراءك يييا محمييد ل تمسييه«‪ ،‬قييالت‪ :‬فمييا عيياد إلييى‬
‫عييييييدهم حيييييتى تنبيييييأ صيييييلى الليييييه علييييييه وسيييييلم‬
‫ولم يذق صلى الله عليه وسلم شيئا ً ذبح على الصنام‪ ،‬وقيل‬
‫له عليه الصلة والسلم‪ :‬هل عبدت وثنا ً قط؟ قال‪» :‬ل«‪ ،‬قالوا‪:‬‬
‫هل شربت خمرًا؟ قييال‪» :‬مييا زلييت أعييرف أن الييذي هُييم عليييه‬
‫كفر«‪ ،‬وما كنت أدري ما الكتاب ول اليمان )أي كيفييية الييدعوة‬
‫ي‬
‫إليهما(‪ ،‬وعنه صلى الله عليه وسييلم »لمييا نشييأ ُ‬
‫ت بغضييت إل ي ّ‬
‫الصييييييييييييييييييييييييييييييينام والشيييييييييييييييييييييييييييييييعر«‪.‬‬
‫وكان عليه الصلة والسلم يرعى الغنييم فييي صييغره لزيييادة‬
‫الرحميية فييي قلبييه فكييان يرعاهييا لهييل مكيية كمييا تقييدم‪.‬‬
‫ي صلى الله عليه وسلم حرب الفجار‪ ،‬قيل‪ :‬وكان‬
‫وحضر النب ّ‬
‫ليييه مييين العمييير ‪ 14‬سييينة وكيييان ينييياول عميييومته السيييهام‪.‬‬
‫وحضيييير صييييلى اللييييه عليييييه وسييييلم حلييييف الفضييييول‪.‬‬
‫ولما سافر إلى الشام في تجارة لخديجة ‪ -‬رضي الله عنهيا ‪-‬‬
‫ظهرت أمانته ونجح في تجارته وربح ربحيا ً طييائ ً‬
‫ل‪ ،‬قييال ميسييرة‬
‫غلم خديجة‪ :‬يا محمد اتجرنا لخديجة )كذا سفرة( ما رأينا ربحييا ً‬
‫قط أكثر من هذا الربح‪ .‬وقد أحبه ميسييرة حب يا ً عظيم يا ً لمييا رآه‬
‫مييييييييييييين أميييييييييييييانته وحسييييييييييييين أخلقيييييييييييييه‪.‬‬
‫وممييا يييدل علييى رجاحيية وحضييور بييديهته لحييل المشييكلت‪،‬‬
‫الطريقة الييتي ابتكرهييا لشييراك المتنييازعين فييي وضييع الحجيير‬
‫السييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييود‪.‬‬
‫وقد وثقت به خديجة لما بلغها من صدق حديثه وعظم أمانته‬
‫وكرم أخلقه فاستأجرته ليتاجر بها وضاعفت له الجيير‪ ،‬كييانت ‪-‬‬
‫رضي الله عنها ‪ -‬امرأة عاقلة شريفة فلما عاد صلى اللييه عليييه‬
‫وسييلم وأخبرهييا غلمهييا عيين حميييد صييفاته دعتييه عليييه الصييلة‬
‫والسلم وقالت له‪ :‬إني رغبت فيك لقرابتك منيي وشيرفك فيي‬

‫قومك وأمانتك عندهم وحسن خلقك وصدق حديثك ثم عرضييت‬
‫عليه نفسها فلما تزوجها كان مثال الزوج الصييالح وكييان موضييع‬
‫احترامها وتقديرها‪ ،‬يدل على ذلك قولهييا لييه بعييد نييزول الييوحي‬
‫وهي تهدىء روعه‪» :‬والله ل يخزيك الله أبدًا‪ ،‬إنك لتصل الرحييم‬
‫وتحمييل الكي ّ‬
‫ل وتكسييب المعييدوم وَتقييري الضيييف وتعييين علييى‬
‫نوائب الحق« وقد كانت أول من آمن به‪ ،‬وقال رسول الله فييي‬
‫حقها‪» :‬أفضل نساء الجنيية خديجيية بنييت خويلييد‪ ،‬وفاطميية بنييت‬
‫محمييد‪ ،‬ومريييم ابنيية عمييران وآسييية بنييت مزاحييم« )امييرأة‬
‫فرعون(‪ .‬وكان رسول الله صلى الليه علييه وسيلم يثنيي عليهيا‬
‫كثيرا ً أمييام عائشيية ‪ -‬رضييي اللييه عنهييا ‪ -‬حييتى أدركتهييا الغيييرة‪،‬‬
‫فالوفاق بينهما في المعيشة الزوجية كان بالغا ً حده ول شك أن‬
‫هذا من حسن الخلق وصفاء السيييرة والسييريرة‪ .‬ولمييا أدركييت‬
‫عائشة ‪ -‬رضي الله عنها ‪ -‬الغيييرة ميين حسيين ثنييائه صييلى اللييه‬
‫عليه وسلم على خديجة قالت‪ :‬هل كانت إل عجوزا ً فقييد أبييدلك‬
‫الله خيرا ً منها‪ ،‬فغضب رسول الله حتى اهتز مقدم شييعره ميين‬
‫الغضب ثم قال‪» :‬ل والله ما أبدلني الله خيرا ً منها‪ .‬آمنت بي إذ‬
‫كفر الناس‪ ،‬وصدقتني وكييذبني النيياس‪ ،‬وواسييتني فييي مالهييا إذ‬
‫حرمنييييييي النيييييياس‪ ،‬ورزقنييييييي اللييييييه منهييييييا أولدا ً إذ‬
‫حرمني أولد النساء«‪ ،‬قالت عائشيية‪ :‬فقلييت فييي نفسييي‪ :‬ل‬
‫أذكرها بسيئة أبدًا‪ .‬فكان عليه السلم متحليا ً في صغره وشييبابه‬
‫بخييييير الخلل وأجييييل الصييييفات بعيييييدا ً عيييين الشييييبهات‪.‬‬
‫رسييالة محمييد صييلى اللييه عليييه وسييلم ثباتهييا ميين التييوراة‬
‫والنجييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييل‬
‫أرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى النيياس كافيية ناسييخا ً‬
‫َ‬
‫ك إ ِل ّ َ‬
‫س يل ْن َ َ‬
‫ة‬
‫كآفّ ي ً‬
‫مييآ أْر َ‬
‫بشريعته الشرائع الماضية‪ ،‬قال تعالى‪} :‬وَ َ‬
‫ّللناس بشيرا ً ونذيرا ً ول َك َ‬
‫ن{ )سييبأ‪.(28 :‬‬
‫ََ ِ‬
‫ّ ِ َ ِ‬
‫مييو َ‬
‫س ل َ ي َعْل َ ُ‬
‫َ ِ ّ‬
‫ن أك ْث ََر الّنا ِ‬
‫ن عََلى عَب ْدِهِ ل ِي َ ُ‬
‫وقال‪} :‬ت ََباَر َ‬
‫ذى ن َّز َ‬
‫ن‬
‫ن ل ِل ْعَل َ ِ‬
‫ك ال ّ ِ‬
‫كو َ‬
‫ل ال ُْفْرَقا َ‬
‫مييي َ‬
‫ذيرًا{ )الفرقيييييييييييييييييييييييييييييان‪.(1 :‬‬
‫َنييييييييييييييييييييييييييييي ِ‬
‫وقييد وردت البشييارة بييه فييي التييوراة والنجيييل والزبييور‪.‬‬
‫فجاء في قول يوحنا حكاية عيين المسيييح عليييه السييلم )ص‬
‫‪ 14‬ف ‪ (15‬مييييييييييييييييييييييييييييييا يييييييييييييييييييييييييييييييأتي‪:‬‬

‫)إن كنتم تحبونني فيياحفظوا وصيياياي وأنييا أطلييب ميين الب‬
‫فيعطيكم فارقليطيا ً آخيير ليمكييث معكيم إليى البييد‪ ،‬روح الحيق‬
‫الذي ل يستطيع العالم أن يقبله لنه ل يراه ول يعرفه وأما أنتييم‬
‫فتعرفييييييييونه لنييييييييه ميييييييياكث معكييييييييم وفيكييييييييم(‪.‬‬
‫وفي ص ‪ 16‬ف ‪) :5‬وأما الن فأنا ماض إلييى الييذي أرسييلني‬
‫وليس أحد منكم يسألني أين تمضي لكن لني قلت لكم هذا قد‬
‫مل الحزن قلوبكم لكني أقول لكم الحق إنه خير لكم أن أنطلق‬
‫لنييه إن لييم أنطلييق ل يييأتيكم الفييارقليط ‪ Paraclete‬لكيين إن‬
‫ذهبت أرسله إليكم ومتى جاء ذاك يبك ّييت العييالم علييى خطيئتييه‬
‫وعلى بّر وعلى دينونة‪ ،‬أما على الخطيئة فلنهييم ل يؤمنييون بييي‬
‫وأما على بّر فلني ذاهب إلى أبي ول تروننييي أيض يا ً وأمييا علييى‬
‫دينونة فلن رئيس هذا العالم قد دين‪ ،‬إن لي أمورا ً كثيرة أيضييا ً‬
‫لقول لكم ولكن ل تستطيعون أن تحتملوا الن وأمييا مييتى جيياء‬
‫ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق لنه ل يتكلييم ميين‬
‫نفسه بيل كيل ميا يسييمع يتكلييم بيه ويخييبركم بييأمور آتييية‪ ،‬ذاك‬
‫يمجييييييدني لنييييييه ل يأخييييييذ ممييييييا لييييييي ويخييييييبركم(‪.‬‬
‫إن هذه الترجمة رديئة فالسييلوب ضييعيف واللفيياظ مكييررة‬
‫تكرارا ً ل مسوغ له والجمل مفككة خالية من الروح ولذا ل يتأثر‬
‫منها القارىء وترجمة الفارقليط أو البييارقليط بالعربييية )أحمييد(‬
‫ْ‬
‫مب َ ّ‬
‫ميين‬
‫ل ي َيأِتى ِ‬
‫شييرا ً ب َِر ُ‬
‫كما قال تعالى في كتابه العزيييز‪} :‬وَ ُ‬
‫سييو ٍ‬
‫بعدى اسم َ‬
‫د{ )الصف‪ ،(6 :‬وقد تص يّرف المييترجمون فييي‬
‫َْ ِ‬
‫م ُ‬
‫هأ ْ‬
‫ح َ‬
‫ْ ُ ُ‬
‫هذه اللفظة فكييانوا تييارة ينقلونهييا عيين اللغييات الثلث الصييلية‬
‫وهي‪ :‬العبرانية والكلدانية واليونانية بالمغزى وأخييرى بييالمخلص‬
‫أو يكتبونهييييييييييييا البييييييييييييارقليط كمييييييييييييا هييييييييييييي‪.‬‬
‫ومن يقرأ هذه النصوص وينعم النظيير فييي معناهييا ومرماهييا‬
‫يجد أن عيسييى عليييه السييلم بشيير برسييالة نبينييا عليييه أفضييل‬
‫الصلة والسلم فسماه فارقليطا ً آخر يعني رسييول ً غيييره تبقييى‬
‫ي ول رسييول‪ ،‬وقييال‪:‬‬
‫شريعته إلى قيام الساعة ول يأتي بعده نب ّ‬
‫إنه إن لم يكن ينطلق ل يأتي الفارقليط وقد بك ّييت النييبي صييلى‬
‫الله عليه وسلم النصييارى واليهييود الييذين أنكييروا نبييوة المسيييح‬

‫وأساءوا إليه وحرفوا دينه وقد أرشد النبي عليه الصلة والسلم‬
‫الناس كافة إلى الحق وكان ل يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع‬
‫ي يوحى‪ ،‬وثبت أنه‬
‫يتكلم به أي ل ينطق عن الهوى إن هو إل وح ٌ‬
‫جد عيسى عليه السييلم‪،‬‬
‫أخبر بأمور آتية وقد وقع ما أخبر به وم ّ‬
‫وتدل آيات القرآن الكريم على ما ورد فييي النجيييل فييإن النييبي‬
‫صلى الله عليه وسلم )الفارقليط الييذي أتييى بعييد عيسييى عليييه‬
‫السلم( ل يتكلم من نفسييه بييل كييل مييا يسييمع يتكلييم بييه وأنييه‬
‫ما ُ‬
‫يرشد إلى الحق‪ .‬قال تعالى‪} :‬قُ ْ‬
‫مآ‬
‫ت بِ ْ‬
‫ن الّر ُ‬
‫ل وَ َ‬
‫دعا ً ّ‬
‫كن ُ‬
‫ل َ‬
‫س ِ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫ل بى ول َ بك ُم إن أ َ‬
‫أَ‬
‫حى إ ِل َ‬
‫مييآ أن َيا ْ إ ِل ّ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ي‬
‫يو‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ما‬
‫ل‬
‫إ‬
‫ع‬
‫ب‬
‫ت‬
‫ع‬
‫ف‬
‫ْ‬
‫ي‬
‫ما‬
‫رى‬
‫د‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ى وَ َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫مرِن َييا‬
‫نَ ِ‬
‫ن{ )الحقاف‪} ،(9 :‬وَكذل ِك أوْ َ‬
‫نأ ْ‬
‫حي َْنآ إ ِلي ْك ُروحا ّ‬
‫ذيٌر ّ‬
‫م ْ‬
‫مِبي ٌ‬
‫ما ُ‬
‫ه‬
‫دى ب ِي ِ‬
‫ه ن ُييورا ً ن ّهْ ي ِ‬
‫ن وَل َ ِ‬
‫كن َ‬
‫ما ال ْك ِت َ ُ‬
‫جعَل ْن َي ُ‬
‫لي َ‬
‫ت ت َد ِْرى َ‬
‫كن َ‬
‫َ‬
‫م ُ‬
‫ب وَل َ ا ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ميين ن ّ َ‬
‫م{‬
‫ن ِ‬
‫صيير ٍ‬
‫دى إ ِلييى ِ‬
‫عَبادَِنييا وَإ ِّنييك لت َْهيي ِ‬
‫شييآء ِ‬
‫م ْ‬
‫ط ّ‬
‫َ‬
‫ميي ْ‬
‫سييت َِقي ٍ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫مييا‬
‫ح ِ‬
‫مُنوا وَعَ ِ‬
‫)الشورى‪َ} ،(52 :‬وال ِ‬
‫ص يل ِ َ‬
‫من ُييوا ب ِ َ‬
‫ت َوءا َ‬
‫ن ءا َ‬
‫ملوا ال ّ‬
‫ذي َ‬
‫ل عََلى محمد وهُو ال ْحق من ربهم ك َّفر عَنهم سييئ َت ِهم وأ َ‬
‫ن ُّز َ‬
‫ح‬
‫ص يل َ َ‬
‫َ ُْ ْ َ ّ ِ ْ‬
‫ُ َ ّ ٍ َ َ َ ّ ِ ّ ِّ ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ت الل ّهِ ن َت ُْلوهَييا عَل َي ْي َ‬
‫م{ )محمد‪} ،(2 :‬ت َل ْ َ‬
‫ى‬
‫ك ب ِييال ْ َ‬
‫ك ءاي َ ُ‬
‫َبال َهُ ْ‬
‫حقّ فَب ِيأ ّ‬
‫ن{ )الجاثيييييية‪.(6 :‬‬
‫ث ب َعْيييييد َ الل ّيييييهِ َوءاي َت ِيييييهِ ي ُؤْ ِ‬
‫دي ٍ‬
‫حييييي ِ‬
‫من ُيييييو َ‬
‫َ‬
‫وإذا كان الفارقليط ل يشير إلى محمد رسول الله صلى الله‬
‫عليه وسلم فإلى من يشير إذن؟ وأييين الييذي جيياء بعييد عيسييى‬
‫عليه السلم؟ ومن هو الذي ب ّ‬
‫كت العالم على خطيئته وميين هييو‬
‫روح الحق الذي ل يتكلم من نفسه الخ‪ ،‬أليس هييو رسييول اللييه‬
‫صييييييييييييييلى اللييييييييييييييه عليييييييييييييييه وسييييييييييييييلم‬
‫وجاء في وصية موسى الكليم عليه السلم كمييا فييي ص ‪23‬‬
‫ف ‪ :2‬ميييييييييييييييييين التثنييييييييييييييييييية ولفظييييييييييييييييييه‪:‬‬
‫)قال‪ :‬جاء الرب من سيناء وأشرق من ساعير واستعلن من‬
‫سيينة ميين نييار‪ ،‬أحييب‬
‫فيياران ومعييه ألييوف الطهييار فييي يمينييه ِ‬
‫الشعوب جميع الطهار بيده والذين يقتربون من رجليييه يقبلييون‬
‫مييييييييييييييييييييييييييييييييييين تعليميييييييييييييييييييييييييييييييييييه(‪.‬‬
‫هذه الوصية هي آخر وصايا موسى عليه السييلم‪ ،‬وقييد أخييبر‬
‫بعيسى ومحمد عليهما الصلة والسلم ووضح لهم أن اللييه جيياء‬
‫من سيناء وأوصاكم بواسطتي باتباع التوراة ويستشييرق عليكييم‬
‫بواسطة عيسى من ساعير وهي جبال فلسطين فلم يبق إل أن‬
‫يستعلن من جبال فاران )والمييراد بهييا مكيية وهييي البلييدة الييتي‬

‫سكنها إسييماعيل( وألييوف الطهييار هييم الصييحابة رضييوان اللييه‬
‫سنة ميين نييار وهييي الشييريعة السييلمية لنهييا‬
‫عليهم‪ ،‬في يمينه ِ‬
‫أحرقييييييييييييييييييييييييييييييت المشييييييييييييييييييييييييييييييركين‪.‬‬
‫ولما كان من المهم أن نعرف مكان فاران الييتي وردت فييي‬
‫وصية موسى بحثت عنها في أشهر المراجيع الموثيوق بهيا فقيد‬
‫جاء في »معجم ياقوت« جزء ‪ 6‬صييفحة ‪ 323‬طبييع مصيير سيينة‬
‫‪) 1324‬فاران هي من أسماء مكة ورد ذكرها في التوراة قيييل‪:‬‬
‫هي اسم لجبال مكة(‪ .‬وجاء في كتاب »صييفة جزيييرة العييرب«‬
‫للهمداني طبع ليدن ‪ 1883‬صفحة ‪ :170‬وأما معدن فران فييإنه‬
‫ي بن عمييرو كميا قيييل فيي جبيال الحييرم‬
‫نسب إلى َفرا َ‬
‫ن بن َبل ّ‬
‫جبال فاران وذكرت بذلك في التوراة وهي نسبة إلى فاران بيين‬
‫عمليييق‪ .‬وجيياء فييي كتيياب »العلم بييأعلم بيييت اللييه الحييرام«‬
‫تأليف قطب الدين النهروالي المكي طبع ليبسيييك سيينة ‪1857‬‬
‫ص ‪ 18‬عنيييييييد ذكييييييير أسيييييييماء مكييييييية ميييييييا ييييييييأتي‪:‬‬
‫)وميين أسييمائها كييوثى لن كييوثى اسييم لمحييل ميين قيقعييان‬
‫وفاران والمقدسة وقرية النمل لكثرة نملها والحاطمة لحطمهييا‬
‫للجبابرة والوادي والحرم الخ( فلم يبق شك في أن فاران جبال‬
‫بمكييية أو هيييي مكييية نفسيييها سيييميت باسيييم تليييك الجبيييال‪.‬‬
‫وجاء في سفر أشعيا الصييحاح الحييادي والربعييين‪) :‬أنصييتي‬
‫م يتكلمييوا‪،‬‬
‫ي أيتهييا الجييزائر ولتجييدد القبييائل قييوة ليقييتربوا ث ي ّ‬
‫إل ّ‬
‫لنتقدم معا ً إلى المحاكمة من أنهض من المشييرق الييذي يلقيييه‬
‫النصر عند رجليه دفع أمامه أمما ً وعلى ملييوك سييلطه‪ ،‬جعلهييم‬
‫كالتراب بسيفه وكالقش المنذري بقوسه‪ ،‬طردهم‪ ،‬ميير سييالما ً‬
‫في طريق لم يسلكه برجليه من فعل وصنع داعيا ً الجيييال ميين‬
‫البدء أنييا الييرب الول ومييع الخرييين أنييا هييو( والمييراد بالقبييائل‬
‫العرب وصاحب السيييف والقييوس هييو محمييد صييلى اللييه عليييه‬
‫وسيييييييلم فيييييييإن عيسيييييييى ليييييييم يحيييييييارب أصييييييي ً‬
‫ل‪.‬‬
‫وجاء في الفصل ‪ 18‬من الكتاب الخامس ميين سييفر التثنييية‬
‫أن الله تعالى قال لموسى عليييه السييلم‪) :‬قييل لبنييي إسييرائيل‬
‫إني أقيم لهم آخر الزمان نبيا ً مثلك من بني إخوتهم( وكييل نييبي‬
‫بعث بعد موسى كان من بنييي إسييرائيل وآخرهييم عيسييى عليييه‬

‫السلم فلم يبق أن يكون من بني إخوتهم إل نبينا محمييد صييلى‬
‫الله عليه وسلم لنه من ولد إسماعيل وإسماعيل أخييو إسييحاق‬
‫وإسحاق جد بني إسرائيل فهييذه هييي الخييوة الييتي ذكييرت فييي‬
‫التوراة ولو كانت هذه البشارة بنبي من أنبياء بني إسييرائيل لييم‬
‫يكيييييييييييييين لييييييييييييييذكر إخييييييييييييييوتهم معنييييييييييييييى‪.‬‬
‫وجاء في كتاب الرؤيا المنسوب إلى يوحنا النجيلييي فييي ص‬
‫‪ 19‬ف ‪ 11‬ما نصه‪):‬ثم رأيت السماء مفتوحة وإذا فرس أبيييض‬
‫والجالس عليه يدعى أمينا ً صادقا ً وبالعدل يحكم ويحارب وعيناه‬
‫كلهيب نار وعلى رأسه تيجان كثيرة وله اسم مكتوب ليس أحييد‬
‫يعرفه إل هو( وهناك قال‪ :‬إنه يحارب ول شك أنييه محمييد صييلى‬
‫الله عليه وسلم وقد كان يدعى قبيل الرسيالة بيالمين الصيادق‬
‫كمييييييييييييييييييييييييييييييييييييا أسييييييييييييييييييييييييييييييييييييلفنا‪.‬‬
‫وجاء فيي رؤييا يوحنيا اللهيوتي ص ‪ 19‬ف ‪) :15‬ومين فميه‬
‫يخرج سيف ماض لكي يضرب بييه المييم وهييو سيييرعاهم بعصييا‬
‫من حديد وهو يدوس معصرة خمر سييخط وغضييب اللييه القييادر‬
‫على كل شيء( والمراد من قوله يخرج ميين فمييه سيييف ميياض‬
‫الخ هو القرآن الكريم‪ ،‬وقد داس النبي صلى اللييه عليييه وسييلم‬
‫معصرة خمر أعني أنه حّرم الخمر تحريميا ً قطعييًا‪ ،‬أمييا عيسييى‬
‫فقد روى عنه المسيحيون أنه قلب الماء خمرا ً في عرس قانييا‪،‬‬
‫وُروي عنيييييه أنيييييه قيييييال عييييين الخمييييير إنهيييييا دميييييه‪.‬‬
‫هذه النصوص المذكورة في التوراة والنجيل ناطقة برسييالة‬
‫محمد عليه الصلة والسلم‪ ،‬لهذا لما كان بحيرا الراهب متبحرا ً‬
‫في علم النصييرانية فقييد عييرف النييبي صييلى اللييه عليييه وسييلم‬
‫وأخبره برسالته ممييا اطلييع عليييه فييي الكتييب المقدسيية ففيهييا‬
‫أوصافه عليه الصلة والسلم وشيييء ميين إرهاصيياته ومعجزاتييه‬
‫وكانت حليمة السعدية تعرض النبي صلى الله عليه وسلم عليى‬
‫اليهود والكهان وتحدثهم بشأنه فيعرفونه ميين أوصييافه وأحييواله‬
‫م‬
‫وقد أخبر برسالته عليه الصلة والسلم ورقة بن نوفل ابن عيي ّ‬
‫خديجة وكان شيخا ً نصراني ّا ً عندما أخبره رسول الله صييلى اللييه‬
‫عليه وسلم بما رأى من الوحي إذ قال لييه‪» :‬هييذا هيو النيياموس‬
‫ما سيأتي ذكييره‬
‫الذي نزل الله على موسى« إلى آخر ما قال م ّ‬

‫في موضعه‪ ،‬هذا وقد أنذر اليهود برسول الليه صيلى الليه علييه‬
‫وسييييلم وإليييييك مييييا جيييياء فييييي سيييييرة ابيييين هشييييام‪:‬‬
‫إنيييذار يهيييود برسيييول الليييه صيييلى الليييه علييييه وسيييلم‬
‫قال ابن إسييحاق‪ :‬وحييدثني عاصييم بين عمير بيين قتييادة عين‬
‫رجال من قومه قالوا‪ :‬إن مما دعانا إلى السلم مع رحمة اللييه‬
‫وهداه لنا ما كنا نسمع من رجال يهود وكنا أهل شرك وأصحاب‬
‫أوثان وكانوا أهل كتاب‪ ،‬عندهم علييم ليييس لنييا وكييانت ل تييزال‬
‫بيننا وبينهم شرور فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنييا إنييه‬
‫ي يبعث الن نقتلكم معه قتل عاد وإرم‪ .‬فكنا‬
‫قد تقارب زمان نب ّ‬
‫كثيرا ً ما نسمع ذلك منهم‪ ،‬فلما بعييث اللييه رسييوله أجبنيياه حييين‬
‫دعانا إلى الله وعرفنا ما كانوا يتوعدوننا به فبادرناهم إليه فآمنا‬
‫م‬
‫ما َ‬
‫جآءهُ ْ‬
‫به وكفروا به وفيهم نزلت هذه اليات من البقرة‪} :‬وَل َ ّ‬
‫م وَ َ‬
‫من قَب ْي ُ‬
‫ن‬
‫ن ِ‬
‫كاُنوا ْ ِ‬
‫حو َ‬
‫س يت َْفت ِ ُ‬
‫ك ِت َ ٌ‬
‫ل يَ ْ‬
‫معَهُ ْ‬
‫ما َ‬
‫صد ّقٌ ل ّ َ‬
‫عندِ الل ّهِ ُ‬
‫ب ّ‬
‫م َ‬
‫م ْ‬
‫ه‬
‫ما عََرفُييوا ْ ك ََفيُروا ْ ب ِيهِ فَل َعْن َي ُ‬
‫جآء ُ‬
‫ة الل ّي ِ‬
‫عََلى ال ّ ِ‬
‫ما َ‬
‫هم ّ‬
‫ن ك ََفُروا ْ فَل َ ّ‬
‫ذي َ‬
‫ن{ )البقييرة‪ ،(89 :‬قييال ابيين هشييام‪ :‬يسييتفتحون‬
‫ري ي َ‬
‫عَل َييى ال ْك َِف ِ‬
‫يستنصييرون‪ :‬ويسييتفتحون أيض يا ً يتحيياكمون‪ ،‬وفييي كتيياب اللييه‬
‫َ‬
‫ن{‬
‫ت َ‬
‫خي ْيُر ال َْفت ِ ِ‬
‫ن قَوْ ِ‬
‫مَنا ِبال ْ َ‬
‫تعالى‪َ} :‬رب َّنا افْت َ ْ‬
‫حقّ وَأن ي َ‬
‫حي ي َ‬
‫ح ب َي ْن ََنا وَب َي ْ َ‬
‫)العيييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييراف‪.(89 :‬‬
‫قال ابن إسحاق‪ :‬وحدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحميين‬
‫بن عوف بن محمود بن لبيييد بيين عبييد الشييهل عيين سييلمة بيين‬
‫سلمة بن وقش وكان سلمة من أصحاب بدر‪ ،‬قال‪ :‬كان لنا جار‬
‫من يهود في بني عبد الشهل قال‪ :‬فخرج علينييا يوميا ً ميين بيتييه‬
‫حتى وقف على بني عبد الشييهل قييال سييلمة‪ :‬وأنييا يييومئذ ميين‬
‫ي بييردة لييي مضييطجع فيهييا بفنيياء أهلييي‬
‫أحدث من فيه سن ّا ً علي ّ‬
‫فذكر القيامة والبعث والحساب والميييزان والجنيية والنييار قييال‪:‬‬
‫فقال ذلك لقوم أهل شرك أصحاب أوثان ل يرون أن بعثا ً كييائن‬
‫بعد الموت‪ ،‬فقالوا له‪ :‬ويحك يا فلن أترى هييذا كائنيا ً أن النيياس‬
‫يبعثييون بعييد مييوتهم إلييى دار فيهييا جنيية ونييار ويجييزون فيهييا‬
‫ن لييه بحظييه ميين‬
‫بأعمالهم؟ قال‪ :‬نعم والذي ُيحلف بييه‪ ،‬ويييود ّ أ ّ‬
‫تلييك النييار أعظييم تنييور فييي الييدار يحمييونه ثييم يييدخلونه إييياه‬

‫فيطينونه عليه بأن ينجو من تلك النار غدًا‪ ،‬فقالوا له‪ :‬ويحييك يييا‬
‫ي مبعوث من نحو هذه البلد‪ ،‬وأشييار‬
‫فلن فما آية ذلك؟ قال‪ :‬نب ّ‬
‫ي وأنييا‬
‫بيده إلى مكة واليمن‪ ،‬قالوا‪ :‬ومتى تراه؟ قال‪ :‬فنظيير إل ي ّ‬
‫أحدثهم سن ًّا‪ ،‬فقال‪ :‬إن يسييتنفد هييذا الغلم عمييره يييدركه‪ ،‬قييال‬
‫سلمة‪ :‬فوالله ما ذهييب الليييل والنهييار حييتى بعييث اللييه رسييوله‬
‫ي بييين أظهرنييا فآمنييا بييه‬
‫محمدا ً صلى الله عليه وسييلم وهييو حي ّ‬
‫وكفر به بغيا ً وحسدًا‪ ،‬قال‪ :‬فقلنا له‪ :‬ويحك يا فلن ألست بالذي‬
‫قلت لنيا فييه مييا قليت؟ قيال‪ :‬بليى ولكيين ليييس بيه‪ .‬قييال ابين‬
‫إسحاق‪ :‬وحدثني عاصم بن عمر بن قتييادة عيين شيييخ ميين بنييي‬
‫قريظة قال‪ :‬قال لي‪ :‬هل تدري عم كان إسلم ثعلبة بيين سييعية‬
‫وأسد بن عبيد نفر من هدل إخوة بني قريظة كييانوا معهييم فييي‬
‫جاهليتهم ثم كانوا سادتهم فييي السييلم‪ ،‬قييال‪ :‬قلييت‪ :‬ل واللييه‪،‬‬
‫قال‪ :‬فإن رجل ً من يهود من أهل الشييام يقييال لييه ابيين الهيبييان‬
‫قدم علينا قبل السلم بسنين فحل بين أظهرنا ل والله ما رأينييا‬
‫رجل ً قط ل يصييلي الخمييس أفضييل منييه فأقييام عنييدنا فكنييا إذا‬
‫قحط عنا المطر قلنيا ليه‪ :‬اخيرج ييا ابين الهيبيان فاستسيق لنيا‬
‫فيقول‪ :‬ل والله حتى تقدموا بين يدي مخرجكم صييدقة‪ ،‬فنقييول‬
‫لييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييه‪:‬‬
‫دين ميين شييعير‪ ،‬قييال‪:‬‬
‫كييم؟ فيقييول‪ :‬صيياعا ً ميين تميير أو م ي ّ‬
‫فنخرجها ثم يخرج بنا إلى ظاهر حرثنا فيستسقي الله لنا فوالله‬
‫ما يبرح مجلسه حتى يمر السحاب ونسقى‪ ،‬قد فعييل ذلييك غييير‬
‫مرة ول مرتين ول ثلثا ً ثم حضرته الوفاة عندنا‪ ،‬فلما عيرف أنيه‬
‫ميت قال‪ :‬يا معشر يهييود مييا ترونييه أخرجنييي ميين أرض الخميير‬
‫والخمير إلى أرض البؤس والجوع؟ قلنا‪ :‬أنت أعلم‪ ،‬قييال‪ :‬فييإني‬
‫َ‬
‫ي قد أظيل زميانه وهيذه‬
‫إنما قدمت هذه البلدة أتوكف خروج نب ّ‬
‫البلدة مهاجره فكنت أرجو أن يبعث فيأتبعه وقيد أظلكيم زميانه‬
‫فل ُتسبقن إليه‪ ،‬يا معشر يهود فإنه يبعث بسفك الييدماء وسييبي‬
‫الذراري والنساء ممن خالفه فل يمنعنكم ذلك منييه‪ ،‬فلمييا بعييث‬
‫رسول الله صيلى الليه علييه وسيلم وحاصيير بنييي قريظية قيال‬
‫هؤلء الفتية ‪ -‬وكانوا شبابا ً أحييداثا ً ‪ :-‬يييا بنييي قريظيية واللييه إنييه‬
‫للنبي الذي كان عهد إليكم فيييه ابيين الهيبييان‪ ،‬قييالوا‪ :‬ليييس بييه‪،‬‬
‫قييالوا‪ :‬بلييى واللييه إنييه لهييو بصييفته‪ ،‬فنزلييوا فأسييلموا فييأحرزوا‬

‫دماءهم وأموالهم وأهليهم‪ .‬قال ابن إسحاق‪ :‬فهذا ما بلغنييا عيين‬
‫أخبييييييييييييييييييييييييييييييييييييار يهييييييييييييييييييييييييييييييييييييود‪.‬‬
‫قال تعالى يوبخ أهل الكتاب على كفرهم بمحمد صييلى اللييه‬
‫َ‬
‫عليه وسلم وجحودهم نبوته‪} :‬يأ َهْي َ‬
‫ت‬
‫ن ب ِيأي َ ِ‬
‫م ت َك ُْفيُرو َ‬
‫ب ل ِي َ‬
‫ل ال ْك ِت َي ِ‬
‫َ‬
‫م تَ ْ‬
‫ن{ )آل عمييران‪ ،(70 :‬أي تشييهدون أن نعييت‬
‫دو َ‬
‫ش يه َ ُ‬
‫الل ّهِ وَأنت ُ ْ‬
‫محمد في كتابكم ثم تكفرون بيه ول تؤمنيون بيه وأنتيم تجيدونه‬
‫ي‪.‬‬
‫ي والمييييي ّ‬
‫عنيييييدكم فيييييي التيييييوراة والنجييييييل النيييييب ّ‬
‫سييييييييييلمان الفارسييييييييييي وقصيييييييييية إسييييييييييلمه‬
‫سلمان الفارسي أبو عبد الله ويعرف بسيلمان الخيير ميولى‬
‫ي وهييي مين‬
‫رسول الله صلى الله علييه وسيلم وأصيله ميين جي ّ‬
‫قييرى مدينيية أصييفهان‪ ،‬وكييان اسييمه قبييل السييلم مييابه بيين‬
‫مورسلن بن بهبوزان بن فيروز بن سهرك ميين ولييد آب الملييك‬
‫وكان ببلد فييارس مجوسيييا ً سييادن النييار‪ ،‬وكييان أبييوه مجوسيييا ً‬
‫فاتفق أنه هرب منييه يوميا ً ولحييق بالرهبييان وصييحبهم ثييم قييدم‬
‫الحجاز عند ظهييور النييبي مييع العييرب فبيياعوه إلييى يهييودي ميين‬
‫قريظة فأتى به المدينة فلما دخلها النبي أسلم وشهد معه أكييثر‬
‫المشيياهد‪ ،‬وأول مشيياهده وقعيية الخنييدق وكييان ميين فضييلء‬
‫الصحابة وزهادهم وعلمييائهم وذوي القربييى ميين الرسييول وهييو‬
‫الذي أشار على الرسول بحفير الخنييدق حيين جياءت الحييزاب‪،‬‬
‫وفيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم »سييلمان منييا أهييل‬
‫الييبيت«‪ ،‬وكييان يعمييل الخييوص بيييده ويأكييل ميين ثمنييه وآخييى‬
‫الرسول بينه وبين أبي الدرداء وروى عنه جماعيية ميين العلميياء‪،‬‬
‫توفي سنة ‪ 35‬للهجرة وقيل‪ 34 :‬ودفيين فييي المييدافن شييرقي‬
‫بغداد وله مقام إزاء ديوان كسرى يزار حتى الن ويعرف بمقام‬
‫سلمان باك وهي لفظيية فارسييية معناهييا الطيياهر‪ ،‬قيييل‪ :‬عيياش‬
‫‪ 150‬سنة ‪ ،‬وقيييل‪ :‬أكييثر ميين ذلييك وهييو ميين معمييري العييرب‪.‬‬
‫وهييذه قصيية إسييلمه عيين ابيين عبيياس رضييي اللييه عنييه‪.‬‬
‫عن ابن عباس رضي الله عنه قال‪ :‬حدثني سلمان الفارسي‬
‫وأنا أسمع من فيه قال‪ :‬كنت رجل ً من أهل فارس ميين أصييبهان‬

‫ي ابيين رجييل ميين دهاقينهييا وكنييت أحييب خلييق اللييه إليييه‬
‫من ج ّ‬
‫فأجلسني في البيت كالجواري فاجتهييدت فييي الفارسييية وكييان‬
‫ي قد‬
‫أبي صاحب ضيعة وكان له بناء يعالجه فقال لي يومًا‪ :‬يا بن ّ‬
‫شغلني ما ترى فانطلق إلى الضيعة ول تحتبييس فتشييغلني عيين‬
‫مي بك‪ ،‬فخرجت ليذلك فميررت بكنيسية النصيارى‬
‫كل ضيعة به ّ‬
‫وهم يصلون فملت إليهم وأعجبني أمرهم وقلت‪ :‬هذا والله خير‬
‫من ديننا‪ ،‬فأقمت عندهم حتى غابت الشمس ل أنا أتيت الضيعة‬
‫ول رجعت إليه فاستبطأني وبعييث رسيل ً فييي طلييبي وقييد قلييت‬
‫للنصارى حين أعجبنييي أمرهييم‪ :‬أييين أصييل هييذا الييدين؟ قييالوا‪:‬‬
‫ي قد بعثت إليك رسيي ً‬
‫ل‪،‬‬
‫بالشام‪ ،‬فرجعت إلى والدي‪ ،‬فقال‪ :‬يا بن ّ‬
‫فقلت‪ :‬ميررت بقيوم يصيلون بكنيسية فيأعجبني ميا رأييت مين‬
‫ي دينك ودين‬
‫أمرهم وعلمت أن دينهم خير من ديننا‪ ،‬فقال‪ :‬يا بن ّ‬
‫آبائك خير من دينهم‪ ،‬فقلت‪ :‬كل والله‪ ،‬فخافني وقيييدني فبعثييت‬
‫إلى النصارى وأعلمتهم ما وافقني من أمرهم وسألتهم إعلمييي‬
‫من يريد الشام ففعلوا فألقيت الحديد من رجلي وخرجت معهم‬
‫حتى أتيت الشام فسألتهم عن عالمهم فقالوا‪ :‬السقف‪ ،‬فييأتيته‬
‫فأخبرته وقلت‪ :‬أكون معك أخييدمك وأصييلي معييك‪ ،‬قييال‪ :‬أقييم‪،‬‬
‫فمكثت مع رجل سوء كان يأمرهم بالصدقة فييإذا أعطييوه شيييئا ً‬
‫أمسكه لنفسه حتى جمع سبع قلل مملوءة ذهبا ً وورق يا ً فتييوفي‬
‫فأخبرتهم بخييبره فزجرونييي فييدللتهم علييى ميياله فصييلبوه ولييم‬
‫يغيبوه ورجموه وأجلسوا مكانه رجل ً فاضل ً في دينه زهدا ً ورغبة‬
‫في الخرة وصييلحا ً فييألقى اللييه حبييه فييي قلييبي حييتى حضييرته‬
‫الوفاة فقلت‪ :‬أوصني‪ ،‬فذكر رجل ً بالموصل وكّنا على أمر واحييد‬
‫حتى هلك فأتيت الموصل فلقيييت الرجييل فييأخبرته بخييبري وأن‬
‫فلنا ً أمرني بإتيانك فقال‪ :‬أقم فوجدته على سبيله وأمييره حييتى‬
‫حضرته الوفاة‪ ،‬فقلت له‪ :‬أوصني‪ ،‬فقال‪ :‬ما أعييرف أحييدا ً علييى‬
‫ما نحن عليه إل رجل ً بعمورية‪ ،‬فأتيته بعمورييية فييأخبرته بخييبري‬
‫فيييييييييييييأمرني بالمقيييييييييييييام وثييييييييييييياب ليييييييييييييي‬
‫شيئا ً واتخذت غنيمة وبقرات فحضرته الوفاة فقلت‪ :‬إلى من‬
‫توصي بي؟ فقال‪ :‬ل أعلم أحدا ً اليييوم علييى مثييل مييا كنييا عليييه‬
‫ي يبعث بدين إبراهيم الحنيفية‪ ،‬مهاجره بأرض‬
‫ولكن قد أظلك نب ّ‬
‫ذات نخل وبه آيات وعلمات ل تخفى‪ ،‬بين منكييبيه خيياتم النبييوة‬

‫يأكل الهدية ول يأكييل الصييدقة فييإن اسييتطعت فتخلييص إليييه‪g.‬‬
‫فتوفي فميير بييي ركييب ميين العييرب ميين بنييي كلب فقلييت‪:‬‬
‫أصحبكم وأعطيكم بقراتي وغنمي هذه وتحملوني إلييى بلدكييم‪،‬‬
‫فحملييوني إلييى وادي القييرى فبيياعوني ميين رجييل ميين اليهييود‪،‬‬
‫فرأيت النخل فعلمت أنييه البلييد الييذي وصييف لييي فييأقمت عنييد‬
‫الذي اشتراني وقدم عليه رجل من بني قريظة فاشييتراني منييه‬
‫وقدم بي المدينة فعرفتها بصفتها فأقمت معه أعمل فييي نخلييه‬
‫وبعث الله نبيه صلى الله عليييه وسييلم وغفلييت عيين ذلييك حييتى‬
‫قدم المدينة فنزل في بني عمييرو بيين عييوف‪ ،‬فييإني لفييي رأس‬
‫م لصاحبي‪ ،‬فقييال‪ :‬أي فلن قاتييل اللييه بنييي‬
‫نخلة إذ أقبل ابن ع ّ‬
‫قيلة مررت بهم آنفا ً وهم مجتمعون على رجل قدم عليهييم ميين‬
‫ي‪ ،‬فوالله ما هو إل أن سييمعتها‪ ،‬فأخييذني الق يّر‬
‫مكة يزعم أنه نب ّ‬
‫فرجفت بي النخلة حييتى كييدت أسييقط ونزلييت سييريعا ً فييأقبلت‬
‫على عملي حتى أمسيت فجمعت شيئا ً فأتيته به وهو بقباء عنييد‬
‫أصحابه‪ ،‬فقلت‪ :‬اجتمع عندي شيء أردت أن أتصدق به فبلغنييي‬
‫أنك رجل صالح ومعك رجييال مين أصيحابك ذوو حاجيية فرأيتهيم‬
‫أحق به فوضعته بين يييديه فكييف يييده وقييال لصييحابه‪» :‬كلييوا«‬
‫ول إلييى المدينيية‬
‫فييأكلوا‪ ،‬فقلييت‪ :‬هييذه واحييدة‪ ،‬ورجعييت وتحيي ّ‬
‫فجمعت شيئا ً فأتيته به فقلت‪ :‬أحببت كرامتك فأهديت لك هدية‬
‫وليست بصييدقة فمييد يييده فأكييل وأكييل أصييحابه فقلييت‪ :‬هاتييان‬
‫اثنتان‪ ،‬ورجعت فأتيته وقد تبع جنييازة فييي بقيييع الغرقييد وحييوله‬
‫أصحابه‪ ،‬فسلمت وتحولت أنظر إلى الخاتم في ظهره فعلم مييا‬
‫أردت فألقى رداءه فرأيت الخاتم فقبلته وبكيت فأجلسييني بييين‬
‫يديه فحدثته بشأني كله كما حدثتك يا ابن عباس‪ ،‬فييأعجبه ذلييك‬
‫وأحب أن يسمعه أصحابه ففاتني معييه بييدر وأحييد بييالّرق فقييال‬
‫ليييييييييييييييييييييييي‪» :‬كييييييييييييييييييييييياتب ييييييييييييييييييييييييا‬
‫سلمان على نفسك« فلم أزل بصاحبي حتى كاتبته علييى أن‬
‫أغرس له ثلثمائة ودييية وعلييى أربعييين أوقييية ميين ذهييب فقييال‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم »أعينوا أخيياكم بالنخييل« فأعييانوني‬
‫بالخمس والعشر حتى اجتمع لي فقال لي‪» :‬انقيير لهييا ول تضييع‬
‫منها شيئا ً حيتى أضيعه بييدي« ففعلييت فأعيانني أصيحابي حيتى‬

‫وي عليهييا ترابيا ً‬
‫فرغت فأتيته فكنت آتيييه بالنخليية فيضييعها ويسي ّ‬
‫فأنصييرف‪ ،‬والييذي بعثييه بييالحق فمييا ميياتت منهييا واحييدة وبقييي‬
‫الذهب فبينما هو قاعد إذ أتاه رجييل ميين أصييحابه بمثييل البيضيية‬
‫ميين ذهييب أصييابه ميين بعييض المعييادن‪ ،‬فقييال‪» :‬ادع سييلمان‬
‫المسييكين الفارسييي المكيياتب«‪ ،‬فقييال‪» :‬أد ّ هييذه«‪ ،‬فقلييت‪ :‬يييا‬
‫ي؟‬
‫رسييييييول اللييييييه وأييييييين تقييييييع هييييييذه ممييييييا عليييييي ّ‬
‫هييذه قصيية سييلمان الفارسييي وهييي كمييا يتضييح للقييارىء‬
‫المنصف معقولة وليس فيهييا شيييء ميين المبالغيية‪ ،‬ويلحييظ أن‬
‫سلمان كان من صغره ميال ً إلى التدين والتقشف فصاحب كبار‬
‫أهل الدين وتعلم منهم وهذه القصة تدل على صدق رسالة نبينا‬
‫ي إل‬
‫عليه أفضييل الصييلة والسييلم‪ ،‬لن سييلمان مييا عييرف النييب ّ‬
‫بالعلمات التي أخبره بها صاحبه بعمورية ولم يسييلم إل بعييد أن‬
‫حة هيذه العلميات فييه صيلى الليه علييه وسيلم ومين‬
‫تحقق ص ّ‬
‫المحقق من ترجمة حياة سلمان أن أباه كان مجوسيييا ً ميين بلد‬
‫الفرس وأنه هييرب منيه ولحييق بالرهبييان وصيياحبهم واحييدا ً بعيد‬
‫واحيييد إليييى أن لقيييي النيييبي صيييلى الليييه علييييه وسيييلم‬
‫ونلحييظ أن سييلمان لييم يييذكر أسييماء الرهبييان أو السيياقفة‬
‫الييييذين كييييان يلزمهييييم وإن كييييان قييييد ذكيييير بلدهييييم‪.‬‬
‫وشييهد رسييول اللييه لسييلمان الفارسييي بالطهييارة والحفييظ‬
‫اللهي والعصمة حيث قال‪» :‬سلمان منا أهل البيت«‪ ،‬وفيه قال‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم »لو كان اليمان بالثريييا لنيياله‬
‫رجييييال ميييين فييييارس« وأشييييار إلييييى سييييلمان الفارسييييي‪.‬‬
‫وكان سلمان من خيييار الصييحابة وزهييادهم وفضييلئهم وذوي‬
‫القرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت عائشة‪ :‬كان‬
‫لسلمان مجلس من رسول الله صلى اللييه عليييه وسييلم بالليييل‬
‫ي عين سيلمان‪،‬‬
‫حتى كان يغلبنيا عليى رسيول الليه‪ .‬وسيئل علي ّ‬
‫فقال‪ :‬علم العلم الول والعلم الخر وهو بحر ل ينزف وهييو منييا‬
‫أهل البيت‪ .‬وهو الذي أشار على رسول الله بحفر الخنييدق لمييا‬
‫جاءت الحزاب‪ ،‬فأمر رسول اللييه بحفييره فيياحتمى المهيياجرون‬
‫والنصار في سلمان وكان رجل ً قوي يًا‪ ،‬وتييوفي سيينة ‪45‬هي ي فييي‬
‫آخر خلفة عثمان‪ ،‬وقيل‪ :‬إنه عيياش ‪ 350‬سيينة ‪ ،‬فأمييا ‪ 250‬فل‬

‫يشيييييييييييييييييييييييييييييييييييكون فييييييييييييييييييييييييييييييييييييه‪.‬‬
‫مى فييييييييي الجاهلييييييييية بمحمييييييييد‬
‫ميييييييين تسيييييييي ّ‬
‫كانت العرب تسمع ميين أهييل الكتيياب وميين الكهييان أن نبييا ً‬
‫مى ميين بلغييه ذلييك ميين‬
‫يبعث من العييرب اسييمه )محمييد( فسي ّ‬
‫ي محمد بن الخزاعيي‬
‫العرب ولده محمدا ً طمعا ً في النبوة‪ُ .‬‬
‫س ّ‬
‫م َ‬
‫وة فييأتى‬
‫بن حزابة من بني ذكوان من بني سليم طمعا ً في النبيي ّ‬
‫أبرهة باليمن فكان معه على دينييه حييتى مييات فلمييا وجييه قييال‬
‫أخييييييييييييييوه قيييييييييييييييس بيييييييييييييين خزاعييييييييييييييي‪:‬‬
‫م ذو التيييييييييييياج منييييييييييييا محمييييييييييييد‬
‫فييييييييييييذلك ُ‬
‫ورايتيييييييييه فييييييييي حوميييييييية الحيييييييييرب تخفيييييييييق‬
‫وكان في بنييي تميييم محمييد بيين سييفيان بيين مجاشييع وكييان‬
‫ي اسييمه محمييد فسييماه‬
‫أسقفا ً قيل لبيه إنييه يكييون للعييرب نييب ّ‬
‫محمدًا‪ ،‬ومحمييد الجشييعي فييي بنييي سييواءة‪ ،‬ومحمييد السيييدي‬
‫ومحميييييد الفقيميييييي سيييييموهم طمعيييييا ً فيييييي النبيييييوة‪.‬‬
‫هذا ما وجدته في طبقات ابن سعد فليرجييع إليييه ميين شيياء‪،‬‬
‫ومن هذا كله يتضح أنهم كييانوا ينتظييرون ظهييور نييبي فييي ذلييك‬
‫الزمييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييان‪.‬‬
‫عبييييييييييييييييييادة الصيييييييييييييييييينام والوثييييييييييييييييييان‬
‫الصنم ينحت من خشب ويصاغ ميين فضيية ونحياس‪ ،‬والجمييع‬
‫أصنام‪ ،‬وقيل‪ :‬هو ما كان له جسم أو صييورة‪ ،‬فييإن لييم يكيين لييه‬
‫جسم أو صورة فهيو وثين‪ ،‬قيال ابين الثيير‪ :‬الفيرق بيين اليوثن‬
‫والصنم أن الوثن كل ما له جثيية معموليية ميين جييواهر الرض أو‬
‫من الخشب والحجييارة كصييورة الدمييي تعمييل وتنصييب فتعبييد‪،‬‬
‫والصنم‪ :‬الصورة بل جثة‪ ،‬ومنهم من لم يفرق بينهمييا وأطلقهمييا‬
‫علييى المعنيييين‪ ،‬قييال‪ :‬وقييد يطلييق الييوثن علييى غييير الصييورة‪.‬‬
‫الوثنييية ببلد العييرب ترجييع إلييى عهييد بعيييد جييدًا‪ ،‬قيييل‪ :‬إن‬
‫إسماعيل بن إبراهيم لما سييكن مكيية وولييد لييه بهييا أولد كييثيرة‬
‫حتى ملوا مكة ونفوا من كان بها من العماليق‪ ،‬ضيياقت عليهييم‬
‫مكة ووقعت بينهيم الحيروب والعيداوات وأخييرج بعضيهم بعضيا ً‬
‫فتفسيييييييييحوا فيييييييييي البلد للتمييييييييياس المعييييييييياش‪.‬‬

‫وكان الذي حدا بهم إلى عبادة الوثان والحجييارة أنييه كييان ل‬
‫يظعن من مكة ظاعن إل احتمل معه حجرا ً ميين حجييارة الحييرم‬
‫تعظيما ً للحرم وصبابة بمكيية فحيثمييا حلييوا وضييعوه وطييافوا بييه‬
‫منا ً منهم وصبابة بالحرم وحبا ً له‪ ،‬وهييم بعييد‬
‫كطوافهم بالكعبة تي ّ‬
‫يعظمون الكعبة ومكة ويحجييون ويعتمييرون علييى إرث إبراهيييم‬
‫وإسيييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييماعيل‪.‬‬
‫ثم أدى بهم إلى أن عبدوا ما استحبوا‪ ،‬ونسوا ما كانوا عليييه‪،‬‬
‫واستبدلوا بدين إبراهيم وإسماعيل غيره فعبدوا الوثان وصيياروا‬
‫إلى ما كانت عليه المم من قبلهم وانتجثوا مييا كييان يعبييد قييوم‬
‫نوح منها على إرث ما بقي فيهم مين ذكرهيا وفيهيم عليى ذليك‬
‫بقايا من عهد إبراهيم وإسماعيل يتنسكون بها من تعظيم البيت‬
‫والطواف به والحيج والعميرة ميع إدخيالهم فييه ميا لييس منيه‪.‬‬
‫وكان أول من غّير دين إسماعيل عليه السلم فنصب الوثان‬
‫حيييرة وحمييى الحامييية‪،‬‬
‫حر الب َ ِ‬
‫وسّيب السائبة ووصل الوصيلة وب َ َ‬
‫ي بن حارثة بن عمرو بيين عييامر الزدي‬
‫عمرو بن ربيعة‪ ،‬وهو ل ُ َ‬
‫ح ّ‬
‫وهييييييييييييييييييييييو أبييييييييييييييييييييييو خزاعيييييييييييييييييييييية‪.‬‬
‫وكانت أم عمرو بيين لحييي فهيييرة بنييت عمييرو بيين الحييارث‪.‬‬
‫وكان الحارث هو الذي يلي أمر الكعبيية فلمييا بلييغ عمييرو بيين‬
‫ي نازعه في الولية وقاتل جرهما ً ببني إسماعيل فظفر بهييم‬
‫لُ َ‬
‫ح ّ‬
‫وأجلهم عن الكعبة ونفاهم من بلد مكيية وتييولى حجابيية الييبيت‬
‫بعيييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييدهم‪.‬‬
‫ثم إنه مرض مرضا ً شديدًا‪ ،‬فقيل له‪ :‬إن بالبلقاء ميين الشييام‬
‫مة إن أتيتها برأت فأتاها فاستحم بها فبرأ ووجد أهلها يعبييدون‬
‫ح ّ‬
‫الصنام‪ ،‬فقال‪ :‬ما هذه؟ فقالوا‪ :‬نستسقي بها المطر ونستنصيير‬
‫بها على العدو‪ ،‬فسألهم أن يعطوه منها ففعلوا فقييدم بهييا مكيية‬
‫هبييل‬
‫ونصبها حول الكعبة‪ ،‬وقيل‪ :‬إنهييم أعطييوه صيينما ً يقييال لييه ُ‬
‫فقدم به مكة فوضعه عند الكعبة فكييان أول صيينم وضييع بمكيية‪.‬‬
‫قال ابن هشام‪ :‬فحدثنا الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس‬
‫قال‪ :‬قال النبي صلى الله عليه وسلم »رفعت لي النييار فرأيييت‬
‫ي( رجل ً قصيييرا ً أحميير أزرق يجيير ُقصييبه‬
‫َ‬
‫عمرا ً )أي عمرو بن ل ُ َ‬
‫ح ّ‬
‫ي أول من بحر‬
‫في النار‪ ،‬قلت‪ :‬من هذا؟ قيل‪ :‬هذا عمرو بن ل ُ َ‬
‫ح ّ‬

‫البحيرة ووصل الوصيلة وسيّيب السييائبة وحمييى الحامييية وغي ّيير‬
‫دييييين إبراهيييييم ودعييييا العييييرب إلييييى عبييييادة الوثييييان«‪.‬‬
‫وقد جاء في القرآن ذكر الصنام الخمسة الييتي كييان يعبييدها‬
‫قوم نوح‪ ،‬قال تعالى‪َ} :‬قا َ‬
‫مين‬
‫ح ّر ّ‬
‫ل ُنو ٌ‬
‫صيوِْنى َوات ّب َُعيوا ْ َ‬
‫ب إ ِن ّهُ ْ‬
‫م عَ َ‬
‫م ْ‬
‫م َ‬
‫كيرا ً ك ُّبيارا ً وََقياُلوا ْ ل َ‬
‫ه وَوََليد ُهُ إ ِل ّ َ‬
‫خ َ‬
‫كيُروا ْ َ‬
‫سيارا ً وَ َ‬
‫ميال ُ ُ‬
‫م ي َزِد ْهُ َ‬
‫لّ ْ‬
‫سييرا ً‬
‫واعا ً وَل َ ي َُغو َ‬
‫م وَل َ ت َذ َُر ّ‬
‫ت َذ َُر ّ‬
‫ث وَي َعُييوقَ وَن َ ْ‬
‫ن وَد ّا ً وَل َ ُ‬
‫ن ءال ِهَت َك ُ ْ‬
‫س َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫م أغْرُِقوا ْ‬
‫ما َ‬
‫خ ِ‬
‫ضّلوا ْ ك َِثيرا ً وَل َ ت َزِدِ الظ ّل ِ ِ‬
‫ن إ ِل ّ َ‬
‫وَقَد ْ أ َ‬
‫طيئ َت ِهِ ْ‬
‫م ّ‬
‫ضل َل ً ّ‬
‫مي َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫صارا ً وََقا َ‬
‫ب‬
‫فَأد ْ ِ‬
‫ح ّر ّ‬
‫ل ُنييو ٌ‬
‫من ُ‬
‫ج ُ‬
‫م ّ‬
‫دوا ْ ل َهُ ْ‬
‫م يَ ِ‬
‫خُلوا ْ َنارا ً فَل َ ْ‬
‫ن الل ّهِ أن َ‬
‫دو ِ‬
‫ض يّلوا ْ‬
‫َ‬
‫ن د َي ّييارا ً إ ِن ّي َ‬
‫م يُ ِ‬
‫ض ِ‬
‫ك ِإن ت َيذ َْرهُ ْ‬
‫ريي َ‬
‫مي َ‬
‫ن ال ْك َِف ِ‬
‫ل َ ت َذ َْر عَلييى الْر ِ‬
‫عَباد َ َ‬
‫ميين‬
‫ِ‬
‫جرا ً ك َّفييارا ً ّر ّ‬
‫ك وَل َ ي َل ِ ُ‬
‫ب اغِْف يْر ل ِييى وَِلول ِيد َىّ وَل ِ َ‬
‫دوا ْ إ ِل ّ فَييا ِ‬
‫ن إ ِل ّ‬
‫خي َ‬
‫دَ َ‬
‫ت وَل َ ت َيزِدِ الظ ّل ِ ِ‬
‫من َ ِ‬
‫م يؤ ْ ِ‬
‫م يؤ ْ ِ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫ن َوال ْ ُ‬
‫منيا ً وَل ِل ْ ُ‬
‫ى ُ‬
‫ميي َ‬
‫مِني َ‬
‫ل ب َي ِْتي َ‬
‫‪.(28‬‬
‫‬‫ت ََبييييييييييييييارًا{ )نييييييييييييييوح‪21 :‬‬
‫هبيييييييل فيييييييي القيييييييرآن‪.‬‬
‫وليييييييم ييييييييرد ذكييييييير ُ‬
‫ي فييي سيياحل‬
‫وُيقال‪ :‬إن هذه الصنام وجدها عمييرو بيين ل ُ َ‬
‫حي ّ‬
‫جييييييييدة وفرقهييييييييا فاتخييييييييذتها العييييييييرب آلهيييييييية‪.‬‬
‫ُ‬
‫وميين الصيينام المشييهورة القديميية إسيياف ونائليية عبييدتهما‬
‫خزاعة وقريش ومن حج البيت بعد ُ من العييرب وكييانوا ينحييرون‬
‫ويييييييييييييييييييييييييييييييييذبحون عنيييييييييييييييييييييييييييييييدهما‪.‬‬
‫مَناة كان منصييوبا ً عليى سياحل البحيير مين ناحييية المشيلل‬
‫و َ‬
‫بُقد َْيد بين مكة والمدينيية وكييانت العييرب جميع يا ً تعظمييه وتذبييح‬
‫حوله ولم يكن أحد أشد إعظاما ً ليه ميين الوس والخييزرج‪ ،‬وقييد‬
‫خ يَرى{‬
‫ة ال ْ ْ‬
‫مَنوةَ الّثال ِث َي َ‬
‫ورد ذكر مناة في القرآن‪ ،‬قال تعالى‪} :‬وَ َ‬
‫)النجييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييم‪.(20 :‬‬
‫وكانت لهذيل وخزاعة‪ ،‬وقد هدمها علي رضي الله عنييه عنييد‬
‫فتيييح مكييية بيييأمر رسيييول الليييه صيييلى الليييه علييييه وسيييلم‬
‫ي رضييي اللييه عنييه بييأمر‬
‫والِفلس وهو صنم طيء هييدمه علي ّ‬
‫رسيييييييول الليييييييه صيييييييلى الليييييييه علييييييييه وسيييييييلم‬
‫واللت )تأنيث اللييه( وهييي أحييدث ميين منيياة وكييانت صييخرة‬
‫مربعة وكانت قريش كلها تعظمها وهي بالطائف ذكرها الله في‬
‫َ‬
‫ت َوال ْعُّزى{ )النجم‪ ،(19 :‬ولييم تييزل‬
‫م الل ّ َ‬
‫القرآن فقال‪} :‬أفََرءي ْت ُ ُ‬
‫كذلك حتى أسلمت ثقيف فبعييث رسييول اللييه صييلى اللييه عليييه‬

‫وسلم المغيرة بن شعبة فهدمها وأحرقها بالنييار‪ ،‬والطاغييية هييي‬
‫اللت كانوا يقولون لهيا الربية‪ ،‬وجياء فيي »قياموس السيلم«‪:‬‬
‫»أن هيرودوت لم يشر إلى الكعبيية لكنييه ذكير اللت وقيال إنهيا‬
‫من أعظم آلهة العرب وهذا دليل قوي على وجييود ذلييك الصيينم‬
‫المسييمى بيياللت وقييد كييان ميين معبييودات ذلييك الزميين«‪.‬‬
‫ومن أصنامهم العُييزى )تييأنيث العييز( والعييز بمعنييى العزيييز‬
‫ويقال‪ :‬إنها أحدث من اللة ومناة‪ ،‬كييانت بييوادي نخليية الشييآمية‬
‫وكانت أعظم الصنام عند قريش وكانوا يزورونهييا ويهييدون لهييا‬
‫ويتقربيييييييييييييييييييون عنيييييييييييييييييييدها بالذبيييييييييييييييييييح‪.‬‬
‫قال ابن حبيب‪ :‬العزى شجرة كانت بنخلة عندها وثيين تعبييده‬
‫َ‬
‫ة‬
‫من َييوةَ الّثال ِث َي َ‬
‫ت َوال ْعُ يّزى وَ َ‬
‫م الل ّي َ‬
‫غَط ََفان‪ ،‬وفي التنزيل‪} :‬أفََرءي ْت ُي ُ‬
‫خيييييييييييييييييَرى{ )النجيييييييييييييييييم‪،19 :‬ييييييييييييييييي ‪.(20‬‬
‫ال ْ ْ‬
‫ولم تزل العزى كذلك حتى بعث اللييه نييبيه صييلى اللييه عليييه‬
‫وسلم فعابها وغيرهييا ميين الصيينام ونهيياهم عيين عبادتهييا ونييزل‬
‫القرآن فيها فاشتد ذلك على قريش‪ ،‬ومرض أبييو أحيحيية سييعيد‬
‫بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبييد منيياف مرضييه الييذي‬
‫مات فيه فدخل عليه أبو لهب فوجده يبكي فقال له‪ :‬مييا يبكيييك‬
‫يا أبا أحيحة؟ أمن المييوت تبكييي ول بييد منييه؟ فقييال‪ :‬ل ولكنييي‬
‫أخاف أل تعبد )العزى( بعدي فقال له أبو لهييب‪ :‬مييا عبييدت فييي‬
‫حياتك لجلك ول تترك عبادتها بعدك لموتك‪ ،‬فقييال أبييو أحيحيية‪:‬‬
‫الن علمت أن لي خليفة‪ .‬وأعجبه شدة نصبه في عبادتها‪ ،‬وتدل‬
‫القصة على شدة التمسك بعبادة الصيينام‪ ،‬وكييان بعضييهم يعبييد‬
‫ن‬
‫الملئكة وكانوا يقولون‪ :‬الملئكيية بنييات اللييه‪ ،‬قييال تعييالى‪} :‬إ ِ ّ‬
‫مل َئ ِ َ‬
‫ةا ْ‬
‫لنَثييى{‬
‫مي َ َ‬
‫كيي َ‬
‫ن ِبييال ْ ِ‬
‫سيي ِ‬
‫ن ل َ ي ُؤْ ِ‬
‫اّليي ِ‬
‫مو َ‬
‫مُنييو َ‬
‫ة تَ ْ‬
‫خَرةِ ل َي ُ َ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫سيي ّ‬
‫ذي َ‬
‫)النجييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييم‪.(27 :‬‬
‫فلما افتتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة‪ ،‬بعييث خالييد بيين‬
‫الوليد فهدم العزى‪ ،‬وكانت لقريييش أصيينام حييول الكعبيية وفييي‬
‫هبل‪ ،‬قيل‪ :‬إنه كان من عقيق أحمر‬
‫جوفها وكان أعظمها عندهم ُ‬
‫على صورة النسان مكسور اليد اليمنى‪ ،‬أدركتيه قريييش كيذلك‬
‫فجعلوا له يدا ً من ذهب وكان أول من نصبه خزيمة بيين مدركيية‬
‫هبييل خزيميية‪ ،‬وعنييده ضييرب‬
‫بن إلياس بن مضر؛ وكان يقال له ُ‬

‫عبد المطلب على ابنه عبييد اللييه بالقييداح‪ ،‬وميين الصيينام الييتي‬
‫كانت عند الكعبة إساف ونائلة فلما ظهر رسول الله صلى اللييه‬
‫عليه وسلم يوم فتح مكة أخرجت من المسجد وأحرقييت وكييان‬
‫يبليييييغ عيييييددها ‪ 360‬صييييينمًا‪ ،‬ومييييين أصييييينامهم منييييياف‪.‬‬
‫وكان لهل كل دار من مكة صيينم فييي دارهييم يعبييدونه فييإذا‬
‫أراد أحدهم السفر كان آخر ما يصنع فييي منزلييه أن يتمسييح بييه‬
‫وإذا قدم من سفره‪ ،‬كان أول ما يصنع الرجييل إذا دخييل منزلييه‬
‫أن يتمسح به أيضا ً وكانوا يسمون الحجارة التي ينصييبونها حييول‬
‫الحيييييييييييييييييييييييييييييييرم »النصييييييييييييييييييييييييييييييياب«‪.‬‬
‫خَلصيية وسييعد وذو الكفييين وذو الشييرى‬
‫ومن أصنامهم‪ :‬ذو ال َ‬
‫والقيصيير وسييعير وعميييانس والسييحم والشييهل وأوال وبيياجر‬
‫والبجيية والبعيييم وبلييج وبوانيية وتيييم وجريييش‪ ،‬وعبييدة الصيينام‬
‫ينكرون بعيث الجسياد‪ ،‬وكيان مين العيرب مين يعتقيد التناسيخ‬
‫وتنقييل الرواح فييي الجسيياد وكييانوا يعتقييدون وقييوع المسييخ‬
‫ونسبوا أكثر المراض إلى الجن وعبدها بعضهم‪ .‬ومن هييذا يييرى‬
‫أن آلهيييييييييييية العييييييييييييرب كييييييييييييانت متعييييييييييييددة‪.‬‬
‫الربعيييييييية البيييييييياحثون عيييييييين دييييييييين إبراهيييييييييم‬
‫قد استنكر بعض العرب عبادة الصنام وأدرك أنها ل تنفع ول‬
‫تضر وذلك في الجاهلية قبل أن يبعييث رسييول اللييه صييلى اللييه‬
‫عليه وسلم فقد حدث أنه بينما كانت قريش مجتمعة يومييا ً فييي‬
‫عيد لهم عند صيينم ميين أصيينامهم يعتكفييون عنييده ويييدوروه بييه‬
‫وكان ذلك عيدا ً لهم كل سنة ‪ ،‬إذ خلص منهم أربعة وهم‪ :‬ورقيية‬
‫بن نوفل بن أسد بيين عبييد العييزى‪ ،‬وعبيييد اللييه بيين جحييش بيين‬
‫رئاب‪ ،‬وعثمان بن الحويرث بن أسد بن عبييد العييزى‪ ،‬وزيييد بيين‬
‫عمرو بن نفيل بن عبد العزى فقال بعضهم لبعض‪ :‬تعلموا والله‬
‫ما قومكم على شيء لقد أخطأوا دين إبراهيم‪ ،‬ما حجيير نطيييف‬
‫بييه ل يسييمع ول يبصيير ول يضيير ول ينفييع؟ يييا قييوم التمسييوا‬
‫لنفسكم دينا ً فإنكم واللييه مييا أنتييم علييى شيييء‪ ،‬فتفرقييوا فييي‬
‫البليييييييدان يلتمسيييييييون الحنيفيييييييية‪ ،‬ديييييييين إبراهييييييييم‪.‬‬
‫‪ - 1‬فأما ورقة بن نوفل وهو ابن عم خديجيية فاسييتحكم فييي‬
‫النصييرانية واتبييع الكتييب فييي أهلهييا حييتى علييم علميا ً ميين أهييل‬

‫الكتيييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييياب‪.‬‬
‫‪ - 2‬وأما عبيد الله بن جحش فأقييام علييى مييا هييو عليييه ميين‬
‫اللتباس حتى أسلم ثم هاجر مع المسلمين إلى الحبشيية ومعييه‬
‫صيير وفييارق‬
‫امرأتييه أم حبيبيية ابنيية أبييي سييفيان مسييلمة ثييم تن ّ‬
‫السلم حتى هلك هناك نصرانيًا‪ ،‬وخلف رسول الليه صيلى الليه‬
‫عليييييييه وسييييييلم بعييييييده علييييييى امرأتييييييه أم حبيبيييييية‪.‬‬
‫‪ - 3‬وأما عثمان بن الحويرث فقدم على قيصر‪ ،‬ملييك الييروم‬
‫صيييييييييييير وحسيييييييييييينت منزلتييييييييييييه عنييييييييييييده‪.‬‬
‫فتن ّ‬
‫‪ - 4‬وأما زيد بيين عمييرو بيين نفيييل‪ ،‬فوقييف فلييم يييدخل فييي‬
‫يهوديييية ول نصيييرانية وفيييارق ديييين قيييومه فييياعتزل الوثيييان‪.‬‬
‫اليييييييييرد عليييييييييى مسيييييييييتر كيييييييييانون سيييييييييل‬
‫قال مستر كانون سل في كتابه »حييياة محمييد«‪) :‬قييال زيييد‬
‫وأصحابه‪ :‬إنهم رغبوا في اتباع دين إبراهيم(‪ ،‬ويظيين أن محمييدا ً‬
‫أخذ منهم هذه الفكرة ثم قال‪) :‬بقي زيد حنيفا ً وعاب على أهل‬
‫مكة عبادة الصنام فأثار ذلييك غضييبهم فييأرغم علييى تييرك مكيية‬
‫والقامة في جبل حراء وبعد أن أمضى هنالك زمنا ً يفكر‪ ،‬تييوفي‬
‫ودفن بأسفل الجبل وقد كان له تأثير عظيييم فييي محمييد الييذي‬
‫كييان يجييل شييأنه ويقييدره قييدره‪ .‬ول ريييب أن هييؤلء الرجييال‬
‫وأمثالهم من ذوي العقول الراجحيية كييانوا كييثيرا ً مييا يتشيياورون‬
‫ويتحييادثون فيمييا وصييلت إليييه حاليية العييرب الجتماعييية ميين‬
‫النحطاط ويأسفون لنتشار الوثنية وضعف مركزهم السياسي‪،‬‬
‫ولم ينجييح عثمييان بيين الحييويرث فييي تأسيييس سييلطة مركزييية‬
‫لعتماده على دولة أجنبية ‪ -‬المبراطورية الرومانية ‪ -‬ومع ذلييك‬
‫كانت الحاجة تدعو إلى وجود سلطة مركزية والعتراف بالكعبة‬
‫وجعلها قوة دينييية للعييرب جميعيًا‪ ،‬فكيييف الوصييول إلييى ذلييك؟‬
‫وكيف يمكن إبطال عبادة الصنام؟( إلى أن قال‪) :‬وهنا سيينحت‬
‫ي وقد كان الستعداد لظهوره قريبا ً ومييا لبييث‬
‫الفرصة لظهور نب ّ‬
‫ي قوي الشخصية ذو فطنيية سياسييية فائقيية برسييالة‬
‫أن ظهر نب ّ‬
‫محدودة للمة العربية اهي(‪ .‬هييذا مييا زعمييه مسيتر كيانون سيل‪،‬‬
‫فنقييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييول‪:‬‬

‫نعم إن هؤلء تحادثوا في أمر انتشار عبادة الصيينام وأخييذوا‬
‫يبحثون عن الدين الصحيح لكن محييادثتهم كييانت قليليية‪ ،‬وليييس‬
‫لها شأن ولم يبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كييان يجتمييع‬
‫بهم ويحادثهم في شؤون العرب الدينية أو السياسية‪ .‬وقد كييان‬
‫زيييد بيين عمييرو مضييطهدا ً ولجييأ إلييى حييراء لكيين لييم تكيين لييه‬
‫اجتماعات برسول الله حتى يقال إنه تذاكر معه مسييائل الييدين‬
‫وترك في نفسه أثرا ً عميقا ً أو أنه أخذ منه الفكرة‪ ،‬لن المسألة‬
‫ليست مسألة اقتباس فكرة‪ ،‬فييالقرآن ومييا حييواه ميين فصيياحة‬
‫وبلغة خارقة وحكم بالغة وأمثال محكمة وذكر أحوال الماضييين‬
‫من أنبياء وأمم وأنباء المستقبل وعلقة النسان بخالقه وعلقته‬
‫بغيره والتشريع العظيم الشأن الذي صار موضوع بحييث الئميية‬
‫المجتهدين والعلماء العلم ‪ -‬ل يكون مصييدره اجتميياع زيييد بيين‬
‫عمرو برسول الله مصادفة في حيراء أو فيي الطرييق‪ ،‬ثيم إننيا‬
‫فوق ذلك ل نعلم من تاريخ رسول الله أنه كان يتذاكر مع رجال‬
‫أو كانوا يعلمونه من صغره إلى أن صار نبيا ً بل الثابت أنييه كييان‬
‫أمي ّا ً ل يدري ما الكتابة والقراءة ول الدين ول أصوله حتى ُأوحي‬
‫إليه ثم إن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن محييدودة‬
‫للمة العربية كما ظن سل وأمثاله بل كانت رسالته عامة بنييص‬
‫َ‬
‫ذيرا ً‬
‫كآفّ ً ّ‬
‫ك إ ِل ّ َ‬
‫سل ْن َ َ‬
‫شيرا ً وَن َي ِ‬
‫س بَ ِ‬
‫مآ أْر َ‬
‫القرآن؛ قال تعالى‪} :‬وَ َ‬
‫ة للّنا ِ‬
‫ول َكييييييي َ‬
‫ن{ )سيييييييبأ‪.(28 :‬‬
‫َ ِ‬
‫ميييييييو َ‬
‫س ل َ ي َعْل َ ُ‬
‫ّ‬
‫ن أك ْث َيييييييَر الن ّيييييييا ِ‬
‫وإلييييك ترجمييية حيييياة زييييد بييين عميييرو إتماميييا ً للحيييديث‪.‬‬
‫ترجميييييييييييييية زيييييييييييييييد بيييييييييييييين عمييييييييييييييرو‬
‫هو زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العييزى بيين ربيياح بيين عبييد‬
‫الله بن قرظ بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي بيين غييالب بيين‬
‫فهر بن مالك القرشي العدوي والد سعيد بن زيد أحييد العشييرة‬
‫وابن عم عمر بن الخطاب يجتمع هو وعمر في نفيل‪ ،‬سئل عنه‬
‫النبي صييلى اللييه عليييه وسييلم فقييال‪» :‬يبعييث أميية وحييده يييوم‬
‫القيامة«‪ ،‬وكان يتعّبد في الجاهلية ويطلب دين إبراهيييم الخليييل‬
‫حييد اللييه تعييالى ويقييول‪ :‬إلهييي إلييه‬
‫صلى اللييه عليييه وسييلم ويو ّ‬
‫إبراهيم وديني دين إبراهيم‪ .‬وكان يعيييب علييى قريييش ذبييائحهم‬
‫وقول‪ - :‬الشاة خلقها الله وأنزل لها من السماء ماء وأنبييت لهييا‬

‫من الرض ثم تذبحونها على غير اسم الله تعالى ‪ -‬إنكارا ً لييذلك‬
‫وإعظاما ً لييه وكييان ل يأكييل ممييا ذبييح علييى النصييب ‪ -‬الوثييان ‪-‬‬
‫واجتمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بزيد بن عمرو بأسفل‬
‫بلدح قبل أن يوحى إليه وكييان يحيييي المييوءودة‪ ،‬وعيين زيييد بيين‬
‫حارثة قال‪ :‬خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسييلم يومييا ً‬
‫حارا ً من أيام مكة وهو مردفي فلقينا زيييد بيين عمييرو بيين نفيييل‬
‫فحيا كل واحد منا صاحبه فقال النبي صلى الله عليه وسلم »يييا‬
‫زيد ما لي أرى قومك قد شنفوا لك«‪ ،‬قال‪ :‬واللييه يييا محمييد إن‬
‫ذلك لغير نائلة ترة لي فيهم ولكن خرجت أبتغي هذا الدين حتى‬
‫أقدم عليى أحبيار خييبر فوجيدتهم يعبيدون الليه ويشيركون بيه‪،‬‬
‫فقلت‪ :‬ما هذا الدين الذي أبتغي‪ ،‬فخرجت فقال لي شيخ منهم‪:‬‬
‫إنك لتسأل عن دين ما نعلم أحدا ً يعبد الله به إل شيخا ً بالحيرة‪،‬‬
‫قال‪ :‬فخرجت حييتى أقييدم عليييه فلمييا رآنييي قييال‪ :‬مميين أنييت؟‬
‫قلت‪ :‬أنا من أهل بيت الله من أهل الشييوك والقييرظ‪ ،‬قييال‪ :‬إن‬
‫ي قد طلع نجمه وجميييع‬
‫الذي تطلب قد ظهر ببلدك‪ ،‬قد ُبعث نب ّ‬
‫س بشيييييء‪.‬‬
‫ميييين رأيتهييييم فييييي ضييييلل‪ ،‬قييييال‪ :‬فلييييم أحيييي ّ‬
‫قال زيد بن حارثة‪ :‬ومات زيييد بيين عمييرو ُأنييزل علييى النييبي‬
‫صلى الله عليه وسلم فقييال النييبي فييي زيييد‪» :‬إنييه ُيبعييث يييوم‬
‫القياميييييييييييييييييييية ُأميييييييييييييييييييية وحييييييييييييييييييييده«‪.‬‬
‫ديق يييذكر اجتميياعه بزيييد بيين عمييرو‪:‬‬
‫وقييال أبييو بكيير الص ي ّ‬
‫»كنت جالسا ً بفنيياء الكعبيية وكييان زيييد بيين عمييرو بيين نفيييل‬
‫قاعدًا‪ ،‬فمر به أمية بيين أبييي الصييلت‪ ،‬فقييال‪ :‬كيييف أصييبحت يييا‬
‫باغي الخير؟ قال‪ :‬بخير‪ ،‬قال‪ :‬هل وجدت؟ قال‪ :‬ل ولييم آل ميين‬
‫طليييييييييييييييييييييييييييييييييييب‪ ،‬فقيييييييييييييييييييييييييييييييييييال‪:‬‬
‫كيييييييييييييل ديييييييييييييين ييييييييييييييوم القيامييييييييييييية إل‬
‫مييييييييييا قضييييييييييى اللييييييييييه والحنيفيييييييييية بييييييييييور‬
‫أمييا إن هييذا النييبي الييذي ينتظيير منييا أو منكييم أو ميين أهييل‬
‫ي ُينتظيير أو‬
‫فلسطين؟ قال‪ :‬ولم أكن سمعت من قبل ذلييك بنييب ّ‬
‫ُيبعث‪ ،‬فخرجييت أريييد ورقيية بيين نوفييل وكييان كييثير النظيير فييي‬
‫السييماء‪ ،‬كييثير همهميية الصييدر‪ ،‬فاسييتوقفته ثييم قصصييت عليييه‬
‫الحديث‪ ،‬فقال‪ :‬نعم يا ابن أخي‪ ،‬أبييى أهييل الكتيياب والعلميياء إل‬
‫أن هذا النبي الذي ينتظر مين أوسيط العيرب نسيبًا‪ ،‬وليي علييم‬

‫بالنسب‪ ،‬وقومك أوسط العرب نسبًا‪ ،‬قلت‪ :‬يييا عييم‪ ،‬ومييا يقييول‬
‫النبي؟ قال‪ :‬يقول ما قيل له )أي ما يوحى إليه( إل أنييه ل ظلييم‬
‫ت‬
‫ول تظييالم‪ ،‬فلمييا بعييث النييبي صييلى اللييه عليييه وسييلم آمن ي ُ‬
‫وصييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييدقت«‪.‬‬
‫وعن أسماء بنت أبي بكر قالت‪ :‬لقد رأيت زيد بن عمرو بيين‬
‫نفيل مسندا ً ظهره إلى الكعبة يقول‪ :‬يييا معشيير قريييش والييذي‬
‫نفس زيد بيده ما أصبح منكييم أحييد علييى دييين إبراهيييم غيييري‪،‬‬
‫وكان يقول‪ :‬اللهم لو أني أعلييم أحييب الوجييوه إليييك عبييدتك بييه‬
‫ولكني ل أعلمه ثم يسجد على راحته‪ .‬وقال ابن إسحاق‪ :‬حدثني‬
‫بعض آل زيد كان إذا دخل الكعبة قال‪» :‬لبيك حّقييا ً حّقييًا‪ ،‬عُييذت‬
‫بميييييييييييييييا عييييييييييييييياذ بيييييييييييييييه إبراهييييييييييييييييم«‪.‬‬
‫ن راغم‪ ،‬مهما تجشمني فإني‬
‫ويقول وهو قائم‪» :‬أنفي لك عا ٍ‬
‫جاشييم‪ ،‬الييبر أبغييي ل المييال وهييل مهجيير كميين قييال؟« وكييان‬
‫الخطاب بن نفيل قد آذى زيد بن عمرو بن نفيل حتى خرج إلى‬
‫أعلى مكة فنزل حراء مقابل مكة ووكل به الخطاب شييبابا ً ميين‬
‫شباب قريش وسييفهاء ميين سييفهائهم فل يييتركونه يييدخل مكيية‬
‫وكان ل يدخلها إل سرا ً منهم فإذا علمييوا بييه آذنييوا بييه الخطيياب‬
‫فأخرجوه وآذوه كراهية أن يفسد عليهم دينهييم وأن يتييابعه أحييد‬
‫منهم على فراقهم‪ ،‬وتوفي زيد قبل مبعث النبي صلى الله عليه‬
‫وسييييييييييلم فرثيييييييييياه ورقيييييييييية بيييييييييين نوفييييييييييل‪:‬‬
‫رشييييييييدت وأنعمييييييييت ابيييييييين عمييييييييرو وإنمييييييييا‬
‫تجنبيييييييييت تنيييييييييورا ً مييييييييين النيييييييييار حامييييييييييا‬
‫بييييييييييييدينك ربييييييييييييا ً ليييييييييييييس رب كمثلييييييييييييه‬
‫وتركيييييييييك أوثيييييييييان الطيييييييييواغي كميييييييييا هييييييييييا‬
‫وقيييييييييد ييييييييييدرك النسيييييييييان رحمييييييييية ربيييييييييه‬
‫ولييييييييو كييييييييان تحييييييييت الرض سييييييييتين واديييييييييا‬
‫وكان يقول‪» :‬يييا معشيير قريييش إييياكم والرييياء فييإنه يييورث‬
‫الفقيييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييير«‪.‬‬
‫هذه ترجمة زيد بن عمرو وهو مع اعتناقه دين إبراهيم هربييا ً‬
‫من الوثنية لم يكن يعلم أحب الوجوه إلى الله تعالى ليعبييده بييه‬
‫ولم يذكر أنه اجتمع برسييول اللييه غييير مييرة ول بييأبي بكيير غييير‬

‫المييييييييييييييييييييرة الييييييييييييييييييييتي ذكرناهييييييييييييييييييييا‪.‬‬
‫بيييييييييدء اليييييييييوحي ‪ 6‬أغسيييييييييطس سييييييييينة ‪610‬م‬
‫حب ّييب إلييه صيلى الليه علييه وسيلم‬
‫لما قربييت أيييام الييوحي ُ‬
‫الخلوة فكان يختلييي فييي غييار حييراء ويتعب ّييد فيييه الليييالي ذوات‬
‫العدد ثم يرجع إلى أهله فيتزود لمثلها‪ ،‬وكانت عبادته على دييين‬
‫إبراهيم عليه السلم وقيل‪ :‬كان يتعّبد إلهاما ً ميين اللييه‪ ،‬وكييان ل‬
‫يرى رؤيا إل جاءت مثل فََلق الصبح‪ ،‬وكانت تلك الرؤيا الصييادقة‬
‫مقييييييدمات الييييييوحي‪ ،‬قيييييييل‪ :‬مييييييدتها سييييييتة أشييييييهر‪.‬‬
‫فلما تم له أربعون سنة جاءه جبريل بالنبوة وذلييك فييي يييوم‬
‫الثنييين لسييبع عشييرة خلييت ميين رمضييان لييل سيينة الحادييية‬
‫والربعين من ميلده‪ ،‬فيكون عمره إذ ذاك أربعيين سينة قمريية‬
‫وستة أشهر وثمانية أيام‪ ،‬وذلك يوافييق ‪ 6‬أغسييطس سيينة ‪610‬‬
‫مييييييييييييييين وهيييييييييييييييو بغيييييييييييييييار حيييييييييييييييراء‪.‬‬
‫جاء في »صحيح البخاري« عن عائشة رضي اللييه عنهييا أنهييا‬
‫قييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييالت‪:‬‬
‫»أول ما بدىء به رسيول الليه صيلى الليه علييه وسيلم ميين‬
‫الوحي الرؤيا الصالحة في النييوم فكييان ل يييرى رؤيييا إل جيياءت‬
‫ح يَراء‬
‫حب ّييب إليييه الخلء وكييان يخلييو بغييار ِ‬
‫مثل فََلق الصييبح ثييم ُ‬
‫فيتحنث فيه ‪ -‬وهو التعّبد ‪ -‬الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى‬
‫أهله ويتزّود لذلك ثم يرجع إلى خديجة فيتزّود لمثلها حتى جيياءه‬
‫الحق وهو في غار حراء فجاءه الملييك فقييال لييه‪ :‬اقييرأ‪ ،‬فقييال‪:‬‬
‫جهْييد‪،‬‬
‫»ما أنا بقارىء«‪ ،‬قال‪» :‬فأخذني فغطني حتى بلغ منييي ال َ‬
‫ثم أرسلني‪ ،‬فقال‪ :‬اقرأ‪ ،‬فقلت‪ :‬ما أنا بقارىء‪ ،‬فأخذني فغطنييي‬
‫الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال‪ :‬اقرأ‪ ،‬فقلت‪ :‬ما أنا‬
‫ْ‬
‫بقارىء‪ ،‬فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني فقال‪} :‬اقَْرأ ِبا ْ‬
‫سييم ِ‬
‫مي ْ َ‬
‫ق اقْ يَرأ ْ وََرب ّي َ‬
‫َرب ّ َ‬
‫م{«‬
‫خل َقَ َ‬
‫ذى َ‬
‫ن ِ‬
‫ك ال ّ ِ‬
‫ك ال ْك ْيَر ُ‬
‫لن َ‬
‫سي َ‬
‫خل َقَ ا ِ‬
‫ن عَل ي ٍ‬
‫)العلق‪ ،(3 - 1 :‬فرجع بها رسول الله صلى اللييه عليييه وسييلم‬
‫ف فؤاده فدخل على خديجة بنييت خويلييد رضييي اللييه عنهييا‬
‫ج ُ‬
‫ير ُ‬
‫ملوه حتى ذهب عنه الروع‪ ،‬فقال‬
‫ملوني‪ ،‬زملوني« فز ّ‬
‫فقال‪» :‬ز ّ‬
‫ت علييى نفسييي«‪ ،‬فقييالت‬
‫لخديجة وأخبرها الخييبر‪» :‬لقييد خشييي ُ‬
‫خديجة‪ :‬كل والله ما يخزيك الله أبدًا‪ ،‬إنك لتصل الرحم‪ ،‬وتحمييل‬

‫الك ّ‬
‫ب المعييدوم‪ ،‬وت َْقييري الضيييف وتعييين علييى نييوائب‬
‫ل‪ ،‬وتكسي ُ‬
‫الحق‪ .‬فانطلقت به خديجة حتى أتت به وََرقة بن نوفل ابن أسد‬
‫بيين عبييد العُ يّزى ابيين عييم خديجيية‪ ،‬وكييان امييرأ َ قييد تنصيير فييي‬
‫ي‪ ،‬فيكتييب ميين النجيييل‬
‫الجاهلية‪ ،‬وكييان يكتييب الكتيياب العييبران ّ‬
‫ب وكييان شيييخا ً كييبيرا ً قييد عمييي‪،‬‬
‫بالعبرانية ما شاء الله أن يكت ي َ‬
‫فقالت له خديجة‪ :‬يا ابن عم اسييمع ميين ابيين أخيييك‪ ،‬فقييال لييي‬
‫ورقة‪ :‬يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم خبر ما رأى فقال له ورقة‪ :‬هذا الناموس الذي ن يّزل اللييه‬
‫جي َ‬
‫ذعا ً ليتنييي أكييون حي ّيا ً إذ يخرجييك‬
‫على موسى‪ ،‬يا ليتني فيهييا َ‬
‫ي‬
‫قومك‪ ،‬فقال رسول الله صيلى الليه علييه وسييلم »أو مخرجي ّ‬
‫هم«؟ قال‪ :‬نعم‪ ،‬لم يأت رجل قط بمثل ما جئت بييه إل عييودي‪،‬‬
‫وإن يييدركني يومييك أنصييرك نصييرا ً مييؤّزرا ً ثييم لييم ينشييب‬
‫ورقييييييييييية أن تيييييييييييوفي وفيييييييييييتر اليييييييييييوحي«‪.‬‬
‫أول ما نزل عليه صلى الله عليه وسلم من القرآن‪» :‬اقييرأ«‬
‫كما صح ذلك عن عائشة وروي ذلك عن أبي موسييى الشييعري‬
‫وعبيد بن عمير‪ ،‬قال النووي‪ :‬وهو الصواب الذي عليه الجميياهير‬
‫ميييييييييييييييييييين السييييييييييييييييييييلف والخلييييييييييييييييييييف‪.‬‬
‫النييييييييييييييييييييييييييييييييبي المنتظيييييييييييييييييييييييييييييييير‬
‫اتفق مؤرخو العرب وأصحاب السييير أن أهييل الكتيياب كييانوا‬
‫ي في ذلييك الزمييان وكييانوا يعلمييون أوصييافه‬
‫ينتظرون ظهور نب ّ‬
‫وأحييييييييييواله‪ ،‬ميييييييييين ذلييييييييييك أنهييييييييييم ذكييييييييييروا‪:‬‬
‫‪ - 1‬أنه ثبت بالخبار القريبيية ميين التييواتر أن شييقا ً وسييطيحا ً‬
‫كانا كاهنين يخبران بظهور نبينا محمييد صييلى اللييه عليييه وسييلم‬
‫قبيييييييييييييييييييييل زميييييييييييييييييييييان ظهيييييييييييييييييييييوره‪.‬‬
‫‪ - 2‬قصة حليميية السييعدية وأنهييا كييانت تعييرض رسييول اللييه‬
‫صلى الله عليه وسلم على اليهييود كلمييا ميير بهييا جماعيية منهييم‬
‫وتحييدثهم بشييأنه فكييانوا يحضييون علييى قتلييه فتهييرب منهييم‪.‬‬
‫‪ - 3‬أنهييم اتفقييوا علييى أن بحيييرا الراهييب عييرف الرسييول‬
‫بعلمات فيه وقال لبييي طييالب‪» :‬ارجييع بييابن أخيييك إلييى بلييده‬
‫واحذر عليه اليهود فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت لَيبغُّنه‬

‫شييرا ً فييإنه كييائن لييه شييأن عظيييم فأسييرع بييه إلييى بلييده«‪.‬‬
‫‪ - 4‬في »سيرة ابن هشام« فصل عيين إنييذار يهييود برسييول‬
‫الله نقل ً عن رواية ابن إسحاق فليراجع في موضعه وقد أوردتيه‬
‫فييييييييييييييييييييييي هييييييييييييييييييييييذا الكتيييييييييييييييييييييياب‪.‬‬
‫‪ - 5‬قصة سلمان الفارسي الذي أسلم بعد أن اسييتدل علييى‬
‫رسول الله بعلمات كان يعرفها من الراهب الذي صحبه أخيييرًا‪،‬‬
‫وقصة إسلم سلمان مشهورة ومذكورة في المصييادر المعتييبرة‬
‫ول عليها المؤرخييون ول يمكيين أن تكييون مختلفيية‪ ،‬فقييد‬
‫التي يع ّ‬
‫رواها ابن عباس عن لسان سييلمان الفارسييي نفسييه‪ ،‬والقصيية‬
‫مييييييذكورة فييييييي هييييييذا الكتيييييياب أيضييييييا ً لهميتهييييييا‪.‬‬
‫حييبرا ً‬
‫‪ - 6‬إسلم عبد الله بيين سييلم بيين الحييارث فييإنه كييان َ‬
‫عالمًا‪ ،‬قال‪ :‬سمعت برسول الله صلى الله عليه وسلم وعرفت‬
‫سيّرا ً لييذلك‬
‫م ِ‬
‫صفته واسمه وزمانه الذي كنييا نتوكييف لييه فكنييت ُ‬
‫صامتا ً عليه حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة‬
‫إلى آخر ما قال مما هو مذكور في هذا الكتاب نقل ً عن »سيرة‬
‫ابييييييييييييييييييييييييييييييييييين هشيييييييييييييييييييييييييييييييييييام«‪.‬‬
‫‪ - 7‬كانت العرب تسمع من أهل الكتاب ومن الكهان أن نبييا ً‬
‫يبعث في العرب اسمه محمد فسمى من بلغه ذلك من العييرب‬
‫ولده محمدا ً طمعا ً في النبوة‪ ،‬وقد ذكرت في كتابي هذا أسييماء‬
‫بعضيييهم نقل ً عييين »طبقيييات ابييين سيييعد« كييياتب الواقيييدي‪.‬‬
‫‪ - 8‬ما جاء في »صحيح البخاري« في باب بييدء الييوحي ميين‬
‫أن ورقة بن نوفل )وذلك الشيخ العالم بالنصييرانية والييذي كييان‬
‫يكتب النجيل بالعبرانية( قال لرسييول اللييه حييين عرضييته عليييه‬
‫خديجيية‪» :‬هييذا النيياموس الييذي نييزل علييى موسييى« الييخ‪.‬‬
‫‪ - 9‬أن النبي صلى الله عليه وسلم لمييا جمييع بنييي قينقيياع ‪-‬‬
‫وهم طائفة من اليهود ‪ -‬قال لهم‪» :‬يا معشر اليهود احذروا ميين‬
‫الله عز وجل مثل ما نزل بقريش ميين النقميية وأسييلموا فييإنكم‬
‫ي مرسل تجدون ذلك فييي كتييابكم وفييي عهييد‬
‫قد عرفتم أني نب ّ‬
‫الليييييييييييييييييييييييييييييييييييه إليكيييييييييييييييييييييييييييييييييييم«‪.‬‬
‫جما ً متفلسفا ً واعدا ً‬
‫‪ - 10‬كان قيس بن ن ُ ْ‬
‫شب َ َ‬
‫ة في الجاهلية من ّ‬
‫بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم فأتاه فقال له‪ :‬يا محمييد مييا‬

‫ة؟ فقييال‪» :‬الرض«‪،‬‬
‫حلي ُ‬
‫حل ُ‬
‫م ْ‬
‫كَ ْ‬
‫ة؟ فقال‪» :‬السييماء«‪ ،‬قييال‪ :‬ومييا َ‬
‫ي‪ ،‬فقييال قيييس فييي ذلييك‪:‬‬
‫فآمن به وقال‪ :‬ل يعييرف هييذا إل نييب ّ‬
‫ت دييييييييييييين محمييييييييييييد ورضيييييييييييييُته‬
‫تييييييييييييابع ُ‬
‫كيييييييييييي ّ‬
‫ل الرضييييييييييييا لمييييييييييييانتي ولييييييييييييديني‬
‫ه وأرقييييييييييب وقتييييييييييه‬
‫مليييييييييي ُ‬
‫تآ ُ‬
‫مييييييييييا زليييييييييي ُ‬
‫واللييييييييييييييه قييييييييييييييدر أنييييييييييييييه يهييييييييييييييديني‬
‫ن ومييييييين بيييييييه‬
‫ن آمنييييييي َ‬
‫ة الميييييييي َ‬
‫أعنيييييييي ابييييييي َ‬
‫ص ميييييييين عييييييييذاب الهييييييييون‬
‫أرجييييييييو التخليييييييي َ‬
‫فكان قوم قيس إذا وردوا على النبي صلى الله عليه وسييلم‬
‫قيييييييييييييال لهيييييييييييييم‪» :‬كييييييييييييييف حيييييييييييييبركم«‪.‬‬
‫كل هذا وغيره يؤيد أنهم كانوا ينتظرون نبيا ً يظهيير فييي ذلييك‬
‫الزمان وليس ذلك بمستغرب فإن البشارة به صييلى اللييه عليييه‬
‫وسلم قد وردت في التوراة والنجيل وقد أثبتنا ذلك فييي فصييل‬
‫سابق من هذا الكتاب مستشهدين بآيات ميين الكتيياب المقييدس‬
‫المطبوع باللغية العربيية )راجيع ص ‪ (47 - 45‬فل بيد أن أهيل‬
‫الكتاب في ذلك الزمان كانت لديهم كتب أخرى أّلفها علميياؤهم‬
‫شرحا ً للكتاب المقدس فاستقوا منها تلك المعلومات والعلمات‬
‫التي عرفوا بها صفة رسول الله وموطنه وزمنه واضطهاد قومه‬
‫له وهجرته‪ ،‬إننا نرجح ذلك بل نؤكده لننا إذا كنييا قييد اسييتخرجنا‬
‫من الكتاب المقدس المطبوع فييي أيامنييا آيييات تبشيير برسييالته‬
‫صلى الله عليه وسلم وتصفه وتصف شريعته وموطنه وأصحابه‬
‫فل بد أن يكون أهل الكتاب قديما ً ‪ -‬ول سيما العلماء منهم ‪ -‬قد‬
‫اطلعييوا فييي النسييخ العبرييية القديميية الييتي كييانت لييديهم‪ ،‬ولييم‬
‫نتوصل إليها‪ ،‬على معلومات أوفى خاصية بالرسيول تعييد غريبيية‬
‫بالنسييييييييييييييييييييييييييييييييييييبة لنييييييييييييييييييييييييييييييييييييا‪.‬‬
‫هذا ما يستنتجه المؤرخ المنصف‪ ،‬بل هذا ما يتبادر إلى ذهيين‬
‫ميييييييييييييين تتبييييييييييييييع سيييييييييييييييرة الرسييييييييييييييول‪.‬‬
‫أما مستر موير فإنه انبرى في الجزء الثاني من كتابه يكييذب‬
‫جميييع المصييادر التاريخييية ويرفييض مييا جيياء فيهييا ميين أن أهييل‬
‫الكتاب كانوا ينتظييرون نبييا ً يبعييث‪ ،‬زاعميا ً أن هييذه الروايييات ل‬
‫أساس لها من الصحة وأنها ميين مخترعييات المييؤرخين لنييه لييو‬
‫اعترف بصحتها أو بصحة بعضها لوجب عليه أن يعترف برسييالة‬

‫النبي صلى الله عليه وسلم في حين أنييه حيياول فييي جميييع مييا‬
‫دعي النبييوة‬
‫كتبه واستنبطه إثبات أنه لم يكن نبيا ً بل كان رجل ً ي ّ‬
‫لبسييييييييييييييييييييييييييييييييييط نفييييييييييييييييييييييييييييييييييوذه‪.‬‬
‫ي الميييييييييييييييييييييييييييييييييي‬
‫النيييييييييييييييييييييييييييييييييب ّ‬
‫أول ما نزل عليه صلى الله عليه وسلم من القرآن‪» :‬اقييرأ«‬
‫كما صح ذلك عن عائشة وروى ذلك عن أبي موسى الشييعري‪،‬‬
‫وعبيد بن عمير‪ ،‬قال النووي‪ :‬وهو الصواب الذي عليه الجميياهير‬
‫ي فل أقييرأ‬
‫من السيلف‪ ،‬وقييوله‪» :‬ميا أنيا بقيارىء« أي إنييي أمي ّ‬
‫ي الييذي علييى خلقيية الميية لييم يتعلييم‬
‫الكتب‪ .‬قال الزجاج‪ :‬المي ّ‬
‫ُ‬
‫ن لَ‬
‫الكتاب فهو على جبلته‪ ،‬وفي التنزيل العزيز‪} :‬وَ ِ‬
‫مّيييو َ‬
‫مأ ّ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫يعل َمون ال ْكتب إل ّ أ َ‬
‫ى{ )البقييرة‪ ،(78 :‬فمعنييى الميييين فييي‬
‫ن‬
‫يا‬
‫ي‬
‫م‬
‫ِ‬
‫َْ ُ َ‬
‫َ‬
‫َِ َ ِ‬
‫ّ‬
‫هييييذه الييييية الييييذين ل معرفيييية لهييييم بقييييراءة ول كتابيييية‪.‬‬
‫قال أبو إسحاق‪ :‬معنى المي المنسوب إلييى مييا عليييه جبليية‬
‫ي لن الكتابيية مكتسييبة‬
‫أمه أي ل يكتب وهو في أنه ل يكتب أم ي ّ‬
‫فكأنه نسب إلى ما يولييد عليييه‪ ،‬أي علييى مييا ولييدته أمييه عليييه‪،‬‬
‫وكانت الكتابة في العرب من أهل الطييائف تعلموهييا ميين رجييل‬
‫من أهييل الحيييرة وأخييذها أهييل الحيييرة عيين أهييل النبييار‪ ،‬وفييي‬
‫الحديث‪» :‬إنا أميية أمييية ل نكتييب ول نحسييب« أراد علييى أصييل‬
‫ولدة أمهييم لييم يتعلمييوا الكتابيية والحسيياب فهييم علييى جبلتهييم‬
‫الولييى‪ ،‬وفييي الحييديث‪» :‬بعثييت إلييى أميية أمييية« قيييل للعييرب‬
‫ي«‬
‫الميون لن الكتابة كانت فيهم عزيزة‪ ،‬هذا معنى كلمة »أميي ّ‬
‫فييييي اللغيييية العربييييية وهكييييذا كييييان يفهمهييييا العييييرب‪.‬‬
‫سييو َ‬
‫ل‬
‫قال تعالى فييي سييورة العييراف‪} :‬ال ّي ِ‬
‫ن ي َت ّب ِعُييو َ‬
‫ن الّر ُ‬
‫ذي َ‬
‫ل{‬
‫مك ُْتوًبا ِ‬
‫ى ال ّ ِ‬
‫ج ُ‬
‫لن ِ‬
‫عند َهُ ْ‬
‫ه َ‬
‫دون َ ُ‬
‫ذى ي َ ِ‬
‫ى ال ّ‬
‫جي ي ِ‬
‫م ِفى الت ّيوَْراةِ َوا ِ‬
‫م ّ‬
‫الن ّب ِ ّ‬
‫ما ُ‬
‫ميين‬
‫ميين قَب ْل ِيهِ ِ‬
‫ت ت َت ْل ُييو ِ‬
‫كن ي َ‬
‫)العراف‪ ،(157 :‬وقال تعالى‪} :‬وَ َ‬
‫مين ِي َ‬
‫ك{ )العنكبييوت‪ (48 :‬الييية‪ ،‬قييال الفخيير‬
‫ب وَل َ ت َ ُ‬
‫ه ب ِي َ ِ‬
‫خط ّي ُ‬
‫ك ِت َي ٍ‬
‫الرازي في »تفسيره«‪» :‬فالعرب أكثرهم مييا كييانوا يكتبييون ول‬
‫يقرأون والنبي عليه الصلة والسلم كان كييذلك‪ ،‬فلهييذا السييبب‬
‫وصفه بكونه أمي ًّا‪ ،‬قال أهل التحقيق وكييونه أمي يا ً بهييذا التفسييير‬
‫كيييييان مييييين جملييييية معجزاتيييييه وبييييييانه مييييين وجيييييوه‪:‬‬

‫الول‪ :‬أنه عليه الصلة والسلم كان يقرأ عليهييم كتيياب اللييه‬
‫تعالى منظوما ً مرة بعد أخرى من غير تبييديل ألفيياظه ول تغيييير‬
‫كلماته‪ ،‬والخطيب من العرب إذا ارتجل خطبة ثم أعادها فإنه ل‬
‫بد أن يزيد فيها بالقليل والكثير‪ ،‬ثم إنه عليييه الصييلة والسييلم ‪-‬‬
‫مع أنه ما كان يكتب وما كان يقييرأ ‪ -‬يتلييو كتيياب اللييه ميين غييير‬
‫زيادة ول نقصييان ول تغيييير فكييان ذلييك ميين المعجييزات‪ ،‬وإليييه‬
‫سيين ُْقرِئ ُ َ‬
‫سييى{ )العلييى‪.(6 :‬‬
‫ك فَل َ َتن َ‬
‫الشييارة بقييوله تعييالى‪َ } :‬‬
‫الثاني‪ :‬أنه لو كان يحسن الخط والقييراءة لصييار متهم يا ً فييي‬
‫صييل هييذه العلييوم ميين تلييك‬
‫أنييه ربمييا طييالع كتييب الّولييين فح ّ‬
‫المطالعة‪ ،‬فلما أتى بهذا القرآن العظيم المشتمل علييى العلييوم‬
‫الكثيرة من غير تعلم ول مطالعة كان ذلك من المعجزات‪ ،‬وهذا‬
‫ميا ُ‬
‫ب وَل َ‬
‫مين قَب ِْليهِ ِ‬
‫ت ت َت ُْليو ِ‬
‫كني َ‬
‫هو المراد من قيوله‪} :‬وَ َ‬
‫مين ك َِتي ٍ‬
‫خ ّ‬
‫ميِنييي َ‬
‫ن{ )العنكبيييوت‪.(48 :‬‬
‫تَ ُ‬
‫ه ب ِي َ ِ‬
‫مب ْط ُِليييو َ‬
‫ك ِإذا ً ل ّْرَتييي َ‬
‫ب ال ْ ُ‬
‫طييي ُ‬
‫الثالث‪ :‬أن تعلم الخط شيييء سييهل فييإن أقييل النيياس ذكيياء‬
‫وفطنة يتعلمييون الخييط بييأدنى سييعي‪ ،‬فعييدم تعلمييه يييدل علييى‬
‫نقصييان عظيييم فييي الفهييم‪ ،‬ثييم إنيه تعيالى آتياه علييوم الولييين‬
‫والخرين وأعطاه من الحقائق ما لم يصل إليه أحد ميين البشيير‬
‫ومع تلك القوة العظيمة في العقل والفهم جعله بحيث لم يتعلم‬
‫الخط الذي يسهل تعلمييه علييى أقييل الخلييق عقل ً وفهميا ً فكييان‬
‫الجمع بين هاتين الحالتين المتضادتين جاريا ً مجييرى الجمييع بييين‬
‫الضييدين وذلييك ميين المييور الخارقيية للعييادة وجييار مجييرى‬
‫المعجييييييييييييييييييييييييييييييييزات« اهييييييييييييييييييييييييييييييييي‪.‬‬
‫وقد طالعت ما كتبه الذين تعرضوا لهذا البحييث ميين الفرنييج‬
‫الذين ترجموا حياة النبي صلى الله عليه وسلم فوجدت تخبطييا ً‬
‫مدهشا ً فقد بحييث السييتاذ نولييدكه اللميياني فييي كتييابه »تاريييخ‬
‫القرآن« هل كييان النييبي يعييرف القييراءة والكتابيية؟ فلييم يجييزم‬
‫ي« المييذكورة فييي القييرآن ل‬
‫بشيء بيد أنه زعم أن لفظة »أم ي ّ‬
‫تدل علييى أنييه يجهييل القييراءة والكتابيية بييل تفيييد أنييه ل يعييرف‬
‫السييييييييييييييييييييييييييييييييفار القديميييييييييييييييييييييييييييييييية‪.‬‬
‫والثابت من التاريخ والقرآن والحييديث أن النييبي صييلى اللييه‬
‫عليه وسلم ما كان يعرف القراءة والكتابة بالرغم من أن بعييض‬

‫المستشرقين يحاولون أن يثبتوا عكييس ذلييك ميين غييير برهييان‪،‬‬
‫ُ‬
‫ميته ولكيين‬
‫إنما هم يستنتجون بعقولهم‪ ،‬ليتعجبوا ما شاءوا من أ ّ‬
‫يجب عليهم أن يعترفوا بأنه ما كان يعلم القراءة والكتابة‪ .‬وجاء‬
‫فييييييييييييييييييي »قيييييييييييييييييياموس السييييييييييييييييييلم«‪:‬‬
‫»ومع ذلك فمن المحقق أنه ‪ -‬النبي صلى الله عليه وسلم ييي‬
‫كان يتظاهر بأنه يجهل القراءة والكتابة كي يجعل إنشاء القرآن‬
‫معجييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييزًا«‪.‬‬
‫سف لو كييان رسييول اللييه صييلى اللييه عليييه‬
‫فهل بعد ذلك تع ّ‬
‫وسلم يقرأ أو يكتب لتحدث بذلك أصحابه أو أعداؤه‪ ،‬ولما أمكن‬
‫أن يكون سرا ً مكتوميا ً طييول حييياته خصوصيا ً أن جميييع صييفات‬
‫النبي وأعماله قد روتها الصحابة بالتفصيل حتى خصوصياته فييي‬
‫منزلييه مييع نسييائه‪ ،‬علييى أن المنصييفين ميين مييؤرخي الفرنييج‬
‫ُ‬
‫ميته فمن ذلك ما كتبه المسيو سيييديو‬
‫وفلسفتهم قد اعترفوا بأ ّ‬
‫فييي كتييابه »تاريييخ العييرب« الجييزء الول ص ‪ 59‬ميين الطبعيية‬
‫الثانيييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييية‪:‬‬
‫»ولما كان )رسول الله صلى اللييه عليييه وسييلم غييير متعلييم‬
‫مثييييييل أبنيييييياء وطنييييييه كييييييان ل يعييييييرف القييييييراءة«‪.‬‬
‫وقييال الفيلسييوف النجليييزي توميياس كارليييل فييي كتيياب‬
‫»البطال« الذي عني بترجمته السييتاذ محمييد السييباعي رحمييه‬
‫اللييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييه‪:‬‬
‫»ثم ل ننسى شيئا ً آخر وهو أنه لم يتلق دروس يا ً علييى أسييتاذ‬
‫أبدا ً وكانت صناعة الخط حديثيية العهييد إذ ذاك فييي بلد العييرب‪،‬‬
‫ويظهر لي أن الحقيقيية هييي أن محمييدا ً لييم يكيين يعييرف الخييط‬
‫والقييراءة وكييل مييا تعلييم هييي عيشيية الصييحراء وأحوالهييا«‪.‬‬
‫وجيياء فييي »كتيياب السييلم« تييأليف الكييونت هنييري دي‬
‫كاسيييتري‪ ،‬ترجمييية المرحيييوم أحميييد فتحيييي زغليييول باشيييا‪:‬‬
‫»إن محمدا ً ما كان ليقرأ أو ليكتب بل كان ‪ -‬ما وصف نفسه‬
‫مرارا ً ‪ -‬نبيا ً أمي ًّا‪ ،‬وهو وصف لم يعارضه فيه أحد مين معاصيريه‪،‬‬
‫ول شك أنه يستحيل علييى رجييل فييي الشييرق أن يتلقييى العلييم‬
‫بحيث ل يعلمه الناس لن حياة الشرقيين كلهييا ظيياهرة للعيييان‪،‬‬
‫على أن القراءة والكتابة كانت معدومة في ذلك الحين من تلك‬

‫القطييييييييييييييييييييييييييييييييييار‪ ،‬الييييييييييييييييييييييييييييييييييخ«‪.‬‬
‫ولما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمي يا ً احتيياج إلييى‬
‫كّتاب يكتبون له وقد ذكرهيم الحييافظ أبيو القاسييم فيي »تارييخ‬
‫دمشيييييييق«‪ ،‬وروى ذليييييييك كليييييييه بأسيييييييانيده وهيييييييم‪:‬‬
‫ديق‪ ،‬وعميير بيين الخطيياب‪ ،‬وعثمييان‪ ،‬وعلييي‪،‬‬
‫أبييو بكيير الص ي ّ‬
‫ي بن كعب بن قيس‪ ،‬وزيييد بيين ثييابت‪ ،‬ومعاوييية بيين‬
‫والزبير‪ ،‬وأب ّ‬
‫أبي سفيان‪ ،‬ومحمد بن مسلمة‪ ،‬والرقم بن أبي الرقييم‪ ،‬وأبييان‬
‫بن سعيد بن العاص وأخوه خاليد بين سيعيد‪ ،‬وثيابت بين قيييس‪،‬‬
‫وحنظلة بن الربيع‪ ،‬وخالد بن الوليد‪ ،‬وعبد الله بن الرقم‪ ،‬وعبييد‬
‫الله بن زيد بن عبد ربه‪ ،‬والعلء بن عتبة‪ ،‬والمغيييرة بيين شييعبة‪،‬‬
‫والسجل‪ ،‬وزاد غيره شرحبيل بن ح سنة ‪ ،‬وقالوا‪ :‬وكان أكثرهم‬
‫كتابيييية زيييييد بيييين ثييييابت ومعاوييييية رضييييي اللييييه عنهييييم‪.‬‬
‫ُ‬
‫حييد أن العبيياس كييان بمكيية وكتييب إلييى‬
‫وسيأتي في غييزوة أ ُ‬
‫النييبي صييلى اللييه عليييه وسييلم كتابييا ً يخييبره بجمييع قريييش‬
‫وخروجهم‪ ،‬فلما جاء كتاب العباس وكان أرسييله مييع رجييل ميين‬
‫ي بيين كعييب فقييرأه‬
‫بني غفار‪ ،‬فك رسول الله ختمه ودفعييه لب ي ّ‬
‫علييييييييييييييييييييييه فاسيييييييييييييييييييييتكتم أبي ّيييييييييييييييييييييًا‪.‬‬
‫فلو كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرف القراءة لما دفييع‬
‫كتابيييييا ً يحيييييوي أخبيييييارا ً سيييييرية إليييييى أحيييييد لقراءتيييييه‪.‬‬
‫قال زيد بن ثابت رضي الله عنه‪ :‬كنت جار رسول الله صلى‬
‫ي فكتبته لييه‪.‬‬
‫الله عليه وسلم فكان إذا نزل عليه الوحي بعث إل ّ‬
‫وذكر ابن ماكول أن تميم بن جراشة وفد علييى النييبي صييلى‬
‫الله عليه وسلم وروى عنه أنه قييال‪ :‬قييدمت علييى النييبي صييلى‬
‫الله عليه وسلم في وفد ثقيف فأسييلمنا وسييألناه أن يكتييب لنييا‬
‫م ائتوني به‪ .‬فسيألناه‬
‫كتابا ً فيه شروط فقال‪ :‬اكتبوا ما بدا لكم ث ّ‬
‫في كتابنا أن يح ّ‬
‫ي أن يكتب لنا فسيألنا‬
‫ل لنا الربا والزنا فأبى عل ّ‬
‫ي‪ :‬تدري ما تكتب؟ قييال‪:‬‬
‫خالد بن سعيد بن العاص‪ ،‬فقال له عل ّ‬
‫أكتب ما قالوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم أولييى بييأمره‪.‬‬
‫فذهبنا بالكتاب إلى رسول اللييه صييلى اللييه عليييه وسييلم فقييال‬
‫للقارىء‪ :‬اقرأ‪ ،‬فلما انتهى إلى الربا قال‪ :‬ضع يدي عليها فوضييع‬
‫َ‬
‫ن‬
‫ى ِ‬
‫يده فقال‪} :‬يأي َّها ال ّي ِ‬
‫ه وَذ َُروا ْ َ‬
‫من ُييوا ْ ات ُّقييوا ْ الل ّي َ‬
‫ن ءا َ‬
‫مي َ‬
‫ذي َ‬
‫مييا ب َِق ي َ‬
‫الّرَبوْا{ )البقرة‪ (278 :‬الية‪ ،‬ثم محاهييا وألقيييت علينييا السييكينة‬

‫فما راجعناه فلما بلغ »الزنا« وضع يده عليها وقال‪} :‬وَل َ ت َْقَرُبوا ْ‬
‫ه َ‬
‫ح َ‬
‫ة{ )السييراء‪ (32 :‬الييية‪ ،‬ثييم محاهييا وأميير‬
‫ش ً‬
‫ن َفا ِ‬
‫كا َ‬
‫الّزَنى إ ِن ّ ُ‬
‫بكتابنييييييييييييييييييييا أن ينسييييييييييييييييييييخ لنييييييييييييييييييييا‪.‬‬
‫وقد زعم بعضهم أن النبي صلى الله عليييه وسييلم كييان يتلييو‬
‫الكتب الدينية القديمة ومنها اسييتقى معلوميياته‪ ،‬وهييذا الزعييم ل‬
‫أساس ليه‪ ،‬إذ ليم يكين فيي جزييرة العيرب كتيب دينيية باللغية‬
‫العربية في ذلك الوقت‪ ،‬ومن المؤكد أنه ما كان يعرف أي لغيية‬
‫ميييييييييييييييييييين اللغييييييييييييييييييييات الجنبييييييييييييييييييييية‪.‬‬
‫وقد قيل أيضًا‪ :‬إنه صلى الله عليه وسلم اقتبس بعض تعاليم‬
‫المسيحية أثناء سفره إلى الشام عندما كان يتيياجر‪ ،‬وبييديهي أن‬
‫التاجر العربي الذي ل يعرف اللغة الرامية واليونانية كان يتعييذر‬
‫عليه الحصول على معلومات دينييية ميين مسيييحيي الشييام‪ ،‬أمييا‬
‫الذين كانوا يتكلمون العربية ميين هييؤلء المسيييحيين فقييد كييانوا‬
‫جهيييييييييييييييييييييييييييييييييييال ً أمييييييييييييييييييييييييييييييييييييين‪.‬‬
‫وأما ما قيل من أن ورقة بن نوفل ترجييم جييزءا ً ميين الكتييب‬
‫المسيحية إلى العربييية فغييير محتمييل بييالمرة ومييع ذلييك يزعييم‬
‫دومنغم في كتابه »حياة محمد« أن ورقيية ترجييم الناجيييل إلييى‬
‫العربيييية وهيييذا زعيييم ل أسييياس ليييه إنميييا هيييو مجيييرد ظييين‪.‬‬
‫فالمستشييرقون الييذين زعمييوا أن رسييول اللييه كييان يعييرف‬
‫القراءة والكتابة غضوا الطرف عيين اليييات الييتي صييرحت بييأنه‬
‫كان أمي ّيًا‪ ،‬ذلييك لنهييم وجييدوا أن القييرآن معجييز ويحتييوي علييى‬
‫قصص الماضين وعلى شريعة عظيمة فاقت كل الشرائع وفيييه‬
‫عظات بالغة وحكم وأمثال رائعة وأن أبناء هذا العصر مع تقييدم‬
‫العلييوم والفنييون وانتشييار الجامعييات لييم يسييتطيعوا أن يضييعوا‬
‫شريعة للنيياس كالشييريعة السييلمية ول آدابيا ً وأخلقيا ً كييالداب‬
‫والخلق الواردة في القرآن‪ ،‬فهالهم المر وتحيييروا وقيالوا فييي‬
‫أنفسهم‪ :‬من أين جاء لمحمد )صلى الله عليه وسلم هييذا العلييم‬
‫وته وأنييه‬
‫كله‪ ،‬وكيف كان أمي ًّا؟ فإن قيل لهم‪ :‬هذا دليل علييى نب ي ّ‬
‫صلى الله عليه وسلم كييان يييوحى إليييه‪ ،‬لييم يسييلموا لنهييم لييو‬
‫سلموا بنزول الوحي عليه لزمهم التصديق برسالته تخّلص يا ً ميين‬
‫هذا المأزق‪ ،‬ونفوا عنه المية وقالوا‪ :‬إنه كان يقرأ ويكتب ويتلييو‬

‫الكتب القديمة ولميا وجيدوا أن التاريييخ ل يسياعدهم علييى هيذا‬
‫الزعم لن معاصريه صلى الله عليه وسلم أقروا أنييه كييان أمي ّيا ً‬
‫وأن ذلك يطابق ما جاء في القرآن‪ ،‬قال قائلهم‪ :‬إنه كان يخفييي‬
‫أمره ويكتم عن الناس )وعن النيياس جميع يا ً حييتى عيين زوجيياته‬
‫وأولده وجميييع أصييحابه( علمييه بييالقراءة والكتابيية‪ ،‬وهييذا قييول‬
‫مضحك لن الذي يقرأ ويكتب ل بد أن يراه أحييد بييل يييراه كييثير‬
‫من الناس‪ ،‬فإن هذا أمر ل يمكن إخفاؤه كالكل والشرب‪ ،‬هييذه‬
‫هي الحقيقة وهذا ما نعتقد وما يجب أن يعتقده كييل بيياحث فييي‬
‫السييييييييييرة المحمديييييييييية والشيييييييييريعة السيييييييييلمية‪.‬‬
‫فيييييييييييييييييييييييييييييييييترة اليييييييييييييييييييييييييييييييييوحي‬
‫جاء في صحيح البخيياري عيين جييابر بيين عبييد اللييه النصيياري‬
‫رضي الله عنهما وهو يحدث عن فترة الوحي فقال‪ :‬قال رسول‬
‫اللييه صييلى اللييه عليييه وسييلم فييي حييديثه‪» :‬بينييا أنييا أمشييي إذ‬
‫سمعت صييوتا ً ميين السييماء فرفعييت بصييري فييإذا الملييك الييذي‬
‫جاءني بحراء جالس على كرسي بين السييماء والرض فرعبييت‬
‫منه فرجعت فقلت‪ :‬زملوني زملوني فأنزل اللييه تعييالى‪} :‬يأ َي ّهَييا‬
‫ك فَك َب ّيْر وَث َِياب َي َ‬
‫م فََأنيذِْر وََرب ّي َ‬
‫جْر{‬
‫جيَز فَيياهْ ُ‬
‫ك فَط َهّيْر َوالّر ْ‬
‫مد ّث ُّر قُ ْ‬
‫ال ْ ُ‬
‫حي وتتييييييابع«‪.‬‬
‫‬‫)المييييييدثر‪1 :‬‬
‫‪ (5‬فحمييييييى الييييييوَ ْ‬
‫قال ابن إسحاق‪ :‬ابتدىء رسول الله صلى الله عليييه وسييلم‬
‫بالتنزيل في شهر رمضييان بقييول اللييه تعييالى‪َ } :‬‬
‫ن‬
‫ضييا َ‬
‫م َ‬
‫ش يهُْر َر َ‬
‫ذى ُأنزِ َ‬
‫ن{‬
‫دى ّللّنا‬
‫س وَب َي ّن َ ٍ‬
‫ال ّ ِ‬
‫ن ال ْهُ َ‬
‫ن هُ ً‬
‫ل ِفيهِ ال ُْقْرآ ُ‬
‫ت ّ‬
‫دى َوال ُْفْرَقا ِ‬
‫م َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫مييآ‬
‫ه فِييى ل َي ْل َيةِ ال َْق يد ْرِ وَ َ‬
‫)البقرة‪ ،(185 :‬وقال تعالى‪} :‬إ ِن ّييا أنَزل ْن َي ُ‬
‫خير م َ‬
‫مل َئ ِ َ‬
‫أ َد َْرا َ‬
‫شهْرٍ ت َن َّز ُ‬
‫ف َ‬
‫ة‬
‫كيي ُ‬
‫ة ال َْقد ْرِ ل َي ْل َ ُ‬
‫ما ل َي ْل َ ُ‬
‫ن أل ْ ِ‬
‫ل ال ْ َ‬
‫ك َ‬
‫ة ال َْقد ْرِ َ ْ ٌ ّ ْ‬
‫ل أَ‬
‫سيل َ‬
‫ميين ك ُي ّ‬
‫مط ْل َيِع‬
‫ي‬
‫ه‬
‫م‬
‫ر‬
‫ي‬
‫م‬
‫ِ‬
‫ى َ‬
‫َوالّرو ُ‬
‫َ‬
‫حت ّييى َ‬
‫ٌ‬
‫ْ‬
‫ن َرب ّهِييم ّ‬
‫ح ِفيهَييا ب ِيإ ِذ ْ ِ‬
‫ٍ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫ال َْف ْ‬
‫ب ال ْ ُ‬
‫ر{ )القدر‪ ،(5 - 1 :‬وقال الله تعالى‪} :‬حم َوال ْك ِت َ ِ‬
‫ج ِ‬
‫م َِبي ِ‬
‫َ‬
‫ن ِفيهَييا ي ُْف يَرقُ ك ُي ّ‬
‫ر‬
‫لأ ْ‬
‫مب ََرك َةٍ إ ِن ّييا ك ُن ّييا ُ‬
‫ه ِفى ل َي ْل َةٍ ّ‬
‫إ ِّنآ أنَزل ْن َ ُ‬
‫من يذِِري َ‬
‫مي ٍ‬
‫َ‬
‫ن{ )الدخان‪ ،(5 - 1 :‬وقيال‬
‫ن ِ‬
‫مْر ِ‬
‫ح ِ‬
‫َ‬
‫عن ْدَِنآ إ ِّنا ك ُّنا ُ‬
‫مرا ً ّ‬
‫كيم ٍ أ ْ‬
‫سِلي َ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫تعالى‪ِ} :‬إن ُ‬
‫ن‬
‫مآ أنَزلَنا عَلى عَب ْدَِنا ي َوْ َ‬
‫من ُْتم ِباللهِ وَ َ‬
‫م ءا َ‬
‫كنت ُ ْ‬
‫م الُفْرَقا ِ‬
‫ن{ )النفال‪ (41 :‬وذلييك ملتقييى رسييول اللييه‬
‫م ال ْت ََقى ال ْ َ‬
‫ي َوْ َ‬
‫ج ْ‬
‫مَعا ِ‬
‫صلى الله عليه وسلم والمشركين ببدر يوم الجمعة صبيحة سبع‬
‫عشييييييييييييييييييييرة ميييييييييييييييييييين رمضييييييييييييييييييييان‪k.‬‬

‫ولما فتر الوحي حييزن النييبي صييلى اللييه عليييه وسييلم حزنيا ً‬
‫شديدا ً غدا منه مرارا ً كي يتردى من رؤوس الجبال فكلما أوفى‬
‫دى له جبريييل فقييال‪ :‬يييا‬
‫على ذروة جبل لكي يلقي نفسه منه تب ّ‬
‫محمد إنك رسول الله حقًا‪ ،‬فيسكن لييذلك جأشييه وتقيير نفسييه‪،‬‬
‫وكانت مدة فترة الوحي ثلث سنين كما جزم به ابن إسحاق ثم‬
‫نزل علييه جبرييل بسيورة الضيحى يقسيم ليه ربيه‪ ،‬وهيو اليذي‬
‫أكرمييه بمييا أكرمييه بييه‪ ،‬ومييا ودعييه ومييا قله‪ ،‬فقييال تعييالى‪:‬‬
‫ك َرب ّ َ‬
‫ما وَد ّعَ َ‬
‫ل إِ َ‬
‫خي ٌْر‬
‫خَرةُ َ‬
‫ما قََلى وَل َل ْ ِ‬
‫س َ‬
‫ض َ‬
‫}َوال ّ‬
‫ذا َ‬
‫ك وَ َ‬
‫جى َ‬
‫حى َوال ّي ْ ِ‬
‫َ‬
‫ك ي َِتيم يا ً‬
‫ج يد ْ َ‬
‫ك َرب ّ َ‬
‫طي َ‬
‫نا ْ‬
‫لّ َ‬
‫م‬
‫سو ْ َ‬
‫ف ي ُعْ ِ‬
‫ك ِ‬
‫ك فَت َْر َ‬
‫لوَلى وَل َ َ‬
‫م يَ ِ‬
‫ضييى أل َي ْ‬
‫َ‬
‫جد َ َ‬
‫جد َ َ‬
‫عآئ ِل ً فَيأ َغَْنى{ )الضييحى‪- 1 :‬‬
‫ك َ‬
‫دى وَوَ َ‬
‫ضآل ّ فَهَ َ‬
‫ك َ‬
‫َفآَوى وَوَ َ‬
‫‪ (8‬يعرفييه اللييه أنييه مييا قطعييه قطييع المييودع ومييا أبغضييه‪.‬‬
‫ُروي أن الوحي لمييا تييأخر عنييه قييال المشييركون إن محمييدا ً‬
‫خي ْيٌر ل ّي َ‬
‫ن‬
‫خ يَرةُ َ‬
‫ودعييه ربييه وقله فنزلييت ردا ً عليهييم‪} :‬وَل َل ْ ِ‬
‫ك ِ‬
‫مي َ‬
‫ا ْ‬
‫لوَلى{‪ ،‬فإنها باقية خالصة من الشييوائب وهييذه فانييية مشييوبة‬
‫بالمضييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييار‪.‬‬
‫أول مييييييييييييييييييييين آمييييييييييييييييييييين بيييييييييييييييييييييه‬
‫أول من آمن به من الرجال البالغين الحرار أبييو بكيير‪ ،‬وميين‬
‫ي‪ ،‬ومن النساء خديجة‪ ،‬ومن الموالي زيد بن حارثة‪،‬‬
‫الصبيان عل ّ‬
‫وميييييييين العبيييييييييد بلل بيييييييين ربيييييييياح الحبشييييييييي‪.‬‬
‫قال أهل الثر وعلماء السير‪ :‬إن أول الناس إيمانا ً بييه صييلى‬
‫الله عليه وسلم على الطلق خديجيية رضييي اللييه عنهييا وصييلى‬
‫رسول الله معها آخر يوم الثنين وهو أول يوم من صلته وكانت‬
‫الصييييلة وقييييتئذ ركعييييتين بالغييييداة وركعييييتين بالعشييييي‪.‬‬
‫ي بن أبي طالب رضي الله عنه لم يبلغ الحلم حييين‬
‫وكان عل ّ‬
‫أسلم وكان ابن عشر سنين وكان عنييد النييبي صييلى اللييه عليييه‬
‫وسلم قبل أن يوحى إليه يطعمه ويقوم بأمره وهو أصغر إخوته‬
‫وسيييأتي سييبب إسييلمه رضييي اللييه عنييه فييي ترجميية حييياته‪.‬‬
‫وأول من أسلم من النساء بعد خديجة أم أيميين وأم الفضييل‬
‫زوج العبيياس وأسييماء بنييت أبييي بكيير وأم جميييل فاطميية بنييت‬

‫الخطييييييييياب أخيييييييييت عمييييييييير بييييييييين الخطييييييييياب‪.‬‬
‫أبيييييييييييييو بكييييييييييييير الصيييييييييييييديق وإسيييييييييييييلمه‬
‫هو عبد الله بن أبي قحافة عثمييان بيين عييامر بيين عمييرو بيين‬
‫كعب بن سييعد بيين تيييم بيين مييرة بيين كعييب بيين لييؤي القرشييي‬
‫الييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييتيمي‪.‬‬
‫ولد أبو بكر سنة ‪ 573‬م وهييو أول الخلفيياء وأمييه أم سييلمى‬
‫بنت صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة‪ ،‬وهي ابنة‬
‫عم أبي قحافة وهو صاحب رسول الله صلى اللييه عليييه وسييلم‬
‫في الغار وفي الهجرة والخليفة بعده‪ ،‬روى عن النبي صلى الله‬
‫عليه وسلم وروى عنه عمر وعثمييان وعلييي وعبييد الرحميين بيين‬
‫عوف وابن مسعود وابن عميير وابيين عبيياس وحذيفيية وزيييد بيين‬
‫ثابت وغيرهم‪ ،‬وقد اختلف في اسييمه فقيييل‪ :‬كييان عبييد الكعبيية‬
‫فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبييد اللييه‪ ،‬وقيييل‪ :‬إن‬
‫أهله سموه عبد الله ول يبعد ذلك لن التسمية بعبيد الليه كيانت‬
‫موجييودة قبييل السييلم؛ ويقييال لييه عييتيق أيضيًا‪ ،‬واختلفييوا فييي‬
‫السبب الذي قيل له لجله »عتيق« فقال بعضهم‪ :‬قيل له عتيق‬
‫لحسن وجهه وجماله‪ ،‬قاله الليث بن سعد وجماعة معييه‪ .‬وقييال‬
‫الزبير بن بكار وجماعة معه‪ :‬إنما قيل له عتيق لنه لم يكن فييي‬
‫نسبه شيء يعاب به‪ ،‬وقيل‪ :‬إنما سييمي عتيق يا ً لن رسييول اللييه‬
‫صلى الله عليه وسلم قال‪» :‬أنت عتيق من النار«‪ .‬وعن عائشة‬
‫رضي الله عنها أن أبا بكر دخل على رسول الله صلى الله عليه‬
‫سيمي عتيقيًا‪،‬‬
‫وسلم فقال له‪» :‬أنت عييتيق ميين النييار« فيييومئذ ُ‬
‫وقيل له‪» :‬الصديق« أيضًا‪ ،‬قالت عائشة رضييي اللييه عنهييا‪ :‬لمييا‬
‫ُأسريَ بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى المسجد القصى أصبح‬
‫يحدث الناس بذلك فارتد ناس ممن كان قد آمن وصدق وفتنييوا‬
‫به‪ ،‬فقال أبو بكر‪ :‬إني لصدقه فيما هو أبعييد ميين ذلييك‪ ،‬أصييدقه‬
‫ق‪،‬‬
‫سييمي أبييو بكيير الصي ّ‬
‫بخبر السماء غدوة أو روحيية‪ ،‬فلييذلك ُ‬
‫دي َ‬
‫وقييييييييييييييال أبييييييييييييييو محجيييييييييييييين الثقفييييييييييييييي‪:‬‬
‫وسييييييييييييميت صييييييييييييديقا ً وكييييييييييييل مهيييييييييييياجر‬
‫سييييييييواك يسييييييييمى باسييييييييمه غييييييييير منكيييييييير‬

‫سييييييييبقت إلييييييييى السييييييييلم واللييييييييه شيييييييياهد‬
‫وكنييييييييت جليسييييييييا ً فييييييييي العريييييييييش المشييييييييهر‬
‫وكان رضي الله عنه صييديقا ً لرسييول اللييه قبييل البعثيية وهييو‬
‫أصغر منه سنا ً بثلث سيينوات‪ ،‬وكييان يكييثر غشيييانه فييي منزلييه‬
‫ومحادثته وقيل‪ :‬ك ُّني بأبي بكر لبتكاره الخصييال الحميييدة فلمييا‬
‫أسلم آزر النبي صلى الله عليه وسلم في نصر دين اللييه تعييالى‬
‫بنفسه وماله وكان له لما أسلم أربعون ألف درهييم أنفقهييا فييي‬
‫جن ّب َُها‬
‫س يي ُ َ‬
‫سبيل الله مع ما كسب ميين التجييارة‪ ،‬قييال تعييالى‪} :‬وَ َ‬
‫ه ي َت ََز ّ‬
‫جييَزى{‬
‫حدٍ ِ‬
‫عند َهُ ِ‬
‫ال ْت َْقى ال ّ ِ‬
‫مة ٍ ت ُ ْ‬
‫ما ل ِ َ‬
‫من ن ّعْ َ‬
‫كى وَ َ‬
‫مال َ ُ‬
‫ذى ي ُؤِْتى َ‬
‫)الليل‪ ،(19 - 17 :‬وقد أجمع المفسرون على أن المييراد منييه‬
‫أبو بكر؛ قال الفخر الرازي ردا ً على من قال إنها نزلت في حق‬
‫ي رضي الله عنه‪» :‬ولما ذكر ذلك بعضهم في محضري قلت‬
‫عل ّ‬
‫أقيم الدللة العقلييية علييى أن المييراد ميين هييذه الييية أبييو بكيير‪،‬‬
‫وتقريرها أن المراد من هذا التقى هو أفضل الخلييق فييإذا كييان‬
‫كذلك وجب أن يكون المراد هو أبو بكر فهاتان المقدمتان مييتى‬
‫صحتا صح المقصود إلييى أن قييال ‪ -‬لن الميية مجمعيية علييى أن‬
‫ي ول يمكن حمل‬
‫أفضل الخلق بعد رسول الله إما أبو بكر أو عل ّ‬
‫ي بن أبي طالب فتعين حملها على أبييي بكيير‪،‬‬
‫هذه الية على عل ّ‬
‫ي بن أبي طالب لنه قال فييي‬
‫وإنما قلنا ل يمكن حملها على عل ّ‬
‫جيَزى{ )الليييل‪:‬‬
‫حيدٍ ِ‬
‫عنيد َهُ ِ‬
‫م ية ٍ ت ُ ْ‬
‫ما ل ِ َ‬
‫ميين ن ّعْ َ‬
‫صفة هذا التقى‪} :‬وَ َ‬
‫ي بن أبي طالب لنييه كييان‬
‫‪ ،(19‬وهذا الوصف ل يصدق على عل ّ‬
‫في تربية النبي صلى الله عليه وسلم ولنه أخذه من أبيه وكييان‬
‫يطعمه ويسقيه ويكسوه ويربيه وكان الرسول منعما ً عليه نعمة‬
‫يجب جزاؤها‪ ،‬أما أبو بكير فلييم يكين للنيبي علييه السيلم عليييه‬
‫نعمة دنيوية بل أبو بكر كان ينفق على الرسييول عليييه السييلم‪،‬‬
‫بل كان للرسول عليه السلم عليه نعمة الهداييية والرشيياد إلييى‬
‫الدين إل أن هذا ل يجزي لقوله تعالى‪} :‬مييآ أ َس يأ َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ن‬
‫ي‬
‫م‬
‫ه‬
‫ي‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ع‬
‫م‬
‫ك‬
‫ل‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ر{ )الفرقان‪ (57 :‬والمذكور ها هنا ليس مطلييق النعميية بييل‬
‫أ ْ‬
‫ج ٍ‬
‫نعمييييييييييييية تجيييييييييييييزى فعلمنيييييييييييييا أن هيييييييييييييذه‬
‫ي رضييييييي اللييييييه عنييييييه«‪.‬‬
‫الييييييية ل تصييييييلح لعليييييي ّ‬
‫كان أبو بكر رضي الله عنه من رؤساء قريش فييي الجاهلييية‬
‫محببا ً فيهم مؤلفا ً لهم وكان إليه الشناق في الجاهلييية كييان إذا‬

‫دقته قريش وأمضوا حمالته وحمالة من قييام معييه‬
‫حمل شيئا ً ص ّ‬
‫وإن احتملها غيره خذلوه ولم يصدقوه فلما جيياء السييلم سييبق‬
‫إليه وأسلم على يده جماعة لمحبتهم له وميلهم إليييه حييتى إنييه‬
‫أسلم على يده خمسة من العشرة‪ ،‬وقد ذهب جماعيية إلييى أنييه‬
‫أول من أسلم‪ ،‬قال الشعبي‪ :‬سييألت ابيين عبيياس ميين أول ميين‬
‫أسيييلم؟ قيييال‪ :‬أبيييو بكييير‪ ،‬أمييييا سييييمعت قيييول حسيييان‪:‬‬
‫إذا تيييييييييذكرت شيييييييييجوا ً مييييييييين أخيييييييييي ثقييييييييية‬
‫فييييييييياذكر أخييييييييياك أبيييييييييا بكييييييييير بميييييييييا فعل‬
‫خييييييييييييير البرييييييييييييية أتقاهييييييييييييا وأعييييييييييييدلها‬
‫بعييييييييييييد النييييييييييييبي وأوفاهييييييييييييا بمييييييييييييا حمل‬
‫والثيييييييييياني التييييييييييالي المحمييييييييييود مشييييييييييهده‬
‫دق الرسييييييييييل‬
‫وأول النيييييييييياس قييييييييييدما ً صيييييييييي ّ‬
‫وكان أعلم العرب بأنساب قريييش ومييا كييان فيهييا ميين خييير‬
‫وشر وكان تاجرا ً ذا ثروة طائلة وكريما ً حسن المجالسيية عالميا ً‬
‫بتعبير الرؤيا‪ ،‬ولما أسلم جعل ييدعو النياس إليى السيلم‪ ،‬قيال‬
‫ابن إسحاق‪ :‬بلغني أن النبي صلى الله عليييه وسييلم قييال‪» :‬مييا‬
‫دعوت أحدا ً إلى السلم إل كانت عنده كبوة ونظر وتردد إل مييا‬
‫كان من أبي بكر رضي الله عنه ما عتم عنه حين ذكرتييه لييه« ‪-‬‬
‫أي أنه بادر به ‪ ،-‬ونزل فيه وفي عمر‪} :‬وَ َ‬
‫ر{‬
‫م فِييى ال ْ ْ‬
‫شيياوِْرهُ ْ‬
‫مي ِ‬
‫)آل عمران‪ ،(159 :‬فكان أبو بكر بمنزلة الوزير من رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم فكان يشاوره في أموره كلها ولمييا اشييتد‬
‫أذى كفار قريش لم يهاجر إلى الحبشة مع المهاجرين بييل بقييي‬
‫مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهاجر معييه إلييى المدينيية‬
‫تاركا ً عياله وأولده وأقام معه فييي الغييار ثلثيية أيييام‪ ،‬قييال اللييه‬
‫ما ِفى ال َْغارِ إ ِذ ْ ي َُقييو ُ‬
‫ن‬
‫صييا ِ‬
‫ح يَز ْ‬
‫حب ِهِ ل َ ت َ ْ‬
‫ن إ ِذ ْ هُ َ‬
‫ل لِ َ‬
‫تعالى‪َ} :‬ثان ِ َ‬
‫ي اث ْن َي ْ ِ‬
‫معَن َيييييييييييييييييا{ )التوبييييييييييييييييية‪.(40 :‬‬
‫إِ ّ‬
‫ه َ‬
‫ن الل ّييييييييييييييييي َ‬
‫لما كانت الهجرة جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلييى‬
‫أبي بكر وهو نائم فأيقظه فقييال رسييول اللييه صييلى اللييه عليييه‬
‫ن لي في الخروج«‪ ،‬قالت عائشة‪ :‬فلقد َرأييت أبيا‬
‫وسلم »قد أذِ َ‬
‫بكر يبكي من الفرح‪ ،‬ثم خرجا حتى دخل الغار فأقاما فيييه ثلثيية‬
‫ن‬
‫ه إ ِذ ْ أ َ ْ‬
‫ه ال ّي ِ‬
‫خَر َ‬
‫جي ُ‬
‫صَرهُ الل ّي ُ‬
‫صُروهُ فََقد ْ ن َ َ‬
‫أيام‪ ،‬قال تعالى‪} :‬إ ِل ّ َتن ُ‬
‫ذي َ‬

‫ما ِفى ال َْغارِ إ ِذ ْ ي َُقو ُ‬
‫ن‬
‫صييا ِ‬
‫ن إِ ّ‬
‫ح يَز ْ‬
‫حب ِهِ ل َ ت َ ْ‬
‫ن إ ِذ ْ هُ َ‬
‫ل لِ َ‬
‫ك ََفُروا ْ َثان ِ َ‬
‫ي اث ْن َي ْ ِ‬
‫معََنييييييييييييييييييا{ )التوبيييييييييييييييييية‪.(40 :‬‬
‫ه َ‬
‫الّليييييييييييييييييي َ‬
‫وقد دلت هذه الية على فضيلة أبي بكر لن رسول الله لول‬
‫ثقته التاميية بييأبي بكيير لمييا استصييحبه فييي هجرتييه واستخلصييه‬
‫لنفسه وكل من سوى أبي بكر فييارق رسييول اللييه وأنييه تعييالى‬
‫سماه ثاني اثنين‪ ،‬وكييان النييبي صييلى اللييه عليييه وسييلم يكرمييه‬
‫ويجله ويعّرف أصحابه مكانه ويثني عليه في وجهييه‪ ،‬واسييتخلفه‬
‫في الصلة وشهد مع رسول الله صييلى اللييه عليييه وسييلم بييدرا ً‬
‫ُ‬
‫حييدا ً والخنييدق وبيعيية الرضييوان بالحديبييية وخيييبر وفتييح مكيية‬
‫وأ ُ‬
‫وحنينييييييييا ً والطييييييييائف وتبييييييييوك وحجيييييييية الييييييييوداع‪.‬‬
‫قال رسول الله صلى الله عليه وسلم »لو كنت متخذا ً خليل ً‬
‫لتخذت أبا بكر خلي ً‬
‫ل«‪ ،‬ودفع أبو بكر عقبة بيين أبييي معيييط عيين‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسييلم لمييا خنييق رسييول اللييه وهييو‬
‫يصلي عند الكعبة خنقا ً شديدا ً وقال‪» :‬يا قييوم أتقتلييون رجل ً أن‬
‫يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم« وأعتييق أبييو بكيير‬
‫سبعة كانوا يعذبون في الله تعالى منهم بلل وعامر بن فهيييرة‪،‬‬
‫مدح قال‪» :‬اللهم أنت أعلييم بييي ميين نفسييي‪،‬‬
‫وكان أبو بكر إذا ُ‬
‫وأنا أعلم بنفسي منهم اللهم اجعلني خيييرا ً ممييا يظنييون واغفيير‬
‫لي ما ل يعلمون ول تؤاخذني بميا يقوليون« وهيذا مين تواضيعه‬
‫رضي الله عنه‪ ،‬ومما يدل على قوة إرادة أبي بكر مييا قيياله أبييو‬
‫السفر وهو‪ :‬دخلوا على أبي بكر فييي مرضييه فقييالوا‪ :‬يييا خليفيية‬
‫ي‪،‬‬
‫رسول الله أل ندعو لك طبيبا ً ينظر إليك؟ قييال‪ :‬قييد نظيير إل ي ّ‬
‫قييييالوا‪ :‬مييييا قييييال؟ قييييال‪» :‬إنييييي فّعييييال لمييييا أريييييد«‪.‬‬
‫قال عمر رضي الله عنه‪ :‬أمرنا رسول الله صييلى اللييه عليييه‬
‫وسلم أن نتصدق ووافق ذلك مال ً عندي فقلت اليوم أسييبق أبييا‬
‫بكر إن سبقته‪ ،‬فجئت بنصف مالي‪ ،‬فقال‪» :‬ما أبقيت لهلييك«؟‬
‫قلت‪ :‬مثله‪ ،‬جاء أبو بكر بكيل ميا عنيده فقيال‪» :‬ييا أبيا بكير ميا‬
‫أبقيت لهلك«؟ قال‪ :‬أبقيت لهم الله ورسوله‪ ،‬قلييت‪ :‬ل أسييبقه‬
‫إلييييييييييييييييييييييى شيييييييييييييييييييييييء أبييييييييييييييييييييييدًا‪.‬‬
‫ي‬
‫ومن أخبار تواضيعه رضيي الليه عنيه أنيه كيان يحليب للحي ّ‬
‫أغنيامهم‪ ،‬فلميا بوييع بالخلفية قيالت جاريية مين الحيي‪ :‬الن ل‬

‫يحلب لنا منائحنا‪ ،‬فسمعها أبو بكر فقال‪ :‬بلييى لعمييري لحلبنهييا‬
‫لكم وإني لرجو أل يغيرني ما دخلت فيه عن خلييق كنييت عليييه‪،‬‬
‫فكان يحلب لهم‪ ،‬فربما قال للجارية‪ :‬أتحبين أن أرغي لك أو أن‬
‫أصيييييييييرح؟ فيييييييييأي ذليييييييييك؟ قيييييييييالت‪ :‬فعيييييييييل‪.‬‬
‫والن يقولون إننا في عصر المدنييية والحرييية والديمقراطييية‬
‫ومع هذا تجد الموظف الصغير يأنف أن يكلييم النيياس أو يقضييي‬
‫حيييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييوائجهم‪.‬‬
‫وعن سالم بن عبيد أن النبي صلى الله عليه وسلم لما اشتد‬
‫ُ‬
‫ي عليه فلما أفاق قال‪» :‬مروا بلل ً فليؤذن ومروا أبا‬
‫مرضه أغ ِ‬
‫م َ‬
‫ُ‬
‫ي عليييه فقييالت عائشيية‪ :‬إن‬
‫بكر فليصل بالناس«‪ ،‬قال‪ :‬ثم أغمي َ‬
‫سيف فليو أميرت غيييره‪ ،‬فقييال‪» :‬أقيميت الصيلة«؟‬
‫أبي رجل أ ِ‬
‫سيييف فلييو أمييرت‬
‫فقالت عائشة‪ :‬يا رسول الله إن أبييي رجييل أ ِ‬
‫غيره‪ ،‬قال‪» :‬إنكن صواحبات يوسف مروا بلل ً فليؤذن ومروا أبا‬
‫بكر فليصل بالناس«‪ ،‬ثم أفاق فقال‪» :‬أقيمت الصلة«؟ قييالوا‪:‬‬
‫نعييم‪ ،‬قييال‪» :‬ادعييوا لييي إنسييانا ً أعتمييد عليييه« فجيياءت بريييرة‬
‫وإنسييان آخيير فييانطلقوا يمشييون بييه وإن رجليييه تخطييان فييي‬
‫الرض‪ ،‬فأجلسييوه إلييى جنيب أبيي بكير فييذهب أبييو بكيير يتيأخر‬
‫فحبسه حتى فرغ الناس فلما توفي ‪ -‬قال‪ :‬وكييانوا قوم يا ً أميييين‬
‫لم يكيين فيهييم نييبي قبلييه ‪ -‬قييال عميير‪ :‬ل يتكلييم أحييد بمييوته إل‬
‫ضربته بسيفي هذا‪ ،‬فقالوا له‪ :‬اذهب إلييى صيياحب رسييول اللييه‬
‫صلى الله عليه وسلم فادعه ‪ -‬يعني أبا بكر ‪ ،-‬فذهبت‪ ،‬فوجييدته‬
‫في المسجد قال‪ :‬فأجهشت أبكي‪ ،‬قال‪ :‬لعييل نييبي اللييه تييوفي‪،‬‬
‫قلت‪ :‬إن عمر قال ل يتكلم أحد بميوته إل ضيربته بسييفي هيذا‪،‬‬
‫قال‪ :‬فأخذ بساعدي ثم أقبييل يمشييي حييتى دخييل فأوسييعوا لييه‬
‫فأكب على رسول الله صلى الله عليه وسييلم حييتى كيياد وجهييه‬
‫يمس وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر نفسه حييتى‬
‫استبان أنييه تييوفي‪ ،‬فقييال‪ :‬إنييك ميييت وإنهييم ميتييون‪ ،‬قييالوا‪ :‬يييا‬
‫صاحب رسول الله توفي رسييول اللييه صييلى اللييه عليييه وسييلم‬
‫قييييييييال‪ :‬نعييييييييم‪ ،‬فعلمييييييييوا أنييييييييه كمييييييييا قييييييييال‪.‬‬
‫قال ابن إسحاق‪ :‬توفي أبو بكر رضي الله عنيه ييوم الجمعية‬
‫لسييبع ليييال بقييين ميين جمييادى الخييرة سيينة ثلث عشيير )‪23‬‬
‫أغسيييطس سييينة ‪ (634‬وصيييلى علييييه عمييير بييين الخطييياب‪.‬‬

‫تييوفي بعييد النييبي صييلى اللييه عليييه وسييلم بسيينتين وأشييهر‬
‫بالمدينيييييييية وهييييييييو ابيييييييين ثلث وسييييييييتين سيييييييينة ‪.‬‬
‫وكييان أبييو بكيير رجل ً أبيييض نحيفيا ً خفيييف العارضييين أحنييى‪،‬‬
‫معروق الييوجه‪ ،‬غييائر العينييين‪ ،‬نيياتىء الجبهيية‪ ،‬عيياري الشيياجع‪،‬‬
‫يخضب بالحناء والكتم‪ ،‬وكان أول من أسلم من الرجال وأسييلم‬
‫أبواه‪ ،‬له ولوالديه ولولده وولد وليده صيحبة رضيي الليه عنهيم‪،‬‬
‫واختلف في سبب موته‪ ،‬فقيل‪ :‬إنه مييات مسييمومًا‪ ،‬وقيييل‪ :‬إنييه‬
‫م خمسية عشير يوميا ً ثيم ميات بعيدها‪،‬‬
‫اغتسل في يوم بارد فَ ُ‬
‫ح ّ‬
‫وقيل‪ :‬إنه مات كمدا ً على رسول الله صييلى اللييه عليييه وسييلم‬
‫هذه ترجمة حياة أبي بكر أثبتناها هنييا بمناسييبة إسييلمه ومييا‬
‫كان له من الشأن العظيم والقدر الرفيع‪ ،‬ولنه قد بذل المجهود‬
‫فييي نصييرة الرسييول فييدل بييذلك علييى غاييية الوفيياء ومنتهييى‬
‫الخلص‪ ،‬ولم يكيين ‪ -‬رضييي اللييه عنييه ‪ -‬رجل ً ضييعيفا ً كمييا ظيين‬
‫بعض المستشرقين‪ ،‬بل كان شجاعا ً وكان مع شييجاعته مخلص يا ً‬
‫ل يبالي بالهوال ويحتمييل المشييقات كميا يسييتفاد ميين سييرته‪،‬‬
‫فبقي مع الرسول ولم يهاجر إلى الحبشيية مييع المهيياجرين عنييد‬
‫اشتداد أذى الكفار على المسلمين‪ ،‬ولما دعاه النبي صيلى الليه‬
‫عليه وسلم إلى الهجرة معه بكى ميين فييرط السييرور واشييترك‬
‫ُ‬
‫حييد‪،‬‬
‫معه في غزواته‪ ،‬وهو ممن ثبت مع رسول الله في غييزوة أ ُ‬
‫ولما توفي النبي فقد الناس صوابهم وقييال عميير ميين قييال‪ :‬إن‬
‫محمدا ً مات ضربته بسيفي هذا‪ ،‬أما أبو بكر فملك شيعوره وليم‬
‫يفقييده وقيع المصيياب الجلييل صييوابه‪ ،‬فقييال‪ :‬إنييك ميييت وإنهييم‬
‫ميتون‪ ،‬وسيأتي تفصيل ذلك عند ذكيير وفيياة رسييول اللييه صييلى‬
‫الله عليه وسلم فإذا كانت هذه مواقف ضعف وخلل وهن فأين‬
‫مييواطن القييوة؟ ولييم نييذكر هنييا أعميياله الجليليية فييي خلفتييه‪.‬‬
‫يقول هؤلء المستشرقون إنه كان يصييدق الرسييول تصييديقا ً‬
‫أعمى وإنه كان كالنساء سريع البكاء‪ ،‬وهو قول عجيييب‪ ،‬فكيييف‬
‫ل يصدق الرسول وهو يعلم أنه صييادق ل يكييذب‪ ،‬بييل هييو أعلييم‬
‫خلق الله بصدقه عليه الصلة والسلم لصحبته له تلييك الصييحبة‬
‫الطويلة‪ ،‬إن تصديقه لرسول الله في كل ما قاله نتيجة الثقة به‬

‫ولجل هذه الثقة المتينة كان ل يتردد في التصديق بييه‪ ،‬ولجلهييا‬
‫تحمل معه الشدائد والضييطهادات‪ ،‬ولجلهييا أنفييق أمييواله كلهييا‬
‫وهذا شأن العاقل الذي إذا ثبت يقينه على أساس قوي لم يبال‬
‫بما يصادفه من عقبات في سبيل نصرة الحيق‪ ،‬أميا بكياؤه عنييد‬
‫سماع القرآن فهذا أظهر دليل على إخلصه وتوقد ذكاؤه وقييوة‬
‫فهمييه لكلم اللييه عييز وجييل إذ بقييدر الفهييم يكييون التييأثر‪ ،‬وقييد‬
‫أجمعوا على كثرة علمه ووفور عقله وفهمييه وزهييده وتواضييعه‪.‬‬
‫كلمييييييييييييييييييييييييييييييياته الميييييييييييييييييييييييييييييييأثورة‬
‫كييييييييييان رضييييييييييي اللييييييييييه عنييييييييييه يقييييييييييول‪:‬‬
‫»أكيس الكياسة التقييوى‪ ،‬وأحمييق الحمييق الفجييور‪ ،‬وأصييدق‬
‫الصييدق المانيية‪ ،‬وأكييذب الكييذب الخيانيية‪ ،‬إن العبييد إذا داخلييه‬
‫العجب بشيء من زينة الدنيا مقته الله تعالى حتى يفييارق تلييك‬
‫الزينة‪ ،‬ليتني كنت شجرة تعضد ثييم تؤكييل‪ ،‬وكييان يأخييذ بطييرف‬
‫لسيييييانه ويقيييييول‪ :‬هيييييذا اليييييذي أوردنيييييي الميييييوارد«‪.‬‬
‫وقال‪» :‬ل خير في قول ل يراد به وجييه اللييه ول فييي مييال ل‬
‫مه‪ ،‬ول فيميين‬
‫ينفق منه في سبيل الله‪ ،‬ول فيمن يغلب جهُله حل َ‬
‫ل يخيييييييييييياف فييييييييييييي اللييييييييييييه لوميييييييييييية لئم«‪.‬‬
‫»وجدنا الكرم في التقوى والَغناء في اليقييين والشييرف فييي‬
‫التواضيييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييع«‪.‬‬
‫»ميين مقييت نفسييه فييي ذات اللييه‪ ،‬أمنييه اللييه ميين مقتييه«‪.‬‬
‫»فاز بالمروءة من امتطى التغافل‪ ،‬وهان على القربييى ميين‬
‫عيييييييييييييييييييييييييييييييييرف باللجييييييييييييييييييييييييييييييييياج«‪.‬‬
‫»إياكم والفخر‪ ،‬وما فخر من خلق من تييراب ثييم إليييه يعييود‪،‬‬
‫ثييييييييييييييييييييييم يييييييييييييييييييييييأكله الييييييييييييييييييييييدود«‪.‬‬
‫»ل خير في خير بعده النار‪ ،‬ول شر فييي شيير بعييده الجنيية«‪.‬‬
‫عليييييييييي بييييييييين أبيييييييييي طيييييييييالب وإسيييييييييلمه‬
‫علي بن أبي طالب بن عبييد المطلييب ابيين عييم رسييول اللييه‬
‫صلى الله عليه وسلم ولييد سينة ‪ 601 - 600‬بعيد الميلد‪ ،‬وأم‬
‫ي فاطمة بنييت أسييد بيين هاشييم وكنيتييه أبييو الحسيين وصييهر‬
‫عل ّ‬
‫سبطين‪ ،‬وهو أول هاشييمي‬
‫رسول الله على ابنته فاطمة وأبو ال ّ‬

‫ُولد من هاشميين‪ ،‬والخليفة الرابع وأول خليفة من بنييي هاشييم‬
‫وكان حين أسلم لم يبلييغ الحلييم‪ ،‬وقييال ابيين إسييحاق‪ :‬إنييه كييان‬
‫يومئذ ابن عشر سنين وكان في كفاليية النييبي صييلى اللييه عليييه‬
‫وسلم قبل أن يوحى إليه لن قريشا ً أصابتهم أزمة شديدة وكان‬
‫أبو طالب كثير العيال‪ ،‬قليل المال‪ ،‬فأخذ رسول الله صلى اللييه‬
‫عليه وسلم علي ّا ً وضمه إليه وأخييذ العبيياس جعفييرا ً وضييمه إليييه‬
‫تخفيفا ً عن أبي طالب ولم يزل جعفر عند العبيياس حييتى أسييلم‬
‫واسييييييييييييييييييييييييييييييييييتغنى عنييييييييييييييييييييييييييييييييييه‪.‬‬
‫وسبب إسلمه أنه دخل على النبي صييلى اللييه عليييه وسييلم‬
‫ومعه خديجة رضي الليه عنهيا وهميا يصييليان سييواء‪ ،‬فقيال‪ :‬ميا‬
‫هذا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم »دييين اللييه الييذي‬
‫اصطفاه لنفسه وبعييث بييه رسييله‪ ،‬فييأدعوك إلييى اللييه وحييده ل‬
‫شريك له وإلييى عبييادته والكفيير بيياللت والعييزى«‪ ،‬فقييال علييي‬
‫رضي الله عنه‪ :‬هذا أمر ليم أسيمع بيه مين قبيل الييوم فلسيت‬
‫بقاض أمرا ً حتى أحدث أبا طالب‪ ،‬وكره رسول الله صييلى اللييه‬
‫عليه وسلم أن يفشي سره قبيل أن يسيتعلن أمييره‪ ،‬فقيال ليه‪:‬‬
‫ي ليلته ثم إن الله‬
‫ي إذا لم تسلم فاكتم هذا«‪ ،‬فمكث عل ّ‬
‫»يا عل ّ‬
‫تعالى هداه إلى السلم فأصبح غاديا ً إلى رسول الله صلى اللييه‬
‫ي رضي الله عنه يخفييي‬
‫عليه وسلم فأسلم على يديه‪ ،‬وكان عل ّ‬
‫إسلمه خوفا ً من أبيه إلى أن اطلييع عليييه وأمييره بالثبييات عليييه‬
‫فأظهره حينئذ‪ ،‬أما أبو طالب فلييم يييرض أن يفييارق دييين آبييائه‪،‬‬
‫وعن أنس بن مالك قال‪ُ :‬بعث النبي صلى الله عليه وسلم يييوم‬
‫ي يوم الثلثاء‪ ،‬وأمره رسييول اللييه صييلى اللييه‬
‫الثنين وأسلم عل ّ‬
‫عليه وسلم أن يضطجع على فراشه ليليية خييرج مهيياجرا ً وقييال‪:‬‬
‫»إن قريشيا ً لييم يفقييدوني مييا رأوك« فاضييطجع علييى فراشييه‪،‬‬
‫وسيأتي ذكر ذلك عند الكلم على الهجرة‪ ،‬ثم لحق برسول الله‬
‫بالمدينة بعد قضاء ديون رسول الله صلى الله عليه وسييلم ورد ّ‬
‫الودائع التي كانت عنده‪ ،‬فلما وصل إليها كانت قدماه قد ورمتييا‬
‫من المشي وكانتا تقطران دما ً فاعتنقه رسول اللييه صييلى اللييه‬
‫عليه وسلم وبكى رحمة لما أصاب قدميه وتفل في يديه ومسح‬
‫بهما رجليه ودعا له بالعافية فلم يشتكهما حتى استشييهد رضييي‬
‫الله عنه‪ ،‬وشهد بدرا ً وغيرهييا ميين المشيياهد‪ ،‬ولييم يشييهد غييزوة‬

‫تبوك ل غير لن رسول الله صلى الله عليييه وسييلم خلفييه علييى‬
‫ُ‬
‫ي رضييي‬
‫أهله‪ ،‬وأصابته يوم أ ُ‬
‫حد ست عشييرة ضييربة‪ ،‬وكييان عل ي ّ‬
‫الليييييييه عنيييييييه ميييييييع شيييييييجاعته الفائقييييييية عالميييييييًا‪.‬‬
‫ي رضي الله عنه‪ ،‬وبويييع بالمدينيية فييي مسييجد‬
‫واستخلف عل ّ‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم بعييد قتييل عثمييان وذلييك فييي‬
‫يييوم الجمعيية الخييامس والعشييرين ميين شييهر ذي الحجيية سيينة‬
‫خميييييييييييييييس وثلثيييييييييييييييين )‪ 24‬ييييييييييييييييونيه ‪.(656‬‬
‫قتلييييييييييييييه رضييييييييييييييي اللييييييييييييييه عنييييييييييييييه‬
‫انتييدب ثلثيية نفيير ميين الخييوارج‪ :‬عبييد الرحميين بيين ملجييم‬
‫المرادي وهو من حمير وعداده في بني مييراد وهييو حليييف بنييي‬
‫جبلة‪ ،‬من كندة والبرك بن عبد الله التميمييي‪ ،‬وعمييرو بيين بكييير‬
‫التميمي‪ ،‬فاجتمعوا بمكة وتعاهدوا وتعاقدوا ليقتلن هؤلء الثلثيية‬
‫ي بن أبي طالب ومعاوية وعمرو بن العاص ويريحييون العبيياد‬
‫عل ّ‬
‫ي‪ ،‬وقييال الييبرك‪ :‬أنييا لكييم‬
‫منهم‪ ،‬فقال ابن ملجم‪ :‬أنييا لكييم بعل ي ّ‬
‫بمعاوية‪ ،‬وقال عمرو بيين بكييير‪ :‬أنييا أكفيكييم عمييرو بيين العيياص‬
‫فتعاهدوا على ذلك وتعاقدوا عليه وتواثقوا أل ينكص منهم رجييل‬
‫عن صاحبه الذي سمي له ويتوجه له حتى يقتله أو يموت دونييه‪،‬‬
‫فحددوا ليلة سبع عشرة من رمضان ثم تييوجه كييل رجييل منهييم‬
‫إلى المصر الذي فيييه صيياحبه‪ ،‬فقييدم عبييد الرحميين بيين ملجييم‬
‫الكوفيية فلقييي أصييحابه ميين الخييوارج فكيياتمهم مييا يريييد وكييان‬
‫يزورهم ويزورونه فزار يوما ً نفييرا ً ميين بنييي تيييم الربيياب فييرأى‬
‫امرأة منهم ُيقال لها‪ :‬قطام بنت سخبة بن عييدي بيين عييامر بيين‬
‫ي قتييل‬
‫عوف بن ثعلبة بن سعد بن ذهل بن تيم الرباب وكان عل ّ‬
‫أباها وأخاهييا بييالنهروان فييأعجبته فخطبهييا‪ ،‬فقييالت‪ :‬ل أتزوجييك‬
‫حتى تسمي لي‪ ،‬فقال‪ :‬ل تسييأليني شيييئا ً إل أعطيتييك‪ ،‬فقييالت‪:‬‬
‫ي بن أبي طالب‪ ،‬فقييال‪ :‬واللييه مييا جيياء بييي‬
‫ثلثة آلف وقتل عل ّ‬
‫ي وقد أعطيتك ما سألت‪ ،‬ولقي ابيين‬
‫إلى هذا المصر إل قتل عل ّ‬
‫ملجم شيبيب بين بجييرة الشيجعي فييأعلمه ميا يرييد ودعيياه أن‬
‫يكون معه فأجابه إلى ذليك وظيل ابين ملجيم تليك الليلية اليتي‬
‫عزم فيها أن يقتل عليا ً في صبيحتها ينيياجي الشييعث بيين قيييس‬

‫الكنييدي فييي مسييجده حييتى طلييع الفجيير‪ ،‬فقييال لييه الشييعث‪،‬‬
‫ح فقام ابن ملجم الكندي وشبيب بن بجييرة فأخييذا‬
‫فضحك الصب ُ‬
‫أسيافهما ثم جاءا حتى جلسا في مقابل السدة التي يخرج منهييا‬
‫ي‪ ،‬فلمييييييييييييييييييييييا خييييييييييييييييييييييرج‬
‫عليييييييييييييييييييييي ّ‬
‫اعترضه الرجلن فضرب الثنان بسيفيهما‪ ،‬فأمييا سيييف ابيين‬
‫ن‬
‫ملجم فأصاب جبهته إلى قرنه ووصل إلى دماغه وكان قد سيي ّ‬
‫ي‬
‫سيفه شهرًا‪ ،‬وأما سيف شبيب فوقع فييي الطيياق فسييمع عل ي ّ‬
‫يقول‪ :‬ل يفوتنكم الرجل وشييد النيياس عليهمييا ميين كييل جييانب‪،‬‬
‫ُ‬
‫ي فقييال‪:‬‬
‫فأما شبيب فأفلت وأخذ ابيين ملجييم فأدخييل علييى علي ّ‬
‫ي دمي عفو أو‬
‫»أطيبوا طعامه وألينوا فراشه فإن أعش فأنا ول ّ‬
‫قصاص‪ ،‬وإن أمييت فييألحقوه بييي أخاصييمه عنييد رب العييالمين«‬
‫ي رضي الله عنه في السابع عشر من شييهر رمضييان‬
‫ضرب عل ّ‬
‫سنة أربعين )‪ 24‬يناير سنة ‪ (661‬واستشهد بعد ذلك بثلثة أيام‬
‫ودفن بالكوفة ليلة الحد التاسع عشر من شهر رمضان وغسله‬
‫الحسن والحسين وعبد الله بيين جعفيير‪ ،‬وتييوفي وهييو ابيين ثلث‬
‫وستين سنة على الصح وكييانت خلفتييه خمييس سيينين إل ثلثيية‬
‫أشييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييهر‪.‬‬
‫ي آدم اللييون مقبييل العينييين‬
‫ي البيياقر‪ :‬كييان عليي ّ‬
‫قييال عليي ّ‬
‫عظيمهما ذا بطيين‪ ،‬أصييلع‪ ،‬ربعيية ل يخضييب‪ ،‬وقييال أبييو إسييحاق‬
‫السبيعي‪ :‬رأيته أبيض الرأس واللحية وكان ربمييا خضييب لحيتييه‪،‬‬
‫وقال أبو رجاء العطاردي‪ :‬رأيت عليا ً ربعة‪ ،‬ضييخم البطيين‪ ،‬كييبير‬
‫اللحيييييية قيييييد ملت صيييييدره‪ ،‬أصيييييلع‪ ،‬شيييييديد الصيييييلع‪t.‬‬
‫عليى‬
‫ي رضي الليه عنيه َ‬
‫هذا وقد اقتصرت في تاريخ حياة عل ّ‬
‫هييذا القييدر الضييروري لن المقييام ل يسييع أكييثر ميين ذلييك‪.‬‬
‫زييييييييييييييد بييييييييييييين حارثييييييييييييية وإسيييييييييييييلمه‬
‫زيد بن حارثة بن شراحيل بن كعب بن عبد العزى‪ ،‬ويقع في‬
‫نسبه خلف وتغيير وزيادة ونقص وهو أشهر موالي رسول الله‪،‬‬
‫حب رسول الله وهبته خديجة رضي اللييه عنهييا للنييبي‬
‫ويقال له ِ‬
‫صلى الله عليه وسلم قبل النبوة وهو ابن ثمييان سيينين وأعتقييه‬

‫ج يد َ‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبّناه وذلك أن أباه قييد وَ َ‬
‫ن( لفقده وجدا ً شديدا ً وكان قد أخذ في السبي‪ ،‬فلمييا علييم‬
‫حزِ َ‬
‫) َ‬
‫أبوه أنه بمكة قييدمها ليفييديه فييدخل حارثيية وأخييوه كعييب علييى‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم فقال‪ :‬يا ابن عبد المطلييب‪ ،‬يييا ابيين‬
‫هاشم‪ ،‬يا ابن سيد قييومه جئنيياك فييي ابننييا عنييدك فييامنن علينييا‬
‫وأحسن إلينا في فدائه‪ ،‬فقال‪» :‬من هو«؟ قال‪ :‬زيد بيين حارثيية‪،‬‬
‫فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم »فهل غير ذلك؟« قييال‪:‬‬
‫مييا هييو؟ قييال‪» :‬ادعييوه وخيييروه فييإن اختيياركم فهييو لكييم وإن‬
‫اختارني فوالله ما أنا بالذي أختار على من اختارني أحدًا«‪ ،‬قال‪:‬‬
‫قد زدتنا على النصف وأحسنت فييدعاه رسييول اللييه صييلى اللييه‬
‫عليه وسلم فقال‪» :‬هييل تعييرف هييؤلء؟« قييال‪ :‬نعييم‪ ،‬هييذا أبييي‬
‫وهذا عمييي‪ ،‬قييال‪» :‬فأنييا ميين قييد عرفييت ورأيييت صييحبتي لييك‬
‫فاخترني أو اخترهما«‪ ،‬قيال‪ :‬ميا أرييدهما ومييا أنيا بالييذي أختيار‬
‫عليك أحدًا‪ ،‬أنت مني فكييان الب والعييم‪ ،‬فقييال‪ :‬ويحييك يييا زيييد‬
‫أتختار العبودية على الحرية وعلى أبيك وأهل بيتك؟ قييال‪ :‬نعييم‪،‬‬
‫ورأيت من هذا الرجل شيئا ً ما أنا بالذي أختييار عليييه أحييدا ً أبييدًا‪،‬‬
‫فلما رأى رسول الله صلى الله عليييه وسييلم ذلييك أخرجييه إلييى‬
‫الحجر فقال‪» :‬يا من حضر اشهدوا أن زيدا ً ابني يرثني وأرثييه«‪،‬‬
‫فلميييا رأى ذليييك أبيييوه وعميييه طيييابت نفوسيييهما وانصيييرفا‪.‬‬
‫وهاجر زيد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة‬
‫وشهد بدرا ً وُأحدا ً والخندق والحديبية وخيييبر‪ ،‬وكييان هييو البشييير‬
‫إلييى المدينيية بنصيير المييؤمنين يييوم بييدر‪ ،‬وكييان ميين الرميياة‬
‫المذكورين وزّوجه رسول الله صلى الله عليه وسييلم مييولته أم‬
‫أيمن فولدت له أسامة‪ ،‬وتزوج زينب بنت جحييش أم المييؤمنين‪،‬‬
‫ثم طلقها‪ ،‬ثم تزوجها رسول الله صلى اللييه عليييه وسييلم وعيين‬
‫عائشة رضي الله عنها قالت‪» :‬لو كان رسييول اللييه صييلى اللييه‬
‫عليه وسلم كاتما ً شيئا ً من الوحي لكتم هييذه الييية‪} :‬وَإ ِذ ْ ت َُقييو ُ‬
‫ل‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫جي َ‬
‫ك عَل َي ْي َ‬
‫سي ْ‬
‫ق‬
‫م ِ‬
‫ل ِل ّ ِ‬
‫ك َزوْ َ‬
‫ت عَل َي ْيهِ أ ْ‬
‫م َ‬
‫ه عَل َي ْهِ وَأن ْعَ ْ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫ذى أنعَ َ‬
‫ك َ‬
‫وات ّي ِ‬
‫شى الناس والل ّ َ‬
‫س َ‬
‫خ َ‬
‫ق‬
‫ديهِ وَت َ ْ‬
‫ه وَت ُ ْ‬
‫مب ْ ِ‬
‫خِفى ِفى ن ِْف ِ‬
‫هأ َ‬
‫حي ّ‬
‫ّ َ َ ُ‬
‫ه ُ‬
‫ما الل ّ ُ‬
‫ك َ‬
‫الل ّ َ‬
‫شه{ )الحزاب‪ ،(37 :‬إلى قوله تعالى‪} :‬وك َييا َ‬
‫ه‬
‫َأن ت َ ْ‬
‫م يُر الل ّي ِ‬
‫َ‬
‫نأ ْ‬
‫خ َ ُ‬
‫َ‬
‫مْفُعو ً‬
‫ل{ )الحزاب‪ ،(37 :‬فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫َ‬
‫لما تزوجها ‪ -‬يعني زينب ‪ -‬قالوا‪ :‬إنه تزوج حليلة ابنه فأنزل الله‬

‫َ َ‬
‫ما َ‬
‫سييو َ‬
‫ه‬
‫ل الل ّي ِ‬
‫ميين ّر َ‬
‫مد ٌ أَبآ أ َ‬
‫م َ‬
‫كا َ‬
‫م وَل َك ِيين ّر ُ‬
‫جييال ِك ُ ْ‬
‫حدٍ ّ‬
‫ح ّ‬
‫ن ُ‬
‫تعالى‪ّ } :‬‬
‫ن{ )الحييزاب‪ ،(40 :‬وكييان زيييد يقييال لييه زيييد بيين‬
‫وَ َ‬
‫خات َ َ‬
‫م الن ّب ِّييي َ‬
‫َ‬
‫س ُ‬
‫ه{‬
‫محمد فأنزل الله تعالى‪} :‬اد ْ ُ‬
‫ط ِ‬
‫عند َ الل ّي ِ‬
‫م هُوَ أقْ َ‬
‫م ل َِبآئ ِهِ ْ‬
‫عوهُ ْ‬
‫)الحييييييييييييييييييييييييييييييزاب‪ (5 :‬الييييييييييييييييييييييييييييييية‪.‬‬
‫قال العلماء‪ :‬ولم يييذكر اللييه عييز وجييل فييي القييرآن باسييمه‬
‫العلم من أصحاب نبينا وغيره من النبياء صلوات الله عليهييم إل‬
‫جن َك َهَييا{‬
‫من ْهَييا وَط َييرا ً َزوّ ْ‬
‫ما قَ َ‬
‫ضييى َزي ْيد ٌ ّ‬
‫زيدا ً في قوله تعالى‪} :‬فَل َ ّ‬
‫)الحيييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييزاب‪.(37 :‬‬
‫وآخى رسول الله صلى الله عليه وسييلم بينييه وبييين حمييزة‪،‬‬
‫وأرسله رسول الله أخيرا ً أميرا ً علييى الجيييش فييي غييزوة مؤتيية‬
‫فقاتل فيها حتى قتل وذلك في جمادى الولييى سيينة ثمييان ميين‬
‫الهجرة‪ ،‬وكييان زيييد أبيييض أحميير وكييان ابنييه أسييامة آدم شييديد‬
‫الدمييييييييييييييييييييييييييييييية )أي أسيييييييييييييييييييييييييييييييمر(‪.‬‬
‫الييييييييييييدعوة إلييييييييييييى السييييييييييييلم خفييييييييييييية‬
‫بعد أن نزلت سورة‪» :‬يا أيها المدثر« أخذ رسول الله صييلى‬
‫الله عليه وسلم يييدعو النيياس إلييى اللييه تعييالى وتتييابع الييوحي‪،‬‬
‫ونزول هذه السورة ابتداء رسالته صلى الله عليييه وسييلم فهييي‬
‫متأخرة عن نبوته‪ ،‬وصار عليه الصلة والسلم يدعو الناس إلييى‬
‫السييلم خفييية ثلث سيينين لعييدم الميير بالظهييار إلييى أن ُأميير‬
‫بإظهار الدعوة وكان من أسلم إذا أراد الصلة ذهب إلييى بعييض‬
‫الشعاب ليستخفي بصلته من المشركين حييتى اطلييع نفيير ميين‬
‫المشييركين علييى سييعد بيين أبييي وقيياص وهييو فييي نفييرٍ ميين‬
‫المسييلمين يصييلون فييي بعييض الشييعاب فنيياكروهم وعييابوا مييا‬
‫يصنعون وقاتلوهم فضرب سعد رجل ً منهم فشيجه وهيو أول دم‬
‫أهريق في السلم‪ ،‬فعند ذلك خل رسول الله صييلى اللييه عليييه‬
‫وسلم هو وأصحابه دار الرقم مستخفين بصلتهم وعبادتهم إلى‬
‫أن أمره الله تعالى بإظهار الدين‪ ،‬ودار الرقييم هييي دار للرقييم‬
‫بن أبي الرقم من السابقين في السلم وهي في أصل الصييفا‪.‬‬
‫وقد أسلم من الصحابة بدعاء أبييي بكيير‪ :‬عثمييان بيين عفييان‪،‬‬
‫والزبير بن العوام‪ ،‬وعبييد الرحميين ابيين عييوف‪ ،‬وسييعد بيين أبييي‬

‫وقاص‪ ،‬وطلحة بن عبيد الله فجاء إلى رسييول اللييه صييلى اللييه‬
‫عليه وسلم حين اسييتجابوا لييه فأسييلموا وصييلوا وهنييا يجييب أن‬
‫نيييييييييذكر شييييييييييئا ً عنهيييييييييم لرفعييييييييية شيييييييييأنهم‪.‬‬
‫‪ - 1‬فعثمان بن عفان هو الخليفة الثالث‪ ،‬هاجر إلى الحبشيية‬
‫ثم إلى المدينة ويقال له‪ :‬ذو النورين لنه تزوج بنتي رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم رقية ثم أم كلثوم بعد وفاة رقية‪ ،‬ولد في‬
‫السنة السادسيية بعييد الفيييل وقتييل شييهيدا ً يييوم الجمعية لثمييان‬
‫عشرة خلون من ذي الحجة سنة خمييس وثلثييين وهييو ابيين ‪82‬‬
‫سنة وكانت خلفته اثنتي عشرة سنة ‪ ،‬وفي زمنييه كييانت غييزوة‬
‫السكندرية ثم سابور ثم إفريقية ثييم قييبرس وإصييطخر الخييرة‬
‫وفارس الولى ثم خوز وفارس الخرة ثم طبرستان ودار بجييرد‬
‫وكرمان وسجستان ثم الساودة فييي البحيير وغيرهيين ثييم مييرو‪.‬‬
‫وكييان رضييي اللييه عنييه حسيين الييوجه‪ ،‬رقيييق البشييرة‪ ،‬كييث‬
‫اللحية‪ ،‬أسمر كثير الشعر‪ ،‬بين الطويييل والقصييير وكييان محبب يا ً‬
‫ميييييييييييييييييييييييييييييييييييين قريييييييييييييييييييييييييييييييييييييش‪.‬‬
‫‪ - 2‬الزبير بيين العييوام أمييه صييفية بنييت عبييد المطلييب عميية‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسييلم فهييو ابيين عميية رسييول اللييه‬
‫صلى الله عليه وسلم وابن أخي خديجة بنت خويلد زوجة النبي‪،‬‬
‫وكان عمره حين أسييلم اثنييتي عشييرة سيينة ‪ ،‬وهييو أحييد السييتة‬
‫أصحاب الشورى الذين جعل عمر بن الخطاب رضييي اللييه عنييه‬
‫ي وطلحة والزبييير وسييعد وعبييد‬
‫الخلفة في أحدهم‪ :‬عثمان وعل ّ‬
‫الرحمن بن عوف‪ ،‬هاجر الزبير إلى الحبشة ثم إلى المدينة وهو‬
‫أول من س ّ‬
‫ل سيفا ً في سبيل اللييه‪ ،‬شييهد بييدرا ً وُأحييدا ً والخنييدق‬
‫والحديبية وخيبر وفتح مكة وحصار الطائف والمشياهد كلهيا مييع‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهد اليرمييوك وفتييح مصيير‪،‬‬
‫وكان أسمر ربعة معتدل اللحم خفيف اللحية‪ ،‬وكان الزبييير يييوم‬
‫الجمل قد تييرك القتييال وانصييرف فلحقييه جماعيية ميين الغوغيياء‬
‫فقتلوه بيوادي السييباع بناحيية البصيرة وقييبره هنيياك‪ ،‬قتييل فيي‬
‫جمييادى الولييى سيينة سييت وثلثييين وكييان عمييره حينئذ سييبعا ً‬
‫وسيييييييييتين‪ ،‬وقييييييييييل‪ :‬سيييييييييتا ً وسيييييييييتين سييييييييينة ‪.‬‬
‫‪ - 3‬عبد الرحمن بن عوف ولد بعد الفيل بعشيير سيينين قبييل‬

‫دخول رسول الله دار الرقم‪ ،‬أحد العشرة المشهود لهم بالجنة‬
‫وأحد الستة الذين هم أهل الشورى الذين أوصى إليهم عمر بن‬
‫ُ‬
‫حييد إحييدى‬
‫الخطيياب رضييي اللييه عنييه بالخلفيية‪ ،‬وجييرح يييوم أ ُ‬
‫وعشرين جراحة وجرح في رجله وسييقطت ثنيتيياه‪ ،‬وكييان كييثير‬
‫النفاق في سبيل الله‪ ،‬أعتق في يوم واحدا ً وثلثين عبدًا‪ ،‬وكييان‬
‫كثير المال محظوظيا ً فييي التجييارة‪ ،‬غنييًا‪ ،‬وكييان أبيييض مشييربا ً‬
‫بحمرة‪ ،‬حسيين الييوجه‪ ،‬رقيييق البشييرة‪ ،‬أعييين‪ ،‬أهييدب الشييفار‪،‬‬
‫أقنى له جمة ضخم الكفين غليظ الصابع ل تغير بشعره‪ ،‬تييوفي‬
‫سيينة ثنييتين وثلثييين وهييو ابيين ثنييتين وسييبعين ودفيين بييالبقيع‪.‬‬
‫‪ - 4‬سعد بيين أبييي وقيياص ‪ -‬وكييان عمييره حييين أسييلم تسييع‬
‫عشرة سنة وهو أحد العشرة وأحد الستة أصحاب الشورى وهو‬
‫أول من رمى بسييهم فييي سييبيل اللييه وأول ميين أراق دميا ً فييي‬
‫سبيل الله‪ ،‬هاجر إلى المدينة قبل قدوم رسول الله صييلى اللييه‬
‫ُ‬
‫حييدا ً والخنييدق‬
‫عليه وسلم إليها‪ ،‬شييهد مييع رسييول اللييه بييدرا ً وأ ُ‬
‫وسائر المشاهد وكان يقال له فارس السلم‪ ،‬وأبلييى يييوم ُأحييد‬
‫بلًء شديدا ً وكان مجيياب الييدعوة‪ ،‬اسييتعمله عميير بيين الخطيياب‬
‫على الجيوش التي بعثها إلييى بلد فييارس‪ ،‬وكييان أمييير الجيييش‬
‫الذي هييزم الفييرس بالقادسييية وبجلييولء وغنمهييم وفتييح مييدائن‬
‫كسرى وبنى الكوفة ووله عميير بيين الخطيياب رضييي اللييه عنييه‬
‫ُ‬
‫حد ألف سهم‪ ،‬ولما قتل عثمان رضي‬
‫العراق‪ ،‬ورمى سعد يوم أ ُ‬
‫الله عنه اعييتزل سييعد الفتيين فلييم يقاتييل فييي شيييء ميين تلييك‬
‫الحروب‪ ،‬توفي سيينة خمييس وخمسييين بقصييره بييالعقيق علييى‬
‫عشرة أميال من المدينة ودفن بالبقيع وكان آدم طوال ً ذا هامة‪.‬‬
‫‪ - 5‬طلحة بن عبيد الله أحد العشرة المبشرين بالجنة وأحييد‬
‫الستة أصحاب الشيورى وسييماه رسيول الليه صيلى الليه علييه‬
‫وسلم طلحة الخير وطلحة الجود وهو من المهاجرين الولين لم‬
‫ُ‬
‫حدا ً وما بعدها من المشاهد‪ :‬قتل يوم الجمل‬
‫يشهد بدرا ً وشهد أ ُ‬
‫لعشر خلون من جمادى الولى سنة ست وثلثين‪ ،‬وكييان عمييره‬
‫أربعا ً وسييتين سيينة وقييبره بالبصييرة مشييهور ي ُييزار وُيتييبرك بييه‪.‬‬
‫هذا جزء يسير من تراجم الخمسة الذين أسلموا بييدعاء أبييي‬
‫بكر‪ ،‬وهم من الرجال الذين ذاع صيتهم في السييلم لمييا قيياموا‬

‫به من جلئل العمال‪ ،‬وقد أسلم بعد هؤلء‪ :‬أبييو عبيييدة الجييراح‬
‫واسمه عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلل بن أهيب بن ضبة‬
‫بن الحارث بن فهر‪ ،‬وأبو سلمة عبد الله بن عبد السد‪ ،‬والرقم‬
‫بن أبي الرقم‪ ،‬وعثمان بن مظعون وأخواه قدامة وعبد الله ابنا‬
‫مظعون‪ ،‬وعبيدة بن الحارث وسعيد بن زيد وامرأته فاطمة بنت‬
‫الخطاب وأسماء بنييت أبييي بكيير وعائشيية بنييت أبييي بكيير وهييي‬
‫ت حليف بني زهرة وعمير بن أبي وقاص‬
‫صغيرة وخباب بن الر ّ‬
‫أخو سعد بن أبي وقيياص وعبييد اللييه بيين مسييعود ومسييعود بيين‬
‫القاري وهو مسعود بن ربيعة وسليط بن عمرو وأخييوه حيياطب‬
‫بن عمر وعّياش بن أبي ربيعة بن المغيرة وامرأته أسييماء بنييت‬
‫سلمة وخنيس بن حذافة بن قيس وعامر بن ربيعيية وعبييد اللييه‬
‫بن جحش وأخوه أبو أحمد بيين جحييش وجعفيير بيين أبييي طييالب‬
‫ميييس وحيياطب ابيين الحييارث وغيرهييم‪.‬‬
‫وامرأتييه أسييماء بنييت عُ َ‬
‫الييييييييييييرد علييييييييييييى مسييييييييييييتر مرجوليييييييييييييوث‬
‫قدمنا أن عثمان بن عفان قد أسلم إجابية لييدعوة أبييي بكيير‪،‬‬
‫لكيين السييتاذ مرجليييوث فييي كتييابه »محمييد« يزعييم أن سييبب‬
‫إسلمه أنه كان يحب رقييية بنييت رسييول اللييه صييلى اللييه عليييه‬
‫وسلم ويريد أن يتزوجهييا‪ ،‬فلمييا بلغييه أنهييا خطبييت لغيييره حييزن‬
‫وأخبر أبا بكر بما بلغه وصادف مرور رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم فأسّر أبييو بكيير كلمييات فييي أذن الرسييول وبييذلك انتهييى‬
‫الميير وأسييلم عثمييان وتييزوج رقييية‪ ،‬ولييم يييذكر لنييا مسييتر‬
‫مرجوليوث المصدر الذي استقى منه هييذا الخييبر حييتى نناقشييه‬
‫ول عليها‪ ،‬ثم تعرض بعد ذليك‬
‫ونفنده فما كل رواية يؤخذ بها ويع ّ‬
‫إلى خالد بن سعيد وسبب إسلمه‪ ،‬فقد كان خالد من السابقين‬
‫إلى السلم فكان ثالثا ً أو رابعا ً وقيل‪ :‬كان خامسا ً في السييلم‪،‬‬
‫وسبب إسلمه أنه رأى في النييوم أنييه وقييف علييى شييفير النييار‬
‫فذكر من سعتها ما الله أعلم بييه وكييأن أبيياه يييدفعه فيهييا ورأى‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم آخذا ً بحقويه ل يقع فيها ففزع‬
‫من نومه وقال‪ :‬أحلف إنها لرؤيا حق ولقي أبييا بكيير رضييي اللييه‬
‫عنه فذكر ذلك له‪ ،‬فقال له أبو بكر‪ُ :‬أريد بك خيرًا‪ ،‬هييذا رسييول‬
‫الله صلى الله علييه وسيلم فياتبعه فإنيك سيتتبعه فيي السيلم‬

‫الذي يحجزك ميين أن تقييع فييي النييار وأبييوك واقييع فيهييا‪ .‬فلقييي‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بأجياد فقال‪» :‬يييا محمييد‬
‫إلى من تدعو؟ قال‪» :‬أدعييو إلييى الليه وحييده ل شييريك ليه وأن‬
‫محمدا ً عبده ورسوله وتخليع ميا أنيت علييه مين عبيادة حجير ل‬
‫يسمع ول يبصر ول يضر ول ينفع ول يدري ميين عبييده مميين لييم‬
‫يعبده«‪ ،‬قال خاليد‪ :‬فيإني أشيهد أن ل إليه إل الليه وأشيهد أنيك‬
‫رسول الله‪ .‬فسّر رسول الله صلى الله عليييه وسييلم بإسييلمه‪،‬‬
‫وبعد أن ذكر مرجوليوث رؤيا خالد باختصار وتعبير أبي بكيير لهييا‬
‫وأن هذه الرؤيا كانت سبب إسلم خالد بن سييعيد‪ ،‬تسيياءل هييل‬
‫الناس حقيقة يحلمون هكذا؟ لكنه قال‪» :‬إن فلماريون وميرز )‬
‫‪ (Flammarion and Myers‬يجيبيان نعييم‪ ،‬إنهيم ييرون مثيل‬
‫ذلييك« وهمييا ميين العلميياء المشييهورين‪ ،‬والمييدهش أن السييتاذ‬
‫مرجوليييييييييييييييييوث ل يعلييييييييييييييييم أن النيييييييييييييييياس‬
‫يرون أحلما ً هكذا مع إقرار علماء النفس في أوربييا وأمريكييا‬
‫بذلك‪ ،‬والحلم على العموم شييائعة بييين النيياس‪ ،‬وليسييت رؤيييا‬
‫خالد من الحلم المستغربة حتى يشييك فيهييا مثييل مرجوليييوث‪،‬‬
‫أميييييا إذا كيييييان الشيييييك لغيييييرض فهيييييذا أمييييير آخييييير‪.‬‬
‫إن الناس يييرون أحلميا ً يتحقييق بعضييها وبعضييها يحتيياج إلييى‬
‫تأويل‪ ،‬ويستبعد جدا ً أن يقص إنسان حلما ً مختلفا ً وليس للحلم‬
‫حدود أو ضوابط حتى يقال‪ :‬إن هذا حلم وهييذا ليييس بحلييم‪ ،‬فل‬
‫محل لتح ّ‬
‫كم مستر مارجوليوث واستنكاره رؤيا خاليد بين سيعيد‬
‫للنار‪ ،‬وهذا يوسف عليه السييلم ورؤيياه الييتي قصييها علييى أبيييه‬
‫فقد تحققت بعد أربعين عاما ً وما رآه الفتيييان اللييذان كانييا معييه‬
‫في السجن مما ورد ذكره في القييرآن فقييد عب ّيير يوسييف عليييه‬
‫السلم رؤياهما وتحققييت حسييب تعييبيره‪ ،‬إذ عيياد أحييدهما إلييى‬
‫مركيييزه السيييابق ليييدى المليييك وُأعيييدم الخييير‪ ،‬إل أن مسيييتر‬
‫مرجوليوث غرضه التهكم على السلم ل استنكار الحلم‪ ،‬وهذا‬
‫ل يليييييييييييييييييييق بمستشييييييييييييييييييرق مثلييييييييييييييييييه‪.‬‬
‫ديق‬
‫إيييييييييذاء المشييييييييركين لبييييييييي بكيييييييير الصيييييييي ّ‬
‫عبادة الصيينام مييع أنهييا واضييحة البطلن فييإن العييرب كييانوا‬
‫متمسكين بها تمسكا ً شديدا ً لرسوخها فييي نفوسييهم منييذ زميين‬

‫طويل فل يطيقون سماع من يعيبها أو يطعن فيها بل ل يقبلييون‬
‫إرشاد ناصح يخيياطبهم بالحسيينى ويناقشييهم بالعقييل والبرهييان‪،‬‬
‫فإذا قيل لهم كيف تعبدون الحجييارة الييتي ل تنفييع ول تضيير‪ ،‬ول‬
‫تبصيير ول تسييمع‪ ،‬ول تعلييم ميين يعبييدها‪ ،‬وميين ل يعبييدها‪ ،‬ثييارت‬
‫ثائرتهم وقالوا‪ :‬هييذا مييا وجييدنا عليييه آباءنييا واعتييدوا علييى أعييز‬
‫الناس لديهم وأشرفهم وأعقلهم وأسهلهم أخلقًا‪ ،‬فلم يكن ميين‬
‫الحكمة وأصالة الرأي أن يجهيير النييبي صييلى اللييه عليييه وسييلم‬
‫وأصحابه القليلون بالسلم ويؤدوا شييعائرهم الدينييية أمييام أميية‬
‫بأسيييييرها متعصيييييبة ليييييدينها اليييييوثني تعصيييييبا ً أعميييييى‪.‬‬
‫وقد أدرك بعض أفراد بعقلهم الثاقب وفطرتهم السييليمة أن‬
‫قومهم في خطأ مبين فمنهم من مات وهو منكر لعبادة الصنام‬
‫قبل السلم‪ ،‬ومنهم من آمن برسول الله عنييدما بلغتييه رسييالته‬
‫كسلمان الفارسي أو عندما دعاه رسول اللييه إلييى اتبيياع الييدين‬
‫القويم كأبي بكر‪ ،‬وميين َأسييلم بييدعائه وغيرهييم ولييم يبييالوا بمييا‬
‫يصيبهم من سخط قومهم وإيذائهم مع ما يعلمونه من قلة عييدد‬
‫الميييييييييييييؤمنين فيييييييييييييي بيييييييييييييادىء المييييييييييييير‪.‬‬
‫فما وقع لبي بكر رضي الله عنه من الذية ما ذكره بعضييهم‬
‫كما فييي »السيييرة الحلبييية« أن رسييول اللييه صييلى اللييه عليييه‬
‫وسلم لما دخل دار الرقم ليعبد الله هو ومن معه ميين أصييحابه‬
‫ح أبو بكر رضي الله عنييه فييي الظهييور‪ ،‬فقييال لييه النييبي‬
‫سرا ً أل ّ‬
‫صلى الله عليه وسلم »يا أبا بكر إنا قليل«‪ ،‬فلم يييزل بييه حييتى‬
‫خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه ميين الصييحابة‬
‫رضي الله عنهم وقام أبو بكر في النيياس خطيب يا ً ورسييول اللييه‬
‫صلى الله عليه وسلم جالس ودعا إلييى رسييول اللييه‪ ،‬فهييو أول‬
‫خطيب دعا إلييى اللييه تعييالى‪ ،‬فثييار المشييركون علييى أبييي بكيير‬
‫رضي الله عنيه وعليى المسيلمين يضيربونهم فضيربوهم ضيربا ً‬
‫مبرحًا‪ ،‬ووطىء أبو بكيير بالرجييل وضييرب ضيربا ً شيديدًا‪ ،‬وصيار‬
‫عتبة بن ربيعة يضرب أبا بكر بنعلين مخصوفتين ويحرفهما إلييى‬
‫وجهييه حييتى صييار ل يعييرف أنفييه ميين وجهييه‪ ،‬فجيياءت بنييو تيييم‬
‫يتعادون فأجلت المشركين عن أبي بكر إلييى أن أدخلييوه منزلييه‬
‫ول يشكون في موته‪ ،‬ثم رجعوا فدخلوا المسجد فقييالوا‪ :‬واللييه‬
‫لئن مات أبو بكر لنقتلن عتبة‪ ،‬ثييم رجعييوا إلييى أبييي بكيير وصييار‬

‫والده أبو قحافة وبنو تيم يكلمونه فل يجيب حتى آخر النهار‪ ،‬ثم‬
‫تكلم وقال‪ :‬ما فعل رسول الله صلى الله عليييه وسييلم فعييذلوه‬
‫فصار يكرر ذلك‪ ،‬فقالت أمه‪ :‬والله ما لي علم بصاحبك‪ ،‬فقييال‪:‬‬
‫اذهبي إلى أم جميل فاسأليها عنه‪ ،‬فخرجت إليها وقالت لهييا أن‬
‫تسأل عن محمد بن عبد اللييه‪ ،‬قييالت‪ :‬ل أعييرف محمييدا ً ول أبييا‬
‫بكر‪ ،‬ثم قالت‪ :‬تريدين أن أخييرج معييك؟ قييالت‪ :‬نعييم‪ ،‬فخرجييت‬
‫معها إلى أن جاءت أبييا بكيير فوجييدته صييريعا ً فصيياحت وقييالت‪:‬‬
‫إن قوما ً نالوا هذا منك له ي ُ‬
‫ل فسييق‪ ،‬وإنييي لرجييو أن ينتقييم‬
‫الله منهم‪ ،‬فقال لها أبو بكر رضي الله عنه‪ :‬ما فعل رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم فقييالت لييه‪ :‬هييذه أمييك تسييمع‪ ،‬قييال‪ :‬فل‬
‫عين عليك منها‪ ،‬أي إنها ل تفشي سرك‪ ،‬قالت‪ :‬سييالم هييو فييي‬
‫دار الرقم‪ ،‬فقال‪ :‬والله ل أذوق طعاما ً ول أشرب شرابا ً أو آتييي‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت أمه‪ :‬فأمهلنيياه حييتى إذا‬
‫ي حييتى دخييل‬
‫هدأت الرجل وسكن الناس خرجنا بييه يتكىييء علي ّ‬
‫على رسول الله صلى الله عليييه وسييلم فييرقّ لييه رقيية شييديدة‬
‫وأكب عليه يقّبله وأكب عليه المسلمون كذلك‪ ،‬فقال‪ :‬بأبي أنت‬
‫وأمي يا رسول الله ما بي من بأس إل ما نال الناس من وجهي‬
‫وهذه أمي بّرة لو دعوت لها فعسى الله أن يسييتنقذها بييك ميين‬
‫النار‪ ،‬فدعا لها رسول الله صلى الله عليييه وسييلم ودعاهييا إلييى‬
‫السيييييييييييييييييييييييييييييييلم فأسيييييييييييييييييييييييييييييييلمت‪.‬‬
‫ل شك أن المسلمين في ذلك الوقت كانوا في خطر شييديد‪،‬‬
‫فقد كان ل يهدأ للمشركين بال إل إذا أساءوا إليهم ولذلك كييان‬
‫الستخفاء في غاية الحكمة‪ ،‬وبقييي المسييلمون مسييتخفين فييي‬
‫دار الرقم حتى كملوا أربعين رج ً‬
‫ل‪ ،‬وكيان آخرهييم إسييلما ً عمير‬
‫بن الخطاب‪ ،‬فلما كملوا به أربعين خرجييوا وأظهييروا إسييلمهم‪.‬‬
‫تلك شجاعة أبي بكر الصديق رضييي اللييه عنييه وقييوة إيمييانه‬
‫وصدق يقينه‪ ،‬لقد وقف أمام المشركين وجه يا ً لييوجه ولييم يبييال‬
‫بكثرتهم وعّرض حياته الغالية للخطر ليدعوهم إلى الحييق‪ ،‬إلييى‬
‫عبادة الله الواحد القهار ونبذ الشرك وخلع الوثنية فأصيب بشير‬
‫ما يصاب به إنسان وكاد يقضى علييه‪ ،‬فلمييا أفياق كييان أول مييا‬
‫تلفظ به السؤال عن رسول الليه صيلى الليه علييه وسيلم وليم‬

‫ترتح نفسه وتطمئن حتى رآه بعينيه سييالما ً معييافى‪ ،‬فييأين هييذا‬
‫من الذين يخالفون عقائدهم ويميلون مع الهواء وينضمون إلييى‬
‫من يأنسون فيه القييوة ويعينييون علييى الباطييل لمتيياع مييؤقت ل‬
‫يلبييييييييييييييييييييييييييييييييث أن يييييييييييييييييييييييييييييييييزول؟‪.‬‬
‫لو كان المسلمون في بادىء أمرهم متهاونين مذبييذبين لمييا‬
‫ثبتت دعائم السلم وصار قوي الركان‪ ،‬متين البنيان‪ ،‬بييل لُقب ِيَر‬
‫في مهده‪ ،‬لكنه ارتفع على كواهل رجال أقوياء صادقين أدهشوا‬
‫العالم بأعمالهم وجهادهم حتى خضعت لهم أمييم الرض فبمثييل‬
‫عمييييييييييييل هييييييييييييؤلء فليهتييييييييييييد المصييييييييييييلحون‪.‬‬
‫إظهييييييييييييييييار السييييييييييييييييلم سيييييييييييييييينة ‪613‬م‬
‫أمر الله سييبحانه وتعيالى النييبي صيلى الليه عليييه وسيلم أن‬
‫يصدع بما جاءه منه‪ ،‬وأن يدعو الناس إليييه ويييأمرهم بييه‪ ،‬وكييان‬
‫بين إخفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره واسييتتاره بييه‬
‫وبين أمر الله تعالى إياه بإظهار دينه ثلث سنين ميين بعثييه‪ ،‬ثييم‬
‫قال الله تعالى له‪َ} :‬فاصدعْ بما تؤْمر وأ َ‬
‫م ْ‬
‫ن‬
‫ي‬
‫ع‬
‫ض‬
‫ر‬
‫ي‬
‫ع‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫شيرِ ِ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫ْ‬
‫كي َ‬
‫ْ َ ِ َ ُ َ ُ َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ل بهم ول تلتفت إلييى لييومهم إييياك‬
‫لله{ )الحجر‪ ،(94 :‬أي ل تبا ِ‬
‫َ‬
‫شيييَرت َ َ‬
‫ن‬
‫على إظهار الييدعوة‪ ،‬وقييال تعييالى‪} :‬وَأنيذِْر عَ ِ‬
‫ك ال ْقَْرِبيي َ‬
‫ن ات ّب َعَ َ‬
‫ح َ‬
‫ن{ )الشييعراء‪- 214 :‬‬
‫َوا ْ‬
‫م يؤ ْ ِ‬
‫ك ِ‬
‫جَنا َ‬
‫ض َ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫ك لِ َ‬
‫خِف ْ‬
‫مِني َ‬
‫مي َ‬
‫م ِ‬
‫‪ ،(215‬فصعد رسول الله صلى الله عليييه وسييلم علييى الصييفا‪،‬‬
‫فقال‪» :‬يا معشر قريش«‪ ،‬فقالت قريييش‪ :‬محمييد علييى الصييفا‬
‫يهتييف‪ ،‬فييأقبلوا واجتمعييوا‪ ،‬فقييالوا‪ :‬مييا ليي َ‬
‫ك يييا محمييد؟ قييال‪:‬‬
‫»أرأيتكيييم ليييو أخيييبرتكم أن خيل ً بسيييفح هيييذا الجبيييل أكنتيييم‬
‫تصدقونني؟« قالوا‪ :‬نعم أنت عندنا غير متهم ومييا جربنييا عليييك‬
‫كذبا ً قط‪ ،‬قال‪» :‬فإني نذير لكم بين يديْ عذاب شييديد‪ ،‬يييا بنييي‬
‫عبد المطليب‪ ،‬ييا بنيي عبيد منياف‪ ،‬ييا بنيي زهيرة ‪ -‬حيتى عيدد‬
‫الفخاذ من قريش ‪ -‬إن الله أمرني أن أنذر عشيرتي القربييين‪،‬‬
‫وإني ل أملك لكم من الدنيا منفعة ول ميين الخييرة نصيييبا ً إل أن‬
‫تقولوا ل إله إل الله«‪ ،‬فقال أبو لهب‪ - :‬تب ّا ً لك سائر اليوم‪ ،‬ألهذا‬
‫َ‬
‫ب{‬
‫ت ي َي َ‬
‫جمعتنييا؟ ‪ -‬فييأنزل اللييه تبييارك وتعييالى‪} :‬ت َب ّي ْ‬
‫دآ أب ِييى ل َهَي ٍ‬
‫دآ‬
‫ت َييي َ‬
‫ما سمع أبو لهب قوله‪} :‬ت َّبيي ْ‬
‫)المسد‪ (1 :‬السورة كلها‪ ،‬فل ّ‬
‫َ‬
‫ب{ قال‪ :‬إن كان ما يقول محمد حق يا ً افتييديت منييه‬
‫ب وَت َ ّ‬
‫أِبى ل َهَ ٍ‬

‫ميييييييييآ أ َغَْنيييييييييى‬
‫بميييييييييالي ووليييييييييدي فنيييييييييزل‪َ } :‬‬
‫ب{ )المسد‪ ،(2 :‬وكان أبو لهييب إذا سييأله‬
‫س َ‬
‫ما ك َ َ‬
‫ه وَ َ‬
‫مال ُ ُ‬
‫ه َ‬
‫عَن ْ ُ‬
‫وفد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‪ :‬إنييه سيياحر ومجنييون‬
‫لينصرفوا عنه قبل لقائه‪ ،‬وقييد أغضييبت هييذه السييورة أبييا لهييب‬
‫فأظهر شدة العداوة وصار متهما ً فلييم يقبييل قييوله فييي رسييول‬
‫الله صلى الله عليه وسييلم فكييأنه خيياب سييعيه وبطييل غرضييه‪،‬‬
‫وُروي عن طارق المحاربي أنه قييال‪ :‬رأيييت رسييول اللييه صييلى‬
‫الله عليه وسلم في السوق يقول‪» :‬أيها الناس‪ :‬قولوا‪ :‬ل إله إل‬
‫الله تفلحوا«‪ ،‬ورجل خلفه يرميييه بالحجييارة وقييد أدمييى عقييبيه‪،‬‬
‫ويقول‪ :‬ل تطيعوه فإنه كذاب‪ ،‬فقلييت‪ :‬ميين هييذا؟ قييالوا‪ :‬محمييد‬
‫وعمه أبو لهب‪ ،‬أما امرأته فهي أم جمييل بنيت حييرب بيين أمييية‬
‫أخت أبي سفيان بن حرب عمة معاوية فكييانت أيضيا ً فييي غاييية‬
‫العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وترمي الشييوك فييي‬
‫طريقييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييه‪.‬‬
‫وعن الزهري أنه قال‪ :‬دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫إلى السلم سرا ً وجهييرا ً فاسييتجاب للييه ميين شيياء ميين أحييداث‬
‫الرجال وضعفاء الناس حتى كثر من آمن به وكفار قريييش غييير‬
‫منكرين لما يقول‪ ،‬فكان إذا مّر عليهم فييي مجالسييهم يشيييرون‬
‫إليه أنه غلم بني عبد المطلييب يكلييم ميين السييماء فكييان ذلييك‬
‫حتى عاب آلهتهم التي يعبدونها وذكيير هلك آبييائهم الييذين ميياتوا‬
‫على الكفر فشنفوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك‬
‫وعيييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييادوه‪.‬‬
‫وعن ابن عتبة أنه قال‪ :‬لما أظهر رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم السلم ومن معه وفشا أمره بمكة ودعييا بعضييهم بعض يا ً‬
‫فكان أبو بكر يدعو ناحية سرًا‪ ،‬وكان سعيد بيين زيييد مثييل ذلييك‪،‬‬
‫وكان عمر وحمييزة بيين عبييد المطلييب وأبييو عبيييدة بيين الجييراح‬
‫يدعون علنية‪ ،‬فغضبت قريش ميين ذلييك وظهيير منهييم لرسييول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم الحسييد والبغييي وأشييخص بييه منهييم‬
‫رجييال فبييادوه وتسييتر آخييرون وهييم علييى ذلييك الييرأي إل أنهييم‬
‫ينزهون أنفسهم عن القيام والشخاص برسول الله صييلى اللييه‬

‫عليه وسلم وكان أهل العداوة والمباداة لرسول الله صلى اللييه‬
‫عليه وسلم وأصحابه الذين يطلبون الخصومة والجدل‪ :‬أبو جهل‬
‫بن هاشم وأبو لهب بن عبد المطلب‪ ،‬والسود بيين عبييد يغييوث‪،‬‬
‫والحارث بيين قيييس بيين عييدي وهييو ابيين الغليطيية‪ ،‬والوليييد بيين‬
‫ُ‬
‫ي بن خلييف‪ ،‬وأبييو قيييس بيين الفيياكه بيين المغيييرة‪،‬‬
‫المغيرة‪ ،‬وأب ّ‬
‫والعاص بن وائل‪ ،‬والنضر بن الحارث‪ ،‬ومنبه بن الحجاج‪ ،‬وزهييير‬
‫بن أبي أمية والسائب بيين صيييفي بيين عابييد‪ ،‬والسييود بيين عبييد‬
‫السد‪ ،‬والعاص بن سعيد بن العاص‪ ،‬والعاص بن هاشم‪ ،‬وعقبيية‬
‫معيط‪ ،‬وأبو الصدى الهذلي‪ ،‬والحكييم بيين أبييي العيياص‪،‬‬
‫بن أبي ُ‬
‫وعدي بن الحمراء‪ ،‬وذلييك أنهييم كييانوا جيرانهييم‪ ،‬والييذين كييانت‬
‫تنتهي عداوة رسول الله إليهم أبو جهل وأبو لهب وعقبة بن أبي‬
‫معيط‪ ،‬وكان عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو سفيان بيين حييرب أهييل‬
‫هداوة ولكنهم لم يشخصوا بالنبي صلى اللييه عليييه وسييلم نحييو‬
‫قريييييش ولييييم يسييييلم منهييييم أحييييد إل أبييييو سييييفيان‪k.‬‬
‫عبييييد اللييييه بيييين مسييييعودأول ميييين جهيييير بييييالقرآن‬
‫كان أول من جهر بالقرآن بمكة بعد رسول اللييه صييلى اللييه‬
‫عليه وسلم عبد الله بن مسييعود‪ ،‬اجتمييع يوميا ً أصييحاب رسييول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم فقالوا‪ :‬والله ما سمعت قريييش هييذا‬
‫القرآن ُيجهر لها به قط‪ ،‬فمن رجل يسييمعهم؟ فقييال عبييد اللييه‬
‫بن مسعود‪ :‬أنا‪ ،‬فقييالوا‪ :‬إنييا نخشيياهم عليييه إنمييا نريييد رجل ً لييه‬
‫عشيرة تمنعه من القييوم إن أرادوه‪ ،‬فقييال‪ :‬دعييوني؛ فييإن اللييه‬
‫سيمنعني‪ ،‬فغدا عبد الله حتى أتى المقام في الضييحى وقريييش‬
‫في أنديتها حتى قام عند المقام‪ ،‬فقال رافعا ً صييوته‪ :‬بسييم اللييه‬
‫ن{ )الرحميين‪ ،1 :‬ي ‪،(2‬‬
‫م ال ُْقيْرءا َ‬
‫الرحمن الرحيم‪} :‬الّر ْ‬
‫ن عَل ّي َ‬
‫ح َ‬
‫مي ُ‬
‫فاستقبلها فقرأ فتأملوا‪ ،‬فجعلوا يقولون‪ :‬ما يقول ابيين أم عبييد؟‬
‫ثم قييالوا‪ :‬إنييه ليتلييو بعييض مييا جيياء بييه محمييد‪ ،‬فقيياموا فجعلييوا‬
‫يضربون في وجهه‪ ،‬وجعل يقرأ حتى بلغ منهييا مييا شيياء اللييه أن‬
‫يبلغ‪ ،‬ثم انصرف إلييى أصييحابه وقييد أثييروا بييوجهه‪ ،‬فقييالوا‪ :‬هييذا‬
‫ي‬
‫الذي خشينا عليك‪ ،‬فقال‪ :‬ما كان أعييداء اللييه قييط أهييون عل ي ّ‬
‫منهم الن‪ ،‬ولئن شئتم غاديتهم بمثلهييا غييدًا‪ ،‬قييالوا‪ :‬حسييبك قييد‬
‫أسيييييييييييييييييييمعتهم ميييييييييييييييييييا يكرهيييييييييييييييييييون‪.‬‬

‫وقيل‪ :‬إن أبا جهل لطمه فشق أذنه وأدماه فانصييرف وعينييه‬
‫تييدمع فلمييا رآه النييبي عليييه السييلم رقّ قلبييه وأطييرق رأسييه‬
‫مغموميًا‪ ،‬فييإذا جبريييل عليييه السييلم يجيييء ضيياحكا ً مستبشييرا ً‬
‫فقال‪» :‬يا جبريل تضحك وابن مسعود يبكيي؟« فقيال‪ :‬سيتعلم‪،‬‬
‫فلما ظفر المسلمون يوم بدر التمس ابن مسعود أن يكييون لييه‬
‫حظ في الجهاد‪ ،‬فقال عليه السلم‪» :‬خذ رمحييك والتمييس فييي‬
‫الجرحى من كان به رمق فاقتله فإنك تنال ثواب المجاهييدين«‪،‬‬
‫فأخذ يطالع القتلى فإذا أبو جهل مصروع يخور‪ ،‬فخاف أن تكون‬
‫به قوة فيييؤذيه فوضييع الرمييح علييى منخييره ميين بعيييد فطعنييه‪.‬‬
‫الضييييييييرب والشييييييييتمحيلة الجهييييييييال المتعصييييييييبين‬
‫إن كفار قريش‪ ،‬لم يفكيروا فييي مناقشية ميا يسييمعون ميين‬
‫اليات القرآنية التي كييان يتلوهييا رسييول اللييه صييلى اللييه عليييه‬
‫وسلم وأصحابه‪ ،‬بل كانوا يتهمييونه بالكييذب تييارة أو بييالجنون أو‬
‫بالسييحر ويضييربون ميين يجهيير بييالقرآن‪ ،‬وهييذا سييلح الضييعيف‬
‫الجاهل‪ ،‬إن رسول الله كان يعيب آلهتهييم الييتي كييانوا يعبييدونها‬
‫من دون الله ويقول‪ :‬إنها أصنام صنعتموها بأيديكم وهي ل تنفييع‬
‫ول تضيير ول تسييمع ول تبصيير‪ ،‬فاتركوهييا واعبييدوا اللييه خييالق‬
‫السماوات والرض ويعدد لهم صفاته وقدرته جييل شييأنه‪ ،‬فلييول‬
‫رسوخ العقيدة الباطلة في نفوسهم‪ ،‬والعقائد الباطلة القديميية‪،‬‬
‫تشل عقل معتنقيها‪ ،‬نقول لول رسوخ العقيدة‪ ،‬لحكموا عقولهم‬
‫وبادروا إلى اليمان بالله‪ ،‬لكن عّز عليهييم أن يييأتي رجييل منهييم‬
‫ويتهمهم بالكفر والضلل ويعيب تلك اللهة القديمة التي وجييدوا‬
‫آباءهم وأجدادهم يسجدون لهييا ويقيدمون لهيا اليذبائح والهييدايا‪،‬‬
‫فالتجأوا إلى الضرب والشتم وهييذا شييأن كييل جاهييل متعصييب‪،‬‬
‫ولما دخل رسول الله مكة فاتحا ً وأمر بهدم تلييك الصيينام الييتي‬
‫كانوا يعتقدون أنها مقدسة ل يقدر أحد على إيصال الذى إليهييا‪،‬‬
‫وهدمت بالفعل ووجد أن ل حول لها ول قوة وقتل من كان فيها‬
‫ميين المشييعوذين‪ ،‬أيقنييوا أنهييم كييانوا فييي ضييلل مييبين فقييال‬
‫ن ال ْب َط ِي َ‬
‫حيقّ وََزهَيقَ ال ْب َط ِي ُ‬
‫هوقًييا{‬
‫ن َز ُ‬
‫ل ك َييا َ‬
‫ل إِ ّ‬
‫جييآء ال ْ َ‬
‫الرسول‪َ } :‬‬
‫َ‬
‫مْتنا مسييلمين‪.‬‬
‫)السراء‪ ،(81 :‬فاللهم طّهر قلوبنا من الشرك وأ ِ‬

‫القييييييييييييرآن يحّييييييييييييير ألبيييييييييييياب العييييييييييييرب‬
‫تحّيرت ألباب العرب في القرآن الذي نزل بلغتهم وهم أهييل‬
‫فصاحة وبلغة‪ ،‬وخشيت قريش أن ينتشر السلم وينتصر النبي‬
‫صلى الله عليه وسلم بدينه على الصنام‪ ،‬فيياتفقوا علييى إطلق‬
‫اسم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ينّفر القبييائل منييه‪،‬‬
‫وه سمعته‪ ،‬ويكون عقبة فييي سييبيل نشيير دعييوته‪ ،‬ذلييك أن‬
‫ويش ّ‬
‫الوليد بن المغيييرة اجتمييع إليييه نفيير ميين قريييش وكييان ذا سيين‬
‫م فقال لهم‪ :‬يييا معشيير قريييش إنييه قييد‬
‫فيهم‪ ،‬وقد حضر الموس ُ‬
‫م‪ ،‬وإن وفود العرب ستقدم عليكييم فيييه‪ ،‬وقييد‬
‫حضر هذا الموس ُ‬
‫سمعوا بأمر صاحبكم هذا فأجمعوا فيييه رأي يا ً واحييدا ً ول تختلفييوا‬
‫فيك ّ‬
‫ذب بعضكم بعضًا‪ ،‬ويرد قولكم بعضه بعضًا‪ ،‬فقالوا‪ :‬فأنت يييا‬
‫أبا عبد شمس فقل وأقم لنا رأيا ً نقل به‪ ،‬قييال‪ :‬بييل أنتييم قولييوا‬
‫أسمع‪ ،‬قالوا‪ :‬نقول كاهنًا‪ ،‬قال‪ :‬والله مييا هييو بكيياهن‪ ،‬لقييد رأينييا‬
‫الكهييان فمييا هييو بزمزميية الكيياهن ول سييجعه‪ ،‬قييالوا‪ :‬فنقييول‬
‫مجنون‪ ،‬قال‪ :‬ما هو بمجنون‪ ،‬لقد رأينا الجنون وعرفناه فما هييو‬
‫خنقه ول تخالجه ول وسوسته‪ ،‬قالوا‪ :‬فنقييول شيياعر‪ ،‬قييال‪ :‬مييا‬
‫ب َ‬
‫جيَزه‪ ،‬وهَزجييه‪ ،‬وقريضييه‪،‬‬
‫هو بشاعر‪ ،‬لقييد عرفنييا الشييعر كلييه َر َ‬
‫مقبوضه‪ ،‬ومبسوطه فما هو بالشعر‪ ،‬قالوا‪ :‬فنقول ساحر‪ ،‬قال‪:‬‬
‫سييحار وسييحرهم فمييا هييو بنْفثييه ول‬
‫ما هو بساحر‪ ،‬لقييد رأينييا ال ّ‬
‫عقده‪ ،‬قالوا‪ :‬فما نقول يا أبا عبد شمس؟ قال‪ :‬والله إن لقييوله‬
‫لحلوة‪ ،‬وإن أصله لعَ ْ‬
‫ة‪ ،‬وما أنتم بقائلين من‬
‫ذق‪ ،‬وإن فرعه لجَنا ٌ‬
‫هييذا شيييئا ً إل عُييرف أنييه باطييل‪ ،‬وإن أقييرب القييول لن تقولييوا‬
‫ساحر جاء بقول هو سحر يفرق بين المييرء وأبيييه‪ ،‬وبييين المييرء‬
‫وأخيه‪ ،‬والمرء وزوجتييه‪ ،‬وبييين المييرء وعشيييرته‪ ،‬فتفرقييوا عنييه‬
‫بذلك‪ ،‬فجعلوا يجلسون بسبل الناس حين قدموا الموسم ل يمر‬
‫أحد إل حذروه إياه‪ ،‬لكن النتيجة جاءت عكس ذلييك فقييد انتشيير‬
‫ذكييييره صييييلى اللييييه عليييييه وسييييلم فييييي بلد العييييرب‪.‬‬
‫وقد كان ضماد بن ثعلبة الزدي صديقا ً للنبي صلى الله عليه‬
‫وسلم في الجاهلية‪ ،‬وكان رجل ً يتطييب ويرقيي ويطليب العليم‪،‬‬
‫فسمع سفهاء من أهل مكة يقولون‪ :‬إن محمدا ً مجنون‪ ،‬فجيياءه‬
‫وقال‪ :‬إني راق فهل بك من شيء فأرقيك؟ فأجييابه صييلى اللييه‬

‫عليه وسلم بقوله‪» :‬الحمد لله نحمده ونستعينه‪ ،‬من يهييده اللييه‬
‫فل مضل له ومن يضلل فل هادي له‪ ،‬وأشييهد أن ل إلييه إل اللييه‬
‫وحده ل شريك له وأن محمدا ً عبده ورسوله‪ ،‬أمييا بعييد«‪ ،‬فقييال‬
‫ي كلماتك هييؤلء‪ ،‬فأعييادهن النييبي صييلى اللييه‬
‫له ضماد‪ :‬أعد عل ّ‬
‫عليه وسلم ثلثًا‪ ،‬فقال‪ :‬والله لقد سمعت قول الكهنة‪ ،‬وسمعت‬
‫قول السحرة‪ ،‬وسمعت قول الشعراء‪ ،‬فما سمعت مثييل هييؤلء‬
‫الكلمييات لقييد بلغييت نيياعوس البحيير فمييد يييدك أبايعييك علييى‬
‫السلم‪ ،‬فمد النبي صلى الله عليه وسييلم يييده فبييايعه وأسييلم‪.‬‬
‫وهكذا أخفييق مسييعاهم وسييقط إفكهييم والحسييود ل يسييود‪،‬‬
‫والكذب ل تقوم له قائمة فل بد أن يسود الحق ويكتسح الباطل‬
‫أمييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييامه‪.‬‬
‫قريش تفاوض أبا طالب في أمر رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسيييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييلم‬
‫المفاوضيييييييييييييييييييييييييييييية الولييييييييييييييييييييييييييييييى‬
‫لما رأت قريش أن أبا طالب قد قام دون النييبي صييلى اللييه‬
‫عليه وسلم ولم يسلمه لهم‪ ،‬مشى رجال من أشرافهم إلى أبي‬
‫ختري بن هشام‪ ،‬والسود‬
‫طالب‪ :‬عتبة وشيبة ابنا ربيعة‪ ،‬وأبو الب َ ْ‬
‫بن المطلب‪ ،‬والوليد بن المغيرة‪ ،‬وأبو جهل بن هشام‪ ،‬والعيياص‬
‫بن وائل السهمي ونبيه ومنّبه ابنا الحجاج‪ ،‬وغيرهييم‪ ،‬فقييالوا‪ :‬يييا‬
‫ب آلهتنييا وعيياب ديننيا‪ ،‬وسييفه‬
‫أبييا طيالب إن ابين أخييك قيد سي ّ‬
‫أحلمنا‪ ،‬وضلل آباءنا‪ ،‬فإما أن تكفه عنييا وإمييا تخلييي بيننييا وبينييه‬
‫فإنك على مثل ما نحن عليه من خلفه‪ .‬فقييال لهييم أبييو طييالب‬
‫قول ً جمي ً‬
‫ل‪ ،‬وردهم ردا ً رقيق يًا‪ ،‬فانصييرفوا عنييه‪ ،‬ومضييى رسييول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم لمييا هييو عليييه‪ ،‬هييذه هييي المفاوضيية‬
‫الولى‪ ،‬لكنها لم تثمر شيئًا‪ ،‬إذ ظييل الرسييول يييدعو إلييى عبييادة‬
‫الليييييييييييييييييييييييه كميييييييييييييييييييييييا كيييييييييييييييييييييييان‪.‬‬
‫المفاوضيييييييييييييييييييييييييييييية الثانييييييييييييييييييييييييييييييية‬
‫ثم لما تباعد الرجال وتضاغنوا‪ ،‬وأكثرت قريييش ذكيير رسييول‬

‫الله صلى الله عليه وسلم فكروا في مفاوضة أبي طييالب مييرة‬
‫أخرى‪ ،‬فمشوا إلييه وقيالوا‪ :‬ييا أبييا طيالب إن ليك سيينا ً وشيرفا ً‬
‫ومنزلة فينا وإنا قد اشتهيناك أن تنهي ابن أخيك فلم تفعل‪ ،‬وإنا‬
‫والله ل نصبر على هذا من شتم آلهتنيا وآبائنيا‪ ،‬وتسيفيه أحلمنيا‬
‫حييتى تكفييه عنييا‪ ،‬أو ننييازله وإييياك فييي ذلييك حييتى يهلييك أحييد‬
‫الفريقين‪ ،‬أو كما قييالوا‪ ،‬ثييم انصييرفوا عنييه‪ ،‬ومعنييى ذلييك أنهييم‬
‫هددوا أبا طالب في هييذه المييرة وأظهييروا لييه العييداوة‪ ،‬فعظييم‬
‫عليه فراق قومه وعداوتهم له‪ ،‬ولم تطب نفسه بإسلم رسييول‬
‫الله صلى الله عليييه وسييلم وخييذلنه‪ ،‬فبعييث إلييى رسييول اللييه‬
‫صلى الله عليه وسلم فأعلمه ما قالت قريييش‪ ،‬وقييال لييه‪ :‬أبييق‬
‫ملنييي ميين الميير مييا ل أطيييق‪ .‬فظيين‬
‫ي ول تح ّ‬
‫على نفسك وعلي ّ‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عمه قد خذله وضعف عن‬
‫نصرته‪ ،‬فقال له‪» :‬يا عماه والله لو وضعوا الشمس في يمينييي‬
‫والقمر في يساري على أن أترك هذا المر حتى يظهره اللييه أو‬
‫أهلك فيه ما تركته« ثم بكى رسول الله صلى الله عليييه وسييلم‬
‫وقام‪ ،‬فلما ولى ناداه أبو طالب فأقبل عليييه وقييال‪ - :‬اذهييب يييا‬
‫ابن أخي فقل ما أحببت فوالله ل أسييلمك لشيييء أبييدا ً ‪ -‬فتييدبر‬
‫أيها القارىء في قوة رسول الله تلك القوة المعنوييية العظيميية‬
‫أمييام شييعب معيياد معانييد وشييدة تمسييكه بمبييدئه إلييى النهاييية‪.‬‬
‫المفاوضيييييييييييييييييييييييييييييية الثالثيييييييييييييييييييييييييييييية‬
‫أصّر أبو طالب عليى اليدفاع عين ابين أخييه قياميا ً بيالواجب‬
‫على نحو من ترّبى في كفالته ونشأ فييي بيتييه وعمل ً بييالمروءة‪،‬‬
‫ولكنه مع ذلك بقي على دينه ولم يعتنق السييلم لييذلك صييارت‬
‫مهمته شاقة ومركزه حرجا ً فأمامه قريش متعصييبة لييدينها وقييد‬
‫أغضييبها قيييام محمييد صييلى اللييه عليييه وسييلم بنشيير السييلم‬
‫ومحاربة الصنام‪ ،‬وصاحب الدعوة ل يثنيه عن القيام بما ُأمر به‬
‫سخرية ساخر أو اضييطهاد مضييطهد‪ ،‬فلييو أن أبييا طييالب أسييلم‬
‫لكان دفاعه أعظم وحجته أبلغ أمام العييرب وأحكييم‪ ،‬لكنييه ظييل‬
‫على دين آبائه ودافييع عيين رسييول اللييه ل عيين عقيييدة بييل أداء‬
‫ليييييييييييييييييييييييييييييييييواجب القرابييييييييييييييييييييييييييييييييية‪.‬‬
‫وفي هذه المرة مشوا إلييى أبييي طييالب بُعمييارة بيين الوليييد‪،‬‬

‫فقالوا‪ :‬يا أبا طالب هذا عمارة بن الوليد فتى قريش وأشييعرهم‬
‫وأجملهم فخذه فلك عقله ونصرته فاتخذه ولدا ً وأسييلم لنييا ابيين‬
‫أخيك هذا الذي سّفه أحلمنا وخييالف دينييك ودييين آبييائك وف يّرق‬
‫جماعة قومك نقتله فإنما رجل برجييل‪ ،‬فقييال‪ :‬واللييه لييبئس مييا‬
‫تسومونني أتعطونني ابنكم أغذوه لكم وأعطيكم ابني تقتلييونه؟‬
‫هذا والله ل يكون أبدًا‪ .‬فقال المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد‬
‫مناف‪ :‬لقد أنصفك قومك وما أراك تريييد أن تقبييل منهييم شيييئًا‪،‬‬
‫فقال‪ :‬والله ما أنصفوني ولكنك قد أجمعييت خييذلني ومظيياهرة‬
‫ي فاصنع ما بدا لك‪ .‬وك ي ّ‬
‫ل عاقييل يييرى أن مييا عرضييته‬
‫القوم عل ّ‬
‫قريش على أبي طالب في غاية السخف لكنهم كانوا يتلمسييون‬
‫الحيل للخلص من صاحب الدعوة صلى اللييه عليييه وسييلم بييأي‬
‫حال‪ ،‬فلما يئسوا من إجابيية طلبهييم اشييتدت قريييش علييى ميين‬
‫أسلم فوثبت كل قبيلة على من فيها ميين المسييلمين يعييذبونهم‬
‫ويفتنونهم عن دينهم‪ ،‬وقام أبو طالب فييي بنييي هاشييم فييدعاهم‬
‫إلى منع رسول الله صلى الله عليييه وسييلم فأجييابوا إلييى ذلييك‪.‬‬
‫تعيييييييييييييييييييييييييييييذيب المسيييييييييييييييييييييييييييييلمين‬
‫أخذت قريش تؤذي النبي صلى الله عليه وسلم وتييؤذي ميين‬
‫آمن به حتى عذبوا جماعة من المستضعفين عذابا ً شييديدا ً يييدل‬
‫علييييييييييييى مبلييييييييييييغ تعصييييييييييييبهم وقسييييييييييييوتهم‪.‬‬
‫فمن الييذين عييذبوا لجييل إسييلمهم بلل بيين ربيياح الحبشييي‬
‫مولى أبي بكر‪ ،‬وكان أبوه من سبي الحبشة وأمه حمامة سييبية‬
‫أيضا ً وهو من مولدي الشييراة وكنيتييه أبييو عبييد اللييه فصييار بلل‬
‫لمية بن خلف الجمحي فكان إذا حميت الشمس وقت الظهيرة‬
‫يلقيييه فييي الّرمضيياء علييى وجهييه وظهييره ثييم يييأمر بالصييخرة‬
‫العظيمة فتلقى على صدره ويقول‪ :‬ل تزال هكذا حتى تموت أو‬
‫تكفير بمحميد وتعبيد اللت والعيزى‪ ،‬فكيان بلل وهيو فيي هيذه‬
‫َ‬
‫َ‬
‫حد« فرآه أبو بكر يعذب‪ ،‬فقال لمييية بيين‬
‫حد‪ ،.‬أ َ‬
‫الحال يقول‪» :‬أ َ‬
‫خلف الجمحي‪ :‬أل تتقي الليه فيي هيذا المسيكين؟ فقيال‪ :‬أنيت‬
‫أفسدته فأنقذه‪ ،‬فقال‪ :‬عندي غلم على دينك أسييود أجييدل ميين‬
‫هذا أعطيكه به‪ ،‬قال‪ :‬قبلت‪ ،‬فأعطاه أبو بكيير غلمييه وأخييذ بلل ً‬
‫فأعتقه‪ ،‬وقيل‪ :‬اشتراه أبو بكر بخمس أواق‪ ،‬أما أمية بيين خلييف‬

‫فقتله بلل‪ ،‬واشترك مع معاذ بن عفران وخارجة بن زيد وحبيب‬
‫ي فقتله عمار بن ياسيير‬
‫بن أساف‪ .‬قال ابن إسحاق‪ :‬أما ابنه عل ّ‬
‫وحيييييبيب بييييين أسييييياف وذليييييك فيييييي موقعييييية بيييييدر‪.‬‬
‫ومن المع ّ‬
‫ي وهييو‬
‫ذبين‪ :‬عمار بيين ياسيير أبييو اليقظييان العنسي ّ‬
‫بطن من مراد‪ ،‬وعنس هذا أسلم هو وأبوه وأمه وأسييلم قييديما ً‬
‫ورسول الله صييلى اللييه عليييه وسييلم فييي دار الرقييم بيين أبييي‬
‫الرقم بعد بضعة وثلثين رج ً‬
‫ل‪ ،‬أسلم هو وصهيب في يييوم أحييد‪،‬‬
‫وكان ياسر حليفا ً لبني مخزوم فكانوا يخرجون عمارا ً وأباه وأمه‬
‫إلى البطح إذا حميت الرمضاء يعذبونهم بحر الرمضاء فمّر بهم‬
‫النييبي صييلى اللييه عليييه وسييلم فقييال‪» :‬صييبرا ً آل ياسيير فييإن‬
‫موعييدكم الجنية«‪ ،‬فميات ياسير فيي العييذاب وأغلظيت امرأتيه‬
‫سمية القول لبي جهل فطعنها في فرجها بحربيية فميياتت وهييي‬
‫أول شهيدة في السلم‪ ،‬وشددوا العذاب على عمار بالحر تييارة‬
‫وبوضع الصخر في شدة الحر على صدره تارة أخرى‪ ،‬فقالوا‪ :‬ل‬
‫نتركك حتى تسب محمدا ً وتقول في اللت والعزى خيرًا‪ ،‬ففعل‬
‫فتركوه فأتى النبي صييلى اللييه عليييه وسييلم يبكييي فقييال‪» :‬مييا‬
‫وراءك؟« فقال‪ :‬شر يا رسول الله كان المر كذا وكييذا‪ ،‬فقييال‪:‬‬
‫»فكيف تجد قلبك؟« قال‪ :‬أجييده مطمئنيا ً باليمييان‪ ،‬فقييال‪» :‬يييا‬
‫عمار إن عادوا فعد«‪ ،‬فأنزل الله تعييالى‪} :‬إل ّ م ي ُ‬
‫ه‬
‫ن أك ْيرِهَ وَقَل ْب ُي ُ‬
‫ِ َ ْ‬
‫ن{ )النحيييييييييييييييييييييل‪.(106 :‬‬
‫لي َ‬
‫مط ْ َ‬
‫ُ‬
‫مئ ِ ّ‬
‫ن ِبيييييييييييييييييييييا ِ‬
‫م ِ‬
‫ً‬
‫ومنهم خّباب بن الرت وكييان إسييلمه قييديما‪ ،‬قيييل‪ :‬سيادس‬
‫ستة قبل دخول رسول الله دار الرقييم فأخييذه الكفييار وعييذبوه‬
‫عييذابا ً شييديدا ً فكييانوا يعّرونييه ويلصييقون ظهييره بالرمضيياء ثييم‬
‫ضف وهي الحجارة المحماة بالنار ولووا رأسييه فلييم يجبهييم‬
‫بالّر ْ‬
‫إلى شيء مما أرادوا‪ ،‬وهاجر وشهد المشيياهد كلهييا مييع رسييول‬
‫الليه صييلى الليه عليييه وسييلم ونييزل الكوفيية ومييات سيينة سييبع‬
‫ن خّبابيا ً أسييلم‬
‫ي رضي الله عنه‪ :‬رحمييه اللييه إ ّ‬
‫وثلثين‪ ،‬وقال عل ّ‬
‫راغبا ً وهاجر طائعا ً وعاش مجاهدا ً وابتغى في جسمه ولن يضيع‬
‫الليييييييييييييه أجييييييييييييير مييييييييييييين أحسييييييييييييين عم ً‬
‫ل‪.‬‬
‫صهيب بن سنان الرومي كناه رسول الله صييلى اللييه‬
‫ومنهم ُ‬

‫عليه وسلم »أبا يحيى« قبل أن يولد له‪ ،‬وكان ممن يعييذب فييي‬
‫الله فعذب عذابا ً شديدا ً فلما أراد الهجرة منعته قريش فافتييدى‬
‫نفسه منهم بماله أجمييع وجعلييه عميير بيين الخطيياب عنييد مييوته‬
‫يصيييلي بالنييياس إليييى أن يسيييتخلف بعيييض أهيييل الشيييورى‪.‬‬
‫ومنهم عامر بن فهيرة مييولى الطفيييل بيين عبييد اللييه‪ ،‬وكييان‬
‫الطفيل أخا عائشيية لمهييا أم رومييان أسييلم قييديما ً قبييل دخييول‬
‫رسول الله دار الرقم وكان من المستضعفين يعييذب فييي اللييه‬
‫فلم يرجع عن دينه واشتراه أبو بكر وأعتقه‪ ،‬ولما خييرج رسييول‬
‫الله وأبو بكر إلى الغار مهاجرين أمر أبييو بكيير مييوله عييامر بيين‬
‫فهيرة أن يروح بغنم أبي بكر عليهما وكان يرعاها وهاجر معهما‬
‫ُ‬
‫حييدا ً وُقتييل يييوم بئر‬
‫إلى المدينة يخدمهما‪ ،‬وشييهد عييامر بييدرا ً وأ ُ‬
‫معونيية سيينة أربييع ميين الهجييرة وهييو ابيين أربعييين سيينة ‪.‬‬
‫ومنهم لبيبة جارية بني مؤمل بيين حييبيب بيين كعييب أسييلمت‬
‫قبل إسلم عمر بن الخطاب وكان يعذبها حتى تفتيين ثييم يييدعها‬
‫ويقول‪ :‬إني لم أدعك إل سآمة‪ ،‬فتقول‪ :‬كذلك يفعل الله بييك إن‬
‫ليييييييم تسيييييييلم‪ ،‬فاشيييييييتراها أبيييييييو بكييييييير فأعتقهيييييييا‪.‬‬
‫هذه أمثلة ذكرتها ليتضح للقارىء اشتداد العذاب على هييؤلء‬
‫المسييييييييييييييييييياكين رجيييييييييييييييييييال ً ونسييييييييييييييييييياًء‪.‬‬
‫ومما أصاب النبي صلى الله عليه وسلم من اليذاء مييا قيياله‬
‫ابن عمر كما فييي البخيياري‪ :‬بينييا رسييول اللييه صييلى اللييه عليييه‬
‫وسلم بفناء الكعبة إذ أقبل عقبة بيين أبييي معيييط فأخييذ بمنكييب‬
‫ف ثوبه في عنقه فخنقييه خنق يا ً شييديدا ً فجيياء أبييو‬
‫رسول الله فل ّ‬
‫بكر فأخذ بمنكبه فدفعه عن رسول الله صلى الله عليييه وسييلم‬
‫وفييي رواييية ثييم قييال‪ :‬أتقتلييون رجل ً أن يقييول ربييي اللييه‪.‬‬
‫وفي رواية البخاري‪ :‬كان رسول الله صلى الله عليييه وسييلم‬
‫يصلي عند الكعبة وجمع من قريش في مجالسهم إذ قال قييائل‬
‫منهم‪ :‬أل تنظرون إلى هذا المرائي؟ أيكم يقييوم إلييى جييزور آل‬
‫فلن فيعمد إلى فرثها ودمها وسلها‪ ،‬فيجيء بهم ثم يمهله حتى‬
‫إذا سجد وضعه بين كتفيه‪ ،‬فانبعث أشقاهم فلمييا سييجد رسييول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم وضعه بين كتفيه وثبييت النييبي صييلى‬

‫الله عليه وسلم ساجدا ً فضحكوا حتى مال بعضييهم علييى بعييض‬
‫من الضحك فانطلق منطلق إلى فاطمة فييأقبلت تسييعى وثبييت‬
‫م أقبلييت(‬
‫النبي صلى اللييه عليييه وسييلم سيياجدا ً حييتى ألقتييه )ثي ّ‬
‫عليهم تسبهم‪ ،‬فلما قضى رسول اللييه صييلى اللييه عليييه وسييلم‬
‫قال‪» :‬اللهم عليك بقريييش«‪ ،‬ثييم سييمى فقييال‪» :‬اللهييم عليييك‬
‫بعمرو بن هشام وعتبة بن ربيعة وشيييبة بيين ربيعيية والوليييد بيين‬
‫عتبة وأمية بن خلف وعقبة بن أبي معيط وعمارة بيين الوليييد«‪،‬‬
‫وقد سقطوا جميعهم صرعى يوم بدر ثم سحبوا إلى قليب بدر‪،‬‬
‫أما عقبة بن أبي معيط فكان من أسرى بدر وأميير رسييول اللييه‬
‫بقتلييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييه‪.‬‬
‫ما عرضته قريش على رسول الله صلى اللييه عليييه وسييلم‬
‫قال عتبة بن ربيعة يوما ً وهو جالس في نادي قريش والنييبي‬
‫عليه الصييلة والسييلم جييالس فييي المسييجد وحييده‪ :‬يييا معشيير‬
‫قريش أل أقوم إلى محمييد فييأكّلمه وأعييرض عليييه أمييورا ً لعلييه‬
‫يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء ويكف عنا وذلك حين أسلم حمزة‬
‫ورأوا أصحاب رسول الله يزيدون ويكثرون‪ ،‬فقالوا‪ :‬بلييى يييا أبييا‬
‫الوليد فقم إليه فكلمه‪ ،‬فقام إليه عتبة حتى جلييس إلييى رسيول‬
‫سطة فييي‬
‫الله فقال‪ :‬يا ابن أخي إنك منا حيث قد علمت من ال ّ‬
‫العشيرة والمكان في النسب‪ ،‬وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم‬
‫فّرقييت بييه جميياعتهم وسيّفهت بييه أحلمهييم وعبييت بييه آلهتهييم‬
‫ودينهم كفّرت به ميين مضييى ميين آبييائهم فاسييمع منييي أعييرض‬
‫عليك أمورا ً تنظر فيها لعلك تقبل منا بعضها‪ ،‬فقال رسييول اللييه‬
‫صلى الله عليه وسلم »قل يا أبا الوليييد أسييمع«‪ ،‬قييال‪ :‬يييا ابيين‬
‫أخي إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا المر مال ً جمعنا لك‬
‫ل‪ ،‬وإن كنييت تريييد بييه شييرفا ً‬
‫من أموالنا حييتى تكييون أكثرنييا مييا ً‬
‫سودناك علينا حيتى ل نقطيع أمييرا ً دونيك وإن كنيت تريييد ملكيا ً‬
‫ملكناك علينا وإن كان هذا الذي يأتيك َرئ ِي ّا ً تييراه ل تسييتطيع رده‬
‫عن نفسك طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حييتى ن ُييبرئك منييه‬
‫فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى ُيداوى منه‪ ،‬حتى إذا فرغ‬
‫عتبة ورسول الله يستمع منه قال‪» :‬أقد فرغت يا أبييا الوليييد«؟‬
‫قال‪ :‬نعم‪ ،‬قال‪» :‬فاسمع مني«‪ ،‬قال‪ :‬أفعل‪ ،‬قييال‪» :‬بسييم اللييه‬

‫زي ٌ‬
‫ت‬
‫م‬
‫الرحمن الرحيم‪} :‬حم َتن‬
‫ن الّر ِ‬
‫حييم ِ ك َِتي ٌ‬
‫ن الّر ْ‬
‫صيل َ ْ‬
‫ح َ‬
‫ل ّ‬
‫ب فُ ّ‬
‫م َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫م‬
‫ض أ َك ْث َُر ُ‬
‫شيرا ً وََني ِ‬
‫ن بَ ِ‬
‫مو َ‬
‫هي ْ‬
‫ه قُْرءانا ً عََرب ِي ّا ً ل َّقوْم ٍ ي َعْل َ ُ‬
‫ءاي َت ُ ُ‬
‫ذيرا ً َفيأعَْر َ‬
‫ن{ )فصلت‪ ،(4 - 1:‬ثم مضى رسول اللييه فيهييا‬
‫مُعو َ‬
‫م ل َ يَ ْ‬
‫س َ‬
‫فَهُ ْ‬
‫يقرأها عليه‪ ،‬فلما سمعها عتبة منه أنصت لها وألقى يديه خلييف‬
‫ظهره معتمدا ً عليهما يستمع منه ثييم انتهييى رسييول اللييه صييلى‬
‫الله عليه وسلم إلى السجدة منها فسجد‪ ،‬ثم قال‪ :‬قييد سييمعت‬
‫ييييييييا أبيييييييا الولييييييييد ميييييييا سيييييييمعت فيييييييأنت وذاك«‪.‬‬
‫فقام عتبة إلى أصحابه فقال بعضهم لبعض‪ :‬نحلف بالله لقييد‬
‫جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب بييه‪ ،‬فلمييا جلييس إليهييم‬
‫قالوا‪ :‬ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال‪ :‬ورائي أني قد سييمعت قييول ً‬
‫والله ما سمعت مثله قط‪ ،‬والله ما هو بالشييعر ول بالسييحر ول‬
‫الكهانة‪ ،‬يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بي‪ ،‬خلوا بييين هييذا‬
‫الرجل وبين ما هو فيه‪ ،‬فيياعتزلوه فييوالله ليكييونن لقييوله الييذي‬
‫سمعت منه نبأ عظيم فإن تصبه العييرب فقييد ك ُِفيتمييوه بغيركييم‬
‫وإن يظهر على العرب فملكه ملككم وعزه عزكم وكنتم أسييعد‬
‫الناس به‪ ،‬قالوا‪ :‬سحرك والله يا أبييا الوليييد بلسييانه‪ ،‬قييال‪ :‬هييذا‬
‫رأيييييييييي فيييييييييه فاصيييييييينعوا مييييييييا بييييييييدا لكييييييييم‪.‬‬
‫لقد ظن أبو الوليد في بادىء المر أن النبي صلى الله عليييه‬
‫وسلم يقبل ما يعرضه عليييه ميين مييال وجيياه وملييك فييأظهر لييه‬
‫استعداد قريش لمنحه كل ما يبغي علييى أل يتعييرض لييدينهم ول‬
‫يدعوهم إلييى تييرك عبييادة الصيينام‪ ،‬ظيين ذلييك لن النسييان ول‬
‫سيييما الفقييير المحتيياج يطمييع فييي المييال وتغييره أبهيية الملييك‬
‫فيتشبث بهما ويسعى إليهما ما وجد للسعي سبي ً‬
‫ل‪ ،‬ولو كان أبييو‬
‫الوليد عرض ذلك كله أو بعضه على غير النبي صلى اللييه عليييه‬
‫وسلم لغتبييط بييه واتفييق مييع قريييش فييي الحييال وأراح نفسييه‬
‫وأصحابه من العناء واليذاء والتعذيب والتهديد بالقتييل فييي كييل‬
‫وقت‪ .‬ولكن النبي عليه الصييلة والسييلم لييم يكيين طامحيا ً إلييى‬
‫شيء من ذلك أصل ً ولم يكن في وسعه أن يتنحى عيين الييدعوة‬
‫إلى السلم مهما حاولت قريش صرفه عنها‪ ،‬أل تييرى أنييه قييال‬
‫لعمه أبي طالب‪» :‬والله لو وضعوا الشمس في يمينييي والقميير‬

‫في يساري على أن أترك هذا المر حتى يظهييره اللييه أو أهلييك‬
‫فيه ما تركته«‪ ،‬ومييا ذلييك إل لن اللييه سييبحانه قييد أمييره بنشيير‬
‫َ‬
‫م فََأن يذِْر{ )المييدثر‪ ،2 :‬ي ‪،(1‬‬
‫م يد ّث ُّر قُ ي ْ‬
‫الدعوة حيث قال‪} :‬يأي َّها ال ْ ُ‬
‫وقال عّز شأنه‪} :‬وَل َِرب ّ َ‬
‫صب ِْر{ )المييدثر‪ ،(7 :‬أي‪ :‬اصييبر علييى‬
‫ك َفا ْ‬
‫مشاق التكاليف وأذى المشركين‪ ،‬فكيف بعد هييذا الميير اللهييي‬
‫تخور عزيمتييه وتفييتر قييوته ول يصييبر علييى كييل مييا يصيييبه ميين‬
‫اليذاء؟ بل كيف يغتر بحطيام اليدنيا وينخييدع لمييا تعرضيه عليييه‬
‫قريييييييييييش ميييييييييين ملييييييييييك وجيييييييييياه ومييييييييييال‪.‬‬
‫ولما رأت قريش أن رسول الله قد رفض مييا عرضييوه عليييه‬
‫قالوا له‪ :‬يا محميد إن كنيت غيير قابيل منيا شييئا ً مميا عرضيناه‬
‫عليك‪ ،‬فإنك قد علمت أنه ليس من الناس أحييد أضيييق بلييدا ً ول‬
‫أقل ماء ول أشد عيشا ً منا فسل لنا ربك الذي بعثييك بمييا بعثييك‬
‫به فليسّير عنا هذه الجبال التي ضيقت علينا وليبسط لنييا بلدنييا‬
‫وليخرق لنا فيها أنهارا ً كأنهييار الشيام والعييراق وليبعييث لنييا ميين‬
‫ي بن كلب فإنه‬
‫مضى من آبائنا وليكن فيمن يبعث لنا منهم قص ّ‬
‫كان شيخ صدق فنسألهم عميا تقيول أحيق هيو أم باطيل؟ فيإن‬
‫صدقوك وصنعت ما سألناك صدقناك وعرفنا منزلتييك ميين اللييه‬
‫وأنه بعثك رسول ً كما تقول‪ ،‬فقال‪» :‬ميا بهيذا بعثيت إليكيم إنميا‬
‫جئتكم من الله بما بعثني بييه وقييد بلغتكييم مييا أرسييلت بييه فييإن‬
‫ي أصييبر‬
‫تقبلوه فهو حظكم فييي الييدنيا والخييرة وإن تييردوه علي ّ‬
‫لمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكييم«‪ ،‬قييالوا‪ :‬فييإذا لييم تفعييل‬
‫ملكا ً يصييدقك بمييا‬
‫هذا لنا فخذ لنفسك‪ ،‬سل ربك أن يبعث معك َ‬
‫تقول ويراجعنا عنك‪ ،‬وسله فليجعل لييك جنان يا ً وقصييورا ً وكنييوزا ً‬
‫ميين ذهييب وفضيية يغنيييك بهييا عمييا نييراك تبتغييي‪ ،‬فإنييك تقييوم‬
‫بالسواق وتلتمييس المعياش كميا نلتمسيه حييتى نعييرف فضيلك‬
‫ومنزلتك من ربك إن كنت رسول ً كما تزعم‪ ،‬فقال لهييم رسييول‬
‫الله‪» :‬ما أنا بفاعل وما أنييا بالييذي يسييأل ربييه هييذا‪ ،‬ومييا ُبعثييت‬
‫إليكم بهذا ولكن الله بعثني بشيرا ً ونييذيرا ً ‪ -‬أو كمييا قييال ‪ -‬فييإن‬
‫تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكيم فيي الييدنيا والخييرة وإن تييردوه‬
‫ي أصييبر لميير الليه حيتى يحكيم الليه بينيي وبينكييم«‪ ،‬قييالوا‪:‬‬
‫عل ّ‬
‫كسفا ً كما زعمت أن ربييك إن شيياء فعييل‬
‫فأسقط السماء علينا ِ‬

‫فإنا لن نؤمن لك إل أن تفعل‪ ،‬فقال رسول الله‪» :‬ذلك إلى الله‬
‫إن شاء أن يفعله بكم فعل«‪ ،‬قالوا‪ :‬يا محمد فما علييم ربييك أنييا‬
‫سنجلس معك ونسألك عما سألناك عنه ونطلب منك ما نطلييب‬
‫فيتقدم إليك فيعلمك ما تراجعنا بييه ويخييبرك مييا هييو صييانع فييي‬
‫ذلك بنا إذا لم نقبل منك ما جئتنا به‪ ،‬إنييه قييد بلغنييا إنمييا يعلمييك‬
‫هييذا رجييل باليماميية يقييال لييه الرحميين وإنييا ل نييؤمن بييالرحمن‬
‫أبدا ً فقد اعتذرنا إليك يا محمد‪ ،‬وإنا والله ل نتركك وما بلغت‬
‫منا حتى تهلكنا‪ ،‬وقال قييائلهم‪ :‬نحيين نعبييد الملئكيية وهييي بنييات‬
‫الله‪ ،‬وقال قائلهم‪ :‬لن نؤمن لك حتى تأتي بالله والملئكة قبي ً‬
‫ل‪،‬‬
‫فلما قالوا ذلك لرسول الله قام عنهم وقام معييه عبييد اللييه بيين‬
‫أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم وهييو ابيين‬
‫عمته عاتكة بنت عبييد المطلييب فقييال‪ :‬يييا محمييد عييرض عليييك‬
‫قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم‪ ،‬ثييم سييألوك لنفسييهم أمييورا ً‬
‫ليعرفوا بها منزلتك من الله كما تقول ويصدقوك ويتبعييوك فلييم‬
‫تفعل‪ ،‬ثم سألوك أن تأخذ لنفسك‪ ،‬ما يعرفون به فضلك عليهييم‬
‫جل لهم بعييض مييا‬
‫ومنزلتك من الله فلم تفعل‪ ،‬ثم سألوك أن تع ّ‬
‫تخوفهم به من العذاب فلم تفعل ثم قال له‪ :‬فوالله ل أؤمن بك‬
‫أبدا ً حتى تتخذ إلى السماء سلما ً ثم ترقى فيه وأنييا أنظيير حييتى‬
‫تأتيها ثم تأتي معك بصك مع أربعيية ميين الملئكيية يشييهدون لييك‬
‫دقك‬
‫أنك كما تقول‪ ،‬وأيم الله لو فعلت ذلك ما ظننييت أنييي أص ي ّ‬
‫ثم انصرف رسول الله إلى أهله حزينا ً آسفا ً لما فيياته ممييا كييان‬
‫يطمع به من قومه حين دعييوه ولمييا رأى ميين مباعييدتهم إييياه‪j.‬‬
‫إن هذه المطالب التي طلبتها قريش ميين النييبي صييلى اللييه‬
‫عليه وسلم مطالب مدهشة تييدل علييى شييدة تعنتهييم وعنييادهم‬
‫وعلييى أنهييم ل يريييدون أن يؤمنييوا إل إذا شيياهدوا المسييتحيلت‬
‫ورأوا خوارق العادات ولذلك سألوا رسول الله أشييياء عجيبيية ل‬
‫تخطر على البال بقصد تعجيزه والتشييهير بييه فسييألوه أن يغي ّيير‬
‫طبيعة بلدهم فيسّير الجبال ويفجر النهار ويحيي المييوتى أو أن‬
‫يجعل الله له الجنان والقصييور ويعطيييه الكنييوز‪ ،‬فهييذه مطييالب‬
‫عّباد المادة عباد الصنام‪ ،‬ثم ما أسخف ما سييأله عبييد اللييه بيين‬

‫أبي أمية بن المغيرة الييذي طلييب أن يتخييذ النيبي عليييه الصيلة‬
‫والسلم سلما ً إلى السماء ويأتي بصك وأربعة ملئكيية يشييهدون‬
‫معه على صحة ما يقول‪ ،‬ولماذا كل هذا؟ ليييؤمن عبييد اللييه بيين‬
‫أبي أمية هذا وقد قاسى النبييياء صييلوات اللييه عليهييم الصييعاب‬
‫في سبيل هداية الكفار الذين كانوا يرمونهم بالضلل والسييفاهة‬
‫َ‬
‫ه‬
‫م ِ‬
‫حييا إ ِل َييى قَيوْ ِ‬
‫سيل َْنا ُنو ً‬
‫والجنون والسحر‪ ،‬قييال تعييالى‪} :‬ل ََقيد ْ أْر َ‬
‫ما ل َ ُ‬
‫فََقا َ‬
‫م‬
‫ن إ ِل َهٍ غَي ُْرهُ إ ِن ّييى أ َ َ‬
‫خييا ُ‬
‫ل ي ََقوْم ِ اعْب ُ ُ‬
‫ف عَل َي ْك ُي ْ‬
‫كم ّ‬
‫ه َ‬
‫دوا ْ الل ّ َ‬
‫م ْ‬
‫عَ َ‬
‫م{ )العراف‪ ،(59 :‬فبماذا أجييابوه علييى ذلييك؟‬
‫ب ي َوْم ٍ عَ ِ‬
‫ذا َ‬
‫ظي ٍ‬
‫مهِ إ ِن ّييا ل َن َيَرا َ‬
‫}َقا َ‬
‫ن{ )العييراف‪:‬‬
‫من قَيوْ ِ‬
‫مل َ ِ‬
‫ك فِييي َ‬
‫ل ّ‬
‫ل ال ْ َ‬
‫ض يل َ ٍ‬
‫مِبيي ٍ‬
‫‪.(60‬‬
‫ولما دعا هييود عليييه السييلم قييومه علييى عبييادة اللييه رمييوه‬
‫دا َقا َ‬
‫عادٍ أ َ َ‬
‫بالسفاهة والكذب‪ ،‬قال تعالى‪ :‬وَإ َِلى َ‬
‫م ُ‬
‫هو ً‬
‫خاهُ ْ‬
‫ل َياقَوْم ِ‬
‫َ‬
‫ن قَييا َ‬
‫ن‬
‫مل ال ّي ِ‬
‫ن إ ِل َيهٍ غَي ْيُرهُ أفَل َ ت َت ُّقييو َ‬
‫اعْب ُ ُ‬
‫ل ال ْ َ‬
‫م ّ‬
‫ما ل َك ُ ْ‬
‫ه َ‬
‫دوا ْ الل ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫مي ْ‬
‫سَفاهَةٍ وِإ ِّنا ل َن َظ ُن ّ َ‬
‫مهِ إ ِّنا ل َن ََرا َ‬
‫ن{‬
‫ك ِ‬
‫من قَوْ ِ‬
‫ك ََفُروا ْ ِ‬
‫ك ِفي َ‬
‫ن ال ْك َيذِِبي َ‬
‫م َ‬
‫)العيييييييييييييييييييييييييييييراف‪،65 :‬ييييييييييييييييييييييييييييي ‪.(66‬‬
‫ولمييا أظهيير موسييى عليييه السييلم المعجييزة وألقييى العصييا‬
‫َ‬
‫صاهُ َفييإ ِ َ‬
‫ذا‬
‫فانقلبت ثعبانا ً ا ّ‬
‫دعوا أنه ساحر‪ ،‬قال تعالى‪} :‬فَأل َْقى عَ َ‬
‫ن َقا َ‬
‫ن وَن ََزعَ ي َد َهُ فَإ ِ َ‬
‫من‬
‫مل َ ِ‬
‫ى ب َي ْ َ‬
‫ى ث ُعَْبا ٌ‬
‫ل ال ْ َ‬
‫ن ّ‬
‫ري َ‬
‫مِبي ٌ‬
‫ضآء ِللن ّظ ِ ِ‬
‫ذا هِ َ‬
‫هِ َ‬
‫ن هَ ي َ‬
‫م{ )العييراف‪(109 - 107 :‬‬
‫سي ِ‬
‫ن إِ ّ‬
‫قَوْم ِ فِْرعَوْ َ‬
‫ذا ل َ َ‬
‫حٌر عَِليي ٌ‬
‫فالمتعنتون ل يؤمنييون مهمييا رأوا ميين اليييات البينييات وخييوارق‬
‫ْ‬
‫ن‬
‫ما ت َأت َِنا ب ِهِ ِ‬
‫مييا ن َ ْ‬
‫سي َ‬
‫من ءاي َةٍ ل ّت َ ْ‬
‫حَرَنا ب ِهَييا فَ َ‬
‫مه ْ َ‬
‫العادات‪} :‬وََقاُلوا ْ َ‬
‫حي ُ‬
‫لَ َ‬
‫ن{ )العراف‪ ،(132 :‬فهل بعد ذلك مكييابرة وإصييرار‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫ك بِ ُ‬
‫مِني َ‬
‫عليييييييييييييييييييييييييييييييييييى الكفييييييييييييييييييييييييييييييييييير؟‪.‬‬
‫حماقيييييييييييييييييييية أبييييييييييييييييييييي جهييييييييييييييييييييل‬
‫لما عاد رسول الله آسفا ً ميين عنيياد قييومه وتش يّبثهم بييالكفر‬
‫قال أبو جهل‪ :‬يا معشر قريش إن محمدا ً قييد أبييى إل مييا تييرون‬
‫من عييب ديننيا وشيتم آبائنيا وتسيفيه آلهتنيا‪ ،‬وإنيي أعاهيد الليه‬
‫لجلسن له غدا ً بحجير ميا أطييق حمليه فيإذا سيجد فيي صيلته‬
‫فضخت به رأسه‪ .‬ومن هذا تظهر عداوة أبي جهل للنييبي صييلى‬
‫الله عليه وسلم وهييذه العييداوة أخرجتييه عيين حييد العقييل فأخييذ‬
‫يسلك سلوك الجهال ولكن الله سبحانه وتعالى أنقذ النييبي ميين‬

‫جيييييييييييييياه ميييييييييييييين غييييييييييييييدره‪.‬‬
‫شييييييييييييييره ون ّ‬
‫كان أبو جهل فرعون هذه المة اسمه عمرو بن هشام‪ ،‬قتل‬
‫يوم بدر كافرا ً وكانت بدر في السنة الثانييية ميين الهجييرة‪ ،‬قتلييه‬
‫عمييرو بيين الجمييوح وابيين عفييراء النصيياريان‪ ،‬وكانييا حييدثين‬
‫وحديثهما في الصحيح مشهور‪ ،‬وفي كتب السنن أن رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم حين رآه مقتول ً قال‪ُ» :‬قتل فرعييون هييذه‬
‫المة« وقد كان سّيىء الخلق فظ ّا ً غليظ القلب‪ ،‬فمن ذلييك أنييه‬
‫ظلم تاجرا ً قدم من زبيد بثلثة أجمال حسييان فسييامها منييه أبييو‬
‫جهل بثلث أثمانها ثم لم يسمها لجله سائم فأكسد عليه سييلعته‬
‫ولم ينصفه غييير رسيول الليه لنيه سياومه حييتى ألحقييه برضياه‬
‫وأخذها رسييول اللييه فبيياع جملييين بييالثمن وأفضييل بعيييرا ً بيياعه‬
‫وأعطى أرامل بني عبد المطلب ثمنييه‪ ،‬وكييان وصيييا ً علييى يييتيم‬
‫فأكل ماله وطرده فاستعان اليتيم بالنبي صلى الله عليه وسييلم‬
‫فمشيييييييييى معيييييييييه ورد إلييييييييييه مييييييييياله منيييييييييه‪.‬‬
‫وابتاع مين شيخص يقيال ليه الراشيي أجميال ً بأثمانهيا فلميا‬
‫استعان الرجل برسول الله وذكر له أنه غريب وابن سييبيل وأن‬
‫أبا جهل غلبه على حقه قام معه إلييى أبييي جهييل وضييرب عليييه‬
‫بابه فقال‪ :‬من هذا؟ قال‪» :‬محمد«‪ ،‬فخرج إليه وقد امتقع لونه‪،‬‬
‫فقال‪» :‬أعط هذا الرجييل حقييه«‪ ،‬فييامتل رعب يا ً وأعطييى الرجييل‬
‫حقه‪ ،‬هذا هو أبو جهل وهذا شيء ميين غلظتييه وجييوره وهضييمه‬
‫للحقيييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييوق‪.‬‬
‫وفي كتاب »قاموس السييلم« الطبعيية الثانييية سيينة ‪1896‬‬
‫ص ‪» :8‬إن أبيييييييا جهيييييييل كيييييييان فخيييييييورا ً فييييييياجرًا«‪.‬‬
‫‪.Dictionar of Islam. 2nd edition. )1896(, Page 8‬‬
‫قريييش تمتحيين رسييول اللييه صييلى اللييه عليييه وسييلم‬
‫ف قريش بهييذا كلييه بييل أرادوا إحراجييه عليييه الصييلة‬
‫لم تكت ِ‬
‫والسلم بالسئلة فبعثوا النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط‬
‫إلى أحبار اليهود بالمدينة وقالوا لهما سلهم عيين محمييد وصييفا‬
‫لهم صفته وأخبراهم بقييوله فييإنهم أهييل الكتيياب الول وعنييدهم‬
‫علم ليس عندنا ميين علييم النبييياء‪ ،‬فخرجييا حييتى قييدما المدينيية‬

‫فسأل أحبار يهود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ووصييفا‬
‫لهم أمره وأخبراهم ببعض قوله وقال لهم إنكم أهل التوراة وقد‬
‫جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا‪ ،‬فقالت لهم أحبار يهود‪ :‬سييلوه‬
‫عن ثلثة نأمركم بهن فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل‪ ،‬وإن لم‬
‫ول فروا فيه رأيكم‪ ،‬سلوه عن فتية ذهبوا في‬
‫يفعل فالرجل متق ّ‬
‫الدهر الول ما كان أمرهم فييإنه قييد كييان لهييم حييديث عجيييب‪،‬‬
‫واف قد بلغ مشارق الرض ومغاربها ما كان‬
‫وسلوه عن رجل ط ّ‬
‫نبؤه‪ ،‬وسلوه عن الروح ومييا هييي‪ ،‬فييإذا أخييبركم بييذلك فيياتبعوه‬
‫ول‪ .‬فأقبييل النضيير بيين‬
‫فإنه نبي وإن لييم يفعييل فهييو رجييل متق ي ّ‬
‫الحارث وعقبة بن أبي معيط حتى قدما مكة على قريش فقال‪:‬‬
‫يا معشر قريش قد جئنا بفصل ما بينكم وبين محمد‪ ،‬قييد أمرنييا‬
‫أحبار يهود أن نسأله عن أشياء فإن أخبركم عنها فهييو نييبي وإن‬
‫ول فيييييروا فييييييه رأيكيييييم‪.‬‬
‫ليييييم يفعيييييل فالرجيييييل متقييييي ّ‬
‫فجاءوا رسول الله فقالوا‪ :‬يا محمد أخبرنييا عيين فتييية ذهبييوا‬
‫في الدهر الول قد كييانت لهييم قصيية عجييب‪ ،‬وعيين رجييل كييان‬
‫طوافا ً قد بلغ مشارق الرض ومغاربها‪ ،‬وأخبرنا عن الييروح ومييا‬
‫هيييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييي؟‪.‬‬
‫فقال لهم رسول الله‪» :‬أخبركم بما س يَألتم عنييه غييدًا« ولييم‬
‫يستثن‪ ،‬فانصرفوا عنه فمكث رسول الله خمس عشييرة ليليية ل‬
‫يحدث الله إليييه وحييا ً ول ييْأتيه جبريييل حييتى أرجييف أهييل مكيية‬
‫وقالوا‪ :‬وعدنا محمد غدا ً واليوم خمس عشرة ليليية قييد أصييبحنا‬
‫منها ل يخبرنا بشيء مما سَألناه عنه‪ ،‬فشق على الرسول تْأخير‬
‫الوحي وما يتكلم به أهل مكة‪ ،‬ثم جاءه جبريل بسييورة أصييحاب‬
‫الكهف فيها معاتبته إياه على حزنه عليهم وخبر ما سَألوه عنييه‪.‬‬
‫قال المفسرون‪ :‬إن القوم لما سَألوا النبي صييلى اللييه عليييه‬
‫وسلم عن المسييائل الثلث قييال عليييه السييلم‪» :‬أجيبكييم عنهييا‬
‫غدًا« ولم يقل إن شاء الله‪ ،‬فاحتبس الوحي خمسة عشر يومييا ً‬
‫ك غَييدا ً إ ِل ّ‬
‫ل ذِليي َ‬
‫ع ٌ‬
‫ن لِ َ‬
‫ش‬
‫ىء إ ِّنى َفا ِ‬
‫ثم نزل قوله تعالى‪} :‬وَل َ ت َْقول َ ّ‬
‫ْ‬
‫ل عَسييى َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ن َرب ّييى‬
‫ي‬
‫د‬
‫ي‬
‫ه‬
‫ي‬
‫أن‬
‫ق‬
‫و‬
‫ت‬
‫سي‬
‫ن‬
‫ذا‬
‫إ‬
‫ك‬
‫ب‬
‫ر‬
‫كر‬
‫ذ‬
‫وا‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ال‬
‫شآء‬
‫ي‬
‫أن‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ذا َر َ‬
‫ن هَ َ‬
‫دا{ )الكهف‪،23 :‬ي ‪ ،(24‬والسبب فييي أنييه ل‬
‫ب ِ‬
‫ش ً‬
‫ل ِقَْر َ‬
‫م ْ‬
‫بد من ذكر هذا القول ‪ -‬إن شاء الله ‪ -‬هييو أن النسييان إذا قييال‬
‫سَأفعل الفعل الفلني غدا ً لم يبعد أن يمييوت قبييل مجيييء الغييد‬

‫ولم يبعد أيضا ً لو بقي حيا ً أن يعوقه عن ذلك الفعييل شيييء ميين‬
‫العوائق فِإذا كييان لييم يقييل إن شيياء اللييه صييار كاذبيا ً فييي ذلييك‬
‫الوعييد‪ ،‬والكييذب منّفيير وذلييك ل يليييق بالنبييياء عليهييم السييلم‪.‬‬
‫جاء جبريل من الله عييز وجييل بخييبر مييا سييألوه عنييه‪ ،‬فقييال‬
‫تعالى في شأن الفتية‪} :‬أ َم حسبت أ َ َ‬
‫ب ال ْك َهْ ِ‬
‫ح َ‬
‫ص َ‬
‫ْ َ ِ ْ َ ّ‬
‫نأ ْ‬
‫ف َوالّرِقيييم ِ‬
‫َ‬
‫جًبا{ )الكهف‪ ،(9 :‬وقال فيما سألوه عنييه ميين‬
‫م‬
‫كاُنوا ْ ِ‬
‫ن ءاي َت َِنا عَ َ‬
‫ْ‬
‫سيأ َت ُْلوا ْ‬
‫ْ‬
‫سأ َُلون َ َ‬
‫ن ق ُي ْ‬
‫ل َ‬
‫واف‪} :‬وَي َ ْ‬
‫أمر الرجل الط ّ‬
‫ك عَيين ِذى الَقْرن َي ْي ِ‬
‫ه ذِ ْ‬
‫عَل َي ْ ُ‬
‫ميين ك ُي ّ‬
‫ل َ‬
‫ىء‬
‫ه ِ‬
‫ض َوآت َي ْن َي ُ‬
‫مك ّّنا ل َي ُ‬
‫كرا ً إ ِّنا َ‬
‫من ْ ُ‬
‫كم ّ‬
‫شي ْ‬
‫ه فِييى الْر ِ‬
‫َ‬
‫سييَببًا{ )الكهييف‪ (85 - 83 :‬إلييى آخيير القصيية‪.‬‬
‫سييَببا ً َفييأت ْب َعَ َ‬
‫َ‬
‫سئ َُلون َ َ‬
‫ن‬
‫وقال تعالى فيما سألوه عنه من أمر الروح‪} :‬وَي َ ْ‬
‫ك عَ ِ‬
‫ُ‬
‫الروح قُل الروح م َ‬
‫مين ال ْعِْليم ِ إ ِل ّ قَِلي ً‬
‫ل{‬
‫مييآ أوِتيت ُييم ّ‬
‫مرِ َرّبيى وَ َ‬
‫نأ ْ‬
‫ِ ّ ُ ِ ْ‬
‫ّ ِ‬
‫)السييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييراء‪.(85 :‬‬
‫وقد أيد هذه الرواية الييدكتور ولفنسييون السييرائيلي مييدّرس‬
‫اللغييات السييامية بالجامعيية المصييرية ودار العلييوم فقييال فييي‬
‫رسييالته )تاريييخ اليهييود فييي بلد العييرب( صييفحة ‪ 98‬مييا يييأتي‪:‬‬
‫»وينفي بعض المستشرقين صحة هذه القصة الخطيرة دون‬
‫أن يأتوا بدليل نطمئن إليه‪ ،‬والحق أن من العسييير إنكييار رواييية‬
‫تاريخية كانت سببا ً فييي نييزول سييورة الكهييف واليييات الخاصيية‬
‫بالروح وذي القرنين وعندنا دليل يحملنا على العتقاد بييأن هييذه‬
‫الرواية من المحتمييل أن تكييون واقعييية‪ ،‬وهييي أن فييي التلمييود‬
‫قصة مشهورة تشبه قصة أهل الكهييف وميين هييذه القصيية أخييذ‬
‫أحبييار اليهييود السييئلة الييتي وجهوهييا للرسييول بواسييطة وفييد‬
‫قريش‪ ،‬ويؤيد هذه القصة ما ذهبنا إليه ميين أنييه لييم يكيين بمكيية‬
‫أحد من اليهود؛ إذ لو وجد منهم في مكة ما أوفد قريش وفدهم‬
‫إلى المدينة ليسألوا أحبار اليهود عن شأن النبي وإذا وجد منهم‬
‫أحيييييييييد فل بيييييييييد أن يكيييييييييون غيييييييييير عيييييييييالم«‪.‬‬
‫وأنزل الله عليه صييلى اللييه عليييه وسييلم فيمييا سييأله قييومه‬
‫لنفسهم من تسيير الجبال وتقطيع الرض وبعث من مضى من‬
‫آبائهم من الموتى‪} :‬ول َو أ َن قُرآنا سيرت بيه ال ْجبييا ُ َ‬
‫ت‬
‫َ ْ ّ ْ ً ُ َّ ْ ِ ِ ِ َ‬
‫ل أوْ قُط ّعَي ْ‬
‫َ‬
‫ميًعا{ )الرعييد‪،(31 :‬‬
‫ج ِ‬
‫مُر َ‬
‫موَْتى َبل لل ّهِ ال ْ ْ‬
‫م ب ِهِ ال ْ َ‬
‫ض أوْ ك ُل ّ َ‬
‫ب ِهِ ال ْْر ُ‬
‫أي ل أصييييييييينع مييييييييين ذليييييييييك إل ميييييييييا شيييييييييئت‪.‬‬

‫وأنزل عليه في قولهم خذ لنفسك ما سألوه أن يأخذ لنفسييه‬
‫أن يجعل له جنانا ً وقصورا ً وكنوزا ً ويبعث ملكا ً يصدقه بما يقييول‬
‫ل ي َأ ْك ُ ُ‬
‫ما ل ِهَ َ‬
‫شييى فِييى‬
‫م ِ‬
‫ل الط َّعييا َ‬
‫ذا الّر ُ‬
‫م وَي َ ْ‬
‫ويرد عنه‪} :‬وََقاُلوا ْ َ‬
‫سو ِ‬
‫ق لَ‬
‫ك فَي َ ُ‬
‫مل َ ٌ‬
‫ول ُأنزِ َ‬
‫ذيرا ً أ َوْ ي ُل َْقى إ ِل َي ْهِ ك َْنييٌز‬
‫ه نَ ِ‬
‫كو َ‬
‫ال ْ ْ‬
‫مع َ ُ‬
‫ن َ‬
‫ل إ ِل َي ْهِ َ‬
‫ْ‬
‫س َ‬
‫وا ِ‬
‫ْ‬
‫أ َوْ ت َ ُ‬
‫جل ً‬
‫من ْهَييا وَقَييا َ‬
‫ة ي َأك ُ ُ‬
‫جن ّ ٌ‬
‫ل ِ‬
‫ن إ ِل ّ َر ُ‬
‫ن ِإن ت َت ّب ِعُييو َ‬
‫مييو َ‬
‫ه َ‬
‫كو ُ‬
‫ل الظ ّل ِ ُ‬
‫ن لَ ُ‬
‫ضيَرُبوا ْ ل َي َ‬
‫مث َي َ‬
‫ن‬
‫حورا ً انظ ُْر ك َي ْ َ‬
‫سيت َ ِ‬
‫طيُعو َ‬
‫ل فَ َ‬
‫ف َ‬
‫س ُ‬
‫ضيّلوا ْ فَل َ ي َ ْ‬
‫م ْ‬
‫ك ال ْ ْ‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫جع َ َ‬
‫ذى ِإن َ‬
‫رى‬
‫ل لك َ‬
‫جن ّي ٍ‬
‫سِبيل ت ََباَرك ال ِ‬
‫ت تَ ْ‬
‫من ذل ِيك َ‬
‫شآء َ‬
‫َ‬
‫خْيرا ّ‬
‫جي ِ‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫جعَييل لي َ‬
‫صييورا{ )الفرقييان‪ (10 - 7 :‬أن‬
‫ِ‬
‫حت َِها ال ْن ْهَُر وَي َ ْ‬
‫من ت َ ْ‬
‫ك قُ ُ‬
‫حت ِهَييا‬
‫رى ِ‬
‫جن ّ ٍ‬
‫ميين ت َ ْ‬
‫ت تَ ْ‬
‫تمشي في السواق وتلتمس المعاش‪َ } :‬‬
‫ج ِ‬
‫جَعييييييل ّليييييي َ‬
‫صييييييورًا{ )الفرقييييييان‪.(10 :‬‬
‫ال ْن َْهييييييُر وَي َ ْ‬
‫ك قُ ُ‬
‫وأنزل الله عليه فيما قال عبد الله بن أبي أمية‪} :‬وََقاُلوا ْ ل َيين‬
‫عا أ َوْ ت َ ُ‬
‫ن لَ َ‬
‫ن لَ َ‬
‫ميين‬
‫ن الْر‬
‫ض ي َن ُْبو ً‬
‫جن ّي ٌ‬
‫جَر ل ََنا ِ‬
‫ن ّؤْ ِ‬
‫ك َ‬
‫كو َ‬
‫حّتى ت َْف ُ‬
‫ك َ‬
‫ة ّ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫سيِق َ‬
‫ميا‬
‫جَر ال ْن ْهََر ِ‬
‫ل وَ ِ‬
‫نّ ِ‬
‫ب فَت َُف ّ‬
‫ط ال ّ‬
‫جييًرا أوْ ت ُ ْ‬
‫مآء ك َ َ‬
‫سي َ‬
‫خل َل ََها ت َْف ِ‬
‫عن َ ٍ‬
‫خي ٍ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫مل َئ ِك َةِ قَِبيل ً أوْ ي َ ُ‬
‫ن لَ َ‬
‫ت‬
‫كو َ‬
‫ت عَل َي َْنا ك ِ َ‬
‫ك ب َي ْ ٌ‬
‫ى ِبالل ّهِ َوال ْ َ‬
‫م َ‬
‫َزعَ ْ‬
‫سًفا أوْ ت َأت ِ َ‬
‫َ‬
‫ن ل ُِرقِي ّي َ‬
‫حت ّييى ت ُن َيّز َ‬
‫ل‬
‫من ُز ْ‬
‫مآء وََلن ن ّيؤْ ِ‬
‫ك َ‬
‫خُر ٍ‬
‫ف أوْ ت َْرَقى ِفى ال ّ‬
‫س َ‬
‫ّ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ل ُ‬
‫ن َرّبى هَ ْ‬
‫عَلي َْنا ك َِتاًبا ن ّْقَرءهُ قُ ْ‬
‫ت إل ّ ب َ َ‬
‫سول ً للييه{‬
‫سب ْ َ‬
‫شًرا ّر ُ‬
‫ل ُ‬
‫كن ُ‬
‫ح َ‬
‫‪.(93‬‬
‫‬‫)السييييييييييييييييييييراء‪90 :‬‬
‫وأنزل عليه في قولهم إنييا قييد بلغنييا أنييك إنمييا يعلمييك رجييل‬
‫باليمامة يقال له الرحمن ولن نؤمن به أبييدًا‪} :‬ك َيذ َل ِ َ َ‬
‫س يل َْنا َ‬
‫ك‬
‫ك أْر َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫حي ْن َييآ إ ِل َي ْي َ‬
‫ك‬
‫مةٍ قَد ْ َ‬
‫م ال ّي ِ‬
‫ت ِ‬
‫ذى أوْ َ‬
‫م ل ّت َت ْل ُوَ عَل َي ْهِ ي ُ‬
‫م ٌ‬
‫من قَب ْل َِهآ أ َ‬
‫خل َ ْ‬
‫ِفى أ ّ‬
‫ن قُ ْ‬
‫ت‬
‫ن ِبالّر ْ‬
‫م ي َك ُْفُرو َ‬
‫ه إ ِل ّ هُ يوَ عَل َي ْيهِ ت َيوَك ّل ْ ُ‬
‫ل هُوَ َرب ّييى ل إ ِل َي َ‬
‫ح َ‬
‫وَهُ ْ‬
‫م ِ‬
‫ب{ )الرعيييييييييييييييييد‪.(30 :‬‬
‫وَإ ِل َْييييييييييييييييييهِ َ‬
‫مَتيييييييييييييييييا ِ‬
‫َ َ‬
‫ذى‬
‫ت اّلي ِ‬
‫م بيه‪} :‬أَرأي ْي َ‬
‫وأنزل عليه فيما قال أبييو جهييل ومييا هي ّ‬
‫َ َ‬
‫َ‬
‫ت ِإن َ‬
‫ي َن َْهى عَْبدا ً إ ِ َ‬
‫وى‬
‫ذا‬
‫ن عََلى ال ْهُ َ‬
‫كا َ‬
‫دى أوْ أ َ‬
‫صّلى أَرءي ْ َ‬
‫َ‬
‫مييَر ِبييالت ّْق َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ه‬
‫م َينت َي ِ‬
‫م ي َعَْلم ب ِأ ّ‬
‫ت ِإن ك َذ ّ َ‬
‫ه ي َيَرى ك َل ّ ل َِئن ل ّي ْ‬
‫ن الل ّي َ‬
‫ب وَت َوَّلى أل َ ْ‬
‫أَرءي ْ َ‬
‫ة‬
‫صي َةٍ ك َذِب َةٍ َ‬
‫سيين َد ْعُ الّزَبان َِييي َ‬
‫صي َةِ َنا ِ‬
‫سَفعا ً ِبالّنا ِ‬
‫ه َ‬
‫ل َن َ ْ‬
‫خاط ِئ َةٍ فَل ْي َد ْعُ َنادِي َ ُ‬
‫رب{ )العلييييق‪.(19 - 9 :‬‬
‫سيييي ُ‬
‫ه َوا ْ‬
‫ك َل ّ ل َ ت ُط ِْعيييي ُ‬
‫جد ْ َواقَْتيييي ِ‬
‫وأنزل الله عليه فيما عرضييوا عليييه ميين أمييوالهم‪} :‬قُي ْ‬
‫مييا‬
‫ل َ‬
‫َ‬
‫كم من أ َجر فَهو ل َك ُم إ َ‬
‫جرِىَ إ ِل ّ عََلى الل ّهِ وَهُوَ عََلييى ُ‬
‫كيي ّ‬
‫ل‬
‫نأ ْ‬
‫ْ ِ ْ‬
‫َ‬
‫سأل ْت ُ ُ ّ‬
‫ْ ٍ ُ َ‬
‫ىء َ‬
‫َ‬
‫د{ )سييييييييييييييييييبأ‪.(47 :‬‬
‫شييييييييييييييييييِهي ٍ‬
‫شيييييييييييييييييي ْ‬

‫إسييييييييييلم جييييييييييابر بيييييييييين عبييييييييييد اللييييييييييه‬
‫بحث الستاذ مرجليوث وأجهييد نفسييه فييي البحييث علييى مييا‬
‫يظهر في كتابه ‪ -‬محمد ‪ -‬صفحة ‪ 106‬عن الساتذة الذين كانوا‬
‫يعلمييون رسييول اللييه الكتييب المقدسيية فقييال مييا ترجمتييه‪:‬‬
‫»كان جابر بن عبد الله مولى بني عبييد الييدار يهودي يا ً صييائغا ً‬
‫في مكة فكان يجلس هو وياسر ‪ -‬يهودي آخيير ‪ -‬يقييرآن الكتيياب‬
‫ي يميير عليهمييا‬
‫المقييدس أثنيياء اشييتغالهما بالتجييارة‪ ،‬وكييان النييب ّ‬
‫ون أفكيياره‬
‫ويسييتمع منهمييا« ومعنييى ذلييك حسييب رأيييه أنييه ك ي ّ‬
‫الخاصة بالتوراة من سماع جابر بن عبد الله وهو يتلو عليه لكنه‬
‫قال بعدئذ‪» :‬إن جابرا ً اعتنق السييلم عنييد سييماعه النييبي يقييرأ‬
‫سورة يوسف« فإذا كان جابر اليهودي قييد أسييلم عنييد سييماعه‬
‫قصة يوسف وهي في التوراة التي كان يتلوها على النبي صييلى‬
‫الله عليه وسلم كما ادعى فل بد أن القصة مذكورة في القرآن‬
‫بغاية الدقة والحكام والتفصيل المدهش حتى إنهييا حي ّييرت لييب‬
‫جييابر الييذي ذكييره مرجوليييوث كمعلييم لرسييول اللييه‪ ،‬علييى أن‬
‫الستاذ مرجوليوث اعترف بإسلم جيابر لنيه ميذكور فيي كتيب‬
‫السير‪ ،‬وإنا نعد إسلمه دليل ً على إعجاز القييرآن الكريييم وعلييى‬
‫أنه منزل على رسول الله‪ ،‬أما ياسيير فقييد أسييلم أيض يا ً وعييذب‬
‫لسيييييييييلمه عيييييييييذابا ً شيييييييييديدا ً حيييييييييتى ميييييييييات‪.‬‬
‫وقيييال السيييتاذ مرجولييييوث‪» :‬وُيظييين أن الجيييزء الخييياص‬
‫بالمسيحية في القرآن قد تعلمه النبي من صييهيب الييذي أسييلم‬
‫قديما ً وقد كان روميا ً من الموصل« وإنا نقول‪ :‬إن إسلم هييؤلء‬
‫دليل على رسالة رسول الله وصدقه وقد أسلم صهيب ورسول‬
‫الله في دار الرقم وكان من المستضعفين بمكة المعذبين فييي‬
‫الله عييز وجييل وهيياجر إلييى المدينيية وشييهد المشيياهد كلهييا مييع‬
‫رسيول الليه‪ ،‬هيذا وقيد ذكرنيا أن السيتاذ نوليدكه اعيترف بيأن‬
‫رسيييييول اللييييه ميييييا كييييان يعييييرف السييييفار القديمييييية‪.‬‬
‫وما قاله مرجوليوث قاله كفار قرييش‪ ،‬قيال تعيالى‪} :‬وََقيا َ‬
‫ل‬
‫ذا إ ِل ّ إ ِفْ ٌ‬
‫ن هَ َ‬
‫ن{‬
‫م ءا َ‬
‫ك افْت ََراهُ وَأ َ َ‬
‫ال ّ ِ‬
‫خ يُرو َ‬
‫ن ك ََفُروا ْ إ ِ ْ‬
‫ه عَل َي ْهِ قَ يوْ ٌ‬
‫عان َ ُ‬
‫ذي َ‬
‫)الفرقان‪ ،(4 :‬قال الكلبي ومقاتل‪ :‬نزلت في النضر بن الحارث‬

‫فهو الذي قال هذا القول وأعانه عليه قوم آخرون‪ ،‬يعني عداسا ً‬
‫مولى حويطب بن عبد العزى ويسارا ً غلم عامر بن الحضييرمي‬
‫وجبرا ً مولى عامر وهؤلء الثلثة كانوا ميين أهييل الكتيياب وكييانوا‬
‫يقرأون التوراة ويحدثون أحاديث منها فلما أسييلموا كييان النييبي‬
‫صلى الله عليه وسلم يتعهدهم ومن أجييل ذلييك قييال النضيير مييا‬
‫قييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييال‪.‬‬
‫الهجرة الولى إلى الحبشةشهر رجب السيينة الخامسيية ميين‬
‫المبعييييييييييييييييييييييييييييث ) سيييييييييييييييييييييييييييينة ‪615‬م(‬
‫لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يصيب أصييحابه‬
‫من البلء والعذاب وما هو فيه من العافية لمكانه ميين اللييه عييز‬
‫وجل ودفاع أبي طالب عنه وأنه ل يقدر أن يمنعهييم‪ ،‬قييال لهييم‪:‬‬
‫»لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن فيهييا ملك يا ً ل يظلييم أحييد‬
‫عنده حتى يجعل الله لكم فرجا ً ومخرجا ً مما أنتم فيييه« ومكييث‬
‫هيييييو فليييييم ييييييبرح ييييييدعو إليييييى الليييييه سيييييرا ً وجهيييييرًا‪.‬‬
‫وكان اسم النجاشي وقتئذ أصحمة بن أبجر‪ ،‬ومعنى أصييحمة‬
‫بالعربية عطية‪ ،‬والنجاشي اسم لكييل ملييك يلييي الحبشيية وكييان‬
‫الحباش مسيحيين نسطوريين فخرج المهاجرون متسللين سرا ً‬
‫وة ) سيينة ‪615‬‬
‫وذلك في شهر رجب سنة خمس ميين بعييد النب ي ّ‬
‫م(‪.‬‬
‫وكان الذي خرجوا اثني عشر رجل ً وأربع نسييوة حييتى انتهييوا‬
‫إلى الشعيبة‪ ،‬فمنهم الراكب والماشي‪ ،‬ووفييق اللييه للمسييلمين‬
‫ساعة جاءوا سفينتين للتجار حملييوهم فيهييا إلييى أرض الحبشيية‬
‫وخرجت قريش في أثرهم حتى جاءوا البحيير حيييث ركبييوا فلييم‬
‫يييييييدركوا منهييييييم أحييييييدًا‪ ،‬فكييييييان خروجهييييييم سييييييرًا‪.‬‬
‫من ّييا علييى‬
‫قالوا‪ :‬قدمنا أرض الحبشة فجاورنا بها خييير جييار‪ ،‬أ ِ‬
‫ديننا وعبدنا الله ل نؤذي ول نسمع شيئا ً نكرهه‪ ،‬وكانت الحبشيية‬
‫متجرا ً لقريش يتجييرون فيهييا ويجييدون فيهييا رزقيا ً وأمنيا ً حسيينًا‪.‬‬
‫كان عدد المهيياجرين قليل ً ولكيين كييان لهجرتهييم هييذه شييأن‬
‫عظيم في تاريخ السلم فإنها كانت برهان يا ً سيياطعا ً لهييل مكيية‬
‫على مبلغ إخلص المسلمين وتفانيهم فييي احتمييال مييا يصيييبهم‬
‫من المشقات والخسائر في سبيل تمسكهم بعقيييدتهم‪ ،‬وكييانت‬

‫هييذه الهجييرة الولييى مقدميية للهجييرة الثانييية إلييى الحبشيية ثييم‬
‫الهجييرة إلييى المدينيية‪ ،‬وهييذه أسييماء المهيياجرين والمهيياجرات‪:‬‬
‫عثمان بن عفان ومعييه امرأتييه رقييية بنييت رسييول الليه‪ ،‬أبييو‬
‫حذيفة بن عتبة ومعييه امرأتييه سييهلة بنييت سييهيل‪ ،‬مصييعب بيين‬
‫عمير‪ ،‬الزبير بن العوام‪ ،‬عبد الرحمن بن عوف‪ ،‬أبييو سييلمة بيين‬
‫عبد السد ومعه امرأته‪ ،‬أم سلمة‪ ،‬عثمان بن مظعون‪ ،‬عبد الله‬
‫بن مسعود‪ ،‬عامر بن ربيعة ومعه امرأته‪ ،‬ليلى بنت أبي هيثميية‪،‬‬
‫أبو سبرة‪ ،‬حاطب بن عمرو‪ ،‬سهيل بيين بيضيياء وهييو سييهيل بيين‬
‫وهييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييب‪.‬‬
‫شفاعة الغرانيقافتراء الزنادقة على رسول اللييه صييلى اللييه‬
‫علييييييييييييييييييييييييييييييييييييه وسيييييييييييييييييييييييييييييييييييلم‬
‫روى بعض المؤرخين ونقل عنهم المفسرون أن رسول اللييه‬
‫صلى الله عليه وسلم لما رأى من قومه كّفا عنه‪ ،‬جلييس خاليييا ً‬
‫ي شيييء ينفرهييم عنييي وقييارب‬
‫وتمنى فقييال‪ :‬ليتييه ل ينييزل علي ّ‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم قييومه ودنييا منهييم ودنييوا منييه‬
‫فجلس يوما ً مجلسا ً في ناد من تلك الندييية حييول الكعبيية فقييرأ‬
‫َ‬
‫ج يم ِ إ ِ َ‬
‫م‬
‫عليهم‪َ} :‬والن ّ ْ‬
‫وى{ )النجييم‪ ،(1 :‬حييتى بلييغ‪} :‬أفََرءي ْت ُي ُ‬
‫ذا هَ ي َ‬
‫خ يَرى{ )النجييم‪ ،19 :‬ي ‪ (20‬ألقييى‬
‫ة ال ْ ْ‬
‫مَنوةَ الّثال ِث َي َ‬
‫ت َوال ْعُّزى وَ َ‬
‫الل ّ َ‬
‫الشييييطان كلميييتين عليييى لسيييانه‪» :‬تليييك الغرانييييق العل وإن‬
‫شفاعتهن لترتجى« فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بها‬
‫ثم مضى فقرأ السورة كلها وسجد وسييجد القييوم جميع يا ً ورفييع‬
‫الوليد بن المغيرة ترابا ً إلى جبهته فسجد عليه وكان شيخا ً كبيرا ً‬
‫ل يقدر على السجود‪ ،‬ويقال‪ :‬إن أبييا أحيحيية سييعيد ابيين العيياص‬
‫أخذ ترابا ً ورفعه إلى جبهته فسجد عليه وكان شيخا ً كبيرا ً فبعض‬
‫الناس يقييول‪ :‬إنمييا الييذي رفييع الييتراب الوليييد وبعضييهم يقييول‪:‬‬
‫أحيحة‪ ،‬وبعضهم يقول كلهميا فعيل ذليك فرضييوا بمييا تكليم بيه‬
‫رسيول الليه وقيالوا‪ :‬قيد عرفنيا أن الليه يحييي ويمييت ويخليق‬
‫ويرزق‪ ،‬ولكن آلهتنا هييذه تشييفع لنييا عنييده وأمييا إذا جعلييت لهييا‬
‫نصيبا ً فنحن معك‪ ،‬فكبر ذلك على رسول الله صييلى اللييه عليييه‬
‫وسلم من قولهم حتى جلس في البيت‪ ،‬فلما أمسى أتاه جبريل‬
‫عليييييييييه السييييييييلم فعييييييييرض عليييييييييه السييييييييورة‪.‬‬

‫فقال جبريل‪ :‬ما جئتك بهياتين الكلميتين‪ ،‬فقيال رسيول الليه‬
‫ت على الله ما لم يقل« فأوحى اللييه‬
‫صلى الله عليه وسلم »قل ُ‬
‫َ‬
‫إليه‪} :‬وَِإن َ‬
‫حي ْن َييآ إ ِل َي ْي َ‬
‫دوا ْ ل َي َْفت ُِنون َ َ‬
‫ك ِلتْفت َيرِىَ عَل َي ْن َييا‬
‫ك عَ‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫ذى أوْ َ‬
‫كا ُ‬
‫ِ‬
‫ت ت َْر َ‬
‫خِليل ً وَل َوْل َ َأن ث َب ّت ْن َ َ‬
‫ذو َ‬
‫خ ُ‬
‫م‬
‫ك َ‬
‫غَي َْرهُ وَِإذا ً ل ّت ّ َ‬
‫ك ل ََقيد ْ ِ‬
‫ن إ ِل َي ِْهي ْ‬
‫كيد ّ‬
‫كي ُ‬
‫ذا ل َذ َقْن َ َ‬
‫شي ًْئا قَِليل ً إ ِ ً‬
‫َ‬
‫ضع ْ َ‬
‫ضع ْ َ‬
‫مييا ِ‬
‫حَيوةِ وَ ِ‬
‫ك ِ‬
‫ج يد ُ‬
‫ف ال ْ َ‬
‫م ل َ تَ ِ‬
‫ت ث ُي ّ‬
‫م َ‬
‫ف ال ْ َ‬
‫لَ َ‬
‫ن{ )السييراء‪73 :‬‬
‫ك عَل َي َْنا ن َ ِ‬
‫ب ّ‬
‫صيًرا{ إلى قوله‪} :‬إ ِل ّ ِفى ك ِت َ ٍ‬
‫مِبي ٍ‬
‫‪.(75‬‬
‫‬‫نقل هذه الرواية ابن سعد في »طبقاته« عيين عبييد اللييه بيين‬
‫حنطب‪ ،‬وقد قال الترمذي‪ :‬إن عبد الله ابيين حنطييب لييم يييدرك‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم أخرجه الثلثة‪ ،‬أما الية الييتي قيييل‪:‬‬
‫إنها نزلت بسبب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قييد قييال‬
‫دوا ْ‬
‫على الله ما لم يقل بذكره شفاعة الغرانيق وهيي‪} :‬وَِإن َ‬
‫كيا ُ‬
‫َ‬
‫حي َْنآ إ ِل َي ْ َ‬
‫ل َي َْفت ُِنون َ َ‬
‫ك{ )السراء‪ (73 :‬الية‪ ،‬فلم تنييزل‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫ذى أوْ َ‬
‫ك عَ ِ‬
‫بهذه المناسبة‪ ،‬فقد قال ابن عباس في رواية عطاء‪ ،‬نزلت هذه‬
‫الية في وفد ثقيييف أتييوا رسييول اللييه صييلى اللييه عليييه وسييلم‬
‫فسألوه شيططا ً وقيالوا‪ :‬متعنييا بياللت سينة وحييرم وادينيا كميا‬
‫حرمت مكة مين شيجرها وطيرهيا ووحشيها فيأبى رسيول الليه‬
‫صلى الله عليه وسلم ولم يجبهم فكرروا ذلك اللتماس وقييالوا‪:‬‬
‫إنا نحب أن تعرف العرب فضيلنا عليهيم فيإن كرهيت ميا نقيول‬
‫وخشيت أن تقول العرب أعطيتهم ما لم تعطنا فقل الله أمرني‬
‫بذلك فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم وداخلهييم‬
‫الطمع فصاح عليهم عمر وقال‪ :‬أما ترون رسول الله صلى الله‬
‫عليه وسلم قد أمسك عن الكلم كراهية لمييا تييذكرونه؟ فييأنزل‬
‫الليييييييييييييييه تعيييييييييييييييالى هيييييييييييييييذه اليييييييييييييييية‪.‬‬
‫وروى صاحب »الكشاف« أنهم جاءوا بكيياتبهم فكتييب‪ :‬بسييم‬
‫الله الرحمن الرحيييم‪ ،‬هيذا كتياب مين محميد رسيول الليه إليى‬
‫ثقيف ل يعشرون ول يحشرون‪ ،‬ول يجبون‪ ،‬فسكت رسول اللييه‬
‫صييلى اللييه عليييه وسييلم ثييم قييالوا للكيياتب‪ :‬اكتييب ول يجبييون‪،‬‬
‫والكاتب ينظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام عمر‬
‫بن الخطاب وس ّ‬
‫ل سيفه وقييال‪ :‬أسييعرتم قلييب نبينييا يييا معشيير‬
‫قريش‪ ،‬أسعر الله قلوبكم نارًا‪ ،‬فقالوا‪ :‬لسنا نكلمييك إنمييا نكلييم‬

‫محمدًا‪ ،‬فنزلت هيذه اليية‪ ،‬وهيذه القصية إنميا وقعيت بالمدينية‬
‫فلهييييييذا السييييييبب قييييييالوا‪ :‬إن هييييييذه الييييييية مدنييييييية‪.‬‬
‫وذكر الطبري مسألة شفاعة الغرانيق فقال‪ :‬حييدثني محمييد‬
‫بن إسحاق عيين يزيييد بيين زييياد المييدني‪ ،‬عيين محمييد بيين كعييب‬
‫القرظي‪ ،‬ثم سرد رواية محمد بيين كعييب القرظييي بمييا يقييارب‬
‫رواية عبد الله بن حنطب التي نقلناها عن طبقات ابن سييعد إل‬
‫َ‬
‫من قَب ْل ِ َ‬
‫ل‬
‫ك ِ‬
‫سل َْنا ِ‬
‫من ّر ُ‬
‫مآ أْر َ‬
‫أنه قال‪ :‬فأنزل الله عز وجل‪} :‬وَ َ‬
‫سو ٍ‬
‫ُ‬
‫سي ُ‬
‫مّنى أ َل َْقى ال ّ‬
‫ى إ ِل ّ إ ِ َ‬
‫مييا‬
‫من ِي ّت ِيهِ فََين َ‬
‫ه َ‬
‫خ الل ّي ُ‬
‫ن فِييى أ ْ‬
‫ذا ت َ َ‬
‫شي ْط َ ُ‬
‫وَل َ ن َب ِ ّ‬
‫قى ال ّ‬
‫م{ )الحييج‪:‬‬
‫ح ِ‬
‫ي ُل ْ ِ‬
‫م َ‬
‫م يُ ْ‬
‫كي ي ٌ‬
‫ه عَِلي ي ٌ‬
‫ه ءاي َت ِهِ َوالل ّي ُ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫حك ِ ُ‬
‫ن ثُ ّ‬
‫شي ْط َ ُ‬
‫‪ (52‬فأذهب الله عز وجل عن نبّيه الحزن وآمنه من الييذي كييان‬
‫يخاف ونسخ ما ألقى الشيطان على لسانه من ذكر آلهتهم إنهييا‬
‫الغرانيق العل وإن شفاعتهن ترتجى بقول اللييه عييز وجييل حييين‬
‫َ‬
‫ه‬
‫م ال يذ ّك َُر وَل َي ُ‬
‫ذكرت اللت والعزى ومناة الثالثيية الخييرى‪} :‬أل َك ُي ُ‬
‫ة ضيزى إن هى إل ّ أ َس يمآء س يميتمو َ َ‬
‫لنَثى ت ِل ْ َ‬
‫ا ْ‬
‫م‬
‫م ٌ ِ َ‬
‫ك ِإذا ً قِ ْ‬
‫هآ أنت ُي ْ‬
‫َ ّ ُْ ُ‬
‫ْ َ‬
‫س َ‬
‫ِ ْ ِ َ ِ‬
‫سل ْط َ‬
‫َوءاَبآؤُ ُ‬
‫مآ َأنَز َ‬
‫مييا‬
‫ه ب َِها ِ‬
‫ن ِإن ي َت ّب ِعُييو َ‬
‫من ُ‬
‫ن وَ َ‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫كم ّ‬
‫ن إ ِل ّ الظ ّي ّ‬
‫ٍ‬
‫هم من ربهم ال ْهدى أ َ‬
‫وى ا ْ‬
‫مّنييى‬
‫س‬
‫للن‬
‫م‬
‫ِ‬
‫جآء ُ ّ ّ ّ ِ ُ ُ َ‬
‫س وَل ََقد ْ َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ما ت َ َ‬
‫ن َ‬
‫لنُف ُ‬
‫ت َهْ َ‬
‫ِ‬
‫خ يَرةُ وا ْ‬
‫ت ل َ ت ُغْن ِييى‬
‫فَل ِل ّيهِ ال ْ ِ‬
‫مو ِ‬
‫مل َي ٍ‬
‫ك فِييى ال ّ‬
‫سي َ‬
‫ميين ّ‬
‫م ّ‬
‫لول َييى وَك َي ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫من ي َ َ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫ضى{ إلييى‬
‫شْيئا ً إ ِل ّ ِ‬
‫شآء وَي َْر َ‬
‫من ب َعْدِ أن ي َأذ َ َ‬
‫ه لِ َ‬
‫ن الل ّ ُ‬
‫شَفعَت ُهُ ْ‬
‫من ي َ َ‬
‫ضى{ )النجم‪ (26 - 21 :‬أي فكيف تنفع‬
‫شآء وَي َْر َ‬
‫قوله‪} :‬ل ِ َ‬
‫شيييييييييييييفاعة آلهتكيييييييييييييم عنيييييييييييييده‪ ،‬اليييييييييييييخ‪H.‬‬
‫أما محميد بين كعيب القرظييي ‪ -‬منسيوب إلييى بنييي قريظية‬
‫الطائفة المعروفة ميين اليهييود ‪ -‬فهييو تييابعي تييوفي سيينة ثمييان‬
‫ومائة‪ ،‬جاء فييي »تهييذيب التهييذيب« لبيين حجيير العسييقلني مييا‬
‫ييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييأتي‪:‬‬
‫»وما تقدم نقله عن قتيبة من أنه ولد في عهييد النييبي صييلى‬
‫الله عليه وسلم ل حقيقة له وإنما الذي ولد في عهده هييو أبييوه‬
‫فقد ذكروا أنه من سبي قريظة ممن لم يحتلم ولم ينبت فخلوا‬
‫سبيله‪ ،‬حكى ذلك البخاري في ترجمة محمد‪ ،‬قال الفخر الرازي‬
‫في »تفسيره«‪ :‬الية المتقدمة بعد أن ذكر قصة الغرانيق‪ ،‬هييذه‬
‫رواية عامة المفسرين الظاهريين‪ ،‬أما أهل التحقيق فقد قييالوا‪:‬‬
‫هذه الرواية باطليية موضييوعة‪ ،‬واحتجييوا عليييه بييالقرآن والسيّنة‬

‫والمعقييييييييول‪ ،‬أمييييييييا القييييييييرآن فميييييييين وجييييييييوه‪:‬‬
‫أحدها‪ :‬قوله تعالى‪} :‬وَل َوْ ت ََقوّ َ‬
‫خيذ َْنا‬
‫لل َ‬
‫ل عَل َي َْنيا ب َْعي َ‬
‫ض ال َْقاِويي ِ‬
‫ن{ )الحاقيية‪.(46 - 44 :‬‬
‫مي‬
‫م ل ََقط َعْن َييا ِ‬
‫ه ب ِييال ْي َ ِ‬
‫ِ‬
‫من ْي ُ‬
‫ن ث ُي ّ‬
‫من ْي ُ‬
‫ه ال ْيوَِتي َ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ما ي َ ُ‬
‫وثانيها‪ :‬قوله‪} :‬قُ ْ‬
‫سييى‬
‫ميين ت ِل َْقييآء ن َْف ِ‬
‫ه ِ‬
‫ن ِلى أ ْ‬
‫كو ُ‬
‫ن أب َيد ّل َ ُ‬
‫ل َ‬
‫إ َ‬
‫َ‬
‫ى{ )ييييييييونس‪.(15 :‬‬
‫ميييييييا ُييييييييو َ‬
‫ِ ْ‬
‫ن أت ِّبيييييييعُ إ ِل ّ َ‬
‫حى إ ِلييييييي ّ‬
‫ى‬
‫ن هُ يوَ إ ِل ّ وَ ْ‬
‫وى إ ِ ْ‬
‫وثالثهمييا‪ :‬قييوله‪} :‬وَ َ‬
‫ن ال ْهَ ي َ‬
‫حي ٌ‬
‫مييا َينط ِيقُ عَ ي ِ‬
‫حى{ )النجييم‪،3 :‬ي ‪ ،(4‬فلييو أنييه قييرأ عقيييب هييذه الييية تلييك‬
‫ي ُييو َ‬
‫الغرانيق العل‪ ،‬وكان قد ظهر كذب الله تعالى في الحال‪ ،‬وذلييك‬
‫ل يقيييييييييييييييييييييييييييييييييوله مسيييييييييييييييييييييييييييييييييلم‪.‬‬
‫َ‬
‫ورابعها‪ :‬قوله تعالى‪} :‬وَِإن َ‬
‫دوا ْ ل َي َْفت ُِنون َ َ‬
‫حي ْن َييآ‬
‫ن ال ّي ِ‬
‫ذى أوْ َ‬
‫كا ُ‬
‫ك عَي ِ‬
‫خِلي ً‬
‫ذو َ‬
‫إ ِل َي ْ َ‬
‫خي ُ‬
‫ل{ )السييراء‪،(73 :‬‬
‫ك َ‬
‫ك ِلتْفت َرِىَ عَل َي ْن َييا غَي ْيَرهُ وَِإذا ً ل ّت ّ َ‬
‫وكلمة كاد معناها قرب أن يكون المر كذلك مع أنه لم يحصييل‪.‬‬
‫وخامسها‪ :‬قوله‪} :‬وَل َوْل َ َأن ث َب ّت ْن َ َ‬
‫م َ‬
‫شيي ًْئا‬
‫ك ل ََقد ْ ِ‬
‫ن إ ِل َي ْهِ ْ‬
‫كد ّ‬
‫ت ت َْرك َ ُ‬
‫قَِلي ً‬
‫ل{ )السراء‪ ،(74 :‬وكلميية لييول تفيييد انتفيياء الشيييء لوجييود‬
‫غيييره فييدل علييى أن ذلييك الركييون القليييل لييم يحصييل لوجييود‬
‫التثييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييبيت‪.‬‬
‫ؤاد َ َ‬
‫وسادسها‪ :‬قوله‪} :‬ك َذ َل ِ َ‬
‫ت ب ِهِ فُ ي َ‬
‫ك{ )الفرقييان‪.(32 :‬‬
‫ك ل ِن ُث َب ّ َ‬
‫سييين ُْقرِئ ُ َ‬
‫سيييى{ )العليييى‪.(6 :‬‬
‫ك فَل َ َتن َ‬
‫وسيييابعها‪ :‬قيييوله‪َ } :‬‬
‫أما السّنة فهي ما ُروي عن محمد بن إسحاق بن خزيمة أنييه‬
‫سئل عن هذه القصة فقال‪ :‬هذا من وضع الزنادقة وصيينف فيييه‬
‫كتابيييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييًا‪.‬‬
‫وقال المام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي‪ :‬هييذه القصيية‬
‫غير ثابتة من جهة النقل ثم أخذ يتكلم في أن رواة هيذه القصية‬
‫مطعون فيهم‪ .‬وأيضا ً فقد روى البخاري فييي صييحيحه أن النييبي‬
‫صلى الله عليه وسلم قرأ سورة النجم وسجد فيهييا المسييلمون‬
‫والمشييركون والنييس والجيين وليييس فيهييا حييديث الغرانيييق‪.‬‬
‫وُروي هذا الحديث من طرق كثيرة وليس فيهيا البتية حيديث‬
‫الغرانيييييييييق‪ ،‬وأمييييييييا المعقييييييييول فميييييييين وجييييييييوه‪:‬‬
‫وز علييى الرسييول صييلى اللييه عليييه وسييلم‬
‫أحدها‪ :‬أن من ج ّ‬
‫تعظيم الوثان فقد كفر لن ميين المعلييوم بالضييرورة أن أعظييم‬
‫سييييييييييعيه كييييييييييان فييييييييييي نفييييييييييي الوثييييييييييان‪.‬‬

‫وثانيها‪ :‬أنه عليييه السييلم مييا كييان يمكنييه فييي أول الميير أن‬
‫يصلي ويقرأ القرآن عند الكعبيية آمن يا ً أذى المشييركين لييه حييتى‬
‫كانوا ربما مدوا أيديهم إليه وإنما كييان يصييلي إذا لييم يحضييروها‬
‫ليل ً أو فيييييي أوقيييييات خليييييوة وذليييييك يبطيييييل قيييييولهم‪.‬‬
‫وثالثها‪ :‬أن معاداتهم للرسول كانت أعظم من أن يقروا بهذا‬
‫القييدر ميين القييراءة دون أن يقفييوا علييى حقيقيية الميير فكيييف‬
‫أجمعوا على أنه عظم آلهتهم حتى خروا سجدا ً مع أنه لم يظهيير‬
‫عنيييييييييييييييييييدهم ميييييييييييييييييييوافقته لهيييييييييييييييييييم؟‪.‬‬
‫قى ال ّ‬
‫س ُ‬
‫ه‬
‫ما ي ُل ْ ِ‬
‫م يُ ْ‬
‫رابعًا‪ :‬قوله‪} :‬فََين َ‬
‫م الل ّي ُ‬
‫حك ِي ُ‬
‫ن ث ُي ّ‬
‫ه َ‬
‫خ الل ّ ُ‬
‫ش يي ْط َ ُ‬
‫ه{ )الحييج‪ (52 :‬وذلييك لن إحكييام اليييات بإزاليية مييا يلقيييه‬
‫ءاي َت ِي ِ‬
‫الشيطان عن الرسول أقوى من نسخه بهذه اليات الييتي تبقييى‬
‫الشبهة معها فإذا أراد اللييه اليييات لئل يلتبييس مييا ليييس بقييرآن‬
‫بيييالقرآن فبيييأن يمنيييع الشييييطان مييين ذليييك أصيييل ً أوليييى‪.‬‬
‫وخامسها‪ :‬وهو أقوى الوجوه ‪ -‬أنا لو جوزنا ذلك ارتفع المان‬
‫عن شرعه وجوزنا في كل واحد من الحكام والشرائع أن يكون‬
‫َ‬
‫ل إ ِل َي ْ َ‬
‫مآ ُأنزِ َ‬
‫سو ُ‬
‫ميين‬
‫ك ِ‬
‫كذلك ويبطل قوله تعالى‪} :‬ي َأي َّها الّر ُ‬
‫ل ب َل ّغْ َ‬
‫م َ‬
‫ّرب ّ َ‬
‫م ت َْفعَ ْ‬
‫س{‬
‫ك ِ‬
‫ه ي َعْ ِ‬
‫ت رِ َ‬
‫ص ُ‬
‫ه َوالل ّ ُ‬
‫سال َت َ ُ‬
‫ما ب َل ّغْ َ‬
‫ل فَ َ‬
‫ك وَِإن ل ّ ْ‬
‫م َ‬
‫ن الن ّييا ِ‬
‫)المائدة‪ (67 :‬فإنه ل فرق في العقل بين النقصان ميين الييوحي‬
‫وبين الزيادة فيه فبهذه الوجوه عرفنا علييى سييبيل الجمييال أن‬
‫هييذه القصيية موضييوعة وكييل مييا فييي البيياب أن جمعييا ً ميين‬
‫المفسرين ذكروها هنا لكنهم ما بلغوا حد التواتر وخبر الواحد ل‬
‫يعييييييارض الييييييدلئل النقلييييييية والعقلييييييية المتييييييواترة‪.‬‬
‫ثم ذكر الفخر الرازي تفصيلت أخرى فلتراجع‪ ،‬وإنا نعتقد أن‬
‫هذه القصة باطلة ومدسوسة ومن وضع الزنادقة الذين يريدون‬
‫بالسلم سوءا ً ومع هذا فليس ميين المعقييول أن يعييترف النييبي‬
‫صلى الله عليه وسلم بشفاعة الغرانيق وهييو يييدعو إلييى عبييادة‬
‫الله تعالى ويحارب الصنام ولو كان الشيطان له سلطان عليييه‬
‫صلى الله علييه وسيلم بدرجية أنيه يمليي علييه ويحيرك لسيانه‬
‫بالكفر لكان ألعوبة له ليس في هذه القصة فقط بل في غيرهييا‬
‫أيضًا‪ ،‬والنبي معصوم من الشيطان‪ ،‬قال البيضاوي في تفسيييره‬
‫بعد ذكر قصة الغرانيق‪ - :‬ثم نّبهه جبريل فاغتم بييه فعييزاه اللييه‬

‫بهذه الية وهو مردود عند المحققين وإن صح فييابتلء يتميييز بييه‬
‫الثابت على اليمان عن المتزلزل فيه ‪ ،-‬قال إسماعيل القنييوي‬
‫في »حاشيته«‪ :‬وهو مردود عند المحققين‪ ،‬بييل يجييب أن يكييون‬
‫مردودا ً عند جميع المسلمين لمييا عرفتييه ميين أمييارات الكييذب‪،‬‬
‫قييوله‪ :‬وإن صييح الييخ إشييارة إلييى منييع صييحته رواييية لمييا قيياله‬
‫القاضي عياض فييي »الشييفاء«‪ :‬إنييه لييم يوجييد فييي شيييء ميين‬
‫الكتب المعتمدة بسند صحيح وقال إنه من وضع الزنادقة‪ .‬وقال‬
‫القاضي عياض‪ :‬إن هذا الحديث لم يخرجه أحد من أهل الصييحة‬
‫ول رواة ثقيية بسييند سييليم متصييل إنمييا أولييع بييه المفسييرون‬
‫والمؤرخييييييييييون المولعييييييييييون بكييييييييييل غريييييييييييب‪.‬‬
‫قال ابن حزم في كتيياب »الملييل والنحييل« جييزء ‪ 4‬ص ‪:23‬‬
‫وأما الحديث الييذي فيييه »وأنهيين الغرانيييق العل وأن شييفاعتهن‬
‫لترتجى« فكذب بحت لنه لم يصييح قييط ميين طريييق النقييل ول‬
‫معنيييى للشيييتغال بيييه إذ وضيييع الكيييذب ل يعجيييز عنيييه أحيييد‪.‬‬
‫وقال البيهقي‪ :‬رواة هذه القصة كلهم مطعييون فيهييم‪ ،‬وقييال‬
‫المام النووي نقل ً عنه‪ :‬وأما ما يرويييه الخبيياريون والمفسييرون‬
‫أن سبب سجود المشييركين مييع رسييول اللييه صييلى اللييه عليييه‬
‫وسلم ما جرى على لسانه من الثناء على آلهتهم فباطل ل يصح‬
‫منه شيء ل من جهة النقل ول من جهة العقل لن مدح إله غير‬
‫الله كفر ول يصح نسبة ذلك إلى رسييول اللييه صييلى اللييه عليييه‬
‫وسلم ول أن يقوله الشيطان على لسانه صلى الله عليه وسلم‬
‫ول يصح تسلط الشيطان عليه وإل لييزم عييدم الوثييوق بييالوحي‪،‬‬
‫اهيييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييي‪.‬‬
‫وقال اللوسي في »تفسيره«‪» :‬وأقبح القوال الييتي رأيناهييا‬
‫في هذا الباب وأظهرها فسادا ً أنه صلى الله عليه وسييلم أدخييل‬
‫تلك الكلمة من تلقاء نفسه حرصا ً علييى إيمييان قييومه ثييم رجييع‬
‫عنها‪ ،‬ويجب على قائل ذلييك التوبيية‪ ،‬كييبرت كلميية خرجييت ميين‬
‫أفواههم إن يقولون إل كذبًا‪ ،‬وقريب منه ما قيل إنها كانت قرآنا ً‬
‫منزل ً في وصف الملئكة عليهم السلم‪ ،‬فلما توهم المشييركون‬
‫أنه يريد عليه الصلة والسلم مييدح آلهتهييم بهييا نسييخت‪ ،‬وأنييت‬
‫َ‬
‫سل َْنا{ )الحج‪(52 :‬‬
‫مآ أْر َ‬
‫تعلم أن تفسير الية أي قوله تعالى‪} :‬وَ َ‬

‫الييييخ‪ ،‬ل يتوقييييف علييييى ثبييييوت أصييييل لهييييذه القصيييية«‪.‬‬
‫َ‬
‫مين‬
‫سيل َْنا ِ‬
‫مييآ أْر َ‬
‫أما معنى قوله تعييالى فيي سييورة الحييج‪} :‬وَ َ‬
‫قَب ْل ِي َ‬
‫ل{ )الحييج‪ (52 :‬الييخ الييية‪ ،‬أن الرسييل الييذين‬
‫ك ِ‬
‫ميين ّر ُ‬
‫سييو ٍ‬
‫أرسلهم الله تعييالى‪ ،‬وإن عصييمهم عيين الخطييأ مييع العلييم فلييم‬
‫يعصمهم عن جواز السهو ووسوسيية الشيييطان بييل حييالهم فييي‬
‫جواز ذلك كحييال سييائر البشيير‪ ،‬فالييية ليسييت بخصييوص قصيية‬
‫الغرانييق بيل هيي بخصيوص وسوسية الشييطان عليى العميوم‬
‫للنبياء والرسل‪ ،‬فالواجب أل يتبعوا إل فيما يفعلييونه عيين علييم‪،‬‬
‫فذلك هو المحكم‪ ،‬وقال أبو مسلم‪ :‬معنى الييية أنييه لييم يرسييل‬
‫نبيا ً إل إذا تمنى كييأنه قيييل ومييا أرسييلنا إلييى البشيير ملك يًا‪ ،‬ومييا‬
‫أرسلنا إليهم نبيا ً إل منهم وما أرسلنا نبيا ً خل عند تلوتييه الييوحي‬
‫من وسوسة الشيطان وأن يلقي في خيياطره مييا يضيياد الييوحي‬
‫ويشغله عن حفظه فيثبت الله النبي على الوحي وعلييى حفظييه‬
‫ويعلم صواب ذلك وبطلن ما يكون من الشيطان‪ ،‬قييال‪ :‬وفيمييا‬
‫تقدم من قييوله‪} :‬قُي ْ َ‬
‫َ‬
‫ن{‬
‫م ن َي ِ‬
‫ذيٌر ّ‬
‫مييآ أن َيا ْ ل َك ُي ْ‬
‫س إ ِن ّ َ‬
‫ل يأي ّهَييا الن ّييا ُ‬
‫مِبيي ٌ‬
‫)الحج‪ ،(49 :‬تقويية لهيذا التأوييل فكيأنه تعيالى أميره أن يقيول‬
‫للكافرين أنا نيذير لكيم لكنيي مين البشير ل مين الملئكية وليم‬
‫يرسل الله تعالى مثلييي ملك يا ً بييل أرسييل رجييال ً فقييد يوسييوس‬
‫الشييييييييييييييييييييييييييييييييييطان إليهيييييييييييييييييييييييييييييييييم‪.‬‬
‫فأمثال هذه القصص المدسوسة المكذوبة على رسول اللييه‬
‫هي التي جعلييت للطيياعنين فييي السييلم مجييال ً للنقييد وتشييويه‬
‫شييرت فييي كتبنييا ميين غييير‬
‫ح ِ‬
‫الحقييائق وتقبيييح المحاسيين‪ ،‬وقييد ُ‬
‫تحقيييق وهيياك دليل ً آخيير علييى كييذب هييذه القصيية ميين الوجهيية‬
‫التاريخييييييييييييييييييييييييييييييييييية وهييييييييييييييييييييييييييييييييييو‪:‬‬
‫إن الهجرة الولى إلى الحبشة كانت في رجب سيينة خمييس‬
‫من النبوة وكانت السيجدة فيي رمضيان مين السينة نفسيها أي‬
‫قبل إسلم حمييزة وعميير لنهمييا أسييلما فييي السيينة السادسيية‪.‬‬
‫وقد أجمع المؤرخون عليى أن المسيلمين قبيل إسيلم عمير‬
‫كانوا يستخفون في دار الرقييم ويييؤدون شيعائرهم الدينييية فييي‬
‫منازلهم‪ ،‬وكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسييلم ل يقييدرون‬

‫أن يصلوا عند الكعبة حتى أسلم عمر‪ .‬فلما أسلم قاتييل قريش يا ً‬
‫حييتى صييلى عنييد الكعبيية وصييلوا معييه واتفقييوا علييى تسييميته‬
‫»الفيييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييياروق«‪.‬‬
‫فإذا كان المسلمون قبل إسييلم عميير مييا كييانوا يسييتطيعون‬
‫الصلة عند الكعبة فكيف مع هييذا يقييال‪ :‬إن رسييول اللييه سييجد‬
‫عند الكعبة وسجد معه القوم جميعًا؟ الحقيقة أن الرواييية كييذب‬
‫واختلق محيييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييض‪.‬‬
‫قال »موير« في الجزء الثاني من »حياة محمد«‪ :‬إن حمييزة‬
‫وعميير أسييلما فييي السيينة السادسيية ميين النبييوة‪ ،‬وقييال‪ :‬إن‬
‫المسلمين ليم يعييودوا يخفييون صييلتهم فييي منييازلهم بييل كيانوا‬
‫بعدئذ يجتمعون حول الكعبيية ويصييلون وهييم آمنييون مطمئنييون‪.‬‬
‫إن المسلمين الذين هيياجروا إلييى الحبشيية عييادوا إلييى مكيية‬
‫بسبب ما بلغهييم ميين تحسيين الحييوال أو أنهييم سييمعوا إشيياعة‬
‫كاذبة تطمئنهم فقدموا في شوال سنة خمس إل أنه لييم يييدخل‬
‫أحييد منهييم إل بجييوار عثمييان بيين مظعييون فييإنه دخييل بل جييوار‬
‫ومكث قليل ً ثم أسرع الرجوع إلى الحبشة لن المسلمين كييانوا‬
‫ل يزالون ُيضطهدون وكان النبي صلى اللييه عليييه وسييلم يعيييب‬
‫الصييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييينام«‪.‬‬
‫فكل هييذه الييبراهين تؤيييد أن قصيية شييفاعة الغرانيييق أو أن‬
‫النبي صيلى الليه علييه وسيلم ذكير آلهية قرييش بخيير‪ ،‬افيتراء‬
‫واختلق ول يمكن أن يصييدق هييذه القصيية أحييد ميين المييؤرخين‬
‫المحققين‪ ،‬وقد ذ ُك ِيَرت فييي كتيياب »تاريييخ القييرون الوسييطى«‬
‫لجامعيية كييامبردج الجييزء الثيياني ص ‪ ،310‬ي ‪ ،311‬باعتبييار أنهييا‬
‫صحيحة‪ ،‬وأنه صلى الله عليه وسلم ندم على ما قال ونسييخ مييا‬
‫ألقى الشيطان على لسانه‪ ،‬واستنتج الكيياتب أنييه عليييه الصييلة‬
‫والسلم لم يكن يعتقد أنه إنما يتبع أمرا ً إلهيا ً سواء عنييد تلفظييه‬
‫بهذه الكلمات أو عند عدوله عنها‪ ،‬لكنه علييق فييي الهييامش بمييا‬
‫ييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييأتي‪:‬‬
‫»إن كثيرا ً مين المحققيين المسيلمين يعتيبرون هيذه القصية‬
‫خرافية وهذا ما كان ينتظر منهم‪ ،‬لكن من المدهش أن مؤرخييا ً‬
‫غييييييير متحيييييييز مثييييييل ‪ -‬كايتيييييياني ‪ -‬ينكرهييييييا أيضييييييًا«‪.‬‬
‫وأنا أقول‪ :‬ل وجه للدهشة لن المؤرخ الذي يقدر مييوقفه ول‬

‫يتحيز لحد يعترف بالحقيقة بغض النظر عن أي اعتبار آخر فييإذا‬
‫كان الستاذ )كايتاني( وهو ذلك المييؤرخ اليطييالي الكييبير الييذي‬
‫يصدر المؤلفات الضخمة عن تاريييخ السييلم ينكيير هييذه القصيية‬
‫فما ذلك إل أنه لم يرد أن يثبت إل مييا وصييل إليييه تحقيقييه فييي‬
‫هييييييييييييييييييذه المسييييييييييييييييييألة دون تحيييييييييييييييييييز‪.‬‬
‫إسيييييييييييييييييييييييييييييييييلم حميييييييييييييييييييييييييييييييييزة‬
‫حمزة بن عبييد المطلييب‪ ،‬وأمييه هاليية بنييت وهييب‪ ،‬وهييو عييم‬
‫رسييول اللييه صييلى اللييه عليييه وسييلم وأخييوه ميين الرضيياعة‬
‫أرضعتهما ثويبة مولة أبي لهب‪ ،‬وكان رضي الله عنه أسن ميين‬
‫رسول الله بسنتين‪ ،‬وهو سيد الشهداء وآخى رسول الله صييلى‬
‫الله عليه وسلم بينه وبين زيد بن حارثة‪ ،‬أسلم سيينة سييت ميين‬
‫النبوة وكنيته أبو عمارة وكييان شييجاعًا‪ ،‬محارب يًا‪ ،‬قييوي الجسييم‪،‬‬
‫طويييييييييييييييييييييييييييييييييييل القاميييييييييييييييييييييييييييييييييية‪.‬‬
‫وكان سبب إسلمه أن أبا جهييل اعيترض رسيول الليه صيلى‬
‫الله عليه وسلم فآذاه وشييتمه ونييال منييه مييا يكييره ميين العيييب‬
‫لدينه والتضعيف لييه فلييم يكلمييه رسييول اللييه صييلى اللييه عليييه‬
‫وسلم وكانت مولة لعبد الله بن جدعان التيمي في مسكن لهييا‬
‫فوق الصفا تسمع ذلك‪ ،‬ثم انصرف عنه فعمد إلييى نيياد لقريييش‬
‫عند الكعبة فجلس معهييم ولييم يلبييث حمييزة بيين عبييد المطلييب‬
‫رضي الله عنه أن أقبل متوشييحا ً قوسييه راجع يا ً ميين قنييص لييه‪،‬‬
‫وكان صاحب قنص يرميه ويخرج له فكان إذا رجع من قنصه لم‬
‫يرجع إلى أهله حتى يطوف بالكعبة‪ ،‬وكان إذا فعل ذلك لم يميير‬
‫على ناد من قريش إل وقف وسلم وتحييدث معهييم‪ ،‬وكييان أعييز‬
‫دها شكيمة وكان يييومئذ مشييركا ً علييى دييين قييومه‪،‬‬
‫قريش وأش ّ‬
‫فلما مر بالمولة وقد قام رسول اللييه صييلى اللييه عليييه وسييلم‬
‫فرجع إلى بيته قالت له‪ :‬يا أبا عمارة لو رأيت ما لقي ابن أخيك‬
‫محمد من أبي الحكم آنفًا؛ وجده ها هنا فآذاه وشتمه وبلييغ منييه‬
‫ما يكره ثييم انصييرف عنييه ولييم يكلمييه محمييد‪ ،‬فاحتمييل حمييزة‬
‫ف علييى أحييد كمييا كييان يصيينع‪ ،‬يريييد‬
‫الغضب فخرج سريعا ً ل يق ُ‬
‫الطواف بالبيت معدا ً لبي جهل أن يقع به‪ ،‬فلما دخييل المسييجد‬
‫نظر إليه جالسا ً في القوم فأقبل نحوه حتى إذا قام على رأسييه‬

‫رفع القوس فضربه بها ضربة شييجه بهييا شييجة منكييرة وقييامت‬
‫رجال من قريش من بني مخزوم إلى حمزة لينصروا أبييا جهييل‪،‬‬
‫فقالوا‪ :‬ما نراك يا حمزة إل قد صبأت‪ ،‬فقال حمزة‪ :‬وما يمنعني‬
‫وقد استبان لي منه ذلك‪ ،‬أنا أشهد أنيه رسييول الليه صيلى الليه‬
‫عليه وسلم وأن الذي يقوله الحق فوالله ل أنييزع فييامنعوني إن‬
‫كنتم صادقين‪ .‬قال أبو جهل‪ :‬دعوا أبييا عمييارة فييإني واللييه لقييد‬
‫سببت ابن أخيه سبا ً قبيحا ً وثبت حمزة على إسلمه‪ ،‬فلما أسلم‬
‫حمزة عرفت قريش أن رسول الله صلى الله عليييه وسييلم قييد‬
‫عييز وامتنييع‪ ،‬وأن حمييزة سيييمنعه‪ ،‬فكفييوا عيين بعييض مييا كييانوا‬
‫يتناولونه به ثم هاجر إلى المدينة وشهد بدرا ً وأبلييى بلًء عظيميا ً‬
‫مشهورًا‪ ،‬وقاتل يوم بييدر بسيييفين وشييهد ُأحييدا ً فُقت ي َ‬
‫ل بهييا يييوم‬
‫السييييبت النصييييف ميييين شييييوال ميييين السيييينة الثالثيييية‬
‫من الهجرة بعد أن قتل من المشييركين قبييل أن ُيقتييل أحييدا ً‬
‫وثلثين نفسًا‪ ،‬وبينما كييان يقاتييل إذ عييثر عييثرة وقييع فيهييا علييى‬
‫ظهره فانكشف الدرع عن بطنه فزرقه وحشي الحبشي مييولى‬
‫جبير بن مطعم بحربة فقتله‪ ،‬ومّثل به المشركون وبجميع قتلى‬
‫المسلمين وجعييل نسيياء المشييركين‪ ،‬هنييد وصييواحباتها يجييدعن‬
‫أنوف المسلمين وآذانهيم ويبقيرن بطيونهم‪ ،‬وبقيرت هنيد بطين‬
‫حمزة رضي الله عنه فأخرجت كبده فجعلت تلوكها فلم تسييغها‬
‫فلفظتها‪ ،‬فقال النبي صلى الله عليه وسلم »لو دخل بطنها لييم‬
‫تمسها النار«‪ ،‬وبكى رسول الله صلى الله عليه وسييلم لمييا رآه‬
‫قتي ً‬
‫دفيين عنييد‬
‫ل‪ ،‬ومع ذلك عفا رسول الله عن هند يوم الفتييح‪ ،‬و ُ‬
‫ُأحد في موضعه وكان عمره تسعا ً وخمسين سنة ‪ ،‬وكان حمزة‬
‫أول شييهيد صييلى عليييه رسييول اللييه صييلى اللييه عليييه وسييلم‬
‫عميييييييير بيييييييين الخطيييييييياب وسييييييييبب إسييييييييلمه‬
‫عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العييزى وأمييه حنتميية بنييت‬
‫هاشم‪ ،‬ولد بعد الفيل بثلث عشييرة سيينة ‪ُ ،‬روي عيين عميير أنييه‬
‫قال‪ :‬ولدت بعد الفجار العظم بأربع سنين ويوافق مولده سيينة‬
‫‪ 581‬م‪ ،‬وكان مديد القامة‪ ،‬تاجرا ً مشهورا ً من أشراف قريييش‪،‬‬
‫وكانت إليه السفارة في الجاهلييية‪ ،‬وذلييك أن قريشيا ً إذا وقعييت‬
‫بينهم حرب أو بينهييم وبييين غيرهييم بعثييوه سييفيرًا‪ ،‬وإن نييافرهم‬

‫منافر أو فاخرهم مفاخر رضوا به وبعثوه منافرا ً ومفاخرًا‪ ،‬ولمييا‬
‫بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم كان شديدا ً عليييه وعلييى‬
‫المسلمين‪ ،‬وقد ذكرنا أنه كان يعذب جارية بني مؤمل لسييلمها‬
‫فاشيييييييييييييتراها أبيييييييييييييو بكييييييييييييير وأعتقهيييييييييييييا‪.‬‬
‫إسيييييييييييييلمه رضيييييييييييييي الليييييييييييييه عنيييييييييييييه‬
‫عن ابن عباس أنه قال‪» :‬أسلم مع رسييول اللييه صييلى اللييه‬
‫عليييه وسييلم تسييعة وثلثييون رجل ً وامييرأة‪ ،‬ثييم إن عميير أسييلم‬
‫فصاروا أربعين«‪ ،‬وُروي أن النبي صلى اللييه عليييه وسييلم قييال‪:‬‬
‫»اللهم أعز السلم بأحب الرجليين إلييك عمير بين الخطياب أو‬
‫عمييييييييرو بيييييييين هشييييييييام« يعنييييييييي أبييييييييا جهييييييييل‪.‬‬
‫وحكييييييى عميييييير عيييييين سييييييبب إسييييييلمه فقييييييال‪:‬‬
‫كنت من أشد الناس على رسول الله صلى الله عليه وسييلم‬
‫فبينا أنا في يوم حار شديد الحر بالهاجرة في بعض طييرق مكيية‬
‫إذ لقيني رجل من قريش فقال‪ :‬أين تذهب يا ابن الخطاب أنت‬
‫تزعم أنك هكذا وقد دخل عليك هذا المر في بيتك؟ قال‪ :‬قلت‪:‬‬
‫وما ذاك؟ قال‪ :‬أختك قد صبأت‪ ،‬قال‪ :‬فرجعت مغضبًا‪ ،‬وقد كان‬
‫رسول الله صلى الله عليييه وسييلم يجمييع الرجييل والرجلييين إذا‬
‫أسلما عند الرجل به قوة فيكونان معييه ويصيييبان ميين طعييامه‪،‬‬
‫وقد كان ضم إلى زوج أختي رجلين فجئت حتى قرعييت البيياب‪،‬‬
‫فقيل‪ :‬من هذا؟ قلت‪ :‬ابن الخطاب‪ ،‬وكان القوم جلوسا ً يقرأون‬
‫في صحيفة معهم‪ ،‬فلما سمعوا صوتي تبييادروا واختفييوا وتركييوا‬
‫أو نسوا الصحيفة من أيديهم فقامت المرأة ففتحت لي‪ ،‬فقلت‪:‬‬
‫يا عدوة نفسها قد بلغني أنك صبأت‪ ،‬قال‪ :‬فأرفع شيئا ً في يييدي‬
‫فأضربها به فسال الدم فلما رأت المرأة الدم بكت ثم قييال‪ :‬يييا‬
‫ابن الخطاب ما كنت فاعل ً فافعييل فقييد أسييلمت‪ ،‬فييدخلت وأنييا‬
‫مغضب فجلست على السرير فنظييرت فييإذا بكتيياب فييي ناحييية‬
‫البيت‪ ،‬فقلييت‪ :‬مييا هييذا الكتيياب؟ أعطنيييه ‪ -‬وكييان عميير كاتبيا ً ‪-‬‬
‫فقالت‪ :‬ل أعطيك‪ ،‬لست من أهله‪ ،‬أنت ل تغتسييل ميين الجنابيية‬
‫ول تتطهر وهذا ل يمسه إل المطهرون‪ ،‬قال‪ :‬لييم أزل بهييا حييتى‬
‫ن‬
‫س يم ِ الل ّيهِ الّر ْ‬
‫أعطتنيييه ‪ -‬بعييد أن اغتسييل ‪ -‬فييإذا فيييه‪} :‬ب ِ ْ‬
‫ح َ‬
‫مي ِ‬
‫م{ )الفاتحيية‪ ،(1 :‬فلمييا مييررت بييالرحمن الرحيييم ذعييرت‬
‫الّر ِ‬
‫حي ِ‬

‫ي نفسييي فييإذا فيهييا‪:‬‬
‫ورميت بالصحيفة من ييدي ثيم رجعيت إلي ّ‬
‫م{‬
‫ح ِ‬
‫مو ِ‬
‫زي يُز ال ْ َ‬
‫س يب ّ َ‬
‫مييا فِييى ال ّ‬
‫} َ‬
‫كي ي ُ‬
‫سي َ‬
‫ح لل ّيهِ َ‬
‫ض وَهُ يوَ ال ْعَ ِ‬
‫ت وَ الْر ِ‬
‫)الحديد‪ ،(1 :‬قال‪ :‬فكلما مررت باسم من أسماء الله عز وجييل‬
‫ه‬
‫سييول ِ ِ‬
‫ي نفسي حتى بلغت‪} :‬ءا ِ‬
‫مُنوا ْ ِبييالل ّهِ وََر ُ‬
‫ذعرت ثم ترجع إل ّ‬
‫َ‬
‫جعَل َ ُ‬
‫ه{ حتى بلغت إلى قوله‪ِ} :‬إن‬
‫ست َ ْ‬
‫ن ِفي ِ‬
‫فُقوا ْ ِ‬
‫وَأن ِ‬
‫ما َ‬
‫م ْ‬
‫كم ّ‬
‫م ّ‬
‫خل َِفي َ‬
‫ُ‬
‫ن{ )الحديد‪،7 :‬ي ‪ ،(8‬قال‪ :‬فقلت‪ :‬أشهد أن ل إلييه إل‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫كنُتم ّ‬
‫مِني َ‬
‫اللييه وأشييهد أن محمييدا ً رسييول اللييه‪ ،‬فخييرج القييوم يتبييادرون‬
‫بالتكبير استبشييارا ً بمييا سييمعوه منييي وحمييدوا اللييه عييز وجييل‪،‬‬
‫ثم قالوا يا ابن الخطاب أبشر فييإن رسييول اللييه صييلى اللييه‬
‫عليه وسلم دعا يوم الثنييين فقييال‪» :‬اللهييم أعييز السييلم بأحييد‬
‫الرجلين إما عمرو بن هشام وإما عمر بن الخطاب«‪ ،‬وإنا نرجو‬
‫أن تكون دعوة رسول الله صلى الله عليييه وسييلم لييك فأبشيير‪،‬‬
‫قال‪ :‬فلما عرفوا مني الصدق قلت لهم‪ :‬أخبروني بمكان رسول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم فقالوا‪ :‬هو في بيت في أسفل الصفا‬
‫وصفوه‪ ،‬فخرجت حتى قرعت الباب قيل‪ :‬من هيذا؟ قليت‪ :‬ابين‬
‫الخطاب‪ ،‬قال‪ :‬وقد عرفوا شدتي على رسييول اللييه صييلى اللييه‬
‫عليه وسلم ولم يعلموا بإسلمي فما اجترأ أحييد منهييم أن يفتييح‬
‫الباب‪ ،‬فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم »افتحوا له فييإنه‬
‫إن يرد الله به خيييرا ً يهييده«‪ ،‬ففتحييوا لييي وأخييذ رجلن بعضييدي‬
‫حتى دنوت من النبي صلى الله عليه وسلم فقييال‪» :‬أرسييلوه«‪،‬‬
‫فأرسلوني فجلست بين يديه فأخذ بمجمع قميصي فجبذني إليه‬
‫ثم قال‪» :‬أسلم يا ابن الخطاب اللهم اهده«‪ ،‬قال‪ :‬قلت‪ :‬أشييهد‬
‫أن ل إله إل اللييه وأنييك رسييول اللييه‪ ،‬فكب ّيير المسييلمون تكييبيرة‬
‫سييييييييييييييييييييمعت بطييييييييييييييييييييرق مكيييييييييييييييييييية‪.‬‬
‫وكان إسلم عمر في السنة السادسة من النبوة‪ ،‬وكييان فييي‬
‫السادسة والعشرين من عميره بعيد إسيلم حمييزة بثلثيية أيييام‪،‬‬
‫وسماه رسول الله الفاروق لنه لمييا أسييلم قييال لرسييول اللييه‪:‬‬
‫ألسنا على الحق إن متنا أو حيينا؟ قييال‪» :‬بلييى‪ ،‬والييذي نفسييي‬
‫بيده إنكم لعلى الحق إن متييم أو حييتييم«‪ ،‬قييال‪ :‬فقلييت‪ :‬ففيييم‬
‫الختفاء؟ والذي بعثييك بييالحق لتخرجيين‪ ،‬فأخرجنيياه فييي صييفين‬

‫حمزة في أحدهما وأنا في الخر حتى دخلنييا المسييجد فنظييرت‬
‫ماني‬
‫ي قريش وإلى حمزة فأصابتهم كآبة لم يصبها مثلها‪ ،‬فس ّ‬
‫إل ّ‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسييلم الفيياروق‪ ،‬وفييرق بييين الحييق‬
‫والباطل‪ .‬قال عميير رضييي اللييه عنييه‪ :‬لمييا أسييلمت تلييك الليليية‬
‫تذكرت أيّ أهل مكة أشد لرسول الله صييلى اللييه عليييه وسييلم‬
‫عداوة حتى آتيه فيأخبره أنيي أسيلمت‪ ،‬قيال‪ :‬قليت‪ :‬أبيو جهيل‪،‬‬
‫ي أبييو‬
‫فأقبلت حين أصبحت حييتى ضييربت عليييه بييابه فخييرج إل ي ّ‬
‫جهل‪ ،‬فقال‪ :‬مرحبا ً ما جاء بك؟ قييال‪ :‬جئت لخييبرك أنييي آمنييت‬
‫بالله وبرسوله محمد وصدقت بما جيياء بيه‪ ،‬فضييرب البياب فيي‬
‫وجهي وقال‪ :‬قّبحك الله وقّبح مييا جئت بييه‪ ،‬فكييان إسييلم عميير‬
‫ضييييييييييربة قاضييييييييييية علييييييييييى أبييييييييييي جهييييييييييل‪.‬‬
‫ول شك أن عمر رضي الله عنه قد أسلم لما قييرأ آي الييذكر‬
‫الحكيييم مييع أنييه كييان قبييل إسييلمه يعييذب جارييية بنييي مؤمييل‬
‫لسلمها أشد العذاب بل رحمة ول شفقة ول يتركهييا إل إذا ميي ّ‬
‫ل‬
‫وك ّ‬
‫ل‪ ،‬وهذا يييدل علييى أنيه كيان شيديد البغيض للسيلم‪ ،‬شييديد‬
‫التعصب لدينه‪ ،‬وقد تعييدى علييى أختييه وشييجها‪ ،‬ولييم يكيين أحييد‬
‫يتصييور أن صيياحب هييذا الخلييق الشييديد الحييانق علييى السييلم‬
‫والمسلمين والمعتدي على الرجال والنساء بالتعذيب والضييرب‬
‫يسلم بمجرد قراءته آي القرآن‪ ،‬نعم لم يكيين َأحييد يتصييور ذلييك‬
‫لكن لما كان القييرآن ليييس كلم البشيير بييل كلم اللييه سييبحانه‬
‫وتعالى كان له تأثير عجيب في النفوس‪ ،‬ول بد أن سامعه يييرق‬
‫قلبه مهما كان قاسيييًا‪ ،‬لييذلك ليم يسيع عمير بيين الخطياب هيذا‬
‫العربي الصميم إل العتراف بأن ميا تله هيو كلم الليه سيبحانه‬
‫وتعالى وليس في استطاعة البشر التيان بمثله فصدق بما جاء‬
‫به محمد صييلى اللييه عليييه وسييلم وإن فييي ذلييك لعييبرة لولييي‬
‫اللباب‪ ،‬وعميير رضييي اللييه عنييه ثيياني الخلفيياء الراشييدين وقييد‬
‫ضييييييييرب المثييييييييل العلييييييييى بعييييييييدله وزهييييييييده‪.‬‬
‫ي رضي الله عنه‪ :‬ما علمت أحدا ً هاجر إل مختفيييا ً إل‬
‫قال عل ّ‬
‫م بالهجرة تقلد سيفه وتنكب قوسه‬
‫عمر بن الخطاب فإنه لما ه ّ‬
‫وانتضى في يده سهمًا‪ ،‬وأتييى الكعبيية وأشييراف قريييش بفنائهييا‬
‫فطاف سبعا ً ثم صلى ركعتين عند المقام ثم أتى حلقهم واحييدة‬
‫واحدة وقال‪ :‬شاهت الوجوه‪ ،‬من أراد أن تثكله أمه وييّتم ولييده‬

‫وترمييييييل زوجتييييييه فليلحقنييييييي وراء هييييييذا الييييييوادي‪k.‬‬
‫فمييييييييييييييا تبعييييييييييييييه أحييييييييييييييد منهييييييييييييييم‪.‬‬
‫ومن مناقب عمر بن الخطاب العظيميية رضييي اللييه عنييه أن‬
‫اليييوحي نيييزل عليييى وفيييق قيييوله فيييي آييييات كيييثيرة منهيييا‪:‬‬
‫‪ - 1‬آييييييية أخييييييذ الفييييييداء عيييييين أسييييييارى بييييييدر‪.‬‬
‫‪ - 2‬آييييييييييييييييييية تحريييييييييييييييييييم الخميييييييييييييييييير‪.‬‬
‫‪ - 3‬آييييييييييييييييييية تحويييييييييييييييييييل القبليييييييييييييييييية‪.‬‬
‫‪ - 4‬آيييييييييييية أمييييييييييير النسييييييييييياء بالحجييييييييييياب‪.‬‬
‫‪ - 5‬النهي عن القيييام علييى قييبر ميين مييات ميين المنييافقين‪.‬‬
‫وطعن عمر رضي الله عنه يوم الربعاء لربع ليال بقين ميين‬
‫دفيين يييوم‬
‫شهر ذي الحجة سيينة ثلث وعشييرين ميين الهجييرة‪ ،‬و ُ‬
‫الحد هلل المحرم سنة أربييع وعشييرين )يوافييق سيينة ‪ 644‬م(‬
‫وهيييو ابييين ثلث وسيييتين سييينة عليييى الصيييحيح المشيييهور‪.‬‬
‫والذي طعن عمر‪ :‬العلج أبو لؤلييؤة فيييروز غلم المغيييرة بيين‬
‫شعبة وهو قييائم فييي صييلة الصييبح حييين أحييرم بالصييلة طعنييه‬
‫بسكين ذات طرفين فضربه في كتفه وخاصييرته‪ ،‬وقيييل‪ :‬ضييربه‬
‫دعي‬
‫ضربات‪ ،‬فقال‪ :‬الحمد لله الذي لم يجعل منيتي بيد رجل ييي ّ‬
‫السلم‪ .‬والظاهر أن العلج هذا كان مجنونا ً لنه طعن مييع عميير‬
‫ثلثة عشر رج ً‬
‫ل‪ ،‬توفي منهم سبعة وعاش الباقون‪ ،‬ولمييا أحييس‬
‫أنييييييييييييييه مقتييييييييييييييول قتييييييييييييييل نفسييييييييييييييه‪.‬‬
‫وكانت خلفته ‪ -‬رضي الله عنه ‪ -‬عشر سنين وخمسة أشييهر‬
‫وأحدا ً وعشرين يومًا‪ ،‬وثبت في »صييحيح البخيياري« وغيييره أنييه‬
‫ي بن كعب‬
‫أول من جمع الناس لصلة التراويح فجمعهم على أب ّ‬
‫بن قيس رضي الله عنه‪ ،‬وأجمييع المسييلمون فييي زمنييه وبعييده‬
‫ي رضييي اللييه عنييه أنييه ميّر علييى‬
‫على استحبابها‪ ،‬وُروي عن عل ّ‬
‫ور الله على عمر‬
‫المساجد في رمضان وفيها القناديل فقال‪» :‬ن ّ‬
‫ور علينيييييييييا مسييييييييياجدنا«‪.‬‬
‫قيييييييييبره كميييييييييا نييييييييي ّ‬
‫قال الغزالييي رحمييه اللييه‪ :‬لمييا ولييي عميير رضييي اللييه عنييه‬
‫الخلفة‪ ،‬كييانت لييه زوجيية يحبهييا فطلقهييا خيفيية أن تشييير عليييه‬
‫بشفاعة في باطل فيطيعها ويطلب رضاها‪ ،‬وذلك لشدة تمسكه‬
‫بالعييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييدل‪.‬‬

‫الهجييييييييييييرة الثانييييييييييييية إلييييييييييييى الحبشيييييييييييية‬
‫لما قييدم أصييحاب النييبي صييلى اللييه عليييه وسييلم مكيية ميين‬
‫الهجرة الولييى ‪ -‬بسييبب إسييلم عميير وإظهييار السييلم ‪ -‬اشييتد‬
‫عليهم قومهم وسطت بهم عشيائرهم ولقيوا منهيم أذى شيديدا ً‬
‫فأذن لهم رسول الله صلى الله عليه وسييلم فييي الخييروج إلييى‬
‫أرض الحبشة مرة ثانية‪ ،‬فكانت خرجتهم الخرة أعظمها مشقة‬
‫ولقوا من قريش تعنيفا ً شديدا ً ونالوهم بالذى واشتد ّ عليهييم مييا‬
‫بلغهم عن النجاشي من حسن جواره لهم‪ ،‬وتخوفوا ميين حماييية‬
‫دولة أجنبية قوية للمسلمين المهاجرين‪ .‬فقال عثمان‪ :‬يا رسول‬
‫الله فهجرتنا الولى وهذه الخييرة إلييى النجاشييي ولسييت معنييا‪،‬‬
‫ي لكييم هاتييان‬
‫فقال رسول الله‪» :‬أنتم مهاجرون إلييى اللييه وإل ي ّ‬
‫الهجرتان جميعًا«‪ ،‬قال عثمان‪ :‬فحسييبنا يييا رسييول اللييه‪ ،‬وكييان‬
‫عدة من خرج في هذه الهجرة من الرجييال ثلثيية وثمييانين رجل ً‬
‫ومن النساء إحدى عشرة امرأة قرشية وسييبعا ً غييرائب‪ ،‬فأقييام‬
‫المهاجرون بأرض الحبشة عند النجاشي في أحسن جوار‪ ،‬فلمييا‬
‫سمعوا بمهاجر رسول الله صلى الله عليه وسييلم إلييى المدينيية‬
‫رجع منهم ثلثة وثلثون رجل ً ومن النسيياء ثميياني نسييوة فمييات‬
‫منهيييييم رجلن بمكييييية وحبيييييس بمكييييية سيييييبعة نفييييير‪.‬‬
‫حصار ال ّ‬
‫شعب وخبر الصحيفةي مقاطعة رسول الله وأتباعه ‪-‬‬
‫لما رأت قريييش أن أصييحاب رسييول اللييه صييلى اللييه عليييه‬
‫وسلم قد نزلوا بلدا ً أصابوا به أمنا ً وقرارا ً وأن النجاشي قد منييع‬
‫من لجأ إليه منهييم وأن عميير قييد أسييلم فكييان هييو وحمييزة مييع‬
‫رسول الله صلى الله عليييه وسييلم وجعييل السييلم ينتشيير فييي‬
‫القبائل‪ ،‬اجتمعوا وائتمروا أن يكتبوا كتابا ً يتعاقدون فيه على بني‬
‫هاشييم وبنييي المطلييب علييى أل ينيياكحوهم ول يبييايعوهم ول‬
‫يخالطوهم ول يقبلوا منهم صلحا ً أبدا ً ول تأخذهم بهم رأفة حييتى‬
‫يسلموا رسول الليه للقتيل‪ ،‬أعنيي أنهيم اتفقيوا وتعاهيدوا عليى‬
‫مقاطعتهم مقاطعة تامة انتقاما ً منهم لسييلمهم ودفيياعهم عيين‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم وكتبوا بييذلك صييحيفة توكيييدا ً‬

‫لنفسهم وعلقوها في جوف الكعبة هلل المحرم سنة سبع من‬
‫النبوة )‪ 617‬م(‪ ،‬وكانت الصحيفة مكتوبة بخط بغيض ابن عييامر‬
‫بن هاشم فدعا عليه رسول الله صلى اللييه عليييه وسييلم فشييل‬
‫يده‪ ،‬وانحاز بنو المطليب بين عبيد منياف إليى أبيي طيالب فيي‬
‫شعبه مع بني هاشم وخرج أبو لهب إلى قريش فظاهرهم على‬
‫بني هاشم وبني المطلب وقطعوا عنهم الميرة والمييادة فكييانوا‬
‫ل يخرجون إل من موسم إلى موسم حتى بلغييوا الجهييد وسييمع‬
‫أصوات صبيانهم من وراء الشعب‪ ،‬فمن قريش من سييره ذلييك‬
‫ومنهم ميين سيياءه وقييال‪ :‬انظييروا مييا أصيياب بغيييض بيين عييامر‬
‫فأقاموا في الشعب ثلث سنين حييتى أنفيق رسييول الليه صيلى‬
‫الله عليه وسلم ماله وأنفييق أبييو طييالب ميياله وأنفقييت خديجيية‬
‫مالها وصاروا إلى حد الضر والفاقة‪ ،‬ثم أطلع الله رسييوله علييى‬
‫أمر صحيفتهم وأن الَرضة قد أكلت ما كان فيها من جور وظلم‬
‫وبقي ما كان فيها من ذكر الله‪ ،‬فييذكر ذليك رسييول الليه صيلى‬
‫الله عليه وسلم لبي طالب فييذكر أبييو طييالب لخييوته وخرجييوا‬
‫إلى المسجد‪ ،‬فقال أبو طالب لكفار قريييش‪ :‬إن ابيين أخييي قييد‬
‫أخييبرني ‪ -‬ولييم يكيين يكييذبني ‪ -‬قييط أن اللييه قييد س يّلط علييى‬
‫صحيفتكم الرضة فلحست مييا كييان فيهييا ميين جييور أو ظلييم أو‬
‫قطيعة رحم وبقي ما كان فيها من ذكر الله‪ ،‬فإن كان ابن أخييي‬
‫صيييادقا ً نزعتيييم عييين سيييوء رأيكيييم وإن كيييان كاذبيييا ً دفعتيييه‬
‫إليكم فقتلتموه أو استحييتموه‪ .‬قالوا‪ :‬قييد أنصييفتنا فأرسييلوا‬
‫إلى الصحيفة ففتحوها فإذا هي كما قال رسول الله صييلى اللييه‬
‫عليه وسلم فسقط في أيديهم ونكسوا على رؤوسهم‪ ،‬فقال أبو‬
‫طييالب‪ :‬علم نحبييس ونحصيير وقييد بييان الميير؟ ثييم دخييل هييو‬
‫وأصحابه بين أستار الكعبة والكعبيية فقييال‪ :‬اللهييم انصييرنا مميين‬
‫ظلمنا وقطع أرحامنا واستحل ما يحرم الله منا ثم انصرفوا إلى‬
‫الشعب‪ .‬وتلوم رجال من قريش علييى مييا صيينعوا ببنييي هاشييم‬
‫وكان فيهم مطعم بن عدي وعدي بن قيس وزمعيية بيين السييود‬
‫وأبو البختري بن هاشم وزهير بن أبي أمية فلبسييوا السييلح ثييم‬
‫خرجوا إلى بني هاشم وبنييي المطلييب فييأمروهم بييالخروج إلييى‬
‫مسيياكنهم ففعلييوا‪ ،‬فلمييا رأت قريييش ذلييك سييقط فييي أيييديهم‬
‫وعرفوا أن لن يسلموهم وكان خروجهم من الشعب في السيينة‬

‫العاشييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييرة‪.‬‬
‫وفي »سيرة ابن هشام« أنهم أقاموا عل ذلك سنتين أو ثلثا ً‬
‫حتى جهدوا ل يصل إليهم شيء إل سييرا ً مسييتخفيا ً بييه ميين أراد‬
‫صلتهم من قريش‪ ،‬وقد كان أبو جهل بين هشييام فيمييا يييذكرون‬
‫لقي حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد معييه غلم يحمييل قمح يا ً‬
‫يريد به عمته خديجة بنت خويلد وهي عند رسول الله ومعه في‬
‫الشعب فتعلق به وقال‪ :‬أتذهب بالطعام إلى بني هاشم؟ واللييه‬
‫ل تبرح أنت وطعامك حتى أفضحك بمكيية‪ ،‬فجيياءه أبييو البخييتري‬
‫وقال‪ :‬طعام كان لعمته عنده بعثت إليه فيييه أفتمنعييه أن يأتيهييا‬
‫بطعامها؟ خ ّ‬
‫ل سبيل الرجل‪ ،‬فأبى أبييو جهييل حييتى نييال أحييدهما‬
‫من صاحبه‪ ،‬فأخييذ أبييو البخييتري لحييي بعييير فضييربه بييه فشييجه‬
‫ووطئه وطئا ً شديدا ً وحمزة بن عبد المطلييب قريييب يييرى ذلييك‬
‫وهم يكرهون أن يبلغ ذلك رسول اللييه صييلى اللييه عليييه وسييلم‬
‫وأصحابه فيشمتوا بهم‪ ،‬ورسول الله على ذلك يييدعو قييومه ليل ً‬
‫ونهارا ً وسييرا ً وجهييارا ً مبادييا ً بييأمر اللييه ل يتقييي فيييه أحييدا ً ميين‬
‫الناس‪ .‬هذا ومن المييدهش أن مرجوليييوث يقييول‪ :‬إن أبييا جهييل‬
‫كان مشهورا ً بالعقل والذكاء‪ ،‬وهل تييدري لميياذا أيهييا القييارىء؟‬
‫لنه كان معاديا ً لرسول الله لن أعماله وصفاته التي ذكرناهييا ل‬
‫تدل على أنه كان عاقل ً ذكيًا‪ .‬إن النبي صييلى اللييه عليييه وسييلم‬
‫كان يدعو العرب إلييى مييا فيييه خيرهييم وسييعادتهم فييي دنييياهم‬
‫وأخراهم‪ ،‬كان يدعو إلييى عبييادة اللييه الواحييد‪ ،‬وإلييى نبييذ عبييادة‬
‫الحجييارة‪ ،‬ومعنييى ذلييك أنييه كييان يعمييل علييى انتشييالهم ميين‬
‫النحطاط الديني الذي كييانوا غييارقين فيييه ورفعهييم إلييى أعلييى‬
‫المراتب وأسييمى العقييائد‪ ،‬وعييدا ذلييك فقييد كييان عليييه الصييلة‬
‫والسلم يهييذبهم ويعلمهييم مكييارم الخلق ويبييث فييي نفوسييهم‬
‫الداب الجتماعية العالية‪ ،‬فهييل يقييال عيين رجييل اتصييف بشييدة‬
‫عداوة لرسول اللييه صييلى اللييه عليييه وسييلم إنييه عاقييل ثييم إن‬
‫مرجوليوث يظهر حنقه على من أسلموا ول سيما إذا كانوا ميين‬
‫البطييييال الشييييداء فيرميهييييم بأوصيييياف ذميميييية منفييييرة‪.‬‬
‫الطفيييل بيين عمييرو الدوسيشيياعر يحكييم عقلييه ويسييلم‬

‫كانت قريييش إذا سييمعت بقييدوم أحييد ميين العييرب يقييابلونه‬
‫ويحذرونه من رسول الله ويصفونه بكل نقيصة خشية أن يسلم‬
‫ويعود إلى بلده ويدعوهم إلى السلم‪ ،‬لكن الطفيل بيين عمييرو‬
‫الدوسي لم يعبأ بتحذيرهم بل حكم عقله وتقابل مع رسول الله‬
‫وسمع منه القرآن فكر فيييه وتييذوقه لنييه شيياعر فأسييلم وهييذه‬
‫قصييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييته‪:‬‬
‫هو الطفيل بن عمرو بيين طريييف بيين العيياص بيين ثعلبيية بيين‬
‫سليم بن فهم بن غنم بيين دوس بيين عييدنان بيين عبييد اللييه ابيين‬
‫زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بيين نصيير بيين‬
‫الزد الدوسييييييييييييييييي‪ُ ،‬يلقييييييييييييييييب ذا النييييييييييييييييون‪.‬‬
‫كان الطفيل بن عمرو الدوسي يحدث أنه قدم مكة ورسييول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم فمشى إليه رجال من قريييش وكييان‬
‫الطفيل شريفا ً شاعرا ً لبيبًا‪ ،‬فقالوا‪ :‬يا طفيل إنييك قييدمت بلدنييا‬
‫وهذا الرجل بين أظهرنا قد أعضل بنا وفرق جماعتنا وإنما قوله‬
‫كالحر يفرق بين الرجل وبين أبيه‪ ،‬وبين الرجل وبين أخيه‪ ،‬وبينه‬
‫وبييين زوجيه‪ ،‬وإنمييا نخشييى عليييك وعلييى قومييك فل تكلميه ول‬
‫تسمع منه‪ ،‬قال‪ :‬فوالله ما زالوا بي حييتى أجمعييت أن ل أسييمع‬
‫منه شيئا ً ول أكلمه حتى حشوت أذني كرسفًا‪ ،‬فرق يا ً أن يبلغنييي‬
‫من قوله وأنا أريد أن ل أسمعه‪ ،‬قال‪ :‬فغدوت إلى المسجد فإذا‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي عند الكعبة‪ ،‬قييال‪:‬‬
‫فقمت قريبا ً منه فأبى الله إل أن يسمعني قوله‪ ،‬فسمعت كلما ً‬
‫حسنًا‪ ،‬فقلت في نفسي‪ :‬واثكل أمي‪ ،‬واللييه إنييي لرجييل شيياعر‬
‫ي الحسن من القبيييح فمييا يمنعنييي أن أسييمع‬
‫لبيب ما يخفى عل ّ‬
‫من هذا الرجل ما يقول؟ إن كيان الييذي ييأتي حسيينا ً قبلتيه وإن‬
‫كان قبيحا ً تركته‪ ،‬فمكثت حتى انصرف رسيول الليه صيلى الليه‬
‫عليه وسلم إلى بيتييه فيياتبعته حييتى إذا دخييل بيتييه دخلييت عليييه‬
‫فقلت‪ :‬يا محمد إن قومك قالوا لي كذا وكذا ثم إن الله أبييى إل‬
‫ي أمييرك‪.‬‬
‫أن أسييمع قولييك فسييمعت قييول ً حسيينا ً فييأعرض عل ي ّ‬
‫ي القرآن مييا سييمعت قييول ً قي ّ‬
‫ط‬
‫ي السلم وتل عل ّ‬
‫فعرض عل ّ‬
‫أحسن منه ول أمرا ً أعدل منه فأسلمت وقلت‪ :‬يييا رسييول اللييه‬
‫إني امرؤ مطاع في قومي وأنا راجع إليهم وداعيهم إلى السلم‬

‫فادع الله أن يجعل لي آية تكون لي عونا ً عليهييم فيمييا أدعييوهم‬
‫إليه‪ ،‬فقال‪ :‬اللهم اجعل له آية‪ ،‬قال‪ :‬فخرجت إلى قييومي حييتى‬
‫إذا كنت بثنية تطلعني على الحاضيير وقييع نييور بييين عينييي مثييل‬
‫المصباح فقلت‪ :‬اللهم في غير وجهي فييإني أخشييى أن يظنوهييا‬
‫مث َْلة لفراقي دينهم فتحولت في رأس سييوطي فجعييل الحاضيير‬
‫ُ‬
‫يتراءون ذلك في النور في سوطي كالقنديل المعلق وأنا أهبييط‬
‫إليهم من الثنية فلما نزلت أتاني أبي وكان شيخا ً كييبيرا ً فقلييت‪:‬‬
‫إليك عني يا أبت فلست منك ولست مني‪ ،‬قال‪ :‬ولييم أي بنييي؟‬
‫ي ميين ذي الشييرى ‪ -‬صيينم‬
‫قلت‪ :‬إني أسلمت‪ ،‬وقال‪ :‬أُيخاف عل ّ‬
‫لهم ‪ ،-‬فقلت‪ :‬ل‪ ،‬أنا ضامن لذلك‪ ،‬ثم دعوت دوسا ً فأبطييأوا عيين‬
‫السلم‪ ،‬فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليييه وسييلم بمكيية‬
‫فقلت‪ :‬يا رسييول اللييه قييد غلبنييي علييى دوس الزنييا فييادع اللييه‬
‫ي‪ ،‬ارجع إلى قومييك فييادعهم‬
‫عليهم‪ ،‬فقال‪» :‬اللهم اهد دوسا ً إل ّ‬
‫وارفييق بهييم«‪ ،‬قييال‪ :‬فرجعييت فلييم أزل بييأرض قييومي دوس‬
‫أدعوهم إلى السلم حتى هيياجروا إلييى النييبي صيلى الليه علييه‬
‫ُ‬
‫حدا ً والخندق ثم قييدمت علييى‬
‫وسلم إلى المدينة وقضى بدرا ً وأ ُ‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن أسييلم معييي ميين قييومي‬
‫ورسول الله صلى الله عليه وسييلم بخيييبر حييتى نزلييت المدينيية‬
‫بسبعين أو ثمانين بيتا ً من دوس ثييم لحقنييا برسييول اللييه صييلى‬
‫الله عليه وسلم بخيبر فأسهم لنا مع المسلمين‪ ،‬ثم لم أزل مييع‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى فتح الله عز وجييل عليييه‬
‫مكة فقلت‪ :‬يا رسول الله ابعثني إلى ذي الكفين ‪ -‬صيينم عمييرو‬
‫بن حممة ‪ -‬حتى ُأحّرقه‪ ،‬فخرج إليييه فجعييل طفيييل يقييول وهييو‬
‫يحرقييييييييييييييه وكييييييييييييييان ميييييييييييييين خشييييييييييييييب‪:‬‬
‫ييييييييييا ذا الك ََفْيييييييييين لسيييييييييت مييييييييين عّبادكيييييييييا‬
‫ميلدنيييييييييييييا أقيييييييييييييدم مييييييييييييين ميلدكيييييييييييييا‬
‫إنيييييييييي حشيييييييييوت النيييييييييار فيييييييييي فؤادكيييييييييا‬
‫ثم رجع طفيل إلى رسول الله صلى الله عليه وسييلم فكييان‬
‫معه بالمدينة حتى قبض اللييه رسييوله صييلى اللييه عليييه وسييلم‬
‫وفييييييييييياة أبيييييييييييي طيييييييييييالب سييييييييييينة ‪ 620‬م‬

‫كان أبو طالب بن عبد المطلب من أشيد النياس دفاعيا ً عين‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن نفسه لم تطيياوعه علييى‬
‫اعتناق السلم وفراق دين آبائه‪ُ ،‬روي أن النبي صلى الله عليييه‬
‫وسلم قال‪» :‬ما زالييت قريييش كاعيية عنييي حييتى مييات عمييي«‬
‫وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحب أن يسلم عمييه لنييه هييو‬
‫اليييذي كفليييه وذاد عنيييه إليييى آخييير لحظييية مييين حيييياته‪.‬‬
‫ولما اشتد مرضه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم »يييا‬
‫عم‪ ،‬قلها أستحل لييك بهييا الشييفاعة يييوم القياميية« ‪ -‬يعنييي قييل‬
‫الشهادة ‪ ،-‬فقال له أبو طالب‪ :‬يا ابن أخي لول مخافيية المسييبة‬
‫وأن تظن قريش إنما قلتها جزعا ً من الموت لقلتها‪ ،‬فأنزل اللييه‬
‫ك ل َ تهدى م َ‬
‫تعالى‪} :‬إ ِن ّ َ‬
‫ميين ي َ َ‬
‫شييآء{‬
‫ه ي َهْي ِ‬
‫َْ ِ‬
‫نأ ْ‬
‫دى َ‬
‫ن الل ّي َ‬
‫حب َب ْ َ‬
‫ت وَل َك ِي ّ‬
‫َ ْ‬
‫)القصص‪ ،(56 :‬قال الزجاج‪ :‬أجمع المسلمون على أنهييا نزلييت‬
‫في أبي طالب حين عرض عليه رسول الليه أن يقييول ل إليه إل‬
‫الله فأبى أن يقولها خشية أن تعّيره قريش على أن الذي منعييه‬
‫من السلم هو خوف الملم والشتم وأنه فارق دين آبييائه واتبييع‬
‫دين ابن أخيه وقد رباه صغيرًا‪ ،‬فالمشهور أنه مات كييافرا ً وكييان‬
‫ي وعقيييل وطييالب وأم هييانىء واسييمها‬
‫له من الولد جعفر وعلي ّ‬
‫فاختة وجمانة وكلهم أعقييب إل طالبيًا‪ ،‬وكييان أبييو طييالب أعييرج‬
‫وتوفي بعد النبوة بعشر سنين وقبل الهجييرة بثلث سيينين بالغيا ً‬
‫من العمر نحو ثمانين سنة ‪ ،‬وقالت الشيعة‪ :‬إن أبا طالب مييات‬
‫مسييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييلمًا‪.‬‬
‫وفي »أسد الغابة«‪ :‬لما اشتد بأبي طييالب مرضييه دعييا بنييي‬
‫عبد المطلب فقال‪ :‬إنكم لن تزالوا بخير ما سمعتم قول محمييد‬
‫واتبعتيييييييم أميييييييره فييييييياتبعوه وصيييييييدقوه ترشيييييييدوا‪.‬‬
‫ولما مات أبو طالب قييال لييه رسييول اللييه صييلى اللييه عليييه‬
‫وسلم »رحمك الله وغفر لك ل أزال أسييتغفر لييك حييتى ينهيياني‬
‫الله«‪ ،‬فأخذ المسلمون يستغفرون لموتيياهم الييذين ميياتوا وهييم‬
‫مييا َ‬
‫مُنييوا ْ َأن‬
‫ى َواّليي ِ‬
‫كييا َ‬
‫ن ءا َ‬
‫مشييركون فييأنزل اللييه‪َ } :‬‬
‫ذي َ‬
‫ن ِللن ِّبيي ّ‬
‫ُ‬
‫ن وَل َوْ َ‬
‫م ْ‬
‫م‬
‫كاُنوا ْ أوِْلى قُْرَبى ِ‬
‫شرِ ِ‬
‫يَ ْ‬
‫ن ل َهُ ي ْ‬
‫من ب َعْدِ َ‬
‫ست َغِْفُروا ْ ل ِل ْ ُ‬
‫ما ت َب َي ّ َ‬
‫كي َ‬
‫أ َنهييييييييي َ‬
‫م{ )التوبييييييييية‪.(113 :‬‬
‫ج ِ‬
‫ب ال ْ َ‬
‫ح ُ‬
‫صييييييييي َ‬
‫ْ‬
‫مأ ْ‬
‫ُّ‬
‫حيييييييييي ِ‬
‫وفييييييييييييييييياة خديجييييييييييييييييية سييييييييييييييييينة ‪620‬م‬

‫توفيت خديجة زوجة رسول الله بعد أبي طييالب بثلثيية أيييام‪،‬‬
‫وقيل بأكثر من ذلك‪ ،‬في شهر رمضان قبل الهجرة بثلث سنين‬
‫ولها خمس وستون سنة وكان مقامها مع رسول الله صلى الله‬
‫عليه وسيلم بعييدما تزوجهيا أربعيا ً وعشييرين سيينة وسيتة أشيهر‬
‫ودفنها رسول الله صلى اللييه عليييه وسييلم بييالحجون ولييم تكيين‬
‫الصلة على الجنائز يومئذ‪ ،‬وحزن عليها النبي ونزل في حفرتها‪،‬‬
‫وتتابعت على رسول الله بموت أبي طييالب وخديجيية المصييائب‬
‫لنهما كانا من أشد المعضدين لييه المييدافعين عنييه‪ ،‬فاشييتد أذى‬
‫قريش عليه حتى نثر بعضهم التراب على رأسه وطرح بعضييهم‬
‫عليه سلى الشاة وهو يصلي ‪ -‬السلى الجلدة الييتي يكييون فيهييا‬
‫سمي العام الذي مات فيه أبييو طييالب وخديجيية ‪ -‬عييام‬
‫الولد ‪ -‬و ُ‬
‫س رسول الله محبته لخديجة بعييد وفاتهييا وكييان‬
‫الحزن ‪ -‬ولم ين َ‬
‫دائما ً يثني عليها ولم يتزوج عليها حييتى ميياتت إكراميا ً لهييا‪ ،‬وقييد‬
‫كييانت مثييال الزوجيية الصييالحة الوفييية‪ ،‬فبييذلت نفسييها ومالهييا‬
‫لرسييييول اللييييه وصييييدقته حييييين نييييزل عليييييه الييييوحي‪.‬‬
‫سيييييييييييييييييييفره إليييييييييييييييييييى الطيييييييييييييييييييائف‬
‫الطائف بلدة في الحجاز على مسافة ‪ 65‬ميل ً جنوبيا ً شييرقيا ً‬
‫من مكة‪ ،‬وهي مشهورة بجودة مناخها وخصب أرضها وفواكهها‪،‬‬
‫ول سيما العنب والييبرقوق والرمييان والخييوخ وبهييا مييياه جارييية‬
‫ويضرب بعنبها المثل في الحسيين وربمييا جمييد الميياء فيهييا فييي‬
‫الشتاء‪ ،‬والجبل الذي هي عليه يقال له ‪ -‬غزوان ‪ -‬وهي مصيييف‬
‫أغنياء مكة‪ ،‬ومقر عبادة العزى وقد سافر إليها النبي صلى اللييه‬
‫عليه وسلم لثلث بقين من شوال سنة عشر من المبعث )يناير‬
‫ فبراير سنة ‪ 620‬م( ومعه موله زيييد بيين حارثيية يلتمييس ميين‬‫ثقيف النصرة فعمد إلى جماعة من أشراف ثقيف ودعاهم إلييى‬
‫الله فقال واحد منهم‪ :‬أما وجد الله أحييدا ً يرسيله غيييرك؟ وقييال‬
‫الخر‪ :‬والله ل أكلمك أبدا ً لنييك إن كنييت رسييول ً ميين اللييه كمييا‬
‫تقول لنييت أعظييم خطييرا ً ميين أن أرد عليييك الكلم ولئن كنييت‬
‫تكذب على الله ما ينبغي لي أن أكلمييك‪ ،‬وأغييروا بييه سييفهاءهم‬
‫وعبيدهم يسبونه ويرمونه بالحجارة ويصيحون بييه‪ ،‬حييتى اجتمييع‬
‫عليه الناس وألجأوه إلى حائط وقد أدمييوا رجليييه فلمييا اطمييأن‬

‫ورجع عنه السييفهاء قييال عليييه الصييلة والسييلم‪» :‬اللهييم إليييك‬
‫أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني علييى النيياس‪ ،‬اللهييم يييا‬
‫أرحيم الراحميين أنيت رب المستضيعفين وأنيت ربيي إليى مين‬
‫تكلني؟ إلى بعيد يتجّهمني أو إلى عدو ملكته أمري‪ ،‬إن لم يكيين‬
‫ي غضب فل أبالي ولكن عافيتييك هييي أوسييع‪ ،‬إنييي أعييوذ‬
‫بك عل ّ‬
‫بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات‪ ،‬وصيلح علييه أمير اليدنيا‬
‫والخرة من أن تنزل بي غضبك أو تحل بي سخطك لك العتييبى‬
‫حتى ترضى ل حول ول قوة إل بك«‪ .‬وهذا الدعاء مشهور بدعاء‬
‫الطائف‪ ،‬فلما رأى ابنا ربيعة عتبة وشيييبة مييا لقييي رسيول الليه‬
‫تحركييت لييه رحمهمييا فييدعوا لييه غلميا ً لهمييا نصييرانيا ً يقييال لييه‬
‫عداس‪ ،‬فقال له‪ :‬خييذ قطفيا ً ميين هييذا العنييب وضييعه فييي ذلييك‬
‫الطبق ثم اذهب به إلى ذلك الرجل فقل لييه يأكييل منييه‪ ،‬ففعييل‬
‫عداس ثم أقبل به حتى وضعه بين يدي رسول الليه فلمييا وضييع‬
‫رسول الله يده قال‪ :‬باسم الله‪ ،‬فنظيير عييداس إلييى وجهييه ثييم‬
‫قيييييييييييييال‪ :‬والليييييييييييييه إن هيييييييييييييذا الكلم ميييييييييييييا‬
‫يقوله أهل هذه البلدة‪ ،‬قال له رسول اللييه صييلى اللييه عليييه‬
‫وسلم »ومن أهل أي البلد أنت يا عداس وما دينك؟«‪ ،‬قال‪ :‬أنييا‬
‫نصراني وأنا رجل من أهل نينوى‪ ،‬فقيال ليه رسيول الليه صيلى‬
‫الله عليه وسلم »من قرية الرجييل الصييالح يييونس بيين مت ّييى«؟‬
‫قال له‪ :‬وما يدريك ما يونس بن متى؟ قييال رسييول اللييه صييلى‬
‫الله عليه وسلم »ذلك أخي كان نبيا ً وأنييا نييبي«‪ ،‬فييأكب عييداس‬
‫على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم يقّبل رأسييه ويييديه‬
‫ورجليه‪ ،‬فقال ابنا ربيعة أحدهما لصاحبه‪ :‬أما غلمك فقد أفسده‬
‫عليك‪ ،‬فلما جاءهما عداس قال له‪ :‬ويلك يا عداس ما لييك تقب ّييل‬
‫رأس هذا الرجل ويديه وقدميه؟ قال‪ :‬يا سيييدي مييا فييي الرض‬
‫خير من هذا الرجل‪ ،‬لقد خبرني بييأمر ل يعلمييه إل نييبي؟ فقييال‪:‬‬
‫ويحك يا عداس ل يصرفنك عن دينك فإن دينك خييير ميين دينييه‪.‬‬
‫ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم انصييرف ميين الطييائف‬
‫راجعا ً إلى مكة حين يئس من خير ثقيف فوجييد قييومه أشييد مييا‬
‫كانوا عليه من خلفه وفراق دينه إل قليل ً مستضعفين ممن آمن‬
‫به‪ ،‬وفي الطبري‪ :‬أن بعضييهم ذكيير أن رسييول اللييه صييلى اللييه‬
‫عليه وسلم لما انصرف من الطائف مريييدا ً مكيية ميير بييه بعييض‬

‫أهل مكة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم »هييل أنييت‬
‫مبلغ عني رسالة أرسلك بها؟«‪ ،‬قال‪ :‬نعم‪ ،‬قال‪» :‬ائت الخنييس‬
‫بن َ‬
‫شريق فقل له‪ :‬يقول لك محمد هل أنت مجيييري حييتى أبلييغ‬
‫رسالة ربي«؟ قييال‪ :‬فأتيياه فقييال لييه ذلييك‪ ،‬فقييال الخنييس‪ :‬إن‬
‫الحليف ل يجير على الصريح‪ ،‬فأتى النبي صلى الله عليه وسيلم‬
‫فأخبره‪ ،‬قال‪» :‬تعود؟«‪ ،‬قال‪ :‬نعم‪ ،‬قال‪» :‬ائت سهيل بن عمييرو‬
‫فقييل لييه‪ :‬إن محمييدا ً يقييول لييك‪ :‬هييل أنييت مجيييري حييتى أبلييغ‬
‫رسالت ربي؟« فأتاه فقال له ذلييك‪ ،‬فقييال‪ :‬إن بنييي عييامر بيين‬
‫لؤي ل تجير على بني كعب‪ ،‬فرجع إلى النييبي صييلى اللييه عليييه‬
‫وسلم فأخبره‪ ،‬قال‪» :‬تعود؟«‪ ،‬قال‪ :‬نعم‪ ،‬قييال‪» :‬ائت المطعييم‬
‫بن عدي فقل له إن محمدا ً يقول لك هل أنت مجيري حتى أبلغ‬
‫رسالت ربي؟« قال‪ :‬نعم‪ ،‬فليدخل‪ ،‬فرجع إليه الرجييل فييأخبره‪،‬‬
‫وأصيييييييبح المطعيييييييم قيييييييد لبيييييييس سيييييييلحه هيييييييو‬
‫وبنوه وبنو أخيه فدخلوا المسييجد‪ ،‬فلمييا رآه أبييو جهييل قييال‪:‬‬
‫أمجير أم متابع؟ قال‪ :‬بييل مجييير‪ ،‬قييال‪ :‬قييد أجرنييا ميين أجييرت‪،‬‬
‫فدخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة وأقام بها‪ ،‬فييدخل يوم يا ً‬
‫المسجد الحرام والمشركون عند الكعبة فلما رآه أبو جهل قال‪:‬‬
‫هذا نبيكم يا بني عبد مناف‪ ،‬قال عتبة بيين ربيعيية‪ :‬ومييا تنكيير أن‬
‫يكون منا نبي أو ملك؟ فأخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم‬
‫أو سمعه فأتاهم فقال‪» :‬أما أنت يا عتبيية بيين ربيعيية فييوالله مييا‬
‫حميت لله ول لرسوله ولكن حميت لنفك‪ ،‬وأما أنت يا أبا جهييل‬
‫فوالله ل يييأتي عليييك غييير كييبير ميين الييدهر حييتى تضييحك قليل ً‬
‫وتبكي كثيرًا‪ ،‬وأما أنتم يا معشر المل من قريش فوالله ل يييأتي‬
‫عليكم غير كييبير ميين الييدهر حييتى تييدخلوا فيمييا تنكييرون وأنتييم‬
‫كيييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييارهون«‪.‬‬
‫ويقال‪ :‬إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقييام بالطييائف‬
‫عشرة أيييام‪ ،‬وظيياهر أن الييذي دعيياه إلييى السييفر هييو التميياس‬
‫النصرة‪ ،‬ولكنهم خذلوه وما التمس النصرة من ثقيف إل بعد أن‬
‫تييوفي أبييو طييالب وخديجيية‪ ،‬أضييف إلييى ذلييك أن فريقييا ً ميين‬
‫المسييلمين هيياجروا إلييى الحبشيية‪ ،‬ولمييا عيياد ميين الطييائف لييم‬
‫يسييتطع دخييول مكيية إل بجييوار رجييل كييالمطعم بيين عييدي‪.‬‬

‫وفي رجوعه صلى الله عليه وسلم من الطائف م يّر بييه نفيير‬
‫من جن أهل نصيبين اليمن وهو يقرأ سييورة )الجيين( فاسييتمعوا‬
‫له وآمنوا به‪ ،‬ولم يشعر بهم صلى الله عليييه وسييلم حييتى نييزل‬
‫صَرفَْنآ إ ِل َي ْ َ‬
‫مييا‬
‫ست َ ِ‬
‫ن ال ُْق يْرءا َ‬
‫مُعو َ‬
‫ن يَ ْ‬
‫ن فَل َ ّ‬
‫ن ال ْ ِ‬
‫ك ن ََفرا ً ّ‬
‫عليه‪} :‬وَإ ِذ ْ َ‬
‫ج ّ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫ن{‬
‫ى وَل ّيوْا ْ إ ِل َييى قَيوْ ِ‬
‫مييا قُ ِ‬
‫ضُروهُ َقاُلوا ْ أن ِ‬
‫ح َ‬
‫َ‬
‫مِهم ّ‬
‫صيُتوا ْ فَل َ ّ‬
‫منيذِِري َ‬
‫ضي َ‬
‫)الحقييييييياف‪ ،(29 :‬وكيييييييانوا سيييييييبعة وقييييييييل أكيييييييثر‪.‬‬
‫السييييييييييييييراء والمعييييييييييييييراج سيييييييييييييينة ‪ 621‬م‬
‫كان السراء قبل الهجرة ب سنة ‪ ،‬وبه جيزم ابيين حييزم فيي‬
‫ليلة سبع وعشرين من شهر رجب وهو المشييهور وعليييه عمييل‬
‫الناس وكان ليلة الثنييين‪ ،‬وكييان بعييد خروجييه صييلى اللييه عليييه‬
‫وسييييييييييييييييييييلم إلييييييييييييييييييييى الطييييييييييييييييييييائف‪.‬‬
‫كان السراء إلى بيييت المقييدس والمعييراج إلييى السييموات‪،‬‬
‫وفرضييت عليييه فييي تلييك الليليية الصييلوات الخمييس وقييد ذكيير‬
‫السييييييييييييييييييييراء فييييييييييييييييييييي القييييييييييييييييييييرآن‪.‬‬
‫َ‬
‫جدِ‬
‫ن ال ّي ِ‬
‫حا َ‬
‫سب ْ َ‬
‫م ْ‬
‫ذى أ ْ‬
‫قال تعالى‪ُ } :‬‬
‫سي ِ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫س يَرى ب ِعَب ْيدِهِ ل َي ْل ً ّ‬
‫مي َ‬
‫ن ءاي َت ِن َييآ‬
‫ه ِ‬
‫صى ال ّ ِ‬
‫ذى َباَرك َْنا َ‬
‫ال ْ َ‬
‫م ْ‬
‫ه ل ِن ُرِي َ ُ‬
‫حوْل َ ُ‬
‫س ِ‬
‫حَرام ِ إ َِلى ال ْ َ‬
‫جدِ ال ْقْ َ‬
‫مي ْ‬
‫صييييييييُر{ )السيييييييراء‪.(1 :‬‬
‫ه ُ‬
‫ميعُ الب َ ِ‬
‫سييييييي ِ‬
‫هيييييييوَ ال ّ‬
‫إ ِّنييييييي ُ‬
‫واختلف في كيفية السراء فالكثرون من طوائف المسلمين‬
‫اتفقوا على أنه ُأسري بجسد رسول الله صلى الله عليه وسييلم‬
‫ُ‬
‫حكييي عيين محمييد بيين‬
‫والقلون قالوا‪ :‬إنه ما أسري إل بروحييه‪ُ ،‬‬
‫جرير الطبري في »تفسيره« عيين حذيفيية أنيه قييال‪ :‬ذلييك رؤيييا‬
‫وأنه ما فقد جسييد رسييول اللييه صييلى اللييه عليييه وسييلم وإنمييا‬
‫حكي هذا القول أيضا ً عن عائشة رضي الله عنها‬
‫أسري بروحه‪ُ ،‬‬
‫وعن معاوية رضي الله عنه وحديث عائشة ليييس بالثييابت لنهييا‬
‫لم تكن حينئذ زوجته‪ ،‬قال النسفي‪ :‬وكان السراء فييي اليقظيية‪،‬‬
‫وعن عائشة رضي الله عنهييا أنهييا قييالت‪ :‬واللييه مييا فقييد جسييد‬
‫رسول الله صلى اللييه عليييه وسييلم ولكيين عييرج بروحييه‪ ،‬وعيين‬
‫معاوية مثله وعلى الول الجمهور إذ ل فضيلة للحييالم ول مزييية‬
‫للنيييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييائم‪A.‬‬
‫واتفييق الكييثرون ميين طييوائف المسييلمين علييى أنيه أسييري‬
‫بجسد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصحيح‪ ،‬جاء فييي‬

‫»زاد المعييييييييييياد« لبييييييييييين قييييييييييييم الجوزيييييييييييية‪:‬‬
‫»وقد نقل ابن إسحاق عن عائشة ومعاوية أنهمييا قييال‪ :‬إنمييا‬
‫كييان السييراء بروحييه ولييم يفقييد جسييده‪ ،‬ونقييل عيين الحسيين‬
‫البصري نحو ذلك‪ ،‬ولكن ينبغييي أن يعلييم الفييرق بييين أن يقييال‪:‬‬
‫كييان السييراء منام يا ً وبييين أن يقييال‪ :‬كييان بروحييه دون جسييده‬
‫وبينهما فرق عظيم‪ ،‬وعائشة ومعاوية لم يقول كان منام يا ً وإنمييا‬
‫ري بروحه ولم يفقد جسده وفرق بين المرين‪ ،‬فييإن مييا‬
‫قال أس ِ‬
‫يييراه النييائم قييد يكييون أمثييال ً مضييروبة للمعلييوم فييي الصييور‬
‫المحسوسة فيرى كأنه قد عرج به إلى السماء أو ذهب بيه إلييى‬
‫مكة وأقطار الرض وروحييه لييم تصييعد ولييم تييذهب وإنمييا ملييك‬
‫الرؤيا ضرب له المثال‪ ،‬والذين قالوا عييرج برسييول اللييه صييلى‬
‫الله عليه وسلم طائفتييان‪ :‬طائفيية قييالت‪ :‬عييرج بروحييه وبييدنه‪،‬‬
‫وطائفة قالت‪ :‬عرج بروحه ولم يفقد بدنه‪ ،‬وهؤلء لم يريدوا أن‬
‫المعراج كان مناما ً وإنما أرادوا أن الروح ذاتها ُأسري بها وعييرج‬
‫بها حقيقة وباشرت من جنس ما تباشر به بعد المفارقيية‪ ،‬وكييان‬
‫حالها في ذلك كحالها بعد المفارقة في صعودها إلى السييموات‬
‫سماء سماء حتى ينتهي بها إلى السماء السابعة فتقف بين يدي‬
‫الله سبحانه وتعييالى فيأمرهييا بمييا يشيياء ثييم تنييزل إلييى الرض‪،‬‬
‫فالذي كان لرسول الله صييلى اللييه عليييه وسييلم ليليية السييراء‬
‫أكمل مما يحصل للروح عنييد المفارقيية‪ ،‬ومعلييوم أن هييذا الميير‬
‫فيييييييييييوق ميييييييييييا ييييييييييييراه النيييييييييييائم« اليييييييييييخ‪.‬‬
‫فالسراء ما كان مناما ً قطعيا ً لنييه لييو كييان مناميا ً لمييا كييذبه‬
‫المشركون فإن من الناس من يييرى أنييه صييعد إلييى السييماء أو‬
‫قطع مسافات شاسعة ل يتصورها العقل‪ ،‬وليس المنام معجييزة‬
‫خارقة للعادة‪ ،‬والروح في المنييام ل تفييارق الجسييم‪ ،‬كييذلك لييو‬
‫كان السراء مناما ً لصرح به رسول الله صلى الله عليه وسييلم‬
‫والطبري في »تفسيره« ينكر أن السراء كان بالروح فقييط‬
‫وقيييييييد رد عليييييييى مييييييين قيييييييال بيييييييذلك فقيييييييال‪:‬‬
‫»والصييواب ميين القييول فييي ذلييك عنييدنا أن يقييال‪ :‬إن اللييه‬
‫أسرى بعبده محمد صلى الله عليه وسلم من المسييجد الحييرام‬

‫إلى المسجد القصى كمييا أخييبر اللييه عبيياده كمييا تظيياهرت بييه‬
‫الخبار عن رسول الله صييلى اللييه عليييه وسييلم أن اللييه حملييه‬
‫على البراق حتى أتاه به وصلى هنالييك بميين صييلى ميين النبييياء‬
‫ُ‬
‫ي‬
‫والرسل فييأراه ميين اليييات‪ ،‬ول معنييى لقييول ميين قييال أ ْ‬
‫سيير َ‬
‫بروحه دون جسده لن ذلك لو كان كذلك لم يكن فييي ذلييك مييا‬
‫يوجب أن يكون دليل ً على نبييوته ول حجيية لييه علييى رسييالته ول‬
‫كان الذين أنكروا حقيقة ذلك من أهل الشرك يييدفعون بييه عيين‬
‫صييدقه فيييه إذ لييم يكيين منكييرا ً عنييدهم ول عنييد أحييد ميين ذوي‬
‫الفطرة الصحيحة من بني آدم أن يرى الرائي منهم فيي المنيام‬
‫ما على مسيرة سنة فكيف ما هو علييى مسيييرة شييهر أو أقييل‪،‬‬
‫إلى أن قال‪ :‬ولو كان السراء بروحييه لييم تكيين الييروح محموليية‬
‫على البراق إذ كانت الدواب ل تحمييل إل الجسييام إل أن يقييول‬
‫قائل‪ :‬إن معنى قولنا ُأسرِيَ بروحه رأى في المنييام أنييه ُأسييري‬
‫بجسده على البراق فيكذب حينئذ بمعنى الخبار التي ُرويت عن‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن النبي صلى الله عليييه‬
‫وسلم على قييوله حمييل علييى الييبراق ل جسييمه ول شيييء منييه‬
‫وصييار الميير عنييده كبعييض أحلم النييائمين وذلييك دفييع لظيياهر‬
‫التنزيل وما تتابعت به الخبار عن رسول اللييه صييلى اللييه عليييه‬
‫وسييييلم وجيييياءت بييييه الثييييار ميييين الصييييحابة والتييييابعين«‪.‬‬
‫ومما قاله الفخر الرازي في »تفسيره«‪ :‬قال أهل التحقيييق‪:‬‬
‫إن الذي يدل على أنه تعالى أسيرى بيروح محميد وجسييده ميين‬
‫مكة إلى المسيجد القصيى القيرآن والخيبر‪ ،‬أميا القيرآن فهيذه‬
‫الية‪ ،‬وتقرييير الييدليل أن العبييد اسييم لمجمييوع الجسييد والييروح‬
‫فوجب أن يكون السراء حاصل ً لمجمييوع الجسييد والييروح إلييخ‪،‬‬
‫وأما الخبر فهو الحديث المروي في الصحاح وهييو مشييهور وهييو‬
‫يدل على الييذهاب ميين مكيية إلييى بيييت المقييدس ثييم منييه إلييى‬
‫السيييييييييييييييييييييييييييييييييموات‪ ،‬اهيييييييييييييييييييييييييييييييييي‪.‬‬
‫والمعراج به صلى اللييه عليييه وسييلم إلييى السييموات ليطلييع‬
‫ن ءاي َت ِن َييآ{‬
‫ه ِ‬
‫علييى عجييائب الملكيوت كميا قييال تعيالى‪} :‬ل ِن ُرِي َي ُ‬
‫مي ْ‬
‫)السراء‪ ،(1 :‬وإل فالله تعييالى ل يحييويه زمييان ول مكييان ورأى‬
‫ربه تلك الليلة وأوحى إلى عبده ما أوحى وفييرض عليييه خمييس‬
‫صلوات وجمع له النبياء عليهم الصلة والسلم فصلى بهم فييي‬

‫بيت المقدس ثم استقبلوه في السموات ورجع صلى الله عليييه‬
‫وسيييييييييييلم مييييييييييين ليلتيييييييييييه إليييييييييييى مكييييييييييية‪.‬‬
‫وقد أنكر المسيحيون إسييراء رسييول اللييه ومعراجييه وليييس‬
‫ذلك بمستغرب منهم‪ ،‬إنما الغريب أنهم يؤمنون بقيييام المسيييح‬
‫وصييييعوده إلييييى السييييماء‪ ،‬ففييييي آخيييير إنجيييييل مرقييييص‪:‬‬
‫)ثم إن الرب بعدما كلمهم‪ ،‬ارتفع إلييى السييماء وجلييس عيين‬
‫يمييييييييييييييييييييييييييييييييييييين اللييييييييييييييييييييييييييييييييييييه(‪.‬‬
‫وجيييييييييياء فييييييييييي آخيييييييييير إنجيييييييييييل لوقييييييييييا‪:‬‬
‫)وفيمييا هييو »المسيييح« يبيياركهم‪ ،‬انفييرد عنهييم وأصييعد إلييى‬
‫السييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييماء(‪.‬‬
‫تيييييييييأثير خيييييييييبر السيييييييييراء فيييييييييي قرييييييييييش‬
‫لما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر النيياس بمييا‬
‫ديق وكل من آميين بييه إيمانيا ً قوييا ً وارتييد نيياس‬
‫رآه فصدقه الص ّ‬
‫ممن آمن به‪ ،‬وكذبه الكفار واستوصفوه مسييجد بيييت المقييدس‬
‫فوصفه لهم وسألوه عن أشييياء فييي المسييجد فمثييل بييين يييديه‬
‫فجعل ينظر إليه ويصفه ويعد ّ أبييوابه لهييم باب يا ً باب يا ً فيطييابق مييا‬
‫عندهم‪ ،‬وسألوه عن عير لهم فأخبرهم بها وبوقت قدومها فكان‬
‫كميييييييييييييييييييييييييييييييييييييا أخيييييييييييييييييييييييييييييييييييييبر‪.‬‬
‫وُيروى أنه صلى الله عليه وسلم لما رجع إلى مكة من ليلته‬
‫أخبر بمسراه أم هانىء بنت أبي طالب أخييت علييي رضييي اللييه‬
‫عنه وأنه يريد أن يخرج إلى قومه ويخبرهم بذلك لنييه مييا أحييب‬
‫أن يكتم قدرة الله وما هو دليل على علو مقامه صلى الله عليه‬
‫وسلم فتعلقت بردائه أم هانىء وقالت‪ :‬أنشدك الله يا ابيين عييم‬
‫أل تحدث بها قريشا ً فيكذبك من صدقك فضرب بيده على ردائه‬
‫فانتزعه منها‪ ،‬قالت‪ :‬وسطع نور عند فؤاده كاد يخطييف بصييري‬
‫فخررت ساجدة فلما رفعييت رأسييي فييإذا هييو قييد خييرج‪ ،‬قييال‪:‬‬
‫فقلت لجاريتي نبعة وكانت حبشية‪ :‬اتبعيه وانظري ميياذا يقييول‪،‬‬
‫فلما رجعت أخييبرتني أن رسييول اللييه صييلى اللييه عليييه وسييلم‬
‫انتهى إلى نفر من قريش في الحطيم وفيهم مطعييم بيين عييدي‬
‫وأبييييييو جهييييييل بيييييين هشييييييام فييييييأخبرهم بمسييييييراه‪.‬‬

‫ولما قص رسول الله خييبر السييراء علييى جمييع ميين قريييش‬
‫أعظموا ذلك السراء وصار بعضهم يصييفق وبعضييهم يضييع يييده‬
‫على رأسه تعجب يا ً ‪ -‬فلييو كييان السييراء رؤيييا منامييية لمييا كييانت‬
‫مستغربة ولما أحدثت تلك الضييجة وكييذبه المسييلمون اللهييم إل‬
‫من كان منهييم قييوي العقيييدة ثييابت اليمييان ‪ -‬قييال مطعييم بيين‬
‫عدي‪ :‬إن أمرك قبل اليوم كان أمرا ً يسيرا ً غير قولك اليوم‪ ،‬هييو‬
‫يشهد أنك كاذب‪ ،‬نحن نضييرب أكبيياد البييل إلييى بيييت المقييدس‬
‫مصعدا ً شهرا ً ومنحدرا ً شهرًا‪ ،‬أتزعم أنك أتيته في ليليية واحييدة؟‬
‫واللت والعزى ل أصدقك وما كان هذا الذي تقييول قييط‪ ،‬فقييال‬
‫أبو بكر رضي الله عنه‪ :‬يا مطعم بئس ما قلت لبن أخيك جبهته‬
‫وكذبته أنيا أشييهد أنيه صيادق‪ ،‬وفيي روايية‪ :‬فسييعى رجيال ميين‬
‫المشركين إلى أبي بكر رضيي الليه عنيه فقيالوا‪ :‬هيل ليك إليى‬
‫صاحبك يزعم أنه ُأسري به الليلة إلى بيت المقدس؟ قال‪ :‬وقييد‬
‫قال ذلك؟ قالوا‪ :‬نعيم‪ ،‬قيال‪ :‬لئن قيال ذليك لقيد صيدق‪ ،‬قيالوا‪:‬‬
‫أتصدقه أنه ذهب إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصييبح؟ قييال‪:‬‬
‫نعم إني لصدقه في مييا هييو أبعييد ميين ذلييك‪ ،‬أصييدقه فييي خييبر‬
‫السماء في غدوة وروحة‪ ،‬فقال مطعم‪ :‬يا محمد صف لنييا بيييت‬
‫المقدس‪ ،‬فقال أبو بكر رضي الله عنه‪ :‬صف لي يا رسول اللييه‬
‫فإني قد جئته‪ ،‬فجاءه جبريل بصورته ومثاله فجعييل يقييول بيياب‬
‫منه في موضع كذا وباب منه في موضع كييذا‪ ،‬وأبييو بكيير رضييي‬
‫الله عنه يقول‪ :‬أشهد أنك رسول الله حتى أتييى علييى أوصييافه‪.‬‬
‫وهذه هي الحاديث الواردة في »صييحيح البخيياري« الخاصيية‬
‫بالسييراء مشييروحة فييي الهييامش شييرحا ً مييوجزا ً نقل ً عيين‬
‫القسييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييطلني‪:‬‬
‫عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه سمع رسول اللييه‬
‫صلى الله عليه وسييلم يقييول‪» :‬لمييا كييذبني قريييش قمييت فييي‬
‫الحجر فجل الله لي بيت المقدس فطفقييت أخييبرهم عيين آييياته‬
‫وأنييييييييييييييييييييييا أنظيييييييييييييييييييييير إليييييييييييييييييييييييه«‪.‬‬
‫المعيييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييراج‬

‫عن مالك بن صعصعة رضي الله عنهما‪ :‬أن نييبي اللييه صييلى‬
‫الله عليه وسلم حدثهم عن ليلة ُأسريَ به قال‪» :‬بينمييا أنييا فييي‬
‫الحطيم ‪ -‬وربما قال‪ :‬في الحجر ‪ -‬مضييطجعا ً إذ أتيياني آت فقييد‬
‫قال وسمعته يقول‪ :‬فشق ما بين هذه إلى هييذه ‪ -‬قييال الييراوي‬
‫من ثغرة نحره إلى شعرته ‪ -‬فاستخرج قلبي ثييم أتيييت بطسييت‬
‫من ذهب مملوءة إيمانا ً فغسل قلبي ثم حشي ثم أعيد ثم أتيت‬
‫بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض ‪ -‬قال الراوي‪ :‬وهو الييبراق‬
‫ يضع خطييوة عنييد أقصييى طرفييه فحملييت عليييه فييانطلق بييي‬‫جبريل حتى أتى السماء الدنيا فاستفتح فقيل‪ :‬ميين هييذا؟ قييال‪:‬‬
‫جبريل‪ ،‬قيل‪ :‬ومن معك؟ قال‪ :‬محمد‪ ،‬قيييل‪ :‬وقييد أرسييل إليييه؟‬
‫قال‪ :‬نعم‪ ،‬قيل‪ :‬مرحبا ً به فِنعم المجيء جاء‪ ،‬ففتح فلما خلصت‬
‫فإذا فيها آدم فقال‪ :‬هذا أبييوك آدم فسييلم عليييه فسييلمت عليييه‬
‫فرد السلم‪ ،‬ثم قال‪ :‬مرحبا ً بييالبن الصييالح‪ ،‬ثييم صييعد بييي إلييى‬
‫السماء الثانية فاستفتح فقيييل‪ :‬ميين هييذا؟ قييال‪ :‬جبريييل‪ ،‬قيييل‪:‬‬
‫ومن معك؟ قال‪ :‬محمد‪ ،‬وقيييل‪ :‬وقييد أرسييل إليييه؟ قييال‪ :‬نعييم‪،‬‬
‫قال‪ :‬مرحبا ً فنعم المجيييء جيياء‪ ،‬ففتييح فلمييا خلصييت إذا يحيييى‬
‫وعيسى وهما ابنا الخالة‪ ،‬قال‪ :‬هذا يحيى وعيسى فسلم عليهما‬
‫فسلمت فردا ثم قال‪ :‬مرحبا ً بالخ الصييالح والنييبي الصييالح‪ ،‬ثييم‬
‫صعد بي إلييى السييماء الثالثيية فاسييتفتح قيييل‪ :‬ميين هييذا؟ قييال‪:‬‬
‫جبريل‪ ،‬قيل‪ :‬ومن معك؟ قال‪ :‬محمد‪ ،‬قيييل‪ :‬وقييد أرسييل إليييه؟‬
‫قال‪ :‬نعم‪ ،‬قيل‪ :‬مرحبا ً فنعم المجيء جاء‪ ،‬ففتح فلما خلصت إذا‬
‫يوسف‪ ،‬قال‪ :‬هذا يوسف فسييلم عليييه فسييلمت عليييه فييرد ثييم‬
‫قال‪ :‬مرحبا ً بالخ الصالح والنبي الصالح‪ ،‬ثم صعد بي حييتى أتييى‬
‫السماء الرابعة فاستفتح‪ ،‬قيييل‪ :‬ميين هييذا؟ قييال‪ :‬جبريييل‪ ،‬قيييل‪:‬‬
‫ومن معك؟ قال‪ :‬محمد‪ ،‬قيل‪ :‬وقد أرسل إليه؟ قال‪ :‬نعم‪ ،‬قيل‪:‬‬
‫مرحبا ً فنعم المجيء جاء‪ ،‬ففتح فلمييا خلصييت إذا إدريييس قييال‪:‬‬
‫هذا إدريس فسلم عليه فسلمت عليه فييرد‪ ،‬قييال‪ :‬مرحب يا ً بييالخ‬
‫الصييالح والنييبي الصييالح‪ ،‬ثييم صييعد بييي إلييى السييماء الخامسيية‬
‫فاستفتح‪ ،‬قيل‪ :‬من هذا؟ قال‪ :‬جبريل‪ ،‬قيل‪ :‬وميين معييك؟ قييال‪:‬‬
‫محمييييييييييد‪ ،‬قيييييييييييل‪ :‬وقييييييييييد أرسييييييييييل إليييييييييييه؟‬
‫قال‪ :‬نعم‪ ،‬قيل‪ :‬مرحبا ً به فنعم المجيييء جيياء‪ ،‬فلمييا خلصييت‬
‫فإذا هارون‪ ،‬قال‪ :‬هذا هارون فسلم عليه فسلمت عليه فرد ثييم‬

‫قال‪ :‬مرحبا ً بالخ الصالح والنبي الصالح‪ ،‬ثم صعد بي حييتى أتييى‬
‫السماء السادسة فاستفتح‪ ،‬قيل‪ :‬من هذا؟ قييال‪ :‬جبريييل‪ ،‬قيييل‪:‬‬
‫ومن معك؟ قال‪ :‬محمد‪ ،‬قيل‪ :‬وقد أرسل إليه؟ قال‪ :‬نعم‪ ،‬قيل‪:‬‬
‫مرحبا ً فنعم المجيء جاء‪ ،‬فلما خلصت فإذا موسييى‪ ،‬قييال‪ :‬هييذا‬
‫موسى فسلم عليه‪ ،‬فرد ثم قييال‪ :‬مرحبيا ً بييالخ الصييالح والنييبي‬
‫الصالح فلما تجاوزت بكى قيل له‪ :‬مييا يبكيييك؟ قييال‪ :‬أبكييي لن‬
‫غلما ً بعث بعدي يدخل الجنة من أمتييه أكييثر مميين يييدخلها ميين‬
‫أمتي‪ ،‬ثم صعد بي إلى السماء السابعة فاستفتح جبريييل‪ ،‬قيييل‪:‬‬
‫من هذا؟ قال‪ :‬جبريل‪ ،‬قيل‪ :‬ومن معك؟ قال‪ :‬محمد‪ ،‬قيل‪ :‬وقييد‬
‫بعث إليه؟ قييال‪ :‬نعييم‪ ،‬قييال‪ :‬مرحبيا ً فنعييم المجيييء جيياء‪ ،‬فلمييا‬
‫خلصييت فييإذا إبراهيييم‪ ،‬قييال‪ :‬هييذا أبييوك إبراهيييم فسييلم عليييه‬
‫فسلمت عليه فرد السلم‪ ،‬فقال‪ :‬مرحبا ً بييالبن الصييالح والنييبي‬
‫الصالح‪ ،‬ثم رفعت إلى سدرة المنتهى فإذا نبقها مثل قلل هجير‬
‫وإذا ورقها مثل آذان الفيلة‪ ،‬قال‪ :‬هذه سدرة المنتهى وإذا أربعة‬
‫أنهييار‪ :‬نهييران ظيياهران ونهييران باطنييان‪ ،‬فقلييت‪» :‬مييا هييذا يييا‬
‫جبريل؟« قال‪ :‬أما الباطنان فنهران في الجنة‪ ،‬وأمييا الظيياهران‬
‫فالنيل والفرات‪ ،‬ثم رفع لي البيت المعمور فإذا هو يييدخله كييل‬
‫يوم سبعون ألف ملك‪ ،‬ثم أتيت بإنيياء ميين خميير وإنيياء ميين لبيين‬
‫وإناء من عسل فأخييذت اللبيين فقييال‪ :‬هييي الفطييرة الييتي أنييت‬
‫ي الصلوات خمسين صلة كييل يييوم‬
‫عليها وأمتك‪ ،‬ثم فرضت عل ّ‬
‫فرجعت فمررت على موسى فقال‪ :‬بييم أمييرت؟ قلييت‪ :‬أمييرت‬
‫بخمسين صييلة كييل يييوم‪ ،‬قييال‪ :‬إن أمتييك ل تسييتطيع خمسييين‬
‫صلة كل يوم‪ ،‬وإنييي والليه خيبرت النيياس قبليك وعيالجت بنييي‬
‫إسرائيل أشد المعالجة فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لمتك‪،‬‬
‫فرجعت فوضع عني عشرًا‪ ،‬فرجعييت إلييى موسييى فقييال مثليه‪،‬‬
‫فرجعت فوضع عني عشرًا‪ ،‬فرجعييت إلييى موسييى فقييال مثليه‪،‬‬
‫فرجعت إلى موسى فقال مثله‪ ،‬فأمرت بعشر صلوات كل يوم‪،‬‬
‫فرجعت فقال مثله فرجعت فوضع عنييي عشييرًا‪ ،‬فرجعييت إلييى‬
‫موسى فقال مثله‪ ،‬فرجعت فأمرت بخمس صلوات كل يوم‪،‬‬
‫فرجعت إلى موسى فقال‪ :‬بم أمرت؟ قلت‪ :‬بخمييس كييل يييوم‪،‬‬
‫فقال‪ :‬إن أمتك ل تستطيع خمس صلوات كل يوم وإنييي جربييت‬
‫الناس قبل وعالجت بني إسرائيل أشييد المعالجيية‪ ،‬فييارجع إلييى‬

‫ربك فاسأله التخفيف لمتك‪ ،‬قلت‪ :‬وسألت ربي حتى اسيتحييت‬
‫ولكن أرضى وأسّلم قييال‪ :‬فلمييا جيياوزت نيياداني منيياد‪ :‬أمضيييت‬
‫فريضييييييييييييتي وخففييييييييييييت عيييييييييييين عبييييييييييييادي‪.‬‬
‫جعَل ْن َييا‬
‫مييا َ‬
‫عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعييالى‪} :‬وَ َ‬
‫الّرءَيا ال ِّتى أ ََري َْني َ‬
‫س{ )السيراء‪ ،(60 :‬قيال‪ :‬هيي‬
‫ة ّللّنيا‬
‫ك إ ِل ّ فِت َْني ً‬
‫ِ‬
‫رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة ُأسريَ بييه‬
‫إلى بيت المقدس‪ ،‬قييال‪ :‬والشيجرة الملعونية فييي القيرآن هيي‬
‫شيييييييييييييييييييييييييييييييييجرة الزقيييييييييييييييييييييييييييييييييوم‪.‬‬
‫هييييييل رأى رسييييييول اللييييييه ربييييييه ليليييييية السييييييراء؟‬
‫أنكرت عائشة رؤية رسول الله ربه ليلة السييراء وُروي عيين‬
‫ابن عباس أنه رآه بعينه ومثليه عين أبيي ذر وكعيب رضيي الليه‬
‫عنهما‪ ،‬وكان الحسن رحمه الله يحلف على ذلك‪ ،‬ومن القييائلين‬
‫بالرؤية ابن مسعود وأحمد بن حنبل وجماعة من الصحابة‪ ،‬وعن‬
‫ابن عباس أنه قال‪ :‬أتعجبييون أن تكييون الخليية لبراهيييم والكلم‬
‫لموسى والرؤية لمحمد صييلى اللييه عليييه وسييلم وعيين عكرميية‬
‫سئل ابن عباس‪ :‬هل رأى محمد صييلى اللييه عليييه وسييلم ربييه؟‬
‫فقال‪ :‬نعم‪ ،‬قال النووي في شرح »صحيح مسلم«‪ :‬والصل في‬
‫البيياب حييديث ابيين عبيياس حييبر الميية والمرجييوع إليييه فييي‬
‫المعضلت وقييد راجعييه ابيين عميير رضييي اللييه عنهييم فييي هييذه‬
‫المسألة وراسله هييل رأى محمييد صييلى اللييه عليييه وسييلم ربييه‬
‫فأخبره أنه رآه‪ ،‬ول يقدح في هذا حديث عائشة رضي الله عنها‬
‫فإنها لم تخبر أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول‪ :‬لم‬
‫مييا‬
‫أر ربي وإنما ذكرت ما ذكرت متأوليية لقييول اللييه تعييالى‪} :‬وَ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫كان ل ِب َ َ‬
‫سي َ‬
‫ل‬
‫ميين وََرآء ِ‬
‫ب أوْ ي ُْر ِ‬
‫حيا ً أوْ ِ‬
‫ح َ‬
‫ه إ ِل ّ وَ ْ‬
‫َ َ َ‬
‫ه الل ّ ُ‬
‫م ُ‬
‫شرٍ أن ي ُك َل ّ َ‬
‫جييا ٍ‬
‫سو ً‬
‫صييُر{‬
‫َر ُ‬
‫ل{ )الشورى‪ ،(51 :‬ولقول الله تعالى‪} :‬ل ّ ت ُد ْرِك ُ ُ‬
‫ه ال ْب ْ َ‬
‫)النعام‪ ،(103 :‬والصحابي إذا قال قول ً وخالفه غيره منهييم لييم‬
‫يكن قوله حجة وإذا صحت الروايات عن ابن عبياس فيي إثبيات‬
‫الرؤية وجب المصير إلى إثباتها فإنها ليست مما يييدرك بالعقييل‬
‫ويؤخذ بالظن‪ ،‬وإنما يتلقى بالسييماع ول يسييتجيز أحييد أن يظيين‬
‫بابن عباس أنه تكلم في هييذه المسييألة بييالظن والجتهيياد‪ ،‬وقييد‬

‫قال معمر بن راشد حين ذكر اختلف عائشية وابيين عبيياس‪ :‬مييا‬
‫عائشة عندنا بأعلم من ابن عباس‪ ،‬ثم إن ابن عباس أثبت شيئا ً‬
‫نفيييييياه غيييييييره‪ ،‬والمثبييييييت مقييييييدم علييييييى النييييييافي‪.‬‬
‫والراجح عند أكثر العلميياء أن رسييول اللييه صييلى اللييه عليييه‬
‫وسلم رأى ربه بعيني رأسه ليليية السييراء‪ ،‬والظيياهر أن إخبيياره‬
‫صلى الله عليه وسلم بالمعراج لم يكن عند إخباره بالسراء بل‬
‫تأخر عنه بناء على أنهما كانا في ليليية واحييدة ولييم تنييزل قصيية‬
‫المعراج في سورة السراء بييل أنييزل ذلييك فييي سييورة النجييم‪،‬‬
‫وممييا يؤيييد أنهمييا كانييا فييي ليليية واحييدة قييول البخيياري فييي‬
‫»صحيحه«‪ :‬باب كيييف فرضييت الصييلة ليليية السييراء؛ لن ميين‬
‫المعلييوم أن فييرض الصييلوات الخمييس إنمييا هييو فييي المعييراج‪.‬‬
‫نقول‪ :‬وقد خالفت عائشة ابن عباس في هييل كييان السييراء‬
‫بالجسد أو بالروح‪ ،‬فقالت عائشة‪ :‬والله مييا فقييد جسييد رسييول‬
‫الله صلى الليه علييه وسيلم ولكين صيعد بروحيه‪ ،‬وابين عبياس‬
‫يقول‪ :‬إنه إسييراء بالجسييد وفييي اليقظيية‪ ،‬وهييذا مييا ذهييب إليييه‬
‫معظم الصحابة‪ ،‬أما ما يتصوره بعضهم في أن الصعود بالجسييد‬
‫إلى السموات مستحيل عق ً‬
‫ل‪ ،‬فنقول‪ :‬إن هذا الصييعود بالجسييم‬
‫معجيييزة لرسيييول الليييه ل ت ُيييدرك بالعقيييل كجمييييع معجزاتيييه‬
‫وكمعجزات الرسل عليهم صلوات الله ولو كان الصعود بييالروح‬
‫فقييييط لصييييرح بييييه رسييييول اللييييه ولمييييا كييييذبته قريييييش‪.‬‬
‫وإذا كييان أميير السييراء والمعييراج عجيبييا ً فييأعجب منييه أن‬
‫المسيح ُيصلب وُيقتل وُيدفن ثم يقوم من بييين المييوتى ويصييعد‬
‫إلى السماء ويجلس علييى يمييين اللييه كمييا يعتقييد المسيييحيون‪.‬‬
‫فريضيييييييييييييييييييييييييييييييية الصييييييييييييييييييييييييييييييييلة‬
‫فرضت الصلوات الخمس ليلة السراء قبل الهجرة ب سيينة‬
‫ول خلف في ذلك‪ ،‬قيل‪ :‬كما هي الن فييي عييدد الركعييات وهييو‬
‫الصييح‪ ،‬والصييلة هييي فريضيية قائميية وشييريعة ثابتيية عرفييت‬
‫َ‬
‫ة{ )البقييرة‪:‬‬
‫صييلو َ‬
‫فريضتها بالكتاب وهو قوله تعالى‪} :‬وَأِقي ُ‬
‫موا ْ ال ّ‬
‫س َ‬
‫حِف ُ‬
‫طى{‬
‫صَلو ِ‬
‫‪ ،(43‬وقوله تعالى‪َ } :‬‬
‫صَلوةِ ال ْوُ ْ‬
‫ت وال ّ‬
‫ظوا ْ عََلى ال ّ‬

‫)البقرة‪ ،(238 :‬فإنه يدل على فرضيتها وعلى كونها خمسا ً لنييه‬
‫أميير بالمحافظيية علييى جميييع الصييلوات وعطييف عليهييا الصييلة‬
‫الوسطى وأقل جمع يتصور معه وسطى هو الربييع‪ ،‬وب السيينة‬
‫قوله عليه الصلة والسييلم‪» :‬إن اللييه فييرض علييى كييل مسييلم‬
‫ومسييييلمة فييييي كييييل يييييوم وليليييية خمييييس صييييلوات«‪.‬‬
‫وحكمة مشروعيتها التيذلل والخضيوع بيين ييدي الليه تعيالى‬
‫ومناجاته بالقراءة والذكر واستعمال الجوارح فييي خييدمته وهييي‬
‫أفضيييييييييييل العبيييييييييييادات البدنيييييييييييية الظييييييييييياهرة‪.‬‬
‫جاء في »رسالة الصلة« لبن سينا‪ :‬أن الصلة تشبه النفس‬
‫النساني الناطق بالجرام الفلكية والتعبد الدائم للحق المطلييق‬
‫طلبا ً للثواب السرمدي‪ ،‬قال رسول الله صلى الله عليييه وسييلم‬
‫»الصلة عماد الدين«‪ ،‬والدين هو تصفية النفس النسيياني عيين‬
‫الكييدورات الشيييطانية والهييواجس البشييرية والعييراض عيين‬
‫العراض الدنيوية الدنية‪ ،‬والصلة هييي التعبييد للمعبييود العظييم‬
‫ت‬
‫ميا َ‬
‫خل َْقي ُ‬
‫العلى‪ ،‬فعلى هذا ل يحتاج إلى تأويل قوله تعالى‪} :‬وَ َ‬
‫ن{ )الييذاريات‪ (56 :‬بيعرفييون؛ لن‬
‫س إ ِل ّ ل ِي َعُْبيي ُ‬
‫ال ْ ِ‬
‫لنيي َ‬
‫دو ِ‬
‫جيي ّ‬
‫ن َوا ِ‬
‫العبادة هي المعرفيية أي عرفييان واجييب الوجييود وعلمييه بالسيير‬
‫الصافي والقلب النقييي والنفييس الفارغيية‪ ،‬فييإذا حقيقيية الصييلة‬
‫علم الله سبحانه وتعالى بوحدانيته ووجوب وجييود وتنزيييه ذاتييه‪،‬‬
‫وتقييديس صييفاته فييي سييوانح الخلص فييي صييلته‪ ،‬وأعنييي‬
‫بالخلص‪ :‬أن تعلم صفات الله بوجه ل يبقى للكثرة فيه مشييرع‬
‫ول للضافة فيه منزع‪ ،‬فمن فعل هييذا فقييد أخلييص وصييلى ومييا‬
‫ضل وما غوى ومن لم يفعل فقييد افييتى وكييذب وعصييى‪ ،‬واللييه‬
‫أجيييييل وأعليييييى وأعيييييز مييييين ذليييييك وأقيييييوى‪ ،‬اهيييييي‪.‬‬
‫قال صلى الله عليه وسييلم »ل إيمييان لميين ل صييلة لييه‪ ،‬ول‬
‫إيمان لمن ل أمانة له«‪ ،‬وقال‪» :‬صيلوا كمييا رأيتميوني أصيلي«‪.‬‬
‫ن ال ّ َ‬
‫من ْ َ‬
‫ح َ‬
‫كييرِ وََلييذِك ُْر‬
‫ن ال َْف ْ‬
‫قال تعالى‪} :‬إ ِ ّ‬
‫شآء َوال ْ ُ‬
‫صلوةَ ت َن َْهى عَ ِ‬
‫َ‬
‫ن{ )العنكبيييوت‪.(45 :‬‬
‫صييين َُعو َ‬
‫م َ‬
‫ه ي َعَْلييي ُ‬
‫الّليييهِ أك َْبيييُر َوالّلييي ُ‬
‫ميييا ت َ ْ‬
‫عرض الرسول صييلى اللييه عليييه وسييلم نفسييه علييى قبييائل‬
‫العيييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييرب‬
‫أخفى رسول الله صلى الله عليه وسلم رسالته بادىء المر‬

‫ثم أعلنها في السنة الرابعة من النبوة ودعا إلى السييلم عشيير‬
‫سنين يوافي المواسم كل عام يتبع الحجاج فييي منييازلهم بمنييى‬
‫والموقف يسأل عن القبائل قبيلة قبيليية‪ ،‬ويسييأل عيين منييازلهم‬
‫ويييأتي إليهييم فييي أسييواق الموسييم وهييي عكيياظ ومجنيية وذو‬
‫جت تقيم بعكيياظ شييهر شييوال‪ ،‬ثييم‬
‫المجاز‪ ،‬وكانت العرب إذا ح ّ‬
‫تجيء إلى سوق مجنة تقيم فيه عشييرين يوميًا‪ ،‬ثييم تجيييء إلييى‬
‫سوق ذي المجاز فتقيييم بييه أيييام الحييج وكييان صييلى اللييه عليييه‬
‫وسلم يعرض نفسه عليهم ويدعوهم إلى أن يمنعييوه حييتى يبلييغ‬
‫رسالة ربه‪ ،‬وكان يطوف على الناس في منييازلهم ويقييول‪» :‬يييا‬
‫أيها الناس إن اللييه يييأمركم أن تعبييدوه ول تشييركوا بييه شيييئًا«‪،‬‬
‫وكان أبو لهب يمشي وراءه ويقول‪ :‬إن هييذا يييأمركم أن تييتركوا‬
‫دين آبائكم‪ ،‬وروى ابن إسحاق‪ :‬أنه صلى الله عليه وسلم عرض‬
‫نفسييه علييى كنييدة وكلييب وعلييى بنييي حنيفيية وبنييي عييامر بيين‬
‫صعصعة فقال له رجل منهم‪ :‬أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك‬
‫ثم أظفرك الله على من خالفييك أيكييون لنييا الميير ميين بعييدك؟‬
‫فقال‪ :‬المر إلى الله يضعه حيث يشاء‪ ،‬فقال له‪ :‬أنقاتل العييرب‬
‫دونك فإذا أظفرك الله كيان الميير لغيرنييا؟ ل حاجية لنيا بييأمرك‬
‫وأبوا عليه‪ ،‬فلما رجعت بنو عامر إلى منازلهم وكان فيهم شيييخ‬
‫أدركته السن ل يقدر أن يوافي معهم الموسم‪ ،‬فلما قدموا عليه‬
‫ى ميين قريييش‬
‫سألهم عما كان في موسمهم فقييالوا‪ :‬جاءنييا فييت ً‬
‫أحد بني عبد المطلب يزعيم أنيه نيبي ييدعونا أن نمنعيه ونقيوم‬
‫معه ونخرج به إلى بلدنا‪ .‬فوضع الشيخ يده على رأسه ثم قال‪:‬‬
‫ييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييا بنيييييييييييييييييييييييييييييييييييييييي‬
‫عامر هل لها من تلف؟ ‪ -‬أي هل لهذه القصيية ميين تييدارك ‪-‬‬
‫والذي نفس فلن بيده ما يقولها كاذبا ً ميين بنييي إسييماعيل قييط‬
‫وإنهيييييييييا لحيييييييييق وإن رأيكيييييييييم غييييييييياب عنكيييييييييم‪.‬‬
‫وروى الواقدي أنه صيلى الليه علييه وسيلم أتيى بنيي عبيس‬
‫وبني سليم وبنييي محييارب وفييزارة ومييرة وبنييي النضيير وعييذرة‬
‫والحضارمة فردوا عليه صلى الله عليه وسلم أقبح الرد وقييالوا‪:‬‬
‫أسرتك وعشيرتك أعلم بك حيث لم يتبعوك‪ ،‬ولم يكن أحييد ميين‬
‫العييرب أقبييح عليييه ميين بنييي حنيفيية وهييم أهييل اليماميية‪ ،‬قييوم‬
‫مسيلمة الكذاب‪ ،‬ومن ثم جاء في الحديث‪» :‬شر قبائل العييرب‬

‫بنو حنيفة«‪ ،‬ومن أقبح القبائل في الرد عليه وسلم ثقيف‪ ،‬وميين‬
‫ثم جاء‪» :‬شر قبائل العرب بنو حنيفة وثقيييف«‪ ،‬ومييا زال صييلى‬
‫الله عليه وسييلم يعييرض نفسييه علييى القبييائل فييي كييل موسييم‬
‫يقول‪» :‬ل أكره أحدا ً علييى شيييء‪ ،‬ميين رضييي الييذي أدعييو إليييه‬
‫فذاك ومن كره لم أكرهه وإنما أريد منعي من القتل حييتى أبلييغ‬
‫رسالة ربي«‪ ،‬فلم يقبله صلى اللييه عليييه وسييلم أحييد ميين تلييك‬
‫القبائل ويقولون‪ :‬قوم الرجل أعلم بييه‪ ،‬أتييرون أن رجل ً يصييلحنا‬
‫وقيييييييييييييييييييييد أفسيييييييييييييييييييييد قيييييييييييييييييييييومه؟‬
‫بدء إسلم النصاربيعة العقبة الولى ‪ -‬إسلم سعد بيين معيياذ‬
‫خرج رسول الله صلى الله عليه وسيلم يعييرض نفسييه علييى‬
‫قبائل العرب وحجاجهم كما كانت عادته كل موسم‪ ،‬فبينمييا هييو‬
‫عند العقبة التي تضاف إليها الجمرة فيقال‪ :‬جمرة العقبة‪ ،‬وهي‬
‫ى ميين مكيية إذ لقييي رهطيا ً ميين الوس‬
‫على يسييار القاصييد مني ً‬
‫والخزرج كانوا يحجييون ميين العييرب‪ ،‬وهمييا قبيلتييان مشييهورتان‬
‫عظيمتان من العرب في يثرب وقد لقبهم رسول اللييه بالنصييار‬
‫لما هاجر إليهم ومنعوه ونصروه‪ ،‬وكان الذين لقيهييم صييلى اللييه‬
‫عليه وسلم من الخزرج هم أسعد بن زرارة وعوف بن الحييارث‬
‫ويعرف بابن عفراء‪ ،‬وهما من بني النجار‪ ،‬ورافييع بيين مالييك بيين‬
‫العجلن وعامر بن عبد حارثة وهما من بني زريييق‪ ،‬وقطبيية بيين‬
‫عامر بن حديدة من بني سلمة‪ ،‬وعقبة بن عامر بيين نييابىء ميين‬
‫بني غنم‪ ،‬وجابر بن عبد الله بن رباب ميين بنييي عبيييدة‪ ،‬فعييرض‬
‫النبي عليهم السلم وتل عليهم القرآن فقبلوا ذلك منه وأثر في‬
‫قلوبهم وكان اليهود مييع الوس والخييزرج بالمدينيية وكييانوا أهييل‬
‫كتاب والوس والخزرج أهل شرك وأوثان‪ ،‬وكانوا إذا كان بينهييم‬
‫شيء تقول اليهود‪ :‬إن نبيا ً سيييبعث الن قييد أظييل زمييانه نتبعييه‬
‫فنقتلكم معه قتل عاد وإرم يصفونه بصييفاته لهييم‪ ،‬فلمييا قييدموا‬
‫المدينة ذكروا لقومهم النبي صلى الله عليه وسلم ودعوهم إلى‬
‫السلم فأسلم كثيرون منهم حتى إذا كان العييام المقبييل وافييى‬
‫الموسم من النصار اثنا عشر رجل ً وذلك سنة اثنتي عشرة من‬
‫سييميت‬
‫النبوة )‪ 621‬م( فلقوه بالعقبيية فبييايعوه بيعيية النسيياء‪ ،‬و ُ‬
‫بييذلك لنهييا كييانت علييى المييور الييتي ورد ذكرهييا فييي سييورة‬

‫الممتحنة خاصة ببيعة النساء وهي هييذه الييية‪} :‬يأ َ‬
‫ى إِ َ‬
‫ذا‬
‫ي‬
‫ب‬
‫ن‬
‫ال‬
‫يا‬
‫ي‬
‫ه‬
‫ي‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫شييْيئا ً وَل َ‬
‫ت ي َُباي ِعَْنيي َ‬
‫جييآء َ‬
‫ن ِبييالل ّهِ َ‬
‫ك عََلييى َأن ل ّ ي ُ ْ‬
‫م يؤ ْ ِ‬
‫َ‬
‫من َ ُ‬
‫ك ال ْ ُ‬
‫شييرِك ْ َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫يَ ْ‬
‫رين َ ُ‬
‫ه ب َْييي َ‬
‫ن وَل َ ي َأِتي َ‬
‫ن أوْل ْد َهُ ّ‬
‫ن وَل َ ي َْقت ُل ْ َ‬
‫ن وَل َ ي َْزِني َ‬
‫سرِقْ َ‬
‫ن ي َْفت َ ِ‬
‫ن ب ِب ُهُت َ ٍ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫صين َ َ‬
‫ن‬
‫ن وَل َ ي َعْ ِ‬
‫أي ْ ِ‬
‫معُْرو ٍ‬
‫ن وَأْر ُ‬
‫ن َوا ْ‬
‫ك ِفى َ‬
‫ست َغِْفْر ل َهُ ّ‬
‫ف فََباي ِعْهُ ّ‬
‫جل ِهِ ّ‬
‫ديهِ ّ‬
‫م{‬
‫ه غَُفيييييييييييييوٌر ّر ِ‬
‫ه إِ ّ‬
‫حيييييييييييييي ٌ‬
‫ن الّلييييييييييييي َ‬
‫الّلييييييييييييي َ‬
‫)الممتحنييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييية‪h.(12 :‬‬
‫وبعد أن تمت هذه البيعة بعث صلى الله عليييه وسييلم معهييم‬
‫مْير بن هاشم إلى المدينة يقرئهم القرآن ويعلمهم‬
‫مصعب بن عُ َ‬
‫مى مصعب بالمدينيية المقرىييء‪ ،‬فأسييلم علييى‬
‫السلم وكان ُيس ّ‬
‫يده سييعد بيين معيياذ وأسيييد بيين حضييير‪ ،‬وكييان سييعد ميين أجي ّ‬
‫ل‬
‫رؤسائهم ثم فشا فيهم السييلم فييي المدينيية‪ ،‬وقييال سييعد لمييا‬
‫ي حرام حتى‬
‫أسلم لبني عبد الشهل‪ :‬كلم رجالكم ونسائكم عل ّ‬
‫تسلموا فأسلموا‪ ،‬فكان من أعظييم النيياس بركيية فييي السييلم‪،‬‬
‫وشهد بدرًا‪ ،‬لم يختلفوا فيه وشهد أحييدا ً والخنييدق وفيهييا أصيييب‬
‫بسهم وهو الذي حكم على بني قريظة بالقتل كما سيأتي‪ ،‬وبعد‬
‫أن حكييم عليهييم انفجيير عرقييه فاحتضيينه رسييول اللييه فجعلييت‬
‫الدماء تسيل على رسول الله‪ ،‬فجيياء أبييو بكيير وقييال‪ :‬وانكسييار‬
‫ظهره فقال له النبي صلى الله عليه وسلم »مه«‪ ،‬فقال عميير‪:‬‬
‫إنا لله وإنا إليه راجعون‪ ،‬ولما دفنييه رسييول اللييه وانصييرف ميين‬
‫جنازته‪ ،‬جعلت دموعه تحادر على لحيته ويده في لحيته ولم تبق‬
‫دار من دور النصار إل وفيها رجال ونساء مسلمون إل مييا كييان‬
‫من دار بني أمية بن زيد وخطمة ووائل وواقف‪ ،‬وذلك أنييه كييان‬
‫فيهم أبو قيس بن السييلت ‪ -‬وهييو صيييفي ‪ -‬وكييان شيياعرا ً لهييم‬
‫وقائدا ً يسمعون منه ويطيعونه فوقف بهم عن السلم ولم يزل‬
‫على ذلك حتى هاجر رسول اللييه صييلى اللييه عليييه وسييلم إلييى‬
‫المدينييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييية‪.‬‬
‫بيعيييييييييييييييييييية العقبيييييييييييييييييييية الثانييييييييييييييييييييية‬
‫اتفق جماعة من النصار للقاء النبي صلى اللييه عليييه وسييلم‬
‫مستخفين ل يشعر بهم أحد فوافوا مكيية فييي الموسييم فييي ذي‬
‫الحجيية مييع كفييار قييومهم واجتمعييوا بييه وواعييدوه أوسييط أيييام‬

‫التشريق‪ ،‬فلما كان الليل خرجوا بعد مضي ثلثه يتسييللون حييتى‬
‫اجتمعوا بالعقبة وحضر معهم عبد الله بن عمييرو بيين حييرام أبييو‬
‫جابر‪ ،‬وأسلم تلك الليلة وجيياءهم رسييول اللييه صييلى اللييه عليييه‬
‫وسلم ومعه عمه العباس بن عبد المطلب وكييان ل يييزال علييى‬
‫دين قومه وأحب أن يتوثق لبن أخيييه وكييان أول ميين بييايع تلييك‬
‫الليلة وهو أول ميين تكلييم‪ ،‬فقييال‪ :‬يييا معشيير الخييزرج ‪ -‬وكييانت‬
‫مي الخييزرج والوس بييه ‪ -‬إن محمييدا ً منييا حيييث قييد‬
‫العرب تسي ّ‬
‫علمتم في عز ومنعة وإنه قد أبى إل النقطاع إليكيم فيإن كنتيم‬
‫ترون أنكم تفون له بما دعوتموه إليه ومانعوه فأنتم وذلك‪ ،‬وإن‬
‫كنتم ترون أنكم مسلموه فمن الن فدعوه فإنه في عز ومنعيية‪،‬‬
‫فقال النصار‪ :‬قد سمعنا ما قلييت‪ ،‬فتكلييم يييا رسييول اللييه وخييذ‬
‫لنفسك وربك ما أحببت‪ .‬فتكلم وتل القرآن ورغب فييي السييلم‬
‫ثم قال‪» :‬تمنعونني مما تمنعون منه نساءكم وأبنيياءكم«‪ ،‬وكييان‬
‫للبراء بن معرور في تلك الليلة المقييام المحمييود فييي الخلص‬
‫والتوثق لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أخييذ بيييده وقييال‪:‬‬
‫والذي بعثك بييالحق لنمنعن ّييك ممييا نمنييع منييه ذرارينييا فبايعنييا يييا‬
‫رسول الله فنحن والله أهل الحرب‪ .‬فاعترض الكلم أبو الهيثييم‬
‫بن الت ّي َْهان حليف بني عبد الشهل فقال‪ :‬يا رسول الله إن بيننييا‬
‫وبين الناس حبال ً وإنا قاطعوها ‪ -‬يعني اليهود ‪ -‬فهل عسيييت إن‬
‫أظهرك اللييه عييز وجييل أن ترجييع إلييى قومييك وتييدعنا؟ فتبسييم‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال‪» :‬بل الدم الدم‪ ،‬الهييدم‬
‫الهدم‪ ،‬أنتم مني وأنييا منكييم أسييالم ميين سييالمتم وأحييارب ميين‬
‫حاربتم«‪ ،‬وكانت عدة الذين بايعوا في تليك الليلية سيبعين رجل ً‬
‫وامرأتين‪ :‬نسيبة بنت كعب أم عمييارة وأسييماء بنييت عمييرو بيين‬
‫عدي من بني سلمة‪ ،‬واختار رسول الله صلى الله عليييه وسييلم‬
‫اثني عشر نقيبا ً يكونون على قومهم‪ :‬تسعة من الخييزرج وثلثيية‬
‫ميين الوس وقييال لهييم‪» :‬أنتييم كفلء علييى قييومكم ككفاليية‬
‫الحواريين لعيسى بن مريم وأنييا كفيييل علييى قييومي«‪ ،‬والنقبيياء‬
‫هيييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييم‪:‬‬
‫‪ - 1‬سيييييييييييييييييييعد بييييييييييييييييييين عبيييييييييييييييييييادة‪.‬‬
‫‪ - 2‬أسييييييييييييييييييييييييييييعد بيييييييييييييييييييييييييييين زرارة‪.‬‬
‫‪ - 3‬سيييييييييييييييييييعد بييييييييييييييييييين الربييييييييييييييييييييع‪.‬‬

‫‪ - 4‬سيييييييييييييييييييعد بييييييييييييييييييين خيثمييييييييييييييييييية‪.‬‬
‫‪ - 5‬المنييييييييييييييييييذر بيييييييييييييييييين عمييييييييييييييييييرو‪.‬‬
‫‪ - 6‬عبيييييييييييييد الليييييييييييييه بييييييييييييين رواحييييييييييييية‪.‬‬
‫‪ - 7‬الييييييييييييييييييبراء بيييييييييييييييييين معييييييييييييييييييرور‪.‬‬
‫‪ - 8‬أبييييييييييييو الهيثييييييييييييم بيييييييييييين التيهييييييييييييان‪.‬‬
‫‪ - 9‬أسييييييييييييييييييييد بييييييييييييييييييين حضيييييييييييييييييييير‪.‬‬
‫‪ - 10‬عبييييييد اللييييييه بيييييين عمييييييرو بيييييين حييييييرام‪.‬‬
‫‪ - 11‬عبيييييييييييييييييادة بييييييييييييييييين الصيييييييييييييييييامت‪.‬‬
‫‪ - 12‬رافييييييييييع بيييييييييين مالييييييييييك بيييييييييين العجلن‪.‬‬
‫وُروي أنييه نقييب علييى النقبيياء أسييعد بيين زرارة فتييوفي بعييد‬
‫والمسييجد النبييوي يبنييى‪ ،‬فكييان أول ميين دفيين بييالبقيع ميين‬
‫المسيييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييلمين‪.‬‬
‫فلما بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم رجعييوا إلييى المدينيية‬
‫فكان قدومهم في ذي الحجة فأقام رسول الله صلى الله عليييه‬
‫وسلم بمكة بقية ذي الحجة والمحرم وصفر وهاجر إلى المدينة‬
‫في شهر ربيع الول وقدمها لثنتي عشرة ليلة خلييت منييه‪ .‬وقييد‬
‫كانت قريش لما بلغهم إسيلم مين أسيلم مين النصيار اشيتدوا‬
‫على من بمكة من المسلمين فأصابهم جهد شديد‪ ،‬فييأمر النييبي‬
‫صلى الله عليه وسييلم أصييحابه بييالهجرة إلييى المدينيية فخرجييوا‬
‫أرسال ً حتى لم يبق أحد من المسييلمين بمكيية مييع رسييول اللييه‬
‫صلى الله عليه وسلم إل أبو بكر وعلي بيين أبييي طييالب فإنهمييا‬
‫أقاما بأمره وكان صلى الله عليه وسلم ينتظر أن يؤذن لييه فييي‬
‫الهجييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييرة‪.‬‬
‫وإسلم النصار له شأن كبير في تاريخ السلم بل في تاريخ‬
‫الييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييدنيا‪.‬‬
‫مؤامرة قريش على قتل رسول الله صلى الله عليه وسييلم‬
‫لقد بلييغ اضييطهاد قريييش للمسييلمين أنهييم اضييطروهم إلييى‬
‫الهجرة ففريق هاجر إلى الحبشة ثم هاجر من بقي مييع رسييول‬
‫الله إلى المدينة‪ ،‬ولما علمت قريش تتابع أصحاب رسييول اللييه‬
‫صلى الله عليه وسلم بالهجرة أخيرا ً إلى المدينة وقد صارت له‬

‫شيعة وأنصار من غيرهم وأنه أجمع على اللحاق بهييم‪ ،‬تشيياوروا‬
‫ي‬
‫فيما يصنعون في أمره فاجتمعوا في دار الندوة وهي دار قص ّ‬
‫بن كلب وتشيياوروا فييي حبسييه أو إخراجييه عنهييم ‪ -‬نفيييه ‪ -‬ثييم‬
‫اتفقوا على أن يتخيييروا ميين كيل قبيليية منهيم فييتى شييابا ً جليدا ً‬
‫فيقتلوه جميعا ً فيتفرق دمه في القبائل ول يقدر بنو عبييد منيياف‬
‫على حربهم جميعا ً ويقال‪ :‬إن هذا كييان رأي أبييي جهييل‪ ،‬وهكييذا‬
‫نجد دائما ً اسم أبي جهل وأبي لهب في كل مؤامرة ضييد النييبي‬
‫صلى الله عليه وسلم وكل إيييذاء واضييطهاد كييأن ل عمييل لهمييا‬
‫غيييييييييييييييييييييييييييييييييييييير ذليييييييييييييييييييييييييييييييييييييك‪.‬‬
‫استعدوا لقتله عليه الصلة والسلم من ليلتهم وأتييى جبريييل‬
‫رسول الله فقال‪ :‬ل تبت هذه الليلة علييى فراشييك الييذي كنييت‬
‫تبيت عليه‪ ،‬فلما كانت العتمة اجتمعوا على بابه يرصييدونه مييتى‬
‫ينام فيثبون عليه فأمر عليا ً أن ينام على فراشييه ويتشييح بييبرده‬
‫الخضر وأن يتخلف عنه ليؤدي ما كان عنييد رسييول اللييه صييلى‬
‫الله عليه وسلم من الودائع إلى أربابها فامتثل أمييره فكييان أول‬
‫من شرى نفسه ابتغاء مرضاة اللييه ووقييى بنفسييه رسييول اللييه‬
‫صييييييييييييييلى اللييييييييييييييه عليييييييييييييييه وسييييييييييييييلم‬
‫وهنييا نقييول‪ :‬إن السييتاذ مرجوليييوث اعتيياد أن يصييف أعييداء‬
‫رسول الله برجاحة العقل والنبل ول يعييدم أن يجييد كتاب يا ً يييذكر‬
‫كمصدر له من غير تحقيق فقد قييال عيين أبييي جهييل فييي كتييابه‬
‫)محمد(‪ :‬إنه حاز شهرة عظيمة في العقييل حييتى إنييه دخييل دار‬
‫ن الثلثين في حين أنه كان ل يسمح لحد من أهل‬
‫الندوة في س ّ‬
‫مكة بدخولها إل إذا بلغ الربعين‪ ،‬والحقيقة أنهم كانوا ل يدخلون‬
‫فيها غير قرشي إل إن بلغ أربعين سنة بخلف القرشييي تمييييزا ً‬
‫له‪ ،‬وبما أن أبا جهل قرشي فكان يسييوغ لييه دخييول دار النييدوة‬
‫قبل الربعين وليس ذلك لنه كان شديد الذكاء راجح العقل بييل‬
‫لنييييييييييييييييييييييه كييييييييييييييييييييييان قرشيييييييييييييييييييييييًا‪.‬‬
‫القييييييييييرآن ومييييييييييا نييييييييييزل منييييييييييه بمكيييييييييية‬
‫عن ابن عباس قال‪ :‬أنزل القرآن جملة واحييدة إلييى السييماء‬
‫الدنيا في ليلة القدر ثم نزل بعد ذلييك فييي عشييرين سيينة ‪ ،‬أمييا‬
‫ما إقامته بمكيية‬
‫ما ل خلف فيه‪ ،‬وأ ّ‬
‫إقامته بالمدينة عشرا ً فهذا م ّ‬

‫وة فالمشييهور ثلث عشييرة سيينة لنييه صييلى اللييه عليييه‬
‫بعد النب ّ‬
‫ي إليه وهو ابن أربعييين سيينة وتييوفي وهييو ابيين ثلث‬
‫وسلم ُأو ِ‬
‫ح َ‬
‫وسيييييييييييييتين سييييييييييييينة عليييييييييييييى الصيييييييييييييحيح‪.‬‬
‫والقرآن منه مكي ومنه مدني‪ ،‬فالمكي ما نزل قبل الهجييرة‬
‫أي بمكة‪ ،‬والمدني ما نزل بعد الهجييرة سييواء كييان بالمدينيية أم‬
‫بغيرهيييا مييين أي البلد حيييتى وليييو كيييان بمكييية أو عرفييية‪.‬‬
‫والسييفير بييين اللييه تعييالى ومحمييد صييلى اللييه عليييه وسييلم‬
‫جبريل عليه السلم‪ ،‬كما قال تعالى‪} :‬ن ََز َ‬
‫ن للييه‬
‫ح ال ْ ِ‬
‫ل ب ِهِ الّرو ُ‬
‫مي ُ‬
‫عَل َييى قَل ْب ِي َ‬
‫ن{ )الشييعراء‪ ،193 :‬ي ‪،(194‬‬
‫ن ِ‬
‫ك ل ِت َك ُييو َ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫من ْيذِِري َ‬
‫مي َ‬
‫ْ‬
‫ه ل ََقوْ ُ‬
‫ن‬
‫ريم ٍ ِذى قُوّةٍ ِ‬
‫م ِ‬
‫ل َر ُ‬
‫ش َ‬
‫وقال‪} :‬إ ِن ّ ُ‬
‫سو ٍ‬
‫ل كَ ِ‬
‫كي ي ٍ‬
‫عنيد َ ِذى العَيْر ِ‬
‫َ‬
‫ن{ )التكييوير‪(22 - 19 :‬‬
‫صي ِ‬
‫مأ ِ‬
‫م ْ‬
‫م بِ َ‬
‫حب ُك ُ ْ‬
‫ن وَ َ‬
‫مط َيٍع ث َي ّ‬
‫ّ‬
‫مييا َ‬
‫جن ُييو ٍ‬
‫ميي ٍ‬
‫الييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييات‪.‬‬
‫وقد تحداهم الله تعالى بأن يأتوا بسورة من مثلييه‪ ،‬فعجييزوا‪،‬‬
‫فالقرآن معجزة رسول الله الباقية إلى يوم القيامة‪ ،‬وقد احتوى‬
‫على العلييوم الكييثيرة والخبييار الصييادقة عيين الغيييوب الماضييية‬
‫والتييييييييييييييييييية والحكييييييييييييييييييام العادليييييييييييييييييية‪.‬‬
‫ونزل القرآن بلغة قريش وقريش خلصيية العييرب‪ ،‬وللقييرآن‬
‫أسماء كثيرة منها‪ :‬الفرقييان والتنزيييل والحييديث الييخ‪ ،.‬ومعنيياه‪:‬‬
‫القيييراءة‪ ،‬قيييال ابييين عبييياس‪ :‬القيييرآن والقيييراءة واحيييد‪.‬‬
‫ويشييتمل علييى ‪ 114‬سييورة‪ ،‬أطولهييا )البقييرة( ونييزل ميين‬
‫القرآن بمكة اثنتان وثمانون سورة ونزل تمييام بعضييها بالمدينيية‬
‫وكان أول ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم }اقْرأ ْ‬
‫َ‬
‫سييم ِ َرّبيي َ‬
‫ن{‬
‫ذى َ‬
‫ك اّليي ِ‬
‫سييط ُُرو َ‬
‫مييا ي َ ْ‬
‫ِبا ْ‬
‫ق{‪ ،‬ثييم‪} :‬ن َوال َْقَلييم ِ وَ َ‬
‫خَليي َ‬
‫َ‬
‫م ُ‬
‫ل{‬
‫ض َ‬
‫)الطارق‪ ،(1 :‬ثم‪َ} :‬وال ّ‬
‫مّز ّ‬
‫حى{ )العلق‪ ،(1 :‬ثم‪} :‬يأي َّها ال ْ ُ‬
‫َ‬
‫مييد ّث ُّر{ )المييدثر‪ ،(1 :‬ثييم فاتحيية‬
‫)المزمييل‪ ،(1 :‬ثييم‪} :‬يأي َّهييا ال ْ ُ‬
‫ذا ال ّ‬
‫الكتاب‪ ،‬ثم تبت‪ ،‬ثم‪} :‬إ ِ َ‬
‫ت{ )التكييوير‪ ،(1 :‬ثييم‪:‬‬
‫س ك ُيوَّر ْ‬
‫ش ْ‬
‫م ُ‬
‫م َرب ّ َ‬
‫ذا ي َغْ َ‬
‫ل إِ َ‬
‫شييى{‬
‫حا ْ‬
‫} َ‬
‫س َ‬
‫ك ال َعَْلى{ )العلى‪ ،(1 :‬ثم‪َ} :‬وال ّي ْ ِ‬
‫سب ّ ِ‬
‫َ‬
‫ح ل َي َ‬
‫م نَ ْ‬
‫ك‬
‫شيَر ْ‬
‫)الليل‪ ،(1 :‬ثم‪َ} :‬وال َْف ْ‬
‫ر{ )الفجيير‪ ،(1 :‬ثييم‪} :‬أل َي ْ‬
‫جي ِ‬
‫صييد َْر َ‬
‫ن{ )الرحميين‪ ،(1 :‬ثييم‪:‬‬
‫ك{ )الشييرح‪ ،(1 :‬ثييم‪} :‬الّر ْ‬
‫ح َ‬
‫َ‬
‫ميي ِ‬
‫َ‬
‫ر{ )العصر‪ ،(1 :‬ثم‪} :‬إ ِّنآ أعْط َي ْن َ َ‬
‫ك ال ْك َوْث ََر{ )الكوثر‪،(1 :‬‬
‫ص‬
‫}َوال ْعَ ْ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ب‬
‫ت ال ّي ِ‬
‫ذى ي ُك َيذ ّ ُ‬
‫م الت ّك ّيياث ُُر{ )التكيياثر‪ ،(1 :‬ثييم‪} :‬أَرءي ْي َ‬
‫ثم‪} :‬أل ْهَك ُ ُ‬

‫ل رب ي َ َ‬
‫َ‬
‫ب‬
‫م ت َيَر ك َي ْي َ‬
‫صي َ‬
‫ف فَعَ ي َ َ ّ‬
‫ِبال ّ‬
‫ن{ )الماعون‪ ،(1 :‬ثم‪} :‬أل َ ْ‬
‫ح ِ‬
‫ك ب ِأ ْ‬
‫دي ِ‬
‫ج يم ِ إ ِ َ‬
‫وى{ )النجييم‪ ،(1 :‬ثييم‪:‬‬
‫ل{ )الفيل‪ ،(1 :‬ثييم‪َ} :‬والن ّ ْ‬
‫ذا هَ ي َ‬
‫ال ِْفي ِ‬
‫َ‬
‫ه فِييى ل َي ْل َيةِ ال َْق يد ِْر{‬
‫س وَت َوَّلى{ )عبس‪ ،(1 :‬ثم‪} :‬إ ِن ّييا أنَزل ْن َي ُ‬
‫}عَب َ َ‬
‫)القييدر‪ ،(1 :‬ثييم‪َ} :‬وال ّ‬
‫حَها{ )الشييمس‪ ،(1 :‬ثييم‪:‬‬
‫ضيي َ‬
‫س وَ ُ‬
‫شيي ْ‬
‫م ِ‬
‫ذا ِ ْ‬
‫مآء َ‬
‫ن{‬
‫}َوال ّ‬
‫س َ‬
‫ن َوالّزي ْت ُييو ِ‬
‫ج{ )البروج‪ ،(1 :‬ثييم‪َ} :‬والّتي ي ِ‬
‫ت الب ُُرو ِ‬
‫ة{‬
‫ش{ )قريييش‪ ،(1 :‬ثييم‪} :‬ال َْقارِعَ ي ُ‬
‫ليل َ ِ‬
‫)التين‪ ،(1 :‬ثم‪ِ } :‬‬
‫ف ُ قَُري ْ ٍ‬
‫ة{ )القياميية‪ ،(1 :‬ثييم‪:‬‬
‫مي ِ‬
‫)القارعة‪ ،(1 :‬ثم‪} :‬ل َ أقْ ِ‬
‫م ب ِي َيوْم ِ ال ِْقي َ َ‬
‫س ُ‬
‫ل ل ّك ُي ّ‬
‫}وَي ْي ٌ‬
‫ت عُْرف يًا{‬
‫سييل َ ِ‬
‫م يَز ٍ‬
‫مْر َ‬
‫ة{ )الهمييزة‪ ،(1 :‬ثييم‪َ} :‬وال ْ ُ‬
‫ل هُ َ‬
‫د{ )قلله‪ ،(1 :‬ثم‪} :‬ل َ‬
‫جي ِ‬
‫م ِ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫)المرسلت‪ ،(1 :‬ثم‪} :‬ق َوال ُْقْرءا ِ‬
‫ُ‬
‫مآء َوال ّ‬
‫م ب َِهيي َ‬
‫ق{‬
‫ذا ال ْب ََليي ِ‬
‫أقْ ِ‬
‫د{ )البلييد‪ ،(1 :‬ثييم‪َ} :‬وال ّ‬
‫سيي َ‬
‫سيي ُ‬
‫طييارِ ِ‬
‫ة{ )القميير‪ ،(1 :‬ثييم‪} :‬ص‬
‫سيياعَ ُ‬
‫)الطييارق‪ ،(1 :‬ثييم‪} :‬اقْت ََرب َي ِ‬
‫ت ال ّ‬
‫ر{ )صييييلله‪ ،(1 :‬ثييييم العييييراف‪ ،‬ثييييم‬
‫َوال ُْقييييْرءا ِ‬
‫ن ِذى الييييذ ّك ْ ِ‬
‫سييورة الجيين‪ ،‬ثييم سييورة يللهييس‪ ،‬ثييم‪} :‬ت َب َيياَر َ‬
‫ذى ن َيّز َ‬
‫ل‬
‫ك ال ّي ِ‬
‫ن{ )الفرقان‪ ،(1 :‬ثم حمد الملئكة‪ ،‬ثم سورة مرييم‪ ،‬ثيم‬
‫ال ُْفْرَقا َ‬
‫سورة طه‪ ،‬ثم طللهسم الشييعراء‪ ،‬ثييم طللهسييم القصييص‪ ،‬ثييم‬
‫سورة بني إسرائيل‪ ،‬ثم سورة يونس‪ ،‬ثم سورة هود‪ ،‬ثم سورة‬
‫يوسف‪ ،‬ثم الحجيير‪ ،‬ثييم النعييام‪ ،‬ثييم الصييافات‪ ،‬ثييم لقمييان‪ ،‬ثييم‬
‫حمللييه المييؤمن‪ ،‬ثييم حللهييم السييجدة‪ ،‬ثييم حللهييم عسييق‪ ،‬ثييم‬
‫الزخرف‪ ،‬ثم سبأ‪ ،‬ثم تنزيل الزمر‪ ،‬ثم حللهم الدخان‪ ،‬ثم حللهم‬
‫ل أ َت َييا َ‬
‫الشورى‪ ،‬ثم حللهم الحقيياف‪ ،‬ثييم والييذاريات‪ ،‬ثييم‪} :‬هَ ي ْ‬
‫ك‬
‫ة{ )الغاشييية‪ ،(1 :‬ثييم سييورة الكهييف‪ ،‬ثييم سييورة‬
‫دي ُ‬
‫شيي َ ِ‬
‫ث ال ْغَ ِ‬
‫ح ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫سل َْنا ُنوحًا{ )نوح‪ ،(1 :‬ثم سورة إبراهيم‪ ،‬ثييم‪:‬‬
‫النحل‪ ،‬ثم‪} :‬إ ِّنآ أْر َ‬
‫َ‬
‫ح‬
‫س ِ‬
‫م{ )النبيييياء‪ ،(1 :‬ثيييم‪} :‬قَيييد ْ أفْل َييي َ‬
‫}اقْت َيييَر َ‬
‫ح َ‬
‫سيييب ُهُ ْ‬
‫ب ِللن ّيييا ِ‬
‫ن{ )المؤمنون‪ ،(1 :‬ثم الرعد‪ ،‬ثم والطور‪ ،‬ثييم‪} :‬ت َب َيياَر َ‬
‫ك‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫ال ْ ُ‬
‫مل ْ ُ‬
‫ة{ )الحاقة‪ ،(1 :‬ثييم‪:‬‬
‫حاقّ ُ‬
‫ال ّ ِ‬
‫ك{ )الملك‪ ،(1 :‬ثم‪} :‬ال ْ َ‬
‫ذى ب ِي َدِهِ ال ْ ُ‬
‫سآئ ِ ٌ‬
‫سأ َ َ‬
‫ن{ )النبييأ‪،(1 :‬‬
‫سييآءُلو َ‬
‫م ي َت َ َ‬
‫ل َ‬
‫} َ‬
‫ل{ )المعارج‪ ،(1 :‬ثم‪} :‬عَي ّ‬
‫ت غَْرقيييًا{ )النازعيييات‪ ،(1 :‬ثيييم‪} :‬إ ِ َ‬
‫مآء‬
‫ثيييم‪َ} :‬والن ّزِعَييي ِ‬
‫ذا ال ّ‬
‫سييي َ‬
‫انَف َ‬
‫ت{ )النفطييار‪ ،(1 :‬ثييم سييورة الييروم‪ ،‬ثييم العنكبييوت‪.‬‬
‫طييَر ْ‬
‫وعن ابن عباس أنه قال‪ :‬كان القييرآن ينييزل مفرق يا ً ل ينييزل‬
‫سورة سورة فما نزل أولها بمكة أثبتناها بمكة‪ ،‬وإن كان تمامها‬
‫بالمدينة وكذلك ما نزل بالمدينة وأنه كان يعرف فصييل مييا بييين‬

‫السورة والسورة إذا نزل بسم الله الرحميين الرحيييم فيعلمييون‬
‫أن الوليييييى قيييييد انقضيييييت وابتيييييدىء بسيييييورة أخيييييرى‪.‬‬
‫الهجيييرة إليييى المدينييية ‪ 12‬ربييييع الول ) سييينة ‪ 622‬م(‬
‫خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يرصيدونه فأخيذ‬
‫حفنة تراب وجعل ذلك اليتراب عليى رؤوسيهم وهيو يتليو قيوله‬
‫تعالى يللهس إلى قوله‪َ} :‬فأغْ َ‬
‫ن{ )يللهس‪:‬‬
‫م ل َ ي ُب ْ ِ‬
‫صُرو َ‬
‫م فَهُ ْ‬
‫شي ْن َهُ ْ‬
‫‪ ،(9‬ثييم انصييرف فليم يييروه‪ ،‬فلمييا أفياقوا مين غشييتهم جعليوا‬
‫يطلعون فيرون عليا ً نائما ً وعليه برد رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم فيقولون‪ :‬إن محمدا ً لنائم‪ ،‬فأقاموا بالباب يحرسون علي يا ً‬
‫يحسبونه النبي صلى الله عليه وسلم حييتى يقييوم فييي الصييباح‪،‬‬
‫ي عين الفيراش فقيالوا ليه‪ :‬أيين صياحبك؟‬
‫فلما أصبحوا قام عل ّ‬
‫قال‪ :‬ل أدري‪ ،‬فعلموا أن النبي صلى الله عليه وسييلم قييد نجييا‪،‬‬
‫ي فأقام بمكة حتى يؤدي ودائع النييبي صييلى اللييه عليييه‬
‫فأما عل ّ‬
‫وسلم وقصد النبي صلى الله عليييه وسييلم دار أبييي بكيير رضييي‬
‫الله عنه وأعلمه بأن الله قد أذن لييه بييالهجرة‪ ،‬فقييال أبييو بكيير‪:‬‬
‫الصحبة يا رسول الله‪ ،‬قال‪ :‬الصحبة‪ ،‬فبكى أبو بكر رضييي اللييه‬
‫عنه فرحا ً واستأجر عبد الله بن أريقط الييديلمي وكييان مشييركا ً‬
‫ليدل بهما إلى المدينة وينكب عن الطريق العظمى‪ ،‬ولييم يعلييم‬
‫ي‬
‫بخروج رسول الله صلى الله عليه وسلم غييير أبييي بكيير وعل ي ّ‬
‫وآل أبي بكر‪ ،‬وكان خروجه صلى الله عليه وسلم من مكة يييوم‬
‫الخميس أول يوم من ربيع الول وقييدم المدينيية لثنييتي عشييرة‬
‫خلت منه‪ ،‬وذلك يوم الثنييين الظهيير لثلث وخمسييين سيينة ميين‬
‫مولييده ‪ 28‬يييونيه )‪ 622‬م( وُروي أن النييبي صييلى اللييه عليييه‬
‫وسلم قال حين خروجه من مكة إلى المدينة‪» :‬اللهم إنك تعلييم‬
‫ي فأسكني أحييب البلد إليييك«‪.‬‬
‫أنهم أخرجوني من أحب البلد إل ّ‬
‫رواه الحاكم في »المسييتدرك«‪ .‬وكييان مييدة مقييامه بمكيية بعييد‬
‫البعثة ثلث عشرة سنة ‪ ،‬ثم أتيا الغار الييذي بجبييل )ثييور( علييى‬
‫ثلثة أميال من جنوب غربي مكة‪ ،‬وأمر أبو بكر ابنه عبد الله أن‬
‫يستمع لهما بمكة ثم يأتيهما ليل ً وأمر عامر بن فهيرة مييوله أن‬
‫يرعى غنمه نهاره ثم يأتيهما بهييا ليل ً ليأخييذا حاجتهمييا ميين لبنهييا‬
‫وكانت أسماء بنت أبي بكر تأتيهما بطعامهما فأقامييا فييي الغييار‬

‫ثلثييييييًا‪ ،‬ولمييييييا فقييييييدته قريييييييش اتبعييييييوه ومعهييييييم‬
‫القائف فقاف الثر حتى وقيف عنيد الغييار وقيال هنييا انقطيع‬
‫الثر‪ .‬وإذا بنسيج العنكبوت على فم الغييار وقييد عششييت علييى‬
‫بابه حمامتان‪ ،‬فقالت قريش‪ :‬مييا وراء هييذا شيييء‪ ،‬وجعلييوا مئة‬
‫ناقة لمن يرده عليهم‪ ،‬فلما مضت الثلث وسكن النيياس أتاهمييا‬
‫دليلهما ببعيرين فأخذ أحدهما رسول الله صلى الله عليه وسييلم‬
‫من أبي بكر بالثمن لتكون هجرته إلى الله بنفسييه وميياله رغبيية‬
‫منه عليه الصلة والسلم في استكمال فضل الهجرة إلييى اللييه‬
‫تعالى‪ ،‬ثم ركبا وأردف أبو بكيير عييامر بيين فهيييرة يخييدمهما فييي‬
‫الطريييق وأتتهمييا أسييماء بسييفرة لهييا وشييقت نطاقهييا وربطييت‬
‫السفرة فسميت »ذات النطاقين« وحمل أبييو بكيير جميييع ميياله‬
‫وكان نحو ستة آلف درهم وبينما هما في الطريق مجردين ميين‬
‫جعشييم فاتبعهمييا‬
‫كييل سييلح بصيير بهمييا سييراقة بيين مالييك بيين ُ‬
‫ليردهما فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسييلم فسيياخت‬
‫)غاصت( قوائم فرسه في أرض صلبة‪ ،‬فقال‪ :‬ادع لي يييا محمييد‬
‫ليخلصييني اللييه أن أرد عنييك الطلييب فييدعا لييه فخلييص‪ ،‬فعيياد‬
‫يتبعهما‪ ،‬فدعا عليييه الثانييية فسيياخت قييوائم فرسييه فييي الرض‬
‫أشد من الولى‪ ،‬فقال‪ :‬يا محمد قد علمت أن هييذا ميين دعييائك‬
‫ي فادع الله أن ينجيني مما أنا فيه ولك عهد الله أن أرد عنك‬
‫عل ّ‬
‫الطلب‪ ،‬فدعا له فخلص وعاهدهم أن ل يقاتلهم ول يخييبر عنهييم‬
‫وأن يكتم عنهم ثلث ليال‪ ،‬فرجع سراقة ورد كل من لقيييه عيين‬
‫الطليييييييييب بيييييييييأن يقيييييييييول ميييييييييا هيييييييييا هنيييييييييا‪.‬‬
‫وفي »صحيح البخاري« عن عائشة رضيي الليه عنهيا قيالت‪:‬‬
‫»فبينما نحن يوما ً جلوس في بيت أبي بكيير فييي نحيير الظهيييرة‬
‫قال قائل لبي بكير‪ :‬هييذا رسيول الليه صيلى الليه علييه وسيلم‬
‫متقنعا ً في ساعة لم يكن يأتينا فيها‪ ،‬فقال أبو بكر‪ :‬فداء له أبييي‬
‫وأمي والله ما جاء به في هذه السيياعة إل أميير‪ ،‬قييالت عائشيية‪:‬‬
‫فجاء رسول الله صييلى اللييه عليييه وسييلم فاسييتأذن لييه فييدخل‬
‫فقال النبي صلى الله عليه وسلم لبي بكر‪ :‬أخييرج ميين عنييدك‪،‬‬
‫فقال أبو بكر‪ :‬إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله‪ ،‬قال‪ :‬فإني‬

‫قد أذن لي في الخروج‪ ،‬فقال أبييو بكيير‪ :‬الصييحبة بييأبي أنييت يييا‬
‫رسول الله‪ ،‬قال رسول الله صلى الله عليييه وسييلم نعييم‪ ،‬قييال‬
‫أبو بكر‪ :‬فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين‪ ،‬قييال‬
‫رسييول اللييه صييلى اللييه عليييه وسييلم بييالثمن‪ ،‬قييالت عائشيية‪:‬‬
‫فجهزناهما أحث الجهاز وصنعنا لهم سفرة في جييراب فقطعييت‬
‫أسماء بنت أبي بكر قطعيية ميين نطاقهييا فربطييت بييه علييى فييم‬
‫الجراب فبذلك سميت ذات النطيياقين‪ ،‬وأسييماء بنييت أبييي بكيير‬
‫الصديق كانت أسن من عائشة وهي أختها لبيها وكان عبد اللييه‬
‫بن أبي بكر أخا أسييماء شييقيقها‪ ،‬قييالت‪ :‬ثييم لحييق رسييول اللييه‬
‫صلى الله عليه وسلم وأبو بكر بغار في جبل ثييور )جبييل بمكيية(‬
‫فكمنا فيه ثلث ليال يبيت عندهما عبييد الليه بيين أبييي بكيير وهييو‬
‫غلم شياب ثقييف لقيين فيدلييج ميين عنييدهما بسييحر فيصييبح مييع‬
‫قريش بمكة كبائت فل يسييمع أمييرا ً يكتييادان بييه إل وعيياه حييتى‬
‫يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلم ويرعييى عليهمييا عييامر بيين‬
‫فهيرة مولى أبي بكر منحة من غنم فيريحها عليهما حتى تذهب‬
‫سيياعة ميين العشيياء فيبيتييان فييي رسييل وهييو لبيين منحتهمييا‬
‫ورضيفهما حتى ينعق بها عامر بن فهيرة بغلس‪ ،‬يفعل ذلك فييي‬
‫كل ليلة من تلك الليالي الثلث‪ ،‬واستأجر رسول الله صلى اللييه‬
‫عليه وسلم وأبو بكر رجل ً من بني الديل وهو من بنييي عبييد بيين‬
‫عدي هاديا ً خريتا ً ‪ -‬والخريت الماهر بالهداييية ‪ -‬قييد غمييس حلفيا ً‬
‫في آل العاص بن وائل السييهمي وهييو علييى دييين كفييار قريييش‬
‫فأمنيييييياه فييييييدفعا إليييييييه راحلتيهمييييييا ووعييييييداه غييييييار‬
‫ثور بعد ثلث ليال فجاءهمييا براحلتيهمييا صييبح ثلث وانطلييق‬
‫معهما عامر بن فهيرة والدليل فأخذ بهم طريق السواحل‪ ،‬قييال‬
‫سراقة بن جعشم‪ :‬جاءنا رسل كفار قريش يجعلون في رسييول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر دية كييل واحييد منهمييا لميين‬
‫قتله أو أسره‪ ،‬فبينما أنا جالس في مجلس من مجييالس قييومي‬
‫بني مدلج إذ أقبل رجيل منهيم حيتى قيام علينيا ونحين جليوس‪،‬‬
‫فقال‪ :‬يا سراقة إني قد رأيت آنفا ً أسودة بالساحل أراها محمدا ً‬
‫وأصحابه‪ ،‬قال سراقة‪ :‬فعرفت أنهم هم‪ ،‬فقلت له‪ :‬إنهم ليسييوا‬
‫بهم‪ ،‬ولكنك رأيييت فلنيا ً وفلنيًا‪ ،‬انطلقييوا بأعيننييا ثييم لبثييت فييي‬
‫المجلس سيياعة ثييم قمييت فييدخلت فييأمرت جيياريتي أن تخييرج‬

‫ي وأخييذت رمحييي‬
‫بفرسييي وهييي ميين وراء أكميية فتحبسييها علي ّ‬
‫فخرجت به من ظهيير الييبيت فحططييت بزجييه الرض وخفضييت‬
‫عاليه حتى أتيت فرسي فركبتها فرفعتها تقرب بي حييتى دنييوت‬
‫منهم فعثرت بي فرسي فخررت عنها فقمت فأهويت يدي إلييى‬
‫كنانتي‪ ،‬فاستخرجت منها الزلم فاستقسمت بهييا أضييرهم أم ل‬
‫فخرج الذي أكييره فركبييت فرسييي تقييرب بييي وعصيييت الزلم‬
‫حتى إذا سمعت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ل‬
‫يلتفت وأبو بكر يكثر اللتفييات سيياخت يييدا فرسييي فييي الرض‬
‫حتى بلغتا ركبتيها فخررت عنهييا ثييم زجرتهييا فنهضييت فلييم تكييد‬
‫تخرج يديها فلما استوت قائمة إذ لثيير يييديها عثييان سيياطع فييي‬
‫السماء مثل الدخان‪ ،‬فاستقسييمت بييالزلم فخييرج الييذي أكييره‬
‫فناديتهم بالمان فوقفوا فركبت فرسي حتى جئتهييم ووقييع فييي‬
‫نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبييس عنهييم أن سيييظهر أميير‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت له‪ :‬إن قومك قد جعلوا‬
‫فيك الدية وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهييم وعرضييت عليهييم‬
‫الزاد والمتاع فلم يرزآني ولم يسألني إل أن قييال‪ :‬أخييف عنهييا‪،‬‬
‫فسألته أن يكتب لي كتاب أمن فأمر عامر بن فهيرة فكتب في‬
‫رقعة من أديم ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومما‬
‫وقييع لهمييا فييي الطريييق أنهمييا لقيييا طلحيية بيين عبيييد اللييه فييي‬
‫الطريق وكييان راجعيا ً ميين تجييارة وكسيياهما ثيابيا ً بيضيًا‪ ،‬وقيييل‪:‬‬
‫لقيهمييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييا‬
‫الزبير كذلك ولعلهما لقياهما معا ً أو متعيياقبين فكسييواه وأبييا‬
‫بكييييييييييييييييير ميييييييييييييييييا ذكييييييييييييييييير اهيييييييييييييييييي‪.‬‬
‫غادر رسول الله مكة مسقط رأسه بعد أن سييخر بييه قييومه‬
‫ورفضوا دعوته وتمسيكوا بعقييدتهم القديميية اليتي ألفوهيا ولييم‬
‫يح ّ‬
‫كموا عقولهم‪ ،‬ولم يعترفوا أن عبييادة الصيينام ميين دون اللييه‬
‫تعالى كفر‪ ،‬وليس بعد الكفر ذنب ول بعييد الشييرك ضييلل‪ ،‬قييال‬
‫ن ذ َل ِي َ‬
‫شَر َ‬
‫ه ل َ ي َغِْفُر َأن ي ُ ْ‬
‫ميين‬
‫دو َ‬
‫مييا ُ‬
‫تعالى‪} :‬إ ِ ّ‬
‫ك لِ َ‬
‫ك ب ِهِ وَي َغِْفُر َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫يَ َ‬
‫شيييييييييييييييييييييييييييييآء{ )النسييييييييييييييييييييييييييييياء‪.(48 :‬‬
‫غادر رسول الله مكة وهو آسف لفيراق قييومه بعيد أن صيبر‬
‫على أذاهم وجاهد وكافييح سيينين طويليية‪ ،‬فغييادرهم ذلييك النييور‬

‫الساطع والعلم الواسع والهميية العالييية والنفييس البييية والييروح‬
‫الطاهرة النقية والشخصية الجذابة المحبوبيية والييوجه المشييرق‬
‫الدائم البتسام والخلق العظيم والفم الذي ل ينطق عن الهوى‪.‬‬
‫لقييد غييادرهم ذلييك الرسييول المييين الهييادي إلييى الصييراط‬
‫المسيييييييييتقيم‪ ،‬مبليييييييييغ رسيييييييييالت رب العيييييييييالمين‪.‬‬
‫ولو علمت قريش الحقيقة وتخلييوا عيين التعصييب‪ ،‬لتمسييكوا‬
‫بأهدابه وتعلقوا بأذياله واغترفوا من فيض علمه وبحييور حكمتييه‬
‫واهتييدوا بهييديه وتخلقييوا بخلقييه وفييازوا بنعيييم الييدنيا والخييرة‪.‬‬
‫إن الرسول بهجرته قييد تييرك فيي ظلم دامييس فلميا وصييل‬
‫المدينيية‪ ،‬أشييرقت أنييواره فييي جميييع أرجائهييا فخييرج القييوم‬
‫يستقبلونه بالبشر والسرور ويتسابقون لمشاهدة وجهه الصبوح‬
‫ويتبركون به ويستضيفونه ويستمعون إلييى حكمييه البالغيية‪ ،‬وقييد‬
‫عييبروا عيين شييعورهم بييذلك النييور بقييولهم‪ :‬طلييع البييدر علينييا‪.‬‬

‫وصييييوله صييييلى اللييييه عليييييه وسييييلم إلييييى المدينيييية‬
‫وصل رسول الله المدينة يوم الثنييين ميين شييهر ربيييع الول‬
‫قرب الظهر‪ ،‬ونزل ُقباء على كلثوم بن الهدم شيييخ بنييي عمييرو‬
‫بن عوف وهم بطن ميين الوس‪ ،‬وقبيياء قرييية علييى ميلييين ميين‬
‫جنوب المدينة وهي خصبة بها حدائق ميين أعنيياب ونخيييل وتييين‬
‫ورمان وأقييام بهييا رسييول اللييه يييوم الثنييين والثلثيياء والربعيياء‬
‫والخميس وأسس مسجد قباء وهيو الييذي أسييس عليى التقييوى‬
‫من أول يوم‪ ،‬ونزل أبييو بكيير رضييي اللييه عنييه علييى حييبيب بيين‬
‫ي رضي الله عنييه معييه الفييواطم وأم‬
‫إساف بالسنح ثم قدم عل ّ‬
‫أيمن وولدها أيمن وجماعيية ميين ضييعفاء المييؤمنين بعييد أن أدى‬
‫عن رسول الله الودائع التي كانت عنده إلى الناس‪ ،‬ولما وصييل‬
‫نزل على كلثوم بن الهدم بالنبي صلى اللييه عليييه وسييلم وكييان‬
‫علي رضي الله عنه في طريقه يسير الليل ويكمن النهييار حييتى‬
‫تفطرت قييدماه فيياعتنقه النييبي صييلى اللييه عليييه وسييلم وبكييى‬
‫رحمة له لما بقدمه من الييورم وتفييل فييي يييديه وأمّرهمييا علييى‬
‫قدميه فلم يشكهما بعد ذلك‪ ،‬ثم ركييب النييبي صييلى اللييه عليييه‬

‫وسلم يوم الجمعة يريد المدينة وأدركته الجمعة في بنييي سييالم‬
‫بن عوف فصلها في المسجد الذي ببطن الوادي بمن معه ميين‬
‫المسييلمين وكييانوا مئة وهييي أول جمعيية صييلها بالمدينيية وأول‬
‫خطبة خطبهييا فييي السييلم ثييم ركييب راحلتييه )القصييوى( يريييد‬
‫المدينة وأرخى زمامهييا فكييان ل يميير بييدار ميين دور النصييار إل‬
‫قالوا‪ :‬هلم يا رسول الله إلى العدد والعدة والمنعيية ويعترضييون‬
‫ناقته فيقول‪ :‬خلوا سبيلها فإنها مأمورة حتى بركت عنييد موضييع‬
‫مسجده اليوم وكان مربدا ً للتمير لغلميين ييتيمين وهميا‪ :‬سيهل‬
‫وسهيل ابنا عمرو من بني النجار فلما بركت لم ينييزل عنهييا ثييم‬
‫وثبت فسارت غير بعيييد ورسييول اللييه صييلى اللييه عليييه وسييلم‬
‫واضع لها زمامهييا ل يثنيهييا بييه فييالتفتت خلفهييا ثييم رجعييت إلييى‬
‫مبركها الول فبركت فيه ووضعت جرانها )مقيدم عنقهيا( فنيزل‬
‫عنهييا رسييول اللييه صييلى اللييه عليييه وسيلم واحتمييل أبييو أيييوب‬
‫النصاري رحل نيياقته إلييى بيتييه فأقييام عنييده حييتى بنييى حجييره‬
‫ومسييجده ودعييا رسييول اللييه صييلى اللييه عليييه وسييلم صيياحبي‬
‫المربيييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييد ‪-‬‬
‫وكانا غلمين ‪ -‬فساومهما بالمربد ليتخذه مسييجدا ً فقيال‪ :‬بيل‬
‫نهبه لك يا رسول الله‪ ،‬فأبى أن يقبييل منهمييا هبيية حييتى ابتيياعه‬
‫داها من مال أبي بكر ثم بناه مسجدا ً‬
‫منهما بعشرة دنانير ذهبا ً أ ّ‬
‫وطفق رسول الله صييلى اللييه عليييه وسييلم ينقييل معهييم اللبيين‬
‫)الطيييوب النيىيييء( فيييي بنييييانه ويقيييول وهيييو ينقيييل اللبييين‪:‬‬
‫هييييييييييييذا الحمييييييييييييال ل حمييييييييييييال خيييييييييييييبر‬
‫هيييييييييييييييذا أبييييييييييييييير ربنيييييييييييييييا وأطهييييييييييييييير‬
‫ويقييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييول‪:‬‬
‫إن الجييييييييييييييييييير أجييييييييييييييييييير الخيييييييييييييييييييرة‬
‫فييييييييييييييييارحم النصييييييييييييييييار والمهيييييييييييييييياجره‬
‫ثم وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود وكتب بينييه‬
‫وبينهم كتاب صلح وموادعة وسنأتي على نص الكتاب فيما بعييد‪.‬‬
‫وقبل أن يتم رسول الله بناء مسجده مييات سييعد بيين زرارة‬
‫بالذبحة والشهقة وكان نقيبا ً لبنييي النجييار فطلبييوا إقاميية نقيييب‬
‫مكانه فقال‪ :‬أنا نقيبكم ولم يخص منهم أحييدا ً دون آخيير فكييانت‬

‫من مناقبهم‪ ،‬وأقام رسول الله يبنييي مسييجده ميين ربيييع الوس‬
‫إلى صفر‪ ،‬فكان مسجدا ً بسيطًا‪ ،‬جدرانه من اللبن‪ ،‬على قاعييدة‬
‫من الحجارة‪ ،‬والسقف من جريييد النخييل‪ ،‬مقام يا ً علييى الجييذوع‬
‫ولييم يكيين فيييه أثيير للزخرفيية أو النقييش وليييس بييه منييبر‪.‬‬
‫فرح أهل المدينة بمقدم النبي صلى الله عليييه وسيلم فرحيا ً‬
‫شديدا ً وقابلوه بالبتهاج وصعدت ذوات الخدور على السييطحة‪،‬‬
‫وعن عائشة رضي الله عنها لمييا قييدم رسييول اللييه صييلى اللييه‬
‫عليه وسلم المدينة جلس النساء والصبيان والولئد يقلن جهييرًا‪:‬‬
‫طليييييييييييييييييييييع البيييييييييييييييييييييدر علينيييييييييييييييييييييا‬
‫ميييييييييييييييييييين ثنيييييييييييييييييييييات الييييييييييييييييييييوداع‬
‫وجييييييييييييييييييييب الشييييييييييييييييييييكر علينييييييييييييييييييييا‬
‫ميييييييييييييييييييييا دعيييييييييييييييييييييا لليييييييييييييييييييييه داع‬
‫أيهييييييييييييييييييييا المبعييييييييييييييييييييوث فينييييييييييييييييييييا‬
‫جئت بييييييييييييييييييييييييييييالمر المطيييييييييييييييييييييييييييياع‬
‫ولعبت الحبشة بحرابهم فرحا ً بقدومه صلى الله عليه وسييلم‬
‫وكييانت النصييار يتقربييون إلييى رسييول اللييه بالهييدايا رجييالهم‬
‫ونسييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييياؤهم‪.‬‬
‫قال ابن عباس‪ :‬ولد النبي صلى الله عليه وسلم يوم الثنين‪،‬‬
‫واستنبىء يوم الثنين‪ ،‬ورفع الحجر السود يوم الثنييين‪ ،‬وقبييض‬
‫يوم الثنين‪ ،‬وابتدىء التاريخ في السلم من هجرة رسييول اللييه‬
‫صلى الله عليييه وسييلم ميين مكيية إلييى المدينيية‪ ،‬وأول ميين أرخ‬
‫بالهجرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه سنة سبع عشييرة ميين‬
‫الهجرة إل أن التاريخ الهجري يبدأ قبل الهجرة بشييهرين‪ ،‬وذلييك‬
‫أنهم جعلوا مبدأ التاريخ المحرم ميين تلييك السيينة والنييبي صييلى‬
‫الله عليه وسلم بعد بمكة‪ ،‬ثم كانت الهجرة بعد ذلييك فييي ربيييع‬
‫الول‪.‬‬
‫ذكييييييييييييير الهجيييييييييييييرة فيييييييييييييي القيييييييييييييرآن‬
‫ن‬
‫ه إ ِذ ْ أ َ ْ‬
‫ه ال ّي ِ‬
‫خَر َ‬
‫جي ُ‬
‫صيَرهُ الل ّي ُ‬
‫صيُروهُ فََقيد ْ ن َ َ‬
‫قال تعالى‪} :‬إ ِل ّ َتن ُ‬
‫ذي َ‬
‫ما ِفى ال َْغارِ إ ِذ ْ ي َُقو ُ‬
‫ن‬
‫صييا ِ‬
‫ن إِ ّ‬
‫ح يَز ْ‬
‫حب ِهِ ل َ ت َ ْ‬
‫ن إ ِذ ْ هُ َ‬
‫ل لِ َ‬
‫ك ََفُروا ْ َثان ِ َ‬
‫ي اث ْن َي ْ ِ‬
‫معََنا{ )التوبة‪ ،(40 :‬وهذا إعلم من اللييه لصييحاب رسييول‬
‫ه َ‬
‫الل ّ َ‬
‫الله صلى الله عليه وسلم أنه المتوكل بنصر رسوله على أعداء‬

‫دينييه وإظهيياره عليهييم دونهييم‪ ،‬أعييانوه أو لييم يعينييوه‪ ،‬إذ يقييول‬
‫لصاحبه‪ ،‬يقول‪ :‬إذ يقول رسول الله لصاحبه أبي بكر‪ :‬ل تحييزن‪،‬‬
‫وذلك أنه خاف من الطلب أن يعلموا بمكانهما فجييزع ميين ذلييك‬
‫فقال له رسول الله صلى الله عليييه وسييلم »ل تحييزن إن اللييه‬
‫معنا‪ ،‬وإن اللييه ناصييرنا فليين يعلييم المشييركون بنييا وليين يصييلوا‬
‫إلينا«‪ ،‬وقد نصره الله على عدوه وهو بهذه الحيال مين الخيوف‬
‫وقليييييييييييييييييييييييييييييييييييية العييييييييييييييييييييييييييييييييييييدد‪.‬‬
‫خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ي أول جمعة صلها‬
‫بالمدينيييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييية‬
‫هذا نص الخطبة التي خطبهييا رسييول اللييه صييلى اللييه عليييه‬
‫وسلم في أول جمعة صلها بالمدينة في بني سييالم بيين عييوف‪:‬‬
‫»الحمد لله أحمده وأستعينه وأستغفره وأستهديه وأؤمن بييه‬
‫ول أكفره‪ ،‬وأعادي من يكفره‪ ،‬وأشهد أن ل إله إل الله وحييده ل‬
‫شييريك لييه وأن محمييدا ً عبييده ورسييوله أرسييله بالهييدى والنييور‬
‫والموعظة على فترة من الرسل وقلة ميين العلييم وضييللة ميين‬
‫الناس وانقطاع من الزمان ودنو من الساعة وقرب من الجييل‪،‬‬
‫من يطع الله ورسوله فقد رشد‪ ،‬ومن يعصهما فقد غوى وفرط‬
‫وضل ضلل ً بعيدًا‪ ،‬وأوصيكم بتقوى الله فإنه خير مييا أوصييى بييه‬
‫المسلم المسلم‪ ،‬ثم أن يحضه علييى الخييرة وأن يييأمره بتقييوى‬
‫الله‪ ،‬فاحذروا الليه ميين نفسيه ول أفضييل ميين ذلييك نصيييحة ول‬
‫أفضل من ذلك ذكرًا‪ ،‬وأن تقوى الله لمن عمييل بييه علييى وجييل‬
‫ومخافة من ربه عون صدق علييى مييا تبغييون ميين أميير الخييرة‪،‬‬
‫ومن يصلح الذي بينه وبين الله من أمره في السيير والعلنييية ل‬
‫ينوي بذلك إل وجه الله يكن ليه ذكيرا ً فيي عاجيل أمييره وذخييرا ً‬
‫فيما بعد الموت حين يفتقر المرء إلييى ميا قيدم‪ ،‬وميا كيان ميين‬
‫سوى ذلك يود لو أن بينه وبينه أمدا ً بعيدا ً ويحذركم اللييه نفسييه‬
‫والله رؤوف بالعباد‪ ،‬والييذي صييدق قييوله وأنجييز وعييده ل خلييف‬
‫مييآ أ َن َيا ْ ب ِظ َل ّ‬
‫ل ال َْقوْ ُ‬
‫ما ي ُب َد ّ ُ‬
‫م‬
‫ي‬
‫ل ل َد َىّ وَ َ‬
‫لذلك فإنه يقول عز وجل‪َ } :‬‬
‫ٍ‬
‫د{ )قلله‪ ،(29 :‬فاتقوا الله في عاجييل أمركييم وآجلييه‪ ،‬فييي‬
‫ل ّل ْعَِبي ِ‬
‫السر والعلنية‪ ،‬فإنه من يتق الله يكفر عنييه سيييئاته ويعظييم ليه‬
‫أجرًا‪ ،‬ومن يتق الله فقد فاز فوزا ً عظيمًا‪ ،‬وإن تقوى الله يييوقي‬

‫مقته ويييوقي سييخطه‪ ،‬وإن تقييوى اللييه يييبيض الوجييوه ويرضييي‬
‫الرب ويرفع الدرجة‪ ،‬خذوا بحظكم ول تفرطوا فييي جنييب اللييه‪،‬‬
‫قد علمكم الله كتابه ونهج لكم سبيله ليعلم الذين صدقوا ويعلم‬
‫الكيياذبين‪ ،‬فأحسيينوا كمييا أحسيين اللييه إليكييم وعييادوا أعييداءه‪،‬‬
‫وجاهدوا في الله حق جهيياده هييو اجتبيياكم وسييماكم المسييلمين‬
‫ي عن بينة ول قوة إل بالله‪،‬‬
‫ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من ح ّ‬
‫فأكثروا ذكر الله واعملوا لما بعد اليوم فإنه من يصييلح مييا بينييه‬
‫وبين الله يكفه الله ما بينه وبين النيياس ذلييك بييأن اللييه يقضييي‬
‫علييييييييييييى النيييييييييييياس ول يقضييييييييييييون عليييييييييييييه‪،‬‬
‫ويملك من الناس ول يملكون منه‪ ،‬الله أكبر ول قوة إل بالله‬
‫العظييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييم«‪.‬‬
‫هذه هييي أول خطبيية خطبهييا رسييول اللييه صييلى اللييه عليييه‬
‫وسلم بالمدينة في أول جمعة ونلحظ أن رسول الله لييم يييذكر‬
‫فيها أهل مكة ول ما كان ميين عنييادهم وإصييرارهم علييى الكفيير‬
‫وإيذائهم للمسلمين وتآمرهم على قتله بييل قصيير خطبتييه علييى‬
‫حض المسلمين على التقوى‪ ،‬وتذكيرهم بالله تعييالى وهييذا فييي‬
‫الحق غاية الدب ومنتهى ما يصل إليه حلم الحليم‪ ،‬ولو كان غير‬
‫رسول الله لسييتفزه الغضييب وعييدد مثييالبهم لنهييم هييم الييذين‬
‫خذلوه واضطهدوه وأخرجوه من أحب البلد إليه وكان عقبة في‬
‫سبيل تبليغ رسالة ربه وقد صدق الله تعالى حيث قييال‪} :‬وَإ ِن ّي َ‬
‫ك‬
‫ل َعَل َييييييييييييى ُ ُ‬
‫م{ )القلييييييييييييم‪.(4 :‬‬
‫ق عَ ِ‬
‫ظييييييييييييي ٍ‬
‫خليييييييييييي ٍ‬
‫نعييم إن هييذا خلييق عظيييم وأدب كريييم‪ ،‬ونحيين نييرى رجييال‬
‫الحزاب يستعملون في خطبهم أقبييح اللفيياظ وأشيينع الشييتائم‬
‫لسباب تافهة ومع ذلييك يزعمييون أنهييم قييادة وسييادة ينشييرون‬
‫العلييييييم والمدنييييييية وينشييييييدون الصييييييلح والحرييييييية‪.‬‬
‫معاهيييدة رسيييول الليييه صيييلى الليييه علييييه وسيييلم اليهيييود‬
‫قال ابن إسحاق‪ :‬وكتب رسول الله صييلى اللييه عليييه وسييلم‬
‫كتابا ً بين المهاجرين والنصار وادع فيه يهود وعاهييدهم وأقرهييم‬
‫عليييى دينهيييم وأميييوالهم وشيييرط عليهيييم واشيييترط لهيييم‪:‬‬

‫بسييييييييييييم اللييييييييييييه الرحميييييييييييين الرحيييييييييييييم‬
‫»هذا كتاب ميين محمييد النييبي صييلى اللييه عليييه وسييلم بييين‬
‫المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهييم‬
‫وجاهد معهم أنهم أمة واحدة من دون النيياس‪ ،‬المهيياجرون ميين‬
‫قريييش علييى ِربعتهييم يتعيياقلون بينهييم وهييم يفييدون عييانيهم‬
‫بالمعروف والقسييط بييين المييؤمنين‪ ،‬وبنييو عييوف علييى ربعتهييم‬
‫يتعاقلون معاقلهم الولى وكل طائفيية تفييدي عانيهييا بييالمعروف‬
‫والقسط بيين الميؤمنين‪ ،‬وبنيو سياعدة عليى ربعتهييم يتعيياقلون‬
‫معيياقلهم الولييى وك ي ّ‬
‫ل طائفيية منهييم تفييدي عانيهييا بييالمعروف‬
‫والقسط بين المييؤمنين‪ ،‬وبنييو الحييارث علييى ربعتهييم يتعيياقلون‬
‫معاقلهم الولى وكل طائفة تفييدي عانيهييا بييالمعروف والقسييط‬
‫بين المؤمنين‪ ،‬وبنو جشم على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الولى‬
‫وكل طائفة تفييدي عانيهييا بييالمعروف والقسييط بييين المييؤمنين‪،‬‬
‫وبنو النجار على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الولييى وكييل طائفيية‬
‫منهييم تفييدي عانيهييا بييالمعروف والقسييط بييين المييؤمنين‪ ،‬وبنييو‬
‫عمرو بن عوف علييى ربعتهييم يتعيياقلون معيياقلهم الولييى وكييل‬
‫طائفة منهم تفدي عانيهييا بييالمعروف والقسييط بييين المييؤمنين‪،‬‬
‫وبنو النبيت على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الولى وكييل طائفيية‬
‫منهييم تفييدي عانيهييا بييالمعروف والقسييط بييين المييؤمنين‪ ،‬وبنييو‬
‫الوس على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الولى وكل طائفة منهييم‬
‫تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين وأن المييؤمنين ل‬
‫يتركون مفرجا ً بينهم‪ ،‬أن يعطوه بييالمعروف فييي فييداء أو عقييل‬
‫ول يخالف مؤمن مولى مؤمن من دونه‪ ،‬وأن المؤمنين المتقييين‬
‫على من بغى منهم أو ابتغى دسيييعة ظلييم أو إثييم أو عييدوان أو‬
‫فساد بين المؤمنين وأن أيديهم عليه جميعا ً ولو كان ولد أحدهم‬
‫ول يقتل مؤمن في كافر ول ينصر كافر علييى مييؤمن‪ ،‬وأن ذميية‬
‫الله واحدة يجييير عليهييم أدنيياهم وأن المييؤمنين بعضييهم مييوالي‬
‫بعض دون الناس وأنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والسوة‬
‫غير المظلومين ول متناصرين عليهم وأن سلم المؤمنين واحدة‬
‫ل يسالم مؤمن دون مؤمن في قتييال فييي سييبيل اللييه إل علييى‬
‫سيييواء وعيييدل بينهيييم وأن كيييل غازيييية غيييزت معنيييا تعقيييب‬

‫بعضها بعضا ً وأن المؤمنين يبيء بعضهم على بعض بمييا نييال‬
‫دماءهم في سييبيل اللييه‪ ،‬وأن المييؤمنين المتقييين علييى أحسيين‬
‫هدى وأقييومه وأنييه ل يجييير مشييرك مييال ً لقريييش ول نفسيا ً ول‬
‫يحول دونه على مؤمن وأنه من اعتبط مؤمنا ً قتل ً عن بينة فييإنه‬
‫قود به إل أن يرضى ولي المقتول‪ ،‬وأن المؤمنين عليه كافة ول‬
‫يحل لهم إل قيام عليه وأنيه ل يحيل لميؤمن أقير بميا فيي هيذه‬
‫الصحيفة وآمن بالله واليوم الخر أن ينصر محدثا ً ول يؤويه وأنه‬
‫من نصره أو آواه فإن عليه لعنيية اللييه وغضييبه يييوم القياميية ول‬
‫يؤخذ منه صرف ول عدل‪ ،‬وأنكم مهما اختلقتم فيييه ميين شيييء‬
‫فإن مرده إلى الله عز وجل وإلى محمد صلى الله عليه وسييلم‬
‫وأن اليهود يتفقون مع المييؤمنين مييا دامييوا محيياربين وأن يهييود‬
‫بني عوف أمة مييع المييؤمنين لليهييود دينهييم وللمسييلمين دينهييم‬
‫مواليهم وأنفسهم إل من ظلم وأثم فإنه ل يوتغ إل نفسه وأهييل‬
‫بيته وأن ليهود بني النجار مثل ما ليهييود بنييي عييوف وأن ليهييود‬
‫بني الحارث مثل ما ليهييود بنييي عييوف وأن ليهييود بنييي سيياعدة‬
‫مثل ما ليهود بني عوف وأن ليهود بني جشم مثل ما ليهود بنييي‬
‫عوف وأن ليهود بني الوس مثل ما ليهود بني عوف وأن ليهييود‬
‫بني ثعلبة مثل ما ليهود بني عوف إل من ظلم وأثم فإنه ل يوتغ‬
‫إل نفسه وأهل بيتييه وأن جفنيية بطيين ميين ثعلبيية كأنفسييهم وأن‬
‫لبني الشطنة مثل ما ليهود بني عييوف وأن الييبر دون الثييم وأن‬
‫موالي ثعلبة كأنفسهم وأن بطانة يهود كأنفسييهم وأنييه ل يخييرج‬
‫منهم أحد إل بإذن محمد صلى الله عليييه وسييلم وأنييه ل ينحجييز‬
‫على ثار جرح وأنه من فتك فبنفسه فتك وأهل بيته إل من ظلم‬
‫وأن اللييه علييى أبيير هييذا‪ .‬وأن علييى اليهييود نفقتهييم وعلييى‬
‫المسلمين نفقتهم وأن بينهم النصر على ميين حييارب أهييل هييذه‬
‫الصحيفة وأن بينهم النصح والنصيحة والييبر دون الثييم وأنييه لييم‬
‫يأثم امرؤ بحليفه وأن النصر للمظلييوم وأن اليهييود ينفقييون مييع‬
‫المؤمنين ما داموا محاربين‪ ،‬وأن يثرب حرام جوفها لهييل هييذه‬
‫الصيييحيفة وأن الجيييار كيييالنفس غيييير مضيييار ول آثيييم وأنيييه‬
‫ل تجييار حرمية إل بييإذن أهلهيا وأنيه مييا كيان بيين أهيل هييذه‬
‫الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله‬
‫عز وجل وإلى محمد رسيول الليه صيلى الليه علييه وسيلم وأن‬

‫الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبره وأنه ل تجييار قريييش‬
‫ول من نصرها وأن بينهم النصر على من دهييم يييثرب وإذا دعييوا‬
‫إلى صلح يصالحونه ويلبسونه فإنهم يصالحونه ويلبسييونه وأنهييم‬
‫إذا دعوا إلى مثل ذلك فإنه لهم علييى المييؤمنين إل ميين حييارب‬
‫في الدين على كل أناس حصتهم من جييانبهم الييذي قبلهييم وأن‬
‫ليهود الوس مواليهم وأنفسهم مثل ما لهل هذه الصييحيفة مييع‬
‫الييبر الحسيين ميين أهييل هييذه الصييحيفة وأن الييبر دون الثييم ل‬
‫يكسب كاسب إل على نفسه وأن الله على أصدق ما فييي هييذه‬
‫الصحيفة وأبره‪ ،‬وأنه ل يحول هذا الكتاب دون ظالم وآثم‪ ،‬وأنييه‬
‫من خرج وآمن ومن قعد آمن بالمدينيية إل ميين ظلييم وأثييم وأن‬
‫الله جار لمن بر واتقييى ومحمييد رسييول اللييه صييلى اللييه عليييه‬
‫وسييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييلم ‪.‬‬
‫الخييييزرج والوس ومييييا كييييان بينهمييييا وبييييين اليهييييود‬
‫الخييزرج والوس همييا قبيلتييان مشييهورتان ميين العييرب فييي‬
‫يثرب وقد لقيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنصار لمييا‬
‫هاجر إليهم لنهم هم الذين نصروه ومنعوه‪ ،‬وقد مر ذكرهم في‬
‫بيعتي العقبة الولييى والثانييية ول شييك أن البيياحث يشييتاق إلييى‬
‫الوقوف على تاريخ هاتين القبيلتين‪ ،‬وما كان بينهما وبين اليهييود‬
‫من علقات وحروب لن ذلك يساعده علييى فهييم تاريييخ سييكان‬
‫المدينة‪ ،‬وعلى موقف النصار واليهود إزاء السلم والمسييلمين‬
‫وليكون على بينة من أمرهييم عنييد ذكرهييم فييي الحييوادث الييتي‬
‫وقعت بعد هجرة النييبي صييلى اللييه عليييه وسييلم إلييى المدينيية‪.‬‬
‫خزرج وأوس أخوان أبوهما حارثة بن ثعلبة العنقاء بن عمييرو‬
‫مزيقياء بيين عييامر بيين ميياء السييماء بيين حارثيية الغطريييف ابيين‬
‫امرىء القيس البطريق بن ثعلبة بن مازن بيين الزد بيين الغييوث‬
‫بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلن بن سبأ بن يشجب بن يعرب‬
‫بن قحطان‪ .‬وأم أوس وخزرج قيليية بنييت كاهييل بيين عييذرة بيين‬
‫سعد بن قضاعة ولذلك يقال لهما ابنا قيلة‪ ،‬وكان منهما قبيلتييان‬
‫مشهورتان عظيمتان من العرب فييي يييثرب تييذكران غالبيا ً معيا ً‬
‫فيقال الوس والخزرج‪ ،‬لكن غلب اسييم الخييزرج وسييموا أيض يا ً‬
‫النصار لنهم أول من قام بنصرة النبي صلى اللييه عليييه وسييلم‬

‫وسييييييياعدوه فيييييييي حروبيييييييه وآووه إليييييييى أرضيييييييهم‪.‬‬
‫أما أصلهم فقد جاء في كتب السير‪ ،‬أنييه لمييا خييرج مزيقييياء‬
‫من اليمن بعد تفرق أهل سبأ‪ ،‬بسيل العرم ملك غسان بالشييام‬
‫ك ابنه ثعلبة العنقاء‪ ،‬ولما هلك مل َ َ‬
‫ثم هلك ومل َ َ‬
‫ك بعده عمرو ابن‬
‫أخيه جفنة فسخط مكانه ابنه حارثة وأجمييع الرحليية إلييى يييثرب‬
‫ونزل علييى يهييود خيييبر وسييألهم الحلييف والجييوار علييى المييان‬
‫والمنعة فأعطوه من ذلك ميا سيأل وقييل‪ :‬لميا سيار ثعلبية بين‬
‫عمرو بن عامر في ميين معييه اجتييازوا يييثرب فتخلييف بهييا أوس‬
‫وخزرج ابنا حارثة في من معهما فنزل بعضهم بضييرار وبعضييهم‬
‫بالقرى مع أهلها ولييم يكونييوا أهييل نعييم ول شيياة‪ ،‬لن البلد لييم‬
‫تكن بلد مرعى ول نخل لهم ول زرع إل الغداق اليسيرة فكانوا‬
‫يحيون الرض الموات ويزرعونها والموال لليهود فلبثوا حينا ً من‬
‫الدهر على ذلك وهم في ضيق مال وسوء حال‪ ،‬ثم قييدم منهييم‬
‫مالك بن عجلن على أبييي جبيليية الغسيياني فسييأله عيين حييالهم‬
‫فأخبره بضيق معاشهم‪ ،‬فقال‪ :‬ما بييالكم ل تغلبييونهم كمييا غلبنييا‬
‫أهل بلدنا ووعده أنه يسير إليهم فينصييرهم فرجييع مالييك وأخييبر‬
‫قومه بوعد أبي جبيلة فاستعدوا له‪ ،‬وقدم عليهم وخشي عليهييم‬
‫أن يتحصن منه اليهود فاتخذ حائرا ً وبعث إليهم فمييال خواصييهم‬
‫وحشمهم وأذن لهم في دخول الحائر ثييم أميير جنييوده فقتلييوهم‬
‫عن آخرهم‪ ،‬وقييال للوس والخييزرج‪ :‬إذا لييم تتغلبييوا علييى البلد‬
‫بعد قتل هؤلء فلحرقنكم ورجع إلى الشام‪ ،‬فأقاموا في عييداوة‬
‫مع اليهود ثم صنع لهم مالك بن عجلن طعاما ً ودعاهم فييامتنعوا‬
‫خوفا ً من الغدر فاعتذر إليهم مالك عن فعل أبي جبيلة ووعدهم‬
‫أنه ل يقصد مثل ذلك فأجابوه وجيياءوا إليييه فغييدرهم وقتييل ‪87‬‬
‫من رؤسائهم وفر الباقون وصورت اليهود مالك يا ً فييي كنائسييهم‬
‫وبيعهيييييييييم وكيييييييييانوا يلعنيييييييييونه كلميييييييييا دخليييييييييوا‪.‬‬
‫وذكر ابن الثير رواية أخرى وهي‪ :‬أن اليهود كييان لهييم ملييك‬
‫ن سنة أن كل امرأة‬
‫اسمه ال ِ‬
‫فطيون وكان ظالما ً فاسقًا‪ ،‬وقد س ّ‬
‫تتزوج دخل عليها قبل زوجها‪ ،‬فاتفق يوما ً زفاف أخت مالك هذا‬
‫فأتت مجلسا ً فيه أخوها وكشفت عن ساقها‪ ،‬فقييال لهييا أخوهييا‪:‬‬

‫قد أتيت بسوء‪ ،‬فقييالت‪ :‬الييذي يييراد بييي الليليية أشيد ّ ميين هييذا‪.‬‬
‫فثارت النخوة في رأسه واحتال على الدخول معها عنييد الملييك‬
‫في زي امرأة فلما خل المكان قتليه وفير إليى أبييي جبيليية وليم‬
‫يكن هذا ملكا ً لغسان بل معظما ً عند ملوك غسان وقد ذلوا بعد‬
‫هذه الفعلة وخافوا ولجأ كل قوم إلى بطن من الوس والخزرج‬
‫يستنصرون بهم ويكونون لهم أحلفًا‪ ،‬وعظم شأن مالك وسودة‬
‫الحيان‪ ،‬ولييم يمييض زمييان طويييل حييتى أثييرى الوس والخييزرج‬
‫وامتنع جانبهم وقد تناسلوا وتكاثروا وتشعبوا عدة بطييون فكييان‬
‫بنو الوس كلهم لمالك بيين الوس فمنهيم خطية بيين جشيم بيين‬
‫مالك وثعلبة ولوذان وعوف كلهم بنو عمرو بن عوف بن مالييك‪،‬‬
‫ومن بني عوف حنش ومالك كلفيية‪ ،‬وميين مالييك معاوييية وزيييد‪،‬‬
‫ومن زيد عبيد وضبيعة وأمية ومن كلفة جحجبا‪ ،‬ومن مالييك بيين‬
‫الوس الحارث وكعب ابنا الخييزرج بيين عمييرو بيين مالييك‪ ،‬فميين‬
‫كعب بنو ظفر‪ ،‬ومن الحارث بن الخييزرج حارثيية وجشييم‪ ،‬وميين‬
‫جشم بنو عبد الشهل‪ ،‬ومن مالك بن الوس أيضا ً بنو سعد وبنو‬
‫عامر ابنا مرة بن مالك‪ ،‬فبنو سيعد الجعيادرة‪ ،‬ومين بنيي عيامر‬
‫عطية وأمية ووائل بنو زيد بن قيس بن عييامر‪ ،‬وميين مالييك بيين‬
‫الوس أيضا ً أسلم وواقف ابنا امرىء القيييس بيين مالييك‪ ،‬فهييذه‬
‫بطييييييييون الوس كمييييييييا ذكيييييييير ابيييييييين خلييييييييدون‪.‬‬
‫وأما الخزرج فخمسة بطون من كعب وعمرو وعوف وجشم‬
‫والحيييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييارث‪.‬‬
‫‪ - 1‬فمييين كعيييب بييين الخيييزرج‪ ،‬بنيييو سييياعدة بييين كعيييب‪.‬‬
‫‪ - 2‬وعمرو بن الخزرج بنو النجار وهم‪ :‬تيم الله بن ثعلبة بيين‬
‫عمرو وهم شعوب كثيرة‪ :‬بنو مالك وبنو عدي وبنييو مييازن وبنييو‬
‫دينار‪ ،‬كلهم بنو النجار‪ ،‬وميين مالييك بين النجيار‪ ،‬مبيدول واسييمه‬
‫عييييامر وغييييانم وعمييييرو‪ ،‬وميييين عمييييرو عييييدي‪ ،‬ومعاوييييية‪.‬‬
‫‪ - 3‬ومن عوف بن الخزرج‪ ،‬بنو سام والقواقل وهمييا‪ :‬عييوف‬
‫بييييييييييييييين عميييييييييييييييرو بييييييييييييييين عيييييييييييييييوف‪.‬‬
‫والقواقل ثعلبة ومرضخة وبنو قوقل بن عييوف‪ ،‬وميين سييالم‬
‫بن عوف‪ ،‬بنو العجلن بن زيد بن عصم بن سالم وبنو سالم بيين‬
‫عييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييوف‪.‬‬
‫‪ - 4‬ومن جشم بن الخزرج بنو غضييب بيين جشييم ويزيييد بيين‬

‫جشم‪ ،‬فمن غضب بنو بياضة وبنو زريق وبنو عامر بن زريق بن‬
‫عبد حارثة بن مالك بن غضب‪ ،‬ومن يزيد بيين جشييم بنييو سييلمة‬
‫بييين سيييعد بييين عليييي بييين راشيييد بييين سييياردة بييين يزييييد‪.‬‬
‫‪ - 5‬ومن الحارث بن الخزرج‪ ،‬بنو خدرة وبنو حرام ابن عوف‬
‫بيييييييييييييين الحييييييييييييييارث بيييييييييييييين الخييييييييييييييزرج‪.‬‬
‫فلما فعلوا ما فعلوا باليهود واعتزوا وكثروا تفرقوا في عالية‬
‫يثرب وسافلتها وملكوا أمرها في حلفهم من جاورهم من قبائل‬
‫مضر ثم قييامت الفتيين بييين الحيييين وكييل منهييم يستنصيير بميين‬
‫حالفه من مضر واليهود ورحل عمرو بن الطنابيية ميين الخييزرج‬
‫بن المنذر ملك الحيرة فملكه على الحيرة واتصلت الرياسة في‬
‫الخييييييييييزرج والحييييييييييرب بينهييييييييييم وبييييييييييين الوس‪.‬‬
‫العيييييييييييييييداوة بيييييييييييييييين الوس والخيييييييييييييييزرج‬
‫كانت أول فتنة وقعت بين الوس والخييزرج »حييرب سييمير«‬
‫وذلك أن رجل ً حليفا ً يقال له كعب فاخر الوس بشيييء فغضييب‬
‫منهم رجل يقال له‪ :‬سمير‪ ،‬وشتمه ثم رصده حتى خل به فقتله‬
‫فغضب مالك بن عجلن وطلييب الرجييل ميين عشيييرته فييأنكروا‬
‫معرفته وعرضوا عليه الدية فقبلها فأرسلوا إليه نصف دييية‪ ،‬لن‬
‫ج الميير‬
‫الرجل حليف ل نسيب فأبى إل دية كامليية فييامتنعوا ول ي ّ‬
‫حتى أفضى إلى المحاربيية فيياقتتلوا مرتييين كييانت النصييرة فييي‬
‫الثانية منهم للوس فلما افترقوا أرسييلت الوس إلييى مالييك أن‬
‫حكم بيننا المنذر بن حرام النجاري الخزرجي وهو جد حسان بن‬
‫ثابت فأجابهم إلى ذلك فحكم بأن يؤدي الوس إلييى مالييك دييية‬
‫الصريح ثم يعودون إلى سنتهم القديمة فرضوا بييذلك وافييترقوا‬
‫وقد شبت البغضاء في قلوبهم وتمكنت العيداوة بييين القبيلييتين‪.‬‬
‫ثم إن كعب بن عمرو المييازني الخزرجييي تييزوج امييرأة ميين‬
‫بني سالم فأمر أحيحة بن جلح رئيييس بنييي جحجبييا ميين الوس‬
‫جماعة أن يرصدوه ويقتلوه ففعلييوا فييدعا أخييوه عاصييم قييبيلته‬
‫للنصييرة فاسييتعدوا والتقييوا هييم والوس واقتتلييوا قتييال ً شييديدا ً‬
‫فانهزمت بنو جحجبا وانهزم فركيض وراءه عاصيم فيأدركه وقيد‬
‫دخل الحصن وأغلقه فرماه بسهم فلم يصبه فقتل أخا ً له فعييزم‬

‫أحيحة أن يكبس بنيي النجيار وكييان متزوجيا ً بيامرأة منهيم فليم‬
‫يرضها ذليك وخيافت عليى قومهيا فسيارت إليهيم ليل ً وقيد نيام‬
‫م أحيحية إذا هيم عليى‬
‫أحيحة بعد سهر طويل وأنذرتهم فلميا هي ّ‬
‫سلحهم فلم يقدر عليهم فضرب امرأتييه حييتى كسيير يييدها لمييا‬
‫بلغييييييييييييييه مييييييييييييييا فعلييييييييييييييت وطلقهييييييييييييييا‪B.‬‬
‫ثم كانت حرب بين بني وائل بن زيد من الوس وبنييي مييازن‬
‫بن النجار من الخزرج‪ ،‬وذلك أن الحصين بيين السييلت الوسييي‬
‫نازع رجل ً من بني مازن وقتله فتبعه قوم من بني مازن فقتلييوه‬
‫فبلغ ذليك أخياه أبيا قييس بين السيلت فجميع قيومه وانضيمت‬
‫الوس والخييزرج كلهييا فيياقتتلوا قتييال ً شييديدا ً فييانهزمت الوس‪.‬‬
‫ثم كانت حرب بييين بنييي ظفيير ميين الوس وبنييي مالييك بيين‬
‫النجار من الخزرج‪ ،‬وذلك أن رجل ً من ظفر كان يمر إلى أرضييه‬
‫في أرض رجل من بني النجار فمنعه فلم يمتنييع فنييازعه فقتلييه‬
‫الظفري فاجتمع قومهمييا واقتتل فييانهزم بنييو مالييك بيين النجييار‪.‬‬
‫ثم إن رجل ً من بني النجار أصيياب غلميا ً ميين قضيياعة وقتلييه‬
‫وكان عم الغلم جارا ً لمعاذ بيين النعمييان الوسييي فطلييب معيياذ‬
‫ديته من بنييي النجييار فييامتنعوا فلقيهييم بقييومه عنييد فييارع أطييم‬
‫حسان بن ثابت ولم ييزل القتييال بينهييم حييتى حميل الديية إلييه‬
‫عيييييييييامر بييييييييين الطنابيييييييية فاصييييييييطلحوا حيييييييييا ً‬
‫ل‪.‬‬
‫ثم كانت الوقعة المعروفة بحاطب وهو حاطب بن قيس من‬
‫بني أمية بن مالك بن عوف الوسي وبينهما وبين حييرب سييمير‬
‫نحو مائة سنة وكان سييبب هييذه الحييروب أن حاطبيا ً كييان رجل ً‬
‫شريفا ً سيدا ً فأتاه رجل من بني ثعلبة بن سعد بن ذبيييان فنييزل‬
‫عليه ثم إنه غدا يوما ً إلى سوق قينقاع فييرآه يزيييد بيين الحييارث‬
‫المعروف بييابن فسييحم وهييي أمييه وهييو ميين بنييي الحييارث بيين‬
‫الخزرج‪ ،‬فقال يزيد لرجييل يهييودي‪ :‬لييك ردائي إن كسييعت هييذا‬
‫الثعلبي‪ .‬فأخذ رداءه وكسعه كسعة سمعها من بالسييوق فنييادى‬
‫الثعلبي‪ :‬يا لحاطب كسيع ضيييفك وفضيح‪ ،‬وأخيبر حياطب بييذلك‬
‫فجاء إليه فسأله من كسعه فأشار إلى اليهودي فضربه حيياطب‬
‫بالسيف ففلق هامته فأخبر ابين فسييحم الخييبر وقييل ليه‪ :‬قتيل‬
‫اليهودي قتله حاطب‪ ،‬فأسرع خلف حيياطب فييأدركه وقييد دخييل‬
‫بيوت أهله فلقي رجل ً من بني معاوية فقتله ‪ -‬ول ندري السييبب‬

‫الذي دعييا ابيين فسييحم أن يحييرض ذلييك اليهييودي علييى ضييرب‬
‫الثعلبي في دبره ‪ -‬فثييارت الحييرب بييين الوس والخييزرج وكييان‬
‫الظفر فيها للخزرج وهذا اليوم من أشييهر أيييامهم‪ ،‬وكييان بعييده‬
‫عدة وقائع كلها من حرب حاطب فمنها يوم الربيع‪ ،‬ويوم البقيع‪،‬‬
‫والفجييار‪ ،‬الول والثيياني‪ ،‬ويييوم بعيياث وهييو آخيير اليييام بينهييم‪.‬‬
‫وفي يوم الفجار الثاني حالفت قريظة والنضير الوس علييى‬
‫ي ذلك اليوم يوم الفجييار الثيياني‪،‬‬
‫الخزرج وجرى بينهم قتال ُ‬
‫س ّ‬
‫م َ‬
‫وسبب حرب يوم بعاث هو أن قريظة والنضير جددوا العهود مع‬
‫الوس على المييؤازرة والتناصيير واسييتحكم أمرهييم وجييدوا فييي‬
‫حربهم ودخييل معهييم قبييائل ميين اليهييود غييير ميين ذكرنييا‪ ،‬فلمييا‬
‫سمعت بذلك الخزرج جمعت وحشييدت وأرسييلت حلفاءهييا ميين‬
‫أشييجع وجهينيية‪ ،‬وأرسييلت الوس حلفاءهييا ميين مزينيية ومكثييوا‬
‫أربعين يوما ً يتجهزون للحرب والتقوا )ببعاث( وهي ميين أعمييال‬
‫قريظة‪ ،‬وعلى الوس حضير الكتائب والد أسيد بن حضير وعلى‬
‫الخزرج عمرو بن النعمان البياضي وتخلف عبد الله بن أبي بيين‬
‫سلول فيمن تبعه عن الخزرج‪ ،‬وتخلييف بنييو حارثيية بيين الحييارث‬
‫عن الوس‪ ،‬فلما التقوا اقتتلوا قتال ً شديدا ً وصييبروا جميع يًا‪ ،‬ثييم‬
‫إن الوس وجدت من السلح‪ ،‬فولوا منهزمين نحو العريض فلما‬
‫رأى حضييير هزيمتهييم بييرك وكعيين قييدمه بسيينان رمحييه وصيياح‬
‫واعقراه كعقر الجمل والليه ل أعييود حييتى أقتييل فييإن شييئتم يييا‬
‫معشر الوس أن تسلموني فافعلوا‪ ،‬فعطفوا عليييه وقاتييل عنييه‬
‫غلمان من بني عبد الشهل يقال لهما‪ :‬محمود ويزيد ابنا خليفة‬
‫حتى قتل‪ ،‬وأقبل سهم ل ُيدرى من رمى بييه فأصيياب عمييرو بيين‬
‫النعمان البياضي رئيس الخزرج فقتله فبينا عبد الله بن أبي بيين‬
‫سلول يتردد راكبا ً قريبا ً من بعاث يتجسس الخبار إذ طلع عليييه‬
‫بعمرو بن النعمان قتيل ً في عباءة يحمله أربعة رجييال كمييا كييان‬
‫قييال لييه‪ ،‬فلمييا رآه قييال ذق وبييال البغييي‪ ،‬وانهزمييت الخييزرج‬
‫ووضعت فيهييم الوس السييلح فصيياح صييائح‪ :‬يييا معشيير الوس‬
‫أحسنوا ول تهللوا إخييوانكم فجييوارهم خييير مين جيوار الثعيالب‪.‬‬
‫فييانتهوا عنهييم ولييم يسييلبوهم وإنمييا سييلبهم قريظيية والنضييير‬
‫وحملييت الوس حضيييرا ً مجروحييا ً فمييات وأحرقييت الوس دور‬

‫الخزرج ونخيلهم فأجار سعد بن معاذ الشهلي أموال بني سلمة‬
‫جييى يييومئذ‬
‫ونخيلهم ودورهم جزاء بما فعلوا لييه فييي الرعييل‪ ،‬ون ّ‬
‫الزبير بن إياس بن باطا ثابت بن شماس الخزرجي أخييذه فجييز‬
‫ناصييييييته وأطلقيييييه‪ ،‬وهيييييي الييييييد اليييييتي جيييييازاه بهيييييا‬
‫ثييييييابت فييييييي السييييييلم يييييييوم بنييييييي قريظيييييية‪.‬‬
‫الخلصييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييية‬
‫تبين لنا من تاريخ الخزرج والوس أنهما ابنا حارثة بيين ثعلبيية‬
‫العنقاء بن عمرو مزيقياء الذي خرج من اليمن بعييد تفييرق أهييل‬
‫سبأ بسيل العرم وأن هذا السيل ليس خرافة بييل حييدث مييرارا ً‬
‫وخيييييييييييييييييرب السيييييييييييييييييد فغرقيييييييييييييييييت البلد‪.‬‬
‫وقد لبث الخزرج والوس حينا ً من اليدهر مييع اليهييود يحيييون‬
‫الرض الموات ويزرعونها وهم في عسر شديد وكان اليهود هم‬
‫أرباب الموال فحدث نزاع وشجار بينهم وبين اليهود وهو أشييبه‬
‫شييييء بيييالثورات اليييتي حيييدثت بيييين المزارعيييين أو العميييال‬
‫والمتميييييييييييولين فيييييييييييي القيييييييييييرون الخييييييييييييرة‪.‬‬
‫ثم نشبت حروب بين الوس والخزرج فتارة كان النصر فيهييا‬
‫للخزرج وأخرى للوس وكان الظفر في أكثرها للخزرج‪ ،‬وأخيرا ً‬
‫حالفت قريظة والنضير الوس على الخزرج وانضم بنييو قينقيياع‬
‫إلييى الخييزرج علييى أن تلييك الحييروب الطاحنيية بييين القبيلييتين‬
‫الختين كييان سييببها ‪ -‬بنيياء علييى مييا وصييل إلينييا ميين تاريخهييا ‪-‬‬
‫حزازات شخصية كان في المكان ملفاتهييا‪ ،‬لكيين العييداء اشييتد‬
‫بينهما لما في طبيعة العييرب ميين التمسييك بالخييذ بالثييأر‪ ،‬وقييد‬
‫بلغت العيداوة بيين الخيزرج والوس مبلغيا ً عظيميا ً قبيل هجيرة‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة‪ .‬وآخيير الحييروب بينهييم‬
‫يوم بعاث الذي هزم فيه الخزرج وكان حوالي سنة ‪ 616‬م فلما‬
‫سئموا القتال أجمعوا على تتويج عبد اللييه بيين أبييي ابيين سييلول‬
‫ملكا ً عليهم وابن سلول هذا هو الملقب برأس المنافقين وكييان‬
‫رئيس الخزرج ولمييا رأى قييومه قييد أبييوا إل السييلم دخييل فيييه‬
‫كارها ً مصرا ً على النفاق والضغن فكييان رأس المنييافقين وإليييه‬
‫يجتمعييون‪ ،‬وقيد حسيد النيبي لن السيلم منيع تتيويجه وأخيذته‬

‫العزة فأضمر الشر وهو الذي قال في غييزوة المصييطلق‪} :‬ل َِئن‬
‫من ْهَييا ال ْذ َ ّ‬
‫ل{ )المنييافقون‪(8 :‬‬
‫دين َةِ ل َي ُ ْ‬
‫ن ال ْعَ يّز ِ‬
‫م ِ‬
‫خرِ َ‬
‫ّر َ‬
‫جعَْنآ إ َِلى ال ْ َ‬
‫ج ّ‬
‫فقال ابنه عبييد اللييه للنييبي‪ :‬هييو واللييه الييذليل وأنييت العزيييز يييا‬
‫رسول الله إن أنت أذنت لي في قتله قتلته فوالله لقييد علمييت‬
‫الخزرج ما كان بها أحد أبر بوالده مني‪ ،‬ولكني أخشييى أن تييأمر‬
‫به رجل ً مسلما ً فيقتله فل تدعني نفسييي أنظيير إلييى قاتييل أبييي‬
‫يمشي على الرض حيا ً حتى أقتله‪ ،‬فقال النبي صلى اللييه عليييه‬
‫وسلم »بييل نحسيين صييحبته ونييترفق بييه مييا صييحبنا ول يتحييدث‬
‫الناس أن محمدا ً يقتل أصحابه ولكن بر أباك وأحسن صييحبته«‪.‬‬
‫ولما أنعم الله على الخييزرج والوس بنعميية السييلم اتفقييت‬
‫حد رسول الله صييلى‬
‫الكلمة واجتمع الشمل وتآخى الفريقان فو ّ‬
‫الله عليه وسلم اسمهما ولقبهما بالنصار لنهم نصروه‪ ،‬وتوحيييد‬
‫السمين تحت راية السلم كان له أعظييم أثيير فييي النفييوس إذ‬
‫بذلك امتنع الشقاق وتصافت النفوس وساروا جميعا ً نحو غرض‬
‫واحيييييييد ومبيييييييدأ واحيييييييد وهيييييييو نشييييييير السيييييييلم‪.‬‬
‫جيياء فييي »دائرة المعييارف السييلمية« فييي مييادة أنصييار )‬
‫‪» :(Ansar‬لكييأن محمييدا ً أراد أن يشييابه بييين كلميية النصييار‬
‫والنصارى المطلقة علييى المسيييحيين«‪ ،‬وهييذا خطييأ واضييح لن‬
‫كلمة أنصار جمع نصير‪ ،‬أمييا نصييارى فنسييبة إلييى قرييية بالشييام‬
‫تسمى ناصرة أو نصران وفوق ذلك فإن سبب تسييمية الخييزرج‬
‫والوس بالنصار معروف وهييو لنهييم نصييروه صييلى اللييه عليييه‬
‫وسلم وقد جل رسول الله صلى الله عليييه وسييلم عيين التشييبه‬
‫والتقلييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييد‪.‬‬
‫مدينييييييييييييييييييييييييييييييييية ييييييييييييييييييييييييييييييييييثرب‬
‫سميت يثرب بعد السلم بالمدينة‪ ،‬مدينة رسول اللييه صييلى‬
‫ُ‬
‫الله عليه وسلم وهييي عبييارة عيين جمليية قييرى تقييع فييي سييهل‬
‫خصب وبينها وبين مكة ‪ 200‬ميل وهيي فييي شييمالها‪ ،‬جياء فييي‬
‫»معجم البلدان« ليياقوت‪» :‬إن لهييذه المدينية تسييعة وعشييرين‬
‫اسمًا« ثم سردها‪ .‬وكذا أحصى المجييد الشيييرازي اللغييوي نحييو‬
‫ثلثين اسمًا‪ ،‬وذكر السمهودي فييي كتيياب »وفيياء الوفييا« أربعيية‬

‫وتسييعين اسييما ً وقييال‪ :‬إن كييثرة السييماء تييدل علييى شييرف‬
‫المسمى‪ ،‬ونقل ابن زبالة‪ ،‬أن عبد العزيز بن محمييد الييدراوردي‬
‫قيييال‪ :‬بلغنيييي أن للمدينييية فيييي التيييوراة أربعيييين اسيييمًا‪.‬‬
‫فمن أسمائها أثرب كمسجد ويثرب‪ ،‬قال تعالى‪} :‬وَإ ِذ ْ َقيياَلت‬
‫ّ‬
‫م يأ َهْي َ‬
‫جُعوْا{ )الحييزاب‪:‬‬
‫طآئ َِف ٌ‬
‫ل ‪.‬ي َث ْيرِ َ‬
‫مَقييا َ‬
‫م فَيياْر ِ‬
‫م ل َك ُي ْ‬
‫ب لَ ُ‬
‫من ْهُي ْ‬
‫ة ّ‬
‫ُ‬
‫م ب ِهَ َ‬
‫د{ )البلييد‪ (1 :‬ودار‬
‫ذا ال ْب ََليي ِ‬
‫‪ ،(13‬والبلد‪ ،‬قال تعالى‪} :‬ل َ أقْ ِ‬
‫س ُ‬
‫الهجرة و السنة وطيبة وطابة وقرييية النصييار ومدينيية الرسييول‬
‫ومضجع الرسول وأكالة البلدان والمباركة والمسييكينة والعييذراء‬
‫والبيييييييييييييييييييييييييييييييارة والفاضيييييييييييييييييييييييييييييييحة‪.‬‬
‫أما قدرها فهي في مقدار نصف مكة وهي فييي حييرة سييبخة‬
‫ولها نخيل كييثيرة ومييياه ونخيلهييم وزروعهييم تسييقى ميين البييار‬
‫عليها العبيد وللمدينيية سييور والمسييجد فييي نحييو وسيطها وقييبر‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم في شرق المسجد وهو بيت مرتفع‬
‫وليس بينه وبين سقف المسجد إل فرجة وهو مسدود ل باب له‬
‫وفيه قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبر أبي بكر وقبر عميير‪،‬‬
‫والمنبر الذي كيان يخطيب علييه رسييول الليه صيلى الليه علييه‬
‫وسلم قد غشييي بمنييبر آخيير والروضيية أمييام المنييبر بينييه وبييين‬
‫القبر‪ ،‬ومصله صييلى اللييه عليييه وسييلم الييذي كييان يصييلي فيييه‬
‫العييييييياد فييييييي غربييييييي المدينيييييية داخييييييل البيييييياب‪.‬‬
‫و)بقيع الغرقد( خارج المدينة من شييرقيها وهييو مييدفن أكييثر‬
‫أمواتها‪ .‬و)ُقباء( خييارج المدينيية علييى نحييو ميلييين إلييى مييا يلييي‬
‫ُ‬
‫حد( جبل في شمال المدينة وهو‬
‫القبلة وهي شبيهة بالقرية‪ .‬و)أ ُ‬
‫أقييرب الجبييال إليهييا مقييدار فرسييخين وبقربهييا مييزارع ونخيييل‬
‫وضياع لهل المدينيية‪) .‬وادي العقيييق( فيمييا بينهييا وبييين الفييرع‪.‬‬
‫و)الُفرع( من المدينة على أربعة أيييام فييي جنوبهييا وبهييا مسييجد‬
‫جامع غير أن أكثر هذه الضياع خييراب‪ ،‬وكييذلك حييوالي المدينيية‬
‫ضياع كثيرة أكثرها خراب‪ ،‬وأعذب مياه تلك الناحية آبار العقيق‪.‬‬
‫وحّرم رسول الله صلى الله عليه وسلم شجر المدينة بريييدا ً‬
‫خص فييي الهييش وفييي متيياع الناضييح‪،‬‬
‫في بريد من كل ناحية ور ّ‬
‫ونهى عن الخبييط ‪ -‬ضييرب الشييجر بالعصيا ليتنياثر ورقهييا ‪ -‬وأن‬
‫يعضد ويهصر ولم تكن المدينة بلدا ً خصبا ً مثمييرًا‪ ،‬إنمييا كييان بهييا‬
‫بعض النخيل والماشية ومن خصائص المدينيية أنهييا طيبيية الريييح‬

‫وللعطر فيها فضل رائحة ل توجد في غيرها وتمرها الصيحاني ل‬
‫يوجد في بلد من البلدان مثله‪ ،‬ولهم حييب اللبييان ومنهييا يحمييل‬
‫إلى سائر البلدان‪ ،‬وجبلها ُأحد قد فضله رسول اللييه صييلى اللييه‬
‫عليه وسلم فقال‪ُ» :‬أحد جبل يحبنا ونحبييه وهييو علييى بيياب ميين‬
‫أبييييييواب الجنيييييية« وحجييييييارة ُأحييييييد ميييييين الجرانيييييييت‪.‬‬
‫المسافات‪ :‬من المدينة إلييى مكيية نحييو عشيير مراحييل وميين‬
‫الكوفة إلى المدينة نحو عشيرين مرحلية وطرييق البصيرة إلييى‬
‫المدينة نحو من ثماني عشرة مرحلة ويلتقي مع طريق الكوفيية‬
‫بقرب معدن النقرة ومن الرقة إلى المدينيية نحييو ميين عشييرين‬
‫مرحليية‪ ،‬وميين البحرييين إلييى المدينيية عيين طريييق السيياحل‪.‬‬
‫ولما قدم رسول الله المدينة وجييد أهلهييا ميين أخبييث النيياس‬
‫ك َي ْل ً فييأنزل اللييه تعييالى‪} :‬وَْييي ٌ‬
‫ن{ )المطففييين‪(1 :‬‬
‫ل ل ّل ْ ُ‬
‫مط َّفِفييي َ‬
‫فأحسيييييييييييييينوا الك َي ْييييييييييييييل بعييييييييييييييد ذلييييييييييييييك‪.‬‬
‫مييييييييييرض المهيييييييييياجرين بحمييييييييييى المدينيييييييييية‬
‫حاول رؤساء قريش منع المسلمين من الهجرة إلى المدينيية‬
‫لكنهييم اسييتطاعوا الهجييرة بعييد بضييعة أسييابيع وقييد اعتيياد‬
‫المهاجرون جوّ مكة الجاف فلما قدموا المدينيية أصيييب أكييثرهم‬
‫بالحمى وربما كانت أنفلونزا أو ملريا لن صيفها رطب وشتاءها‬
‫قارس والمطر دائم تقريبًا‪ ،‬قالت عائشة‪ :‬لما قدم رسييول اللييه‬
‫صلى الله عليه وسلم المدينيية وهييي أول أرض أصيياب أصييحابه‬
‫منها بلء وسقم‪ ،‬وصرف اللييه ذلييك عيين نييبيه صييلى اللييه عليييه‬
‫وسييلم وأصييابت الحمييى أبييا بكيير وبلل ً وعييامر بيين فهيييرة‪،‬‬
‫فاستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في عيادتهم وذلييك‬
‫قبل أن يضرب علينا الحجاب من شدة الحمى فأذن لي فدخلت‬
‫عليهم وهم في بيت واحد فوجييدتهم يهييذون ميين شييدة الحمييى‬
‫فأخبرت رسول الله صلى الله عليييه وسييلم قييالت‪ :‬فنظيير إلييى‬
‫السماء وقال‪» :‬اللهم حب ّييب إلينييا المدينيية كحبنييا مكيية أو أشييد‪،‬‬
‫ماهييا إلييى‬
‫ححها لنا وانقييل ُ‬
‫دنا وص ّ‬
‫اللهم بارك لنا في صاعنا وم ّ‬
‫ح ّ‬
‫الجحفة«‪ ،‬فاسييتجاب اللييه لييه فطي ّييب هواءهييا وترابهييا وسييكنها‬
‫والعييييش بهيييا‪ ،‬وكيييان أبيييو بكييير إذا أخيييذته الحميييى أنشيييد‪:‬‬

‫كييييييييييل امرىييييييييييء مصييييييييييبح فييييييييييي أهلييييييييييه‬
‫والميييييييييوت أدنيييييييييى مييييييييين شيييييييييراك نعليييييييييه‬
‫وهذا من شعر حنظلة بن يسار وليييس ميين شييعر أبييي بكيير‪،‬‬
‫وحمى المدينية كيانت الملرييا لميا كيان يحييط بهيا مين اليبرك‬
‫والبار حتى إن الجمال كانت تمرض ميين الشييرب منهييا وكييانت‬
‫قريش تعيب على أهل يثرب مييا يعييتريهم ميين الحمييى وتسييلط‬
‫مي الحمى )أم ملدم(‪ .‬قال رسول اللييه لزيييد‬
‫اليهود عليهم وتس ّ‬
‫ييء وأسيلم‪» :‬يييا زيييد تقتلييك أم‬
‫الخيل وكان قد أتى مع وفيد ط ّ‬
‫ملدم« يعنيي‪ :‬الحميى‪ ،‬فأصييب بهيا أثنياء الطرييق عنيد عيودته‬
‫وميييييييييييييييييييييييييييييييييييييات بهيييييييييييييييييييييييييييييييييييييا‪.‬‬
‫مسييييجد رسييييول اللييييه صييييلى اللييييه عليييييه وسييييلم‬
‫قال ابن عمر‪ :‬كان بناء المسجد على عهد رسول الله صييلى‬
‫الله عليه وسلم وسقفه جريد وعمده خشب النخل فلم يزد فيه‬
‫أبو بكر شيئا ً فزاد فيه عمر وبناه على ما كان من بنائه ثم غيره‬
‫عثميان وبنياه بالحجيارة المنقوشية والفضية وجعيل عميده مين‬
‫حجيييييييارة منقوشييييييية وسيييييييقفه سييييييياجا ً وزاد فييييييييه‪.‬‬
‫وفي »الصحيح« في ذكر بناء المسجد‪ :‬وكنا نحمل لبنية لبنيية‬
‫وعمار لبنتين لبنتين فرآه النبي صييلى اللييه عليييه وسييلم فجعييل‬
‫ينفض اليتراب عنيه ويقيول‪» :‬وييح عميار تقتليه الفئة الباغيية«‪.‬‬
‫وروى البيهقي في »الدلئل« عن سفينة مولى رسييول اللييه‬
‫صلى الله عليه وسلم قال‪ :‬لما بنى النبي صلى الله عليه وسلم‬
‫المسجد وضع حجرا ً ثم قال‪» :‬ليضع أبو بكر حجره إلييى حجييري‬
‫ثم ليضع عمر حجره إلى جنب حجر أبي بكيير ثييم ليضييع عثمييان‬
‫حجره إلى جنب حجر عمر«‪ ،‬فقال رسول الله صلى اللييه عليييه‬
‫وسييييييييلم »هييييييييؤلء الخلفيييييييياء ميييييييين بعييييييييدي«‪.‬‬
‫وعن مكحول قال‪ :‬لما كثر أصحاب رسييول اللييه صييلى اللييه‬
‫عليه وسلم قالوا‪ :‬اجعل لنا مسييجدًا‪ ،‬فقييال‪ :‬خشييبات وثمامييات‬
‫عريش كعريش أخي موسى صلوات الله عليه‪ ،‬المر أعجل من‬
‫ذلك‪ ،‬ورواه رزين وزاد فيه‪ :‬فطفقوا ينقلون اللبن وما يحتيياجون‬
‫إليييه ورسييول اللييه صييلى اللييه عليييه وسييلم ينقييل معهييم الييخ‬
‫)الثماميييييييييات ميييييييييا يبيييييييييس مييييييييين الغصيييييييييان(‪.‬‬

‫سسوا المسجد جعلييوا طييوله ممييا يلييي القبليية‬
‫وكان الذين أ ّ‬
‫إلى مؤخره مائة ذراع وجعل قبلته إلى بيت المقدس‪ ،‬وجعل له‬
‫ثلثة أبواب‪ ،‬باب في مؤخره وهو في جهيية القبليية اليييوم وبيياب‬
‫عاتكة الذي يدعى باب عاتكة وُيقال لييه‪ :‬بيياب الرحميية‪ ،‬والبيياب‬
‫الذي كان يدخل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو باب‬
‫آل عثمان اليوم‪ ،‬وهذان البابان لم يغيرا بعد أن صرفت القبليية‪،‬‬
‫ولما صرفت القبلة سد رسول الله صلى الله عليه وسلم الباب‬
‫الذي كان خلفه وفتح هذا الباب ومحاذيه هذا البيياب الييذي سييد‪.‬‬
‫ولما بنى رسول الليه مسييجده‪ ،‬بنييى بيييتين لزوجييتيه عائشية‬
‫وسودة رضي الله عنهمييا علييى نعييت بنيياء المسييجد ميين اللبيين‬
‫وجريد النخل‪ ،‬وكان لبيت عائشة مصراع واحد من عرعر )شجر‬
‫السرو( أوساج‪ ،‬ولما تزوج رسول الله نسيياءه بنييى لهيين حجييرا ً‬
‫وهي تسعة أبيات وذلك في أوقات مختلفة‪ ،‬وحجيير أزواج النييبي‬
‫صلى الله عليه وسلم ليست من المسجد ولكن أبوابها شييارعة‬
‫فييييييييييييييييييييييييييييييييييي المسييييييييييييييييييييييييييييييييييجد‪.‬‬
‫وكان رسول الله صلى الله عليييه وسييلم يخطييب إلييى جييذع‬
‫يتكىء عليه فقالت امرأة من النصار أو رجل‪ :‬يا رسول الله أل‬
‫نجعل لك منبرًا؟ قال‪» :‬إن شئتم«‪ ،‬فجعلوا له منبرًا‪ ،‬ولما فارق‬
‫ن الجييذع وسييمع لييه صييوت‬
‫رسول الله الجذع وصعد المنبر‪ ،‬ح ي ّ‬
‫كصوت العشار‪ ،‬فقال النبي صلى الله عليه وسلم »أل تعجبييون‬
‫من حنييين هييذه الخشييبة؟« فأقبييل النيياس عليهييا فسييمعوا ميين‬
‫حنينها حتى كثر بكاؤهم فنزل إليهم رسول الله صلى الله عليييه‬
‫وسيييييييييييييييييييلم فضيييييييييييييييييييمه فسيييييييييييييييييييكن‪.‬‬
‫وفي »صحيح البخاري« عن ابن عمر قال‪ :‬كان النييبي صييلى‬
‫ول إليييه‬
‫الله عليه وسلم يخطب إلى جذع فلما اتخييذ المنييبر تحي ّ‬
‫ن الجيييييييذع فأتييييييياه فمسيييييييح بييييييييده علييييييييه‪.‬‬
‫فحييييييي ّ‬
‫ول شك أن حنين الجذع من معجزاته صلى الله عليه وسييلم‬
‫وحديث الجذع مشهور رواه ميين الصييحابة بضييعة عشيير‪ ،‬وكييان‬
‫المنيييبر مييين خشيييب الثيييل ومييين درجيييتين وليييه مجليييس‪.‬‬
‫وذكيييير ابيييين بطوطيييية فييييي رحلتييييه »الجييييذع« فقييييال‪:‬‬

‫دخلنا الحرم الشريف وانتهينا إلييى المسييجد الكريييم فوقفنييا‬
‫ببيياب السييلم مسييلمين وصييلينا بالروضيية الكريميية بييين القييبر‬
‫ن‬
‫والمنبر الكريم واستلمنا القطعة الباقية ميين الجييذع الييذي ح ي ّ‬
‫إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي ملصقة بعمود قييائم‬
‫بين القبر والمنبر عيين يمييين مسييتقبل القبليية‪ ،‬وقييال عنييد ذكيير‬
‫القييييييييييييييييييييييييييييييييييبر الكريييييييييييييييييييييييييييييييييييم‪:‬‬
‫وفي الحديث‪ :‬أن رسول اللييه صييلى اللييه عليييه وسييلم كييان‬
‫يخطب إلى جذع نخلة بالمسييجد فلمييا صيينع لييه المنييبر وتحييول‬
‫إليه‪ ،‬حن الجذع حنين الناقة إلى حوارها‪ ،‬وُروي أن رسييول اللييه‬
‫صلى الله عليه وسلم نزل إليه فالتزمه فسكن وقييال‪» :‬لييو لييم‬
‫ن إلى يوم القيامة«‪ .‬واختلفيت الرواييات فيمين صينع‬
‫ألتزمه لح ّ‬
‫المنبر الكريم‪ ،‬فُروي‪ :‬أن تميما ً الداري رضي الله عنه هو الييذي‬
‫صنعه‪ ،‬وقيل‪ :‬إن غلما ً للعباس رضييي اللييه عنييه صيينعه‪ ،‬وقيييل‪:‬‬
‫غلم لمرأة من النصار‪ ،‬وورد ذلك في الحديث الصييحيح وصيينع‬
‫من طرفاء الغابة‪ ،‬وقيل‪ :‬من الثل وكان له ثلث درجات فكييان‬
‫رسول الله صلى اللييه عليييه وسييلم يقعييد علييى علييياهن ويضييع‬
‫رجليه الكريمتين فييي وسييطاهن‪ ،‬فلمييا ولييي أبييو بكيير الصييديق‬
‫رضي الله عنه قعد على وسطاهن ووضع رجليييه علييى أولهيين‪،‬‬
‫فلما ولي عمر رضي الله عنه جلس على أولهن ووضييع رجليييه‬
‫على الرض‪ ،‬وفعل ذلك عثمان رضي الله عنه صدرا ً من خلفته‬
‫ثم ترقى إلى الثالثة‪ ،‬ولما أن صار المر إلى معاوية رضييي اللييه‬
‫عنه أراد نقل المنبر إلى الشام فضج المسلمون فلما رأى ذلييك‬
‫معاوييية‪ ،‬تركييه وزاد فيييه سييت درجييات ميين أسييفله فبلييغ تسييع‬
‫درجيييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييات‪.‬‬
‫ولما حج المهدي بيين المنصييور العباسييي سيينة ‪ 261‬أراد أن‬
‫يعيده إلى ما كان عليه‪ ،‬فأشار عليه المام مالييك بييتركه خشييية‬
‫التهافت فتركه‪ ،‬ويقال‪ :‬إن المنبر الذي صنعه معاوية ورفع منبر‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم عليييه‪ ،‬تهييافت علييى طييول الزمييان‬
‫وجدده بعض خلفاء بنييي العبيياس واتخييذ ميين بقايييا أعييواد منييبر‬
‫النبي صلى الله عليييه وسييلم أمشيياطا ً للتييبرك ثييم احييترق هييذا‬
‫المنبر لما احترق المسجد في مستهل رمضان سنة ‪654‬م أيام‬
‫المستعصم بالله واشتغل المستعصم عن عمييارته بقتييال التتييار‬

‫فعمل المظفر صاحب اليمن المنبر وبعث به إلى المدينيية سيينة‬
‫‪656‬م فنصب في موضييع منييبر النييبي صييلى اللييه عليييه وسييلم‬
‫فبقيييييييييييييييييييي إليييييييييييييييييييى سييييييييييييييييييينة ‪666‬م‪.‬‬
‫تزويج النبي صلى الله عليه وسلم بعائشيية رضييي اللييه عنهييا‬
‫عائشة رضي الله عنها هي بنت أبي بكيير الصييديق وأمهييا أم‬
‫رومييان بنييت عييامر بيين عييويمر‪ ،‬ولييدت فييي السيينة الثامنيية أو‬
‫التاسعة قبل الهجرة )‪ 614 - 613‬م( أسلمت صغيرة وتزوجها‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فييي شييهر شييوال قبييل‬
‫الهجرة ودخل بها في المدينة في منييزل أبييي بكيير بالسيينح بعييد‬
‫الهجرة بثمانية أشهر في شييهر شييوال وكييان صييداقها أربعمييائة‬
‫درهم وكانت أحب نسائه إليه وكنيتها أم عبييد اللييه‪ ،‬كنيييت بييابن‬
‫م يا ً لنييه‬
‫أختها أسماء وهي أم عبد الله بن الزبير وكان يييدعوها أ ّ‬
‫ترّبى في حجرها‪ .‬وروت عن النبي صلى الله عليه وسييلم أكييثر‬
‫من ألف حديث‪ ،‬وكييانت ميين أكييبر النسيياء عق ً‬
‫ل‪ ،‬فصيييحة الكلم‬
‫دخر‬
‫صحيحة المنطييق‪ ،‬تحفييظ كييثيرا ً ميين القصييائد‪ ،‬كريميية ل ت ي ّ‬
‫شيئًا‪ ،‬أحفظ أهييل زمانهييا للحييديث وقييد روت عنهييا الييرواة ميين‬
‫الرجييييييييييييييييييييييييييييييييال والنسيييييييييييييييييييييييييييييييياء‪.‬‬
‫وأثبييت بعييض المييؤرخين أن عائشيية كييان لييديها نسييخة ميين‬
‫القرآن‪ ،‬وقبض رسول الله وهي بنت ثماني عشييرة وليم يييتزوج‬
‫بكرا ً غيرها‪ ،‬وقبض رسول الله ورأسييه فييي حجرهييا ودفيين فييي‬
‫بيتها وتوفيت سيينة سييبع وخمسييين للهجييرة ليليية الثلثيياء لسييبع‬
‫عشرة ليلة خلت من رمضييان )‪ 13‬يوليييو ‪ 678‬م( وقييد قيياربت‬
‫سبعا ً وستين سنة وصلى عليها أبييو هريييرة بييالبقيع ودفنييت ليل ً‬
‫وذلك زمن ولييية مييروان بيين الحكييم علييى المدينيية فييي خلفيية‬
‫معاوية وكان مروان استخلف أبا هريرة لما ذهييب إلييى العمييرة‬
‫فييييييييييييييييييييييي تلييييييييييييييييييييييك السيييييييييييييييييييييينة ‪.‬‬
‫روى القاسم بيين محمييد عيين عائشيية رضييي اللييه عنهييا أنهييا‬
‫قالت‪ :‬فضلت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بعشر خصييال‪:‬‬
‫تزوجني رسول الله صييلى اللييه عليييه وسييلم بكييرا ً دون غيييري‪،‬‬
‫وأبييواي مهيياجران‪ ،‬وجيياء جبريييل عليييه السييلم بصييورتي فييي‬
‫حريرة‪ ،‬وأمره أن يتزوج بي‪ ،‬وكنت أغتسل معه في إنيياء واحييد‪،‬‬

‫وجبريل عليه السلم ينزل عليييه بييالوحي وأنييا معييه فييي لحيياف‬
‫واحد‪ ،‬وتزوجني في شوال وبنى بي في ذلك الشهر‪ ،‬وقبض بين‬
‫سحري ونحري‪ ،‬وأنزل الله تعالى عذري من السماء ودفن فييي‬
‫بييييييتي‪ ،‬وكيييييل ذليييييك ليييييم يسييييياوني غييييييري فييييييه‪.‬‬
‫صرف القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة ‪ 15‬شيعبان علييى‬
‫رأس ثمانييية عشيير شييهرا ً ميين الهجييرة )نوفمييبر سيينة ‪ 623‬م(‬
‫لما هاجر رسول اللييه صيلى الليه علييه وسييلم إلييى المدينيية‬
‫صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا ً وكان يحب أن يصرف‬
‫إلى الكعبة لما بلغه أن اليهود قالوا‪ :‬يخالفنا ويتبع قبلتنا‪ ،‬فقييال‪:‬‬
‫»يا جبريل وددت أن الله صرف وجهي عن قبليية يهييود«‪ .‬فقييال‬
‫جبريل‪ :‬إنما أنا عبد فادع ربك وسله‪ ،‬وجعل إذا صلى إلييى بيييت‬
‫المقدس يرفع رأسه إلى السييماء ينتظيير أميير الليه لن السييماء‬
‫جه ِ ي َ‬
‫مآء‬
‫ب وَ ْ‬
‫قبلة الدعاء‪ ،‬فنزلت عليه‪} :‬قَد ْ ن ََرى ت ََقل ّي َ‬
‫ك فِييي ال ّ‬
‫سي َ‬
‫فَل َن ُوَل ّي َن ّ َ‬
‫ها{ )البقرة‪ ،(144 :‬فوجه إلييى الكعبيية إلييى‬
‫ضا َ‬
‫ك قِب ْل َ ً‬
‫ة ت َْر َ‬
‫الميييزاب‪ ،‬وُيقييال‪ :‬صييلى رسييول اللييه صييلى اللييه عليييه وسييلم‬
‫ركعتين من الظهر في مسيجده بالمسيلمين ثيم أمير أن يتيوجه‬
‫إلى المسجد الحرام فاستدار إليه ودار معه المسلمون‪ .‬ويقيال‪:‬‬
‫بل زار رسول الله صلى الله عليه وسلم أم بشر بن الييبراء بيين‬
‫معرور في بني سلمة فصنعت له طعاما ً وحانت الظهيير فصييلى‬
‫ُ‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه ركعييتين ثييم أميير أن‬
‫يتييوجه إلييى الكعبيية فاسييتدار إلييى الكعبيية واسييتقبل الميييزاب‬
‫ي المسجد مسجد القبلتين وذلك يوم الثنين للنصييف ميين‬
‫ف ُ‬
‫س ّ‬
‫م َ‬
‫رجب على رأس ثمانية عشر شهرًا‪ ،‬قال الجمهور العظم‪ :‬إنما‬
‫حرفت في النصف من شعبان علييى رأس ثمانييية عشيير شييهرا ً‬
‫ميييييييييييييييييييييييييييييييييين الهجييييييييييييييييييييييييييييييييييرة‪u.‬‬
‫وفي البخاري‪ :‬بينا الناس بقباء فييي صييلة الصييبح إذ جيياءهم‬
‫آت فقال‪ :‬إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قييد أنييزل عليييه‬
‫قرآن وقد أمر أن يستقبل الكعبيية فاسييتقبلوها فاسييتداروا إلييى‬
‫الكعبييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييية‪.‬‬
‫سيي َُقو ُ‬
‫م عَيين‬
‫سيَفَهآء ِ‬
‫ل ال ّ‬
‫قييال تعييالى‪َ } :‬‬
‫مييا وَل ّهُي ْ‬
‫س َ‬
‫مي َ‬
‫ن الن ّييا ِ‬
‫م ال ِّتى َ‬
‫م ْ‬
‫مين‬
‫ب ي َْهي ِ‬
‫مْغيرِ ُ‬
‫دى َ‬
‫شيرِقُ َوال ْ َ‬
‫كاُنوا ْ عَل َي َْها ُقل ل ّّليهِ ال ْ َ‬
‫قِب ْل َت ِهِ ُ‬

‫يَ َ‬
‫م{ )البقرة‪ ،(142 :‬وهذا رد على اليهود‬
‫صر ٍ‬
‫شآء إ َِلى ِ‬
‫م ْ‬
‫ط ّ‬
‫ست َِقي ٍ‬
‫والمنافقين الذين ساءهم ذلك‪ ،‬وعن يزيد النحييوي عيين عكرميية‬
‫والحسيين والبصييري قييال‪ :‬أول مييا نسييخ ميين القييرآن القبليية‪.‬‬
‫الذان‬
‫عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه‪ :‬أن رسييول اللييه صييلى‬
‫الله عليه وسييلم أراد أن يجعييل شيييئا ً يجمييع بييه النيياس للصييلة‬
‫س وأهله‪ ،‬فكره حييتى ُأري‬
‫فذكر عنده البوق وأهله‪ ،‬وذكر الناقو ُ‬
‫رجل من النصار يقال له‪ - :‬عبد الله بن زيد ‪ -‬الذان وأريه عمر‬
‫بن الخطاب تلك الليليية فأمييا عميير فقييال‪ :‬إذا أصييبحت أخييبرت‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما النصاري فطرق رسييول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم في الليلة فأخبره‪ ،‬وأمر رسييول اللييه‬
‫صييلى اللييه عليييه وسييلم بلل ً فييأذن بالصييلة وذكيير أذان النيياس‬
‫اليوم‪ ،‬قال‪ :‬فزاد بلل في الصبح‪ :‬الصلة خير من النوم‪ ،‬فأقرها‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم وليست فيمييا رأى النصيياري‪،‬‬
‫وله صلى الله عليه وسييلم ميين المييؤذنين بلل وابيين أم مكتييوم‬
‫بالمدينة‪ ،‬وبلل أول من أ ّ‬
‫ذن في السلم وأّذن فييي جييامع عميير‬
‫بن الخطاب بالقدس ومييات بدمشييق‪ ،‬وكييان الذان فييي السيينة‬
‫الولى من الهجرة بعدما بنى رسول الله مسجده‪ ،‬أما تخصيييص‬
‫الذان برؤيا رجل ولم يكن بوحي فلمييا فيييه ميين التنييويه بييالنبي‬
‫صلى الله عليه وسلم والرفع لييذكره لنييه إذا كييان علييى لسييان‬
‫غيييره كييان أرفييع لييذكره‪ ،‬وُيقييال‪ :‬إن الييوحي قييد سييبق الرؤيييا‪.‬‬
‫والذان لغة‪ :‬العلم وهييو مصييدر أذن تأذين يًا‪ ،‬وشييرعًا‪ ،‬إعلم‬
‫مخصوص على وجييه مخصييوص بألفيياظ مخصوصيية‪ ،‬وهييو سيّنة‬
‫مؤكدة للرجال في مكان عال‪ ،‬للفرائض الخمس في وقتها ولييو‬
‫قضاء ل لغيرها‪ ،‬والمؤذنون الن يتنغمون في الذان وليس ذلييك‬
‫من السيّنة ول المسييتحب‪ ،‬والمطلييوب تحسييين الصييوت بمييا ل‬
‫تخرج ألفاظه عيين المشييروع‪ ،‬كييذلك زادوا فيييه مييا ليييس منييه‪.‬‬
‫فيييييرض صييييييام شيييييهر رمضيييييان وزكييييياة الفطييييير‬
‫موها‬
‫لما نقل العرب أسماء الشهور عيين اللغيية القديميية‪ ،‬س ي ّ‬

‫بالزمنة التي هييي فيهييا‪ ،‬فوافييق رمضييان أيييام رمييض الحيير أي‬
‫شدته وقد نزل فرض صيام شهر رمضان بعدما صييرفت القبليية‬
‫في شعبان على رأس ثمانية عشر شهرا ً من هجرة رسول الله‬
‫َ‬
‫ب‬
‫صلى الله عليه وسييلم قييال تعييالى‪} :‬يأي ّهَييا ال ّي ِ‬
‫من ُييوا ْ ك ُت ِي َ‬
‫ن ءا َ‬
‫ذي َ‬
‫ميين‬
‫صَيا ُ‬
‫م{ )البقرة‪ (183 :‬الييية‪ ،‬وقييال عيّز وجييل‪} :‬فَ َ‬
‫عَل َي ْك ُ ُ‬
‫م ال ّ‬
‫م ال ّ‬
‫َ‬
‫ه{ )البقرة‪ ،(185 :‬فأثبت صيامه على‬
‫شهِد َ ِ‬
‫م ُ‬
‫ص ْ‬
‫منك ُ ُ‬
‫شهَْر فَل ْي َ ُ‬
‫المقيم الصحيح ورخص فيه للمريض والمسافر وأثبييت الطعييام‬
‫للكييييييييييييبير الييييييييييييذي ل يسييييييييييييتطيع الصيييييييييييييام‪.‬‬
‫عن عائشة رضي اللييه عنهييا قييالت‪» :‬كييانت عاشييوراء يوميا ً‬
‫تصومه قريش في الجاهلية وكان رسول اللييه صييلى اللييه عليييه‬
‫وسلم يصومه موافقة لهم ولم يأمر أحدا ً من أصييحابه بصيييامه‪،‬‬
‫فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه فلما فييرض رمضييان كييان‬
‫رمضان هو الفريضة وترك عاشوراء فمن شاء صامه ومن شيياء‬
‫تركه«‪ ،‬وكان يهود المدينة يصومونه ويعظمييونه لن اللييه أنجييى‬
‫فيه موسى وقومه من الغرق وأغييرق فرعييون وقييومه‪ ،‬فصييامه‬
‫موسى شكرا ً لله وصامه رسول الله وأمر بصيامه قائ ً‬
‫ل‪» :‬نحيين‬
‫أحق بموسى منكم«‪ ،‬وفي رواية‪» :‬أنييا أولييى بموسييى«‪ ،‬ويييوم‬
‫عاشييييييوراء هييييييو اليييييييوم العاشيييييير ميييييين المحييييييرم‪.‬‬
‫وركن الصيام المساك عن المفطرات وأمر في هذه السيينة‬
‫بزكاة الفطر وذلك قبييل أن تفييرض الزكيياة فييي المييوال وكييان‬
‫يخطب رسول الله صلى الله عليه وسييلم قبييل الفطيير بيييومين‬
‫فيأمر بإخراجها قبل أن يذهب إلى المصلى وأقييام رسييول اللييه‬
‫صلى الله عليه وسلم بالمدينة عشر سنين يضحي في كل عام‪،‬‬
‫حي بكبشين سمينين أقرنين أملحين أحدهما عن أمتييه‬
‫وكان يض ّ‬
‫والخيير عيين نفسييه وآلييه‪ ،‬فيأكييل هييو وأهلييه منهمييا ويطعييم‬
‫المسيييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييياكين‪.‬‬
‫فريضيييييييييييييييييييييييييييييييية الزكيييييييييييييييييييييييييييييييياة‬
‫الزكاة ركن من أركان السييلم الخمييس‪ ،‬وقييد فرضييت فييي‬
‫السنة الثانية ميين الهجييرة‪ ،‬قييال رسييول اللييه صييلى اللييه عليييه‬
‫وسلم »ُبني السلم على خمس‪ :‬شهادة أن ل إلييه إل اللييه وأن‬
‫محمدا ً رسول الله‪ ،‬وإقام الصلة‪ ،‬وإيتاء الزكاة‪ ،‬وصوم رمضان‪،‬‬

‫وحيييييييج اليييييييبيت مييييييين اسيييييييتطاع إلييييييييه سيييييييبي ً‬
‫ل«‪.‬‬
‫وقال تعالى‪َ} :‬وآُتيوا ْ الّز َ‬
‫ة{ )البقيرة‪ ،(43 :‬وقيال‪} :‬وَِفيى‬
‫كيو َ‬
‫َ‬
‫مييا‬
‫م ْ‬
‫م َ‬
‫حقّ ّلل ّ‬
‫م{ )الذاريات‪ ،(19 :‬وقييال‪} :‬إ ِن ّ َ‬
‫ل َوال ْ َ‬
‫مول ِهِ ْ‬
‫أ ْ‬
‫سآئ ِ ِ‬
‫حُرو ِ‬
‫م‬
‫ن َوال ْعَ ِ‬
‫س ِ‬
‫م َ‬
‫مؤَل َّف يةِ قُل ُييوب ُهُ ْ‬
‫ن عَل َي ْهَييا َوال ْ ُ‬
‫ت ل ِل ُْفَقَرآء َوال ْ َ‬
‫صد َقَ ُ‬
‫ال ّ‬
‫مِلي َ‬
‫كي ِ‬
‫سيِبي ِ ّ‬
‫ة‬
‫ضي ً‬
‫ب َوال ْغَرِ ِ‬
‫ري َ‬
‫ن ال ّ‬
‫ن وَِفى َ‬
‫وَِفى الّرَقا ِ‬
‫سيِبي ِ‬
‫مي َ‬
‫ل فَ ِ‬
‫ل الليهِ َواب ْي ِ‬
‫م{ )التوبيييييية‪.(60 :‬‬
‫ح ِ‬
‫م َ‬
‫كييييييي ٌ‬
‫ه عَِلييييييي ٌ‬
‫ن الل ّييييييهِ َوالل ّيييييي ُ‬
‫ّ‬
‫ميييييي َ‬
‫وقيييال علييييه الصيييلة والسيييلم‪» :‬أدوا زكييياة أميييوالكم«‪.‬‬
‫وإيجاب الزكاة علج لزاليية مييرض حييب الييدنيا عيين القلييب‪،‬‬
‫ن ل َي َط ْغَييى‬
‫ومانع من طغيان الغنياء‪ ،‬قال تعييالى‪} :‬ك َل ّ إ ِ ّ‬
‫لن َ‬
‫سي َ‬
‫نا ِ‬
‫َ‬
‫سييييييييييييييت َغَْنى{ )العلييييييييييييييق‪،6 :‬يييييييييييييي ‪.(7‬‬
‫أن ّرءاهُ ا ْ‬
‫وإخراج الزكاة يحبب الغنياء إلى الفقراء والمساكين فيزول‬
‫عنهييم الحقييد والحسييد والسييخط‪ ،‬والمييال الفاضييل إذ أمسييكه‬
‫النسييان صييار معط ً‬
‫ل‪ ،‬فيجييب صييرف طائفيية منييه إلييى الفقييير‬
‫لصلح شأنه‪ ،‬وهذا من أعظييم نعييم السييلم ومحاسيينه‪ ،‬وقييوله‬
‫خذ ْ م َ‬
‫ة{ )التوبيية‪ ،(103 :‬يثبييت للمييام‬
‫ص يد َقَ ً‬
‫مول ِهِ ْ‬
‫نأ ْ‬
‫م َ‬
‫تعالى‪ْ ِ ُ } :‬‬
‫حق الخذ من كل مال وكذلك كان رسول الله صلى اللييه عليييه‬
‫وسلم والخليفتان بعده يأخييذون الزكيياة ميين النيياس ويوزعونهييا‬
‫على المحتاجين إلى أن فوض عثمان بن عفان رضي اللييه عنييه‬
‫في خلفته أداء الزكاة من المييوال الباطنيية إلييى ملكهييا‪ ،‬إل أن‬
‫هذا ل يسقط طلب المام أص ً‬
‫ل‪ ،‬ولذا لو علم أن بلييدة ل يييؤدون‬
‫زكيياتهم طييالبهم بهييا‪ ،‬والسييواد العظييم ميين الغنييياء ل يييؤدون‬
‫الزكاة من تلقاء أنفسهم‪ ،‬فاشتدت حاليية الفقييراء كربيا ً وحرج يا ً‬
‫وحنقوا على الغنييياء وامتييدت إليهييم أيييديهم بالقتييل والسييرقة‪،‬‬
‫لييذلك نييرى الخييير كييل الخييير فييي أن تجييبي الحكوميية الزكيياة‬
‫المفروضيية وتنفقهييا فيمييا يصييلح شييأن الفقييراء ميين إيييوائهم‬
‫وإطعامهم وكسوتهم وعلجهم وتعليمهم بدل ً من تركهم يعييانون‬
‫آلم الفاقة من جوع وعري ومرض وتشييريد واعتنيياق للمبييادىء‬
‫الشييتراكية المتطرفيية الييتي نشييأت ميين الخلف القييائم بييين‬
‫الغنييييييييييييييييييييييييييييييييياء والفقييييييييييييييييييييييييييييييييراء‪.‬‬
‫فعلى الحكومات السلمية الرجوع إلى نظام الزكاة وجبايتها‬
‫لمصيييلحة المعيييوزين ولسيييتتباب المييين‪ ،‬أميييا تيييرك الغنيييياء‬
‫لضمائرهم في إخراج الزكاة فهو تعطيل لهييا وإبطييال لحكمتهييا‪.‬‬

‫المؤاخيييييييييياة بييييييييييين المهيييييييييياجرين والنصييييييييييار‬
‫كان رسول الله صييلى اللييه عليييه وسييلم أميير أصييحابه قبييل‬
‫هجرته بالهجرة إلى المدينة فخرجوا أرسال ً فكان أولهم قييدوما ً‬
‫إليها أبو سلمة بن عبد السد وعييامر بيين ربيعيية وعبييد اللييه بيين‬
‫جحش وبعد قدومه صلى الله عليه وسلم إلى المدينيية بخمسيية‬
‫أشهر آخى بين المهاجرين والنصار لتذهب عنهم وحشة الغربيية‬
‫وليؤنسهم من مفارقة الهل والعشيرة ويشد بعضهم أزر بعض‪،‬‬
‫وقد آخى بينهم على الحق والمواسيياة ويتوارثييون بعييد الممييات‬
‫دون ذوي الرحييام وكييانوا تسييعين رجل ً خمسيية وأربعييين ميين‬
‫المهاجرين وخمسية وأربعييين ميين النصييار‪ ،‬ويقييال‪ :‬كييانوا مييائة‬
‫وخمسين من المهاجرين وخمسين من النصار وكان ذلييك قبييل‬
‫ُ‬
‫بدر فلما كانت وقعة بدر وأنييزل اللييه تعييالى‪} :‬وَأوْل ُييوا ْ الْر َ‬
‫حييام ِ‬
‫ضه ُ ْ َ َ‬
‫ه ب ِك ُي ّ‬
‫ل َ‬
‫م{‬
‫ب الل ّيهِ إ ِ ّ‬
‫ب َعْ ُ‬
‫ىء عَِليي ٌ‬
‫ن الل ّي َ‬
‫ض ِفي ك ِت َي ِ‬
‫شي ْ‬
‫م أوْلى ب ِب َعْ ٍ‬
‫)النفييال‪ ،(74 :‬نسييخت هييذه الييية مييا كييان قبلهييا وانقطعييت‬
‫المؤاخاة في الميراث ورجع كل إنسييان إلييى نسييبه وورثييه ذوو‬
‫رحمييييه‪ ،‬وإنييييا لنييييذكر هنييييا بعييييض ميييين آخييييى بينهييييم‪:‬‬
‫ي بيين أبييي طييالب فقييال‪ :‬هييذا أخييي‪.‬‬
‫أخذ رسول الله بيد عل ّ‬
‫أبو بكر الصديق وخارجة بيين زيييد بيين أبييي زهييير النصيياري‪،‬‬
‫عمر بن الخطاب وعتبان بيين مالييك النصيياري‪ ،‬جعفيير بيين أبييي‬
‫طالب ومعاذ بن جبل النصاري‪ ،‬حمزة بيين عبييد المطلييب وزيييد‬
‫بن حارثة‪ ،‬أبو عبيييدة الجييراح وسييعد بيين معيياذ النصيياري‪ ،‬عبييد‬
‫الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع النصاري‪ ،‬الزبير بيين العييوام‬
‫وسلمة بن سلمة النصاري‪ ،‬طلحة بن عبيدالله كعب بيين مالييك‬
‫النصاري‪ ،‬عثمان بن عفان وأوس بن ثابت النصاري‪ ،‬سعيد بيين‬
‫ُ‬
‫ي بيين كعييب النصيياري‪ ،‬مصييعب بيين عمييير وأبييو أيييوب‬
‫زيد وأبي ّ‬
‫النصاري‪ ،‬أبو حذيفة بن عتبة وعباد بن بشر النصاري‪ ،‬عمار بن‬
‫ياسر وحذيفة بيين اليميان العنسيي النصيياري‪ ،‬حياطب بين أبييي‬
‫بلتعيية وعييويم بيين سيياعدة النصيياري‪ ،‬سييلمان الفارسييي وأبييو‬
‫الدرداء النصاري‪ ،‬أبو ذر الغفاري والمنذر بن عمييرو النصيياري‪،‬‬
‫أبو سبرة بن أبي رهم وسلمة بن وقييش النصيياري‪ ،‬خبيياب بيين‬

‫مة‪ ،‬صفوان بيين وهييب ورابييع‬
‫الرت وتميم مولى خراش بن الص ّ‬
‫بن العجلن‪ ،‬صهيب بن سنان والحارث بن الصمة‪ ،‬عبد الله بيين‬
‫مخرمة وفروة بن عمرو بن ورقة‪ ،‬مسعود بن ربيعة وعبيييد بيين‬
‫الت ّي َْهان‪ ،‬معمر بن الحارث بن معمر ومعاذ بن عفراء‪ ،‬واقييد بيين‬
‫عبد الله بن عبد مناف وبشر بن البراء‪ ،‬زيد بيين الخطيياب معيين‬
‫بييين عيييدي‪ ،‬الرقيييم بييين أبيييي الرقيييم وطلحييية بييين زييييد‪.‬‬
‫قال المهاجرون‪ :‬يييا رسييول اللييه مييا رأينييا مثييل قييوم قييدمنا‬
‫عليهم أحسن مواساة في قليل ول أحسن بذل ً في كييثير‪ ،‬كفونييا‬
‫المؤونة وأشركونا في المهنة حتى لقد خشينا أن ييذهبوا بيالجر‬
‫كله‪ ،‬قال‪» :‬ل‪ ،‬ما أثنيتم عليهم ودعوتهم لهييم«‪ ،‬أي فييإن ثنييائكم‬
‫عليهم ودعاءكم لهم حصل منكييم بييه نييوع مكافييأة‪ ،‬قييال تعييالى‬
‫داَر‬
‫يثني على النصييار فييي سييورة الحشيير‪َ} :‬وال ّي ِ‬
‫وءوا ال ي ّ‬
‫ن ت َب َي ّ‬
‫ذي َ‬
‫ن فِييى‬
‫م يُ ِ‬
‫ن ِ‬
‫دو َ‬
‫جي ُ‬
‫ن هَييا َ‬
‫حب ّييو َ‬
‫م وَل َ ي َ ِ‬
‫جَر إ ِل َي ْهِ ي ْ‬
‫ن َ‬
‫ميين قَب ْل ِهِ ي ْ‬
‫َوالي َ‬
‫مي ْ‬
‫مي َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫م‬
‫ج ً‬
‫ن عََلى أنُف ِ‬
‫م وَل َيوْ ك َييا َ‬
‫مآ أوُتوا ْ وَي ُؤْث ُِرو َ‬
‫حا َ‬
‫م َ‬
‫ص ُ‬
‫ن ب ِهِ ي ْ‬
‫سه ِ ْ‬
‫م ّ‬
‫ة ّ‬
‫دورِهِ ْ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫من ُيوقَ ُ‬
‫ن{ )الحشير‪:‬‬
‫َ‬
‫ص ٌ‬
‫ح ن َْف ِ‬
‫حيو َ‬
‫مْفل ِ ُ‬
‫ش ّ‬
‫م ال ُ‬
‫سهِ فَأوْلئ ِك هُ ُ‬
‫ة وَ َ‬
‫صا َ‬
‫خ َ‬
‫‪.(9‬‬
‫المراد من الدار فييي هييذه الييية‪ ،‬المدينيية وهييي دار الهجييرة‬
‫تبوأهييييييييييييا النصييييييييييييار قبييييييييييييل المهيييييييييييياجرين‪.‬‬
‫ول يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا أي حسييدا ً وحييزازة‬
‫وغيظييييييا ً ممييييييا أوتييييييي المهيييييياجرون ميييييين دونهييييييم‪.‬‬
‫ويؤثرون على أنفسهم ولو كييان بهييم خصاصيية‪ ،‬يقييال‪ :‬آثييره‬
‫بكذا إذا خصه به‪ ،‬ومفعول اليثييار محييذوف والتقييدير‪ ،‬ويييؤثرون‬
‫بيييييييييييأموالهم ومنيييييييييييازلهم عليييييييييييى أنفسيييييييييييهم‪.‬‬
‫عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للنصييار‪:‬‬
‫إن شئتم قسمتم للمهاجرين من دوركم وأموالكم وقسمت لكم‬
‫من الغنيمة كما قسمت لهم‪ ،‬وإن شئتم كان لهم الغنيمة ولكييم‬
‫دياركم وأموالكم‪ ،‬فقالوا‪ :‬ل‪ ،‬بل نقسم لهم ميين ديارنييا وأموالنييا‬
‫ن عَل َييى‬
‫ول نشاركهم في الغنيمة‪ ،‬فييأنزل اللييه تعييالى‪} :‬وَي ُيؤْث ُِرو َ‬
‫َ‬
‫ة{ )الحشييييير‪.(9 :‬‬
‫م َ‬
‫صييييي ٌ‬
‫أنُف ِ‬
‫م وَل َيييييوْ ك َيييييا َ‬
‫ن ب ِهِييييي ْ‬
‫سيييييهِ ْ‬
‫صا َ‬
‫خ َ‬
‫فالنصار أكرمييوا المهيياجرين إكرام يا ً عظيم يا ً ليييدفعوا عنهييم‬
‫غوائل الحاجة فكانوا يحرمون أنفسهم لمسيياعدة إخييوانهم فييي‬

‫السلم على حداثة عهدهم به حتى صاروا مثل ً ُيضييرب للتعيياون‬
‫وحسييييييييييييييييييييييييييييييييين الخليييييييييييييييييييييييييييييييييق‪.‬‬
‫إسيييلم عبيييد الليييه بييين سيييلم بييين الحيييارث السيييرائيلي‬
‫كان عبد الله بن سلم كما قال بعض أهله عنه حييبرا ً عالمييًا‪،‬‬
‫قال‪ :‬سمعت برسول الله صلى الله عليه وسلم وعرفت صييفته‬
‫كف لييه فكنييت مسيّرا ً لييذلك صييامتا ً‬
‫واسمه وزمانه الذي كنا نتو ّ‬
‫عليه حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينيية فلمييا‬
‫نزل بقباء في بني عمرو بن عوف أقبل رجل حتى أخبر بقدومه‬
‫وأنا في رأس نخلة لي أعمل فيها وعمتي خالييدة بنييت الحييارث‬
‫تحتي جالسة فلما سمعت الخبر بقدوم رسول اللييه صييلى اللييه‬
‫عليه وسلم كب ّييرت‪ ،‬فقييالت لييي عمييتي حييين سييمعت تكييبيري‪:‬‬
‫خّيبك الله والله لو كنت سمعت بموسى بيين عمييران قادم يا ً مييا‬
‫مة هو والله أخو موسى بيين عمييران‬
‫زدت‪ ،‬قال‪ :‬قلت لها‪ :‬أي ع ّ‬
‫وعلى دينه بعث بما بعث به‪ .‬فقييالت‪ :‬أي ابيين أخييي أهييو النييبي‬
‫الذي كنا نخبر أنييه يبعييث مييع نفييس السيياعة؟ قلييت لهييا‪ :‬نعييم‪.‬‬
‫قالت‪ :‬فذاك إذن‪ .‬قال‪ :‬ثم خرجت إلى رسييول اللييه صييلى اللييه‬
‫عليييه وسييلم فأسييلمت ثييم رجعييت إلييى أهييل بيييتي فييأمرتهم‬
‫فأسلموا وكتمت إسلمي من يهود‪ ،‬ثم جئت رسييول اللييه صييلى‬
‫الله عليه وسلم فقلت‪ :‬يا رسول الله إن يهود قييوم بهييت وإنييي‬
‫أحب أن تدخلني في بعض بيوتك فتغيبني عنهم ثم تسألهم عني‬
‫حتى يخبروك كيف أنا فيهم قبل أن يعلمييوا بإسييلمي فييإنهم إن‬
‫علموا به بهتوني وعابوني‪ ،‬فأدخلني رسول الله صلى الله عليييه‬
‫وسلم في بعض بيوته ودخلييوا عليييه فكلمييوه وسييألوه ثييم قييال‬
‫لهم‪» :‬أي رجل الحصين بن سلم فيكييم«؟ قييالوا‪ :‬سيييدنا وابيين‬
‫سيدنا وحبرنا وعالمنييا‪ ،‬قييال‪ :‬فلمييا فرغييوا ميين قييولهم خرجييت‬
‫عليهم فقلت لهم‪ :‬يا معشر يهود اتقوا الله واقبلوا ما جاءكم به‪،‬‬
‫فوالله إنكم لتعلمون أنه لرسول الله تجدونه مكتوبا ً عندكم في‬
‫التوراة باسمه وصفته فإني أشييهد أنييه رسييول اللييه وأؤميين بييه‬
‫وأصدقه وأعرفه‪ ،‬قالوا‪ :‬كذبت‪ ،‬ثم وقعوا بي فقلت لرسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم ألم أخبرك يا نبي الله أنهم بهت أهل غدر‬
‫وكذب؟ قال‪ :‬فييأظهرت إسييلمي وإسييلم أهييل بيييتي وأسييلمت‬

‫عميييييتي خاليييييدة ابنييييية الحيييييارث فحسييييين إسيييييلمها‪.‬‬
‫وذكييرت »دائرة المعييارف السييلمية« أنييه كييان ميين يهييود‬
‫المدينة واسمه الحصين وسماه النييبي صييلى اللييه عليييه وسييلم‬
‫عبد الله لمييا أسييلم وأنييه تييوفي سيينة ‪43‬هيي )‪664 - 663‬م(‪.‬‬
‫وقد كان عبد الله بين سييلم حليفيا ً لبنيي الخيزرج كنيتييه أبييو‬
‫ي بابنه وهو من بني قينقاع وكان اسمه في الجاهلييية‬
‫يوسف ك ُن ِ َ‬
‫شيهِد َ َ‬
‫حصينا ً ونزل في فضييله قييوله تعييالى‪} :‬وَ َ‬
‫ميين ب َن ِييى‬
‫شيياهِد ٌ ّ‬
‫سرءي َ‬
‫م{ )الحقيياف‪ ،(10 :‬وقييول‬
‫ل عََلى ِ‬
‫ن َوا ْ‬
‫إِ ْ‬
‫ست َك ْب َْرت ُ ْ‬
‫مث ْل ِهِ فََئا َ‬
‫م َ‬
‫ب‬
‫سيت َ ْ‬
‫سييارِ ٌ‬
‫خ ٍ‬
‫ن َ‬
‫ل وَ َ‬
‫م ْ‬
‫ن ه ُ يو َ ُ‬
‫جهَيَر ب ِيهِ وَ َ‬
‫الله تعالى‪} :‬وَ َ‬
‫ف ِبال ّي ْي ِ‬
‫مي ْ‬
‫م ْ‬
‫ِبالن َّهييييييييييييييييييييييييييييياِر{ )الرعيييييييييييييييييييييييييييييد‪.(10 :‬‬
‫وفي »صحيح البخاري« عن أنس رضي اللييه عنييه قييال‪ :‬بلييغ‬
‫عبد الله بن سلم مقييدم رسييول اللييه صييلى اللييه عليييه وسييلم‬
‫المدينة فأتاه‪ ،‬فقال‪ :‬إني أسييألك عيين ثلث ل يعلمهيين إل نييبي‪،‬‬
‫قال‪ :‬ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنيية؟‬
‫ومن أي شيء ينزع الولييد إلييى أبيييه وميين أي شيييء ينييزع إلييى‬
‫ن‬
‫أخواله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسييلم »خّبرنييي به ي ّ‬
‫آنفييا ً جبريييل«‪ ،‬قييال‪ :‬فقييال عبييد اللييه‪ :‬ذاك عييدو اليهييود ميين‬
‫الملئكة‪ ،‬فقال رسيول الليه صيلى الليه علييه وسيلم »أمييا أول‬
‫أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشييرق إلييى المغييرب‪،‬‬
‫وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت‪ ،‬وأما الشييبه‬
‫ي المرأة فسبقها ماؤه كان الشييبه‬
‫في الولد فإن الرجل إذا غَ ِ‬
‫ش َ‬
‫له وإذا سبق ماؤها كان الشييبه بهييا«‪ ،‬قييال‪ :‬أشييهد أنييك رسييول‬
‫اللييييييييييييييييييييييييييييييييييه‪ ،‬الحييييييييييييييييييييييييييييييييييديث‪.‬‬
‫قال الطبري‪ :‬مات )عبد الله بيين سييلم( فييي قييول جميعهييم‬
‫بالمدينييييييييييييييييية سييييييييييييييييينة ثلث وأربعيييييييييييييييييين‪.‬‬
‫عيييييييييييييييييداء اليهيييييييييييييييييود ومناقشييييييييييييييييياتهم‬
‫عرف بعييض اليهييود بالمدينيية بشييدة عييداوتهم لرسييول اللييه‬
‫ُ‬
‫صلى الله عليه وسلم مع أن علماءهم كانوا يعرفون أنه سيبعث‬
‫نبي وكييانوا يعرفييون صييفاته ميين التييوراة‪ ،‬فميين أعييدائه الييذين‬

‫ي وأبو ياسر‪ ،‬وسلم بن مشييكم‪ ،‬وكنانيية بيين‬
‫انتصبوا لعداوته ُ‬
‫حي َ ّ‬
‫الربيع وكعب بن الشراف‪ ،‬وعبد اللييه بيين صييوريا وابيين صييلوبا‪،‬‬
‫ومخيريق الذي أسلم بعد‪ ،‬ولبيد بن العصم الذي حّرضه اليهييود‬
‫وسحر النبي صلى الله عليه وسلم ثم جاء جبريل وأخبره بييذلك‬
‫السحر وبمكانه وعفا عنه رسول الله‪ ،‬وقال‪ :‬أما أنا فقد عافاني‬
‫الليييه وكرهيييت أن أثيييير عليييى النييياس شيييرا ً )يعنيييي بقتليييه(‪.‬‬
‫ومنهم مالك بن الصلت‪ ،‬وقد كان من أحبييار اليهييود ورئيس يا ً‬
‫فإنه قال‪ :‬ما أنزل الله على بشر من شيييء‪ ،‬فييانظر كيييف أدى‬
‫به عداؤه لرسول الله صلى الله عليه وسييلم إلييى الكفيير بنبينييا‬
‫وبموسى عليهما السلم وبما أنزل عليهما‪ ،‬فقالت اليهود له‪ :‬ما‬
‫هذا الذي بلغنا عنك؟ فقال‪ :‬إنه أغضبني فقلت ذلك فنزعوه من‬
‫الرياسيييييية وجعلييييييوا مكييييييانه كعييييييب بيييييين الشييييييرف‪.‬‬
‫وممن كييان ميين أحبييار اليهييود حريصيا ً علييى رد النيياس ميين‬
‫السييلم شييأس بيين قيييس اليهييودي‪ ،‬كييان شييديد الطعيين علييى‬
‫المسلمين‪ ،‬شديد الحسد لهييم‪ ،‬ميّر يوميا ً علييى النصييار‪ :‬الوس‬
‫والخزرج وهم مجتمعون يتحييدثون فغيياظه مييا رأى ميين ُألفتهييم‬
‫بعدما كان بينهم من العداوة‪ ،‬فقال‪ :‬قد اجتمع بنو قيلة والله مييا‬
‫لنا معهم إذا اجتمعوا من قرار‪ ،‬فأمر فتى شابا ً من اليهود فقال‪:‬‬
‫اعمد إليهم فاجلس معهم ثم ذكر يوم بعاث‪ :‬أي الحييرب‪ ،‬الييتي‬
‫كانت بينهم وما كان فيه وأنشييدهم مييا كييانوا يتقيياولون بييه ميين‬
‫الشعار‪ ،‬ففعل فتكلم القوم عند ذلك وذكر كل أقوال شيياعرهم‬
‫وتنازعوا وتواعييدوا علييى المقاتليية فنييادى هييؤلء‪ :‬يييا آل الوس‪،‬‬
‫ونييادى هييؤلء‪ :‬يييا آل الخييزرج‪ ،‬ثييم خرجييوا للحييرب وقييد أخييذوا‬
‫السييييييييييييييييييلح واصييييييييييييييييييطفوا للقتييييييييييييييييييال‪.‬‬
‫فلما بلغ الخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إليهييم‬
‫فمن كان معه من المهاجرين فقال‪» :‬يا معشر المسلمين اللييه‬
‫الله اتقوا الله‪َ ،‬أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم‬
‫الله إلى السلم وقطع به عنكييم أميير الجاهلييية واسييتنقذكم بييه‬
‫من الكفر وألف به بينكم ترجعون إلى مييا كنتييم عليييه كفييارًا«؟‬
‫فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان وكيييد ميين عييدوكم فبكييوا‬
‫وعانق الرجال من الوس الرجال من الخزرج ثييم انصييرفوا مييع‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين‪ ،‬وأنزل الله‬

‫ل يأ َهْ َ‬
‫في شأس بن قيس‪} :‬قُ ْ‬
‫ل‬
‫دو َ‬
‫صي ّ‬
‫ن عَيين َ‬
‫ب ل ِي َ‬
‫م تَ ُ‬
‫ل ال ْك ِت َ ِ‬
‫س يِبي ِ‬
‫َ‬
‫م{ )آل عمييران‪ ،(99 :‬وأنييزل‬
‫م‬
‫م‬
‫ن ت َب ُْغون ََها ِ‬
‫وج يا ً وَأن ْت ُي ْ‬
‫ن ءا َ‬
‫الل ّهِ َ‬
‫ع َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫طيُعوا ْ فَ‬
‫ن‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫مُنوا ْ ِإن ت ُ ِ‬
‫الله في النصار‪} :‬يأي َّها ال ّ ِ‬
‫ريقا ً ّ‬
‫ن ءا َ‬
‫ذي َ‬
‫م َ‬
‫ذي َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫دو ُ‬
‫م‬
‫ن وَك َي ْي َ‬
‫ف ت َك ُْفيُرو َ‬
‫ب ي َُر ّ‬
‫أوُتوا ْ ال ْك ِت َ َ‬
‫ن وَأن ْت ُي ْ‬
‫من ِك ُي ْ‬
‫كم ب َعْد َ ِإي َ‬
‫ريي َ‬
‫م ك َِف ِ‬
‫ميين ي َعْت َ ِ‬
‫صييم ب ِييالل ّهِ فََقيد ْ‬
‫م َر ُ‬
‫ه وَ َ‬
‫سييول ُ ُ‬
‫ت الل ّهِ وَِفيك ُي ْ‬
‫م ءاي َ ُ‬
‫ت ُت َْلى عَل َي ْك ُ ْ‬
‫هدى إَلى صرط مستقيم يأ َ‬
‫ّ‬
‫ذي‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ها‬
‫ي‬
‫حقّ ت َُقييات ِهِ‬
‫ِ‬
‫ه َ‬
‫ّ‬
‫مُنوا ْ ات ُّقوا ْ الل ّ َ‬
‫ن ءا َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ ِ َ ِ‬
‫ِ ٍَ ّ ْ َ ِ ٍ‬
‫ميعيا ً وَل َ‬
‫حب ْي‬
‫ج ِ‬
‫ن َواعْت َ ِ‬
‫موت ُ‬
‫ل الل ّيهِ َ‬
‫موا ْ ب ِ َ‬
‫مو َ‬
‫م ْ‬
‫صي ُ‬
‫س يل ِ ُ‬
‫ن إ ِل ّ وَأنُتم ّ‬
‫وَل َ ت َ ُ‬
‫ِ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م إ ِذ ْ ُ‬
‫ن‬
‫دآء فَيأل ّ َ‬
‫مي َ‬
‫كنت ُييم أعْي َ‬
‫ة الل ّيهِ عَل َي ْك ُي ْ‬
‫ت ََفّرقُييوا ْ َواذ ْك ُيُروا ْ ن ِعْ َ‬
‫ف ب َي ْي َ‬
‫َ‬
‫وانا ً وَ ُ‬
‫م عََلى َ‬
‫ن الّنيياِر‬
‫مت ِهِ إ ِ ْ‬
‫شَفا ُ‬
‫صب َ ْ‬
‫حْفَرةٍ ّ‬
‫كنت ُ ْ‬
‫حُتم ب ِن ِعْ َ‬
‫قُُلوب ِك ُ ْ‬
‫م فَأ ْ‬
‫م َ‬
‫خ َ‬
‫فَ َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن{ )آل‬
‫ي‬
‫ب‬
‫ي‬
‫ك‬
‫ل‬
‫كذ‬
‫ها‬
‫ن‬
‫م‬
‫م‬
‫ك‬
‫ذ‬
‫ق‬
‫َ‬
‫أن‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫دو َ‬
‫م ت َهْت َي ُ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫م ءاي َت ِيهِ ل َعَل ّك ُي ْ‬
‫ه ل َك ُي ْ‬
‫ن الل ّي ُ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫‪.(103‬‬
‫‬‫عميييييييييييييييييييران‪100 :‬‬
‫وقد كان اليهود يسألون النييبي صييلى اللييه عليييه وسيلم عيين‬
‫أشياء تعنتا ً وحسييدا ً وبغييا ً ليلبسييوا الحييق بالباطييل‪ ،‬فجيياء مييرة‬
‫يهوديان إلى رسول الله فسأله عن قوله تعييالى‪} :‬وَل ََق يد ْ ءات َي ْن َييا‬
‫ت{ )السراء‪ ،(101 :‬فقييال لهمييا‪» :‬ل تشييركوا‬
‫سعَ ءاي َ ٍ‬
‫سى ت ِ ْ‬
‫مو َ‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫بالله شيئا‪ ،‬ول تزنوا‪ ،‬ول تقتلوا النفس التي حرم الله إل بالحق‪،‬‬
‫ول تسرقوا‪ ،‬ول تسييحروا‪ ،‬ول تمشييوا بييبريء إلييى سييلطان‪ ،‬ول‬
‫تأكلوا الربييا‪ ،‬ول تقييذفوا المحصيينة‪ ،‬وعليكييم يييا يهييود خاصيية أل‬
‫تعدوا في السبت«‪ ،‬فقبل يديه ورجليييه وقييال‪ :‬نشييهد أنييك نييبي‪،‬‬
‫قال‪» :‬ما يمنعكما أن تسلما؟« فقييال‪ :‬نخيياف إن أسييلمنا تقتلنييا‬
‫اليهيييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييود‪.‬‬
‫وسألوه صييلى اللييه عليييه وسييلم مييرة‪ :‬فقييالوا‪ :‬أخبرنييا عيين‬
‫علميييية النييييبي‪ ،‬فقييييال‪» :‬تنييييام عينيييياه ول ينييييام قلبييييه«‪.‬‬
‫وسألوه أي طعام حّرمه إسرائيل على نفسييه قبييل أن تنييزل‬
‫التوراة‪ ،‬قال‪» :‬أنشدكم بالذي أنييزل التييوراة علييى موسييى هييل‬
‫تعلمون أن إسيرائيل وهيو يعقيوب علييه السيلم ميرض مرضيا ً‬
‫ن‬
‫وطال سقمه فنذر لئن شفاه اللييه تعييالى ميين سييقمه ليحرم ي ّ‬
‫أحب الشراب إليه وأحب الطعام إليه؟ فكان أحب الطعام إليييه‬
‫لحم البييل‪ ،‬وأحييب الشييراب إليييه ألبانهييا«‪ ،‬قييالوا‪ :‬اللهييم نعييم‪.‬‬
‫وقالوا مرة إغاظة له صلى اللييه عليييه وسييلم مييا يييرى لهييذا‬
‫مة إل في النساء والنكاح فلو كان نبيا ً كما زعم لشغله‬
‫الرجل ه ّ‬

‫َ‬
‫س يل ً‬
‫س يل َْنا ُر ُ‬
‫وة عن النساء‪ ،‬فأنزل الله تعالى‪} :‬وَل ََق يد ْ أْر َ‬
‫أمر النب ّ‬
‫ك وجعل ْنا ل َه َ‬
‫ة{ )الرعد‪ ،(38 :‬فقييد جيياء أن‬
‫جا وَذ ُّري ّ ً‬
‫م أْزَوا ً‬
‫من قَب ْل ِ َ َ َ َ َ ُ ْ‬
‫ّ‬
‫سليمان عليييه السييلم كييان لييه مييائة امييرأة وتسييعمائة سييرية‪.‬‬
‫وقد انضم إلى اليهود جماعة من الوس والخييزرج منييافقون‬
‫على دين آبائهم من الشييرك والتكييذيب بييالبعث إل أنهييم دخلييوا‬
‫في دييين السييلم خشييية القتييل لمييا قهرهييم السييلم بظهييوره‬
‫واجتماع قومهم عليه فكان هواهم مييع اليهييود فييي السيير وفييي‬
‫الظاهر مع المسلمين وهؤلء هم المنافقون‪ ،‬وقييد ذكيير بعضييهم‬
‫أن المنافقين الذين كانوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم‬
‫ثلثمائة‪ ،‬منهم‪ :‬عبد الله بن أبي بن سلول وهو رأس المنييافقين‬
‫ولشييتهاره بالنفيياق لييم يعييد فييي الصييحابة‪ ،‬وكييان ميين أعظييم‬
‫أشراف أهل المدينة وكانوا قبل مجيئه صييلى اللييه عليييه وسييلم‬
‫قد نظموا له الخرز ليتوجوه ثم يملكوه‪ ،‬وكان عبد الله بيين ُأبييي‬
‫جميييل الصييورة ممتلىييء الجسييم فصيييح اللسييان وهييو المعنييي‬
‫ذا رأ َيتهم تعجبي َ َ‬
‫م{ )المنييافقون‪.(4 :‬‬
‫كأ ْ‬
‫بقوله تعالى‪} :‬وَإ ِ َ َ ْ َ ُ ْ ُ ْ ِ ُ‬
‫ج َ‬
‫مه ُ ْ‬
‫سي ُ‬
‫مثيييييييييييال مييييييييييين نفييييييييييياق ابييييييييييين ُأبيييييييييييي‬
‫من نفياقه مييا أخرجييه الثعليبي عيين ابيين عبيياس رضيي الليه‬
‫عنهما‪ ،‬قييال‪ :‬نزلييت‪} :‬وَإ ِ َ‬
‫من ُييوْا{ )البقييرة‪(14 :‬‬
‫ذا ل َُقييوا ْ ال ّي ِ‬
‫ن ءا َ‬
‫ذي َ‬
‫الية‪ ،‬في عبد الله بن ُأبي وأصحابه وذلك أنهم خرجوا ذات يييوم‬
‫فاستقبلهم نفر من الصحابة‪ ،‬فقال ابيين ُأبييي‪ :‬انظييروا كيييف أرد‬
‫عنكم هؤلء السفهاء‪ .‬فأخذ بيد أبي بكر رضي الله عنييه‪ ،‬فقييال‪:‬‬
‫مرحبا ً بالصديق سيد بني تميم وشيخ السلم وثاني رسول اللييه‬
‫في الغار‪ ،‬الباذل نفسه وماله لرسييول اللييه‪ ،‬ثييم أخييذ بيييد عميير‬
‫رضي الله عنه وقال‪ :‬مرحبا ً بسيد بنييي عييدي الفيياروق والقييوي‬
‫ي‬
‫في دين الله الباذل نفسه وماله لرسول الله‪ ،‬ثم أخذ بيييد عل ي ّ‬
‫رضي الله عنه فقال‪ :‬مرحبا ً بابن عم رسول اللييه وختنييه وسيييد‬
‫بني هاشم‪ ،‬ما خل رسول الله صلى الله عليه وسييلم فقييال لييه‬
‫رضي الله عنه‪ :‬اتق الله يا عبد الله‪ ،‬ول تنييافق فييإن المنييافقين‬
‫شييييييييييييييييييييييّر خليقيييييييييييييييييييييية اللييييييييييييييييييييييه‪.‬‬
‫فقال له عبد الله‪ :‬مهل ً يا أبا الحسن أتقول لي هذا واللييه إن‬

‫إيماننييا كإيمييانكم وتصييديقنا كتصييديقكم‪ ،‬ثييم افييترقوا‪ ،‬فقييال‬
‫لصحابه‪ :‬كيف رأيتموني؟ فييأثنوا عليييه خييرا ً فرجييع المسيلمون‬
‫إلى النبي صلى الله عليه وسييلم وأخييبروه بييذلك فنزلييت الييية‪:‬‬
‫خل َيوْا ْ إ ِل َييى َ‬
‫من ّييا وَإ ِ َ‬
‫}وَإ ِ َ‬
‫م‬
‫ذا َ‬
‫شيي َ ِ‬
‫ذا ل َُقوا ْ ال ّ ِ‬
‫طين ِهِ ْ‬
‫من ُييوا ْ قَيياُلوا ءا َ‬
‫ن ءا َ‬
‫ذي َ‬
‫مع َ ُ‬
‫م{ )البقييرة‪ (14 :‬إلييى آخيير اليييات الييتي فييي‬
‫كيي ْ‬
‫َقيياُلوا ْ إ ِن ّييا َ‬
‫المنيييييييييافقين كلهيييييييييا فييييييييييه وفيييييييييي أصيييييييييحابه‪.‬‬
‫وبالجملة فقد لقى النبي صلى الله عليييه وسييلم ميين شييدة‬
‫الذى من المنافقين واليهود شيئا ً كثيرا ً ولكنه بالنسبة لذى أهل‬
‫مكة كالعدم فإنه كان بالمدينة في غاية العييزة والمنعيية والقييوة‬
‫من أول يوم‪ ،‬وأذى اليهود غايته المجادلة والتعنت في السييؤال‪،‬‬
‫ولما قويت شوكة السلم واشتد الجناح أذن له صلى الله عليييه‬
‫وسييييييييييييييييييييييييييييييييييلم بالقتييييييييييييييييييييييييييييييييييال‪.‬‬
‫أهييييييييييييييييييييييييييييييييييل الصييييييييييييييييييييييييييييييييييّفة‬
‫أهل الصّفة هم فقراء المهاجرين إلى المدينة ومن لييم يكيين‬
‫له منهم منزل يسكنه ول عشائر وكانوا نحو ‪ 400‬فكانوا يييأوون‬
‫إلييى موضييع مظلييل فييي مسييجد المدينيية يسييكنونه ويتعلمييون‬
‫القرآن ويصومون ويخرجون في كل غييزوة‪ ،‬وكييان رسييول اللييه‬
‫يييدعوهم بالليييل إذا تعشييى فيفرقهييم علييى أصييحابه وتتعشييى‬
‫طائفة منهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاء الله‬
‫بالغنى وكان أبو هريرة من أهييل الصييفة وكييان رسييول اللييه إذا‬
‫أتتيييييييييييه صيييييييييييدقة بعيييييييييييث بهيييييييييييا إليهيييييييييييم‪.‬‬
‫عن أبي هريرة قال‪ :‬خرج النبي صلى الله عليه وسييلم ليليية‬
‫فقال‪» :‬ادع لي أصحابي« ‪ -‬يعني أهل الصفة ‪ -‬فجعلييت أتبعهييم‬
‫رجل ً رجل ً فأوقظهم حتى جمعتهم فجئنا باب رسول اللييه صييلى‬
‫الله عليه وسلم فاستأذنا فأذن لنا فوضع لنا صييحفة فيهييا صيينيع‬
‫من شعير ووضع عليها يده‪ ،‬وقال‪» :‬خذوا باسم اللييه فأكلنييا مييا‬
‫شئنا«‪ ،‬قال‪ :‬ثم رفعنا أيدينا‪ ،‬وقد قييال رسييول اللييه صييلى اللييه‬
‫عليه وسلم حين وضعت الصحفة‪» :‬والذي نفس محمد بيده مييا‬
‫أمسييى فييي آل محمييد طعييام ليييس شيييئا ً ترونييه«‪ .‬فقلنييا لبييي‬
‫هريرة‪ :‬قدر كم هي حين فرغتم؟ قال‪ :‬مثلها حين وضعت إل أن‬
‫فيها أثر الصييابع‪ ،‬وكييان رسييول اللييه يييؤثر علييى نفسييه وأولده‬

‫فيعطي ما بيده للمحتاجين ‪ -‬ومنهم أهل الصفة ‪ -‬حتى إن ابنتييه‬
‫فاطمة رضي الله عنها جاءته تشكو ما تلقى من الرحى وخدمة‬
‫البيت وكانت سمعت بسبي جاءه فطلبت منه خادما ً فقييال‪» :‬ل‬
‫أعطيك وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم من الجوع« وأمرها أن‬
‫تسييييييييييتعين بالتسييييييييييبيح والتكييييييييييبير والتحميييييييييييد‪.‬‬
‫وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه كان يقول‪» :‬آلله الذي ل‬
‫إله إل هو إن كنت لعتمد بكبدي علييى الرض ميين الجييوع‪ ،‬وإن‬
‫كنت لشد الحجر على بطني من الجوع‪ ،‬ولقد قعدت يوما ً عليى‬
‫طريقهم الذي يخرجون منه فمر أبو بكيير فسييألته عيين آييية ميين‬
‫كتاب الله ما سألته إل ليشبعني فمر ولم يفعل‪ ،‬ثم مّر بي عمر‬
‫فسألته عن آية من كتاب الله تعالى ما سألته إل ليشبعني فمييّر‬
‫سييم‬
‫فلم يفعل‪ ،‬ثم مّر بي أبو القاسم صلى الله عليه وسلم فتب ّ‬
‫حين رآني وعرف ما في نفسي وما فييي وجهييي ثييم قييال‪» :‬أبييا‬
‫هر«‪ ،‬قلت‪ :‬لبيك يا رسول الله‪ ،‬قال‪» :‬إلحييق«‪ ،‬ومضييى فتبعتييه‬
‫فدخل فاستأذن فأذن لي فدخل فوجد لبنا ً في قدح فقال‪» :‬من‬
‫أين هذا اللبن؟« قالوا‪ :‬أهدى لك فلن أو فلنة‪ ،‬قال‪» :‬أبا هيير«‪،‬‬
‫قلت‪ :‬لبيك رسول الله‪ ،‬قال‪» :‬إلحق إلى أهييل الصييفة فييادعهم‬
‫لي«‪ ،‬قال‪ :‬وأهل الصفة أضياف السلم ل يييأوون إلييى أهييل ول‬
‫مال ول على أحد‪ ،‬إذا أتته صدقة بعث بها إليهم ولم يتناول منها‬
‫شيئا ً وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصيياب منهييم وأشييركهم فيهييا‬
‫فساءني ذلك فقلت‪ :‬وما هذا اللبن في أهل الصفة؛ كنييت أحييق‬
‫أنا أن أصيب من هذا اللبن شربة أتقوى بها‪ ،‬فإذا جيياءوا أمرنييي‬
‫فكنت أنا أعطيهم وما عسى أن يبلغني من هذا اللبن ولم يكيين‬
‫د‪ ،‬فييأتيتهم‬
‫من طاعيية اللييه ورسييوله صييلى اللييه عليييه وسييلم بي ّ‬
‫فدعوتهم فأقبلوا فاسييتأذنوا فييأذن لهييم فأخييذوا مجالسييهم ميين‬
‫البيت‪ ،‬فقال‪» :‬يا أبا هر«‪ ،‬قلت‪ :‬لبيك يا رسول الله‪ ،‬قال‪» :‬خييذ‬
‫فأعطهم«‪ ،‬فأخذت القدح فجعلت أعطيه الرجل فيشييرب حييتى‬
‫يروى ثم يرد على القدح حتى انتهيت إلى النبي صلى الله عليييه‬
‫وسلم وقد َروى القوم كلهم فأخذ القدح فوضعه على يده فنظر‬
‫ي فتبسم‪ ،‬فقيال‪» :‬أبيا هير«‪ :‬قليت ليبيك رسيول الليه‪ ،‬قيال‪:‬‬
‫إل ّ‬
‫»بقيت أنا وأنت«‪ ،‬قلت‪ :‬صدقت يييا رسييول اللييه‪ ،‬قييال‪» :‬اقعييد‬
‫فاشرب« فقعدت فشربت‪ ،‬فقال‪» :‬اشرب« فشيربت فميا زال‬

‫يقول‪ :‬اشرب حتى قلت‪ :‬ل والذي بعثك بالحق ما أجييد مسييلكًا‪،‬‬
‫َ‬
‫مى وشييرب‬
‫قييال‪» :‬ف يأرني« فييأعطيته القييدح فحمييد اللييه و َ‬
‫سي ّ‬
‫الفضييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييلة«‪ ،‬رواه‬
‫البخييييييييييياري فيييييييييييي كتييييييييييياب السيييييييييييتئذان‪.‬‬
‫قال الله تعالى يذكر أهل الصفة‪} :‬ل ِل ُْفَق يرآء ال ّيذي ُ‬
‫ص يُروا ْ‬
‫ن أح ِ‬
‫ِ َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫هيي ُ‬
‫ل‬
‫جا ِ‬
‫ست َ ِ‬
‫م ال َ‬
‫ض يَ ْ‬
‫ن َ‬
‫طيُعو َ‬
‫ح َ‬
‫ل الل ّهِ ل َ ي َ ْ‬
‫ِفى َ‬
‫سب ُهُ ُ‬
‫سِبي ِ‬
‫ضْرًبا ِفى الْر ِ‬
‫َ‬
‫ما‬
‫ف ت َعْرِفُُهم ب ِ ِ‬
‫أغْن َِيآء ِ‬
‫س إ ِل ْ َ‬
‫سئ َُلو َ‬
‫ن الت ّعَّف ِ‬
‫م ل َ يَ ْ‬
‫حاًفا وَ َ‬
‫مه ُ ْ‬
‫سي َ‬
‫ن الّنا َ‬
‫م َ‬
‫م{ )البقيييرة‪.(273 :‬‬
‫ن َ‬
‫ُتنِفُقيييوا ْ ِ‬
‫خي ْيييرٍ فَيييإ ِ ّ‬
‫ه ب ِيييهِ عَِليييي ٌ‬
‫ن الل ّييي َ‬
‫مييي ْ‬
‫عن ابن عباس وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم علييى‬
‫أصحاب الصفة فرأى فقرهم وجهدهم‪ ،‬فطيييب قلييوبهم‪ ،‬فقييال‪:‬‬
‫»أبشروا يا أصحاب الصفة‪ ،‬فمن لقيني من أمييتي علييى النعييت‬
‫اليييذي أنتيييم علييييه راضييييا ً بميييا فييييه فيييإنه مييين رفييياقي«‪.‬‬
‫وقييد تييرك أغلييب المهيياجرين أملكهييم وأمييوالهم بمكيية عييدا‬
‫عثمان فإنه تمكن من أخييذ جميييع أمييواله معييه‪ ،‬وقييد كييان غنييا ً‬
‫واشييتغل المهيياجرون بالزراعيية‪ ،‬أعطيياهم أهييل المدينيية أرض يا ً‬
‫يسييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييتثمرونها‪.‬‬
‫عن أبي سعيد الخدري قال‪ :‬كنا مقدم النبي صلى الله عليييه‬
‫وسييلم المدينيية إذا حضيير منييا الميييت أتينيياه فخبرنيياه فحضييره‬
‫واستغفر له حتى إذا قبض انصرف ومن معه؛ وربمييا قعييد حييتى‬
‫يدفن وربما طال ذلك على رسول الله صلى اللييه عليييه وسييلم‬
‫من حبسييه‪ ،‬فلمييا خشييينا مشييقة ذلييك عليييه قييال بعييض القييوم‬
‫لبعض‪ :‬والله لو كنا ل نؤذن النبي صلى اللييه عليييه وسييلم بأحييد‬
‫حتى يقبض فإذا قبض آذنيياه فلييم تكيين لييذلك مشييغلة عليييه ول‬
‫حبس قال ففعلنا ذلك‪ ،‬قال‪ :‬فكنا نؤذنه بييالميت بعييد أن يمييوت‬
‫فيأتيه فُيصلي عليه ويستغفر له فربما انصرف عند ذلييك وربمييا‬
‫مكث حتى يدفن الميت فكنا على ذلك أيض يا ً حين يًا«؛ ثييم قييالوا‪:‬‬
‫والله لو أنييا لييم نشييخص رسييول اللييه صييلى اللييه عليييه وسييلم‬
‫وحملنا الميت إلى منزله حتى نرسل إليه فُيصلى عليه عند بيته‬
‫لكان ذلك أرفق به وأيسر عليه‪ ،‬قال ففعلنا ذلك‪ ،‬قال محمد بن‬
‫ي ذلك الموضع موضع الجنائز حملت إليه‪،‬‬
‫عمر‪ :‬فمن هناك ُ‬
‫سم ّ‬
‫ثم جرى ذلك من فعل الناس من حمل جنائزهم والصلة عليهم‬

‫فييييييييييي ذلييييييييييك الموضييييييييييع إلييييييييييى اليييييييييييوم‪.‬‬
‫الذن بالقتيييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييال‬
‫أذن لرسول الله صلى الله عليييه وسييلم فييي القتييال لثنييتي‬
‫عشرة ليلة خلت من شهر صفر في السنة الثانية ميين الهجييرة‪،‬‬
‫وقد مكث النبي صلى الله عليه وسلم يدعو كفييار قريييش ثلث‬
‫عشرة سنة إلى نبذ الصنام وعبادة الله الواحد بغير قتال صابرا ً‬
‫على شدة أذى العرب فلم يزدادوا إل تعنتا ً وتعسييفا ً واضييطهدوا‬
‫النبي وأصييحابه اضييطهادا ً شييديدا ً وألجييأوهم إلييى هجيير بلدهييم‬
‫وترك أموالهم‪ ،‬وكان الصحابة رضي اللييه عنهييم يييأتون إليييه مييا‬
‫بين مضروب ومشجوج فيقييول لهييم‪» :‬اصييبروا فييإني لييم أوميير‬
‫بقتالهم«‪ ،‬وقال جماعيية ميين الصييحابة منهييم عبييد الرحميين بيين‬
‫عييوف والمقييداد بيين السييود وقداميية بيين مظعييون ‪ -‬وهييو أخييو‬
‫عثمان بن مظعون ‪ -‬وسعد بن أبي وقاص‪ :‬يييا رسييول اللييه كنييا‬
‫في عز ونحن مشركون فلما آمنا صرنا أذلة فائذن لنا في قتييال‬
‫هؤلء‪ ،‬فقييال‪» :‬كفييوا أيييديكم عنهييم فييإني لييم أوميير بقتييالهم«‪.‬‬
‫لم يبق بعد ذلك غييير اسييتعمال السييلح للييدفاع عيين كيييانهم‬
‫والتغلب على عبدة الصنام‪ ،‬فالمسألة صييارت مسييألة حييياة أو‬
‫مييوت‪ ،‬فإمييا انتصييار يحقييق نشيير الييدين أو انكسييار ل تقييوم‬
‫للمسلمين بعده قائمة‪ ،‬ولو تمكنت قريش من مهاجمة المدينيية‬
‫والنتصار على المسلمين لكان في ذلك القضاء علييى السييلم‪،‬‬
‫وكان المسيحيون في المبراطورية الرومانية فييي ذلييك الييوقت‬
‫يقيييييييييياتلون الفييييييييييرس وينتصييييييييييرون عليهييييييييييم‪.‬‬
‫لما هاجر النبي صييلى اللييه عليييه وسييلم إلييى المدينيية وكييثر‬
‫أتبيياعه وقييام النصييار بنصييره صييلى اللييه عليييه وسييلم وأصيير‬
‫المشركون على الكفر والتكذيب أذن لهم بالقتييال فبعييث عليييه‬
‫السييييييييييييلم البعييييييييييييوث وغييييييييييييزا بنفسييييييييييييه‪.‬‬
‫وأول ما أنزل في أمر القتال قوله تعالى فييي سييورة الحييج‪:‬‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ديٌر‬
‫م ل ََقيي ِ‬
‫ن ل ِل ّ ِ‬
‫موا ْ وَإ ِ ّ‬
‫ن ي َُقات َُلو َ‬
‫}أذِ َ‬
‫صييرِهِ ْ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫م ظ ُل ِ ُ‬
‫ن ب ِأن ّهُ ْ‬
‫ه عََلى ن َ ْ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫ه وََلييوْل َ‬
‫ن أُ ْ‬
‫من دَِيارِ ِ‬
‫جوا ْ ِ‬
‫ال ّ ِ‬
‫هم ب ِغَي ْرِ َ‬
‫خرِ ُ‬
‫حقّ إ ِل ّ أن ي َُقوُلوا ْ َرب َّنا الل ّ ُ‬
‫ذي َ‬
‫ت‬
‫صيوا ِ‬
‫س ب َعْ َ‬
‫صيَلوا ٌ‬
‫م ْ‬
‫ض ل ُّهيد ّ َ‬
‫ضيهُ ْ‬
‫معُ وَب َِييعٌ وَ َ‬
‫ت َ‬
‫د َفْعُ الل ّهِ الّنا َ‬
‫م ب ِب َْعي ٍ‬

‫ن‬
‫صيُرهُ إ ِ ّ‬
‫صَر ّ‬
‫م َ‬
‫ه َ‬
‫ن الل ّ ُ‬
‫جد ُ ي ُذ ْك َُر ِفيَها اس ُ‬
‫سا ِ‬
‫وَ َ‬
‫من َين ُ‬
‫م الل ّهِ ك َِثيرا ً وَل ََين ُ‬
‫َ‬
‫ه ل ََقوِىّ عَ‬
‫ص يَلوةَ‬
‫زي يٌز ال ّي ِ‬
‫ن إِ ْ‬
‫ض أقَييا ُ‬
‫مك ّن ّهُ ي ْ‬
‫ن ّ‬
‫الل ّ َ‬
‫موا ْ ال ّ‬
‫ذي َ‬
‫ِ‬
‫م فِييى الْر ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َوآت َوُا ْ الّز َ‬
‫ة‬
‫من ْك َيرِ وَل ِل ّيهِ عَِقب َي ُ‬
‫معُْرو ِ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫مُروا ْ ب ِييال ْ َ‬
‫كوةَ وَأ َ‬
‫ف وَن َهَ يوْا عَي ِ‬
‫‪.(41‬‬
‫‬‫ميييييييييييييوِر{ )الحيييييييييييييج‪39 :‬‬
‫ال ْ ُ‬
‫هذا أول ما أنزل في الذن بالقتال بعدما نهى عنه فييي نيييف‬
‫وسيييييييييييييييييييييييييييييييييييبعين آيييييييييييييييييييييييييييييييييييية‪.‬‬
‫بعييييييييييييييييييييييييييييييييييث حمييييييييييييييييييييييييييييييييييزة‬
‫كان أول بعوثه صلى الله عليه وسلم أن بعث عمه حمزة بن‬
‫عبد المطلب رضي الله عنه في شهر رمضان على رأس سبعة‬
‫أشهر من الهجرة )‪623‬م( في ثلثين راكبا ً من المهاجرين‪ ،‬قال‬
‫بعضهم‪ :‬كانوا شطرين من المهاجرين والنصار‪ ،‬والمجميع علييه‬
‫أنهم كانوا جميعا ً من المهاجرين ولييم يبعييث رسييول اللييه صييلى‬
‫الله عليه وسلم أحدا ً من النصار مبعثا ً حتى غزا بهم بدرا ً وذلييك‬
‫أنهم شرطوا له أنهم يمنعونه في دارهم‪ ،‬خرج حمزة ومن معييه‬
‫يعترضون عيرا ً لقريش جاءت من الشام تريد مكيية وكييان فيهييا‬
‫أبو جهل في ثلثمائة راكب ولما بلغوا سيياحل البحيير ميين ناحييية‬
‫العيص من بلد جهينيية التقييوا وتصييافوا للقتييال ثييم حجييز بينهييم‬
‫مجييدي بيين عميرو الجهنييي وكيان مصيالحا ً للفريقييين فانصيرف‬
‫القوم بغير قتال ولم يكن النبي صلى اللييه عليييه وسييلم معهييم‪،‬‬
‫وكان يحمل اللواء أبو مرثد كّناز بن الحصييين الغنييوي وهييو أول‬
‫ليييييواء عقيييييده رسيييييول الليييييه وكيييييان ليييييواء أبييييييض‪.‬‬
‫سيييييييييييييرية عبييييييييييييييدة بييييييييييييين الحيييييييييييييارث‬
‫وفي شوال علييى رأس ثمانييية أشييهر ميين الهجييرة )‪623‬م(‬
‫بعث عبيدة بن الحارث بن المطليب بين عبيد منياف إليى بطين‬
‫رابغ وعقد لواء أبيض وكان الذي حمله مسطح بن أثاثة بن عبييد‬
‫المطلب بن عبد مناف‪ ،‬وكانوا ستين رجل ً من المهاجرين ليييس‬
‫فيهم أنصاري‪ ،‬فلقي أبا سفيان بن حرب وهييو فييي مييائتين ميين‬
‫أصحابه وهو على ماء يقال له أحياء من بطن رابغ على عشييرة‬
‫أميال من الجحفة وأنت تريد قديييدا ً عيين يسييار الطريييق‪ ،‬وإنمييا‬
‫نكبوا عن الطريق ليرعوا ركابهم فكان بينهم الرمي ولم يسييلوا‬

‫السيوف ولم يصطفوا للقتال وإنما كانت بينهم المناوشيية إل أن‬
‫سعد بن أبي وقاص قد رمى يومئذ بسهم فكان أول سهم رمي‬
‫بيييه فيييي السيييلم ثيييم انصيييرف الفريقيييان عليييى حييياميتهم‪.‬‬
‫سييييييييييرية سييييييييييعد بيييييييييين أبييييييييييي وقيييييييييياص‬
‫ثم سييرية سييعد بيين أبييي وقيياص إلييى الخييرار وهييو واد فييي‬
‫الحجاز يصييب فييي الجحفيية وذلييك فييي ذي القعييدة علييى رأس‬
‫تسعة أشهر من الهجرة‪ ،‬عقد له لواء أبيض حملييه المقييداد بيين‬
‫عمييرو البهروانييي‪ ،‬وبعثييه فييي عشييرين رجل ً ميين المهيياجرين‬
‫يعترض لعير قريش تمر بييه وعهييد إليييه أل يجيياوز الحييرار‪ ،‬قييال‬
‫سعد‪ :‬فخرجنا على أقدامنا فكنا نكمن النهار ونسير الليييل حييتى‬
‫صبحناها صبح حمس فنجد العييير قييد مييرت بييالمس فانصييرفنا‬
‫إليييييييييييييييييييييييييييييييييييى المدينييييييييييييييييييييييييييييييييييية‪.‬‬
‫غييييييييييييييييزوة ودان أو غييييييييييييييييزوة البييييييييييييييييواء‬
‫أول مغازيه الييتي خييرج فيهييا بنفسهصييلى اللييه عليييه وسييلم‬
‫ي رضييي اللييه‬
‫غزوة ودان‪ ،‬قال زين العابدين بن الحسين بن عل ّ‬
‫عنهم‪» :‬كنا نعلم مغازي رسول الله صلى الله عليه وسييلم كمييا‬
‫نعلم السور من القرآن«‪ ،‬وعن إسماعيل بن محمد بن سعد بن‬
‫أبي وقاص رضي الله عنه كييان أبييي يعلمنييا المغييازي والسييرايا‬
‫ويقيييول‪ :‬ييييا بنيييي إنهيييا شيييرف آبيييائكم فل تضييييعوا ذكرهيييا‪.‬‬
‫فأول غزوة خرج فيها صييلى اللييه عليييه وسييلم )ودان( وهييي‬
‫قرية جامعة من أعمال الفرع‪ ،‬وبعضهم يسييميها غييزوة البييواء‪،‬‬
‫فمنهم من أضييافها إلييى ودان ومنهييم ميين أضييافها إلييى البييواء‬
‫لنهما متقاربان في وادي الفرع بينهما ستة أميال‪ ،‬خرج رسييول‬
‫الله إليها في صفر على رأس اثني عشيير شييهرا ً ميين الهجييرة ‪-‬‬
‫يونيه سنة ‪623‬م ‪ -‬يريد عيرا ً لقريش وبنييي ضييمرة‪ ،‬وقيييل‪ :‬لييم‬
‫يكن صلى الله علييه وسيلم مريييدا ً لهييم بيل مريييدا ً للعييير اليتي‬
‫لقريش فلما لقييي بنييي ضييمرة عقييد بينييه وبينهييم صييلحا ً وكييان‬
‫خروجه في ستين راكبا ً ليييس فيهييم أنصيياري فلييم يييدرك العييير‬
‫التي أراد‪ ،‬وكانت المصالحة بينه وبين بني ضييمرة علييى أنهييم ل‬
‫يغزونه ول يكثرون عليه جمعا ً ول يعينييون عليييه عييدوا ً وأن لهييم‬

‫النصر على من رامهم بسوء وأنه إذا دعاهم لنصر أجابوه وعقييد‬
‫ذلك معهم سيدهم مخشي بن عمرو الضمري وكتب بينهم كتابا ً‬
‫فيييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييه‪:‬‬
‫بسييييييييييييم اللييييييييييييه الرحميييييييييييين الرحيييييييييييييم‬
‫»هذا كتاب محمد رسول الله صييلى اللييه عليييه وسييلم لبنييي‬
‫ضمرة بأنهم آمنون على أموالهم وأنفسهم وأن لهم النصر على‬
‫من رامهم بسوء بشرط أن يحاربوا فيي ديين الليه ميا بيل بحير‬
‫صوفة وأن النبي صلى الله عليه وسلم إذا دعاهم لنصر أجابوه‪،‬‬
‫عليهيييييييييم بيييييييييذلك ذمييييييييية الليييييييييه ورسيييييييييوله«‪.‬‬
‫وكان لييواؤه أبيييض وكييان مييع عمييه حمييزة رضييي اللييه عنييه‬
‫واستخلف على المدينة سييعد بيين عبييادة‪ ،‬وكييانت غيبتييه خمييس‬
‫عشيييييييييييييييييييييييييييييييييييرة ليلييييييييييييييييييييييييييييييييييية‪.‬‬
‫غييييييييييييييييييييييييييييييييييزوة بييييييييييييييييييييييييييييييييييواط‬
‫ثم غزوة بواط في شهر ربيييع الول علييى رأس ثلثيية عشيير‬
‫شهرا ً من الهجرة )يوليه ‪ 623‬م( وكان يحمييل لييواءه سييعد بيين‬
‫أبي وقاص وكان اللواء أبيض واستخلف على المدينة سييعد بيين‬
‫معاذ‪ ،‬خرج رسول الله صلى الله عليه وسييلم فييي مييائتين ميين‬
‫أصيحابه مين المهياجرين خاصية حيتى بليغ بيواط يعيترض لعيير‬
‫قريش فيها أمية بن خلف الجمحي ومائة رجل ميين قريييش و )‬
‫‪ (2500‬بعييييير ففيييياتته العييييير ورجييييع ولييييم يلييييق حربييييًا‪.‬‬
‫غييييييييزوة بييييييييدر الولييييييييى أو غييييييييزوة سييييييييفوان‬
‫وفي شهر ربيع الول أيضا ً خرج رسول الله لطلييب كييرز بيين‬
‫جابر الفهري وكان لواؤه أبيض وكان بيد عليي بين أبييي طييالب‪،‬‬
‫واستخلف على المدينة موله زيد بن حارثة‪ ،‬وكان كرز بن جابر‬
‫قد أغييار علييى سييرح المدينيية فاسييتاقه وكييان يرعييى بالجمعيياء‬
‫فطلبه رسول الله حتى بلغ واديا ً يقال له سَفوان من ناحية بييدر‬
‫وفاته كرز بن جابر فلم يلحقه فرجع رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسييلم إلييى المدينيية‪ ،‬وهييذه الغييزوة هييي غييزوة بييدر الولييى‪.‬‬
‫أما كرز فإنه أسلم بعييد ذلييك وحسيين إسييلمه ووله رسييول‬

‫الله الجيش الذي بعثه في أثر العرنيين الذين قتلوا راعيه وُقتييل‬
‫كييييرز يييييوم الفتييييح وذلييييك سيييينة ثمييييان ميييين الهجييييرة‪.‬‬
‫وقد ذكر ابن إسحاق هييذه الغييزوة بعييد العشيييرة‪ ،‬قييال ابيين‬
‫حيييييييييييييييييييييزم بعشيييييييييييييييييييييرة أييييييييييييييييييييييام‪.‬‬
‫غيييييييييييييييييييييييييييييييزوة الُعشييييييييييييييييييييييييييييييييرة‬
‫كانت غزوة العشيرة فييي جمييادى الول وقيييل الخييرة علييى‬
‫رأس سييتة عشيير شييهرا ً ميين الهجييرة ‪ -‬أكتييوبر سيينة ‪ 623‬م ‪-‬‬
‫وحمييل لييواءه حمييزة بيين عبييد المطلييب وكييان لييواؤه أبيييض‬
‫واستخلف على المدينيية أبييا سييلمة بيين عبييد السييد المخزومييي‬
‫وخرج في خمسين ومائة ويقال في مائتين من المهاجرين ممن‬
‫انتدب ولم يكره أحدا ً على الخروج وخرجوا علييى ثلثييين بعيييرًا‪،‬‬
‫خرج يعترض عير قريش حين أبدت إلى الشام وكييان قييد جيياءه‬
‫الخبر بقفولها من مكة فيها أموال قريش فبلييغ العشيييرة وهييي‬
‫لبني مدلج بناحية ينبع وبين ينبع والمدينة تسعة برد فوجد العييير‬
‫التي خرج لها قد مشت قبل ذلك بأيام وهي العير التي خرج لها‬
‫أيضا ً يريدها حين رجعت من الشام فساحلت علييى البحيير وبلييغ‬
‫قريشا ً خبرها فخرجوا يمنعونها فلقوا رسول الله ببدر فييواقعهم‬
‫وقتل منهم من قتل‪ ،‬وبالعشيرة كنى رسول الله علييي بيين أبييي‬
‫طالب أبا تراب وذلك أنه رآه نائما ً متمرغ يا ً فييي البوغيياء فقييال‪:‬‬
‫اجلس أبا تييراب‪ ،‬فجلييس‪ ،‬وفييي هييذه الغييزوة وادع بنييي مدلييج‬
‫وحلفاءهم من بني ضمرة ثم رجع إلى المدينة ولييم يلييق حرب يًا‪.‬‬
‫كانت قريش قد جمعيت أموالهيا فيي تليك العيير ويقيال‪ :‬إن‬
‫فيها خمسين ألف دينيار وأليف بعيير وكيان قيائد تليك العيير أبيا‬
‫سفيان بن حرب ومعه سبعة وعشييرون وقيييل‪ :‬تسييعة وثلثييون‬
‫رج ً‬
‫ل‪ ،‬منهييييم مخرميييية بيييين نوفييييل وعمييييرو بيييين العيييياص‪.‬‬
‫سيييييييرّية عبيييييييد الليييييييه بييييييين جحيييييييش السيييييييدي‬
‫أمر رسول الله أبا عبيدة بن الجراح أن يتجهز للغييزو فتجهييز‬
‫فلما أراد المسير بكى صبابة إلى رسول الله فبعث مكييانه عبييد‬
‫الله بن جحش السدي في اثني عشر رجل ً من المهاجرين كييل‬
‫اثنين يعتقبان بعيرا ً إلى نخلة وهو بستان ابيين عييامر الييذي كييان‬

‫قرب مكة‪ ،‬وذلك في رجب على رأس سييبعة عشيير شييهرا ً ميين‬
‫الهجرة )نوفمبر سنة ‪ 623‬م( وكتب له كتابا ً وأمره أل ينظر فيه‬
‫حتى يسير يومين ثم ينظر فيه فيمضي لمييا أمييره بييه ول يكييره‬
‫أحدا ً من أصحابه ففعل ذلك‪ ،‬ثم قرأ الكتاب وفيه يييأمره بنييزول‬
‫نخلة بين مكة والطائف فيرصد قريشا ً ويعلييم أخبييارهم‪ ،‬فييأعلم‬
‫أصحابه فساروا معييه حييتى إذا كييان بمعييدن فييوق الفييرع أضييل‬
‫بعيرًا‪ ،‬وكان زميله عتبة بن غزوان فأقام يومين يبغيييانه ومضييى‬
‫عمرو بن الحضرمي وعثمان بن المغيرة وأخييوه نوفييل والحكييم‬
‫بن كيسان فلمييا رآهييم القييوم هييابوهم وقييد نزلييوا قريبيا ً منهييم‬
‫وأشرف لهم عكاشة بن محصن السدي وقد حلق رأسييه‪ ،‬فلمييا‬
‫عمييار ل بييأس عليكييم‪ ،‬وذلييك آخيير يييوم ميين‬
‫رأوه أمنوا وقالوا‪ُ :‬‬
‫رجب‪ ،‬ثم إنهم تشاوروا فأجمعوا على القتال‪ ،‬فرمييى واقييد بيين‬
‫عبد الله التيمي عمييرو بيين الحضييرمي بسييهم فقتلييه‪ ،‬وهييو أول‬
‫قتيل قتله المسلمون وشد المسلمون عليهم فاستأسيير عثمييان‬
‫بن عبد الله بن المغيرة والحكم بن كيسان وهرب نوفييل وغنييم‬
‫المسلمون ما معهم‪ ،‬ويقال‪ :‬إن عبد اللييه بيين جحييش لمييا رجييع‬
‫من نخلة خمس ما غنم وقسم بين أصحابه سائر الغنييائم فكييان‬
‫أول خمس في السلم وذلك قبل أن يفرض وكانت أول غنيميية‬
‫غنمهيييا المسيييلمون‪ ،‬وعميييرو بييين الحضيييرمي أول مييين قتيييل‬
‫المسلمون‪ ،‬وعثمان بن عبد الله والحكييم بيين كيسييان أول ميين‬
‫أسر المسلمون‪ ،‬وكييان الييذي أسيير الحكييم المقييداد بيين عمييرو‬
‫فدعاه رسول اللييه إلييى السييلم فأسييلم وُقتييل بييبئر معونيية‬
‫شيييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييهيدًا‪.‬‬
‫أما سعد بن أبي وقاص وزميله عتبة بن غزوان‪ ،‬فلييم يشييهدا‬
‫هيييذه الغيييزوة وقيييدما المدينييية بعيييد عيييودته السيييرية بأييييام‪.‬‬
‫أقبل عبييد اللييه بيين جحييش وأصييحابه بييالعير والسييرى إلييى‬
‫المدينة فلما قدموا قال لهم رسول الله‪ :‬ما أمرتكم بقتييال فييي‬
‫الشييهر الحييرام‪ ،‬فوقّييف العييير والسييرين فسييقط فييي أيييديهم‬
‫وعنفهم المسلمون وقالت قريش‪ :‬قد استحل محمييد وأصييحابه‬
‫سيئ َُلون َ َ‬
‫ن ال ّ‬
‫ر‬
‫به الشييهر الحييرام فييأنزل الليه تعيالى‪} :‬ي َ ْ‬
‫ش يه ْ ِ‬
‫ك عَي ِ‬
‫ل قِت َييا ٌ‬
‫ل ِفييهِ قُي ْ‬
‫ه{‬
‫ل الل ّي ِ‬
‫ال ْ َ‬
‫صيد ّ عَيين َ‬
‫ل ِفييهِ ك َِبييٌر وَ َ‬
‫سيِبي ِ‬
‫حَرام ِ قَِتا ٍ‬
‫)البقيييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييرة‪.(217 :‬‬

‫فلما نزل القرآن وفرج الله عن المسلمين قبض رسول الله‬
‫العيييييييييييييييييييير وفيييييييييييييييييييدى السييييييييييييييييييييرين‪.‬‬
‫ي عبييد اللييه بيين جحييش‪» :‬أمييير‬
‫وفييي هييذه السييرية ُ‬
‫سيي ّ‬
‫م َ‬
‫الميييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييؤمنين«‪.‬‬
‫غزوة بدر الثانية أو غزوة بدر الكبرى ‪ 17‬رمضان في السيينة‬
‫الثانييييييييية ميييييييين الهجييييييييرة ‪ -‬ينيييييييياير سيييييييينة ‪624‬م‬
‫بدر بلييدة بالحجيياز إلييى الجنييوب الشييرقي ميين الجييار‪ ،‬وهييو‬
‫ساحل البحر بينهما نحو مرحلة ويسمونها بدر حنييين‪ ،‬وهييي فييي‬
‫سهل يليه من الشمال إلييى الشييرق جبييال وعييرة ميين الجنييوب‬
‫آكييييييام صييييييخرية وميييييين الغييييييرب كثبييييييان رملييييييية‪.‬‬
‫كانت غزوة بدر الكبرى‪ ،‬يوم الجمعة في شييهر رمضييان فييي‬
‫السابع عشر على رأس تسعة عشر شهرا ً ميين الهجييرة ‪ -‬ينيياير‬
‫سنة ‪ 624‬م ‪ -‬وكان سببها قتل عمرو الحضرمي الذي قتل فييي‬
‫سرية عبد الله ابن جحش وإقبييال أبييي سييفيان بيين حييرب ميين‬
‫الشييام فييي عييير لقريييش عظيميية وفيهييا أمييوال كييثيرة تبلييغ ‪-‬‬
‫‪ 20.000‬جنيه تقريبا ً ‪ -‬ومعها ثلثون أو أربعون رجل ً من قريييش‬
‫منهيييييم مخرمييييية بييييين نوفيييييل الزهيييييري بييييين العييييياص‪.‬‬
‫فلما سمع بهم رسول الله ندب المسلمين إليهم وقال‪ :‬هييذه‬
‫عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها لعل الله أن ينفلكموهييا‪،‬‬
‫فانتييدب النيياس فخييف بعضييهم وثقييل بعضييهم لنهييم ظنييوا أن‬
‫الرسيييييييييييييييييييول ل يلقيييييييييييييييييييى حربيييييييييييييييييييًا‪.‬‬
‫وكان أبو سفيان قد سيمع أن رسييول الليه صيلى الليه عليييه‬
‫ذره‪ ،‬واسييتأجر ضمضييم بيين عمييرو الغفيياري‬
‫وسييلم يريييد فحيي ِ‬
‫بعشرين مثقال ً وبعثه إلى مكة يستنفر قريشا ً ويخييبرهم الخييبر‪،‬‬
‫فسار وألقى فيهم النفير فخرجوا مسرعين ومن تخلييف أرسييل‬
‫مكانه آخر‪ ،‬ولم يتخلف أحد من أشراف مكة إل أبو لهب وبعييث‬
‫مكانه العاص بن هشيام نظيير أجير قيدره ‪ 4000‬درهيم؛ وكيان‬
‫السيييييبب فيييييي خروجهيييييم حمايييييية العيييييير وإنقاذهيييييا‪.‬‬
‫قييييييييييييييييييييييييييييييييييوة قريييييييييييييييييييييييييييييييييييش‬
‫كان الذين خرجوا ميين قريييش نحييو ‪ 1000‬منهييم ‪ 600‬دارع‬

‫ومعهيييم ‪ 100‬فيييرس عليهيييا ‪ 100‬درع سيييوى دروع المشييياة‪.‬‬
‫وكان حامل لوائهم السائب بني يزيييد ثييم أسييلم رضييي اللييه‬
‫عنه وهو الب الخامس للمام الشافعي رضي اللييه عنييه‪ ،‬وكييان‬
‫معهم أيضيا ً ‪ 700‬بعييير‪ ،‬وخرجييوا ومعهييم القيييان ‪ -‬وهيين الميياء‬
‫المغنيات ‪ -‬يضربن بالدفوف ويغنين بهجاء المسلمين وهييم فييي‬
‫غاية البطر والخيلء حين خروجهم اعتمييادا ً علييى كييثرة عييددهم‬
‫كون ُييوا ْ َ‬
‫عددهم‪ ،‬قال تعييالى‪} :‬وَل َ ت َ ُ‬
‫ميين دِي َرِهِييم‬
‫ن َ‬
‫و ُ‬
‫جييوا ْ ِ‬
‫كال ّي ِ‬
‫خَر ُ‬
‫ذي َ‬
‫َ ً‬
‫ن‬
‫ن َ‬
‫مل ُييو َ‬
‫دو َ‬
‫ص ّ‬
‫عن َ‬
‫مييا ي َعْ َ‬
‫ه بِ َ‬
‫ل الل ّيهِ َوالل ّي ُ‬
‫س وَي َ ُ‬
‫سيِبي ِ‬
‫ب َطرا وَرَِئآء الّنا ِ‬
‫حييييييييييييييييييييييييييييي ٌ‬
‫ط{ )النفييييييييييييييييييييييييييييال‪.(47 :‬‬
‫م ِ‬
‫ُ‬
‫وكان المطعميون لهيذا الجييش اثنيي عشير رجل ً وكيان كيل‬
‫واحد منهم ينحر كل يوم عشرة جزر‪ ،‬وهييؤلء الثنييا عشيير هييم‪:‬‬
‫أبو جهل‪ ،‬وعتبة وشيبة ابنا ربيعة‪ ،‬وحكيم بن حزام‪ ،‬والعباس بن‬
‫عبد المطلب‪ ،‬وأبو الَبختري‪ ،‬وزمعة بن السود‪ ،‬وُأبي بن خلييف‪،‬‬
‫وأمية بن خلف‪ ،‬والنضر بن الحييارث‪ ،‬ونييبيه ومنبييه ابنييا الحجيياج‬
‫وفيهييم أنييزل اللييه تعييالى‪} :‬إن ال ّيذين ك ََف يروا ْ ينفُقييو َ‬
‫م‬
‫ُ ِ‬
‫َ‬
‫ِ ّ‬
‫مييول َهُ ْ‬
‫نأ ْ‬
‫ُ‬
‫ِ َ‬
‫م تَ ُ‬
‫م‬
‫دوا ْ َ‬
‫سُين ِ‬
‫م َ‬
‫كو ُ‬
‫ص ّ‬
‫ح ْ‬
‫ل الل ّهِ فَ َ‬
‫عن َ‬
‫س يَرةً ث ُي ّ‬
‫ن عَل َي ْهِ ي ْ‬
‫فُقون ََها ث ُ ّ‬
‫ل ِي َ ُ‬
‫سِبي ِ‬
‫ن{ )النفييييييييييييييييييييييييييال‪u.(36 :‬‬
‫ي ُغْل َُبييييييييييييييييييييييييييو َ‬
‫قيييييييييييييييييييييييييييييييوة المسيييييييييييييييييييييييييييييييلمين‬
‫كان عدة الذين خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫‪ ،313‬وقيل‪ :‬لما عد صلى اللييه عليييه وسييلم أصييحابه فوجييدهم‬
‫ثلثمائة وثلثة عشر فييرح وقييال‪ :‬عييدة أصييحاب طييالوت الييذين‬
‫جازوا معه النهر‪ ،‬وخرجت النصار ولم تكيين قبييل ذلييك خرجييت‬
‫معه‪ ،‬وكان عددهم ‪ 207‬وسائرهم من المهاجرين وكييانت البييل‬
‫‪ 70‬والفراس خمسة‪ ،‬ولمييا أراد رسييول اللييه صييلى اللييه عليييه‬
‫وسلم الخروج لبس درعه ذات الفضييول وتقل ّييد سيييفه العضييب‬
‫ميين‬
‫ورد رسول الله صلى الله عليه وسلم من استصغر فكان م ّ‬
‫رّده أسامة بن زيد ورافع بن خديج والبراء بن عازب وأسيد بيين‬
‫ظهير وزيد بن أرقم وزيد بيين ثييابت ورد عمييير بيين أبييي وقيياص‬
‫فبكييييييييييييييييييييييييييييييييييى فأجييييييييييييييييييييييييييييييييييازه‪.‬‬
‫وتخلف ثمانية من أصحابه صلى الله عليييه وسييلم بسييهامهم‬
‫وأجورهم‪ :‬ثلثة من المهاجرين‪ :‬عثمان بن عفييان خلفييه رسييول‬

‫الله صلى الله عليه وسلم على امرأته رقييية بنييت رسييول اللييه‬
‫صلى الله عليه وسلم وكانت مريضة فأقام عليهييا حييتى ميياتت‪،‬‬
‫وطلحة بن عبيدالله‪ ،‬وسعيد بن زيد بعثهما يتجسسان خبر العير‬
‫وخرجا في طريق الشام‪ ،‬وكان أبيو أمامية بين ثعلبية النصياري‬
‫أجمع الخروج إلى بدر وكانت أمه مريضة فأمره صلى الله عليه‬
‫وسييييييييييييييلم بالمقييييييييييييييام علييييييييييييييى أمييييييييييييييه‪.‬‬
‫وخمسة من النصار‪ :‬أبو لبابة بن عبد المنذر الوسييي خلفييه‬
‫على المدينة‪ ،‬وعاصم بن عدي العجلني خلفه على أهل العالية‪،‬‬
‫والحارث بن حاطب العمري رده من الروحاء إلى بني عمرو بن‬
‫عوف لشيء بلغه عنهم‪ ،‬والحارث بيين الصييمة كسيير بالروحيياء‪،‬‬
‫وخوات بيين جييبير كسيير أيضيًا‪ ،‬وهييؤلء ثمانييية ل اختلف فيهييم‪.‬‬
‫وكانت البل سبعين بعيرا ً يتعاقب النفر البعير‪ ،‬وكانت الخيل‬
‫فرسين‪ :‬فرس للمقداد بن عمرو‪ ،‬وفرس لمرثد بيين أبييي مرثييد‬
‫الغنوي‪ ،‬وكان اللواء مع مصعب بيين عمييير‪ ،‬وكييان أمييام رسييول‬
‫ي بن‬
‫الله صلى الله عليه وسلم رايتان سوداوان إحداهما مع عل ّ‬
‫أبي طالب يقال لها العقاب وكانت ميين مييرط عائشية أي ثوبهيا‬
‫ي يومئذ عشرين سنة والخرى مع بعض النصييار‪،‬‬
‫وكان عمر عل ّ‬
‫وجعييل علييى السيياقة ‪ -‬المييؤخرة ‪ -‬قيييس بيين أبييي صعصييعة‬
‫النصاري فكانت قوة المسلمين قليليية بالنسييبة لقييوة عييدوهم‪.‬‬
‫واستعمل صلى الله عليه وسلم أبا لبابة والي يا ً علييى المدينيية‬
‫ورده‪ ،‬واستعمل ابن أم مكتوم علييى الصييلة بالنيياس بالمدينيية‪.‬‬
‫رسييول اللييه صييلى اللييه عليييه وسييلم يستشييير أصييحابه‬
‫كييان رسييول اللييه صييلى اللييه عليييه وسييلم بعييث رجلييين‬
‫عير أبي سفيان وهما َبسَبس بن عمرو وعييدي‬
‫يتجسسان أخبار ِ‬
‫بن أبي الزغباء فمضيا حتى نزل بدرا ً فأناخا إلى تييل قريييب ميين‬
‫الماء وأخذا يستقيان من الماء فسمعا جيياريتين تقييول إحييداهما‬
‫لصاحبتها‪ :‬إن أتاني العير غدا ً أو بعد غد أعمل لهم‪ ،‬أي أخدمهم‪،‬‬
‫ثم أقضيك الذي لك‪ ،‬فانطلقا حتى أتيييا رسييول اللييه صييلى اللييه‬
‫علييييييييييه وسيييييييييلم فيييييييييأخبراه بميييييييييا سيييييييييمعا‪.‬‬
‫فاستشار النبي صلى اللييه عليييه وسييلم أصييحابه فييي طلييب‬
‫العير وفي حرب النفير‪ ،‬يعني أن النبي صلى اللييه عليييه وسييلم‬

‫خير أصحابه بين أن يذهبوا للعير أو إلى محاربة النفير وأخبرهم‬
‫بمسير قريش‪ ،‬وقال لهم‪» :‬إن الله وعييدكم إحييدى الطييائفتين‪:‬‬
‫إما العير وإما قريش«‪ ،‬وكانت العير أحب إليهييم ليسييتعينوا بمييا‬
‫فيها من الموال على شراء الخيل والسلح‪ ،‬وقييال بعضييهم‪ :‬هل‬
‫ذكرت لنا القتال حتى نتأهب له إّنا خرجنا للعير‪ ،‬وفي رواييية‪ :‬يييا‬
‫رسول الله عليك بالعير ودع العدو‪ ،‬فتغير وجه رسول الله صلى‬
‫اللييييييييييييييييييييييه عليييييييييييييييييييييييه وسييييييييييييييييييييييلم‬
‫وتكلم المهيياجرون فأحسيينوا ثييم استشيارهم فقييام أبييو بكيير‬
‫فقيييييال فأحسييييين‪ ،‬ثيييييم قيييييام عمييييير فقيييييال فأحسييييين‪.‬‬
‫وكان صلى الله عليه وسلم يخشى أن تكون النصار ل تييرى‬
‫وجوب نصرته عليها إل مميين دهمييه فجييأة ميين العييدو بالمدينيية‬
‫فقط وأن ليس عليهم أن يسير بهم من بلدهم إلى عييدو‪ ،‬فلمييا‬
‫ي«‪ ،‬قال له سعد بن معاذ رضي الله عنه‪،‬‬
‫قال لهم‪» :‬أشيروا عل ّ‬
‫وهو سيد الوس‪ ،‬بل هييو سيييد النصييار‪ ،‬وكييان فيهييم كالصييديق‬
‫رضي الليه عنيه فيي المهياجرين‪ ،‬قيال‪ :‬والليه لكأنيك ترييدنا ييا‬
‫رسول الله؟ قال‪ :‬أجل‪ ،‬قال‪ :‬قد آمنييا بييك‪ ،‬وصييدقناك‪ ،‬وشييهدنا‬
‫أن ما جئت به هو الحق‪ ،‬وأعطيناك علييى ذلييك عهييودا ً ومواثيييق‬
‫على السمع والطاعة‪ ،‬فامض يييا رسييول اللييه لمييا أردت فنحيين‬
‫معك فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت لنا هييذا البحيير لخضييناه‬
‫معك ما تخلف منا رجل واحد‪ ،‬وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا‪،‬‬
‫إنا لصبر عند الحرب‪ ،‬صدق عند اللقاء لعل اللييه يريييك فينييا مييا‬
‫تقر به عينك‪ ،‬فسر بنا على بركة الله‪ ،‬فسّر رسييول اللييه صييلى‬
‫الله عليه وسلم لقوله ونشطه ذلك للقاء الكفار‪ ،‬ثم قال رسول‬
‫الله‪» :‬سيروا على بركة الله وأبشروا فييإن اللييه وعييدني إحييدى‬
‫الطيييييييييائفتين إميييييييييا العيييييييييير وإميييييييييا النفيييييييييير«‪.‬‬
‫الخلف بييييييييين أبييييييييي سييييييييفيان وأبييييييييي جهييييييييل‬
‫كان أبو سفيان قد ساحل وترك بدرا ً يسارا ً ثييم أسييرع فنجييا‬
‫فلما رأى أنه قد أحرز عيره أرسل إلى قريش وهم بالجحفة أن‬
‫اللييييييه قييييييد نجييييييى عيركييييييم وأمييييييوالكم فييييييارجعوا‪.‬‬
‫فقال أبو جهل‪ :‬والله ل نرجييع حييتى نييرد بييدرا ً ‪ -‬وكييانت بييدر‬
‫موسما ً من مواسييم العييرب تجتمييع لهييم بهييا سييوق كييل عييام ‪-‬‬

‫فنقيم بها ثلثا ً فننحيير الجييزور ونطعييم الطعييام ونسييقي الخميير‬
‫فتسمع بنا العرب فل يزالون يهابوننا‪ ،‬ويقال كان أبو جهل وقتئذ‬
‫يبلغ من العمر سبعين سنة ولكنييه كييان ل يييزال قييوي الجسييم‪.‬‬
‫فلما بلغ أبا سفيان كلم أبييي جهييل قييال‪ :‬هييذا بغييي والبغييي‬
‫منقصة وشؤم لن القوم إنما خرجوا لنجاة أمييوالهم وقييد نجاهييا‬
‫الله‪ ،‬ولما قال أبو جهل ما قال رجع من قريش بنو زهرة وكانوا‬
‫نحو المائة وقيل‪ :‬ثلثمائة‪ ،‬فلذا قيل ليم يقتييل أحييد منهييم ببييدر‪،‬‬
‫وكان قائد بني زهرة الخنس بيين شييريق الثقفييي وكييان حليف يا ً‬
‫جى الله أموالكم وخلص لكييم‬
‫لهم‪ ،‬فقال لهم‪ :‬يا بني وهرة قد ن ّ‬
‫صاحبكم مخرمة بيين نوفييل فييإنه كييان فييي العييير وإنمييا نفرتييم‬
‫لتمنعوه وماله فارجعوا فإنه ل حاجة لكييم أن تخرجييوا فييي غييير‬
‫منفعة‪ ،‬دعوا ما يقول هذا‪ ،‬يعني أبا جهل‪ ،‬وكذلك لم يخييرج ميين‬
‫قريش بنو عدي بن كعب فلم يشهد بييدرا ً ميين هيياتين القبيلييتين‬
‫أحييييد‪ ،‬لكيييين هييييذا الخلف لييييم يمنييييع نشييييوب الحييييرب‪.‬‬
‫مسيييييييييييير الجيشيييييييييييين ونيييييييييييزول المطييييييييييير‬
‫مضييت قريييش حييتى نزلييت بالعييدوة القصييوى ميين الييوادي‪.‬‬
‫ونزل المسلمون على كثيب أعفر تسوخ فيه القدام وحوافر‬
‫الدواب‪ ،‬وسبقهم المشييركون إلييى ميياء بييدر فييأحرزوه وحفييروا‬
‫القُلب لنفسهم ليجعلوا فيها الماء ميين البييار المعينيية فيشييربوا‬
‫منهييييييييييييييييييييا ويسييييييييييييييييييييقوا دوابهييييييييييييييييييييم‪.‬‬
‫وأدرك المسييلمون النعيياس وأصييبحوا ل يصييلون إلييى الميياء‬
‫للشرب والغسل والوضوء‪ ،‬فأرسل الله عليهم مطرا ً سيال منييه‬
‫الوادي فشرب المسلمون واتخذوا الحياض على عييدوة الييوادي‬
‫واغتسييلوا وتوضييأوا وسييقوا الركيياب وملوا السييقية وأطفييأت‬
‫المطر الغبار ولبد الرض حييتى ثبتييت عليهييم القييدام والحييوافر‬
‫وضر ذلك بالمشركين لكون أرضهم كانت سييهلة لينيية وأصييابهم‬
‫ما ل يقدرون معه على الرتحال وقد أشار الله سبحانه وتعييالى‬
‫َ‬
‫ه وَي ُن َيّز ُ‬
‫إلى ذلك بقوله‪} :‬إ ِذ ْ ي ُغَ ّ‬
‫ل عَل َي ْك ُييم‬
‫من َي ً‬
‫من ْي ُ‬
‫ة ّ‬
‫سأ َ‬
‫شيك ُ ُ‬
‫م الن ّعَييا َ‬
‫َ‬
‫جيَز ال ّ‬
‫ن‬
‫ب َ‬
‫م رِ ْ‬
‫م ب ِيهِ وَي ُيذ ْهِ َ‬
‫ميين ال ّ‬
‫عنك ُي ْ‬
‫مييآء ل ّي ُط َهَّرك ُي ْ‬
‫مآء َ‬
‫سي َ‬
‫ّ‬
‫شيي ْط ِ‬
‫وَل ِي َْرِبيي َ‬
‫م{ )النفييال‪.(11 :‬‬
‫ت ِبييهِ ال ْْقيي َ‬
‫دا َ‬
‫م وَي ُث َّبيي َ‬
‫ط عََلييى قُُلييوب ِك ُ ْ‬

‫وبات رسول الله صلى الله عليييه وسييلم يييدعو ربييه‪ ،‬يصييلي‬
‫تحت شجرة ويكثر في سجوده‪» :‬يا حييي يييا قي ّييوم« يكييرر ذلييك‬
‫حييييييييييييييييييييييييييييييييييييتى أصييييييييييييييييييييييييييييييييييييبح‪.‬‬
‫قال علي رضي الله عنه فلما أن طلييع الفجيير نييادى رسييول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم للصلة ‪ -‬عباد الله ‪ -‬فجاء الناس ميين‬
‫تحت الشجرة والحجف فصلى بنا رسول اللييه صييلى اللييه عليييه‬
‫ض عليييييييى القتيييييييال‪.‬‬
‫وسيييييييلم ثيييييييم خطيييييييب وحييييييي ّ‬
‫بنييييييييييييياء حيييييييييييييوض عليييييييييييييى القلييييييييييييييب‬
‫قال ابن إسحاق‪ :‬خرج رسول اللييه صييلى اللييه عليييه وسييلم‬
‫يبادرهم إلى الماء حتى جاء أدنى ماء ميين بييدر فنييزل بييه فقييال‬
‫الحباب بن المنذر بن الجموح رضي الله عنه‪ :‬يا رسول الله هذا‬
‫منزل أنزلكه الله تعالى ل تتقيدمه ول تتييأخر عنيه أم هييو اليرأي‬
‫والحييرب والمكيييدة؟ فقييال‪» :‬بييل الييرأي والحييرب والمكيييدة«‪،‬‬
‫قال‪ :‬فإن هذا ليس بمنزل فانهض بالناس حتى تييأتي أدنييى ميياء‬
‫من القوم فإني أعرف غزارة مائه فننزل به ثم نغييور مييا وراءه‬
‫ميين القلييب ثييم نبنييي عليييه حوضييا ً فنملييؤه ميياء فنشييرب ول‬
‫يشربون‪ ،‬فقال صلى الله عليه وسلم »أشرت بالرأي«‪ ،‬فنهييض‬
‫صلى الله عليه وسلم ومن معه من الناس حتى أتى أدنييى ميياء‬
‫من القوم فنزل عليه ثم أمر بالقُلب فغورت وبنى حوضييا ً علييى‬
‫القليب الذي نزل عليه فملىء ماء ثم قذفوا فيه النية وقد كان‬
‫الحباب خبيرا ً بالبار في تلك الجهة‪ ،‬وقد قبل رسول اللييه صييلى‬
‫الله عليه وسلم مشورته وهي فكرة سييديدة لهييا أهمييية حربييية‬
‫فإن الجيش يكون على اتصييال دائم بالميياء الييذي ل غنييى عنييه‪،‬‬
‫ومييييييين ييييييييومئذ قييييييييل للحبييييييياب‪» :‬ذو اليييييييرأي«‪.‬‬
‫بنييييييييييييييييييييييييييييييييياء العرييييييييييييييييييييييييييييييييييش‬
‫وبعد ذلك قال سعد بن معاذ رضي الله عنه‪ :‬يييا رسييول اللييه‬
‫أل نبني لك عريشا ً تكون فيه ونعد عندك ركائبك ثم نلقي عدونا‬
‫فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا وإن كانت‬
‫الخرى‪ ،‬جلست على ركائبك فلحقييت بميين وراءنييا فقييد تخلييف‬
‫عنك أقوام يا نبي الله ما نحن بأشد لك حبا ً منهم ولو ظنوا أنييك‬

‫تلقى حربا ً لما تخلفوا عنك إنما ظنوا أنها العير يمنعك اللييه بهييم‬
‫يناصحونك ويجاهدون معك فأثنى عليه صييلى اللييه عليييه وسييلم‬
‫خيرا ً ودعا له الخير وقال‪» :‬يقضي الله خيرا ً من ذلك يا سييعد«‪،‬‬
‫ي له العريش فوق ت ّ‬
‫ل مشرف على المعركة فدخله النييبي‬
‫ثم ب ُن ِ َ‬
‫صلى الله عليه وسلم وأبو بكيير الصييديق وقييام سييعد بيين معيياذ‬
‫متوشييييييييييييييييييييييييييييييييحا ً بالسيييييييييييييييييييييييييييييييييف‪.‬‬
‫ي رضييي اللييه عنييه أنييه قييال‪ :‬أخييبروني ميين أشييجع‬
‫وعن عل ّ‬
‫الناس؟ قالوا‪ :‬أنت‪ ،‬قال‪ :‬أشجع الناس أبو بكر رضييي اللييه عنييه‬
‫لما كان يوم بييدر جعلنييا لرسييول اللييه صييلى اللييه عليييه وسييلم‬
‫عريشا ً فقلنا‪ :‬من يكون مع رسول الله صلى اللييه عليييه وسييلم‬
‫لئل يهوي إليه أحد من المشركين؟ فكان أبو بكر رضي الله عنه‬
‫مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فوالله ما دنا منييه أحييد إل‬
‫وأبو بكر رضي الله عنه شاهر بالسيف علييى رأس رسييول اللييه‬
‫صلى الله عليه وسلم ل يهوي أحد إليييه إل أهييوى إليييه أبييو بكيير‬
‫رضي الله عنه‪ ،‬وجاء أنه لما التحم القتال وقف أيضا ً على بيياب‬
‫العريش سعد بن معاذ رضييي اللييه عنييه وجماعيية ميين النصييار‪،‬‬
‫والعريش شيء يشبه الخيمة يستظل به وكان ميين جريييد‪ ،‬قييال‬
‫السيد السييمهودي‪ :‬ومكييان ‪ -‬العريييش ‪ -‬عنييد مسييجد بييدر وهييو‬
‫معييييييروف عنييييييد النخيييييييل والعييييييين قريبيييييية منييييييه‪.‬‬
‫عتبيييييية بيييييين ربيعيييييية ينصييييييح قريشييييييا ً بييييييالرجوع‬
‫تقدم قبل ذلك أن أبا سفيان كان من رأيه الرجوع لنجاة عير‬
‫قريش وأموالها وأن أبا جهل كييان مصييمما ً علييى الحييرب‪ ،‬فلمييا‬
‫اطمأنت قريش بالجهة التي نزلوا فيها أرسلوا عمييير بيين وهييب‬
‫الجمحي يستطلع‪ ،‬فجال بفرسه حول عسكر النييبي صييلى اللييه‬
‫عليه وسلم فوجد أنهم يبلغون ثلثمائة رجل يزيدون أو ينقصون‬
‫وقال لهم‪ :‬لقد رأيت يا معشر قريش البليا تحمل المنايا‪ ،‬رجال‬
‫يييثرب تحمييل المييوت النيياقع‪ ،‬أل ترونهييم خرسييا ً ل يتكلمييون‬
‫يتلمظون تلمظ الفاعي ل يريدون أن يقبليوا إليى أهليهيم‪ ،‬زرق‬
‫العيون كأنهم الحصييى تحييت الجحييف قييوم ليييس لهييم منعيية إل‬
‫سيوفهم‪ ،‬والليه ميا نيرى أن نقتيل منهيم رجل ً حيي يقتيل رجيل‬
‫منكم فإذا أصابوا منكم عدادهم فما خير العيش بعد ذلييك فييروا‬

‫رأيكم‪ ،‬فلما سمع حكيم بن حزام ذلك مشى فييي النيياس فييأتى‬
‫عتبة بن ربيعة‪ ،‬فقال‪ :‬يا أبييا الوليييد إنييك كييبير قريييش والمطيياع‬
‫فيها هل لك أن تذكر بخير إلى آخر الييدهر؟ فقييال‪ :‬ومييا ذاك يييا‬
‫حكيم؟ قال‪ :‬ترجع بالناس‪ ،‬فقام عتبة خطيبًا‪ ،‬فقييال‪ :‬يييا معشيير‬
‫قريش والله ما تصنعون شيئا ً أن تلقييوا محمييدا ً وأصييحابه واللييه‬
‫لئن أصبتموه ل يزال الرجل ينظر في وجييه رجييل يكييره النظيير‬
‫إليه قد قتل ابن عمه أو ابن خاله أو رجل ً من عشيرته‪ ،‬فارجعوا‬
‫وخلوا بين محميد وسيائر العيرب فيإن أصيابه غيركيم فيذاك إذا‬
‫أردتم وإن كان غير ذلك ألفاكم ولم تعدموا منه مييا تريييدون‪ ،‬يييا‬
‫قوم اعصييبوها اليييوم برأسييي ‪ -‬أي اجعلوهييا عييارا ً متعلقيا ً بييي ‪-‬‬
‫وقوليييوا جبييين عتبييية وأنتيييم تعلميييون أنيييي لسيييت بيييأجبنكم‪.‬‬
‫فلما بلغ أبا جهل هذا الكلم عن عتبة رماه بييالجبن‪ ،‬وقييال‪- :‬‬
‫والله ل نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد ‪ -‬فأفسد َ أبو جهل‬
‫علييى النيياس رأي عتبيية وتشييبث بضييرورة قتييال المسييلمين‪.‬‬
‫تعديل صفوف المسلمين ودعاء رسول الله صلى الليه علييه‬
‫وسيييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييلم‬
‫لما أصبح المسييلمون‪ ،‬عييدل النييبي صييلى اللييه عليييه وسييلم‬
‫صفوف أصحابه وأقبلت قرييش ورآهيا صيلى الليه علييه وسيلم‬
‫فقييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييال‪:‬‬
‫»اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلئها وفخرها تحاّدك وتك ّ‬
‫ذب‬
‫رسيييييييولك‪ ،‬اللهيييييييم فنصيييييييرك اليييييييذي وعيييييييدتني«‪.‬‬
‫اقتحيييييييييييييييييييييييييييييييام الحيييييييييييييييييييييييييييييييوض‬
‫خرج السود المخزومي وكان شرسا ً س يّيىء الخلييق‪ ،‬فقييال‪:‬‬
‫ن دونييه‪،‬‬
‫أعاهد الله لشييربن ميين حوضييهم أو لهييدمّنه أو لمييوت ّ‬
‫فلما أقبل قصده حمزة بن عبد المطلييب رضييي اللييه عنييه عنييه‬
‫فضربه دون الحوض فوقع على ظهره تشخب ‪ -‬تسيييل ‪ -‬رجلييه‬
‫دما ً ثم اقتحم الحييوض زاعم يا ً أن تييبّر يمينييه فقتلييه حمييزة فييي‬
‫الحوض‪ ،‬والسود هذا هو السود بن عبد السد المخزومييي أخييو‬
‫عبد الله بن عبد السد المخزومي رضي الله عنه زوج أم سلمة‬
‫رضي الله عنها‪ ،‬وهو أول قتيل ُقتل يوم بدر من المشركين وهو‬

‫أول من يأخذ كتابه بشماله يوم القيامة‪ ،‬وأما أخوه عبد الله بيين‬
‫عبد السد فهو أول من يأخييذ كتييابه بيمينييه كمييا جيياء ذلييك فييي‬
‫أحيييييييييييييييييييييييييييييييياديث متعييييييييييييييييييييييييييييييييددة‪.‬‬
‫المبيييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييارزة‬
‫التمس عتبة بن ربيعة بيضة‪ ،‬أي خوذة يدخلها في رأسه‪ ،‬فما‬
‫وجد في الجيش بيضة تسع رأسه لعظمها فتعمم ببرد له وخرج‬
‫بعد أن تعمم بين أخيه شيبة بن ربيعة وابنه الوليد بن عتبة حتى‬
‫انفصل ميين الصييف ودعييا إلييى المبييارزة فخييرج إليييه فتييية ميين‬
‫النصار وهم عوف ومعاذ ابنا الحارث النصاريان وعبد اللييه بيين‬
‫رواحيية النصيياري‪ ،‬فقييالوا لهييم‪ :‬ميين أنتييم؟ قييالوا‪ :‬رهييط ميين‬
‫النصار‪ ،‬قالوا‪ :‬ما لنييا بكييم ميين حاجيية إنمييا نريييد قومنييا ونييادى‬
‫مناديهم‪ :‬يا محمد أخييرج إلينييا أكفاءنييا ميين قومنييا‪ ،‬فنيياداهم‪ :‬أن‬
‫ارجعوا إلى مصافكم وليقم إليهم بنو عمهم‪ ،‬ثم قال صييلى اللييه‬
‫عليه وسلم »قم ييا عبييدة بين الحيارث‪ ،‬قيم ييا حميزة‪ ،‬قيم ييا‬
‫ي«‪ .‬فبارز عبيدة ‪ -‬وكان أسن المسلمين ‪ -‬عتبة وكييان أسيين‬
‫عل ّ‬
‫ي الوليييد بيين عتبيية‪ ،‬فقتييل‬
‫الثلثة‪ ،‬وبارز حمزة شيبة‪ ،‬وبييارز علي ّ‬
‫ي الوليد واختلف عبيدة وعتبية ضيربتين كلهميا‬
‫حمزة شيبة وعل ّ‬
‫ي بأسيافهما على عتبة فذففا عليه‬
‫أثبت صاحبه‪ ،‬وكر حمزة وعل ّ‬
‫واحتمل عبيدة فحاذياه إلى أصحابه‪ ،‬وكانت الضربة التي أصابت‬
‫ما رجعييوا بالصييفراء‪ ،‬قيييل‪ :‬وهييذه‬
‫عبيدة في ركبته فمات منها ل ّ‬
‫المبيييييييارزة أول مبيييييييارزة وقعيييييييت فيييييييي السيييييييلم‪.‬‬
‫تعييييديل صييييفوف المسييييلمين والحييييث علييييى الجهيييياد‬
‫قال ابن إسحاق‪ :‬لما قتل المبارزون خييرج صييلى اللييه عليييه‬
‫وسلم من العريش لتعديل الصفوف فعدلهم بقدح في يده فمر‬
‫صلى الله عليه وسلم بسواد بن غزية حليف النجييار وهييو خييارج‬
‫من الصف فطعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فييي بطنييه‬
‫بالقدح وقال‪» :‬استو يا سواد«‪ ،‬فقال‪ :‬يا رسول اللييه أوجعتنييي‪،‬‬
‫وقيد بعثيك الليه بيالحق والعيدل فأقيدني مين نفسيك‪ ،‬فكشيف‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسيلم عين بطنيه وقيال‪» :‬اسيتقد«‬

‫فاعتنق سواد النبي صلى الله عليه وسييلم وقبييل بطنييه‪ ،‬فقييال‪:‬‬
‫»ما حملك على هذا يا سواد«؟ فقال‪ :‬يا رسول اللييه حضيير مييا‬
‫ترى‪ ،‬فأردت أن يكون آخر العهييد بييك أن يمييس جلييدي جلييدك‪،‬‬
‫فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسييلم بخييير ثييم لمييا عييدل‬
‫الصفوف قال لهم‪» :‬إن دنا القوم منكييم فانضييحوهم واسييتبقوا‬
‫نبلكم ول تسلوا السيوف حتى يغشوكم« وخطبهم خطبة حثهييم‬
‫فيها على الجهاد والمصابرة ثم عاد إلى العريييش فييدخله ومعييه‬
‫أبو بكر ليس معه غيره وسعد بن معاذ قائم على باب العريييش‬
‫موشييح بسيييفه مييع نفيير ميين النصييار يحرسييون رسييول اللييه‬
‫ويخيييييييييييييافون علييييييييييييييه كيييييييييييييرة العيييييييييييييدو‪.‬‬
‫ألويييييييييييييييية المسيييييييييييييييلمين والمشيييييييييييييييركين‬
‫كان لواء رسول الله العظم ‪ -‬لواء المهاجرين ‪ -‬مع مصييعب‬
‫بن عمير ولواء الخزرج مع الحباب بن المنييذر ولييواء الوس مييع‬
‫سعد بن معاذ‪ ،‬وجعل رسول الله صلى الله عليييه وسييلم شييعار‬
‫المهاجرين‪» :‬يا بني عبد الرحميين«‪ ،‬وشييعار الخييزرج‪» :‬يييا بنييي‬
‫عبد الله«‪ ،‬وشعار الوس‪» :‬يا بني عبيد الله«‪ ،‬ويقال‪ :‬بييل كييان‬
‫شيييعار المسيييلمين جميعيييا ً ييييومئذ‪» :‬ييييا منصيييور أميييت«‪.‬‬
‫وكان مع المشركين ثلثة ألوية‪ :‬لواء مع أبي عزيز بن عمير‪،‬‬
‫ولواء مع النضر بن الحييارث‪ ،‬ولييواء مييع طلحيية بيين أبييي طلحية‬
‫وكلهيييييييييييم مييييييييييين بنيييييييييييي عبيييييييييييد الليييييييييييه‪.‬‬
‫تزاحيييييييييييم النييييييييييياس والتحيييييييييييام القتيييييييييييال‬
‫بعد أن عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم تزاحف النيياس‬
‫ودنا بعضهم من بعض وأقبل نفر من قريش حتى وردوا حوضييه‬
‫صلى الله عليه وسلم فقال‪» :‬دعييوهم« فمييا شييرب منييه رجييل‬
‫يومئذ إل قتل إل حكيم بن حزام فييإنه أسييلم وأمير رسيول الليه‬
‫صييلى اللييه عليييه وسييلم أن ل يحملييوا علييى المشييركين حييتى‬
‫يأمرهم وكان صلى الله عليه وسلم قد أخييذته سيينة ميين النييوم‬
‫فاستيقظ وقد أراه الله إييياهم فييي منييامه قليل ً فييأخبر أصييحابه‬
‫فكان تثبيتا ً لهم‪ ،‬ثم خيرج رسيول الليه صيلى الليه علييه وسيلم‬
‫يحرض المؤمنين وأخذ حفنة من الحصباء فاسييتقبل بهييا قريشيا ً‬

‫وقال‪» :‬شاهت الوجوه« ‪ -‬أي قبحت الوجوه ‪ -‬ونفحهييم بهييا ثييم‬
‫أمييييير أصيييييحابه فقيييييال‪» :‬شيييييدوا« فكيييييانت الهزيمييييية‪.‬‬
‫عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسييول اللييه صييلى اللييه‬
‫عليه وسلم قال وهو في العريش يوم بدر‪» :‬اللهم إني أنشييدك‬
‫عهدك ووعدك‪ ،‬اللهم إن تهليك هيذه العصيابة الييوم فل ُتعبيد«‪،‬‬
‫وفي رواية‪» :‬إن تهلك هذه العصابة من أهييل اليمييان اليييوم فل‬
‫ُتعبيييييييييييييييييييييييييييييييد فيييييييييييييييييييييييييييييييي الرض«‪.‬‬
‫ي بن أبي طييالب رضييي اللييه‬
‫وروى النسائي والحاكم عن عل ّ‬
‫عنه قال‪ :‬قاتلت يوم بدر شيئا ً من قتييال‪ ،‬ثييم جئت لستكشيياف‬
‫حال النبي صلى الله عليه وسييلم فييإذا رسييول اللييه صييلى اللييه‬
‫عليه وسلم يقول في سجوده‪» :‬يا حي يييا قي ّييوم« ل يزيييد علييى‬
‫ذلك فرجعت فقاتلت ثم جئته فوجييدته كييذلك‪ ،‬فعييل ذلييك أربييع‬
‫مرات وقال في الرابعة ففتح عليه‪ ،‬وهذا يدل علييى عظييم هييذا‬
‫السيييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييم‪.‬‬
‫لمييا رمييى رسييول اللييه المشييركين بالحصييا‪ ،‬لييم يبييق ميين‬
‫المشركين رجل إل امتلت عينه وأنفه وفمه ل يدري أين يتييوجه‬
‫يعالج التراب لينزعه ميين عينيييه فييانهزموا وردفهييم المسييلمون‬
‫ت‬
‫مي ْ َ‬
‫ما َر َ‬
‫يقتلون ويأسرون‪ ،‬وإلى هذا أشار الله تعالى بقوله‪} :‬وَ َ‬
‫مى{ )النفال‪ ،(17 :‬وهذه إحدى معجزات‬
‫ه َر َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫مي ْ َ‬
‫إ ِذ ْ َر َ‬
‫ت وَل َك ِ ّ‬
‫رسيييييييول الليييييييه صيييييييلى الليييييييه علييييييييه وسيييييييلم‬
‫م‬
‫س يي ُهَْز ُ‬
‫خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول‪َ } :‬‬
‫ن الد ّب َُر{ )القمر‪ ،(45 :‬وقال‪» :‬والذي نفس محمييد‬
‫معُ وَي ُوَّلو َ‬
‫ال ْ َ‬
‫ج ْ‬
‫بيده ل يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا ً محتسبا ً مقبل ً غير مييدبر‬
‫إل أدخله الله الجنة«‪ ،‬فقال عمير بن الحمام النصيياري ‪ -‬وبيييده‬
‫تمرات يأكلهن ‪» :-‬بخ بخ مييا بينييي وبييين أن أدخييل الجنيية إل أن‬
‫يقتلني هؤلء«‪ ،‬ثم ألقييى التمييرات ميين يييده وقاتييل حييتى ُقتييل‪،‬‬
‫جع مولى عمر بيين الخطيياب بسييهم فقتييل فكييان أول‬
‫وُرمي ِ‬
‫مه ْ َ‬
‫مي حارثة بن سراقة النصاري فُقتييل‪ ،‬وقاتييل عييوف‬
‫قتيل‪ ،‬ثم ُر ِ‬
‫بيين عفييراء حييتى قتييل‪ ،‬واقتتييل النيياس اقتتييال ً شييديدا ً فييانهزم‬
‫المشركون فقتل من ُقتل منهم وأسر من أسر‪ ،‬كان بدء القتال‬
‫في الصباح‪ ،‬وكانت الهزيمة في الظهر‪ ،‬وبلييغ عييدد القتلييى ميين‬
‫المشركين سبعين والسرى أربعية وسييبعين وعييدد القتلييى ميين‬

‫المسييلمين أربعيية عشيير‪ :‬سييتة ميين المهيياجرين وثمانييية ميين‬
‫النصييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييار‪.‬‬
‫ديق ابنييه عبييد الرحميين إلييى‬
‫وفي يوم بدر دعا أبو بكيير الص ي ّ‬
‫المبارزة وكان أسن أولده فقال له النبي صلى الله عليه وسلم‬
‫»متعنا بنفسك أما علمت أنك مني بمنزلة سمعي وبصري«‪ ،‬ثم‬
‫أسلم عبد الرحمن في هدنة الحديبية وكان اسمه قبييل السييلم‬
‫عبد الكعبة وقيل‪ :‬عبد العزى فسييماه رسييول اللييه عبييدالرحمن‬
‫وكيييييييييان مييييييييين أشيييييييييجع قرييييييييييش وأرمييييييييياهم‪.‬‬
‫وقتيييل أبيييو عبييييدة بييين الجيييراح أبييياه وكيييان مشيييركًا‪.‬‬
‫قتل بل ٌ‬
‫ل أمية بن خلييف الجمحييي صييديق عبييد الرحميين بيين‬
‫عوف في الجاهلية لنه كان يعذبه بمكة على أن يترك السييلم‪،‬‬
‫وكان ابن عفراء ضرب أبا جهل حتى أثبتييه وقطييع ابيين الجمييوح‬
‫رجله‪ ،‬فلما أمر رسول الله صلى الله عليييه وسييلم النيياس بييأن‬
‫يلتمسوا أبا جهل في القتلى خرج معهييم عبييد اللييه بيين مسييعود‬
‫فوجده وهو بيآخر رمييق‪ ،‬فوضييع رجليه عليى عنقيه وحيز رأسيه‬
‫وحمل رأسه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم إن النبي‬
‫صلى الله عليه وسلم بعد إلقاء الرأس بييين يييديه خييرج يمشييي‬
‫مع ابن مسعود حتى أوقفه على أبييي جهييل‪ ،‬فقييال‪ :‬الحمييد للييه‬
‫الذي أخزاك يا عدو رسول اللييه‪ ،‬هييذا كييان فرعييون هييذه الميية‬
‫ورأس قاعدة الكفيير‪ ،‬قييال ابيين مسييعود‪ :‬ونفلنييي سيييفه وكييان‬
‫قصييييييرا ً عريضيييييا ً فييييييه قبيييييائع فضييييية وحليييييق فضييييية‪.‬‬
‫إمييييييييداد المسييييييييلمين بالملئكيييييييية يييييييييوم بييييييييدر‬
‫وردت اليات والحاديث على أن الله تعييالى أمييد المسييلمين‬
‫بالملئكة يوم بدر فقاتلوا معهم‪ ،‬فلما انقضى أمر بدر أنزل اللييه‬
‫مييا أنييزل خاصيا ً‬
‫عييز وجييل فيييه ميين القييرآن سييورة النفييال فم ّ‬
‫َ‬
‫م أن ّييي‬
‫جا َ‬
‫سيت َ َ‬
‫ست َِغيُثو َ‬
‫م َفا ْ‬
‫بالملئكة قوله تعالى‪} :‬إ ِذ ْ ت َ ْ‬
‫ب ل َك ُي ْ‬
‫ن َرب ّك ُ ْ‬
‫َ‬
‫ه إ ِل ّ ب ُ ْ‬
‫ش يَرى‬
‫م ِ‬
‫مييا َ‬
‫م ب ِأل ْ ٍ‬
‫ه الل ّي ُ‬
‫جعَل َي ُ‬
‫ن وَ َ‬
‫مل َئ ِك َيةِ ُ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ف ّ‬
‫مد ّك ُ ْ‬
‫ُ‬
‫مْردِِفي ي َ‬
‫مي َ‬
‫زي يٌز‬
‫ن ِ‬
‫صُر إ ِل ّ ِ‬
‫عن يدِ الل ّيهِ إ ِ ّ‬
‫ن الل ّي َ‬
‫م وَ َ‬
‫ن ب ِهِ قُُلوب ُك ُ ْ‬
‫وَل ِت َط ْ َ‬
‫ما الن ّ ْ‬
‫م ْ‬
‫مئ ِ ّ‬
‫ه عَ ِ‬
‫م{ )النفييييييييييييييييييال‪،9 :‬يييييييييييييييييي ‪.(10‬‬
‫ح ِ‬
‫َ‬
‫كييييييييييييييييييي ٌ‬
‫َ‬
‫م فَث َب ّت ُييوا ْ‬
‫مع َ ُ‬
‫حى َرب ّ َ‬
‫وقوله تعالى‪} :‬إ ِذ ْ ُيو ِ‬
‫كيي ْ‬
‫مل َئ ِك َةِ أّني َ‬
‫ك إ َِلى ال ْ َ‬

‫ال ّذين ءامنوا ْ ُ‬
‫ضيرُِبوا ْ‬
‫ب ال ّي ِ‬
‫َ ُ‬
‫ب َفا ْ‬
‫ن ك ََفيُروا ْ الّرعْي َ‬
‫َ‬
‫سأل ِْقى ِفي قُُلو ِ‬
‫ذي َ‬
‫ِ َ‬
‫م ك ُييي ّ‬
‫ن{ )النفيييال‪.(12 :‬‬
‫ضيييرُِبوا ْ ِ‬
‫ق َوا ْ‬
‫من ْهُييي ْ‬
‫ل ب َن َيييا ٍ‬
‫فَيييوْقَ العْن َييي ِ‬
‫ه ب ِب َيد ٍْر‬
‫م الل ّي ُ‬
‫صَرك ُ ُ‬
‫وقال تعالى في سورة آل عمران‪} :‬وَل ََقد ْ ن َ َ‬
‫ل ل ِل ْم يؤْمِني َ‬
‫َ‬
‫ن إ ِذ ْ ت َُقييو ُ‬
‫م تَ ْ‬
‫ن‬
‫م أ َذِل ّ ٌ‬
‫ش يك ُُرو َ‬
‫ه ل َعَل ّك ُ ْ‬
‫ة َفات ُّقوا ْ الل ّ َ‬
‫وَأنت ُ ْ‬
‫ن أل َي ْ‬
‫ُ ِ َ‬
‫يك ْفيك ُ َ‬
‫ن ب َل َييى‬
‫م أن ي ُ ِ‬
‫م ب ِث َل َث َةِ ءال َ ٍ‬
‫مل َئ ِك َيةِ ُ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ف ّ‬
‫م َرب ّك ُ ْ‬
‫مد ّك ُ ْ‬
‫َ ِ ْ‬
‫منَزِليي َ‬
‫مي َ‬
‫ْ‬
‫م هَ َ‬
‫ة‬
‫م بِ َ‬
‫س ِ‬
‫م َ‬
‫خ ْ‬
‫م َرب ّك ُ ْ‬
‫مدِد ْك ُ ْ‬
‫ذا ي ُ ْ‬
‫من فَوْرِهِ ْ‬
‫م ّ‬
‫صب ُِروا ْ وَت َت ُّقوا ْ وَي َأُتوك ُ ْ‬
‫ِإن ت َ ْ‬
‫ه إ ِل ّ ب ُ ْ‬
‫م‬
‫س يو ّ ِ‬
‫مييا َ‬
‫ءال ٍ‬
‫م َ‬
‫ش يَرى ل َك ُي ْ‬
‫ه الل ّي ُ‬
‫جعَل َي ُ‬
‫ن وَ َ‬
‫مل َئ ِك َيةِ ُ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ف ّ‬
‫مي َ‬
‫مي َ‬
‫م{‬
‫ن ِ‬
‫ح ِ‬
‫صُر إ ِل ّ ِ‬
‫زيزِ ال ْ َ‬
‫م ب ِهِ وَ َ‬
‫ن قُُلوب ُك ُ ْ‬
‫وَل ِت َط ْ َ‬
‫ما الن ّ ْ‬
‫م ْ‬
‫مئ ِ ّ‬
‫عندِ الل ّهِ ال ْعَ ِ‬
‫كي ي ِ‬
‫‪.(126‬‬
‫‬‫)آل عميييييييييييييييييران‪123 :‬‬
‫وجاء في صحيح البخاري عن ابن عبيياس رضييي اللييه عنهمييا‬
‫قال‪ :‬قال النبي صلى الله عليه وسييلم يييوم بييدر‪» :‬هييذا جبريييل‬
‫آخييييييييذ بييييييييرأس فرسييييييييه عليييييييييه أداة الحييييييييرب«‪.‬‬
‫إن إمداد المسلمين بالملئكة من معجزات رسول الله الييتي‬
‫نييييص عليهييييا القييييرآن الكريييييم ول سييييبيل إلييييى إنكارهييييا‪.‬‬
‫ُرِوي عن سهل بن حنيف عن أبيه رضي الله عنييه قييال‪ :‬لقييد‬
‫رأيتنا يوم بدر وإن أحدنا ليشير بسيفه إلى المشرك فيقع رأسه‬
‫عيييييين جسييييييده قبييييييل أن يصييييييل إليييييييه السيييييييف‪.‬‬
‫سييييييييييييييما الملئكييييييييييييية ييييييييييييييوم بيييييييييييييدر‬
‫كانت سيما الملئكة يوم بدر عمائم بيضا ً قد أرسييلوها خلييف‬
‫ظهورهم إل جبريل عليه السلم فإنه كان عليه عماميية صييفراء‪،‬‬
‫وقيل‪ :‬حمراء‪ ،‬وقيل‪ :‬بعض الملئكة كانوا بعمائم صفر‪ ،‬وبعضهم‬
‫بعمييائم بيييض‪ ،‬وبعضييهم بعمييائم سيود‪ ،‬وبعضييهم بعمييائم حميير‪.‬‬
‫وعن ابن مسعود رضي الله عنه‪ :‬كانت سيييما الملئكيية يييوم‬
‫بييدر عمييائم قييد أرخوهييا بييين أكتييافهم خضييرا ً وصييفرا ً وحمييرًا‪.‬‬
‫وكان الزبير بيين العييوام رضييي اللييه عنييه يييوم بييدر متعمم يا ً‬
‫بعمامييية صيييفراء‪ ،‬وكيييانت خييييل الملئكييية بلقيييا ً مسيييومة‪.‬‬
‫وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن الغمام الذي ظلل بنييي‬
‫إسييرائيل فييي الييتيه هييو الييذي جيياءت فيييه الملئكيية يييوم بييدر‪.‬‬
‫إلقييييييييييييياء القتليييييييييييييى فيييييييييييييي القلييييييييييييييب‬

‫أميير رسييول اللييه صييلى اللييه عليييه وسييلم بييالقتلى ميين‬
‫المشركين أن ينقلوا ميين مصييارعهم وأن يطرحييوا فييي القليييب‬
‫فطرحوا فيه إل ما كان من أمية بن خلف فإنه انتفخ فييي درعييه‬
‫فمله فذهبوا ليحركوه فتقطعت أوصيياله فييألقوا عليييه مييا غيبييه‬
‫من التراب والحجارة‪ ،‬والسبب في إلقاء قتلييى المشيركين فيي‬
‫القليب كثرة جيفهم‪ ،‬فكان جرهم إلى القليب أيسر من دفنهييم‪.‬‬
‫ثم جاء رسول الله صلى الله عليه وسييلم حييتى وقييف علييى‬
‫شفير القليب بعد ثلثة أيام من إلقائهم فيه وكان ذلك ليل ً ومعه‬
‫أصحابه وقال‪» :‬يا أهل القليب بئس عشيرة النبي كنتم‪ ،‬أمنتكم‬
‫فكذبتموني وصدقني الناس‪ ،‬ثم قال‪ :‬يا عتبة‪ ،‬يا شيييبة‪ ،‬يييا أمييية‬
‫بن خلف‪ ،‬يا أبا جهل بن هشام ‪ -‬وعدد ميين كييان فييي القليييب ‪-‬‬
‫هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا ً فييإني وجييدت مييا وعييدني ربييي‬
‫حقًا؟« فقال عمر رضي الليه عنيه‪ :‬ييا رسيول الليه كييف ُتكليم‬
‫أجسادا ً ل أرواح فيها؟ فقال‪» :‬ما أنتم بأسييمع لمييا أقييول منهييم‬
‫ولكنهيييييييييييييم ل يسيييييييييييييتطيعون أن يجيبيييييييييييييوني«‪.‬‬
‫السييييييييييييييييييييييييييييييرى وفييييييييييييييييييييييييييييييداؤهم‬
‫كان فداء السرى أربعة آلف إلى ما دون ذلك‪ ،‬فكان يفييادي‬
‫بهم على قدر أموالهم‪ .‬وكان أهل مكة يكتبون وأهييل المدينيية ل‬
‫يكتبون فمن لم يكن له فداء دفع إليه عشرة غلمان من غلمييان‬
‫المدينة فعلمهم فإذا حذقوا فهو فداؤه‪ ،‬فكان زيد بن ثابت ممن‬
‫علييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييم‪.‬‬
‫وكان من بين السرى العبيياس عييم النييبي صييلى اللييه عليييه‬
‫وسلم وصنو أبيه يكنى أبا الفضل بابنه الفضل‪ ،‬وكان أسيين ميين‬
‫رسول الله بسيينتين‪ ،‬وقيييل‪ :‬بثلث سيينين‪ ،‬وكييان فييي الجاهلييية‬
‫رئيسا ً في قريش وإليه كانت عمارة المسجد الحرام والسييقاية‬
‫ُ‬
‫سيير و ُ‬
‫ش يد ّ وثيياقه‬
‫في الجاهلية‪ ،‬خرج مع المشركين يييوم بييدر فأ ِ‬
‫فسهر النبي صلى الله عليه وسلم تلك الليلة ولم ينم‪ ،‬فقال لييه‬
‫بعض أصحابه‪ :‬ما يسييهرك يييا نييبي اللييه؟ فقييال‪» :‬أسييهر لنييين‬
‫العباس« فقام رجل من القوم فأرخى وثيياقه فقييال لييه رسييول‬
‫الله صلى الله عليييه وسييلم »مييا لييي ل أسييمع أنييين العبيياس«‪،‬‬
‫فقال الرجل‪ :‬أنا أرخيت من وثاقه‪ ،‬فقال رسول الله صلى اللييه‬

‫عليه وسلم »فافعل ذلك بالسرى كلهم«‪ ،‬قال لييه رسييول اللييه‬
‫صلى الله عليه وسلم »افد نفسك يا عباس وابني أخويك عقيل‬
‫بن أبي طالب ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب وحليفك عتبة‬
‫بن عمرو بمائة أوقية وكل واحد بييأربعين أوقييية«‪ ،‬فقييال للنييبي‬
‫صلى الله عليه وسلم تركتني فقير قريش مييا بقيييت‪ ،‬فقييال لييه‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم »فأين المال الذي دفعتييه لم‬
‫ي الفضييل وعبييد اللييه‬
‫الفضييل وقلييت لهييا إن أصييبت فهييذا لبن ي ّ‬
‫وقثم؟«‪ ،‬فقال‪ :‬والله إني أشهد أنك رسول الله‪ ،‬إن هييذا شيييء‬
‫ما علمه إل أنا وأم الفضل‪ ،‬أشهد أن ل إله إل اللييه وأنييك عبييده‬
‫ورسييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييوله‪.‬‬
‫وفي رواية قال للنبي صلى الله عليييه وسييلم »لقييد تركتنييي‬
‫فقير قريش ما بقيت«‪ ،‬فقال له‪» :‬كيف تكون فقير قريش وقد‬
‫استودعت بنييادق الييذهب أم الفضييل ‪ -‬زوجتييه ‪ -‬وقلييت لهييا‪ :‬إن‬
‫قتلت فقد تركتك غنية ما بقيت«‪ ،‬فقال‪ :‬أشييهد أن الييذي تقييوله‬
‫قد كان ومييا اطلييع عليييه إل اللييه‪ ،‬ونطييق بالشييهادتين‪ ،‬بحضييرة‬
‫رسيييييييول الليييييييه صيييييييلى الليييييييه علييييييييه وسيييييييلم‬
‫وقد قيل‪ :‬إن العبيياس كييان قييد أسييلم‪ ،‬وكييان يكتييم إسييلمه‬
‫لديون له كييانت متفرقيية فييي قريييش‪ ،‬وكييان يخشييى إن أظهيير‬
‫إسلمه ضاعت عندهم‪ ،‬وقد جاء في بعض الروايات‪ :‬أن العباس‬
‫م يؤخذ منا الفداء وكنا مسلمين؟ وفييي‬
‫رضي الله عنه قال‪ :‬عل َ‬
‫رواية‪ :‬وكنييت مسييلما ً ولكيين القييوم اسييتكرهوني‪ ،‬فقييال النييبي‬
‫صلى الله عليه وسلم »الله أعلم بما تقول إن يك حقا ً فإن الله‬
‫يجزيك«‪ ،‬ولكن ظاهر أمييرك أنييك كنييت علينييا‪ ،‬وقييد أنييزل اللييه‬
‫َ‬
‫ميين فِييى‬
‫ى قُييل ل ّ َ‬
‫َتعالى في العباس رضي الله عنه‪} :‬ي َأي ّهَييا الن ّب ِي ّ‬
‫خْيييرا ً‬
‫دي ُ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫أي ْ ِ‬
‫ن ال ْ ْ‬
‫خْيرا ً ُيييؤْت ِك ُ ْ‬
‫ه ِفي قُُلوب ِك ُ ْ‬
‫سَرى ِإن ي َعْل َم ِ الل ّ ُ‬
‫كم ّ‬
‫م َ‬
‫م{ )النفييال‪،(70 :‬‬
‫ه غَُفييوٌر ّر ِ‬
‫مآ أ ُ ِ‬
‫خذ َ ِ‬
‫حيي ٌ‬
‫م َوالل ّي ُ‬
‫م وَي َغِْفْر ل َك ُي ْ‬
‫منك ُ ْ‬
‫م ّ‬
‫ّ‬
‫وعند نزول هذه الية قال العباس للنبي صلى الله عليييه وسييلم‬
‫وددت أنك كنت أخذت مني أضعاف ما أخذت‪ ،‬وقييد صييدق اللييه‬
‫وعده له فأعطاه الله مال ً عظيما ً حتى كان عنده مائة عبييد فييي‬
‫يد كل عبد مال يتجر فيه‪ ،‬وبلغ ما دفعته قريييش فييداء للسييرى‬
‫أكييييييييييييييييييثر ميييييييييييييييييين ‪ 20.000‬درهييييييييييييييييييم‪.‬‬

‫وكان من السرى‪ :‬النضر بن الحارث العبدري وكان من أشد‬
‫الناس عداوة للنييبي صييلى اللييه عليييه وسييلم وكييان يقييول فييي‬
‫القرآن إنه أساطير الولين‪ ،‬ويقول‪ :‬لو نشاء لقلنا مثل هذا وغير‬
‫ي بيين‬
‫ذلك من القاويل‪ .‬فأمر النبي صلى الله عليييه وسييلم عل ي ّ‬
‫أبي طالب رضي الله عنه فضرب عنقه‪ ،‬فلمييا بلييغ الخييبر أختييه‬
‫قتيلة‪ ،‬وقيل‪ :‬إنما هي بنته‪ ،‬رثته بأبيات ثم أسييلمت‪ ،‬فييي »أسييد‬
‫الغابة« أنها قتيلة بنت النضيير‪ ،‬قييال الواقييدي‪ :‬هييي الييتي قييالت‬
‫البيات التالية في رسول الله صلى الله عليييه وسييلم لمييا قتييل‬
‫أباهييييييا النضيييييير بيييييين الحييييييارث يييييييوم بييييييدر وهييييييي‪:‬‬
‫ييييييييييييييا راكبيييييييييييييا ً إن الثييييييييييييييل مظنييييييييييييية‬
‫مييييييييين صيييييييييبح خامسييييييييية وأنيييييييييت موفيييييييييق‬
‫أبليييييييييييغ بهيييييييييييا ميتيييييييييييا ً بيييييييييييأن تحيييييييييييية‬
‫ميييييييييا إن تيييييييييزا ُ‬
‫ق‬
‫ل بهيييييييييا النجيييييييييائب تخفييييييييي ُ‬
‫منييييييييييييي إليييييييييييييك وعييييييييييييبرة مسييييييييييييفوحة‬
‫جييييييييييييادت بواكفهييييييييييييا وأخييييييييييييرى تخنييييييييييييق‬
‫ظليييييييييت سييييييييييوف بنيييييييييي أبييييييييييه تنوشيييييييييه‬
‫لليييييييييييييه أرحيييييييييييييام هنييييييييييييياك تشيييييييييييييقق‬
‫قسيييييييييرا ً يقييييييييياد إليييييييييى المنيييييييييية معتبيييييييييا ً‬
‫رسيييييييييف المقّييييييييييد وهيييييييييو عيييييييييان موَثيييييييييق‬
‫أمحمييييييييييييد أو لسييييييييييييت صييييييييييييفوَ نجيبيييييييييييية‬
‫ل فحييييييييي ٌ‬
‫مييييييييين قومهيييييييييا والفحييييييييي ُ‬
‫رق‬
‫ل معييييييييي ِ‬
‫مييييييييا كييييييييان ضييييييييرك لييييييييو مننييييييييت وربمييييييييا‬
‫ن الفييييييييتى وهييييييييو المغيييييييييظ المحنييييييييق‬
‫ميييييييي ّ‬
‫فالنضيييييييير أقييييييييرب ميييييييين أسييييييييرت قرابيييييييية‬
‫وأحقهييييييييييييم إن كييييييييييييان عتييييييييييييق يعتييييييييييييق‬
‫وحين سمع ذليك صيلى الليه عليييه وسيلم بكيى وقيال‪» :‬لييو‬
‫بلغنيييييى هيييييذا الشيييييعر قبيييييل قتليييييه لمننيييييت علييييييه«‪.‬‬
‫وكان ميين السييرى أيضيا ً عقبيية بيين أبييي معيييط بيين ذكييوان‬
‫المكنى بَأبي عمرو بيين أمييية بيين عبييد شييمس وكييان ميين أشييد‬
‫الناس عداوة للنبي صلى الله عليه وسلم ومن المستهزئين به‪،‬‬
‫جاء عن ابن عباس أن عقبة لمييا قييدم للقتييل نييادى‪ :‬يييا معشيير‬
‫قريش ما لي ُأقتل بينكم صبرًا؟ فقال له النبي صلى اللييه عليييه‬

‫وسلم »بكفرك واجترائك على الله ورسييوله«‪ ،‬وعقبيية هييذا هييو‬
‫الذي وضع سل الجزور على ظهر النبي صلى اللييه عليييه وسييلم‬
‫وهيييييييييييييييييييييو سييييييييييييييييييييياجد بمكييييييييييييييييييييية‪.‬‬
‫فالنضر بيين الحييارث وعقبيية بيين أبييي معيييط همييا السيييران‬
‫اللذان أمر صلى الله علييه وسيلم بقتلهميا‪ ،‬أميا سيائر السيرى‬
‫فقد استشار رسول الله صييلى اللييه عليييه وسييلم فييي أمرهييم‪،‬‬
‫فاستشار أبا بكر وعمر وعلي ّا ً رضي الله عنهم فيمييا هييو الصييلح‬
‫مييييييييين المريييييييييين القتيييييييييل أو أخيييييييييذ الفيييييييييداء‪.‬‬
‫رأي أبييييي بكيييير رضييييي اللييييه عنييييه فييييي السييييرى‬
‫قال أبو بكر‪» :‬يا رسول الله‪ ،‬أهلييك وقومييك«‪ ،‬وفييي رواييية‪:‬‬
‫»هؤلء بنو العم والعشيرة والخوان قد أعطاك الله الظفر بهييم‬
‫ونصرك عليهم أرى أن تستبقيهم وتأخذ الفداء منهم فيكييون مييا‬
‫أخذنا منهم قيوة لنيا عليى الكفيار وعسيى الليه أن يهيديهم بيك‬
‫فيكونوا لنا عضدًا« وقد وافق الصحابة أبا بكر على أخذ الفييداء‪.‬‬
‫رأي عميير بيين الخطيياب رضييي اللييه عنييه قتييل السييرى‬
‫قال‪ :‬يا رسول الله قد كذبوك وأخرجوك وقاتلوك‪ ،‬ما أرى ما‬
‫رأى أبو بكر‪ ،‬ولكني أرى أن تمكنني ميين ‪ -‬فلن ‪ -‬قريييب لعميير‬
‫فأضرب عنقييه‪ ،‬وتمكيين علي ّيا ً ميين عقيييل أخيييه فيضييرب عنقييه‪،‬‬
‫وتمكن حمزة من أخيه العبيياس فيضييرب عنقييه حييتى ُيعليم أنيه‬
‫ليس في قلوبنا مودة للمشركين‪ ،‬ما أرى أن تكييون لييك أسييرى‬
‫فاضرب أعناقهم‪ ،‬هؤلء صناديدهم وأئمتهييم وقييادتهم‪ ،‬فييأعرض‬
‫عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقييال سييعد بيين معيياذ‪- :‬‬
‫ي مييين إبقييياء الرجيييال ‪.-‬‬
‫الثخيييان فيييي القتيييل أحيييب إلييي ّ‬
‫ي رضي الله عنه فلم يييذكر عنييه جييواب مييع أنييه أحييد‬
‫أما عل ّ‬
‫الثلثة المستشارين‪ ،‬قال العلمية الزرقياني لنيه لميا رأى تغّيير‬
‫المصطفى صلى الله عليييه وسييلم حييين اختلييف الشيييخان‪ ،‬لييم‬
‫يجيييييب أو ليييييم تظهييييير ليييييه مصيييييلحة حيييييتى ييييييذكرها‪.‬‬
‫وكان رأي عبد الله بن رواحة إحراقهم في واد كثير الحطب‪.‬‬
‫لكن رسول الله أخذ برأي أبي بكر رضييي اللييه عنييه‪ ،‬وقييال‪:‬‬
‫»ل يفلتيين أحييد منهييم إل بفييداء أو ضييرب عنييق«‪ ،‬وأنييزل اللييه‬

‫كون ل َه أ َ‬
‫ى َأن ي َ ُ‬
‫ما َ‬
‫ْ‬
‫ض‬
‫ر‬
‫ال‬
‫فييي‬
‫ن‬
‫خ‬
‫ث‬
‫ي‬
‫تى‬
‫ح‬
‫رى‬
‫س‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫كا َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫تعالى‪َ } :‬‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن ل ِن َب ِ ّ‬
‫ِ‬
‫م ل ّيوْل َ‬
‫ريد ُ ال ْ ِ‬
‫ح ِ‬
‫زي يٌز َ‬
‫ه يُ‬
‫دو َ‬
‫ري ُ‬
‫كي ي ٌ‬
‫خَرةَ َوالل ّي ُ‬
‫ض الد ّن َْيا َوالل ّ ُ‬
‫ن عََر َ‬
‫ه عَ ِ‬
‫ِ‬
‫تُ ِ‬
‫َ‬
‫م عَ َ‬
‫ما‬
‫مآ أ َ‬
‫م فَك ُُلوا ْ ِ‬
‫ب عَ ِ‬
‫ذا ٌ‬
‫ك ِت َ ٌ‬
‫م ّ‬
‫ن الل ّهِ َ‬
‫م ّ‬
‫ظي ٌ‬
‫خذ ْت ُ ْ‬
‫م ِفي َ‬
‫سك ُ ْ‬
‫سب َقَ ل َ َ‬
‫ب ّ‬
‫م َ‬
‫م{ )النفال‪- 67 :‬‬
‫ه غَُفوٌر ّر ِ‬
‫ه إِ ّ‬
‫م َ‬
‫حي ٌ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫حل َل ً ط َّيبا ً َوات ُّقوا ْ الل ّ َ‬
‫مت ُ ْ‬
‫غَن ِ ْ‬
‫‪ ،(69‬فبكى النبي صلى الله عليه وسييلم وأبييو بكيير رضييي اللييه‬
‫عنه‪ ،‬وقال رسول الله صلى الله عليه وسييلم »إن كيياد ليمسيينا‬
‫في خلف ابن الخطاب عذاب عظيم‪ ،‬ولو نزل العذاب ما أفلت‬
‫منه إل ابن الخطاب«‪ ،‬ولم يقل وابن رواحة لنيه أشيار بإضيرام‬
‫النيييييييييييييييييييييار ولييييييييييييييييييييييس بشيييييييييييييييييييييرع‪.‬‬
‫وهذه الية موافقة لييرأي عميير رضييي اللييه عنييه‪ ،‬وهييي ميين‬
‫المواضع التي جاء القرآن فيها موافق يا ً لقييول عميير رضييي اللييه‬
‫عنيييه‪ ،‬وهيييي كيييثيرة نحيييو بضيييعة وثلثيييين أفيييردت بالتيييأليف‪.‬‬
‫ولما استقر المر على الفداء فييرق رسييول اللييه صييلى اللييه‬
‫عليه وسلم السييرى فييي أصييحابه‪ ،‬وكييان أول أسيييرا ً فُييديَ أبييو‬
‫وداعة الحارث فداه ابنه المطلب ‪ -‬وكان كيس يا ً تيياجرا ً ‪ -‬بأربعيية‬
‫آلف درهم ثم أسلم وقد عده بعضهم من الصحابة‪ ،‬وعنييد ذلييك‬
‫بعثت قريش في فداء السارى‪ ،‬وكييان الفييداء فيهييم علييى قييدر‬
‫أموالهم وكان من أربعة آلف درهم إلييى ثلثيية إلييى ألفييين إلييى‬
‫ألف‪ ،‬ومن لم يكن معه فداء وهو يحسن الكتابة دفع إليه عشرة‬
‫غلمان من غلمان المدينة يعلمهم الكتابة فإذا تعلموا كييان ذلييك‬
‫فييييييييييييييييييييييداءه كمييييييييييييييييييييييا تقييييييييييييييييييييييدم‪.‬‬
‫وكان من السرى أبو العاص بن الربيع فإنه أسييلم بعييد ذلييك‬
‫وهو زوج زينب بنت النبي صلى الله عليييه وسييلم ورضييي عنهييا‬
‫وهو ابن خالتها هالة بنت خويلد أخت خديجة أم المؤمنين رضي‬
‫الله عنها‪ ،‬ولم يكيين فييي ذلييك الييوقت تييزّوج الكييافر بالمسييلمة‬
‫محرمًا‪ ،‬وإنما حّرم ذلك بعد لن الحكام إنما شييرعت بالتدريييج‪.‬‬
‫وقدمت زينب المدينة بعد شهر من بدر‪ ،‬وقد جاء بها زيد بين‬
‫حارثة بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثييم أسييلم زوجهييا‬
‫وهاجر وردها إليه صلى الله عليه وسلم بغييير عقييد بييل بالنكيياح‬
‫الول‪ ،‬وقيل‪ :‬عقد عليها عقيدا ً آخير ووليدت ليه ‪ -‬أمامية ‪ -‬اليتي‬
‫كان يحملها صلى الله عليه وسلم على ظهره وهييو يصييلي‪ ،‬ثييم‬

‫ي رضي الله عنه بعد خالتها فاطميية رضييي‬
‫لما كبرت تزوجها عل ّ‬
‫الليييييه عنهيييييا بوصيييييية مييييين فاطمييييية لعليييييي بيييييذلك‪.‬‬
‫مْير رضي الله عنه فإنه أسييلم‬
‫وكان في السارى وهب بن عُ َ‬
‫مي ْيير شيييطانا ً ميين‬
‫بعييد ذلييك وأسييره رفاعيية بيين رافييع‪ ،‬وكييان عُ َ‬
‫شياطين قريش وكان ممن يييؤذي رسييول اللييه وأصييحابه بمكيية‬
‫فجلس يوما ً مع صفوان بن أمية وكان جلوسه معه فييي الحجيير‬
‫فتذاكرا أصحاب القليب ومصابهم‪ ،‬فقال صفوان‪ :‬ما في العيش‬
‫ي‬
‫خير بعدهم‪ ،‬فقال عُ َ‬
‫ن عليي ّ‬
‫مْير‪ :‬والله صدقت‪ ،‬أما والله لول د َي ْ ٌ‬
‫ليس له عندي قضاء وعيال أخشى عليهم الضيييعة بعييدي‪ ،‬كنييت‬
‫آتي محمييدا ً حييتى أقتلييه فييإن لييي فيهييم عليية‪ ،‬ابنييي أسييير فييي‬
‫ي دينيك أنيا أقضييه عنيك‪،‬‬
‫أيديهم‪ .‬فاغتنمهيا صيفوان وقيال‪ :‬علي ّ‬
‫ُ‬
‫مي ْيير‪ :‬فيياكتم عنييي‬
‫وعيالك مع عيالي أواسيييهم مييا بقييوا‪ ،‬قييال عُ َ‬
‫شأني وشأنك‪ ،‬قال‪ :‬أفعييل‪ ،‬ثييم إن عميييرا ً أخييذ سيييفه وشييحذه‬
‫مه ثم انطلق حتى قدم المدينة فبينا عمر بن الخطيياب فييي‬
‫وس ّ‬
‫نفر من والمسلمين يتحدثون عن يوم بييدر‪ ،‬إذ نظيير إلييى عمييير‬
‫حين أناخ راحلته على باب المسجد متوشحا السيف‪ ،‬فقال‪ :‬هذا‬
‫الكلب عدو الله عمير‪ ،‬ما جاء إل بشّر‪ .‬فدخل عمر على رسول‬
‫الله‪ ،‬فقال‪ :‬يا نبي الله هذا عدو اللييه عمييير بيين وهييب قييد جيياء‬
‫ي«‪ ،‬فأقبييل عميير‬
‫متوشحا ً سيفه‪ ،‬قال رسول الله‪» :‬فأدخله عل ي ّ‬
‫رضي الله عنه حتى أخذ بحمالة سيفه فييي عنقييه فأمسييكه بهييا‬
‫وقال لرجال ممن كانوا معه من النصييار‪ :‬ادخلييوا علييى رسييول‬
‫الليييه فاجلسيييوا عنيييده‪ ،‬فيييإن هيييذا الخيييبيث غيييير ميييأمون‪.‬‬
‫ثم دخل به على رسييول اللييه‪ ،‬فلمييا رآه وعميير آخييذ بحماليية‬
‫مْير«‪ ،‬فدنا‪ ،‬ثييم‬
‫سيفه في عنقه‪ ،‬قال‪» :‬أرسله يا عمر‪ ،‬أدن يا عُ َ‬
‫قال عمير‪ :‬أنعمييوا صييباحًا‪ ،‬وكييانت تحييية أهييل الجاهلييية بينهييم‪،‬‬
‫فقال رسول الله‪ :‬قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك‪ ،‬يا عميير‬
‫بالسلم تحية أهل الجنة‪ ،‬ما جاء بك يا عمييير؟ قييال‪ :‬جئت لهييذا‬
‫السير الذي في أيديكم ‪ -‬يعني ولده وهبا ً ‪ -‬فأحسنوا فيه‪ ،‬قييال‪:‬‬
‫فما بال السيف؟ قال‪ :‬قبحها الله من سيوف‪ ،‬وهييل أغنييت عنييا‬
‫شيئًا؟ قال رسول الله‪» :‬اصدقني ما الذي جئت له«؟ قييال‪ :‬مييا‬
‫جئت إل لذلك‪ ،‬قال صييلى اللييه عليييه وسييلم »بييل قعييدت أنييت‬

‫وصفوان بيين أمييية فييي الحجيير فييذكرتما أصييحاب القليييب ميين‬
‫ي وعيييالي لخرجييت حييتى أقتييل‬
‫قريش‪ ،‬ثم قلييت لييول دييين علي ّ‬
‫محمدًا‪ ،‬فتحمل لك صفوان بدينك وعيالك علييى أن تقتلنييي لييه‪،‬‬
‫والله حائل بينك وبين ذلك«‪ ،‬قال عمير‪ :‬أشهد أنك رسول اللييه‪،‬‬
‫قد كنا يا رسول الله نكذبك بمييا تيأتي بيه ميين خييبر السييماء مييا‬
‫ينزل عليك من الوحي‪ ،‬وهذا أميير لييم يحضييره إل أنييا وصييفوان‪،‬‬
‫فوالله إني لعلم ما أتاك به إل اللييه تعييالى‪ ،‬فالحمييد للييه الييذي‬
‫هييييييييدانا للسييييييييلم وسيييييييياقني هييييييييذا المسيييييييياق‪.‬‬
‫ثيييييييييييييم شيييييييييييييهد شيييييييييييييهادة الحيييييييييييييق‪.‬‬
‫ثم قال رسول الله‪» :‬فَّقهوا أخاكم في دينه وأقرئوه القييرآن‬
‫وأطلقييييييييييييوا أسيييييييييييييره« ففعلييييييييييييوا ذلييييييييييييك‪.‬‬
‫ومّر رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفر من السرى‬
‫بغير فداء منهم أبو عزة عمرو الجمحي الشاعر‪ ،‬وقد كان يؤذي‬
‫النبي صييلى اللييه عليييه وسييلم والمسييلمين بشييعره‪ ،‬فقييال‪ :‬يييا‬
‫ي‪.‬‬
‫رسول الله إني فقير وذو عيال وحاجة قد عرفتها فييامنن عل ي ّ‬
‫فمن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأطلقه وأخذ عليه‬
‫عهدا ً أن ل يظاهر عليه أحدًا‪ ،‬ولما وصل إلى مكة قال‪ :‬سييحرت‬
‫م‬
‫محمدا ً ورجع لما كان عليه من اليييذاء بشييعره‪ ،‬ولمييا كييان يييو ُ‬
‫ُأحد خرج مع المشركين يحّرض علييى قتييال المسيلمين بشيعره‬
‫فأسر فأمر النبي صلى الله عليه وسييلم بضييرب عنقييه‪ ،‬فقييال‪:‬‬
‫أعتقني وأطلقني فإني تائب‪ ،‬فقال صيلى الليه علييه وسيلم »ل‬
‫يلدغ المؤمن من جحر مرتين«‪ .‬فضربت عنقه وحمل رأسه إلى‬
‫خَيان َت َ َ‬
‫ميين‬
‫المدينة وأنزل الله‬
‫ك فََقد ْ َ‬
‫دوا ْ ِ‬
‫ه ِ‬
‫ري ُ‬
‫خاُنوا ْ الل ّ َ‬
‫فيه‪} :‬وَِإن ي ُ ِ‬
‫َ‬
‫قَْبيييييييييي ُ‬
‫م{ )النفييييييييييال‪.(71 :‬‬
‫ن ِ‬
‫من ُْهيييييييييي ْ‬
‫ل َفييييييييييأ ْ‬
‫مك َ َ‬
‫تييييييييييييأثير النتصييييييييييييار فييييييييييييي المدينيييييييييييية‬
‫كان لنبأ النتصار تأثير عظيم في النفوس فخاف رسو َ‬
‫ل الله‬
‫صلى الله عليه وسلم ك ّ‬
‫ل عدو بالمدينة وما حولها وأسييلم كييثير‬
‫من اليهود منهم عبد الله بيين ُأبييي‪ ،‬لكنييه لييم يكيين مخلص يا ً فييي‬
‫إسلمه بل ظل منافقا ً إلى أن مات ومع انتصار المسيلمين فييي‬
‫بييدر‪ ،‬لييم تنقطييع معارضيية اليهييود ودسائسييهم فكييان ل بييد ميين‬

‫القضاء عليهييم واستئصييال شيأفتهم‪ ،‬وقييد كيان المنييافقون ميين‬
‫الرجال ثلثمائة ومن النساء سبعين‪ ،‬وكييانوا يييؤذونه صييلى اللييه‬
‫علييييييييه وسيييييييلم إذا غييييييياب ويتملقيييييييونه إذا حضييييييير‪.‬‬
‫ثم أرسل رسول الله صلى اللييه عليييه وسييلم عبييد اللييه بيين‬
‫رواحة بشيرا ً لهل العالية‪ ،‬وزيد بن حارثة بشيرا ً لهييل السييافلة‬
‫بمييا فتييح اللييه علييى رسييوله صييلى اللييه عليييه وسييلم وعلييى‬
‫المسيييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييلمين‪.‬‬
‫رجوعه صلى الله عليه وسلم إلى المدينيية وتقسيييم الغنيميية‬
‫لما قارب رسول الله صلى الليه علييه وسييلم المدينيية خييرج‬
‫المسلمون للقائه بما فتح الله عليه فتلقوا معه بالروحاء وتلقته‬
‫الولئد عند دخوله المدينة بالدفوف‪ ،‬والولئد جمييع وليييدة وهييي‬
‫الصيييييييييييييييييييييييييييييييييييبية يقلييييييييييييييييييييييييييييييييييين‪:‬‬
‫طليييييييييييييييييييييع البيييييييييييييييييييييدر علينيييييييييييييييييييييا‬
‫ميييييييييييييييييييين ثنيييييييييييييييييييييات الييييييييييييييييييييوداع‬
‫وجييييييييييييييييييييب الشييييييييييييييييييييكر علينييييييييييييييييييييا‬
‫ميييييييييييييييييييييا دعيييييييييييييييييييييا لليييييييييييييييييييييه داع‬
‫وقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم النفل وكييانت ‪150‬‬
‫من البل وعشرة أفراس‪ ،‬ومتاعا ً وسلحا ً وأنطاعًا‪ ،‬وثيابا ً وأدمييا ً‬
‫كثيرا ً حمله المشركون للتجارة ونادى منادي رسييول اللييه‪ :‬ميين‬
‫قتل قتيل ً فله سلبه‪ ،‬ومن أسر أسيرا ً فهو له‪ ،‬وتنفل رسول الله‬
‫زييييادة عليييى سيييهمه سييييفه ذا الفقيييار وجميييل أبيييي جهيييل‪.‬‬
‫وقيييييييييع خيييييييييبر النتصيييييييييار عليييييييييى قرييييييييييش‬
‫سمعت قريش خبر انتصار رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫ممن رجع منهم من ساحة القتال وقص أبو سفيان ابن الحييارث‬
‫ما رأى علييى أبييي لهييب ففقييد رشييده وضييرب أبييا رافييع ضييربا ً‬
‫مبرحًا‪ ،‬ولم يعش بعييدها أبييو لهييب إل سييبع ليييال ومييات مصييابا ً‬
‫بالجدري وبقي بعد موته ثلثة أيام ل يقرب أحد منييه خوف يا ً ميين‬
‫العدوى حتى أنتن ولما تحققت قريش خبر الهزيمة وما أصييابهم‬
‫من قتل وأسر‪ ،‬ناحت على قتلها شهرًا‪ ،‬وجز النساء شعورهن‪،‬‬
‫ثم اتفقوا عليى عيدم السترسييال فييي الجيزع لئل يشيمت بهيم‬

‫المسييييييييلمون وتواصييييييييوا علييييييييى الخييييييييذ بالثييييييييأر‪.‬‬
‫أسيييييباب انتصيييييار المسيييييلمين فيييييي وقعييييية بيييييدر‬
‫كانت وقعة بدر أول انتصار للمسلمين في حروبهم ولم تكن‬
‫ميين الوقييائع الكييبيرة ميين حيييث عييدد جيييوش المتحيياربين‬
‫واستعدادهم الحربي فإن عدد المسلمين كان نحو ‪ 313‬يقابلهم‬
‫نحو ألف من أهل مكة ولكنهييا وقعيية مهميية لنهييا كييانت بمثابيية‬
‫الحجر الساس في انتصار الرسول فييي الوقييائع المقبليية وهييي‬
‫ول خطيير فيي تارييخ السيلم وتارييخ العيالم‪ ،‬فيي هيذه‬
‫بدء تح ّ‬
‫الوقعة انهزم أهل مكة وظهر ضييعفهم فييي القتييال علييى كييثرة‬
‫عددهم وفرسييانهم وقييد أبييدى بعييض المييؤرخين اسييتغرابه لمييا‬
‫أصاب أعداء المسلمين من الفشل مييع أنهييم كييانوا أكييثر منهييم‬
‫عييددا ً وكييان معهييم مئة فييرس وسييبعمائة بعييير ومييع ذلييك لييم‬
‫يكتسييحوهم أمييامهم بفرسييانهم وركبييانهم بييل وّلييوا هيياربين‪،‬‬
‫والظاهر أن المسلمين كانوا أحسن نظاما ً فقد عييدل صييفوفهم‬
‫النبي صلى الله عليييه وسيلم وخطييب فيهييم مستنهضيا ً هممهيم‬
‫وكان يشرف علييى الوقعيية ميين ذلييك العريييش العييالي ويصييدر‬
‫الوامر فكان قائدا ً عامًا‪ ،‬ولييم يصييدر ميين أصييحابه أييية مخالفيية‬
‫لوامره‪ ،‬أما أبو سفيان فلم يكن قائدا ً ميياهرًا‪ ،‬وقييد سيياعد بنيياء‬
‫الحوض وتوافر الماء على النصيير‪ ،‬والقييرآن الكريييم والحيياديث‬
‫النبوية تنص صراحة على أن الله سبحانه وتعالى أمد نبّيه بمييدد‬
‫باطني فحاربت الملئكة مع المسلمين ونصروهم على أعييدائهم‬
‫وقد رآهم بعض الصحابة وبعييض أهييل مكيية فييي ميييدان القتييال‬
‫وذكروهم بسيماهم‪ ،‬فقيل‪ :‬كانت سيما الملئكة يوم بدر عمييائم‬
‫قد أرخوها بين أكتافهم خضرا ً وصييفرا ً وحمييرا ً وكييان الزبييير بيين‬
‫العوام متعمميا ً بعماميية صييفراء فقييال صييلى اللييه عليييه وسييلم‬
‫»نزلييت الملئكيية ‪ -‬أي بعضييهم ‪ -‬بسيييما أبييي عبييدالله« ‪ -‬يعنييي‬
‫ي‬
‫الزبير ‪ ،-‬وكانت خيل الملئكة بلقا ً مسومة ‪ -‬مزينة ‪ ،-‬وعن عل ّ‬
‫كّرم الله وجهه قال‪ :‬هبت ريح شديدة يوم بييدر مييا رأيييت مثلهييا‬
‫قط ثم جاءت أخرى كذلك ثم جيياءت أخييرى كييذلك‪ ،‬فنييزل فييي‬
‫الولى جبريل في ألف من الملئكة أمام النبي صلى اللييه عليييه‬
‫وسلم ونزل فييي الثانييية ميكائيييل فييي ألييف ميين الملئكيية عيين‬

‫ميسييييرة رسييييول اللييييه صييييلى اللييييه عليييييه وسييييلم هييييذا‬
‫سر وكان مجموعييا ً‬
‫وقد جيء بالعباس يوم بدر‪ ،‬أسره أبو الي َ َ‬
‫وكان العباس جسيما ً فقيييل لبييي اليسيير‪ :‬كيييف أسييرته؟ قييال‪:‬‬
‫أعانني عليه رجل ما رأيته من قبل ذلك بهيئة كييذا وكييذا‪ ،‬فقييال‬
‫رسييول اللييه صييلى اللييه عليييه وسييلم »لقييد أعانييك عليييه ملييك‬
‫كريييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييم«‪.‬‬
‫وقد كان رسول الله صلى الليه علييه وسيلم قيال لصيحابه‪:‬‬
‫»قد رأيت جبريل وعلى ثناياه النقع«‪ ،‬فقال رجل من بني غفار‪:‬‬
‫أقبلت أنا وابن عم لي فصعدنا جبل ً يشرف بنا علييى بييدر ونحيين‬
‫مشركان ننظر لمن تكييون الييدائرة فننتهييب فييدنت منييا سييحابة‬
‫فسمعت فيها حمحمة الخيل وسمعت قائل ً يقول‪ :‬أقدم حيزوم‪،‬‬
‫قييال‪ :‬فأمييا ابيين عمييي فمييات مكييانه وأمييا أنييا فكييدت أهلييك‬
‫فتماسييكت‪ ،‬وقييال أبييو داود المييازني‪ :‬إنييي لتبييع رجل ً ميين‬
‫المشييركين لضييربه إذ وقييع رأسييه قبييل أن يصييل سيييفي إليييه‬
‫فعرفت أنه قتله غيري‪ ،‬وقال سهل بن حنيف‪ :‬كان أحيدنا يشييير‬
‫بسيفه إلى المشرك فيقع رأسه عن جسده قبييل أن يصييل إليييه‬
‫السيف فكيف بعد هذا كله نكذب إمييداد اللييه رسييوله بالملئكيية‬
‫في وقعة بدر إن الله قد اختص نبّيه بمعجزات وهذه إحييداها ول‬
‫سبيل لنكارهييا وإن أنكرهييا المستشييرقون الييذين كتبييوا سيييرة‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم فقد وردت فييي القييرآن والحيياديث‬
‫النبوييييييييييييييييييييييييييييييييية الصييييييييييييييييييييييييييييييييحيحة‪.‬‬
‫وروى الصحابة رضي الله عنهم الذين شهدوا بدرا ً أنهييم رأوا‬
‫الملئكة بسيماهم وهم يحاربون‪ ،‬قال حويطب بن عبييد العييزى‪:‬‬
‫شهدت بدرا ً مع المشركين فرأيييت عييبرًا‪ ،‬رأيييت الملئكيية تقتييل‬
‫وتأسيييير بييييين السييييماء والرض ولييييم أذكيييير ذلييييك لحييييد‪.‬‬
‫ومن أسباب انتصار المسلمين قوة العقيييدة فييإن لهييا تييأثيرا ً‬
‫عظيما ً في الحروب‪ ،‬فشييتان بييين ميين يحييارب بعقيييدة راسييخة‬
‫لينصر الله ورسوله فإن قتل فاز بنعمة الشهادة وتنعييم فييي دار‬
‫الخلد وبين من يحارب وهو ل يشييعر بقييوة العقيييدة الييتي تييدفع‬
‫خصمه إلى القتال من غييير مبييالة‪ ،‬فالمسييلمون كييانوا يتوقييون‬

‫إلى الموت في سبيل الله‪ ،‬فمن ذلك أن رسول الله صلى اللييه‬
‫م‬
‫س يي ُهَْز ُ‬
‫عليه وسلم خرج من العريييش يييوم بييدر وهييو يقييول‪َ } :‬‬
‫ن الد ّب َُر{ )القمر‪ ،(45 :‬وح يّرض المسييلمين وقييال‪:‬‬
‫معُ وَي ُوَّلو َ‬
‫ال ْ َ‬
‫ج ْ‬
‫»والذي نفس محمد بيده ل يقاتلهم اليييوم رجييل فيقتييل صييابرا ً‬
‫محتسبا ً مقبل ً غير مدبر إل أدخله الله الجنيية«‪ .‬فقييال عمييير بيين‬
‫الحمام النصاري وبيده تمرات يأكلهن‪ :‬بخ بخ ما بينييي وبييين أن‬
‫أدخل الجنة إل أن يقتلنييي هييؤلء‪ ،‬ثييم ألقييى التمييرات ميين يييده‬
‫وقاتيييييييييييييييييييييل حيييييييييييييييييييييتى ُقتيييييييييييييييييييييل‪Y.‬‬
‫ويؤكد سير وليام موير ‪ William Muir‬أن الخوف الذي كان‬
‫مستوليا ً على أهل مكة من إراقيية دميياء أقيياربهم مييع مييا يقابييل‬
‫ذلك من رغبة المسلمين في القتال‪ ،‬كان هو العامل المهم فييي‬
‫انتصيييييييييار المسيييييييييلمين فيييييييييي وقعييييييييية بيييييييييدر‪.‬‬
‫فضيييييييييييييييييييييل أهيييييييييييييييييييييل بيييييييييييييييييييييدر‬
‫جاء أحد الصحابة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقييال‪ :‬يييا‬
‫رسول الله إن ابن عمي نافق أتأذن لي أن أضرب عنقه؟ فقال‬
‫صلى الله عليه وسلم »إنه شهد بييدرا ً وعسييى أن يكفيير عنييه«‪،‬‬
‫وفي رواية‪» :‬وما يدريك لعل الله اطلييع علييى أهييل بييدر وقييال‪:‬‬
‫اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم«‪ ،‬وعن أبي هريييرة قييال‪ :‬قييال‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسييلم »اطلييع اللييه علييى أهييل بييدر‬
‫فقال‪ :‬اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ‪ -‬أو قال ‪ :-‬فقييد وجبييت‬
‫لكم الجنة«‪ ،‬وعن المييام أحمييد عيين حفصيية رضييي اللييه عنهييا‪،‬‬
‫قالت‪ :‬سمعت رسول الله صلى الله عليه وسييلم يقييول‪» :‬إنييي‬
‫لرجو أن ل يدخل النار إن شيياء اللييه تعييالى أحييد شييهد بييدرا ً أو‬
‫الحديبية«‪ ،‬وكان رسول الله صلى الله عليه وسييلم يك يّرم أهييل‬
‫ص‬
‫بدر ويقدمهم على غيرهم‪ ،‬وفي »الخصائص الصييغرى«‪ :‬وخ ي ّ‬
‫أهل بدر أصحابه صلى الله عليييه وسيلم بيأن يييزادوا فييي صييلة‬
‫الجنيييييازة عليييييى أربيييييع تكيييييبيرات تميييييييزا ً لفضيييييلهم‪.‬‬
‫وفيييييييييياة رقييييييييييية ابنيييييييييية رسييييييييييول اللييييييييييه‬
‫تزوجييت رقييية ابنيية رسييول اللييه عثمييان بيين عفييان بمكيية‬
‫وهاجرت معه إلى الحبشة وولدت له هناك ولدا ً اسماه عبد الله‬

‫وكان عثمان ُيكنى به‪ ،‬فبلغ الغلم ست سيينين فنقيير عينييه ديييك‬
‫فورم وجهه ومرض ومات‪ ،‬وكان موته في جمادى الولييى سيينة‬
‫أربييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييع‪.‬‬
‫ولما سار رسييول اللييه إلييى بييدر‪ ،‬كييانت ابنتييه رقييية مريضيية‬
‫فتخلف عليها عثمان بيأمر رسيول الليه ليه بيذلك فتيوفيت يييوم‬
‫وصول زيد بن حارثة مبشرا ً بظفر رسول الله وكان قد أصييابتها‬
‫حصيييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييبة‪.‬‬
‫زواج فاطمييييية بنيييييت رسيييييول الليييييه سييييينة ‪2‬هيييييي‬
‫فاطمة بنت رسول الله صلى اللييه عليييه وسييلم هييي سيييدة‬
‫نساء العالمين ما عدا مريم ابنة عمران صلى الله عليهما‪ ،‬أمهييا‬
‫خديجة بنت خويلد‪ ،‬وكانت ُتكنى أم أبيها وكانت أحب الناس إلى‬
‫رسيييييييول الليييييييه صيييييييلى الليييييييه علييييييييه وسيييييييلم‬
‫ي بعيد أن‬
‫زّوجها رسول الله صلى الله عليييه وسيلم مين علي ّ‬
‫ابتنى لعائشة بأربعة أشهر ونصف‪ ،‬وابتنى بها بعد تزويجييه إياهييا‬
‫بسبعة أشهر ونصف وكانت سيّنها يييوم تزويجهييا خميس عشييرة‬
‫سنة وخمسة أشهر‪ ،‬وانقطع نسل رسول الله صييلى اللييه عليييه‬
‫وسيييلم إل منهيييا فيييإن اليييذكور مييين أولده مييياتوا صيييغارًا‪.‬‬
‫خطب أبو بكر وعمر فاطمة إلى رسول اللييه فييأبى عليهمييا‪،‬‬
‫ي‪ ،‬فقال‪ :‬ما لي ميين شيييء إل درعييي‬
‫فقال عمر‪ :‬أنت لها يا عل ّ‬
‫أرهنها‪ ،‬فزوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطميية‪ ،‬فلمييا‬
‫ك‬
‫بلغ ذلك فاطمة بكت‪ ،‬فدخل عليها رسول الله فقييال‪» :‬مييا ل َي ِ‬
‫تبكين يا فاطمة؛ فييوالله لقييد أنكحتييك أكييثرهم علم يا ً وأفضييلهم‬
‫حلمييييييييييييييييييييا ً وأّولهييييييييييييييييييييم سييييييييييييييييييييلمًا«‪.‬‬
‫خطبيت فاطمية إليى رسيول‬
‫ي رضي الله عنه قال‪ُ :‬‬
‫وعن عل ّ‬
‫الله صلى الله عليه وسلم فقالت لي مولة لي‪ :‬هل علمييت أن‬
‫فاطمة خطبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسييلم قليت‪ :‬ل‪،‬‬
‫قالت‪ :‬فقد خطبت فما يمنعك أن تأتي رسييول اللييه صييلى اللييه‬
‫عليييه وسييلم فيزوجييك‪ ،‬قلييت‪ :‬وهييل عنييدي شيييء أتييزوج بييه؟‬
‫فقالت‪ :‬إنك إن جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجييك‪،‬‬
‫فوالله ما زالت ترجيني حتى دخلت على رسول الله صلى اللييه‬
‫عليه وسلم وكانت لرسول الله صلى اللييه عليييه وسييلم جللتييه‬

‫وهيبته فلمييا قعييدت بييين يييديه أقحمييت فييوالله مييا أسييتطيع أن‬
‫أتكلييم‪ ،‬فقييال‪» :‬مييا جيياء بييك«؟ فسييكت‪ ،‬فقييال‪» :‬لعلييك جئت‬
‫تخطب فاطمة؟« قلييت‪ :‬نعييم‪ ،‬قييال‪» :‬وهييل عنييدك ميين شيييء‬
‫تستحلها به؟« فقلت‪ :‬ل والله يا رسول الله‪ ،‬فقال‪» :‬مييا فعلييت‬
‫ي بيييده‬
‫بالدرع التي سلحتكها؟« فقلت‪ :‬عندي‪ ،‬والذي نفس عليي ّ‬
‫ح َ‬
‫طمّية ما ثمنها أربعمائة درهم‪ ،‬قال‪» :‬قد زوجتييك فييابعث‬
‫إنها ل ُ‬
‫بها فإن كانت لصداق فاطمة بنت رسول الله صييلى اللييه عليييه‬
‫وسييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييلم ‪.‬‬
‫ي ليليية البنيياء‬
‫وقال رسول الله صييلى اللييه عليييه وسييلم لعلي ّ‬
‫بفاطمة‪» :‬ل تحدثن شيئا ً حتى تلقاني«‪ ،‬فدعا رسول الله صييلى‬
‫ي وقييال‪:‬‬
‫الله عليه وسلم بماء فتوضأ منييه ثييم أفرغييه علييى علي ّ‬
‫»اللهم بارك فيهما وبييارك عليهمييا وبييارك لهمييا فييي نسييلهما«‪.‬‬
‫قال ابن إسحاق‪ :‬وحدثني من ل أتهم‪ :‬أن رسول اللييه صييلى‬
‫الله عليه وسلم كان يغار لبناته غيرة شديدة‪ ،‬كان ل ُينكيح بنياته‬
‫علييييييييييييييييييييييييييييييييييييى ضييييييييييييييييييييييييييييييييييييرة‪.‬‬
‫وعن المسور بن مخرمة قال‪ :‬سمعت رسول الله صلى الله‬
‫عليه وسلم يقول وهو على المنبر‪» :‬إن بني هشام ابن المغيرة‬
‫ي بن أبي طالب فل آذن ثييم‬
‫استأذنوني في أن ينكحوا ابنتهم عل ّ‬
‫ي بن أبييي طييالب أن يطلييق ابنييتي وينكييح‬
‫ل آذن إل أن يريد عل ّ‬
‫ابنتهم فإنها بضعة منييي‪ ،‬يريبنييي مييا رابهييا ويييؤذيني مييا آذاهييا«‪.‬‬
‫أمر رسول الله صلى الله عليييه وسييلم أن يجهييزوا فاطميية‪،‬‬
‫جعل لها سرير مشروط ووسادة من أدم حشوها ليف وأرسل‬
‫ف ُ‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسيلم أسييماء بنييت عميييس فهيييأت‬
‫الييبيت فصييلى العشيياء وأرسييل إلييى فاطميية رضييي اللييه عنهييا‬
‫فجاءت مع أم أيمن بركة الحبشية مولته صلى الله عليه وسلم‬
‫ي رضي اللييه عنييه فييي جييانب‬
‫حتى قعدت في جانب البيت وعل ّ‬
‫آخر ثم جاء رسييول اللييه صييلى اللييه عليييه وسييلم بعييدما صييلى‬
‫العشاء الخرة فقال‪» :‬أها هنييا أخييي«؟ قييالت أم أيميين‪ :‬أخييوك‬
‫وقييد زوجتييه ابنتييك؟ قييال‪» :‬نعييم‪ ،‬إي هييو ك َييأخي فييي المنزليية‬
‫ي تزويجي إياه بنتي«‪ ،‬ودخل صييلى اللييه‬
‫والمؤاخاة فل يمتنع عل ّ‬
‫عليييه وسييلم وقييال لفاطميية رضييي اللييه عنهييا‪» :‬ائتنييي بميياء«‪،‬‬

‫فقامت تعثر في ثوبها من الحياء إلى قعب في البيت‪ ،‬فأتت فيه‬
‫بماء فأخذه ومج فيه ‪ -‬أي وضعه في فمه ورمى به في القعييب‪،‬‬
‫والقعب إناء ضخم كالقصعة ‪ -‬ثم قال لها‪» :‬تقدمي«‪ ،‬فتقدمت‪،‬‬
‫فنضح بين ثدييها وعلى رأسييها وقييال‪» :‬اللهييم إنييي أعيييذها بييك‬
‫وذريتها من الشيييطان الرجيييم«‪ ،‬ثييم قييال‪» :‬أدبييري«‪ ،‬فييأدبرت‬
‫ي‪ ،‬ثم قييال لييه‪» :‬ادخييل‬
‫فصب بين كتفيها‪ ،‬ثم فعل مثل ذلك بعل ّ‬
‫بأهلك باسم الله والبركة«‪ ،‬وكان مهرها رضييي اللييه عنهييا ‪400‬‬
‫ي رضي الله عنه ساجدا ً شكرا ً للييه تعييالى‪.‬‬
‫درهم فضة‪ ،‬وخّر عل ّ‬
‫ي رضييي اللييه عنييه آصييعا ً ميين شييعير وتميير‬
‫وكانت وليمة عل ّ‬
‫حْيس ‪ -‬وهو تمر يخلط بسمن ‪ -‬وقيل‪ :‬أولم بكبييش ميين سييعد‬
‫و َ‬
‫وآصع من ذرة من عند جماعة من النصار‪ ،‬وكان فرشييهما ليليية‬
‫ي يييومئذ ‪ 21‬سيينة وخمسيية‬
‫عرسهما جلد كبش‪ ،‬وكانت سن عل ّ‬
‫أشييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييهر‪.‬‬
‫ي‬
‫وُتلقب فاطمة بييالبتول لنقطاعهييا عيين الييدنيا‪ ،‬ولييدت لعل ي ّ‬
‫الحسيين والحسييين وزينييب وأم كلثييوم‪ ،‬كييانت مشيييتها مشييية‬
‫رسول الله كما قالت عائشة‪ ،‬وتوفيت فاطمة بعييد رسييول اللييه‬
‫بستة أشهر وهذا أصح ما قيييل‪ ،‬ومييا رؤيييت ضيياحكة بعييد وفيياته‬
‫صلى الله عليه وسلم حتى لحقت بالله تعالى وكييانت أول أهلييه‬
‫لحوقا ً به وهي أول من ُ‬
‫ي نعشييها فييي السييلم وأوصييت أن‬
‫غط َ‬
‫ُتدفن لي ً‬
‫ل‪ ،‬قيل‪ :‬تييوفيت لثلث خلييون ميين رمضييان سيينة إحييدى‬
‫عشرة وكان عمرها ‪ 29‬سيينة ‪ ،‬وقيييل‪ 30 :‬رحمهييا اللييه تعييالى‪.‬‬
‫غييييييييييييييييييييزوة بنييييييييييييييييييييي سييييييييييييييييييييليم‬
‫لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينيية ميين بييدر‬
‫سيليم واسييتعمل‬
‫لم يقم إل سبع ليال حتى غزا بنفسه يريد بني ُ‬
‫على المدينة سييباع بيين عرفطيية الغفيياري ‪ -‬وهييو ميين مشيياهير‬
‫الصحابة ‪ -‬وعلى الصلة ابن أم مكتوم‪ ،‬وكان لواؤه أبيض حملييه‬
‫ي بن أبي طالب رضي الله عنه‪ ،‬فبلغ رسول الله صييلى اللييه‬
‫عل ّ‬
‫در ‪ -‬فأقام صييلى اللييه‬
‫عليه وسلم ماء من مياههم يقال له ‪ -‬الك ُ ْ‬
‫عليه وسلم ثلث ليييال‪ ،‬ثييم رجييع إلييى المدينيية ولييم يلييق حرب يا ً‬
‫وارتفع القوم وهربوا وبقيت نعمهم‪ ،‬فظفر بها صييلى اللييه عليييه‬
‫وسلم وانحدر بها إلى المدينة وقسمها بصرار‪ ،‬وهو مكييان علييى‬

‫ثلثة أميال من المدينة وكانت خمسمائة بعير‪ ،‬وكانت مدة غيبته‬
‫خميييييييييييييييييييييس عشيييييييييييييييييييييرة ليلييييييييييييييييييييية‪.‬‬
‫غيييييييزوة بنيييييييي قينقييييييياع سييييييينة ‪ 2‬هيييييييي ‪ 624 -‬م‬
‫َقيُنقاع اسم لشعب من اليهود الذين كييانوا بالمدينيية‪ُ ،‬أضيييف‬
‫إليهم سوق كانت بها‪ ،‬وُيقال سوق بني َقيُنقاع‪ ،‬وهم من مييوالي‬
‫ي بن سييلول‪،‬‬
‫الخزرج وحلفاء عبادة بن الصامت وعبد الله بن أب ّ‬
‫وكييان عييددهم قليل ً وصييناعتهم الصييياغة وهييم أغنييى سييكان‬
‫المدينة‪ ،‬وكانت بينهييم وبييين بنييي النضييير وبنييي قريظيية عييداوة‬
‫قديمة في الجاهلية سببها اشتراكهم مع الخزرج في يوم بعيياث‪،‬‬
‫كمييييييييييييييييييييييا ذكرنييييييييييييييييييييييا سييييييييييييييييييييييابقًا‪.‬‬
‫كانت غزوة بني قينقيياع فييي شييوال ميين السيينة الثانييية ميين‬
‫الهجرة )فبراير سنة ‪ 624‬م(‪ ،‬قال ابن إسييحاق‪ :‬كييان ميين أميير‬
‫بني قينقاع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمعهم بسوق‬
‫بني قينقاع ثم قال‪» :‬يا معشر اليهود احذروا من الله عييز وجييل‬
‫مثل ما نزل بقريش من النقمة وأسلموا فإنكم قد عرفتييم أنييي‬
‫نبي مرسل تجدون ذلييك فييي كتييابكم وفييي عهييد اللييه إليكييم«‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬يا محمد إنيك تييرى أنييا كقوميك‪ ،‬ل يغرنييك أنيك لقييت‬
‫قوما ً ل علم لهييم بييالحرب فأصييبت منهييم فرصية إنييا واللييه لئن‬
‫حاربتنا لتعلمن أنييا نحيين النيياس‪ ،‬أي أنهييم بييذلك دعييوه للقتييال‪.‬‬
‫دعا رسول الله بنييي قينقيياع إلييى السييلم‪ ،‬وإلييى العييتراف‬
‫بنبوته لنهم يجدون ذلك في كتابهم‪ ،‬لكنهم مع ذلييك وعلييى قليية‬
‫عددهم وإقامتهم مع المسلمين في المدينة نفسييها أغلظييوا لييه‬
‫فييي الجييواب ولييم يقفييوا عنييد حييدود الدب وادعييوا الشييجاعة‪.‬‬
‫قال الدكتور ولفنسون في كتابه »تاريخ اليهود« في صدد ما‬
‫ردوا به على رسول الله‪» :‬إنهم أجابوه بكل جييرأة وتبجييح ‪ -‬ص‬
‫‪ «129‬وقال‪» :‬يظهر من هذا الرد أن بني قينقاع كانوا يعتمدون‬
‫على معاضدة حلفائهم من الخزرج في نزاعهم مع الرسول قبل‬
‫كل شيء‪ ،‬إذ ل يتصور أن بطنا ً كبطيين بنييي قينقيياع يجييرؤ علييى‬
‫إعلن الحييرب ضييد أغلييب بطييون يييثرب‪ ،‬ولكيين بنييي الخييزرج‬
‫خذلوهم ولم يتحركوا لنجدتهم رغم أنهم ميين مييواليهم ص ‪129‬‬
‫‪.«130‬‬
‫‪-‬‬

‫وقد كان بنو قينقاع أول يهود نقضوا مييا بينهييم وبييين رسييول‬
‫اللييه صييلى اللييه عليييه وسييلم وحيياربوا فيمييا بييين بييدر وُأحييد‪.‬‬
‫قال ابن هشام‪ :‬وذكر عبيد الليه بيين جعفيير بيين المسيور بيين‬
‫مخرميييييييييية عيييييييييين أبييييييييييي عييييييييييون قييييييييييال‪:‬‬
‫كان من أمر بني قينقاع أن امرأة من العرب قييدمت بجلييب‬
‫لها فباعته بسوق بني قينقيياع وجلسييت إلييى صييائغ بهييا فجعلييوا‬
‫يريدونها على كشف وجهها فأبت فعمد الصائغ إلى طرف ثوبهييا‬
‫فعقده إلى ظهرها فلما قامت انكشفت سوءتها فضييحكوا منهييا‬
‫فصاحت‪ ،‬فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتلييه‪ ،‬وكييان‬
‫يهوديا ً فشييدت اليهييود علييى المسييلم فقتلييوه‪ ،‬فاستصييرخ أهييل‬
‫المسلم المسلمين على اليهود‪ ،‬فغضب المسلمون فوقع الشيير‬
‫بينهييييييييييييييم وبييييييييييييييين بنييييييييييييييي قينقيييييييييييييياع‪.‬‬
‫ولم يرو هذه الحادثة ابن إسحاق وكييذا لييم يييذكرها الطييبري‬
‫في »تاريخه« ول ابيين سييعد فييي »طبقيياته«‪ ،‬وليييس فييي هييذه‬
‫القصة ذكر لسم الميرأة ول اسيم الصييائغ اليذي قتييل ول اسييم‬
‫المسلم القاتل له‪ ،‬ولذلك نشييك فييي صييحة هييذه القصيية ل لن‬
‫ابن إسحاق لم يروها‪ ،‬بل لن روايتها بهذه الصييفة تحملنييا علييى‬
‫الشك إذ ليس فيها ما يساعدنا على البحث والتحقيييق‪ ،‬لييذلك ل‬
‫نعتميييييييييييييييييييييييييييييييييييد عليهيييييييييييييييييييييييييييييييييييا‪.‬‬
‫وقد حاصيرهم رسيول الليه صيلى الليه علييه وسيلم خميس‬
‫عشرة ليلة ل يطلع منهم أحد حييتى نزلييوا علييى حكمييه فكتفييوا‬
‫وهو يريد قتلهم ويبلغ عددهم ‪ ،400‬فقام إليه عبد الله بيين أبييي‬
‫ابن سلول حين أمكنه الله منهم ‪ -‬وكانوا حلفاءه وحلفيياء عبييادة‬
‫بن الصامت ‪ -‬فقال‪ :‬يا محمييد أحسيين فييي مييوالي فأبطييأ عليييه‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم فقال‪ :‬يا محمد‪ ،‬أحسن في موالي‪،‬‬
‫فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم فأدخل يده فييي جيييب‬
‫درع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسيول الليه صيلى‬
‫الله عليه وسلم »أرسلني« وغضب صلى الله عليه وسلم حييتى‬
‫رأوا في وجهه ظلل ً ثم قال‪» :‬ويحك أرسلني«‪ ،‬قال‪ :‬ل والله ل‬
‫أرسلك حتى تحسن إلى موالي‪ ،‬أربعمائة حاسيير وثلثمييائة دارع‬

‫منعوني من السود والحمر تحصييدهم فييي غييداة واحييدة وإنييي‬
‫والله ل آمن وأخشى الدوائر‪ ،‬فقال رسول الله صلى الله عليييه‬
‫وسلم »هم لك ل بارك الله لك فيهم«‪ ،‬وعن عمر بن قتادة أنييه‬
‫قال‪» :‬خلوهم لعنهييم اللييه ولعنييه معهييم فأرسييلوهم«‪ ،‬ثييم أميير‬
‫بإجلئهم وغّنم الله عز وجل رسوله والمسلمين ما كان لهم من‬
‫ل ولم تكن لهم أرضون إنما كييانوا صيياغة فأخييذ رسييول اللييه‬
‫ما ٍ‬
‫صلى الله عليه وسلم منهم سلحا ً كييثيرا ً وآليية صييياغتهم‪ ،‬وكييان‬
‫الذي ولي إخراجهم من المدينة بييذراريهم‪ ،‬عبييادة بيين الصييامت‬
‫فمضى بهم حتى بلغ ذباب وهييو يقييول الشييرف البعييد القصييى‬