‫مقدمة موسوعة الدفاع عن الرسول صلى الله عليه‬

‫وسلم‬
‫بسم ال الرحن الرحيم‬
‫المد ل الذي أسبغ علينا نعمًا عدادًا‪ ،‬وبعث فينا سراجًا وهّاجَا‪ ،‬فاللهم إنا نشهدك على‬
‫حبّك‪ ،‬وحبّ نبيك ممد صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ونشهدك أنه أحب إلينا من أنفسنا وأهلينا‬
‫ووالدينا وأموالنا‪ ،‬ونبأ إليك ما فعل الكافرون بناب نبيك وصفيك صلى ال عليه وسلم‪،‬‬
‫وبعد‪:‬‬
‫إن التأمل بعي ثاقبة وقلب يَقظ لا يدور حولنا من كوارث ونكبات‪ ..‬ومن وعظات‪..‬‬
‫ليحاول أن يسترجع هذه اليات والوادث والنوازل الت تل بالمة‪ ،‬أمراض مستأصلة‪،‬‬
‫وأوبئة منتشرة‪ ،‬تملها طيور‪ ،‬وتنقلها حيوانات‪ ،‬ل يلك أحد ردها أو صدها أو السيطرة‬
‫عليها مهما أوت من علم ف مكتشفاته ومتباته ومترعاته وأرصدته‪ ،‬لنا جند من جنود‬
‫اللّه عز وجل ف الب والبحر‪ :‬وما يعلم جنود ربك إل هو وما هي إل ذكرى للبشر‬
‫[الدثر‪.]31 :‬‬
‫وإن من حق كل مسلم غيور على دينه‪ ،‬مب لرسوله الصطفى صلى ال عليه وسلم‪ ،‬أن‬
‫يعب عن فرحته الغامرة‪ ،‬بذه ا َلبّة السلمية من المة الحمدية‪ ،‬دفاعًا رائعًا عن خي‬
‫البية‪ ،‬ومع توال النكبات‪ ،‬وكثرة الطعنات الت تُوجه إل صدر المة من أعداء السلم‪،‬‬
‫ومن أعلنوا الرب الصليبية على السلم جلية واضحة‪ ،‬دون مهادنة‪ ،‬إلّ أننا ند روحًا‬
‫جديدة تسري ف جسد المة؛ تذكرنا بديث الصطفى صلى ال عليه وسلم‪« :‬مثل‬
‫الؤمني ف توادّهم وتراحهم وتعاطفهم كمثل السد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى‬
‫له سائر السد بالمى والسهر»‪.‬‬
‫ف هبّة الغية على حبّ النب صلى ال عليه وسلم‪ ،‬تكاتفت المة‪ ،‬وتداعت إل القّ‪،‬‬
‫فرب ضارّة نافعة‪ ،‬فالسلمون ل يصلوا مرحلة الغثاء بعد‪ ،‬ول يعد بوسع أعداء السلم أن‬
‫يتجاهلوا هذه المة‪ ،‬وأن يتجرءوا على مشاعرها !!‬
‫الرية الزائفة‪ ..‬ومذبة الولوكست !!‬

‫‪1‬‬

‫وإذا كان الغرب ‪ -‬أدعياء الرية الزائفة ‪ -‬قد كشفوا عن وجههم القبيح‪ ...‬وصالوا‬
‫وجالوا ف دول العال يوزعون التامات‪ ...‬وياسبون القصرين من ينتسبون إليهم‬
‫ويتلقون تعليماتم‪ ..‬وبالمس القريب يصدر الكم على الكاتب والؤرخ البيطان‬
‫«إيرل» بالبس ثلث سنوات لجرد إدانته بإنكار الحرقة اليهودية والتشكيك ف تعداد‬
‫من قُتلوا ف مرقة النازي ضد اليهود إنا الرية المريكية؛ تامًا كما فعلت وما تزال ف‬
‫العراق تت وهم تصدير الرية وإحلل الديقراطية المريكية ديقراطية رعاة البقر‬
‫والعنصريي الغربيي !!‬
‫فالن تضع الساءة الوربية والدث الشنيع الذي سخر من نبينا صلى ال عليه وسلم‬
‫واستهزأ به قيمة الرية الزائفة ف ماكمة تكشف عن الزي والعار‪ ،‬فأين حرية الرأي‬
‫وأياديكم ملطخة بالدماء‪ ..‬ف أبشع صور كشفت عن تصرف تتري هجمي‪ ،‬وإن شئت‬
‫دقة ف التعبي فإنه تصرف حيوانات مسعورة فقدت كل الشاعر‪ ،‬ومن قبلها ماتت‬
‫الضمائر ف سجن أبو غريب‪ ،‬بل ف كل بقعة من أرض العراق وفلسطي وأفغانستان‪ ،‬وإن‬
‫أردت القيقة ففي كل بقعة من أرض السلمي دنسها الحتلون العنصريون من عميت‬
‫بصائرهم‪ ،‬وخُتم على قلوبم‪ ،‬وأساعهم‪ ،‬ويأب ال إل أن يتم نوره ولو كره الكافرون ‪.‬‬
‫هذا هو النب ممد صلى ال عليه وسلم !!‬
‫لقد بعث اللّه تعال رسوله ممدًا صلى ال عليه وسلم شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا‪ ،‬وداعيًا إل‬
‫اللّه بإذنه وسراجًا منيًا‪ ،‬بعثه اللّه ف الميي على حي فترة من الرسل‪ :‬يتلو عليهم آياته‬
‫ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلل مبي [المعة‪.]2 :‬‬
‫ولقد علم اللّه سبحانه‪ ،‬وهو اللطيف البي‪ ،‬أن الرسول البعوث من ِقبَله لبدّ أن يكون‬
‫موصوفًا بكري الخلق وجيل الصفات حت يُقبل الناسُ عليه‪ ،‬ويتعلموا منه‪ ،‬لذلك وضع‬
‫ف شخص ممد صلى ال عليه وسلم الصورة الكاملة للشخصية السلمة الت يريدها اللّه‬
‫تعال‪ ،‬لتظل دائمًا صورة حية خالدة مرئية لكل من أراد أن ينهج نج السلم‪ ،‬ويتبع النب‬
‫عليه الصلة والسلم‪ ،‬وجعله اللّه القدوة الطيبة‪ ،‬والسوة السنة‪ ،‬والثل العلى‪ ،‬والمام‬
‫العظم‪ ،‬فقال‪ :‬لقد كان لكم ف رسول ال أسوة حسنة لن كان يرجو ال واليوم الخر‬
‫وذكر ال كثيا [الحزاب‪.]21 :‬‬

‫‪2‬‬

‫النب صلى ال عليه وسلم السوة‬
‫فهو السوة السنة صلى ال عليه وسلم ف عبادة اللّه عز وجل‪ ،‬فلقد كان أعلم الناس‬
‫بال‪ ،‬وأتقاهم له وأخشاهم ومع ذلك كان يصوم ويفطر‪ ،‬ويقوم ويرقد‪ ،‬ويأت النساء‪ ،‬ول‬
‫يؤثر ذلك ف كونه أعبد الناس؛ ولذلك لا جاء ثلثة رهط إل بيوت أزواج النب صلى ال‬
‫عليه وسلم يسألون عن عبادته‪ ،‬فلما أخبوا با كأنم تقالّوها‪ ،‬فقالوا‪ :‬وأين نن من النب‬
‫صلى ال عليه وسلم وقد غفر اللّه له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ؟! فقال أحدهم‪ :‬أما أنا‬
‫فأصوم الدهر ل أفطر‪ .‬وقال الثان‪ :‬وأنا أقوم الليل ل أرقد‪ .‬وقال الثالث‪ :‬وأنا أعتزل‬
‫النساء فل أتزوج أبدًا‪ .‬فبلغ ذلك النب صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فخرج إليهم فقال‪« :‬أنتم‬
‫الذين قلتم كذا وكذا ؟ وال إن لتقاكم ل وأخشاكم له‪ ،‬ولكن أصوم وأفطر‪ ،‬وأقوم‬
‫وأرقد‪ ،‬وأتزوج النساء‪ ،‬فمن رغب عن سنت فليس من»‪.‬‬
‫[متفق عليه]‬
‫وقد أرسلت إليه إحدى بناته تقول له‪« :‬إن ابن قد احتُضر فاشهدنا‪ ،‬فأرسل إليها يقول‪:‬‬
‫«إن ل ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى‪ ،‬فمُرها فلتصب ولتحتسب»‪.‬‬
‫ب وَنفْسُه تُ َق ْعقِعُ‪،‬‬
‫فأرسلت تلف عليه ليأتينّها‪ ،‬فقام ومعه نفر من أصحابه‪ ،‬فرُفع إليه الص ّ‬
‫ففاضت عيناه‪ ،‬فقال بعض أصحابه‪ :‬ما هذا يا رسول اللّه ؟ قال‪« :‬هذه رحة جعلها اللّه‬
‫ف قلوب من شاء من عباده‪ ،‬وإنا يرحم اللّه من عباده الرحاء»‪[ .‬متفق عليه]‬
‫وهو صلى ال عليه وسلم السوة السنة ف الصب على موت الولد؛ فقد ُرزِق سبعة من‬
‫الولد؛ ثلثة ذكور‪ ،‬وأربع إناث‪ ،‬مات الصبيان الثلثة صغارًا‪ ،‬وماتت ثلث بناتٍ ف‬
‫حياته صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ول تعمّر بع َدهُ إل فاطمة‪ ،‬رضي اللّه عنها‪ ،‬فإنا عاشت بعده‬
‫ستة أشهر‪ ،‬فصب على موت أولده واحتسبهم عند اللّه رب العالي‪.‬‬
‫وكان صلى ال عليه وسلم السوة السنة ف معاملة اليان‪ ،‬وكان يقول‪« :‬ما زال‬
‫جبيل يوصين بالار حت ظننت أنه سيورّثه»‪[ .‬متفق عليه]‬
‫وهو صلى ال عليه وسلم السوة السنة ف معاملة الناس؛ فلقد باع واشترى‪ ،‬وكان سحًا‬
‫إذا باع‪ ،‬سحًا إذا اشترى‪ ،‬وكان إذا استسلف من رجل سلفًا قضاه إياه ودعا له‪ ،‬فقال‪:‬‬

‫‪3‬‬

‫«بارك اللّه لك ف أهلك ومالك‪ ،‬إنا جزاء السلف المد والداء»‪ .‬حديث حسن أخرجه‬
‫النسائي وابن ماجه‪.‬‬
‫وكان صلى ال عليه وسلم السوة السنة ف التواضع؛ فلقد كانت الَ َمةُ من إماء الدينة‬
‫تأخذ بيده فتنطلق به حيث شاءت فما يتركها حت يقضي لا حاجتها‪[ .‬رواه البخاري]‬
‫وكان إذا دخل عليهم ل يقومون له لا يعلمون من كراهيته لذلك‪[ .‬حديث صحيح]‬
‫وهو صلى ال عليه وسلم السوة السنة ف الشجاعة؛ فلقد دوى صوت ف الدينة ذات‬
‫ليلة‪ ،‬فهرع الناس إليه‪ ،‬فلقيهم رسول ال صلى ال عليه وسلم وهو يقول‪« :‬ل تراعوا»‪.‬‬
‫[متفق عليه]‬
‫وهو صلى ال عليه وسلم السوة السنة ف السلم والرب‪ ،‬واحترام العهود‪ ،‬والوفاء با؛‬
‫دخل صلى ال عليه وسلم الدينة رافعًا رأيه السلم‪ ،‬ودخل يقول‪« :‬يا أيها الناس‪ ،‬أفشوا‬
‫السلم‪ ،‬وأطعموا الطعام‪ ،‬وصلّوا بالليل والناس نيام‪ ،‬تدخلوا النة بسلم»‪.‬‬
‫[حديث صحيح]‬
‫الخلق الحمدية‬
‫ل يُكتب لحد من البشر من الثر واللود والعظمة ما كتب لصاحب اللق العظيم صلى‬
‫ال عليه وسلم‪ ،‬وإن لذوي الخلق الفاضلة منلة عالية‪ ،‬ففي الديث الصحيح‪« :‬أكمل‬
‫الؤمني إيانًا أحسنهم أخلقًا»‪[ .‬رواه أحد والترمذي]‬
‫وقال صلى ال عليه وسلم‪« :‬إن من خياركم أحاسنكم أخلقًا»‪[ .‬البخاري ومسلم]‬
‫وسُئل صلى ال عليه وسلم عن الب؛ فقال‪« :‬حسن اللق»‪[ .‬أخرجه مسلم]‬
‫وكان صلى ال عليه وسلم أحسن الناس خلقًا وأدبًا وأكرمهم وأتقاهم معاملة‪ ،‬قال عنه‬
‫ربه عز وجل مادحًا خلقَه الكري صلى ال عليه وسلم‪ :‬وإنك لعلى خلق عظيم [القلم‪:‬‬
‫‪.]4‬‬
‫وعن عائشة رضي اللّه عنها لا سُئلت عن خلق النب صلى ال عليه وسلم قالت‪« :‬كان‬
‫خُلقه القرآن»‪[ .‬صحيح مسلم]‬
‫وعن أب هريرة رضي ال عنه قال‪« :‬كان صلى ال عليه وسلم يدعو فيقول‪« :‬اللهم إن‬
‫أعوذ بك من الشقاق والنفاق وسوء الخلق»‪[ .‬رواه أبو داود والنسائي]‬

‫‪4‬‬

‫كرمه صلى ال عليه وسلم‬
‫ل وهو واجد ما‬
‫كان كرمه مضرب المثال‪ ،‬وقد كان صلى ال عليه وسلم ل يردّ سائ ً‬
‫يعطيه‪ ،‬فقد سأله رجل حُّل ًة كان يلبسها‪ ،‬فدخل بيته فخلعها‪ ،‬ث خرج با ف يديه وأعطاه‬
‫إياها‪ .‬وف صحيح البخاري ومسلم عن جابر بن عبد اللّه رضي ال عنهما قال‪« :‬ما سُئل‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم شيئًا على السلم إل أعطاه»‪ ،‬وحسبنا ف الستدلل على‬
‫كرم رسول ال صلى ال عليه وسلم حديث البخاري عن ابن عباس رضي اللّه عنهما‪،‬‬
‫وقد سئل عن جود الرسول صلى ال عليه وسلم وكرمه فقال‪ :‬كان رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم أجود الناس وكان أجود ما يكون ف شهر رمضان حي يلقاه جبيل بالوحي‬
‫فيدارسه القرآن‪ ،‬ولِمَ ل وهو القائل‪« :‬ما من يوم يصبح العباد فيه إل وملكان ينلن يقول‬
‫أحدها‪ :‬اللهم أعط منفقًا خلفًا‪ ،‬ويقول الخر‪ :‬اللهم أعط مسكًا تلفًا»‪[ .‬البخاري‬
‫ومسلم]‬
‫حلمه وصبه صلى ال عليه وسلم‬
‫كان صلى ال عليه وسلم ف ذلك مضرب الثل‪ ،‬فعن أنس بن مالك رضي ال عنه قال‪:‬‬
‫«كنت أمشي مع رسول ال صلى ال عليه وسلم وعليه رداء نران غليظ الاشية فأدركه‬
‫أعراب فجبذه بردائه جبذة شديدة‪ ،‬نظرت إل صفحة عنق رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫وقد أثرت با حاشية الرداء من شدة جبذته‪ ،‬ث قال‪ :‬يا ممد مر ل من مال اللّه الذي‬
‫عندك‪ ،‬فالتفت إليه رسول ال صلى ال عليه وسلم فضحك ث أمر له بعطاء»‪[ .‬رواه‬
‫البخاري ومسلم]‬
‫عفوه صلى ال عليه وسلم‬
‫وقد أمر اللّه تعال به رسوله الكري ف قوله من سورة العراف‪ :‬خذ العفو وأمر بالعرف‬
‫وأعرض عن الاهلي [العراف‪.]199 :‬‬
‫فعن أنس بن مالك رضي ال عنه قال‪ :‬بينما نن ف السجد مع رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم إذ جاء أعراب‪ ،‬فقام يبول ف السجد‪ ،‬فقال أصحاب رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم‪ :‬مَ ْه مَهْ‪ ،‬قال‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪« :‬ل تزرموه‪ ،‬دعوه»‪ ،‬فتركوه‬
‫حت بال‪ ،‬ث إن رسول ال صلى ال عليه وسلم دعاه فقال له‪« :‬إن هذه الساجد ل تصلح‬

‫‪5‬‬

‫لشيء من هذا البول‪ ،‬ول القذر‪ ،‬إنا هي لذكر اللّه‪ ،‬والصلة‪ ،‬وقراءة القرآن‪ ،‬قال‪ :‬فأمر‬
‫رجلً من القوم فجاء بدلو من ماء فشنّه عليه»‪[ .‬رواه مسلم]‬
‫عدله صلى ال عليه وسلم‬
‫أمر اللّه بالعدل ف القول والكم‪ ،‬فقال تعال‪ :‬وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قرب ‪ ،‬وإذا‬
‫حكمتم بي الناس أن تكموا بالعدل ‪ ،‬وعلى العدل قام أمر السماء والرض‪ ،‬فكيف ل‬
‫يكون رسول ال صلى ال عليه وسلم عاد ًل وهو القائل‪« :‬إن من إجلل اللّه إكرام ذي‬
‫الشيبة السلم وحامل القرآن غي الغال فيه والاف عنه‪ ،‬وإكرام ذي السلطان القسط»‪.‬‬
‫[رواه أبو داود‪ ،‬وحسنه اللبان]‬
‫وذكر أن سبعة يظلهم اللّه ف ظل عرشه يوم ل ظل إل ظله‪ ،‬وعد منهم المام العادل‪،‬‬
‫وقال‪« :‬إن القسطي على منابر من نور يوم القيامة»‪[ .‬رواه مسلم]‬
‫أخلق النب صلى ال عليه وسلم مع الطفال‬
‫فعن أنس رضي ال عنه قال‪ :‬كان صلى ال عليه وسلم ير بالصبيان فيسلم عليهم‪[ .‬رواه‬
‫البخاري]‪ ،‬وكان صلى ال عليه وسلم يقول‪« :‬إن لقوم ف الصلة أريد أن أطول فيها‬
‫فأسع بكاء الصب فأتوز ف صلت كراهية أن أشق على أمه»‪[ .‬البخاري]‬
‫حسن معاملته وعشرته صلى ال عليه وسلم‬
‫إن من كمال خلق الرء حسن صحبته ومعاشرته لهله وكمال أدبه ف مالطته لغيه‪ ،‬وقد‬
‫كان البيب صلى ال عليه وسلم مضرب الثل ف حسن الصحبة وجيل العاشرة وأدب‬
‫الخالطة‪ ،‬وكان صلى ال عليه وسلم يازح أصحابه ويالطهم ويادثهم ويداعب‬
‫صبيانم‪ ،‬ويلسُهم ف حِجره‪ ،‬وييب دعوة ال ّر والعبد والسكي ويعود الرضى أقصى‬
‫الدينة ويقبل عذر العتذر‪.‬‬
‫وحسبنا ف جيل مالطته وبيان أدبه وحسن عشرته صلى ال عليه وسلم قول ربه عز وجل‬
‫فيه‪ :‬فبما رحة من ال لنت لم ولو كنت فظا غليظ القلب لنفضوا من حولك فاعف‬
‫عنهم واستغفر لم وشاورهم ف المر ‪ ،‬وقد فعل صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فجزاه اللّه عن‬
‫أمته خي الزاء‪.‬‬
‫تواضعه صلى ال عليه وسلم‬

‫‪6‬‬

‫وقد أخب صلى ال عليه وسلم أنه ُخيّر بي أن يكون نبيًا ملكًا‪ ،‬أو نبيًا عبدًا‪ ،‬فاختار أن‬
‫يكون نبيًا عبدًا‪ ،‬وأخب أن اللّه تعال كافأه على اختياره العبودية بأن يكون سيد ولد آدم‪،‬‬
‫وأول من تنشق عنه الرض‪ ،‬وأول شافع‪ ،‬فاختياره العبودية على اللك أكب مظهر من‬
‫مظاهر التواضع الحمدي‪.‬‬
‫قال صلى ال عليه وسلم ف الديث الصحيح‪« :‬ل تطرون كما أطرت النصارى ابن‬
‫مري‪ :‬وإنا أنا عبد‪ ،‬فقولوا عبد اللّه ورسوله»‪.‬‬
‫وكان صلى ال عليه وسلم سيد التواضعي‪ ،‬يتخلق ويتمثل بقوله تعال‪ :‬تلك الدار‬
‫الخرة نعلها للذين ل يريدون علوا ف الرض ول فسادا والعاقبة للمتقي [القصص‪:‬‬
‫‪.]83‬‬
‫وهذا فيض من غيض‪ ،‬فداك أب وأمي وأهلي ونفسي يا رسول اللّه‪ ،‬وآخر دعوانا أن‬
‫المد ل رب العالي‪.‬‬
‫‪http://www.altawhed.com/Detail.asp?InNewsItemID=18‬‬
‫‪3165‬‬
‫=================‬
‫وهذه مموعة طيبة وكبية حول فضائل ومناقب حبيبنا ممد صلى ال عليه وسلم عليه‬
‫وسلم ‪ ،‬التقطتها من هنا وهناك ‪ ،‬وخاصة من الواقع التالية ‪:‬‬
‫‪.1‬اللجنة العالية لنصرة خات النبياء صلى ال عليه وسلم‬
‫‪.2‬دفاعا عن الصطفى صلى ال عليه وسلم‬
‫‪.3‬إل رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫‪.4‬الدفاع عن جناب النب صلى ال عليه وسلم‬
‫‪.5‬اللجنة الوروبية لنصرة خي البية‬
‫‪.6‬ل للدنارك‬
‫‪.7‬الصنوعات الدناركية‬
‫‪.8‬عذرا رسول ال‬
‫‪.9‬الملة العالية لقاومة العدوان‬
‫‪.10‬حلة مليار مع ممد صلى ال عليه وسلم‬
‫‪7‬‬

‫‪.11‬حلة الدفاع عن الناب النبوي‬
‫‪.12‬موقع الملة العالية لنصرة النب صلى ال عليه وسلم‬
‫‪ -13‬موقع صيد الفوائد‬
‫وما سواها كثي‬
‫‪ ،‬وقد قسمتها حسب موضوعاتا لعدة أباث ‪ ،‬بلغت (( عشرة ملدات كبية ))‬
‫وذلك على الشكل التال ‪:‬‬
‫أول‪ -‬مقدمة عن الوسوعة‬
‫ثانيا‪ -‬قد قسمتها إل أحد عشر بابا على الشكل التال ‪:‬‬
‫الباب الول‪ -‬الشمائل الحمدية‬
‫الباب الثان ‪ -‬هدي خي العباد‬
‫الباب الثالث‪-‬حقوقه صلى ال عليه وسلم‬
‫الباب الرابع‪-‬قالوا عن ممد صلى ال عليه وسلم‬
‫الباب الامس ‪-‬النصفون ‪.‬‬
‫الباب السادس‪ -‬دلئل ومعجزات النبوة‬
‫الباب السابع ‪-‬الحتفال بالولد النبوي‬
‫الباب الثامن ‪ -‬شبهات وردود‬
‫الباب التاسع‪ -‬التطاولون وعاقبتهم‬
‫الباب العاشر – ما قيل فيه من شعر صلى ال عليه وسلم‬
‫الباب الادي عشر – مقالت وخطب حول ردود فعل السلمي‬
‫*************‬
‫ومناسبة ذلك ما فعله بعض فنان الدانرك من إساءة للرسول صلى ال عليه وسلم‬
‫وهذا الذي حدث سببه بالدرجة الول حقد وحسد أهل الكتاب للنب صلى ال عليه‬
‫وسلم ولتباعه ‪.‬‬
‫ب هَ ْل َتنْقِمُونَ مِنّا إِلّا َأنْ َآ َمنّا بِاللّ ِه َومَا ُأنْزِلَ إَِليْنَا َومَا ُأنْزِلَ‬
‫قال تعال ‪ {:‬قُ ْل يَا َأهْ َل الْ ِكتَا ِ‬
‫مِنْ َقبْ ُل َوأَنّ أَ ْكثَرَكُمْ فَا ِسقُونَ (‪[ )59‬الائدة‪} ]59/‬‬

‫‪8‬‬

‫س عَلَى مَا َآتَاهُمُ اللّ ُه مِنْ َفضْلِهِ َفقَدْ َآَتْينَا آَلَ ِإبْرَاهِي َم‬
‫وقال تعال ‪َ { :‬أمْ يَحْسُدُونَ النّا َ‬
‫حكْ َم َة وَ َآَتْينَاهُ ْم مُ ْلكًا عَظِيمًا (‪َ )54‬ف ِمْنهُمْ مَنْ َآمَ َن بِهِ َو ِمْنهُ ْم مَنْ صَ ّد َعنْهُ‬
‫ب وَالْ ِ‬
‫الْ ِكتَا َ‬
‫ج َهنّ َم َسعِيًا (‪[ )55‬النساء‪} ]55 ،54/‬‬
‫وَ َكفَى بِ َ‬
‫ب وَلَا الْمُشْرِ ِكيَ أَ ْن ُينَزّ َل عََلْيكُ ْم مِنْ‬
‫وقال تعال ‪ { :‬مَا َيوَ ّد الّذِينَ َكفَرُوا مِنْ َأهْ ِل اْلكِتَا ِ‬
‫ص بِرَ ْح َمتِهِ مَ ْن يَشَا ُء وَاللّهُ ذُو اْل َفضْ ِل الْعَظِيمِ (‪[ )105‬البقرة‪/‬‬
‫خَت ّ‬
‫َخيْ ٍر مِنْ َربّكُ ْم وَاللّ ُه يَ ْ‬
‫‪} ]105‬‬
‫سدًا مِنْ‬
‫وقال تعال ‪ { :‬وَدّ َكثِ ٌي مِنْ َأهْلِ الْ ِكتَابِ َل ْو يَ ُردّوَنكُمْ مِنْ بَعْدِ ِإيَانِكُمْ ُكفّارًا حَ َ‬
‫صفَحُوا َحتّى َي ْأتِيَ اللّ ُه ِبأَمْ ِرهِ ِإنّ اللّ َه عَلَى‬
‫سهِ ْم مِ ْن َبعْ ِد مَا تََبيّنَ َلهُ ُم الْحَقّ فَاعْفُوا وَا ْ‬
‫عِنْدِ َأْنفُ ِ‬
‫كُ ّل َشيْءٍ َقدِيرٌ (‪[ )109‬البقرة‪} ]109/‬‬
‫‪-------------------‬‬‫إنم يعادون السلمي لنم مسلمون لنم ليسوا يهودا ول نصارى ولن أهل الكتاب‬
‫فاسقون منحرفون عما أنزله ال إليهم ; وآية فسقهم وانرافهم أنم ل يؤمنون بالرسالة‬
‫الخية وهي مصدقة لا بي أيديهم ل ما ابتدعوه وحرفوه ول يؤمنون بالرسول الخي‬
‫وهو مصدق لا بي يديه ; معظم لرسل ال أجعي إنم ياربون السلمي هذه الرب‬
‫الشعواء ; الت ل تضع أوزارها قط ول يب أوارها طوال ألف وأربعمائة عام ; منذ أن‬
‫قام للمسلمي كيان ف الدينة ; وتيزت لم شخصية ; وأصبح لم وجود مستقل ; ناشى‬
‫ء من دينهم الستقل وتصورهم الستقل ونظامهم الستقل ف ظل منهج ال الفريد إنم‬
‫يشنون على السلمي هذه الرب الشبوبة لنم قبل كل شيء مسلمون ول يكن أن‬
‫يطفئوا هذه الرب الشبوبة إل أن يردوا السلمي عن دينهم ; فيصبحوا غي مسلمي ذلك‬
‫أن أهل الكتاب أكثرهم فاسقون ; ومن ث ل يبون الستقيمي اللتزمي من السلمي وال‬
‫سبحانه يقرر هذه القيقة ف صورة قاطعة وهو يقول لرسوله ص ف السورة الخرى ولن‬
‫ترضى عنك اليهود ول النصارى حت تتبع ملتهم ويقول له ف هذه السورة أن يواجه أهل‬
‫الكتاب بقيقة بواعثهم وركيزة موقفهم قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إل أن آمنا‬
‫بال ; وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون وهذه القيقة الت يقررها ال‬
‫سبحانه ف مواضع كثية من كلمه الصادق البي هي الت يريد تييعها وتلبيسها وتغطيتها‬

‫‪9‬‬

‫وإنكارها اليوم كثيون من أهل الكتاب وكثيون من يسمون أنفسهم مسلمي باسم‬
‫تعاون التديني ف وجه الادية واللاد كما يقولون أهل الكتاب يريدون اليوم تييع هذه‬
‫القيقة بل طمسها وتغطيتها لنم يريدون خداع سكان الوطن السلمي أو الذي كان‬
‫إسلميا بتعبي أصح وتدير الوعي الذي كان قد بثه فيهم السلم بنهجه الربان القوي‬
‫ذلك أنه حي كان هذا الوعي سليما ل يستطع الستعمار الصليب أن يقف للمد‬
‫السلمي فضل على أن يستعمر الوطن السلمي ول يكن بد لؤلء بعد فشلهم ف‬
‫الروب الصليبية السافرة وف حرب التبشي السافرة كذلك أن يسلكوا طريق الداع‬
‫والتخدير فيتظاهروا ويشيعوا بي ورثة السلمي أن قضية الدين والرب الدينية قد انتهت‬
‫وأنا كانت مرد فترة تاريية مظلمة عاشتها المم جيعا ث تنور العال و تقدم فلم يعد من‬
‫الائز ول اللئق ول الستساغ أن يقوم الصراع على أساس العقيدة وأنا الصراع اليوم‬
‫على الادة على الوارد والسواق والستغللت فحسب وإذن فما يوز للمسلمي أو‬
‫ورثة السلمي أن يفكروا ف الدين ول ف صراع الدين وحي يطمئن أهل الكتاب وهم‬
‫الذين يستعمرون أوطان السلمي إل استنامة هؤلء لذا التخدير ; وحي تتميع القضية ف‬
‫ضمائرهم ; فإن الستعمرين يأمنون غضبة السلمي ل ; وللعقيدة الغضبة الت ل يقفوا لا‬
‫يوما ويصبح المر سهل بعد التنوي والتخدير ول يكسبون معركة العقيدة وحدها بل‬
‫يكسبون معها ما وراءها من السلب والغان والستثمارات والامات ; ويغلبون ف‬
‫معركة الادة بعدما يغلبون ف معركة العقيدة فهما قريب من قريب وعملء أهل الكتاب‬
‫ف الوطن السلمي من يقيمهم الستعمار هنا وهناك علنية أو ف خفية يقولون القول‬
‫نفسه لنم عملء يؤدون الدور من داخل الدود وهؤلء يقولون عن الروب الصليبية‬
‫ذاتا إنا ل تكن صليبية ويقولون عن السلمي الذين خاضوها تت راية العقيدة إنم ل‬
‫يكونوا مسلمي وإنا هم كانوا قوميي وفريق ثالث مستغفل مدوع ; يناديه أحفاد‬
‫الصليبي ف الغرب الستعمر أن تعالوا إلينا تعالوا نتمع ف ولء ; لندفع عن الدين غائلة‬
‫اللحدين فيستجيب هذا الفريق الستغفل الخدوع ; ناسيا أن أحفاد الصلييبي هؤلء‬
‫وقفوا ف كل مرة مع اللحدين ; صفا واحدا حينما كانت الواجهة للمسلمي على مدار‬
‫القرون وما يزالون وأنم ل يعنيهم حرب الادية اللادية قدر ما تعنيهم حرب السلم‬

‫‪10‬‬

‫ذلك أنم يعرفون جيدا أن اللادية الادية عرض طارى ء وعدو موقوت ; وأن السلم‬
‫أصل ثابت وعدو مقيم وإنا هذه الدعوة الموهة لتمييع اليقظة البادئة عند طلئع البعث‬
‫السلمي ; وللنتفاع بهد الستغفلي الخدوعي ف الوقت ذاته ليكونوا وقود العركة مع‬
‫اللحدين لنم أعداء الستعمار السياسيون وهؤلء كهؤلء حرب على السلم والسلمي‬
‫حرب ل عدة فيها للمسلم إل ذلك الوعي الذي يربيه عليه النهج الربان القوي إن هؤلء‬
‫الذين تدعهم اللعبة أو يتظاهرون بالتصديق فيحسبون أهل الكتاب جادين إذ يدعونم‬
‫للتضامن والولء ف دفع اللاد عن الدين إنا ينسون واقع التاريخ ف أربعة عشر قرنا ل‬
‫استثناء فيها كما ينسون تعليم ربم لم ف هذا المر بالذات وهو تعليم ل مواربة فيه ول‬
‫مال للحيدة عنه وف النفس ثقة بال ويقي بدية ما يقول إن هؤلء يتزئون فيما يقولون‬
‫ويكتبون باليات القرآنية والحاديث النبوية الت تأمر السلمي أن‬
‫يسنوا معاملة أهل الكتاب ; وأن يتساموا معهم ف العيشة والسلوك ويغفلون التحذيرات‬
‫الاسة عن موالتم ; والتقريرات الواعية عن بواعثهم والتعليمات الصرية عن خطة‬
‫الركة السلمية وخطة التنظيم الت ترم التناصر والوالة لن التناصر والوالة ل يكونان‬
‫عند السلم إل ف شأن الدين وإقامة منهجه ونظامه ف الياة الواقعية وليست هناك قاعدة‬
‫مشتركة يلتقي عليها السلم مع أهل الكتاب ف شأن دينه مهما يكن هناك من تلق ف‬
‫أصول هذه الديان مع دينه قبل تريفها إذ هم ل ينقمون منه إل هذا الدين ول يرضون‬
‫عنه إل بترك هذا الدين كما يقول رب العالي إن هؤلء من يعلون القرآن عضي ;‬
‫يزئونه ويزقونه فيأخذون منه ما يشاءون ما يوافق دعوتم الغافلة الساذجة على فرض‬
‫براءتا ويدعون منه ما ل يتفق مع اتاههم الغافل أو الريب ونن نؤثر أن نسمع كلم ال‬
‫ف هذه القضية على أن نسمع كلم الخدوعي أو الادعي وكلم ال سبحانه ف هذه‬
‫القضية حاسم واضح صريح مبي ونقف وقفة قصية ف هذا الوضع عند قوله تعال بعد‬
‫تقرير أن سبب النقمة هو اليان بال وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل أن بقية السبب وأن‬
‫أكثركم فاسقون فهذا الفسق هو شطر الباعث فالفسق يمل صاحبه على النقمة من‬
‫الستقيم وهي قاعدة نفسية واقعية ; تثبتها هذه اللفتة القرآنية العجيبة إن الذي يفسق عن‬
‫الطريق وينحرف ل يطيق أن يرى الستقيم على النهج اللتزم إن وجوده يشعره دائما‬

‫‪11‬‬

‫بفسقه وانرافه إنه يتمثل له شاهدا قائما على فسقه هو وانرافه ومن ث يكرهه وينقم عليه‬
‫يكره استقامته وينقم منه التزامه ; ويسعى جاهدا لره إل طريقه ; أو للقضاء عليه إذا‬
‫استعصى قياده إنا قاعدة مطردة تتجاوز موقف أهل الكتاب من الماعة السلمة ف الدينة‬
‫إل موقف أهل الكتاب عامة من السلمي عامة إل موقف كل فاسق منحرف من كل‬
‫عصبة ملتزمة مستقيمة والرب الشبوبة دائما على اليين ف متمع الشرار وعلى‬
‫الستقيمي ف متمع الفاسقي وعلى اللتزمي ف متمع النحرفي هذه الرب أمر طبيعي‬
‫يستند إل هذه القاعدة الت يصورها النص القرآن العجيب ولقد علم ال سبحانه أن الي‬
‫ل بد أن يلقى النقمة من الشر وأن الق ل بد أن يواجه العداء من الباطل وأن الستقامة‬
‫ل بد أن تثي غيظ الفساق وأن اللتزام ل بد أن ير حقد النحرفي وعلم ال سبحانه أن‬
‫ل بد للخي والق والستقامة واللتزام أن تدفع عن نفسها وأن توض العركة التمية مع‬
‫الشر والباطل والفسق والنراف وأنا معركة ل خيار فيها ول يلك الق أل يوضها ف‬
‫وجه الباطل لن الباطل سيهاجه ول يلك الي أن يتجنبها لن الشر ل بد سيحاول‬
‫سحقه وغفلة أي غفلة أن يظن أصحاب الق والي والستقامة واللتزام أنم متروكون‬
‫من الباطل والشر والفسق والنراف ; وأنم يلكون تنب العركة ; وأنه يكن أن تقوم‬
‫هناك مصالة أو مهادنة وخي لم أن يستعدوا للمعركة الحتومة بالوعي والعدة ; من أن‬
‫يستسلموا للوهم والديعة وهم يومئذ مأكولون مأكولون ث نضي مع السياق القرآن ف‬
‫توجيه ال سبحانه لرسوله ص لواجهة أهل الكتاب بعد تقرير بواعثهم واستنكار هذه‬
‫البواعث ف النقمة على السلمي فإذا هو يبههم بتاريخ لم قدي وشأن لم مع ربم‬
‫وعقاب أليم قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند ال من لعنه ال وغضب عليه وجعل‬
‫منهم القردة والنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل وهنا‬
‫تطالعنا سحنة يهود وتاريخ يهود إنم هم الذين لعنهم ال وغضب عليهم وجعل منهم‬
‫القردة والنازير إنم هم الذين عبدوا الطاغوت وقصة لعنة ال لم وغضبه عليهم واردة ف‬
‫مواضع شت من القرآن الكري ; وكذلك قصة جعله منهم القردة والنازير فأما قضية‬
‫عبادتم للطاغوت فتحتاج إل بيان هنا لنا لفتة ذات دللة خاصة ف سياق هذه السورة‬
‫إن الطاغوت هو كل سلطان ل يستمد من سلطان ال وكل حكم ل يقوم على شريعة ال‬

‫‪12‬‬

‫وكل عدوان يتجاوز الق والعدوان على سلطان ال وألوهيته وحاكميته هو أشنع العدوان‬
‫وأشده طغيانا وأدخله ف معن الطاغوت لفظا ومعن وأهل الكتاب ل يعبدوا الحبار‬
‫والرهبان ; ولكن اتبعوا شرعهم وتركوا شريعة ال فسماهم ال عبادا لم ; وساهم‬
‫مشركي وهذه اللفتة هنا ملحوظ فيها ذلك العن الدقيق فهم عبدوا الطاغوت أي‬
‫السلطات الطاغية التجاوزة لقها وهم ل يعبدوها بعن السجود لا والركوع ولكنهم‬
‫عبدوها بعن التباع والطاعة وهي عبادة ترج صاحبها من عبادة ال ومن دين ال وال‬
‫سبحانه يوجه رسوله ص لجابة أهل الكتاب بذا التاريخ وبذلك الزاء الذي استحقوه‬
‫من ال على هذا التاريخ كأنا هم جيل واحد با أنم جبلة واحدة يوجهه ليقول لم إن‬
‫هذا شر عاقبة قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند ال أي شر من نقمة أهل الكتاب‬
‫على السلمي وما يكيدون لم وما يؤذونم بسبب إيانم وأين نقمة البشر الضعاف من‬
‫نقمة ال وعذابه وحكمه على أهل الكتاب بالشر والضلل عن سواء السبيل أولئك شر‬
‫مكانا وأضل عن سواء السبيل الدرس الامس ناذج من كفريات وتلعب اليهود ويضي‬
‫السياق ف التنفي من موالتم بعرض صفاتم وساتم بعد عرض تاريهم وجزائهم وييء‬
‫التحذير والتوعي ة منهم بكشف ما يبيتون ويبز اليهود كذلك ف الصورة لن الديث‬
‫عن وقائع جارية ومعظم الشر كان ييء من قبل يهود وإذا جاءوكم قالوا آمنا وقد دخلوا‬
‫بالكفر وهم قد خرجوا به وال أعلم با كانوا يكتمون وترى كثيا منهم يسارعون ف‬
‫الث والعدوان وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون لول ينهاهم الربانيون والحبار عن‬
‫قولم الث وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون وقالت اليهود يد ال مغلولة غلت‬
‫أيديهم ولعنوا با قالوا ; بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء وليزيدن كثيا منهم ما أنزل‬
‫إليك من ربك طغيانا وكفرا وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إل يوم القيامة كلما أوقدوا‬
‫نارا للحرب أطفأها ال ويسعون ف الرض فسادا وال ل يب الفسدين إنا عبارات‬
‫تنشى ء صورا متحركة مشاهد حية على طريقة التعبي القرآنية الفريدة ومن وراء القرون‬
‫يلك قارى ء هذه اليات أن يشهد بعي التصور هؤلء القوم الذين يتحدث عنهم القرآن‬
‫من يهود على الرجح فالسياق يتحدث عنهم وإن كان من الائز أنه يعن كذلك بعض‬
‫النافقي ف الدينة يشهدهم ييئون للمسلمي فيقولون آمنا ويشهد ف جعبتهم الكفر وهم‬

‫‪13‬‬

‫يدخلون به ويرجون ; بينما ألسنتهم تقول غي ما ف العبة من كفر يملونه داخلي‬
‫خارجي ولعلهم من يهود أولئك الذين كانوا يبيتون البلبلة وهم يقولون بعضهم لبعض‬
‫آمنوا بذا القرآن وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون أي لعل السلمي يرجعون عن‬
‫دينهم بسبب هذه البلبلة والتشكيك البيث اللئيم وال أعلم با كانوا يكتمون‬
‫يقولا ال سبحانه لنا القيقة ; ث لكي يطمئن الؤمنون إل كلءة ربم لم وحفظهم من‬
‫كيد عدوهم ; وإحاطته علما بذا الكيد الكتوم ث ليهدد أصحاب هذا الكيد لعلهم‬
‫ينتهون ويضي السياق يرسم حركاتم كأنا منظورة تشهد وتلحظ من خلل التعبي‬
‫وترى كثيا منهم يسارعون ف الث والعدوان وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون‬
‫والسارعة مفاعلة تصور القوم كأنا يتسابقون تسابقا ف الث والعدوان وأكل الرام وهي‬
‫صورة ترسم للتبشيع والتشنيع ولكنها تصور حالة من حالت النفوس والماعات حي‬
‫يستشري فيها الفساد ; وتسقط القيم ; ويسيطر الشر وإن النسان لينظر إل الجتمعات‬
‫الت انتهت إل مثل هذه الال فيى كأنا كل من فيها يتسابقون إل الشر إل الث‬
‫والعدوان قويهم وضعيفهم سواء فالث والعدوان ف الجتمعات الابطة الفاسدة ل‬
‫يقتصران على القوياء ; بل يرتكبهما كذلك الضعفاء فحت هؤلء ينساقون ف تيار الث‬
‫وحت هؤلء يلكون العتداء ; إنم ل يلكون العتداء على القوياء طبعا ولكن يعتدي‬
‫بعضهم على بعض ويعتدون على حرمات ال لنا هي الت تكون ف الجتمعات الفاسدة‬
‫المى الستباح الذي ل حارس له من حاكم ول مكوم ; فالث والعدوان طابع الجتمع‬
‫حي يفسد ; والسارعة فيهما عمل هذه الجتمعات وكذلك كان متمع يهود ف تلك‬
‫اليام وكذلك أكلهم للحرام فأكل الرام كذلك سة يهود ف كل آن لبئس ما كانوا‬
‫يعملون ويشي السياق إل سة أخرى من سات الجتمعات الفاسدة ; وهو يستنكر‬
‫سكوت الربانيي القائمي على الشريعة والحبار القائمي على أمر العلم الدين سكوتم‬
‫على مسارعة القوم ف الث والعدوان وأكل السحت ; وعدم نيهم عن هذا الشر الذي‬
‫يتسابقون فيه لول ينهاهم الربانيون والحبار عن قولم الث وأكلهم السحت لبئس ما‬
‫كانوا يصنعون فهذه السمة سة سكوت القائمي على أمر الشريعة والعلم الدين عما يقع‬
‫ف الجتمع من إث وعدوان هي سة الجتمعات الت فسدت وآذنت بالنيار وبنو إسرائيل‬

‫‪14‬‬

‫كانوا ل يتناهون عن منكر فعلوه كما حكى عنهم القرآن الكري إن سة الجتمع الي‬
‫الفاضل الي القوي التماسك أن يسود فيه المر بالعروف والنهي عن النكر أن يوجد فيه‬
‫من يأمر بالعروف وينهى عن النكر ; وأن يوجد فيه من يستمع إل المر بالعروف‬
‫والنهي عن النكر ; وأن يكون عرف الجتمع من القوة بيث ل يرؤ النحرفون فيه على‬
‫التنكر لذا المر والنهي ول على إيذاء المرين بالعروف الناهي عن النكر وهكذا وصف‬
‫ال المة السلمة فقال كنتم خي أمة أخرجت للناس تأمرون بالعروف وتنهون عن النكر‬
‫وتؤمنون بال ووصف بن إسرائيل فقال كانوا ل يتناهون عن منكر فعلوه فكان ذلك‬
‫فيصل بي الجتمعي وبي الماعتي أما هنا فينحي باللئمة على الربانيي والحبار‬
‫الساكتي على السارعة ف الث والعدوان وأكل السحت ; الذين ل يقومون بق ما‬
‫استحفظوا عليه من كتاب ال وإنه لصوت النذير لكل أهل دين فصلح الجتمع أو فساده‬
‫رهن بقيام الفظة على الشريعة والعلم فيه بواجبهم ف المر بالعروف والنهي عن النكر ;‬
‫والمر كما قلنا من قبل ف الظلل يقتضي سلطة تأمر وتنهى والمر والنهي أمر غي‬
‫الدعوة فالدعوة بيان والمر والنهي سلطان وكذلك ينبغي أن يصل المرون بالعروف‬
‫الناهون عن النكر على السلطان الذي يعل لمرهم ونيهم قيمته ف الجتمع ; فل يكون‬
‫مطلق كلم وكنموذج من قولم الث ف أبشع صوره يكي القرآن الكري قول اليهود‬
‫الغب اللئيم وقالت اليهود يد ال مغلوله غلت أيديهم ولعنوا با قالوا بل يداه مبسوطتان‬
‫ينفق كيف يشاء وذلك من سوء تصور يهود ل سبحانه فقد حكى القرآن الكري الكثي‬
‫من سوء تصورهم ذاك وقد قالوا إن ال فقي ونن أغنياء عندما سئلوا النفقة وقالوا يد ال‬
‫مغلولة يعللون بذلك بلهم ; فال بزعمهم ل يعطي الناس ول يعطيهم إل القليل فكيف‬
‫ينفقون وقد بلغ من غلظ حسهم وجلفة قلوبم أل يعبوا عن العن الفاسد الكاذب الذي‬
‫أرادوه وهو البخل بلفظه الباشر ; فاختاروا لفظا أشد وقاحة وتجما وكفرا فقالوا يد ال‬
‫مغلولة وييء الرد عليهم بإحقاق هذه الصفة عليهم ولعنهم وطردهم من رحة ال جزاء‬
‫على قولم غلت أيديهم ولعنوا با قالوا وكذلك كانوا فهم أبل خلق ال بال ث يصحح‬
‫هذا التصور الفاسد السقيم ; ويصف ال سبحانه بوصفه الكري وهو يفيض على عباده‬
‫من فضله بل حساب بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء وعطاياه الت ل تكف ول تنفد‬

‫‪15‬‬

‫لكل ملوق ظاهرة للعيان شاهدة باليد البسوطة والفضل الغامر والعطاء الزيل ناطقة بكل‬
‫لسان ولكن يهود ل تراها ; لنا مشغولة عنها باللم والضم وبالكنود وبالحود وبالبذاءة‬
‫حت ف حق ال ويدث ال رسوله ص عما سيبدو من القوم وعما سيحل بم بسبب‬
‫حقدهم وغيظهم من اصطفاء ال له بالرسالة ; وبسبب ما تكشفه هذه الرسالة من أمرهم‬
‫ف القدي والديث وليزيدن كثيا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرًا فبسبب من‬
‫القد والسد وبسبب من افتضاح أمرهم فيما أنزل ال إل رسوله سيزيد الكثيون منهم‬
‫طغيانا وكفرا لنم وقد أبوا اليان ل بد أن يشتطوا ف الانب القابل ; ول بد أن يزيدوا‬
‫تبجحا ونكرا وطغيانا وكفرا فيكون الرسول ص رحة للمؤمني ووبال عن النكرين ث‬
‫يدثه عما قدر ال لم من التعادي والتباغض فيما بينهم ; ومن إبطال كيدهم وهو ف‬
‫أشد سعيه تلهبا ; ومن عودتم باليبة فيما يشنونه من حرب على الماعة السلمة وألقينا‬
‫بينهم العداوة والبغضاء إل يوم القيامة كلما أوقدوا نارا للحرب أطفاها ال وما تزال‬
‫طوائف اليهود متعادية وإن بدا ف هذه الفترة أن اليهودية العالية تتساند ; وتوقد نار‬
‫الرب على البلد السلمية وتفلح ولكن ينبغي أل ننظر إل فترة قصية من الزمان ول‬
‫إل مظهر ل يشتمل على القيقة كاملة ففي خلل ألف وثلثائة عام بل من قبل السلم‬
‫واليهود ف شحناء وف ذل كذلك وتشرد ومصيهم إل مثل ما كانوا فيه مهما تقم‬
‫حولم السناد ولكن مفتاح الوقف كله ف وجود العصبة الؤمنة الت يتحقق لا وعد ال‬
‫فأين هي العصبة الؤمنة اليوم الت تتلقى وعد ال وتقف ستارا لقدر ال ويقق ال با ف‬
‫الرض ما يشاء ويوم تفيء المة السلمة إل السلم تؤمن به على حقيقته ; وتقيم حياتا‬
‫كلها على منهجه وشريعته يومئذ يق وعد ال على شر خلق ال واليهود يعرفون هذا‬
‫ومن ث يسلطون كل ما ف جعبتهم من شر وكيد ; ويصبون كل ما ف أيديهم من بطش‬
‫وفتك على طلئع البعث السلمي ف كل شب من الرض ويضربون ل بأيديهم ولكن‬
‫بأيدي عملئهم ضربات وحشية منكرة ; ل ترعى ف العصبة الؤمنة إل ول ذمة ولكن ال‬
‫غالب على أمره ووعد ال ل بد أن يتحقق وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إل يوم القيامة‬
‫كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها ال إن هذا الشر والفساد الذي تثله يهود ل بد أن يبعث‬
‫ال عليه من يوقفه ويطمه ; فال ل يب الفساد ف الرض ; وما ل يبه ال ل بد أن‬

‫‪16‬‬

‫يبعث عليه من عباده من يزيله ويعفي عليه ويسعون ف الرض فسادا وال ل يب‬
‫الفسدين الدرس‬
‫*******************‬
‫وسببه الثان ضعف السلمي وتشرذمهم ف الرض ‪ ،‬والضعيف ل يلتفت إليه أحد ‪:‬‬
‫فعَ ْن َثوْبَا َن َموْلَى َرسُولِ اللّهِ ‪-‬صلى ال عليه وسلم‪ -‬قَالَ قَالَ َرسُولُ اللّهِ ‪-‬صلى ال عليه‬
‫ص َعِتهَا »‪.‬‬
‫وسلم‪ « -‬يُوشِكُ َأنْ تَدَاعَى عََلْيكُ ُم ا ُلمَمُ مِنْ كُلّ أُفُقٍ كَمَا تَدَاعَى الُكََل ُة عَلَى َق ْ‬
‫قَالَ ُق ْلنَا يَا َرسُولَ اللّهِ َأمِنْ ِقّل ٍة بِنَا َي ْو َمئِذٍ قَا َل « َأنْتُ ْم َي ْو َمئِذٍ َكثِ ٌي وََلكِنْ تَكُونُو َن غُثَاءً َك ُغثَاءِ‬
‫جعَلُ فِى ُقلُوبِكُ ُم اْلوَهَنَ »‪ .‬قَالَ ُق ْلنَا َومَا اْل َوهَنُ‬
‫ب عَ ُدوّكُ ْم َويَ ْ‬
‫السّيْ ِل َيْنتَ ِزعُ الْ َمهَاَب َة مِنْ قُلُو ِ‬
‫ت » رواه أحد وابو داود وسنده صحيح‬
‫حيَاةِ وَكَرَا ِهَيةُ الْ َموْ ِ‬
‫ب الْ َ‬
‫قَالَ « ُح ّ‬
‫الوهن وباء خطي ومرض قاتل‬
‫بسم ال الرحن الرحيم‬
‫يتعرض الفرد والجتمع والمة دائما وباستمرار إل عوارض متعددة‪ ،‬وظروف طارئة‪،‬‬
‫وتطورات كثية‪ ،‬وأمراض متلفة‪ ،‬ويتفاوت أثر ذلك بسب طبيعة الؤثر الديد‪ ،‬وبنيان‬
‫الفرد والجتمع‪ ،‬والعوامل الساعدة‪ ،‬وقد ينتاب الفرد أو الجتمع مرض عارض‪ ،‬ويزول‬
‫بسرعة دون أن يترك أثرا ما‪ ،‬وقد يصاب الفرد برض معي‪ ،‬فيقتصر عليه ول يتد إل‬
‫الجتمع‪ ،‬ول تس به المة‪ ،‬وقد يتحول الرض من الفرد إل الجتمع‪ ،‬فيصبح مرضا قاتل‪،‬‬
‫ووباء فتاكا‪ ،‬ويكون أثره إزهاق الفرد‪ ،‬وإبادة المة وسحق الجتمع‪.‬‬
‫وإن أمراض النسان كثية‪ ،‬منها عضوية‪ ،‬ومنها نفسية ومنها اجتماعية‪ ،‬وهي ف معظمها‬
‫أمراض عامة ل تص فردا أو متمعا أو أمة‪ ،‬فإذا حلت ف فرد أو متمع أو أمة فل بد أن‬
‫تظهر أعراضها‪ ،‬وينتشر خطرها‪ ،‬ويس بآلمها الصاب وغيه‪ ،‬وقد تفتك بالريض‪،‬‬
‫وتؤدي إل العدوى‪ ،‬لتفتك بالجموع‪.‬‬
‫ومن هنا تقوم الديانات السماوية‪ ،‬والفكرون ف كل أمة‪ ،‬والصلحون ف كل متمع‪،‬‬
‫بجابة هذه المراض‪ ،‬ووصف الدوية لا‪ ،‬بل يسارعون إل التحذير منها لخذ الوقاية‬
‫والناعة قبل أن تل وتستشري بي الناس‪ ،‬لن الوقاية خي من العلج‪ ،‬وبذلك ينقذون‬
‫أمتهم ومتمعهم من الخطار الحدقة‪ ،‬وينبون الفراد ويلت تيق بم‪ ،‬وتدد وجودهم‪.‬‬
‫‪17‬‬

‫ومن هذه المراض الفتاكة الت يشترك فيها الفرد والجتمع‪ ،‬وتنذر المة بالويل والدمار‬
‫مرض الوهن الذي بي لنا رسول ال صلى ال عليه وسلم أعراضه وأسبابه‪ ،‬وحذر منه‪.‬‬
‫والوهن ف اللغة العربية الضعف‪ ،‬سواء أكان ماديا أم معنويا‪ ،‬وسواء أكان ف الفرد أم ف‬
‫الجتمع‪ ،‬من وهن يهن وهنا أي ضعف‪ ،‬ويقال وهن عظمه‪ ،‬واسم التفضيل أوهن‪،‬‬
‫ويقال‪ :‬وهن الرجل أي جب عن لقاء عدوه‪ ،‬وهذا داخل ف الضعف‪ ،‬وقد استعمل القرآن‬
‫الكري هذا العن ف عدة آيات‪ ،‬فقال تعال‪{ :‬قال رب إن وهن العظم من واشتعل الرأس‬
‫شيبا} مري‪ ،4 /‬وقال تعال‪{ :‬فما وهنوا لا أصابم ف سبيل ال} آل عمران ‪،146 /‬‬
‫وقال تعال‪{ :‬ول تنوا ف ابتغاء القوم إن تكونوا تألون فإنم يألون كما تألون} النساء‪/‬‬
‫‪ 104‬أي ل تبنوا‪ ،‬وقال تعال‪{ :‬ول تنوا ول تزنوا وأنتم العلون إن كنتم مؤمني}‬
‫آل عمران ‪ ،139 /‬وقال تعال‪{ :‬ووصينا النسان بوالديه حلته أمه وهنا على وهن}‬
‫لقمان ‪ ،14 /‬وقال عز وجل‪{ :‬وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت} العنكبوت ‪.41/‬‬
‫ولكن الوهن القصود ف هذا القال هو مرض عضال‪ ،‬ووباء عام بينه لنا رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم فيما رواه المام أحد وأبو داود عن أب هريرة وثوبان قال‪ ،‬قال رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم‪" :‬يوشك أن تداعى عليكم المم من كل أفق‪ ،‬كما تداعى الكلة إل‬
‫قصعتها"‪ ،‬قيل‪ :‬يا رسول ال‪ :‬فمن قلة نن يومئذ؟ قال‪ :‬ل‪ ،‬بل أنتم يومئذ كثي‪،‬ولكنكم‬
‫غثاء كغثاء السيل‪،‬ولينعن ال من صدور عدوكم الهابة منكم‪ ،‬وليقذفن ال ف قلوبكم‬
‫الوهن" فقال قائل‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬وما الوهن؟ قال‪" :‬حب الدنيا‪ ،‬وكراهية الوت"‪.‬‬
‫وهكذا يكشف الرسول صلى ال عليه وسلم أعراض الوهن الذي يبدأ من الفرد‪ ،‬وينتهي‬
‫بالجتمع‪ ،‬هذا الرض الذي يصيب المم والشعوب فيقضي عل كيانا‪ ،‬ويهدم وجودها‪،‬‬
‫ويسقط هيبتها‪ ،‬ويحو أثرها‪ ،‬ويزلزل أركانا‪ ،‬ويطم دعائمها‪ ،‬فتهوى من عليائها‬
‫وكرامتها واستعلئها إل أن تركع أمام المم الخرى‪ ،‬وتستخذل أمام الشعوب الجاورة‪،‬‬
‫وتصبح لقمة سائغة للطامعي فيها‪ ،‬بل يكثر الكلة حولا‪ ،‬ويتمعون على اقتسامها‬
‫والقضاء عليها‪ ،‬كما يتمع الياع حول الطعام ليتناولوه‪ ،‬ويأخذوه‪ ،‬ويقتسموه‪ ،‬فل‬
‫يرفعون أيديهم عنه‪ ،‬وف القصعة أثر لوجوده‪.‬‬

‫‪18‬‬

‫هذا الرض بأعراضه وأسبابه يصيب الدول ف القدي والديث‪ ،‬ويؤدي إل سقوطها‬
‫وانيارها‪ ،‬وهو اليوم مقيم بي السلمي‪ ،‬وقد حط بكلكله عليهم‪ ،‬ونزل بم الوهن منذ‬
‫أمد‪ ،‬وكأن الرسول صلى ال عليه وسلم ينظر بعي الغيب (الذي يطلعه عليه الوحي)‬
‫ويصور حال السلمي‪ ،‬وقد تداعت عليهم المم الستعمارية‪ ،‬والشعوب العادية وتكالبت‬
‫على أرضهم وبلدهم‪ ،‬وجزأت أوطانم وديارهم‪ ،‬وسلبت نصيبا كبيا وعزيزا من‬
‫مقدساتم‪ ،‬وتآمرت‪ ،‬ول تزال تتآمر‪ ،‬عليهم ف كل قطر وجانب‪ ،‬وتيك لم الؤامرة تلو‬
‫الؤامرة للطاحة بم‪ ،‬وفرض الستسلم عليهم‪ ،‬وضمان الستذلل والستسلم لم‪،‬‬
‫وتنوع عليهم أساليب الستغلل والبتزاز لثرواتم واقتصادهم‪ ،‬وتفرض عليهم الفكار‬
‫البيثة‪ ،‬والبادئ الباقة‪ ،‬والقيم الدخيلة‪ ،‬والقواني الوضعية‪ ،‬وتغزوهم فكريا وثقافيا‬
‫وسياسيا واقتصاديا ف عقر دارهم‪ ،‬وتتقاسهم النفوذ ومناطق السيطرة‪ ،‬وتتقاذفهم ذات‬
‫اليمي وذات اليسار‪ ،‬وتفر لم الفر ليسقطوا فيها‪ ،‬وترى القطر الواحد يوما مع الشرق‬
‫ويوما مع الغرب‪ ،‬وتارة يستورد أفكاره وقيمه ومواده وأسلحته من هنا‪ ،‬وتارة من هناك‪،‬‬
‫والسلمون اليوم ف ضياع وتزق‪ ،‬وتردد واضطراب‪ ،‬ل يعرفون ذاتا لنفسهم‪ ،‬ول‬
‫يعلمون هوية لشخصيتهم‪ ،‬ويهلون السفينة الت تملهم‪ ،‬وهم نائمون عن الرياح الت‬
‫تتقاذفهم‪ ،‬وقد تكسرت السواري‪ ،‬وسقطت الراية‪ ،‬وهم ف بر لي‪ ،‬ف ظلمات بعضها‬
‫فوق بعض‪ ،‬إذا أخرجوا أصابعهم ل يكادون يرونا من الجب الكثيفة‪ ،‬والنظارات‬
‫السوداء الت أحكم العدو ربطها على أعينهم‪ ،‬وشدد الناق فيها على رقابم‪ ،‬لكن‬
‫أعدادهم كثية‪ ،‬وثرواتم ضخمة‪ ،‬ومركزهم استراتيجي‪ ،‬وهم مليي ومليي‪ ،‬ولكنهم‬
‫غثاء كغثاء السيل‪ ،‬ل قيمة له‪ ،‬ول يثبت على حال‪ ،‬ويقذفه السيل إل الضيض‪ ،‬ولذلك‬
‫فقدوا هيبتهم‪ ،‬وطمع بم القريب والبعيد‪ ،‬والقوى والضعيف‪ ،‬وسامهم الذل والوان على‬
‫أيدي عصابات صهيون‪ ،‬وجنود الرتزقة‪ ،‬وتسلط العملء‪.‬‬
‫حب الدنيا وكراهية الوت‪:‬‬
‫وقد شخص رسول ال صلى ال عليه وسلم الرض‪ ،‬فبي أنه الوهن‪ ،‬ث شرح أعراضه‬
‫الظاهرة وأسبابه القريبة والبعيدة‪ ،‬وهي حب الدنيا‪ ،‬والتعلق با‪ ،‬والفتتان بزينتها‪ ،‬والسعي‬
‫وراءها‪ ،‬والطمع فيها‪ ،‬وقصور المال عليها‪ ،‬واعتبارها البدأ والنتهى‪ ،‬والظن باللود فيها‪،‬‬

‫‪19‬‬

‫وحب الستزادة من البقاء فيها‪ ،‬وبالتال كراهية الوت‪ ،‬لنه يقطع هذه ا لمال والمان‬
‫وكأن لسان حال القوم يردد سخافات الاهلية من الدهريي وغيهم‪ ،‬حي يقولون‪{ :‬إن‬
‫هي إل حياتنا الدنيا نوت ونيا وما نن ببعوثي} الؤمنون‪{ ،37/‬وقالوا إن هي إل‬
‫حياتنا الدنيا وما نن ببعوثي} النعام‪{ ،29 /‬وقالوا ما هي إل حياتنا الدنيا نوت ونيا‬
‫وما يهلكنا إل الدهر وما لم بذلك من علم إن هم إل يظنون} الاثية ‪. 24 /‬‬
‫إن الرض واحد‪ ،‬ولكن له وجهان متقابلن‪ ،‬وصفتان متلزمتان‪ ،‬وعرضان متحدان‪ ،‬وها‬
‫حب الدنيا وكراهية الوت‪ ،‬وهذان العرضان نشيطان ومؤثران‪ ،‬ويتركان الثار العظيمة‪،‬‬
‫والنتائج الطية‪ ،‬ويدفعان إل أعمال جة‪.‬‬
‫فمن آثار حب الدنيا أن تبدأ من الفرد لتصل إل الجتمع‪ ،‬فتصبغه با‪ ،‬وينتشر الرص‬
‫على جع الال‪ ،‬والنكباب على كسبه بالطرق الشروعة وغي الشروعة‪ ،‬ويظهر التقاتل‬
‫والتخاصم‪ ،‬والشح والبخل‪ ،‬والشع والطمع‪ ،‬واللف والدوران ف التعامل‪ ،‬والتحايل‬
‫والتهرب‪ ،‬والسرقة والغصب‪ ،‬ث يعقب ذلك التخاذل والب والوف والضطراب‪،‬‬
‫والقلق الشديد من الستقبل‪.‬‬
‫ومن آثار كراهية الوت أن يعب النسان من طيبات الياة ما استطاع إل ذ لك سبيل‪،‬‬
‫وأل يعد للموت عدته‪ ،‬ول يقدم شيئا أمامه‪ ،‬ويسرف ف اللذات‪ ،‬ويسعى لشباع‬
‫الشهوات‪ ،‬وينقاد وراء الغرائز‪ ،‬ولو قتل نفسه بنفسه‪ ،‬ث يهلك ذاته بيده‪.‬‬
‫ويشرح القرآن الكري هذا الرض بشقيه‪ ،‬مبينا أثره وخطره وعاقبته‪ ،‬فيقول تعال‪:‬‬
‫{ألاكم التكاثر حت زرت القابر كل سوف تعلمون ث كل سوف تعلمون كل لو‬
‫تعلمون علم اليقي لترون الحيم ث لترونا عي اليقي ث لتسألن يومئذ عن النعيم}‬
‫التكاثر‪.‬‬
‫حقيقة الدنيا‪:‬‬
‫وإن حب الدنيا وكراهية الوت يعن أن النسان يهل حقيقة الدنيا‪ ،‬ويغتر بظاهرها‪،‬‬
‫ويفتت بغرياتا‪ ،‬وأن صاحبها قصي النظر‪ ،‬كليل البصر‪ ،‬ينظر بي رجليه‪ ،‬ول يستعد‬
‫لبعد من ذلك‪ ،‬ول يهيء نفسه لستقبل أيامه‪ ،‬ول يدخر سلحه وقوته لوقت حاجته‪،‬‬
‫لذلك حرص القرآن الكري على أن يكشف للمسلم حقيقة الدنيا‪ ،‬وييط له اللثام عن‬

‫‪20‬‬

‫مفاتنها‪ ،‬ويذره من الغترار فيها‪ ،‬وذلك ف آيات كثية‪ ،‬قال تعال‪{ :‬اعلموا أنا الياة‬
‫الدنيا لعب ولو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر ف الموال والولد كمثل غيث أعجب‬
‫الكفار نباته ث يهيج فتراه مصفرا ث يكون حطاما وف الخرة عذاب شديد ومغفرة من‬
‫ال ورضوان وما الياة الدنيا إل متاع الغرور} الديد‪ .20 /‬وقال تعال‪{ :‬زين للناس‬
‫حب الشهوات من النساء والبني والقناطي القنطرة من الذهب والفضة واليل السومة‬
‫والنعام والرث ذلك متاع الياة الدنيا وال عنده حسن الآب} آل عمران‪ ،14 /‬ويبي‬
‫القرآن حقيقة الياة‪ ،‬ويذر من فتنتها‪ ،‬فيقول تعال‪{ :‬يا أيها الناس إن وعد ال حق فل‬
‫تغرنكم الياة الدنيا ول يغرنكم بال الغرور} فاطر‪ ،5 /‬كما يقرر القرآن الكري أشياء‬
‫كثية من زينة الياة الدنيا‪ ،‬ث يدعو الناس إل عدم الوقوف عندها‪ ،‬ويطلب منهم تاوزها‬
‫إل ما هو خي وأشل‪ ،‬وأحسن وأدوم وأثن وأبقى‪ ،‬فيقول تعال‪{ :‬الال والبنون زينة‬
‫الياة الدنيا والباقيات الصالات خي عند ربك ثوابا وخي أمل} الكهف‪.46/‬‬
‫فالدنيا جيلة‪ ،‬وفيها من السليات واللهي الشيء الكثي‪ ،‬ولكن ذلك إل زوال‪ ،‬وأن‬
‫الياة القيقية‪ ،‬والسعادة القة هي ف الدار الخرة‪ ،‬فيقول تعال‪{ :‬وما هذه الياة الدنيا‬
‫إل لو ولعب وإن الدار الخرة لي اليوان لو كانوا يعلمون} العنكبوت‪ ،64 /‬ث يذر‬
‫الرسول الكري من مفاتن الدنيا‪ ،‬والنشغال بالا وخياتا‪ ،‬والتنافس فيها‪ ،‬والغفلة عن ال‬
‫والخرة‪ ،‬فيقول عليه الصلة والسلم ف حديث طويل رواه البخاري ومسلم عن عمرو‬
‫بن عوف النصاري‪" :‬فوال ما الفقر أخشى عليكم‪ ،‬ولكن أخشى أن تبسط الدنيا‬
‫عليكم‪ ،‬كما بسطت على من كان قبلكم‪ ،‬فتنافسوها كما تنافسوها‪ ،‬فتهلككم كما‬
‫أهلكتهم"‪ ،‬وبي رسول ال صلى ال عليه وسلم قيمة الدنيا‪ ،‬وهوانا عند ال تعال‪ ،‬وأنه‬
‫ل قدر لا إذ ا قصدت لذاتا‪ ،‬وإنا تظهر قيمتها إذا جعلت طريقا إل الخرة‪ ،‬ومزرعة‬
‫للعمال‪ ،‬فقال عليه الصلة و السلم ‪ -‬فيما رواه الترمذي وابن ماجه عن سهل بن سعد‬
‫الساعدي‪" :‬لو كانت الدنيا تعدل عند ال جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء "‪،‬‬
‫وحذر الرسول الكري الؤمني من استعباد الدنيا وزينتها لم‪ ،‬فالعاقل ل يكون عبدا‬
‫للدرهم والدينار‪ ،‬وإل استحق السخط والغضب‪ ،‬يروي البخاري عن أب هريرة عن النب‬
‫صلى ال عليه وسلم قال‪ " :‬تعس عبد الدينار والدرهم‪ ،‬والقطيفة والميصة‪ ،‬إن أعطي‬

‫‪21‬‬

‫رضي‪ ،‬وإن ل يعط ل يرض"‪ ،‬وروى مسلم عن أب سعيد الدري أن رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم قال‪ " :‬إن الدنيا حلوة خضرة‪ ،‬وإن ال تعال مستخلفكم فيها‪ ،‬فينظر كيف‬
‫تعملون‪ ،‬فاتقوا الدنيا‪ ،‬واتقوا النساء" وروى البخاري ومسلم عن أنس رضي ال عنه أن‬
‫النب صلى ال عليه وسلم قال‪ " :‬اللهم ل عيش إل عيش الخرة"‪ ،‬وهذه اليات‬
‫والحاديث‪ ،‬وغيها كثي‪ ،‬تذير للمسلمي من الفتنة بالدنيا‪ ،‬والتعلق با‪ ،‬والغترار‬
‫بزينتها‪ ،‬وليكون ذ لك وقاية لم من النغماس فيها‪ ،‬ولكن ذ لك ل يعن التخلي عن‬
‫الدنيا وترك ما فيها‪ ،‬واعتبارها نسا كما يلو لتباع بعض الديانات الحرفة‪ ،‬بل الدنيا‬
‫مزرعة للخرة‪ ،‬وأن الدنيا مياث وتركة للمؤمن‪ ،‬ينفقها ف سبيل الخرة‪ ،‬ويشترى با‬
‫الدرجات العليا ف النة‪ ،‬روى الترمذي عن أب ذر رضي ال عنه عن النب صلى ال عليه‬
‫وسلم قال‪ " :‬الزهادة ف الدنيا ليست بتحري اللل‪ ،‬ول إضاعة الال‪ ،‬ولكن الزهادة ف‬
‫الدنيا أل تكون با ف يديك أوثق ما ف يد ال‪ ،‬وأن تكون ف ثواب الصيبة اذا أنت‬
‫أصبت با أرغب فيها لو أنا أبقيت لك"‪.‬‬
‫الستعداد للموت‪:‬‬
‫وهذه النظرة القيقية للدنيا‪ ،‬وعدم التعلق با‪ ،‬وسيلة تربوية حت يكون الال وغيه ف يد‬
‫الؤمن والعاقل‪ ،‬وليس ف قلبه‪ ،‬فل يستأسره ويسيطر عليه‪ ،‬وإنا يستخدمه لنفع العباد‬
‫والبلد‪ ،‬ويسخر ما ف يده من خي ليكون أمامه يوم الدين والساب‪ ،‬وليبقى ذكرا له‪،‬‬
‫وعمل نافعا‪ ،‬وأجرا دائما بعد وفاته‪ ،‬وأن الدخار والبخل‪ ،‬والكتناز والشح ل يعود عليه‬
‫بشيء‪ ،‬ولن يلد ف الدنيا‪ ،‬وسوف ينقل إل القب‪ ،‬ويدفن تت التراب‪ ،‬ويبقى الال لغيه‪،‬‬
‫ويكشف لنا رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬هذه القيقة‪ ،‬مبينا حظ النسان من ماله‪،‬‬
‫فيما يرويه مسلم وأحد والترمذي والنسائي عن عبد ال بن الشخي أن رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم قال‪ " :‬يقول ابن آدم‪ :‬مال مال‪ ،‬وهل لك من مالك إل ما تصدقت‬
‫فأمضيت‪ ،‬أو أكلت فأفنيت‪ ،‬أو لبست فأبليت" ولذلك يستعد العاقل للموت‪ - ،‬ويهيئ‬
‫له السباب الحمودة‪ ،‬فإن جاءه الوت كان عل خي حال‪ ،‬دون أن يغفل عن هذه القيقة‬
‫الت تلزم البشرية‪ ،‬وأن الدنيا ليست مقرا ول مستقرا‪ ،‬ول يلد فيها إنسان‪ ،‬والوت حق‬
‫يقين‪ ،‬ومهما جع النسان ف هذه الياة‪ ،‬فإن متطلباته منها مدودة‪ ،‬وحصيلته مقررة‪،‬‬

‫‪22‬‬

‫وانتفاعه مصور‪ ،‬والزائد عنه سيبقى لغيه من الحياء‪ ،‬ويروح الرء إل مصيه الحتوم‬
‫شاء أم أب‪ ،‬وإن أنفق ماله ف الشر واليذاء فسوف ياسب عليه‪ ،‬وإن كان رشيدا أنفقه‬
‫ف الي‪ ،‬واستعد لا بعد الوت‪ ،‬لا روي المام أحد والترمذي وابن ماجه والاكم أن‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم قال‪" :‬الكيس (وف رواية العاقل) من دان نفسه‪ ،‬وعمل لا‬
‫بعد الوت‪ ،‬والعاجز من أتبع نفسه هواها وتن على ال المان"‪ ،‬وقد خلق ال الياة‬
‫ابتلء للنسان واختبارا له‪ ،‬ليستعد إل لقاء ربه‪ ،‬ويغتنم الفرصة ف حياته‪ ،‬لا رواه المام‬
‫أحد والاكم أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال‪ " :‬اغتنم خسا قبل خس‪ :‬حياتك‬
‫قبل موتك‪ ،‬وصحتك قبل سقمك‪ ،‬وفراغك قبل شغلك‪ ،‬وشبابك قبل هرمك‪ ،‬وغناك‬
‫قبل فقرك"‪ .‬وكان اليهود يدعون أنم أبناء ال وأحباؤه‪ ،‬فوضعهم ال على الحك‬
‫القيقي‪،‬وطلب منهم تن الوت إن كانوا صادقي ف لقاء ال‪ ،‬فقال تعال‪{ :‬قل يا أيها‬
‫الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء ل من دون الناس فتمنوا الوت إن كنتم صادقي}‬
‫المعة‪.6 /‬‬
‫وف هذا التوجيه‪ ،‬والتربية السلمية يكون النسان سويا وقويا‪ ،‬ويضمن لنفسه العزة‬
‫والكرامة‪ ،‬ويقق لمته النصر والياة العزيزة‪ ،‬ويغرس ف نفسه الناعة والوقاية من الوهن‪،‬‬
‫ويطلب الوت لتوهب له الياة‪ ،‬وينع من قلبه حب الدنيا‪ ،‬ويضع الوت نصب عينيه‬
‫ليحاسب نفسه قبل أن تاسب‪ ،‬وفقنا ال لا يبه ويرضاه‪ ،‬وردنا إل دينه ردا جيل‪،‬‬
‫والمد ل رب العالي‪.‬‬
‫الدكتور‪ /‬ممد الزحيلي‬
‫******************‬
‫وال تعال قد بي أن أهل الكتاب يعلمون علم اليقي أن ممدا (( صلى ال عليه وسلم‬
‫)) هو خات النبياء والرسلي ‪.‬‬
‫شهَدُونَ (‪[ )70‬آل عمران‪/‬‬
‫قال تعال ‪ { :‬يَا َأهْ َل الْ ِكتَابِ لِ َم َتكْفُرُو َن بِ َآيَاتِ اللّ ِه َوَأْنتُ ْم تَ ْ‬
‫‪} ]70‬‬
‫وقال تعال ‪ { :‬يَا َأهْلَ اْل ِكتَابِ ِل َم تَ ْلبِسُو َن الْحَ ّق بِاْلبَاطِلِ َوَت ْكتُمُو َن الْحَ ّق َوَأْنتُ ْم َتعْلَمُونَ (‬
‫‪[ )71‬آل عمران‪} ]72 ،71/‬‬

‫‪23‬‬

‫ب َيعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ َأبْنَا َءهُ ْم َوِإنّ َفرِيقًا ِمْنهُ ْم‬
‫وقال تعال ‪ { :‬الّذِينَ َآَتيْنَاهُ ُم الْ ِكتَا َ‬
‫ح ّق مِنْ َربّكَ فَلَا َتكُونَنّ مِ َن الْ ُم ْمتَرِينَ (‪)147‬‬
‫ح ّق َوهُمْ َيعَْلمُونَ (‪ )146‬الْ َ‬
‫َليَ ْكتُمُونَ الْ َ‬
‫[البقرة‪} ]148-146/‬‬
‫سهُمْ‬
‫سرُوا َأْنفُ َ‬
‫ب َيعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ َأبْنَا َءهُ ُم الّذِينَ خَ ِ‬
‫وقال تعال ‪ { :‬الّذِينَ َآَتيْنَاهُ ُم الْ ِكتَا َ‬
‫َفهُمْ لَا ُي ْؤمِنُونَ (‪[ )20‬النعام‪} ]20/‬‬
‫إن الحنة الت يكنها أهل الكتاب للجماعة السلمة هي الحنة التعلقة بالعقيدة ‪ .‬إنم‬
‫يكرهون لذه المة أن تتدي ‪ .‬يكرهون لا أن تفيء إل عقيدتا الاصة ف قوة وثقة‬
‫ويقي ‪ .‬ومن ث يرصدون جهودهم كلها لضللا عن هذا النهج ‪ ،‬واللواء با عن هذا‬
‫الطريق ‪:‬‬
‫{ ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم } ‪. .‬‬
‫فهو ود النفس ورغبة القلب والشهوة الت تفو إليها الهواء من وراء كل كيد ‪ ،‬وكل‬
‫دس ‪ ،‬وكل مراء ‪ ،‬وكل جدال ‪ ،‬وكل تلبيس ‪.‬‬
‫وهذه الرغبة القائمة على الوى والقد والشر ‪ ،‬ضلل ل شك فيه ‪ .‬فما تنبعث مثل هذه‬
‫الرغبة الشريرة الثة عن خي ول عن هدى ‪ .‬فهم يوقعون أنفسهم ف الضللة ف اللحظة‬
‫الت يودون فيها إضلل السلمي ‪ .‬فما يب إضلل الهتدين إل ضال يهيم ف الضلل‬
‫البهيم ‪:‬‬
‫{ وما يضلون إل أنفسهم ‪ .‬وما يشعرون } ‪. .‬‬
‫والسلمون مكفيون أمر أعدائهم هؤلء ما استقاموا على إسلمهم وما لم عليهم من سبيل‬
‫‪ .‬وال سبحانه يتعهد لم أل يصيبهم كيد الكائدين ‪ ،‬وأن يرتد عليهم كيدهم ما بقي‬
‫السلمون مسلمي ‪.‬‬
‫هنا يقرع أهل الكتاب بقيقة موقفهم الريب العيب ‪:‬‬
‫{ يا أهل الكتاب ل تكفرون بآيات ال وأنتم تشهدون؟ يا أهل الكتاب ل تلبسون الق‬
‫بالباطل وتكتمون الق وأنتم تعلمون؟ } ‪.‬‬
‫ولقد كان أهل الكتاب وقتها ‪ -‬وما يزالون حت اليوم ‪ -‬يشهدون الق واضحا ف هذا‬
‫الدين ‪ .‬سواء منهم الطلعون على حقيقة ما جاء ف كتبهم عنه من بشارات وإشارات ‪-‬‬

‫‪24‬‬

‫وكان بعضهم يصرح با يد من هذا كله وبعضهم يسلم بناء على هذا الذي يده ف كتبه‬
‫ويشهده متحققا أمامه ‪ -‬وسواء كذلك غي الطلعي ‪ ،‬ولكنهم يدون ف السلم من‬
‫الق الواضح ما يدعو إل اليان ‪ . .‬غي أنم يكفرون ‪ . .‬ل لنقص ف الدليل ‪ .‬ولكن‬
‫للهوى والصلحة والتضليل ‪ . .‬والقرآن يناديهم ‪ { :‬يا أهل الكتاب } ‪ . .‬لنا الصفة‬
‫الت كان من شأنا أن تقودهم إل آيات ال وكتابه الديد ‪.‬‬
‫كذلك يناديهم مرة أخرى ليفضح ما يقومون به من لبس الق بالباطل لخفائه وكتمانه‬
‫وتضييعه ف غمار الباطل ‪ ،‬على علم وعن عمد وف قصد ‪ . .‬وهو أمر مستنكر قبيح!‬
‫وهذا الذي ندد ال به ‪ -‬سبحانه ‪ -‬من أعمال أهل الكتاب حينذاك ‪ ،‬هو المر الذي‬
‫درجوا عليه من وقتها حت اللحظة الاضرة ‪ . .‬فهذا طريقهم على مدار التاريخ ‪. .‬‬
‫اليهود بدأوا منذ اللحظة الول ‪ .‬ث تابعهم الصليبيون!‬
‫وف خلل القرون التطاولة دسوا ‪ -‬مع السف ‪ -‬ف التراث السلمي ما ل سبيل إل‬
‫كشفه إل بهد القرون! ولبسوا الق بالباطل ف هذا التراث كله ‪ -‬اللهم إل هذا الكتاب‬
‫الحفوظ الذي تكفل ال بفظه أبد البدين ‪ -‬والمد ل على فضله العظيم ‪.‬‬
‫دسوا ولبسوا ف التاريخ السلمي وأحداثه ورجاله ‪ .‬ودسوا ولبسوا ف الديث النبوي‬
‫حت قيض ال له رجاله الذين حققوه وحرروه إل ما ند عن الهد النسان الحدود ‪.‬‬
‫ودسوا ولبسوا ف التفسي القرآن حت تركوه تيها ل يكاد الباحث يفيء فيه إل معال‬
‫الطريق ‪ .‬ودسوا ولبسوا ف الرجال أيضا ‪ .‬فالئات واللوف كانوا دسيسة على التراث‬
‫السلمي ‪ -‬وما يزالون ف صورة الستشرقي وتلميذ الستشرقي الذين يشغلون مناصب‬
‫القيادة الفكرية اليوم ف البلد الت يقول أهلها ‪ :‬إنم مسلمون ‪ .‬والعشرات من‬
‫الشخصيات الدسوسة على المة السلمة ف صورة أبطال مصنوعي على عي الصهيونية‬
‫والصليبية ‪ ،‬ليؤدوا لعداء السلم من الدمات ما ل يلك هؤلء العداء أن يؤدوه‬
‫ظاهرين!‬
‫وما يزال هذا الكيد قائما ومطردا ‪ .‬وما تزال مثابة المان والنجاة منه هي اللياذ بذا‬
‫الكتاب الحفوظ؛ والعودة إليه لستشارته ف العركة الناشبة طوال هذه القرون ‪.‬‬

‫‪25‬‬

‫كذلك يعرض بعض الحاولت الت يبذلا فريق من أهل الكتاب لبلبلة الماعة السلمة ف‬
‫دينها ‪ ،‬وردها عن الدى ‪ ،‬من ذلك الطريق الاكر اللئيم ‪:‬‬
‫{ وقالت طائفة من أهل الكتاب ‪ :‬آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا‬
‫آخره لعلهم يرجعون ‪ .‬ول تؤمنوا إل لن تبع دينكم ‪. . } . . .‬‬
‫وهي طريقة ماكرة لئيمة كما قلنا ‪ .‬فإن إظهارهم السلم ث الرجوع عنه ‪ ،‬يوقع بعض‬
‫ضعاف النفوس والعقول وغي التثبتي من حقيقة دينهم وطبيعته ‪.‬‬
‫يوقعهم ف بلبلة واضطراب ‪ .‬وباصة العرب الميي ‪ ،‬الذين كانوا يظنون أن أهل‬
‫الكتاب أعرف منهم بطبيعة الديانات والكتب ‪ .‬فإذا رأوهم يؤمنون ث يرتدون ‪ ،‬حسبوا‬
‫أنم إنا ارتدوا بسبب اطلعهم على خبيئة ونقص ف هذا الدين ‪ .‬وتأرجحوا بي اتاهي‬
‫فلم يكن لم ثبات على حال ‪.‬‬
‫وما تزال هذه الدعة تتخذ حت اليوم ‪ .‬ف شت الصور الت تناسب تطور اللبسات‬
‫والناس ف كل جيل ‪ . .‬ولقد يئس أعداء السلمي أن تنطلي اليوم هذه الدعة ‪ ،‬فلجأت‬
‫القوى الناهضة للسلم ف العال إل طرق شت ‪ ،‬كلها تقوم على تلك الدعة القدية ‪.‬‬
‫إن لذه القوى اليوم ف أناء العال السلمي جيشا جرارا من العملء ف صورة أساتذة‬
‫وفلسفة ودكاترة وباحثي ‪ -‬وأحيانا كتاب وشعراء وفناني وصحفيي ‪ -‬يملون أساء‬
‫السلمي ‪ ،‬لنم اندروا من سللة مسلمة! وبعضهم من « علماء » السلمي!‬
‫هذا اليش من العملء موجه للخلة العقيدة ف النفوس بشت الساليب ‪ ،‬ف صورة بث‬
‫وعلم وأدب وفن وصحافة ‪ .‬وتوهي قواعدها من الساس ‪ .‬والتهوين من شأن العقيدة‬
‫والشريعة سواء ‪ .‬وتأويلها وتميلها ما ل تطيق ‪ .‬والدق التصل على « رجعيتها »!‬
‫والدعوة للتلفت منها ‪ .‬وإبعادها عن مال الياة إشفاقا عليها من الياة أو إشفاقا على‬
‫الياة منها! وابتداع تصورات ومثل وقواعد للشعور والسلوك تناقض وتطم تصورات‬
‫العقيدة ومثلها ‪ .‬وتزيي تلك التصورات البتدعة بقدر تشويه التصورات والثل اليانية ‪.‬‬
‫وإطلق الشهوات من عقالا وسحق القاعدة اللقية الت تستوي عليها العقيدة النظيفة‬
‫لتخر ف الوحل الذي ينثرونه ف الرض نثرا! ويشوهون التاريخ كله ويرفونه كما‬
‫يرفون النصوص!‬

‫‪26‬‬

‫وهم بعد مسلمون! أليسوا يملون أساء السلمي؟ وهم بذه الساء السلمة يعلنون‬
‫السلم وجه النهار ‪ .‬وبذه الحاولت الجرمة يكفرون آخره ‪ . .‬ويؤدون بذه وتلك‬
‫دور أهل الكتاب القدي ‪ . .‬ل يتغي إل الشكل والطار ف ذلك الدور القدي!‬
‫وكان أهل الكتاب يقول بعضهم لبعض ‪ :‬تظاهروا بالسلم أول النهار واكفروا آخره‬
‫لعل السلمي يرجعون عن دينهم ‪ .‬وليكن هذا سرا بينكم ل تبدونه ول تأتنون عليه إل‬
‫أهل دينكم ‪:‬‬
‫{ ول تؤمنوا إل لن تبع دينكم } ‪. .‬‬
‫وفعل اليان حي يعدّى باللم يعن الطمئنان والثقة ‪ .‬أي ول تطمئنوا إل لن تبع‬
‫دينكم ‪ ،‬ول تفضوا بأسراركم إل لؤلء دون السلمي!‬
‫وعملء الصهيونية والصليبية اليوم كذلك ‪ . .‬إنم متفاهون فيما بينهم على أمر ‪ . .‬هو‬
‫الجهاز على هذه العقيدة ف الفرصة السانة الت قد ل تعود ‪ . .‬وقد ل يكون هذا‬
‫التفاهم ف معاهدة أو مؤامرة ‪ .‬ولكنه تفاهم العميل مع العميل على الهمة الطلوبة‬
‫للصيل! ويأمن بعضهم لبعض فيفضي بعضهم إل بعض ‪ . .‬ث يتظاهرون ‪ -‬بعضهم على‬
‫القل بغي ‪ -‬ما يريدون وما يبيتون ‪ . .‬والو من حولم مهيأ ‪ ،‬والجهزة من حولم‬
‫معبأة ‪ . .‬والذين يدركون حقيقة هذا الدين ف الرض كلها مغيبون أو مشردون!‬
‫{ الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ‪ ،‬وإن فريقا منهم ليكتمون الق‬
‫وهم يعلمون } ‪. .‬‬
‫ومعرفة الناس بأبنائهم هي قمة العرفة ‪ ،‬وهي مثل يضرب ف لغة العرب على اليقي الذي‬
‫ل شبهة فيه ‪ . .‬فإذا كان أهل الكتاب على يقي من الق الذي جاء به النب ‪ -‬صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ -‬ومنه هذا الذي جاء به ف شأن القبلة ‪ ،‬وكان فريق منهم يكتمون الق‬
‫الذي يعلمونه علم اليقي ‪ . .‬فليس سبيل الؤمني إذن أن يتأثروا با يلقيه أهل الكتاب‬
‫هؤلء من أباطيل وأكاذيب ‪.‬‬
‫وليس سبيل الؤمني أن يأخذوا من هؤلء الذين يستيقنون الق ث يكتمونه شيئا ف أمر‬
‫دينهم ‪ ،‬الذي يأتيهم به رسولم الصادق المي ‪.‬‬

‫‪27‬‬

‫وهنا يوجه الطاب إل النب ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬بعد هذا البيان بشأن أهل الكتاب‬
‫‪:‬‬
‫{ الق من ربك فل تكونن من المترين } ‪. .‬‬
‫ورسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬ما امترى يوما ول شك ‪ .‬وحينما قال له ربه ف‬
‫آية أخرى ‪ { :‬فإن كنت ف شك ما أنزلنا إليك فاسأل الذي يقرأون الكتاب من قبلك }‬
‫‪ .‬قال ‪ « :‬ل أشك ول أسأل » ‪.‬‬
‫ولكن توجيه الطاب هكذا إل شخصه ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬يمل إياء قويا إل من‬
‫وراءه من السلمي ‪ .‬سواء منهم من كان ف ذلك الي يتأثر بأباطيل اليهود وأحابيلهم ‪،‬‬
‫ومن يأت بعدهم من تؤثر فيهم أباطيل اليهود وغي اليهود ف أمر دينهم ‪.‬‬
‫وما أجدرنا نن اليوم أن نستمع إل هذا التحذير؛ ونن ‪ -‬ف بلهة منقطعة النظي ‪-‬‬
‫نروح نستفت الستشرقي ‪ -‬من اليهود والنصارى والشيوعيي الكفار ‪ -‬ف أمر ديننا ‪،‬‬
‫ونتلقى عنهم تارينا ‪ ،‬ونأمنهم على القول ف تراثنا ‪ ،‬ونسمع لا يدسونه من شكوك ف‬
‫دراساتم لقرآننا وحديث نبينا ‪ ،‬وسية أوائلنا؛ ونرسل إليهم بعثات من طلبنا يتلقون‬
‫عنهم علوم السلم ‪ ،‬ويتخرجون ف جامعاتم ‪ ،‬ث يعودون الينا مدخول العقل والضمي ‪.‬‬
‫إن هذا القرآن قرآننا ‪ .‬قرآن المة السلمة ‪ .‬وهو كتابا الالد الذي ياطبها فيه ربا با‬
‫تعمله وما تذره ‪ .‬وأهل الكتاب هم أهل الكتاب ‪ ،‬والكفار هم الكفار ‪ ،‬والدين هو‬
‫الدين!‬
‫‪000000000000‬‬
‫{ الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ‪ ،‬الذين خسروا أنفسهم فهم ل‬
‫يؤمنون } ‪. .‬‬
‫لقد تكرر ف القرآن الكري ذكر معرفة أهل الكتاب ‪ -‬وهم اليهود والنصارى ‪ -‬لذا‬
‫القرآن؛ أو لصحة رساله ممد ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وتنيل هذا القرآن عليه من عند‬
‫ال ‪ . .‬تكرر ذكر هذه القيقة سواء ف مواجهة أهل الكتاب أنفسهم ‪ ،‬عندما كانوا‬
‫يقفون من النب ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬ومن هذا الدين وقفة العارضة والنكار والرب‬
‫والعداء ( وكان هذا غالبا ف الدينة ) أو ف مواجهة الشركي من العرب؛ لتعريفهم أن‬
‫أهل الكتاب ‪ ،‬الذين يعرفون طبيعة الوحي والكتب السماوية ‪ ،‬يعرفون هذا القرآن ‪،‬‬
‫‪28‬‬

‫ويعرفون صدق رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬ف أنه وحي أوحى به ربه إليه كما‬
‫أوحى إل الرسل من قبله ‪.‬‬
‫وهذا الية ‪ -‬كما رجحنا ‪ -‬مكية ‪ .‬وذكر أهل الكتاب فيها على هذا النحو ‪ -‬إذن ‪-‬‬
‫يفيد أنا كانت مواجهة للمشركي بأن هذا القرآن الذي ينكرونه ‪ ،‬يعرفه أهل الكتاب‬
‫كما يعرفون أبناءهم؛ وإذا كانت كثرتم ل تؤمن به فذلك لنم خسروا أنفسهم ‪ ،‬فهم‬
‫ل يؤمنون ‪.‬‬
‫شأنم ف هذا شأن الشركي ‪ ،‬الذين خسروا أنفسهم ‪ ،‬فلم يدخلوا ف هذا الدين!‬
‫والسياق قبل هذه الية وبعدها كله عن الشركي ‪ .‬ما يرجح مكيتها كما قلنا من قبل ف‬
‫التعريف بالسورة ‪. .‬‬
‫وقد جرى الفسرون على تفسي مثل هذا التقرير ‪ { :‬الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما‬
‫يعرفون أبناءهم } ‪. .‬‬
‫على أنم يعرفون أنه منل من عند ال حقا؛ أو على أن النب ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪-‬‬
‫رسول من عندال حقا ‪ ،‬يوحى إليه بذا القرآن ‪. .‬‬
‫وهذا جانب من مدلول النص فعلً ‪ ،‬ولكنا نلمح ‪ -‬باستصحاب الواقع التاريي وموقف‬
‫أهل الكتاب من هذا الدين فيه ‪ -‬أن هناك جانبا آخر من مدلول النص؛ لعل ال ‪-‬‬
‫سبحانه ‪ -‬أراد أن يعلمه للجماعة السلمة ‪ ،‬ليستقر ف وعيها على مدار التاريخ ‪ ،‬وهي‬
‫تواجه أهل الكتاب بذا الدين ‪. .‬‬
‫إن أهل الكتاب يعرفون أن هذا الكتاب حق من عند ال؛ ويعرفون ‪ -‬من ث ‪ -‬ما فيه من‬
‫سلطان وقوة؛ ومن خي وصلح؛ ومن طاقة دافعة للمة الت تدين بالعقيدة الت جاء با؛‬
‫وبالخلق الت تنبثق منها؛ وبالنظام الذي يقوم عليها ‪ .‬ويسبون كل حساب لذا‬
‫الكتاب وأهله؛ ويعلمون جيدا أن الرض ل تسعهم وتسع أهل الدين! ‪ . .‬إنم يعرفون ما‬
‫فيه من حق ‪ ،‬ويعرفون ما هم فيه من باطل ‪ . .‬ويعرفون أن الاهلية الت صاروا إليها ‪،‬‬
‫وصارت إليها أوضاع قومهم وأخلقهم وأنظمتهم ‪ ،‬ل يكن أن يهادنا هذا الدين ‪ ،‬أو‬
‫يبقي عليها ‪ . .‬وأنا ‪ -‬من ث ‪ -‬معركة ل تدأ حت تلو الاهلية عن هذه الرض ‪،‬‬
‫ويستعلي هذا الدين ‪ ،‬ويكون الدين كله ل ‪ . .‬أي أن يكون السلطان ف الرض كله ل؛‬

‫‪29‬‬

‫وأن يطارد العتدون على سلطان ال ف الرض كلها ‪ .‬وبذلك وحده يكون الدين كله ل‬
‫‪..‬‬
‫إن أهل الكتاب يعلمون جيدا هذه القيقة ف هذا الدين ‪ . .‬ويعرفونه با كما يعرفون‬
‫ل بعد جيل يدرسون هذا الدين دراسة دقيقة عميقة؛ وينقبون عن‬
‫أبناءهم ‪ . .‬وهم جي ً‬
‫أسرار قوته؛ وعن مداخله إل النفوس ومساربه فيها؛ ويبحثون بد ‪ :‬كيف يستطيعون أن‬
‫يفسدوا القوة الوجهة ف هذا الدين؟ كيف يلقون بالريب والشكوك ف قلوب أهله؟ كيف‬
‫يرفون الكلم فيه عن مواضعه؟ كيف يصدون أهله عن العلم القيقي به؟ كيف يولونه‬
‫من حركة دافعة تطم الباطل والاهلية وتسترد سلطان ال ف الرض وتطارد العتدين‬
‫على هذا السلطان ‪ ،‬وتعل الدين كله ل ‪ . .‬إل حركة ثقافية باردة ‪ ،‬وإل بوث نظرية‬
‫ميتة ‪ ،‬وإل جدل لهوت أو فقهي أو طائفي فارغ؟ كيف يفرغون مفهوماته ف أوضاع‬
‫وأنظمة وتصورات غريبة عنه مدمرة له ‪ ،‬مع إيهام أهله أن عقيدتم مترمة مصونة؟! كيف‬
‫ف النهاية يلون فراغ العقيدة بتصورات أخرى ومفهومات أخرى واهتمامات أخرى ‪،‬‬
‫ليجهزوا على الذور العاطفية الباقية من العقيدة الباهتة؟!‬
‫إن أهل الكتاب يدرسون هذا الدين دراسة جادة عميقة فاحصة؛ ل لنم يبحثون عن‬
‫القيقية ‪ -‬كما يتوهم السذج من أهل هذا الدين! ‪ -‬ول لينصفوا هذا الدين وأصله ‪-‬‬
‫كما يتصور بعض الخدوعي حينما يرون اعترافا من باحث أو مستشرق بانب طيب ف‬
‫هذا الدين! ‪ -‬كل! إنا هم يقومون بذه الدراسة الادة العميقة الفاحصة ‪ ،‬لنم يبحثون‬
‫عن مقتل لذا الدين! لنم يبحثون عن منافذه ومساربه إل الفطرة ليسدوها أو ييعوها!‬
‫لنم يبحثون عن أسرار قوته ليقاوموه منها! لنم يريدون أن يعرفوا كيف يبن نفسه ف‬
‫النفوس ليبنوا على غراره التصورات الضادة الت يريدون ملء فراغ الناس با!‬
‫وهم من أجل هذه الهداف واللبسات كلها يعرفونه كما يعرفون أبناءهم!‬
‫ومن واجبنا نن أن نعرف ذلك ‪.‬‬
‫وأن نعرف معه أننا نن الوْل بأن نعرف ديننا كما نعرف أبناءنا!‬
‫إن الواقع التاريي من خلل أربعة عشر قرنا ينطق بقيقة واحدة ‪ . .‬هي هذه القيقة الت‬
‫يقررها القرآن الكري ف هذه الية ‪ { :‬الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم‬

‫‪30‬‬

‫} ‪ . .‬ولكن هذه القيقة تتضح ف هذه الفترة وتتجلى بصورة خاصة ‪ . .‬إن البحوث الت‬
‫تكتب عن السلم ف هذه الفترة تصدر بعدل كتاب كل أسبوع؛ بلغة من اللغات‬
‫الجنبية ‪ . .‬وتنطق هذه البحوث بدى معرفة أهل الكتاب بكل صغية وكبية عن طبيعة‬
‫هذا الدين وتاريه ‪ ،‬ومصادر قوته ‪ ،‬ووسائل مقاومته ‪ ،‬وطرق إفساد توجيهه! ومعظمهم‬
‫ بطبيعة الال ‪ -‬ل يفصح عن نيته هذه؛ فهم يعلمون أن الجوم الصريح على هذا الدين‬‫كان يثي حاسة الدفاع والقاومة؛ وأن الركات الت قامت لطرد الجوم السلح على هذا‬
‫الدين ‪ -‬المثل ف الستعمار ‪ -‬إنا كانت ترتكز على قاعدة من الوعي الدين أو على‬
‫القل العاطفة الدينية؛ وأن استمرار الجوم على السلم ‪ -‬ولو ف الصورة الفكرية ‪-‬‬
‫سيظل يثي حاسة الدفاع والقاومة! لذلك يلجأ معظمهم إل طريقة أخبث ‪ . .‬يلجأ إل‬
‫إزجاء الثناء لذا الدين ‪ ،‬حت ينوم الشاعر التوفزة ‪ ،‬ويدر الماسة التحفزة ‪ ،‬وينال ثقة‬
‫القارىء واطمئنانه ‪ . .‬ث يضع السم ف الكأس ويقدمها مترعة ‪ . .‬هذا الدين نعم عظيم ‪.‬‬
‫‪ .‬ولكنه ينبغي أن يتطور بفهوماته ويتطور كذلك بتنظيماته ليجاري الضارة « النسانية‬
‫» الديثة! وينبغي أل يقف موقف العارضة للتطورات الت وقعت ف أوضاع الجتمع ‪،‬‬
‫وف أشكال الكم ‪ ،‬وف قيم الخلق! وينبغي ‪ -‬ف النهاية ‪ -‬أن يتمثل ف صورة عقيدة‬
‫ف القلوب ‪ ،‬ويدع الياة الواقعية تنظمها نظريات وتارب وأساليب الضارة « النسانية‬
‫» الديثة! ويقف فقط ليبارك ما تقرره الرباب الرضية من هذه التجارب والساليب ‪.‬‬
‫‪ .‬وبذلك يظل دينا عظيما ‪!!! . .‬‬
‫وف أثناء عرض مواضع القوة والعمق ف هذا الدين ‪ -‬وهي ظاهريا تبدو ف صورة‬
‫النصاف الادع والثناء الخدر ‪ -‬يقصد الؤلف قومه من أهل الكتاب؛ لينبههم إل‬
‫خطورة هذا الدين ‪ ،‬وإل أسرار قوته؛ ويسي أمام الجهزة الدمرة بذا الضوء الكشاف ‪،‬‬
‫ليسددوا ضرباتم على الدف‬
‫وليعرفوا هذا الدين كما يعرفون أبناءهم!‬
‫إن أسرار هذا القرآن ستظل تتكشف لصحابه؛ جديدة دائما؛ كلما عاشوا ف ظلله؛‬
‫وهم يوضون معركة العقيدة؛ ويتدبرون بوعي أحداث التاريخ؛ ويطالعون بوعي أحداث‬
‫الاضر ‪ .‬ويرون بنور ال ‪ .‬الذي يكشف الق ‪ ،‬ويني الطريق ‪(. .‬الظلل)‬

‫‪31‬‬

‫****************‬
‫ودعاهم إل كلمة سواء فأبوا ‪:‬‬
‫ب َتعَاَلوْا إِلَى كَِل َم ٍة َسوَا ٍء َبْينَنَا َوَبيَْنكُمْ أَلّا نَ ْعبُدَ إِلّا اللّ َه وَلَا‬
‫قال تعال ‪ { :‬قُلْ يَا َأهْ َل اْلكِتَا ِ‬
‫ضنَا َبعْضًا أَ ْربَابًا مِنْ دُونِ اللّهِ َفِإنْ َتوَّلوْا َفقُولُوا ا ْشهَدُوا ِبأَنّا‬
‫خ َذ َبعْ ُ‬
‫نُشْ ِركَ بِهِ َشْيئًا وَلَا َيتّ ِ‬
‫مُسْلِمُونَ (‪[ )64‬آل عمران‪} ]65 ،64/‬‬
‫وإنا لدعوة منصفة من غي شك ‪ .‬دعوة ل يريد با النب ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬أن‬
‫يتفضل عليهم هو ومن معه من السلمي ‪ . .‬كلمة سواء يقف أمامها الميع على مستوى‬
‫واحد ‪ .‬ل يعلو بعضهم على بعض ‪ ،‬ول يتعبد بعضهم بعضا ‪ .‬دعوة ل يأباها إل متعنت‬
‫مفسد ‪ ،‬ل يريد أن يفيء إل الق القوي ‪.‬‬
‫إنا دعوة إل عبادة ال وحده ل يشركون به شيئا ‪ .‬ل بشرا ول حجرا ‪ .‬ودعوة إل أل‬
‫يتخذ بعضهم بعضا من دون ال أربابا ‪ .‬ل نبيا ول رسولً ‪ .‬فكلهم ل عبيد ‪ .‬إنا‬
‫اصطفاهم ال للتبليغ عنه ‪ ،‬ل لشاركته ف اللوهية والربوبية ‪.‬‬
‫{ فإن تولوا فقولوا ‪ :‬اشهدوا بأنا مسلمون } ‪.‬‬
‫فإن أبوا عبادة ال وحده دون شريك ‪ .‬والعبودية ل وحده دون شريك ‪ .‬وها الظهران‬
‫اللذان يقرران موقف العبيد من اللوهية ‪ . .‬إن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ‪. .‬‬
‫وهذه القابلة بي السلمي ومن يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون ال ‪ ،‬تقرر بوضوح‬
‫حاسم من هم السلمون ‪.‬‬
‫هذا الشوط من السورة ما يزال يري مع الط الول الساسي العريض فيها ‪ . .‬خط‬
‫العركة بي أهل الكتاب والماعة السلمة ‪ . .‬معركة العقيدة ‪ ،‬وما يبذل أعداء هذا الدين‬
‫من جهد ومن حيلة ومن مكيدة ومن خداع ‪ ،‬ومن كذب ‪ ،‬ومن تدبي ‪ ،‬للبس الق‬
‫بالباطل ‪ ،‬وبث الريب والشكوك ‪ ،‬وتبييت الشر والضر لذه المة بل وناة ول انقطاع ‪.‬‬
‫‪ .‬ث مواجهة القرآن لذا كله ‪ ،‬بتبصي الؤمني بقيقة ما هم عليه من الق؛ وحقيقة ما‬
‫عليه أعداؤهم من الباطل؛ وحقيقة ما يبيته لم هؤلء العداء ‪ . .‬وأخيا بتشريح هؤلء‬
‫العداء ‪ . .‬طباعهم وأخلقهم وأعمالم ونياتم ‪ . .‬على مشهد من الماعة السلمة ‪.‬‬
‫لتعريفها حقيقة أعدائها ‪ ،‬وفضح ما يضفونه على أنفسهم من مظاهر العلم والعرفة ‪،‬‬

‫‪32‬‬

‫وتبديد ثقة الخدوعي من السلمي فيهم ‪ ،‬وتنفيهم من حالم وإسقاط دسائسهم بتركها‬
‫مكشوفة عوراء ‪ ،‬ل تدع أحدا ول تنطلي على أحد!‬
‫ويبدأ هذا الشوط بواجهة أهل الكتاب ‪ -‬اليهود والنصارى ‪ -‬بسخف موقفهم وهم‬
‫ياجون ف إبراهيم ‪ -‬عليه السلم ‪ -‬فيزعم اليهود أنه كان يهوديا ‪ ،‬ويزعم النصارى أنه‬
‫كان نصرانيا ‪ .‬على حي أن إبراهيم سابق لليهودية والنصرانية ‪ ،‬سابق للتوراة والنيل ‪.‬‬
‫والجاج فيه على هذا النحو مراء ل يستند إل دليل ‪ . .‬ويقرر حقيقة ما كان عليه‬
‫إبراهيم ‪ . .‬لقد كان على السلم ‪ . .‬دين ال القوي ‪ .‬وأولياؤه هم الذين يسيون على‬
‫نجه ‪ .‬وال ول الؤمني أجعي ‪ . .‬ومن ث تسقط ادعاءات هؤلء وهؤلء؛ ويتبي خط‬
‫السلم الواصل بي رسل ال والؤمني بم على توال القرون ‪ { :‬إن أول الناس بإبراهيم‬
‫للذين اتبعوه ‪ ،‬وهذا النب ‪ ،‬والذين آمنوا ‪ .‬وال ول الؤمني } ‪. .‬‬
‫يلي ذلك ف السياق كشف الدف الصيل الكامن وراء ماراة أهل الكتاب ف إبراهيم‬
‫وغي إبراهيم ‪ -‬ما سبق ف السورة وما سيجيء ‪ -‬فهو الرغبة اللحة ف إضلل السلمي‬
‫عن دينهم ‪ -‬وتشكيكهم ف عقيدتم ‪ . .‬ومن ث يتجه بالتقريع إل الضللي ‪ { :‬يا أهل‬
‫الكتاب ل تكفرون بآيات ال وأنتم تشهدون؟ يا أهل الكتاب ل تلبسون الق بالباطل‬
‫وتكتمون الق وأنتم تعلمون؟ } ‪. .‬‬
‫ث يطلع الماعة السلمة على لون من تبييت أعدائهم وتدبيهم ‪ ،‬لزعزعة ثقتهم ف‬
‫عقيدتم ودينهم بطريقة خبيثة ماكرة لئيمة ‪ .‬ذلك أن يعلنوا إيانم بالسلم أول النهار ‪،‬‬
‫ث يكفروا بالسلم آخره ‪ . .‬كي يلقوا ف روع غي التثبتي ف الصف السلم ‪ -‬ومثلهم‬
‫موجود دائما ف كل صف ‪ -‬أنه لمر ارتد أهل الكتاب ‪ ،‬البيون بالكتب والرسل‬
‫والديانات ‪ { :‬وقالت طائفة من أهل الكتاب ‪ :‬آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه‬
‫النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون } ‪ . .‬وهو كيد خبيث لئيم!‬
‫********************‬
‫استفتاحهم على الكفار قبل السلم ث كفرهم بالرسول صلى ال عليه وسلم بعد ميئه‬

‫‪33‬‬

‫قال تعال ‪ { :‬وَلَمّا جَا َءهُمْ ِكتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللّ ِه ُمصَ ّدقٌ لِمَا َم َعهُ ْم وَكَانُوا مِنْ َقبْ ُل‬
‫ستَ ْفتِحُونَ عَلَى الّذِينَ َكفَرُوا َفلَمّا جَا َءهُ ْم مَا عَرَفُوا َكفَرُوا بِهِ فََل ْعَنةُ اللّ ِه عَلَى اْلكَافِرِينَ (‬
‫يَ ْ‬
‫‪[ )89‬البقرة‪} ]90 ،89/‬‬
‫وهو تصرف يستحق الطرد والغضب لقبحه وشناعته ‪ . .‬ومن ث يصب عليهم اللعنة‬
‫ويصمهم بالكفر ‪ { :‬فلعنة ال على الكافرين } ‪. .‬‬
‫ويفضح السبب الفي لذا الوقف الشائن الذي وقفوه؛ بعد أن يقرر خسارة الصفقة الت‬
‫اختاروها ‪ { :‬بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا با أنزل ال ‪ ،‬بغيا أن ينل ال من‬
‫فضله على من يشاء من عباده ‪ .‬فباؤوا بغضب على غضب ‪ ،‬وللكافرين عذاب مهي } ‪.‬‬
‫‪.‬‬
‫بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا ‪ . . .‬لكأن هذا الكفر هو الثمن القابل لنفسهم!‬
‫والنسان يعادل نفسه بثمن ما ‪ ،‬يكثر أو يقل ‪ .‬أما أن يعادلا بالكفر فتلك أبأس‬
‫الصفقات وأخسرها ولكن هذا هو الواقع ‪ .‬وإن بدا تثيلً وتصويرا ‪ .‬لقد خسروا أنفسهم‬
‫ف الدنيا فلم ينضموا إل الوكب الكري العزيز ولقد خسروا أنفسهم ف الخرة با‬
‫ينتظرهم من العذاب الهي ‪ .‬وباذا خرجوا ف النهاية؟ خرجوا بالكفر ‪ ،‬هو وحده الذي‬
‫كسبوه وأخذوه!‬
‫وكان الذي حلهم على هذا كله هو حسدهم لرسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬أن‬
‫يتاره ال للرسالة الت انتظروها فيهم ‪ ،‬وحقدهم لن ينل ال من فضله على من يشاء من‬
‫عباده ‪ .‬وكان هذا بغيا منهم وظلما فعادوا من هذا الظلم بغضب على غضب؛ وهناك‬
‫ينتظرهم عذاب مهي ‪ ،‬جزاء الستكبار والسد والبغي الذميم ‪.‬‬
‫وهذه الطبيعة الت تبدو هنا ف يهود هي الطبيعة الكنود ‪ ،‬طبيعة الثرة الضيقة الت تيا ف‬
‫نطاق من التعصب شديد؛ وتس أن كل خي يصيب سواها كأنا هو مقتطع منها؛ ول‬
‫تشعر بالوشيجة‬
‫وهكذا عاش اليهود ف عزلة ‪ ،‬يسون أنم فرع مقطوع من شجرة الياة؛ ويتربصون‬
‫بالبشرية الدوائر؛ ويكنون للناس البغضاء ‪ ،‬ويعانون عذاب الحقاد والضغائن ‪ ،‬ويذيقون‬
‫البشرية رجع هذه الحقاد فتنا يوقدونا بي بعض الشعوب وبعض ‪ ،‬وحروبا يثيونا‬

‫‪34‬‬

‫ليجروا من ورائها الغان ‪ ،‬ويروون با أحقادهم الت ل تنطفىء ‪ ،‬وهلكا يسلطونه على‬
‫الناس ‪ ،‬ويسلطه عليهم الناس ‪ . .‬وهذا الشر كله إنا نشأ من تلك الثرة البغيضة ‪ { :‬بغيا‬
‫‪ . .‬أن ينل ال من فضله على من يشاء من عباده } ‪. .‬‬
‫{ وإذا قيل لم ‪ :‬آمنوا با أنزل ال قالوا ‪ :‬نؤمن با أنزل علينا ‪ ،‬ويكفرون با وراءه وهو‬
‫الق مصدقاَ لا معهم } ‪. .‬‬
‫وكان هذا هو الذي يقولونه إذا دعوا إل اليان بالقرآن وبالسلم ‪ .‬كانوا يقولون‬
‫{ نؤمن با أنزل علينا } ‪ . .‬ففيه الكفاية ‪ ،‬وهو وحده الق ‪ ،‬ث يكفرون با وراءه ‪.‬‬
‫سواء ما جاءهم به عيسى عليه السلم ‪ ،‬وما جاءهم به ممد خات النبيي ‪.‬‬
‫‪-----------‬‬‫لقد استقبل اليهود رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬ودينه ف الدينة شر ما يستقبل‬
‫أهل دين ساوي رسولً يعرفون صدقه ‪ ،‬ودينا يعرفون أنه الق ‪. .‬‬
‫استقبلوه بالدسائس والكاذيب والشبهات والفت يلقونا ف الصف السلم ف الدينة بكافة‬
‫الطرق اللتوية الاكرة الت يتقنها اليهود ‪ . .‬شككوا ف رسالة رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ -‬وهم يعرفونه؛ واحتضنوا النافقي وأمدوهم بالشبهات الت ينشرونا ف الو‬
‫وبالتهم والكاذيب ‪ .‬وما فعلوه ف حادث تويل القبلة ‪ ،‬وما فعلوه ف حادث الفك ‪،‬‬
‫وما فعلوه ف كل مناسبة ‪ ،‬ليس إل ناذج من هذا الكيد اللئيم ‪ . .‬وف مثل هذه الفاعيل‬
‫كان يتنل القرآن الكري ‪ .‬وسور البقرة وآل عمران والنساء والائدة والشر والحزاب‬
‫والتوبة وغيها تضمنت من هذا الكثي ‪:‬‬
‫{ ولا جاءهم كتاب من عند ال مصدق لا معهم ‪ -‬وكانوا من قبل يستفتحون على‬
‫الذين كفروا ‪ -‬فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ‪ ،‬فلعنة ال على الكافرين ‪ ،‬بئسما اشتروا‬
‫به أنفسهم أن يكفروا با أنزل ال ‪ -‬بغيا أن ينل ال من فضله على من يشاء من عباده ‪-‬‬
‫فباءوا بغضب على غضب ‪ ،‬وللكافرين عذاب مهي } [ البقرة ‪. ] 90 - 89 :‬‬
‫{ ولا جاءهم رسول من عند ال مصدق لا معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب‬
‫كتاب ال وراء ظهورهم كأنم ل يعلمون } [ البقرة ‪. ] 101 :‬‬

‫‪35‬‬

‫{ سيقول السفهاء من الناس ‪ :‬ما ولهم عن قبلتهم الت كانوا عليها ‪ .‬قل ‪ :‬ل الشرق‬
‫والغرب يهدي من يشاء إل صراط مستقيم } [ البقرة ‪. ] 142 :‬‬
‫{ يا أهل الكتاب ل تكفرون بآيات ال وأنتم تشهدون ‪ .‬يا أهل الكتاب ل تلبسون الق‬
‫بالباطل وتكتمون الق وأنتم تعلمون؟ } [ آل عمران ‪. ] 71 - 70 :‬‬
‫{ وقالت طائفة من أهل الكتاب ‪ :‬آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا‬
‫آخره لعلهم يرجعون } [ آل عمران ‪. ] 72 :‬‬
‫{ وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ‪،‬‬
‫ويقولون هو من عند ال ‪ ،‬وما هو من عند ال ويقولون على ال الكذب وهم يعلمون }‬
‫[ آل عمران ‪. ] 78 :‬‬
‫{ قل ‪ :‬يا أهل الكتاب ل تكفرون بآيات ال وال شهيد على ما تعملون؟ قل يا أهل‬
‫الكتاب ل تصدون عن سبيل ال من آمن تبغونا عوجا وأنتم شهداء وما ال بغافل عما‬
‫تعملون } [ آل عمران ‪. ] 99 - 98 :‬‬
‫{ يسألك أهل الكتاب أن تنل عليهم كتابا من السماء! فقد سألوا موسى أكب من‬
‫ذلك ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬أرنا ال جهرة ‪ ،‬فأخذتم الصاعقة بظلمهم؛ ث اتذوا العجل من بعد ما‬
‫جاءتم البينات ‪} . . .‬‬
‫[ النساء ‪. ] 153 :‬‬
‫{ يريدون أن يطفئوا نور ال بأفواههم ‪ ،‬ويأب ال إل أن يتم نوره ولو كره الكافرون } ‪.‬‬
‫‪ [ . .‬التوبة ‪. ] 32 :‬‬
‫كذلك شهد التاريخ نقض اليهود لعهودهم مرة بعد مرة وترشهم بالسلمي ‪ ،‬ما أدى إل‬
‫وقائع بن قينقاع وبن النضي وبن قريظة وخيب ‪ .‬كما شهد تأليب اليهود للمشركي ف‬
‫الحزاب ‪ ،‬ما هو معروف مشهور ‪.‬‬
‫ث تابع اليهود كيدهم للسلم وأهله منذ ذلك التاريخ ‪ . .‬كانوا عناصر أساسية ف إثارة‬
‫الفتنة الكبى الت قتل فيها الليفة الراشد عثمان بن عفان ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬وانتثر بعدها‬
‫شل التجمع السلمي إل حد كبي ‪. .‬‬

‫‪36‬‬

‫وكانوا رأس الفتنة فيما وقع بعد ذلك بي علي ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬ومعاوية ‪ . .‬وقادوا‬
‫حلة الوضع ف الديث والسية وروايات التفسي ‪ . .‬وكانوا من المهدين لملة التتار‬
‫على بغداد وتقويض اللفة السلمية ‪. . .‬‬
‫فأما ف التاريخ الديث فهم وراء كل كارثة حلت بالسلمي ف كل مكان على وجه‬
‫الرض؛ وهم وراء كل ماولة لسحق طلئع البعث السلمي؛ وهم حاة كل وضع من‬
‫الوضاع الت تتول هذه الحاولة ف كل أرجاء العال السلمي!‬
‫ذلك شأن اليهود ‪ ،‬فأما شأن الفريق الخر من أهل الكتاب ‪ ،‬فهو ل يقل إصرارا على‬
‫العداوة والرب من شأن اليهود!‬
‫لقد كانت بي الرومان والفرس عداوات عمرها قرون ‪ . .‬ولكن ما إن ظهر السلم ف‬
‫الزيرة؛ وأحست الكنيسة بطورة هذا الدين الق على ما صنعته هي بأيديها وسته «‬
‫السيحية » وهو ركام من الوثنيات القدية ‪ ،‬والضاليل الكنسية ‪ ،‬متلبسا ببقايا من‬
‫كلمات السيح ‪ -‬عليه السلم ‪ -‬وتاريه ‪ . .‬حت رأينا الرومان والفرس ينسون ما بينهم‬
‫من نزاعات تارييه قدية وعداوات وثارات عميقة ‪ ،‬ليواجهوا هذا الدين الديد ‪.‬‬
‫ولقد أخذ الروم يتجمعون ف الشمال هم وعمالم من الغساسنة لينقضوا على هذا الدين ‪.‬‬
‫وذلك بعد أن قتلوا الارث بن عمي الزدي رسول رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪-‬‬
‫إل عامل بصرى من قبل الروم ‪ -‬وكان السلمون يؤمنون الرسل ولكن النصارى غدروا‬
‫برسول النب صلى ال عليه وسلم وقتلوه ‪ -‬ما جعل رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪-‬‬
‫يبعث بيش المراء الشهداء الثلثة ‪ :‬زيد بن حارثة ‪ ،‬وجعفر بن أب طالب ‪ ،‬وعبد ال بن‬
‫رواحة ف غزوة « مؤتة » فوجدوا تمعا للروم تقول الروايات عنه ‪ :‬إنه مائة ألف من‬
‫الروم ومعه من عملئهم ف الشام من القبائل العربية النصرانية مائة ألف أخرى؛ وكان‬
‫جيش السلمي ل يتجاوز ثلثة آلف مقاتل ‪ .‬وكان ذلك ف جادى الول من السنة‬
‫الثامنة للهجرة ‪.‬‬
‫ث كانت غزوة تبوك الت يدور عليها معظم هذه السورة ( وسيجيء تفصيل القول فيها ف‬
‫موضعه إن شاء ال تعال ) ‪.‬‬

‫‪37‬‬

‫ث كان جيش أسامة بن زيد الذي أعده رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬قبيل وفاته؛‬
‫ث أنفذه الليفة الراشد أبو بكر ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬إل أطراف الشام؛ لواجهة تلك‬
‫التجمعات الرومانية الت تستهدف القضاء على هذا الدين!‬
‫ث اشتعل مرجل القد الصليب منذ موقعة اليموك الظافرة ‪ ،‬الت أعقبها انطلق السلم‬
‫لتحرير الستعمرات المباطورية الرومانية ف الشام ومصر وشال إفريقية وجزر البحر‬
‫البيض ‪ .‬ث بناء القاعدة السلمية الوطيدة ف الندلس ف النهاية ‪.‬‬
‫إن « الروب الصليبية » العروفة بذا السم ف التاريخ ‪ ،‬ل تكن هي وحدها الت شنتها‬
‫الكنيسة على السلم ‪ ،‬لقد كانت هذه الروب مبكرة قبل هذا الوعد بكثي ‪ . .‬لقد‬
‫بدأت ف القيقة منذ ذلك التاريخ البعيد ‪ . .‬منذ أن نسي الرومان عداواتم مع الفرس؛‬
‫وأخذ النصارى يعينون الفرس ضد السلم ف جنوب الزيرة ‪ .‬ث بعد ذلك ف « مؤتة »‬
‫‪ .‬ث فيما تل موقعة اليموك الظافرة ‪ . .‬ث تلت ضراوتا ووحشيتها ف الندلس عندما‬
‫زحفت الصليبية على القاعدة السلمية ف أوربة ‪ ،‬وارتكبت من الوحشية ف تعذيب‬
‫مليي السلمي وقتلهم هناك ما ل يعرف التاريخ له نظيا من قبل ‪ . .‬وكذلك تلت ف‬
‫الروب الصليبية ف الشرق بثل هذه البشاعة الت ل تتحرج ول تتذمم؛ ول تراعي ف‬
‫السلمي إِلّ ول ذمة ‪.‬‬
‫وما جاء ف كتاب « حضارة العرب » لوستاف لوبون ‪ -‬وهو فرنسي مسيحي ‪: -‬‬
‫« كان أول ما بدأ به ريكاردوس النليزي أنه قتل أمام معسكر السلمي ‪ ،‬ثلث آلف‬
‫أسي سلموا أنفسهم إليه ‪ ،‬بعد أن قطع على نفسه العهد بقن دمائهم ‪ .‬ث أطلق لنفسه‬
‫العنان باقتراف القتل والسلب ‪ ،‬ما أثار صلح الدين اليوب النبيل ‪ ،‬الذي رحم نصارى‬
‫القدس ‪ ،‬فلم يسهم بأذى ‪ ،‬والذي أمد فيليب وقلب السد بالرطبات والدوية‬
‫والزواد ‪ ،‬أثناء مرضهما » ‪.‬‬
‫كذلك كتب كاتب مسيحي آخر ( اسه يورجا ) يقول ‪:‬‬
‫« ابتدأ الصليبيون سيهم على بيت القدس بأسوأ طالع ‪ ،‬فكان فريق من الجاج‬
‫يسفكون الدماء ف القصور الت استولوا عليها ‪ .‬وقد أسرفوا ف القسوة فكانوا يبقرون‬
‫البطون ‪ .‬ويبحثون عن الدناني ف المعاء! أما صلح الدين ‪ ،‬فلما استرد بيت القدس‬

‫‪38‬‬

‫بذل المان للصليبيي ‪ ،‬ووف لم بميع عهوده ‪ ،‬وجاد السلمون على أعدائهم ووطأوهم‬
‫مهاد رأفتهم ‪ ،‬حت أن اللك العادل ‪ ،‬شقيق السلطان ‪ ،‬أطلق ألف رقيق من السرى ‪،‬‬
‫ومنّ على جيع الرمن ‪ ،‬وأذن للبطريرك بمل الصليب وزينة الكنيسة ‪ ،‬وأبيح للميات‬
‫واللكة بزيارة أزواجهن » ‪.‬‬
‫ول يتسع الجال ف الظلل لستعراض ذلك الط الطويل للحروب الصليبية ‪ -‬على مدار‬
‫التاريخ ‪ -‬ولكن يكفي أن نقول ‪ :‬إن هذه الرب ل تضع أوزارها قط من جانب الصليبية‬
‫‪ .‬ويكفي أن نذكر ماذا حدث ف زنبار حديثا ‪ .‬حيث أبيد السلمون فيها عن بكرة‬
‫أبيهم ‪ ،‬فقتل منهم اثنا عشر ألفا وألقي الربعة اللف الباقون ف البحر منفيي من‬
‫الزيرة! ويكفي أن نذكر ماذا وقع ف قبص ‪ ،‬حيث منع الطعام والاء عن الهات الت‬
‫يقطنها بقايا السلمي هناك ليموتوا جوعا وعطشا ‪ ،‬فوق ما سلط عليهم من التقتيل‬
‫والتذبيح والتشريد! ويكفي أن نذكر ما تزاوله البشة ف اريترية وف قلب البشة ‪ ،‬وما‬
‫تزاوله كينيا مع الائة ألف مسلم الذين ينتمون إل أصل صومال ‪ ،‬ويريدون أن ينضموا‬
‫إل قومهم السلمي ف الصومال! ويكفي أن نعلم ماذا تاوله الصليبية ف السودان النوب!‬
‫ويكفي لتصوير نظرة الصليبيي إل السلم أن ننقل فقرة من كتاب لؤلف أورب صدر‬
‫سنة ‪ 1944‬يقول فيه؟‬
‫لقد كنا نوّف من قبل بالطر اليهودي ‪ ،‬والطر الصفر ‪ ،‬وبالطر البلشفي ‪ .‬إل أن هذا‬
‫التخويف كله ل يتفق كما تيلناه ‪ .‬إننا وجدنا اليهود أصدقاء لنا ‪ ،‬وعلى هذا يكون كل‬
‫مضطهد لم عدونا اللد! ث رأينا أن البلشفة حلفاء لنا ‪ ،‬أما الشعوب الصفراء فهنالك‬
‫دول ديقراطية كبى تقاومها ‪ .‬ولكن الطر القيقي كامن ف نظام السلم ‪ ،‬وف قوته‬
‫على التوسع والخضاع ‪ ،‬وف حيويته ‪ . .‬إنه الدار الوحيد ف وجه الستعمار الورب «‬
‫‪.‬‬
‫ول نستطيع أن نضي أبعد من ذلك ف استعراض تاريخ تلك الرب العاتية الت أعلنتها‬
‫الصليبية على السلم وما تزال ‪ . .‬وقد تدثنا من قبل مرارا ف أجزاء الظلل السابقة ‪-‬‬
‫بناسبة النصوص القرآنية الكثية ‪ -‬عن طبيعة هذه العركة ‪ ،‬الطويلة ‪ ،‬ومسائلها وأشكالا‬
‫‪ .‬فحسبنا هذه الشارات السريعة هنا بالحالة على بعض الراجع الخرى القريبة ‪.‬‬

‫‪39‬‬

‫وهكذا نرى من هذا الستعراض السريع ‪ -‬بالضافة إل ما قلناه من قبل عن طبيعة‬
‫العلن السلمي العام بتحرير النسان ‪ .‬وتفز الاهلية ف الرض كلها لسحق الركة‬
‫الت تمل هذا العلن العام وتنطلق به ف الرض كلها ‪ -‬أن هذه الحكام الخية‬
‫الواردة ف هذه السورة ‪ ،‬هي التقضى الطبيعي لذه القائق كلها متمعة؛ وأنا ليست‬
‫أحكاما مددة بزمان ‪ ،‬ول مقيدة بالة ‪ .‬وإن كان هذا ف الوقت ذاته ل ينسخ الحكام‬
‫الرحلية السابقة النسخ الشرعي الذي ينع العمل با ف الظروف واللبسات الت تشابه‬
‫الظروف واللبسات الت تنلت فيها ‪ .‬فهناك دائما طبيعة النهج السلمي الركية ‪ ،‬الت‬
‫تواجه الواقع البشري مواجهة واقعية ‪ ،‬بوسائل متجددة ‪ ،‬ف الراحل التعددة ‪( .‬الظلل)‬
‫****************‬
‫وقد أعلنوا الرب على السلم والسلمي منذ اليوم الول الذي سعوا بالسلم ‪،‬‬
‫ونب السلم (( ممد صلى ال عليه وسلم ))‬
‫وقد فضحهم القرآن الكري ‪ ،‬وبي تاريهم السود‬
‫ت التّوْرَاةُ وَالِْإنْجِيلُ إِلّا مِنْ‬
‫قال تعال ‪ { :‬يَا َأهْ َل الْ ِكتَابِ لِ َم تُحَاجّونَ فِي إِبْرَاهِي َم َومَا ُأنْزَِل ِ‬
‫جتُمْ فِيمَا َلكُ ْم بِ ِه عِلْمٌ َفلِ َم تُحَاجّونَ فِيمَا َلْيسَ‬
‫َبعْ ِدهِ أَفَلَا َت ْعقِلُونَ (‪ )65‬هَا أَْنتُ ْم َهؤُلَاءِ حَا َج ْ‬
‫َلكُ ْم بِهِ عِ ْل ٌم وَاللّ ُه َيعْلَ ُم َوَأنْتُمْ لَا َتعْلَمُونَ (‪[ )66‬آل عمران‪} ]67-65/‬‬
‫وقال تعال ‪ { :‬قُ ْل يَا َأهْ َل الْ ِكتَابِ لِ َم َت ْكفُرُو َن بِ َآيَاتِ اللّ ِه وَاللّ ُه َشهِي ٌد عَلَى مَا تَعْ َملُونَ (‬
‫‪ )98‬قُ ْل يَا َأهْ َل الْ ِكتَابِ لِ َم َتصُدّو َن عَ ْن َسبِيلِ اللّ ِه مَنْ َآمَ َن َتْبغُوَنهَا ِعوَجًا َوَأنْتُ ْم ُشهَدَاءُ‬
‫َومَا اللّ ُه ِبغَافِ ٍل عَمّا َتعْ َملُونَ (‪[ )99‬آل عمران‪} ]99 ،98/‬‬
‫حقّ ِإنّمَا‬
‫وقال تعال ‪ { :‬يَا َأهْلَ اْل ِكتَابِ لَا َتغْلُوا فِي دِينِكُ ْم وَلَا َتقُولُوا عَلَى اللّهِ إِلّا الْ َ‬
‫ح ِمنْهُ فَ َآ ِمنُوا بِاللّ ِه وَ ُرسُلِهِ‬
‫الْمَسِي ُح عِيسَى ابْ ُن مَ ْريَمَ َرسُولُ اللّ ِه وَكَلِ َمتُهُ أَْلقَاهَا إِلَى َم ْريَ َم وَرُو ٌ‬
‫وَلَا َتقُولُوا ثَلَاَث ٌة اْنتَهُوا َخيْرًا َلكُمْ ِإنّمَا اللّهُ إِلَ ٌه وَاحِ ٌد ُسبْحَانَهُ َأنْ َيكُونَ لَ ُه وَلَدٌ لَ ُه مَا فِي‬
‫ض وَ َكفَى بِاللّ ِه وَكِيلًا (‪[ )171‬النساء‪} ]171/‬‬
‫السّمَاوَاتِ َومَا فِي الْأَ ْر ِ‬
‫خفُونَ مِنَ‬
‫وقال تعال ‪ { :‬يَا َأهْلَ اْل ِكتَابِ َقدْ جَاءَكُمْ َرسُولُنَا ُيَبيّنُ َلكُمْ َكثِيًا مِمّا ُكنْتُ ْم تُ ْ‬
‫ب َويَ ْعفُو عَنْ َكثِيٍ قَدْ جَاءَكُ ْم مِنَ اللّ ِه نُو ٌر وَ ِكتَابٌ ُمبِيٌ (‪[ )15‬الائدة‪} ]15/‬‬
‫الْ ِكتَا ِ‬

‫‪40‬‬

‫ح ّق وَلَا َتتِّبعُوا َأ ْهوَاءَ َق ْومٍ َقدْ‬
‫وقال تعال ‪ { :‬قُ ْل يَا َأهْ َل الْ ِكتَابِ لَا َتغْلُوا فِي دِيِنكُ ْم غَيْ َر الْ َ‬
‫سبِيلِ (‪ُ )77‬لعِ َن الّذِينَ َكفَرُوا مِ ْن َبنِي‬
‫ضلّوا عَ ْن َسوَاءِ ال ّ‬
‫ضَلّوا مِنْ َقبْ ُل َوأَضَلّوا َكثِيًا وَ َ‬
‫ك بِمَا َعصَوْا وَكَانُوا يَ ْعتَدُونَ (‪ )78‬كَانُوا‬
‫ِإسْرَائِي َل عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْ ِن مَ ْريَمَ ذَلِ َ‬
‫لَا َيتَنَا َهوْ َن عَ ْن ُمنْكَرٍ َف َعلُوهُ َلِبْئسَ مَا كَانُوا َي ْفعَلُونَ (‪ )79‬تَرَى َكثِيًا ِمْنهُ ْم َيتَوَّل ْونَ الّذِينَ‬
‫سهُمْ َأنْ سَخِطَ اللّهُ عََلْيهِمْ وَفِي اْلعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (‪)80‬‬
‫َكفَرُوا َلِبْئسَ مَا َق ّد َمتْ َلهُمْ َأْنفُ ُ‬
‫خذُوهُمْ َأوْلِيَا َء وََلكِنّ َكثِيًا مِْنهُمْ فَا ِسقُونَ‬
‫وََلوْ كَانُوا ُي ْؤ ِمنُو َن بِاللّ ِه وَالّنِبيّ َومَا ُأنْزِلَ إَِليْ ِه مَا اتّ َ‬
‫س عَدَاوَةً لِلّذِينَ َآ َمنُوا الَْيهُو َد وَالّذِينَ َأشْرَكُوا وََلتَجِ َدنّ أَقْ َرَبهُ ْم َموَ ّدةً‬
‫(‪َ )81‬لتَجِ َدنّ َأشَ ّد النّا ِ‬
‫ستَ ْكبِرُونَ (‬
‫ي وَ ُر ْهبَانًا َوَأّنهُمْ لَا يَ ْ‬
‫ك ِبَأنّ ِمْنهُمْ قِسّيسِ َ‬
‫لِلّذِينَ َآ َمنُوا الّذِينَ قَالُوا إِنّا َنصَارَى ذَلِ َ‬
‫‪[ )82‬الائدة‪} ]82-77/‬‬
‫قال ممد بن إسحاق ‪ :‬حدثن ممد بن أب ‪ -‬مول زيد بن ثابت ‪ -‬حدثن سعيد بن‬
‫جبي ‪ -‬أو عكرمة ‪ -‬عن ابن عباس ‪ -‬رضي ال عنهما ‪ -‬قال ‪ :‬اجتمعت نصارى نران‬
‫وأحبار يهود عند رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬فتنازعوا عنده ‪ .‬فقالت الحبار ‪:‬‬
‫ما كان إبراهيم إل يهوديا ‪ .‬وقالت النصارى ‪ :‬ما كان إبراهيم إل نصرانيا ‪ .‬فأنزل ال‬
‫تعال ‪ { :‬يا أهل الكتاب ل تاجون ف إبراهيم ‪ } . . .‬الية ‪.‬‬
‫وسواء كانت هذه هي مناسبة نزول الية أو ل تكن ‪ ،‬فظاهر من نصها أنا نزلت ردا‬
‫على ادعاءات لهل الكتاب ‪ ،‬وحجاج مع النب ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬أو مع بعضهم‬
‫البعض ف حضرة الرسول ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬والدف من هذه الدعاءات هو‬
‫احتكار عهد ال مع إبراهيم ‪ -‬عليه السلم ‪ -‬أن يعل ف بيته النبوة؛ واحتكار الداية‬
‫والفضل كذلك ‪ .‬ث ‪ -‬وهذا هو الهم ‪ -‬تكذيب دعوى النب ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪-‬‬
‫أنه على دين إبراهيم ‪ ،‬وأن السلمي هم ورثة النيفية الول؛ وتشكيك السلمي ف هذه‬
‫القيقة ‪ ،‬أو بث الريبة ف نفوس بعضهم على القل ‪. .‬‬
‫ومن ث يندد ال بم هذا التنديد؛ ويكشف مراءهم الذي ل يستند إل دليل ‪.‬‬
‫فإبراهيم سابق على التوراة وسابق على النيل ‪ .‬فكيف إذن يكون يهوديا؟ أو كيف إذن‬
‫يكون نصرانيا؟ إنا دعوى مالفة للعقل ‪ ،‬تبدو مالفتها بجرد النظرة الول إل التاريخ ‪:‬‬

‫‪41‬‬

‫{ يا أهل الكتاب ل تاجون ف إبراهيم وما أنزلت التوراة والنيل إل من بعده؟ أفل‬
‫تعقلون؟ } ‪.‬‬
‫ث يضي ف التنديد بم؛ وإسقاط قيمة ما يدلون به من حجج وكشف تعنتهم وقلة‬
‫اعتمادهم على منهج منطقي سليم ف الدل والوار ‪:‬‬
‫{ ها أنتم هؤلء حاججتم فيما لكم به علم ‪ ،‬فلم تاجون فيما ليس لكم به علم؟ وال‬
‫يعلم وأنتم ل تعلمون؟ } ‪.‬‬
‫وقد جادلوا ف أمر عيسى عليه السلم؛ كما يبدو أنم جادلوا ف بعض الحكام التشريعية‬
‫حي دعوا إل كتاب ال ليحكم بينهم ‪ ،‬ث تولوا وهم معرضون ‪ . .‬وكان هذا وذاك ف‬
‫دائرة ما يعلمون من المر ‪ ،‬أما أن يادلوا فيما هو سابق على وجودهم ‪ ،‬ووجود كتبهم‬
‫ودياناتم ‪ . .‬فهو المر الذي ل سند له ولو كان سندا شكليا ‪ . .‬فهو الدل إذن لذات‬
‫الدل ‪ .‬وهو الراء الذي ل يسي على منهج ‪ ،‬وهو الغرض إذن والوى ‪ . .‬ومن كان هذا‬
‫حاله فهو غي جدير بالثقة فيما يقول ‪ .‬بل غي جدير بالستماع أصل لا يقول!‬
‫حت إذا انتهى السياق من إسقاط قيمة جدلم من أساسه ‪ ،‬ونزع الثقة منهم وما يقولون ‪،‬‬
‫عاد يقرر القيقة الت يعلمها ال ‪ .‬فهو ‪ -‬سبحانه ‪ -‬الذي يعلم حقيقة هذا التاريخ البعيد؛‬
‫وهو الذي يعلم كذلك حقيقة الدين الذي نزله على عبده إبراهيم ‪ .‬وقوله الفصل الذي ل‬
‫يبقى معه لقائل قول؛ إل أن يادل وياري بل سلطان ول دليل ‪:‬‬
‫{ ما كان إبراهيم يهوديا ول نصرانيا ‪ .‬ولكن كان حنيفا مسلما ‪ .‬وما كان من‬
‫الشركي } ‪. .‬‬
‫فيؤكد ما قرره من قبل ضمنا من أن إبراهيم ‪ -‬عليه السلم ‪ -‬ما كان يهوديا ول نصرانيا‬
‫‪ .‬وما أنزلت التوراة والنيل إل من بعده ‪ .‬ويقرر أنه كان مائلً عن كل ملة إل السلم‬
‫‪ .‬فقد كان مسلما ‪ . .‬مسلما بالعن الشامل للسلم الذي مر تفصيله وبيانه ‪. .‬‬
‫{ وما كان من الشركي } ‪. .‬‬
‫وهذه القيقة متضمنة ف قوله قبلها { ولكن كان حنيفا مسلما } ‪ . .‬ولكن إبرازها هنا‬
‫يشي إل عدة من لطائف الشارة والتعبي ‪:‬‬

‫‪42‬‬

‫يشي أولً إل أن اليهود والنصارى ‪ -‬الذين انتهى أمرهم إل تلك العتقدات النحرفة ‪-‬‬
‫مشركون ‪ . .‬ومن ث ل يكن أن يكون إبراهيم يهوديا ول نصرانيا ‪ .‬ولكن حنيفا‬
‫مسلما!‬
‫ويشي إل أن السلم شيء والشرك شيء آخر ‪ .‬فل يلتقيان ‪ .‬السلم هو التوحيد الطلق‬
‫بكل خصائصه ‪ .‬وكل مقتضياته ‪ .‬ومن ث ل يلتقي مع لون من ألوان الشرك أصلً ‪.‬‬
‫ويشي ثالثا إل إبطال دعوى الشركي من قريش كذلك أنم على دين إبراهيم ‪ ،‬وسدنة‬
‫بيته ف مكة ‪ . .‬فهو حنيف مسلم ‪ ،‬وهم مشركون ‪ { .‬وما كان من الشركي } !‬
‫وما دام أن إبراهيم ‪ -‬عليه السلم ‪ -‬كان حنيفا مسلما وما كان من الشركي ‪ ،‬فليس‬
‫لي من اليهود أو النصارى ‪ -‬أو الشركي أيضا ‪ -‬أن يدعي وراثته ‪ ،‬ول الولية على‬
‫دينه ‪ ،‬وهم بعيدون عن عقيدته ‪.‬‬
‫والعقيدة هي الوشيجة الول الت يتلقى عليها الناس ف السلم ‪ .‬حي ل يلتقون على‬
‫نسب ول أرومة ول جنس ول أرض ‪ ،‬إذا أنبتت تلك الوشيجة الت يتجمع عليها أهل‬
‫اليان ‪ .‬فالنسان ف نظر السلم إنسان بروحه ‪ .‬بالنفخة الت جعلت منه إنسانا ‪ .‬ومن‬
‫ث فهو يتلقى على العقيدة أخص خصائص الروح فيه ‪ .‬ول يلتقي على مثل ما تلتقي عليه‬
‫البهائم من الرض والنس والكل والرعى والد والسياج! والولية بي فرد وفرد ‪ ،‬وبي‬
‫مموعة ومموعة ‪ ،‬وبي جيل من الناس وجيل ‪ ،‬ل ترتكن إل وشيجة أخرى سوى‬
‫وشيجة العقيدة ‪ .‬يتلقى فيها الؤمن والؤمن ‪ .‬والماعة السلمة والماعة السلمة ‪.‬‬
‫واليل السلم والجيال السلمة من وراء حدود الزمان والكان ‪ ،‬ومن وراء فواصل الدم‬
‫والنسب ‪ ،‬والقوم والنس؛ ويتجمعون أولياء ‪ -‬بالعقيدة وحدها ‪ -‬وال من ورائهم ول‬
‫الميع ‪:‬‬
‫{ إن أول الناس بإبراهيم للذين اتبعوه ‪ ،‬وهذا النب ‪ ،‬والذين آمنوا ‪ .‬وال ول الؤمني }‬
‫‪..‬‬
‫فالذين اتبعوا إبراهيم ‪ -‬ف حياته ‪ -‬وساروا على منهجه ‪ ،‬واحتكموا إل سنته هم أولياؤه‬
‫‪ .‬ث هذا النب الذي يلتقي معه ف السلم بشهادة ال أصدق الشاهدين ‪ .‬ث الذين آمنوا‬

‫‪43‬‬

‫بذا النب ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬فالتقوا مع إبراهيم ‪ -‬عليه السلم ‪ -‬ف النهج والطريق‬
‫‪.‬‬
‫{ وال ول الؤمني } ‪. .‬‬
‫فهم حزبه الذين ينتمون إليه ‪ ،‬ويستظلون برايته ‪ ،‬ويتولونه ول يتولون أحدا غيه ‪ .‬وهم‬
‫أسرة واحدة ‪ .‬وأمة واحدة ‪ .‬من وراء الجيال والقرون ‪ ،‬ومن وراء الكان والوطان؛‬
‫ومن وراء القوميات والجناس ‪ ،‬ومن وراء الرومات والبيوت!‬
‫وهذه الصورة هي أرقى صورة للتجمع النسان تليق بالكائن النسان ‪ .‬وتيزه من‬
‫القطيع! كما أنا هي الصورة الوحيدة الت تسمح بالتجمع بل قيود ‪ .‬لن القيد الواحد‬
‫فيها اختياري يكن لكل من يشاء أن يفكه عن نفسه بإرادته الذاتية ‪ .‬فهو عقيدة يتارها‬
‫بنفسه فينتهي المر ‪ . .‬على حي ل يلك الفرد أن يغي جنسه ‪ -‬إن كانت رابطة التجمع‬
‫هي النس ‪ -‬ول يلك أن يغي قومه ‪ -‬إن كانت رابطة التجمع هي القوم ‪ -‬ول يلك أن‬
‫يغي لونه ‪ -‬إن كانت رابطة التجمع هي اللون ‪ -‬ول يلك بيسر أن يغي لغته إن كانت‬
‫رابطة التجمع هي اللغة ‪ -‬ول يلك بيسر أن يغي طبقته ‪ -‬إن كانت رابطة التجمع هي‬
‫الطبقة ‪ -‬بل قد ل يستطيع أن يغيها أصل إن كانت الطبقات وراثة كما ف الند مثلً ‪.‬‬
‫ومن ث تبقى الواجز قائمة أبدا دون التجمع النسان ‪ ،‬ما ل ترد إل رابطة الفكرة‬
‫والعقيدة والتصور ‪.‬‬
‫المر التروك للقتناع الفردي ‪ ،‬والذي يلك الفرد بذاته ‪ ،‬بدون تغيي أصله أو لونه أو‬
‫لغته أو طبقته أن يتاره ‪ ،‬وأن ينضم إل الصف على أساسه ‪.‬‬
‫وذلك فوق ما فيه من تكري للنسان ‪ ،‬بعل رابطة تمعه مسألة تتعلق بأكرم عناصره ‪،‬‬
‫الميزة له من القطيع!‬
‫والبشرية إما أن تعيش ‪ -‬كما يريدها السلم ‪ -‬أناسيّ تتجمع على زاد الروح وسة‬
‫القلب وعلمة الشعور ‪ . .‬وإما أن تعيش قطعانا خلف سياج الدود الرضية ‪ ،‬أو حدود‬
‫النس واللون ‪ . .‬وكلها حدود ما يقام للماشية ف الرعى كي ل يتلط قطيع بقطيع!!!‬
‫ث يكشف للجماعة السلمة عما يريده با أهل الكتاب من وراء كل جدال وكل مراء ‪.‬‬
‫ويواجه أهل الكتاب بألعيبهم وكيدهم وتدبيهم على مرأى ومسمع من الماعة السلمة‬
‫‪44‬‬

‫أيضا ‪ .‬وهو يزق عنهم الردية الت يتخفون تتها ‪ ،‬فيقفهم أمام الماعة السلمة عراة‬
‫مفضوحي ‪:‬‬
‫{ ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم ‪ .‬وما يضلون إل أنفسهم وما يشعرون ‪ .‬يا‬
‫أهل الكتاب ل تكفرون بآيات ال وأنتم تشهدون؟ يا أهل الكتاب ل تلبسون الق‬
‫بالباطل وتكتمون الق وأنتم تعلمون؟ وقالت طائفة من أهل الكتاب ‪ :‬آمنوا بالذي أنزل‬
‫على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون ‪ .‬ول تؤمنوا إل لن تبع دينكم‬
‫ قل ‪ :‬إن الدى هدى ال ‪ -‬أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو ياجوكم عند ربكم ‪ -‬قل‬‫‪ :‬إن الفضل بيد ال يؤتيه من يشاء ‪ ،‬وال واسع عليم ‪ .‬يتص برحته من يشاء ‪ ،‬وال ذو‬
‫الفضل العظيم } ‪.‬‬
‫إن الحنة الت يكنها أهل الكتاب للجماعة السلمة هي الحنة التعلقة بالعقيدة ‪ .‬إنم‬
‫يكرهون لذه المة أن تتدي ‪ .‬يكرهون لا أن تفيء إل عقيدتا الاصة ف قوة وثقة‬
‫ويقي ‪ .‬ومن ث يرصدون جهودهم كلها لضللا عن هذا النهج ‪ ،‬واللواء با عن هذا‬
‫الطريق ‪:‬‬
‫{ ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم } ‪. .‬‬
‫فهو ود النفس ورغبة القلب والشهوة الت تفو إليها الهواء من وراء كل كيد ‪ ،‬وكل‬
‫دس ‪ ،‬وكل مراء ‪ ،‬وكل جدال ‪ ،‬وكل تلبيس ‪.‬‬
‫وهذه الرغبة القائمة على الوى والقد والشر ‪ ،‬ضلل ل شك فيه ‪ .‬فما تنبعث مثل هذه‬
‫الرغبة الشريرة الثة عن خي ول عن هدى ‪ .‬فهم يوقعون أنفسهم ف الضللة ف اللحظة‬
‫الت يودون فيها إضلل السلمي ‪ .‬فما يب إضلل الهتدين إل ضال يهيم ف الضلل‬
‫البهيم ‪:‬‬
‫{ وما يضلون إل أنفسهم ‪ .‬وما يشعرون } ‪. .‬‬
‫والسلمون مكفيون أمر أعدائهم هؤلء ما استقاموا على إسلمهم وما لم عليهم من سبيل‬
‫‪ .‬وال سبحانه يتعهد لم أل يصيبهم كيد الكائدين ‪ ،‬وأن يرتد عليهم كيدهم ما بقي‬
‫السلمون مسلمي ‪.‬‬
‫هنا يقرع أهل الكتاب بقيقة موقفهم الريب العيب ‪:‬‬

‫‪45‬‬

‫{ يا أهل الكتاب ل تكفرون بآيات ال وأنتم تشهدون؟ يا أهل الكتاب ل تلبسون الق‬
‫بالباطل وتكتمون الق وأنتم تعلمون؟ } ‪.‬‬
‫ولقد كان أهل الكتاب وقتها ‪ -‬وما يزالون حت اليوم ‪ -‬يشهدون الق واضحا ف هذا‬
‫الدين ‪ .‬سواء منهم الطلعون على حقيقة ما جاء ف كتبهم عنه من بشارات وإشارات ‪-‬‬
‫وكان بعضهم يصرح با يد من هذا كله وبعضهم يسلم بناء على هذا الذي يده ف كتبه‬
‫ويشهده متحققا أمامه ‪ -‬وسواء كذلك غي الطلعي ‪ ،‬ولكنهم يدون ف السلم من‬
‫الق الواضح ما يدعو إل اليان ‪ . .‬غي أنم يكفرون ‪ . .‬ل لنقص ف الدليل ‪ .‬ولكن‬
‫للهوى والصلحة والتضليل ‪ . .‬والقرآن يناديهم ‪ { :‬يا أهل الكتاب } ‪ . .‬لنا الصفة‬
‫الت كان من شأنا أن تقودهم إل آيات ال وكتابه الديد ‪.‬‬
‫كذلك يناديهم مرة أخرى ليفضح ما يقومون به من لبس الق بالباطل لخفائه وكتمانه‬
‫وتضييعه ف غمار الباطل ‪ ،‬على علم وعن عمد وف قصد ‪ . .‬وهو أمر مستنكر قبيح!‬
‫وهذا الذي ندد ال به ‪ -‬سبحانه ‪ -‬من أعمال أهل الكتاب حينذاك ‪ ،‬هو المر الذي‬
‫درجوا عليه من وقتها حت اللحظة الاضرة ‪ . .‬فهذا طريقهم على مدار التاريخ ‪. .‬‬
‫اليهود بدأوا منذ اللحظة الول ‪ .‬ث تابعهم الصليبيون!‬
‫وف خلل القرون التطاولة دسوا ‪ -‬مع السف ‪ -‬ف التراث السلمي ما ل سبيل إل‬
‫كشفه إل بهد القرون! ولبسوا الق بالباطل ف هذا التراث كله ‪ -‬اللهم إل هذا الكتاب‬
‫الحفوظ الذي تكفل ال بفظه أبد البدين ‪ -‬والمد ل على فضله العظيم ‪.‬‬
‫دسوا ولبسوا ف التاريخ السلمي وأحداثه ورجاله ‪ .‬ودسوا ولبسوا ف الديث النبوي‬
‫حت قيض ال له رجاله الذين حققوه وحرروه إل ما ند عن الهد النسان الحدود ‪.‬‬
‫ودسوا ولبسوا ف التفسي القرآن حت تركوه تيها ل يكاد الباحث يفيء فيه إل معال‬
‫الطريق ‪ .‬ودسوا ولبسوا ف الرجال أيضا ‪ .‬فالئات واللوف كانوا دسيسة على التراث‬
‫السلمي ‪ -‬وما يزالون ف صورة الستشرقي وتلميذ الستشرقي الذين يشغلون مناصب‬
‫القيادة الفكرية اليوم ف البلد الت يقول أهلها ‪ :‬إنم مسلمون ‪ .‬والعشرات من‬
‫الشخصيات الدسوسة على المة السلمة ف صورة أبطال مصنوعي على عي الصهيونية‬

‫‪46‬‬

‫والصليبية ‪ ،‬ليؤدوا لعداء السلم من الدمات ما ل يلك هؤلء العداء أن يؤدوه‬
‫ظاهرين!‬
‫وما يزال هذا الكيد قائما ومطردا ‪ .‬وما تزال مثابة المان والنجاة منه هي اللياذ بذا‬
‫الكتاب الحفوظ؛ والعودة إليه لستشارته ف العركة الناشبة طوال هذه القرون ‪.‬‬
‫‪-----------‬‬‫{ يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا ‪ ،‬يبي لكم كثيا ما كنتم تفون من الكتاب ويعفو‬
‫عن كثي } ‪. .‬‬
‫فهو رسول ال إليكم ‪ .‬ودوره معكم أن يبي لكم ويوضح ويكشف ‪ ،‬ما تواطأت على‬
‫إخفائه من حقائق كتاب ال الذي معكم ‪ . .‬سواء ف ذلك اليهود والنصارى ‪ . .‬وقد‬
‫أخفى النصارى الساس الول للدين ‪ . .‬التوحيد ‪ . .‬وأخفى اليهود كثيا من أحكام‬
‫الشريعة؛ كرجم الزان ‪ ،‬وتري الربا كافة ‪ .‬كما أخفوا جيعا خب بعثة النب المي‬
‫{ الذي يدونه مكتوبا عندهم ف التوراة والنيل } كما أنه ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪-‬‬
‫يعفو عن كثي ما أخفوه أو حرفوه؛ ما ل يرد به شرعه ‪ .‬فقد نسخ ال من أحكام الكتب‬
‫والشرائع السابقة ما ل يعد له عمل ف الجتمع النسان ‪ ،‬ما كانت له وظيفة وقتية ف‬
‫الجتمعات الصغية الاصة ‪ ،‬الت بعث إليها الرسل من قبل ولفترة مدودة ‪ -‬ف علم ال‬
‫ من الزمان ‪ ،‬قبل أن تيء الرسالة الشاملة الدائمة ‪ ،‬وتستقر ‪ -‬وقد أكملها ال وأت با‬‫نعمته ورضيها للناس دينا ‪ -‬فلم يعد فيها نسخ ول تبديل ول تعديل ‪.‬‬
‫ويبي لم طبيعة ما جاء به هذا الرسول ‪ ،‬ووظيفته ف الياة البشرية ‪ ،‬وما قدر ال من أثره‬
‫ف حياة الناس ‪.‬‬
‫{ قد جاءكم من ال نور وكتاب مبي ‪ .‬يهدي به ال من اتبع رضوانه سبل السلم ‪.‬‬
‫ويرجهم من الظلمات إل النور بإذنه ‪ ،‬ويهديهم إل صراط مستقيم } ‪. .‬‬
‫وليس أدق ول أصدق ول أدل على طبيعة هذا الكتاب ‪ . .‬القرآن ‪ . .‬وعلى طبيعة هذا‬
‫النهج ‪.‬‬
‫‪ .‬السلم ‪ . .‬من أنه { نور } ‪. .‬‬

‫‪47‬‬

‫إنا حقيقة يدها الؤمن ف قلبه وف كيانه وف حياته وف رؤيته وتقديره للشياء‬
‫والحداث والشخاص ‪ . .‬يدها بجرد أن يد حقيقة اليان ف قلبه ‪ { . .‬نور } نور‬
‫تشرق به كينونته فتشف وتف وترف ‪ .‬ويشرق به كل شيء أمامه فيتضح ويتكشف‬
‫ويستقيم ‪.‬‬
‫ثقلة الطي ف كيانه ‪ ،‬وظلمة التراب ‪ ،‬وكثافة اللحم والدم ‪ ،‬وعرامة الشهوة والنوة ‪. .‬‬
‫كل أولئك يشرق ويضيء ويتجلى ‪ . .‬تف الثقلة ‪ ،‬وتشرق الظلمة ‪ ،‬وترق الكثافة ‪،‬‬
‫وترف العرامة ‪. .‬‬
‫واللبس والغبش ف الرؤية ‪ ،‬والتأرجح والتردد ف الطوة ‪ ،‬والية والشرود ف التاه‬
‫والطريق البهيم الذي ل معال فيه ‪ . .‬كل أولئك يشرق ويضيء ويتجلى ‪ . .‬يتضح الدف‬
‫ويستقيم الطريق إليه وتستقيم النفس على الطريق ‪. .‬‬
‫{ نور ‪ .‬وكتاب مبي } ‪ . .‬وصفان للشيء الواحد ‪ . .‬لذا الذي جاء به الرسول الكري‬
‫‪..‬‬
‫{ يهدي به ال ‪ -‬من اتبع رضوانه ‪ -‬سبل السلم ‪ .‬ويرجهم من الظلمات إل النور‬
‫بإذنه ‪ ،‬ويهديهم إل صراط مستقيم } ‪.‬‬
‫لقد رضي ال السلم دينا ‪ . .‬وهو يهدي من يتبع رضوانه هذا ويرتضيه لنفسه كما‬
‫رضيه ال له ‪ . .‬يهديه ‪ { . .‬سبل السلم } ‪. .‬‬
‫وما أدق هذا التعبي وأصدقه؛ إنه { السلم } هو ما يسكبه هذا الدين ف الياة كلها ‪. .‬‬
‫سلم الفرد ‪ .‬وسلم الماعة ‪ .‬وسلم العال ‪ . .‬سلم الضمي ‪ ،‬وسلم العقل ‪ ،‬وسلم‬
‫الوارح ‪ . .‬سلم البيت والسرة ‪ ،‬وسلم الجتمع والمة ‪ ،‬وسلم البشر والنسانية ‪. .‬‬
‫السلم مع الياة ‪ .‬والسلم مع الكون ‪ .‬والسلم مع ال رب الكون والياة ‪ . .‬السلم‬
‫الذي ل تده البشرية ‪ -‬ول تده يوما ‪ -‬إل ف هذا الدين؛ وإل ف منهجه ونظامه‬
‫وشريعته ‪ ،‬ومتمعه الذي يقوم على عقيدته وشريعته ‪.‬‬
‫حقا إن ال يهدي بذا الدين الذي رضيه ‪ ،‬من يتبع رضوان ال ‪ { ،‬سبل السلم } ‪. .‬‬
‫سبل السلم كلها ف هذه الوانب جيعها ‪ . .‬ول يدرك عمق هذه القيقة كما يدركها‬
‫من ذاق سبل الرب ف الاهليات القدية أو الديثة ‪ . .‬ول يدرك عمق هذه القيقة كما‬

‫‪48‬‬

‫يدركها من ذاق حرب القلق الناشئ من عقائد الاهلية ف أعماق الضمي ‪ .‬وحرب القلق‬
‫الناشئ من شرائع الاهلية وأنظمتها وتبطها ف أوضاع الياة ‪.‬‬
‫وقد كان الخاطبون بذه الكلمات أول مرة يعرفون من تربتهم ف الاهلية معن هذا‬
‫السلم ‪ .‬إذ كانوا يذوقونه مذاقا شخصيا؛ ويلتذون هذا الذاق الريح ‪. .‬‬
‫وما أحوجنا نن الن أن ندرك هذه القيقة؛ والاهلية من حولنا ومن بيننا تذيق البشرية‬
‫الويلت ‪ . .‬من كل ألوان الرب ف الضمائر والجتمعات قرونا بعد قرون!‬
‫ما أحوجنا نن الذين عشنا ف هذا السلم فترة من تارينا؛ ث خرجنا من السلم إل‬
‫الرب الت تطم أرواحنا وقلوبنا ‪ ،‬وتطم أخلقنا وسلوكنا ‪ ،‬وتطم متمعاتنا وشعوبنا ‪.‬‬
‫‪ .‬بينما نلك الدخول ف السلم الت منحها ال لنا؛ حي نتبع رضوانه؛ ونرضى لنفسنا ما‬
‫رضيه ال لنا!‬
‫إننا نعان من ويلت الاهلية؛ والسلم منا قريب ‪ .‬ونعان من حرب الاهلية وسلم‬
‫السلم ف متناول أيدينا لو نشاء ‪.‬‬
‫فأية صفقة خاسرة هذه الت نستبدل فيها الذي هو أدن بالذي هو خي؟ ونشتري فيها‬
‫الضللة بالدى؟ ونؤثر فيها الرب على السلم؟‬
‫إننا نلك إنقاذ البشرية من ويلت الاهلية وحربا الشبوبة ف شت الصور واللوان ‪.‬‬
‫ولكننا ل نلك إنقاذ البشرية ‪ ،‬قبل أن ننقذ نن أنفسنا ‪ ،‬وقبل أن نفيء إل ظلل‬
‫السلم ‪ ،‬حي نفيء إل رضوان ال ونتبع ما ارتضاه ‪ .‬فنكون من هؤلء الذين يقول ال‬
‫عنهم إنه يهديهم سبل السلم ‪.‬‬
‫{ ويرجهم من الظلمات إل النور بإذنه } ‪. .‬‬
‫والاهلية كلها ظلمات ‪ . .‬ظلمة الشبهات والرافات والساطي والتصورات ‪ .‬وظلمة‬
‫الشهوات والنعات والندفاعات ف التيه ‪ .‬وظلمة الية والقلق والنقطاع عن الدى‬
‫والوحشة من الناب المن الأنوس ‪ .‬وظلمة اضطراب القيم وتلخل الحكام والقيم‬
‫والوازين ‪ .‬والنور هو النور ‪ . .‬هو ذلك النور الذي تدثنا عنه آنفا ف الضمي وف العقل‬
‫وف الكيان وف الياة وف المور ‪. .‬‬
‫{ ويهديهم إل صراط مستقيم } ‪. .‬‬

‫‪49‬‬

‫مستقيم مع فطرة النفس ونواميسها الت تكمها ‪ .‬مستقيم مع فطرة الكون ونواميسه الت‬
‫تصرفه ‪ .‬مستقيم إل ال ل يلتوي ول تلتبس فيه القائق والتاهات والغايات ‪. .‬‬
‫إن ال الذي خلق النسان وفطرته؛ وخلق الكون ونواميسه؛ هو الذي وضع للنسان هذا‬
‫النهج؛ وهو الذي رضي للمؤمني هذا الدين ‪ .‬فطبيعي وبديهي أن يهديهم هذا النهج إل‬
‫الصراط الستقيم ‪ .‬حيث ل يهديهم منهج غيه من صنع البشر العاجزين الهال الفاني!‬
‫وصدق ال العظيم ‪ .‬الغن عن العالي ‪ .‬الذي ل يناله من هداهم أو ضللم شيء ولكنه‬
‫بم رحيم!‬
‫ذلك هو الصراط الستقيم ‪ .‬فأما القول بأن ال هو السيح بن مري فهو الكفر؛ وأما القول‬
‫بأن اليهود والنصارى هم أبناء ال وأحباؤه ‪ ،‬فهو الفتراء الذي ل يستند إل دليل ‪. .‬‬
‫وهذا وذلك من مقولت أهل الكتاب ‪ ،‬الت تفي نصاعة التوحيد؛ والت جاءهم الرسول‬
‫الخي ليكشف عن القيقة فيها ‪ ،‬ويرد الشاردين النحرفي عن هذه القيقة إليها ‪:‬‬
‫{ لقد كفر الذين قالوا ‪ :‬إن ال هو السيح بن مري ‪ .‬قل ‪ :‬فمن يلك من ال شيئا إن أراد‬
‫أن يهلك السيح ابن مري وأمه ومن ف الرض جيعا؟ ول ملك السماوات والرض وما‬
‫بينهما ‪ ،‬يلق ما يشاء وال على كل شيء قدير } ‪. .‬‬
‫إن الذي جاء به عيسى ‪ -‬عليه السلم ‪ -‬من عند ربه هو التوحيد الذي جاء به كل‬
‫رسول ‪.‬‬
‫والقرار بالعبودية الالصة ل شأن كل رسول ‪ . .‬ولكن هذه العقيدة الناصعة أدخلت‬
‫عليها التحريفات؛ بسبب دخول الوثنيي ف النصرانية؛ وحرصهم على رواسب الوثنية الت‬
‫جاءوا با ومزجها بعقيدة التوحيد ‪ ،‬حت ل يعد هناك إمكان لفصلها وفرزها وتنقية‬
‫جوهر العقيدة منها ‪.‬‬
‫ول تئ هذه النرافات كلها دفعة واحدة؛ ولكنها دخلت على فترات؛ وأضافتها الجامع‬
‫واحدة بعد الخرى؛ حت انتهت إل هذا الليط العجيب من التصورات والساطي ‪،‬‬
‫الذي تار فيه العقول ‪.‬‬
‫حت عقول الشارحي للعقيدة الحرفة من أهلها الؤمني با!‬

‫‪50‬‬

‫وقد عاشت عقيدة التوحيد بعد السيح ‪ -‬عليه السلم ‪ -‬ف تلمذته وف أتباعهم ‪ .‬وأحد‬
‫الناجيل الكثية الت كتبت ‪ -‬وهو إنيل برنابا ‪ -‬يتحدث عن عيسى ‪ -‬عليه السلم ‪-‬‬
‫بوصفه رسولً من عند ال ‪ .‬ث وقعت بينهم الختلفات ‪ .‬فمن قائل ‪ :‬إن السيح رسول‬
‫من عند ال كسائر الرسل ‪ .‬ومن قائل ‪ :‬إنه رسول نعم ولكن له بال صلة خاصة ‪ .‬ومن‬
‫قائل ‪ :‬إنه ابن ال لنه خلق من غي أب ‪ ،‬ولكنه على هذا ملوق ل ‪ .‬ومن قائل ‪ :‬إنه ابن‬
‫ال وليس ملوقا بل له صفة القدم كالب ‪. .‬‬
‫ولتصفية هذه اللفات اجتمع ف عام ‪ 325‬ميلدية « ممع نيقية » الذي اجتمع فيه‬
‫ثانية وأربعون ألفا من البطارقة والساقفة ‪ .‬قال عنهم ابن البطريق أحد مؤرخي النصرانية‬
‫‪:‬‬
‫« وكانوا متلفي ف الراء والديان ‪ .‬فمنهم من كان يقول ‪ :‬إن السيح وأمه إلان من‬
‫دون ال ‪ .‬وهم » الببرانية « ‪ . .‬ويسمون ‪ » :‬الريتيي « ‪ .‬ومنهم من كان يقول ‪ :‬إن‬
‫السيح من الب بنلة شعلة نار انفصلت من شعلة نار ‪ ،‬فلم تنقص الول بانفصال الثانية‬
‫منها ‪ .‬وهي مقالة » سابليوس « وشيعته ‪ .‬ومنهم من كان يقول ‪ :‬ل تبل به مري تسعة‬
‫أشهر ‪ ،‬وإنا مر ف بطنها كما ير الاء ف اليزاب ‪ ،‬لن الكلمة دخلت ف أذنا ‪،‬‬
‫وخرجت من حيث يرج الولد من ساعتها ‪ .‬وهي مقالة » إليان « وأشياعه ‪ .‬ومنهم من‬
‫كان يقول ‪ :‬إن السيح إنسان خلق من اللهوت كواحد منا ف جوهره ‪ ،‬وإن ابتداء البن‬
‫من مري ‪ ،‬وإنه اصطفي ليكون ملصا للجوهر النسي ‪ ،‬صحبته النعمة اللية ‪ ،‬وحلت‬
‫فيه بالحبة والشيئة ‪ ،‬ولذلك سي » ابن ال « ويقولون ‪ :‬إن ال جوهر قدي واحد ‪،‬‬
‫وأقنوم واحد ‪ ،‬ويسمونه بثلثة أساء ‪ ،‬ول يؤمنون بالكلمة ‪ ،‬ول بروح القدس ‪ .‬وهي‬
‫مقالة » بولس الشمشاطي « بطريرك أنطاكية وأشياعه وهم » البوليقانيون « ‪ .‬ومنهم من‬
‫كان يقول ‪ :‬إنم ثلثة آلة ل تزل ‪ :‬صال ‪ ،‬وطال ‪ ،‬وعدل بينهما ‪ .‬وهي مقالة »‬
‫مرقيون « اللعي وأصحابه! وزعموا أن » مرقيون « هو رئيس الواريي وأنكروا »‬
‫بطرس « ‪ .‬ومنهم من كانوا يقولون بألوهية السيح ‪ .‬وهي مقالة » بولس الرسول «‬
‫ومقالة الثلثائة وثانية عشر أسقفا ‪. .‬‬

‫‪51‬‬

‫وقد اختار المباطور الرومان » قسطنطي « الذي كان قد دخل ف النصرانية من الوثنية‬
‫ول يكن يدري شيئا من النصرانية! هذا الرأي الخي وسلط أصحابه على مالفيهم ‪،‬‬
‫وشرد أصحاب سائر الذاهب؛ وباصة القائلي بألوهية الب وحده ‪ ،‬وناسوتية السيح ‪.‬‬
‫وقد ذكر صاحب كتاب تاريخ المة القبطية عن هذا القرار ما نصه ‪:‬‬
‫» إن الامعة القدسة والكنيسة الرسولية ترم كل قائل بوجود زمن ل يكن ابن ال‬
‫موجودا فيه ‪.‬‬
‫وأنه ل يوجد قبل أن يولد ‪ .‬وأنه وجد من ل شيء ‪ .‬أو من يقول ‪ :‬إن البن وجد من‬
‫مادة أو جوهر غي جوهر ال الب ‪ .‬وكل من يؤمن أنه خلق ‪ ،‬أو من يقول ‪ :‬إنه قابل‬
‫للتغيي ‪ ،‬ويعتريه ظل دوران « ‪.‬‬
‫ولكن هذا الجمع بقراراته ل يقض على نلة الوحدين أتباع » آريوس « وقد غلبت على‬
‫القسطنطينية ‪ ،‬وأنطاكية ‪ ،‬وبابل ‪ ،‬والسكندرية ‪ ،‬ومصر ‪.‬‬
‫ث سار خلف جديد حول » روح القدس « فقال بعضهم ‪ :‬هو إله ‪ ،‬وقال آخرون ‪:‬‬
‫ليس بإله! فاجتمع » ممع القسطنطينية الول « سنة ‪ 381‬ليحسم اللف ف هذا المر‬
‫‪.‬‬
‫وقد نقل ابن البطريق ما تقرر ف هذا الجمع ‪ ،‬بناء على مقالة أسقف السكندرية ‪:‬‬
‫» قال ثيموثاوس بطريك السكندرية ‪ :‬ليس روح القدس عندنا بعن غي روح ال ‪.‬‬
‫وليس روح ال شيئا غي حياته ‪ .‬فإذا قلنا إن روح القدس ملوق ‪ ،‬فقد قلنا ‪ :‬إن روح ال‬
‫ملوق ‪ .‬وإذا قلنا ‪ :‬إن روح ال ملوق ‪ ،‬فقد قلنا ‪ :‬إن حياته ملوقة ‪ .‬وإذا قلنا ‪ :‬إن‬
‫حياته ملوقة ‪ ،‬فقد زعمنا أنه غي حي ‪ .‬وإذا زعمنا أنه غي حي فقد كفرنا به ‪ .‬ومن كفر‬
‫به وجب عليه اللعن «!!!‬
‫وكذلك تقررت ألوهية روح القدس ف هذا الجمع ‪ ،‬كما تقررت ألوهية السيح ف ممع‬
‫نيقية ‪ .‬وت » الثالوث « من الب ‪ .‬والبن ‪ .‬وروح القدس ‪. .‬‬
‫ث ثار خلف آخر حول اجتماع طبيعة السيح اللية وطبيعته النسانية ‪ . .‬أو اللهوت‬
‫والناسوت كما يقولون ‪ . .‬فقد رأى » نسطور « بطريرك القسطنطينية أن هناك أقنوما‬
‫وطبيعة ‪ .‬فأقنوم اللوهية من الب وتنسب إليه؛ وطبيعة النسان وقد ولدت من مري ‪،‬‬

‫‪52‬‬

‫فمري أم النسان ‪ -‬ف السيح ‪ -‬وليست أم الله! ويقول ف السيح الذي ظهر بي الناس‬
‫وخاطبهم ‪ -‬كما نقله عنه ابن البطريق ‪:‬‬
‫» إن هذا النسان الذي يقول ‪ :‬إنه السيح ‪ . .‬بالحبة متحد مع البن ‪ . .‬ويقال ‪ :‬إنه ال‬
‫وابن ال ‪ ،‬ليس بالقيقة ولكن بالوهبة « ‪. .‬‬
‫ث يقول ‪ » :‬إن نسطور ذهب إل أن ربنا يسوع السيح ل يكن إلا ف حد ذاته بل هو‬
‫إنسان ملوء من البكة والنعمة ‪ ،‬أو هو ملهم من ال ‪ ،‬فلم يرتكب خطيئة ‪ ،‬وما أتى أمرا‬
‫إدا « ‪.‬‬
‫وخالفه ف هذا الرأي أسقف رومه ‪ ،‬وبطريرك السكندرية ‪ ،‬وأساقفة أنطاكية ‪ ،‬فاتفقوا‬
‫على عقد ممع رابع ‪ .‬وانعقد » ممع أفسس « سنة ‪ 431‬ميلدية ‪ .‬وقرر هذا الجمع ‪-‬‬
‫كما يقول ابن البطريق ‪: -‬‬
‫» أن مري العذراء والدة ال ‪ .‬وأن السيح إله حق وإنسان ‪ ،‬معروف بطبيعتي ‪ ،‬متوحد ف‬
‫القنوم « ‪ . .‬ولعنوا نسطور!‬
‫ث خرجت كنيسة السكندرية برأي جديد ‪ ،‬انعقد له » ممع أفسس الثان « وقرر ‪:‬‬
‫» أن السيح طبيعة واحدة ‪ ،‬اجتمع فيها اللهوت بالناسوت « ‪.‬‬
‫ولكن هذا الرأي ل يسلم؛ واستمرت اللفات الادة؛ فاجتمع ممع « خلقيدونية » سنة‬
‫‪ 451‬وقرر ‪:‬‬
‫« أن السيح له طبيعتان ل طبيعة واحدة ‪ .‬وأن اللهوت طبيعة وحدها ‪ ،‬والناسوت طبيعه‬
‫وحدها ‪ ،‬التقتا ف السيح » ‪ . .‬ولعنوا ممع أفسس الثان!‬
‫ول يعترف الصريون بقرار هذا الجمع ‪ .‬ووقعت بي الذهب الصري « النوفيسية »‬
‫والذهب « اللوكان » الذي تبنته الدولة المباطورية ما وقع من اللفات الدامية ‪ ،‬الت‬
‫سبق أن أثبتنا فيها مقالة ‪ « :‬سي ‪ .‬ت ‪ .‬و ‪ .‬أرنولد » ف كتابه « الدعوة إل السلم »‬
‫ف مطالع تفسي سورة آل عمران ‪. .‬‬
‫ونكتفي بذا القدر ف تصوير ممل التصورات النحرفة حول ألوهية السيح؛ واللفات‬
‫الدامية والعداوة والبغضاء الت ثارت بسببها بي الطوائف ‪ ،‬وما تزال إل اليوم ثائرة ‪. .‬‬

‫‪53‬‬

‫وتيء الرسالة الخية لتقرر وجه الق ف هذا القضية؛ ولتقول كلمة الفصل؛ وييء‬
‫الرسول الخي ليبي لهل الكتاب حقيقة العقيدة الصحيحة ‪:‬‬
‫{ لقد كفر الذين قالوا ‪ :‬إن ال هو السيح بن مري } ‪ { . .‬لقد كفر الذين قالوا ‪ :‬إن‬
‫ال ثالث ثلثة } ( كما سيجيء ف السورة ) ‪.‬‬
‫ويثي فيهم منطق العقل والفطرة والواقع ‪:‬‬
‫{ قل ‪ :‬فمن يلك من ال شيئا إن أراد أن يهلك السيح بن مري ‪ ،‬وأمه ‪ ،‬ومن ف الرض‬
‫جيعا؟ } ‪.‬‬
‫فيفرق تفرقة مطلقة بي ذات ال سبحانه وطبيعته ومشيئته وسلطانه ‪ ،‬وبي ذات عيسى ‪-‬‬
‫عليه السلم ‪ -‬وذات أمه ‪ ،‬وكل ذات أخرى ‪ ،‬ف نصاعة قاطعة حاسة ‪ .‬فذات ال ‪-‬‬
‫سبحانه ‪ -‬واحدة ‪ .‬ومشيئته طليقة ‪ ،‬وسلطانه متفرد ‪ ،‬ول يلك أحد شيئا ف رد مشيئته‬
‫أو دفع سلطانه إن أراد أن يهلك السيح ابن مري وأمه ومن ف الرض جيعا ‪. .‬‬
‫وهو ‪ -‬سبحانه ‪ -‬مالك كل شيء ‪ ،‬وخالق كل شيء ‪ ،‬والالق غي الخلوق ‪ .‬وكل‬
‫شيء ملوق ‪:‬‬
‫{ ول ملك السماوات والرض وما بينهما ‪ ،‬يلق ما يشاء ‪ ،‬وال على كل شيء قدير }‬
‫‪..‬‬
‫وكذلك تتجلى نصاعة العقيدة السلمية ‪ ،‬ووضوحها وبساطتها ‪ . .‬وتزيد جلء أمام‬
‫ذلك الركام من النرافات والتصورات والساطي والوثنيات التلبسة بعقائد فريق من أهل‬
‫الكتاب وتبز الاصية الول للعقيدة السلمية ‪ .‬ف تقرير حقيقة اللوهية ‪ ،‬وحقيقة‬
‫العبودية ‪ ،‬والفصل التام الاسم بي القيقتي ‪ .‬بل غبش ول شبهة ول غموض ‪. .‬‬
‫واليهود والنصارى يقولون ‪ :‬إنم أبناء ال وأحباؤه ‪:‬‬
‫{ وقالت اليهود والنصارى ‪ :‬نن أبناء ال وأحباؤه } ‪. .‬‬
‫فزعموا ل ‪ -‬سبحانه ‪ -‬أبوة ‪ ،‬على تصور من التصورات ‪ ،‬إل تكن أبوة السد فهي أبوة‬
‫الروح ‪ .‬وهي أيا كانت تلقي ظلً على عقيدة التوحيد؛ وعلى الفصل الاسم بي اللوهية‬
‫والعبودية ‪ .‬هذا الفصل الذي ل يستقيم التصور ‪ ،‬ول تستقيم الياة ‪ ،‬إل بتقريره ‪ .‬كي‬
‫تتوحد الهة الت يتوجه إليها العباد كلهم بالعبودية؛ وتتوحد الهة الت تشرع للناس؛‬

‫‪54‬‬

‫وتضع لم القيم والوازين والشرائع والقواني ‪ ،‬والنظم والوضاع ‪ ،‬دون أن تتداخل‬
‫الختصاصات ‪ ،‬بتداخل الصفات والصائص ‪ ،‬وتداخل اللوهية والعبودية ‪.‬‬
‫فالسألة ليست مسألة انراف عقيدي فحسب ‪ ،‬إنا هي كذلك فساد الياة كلها بناء‬
‫على هذا النراف!‬
‫واليهود والنصارى بادعائهم أنم أبناء ال وأحباؤه ‪ ،‬كانوا يقولون ‪ -‬تبعا لذا ‪ -‬إن ال‬
‫لن يعذبم بذنوبم! وإنم لن يدخلوا النار ‪ -‬إذا دخلوا ‪ -‬إل أياما معدودات ‪ .‬ومعن هذا‬
‫أن عدل ال ل يري مراه! وأنه سبحانه ‪ -‬ياب فريقا من عباده ‪ ،‬فيدعهم يفسدون ف‬
‫الرض ث ل يعذبم عذاب الفسدين الخرين! فأي فساد ف الياة يكن أن ينشأ عن مثل‬
‫هذا التصور؟ وأي اضطراب ف الياة يكن أن ينشئه مثل هذا النراف؟‬
‫وهنا يضرب السلم ضربته الاسة على هذا الفساد ف التصور ‪ ،‬وكل ما يكن أن ينشئه‬
‫من الفساد ف الياة ‪ ،‬ويقرر عدل ال الذي ل ياب؛ كما يقرر بطلن ذلك الدعاء ‪:‬‬
‫{ قل ‪ :‬فلم يعذبكم بذنوبكم؟ بل أنتم بشر من خلق ‪ ،‬يغفر لن يشاء ويعذب من‬
‫يشاء } ‪. .‬‬
‫بذلك يقرر القيقة الاسة ف عقيدة اليان ‪ .‬يقرر بطلن ادعاء البنوة؛ فهم بشر من خلق‬
‫‪ .‬ويقرر عدل ال وقيام الغفرة والعذاب عنده على أصلها الواحد ‪ .‬على مشيئته الت تقرر‬
‫الغفران بأسبابه وتقرر العذاب بأسبابه ‪ .‬ل بسبب بنوة أو صلة شخصية!‬
‫ث يكرر أن ال هو الالك لكل شيء ‪ ،‬وأن مصي كل شيء إليه ‪:‬‬
‫{ ول ملك السماوات والرض وما بينهما وإليه الصي } ‪. .‬‬
‫والالك غي الملوك ‪ .‬تتفرد ذاته ‪ -‬سبحانه ‪ -‬وتتفرد مشيئته ‪ ،‬ويصي إليه الميع ‪. .‬‬
‫وينهي هذا البيان ‪ ،‬بتكرار النداء الوجه إل أهل الكتاب ‪ ،‬يقطع به حجتهم ومعذرتم‬
‫ويقفهم أمام « الصي » وجها لوجه ‪ ،‬بل غبش ول عذر ‪ ،‬ول غموض ‪:‬‬
‫{ يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبي لكم على فترة من الرسل ‪ . .‬أن تقولوا ما‬
‫جاءنا من بشي ول نذير ‪ . .‬فقد جاءكم بشي ونذير ‪ .‬وال على كل شيء قدير } ‪. .‬‬
‫وبذه الواجهة الاسة ‪ ،‬ل تعود لهل الكتاب جيعا حجة من الجج ‪ . .‬ل تعود لم‬
‫حجة ف أن هذا الرسول المي ل يرسل إليهم ‪ .‬فال ‪ -‬سبحانه ‪ -‬يقول ‪:‬‬

‫‪55‬‬

‫{ يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا } ‪. .‬‬
‫ول تعود لم حجة ف أنم ل ينبهوا ول يبشروا ول ينذروا ف مدى طويل؛ يقع فيه‬
‫النسيان ويقع فيه النراف ‪ . .‬فقد جاءهم ‪ -‬الن ‪ -‬بشي ونذير ‪. .‬‬
‫ث يذكرهم أن ال ل يعجزه شيء ‪ . .‬ل يعجزه أن يرسل رسولً من الميي ‪ .‬ول يعجزه‬
‫كذلك أن يأخذ أهل الكتاب با يكسبون ‪:‬‬
‫{ وال على كل شيء قدير } ‪. .‬‬
‫وتنتهي هذه الولة مع أهل الكتاب؛ فتكشف انرافاتم عن دين ال الصحيح الذي‬
‫جاءتم به رسلهم من قبل ‪ .‬وتقرر حقيقة العتقاد الذي يرضاه ال من الؤمني ‪ .‬وتبطل‬
‫حجتهم ف موقفهم من النب المي؛ وتأخذ عليهم الطريق ف العتذار يوم الدين ‪.‬‬
‫‪----------‬‬‫{ قل ‪ :‬يا أهل الكتاب ل تغلوا ف دينكم غي الق ‪ ،‬ول تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من‬
‫قبل ‪ ،‬وأضلوا كثيا ‪ .‬وضلوا عن سواء السبيل } ‪.‬‬
‫فمن الغلو ف تعظيم عيسى ‪ -‬عليه السلم ‪ -‬جاءت كل النرافات ‪ .‬ومن أهواء الكام‬
‫الرومان الذين دخلوا النصرانية بوثنيتهم ‪ ،‬ومن أهواء الجامع التناحرة كذلك دخلت كل‬
‫تلك القولت على دين ال الذي أرسل به السيح ‪ ،‬فبلغه بأمانة الرسول ‪ ،‬وهو يقول لم‬
‫‪ { :‬يا بن إسرائيل اعبدوا ال رب وربكم ‪ .‬إنه من يشرك بال فقد حرم ال عليه النة ‪،‬‬
‫ومأواه النار ‪ ،‬وما للظالي من أنصار } ‪.‬‬
‫وهذا النداء الديد هو دعوة النقاذ الخية لهل الكتاب؛ ليخرجوا با من خضم‬
‫النرافات والختلفات والهواء والشهوات الذي خاض فيه أولئك الذين ضلوا من قبل‬
‫وأضلوا كثيا وضلوا عن سواء السبيل ‪. .‬‬
‫ونقف من هذا القطع الذي انتهى بذا النداء أمام ثلث حقائق كبية ‪ ،‬يسن اللام با ف‬
‫إجال ‪:‬‬
‫القيقة الول ‪ :‬هي حقيقة هذا الهد الكبي ‪ ،‬الذي يبذله النهج السلمي ‪ ،‬لتصحيح‬
‫التصور العتقادي ‪ ،‬وإقامته على قاعدة التوحيد الطلقة؛ وتنقيته من شوائب الوثنية‬

‫‪56‬‬

‫والشرك الت أفسدت عقائد أهل الكتاب ‪ ،‬وتعريف الناس بقيقة اللوهية؛ وإفراد ال ‪-‬‬
‫سبحانه ‪ -‬بصائصها ‪ ،‬وتريد البشر وسائر اللئق من هذه الصائص ‪. .‬‬
‫وهذا الهتمام البالغ بتصحيح التصور العتقادي ‪ ،‬وإقامته على قاعدة التوحيد الكامل‬
‫الاسم ‪ ،‬يدل على أهية هذا التصحيح ‪ .‬وأهية التصور العتقادي ف بناء الياة النسانية‬
‫وف صلحها ‪ ،‬كما يدل على اعتبار السلم للعقيدة بوصفها القاعدة والحور لكل نشاط‬
‫إنسان ‪ ،‬ولكل ارتباط إنسان كذلك ‪.‬‬
‫والقيقة الثانية ‪ :‬هي تصريح القرآن الكري بكفر الذين قالوا ‪ :‬إن ال هو السيح ابن مري؛‬
‫أو قالوا ‪ :‬إن ال ثالث ثلثة ‪ :‬فلم يعد لسلم ‪ -‬بعد قول ال سبحانه ‪ -‬قول ‪ .‬ول يعد‬
‫يق لسلم أن يعتب أن هؤلء على دين ال ‪ .‬وال سبحانه يقول ‪ :‬إنم كفروا بسبب هذه‬
‫القولت ‪.‬‬
‫وإذا كان السلم ‪ -‬كما قلنا ‪ -‬ليكره أحدا على ترك ما هو عليه ما يعتقده لعتناق‬
‫السلم ‪ ،‬فهو ف الوقت ذاته ل يسمي ما عليه غي السلمي دينا يرضاه ال ‪ .‬بل يصرح‬
‫هنا بأنه كفر ولن يكون الكفر دينا يرضاه ال ‪.‬‬
‫والقيقية الثالثة ‪ :‬الترتبة على هاتي القيقتي ‪ ،‬أنه ل يكن قيام ولء وتناصر بي أحد من‬
‫أهل الكتاب هؤلء وبي السلم الذي يدين بوحدانية ال كما جاء با السلم ‪ ،‬ويعتقد‬
‫بأن السلم ف صورته الت جاء با ممد صلى ال عليه وسلم هو وحده « الدين » عند‬
‫ال ‪. .‬‬
‫ومن ث يصبح الكلم عن التناصر بي أهل « الديان » أمام اللاد كلما ل مفهوم له ف‬
‫اعتبار السلم! فمت اختلفت العتقدات على هذا النحو الفاصل ‪ ،‬ل يعد هناك مال‬
‫لللتقاء على ما سواها ‪ .‬فكل شيء ف الياة يقوم أولً على أساس العقيدة ‪ . .‬ف اعتبار‬
‫السلم ‪. .‬‬
‫وف النهاية ييء ذلك التقرير الشامل عن موقف أنبياء بن إسرائيل من كفار بن إسرائيل ‪،‬‬
‫على مدى التاريخ؛ مثلً ف موقف داود وموقف عيسى ‪ -‬عليهما السلم ‪ -‬وكلها لعن‬
‫كفار بن إسرائيل ‪ ،‬واستجاب ال له ‪ .‬بسبب عصيانم وعدوانم ‪ ،‬وبسبب انللم‬

‫‪57‬‬

‫الجتماعي ‪ ،‬وسكوتم على النكر يفشو فيهم فل يتناهون عنه؛ وبسبب توليهم الكافرين؛‬
‫فباءوا بالسخط واللعنة ‪ ،‬وكتب عليهم اللود ف العذاب ‪.‬‬
‫{ لعن الذين كفروا من بن إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مري ‪.‬‬
‫ذلك با عصوا وكانوا يعتدون ‪ .‬كانوا ل يتناهون عن منكر فعلوه ‪ .‬لبئس ما كانوا‬
‫يفعلون! ترى كثيا منهم يتولون الذين كفروا ‪ .‬لبئس ما قدمت لم أنفسهم ‪ :‬أن سخط‬
‫ال عليهم ‪ ،‬وف العذاب هم خالدون ‪ .‬ولو كانوا يؤمنون بال والنب وما انزل إليه ما‬
‫اتذوهم أولياء ‪ .‬ولكن كثيا منهم فاسقون } ‪. .‬‬
‫وهكذا يبدو أن تاريخ بن إسرائيل ف الكفر والعصية واللعنة عريق ‪ .‬وأن أنبياءهم الذين‬
‫أرسلوا لدايتهم وإنقاذهم ‪ ،‬هم ف النهاية الذين تولوا لعنتهم وطردهم من هداية ال؛‬
‫فسمع ال دعاءهم وكتب السخط واللعنة على بن إسرائيل ‪.‬‬
‫والذين كفروا من بن إسرائيل هم الذين حرفوا كتبهم النلة؛ وهم الذين ل يتحاكموا إل‬
‫شريعة ال ‪ -‬كما مر ف الواضع القرآنية التعددة ف هذه السورة وف السور غيها ‪ -‬وهم‬
‫الذين نقضوا عهد ال معهم لينصرنّ كل رسول ويعزرونه ويتبعونه ‪:‬‬
‫{ ذلك با عصوا وكانوا يعتدون } ‪. .‬‬
‫فهي العصية والعتداء؛ يتمثلن ف كل صورها العتقادية والسلوكية على السواء ‪ .‬وقد‬
‫حفل تاريخ بن إسرائيل بالعصية والعتداء ‪ . .‬كما فصل ال ف كتابه الكري ‪.‬‬
‫ول تكن العصية والعتداء أعمالً فردية ف متمع بن إسرائيل ‪ .‬ولكنها انتهت إل أن‬
‫تصبح طابع الماعة كلها؛ وأن يسكت عنها الجتمع ‪ .‬ول يقابلها بالتناهي والنكي ‪:‬‬
‫{ كانوا ل يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون! } ‪. .‬‬
‫إن العصيان والعدوان قد يقعان ف كل متمع من الشريرين الفسدين النحرفي ‪ .‬فالرض‬
‫ل تلو من الشر؛ والجتمع ل يلو من الشذوذ ‪ ،‬ولكن طبيعة الجتمع الصال ل تسمح‬
‫للشر والنكر أن يصبحا عرفا مصطلحا عليه؛ وأن يصبحا سهلً يترئ عليه كل من يهم‬
‫به ‪ . .‬وعندما يصبح فعل الشر أصعب من فعل الي ف متمع من الجتمعات؛ ويصبح‬
‫الزاء على الشرك رادعا وجاعيا تقف الماعة كلها دونه؛ وتوقع العقوبة الرادعة عليه ‪.‬‬
‫‪ .‬عندئذ ينوي الشر ‪ ،‬وتنحسر دوافعه ‪ .‬وعندئذ يتماسك الجتمع فل تنحل عراه ‪.‬‬

‫‪58‬‬

‫وعندئذ ينحصر الفساد ف أفراد أو مموعات يطاردها الجتمع ‪ ،‬ول يسمح لا بالسيطرة؛‬
‫وعندئذ ل تشيع الفاحشة ‪ .‬ول تصبح هي الطابع العام!‬
‫والنهج السلمي ‪ -‬بعرضه لذه الظاهرة ف الجتمع السرائيلي ‪ -‬ف صورة الكراهية‬
‫والتنديد ‪ ،‬يريد للجماعة السلمة أن يكون لا كيان حي متجمع صلب؛ يدفع كل بادرة‬
‫من بوادر العدوان والعصية ‪ ،‬قبل أن تصبح ظاهرة عامة؛ ويريد للمجتمع السلمي أن‬
‫يكون صلبا ف الق ‪ ،‬وحساسا تاه العتداء عليه؛ ويريد للقائمي على الدين أن يؤدوا‬
‫أمانتهم الت استحفظوا عليها ‪ ،‬فيقفوا ف وجه الشر والفساد والطغيان والعتداء ‪ . .‬ول‬
‫يافوا لومة لئم ‪ .‬سواء جاء هذا الشر من الكام التسلطي بالكم؛ أو الغنياء التسلطي‬
‫بالال؛ أو الشرار التسلطي بالذى؛ أو الماهي التسلطة بالوى ‪ .‬فمنهج ال هو منهج‬
‫ال ‪ ،‬والارجون عليه علو أم سفلوا سواء ‪.‬‬
‫والسلم يشدد ف الوفاء بذه المانة؛ فيجعل عقوبة الماعة عامة با يقع فيها من شر إذا‬
‫هي سكتت عليه؛ ويعل المانة ف عنق كل فرد ‪ ،‬بعد أن يضعها ف عنق الماعة عامة ‪.‬‬
‫روى المام أحد ‪ -‬بإسناده ‪ -‬عن عبدال بن مسعود ‪ ،‬قال ‪ :‬قال رسول ال ممد صلى‬
‫ال عليه وسلم ‪ « :‬لا وقعت بنو إسرائيل ف العاصي نتهم علماؤهم فلم ينتهوا‬
‫فجالسوهم ف مالسهم ‪ ،‬وواكلوهم وشاربوهم ‪ .‬فضرب ال بعضهم ببعض ‪ .‬ولعنهم‬
‫على لسان داود وعيسى بن مري ‪ { . .‬ذلك با عصوا وكانوا يعتدون } وكان الرسول‬
‫ممد ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬متكئا فجلس ‪ ،‬فقال ‪ :‬ول والذي نفسي بيده حت‬
‫تأطروهم على الق أطرا » ‪.‬‬
‫وروى أبو داود ‪ -‬بإسناده ‪ -‬عن عبدال بن مسعود قال ‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ « -‬إن أول ما دخل النقص على بن إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل ‪،‬‬
‫فيقول ‪ :‬يا هذا اتق ال ودع ما تصنع فإنه ل يل لك ‪ .‬ث يلقاه من الغد ‪ ،‬فل ينعه ذلك‬
‫أن يكون أكيله وشريبه وقعيده ‪ .‬فلما فعلوا ذلك ضرب ال قلوب بعضهم ببعض ث قال ‪:‬‬
‫» لعن الذين كفروا من بن إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مري « إل قوله‬
‫{ فاسقون } ث قال ‪ :‬كل وال لتأمرن بالعروف ولتنهون عن النكر ‪ ،‬ولتأخذن على يد‬
‫الظال ‪ ،‬ولتأطرنه على الق أطرا ‪ -‬أو تقصرنه على الق قصرا ‪» -‬‬

‫‪59‬‬

‫فليس هو مرد المر والنهي ‪ ،‬ث تنتهي السأله ‪ ،‬إنا هو الصرار ‪ ،‬والقاطعه ‪ ،‬والكف‬
‫بالقوة عن الشر والفساد والعصية والعتداء ‪.‬‬
‫وروى مسلم ‪ -‬بإسناده ‪ -‬عن أب سعيد الدري قال ‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ « -‬من رأى منكم منكرا فليغيه بيده؛ فإن ل يستطع فبلسانه ‪ ،‬فإن ل يستطع‬
‫فبقلبه ‪ . .‬وذلك أضعف اليان » ‪.‬‬
‫وروى المام أحد ‪ -‬بإسناده ‪ -‬عن عدي بن عمية قال ‪ -‬سعت رسول ال ‪ -‬صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ -‬يقول ‪ « :‬إن ال ل يعذب العامة بعمل الاصة ‪ ،‬حت يروا النكر بي‬
‫ظهرانيهم ‪ -‬وهم قادرون على أن ينكروه ‪ -‬فل ينكرونه ‪ .‬فإذا فعلوا عذب ال العامة‬
‫والاصة » ‪.‬‬
‫وروى أبو داود والترمذي ‪ -‬بإسناده ‪ -‬عن أب سعيد قال ‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ « : -‬أفضل الهاد كلمة حق عند إمام جائر » ‪.‬‬
‫وتتوارد النصوص القرآنية والنبوية تترى ف هذا العن؛ لن هذا التماسك ف كيان الماعة‬
‫بيث ل يقول أحد ‪ -‬فيها وهو يرى النكر يقع من غيه ‪ : -‬وأنا مال؟! وهذه المية‬
‫ضد الفساد ف الجتمع ‪ ،‬بيث ل يقول أحد ‪ -‬وهو يرى الفساد يسري ويشيع ‪ -‬وماذا‬
‫أصنع والتعرض للفساد يلحق ب الذى؟! وهذه الغية على حرمات ال ‪ ،‬والشعور‬
‫بالتكليف الباشر بصيانتها والدفع عنها للنجاة من ال ‪.‬‬
‫هذا كله هو قوام الماعة السلمة الذي ل قيام لا إل به ‪. .‬‬
‫وهذا كله ف حاجة إل اليان الصحيح بال؛ ومعرفة تكاليف هذا اليان ‪ .‬وإل الدراك‬
‫الصحيح لنهج ال؛ ومعرفة أنه يشمل كل جوانب الياة ‪ .‬وإل الد ف أخذ العقيدة بقوة‬
‫‪ ،‬والهد لقامة النهج الذي ينبثق منها ف حياة الجتمع كله ‪ . .‬فالجتمع السلم الذي‬
‫يستمد قانونه من شريعة ال؛ ويقيم حياته كلها على منهجه؛ هو الجتمع الذي يسمح‬
‫للمسلم أن يزاول حقيقة المر بالعروف والنهي عن النكر؛ بيث ل يصبح هذا عملً‬
‫فرديا ضائعا ف الضم؛ أو يعله غي مكن أصلً ف كثي من الحيان! كما هو الال ف‬
‫الجتمعات الاهلية القائمة اليوم ف أرجاء الرض؛ والت تقيم حياتا على تقاليد‬
‫ومصطلحات اجتماعية تسترذل تدخل أحد ف شأن أحد؛ وتعتب الفسق والفجور‬

‫‪60‬‬

‫والعصية « مسائل شخصية »! ليس لحد أن يتدخل ف شأنا ‪ . .‬كما تعل من الظلم‬
‫والبطش والعتداء والور سيفا مصلتا من الرهاب يلجم الفواه ‪ ،‬ويعقد اللسنة ‪،‬‬
‫وينكل بن يقول كلمة حق أو معروف ف وجه الطغيان ‪. .‬‬
‫إن الهد الصيل ‪ ،‬والتضحيات النبيلة يب أن تتجه أولً إل إقامة الجتمع الي ‪. .‬‬
‫والجتمع الي هو الذي يقوم على منهج ال ‪ . .‬قبل أن ينصرف الهد والبذل والتضحية‬
‫إل إصلحات جزئية ‪ ،‬شخصية وفردية؛ عن طريق المر بالعروف والنهي عن النكر ‪.‬‬
‫إنه ل جدوى من الحاولت الزئية حي يفسد الجتمع كله؛ وحي تطغى الاهلية ‪،‬‬
‫وحي يقوم الجتمع على غي منهج ال؛ وحيت يتخذ له شريعة غي شريعة ال ‪ .‬فينبغي‬
‫عندئذ أن تبدأ الحاولة من الساس ‪ ،‬وأن تنبت من الذور؛ وأن يكون الهد والهاد‬
‫لتقرير سلطان ال ف الرض ‪ . .‬وحي يستقر هذا السلطان يصبح المر بالعروف والنهي‬
‫عن النكر شيئا يرتكن إل أساس ‪.‬‬
‫وهذا يتاج إل إيان ‪ .‬وإل إدراك لقيقة هذا اليان وماله ف نظام الياة ‪ .‬فاليان على‬
‫هذا الستوى هو الذي يعل العتماد كله على ال؛ والثقة كلها بنصرته للخي ‪ -‬مهما‬
‫طال الطريق ‪ -‬واحتساب الجر عنده ‪ ،‬فل ينتظر من ينهض لذه الهمة جزاء ف هذه‬
‫الرض ‪ ،‬ول تقديرا من الجتمع الضال ‪ ،‬ول نصرة من أهل الاهلية ف أي مكان!‬
‫إن كل النصوص القرآنية والنبوية الت ورد فيها المر بالعروف والنهي عن النكر كانت‬
‫تتحدث عن واجب السلم ف متمع مسلم ‪ .‬متمع يعترف ابتداء بسلطان ال ‪ ،‬ويتحاكم‬
‫إل شريعته ‪ ،‬مهما وجد فيه من طغيان الكم ‪ ،‬ف بعض الحيان ‪ ،‬ومن شيوع الث ف‬
‫بعض الحيان ‪ . .‬وهكذا ند ف قول الرسول ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ « -‬أفضل الهاد‬
‫كلمة حق عند إمام جائر »‬
‫فهو « إمام » ول يكون إماما حت يعترف ابتداء بسلطان ال؛ وبتحكيم شريعته ‪ .‬فالذي‬
‫ل يكم شريعة ال ل يقال له ‪ « :‬إمام » إنا يقول عنه ال ‪ -‬سبحانه ‪ { -‬ومن ل يكم‬
‫با أنزل ال فأولئك هم الكافرون } فأما الجتمعات الاهلية الت ل تتحاكم إل شريعة‬
‫ال ‪ ،‬فالنكر الكب فيها والهم ‪ ،‬هو النكر الذي تنبع منه كل النكرات ‪ . .‬هو رفض‬
‫ألوهية ال برفض شريعته للحياة ‪ . .‬وهذا النكر الكبي الساسي الذري هو الذي يب‬

‫‪61‬‬

‫أن يتجه إليه النكار ‪ ،‬قبل الدخول ف النكرات الزئية ‪ ،‬الت هي تبع لذا النكر الكب ‪،‬‬
‫وفرع عنه ‪ ،‬وعرض له ‪. .‬‬
‫إنه ل جدوى من ضياع الهد ‪ . .‬جهد اليين الصالي من الناس ‪ . .‬ف مقاومة‬
‫النكرات الزئية ‪ ،‬الناشئة بطبيعتها من النكر الول ‪ . .‬منكر الرأة على ال وادعاء‬
‫خصائص اللوهية ‪ ،‬ورفض ألوهية ال ‪ ،‬برفض شريعته للحياة ‪ . .‬ل جدوى من ضياع‬
‫الهد ف مقاومة منكرات هي مقتضيات ذلك النكر الول وثراته النكدة بل جدال ‪.‬‬
‫على أنه إلم ناكم الناس ف أمر ما يرتكبونه من منكرات؟ بأي ميزان نزن أعمالم لنقول‬
‫لم ‪ :‬إن هذا منكر فاجتنبوه؟ أنت تقول ‪ :‬إن هذا منكر؛ فيطلع عليك عشرة من هنا ومن‬
‫هناك يقولون لك ‪ :‬كل! ليس هذا منكرا ‪ .‬لقد كان منكرا ف الزمان الال! والدنيا «‬
‫تتطور » ‪ ،‬والجتمع « يتقدم » وتتلف العتبارات!‬
‫فل بد إذن من ميزان ثابت نرجع إليه بالعمال ‪ ،‬ول بد من قيم معترف با نقيس إليها‬
‫العروف والنكر ‪ .‬فمن أين نستمد هذه القيم؟ ومن أين نأت بذا اليزان؟‬
‫من تقديرات الناس وعرفهم وأهوائهم وشهواتم ‪ -‬وهي متقلبة ل تثبت على حال؟ إننا‬
‫ننتهي إذن إل متاهة ل دليل فيها ‪ ،‬وإل خضم ل معال فيه!‬
‫فل بد ابتداء من إقامة اليزان ‪ . .‬ول بد أن يكون هذا اليزان ثابتا ل يتأرجح مع الهواء‬
‫‪..‬‬
‫هذا اليزان الثابت هو ميزان ال ‪. .‬‬
‫فماذا إذا كان الجتمع ل يعترف ‪ -‬ابتداء ‪ -‬بسلطان ال؟ ماذا إذا كان ل يتحاكم إل‬
‫شريعة ال؟ بل ماذا إذا كان يسخر ويهزأ ويستنكر وينكل بن يدعوه إل منهج ال؟‬
‫أل يكون جهدا ضائعا ‪ ،‬وعبثا هازلً ‪ ،‬أن تقوم ف مثل هذا الجتمع لتأمر بالعروف‬
‫وتنهى عن النكر ‪ ،‬ف جزئيات وجانبيات من شئون الياة ‪ ،‬تتلف عليها الوازين‬
‫والقيم ‪ ،‬وتتعارض فيها الراء والهواء؟!‬
‫إنه ل بد من التفاق مبدئيا على حكم ‪ ،‬وعلى ميزان ‪ ،‬وعلى سلطان ‪ ،‬وعلى جهة يرجع‬
‫إليها الختلفون ف الراء والهواء ‪. .‬‬

‫‪62‬‬

‫ل بد من المر بالعروف الكب وهو العتراف بسلطان ال ومنهجه للحياة ‪ .‬والنهي عن‬
‫النكر الكب وهو رفض ألوهية ال برفض شريعته للحياة ‪ . .‬وبعد إقامة الساس يكن أن‬
‫يقام البنيان! فلتوفر الهود البعثرة إذن ‪ ،‬ولتحشد كلها ف جبهة واحدة ‪ ،‬لقامة الساس‬
‫الذي عليه وحده يقام البنيان!‬
‫وإن النسان ليثي أحيانا ويعجب لناس طيبي ‪ ،‬ينفقون جهدهم ف « المر بالعروف‬
‫والنهي عن النكر » ف الفروع؛ بينما الصل الذي تقوم عليه حياة الجتمع السلم؛ ويقوم‬
‫عليه المر بالعروف والنهي عن النكر ‪ ،‬مقطوع!‬
‫فما غناء أن تنهى الناس عن أكل الرام مثلً ف متمع يقوم اقتصاده كله على الربا؛‬
‫فيستحيل ماله كله حراما؛ ول يلك فرد فيه أن يأكل من حلل ‪.‬‬
‫لن نظامه الجتماعي والقتصادي كله ل يقوم على شريعة ال ‪ .‬لنه ابتداء يرفض‬
‫ألوهية ال برفض شريعته للحياة؟!‬
‫وما غناء أن تنهى الناس عن الفسق مثلً ف متمع قانونه ل يعتب الزنا جرية ‪ -‬إل ف حالة‬
‫الكراه ‪ -‬ول يعاقب حت ف حالة الكراه بشريعة ال ‪ . .‬لنه ابتداء يرفض ألوهية ال‬
‫برفض شريعته للحياة؟!‬
‫وما غناء أن تنهى الناس عن السكر ف متمع قانونه يبيح تداول وشرب المر ‪ ،‬ول‬
‫يعاقب إل على حالة السكر البي ف الطريق العام ‪ .‬وحت هذه ل يعاقب فيها بد ال ‪.‬‬
‫لنه ل يعترف ابتداء باكمية ال؟!‬
‫وما غناء أن تنهى الناس عن سب الدين؛ ف متمع ل يعترف بسلطان ال؛ ول يعبد فيه‬
‫ال ‪ .‬إنا هو يتخذ أربابا من دونه؛ ينلون له شريعته وقانونه؛ ونظامه وأوضاعه ‪ ،‬وقيمه‬
‫وموازينه ‪ .‬والساب والسبوب كلها ليس ف دين ال ‪ .‬إنا ها وأهل متمعهما طرا ف‬
‫دين من ينلون لم الشرائع والقواني؛ ويضعون لم القيم والوازين؟!‬
‫ما غناء المر بالعروف والنهي عن النكر ف مثل هذه الحوال؟ ما غناء النهي عن هذه‬
‫الكبائر ‪ -‬فضلً عن أن يكون النهي عن الصغائر ‪ -‬والكبية الكبى ل ني عنها ‪. .‬‬
‫كبية الكفر بال؛ برفض منهجه للحياة؟!‬

‫‪63‬‬

‫إن المر أكب وأوسع وأعمق ‪ ،‬ما ينفق فيه هؤلء « الطيبون » جهدهم وطاقتهم‬
‫واهتمامهم ‪ . .‬إنه ‪ -‬ف هذه الرحلة ‪ -‬ليس أمر تتبع الفرعيات ‪ -‬مهما تكن ضخمة حت‬
‫ولو كانت هي حدود ال ‪ .‬فحدود ال تقوم ابتداء على العتراف باكمية ال دون سواه‬
‫‪ .‬فإذا ل يصبح هذا العتراف حقيقة واقعة؛ تتمثل ف اعتبار شريعة ال هي الصدر الوحيد‬
‫للتشريع؛ واعتبار ربوبية ال وقوامته هي الصدر الوحيد للسلطة ‪ . .‬فكل جهد ف الفروع‬
‫ضائع؛ وكل ماولة ف الفروع عبث ‪ . .‬والنكر الكب أحق بالهد والحاولة من سائر‬
‫النكرات ‪. .‬‬
‫والرسول ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬يقول ‪ « :‬من رأى منكم منكرا فليغيه بيده ‪ .‬فإن ل‬
‫يستطع فبلسانه ‪ ،‬فإن ل يستطع فبقلبه ‪ .‬وذلك أضعف اليان » ‪.‬‬
‫وقد ييء على السلمي زمان ل يستطيعون فيه تغيي النكر بأيديهم؛ ول يستطيعون فيه‬
‫تغيي النكر بألسنتهم؛ فيبقى أضعف اليان؛ وهو تغييه بقلوبم؛ وهذا ما ل يلك أحد أن‬
‫يول بينهم وبينه ‪ ،‬إن هم كانوا حقا على السلم!‬
‫وليس هذا موقفا سلبيا من النكر ‪ -‬كما يلوح ف بادئ المر ‪ -‬وتعبي الرسول ‪ -‬صلى‬
‫ال عليه وسلم ‪ -‬بأنه تغيي دليل على أنه عمل إياب ف طبيعته ‪.‬‬
‫فإنكار النكر بالقلب ‪ ،‬معناه احتفاظ هذا القلب بإيابيته تاه النكر ‪ . .‬إنه ينكره ويكرهه‬
‫ول يستسلم له ‪ ،‬ول يعتبه الوضع الشرعي الذي يضع له ويعترف به ‪ . .‬وإنكار‬
‫القلوب لوضع من الوضاع قوة إيابية لدم هذا الوضع النكر ‪ ،‬ولقامة الوضع «‬
‫العروف » ف أول فرصة تسنح ‪ ،‬وللتربص بالنكر حت توات هذه الفرصة ‪ . .‬وهذا كله‬
‫عمل إياب ف التغيي ‪ . .‬وهو على كل حال أضعف اليان ‪ .‬فل أقل من أن يتفظ‬
‫السلم بأضعف اليان! أما الستسلم للمنكر لنه واقع ولن له ضغطا ‪ -‬قد يكون‬
‫ساحقا ‪ -‬فهو الروج من آخر حلقة ‪ ،‬والتخلي حت عن أضعف اليان!‬
‫هذا وإل حقت على الجتمع اللعنة الت حقت على بن إسرائيل ‪:‬‬
‫{ لعن الذين كفروا من بن إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مري ‪ .‬ذلك با عصوا‬
‫وكانوا يعتدون ‪ .‬كانوا ل يتناهون عن منكر فعلوه ‪ .‬لبئس ما كانوا يفعلون! } ‪. .‬‬

‫‪64‬‬

‫ث يضي السياق إل ناية هذا القطع ف الديث عن بن إسرائيل ‪ ،‬وهو ناية هذا الزء ‪.‬‬
‫فيصف حالم على عهد الرسول ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وهي حالم ف كل زمان وف‬
‫كل مكان ‪ ،‬فهم يتولون الذين كفروا ‪ ،‬ويتناصرون معهم ضد الماعة السلمة ‪ .‬وعلة‬
‫ذلك ‪ -‬مع أنم أهل كتاب ‪ -‬أنم ل يؤمنوا بال والنب وأنم ل يدخلوا ف دين ال الخي‬
‫‪ . .‬فهم غي مؤمني ‪ .‬ولو كانوا مؤمني ما تولوا الكافرين ‪:‬‬
‫{ ترى كثيا منهم يتولون الذين كفروا ‪ .‬لبئس ما قدمت لم أنفسهم ‪ :‬أن سخط ال‬
‫عليهم ‪ ،‬وف العذاب هم خالدون ‪ .‬ولو كانوا يؤمنون بال والنب وما أنزل إليه ما‬
‫اتذوهم أولياء ‪ .‬ولكن كثيا منهم فاسقون } ‪. .‬‬
‫وهذا التقرير كما ينطبق على حال اليهود ‪ -‬على عهد رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم‬
‫ ينطبق على حالم اليوم وغدا ‪ ،‬وف كل حي ‪ .‬كذلك ينطبق على الفريق الخر من‬‫أهل الكتاب ف معظم أرجاء الرض اليوم ‪ . .‬ما يدعو إل التدبر العميق ف أسرار هذا‬
‫القرآن ‪ ،‬وف عجائبه الدخرة للجماعة السلمة ف كل آن ‪. .‬‬
‫لقد كان اليهود هم الذين يتولون الشركي؛ ويؤلبونم على السلمي ‪ { ،‬ويقولون للذين‬
‫كفروا ‪ :‬هؤلء أهدى من الذين آمنوا سبيلً } كما حكى عنهم القرآن الكري ‪ .‬وقد‬
‫تلى هذا كله على أته ف غزوة الحزاب ‪ ،‬ومن قبلها ومن بعدها كذلك؛ إل اللحظة‬
‫الاضرة ‪ . .‬وما قامت إسرائيل ف أرض فلسطي أخيا إل بالولء والتعاون مع الكافرين‬
‫الدد من الاديي اللحدين!‬
‫فأما الفريق الخر من أهل الكتاب ‪ ،‬فهو يتعاون مع الادية اللادية كلما كان المر أمر‬
‫السلمي! وهم يتعاونون مع الوثنية الشركة كذلك ‪ ،‬كلما كانت العركة مع السلمي!‬
‫حت و « السلمون » ل يثلون السلم ف شيء ‪.‬‬
‫إل ف أنم من ذراري قوم كانوا مسلمي! ولكنها الحنة الت ل تدأ على هذا الدين؛‬
‫ومن ينتمون إليه ‪ ،‬ولو كانوا ف انتمائهم مدعي!‬
‫وصدق ال العظيم ‪ { :‬ترى كثيا منهم يتولون الذين كفروا } ‪. .‬‬
‫{ لبئس ما قدمت لم أنفسهم ‪ :‬أن سخط ال عليهم ‪ ،‬وف العذاب هم خالدون } ‪. .‬‬

‫‪65‬‬

‫فهذه هي الصيلة الت قدمتها لم أنفسهم ‪ . .‬إنا سخط ال عليهم ‪ .‬وخلودهم ف‬
‫العذاب ‪ .‬فما أبأسها من حصيلة! وما أبأسها من تقدمة تقدمها لم أنفسهم؛ ويا لا من‬
‫ثرة مرة ‪ .‬ثرة توليهم للكافرين!‬
‫فمن منا يسمع قول ال سبحانه عن القوم؟ فل يتخذ من عند نفسه مقررات ل يأذن با‬
‫ال ‪ :‬ف الولء والتناصر بي أهل هذا الدين؛ وأعدائه الذين يتولون الكافرين!‬
‫وما الدافع؟ ما دافع القوم لتول الذين كفروا؟ إنه عدم اليان بال والنب ‪:‬‬
‫{ ولو كانوا يؤمنون بال والنب وما أنزل إليه ما اتذوهم أولياء ‪ .‬ولكن كثيا منهم‬
‫فاسقون } ‪. .‬‬
‫هذه هي العلة ‪ . .‬إنم ل يؤمنوا بال والنب ‪ . .‬إن كثرتم فاسقة ‪ . .‬إنم يتجانسون ‪-‬‬
‫إذن ‪ -‬مع الذين كفروا ف الشعور والوجهة؛ فل جرم يتولون الذين كفروا ول يتولون‬
‫الؤمني ‪. .‬‬
‫وتبز لنا من هذا التعقيب القرآن ثلث حقائق بارزة ‪:‬‬
‫القيقة الول ‪ :‬أن أهل الكتاب جيعا ‪ -‬إل القلة الت آمنت بحمد صلى ال عليه وسلم‬
‫ غي مؤمني بال ‪ .‬لنم ل يؤمنوا برسوله الخي ‪ .‬ول ينف القرآن الكري عنهم اليان‬‫بالنب وحده ‪ .‬بل نفى عنهم اليان بال كذلك ‪ { .‬ولو كانوا يؤمنون بال والنب وما‬
‫أنزل إليه ما اتذوهم أولياء } وهو تقرير من ال ‪ -‬سبحانه ‪ -‬ل يقبل التأويل ‪ .‬مهما‬
‫تكن دعواهم ف اليان بال ‪ . .‬وباصة إذا اعتبنا ما هم عليه من انراف التصور‬
‫للحقيقة اللية كما سلف ف آيات هذا الدرس وف غيها من آيات القرآن الكري ‪.‬‬
‫والقيقة الثانية ‪ :‬أن أهل الكتاب جيعا مدعوون إل الدخول ف دين ال ‪ ،‬على لسان‬
‫ممد ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬فإن استجابوا فقد أمنوا ‪ ،‬وأصبحوا على دين ال ‪ .‬وإن‬
‫تولوا فهم كما وصفهم ال ‪.‬‬
‫والقيقة الثالثة ‪ :‬أنه ل ولء ول تناصر بينهم وبي السلمي ‪ ،‬ف شأن من الشئون ‪ .‬لن‬
‫كل شأن من شئون الياة عند السلم خاضع لمر الدين ‪.‬‬
‫ويبقى أن السلم يأمر أهله بالحسان إل أهل الكتاب ف العشرة والسلوك؛ وبماية‬
‫أرواحهم وأموالم وأعراضهم ف دار السلم؛ وبتركهم إل ما هم فيه من عقائدهم كائنة‬

‫‪66‬‬

‫ما تكون؛ وإل دعوتم بالسن إل السلم ومادلتهم بالسن كذلك ‪ .‬والوفاء لم ‪ -‬ما‬
‫وفوا ‪ -‬بعهدهم ومسالتهم للمسلمي ‪ . .‬وهم ‪ -‬ف أية حال ‪ -‬ل يكرهون على شيء ف‬
‫أمر الدين ‪. .‬‬
‫هذا هو السلم ‪ . .‬ف وضوحه ونصاعته ‪ .‬وف بره وساحته ‪. .‬‬
‫وال يقول الق ‪ .‬وهو يهدي السبيل ‪.‬‬
‫‪-----------‬‬‫ف ظلل القرآن ‪( -‬ج ‪ / 2‬ص ‪)412‬‬
‫{ لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ‪} . . .‬‬
‫إن صيغة العبارة تتمل أن تكون خطابا للرسول ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وأن تكون‬
‫كذلك خطابا عاما خرج مرج العموم ‪ ،‬لنه يتضمن أمرا ظاهرا مكشوفا يده كل‬
‫إنسان ‪ .‬وهي صيغة لا نظائرها ف السلوب العرب الذي نزل به القرآن الكري ‪ . .‬وهي‬
‫ف كلتا الالتي تفيد معناها الظاهر الذي تؤديه ‪. .‬‬
‫فإذا تقرر هذا فإن المر الذي يلفت النظر ف صياغة العبارة هو تقدي اليهود على الذين‬
‫أشركوا ف صدد أنم أشد الناس عداوة للذين آمنوا؛ وأن شدة عداوتم ظاهرة مكشوفة‬
‫وأمر مقرر يراه كل من يرى ‪ ،‬ويده كل من يتأمل!‬
‫نعم إن العطف بالواو ف التعبي العرب يفيد المع بي المرين ول يفيد تعقيبا ول ترتيبا ‪.‬‬
‫ولكن تقدي اليهود هنا ‪ ،‬حيث يقوم الظن بأنم أقل عداوة للذين آمنوا من الشركي ‪-‬‬
‫با أنم أصل أهل كتاب ‪ -‬يعل لذا التقدي شأنا خاصا غي الألوف من العطف بالواو‬
‫ف التعبي العرب! إنه ‪ -‬على القل ‪ -‬يوجه النظر إل أن كونم أهل كتاب ل يغي من‬
‫القيقة الواقعة ‪ ،‬وهي أنم كالذين أشركوا أشد عداوة للذين آمنوا! ونقول ‪ :‬إن هذا «‬
‫على القل » ‪ .‬ول ينفي هذا احتمال أن يكون القصود هو تقديهم ف شدة العداء على‬
‫الذين أشركوا ‪. .‬‬
‫وحي يستأنس النسان ف تفسي هذا التقرير الربان بالواقع التاريي الشهود منذ مولد‬
‫السلم حت اللحظة الاضرة ‪ ،‬فإنه ل يتردد ف تقرير أن عداء اليهود للذين آمنوا كان‬
‫دائما أشد وأقسى وأعمق إصرارا وأطول أمدا من عداء الذين أشركوا!‬

‫‪67‬‬

‫لقد واجه اليهود السلم بالعداء منذ اللحظة الول الت قامت فيها دولة السلم بالدينة ‪.‬‬
‫وكادوا للمة السلمة منذ اليوم الول الذي أصبحت فيه أمة ‪ .‬وتضمن القرآن الكري من‬
‫التقريرات والشارات عن هذا العداء وهذا الكيد ما يكفي وحده لتصوير تلك الرب‬
‫الريرة الت شنها اليهود على السلم وعلى رسول السلم ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪-‬‬
‫وعلى المة السلمة ف تاريها الطويل؛ والت ل تبُ لظة واحدة قرابة أربعة عشر قرنا ‪،‬‬
‫وما تزال حت اللحظة يتسعر أوارها ف أرجاء الرض جيعا‬
‫لقد عقد الرسول ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬أول مقدمه إل الدينة ‪ ،‬معاهدة تعايش مع‬
‫اليهود؛ ودعاهم إل السلم الذي يصدق ما بي أيديهم من التوراة ‪ . .‬ولكنهم ل يفوا‬
‫بذا العهد ‪ -‬شأنم ف هذا كشأنم مع كل عهد قطعوه مع ربم أو مع أنبيائهم من قبل ‪،‬‬
‫حت قال ال فيهم ‪ { :‬ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر با إل الفاسقون ‪ .‬أو كلما‬
‫عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم؟ بل أكثرهم ل يؤمنون ‪ .‬ولا جاءهم رسول من عند ال‬
‫مصدق لا معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب ال وراء ظهورهم كأنم ل‬
‫يعلمون } ولقد أضمروا العداء للسلم والسلمي منذ اليوم الول الذي جع ال فيه‬
‫الوس والزرج على السلم ‪ ،‬فلم يعد لليهود ف صفوفهم مدخل ول مرج ‪ ،‬ومنذ اليوم‬
‫الذي تددت فيه قيادة المة السلمة وأمسك بزمامها ممد رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ -‬فلم تعد لليهود فرصة للتسلط!‬
‫ولقد استخدموا كل السلحة والوسائل الت تفتقت عنها عبقرية الكر اليهودية ‪ ،‬وأفادتا‬
‫من قرون السب ف بابل ‪ ،‬والعبودية ف مصر ‪ ،‬والذل ف الدولة الرومانية ‪.‬‬
‫ومع أن السلم قد وسعهم بعد ما ضاقت بم اللل والنحل على مدار التاريخ ‪ ،‬فإنم‬
‫ردوا للسلم جيله عليهم أقبح الكيد وألم الكر منذ اليوم الول ‪.‬‬
‫ولقد ألبوا على السلم والسلمي كل قوى الزيرة العربية الشركة؛ وراحوا يمعون‬
‫القبائل التفرقة لرب الماعة السلمة ‪ { :‬ويقولون للذين كفروا ‪ :‬هؤلء أهدى من‬
‫الذين آمنوا سبيل } ولا غلبهم السلم بقوة الق ‪ -‬يوم أن كان الناس مسلمي ‪-‬‬
‫استداروا يكيدون له بدس الفتريات ف كتبه ‪ -‬ل يسلم من هذا الدس إل كتاب ال الذي‬
‫تكفل بفظه سبحانه ‪ -‬ويكيدون له بالدس بي صفوف السلمي ‪ ،‬وإثارة الفت عن‬

‫‪68‬‬

‫طريق استخدام حديثي العهد بالسلم ومن ليس لم فيه فقه من مسلمة القطار ‪.‬‬
‫ويكيدون له بتأليب خصومه عليه ف أناء الرض ‪ . .‬حت انتهى بم الطاف أن يكونوا‬
‫ف العصر الخي هم الذين يقودون العركة مع السلم ف كل شب على وجه الرض؛‬
‫وهم الذين يستخدمون الصليبية والوثنية ف هذه الرب الشاملة ‪ ،‬وهم الذين يقيمون‬
‫الوضاع ويصنعون البطال الذين يتسمون بأساء السلمي ‪ ،‬ويشنونا حربا صليبية‬
‫صهيونية على كل جذر من جذور هذا الدين!‬
‫وصدق ال العظيم ‪ { :‬لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا } ‪.‬‬
‫‪.‬‬
‫إن الذي ألب الحزاب على الدولة السلمة الناشئة ف الدينة؛ وجع بي اليهود من بن‬
‫قريظة وغيهم؛ وبي قريش ف مكة ‪ ،‬وبي القبائل الخرى ف الزيرة ‪ . .‬يهودي ‪. .‬‬
‫والذي ألب العوام ‪ ،‬وجع الشراذم ‪ ،‬وأطلق الشائعات ‪ ،‬ف فتنة مقتل عثمان ‪ -‬رضي ال‬
‫عنه ‪ -‬وما تلها من النكبات ‪ . .‬يهودي ‪. .‬‬
‫والذي قاد حلة الوضع والكذب ف أحاديث رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وف‬
‫الروايات والسي ‪ . .‬يهودي ‪. .‬‬
‫ث إن الذي كان وراء إثارة النعرات القومية ف دولة اللفة الخية؛ ووراء النقلبات‬
‫الت ابتدأت بعزل الشريعة عن الكم واستبدال « الدستور » با ف عهد السلطان‬
‫عبدالميد ‪ ،‬ث انتهت بإلغاء اللفة جلة على يدي « البطل » أتاتورك ‪ . .‬يهودي ‪. .‬‬
‫وسائر ما تل ذلك من الرب العلنة على طلئع البعث السلمي ف كل مكان على وجه‬
‫الرض وراءه يهود!‬
‫ث لقد كان وراء النعة الادية اللادية ‪ . .‬يهودي ‪ . .‬ووراء النعة اليوانية النسية‬
‫يهودي ‪ . .‬ووراء معظم النظريات الدامة لكل القدسات والضوابط يهود!‬
‫ولقد كانت الرب الت شنها اليهود على السلم أطول أمدا ‪ ،‬وأعرض مال ‪ ،‬من تلك‬
‫الت شنها عليه الشركون والوثنيون ‪ -‬على ضراوتا ‪ -‬قديا وحديثا ‪ . .‬إن العركة مع‬
‫مشركي العرب ل تتد إل أكثر من عشرين عاما ف جلتها ‪ .‬وكذلك كانت العركة مع‬

‫‪69‬‬

‫فارس ف العهد الول ‪ .‬وأما ف العصر الديث فإن ضراوة العركة بي الوثنية الندية‬
‫والسلم ضراوة ظاهرة؛ ولكنها ل تبلغ ضراوة الصهيونية العالية ‪.‬‬
‫( الت تعد الاركسية مرد فرع لا ) وليس هناك ما ياثل معركة اليهود مع السلم ف‬
‫طول المد وعرض الجال إل معركة الصليبية ‪ ،‬الت سنتعرض لا ف الفقرة التالية ‪.‬‬
‫فإذا سعنا ال ‪ -‬سبحانه ‪ -‬يقول ‪:‬‬
‫{ لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا } ‪. .‬‬
‫ويقدم اليهود ف النص على الذين أشركوا ‪ . .‬ث راجعنا هذا الواقع التاريي ‪ ،‬فإننا ندرك‬
‫طرفا من حكمة ال ف تقدي اليهود على الذين أشركوا!‬
‫إنم هذه البلة النكدة الشريرة ‪ ،‬الت ينغل القد ف صدورها على السلم ‪ ،‬وعلى نب‬
‫السلم ‪ ،‬فيحذر ال نبيه وأهل دينه منها ‪ . .‬ول يغلب هذه البلة النكدة الشريرة إل‬
‫السلم وأهله يوم أن كانوا أهله! ‪ . .‬ولن يلص العال من هذه البلة النكدة إل السلم‬
‫يوم يفيء أهله إليه ‪. .‬‬
‫{ ولتجدن أقربم مودة للذين آمنوا الذين قالوا ‪ :‬إنا نصارى ‪ .‬ذلك بأن منهم قسيسي‬
‫ورهبانا ‪ ،‬وأنم ل يستكبون ‪ .‬وإذا سعوا ما أنزل إل الرسول ترى أعينهم تفيض من‬
‫الدمع ما عرفوا من الق ‪ ،‬يقولون ‪ :‬ربنا آمنا ‪ ،‬فاكتبنا مع الشاهدين ‪ .‬وما لنا ل نؤمن‬
‫بال وما جاءنا من الق ‪ ،‬ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالي ‪ .‬فأثابم ال با قالوا‬
‫جنات تري من تتها النار خالدين فيها ‪ ،‬وذلك جزاء الحسني ‪ .‬والذين كفروا‬
‫وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الحيم } ‪. .‬‬
‫إن هذه اليات تصور حالة ‪ ،‬وتقرر حكما ف هذه الالة ‪ . .‬تصور حالة فريق من أتباع‬
‫عيسى ‪ -‬عليه السلم ‪ { : -‬الذين قالوا ‪ :‬إنا نصارى } ‪ . .‬وتقرر أنم أقرب مودة‬
‫للذين آمنوا ‪. .‬‬
‫ومع أن متابعة مموع اليات ل تدع مال للشك ف أنا تصور حالة معينة ‪ ،‬هي الت‬
‫ينطبق عليها هذا التقرير العي ‪ ،‬فإن الكثيين يطئون فهم مدلولا ‪ ،‬ويعلون منها مادة‬
‫للتميع الؤذي ف تقدير السلمي لوقفهم من العسكرات الختلفة ‪ ،‬وموقف هذه‬

‫‪70‬‬

‫العسكرات منهم ‪ . .‬لذلك ند من الضروري ‪ -‬ف ظلل القرآن ‪ -‬أن نتابع بالدقة‬
‫تصوير هذه اليات لذه الالة الاصة الت ينطبق عليها ذلك الكم الاص ‪:‬‬
‫إن الالة الت تصورها هذه اليات هي حالة فئة من الناس ‪ ،‬قالوا ‪ :‬إنا نصارى ‪ .‬هم‬
‫أقرب مودة للذين آمنوا ‪ { :‬ذلك بأن منهم قسيسي ورهبانا وأنم ل يستكبون } ‪. .‬‬
‫فمنهم من يعرفون حقيقة دين النصارى فل يستكبون على الق حي يتبي لم ‪. .‬‬
‫ولكن السياق القرآن ل يقف عند هذا الد ‪ ،‬ول يدع المر مهل ومعمما على كل من‬
‫قالوا ‪ :‬إنا نصارى ‪ . .‬إنا هو يضي فيصور موقف هذه الفئة الت يعنيها ‪:‬‬
‫{ واذا سعوا ما أنزل إل الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع ما عرفوا من الق ‪،‬‬
‫يقولون ربنا آمنا ‪ ،‬فاكتبنا مع الشاهدين ‪ .‬وما لنا ل نؤمن بال وما جاءنا من الق ‪،‬‬
‫ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالي } ‪. .‬‬
‫فهذا مشهد حي يرتسم من التصوير القرآن لذه الفئة من الناس ‪ ،‬الذين هم أقرب مودة‬
‫للذين آمنوا ‪.‬‬
‫إنم إذا سعوا ما أنزل إل الرسول من هذا القرآن اهتزت مشاعرهم ‪ ،‬ولنت قلوبم ‪،‬‬
‫وفاضت أعينهم بالدمع تعبيا عن التأثر العميق العنيف بالق الذي سعوه ‪ .‬والذي ل‬
‫يدون له ف أول المر كفاء من التعبي إل الدمع الغزير ‪ -‬وهي حالة معروفة ف النفس‬
‫البشرية حي يبلغ با التأثر درجة أعلى من أن يفي با القول ‪ ،‬فيفيض الدمع ‪ ،‬ليؤدي ما‬
‫ل يؤديه القول؛ وليطلق الشحنة البيسة من التأثر العميق العنيف ‪.‬‬
‫ث هم ل يكتفون بذا الفيض من الدمع؛ ول يقفون موقفا سلبيا من الق الذي تأثروا به‬
‫هذا التأثر عند ساع القرآن؛ والشعور بالق الذي يمله والحساس با له من سلطان ‪. .‬‬
‫إنم ل يقفون موقف التأثر الذي تفيض عيناه بالدمع ث ينتهي أمره مع هذا الق! إنا هم‬
‫يتقدمون ليتخذوا من هذا الق موقفا إيابيا صريا ‪ . .‬موقف القبول لذا الق ‪ ،‬واليان‬
‫به ‪ ،‬والذعان لسلطانه ‪ ،‬وإعلن هذا اليان وهذا الذعان ف لجة قوية عميقة صرية ‪:‬‬
‫{ يقولون ‪ :‬ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين ‪ .‬وما لنا ل نؤمن بال وما جاءنا من الق ‪،‬‬
‫ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالي؟ } ‪. .‬‬

‫‪71‬‬

‫إنم أو ًل يعلنون لربم إيانم بذا الق الذي عرفوه ‪ .‬ث يدعونه ‪ -‬سبحانه ‪ -‬أن يضمهم‬
‫إل قائمة الشاهدين لذا الق؛ وأن يسلكهم ف سلك المة القائمة عليه ف الرض ‪. .‬‬
‫المة السلمة ‪ ،‬الت تشهد لذا الدين بأنه الق ‪ ،‬وتؤدي هذه الشهادة بلسانا وبعملها‬
‫وبركتها لقرار هذا الق ف حياة البشر ‪ . .‬فهؤلء الشاهدون الدد ينضمون إل هذه‬
‫المة السلمة؛ ويشهدون ربم على إيانم بالق الذي تتبعه هذه المة؛ ويدعونه ‪-‬‬
‫سبحانه ‪ -‬أن يكتبهم ف سجلها ‪. .‬‬
‫ث هم بعد ذلك يستنكرون على أنفسهم أن يعوقهم معوق عن اليان بال؛ أو أن يسمعوا‬
‫هذا الق ث ليؤمنوا به ‪ ،‬ول يأملوا ‪ -‬بذا اليان ‪ -‬أن يقبلهم ربم ‪ ،‬ويرفع مقامهم‬
‫عنده ‪ ،‬فيدخلهم مع القوم الصالي ‪:‬‬
‫{ وما لنا ل نؤمن بال وما جاءنا من الق ‪ ،‬ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم‬
‫الصالي؟ } ‪. .‬‬
‫فهو موقف صريح قاطع تاه ما أنزل ال إل رسوله من الق ‪ . .‬موقف الستماع والعرفة‬
‫‪ ،‬ث التأثر الغامر واليان الاهر ‪ ،‬ث السلم والنضمام إل المة السلمة ‪ ،‬مع دعاء ال‬
‫ سبحانه ‪ -‬أن يعلهم من الشاهدين لذا الق؛ الذين يؤدون شهادتم سلوكا وعملً‬‫وجهادا لقراره ف الرض ‪ ،‬والتمكي له ف حياة الناس ‪ .‬ث وضوح الطريق ف تقديرهم‬
‫وتوحده؛ بيث ل يعودون يرون أنه يوز لم أن يضوا إل ف طريق واحد ‪ :‬هو طريق‬
‫اليان بال ‪ ،‬وبالق الذي أنزله على رسوله ‪ ،‬والمل ‪ -‬بعد ذلك ‪ -‬ف القبول عنده‬
‫والرضوان ‪.‬‬
‫ول يقف السياق القرآن هنا عند بيان من هم الذين يعنيهم بأنم أقرب مودة للذين آمنوا‬
‫من الذين قالوا ‪ :‬إنا نصارى؛ وعند بيان سلوكهم ف مواجهة ما أنزل ال ال الرسول ‪-‬‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ -‬من الق؛ وف اتاذ موقف إياب صريح ‪ ،‬باليان العلن ‪،‬‬
‫والنضمام إل الصف السلم؛ والستعداد لداء الشهادة بالنفس والهد والال؛ والدعاء‬
‫إل ال أن يقبلهم ف الصف الشاهد لذا الق على هذا النحو؛ مع الطمع ف أن يتم لم‬
‫بالنضمام إل موكب الصالي ‪.‬‬

‫‪72‬‬

‫ل يقف السياق القرآن عند هذا الد ف بيان أمر هؤلء الذين يقرر أنم أقرب مودة للذين‬
‫آمنوا ‪ .‬بل يتابع خطاه لتكملة الصورة ‪ ،‬ورسم الصي الذي انتهوا إليه فعلً ‪:‬‬
‫{ فأثابم ال با قالوا جنات تري من تتها النار خالدين فيها ‪ .‬وذلك جزاء‬
‫الحسني } ‪. .‬‬
‫لقد علم ال صدق قلوبم وألسنتهم؛ وصدق عزيتهم على الضي ف الطريق؛ وصدق‬
‫تصميمهم على أداء الشهادة لذا الدين الديد الذي دخلوا فيه؛ ولذا الصف السلم الذي‬
‫اختاروه ‪ ،‬واعتبارهم أن أداء هذه الشهادة ‪ -‬بكل تكاليفها ف النفس والال ‪ -‬منة ين ال‬
‫با على من يشاء من عباده؛ واعتبارهم كذلك أنه ل يعد لم طريق يسلكونه إل هذا‬
‫الطريق الذي أعلنوا الضي فيه؛ ورجاءهم ف ربم أن يدخلهم مع القوم الصالي ‪. .‬‬
‫لقد علم ال منهم هذا كله؛ فقبل منهم قولم ‪ ،‬وكتب لم النة جزاء لم؛ وشهد لم ‪-‬‬
‫سبحانه ‪ -‬بأنم مسنون ‪ ،‬وأنه يزيهم جزاء الحسني ‪:‬‬
‫{ فأثابم ال ‪ -‬با قالوا ‪ -‬جنات تري من تتها النار خالدين فيها ‪ . .‬وذلك جزاء‬
‫الحسني ‪. } . .‬‬
‫والحسان أعلى درجات اليان والسلم ‪ . .‬وال ‪ -‬جل جلله ‪ -‬قد شهد لذا الفريق‬
‫من الناس أنه من الحسني ‪.‬‬
‫هو فريق خاص مدد اللمح هذا الذي يقول عنه القرآن الكري ‪:‬‬
‫{ ولتجدن أقربم مودة للذين آمنوا الذين قالوا ‪ :‬إنا نصارى } ‪. .‬‬
‫هو فريق ل يستكب عن الق حي يسمعه ‪ ،‬بل يستجيب له تلك الستجابة العميقة‬
‫الاهرة الصرية ‪ .‬وهو فريق ل يتردد ف إعلن استجابته للسلم ‪ ،‬والنضمام للصف‬
‫السلم؛ والنضمام إليه بصفة خاصة ف تكاليف هذه العقيدة؛ وهي أداء الشهادة لا‬
‫بالستقامة عليها والهاد لقرارها وتكينها ‪ .‬وهو فريق علم ال منه صدق قوله فقبله ف‬
‫صفوف الحسني ‪. .‬‬
‫ولكن السياق القرآن ل يقف عند هذا الد ف تديد ملمح هذا الفريق القصود من‬
‫الناس الذين تدهم أقرب مودة للذين آمنوا ‪ .‬بل إنه ليمضي فيميزه من الفريق الخر من‬

‫‪73‬‬

‫الذين قالوا ‪ :‬إنا نصارى ‪ .‬من يسمعون هذا الق فيكفرون به ويكذبون ‪ ،‬وليستجيبون‬
‫له ‪ ،‬ول ينضمون إل صفوف الشاهدين ‪:‬‬
‫{ والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الحيم } ‪. .‬‬
‫والقصود قطعا بالذين كفروا وكذبوا ف هذا الوضع هم الذين يسمعون ‪ -‬من الذين قالوا‬
‫إنا نصارى ‪ -‬ث ل يستجيبون ‪.‬‬
‫والقرآن يسميهم الكافرين كلما كانوا ف مثل هذا الوقف ‪ .‬سواء ف ذلك اليهود‬
‫والنصارى؛ ويضمهم إل موكب الكفار مع الشركي سواء؛ ما داموا ف موقف التكذيب‬
‫لا أنزل ال على رسوله من الق؛ وف موقف المتناع عن الدخول ف السلم الذي ل‬
‫يقبل ال من الناس دينا سواه ‪ . .‬ند هذا ف مثل قول ال سبحانه ‪:‬‬
‫{ ل يكن الذين كفروا ‪ -‬من أهل الكتاب والشركي ‪ -‬منفكي حت تأتيهم البينة }‬
‫{ إن الذين كفروا من ‪ -‬أهل الكتاب والشركي ‪ -‬ف نار جهنم خالدين فيها أولئك هم‬
‫شر البية } { لقد كفر الذين قالوا ‪ :‬إن ال ثالث ثلثة } { لقد كفر الذين قالوا ‪ :‬إن‬
‫ال هو السيح ابن مري } { لعن الذين كفروا من بن إسرائيل على لسان داود وعيسى‬
‫ابن مري } فهو تعبي مألوف ف القرآن ‪ ،‬وحكم معهود ‪ . .‬وهو يأت هنا للتفرقة بي‬
‫فريقي من الذين قالوا ‪ :‬إنا نصارى؛ وللتفرقة بي موقف كل فريق منهما تاه الذين‬
‫آمنوا؛ وللتفرقة كذلك بي مصي هؤلء وأولئك عند ال ‪ . .‬هؤلء لم جنات تري من‬
‫تتها النار خالدين فيها وذلك جزاء الحسني ‪ .‬وأولئك أصحاب الحيم ‪. .‬‬
‫وليس كل من قالوا ‪ :‬إنم نصارى إذن داخلي ف ذلك الكم ‪ { :‬ولتجدن أقربم مودة‬
‫للذين آمنوا } ‪ . .‬كما ياول أن يقول من يقتطعون آيات القرآن دون تامها ‪ . .‬إنا هذا‬
‫الكم مقصور على حالة معينة ل يدع السياق القرآن أمرها غامضا ‪ ،‬ول ملمها مهلة ‪،‬‬
‫ول موقفها متلبسا بوقف سواها ف كثي ول قليل ‪. .‬‬
‫ولقد وردت روايات لا قيمتها ف تديد من هم النصارى العنيون بذا النص ‪:‬‬
‫أورد القرطب ف تفسيه ‪ « :‬وهذه الية نزلت ف النجاشي وأصحابه ‪ ،‬لا قدم عليهم‬
‫السلمون ف الجرة الول ‪ -‬حسب ما هو مشهور ف سية ابن اسحاق وغيه ‪ -‬خوفا‬
‫من الشركي وفتنتهم؛ وكانوا ذوي عدد ‪ .‬ث هاجر رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪-‬‬

‫‪74‬‬

‫إل الدينة بعد ذلك فلم يقدروا على الوصول إليه ‪ ،‬حالت بينهم وبي رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم الرب ‪ .‬فلما كانت وقعة بدر وقتل ال فيها صناديد الكفار ‪ ،‬قال كفار‬
‫قريش ‪ :‬إن ثأركم بأرض البشة ‪ .‬فأهدوا إل النجاشي وابعثوا له برجلي من ذوي‬
‫رأيكم يعطيكم من عنده ‪ ،‬فتقتلونم بن قتل منكم ببدر ‪ .‬فبعث كفار قريش عمرو بن‬
‫العاص وعبدال بن أب ربيعة بدايا ‪ .‬فسمع رسول ال صلى ال عليه وسلم بذلك ‪ ،‬فبعث‬
‫رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬عمرو بن أمية الضمري وكتب معه إل النجاشي؛‬
‫فقدم على النجاشي ‪ ،‬فقرأ كتاب رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬ث دعا جعفر بن‬
‫أب طالب والهاجرين ‪ ،‬وأرسل إل الرهبان والقسيسي فجمعهم ‪ .‬ث أمر جعفر أن يقرأ‬
‫عليهم القرآن ‪ ،‬فقرأ سورة » مري « فقاموا تفيض أعينهم من الدمع ‪.‬‬
‫فهم الذين أنزل ال فيهم ‪ { :‬ولتجدن أقربم مودة للذين آمنوا الذين قالوا ‪ :‬إنا‬
‫نصارى } وقرأ إل { الشاهدين } ( رواه أبو داود ‪ .‬قال ‪ :‬حدثنا ممد بن مسلمة‬
‫الرادي ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا ابن وهب ‪ .‬قال ‪ :‬أخبن يونس عن ابن شهاب ‪ ،‬عن أب بكر‬
‫عبدالرحن بن الرث بن هشام ‪ .‬وعن سعيد بن السيب وعن عروة بن الزبي ‪ :‬أن الجرة‬
‫الول هجرة السلمي إل أرض البشة ‪ .‬وساق الديث بطوله ‪.‬‬
‫« وذكر البيهقي عن ابن إسحاق قال ‪ :‬قدم على النب ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬عشرون‬
‫ل وهو بكة ‪ ،‬أو قريب من ذلك ‪ ،‬من النصارى حي ظهر خبه ‪ ،‬من البشة ‪،‬‬
‫رج ً‬
‫فوجدوه ف السجد ‪ ،‬فكلموه وسألوه ‪ ،‬ورجال من قريش ف أنديتهم حول الكعبة ‪ .‬فلما‬
‫فرغوا من مسألتهم رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬عما أرادوا ‪ ،‬دعاهم رسول ال‬
‫ صلى ال عليه وسلم ‪ -‬إل ال عز وجل ‪ ،‬وتل عليهم القرآن ‪ .‬فلما سعوه فاضت‬‫أعينهم من الدمع ‪ ،‬ث استجابوا له وآمنوا به وصدقوه ‪ ،‬وعرفوا منه ما كان يوصف لم ف‬
‫كتابم من أمره ‪ .‬فلما قاموا من عنده اعترضهم أبو جهل ف نفر من قريش فقالوا ‪:‬‬
‫خيبكم ال من ركب! بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون لم فتأتونم بب الرجل‬
‫‪ ،‬فلم تطل مالستكم عنده حت فارقتم دينكم وصدقتموه با قال لكم ‪ ،‬ما نعلم ركبا‬
‫أحق منكم ‪ -‬أو كما قال لم ‪ -‬فقالوا ‪ :‬سلم عليكم ل ناهلكم ‪ ،‬لنا أعمالنا ولكم‬
‫أعمالكم ‪ ،‬ل نألو أنفسنا خيا ‪ . .‬فيقال ‪ :‬إن النفر النصارى من أهل نران ‪ .‬ويقال ‪ :‬إن‬

‫‪75‬‬

‫فيهم نزلت هؤلء اليات ‪ { :‬الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون } إل قوله ‪:‬‬
‫{ ل نبتغي الاهلي } » وقيل ‪ :‬إن جعفرا وأصحابه قدم على النب صلى ال عليه وسلم‬
‫ل عليهم ثياب الصوف ‪ ،‬فيهم اثنان وستون من البشة وثانية من أهل‬
‫ف سبعي رج ً‬
‫الشام وهم بياء الراهب وإدريس وأشرف وأبرهة وثامة وقثم ودريد وأين ‪ .‬فقرأ عليهم‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم سورة « يس » إل آخرها ‪ ،‬فبكوا حي سعوا القرآن‬
‫وآمنوا به ‪ ،‬وقالوا ‪ :‬ما أشبه هذا با كان ينل على عيسى ‪ .‬فنلت فيهم { لتجدن أشد‬
‫الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ‪ ،‬ولتجدن أقربم مودة للذين آمنوا الذين‬
‫قالوا ‪ :‬إنا نصارى } ‪ . .‬يعن وفد النجاشي ‪ .‬وكانوا أصحاب الصوامع ‪ .‬وقال سعيد بن‬
‫جبي ‪ :‬وأنزل ال فيهم أيضا { الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون } إل قوله {‬
‫أولئك يؤتون أجرهم مرتي } إل آخر الية ‪ .‬وقال مقاتل والكلب كانوا أربعي رجلً من‬
‫أهل نران من بن الرث بن كعب ‪ ،‬واثني وثلثي من البشة ‪ ،‬وثانية وستي من أهل‬
‫الشام ‪ .‬وقال قتادة ‪ :‬نزلت ف ناس من أهل الكتاب كانوا على شريعة من الق ما جاء به‬
‫عيسى ‪ ،‬فلما بعث ال ممدا صلى ال عليه وسلم آمنوا به فأثن ال عليهم « ‪.‬‬
‫وهذا الذي نقرره ف معن هذا النص؛ والذي يدل عليه السياق بذاته ‪ ،‬وتؤيده هذه‬
‫الروايات الت أسلفنا ‪ ،‬هو الذي يتفق مع بقية التقريرات ف هذه السورة وف غيها عن‬
‫موقف أهل الكتاب عامة ‪ -‬اليهود والنصارى ‪ -‬من هذا الدين وأهله ‪ .‬كما أنه هو الذي‬
‫يتفق مع الواقع التاريي الذي عرفته المة السلمة خلل أربعة عشر قرنا ‪.‬‬
‫إن السورة وحدة ف اتاهها وظللا وجوها وأهدافها؛ وكلم ال سبحانه ل يناقض بعضه‬
‫بعضا ‪ { .‬ولو كان من عند غي ال لوجدوا فيه اختلفا كثيا } وقد وردت ف هذه‬
‫السورة نفسها نصوص وتقريرات ‪ ،‬تدد معن هذا النص الذي نواجهه هنا وتلوه ‪. .‬‬
‫نذكر منها ‪:‬‬
‫{ يا أيها الذين آمنوا ل تتخذوا اليهود والنصارى أولياء ‪ ،‬بعضهم أولياء بعض ‪ ،‬ومن‬
‫يتولم منكم فإنه منهم ‪ ،‬إن ال ل يهدي القوم الظالي } { قل ‪ :‬يا أهل الكتاب لستم‬
‫على شيء حت تقيموا التوارة والنيل وما أنزل إليكم من ربكم ‪ .‬وليزيدن كثيا منهم ما‬
‫أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا ‪ ،‬فل تأس على القوم الكافرين } كذلك جاء ف سورة‬

‫‪76‬‬

‫البقرة ‪ { :‬ولن ترضى عنك اليهود ول النصارى حت تتبع ملتهم ‪ .‬قل ‪ :‬إن هدى ال هو‬
‫الدى؛ ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من ال من ول ول نصي }‬
‫كذلك صدّق الواقع التاريي ما حذر ال المة السلمة إياه؛ من اليهود ومن النصارى‬
‫سواء ‪ .‬وإذا كان الواقع التاريي قد حفظ لليهود وقفتهم النكدة للسلم منذ اليوم الول‬
‫الذي دخل فيه السلم عليهم الدينة؛ ف صورة كيد ل ينته ول يكف حت اللحظة‬
‫الاضرة؛ وإذا كان اليهود ل يزالون يقودون الملة ضد السلم ف كل أرجاء الرض‬
‫اليوم ف حقد خبيث وكيد لئيم ‪ . .‬فإن هذا الواقع قد حفظ كذلك للنصارى الصليبيي‬
‫أنم اتذوا من السلم موقف العداء منذ واقعة اليموك بي جيش السلمي وجيوش الروم‬
‫ فيما عدا الالت الت وقع فيها ما تصفه اليات الت نن بصددها فاستجابت قلوب‬‫للسلم ودخلت فيه ‪ .‬وفيما عدا حالت أخرى آثرت فيها طوائف من النصارى أن‬
‫تتمي بعدل السلم من ظلم طوائف أخرى من النصارى كذلك؛ يلقون من ظلمها‬
‫الوبال! ‪ -‬أما التيار العام الذي يثل موقف النصارى جلة فهو تلك الروب الصليبية الت‬
‫ل يب أوارها قط ‪ -‬إل ف الظاهر ‪ -‬منذ التقى السلم والرومان على ضفاف اليموك!‬
‫لقد تلت أحقاد الصليبية على السلم وأهله ف الروب الصليبية الشهورة طوال قرني‬
‫من الزمان ‪ ،‬كما تلت ف حروب البادة الت شنتها الصليبية على السلم والسلمي ف‬
‫الندلس ‪ ،‬ث ف حلت الستعمار والتبشي على الماليك السلمية ف إفريقية أولً ‪ ،‬ث‬
‫ف العال كله أخيا ‪.‬‬
‫ولقد ظلت الصهيونية العالية والصليبة العالية حليفتي ف حرب السلم ‪ -‬على كل ما‬
‫بينهما من أحقاد ‪ -‬ولكنهم كانوا ف حربم للسلم كما قال عنهم العليم البي ‪:‬‬
‫{ بعضهم أولياء بعض } حت مزقوا دولة اللفة الخية ‪ .‬ث مضوا ف طريقهم ينقضون‬
‫هذا الدين عروة عروة ‪ .‬وبعد أن أجهزوا على عروة « الكم » ها هم أولء ياولون‬
‫الجهاز على عروة « الصلة »!‬
‫ث ها هم أولء يعيدون موقف اليهود القدي مع السلمي والوثنيي ‪ .‬فيؤيدون الوثنية‬
‫حيثما وجدت ضد السلم ‪ .‬عن طريق الساعدات الباشرة تارة ‪ ،‬وعن طريق الؤسسات‬

‫‪77‬‬

‫الدولية الت يشرفون عليها تارة أخرى! وليس الصراع بي الند وباكستان على كشمي‬
‫وموقف الصليبية منها ببعيد ‪.‬‬
‫وذلك فوق إقامة واحتضان وكفالة الوضاع الت تتول سحق حركات الحياء والبعث‬
‫السلمية ف كل مكان على وجه الرض ‪ .‬وإلباس القائمي بذه الوضاع أثواب البطولة‬
‫الزائفة ودق الطبول من حولم ‪ ،‬ليستطيعوا الجهاز على السلم ‪ ،‬ف زحة الضجيج‬
‫العالي حول القزام الذين يلبسون أردية البطال!‬
‫هذا موجز سريع لا سجله الواقع التاريي طوال أربعة عشر قرنا؛ من مواقف اليهودية‬
‫والصليبية تاه السلم؛ ل فرق بي هذه وتلك؛ ول افتراق بي هذا العسكر وذاك ف‬
‫الكيد للسلم ‪ ،‬والقد عليه ‪ ،‬والرب الدائبة الت ل تفتر على امتداد الزمان ‪.‬‬
‫وهذا ما ينبغي أن يعيه الواعون اليوم وغدا؛ فل ينساقوا وراء حركات التمييع الادعة أو‬
‫الخدوعة؛ الت تنظر إل أوائل مثل هذا النص القرآن ‪ -‬دون متابعة لبقيته؛ ودون متابعة‬
‫لسياق السورة كله ‪ ،‬ودون متابعة لتقريرات القرآن عامة ‪ ،‬ودون متابعة للواقع التاريي‬
‫الذي يصدق هذا كله ‪ -‬ث تتخذ من ذلك وسيلة لتخدير مشاعر السلمي تاه‬
‫العسكرات الت تضمر لم القد وتبيت لم الكيد؛ المر الذي تبذل فيه هذه العسكرات‬
‫جهدها ‪ ،‬وهي بصدد الضربة الخية الوجهة إل جذور العقيدة ‪.‬‬
‫إن هذه العسكرات ل تشى شيئا أكثر ما تشى الوعي ف قلوب العصبة الؤمنة ‪ -‬مهما‬
‫قل عددها وعدتا ‪ -‬فالذين ينيمون هذا الوعي هم أعدى أعداء هذه العقيدة ‪ .‬وقد يكون‬
‫بعضهم من الفرائس الخدوعة؛ ولكن ضررهم ل يقل ‪ -‬حينئذ ‪ -‬عن ضرر أعدى العداء‬
‫‪ ،‬بل إنه ليكون أشد أذى وضرا ‪( .‬الظلل)‬
‫*******************‬
‫وحرم علينا ربنا سبحانه وتعال طاعتهم والستماع لراجيفهم ‪:‬‬
‫ب يَ ُردّوكُ ْم َبعْدَ‬
‫قال تعال ‪ { :‬يَا َأّيهَا الّذِينَ َآ َمنُوا ِإنْ تُطِيعُوا َفرِيقًا مِ َن الّذِينَ أُوتُوا اْلكِتَا َ‬
‫إِيَاِنكُمْ كَافِرِينَ (‪[ )100‬آل عمران‪} ]100/‬‬

‫‪78‬‬

‫لقد جاءت هذه المة السلمة لتنشىء ف الرض طريقها على منهج ال وحده ‪ ،‬متميزة‬
‫متفردة ظاهرة ‪ .‬لقد انبثق وجودها ابتداء من منهج ال؛ لتؤدي ف حياة البشر دورا خاصا‬
‫ل ينهض به سواها ‪ .‬لقد وجدت لقرار منهج ال ف الرض ‪ ،‬وتقيقه ف صورة عملية ‪،‬‬
‫ذات معال منظورة ‪ ،‬تترجم فيها النصوص إل حركات وأعمال ‪ ،‬ومشاعر وأخلق ‪،‬‬
‫وأوضاع وارتباطات ‪.‬‬
‫وهي ل تقق غاية وجودها ‪ ،‬ول تستقيم على طريقها ‪ ،‬ول تنشىء ف الرض هذه‬
‫الصورة الوضيئة الفريدة من الياة الواقعية الاصة التميزة ‪ ،‬إل إذا تلقت من ال وحده ‪،‬‬
‫وإل إذا تولت قيادة البشرية با تتلقاه من ال وحده ‪ .‬قيادة البشرية ‪ . .‬ل التلقي من أحد‬
‫من البشر ‪ ،‬ول اتباع أحد من البشر ‪ ،‬ول طاعة أحد من البشر ‪ . .‬إما هذا وإما الكفر‬
‫والضلل والنراف ‪. .‬‬
‫هذا ما يؤكده القرآن ويكرره ف شت الناسبات ‪ .‬وهذا ما يقيم عليه مشاعر الماعة‬
‫السلمة وأفكارها وأخلقها كلما سنحت الفرصة ‪ . .‬وهنا موضع من هذه الواضع ‪،‬‬
‫مناسبته هي الناظرة مع أهل الكتاب ‪ ،‬ومواجهة كيدهم وتآمرهم على الماعة السلمة ف‬
‫الدينة ‪ . .‬ولكنه ليس مدودا بدود هذه الناسبة ‪ ،‬فهو التوجيه الدائم لذه المة ‪ ،‬ف كل‬
‫جيل من أجيالا ‪ ،‬لنه هو قاعدة حياتا ‪ ،‬بل قاعدة وجودها ‪.‬‬
‫لقد وجدت هذه المة لقيادة البشرية ‪ .‬فكيف تتلقى إذن من الاهلية الت جاءت لتبدلا‬
‫ولتصلها بال ‪ ،‬ولتقودها بنهج ال؟ وحي تتخلى عن مهمة القيادة فما وجودها إذن ‪،‬‬
‫وليس لوجودها ‪ -‬ف هذه الال ‪ -‬من غاية؟!‬
‫لقد وجدت للقيادة ‪ :‬قيادة التصور الصحيح ‪ .‬والعتقاد الصحيح ‪ .‬والشعور الصحيح ‪.‬‬
‫واللق الصحيح ‪ .‬والنظام الصحيح ‪ .‬والتنظيم الصحيح ‪ . .‬وف ظل هذه الوضاع‬
‫الصحيحة يكن أن تنمو العقول ‪ ،‬وأن تتفتح ‪ ،‬وأن تتعرف إل هذا الكون ‪ ،‬وأن تعرف‬
‫أسراره ‪ ،‬وأن تسخر قواه وطاقاته ومدخراته ‪.‬‬
‫ولكن القيادة الساسية الت تسمح بذا كله ‪ ،‬وتسيطر على هذا كله وتوجهه لي البشر‬
‫ل لتهديدهم بالراب والدمار ‪ ،‬ول لتسخيه ف الآرب والشهوات ‪ . .‬ينبغي أن تكون‬

‫‪79‬‬

‫لليان ‪ ،‬وأن تقوم عليها الماعة السلمة ‪ ،‬مهتدية فيها بتوجيه ال ‪ .‬ل بتوجيه أحد من‬
‫عبيد ال ‪.‬‬
‫وهنا ف هذا الدرس يذر المة السلمة من اتباع غيها ‪ ،‬ويبي لا كذلك طريقها لنشاء‬
‫الوضاع الصحيحة وصيانتها ‪ .‬ويبدأ بتحذيرها من اتباع أهل الكتاب ‪ ،‬وإل فسيقودونا‬
‫إل الكفر ل مناص ‪.‬‬
‫{ يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيانكم كافرين‬
‫‪ .‬وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات ال وفيكم رسوله؟ ومن يعتصم بال فقد هدي‬
‫إل صراط مستقيم } ‪. .‬‬
‫إن طاعة أهل الكتاب والتلقي عنهم ‪ ،‬واقتباس مناهجهم وأوضاعهم ‪ ،‬تمل ابتداء معن‬
‫الزية الداخلية ‪ ،‬والتخلي عن دور القيادة الذي من أجله أنشئت المة السلمة ‪ .‬كما‬
‫تمل معن الشك ف كفاية منهج ال لقيادة الياة وتنظيمها والسي با صعدا ف طريق‬
‫النماء والرتقاء ‪ .‬وهذا بذاته دبيب الكفر ف النفس ‪ ،‬وهي ل تشعر به ول ترى خطره‬
‫القريب ‪.‬‬
‫هذا من جانب السلمي ‪ .‬فأما من الانب الخر ‪ ،‬فأهل الكتاب ل يرصون على شيء‬
‫حرصهم على إضلل هذه المة عن عقيدتا ‪ .‬فهذه العقيدة هي صخرة النجاة؛ وخط‬
‫الدفاع ‪ ،‬ومصدر القوة الدافعة للمة السلمة ‪ .‬وأعداؤه يعرفون هذا جيدا ‪ .‬يعرفونه قديا‬
‫ويعرفونه حديثا ‪ ،‬ويبذلون ف سبيل تويل هذه المة عن عقيدتا كل ما ف وسعهم من‬
‫مكر وحيلة ‪ ،‬ومن قوة كذلك وعُدة ‪ .‬وحي يعجزهم أن ياربوا هذه العقيدة ظاهرين‬
‫يدسون لا ماكرين ‪ .‬وحي يعييهم أن ياربوها بأنفسهم وحده ‪ ،‬يندون من النافقي‬
‫التظاهرين بالسلم ‪ ،‬أو من ينتسبون ‪ -‬زورا ‪ -‬للسلم ‪ ،‬جنودا مندة ‪ ،‬لتنخر لم ف‬
‫جسم هذه العقيدة من داخل الدار ‪ ،‬ولتصد الناس عنها ‪ ،‬ولتزين لم مناهج غي منهجها ‪،‬‬
‫وأوضاعا غي أوضاعها ‪ ،‬وقيادة غي قيادتا ‪. .‬‬
‫فحي يد أهل الكتاب من بعض السلمي طواعية واستماعا واتباعا ‪ ،‬فهم ول شك‬
‫سيستخدمون هذا كله ف سبيل الغاية الت تؤرقهم ‪ ،‬وسيقودونم ويقودون الماعة كلها‬
‫من ورائهم إل الكفر والضلل ‪.‬‬

‫‪80‬‬

‫ومن ث هذا التحذير الاسم الخيف ‪:‬‬
‫{ يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيانكم كافرين‬
‫}‪..‬‬
‫وما كان يفزع السلم ‪ -‬حينذاك ‪ -‬ما يفزعه أن يرى نفسه منتكسا إل الكفر بعد اليان‬
‫‪ .‬وراجعا إل النار بعد ناته منها إل النة ‪ .‬وهذا شأن السلم الق ف كل زمان ومن ث‬
‫يكون هذا التحذير بذه الصورة سوطا يلهب الضمي ‪ ،‬ويوقظه بشدة لصوت النذير ‪. .‬‬
‫ومع هذا فإن السياق يتابع التحذير والتذكي ‪ . .‬فيا له من منكر أن يكفر الذين آمنوا بعد‬
‫إيانم ‪ ،‬وآيات ال تتلى عليهم ‪ ،‬ورسوله فيهم ‪.‬‬
‫ودواعي اليان حاضرة ‪ ،‬والدعوة إل اليان قائمة ‪ ،‬ومفرق الطريق بي الكفر واليان‬
‫مسلط عليه هذا النور ‪:‬‬
‫{ وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات ال وفيكم رسوله؟ }‬
‫أجل ‪ .‬إنا لكبية أن يكفر الؤمن ف ظل هذه الظروف العينة على اليان ‪ . .‬وإذا كان‬
‫رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬قد استوف أجله ‪ ،‬واختار الرفيق العلى ‪ ،‬فإن آيات‬
‫ال باقية ‪ ،‬وهدى رسوله ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬باق ‪ . .‬ونن اليوم ماطبون بذا‬
‫القرآن كما خوطب به الولون ‪ ،‬وطريق العصمة بي ‪ ،‬ولواء العصمة مرفوع ‪:‬‬
‫{ ومن يعتصم بال فقد هدي إل صراط مستقيم } ‪. .‬‬
‫أجل ‪ .‬إنه العتصام بال يعصم ‪ .‬وال سبحانه باق ‪ .‬وهو ‪ -‬سبحانه ‪ -‬الي القيوم ‪.‬‬
‫ولقد كان رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬يتشدد مع أصحابه ‪ -‬رضوان ال عليهم‬
‫ ف أمر التلقي ف شأن العقيدة والنهج ‪ ،‬بقدر ما كان يفسح لم ف الرأي والتجربة ف‬‫شؤون الياة العملية التروكة للتجربة والعرفة ‪ ،‬كشؤون الزرع ‪ ،‬وخطط القتال ‪ ،‬وأمثالا‬
‫من السائل العملية البحتة الت ل علقة لا بالتصور العتقادي ‪ ،‬ول بالنظام الجتماعي ‪،‬‬
‫ول بالرتباطات الاصة بتنظيم حياة النسان ‪ . .‬وفرق بي هذا وذلك بي ‪ .‬فمنهج‬
‫الياة شيء ‪ ،‬والعلوم البحتة والتجريبية والتطبيقية شيء آخر ‪ .‬والسلم الذي جاء ليقود‬
‫الياة بنهج ال ‪ ،‬هو السلم الذي وجه العقل للمعرفة والنتفاع بكل إبداع مادي ف‬
‫نطاق منهجه للحياة ‪. .‬‬

‫‪81‬‬

‫قال المام أحد ‪ « :‬حدثنا عبد الرازق ‪ ،‬أنبأنا سفيان ‪ ،‬عن جابر ‪ ،‬عن الشعب ‪ ،‬عن عبد‬
‫ال بن ثابت ‪ .‬قال ‪ » :‬جاء عمر إل النب ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬فقال ‪ :‬يا رسول ال‬
‫‪ .‬إن أمرت بأخ يهودي من بن قريظة ‪ ،‬فكتب ل جوامع من التوراة ‪ .‬أل أعرضها‬
‫عليك؟ قال ‪ :‬فتغي وجه رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬قال عبد ال بن ثابت ‪:‬‬
‫قلت له ‪ :‬أل ترى ما وجه رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪-‬؟ فقال عمر ‪ :‬رضيت بال‬
‫ربا ‪ ،‬وبالسلم دينا ‪ ،‬وبحمد رسولً ‪ .‬قال ‪ :‬فسري عن النب ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪-‬‬
‫وقال ‪ :‬والذي نفسي بيده لو أصبح فيكم موسى ‪ -‬عليه السلم ‪ -‬ث اتبعتموه وتركتمون‬
‫لضللتم ‪ .‬إنكم حظي من المم ‪ ،‬وأنا حظكم من النبيي « ‪.‬‬
‫وقال الافظ أبو يعلى ‪ :‬حدثنا حاد عن الشعب عن جابر ‪ .‬قال ‪ :‬قال رسول ال ‪ -‬صلى‬
‫ال عليه وسلم ‪ » -‬ل تسألوا أهل الكتاب عن شيء ‪ .‬فإنم لن يهدوكم وقد ضلوا ‪.‬‬
‫وإنكم إما أن تصدقوا بباطل ‪ ،‬وإما أن تكذبوا بق ‪ .‬وإنه وال لو كان موسى حيا بي‬
‫أظهركم ما حل له إل أن يتبعن ‪ « . .‬وف بعض الحاديث ‪ » :‬لو كان موسى وعيسى‬
‫حيي لا وسعهما إل اتباعي « ‪.‬‬
‫هؤلء هم أهل الكتاب ‪ .‬وهذا هو هدى رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬ف التلقي‬
‫عنهم ف أي أمر يتص بالعقيدة والتصور ‪ ،‬أو بالشريعة والنهج ‪ . .‬ول ضي ‪ -‬وفق روح‬
‫السلم وتوجيهه ‪ -‬من النتفاع بهود البشر كلهم ف غي هذا من العلوم البحتة ‪ ،‬علما‬
‫وتطبيقا ‪ . .‬مع ربطها بالنهج اليان ‪ :‬من ناحية الشعور با ‪ ،‬وكونا من تسخي ال‬
‫للنسان ‪ .‬ومن ناحية توجيهها والنتفاع با ف خي البشرية ‪ ،‬وتوفي المن لا والرخاء ‪.‬‬
‫وشكر ال على نعمة العرفة ونعمة تسخي القوى والطاقات الكونية ‪ .‬شكره بالعبادة ‪.‬‬
‫وشكره بتوجيه هذه العرفة وهذا التسخي لي البشرية ‪. .‬‬
‫فأما التلقي عنهم ف التصور اليان ‪ ،‬وف تفسي الوجود ‪ ،‬وغاية الوجود النسان ‪ .‬وف‬
‫منهج الياة وأنظمتها وشرائعها ‪ ،‬وف منهج الخلق والسلوك أيضا ‪ . .‬أما التلقي ف‬
‫شيء من هذا كله ‪ ،‬فهو الذي تغي وجه رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬ليسر‬
‫شيء منه ‪ .‬وهو الذي حذر ال المة السلمة عاقبته ‪ .‬وهي الكفر الصراح ‪. .‬‬

‫‪82‬‬

‫هذا هو توجيه ال ‪ -‬سبحانه ‪ -‬وهذا هو هدى رسوله ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬فأما نن‬
‫الذين نزعم أننا مسلمون ‪ ،‬فأرانا نتلقى ف صميم فهمنا لقرآننا وحديث نبينا ‪ -‬صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ -‬عن الستشرقي وتلمذة الستشرقي! وأرانا نتلقى فلسفتنا وتصوراتنا‬
‫للوجود والياة من هؤلء وهؤلء ‪ ،‬ومن الفلسفة والفكرين ‪ :‬الغريق والرومان‬
‫والوروبيي والمريكان! وأرانا نتلقى نظام حياتنا وشرائعنا وقوانيننا من تلك الصادر‬
‫الدخولة! وأرانا نتلقى قواعد سلوكنا وآدابنا وأخلقنا من ذلك الستنقع السن ‪ ،‬الذي‬
‫انتهت إليه الضارة الادية الجردة من روح الدين ‪ . .‬أي دين ‪ . .‬ث نزعم ‪ -‬وال ‪ -‬أننا‬
‫مسلمون! وهو زعم إثه أثقل من إث الكفر الصريح ‪ .‬فنحن بذا نشهد على السلم‬
‫بالفشل والسخ ‪ .‬حيث ل يشهد عليه هذه الشهادة الثة من ل يزعمون ‪ -‬مثلنا ‪ -‬أنم‬
‫مسلمون!‬
‫إن السلم منهج ‪ .‬وهو منهج ذو خصائص متميزة ‪ :‬من ناحية التصور العتقادي ‪ ،‬ومن‬
‫ناحية الشريعة النظمة لرتباطات الياة كلها ‪ .‬ومن ناحية القواعد الخلقية ‪ ،‬الت تقوم‬
‫عليها هذه الرتباطات ‪ ،‬ول تفارقها ‪ ،‬سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية ‪.‬‬
‫وهو منهج جاء لقيادة البشرية كلها ‪ .‬فل بد أن تكون هناك جاعة من الناس تمل هذا‬
‫النهج لتقود به البشرية ‪ .‬وما يتناقض مع طبيعة القيادة ‪ -‬كما أسلفنا ‪ -‬أن تتلقى هذه‬
‫الماعة التوجيهات من غي منهجها الذات ‪. .‬‬
‫ولي البشرية جاء هذا النهج يوم جاء ‪ .‬ولي البشرية يدعو الدعاة لتحكيم هذا النهج‬
‫اليوم وغدا ‪ .‬بل المر اليوم ألزم ‪ ،‬والبشرية بجموعها تعان من النظم والناهج الت انتهت‬
‫إليها ما تعان ‪ .‬وليس هناك منقذ إل هذا النهج اللي ‪ ،‬الذي يب أن يتفظ بكل‬
‫خصائصه كي يؤدي دوره للبشرية وينقذها مرة أخرى ‪.‬‬
‫لقد أحرزت البشرية انتصارات شت ف جهادها لتسخي القوى الكونية ‪ .‬وحققت ف عال‬
‫الصناعة والطب ما يشبه الوارق ‪ -‬بالنسبة للماضي ‪ -‬وما تزال ف طريقها إل انتصارات‬
‫جديدة ‪ . .‬ولكن ما أثر هذا كله ف حياتا؟ ما أثره ف حياتا النفسية؟ هل وجدت‬
‫السعادة؟ هل وجدت الطمأنينة؟ هل وجدت السلم؟ كل! لقد وجدت الشقاء والقلق‬
‫والوف ‪ . .‬والمراض العصبية والنفسية ‪ ،‬والشذوذ والرية على أوسع نطاق! ‪ . .‬إنا ل‬

‫‪83‬‬

‫تتقدم كذلك ف تصور غاية الوجود النسان وأهداف الياة النسانية ‪ . .‬وحي تقاس‬
‫غاية الوجود النسان وأهداف الياة النسانية ف ذهن الرجل التحضر العاصر ‪ ،‬إل‬
‫التصور السلمي ف هذا الانب ‪ ،‬تبدو هذه الضارة ف غاية القزامة! بل تبدو لعنة تط‬
‫من تصور النسان لنفسه ومقامه ف هذا الوجود وتسفل به ‪ ،‬وتصغر من اهتماماته ومن‬
‫أشواقه! ‪ . .‬والواء يأكل قلب البشرية الكدود ‪ ،‬والية تد روحها التعبة ‪ . .‬إنا ل تد‬
‫ال ‪ . .‬لقد أبعدتا عنه ملبسات نكدة ‪ .‬والعلم الذي كان من شأنه ‪ ،‬لو سار تت منهج‬
‫ال ‪ ،‬أن يعل من كل انتصار للبشرية ف ميدانه خطوة تقربا من ال ‪ ،‬هو ذاته الذي تبعد‬
‫به البشرية أشواطا بسبب انطماس روحها ونكستها ‪ . .‬إنا ل تد النور الذي يكشف لا‬
‫غاية وجودها القيقية فتنطلق إليها مستعينة بذا العلم الذي منحه ال لا ووهبها الستعداد‬
‫له ‪ .‬ول تد النهج الذي ينسق بي حركتها وحركة الكون ‪ ،‬وفطرتا وفطرة الكون ‪،‬‬
‫وقانونا وناموس الكون ‪ .‬ول تد النظام الذي ينسق بي طاقاتا وقواها ‪ ،‬وآخرتا ودنياها‬
‫‪ ،‬وأفرادها وجاعاتا ‪ ،‬وواجباتا وحقوقها ‪ . .‬تنسيقا طبيعيا شاملً مريا ‪. .‬‬
‫وهذه البشرية هي الت يعمل ناس منها على حرمانا من منهج ال الادي ‪ .‬وهم الذين‬
‫يسمون التطلع إل هذا النهج « رجعية! » ويسبونه مرد حني إل فترة ذاهبة من فترات‬
‫التاريخ ‪ . .‬وهم بهالتهم هذه أو بسوء نيتهم يرمون البشرية التطلع إل النهج الوحيد‬
‫الذي يكن أن يقود خطاها إل السلم والطمأنينة ‪ ،‬كما يقود خطاها إل النمو والرقي ‪.‬‬
‫‪ .‬ونن الذين نؤمن بذا النهج نعرف إل ماذا ندعو ‪ .‬إننا نرى واقع البشرية النكد ‪،‬‬
‫ونشم رائحة الستنقع السن الذي تتمرغ فيه ‪ .‬ونرى ‪ .‬نرى هنالك على الفق الصاعد‬
‫راية النجاة تلوح للمكدودين ف هجي الصحراء الحرق والرتقى الوضيء النظيف يلوح‬
‫للغارقي ف الستنقع؛ ونرى أن قيادة البشرية إن ل ترد إل هذا النهج فهي ف طريقها إل‬
‫الرتكاس الشائن لكل تاريخ النسان ‪ ،‬ولكل معن من معان النسان!‬
‫وأول الطوات ف الطريق أن يتميز هذا النهج ويتفرد ‪ ،‬ول يتلقى أصحابه التوجيه من‬
‫الاهلية الطامة من حولم ‪ . .‬كيما يظل النهج نظيفا سليما ‪ .‬إل أن يأذن ال بقيادته‬
‫للبشرية مرة أخرى ‪ .‬وال أرحم بعباده أن يدعهم لعداء البشر ‪ ،‬الداعي إل الاهلية من‬
‫هنا ومن هناك! ‪.‬‬

‫‪84‬‬

‫وهذا ما أراد ال سبحانه أن يلقنه للجماعة السلمة الول ف كتابه الكري؛ وما حرص‬
‫رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬أن يعلمها إياه ف تعليمه القوي ‪( . .‬الظلل)‬
‫************************‬
‫وحرم سبحانه وتعال توليهم ‪:‬‬
‫قال تعال ‪ {:‬يَا َأّيهَا الّذِينَ َآ َمنُوا لَا َتتّخِذُوا عَ ُدوّي َوعَ ُدوّكُمْ َأوْلِيَا َء تُ ْلقُونَ إَِلْيهِ ْم بِالْ َموَ ّد ِة‬
‫ح ّق يُخْ ِرجُونَ ال ّرسُو َل َوِإيّاكُمْ أَ ْن ُت ْؤمِنُوا بِاللّهِ َرّبكُمْ إِنْ ُكْنتُمْ‬
‫وَقَدْ َكفَرُوا بِمَا جَاءَكُ ْم مِ َن الْ َ‬
‫َخرَ ْجتُمْ ِجهَادًا فِي َسبِيلِي وَابِْتغَا َء مَرْضَاتِي تُسِرّونَ إَِلْيهِ ْم بِالْ َموَ ّد ِة َوَأنَا َأعْلَ ُم بِمَا أَ ْخ َفيْتُ ْم َومَا‬
‫سبِيلِ (‪ِ )1‬إنْ َيْثقَفُوكُ ْم َيكُونُوا َلكُمْ َأعْدَاءً‬
‫ض ّل َسوَاءَ ال ّ‬
‫َأعَْلنْتُ ْم َومَ ْن َي ْفعَلْ ُه ِمنْكُمْ َفقَدْ َ‬
‫َويَبْسُطُوا إِلَْيكُمْ َأيْ ِدَيهُ ْم َوأَلْسَِنَتهُ ْم بِالسّوءِ َووَدّوا َل ْو َتكْفُرُونَ (‪ )2‬لَ ْن َتْنفَ َعكُمْ أَرْحَا ُمكُ ْم وَلَا‬
‫سَنةٌ‬
‫َأوْلَادُكُ ْم َي ْومَ اْل ِقيَا َمةِ َي ْفصِلُ بَْيَنكُمْ وَاللّ ُه بِمَا تَعْ َملُونَ َبصِيٌ (‪ )3‬قَدْ كَاَنتْ َلكُمْ ُأ ْس َوةٌ حَ َ‬
‫فِي ِإبْرَاهِيمَ وَالّذِي َن َمعَهُ إِذْ قَالُوا ِل َقوْ ِمهِمْ ِإنّا بُرَآَ ُء ِمنْكُ ْم َومِمّا َت ْعبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ َكفَ ْرنَا‬
‫بِكُ ْم َوبَدَا َبيَْننَا َوبَْيَنكُمُ الْعَدَا َوةُ وَاْلبَ ْغضَاءُ َأبَدًا َحتّى ُت ْؤمِنُوا بِاللّ ِه َوحْ َدهُ إِلّا َق ْولَ ِإبْرَاهِيمَ ِلأَبِيهِ‬
‫ك َتوَكّ ْلنَا َوإِلَيْكَ َأنَْبنَا َوإِلَيْكَ‬
‫ك مِنَ اللّ ِه مِ ْن َشيْءٍ َرّبنَا عََليْ َ‬
‫ك َومَا َأمْلِكُ لَ َ‬
‫َلأَ ْسَت ْغفِ َرنّ لَ َ‬
‫حكِيمُ (‪)5‬‬
‫جعَ ْلنَا ِفْتَنةً لِلّذِينَ َكفَرُوا وَا ْغفِرْ َلنَا َرّبنَا ِإنّكَ َأْنتَ اْلعَزِي ُز الْ َ‬
‫الْ َمصِيُ (‪َ )4‬ربّنَا لَا تَ ْ‬
‫سَنةٌ لِ َمنْ كَانَ يَ ْرجُو اللّ َه وَاْلَي ْومَ الْآَ ِخ َر َومَ ْن يََتوَلّ فَِإنّ اللّ َه ُهوَ‬
‫َلقَدْ كَانَ َلكُمْ فِيهِمْ ُأ ْس َوةٌ حَ َ‬
‫حمِيدُ (‪ )6‬المتحنة}‬
‫الْ َغِنيّ الْ َ‬
‫ضبَ اللّ ُه عََلْيهِمْ َق ْد َيئِسُوا مِ َن الْآَخِ َرةِ‬
‫قال تعال ‪ { :‬يَا َأّيهَا الّذِينَ َآ َمنُوا لَا َتَتوَّلوْا َق ْومًا َغ ِ‬
‫ب اْل ُقبُورِ (‪ )13‬المتحنة}‬
‫كَمَا َيِئسَ اْل ُكفّا ُر مِنْ أَصْحَا ِ‬
‫ضهُمْ َأوِْليَاءُ َب ْعضٍ‬
‫وقال تعال ‪ { :‬يَا َأّيهَا الّذِينَ َآ َمنُوا لَا َتتّخِذُوا الَْيهُو َد وَالنّصَارَى َأوِْليَاءَ بَ ْع ُ‬
‫َومَ ْن يََتوَّلهُ ْم ِمنْكُمْ فَِإنّ ُه ِمْنهُمْ ِإنّ اللّهَ لَا َيهْدِي اْل َق ْومَ الظّالِ ِميَ (‪[ )51‬الائدة‪} ]51/‬‬
‫إن العال الذي يريده السلم عال ربان إنسان ‪ .‬ربان بعن أنه يستمد كل مقوماته من‬
‫توجيه ال وحكمه ‪ ،‬ويتجه إل ال بكل شعوره وعمله ‪ .‬وإنسان بعن أنه يشمل النس‬
‫النسان كله ف رحاب العقيدة وتذوب فيه فواصل النس والوطن واللغة والنسب ‪.‬‬
‫وسائر ما ييز إنسانا عن إنسان ‪ ،‬عدا عقيدة اليان ‪ .‬وهذا هو العال الرفيع اللئق أن‬
‫يعيش فيه النسان الكري على ال ‪ ،‬التضمن كيانه نفحة من روح ال ‪.‬‬

‫‪85‬‬

‫ودون إقامة هذا العال تقف عقبات كثية كانت ف البيئة العربية وما تزال ف العال كله‬
‫إل اليوم عقبات من التعصب للبيت ‪ ،‬والتعصب للعشية ‪ ،‬والتعصب للقوم ‪ ،‬والتعصب‬
‫للجنس ‪ ،‬والتعصب للرض ‪ .‬كما تقف عقبات من رغائب النفوس وأهواء القلوب ‪ ،‬من‬
‫الرص والشح وحب الي للذات ‪ ،‬ومن الكبياء الذاتية واللتواءات النفسية ‪ . .‬وألوان‬
‫غيها كثيمن ذوات الصدور!‬
‫وكان على السلم أن يعال هذا كله ف الماعة الت يعدها لتحقيق منهج ال ف الرض‬
‫ف صورة عملية واقعة ‪ .‬وكانت هذه الصورة حلقة ف سلسلة هذا العلج الطويل ‪.‬‬
‫وكان بعض الهاجرين الذين تركوا ديارهم وأموالم وأهليهم ف سبيل عقيدتم ‪ ،‬ما تزال‬
‫نفوسهم مشدودة إل بعض من خلفوا هنالك من ذرية وأزواج وذوي قرب ‪ .‬وعلى الرغم‬
‫من كل ما ذاقوا من العنت والذى ف قريش فقد ظلت بعض النفوس تود لو وقعت بينهم‬
‫وبي أهل مكة الحاسنة والودة؛ وأن لو انتهت هذه الصومة القاسية الت تكلفهم قتال‬
‫أهليهم وذوي قرابتهم ‪ ،‬وتقطع ما بينهم وبينهم من صلت!‬
‫وكان ال يريد استصفاء هذه النفوس واستخلصها من كل هذه الوشائج ‪ ،‬وتريدها‬
‫لدينه وعقيدته ومنهجه ‪ .‬وهو سبحانه يعلم ثقل الضغط الواقع عليها من اليول الطبيعية‬
‫ورواسب الاهلية جيعا وكان العرب بطبيعتهم أشد الناس احتفالً بعصبية القبيلة‬
‫والعشية والبيت فكان يأخذهم يوما بعد يوم بعلجه الناجع البالغ ‪ ،‬بالحداث‬
‫وبالتعقيب على الحداث ‪ ،‬ليكون العلج على مسرح الوادث وليكون الطرق والديد‬
‫ساخن!‬
‫وتذكر الروايات حادثا معينا نزل فيه صدر هذه السورة ‪ .‬وقد تكون هذه الروايات‬
‫صحيحة ف سبب النول الباشر ‪ .‬ولكن مدى النصوص القرآنية دائما أبعد من الوادث‬
‫الباشرة ‪.‬‬
‫ل من الهاجرين ‪ .‬وكان من‬
‫وقد قيل ف هذا الادث ‪ :‬إن حاطب بن أب بلتعة كان رج ً‬
‫أهل بدر أيضا ‪ .‬وكان له بكة أولد ومال ‪ ،‬ول يكن من قريش أنفسهم بل كان حليفا‬
‫لعثمان ‪.‬‬

‫‪86‬‬

‫فلما عزم رسول ال صلى ال عليه وسلم على فتح مكة لا نقض أهلها عهد الديبية أمر‬
‫السلمي بالتجهيز لغزوهم ‪ ،‬وقال ‪ « :‬اللهم عَمّ عليهم خبنا » ‪ .‬وأخب رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم جاعة من أصحابه بوجهته ‪ ،‬كان منهم حاطب ‪ .‬فعمد حاطب فكتب‬
‫كتابا وبعثه مع امرأة مشركة قيل من مزينة جاءت الدينة تسترفد إل أهل مكة يعلمهم‬
‫بعزم رسول ال صلى ال عليه وسلم على غزوهم ‪ ،‬ليتخذ بذلك عندهم يدا ‪ .‬فأطلع ال‬
‫تعال رسوله على ذلك استجابة لدعائه ‪ .‬وإمضاء لقدره ف فتح مكة ‪ .‬فبعث ف أثر‬
‫الرأة ‪ ،‬فأخذ الكتاب منها ‪.‬‬
‫وقد روى البخاري ف الغازي ‪ ،‬ورواه مسلم ف صحيحه من حديث حصي بن عبد‬
‫الرحن ‪ ،‬عن سعد ابن عبيدة عن أب عبد الرحن السلمي ‪ ،‬عن علي رضي ال عنه قال ‪:‬‬
‫« بعثن رسول ال صلى ال عليه وسلم وأبا مرثد والزبي بن العوام وكلنا فارس وقال ‪:‬‬
‫انطلقوا حت تأتوا روضة خاخ ‪ ،‬فإن با امرأة من الشركي معها كتاب من حاطب بن‬
‫أب بلعتة إل الشركي » ‪ .‬فأدركناها تسي على بعي لا حيث قال رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم فقلنا ‪ :‬الكتاب؟ فقالت ما معي كتاب ‪ .‬فأنناها فالتمسنا فلم نر كتابا ‪ .‬فقلنا‬
‫‪ :‬ما كذب رسول ال صلى ال عليه وسلم لتخرجن الكتاب أو لنجردنك ‪ .‬فلما رأت‬
‫الد أهوت إل حجزتا ‪ ،‬وهي متحجزة بكساء ‪ ،‬فأخرجته ‪ .‬فانطلقنا به إل رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم فقال عمر ‪ :‬يا رسول ال ‪ .‬قد خان ال ورسوله والؤمني ‪ ،‬فدعن‬
‫فلضربن عنقه ‪ .‬فقال النب صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ما حلك على ما صنعت؟ » قال‬
‫حاطب ‪ :‬وال ما ب إل أن أكون مؤمنا بال ورسوله صلى ال عليه وسلم أردت أن‬
‫تكون ل عند القوم يد ‪ .‬يدفع ال با عن أهلي ومال ‪ ،‬وليس أحد من أصحابك إل له‬
‫هناك من عشيته من يدفع ال به عن أهله وماله ‪ .‬فقال ‪ « :‬صدق ل تقولوا إل خيا »‬
‫فقال عمر ‪ :‬إنه قد خان ال ورسوله والؤمني ‪ ،‬فدعن فلضرب عنقه ‪ .‬فقال ‪ « :‬أليس‬
‫من أهل بدر؟ فقال ‪ :‬لعل ال اطلع إل أهل بدر فقال ‪ :‬اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم‬
‫النة أو قد غفرت لكم » فدمعت عينا عمر ‪ ،‬وقال ‪ :‬ال ورسوله أعلم « ‪ .‬وزاد‬
‫البخاري ف كتاب الغازي ‪ :‬فأنزل ال السورة ‪ { :‬يا أيها الذين آمنوا ل تتخذوا عدوي‬

‫‪87‬‬

‫وعدوكم أوليآء تلقون إليهم بالودة } وف رواية أخرى أن الذين أرسلوا كانوا هم علي‬
‫والزبي والقداد ‪.‬‬
‫والوقوف قليلً أمام هذا الادث وما دار بشأنه ل يرج بنا عن « ظلل القرآن » والتربية‬
‫به وبالحداث والتوجيهات والتعقيبات عن طريق رسول ال صلى ال عليه وسلم القائد‬
‫الرب العظيم ‪. .‬‬
‫واول ما يقف النسان أمامه هو فعلة حاطب ‪ ،‬وهو السلم الهاجر ‪ ،‬وهو أحد الذين‬
‫أطلعهم رسول ال صلى ال عليه وسلم على سر الملة ‪ . .‬وفيها ما يكشف عن‬
‫منحنيات النفس البشرية العجيبة ‪ ،‬وتعرض هذه النفس للحظات الضعف البشري مهما‬
‫بلغ من كمالا وقوتا؛ وأن ل عاصم إل ال من هذه اللحظات فهو الذي يعي عليها ‪.‬‬
‫ث يقف النسان مرة أخرى أمام عظمة الرسول صلى ال عليه وسلم وهو ل يعجل حت‬
‫يسأل ‪ « :‬ما حلك على ما صنعت » ف سعة صدر وعطف على لظة الضعف الطارئة‬
‫ف نفس صاحبه ‪ ،‬وإدراك ملهم بأن الرجل قد صدق ‪ ،‬ومن ث يكف الصحابة عنه ‪« :‬‬
‫صدق ل تقولوا إل خيا » ‪ .‬ليعينه وينهضه من عثرته ‪ ،‬فل يطارده با ول يدع أحدا‬
‫يطارده ‪ .‬بينما ند اليان الاد الاسم الازم ف شدة عمر ‪ « :‬إنه قد خان ال ورسوله‬
‫والؤمني ‪ .‬فدعن فلضرب عنقه » ‪ . .‬فعمر رضي ال عنه إنا ينظر إل العثرة ذاتا فيثور‬
‫لا حسه الاسم وإيانه الازم ‪ .‬أما رسول ال صلى ال عليه وسلم فينظر إليها من خلل‬
‫إدراكه الواسع الشامل للنفس البشرية على حقيقتها ‪ ،‬ومن كل جوانبها ‪ ،‬مع العطف‬
‫الكري اللهم الذي تنشئه العرفة الكلية ‪ .‬ف موقف الرب الكري العطوف التأن الناظر إل‬
‫جيع اللبسات والظروف ‪. .‬‬
‫ث يقف النسان أمام كلمات حاطب ‪ ،‬وهو ف لظة ضعفه ‪ ،‬ولكن تصوره لقدر ال‬
‫وللسباب الرضية هو التصور اليان الصحيح ‪ . .‬ذلك حي يقول ‪ « :‬أردت أن تكون‬
‫ل عند القوم يد ‪ . .‬يدفع ال با عن أهلي ومال » ‪ . .‬فال هو الذي يدفع ‪ ،‬وهذه اليد‬
‫ل تدفع بنفسها ‪ ،‬إنا يدفع ال با ‪ .‬ويؤكد هذا التصور ف بقية حديثه وهو يقول ‪« :‬‬
‫وليس أحد من أصحابك إل له هناك من عشيته من يدفع ‪ . .‬ال ‪ . .‬به عن أهله وماله »‬
‫فهو ال حاضر ف تصوره ‪ ،‬وهو الذي يدفع ل العشية ‪ .‬إنا العشية أداة يدفع ال با ‪. .‬‬

‫‪88‬‬

‫ولعل حس رسول ال اللهم قد راعى هذا التصور الصحيح الي ف قول الرجل ‪ ،‬فكان‬
‫هذا من أسباب قوله صلى ال عليه وسلم ‪ « : -‬صدق ‪ .‬ل تقولوا إل خيا » ‪.‬‬
‫وأخيا يقف النسان أمام تقدير ال ف الادث؛ وهو أن يكون حاطب من القلة الت يعهد‬
‫إليها رسول ال صلى ال عليه وسلم بسر الملة ‪.‬‬
‫وأن تدركه لظة الضعف البشري وهو من القلة الختارة ‪ .‬ث يري قدر ال بكف ضرر‬
‫هذه اللحظة عن السلمي ‪ .‬كأنا القصد هو كشفها فقط وعلجها! ث ل يكون من‬
‫الخرين الذين ل يعهد إليهم بالسر اعتراض على ما وقع ‪ ،‬ول تنفج بالقول ‪ :‬ها هو ذا‬
‫أحد من استودعوا السر خانوه ‪ ،‬ولو أودعناه نن ما بنا به! فلم يرد من هذا شيء ‪ .‬ما‬
‫يدل على أدب السلمي مع قيادتم ‪ ،‬وتواضعهم ف الظن بأنفسهم ‪ ،‬واعتبارهم با حدث‬
‫لخيهم ‪. .‬‬
‫والادث متواتر الرواية ‪ .‬أما نزول هذه اليات فيه فهو أحد روايات البخاري ‪ .‬ول‬
‫نستبعد صحة هذه الرواية؛ ولكن مضمون النص القرآن كما قلنا أبعد مدى ‪ ،‬وأدل على‬
‫أنه كان يعال حالة نفسية أوسع من حادث حاطب الذي تواترت به الروايات ‪ ،‬بناسبة‬
‫وقوع هذا الادث ‪ ،‬على طريقة القرآن ‪.‬‬
‫كان يعال مشكلة الواصر القريبة ‪ ،‬والعصبيات الصغية ‪ ،‬وحرص النفوس على مألوفاتا‬
‫الوروثة ليخرج با من هذا الضيق الحلي إل الفق العالي النسان ‪.‬‬
‫وكان ينشئ ف هذه النفوس صورة جديدة ‪ ،‬وقيما جديدة ‪ ،‬وموازين جديدة ‪ ،‬وفكرة‬
‫جديدة عن الكون والياة والنسان ‪ ،‬ووظيفة الؤمني ف الرض ‪ ،‬وغاية الوجود النسان‬
‫‪.‬‬
‫وكان كأنا يمع هذه النبتات الصغية الديدة ف كنف ال؛ ليعلمهم ال ويبصرهم‬
‫بقيقة وجودهم وغايته ‪ ،‬وليفتح أعينهم على ما ييط بم من عداوات ومكر وكيد ‪،‬‬
‫وليشعرهم أنم رجاله وحزبه ‪ ،‬وأنه يريد بم أمرا ‪ ،‬ويقق بم قدَرا ‪ .‬ومن ث فهم‬
‫يوسون بسمته ويملون شارته ‪ ،‬ويعرفون بذه الشارة وتلك السمة بي القوام جيعا ‪ .‬ف‬
‫الدنيا والخرة ‪ .‬وإذن فليكونوا خالصي له ‪ ،‬منقطعي لوليته ‪ ،‬متجردين من كل وشيجة‬
‫غي وشيجته ‪ .‬ف عال الشعور وعال السلوك ‪.‬‬

‫‪89‬‬

‫والسورة كلها ف هذا التاه ‪ .‬حت اليات التشريعية التنظيمية الواردة ف آخرها عن‬
‫معاملة الهاجرات الؤمنات ‪ ،‬ومبايعة من يدخلن ف السلم ‪ ،‬والفصل بي الؤمنات‬
‫وأزواجهن من الكفار ‪ .‬وبي الؤمني وزوجاتم من الكوافر ‪ . .‬فكلها تنظيمات منبثقة‬
‫من ذلك التوجيه العام ‪.‬‬
‫ث ختام السورة كما بدأت بالنهي عن موالة أعداء ال ‪ ،‬من غضب عليهم ال ‪ ،‬سواء‬
‫من الشركي أو من اليهود ‪ .‬ليتم التميز والنفراد والفاصلة من جيع الوشائج والروابط‬
‫غي رابطة العقيدة وغي وشيجة اليان ‪. .‬‬
‫{ يا أيها الذين آمنوا ل تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالودة ‪ ،‬وقد كفروا‬
‫با جاءكم من الق ‪ ،‬يرجون الرسول وإياكم ‪ ،‬أن تؤمنوا بال ربكم ‪ .‬إن كنتم خرجتم‬
‫جهادا ف سبيلي وابتغاء مرضات تسرون إليهم بالودة وأنا أعلم با أخفيتم وما أعلنتم؛‬
‫ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل ‪ .‬إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ‪ ،‬ويبسطوا‬
‫إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء ‪ ،‬وودوا لو تكفرون } ‪. .‬‬
‫تبدأ السورة بذلك النداء الودود الوحي ‪ { :‬يا أيها الذين آمنوا } ‪ . .‬نداء من ربم الذي‬
‫آمنوا به ‪ ،‬يدعوهم باسم اليان الذي ينسبهم إليه ‪.‬‬
‫يدعوهم ليبصرهم بقائق موقفهم ‪ ،‬ويذرهم حبائل أعدائهم ‪ ،‬ويذكرهم بالهمة اللقاة‬
‫على عاتقهم ‪.‬‬
‫وف مودة يعل عدوهم عدوه ‪ ،‬وعدوه عدوهم ‪:‬‬
‫{ ل تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالودة } ‪. .‬‬
‫فيشعر الؤمني بأنم منه وإليه ‪ .‬يعاديهم من يعاديه ‪ .‬فهم رجاله النتسبون إليه الذين‬
‫يملون شارته ف هذه الرض ‪ ،‬وهم أوداؤه وأحباؤه ‪ .‬فل يوز أن يلقوا بالودة إل‬
‫أعدائهم وأعدائه ‪.‬‬
‫ويذكرهم بريرة هؤلء العداء عليهم وعلى دينهم وعلى رسولم ‪ ،‬وعدوانم على هذا‬
‫كله ف تن وظلم ‪:‬‬
‫{ وقد كفروا با جاءكم من الق ‪ .‬يرجون الرسول وإياكم ‪ .‬أن تؤمنوا بال ربكم } ‪.‬‬
‫‪.‬‬

‫‪90‬‬

‫فماذا أبقوا بعد هذه الرائر الظالة للموالة والودة؟ كفروا بالق ‪ .‬وأخرجوا الرسول‬
‫والؤمني ‪ ،‬ل لشيء إل لنم آمنوا بال ربم؟ إنه يهيج ف قلوب الؤمني هذه الذكريات‬
‫الرتبطة بعقيدتم ‪ .‬وهي الت حاربم الشركون من أجلها ‪ ،‬ل من أجل أي سبب آخر ‪.‬‬
‫ويبز القضية الت عليها اللف والصومة والرب ‪ .‬فهي قضية العقيدة دون سواها ‪.‬‬
‫قضية الق الذي كفروا به والرسول الذي أخرجوه ‪ ،‬واليان الذي من أجله أخرجوهم ‪.‬‬
‫وإذا تحضت القضية هكذا وبرزت ‪ ،‬ذكّرهم بأنه ل مل إذن للمودة بينهم وبي‬
‫الشركي إن كانوا قد خرجوا من ديارهم ابتغاء رضوان ال وجهادا ف سبيله ‪:‬‬
‫{ إن كنتم خرجتم جهادا ف سبيلي وإبتغاء مرضات } ‪. .‬‬
‫فما يتمع ف قلب واحد أن يهاجر جهادا ف سبيل ال ابتغاء مرضاة ال ‪ ،‬مع مودة لن‬
‫أخرجه من أجل إيانه بال ‪ ،‬وهو عدو ال وعدو رسول ال!‬
‫ث يذرهم تذيرا خفيا ما تكن قلوبم ‪ ،‬وما يسرون به إل أعدائهم وأعداء ال من‬
‫الودة ‪ ،‬وهو مطلع على خفية القلوب وعلنيتها ‪:‬‬
‫{ تسرون إليهم بالودة وأنا أعلم با أخفيتم وما أعلنتم } ‪.‬‬
‫ث يهددهم تديدا ميفا ‪ ،‬يثي ف القلب الؤمن الوجل والخافة ‪:‬‬
‫{ ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل } ‪. .‬‬
‫وهل ييف الؤمن شيء ما ييفه أن يضل سواء السبيل بعد الداية والوصول؟!‬
‫وهذا التهديد وذلك التحذير يتوسطان تبصي الؤمني بقيقة أعدائهم وما يضمرون لم‬
‫من الشر والكيد ‪ .‬ث تيء البقية ‪:‬‬
‫{ إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطون إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء } ‪. .‬‬
‫فل تعرض لم فرصة يتمكنون فيها من السلمي حت يتصرفوا معهم تصرف العدو الصيل‬
‫‪ .‬ويوقعوا بم ما يلكون من أذى ومن تنكيل باليدي وباللسنة وبكل وسيلة وكل سبيل‬
‫‪.‬‬
‫والدهى من هذا كله والشد والنكى ‪:‬‬
‫{ وودوا لو تكفرون } ‪. .‬‬

‫‪91‬‬

‫وهذه عند الؤمن أشد من كل أذى ومن كل سوء يصيبه باليد أو اللسان ‪ .‬فالذي يود له‬
‫أن يسر هذا الكن العزيز ‪ .‬كن اليان ‪ .‬ويرتد إل الكفر ‪ ،‬هو أعدى من كل عدو يؤذيه‬
‫باليد وباللسان!‬
‫والذي يذوق حلوة اليان بعد الكفر ‪ ،‬ويهتدي بنوره بعد الضلل ‪ ،‬ويعيش عيشة‬
‫الؤمن بتصوراته ومداركه ومشاعره واستقامة طريقه وطمأنينة قلبه يكره العودة إل الكفر‬
‫كما يكره أن يلقى ف النار ‪.‬‬
‫أو أشد ‪ .‬فعدو ال هو الذي يود أن يرجعه إل جحيم الكفر وقد خرج منه إل جنة‬
‫اليان ‪ ،‬وإل فراغ الكفر الاوي بعد عال اليان العمور ‪.‬‬
‫لذا يتدرج القرآن ف تييج قلوب الؤمني ضد أعدائه وأعدائهم حت يصل إل قمته بقوله‬
‫لم عنهم ‪ { :‬وودوا لو تكفرون } ‪. .‬‬
‫هذه هي الولة الول بلمساتا التعددة ‪ .‬ث تليها جولة ثانية بلمسة واحدة تعال مشاعر‬
‫القرابة ووشائجها التأصلة؛ والت تشتجر ف القلوب فتجرها جرا إل الودة؛ وتنسيها‬
‫تكاليف التميز بالعقيدة ‪:‬‬
‫{ لن تنفعكم أرحامكم ول أولدكم ‪ .‬يوم القيامة يفصل بينكم ‪ .‬وال با تعملون‬
‫بصي } ‪.‬‬
‫إن الؤمن يعمل ويرجو الخرة ‪ .‬ويزرع هنا وينتظر الصاد هناك ‪ .‬فلمسة قلبه با يكون‬
‫ف الخرة من تقطيع وشائج القرب كلها إذا تقطعت وشيجة العقيدة ‪ ،‬من شأنا أن تون‬
‫عنده شأن هذه الوشائج ف فترة الياة الدنيا القصية؛ وتوجهه إل طلب الوشيجة الدائمة‬
‫الت ل تنقطع ف دنيا ول ف آخرة ‪:‬‬
‫ومن ث يقول لم ‪ { :‬لن تنفعكم أرحامكم ول أولدكم } ‪ . .‬الت تفون إليها وتتعلق‬
‫قلوبكم با؛ وتضطركم إل موادة أعداء ال وأعدائكم وقاية لا كما حدث لاطب ف‬
‫حرصه على أولده وأمواله وكما تيش خواطر آخرين غيه حول أرحامهم وأولدهم‬
‫الذين خلفوهم ف دار الجرة ‪ .‬لن تنفعكم أرحامكم ول أولدكم ‪ .‬ذلك أنه { يوم‬
‫القيامة يفصل بينكم } ‪ . .‬لن العروة الت تربطكم مقطوعة ‪ .‬وهي العروة الت ل رباط‬
‫بغيها عند ال ‪.‬‬

‫‪92‬‬

‫{ وال با تعملون بصي } ‪ . .‬مطلع على العمل الظاهر والنية وراءه ف الضمي ‪.‬‬
‫ث تأت الولة الثالثة فتصل السلمي بأول هذه المة الواحدة ‪ :‬أمة التوحيد ‪ .‬وهذه القافلة‬
‫الواحدة ‪ :‬قافلة اليان ‪ .‬فإذا هي متدة ف الزمان ‪ ،‬متميزة باليان ‪ ،‬متبئة من كل‬
‫وشيجة تناف وشيجة العقيدة ‪ . .‬إنا المة المتدة منذ إبراهيم ‪ .‬أبيهم الول وصاحب‬
‫النيفية الول ‪ .‬وفيه أسوة ل ف العقيدة وحدها ‪ ،‬بل كذلك ف السية ‪ ،‬وف التجارب‬
‫الت عاناها مع عاطفة القرابة ووشائجها؛ ث خلص منها هو ومن آمن معه ‪ ،‬وترد لعقيدته‬
‫وحدها ‪:‬‬
‫{ قد كانت لكم أسوة حسنة ف إبراهيم والذين معه؛ إذ قالوا لقومهم ‪ :‬إنا برآء منكم ‪،‬‬
‫وما تعبدون من دون ال ‪ ،‬كفرنا بكم ‪ ،‬وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حت‬
‫تؤمنوا بال وحده ‪ .‬إل قول إبراهيم لبيه ‪ ،‬لستغفرن لك ‪ ،‬وما أملك لك من ال من‬
‫شيء ‪ .‬ربنا عليك توكلنا ‪ ،‬وإليك أنبنا ‪ ،‬وإليك الصي ‪ .‬ربنا ل تعلنا فتنة للذين كفروا ‪،‬‬
‫واغفر لنا ربنا ‪ ،‬إنك أنت العزيز الكيم ‪ . .‬لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لن كان‬
‫يرجو ال واليوم الخر ‪.‬‬
‫وينظر السلم فإذا له نسب عريق ‪ ،‬وماض طويل ‪ ،‬وأسوة متدة على آماد الزمان ‪ ،‬وإذا‬
‫هو راجع إل إبراهيم ‪ ،‬ل ف عقيدته فحسب ‪ ،‬بل ف تاربه الت عاناها كذلك ‪ .‬فيشعر‬
‫أن له رصيدا من التجارب أكب من رصيده الشخصي وأكب من رصيد جيله الذي يعيش‬
‫فيه ‪ .‬إن هذه القافلة المتدة ف شعاب الزمان من الؤمني بدين ال ‪ ،‬الواقفي تت راية‬
‫ال ‪ ،‬قد مرت بثل ما ير به ‪ ،‬وقد انتهت ف تربتها إل قرار اتذته ‪ .‬فليس المر جديدا‬
‫ول مبتدعا ول تكليفا يشق على الؤمني ‪ . .‬ث إن له لمة طويلة عريضة يلتقي معها ف‬
‫العقيدة ويرجع إليها ‪ ،‬إذا انبتت الروابط بينه وبي أعداء عقيدته ‪ .‬فهو فرع من شجرة‬
‫ضخمة باسقة عميقة الذور كثية الفروع وارفة الظلل ‪ . .‬الشجرة الت غرسها أول‬
‫السلمي ‪ . .‬إبراهيم ‪. .‬‬
‫مر إبراهيم والذين معه بالتجربة الت يعانيها السلمون الهاجرون ‪ .‬وفيهم أسوة حسنة ‪{ :‬‬
‫إذ قالوا لقومهم ‪ :‬إنا برآء منكم وما تعبدون من دون ال ‪ ،‬كفرنا بكم ‪ ،‬وبدا بيننا‬
‫وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حت تؤمنوا بال وحده } ‪. .‬‬

‫‪93‬‬

‫فهي الباءة من القوم ومعبوداتم وعباداتم ‪ .‬وهو الكفر بم واليان بال ‪ .‬وهي العداوة‬
‫والبغضاء ل تنقطع حت يؤمن القوم بال وحده ‪ .‬وهي الفاصلة الاسة الازمة الت ل‬
‫تستبقي شيئا من الوشائج والواصر بعد انقطاع وشيجة العقيدة وآصرة اليان ‪ .‬وف هذا‬
‫الفصل الطاب ف مثل هذه التجربة الت ير با الؤمن ف أي جيل ‪ .‬وف قرار إبراهيم‬
‫والذين معه أسوة للفائهم من السلمي إل يوم الدين ‪.‬‬
‫ولقد كان بعض السلمي يد ف استغفار إبراهيم لبيه وهو مشرك ثغرة تنفذ منها‬
‫عواطفهم البيسة ومشاعرهم الوصولة بذوي قرباهم من الشركي ‪ .‬فجاء القرآن ليشرح‬
‫لم حقيقة موقف إبراهيم ف قوله لبيه ‪ { :‬لستغفرن لك } ‪. .‬‬
‫فلقد قال هذا قبل أن يستيقن من إصرار أبيه على الشرك ‪ .‬قاله وهو يرجو إيانه ويتوقعه ‪:‬‬
‫{ فلما تبي له أنه عدو ل تبأ منه } ‪ . .‬كما جاء ف سورة أخرى ‪.‬‬
‫ويثبت هنا أن إبراهيم فوض المر كله ل ‪ ،‬وتوجه إليه بالتوكل والنابة والرجوع إليه‬
‫على كل حال ‪:‬‬
‫{ وما أملك لك من ال من شيء ‪ .‬ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك الصي } ‪. .‬‬
‫وهذا التسليم الطلق ل ‪ ،‬هو السمة اليانية الواضحة ف إبراهيم يبزها هنا ليوجه إليها‬
‫قلوب أبنائه السلمي ‪ .‬كحلقة من حلقات التربية والتوجيه بالقصص والتعقيب عليه ‪،‬‬
‫وإبراز ما ف ثناياه من ملمح وسات وتوجيهات على طريقة القرآن الكري ‪.‬‬
‫ويستطرد لذا ف إثبات بقية دعاء إبراهيم ونواه لوله ‪:‬‬
‫{ ربنا ل تعلنا فتنة للذين كفروا } ‪. .‬‬
‫فل تسلطهم علينا ‪ .‬فيكون ف ذلك فتنة لم ‪ ،‬إذ يقولون ‪ :‬لو كان اليان يمي أهله ما‬
‫سلطنا عليهم وقهرناهم! وهي الشبهة الت كثيا ما تيك ف الصدور ‪ ،‬حي يتمكن‬
‫الباطل من الق ‪ ،‬ويتسلط الطغاة على أهل اليان لكمة يعلمها ال ف فترة من الفترات‬
‫‪.‬‬
‫والؤمن يصب للبتلء ‪ ،‬ولكن هذا ل ينعه أن يدعو ال أل يصيبه البلء الذي يعله فتنة‬
‫وشبهة تيك ف الصدور ‪.‬‬
‫وبقية الدعاء ‪:‬‬

‫‪94‬‬

‫{ واغفر لنا } ‪. .‬‬
‫يقولا إبراهيم خليل الرحن ‪ .‬إدراكا منه لستوى العبادة الت يستحقها منه ربه ‪ ،‬وعجزه‬
‫ببشريته عن بلوغ الستوى الذي يكافئ به نعم ال وآلءه ‪ ،‬ويجد جلله وكبياءه‬
‫فيطلب الغفرة من ربه ‪ ،‬ليكون ف شعوره وف طلبه أسوة لن معه ولن يأت بعده ‪.‬‬
‫ويتم دعاءه وإنابته واستغفاره يصف ربه بصفته الناسبة لذا الدعاء ‪:‬‬
‫{ ربنا إنك أنت العزيز الكيم } ‪. .‬‬
‫العزيز ‪ :‬القادر على الفعل ‪ ،‬الكيم ‪ :‬فيما يضي من تدبي ‪.‬‬
‫وف ناية هذا العرض لوقف إبراهيم والذين معه ‪ ،‬وف استسلم إبراهيم وإنابته يعود فيقرر‬
‫السوة ويكررها؛ مع لسة جديدة لقلوب الؤمني ‪:‬‬
‫{ لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لن كان يرجو ال واليوم الخر ‪ .‬ومن يتول فإن ال‬
‫هو الغن الميد } ‪. .‬‬
‫فالسوة ف إبراهيم والذين معه متحققة لن كان يرجو ال واليوم الخر ‪ .‬هؤلء هم الذين‬
‫يدركون قيمة التجربة الت عاناها هذا الرهط الكري ‪ ،‬ويدون فيها أسوة تتبع ‪ ،‬وسابقة‬
‫تدي ‪ .‬فمن كان يرجو ال واليوم الخر فليتخذ منها أسوة ‪ . .‬وهو تلميح موح‬
‫للحاضرين من الؤمني ‪.‬‬
‫فأما من يريد أن يتول عن هذا النهج ‪ .‬من يريد أن ييد عن طريق القافلة ‪ .‬من يريد أن‬
‫ينسلخ من هذا النسب العريق ‪ .‬فما بال من حاجة إليه سبحانه { فإن ال هو الغن الميد‬
‫}‪..‬‬
‫وتنتهي الولة وقد عاد الؤمنون أدراجهم إل أوائل تاريهم الديد ‪ ،‬ورجعوا بذكرياتم‬
‫إل نشأتم ف الرض؛ وعرفوا تاربم الذخورة لم ف الجيال التطاولة ‪ ،‬ورأوا القرار‬
‫الذي انتهى إليه من مروا بذه التجربة؛ ووجدوها طريقا معبدة من قبل ليسوا هم أول‬
‫السالكي فيها ‪.‬‬
‫والقرآن الكري يؤكد هذا التصور ويكرره ليتصل ركب الؤمني ‪ ،‬فل يشعر بالغربة أو‬
‫الوحشة سالك ولو كان وحده ف جيل! ول يد مشقة ف تكليف نض به السالكون معه‬
‫ف الطريق!‬

‫‪95‬‬

‫بعدئذ يعود فينسم على هذه القلوب الت يعلم ال ما با من حني ورغبة ف زوال حالة‬
‫العداء والفوة الت تكلفهم هذه الشقة ‪ .‬ينسم عليها بنسمة المل الندية ف أن ينضم‬
‫هؤلء العداء إل راية السلم ‪ ،‬وإل صفوف السلمي؛ فيكون هذا هو الطريق لزوال‬
‫الفوة وقيام الود على أساسه الركي ‪ . .‬ث يفف عنهم مرة أخرى وهو يضع القاعدة‬
‫السلمية الكبى ف العلقات الدولية بي السلمي وغيهم ‪ ،‬فيجعل القاطعة والصومة‬
‫خاصة بالة العداء والعدوان ‪.‬‬
‫‪---------‬‬‫الوسيط لسيد طنطاوي ‪( -‬ج ‪ / 1‬ص ‪)4181‬‬
‫س الْ ُكفّارُ‬
‫يَا أَّيهَا الّذِينَ َآ َمنُوا لَا َتتَوَّلوْا َق ْومًا َغضِبَ اللّ ُه عََلْيهِمْ قَ ْد َيئِسُوا مِ َن الْآَ ِخ َرةِ كَمَا يَِئ َ‬
‫ب اْل ُقبُورِ (‪)13‬‬
‫مِنْ أَصْحَا ِ‬
‫الراد بالقوم الذين غضب ال عليهم ‪ :‬الشركون ‪ ،‬بصفة عامة ‪ ،‬ويدخل فيهم دخول أوليا‬
‫اليهود ‪ ،‬لن هذا الوصف كثيا ما يطلق عليهم ‪.‬‬
‫فقد ذكروا ف سبب نزول هذه الية ‪ ،‬أن قوما من فقراء الؤمني ‪ ،‬كانوا يواصلون اليهود‬
‫‪ .‬ليصيبوا من ثارهم ‪ ،‬وربا أخبوهم عن شىء من أخبار السلمي ‪ ،‬فنلت الية لتنهاهم‬
‫عن ذلك ‪.‬‬
‫أى ‪ :‬يا من آمنتم بال ‪ -‬تعال ‪ -‬حق اليان ‪ ،‬ينهاكم ال ‪ -‬تعال ‪ -‬عن أن تتخذوا‬
‫القوام الذين غضب ال عليهم أولياء ‪ ،‬وأصفيا ‪ ،‬بأن تفشوا إليهم أسرار السلمي ‪ ،‬أو‬
‫بأن تطلعوهم على مال يصح الطلع عليه ‪.‬‬
‫ب القبور } تعليل‬
‫صحَا ِ‬
‫وقوله ‪ -‬تعال ‪َ { : -‬ق ْد يَئِسُواْ مِنَ الخرة َكمَا َيِئسَ الكفار مِنْ أَ ْ‬
‫للنهى عن موالتم ‪ ،‬وتنفي من الركون إليهم ‪.‬‬
‫واليأس ‪ :‬فقدان المل ف الصول على الشىء ‪ ،‬أو ف توقع حدوثه ‪.‬‬
‫والكلم على حذف مضاف ‪ ،‬أى قد يئس هؤلء اليهود من العمل لللخرة وما فيها من‬
‫ثواب ‪ ،‬وآثروا عليها الياة الفانية ‪ . . .‬كما يئس الكفار من عودة موتاهم إل الياة مرة‬
‫أخرى للحساب والزاء ‪ ،‬لعتقادهم بأنه ل بعث بعد الوت ‪ ،‬ول ثواب ول عقاب ‪-‬‬
‫كما حكى القرآن عنهم ذلك ف آيات كثية منها قوله ‪ -‬تعال ‪ { -‬قالوا َأإِذَا ِمْتنَا وَكُنّا‬

‫‪96‬‬

‫تُرَابا َوعِظَاما َأإِنّا لَ َمْبعُوثُونَ } فالقصود من الية الكرية ‪ ،‬تشبيه حال هؤلء اليهود ف‬
‫شدة إعراضهم عن العمل للخرة ‪ . . .‬بال أولئك الكفار الذين أنكروا إنكارا تاما ‪ ،‬أن‬
‫هناك بعثا للموات الذين فارقوا الياة ‪ ،‬ودفنوا ف قبورهم ‪.‬‬
‫ب القبور } متعلق بقوله‬
‫وعلى هذا الوجه يكون قوله ‪ -‬تعال ‪ { : -‬مِنْ أَصْحَا ِ‬
‫{ يَئِسُواْ } و { مِ ْن } لبتداء الغاية ‪.‬‬
‫ويصح أن يكون قوله ‪ -‬تعال ‪ { : -‬مِنْ أَصْحَابِ القبور } بيانا للكفار ‪ ،‬فيكون العن ‪:‬‬
‫قد يئسوا من الخرة ‪ ،‬وما فيها من جزاء ‪ . .‬كما يئس الكفار الذين ماتوا وسكنوا القبور‬
‫‪ ،‬من أن ينالوا شيئا ‪ -‬ولو قليل ‪ -‬من الرحة ‪ ،‬أو تفيف العذاب عنهم ‪ ،‬أو العودة إل‬
‫الدنيا ليعملوا عمل صالا غي الذى أرداهم وأهلكهم ‪.‬‬
‫وعلى كل القولي ‪ ،‬فالية الكرية تنهى الؤمني عن موالة قوم غضب ال عليهم ‪ ،‬بأبلغ‬
‫أسلوب ‪ ،‬وأحكم بيان ‪.‬‬
‫حيث وصفت هؤلء القوم ‪ ،‬بأنم قد أحاط بم غضب ال ‪ -‬تعال ‪ -‬بسبب فسوقهم‬
‫عن أمره ‪ ،‬وإعراضهم عن طاعته ‪ ،‬وإنكارهم للدار الخرة وما فيها من جزاء ‪.‬‬
‫‪------------‬‬‫{ يا أيها الذين آمنوا ل تتخذوا اليهود والنصارى أولياء ‪ .‬بعضهم أولياء بعض ‪ .‬ومن‬
‫يتولم منكم فإنه منهم ‪ .‬إن ال ل يهدي القوم الظالي ‪ .‬فترى الذين ف قلوبم مرض‬
‫يسارعون فيهم ‪ ،‬يقولون ‪ :‬نشى أن تصيبنا دائرة ‪ .‬فعسى ال أن يأت بالفتح أو أمر من‬
‫عنده فيصبحوا على ما أسروا ف أنفسهم نادمي ‪ :‬ويقول الذين آمنوا أهؤلء الذين‬
‫أقسموا بال جهد أيانم إنم لعكم؟ حبطت أعمالم ‪ ،‬فأصبحوا خاسرين } ‪. .‬‬
‫ويسن أن نبي أولً معن الولية الت ينهى ال الذين آمنوا أن تكون بينهم وبي اليهود‬
‫والنصارى ‪. .‬‬
‫إنا تعن التناصر والتحالف معهم ‪ .‬ول تتعلق بعن اتباعهم ف دينهم ‪ .‬فبعيد جدا أن‬
‫يكون بي السلمي من ييل إل اتباع اليهود والنصارى ف الدين ‪ .‬إنا هو ولء التحالف‬
‫والتناصر ‪ ،‬الذي كان يلتبس على السلمي أمره ‪ ،‬فيحسبون أنه جائز لم ‪ ،‬بكم ما كان‬

‫‪97‬‬

‫واقعا من تشابك الصال والواصر ‪ ،‬ومن قيام هذا الولء بينهم وبي جاعات من اليهود‬
‫قبل السلم ‪ ،‬وف أوائل العهد بقيام السلم ف الدينة ‪ ،‬حت ناهم ال عنه وأمر بإبطاله ‪.‬‬
‫عد ما تبي عدم إمكان قيام الولء والتحالف والتناصر بي السلمي واليهود ف الدينة ‪. .‬‬
‫وهذا العن معروف مدد ف التعبيات القرآنية ‪ .‬وقد جاء ف صدد الكلم عن العلقة بي‬
‫السلمي ف الدينة والسلمي الذين ل يهاجروا إل دار السلم ‪ .‬فقال ال سبحانه ‪ { :‬ما‬
‫لكم من وليتهم من شيء حت يهاجروا } ‪ .‬وطبيعي أن القصود هنا ليس الولية ف‬
‫الدين ‪ .‬فالسلم ول السلم ف الدين على كل حال ‪ .‬إنا القصود هو ولية التناصر‬
‫والتعاون ‪ .‬فهي الت ل تقوم بي السلمي ف دار السلم والسلمي الذين ل يهاجروا‬
‫إليهم ‪ . .‬وهذا اللون من الولية هو الذي تنع هذه اليات أن يقوم بي الذين آمنوا وبي‬
‫اليهود والنصارى بال ‪ ،‬بعد ما كان قائم َا بينهم أول العهد ف الدينة ‪.‬‬
‫إن ساحة السلم مع أهل الكتاب شيء ‪ ،‬واتاذهم أولياء شيء آخر ‪ ،‬ولكنهما يتلطان‬
‫على بعض السلمي ‪ ،‬الذين ل تتضح ف نفوسهم الرؤية الكاملة لقيقة هذا الدين‬
‫ووظيفته ‪ ،‬بوصفه حركة منهجية واقعية ‪ ،‬تتجه إل إنشاء واقع ف الرض ‪ ،‬وفق التصور‬
‫السلمي الذي يتلف ف طبيعته عن سائر التصورات الت تعرفها البشرية؛ وتصطدم ‪ -‬من‬
‫ث ‪ -‬بالتصورات والوضاع الخالفة ‪ ،‬كما تصطدم بشهوات الناس وانرافهم وفسوقهم‬
‫عن منهج ال ‪ ،‬وتدخل ف معركة ل حيلة فيها ‪ ،‬ول بد منها ‪ ،‬لنشاء ذلك الواقع الديد‬
‫الذي تريده ‪ ،‬وتتحرك إليه حركة إيابية فاعلة منشئة ‪. .‬‬
‫وهؤلء الذين تتلط عليهم تلك القيقة ينقصهم الس النقي بقيقة العقيدة ‪ ،‬كما‬
‫ينقصهم الوعي الذكي لطبيعة العركة وطبيعة موقف أهل الكتاب فيها؛ ويغفلون عن‬
‫التوجيهات القرآنية الواضحة الصرية فيها ‪ ،‬فيخلطون بي دعوة السلم إل السماحة ف‬
‫معاملة أهل الكتاب والب بم ف الجتمع السلم الذي يعيشون فيه مكفول القوق ‪ ،‬وبي‬
‫الولء الذي ل يكون إل ل ورسوله وللجماعة السلمة ‪ .‬ناسي ما يقرره القرآن الكري‬
‫من أن أهل الكتاب ‪ . .‬بعضهم أولياء بعض ف حرب الماعة السلمة ‪ . .‬وأن هذا شأن‬
‫ثابت لم ‪ ،‬وأنم ينقمون من السلم إسلمه ‪ ،‬وأنم لن يرضوا عن السلم إل أن يترك دينه‬

‫‪98‬‬

‫ويتبع دينهم ‪ .‬وأنم مصرون على الرب للسلم وللجماعة السلمة ‪ .‬وأنم قد بدت‬
‫البغضاء من أفواهم وما تفي صدورهم أكب ‪ . .‬إل آخر هذه التقريرات الاسة ‪.‬‬
‫إن السلم مطالب بالسماحة مع أهل الكتاب ‪ ،‬ولكنه منهي عن الولء لم بعن التناصر‬
‫والتحالف معهم ‪ .‬وإن طريقه لتمكي دينه وتقيق نظامه التفرد ل يكن أن يلتقي مع‬
‫طريق أهل الكتاب ‪ ،‬ومهما أبدى لم من السماحة والودة فإن هذا لن يبلغ أن يرضوا له‬
‫البقاء على دينه وتقيق نظامه ‪ ،‬ولن يكفهم عن موالة بعضهم لبعض ف حربه والكيد له‬
‫‪..‬‬
‫وسذاجة أية سذاجة وغفلة أية غفلة ‪ ،‬أن نظن أن لنا وإياهم طريقا واحدا نسلكه للتمكي‬
‫للدين! أمام الكفار واللحدين! فهم مع الكفار واللحدين ‪ ،‬إذا كانت العركة مع‬
‫السلمي!!!‬
‫وهذه القائق الواعية يغفل عنها السذج منا ف هذا الزمان وف كل زمان؛ حي يفهمون‬
‫أننا نستطيع أن نضع أيدينا ف أيدي أهل الكتاب ف الرض للوقوف ف وجه الادية‬
‫واللاد ‪ -‬بوصفنا جيعا أهل دين! ‪ -‬ناسي تعليم القرآن كله؛ وناسي تعليم التاريخ كله‬
‫‪.‬‬
‫فأهل الكتاب هؤلء هم الذين كانوا يقولون للذين كفروا من الشركي ‪ { :‬هؤلء أهدى‬
‫من الذين آمنوا سبيلً } ‪ .‬وأهل الكتاب هؤلء هم الذين ألبوا الشركي على الماعة‬
‫السلمة ف الدينة ‪ ،‬وكانوا لم درعا وردءا ‪ .‬وأهل الكتاب هم الذين شنوا الروب‬
‫الصليبية خلل مائت عام ‪ ،‬وهم الذين ارتكبوا فظائع الندلس ‪ ،‬وهم الذي شردوا العرب‬
‫السلمي ف فلسطي ‪ ،‬وأحلوا اليهود ملهم ‪ ،‬متعاوني ف هذا مع اللاد والادية! وأهل‬
‫الكتاب هؤلء هم الذين يشردون السلمي ف كل مكان ‪ . .‬ف البشة والصومال‬
‫واريتريا والزائر ‪ ،‬ويتعاونون ف هذا التشريد مع اللاد والادية والوثنية ‪ ،‬ف يوغسلفيا‬
‫والصي والتركستان والند ‪ ،‬وف كل مكان!‬
‫ث يظهر بيننا من يظن ‪ -‬ف بعد كامل عن تقريرات القرآن الازمة ‪ -‬أنه يكن أن يقوم‬
‫بيننا وبي أهل الكتاب هؤلء ولء وتناصر ‪ .‬ندفع به الادية اللادية عن الدين!‬

‫‪99‬‬

‫إن هؤلء ل يقرأون القرآن ‪ .‬وإذا قرأوه اختلطت عليهم دعوة السماحة الت هي طابع‬
‫السلم؛ فظنوها دعوة الولء الذي يذر منه القرآن ‪.‬‬
‫إن هؤلء ل يعيش السلم ف حسهم ‪ ،‬ل بوصفه عقيدة ل يقبل ال من الناس غيها ‪،‬‬
‫ول بوصفه حركة إيابية تستهدف إنشاء واقع جديد ف الرض؛ تقف ف وجه عداوات‬
‫أهل الكتاب اليوم ‪ ،‬كما وقفت له بالمس ‪ .‬الوقف الذي ل يكن تبديله ‪ .‬لنه الوقف‬
‫الطبيعي الوحيد!‬
‫وندع هؤلء ف إغفالم أو غفلتهم عن التوجيه القرآن ‪ ،‬لنعي نن هذا التوجيه القرآن‬
‫الصريح ‪:‬‬
‫{ يا أيها الذين آمنوا ل تتخذوا اليهود والنصارى أولياء ‪ . .‬بعضهم أولياء بعض ‪ . .‬ومن‬
‫يتولم منكم فإنه منهم ‪ .‬إن ال ل يهدي القوم الظالي } ‪. .‬‬
‫هذا النداء موجه إل الماعة السلمة ف الدينة ‪ -‬ولكنه ف الوقت ذاته موجه لكل جاعة‬
‫مسلمة تقوم ف أي ركن من أركان الرض إل يوم القيامة ‪ . .‬موجه لكل من ينطبق عليه‬
‫ذات يوم صفة ‪ { :‬الذين آمنوا } ‪. .‬‬
‫ولقد كانت الناسبة الاضرة إذ ذاك لتوجيه هذا النداء للذين آمنوا ‪ ،‬أن الفاصلة ل تكن‬
‫كاملة ول حاسة بي بعض السلمي ف الدينه وبعض أهل الكتاب ‪ -‬وباصه اليهود ‪-‬‬
‫فقد كانت هناك علقات ولء وحلف ‪ ،‬وعلقات اقتصاد وتعامل ‪ ،‬وعلقات جيه‬
‫وصحبه ‪ . .‬وكان هذا كله طبيعيا مع الوضع التاريي والقتصادي والجتماعي ف الدينة‬
‫قبل السلم ‪ ،‬بي أهل الدينة من العرب وبي اليهود بصفة خاصة ‪ . .‬وكان هذا الوضع‬
‫يتيح لليهود أن يقوموا بدورهم ف الكيد لذا الدين وأهله؛ بكل صنوف الكيد الت عددتا‬
‫وكشفتها النصوص القرآنية الكثية؛ والت سبق استعراض بعضها ف الجزاء المسة‬
‫الاضية من هذه الظلل؛ والت يتول هذا الدرس وصف بعضها كذلك ف هذه النصوص ‪.‬‬
‫ونزل القرآن ليبث الوعي اللزم للمسلم ف العركة الت يوضها بعقيدته ‪ ،‬لتحقيق منهجه‬
‫الديد ف واقع الياة ‪ .‬ولينشئ ف ضمي السلم تلك الفاصلة الكاملة بينه وبي كل من ل‬
‫ينتمي إل الماعة السلمة ول يقف تت رايتها الاصة ‪ .‬الفاصلة الت ل تنهي السماحة‬
‫اللقية ‪ .‬فهذه صفة السلم دائما ‪ .‬ولكنها تنهي الولء الذي ل يكون ف قلب السلم إل‬

‫‪100‬‬

‫ل ورسوله والذين آمنوا ‪ . .‬الوعي والفاصلة اللذان ل بد منهما للمسلم ف كل أرض‬
‫وف كل جيل ‪.‬‬
‫{ يا أيها الذين آمنوا ل تتخذوا اليهود والنصارى أولياء ‪ . .‬بعضهم أولياء بعض ‪ .‬ومن‬
‫يتولم منكم فإنه منهم ‪ .‬إن ال ل يهدي القوم الظالي } ‪.‬‬
‫بعضهم أولياء بعض ‪ . .‬إنا حقيقة ل علقة لا بالزمن ‪ . .‬لنا حقيقة نابعة من طبيعة‬
‫الشياء ‪ . .‬إنم لن يكونوا أولياء للجماعة السلمة ف أي أرض ول ف أي تاريخ ‪ . .‬وقد‬
‫مضت القرون تلو القرون ترسم مصداق هذه القولة الصادقة ‪ . .‬لقد ول بعضهم بعضا ف‬
‫حرب ممد ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬والماعة السلمة ف الدينة ‪ .‬وول بعضهم بعضا‬
‫ف كل فجاج الرض ‪ ،‬على مدار التاريخ ‪ . .‬ول تتل هذه القاعدة مرة واحدة؛ ول يقع‬
‫ف هذه الرض إل ما قرره القرآن الكري ‪ ،‬ف صيغة الوصف الدائم ‪ ،‬ل الادث الفرد ‪.‬‬
‫‪ .‬واختيار الملة السية على هذا النحو ‪ . .‬بعضهم أولياء بعض ‪ . .‬ليست مرد تعبي!‬
‫إنا هي اختيار مقصود للدللة على الوصف الدائم الصيل!‬
‫ث رتب على هذه القيقة الساسية نتائجها ‪ . .‬فإنه إذا كان اليهود والنصارى بعضهم‬
‫أولياء بعض فإنه ل يتولهم إل من هو منهم ‪ .‬والفرد الذي يتولهم من الصف السلم ‪،‬‬
‫يلع نفسه من الصف ويلع عن نفسه صفة هذا الصف « السلم » وينضم إل الصف‬
‫الخر ‪ .‬لن هذه هي النتيجة الطبيعية الواقعية ‪:‬‬
‫{ ومن يتولم منكم فإنه منهم } ‪. .‬‬
‫وكان ظالا لنفسه ولدين ال وللجماعة السلمة ‪ . .‬وبسبب من ظلمه هذا يدخله ال ف‬
‫زمرة اليهود والنصارى الذين أعطاهم ولءه ‪ .‬ول يهديه إل الق ول يرده إل الصف‬
‫السلم ‪:‬‬
‫{ إن ال ل يهدي القوم الظالي } ‪. .‬‬
‫لقد كان هذا تذيرا عنيفا للجماعة السلمة ف الدينة ‪ .‬ولكنه تذير ليس مبالغا فيه ‪ .‬فهو‬
‫عنيف ‪ .‬نعم؛ ولكنه يثل القيقة الواقعة ‪ .‬فما يكن أن ينح السلم ولءه لليهود‬
‫والنصارى ‪ -‬وبعضهم أولياء بعض ‪ -‬ث يبقى له إسلمه وإيانه ‪ ،‬وتبقى له عضويته ف‬
‫الصف السلم ‪ ،‬الذين يتول ال ورسوله والذين آمنوا ‪ . .‬فهذا مفرق الطريق ‪. .‬‬

‫‪101‬‬

‫وما يكن أن يتميع حسم السلم ف الفاصلة الكاملة بينة وبي كل من ينهج غي منهج‬
‫السلم؛ وبينه وبي كل من يرفع راية غي راية السلم؛ ث يكون ف وسعه بعد ذلك أن‬
‫يعمل عملً ذا قيمة ف الركة السلمية الضخمة الت تستهدف ‪ -‬أول ما تستهدف ‪-‬‬
‫إقامة نظام واقعي ف الرض فريد؛ يتلف عن كل النظمة الخرى؛ ويعتمد على تصور‬
‫متفرد كذلك من كل التصورات الخرى ‪.‬‬
‫إن اقتناع السلم إل درجة اليقي الازم الذي ل أرجحة فيه ول تردد بأن دينه هو الدين‬
‫الوحيد الذي يقبله ال من الناس بعد رسالة ممد ص وبأن منهجه الذي كلفه ال أن يقيم‬
‫الياة عليه منهج متفرد ; ل نظي له بي سائر الناهج ; ول يكن الستغناء عنه بنهج آخر‬
‫; ول يكن أن يقوم مقامه منهج آخر ; ول تصلح الياة البشرية ول تستقيم إل أن تقوم‬
‫على هذا النهج وحده دون سواه ; ول يعفيه ال ول يغفر له ول يقبله إل إذا هو بذل‬
‫جهد طاقته ف إقامة هذا النهج بكل جوانبه العتقادية والجتماعية ; ل يأل ف ذلك‬
‫جهدا ول يقبل من منهجه بديل ول ف جزء منه صغي ول يلط بينه وبي أي منهج آخر‬
‫ف تصور اعتقادي ول ف نظام اجتماعي ول ف أحكام تشريعية إل ما استبقاه ال ف هذا‬
‫النهج من شرائع من قبلنا من أهل الكتاب إن اقتناع السلم إل درجة اليقي الازم بذا‬
‫كله هو وحده الذي يدفعه للضطلع بعبء النهوض بتحقيق منهج ال الذي رضيه للناس‬
‫; ف وجه العقبات الشاقة والتكاليف الضنية والقاومة العنيدة والكيد الناصب والل الذي‬
‫يكاد ياوز الطاقة ف كثي من الحيان وإل فما العناء ف أمر يغن عنه غيه ما هو قائم ف‬
‫الرض من جاهلية سواء كانت هذه الاهلية مثلة ف وثنية الشرك أو ف انراف أهل‬
‫الكتاب أو ف اللاد السافر بل ما العناء ف إقامة النهج السلمي إذا كانت الفوارق بينه‬
‫وبي مناهج أهل الكتاب أو غيهم قليلة ; يكن اللتقاء عليها بالصالة والهادنة إن الذين‬
‫ياولون تييع هذه الفاصلة الاسة باسم التسامح والتقريب بي أهل الديان السماوية‬
‫يطئون فهم معن الديان كما يطئون فهم معن التسامح فالدين هو الدين الخي وحده‬
‫عند ال والتسامح يكون ف العاملت الشخصية ل ف التصور العتقادي ول ف النظام‬
‫الجتماعي إنم ياولون تييع اليقي الازم ف نفس السلم بأن ال ل يقبل دينا إل السلم‬
‫وبأن عليه أن يقق منهج ال المثل ف السلم ول يقبل دونه بديل ; ول يقبل فيه تعديل‬

‫‪102‬‬

‫ولو طفيفا هذا اليقي الذي ينشئه القرآن الكري وهو يقرر إن الدين عند ال السلم ومن‬
‫يبتغ غي السلم دينا فلن يقبل منه واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل ال إليك يا‬
‫أيها الذين آمنوا ل تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولم منكم‬
‫فإنه منهم وف القرآن كلمة الفصل ول على السلم من تيع التميعي وتييعهم لذا اليقي‬
‫ويصور السياق القرآن تلك الالة الت كانت واقعة ; والت ينل القرآن من أجلها بذا‬
‫التحذير فترى الذين ف قلوبم مرض يسارعون فيهم يقولون نشى أن تصيبنا دائرة روى‬
‫ابن جرير قال حدثنا أبو كريب حدثنا إدريس قال سعت أب عن عطية بن سعد قال جاء‬
‫عبادة بن الصامت من بن الارث بن الزرج إل رسول ال ص فقال يا رسول ال إن ل‬
‫موال من يهود كثي عددهم ; وإن أبرأ إل ال ورسوله من ولية يهود وأتول ال ورسوله‬
‫فقال عبد ال بن أب رأس النفاق إن رجل أخاف الدوائر ل أبرأ من ولية موال فقال‬
‫رسول ال ص لعبد ال بن أب « يا أبا الباب ما بلت به من ولية يهود على عبادة ابن‬
‫الصامت فهو لك دونه » قال قد قبلت فأنزل ال عز وجل يا أيها الذين آمنوا ل تتخذوا‬
‫اليهود والنصارى أولياء وقال ابن جرير حدثنا هناد حدثنا يونس بن بكي حدثنا عثمان بن‬
‫عبد الرحن عن الزهري قال لا انزم أهل بدر قال السلمون لوليائهم من اليهود أسلموا‬
‫قبل أن يصيبكم ال بيوم مثل يوم بدر فقال مالك بن الصيف أغركم أن أصبتم رهطا من‬
‫قريش ل علم لم بالقتال أما لو أصررنا العزية أن نستجمع عليكم ل يكن لكم يد أن‬
‫تقاتلونا فقال عبادة بن الصامت يا رسول ال إن أوليائي من اليهود كانت شديدة أنفسهم‬
‫كثيا سلحهم شديدة شوكتهم وإن أبرأ إل ال ورسوله من ولية يهود ول مول ل إل‬
‫ال ورسوله فقال عبد ال بن أب لكن ل أبرأ من ولية يهود إن رجل ل بد ل منهم فقال‬
‫رسول ال ص « يا أبا الباب أرأيت الذي نفست به من ولية يهود على عبادة ابن‬
‫الصامت فهو لك دونه » فقال إذن أقبل قال ممد بن إسحق فكانت أول قبيلة من اليهود‬
‫نقضت ما بينها وبي رسول ال ص بنو قينقاع فحدثن عاصم بن عمر بن قتادة قال‬
‫فحاصرهم رسول ال ص حت نزلوا على حكمه فقام إليه عبدال بن أب بن سلول حي‬
‫أمكنة ال منهم فقال يا ممد أحسن ف موال وكانوا حلفاء الزرج قال فأبطأ عليه‬
‫رسول ال صلى ال عليه وعلى آله وسلم فقال يا ممد أحسن ف موال قال فأعرض عنه‬

‫‪103‬‬

‫قال فأدخل يده ف جيب درع رسول ال ص فقال له رسول ال ص « أرسلن » وغضب‬
‫رسول ال ص حت رأوا لوجهه ظلل ث قال « ويك أرسلن » قال ل وال ل أرسلك‬
‫حت تسن ف موال أربعمائة حاسر وثلثائه دارع قد منعون من الحر والسود‬
‫تصدهم ف غداة واحدة إن امرؤ أخشى الدوائر قال فقال رسول ال ص « هم لك »‬
‫قال ممد بن إسحق فحدثن أب إسحق بن يسار عن عبادة عن الوليد بن عبادة بن‬
‫الصامت قال لا حاربت بنو قينقاع رسول ال ص تشبث بأمرهم عبدال بن أب وقام‬
‫دونم ; ومشى عبادة بن الصامت إل رسول ال ص وكان أحد بن عوف بن الزرج له‬
‫من حلفهم مثل الذي لعبد ال بن أب فجعلهم إل رسول ال ص وتبأ إل ال ورسوله من‬
‫حلفهم وقال يا رسول ال أبرأ إل ال ورسوله من حلفهم وأتول ال ورسوله والؤمني‬
‫وأبرأ من حلف الكفار ووليتهم ففيه وف عبدال بن أب نزلت الية ف الائدة يا أيها الذين‬
‫آمنوا ل تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض إل قوله ومن يتول ال‬
‫ورسوله والذين آمنوا فإن حزب ال هم الغالبون وقال المام أحد حدثنا قتيبة بن سعيد‬
‫حدثنا يي بن زكريا بن أب زيادة عن ممد بن إسحاق عن الزهري عن عودة عن أسامة‬
‫بن زيد قال دخلت مع رسول ال ص على عبدال بن أب نعوده فقال له النب ص « قد‬
‫كنت أناك عن حب يهود » فقال عبدال فقد أبغضهم أسعد بن زرارة فمات وأخرجه‬
‫أبو داود من حديث ممد بن إسحق فهذه الخبار ف مموعها تشي إل تلك الالة الت‬
‫كانت واقعة ف الجتمع السلم ; والتخلفة عن الوضاع الت كانت قائمة ف الدينة قبل‬
‫السلم ; وكذلك عن التصورات الت ل تكن قد حسمت ف قضية العلقات الت يكن‬
‫أن تقوم بي الماعة السلمة واليهود والت ل يكن أن تقوم غي أن الذي يلفت النظر أنا‬
‫كلها تتحدث عن اليهود ول يى ء ذكر ف الوقائع للنصارى ولكن النص يمل اليهود‬
‫والنصارى ذلك أنه بصدد إقامة تصور دائم وعلقة دائمة وأوضاع دائمة بي الماعة‬
‫السلمة وسائر الماعات الخرى سواء من أهل الكتاب أو من الشركي كما سيجيء ف‬
‫سياق هذا الدرس ومع اختلف مواقف اليهود من السلمي عن مواقف النصارى ف‬
‫جلتها ف العهد النبوي ومع إشارة القرآن الكري ف موضع آخر من السورة إل هذا‬
‫الختلف ف قوله تعال لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا‬

‫‪104‬‬

‫ولتجدن أقربم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ال مع هذا الختلف الذي كان‬
‫يومذاك فإن النص هنا يسوي بي اليهود والنصارى كما يسوي النص القادم بينهم جيعا‬
‫وبي الكفار فيما يتص بقضية الحالفة والولء ذلك أن هذه القضية ترتكز على قاعدة‬
‫أخرى ثابتة هي أن ليس للمسلم ولء ول حلف إل مع السلم ; وليس للمسلم ولء إل‬
‫ل ولرسوله وللجماعة السلمة ويستوي بعد ذلك كل الفرق ف هذا المر مهما اختلفت‬
‫مواقفهم من السلمي ف بعض الظروف على أن ال سبحانه وهو يضع للجماعة السلمة‬
‫هذه القاعدة العامة الازمة الصارمة كان علمه يتناول الزمان كله ل تلك الفترة الاصة‬
‫من حياة رسول ال ص وملبساتا الوقوتة وقد أظهر التاريخ الواقع فيما بعد أن عداء‬
‫النصارى لذا الدين وللجماعة السلمة ف معظم بقاع الرض ل يكن أقل من عداء اليهود‬
‫وإذا نن استثنينا موقف نصارى العرب ونصارى مصر ف حسن استقبال السلم فإننا ند‬
‫الرقعة النصرانية ف الغرب قد حلت للسلم ف تاريها كله منذ أن احتكت به من‬
‫العداوة والضغن وشنت عليه من الرب والكيد ما ل يفترق عن حرب اليهود وكيدهم ف‬
‫أي زمان حت البشة الت أحسن عاهلها استقبال الهاجرين السلمي واستقبال السلم‬
‫عادت فإذا هي أشد حربا على السلم والسلمي من كل أحد ; ل ياريها ف هذا إل‬
‫اليهود وكان ال سبحانه يعلم المر كله فوضع للمسلم هذه القاعدة العامة بغض النظر‬
‫عن واقع الفترة الت كان هذا القرآن يتنل فيها وملبساتا الوقوتة وبغض النظر عما يقع‬
‫مثلها ف بعض الحيان هنا وهناك إل آخر الزمان وما يزال السلم والذين يتصفون به‬
‫ولو أنم ليسوا من السلم ف شيء يلقون من عنت الرب الشبوبة عليهم وعلى عقيدتم‬
‫من اليهود والنصارى ف كل مكان على سطح الرض ما يصدق قول ال تعال بعضهم‬
‫أولياء بعض وما يتم أن يتدرع السلمون الواعون بنصيحة ربم لم بل بأمره الازم ونيه‬
‫القاطع ; وقضائه الاسم ف الفاصلة الكاملة بي أولياء ال ورسوله وكل معسكر آخر ل‬
‫يرفع راية ال ورسوله إن السلم يكلف السلم أن يقيم علقاته بالناس جيعا على أساس‬
‫العقيدة فالولء والعداء ل يكونان ف تصور السلم وف حركته على السواء إل ف العقيدة‬
‫ومن ث ل يكن أن يقوم الولء وهو التناصر بي السلم وغي السلم ; إذ أنما ل يكن أن‬
‫يتناصرا ف مال العقيدة ول حت أمام اللاد مثل كما يتصور بعض السذج منا وبعض‬

‫‪105‬‬

‫من ل يقرأون القرآن وكيف يتناصران وليس بينهما أساس مشترك يتناصران عليه إن بعض‬
‫من ل يقرأون القرآن ول يعرفون حقيقة السلم ; وبعض الخدوعي أيضا يتصورون أن‬
‫الدين كله دين كما أن اللاد كله إلاد وأنه يكن إذن أن يقف التدين بملته ف وجه‬
‫اللاد لن اللاد ينكر الدين كله ويارب التدين على الطلق ولكن المر ليس كذلك‬
‫ف التصور السلمي ; ول ف حس السلم الذي يتذوق السلم ول يتذوق السلم إل‬
‫من يأخذه عقيدة وحركة بذه العقيدة لقامة النظام السلمي إن المر ف التصور‬
‫السلمي وف حس السلم واضح مدد الدين هو السلم وليس هناك دين غيه يعترف به‬
‫السلم لن ال سبحانه يقول هذا يقول إن الدين عند ال السلم ويقول ومن يبتغ غي‬
‫السلم دينا فلن يقبل منه وبعد رسالة ممد ص ل يعد هناك دين يرضاه ال ويقبله من‬
‫أحد إل هذا السلم ف صورته الت جاء با ممد ص وما كان يقبل قبل بعثة ممد من‬
‫النصارى ل يعد الن يقبل كما أن ما كان يقبل من اليهود قبل بعثة عيسى عليه السلم ل‬
‫يعد يقبل منهم بعد بعثته ووجود يهود ونصارى من أهل الكتاب بعد بعثه ممد ص ليس‬
‫معناه أن ال يقبل منهم ما هم عليه ; أو يعترف لم بأنم على دين إلي لقد كان ذلك‬
‫قبل بعثة الرسول الخي أما بعد بعثته فل دين ف التصور السلمي وف حس السلم إل‬
‫السلم وهذا ما ينص عليه القرآن نصا غي قابل للتأويل إن السلم ل يكرههم على ترك‬
‫معتقداتم واعتناق السلم لنه ل إكراه ف الدين ولكن هذا ليس معناه أنه يعترف با هم‬
‫عليه دينا ويراهم على دين ومن ث فليس هناك جبهه تدين يقف معها السلم ف وجه‬
‫اللاد هناك دين هو السلم وهناك ل دين هو غي السلم ث يكون هذا اللدين عقيدة‬
‫أصلها ساوي ولكنها مرفه أو عقيده أصلها وثن باقيه على وثنيتها أو إلادا ينكر الديان‬
‫تتلف فيما بينها كلها ولكنها تتلف كلها مع السلم ول حلف بينها وبي السلم ول‬
‫ولء والسلم يتعامل مع أهل الكتاب هؤلء ; وهو مطالب بإحسان معاملتهم كما سبق ما‬
‫ل يؤذوه ف الدين ; ويباح له أن يتزوج الحصنات منهن على خلف فقهي فيمن تعتقد‬
‫بألوهية السيح أو بنوته وفيمن تعتقد التثليث أهي كتابيه تل أم مشركة ترم وحت مع‬
‫الخذ ببدأ تليل النكاح عامه فإن حسن العامله وجواز النكاح ليس معناها الولء‬
‫والتناصر ف الدين ; وليس معناها اعتراف السلم بأن دين أهل الكتاب بعد بعثة ممد ص‬

‫‪106‬‬

‫هو دين يقبله ال ; ويستطيع السلم أن يقف معه ف جبهه واحدة لقاومة اللاد إن‬
‫السلم قد جاء ليصحح اعتقادات أهل الكتاب ; كما جاء ليصحح اعتقادات الشركي‬
‫والوثنيي سواء ودعاهم إل السلم جيعا لن هذا هو الدين الذي ل يقبل ال غيه من‬
‫الناس جيعا ولا فهم اليهود أنم غي مدعوين إل السلم وكب عليهم أن يدعوا إليه‬
‫جابهم القرآن الكري بأن ال يدعوهم إل السلم فإن تولوا عنه فهم كافرون والسلم‬
‫مكلف أن يدعوا أهل الكتاب إل السلم كما يدعو اللحدين والوثنيي سواء وهو غي‬
‫مأذون ف أن يكره أحدا من هؤلء ول هؤلء على السلم لن العقائد ل تنشأ ف‬
‫الضمائر بالكراه فالكراه ف الدين فوق أنه منهي عنه هو كذلك ل ثره له ول يستقيم‬
‫أن يعترف السلم بأن ما عليه أهل الكتاب بعد بعثة ممد ص هو دين يقبله ال ث يدعوهم‬
‫مع ذلك إل السلم إنه ل يكون مكلفا بدعوتم إل السلم إل على أساس واحد ; هو‬
‫أنه ل يعترف بأن ما هم عليه دين وأنه يدعوهم إل الدين وإذا تقررت هذه البديهيه فإنه‬
‫ل يكون منطقيا مع عقيدته إذا دخل ف ولء أو تناصر للتمكي للدين ف الرض مع من‬
‫ل يدين بالسلم إن هذه القضيه ف السلم قضيه اعتقاديه إيانيه كما أنا قضيه تنظيميه‬
‫حركيه من ناحيه أنا قضيه إيانيه اعتقاديه نسب أن المر قد صار واضحا بذا البيان‬
‫اذي أسلفناه وبالرجوع إل النصوص القرآنيه القاطعه بعدم قيام ولء بي السلمي وأهل‬
‫الكتاب ومن ناحية أنا قضية تنظيمية حركية المر واضح كذلك فإذا كان سعي الؤمن‬
‫كله ينبغي أن يتجه إل إقامة منهج ال ف الياة وهو النهج الذي ينص عليه السلم كما‬
‫جاء به ممد ص بكل تفصيلت وجوانب هذا النهج وهي تشمل كل نشاط النسان ف‬
‫الياة فكيف يكن إذن أن يتعاون السلم ف هذا السعي مع من ل يؤمن بالسلم دينا‬
‫ومنهجا ونظاما وشريعة ; ومن يتجه ف سعيه إل أهداف أخرى إن ل تكن معادية‬
‫للسلم وأهدافه فهي على القل ليست أهداف السلم إذ السلم ل يعترف بدف ول‬
‫عمل ل يقوم على أساس العقيدة مهما بدا ف ذاته صالا والذين كفروا أعمالم كرماد‬
‫اشتدت به الريح ف يوم عاصف والسلم يكلف السلم أن يلص سعيه كله للسلم ول‬
‫يتصور إمكان انفصال أية جزئية ف السعي اليومي ف حياة السلم عن السلم ل يتصور‬
‫إمكان هذا إل من ل يعرف طبيعة السلم وطبيعة النهج السلمي ول يتصور أن هناك‬

‫‪107‬‬

‫جوانب ف الياة خارجة عن هذا النهج يكن التعاون فيها مع من يعادي السلم أو ل‬
‫يرضى من السلم إل أن يترك إسلمه كما نص ال ف كتابه على ما يطلبه اليهود‬
‫والنصارى من السلم ليضوا عنه إن هناك استحالة اعتقادية كما أن هناك استحالة عملية‬
‫على السواء ولقد كان اعتذار عبدال بن أب بن سلول وهو من الذين ف قلوبم مرض عن‬
‫مسارعته واجتهاده ف الولء ليهود والستمساك بلفه معها هي قوله إنن رجل أخشى‬
‫الدوائر إن أخشى أن تدور علينا الدوائر وأن تصيبنا الشدة وأن تنل بنا الضائقة وهذه‬
‫الجة هي علمة مرض القلب وضعف اليان فالول هو ال ; والناصر هو ال ;‬
‫والستنصار بغيه ضللة كما أنه عبث ل ثرة له ولكن حجة ابن سلول هي حجة كل بن‬
‫سلول على مدار الزمان ; وتصوره هو تصور كل منافق مريض القلب ل يدرك حقيقة‬
‫اليان وكذلك نفر قلب عبادة بن الصامت من ولء يهود بعد ما بدا منهم ما بدا لنه‬
‫قلب مؤمن فخلع ولء اليهود وقذف به حيث تلقاه وضم عليه صدره وعض عليه‬
‫بالنواجذ عبدال بن أب بن سلول إنما نجان متلفان ناشئان عن تصورين متلفي وعن‬
‫شعورين متبايني ومثل هذا الختلف قائم على مدار الزمان بي قلب مؤمن وقلب ل‬
‫يعرف اليان ويهدد القرآن الستنصرين بأعداء دينهم التألبي عليهم النافقي الذين ل‬
‫يلصون ل اعتقادهم ول ولءهم ول اعتمادهم يهددهم برجاء الفتح أو أمر ال الذي‬
‫يفصل ف الوقف ; أو يكشف الستور من النفاق فعسى ال أن يأت بالفتح أو أمر من‬
‫عنده فيصبحوا على ما أسروا ف أنفسهم نادمي وعندئذ عند الفتح سواء كان هو فتح‬
‫مكة أو كان الفتح بعن الفصل أو عند ميء أمر ال يندم أولئك الذين ف قلوبم مرض‬
‫على السارعة والجتهاد ف ولء اليهود والنصارى وعلى النفاق الذي انكشف أمره‬
‫وعندئذ يعجب الذين آمنوا من حال النافقي ويستنكرون ما كانوا فيه من النفاق وما‬
‫صاروا إليه من السران‬
‫ويقول الذين آمنوا أهؤلء الذين أقسموا بال جهد أيانم إنم لعكم حبطت أعمالم‬
‫فأصبحوا خاسرين ولقد جاء ال بالفتح يوما وتكشفت نوايا وحبطت أعمال وخسرت‬
‫فئات ونن على وعد من ال قائم بأن ييء الفتح كلما استمسكنا بعروة ال وحده ;‬
‫وكلما أخلصنا الولء ل وحده وكلما وعينا منهج ال وأقمنا عليه تصوراتنا وأوضاعنا‬

‫‪108‬‬

‫وكلما تركنا ف العركة على هدى ال وتوجيهه فلم نتخذ لنا وليا إل ال ورسوله والذين‬
‫آمنوا الدرس الثان صفات الذين ينصرون دين ال الديرين بالولية وإذ ينتهي السياق من‬
‫النداء الول للذين آمنوا أن ينتهوا عن موالة اليهود والنصارى وأن يذروا أن يصيوا‬
‫منهم بالولء لم وأن يرتدوا بذلك عن السلم وهم ل يشعرون أو ل يقصدون يرسل‬
‫بالنداء الثان يهدد من يرتد منهم عن دينه بذا الولء أو بسواه من السباب بأنه ليس عند‬
‫ال بشيء وليس بعجز ال ول ضار بدينه وأن لدين ال أولياء وناصرين مدخرين ف علم‬
‫ال إن ينصرف هؤلء ييء بؤلء ويصور ملمح هذه العصبة الختارة الدخرة ف علم ال‬
‫لدينه وهي ملمح مببة جيلة وضيئة ويبي جهة الولء الوحيدة الت يتجه إليها السلم‬
‫بولئه ويتم هذا النداء بتقرير النهاية الحتومة للمعركة الت يوضها حزب ال مع‬
‫الحزاب والت يتمتع با من يلصون ولءهم ل ولرسوله وللمؤمني يا أيها الذين آمنوا‬
‫من يرتد منكم عن دينه فسوف يأت ال بقوم يبهم ويبونه أذلة على الؤمني أعزة على‬
‫الكافرين ياهدون ف سبيل ال ول يافون لومة لئم ذلك فضل ال يؤتيه من يشاء وال‬
‫واسع عليم إنا وليكم ال ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلة ويؤتون الزكاة وهم‬
‫راكعون ومن يتول ال ورسوله والذين آمنوا فإن حزب ال هم الغالبون إن تديد من يرتد‬
‫عن دينه من الذين آمنوا على هذه الصورة وف هذا القام ينصرف ابتداء إل الربط بي‬
‫موالة اليهود والنصارى وبي الرتداد عن السلم وباصة بعد ما سبق من اعتبار من‬
‫يتولهم واحدًا منهم منسلخا من الماعة السلمة منضما إليهم ومن يتولم منكم فإنه‬
‫منهم وعلى هذا العتبار يكون هذا النداء الثان ف السياق توكيدا وتقريرا للنداء الول‬
‫يدل على هذا كذلك النداء الثالث الذي يلي هذا النداء والسياق وهو منصب على النهي‬
‫عن موالة أهل الكتاب والكفار يمع بينهم على هذا النحو الذي يفيد أن موالتم‬
‫كموالة الكفار سواء وأن تفرقة السلم ف العاملة بي أهل الكتاب والكفار ل تتعلق‬
‫بقضية الولء إنا هي ف شئون أخرى ل يدخل فيها الولء يا أيها الذين آمنوا من يرتد‬
‫منكم عن دينه فسوف يأت ال بقوم يبهم ويبونه أذلة على الؤمني أعزة على الكافرين‬
‫ياهدون ف سبيل ال ول يافون لومة لئم ذلك فضل ال يؤتيه من يشاء وال واسع عليم‬
‫إن اختيار ال للعصبة الؤمنة لتكون أداة القدر اللي ف إقرار دين ال ف الرض وتكي‬

‫‪109‬‬

‫سلطانه ف حياة البشر وتكيم منهجه ف أوضاعهم وأنظمتهم وتنفيذ شريعته ف أقضيتهم‬
‫وأحوالم وتقيق الصلح والي والطهارة والنماء ف الرض بذلك النهج وبذه الشريعة‬
‫إن هذا الختيار للنهوض بذا المر هو مرد فضل ال ومنته فمن شاء أن يرفض هذا‬
‫الفضل وأن يرم نفسه هذه النة فهو وذاك وال غن عنه وعن العالي وال يتار من عباده‬
‫من يعلم أنه أهل لذلك الفضل العظيم والصورة الت يرسها للعصبة الختارة هنا صورة‬
‫واضحة السمات قوية اللمح وضيئة جذابة حبيبة للقلوب فسوف يأت ال بقوم يبهم‬
‫ويبونه فالب والرضى التبادل هو الصلة بينهم وبي ربم الب هذا الروح الساري‬
‫اللطيف الرفاف الشرق الرائق البشوش هو الذي يربط القوم بربم الودود وحب ال لعبد‬
‫من عبيده أمر ل يقدر على إدراك قيمته إل من يعرف ال سبحانه بصفاته كما وصف‬
‫نفسه وإل من وجد إيقاع هذه الصفات ف حسه ونفسه وشعوره وكينونته كلها أجل ل‬
‫يقدر حقيقة هذا العطاء إل الذي يعرف حقيقة العطي الذي يعرف من هو ال من هو‬
‫صانع هذا الكون الائل وصانع النسان الذي يلخص الكون وهو جرم صغي من هو ف‬
‫عظمته ومن هو ف قدرته ومن هو ف تفرده ومن هو ف ملكوته من هو ومن هذا العبد‬
‫الذي يتفضل ال عليه منه بالب والعبد من صنع يديه سبحانه وهو الليل العظيم الي‬
‫الدائم الزل البدي الول والخر والظاهر والباطن وحب العبد لربه نعمة لذا العبد ل‬
‫يدركها كذلك إل من ذاقها وإذا كان حب ال لعبد من عبيده أمرا هائل عظيما وفضل‬
‫غامرا جزيل فإن إنعام ال على العبد بدايته لبه وتعريفه هذا الذاق الميل الفريد الذي‬
‫الذي ل نظي له ف مذاقات الب كلها ول شبيه هو إنعام هائل عظيم وفضل غامر جزيل‬
‫وإذا كان حب ال لعبد من عبيده أمرا فوق التعبي أن يصفه فإن حب العبد لربه أمر قلما‬
‫استطاعت العبارة أن تصوره إل ف فلتات قليلة من كلم الحبي وهذا هو الباب الذي‬
‫تفوق فيه الواصلون من رجال التصوف الصادقي وهم قليل من بي ذلك الشد الذي‬
‫يلبس مسوح التصوف ويعرف ف سجلهم الطويل ول زالت أبيات رابعة العدوية تنقل إل‬
‫حسي مذاقها الصادق لذا الب الفريد وهي تقول فليتك تلو والياة مريرة وليتك‬
‫ترضى والنام غضاب وليت الذي بين وبينك عامر وبين وبي العالي خراب إذا صح‬
‫منك الود فالكل هي وكل الذي فوق التراب تراب وهذا الب من الليل للعبد من‬

‫‪110‬‬

‫العبيد والب من العبد للمنعم التفضل يشيع ف هذا الوجود ويسري ف هذا الكون‬
‫العريض وينطبع ف كل حي وف كل شيء فإذا هو جو وظل يغمران هذا الوجود ويغمران‬
‫الوجود النسان كله مثل ف ذلك العبد الحب الحبوب والتصور السلمي يربط بي‬
‫الؤمن وربه بذا الرباط العجيب البيب وليست مرة واحدة ول فلتة عابرة إنا هو أصل‬
‫وحقيقة وعنصر ف هذا التصور أصيل إن الذين آمنوا وعملوا الصالات سيجعل لم‬
‫الرحن ودًا إن رب رحيم ودود وهو الغفور الودود وإذا سألك عبادي عن فإن قريب‬
‫أجيب دعوة الداع إذا دعان والذين آمنوا أشد حبا ل قل إن كنم تبون ال فاتبعون‬
‫يببكم ال وغيها كثي وعجبا لقوم يرون على هذا كله ليقولوا إن التصور السلمي‬
‫تصور جاف عنيف يصور العلقة بي ال والنسان علقة قهر وقسر وعذاب وعقاب‬
‫وجفوة وانقطاع ل كالتصور الذي يعل السيح ابن ال وأقنوم الله فيبط بي ال والناس‬
‫ف هذا الزدواج إن نصاعة التصور السلمي ف الفصل بي حقيقة اللوهية وحقيقة‬
‫العبودية ل تفف ذلك الندى البيب بي ال والعبيد فهي علقة الرحة كما أنا علقة‬
‫العدل وهي علقة الود كما أنا علقة التجريد وهي علقة الب كما أنا علقة التنية إنه‬
‫التصور الكامل الشامل لكل حاجات الكينونة البشرية ف علقتها برب العالي وهنا ف‬
‫صفة العصبة الؤمنة الختارة لذا الدين يرد ذلك النص العجيب يبهم ويبونه ويطلق‬
‫شحنته كلها ف هذا الو الذي يتاج إليه القلب الؤمن وهو يضطلع بذا العبء الشاق‬
‫شاعرا أنه الختيار والتفضل والقرب من النعم الليل ث يضي السياق يعرض بقية السمات‬
‫أذلة على الؤمني وهي صفة مأخوذة من الطواعية واليسر واللي فالؤمن ذلول للمؤمن غي‬
‫عصي عليه ول صعب هي لي ميسر مستجيب سح ودود وهذه هي الذلة للمؤمني وما‬
‫ف الذلة للمؤمني من مذلة ول مهانة إنا هي الخوة ترفع الواجز وتزيل التكلف وتلط‬
‫النفس بالنفس فل يبقى فيها ما يستعصي وما يتجز دون الخرين إن حساسية الفرد بذاته‬
‫متحوصلة متحيزة هي الت تعله شوسا عصيا شحيحا على أخيه فأما حي يلط نفسه‬
‫بنفوس العصبة الؤمنة معه فلن يد فيها ما ينعه وما يستعصي به وماذا يبقى له ف نفسه‬
‫دونم وقد اجتمعوا ف ال إخوانا ; يبهم ويبونه ويشيع هذا الب العلوي بينهم‬
‫ويتقاسونه أعزة على الكافرين فيهم على الكافرين شاس وإباء واستعلء ولذه الصائص‬

‫‪111‬‬

‫هنا موضع إنا ليست العزة للذات ول الستعلء للنفس إنا هي العزة للعقيدة والستعلء‬
‫للراية الت يقفون تتها ف مواجهة الكافرين إنا الثقة بأن ما معهم هو الي وأن دورهم‬
‫هو أن يطوعوا الخرين للخي الذي معهم ل أن يطوعوا الخرين لنفسهم ول أن يطوعوا‬
‫أنفسهم للخرين وما عند الخرين ث هي الثقة بغلبة دين ال على دين الوى ; وبغلبة قوة‬
‫ال على تلك القوى ; وبغلبة حزب ال على أحزاب الاهلية فهم العلون حت وهم‬
‫ينهزمون ف بعض العارك ف أثناء الطريق الطويل ياهدون ف سبيل ال ول يافون لومة‬
‫لئم فالهاد ف سبيل ال لقرار منهج ال ف الرض وإعلن سلطانه على البشر وتكيم‬
‫شريعته ف الياة لتحقيق الي والصلح والنماء للناس هي صفة العصبة الؤمنة الت يتارها‬
‫ال ليصنع با ف الرض ما يريد وهم ياهدون ف سبيل ال ; ل ف سبيل أنفسهم ; ول‬
‫ف سبيل قومهم ; ول ف سبيل وطنهم ; ول ف سبيل جنسهم ف سبيل ال لتحقيق منهج‬
‫ال وتقرير سلطانه وتنفيذ شريعته وتقيق الي للبشر عامة عن هذا الطريق وليس لم ف‬
‫هذا المر شيء وليس لنفسهم من هذا حظ إنا هو ل وف سبيل ال بل شريك وهم‬
‫ياهدون ف سبيل ال ول يافون لومة لئم وفيم الوف من لوم الناس وهم قد ضمنوا‬
‫حب رب الناس وفيم الوقوف عند مألوف الناس وعرف اليل ومتعارف الاهلية وهم‬
‫يتبعون سنة ال ويعرضون منهج ال للحياة إنا يشى لوم الناس من يستمد مقاييسه‬
‫وأحكامه من أهواء الناس ; ومن يستمد عونه ومدده من عندالناس ; أما من يرجع إل‬
‫موازين ال ومقاييسه وقيمه ليجعلها تسيطر على أهواء الناس وشهواتم وقيمهم ; وأما من‬
‫يستمد قوته وعزته من قوة ال وعزته فما يبال ما يقول الناس وما يفعلون كائنا هؤلء‬
‫الناس ما كانوا ; وكائنا واقع هؤلء الناس ما كان وكائنة حضارة هؤلء الناس وعلمهم‬
‫وثقافتهم ما تكون إننا نسب حسابا لا يقول الناس ; ولا يفعل الناس ; ولا يلك الناس ;‬
‫ولا يصطلح عليه الناس ; ولا يتخذه الناس ف واقع حياتم من قيم واعتبارات وموازين‬
‫لننا نغفل أو نسهو عن الصل الذي يب أن نرجع إليه ف الوزن والقياس والتقوي إنه‬
‫منهج ال وشريعته وحكمه فهو وحده الق وكل ما خالفة فهو باطل ; ولو كان عرف‬
‫مليي الليي ولو أقرته الجيال ف عشرات القرون إنه ليست قيمة أي وضع أو أي‬
‫عرف أو أي تقليد أو أية قيمة أنه موجود ; وأنه واقع ; وأن مليي البشر يعتنقونه‬

‫‪112‬‬

‫ويعيشون به ويتخذونه قاعدة حياتم فهذا ميزان ل يعترف به التصور السلمي إنا قيمة‬
‫أي وضع وأي عرف وأي تقليد وأية قيمة أن يكون لا أصل ف منهج ال الذي منه وحده‬
‫تستمد القيم والوازين ومن هنا تاهد العصبة الؤمنة ف سبيل ال ول تاف لومة لئم‬
‫فهذه سة الؤمني الختارين ث إن ذلك الختيار من ال وذلك الب التبادل بينه وبي‬
‫الختارين وتلك السمات الت يعلها طابعهم وعنوانم وهذا الطمئنان إل ال ف نفوسهم‬
‫والسي على هداه ف جهادهم ذلك كله من فضل ال ذلك فضل ال يؤتيه من يشاء وال‬
‫واسع عليم يعطي عن سعة ويعطي عن علم وما أوسع هذا العطاء ; الذي يتار ال له من‬
‫يشاء عن علم وعن تقدير ويدد ال للذين آمنوا جهة الولء الوحيدة الت تتفق مع صفة‬
‫اليان ; ويبي لم من يتولون إنا وليكم ال ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلة‬
‫ويؤتون الزكاة وهم راكعون هكذا على وجه القصر الذي ل يدع مال للتمحل أو التأول‬
‫; ول يترك فرصة لتمييع الركة السلمية أو تييع التصور ول يكن بد أن يكون المر‬
‫كذلك لن السألة ف صميمها كما قلنا هي مسألة العقيدة ومسألة الركة بذه العقيدة‬
‫وليكون الولء ل خالصا والثقة به مطلقة وليكون السلم هو الدين وليكون المر أمر‬
‫مفاصلة بي الصف السلم وسائر الصفوف الت ل تتخذ السلم دينا ول تعل السلم‬
‫منهجا للحياة ولتكون للحركة السلمية جديتها ونظامها ; فل يكون الولء فيها لغي‬
‫قيادة واحدة وراية واحدة ول يكون التناصر إل بي العصبة الؤمنة ; لنه تناصر ف النهج‬
‫الستمد من العقيدة ولكن حت ل يكون السلم مرد عنوان أو مرد راية وشعار أو مرد‬
‫كلمة تقال باللسان أو مرد نسب ينتقل بالوراثة أو مرد وصف يلحق القاطني ف مكان‬
‫فإن السياق يذكر بعض السمات الرئيسية للذين آمنوا الذين يقيمون الصلة ويؤتون‬
‫الزكاة وهم راكعون فمن صفتهم إقامة الصلة ل مرد أداء الصلة وإقامة الصلة تعن‬
‫أداءها أداء كامل تنشأ عنه آثارها الت يقررها قوله تعال إن الصلة تنهي عن الفحشاء‬
‫والنكر والذي ل تنهاه صلته عن الفحشاء والنكر ل يقم الصلة ; فلو أقامها لنهته كما‬
‫يقول ال ومن صفتهم إيتاء الزكاة أي أداء حق الال طاعة ل وقرب عن رضى نفس‬
‫ورغبة فليست الزكاة مرد ضريبة مالية إنا هي كذلك عبادة أو هي عبادة مالية وهذه هي‬
‫ميزة النهج السلمي الذي يقق أهدافا شت بالفريضة الواحدة وليس كذلك النظمة‬

‫‪113‬‬

‫الرضية الت تقق هدفا وتفرط ف أهداف إنه ل يغن ف إصلح حال الجتمع أن يأخذ‬
‫الجتمع الال ضريبة مدنية أو أن يأخذ الال من الغنياء للفقراء باسم الدولة أو باسم‬
‫الشعب أو باسم جهة أرضية ما فهي ف صورتا هذه قد تقق هدفا واحدا ; وهو إيصال‬
‫الال للمحتاجي فأما الزكاة فتعن اسها ومدلولا إنا قبل كل شيء طهارة وناء إنا زكاة‬
‫للضمي بكونا عبادة ل وبالشعور الطيب الصاحب لا تاه الخوان الفقراء با أنا عبادة‬
‫ل يرجو عليها فاعلها حسن الزاء ف الخرة كما يرجو منها ناء الال ف الياة الدنيا‬
‫بالبكة وبالنظام القتصادي البارك ث بالشعور الطيب ف نفوس الفقراء الخذين أنفسهم‬
‫; إذ يشعرون أنا فضل ال عليهم إذ قررها لم ف أموال الغنياء ; ول يشعرون معها‬
‫بالقد والتشفي من إخوانم الغنياء مع تذكر أن الغنياء ف النظام السلمي ل يكسبون‬
‫إل من حلل ول يورون على حق أحد وهم يمعون نصيبهم من الال وف النهاية تقق‬
‫هدف الضريبة الالية ف هذا الو الراضي الي الطيب جو الزكاة والطهارة والنماء وأداء‬
‫الزكاة سة من سات الذين آمنوا تقرر أنم يتبعون شريعة ال ف شئون الياة ; فهي إقرار‬
‫منهم بسلطان ال ف أمرهم كله وهذا هو السلم وهم راكعون ذلك شأنم كأنه الالة‬
‫الصلية لم ومن ث ل يقف عند قوله يقيمون الصلة فهذه السمة الديدة أعم وأشل إذ‬
‫أنا ترسهم للخاطر كأن هذا هو شأنم الدائم فأبرز سة لم هي هذه السمة وبا يعرفون‬
‫وما أعمق إياءات التعبيات القرآنية ف مثل هذه الناسبات وال يعد الذين آمنوا ف مقابل‬
‫الثقة به واللتجاء إليه والولء له وحده ولرسوله وللمؤمني بالتبعية ومقابل الفاصلة‬
‫الكاملة بينهم وبي جيع الصفوف إل الصف الذي يتمحض ل يعدهم النصر والغلبة ومن‬
‫يتول ال ورسوله والذين آمنوا فإن حزب ال هم الغالبون وقد جاء هذا الوعد بالغلب بعد‬
‫بيان قاعدة اليان ف ذاتا وأنا هي الولء ل ورسوله وللمؤمني ; وبعد التحذير من‬
‫الولء لليهود والنصارى واعتباره خروجا من الصف السلم إل صف اليهود والنصارى‬
‫وارتدادا عن الدين وهنا لفتة قرآنية مطردة فال سبحانه يريد من السلم أن يسلم لجرد أن‬
‫السلم خي ل لنه سيغلب أو سيمكن له ف الرض ; فهذه ثرات تأت ف حينها ; وتأت‬
‫لتحقيق قدر ال ف التمكي لذا الدين ; ل لتكون هي بذاتا الغراء على الدخول ف هذا‬
‫الدين والغلب للمسلمي ل شيء منه لم ل شيء لذواتم وأشخاصهم وإنا هو قدر ال‬

‫‪114‬‬

‫يريه على أيديهم ويرزقهم إياه لساب عقيدتم ل لسابم فيكون لم ثواب الهد فيه ;‬
‫وثواب النتائج الت تترتب عليه من التمكي لدين ال ف الرض وصلح الرض بذا‬
‫التمكي كذلك قد يعد ال السلمي الغلب لتثبيت قلوبم ; وإطلقها من عوائق الواقع‬
‫الاضر أمامهم وهي عوائق ساحقة ف أحيان كثية فإذا استيقنوا العاقبة قويت قلوبم على‬
‫اجتياز الحنة ; وتطي العقبة والطمع ف أن يتحقق على أيديهم وعد ال للمة السلمة‬
‫فيكون لم ثواب الهاد وثواب التمكي لدين ال وثواب النتائج الترتبة على هذا التمكي‬
‫كذلك يشي ورود هذا النص ف هذا الجال بالة الماعة السلمة يومذاك وحاجتها إل‬
‫هذه البشريات بذكر هذه القاعدة من غلبة حزب ال ما يرجح ما ذهبنا إليه من تاريخ‬
‫نزول هذا القطاع من السورة ث تلص لنا هذه القاعدة ; الت ل تتعلق بزمان ول مكان‬
‫فنطمئن إليها بوصفها سنة من سنن ال الت ل تتخلف وإن خسرت العصبة الؤمنة بعض‬
‫العارك والواقف فالسنة الت ل تنقض هي أن حزب ال هم الغالبون ووعد ال القاطع‬
‫أصدق من ظواهر المور ف بعض مراحل الطريق وأن الولء ل ورسوله والذين آمنوا هو‬
‫الطريق الؤدي لتحقق وعد ال ف ناية الطريق الدرس الثالث دعوة السلمي لعدم موالة‬
‫الكافرين وبعد فلقد سلك النهج القرآن ف هذا السياق طرقا منوعة لنهي الذين آمنوا عن‬
‫تول الخالفي لم ف عقيدتم من أهل الكتاب والشركي ولتقرير هذه القاعدة اليانية ف‬
‫ضمائرهم وإحساسهم وعقولم ما يدل على أهية هذه القاعدة ف التصور السلمي ;‬
‫وف الركة السلمية على السواء وقد رأينا من قبل أنه سلك ف النداء الول طريق النهي‬
‫الباشر وطريق التخويف من أن يأت ال بالفتح أو أمر من عنده فينكشف ستر النافقي‬
‫وسلك ف النداء الثان طريق التحذير من الردة بوالة أعداء ال ورسوله والؤمني ;‬
‫وطريق التحبيب ف أن يكونوا من العصبة الختارة من يبهم ال ويبونه ; وطريق الوعد‬
‫بالنصر لزب ال الغالب فالن نده ف النداء الثالث ف هذا الدرس للذين آمنوا يثي ف‬
‫نفوسهم المية لدينهم ولعبادتم ولصلتم الت يتخذها أعداؤهم هزوا ولعبا ونده يسوي‬
‫ف النهي عن الوالة بي أهل الكتاب والكفار وينوط هذا النهي بتقوى ال ; ويعلق على‬
‫الستماع إليه صفة اليان ; ويقبح فعلة الكفار وأهل الكتاب ويصفهم بأنم ل يعقلون يا‬
‫أيها الذين آمنوا ل تتخذوا الذين اتذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من‬

‫‪115‬‬

‫قبلكم والكفار أولياء واتقوا ال إن كنتم مؤمني وإذا ناديتم إل الصلة اتذوها هزوا‬
‫ولعبا ذلك بأنم قوم ل يعقلون وهي ملبسة مثية لكل من له حية الؤمن ; الذي ل يرى‬
‫لنفسه كرامة إذا أهي دينه وأهينت عبادته وأهينت صلته واتذ موقفه بي يدي ربه مادة‬
‫للهزء واللعب فكيف يقوم ولء بي الذين آمنوا وبي أحد من هؤلء الذين يرتكبون هذه‬
‫الفعلة ; ويرتكبونا لنقص ف عقولم فما يستهزى ء بدين ال وعبادة الؤمني به إنسان‬
‫سوي العقل ; فالعقل حي يصح ويستقيم يرى ف كل شيء من حوله موحيات اليان‬
‫بال وحي يتل وينحرف ل يرى هذه الوحيات لنه حينئذ تفسد العلقات بينه وبي هذا‬
‫الوجود كله فالوجود كله يوحي بأن له إلا يستحق العبادة والتعظيم والعقل حي يصح‬
‫ويستقيم يستشعر جال العبادة لله الكون وجللا كذلك فل يتخذها هزوا ولعبا وهو‬
‫صحيح مستقيم ولقد كان هذا الستهزاء واللعب يقع من الكفار كما كان يقع من اليهود‬
‫خاصة من أهل الكتاب ف الفترة الت كان هذا القرآن يتنل فيها على قلب رسول ال ص‬
‫للجماعة السلمة ف ذلك الي ول نعرف من السية أن هذا كان يقع من النصارى ولكن‬
‫ال سبحانه كان يضع للجماعة السلمة قاعدة تصورها ومنهجها وحياتا الدائمة وكان ال‬
‫سبحانه يعلم ما سيكون على مدار الزمان مع أجيال السلمي وها نن أولء رأينا ونرى‬
‫أن أعداء هذا الدين وأعداء الماعة السلمة على مدار التاريخ أمس واليوم من الذين قالوا‬
‫إنم نصارى كانوا أكثر عددا من اليهود ومن الكفار متمعي فهؤلء كهؤلء قد ناصبوا‬
‫السلم العداء وترصدوه القرون تلو القرون وحاربوه حربا ل هوادة فيها منذ أن اصطدم‬
‫السلم بالدولة الرومانية على عهد أب بكر وعمر رضي ال عنهما حت كانت الروب‬
‫الصليبية ; ث كانت السألة الشرقية الت تكتلت فيها الدول الصليبية ف أرجاء الرض‬
‫للجهاز على اللفة ; ث كان الستعمار الذي يفي الصليبية بي أضلعه فتبدو ف فلتات‬
‫لسانه ; ث كان التبشي الذي مهد للستعمار وسانده ; ث كانت وما تزال تلك الرب‬
‫الشبوبة على كل طلئع البعث السلمي ف أي مكان ف الرض وكلها حلت يشترك‬
‫فيها اليهود والنصارى والكفار والوثنيون وهذا القرآن جاء ليكون كتاب المة السلمة ف‬
‫حياتا إل يوم القيامة الكتاب الذي يبن تصورها العتقادي كما يبن نظامها الجتماعي‬
‫كما يبن خطتها الركية سواء وها هو ذا يعلمها أل يكون ولؤها إل ل ولرسوله‬

‫‪116‬‬

‫وللمؤمني ; وينهاها أن يكون ولؤها لليهود والنصارى والكافرين ويزم ذلك الزم‬
‫الاسم ف هذه القضية ويعرضها هذا العرض النوع الساليب إن هذا الدين يأمر أهله‬
‫بالسماحة وبسن معاملة أهل الكتاب ; والذين قالوا إنم نصارى منهم خاصة ولكنه‬
‫ينهاهم عن الولء لؤلء جيعا لن السماحة وحسن العاملة مسألة خلق وسلوك أما الولء‬
‫فمسألة عقيدة ومسألة تنظيم إن الولء هو النصرة هو التناصر بي فريق وفريق ; ول تناصر‬
‫بي السلمي وأهل الكتاب كما هو الشأن ف الكفار لن التناصر ف حياة السلم هو كما‬
‫أسلفنا تناصر ف الدين ; وف الهاد لقامة منهجه ونظامه ف حياة الناس ; ففيم يكون‬
‫التناصر ف هذا بي السلم وغي السلم وكيف يكون إنا قضية جازمة حاسة ل تقبل‬
‫التميع ول يقبل ال فيها إل الد الصارم ; الد الذي يليق بالسلم ف شأن الدين الدرس‬
‫الرابع بيان حقيقة كفر أهل الكتاب ونقمتهم على السلمي وحي تتم النداءات الثلثة‬
‫للذين آمنوا يتوجه الطاب إل الرسول ص ليواجه أهل الكتاب فيسألم ماذا ينقمون من‬
‫الماعة السلمة وهل ينقمون منها إل اليان بال وما أنزل إل أهل الكتاب ; وما أنزله‬
‫ال للمسلمي بعد أهل الكتاب هل ينقمون إل أن السلمي يؤمنون وأنم هم أهل الكتاب‬
‫أكثرهم فاسقون وهي مواجهة مجلة ولكنها كذلك كاشفة وحاسة ومددة لصل‬
‫العداوة ومفرق الطريق قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إل أن آمنا بال وما أنزل إلينا‬
‫وما أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند ال من‬
‫لعنه ال وغضب عليه وجعل منهم القردة والنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا‬
‫وأضل عن سواء السبيل إن هذا السؤال الذي وجه ال رسوله إل توجيهه لهل الكتاب‬
‫هو من ناحية سؤال تقريري لثبات ما هو واقع بالفعل منهم ; وكشف حقيقة البواعث‬
‫الت تدفع بم إل موقفهم من الماعة السلمة ودينها وصلتا وهو من ناحية سؤال‬
‫استنكاري لستنكار هذا الواقع منهم واستنكار البواعث الدافعة عليه وهو ف الوقت ذاته‬
‫توعية للمسلمي وتنفي لم من موالة القوم وتقرير لا سبق ف النداءات الثلثة من ني عن‬
‫هذه الوالة وتذير إن أهل الكتاب ل يكونوا ينقمون على السلمي ف عهد الرسول ص‬
‫وهم ل ينقمون اليوم على طلئع البعث السلمي إل أن هؤلء السلمي يؤمنون بال ;‬
‫وما أنزله ال إليهم من قرآن ; وما صدق عليه قرآنم ما أنزله ال من قبل من كتب أهل‬

‫‪117‬‬

‫الكتاب إنم يعادون السلمي لنم مسلمون لنم ليسوا يهودا ول نصارى ولن أهل‬
‫الكتاب فاسقون منحرفون عما أنزله ال إليهم ; وآية فسقهم وانرافهم أنم ل يؤمنون‬
‫بالرسالة الخية وهي مصدقة لا بي أيديهم ل ما ابتدعوه وحرفوه ول يؤمنون بالرسول‬
‫الخي وهو مصدق لا بي يديه ; معظم لرسل ال أجعي إنم ياربون السلمي هذه‬
‫الرب الشعواء ; الت ل تضع أوزارها قط ول يب أوارها طوال ألف وأربعمائة عام ;‬
‫منذ أن قام للمسلمي كيان ف الدينة ; وتيزت لم شخصية ; وأصبح لم وجود مستقل ;‬
‫ناشى ء من دينهم الستقل وتصورهم الستقل ونظامهم الستقل ف ظل منهج ال الفريد‬
‫إنم يشنون على السلمي هذه الرب الشبوبة لنم قبل كل شيء مسلمون ول يكن أن‬
‫يطفئوا هذه الرب الشبوبة إل أن يردوا السلمي عن دينهم ; فيصبحوا غي مسلمي ذلك‬
‫أن أهل الكتاب أكثرهم فاسقون ; ومن ث ل يبون الستقيمي اللتزمي من السلمي وال‬
‫سبحانه يقرر هذه القيقة ف صورة قاطعة وهو يقول لرسوله ص ف السورة الخرى ولن‬
‫ترضى عنك اليهود ول النصارى حت تتبع ملتهم ويقول له ف هذه السورة أن يواجه أهل‬
‫الكتاب بقيقة بواعثهم وركيزة موقفهم قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إل أن آمنا‬
‫بال ; وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون وهذه القيقة الت يقررها ال‬
‫سبحانه ف مواضع كثية من كلمه الصادق البي هي الت يريد تييعها وتلبيسها وتغطيتها‬
‫وإنكارها اليوم كثيون من أهل الكتاب وكثيون من يسمون أنفسهم مسلمي باسم‬
‫تعاون التديني ف وجه الادية واللاد كما يقولون أهل الكتاب يريدون اليوم تييع هذه‬
‫القيقة بل طمسها وتغطيتها لنم يريدون خداع سكان الوطن السلمي أو الذي كان‬
‫إسلميا بتعبي أصح وتدير الوعي الذي كان قد بثه فيهم السلم بنهجه الربان القوي‬
‫ذلك أنه حي كان هذا الوعي سليما ل يستطع الستعمار الصليب أن يقف للمد‬
‫السلمي فضل على أن يستعمر الوطن السلمي ول يكن بد لؤلء بعد فشلهم ف‬
‫الروب الصليبية السافرة وف حرب التبشي السافرة كذلك أن يسلكوا طريق الداع‬
‫والتخدير فيتظاهروا ويشيعوا بي ورثة السلمي أن قضية الدين والرب الدينية قد انتهت‬
‫وأنا كانت مرد فترة تاريية مظلمة عاشتها المم جيعا ث تنور العال و تقدم فلم يعد من‬
‫الائز ول اللئق ول الستساغ أن يقوم الصراع على أساس العقيدة وأنا الصراع اليوم‬

‫‪118‬‬

‫على الادة على الوارد والسواق والستغللت فحسب وإذن فما يوز للمسلمي أو‬
‫ورثة السلمي أن يفكروا ف الدين ول ف صراع الدين وحي يطمئن أهل الكتاب وهم‬
‫الذين يستعمرون أوطان السلمي إل استنامة هؤلء لذا التخدير ; وحي تتميع القضية ف‬
‫ضمائرهم ; فإن الستعمرين يأمنون غضبة السلمي ل ; وللعقيدة الغضبة الت ل يقفوا لا‬
‫يوما ويصبح المر سهل بعد التنوي والتخدير ول يكسبون معركة العقيدة وحدها بل‬
‫يكسبون معها ما وراءها من السلب والغان والستثمارات والامات ; ويغلبون ف‬
‫معركة الادة بعدما يغلبون ف معركة العقيدة فهما قريب من قريب وعملء أهل الكتاب‬
‫ف الوطن السلمي من يقيمهم الستعمار هنا وهناك علنية أو ف خفية يقولون القول‬
‫نفسه لنم عملء يؤدون الدور من داخل الدود وهؤلء يقولون عن الروب الصليبية‬
‫ذاتا إنا ل تكن صليبية ويقولون عن السلمي الذين خاضوها تت راية العقيدة إنم ل‬
‫يكونوا مسلمي وإنا هم كانوا قوميي وفريق ثالث مستغفل مدوع ; يناديه أحفاد‬
‫الصليبي ف الغرب الستعمر أن تعالوا إلينا تعالوا نتمع ف ولء ; لندفع عن الدين غائلة‬
‫اللحدين فيستجيب هذا الفريق الستغفل الخدوع ; ناسيا أن أحفاد الصلييبي هؤلء‬
‫وقفوا ف كل مرة مع اللحدين ; صفا واحدا حينما كانت الواجهة للمسلمي على مدار‬
‫القرون وما يزالون وأنم ل يعنيهم حرب الادية اللادية قدر ما تعنيهم حرب السلم‬
‫ذلك أنم يعرفون جيدا أن اللادية الادية عرض طارى ء وعدو موقوت ; وأن السلم‬
‫أصل ثابت وعدو مقيم وإنا هذه الدعوة الموهة لتمييع اليقظة البادئة عند طلئع البعث‬
‫السلمي ; وللنتفاع بهد الستغفلي الخدوعي ف الوقت ذاته ليكونوا وقود العركة مع‬
‫اللحدين لنم أعداء الستعمار السياسيون وهؤلء كهؤلء حرب على السلم والسلمي‬
‫حرب ل عدة فيها للمسلم إل ذلك الوعي الذي يربيه عليه النهج الربان القوي إن هؤلء‬
‫الذين تدعهم اللعبة أو يتظاهرون بالتصديق فيحسبون أهل الكتاب جادين إذ يدعونم‬
‫للتضامن والولء ف دفع اللاد عن الدين إنا ينسون واقع التاريخ ف أربعة عشر قرنا ل‬
‫استثناء فيها كما ينسون تعليم ربم لم ف هذا المر بالذات وهو تعليم ل مواربة فيه ول‬
‫مال للحيدة عنه وف النفس ثقة بال ويقي بدية ما يقول إن هؤلء يتزئون فيما يقولون‬
‫ويكتبون باليات القرآنية والحاديث النبوية الت تأمر السلمي أن يسنوا معاملة أهل‬

‫‪119‬‬

‫الكتاب ; وأن يتساموا معهم ف العيشة والسلوك ويغفلون التحذيرات الاسة عن‬
‫موالتم ; والتقريرات الواعية عن بواعثهم والتعليمات الصرية عن خطة الركة السلمية‬
‫وخطة التنظيم الت ترم التناصر والوالة لن التناصر والوالة ل يكونان عند السلم إل ف‬
‫شأن الدين وإقامة منهجه ونظامه ف الياة الواقعية وليست هناك قاعدة مشتركة يلتقي‬
‫عليها السلم مع أهل الكتاب ف شأن دينه مهما يكن هناك من تلق ف أصول هذه‬
‫الديان مع دينه قبل تريفها إذ هم ل ينقمون منه إل هذا الدين ول يرضون عنه إل بترك‬
‫هذا الدين كما يقول رب العالي إن هؤلء من يعلون القرآن عضي ; يزئونه ويزقونه‬
‫فيأخذون منه ما يشاءون ما يوافق دعوتم الغافلة الساذجة على فرض براءتا ويدعون منه‬
‫ما ل يتفق مع اتاههم الغافل أو الريب ونن نؤثر أن نسمع كلم ال ف هذه القضية على‬
‫أن نسمع كلم الخدوعي أو الادعي وكلم ال سبحانه ف هذه القضية حاسم واضح‬
‫صريح مبي ونقف وقفة قصية ف هذا الوضع عند قوله تعال بعد تقرير أن سبب النقمة‬
‫هو اليان بال وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل أن بقية السبب وأن أكثركم فاسقون فهذا‬
‫الفسق هو شطر الباعث فالفسق يمل صاحبه على النقمة من الستقيم وهي قاعدة نفسية‬
‫واقعية ; تثبتها هذه اللفتة القرآنية العجيبة إن الذي يفسق عن الطريق وينحرف ل يطيق أن‬
‫يرى الستقيم على النهج اللتزم إن وجوده يشعره دائما بفسقه وانرافه إنه يتمثل له شاهدا‬
‫قائما على فسقه هو وانرافه ومن ث يكرهه وينقم عليه يكره استقامته وينقم منه التزامه ;‬
‫ويسعى جاهدا لره إل طريقه ; أو للقضاء عليه إذا استعصى قياده إنا قاعدة مطردة‬
‫تتجاوز موقف أهل الكتاب من الماعة السلمة ف الدينة إل موقف أهل الكتاب عامة‬
‫من السلمي عامة إل موقف كل فاسق منحرف من كل عصبة ملتزمة مستقيمة والرب‬
‫الشبوبة دائما على اليين ف متمع الشرار وعلى الستقيمي ف متمع الفاسقي وعلى‬
‫اللتزمي ف متمع النحرفي هذه الرب أمر طبيعي يستند إل هذه القاعدة الت يصورها‬
‫النص القرآن العجيب ولقد علم ال سبحانه أن الي ل بد أن يلقى النقمة من الشر وأن‬
‫الق ل بد أن يواجه العداء من الباطل وأن الستقامة ل بد أن تثي غيظ الفساق وأن‬
‫اللتزام ل بد أن ير حقد النحرفي وعلم ال سبحانه أن ل بد للخي والق والستقامة‬
‫واللتزام أن تدفع عن نفسها وأن توض العركة التمية مع الشر والباطل والفسق‬

‫‪120‬‬

‫والنراف وأنا معركة ل خيار فيها ول يلك الق أل يوضها ف وجه الباطل لن الباطل‬
‫سيهاجه ول يلك الي أن يتجنبها لن الشر ل بد سيحاول سحقه وغفلة أي غفلة أن‬
‫يظن أصحاب الق والي والستقامة واللتزام أنم متروكون من الباطل والشر والفسق‬
‫والنراف ; وأنم يلكون تنب العركة ; وأنه يكن أن تقوم هناك مصالة أو مهادنة‬
‫وخي لم أن يستعدوا للمعركة الحتومة بالوعي والعدة ; من أن يستسلموا للوهم‬
‫والديعة وهم يومئذ مأكولون مأكولون ث نضي مع السياق القرآن ف توجيه ال سبحانه‬
‫لرسوله ص لواجهة أهل الكتاب بعد تقرير بواعثهم واستنكار هذه البواعث ف النقمة‬
‫على السلمي فإذا هو يبههم بتاريخ لم قدي وشأن لم مع ربم وعقاب أليم قل هل‬
‫أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند ال من لعنه ال وغضب عليه وجعل منهم القردة والنازير‬
‫وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل وهنا تطالعنا سحنة يهود وتاريخ‬
‫يهود إنم هم الذين لعنهم ال وغضب عليهم وجعل منهم القردة والنازير إنم هم الذين‬
‫عبدوا الطاغوت وقصة لعنة ال لم وغضبه عليهم واردة ف مواضع شت من القرآن الكري‬
‫; وكذلك قصة جعله منهم القردة والنازير فأما قضية عبادتم للطاغوت فتحتاج إل بيان‬
‫هنا لنا لفتة ذات دللة خاصة ف سياق هذه السورة إن الطاغوت هو كل سلطان ل‬
‫يستمد من سلطان ال وكل حكم ل يقوم على شريعة ال وكل عدوان يتجاوز الق‬
‫والعدوان على سلطان ال وألوهيته وحاكميته هو أشنع العدوان وأشده طغيانا وأدخله ف‬
‫معن الطاغوت لفظا ومعن وأهل الكتاب ل يعبدوا الحبار والرهبان ; ولكن اتبعوا‬
‫شرعهم وتركوا شريعة ال فسماهم ال عبادا لم ; وساهم مشركي وهذه اللفتة هنا‬
‫ملحوظ فيها ذلك العن الدقيق فهم عبدوا الطاغوت أي السلطات الطاغية التجاوزة‬
‫لقها وهم ل يعبدوها بعن السجود لا والركوع ولكنهم عبدوها بعن التباع والطاعة‬
‫وهي عبادة ترج صاحبها من عبادة ال ومن دين ال وال سبحانه يوجه رسوله ص‬
‫لجابة أهل الكتاب بذا التاريخ وبذلك الزاء الذي استحقوه من ال على هذا التاريخ‬
‫كأنا هم جيل واحد با أنم جبلة واحدة يوجهه ليقول لم إن هذا شر عاقبة قل هل‬
‫أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند ال أي شر من نقمة أهل الكتاب على السلمي وما‬
‫يكيدون لم وما يؤذونم بسبب إيانم وأين نقمة البشر الضعاف من نقمة ال وعذابه‬

‫‪121‬‬

‫وحكمه على أهل الكتاب بالشر والضلل عن سواء السبيل أولئك شر مكانا وأضل عن‬
‫سواء السبيل الدرس الامس ناذج من كفريات وتلعب اليهود ويضي السياق ف التنفي‬
‫من موالتم بعرض صفاتم وساتم بعد عرض تاريهم وجزائهم وييء التحذير والتوعي‬
‫ة منهم بكشف ما يبيتون ويبز اليهود كذلك ف الصورة لن الديث عن وقائع جارية‬
‫ومعظم الشر كان ييء من قبل يهود وإذا جاءوكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد‬
‫خرجوا به وال أعلم با كانوا يكتمون وترى كثيا منهم يسارعون ف الث والعدوان‬
‫وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون لول ينهاهم الربانيون والحبار عن قولم الث‬
‫وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون وقالت اليهود يد ال مغلولة غلت أيديهم ولعنوا‬
‫با قالوا ; بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء وليزيدن كثيا منهم ما أنزل إليك من ربك‬
‫طغيانا وكفرا وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إل يوم القيامة كلما أوقدوا نارا للحرب‬
‫أطفأها ال ويسعون ف الرض فسادا وال ل يب الفسدين إنا عبارات تنشى ء صورا‬
‫متحركة مشاهد حية على طريقة التعبي القرآنية الفريدة ومن وراء القرون يلك قارى ء‬
‫هذه اليات أن يشهد بعي التصور هؤلء القوم الذين يتحدث عنهم القرآن من يهود على‬
‫الرجح فالسياق يتحدث عنهم وإن كان من الائز أنه يعن كذلك بعض النافقي ف‬
‫الدينة يشهدهم ييئون للمسلمي فيقولون آمنا ويشهد ف جعبتهم الكفر وهم يدخلون به‬
‫ويرجون ; بينما ألسنتهم تقول غي ما ف العبة من كفر يملونه داخلي خارجي‬
‫ولعلهم من يهود أولئك الذين كانوا يبيتون البلبلة وهم يقولون بعضهم لبعض آمنوا بذا‬
‫القرآن وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون أي لعل السلمي يرجعون عن دينهم‬
‫بسبب هذه البلبلة والتشكيك البيث اللئيم وال أعلم با كانوا يكتمون‬
‫يقولا ال سبحانه لنا القيقة ; ث لكي يطمئن الؤمنون إل كلءة ربم لم وحفظهم من‬
‫كيد عدوهم ; وإحاطته علما بذا الكيد الكتوم ث ليهدد أصحاب هذا الكيد لعلهم‬
‫ينتهون ويضي السياق يرسم حركاتم كأنا منظورة تشهد وتلحظ من خلل التعبي‬
‫وترى كثيا منهم يسارعون ف الث والعدوان وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون‬
‫والسارعة مفاعلة تصور القوم كأنا يتسابقون تسابقا ف الث والعدوان وأكل الرام وهي‬
‫صورة ترسم للتبشيع والتشنيع ولكنها تصور حالة من حالت النفوس والماعات حي‬

‫‪122‬‬

‫يستشري فيها الفساد ; وتسقط القيم ; ويسيطر الشر وإن النسان لينظر إل الجتمعات‬
‫الت انتهت إل مثل هذه الال فيى كأنا كل من فيها يتسابقون إل الشر إل الث‬
‫والعدوان قويهم وضعيفهم سواء فالث والعدوان ف الجتمعات الابطة الفاسدة ل‬
‫يقتصران على القوياء ; بل يرتكبهما كذلك الضعفاء فحت هؤلء ينساقون ف تيار الث‬
‫وحت هؤلء يلكون العتداء ; إنم ل يلكون العتداء على القوياء طبعا ولكن يعتدي‬
‫بعضهم على بعض ويعتدون على حرمات ال لنا هي الت تكون ف الجتمعات الفاسدة‬
‫المى الستباح الذي ل حارس له من حاكم ول مكوم ; فالث والعدوان طابع الجتمع‬
‫حي يفسد ; والسارعة فيهما عمل هذه الجتمعات وكذلك كان متمع يهود ف تلك‬
‫اليام وكذلك أكلهم للحرام فأكل الرام كذلك سة يهود ف كل آن لبئس ما كانوا‬
‫يعملون ويشي السياق إل سة أخرى من سات الجتمعات الفاسدة ; وهو يستنكر‬
‫سكوت الربانيي القائمي على الشريعة والحبار القائمي على أمر العلم الدين سكوتم‬
‫على مسارعة القوم ف الث والعدوان وأكل السحت ; وعدم نيهم عن هذا الشر الذي‬
‫يتسابقون فيه لول ينهاهم الربانيون والحبار عن قولم الث وأكلهم السحت لبئس ما‬
‫كانوا يصنعون فهذه السمة سة سكوت القائمي على أمر الشريعة والعلم الدين عما يقع‬
‫ف الجتمع من إث وعدوان هي سة الجتمعات الت فسدت وآذنت بالنيار وبنو إسرائيل‬
‫كانوا ل يتناهون عن منكر فعلوه كما حكى عنهم القرآن الكري إن سة الجتمع الي‬
‫الفاضل الي القوي التماسك أن يسود فيه المر بالعروف والنهي عن النكر أن يوجد فيه‬
‫من يأمر بالعروف وينهى عن النكر ; وأن يوجد فيه من يستمع إل المر بالعروف‬
‫والنهي عن النكر ; وأن يكون عرف الجتمع من القوة بيث ل يرؤ النحرفون فيه على‬
‫التنكر لذا المر والنهي ول على إيذاء المرين بالعروف الناهي عن النكر وهكذا وصف‬
‫ال المة السلمة فقال كنتم خي أمة أخرجت للناس تأمرون بالعروف وتنهون عن النكر‬
‫وتؤمنون بال ووصف بن إسرائيل فقال كانوا ل يتناهون عن منكر فعلوه فكان ذلك‬
‫فيصل بي الجتمعي وبي الماعتي أما هنا فينحي باللئمة على الربانيي والحبار‬
‫الساكتي على السارعة ف الث والعدوان وأكل السحت ; الذين ل يقومون بق ما‬
‫استحفظوا عليه من كتاب ال وإنه لصوت النذير لكل أهل دين فصلح الجتمع أو فساده‬

‫‪123‬‬

‫رهن بقيام الفظة على الشريعة والعلم فيه بواجبهم ف المر بالعروف والنهي عن النكر ;‬
‫والمر كما قلنا من قبل ف الظلل يقتضي سلطة تأمر وتنهى والمر والنهي أمر غي‬
‫الدعوة فالدعوة بيان والمر والنهي سلطان وكذلك ينبغي أن يصل المرون بالعروف‬
‫الناهون عن النكر على السلطان الذي يعل لمرهم ونيهم قيمته ف الجتمع ; فل يكون‬
‫مطلق كلم وكنموذج من قولم الث ف أبشع صوره يكي القرآن الكري قول اليهود‬
‫الغب اللئيم وقالت اليهود يد ال مغلوله غلت أيديهم ولعنوا با قالوا بل يداه مبسوطتان‬
‫ينفق كيف يشاء وذلك من سوء تصور يهود ل سبحانه فقد حكى القرآن الكري الكثي‬
‫من سوء تصورهم ذاك وقد قالوا إن ال فقي ونن أغنياء عندما سئلوا النفقة وقالوا يد ال‬
‫مغلولة يعللون بذلك بلهم ; فال بزعمهم ل يعطي الناس ول يعطيهم إل القليل فكيف‬
‫ينفقون وقد بلغ من غلظ حسهم وجلفة قلوبم أل يعبوا عن العن الفاسد الكاذب الذي‬
‫أرادوه وهو البخل بلفظه الباشر ; فاختاروا لفظا أشد وقاحة وتجما وكفرا فقالوا يد ال‬
‫مغلولة وييء الرد عليهم بإحقاق هذه الصفة عليهم ولعنهم وطردهم من رحة ال جزاء‬
‫على قولم غلت أيديهم ولعنوا با قالوا وكذلك كانوا فهم أبل خلق ال بال ث يصحح‬
‫هذا التصور الفاسد السقيم ; ويصف ال سبحانه بوصفه الكري وهو يفيض على عباده‬
‫من فضله بل حساب بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء وعطاياه الت ل تكف ول تنفد‬
‫لكل ملوق ظاهرة للعيان شاهدة باليد البسوطة والفضل الغامر والعطاء الزيل ناطقة بكل‬
‫لسان ولكن يهود ل تراها ; لنا مشغولة عنها باللم والضم وبالكنود وبالحود وبالبذاءة‬
‫حت ف حق ال ويدث ال رسوله ص عما سيبدو من القوم وعما سيحل بم بسبب‬
‫حقدهم وغيظهم من اصطفاء ال له بالرسالة ; وبسبب ما تكشفه هذه الرسالة من أمرهم‬
‫ف القدي والديث وليزيدن كثيا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرًا فبسبب من‬
‫القد والسد وبسبب من افتضاح أمرهم فيما أنزل ال إل رسوله سيزيد الكثيون منهم‬
‫طغيانا وكفرا لنم وقد أبوا اليان ل بد أن يشتطوا ف الانب القابل ; ول بد أن يزيدوا‬
‫تبجحا ونكرا وطغيانا وكفرا فيكون الرسول ص رحة للمؤمني ووبال عن النكرين ث‬
‫يدثه عما قدر ال لم من التعادي والتباغض فيما بينهم ; ومن إبطال كيدهم وهو ف‬
‫أشد سعيه تلهبا ; ومن عودتم باليبة فيما يشنونه من حرب على الماعة السلمة وألقينا‬

‫‪124‬‬

‫بينهم العداوة والبغضاء إل يوم القيامة كلما أوقدوا نارا للحرب أطفاها ال وما تزال‬
‫طوائف اليهود متعادية وإن بدا ف هذه الفترة أن اليهودية العالية تتساند ; وتوقد نار‬
‫الرب على البلد السلمية وتفلح ولكن ينبغي أل ننظر إل فترة قصية من الزمان ول‬
‫إل مظهر ل يشتمل على القيقة كاملة ففي خلل ألف وثلثائة عام بل من قبل السلم‬
‫واليهود ف شحناء وف ذل كذلك وتشرد ومصيهم إل مثل ما كانوا فيه مهما تقم‬
‫حولم السناد ولكن مفتاح الوقف كله ف وجود العصبة الؤمنة الت يتحقق لا وعد ال‬
‫فأين هي العصبة الؤمنة اليوم الت تتلقى وعد ال وتقف ستارا لقدر ال ويقق ال با ف‬
‫الرض ما يشاء ويوم تفيء المة السلمة إل السلم تؤمن به على حقيقته ; وتقيم حياتا‬
‫كلها على منهجه وشريعته يومئذ يق وعد ال على شر خلق ال واليهود يعرفون هذا‬
‫ومن ث يسلطون كل ما ف جعبتهم من شر وكيد ; ويصبون كل ما ف أيديهم من بطش‬
‫وفتك على طلئع البعث السلمي ف كل شب من الرض ويضربون ل بأيديهم ولكن‬
‫بأيدي عملئهم ضربات وحشية منكرة ; ل ترعى ف العصبة الؤمنة إل ول ذمة ولكن ال‬
‫غالب على أمره ووعد ال ل بد أن يتحقق وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إل يوم القيامة‬
‫كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها ال إن هذا الشر والفساد الذي تثله يهود ل بد أن يبعث‬
‫ال عليه من يوقفه ويطمه ; فال ل يب الفساد ف الرض ; وما ل يبه ال ل بد أن‬
‫يبعث عليه من عباده من يزيله ويعفي عليه ويسعون ف الرض فسادا وال ل يب‬
‫الفسدين الدرس السادس أثر اليان وتطبيق شرع ال ف الرخاء العيشي وف ناية الدرس‬
‫تيء القاعدة اليانية الكبى قاعدة أن إقامة دين ال ف الرض معناها الصلح والكسب‬
‫والفلح ف حياة الؤمني ف هذه الدنيا وف الخرة على السواء ل افتراق بي دين ودنيا‬
‫ول افتراق بي دنيا وآخرة فهو منهج واحد للدنيا وللخرة ; للدنيا وللدين تيء هذه‬
‫القاعدة اليانية الكبية بناسبة الديث عن انراف أهل الكتاب عن دين ال ; وأكلهم‬
‫السحت ; وتريفهم الكلم من بعد مواضعه لينالوا عرضا من أعراض هذه الرض واتباع‬
‫دين ال كان أجدى عليهم ف الرض والسماء وف الدنيا والخرة لو أنم اختاروا الطريق‬
‫ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتم ; ولدخلناهم جنات النعيم ولو‬
‫أنم أقاموا التوراة والنيل وما أنزل إليهم من ربم لكلوا من فوقهم ومن تت أرجلهم‬

‫‪125‬‬

‫منهم أمة مقتصدة وكثي منهم ساء ما يعملون إن هاتي اليتي تقرران أصل كبيا من‬
‫أصول التصور السلمي ومن ث فهما تثلن حقيقة ضخمة ف الياة النسانية ولعل‬
‫الاجة إل جلء ذلك الصل وإل بيان هذه القيقة ل تكن ماسة كما هي اليوم ; والعقل‬
‫البشري والوازين البشرية والوضاع البشرية تتأرجح وتضطرب وتتوه بي ضباب‬
‫التصورات وضلل الناهج بإزاء هذا المر الطي إن ال سبحانه يقول لهل الكتاب‬
‫ويصدق القول وينطبق على كل أهل كتاب إنم لو كانوا آمنوا واتقوا لكفر عنهم سيئاتم‬
‫ولدخلهم جنات النعيم وهذا جزاء الخرة وإنم لو كانوا حققوا ف حياتم الدنيا منهج‬
‫ال المثل ف التوراة والنيل وما أنزله ال إليهم من التعاليم كما أنزلا ال بدون تريف‬
‫ول تبديل لصلحت حياتم الدنيا ونت وفاضت عليهم الزراق ولكلوا من فوقهم ومن‬
‫تت أرجلهم من فيض الرزق ووفرة النتاج وحسن التوزيع وصلح أمر الياة ولكنهم ل‬
‫يؤمنون ول يتقون ول يقيمون منهج ال إل قلة منهم ف تاريهم الطويل مقتصدة غي‬
‫مسرفة على نفسها وكثي منهم ساء ما يعملون وهكذا يبدو من خلل اليتي أن اليان‬
‫والتقوى وتقيق منهج ال ف واقع الياة البشرية ف هذه الياة الدنيا ل يكفل لصحابه‬
‫جزاء الخرة وحده وإن كان هو القدم وهو الدوم ولكنه كذلك يكفل صلح أمر الدنيا‬
‫ويقق لصحابه جزاء العاجلة وفرة وناء وحسن توزيع وكفاية يرسها ف صورة حسية‬
‫تسم معن الوفرة والفيض ف قوله لكلوا من فوقهم ومن تت أرجلهم وهكذا يتبي أن‬
‫ليس هنالك طريق مستقل لسن الزاء ف الخرة ; وطريق آخر مستقل لصلح الياة ف‬
‫الدنيا إنا هو طريق واحد تصلح به الدنيا والخرة فإذا تنكب هذا الطريق فسدت الدنيا‬
‫وخسرت الخرة هذا الطريق الواحد هو اليان والتقوى وتقيق النهج اللي ف الياة‬
‫الدنيا وهذا النهج ليس منهج اعتقاد وإيان وشعور قلب وتقوى فحسب ولكنه كذلك‬
‫وتبعا لذلك منهج حياة أنسانية واقعية يقام وتقام عليه الياة وإقامته مع اليان والتقوى‬
‫هي الت تكفل صلح الياة الرضية وفيض الرزق ووفرة النتاج وحسن التوزيع حت‬
‫يأكل الناس جعيا ف ظل هذا النهج من فوقهم ومن تت أرجلهم إن النهج اليان للحياة‬
‫ل يعل الدين بديل من الدنيا ; ول يعل سعادة الخرة بديل من سعادة الدنيا ول يعل‬
‫طريق الخرة غي طريق الدنيا وهذه هي القيقة الغائمة اليوم ف أفكار الناس وعقولم‬

‫‪126‬‬

‫وضمائرهم وأوضاعهم الواقعية لقد افترق طريق الدنيا وطريق الخرة ف تفكي الناس‬
‫وضميهم وواقعهم بيث أصبح الفرد العادي وكذلك الفكر العام للبشرية الضالة ل يرى‬
‫أن هنالك سبيل لللتقاء بي الطريقي ويرى على العكس أنه إما أن يتار طريق الدنيا‬
‫فيهمل الخرة من حسابه ; وإما أن يتار طريق الخرة فيهمل الدنيا من حسابه ; ول‬
‫سبيل إل المع بينهما ف تصور ول واقع لن واقع الرض والناس وأوضاعهم ف هذه‬
‫الفترة من الزمان توحي بذا حقيقة إن أوضاع الياة الاهلية الضالة البعيدة عن ال وعن‬
‫منهجه للحياة اليوم تباعد بي طريق الدنيا وطريق الخرة وتتم على الذين يريدون البوز‬
‫ف الجتمع والكسب ف مضمار النافع الدنيوية أن يتخلوا عن طريق الخرة ; وأن يضحوا‬
‫بالتوجيهات الدينية والثل اللقية ; والتصورات الرفيعة والسلوك النظيف الذي يض عليه‬
‫الدين كما تتم على الذين يريدون النجاة ف الخرة أن يتجنبوا تيار هذه الياة وأوضاعها‬
‫القذرة والوسائل الت يصل با الناس ف مثل هذه الوضاع إل البوز ف الجتمع والكسب‬
‫ف مضمار النافع لنا وسائل ل يكن أن تكون نظيفة ول مطابقة للدين واللق ول‬
‫مرضية ل سبحانه ولكن تراها ضربة لزب ترى أنه ل مفر من هذا الال التعيس ول‬
‫سبيل إل اللقاء بي طريق الدنيا وطريق الخرة كل إنا ليست ضربة لزب فالعداء بي‬
‫الدنيا والخرة ; والفتراق بي طريق الدنيا وطريق الخرة ليس هو القيقة النهائية الت ل‬
‫تقبل التبديل بل إنا ليست من طبيعة هذه الياة أصل إنا هي عارض ناشى ء من انراف‬
‫طارى ء إن الصل ف طبيعة الياة النسانية أن يلتقي فيها طريق الدنيا وطريق الخرة ;‬
‫وأن يكون الطريق إل صلح الخرة هو ذاته الطريق إل صلح الدنيا وأن يكون النتاج‬
‫والنماء والوفرة ف عمل الرض هو ذاته الؤهل لنيل ثواب الخرة كما أنه هو الؤهل‬
‫لرخاء هذه الياة الدنيا ; وأن يكون اليان والتقوى والعمل الصال هي أسباب عمران‬
‫هذه الرض كما أنا هي وسائل الصول على رضوان ال وثوابه الخروي هذا هو‬
‫الصل ف طبيعة الياة النسانية ولكن هذا الصل ل يتحقق إل حي تقوم الياة على‬
‫منهج ال الذي رضيه للناس فهذا النهج هو الذي يعل العمل عبادة وهو الذي يعل‬
‫اللفة ف الرض وفق شريعة ال فريضة واللفة عمل وإنتاج ووفرة وناء وعدل ف‬
‫التوزيع يفيض به الرزق على الميع من فوقهم ومن تت أرجلهم كما يقول ال ف كتابه‬

‫‪127‬‬

‫الكري إن التصور السلمي يعل وظيفة النسان ف الرض هي اللفة عن ال بإذن ال‬
‫وفق شرط ال ومن ث يعل العمل النتج الثمر وتوفي الرخاء باستخدام كل مقدرات‬
‫الرض وخاماتا ومواردها بل الامات والوارد الكونية كذلك هو الوفاء بوظيفة اللفة‬
‫ويعتب قيام النسان بذه الوظيفة وفق منهج ال وشريعته حسب شرط الستخلف طاعة‬
‫ل ينال عليها العبد ثواب الخرة ; بينما هو بقيامه بذه الوظيفة على هذا النحو يظفر‬
‫بيات الرض الت سخرها ال له ; ويفيض عليه الرزق من فوقه ومن تت رجليه كما‬
‫يصور التعبي القرآن الميل ووفق التصور السلمي يعتب النسان الذي ل يفجر ينابيع‬
‫الرض ول يستغل طاقات الكون السخرة له عاصيا ل ناكل عن القيام بالوظيفة الت‬
‫خلقه ال لا وهو يقول للملئكة إن جاعل ف الرض خليفة وهو يقول كذلك للناس‬
‫وسخر لكم ما ف السماوات وما ف الرض جيعا منه ومعطل لرزق ال الوهوب للعباد‬
‫وهكذا يسر الخرة لنه خسر الدنيا والنهج السلمي بذا يمع بي العمل للدنيا‬
‫والعمل للخرة ف توافق وتناسق فل يفوت على النسان دنياه لينال آخرته ول يفوت‬
‫عليه آخرته لينال دنياه فهما ليسا نقيضي ول بديلي ف التصور السلمي هذا بالقياس إل‬
‫جنس النسان عامة وبالقياس إل الماعات النسانية الت تقوم ف الرض على منهج ال‬
‫فأما بالقياس إل الفراد فإن المر ل يتلف إذ أن طريق الفرد وطريق الماعة ف النهج‬
‫السلمي ل يتلفان ول يتصادمان ول يتعارضان فالنهج يتم على الفرد أن يبذل أقصى‬
‫طاقته السمية والعقلية ف العمل والنتاج ; وأن يبتغي ف العمل والنتاج وجه ال فل‬
‫يظلم ول يغدر ول يغش ول يون ول يأكل من سحت ول يتجز دون أخيه الحتاج ف‬
‫الماعة شيئا يلكه مع العتراف الكامل له بلكيته الفردية لثمرة عمله والعتراف‬
‫للجماعة بقها ف ماله ف حدود ما فرض ال وما شرع والنهج يسجل للفرد عمله ف‬
‫هذه الدود ووفق هذه العتبارات عبادة ل يزيه عليها بالبكة ف الدنيا وبالنة ف‬
‫الخرة ويربط النهج بي الفرد وربه رباطا أقوى بالشعائر التعبدية الت يفرضها عليه ;‬
‫ليستوثق بذا الرباط من تدد صلته بال ف اليوم الواحد خس مرات بالصلة وف العام‬
‫الواحد ثلثي يوما بصوم رمضان وف العمر كله بج بيت ال وف كل موسم أو ف كل‬
‫عام بإخراج الزكاة ومن هنا قيمة هذه الفرائض التعبدية ف النهج السلمي إنا تديد‬

‫‪128‬‬

‫للعهد مع ال على الرتباط بنهجه الكلي للحياة وهي قرب ل يتجدد معها العزم على‬
‫النهوض بتكاليف هذا النهج الذي ينظم أمر الياة كلها ويتول شئون العمل والنتاج‬
‫والتوزيع والكم بي الناس ف علقاتم وف خلفاتم ويتجدد معها الشعور بعون ال‬
‫ومدده على حل التكاليف الت يتطلبها النهوض بذا النهج الكلي التكامل والتغلب على‬
‫شهوات الناس وعنادهم وانرافهم وأهوائهم حي تقف ف الطريق وليست هذه الشعائر‬
‫التعبدية أمورا منفصلة عن شئون العمل والنتاج والتوزيع والكم والقضاء والهاد لقرار‬
‫منهج ال ف الرض وتقرير سلطانه ف حياة الناس إنا اليان والتقوى والشعائر التعبدية‬
‫شطر النهج العي على أداء شطره الخر وهكذا يكون اليان والتقوى وإقامة منهج ال‬
‫ف الياة العملية سبيل للوفرة والفيض كما بعد ال الناس ف هاتي اليتي الكريتي إن‬
‫التصور السلمي وكذلك النهج السلمي النبثق منه ل يقدم الياة الخرة بديل من‬
‫الياة الدنيا ول العكس إنا يقدمهما معا ف طريق واحد وبهد واحد ولكنهما ل يتمعان‬
‫كذلك ف حياة النسان إل إذا اتبع منهج ال وحده ف الياة دون أن يدخل عليه‬
‫تعديلت مأخوذة من أوضاع أخرى ل تنبثق من منهج ال أو مأخوذة من تصوراته الذاتية‬
‫الت ل تضبط بذا النهج ففي هذا النهج وحده يتم ذلك التناسق الكامل والتصور‬
‫السلمي وكذلك النهج السلمي النبثق منه ل يقدم اليان والعبادة والصلح والتقوى‬
‫بديل من العمل والنتاج والتنمية والتحسي ف واقع الياة الادية وليس هو النهج الذي‬
‫يعد الناس فردوس الخرة ويرسم لم طريقه ; بينما يدع الناس أن يرسوا لنفسهم الطريق‬
‫الؤدي إل فردوس الدنيا كما يتصور بعض السطحيي ف هذا الزمان فالعمل والنتاج‬
‫والتنمية والتحسي ف واقع الياة الدنيا تثل ف التصور السلمي والنهج السلمي فريضة‬
‫اللفة ف الرض واليان والعبادة والصلح والتقوى تثل الرتباطات والضوابط والدوافع‬
‫والوافز لتحقيق النهج ف حياة الناس وهذه وتلك معا هي مؤهلت الفردوس الرضي‬
‫والفردوس الخروي معا ; والطريق هو الطريق ول فصام بي الدين والياة الواقعية الادية‬
‫كما هو واقع ف الوضاع الاهلية القائمة ف الرض كلها اليوم والت منها يقوم ف أوهام‬
‫الواهي أنه ل مفر من أن يتار الناس الدنيا أو يتاروا الخرة ول يمعوا بينهما ف تصور‬
‫أو ف واقع لنما ل تتمعان إن هذا الفصام النكد بي طريق الدنيا وطريق الخرة ف حياة‬

‫‪129‬‬

‫الناس وبي العمل للدنيا والعمل للخرة وبي العبادة الروحية والبداع الادي وبي النجاح‬
‫ف الياة الدنيا والنجاح ف الياة الخرى إن هذا الفصام النكد ليس ضريبة مفروضة على‬
‫البشرية بكم من أحكام القدر التمية إنا هو ضريبة بائسه فرضتها البشرية على نفسها‬
‫وهي تشرد عن منهج ال وتتخذ لنفسها مناهج أخرى من عند أنفسها معادية لنهج ال ف‬
‫الساس والتاه وهي ضريبة يؤديها الناس من دمائهم وأعصابم ف الياة الدنيا فوق ما‬
‫يؤدونه منها ف الخرة وهو أشد وأنكى إنم يؤدونا قلقا وحية وشقاء قلب وبلبلة خاطر‬
‫من جراء خواء قلوبم من طمأنينة اليان وبشاشته وزاده وريه إذا هم آثروا اطراح الدين‬
‫كله على زعم أن هذا هو الطريق الوحيد للعمل والنتاج والعلم والتجربة والنجاح‬
‫الفردي والماعي ف العترك العالي ذلك أنم ف هذه الالة يصارعون فطرتم يصارعون‬
‫الوعة الفطرية إل عقيدة تل القلب ول تطيق الفراغ والواء وهي جوعة ل تلؤها‬
‫مذاهب اجتماعية أو فلسفية أو فنية على الطلق لنا جوعة النعة إل إله وهم يؤدونا‬
‫كذلك قلقا وحيدة وشقاء قلب وبلبلة خاطر إذا هم حاولوا الحتفاظ بعقيدة ف ال‬
‫وحاولوا معها مزاولة الياة ف هذا الجتمع العالي الذي يقوم نظامه كله وتقوم أوضاعة‬
‫وتقوم تصوراته وتقوم وسائل الكسب فيه ووسائل النجاح على غي منهج ال وتتصادم‬
‫فيه العقيدة الدينية واللق الدين والسلوك الدين مع الوضاع والقواني والقيم والوازين‬
‫السائدة ف هذا الجتمع النكود وتعان البشرية كلها ذلك الشقاء سواء اتبعت الذاهب‬
‫الادية اللادية أو الذاهب الادية الت تاول استبقاء الدين عقيدة بعيدة عن نطام الياة‬
‫العملية وتتصور أو يصور لا أعداء البشرية أن الدين ل وأن الياة للناس وأن الدين عقيدة‬
‫وشعور وعبادة وخلق والياة نظام وقانون وإنتاج وعمل وتؤدي البشرية هذه الضريبة‬
‫الفادحة ضريبة الشقاء والقلق والية والواء لنا ل تتدي إل منهج ال الذي ل يفصل‬
‫بي الدنيا والخرة بل يمع ; ول يقيم التناقض والتعارض بي الرخاء ف الدنيا والرخاء ف‬
‫الخرة بل ينسق ول يوز أن تدعنا ظواهر كاذبة ف فترة موقوتة إذ نرى أما ل تؤمن ول‬
‫تتقي ول تقيم منهج ال ف حياتا وهي موفورة اليات كثية النتاج عظيمة الرخاء إنه‬
‫رخاء موقوت حت تفعل السنن الثابتة فعلها الثابت وحت تظهر كل آثار الفصام النكد بي‬
‫البداع الادي والنهج الربان والن تظهر بعض هذه الثار ف صور شت تظهر ف سوء‬

‫‪130‬‬

‫التوزيع ف هذه المم ما يعل الجتمع حافل بالشقاء وحافل بالحقاد وحافل بالخاوف‬
‫من النقلبات التوقعة نتيجة هذه الحقاد الكظيمة وهو بلء على رغم الرخاء وتظهر ف‬
‫الكبت والقمع والوف ف المم الت أرادت أن تضمن نوعا من عدالة التوزيع واتذت‬
‫طريق التحطيم والقمع والرهاب ونشر الوف والذعر لقرار الجراءات الت تأخذ با‬
‫لعادة التوزيع وهو بلء ل يأمن النسان فيه على نفسه ول يطمئن ول يبيت ليلة ف سلم‬
‫وتظهر ف النلل النفسي واللقي الذي يؤدي بدوره إن عاجل أو آجل إل تدمي الياة‬
‫الادية ذاتا فالعمل والنتاج والتوزيع كلها ف حاجة إل ضمانة الخلق والقانون‬
‫الرضي وحده عاجز كل العجز عن تقدي الضمانات لسي العمل كما نرى ف كل مكان‬
‫وتظهر ف القلق العصب والمراض النوعة الت تتاح أمم العال وباصة أشدها رخاء ماديا‬
‫ما يهبط بستوى الذكاء والحتمال ويهبط بعد ذلك بستوى العمل والنتاج وينتهي إل‬
‫تدمي القتصاد الادي والرخاء وهذه الدلئل اليوم واضحة وضوحا كافيا يلفت النظار‬
‫وتظهر ف الوف الذي تعيش فيه البشرية كلها من الدمار العالي التوقع ف كل لظة ; ف‬
‫هذا العال الضطرب ; الذي توم حوله نذر الرب الدمرة وهو خوف يضغط على‬
‫أعصاب الناس من حيث يشعرون أو ل يشعرون ; فيصيبهم بشت المراض العصبية ول‬
‫ينتشر الوت بالسكتة وانفجار الخ والنتحار كما انتشر ف أمم الرخاء وتظهر هذه الثار‬
‫كلها بصورة متقدمة واضحة ف ميل بعض الشعوب إل الندثار والدمار وأظهر المثلة‬
‫الاضرة تتجلى ف الشعب الفرنسي وليس هذا إل مثل للخرين ف فعل الفتراق بي‬
‫النشاط الادي والنهج الربان ; وافتراق الدنيا والخرة وافتراق الدين والياة ; أو اتاذ‬
‫منهج للخرة من عند ال واتاذ منهج للدنيا من عند الناس ; وإيقاع هذا الفصام النكد‬
‫بي منهج ال وحياة الناس وقبل أن ننهي هذا التعليق على التقرير القرآن لتلك القيقة‬
‫الكبية نب أن نؤكد أهية التناسق ف منهج ال بي اليان والتقوى وإقامة النهج ف‬
‫الياة الواقعية للناس وبي العمل والنتاج والنهوض باللفة ف الرض فهذا التناسق هو‬
‫الذي يقق شرط ال لهل الكتاب ولكل جاعة من الناس أن يأكلوا من فوقهم ومن تت‬
‫أرجلهم ف الدنيا وأن تكفر عنهم سيئاتم ويدخلوا جنات النعيم ف الخرة ; وأن يتمع‬
‫لم الفردوس الرضي بالوفرة والكفاية مع السلم والطمأنينة وفردوس الخرة با فيه من‬

‫‪131‬‬

‫نعيم ورضوان ولكننا مع هذا التوكيد ل نب أن ننسى أن القاعدة الول والركيزة‬
‫الساسية هي اليان والتقوى وتقيق النهج الربان ف الياة الواقعية فهذا يتضمن ف ثناياه‬
‫العمل والنتاج والترقية والتطوير للحياة فضل على أن للصلة بال مذاقها الذي يغي كل‬
‫طعوم الياة ; ويرفع كل قيم الياة ; ويقوم كل موازين الياة فهذا هو الصل ف التصور‬
‫السلمي وف النهج السلمي وكل شيء فيه ييء تبعا له ومنبثقا منه ومعتمدا عليه ث‬
‫يتم تام المر كله ف الدنيا والخرة ف تناسق واتساق وينبغي أن نذكر أن اليان والتقوى‬
‫والعبادة والصلة بال وإقامة شريعة ال ف الياة كل أولئك ثرته للنسان وللحياة النسانية‬
‫فال سبحانه غن عن العالي وإذا شدد النهج السلمي ف هذه السس وجعلها مناط‬
‫العمل والنشاط ; ورد كل عمل وكل نشاط ل يقوم عليها وعده باطل ل يقبل وحابطا‬
‫ل يعيش وذاهبا مع الريح فليس هذا لن ال سبحانه يناله شيء من إيان العباد وتقواهم‬
‫وعبادتم له وتقيق منهجه للحياة ولكن لنه سبحانه يعلم أن ل صلح لم ول فلح إل‬
‫بذا النهاج ف الديث القدسي عن أب ذر رضي ال عنه عن النب ص فيما روى عن ربه‬
‫تبارك وتعال أنه قال « يا عبادي إن حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم مرما فل‬
‫تظالوا يا عبادي كلكم ضال إل من هديته فاستهدون أهدكم يا عبادي كلكم جائع إل‬
‫من أطعمته فاستطعمون أطعمكم يا عبادي كلكم عار إل من كسوته فاستكسون‬
‫أكسكم يا عبادي إنكم تطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جيعا فاستغفرون أغفر‬
‫لكم يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضرون ولن تبلغوا نفعي فتنفعون يا عبادي لو أن‬
‫أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك ف‬
‫ملكي شيئا يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل‬
‫واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئا يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم‬
‫قاموا ف صعيد واحد فسألون فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك ما عندي إل‬
‫كما ينقص الخيط إذا أدخل البحر يا عبادي إنا هي أعمالكم أحصيها لكم ث أوفيكم‬
‫إياها فمن وجد خيا فليحمد ال ; ومن وجد غي ذلك فل يلومن إل نفسه » رواه مسلم‬
‫وعلى هذا الساس ينبغي أن ندرك وظيفة اليان والتقوى والعبادة وإقامة منهج ال ف‬
‫الياة والكم بشريعة ال فهي كلها لسابنا نن لساب هذه البشرية ف الدنيا والخرة‬

‫‪132‬‬

‫جيعا وهي كلها ضروريات لصلح هذه البشرية ف الدنيا والخرة جيعا ونسب أننا‬
‫لسنا ف حاجة لن نقول إن هذا الشرط اللي لهل الكتاب غي خاص بأهل الكتاب‬
‫فالشرط لهل الكتاب يتضمن اليان والتقوى وإقامة منهج ال التمثل ف ما أنزل إليهم ف‬
‫التوراة والنيل وما أنزل إليهم من ربم وذلك بطبيعة الال قبل البعثة الخية فأول‬
‫بالشرط الذين أنزل إليهم القرآن أول بالشرط الذين يقولون إنم مسلمون فهؤلء هم‬
‫الذين يتضمن دينهم بالنص اليان با أنزل إليهم وما أنزل من قبل والعمل بكل ما أنزل‬
‫إليهم وما استبقاه ال ف شرعهم من شرع من قبلهم وهم أصحاب الدين الذي ل يقبل‬
‫ال غيه من أحد وقد انتهى إليه كل دين قبله ; ول يعد هناك دين يقبله ال غيه أو يقبل‬
‫من أحد غيه فهؤلء أول أن يكون شرط ال وعهده لم وهؤلء أول أن يرتضوا ما‬
‫ارتضاه ال منهم وأن يستمتعوا با يشرطه ال لم من تكفي السيئات ودخول النة ف‬
‫الخرة ; ومن الكل من فوقهم ومن تت أرجلهم ف الدنيا إنم أول أن يستمتعوا با‬
‫يشرطه ال لم بدل من الوع والرض والوف والشظف الذي يعيشون فيه ف كل أرجاء‬
‫الوطن السلمي أو الذي كان إسلميا بتعبي أصح وشرط ال قائم ; والطريق إليه‬
‫معروف لو كانوا يعقلون الوحدة السادسة الوضوع بيان كفر وانراف وإفساد أهل‬
‫الكتاب مقدمة الوحدة تقرير نوع العلقة بي الماعة السلمة وأهل الكتاب يضي هذا‬
‫الدرس ف بيان حال أهل الكتاب من اليهود والنصارى وكشف النراف فيما يعتقدون‬
‫وكشف السوء فيما يصنعون ; ف تاريهم كله وباصة اليهود كما يضي ف تقرير نوع‬
‫العلقة بنيهم وبي الرسول ص والماعة السلمة ; وواجب الرسول ص ف تعامله معهم‬
‫وواجب السلمي ذلك إل تقرير حقائق أساسية ضخمة ف أصول التصور العتقادي ;‬
‫وف أصول النشاط الركي للجماعة السلمة تاه العتقدات النحرفة وتاه النحرفي لقد‬
‫نادى ال سبحانه الرسول ص وكلفه تبليغ ما أنزل إليه من ربه كل ما أنزل إليه ل يستبقي‬
‫منه شيئا ول يؤخر منه شيئا مراعاة للظروف واللبسات أو تنبا للصطدام بأهواء الناس‬
‫وواقع الجتمع وإن ل يفعل فما يكون قد بلغ ومن هذا الذي كلف الرسول ص تبليغه أن‬
‫يابه أهل الكتاب بأنم ليسوا على شيء حت يقيموا التوراة والنيل وما أنزل إليهم من‬
‫ربم هكذا قاطعة جازمة صرية جاهرة وأن يعلن كذلك كفر اليهود بنقضهم اليثاق‬

‫‪133‬‬

‫وقتلهم النبياء وكفر النصارى بقولم إن ال هو السيح عيسى بن مري وقولم إن ال‬
‫ثالث ثلثة كما يعلن أن السيح عليه السلم أنذر بن إسرائيل عاقبة الشرك وتري ال‬
‫النة على الشركي وأن بن إسرائيل لعنوا على لسان داود وعيسى بن مري بعصيانم‬
‫وعدوانم وينتهي الدرس بكشف موقف أهل الكتاب من مظاهرة الشركي على السلمي‬
‫وإعلن أن هذا ناشيء من عدم إيانم بال والنب وأنم مدعوون إل اليان با جاء به‬
‫ممد ص وإل فما هم بالؤمني ونأخذ بعد هذا الجال ف مواجهة النصوص بالتفصيل‬
‫الدرس الول وجوب التبليغ وبيان الؤمن من الكافر يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من‬
‫ربك وإن ل تفعل فما بلغت رسالته وال يعصمك من الناس إن ال ل يهدي القوم‬
‫الكافرين قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حت تقيموا التوراة والنيل وما أنزل إليكم‬
‫من ربكم وليزيدن كثيا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا فل تأس على القوم‬
‫الكافرين إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بال واليوم الخر‬
‫وعمل صالا فل خوف عليهم ول هم يزنون (الظلل)‬
‫**************************‬
‫وأمر سبحانه وتعال بقتالم حت يؤمنوا أو يعطوا الزية عن يد وهم صاغرون ‪:‬‬
‫قال تعال ‪ { :‬قَاتِلُوا الّذِينَ لَا ُي ْؤمِنُونَ بِاللّ ِه وَلَا بِاْلَي ْومِ الْآَ ِخ ِر وَلَا يُحَ ّرمُونَ مَا حَ ّرمَ اللّ ُه‬
‫ج ْزَيةَ عَ ْن يَ ٍد َوهُمْ‬
‫وَ َرسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَ ّق مِ َن الّذِينَ أُوتُوا الْ ِكتَابَ َحتّى ُيعْطُوا الْ ِ‬
‫صَاغِرُونَ (‪[ )29‬التوبة‪} ]30 ،29/‬‬
‫وقد حدد السياق من هذه الصفات القائمة ‪:‬‬
‫أولً ‪ :‬أنم ل يؤمنون بال ول باليوم الخر ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬أنم ل يرمون ما حرم ال ورسوله ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬أنم ل يدينون دين الق ‪.‬‬
‫ث بي ف اليات التالية كيف أنم ل يؤمنون بال ول باليوم الخر ‪ ،‬ول يرمون ما حرم‬
‫ال ورسوله ول يدينون دين الق ‪.‬‬
‫وذلك بأنم ‪:‬‬

‫‪134‬‬

‫أولً ‪ :‬قالت اليهود عزير ابن ال وقالت النصارى السيح ابن ال؛ وأن هذا القول يضاهئ‬
‫قول الذين كفروا من قبلهم من الوثنيي ‪ .‬فهم مثلهم ف هذا العتقاد الذي ل يعد صاحبه‬
‫مؤمنا بال ول باليوم الخر ‪ ( .‬وسنبي بالضبط كيف أنه ل يؤمن باليوم الخر ) ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬اتذوا أحبارهم ورهبانم أربابا من دون ال ‪ ،‬والسيح ابن مري ‪ .‬وأن هذا مالف‬
‫لدين الق ‪ . .‬وهو الدينونة ل وحده بل شركاء ‪ . .‬فهم بذا مشركون ل يدينون دين‬
‫الق ‪. .‬‬
‫ثالثا ‪ :‬يريدون أن يطفئوا نور ال بأفواههم ‪ .‬فهم ماربون لدين ال ‪ .‬ول يارب دين ال‬
‫مؤمن بال واليوم الخر يدين دين الق أبدا ‪.‬‬
‫رابعا ‪ :‬يأكل كثي من أحبارهم ورهبانم أموال الناس بالباطل ‪ .‬فهم إذن ل يرمون ما‬
‫حرم ال ورسوله ( سواء كان القصود برسوله رسولم أو ممد صلى ال عليه وسلم ) ‪:‬‬
‫وهذه الصفات كلها كانت واقعة بالقياس إل نصارى الشام والروم ‪ .‬كما أنا واقعة‬
‫بالقياس إل غيهم منذ أن حرفت الجامع القدسة دين السيح عليه السلم؛ وقالت ببنوة‬
‫عيسى عليه السلم ‪ ،‬وبتثليث القانيم ‪ -‬على كل ما بي الذاهب والفرق من خلف‬
‫يلتقي كله على التثليث! ‪ -‬على مدار التاريخ حت الن!‬
‫وإذن فهو أمر عام ‪ ،‬يقرر قاعدة مطلقة ف التعامل مع أهل الكتاب ‪ ،‬الذين تنطبق عليهم‬
‫هذه الصفات الت كانت قائمة ف نصارى العرب ونصارى الروم ‪ . .‬ول ينع من هذا‬
‫العموم أن الوامر النبوية استثنت أفرادا وطوائف بأعيانا لتترك بل قتال كالطفال والنساء‬
‫والشيوخ والعجزة والرهبان الذين حبسوا انفسهم ف الديرة ‪ . . .‬بوصفهم غي ماربي‬
‫ فقد منع السلم أن يقاتل غي الحاربي من أية ملة ‪ -‬وهؤلء ل تستثنهم الوامر‬‫النبوية لنم ل يقع منهم اعتداء بالفعل على السلمي ‪ .‬ولكن لنه ليس من شأنم أصلً‬
‫أن يقع منهم العتداء ‪ .‬فل مل لتقييد هذا المر العام بأن القصود به هم الذين وقع منهم‬
‫اعتداء فعلً ‪ -‬كما يقول الهزومون الذين ياولون أن يدفعوا عن السلم التام! ‪-‬‬
‫فالعتداء قائم ابتداء ‪ .‬العتداء على ألوهية ال! والعتداء على العباد بتعبيدهم لغي ال!‬
‫والسلم حي ينطلق للدفاع عن ألوهية ال ‪ -‬سبحانه ‪ -‬والدفاع عن كرامة النسان ف‬

‫‪135‬‬

‫الرض ‪ ،‬ل بد أن تواجهه الاهلية بالقاومة والرب والعداء ‪ . .‬ول مفر من مواجهة‬
‫طبائع الشياء!‬
‫إن هذه الية تأمر السلمي بقتال أهل الكتاب { الذين ل يؤمنون بال ول باليوم الخر }‬
‫‪ . .‬والذي يقول ببنوة عزير ل أو بنوة السيح ل ل يكن أن يقال عنه ‪ :‬إنه يؤمن بال ‪.‬‬
‫وكذلك الذي يقول ‪ :‬إن ال هو السيح ابن مري ‪ .‬أو إن ال ثالث ثلثة ‪ .‬أن إن ال‬
‫تسد ف السيح ‪ . . .‬إل آخر التصورات الكنسية الت صاغتها الجامع القدسة على كل‬
‫ما بينها من خلف! ‪.‬‬
‫والذين يقولون ‪ :‬إنم لن يدخلوا النار إل أياما معدودات مهما ارتكبوا من آثام بسبب‬
‫أنم أبناء ال وأحباؤه وشعب ال الختار ‪ ،‬والذين يقولون ‪ :‬إن كل معصية تغفر بالتاد‬
‫بالسيح وتناول العشاء القدس؛ وأنه ل مغفرة إل عن هذا الطريق! هؤلء وهؤلء ل يقال‬
‫‪ :‬إنم يؤمنون باليوم الخر ‪. .‬‬
‫وهذه الية تصف أهل الكتاب هؤلء بأنم { ل يرمون ما حرم ال ورسوله } ‪ .‬وسواء‬
‫كان القصود بكلمة { رسوله } هو رسولم الذي أرسل إليهم ‪ ،‬أو هو النب ‪ -‬صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ -‬فالفحوى واحدة ‪ .‬ذلك أن اليات التالية فسرت هذا بأنم يأكلون أموال‬
‫الناس بالباطل ‪ .‬وأكل أموال الناس بالباطل مرم ف كل رسالة وعلى يد كل رسول ‪. .‬‬
‫وأقرب النماذج لكل أموال الناس بالباطل هو العاملت الربوية ‪ .‬وهو ما يأخذه رجال‬
‫الكنيسة مقابل « صك الغفران »! وهو الصد عن دين ال والوقوف ف وجهه بالقوة وفتنة‬
‫الؤمني عن دينهم ‪ .‬وهو تعبيد العباد لغي ال وإخضاعهم لحكام وشرائع ل ينلا ال ‪.‬‬
‫‪ .‬فهذا كله ينطبق عليه ‪ { :‬ول يرمون ما حرم ال ورسوله } ‪ . .‬وهذا كله قائم ف‬
‫أهل الكتاب ‪ ،‬كما كان قائما يومذاك!‬
‫كذلك تصفهم الية بأنم { ل يدينون دين الق } ‪ . .‬وهذا واضح ما سبق بيانه ‪ .‬فليس‬
‫بدين الق أي اعتقاد بربوبية أحد مع ال ‪ .‬كما أنه ليس بدين الق التعامل بشريعة غي‬
‫شريعة ال ‪ ،‬وتلقي الحكام من غي ال ‪ ،‬والدينونة لسلطان غي سلطان ال ‪ .‬وهذا كله‬
‫قائم ف أهل الكتاب ‪ ،‬كما كان قائما فيهم يومذاك ‪. .‬‬

‫‪136‬‬

‫والشرط الذي يشترطه النص للكف عن قتالم ليس أن يسلموا ‪ . .‬فل إكراه ف الدين ‪.‬‬
‫ولكن أن يعطوا الزية عن يد وهم صاغرون ‪ . .‬فما حكمة هذا الشرط ‪ ،‬ولاذا كانت‬
‫هذه هي الغاية الت ينتهي عندها القتال؟‬
‫إن أهل الكتاب بصفاتم تلك حرب على دين ال اعتقادا وسلوكا؛ كما أنم حرب على‬
‫الجتمع السلم بكم طبيعة التعارض والتصادم الذاتيي بي منهج ال ومنهج الاهلية‬
‫المثلة ف عقيدة أهل الكتاب وواقعهم ‪ -‬وفق ما تصوره هذه اليات ‪ -‬كما أن الواقع‬
‫التاريي قد أثبت حقيقة التعارض وطبيعة التصادم؛ وعدم إمكان التعايش بي النهجي؛‬
‫وذلك بوقوف أهل الكتاب ف وجه دين ال فعلً ‪ ،‬وإعلن الرب عليه وعلى أهله بل‬
‫هوادة خلل الفترة السابقة لنول هذه الية ( وخلل الفترة اللحقة لا إل اليوم أيضا! )‬
‫‪.‬‬
‫والسلم ‪ -‬بوصفه دين الق الوحيد القائم ف الرض ‪ -‬ل بد أن ينطلق لزالة العوائق‬
‫الادية من وجهه؛ ولتحرير النسان من الدينونة بغي دين الق؛ على أن يدع لكل فرد‬
‫حرية الختيار ‪ ،‬بل إكراه منه ول من تلك العوائق الادية كذلك ‪.‬‬
‫وإذن فإن الوسيلة العملية لضمان إزالة العوائق الادية ‪ ،‬وعدم الكراه على اعتناق السلم‬
‫ف الوقت نفسه ‪ ،‬هي كسر شوكة السلطات القائمة على غي دين الق؛ حت تستسلم؛‬
‫وتعلن استسلمها بقبول إعطاء الزية فعلً ‪.‬‬
‫وعندئذ تتم عملية التحرير فعلً ‪ ،‬بضمان الرية لكل فرد أن يتار دين الق عن اقتناع ‪.‬‬
‫فإن ل يقتنع بقي على عقيدته ‪ ،‬وأعطى الزية ‪ .‬لتحقيق عدة أهداف ‪:‬‬
‫أولا ‪ :‬أن يعلن بإعطائها استسلمه وعدم مقاومته بالقوة الادية للدعوة إل دين ال الق ‪.‬‬
‫وثانيها ‪ :‬أن يساهم ف نفقات الدفاع عن نفسه وماله وعرضه وحرماته الت يكفلها‬
‫السلم لهل الذمة ( الذين يؤدون الزية فيصبحون ف ذمة السلمي وضمانتهم ) ويدفع‬
‫عنها من يريد العتداء عليها من الداخل أو من الارج بالجاهدين من السلمي ‪.‬‬
‫وثالثها ‪ :‬الساهة ف بيت مال السلمي الذي يضمن الكفالة والعاشة لكل عاجز عن‬
‫العمل ‪ ،‬با ف ذلك أهل الذمة ‪ ،‬بل تفرقة بينهم وبي السلمي دافعي الزكاة ‪.‬‬

‫‪137‬‬

‫ول نب أن نستطرد هنا إل اللفات الفقهية حول من تؤخذ منهم الزية ومن ل تؤخذ‬
‫منهم ‪ .‬ول عن مقادير هذه الزية ‪ .‬ول عن طرق ربطها ومواضع هذا الربط ‪ . .‬ذلك أن‬
‫هذه القضية برمتها ليست معروضة علينا اليوم ‪ ،‬كما كانت معروضة علىعهود الفقهاء‬
‫الذين أفتوا فيها واجتهدوا رأيهم ف وقتها ‪.‬‬
‫إنا قضية تعتب اليوم « تاريية » وليست « واقعية » ‪ . .‬إن السلمي اليوم ل ياهدون! ‪.‬‬
‫‪ .‬ذلك أن السلمي اليوم ل يوجدون! ‪ . .‬إن قضية « وجود » السلم ووجود السلمي‬
‫هي الت تتاج اليوم إل علج!‬
‫والنهج السلمي ‪ -‬كما قلنا من قبل مرارا ‪ -‬منهج واقعي جاد؛ يأب أن يناقش القضايا‬
‫العلقة ف الفضاء؛ ويرفض أن يتحول إل مباحث فقهية ل تطبق ف عال الواقع ‪ -‬لن‬
‫الواقع ل يضم متمعا مسلما تكمه شريعة ال ‪ ،‬ويصرّف حياته الفقه السلمي ‪ -‬ويتقر‬
‫الذين يشغلون أنفسهم ويشغلون الناس بثل هذه الباحث ف أقضية ل وجود لا بالفعل؛‬
‫ويسميهم « الرأيتيي » الذين يقولون ‪ « :‬أرأيت لو أن كذا وقع فما هو الكم؟ » ‪.‬‬
‫إن نقطة البدء الن هي نقطة البدء ف أول عهد الناس برسالة السلم ‪ . .‬أن يوجد ف‬
‫بقعة من الرض ناس يدينون دين الق؛ فيشهدوا أن ل إله إل ال وأن ممدا رسول ال ‪.‬‬
‫‪ .‬ومن ث يدينون ل وحده بالاكمية والسلطان والتشريع؛ ويطبقون هذا ف واقع الياة ‪.‬‬
‫‪ .‬ث ياولون أن ينطلقوا ف الرض بذا العلن العام لتحرير النسان ‪ . .‬ويومئذ ‪-‬‬
‫ويومئذ فقط ‪ -‬سيكون هناك مال لتطبيق النصوص القرآنية والحكام السلمية ف مال‬
‫العلقات بي الجتمع السلم وغيه من الجتمعات ‪ . .‬ويومئذ ‪ -‬ويومئذ فقط ‪ -‬يوز‬
‫الدخول ف تلك الباحث الفقهية ‪ ،‬والشتغال بصياغة الحكام ‪ ،‬والتقني للحالت‬
‫الواقعة الت يواجهها السلم بالفعل ‪ ،‬ل ف عال النظريات!‬
‫وإذا كنا قد تعرضنا لتفسي هذه الية ‪ -‬من ناحية الصل والبدأ ‪ -‬فإنا فعلنا هذا لنا‬
‫تتعلق بسألة اعتقادية وترتبط بطبيعة النهج السلمي ‪.‬‬
‫*************************‬
‫وحرم علينا الدعوة إل السلم ونن العلون ‪:‬‬

‫‪138‬‬

‫قال تعال ‪ِ { :‬إ ّن الّذِينَ َكفَرُوا وَصَدّوا عَ ْن َسبِيلِ اللّ ِه ثُ ّم مَاتُوا َوهُمْ ُكفّارٌ فََل ْن َيغْفِرَ اللّ ُه‬
‫َلهُمْ (‪َ )34‬فلَا َت ِهنُوا َوتَدْعُوا إِلَى السّلْ ِم َوَأْنتُمُ اْلَأعَْلوْ َن وَاللّ ُه َمعَكُ ْم وَلَ ْن َيتِرَكُمْ َأعْمَاَلكُمْ (‬
‫‪[ )35‬ممد‪} ]35 ،34/‬‬
‫فالفرصة متاحة فقط للمغفرة ف هذه الدنيا؛ وباب التوبة يظل مفتوحا للكافر والعاصي‬
‫حت يغرغر ‪ .‬فإذا بلغت الروح اللقوم فل توبة ول مغفرة ‪ ،‬فقد ذهبت الفرصة الت ل‬
‫تعود ‪.‬‬
‫ومثل هذه الية ياطب الؤمني كما ياطب الكفار ‪ .‬فأما هؤلء فهي نذارة لم ليتداركوا‬
‫أمرهم ويتوبوا قبل أن تغلق البواب ‪ .‬وأما أولئك فهي تذير لم وتنبيه لتقاء كافة‬
‫السباب الت تقرب بم من هذا الطريق الطر الشؤوم!‬
‫ندرك هذا من ترتيب النهي عن الوهن والدعوة إل السلم ف الية التالية على ما ورد ف‬
‫الية السابقة من بيان لصي الكافرين الشاقي ‪:‬‬
‫{ فل تنوا وتدعوا إل السلم ‪ ،‬وأنتم العلون وال معكم ‪ ،‬ولن يتركم أعمالكم } ‪. .‬‬
‫فهذا هو الذي يذر الؤمني إياه ‪ ،‬ويضع أمامهم مصي الكفار الشاقي للرسول ‪،‬‬
‫ليحذروا شبحه من بعيد!‬
‫وهذا التحذير يشي بوجود أفراد من السلمي كانوا يستثقلون تكاليف الهاد الطويل‬
‫ومشقته الدائمة؛ وتن عزائمهم دونه؛ ويرغبون ف السلم والهادنة ليستريوا من مشقة‬
‫الروب ‪ .‬وربا كان بعضهم ذوي قرابة ف الشركي ورحم ‪ ،‬أو ذوي مصال وأموال؛‬
‫وكان هذا ينح بم إل السلم والهادنة ‪ .‬فالنفس البشرية هي هي؛ والتربية السلمية‬
‫تعال هذا الوهن وهذه الواطر الفطرية بوسائلها ‪ .‬وقد نحت ناحا خارقا ‪ .‬ولكن هذا‬
‫ل ينفي أن تكون هنالك رواسب ف بعض النفوس ‪ ،‬وباصة ف ذلك الوقت البكر من‬
‫العهد الدن ‪ .‬وهذه الية بعض العلج لذه الرواسب ‪ .‬فلننظر كيف كان القرآن يأخذ‬
‫النفوس ‪ .‬فنحن ف حاجة إل تري خطوات القرآن ف التربية ‪ .‬والنفوس هي النفوس ‪:‬‬
‫{ فل تنوا وتدعوا إل السلم ‪ .‬وأنتم العلون ‪ .‬وال معكم ‪ .‬ولن يتركم أعمالكم } ‪. .‬‬
‫أنتم العلون ‪ .‬فل تنوا وتدعوا إل السلم ‪ .‬أنتم العلون اعتقادا وتصورا للحياة ‪ .‬وأنتم‬
‫العلون ارتباطا وصلة بالعلي العلى ‪ .‬وأنتم العلون منهجا وهدفا وغاية ‪ .‬وأنتم‬

‫‪139‬‬

‫العلون شعورا وخلقا وسلوكا ‪ . .‬ث ‪ . .‬أنتم العلون قوة ومكانا ونصرة ‪ .‬فمعكم‬
‫القوة الكبى ‪ { :‬وال معكم } ‪ . .‬فلستم وحدكم ‪ .‬إنكم ف صحبة العلي البار القادر‬
‫القهار ‪ .‬وهو لكم نصي حاضر معكم ‪ .‬يدافع عنكم ‪ .‬فما يكون أعدائكم هؤلء وال‬
‫معكم؟ وكل ما تبذلون ‪ ،‬وكل ما تفعلون ‪ ،‬وكل ما يصيبكم من تضحيات مسوب لكم‬
‫‪ ،‬ل يضيع منه شيء عليكم ‪ { :‬ولن يتركم أعمالكم } ‪ . .‬ولن يقطع منها شيئا ل يصل‬
‫إليكم أثره ونتيجته وجزاؤه ‪.‬‬
‫فعلم يهن ويضعف ويدعو إل السلم ‪ ،‬من يقرر ال ‪ -‬سبحانه ‪ -‬له أنه العلى ‪ .‬وأنه‬
‫معه ‪ .‬وأنه لن يفقد شيئا من عمله ‪ .‬فهو مكرم منصور مأجور؟‬
‫‪----------‬‬‫أضواء البيان ‪( -‬ج ‪ / 7‬ص ‪)449‬‬
‫ل َت ِهنُوا } أي ل تضعفوا وتذلوا ‪ ،‬ومنه قوله تعال ‪َ { :‬فمَا َوهَنُواْ ِلمَآ‬
‫وقوله تعال { َف َ‬
‫أَصَاَبهُمْ فِي َسبِيلِ ال } [ آل عمران ‪. ] 146 :‬‬
‫وقوله تعال ‪ { :‬ذلكم َوأَنّ ال مُوهِنُ َكيْدِ الكافرين } [ النفال ‪ ] 18 :‬أي مضعف‬
‫كيدهم ‪ ،‬وقول زهي بن أب سلمى ‪:‬‬
‫وأخلفتك ابنة البكري ما وعدت ‪ ...‬فأصبح البل منها واهنا خلقا‬
‫وقوله تعال ‪َ { :‬وأَنتُ ُم العلون } جلة حالية فل تضعفوا عن قتال الكفار وتدعوا إل‬
‫السلم ‪ ،‬اي تبدؤوا بطلب السلم أي الصلح والهادنة وأنتم العلون ‪ .‬أي والال أنكم‬
‫انتم العلون أي القهرون والغلبون لعدائكم ‪ ،‬ولنكم ترجون من ال من النصر‬
‫والثواب ما ل يرجون ‪.‬‬
‫وهذا التفسي ف قوله { َوأَنتُمُ العلون } هو الصواب ‪.‬‬
‫وتدل عليه آيات من كتاب ال كقوله تعال بعده { وَاللّ ُه َمعَكُمْ } لن من كان ال معه‬
‫هو العلى وهو الغالب وهو القاهر النصور الوعود بالثواب ‪.‬‬
‫فهو جدير بأن ل يضعف عن مقاومة الكفار ول يبدأهم بطلب الصلح والهادنة ‪.‬‬
‫وكقوله تعال ‪َ { :‬وِإنّ جُن َدنَا َلهُ ُم الغالبون } [ الصافات ‪ ، ] 173 :‬وقله تعال ‪ِ { :‬إنّا‬
‫َلنَنصُرُ ُر ُسَلنَا والذين آ َمنُواْ فِي الياة الدنيا } [ غافر ‪ ] 51 :‬الية ‪ ،‬وقوله { وَكَانَ َحقّا‬

‫‪140‬‬

‫عََلْينَا َنصْ ُر الؤمني } [ الروم ‪ ] 47 :‬وقوله تعال { قَاتِلُوهُ ْم ُيعَ ّذبْهُمُ ال ِبَأيْدِيكُمْ‬
‫َويُخْ ِزهِ ْم َوَيْنصُرْكُ ْم عََلْيهِمْ } [ التوبة ‪ ] 14 :‬الية ‪.‬‬
‫وما يوضح معن آية القتال هذه قوله تعال ‪ { :‬وَ َل َتهِنُواْ فِي ابتغآء القوم إِن َتكُونُواْ‬
‫تَأْلَمُونَ فَِإّنهُ ْم يَأْلَمُونَ كَمَا َتأْلَمو َن َوتَرْجُونَ مِنَ ال مَا َل يَرْجُونَ } [ النساء ‪] 104 :‬‬
‫الية ‪ ،‬لن قوله تعال { َوتَرْجُو َن مِنَ ال مَا َل يَرْجُونَ } من النصر الذي وعدكم ال به‬
‫والغلبة وجزيل الثواب ‪.‬‬
‫وذلك كقوله هنا { َوأَنتُ ُم العلون } وقوله ‪ { :‬وال َم َعكُم } أي بالنصر والعانة‬
‫والثواب ‪.‬‬
‫واعلم أن آية القتال هذه ل تعارض بينها وبي آية النفال حت يقال إن إحداها ناسخة‬
‫للخرى ‪ ،‬بل ها ممتان وكل واحدة منهما منلة على حال غي الال الت نزلت عليه‬
‫الخرى ‪.‬‬
‫ل َت ِهنُوْا وتدعوا إِلَى السلم } إنا هو عن‬
‫فالنهي ف آية القتال هذه ف قوله تعال ‪َ { :‬ف َ‬
‫البتداء بطلب السلم ‪.‬‬
‫والمر بالنوح إل السلم ف آية النفال مله فيما إذا ابتدأ الكفار بطلب السلم والنح‬
‫لا ‪ ،‬كما هو صريح قوله تعال ‪َ { :‬وإِن َجنَحُواْ لِلسّلْمِ فاجنح َلهَا َوَتوَكّلْ عَلَى ال }‬
‫[ النفال ‪ ] 61 :‬الية ‪.‬‬
‫وقوله تعال ف هذه الية الكرية { وال َمعَكُمْ } قد قدمنا اليات الوشحة له ف آخر‬
‫سنُو َن } [‬
‫سورة النحل ف الكلم على قوله تعال { ِإنّ ال مَعَ الذين اتقوا والذين هُم مّحْ ِ‬
‫النحل ‪ ] 128 :‬وهذا الذي ذكرنا ف معن هذه الية أول وأصوب مام فسرها به ابن‬
‫كثي رحه ال ‪.‬‬
‫وهو أن العن ‪ :‬ل تدعوا إل الصلح والهادنية وأنتم العلون أي ف حال قوتكم وقدرتكم‬
‫على الهاد ‪.‬‬
‫أي ‪ ،‬وأما إن كنتم ف ضعف وعدم قوة فل مانع من أن تدعوا إل السلم أي الصلح‬
‫والهادنة ‪ ،‬ومنه قول العباس بن مرداس السلمي ‪:‬‬
‫السلم تأخذ منها ما رضيت به ‪ ...‬والرب تكفيك من أنفساها جرع‬

‫‪141‬‬

‫وقوله تعال ف هذه الية الكرية { وَلَن َيتِرَكُمْ َأعْمَاَلكُمْ } أي لن ينقصكم شيئا من‬
‫ثواب أعمالكم ‪.‬‬
‫وهذا العن الذي تضمنته هذه الية الكرية من عدم نقصه تعال شيئا من ثواب العمال‬
‫جاء موضحا ف آيات أخر كقوله تعال { َوإِن تُطِيعُواْ ال وَ َرسُولَهُ لَ يَِلتْكُ ْم مّنْ َأعْمَاِلكُمْ‬
‫َشيْئا } [ الجرات ‪ ] 14 :‬أي ل ينقصكم من ثوابا شيئا ‪.‬‬
‫ل تُظَْل ُم َن ْفسٌ َشيْئا َوإِن كَا َن ِمْثقَالَ‬
‫وقوله تعال ‪َ { :‬وَنضَ ُع الوازين القسط ِلَي ْومِ القيامة َف َ‬
‫ي } [ النبياء ‪. ] 47 :‬‬
‫َحّب ٍة مّنْ َخرْدَلٍ َأَتْينَا ِبهَا وكفى ِبنَا حَا ِسبِ َ‬
‫واليات بثل ذلك كثية معلومة ‪ ،‬وقد قدمناها مرارا ‪.‬‬
‫وقوله تعال ف هذه الية الكرية { وَلَن َيتِرَكُم } أصله من التواتر ‪ ،‬وهو الفرد ‪.‬‬
‫فأصل قوله ‪ :‬لن يتركم لن يفردكم ويردكم من أعمالكم بل يوفيكم إياها ‪.‬‬
‫***********************‬
‫وحرم أسرهم حت نثخن فيهم ونقضي على قوتم ‪:‬‬
‫خنْتُمُوهُمْ فَشُدّوا اْلوَثَا َ‬
‫ق‬
‫ال تعال ‪ { :‬فَإِذَا َلقِيتُ ُم الّذِينَ َكفَرُوا َفضَرْبَ الرّقَابِ َحتّى إِذَا َأثْ َ‬
‫حرْبُ َأوْزَارَهَا ذَلِكَ وََلوْ يَشَاءُ اللّهُ لَاْنَتصَ َر ِمنْهُ ْم وََلكِنْ‬
‫فَِإمّا َمنّا َبعْ ُد َوِإمّا فِدَاءً َحتّى َتضَ َع الْ َ‬
‫ِليَبُْل َو َب ْعضَكُ ْم ِبَب ْعضٍ وَالّذِينَ ُقتِلُوا فِي َسبِيلِ اللّهِ فَلَ ْن ُيضِلّ َأعْمَاَلهُمْ (‪[ )4‬ممد‪} ]4/‬‬
‫واللقاء القصود ف الية هنا هو اللقاء للحرب والقتال ل مرد اللقاء ‪ .‬فحت نزول هذه‬
‫السورة كان الشركون ف الزيرة منهم الحارب ومنهم العاهد؛ ول تكن بعد قد نزلت‬
‫سورة « براءة » الت تنهي عهود الشركي الحددة الجل إل أجلها ‪ ،‬والطلقة الجل إل‬
‫أربعة أشهر؛ وتأمر بقتل الشركي بعد ذلك أن وجدوا ف أناء الزيرة ‪ -‬قاعدة السلم‬
‫ أو يسلموا ‪ .‬كي تلص القاعدة للسلم ‪.‬‬‫وضرب الرقاب الأمور به عند اللقاء ييء بعد عرض السلم عليهم وإبائهم له طبعا ‪.‬‬
‫وهو تصوير لعملية القتل بصورتا السية الباشرة ‪ ،‬وبالركة الت تثلها ‪ ،‬تشيا مع جو‬
‫السورة وظللا ‪.‬‬
‫{ حت إذآ أثخنتموهم فشدوا الوثاق } ‪. .‬‬

‫‪142‬‬

‫والثخان شدة التقتيل ‪ ،‬حت تتحطم قوة العدو وتتهاوى ‪ ،‬فل تعود به قدرة على هجوم‬
‫أو دفاع ‪ .‬وعندئذ ‪ -‬ل قبله ‪ -‬يؤسر من استأسر ويشد وثاقه ‪ .‬فأما والعدو ما يزال قويا‬
‫فالثخان والتقتيل يكون الدف لتحطيم ذلك الطر ‪.‬‬
‫وعلى هذا ل يكون هناك اختلف ‪ -‬كما رأى معظم الفسرين ‪ -‬بي مدلول هذه الية ‪،‬‬
‫ومدلول آية النفال الت عاتب ال فيها الرسول ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬والسلمي‬
‫لستكثارهم من السرى ف غزوة بدر ‪ .‬والتقتيل كان أول ‪ .‬وذلك حيث يقول تعال ‪:‬‬
‫{ ما كان لنب أن يكون له أسرى حت يثخن ف الرض تريدون عرض الدنيا وال يريد‬
‫الخرة وال عزيز حكيم ‪ .‬لول كتاب من ال سبق لسكم فيما أخذت عذاب عظيم }‬
‫فالثخان أولً لتحطيم قوة العدو وكسر شوكته؛ وبعد ذلك يكون السر ‪.‬‬
‫والكمة ظاهرة ‪ ،‬لن إزالة القوة العتدية العادية للسلم هي الدف الول من القتال ‪.‬‬
‫وباصة حي كانت القوة العددية للمة السلمة قليلة مدودة ‪ .‬وكانت الكثرة للمشركي‬
‫‪ .‬وكان قتل مارب يساوي شيئا كبيا ف ميزان القوى حينذاك ‪ .‬والكم ما يزال ساريا‬
‫ف عمومه ف كل زمان بالصورة الت تكفل تطيم قوة العدو ‪ ،‬وتعجيزه عن الجوم‬
‫والدفاع ‪.‬‬
‫فأما الكم ف السرى بعد ذلك ‪ ،‬فتحدده هذه الية ‪ .‬وهي النص القرآن الوحيد‬
‫التضمن حكم السرى ‪:‬‬
‫{ فإما منّا بعد وإما فداء } ‪. .‬‬
‫أي إما أن يطلق سراحهم بعد ذلك بل مقابل من مال أو من فداء لسرى السلمي ‪ .‬وإما‬
‫أن يطلق مقابل فدية من مال أو عمل ف نظي إطلق سراح السلمي الأسورين ‪.‬‬
‫وليس ف الية حالة ثالثة ‪ .‬كالسترقاق أو القتل ‪ .‬بالنسبة لسرى الشركي ‪.‬‬
‫ولكن الذي حدث فعلً أن رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬واللفاء من بعده‬
‫استرقوا بعض السرى‪ -‬وهو الغالب ‪ -‬وقتلوا بعضهم ف حالت معينة ‪.‬‬
‫ونن ننقل هنا ما ورد حول هذه الية ف كتاب ( أحكام القرآن للمام الصاص‬
‫النفي ) ونعلق على ما نرى التعليق عليه ف ثناياه ‪ .‬قبل أن نقرر الكم الذي نراه ‪:‬‬

‫‪143‬‬

‫* قال ال تعال ‪ { :‬فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب } قال أبو بكر قد اقتضى‬
‫ظاهره وجوب القتل ل غي إل بعد الثخان ‪ .‬وهو نظي قوله تعال ‪ { :‬ما كان لنب أن‬
‫يكون له أسرى حت يثخن ف الرض } ( وهذا صحيح فليس بي النصي خلف ) ‪.‬‬
‫* حدثنا ممد بن جعفر بن ممد بن الكم قال ‪ :‬حدثنا جعفر بن ممد بن اليمان ‪ .‬قال‬
‫‪ :‬حدثنا أبو عبيد قال ‪ :‬حدثنا عبد ال بن صال ‪ ،‬عن معاوية بن صال ‪ ،‬عن علي بن أب‬
‫طلحة ‪ .‬عن ابن عباس ف قوله تعال ‪ { :‬ما كان لنب أن يكون له أسرى حت يثخن ف‬
‫الرض } قال ‪ :‬ذلك يوم بدر والسلمون يومئذ قليل ‪ ،‬فلما كثروا واشتد سلطانم أنزل‬
‫ال تعال بعد هذا ف السارى ‪ { :‬فإما منّا بعد وإما فداء } ‪ . .‬فجعل ال النب والؤمني‬
‫ف السارى باليار ‪ .‬إن شاءوا قتلوهم ‪ ،‬وإن شاءوا استعبدوهم ‪ ،‬وإن شاءوا فادوهم ‪.‬‬
‫شك أبو عبيد ف ‪ . .‬وإن شاءوا استعبدوهم ‪ ( . .‬والستعباد مشكوك ف صدور القول به‬
‫عن ابن عباس فنتركه ‪ .‬وأما جواز القتل فل نرى له سندا ف الية وإنا نصها الن أو‬
‫الفداء ) ‪.‬‬
‫* وحدثنا جعفر بن ممد قال ‪ :‬حدثنا أبو عبيد ‪ ،‬قال ‪ :‬حدثنا أبو مهدي وحجاج ‪،‬‬
‫كلها عن سفيان ‪ .‬قال ‪ :‬سعت السدي يقول ف قوله ‪ { :‬فإما منّا بعد وإما فداء } ‪. .‬‬
‫قال ‪ :‬هي منسوخة ‪ ،‬نسخها قوله ‪ { :‬فاقتلوا الشركي حيث وجدتوهم } قال أبو بكر‬
‫‪ :‬أما قوله ‪ { :‬فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب } ‪ . .‬وقوله ‪ { :‬ما كان لنب أن‬
‫يكون له أسرى حت يثخن ف الرض } ‪ .‬وقوله ‪ { :‬فإما تثقفنّهم ف الرب فشرد بم‬
‫من خلفهم }‬
‫فإنه جائز أن يكون حكما ثابتا غي منسوخ ‪ .‬وذلك لن ال تعال أمر نبيه ‪ -‬صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ -‬بالثخان ف القتل وحظر عليه السر ‪ -‬إل بعد إذلل الشركي وقمعهم ‪-‬‬
‫وكان ذلك وقت قلة عدد السلمي وكثرة عدد عدوهم من الشركي ‪ ،‬فمت أثخن‬
‫الشركون وأذلوا بالقتل والتشريد جاز الستبقاء ‪ .‬فالواجب أن يكون هذا حكما ثابتا إذا‬
‫وجد مثل الال الت كان عليها السلمون ف أول السلم ‪ ( .‬ونقول ‪ :‬إن المر بقتل‬
‫الشركي حيث وجدوا خاص بشركي الزيرة ‪ .‬بينما النص ف سورة ممد عام ‪ .‬فمت‬
‫تقق الثخان ف الرض جاز أخذ السارى ‪ .‬وهذا ما جرى عليه اللفاء بعد رسول ال‬

‫‪144‬‬

‫ صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وبعد نزول سورة براءة بطبيعة الال ‪ ،‬ول يقتلوهم إل ف‬‫حالت معينة سيأت بيانا ) ‪. .‬‬
‫* وأما قوله ‪ { :‬فإما منّا بعد وإما فداء } ‪ . .‬ظاهره يقتضي أحد شيئي ‪ :‬من أو فداء ‪.‬‬
‫وذلك ينفي جواز القتل ‪ .‬وقد اختلف السلف ف ذلك ‪ .‬حدثنا حجاج عن مبارك بن‬
‫فضالة عن السن أنه كره قتل السي ‪ ،‬وقال ‪ :‬م ّن عليه أو فاده ‪ .‬وحدثنا جعفر قال ‪:‬‬
‫حدثنا أبو عبيد قال ‪ :‬أخبنا هشيم ‪ .‬قال ‪ :‬أخبنا أشعث قال ‪ :‬سألت عطاء عن قتل‬
‫السي فقال ‪ :‬م ّن عليه أو فاده قال ‪ :‬وسألت السن ‪ .‬قال ‪ :‬يصنع به ما صنع رسول ال‬
‫ صلى ال عليه وسلم ‪ -‬بأسارى بدر ‪ ،‬ين عليه أو يفادي به ‪ .‬وروي عن ابن عمر أنه‬‫دفع إليه عظيم من عظماء اصطخر ليقتله ‪ ،‬فأب أن يقتله ‪ ،‬وتل قوله ‪ { :‬فإما منّا بعد‬
‫وإما فداء } ‪ . .‬وروي أيضا عن ماهد وممد بن سيين كراهة قتل السي ‪ .‬وقد روينا‬
‫عن السدي أن قوله ‪ { :‬فإما منّا بعد وإما فداء } منسوخ بقوله ‪ { :‬فاقتلوا الشركي‬
‫حيث وجدتوهم } وروي مثله عن ابن جريج ‪ .‬حدثنا جعفر قال ‪ :‬حدثنا أبو عبيد قال ‪:‬‬
‫حدثنا حجاج ‪ ،‬عن ابن جريج ‪ ،‬قال ‪ :‬هي منسوخة ‪ .‬وقال ‪ :‬قتل رسول ال ‪ -‬صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ -‬عقبة ابن أب معيط يوم بدر صبا ‪ ،‬قال أبو بكر ‪ :‬اتفق فقهاء المصار على‬
‫جواز قتل السي ل نعلم بينهم خلفا فيه ‪ ،‬وقد تواترت الخبار عن النب ‪ -‬صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ -‬ف قتله السي ‪ ،‬منها قتله عقبة بن أب معيط ‪ ،‬والنضر بن الارث بعد‬
‫السر يوم بدر ‪ .‬وقتل يوم أحد أبا عزة الشاعر بعدما أسر ‪ .‬وقتل بن قريظة بعد نزولم‬
‫على حكم سعد بن معاذ ‪ ،‬فحكم فيهم بالقتل وسب الذرية ‪ .‬ومنّ على الزبي بن باطا من‬
‫بينهم ‪ ،‬وفتح خيب بعضها صلحا وبعضها عنوة ‪ ،‬وشرط على ابن أب القيق أل يكتم‬
‫شيئا ‪ ،‬فلما ظهر على خيانته وكتمانه قتله ‪ .‬وفتح مكة وأمر بقتل هلل بن خطل ‪،‬‬
‫ومقيس بن حبابة ‪ ،‬وعبد ال بن أب سرح ‪ ،‬وآخرين ‪ ،‬وقال ‪:‬‬
‫« اقتلوهم وإن جدتوهم متعلقي بأستار الكعبة » وم ّن على أهل مكة ول يغنم أموالم ‪.‬‬
‫وروي عن صال ابن كيسان عن ممد بن عبد الرحن عن أبيه عبد الرحن بن عوف ‪ ،‬أنه‬
‫سع أبا بكر الصديق يقول ‪ « :‬وددت أن يوم أتيت بالفجاءة ل أكن أحرقته ‪ ،‬وكنت‬
‫قتلته سريا ‪ ،‬أو أطلقته نيحا » ‪ .‬وعن أب موسى أنه قتل دهقان السوس بعدما أعطاه‬

‫‪145‬‬

‫المان على قوم ساهم ونسي نفسه فلم يدخلها ف المان فقتله ‪ .‬فهذه آثار متواترة عن‬
‫النب ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وعن الصحابة ف جواز قتل السي وف استبقائه ‪ .‬واتفق‬
‫فقهاء المصار على ذلك ‪ ( .‬وجواز القتل ل يؤخذ من الية ‪ ،‬ولكن يؤخذ من عمل‬
‫رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وبعض الصحابة ‪ .‬وتتبع الالت الت وقع فيها القتل‬
‫يعطي أنا حالت خاصة ‪ ،‬وراءها أسباب معينة غي مرد التعرض للقتال والسر ‪ .‬فالنضر‬
‫بن حارث وعقبة بن أب معيط كلها كان له موقف خاص ف إيذاء رسول ال ‪ -‬صلى‬
‫ال عليه وسلم ‪ -‬وإيذاء دعوته ‪ .‬وكذلك أبو عزة الشاعر ‪ ،‬ولبن قريظة كذلك موقف‬
‫خاص بارتضائهم حكم سعد بن معاذ سلفا ‪ .‬وهكذا ند ف جيع الالت أسبابا معينة‬
‫تفرد هذه الالت من الكم العام للسرى الذي تقرره الية ‪ { :‬فإما منّا بعد وإما‬
‫فداء } ) ‪. .‬‬
‫* وإنا اختلفوا ف فدائه ‪ ،‬فقال أصحابنا جيعا ( يعن النفية ) ‪ :‬ل يفادى السي بالال ‪،‬‬
‫ول يباع السب من أهل الرب فيدوا حربا ‪ .‬وقال أبو حنيفة ‪ :‬ل يفادون بأسرى‬
‫السلمي أيضا ‪ ،‬ول يردون حربا أبدا ‪ .‬وقال أبو يوسف وممد ‪ :‬ل بأس أن يفادى‬
‫أسرى السلمي بأسرى الشركي ‪ .‬وهو قول الثوري والوزاعي ‪ ،‬وقال الوزاعي ‪ :‬ل‬
‫بأس ببيع السب من أهل الرب ‪ ،‬ول يباع الرجال إل أن يفادى بم السلمون ‪ .‬وقال‬
‫الزن عن الشافعي ‪ :‬للمام أن ين على الرجال الذين ظهر عليهم أو يفادي بم ‪ ،‬فأما‬
‫الجيزون للفداء بأسرى السلمي وبالال فإنم احتجوا بقوله ‪ { :‬فإما منّا بعد وإما فداء }‬
‫وظاهره يقتضي جوازه بالال وبالسلمي؛ وبأن النب ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬فدى‬
‫أسارى بدر بالال ‪ .‬ويتجون للفداء بالسلمي با روى ابن البارك ‪ ،‬عن معمر ‪ ،‬عن‬
‫أيوب ‪ ،‬عن أب قلبة ‪ ،‬عن أب الهلب ‪ ،‬عن عمران ابن حصي ‪ .‬قال ‪ « :‬أسرت ثقيف‬
‫رجلي من أصحاب النب ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وأسر أصحاب النب ‪ -‬صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ -‬رجلً من بن عامر ابن صعصعة؛ فمر به النب ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وهو‬
‫موثق ‪ ،‬فناداه ‪ ،‬فأقبل إليه رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬فقال ‪ :‬علم أحبس؟ قال‬
‫‪ » :‬بريرة حلفائك « ‪ .‬فقال السي ‪ :‬إن مسلم ‪ ،‬فقال النب ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪: -‬‬
‫» لو قلتها وأنت تلك أمرك لفلحت كل الفلح « ‪ .‬ث مضى رسول ال ‪ -‬صلى ال‬

‫‪146‬‬

‫عليه وسلم ‪ -‬فناداه أيضا ‪ ،‬فأقبل ‪ ،‬فقال ‪ :‬إن جائع فأطعمن ‪ .‬فقال النب ‪ -‬صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ » : -‬هذه حاجتك « ‪ .‬ث إن النب ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬فداه بالرجلي‬
‫اللذين كانت ثقيف أسرتما »‬
‫( وحجة القائلي بالفداء أرجح ف تقديرنا من حجة أصحاب المام الصاص على‬
‫الختلف ف الفداء بالال أو بأسرى السلمي ) ‪.‬‬
‫* وقد ختم المام الصاص القول ف السألة بترجيح رأي أصحابه النفية قال ‪ :‬وأما ما‬
‫ف الية من ذكر الن والفداء ‪ ،‬وما روي ف أسارى بدر فإن ذلك منسوخ بقوله ‪:‬‬
‫{ فاقتلوا الشركي حيث وجدتوهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لم كل مرصد فإن‬
‫تابوا وأقاموا الصلة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم } وقد روينا ذلك عن السدي وابن‬
‫جريج ‪ .‬وقوله تعال ‪ { :‬قاتلوا الذين ل يؤمنون بال ول باليوم الخر } إل قوله ‪:‬‬
‫{ حت يعطوا الزية عن يد وهم صاغرون } فتضمنت اليتان وجوب القتال للكفار حت‬
‫يسلموا أو يؤدوا الزية ‪ .‬والفداء بالال أو بغيه يناف ذلك ‪ .‬ول يتلف أهل التفسي‬
‫ونقلة الثار أن سورة « براءة » بعد سورة « ممد » ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬فوجب‬
‫أن يكون الكم الذكور فيها ناسخا للفداء الذكور ف غيها ‪ ( . .‬وقد سبق القول بأن‬
‫هذا القتل للمشركي ‪ -‬أو السلم ‪ -‬مقصود به مشركو الزيرة فهو حكم خاص بم ‪.‬‬
‫أما غيهم خارجها فتقبل منهم الزية كما تقبل من أهل الكتاب ‪ .‬وقبول الزية عند‬
‫التسليم ل ينفي أن يقع السرى ف أيدي السلمي من قبل التسليم ‪ .‬فهؤلء السرى ما‬
‫الكم فيهم؟ نقول ‪ :‬إنه يوز الن عليهم إذا رأى المام الصلحة ‪ ،‬أو الفداء بم بالال أو‬
‫بالسلمي ‪ ،‬إذا ظل قومهم قوة ل تستسلم بعد ول تقبل الزية ‪ .‬فأما عند الستسلم‬
‫للجزية فالمر منته بطبيعته وهذه حالة أخرى ‪ ،‬فحكم السرى يظل ساريا ف الالة الت‬
‫ل تنته بالزية )‬
‫واللصة الت ننتهي إليها أن هذا النص هو الوحيد التضمن حكم السرى ‪ .‬وسائر‬
‫النصوص تتضمن حالت أخرى غي حالة السر ‪ .‬وأنه هو الصل الدائم للمسألة ‪ .‬وما‬
‫وقع بالفعل خارجا عنه كان لواجهة حالت خاصة وأوضاع وقتية ‪ .‬فقتل بعض السرى‬
‫كان ف حالت فردية يكن أن يكون لا دائما نظائر؛ وقد أخذوا بأعمال سابقة على‬

‫‪147‬‬

‫السر ‪ ،‬ل بجرد خروجهم للقتال ‪ .‬ومثال ذلك أن يقع جاسوس أسيا فيحاكم على‬
‫الاسوسية ل على أنه أسي ‪ .‬وإنا كان السر وسيلة للقبض عليه ‪( .‬الظلل)‬
‫‪00000000000000‬‬
‫إن أهل الكتاب ل يكونوا ينقمون على السلمي ف عهد الرسول صلى ال عليه وسلم‬
‫وهم ل ينقمون اليوم على طلئع البعث السلمي ‪ -‬إل أن هؤلء السلمي يؤمنون بال ;‬
‫وما أنزله ال إليهم من قرآن ; وما صدق عليه قرآنم ما أنزله ال من قبل من كتب أهل‬
‫الكتاب ‪. .‬‬
‫إنم يعادون السلمي لنم مسلمون !‬
‫لنم ليسوا يهودا ول نصارى ‪ .‬ولن أهل الكتاب فاسقون منحرفون عما أنزله ال إليهم‬
‫; وآية فسقهم وانرافهم أنم ل يؤمنون بالرسالة الخية وهي مصدقة لا بي أيديهم ‪ -‬ل‬
‫ما ابتدعوه وحرفوه ‪ -‬ول يؤمنون بالرسول الخي ‪ ,‬وهو مصدق لا بي يديه ; معظم‬
‫لرسل ال أجعي ‪.‬‬
‫إنم ياربون السلمي هذه الرب الشعواء ; الت ل تضع أوزارها قط ‪ ,‬ول يب أوارها‬
‫طوال ألف وأربعمائة عام ; منذ أن قام للمسلمي كيان ف الدينة ; وتيزت لم شخصية ;‬
‫وأصبح لم وجود مستقل ; ناشى ء من دينهم الستقل ‪ ,‬وتصورهم الستقل ‪ ,‬ونظامهم‬
‫الستقل ‪ ,‬ف ظل منهج ال الفريد ‪.‬‬
‫إنم يشنون على السلمي هذه الرب الشبوبة لنم ‪ -‬قبل كل شيء ‪ -‬مسلمون ول‬
‫يكن أن يطفئوا هذه الرب الشبوبة إل أن يردوا السلمي عن دينهم ; فيصبحوا غي‬
‫مسلمي ‪. .‬‬
‫ذلك أن أهل الكتاب أكثرهم فاسقون ; ومن ث ل يبون الستقيمي اللتزمي من السلمي‬
‫!‬
‫وال ‪ -‬سبحانه ‪ -‬يقرر هذه القيقة ف صورة قاطعة ‪ ,‬وهو يقول لرسوله صلى ال عليه‬
‫وسلم ف السورة الخرى‪( :‬ولن ترضى عنك اليهود ول النصارى حت تتبع ملتهم) ‪. .‬‬
‫ويقول له ف هذه السورة أن يواجه أهل الكتاب بقيقة بواعثهم وركيزة موقفهم‪:‬‬
‫(قل‪:‬يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إل أن آمنا بال ; وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل وأن‬
‫أكثركم فاسقون ?) ‪. .‬‬
‫‪148‬‬

‫وهذه القيقة الت يقررها ال سبحانه ف مواضع كثية من كلمه الصادق البي ‪ ,‬هي الت‬
‫يريد تييعها وتلبيسها وتغطيتها وإنكارها اليوم كثيون من أهل الكتاب ‪ ,‬وكثيون من‬
‫يسمون أنفسهم "مسلمي" ‪ . .‬باسم تعاون "التديني" ف وجه الادية واللاد كما‬
‫يقولون !‬
‫أهل الكتاب يريدون اليوم تييع هذه القيقة بل طمسها وتغطيتها ‪ ,‬لنم يريدون خداع‬
‫سكان الوطن السلمي ‪ -‬أو الذي كان إسلميا بتعبي أصح ‪ -‬وتدير الوعي الذي كان‬
‫قد بثه فيهم السلم بنهجه الربان القوي ‪ .‬ذلك أنه حي كان هذا الوعي سليما ل‬
‫يستطع الستعمار الصليب أن يقف للمد السلمي ‪ ,‬فضل على أن يستعمر الوطن‬
‫السلمي ‪. .‬‬
‫ول يكن بد لؤلء ‪ -‬بعد فشلهم ف الروب الصليبية السافرة ‪ ,‬وف حرب التبشي السافرة‬
‫كذلك ‪ -‬أن يسلكوا طريق الداع والتخدير ‪ ,‬فيتظاهروا ويشيعوا بي ورثة السلمي ‪,‬‬
‫أن قضية الدين والرب الدينية قد انتهت ! وأنا كانت مرد فترة تاريية مظلمة عاشتها‬
‫المم جيعا ! ث تنور العال و"تقدم" فلم يعد من الائز ول اللئق ول الستساغ أن يقوم‬
‫الصراع على أساس العقيدة ‪. .‬‬
‫وأنا الصراع اليوم على الادة !‬
‫على الوارد والسواق والستغللت فحسب ! وإذن فما يوز للمسلمي ‪ -‬أو ورثة‬
‫السلمي ‪ -‬أن يفكروا ف الدين ول ف صراع الدين !‬
‫وحي يطمئن أهل الكتاب ‪ -‬وهم الذين يستعمرون أوطان السلمي ‪ -‬إل استنامة هؤلء‬
‫لذا التخدير ;وحي تتميع القضية ف ضمائرهم ; فإن الستعمرين يأمنون غضبة السلمي‬
‫ل ; وللعقيدة ‪ . .‬الغضبة الت ل يقفوا لا يوما ‪ . .‬ويصبح المر سهل بعد التنوي‬
‫والتخدير ‪ . .‬ول يكسبون معركة العقيدة وحدها ‪ .‬بل يكسبون معها ما وراءها من‬
‫السلب والغان والستثمارات والامات ; ويغلبون ف معركة "الادة " بعدما يغلبون ف‬
‫معركة "العقيدة " ‪ . .‬فهما قريب من قريب ‪. .‬‬
‫وعملء أهل الكتاب ف الوطن السلمي ‪ ,‬من يقيمهم الستعمار هنا وهناك علنية أو ف‬
‫خفية ‪ ,‬يقولون القول نفسه ‪. .‬‬

‫‪149‬‬

‫لنم عملء يؤدون الدور من داخل الدود ‪ . .‬وهؤلء يقولون عن "الروب الصليبية "‬
‫ذاتا‪:‬إنا ل تكن "صليبية " !!! ويقولون عن "السلمي" الذين خاضوها تت راية‬
‫العقيدة‪:‬إنم ل يكونوا "مسلمي" وإنا هم كانوا "قوميي" !‬
‫وفريق ثالث مستغفل مدوع ; يناديه أحفاد "الصليبي" ف الغرب الستعمر‪:‬أن تعالوا إلينا‬
‫‪ .‬تعالوا نتمع ف ولء ; لندفع عن "الدين" غائلة "اللحدين" ! فيستجيب هذا الفريق‬
‫الستغفل الخدوع ; ناسيا أن أحفاد الصلييبي هؤلء وقفوا ف كل مرة مع اللحدين ;‬
‫صفا واحدا ‪ ,‬حينما كانت الواجهة للمسلمي ! على مدار القرون ! وما يزالون !‬
‫وأنم ل يعنيهم حرب الادية اللادية قدر ما تعنيهم حرب السلم ‪ ,‬ذلك أنم يعرفون‬
‫جيدا أن اللادية الادية عرض طارى ء وعدو موقوت ; وأن السلم أصل ثابت وعدو‬
‫مقيم ! وإنا هذه الدعوة الموهة لتمييع اليقظة البادئة عند طلئع البعث السلمي ;‬
‫وللنتفاع بهد الستغفلي الخدوعي ‪ -‬ف الوقت ذاته ‪ -‬ليكونوا وقود العركة مع‬
‫اللحدين لنم أعداء الستعمار السياسيون !‬
‫وهؤلء كهؤلء حرب على السلم والسلمي ‪. .‬‬
‫حرب ل عدة فيها للمسلم إل ذلك الوعي الذي يربيه عليه النهج الربان القوي ‪. .‬‬
‫إن هؤلء الذين تدعهم اللعبة أو يتظاهرون بالتصديق ‪ ,‬فيحسبون أهل الكتاب جادين إذ‬
‫يدعونم للتضامن والولء ف دفع اللاد عن "الدين" إنا ينسون واقع التاريخ ف أربعة‬
‫عشر قرنا ‪ -‬ل استثناء فيها ‪ -‬كما ينسون تعليم ربم لم ف هذا المر بالذات ‪ ,‬وهو‬
‫تعليم ل مواربة فيه ‪ ,‬ول مال للحيدة عنه ‪ ,‬وف النفس ثقة بال ويقي بدية ما يقول !‬
‫إن هؤلء يتزئون فيما يقولون ويكتبون باليات القرآنية ‪ ,‬والحاديث النبوية ‪ ,‬الت تأمر‬
‫السلمي أن يسنوا معاملة أهل الكتاب ; وأن يتساموا معهم ف العيشة والسلوك ‪.‬‬
‫ويغفلون التحذيرات الاسة عن موالتم ; والتقريرات الواعية عن بواعثهم ‪ ,‬والتعليمات‬
‫الصرية عن خطة الركة السلمية ‪ ,‬وخطة التنظيم ‪ ,‬الت ترم التناصر والوالة ‪ ,‬لن‬
‫التناصر والوالة ل يكونان عند السلم إل ف شأن الدين وإقامة منهجه ونظامه ف الياة‬
‫الواقعية ‪ ,‬وليست هناك قاعدة مشتركة يلتقي عليها السلم مع أهل الكتاب ف شأن دينه‬
‫‪ -‬مهما يكن هناك من تلق ف أصول هذه الديان مع دينه قبل تريفها ‪ -‬إذ هم ل‬

‫‪150‬‬

‫ينقمون منه إل هذا الدين ‪ ,‬ول يرضون عنه إل بترك هذا الدين ‪ . .‬كما يقول رب‬
‫العالي ‪. .‬‬
‫إن هؤلء من يعلون القرآن عضي ; يزئونه ويزقونه ‪ ,‬فيأخذون منه ما يشاءون ‪ -‬ما‬
‫يوافق دعوتم الغافلة الساذجة على فرض براءتا ‪ -‬ويدعون منه ما ل يتفق مع اتاههم‬
‫الغافل أو الريب !‬
‫ونن نؤثر أن نسمع كلم ال ‪ ,‬ف هذه القضية ‪ ,‬على أن نسمع كلم الخدوعي أو‬
‫الادعي ! وكلم ال ‪ -‬سبحانه ‪ -‬ف هذه القضية حاسم واضح صريح مبي ‪. .‬‬
‫ونقف وقفة قصية ف هذا الوضع عند قوله تعال ‪ -‬بعد تقرير أن سبب النقمة هو اليان‬
‫بال وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل ‪ -‬أن بقية السبب‪:‬‬
‫(وأن أكثركم فاسقون)‬
‫فهذا الفسق هو شطر الباعث ! فالفسق يمل صاحبه على النقمة من الستقيم ‪ . .‬وهي‬
‫قاعدة نفسية واقعية ; تثبتها هذه اللفتة القرآنية العجيبة ‪. .‬‬
‫إن الذي يفسق عن الطريق وينحرف ل يطيق أن يرى الستقيم على النهج اللتزم ‪ . .‬إن‬
‫وجوده يشعره دائما بفسقه وانرافه ‪ .‬إنه يتمثل له شاهدا قائما على فسقه هو وانرافه ‪. .‬‬
‫ومن ث يكرهه وينقم عليه ‪ .‬يكره استقامته وينقم منه التزامه ; ويسعى جاهدا لره إل‬
‫طريقه ; أو للقضاء عليه إذا استعصى قياده !‬
‫إنا قاعدة مطردة ‪ ,‬تتجاوز موقف أهل الكتاب من الماعة السلمة ف الدينة ‪ ,‬إل موقف‬
‫أهل الكتاب عامة من السلمي عامة ‪ .‬إل موقف كل فاسق منحرف من كل عصبة‬
‫ملتزمة مستقيمة ‪ . .‬والرب الشبوبة دائما على اليين ف متمع الشرار ‪ ,‬وعلى‬
‫الستقيمي ف متمع الفاسقي ‪ ,‬وعلى اللتزمي ف متمع النحرفي ‪. .‬‬
‫هذه الرب أمر طبيعي يستند إل هذه القاعدة الت يصورها النص القرآن العجيب ‪. .‬‬
‫ولقد علم ال ‪ -‬سبحانه ‪ -‬أن الي ل بد أن يلقى النقمة من الشر ‪ ,‬وأن الق ل بد أن‬
‫يواجه العداء من الباطل ‪ ,‬وأن الستقامة ل بد أن تثي غيظ الفساق ‪ ,‬وأن اللتزام ل بد‬
‫أن ير حقد النحرفي ‪.‬‬

‫‪151‬‬

‫وعلم ال ‪ -‬سبحانه ‪ -‬أن ل بد للخي والق والستقامة واللتزام أن تدفع عن نفسها وأن‬
‫توض العركة التمية مع الشر والباطل والفسق والنراف ‪ .‬وأنا معركة ل خيار فيها ‪,‬‬
‫ول يلك الق أل يوضها ف وجه الباطل ‪ .‬لن الباطل سيهاجه ‪ ,‬ول يلك الي أن‬
‫يتجنبها لن الشر ل بد سيحاول سحقه ‪. .‬‬
‫وغفلة ‪ -‬أي غفلة ‪ -‬أن يظن أصحاب الق والي والستقامة واللتزام أنم متروكون من‬
‫الباطل والشر والفسق والنراف ; وأنم يلكون تنب العركة ; وأنه يكن أن تقوم هناك‬
‫مصالة أو مهادنة ! وخي لم أن يستعدوا للمعركة الحتومة بالوعي والعدة ; من أن‬
‫يستسلموا للوهم والديعة ‪ . .‬وهم يومئذ مأكولون مأكولون !‬
‫***********************‬
‫لقد بي سبحانه وتعال أنم لن يرضوا عنه ول عنا حت نتبع ملتهم ‪:‬‬
‫قال تعال ‪ { :‬وَلَ ْن تَ ْرضَى َعنْكَ الَْيهُو ُد وَلَا النّصَارَى َحتّى َتتّبِ َع مِّلَتهُمْ ُقلْ إِ ّن هُدَى اللّ ِه ُه َو‬
‫ك مِنَ اللّ ِه مِنْ وَلِ ّي وَلَا َنصِيٍ (‬
‫اْلهُدَى وَلَئِ ِن اّتبَ ْعتَ أَ ْهوَاءَهُ ْم َبعْ َد الّذِي جَا َءكَ مِ َن اْلعِلْ ِم مَا لَ َ‬
‫‪[ )120‬البقرة‪} ]121 ،120/‬‬
‫لقد حذر ال المة السلمة إياه؛ من اليهود ومن النصارى سواء ‪ .‬وإذا كان الواقع التاريي‬
‫قد حفظ لليهود وقفتهم النكدة للسلم منذ اليوم الول الذي دخل فيه السلم عليهم‬
‫الدينة؛ ف صورة كيد ل ينته ول يكف حت اللحظة الاضرة؛ وإذا كان اليهود ل يزالون‬
‫يقودون الملة ضد السلم ف كل أرجاء الرض اليوم ف حقد خبيث وكيد لئيم ‪ . .‬فإن‬
‫هذا الواقع قد حفظ كذلك للنصارى الصليبيي أنم اتذوا من السلم موقف العداء منذ‬
‫واقعة اليموك بي جيش السلمي وجيوش الروم ‪ -‬فيما عدا الالت الت وقع فيها ما‬
‫تصفه اليات الت نن بصددها فاستجابت قلوب للسلم ودخلت فيه ‪ .‬وفيما عدا‬
‫حالت أخرى آثرت فيها طوائف من النصارى أن تتمي بعدل السلم من ظلم طوائف‬
‫أخرى من النصارى كذلك؛ يلقون من ظلمها الوبال! ‪ -‬أما التيار العام الذي يثل موقف‬
‫النصارى جلة فهو تلك الروب الصليبية الت ل يب أوارها قط ‪ -‬إل ف الظاهر ‪ -‬منذ‬
‫التقى السلم والرومان على ضفاف اليموك!‬

‫‪152‬‬

‫لقد تلت أحقاد الصليبية على السلم وأهله ف الروب الصليبية الشهورة طوال قرني‬
‫من الزمان ‪ ،‬كما تلت ف حروب البادة الت شنتها الصليبية على السلم والسلمي ف‬
‫الندلس ‪ ،‬ث ف حلت الستعمار والتبشي على الماليك السلمية ف إفريقية أولً ‪ ،‬ث‬
‫ف العال كله أخيا ‪.‬‬
‫ولقد ظلت الصهيونية العالية والصليبة العالية حليفتي ف حرب السلم ‪ -‬على كل ما‬
‫بينهما من أحقاد ‪ -‬ولكنهم كانوا ف حربم للسلم كما قال عنهم العليم البي ‪:‬‬
‫{ بعضهم أولياء بعض } حت مزقوا دولة اللفة الخية ‪ .‬ث مضوا ف طريقهم ينقضون‬
‫هذا الدين عروة عروة ‪ .‬وبعد أن أجهزوا على عروة « الكم » ها هم أولء ياولون‬
‫الجهاز على عروة « الصلة »!‬
‫ث ها هم أولء يعيدون موقف اليهود القدي مع السلمي والوثنيي ‪ .‬فيؤيدون الوثنية‬
‫حيثما وجدت ضد السلم ‪ .‬عن طريق الساعدات الباشرة تارة ‪ ،‬وعن طريق الؤسسات‬
‫الدولية الت يشرفون عليها تارة أخرى! وليس الصراع بي الند وباكستان على كشمي‬
‫وموقف الصليبية منها ببعيد ‪.‬‬
‫وذلك فوق إقامة واحتضان وكفالة الوضاع الت تتول سحق حركات الحياء والبعث‬
‫السلمية ف كل مكان على وجه الرض ‪ .‬وإلباس القائمي بذه الوضاع أثواب البطولة‬
‫الزائفة ودق الطبول من حولم ‪ ،‬ليستطيعوا الجهاز على السلم ‪ ،‬ف زحة الضجيج‬
‫العالي حول القزام الذين يلبسون أردية البطال!‬
‫‪------------‬‬‫تاريخ أهل الكتاب مع المة السلمية‬
‫لقد استقبل اليهود رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬ودينه ف الدينة شر ما يستقبل‬
‫أهل دين ساوي رسولً يعرفون صدقه ‪ ،‬ودينا يعرفون أنه الق ‪. .‬‬
‫استقبلوه بالدسائس والكاذيب والشبهات والفت يلقونا ف الصف السلم ف الدينة بكافة‬
‫الطرق اللتوية الاكرة الت يتقنها اليهود ‪ . .‬شككوا ف رسالة رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ -‬وهم يعرفونه؛ واحتضنوا النافقي وأمدوهم بالشبهات الت ينشرونا ف الو‬
‫وبالتهم والكاذيب ‪ .‬وما فعلوه ف حادث تويل القبلة ‪ ،‬وما فعلوه ف حادث الفك ‪،‬‬

‫‪153‬‬

‫وما فعلوه ف كل مناسبة ‪ ،‬ليس إل ناذج من هذا الكيد اللئيم ‪ . .‬وف مثل هذه الفاعيل‬
‫كان يتنل القرآن الكري ‪ .‬وسور البقرة وآل عمران والنساء والائدة والشر والحزاب‬
‫والتوبة وغيها تضمنت من هذا الكثي ‪:‬‬
‫{ ولا جاءهم كتاب من عند ال مصدق لا معهم ‪ -‬وكانوا من قبل يستفتحون على‬
‫الذين كفروا ‪ -‬فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ‪ ،‬فلعنة ال على الكافرين ‪ ،‬بئسما اشتروا‬
‫به أنفسهم أن يكفروا با أنزل ال ‪ -‬بغيا أن ينل ال من فضله على من يشاء من عباده ‪-‬‬
‫فباءوا بغضب على غضب ‪ ،‬وللكافرين عذاب مهي } [ البقرة ‪. ] 90 - 89 :‬‬
‫{ ولا جاءهم رسول من عند ال مصدق لا معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب‬
‫كتاب ال وراء ظهورهم كأنم ل يعلمون } [ البقرة ‪. ] 101 :‬‬
‫{ سيقول السفهاء من الناس ‪ :‬ما ولهم عن قبلتهم الت كانوا عليها ‪ .‬قل ‪ :‬ل الشرق‬
‫والغرب يهدي من يشاء إل صراط مستقيم } [ البقرة ‪. ] 142 :‬‬
‫{ يا أهل الكتاب ل تكفرون بآيات ال وأنتم تشهدون ‪ .‬يا أهل الكتاب ل تلبسون الق‬
‫بالباطل وتكتمون الق وأنتم تعلمون؟ } [ آل عمران ‪. ] 71 - 70 :‬‬
‫{ وقالت طائفة من أهل الكتاب ‪ :‬آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا‬
‫آخره لعلهم يرجعون } [ آل عمران ‪. ] 72 :‬‬
‫{ وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ‪،‬‬
‫ويقولون هو من عند ال ‪ ،‬وما هو من عند ال ويقولون على ال الكذب وهم يعلمون }‬
‫[ آل عمران ‪. ] 78 :‬‬
‫{ قل ‪ :‬يا أهل الكتاب ل تكفرون بآيات ال وال شهيد على ما تعملون؟ قل يا أهل‬
‫الكتاب ل تصدون عن سبيل ال من آمن تبغونا عوجا وأنتم شهداء وما ال بغافل عما‬
‫تعملون } [ آل عمران ‪. ] 99 - 98 :‬‬
‫{ يسألك أهل الكتاب أن تنل عليهم كتابا من السماء! فقد سألوا موسى أكب من‬
‫ذلك ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬أرنا ال جهرة ‪ ،‬فأخذتم الصاعقة بظلمهم؛ ث اتذوا العجل من بعد ما‬
‫جاءتم البينات ‪} . . .‬‬
‫[ النساء ‪. ] 153 :‬‬

‫‪154‬‬

‫{ يريدون أن يطفئوا نور ال بأفواههم ‪ ،‬ويأب ال إل أن يتم نوره ولو كره الكافرون } ‪.‬‬
‫‪ [ . .‬التوبة ‪. ] 32 :‬‬
‫كذلك شهد التاريخ نقض اليهود لعهودهم مرة بعد مرة وترشهم بالسلمي ‪ ،‬ما أدى إل‬
‫وقائع بن قينقاع وبن النضي وبن قريظة وخيب ‪ .‬كما شهد تأليب اليهود للمشركي ف‬
‫الحزاب ‪ ،‬ما هو معروف مشهور ‪.‬‬
‫ث تابع اليهود كيدهم للسلم وأهله منذ ذلك التاريخ ‪ . .‬كانوا عناصر أساسية ف إثارة‬
‫الفتنة الكبى الت قتل فيها الليفة الراشد عثمان بن عفان ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬وانتثر بعدها‬
‫شل التجمع السلمي إل حد كبي ‪. .‬‬
‫وكانوا رأس الفتنة فيما وقع بعد ذلك بي علي ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬ومعاوية ‪ . .‬وقادوا‬
‫حلة الوضع ف الديث والسية وروايات التفسي ‪ . .‬وكانوا من المهدين لملة التتار‬
‫على بغداد وتقويض اللفة السلمية ‪. . .‬‬
‫فأما ف التاريخ الديث فهم وراء كل كارثة حلت بالسلمي ف كل مكان على وجه‬
‫الرض؛ وهم وراء كل ماولة لسحق طلئع البعث السلمي؛ وهم حاة كل وضع من‬
‫الوضاع الت تتول هذه الحاولة ف كل أرجاء العال السلمي!‬
‫ذلك شأن اليهود ‪ ،‬فأما شأن الفريق الخر من أهل الكتاب ‪ ،‬فهو ل يقل إصرارا على‬
‫العداوة والرب من شأن اليهود!‬
‫لقد كانت بي الرومان والفرس عداوات عمرها قرون ‪ . .‬ولكن ما إن ظهر السلم ف‬
‫الزيرة؛ وأحست الكنيسة بطورة هذا الدين الق على ما صنعته هي بأيديها وسته «‬
‫السيحية » وهو ركام من الوثنيات القدية ‪ ،‬والضاليل الكنسية ‪ ،‬متلبسا ببقايا من‬
‫كلمات السيح ‪ -‬عليه السلم ‪ -‬وتاريه ‪ . .‬حت رأينا الرومان والفرس ينسون ما بينهم‬
‫من نزاعات تارييه قدية وعداوات وثارات عميقة ‪ ،‬ليواجهوا هذا الدين الديد ‪.‬‬
‫ولقد أخذ الروم يتجمعون ف الشمال هم وعمالم من الغساسنة لينقضوا على هذا الدين ‪.‬‬
‫وذلك بعد أن قتلوا الارث بن عمي الزدي رسول رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪-‬‬
‫إل عامل بصرى من قبل الروم ‪ -‬وكان السلمون يؤمنون الرسل ولكن النصارى غدروا‬
‫برسول النب صلى ال عليه وسلم وقتلوه ‪ -‬ما جعل رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪-‬‬

‫‪155‬‬

‫يبعث بيش المراء الشهداء الثلثة ‪ :‬زيد بن حارثة ‪ ،‬وجعفر بن أب طالب ‪ ،‬وعبد ال بن‬
‫رواحة ف غزوة « مؤتة » فوجدوا تمعا للروم تقول الروايات عنه ‪ :‬إنه مائة ألف من‬
‫الروم ومعه من عملئهم ف الشام من القبائل العربية النصرانية مائة ألف أخرى؛ وكان‬
‫جيش السلمي ل يتجاوز ثلثة آلف مقاتل ‪ .‬وكان ذلك ف جادى الول من السنة‬
‫الثامنة للهجرة ‪.‬‬
‫ث كانت غزوة تبوك‬
‫ث كان جيش أسامة بن زيد الذي أعده رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬قبيل وفاته؛‬
‫ث أنفذه الليفة الراشد أبو بكر ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬إل أطراف الشام؛ لواجهة تلك‬
‫التجمعات الرومانية الت تستهدف القضاء على هذا الدين!‬
‫ث اشتعل مرجل القد الصليب منذ موقعة اليموك الظافرة ‪ ،‬الت أعقبها انطلق السلم‬
‫لتحرير الستعمرات المباطورية الرومانية ف الشام ومصر وشال إفريقية وجزر البحر‬
‫البيض ‪ .‬ث بناء القاعدة السلمية الوطيدة ف الندلس ف النهاية ‪.‬‬
‫إن « الروب الصليبية » العروفة بذا السم ف التاريخ ‪ ،‬ل تكن هي وحدها الت شنتها‬
‫الكنيسة على السلم ‪ ،‬لقد كانت هذه الروب مبكرة قبل هذا الوعد بكثي ‪ . .‬لقد‬
‫بدأت ف القيقة منذ ذلك التاريخ البعيد ‪ . .‬منذ أن نسي الرومان عداواتم مع الفرس؛‬
‫وأخذ النصارى يعينون الفرس ضد السلم ف جنوب الزيرة ‪ .‬ث بعد ذلك ف « مؤتة »‬
‫‪ .‬ث فيما تل موقعة اليموك الظافرة ‪ . .‬ث تلت ضراوتا ووحشيتها ف الندلس عندما‬
‫زحفت الصليبية على القاعدة السلمية ف أوربة ‪ ،‬وارتكبت من الوحشية ف تعذيب‬
‫مليي السلمي وقتلهم هناك ما ل يعرف التاريخ له نظيا من قبل ‪ . .‬وكذلك تلت ف‬
‫الروب الصليبية ف الشرق بثل هذه البشاعة الت ل تتحرج ول تتذمم؛ ول تراعي ف‬
‫السلمي إِلّ ول ذمة ‪.‬‬
‫وما جاء ف كتاب « حضارة العرب » لوستاف لوبون ‪ -‬وهو فرنسي مسيحي ‪: -‬‬
‫« كان أول ما بدأ به ريكاردوس النليزي أنه قتل أمام معسكر السلمي ‪ ،‬ثلث آلف‬
‫أسي سلموا أنفسهم إليه ‪ ،‬بعد أن قطع على نفسه العهد بقن دمائهم ‪ .‬ث أطلق لنفسه‬
‫العنان باقتراف القتل والسلب ‪ ،‬ما أثار صلح الدين اليوب النبيل ‪ ،‬الذي رحم نصارى‬

‫‪156‬‬

‫القدس ‪ ،‬فلم يسهم بأذى ‪ ،‬والذي أمد فيليب وقلب السد بالرطبات والدوية‬
‫والزواد ‪ ،‬أثناء مرضهما » ‪.‬‬
‫كذلك كتب كاتب مسيحي آخر ( اسه يورجا ) يقول ‪:‬‬
‫« ابتدأ الصليبيون سيهم على بيت القدس بأسوأ طالع ‪ ،‬فكان فريق من الجاج‬
‫يسفكون الدماء ف القصور الت استولوا عليها ‪ .‬وقد أسرفوا ف القسوة فكانوا يبقرون‬
‫البطون ‪ .‬ويبحثون عن الدناني ف المعاء! أما صلح الدين ‪ ،‬فلما استرد بيت القدس‬
‫بذل المان للصليبيي ‪ ،‬ووف لم بميع عهوده ‪ ،‬وجاد السلمون على أعدائهم ووطأوهم‬
‫مهاد رأفتهم ‪ ،‬حت أن اللك العادل ‪ ،‬شقيق السلطان ‪ ،‬أطلق ألف رقيق من السرى ‪،‬‬
‫ومنّ على جيع الرمن ‪ ،‬وأذن للبطريرك بمل الصليب وزينة الكنيسة ‪ ،‬وأبيح للميات‬
‫واللكة بزيارة أزواجهن » ‪.‬‬
‫ول يتسع الجال ف الظلل لستعراض ذلك الط الطويل للحروب الصليبية ‪ -‬على مدار‬
‫التاريخ ‪ -‬ولكن يكفي أن نقول ‪ :‬إن هذه الرب ل تضع أوزارها قط من جانب الصليبية‬
‫‪ .‬ويكفي أن نذكر ماذا حدث ف زنبار حديثا ‪ .‬حيث أبيد السلمون فيها عن بكرة‬
‫أبيهم ‪ ،‬فقتل منهم اثنا عشر ألفا وألقي الربعة اللف الباقون ف البحر منفيي من‬
‫الزيرة! ويكفي أن نذكر ماذا وقع ف قبص ‪ ،‬حيث منع الطعام والاء عن الهات الت‬
‫يقطنها بقايا السلمي هناك ليموتوا جوعا وعطشا ‪ ،‬فوق ما سلط عليهم من التقتيل‬
‫والتذبيح والتشريد! ويكفي أن نذكر ما تزاوله البشة ف اريترية وف قلب البشة ‪ ،‬وما‬
‫تزاوله كينيا مع الائة ألف مسلم الذين ينتمون إل أصل صومال ‪ ،‬ويريدون أن ينضموا‬
‫إل قومهم السلمي ف الصومال! ويكفي أن نعلم ماذا تاوله الصليبية ف السودان النوب!‬
‫ويكفي لتصوير نظرة الصليبيي إل السلم أن ننقل فقرة من كتاب لؤلف أورب صدر‬
‫سنة ‪ 1944‬يقول فيه؟‬
‫« لقد كنا نوّف بشعوب متلفة ‪ ،‬ولكننا بعد اختبار ‪ ،‬ل ند مبرا لثل هذا الوف ‪.‬‬
‫لقد كنا نوّف من قبل بالطر اليهودي ‪ ،‬والطر الصفر ‪ ،‬وبالطر البلشفي ‪ .‬إل أن هذا‬
‫التخويف كله ل يتفق كما تيلناه ‪ .‬إننا وجدنا اليهود أصدقاء لنا ‪ ،‬وعلى هذا يكون كل‬
‫مضطهد لم عدونا اللد! ث رأينا أن البلشفة حلفاء لنا ‪ ،‬أما الشعوب الصفراء فهنالك‬

‫‪157‬‬

‫دول ديقراطية كبى تقاومها ‪ .‬ولكن الطر القيقي كامن ف نظام السلم ‪ ،‬وف قوته‬
‫على التوسع والخضاع ‪ ،‬وف حيويته ‪ . .‬إنه الدار الوحيد ف وجه الستعمار الورب «‬
‫ول نستطيع أن نضي أبعد من ذلك ف استعراض تاريخ تلك الرب العاتية الت أعلنتها‬
‫الصليبية على السلم وما تزال ‪. .‬‬
‫********************‬
‫قادة الغرب يقولون دمّروا السلم أبيدوا أهله (‪)2‬‬
‫للستاذ جلل العال‬
‫الطبعة التاسعة وفيها زيادات هامة‬
‫بسم ال الرحن الرحيم‬
‫صرخة‬
‫إل كل ملص ف هذه المة‪:‬‬
‫إل القادة والزعماء ف كل مكانٍ من العال السلمي‪ ،‬والعرب منهم خاصة‪:‬‬
‫أعداؤنا يقولون‪ :‬يب أن ندمّر السلم لنه مصدر القوة الوحيد للمسلمي‪ ،‬لنسيطر‬
‫عليهم ‪ ،‬السلم ييفنا‪ ،‬ومن أجل إبادته نشد كل قوانا‪ ،‬حت ل يبتلعنا ‪..‬‬
‫فماذا تفعلون أنتم أيها القادة والزعماء ؟!!‪..‬‬
‫بالسلم تكتسحون العال – كما يقول علماء العال وسياسيوه – فلماذا تترددون ‪..‬؟!‬
‫خذوه لعزتكم‪ ،‬ل تقاوموه فيهلككم ال بعذابه‪ ،‬ول بد أن ينتصر الؤمنون به … اقرأوا‬
‫إن شئتم حديث رسول ال صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫"تكون نبوة ما شاء ال لا أن تكون ث تنقضي ث تكون خلفة راشدة على منهاج النبوة‬
‫ما شاء ال لا أن تكون ث تنقضى ث يكون ملكا عضوضا (وراثيا) ما شاء ال له أن‬
‫يكون ث ينقضى ‪ ،‬ث تكون جبية (ديكتاتوريات) ما شاء ال لا أن تكون ث تنقضى ‪ ،‬ث‬
‫تكون خلفة راشدة على منهاج النبوة تعم الرض"‪.‬‬
‫أيها السادة والقادة ف دول العال السلمي‪ ،‬والعرب منهم خاصة‪:‬‬
‫كونوا أعوان السلم ل أعداءه ‪ ..‬يرضى ال عنكم‪ ،‬ويرضي الناس عنكم‪ ،‬وتسعدوا ‪..‬‬
‫وتلتف حولكم شعوبكم لتقودوها نو أعظم ثورة عالية عرفها التاريخ‪.‬‬

‫‪158‬‬

‫أيها السادة والقادة‪:‬‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم كان يدعو قريشا لتكون معه‪ ،‬كان َيعِد رجالتا أن يرثوا‬
‫بالسلم الرض‪ ،‬فأب من أب‪ ،‬وماتوا تت أقدام جيوش العدل النصورة الت انساحت ف‬
‫الرض … وخلدهم التاريخ‪ ،‬لكن أين ‪ ...‬ف أقذر مكان منه‪ ،‬يلعنهم الناس إل يوم‬
‫الدين‪ ،‬وعذاب جهنم أشد وأنكى …‬
‫ووعدنا رسول ال أن يعم ديننا الرض‪ ،‬وسيعم بدون شك‪.‬‬
‫فل تكونوا مع من سيكتبهم التاريخ من اللعوني أبد الدهر‪ ،‬بل كونوا مع النصورين‬
‫الالدين‪.‬‬
‫وال غالب على أمره … ولكن أكثر الناس ل يعلمون‪.‬‬
‫طرابلس ف ‪15/8/1974‬‬
‫أنظروا كيف يقدون !!‪..‬‬
‫إن التتبع لتاريخ العلقات ما بي الغرب وشعوب السلم‪ ،‬يلحظ حقدا مريرا يل صدر‬
‫الغرب حت درجة النون‪ ،‬يصاحب هذا القد خوف رهيب من السلم إل أبعد نقطة‬
‫ف النفسية الوروبية‪.‬‬
‫هذا القد‪ ،‬وذلك الوف‪ ،‬ل شأن لنا بما إن كانا مرد إحساس نفسي شخصي‪ ،‬أما إذا‬
‫كانا من أهم العوامل الت تبلور مواقف الضارة الغربية من الشعوب السلمية‪ ،‬سياسيا‪،‬‬
‫واقتصاديا‪ ،‬وحت هذه الساعة‪ ،‬فإن موقفنا يتغي بشكل حاسم‪.‬‬
‫سوف تشهد لنا أقوال قادتم أن للغرب‪ ،‬والضارة الغربية بكل فروعها القومية‪ ،‬وألوانا‬
‫السياسية موقفا تاه السلم ل يتغي‪ ،‬إنا تاول تدمي السلم‪ ،‬وإناء وجود شعوبه دون‬
‫رحة‪.‬‬
‫حاولوا تدمي السلم ف الروب الصليبية الرهيبة ففشلت جيوشهم الت هاجت بلد‬
‫السلم بالليي‪ ،‬فعادوا يططون من جديد لينهضوا ‪ ..‬ث ليعودوا إلينا‪ ،‬بيوش حديثة‪،‬‬
‫وفكر جديد ‪ ..‬وهدفهم تدمي السلم من جديد ‪..‬‬
‫كان جنديهم ينادى بأعلى صوته‪ ،‬حي كان يلبس بذة الرب قادما لستعمار بلد‬
‫السلم‪:‬‬

‫‪159‬‬

‫أماه …‬
‫أتى صلتك ‪ ..‬ل تكب ‪..‬‬
‫بل اضحكي وتأملي ‪..‬‬
‫أنا ذاهب إل طرابلس …‬
‫فرحا مسرورا ‪..‬‬
‫سأبذل دمي ف سبيل سحق المة اللعونة …‬
‫سأحارب الديانة السلمية …‬
‫سأقاتل بكل قوت لمو القرآن …‪ (.‬القومية والغزو الفكري – ص ‪).208‬‬
‫***‬
‫وانتصرت جيوش القد هذه على أمة السلم الت قادها أسوأ قادةٍ عرفهم التاريخ …‬
‫اضطهدوا أمهم حت سحقوها ‪..‬‬
‫انتصرت جيوش الغرب بعد أن ذلل لا هؤلء الكام السبيل …‬
‫فماذا فعلت هذه اليوش؟‪..‬‬
‫استباحت المة كلها‪ ،‬هدمت الساجد‪ ،‬أو حولتها إل كنائس‪ ،‬ث أحرقت مكتبات‬
‫السلمي ‪ ..‬ث أحرقت الشعوب نفسها‪.‬‬
‫لنقرأ ما كتبه كتّابم أنفسهم حول ما فعلوه أو يفعلونه بالسلمي‪ ،‬ولن نستعرض هنا إل‬
‫بعض النماذج فقط ‪ ..‬من أناء متلفة من عالنا السلمي الستباح‪:‬‬
‫‪-1‬ف الندلس ‪:‬‬
‫تقول الدكتورة سيجريد هونكه‪:‬‬
‫ف ‪ 2‬يناير ‪ 1492‬م رفع الكاردينال (دبيدر) الصليب على المراء‪ ،‬القلعة اللكية للسرة‬
‫الناصرية‪ ،‬فكان إعلنا بانتهاء حكم السلمي على أسبانيا‪.‬‬
‫وبانتهاء هذا الكم ضاعت تلك الضارة العظيمة الت بسطت سلطانا على أوربا طوال‬
‫العصور الوسطى‪ ،‬وقد احترمت السيحية النتصرة اتفاقاتا مع السلمي لفترة وجيزة‪ ،‬ث‬
‫باشرت عملية القضاء على السلمي وحضارتم وثقافتهم‪.‬‬

‫‪160‬‬

‫لقد ُحرّم السلم على السلمي‪ ،‬وفرض عليهم تركه‪ ،‬كما ُحرّم عليهم استخدام اللغة‬
‫العربية‪ ،‬والساء العربية‪ ،‬وارتداء اللباس العرب‪ ،‬ومن يالف ذلك كان يرق حيّا بعد أن‬
‫يعذّب أشد العذاب‪ ( .‬القومية– ص ‪) .174‬‬
‫وهكذا انتهى وجود الليي من السلمي ف الندلس فلم يبق ف أسبانيا مسلم واحد يُظهر‬
‫دينه‪.‬‬
‫لكن كيف كانوا يعذبون؟!!‪ ..‬هل سعت بدواوين التفتيش ‪ ..‬إن ل تكن قد سعت فتعال‬
‫أعرفك عليها‪.‬‬
‫بعد مرور أربعة قرون على سقوط الندلس‪ ،‬أرسل نابليون حلته إل أسبانيا وأصدر‬
‫مرسوما سنة ‪ 1808‬م بإلغاء دواوين التفتيش ف الملكة السبانية‪.‬‬
‫تدث أحد الضباط الفرنسيي فقال‪:‬‬
‫"أخذنا حلة لتفتيش أحد الديرة الت سعنا أن فيها ديوان تفتيش‪ ،‬وكادت جهودنا تذهب‬
‫سدى ونن ناول العثور على قاعات التعذيب‪ ،‬إننا فحصنا الدير ومراته وأقبيته كلها‪.‬‬
‫فلم ند شيئا يدل على وجود ديوان للتفتيش‪ .‬فعزمنا على الروج من الدير يائسي‪ ،‬كان‬
‫الرهبان أثناء التفتيش يقسمون ويؤكدون أن ما شاع عن ديرهم ليس إل تما باطلة‪،‬‬
‫وأنشأ زعيمهم يؤكد لنا براءته وبراءة أتباعه بصوت خافت وهو خاشع الرأس‪ ،‬توشك‬
‫عيناه أن تطفر بالدموع‪ ،‬فأعطيت الوامر للجنود بالستعداد لغادرة الدير‪ ،‬لكن اللفتنانت‬
‫"دي ليل" استمهلن قائلً‪ :‬أيسمح ل الكولونيل أن أخبه أن مهمتنا ل تنته حت الن؟!!‪.‬‬
‫قلت له‪ :‬فتشنا الدير كله‪ ،‬ول نكتشف شيئا مريبا‪ .‬فماذا تريد يا لفتنانت؟!‪ ..‬قال‪ :‬إنن‬
‫أرغب أن أفحص أرضية هذه الغرف فإن قلب يدثن بأن السر تتها‪.‬‬
‫عند ذلك نظر الرهبان إلينا نظرات قلقة‪ ،‬فأذنت للضابط بالبحث‪ ،‬فأمر النود أن يرفعوا‬
‫السجاجيد الفاخرة عن الرض‪ ،‬ث أمرهم أن يصبوا الاء بكثرة ف أرض كل غرفة على‬
‫حدة – وكنا نرقب الاء – فإذا بالرض قد ابتلعته ف إحدى الغرف‪ .‬فصفق الضابط "دي‬
‫ليل" من شدة فرحه‪ ،‬وقال ها هو الباب‪ ،‬انظروا‪ ،‬فنظرنا فإذا بالباب قد انكشف‪ ،‬كان‬
‫قطعة من أرض الغرفة‪ ،‬يُفتح بطريقة ماكرة بواسطة حلقة صغية وضعت إل جانب رجل‬
‫مكتب رئيس الدير‪.‬‬

‫‪161‬‬

‫أخذ النود يكسرون الباب بقحوف البنادق‪ ،‬فاصفرت وجوه الرهبان‪ ،‬وعلتها الغبة‪.‬‬
‫وفُتح الباب‪ ،‬فظهر لنا سلم يؤدي إل باطن الرض‪ ،‬فأسرعت إل شعة كبية يزيد طولا‬
‫على متر‪ ،‬كانت تضئ أمام صورة أحد رؤساء ماكم التفتيش السابقي‪ ،‬ولا همت‬
‫بالنول‪ ،‬وضع راهب يسوعى يده على كتفي متلطفا‪ ،‬وقال ل‪ :‬يابن‪ :‬ل تمل هذه‬
‫الشمعة بيدك اللوثة بدم القتال‪ ،‬إنا شعة مقدسة‪.‬‬
‫قلت له‪ ،‬يا هذا إنه ل يليق بيدي أن تتنجس بلمس شعتكم اللطخة بدم البرياء‪ ،‬وسنرى‬
‫من النجس فينا‪ ،‬ومن القاتل السفاك!؟!‪.‬‬
‫وهبطت على درج السلم يتبعن سائر الضباط والنود‪ ،‬شاهرين سيوفهم حت وصلنا إل‬
‫آخر الدرج‪ ،‬فإذا نن ف غرفة كبية مرعبة‪ ،‬وهي عندهم قاعة الحكمة‪ ،‬ف وسطها عمود‬
‫من الرخام‪ ،‬به حلقة حديدية ضخمة‪ ،‬وربطت با سلسل من أجل تقييد الحاكمي با‪.‬‬
‫وأمام هذا العمود كانت الصطبة الت يلس عليها رئيس ديوان التفتيش والقضاة لحاكمة‬
‫البرياء‪ .‬ث توجهنا إل غرف التعذيب وتزيق الجسام البشرية الت امتدت على مسافات‬
‫كبية تت الرض‪.‬‬
‫رأيت فيها ما يستفز نفسي‪ ،‬ويدعون إل القشعريرة والتقزز طوال حيات‪.‬‬
‫رأينا غرفا صغيةً ف حجم جسم النسان‪ ،‬بعضها عمودي وبعضها أفقي‪ ،‬فيبقى سجي‬
‫الغرف العمودية واقفا على رجليه مدة سجنه حت يوت‪ ،‬ويبقى سجي الغرف الفقية‬
‫مدا با حت الوت‪ ،‬وتبقى الثث ف السجن الضيق حت تبلى‪ ،‬ويتساقط اللحم عن‬
‫العظم‪ ،‬وتأكله الديدان‪ ،‬ولتصريف الروائح الكريهة النبعثة من جثث الوتى فتحوا نافذة‬
‫صغية إل الفضاء الارجي‪.‬‬
‫وقد عثرنا ف هذه الغرف على هياكل بشرية ما زالت ف أغللا‪.‬‬
‫كان السجناء رجا ًل ونساءً‪ ،‬تتراوح أعمارهم ما بي الرابعة عشرة والسبعي‪ ،‬وقد استطعنا‬
‫إنقاذ عدد من السجناء الحياء‪ ،‬وتطيم أغللم ‪ ،‬وهم ف الرمق الخي من الياة‪.‬‬
‫كان بعضهم قد أصابه النون من كثرة ما صبوا عليه من عذاب‪ ،‬وكان السجناء جيعا‬
‫عرايا‪ ،‬حت اضطر جنودنا إل أن يلعوا أرديتهم ويستروا با بعض السجناء‪.‬‬

‫‪162‬‬

‫أخرجنا السجناء إل النور تدرييا حت ل تذهب أبصارهم‪ ،‬كانوا يبكون فرحا‪ ،‬وهم‬
‫يقبّلون أيدي النود وأرجلهم الذين أنقذوهم من العذاب الرهيب‪ ،‬وأعادوهم إل الياة‪،‬‬
‫كان مشهدا يبكي الصخور‪.‬‬
‫ث انتقلنا إل غرف أخرى‪ ،‬فرأينا فيها ما تقشعر لوله البدان‪ ،‬عثرنا على آلت رهيبة‬
‫للتعذيب‪ ،‬منها آلت لتكسي العظام‪ ،‬وسحق السم البشري‪ ،‬كانوا يبدؤون بسحق عظام‬
‫الرجل‪ ،‬ث عظام الصدر والرأس واليدين تدرييا‪ ،‬حت يهشم السم كله‪ ،‬ويرج من‬
‫الانب الخر كتلة من العظام السحوقة‪ ،‬والدماء المزوجة باللحم الفروم‪ ،‬هكذا كانوا‬
‫يفعلون بالسجناء البرياء الساكي‪،‬‬
‫ث عثرنا على صندوقٍ ف حجم جسم رأس النسان تاما‪ ،‬يوضع فيه رأس الذي يريدون‬
‫تعذيبه بعد أن يربطوا يديه ورجليه بالسلسل والغلل حت ل يستطيع الركة‪ ،‬وف أعلى‬
‫الصندوق ثقب تتقاطر منه نقط الاء البارد على رأس السكي بانتظام‪ ،‬ف كل دقيقة نقطة‪،‬‬
‫وقد ُج ّن الكثيون من هذا اللون من العذاب‪ ،‬ويبقى العذب على حاله تلك حت يوت‪.‬‬
‫وآلة أخرى للتعذيب على شكل تابوت تثبت فيه سكاكي حادة‪.‬‬
‫كانوا يلقون الشاب العذب ف هذا التابوت‪ ،‬ث يطبقون بابه بسكاكينه وخناجره‪ .‬فإذا‬
‫أغلق مزق جسم العذب السكي‪ ،‬وقطعه إربا إربا‪.‬‬
‫كما عثرنا على آلت كالكلليب تغرز ف لسان العذب ث تشد ليخرج اللسان معها‪،‬‬
‫ليقص قطعة قطعة‪ ،‬وكلليب تغرس ف أثداء النساء وتسحب بعنفٍ حت تتقطع الثداء أو‬
‫تبتر بالسكاكي‪.‬‬
‫وعثرنا على سياط من الديد الشائك يُضرب با العذبون وهم عراة حت تتفتت عظامهم‪،‬‬
‫وتتناثر لومهم( (ماكم التفتيش للدكتور علي مظهر‪ .‬نقل عن كتاب التعصب والتسامح‬
‫للستاذ ممد الغزال‪ .‬صفحات ‪ 318-311‬باختصار‪.).‬‬
‫هذا العذاب كان موجها ضد الطوائف الخالفة من السيحيي فماذا كانوا يفعلون‬
‫بالسلمي؟؟ … أشد وأنكى ل شك‪.‬‬
‫***‬
‫‪ -2‬دواوين التفتيش ف البلد السلمية ‪:‬‬

‫‪163‬‬

‫ويبدو أن دواوين التفتيش هذه قد انتقلت إل بقاع العال السلمي‪ ،‬ليسلطها حكام‬
‫مرمون فجرة على شعوبم‪ .‬فقد ذكر ل شاهد عيان بعض أنواع التعذيب الت كانت‬
‫تنفذ ف أحد البلدان السلمية ضد مموعة من العلماء الجاهدين فقال‪:‬‬
‫بعد يوم من التعذيب الشديد ساقنا الزبانية بالبسياط إل زنزاناتنا‪ ،‬وأمرنا اللدون أن‬
‫نستعد ليوم آخر شديد‪ ..‬صباح اليوم التال أمرنا اللدون أن نرج فورا‪ ،‬كنا نستجمع‬
‫كل قوتنا ف أقدامنا الواهنة هربا من السياط الت كانت تنل علينا من حرس كان عددهم‬
‫أكب منا‪.‬‬
‫وأخيا أوقفونا ف سهل صحراوي‪ ،‬تت أشعة الشمس اللهبة‪ ،‬حول كومةٍ من الفحم‬
‫اليي‪ ،‬كان يعمل الرس جاهدين لشعاله‪ ،‬وقرب النار مصلبة خشبية تستند إل ثلثة‬
‫أرجل‪.‬‬
‫اشتعلت كومة الفحم الجري حت احرت‪ ،‬فجأة سعنا شتائم تأت من بعيد‪ ،‬التفتنا‬
‫فوجدنا خسة من الرس يقودون شابا عرفه بعضنا‪ ،‬كان اسه "جاويد خان إمامي" أحد‬
‫علماء ذلك البلد‪.‬‬
‫امتل الفق بنباح كلب منونة‪ ،‬رأينا عشرة من الرس يقودون كلبي‪ ،‬يبلغ ارتفاع كل‬
‫واحد منهما مترا‪ ،‬علمنا بعد ذلك أنما قد حرما من الطعام منذ يومي‪.‬‬
‫اقترب الرس بالشاب جاويد من كومة النار المراء ‪ ..‬وعيونه مغمضة بزام سيك‪.‬‬
‫كنا نتفرج ‪ ..‬أكثر من مائة سجي‪ ،‬ومعنا أكثر من مائة وخسي من الرس‪ ،‬معهم‬
‫البنادق والرشاشات‪ .‬فجأة اقترب من الشاب جاويد عشرة من الراس‪ ،‬أجلسوه على‬
‫الرض‪ ،‬ووضعوا ف حضنه مثلثا خشبيا‪ ،‬ربطوه إليه ربطا مكما‪ ،‬بيث يبقى قاعدا‪ ،‬ل‬
‫يستطيع أن يتمدد‪ ،‬ث حلوه جيعا‪ ،‬وأجلسوه على المر الحر‪ ،‬فصرخ صرخة هائلة‪ ،‬ث‬
‫أغمى عليه‪.‬‬
‫سقط منا أكثر من نصفنا مغمى عليهم ‪ ..‬كانوا يصرخون متألي ‪ ..‬وعمت رائحة شواء‬
‫لم جاويد النطقة كلها‪ ،‬ومن حسن حظي أنن بكيت بكاء مرا‪ .‬لكنن ل أصب‬
‫بالغماء ‪ ..‬لرى بقية القصة الت هي أفظع من أولا‪.‬‬

‫‪164‬‬

‫حُمل الشاب‪ ،‬وفكت قيوده وهو غائب عن وعيه‪ ،‬وصلب على الصلبة الشبية‪ ،‬وربط با‬
‫بإحكام‪ ،‬واقترب اللدون بالكلبي الائعي‪ ،‬وفكوا القيود عن أفواههما‪ ،‬وتركوها‬
‫يأكلن لم ظهر جاويد الشوى‪ .‬بدأت أشعر بالنيار‪ ،‬وجننت عندما سعت صرخة‬
‫خافتة تصدر عن جاويد ‪ ..‬إنه لزال حيا والكلب تأكل لمه فقدت وعيي بعدها ‪..‬‬
‫ل أفق إل وأنا أصرخ ف زنزانت كالجنون ‪ ..‬دون أن أشعر ‪ ..‬جاويد ‪ ..‬جاويد‪..‬‬
‫أكلتك الكلب يا جاويد ‪ ..‬جاويد … كان إخوان ف الزنزانة قد ربطون وأحاطوا‬
‫رأسي وفمي بالربطة حت ل يسمع اللدون صوت فيكون مصيي كمصي جاويد‪ ،‬أو‬
‫كمصي شاهان خان الذي أصيب بالستييا مثلي‪ ،‬فأصبح يصرخ جاويد ‪ ..‬جاويد ‪..‬‬
‫فأخذه اللدون ووضعوا فوقه نصف برميل ملوء بالرمل‪ ،‬ث سحبوه على السلك‬
‫الشائكة الت ربطوها صفا أفقيا‪ ،‬فمات بعد أن تقطع لمه ألف قطعة‪ ،‬وهو يصرخ‪ :‬ال‬
‫أكب ‪ ..‬ال أكب ‪ ..‬لبد أن ندوسكم أيها الظالون‪.‬‬
‫وأخيا أغمى عليّ‪.‬‬
‫فتحت عيون ‪ ..‬فوجئت أنن ف أحد الشاف ‪ ،‬وفوجئت أكثر من ذلك بسفي بلدي يقف‬
‫فوق رأسي‪ ،‬قال ل‪ :‬كيف حالك ‪ ..‬يبدو أنك ستشفى إن شاء ال‪ .‬لو ل تكن غريبا عن‬
‫هذه البلد لا استطعت إخراجك ‪ ..‬فاجأن سائلً‪ :‬لكن بال عليك‪ ،‬قل ل‪ ،‬من هو هذا‬
‫جاويد الذي كنت تصرخ باسه‪ .‬أخبته بكل شيء‪ ،‬فامتقع لونه حت خشيت أن يغمى‬
‫عليه‪.‬‬
‫ل نكمل حديثنا إل والشرطة تسأل عن ‪ ..‬اقترب من سريري ضابط بوليس‪ ،‬وسلمن‬
‫أمرا بغادرة البلد فورا‪ .‬ول تنجح تدخلت السفي ف ضرورة إبقائي حت أشفى‪ ،‬حلون‬
‫ووضعون ف باخرة أوصلتن إل ميناء بلدي‪ ،‬كنت بثياب الستشفى‪ ،‬ليس معي أي وثيقة‬
‫تثبت شخصيت‪ ،‬اتصلت بأهلي تليفونيا‪ ،‬فلما حضرا ل يعرفون لول وهلة‪ ،‬حلون إل‬
‫أول مستشفى‪ ،‬بقيت فيه ثلثة أشهر ف بكاء مستمر‪ ،‬ث شفان ال …‬
‫وأنى السكي حديث قائلً‪:‬‬
‫بقى أن تعرف أن مدير السجون يهودي‪ ،‬والسؤول عن التعذيب خبي ألان نازي‪،‬‬
‫أطلقت تلك الكومة ف ذلك البلد السلمي يده يفعل ف علماء السلمي كيف يشاء‪.‬‬

‫‪165‬‬

‫***‬
‫‪ -3‬ومن البشة أمثلة أخرى‪:‬‬
‫استولت البشة على أرتييا السلمة بتأييد من فرنسا وانكلترا ‪ ..‬فماذا فعلت فيها؟!!‪..‬‬
‫صادرت معظم أراضيها‪ ،‬وأسلمتها لقطاعيي من البشة‪ ،‬كان القطاعي والكاهن مولي‬
‫بقتل أي مسلم دون الرجوع إل السلطة‪ ،‬فكان القطاعي أو الكاهن يشنق فلحيه أو‬
‫يعذبم ف الوقت الذي يريد …‬
‫فُتحت للفلحي السلمي سجون جاعية رهيبة‪ ،‬يلد فيها الفلحون بسياطٍ تزن أكثر من‬
‫عشر كيلوا غرامات‪ ،‬وبعد إنزال أفظع أنواع العذاب بم كانوا يلقون ف زنزانات بعد أن‬
‫تربط أيديهم بأرجلهم‪ ،‬ويتركون هكذا لعشر سني أو أكثر‪ ،‬عندما كانوا يرجون من‬
‫السجون كانوا ل يستطيعون الوقوف‪ ،‬لن ظهورهم قد أخذت شكل القوس‪.‬‬
‫كل ذلك كان قبل استلم هيلسيلسي السلطة ف البشة‪ ،‬فلما أصبح إمباطور البشة‬
‫وضع خطة لناء السلمي خلل خسة عشر عاما‪ ،‬وتباهى بطته هذه أمام الكونغرس‬
‫المريكى‪.‬‬
‫سن تشريعات لذلل السلمي منها أن عليهم أن يركعوا لوظفى الدولة وإل يقتلوا‪.‬‬
‫أمر أن تستباح دماؤهم لقل سبب‪ ،‬فقد وجد شرطى قتيلً قرب قرية مسلمة‪ ،‬فأرسلت‬
‫الكومة كتيبة كاملة قتلت أهل القرية كلهم وأحرقتهم مع قريتهم‪ ،‬ث تبي أن القاتل هو‬
‫صديق القتول‪ ،‬الذي اعتدى على زوجته حاول أحد العلماء واسه الشيخ عبد القادر أن‬
‫يثور على هذه البادة فجمع الرجال‪ ،‬واختفى ف الغابات‪ ،‬فجمعت الكومة أطفالم‬
‫خ من الشيش والقصب‪ ،‬وسكبت عليهم البنين وأحرقتهم‬
‫ونساءهم وشيوخهم ف أكوا ٍ‬
‫جيعا‪.‬‬
‫ومن قبضت عليه من الثوار كانت تعذبه عذابا رهيبا قبل قتله‪ ،‬من ذلك إطفاء السجائر ف‬
‫عينيه وأذنيه‪ ،‬وهتك عرض بناته وزوجته وأخواته أمام عينيه‪ ،‬ودق خصيتيه بأعقاب‬
‫البنادق ‪ ..‬وجره على السلك الشائكة حت يتفتت‪ ،‬وإلقاؤه جريا قبل أن يوت لتأكله‬
‫اليوانات الارحة‪ ،‬بعد أن تربطه بالسلسل حت ل يقاوم‪.‬‬

‫‪166‬‬

‫أصدر هيلسيلسى أمرا بإغلق مدارس السلمي وأمر بفتح مدارس مسيحية وأجب‬
‫السلمي على إدخال أبنائهم فيها ليصبحوا مسيحيي‪.‬‬
‫عي حُكاما فجرة على مقاطعات أرتييا منهم واحد عينه على مقاطعة جَمَة‪ ،‬ابتدأ عمله‬
‫بأن أصدر أمرا أن ل يقطف الفلحون ثار أراضيهم إل بعد موافقته‪ ،‬وكان ل يسمح‬
‫بقطافها إل بعد أن تتلف‪ ،‬وأخيا صادر ‪ %90‬من الراضي‪ ،‬أخذ هو نصفها وأعطى‬
‫المباطور نصفها‪ .‬ونب جيع متلكات الفلحي السلمي‪..‬‬
‫أمرهم أن يبنوا كنيسة كبى ف القليم فبنوها ‪ ..‬ث أمرهم أن يعمروا كنسية عند مدخل‬
‫كل قرية أو بلدة ول يكتف بذلك بل بن دورا للعاهرات حول الساجد ومعها الانات‬
‫الت كان يسكر فيها النود‪ ،‬ث يدخلون إل الساجد ليبولوا با ويتغوطوا ‪ ،‬ولياقصوا‬
‫العاهرات فيها وهم سكارى ‪.‬‬
‫كما فرض على الفلحي أن يبيعوا أبقارهم لشركة أنكودا اليهودية ‪.‬‬
‫كافأه المباطور على أعماله هذه بأن عينه وزيرا للداخلية ‪.‬‬
‫كانت حكومة المباطور تلحق كل مثقف مسلم‪ .‬لتزجه ف السجن حت الوت‪ ،‬أو‬
‫تبه على مغادرة البلد حت يبقى شعب أرتييا السلم مستعبدا جاهلً‪ .‬وغي ذلك كثي(‬
‫كفاح دين للستاذ ممد الغزال‪ ،‬صفحات ‪.80 - 60‬‬
‫‪ -4‬ومن بنغلديش ‪:‬‬
‫قتل اليش الندي الذي كان يقوده يهود عشرة آلف عالٍ مسلم بعد انتصاره على جيش‬
‫باكستان عام ‪ 1971‬وقتل مائة ألف من طلبة العاهد السلمية ‪ ،‬وموظفي الدولة ‪،‬‬
‫وسجن خسي ألف من العلماء وأساتذة الامعات وقتل ربع مليون مسلم هندي هاجروا‬
‫من الند إل باكستان قبل الرب وسلب اليش الندي ما قيمته ( ‪ ) 30‬مليار روبية من‬
‫باكستان الشرقية الت سقطت من أموال الناس والدولة ( مأسات بنكلديش ( ممد خليل‬
‫ال ) صفحات ‪. ) 23 ، 22 ، 20 ، 19 ، 7 :‬‬
‫ولن نتعرض هنا لشكال التعذيب الت صبها اليش الندي على السلمي العزل ف ما‬
‫دعي بعد ذلك ببنغلديش ‪.‬‬
‫***‬

‫‪167‬‬

‫والمثلة من كل مكان من العال السلمي‪ ،‬يكاد الصدر يتفجر ضيقا من تذكرها ‪..‬‬
‫لكنها بداية اللص إن شاء ال ‪ ..‬إنا سياط اليقظة الت ستُذهب نوم القرون‪ ،‬وتُخرج‬
‫من تت الرض سكان القبور‪.‬‬
‫وما ذلك على ال بعزيز‪.‬‬
‫نتساءل أخيا‪:‬‬
‫هل مواقف الغرب وأتباعه الت رأيناها هي مواقف عاطفية استثنائية ؟!‪..‬‬
‫ل ‪ ..‬إنا مواقف مقررة مسبقا ف فكر الغرب وعقول قادته ‪ ..‬يارسها الغربيون وأتباعهم‬
‫عن تصميم واقتناع كامل‪ ،‬وبإرادة واعية تاما … وعن عمدٍ ‪..‬‬
‫ولاذا ذلك كله … ؟!!…‬
‫هذا ما سنبينه بوضوح ف هذه الدراسة الت سنبنيها على أقوال قادة الغرب فقط ‪ ..‬دون‬
‫أن نُدخل فيها أي اجتهاد أو استنتاج لتسهل الجة‪ ،‬ويظهر الق‪ ،‬ويستني طريق الضللي‬
‫الذين يارسون بأيديهم إبادة مقومات القوة ف أمهم ليسهلوا على العدو الكبي التربص‬
‫التهامها‪.‬‬
‫وما أفظعها من مهمة يارسها العملء ‪ ..‬حي يدمرون أمهم‪ ،‬ث يدفعونا ف فم الغول‬
‫الستعماري البشع … ليلتهمها … فيارب مت ينتبهون … ؟!!‪..‬‬
‫***‬
‫موقف الغرب من السلم‬
‫الروب الصليبية مستمرة‪:‬‬
‫يبن الغرب علقاته معنا على أساس أن الروب الصليبية ل تزال مستمرة بيننا وبينه‪:‬‬
‫‪-1‬فسياسة أمريكا معنا تطط على هذا السس ‪:‬‬
‫يقول أيوجي روستو رئيس قسم التخطيط ف وزارة الارجية المريكية ومساعد وزير‬
‫الارجية المريكية‪ ،‬ومستشار الرئيس جونسون لشؤون الشرق الوسط حت عام‬
‫‪1967‬م يقول‪:‬‬
‫"يب أن ندرك أن اللفات القائمة بيننا وبي الشعوب العربية ليست خلفات بي دول‬
‫أو شعوب‪ ،‬بل هي خلفات بي الضارة السلمية والضارة السيحية"‪ .‬لقد كان‬

‫‪168‬‬

‫الصراع متدما ما بي السيحية والسلم منذ القرون الوسطى‪ ،‬وهو مستمر حت هذه‬
‫اللحظة‪ ،‬بصور متلفة‪ .‬ومنذ قرن ونصف خضع السلم لسيطرة الغرب‪ ،‬وخضع التراث‬
‫السلمي للتراث السيحي ‪.‬‬
‫ويتابع ‪:‬‬
‫إن الظروف التاريية تؤكد أن أمريكا إنا هي جزء مكمل للعال الغرب‪ ،‬فلسفته‪،‬‬
‫وعقيدته‪ ،‬ونظامه‪ ،‬وذلك يعلها تقف معادية للعال الشرقي السلمي‪ ،‬بفلسفته وعقيدته‬
‫التمثلة بالدين السلمي‪ ،‬ول تستطيع أمريكا إل أن تقف هذا الوقف ف الصف العادي‬
‫للسلم وإل جانب العال الغرب والدولة الصهيونية‪ ،‬لنا إن فعلت عكس ذلك فإنا‬
‫تتنكر للغتها وفلسفتها وثقافتها ومؤسساتا‪ .‬إن روستو يدد أن هدف الستعمار ف‬
‫الشرق الوسط هو تدمي الضارة السلمية‪ ،‬وأن قيام إسرائيل‪ ،‬هو جزء من هذا‬
‫الخطط‪ ،‬وأن ذلك ليس إل استمرارا للحروب الصليبية‪ ( .‬معركة الصي – صفحات‬
‫‪) .94-87‬‬
‫‪ -2‬والرب الصليبية الثامنة قادها اللنب ‪:‬‬
‫يقول باترسون سث ف كتابه "حياة السيح الشعبية" باءت الروب الصليبية بالفشل‪ ،‬لكن‬
‫حادثا خطيا وقع بعد ذلك‪ ،‬حينما بعثت انكلترا بملتها الصليبية الثامنة‪ ،‬ففازت هذه‬
‫الرة‪ ،‬إن حلة اللنب على القدس أثناء الرب العالية الول هي الملة الصليبية الثامنة‪،‬‬
‫والخية‪ ( .‬ملة الطليعة القاهرية‪ ،‬مقال وليم سليمان‪ ،‬عدد ديسمب عام ‪– 1966‬‬
‫صفحة ‪).84‬‬
‫لذلك نشرت الصحف البيطانية صور اللنب وكتبت تتها عبارته الشهورة الت قالا‬
‫عندما فتح القدس‪:‬‬
‫اليوم انتهت الروب الصليبية‪.‬‬
‫ونشرت هذه الصحف خبا آخر يبي أن هذا الوقف ليس موقف اللنب وحده بل موقف‬
‫السياسة النكليزية كلها‪ ،‬قالت الصحف ‪:‬‬
‫هنأ لويد جورج وزير الارجية البيطان النرال اللنب ف البلان البيطان‪ ،‬لحرازه النصر‬
‫ف آخر حلة من الروب الصليبية‪ ،‬الت ساها لويد جورج الرب الصليبية الثامنة‪.‬‬

‫‪169‬‬

‫‪ -3‬والفرنسيون أيضا صليبيون‪:‬‬
‫فالنرال غورو عندما تغلب على جيش ميسلون خارج دمشق توجه فورا إل قب صلح‬
‫الدين اليوب عند الامع الموي‪ ،‬وركله بقدمه وقال له‪:‬‬
‫"ها قد عدنا يا صلح الدين"‪ (.‬القومية والغزو الفكري – ص ‪) .84‬‬
‫ويؤكد صليبية الفرنسيي ما قاله مسيو بيدو وزير خارجية فرنسا عندما زاره بعض‬
‫البلانيي الفرنسيي وطلبوا منه وضع حد للمعركة الدائرة ف مراكش أجابم‪:‬‬
‫"إنا معركة بي اللل والصليب"‪ (.‬مأساة مراكش – روم رولند – ص ‪).310‬‬
‫‪ -4‬وحزب الكتائب وشعون يعتبون أن حرب لبنان هي حرب صليبية ‪:‬‬
‫صفحة من جريدة العمل ف خدمة لبنان يشرف على سياستها بيي الميل كما هو‬
‫مكتوب ف الصفحة ‪.‬‬
‫‪ -5‬وقالوا عام ‪1967‬م بعد سقوط القدس‪:‬‬
‫قال راندولف تشرشل‪:‬‬
‫لقد كان إخراج القدس من سيطرة السلم حلم السيحيي واليهود على السواء‪ ،‬إن‬
‫سرور السيحيي ل يقل عن سرور اليهود‪ .‬إن القدس قد خرجت من أيدي السلمي‪ ،‬وقد‬
‫أصدر الكنيست اليهودي ثلثة قرارات بضمها إل القدس اليهودية ولن تعود إل السلمي‬
‫ف أية مفاوضات مقبلة ما بي السلمي واليهود‪ ( .‬راندولف تشرشل‪ ،‬حرب اليام الستة‬
‫– ص ‪ 129‬من الترجة العربية‪).‬‬
‫‪ -6‬والصهاينة أيضا‪:‬‬
‫عندما دخلت قوات إسرائيل القدس عام ‪ 1967‬تمهر النود حول حائط البكى‪،‬‬
‫وأخذوا يهتفون مع موشى دايان‪:‬‬
‫هذا يوم بيوم خيب … يالثارات خيب‪.‬‬
‫وتابعوا هتافهم‪:‬‬
‫حطوا الشمش عالتفاح‪ ،‬دين ممد ول وراح ‪..‬‬
‫وهتفوا أيضا‪:‬‬
‫ممد مات ‪ ..‬خلف بنات ‪..‬‬

‫‪170‬‬

‫كل ذلك دعا الشاعر ممد الفيتورى إل تنظيم قصيدته الرائعة ماطبا نبينا ممدا صلى ال‬
‫عليه وسلم‪:‬‬
‫يا سيدي ‪..‬‬
‫عليك أفضل الصلة والسلم ‪..‬‬
‫من أمة مُضاعة ‪..‬‬
‫تقذفها حضارة الراب والظلم ‪..‬‬
‫يا سيدي … منذ ردمنا البحر بالسدود ‪..‬‬
‫وانتصبت ما بيننا وبينك الدود ‪..‬‬
‫متنا ‪..‬‬
‫وداست فوقنا ماشية اليهود‪ ( ..‬الشعب والرض – ج ‪ -1‬ص ‪ – 34‬ودرس من النكبة‬
‫الثانية – ص ‪.).76‬‬
‫‪ -6‬واستغلت إسرائيل صليبية الغرب ‪:‬‬
‫خرج أعوانا بظاهرات قبل حرب الـ ‪ 1967‬تمل لفتات ف باريس‪ ،‬سار تت هذه‬
‫اللفتات جان بول سارتر‪ ،‬كتبت على هذه اللفتات‪ ،‬وعلى جيع صناديق التبعات‬
‫لسرائيل جلة واحدة من كلمتي‪ ،‬ها‪:‬‬
‫"قاتلوا السلمي"‬
‫فالتهب الماس الصليب الغرب‪ ،‬وتبع الفرنسيون بألف مليون فرنك خلل أربعة أيام‬
‫فقط … كما طبعت إسرائيل بطاقات معايدات كتبت عليها "هزية اللل"‪ .‬بيعت‬
‫بالليي … لتقوية الصهاينة الذين يواصلون رسالة الصليبية الوروبية ف النطقة‪ ،‬وهي‬
‫ماربة السلم وتدمي السلمي ( طريق السلمي إل الثورة الصناعية – ص ‪.).21- 20‬‬
‫***‬
‫الدَار الصلب‬
‫نتساءل هنا‪:‬‬
‫هل يشن الغرب حربا صليبيةً على العال السلمي استجابةً لظروف تاريية التحم فيها‬
‫السلم مع السيحية‪ ،‬وانتزع من السيحية أمها وعواصمها ؟؟‬

‫‪171‬‬

‫أم أن هناك عوامل أخرى تدفع الغرب إل شن حروبه الصليبية ضد عال السلم ؟ …‬
‫يبدو من تصريات قادة الغرب أنم يشنون الرب على السلم لعوامل أخرى …‬
‫إنم يرونه الدار الصلب الذي يقف ف وجه سيطرتم على العال واستغللم له ‪:‬‬
‫‪-1‬فهم يرونه الدار الوحيد أمام الستعمار ‪:‬‬
‫يقول لورنس براون‪:‬‬
‫"إن السلم هو الدار الوحيد ف وجه الستعمار الورب"( التبشي والستعمار – ص‬
‫‪.) .104‬‬
‫ويقول غلدستون رئيس وزراء بريطانيا سابقا ‪:‬‬
‫ما دام هذا القرآن موجودا ف أيدي السلمي فلن تستطيع أوربة السيطرة على الشرق ‪.‬‬
‫( السلم على مفترق الطرق‪ ،‬لحمد أسد – ص ‪).39‬‬
‫ويقول الاكم الفرنسي ف الزائر ف ذكرى مرور مائة سنة على استعمار الزائر‪:‬‬
‫إننا لن ننتصر على الزائريي ما داموا يقرؤون القرآن‪ ،‬ويتكلمون العربية‪ ،‬فيجب أن نزيل‬
‫القرآن العرب من وجودهم‪ ،‬ونقتلع اللسان العرب من ألسنتهم( ( النار – عدد‬
‫‪.).9/11/1962‬‬
‫‪-2‬ويرون أن السلم هو الدار الذي يقف ف وجه انتشار النفوذ الشيوعي ‪:‬‬
‫ف افتتاحية عدد ‪ 22‬أيار عام ‪1952‬من جريدة "كيزيل أوزباخستان" الريدة اليومية‬
‫للحزب الشيوعي الورباخستان ذكر الحرر ما يلي‪:‬‬
‫من الستحيل تثبيت الشيوعية قبل سحق السلم نائيا‪ ( .‬السلم والتنمية القتصادية –‬
‫جاك أوسترى ‪).56 -‬‬
‫‪-3‬ويرون أنه الدار الذي يول دون انتشار السيحية وتكن الستعمار من العال‬
‫السلمي ‪:‬‬
‫يقول أحد البشرين ‪:‬‬
‫إن القوة الكامنة ف السلم هي الت وقفت سدا منيعا ف وجه انتشار السيحية ‪ ،‬وهي‬
‫الت أخضعت البلد الت كانت خاضعة للنصرانية( جذور البلء – ص ‪.).201‬‬
‫ويقول أشعياء بومان ف مقالة نشرها ف ملة العال السلمي التبشيية‪:‬‬

‫‪172‬‬

‫ل يتفق قط أن شعبا مسيحيا دخل ف السلم ث عاد نصرانيا‪( .‬التبشي والستعمار‬
‫للخالدين وفورخ – ص ‪ – 131‬الطبعة الرابعة‪) .‬‬
‫‪-4‬ويرون أن السلم هو الطر الوحيد أمام استقرار الصهيونية وإسرائيل ‪:‬‬
‫يقول بن غوريون‪ ،‬رئيس وزراء إسرائيل سابقا ‪:‬‬
‫إن أخشى ما نشاه أن يظهر ف العال العرب ممد جديد‪( ( .‬جريدة الكفاح السلمي‬
‫لعام ‪ – 1955‬عدد السبوع الثان من نيسان‪).‬‬
‫وحدّث ضابط عرب كبي وقع أسيا ف أيدي اليهود عام ‪ 1948‬أن قائد اليش اليهودي‬
‫دعاه إل مكتبه قبيل إطلق سراحه‪ ،‬وتلطف معه ف الديث‪.‬‬
‫سأله الضابط الصري ‪ :‬هل أستطيع أن أسأل لاذا ل تاجوا قرية صور باهر ؟‪0‬‬
‫وصور باهر قرية قريبة من القدس‪.‬‬
‫أطرق القائد السرائيلي إطراقة طويلة ث قال‪ :‬أجيبك بصراحة‪ ،‬إننا ل ناجم صور باهر‬
‫لن فيها قوة كبية من التطوعي السلمي التعصبي‪.‬‬
‫دهش الضابط الصرى‪ ،‬وسأل فورا‪ :‬وماذا ف ذلك‪ ،‬لقد هجمتم على مواقع أخرى فيها‬
‫قوات أكثر ‪ ..‬وف ظروف أصعب ؟!‪.‬‬
‫أجابه القائد الٍسرائيلي‪ :‬إن ما تقوله صحيح‪ ،‬لكننا وجدنا أن هؤلء التطوعي من‬
‫السلمي التعصبي يتلفون عن غيهم من القاتلي النظاميي‪ ،‬يتلفون تاما‪ ،‬فالقتال‬
‫عندهم ليس وظيفة يارسونا وفق الوامر الصادرة إليهم‪ ،‬بل هو هواية يندفعون إليها‬
‫بماس وشغف جنون‪ ،‬وهم ف ذلك يشبهون جنودنا الذين يقاتلون عن عقيدة راسخة‬
‫لماية إسرائيل‪.‬‬
‫ولكن هناك فارقا عظيما بي جنودنا وهؤلء التطوعي السلمي‪ .‬إن جنودنا يقاتلون‬
‫لتأسيس وطن يعيشون فيه‪ ،‬أما النود التطوعون من السلمي فهم يقاتلون ليموتوا‪ ،‬إنم‬
‫يطلبون الوت بشغف أقرب إل النون‪ ،‬ويندفعون إليه كأنم الشياطي‪ ،‬إن الجوم على‬
‫أمثال هؤلء ماطرة كبية‪ ،‬يشبه الجوم على غابة ملوءة بالوحوش‪ ،‬ونن ل نب مثل‬
‫هذه الغامرة الخيفة‪ ،‬ث إن الجوم عليهم قد يثي علينا الناطق الخرى فيعملون مثل‬
‫عملهم‪ ،‬فيفسدوا علينا كل شيء‪ ،‬ويتحقق لم ما يريدون‪.‬‬

‫‪173‬‬

‫دهش الضابط الصرى لجابة القائد السرئيلي‪ ،‬لكنه تابع سؤاله ليعرف منه السبب‬
‫القيقي الذي ييف اليهود من هؤلء التطوعي السلمي‪.‬‬
‫قال له‪ :‬قل ل برأيك الصريح‪ ،‬ما الذي أصاب هؤلء حت أحبوا الوت‪ ،‬وتولوا إل قوة‬
‫ماردة تتحدى كل شي ٍء معقول؟!!‪.‬‬
‫أجابه السرائيلي بعفوية‪ :‬إنه الدين السلمي يا سيادة الضابط‪ .‬ث تلعثم‪ ،‬وحاول أن يفى‬
‫إجابته‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫إن هؤلء ل تتح لم الفرصة كما أتيحت لك‪ ،‬كي يدرسوا المور دراسة واعية تفتح‬
‫عيونم على حقائق الياة‪ ،‬وتررهم من الرافة وشعوذات التاجرين بالدين‪ ،‬إنم ل‬
‫يزالون ضحايا تعساء لوعد السلم لم بالنة الت تنتظرهم بعد الوت‪.‬‬
‫وتابع مسترسلً‪ :‬إن هؤلء التعصبي من السلمي هم عقدة العقد ف طريق السلم الذي‬
‫يب أن نتعاون عليه وهم الطر الكبي على كل جهد يبذل لقامة علقات سليمة واعية‬
‫بيننا وبينكم‪.‬‬
‫وتابع مستدركا‪ ،‬وكأنه يستفز الضابط الصرى ضد هؤلء السلمي‪ ،‬تصور يا سيدي أن‬
‫خطر هؤلء ليس مقتصرا علينا وحدنا‪ ،‬بل هو خطر عليكم أنتم أيضا‪ .‬إذ أن أوضاع‬
‫بلدكم لن تستقر حت يزول هؤلء‪ ،‬وتنقطع صرخاتم النادية بالهاد والستشهاد ف‬
‫سبيل ال‪ ،‬هذا النطق الذي يالف رقى القرن العشرين‪ ،‬قرن العلم وهيئة المم والرأي‬
‫العام العالي‪ ،‬وحقوق النسان‪.‬‬
‫واختتم القائد السرائيلي حديثه بقوله‪:‬‬
‫يا سيادة الضابط‪ ،‬أنا سعيد بلقائك‪ ،‬وسعيد بذا الديث الصريح معك‪ ،‬وأتن أن نلتقى‬
‫لقاءً قادما‪ ،‬لنتعاون ف جو أخوى ل يعكره علينا التعصبون من السلمي الهووسي‬
‫بالهاد وحب الستشهاد ف سبيل ال‪ ( .‬ملة السلمي – العدد الول من الجلد الثامن‬
‫– شهر توز عام ‪ ،1963‬مع بعض الختصار با يناسب القام‪ ،‬مع رجائنا عفو الكاتب‬
‫وإخوانه‪).‬‬
‫‪-5‬ويرون أن بقاء اسرائيل مرهون بازالة التمسكي بالسلم ‪:‬‬

‫‪174‬‬

‫يقول الكاتب الصهيون (( إيرل بوغر )) ف كتابه العهد والسيف الذي صدر عام‬
‫‪ 1965‬ما نصه بالرف ‪:‬‬
‫(( ان البدأ الذي قام عليه وجود اسرائيل منذ البداية هو أن العرب ل بد أن يبادروا ذات‬
‫يوم إل التعاون معها ‪ ،‬ولكي يصبح هذا التعاون مكنا فيجب القضاء على جيع العناصر‬
‫الت تغذي شعور العداء ضد اسرائيل ف العال العرب ‪ ،‬وهي عناصر رجعية تتمثل ف رجال‬
‫الدين والشائخ ( السلم ف معترك الاضري ص ‪ ( 28‬عمر باء الدين الميي – طبعة‬
‫دار الفتح ‪ ،‬بيوت عام ‪. ). 1968‬‬
‫‪ -6‬ويقول اسحاق رابي غداة فوز جيمي كارتر برئاسة الوليات التحدة ‪ ،‬ونقلت قوله‬
‫جيع وكالت النباء ‪:‬‬
‫ان مشكلة الشعب اليهودي هي أن الدين السلمي ما زال ف دور العدوان والتوسع ‪،‬‬
‫وليس مستعدا لواجهة الول وان وقتا طويل سيمضي قبل أن يترك السلم سيفه ( العدد‬
‫( ‪ ) 324‬من ملة الجتمع الكويتية ‪ 9 /‬نوفمب ‪. ). 1976‬‬
‫***‬
‫العدو الوحيد‬
‫إنم ل يرون السلم جدارا ف وجه مطامعهم فقط‪ ،‬بل يعتقدون جازمي أنه الطر‬
‫الوحيد عليهم ف بلدهم‪.‬‬
‫‪-1‬يقول لورانس براون ‪:‬‬
‫كان قادتنا يوفننا بشعوب متلفة‪ ،‬لكننا بعد الختبار ل ند مبرا لثل تلك الخاوف‪.‬‬
‫كانوا يوفنا بالطر اليهودي‪ ،‬والطر اليابان الصفر‪ ،‬والطر البلشفي‪.‬‬
‫لكنه تبي لنا أن اليهود هم أصدقاؤنا‪ ،‬والبلشفة الشيوعيون حلفاؤنا‪ ،‬أما اليابانيون‪ ،‬فإن‬
‫هناك دولً ديقراطية كبية تتكفل بقاومتهم‪.‬‬
‫لكننا وجدنا أن الطر القيقي علينا موجود ف السلم‪ ،‬وف قدرته على التوسع‬
‫والخضاع‪ ،‬وف حيويته الدهشة‪ ( .‬الجلد الثامن صحفة ‪ ،10‬لورانس بروان نقلً عن‬
‫التبشي والستعمار‪ ،‬صفحة ‪) .184‬‬
‫‪-2‬ونكرر هنا قول غلدستون ‪:‬‬

‫‪175‬‬

‫ما دام هذا القرآن موجودا ف أيدي السلمي‪ ،‬فلن تستطع أوربة السيطرة على الشرق‪،‬‬
‫ول أن تكون هي نفسها ف أمان‪ ( .‬السلم على مفترق الطرق – ص ‪).39‬‬
‫‪-3‬ويقول الستشرق غاردنر‪:‬‬
‫إن القوة الت تكمن ف السلم هي الت تيف أوربة‪ ( .‬التبشي والستعمار – ص ‪– 36‬‬
‫طبعة رابعة‪).‬‬
‫‪-4‬ويقول هانوتر وزير خارجية فرنسا سابقا‪:‬‬
‫ل يوجد مكان على سطح الرض إل واجتاز السلم حدوده وانتشر فيه‪ ،‬فهو الدين‬
‫الوحيد الذي ييل الناس إل اعتناقه بشدة تفوق كل دين آخر‪ ( .‬الفكر السلمي‬
‫الديث‪ ،‬وصلته بالستعمار الغرب‪ ،‬ص ‪).18‬‬
‫‪ -5‬ويقول الب مشادر‪:‬‬
‫من يدري؟! ربا يعود اليوم الذي تصبح فيه بلد الغرب مهددة بالسلمي‪ ،‬يهبطون إليها‬
‫من السماء‪ ،‬لغزو العال مرة ثانية‪ ،‬وف الوقت الناسب‪.‬‬
‫ويتابع‪ :‬لست متنبئا‪ ،‬لكن المارات الدالة على هذه الحتمالت كثية ‪ ..‬ولن تقوى‬
‫الذرة ول الصواريخ على وقف تيارها‪.‬‬
‫إن السلم قد استيقظ‪ ،‬وأخذ يصرخ‪ ،‬ها أنذا‪ ،‬إنن ل أمت‪ ،‬ولن أقبل بعد اليوم أن أكون‬
‫أداة تسيها العواصم الكبى ومابراتا‪ ( .‬ل هذا الرعب كله من السلم – للستاذ‬
‫جودت سعيد‪).‬‬
‫‪ -6‬ويقول أشعيا بومان ف مقال نشره ف ملة العال السلمي التبشيية‪:‬‬
‫إن شيئا من الوف يب أن يسيطر على العال الغرب من السلم‪ ،‬لذا الوف أسباب‪،‬‬
‫منها أن السلم منذ ظهر ف مكة ل يضعف عدديا‪ ،‬بل إن أتباعه يزدادون باستمرار‪ ،‬من‬
‫أسباب الوف أن هذا الدين من أركانه الهاد‪ ( .‬التبشي والستعمار ‪).131 -‬‬
‫‪ -7‬ويقول أنطون ناتنج ف كتابه "العرب"‬
‫منذ أن جع ممد صلى ال عليه وسلم أنصاره ف مطلع القرن السابع اليلدي‪ ،‬وبدأ أول‬
‫خطوات النتشار السلمي‪ ،‬فإن على العال الغرب أن يسب حساب السلم كقوة‬

‫‪176‬‬

‫دائمة‪ ،‬وصلبة‪ ،‬تواجهنا عب التوسط‪ ( .‬وليم بولك‪ .‬الوليات التحدة والعال الغرب –‬
‫والفقومية والغزو الفكر ص ‪).42‬‬
‫‪ -8‬وصرح سالزار ف مؤتر صحفي قائلً‪:‬‬
‫إن الطر القيقي على حضارتنا هو الذي يكن أن يُحدثه السلمون حي يغيون نظام‬
‫العال‪.‬‬
‫فلما سأله أحد الصحفيي‪ :‬لكن السلمي مشغولون بلفاتم ونزاعاتم ‪ ،‬أجابه‪ :‬أخشى‬
‫أن يرج منهم من يوجه خلفهم إلينا‪ ( .‬جند ال ص ‪).22‬‬
‫‪ -9‬ويقول مسؤول ف وزارة الارجية الفرنسية عام ‪:1952‬‬
‫ليست الشيوعية خطرا على أوربة فيما يبدو ل‪ ،‬إن الطر القيقي الذي يهددنا تديدا‬
‫مباشرا وعنيفا هو الطر السلمي‪ ،‬فالسلمون عال مستقل كل الستقلل عن عالنا‬
‫الغرب‪ ،‬فهم يلكون تراثهم الروحي الاص بم‪ .‬ويتمتعون بضارة تاريية ذات أصالة‪،‬‬
‫فهم جديرون أن يقيموا قواعد عال جديد‪ ،‬دون حاجة إل إذابة شخصيتهم الضارية‬
‫والروحية ف الضارة الغربية‪ ،‬فإذا تيأت لم أسباب النتاج الصناعي ف نطاقه الواسع‪،‬‬
‫انطلقوا ف العال يملون تراثهم الضاري الثمي‪ ،‬وانتشروا ف الرض يزيلون منها قواعد‬
‫الضارة الغربية‪ ،‬ويقذفون برسالتنا إل متاحف التاريخ‪.‬‬
‫وقد حاولنا نن الفرنسيي خلل حكمنا الطويل للجزائر أن نتغلب على شخصية الشعب‬
‫السلمة‪ ،‬فكان الخفاق الكامل نتيجة مهوداتنا الكبية الضخمة‪.‬‬
‫إن العال السلمي عملق مقيد‪ ،‬عملق ل يكتشف نفسه حت الن اكتشافا تاما‪ ،‬فهو‬
‫حائر‪ ،‬وهو قلق‪ ،‬وهو كاره لنطاطه وتلفه‪ ،‬وراغب رغبةً يالطها الكسل والفوضى ف‬
‫مستقبل أحسن‪ ،‬وحرية أوفر …‬
‫فلنعط هذا العال السلمي ما يشاء‪ ،‬ولنقو ف نفسه الرغبة ف عدم النتاج الصناعي‪،‬‬
‫والفن ‪ ،‬حت ل ينهض‪ ،‬فإذا عجزنا عن تقيق هذا الدف‪ ،‬بإبقاء السلم متخلفا‪ ،‬وترر‬
‫العملق من قيود جهله وعقدة الشعور بعجزه‪ ،‬فقد بؤنا بإخفاق خطي‪ ،‬وأصبح خطر‬
‫العال العرب‪،‬وما وراءه من الطاقات السلمية الضخمة خطرا داها ينتهي به‬

‫‪177‬‬

‫الغرب‪،‬وتنتهي معه وظيفته الضارية كقائد للعال ‪ ( .‬ملة روز اليوسف ف عددها الصادر‬
‫بتاريخ ‪).29/6/1963‬‬
‫‪ -10‬ويقول مورو بيجر ف كتابه "العال العرب العاصر"‪:‬‬
‫إن الوف من العرب‪ ،‬واهتمامنا بالمة العربية‪ ،‬ليس ناتا عن وجود البترول بغزارة عند‬
‫العرب‪ ،‬بل بسبب السلم ‪.‬‬
‫يب ماربة السلم‪ ،‬للحيلولة دون وحدة العرب‪ ،‬الت تؤدي إل قوة العرب‪ ،‬لن قوة‬
‫العرب تتصاحب دائما مع قوة السلم وعزته وانتشاره‪.‬‬
‫إن السلم يفزعنا عندما نراه ينتشر بيسر ف القارة الفريقية‪ ( .‬الفكر السلمي وصلته‬
‫بالستعمار الغرب – ص ‪).19‬‬
‫‪ -11‬ويقول هانوتو وزير خارجية فرنسا ‪:‬‬
‫رغم انتصارنا على أمة السلم وقهرها‪ ،‬فإن الطر ل يزال موجودا من انتفاض القهورين‬
‫الذين أتعبتهم النكبات الت أنزلناها بم لن هتهم ل تمد بعد… ( الفكر السلمي‬
‫وصلته بالستعمار الغرب – ص ‪. ) .19‬‬
‫‪ -12‬بعد استقلل الزائر ألقى أحد كبار الستشرقي ماضرة ف مدريد عنوانا‪ :‬لاذا كنا‬
‫ناول البقاء ف الزائر‪.‬‬
‫أجاب على هذا السؤال بشرح مستفيض ملخصه ‪:‬‬
‫إننا ل نكن نسخر النصف مليون جندي من أجل نبيذ الزائر أو صحاريها ‪ ..‬أو زيتونا‬
‫‪..‬‬
‫إننا كنا نعتب أنفسنا سور أوربا الذي يقف ف وجه زحف إسلمي متمل يقوم به‬
‫الزائريون وإخوانم من السلمي عب التوسط‪ ،‬ليستعيدوا الندلس الت فقدوها‪ ،‬وليدخلوا‬
‫معنا ف قلب فرنسا بعركة بواتيه جديدة ينتصرون فيها‪ ،‬ويكتسحون أوربا الواهنة‪،‬‬
‫ويكملون ما كانوا قد عزموا عليه‬
‫أثناء حلم المويي بتحويل التوسط إل بية إسلمية خالصة‪.‬‬
‫من أجل ذلك كنا نارب ف الزائر‪ ( .‬جريدة اليام – سنة ‪).1963‬‬

‫‪178‬‬

‫‪ -13‬ف أول الشهر الادي عشر من عام ‪ 1974‬ذكرت إذاعة لندن مساء زيارة وزير‬
‫خارجية فرنسا سوفانيارك لسرائيل ‪ .‬واجتماعه بقياداتا ‪ ،‬بعد أن اجتمع ف بيوت‬
‫برئيس منظمة التحرير الفلسطينية‪ .‬ما جرى ف آخر اجتماع عقد بي القادة السرائيليي‬
‫وسوفانيارك ‪ ،‬وانتقاداتم للسياسة الفرنسية لنا تقف إل جانب العرب ضد اسرائيل ‪،‬‬
‫وتؤيد الفلسطينيي ‪ ،‬وهاجوا سوفانيارك شخصيا لنه اجتمع بياسر عرفات ‪ .‬عندها‬
‫غضب وزير الارجية الفرنسية وصرخ ف وجوههم ‪ :‬إما أن تعترفوا بنظمة التحرير ‪ ،‬أو‬
‫أن يعلن العرب كلهم عليكم الهاد ‪..‬‬
‫والعجب أن اذاعة لندن ل تعد إل اذاعة هذا الب مرة أخرى ‪ ،‬كما أن جيع اذاعات‬
‫العرب ل تذكره ‪.‬‬
‫ففرنسا حي تتحرك إل جانب العرب ل تتحرك إل خوفا من أن يثي عداء العال الغرب‬
‫للعرب روح الهاد ف السلمي ‪ ،‬فيعلنوه ويشنوا حربا على الضارة الغربية تؤدي إل‬
‫دمار الغرب ويقظة السلمي وهذا وحده كاف أن يدفع فرنسا إل مهادنتهم ودعوة‬
‫الخرين لهادنتهم !!! ‪.‬‬
‫‪ -14‬قالت اذاعة لندن صباح ‪ 10/4/1976‬بناسبة افتتاح مهرجان العال السلمي ف‬
‫لندن ‪:‬‬
‫ان الشعور العام السائد ف الغرب أن السيحية اذا ل تغي موقفها من السلم بيث تتعاون‬
‫معه للقضاء على الشر ف العال ‪ ،‬ل أن تعتب السلم مصدرا من مصادر الشر ‪ ،‬إن ل‬
‫تفعل ذلك فان الستقبل ل يؤذن بي بالنسبة للمسيحية والعال ‪.‬‬
‫***‬
‫دمروا السلم‬
‫كيف يعملون إذن ‪:‬‬
‫ليس أمامهم إل حل واحد هو تدمي السلم‪:‬‬
‫‪"-1‬ها قد هبت النصرانية والوسوية لقاتلة الحمدية‪ .‬وها تأملن أن تتمكنا من تدمي‬
‫عدوتما"‪ (.‬استعباد السلم – ص ‪).44‬‬
‫‪-2‬يقول غاردنر‪:‬‬

‫‪179‬‬

‫إن الروب الصليبية ل تكن لنقاذ القدس‪ ،‬إنا كانت لتدمي السلم‪ ( .‬التبشي‬
‫والستعمار ص ‪ – 115‬جذور البلء ص ‪).201‬‬
‫‪-3‬ونشيد جيوش الستعمار كان يقول‪:‬‬
‫أنا ذاهب لسحق المة اللعونة‪،‬‬
‫لحارب الديانة السلمية‪،‬‬
‫ولمو القرآن بكل قوتى‪.‬‬
‫‪-4‬وشعار "قاتلوا السلمي" الذي وزعته إسرائيل ف أوربا عند حرب الـ ‪ ،67‬لقى‬
‫تاوبا ل نظي له ف دول الغرب كلها …‬
‫‪-5‬يقول فيليب فونداسي‪:‬‬
‫إن من الضروري لفرنسا أن تقاوم السلم ف هذا العال وأن تنتهج سياسة عدائية‬
‫للسلم‪ ،‬وأن تاول على القل إيقاف انتشاره‪ ( .‬الستعمار الفرنسي ف أفريقيا السوداء‪،‬‬
‫تأليف فيليب فونداسى – ص ‪).2‬‬
‫‪ -6‬يقول الستشرق الفرنسي كيمون ف كتابه "باثولوجيا السلم"‪:‬‬
‫"إن الديانة الحمدية جذام تفشى بي الناس‪ ،‬وأخذ يفتك بم فتكا ذريعا‪ ،‬بل هو مرض‬
‫مريع‪ ،‬وشلل عام‪ ،‬وجنون ذهول يبعث النسان على المول والكسل‪ ،‬ول يوقظه من‬
‫المول والكسل إل ليدفعه إل سفك الدماء‪ ،‬والدمان على معاقرة المور‪ ،‬وارتكاب‬
‫جيع القبائح‪ .‬وما قب ممد إل عمود كهربائي يبعث النون ف رؤوس السلمي‪ ،‬فيأتون‬
‫بظاهر الصرع والذهول العقلي إل ما ل ناية‪ ،‬ويعتادون على عادات تنقلب إل طباع‬
‫أصيلة‪ ،‬ككراهة لم النير‪ ،‬والمر والوسيقي‪.‬‬
‫إن السلم كله قائم على القسوة والفجور ف اللذات‪.‬‬
‫ويتابع هذا الستشرق الجنون‪:‬‬
‫اعتقد أن من الواجب إبادة خُمس السلمي‪ ،‬والكم على الباقي بالشغال الشاقة‪ ،‬وتدمي‬
‫الكعبة‪ ،‬ووضع قب ممد وجثته ف متحف اللوفر‪ ( .‬التاهات الوطنية ج ‪ – 1‬ص ‪321‬‬
‫‪ ،‬وتاريخ المام ج ‪ -2‬ص ‪ ،409‬والفكر السلمي الديث ص ‪ ،51‬والقومية والغزو‬
‫الفكري – ص ‪).192‬‬

‫‪180‬‬

‫ويبدو أن قائد اليوش النكليزية ف حلة السودان قد طبق هذه الوصية‪ ،‬فهجم على قب‬
‫الهدى الذي سبق له أن حرر السودان وقتل القائد النكليزي غوردون‪ ،‬هجم القائد‬
‫النكليزي على قب الهدي‪ ،‬ونبشه‪ ،‬ث قطع رأسه وأرسله إل عاهر إنكليزي وطلب إليه‬
‫أن يعله مطفأة لسجائره‪ ( .‬القومية والغزو الفكري‪ ،‬ص ‪).222‬‬
‫‪-6‬صرّح الكاردينال بور ‪ ،‬كاردينال برلي لجلة تابلت النكليزية الكاثوليكية يوم سقوط‬
‫القدس عام ‪ 1967‬بعد أن رعى صلة السيحيي مع اليهود ف كنيس يهودي لول مرة‬
‫ف تاريخ السيحية قال ‪ :‬إن السيحيي ل بد لم من التعاون مع اليهود للقضاء على‬
‫السلم وتليص الرض القدسة ‪ ( .‬نشرة التعايش الشبوه – ص ‪) 4‬‬
‫‪ -8‬قال لويس التاسع ملك فرنسا الذي أسر ف دار ابن لقمان بالنصورة ‪ ،‬ف وثيقة‬
‫مفوظة ف دار الوثائق القومية ف باريس ‪:‬‬
‫إنه ل يكن النتصار على السلمي من خلل حرب وانا يكن النتصار عليهم بواسطة‬
‫السياسة باتباع ما يلي ‪:‬‬
‫ إشاعة الفرقة بي قادة السلمي ‪ ،‬واذا حدثت فليعمل على توسيع شقتها ما أمكن حت‬‫يكون هذا اللف عاملً ف اضعاف السلمي ‪.‬‬
‫عدم يكي البلد السلمية والعربية أن يقوم فيها حكم صال ‪.‬‬‫إفساد أنظمة الكم ف البلد السلمية بالرشوة والفساد والنساء ‪ ،‬حت تنفصل القاعدة‬‫عن القمة ‪.‬‬
‫اليلولة دون قيام جيش مؤمن بق وطنه عليه ‪ ،‬يضحي ف سبيل مبادئه ‪.‬‬‫العمل على اليلولة دون قيام وحدة عربية ف النطقة ‪.‬‬‫العمل على قيام دولة غربية ف النطقة العربية تتد ما بي غزة جنوبا ‪ ،‬انطاكية شالً ‪ ،‬ث‬‫تتجه شرقا ‪ ،‬وتتد حت تصل إل الغرب ( العدد ‪ 2106‬آخر ساعة ‪ 5 ،‬آذار ‪1975‬‬
‫من خطبة أمي الاج الصري لعام ‪ 1975‬الوزير أحد كمال وزير الري الصري ) ‪.‬‬
‫***‬
‫خططهم لتدمي السلم‬

‫‪181‬‬

‫بعد فشل الروب الصليبية الول الت استمرت قرني كاملي ف القضاء على السلم‪،‬‬
‫قاموا بدراسة واعية لكيفية القضاء على السلم وأمته‪ ،‬وبدؤوا منذ قرني يسعون بكل قوة‬
‫للقضاء على السلم‪.‬‬
‫كانت خطواتم كما يلي‪:‬‬
‫أولً‪ :‬القضاء على حكم السلمي ‪:‬‬
‫بإناء اللفة السلمية التمثلة بالدولة العثمانية‪ ،‬الت كانت رغم بعد حكمها عن روح‬
‫السلم‪ ،‬إل أن العداء كانوا يشون أن تتحول هذه اللفة من خلفة شكلية إل خلفة‬
‫حقيقية تددهم بالطر‪.‬‬
‫كانت فرصتهم الذهبية الت مهدوا لا طوال قرن ونصف هي سقوط تركيا مع حليفتها‬
‫ألانيا خاسرة ف الرب العالية الول‪.‬‬
‫دخلت اليوش النكليزية واليونانية‪ ،‬واليطالية‪ ،‬والفرنسية أراضي الدولة العثمانية‪،‬‬
‫وسيطرت على جيع أراضيها‪ ،‬ومنها العاصمة استانبول‪.‬‬
‫ولا ابتدأت مفاوضات مؤتر لوزان لعقد صلح بي التحاربي اشترطت إنكلترا على تركيا‬
‫أنا لن تنسحب من أراضيها إل بعد تنفيذ الشروط التالية‪:‬‬
‫أ ‪ -‬إلغاء اللفة السلمية‪ ،‬وطرد الليفة من تركيا ومصادرة أمواله‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أن تتعهد تركيا بإخاد كل حركة يقوم با أنصار اللفة‪.‬‬
‫ج‪ -‬أن تقطع تركيا صلتها بالسلم‪.‬‬
‫د – أن تتار لا دستورا مدنيا بدلً من دستورها الستمد من أحكام السلم‪ ( .‬الرض‬
‫والشعب – ص ‪ – 46‬ملد أول‪).‬‬
‫فنفذ كمال أتاتورك الشروط السابقة‪ ،‬فانسحبت الدول الحتلة من تركيا‪.‬‬
‫ولا وقف كرزون وزير خارجية إنكلترا ف ملس العموم البيطان يستعرض ما جرى مع‬
‫تركيا‪ ،‬احتج بعض النواب النكليز بعنف على كرزون‪ ،‬واستغربوا كيف اعترفت إنكلترا‬
‫باستقلل تركيا‪ ،‬الت يكن أن تمع حولا الدول السلمية مرة أخرى وتجم على‬
‫الغرب‪.‬‬

‫‪182‬‬

‫فأجاب كرزون‪ :‬لقد قضينا على تركيا‪ ،‬الت لن تقوم لا قائمة بعد اليوم ‪ ..‬لننا قضينا‬
‫على قوتا التمثلة ف أمرين‪ :‬السلم واللفة‪.‬‬
‫فصفق النواب النكليز كلهم وسكتت العارضة ‪( .‬كيف هدمت اللفة ص ‪)190‬‬
‫ثانيا‪ :‬القضاء على القرآن وموه‪:‬‬
‫لنم كما سبق أن قلنا يعتبون القرآن هو الصدر الساسي لقوة السلمي‪ ،‬وبقاؤه بي‬
‫أيديهم حيا يؤدي إل عودتم إل قوتم وحضارتم‪.‬‬
‫‪ -1‬يقول غلدستون‪ :‬ما دام هذا القرآن موجودا‪ ،‬فلن تستطيع أوربة السيطرة على‬
‫الشرق‪ ،‬ول أن تكون هي نفسها ف أمان‪ ( .‬السلم على مفترق الطرق – ص ‪) .39‬‬
‫‪-2‬ويقول البشر وليم جيفورد بالكراف‪:‬‬
‫مت توارى القرآن ومدينة مكة عن بلد العرب‪ ،‬يكننا حينئذ أن نرى العرب يتدرج ف‬
‫طريق الضارة الغربية بعيدا عن ممد وكتابه‪ ( .‬جذور البلء – ص ‪).201‬‬
‫‪-3‬ويقول البشر تاكلي‪:‬‬
‫يب أن نستخدم القرآن‪ ،‬وهو أمضى سلح ف السلم‪ ،‬ضد السلم نفسه‪ ،‬حت نقضى‬
‫عليه تاما‪ ،‬يب أن نبي للمسلمي أن الصحيح ف القرآن ليس جديدا‪ ،‬وأن الديد فيه‬
‫ليس صحيحا‪( .‬التبشي والستعمار – ص ‪( 40‬طبعة رابعة)‪) .‬‬
‫‪-4‬ويقول الاكم الفرنسي ف الزائر بناسبة مرور مائة عام على احتللا‪ :‬يب أن نزيل‬
‫القرآن العرب من وجودهم ‪ ..‬ونقتلع اللسان العرب من ألسنتهم‪ ،‬حت ننتصر عليهم‪.‬‬
‫( النار عدد ‪).9/11/1962‬‬
‫وقد أثار هذا العن حادثةً طريفةً جرت ف فرنسا‪ ،‬وهي إنا من أجل القضاء على القرآن‬
‫ف نفوس شباب الزائر قامت بتجربة عملية‪ ،‬قامت بانتقاء عشر فتيات مسلمات‬
‫جزائريات‪ ،‬أدخلتهن الكومة الفرنسية ف الدارس الفرنسية‪ ،‬وألبستهن الثياب الفرنسية‪،‬‬
‫ولقنتهن الثقافة الفرنسية‪ ،‬وعلمتهن اللغة الفرنسية‪ ،‬فأصبحن كالفرنسيات تاما‪.‬‬
‫وبعد أحد عشر عاما من الهود هيأت لن حفلة ترج رائعة دعى إليها الوزراء‬
‫والفكرون والصحفيون … ولا ابتدأت الفلة‪ ،‬فوجيء الميع بالفتيات الزائريات‬
‫يدخلن بلباسهن السلمي الزائري …‬

‫‪183‬‬

‫فثارت ثائرة الصحف الفرنسية وتساءلت‪ :‬ماذا فعلت فرنسا ف الزائر إذن بعد مرور مائة‬
‫وثانية وعشرين عاما !!! ؟؟‬
‫أجاب لكوست‪ ،‬وزير الستعمرات الفرنسى‪ :‬وماذا أصنع إذا كان القرآن أقوى من‬
‫فرنسا؟!!‪ (.‬جريدة اليام – عدد ‪ ،7780‬الصادر بتاريخ ‪ 6‬كانون أول ‪)..1962‬‬
‫ثالثا‪ :‬تدمي أخلق السلمي‪ ،‬وعقولم‪ ،‬وصلتهم بال‪ ،‬وإطلق شهواتم‪:‬‬
‫‪-1‬يقول مرماديوك باكتول‪:‬‬
‫إن السلمي يكنهم أن ينشروا حضارتم ف العال الن بنفس السرعة الت نشروها با‬
‫سابقا‪.‬‬
‫بشرط أن يرجعوا إل الخلق الت كانوا عليها حي قاموا بدورهم الول‪ ،‬لن هذا العال‬
‫الاوي ل يستطيع الصمود أمام روح حضارتم‪ ( .‬جند ال ‪ -‬ص ‪).22‬‬
‫‪-2‬يقول صموئيل زوير رئيس جعيات التبشي ف مؤتر القدس للمبشرين النعقد عام‬
‫‪ 1935‬م‪:‬‬
‫إن مهمة التبشي الت ندبتكم دول السيحية للقيام با ف البلد الحمدية ليست ف إدخال‬
‫السلمي ف السيحية‪ ،‬فإن ف هذا هداية لم وتكريا ‪ ،‬إن مهمتكم أن ترجوا السلم من‬
‫السلم ليصبح ملوقا ل صلة له بال ‪ ،‬وبالتال ل صلة تربطه بالخلق الت تعتمد عليها‬
‫المم ف حياتا‪ ،‬ولذلك تكونون بعملكم هذا طليعة الفتح الستعماري ف المالك‬
‫السلمية ‪ ،‬لقد هيأت جيع العقول ف المالك السلمية لقبول السي ف الطريق الذي‬
‫سعيتم له ‪ ،‬أل يعرف الصلة بال‪ ،‬ول يريد أن يعرفها‪ ،‬أخرجتم السلم من السلم‪ ،‬ول‬
‫تدخلوه ف السيحية‪ ،‬وبالتال جاء النشء السلمي مطابقا لا أراده له الستعمار‪ ،‬ل يهتم‬
‫بعظائم المور‪ ،‬ويب الراحة‪ ،‬والكسل‪ ،‬ويسعى للحصول على الشهوات بأي أسلوب‪،‬‬
‫حت أصبحت الشهوات هدفه ف الياة‪ ،‬فهو إن تعلم فللحصول على الشهوات‪ ،‬وإذا جع‬
‫الال فللشهوات‪ ،‬وإذا تبوأ أسى الراكز ففي سبيل الشهوات ‪ ..‬إنه يود بكل شيء‬
‫للوصول إل الشهوات‪ ،‬أيها البشرون‪ :‬إن مهمتكم تتم على أكمل الوجوه‪ ( .‬جذور‬
‫البلء – ص ‪) .275‬‬
‫‪-3‬ويقول صموئيل زوير نفسه ف كتاب الغارة على العال السلمي ‪:‬‬

‫‪184‬‬

‫إن للتبشي بالنسبة للحضارة الغربية مزيتان‪ ،‬مزية هدم ‪ ،‬ومزية بناء‬
‫أما الدم فنعن به انتزاع السلم من دينه‪ ،‬ولو بدفعه إل اللاد ‪..‬‬
‫وأما البناء فنعن به تنصي السلم إن أمكن ليقف مع الضارة الغربية ضد قومه‪ ( .‬الغارة‬
‫على العال السلمي – ص ‪) .11‬‬
‫‪-4‬ويقولون إن أهم الساليب للوصول إل تدمي أخلق السلم وشخصيته يكن أن يتم‬
‫بنشر التعليم العلمان‪.‬‬
‫أ‪ -‬يقول البشر تكلى‪:‬‬
‫يب أن نشجع إنشاء الدارس على النمط الغرب العلمان‪ ،‬لن كثيا من السلمي قد‬
‫زعزع اعتقادهم بالسلم والقرآن حينما درسوا الكتب الدرسية الغربية وتعلموا اللغات‬
‫الجنبية‪ ( .‬التبشي والستعمار – ص ‪).88‬‬
‫ب‪ -‬ويقول زوير‪ :‬مادام السلمون ينفرون من الدارس السيحية فل بد أن ننشيء لم‬
‫الدارس العلمانية‪ ،‬ونسهل التحاقهم با‪ ،‬هذه الدارس الت تساعدنا على القضاء على‬
‫الروح السلمية عند الطلب‪ ( .‬الغارة على العال السلمي – ص ‪).82‬‬
‫ج‪ -‬يقول جب‪ :‬لقد فقد السلم سيطرته على حياة السلمي الجتماعية‪ ،‬وأخذت دائرة‬
‫نفوذه تضيق شيئا فشيئا حت انصرت ف طقوس مددة‪ ،‬وقد ت معظم هذا التطور تدرييا‬
‫عن غي وعي وانتباه‪ ،‬وقد مضى هذا التطور الن إل مدى بعيد‪ ،‬ول يعد من المكن‬
‫الرجوع فيه‪ ،‬لكن ناح هذا التطور يتوقف إل ح ٍد بعي ٍد على القادة والزعماء ف العال‬
‫السلمي‪ ،‬وعلى الشباب منهم خاصة‪ .‬كل ذلك كان نتيجة النشاط التعليمي والثقاف‬
‫العلمان‪ ( .‬التاهات الوطنية ف الدب العاصر – ج ‪ – 2‬ص ‪ ،206 – 204‬تأليف‬
‫ممد حسي‪).‬‬
‫رابعا‪ :‬القضاء على وحدة السلمي‪:‬‬
‫‪ -1‬يقول القس سيمون‪:‬‬
‫إن الوحدة السلمية تمع آمال الشعوب السلمية‪ ،‬وتساعد التملص من السيطرة‬
‫الوربية‪ ،‬والتبشي عامل مهم ف كسر شوكة هذه الركة‪ ،‬من أجل ذلك يب أن نوّل‬
‫بالتبشي اتاه السلمي عن الوحدة السلمية‪ ( .‬كيف هدمت اللفة – ص ‪).190‬‬

‫‪185‬‬

‫‪-2‬ويقول البشر لورنس براون‪:‬‬
‫إذا اتد السلمون ف إمباطورية عربية‪ ،‬أمكن أن يصبحوا لعن ًة على العال وخطرا‪ ،‬أو‬
‫أمكن أن يصبحوا أيضا نعمة له‪ ،‬أما إذا بقوا متفرقي‪ ،‬فإنم يظلون حينئذ بل وزن ول‬
‫تأثي‪ ( .‬جذور البلء – ص ‪).202‬‬
‫ويكمل حديثه‪:‬‬
‫يب أن يبقى العرب والسلمون متفرقي‪ ،‬ليبقوا بل قوة ول تأثي‪.‬‬
‫‪ -3‬ويقول أرنولد توينب ف كتابه السلم والغرب والستقبل‪ ( :‬السلم والغرب‬
‫والستقبل – ص ‪).73‬‬
‫إن الوحدة السلمية نائمة‪ ،‬لكن يب أن نضع ف حسابنا أن النائم قد يستيقظ‪.‬‬
‫‪ -4‬وقد فرح غابرائيل هانوتو وزير خارجية فرنسا حينما انل رباط تونس الشديد‬
‫بالبلد السلمية‪ ،‬وتفلتت روابطه مع مكة‪ ،‬ومع ماضيه السلمي‪ ،‬حي فرض عليه‬
‫الفرنسيون فصل السلطة الدينية عن السلطة السياسية‪ ( .‬هانوتو – ص ‪).21‬‬
‫‪ -5‬من أخطر ما نذكره من أخبار حول هذه النقطة هو ما يلي‪:‬‬
‫ف سنة ‪ 1907‬عقد مؤتر أورب كبي ‪ ،‬ضم أضخم نبة من الفكرين والسياسيي‬
‫الوربيي برئاسة وزير خارجية بريطانيا الذي قال ف خطاب الفتتاح‪:‬‬
‫إن الضارة الوروبية مهددة بالنلل والفناء‪ ،‬والواجب يقضى علينا أن نبحث ف هذا‬
‫الؤتر عن وسيلة فعالة تول دون انيار حضارتنا‪.‬‬
‫واستمر الؤتر شهرا من الدراسة والنقاش‪.‬‬
‫واستعرض الؤترون الخطار الارجية الت يكن أن تقضى على الضارة الغربية الفلة‪،‬‬
‫فوجدوا أن السلمي هم أعظم خطر يهدد أوربة‪.‬‬
‫فقرر الؤترون وضع خطة تقضي ببذل جهودهم كلها لنع إياد أي اتاد أو اتفاق بي‬
‫دول الشرق الوسط‪ ،‬لن الشرق الوسط السلم التحد يشكل الطر الوحيد على‬
‫مستقبل أوربة‪.‬‬
‫وأخيا قرروا إنشاء قومية غربية معادية للعرب والسلمي شرقي قناة السويس‪ ،‬ليبقى‬
‫العرب متفرقي‪.‬‬

‫‪186‬‬

‫وبذا أرست بريطانيا أسس التعاون والتحالف مع الصهيونية العالية الت كانت تدعو إل‬
‫إنشاء دولة يهودية ف فلسطي‪ ( .‬الؤامرة ومعركة الصي – ص ‪) .25‬‬
‫خامسا‪ :‬تشكيك السلمي بدينهم‪:‬‬
‫ف كتاب مؤتر العاملي السيحيي بي السلمي يقول‪:‬‬
‫إن السلمي يدّعون أن ف السلم ما يلب كل حاجة اجتماعية ف البشر‪ ،‬فعلينا نن‬
‫البشرين أن نقاوم السلم بالسلحة الفكرية والروحية‪ ( .‬التبشي والستعمار – ص‬
‫‪) .191‬‬
‫تنفيذا لذلك وضعت كتب الستشرقي التربصي بالسلم‪ ،‬الت ل تد فيها إل الطعن‬
‫بالسلم‪ ،‬والتشكيك ببادئه‪ ،‬والغمز بنبيه ممد صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫سادسا‪ :‬إبقاء العرب ضعفاء‪:‬‬
‫يعتقد الغربيون أن العرب هم مفتاح المة السلمية يقول مورو بيجر ف كتابه "العال‬
‫العرب"‪:‬‬
‫لقد ثبت تارييا أن قوة العرب تعن قوة السلم فليدمر العرب ليدمروا بتدميهم السلم‪.‬‬
‫سابعا‪ :‬إنشاء ديكتاتوريات سياسية ف العال السلمي‪:‬‬
‫يقول الستشرق و‪ .‬ك‪ .‬سيث المريكي‪ ،‬والبي بشؤون الباكستان‪:‬‬
‫إذا أعطى السلمون الرية ف العال السلمي‪ ،‬وعاشوا ف ظل أنظمة ديقراطية‪ ،‬فإن‬
‫السلم ينتصر ف هذه البلد‪ ،‬وبالديكتاتوريات وحدها يكن اليلولة بي الشعوب‬
‫السلمية ودينها‪.‬‬
‫وينصح رئيس ترير ملة تاي ف كتابه "سفر آسيا" الكومة المريكية أن تنشئ ف البلد‬
‫السلمية ديكتاتوريات عسكرية للحيلولة دون عودة السلم إل السيطرة على المة‬
‫السلمية‪ ،‬وبالتال النتصار على الغرب وحضارته واستعماره‪ ( .‬جند ال – ص ‪).29‬‬
‫لكنهم ل ينسوا أن يعطوا هذه الشعوب فترات راحة حت ل تتفجر‪.‬‬
‫يقول هانوتو وزير خارجية فرنسا‪:‬‬
‫إن الطر ل يزال موجودا ف أفكار القهورين الذين أتعبتهم النكبات الت أنزلناها بم‪،‬‬
‫لكنها ل تثبط من عزائهم‪( .‬الفكر السلمي وصلته بالستعمار الغرب ‪) .19 -‬‬

‫‪187‬‬

‫ثامنا‪ :‬إبعاد السلمي عن تصيل القوة الصناعية وماولة إبقائهم مستهلكي لسلع الغرب‪:‬‬
‫يقول أحد السؤولي ف وزارة الارجية الفرنسية عام ‪ 1952‬إن الطر القيقي الذي‬
‫يهددنا تديدا مباشرا عنيفا هو الطر السلمي … (ويتابع)‪:‬‬
‫فلنعط هذا العال ما يشاء‪ ،‬ولنقو ف نفسه عدم الرغبة ف النتاج الصناعي والفن ‪ ،‬فإذا‬
‫عجزنا عن تقيق هذه الطة‪ ،‬وترر العملق من عقدة عجزه الفن والصناعي‪ ،‬أصبح‬
‫خطر العال العرب وما وراءه من الطاقات السلمية الضخمة‪ ،‬خطرا داها ينتهي به‬
‫الغرب ‪ ،‬وينتهي معه دوره القيادي ف العال‪ ( .‬جند ال – ص ‪).22‬‬
‫تاسعا‪ :‬سعيهم الستمر لبعاد القادة السلمي القوياء عن استلم الكم ف دول العال‬
‫السلمي حت ل ينهضوا بالسلم‪:‬‬
‫‪ -1‬يقول الستشرق البيطان مونتجومري وات ف جريدة التايز اللندنية‪ ،‬ف آذار من عام‬
‫‪:1968‬‬
‫إذا وجد القائد الناسب‪ ،‬الذي يتكلم الكلم الناسب عن السلم‪ ،‬فإن من المكن لذا‬
‫الدين أن يظهر كإحدى القوى السياسية العظمى ف العال مرة أخرى‪ (.‬اللول الستوردة‬
‫– ص ‪).11‬‬
‫‪ -2‬ويقول جب‪:‬‬
‫إن الركات السلمية تتطور عادة بصورة مذهلة‪ ،‬تدعو إل الدهشة‪ ،‬فهي تنفجر انفجارا‬
‫مفاجئا قبل أن يتبي الراقبون من أماراتا ما يدعوهم إل السترابة ف أمرها‪ ،‬فالركات‬
‫السلمية ل ينقصها إل وجود الزعامة‪ ،‬ل ينقصها إل ظهور صلح الدين جديد‪.‬‬
‫( التاهات الديثة ف السلم – ص ‪( ،365‬عن التاهات الوطنية ف الدب العاصر)‬
‫ج ‪ – 2‬ص ‪) .206‬‬
‫‪-3‬وقد سبق أن ذكرنا قول بن غوريون رئيس وزراء إسرائيل السابق‪:‬‬
‫" إن أخشى ما نشاه أن يظهر ف العال العرب ممد جديد"‪.‬‬
‫‪-4‬كما ذكرنا قول سالزار‪ ،‬ديكتاتور البتغال السابق‪:‬‬
‫أخشى أن يظهر من بينهم رجل يوجه خلفاتم إلينا‪.‬‬
‫عاشرا‪ :‬إفساد الرأة‪ ،‬وإشاعة النراف النسي‪:‬‬

‫‪188‬‬

‫‪-1‬تقول البشرة آن ميليغان‪:‬‬
‫لقد استطعنا أن نمع ف صفوف كلية البنات ف القاهرة بنات آباؤهن باشاوات وبكوات‪،‬‬
‫ول يوجد مكان آخر يكن أن يتمع فيه مثل هذا العدد من البنات السلمات تت النفوذ‬
‫السيحى‪ ،‬وبالتال ليس هناك من طريق أقرب إل تقويض حصن السلم من هذه‬
‫الدرسة‪ ( .‬التبشي والستعمار ‪).87 -‬‬
‫ماذا يعنون بذلك ؟ إنم يعنون أنم بإخراج الرأة السلمة من دينها يرج اليل الذي تربيه‬
‫ويرج معها زوجها وأخوها أيضا وتصبح أداة تدمي قوية لميع قيم الجتمع السلمي‬
‫الذي ياولون تدميه وإلغاء دوره الضاري من العال ‪.‬‬
‫‪ -2‬حكى قادم من الضفة الغربية أن السلطات الصهيونية تدعو الشباب العرب بملت‬
‫منظمة وهادئة إل الختلط باليهوديات وخصوصا على شاطئ البحر وتتعمد اليهوديات‬
‫دعوة هؤلء الشباب إل الزنا بن‪ ،‬وأن السلطات اليهودية تلحق جيع الشباب الذين‬
‫يرفضون هذه العروض‪ ،‬بجة أنم من النتمي للحركات الفدائية ‪ ،‬كما أنا ل تُدخل إل‬
‫الضفة الغربية إل الفلم النسية الليعة جدا‪ ،‬وكذلك تفتح على مقربة من العامل‬
‫الكبية الت يعمل فيها العمال العرب الفلسطينيون دورا للدعارة مانية تقريبا‪ ،‬كل ذلك‬
‫من أجل تدمي أخلق أولئك الشباب‪ ،‬لضمان عدم انضمامهم إل حركات القاومة ف‬
‫الرض الحتلة‪.‬‬
‫***‬
‫هل هناك تغيي ف موقف الغرب تاه السلم وأهله ؟! ‪..‬‬
‫ظهرت ف السنوات الربع ألخية بعض الواقف ف الغرب تتميز بروح العتدال ‪ ،‬وتدعو‬
‫إل التأمل ‪ .‬سنستعرض هذه الواقف ‪ ،‬ث نلل ما تعنيه ‪..‬‬
‫‪-1‬أذاعت إذاعة صوت العرب الب التال ‪:‬‬
‫قررت الكومة الفرنسية ما يلي ‪:‬‬
‫أ ‪-‬منح الديانة السلمية فترة إذاعية ف إذاعتها ‪.‬‬
‫ب ‪-‬فتح مساجد ف الشاف والسجون الفرنسية ‪.‬‬
‫ت ‪-‬منح العمال السلمي إجازات بناسبة العياد السلمية ‪.‬‬
‫‪189‬‬

‫‪-2‬أقيم ف لندن ف نيسان ‪ 1976‬مهرجان اسه مهرجان العال السلمي ‪.‬‬
‫حدد الدير العام للمهرجان بول كيلر أهداف الهرجان كما يلي ‪:‬‬
‫إن النسان ف الغرب يعان فراغا ثقافيا وروحيا ‪ ،‬ومن هنا كان رحيله الستمر إل‬
‫الشرق على صورة موجات (( هيبية )) باحثا عن ثقافة جديدة يواجه با أزمته الروحية‬
‫الت يعان منها ‪.‬‬
‫يقول مدير الهرجان ‪:‬‬
‫أنا أعتقد أن العصر الذي نعيش فيه هو عصر التاه إل حضارة الشرق ‪ ،‬والسلم‬
‫بصورة خاصة ل يتجه إليه الغرب ‪ ،‬وهو أغن حضارة بالقيم الروحية ‪ .‬فقلت لاذا ل نقيم‬
‫هذا التصال الثقاف والضاري مع السلم ‪ ،‬وخاصة وأن الدول السلمية بدأت تفرض‬
‫نفسها على العال بشت الصور ‪ ..‬لذلك فكرنا بإقامة مهرجان العال السلمي ‪.‬‬
‫ويقول ‪ :‬يب اقتلع التعصب ضد الضارة السلمية ‪ ،‬ونن نتوقع أن يساهم الهرجان‬
‫بذه العملية ‪.‬‬
‫ويقول ‪ :‬إن الغاية من الهرجان هي إيصال القيم السلمية إل جاهي الشعب البيطان ‪،‬‬
‫واننا نتوقع أن يري نقاش واسع حول القيم السلمية أثناء فترة الهرجان ‪ ،‬وهي فترة‬
‫طويلة – ثلثة أشهر – وهكذا تتهيأ الفرصة لشرح القيم السلمية بصورة وافية ‪ ،‬وان‬
‫الفرصة الت ستتاح لعلماء السلمي والختصي لشرح الضارة السلمية وإبرازها ‪،‬‬
‫وماولة مد السور بي الشرق والغرب ستكون كبية‬
‫وهذه هي الناسبة القيقية ل زالة الشبهات الت فرضت على الضارة السلمية من‬
‫مموعة من التعصبي السيحيي واليهود ‪ ،‬وقصة تعدد الزوجات ف السلم واحدة من‬
‫تلك القصص الت تشرح للرأي العام البيطان من قبل ( ملة السبوع العرب ‪ ،‬العدد‬
‫‪ 868‬الثني ‪ 9‬آذار ‪. ). 1976‬‬
‫‪ -3‬ف دراسة نشرها ف عام ‪ 1976‬الستشرق الصهيون النكليزي الشهور برنارد‬
‫لويس تت عنوان (( عودة السلم )) وبعد مقدمات تليلية واسعة للحركات السلمية‬
‫ف العال السلمي يقول ‪:‬‬

‫‪190‬‬

‫ما تقدم تبز نتائج عامة مددة ‪ :‬فالسلم ل يزال الشكل الكثر فعالية ف الرأي العام ف‬
‫دول العال السلمي ‪ ،‬وهو يشكل اللون الساسي لماهي ‪ ،‬وتزداد فعاليته كلما كانت‬
‫أنظمة الكم أكثر شعبية ‪ .‬أي قائمة على أساس اعطاء الرية للشعوب ‪ ،‬ويكن للمرء أن‬
‫يدرك الفرق الواضح بي أنظمة الكم الالية ‪ ،‬وبي القيادات السياسية ذات الثقافة‬
‫الغربية الت أبعدت عن الكم ‪ .‬والت حكمت حت عشرات قليلة مضت من السني ‪.‬‬
‫وكلمات التصقت الكومات أكثر بعامة الناس ‪ ،‬حت ولو كانت يسارية ‪ ،‬فانا تصبح‬
‫أكثر إسلمية ‪ .‬ولقد بنيت مساجد ف ظل أحد أنظمة الكم ف منطقة الواجهة مع‬
‫اسرائيل خلل ثلث سنوات أكثر ما بن ف السنوات الثلثي الت سبقتها ‪.‬‬
‫إن السلم قوي جدا ‪ ،‬إل أنه ل يزال قوة غي موجهّة ف ميدان السياسة الداخلية ‪.‬‬
‫وهو يبز كعامل أساسي متمل ف السياسة الدولية ‪ ،‬وقد جرت ماولت كثية ف سبيل‬
‫سياسة تضامن إسلمي أو جامعة إسلمية للدول السلمية ال أنا أخفقت كلها ف تقيق‬
‫تقدم نو إقامة هذا التضامن ‪ .‬وان أحد السباب الهمة هو عجز الذين قاموا بذه‬
‫الحاولت ف اقناع الشعوب السلمية بدية ما يريدون ‪.‬‬
‫ول يزال الجال مفتوحا لبوز قيادات أكثر اقناعا وان هناك أدلة كافية ف كل الدول‬
‫السلمية قائمة فعل تدل على الشوق العميق الذي تكنه الشعوب السلمية لثل هذه‬
‫القيادة ‪ ،‬والستعداد العظيم للتجاوب معها‬
‫إن غياب القيادة العصرية الثقفة ‪ ،‬القيادة الت تدم السلم با يقتضيه العصر من تنظيم‬
‫وعلم ‪ .‬ان غياب هذه القيادة قد قيّد حركة السلم كقوة منتصرة ‪ ،‬ومنع غيابُ القيادة‬
‫العصرية الثقفة الركات السلمية من أن تكون منافسا خطيا على السلطة ف العال‬
‫السلمي ‪ .‬لكن هذه الركات يكن أن تتحول إل قوى سياسية ملية هائلة اذا تيأ لا‬
‫النوع الصحيح من القيادة ( صفحة ‪ 48‬من ملة ‪ commentary‬عام ‪. ). 1976‬‬
‫نقول ماذا تعن هذه الواقف ‪ ،‬وهذه القوال ؟! هل هي بداية توّل غرب تاه السلم ‪..‬‬
‫أم أنا مكر من نوع جديد !!!‬
‫إنا – فيما نعتقد – طلء لون به الغرب وجهه بعد أن برزت قوى العال السلمي‬
‫القتصادية والسياسية بشكل ضخم ‪.‬‬

‫‪191‬‬

‫إن القوة القتصادية الت برزت لدول النفط قد أقضت مضاجع العال الغرب ‪ ،‬فان كان‬
‫تقرير البنك الدول صادقا ‪ ،‬وبأن السعودية وحدها سوف تلك عام ‪ 1980‬نصف النقد‬
‫التداول ف العال ‪ ،‬فان هذا خطر واضح ‪.‬‬
‫واذا أضفنا إل ذلك الوقع الستراتيجي العجيب للعال السلمي ‪ ،‬اذ أن جيع مضائق‬
‫العال الساسية فيه ومعظم السهول الصبة الرخيصة فيه ‪ ،‬وجيع البحار الدافئة والت‬
‫تترقها طرق العال فيه ‪ ،‬وإن عدد سكانه يشكل ثلث سكان العال ‪ ..‬وهم معظم‬
‫الستهلكي لبضائع الغرب ‪ ،‬فرواج الصناعة الغربية كله قائم عليهم ‪ ،‬والواد الولية‬
‫متوفرة فيه بشكل هائل ‪ ،‬كما أن لسكانه أثرا هائل ف جيع شعوب العال فإننا بذلك‬
‫ندرك مدى الشعور بالطر الذي دفع الغرب إل ما سبق أن فعله ‪.‬‬
‫إذا كان برنارد لويس ذلك الصهيون الستشرق قد اقتنع أن السلم ف طريقه إل العودة‬
‫إل العال كقوة مهيمنة ‪،‬فكأنه يقول للغربيي انتبهوا‪..‬السلمون قادمون ‪..‬دمروهم قبل أن‬
‫يكسروا قمقمهم ‪..‬‬
‫وما الدليل على ما نقول !؟! إن الدليل الواضح هو حرب الصومال الت تشبه إل حد كبي‬
‫حرب بنغلدش فالشيوعيون يقدمون السلحة والنود للحبشة والغربيون – أمريكا –‬
‫وانكلترا – وفرنسا – وألانيا تتنع عن تقدي الدعم للصومال ببيعها السلح ‪ ...‬فهو تآمر‬
‫مكشوف من كل الطرفي الشيوعي والرأسال لنقاذ البشة السيحية الصليبية ‪ .‬ولو كان‬
‫ذلك على حساب الشعبي السلمي الرتيي والصومال ‪.‬‬
‫هذا يدل بوضوح على أن الغرب ل زال كما كان ‪ ..‬وإن ما يقوم به من أعمال تنبئ عن‬
‫مهادنة السلم ما هي ال ماولت للتغرير بالسلمي ‪ ...‬فلننتبه بشدة ‪.‬‬
‫فان الغرب ل زال حريصا على شرب دمائهم وابتلع امكاناتم ‪ .‬ان آخر ما قام به‬
‫ضدهم هو قتل ألف مسلم ف مسجد مدينة ريرداد باقليم أوجادين الصومال ‪ ،‬حي فتح‬
‫الحباش نيان رشاشاتم الروسية ( ملة العتصام الصرية تشرين أول ‪ ). 1977‬على‬
‫الصلي فأبادوا منهم ألفا دفعة واحدة ‪ .‬ول تتحرك لذه الفعله الوحشية دولة من دول‬
‫الغرب كله ‪ ...‬فهل ف هذا ما يدل ‪ ...‬؟!! إنه أكب دليل ‪...‬‬

‫‪192‬‬

‫يب أن نكسر ما يقيدنا ‪ ..‬ونعود إل العال سادة له ‪ ،‬نرر من ظلم البارين ‪ ..‬وال‬
‫غالب أمره ‪.‬‬
‫أخيا‬
‫يا ويح أعدائنا ما أقذرهم‪ ،‬إنم يفرضون علينا أن نقد عليهم حي يرقصون على أشلئنا‬
‫بعد أن يزقوها ويطحنوها ويطعموها للكلب‪.‬‬
‫لقد قال رسول ال صلى ال عليه وسلم لقادة أعدائه حي فتح مكة‪" :‬اذهبوا فأنتم‬
‫الطلقاء"‪ ،‬وهم الذين ذبوا أهله وأصحابه …‬
‫وترك صلح الدين الصليبيي ف القدس بعد أن فتحها دون أن يذبهم كما ذبوا أهله‬
‫وإخوانه‪.‬‬
‫لكننا نتساءل‪:‬‬
‫إن أحقاد هؤلء وما فعلوه بأمة السلم من ذبح‪ ،‬هل ستمكننا من العطف عليهم مرة‬
‫أخرى حي ننتصر ؟؟! ولبد أن ننتصر‪ ،‬لن ال قدر هذا وانتهى‪ ،‬هل سنبادلم حقدا‬
‫بقد‪ ،‬وذبا بذبح‪ ،‬ودما بدم ؟؟!!‬
‫إن ال سح لنا بذلك‪ ،‬لكنه قال { فمن عفى وأصلح فأجره على ال } ‪ ،‬إننا ل نستطيع‬
‫إل أن نقول لم يومنا ذلك ‪ :‬اذهبوا أحرارا حيث شئتم ف ظل عدل أمة السلم – الذي‬
‫ل حد له – والمد ل رب العالي والصلة على نبيه ممد وآله ومن سار على درب‬
‫الهاد الذي خطّه إل يوم الدين ‪.‬‬
‫‪3/1978‬‬
‫********************‬
‫إن جيع النبياء والرسلي قد أوذوا من قبل أقوامهم ومن قبل غيهم‪:‬‬
‫سَتعْجِلْ َلهُمْ َكَأّنهُ ْم َي ْومَ يَ َر ْونَ‬
‫صبَرَ أُولُو الْعَ ْز ِم مِنَ ال ّرسُ ِل وَلَا تَ ْ‬
‫صِبرْ كَمَا َ‬
‫قال تعال ‪ { :‬فَا ْ‬
‫مَا يُوعَدُونَ َل ْم يَ ْلَبثُوا إِلّا سَا َع ًة مِ ْن َنهَا ٍر بَلَاغٌ َفهَ ْل ُيهْلَكُ إِلّا اْل َقوْ ُم اْلفَا ِسقُونَ (‪)35‬‬
‫[الحقاف‪} ]35/‬‬
‫وعَنْ َأبِى عَُبيْ َدةَ بْنِ حُ َذْي َفةَ عَنْ عَ ّمتِهِ فَاطِ َمةَ َأّنهَا قَاَلتْ َأَتيْنَا َرسُولَ اللّهِ ‪-‬صلى ال عليه‬
‫ح َو ُه َيقْطُ ُر مَا ُؤهُ عََليْ ِه مِ ْن شِ ّد ِة مَا يَجِ ُد مِنْ حَرّ‬
‫وسلم‪َ -‬نعُو ُدهُ فِى نِسَاءٍ فَإِذَا ِسقَا ٌء ُمعَلّ ٌق نَ ْ‬
‫‪193‬‬

‫شفَاكَ َفقَالَ َرسُولُ اللّهِ ‪-‬صلى ال عليه وسلم‪-‬‬
‫الْحُمّى قُ ْلنَا يَا َرسُولَ اللّهِ َلوْ َد َعوْتَ اللّهَ فَ َ‬
‫س َبلَ ًء الَْنِبيَاءَ ثُ ّم الّذِي َن يَلُوَنهُ ْم ثُ ّم الّذِي َن يَلُوَنهُ ْم ثُ ّم الّذِي َن يَلُوَنهُمْ »‬
‫« ِإ ّن مِنْ َأشَ ّد النّا ِ‬
‫رواه أحد ف مسنده وهو صحيح‬
‫ى النّاسِ َأشَ ّد َبلَءً قَا َل « الَْنِبيَاءُ‬
‫ت يَا َرسُولَ اللّهِ أَ ّ‬
‫ص َعبِ بْ ِن َسعْ ٍد عَنْ َأبِيهِ قَالَ قُ ْل ُ‬
‫وعَنْ ُم ْ‬
‫لؤُ ُه َوإِنْ كَانَ‬
‫ص ْلبًا ا ْشتَ ّد َب َ‬
‫سبِ دِينِهِ فَِإنْ كَانَ دِينُهُ ُ‬
‫ثُ ّم الَ ْمثَلُ فَا َل ْمثَلُ َفيُْبتَلَى الرّجُ ُل عَلَى حَ َ‬
‫ح اْلبَلَ ُء بِاْل َعبْدِ َحتّى َيتْرُكَ ُه يَمْشِى عَلَى الَ ْرضِ‬
‫سبِ دِينِهِ فَمَا يَبْ َر ُ‬
‫فِى دِينِهِ رِّقةٌ اْبتُِلىَ عَلَى حَ َ‬
‫مَا عََليْهِ خَطِيَئةٌ »‪ .‬قَالَ َأبُو عِيسَى الترمذي هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ‪.‬‬
‫الصب ف القرآن الكري‬
‫اليان نصفان‪ :‬صب وشكر‪،‬ولا كان كذلك كان حريا بالؤمن أن يعرفهما ويتمسك‬
‫بما‪ ،‬و أن ل يعدل عنهما‪ ،‬وأن يعل سيه إل ربه بينهما ومن هنا كان حديثنا عن الصب‬
‫ف القرآن الكري فقد جعله ال جوادا ل يكبو وصارما ل ينبو وجندا ل يهزم‪،‬وحصنا ل‬
‫يهدم‪ .‬فالنصر مع الصب‪ ،‬والفرج مع الكرب‪ ،‬والعسر مع اليسر‪ ،‬وهو أنصر لصاحبه من‬
‫الرجال بل عدة ول عدد ومله من الظفر كمحل الرأس من السد‪ ،‬والديث عن مكانته‬
‫وفضيلته آتية بإذن ال الشارة إليه‪ .‬فل تستعجلها قبل أوانا وقبل الشروع ف القصود‬
‫نبي السائل الت سيدور عليها حديثنا وهي‪:‬‬
‫ مقدمات ف تعريفه وضرورته وحكمه ودرجاته‪.‬‬‫ فضله‪.‬‬‫ مالته‪.‬‬‫ الوسائل العينة عليه‪.‬‬‫ ناذج من الصابرين‪.‬‬‫‪ -1‬القدمات ‪:‬‬
‫أ – تعريفه‪:‬‬
‫الصب لغة‪ :‬البس والكف‪ ،‬قال تعال‪(( :‬واصب نفسك مع الذين يدعون ربم بالغداة‬
‫والعشي‪ ))...‬الية‪ ،‬أي احبس نفسك معهم‪.‬‬
‫‪194‬‬

‫واصطلحا‪ :‬حبس النفس على فعل شيء أو تركه ابتغاء وجه ال قال تعال‪(( :‬والذين‬
‫صبوا ابتغاء وجه ربم))‪.‬‬
‫وقد أشرنا ف التعريف إل أنواع الصب الثلثة والباعث عليه‪.‬‬
‫أما أنواعه فهي‪ :‬صب على طاعة ال‪ ،‬وصب عن معصية ال‪ ،‬وصب على أقدار ال الؤلة‪.‬‬
‫ففي قولنا (على فعل شيء) دخل فيه الول‪ ،‬وف قولنا (أو تركه) دخل فيه النوعان الثان‬
‫والثالث‪ :‬أما دخول الثان فظاهر لنه حبس للنفس على ترك معصية ال‪ ،‬وأما دخول‬
‫الثالث فلنه حبس للنفس عن الزع والتسخط عند ورود القدار الؤلة‪.‬‬
‫أما الباعث عليه‪ :‬فهو ف قولنا ((ابتغاء وجه ال)) قال تعال ((ولربك فاصب)) فالصب‬
‫الذي ل يكون باعثه وجه ال ل أجر فيه وليس بحمود‪ ،‬وقد أثن ال ف كتابه على أول‬
‫اللباب الذين من أوصافهم ماذكره بقوله‪(( :‬والذين صبوا ابتغاء وجه ربم وأقاموا‬
‫الصلة‪ ،‬وأنفقوا ما رزقناهم سرا وعلنية))‪.‬‬
‫وهذا النص يشي إل حقيقة هامة جدا وهي أن صبغة الخلق ربانية فيه ليست أخلقا‬
‫وضعية أو مادية وإنا ربانية سواء من جهة مصدر اللزام با أو من جهة الباعث على‬
‫فعلها‪ ،‬فالعبد ل يفعلها تت رقابة بشرية حي تغيب ينفلت منها‪ ،‬بل يفعلها كل حي‬
‫وعلى كل حال لن الرقابة ربانية‪ ،‬والباعث إرادة وجه ال تعال‪.‬‬
‫ب – أهيته‪:‬‬
‫الصب‪ :‬أبرز الخلق الوارد ذكرها ف القرآن حت لقد زادت مواضع ذكره فيه عن مائة‬
‫موضع‪ ،‬وما ذلك إل لدوران كل الخلق عليه‪ ،‬وصدورها منه‪ ،‬فكلما قلبت خلقا أو‬
‫فضيلة وجدت أساسها وركيزتا الصب‪ ،‬فالعفة‪ :‬صب عن شهوة الفرج والعي الحرمة‪،‬‬
‫وشرف النفس‪ :‬صب عن شهوة البطن‪ ،‬وكتمان السر‪ :‬صب عن إظهار مال يسن إظهاره‬
‫من الكلم‪ ،‬والزهد‪ :‬صب عن فضول العيش‪ ،‬والقناعة‪ :‬صب على القدر الكاف من الدنيا‪،‬‬
‫واللم‪ :‬صب عن إجابة داعي الغضب‪ ،‬والوقار‪ :‬صب عن إجابة داعي العجلة والطيش‪،‬‬
‫والشجاعة‪ :‬صب عن داعي الفرار والرب‪ ،‬والعفو‪ :‬صب عن إجابة داعي النتقام‪ ،‬والود‪:‬‬
‫صب عن إجابة داعي البخل‪ ،‬والكيس‪ :‬صب عن إجابة داعي العجز والكسل وهذا يدلك‬
‫على ارتباط مقامات الدين كلها بالصب‪ ،‬لكن اختلفت الساء واتد العن‪ ،‬والذكي من‬
‫‪195‬‬

‫ينظر إل العان والقائق أولً ث ييل بصره إل السامي فإن العان هي الصول واللفاظ‬
‫توابع‪ ،‬ومن طلب الصول من التوابع زل‪ .‬ومن هنا ندرك كيف علق القرآن الفلح على‬
‫الصب وحده ((وجزاهم با صبوا جنة وحريرا)) ((أولئك يزون الغرفة با صبوا‪،‬‬
‫ويلقون فيها تية وسلما)) ((سلم عليكم با صبت فنعم عقب الدار))‪.‬‬
‫وترجع عناية القرآن البالغة بالصب إل ماله من قيمة كبية ف الياتي الدنيا والخرى‪،‬‬
‫فليس هو من الفضائل الثانوية‪ ،‬بل من الضرورات اللزمة الت ل انفكاك للنسان عنها‪،‬‬
‫فل ناح ف الدنيا ول نصر ول تكي إل بالصب‪ ،‬ول فلح ف الخرة ول فوز ول ناة‬
‫إل بالصب‪ ،‬فلول صب الزارع والدارس والقاتل وغيهم ماظفروا بقاصدهم‪:‬‬
‫وقلّ من جدّ ف أمر ياوله *** واستصحب الصب إل فاز بالظفر‬
‫وقال آخر‪:‬‬
‫ل تيأسن وإن طالت مطالبة *** إذا استعنت بصب أو ترى فرجا‬
‫أخلق بذي الصب أن يظى باجته *** ومدمن القرع للبواب أن يلجا‬
‫ولئن كان المر كذلك ف الدنيا‪ ،‬فهو ف الخرة أشد وأوكد‪ ،‬يقول أبو طالب الكي‪:‬‬
‫"اعلم أن الصب سبب دخول النة‪ ،‬وسبب النجاة من النار لنه جاء ف الب "حفت النة‬
‫بالكاره‪ ،‬وحفت النار بالشهوات"‪ ،‬فيحتاج الؤمن إل صب على الكاره ليدخل النة‪،‬‬
‫وإل صب عن الشهوات لينجو من النار"‪ .‬وقال‪" :‬اعلم أن كثرة معاصي العباد ف شيئي‪:‬‬
‫قلة الصب عما يبون‪ ،‬وقلة الصب على مايكرهون"‪.‬‬
‫وإذا كان هذا شأن الصب مع كل الناس‪ ،‬فأهل اليان أشد الناس حاجة إليه لنم‬
‫يتعرضون للبلء والذى والفت ((أل‪ ،‬أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم ل‬
‫يفتنون‪ ،‬ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن ال الذين صدقوا وليعلمن الكاذبي))‪ ،‬وقال‪:‬‬
‫((أم حسبتم أن تدخلوا النة ولا يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء‬
‫والضراء‪ ،‬وزلزلوا حت يقول الرسول والذين آمنوا معه مت نصر ال‪ ،‬أل إن نصر ال‬
‫قريب))‪ ،‬وكان التأكيد أشد ف قوله‪(( :‬لتبلون ف أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين‬
‫أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيا‪ ،‬وإن تصبوا وتتقوا فإن ذلك من‬
‫‪196‬‬

‫عزم المور))‪ ،‬لقد بينت الية أن قوى الكفر على ما بينها من اختلف متحدة ضد‬
‫السلم‪ ،‬وقرنت لبيان موقف الؤمني بي الصب والتقوى فل يكتفوا بالصب وحده حت‬
‫يضيفوا إليه تقواهم ل بتعففهم عن مقابلة الصم بثل أسلحته الدنيئة فل يواجه الدس‬
‫بالدس لن الؤمني تكمهم قيمهم الخلقية ف السلم والرب والرخاء والشدة‪ .‬ث‬
‫وصفت الية الذى السموع بأنه كثي‪ ،‬فل بد أن يوطن السلمون أنفسهم على ساع‬
‫الفتراء والزور والتلفيق والبهتان من عدوهم حت يأت نصر ال‪.‬‬
‫ورسل ال صلوات ال وسلمه عليهم أشد أهل اليان حاجة إل الصب لنم الذين‬
‫يقومون أساسا بالدعوة ويابون المم بالتغيي وهم حي يقومون بذلك يكون الواحد‬
‫منهم فردا ف مواجهة أمة تعانده وتكذبه وتعاديه‪ ،‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫"أشد الناس بلءً النبياء ث المثل فالمثل"‪ ،‬وكلما كان القوم أشد عنادا وأكثر إغراقا ف‬
‫الضلل كانت حاجة نبيهم إل الصب أكثر كأول العزم مثلً‪ ،‬نوح وإبراهيم وموسى‬
‫وعيسى عليهم الصلة والسلم‪.‬‬
‫لقد كانت أوامر الرب سبحانه لحمد عليه الصلة والسلم بالصب كثية ف القرآن وما‬
‫ذاك إل لنا دعوة شاملة تواجه أمم الرض كلها فخصومها كثيون وحاجة إمام الدعوة‬
‫إل الصب أعظم لقد واجه النب صلى ال عليه وسلم صنوف الذى البدن والنفسي والال‬
‫والجتماعي والدعائي وغيه‪ ،‬وقاوم ذلك كله بالصب الذي أمره به ال ف عشرين موضعا‬
‫ف القرآن كلها إبان العهد الكي لنه عهد البلء والفتنة والضعف وتسلط الكافر‪ ،‬وكان‬
‫ما قاله ال له‪(( :‬تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك‪ .‬ما كنت تعلمها أنت ول قومك من‬
‫قبل هذا فاصب إن العاقبة للمتقي))‪(( ،‬واصب وما صبك إل بال ول تزن عليهم ول تك‬
‫ف ضيق ما يكرون‪ ...‬الية))‪(( .‬واصب لكم ربك‪ ،‬فإنك بأعيننا‪ ،‬وسبح بمد ربك‬
‫حي تقوم))‪ .‬فأمر بالصب لكمه وهو سبحانه ل يكم إل بالق والعدل‪ ،‬وقال له‬
‫((فإنك بأعيننا)) فصيغة المع لزيادة التثبيت والتأنيس‪ ،‬وقال ال لوسى‪(( :‬ولتصنع على‬
‫عين)) ومن كان بعي ال ومرأى منه فلن يضيع ولن يغلب‪ ،‬ث أمر بالتسبيح كما أمره به‬
‫ف جلة آيات على أعقاب أمره بالصب‪ ،‬ولعل السر فيه أن التسبيح يعطى النسان شحنة‬

‫‪197‬‬

‫روحية تلو با مرارة الصب‪ ،‬ويمل التسبيح بمد ال معنيي جليلي لبد أن يرعاها من‬
‫ابتلي‪:‬‬
‫‪ -1‬تنيه ال تعال أن يفعل عبثا‪ ،‬بل كل فعله موافق للحكمة التامة‪ ،‬فبلؤه لكمة‪.‬‬
‫‪ -2‬أن له تعال ف كل منة منحة وف كل بلية نعماء ينبغي أن تذكر فتشكر وتمد وهذا‬
‫هو سر اقتران التسبيح بالمد هنا‪ .‬وف قوله (ربك) إيذان بكمال التربية ومزيد العناية‪.‬‬
‫ج – حكمه‪:‬‬
‫الصب من حيث الملة واجب‪ ،‬ويدل لذلك‪:‬‬
‫أ ‪ -‬أمر ال به ف غي ما آية قال تعال‪(( :‬استعينوا بالصب والصلة)) ((اصبوا‬
‫وصابروا))‪.‬‬
‫ب ‪ -‬نيه عن ضده كما ف قوله ((فل تولوهم الدبار)) وقوله ((ول تبطلوا أعمالكم))‬
‫((ول تنوا ول تزنوا)) ((فاصب كما صب أولو العزم من الرسل ول تستعجل لم))‪.‬‬
‫ج ‪ -‬أن ال رتب عليه خيي الدنيا والخرة وما كان كذلك كان تصيله واجبا‪ ،‬أما من‬
‫حيث التفصيل فحكمه بسب الصبور عنه أو عليه‪ ،‬فهو واجب على الواجبات وواجب‬
‫عن الحرمات‪ ،‬وهو مستحب عن الكروهات‪ ،‬ومكروه عن الستحبات‪ ،‬ومستحب على‬
‫الستحبات‪ ،‬ومكروه على الكروهات‪ ،‬وما يدل على أن الصب قد ل يكون لزما قوله‬
‫تعال ((وإن عاقبتم فعاقبوا بثل ما عوقبتم به‪ ،‬ولئن صبت لو خي للصابرين))‪ ،‬فالصب‬
‫عن مقابلة السيئة بثلها ليس واجبا بل مندوبا إليه‪.‬‬
‫وقد أمر ال الؤمني بالصب والصابرة والرابطة فقال‪(( :‬ياأيها الذين آمنوا اصبوا وصابروا‬
‫ورابطوا واتقوا ال لعلكم تفلحون))‪ ،‬وصيغة الصابرة تفيد الفاعلة من الانبي‪ ،‬والعن‬
‫هنا‪ :‬مغالبة العداء ف الصب‪ ،‬فإذا كنا نصب على حقنا‪ ،‬فإن الشركي يصبون على‬
‫باطلهم؛ فل بد أن نغلبهم بصابرتنا‪ ،‬ث أمرنا بالرابطة على تلك الصابرة والثبات عليها‬
‫لنحقق موعود ال ونظفر بالفلح‪ ،‬فانتقلت الية بالمر من الدن إل العلى فالصب مع‬
‫نفسك‪ ،‬والصابرة بينك وبي عدوك والرابطة‪ :‬الثبات وإعداد العدة‪ ،‬وكما أن الرباط‬
‫لزوم الثغر لئل يهجم منه العدو فكذلك الرباط أيضا لزوم ثغر القلب لئل يهجم منه‬
‫الشيطان فيملكه أو يربه أو يناله بأذى‪ .‬وعليه فقد يصب العبد ول يصابر‪ ،‬وقد يصابر ول‬

‫‪198‬‬

‫يرابط‪ ،‬وقد يصب ويصابر ويرابط من غي تعبد بالتقوى‪ ،‬فأخب سبحانه أن ملك ذلك كله‬
‫بالتقوى‪.‬‬
‫د – درجاته‪:‬‬
‫الصب نوعان‪ ،‬بدن ونفسي وكل منهما قسمان‪ :‬اختياري واضطراري‪ ،‬فصارت أربعة‪:‬‬
‫أ ‪ -‬بدن اختياري‪ ،‬كتعاطي العمال الشاقة‪.‬‬
‫ب ‪ -‬بدن اضطراري كالصب على أل الضرب‪.‬‬
‫ج ‪ -‬نفسي اختياري كصب النفس عن فعل مال يسن فعله شرعا ول عقلً‪.‬‬
‫د ‪ -‬نفسي اضطراري كصب النفس عن فقدان مبوبا الذي حيل بينها وبينه‪.‬‬
‫والبهائم تشارك النسان ف النوعي الضطراريي لكنه يتميز عليها بالنوعي الختياريي‪،‬‬
‫والصب الختياري أكمل من الضطراري‪ ،‬فإن الضطراري يشترك فيه الناس ويتأتى من‬
‫ل يتأتى منه الصب الختياري‪ ،‬ولذلك كان صب يوسف على مطاوعة امرأة العزيز وصبه‬
‫على ما ناله من السجن أعظم من صبه على ما ناله من إخوته لا ألقوه ف الب وفرقوا‬
‫بينه وبي أبويه‪ ،‬وباعوه بيع العبد‪ ،‬ومن الصب الختياري صبه على العز والتمكي الذي‬
‫أورثه ال إياه فجعله مسخرا لطاعة ال ول ينقله ذلك إل الكب والبطر‪ ،‬وكذلك كان‬
‫صب نوح والليل وموسى الكليم والسيح وممد صلى ال عليه وسلم فإن صبهم كان‬
‫على الدعوة إل ال وماهدة أعداء ال ولذا سوا أول العزم‪ ،‬وأمر ال رسوله أن يصب‬
‫كصبهم ((فاصب كما صب أولوا العزم من الرسل)) وناه عن أن يتشبه بصاحب الوت‬
‫حيث ل يصب فخرج مغاضبا قبل أن يؤذن له ((فاصب لكم ربك ول تكن كصاحب‬
‫الوت)) ولذا دارت قصة الشفاعة يوم القيامة على أول العزم حت ردوها إل خيهم‬
‫وأفضلهم وأصبهم‪.‬‬
‫واعلم أن الصب التعلق بالتكليف وهو صب إما على الطاعة أو عن العصية أفضل من الصب‬
‫على مر القدر فإن هذا الخي يأت به الب والفاجر والؤمن والكافر فلبد لكل أحد من‬
‫الصب على القدر اختيارا أو اضطرارا‪ ،‬أما الصب على الوامر وعن النواهي فهو صب أتباع‬
‫الرسل‪ ،‬والصب على الوامر أفضل من الصب عن النواهي لن فعل الأمور أحب إل ال‬
‫من ترك الحظور والصب على أحب المرين أفضل وأعلى‬

‫‪199‬‬

‫‪ -2‬فضائل الصب ف القرآن الكري‪:‬‬
‫حديث القرآن عن فضائل الصب كثي جدا‪ ،‬وهذه العجالة ل تستوعب كل ما ورد ف‬
‫ذلك لكن نتزىء منه با يلي‪:‬‬
‫‪ -1‬علق ال الفلح به ف قوله‪(( :‬ياأيها الذين آمنوا اصبوا وصابروا ورابطوا واتقوا ال‬
‫لعلكم تفلحون))‪.‬‬
‫‪ -2‬الخبار عن مضاعفة أجر الصابرين على غيه‪(( :‬أولئك يؤتون أجرهم مرتي با‬
‫صبوا)) وقال‪(( :‬إنا يوف الصابرون أجرهم بغي حساب))‪.‬‬
‫‪ -3‬تعليق المامة ف الدين به وباليقي‪(( :‬وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لا صبوا‪،‬‬
‫وكانوا بآياتنا يوقنون))‪.‬‬
‫‪ -4‬ظفرهم بعية ال لم ‪(( :‬إن ال مع الصابرين))‪.‬‬
‫‪ -5‬أنه جع لم ثلثة أمور ل تمع لغيهم‪(( :‬أولئك عليهم صلوات من ربم ورحة‬
‫وأولئك هم الهتدون))‪.‬‬
‫‪ -6‬أنه جعل الصب عونا وعدة‪ ،‬وأمر بالستعانة به ‪(( :‬واستعينوا بالصب والصلة))‪.‬‬
‫‪ -7‬أنه علق النصر بالصب والتقوى فقال‪(( :‬بلى إن تصبوا وتتقوا ويأتوكم من فورهم‬
‫هذا يددكم ربكم بمسة آلف من اللئكة مسومي))‪.‬‬
‫‪ -8‬أنه تعال جعل الصب والتقوى جنة عظيمة من كيد العدو ومكره فما استجن العبد‬
‫بأعظم منهما‪(( :‬وإن تصبوا وتتقوا ليضركم كيدهم شيئا))‪.‬‬
‫‪ -9‬أن اللئكة تسلم ف النة على الؤمني بصبهم ((واللئكة يدخلون عليهم من كل‬
‫باب سلم عليكم با صبت فنعم عقب الدار))‪.‬‬
‫‪ -10‬أنه سبحانه رتب الغفرة والجر الكبي على الصب والعمل الصال فقال‪(( :‬إل الذين‬
‫صبوا وعملوا الصالات أولئك لم مغفرة وأجر كبي))‪.‬‬
‫‪ -11‬أنه سبحانه جعل الصب على الصائب من عزم المور‪ :‬أي ما يعزم من المور الت‬
‫إنا يعزم على أجلها وأشرفها‪(( :‬ولن صب وغفر إن ذلك من عزم المور))‪.‬‬
‫‪ -12‬أنه سبحانه جعل مبته للصابرين‪(( :‬وال يب الصابرين))‪.‬‬

‫‪200‬‬

‫‪ -13‬أنه تعال قال عن خصال الي‪ :‬إنه ل يلقاها إل الصابرون‪(( :‬وما يلقاها إل الذين‬
‫صبوا وما يلقاها إل ذو حظ عظيم))‪.‬‬
‫‪ -14‬أنه سبحانه أخب أنا ينتفع بآياته ويتعظ با الصبار الشكور‪(( :‬إن ف ذلك ليات‬
‫لكل صبار شكور))‪.‬‬
‫‪ -15‬أنه سبحانه أثن على عبده أيوب أجل الثناء وأجله لصبه فقال‪(( :‬إنا وجدناه‬
‫صابرا نعم العبد إنه أواب))‪ ،‬فمن ل يصب فبئس العبد هو‪.‬‬
‫‪ -16‬أنه حكم بالسران التام على كل من ل يؤمن ويعمل الصالات ول يكن من أهل‬
‫الق والصب‪(( :‬والعصر‪ ،‬إن النسان لفي خسر إل الذين آمنوا‪ ...‬السورة))‪.‬‬
‫قال المام الشافعي‪":‬لو فكر الناس كلهم ف هذه الية لوسعتهم‪ ،‬وذلك أن العبد كماله ف‬
‫تكميل قوتيه‪ :‬قوة العلم‪ ،‬وقوة العمل‪ ،‬وها‪ :‬اليان والعمل الصال وكما هو متاج‬
‫لتكميل نفسه فهو متاج لتكميل غيه‪ ،‬وهو التواصي بالق‪ ،‬وقاعدة ذلك وساقه إنا يقوم‬
‫بالصب"‪.‬‬
‫‪ -17‬أنه سبحانه خص أهل اليمنة بأنم أهل الصب والرحة الذين قامت بم هاتان‬
‫الصلتان ووصوا بما غيهم فقال تعال‪(( :‬ث كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصب‬
‫وتواصوا بالرحة‪ ،‬أولئك أصحاب اليمنة))‪.‬‬
‫‪ -18‬أنه تبارك وتعال قرن الصب بقامات اليان وأركان السلم وقيم السلم ومثله‬
‫العليا‪ ،‬فقرنه بالصلة ((واستعينوا بالصب والصلة)) وقرنه بالعمال الصالة عموما ((إل‬
‫الذين صبوا وعملوا الصالات))‪ ،‬وجعله قرين التقوى ((إنه من يتق ويصب))‪ ،‬وقرين‬
‫الشكر ((إن ف ذلك ليات لكل صبار شكور))‪ ،‬وقرين الق ((وتواصوا بالق وتواصوا‬
‫بالصب))‪ ،‬وقرين الرحة ((وتواصوا بالصب وتواصوا بالرحة))‪ ،‬وقرين اليقي ((لا صبوا‬
‫وكانوا بآياتنا يوقنون))‪ ،‬وقرين التوكل ((نعم أجر العاملي))‪(( ،‬الذين صبوا وعلى ربم‬
‫يتوكلون))‪ ،‬وقرين التسبيح والستغفار ((فاصب إن وعد ال حق واستغفر لذنبك وسبح‬
‫بمد ربك بالعشي والبكار))‪ ،‬وقرنه بالهاد ((ولنبلونكم حت نعلم الجاهدين منكم‬
‫والصابرين))‪.‬‬

‫‪201‬‬

‫‪ -19‬إياب الزاء لم بأحسن أعمالم ((ولنجزين الذين صبوا أجرهم بأحسن ماكانوا‬
‫يعملون))‪.‬‬
‫وبعد‪ ،‬فهذا غيض من فيض ف باب فضائل الصب ولول الطالة لسترسلنا ف ذكر تلك‬
‫الفضائل والنازل‪ ،‬ولعل فيما ذكر عبة ودافع على الصب فال الستعان‪.‬‬
‫‪ -3‬مالت الصب ف القرآن الكري‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الصب على بلء الدنيا‪:‬‬
‫لقد أخبنا ال تعال بطبيعة الياة الدنيا‪ ،‬وأنا خلقت مزوجة بالبلء والفت فقال‪(( :‬لقد‬
‫خلقنا النسان ف كبد)) أي مشقة وعناء‪ ،‬وأقسم على ذلك بقوله‪(( :‬ولنبلونكم بشيء‬
‫من الوف والوع ونقص من الموال والنفس والثمرات‪ ،‬وبشر الصابرين الذين إذا‬
‫أصابتهم مصيبة قالوا إنا ل وإنا إليه راجعون‪ ،‬أولئك عليهم صلوات من ربم ورحة‬
‫وأولئك هم الهتدون‪ ))،‬وإذا أطلق الصب فل يكاد ينصرف إل غيه عند كثي من الناس‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الصب على مشتهيات النفس‪:‬‬
‫وهو ما يسمى بالسراء فإن الصب عليها أشد من الصب على الضراء‪ ،‬قال بعضهم‪ :‬البلء‬
‫صدّيق‪ ،‬وقال عبد الرحن بن عوف‪" :‬ابتلينا‬
‫يصب عليه الؤمن والعافية ل يصب عليها إل ِ‬
‫بالضراء فصبنا‪ ،‬وابتلينا بالسراء فلم نصب"‪ .‬إن الؤمن مطالب بأن ل يطلق لنفسه العنان‬
‫ف الري وراء شهواتا لئل يرجه ذلك إل البطر والطغيان وإهال حق ال تعال فيما آتاه‬
‫وبسط له‪ ،‬قال تعال‪(( :‬ياأيها الذين آمنوا ل تلهكم أموالكم ول أولدكم عن ذكر ال‬
‫ومن يفعل ذلك فأولئك هم الاسرون))‪ ،‬ويكن أن نمل حاجة النسان إل الصب ف‬
‫هذا النوع بأربعة أمور ‪:‬‬
‫‪ -1‬أن ل يركن إليها‪ ،‬ول يغتر با‪ ،‬ول تمله على البطر والشر والفرح الذموم الذي ل‬
‫يب ال أهله‪.‬‬
‫‪ -2‬أن ل ينهمك ف نيلها ويبالغ ف استقصائها‪ ،‬فإنا تنقلب إل أضدادها‪ ،‬فمن بالغ ف‬
‫الكل والشرب والماع انقلب ذلك إل ضده‪ ،‬وحرم الكل والشرب والماع‪.‬‬
‫‪ -3‬أن يصب على أداء حق ال تعال فيها‪ ،‬ول يضيعه فيسلبها‪.‬‬

‫‪202‬‬

‫‪ -4‬أن يصب عن صرفها ف الرام‪ ،‬فل يكن نفسه من كل ما تريده منها‪ ،‬فإنا توقعه ف‬
‫الرام‪ ،‬فإن احترز كل الحتراز أوقعته ف الكروه‪ ،‬ول يصب على السراء إل الصديقون‬
‫وإنا كان الصب على السراء شديدا لنه مقرون بالقدرة‪ ،‬والائع عند غيبة الطعام أقدر‬
‫منه على الصب عند حضوره‪.‬‬
‫وما يدخل ف هذا النوع من الصب‪ ،‬الصب عن التطلع إل مابيد الخرين من الدنيا‪ ،‬والصب‬
‫عن الغترار با ينعمون به من مال وبني قال تعال‪(( :‬أيسبون أنا ندهم به من مال‬
‫وبني‪ ،‬نسارع لم ف اليات بل ل يشعرون)) وقد نى ال ورسوله صلى ال عليه وسلم‬
‫عن ذلك بقوله‪(( :‬ول تدن عينيك إل ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الياة الدنيا لنفتنهم‬
‫فيه‪ ،‬ورزق ربك خي وأبقى))‪ ،‬فالؤمن من يعتز بنعمة الداية ويعلم أنا هم فيه من الدنيا‬
‫ظل زائل وعارية مستردة ول يبال بظاهر الفخامة الت يتبجح با الطغاة‪ ،‬لقد قال الذين‬
‫يريدون الياة الدنيا لا رأوا قارون ف زينته ((يا ليت لنا مثل ما أوت قارون‪ ،‬إنه لذو حظ‬
‫عظيم))‪ ،‬أما أهل العلم واليان فقالوا‪(( :‬ويلكم ثواب ال خي لن آمن وعمل صالا ول‬
‫يلقاها إل الصابرون))‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الصب على طاعة ال تعال‪:‬‬
‫إن الصب على طاعة ال أعظم مالت الصب وهو لذلك أشدها على النفوس وقد جاءت‬
‫صيغة المر بالصب على الطاعة مغايرة لغيها فقال تعال‪(( :‬رب السماوات والرض وما‬
‫بينهما فاعبده واصطب لعبادته‪ ،‬هل تعلم له سيا))‪ ،‬وقال‪(( :‬وأمر أهلك بالصلة واصطب‬
‫عليها‪ ،‬ل نسألك رزقا نن نرزقك والعاقبة للتقوى))‪ ،‬فاستخدم صيغة الفتعال وهو يدل‬
‫على البالغة ف الفعل إذ زيادة البن تدل على زيادة العن‪ ،‬وما ذاك إل لشقة ماهدة‬
‫النفوس على القيام بق العبودية ف كل الحوال‪ .‬واعلم أن الصب على الطاعة له ثلث‬
‫أحوال‪:‬‬
‫‪ -1‬قبل الطاعة‪ ،‬بتصحيح النية والصب على شوائب الرياء‪ ،‬وعقد العزم على الوفاء ولعل‬
‫هذا يظهر سر تقدي الصب على العمل الصال ف قوله‪(( :‬إل الذين صبوا وعملوا‬
‫الصالات أولئك لم مغفرة وأجر كبي))‪.‬‬

‫‪203‬‬

‫‪ -2‬حال الطاعة بأن ل يغفل عن ال فيها‪ ،‬ول يتكاسل عن تقيق آدابا وسننها‪ ،‬ولعله‬
‫الراد بقوله‪(( :‬نعم أجر العاملي‪ ،‬الذين صبوا وعلى ربم يتوكلون)) صبوا إل تام‬
‫العمل‪.‬‬
‫‪ -3‬بعد الفراغ منها فيصب على عدم افشائها والراءاة والعجاب با‪ ،‬وترك ما يبطلها قال‬
‫تعال‪(( :‬ول تبطلوا أعمالكم))‪ ،‬وقال‪(( :‬ل تبطلوا صدقاتكم بالن والذى))‪.‬‬
‫د ‪ -‬الصب على مشاق الدعوة إل ال‪:‬‬
‫غي خاف عليك ضرورة صب الداعية على ما يلقيه ف دعوته‪ ،‬فإنه يأت الناس با ل‬
‫يشتهونه ول يألفونه‪ ،‬وبا يالف ما وجدوا عليه آباءهم‪ ،‬فلذلك يقاومون الدعوة بكل ما‬
‫أوتوا من قوة‪ ،‬ويوصلون الذى بالداعية ما استطاعوا إل ذلك سبيلً‪.‬‬
‫ إن اعراضهم عن الدعوة يتاج إل صب كصب نوح الذي بقي ف قومه يدعوهم ألف‬‫سنة إل خسي عاما وحكى ال عنه قوله‪(( :‬رب إن دعوت قومي ليلً ونارا فلم يزدهم‬
‫دعائي إل فرارا‪ ،‬وإن كلما دعوتم لتغفر لم جعلوا أصابعهم ف آذانم واستغشوا ثيابم‪،‬‬
‫وأصروا واستكبوا استكبارا‪ ...‬الية))‪.‬‬
‫ وما ييكه الغرضون من مؤامرات الكيد الت تؤذي الداعية ف أهله ونفسه وماله تتاج‬‫إل صب‪ ،‬وهذا ما أكده ال تعال بقوله‪(( :‬لتبلون ف أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من‬
‫الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيا‪ ،‬وإن تصبوا وتتقوا‪ ،‬فإن‬
‫ذلك من عزم المور))‪ ،‬وقد أمر ال رسوله بقوله‪(( :‬واصب على ما يقولون واهجرهم‬
‫هجرا جيلً))‪ ،‬وقد أجع النبياء على رد أذى أقوامهم بالصب ((ولنصبن على ما‬
‫آذيتمونا‪ ،‬وعلى ال فليتوكل التوكلون))‪(( ،‬ولقد كذبت رسل من قبلك فصبوا على ما‬
‫كذبوا وأوذوا حت أتاهم نصرنا‪ ،‬ول مبدل لكلمات ال))‪ ،‬وسحرة فرعون لا وقر اليان‬
‫ف قلوبم قابلوا تديده بالقتل والصلب بقولم ((إنا إل ربنا منقلبون‪ ،‬وما تنقم منا إل أن‬
‫آمنا بآيات ربنا لا جاءتنا‪ ،‬ربنا أفرغ علينا صبا‪ ،‬وتوفنا مسلمي))‪.‬‬
‫ إن طول الطريق‪ ،‬واستبطاء النصر يتاج إل صب‪ ،‬وصب حار شديد ولذا خوطب‬‫الؤمنون ف القرآن بقوله تعال‪(( :‬أم حسبتم أن تدخلوا النة ولا يأتكم مثل الذين خلوا‬
‫من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا‪ ،‬حت يقول الرسول والذين آمنوا معه مت نصر‬

‫‪204‬‬

‫ال‪ ،‬أل إن نصر ال قريب))‪ ،‬وقوله‪(( :‬حت إذا استيأس الرسل وظنوا أنم قد كذبوا‬
‫جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ول يرد بأسنا عن القوم الجرمي))‪.‬‬
‫هـ الصب حي البأس ‪:‬‬
‫أي الصب ف الرب وعند لقاء العدو والتحام الصفوف‪ ،‬فالصب ثَ ّم شرط للنصر‪ ،‬والفرار‬
‫كبية‪ ،‬وقد أثن ال تعال على الصابرين ف ساعة القتال فقال ف آية الب‪(( :‬والصابرين ف‬
‫البأساء)) أي الفقر ((والضراء)) أي الرض‪ ،‬وحي البأس‪(( ،‬أولئك الذين صدقوا وأولئك‬
‫هم التقون)) ويوجبه على عباده بقوله‪(( :‬ياأيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا‬
‫ال كثيا لعلكم تفلحون‪ ،‬وأطيعوا ال ورسوله ول تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريكم‬
‫واصبوا‪ ،‬إن ال مع الصابرين))‪.‬‬
‫وعندما تضطرب أمور العركة‪ ،‬وينفرط عقدها تكون الاجة إل الصب أعظم وأشد كما‬
‫حدث ف أحد حي انكشف السلمون وشاع أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قتل‪،‬‬
‫انفل فريق من السلمي منهزمي‪ ،‬وصب آخرون فنل من القرآن إشادة بن صبوا‪،‬‬
‫وإنكار على أولئك‪(( :‬أم حسبتم أن تدخلوا النة ولا يعلم ال الذين جاهدوا منكم ويعلم‬
‫الصابرين)) ث ل يعذرهم ف فرارهم وانزامهم ((وما ممد إل رسول قد خلت من قبله‬
‫الرسل‪ ،‬أفإين مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم‪ ،‬ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر ال‬
‫شيئا‪ ،‬وسيجزي ال الشاكرين)) إل أن قال‪(( :‬وكأين من نب قاتل معه ربيون كثي فما‬
‫وهنوا لا أصابم ف سبيل ال وما ضعفوا وما استكانوا وال يب الصابرين))‪.‬‬
‫وقد حدثنا عن الثلة الؤمنة مع طالوت عندما انتصرت لا اعتصمت بالصب‪ ،‬وقد اختب‬
‫طالوت من معه بقوله‪(( :‬إن ال مبتليكم بنهر‪(( ))..‬فصب ثلة مؤمنة على ترك الشرب من‬
‫النهر إل غرفة باليد)) ((فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه‪ ،‬قالوا ل طاقة لنا اليوم بالوت‬
‫وجنوده‪ ،‬قال الذين يظنون أنم ملقوا ال‪ ،‬كم من فئة قليلة غلبت فئة كثية بإذن ال‬
‫وال مع الصابرين‪ ،‬ولا برزوا لالوت وجنوده قالوا‪ :‬ربنا أفرغ علينا صبا‪ ،‬وثبت أقدامنا‬
‫وانصرنا على القوم الكافرين))‪ ،‬لقد سألوا ال حي اللقاء صبا وأوعبوا‪ ،‬فقالوا ((أفرغ))‪،‬‬
‫إذ هم باجة إل صب كثي‪ ،‬وكانت النتيجة ((فهزموهم بإذن ال‪ ،‬وقتل داود‬
‫جالوت‪.)) ..‬‬

‫‪205‬‬

‫و ‪ -‬الصب ف مال العلقات النسانية‪:‬‬
‫ل تستقيم الياة مع الناس إل بالصب بدءا بأقرب من يعاشرك وهي الزوجة وانتهاءً بأبعد‬
‫الناس عنك‪ ،‬وقد قال ال تعال مبينا ما ينبغي أن يتحلى به الزوج من صب ف مواجهة‬
‫مشاكل الزوجية‪(( :‬وعاشروهن بالعروف‪ ،‬فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويعل‬
‫ال فيه خيا كثيا))‪ ،‬أي فاصبوا فعاقبة الصب حيدة‪ ،‬ويوصي ال عباده بالصب على ما‬
‫يلقونه من الناس من ضر‪ ،‬وأن ل يقابلوا السيئة بثلها فيقول‪(( :‬ول تستوي السنة ول‬
‫السيئة‪ ،‬ادفع بالت هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ول حيم‪ ،‬وما يلقاها إل‬
‫الذين صبوا‪ ،‬وما يلقاها إل ذو حظ عظيم))‪.‬‬
‫وما يُنظم ف هذا العقد صب التلميذ على التعلم والعلم‪ ،‬وهذا ما حدثنا عنه ف القرآن‬
‫عندما ذهب موسى إل الضر ليعلمه ما علمه ال‪ ،‬قال له الضر إما لن ال أخبه‬
‫بالقيقة أو تييجا على الصب ‪-‬قال‪(( :‬إنك لن تستطيع معي صبا‪ ،‬وكيف تصب على‬
‫مال تط به خبا))‪ ،‬فتعهد موسى بالصب ‪ -‬قال‪(( :‬ستجدن إن شاء ال صابرا))‪...‬‬
‫‪ -4‬السباب العينة على الصب‪:‬‬
‫أ ‪ -‬العرفة بطبيعة الياة الدنيا‪:‬‬
‫إن من عرف طبيعة الدنيا وما جبلت عليه من الكدر والشقة والعناء هان عليه ما يبتلى به‬
‫فيها لنه وقع ف أمر يتوقعه‪ ،‬والشيء من معدنه ل يستغرب‪ ،‬وقد عرفنا ال بذه القيقة‬
‫فقال‪(( :‬لقد خلقنا النسان ف كبد))‪ ،‬أي ف مشقة وعناء‪ ،‬وقال‪(( :‬ياأيها النسان إنك‬
‫كادح إل ربك كدحا فملقيه))‪ ،‬وبي جل جلله أنا ل تدوم على حال بل يوم لك‬
‫ويوم عليك ((إن يسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله‪ ،‬وتلك اليام نداولا بي‬
‫الناس))‪.‬‬
‫إن من ل يعرف هذه القيقة سيفاجأ بوقائع الحداث تصب على رأسه صبا فيظن أنه‬
‫الوحيد من بي بن النسان الذي يصاب بذلك لشؤمه وسوء حظه‪ ،‬ولذلك يبادر بعضهم‬
‫بالجهاز على نفسه بالنتحار‪ ،‬لنه ما علم أن لكل فرحة ترحة وما كان ضحك إل كان‬
‫بعده بكاء‪ ،‬وما ملئ بيت حبة إل ملىء عبة‪ ،‬وما عبت دار من السرور إل عبت من‬
‫الزن‪" ،‬وأنه لو فتش العال ل ير فيه إل مبتلى‪ :‬إما بفوات مبوب أو حصول مكروه‪ ،‬وأن‬
‫‪206‬‬

‫سرور الدنيا أحلم نوم أو كظل زائل‪ ،‬إن أضحكت قليلً أبكت كثيا‪ ،‬وإن سرت يوما‬
‫أساءت دهرا‪ ،‬وإن متعت قليلً‪ ،‬منعت طويلً‪."...‬‬
‫ب ‪ -‬معرفتك بأنك وما بيدك ملك ل تعال ومرجعك إليه‪:‬‬
‫قال تعال‪(( :‬ومابكم من نعمة فمن ال))‪ ،‬وقد علمنا ف كتاب ربنا أن نقول عند حلول‬
‫الصائب‪(( :‬إنا ل وإنا إليه راجعون))‪ ،‬يقول ابن القيم‪" :‬وهذه الكلمة من أبلغ علج‬
‫الصاب‪ ،‬وأنفعه له ف عاجلته وآجلته‪ ،‬فإنا تتضمن أصلي عظيمي‪ ،‬إذا تقق العبد‬
‫بعرفتهما تسلى عن مصيبته‪:‬‬
‫أحدها‪ :‬أن العبد وأهله وماله ملك ل عز وجل‪ ،‬وقد جعل عند العبد عارية‪ .‬وأيضا‪ ،‬فإنه‬
‫مفوف بعدمي‪ ،‬عدم قبله‪ ،‬وعدم بعده حت يكون ملكه حقيقة‪ ،‬ول هو الذي يفظه من‬
‫الفات بعد وجوده‪ ،‬ول يبقى عليه وجوده‪ ،‬فليس له فيه تأثي ول ملك حقيقي‪.‬‬
‫والثان‪ :‬أن مصي العبد ومرجعه إل ال موله الق‪ ،‬ولبد أن يلف الدنيا وراء ظهره‪.‬‬
‫وييء ربه فردا كما خلقه أول مرة‪ ،‬بل أهل ول مال ول عشية‪ ،‬ولكن بالسنات‬
‫والسيئات‪ ،‬فإذا كانت هذه بدايته ونايته‪ ،‬فكيف يفرح بوجود ويأسى على مفقود؟‬
‫ففكره ف مبدئه ومعاده أعظم علج هذا الداء« ولذلك يقال عند تعزية الصاب (إن ل‬
‫ماأخذ وله ما أعطى‪ ،‬وكل شيء عنده بأجل مسمى)‪ .‬وقد أدركت أم سليم هذا العن‬
‫عندما توف ابنها‪ ،‬فلما جاء أبوه (أبو طلحة) يسأل عنه قالت‪ :‬قد هدأت نفسه‪ ،‬وأرجو أن‬
‫يكون قد استراح (تعن الوت‪ ،‬وقد ظن أنا تريد النوم لجيء العافية) وكانت قد هيأت‬
‫نفسها لزوجها فتعرضت له فأصاب منها فلما أراد الروج لصلة الفجر‪ ،‬قالت له‪ :‬يا أبا‬
‫طلحة‪ ،‬أرأيت لو أن قوما أعاروا أهل بيت عارية‪ ،‬فطلبوا عاريتهم‪ ،‬ألم أن ينعوهم؟ قال‪:‬‬
‫ل‪ ،‬إن العارية مؤداة إل أهلها‪ ،‬فقالت‪ :‬إن ال أعارنا فلنا ث أخذه منه فاسترجع‪ ...‬إل‬
‫آخر القصة‪.‬‬
‫ج ‪ -‬اليقي بسن الزاء عند ال تعال‪:‬‬
‫أن ما يرغب النسان ف العمل‪ ،‬ويزيده ثباتا فيه علمه بسن جزائه ف الخرة ول ند ف‬
‫القرآن شيئا ضخم جزاؤه وعظم أجره مثل الصب فيقول نعم أجر العاملي الذين صبوا‬
‫وعلى ربم يتوكلون ويقول مبينا أن الصابرين يزون بأحسن ماعملوا‪(( :‬ما عندكم ينفد‬

‫‪207‬‬

‫وما عند ال باق‪ ،‬ولنجزين الذين صبوا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون))‪ ،‬ويصرح بأن‬
‫أجرهم غي معدود ول مدود فيقول‪(( :‬إنا يوف الصابرون أجرهم بغي حساب))‪ ،‬وقد‬
‫ذُكّر الؤمنون بذه القيقة ف الكلمة الت أمروا أن يقولوها عند حلول الصائب‪(( :‬إنا ل‬
‫وإنا إليه راجعون))‪ ،‬فيتذكرون أنم سيجعون إل ال فيجزيهم على عملهم وصبهم‬
‫أحسن الزاء وأوفاه‪.‬‬
‫يقول أبو طالب الكي‪" :‬وأصل قلة الصب‪ :‬ضعف اليقي بسن جزاء من صبت له‪ ،‬لنه‬
‫لو قوي يقينه‪ ،‬كان الجل من الوعد عاجلً إذا كان الواعد صادقا‪ ،‬فيحسن صبه لقوة‬
‫الثقة بالعطاء‪."...‬‬
‫د ‪ -‬الثقة بصول الفرج‪:‬‬
‫إن يقي العبد بأن النصر مقرون بالصب وأن الفرج آت بعد الكرب وأن مع العسر يسرا‬
‫يقويه على الصب على ما يلقيه‪ ،‬وقد كثرت اليات الدالة على هذا العن لا له من أثر ف‬
‫مزيد التحمل والثبات‪ ،‬قال تعال‪(( :‬فإن مع العسر يسرا‪ ،‬إن مع العسر يسرا))‪ ،‬قال‬
‫بعضهم‪" :‬لن يغلب عسر يسرين" يقصد بذلك أن العسر ورد معرفة ف الوضعي والعرفة‬
‫إذا كررت ف الملة ل تفيد التعدد بلف النكرة وهي الت ورد به اليسر ف الوضعي‪،‬‬
‫فإذا قلت‪ :‬جاء الرجل وأكرمت الرجل‪ ،‬كان الرجل ف الواطني واحدا‪ ،‬وإذا قلت‪ :‬جاء‬
‫رجلٌ وأكرمت رجلً‪ ،‬كان القصود رجلي‪ .‬وقد جعل العسر ف اليتي مع العسر ل بعده‬
‫أو عقبه لينبه إل قرب تققه بعده حت كأنه معه ولينبه أيضا إل أن كل عسر مقرون‬
‫بيسر وأكثر فما من مصيبة يبتلى با عبد إل ول فيه إلطاف بأن ل يعلها على نو أعظم‬
‫أو أكب أو أطول ما هي عليه‪.‬‬
‫وقد تكرر ف القرآن المر بالصب مقرونا بالتذكي بأن وعد ال حق ل يتخلف أبدا قال‬
‫تعال‪(( :‬وعد ال ل يلف ال اليعاد))‪ ،‬وقال‪(( :‬فاصب إن وعد ال حق‪ ،‬ول يستخفنك‬
‫الذين ل يوقنون))‪.‬‬
‫إن اشتداد الزمة ف سنن ال تعن قرب انبلج الفجر وظهور طلئع النصر كما قيل‪:‬‬
‫اشتدي أزمةُ تنفرجي قد آذن ليلك بالبلج‬

‫‪208‬‬

‫ولذا ند يعقوب يكون أمله ف العثور على يوسف أشد عندما أخذ ابنه الثان فيقول‪:‬‬
‫((فصب جيل عسى ال أن يأتين بم جيعا))‪ ،‬وقال لبنائه ((يا بن اذهبوا فتحسسوا من‬
‫يوسف وأخيه‪ ،‬ول تيأسوا من روح ال‪ ،‬إنه ل ييأس من روح ال إل القوم الكافرون))‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬الستعانة بال‪:‬‬
‫ما يعي البتلى على الصب أن يستعي بال تعال ويلجأ إل حاه فيشعر بعيته سبحانه وأنه‬
‫ف حايته ورعايته‪ ،‬ومن كان ف حى ربه فلن يضام ولذا قال موسى لقومه بعد أن هددهم‬
‫فرعون با هددهم به ((استعينوا بال واصبوا‪ ،‬إن الرض ل يورثها من يشاء من عباده‬
‫والعاقبة للمتقي))‪.‬‬
‫إذا ل يكن عون من ال للفت فأكثر ما ين عليه اجتهاده‬
‫ولعل حاجة الصابرين إل الستعانة بال تعال والتوكل عليه هي بعض أسرار اقتران الصب‬
‫بالتوكل على ال ف آيات كثية كقوله ((نعم أجر العاملي‪ ،‬الذين صبوا وعلى ربم‬
‫يتوكلون))‪ ،‬وقوله عن رسله‪(( :‬ولنصبن على ما آذيتمونا‪ ،‬وعلى ال فليتوكل‬
‫التوكلون))‪.‬‬
‫و ‪ -‬القتداء بأهل الصب‪:‬‬
‫إن التأمل ف سي الصابرين يعطي النسان شحنة دافعة على الصب‪ ،‬ومن هنا ندرك سر‬
‫حرص القرآن الكي على ذكر صب النبياء على ما لقوه من أمهم وهذا ما صرح ال به‬
‫ل نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك ف هذه الق‬
‫ف قوله‪(( :‬وك ً‬
‫وموعظة وذكرى للمؤمني))‪ ،‬وقال ال‪(( :‬ولقد كذبت رسل من قبلك فصبوا على ما‬
‫كذبوا وأوذوا حت أتاهم نصرنا‪ ،‬ول مبدل لكلمات ال‪ ،‬ولقد جاءك من نبإي الرسلي))‬
‫[النعام‪ ،]34/‬وجاء المر صريا لرسول ال صلى ال عليه وسلم بالقتداء بالصابرين‬
‫قبله‪(( :‬فاصب كما صب أولو العزم من الرسل‪ ،‬ول تستعجل لم))‪ ،‬وحي نزل البلء‬
‫بأصحاب رسول ال صلى ال عليه وسلم جاءهم التذكي ببلء من كان قبلهم‪(( :‬أحسب‬
‫الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم ل يفتنون‪ ،‬ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن ال‬
‫الذين صدقوا وليعلمن الكاذبي))‪ ،‬وقال لم‪(( :‬أم حسبتم أن تدخلوا النة ولا يأتكم مثل‬

‫‪209‬‬

‫الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حت يقول الرسول والذين آمنوا‬
‫معه مت نصر ال‪ ،‬أل إن نصر ال قريب))‪.‬‬
‫ز ‪ -‬اليان بقدر ال‪:‬‬
‫إن إيان العبد بقدر ال النافذ واستسلمه له أكب عون على تشم مصاعب الصائب‪،‬‬
‫وعلم العبد بأن ما أصابه ل يكن ليخطئه‪ ،‬وما أخطأه ل يكن ليصيبه برد من اليقي يصب‬
‫على فؤاده‪ ،‬قال تعال‪(( :‬ما أصاب من مصيبة ف الرض ول ف أنفسكم إل ف كتاب من‬
‫قبل أن نبأها‪ ،‬إن ذلك على ال يسي‪ ،‬لكيل تأسوا على مافاتكم ول تفرحوا با آتاكم))‪،‬‬
‫وركون الؤمن إل قدر ال ف مثل هذا القام واحتجاجه به أمر ل غبار عليه لنه إحالة‬
‫على القدر فيما ل اختيار للعبد فيه‪.‬‬
‫واعلم أن الزع واللع والتبم والضيق ليرد من قدر ال شيئا فلبد من الصب أول المر‬
‫لئل يرم العبد من الثوبة ولئن ل يصب أول الصدمة فسيصب بعد ذاك رغم أنفه ول أجر‬
‫له‪ ،‬قال حكيم‪" :‬العاقل يفعل ف أول يوم من الصيبة ما يفعله الاهل بعد السبعة أيام"‪ .‬إن‬
‫البالغة ف التشكي والتبم ل يغي من الواقع شيئا بل يزيد النفس ها وكمدا ولذا قال ال‬
‫لرسوله‪(( :‬قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون‪ ،‬فإنم ل يكذبوك‪ ،‬ولكن الظالي بآيات ال‬
‫يحدون‪ .‬ولقد كذبت رسل من قبلك فصبوا على ما كذبوا وأوذوا حت أتاهم نصرنا‬
‫ول مبدل لكلمات ال‪ ،‬ولقد جاءك من نبأ الرسلي‪ .‬وإن كان كب عليك إعراضهم فإن‬
‫استطعت أن تبتغي نفقا ف الرض أو سلما ف السماء فتأتيهم بآية‪ ،‬ولو شاء ال لمعهم‬
‫على الدى فل تكونن من الاهلي)) [النعام‪ ،]35-33/‬فأزال الوحشة عن قلب‬
‫الرسول صلى ال عليه وسلم ف أول آية بأن تكذيبهم ليس للرسول وإنا هو ل تعال‪ ،‬ث‬
‫عزاه ف الثانية وسله با حدث لرسل ال فصبوا‪ ،‬ث قال له‪ :‬إن شق عليك إعراضهم‬
‫وذهبت نفسك عليهم حسرات وضاق صدرك فليس لك إل الصب‪ ،‬وإل فافعل ما بدا لك‬
‫فإن استطعت أن تبتغي نفقا ف الرض ترب منه أو سلما ف السماء‪ ،‬تصعد عليه فدونك‬
‫فافعل‪]1[ .‬‬
‫الفات العيقة عن الصب‪:‬‬

‫‪210‬‬

‫‪ -1‬الستعجال‪ :‬النفس موكولة بب العاجل ((خلق النسان من عجل))‪ ،‬فإذا أبطأ على‬
‫النسان ما يريد نفد صبه وضاق صدره واستعجل قطف الثمرة قبل أوانا فل هو ظفر‬
‫بثمرة طيبة ول هو أت السي‪ ،‬ولذا قال ال تعال لنبيه صلى ال عليه وسلم‪((:‬فاصب كما‬
‫صب أولو العزم من الرسل‪ ،‬ول تستعجل لم))‪ ،‬أي العذاب فإن له يوما موعودا‪.‬‬
‫لقد باءت بعض الدعوات بالفشل ول تؤت ثرتا الرجوة بعلة الستعجال‪ ،‬ولو أنم‬
‫صبوا لكان خيا لم‪ ،‬ثار بعضهم على الطغيان ولا يقم على ساقه ويشتد عوده وتكتمل‬
‫آلته وتنضج دعوته وتتد قاعدته فقضي على الدعوة ووئد الداعية وذهب الثنان ف خب‬
‫كان‪ .‬والديث عن الستعجال أطول من هذا ولكن ف الشارة للبيب ما يغن عن‬
‫العبارة‪.‬‬
‫‪ -2‬الغضب‪ :‬قد يرى الداعية من الدعوين مال يليق فيستفزه الغضب فيدفعه إل مال‬
‫يسن به ما يسيء إل الدعوة ويلصق ببي حاملها وصمة عار تبقى الدهر كله‪ ،‬ولذا‬
‫حذر ال رسوله من مغبة الغضب بأن ل يقع فيما وقع فيه يونس فقال‪ :‬فاصب لكم‬
‫ربك‪ ،‬ول تكن كصاحب الوت لقد فرغ صبه فضاق صدره فغادرهم غاضبا قبل أن‬
‫يأذن ال له ظنا منه أن ال لن يضيق عليه فضيق ال عليه بأن جعله ف بطن الوت‪(( :‬وذا‬
‫النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى ف الظلمات أن ل إله إل أنت‬
‫سبحانك إن كنت من الظالي))‪ ،‬فتاب ال عليه‪(( :‬فاستجبنا له ونيناه من الغم))‪.‬‬
‫‪ -3‬اليأس ‪ :‬أعظم عوائق الصب وهو الذي حذر يعقوب أبناءه من الوقوع فيه مع تكرار‬
‫البحث عن يوسف وأخيه‪(( :‬يا بن اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ول تيأسوا من‬
‫روح ال إنه ل ييأس من روح ال إل القوم الكافرون))‪ ،‬وهو الذي حرص القرآن على‬
‫دفعه عن أنفس الؤمني فبذر المل ف صدورهم‪(( :‬ول تنوا ول تزنوا وأنتم العلون إن‬
‫كنتم مؤمني‪ ،‬إن يسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله‪ ،‬وتلك اليام نداولا بي‬
‫الناس))‪ ،‬وقال لم‪(( :‬ول تنوا وتدعوا إل السلم وأنتم العلون‪ ،‬وال معكم ولن يتركم‬
‫أعمالكم))‪ ،‬إن إضاءة شعلة المل دواء اليأس وهذا ما ذكرت به اليات الؤمني وهو ما‬
‫ذكر به موسى قومه فقال‪(( :‬استعينوا بال واصبوا‪ ،‬إن الرض ل يورثها من يشاء من‬
‫عباده والعاقبة للمتقي))‪ ،‬ولا شكا خباب إل رسول ال صلى ال عليه وسلم ما يلقيه‬

‫‪211‬‬

‫من أذى قريش قال له رسول ال صلى ال عليه وسلم بعد أن ذكره مصاب الصالي ف‬
‫المم قبله‪" :‬وال ليتمن ال هذا المر حت يسي الراكب من صنعاء إل حضرموت ل‬
‫ياف إل ال والذئب على غنمه‪ ،‬ولكنكم تستعجلون"‪.‬‬
‫‪ -5‬ناذج للصابرين‪:‬‬
‫لقد ضُرب لنا ف القرآن ناذج رائعة تسدت فيهم حقيقة الصب‪ ،‬واستحقوا أن يذكروا‬
‫بصبهم فيقتدى بم الصابرون‪ ،‬وسنختار ف هذه العجالة ثلثة منها يتمثل ف كل واحد‬
‫منها لون من الصب‪.‬‬
‫أ ‪ -‬الصب على طاعة ال‪:‬‬
‫ف قصة إبراهيم وإساعيل الت حكاها ال لنا بقوله عن إبراهيم‪(( :‬وقال إن ذاهب إل رب‬
‫سيهدين‪ ،‬رب هب ل من الصالي‪ ،‬فبشرناه بغلم حليم‪ ،‬فلما بلغ معه السعي‪ ،‬قال يا‬
‫بن إن أرى ف النام أن أذبك فانظر ماذا ترى‪ ،‬قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدن إن‬
‫شاء ال من الصابرين‪ ،‬فلما أسلما وتله للجبي وناديناه أن يا إبراهيم‪ ،‬قد صدقت الرؤيا‬
‫إنا كذلك نزي الحسني‪ ،‬إن هذا لو البلء البي‪ ،‬وفديناه بذبح عظيم‪ ،‬وتركنا عليه ف‬
‫الخرين‪ ،‬سلم على إبراهيم كذلك نزي الحسني‪ ،‬إنه من عبادنا الؤمني‪.))...‬‬
‫من أيهما تعجب من الب الذي رأى ف النام أنه يذبح ابنه أم من البن الذي يستسلم‬
‫لمر ال طواعية واختيارا‪ ،‬لقد كان البن وحيد إبراهيم ول يأته إل على كب فما ظنك‬
‫بتعلق الب بابنه‪ ،‬إنه تعلق ل يوصف‪ ،‬ولكن تعلقه بال أعظم وطاعته ل فوق كل ذلك‪،‬‬
‫لقد حطم إبراهيم كل نداءات الرض لا جاء المر من السماء‪ ،‬وضرب للناس أروع‬
‫المثال ف الطاعة‪ ،‬ولقد كان الوحي ف هذه الرة رؤيا فلم يتأولا إبراهيم لصاله بدافع‬
‫من غريزة البوة‪ ،‬ولكنه امتثل وعرض على ابنه ما رأى عرضا ف غاية الياز والسهولة‬
‫ولكنه يتضمن أمرا ف غاية الطورة‪ ،‬ول يكن البن صغيا بيث ل ير الب من جدواه‬
‫ما يعله شديد التعلق به والعتماد عليه‪ ،‬ولكنه بلغ مع أبيه السعي فاصبح فت مفتول‬
‫العضلت‪ ،‬قوي الساعد‪ ،‬وكانت إجابة البن مية حقا‪ ،‬لقد حسم الوقف بملتي قالما‬
‫لبيه خلدها التاريخ له‪ ،‬وكانتا سببا ف تدوين اسه ف الصابرين‪(( :‬وإساعيل وإدريس وذا‬
‫الكفل‪،‬كل من الصابرين))‪ ،‬قال إساعيل‪(( :‬يا أبت افعل ما تؤمر ستجدن إن شاء ال من‬
‫‪212‬‬

‫الصابرين))‪ ،‬أي ل تأخذ رأيي ول تنتظر مشورت بل نفذ ما أمرت به‪ ،‬ث ل ينسى أن‬
‫يستمد العون من ال على حاله بالصب فهو ل يعتمد على قوته وشدة جلده بل يسأله من‬
‫ربه‪ ،‬وصدقا وأسلم الوالد ولده‪ ،‬وتله أبوه للجبي‪ ،‬وتيأ للذبح وجاءت البشرى عند ذاك‬
‫بعد أن حقق البتلء ثرته ((وناديناه أن ياإبراهيم‪ ...‬اليات))‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الصب عن معصية ال‪:‬‬
‫وأبرز المثلة وأشدها وضوحا صب يوسف عليه السلم على مراودة امرأة العزيز‪ ،‬لقد‬
‫كان الصب ظهي يوسف ف منته الت ابتلي با اضطرارا واختيارا وكشف عن هذا حي‬
‫عثر إخوته عليه فقال‪(( :‬أنا يوسف وهذا أخي قد من ال علينا إنه من يتق ويصب فإن ال‬
‫ل يضيع أجر الحسني))‪ ،‬لقد رفض كل العروض والغراءات وخرج من الفتنة بإيانه‬
‫وصبه‪ ،‬وكان صبه هذا أرقى من صب أبيه يعقوب على الفراق وأرقى من صب أيوب‬
‫على ما بلي به لن صبها كان اضطراريا ل حيلة لما ف رفعه ول دفعه بينما كان صب‬
‫ل عن‬
‫يوسف اختيارا وحي تلك فلم يتكب ول يطغ صبا اختياريا‪ ،‬يقول ابن القيم نق ً‬
‫شيخه ابن تيميه رحهما ال‪" :‬كان صب يوسف عن مطاوعة امرأة العزيز على شأنا أكمل‬
‫من صبه على إلقاء إخوته له ف الب وبيعه وتفريقهم بينه وبي أبيه‪ ،‬فإن هذه أمور‬
‫جرت عليه بغي اختياره ل كسب له فيها‪ ،‬ليس للعبد فيها حيلة غي الصب‪ ،‬وأما صبه‬
‫عن العصية فصب اختيار ورضا‪ ،‬وماربة للنفس‪ ،‬ولسيما مع السباب الت تقوى معها‬
‫دواعي الوافقة‪:‬‬
‫‪ -1‬فإنه كان شابا‪ ،‬وداعية الشباب إليها قوية‪.‬‬
‫‪ -2‬وعزبا ليس معه ما يعوضه ويرد شهوته‪.‬‬
‫‪ -3‬وغريبا‪ ،‬والغريب ل يستحي ف بلد غربته ما يستحي فيه بي أصحابه ومعارفه وأهله‪.‬‬
‫‪ -4‬وملوكا‪ ،‬والملوك أيضا ليس وازعه كوازع الر‪.‬‬
‫‪ -5‬والرأة جيلة وذات منصب‪ ،‬وهي سيدته‪.‬‬
‫‪ -6‬وقد غاب الرقيب‪.‬‬
‫‪ -7‬وهي الداعية إل نفسها والريصة على ذلك أشد الرص‪.‬‬
‫‪ -8‬وتوعدته إن ل يفعل بالسجن والصغار‪.‬‬

‫‪213‬‬

‫ومع هذه الدواعي كلها صب اختياريا وإيثارا لا عند ال‪ ،‬وأين هذا من صبه ف الب‬
‫على ما ليس من كسبه" ا هـ ‪.‬‬
‫لقد ضحى بدنياه من أجل دينه‪ ،‬وبريته من أجل عقيدته‪ ،‬وقال قولته الشهورة‪(( :‬رب‬
‫السجن أحب إل ما يدعونن إليه‪ ،‬وإل تصرف عن كيدهن أصب إليهن وأكن من‬
‫الاهلي))‪.‬‬
‫ولا أفرج عنه من السجن الطويل واستدعي لقابلة اللك‪ ،‬ل يستفزه هذا الب بل طلب‬
‫التحقيق ف القضية حت تظهر براءته على الل وحدث ذلك فعلً وعند ذلك ازداد إعجاب‬
‫اللك به فقال‪(( :‬ائتون به استخلصه لنفسي))‪ ،‬وكان ف الرة الول قال ((ائتون به))‪،‬‬
‫فقط ((فلما كلمه قال‪ :‬إنك اليوم لدينا مكي أمي))‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الصب على أقدار ال الؤلة‪:‬‬
‫إن أشهر من يقرن اسه بذا اللون من الصب نب ال أيوب عليه السلم‪ ،‬لقد أصابه ضر‬
‫عظيم ف بدنه وأهله وماله فصب‪ ،‬فخلد ذكره ف القرآن فقال ال تعال‪(( :‬واذكر عبدنا‬
‫أيوب إذ نادى ربه أن مسن الشيطان بنصب وعذاب اركض برجلك هذا مغتسل بارد‬
‫وشراب‪ ،‬ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحة منا وذكرى لول اللباب‪ ،‬وخذ بيدك ضغثا‬
‫فاضرب به ول تنث‪ ،‬إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب))‪ ،‬لقد ذكر له من ألوان‬
‫التكري وأوسة الشرف ما هو جدير بثله لعظيم صبه‪ ،‬فأولما تكريه بتخليد ذكره‬
‫ومباهاة ال به عند رسوله ممد صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وثانيه‪ :‬تكريه بقوله ((عبدنا))‪،‬‬
‫حيث أضافه إليه‪ ،‬والعبودية من أشرف أوصاف النسان الت يتحلى با‪ ،‬وثالثها‪ :‬عندما‬
‫استجاب نداءه وكشف ضره ووهب له أهله ومثلهم معهم‪ ،‬ورابعها‪ :‬حينما جعل له‬
‫مرجا من يي حلفه على امرأته فكرمت وكرم با يلصه من مأزق النث‪ ،‬وكانت خاتة‬
‫ذلك هذا الوسام من الشرف العريض ((إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب))‪ ،‬فوصفه‬
‫بالصب حت قرن الصب بأيوب فل يذكر إل وهو معه‪ ،‬ث قال‪ :‬نعم العبد فكانت شهادة‬
‫من ال بتمام عبوديته‪ ،‬ث ختم ذلك بقوله إنه أواب‪ ،‬والواب‪ :‬البالغ ف شدة رجوعه إل‬
‫ال تعال‪.‬‬

‫‪214‬‬

‫وقد ذكر ال تعال صبه ف موطن آخر فقال‪(( :‬وأيوب إذ نادى ربه أن مسن الضر‬
‫وأنت أرحم الراحي‪ ،‬فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر‪ ،‬وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحة‬
‫من عندنا وذكرى للعابدين‪ ،‬وإساعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين))‪ ،‬لقد كان‬
‫نداء أيوب ف ضرائه غاية ف اللطف والدب ولذا كانت الجابة آية ف التمام والكمال‪،‬‬
‫لقد نادى ربه ول يسأله شيئا بعينه من الهل والعافية وذكر ربه با هو أهله وبا اتصف به‬
‫((إن مسن الضر وأنت أرحم الراحي))‪ ،‬فاستجاب له دعاءه فكشف عنه الضر ورد عليه‬
‫الهل ومثلهم معهم وجعله ذكرى للعابدين وإماما من الصابرين‪.‬‬
‫جعلن ال وإياك منهم وحشرنا معهم وآجرنا بأجرهم إنه ول ذلك والقادر عليه‪...‬‬
‫‪---------------‬‬‫الصب‪ ..‬عنوان اليان ودليل الثقة بال‬
‫د‪ .‬السين أبو فرحة‬
‫من أبرز الخلق الت عن با القرآن الكري وحث عليها “الصب”‪ ،‬وقد ورد ذكره ف‬
‫القرآن الكري أكثر من غيه من الخلق السلمية‪.‬‬
‫وقد ذكر الصب ف القرآن على ستة عشر نوعا‪ ،‬منها المر به مثل قوله تعال “يا أيها‬
‫الذين آمنوا اصبوا وصابروا”‪ ،‬ومنها النهي عن ضده كقوله تعال‪“ :‬فاصب كما صب‬
‫أولو العزم من الرسل ول تستعجل لم”‪ ،‬ومنها الثناء على أهله مثل “الصابرين‬
‫والصادقي والقانتي”‪.‬‬
‫درجات الصب‬
‫والصب ف القرآن ثلث درجات‪ :‬الول‪ :‬الصب عن العصية بتركها‪ ،‬الثانية‪ :‬الصب على‬
‫أداء الطاعات بالحافظة على أدائها كاملة غي منقوصة‪ ،‬الثالثة‪ :‬الصب على البلء بعدم‬
‫السخط والزع‪ ،‬مع الرضا بقدر ال عز وجل‪.‬‬
‫وثرات الصب كما يقول الدكتور السين أبو فرحة ل تصى عددا‪ ،‬وقد ذكر القرآن‬
‫الكري طرفا منها‪ ،‬وذكرت السنة طرفا آخر‪ ،‬والسنة هي شارحة القرآن‪ ،‬وهى جزء من‬
‫وحي السماء الذي أوحي إل رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬غي أنه أوحي إليه معناها‬
‫فقط‪ ،‬وعب عن العن الوحى به إليه بألفاظ من عنده‪.‬‬
‫‪215‬‬

‫فما نص عليه القرآن من ثرات الصب أنه يعي على أداء الطاعات‪ ،‬قال تعال‪“ :‬فاذكرون‬
‫أذكركم واشكروا ل ول تكفرون”‪.‬‬
‫والذكر والشكر وعدم الكفر طاعات‪ ،‬ث قال سبحانه‪“ :‬يا أيها الذين آمنوا استعينوا‬
‫بالصب والصلة إن ال مع الصابرين”‪ ،‬فعقب المر بالذكر والشكر والنهي عن الكفر‪،‬‬
‫أمر بالستعانة بالصب والصلة‪.‬‬
‫تمل البلء‬
‫والصب كذلك يثمر تمل البلء الذي ينل بالنسان‪ ،‬فيزلزل بنيان غي الصابر‪ ،‬وقد‬
‫يقضي عليه بالمراض الختلفة من شلل وجنون‪ ،‬وقد يؤدي البلء الذي ينل بغي الصابر‬
‫إل النتحار وكل ذلك شائع بي غي الصابرين‪.‬‬
‫أما السلم الذي يصب على البلء‪ ،‬فهو ف أمان من هذه البليا‪ ،‬ثقة منه بال وواسع رحته‪،‬‬
‫وعظيم مثوبته على ما نزل به من بلء‪ ،‬وعظيم ما عند ال من خي للصابرين ف دنياهم‬
‫وأخراهم‪ ،‬يقول ال تعال مشيا إل ذلك كله‪“ :‬ولنبلونكم بشيء من الوف والوع‬
‫ونقص من الموال والنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا‬
‫ل وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربم ورحة وأولئك هم الهتدون”‪.‬‬
‫فقد جعت هذه اليات بي الوف وهو متعدد الشكال واللوان‪ ،‬فهو يتسع للخوف من‬
‫العداء‪ ،‬والوف من المراض‪ ،‬والوف من الجهول‪ ،‬وغي ذلك وبي الوع وخطره‬
‫معروف‪ ،‬والكثي من الناس ف زمننا هذا وف غيه من الزمان يوتون من الوع‪ ،‬ويتعذب‬
‫الكثيون من الوع إن ل ينته بم إل الوت‪ ،‬ونقص الال بالسارة ف التجارة والصناعة‬
‫والفات ف الزراعة معروف‪ ،‬ونقص النفس بفقد الحبة بالوت‪ ،‬وفقد بعض أعضاء‬
‫السم وقواه بالرض‪ ،‬كل ذلك واقع وشائع بي الناس‪.‬‬
‫ث تذكر هذه اليات أن علج جيع الالت السابقة الت تنل بالنسان فتزلزل بنيانه وقد‬
‫تقضي عليه‪ ،‬هو الصب‪ ،‬فمن صب ظفر‪ ،‬وال سبحانه وتعال يقول بعد ذكره ما يتحن به‬
‫عباده من ألوان البلء‪“ :‬وبشر الصابرين” بشارة يثمرها الصب‪ ،‬والبشارة تقاس بالبشر‬
‫با‪ ،‬وبشارة من ال اللك الق البي الذي ل تنفد خزائنه‪ ،‬دونا كل بشارة من ملوق‪،‬‬
‫ولو كان ملكا متوجا‪ ،‬هذا مع قوله سبحانه‪“ :‬إن ال مع الصابرين”‪.‬‬

‫‪216‬‬

‫فمعية ال تذهب بالزن من القلوب وتذهب بالوف منها كذلك‪ ،‬وتل القلوب أمنا‬
‫وأمانا واطمئنانا‪.‬‬
‫والصابر إذا نزلت به مصيبة عب عن صبه الذي وقر ف قلبه بقوله‪“ :‬إنا ل وإنا إليه‬
‫راجعون”‪.‬‬
‫ومع تلك العقيدة الت يتلئ با قلب السلم الصابر بأن الكل خلق ال وأن كل ملوق لبد‬
‫راجع إل موله‪ ،‬مع تلك العقيدة يتلئ قلب الؤمن رضا عن قضاء ال وقدره‪ ،‬فلله ما‬
‫أعطى وله ما أخذ‪ ،‬وكل شيء عنده بقدار‪.‬‬
‫ويذكر ال سبحانه ف تلك اليات أن الصابرين يفوزون بثلث ثرات‪ :‬أولها‪ :‬أنم عليهم‬
‫صلوات من ربم‪ ،‬أي غفران من ال لم وثناء عليهم‪.‬‬
‫ثانيها‪ :‬أنم عليهم رحة من ربم‪ ،‬وهي ما يكون مع الصيبة من لطف ال بم‪.‬‬
‫ثالثها‪ :‬أنم مهتدون إل الق والصواب فيما ينبغي عمله ف أوقات الشدائد فل يستحوذ‬
‫الزع على نفوسهم ول يذهب البلء بالمل من قلوبم‪.‬‬
‫ومن ثرات الصب مبة ال للصابرين‪ ،‬قال تعال “وكأين من نب قاتل معه ربيون كثي فما‬
‫وهنوا لا أصابم ف سبيل ال وما ضعفوا وما استكانوا وال يب الصابرين”‪.‬‬
‫‪--------------‬‬‫صب الجاهدين‬
‫لئن كانت شرعتنا النيفة أوصت عموم الؤمني ‪ ،‬بامتثال قيمة الصب ‪ ،‬والتحلي به فيما‬
‫حزبم من أمور ؛ كالصب على الأمور والحذور والقدور ‪ ،‬فإنا اختصت جحافل‬
‫الجاهدين بأحوال من الصب الستبي ‪ ،‬فكان أن أوصتهم بالصب ‪ :‬قبل نشوب العركة‬
‫واحتدام الصراع ‪ ،‬وبالصب ف خضم النال والقراع‪ ،‬وبالصب عقب جولة جهادية صار‬
‫غبارها ال انقشاع ‪.‬‬
‫فهذه أحوال ومقامات من الصب ينعقد بنواصيها حكم بالغة نية ‪ ،‬وثرات‬
‫طيبة خية ‪.‬‬

‫‪217‬‬

‫أما الصب قبل نشوب العركة فأثبته قوله تعال لسيد الجاهدين صلى ال عليه وآله وصحبه‬
‫أجعي ‪ ،‬بنص قرآن مبي ‪( .‬فاصب كما صب أولو العزم من الرسل ول تستعجل لم)‪.‬‬
‫[ سورة الحقاف آية ‪] 35‬‬
‫فالوصية بالصب ف هذه الية الكرية حلت للمجاهدين بي طيّاتا لسة تربوية بارعة ‪،‬‬
‫مؤداها أنا تضبط مشاعرهم ‪ ،‬وتذب عواطفهم ‪ ،‬وتحص مواقفهم ‪ ،‬وتصفي نواياهم‬
‫وطواياهم وسرائرهم ؛ فصولتم وجولتم الهادية لتتأتى من باب ردود الفعال ‪ ،‬إنا‬
‫من جهة إرضاء الكبي التعال ‪ ،‬فهي ليست رهينة حظوظ النفس ‪ ،‬إنا من الظلم تقتص ‪،‬‬
‫تلقنهم ومن شايعهم ومشى مشاهم أعظم درس ‪ ،‬فدماؤها وأرواحها ف سبيل ال ترخص‬
‫‪ ،‬إعلء لراية التوحيد ‪ ،‬وتضيدا لشوكة الشرك العنيد ‪.‬‬
‫واذكر للدعاة ف فلسطي حقبة زمنية ‪ ،‬انازوا فيها إل تربية النشئ على التوحيد‬
‫وصبغتهم بصبغة الكتاب والسنة ‪ ،‬فكان أن تطاولت عليهم اللسنة ‪ ،‬فانبى فريق يزاود‬
‫عليهم ‪ ،‬وراح يتمطى أن شهر ف وجه يهود السنة ‪ ،‬مروجي أن الدعاة بصنيعهم هذا‬
‫إنا تثاقلوا عن دروب الهاد والستشهاد ‪ ،‬ونأوا بأنفسهم عن نصرة العباد ‪ ،‬وتاذلوا عن‬
‫ترير البلد …!!‬
‫فما لبثت هذه الصوات أن خدت ‪ ،‬حينما أتى على الناس زمان تناحر فيه حلة‬
‫السلح ‪ ،‬وأثخنوا فيما بينهم الراح ‪ ،‬فتبي حينها أن العقيدة هي الت توحد السواعد‬
‫وليست البندقية ‪ ،‬وثبت أنه ليست القضية الرولة إل حل البندقية ‪ ،‬إنا هي النفوس البية‬
‫التقية ‪ ،‬الت ينبغي صناعتها وإشباعها بالبادئ النقية ‪ ،‬وإفعامها بالقيم القوية ‪ ،‬لتغدو لدماء‬
‫شهدائها وفية ‪ ،‬ويظل شعارها النية ل الدنية ‪ ،‬فمهما ادلمت‬
‫الطوب ‪ ،‬ونزلت ف ساحتها الكروب ‪ ،‬فنجم مبادئها وقيمها وثوابتها لن يسي إل أفول‬
‫وغروب ‪ ..‬وهذا ما كان للجيل الجاهد ف فلسطي ‪.‬‬
‫وأما الصب ف خضم العركة فبيـنه قوله تعال‬
‫(يا أيها الذين آمنوا اصبوا وصابروا ورابطوا واتقوا ال لعلكم تفلحون) [ سورة آل‬
‫عمران آية ‪] 200‬‬

‫‪218‬‬

‫وقوله (ياأيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا ال كثيا لعلكم تفلحون ‪ ،‬وأطيعوا‬
‫ال ورسوله ول تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريكم واصبوا إن ال مع الصابرين ) [ سورة‬
‫النفال اليتان ‪. ] 46 ،45‬‬
‫فما حلته هذه اليات الكرية بي ثناياها من دعوة الجاهدين إل التجلد وتشم الشاق ‪،‬‬
‫واستعذاب النايا ف سبيل اللك اللق ‪ ،‬وطلبها من مظانا بل وجل ول إشفاق ‪ ،‬من‬
‫شأنه أن يفرج كربتهم ‪ ،‬وينهي ‪-‬باذن ال –غربتهم ‪ ،‬ف حي يضد لهل الزيغ والفساد‬
‫شوكتهم ‪ ،‬وقد قدمت غزوة حني للبشرية ف هذا الصدد أسى عظة ‪ ،‬صاغتها ثلة ماهدة‬
‫بصب لظة‪.‬‬
‫من هنا ‪ :‬فعلى الجاهدين ف فلسطي ف أتون معركتهم القدسة الت يذودون فيها عن‬
‫حياض المة ومقدساتا وحرماتا ‪ ..‬عليهم أل يقيلوا ول يستقيلوا عن درب قدموا فيه من‬
‫الدماء والشلء ما يعد ضريبة ل يستخف با ول يستهان على طريق نيل الرية وتقيق‬
‫الستقلل ‪.‬‬
‫وعليهم أن يتفطنوا دوما أن كوكبة الشهداء الذين قضوا نبهم وجادوا من قبل ومن بعد‬
‫بأرواحهم إنا شيدوا منار هدى يهتدي به اليارى ‪ ،‬فل يليق بالموع الت أتت بعدهم‬
‫إل أن تذو حذوهم ‪ ،‬وتواصل زحفهم ‪ ،‬دونا أن تيد أو تتمارى ‪ ..‬نعوذ بال من الور‬
‫بعد الكور ‪.‬‬
‫وأشد أحوال الصب ومقاماته لدى الجاهدين ‪ :‬الصب عقب العركة ؛ إثر انقشاع جولة ‪،‬‬
‫والفراغ من صولة‪ ،‬كشف ذلك قوله تعال ‪( :‬ولنبلونكم حت نعلم الجاهدين منكم‬
‫والصابرين ونبلوا أخباركم )[ سورة ممد آية ‪ ،] 31‬فأخر الصب عن الهاد لن القصود‬
‫بالجاهدين هنا ‪ :‬القيمون عليه ‪ ،‬وبالصابرين ‪ :‬الثابتون عليه – على الهاد ‪ ، -‬ولوائه‬
‫دونا انزال أو انذال ‪.‬‬
‫ذلك أن غبار العركة سوف ينجلي عن دماء تنف ‪ ،‬وأشلء تتناثر ‪ ،‬وأرواح تزهق ‪ ،‬من‬
‫فلذات الكباد ‪ ،‬وقادة الهاد ‪ ،‬وصناع الستشهاد ‪ ،‬فضل عما تلفه وراءها من نساء‬
‫ثكال ‪ ،‬وأطفال يتامى ‪ ،‬وأبنية تتهاوى ‪ ،‬ومقدرات وثروات وخيات ومزروعات ترى‬
‫العدو بإتلفها يتغاوى ‪!!..‬‬

‫‪219‬‬

‫فهذا كله يتطلب من الجاهدين ومن آزرهم ‪ ،‬ومن أهل فلسطي ومن ساندهم ‪ ،‬استنفار‬
‫جهود كثيفة ‪ ،‬واستفراغ طاقات حثيثة ‪ ،‬بغية تضميد الرح ‪ ،‬وبلسمة القرح‪ ،‬لكيل‬
‫يتوان أحد عن الزحف نو التحرير ‪ ،‬وانتزاع حق الرية وتقرير الصي ‪.‬‬
‫ومتطلبات هذه الرحلة تنوء بالعصبة أول القوة ‪ ،‬إل من رحم ربك ‪ ،‬فبث فيه العزية‬
‫والمة ‪.‬‬
‫لذا تد القرآن الكري قد أعلى من شأن رواد هذه الرحلة ‪ ،‬وأولهم عناية‬
‫فائقة ‪ ،‬وتوجيهات سامقة ‪ ،‬ففي مثل هذه الرحلة وما شاكلها نزل قوله تعال " من‬
‫الؤمنيَ رجالٌ صدقوا ما عاهدوا ال عليه فمنهم من قضى نبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا‬
‫تبديل [ سورة الحزاب آية ‪. ] 23‬‬
‫ذلك أن التبديل والتغيي إنا يزينة الرجفون شياطي النس والن أجعون حينما يثخن‬
‫السد بالراح ‪ ،‬وتتناثر الشلء ف الساح ‪ ،‬وتسيل بالدم البطاح ‪ ..‬عندها تتكثف‬
‫جهودهم الذمومة ‪ ،‬وتنشط مساعيهم الحمومة ‪ ،‬وتتعال صيحاتم السمومة ‪ ،‬لغزو‬
‫النفوس بسوء الظنون ‪ ،‬واحرّقلباه !! فلهم ف ذلك دروب وفنون ‪.‬‬
‫‪----------------‬‬‫صب الرسول (صلى ال عليه وسلم) عائض بن عبد ال القرنـــي‬
‫ب العالي‪.‬‬
‫المد ل ر ِ‬
‫ت وَالنّورَ ثُمّ الّذِينَ َكفَرُوا بِ َرّبهِمْ‬
‫الْحَمْدُ ِللّ ِه الّذِي َخلَقَ السّمَاوَاتِ وَاْلأَ ْرضَ َو َجعَلَ الظّلُمَا ِ‬
‫َيعْدِلُونَ ‪.‬‬
‫ح ٍة َمثْنَى َوثُلثَ‬
‫الْحَمْدُ ِللّهِ فَاطِرِ السّمَاوَاتِ وَاْلأَ ْرضِ جَاعِ ِل الْمَلئِ َكةِ ُر ُسلً أُولِي أَ ْجنِ َ‬
‫خلْ ِق مَا يَشَاءُ ِإنّ اللّ َه عَلَى كُ ّل َشيْءٍ َقدِيرٌ ‪.‬‬
‫وَ ُربَاعَ َيزِيدُ فِي الْ َ‬
‫المد لِ حدا حدا‪ ،‬والشكرُ ل شكرا شكرا‪ ،‬المد ل عبوديةً واعترافا‪ ،‬المد ل‬
‫استخزاءً وذلة‪.‬‬
‫ع كيان الوثنية‪ ،‬صلى ال‬
‫والصلةُ والسلم على معلمِ البشرية‪ ،‬وهادي النسانية‪ ،‬ومزعز ِ‬
‫ق على شجر‪،‬‬
‫وسلم على مم ٍد ما اتصل مرءأ بنظر‪ ،‬وما اتصلت أذنُ بب‪ ،‬وما هتفَ ور ُ‬
‫وما نزل مطر‪ ،‬وما تلعلعَ الظلُ على الشجر‪ ،‬وعلى آله وصحبِه وسلمَ تسليما كثيا‪.‬‬
‫‪220‬‬

‫أشهدُ أن ل إله إل ال‪ ،‬وأشهدُ أن ممدا عبدُه ورسولُه‪ ،‬أشهدُ أن ل غله غل اللهث على‬
‫رغمِ أنفِ من تكب وكفر‪ ،‬وعلى رغمِ من جحد واستكب‪ ،‬وعلى رغمِ من بع َد وتنكر‪.‬‬
‫أيها السلمون‪:‬‬
‫بشرى لنا معش ُر السلمِ إن لنا ‪ .......‬من العنايةِ ركنا غي منهدمِ‬
‫لا دعا الُ داعينا لطاعتِه ‪ ............‬بأكرمِ الرسلِ كنا أكرم الممِ‬
‫أخوك عيسى دعا ميتا فقامَ له ‪.........‬وأنت أحييت أجيالً من الرممِ‬
‫مولي صلي وسلم ما أردتَ على ‪ ...‬نزيلِ عرشكَ خي الرسل كلهمِ‬
‫ل عليه وسلم)‪ ،‬وعظمتُه تبهرُ‬
‫ث عن جانبٍ من جوانبِ عظمتِه (صلى ا ُ‬
‫ل يزا ُل الدي ُ‬
‫ب اللباب‪ ،‬وتيُ الفكار‪ ،‬إنهُ عظي ُم لنَه عظيم‪ ،‬وإنه صادقُ لنَه صادق‪،‬‬
‫العقول‪ ،‬وتل ُ‬
‫بن رسالةً أرسى من البال‪ ،‬وأسسَ مبادئ أعمقُ من التاريخ‪ ،‬وبن جدارا ل يترقَه‬
‫ت عظمتَه‪ ،‬فهيا بنا‬
‫ل عليه وسلم) حيثما توجهتَ ف عظمتِه وجد َ‬
‫الصوت‪ ،‬إنه (صلى ا ُ‬
‫ل عليه وسلم)‪.‬‬
‫ب الصبِ ف حياتِه (صلى ا ُ‬
‫إل جان ِ‬
‫ل الصابرين‪ ،‬ومرةً يبُ الُ‬
‫ي موضعا‪ ،‬مرةً يدحُ ا ُ‬
‫ذك َر الصبُ ف القرآنِ ف أكثرِ من تسع َ‬
‫ل عليه‬
‫بثوابِ الصابرين‪ ،‬ومرةً يذكرُ الُ عز وجل نتائجَ الصابرين‪ ،‬يقولُ لرسولِه (صلى ا ُ‬
‫صبْرا جَمِيلً‪.‬‬
‫صبِرْ َ‬
‫وسلم)‪ :‬فَا ْ‬
‫صبْرا جَمِيلً‪.‬‬
‫صبِرْ َ‬
‫ت الباطلَ يتحدى‪ ،‬وإذا رأيت الطغيانَ يتعدى‪ :‬فَا ْ‬
‫إذا رأي َ‬
‫صبْرا جَمِيلً‪.‬‬
‫صبِرْ َ‬
‫إذا قل مالُكَ وكثرَ فق ُر َك وعوزُك وتمعتَ هومُك وغمومُك‪ :‬فَا ْ‬
‫صبْرا جَمِيلً‪.‬‬
‫صبِرْ َ‬
‫إذا قتلَ أصحابُك وقل أصحابُك وتفرقَ أنصارُك‪ :‬فَا ْ‬
‫صبِرْ‬
‫ك الاهليةُ الشنعاء‪ :‬فَا ْ‬
‫إذا كثُ َر عليك العداء‪ ،‬وتكالبَ عليك البُغضاء وتمعت علي َ‬
‫صبْرا َجمِيلً‪.‬‬
‫َ‬
‫ت وأقبحَ‬
‫إذا وضعوا ف طريقِك العقبات‪ ،‬وصنفوا لك الشكلت‪ ،‬وتددوكَ بالسيئا ِ‬
‫صبْرا جَمِيلً‪.‬‬
‫صبِرْ َ‬
‫الفعلت‪ :‬فَا ْ‬
‫صبْرا جَمِيلً‪.‬‬
‫صبِرْ َ‬
‫إذا مات أبناؤكَ وبناتُك وتفرق أقرباءُك وأحباؤكَ‪ :‬فَا ْ‬

‫‪221‬‬

‫فكا َن مثال للصبِ عليه السلم‪ ،‬سكنَ ف مكةَ فعاداهُ القربا ُء والحباء‪ ،‬ونبذَه العما ُم‬
‫والعمومةَ‪ ،‬وقاتلَه القريبُ قبل البعيد فكانَ من أص ِب الناس‪ ،‬أفتق َر وأشتكى‪ ،‬ووضع الجرَ‬
‫على بطنِه من الوع وظمأَ فكان من أصبِ الناس‪.‬‬
‫ب القريبِ من القلبِ‪ ،‬ودموعُ‬
‫مات أبنَه بي يديه وعمرُه سنتان‪ ،‬فكان ينظ ُر إل أبنِه البي ِ‬
‫الصطفى (صلى ال عليه وسلم) الار ُة تتساقطُ كالُمانِ أو كالدرِ على خدِ أبنِه وهو من‬
‫س يقول‪ :‬تدمع العي‪ ،‬ويز ُن القلب‪ ،‬ول نقولُ إل ما يرضي ربَنا‪ ،‬وإنا بفراقِك يا‬
‫أصبُ النا ِ‬
‫إبراهيمُ لحزونون‪.‬‬
‫مات خديةُ زوجتُه وامرأتُه العاقلةُ الرشيدة‪ ،‬العاقل ُة الازمةُ الربا ُة ف بيتِ النبوة‪ ،‬الت‬
‫كانت تؤيدُه وتنصُره‪ ،‬ماتت وقت الزمات‪ ،‬ماتت ف العصرِ الكي يوم تألبت عليه‬
‫ل عنها ساعدَه الين‪.‬‬
‫الاهليةُ‪ ،‬وقد كانت رضي ا ُ‬
‫يشتكي إليه من كثرةِ العداء‪ ،‬ومن الوفِ على نفسِه فتقول‪ :‬كل والِ ل يزيكَ الُ‬
‫ي اللهوفَ‪ ،‬وتطع ُم الضيفَ‪ ،‬كل والِ ل‬
‫أبدا‪ ،‬إنك لتص ُل الرحم‪ ،‬وتملُ الكلَ‪ ،‬وتع ُ‬
‫صبِرْ‬
‫ل يقولُ له‪ :‬فَا ْ‬
‫ل أبدا‪ .‬فتموتُ ف عام الز ِن فيكونُ من أصبِ الناسِ لن ا َ‬
‫يزيكَ ا ُ‬
‫صبْرا َجمِيلً‪.‬‬
‫َ‬
‫تمع عليه كفا ُر مكةَ‪ ،‬أقاربُه وأعمامُه‪ ،‬نصبوا له كمينا ليقتلوه ويغتالوه‪ ،‬فدخلَ دارَه‪،‬‬
‫ب معَه سيفُ يقطرُ دما وحقدا وحسدا وموتا‪،‬‬
‫وأتى خسونَ من شبابِ قريش‪ ،‬كلُ شا ٍ‬
‫فلما طوقوا دارَه كان من أص ِب الناس‪ ،‬خرج من الدارِ وهم ف نعاسٍ وسباتٍ فحثا على‬
‫صبْرا جَمِيلً‪.‬‬
‫صبِرْ َ‬
‫رؤوسِهم الترابَ لن الَ يقولُ له‪ :‬فَا ْ‬
‫ولا حثا الترابَ على رؤوسِهم كانوا نياما قد تساقطت سيوفُهم من أياديهم‪ ،‬والرسول‬
‫عليه الصلة والسل ُم يتلو عليهم‪ :‬وَ َجعَ ْلنَا مِ ْن َبيْنِ َأيْدِيهِ ْم سَدّا َومِنْ َخ ْل ِفهِ ْم سَدّا‬
‫شْينَاهُمْ َفهُمْ ل ُيْبصِرُونَ‪.‬‬
‫َفأَغْ َ‬
‫ب عليه العداءُ وتمعوا على سط ِح الغار‪،‬‬
‫خرج إل غا ِر ثورٍ ليختفي من العداء‪ ،‬فتول َ‬
‫ونزلوا ف ميمنةِ الغار‪ ،‬وأحاطوا بيسرةِ الغار‪ ،‬وطوقوا الغار وأرادوا أن يدخلُوه فسخرَ الُ‬
‫عنكبوتا وحاما فعشعشت تلكَ‪ ،‬وباضت تلك‪:‬‬
‫ظنوا الما َم وظنوا العنكبوتَ على ‪ ....‬خيِ البيةِ ل تنسج ول تمِ‬

‫‪222‬‬

‫عنايةُ ال أغنت عن مضاعفةٍ ‪ ........‬من الدروع وعن عال من الُط ِم‬
‫ل عليه‬
‫فما دخلوا الغار‪ ،‬يقو ُل أبو بكر رضي ال عنه وهو ف الغارِ مع الصطفى (صلى ا ُ‬
‫ل لو نظرَ أحدُهم إل موطن قدمِه لرآنا‪.‬‬
‫وسلم)‪ :‬يا رسولَ ال وا ِ‬
‫فيتبس ُم عليه الصلةُ والسلم‪ ،‬يتبسمُ الزعيمُ العاليُ‪ ،‬والقائدُ الربان‪ ،‬الواثقُ بنصرِ الِ‬
‫ل ثالثُهما؟ ويقول‪ :‬ل تَحْ َزنْ ِإنّ اللّ َه َم َعنَا‪.‬‬
‫ويقول‪ :‬يا أبا بكر‪ ،‬ما ظنُك باثني ا ُ‬
‫وهي دستورُ للحياة‪ ،‬إذا جعت وظمئت فقل‪ :‬ل تَحْ َزنْ ِإنّ اللّ َه َم َعنَا‪.‬‬
‫ح َزنْ ِإنّ اللّ َه َمعَنَا‪.‬‬
‫إذا مات أبناؤكَ وبناتُكَ فقل‪ :‬ل تَ ْ‬
‫ث والشكلت ِفقال‪ :‬ل َتحْ َزنْ إِنّ اللّ َه َم َعنَا‪.‬‬
‫وإذا أرصدت ف طريقِك الكوار َ‬
‫فكان عليه الصلةُ والسلمُ من أص ِب الناس‪ ،‬ويرجُ من الغار‪ ،‬والكفا ُر ل يدرونَ أنه كانَ‬
‫ف الغار‪ ،‬فينسلُ إل الدينةِ وليتَهم تركوه‪ ،‬بل يعلنونَ عن جائز ٍة عالي ٍة لن وجدَه‪ ،‬جائزةَ‬
‫العارِ والدمارِ وقل ِة اليا ِء والروءة‪ ،‬مئ ُة ناقةٍ حراء لن جاء به حيا أو ميتا‪ ،‬فيلحقُوه سراقةُ‬
‫أبن مالكٍ بالرم ِح والسيف‪ ،‬فياهُ (صلى الُ عليه وسلم) وهو يشي على الصحراءِ جائعا‬
‫ظمئنا قد فارقَ زوجتَه فارق بناتِه‪ ،‬فارق بيتَه‪ ،‬فارق جيانَه وأعمامَه وعمومتَه‪ ،‬ليس له‬
‫س ول جنود‪ ،‬ل رعايةُ ول موكب‪ ،‬وسراقةُ يلحقوه بالسيف‪.‬‬
‫حر ُ‬
‫ب منا‪.‬‬
‫فيقو ُل أبو بكرٍ‪:‬يا رسولَ ال وال لقد اقتر َ‬
‫فيتبس ُم عليه الصلة والسلم مرةً ثانيةً لنَه يعلم عليه الصلةُ والسلمُ أن رسالتَه سوف‬
‫ت الجرمون‪ ،‬وسوف تنتصرُ مبادئُه‬
‫ت الكفار‪ ،‬وسوف تبقى دعوتُه حيةً ويو ُ‬
‫تبقى ويو ُ‬
‫ل ثالثَهما‪.‬‬
‫وتنهز ُم الاهليةُ‪ .‬فيقول‪ :‬يا أبا بك ٍر ما ظنكَ باثني ا ُ‬
‫ع عليه الصطفى (صلى الُ عليه وسلم) فتسيخُ أقدامُ فرسِه ويسقط‪،‬‬
‫ويقتربُ سراق ُة ويد ُ‬
‫ع عليه الصطفى (صلى الُ عليه وسلم) فيسقط‪ ،‬ث يقولُ‪:‬‬
‫فيقومُ ويركب ويقترب فيد ُ‬
‫يا رسولَ ال أعطن المان‪ ،‬الن هو يطلبُ المان وأن يق َن الصطفى دمَه‪ ،‬وهو بسيفٍ‬
‫ل عليه‬
‫ت وف الوتِ وقع‪ .‬فيعطيهِ الصطفى (صلى ا ُ‬
‫والصطفى بل سيف‪ ،‬ف َر من الو ِ‬
‫وسلم) أمانَه‪.‬‬
‫يا حافظَ المالِ أنت ‪ ......‬حفظتن ونصرتن‬
‫وعدى الظلومُ علي ‪ .......‬كي يتاحن فنصرتَن‬

‫‪223‬‬

‫فأنقادَ ل متخشعا ‪..........‬لا رآك منعتن‬
‫ل عليه وسلم) إل الدينة‪ ،‬ويشاركُ ف معركةِ بدر‪ ،‬فيجوعُ حت يعلَ الجرَ‬
‫يصلُ (صلى ا ُ‬
‫على بطنِه‪:‬‬
‫ت واللبس‪ ،‬رسولُ النسانيةَ‪،‬‬
‫يا أهل الوائدَ الشهية‪ ،‬يا أهل التخ ِم والرطبات‪ ،‬والشهيا ِ‬
‫صبْرا جَمِيلً‪.‬‬
‫صبِرْ َ‬
‫وأستا ُذ البشرية يوع حت ما يدُ دقل التمرِ وحشف التمر‪ :‬فَا ْ‬
‫ت بناتُه الثلث هذه تلو الخرى‪ ،‬تتُ الول فيغسلُها ويكفنُها ويدفنُها ويعودُ من‬
‫تو ُ‬
‫صبْرا جَمِيلً‪.‬‬
‫صبِرْ َ‬
‫الق َبةِ وهو يتبسم‪ :‬فَا ْ‬
‫صبِرْ‬
‫ت الثانية فيغسلُها ويكفنُها ويدفنُها ويعو ُد من القبَ ِة وهو يتبسم‪ :‬فَا ْ‬
‫وبعد أيامٍ تو ُ‬
‫صبْرا َجمِيلً‪.‬‬
‫َ‬
‫صبْرا جَمِيلً‪.‬‬
‫صبِرْ َ‬
‫ت الثالثةَ فيغسلُها ويكفنُها ويدفنُها ويعودُ من القبَ ِة وهو يتبسم‪ :‬فَا ْ‬
‫تو ُ‬
‫صبْرا‬
‫صبِرْ َ‬
‫ت أبنُه إبراهيم‪ ،‬فيغسلُه ويكفنُه ويدفنُه ويعو ُد من القب ِة وهو يتبسم‪ :‬فَا ْ‬
‫يو ُ‬
‫جَمِيلً‪.‬‬
‫صبْرا َجمِيلً‪.‬‬
‫صبِرْ َ‬
‫ل يقول لَه‪ :‬فَا ْ‬
‫عجبا من قلبِك الفذ الكبي‪ .‬لن ا َ‬
‫يشاركُ ف معركةِ أحد‪ ،‬فيه َزمُ أصحابُه‪ ،‬ويقتلُ من قرابتِه ومن سادةِ أصحابِه‪ ،‬ومن خيارِ‬
‫مقربيه سبعونَ رجل أولُهم حزة رضي الُ عنه‪ ،‬عمُه سيفُه الذي بيمينِه‪ ،‬أسدُ الِ ف‬
‫أرضِه‪ ،‬سي ُد الشهداءِ ف النة‪ ،‬ث يقفُ (صلى الُ عليه وسلم) على القتلى‪ ،‬وينظرُ إل حزةَ‬
‫س اب ُن النظر وغيهم من‬
‫وهو مقتولُ مقطعُ‪ ،‬وينظرُ إل سعدَ أبنُ الربي ِع وهو مزق‪ ،‬وأن ُ‬
‫أولئك النفر فتدمعُ عيناه‪ ،‬وتسيلُ دموعُه الارة على ليتِه الشريفة‪ ،‬ولكن يتبسم لن ال‬
‫صبْرا جَمِيلً‪.‬‬
‫صبِرْ َ‬
‫قال له‪ :‬فَا ْ‬
‫ويعو ُد عليه الصل ُة والسلم فيسلُ قادتَه إل مؤتةَ ف أرض الردنَ ليقاتلواُ الروم‪ ،‬فيقتلُ‬
‫الثلثةُ القوادُ ف ساعةٍ واحدة‪ ،‬زيدُ أبنُ حارثة‪ ،‬وجعفرُ الطيار أبي عمه‪ ،‬وعبدُ ال أبن‬
‫رواحه‪ ،‬ويراهم وينظرُ إليهم من مساف ِة مئاتِ الميال‪ ،‬ويرى أسرتَهم من ذهب تدخلُ‬
‫صبْرا جَمِيلً‪.‬‬
‫صبِرْ َ‬
‫النةَ‪ ،‬فيتبس َم وهو يبكي لن الَ قال له‪ :‬فَا ْ‬
‫يتجم ُع عليه النافقونَ‪ ،‬والكفارَ‪ ،‬والشركون‪ ،‬واليهودَ‪ ،‬والنصارى‪ ،‬وإسرائيل ومن وراءَ‬
‫إسرائيلَ فيحيطون بالدينة‪ ،‬فيحفرُ (صلى ال عليه وسلم) الندق‪ ،‬ينلُ على الندقِ ويرفعُ‬

‫‪224‬‬

‫ق شذا النارِ ف الواء‬
‫ب الصخرةَ بالعولِ فيب ُ‬
‫الثوب‪ ،‬وعلى بطنِه حجرانِ من الوع‪ ،‬فيضر ُ‬
‫فيقولُ‪:‬‬
‫ل سوف يفتحُها علي‪.‬‬
‫ت قصورَها‪ ،‬وإن ا َ‬
‫هذه كنوزُ كسرى وقيصر‪ ،‬والِ لقد رأي ُ‬
‫فيضحكُ النافقو َن ويقولون‪ :‬ما يدُ أحدُنا حفنةً من التمر‪ ،‬ويبشرُنا بقصور كسرى‬
‫وقيصر‪.‬‬
‫صبْرا َجمِيلً‪.‬‬
‫صِبرْ َ‬
‫ل يقولُ له‪ :‬فَا ْ‬
‫فيتبسم لن ا َ‬
‫س وعشرين سنةً تذهبُ جيوشُه وكتائبُه من الدين ِة فتفتح أرض كسرى وقيصر‪،‬‬
‫وبعد خ ٍ‬
‫وما وراء نر سيحو َن وجيحون‪ ،‬وطاشكند وكابل وسرقن والسند والند وأسبانيا‪ ،‬ويقفُ‬
‫جيشُه على نر اللوار ف شالِ فرنسا‪.‬‬
‫صبْرا جَمِيلً‪.‬‬
‫صبِرْ َ‬
‫ل يقولُ له‪ :‬فَا ْ‬
‫لاذا لن ا َ‬
‫فظلمُ ذوي القرب أشدُ مضمضةً ‪ ...‬على النفسِ من وق ِع السامِ الهندِ‬
‫يأتيه أبنُ العمَ‪ ،‬فيتفل على الرسو ِل عليه الصلةُ والسلم‪ ،‬يتفل على الرسول‪ ،‬على معلمِ‬
‫الي‪ ،‬على هادي البشريةَ‪ ،‬فيتبسم عليه الصل ُة والسلم ول يقولُ كلمة‪ ،‬ول يغضب‪ ،‬ول‬
‫صبْرا جَمِيلً‪.‬‬
‫صبِرْ َ‬
‫ل يقولُ له‪ :‬فَا ْ‬
‫يتغيُ وجهَهُ لن ا َ‬
‫يأت أبو جهلٍ فيأخ َذ ابنةَ الصطفى‪ ،‬طفلةُ وادعةُ أزكى من حام الرم‪ ،‬وأطهر من ماء‬
‫الغمام فيضربُها على وجهِها ضربَه ال‪ ،‬فيتبسم عليه الصل ُة والسلم ول يقولُ كلمةً‬
‫صبْرا َجمِيلً‪.‬‬
‫صبِرْ َ‬
‫واحدة‪ :‬فَا ْ‬
‫يأت العرابُ من الصحراء فيجرجرُه ببدتِه‪ ،‬ويسحبَه أمامَ الناس‪ ،‬وهو يتبسمُ (صلى الُ‬
‫صبْرا جَمِيلً‪.‬‬
‫صبِرْ َ‬
‫عليه وسلم)‪ :‬فَا ْ‬
‫أي ص ٍب هذا!‬
‫س لو وعتَها المم لكانت شعوبا من ال ِي والعدلِ والسلم‪ ،‬لكن أين من‬
‫إنا والِ درو ُ‬
‫يقرأُ سيتَه‪ ،‬أين من يتعلم معاليه‪.‬‬
‫ي ُر عليه ف بيتِه ثلثةُ أيامٍ وأربعة فل ي ُد ما يُشب ُع بطنَه‪ ،‬ل يدُ التمرَ‪ ،‬ل يدُ اللب‪ ،‬ل يد‬
‫صبْرا جَمِيلً‪.‬‬
‫صبِرْ َ‬
‫ل وبنعيم ال‪ :‬فَا ْ‬
‫خب َز الشعي‪ ،‬وهو راضٍ برزقِ ا ِ‬

‫‪225‬‬

‫ينا ُم على الصيِ‪ ،‬ويؤث ُر الصيُ ف جنبِه‪ ،‬وينامُ على الترابِ ف شدةِ البد‪ ،‬ول يدُ غطاءً‪:‬‬
‫صبْرا جَمِيلً‪.‬‬
‫صبِرْ َ‬
‫فَا ْ‬
‫بيتَه من طي‪ ،‬إذا مدَ يدَه بلغتِ السقف‪ ،‬وإذا اضطجعَ فرأسُه ف جدا ٍر وقدميه ف جدار‬
‫صبْرا جَمِيلً‪.‬‬
‫صبِرْ َ‬
‫لنَها دنيا حقية‪ :‬فَا ْ‬
‫فرعونُ على منبِ الذهب‪ ،‬وف إيوانِ الفضة‪ ،‬ويلبسُ الرير‪ .‬وكسرى ف عمالةِ الديباج‪،‬‬
‫صبْرا‬
‫صبِرْ َ‬
‫وف متاعِ الدر ِر والواهرِ‪ ،‬وممدُ (صلى الُ عليه وسلم) على التراب‪ :‬فَا ْ‬
‫جَمِيلً‪.‬‬
‫أتى جبيلُ بفاتيحِ خزائنِ الدنيا وسلمها إل الصطفى (صلى ال عليه وسلم)‪ ،‬وقال له‪:‬‬
‫أتريدُ أن يولَ الُ لك جبالَ الدنيا ذهبا وفضة؟‬
‫فقال ل‪ ،‬بل أشب ُع يوما وأجوعُ يوما حت ألقى ال‪.‬‬
‫حضرتَه الوفاة‪ ،‬فقالوا له‪ :‬أتري ُد الياة‪ ،‬أتريدُ أن تبقى ونعطيكَ ملكا يقاربُ ملك سليمان‬
‫عليه السلم؟‬
‫قال ل بل الرفي ِق العلى‪ ،‬بل الرفي ِق العلى‪.‬‬
‫أي عظمةٍ هذه العظمةُ‪ ،‬أي إشراقٍ هذا الشراق‪ ،‬أي إبداعٍ هذا البداع‪ ،‬أي روعةٍ هذه‬
‫الروعة‪.‬‬
‫بشرى لنا معش ُر السلمِ إن لنا ‪ ...‬من العنايةِ ركنا غي منهدمِ‬
‫لا دعا الُ داعينا لطاعتِه ‪ ........‬بأكرمِ الرسلِ كنا أكرم الممِ‬
‫أقو ُل ما تسمعون وأستغفرُ ال ل ولكم ولسائر السلمي من كل ذنب‪ ،‬فاستغفروه وتوبوا‬
‫إليه إن هو الغفور الرحيم‪.‬‬
‫‪................................‬‬
‫المد ل الذي كان بعبادِه خبيا بصيا‪ ،‬وتبار الذي جعل ف السماء بروجا وجعل فيها‬
‫سراجا وقمرا منيا‪ ،‬وهو الذي جعل الليل والنهارَ خلفة لن أراد أن يتذكر أو أراد‬
‫شكورا‪.‬‬
‫والصلةُ والسلم على من بعثَه ربُه هاديا ومبشرا ونذيرا‪ ،‬وداعيا إل ال بأذنه وسراجا‬
‫منيا‪ ،‬بلغ الرسالة وأدى المانة‪ ،‬ونصح المة‪.‬‬

‫‪226‬‬

‫صبِ ْر عَلَى مَا َيقُولُو َن وَاهْجُ ْرهُ ْم هَجْرا جَمِيلً‪.‬‬
‫ل سبحانَه وتعال له‪ :‬وَا ْ‬
‫يقولُ ا ُ‬
‫فأصب صبا جيل‪ ........‬وَاهجرهم هجرا جيل‪.‬‬
‫ما هو الصبُ الميل الذي أمر الُ رسولَه (صلى ال عليه وسلم) أن يصبَه؟‬
‫الص ُب الميل هو الذي ل شكوى فيه‪ ،‬أن تصبَ ول تشتكي على أحد‪ ،‬فالشكوى على‬
‫ال‪ ،‬ول يرفعُ الضرَ إل ال‪ ،‬ول ييبُ دعا َء الضطرِ إل ال‪ ،‬ول يغنيكَ من الفقرِ إل ال‪،‬‬
‫ول يشافيكَ من الرضِ إل ال‪ ،‬ول ي ُب مصيبتَك إل ال‪.‬‬
‫فلذلك كان عليه الصلةُ والسلم ل يشكو هومَه وغمومَه إل على ال‪.‬‬
‫دخل عليه أبنُ مسعودٍ رضي الُ عنه فوجدَ الرسولُ (صلى اللهث عليه وسلم) مريضا على‬
‫الفراش‪ ،‬سي ُد البشر‪ ،‬خيُ من خلقَ ال أصابتهُ المى فصرعتُه على الفراش‪ ،‬المى مع‬
‫مشاكلِ الدعوة‪ ،‬مع هومِ الدعوة‪ ،‬مع مارب ِة العداء‪ ،‬مع الفقرِ‪ ،‬مع الوع‪ ،‬مع موتِ‬
‫الول ِد والبنات تصيبُه المى ف جسمِه‪.‬‬
‫يقول أبن مسعودٍ دخلتُ على الرسولِ (صلى ال عليه وسلم) وهو يوعَكُ وعكا شديدا‪،‬‬
‫أي يرتعدُ على الفراشِ من شدةِ المى‪ ،‬فوضعتُ يدِ على جسمِه الشريف‪ ،‬قلت يا رسولَ‬
‫ال بأب أنت وأمي‪ ،‬يعن أفديك بأب وأمي‪ ،‬وصدق رضي الُ عنه فقد فدوه بالباءِ‬
‫والمهات‪:‬‬
‫فدىً لك من يقص ُر عن مداكَ ‪ .....‬فما شهمُ إذا إل فِداك‬
‫أروحُ وقد ختمتُ على فؤادي ‪ ....‬ببِك أن ي َل به سواكَ‬
‫إذا اشتبكت دموعُ ف خدودٍ ‪ ......‬تبيَ من بكى من تباكى‬
‫قلت يا رسولَ ال بأب أنت وأمي‪ ،‬يعن أفديك بأب وأمي إنك لتوعَكُ وعكا شديدا‪.‬‬
‫ك كما يوعَكُ رجل ِن منكم‪ ،‬أي جع الُ عليه مرضي‪.‬‬
‫قال نعم إن لوعَ ُ‬
‫لتُ يا رسول ال ذلك لن لك الجرُ مرتي؟‬
‫قال أجل‪.‬‬
‫ما من إنسا ٍن يصيبُه مرضُ أو ه ُم أو غمُ أو حزنُ إل كفرَ الُ به من خطاياه‪ ،‬ف صحيحِ‬
‫البخاري باب‪ :‬هل يقو ُل الرج ُل وا رأساه‪ ،‬هل يتوجع‪ ،‬يعن هل يقولُ آه من الرض؟‬
‫ع فقالت‪ :‬وا رأساه!‬
‫دخلت عائش ُة على البيبِ (صلى الُ عليه وسلم) وبا صدا ُ‬

‫‪227‬‬

‫ض الوت‪ :‬بل أنا وا رأساه‪ ،‬والِ لقد‬
‫ل عليه وسلم) وهو ف مر ِ‬
‫فقال الصطفى (صلى ا ُ‬
‫همتُ أن أدعو أباكِ وأخاكِ لكتبَ لم كتاب‪.‬‬
‫لنَه علم عليه الصل ُة والسلم أنه سوف يوتُ بعدَ أيام‪.‬‬
‫تأتيه المى فتهُزُه هزا عنيفا‪ ،‬وف مرضِ موتِه مُرضَ مرضا عجيبا‪ ،‬سعَ الذان‪ ،‬سع بللُ‬
‫ب الية‪.‬‬
‫يطل ُق التكبيَ من على النارة‪ ،‬لكن ل يسم ُع بللً إل أهلُ القلو ُ‬
‫قال أجعلوا ل ماءً لغتسل وأصلي بالناس‪.‬‬
‫قالوا يا رسولَ ال إنك مريض‪.‬‬
‫قال أسعُ الذان واصلي ف البيت‪.‬‬
‫فوضعوا له قرب ًة فأغتسل‪ ،‬فلما قام ليذهب إل السجدِ أغمي عليه‪ ،‬فجعلوا له ماءً فأغتسل‬
‫أخرى فأغمي عليه‪ ،‬فجعلوا له الاء ثالثةً فأغمي عليه‪ ،‬ورابعةً وخامسة‪ ،‬وف الخيِ لفظ‬
‫أنفاسَه وقال ودمعُه تارقُ على خدِه لنَه يريدُ الصلة‪ :‬وجعلت قرةُ عين ف الصلة‪.‬‬
‫ب الدنيا‪ ،‬ومشاك ِل الدنيا‪،‬‬
‫كان يقول‪ :‬أرحنا با يا بلل‪ ،‬أرحنا با من هومِ الدنيا‪ ،‬وتع ِ‬
‫ومالفةِ الدنيا‪.‬‬
‫وقل لبللِ العزمِ من قلبِ صادقٍ ‪ ...‬أرحنا با إن كنت حقا مصليا‬
‫ب النانِ الثمانيا‬
‫توضأ باء التوبةِ اليومَ ملصا ‪ .....‬به ترقى أبوا َ‬
‫س فبكى‬
‫قال أمروا أبا بكرٍ فليصلي بالناس‪ ،‬فذهب بللُ إل أبا بكرٍ وأخبَه أن يصلي بالنا ِ‬
‫ل وإنا إليه راجعون‪.‬‬
‫ل الستعان‪ ،‬إن ِ‬
‫أبو بكرٍ وقال ا ُ‬
‫صبْرا جَمِيلً‪.‬‬
‫صبِرْ َ‬
‫ل عليه وسلم) على هذه الحداث‪ :‬فَا ْ‬
‫فصب (صلى ا ُ‬
‫ب وأتباع وتلميذ الرسولِ (صلى ال عليه وسلم)‪ ،‬من أصيبَ‬
‫فيا أيها السلمونَ‪ ،‬يا أصحا َ‬
‫منكم بصيبة فليتعزى بالرسول عليه الصلةُ والسلم‪.‬‬
‫ئ الصيلة‪ ،‬والهدافِ‬
‫إن هذا دينُ العظماء‪ ،‬إنه دي ُن العقلء‪ ،‬إنه دينُ الشرفاء‪ ،‬أهلُ الباد ِ‬
‫الليلة‪ ،‬والخلقِ الميلة‪.‬‬
‫صبْرا َجمِيلً‪.‬‬
‫صِبرْ َ‬
‫ت أبنُكَ‪ :‬فَا ْ‬
‫يو ُ‬
‫صبْرا جَمِيلً‪.‬‬
‫صبِرْ َ‬
‫ترض زوجتُك‪ :‬فَا ْ‬
‫صبْرا َجمِيلً‪.‬‬
‫صبِرْ َ‬
‫تذهب عيناك‪ ،‬أو يصمُ سعُك‪ :‬فَا ْ‬

‫‪228‬‬

‫صبْرا جَمِيلً‪.‬‬
‫صبِرْ َ‬
‫تصابُ برضٍ أو حادثٍ‪ :‬فَا ْ‬
‫صبْرا جَمِيلً‪.‬‬
‫صبِرْ َ‬
‫يزلزلُ بيتُك أو يدم ُر عقارُك‪ :‬فَا ْ‬
‫ل عنكَ فتصب ُح بعيدا‬
‫ك ُل مصيب ٍة تون إل مصيبةُ الدين‪ ،‬ك ُل مصيبةٍ سهلةٍ إل يوم يتخلى ا ُ‬
‫عن ال‪ ،‬ك ُل شيءٍ سه ُل إل يومَ يصب ُح النسانُ فاجرا متنكرا للمسجد وللمصحفِ‬
‫ولذكرِ ال‪ ،‬كلُ شيءٍ سهلُ إل هذا الدين أن ل يفوتُك من قلبِك‪.‬‬
‫ل بالصلةِ والسلمِ عليه فقال‪ِ :‬إنّ اللّهَ‬
‫عباد ال‪ ،‬وصلوا وسلموا على من أمرَكم ا ُ‬
‫صلّوا عََليْ ِه َوسَلّمُوا تَسْلِيما‪.‬‬
‫َومَلِئكَتَ ُه ُيصَلّونَ عَلَى النِّبيّ يَا َأّيهَا الّذِينَ آ َمنُوا َ‬
‫ل عليه با عشرا‪.‬‬
‫وقد قال عليه الصل ُة والسلم‪ :‬من صلى علي صلةً واحده‪ ،‬صلى ا ُ‬
‫اللهم صلي على عبدك وحبيبِك ممد‪ ،‬وأعرض عليه صلتَنا وسلمَنا ف هذه الساعةِ‬
‫الباركة‪ ،‬يا رب العالي‪.‬‬
‫ب الطهار‪ ،‬من الهاجرين والنصار‪ ،‬ومن تبعَهم بإحسانٍ إل يوم‬
‫وأرضى اللهم عن أصحا ِ‬
‫الدين‪ ،‬وعنا معهم بنك وكرمِك يا أكرم الكرمي‪.‬‬
‫اللهم أجع كلمةَ السلمي‪ ،‬اللهم وحد صفوفَهم‪ ،‬اللهم خذ بأيدِهم إل ما تبُه وترضاه يا‬
‫رب العالي‪.‬‬
‫اللهم أصلح أئمتَنا وول َة أمورِنا‪ ،‬اللهم وفقِهم لا تبُه وترضاه‪ ،‬اللهم أخرجهُم من‬
‫الظلماتِ إل النور‪ ،‬اللهم أهدِهم سب َل السلم‪.‬‬
‫اللهم بعلمِك الغيب‪ ،‬وبقدرتِك على اللق‪ ،‬أحيينا ما كانت الياةُ خيا لنا‪،‬وتوفَنا إذا‬
‫كانت الوفاةُ خيا لنا‪.‬‬
‫ب والشهادة‪ ،‬ونسألُكَ كلمةَ القِ ف الغضبِ والرضاء‪،‬‬
‫ك خشيتَك ف الغي ِ‬
‫اللهم إنا نسأل َ‬
‫ك والشوقَ إل لقاءِك ف غيِ‬
‫ونسألُك القصدَ ف الغن والفقر‪ ،‬ونسألُكَ لذةَ النظرِ إل وجه َ‬
‫ضراءَ مضرة‪ ،‬ول فتنةً مظلة‪ ،‬برحتِك يا أرحم الراحي‪.‬‬
‫اللهم أنصر كل من جاه َد لعلءِ كلمتِك‪ ،‬ولرف ِع رايتكِ‪ ،‬ف ب ِركَ وبرِك يا رب العالي‪.‬‬
‫ربنا إننا ظلمنا أنفسَنا‪ ،‬وإن ل تغفر لنا وترجنا لنكونن من الاسرين‬
‫ربنا آتنا ف الدنيا حسنة‪ ،‬وف الخرة حسنة وقنا عذاب النار‪.‬‬
‫سبحان ربك رب العزة عما يصفون‪ ،‬وسلم على الر سلي‬

‫‪229‬‬

‫==========‬
‫صب الرسول صلى ال عليه وسلم‬
‫الصب شعار الرسلي كما دل عليه قول ال تعال ‪ ( :‬ولقد كذبت رسل من قبلك فصبوا‬
‫على ما كـذّبوا … )(النعام‪ ، )34/‬وقد رغــب الشرع النيف ف الصب وحث‬
‫عليه ‪ ،‬وأثن على أهله ‪.‬‬
‫ولقد كان رسول ال ممد صلى ال عليه وسلم أكثر رسل ال دعوة وبلغـا وجهادًا ‪،‬‬
‫لذا كان أكثرهم إيذاءً وابتلءً ‪ ،‬منذ بزوغ فجر دعوته إل أن لق بربه جل وعل ‪.‬‬
‫فقد لقى الذى بكة من قريش وغيهم ‪ ،‬وبعد أن هاجر إل الدينة لقي من الشركي‬
‫والنافقي واليهود أذىً شديدًا ‪ ،‬وما كانت تزيده هذه الشدائد والحن إل إصرارًا‬
‫وثباتــا ‪ ،‬با منّ ال تعال عليه من تثبيت قلبه ‪ ،‬وما آتاه ال عز وجل من الصب ‪،‬‬
‫وفيما يلي نستعرض ناذج من صبه صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫صبه ف طريق الدعوة إل ال ‪:‬‬
‫منذ بدأ رسول ال صلى ال عليه وسلم دعوته إل ال ‪ ،‬واجهه الشركون بشت أنواع‬
‫الذى ‪ ،‬من رميه بالسحر والكهانة والشعر والنون ‪ ،‬إل إيذائه جسديـا فرموه بالجارة‬
‫وشقوا وجهه ‪ ،‬ودبروا قتله ومن ذلك ‪:‬‬
‫‪ -1‬ما أخرجه البخاري رحه ال تعال من حديث عروة بن الزبي رحه ال قال ‪ :‬سألت‬
‫ابن عمرو بن العاص رضي ال عنهما فقلت ‪ :‬أخبن بأشد شيء صنعه الشركون بالنب‬
‫صلى ال عليه وسلم ؟ قال ‪ :‬بينا النب صلى ال عليه وسلم يصلي ف حجر الكعبة ‪ ،‬إذ‬
‫أقبل عقبة بن أب معيط ـ لعنه ال ـ فوضع ثوبه ف عنقه ‪ ،‬فخنقه خنقـا شديدًا فأقبل‬
‫أبو بكر رضي ال عنه حت أخذ بنكبه ودفعه عن النب صلى ال عليه وسلم قال ‪:‬‬
‫( أتقتلون رجلً أن يقول رب ال )(غافر‪. )28/‬‬
‫‪ -2‬وأخرج البخاري ومسلم من حديث ابن مسعود رضي ال عنه قال ‪ " :‬بينا النب‬
‫صلى ال عليه وسلم ساجد وحوله ناس من قريش جاء عقبة بن أب معيط بسلى جزور‬
‫فقذفه على ظهر النب صلى ال عليه وسلم فلم يرفع رأسه ‪ ،‬فجاءت فاطمة عليها السلم‬
‫فأخذته من ظهره ‪ ،‬ودعت على من صنع ‪ ،‬فقال النب صلى ال عليه وسلم ‪ [ :‬اللهم‬

‫‪230‬‬

‫عليك الل من قريش أبا جهل بن هشام ‪ ،‬وعتبة من ربيعة ‪ ،‬وشيبة بن ربيعة ‪ ،‬وأمية بن‬
‫خلف ] أو [ أب بن خلف ] ـ شك الراوي ـ قال الراوي ‪ :‬فرأيتهم قتلوا يوم بدر ‪،‬‬
‫فألقوا ف بئر غي أمية أو أب تقطعت أوصاله فلم يلق ف البئر " ‪.‬‬
‫هكذا عان صلى ال عليه وسلم من قومه الشدة والذى وهو صابر متسب ‪ ،‬فلما أيس‬
‫من ناح دعوته ف قومه مع ما هم عليه من العداء واليذاء ‪،‬طمع ف أن ينصره قوم‬
‫آخرون من غي قومه ‪ ،‬فعمد إل الطائف رجاء أن ُيؤْو ُه وينصروه على قومه وينعوه‬
‫منهم ‪ ،‬لنم ‪ " :‬كانوا أخواله ول يكن بينه وبينهم عداوة " إل أنم ردوا عليه أقبح رد‬
‫وأشده ‪.‬‬
‫‪ -1‬فقد أخرج الشيخان من حديث عائشة رضي ال عنها أنا قالت ‪ :‬يا رسول ال هل‬
‫أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد ؟ فقال صلى ال عليه وسلم ‪ [ :‬لقد لقيت من‬
‫قومك ما لقيت ‪ ،‬وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد‬
‫ياليل بن عبد كلل ‪ :‬فلم يبن إل ما أردت ‪ ،‬فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم‬
‫أستفق إل بقرن الثعالب ‪ ،‬فرفعت رأسي فإذا بسحابة قد أظلتن فنظرت فإذا فيها جبيل ‪،‬‬
‫فنادان فقال ‪ :‬إن ال قد سع قول قومك لك وما ردوا عليك ‪ ،‬وقد بعث إليك ملك‬
‫البال لتأمره با شئت فيهم فنادان ملك البال ‪ ،‬فسلم عليّ ث قال ‪ :‬يا ممد إن ال قد‬
‫سع قول قومك لك ‪ ،‬وأنا ملك البال ‪ ،‬وقد بعثن ربك إليك لتأمرن بأمرك فما شئت ؟‬
‫‪ ،‬إن شئت أن أطبق عليهم الخشبي ‪ ،‬فقال له رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ :‬بل‬
‫أرجو أن يرج ال من أصلبم من يعبد ال تعال وحده ل يشرك به شيئـا "(البخاري‬
‫ومسلم ) ‪.‬‬
‫وهكذا واجه النب هذا اليذاء والهل بالصب الميل ‪ ،‬حت أنه أب أن يدعو عليهم ‪.‬‬
‫وقد انتهت هذه الرحلة بحاولة الشركي قتله صلى ال عليه وسلم كما أشار ال تعال‬
‫إل ذلك بقوله ‪ ( :‬وإذ يكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يرجوك ويكرون‬
‫ويكر ال وال خي الاكرين )(النفال‪. )30/‬‬

‫‪231‬‬

‫ولا هاجر صلوات ال وسلمه عليه إل الدينة ل يقل صبه عما كان عليه أمره ف مكة ‪،‬‬
‫فلئن كان ف مكة صابرًا على الشركي فحسب ‪ ،‬فإنه ف الدينة قد صب على مَنْ هم‬
‫أكثر أذية وعددًا وطوائف ‪ ،‬إنم النافقون ‪ ،‬واليهود والشركون ‪ ،‬فقد كانت كل واحدة‬
‫من هذه الطوائف تكيد للنب صلى ال عليه وسلم ودعوته كيدًا وتصطنع له أذية ل تألو‬
‫جهدًا ف ذلك ‪،‬وهو يتلقى ذلك كله بقلب راسخ باليان واثق بنصر ال ‪ ،‬ورباطة جأش‪،‬‬
‫ل يتزعزع من حوادث العداء وكيد اللداء ‪.‬‬
‫صبه صلى ال عليه وسلم على النافقي ف الدينة ‪:‬‬
‫أما النافقون فقد كان الصب عليهم مُرّا ‪ ،‬إذ ل حيلة له غي الصب ؛ لنم يزعمون السلم‬
‫‪ ،‬ويظهرون الولء ل تعال ولرسوله صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬وهم ف القيقة يبطنون الكفر‬
‫ويتربصون بالنب صلى ال عليه وسلم والسلمي الدوائر ‪ ،‬وهم عيون للعداء الارجيي‬
‫يتتبعون عورات السلمي ‪ ،‬ويططون للقضاء عليهم ‪ ،‬ولكن ذلك ف السر ‪ ،‬إذ ل يعلم‬
‫ذلك أحد إل ال تعال ث رسوله صلى ال عليه وسلم بإعلم ال تعال له ‪.‬‬
‫ولطالا كان السلمون يكتشفون رائحة النفاق من أحدهم ‪ ،‬فيستأذنون النب صلى ال عليه‬
‫وسلم ف قتله فيقول عليه الصلة والسلم ‪ [ :‬ل يتحدث الناس أن ممدًا يقتل أصحابه ]‬
‫(رواه البخاري ومسلم ) ‪ ..‬إن ذلك الصب ل متنفس فيه ‪ ،‬وهو أشد ما يكون على‬
‫الرء ‪ ،‬وسأذكر هنا قصة واحدة تبي مدى صبه صلى ال عليه وسلم على أذى النافقي ‪:‬‬
‫فقد أخرج المامان البخاري ومسلم من حديث أسامة بن زيد رضي ال عنه أن النب‬
‫صلى ال عليه وسلم ركب حارًا عليه إكَاف ‪ ،‬تته قطيفة فدَ ِكيّة ‪،‬وأردف وراءه أسامة ‪،‬‬
‫وهو يعود سعد بن عبادة ف بن الارث بن الزرج ‪ ،‬وذلك قبل وقعة بدر ‪ ،‬حت مر‬
‫بجلس فيه أخلط من السلمي والشركي وعبدة الوثان واليهود ‪ ،‬فيهم عبد ال بن‬
‫أب ‪ ،‬وف الجلس عبد ال بن رواحة رضي ال عنه قال ‪ :‬فلما غشيت الجلس عجاجة‬
‫الدّابة ‪ ،‬خّر عبد ال بن أب أنفه ث قال ‪ :‬ل تغبّروا علينا ‪،‬فسلم عليهم النب صلى ال عليه‬
‫وسلم ث وقف فنل فدعاهم إل ال وقرأ عليهم القرآن ‪ ،‬فقال عبد ال بن أب ‪ :‬أيها الرء‬
‫ـ يريد النب صلى ال عليه وسلم ـ ل أحسن من هذا ‪ ،‬إن كان ما تقول حقـا فل‬
‫تؤذنا ف مالسنا ‪ ،‬وارجع إل رحلك ‪ ،‬فمن جاءك منا فاقصص عليه ‪ ،‬فقال عبد ال بن‬

‫‪232‬‬

‫رواحة ‪ :‬اغشنا ف مالسنا فإنا نب ذلك ‪ ،‬قال ‪ :‬فاستب السلمون والشركون واليهود‬
‫حت هـوا أن يتواثبوا ‪ ،‬فلم يزل النب صلى ال عليه وسلم يفضهم ‪ ،‬ث ركب دابته حت‬
‫دخل على سعد بن عبادة ‪ ،‬فقال ‪ :‬أي سعد ‪ ،‬أل تسمع إل ما قال أبو حباب ـ يريد‬
‫عبد ال بن أب ـ قال كذا وكذا ؟ فقال سعد ـ رضي ال عنه ـ ‪ :‬اعف عنه يا رسول‬
‫ال واصفح ‪ ،‬فوال لقد أعطاك ال الذي أعطاك ‪ ،‬ولقد اصطلح أهل هذه البـحية أن‬
‫يتوجوه فيعصّبوه بالعصابة ـ أي يعلوه ملكـا عليهم ـ فلما رد ال ذلك بالق الذي‬
‫أعطاكه شرق بذلك ‪،‬فلذلك فعل به ما رأيت ‪ ،‬قال ‪ :‬فعفا عنه النب صلى ال عليه‬
‫وسلم )(رواه البخاري وسلم ) ‪.‬‬
‫فانظر أي صب يقدر على مثله أحد بيده القدرة على عقاب مثل هذا القائل غي النب صلى‬
‫ال عليه وسلم ‪ ،‬إذ يتجرأ هذا اللف على النتقاص من النب صلى ال عليه وسلم وهو‬
‫ذو الناب العظيم ‪ ،‬ويصده عن دعوته ‪ ،‬وهو الأمور بالبلغ البي ‪.‬‬
‫صبه صلى ال عليه وسلم على اليهود ‪:‬‬
‫وأما اليهود فقد كان صب النب صلى ال عليه وسلم عليهم شديدًا ‪ ،‬إذ أنم أهل خديعة‬
‫ومكر وحقد دفي ‪ ،‬فإنم ل يكتفوا بكتم صفاته الت يدونا ف التوراة ‪ ،‬والت يعرفونه با‬
‫كما يعرفون أبناءهم ‪ ،‬والت لو بينوها للناس لدخلوا ف دين ال أفواجـا من أول دعوته‬
‫صلى ال عليه وسلم ؛ لن الكل كان يسلم لليهود بأنم أهل كتاب ‪ ،‬وأن لم علمـا‬
‫برسل ال ‪ ،‬فلو أنم صدقوا ما عاهدوا ال عليه من بيان صفاته صلى ال عليه وسلم للناس‬
‫‪ ،‬وأشهروا ذلك ف الجتمعات ‪ ،‬لا تردد أحد ف الستجابة له صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫بيد أنم غيوا صفاته عليه الصلة والسلم ‪ ،‬وجحدوا نبوته ‪ ،‬وأغروا به الشركي وقالوا‬
‫لم ‪ " :‬إنكم أهدى سبيلً من ممد وأصحابه " ما كان له أثر عائق ف صد الناس عن‬
‫دين ال تعال ‪ ،‬ومشجع لم على عداوة الؤمني ‪ ،‬كل ذلك والنب صلى ال عليه وسلم‬
‫صابر على معاملتهم وعلى خيانتهم وما يتوقعه من غدرهم حت حكم ال بينه وبينهم ‪،‬‬
‫وذلك ف يوم قريظة حي حكم سعد بن معاذ رضي ال عنه بكم ال تعال بأن تقتل‬
‫مقاتلتهم ‪ ،‬وتسب ذراريهم ‪ ،‬لا نقضوا العهد الذي بينهم وبينه ‪ ،‬وظاهروا الشركي يوم‬

‫‪233‬‬

‫الحزاب على قتاله صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬وأجلى من أجلّى منهم من بن قينقاع وبن‬
‫قريظة ‪ ،‬ث فتح خيب فأبقى أهلها إل حي ‪.‬‬
‫صبه صلى ال عليه وسلم على الشركي ف العهد الدن ‪:‬‬
‫وأما صبه عليه الصلة والسلم على الشركي ف العهد الدن فلم يكن كصبه عليهم ف‬
‫العهد الكي ‪ ،‬فإن صبه عليهم ف هذا العهد كان صبًا ف ميادين القتال والنازلة ‪ ،‬صبًا‬
‫على كلوم السنة والرماح والسيوف الت ينفد معها صب أول العزم والقوة ‪.‬‬
‫لكن النب صلى ال عليه وسلم ل ينفد صبه ‪ ،‬ول ينثن عزمه ‪ ،‬وهو يوض معركة بعد‬
‫أخرى ‪ ،‬ويهز جيشـا تلو آخر ‪ ،‬حت آتاه ال الفتح البي والعز والتمكي ‪.‬‬
‫ى كبيًا ‪ ،‬حيث كسرت رباعيته ‪ ،‬وشج وجهه الشريف ف غزوة‬
‫ولقد نال من ذلك أذ ً‬
‫أحد وأثخنته الراح ـ بنفسي هو وأب وأمي صلى ال عليه وسلم ـ وهو مع ذلك‬
‫صابر متسب ‪ ،‬ل يلوي ‪ ،‬ول يولّي الدبار ‪ ،‬كما يفعل كبار البطال ‪ ،‬فلم يزد على أن‬
‫قال ‪ [ :‬كيف يفلح قوم شجُوا نبيهم وكسروا رباعيته ‪ ،‬وهو يدعوهم إل ال ] فلم يلبث‬
‫أن أنزل ال عليه ‪ ( :‬ليس لك من المر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبم فإنم ظالون )‬
‫(آل عمران‪()128/‬رواه البخاري ومسلم ) ‪.‬‬
‫يعاتبه ال على ذلك ‪ ،‬ومنه تعلم أن صبه عليه الصلة والسلم كان مُرادًا ل تعال لعظم‬
‫قدره عنده ‪ ،‬لن المتحان والبلء على قدر النلة كما جاء ف الديث ‪ [ :‬أشد الناس‬
‫بلءً النبياء ث المثل فالمثل ](الترمذي وقال ‪ :‬حسن صحيح ) ‪.‬‬
‫ولعل هذا هو سر تكرار أوامر ال عز وجل له صلى ال عليه وسلم بلزوم الصب كما ف‬
‫قوله تعال ‪ ( :‬فاصب كما صب أولو العزم من الرسل )(الحقاف‪ ، )35/‬وقوله تعال ‪:‬‬
‫( واصب وما صبك إل بال )(النحل‪ ، )127/‬وقوله سبحانه ‪ ( :‬فاصب على ما يقولون )‬
‫(طه‪ )130/‬وقوله عز شأنه ‪ ( :‬فاصب إن وعد ال حقٌ )(الروم‪ ، )60/‬وقوله تقدست‬
‫أساؤه ‪ ( :‬واصب لُكم ربك فإنك بأعيننا )(الطور ‪ ، )48/‬إل غي ذلك ‪.‬‬
‫ولقد لبّى صلى ال عليه وسلم تكليف ربه له بذلك وطبقه أيا تطبيق ‪ ،‬كما علمته من‬
‫خلل هذه الواقف العظيمة ‪ ،‬القتطفة من مواقفه الكثية ف الصب ف كل مالت الياة ‪،‬‬

‫‪234‬‬

‫إذ ل يكن صبه صلى ال عليه وسلم قاصرًا على عناء الدعوة والهاد ‪ ،‬بل وعلى لواء‬
‫الياة كذلك ‪.‬‬
‫صبه صلى ال عليه وسلم على لواء الياة وشدتا ‪:‬‬
‫فقد جاء عن أنس رضي ال عنه أنه صلى ال عليه وسللم قال ‪ " :‬لقد أخِفتُ ف ال ‪،‬‬
‫وما ياف أحد ‪ ،‬وقد أوذيت ف ال ‪ ،‬وما يُؤذى أحد ‪ ،‬ولقد أتت عل ّي ثلثون ما بي‬
‫يوم وليلة وما ل طعام يأكله ذو كبد إل شيء يواريه إبط بلل " (رواه الترمذي وغيه‬
‫وهو حسن ) ‪.‬‬
‫وقد روى البخاري ‪-‬رحه ال‪ -‬عن عروة عن عائشة ‪-‬رضي ال عنها‪-‬أنا قالت لعروة‬
‫‪:‬ابن أخت ‪،‬إن كنا لننظر إل اللل ثلثة أهلة ف شهرين وما أوقدت ف أبيات رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم نار‪ .‬فقلت ما كان يعيشكم ؟ قالت ‪:‬السودان ‪،‬التمر والاء ‪ ،‬إل أنه‬
‫قد كان لرسول ال صلى ال عليه وسلم جيان من النصار كان لم منائح ‪ ،‬وكانوا‬
‫ينحون رسول ال صلى ال عليه وسلم من أبياتم فيسقيناه ‪.‬‬
‫صبه صلى ال عليه وسلم على فقد الولد ‪:‬‬
‫فقد أخرج ابن سعد عن أنس رضي ال عنه قال ‪ [ :‬رأيت إبراهيم وهو يود بنفسه بي‬
‫يدي رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬فدمعت عينا رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪،‬‬
‫فقال ‪ [ :‬تدمع العي ‪ ،‬ويزن القلب ‪ ،‬ول نقول إل ما يرضي ربنا ‪ ،‬وال يا إبراهيم إنا‬
‫بك لحزونون ] ‪.‬‬
‫بعد ‪ 00‬فهذه ناذج من صبه صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬وهو من جلة شيمه النبيلة وأخلقه‬
‫الكرية الت أدبه با ربه تبارك وتعال ‪.‬‬
‫الراجــع‬
‫‪ -1‬حياة الصحابة ‪ " :‬الكاندهلوي " ‪.‬‬
‫‪ -2‬أخلق النب صلى ال عليه وسلم ‪ " :‬د ‪ .‬أحد عبد العزيز الدّاد " ‪.‬‬
‫‪ -3‬الرحيق الختوم ‪ " :‬الباركفوري " ‪.‬‬
‫============‬
‫صب النب عليه الصلة والسلم على الدعوة‬

‫‪235‬‬

‫الكاتب‪ :‬د‪.‬عبدالوهاب بن ناصر الطريري‬
‫أيها الخوة والخوات والبناء والبنات حياكم ال مع لقاء يتجدد نرحل به مع قلوبنا‬
‫أرواحنا وجداننا‪ ،‬نرحل به إل هناك مع رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬مع رسول ال ف‬
‫دعوته‪ ،‬هذه الدعوة الت كان مقام رسول ال صلى ال عليه وسلم فيها ملحمة ف الصب‪،‬‬
‫دأب وطول المل واليقي والثبات‪ ،‬هذه العان ليست معان مردة نذكرها سردا وعدا‬
‫لكنها حقائق تشرق من حال النب صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫عندما نتقفى هذه السية نفوسنا ظمئة يرويها أن ترد معي السية ومعي حال النب صلى‬
‫ال عليه وسلم فتتروى من هديه وهداه‪ ،‬نن أحوج ما نكون إل أن نورد قلوبنا الكدودة‬
‫معي سية رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فتجد هناك مستراحها وأنسها‪ ،‬ولذلك‬
‫استنهض نفوسكم أيها الخوة والخوات والبناء والبنات أن نذهب إل هناك‪ ،‬نرحل مع‬
‫خب تقصه علينا أمنا عائشة‪.‬‬
‫أمنا تستنطق به رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وتستروي خبه فيخبها رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم وهي تستقرئه وتسترويه مسيته مع دعوته‪ ،‬تستروي رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم ما ل تضره من أحواله وقصته مع الدعوة‪ ،‬تفتح وعي أمنا عائشة رضي ال‬
‫عنها مع الرسول والرسالة على حوادث وافتها لداثة سنها وصغر عمرها‪ ،‬أحداث أخر‬
‫ولذلك كان أشد ما لقيه النب صلى ال عليه وسلم ما أدركه وعي عائشة يوم أحد وإذا‬
‫با تسأل رسول ال صلى ال عليه وسلم عن ما قبل يوم احد‪ ،‬فتقول له ‪ :‬يا رسول ال‬
‫هل مر عليك يوم هو أشد عليك من يوم أحد؟ سؤال من أمنا عائشة وكانت صغية‬
‫السن لكنها عبقرية ذكية ولاحة‪ ،‬هي تعلم ماذا لقيه النب صلى ال عليه وسلم ف يوم‬
‫أحد‪ ،‬ف يوم أحد شج جبي رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬كسرت رباعيته‪ ،‬غاصت‬
‫حلقتان من حلقات الغفر ف وجنتيه صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫صرع أصحابه حوله‪ ،‬وقف على جثمان عمه حزة أحب الناس إليه وخية أهل بيته‪،‬‬
‫وقف رسول ال صلى ال عليه وسلم على جثمانه وقد بقر بطنه‪ ،‬واستخرجت أحشائه‪،‬‬
‫ومثل به‪ ،‬فوقف صلى ال عليه وسلم كاسفا حزينا على هذا الثمان الطاهر وهو يقول‪:‬‬
‫لن أصاب بعد اليوم بثل مصيبت فيك‪.‬‬

‫‪236‬‬

‫كل هذا أصاب النب صلى ال عليه وسلم ف أحد‪ ،‬فهل أصاب النب صلى ال عليه وسلم‬
‫ما هو أشد من ذلك؟ يا رسول ال هل أصابك ما هو أشد عليك ما أصابك يوم أحد‪،‬‬
‫سؤال أمنا عائشة فما كان الواب‪ ،‬ماذا كان جواب رسول ال صلى ال عليه وسلم‪،‬‬
‫كانت تسأل رسول ال صلى ال عليه وسلم وكأنا تنكأ جراحا غائرة ف نفس رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫لقد لقيت من قومك أذا شديدا كأنا كان سؤال عائشة يسترجع ذكريات مضى عليها‬
‫زمن طمرتا السني‪ ،‬فإذا بعائشة تستثيها وإذا بالنب صلى ال عليه وسلم ييب وكأنا‬
‫عادت هذه الشاهد حية أمام ناظريه صلى ال عليه وسلم‪ ،‬لقد لقيت من قومك أذا كثيا‬
‫يعن نعم‪ ،‬مر عليّ ما هو أشد من يوم أحد فما الذي كان أشد من يوم أحد‪ ،‬ما الذي‬
‫كان أشد من جرح ف البي وكسر السن وأن تغار حلقتان من حلق الغفر ف وجنته‪،‬‬
‫وأن يرى أصحابه يصرعون حوله وأن يقف على جثمان عمه حزة مشوها مثلً به‪ ،‬ما‬
‫هو أشد من ذلك أشد من ذلك ما سيويه رسول ال صلى ال عليه وسلم وكان أشد من‬
‫ذلك يوم عرضت دعوت على ابن عبد ياليل ابن عبد كلل‪ ،‬ما هو خب هذه الدعوة وخب‬
‫هذا العرض‪ ،‬نتاج أن نذكر ما ل يذكر ونظهر الضمر‪ ،‬فنقول إن النب صلى ال عليه‬
‫وسلم قضى أزيد من عشر سني قبل الجرة وهو يدعو قريشا ويصب لا ويصابرها عشر‬
‫سني ف دعوة وثبات وصب على الذى‪ ،‬حت جرأ سفهاء قريش وملؤها على أنواع من‬
‫أذى النب صلى ال عليه وسلم خصوصا بعد موت عمه أب طالب‪ ،‬جرؤوا عليه جراءة‬
‫شديدة فإذا برسول ال صلى ال عليه وسلم بعد طول الصدود وكثرة الحود‪ ،‬إذا به‬
‫يبحث عن تربة يلقي فيها بذرة دعوته لعله يستنبت هذه الدعوة ف أرض أخرى فتنمو‬
‫فيها وتورق‪.‬‬
‫خرج من مكة إل الطائف عله أن يد ف الطائف أذانا صاغية تستجيب لدعوته وتتبع‬
‫رسالته وتمل هديه وهداه ودينه‪ ،‬خرج من مكة ماشيا إل الطائف يقطع طريقا يزيد‬
‫الن على مائة كيلو من الطريق العروف الن بطريق السيل‪ ،‬وكان يسمى أول وادي‬
‫نلة‪ ،‬طريق وادي نلة الذي هو طريق السيل الن ووادي نلة هو الذي يسمى الن‬
‫الزية‪ ،‬قطعه النب صلى ال عليه وسلم ومعه موله زيد ابن حارثة مشيا على القدام ف‬

‫‪237‬‬

‫وقت الصيف القائض‪ ،‬حت وصل إل الطائف وبقي هناك عشرة أيام يعرض فيها دينه‬
‫ويبلغ رسالته‪ ،‬يغشاهم ف نواديهم ويغشاهم ف متمعاتم يقرأ عليهم القرآن حت قال‬
‫بعض أهل الطائف سعت رسول ال صلى ال عليه وسلم ف الطائف يقرأ والسماء‬
‫والطارق فحفظتها وأنا مشرك وقرأتا وأنا مسلم‪.‬‬
‫عشرة أيام قضاها النب صلى ال عليه وسلم ل يواجه إل بالصدود والعراض فلما خشي‬
‫مل أهل الطائف من رسول ال صلى ال عليه وسلم أن يستميل الناس إليه أغروا به‬
‫سفهائهم فردوا عليه أقبح الرد‪ ،‬حت قال له بعضهم أما وجد ال غيك رسولً فيسله‬
‫إلينا‪ ،‬فلما أغروا به سفهائهم فواجهوه بأقبح الرد إذا به صلى ال عليه وسلم وهو يواجه‬
‫بذا الصدود وهذا العراض يرجع حزينا مكلوم الفؤاد مغموم النفس‪ ،‬وهو الذي خرج‬
‫من مكة بعد أن جحده قوم أهل الل فيها وجرؤوا عليه بالذى أملً أن يد ف الطائف‬
‫مستنبتاً لدعوته فيصد بذا الصدود ويقابل بذا الحود‪ ،‬فإذا به صلى ال عليه وسلم وهو‬
‫الامل لم رسالته يغتم لذلك أشد الغم‪ ،‬ويزن لذلك أشد الزن‪ ،‬وتتراكب الموم على‬
‫القلب الكري الطيب فل يتنفس ول ينفس عن ذلك إل بدعوات يصدع با السماء "اللهم‬
‫أشكو إليك ضعف قوت وقلة حيلت وهوان على الناس أنت رب الستضعفي وأنت رب‬
‫إل من تكلن إل بعيد يتجهمن أم إل قريب ملكته أمري‪ ،‬إن ل يكن بك غضب عل ّي فل‬
‫أبال غي أن عافيتك أوسع ل‪ ،‬أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات‪ ،‬وصلح عليه‬
‫أمر الدنيا والخرة‪ ،‬أن ينل ب غضبك أو يل ب سخطك‪ ،‬لك العتبة حت ترضى ول‬
‫حول ول قوة إل بك"‪.‬‬
‫دعاء مكروب مغموم يصدع السماء‪ ،‬ث ينقلب النب صلى ال عليه وسلم بعد عشر ليال‬
‫طوال قضاها ف الدعوة والصابرة يرجع إل مكة لكن كيف كان الرجوع‪ ،‬ويسي ف‬
‫الطريق ولكن كيف كان السي‪ ،‬كيف قطع الطريق من الطائف عائدا إل مكة‪ ،‬مكة الت‬
‫خرج منها وبرأى وبسمع من أهلها يرونه ويعلمون إل أين سيذهب وما هي قضيته وما‬
‫هو هدفه ف ذهابه إل الطائف‪ ،‬وسيجع إليهم وقد سبقته إليهم أخبار أهل الطائف معه‪،‬‬
‫فكيف سيدخل إل بلد وكيف سيلقى قومه وهم الذين كانوا جرؤوا عليه فكيف سيكون‬

‫‪238‬‬

‫حاله بعد أن يرجع إليهم‪ ،‬ولذلك عاد مكروبا مغموما فإل أي درجة بلغ غمه وعلى أي‬
‫حال كان حزنه‪.‬‬
‫يصف ذلك فيقول "فلم استفق إل وأنا ف قرن الثعالب"‪ ،‬قرن الثعالب هو السيل الكبي‬
‫يبعد عن الطائف ستة وأربعي كيلو قطعها رسول ال صلى ال عليه وسلم مشيا‪ ،‬ولكنه‬
‫كان ف حال من الستغراق مع غمه وهه وحزنه لجل دعوته بيث أنه ل يستفق ول‬
‫يشعر با حوله إل وهو ف قرن‪.‬‬
‫=================‬
‫( صب الرسول على الذى )‬
‫عناصر الوضوع ‪:‬‬
‫‪ .1‬أهية دراسة شخصية الرسول صلى ال عليه وسلم‬
‫‪ .2‬صب النب صلى ال عليه وسلم على أذى الكفار‬
‫‪ .3‬صور أخرى من صب النب على الذى يقتدى به فيها‬
‫صب الرسول على الذى‪:‬‬
‫ل تقم دعوة السلم‪ ،‬ول تبلغ ما بلغت إل بعد تضحيات جسيمة‪ ،‬وتمل صنوف من‬
‫الذى‪ ،‬وأول من واجه ذلك وصب عليه هو إمام هذه الدعوة صلى ال عليه وآله وسلم‪،‬‬
‫وف ذلك للمسلم أسوة ف مواجهة الشاكل والذى الذي يعترضه خلل الدعوة إل دينه‪.‬‬
‫أهية دراسة شخصية الرسول صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫إن المد ل‪ ،‬نمده ونستعينه ونستغفره‪ ،‬ونعوذ بال من شرور أنفسنا ومن سيئات‬
‫أعمالنا من يهده ال فل مضل له‪ ،‬ومن يضلل فل هادي له‪ ،‬وأشهد أن ل إله إل ال‬
‫وحده ل شريك له وأشهد أن ممدا عبده ورسوله‪ .‬يَا َأّيهَا الّذِينَ آ َمنُوا اّتقُوا اللّهَ حَ ّق ُتقَاتِهِ‬
‫س اّتقُوا َرّبكُمُ الّذِي خََل َقكُمْ‬
‫سلِمُونَ [آل عمران‪ .]102:‬يَا َأّيهَا النّا ُ‬
‫وَل تَمُوتُنّ إِلّا َوَأْنتُمْ مُ ْ‬
‫ث ِمْنهُمَا رِجَالً َكثِيا َونِسَاءً وَاّتقُوا اللّهَ الّذِي‬
‫مِ ْن َن ْفسٍ وَاحِ َد ٍة وَ َخلَ َق ِمْنهَا َزوْ َجهَا َوبَ ّ‬
‫تَسَاءَلُو َن بِهِ وَاْلأَرْحَامَ ِإنّ اللّهَ كَا َن عََلْيكُمْ رَقِيبا [النساء‪ .]1:‬يَا َأّيهَا الّذِينَ آمَنُوا اّتقُوا اللّهَ‬
‫وَقُولُوا َقوْلً سَدِيدا * ُيصْلِحْ َلكُمْ َأعْمَاَلكُ ْم َويَ ْغفِرْ َلكُمْ ُذنُوَبكُ ْم َومَ ْن يُطِعِ اللّ َه وَ َرسُولَهُ َفقَدْ‬
‫فَازَ َفوْزا عَظِيما [الحزاب‪ .]71-70:‬أما بعد‪ :‬فإن أصدق الديث كتاب ال‪ ،‬وخي‬

‫‪239‬‬

‫الدي هدي ممد صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وشر المور مدثاتا‪ ،‬وكل مدثة بدعة‪ ،‬وكل‬
‫بدعة ضللة‪ ،‬وكل ضللة ف النار‪ .‬عباد ال‪ :‬إن دراسة شخصية رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم من المور الهمة للمسلم الذي يريد أن يطبق قول ال عز وجل‪ :‬قُ ْل هَ ِذ ِه َسبِيلِي‬
‫أَ ْدعُو إِلَى اللّ ِه عَلَى َبصِ َيةٍ َأنَا َومَ ِن اتَّب َعنِي [يوسف‪ ]108:‬ويريد أن يسي على تأثرٍ من نور‬
‫سَنةٌ [الحزاب‪ .]21:‬وشخصية رسول‬
‫هذه الية‪َ :‬لقَدْ كَانَ َلكُمْ فِي َرسُولِ اللّهِ ُأ ْسوَةٌ حَ َ‬
‫ال صلى ال عليه وسلم فيها جوانب كثية من العظمة؛ تلك الوانب الت ل بد للداعية‬
‫إل ال‪ ،‬ومن يريد أن يترب على طريق السلم أن يدرسها دراسة متأنية‪.‬‬
‫عظمة رسول ال صلى ال عليه وسلم وصبه على الستهزاء‪:‬‬
‫ونن نستعرض ف هذا القام جانبا من جوانب عظمة شخصية رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم‪ .‬كان رسول ال صلى ال عليه وسلم يدعو إل ال على نورٍ من ربه‪ ،‬ويصب على‬
‫الذى ف سبيل هذه الدعوة‪ ،‬وصبه صلى ال عليه وسلم على الذى يتمثل ف أحداث‬
‫كثية تّت ف حياته صلى ال عليه وسلم؛ من مواجهته للكفار والشركي والنافقي‪ ،‬وف‬
‫عامٍ واحد وهو العام العاشر من البعثة يتوف ال تعال خدية رضي ال عنها ويوت أبو‬
‫طالب ‪ ،‬فيطمع كفار قريش ف أذية رسول ال صلى ال عليه وسلم ما ل يكونوا يطمعون‬
‫قبل ذلك‪ ،‬وأذية الكفار لرسول ال صلى ال عليه وسلم تتمثل ف جوانب كثية‪ :‬أولً‪:‬‬
‫الستهزاء برسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬يقول ال عز وجل‪َ :‬وإِذَا رَآكَ الّذِينَ َكفَرُوا إِنْ‬
‫َيتّخِذُونَكَ إِلّا هُزُوا َأهَذَا الّذِي يَذْكُرُ آِل َهتَكُ ْم َوهُ ْم بِذِكْرِ الرّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ [النبياء‪:‬‬
‫‪ ]36‬أن يهزأ البطل بالحق‪ ،‬وأن يسخر السفيه بالعاقل‪ ،‬تلك وال أذية كبية تقع‬
‫كالصخر على صدر الذي يتعرض لذا النوع من الذى‪ ،‬رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫يعلم أنه على الق وهم يستهزئون به‪َ :‬وإِذَا َرَأ ْوكَ ِإ ْن َيتّخِذُونَكَ إِلّا هُزُوا َأهَذَا الّذِي بَ َعثَ‬
‫اللّهُ َرسُولً [الفرقان‪ ]41:‬يستهزئون بشخصيته صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ولكنه يصب على‬
‫هذا الذى وهو يتفكر ف قول ال تعال يسري عن شخصه صلى ال عليه وسلم‪ :‬وََلقَدِ‬
‫ستَهْ ِزئُونَ [النعام‪:‬‬
‫خرُوا ِمْنهُ ْم مَا كَانُوا بِ ِه يَ ْ‬
‫ق بِالّذِي َن سَ ِ‬
‫ئ بِ ُرسُ ٍل مِنْ َقبْلِكَ فَحَا َ‬
‫اسُْتهْزِ َ‬
‫‪ .]10‬لقد دارت دائرة السوء عليهم‪ ،‬وهذا الستهزاء الذي استهزءوا به قد أصبح وبالً‬
‫عليهم‪.‬‬

‫‪240‬‬

‫للدعاة ف النب صلى ال عليه وسلم أسوة ف الصب على الستهزاء‪:‬‬
‫واليوم يقف الداعية إل ال سبحانه وتعال‪ ،‬المر بالعروف والناهي عن النكر موقفا‬
‫حرجا أمام السهام الت توجه إليه من الستهزئي وهم يستهزئون بشخصيته‪ ،‬أو يستهزئون‬
‫بظهره‪ ،‬أو يستهزئون بالفكار الت يملها‪ ،‬إنه يتأسى بوقف رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم‪ ،‬الصب على هذا الستهزاء‪ .‬ولقد صب رسول ال صلى ال عليه وسلم على شت‬
‫التامات؛ فقد اتموه بأنه يقول الشعر‪ ،‬وأن هذا القرآن إنا هو شعر‪ ،‬وأنم أيضا شعراء‬
‫ولو شاءوا أن يأتوا بثل شعره لتوا‪ ،‬يريدون أن يولوا هذا القرآن عن الجرى العظيم‬
‫والقالب الذي نزل به؛ لكي يقولوا للناس‪ :‬نن نستطيع أن نصنع مثله قال تعال‪ :‬بَلْ قَالُوا‬
‫ضغَاثُ َأحْلمٍ بَ ِل ا ْفتَرَاهُ بَ ْل ُه َو شَاعِرٌ [النبياء‪ ]5:‬وقالوا‪َ :‬أِإنّا َلتَارِكُو آِل َهِتنَا لِشَا ِعرٍ‬
‫أَ ْ‬
‫ب الْ َمنُونِ [الطور‪:‬‬
‫جنُو ٍن [الصافات‪ ]36:‬وقال ال عنهم‪َ :‬أمْ َيقُولُو َن شَاعِ ٌر َنتَ َرّبصُ بِهِ َرْي َ‬
‫مَ ْ‬
‫‪ ]30‬إنم ينتظرون نايته‪ ،‬وينتظرون موته حت تدفن دعوته ف مهدها‪ ،‬ول تقوم لا قائمة‪،‬‬
‫ولكن ال سبحانه وتعال تول الرد عليهم‪ ،‬وتثبيت نبيه صلى ال عليه وسلم‪ :‬فَل أُقْسِمُ‬
‫بِمَا ُتبْصِرُونَ * َومَا ل ُتبْصِرُونَ * ِإنّهُ َل َقوْلُ َرسُولٍ كَ ِريٍ * َومَا هُ َو ِب َقوْ ِل شَاعِرٍ قَلِيلً مَا‬
‫شعْ َر َومَا َيْنَبغِي لَ ُه [يس‪.]69:‬‬
‫ُتؤْ ِمنُو َن [الاقة‪ ،]41-38:‬وقال عز وجل‪َ :‬ومَا عَلّ ْمنَاهُ ال ّ‬
‫وكل عارف باللغة العربية؛ بنثرها وشعرها يعرف أن هذا القرآن ليس على وزن الشعر‪،‬‬
‫وليس شعرا كالذي يقوله الشعراء‪ .‬واليوم يقف الدعاة إل ال عزوجل أمام الستهزئي‬
‫وهم يرمونم بتهم مثل هذه‪ ،‬فليس لم وال إل الصب عليها‪ ،‬والرد على هذه الشبهات‬
‫الت تطلق على الشريعة وأفكار الدين‪ ،‬منتهجي نج القرآن ف الرد عليها‪ .‬وأوذي عليه‬
‫س عَجَبا أَنْ َأوْ َحْينَا إِلَى رَجُلٍ مِْنهُمْ َأنْ أَنْ ِذرِ‬
‫السلم باتامه بالسحر‪ ،‬قال تعال‪ :‬أَكَانَ لِلنّا ِ‬
‫ق عِنْدَ َرّبهِمْ قَا َل اْلكَافِرُونَ ِإنّ هَذَا لَسَا ِح ٌر ُمبِيٌ‬
‫س َوبَشّ ِر الّذِينَ آ َمنُوا َأنّ َلهُمْ َق َدمَ صِ ْد ٍ‬
‫النّا َ‬
‫[يونس‪ ..]2:‬وَقَا َل اْلكَافِرُونَ هَذَا سَا ِحرٌ كَذّابٌ [ص‪ ..]4:‬وَقَالَ الظّالِمُونَ ِإنْ تَّتِبعُونَ إِلّا‬
‫ك مَا َأتَى الّذِي َن مِنْ َقبِْلهِمْ‬
‫ل مَسْحُورا [الفرقان‪ ]8:‬ولكن ال رد عليهم فقال‪ :‬كَذَلِ َ‬
‫رَ ُج ً‬
‫جنُو ٌن [الذاريات‪ ]52:‬لاذا يريد الاهليون أن يصموا‬
‫مِنْ َرسُولٍ إِلّا قَالُوا سَا ِحرٌ َأ ْو مَ ْ‬
‫شخصية رسول ال صلى ال عليه وسلم بالسحر؟ لنم رأوا أن لذا القرآن الذي يتلوه‬
‫صلى ال عليه وسلم أثرا عظيما على نفوس الناس؛ إنه يذب النظار‪ ،‬ويأخذ بجاميع‬

‫‪241‬‬

‫القلوب ( إن عليه لطلوة‪ ،‬وإن له للوة ) فهم يريدون أن يصرفوا أذهان الناس عن‬
‫سبب هذا التأثي؛ وسبب هذا التأثي أن القرآن كلم ال‪ ،‬سبب هذا التأثي أنه نزل من‬
‫عند ال الذي خلق النفس‪ ،‬ويعلم ما يؤثر بذه النفس‪ ،‬وما تتأثر به هذه النفس‪ ،‬إنم‬
‫يريدون أن يصرفوا سبب التأثي إل السحر الذي يؤثر ‪-‬كذلك‪ -‬ف الناس؛ إنا وال دعاية‬
‫إعلمية يريدون أن يلبسوا با على الناس الذين يتأثرون بكلم رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم‪ .‬ويقف الدعاة إل ال عزوجل اليوم أمام أولئك الشاتي الذين يريدون أن يلبسوا‬
‫الق بالباطل‪ ،‬ويريدون أن يصرفوا الناس عن تأثي القرآن والسنة‪ ،‬إنم يستخدمون وسائل‬
‫شت من التهويس والتهويل‪ ،‬وصرف أنظار الناس عن هذا القرآن‪ ،‬وعن الوحي‪ ،‬وعن‬
‫التأثر بالشريعة‪ ،‬فيستخدمون لذلك وسائل شت‪ .‬إن على دعاة السلم أن يابوا هذه‬
‫الواقف‪ ،‬وأن يُجَلّوا للناس أثر القرآن والسنة‪ ،‬وأن يُروا الناس بأبصار قلوبم قبل أبصار‬
‫عيونم أن هذا القرآن وهذه السنة ذات أثر على الناس‪ ،‬ماطبة الناس بالقرآن والسنة‪،‬‬
‫وربطهم با مباشرة من الواجبات اليوم‪ ،‬حت يصل ذلك التأثي‪ .‬وصب صلى ال عليه‬
‫جنُو ٌن [الجر‪]6:‬‬
‫وسلم على اتامه بالنون‪ :‬وَقَالُوا يَا َأيّهَا الّذِي نُزّلَ عََليْهِ الذّكْرُ إِنّكَ لَ َم ْ‬
‫جنُونٍ [الصافات‪ ..]36:‬ثُمّ َتوَّلوْا َعنْ ُه وَقَالُوا ُمعَلّمٌ‬
‫وقالوا‪َ :‬أِإنّا َلتَارِكُو آِل َهِتنَا لِشَاعِ ٍر َم ْ‬
‫جنُونٌ [الدخان‪ .]14:‬ليس أصعب على صاحب اليان‪ ،‬والعقل الراجح‪ ،‬والرأي‬
‫مَ ْ‬
‫السديد‪ ،‬والفكر الصائب‪ ،‬من أن يتهم ف عقله‪ ،‬وأن يوصف بالنون‪ .‬وتول ال الرد على‬
‫هذه الفرية مثبتا رسوله صلى ال عليه وسلم‪ :‬قُلْ ِإنّمَا َأعِ ُظكُ ْم ِبوَاحِ َدةٍ َأنْ َتقُومُوا لِلّ ِه َمْثنَى‬
‫ب شَدِيدٍ‬
‫ي عَذَا ٍ‬
‫وَفُرَادَى ثُ ّم َتَت َفكّرُوا مَا ِبصَا ِحبِكُ ْم مِنْ ِجّنةٍ ِإ ْن ُهوَ إِلّا نَذِيرٌ َلكُ ْم َبيْ َن يَدَ ْ‬
‫جنُونٍ [التكوير‪ ،]22:‬وقال سبحانه وتعال‪:‬‬
‫[سبأ‪ ]46:‬وقال عز وجل‪َ :‬ومَا صَا ِحُبكُ ْم بِمَ ْ‬
‫جنُونٍ [القلم‪ .]2-1:‬واليوم عندما ياول‬
‫نْ وَاْلقَلَ ِم َومَا يَسْطُرُونَ * مَا َأْنتَ ِبِنعْ َمةِ َربّكَ بِمَ ْ‬
‫الداعية إل ال أن يبي للناس الق‪ ،‬ويرجعهم إليه‪ ،‬وأن يبي لم اليزان الصحيح‪ ،‬ويزيل‬
‫عنهم الغشاوة الت رانت على قلوبم‪ ،‬والجاب الذي غطى أبصارهم‪ ،‬ويريد أن يرجعهم‬
‫إل الشريعة وإل الدين‪ ،‬يقولون له‪ :‬أأنت منون؟!! كيف تريدنا أن نرجع إل ذلك الواقع‬
‫وأنت ترى الغرب والشرق‪ ،‬وترى القوى العظمى‪ ،‬والواقع الستحكم‪ ،‬ث تريد أن تنقلنا‬
‫إل عصر يطبق فيه السلم (‪)%100‬؟ هذا مستحيل! كن واقعيا‪ ،‬دع هذه اليالت‬

‫‪242‬‬

‫جانبا‪ ،‬إنك تلم! وعند ذلك يب أن يابه الداعية إل ال هذه السهام بواقعية السلم‪،‬‬
‫وأن يثبت للناس أنه يكن أن يطبق السلم‪ ،‬وأن أفكار السلم ليست جنونا ول هوسا‪،‬‬
‫رغم تلك التامات الباطلة الت يتهم با أعداء السلم التمسكي بشرع ال‪ ،‬إنم يرمونم‬
‫كما رمى الكفار رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪-‬قدوة هذا الداعية‪ -‬رموه أول مرة‬
‫بالنون والوس واختلل العقل‪ ،‬إنم كذلك اليوم يرمون من تسك بالدين بالسفه‪،‬‬
‫والنون‪ ،‬والوس‪ ،‬والوسوسة‪ ...‬إل آخر تلك التهم‪ ،‬إنم يتصورون أن تكيم ال ف‬
‫الشرع والواقع يؤدي إل جنوح النسان عن طريقة التفكي الصحيحة‪ ،‬وعن الواقعية‪ ،‬إن‬
‫واقعهم فاسد‪ ،‬ولذلك يتصورون أنه واقع صحيح من شدة ضغطه عليهم‪ ،‬ومن تشبعهم‬
‫بأفكار هذا الواقع‪ ،‬ويتصورون أن تكيم السلم ف القواني والظاهر‪ ،‬والعبادات‬
‫والعقائد؛ أنه جنون وهوس؛ لنم ل يعقلون‪ ،‬فعقولم ل تتحمل عظمة تلك التكاليف‪،‬‬
‫ول يتصورون كيف يكن أن تطبق هذه التكاليف ف ظل الظلمات الاهلية الت يرزحون‬
‫اليوم تت نيها؛ ولنم ل يستطيعون أن يتصوروا الواقع كيف يكون إسلميا؛ يتهمون‬
‫من ينادي بالعودة إل الواقع السلمي الصحيح بالنون‪ ،‬ول يكن أن تتصور عقولم‬
‫كيف يكن أن يطبق السلم (‪)%100‬؟ وهذه نقطة خطية أيها الخوة‪.‬‬
‫صب النب صلى ال عليه وسلم على أذى الكفار‪:‬‬
‫صبه على أنواع التهم ف عقله وعرضه‪:‬‬
‫وقد صب رسول ال صلى ال عليه وسلم على اتام كفار قريش له بالتكذيب‪ :‬وَقَالَ‬
‫ب [ص‪ِ ..]4:‬إنْ هَذَا إِلّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ َوأَعَانَهُ عََليْهِ َق ْومٌ آ َخرُونَ‬
‫الْكَافِرُو َن هَذَا سَاحِرٌ كَذّا ٌ‬
‫[الفرقان‪َ ..]4:‬أ ْم َيقُولُو َن افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبا [الشورى‪ ]24:‬يقولون هذا من جهة ف‬
‫مناسبات كثية‪ ،‬ومواقف متعددة‪ ،‬وهم ف مناسبة أخرى وف موقف آخر يعلمون‬
‫ويعترفون بأن رسول ال صلى ال عليه وسلم ليس بكذاب‪ .‬وف صحيح البخاري لا سأل‬
‫هرقل أبا سفيان ف بداية مقابلته له‪ ،‬قال‪ :‬هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما‬
‫قال؟ فهذا هرقل جاءته لظات من التجرد والنصاف‪ ،‬ولقد هم أن يدخل هذا الدين لول‬
‫جشع اللك وحب الرئاسة‪ ،‬وخوفه من زوال سلطانه‪ ،‬فرجع إل الكفر‪ ،‬ولكنه قد رأى‬
‫الق بأم عينيه‪ .‬قال أبو سفيان ‪ :‬ل‪ .‬ث قال له ف آخر مقابلته‪ :‬وسألتك هل كنتم تتهمونه‬

‫‪243‬‬

‫بالكذب قبل أن يقول ما قال‪ ،‬فذكرت أن ل‪ ،‬وأعرف أنه ل يكن ليذر الكذب على‬
‫الناس ويكذب على ال؛ أي‪ :‬أنت تقول أن ممدا صلى ال عليه وسلم ما عهدت منه‬
‫ت أنه ل يكن ليذر الكذب على الناس ث يكذب على‬
‫الكذب على الناس قبل البعثة‪ ،‬فعلم ُ‬
‫ال‪ ،‬والكذب على ال أصعب وأشد من الكذب على الناس‪ ،‬فعلم أنه صادق‪ .‬ولقد تول‬
‫القرآن الرد على هذه الزاعم فقال‪َ :‬أ ْم َيقُولُونَ ا ْفتَرَاهُ ُقلْ َفأْتُوا ِبعَشْ ِر ُسوَ ٍر ِمثْلِ ِه ُم ْفتَ َريَاتٍ‬
‫[هود‪ ]13:‬أي‪ :‬إذا زعمتم أنه كذاب فهاتوا عشر سور مثل سور القرآن‪ :‬وَا ْدعُوا مَنِ‬
‫اسْتَ َط ْعتُ ْم مِنْ دُونِ اللّ ِه [هود‪ ]13:‬لكي تألفوا هذه السور؛ من سائر عظماء الشعراء وأهل‬
‫النثر والبلغة‪ :‬وَا ْدعُوا مَنِ ا ْستَ َط ْعتُ ْم مِنْ دُونِ اللّهِ إِنْ ُكْنتُمْ صَادِِقيَ [هود‪ .]13:‬ث تنل‬
‫القرآن ف الرد عليهم إل ما هو أدن من ذلك‪ ،‬فقال ال عزوجل‪َ :‬أ ْم َيقُولُونَ ا ْفتَرَاهُ ُقلْ‬
‫َفأْتُوا بِسُو َر ٍة ِمثْلِ ِه [يونس‪ ]38:‬عظم التحدي ونقص القدار‪ ،‬فظهر التحدي أعظم‪َ :‬أمْ‬
‫َيقُولُونَ ا ْفتَرَاهُ ُقلْ َفأْتُوا بِسُو َر ٍة ِمثْلِه [يونس‪ ]38:‬فعجزوا‪ ،‬ولا حاول الكذابون أن يأتوا‬
‫بسورة واحدة مثل سور القرآن؛ أتوا بأشياء مضحكة ليس هذا مال سردها‪َ :‬أمْ يَقُولُونَ‬
‫ج ِرمُو َن [هود‪َ ،]35:‬أمْ يَقُولُونَ ا ْفتَرَاهُ‬
‫افْتَرَاهُ قُلْ ِإنِ ا ْفتَ َرْيتُهُ َفعََليّ إِ ْجرَامِي َوَأنَا َبرِي ٌء مِمّا تُ ْ‬
‫بَ ْل ُهوَ الْحَقّ [السجدة‪ .]3:‬ويسري القرآن عن نفس رسول ال صلى ال عليه وسلم‪،‬‬
‫ويثبت ال به قلب رسول ال صلى ال عليه وسلم فيقول‪ :‬وََلقَدْ كُ ّذبَتْ ُرسُ ٌل مِنْ َقْبلِكَ‬
‫صبَرُوا عَلَى مَا كُ ّذبُوا َوأُوذُوا َحتّى َأتَاهُمْ نَصْ ُرنَا وَل ُمبَدّلَ ِلكَلِمَاتِ اللّ ِه وََلقَدْ جَا َءكَ مِنْ‬
‫َف َ‬
‫َنبَِأ الْمُ ْرسَِليَ [النعام‪ .]34:‬واليوم عندما يقف المر بالعروف والناهي عن النكر أمام‬
‫الناس‪ ،‬ويدعوهم إل ال‪ ،‬ويبي لم أحكام الدين؛ ويبي لم اللل والرام‪ ،‬يقولون له‪:‬‬
‫أنت كذاب‪ ،‬ل يكن أن يكون ف القرآن كذا‪ ،‬ل يكن أن يكون ف السنة كذا‪ ،‬ل يكن‬
‫أن يأمر الرسول صلى ال عليه وسلم بكذا‪ ،‬هذا الذي تدعون إليه ليس بدين‪ ،‬أنت‬
‫تكذب على الدين‪ ،‬أنت جئت بدين جديد‪ ،‬ليس هذا الدين الذي نعرفه‪ ،‬لقد رأينا الدين‬
‫من آبائنا وأجدادنا‪ ،‬ولقد رأينا الدين سني عديدة ما رأينا فيه مثل هذا الذي تدعو إليه‪،‬‬
‫فيتهمونه بالكذب على الشريعة‪ ،‬وهم قد أتوا من قبل جهلهم؛ فلجهلهم رموه بالكذب‪،‬‬
‫وأتوا من قبل تقليدهم لبائهم وأجدادهم‪ ،‬وعدم اتباع الق‪ ،‬وأتوا من اتباع أهوائهم؛‬
‫لنك عندما تبهم بالق الذي يالف أهوائهم؛ إذا كان الق واضحا يقولون‪ :‬أنت‬

‫‪244‬‬

‫كذاب ‪ ..‬فعليك أن تصب كما صب رسل ال صلوات ال وسلمه عليهم‪.‬‬
‫صب النب صلى ال عليه وسلم على تلقي الذى ف جسده‪:‬‬
‫ولقد صب عليه الصلة والسلم على أذى الشركي ف جسده صبا عظيما‪ ،‬روى‬
‫البخاري رحه ال عن عروة بن الزبي قال‪ :‬قلت لـعبد ال بن عمرو بن العاص ‪ :‬أخبن‬
‫بأشد شيءٍ صنعه الشركون برسول ال صلى ال عليه وسلم؟ قال‪( :‬بينا رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم يصلي بفناء الكعبة؛ إذ أقبل عقبة بن أب معيط وهو من الكفار‪ ،‬فأخذ‬
‫بنكب رسول ال صلى ال عليه وسلم ولوى ثوبه ف عنقه فخنقه خنقا شديدا)‪ .‬عقبة بن‬
‫أب معيط يلوي الثوب حول رقبة رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬والرسول صلى ال عليه‬
‫وسلم يصلي‪( :‬ولوى ثوبه ف عنقه فخنقه خنقا شديدا‪ ،‬فأقبل أبو بكر رضي ال عنه‪،‬‬
‫فأخذ بنكبه ودفع عن النب صلى ال عليه وسلم ث قال‪َ :‬أَت ْقتُلُونَ َر ُجلً أَ ْن َيقُولَ َربّيَ اللّهُ‬
‫وَقَدْ جَاءَ ُك ْم بِالَْبّينَاتِ مِنْ َرّبكُمْ [غافر‪ .)]28:‬آذوه ف بدنه صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ولذا‬
‫أمثلة سنذكرها إن شاء ال‪ .‬ف معركة أحد ماذا حصل للنب صلى ال عليه وسلم؟ الذي‬
‫حصل له أيها الخوة‪ :‬أنه أُدمي حت سال الدم من وجهه‪ ،‬وقد أخرج البخاري رحه ال‬
‫ف صحيحه ‪( :‬أن رسول ال صلى ال عليه وسلم لا أصيب ف أحد فسال الدم على‬
‫وجهه‪ ،‬رجع إل الدينة ول زال النف ف وجهه عليه الصلة والسلم‪ ،‬فقام علي رضي‬
‫ال عنه على رأسه‪ ،‬و فاطمة تأخذ من الناء ف يد علي فتغسل وجه رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم بالاء‪ ،‬ولكن الرح ل يرق‪ ،‬فأخذت حصيا فأحرقته ووضعت رماده على‬
‫جرح رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فتماسك الرح قليلً حت وقف الدم)‪.‬‬
‫للدعاة ف رسول ال أسوة ف الصب على الذى‪:‬‬
‫فهذا رسول ال صلى ال عليه وسلم يؤذى ف جسده‪ ،‬واليوم يعان التمسكون بشرع ال‬
‫عز وجل أصناف العذاب‪ ،‬وألوان الذى ف سبيل ال‪ ،‬فيضربون بالسياط‪ ،‬ويسحلون‬
‫بالشوارع‪ ،‬ويرون على جلودهم فوق الجارة والشوك‪ ،‬كما وقع بالنفر الول من‬
‫الصابرين الصادقي‪ ،‬وأدن من ذلك تقع صور من العذاب ف داخل البيوت‪ ،‬هل رأيتم أبا‬
‫تصل به الدناءة والسة أن يضرب ولده؛ لنه امتنع عن النكرات؟! هل رأيتم أبا تصل به‬
‫السة والدناءة أن يقفل الباب على ابنه حت ل يذهب لصلة الفجر؟! يقفل باب البيت‬

‫‪245‬‬

‫بالفتاح ويأخذ معه الفاتيح حت ل يرج الولد إل صلة الفجر‪ .‬هل رأيتم خسة ودناءةً‬
‫مثل أن يأت أحد الباء بزيل للشعر فيضعه على لية ولده وهو نائم حت تسقط ليته‬
‫عداءً لسنة رسول ال صلى ال عليه وسلم؟! إن ألوان اليذاء أيها الخوة تتعاقب‪ ،‬ويتفنن‬
‫أعداء ال ف إذاقة عباد ال العذاب أصنافا وألوانا‪ ،‬فليس الل ف ذلك إل الصب على هذا‬
‫الذى ف سبيل ال‪ ،‬ولقد سعى أعداء ال لخراج رسول ال صلى ال عليه وسلم من‬
‫خرِجُوكَ مِْنهَا َوإِذا ل يَ ْلَبثُونَ‬
‫ك مِ َن اْلأَ ْرضِ ِليُ ْ‬
‫ستَفِزّونَ َ‬
‫بلده‪ ،‬فقال ال عزوجل‪َ :‬وإِنْ كَادُوا َليَ ْ‬
‫خِلفَكَ إِلّا قَلِيلً [السراء‪ ]76:‬تآمروا على إخراج رسول ال صلى ال عليه وسلم من‬
‫بلده‪ ،‬وخططوا لذلك حت اضطر رسول ال صلى ال عليه وسلم إل الروج‪ ،‬فتهددهم‬
‫ال بذه الية‪َ :‬وإِذا ل يَ ْلبَثُونَ خِلفَكَ إِلّا َقلِيلً وفعلً ما لبثوا ف مكة بعد إخراج الرسول‬
‫صلى ال عليه وسلم منها إل قليلً‪ ،‬فأذاقهم ال العذاب ف معركة بدر وغيها من الواقع‬
‫حت فتح ال مكة ‪ ،‬ودخلها رسول ال صلى ال عليه وسلم منصورا‪ .‬اللهم يا مقلب‬
‫القلوب ثبت قلوبنا على دينك‪ ،‬اللهم واجعلنا من الصابرين ف البأساء والضراء وحي‬
‫البأس‪ ،‬اللهم ثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين‪ .‬أقول قول هذا وأستغفر ال ل‬
‫ولكم‪.‬‬
‫صور أخرى من صب النب على الذى يقتدى به فيها‪:‬‬
‫المد ل الذي ل إله إل هو وحده ل شريك له‪ ،‬له اللك وله المد وهو على كل شيء‬
‫قدير‪ ،‬وأشهد أن ممدا عبده ورسوله صلى ال عليه وسلم‪ ،‬خات الرسل‪ ،‬وأحب خلق ال‬
‫إل ال‪ ،‬وخليل ال الذي اصطفاه ال على العالي‪ ،‬أدى الرسالة‪ ،‬وبلغ المانة‪ ،‬ونصح‬
‫المة‪ ،‬وصب على الذى ف سبيل ال حت كان مثالً حيا بسيته بي أظهرنا اليوم؛ كأنا‬
‫نرى تلك السية‪ ،‬وتلك الحداث الت عاشها رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ .‬عن عائشة‬
‫رضي ال عنها أنا قالت للنب صلى ال عليه وسلم‪( :‬هل أتى عليك يوم أشد من يوم‬
‫أحد‪ ،‬قال‪ :‬لقد لقيت من قومك ما لقيت‪ ،‬وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة؛ إذ‬
‫عرضت نفسي على ابن عبد يا ليل بن عبد كلل فلم يبن إل ما أردت) الرسول صلى‬
‫ال عليه وسلم ما وجد وليا ول نصيا‪ ،‬يريد من كفار قريش أن ييبوه وينصروه فل يد‪.‬‬
‫(فلم يبن إل ما أردت‪ ،‬فانطلقت وأنا مهموم على وجهي)‪ .‬هذه اللفاظ أيها الخوة‬

‫‪246‬‬

‫تصور منة الداعية الت يعيشها حينما يعرض الناس عنه‪ ،‬منة الداعية الت يعيشها حينما‬
‫يرفضه كل الناس‪ ،‬حي يطرده جيع الناس‪ ،‬عندما يوصدون البواب ف وجهه‪ ،‬ول‬
‫يرضون بالق الذي يقول به‪ ،‬ويعرضون عنه‪( .‬فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم‬
‫أستفق إل وأنا بـقرن الثعالب) وهو موضع قريب من مكة‪ .‬الرسول صلى ال عليه وسلم‬
‫هام على وجهه من الغم‪ ،‬وما أفاق إل نفسه ليعرف إل أين يسي إل ف قرن الثعالب ‪،‬‬
‫وليس ذلك لجل إفلس‪ ،‬ول لذهاب تارة‪ ،‬ول لسارة ف صفقة‪ ،‬ول لفقد وظيفة‪،‬‬
‫كل‪( .‬فلم أستفق إل وأنا بـقرن الثعالب ‪ ،‬فرفعت رأسي فإذا بسحابة قد أظلتن‪،‬‬
‫فنظرت فإذا فيها جبيل فنادان فقال‪ :‬إن ال قد سع قول قومك لك وما ردوا عليك‪،‬‬
‫وقد بعث ال إليك ملك البال لتأمره با شئت فيهم‪ ،‬فنادان ملك البال فسلم عليّ‪ ،‬ث‬
‫قال‪ :‬يا ممد! إن شئت أن أطبق عليهم الخشبي ‪-‬أي‪ :‬البلي العظيمي اللذين تقع‬
‫بينهما مكة ‪ -‬فقال النب صلى ال عليه وسلم‪ :‬بل أرجو أن يرج ال من أصلبم من‬
‫يعبد ال ل يشرك به شيئا)‪ .‬وعندما يكون الظلم من القرباء يكون وقعه شديدا على‬
‫النفس‪.‬‬
‫وظلم ذوي القرب أشد مضاضة على النفس من وقع السام الهند‬
‫ك الْأَقْ َربِيَ‬
‫روى البخاري عن ابن عباس رضي ال عنهما قال‪ :‬لا نزلت‪َ :‬وأَنْ ِذ ْر عَشِيَتَ َ‬
‫[الشعراء‪ ]214:‬صعد النب صلى ال عليه وسلم على الصفا فجعل ينادي بطون قريش‪:‬‬
‫(يا بن عدي ‪ ...‬حت اجتمعوا‪ ،‬فجعل الرجل إذا ل يستطع أن يرج أرسل رسولً لينظر‬
‫ف المر‪ ،‬فجاء أبو لب وقريش فاجتمعوا ‪-‬ورسول ال صلى ال عليه وسلم على الصفا‪-‬‬
‫فقال عليه السلم‪ :‬أرأيتكم لو أخبتكم أن خيلً ببطن الوادي تريد أن تغي عليكم ‪-‬جيش‬
‫قريب من مكة يريد أن يغي عليكم‪ -‬أكنتم مصدقي؟ قالوا‪ :‬نعم‪ .‬ما جربنا عليك كذبا‪،‬‬
‫قال‪ :‬إن نذير لكم بي يدي عذاب شديد‪ ،‬فقال أبو لب ‪ :‬تبا لك سائر اليوم‪ ..‬ألذا‬
‫جعتنا)‪ .‬و أبو لب عم الرسول صلى ال عليه وسلم‪ ،‬داعية إل ال يقوم يمع الناس‬
‫يأتون إليه‪ ،‬يهددهم بعذاب ال عز وجل ويدعوهم إل ال‪ ،‬فيقوم له واحد من الاضرين‬
‫فيقول له‪ :‬تبا لك سائر اليوم! ألذا جعتنا؟ واليوم تعقد متمعات للدعوة إل ال‪ ،‬وقد‬
‫يمع داعية إل ال الناس ف بيته‪ ،‬أو يذهب إليهم ف بيوتم فينصحهم وينذرهم عذاب ال‬

‫‪247‬‬

‫‪ ،‬فتنطلق ألسنة الستهزئي به‪ ،‬إنه يتذكر والوقف هذا رسول ال صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫ولقد وصل المر إل أن ادعوا أنم أحق من رسول ال صلى ال عليه وسلم بالق وصلة‬
‫الرحم‪ ،‬فهذا أبو جهل لعنه ال وقف يوم بدر يبتهل إل ال ويقول‪ :‬اللهم أقطعنا للرحم‬
‫يعن الرسول صلى ال عليه وسلم‪ -‬وأتانا با ل نعرف فأحنه الغداة‪ .‬يوم بدر يقف أبو‬‫جهل لعنه ال يدعو ال أن يهزم رسول ال صلى ال عليه وسلم لنه قطع الرحم‪ ،‬وأتاهم‬
‫سَت ْفتِحُوا َفقَدْ جَاءَكُ ُم اْلفَتْ ُح [النفال‪ ]19:‬كما ف‬
‫با ل يعرفوا‪ ،‬فأنزل ال عز وجل‪ِ :‬إنْ تَ ْ‬
‫الصحيح السند من أسباب النول ‪ .‬ولقد اتموا رسول ال صلى ال عليه وسلم حت ف‬
‫إنابه‪ ،‬فعن ابن عباس قال‪( :‬لا قدم كعب بن الشرف مكة ‪-‬وكان كعب بن الشرف‬
‫يهوديا‪ -‬قالت له قريش‪ :‬أنت خي أهل الدينة وسيدهم ‪-‬وكان هذا قبل الجرة‪ -‬قال‪:‬‬
‫نعم‪ .‬قالوا أل ترى إل هذا الصنبور ‪ .)..‬يقصدون رسول ال صلى ال عليه وسلم‪،‬‬
‫فاستخدام اللفاظ الشينة؛ ألفاظ السب‪ ،‬وانتقائها من قاموس السباب والشتائم للصاقها‬
‫بالدعاة إل ال قضية قدية؛ ليست حديث ًة ول وليدة هذا العصر‪ .‬والصنبور ف لغة العرب‪:‬‬
‫هو الرجل الفرد الضعيف الذليل الذي ل أهل له ول عقب‪ ،‬ول ناصر ينصره‪ ،‬قالوا‪( :‬أل‬
‫ترى إل هذا الصنبور النبتر من قومه‪ ،‬يزعم أنه خي منا‪ ،‬ونن أهل الجيج‪ ،‬وأهل‬
‫السدانة‪ ،‬وأهل السقاية‪ ،‬قال‪ :‬أنتم خي منه‪ .‬فأنزل ال عز وجل‪ِ :‬إنّ شَاِنئَكَ ُه َو اْلأَْبتَرُ‬
‫[الكوثر‪ )]3:‬أي‪ :‬إن شانئك وسابك يا ممد هو البتر الذي ل عقب له‪ .‬وأخيا هذا‬
‫ك الّذِينَ َكفَرُوا ِلُيْثبِتُوكَ َأ ْو َي ْقتُلُوكَ َأوْ‬
‫الوقف الذي تكيه لنا آية النفال‪َ :‬وإِ ْذ يَ ْمكُ ُر بِ َ‬
‫يُخْ ِرجُوكَ [النفال‪ ]30:‬إن عقد الؤترات لجهاض الدعوة‪ ،‬والؤامرات على دعاة‬
‫ك الّذِينَ َكفَرُوا [النفال‪ ]30:‬لقد‬
‫السلم‪ ،‬وإلاق الذى بم قضية قدية‪َ .‬وإِ ْذ يَ ْمكُ ُر بِ َ‬
‫اجتمعوا ف حجر إساعيل بانب الكعبة ف مكة ؛ يدبرون ويططون لثلثة أشياء‪َ :‬وإِذْ‬
‫ك الّذِينَ َك َفرُوا ِلُيثِْبتُوكَ ومعن‪ :‬يثبتوك‪ :‬يقيدوك ويبسوك حت ل تقوم بالدعوة‪.‬‬
‫يَ ْمكُ ُر بِ َ‬
‫َأوْ َي ْقتُلُوكَ ويضيع دمك بي القبائل‪َ .‬أ ْو يُخْ ِرجُوكَ من مكة ويطردوك حت ل تكون بينهم‪.‬‬
‫روى ابن حبان ف صحيحه و الاكم ف مستدركه من حديث عبد ال بن عثمان بن‬
‫خيثم عن سعيد بن جبي عن ابن عباس قال‪( :‬دخلت فاطمة على رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم وهي تبكي‪ ،‬فقال‪ :‬ما يبكيك يا بنيه؟ قالت‪ :‬يا أبت! ما ل ل أبكي وهؤلء الل‬

‫‪248‬‬

‫من قريش ف الجر يتعاقدون باللت والعزى‪ ،‬ومناة الثالثة الخرى‪ ،‬لو قد رأوك لقاموا‬
‫إليك ليقتلوك‪ ،‬وليس منهم إل من قد عرف نصيبه من دمك‪ ،‬فقال‪ :‬يا بنيه! ائتين‬
‫بوضوئي‪ ،‬فتوضأ رسول ال صلى ال عليه وسلم ث خرج إل السجد‪ ،‬فلما رأوه قالوا‪:‬‬
‫إنا هو ذا‪ ،‬فطأطئوا رءوسهم‪ ،‬وسقطت أذقانم من بي أيديهم فلم يرفعوا أبصارهم‬
‫أعماهم ال‪ -‬فتناول رسول ال صلى ال عليه وسلم قبضة من تراب فحصبهم با وقال‪:‬‬‫ل منهم حصاة من حصياته إل قتل يوم بدر كافرا)‪ .‬قال‬
‫شاهت الوجوه‪ ،‬فما أصاب رج ً‬
‫ابن كثي رحه ال‪ :‬قال الاكم ‪ :‬صحيح على شرط مسلم ول يرجاه ول أعرف له علة‪.‬‬
‫ولو استطردنا أيها الخوة ف ذكر ألوان الذى الت صب عليها رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم لطالت بنا الجالس والوقات‪ ،‬ولكن إنا هي تذكرة نذكر با أنفسنا ونسليها ونن‬
‫نواجه اليوم أعداء ال‪ ،‬ونواجه مططاتم‪ ،‬واتاماتم‪ ،‬وسبابم‪ ،‬وفسوقهم‪ ،‬وأذاهم‪،‬‬
‫وحلتم علينا‪ .‬إن النسان ليزداد مبة لرسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وإكبارا له عليه‬
‫الصلة والسلم وإجللً؛ حي يرى ف سيته صلى ال عليه وسلم من صبه على الذى‪،‬‬
‫ومن تمله ذلك ف سبيل ال لجل شيء واحد‪ :‬أن يبلغ رسالة ال إل الناس‪ ،‬أن يبلغ‬
‫الناس دين السلم؛ هذا هو الدف‪ ،‬هذا هو الغرض من الياة‪ ،‬وإل فإن الياة بغي هذا‬
‫الغرض حياة بيمية‪ .‬اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك وطاعتك‪ ،‬اللهم‬
‫واجعلنا من دعاتك وجندك‪ ،‬اللهم وانصرنا على القوم الكافرين‪ ،‬اللهم وآتنا الجة على‬
‫من عادانا‪ ،‬اللهم وانصرنا على من بغى علينا‪ ،‬اللهم أرنا الق حقا وارزقنا اتباعه‪ ،‬وأرنا‬
‫الباطل باطلً وارزقنا اجتنابه‪ .‬اللهم وص ّل على نبيك ممد صلى ال عليه وسلم صلةً تامّة‬
‫ما بدا الليل والنهار‪ ،‬اللهم ص ّل عليه صلة تامة ما غربت شس وما شرقت‪ .‬اللهم اجعلنا‬
‫من أهل شفاعته‪ ،‬اللهم أوردنا حوضه‪ ،‬اللهم وارزقنا مرافقته ف النة‪.‬‬
‫****************‬
‫وبي سبحانه وتعال أن العاقبة للمتقي ‪:‬‬
‫ك مِنْ َقبْلِ‬
‫ك مِنْ َأْنبَا ِء الْ َغْيبِ نُوحِيهَا إَِليْكَ مَا ُكْنتَ َتعْلَ ُمهَا َأْنتَ وَلَا َق ْومُ َ‬
‫قال تعال ‪ { :‬تِلْ َ‬
‫صِبرْ إِ ّن اْلعَاِقبَةَ لِ ْل ُمّتقِيَ (‪[ )49‬هود‪} ]49/‬‬
‫هَذَا فَا ْ‬

‫‪249‬‬

‫وقال تعال ‪ { :‬وََلقَ ْد َسَبقَتْ كَلِ َمُتنَا ِل ِعبَا ِدنَا الْمُ ْرسَلِيَ (‪ِ )171‬إّنهُمْ َل ُه ُم الْ َمنْصُورُونَ (‬
‫سوْفَ‬
‫‪َ )172‬وإِنّ ُجنْ َدنَا َلهُ ُم اْلغَاِلبُونَ (‪َ )173‬فَتوَ ّل عَْنهُمْ َحتّى ِحيٍ (‪َ )174‬وَأبْصِ ْرهُمْ فَ َ‬
‫ح الْ ُمنْذَرِينَ (‬
‫صبَا ُ‬
‫سَتعْجِلُونَ (‪ )176‬فَإِذَا نَزَلَ بِسَا َحِتهِمْ فَسَاءَ َ‬
‫ُيبْصِرُونَ (‪ )175‬أََفبِعَذَاِبنَا يَ ْ‬
‫ف ُيبْصِرُونَ (‪ُ )179‬سبْحَانَ َربّكَ‬
‫سوْ َ‬
‫‪َ )177‬وَتوَلّ َعْنهُمْ َحتّى حِيٍ (‪َ )178‬وَأْبصِرْ فَ َ‬
‫ب اْلعَالَمِيَ‬
‫صفُونَ (‪َ )180‬وسَلَا ٌم عَلَى الْمُ ْرسَِليَ (‪ )181‬وَالْحَمْدُ ِللّهِ رَ ّ‬
‫ب اْلعِ ّزةِ عَمّا يَ ِ‬
‫رَ ّ‬
‫(‪[ )182‬الصافات‪} ]182-171/‬‬
‫النصورون ف ميزان ال‪..‬‬
‫ممد بولوز‪-‬الوسط التونسية‪:‬‬
‫النصر من ال كما الرزق الذي هو منة وعطاء منه عز وجل ومع ذلك يتحرك عباده لنيله‬
‫والظفر به‪،‬من خلل ركوب أسبابه وإتيان مقدماته‪.‬فال يريد من عباده التيان بأسباب‬
‫النصر اختبارا وابتلء‪،‬قال تعال‪ ":‬ذلك ولو يشاء ال لنتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم‬
‫ببعض والذين قتلوا ف سبيل ال فلن يضل أعمالم"والتتبع لسباب النصر ف كتاب‬
‫ال‪،‬يدها مملة ف نصر دين ال‪،‬وما ذكر من غي هذا ل يعدو أن يكون تفصيل لذا‬
‫الصل العظيم‪.‬‬
‫فنصرة دين ال من أعظم أسباب النصر‪:‬قال تعال‪ ":‬يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا ال‬
‫ينصركم ويثبت أقدامكم"وقال أيضا‪ ":‬ياأيها الذين آمنوا كونوا أنصارا ل كما قال عيسى‬
‫بن مري للحواريي من أنصاري إل ال قال الواريون نن أنصار ال فآمنت طائفة من بن‬
‫إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين" وقال سبحانه‪":‬‬
‫الذين أخرجوا من ديارهم بغي حق إل أن يقولوا ربنا ال ولول دفع ال الناس بعضهم‬
‫ببعض لدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم ال كثيا ولينصرن ال من‬
‫ينصره إن ال لقوي عزيز"‬
‫ونصر ال ونصر دينه يكمن ف اليان به والعمل له سبحانه من غي شريك والتزام بدينه‬
‫وشرعه ودعوة إليه واجتهاد ف إقامته ف النفس والسرة والجتمع والعال ‪ ،‬حت يظهره ال‬
‫على الدين كله‪،‬ومن الدين عندنا ف السلم‪،‬الدفاع عن النفس والعشية والهل والعرض‬

‫‪250‬‬

‫والال والوطن‪ ..‬ومن مات دون شيء من ذلك فهو ف سبيل ال‪ ،‬ويسب عند السلمي‬
‫ف عداد الشهداء‪،‬وهو عند ال بسب ما معه من القاصد والنيات‪.‬‬
‫والنصورون هم من تققوا باليان الصادق والتوحيد الالص والعمل الصال والتوكل‬
‫على ال وحده‪ ،‬والعتماد عليه سبحانه وتلوا بالصب والثبات وذكروا ال كثيا‪،‬‬
‫ووحدوا كلمتهم وجعوا صفهم وأعدوا ما يقدرون عليه من العدة وما يستطيعونه من‬
‫أسباب‪ ،‬وأفرزوا من بي صفوفهم القيادة الؤمنة القوية وآمنوا بالهاد عقيدة ومارسة‬
‫وأمروا بالعروف ونوا عن النكر‪،‬وتسلحوا باليقي ف نصر ال والثقة بوعده‪،‬والتزموا‬
‫الدعاء والستغاثة بال والستنصار به سبحانه‪..‬‬
‫قال تعال ف شأن اليان والتوحيد والعمل الصال‪ ":‬وعد ال الذين آمنوا منكم وعملوا‬
‫الصالات ليستخلفنهم ف الرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لم دينهم‬
‫الذي ارتضى لم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونن ل يشركون ب شيئا ومن كفر‬
‫بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون"وف شأن تعظيم مقام ال والوف من وعيده‪":‬‬
‫ولنسكننكم الرض من بعدهم ذلك لن خاف مقامي وخاف وعيد" وف شأن العبادة‬
‫والصلح‪":‬ولقد كتبنا ف الزبور من بعد الذكر أن الرض يرثها عبادي الصالون"وبي‬
‫سبحانه أن النصر من ثار التجارة الرابة مع ال‪:‬قال تعال‪ ":‬ياأيها الذين آمنوا هل أدلكم‬
‫على تارة تنجيكم من عذاب أليم‪،‬تؤمنون بال ورسوله وتاهدون ف سبيل ال بأموالكم‬
‫وأنفسكم ذلكم خي لكم إن كنتم تعلمون‪،‬يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تري من‬
‫تتها النار ومساكن طيبة ف جنات عدن ذلك الفوز العظيم‪ ،‬وأخرى تبونا نصر من‬
‫ال وفتح قريب وبشر الؤمني"‬
‫وأنه بالهاد وتريض الومني يكف بأس الكافرين‪:‬‬
‫قال تعال‪ ":‬فقاتل ف سبيل ال ل تكلف إل نفسك وحرض الؤمني عسى ال أن يكف‬
‫بأس الذين كفروا وال أشد بأسا وأشد تنكيل"وقال تعال‪ ":‬أذن للذين يقاتلون بأنم‬
‫ظلموا وإن ال على نصرهم لقدير"‬

‫‪251‬‬

‫وقال عز وجل ف الصب والتقوى‪ ":‬بلى إن تصبوا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا‬
‫يددكم ربكم بمسة آلف من اللئكة مسومي"وقال أيضا‪ ":‬فاصب إن العاقبة للمتقي"‬
‫فالصابرون ف ميزان ال يغلبون ضعفهم‪:‬‬
‫قال تعال‪ ":‬الن خفف ال عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا‬
‫مائتي وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفي بإذن ال وال مع الصابرين"والنصر يأت الصابرين‬
‫عقب اشتداد الحن‪:‬قال تعال‪ ":‬أم حسبتم أن تدخلوا النة ولا يأتكم مثل الذين خلوا من‬
‫قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حت يقول الرسول والذين آمنوا معه مت نصر ال‬
‫أل إن نصر ال قريب"‬
‫قال ابن مسعود وغيه "البأساء" الفقر "والضراء" السقم "وزلزلوا" خوفوا من العداء‬
‫زلزال شديدا وامتحنوا امتحانا عظيما‪.‬‬
‫وف الديث الصحيح عن خباب بن الرت قال‪ :‬قلنا يا رسول ال أل تستنصر لنا أل‬
‫تدعو ال لنا فقال "إن من كان قبلكم كان أحدهم يوضع النشار على مفرق رأسه‬
‫فيخلص إل قدميه ل يصرفه ذلك عن دينه ويشط بأمشاط الديد ما بي لمه وعظمه ل‬
‫يصرفه ذلك عن دينه" ث قال "وال ليتمن ال هذا المر حت يسي الراكب من صنعاء إل‬
‫حضرموت ل ياف إل ال والذئب على غنمه ولكنكم قوم تستعجلون"‬
‫وقال ال تعال "أل أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم ل يفتنون ولقد فتنا الذين‬
‫من قبلهم فليعلمن ال الذين صدقوا وليعلمن الكاذبي" وقد حصل شيء من هذا مع‬
‫الصحابة رضي ال عنهم يوم الحزاب كما قال ال تعال "إذ جاءوكم من فوقكم ومن‬
‫أسفل منكم وإذ زاغت البصار وبلغت القلوب الناجر وتظنون بال الظنونا هنالك ابتلي‬
‫الؤمنون وزلزلوا زلزال شديدا وإذ يقول النافقون والذين ف قلوبم مرض ما وعدنا ال‬
‫ورسوله إل غرورا" اليات‪.‬‬
‫وجاء ف الديث الصحيح لا سأل هرقل أبا سفيان هل قاتلتموه قال‪ :‬نعم‪ .‬قال‪ :‬فكيف‬
‫كانت الرب بينكم؟ قال‪ :‬سجال يدال علينا وندال عليه‪ .‬قال‪ :‬كذلك الرسل تبتلى ث‬
‫تكون لا العاقبة‪.‬‬

‫‪252‬‬

‫وف الديث أيضا عن أب رزين "عجب ربك من قنوط عباده وقرب غيثه فينظر إليهم‬
‫قانطي فيظل يضحك يعلم أن فرجهم قريب" ‪.‬‬
‫وعلمنا السلم أن مبادءة العتدين مع الستعداد والتوكل من أسباب النصر‪:‬قال‬
‫تعال‪":‬قال رجلن من الذين يافون أنعم ال عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه‬
‫فإنكم غالبون وعلى ال فتوكلوا إن كنتم مؤمني"‬
‫وعلمنا أن الولء ل ولرسوله وللمومني من أسباب النصر‪:‬قال تعال‪ ":‬ومن يتول ال‬
‫ورسوله والذين آمنوا فإن حزب ال هم الغالبون"وعلمنا ف قصة طالوت كيف ينبغي‬
‫اختيار القيادة الؤمنة القوية‪،‬وأمرنا بسن العداد بقوله"وأعدوا لم ما استطعتم من‬
‫قوة‪"...‬الية‪،‬وبتوحيد الصفوف بقوله "واعتصموا ببل ال جيعا ول تفرقوا‪"..‬‬
‫والؤمن بعد إتيان ما يستطيع من أسباب النصر وشروطه يلجأ إل ال ويستغيث بدده‬
‫وعونه‪:‬‬
‫روى البخاري عن أب هريرة رضي ال عنه أن رسول ال صلى ال عليه وسلم كان‬
‫يقول‪ ":‬ل إله إل ال وحده أعز جنده ونصر عبده وغلب الحزاب وحده فل شيء‬
‫بعده"وف غزوة بدر ما جاء ف صحيح البخاري عن عمر بن الطاب رضي ال عنه قال‪":‬‬
‫لا كان يوم بدر نظر رسول ال صلى ال عليه وسلم إل الشركي وهم ألف وأصحابه‬
‫ثلث مائة وتسعة عشر رجل فاستقبل نب ال صلى ال عليه وسلم القبلة ث مد يديه‬
‫فجعل يهتف بربه اللهم أنز ل ما وعدتن اللهم آت ما وعدتن اللهم إن تلك هذه إن‬
‫تلك هذه العصابة من أهل السلم ل تعبد فيالرض فما زال يهتف بربه مادا يديه‬
‫مستقبل القبلة حت سقط رداؤه عن منكبيه فأتاه أبوبكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ث‬
‫التزمه من ورائه وقال يا نب ال كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك فأنزل ال‬
‫عز وجل إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أن مدكم بألف من اللئكة مردفي فأمده‬
‫ال باللئكة‪"...‬‬
‫ونانا عز وجل عن إتيان ما يناف النصر ويلب الزية من عوامل الفشل والب والتنازع‬
‫والصراع والعصيان وابتغاء الدنيا دون الخرة يفهم ذلك من قوله تعال‪ ":‬ولقد صدقكم‬
‫ال وعده إذ تسونم بإذنه حت إذا فشلتم وتنازعتم ف المر وعصيتم من بعد ما أراكم‬

‫‪253‬‬

‫ماتبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الخرة ث صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا‬
‫عنكم وال ذو فضل على الؤمني"‬
‫وحذرنا من الركون إل السباب الدنيوية وحدها أو التعويل على مرد الكثرة العددية قال‬
‫تعال‪ ":‬لقد نصركم ال ف مواطن كثية ويوم حني إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم‬
‫شيئا وضاقت عليكم الرض با رحبت ث وليتم مدبرين "‬
‫ونبهنا إل أنه ل ناصر لن خذله ال‪،‬با قد يأتيه من استبعاد لدين ال ف معركته مع‬
‫أعدائه وتلفه عن نصره وإقامته‪،‬فيستحق بذلك السارة والذلن ;قال تعال‪":‬إن‬
‫ينصركم ال فل غالب لكم وإن يذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى ال‬
‫فليتوكل الؤمنون"‬
‫‪ 3‬سبتمب ‪ 10-2006‬شعبان ‪ 1427‬ه‬
‫===============‬
‫مقامات البتلء‪ ..‬ومفارز التمحيص‬
‫اللواء الدكتور ‪ -‬فيصل بن جعفر بال‬
‫المدل رب العالي‪ ،‬والصلة والسلم على أشرف النبياء والرسلي‪ ،‬سيدنا ونبينا ممد‬
‫وعلى آله وأصحابه أجعي‪.‬‬
‫أما بعد‪ :‬فإن ال سبحانه وتعال خلق البشر‪ ،‬وابتلهم بالسنة والسيئة‪ ،‬وبالي والشر؛‬
‫كما قال سبحانه ‪ :‬وبلوناهم بالسنات والسيئات لعلهم يرجعون (‪{ )168‬العراف‪:‬‬
‫‪ ،}168‬وقال عز وجل‪ :‬ونبلوكم بالشر والي فتنة وإلينا ترجعون ‪{ 35‬النبياء‪:‬‬
‫‪ ،}35‬وقال تعال‪ :‬أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم ل يفتنون ‪ 2‬ولقد‬
‫فتنا الذين من قبلهم فليعلمن ال الذين صدقوا وليعلمن الكاذبي ‪{ 3‬العنكبوت‪،2 :‬‬
‫‪.}3‬‬
‫وها هنا أمران مهمان ليفطن لما كثي من الناس وها‪:‬‬
‫الول‪ :‬أنه كلما قوي إيان الؤمني‪ ،‬ويقينهم بربم‪ ،‬وصدقهم معه‪ ،‬وإخلصهم له؛ عظم‬
‫بلؤهم‪ ،‬واشتدت منتهم؛ ليبلوا ال تعال إيانم‪ ،‬ويتب صدقهم؛ كما قال النب {‪" :‬أشد‬

‫‪254‬‬

‫الناس بلء النبياء ث المثل فالمثل يبتلى الناس على قدر دينهم‪ ،‬فمن ثخن دينه اشتد‬
‫بلؤه‪ ،‬ومن ضعف دينه ضعف بلؤه" (صحيح الامع ‪.)993‬‬
‫الثان‪ :‬أنه كلما اشتد البلء‪ ،‬وعظمت الحنة بالؤمني الصادقي الثابتي فإن فرجهم يكون‬
‫قريبا‪ ،‬وتلك سنة كونية قدرها ال سبحانه كما قال عز وجل‪ :‬فإن مع العسر يسرا ‪5‬‬
‫إن مع العسر يسرا ‪{ 6‬الشرح‪.}6 ،5 :‬‬
‫وتأمل معي أخي القارئ هذه الية العظيمة الت تمع بي هذين المرين وهي قول ال‬
‫تعال‪ :‬أم حسبتم أن تدخلوا النة ولا يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء‬
‫والضراء وزلزلوا حت" يقول الرسول والذين آمنوا معه مت" نصر ال أل إن نصر ال قريب‬
‫‪{ 214‬البقرة‪.}214 :‬‬
‫فانظر ماذا حصل لذا النب عليه السلم‪ ،‬ومن معه من الؤمني من عظيم الحن والبتلء‪،‬‬
‫فأصيبوا بالبأساء والضراء‪ ،‬وزلزلوا حت إنم تساءلوا‪ :‬مت نصر ال ؟! قال الطبي رحه‬
‫ال تعال‪" :‬أم حسبتم أنكم أيها الؤمنون بال ورسوله تدخلون النة‪ ،‬ول يصيبكم مثل ما‬
‫أصاب من قبلكم من أتباع النبياء والرسل من الشدائد والحن والختبار‪ ،‬فتبتلوا با ابتلوا‬
‫واختبوا به من البأساء وهي‪ :‬شدة الاجة والفاقة‪ ،‬والضراء وهي‪ :‬العلل والوصاب‪ ،‬ول‬
‫تزلزلوا زلزالم‪ ،‬يعن‪ :‬ول يصيبهم من أعدائهم من الوف والرعب شدة وجهد حت‬
‫يستبطئ القوم نصر ال إياهم‪ ،‬فيقولون‪ :‬مت ال ناصرنا؟! ث أخبهم ال أن نصره منهم‬
‫قريب‪ ،‬وأنه معليهم على عدوهم‪ ،‬ومظهرهم عليه؛ فنجزلم ما وعدهم‪ ،‬وأعلى كلمتهم‪،‬‬
‫وأطفأ نار حرب الذين كفروا" أه (جامع البيان ‪.)341/2‬‬
‫لقد أفادت هذه الية العظيمة أن النبياء وأتباعهم سيجري عليهم من البلء والحنة‪،‬‬
‫وتسلط الكافرين والنافقي عليهم وعلى دينهم ما يزلزلم ويؤذيهم؛ ولكنهم ف الوقت‬
‫نفسه واثقون بنصر ال تعال ووعده؛ ولذلك تساءلوا‪ :‬مت نصر ال؟!‬
‫كما أفادت الية أنه إذا عظم البلء‪ ،‬واشتدت الحن اقترب النصر؛ فعند سؤالم مت نصر‬
‫ال؟! كان الواب‪ :‬أل إن نصر ال قريب!!‬
‫إن السلم وهو ينظر إل الوضاع الدولية العاصرة‪ ،‬وما أصاب السلمي من ضعف وهوان‬
‫واستئساد أعدائهم عليهم‪ ،‬وطمعهم ف بلدانم وثرواتم‪ ،‬وقتلهم لخوانم‪ ،‬وتشريدهم‪،‬‬

‫‪255‬‬

‫وأذيتهم‪ ،‬والسعي الثيث لتغيي دينهم وعقيدتم‪ ،‬والعتداء على نبيهم ممد {‪ ،‬ووصفه‬
‫بالرهاب‪ ،‬وسفك الدماء‪ ،‬وغيها من الوصاف النفرة‪ ،‬وادعاء أن القرآن مصدر‬
‫الرهاب‪ ،‬وغي ذلك من التهم الاهزة الت صار يلقيها كل من يريد الطعن ف السلم‪،‬‬
‫أو يريد أن ينال الشهرة العلمية على حساب السلم وشريعته من كفار ومنافقي؛ مع‬
‫ضعف السلمي وعجزهم عن الدفاع عن دينهم وعقيدتم‪ .‬إن من يرى ذلك كله ليوقن‬
‫بأن دائرة الحن والبتلءات باتت تضيق بالسلمي كل يوم؛ لتستخرج الصادق ف إسلمه‬
‫من الكاذب‪ ،‬والؤمن من النافق؛ مصداقا لقول ال سبحانه‪ :‬ومن الناس من يقول آمنا‬
‫بال فإذا أوذي ف ال جعل فتنة الناس كعذاب ال ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا‬
‫معكم أو ليس ال بأعلم با ف صدور العالي ‪ 10‬وليعلمن ال الذين آمنوا وليعلمن‬
‫النافقي ‪{ 11‬العنكبوت‪ .}11 ،10 :‬وقوله سبحانه‪ :‬وليمحص ال الذين آمنوا‬
‫ويحق الكافرين ‪ 141‬أم حسبتم أن تدخلوا النة ولا يعلم ال الذين جاهدوا منكم‬
‫ويعلم الصابرين ‪{ 142‬آل عمران‪.}142 ،141 :‬‬
‫فهنيئا وال لن ثبت على دينه مع شدة البتلءات والحن‪ ،‬ويا خسارة من أخرجته الفت‬
‫والحن والبتلءات من دينه فبدل وغي أمر ال تعال؛ إرضاء للبشر‪ ،‬وويل لن حاول‬
‫الفاظ على دنياه بسارة دينه؛ فذلك الذي لن تسلم له دنياه ول آخرته نسأل ال تعال‬
‫السلمة والعافية‪ ،‬كما نسأله الثبات على الق‪.‬‬
‫إنه يب على السلمي ف هذه الظروف العصيبة‪ ،‬وتاه هذه الحداث العظيمة أن يعوا‬
‫أصولً مهمة قررها ديننا هي من أسباب الثبات على الق ف حال الفت والحن ومن هذه‬
‫الصول‪:‬‬
‫أولً‪ :‬أنه ل يصل شيء ف الكون إل بتقدير ال تعال وتدبيه‪ ،‬وأنه تبارك وتعال يعز من‬
‫يشاء ويذل من يشاء؛ كما قال سبحانه‪ :‬قل اللهم مالك اللك تؤت اللك من تشاء‬
‫وتنع اللك من تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الي إنك على" كل شيء قدير‬
‫‪{ 26‬آل عمران‪.}26 :‬‬
‫فهو سبحانه قادر على أن ينتشل السلمي من حضيض الذلة والهانة‪ ،‬ويرفعهم إل مراقي‬
‫العزة والكرامة‪ ،‬وقد جعل سبحانه وتعال سبيل ذلك الوصل إليه‪ :‬التمسك بشريعته‪ ،‬كما‬

‫‪256‬‬

‫أنه سبحانه قادر على أن يدحر النافقي والكافرين‪ ،‬وينكس راياتم‪ ،‬ويبط مططاتم‪،‬‬
‫ويبطل كيدهم‪ ،‬ويردهم على أعقابم خاسرين؛ إذ إنه عز جاره على كل شيء قدير‪،‬‬
‫والمر كله بيده‪ ،‬ول يرج شيء عن تدبيه سبحانه وتعال‪ ،‬ولا تناطحت القوتان‬
‫الرومانية والفارسية ف أول السلم‪ ،‬وأخب ال تعال عن غلبة الروم على فارس عقب على‬
‫ذلك بقوله سبحانه‪ :‬ل المر من قبل ومن بعد ‪{ 4‬الروم‪ ،}4 :‬فالمر ل تعال قبل‬
‫هزية فارس وبعدها‪ ،‬وقبل غلبة الروم وبعدها‪ ،‬ومن أراد النصر فعليه أن يطلبه من يلكه‬
‫وهو ال سبحانه؛ وذلك بطاعته واجتناب معصيته‪.‬‬
‫ثانيا‪ :‬أن ما يلكه العداء من أسلحة الدمار الشامل الت يوفوننا با ل تيفنا‪ ،‬ول تذلنا‬
‫وتضعنا لرادتم إذا كانت على حساب ديننا وسيادتنا؛ لن هذه السلحة الدمرة هي‬
‫أسلحة ردع‪ ،‬وإذا ما استخدمت عادت بالضرر على الضارب والضروب ف الغالب‪،‬‬
‫ومن العلوم أن الكافر والنافق ياف الوت‪ ،‬ويريد الياة كما قال ال تعال‪ :‬ولتجدنم‬
‫أحرص الناس على" حياة ‪{ 96‬البقرة‪ }96 :‬وأخب أنم يفرون من الوت وهو‬
‫ملقيهم‪.‬‬
‫وسبب خوفهم من الوت أنم ليرجون إل الدنيا فحسب‪ ،‬وليرجون الخرة الت يرجوها‬
‫السلم‪ ،‬ويأمل فيها‪ ،‬فليس لم إل فرصة واحدة ل يكن أن يغامروا با بلف الؤمن الذي‬
‫يرى أن فرصته الكبى هي ف الخرة وليست ف الدنيا‪ .‬ومن مقررات مذهب أهل السنة‬
‫والماعة‪ :‬أن من مات وهو يشهد أن ل إله إل ال وأن ممدا رسول ال‪ ،‬موقنا با قلبه‬
‫فمآله إل النة برحة ال تعال ولو كان من أهل الكبائر؛ فمم ياف الؤمن؟!‬
‫إن ذلك ل يعن بطبيعة الال أن نتمن لقاء عدونا مع عدم تكافؤ القوى‪ ،‬ول أن ننشد‬
‫ضربم للمسلمي بأسلحة الدمار الشامل؛ فذلك مالف لقول النب {‪" :‬ل تتمنوا لقاء‬
‫العدو وأسألوا ال العافية" (رواه البخاري ‪ 109/6‬ومسلم ‪ )1742‬ولكننا ف الوقت‬
‫نفسه لن نتخلى عن ديننا لنم يوفوننا با يلكونه من سلح وعتاد‪.‬‬
‫ثالثا‪ :‬أنه لن يقضي على السلم بعامة‪ ،‬وستكون الغلبة ف النهاية لهل الق على أهل‬
‫الباطل؛ كما قال ال تعال‪ :‬فاصب إن العاقبة للمتقي ‪{ 49‬هود‪ }49 :‬وهم الذين‬
‫سيثون الرض ف ناية الطاف؛ كما قال سبحانه‪ :‬ولقد كتبنا ف الزبور من بعد الذكر‬

‫‪257‬‬

‫أن الرض يرثها عبادي الصالون ‪{ 105‬النبياء‪ }105 :‬ومهما عظمت الؤامرات‪،‬‬
‫وكثرت الدسائس والكائد على السلم والسلمي‪ ،‬ومهما كانت قوة الكافرين والنافقي‬
‫فإن ال تعال حافظ دينه بفظ طائفة مؤمنة يقومون بالق ويبلغونه للناس؛ كما قال النب‬
‫{‪" :‬ل تزال طائفة من أمت على الق ظاهرين ليضرهم من خذلم ول من خالفهم حت‬
‫يأت أمر ال وهم على ذلك" (رواه البخاري ‪ 249/13‬ومسلم ‪.)1921‬‬
‫فإذا كانت النة مآل من قضى من السلمي ف حروب شاملة‪ ،‬أو كوارث مفزعة‪ ،‬أو‬
‫غيها‪ ،‬وكان دين السلم مفوظا إل قيام الساعة فمم ياف السلمون؟!‬
‫إن فهم هذه الصول العظيمة الت قررها ديننا هو مكمن القوة لنا‪ ،‬وصمام المان الذي‬
‫يعلنا ل نبدل ديننا مهما كان حجم التحديات والتهديدات‪ ،‬ولو كان ثن ذلك خسارة‬
‫دنيانا‪ ،‬فلن نسر دنيانا ويبقى لنا ديننا الذي هو ثن فوزنا ف الخرة خي لنا من التخلي‬
‫عن ديننا الذي ستكون نتيجته خسارة الدنيا والخرة‪.‬‬
‫أسأل ال تعال أن يفظ بلدنا وبلد السلمي من كيد الكائدين‪ ،‬ومكر الاكرين‪ ،‬وأن‬
‫يردهم على أعقابم خاسرين‪ .‬كما أسأله تبارك وتعال أن يوفق ولة أمرنا إل ما فيه‬
‫صلح ديننا ودنيانا‪ ،‬وأن يعينهم على ما يضطلعون به من مهمات‪ ،‬وما يواجهونه من‬
‫تديات‪ ،‬وأن يثبتهم على الق‪ ،‬ويقويهم عليه‪ ،‬ويعلهم قرة عي للمسلمي‪ ،‬إنه سيع‬
‫ميب‪ ،‬وبالجابة جدير‪ .‬والمدل أولً وآخرا‪ ،‬وصلى ال وسلم وبارك على عبده‬
‫ورسوله ممد وعلى آله وصحبه أجعي‪.‬‬
‫==================‬
‫ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا الرسلي‬
‫{ ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا الرسلي ‪ .‬إنم لم النصورون ‪ .‬وإن جندنا لم الغالبون }‬
‫‪..‬‬
‫والوعد واقع وكلمة ال قائمة ‪ .‬ولقد استقرت جذور العقيدة ف الرض؛ وقام بناء اليان‬
‫‪ ،‬على الرغم من جيع العوائق ‪ ،‬وعلى الرغم من تكذيب الكذبي ‪ ،‬وعلى الرغم من‬
‫التنكيل بالدعاة والتبعي ‪ .‬ولقد ذهبت عقائد الشركي والكفار ‪ .‬وذهبت سطوتم‬
‫ودولتهم؛ وبقيت العقائد الت جاء با الرسل ‪ .‬تسيطر على قلوب الناس وعقولم ‪،‬‬

‫‪258‬‬

‫وتكيف تصوراتم وأفهامهم ‪ .‬وما تزال على الرغم من كل شيء هي أظهر وأبقى ما‬
‫يسيطر على البشر ف أناء الرض ‪ .‬وكل الحاولت الت بذلت لحو العقائد اللية الت‬
‫جاء با الرسل ‪ ،‬وتغليب أية فكرة أو فلسفة أخرى قد باءت بالفشل ‪ .‬باءت بالفشل حت‬
‫ف الرض الت نبعت منها ‪.‬‬
‫وحقت كلمة ال لعباده الرسلي ‪ .‬إنم لم النصورون وإن جنده لم الغالبون ‪.‬‬
‫هذه بصفة عامة ‪ .‬وهي ظاهرة ملحوظة ‪ .‬ف جيع بقاع الرض ‪ .‬ف جيع العصور ‪.‬‬
‫وهي كذلك متحققة ف كل دعوة ل ‪ ،‬يلص فيها الند ‪ ،‬ويتجرد لا الدعاة ‪ .‬إنا غالبة‬
‫منصورة مهما وضعت ف سبيلها العوائق ‪ ،‬وقامت ف طريقها العراقيل ‪ .‬ومهما رصد لا‬
‫الباطل من قوى الديد والنار ‪ ،‬وقوى الدعاية والفتراء ‪ ،‬وقوى الرب والقاومة ‪ ،‬وهي‬
‫إن هي إل معارك تتلف نتائجها ‪ .‬ث تنتهي إل الوعد الذي وعده ال لرسله ‪ .‬والذي ل‬
‫يلف ولو قامت قوى الرض كلها ف طريقه ‪ .‬الوعد بالنصر والغلبة والتمكي ‪.‬‬
‫هذا الوعد سنة من سنن ال الكونية ‪ .‬سنة ماضية كما تضي هذه الكواكب والنجوم ف‬
‫دوراتا النتظمة؛ وكما يتعاقب الليل والنهار ف الرض على مدار الزمان؛ وكما تنبثق‬
‫الياة ف الرض اليتة ينل عليها الاء ‪ . .‬ولكنها مرهونة بتقدير ال ‪ ،‬يققها حي يشاء ‪.‬‬
‫ولقد تبطئ آثارها الظاهرة بالقياس إل أعمار البشر الحدودة ‪ .‬ولكنها ل تلف أبدا ول‬
‫تتخلف وقد تتحقق ف صورة ل يدركها البشر لنم يطلبون الألوف من صور النصر‬
‫والغلبة ‪ ،‬ول يدركون تقق السنة ف صورة جديدة إل بعد حي!‬
‫ولقد يريد البشر صورة معينة من صور النصر والغلبة لند ال وأتباع رسله ‪ .‬ويريد ال‬
‫صورة أخرى أكمل وأبقى ‪ .‬فيكون ما يريده ال ‪ .‬ولو تكلف الند من الشقة وطول‬
‫المد أكثر ما كانوا ينتظرون ‪ . .‬ولقد أراد السلمون قبيل غزوة بدر أن تكون لم عي‬
‫قريش وأراد ال أن تفوتم القافلة الرابة الينة؛ وأن يقابلوا النفي وأن يقاتلوا الطائفة ذات‬
‫الشوكة ‪ .‬وكان ما أراده ال هو الي لم وللسلم ‪ .‬وكان هو النصر الذي أراده ال‬
‫لرسوله وجنده ودعوته على مدى اليام ‪.‬‬

‫‪259‬‬

‫ولقد يهزم جنود ال ف معركة من العارك ‪ ،‬وتدور عليهم الدائرة ‪ ،‬ويقسو عليهم‬
‫البتلء؛ لن ال يعدهم للنصر ف معركة أكب ‪ .‬ولن ال يهيء الظروف من حولم ليؤت‬
‫النصر يومئذ ثاره ف مال أوسع ‪ ،‬وف خط أطول ‪ ،‬وف أثر أدوم ‪.‬‬
‫لقد سبقت كلمة ال ‪ ،‬ومضت إرادته بوعده ‪ ،‬وثبتت سنته ل تتخلف ول تيد ‪:‬‬
‫{ ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا الرسلي إنم لم النصورون وإن جندنا لم الغالبون } ‪.‬‬
‫وعند إعلن هذا الوعد القاطع ‪ ،‬وهذه الكلمة السابقة ‪ ،‬يأمر ال رسوله صلى ال عليه‬
‫وسلم أن يتول عنهم ‪ ،‬ويدعهم لوعد ال وكلمته ‪ ،‬ويترقب ليبصرهم وقد حقت عليهم‬
‫الكلمة ‪ ،‬ويدعهم ليبصروا ويروا رأى العي كيف تكون ‪:‬‬
‫{ فتول عنهم حت حي ‪ .‬وأبصرهم فسوف يبصرون ‪ .‬أفبعذابنا يستعجلون؟ فإذا نزل‬
‫بساحتهم فساء صباح النذرين ‪ .‬وتول عنهم حت حي ‪ .‬وأبصر فسوف يبصرون } ‪. .‬‬
‫فتول عنهم ‪ ،‬وأعرض ول تفلهم؛ ودعهم لليوم الذي تراهم فيه ويرون هم ما ينتهي إليه‬
‫وعد ال فيك وفيهم ‪.‬‬
‫============‬
‫الحنة ف حياة الدعوة والداعية‬
‫تكاد تكون الحنة من الظواهر اللزمة للحركة السلمية قديًا وحديثًا؛ فالسلم دعوة‬
‫على مظاهر الياة الاهلية ف كل صورها وأشكالا ‪ ..‬وهذه الاصة الت يتاز با‬
‫السلم‪ ،‬جعلت الركة السلمية أكثر تعرضًا للمحن‪ ،‬وبالتال جعلت الحنة لديها ذات‬
‫مفهوم خاص ل يشاركها فيه سواها من الركات الزبية والسياسية ‪.‬‬
‫الحنة تربية وتحيص‪ :‬فالحنة من أهم عوامل التكوين والختيار ف السلم ‪ ..‬وقد ل‬
‫يكون للتكوين النظري قيمة ما ل تشترك فيه عوامل الشدة والبلء‪ .‬واليان نفسه باجة‬
‫إل الحنة؛ لسب غوره وإدراك مداه‪ ،‬فاليان القوي الراسخ هو الذي يصمد ف ساعة‬
‫العسرة ‪ .‬أما اليان السقيم العليل فسرعان ما تكشفه الحن وتصدعه‪ ،‬وصدق ال تعال‬
‫س مَ ْن َيقُولُ ءَا َمنّا بِاللّهِ فَِإذَا أُوذِيَ فِي اللّهِ َجعَلَ ِفتَْن َة النّاسِ َكعَذَابِ‬
‫حيث يقول‪َ }:‬ومِ َن النّا ِ‬
‫اللّ ِه وََلئِنْ جَا َء َنصْ ٌر مِنْ َربّكَ َلَيقُولُنّ ِإنّا ُكنّا َمعَكُمْ َأوََلْيسَ اللّ ُه ِبَأعْلَ َم بِمَا فِي صُدُورِ‬
‫الْعَالَ ِميَ(‪)10‬وََليَعَْلمَنّ اللّ ُه الّذِينَ ءَامَنُوا وََلَيعْلَمَنّ الْ ُمنَافِقِيَ(‪[ { )11‬سورة العنكبوت] ‪.‬‬

‫‪260‬‬

‫صور من من الولي ‪:‬‬
‫قضت سنة ال ‪ ..‬أن يكون الق ف صراع أبدي مع الباطل‪َ }:‬وَأنّهُ لَمّا قَامَ عَبْدُ اللّهِ‬
‫يَ ْدعُوهُ كَادُوا يَكُونُو َن عََليْهِ ِلبَدًا(‪[ { )19‬سورة الن] ‪ } ...‬يُرِيدُونَ ِليُ ْطفِئُوا نُورَ اللّهِ‬
‫بِأَ ْفوَا ِههِ ْم وَاللّ ُه ُمتِ ّم نُو ِرهِ وََلوْ كَ ِر َه اْلكَافِرُونَ(‪[{ )8‬سورة الصف] ‪ .‬ومنذ ولد الي‬
‫ووجد الشر‪ ،‬والصراع عنيف وميف بينهما‪ ،‬والقيقة الت تتكرر باستمرار هي أن الق‬
‫دائمًا ف انتصار‪ ،‬وأن الباطل دائمًا ف انتحار ‪ }:‬وََلقَ ْد َسَبقَتْ كَِل َمتُنَا ِل ِعبَا ِدنَا الْمُ ْرسَِليَ(‬
‫‪ِ)171‬إنّهُمْ َلهُمُ الْ َمنْصُورُونَ(‪َ )172‬وِإنّ ُجنْ َدنَا َلهُ ُم الْغَاِلبُونَ(‪[{ )173‬سورة الصافات]‪.‬‬
‫الحنة ف حياة إبراهيم عليه السلم ‪ :‬ل تكن الحنة الت تعرض لا خليل الرحن إل إحدى‬
‫حلقات الصراع‪ ،‬المتدة عب القرون ‪ ..‬والت تؤكد على الزمن غلبة أهل الق وهزية أهل‬
‫الباطل‪.‬‬
‫نشأ إبراهيم عليه السلم ف متمع جاهلي‪ ،‬وأبت الفطرة السليمة ماراة التيار‪ ،‬والنسياق‬
‫مع الرأي العام‪ ،‬وصمم إبراهيم صلى ال عليه وسلم على التصدي للجاهلية‪.‬‬
‫وتبدأ الحنة ف حياة هذا الفرد‪ ..‬فرد يتطي صهوة الق وحيدًا ‪ ..‬ويعلن على الل إيانه‬
‫بال وكفره با يعبدون من دونه ‪ } ..‬قَالَ أَفَ َرَأيْتُ ْم مَا ُكْنتُ ْم َتعْبُدُونَ(‪َ)75‬أنْتُ ْم وَءَابَاؤُكُمُ‬
‫ب اْلعَالَمِيَ(‪[{ )77‬سورة الشعراء]‪.‬‬
‫الْأَقْ َدمُونَ(‪)76‬فَِإّنهُ ْم عَ ُدوّ لِي إِلّا رَ ّ‬
‫ويدر بالداعية أن يقف هنا مليًا‪ ،‬يستشعر عظمة اليان الذي اعتمر به قلب إبراهيم ‪..‬‬
‫إنه وحيد ليس وراءه جاعة ول أنصار‪ ،‬ومنبوذ حت من ذوي القرابة والوالدين ‪.‬‬
‫وتشتد الحنة على إبراهيم‪ ،‬ويلقى ف النار ‪ ..‬والرسول المتحن يصغي إل نداء ال‪ ،‬وهو‬
‫ف حأة اللهب الستعر‪ }:‬يَانَارُ كُونِي بَ ْردًا َوسَلَامًا عَلَى ِإبْرَاهِيمَ(‪َ )69‬وأَرَادُوا بِهِ َكيْدًا‬
‫جْينَا ُه وَلُوطًا إِلَى اْلأَ ْرضِ الّتِي بَارَ ْكنَا فِيهَا لِ ْلعَالَ ِميَ(‪)71‬‬
‫جعَ ْلنَاهُ ُم اْلأَخْسَرِينَ(‪َ )70‬ونَ ّ‬
‫فَ َ‬
‫{[سورة النبياء]‪.‬‬
‫وتضي قصة الحنة الت تعرض لا أبو النبياء ترسم لهل الق صورًا شت من صور‬
‫الرجولة والبطولة‪.‬‬
‫الحنة ف حياة موسى عليه السلم ‪ :‬وحياة موسى عليه السلم ل تكن غي سلسلة من‬
‫الآسي واللم‪ ،‬بل إن الحنة رافقت موسى رضيعًا تتقاذفه المواج‪ ،‬وشبت معه فت يانعًا‬

‫‪261‬‬

‫هاربًا من بطش فرعون ‪ ..‬وزاد حياته منة على منة تعرضه لنقمة فرعون من جهة‪،‬‬
‫وليذاء قومه وسفههم من جهة أخرى‪ ..‬ويضي موسى ف طريقه حاملً كل التبعات ‪..‬‬
‫وف فترة من فترات الضعف البشري يُحس موسى بالوجل والوف يتلجان ف صدره‬
‫وهو ف قلب العركة ‪ ..‬ولكن السماء سرعان ما تتداركه بالدد‪َ }:‬فأَوْ َجسَ فِي َنفْسِهِ‬
‫صَنعُوا‬
‫ف مَا َ‬
‫ك تَ ْلقَ ْ‬
‫خِي َفةً مُوسَى(‪ُ)67‬ق ْلنَا لَا تَخَفْ ِإنّكَ َأْنتَ الَْأعْلَى(‪َ )68‬وأَلْ ِق مَا فِي يَمِينِ َ‬
‫صَنعُوا َكيْدُ سَاحِ ٍر وَلَا ُيفْلِحُ السّا ِحرُ َحْيثُ َأتَى(‪[{ )69‬سورة طه] ويرج موسى من‬
‫ِإنّمَا َ‬
‫هذه التجارب أصلب عودًا وأشد صمودًا‪.‬‬
‫الحنة ف حياة عيسى عليه السلم ‪:‬ما ل ريب فيه أن عيسى عليه السلم كان يتمتع بطاقة‬
‫ضخمة من الصب والحتمال ‪ ..‬وما زاد ف قسوة الظروف الت أحاطت به وبنشأته‪ ،‬أنه‬
‫واجه ف ماضي مولده ألوان الشكوك ‪ ..‬كما واجه ف حاضر دعوته ضروب العنت‬
‫والتمرد ‪ ..‬ويكفي لكي نقدر مدى ما وصل إليه العنف والتمرد أن نعرف أن العجزات‬
‫الت بلغت على يدي عيسى حدًا كبيًا ل يكن لا ذلك الثر النتظر ف استمالة النفوس‬
‫وتأليف القلوب‪ ..‬ولكن عيسى عليه السلم ‪ ..‬كان يؤمن بأنه رسول ‪ ..‬وأن عليه البلغ‬
‫البي‪ .‬وكان طيب النفس حليمًا ‪.‬‬
‫حاول اليهود أن يفقوا من أثر دعوته وأن يفوا عن الناس أمره ‪ ..‬ولا أعيت اليلة أهل‬
‫الباطل ‪ ..‬ائتمروا به ليقتلوه ‪ ..‬أما عيسى روح ال ‪ ..‬فقد كانت عي ال ترسه وترعاه‬
‫‪ ..‬فلما ه ّم القوم با دفعهم إليه حقدهم السود‪..‬‬
‫وقع تت أيديهم رجل شديد الشبه به‪ ،‬فقتلوه وهم يسبون أنم قتلوا عيسى‪َ }:‬ومَا َقتَلُوهُ‬
‫ك ِمنْهُ مَا َلهُ ْم بِ ِه مِ ْن عِلْمٍ إِلّا‬
‫َومَا صََلبُوهُ وََلكِ ْن ُشبّهَ َلهُ ْم َوِإ ّن الّذِينَ ا ْختََلفُوا فِيهِ َلفِي شَ ّ‬
‫اّتبَاعَ الظّ ّن َومَا َقتَلُو ُه َيقِينًا(‪)157‬بَلْ رََفعَهُ اللّهُ إَِليْهِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا َحكِيمًا(‪)158‬‬
‫{[سورة النساء]‪.‬‬
‫منة السلم ف عهد النبوة ‪:‬‬
‫كان السلم ثورة على الاهلية من أول يوم ‪ ..‬ثورة استهدفت نسف القواعد الت قام‬
‫عليها الجتمع الاهلي‪ ،‬فليس من طبيعة السلم أن يهادن الوضاع الربة‪ ،‬أو يعمد إل‬
‫ترميمها وإصلحها‪ ،‬وإنا يعتمد سياسة الدم والبناء ‪ ..‬هدم الاهلية بكل مرافقها‪ ،‬وبناء‬

‫‪262‬‬

‫الياة السلمية بميع مقتضياتا‪ .‬وإذا كانت هذه طبيعة الدعوة الت نض با النب صلى‬
‫ال عليه وسلم‪ ،‬فبديهي أن تستأسد قوى الاهلية وتستميت ف الدفاع عن كيانا الهدد‬
‫بالنسف والدمار‪.‬‬
‫حرب العصاب ‪ :‬تفنن أهل الاهلية ف حرب النب صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وابتكروا كل‬
‫جديد لضرب السلم‪ ،‬وحشدوا كل قواهم لعرقلة السية القرآنية‪ ،‬فعمدوا أولً‪ :‬إل‬
‫أسلوب نفسي خسيس يستهدف تدمي أعصاب الرسول صلى ال عليه وسلم‪ ،‬والقضاء‬
‫على روحه العنوية العالية‪ ،‬وشنوا لذلك حلت عنيفة من السخرية والستهزاء عرض لا‬
‫ض َينْبُوعًا(‬
‫جرَ َلنَا مِ َن الْأَ ْر ِ‬
‫القرآن الكري ف أكثر من موضع‪ }:‬وَقَالُوا لَ ْن ُن ْؤمِنَ لَكَ َحتّى َتفْ ُ‬
‫سقِطَ‬
‫‪َ)90‬أوْ َتكُونَ لَكَ َجّن ٌة مِ ْن نَخِي ٍل َو ِعنَبٍ َفُتفَجّرَ الَْأْنهَارَ خِلَاَلهَا َتفْجِيًا(‪َ)91‬أوْ تُ ْ‬
‫ت مِنْ‬
‫ك َبيْ ٌ‬
‫سفًا َأ ْو َتأِْتيَ بِاللّهِ وَالْ َملَائِ َكةِ َقبِيلًا(‪َ)92‬أوْ َيكُونَ لَ َ‬
‫ت عََلْينَا كِ َ‬
‫السّمَاءَ كَمَا َزعَ ْم َ‬
‫زُ ْخرُفٍ َأ ْو تَرْقَى فِي السّمَا ِء وَلَ ْن ُن ْؤمِنَ لِرُِقيّكَ َحتّى ُتنَزّ َل عََلْينَا ِكتَابًا َنقْ َر ُؤهُ ‪)93(...‬‬
‫{[سورة السراء]‪.‬‬
‫وعندما فشلت هذه الساليب الرخيصة عمد الشركون إل اختلق الشائعات والتهم على‬
‫رسول ال‪ ،‬وبثوها ف كل الوساط؛ ليضعفوا الثقة به وليصدوا عن سبيل ال‪ }:‬وَقَدْ‬
‫جبَالُ(‪[{ )46‬سورة‬
‫َمكَرُوا َمكْ َرهُ ْم َوعِنْدَ اللّ ِه َمكْ ُرهُ ْم َوِإنْ كَا َن َمكْ ُرهُمْ ِلتَزُو َل ِمنْهُ الْ ِ‬
‫إبراهيم]‪ .‬وكانت الحنة على ضراوتا وقسوتا ل تزيده صلى ال عليه وسلم إل صلبة‬
‫وتصميمًا ‪..‬‬
‫تعرض وإيذاء وماولت اغتيال ‪ :‬ولا يئسوا من الرب النفسية‪ ،‬وحرب العصاب‪،‬‬
‫وحرب الشائعات ‪ ..‬لأوا إل الرب السية ينالون با من دعاة السلم‪..‬‬
‫ويتمع سادة قريش يومًا ف (الجر) ويذكرون ممدًا وتديه السافر لقدساتم ‪َ ..‬فقَالُوا‪:‬‬
‫ط َسفّهَ أَحْلَا َمنَا َو َشتَمَ آبَاءَنَا َوعَابَ دِيَننَا وََف ّرقَ‬
‫صبَ ْرنَا عََليْ ِه مِ ْن هَذَا الرّجُلِ قَ ّ‬
‫مَا َرَأيْنَا ِمثْ َل مَا َ‬
‫صبَ ْرنَا ِمنْ ُه عَلَى َأمْ ٍر عَظِيمٍ َفَبْينَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِ ْذ طََل َع عََلْيهِمْ‬
‫جَمَا َعَتنَا َوسَبّ آِل َهتَنَا َلقَدْ َ‬
‫َرسُولُ اللّهِ صَلّى اللّ ُه عََليْ ِه َوسَلّمَ َف َوَثبُوا إَِليْهِ َوْثَبةَ رَجُ ٍل وَاحِدٍ َفأَحَاطُوا بِهِ َيقُولُونَ لَهُ َأنْتَ‬
‫الّذِي َتقُولُ كَذَا وَكَذَا لِمَا كَا َن َيبُْل ُغهُمْ َعنْ ُه مِ ْن َعيْبِ آِل َهتِهِ ْم َودِينِهِمْ ‪ -‬فيجيبهم نب الدى‬
‫صلّى اللّهُ عََليْهِ َوسَلّمَ‪َ [:‬نعَمْ َأنَا الّذِي أَقُولُ ذَلِكَ]رواه‬
‫بكل ثقة واعتزاز‪َ -‬فَيقُولُ َرسُولُ اللّهِ َ‬

‫‪263‬‬

‫أحد‪ .‬يقولا بكل صراحة ويعلنها بلء فيه ‪ ..‬لقد أصابه منهم ف ذلك اليوم ما أصابه ‪..‬‬
‫وأدركهم أبو بكر الصديق رضي ال عنه وقد كادوا يهزون عليه ‪ ..‬فانبى يدافع عنه‬
‫ويقول‪َ":‬أَتقْتُلُونَ رَ ُجلًا َأنْ َيقُولَ َرّبيَ اللّهُ"‪ ..‬ولا أوقع ف أيدي الشركي‪ ،‬وأعجزتم اليلة‬
‫تداعوا إل مؤتر عقدوه ف دار الندوة‪ .‬ولا وضعوا خطتهم‪ ،‬وحزبوا أمرهم؛ كشف ال‬
‫ك الّذِينَ َكفَرُوا ِلُيْثبِتُوكَ َأ ْو َي ْقتُلُوكَ َأ ْو يُخْ ِرجُوكَ‬
‫مكرهم ورد كيدهم‪َ }:‬وإِ ْذ يَ ْمكُ ُر بِ َ‬
‫َويَ ْمكُرُو َن َويَ ْمكُرُ اللّ ُه وَاللّهُ َخيْ ُر الْمَا ِكرِينَ(‪[{ )30‬سورة النفال]‪.‬‬
‫الحنة ف حياة الصحابة ‪ :‬وف عهد النبوة تعرض دعاة السلم لبشع صنوف اليذاء‬
‫والتعذيب‪ ،‬ول تقتصر الحنة على نفر دون نفر أو طبقة دون أخرى‪ ،‬بل لقد بلغت‬
‫الميع‪ :‬النساء والرجال‪ ،‬الصغار والكبار‪ ،‬العبيد والحرار‪.‬‬
‫منة بلل‪ :‬كان أمية بن خلف يرج بللً إذا حيت الظهية‪ ،‬فيطرحه على ظهره ف‬
‫بطحاء مكة‪ ،‬ث يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره‪ ،‬ث يتهدده قائلً‪ :‬إنك ستظل‬
‫هكذا حت توت‪ ،‬أو تكفر بحمد‪ ،‬أو تعبد اللت والعزى‪ ،‬وكان بلل رضي ال عنه‬
‫يردد‪":‬أَحَدٌ أَ َحدٌ"‪.‬‬
‫منة آل ياسر ‪ :‬وكان بنو مزوم يرجون "آل ياسر" جيعًا يعذبونم برمضاء مكة‪.‬‬
‫أما ياسر‪ -‬الب‪ -‬فلم يقو على تمل العذاب لكب سنه؛ فمات لتوه‪ ،‬وأما سية – الم‪-‬‬
‫فقد أغلظت القول لب جهل فطعنها عدو ال بربة ف أحشائها‪ ،‬فكانت أول شهيدة ف‬
‫سبَ ّن الّذِينَ ُقتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ َأ ْموَاتًا بَلْ أَ ْحيَا ٌء عِنْدَ َرّبهِمْ ُيرْزَقُونَ(‬
‫السلم ‪ } ..‬وَلَا تَحْ َ‬
‫حقُوا ِبهِ ْم مِنْ خَ ْل ِفهِمْ أَلّا‬
‫ي بِمَا ءَاتَاهُمُ اللّهُ مِنْ َفضْلِ ِه َويَسَْتبْشِرُونَ بِالّذِينَ لَ ْم يَلْ َ‬
‫‪)169‬فَ ِرحِ َ‬
‫ستَبْشِرُو َن بِِنعْ َم ٍة مِنَ اللّ ِه وََفضْ ٍل َوَأنّ اللّهَ لَا ُيضِيعُ‬
‫ح َزنُونَ(‪)170‬يَ ْ‬
‫ف عََلْيهِ ْم وَلَا هُ ْم يَ ْ‬
‫َخوْ ٌ‬
‫أَجْ َر الْ ُم ْؤ ِمنِيَ(‪[{ )171‬سورة آل عمران]‪.‬‬
‫نوذج من شهداء السلم ف عصر النبوة ‪ :‬لكم شهدت أيام السلم ف عصر النبوة من‬
‫أبطال صناديد‪ ،‬شرفوا التاريخ‪ ،‬ويكفي أن نتار منهم‪:‬خبيب بن عدي؛ لندرك أي أثر‬
‫كان للعقيدة ف نفوس هؤلء‪ :‬اعتقل خبيب وكان ف طريقه من الدينة إل عضل والقارة؛‬
‫ليقوم بهام الدعوة الت كلفه با رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وساقه الجرمون إل مكة‬
‫وباعوه لجر بن أب إهاب التميمي ليقتله بأبيه الذي قتل ف غزوة بدر الكبى‪.‬‬

‫‪264‬‬

‫وف اليوم الحدد لقتله أخرجه الشركون إل التنعيم ليصلبوه‪ ،‬فقال لم‪ ":‬إن رأيتم أن‬
‫تدعون حت أركع ركعتي فافعلوا " قالوا‪ :‬دونك فاركع ‪ ..‬فركع ركعتي أتهما‬
‫وأحسنهما‪ ،‬ث أقبل على القوم‪ ،‬فقال‪ ":‬أما وال لول أن تظنوا أن إنا طولت جزعًا من‬
‫الوت لستكثرت من الصلة"‪ .‬وعندما رُفع خبيب على الشبة قال له الشركون‪ :‬ارجع‬
‫عن السلم نلي سبيلك‪ .‬فقال‪ ":‬ل وال ما أحب أن أرجع عن السلم وأن ل ما ف‬
‫الرض جيعًا‪ ..‬إن قتلي ف ال لقليل ‪ ..‬اللهم إن ل أرى إل وجه عدو‪ ،‬اللهم إنه ليس‬
‫هاهنا أحد يبلغ رسولك عن السلم‪ ،‬فبلغه أنت السلم"‪ ..‬وكان الرسول صلى ال عليه‬
‫وسلم ف هذا الوقت بي صحبه ف الدينة‪ ،‬فأخذته غيبة ث قال‪[:‬هَذَا ِجبْرِي ُل ُيقْ ِرُئنِي مِنْ‬
‫ب الَسَلَامَ] رواه الطبان ف معجمه الكبي‪-‬بنحوه‪.-‬‬
‫ُخَبيْ ٍ‬
‫واقترب من خبيب أربعون رجلً من الشركي‪ ،‬بأيديهم الرماح‪ ،‬وقالوا‪ :‬هذا الذي قتل‬
‫آباءكم ف بدر‪ .‬فقال خبيب‪ ":‬اللهم إنا قد بلغنا رسالة رسولك ‪ ..‬فأبلغه الغداة ما يُصنع‬
‫بنا"‪.‬‬
‫وعندما أخذت الرماح تزق جسده‪ ،‬استدار إل الكعبة وقال‪ ":‬المد ل الذي جعل‬
‫وجهي نو قبلته الت ارتضى لنفسه ونبيه وللمؤمني"‪ ..‬واستمر أعداء ال يزقون جسد‬
‫خبيب برماحهم وهو ليفتر يردد‪":‬ل إله إل ال ممد رسول ال" حت لفظ نفسه الخي‪،‬‬
‫وفاضت روحه الزكية الطاهرة إل الل العلى ‪.‬‬
‫الحنة ف عصر التابعي ‪ :‬ويأت عصر التابعي ‪ ..‬ويطالعنا التاريخ بألوان شت من من‬
‫السلم ‪ ..‬ففي هذه الرحلة تتكاتف لدم السلم معاول البناء والعداء‪ ،‬ففي عام ‪75‬‬
‫هـ يتول الجاج بن يوسف الكم ف العراق‪ .‬ويشهد هذا البلد السلمي ف عهده أيامًا‬
‫سوداء ‪ .‬ومن سنة ال ف خلقه أنه يهيء للطغاة رجالً ل يهابون الطغيان ‪ ..‬يصنعهم على‬
‫عينه ‪ .‬ويهبهم الرأة فيه‪ ،‬وكان سعيد بن جبي أحد هؤلء الذين خلصوا من حظ‬
‫أنفسهم‪..‬‬
‫وعندما صمم الجاج على قتله واللص منه أرسل جنودًا بطلبه فجاءوا به‪ ،‬وأدخلوه‬
‫عليه‪ ،‬ث ذبوه على النطع ـ رحه ال ـ‪ ،‬وعاش الجاج بعده خس عشرة ليلة ث مات‬
‫‪.‬‬

‫‪265‬‬

‫الحنة بي المس واليوم ‪:‬‬
‫هكذا تبدت معال الصراع بي الق والباطل على مدار التاريخ‪ ،‬إنا صورة واحدة ذات‬
‫أشكال متعددة ‪ ..‬تتغي فيها الزمان‪ ،‬والشخاص وتبقى القيقة هي هي ‪ ..‬إنه استعلء‬
‫اليان ف كل زمان ‪ ..‬واعتزاز الق ف كل عصر‪.‬‬
‫أصحاب العقيدة يدفعون الثمن ‪ :‬وتشتد الحنة ف حياة الدعوة ‪ ..‬وتئول قيادة المة إل‬
‫حكام طغاة‪ ،‬يسومون الؤمني سوء العذاب ‪ ..‬وحق على دعوة السلم أن تدفع الثمن ‪.‬‬
‫وتدفعه بسخاء‪ :‬دماء وضحايا وشهداء ‪.‬‬
‫كيف نواجه الحن ؟‬
‫إن الركة السلمية إذ تواجه اليوم ما تواجه من تديات وضغوط ينبغي أن‪:‬‬
‫تنطلق على هدي‪ :‬فل تتحكم ف سيها النفعالت‪ ،‬أو تيد با العواطف والطفرات‪.‬‬
‫مدعوة لواجهة هذه الرب السافرة على السلم وأهله‪ :‬بالصياغة السنة لشبابا ورجالا‪،‬‬
‫وبالعداد الكامل‪ ،‬ث بالتخطيط الواعي لكل خطوة من خطاها ‪.‬‬
‫أن تغرس ف نفوس عناصرها ودعاتا روح البذل والتضحية‪ ،‬وتستأصل من نفوسهم‬
‫عوامل الضعف والوف والنزام ‪.‬‬
‫إن الركة السلمية مدعوة‪ :‬لتضع ف تقديرها وحسابا ف مالت التربية والتكوين ثقل‬
‫السئولية‪ ،‬وضخامة التبعة الت تنتظرها وتنتظر أفرادها؛ فتسلك بم كل ما من شأنه أن‬
‫يعدهم لياة الجاهدة والرابطة والكفاح ‪ ..‬وتنأى عما يلد بم إل الرض ويعودهم‬
‫حياة الدعة والنوع ‪.‬‬
‫=============‬
‫بوابة النصر‬
‫الحمد لله القوي الجبار‪ ،‬المتين القهار‪ ،‬والصلة والسلم على‬
‫سيِّد النبياء الخيار‪ ،‬وعلى آله وصحبه الطهار‪ ،‬ومن تبعهم من‬
‫الصالحين البرار‪ ،‬أما بعد‪،،،‬‬
‫في ظلم الليل الذي يعقبه نور الصباح‪ ..‬وفي نزول القطر بعد‬
‫إقفار الرض‪ ..‬وفي أحوال كثيرات‪..‬وبما في تضاعيف التأريخ‬
‫م ْ‬
‫حييات التمكين؛ نزداد‬
‫م ْ‬
‫شرِق لهذه المة من بواعث النصر‪ ،‬و ُ‬
‫ال ُ‬
‫ُ‬
‫يقيناً‪ ،‬واقتناعا ً بما في أفق الدنيا من لوائح المبشرات‪ ،‬وحينها ؛‬
‫ج منها من ذاق‬
‫نعم في ذلك الحين ينبثق نور بوابة النصر‪..‬فَيَل ِ ُ‬
‫‪266‬‬

‫مرارة السطوة الظالمة‪ ،‬ويدخل منها من تفطرت كبده قهراً‬
‫سَّراق المشاعر‪ ،‬فإلى أولئك أقول‪ :‬عليكم بما في‬
‫على تكالب ُ‬
‫ثنايا الموضوع فإنها أعمدة تلك البوابة‪ ،‬وعليكم باغتنام سويعات‬
‫ت البوابة فهي كثيرة‬
‫مغْلِقَا ِ‬
‫النصر فإن الفجر لح‪ ،‬وحذار من ُ‬
‫محبوبة ‪.‬‬
‫أولً‪ :‬أعمدة النصر‪:‬‬
‫صُر‬
‫ن َ‬
‫‪ -1‬اليمان بالله والنصر‪ :‬قال تعالى‪...{:‬وَكَا َ‬
‫حقًّا ع َلَيْنَا ن َ ْ‬
‫سلَنَا‬
‫مؤْ ِ‬
‫صُر ُر ُ‬
‫ال ْ َُ‬
‫ن[‪[}]47‬سورة الروم]‪ .‬وقال تعالى‪ {:‬إِنَّا لَنَن ْ ُ‬
‫منِي َ‬
‫حيَاةِ الدُّنْيَا‪[}]51[...‬سورة غافر]‪.‬‬
‫منُوا فِي ال ْ َ‬
‫نآ َ‬
‫وَال ّذِي َ‬
‫في هاتين اليتين قضى الله أن نصره وتأييده إنما هولعباده‬
‫المؤمنين‪ ..‬نعم؛ إن النصر‪ ،‬والتمكين حقٌ لكل مؤمن بالله‪ ،‬لكل‬
‫مَر قلبه باليمان الصادق‪ ،‬والسلم الخالص‪ ،‬والنقياد التام‬
‫من ع َ َ‬
‫لله ورسوله صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫إن تحلي العباد باليمان بالله برهان كبير على أنهم هم‬
‫متُنَا لِعِبَادِنَا‬
‫المنصورون‪ ،‬وأنهم هم الجند الغالبون‪{:‬وَلَقَد ْ َ‬
‫ت كَل ِ َ‬
‫سبَقَ ْ‬
‫ن[‪]172‬وَإ ِ َّ‬
‫ن[‬
‫ن ُ‬
‫م الْغَالِبُو َ‬
‫صوُرو َ‬
‫مْر َ‬
‫ن[‪]171‬إِنَّهُ ْ‬
‫جنْدَنَا لَهُ ُ‬
‫م لَهُ ُ‬
‫ال ْ ُ‬
‫م ال ْ َ‬
‫من ْ ُ‬
‫سلِي َ‬
‫‪[}]173‬سورة الصافات]‪.‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫منُوا فَإ ِ َّ‬
‫ن يَتَوَ ّ‬
‫ب‬
‫ن ِ‬
‫حْز َ‬
‫ه وََر ُ‬
‫وكما قال تعالى‪{:‬وَ َ‬
‫ل الل ّ َ‬
‫سول َ ُ‬
‫نآ َ‬
‫م ْ‬
‫ه وَال ّذِي َ‬
‫َ‬
‫ن[‪[}]56‬سورة المائدة]‪.‬‬
‫م الْغَالِبُو َ‬
‫الل ّهِ هُ ُ‬
‫فمتى أتى المؤمنون بإيمان تام كامل؛ كان لهم نصر تام كامل‪،‬‬
‫وإن أتوا بإيمان دون الكمال‪ ،‬وقاصر عن التمام؛ فإن النصر لهم‬
‫بحسب ذلك ‪.‬‬
‫وحين نلحظ تأريخنا الحافل بالنتصارات الخالدة التي أقضت‬
‫مضاجع أهل الكفر‪ ،‬وأذناب الضلل‪ ،‬والتي أقَّرت عيون أهل‬
‫اليمان والتوحيد؛ نجد أن أغلبها راجع إلى اليمان قوة وضعفاً‪:‬‬
‫فهذا يوم الفرقان‪ ،‬يوم بدر‪ :‬نصر الله عباده المؤمنين نصًرا أصبح‬
‫شجى في حلوق المشركين زماناً‪ ،‬وكان من أعمدة النصر في‬
‫ت قلوب المؤمنين إيمانا ً بالله تعالى‪.‬‬
‫تلك الغزاة أن قَوِي َ ْ‬
‫َّ‬
‫خلدَة إلى قيام‬
‫م َ‬
‫وفي التأريخ المشرق لهذه المة المنصورة‪ ،‬وال ُ‬
‫الساعة صوٌر كثيرة جدا ً لوقائع نصر مبين للمؤمنين ‪.‬‬
‫فهذا عمود من أعمدة النصر على المة أن تأتي به إن كانت‬
‫تطمح بالنصر‪ ،‬وترمق بعين الشوق إلى التمكين في الرض‪ ،‬أما‬
‫إن كانت تريد نصرا ً بل إيمان فما هي وطالب السمك في‬
‫الصحراء إل سواء ‪.‬‬
‫ه‬
‫إن الله أخبرنا بأنه حافظ دينه فقال‪{:‬إِنَّا ن َ ْ‬
‫ن نََّزلْنَا الذِّكَْر وَإِنَّا ل َ ُ‬
‫ح ُ‬
‫ن[‪[}]9‬سورة الحجر]‪ .‬وأخبر أن البقاء لدينه فقال‪{:‬‬
‫حافِظُو َ‬
‫لَ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫مت ِ ُّ‬
‫ه‬
‫يُرِيدُو َ‬
‫م نُورِهِ وَلَوكَرِ َ‬
‫ه ُ‬
‫م وَالل ّ ُ‬
‫ن لِيُطْفِئُوا نُوَر الل ّهِ بِأفْوَاهِهِ ْ‬
‫‪267‬‬

‫ن[‪[}]8‬سورة الصف]‪ .‬وهل نور الله تعالى إل اليمان‬
‫الْكَافُِرو َ‬
‫ن‬
‫مت َ َ‬
‫والدين‪ ،‬ونصرته له نصرة لعباده القائمين بهذا الدين‪ ،‬وال ُ‬
‫حل ِّي ْ َ‬
‫ب الصالحين‪،‬‬
‫بهذا اليمان ‪ .‬فل مجال حينئذ ٍ لمداهمة اليأس قلو َ‬
‫ي القلوب‬
‫بل الدر ُ‬
‫ب مستنير‪ ،‬وواضح ل يعمى إل على ع ُ ْ‬
‫م ِ‬
‫والبصار ‪.‬‬
‫فالله تعالى وَعَد َ ووعْدُه ُ حق وصدق ولبد لذلك الوعد من يوم‬
‫يتحقق فيه الوفاء‪ ،‬وليس الوفاء فحسب بل تمام الوفاء وكماله‪،‬‬
‫وهوقريب إذ وَعْد ُ الكريم ل يقبل المماطلت‪ ،‬والله سبحانه‬
‫وتعالى ل يخلف الميعاد ‪.‬‬
‫فما هوإل الصبر القليل‪ ،‬والستعانة بالله‪ ،‬والتوكل عليه‪ ،‬وأساس‬
‫ذاك كله اليقين بموعود الله‪ ،‬والحذر من تسُّرب الشك في‬
‫موعوده ‪.‬‬
‫‪ -2‬العبودية لله والنصر‪:‬‬
‫م‬
‫مْر َ‬
‫قال تعالى ‪{:‬وَلَقَد ْ َ‬
‫م لَهُ ُ‬
‫ن[‪]171‬إِنَّهُ ْ‬
‫متُنَا لِعِبَادِنَا ال ْ ُ‬
‫ت كَل ِ َ‬
‫سبَقَ ْ‬
‫سلِي َ‬
‫ن[‪[}]172‬سورة الصافات]‪ .‬وقال سبحانه‪{ :‬وَلَقَد ْ كَتَبْنَا‬
‫صوُرو َ‬
‫ال ْ َ‬
‫من ْ ُ‬
‫َ‬
‫من بَعْد ِ الذِّكْر أ َّ َ‬
‫عبَادِيَ ال َّ‬
‫ن[‬
‫ض يَرِثُهَا ِ‬
‫حو َ‬
‫صال ِ ُ‬
‫ن اْلْر َ‬
‫فِي الَّزبُورِ ِ ْ‬
‫ِ‬
‫‪[}]105‬سورة النبياء]‪ .‬ففي هذا النص القرآني عمود من أعمدة‬
‫ح ْ‬
‫م ُّ‬
‫ظ‬
‫ن به الرب على من تعبَّد له حق التعبُّد‪ .‬واَل ْ َ‬
‫النصر‪ ،‬الذي ي َ ُ‬
‫عبَادِيَ} تجد في ثناياها خالص التجرد‬
‫ن وتدبر‪ {:‬لِعِبَادِنَا} و{ ِ‬
‫بتمعُّ ٍ‬
‫بالعبودية لله‪ ،‬فلما جردوا التعبد لله وأخلصوه له؛ فلم يجعلوا في‬
‫قلوبهم ميلً‪-‬و لو قليلً‪ -‬لغيره أثابهم منه فتحا ً ونصرا ً وتمكينا ً ‪.‬‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ف عنها النصر بسبب تعل ّقها بغير الله‪،‬‬
‫ولذا نرى أن المة قد يَت َ َ‬
‫خل ّ ُ‬
‫َّ‬
‫وهذا‬
‫ب أن تخلف النصر‬
‫صوَر صرف التعبُّد لغير الله‪ ،‬فل عج َ‬
‫من ُ‬
‫َّ‬
‫عنّا‪ ،‬وحلت الهزيمة بنا‪ ،‬فما استنكف أحد عن التذلل لله‪ ،‬واتبع‬
‫سه ذليلة غير الله إل زاده الله وهنا ً وخسارة ‪.‬‬
‫نف َ‬
‫وللعبودية في ساعات الشدة أثر بالغ في قرب الفرج‪ ،‬وبُدُو‬
‫أمارات النصر‪:‬‬
‫حَزبَه أمٌر فَزعَ‬
‫فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا َ‬
‫إلى الصلة‪ ،‬وجعل خير العبادة ما كان في زمن الهَْرِج‪.‬‬
‫وحاله يوم بدر أكبر شاهد على ذلك؛ فقد جأر بالدعاء‪ ،‬واشت َّ‬
‫د‬
‫ج َ‬
‫ل بنصره الذي وَعَدَه‬
‫تضُّرع ُه لربه وتذلله بين يديه‪ ،‬سائله أن يُعَ ِّ‬
‫إياه ‪.‬‬
‫ُّ‬
‫ب بها نصر الله‪ ،‬وبدونها؛ وحين تخلفها‬
‫جل َ ُ‬
‫ست َ ْ‬
‫وهذه هي التي ي ُ ْ‬
‫وعدم التيان بما أراده الله؛ فهيهات أن ينصر من أعرض عن‬
‫دينه‪ ،‬ولم يتبع هداه الذي جاء بـه رسوله صلى الله عليه وسلم‪،‬‬
‫مها على الرذيلة‪ ،‬والمعصية‪،‬‬
‫واتبع ما أجلب به الكفار من حياة قِوَا ُ‬
‫بل ترك الشريعة كلها ‪.‬‬
‫‪268‬‬

‫فعمود النصر التجرد لله بالعبودية؛ التي هي‪ :‬تمام الذل له‪،‬‬
‫وكمال المحبة له‪ ،‬ومنتهى النقياد والستسلم لدينه وشرعه‪.‬‬
‫فمتى قامت المة بالتعبُّد لله والتذلل بين يديه؛ أضاء لها نور‬
‫حا جليًا‪ ،‬تبصره قلوب الصالحين من أولياء الله‬
‫النصر واض ً‬
‫مه قلوب وأبصار من تعبَّد لغير الله ‪.‬‬
‫العابدين‪ ،‬وتعمى عنه بل تُحَر ُ‬
‫وكلما كان تعبُّد المة لله أتم كان نصر الله لها أكمل وأقرب ‪-3‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫صُروا‬
‫منُوا إ ِ ْ‬
‫نآ َ‬
‫ن تَن ْ ُ‬
‫نُ َْ‬
‫صَرةُ الله والنصر‪ :‬قال تعالى‪ {:‬يَا أيُّهَا ال ّذِي َ‬
‫ف قوم ٍ ينصرون‬
‫م‪[}]7[...‬سورة محمد]‪ .‬نصر الله حلي ُ‬
‫صْرك ُ ْ‬
‫الل ّ َ‬
‫ه يَن ْ ُ‬
‫ُ‬
‫ق العلياء ‪.‬‬
‫الله ودينه‪ ،‬ويرفعون راية شريعته شامخة في أف ِ‬
‫أما من يخذل شريعته حين ضعفها؛ فليس له من نصر الله شيء‪.‬‬
‫وما انتصر من انتصر من الصالحين إل بسبب ما قاموا به من‬
‫نصرةٍ لدين الله وشريعته ‪ .‬فمن قام ناصرا ً بلده‪ ،‬أو قومه‪ ،‬أو‬
‫مبدأه ومذهبه المخالف لدين الله؛ فهو مخذول ‪.‬‬
‫حدَه‪ ُ-‬دين الله؛ فهو المنصور ل غيره‪ ،‬وهو‬
‫ومن قام ناصراً‪ -‬ولو وَ ْ‬
‫المؤيد ل سواه‪ ،‬وهو الموعود بالتمكين ‪.‬‬
‫صَر الله بنصرة دين الله‪ ،‬وإعلئه على‬
‫ة الطالب ُ‬
‫فلتقم الم ُ‬
‫ة نَ ْ‬
‫الديان كما أعله الله‪ ،‬حتى تنال موعود الله لها بالنصر‪ ،‬والتمكين‬
‫في الرض ‪.‬‬
‫صَرة الله تعالى‪:‬‬
‫ومن ن ُ ْ‬
‫‪ -1‬تحقيق الولء والبراء‪ ..‬فل مداهنة في دين الله‪ ،‬ومحاباة‬
‫لمخلوق أيَّا ً كان‪ ،‬فدين الله فََّرقَ بين المسلم والكافر‪ ،‬ولو كانا‬
‫في القرابة بالمكان الذي ل يفَّرق بينهما فيه ‪.‬‬
‫‪ -2‬تطهير الرض من المنكرات والموبقات ؛ التي ما فتيء‬
‫أصحابها يجاهرون بها مطلع النهار ومغربه‪ ،‬ويحاربون الله ليل‬
‫نهار‪.‬‬
‫م َّ‬
‫سه دَن ِ ٌّ‬
‫صدَه‬
‫‪ -3‬القيام حماي ً‬
‫ي بسوء‪ ،‬أو أن يَقْ ِ‬
‫ة لدين الله من أن ي َ َ‬
‫سافل بنقيصة ‪.‬‬
‫‪ -4‬حراسة محارم الله وحفظها من أن يتعَّرض لها من سلبه الله‬
‫العفاف والحشمة ‪.‬‬
‫ي بالنصر من الله‪ ،‬وظَفَِر بالغلبة‬
‫صَرة الله ودينه؛ َ‬
‫فمن قام بن ُ ْ‬
‫حظ ِ َ‬
‫على عدوِّه ‪.‬‬
‫َّ‬
‫ن‬
‫صرَِهِ َ‬
‫‪ -4‬النصر من الله تعالى‪ :‬قال تعالى‪...{:‬وَالل ُ‬
‫ه يُؤَيِّد ُ بِن َ ْ‬
‫م ْ‬
‫يَ َ‬
‫ن ِ‬
‫عنْدِ‬
‫صُر إ ِ ّل ِ‬
‫شاءُ‪[}]13[...‬سورة آل عمران]‪ .‬وقال‪...{:‬وَ َ‬
‫ما الن َّ ْ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ل الل ّ‬
‫موَْلك ُ‬
‫خيُْر‬
‫ه‬
‫م وَهُوَ َ‬
‫الل ّهِ‪[}]126[...‬سورة آل عمران]‪ .‬وقال‪{:‬ب َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ه فََل‬
‫النَّا ِ‬
‫ن[‪[} ]150‬سورة آل عمران]‪ .‬وقال‪ {:‬إ ِ ْ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫صْرك ُ ُ‬
‫ن يَن ْ ُ‬
‫صرِي َ‬
‫َ‬
‫ن بَعْدِهِ‪[...‬‬
‫ن يَ ْ‬
‫م ِ‬
‫م وَإ ِ ْ‬
‫غَال ِ َ‬
‫صُرك ُ ْ‬
‫م فَ َ‬
‫خذ ُلْك ُ ْ‬
‫ب لَك ُ ْ‬
‫ن ذ َا ال ّذِي يَن ْ ُ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫‪[}]160‬سورة آل عمران]‪.‬‬
‫‪269‬‬

‫ن الله ‪ ،‬وهو الما ُّ‬
‫ن به على عباده المؤمنين‪ ،‬فل‬
‫فالنصر ِ‬
‫م ْ‬
‫قُدَُراتِهم‪ ،‬ول عُدَدِهم جالبة لهم نصرا ً على عدوهم‪ ،‬ول اعتداد بكل‬
‫أسلحة المؤمنين إذا لم يُرِد الله لهم نصرا ً على عدوهم ‪.‬‬
‫فلو كان النصر آتيا ً بقوى العباد؛ لما غلب المسلمون الضعفاء‬
‫ُ‬
‫م الكفر التي ملكت من آلت القتال ما الله به عليم ‪.‬‬
‫م َ‬
‫ظاهًرا أ َ‬
‫ي المؤمنون النصر من غير الله فيا خيبتهم‪ ،‬ويا شؤم‬
‫فمتى رج َ‬
‫حالهم ‪.‬‬
‫وحين ترى أحوال المسلمين في المعارك التي انهزموا بها ترى‬
‫ُ‬
‫أن من أهم السباب‪ :‬تعل ّقُ النفوس في طلب النصر بغير الله‪،‬‬
‫ولنعتبر بغزوة حنين‪ ،‬فإن الهزيمة التي حصلت لهم إنما هي‬
‫بسبب اغترارهم بقوة أنفسهم حيث قالوا‪':‬لن نغلب اليوم من‬
‫َ‬
‫قِل ّة'‪.‬‬
‫قال ابن القيِّم رحمه الله في سَردِه الفوائد َ المأخوذة َ من تلك‬
‫الغزوة‪':‬واقتضت حكمته سبحانه أن أذاق المسلمين أول ً مرارة‬
‫الهزيمة والكسرة مع كثرة عددهم وع ُددهم‪ ،‬وقوة شوكتهم‪،… ،‬‬
‫َ‬
‫وليبيِّن سبحانه لمن قال‪':‬لن نغلب اليوم من قل ّة' أن النصر إنما‬
‫هو من عنده‪ ،‬وأنه من ينصره فل غالب له‪ ،‬ومن يخذله فل ناصر‬
‫له غيره‪ ،‬وأنه سبحانه هو الذي تولى نصر رسوله ودينه‪ ،‬ل‬
‫ن عنكم شيئاً‪ ،‬فوليتم مدبرين'[زاد‬
‫كثرتكم التي أعجبتكم فلم تغ ِ‬
‫المعاد [ ‪.]]3/477‬‬
‫ت قلوبهم بالتوكل على‬
‫وهذا الذي حصل إنما هو من طائفة ع ُ ِ‬
‫مَر ْ‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫الله‪ ،‬والتعل ّق به‪ ،‬لكن لما انصرف القلب انصرافا قليل ً عن الله؛‬
‫َ‬
‫ن كَثِيَرةٍ‬
‫صَرك ُ ُ‬
‫ه فِي َ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫ع ُوقبوا بما ذكر الله بقوله‪ {:‬لَقَد ْ ن َ َ‬
‫موَاط ِ َ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫شيْئًا‪[...‬‬
‫ن إِذ ْ أع ْ َ‬
‫م ُ‬
‫وَيَوْ َ‬
‫ن ع َنْك ُ ْ‬
‫م فَل َ ْ‬
‫م كَثَْرتُك ُ ْ‬
‫جبَتْك ُ ْ‬
‫م تُغْ ِ‬
‫حنَي ْ ٍ‬
‫‪[}]25‬سورة التوبة]‪ .‬فكيف الحال بمن بعدهم ممن انصرفت‬
‫قلوبهم لغير الله انصرافًا كُل ِّيًا‪ ،‬والله المستعان؟!‬
‫ثانيًا‪:‬مبشرات النصر‪:‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫س َ‬
‫ه‬
‫ل َر ُ‬
‫‪ -1‬البشارة بظهور الدين‪ :‬قال تعالى‪ {:‬هُوَ ال ّذِي أْر َ‬
‫سول َ ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫م ْ‬
‫ن[‬
‫شرِكُو َ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ن كُل ِّهِ وَلَوْ كَرِه َ ال ْ ُ‬
‫قّ لِيُظهَِره ُ ع َلى الدِّي ِ‬
‫ح ِ‬
‫بِالهُدَى وَدِي ِ‬
‫د‬
‫ن بَعْ ِ‬
‫‪[}]33‬سورة التوبة]‪ .‬وقال تعالى‪{ :‬وَلَقَد ْ كَتَبْنَا فِي الَّزبُورِ ِ‬
‫م ْ‬
‫الذِّكْرِ أ َ َّ‬
‫عبَادِيَ ال َّ‬
‫ن[ ‪[}]105‬سورة النبياء]‪.‬‬
‫ن اْلَْر‬
‫ض يَرِثُهَا ِ‬
‫حو َ‬
‫صال ِ ُ‬
‫َ‬
‫َ َ‬
‫وقال تعالى‪ {:‬كَتب الل َّه َلَغْلِب َ َ‬
‫ه قَوِيٌّ ع َزِيٌز[‬
‫سلِي إ ِ ّ‬
‫َ َ‬
‫ن أنَا وَُر ُ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ُ‬
‫َ ّ‬
‫‪[}]21‬سورة المجادلة]‪.‬‬
‫َ‬
‫َّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م‪ [ :‬لَيَبْلُغَ َّ‬
‫ما بَلَغَ الل ّي ْ ُ‬
‫ل‬
‫صل ّى الل‬
‫ه ع َلَيْهِ وَ َ‬
‫مُر ََ‬
‫ن هَ َذ َا اْل ْ‬
‫سل ّ َ‬
‫ُ‬
‫وقال َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫وَالنَّهَاُر وََل يَتُْر ُ‬
‫ز‬
‫مدَرٍ وََل وَبَرٍ إ ِ ّل أد ْ َ‬
‫ه الل ّ ُ‬
‫خل َ ً ُ‬
‫ت َ‬
‫ه بَي ْ َ‬
‫ك الل ّ ُ‬
‫ه هَ َذ َا الدِّي َ‬
‫ن بِعِ ّ ِ‬
‫َ‬
‫م وذ ُ ّل يُذ ِ ُّ‬
‫ع َزِيزٍ أَوْ بِذ ُ ِّ‬
‫ه‬
‫ل ِ‬
‫ه بِ ِ‬
‫ه بِهِ اْل ِ ْ‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫عًّزا يُعُِّز الل ّ ُ‬
‫سَل َ َ‬
‫ل ذَلِي ٍ‬
‫الْكُفَْر]رواه أحمد‪.‬‬
‫‪270‬‬

‫فهذه نصوص قاطعة بأن الغالب هو دين الله‪ ،‬والواعد بذلك هو‬
‫الله تعالى‪ ،‬ورسوله صلى الله عليه وسلم؛ والله ل يخلف‬
‫م‬
‫مقا ُ‬
‫صر دينه‪ ،‬فمهما طال ُ‬
‫الميعاد؛ فكيف إذا كان الميعاد ن َ ْ‬
‫الكافر‪ ،‬ومهما استطال شُّره وضُّره‪ ،‬ومهما كِيْد َ بالمسلمين‪،‬‬
‫ومهما نُّكِّ َ‬
‫ل بهم؛ فإن الغلبة لدين الله‪ ،‬وَعْدَا ً من الله حقا ً وصدقاً‪..‬‬
‫وهذا سيحدث ل محالة‪ ،‬فل نستعجل َّ َّ‬
‫ن المور‪ ،‬ول نسابق الحداث‬
‫‪.‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م‪َ [ :‬ل تََزا ُ‬
‫‪ -2‬الطائفة الظاهرة‪ :‬قَا َ‬
‫ة‬
‫ل طَائ ِ َف ٌ‬
‫ه ع َلَيْهِ وَ َ‬
‫سل ّ َ‬
‫صل ّى الل ّ ُ‬
‫ل َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن أ ُ َّ‬
‫حتَّى‬
‫م أوْ َ‬
‫ن َ‬
‫م ً‬
‫ِ‬
‫م َ‬
‫مرِ الل ّهِ َل ي َ ُ‬
‫خالَفَهُ ْ‬
‫خذ َلَهُ ْ‬
‫م َ‬
‫ضُّرهُ ْ‬
‫ة بِأ ْ‬
‫متِي قَ َائ ِ َ‬
‫م ْ‬
‫مْ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫س]رواه البخاري ومسلم‪.‬‬
‫م ظاهُِرو َ‬
‫مُر اللهِ وَهُ ْ‬
‫يأ ْ‬
‫يَأت ِ َ‬
‫ن ع َلى الن ّا ِ‬
‫فهذه الطائفة قائمة إلى قيام الساعة‪ ،‬والنصرة لهم‪ ،‬والتأييد‬
‫اللهي معهم‪ ،‬وهذه الفرقة المنصورة من بواعث المل في‬
‫نصرة الدين‪ ،‬ومن بشائر الرفعة لدين الله‪ ،‬وقد ذكر صلى الله‬
‫عليه وسلم الذي ل ينطق عن الهوى أنها دائمة وموجودة إلى‬
‫قيام الساعة ‪.‬‬
‫ولكنه ضعف اليقين بموعود الله ورسوله صلى الله عليه وسلم‪،‬‬
‫ُ‬
‫وتعل ّق القلوب بالماديَّات والظواهر‪ ،‬وأساس ذلك كله ضعف‬
‫اليمان بالغيبيات التي هي أصل اليمان‪.‬‬
‫فهل يجوز بعد هذا أن ييأس المسلمون من اكتناف نصر الله‬
‫َ‬
‫م قوة الكفر‬
‫تعالى لعباده المؤمنين؟! وهل يجوز أن تُعَظ ّ َ‬
‫وجبروته؟! وهل يجوز لنا أن نتخاذل عن البذل لدين الله‪ ..‬ولو‬
‫بأق ِّ‬
‫ل القليل؟! وهل يجوز أن نعتقد خطأ ً أن هذه الطائفة لن‬
‫تقوم‪ ،‬أو أنها قامت ولن تعود؟! أسئلة تفتقر إلى أجوبة فعلية ل‬
‫قولية ‪.‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫‪ -3‬الوعد اللهي الحق‪ :‬قال تعالى‪ {:‬وَعَد َ الل ّ‬
‫م‬
‫نآ‬
‫ه ال ّذِي‬
‫منُوا ِ‬
‫ُ‬
‫منْك ُ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َْ‬
‫ملُوا ال َّ‬
‫ن‬
‫ست َ ْ‬
‫ست َ ْ‬
‫خل َ َ‬
‫حا ِ‬
‫وَع َ ِ‬
‫صال ِ َ‬
‫ما ا ْ‬
‫ت لَي َ ْ‬
‫ض كَ َ‬
‫خلِفَنَّهُ ْ‬
‫ف ال ّذِي َ‬
‫م َفِي الْر ِ‬
‫كّن َ َّ‬
‫د‬
‫ِ‬
‫م ِ‬
‫ن بَعْ ِ‬
‫م ِ‬
‫م وَلَيُب َ ِ‬
‫م ال ّذِي اْرت َ َ‬
‫ن قَبْلِهِ ْ‬
‫م وَلَي ُ َ‬
‫دّلَنَّهُ ْ‬
‫ضى لَهُ ْ‬
‫م دِينَهُ ُ‬
‫ن لَهُ ْ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ن بِي َ‬
‫منًا يَعْبُدُونَنِي ل ي ُ ْ‬
‫شيْئًا‪[}]55[...‬سورة النور]‪.‬‬
‫َ‬
‫شرِكو َ‬
‫مأ ْ‬
‫خوْفِهِ ْ‬
‫وهذا الوعد قد تحقق في زمانه صلى الله عليه وسلم‪ ،‬وسيتحقق‬
‫بعده حتى قيام الساعة‪،‬‬
‫فمتى توافرت الوصاف التي ذكرها الله في هذه الية في قوم؛‬
‫كانوا أحق بالتمكين من غيرهم مهما كانوا ‪.‬‬
‫فحتى نظفر بالتمكين من الله لنعقد العزم على تطبيق شريعته‬
‫في أحوال الناس اليومية‪ ،‬والسياسية‪ ،‬والجتماعية ‪.‬‬
‫عندها سننال النصر من الله بكل تأكيد ويقين‪ ،‬ولكن أكثر الناس‬
‫ل يعلمون ‪.‬‬

‫‪271‬‬

‫َ‬
‫‪ -4‬المدينتان المنتظ َرتان‪ :‬قَا َ َ‬
‫ن‬
‫ل‪ :‬كُنَّا ِ‬
‫عنْد َ ع َبْد ِ الل ّ ِ‬
‫ه بْ‬
‫ل أبُو قَبِي ٍ‬
‫ُ َْ َ‬
‫ِ‬
‫ة أوَ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ً‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫سئ ِ َ‬
‫ن الْعَا ِ‬
‫ن تُفْت َ ُ‬
‫مدِينَتَي ْ‬
‫ح أوَّل القُ ْ‬
‫صي وَ ُ‬
‫ل أيُّ ال َ‬
‫عَ ْ‬
‫سطنْطِينِي ّ ُ ْ‬
‫ِ‬
‫مرِو ب ْ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ه كِتَابًا‪ ،‬فَقَا َ‬
‫حلَقٌ فَأ ْ‬
‫مي َّ ُ‬
‫ج ِ‬
‫ُرو ِ‬
‫ل ع َبْدُ‬
‫خَر َ‬
‫ه َ‬
‫من ْ ُ‬
‫ق لَ َ ُ‬
‫ة فَدَع َا ع َبْد ُ الل ّهِ ب ِ ُ‬
‫صنْدُو ٍ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫حوْ َ‬
‫ب إِذْ‬
‫صل‬
‫سو‬
‫ح‬
‫ل اللهِ‬
‫الل ّهِ‪ :‬بَيْن َ‬
‫م نَكْت ُ ُ‬
‫ن َ‬
‫ما ن َ ْ‬
‫ه ع َليْهِ وَ َ‬
‫ل َر ُ‬
‫سل َ‬
‫ى الل ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫َّ‬
‫َّ‬
‫َ‬
‫ُ َ‬
‫م أَيُّ ال ْ‬
‫سئ ِ َ‬
‫ح أَوًَّل‬
‫سل‬
‫صل ّى الل‬
‫سو‬
‫ل الل ّهِ‬
‫ن تُفْت َ ُ‬
‫مدِينَتَي ْ‬
‫ه ع َلَيْهِ وَ َ‬
‫ل َر ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫َّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫سو ُ‬
‫ة فَقَا َ‬
‫م‪:‬‬
‫مي َّ ُ‬
‫سطَنْطِينِي َّ ُ‬
‫ة أوْ ُرو ِ‬
‫ه ع َلَيْهِ وَ َ‬
‫ل َر ُ‬
‫قُ ْ‬
‫سل َ‬
‫صل ّى الل ّ ُ‬
‫ل الل ّهِ َ‬
‫َ‬
‫ة هَِرقْ َ‬
‫ة‪ ]-‬رواه أحمد‬
‫سطَنْطِينِي َّ َ‬
‫مدِين َ ُ‬
‫ل تُفْت َ ُ‬
‫ح أوًَّل‪ -‬يَعْنِي قُ ْ‬
‫[ َ‬
‫والدارمي‪.‬‬
‫ومما يزيد في البشارة أن هذه المدينة قد فتحت على يد‬
‫السلطان محمد الفاتح العثماني التركماني ؛ ولكن ليس هو الفتح‬
‫المذكور في الحاديث؛ لن الفتح الذي في الحاديث يكون بعد‬
‫الملحمة الكبرى‪ ،‬وقبل خروج الدجال بيسير‪[ .‬انظر‪ :‬اتحاف‬
‫الجماعة للتويجري [ ‪.]] 1/404‬‬
‫ولفتح القسطنطينية الفتح الحق علمة واردة في أحاديث عن‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم‪ ،‬معروفة مشهورة‪ ،‬وهي ‪:‬‬
‫ُ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َّ‬
‫ل قَا َ‬
‫ل قَا َ‬
‫سو‬
‫م‪:‬‬
‫ن َ‬
‫ل َر ُ‬
‫ه ع َلَيْهِ وَ َ‬
‫ن ُ‬
‫صل ّى الل ّ ُ‬
‫سل َ‬
‫ل الل ّهِ َ‬
‫عَ ْ‬
‫جب َ ٍ‬
‫معَاذ ِ ب ْ ِ‬
‫ب ُ‬
‫ب وَ َ‬
‫س َ‬
‫مةِ‬
‫ن بَي ْ ِ‬
‫خُرو ُ‬
‫ب يَثْرِ َ‬
‫مَرا ُ‬
‫مل ْ َ‬
‫خَرا ُ‬
‫ب يَثْرِ َ‬
‫خَرا ُ‬
‫[ع ُ ْ‬
‫ح َ‬
‫ج ال ْ َ‬
‫ت ال ْ َ‬
‫مقْد ِ ِ‬
‫ج‬
‫سطَنْطِينِيَّةِ ُ‬
‫وَ ُ‬
‫سطَنْطِينِي َّ َ‬
‫خُرو ُ‬
‫ة وَفَت ْ ُ‬
‫مةِ فَت ْ ُ‬
‫خُرو ُ‬
‫مل ْ َ‬
‫ح الْقُ ْ‬
‫ح قُ ْ‬
‫ح َ‬
‫ج ال ْ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ل‪ -‬إ ِ َّ‬
‫الد َّ َّ‬
‫منْكِبِهِ ث ُ َّ‬
‫ل‪ -‬ث ُ َّ‬
‫م قَا َ‬
‫ن‬
‫ب بِيَدِهِ ع َلَى فَ ِ‬
‫خذ ِ ال ّذِي َ‬
‫ضَر َ‬
‫م َ‬
‫ه أوْ َ‬
‫حدَّث َ ُ‬
‫جا ِ‬
‫َ‬
‫ما أَن َّ َ‬
‫ما أَن َّ َ‬
‫ل‪]-‬‬
‫ك قَا ِ‬
‫ن َ‬
‫هَذ َا ل َ َ‬
‫عدٌ‪ -‬يَعْنِي ُ‬
‫ك هَاهُنَا أوْ ك َ َ‬
‫حقٌّ ك َ َ‬
‫جب َ ٍ‬
‫معَاذ َ ب ْ َ‬
‫رواه أبوداود وأحمد‪.‬‬
‫فإذا كان أن الفتح الذي حصل على يد محمد الفاتح ليس هوالفتح‬
‫الوارد في الحديث فإنا لعلى يقين بقرب فتحين عظيمين‬
‫متحقق بإذنه‬
‫لمدينتين كبيرتين‪ ،‬وهذا قريب‪ ،‬ووَعْد ُ الله نافذ‪ ،‬و ُ‬
‫تعالى ‪.‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫‪ -5‬المعركة الفاصلة‪ :‬قَا َ‬
‫م‬
‫م‪َ [ :‬ل تَقُو ُ‬
‫ه ع َلَيْهِ وَ َ‬
‫سل ّ َ‬
‫صل ّى الل ّ ُ‬
‫ل َ‬
‫ال َّ‬
‫حتَّى يَقُو َ‬
‫جُر وََراءَه ُ الْيَهُودِيُّ يَا‬
‫ساع َ ُ‬
‫ح َ‬
‫ل ال ْ َ‬
‫حتَّى تُقَاتِلُوا الْيَهُود َ َ‬
‫ة َ‬
‫ه]رواه البخاري ومسلم‪ .‬وهذه‬
‫م ْ‬
‫ُ‬
‫م هَذ َا يَهُودِيٌّ وََرائِي فَاقْتُل ْ ُ‬
‫سل ِ ُ‬
‫ْ‬
‫المعركة هي الفاصلة بين المسلمين واليهود‪ ،‬وهي التي يُظهِر‬
‫فيها الله عباده المؤمنين‪ ،‬وينصرهم على اليهود بعدما ذاقوا منهم‬
‫ت بعد هذه المعركة وإنا على انتظارها‪،‬‬
‫الذى والنكال ‪ .‬ولم تأ ِ‬
‫ة ل محالة إن شاء الله ‪.‬‬
‫وهي آتي ٌ‬
‫‪-6‬محمد المنتظر‪ :‬مما ثبت في السنة‪ ،‬واعتقده السلف الصالح‪،‬‬
‫ودانوا لله به‪ :‬ثبوت المهدي‪ ،‬وأنه سيخرج في آخر الزمان ‪.‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫مل ِ َ‬
‫قَا َ‬
‫ب‬
‫ك الْعََر َ‬
‫ب الدُّنْيَا َ‬
‫م‪َ [ :‬ل تَذْهَ ُ‬
‫ه ع َلَيْهِ وَ َ‬
‫حتَّى ي َ ْ‬
‫سل ّ َ‬
‫صل ّى الل ّ ُ‬
‫ل َ‬
‫لم َ‬
‫مي] رواه أبوداود والترمذي‬
‫س ِ‬
‫ل بَيْتِي يُوَاط ِ ُ‬
‫َر ُ‬
‫ها ْ‬
‫ئا ْ‬
‫م ُ‬
‫س ُ‬
‫ن أهْ ِ‬
‫ج ٌ ِ ْ‬

‫‪272‬‬

‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫خرِ أ ُ َّ‬
‫وأحمد‪ .‬وَقَا َ‬
‫ة‬
‫متِي َ‬
‫خلِيفَ ٌ‬
‫ن فِي آ ِ‬
‫م‪ [ :‬يَكُو ُ‬
‫ه ع َلَيْهِ وَ َ‬
‫سل ّ َ‬
‫صل ّى الل ّ ُ‬
‫ل َ‬
‫ما َ‬
‫حثْيًا َل يَعُدُّهُ عَدَدًا]رواه مسلم‪.‬‬
‫ل َ‬
‫يَ ْ‬
‫حثِي ال ْ َ‬
‫وأخباره متواترة تواترا ً ل يعتريه شك ‪.‬‬
‫وفي خروجه يكثر الخير‪ ،‬قال ابن كثير رحمه الله‪':‬في زمانه‬
‫تكون الثمار كثيرة‪ ،‬والزروع غزيرة‪ ،‬والمال وافر والسلطان‬
‫قاهر‪ ،‬والدين قائم‪ ،‬والعدو راغم‪ ،‬والخير في أيامه دائم' [النهاية‬
‫في الفتن والملحم [‪.]] 1/31‬‬
‫فهذا المهدي [ محمد بن عبد الله ] المنتظر لم يخرج بعدُ‪،‬‬
‫وبخروجه يقوم الدين‪ ،‬ويرتفع الحق‪ ،‬ويخمد الباطل‪ ،‬وتتبدد كل‬
‫قوة علت من قوى الباطل‪ ،‬وكل ما هو آت قريب‪ ،‬فصبر جميل‪.‬‬
‫ثالثًا‪:‬ساعات النصر‪:‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ة وَل َ َّ‬
‫ما‬
‫ن تَد ْ ُ‬
‫جن َّ َ‬
‫ح ِ‬
‫خلُوا ال ْ َ‬
‫مأ ْ‬
‫م َ‬
‫‪ -1‬اليأس والنصر‪ :‬قال تعالى‪ {:‬أ ْ‬
‫سبْت ُ ْ‬
‫َ ُ َ‬
‫ْ‬
‫ساءُ وَال َّ‬
‫ن قَبْلِك ُ‬
‫يَأْتِك ُ‬
‫م َّ‬
‫ضَّراءُ وَُزلْزِلُوا‬
‫ستْه‬
‫م‬
‫م‬
‫ل ال ّذِي‬
‫مث‬
‫م‬
‫ن َ‬
‫خلَوْا ِ‬
‫م الْبَأ َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫صُر اللَّهِ أََل إ ِ َّ‬
‫سو ُ‬
‫حتَّى يَقُو َ‬
‫صَر‬
‫َ‬
‫ل الَّر ُ‬
‫ه َ‬
‫معَ ُ‬
‫منُوا َ‬
‫نآ َ‬
‫ن نَ ْ‬
‫متَى ن َ ْ‬
‫ل وَال ّذِي َ‬
‫َ‬
‫ب[‪[}]214‬سورة البقرة]‪.‬‬
‫الل ّهِ قَرِي ٌ‬
‫َ‬
‫ستَيْئ َ‬
‫س ُ‬
‫م قَد ْ كُذِبُوا‬
‫وقال تعالى‪َ {:‬‬
‫س الُّر ُ‬
‫حتَّى إِذ َا ا ْ‬
‫ل وَظَنُّوا أنَّهُ ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ن نَ َ‬
‫ن[‬
‫جرِ ِ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫شاءُ وََل يَُرد ُّ بَأ ُ‬
‫ي َ‬
‫صُرنَا فَن ُ ِّ‬
‫ن الْقَوْم ِ ال ْ ُ‬
‫جاءَهُ ْ‬
‫م نَ ْ‬
‫م ْ‬
‫ج َ‬
‫مي َ‬
‫سنَا ع َ ِ‬
‫ُ‬
‫ح ّ‬
‫ل فيها اليأس على قلب‬
‫‪[}]110‬سورة يوسف]‪ .‬فهذه صورة ي َ ِ‬
‫خيِّم القنوط على نفوس الصالحين‪،‬‬
‫العبد‪ ،‬وي ُ َ‬
‫وإنها لصورة من أشد الصور‪ ،‬وأخطرها على نفوس المسلمين‪،‬‬
‫فالنصر ينزل على العباد 'عند ضيق الحال وانتظار الفرج من الله‬
‫في أحوج الوقات إليه'[تفسير ابن كثير [ ‪ .]] 2/497‬و'إنها لساعة‬
‫رهيبة‪ ،‬ترسم مبلغ الشدة والكرب والضيق في حياة الرسل‪،‬وهم‬
‫يواجهون الكفر والعمى والصرار والجحود‪ ،‬وتمُّر اليام وهم‬
‫يدعون فل يستجيب لهم إل القليل‪ ،‬وتكُّر العوام والباطل في‬
‫قوته‪ ،‬وكثرة أهله‪ ،‬والمؤمنون في عُدَّتِهم القليلة‪ ،‬وقوتهم‬
‫الضئيلة'[ في ظلل القرآن [ ‪.]4/2035‬‬
‫وإنا والله لنفرح بمثل هذه الساعة‪-‬ل لذاتها معاذ الله‪ -‬ولكن لما‬
‫فيها من بشائر النصر القريب‪ ،‬وأمارات ظهور الفجر الواعد‬
‫‪..‬نعم‪ ..‬إنها ساعة فيها يجيء النصر بعد اليأس من كل أسبابه‬
‫َ‬
‫الظاهرة التي يتعل ّق بها الناس‪ ،‬وسنة الله أن في مثل هذه‬
‫الظروف التي يفقد المؤمنون فيها صبرهم‪ ،‬وتتكالب عليهم‬
‫ب وصوب‪ ،‬وينالهم من أهل الشر والباطل‬
‫الشدائد من كل َ‬
‫حد ْ ٍ‬
‫سخرية من ضعف قوتهم‪ ،‬وهوانهم على الناس؛ يلمح‬
‫كل أذى و ُ‬
‫المؤمنون نور النصر يلوح‪ ،‬وشمسه تشرق في تمام الوضوح‪،‬‬
‫جب وشوائب‪ ،‬وغزوات‬
‫فيزول عن القلب ما َ‬
‫ح ُ‬
‫م عليه من ُ‬
‫خي َّ َ‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم فيها تبيان لهذا‪ ..‬فاعتبرها ‪.‬‬
‫‪273‬‬

‫‪ -2‬المظلوم والنصر‪ :‬الظلم شيمة من ابتله الله بالكبر‬
‫والغطرسة‪ ،‬ومن هذا شأنه كان حريَّا ً بأن يناله من الله عقاب‬
‫لتقَّر عين المظلوم بنكاية الله بالظالم‪ ،‬ونكاله به‪ ،‬فجعل الله‬
‫دعوة المظلوم تسلك طريقها في السماء‪ ،‬وتكفل الله بنصرها‬
‫ولو بعد حين‪ ،‬ووَعْد ُ الله حق‪ ،‬وهذه بشارة ع ُظمى‪ ،‬إن نصر الله‬
‫قريب‪ ،‬هذا كله في عموم الناس المسلم والكافر‪ ،‬فكيف إذا كان‬
‫المظلوم أمة مسلمة لله‪ ،‬والظالم لها كافر ل يؤمن بالله رباً‪ ،‬ول‬
‫بمحمد نبياً‪ ،‬ول بالسلم ديناً‪ ،‬فأقول إن المر غاية في اليقين أن‬
‫نصر الله قريب جدا ً ‪.‬‬
‫وهذه ساعة من أهم ساعات النتصار والغلبة أن يتمكن العدو من‬
‫المسلمين‪ ،‬ويتحزبون عليهم من كل جانب من فوقهم‪ ،‬ومن‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫م‬
‫ن يُقَاتَلُو َ‬
‫تحتهم‪ ،‬وعن أيمانهم‪ ،‬وعن شمائلهم‪ {..‬أذ ِ َ‬
‫ن بِأنَّهُ ْ‬
‫ن لِل ّذِي َ‬
‫َ َ‬
‫م لَقَدِيٌر[‪[}]39‬سورة الحج]‪ .‬فما على‬
‫موا وَإ ِ ّ‬
‫صرِه ِ ْ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ظُل ِ ُ‬
‫ه ع َلَى ن َ ْ‬
‫المؤمنين حال تلك الساعة إل الجأر بالدعاء‪ ،‬والبتهال والتضرع‬
‫ح َّ‬
‫ل عليهم‬
‫جل بنصرهم‪ ،‬وأن ي َ ْ‬
‫خذِل عدوَّهم[ وي ُ ِ‬
‫بين يدي الله أن يُع ِّ‬
‫غضبه وسخطه‪..‬وموعود الله قريب للمظلوم‪ ،‬والويل للظالم من‬
‫عقاب الله ‪.‬‬
‫صرِ‪:‬‬
‫ج ُ‬
‫ح ُ‬
‫رابعًا‪ُ :‬‬
‫ب الن َّ ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫‪-1‬حجاب الكفر‪:‬قال الله‪ {:‬فَأ َّ‬
‫م عَذ َابًا‬
‫ن كَفَُروا فَأعَذِّبُهُ ْ‬
‫ما ال ّذِي َ‬
‫َ‬
‫ن[‪[}]56‬سورة آل‬
‫شدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَاْل ِ‬
‫م ِ‬
‫خَرةِ وَ َ‬
‫ما َلَهُ ْ‬
‫صري َ‬
‫م ْ‬
‫ن نَا ِ ِ‬
‫عمران]‪ .‬وقال تعالى‪ {:‬قُ ْ‬
‫ن‪[}]12[...‬سورة‬
‫ستُغْلَبُو َ‬
‫ن كَفَُروا َ‬
‫ل لِل ّذِي َ‬
‫َ‬
‫صٌر[‬
‫منْت َ ِ‬
‫ج ِ‬
‫ن َ‬
‫ن نَ ْ‬
‫م يَقُولُو َ‬
‫آل عمران]‪ .‬وقال تعالى‪ {:‬أ ْ‬
‫ميعٌ ُ‬
‫ح ُ‬
‫ُ‬
‫ن الدُّبَُر[‪[}]45‬سورة القمر]‪ .‬هذه آيات‬
‫م ال ْ َ‬
‫معُ وَيُوَل ّو َ‬
‫سيُهَْز ُ‬
‫‪َ ]44‬‬
‫ج ْ‬
‫أنزلها الله في كتابه قضى فيها أن الكفر لن يغلب السلم مهما‬
‫كانت له من القوى‪ ،‬ومهما ملك من العُدَد والعَدَد‪ ،‬ولقد صدق‬
‫حدَه‪..‬‬
‫جنْدَه‪ ،‬وهزم الحزاب وَ ْ‬
‫الله وَعْدَه‪ ،‬فنصر عبده‪ ،‬وأعز ُ‬
‫فمهما قامت حروب ومعارك بين المسلمين والكفار؛ فإن الغالب‬
‫هم المسلمون‪ ،‬والهزيمة لحقة بالكفار ؛ وعد صادق من الله‪..‬‬
‫الكافرون سينفقون ما لديهم من أموال ورجال في حروب‬
‫طاحنة مع المسلمين‪ ،‬ثم تكون عليهم حسرة‪ ،‬ثم يُغْلَبُوْن على‬
‫أيدي المسلمين ‪.‬‬
‫َ‬
‫ت ل يدوم؛‬
‫وإن انتصر الكفار على المسلمين فهو نصر مؤقّ ٌ‬
‫وهيهات له أن يدوم‪ ،‬والله قد كتب الغلبة لدينه ورسله وأوليائه‬
‫الصالحين‪ ،‬والله ل يؤيد بنصره أُمة قامت على كفر به‪ ،‬وصد عن‬
‫سبيله ‪.‬‬
‫َّ‬
‫َ‬
‫صارٍ[‬
‫ن ِ‬
‫ما لِلظال ِ ِ‬
‫‪ -2‬حجاب الظلم‪:‬قال تعالى‪...{:‬وَ َ‬
‫ن أن ْ َ‬
‫م ْ‬
‫مي َ‬
‫َ‬
‫ي‬
‫م ِ‬
‫مو َ‬
‫ما لَهُ ْ‬
‫ن َ‬
‫‪[}]270‬سورة البقرة]‪ .‬وقال تعالى‪...{:‬وَالظ ّال ِ ُ‬
‫ن وَل ِ ٍ ّ‬
‫م ْ‬
‫‪274‬‬

‫صيرٍ[‪[}]8‬سورة الشورى]‪ .‬نعم ؛ إن الله ل ينصر الظالم‬
‫وََل ن َ ِ‬
‫على المظلوم بل اقتضت حكمته أنه ينصر المظلوم على الظالم‬
‫مهما كان المظلوم والظالم ‪.‬‬
‫منا النصر على‬
‫حر ْ‬
‫وما أكثر الظلم في المسلمين؛ والذي بسببه ُ ِ‬
‫أعدائنا‪ ،‬فالظلم يمنع النصر كما في هذه اليات وكما في حديث‬
‫دعوة المظلوم وأنه ليس بينها وبين الله حجاب‪ ،‬والله تعالى قد‬
‫وعد بأنه سينصرها ولوبعد حين ‪.‬‬
‫فمتى طُهَِّرت المة من الظلم بجميع أنواعه وصوره؛ فإن نصر‬
‫ت‪ ،‬ووعده متحقق سواء في ذلك قرب الزمن أو بعده ‪.‬‬
‫الله آ ٍ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ك‬
‫ن فِي الد ّْر ِ‬
‫‪ -3‬حجاب النفاق‪ :‬قال الله تعالى‪...{:‬إ ِ ّ‬
‫ن ال ُ‬
‫منَافِقِي َ‬
‫َ‬
‫صيًرا[‪[}]145‬سورة النساء]‪ .‬بيَّن‬
‫م نَ ِ‬
‫ل ِ‬
‫اْل ْ‬
‫جد َ لَهُ ْ‬
‫ن تَ ِ‬
‫ن النَّارِ وَل َ ْ‬
‫م َ‬
‫سفَ ِ‬
‫م منه كل منافق دخيل في‬
‫الله في هذه الية أن نصَره محرو ٌ‬
‫صفوف المسلمين‪ ،‬بل محروم منه كل من قَّرب المنافقين‬
‫جد َ في‬
‫وأنالهم‬
‫منه مكانا ً مرموقاً‪ ،‬وجاها ً رفيعاً‪..‬إن النفاق ما وُ ِ‬
‫َّ‬
‫جدَ‬
‫قوم إل أحلهم دار البوار‪ ،‬ومنعهم الخير والنصر‪ ،‬وما وُ ِ‬
‫ُّ‬
‫مكَّنُوا منها العدو على المسلمين‪ ،‬وأذلوا‬
‫المنافقون في أرض إل َ‬
‫الصالحين من عباد الله‪.‬‬
‫مت المة من هؤلء 'المتلونين'‬
‫فإذا ما طهَُرت الرض‪ ،‬و َ‬
‫سل ِ َ‬
‫استحقت النصر من الله على عدوها‪ ،‬وكان لها الظفر بالعدو‪.‬‬
‫منِعَ المسلمون النصر يوما ً قط إل بسبب ما كان منهم من‬
‫وما ُ‬
‫ب لهم‪ ،‬ومجالسة معهم‪ ،‬وتمام وُ ٍدّ‬
‫تقريب لهؤلء المنافقين‪ ،‬وح ٍّ‬
‫لهم‪ ..‬إن النفاق في هذه الزمان قد طال ريشه بين المسلمين‪،‬‬
‫مه بينهم‪ ،‬ونال أهلُه من المسلمين كل ما يريدونه‪ ،‬بل‬
‫مقا ُ‬
‫ودام ُ‬
‫مبيِّنين حالهم وضللهم الذى منهم ومن‬
‫نال الصالحين ال ُ‬
‫أسيادهم‪ .‬وحين تلتفت المة إلى هؤلء المجرمين‪ ،‬وتبدأ بهم‪،‬‬
‫وتنكِّل بهم؛ تنعم بعد ذلك بنصر من الله مؤَّزٌر‪ ،‬وبإيفاء الله وعده‬
‫لهم ‪.‬‬
‫خاتمة البوابة‪:‬‬
‫في ختام الولوج من هذه البوابة العريقة‪..‬وفي نهاية المرور‬
‫ت بوضع النقاط على حروفها‪ ،‬وأن‬
‫بها‪..‬آمل أن أكون قد وُفِّقْ ُ‬
‫ل كبار في نفوس قومي‪ ،‬وأسأل‬
‫أكون قد بعثت ما مات من آما ٍ‬
‫الله تعالى أن يُحيي ما مات من آمالنا‪ ،‬وأن ينصر دينه‪ ،‬وكتابه‪،‬‬
‫وسنة نبيِّه صلى الله عليه وسلم‪ ،‬وعباده الله الصالحين‬
‫من رسالة‪':‬بوابة النصر' للشيخ‪ /‬عبد الله بن سليمان العبد الله‬
‫=================‬

‫حقيقة النتصار‬
‫‪275‬‬

‫تقدي‬
‫إن المد ل‪ ،‬نمده‪ ،‬ونستعينه‪ ،‬ونستغفره‪ ،‬ونعوذ بال من شرور أنفسنا ومن سيئات‬
‫أعمالنا‪ ،‬من يهده ال فل مُضلّ له‪ ،‬ومن يُضلل فل هاديَ له‪ ،‬وأشهد أن ل إله إل ال‬
‫وحده ل شريك‪ ،‬وأشهد أن ممدًا عبده ورسوله‪.‬‬
‫(يَا أَّيهَا الّذِينَ آ َمنُوا اّتقُوا اللّهَ َح ّق ُتقَاتِ ِه وَل تَمُوتُنّ إِلّا َوَأْنتُ ْم مُسْلِمُونَ)(‪[ )1‬سورة آل‬
‫س وَاحِ َد ٍة وَخََلقَ‬
‫عمران‪ :‬الية‪( .]102 :‬يَا َأّيهَا النّاسُ اّتقُوا َرّبكُ ُم الّذِي َخَل َقكُمْ مِنْ نَ ْف ٍ‬
‫ث ِمنْهُمَا رِجَالً َكثِيا َونِسَا ًء وَاتّقُوا اللّ َه الّذِي تَسَاءَلُونَ بِ ِه وَاْلأَرْحَامَ إِنّ اللّهَ‬
‫ِمنْهَا َز ْو َجهَا َوبَ ّ‬
‫كَانَ عََلْيكُمْ رَقِيبا)(‪[ )2‬سورة النساء‪ ،‬الية‪.]1 :‬‬
‫(يَا أَّيهَا الّذِينَ آ َمنُوا اّتقُوا اللّ َه وَقُولُوا َقوْ ًل سَدِيدا ُيصْلِحْ َلكُمْ َأعْمَاَلكُ ْم َوَيغْفِرْ َلكُمْ ُذنُوَبكُمْ‬
‫َومَ ْن يُطِعِ اللّ َه وَ َرسُولَهُ َفقَدْ فَازَ َفوْزا عَظِيما)(‪[ )3‬سورة الحزاب‪ ،‬اليتان‪.]71 ،70 :‬‬
‫أما بعد‪ ،‬فإن أصدق الديث كتاب ال‪ ،‬وأحسن الدي هدي ممد‪ ،‬صلى ال عليه وسلم‬
‫وشر المور مدثاتا‪ ،‬وكل مدثة بدعة‪ ،‬وكل بدعة ضللة وكل ضللة‪ ،‬ف النار‪.‬‬
‫وبعد‪:‬‬
‫فقد تأملت ف واقع الدعوة اليوم‪ ،‬وما مرت به ف خلل هذا العصر من من وابتلءات‪،‬‬
‫ورأيت أن المة تعيش يقظة مباركة‪ ،‬وصحوة ناهضة‪ ،‬والدعاة يوبون الفاق‪،‬‬
‫والماعات السلمية انتشرت ف البلدان‪ ،‬حت وصلت إل أوربا وأمريكا‪ ،‬وقامت‬
‫حركات جهادية ف بعض بلد السلمي كأفغانستان وفلسطي وأرتييا والفلبي وغيها‪.‬‬
‫ولكن لظت أن هناك مفاهيم غائبة عن فهم كثي من السلمي‪ ،‬مع أن القرآن الكري قد‬
‫بينها‪ ،‬بل وفصلها‪ ،‬ورأيت أن كثيا من أسباب اللل ف واقع الدعوة والدعاة‪ ،‬يعود‬
‫لغياب هذه القائق‪.‬‬
‫ومن هذه الفاهيم مفهوم "حقيقة النتصار"‪ ،‬حيث إن خفاءه أوقع ف خلل كبي‪ ،‬ومن‬
‫ذلك‪ :‬الستعجال‪ ،‬والتنازل‪ ،‬واليأس والقنوط ث العزلة‪ ،‬وهذه أمور لا آثارها السلبية على‬
‫النهج وعلى المة‪.‬‬
‫من أجل ذلك كله عزمت على بيان هذه القيقة الغائبة‪ ،‬ودراستها ف ضوء القرآن‬
‫الكري‪.‬‬
‫‪276‬‬

‫وأسأل ال التوفيق والسداد والعانة‪.‬‬
‫أهية الوضوع‬
‫تبز أهية الوضوع وسببه من خلل الفهم الاطئ لعن حقيقة انتصار الداعية‪ ،‬واللط فيه‬
‫بي معن انتصار الداعية وبي انتصار الدعوة‪ ،‬وظهور الدين‪ ،‬حيث نتج عن هذا الفهم‬
‫وهذا اللط عدة أمور ‪-‬سلبية‪ -‬أهها‪:‬‬
‫‪ -1‬تصور كثي من الناس أن هذا الداعية ل ينتصر ول ينجح ف دعوته؛ لنه ل يتمكن‬
‫من تقيق الهداف الت يدعو إليها‪ ،‬ويسعى لتحقيقها‪ ،‬ما يؤدي إل التشكيك ف منهجه‪،‬‬
‫وانصراف بعض الدعوين عنه‪.‬‬
‫‪ -2‬استعجال النتائج وتقيق الهداف‪.‬‬
‫مِن ِقبَل كثي من الدعاة‪ ،‬فإن بعض الدعاة إذا بدأ ف دعوته فإنه يرسم منهجًا جيدًا يسي‬
‫من خلله لتحقيق أهدافه‪ ،‬ولكن إذا مضى زمن ول يتحقق شيء من ذلك‪ ،‬أو تقق شيء‬
‫يرى أنه ل يساوي الهود البذولة‪ ،‬فيقوم بتعديل منهجه السليم إل منهج خاطئ يستعجل‬
‫فيه الثمار‪ ،‬وذلك ناتج عن تصوره الاطئ ف فهم حقيقة ما يب عليه‪ ،‬وإنه إذا ل تتحقق‬
‫أهدافه فإنه ل يقم با أوجبه ال عليه‪ ،‬غافل عن الفرق بي المرين‪ ،‬أو جاهل لذلك‪.‬‬
‫‪ -3‬النراف عن النهج‪.‬‬
‫وذلك أنه لن يصلح آخر هذه المة إل با صلح به أولا‪ ،‬فالداعية ملزم بأن يلتزم بنهج‬
‫أهل السنة والماعة‪ ،‬وهو ما كان عليه رسول ال‪ ،‬صلى ال عليه وسلم وصحابته‪.‬‬
‫بل هو ما ورد ف الديث الصحيح‪ " :‬عليكم بسنت وسنة اللفاء الراشدين الهديي من‬
‫بعدي‪ ،‬تسكوا با وعضوا عليها بالنواجذ " (‪.)4‬‬
‫سبُلَ‬
‫سَتقِيما فَاّتبِعُوهُ وَل َتّتبِعُوا ال ّ‬
‫صرَاطِي مُ ْ‬
‫وهو ما نفهمه من قوله ‪-‬تعال‪َ ( :-‬وَأنّ هَذَا ِ‬
‫َفَتفَ ّرقَ ِبكُ ْم عَ ْن َسبِيلِهِ)(‪[ )5‬سورة النعام الية‪.]153 :‬‬
‫إل غي ذلك من اليات والحاديث الت تبي وجوب اللتزام بنهج الكتاب والسنّة‪.‬‬
‫فبعض الماعات والدعاة‪ ،‬حرصًا منهم على نصر السلم‪ ،‬وتصورا منهم أن ظهور الدين‬
‫وزوال الكفر والفساد مقياسا لنجاح دعوتم‪ ،‬وأمام ضغط الظالي ومساوماتم‪،‬‬
‫واستعجال التباع وعدم صبهم‪ ،‬يسعى هؤلء للحصول على بعض الكاسب نصرة لذا‬

‫‪277‬‬

‫الدين ودفاعا عنه‪ ،‬ولكن هذا المر قد يقتضي التنازل عن بعض أصول السلم‪ ،‬وهنا يأت‬
‫الداعية إل ماولة تطبيق قاعدة الصال والفاسد‪ ،‬فينحرف عن النهج وهو ل يدري‪،‬‬
‫ويستسلم لساومات العداء وألعيبهم‪.‬‬
‫‪ -4‬اليأس والقنوط ث العتزال‪.‬‬
‫__________‬
‫(‪ - )1‬سورة آل عمران آية‪.102 :‬‬
‫(‪ - )2‬سورة النساء آية‪.1 :‬‬
‫(‪ - )3‬سورة الحزاب آية‪.71-70 :‬‬
‫(‪ - )4‬أخرجه أحد‪ 127 ،4/126 :‬وأبو داود (‪ )4607‬وابن ماجة (‪ )43‬والترمذي‬
‫(‪ )2676‬وقال هذا حديث حسن صحيح‪.‬‬
‫(‪ - )5‬سورة النعام آية‪.153 :‬‬
‫طريق الدعوة طريق طويل وشاق‪ ،‬مليء بالعقبات والحن والبتلءات‪ ،‬وقليل من الدعاة‬
‫من يتاز هذا الطريق وهو ثابت على دعوته‪ ،‬ملتزم بنهجه‪.‬‬
‫وكثي من الدعاة عندما يسي ف الطريق ث يد أن العوام تضي وهو ل يقق شيئا ما‬
‫يدعو إليه‪ ،‬وياول إعادة الكرة مرة بعد أخرى‪ ،‬ول يرى أثرا مباشرا لدعوته‪ ،‬تبدأ عنده‬
‫الشكوك والوهام‪ ،‬فمرة‪ :‬يتهم نفسه‪ ،‬وأخرى قومه‪ ،‬وثالثة‪ :‬أتباعه ومؤيديه‪ ،‬ث يصل ف‬
‫النهاية إل أن هؤلء القوم ل تنفع معهم دعوة‪ ،‬ول يستجيبوا لداع أو نذير‪ ،‬ويقول‬
‫ك هُدَاهُمْ)(‪- )1‬‬
‫س عََليْ َ‬
‫لنفسه‪ :‬كفان ما كفانيا‪ ،‬وعليك باصة نفسك والسلم‪ ،‬و(َلْي َ‬
‫ضلّ إِذَا ا ْهتَ َدْيتُمْ)(‪)2‬‬
‫[سورة البقرة‪ ،‬الية‪ ]272 :‬يفهمها فهما خاطئا‪ -‬و(ل َيضُرّكُ ْم مَنْ َ‬
‫[سورة الائدة‪ ،‬الية‪ ]105 :‬يضعها ف غي موضعها‪.‬‬
‫وهنا ييئس من قومه‪ ،‬ويقنط من هداية ال لم‪ ،‬ث يعتزل الدعوة ويترك القوم وشأنم‪.‬‬
‫ومنشأ هذه النتيجة الت وصل إليها عدم إدراكه واستيعابه لقيقة النتصار‪ ،‬وأنه قد يكون‬
‫صبه على قومه مع عدم استجابتهم أعظم له أجرا‪ ،‬وذخرا ونصرا‪ ،‬ما لو آمنوا با يدعو‬
‫إليه واتبعوه‪.‬‬

‫‪278‬‬

‫هذه الثار ‪-‬وغيها‪ -‬الت نتجت ف أغلب أحوالا عن اللط ف مفهوم النتصار‪ ،‬وعدم‬
‫قدرة كثي من الدعاة التفريق بي انتصار الدين وبي انتصار الداعية‪.‬‬
‫وما سبق تتضح أهية هذا الوضوع‪ ،‬وحاجة الدعاة وطلب العلم إل تليته وبيانه‪،‬‬
‫وباصة أن القرآن الكري‪ ،‬قد وردت فيه آيات كثية‪ ،‬تقرر مفهوم النتصار‪ ،‬ومهمة‬
‫الداعية‪ ،‬والفرق بي الهمة وبي النتيجة والثر‪.‬‬
‫وف الصفحات التالية تقرير لذه القيقة وتلية لا‪ ،‬ومن ال نستمد العون والتأييد‪.‬‬
‫مفهوم النصر وحقيقته‬
‫حيَاةِ ال ّدنْيَا َوَيوْ َم َيقُومُ‬
‫قال ال ‪-‬سبحانه وتعال‪ِ( :-‬إنّا َلَنْنصُرُ ُرسَُلنَا وَالّذِينَ آمَنُوا فِي الْ َ‬
‫الَْأ ْشهَادُ)(‪[ )3‬سورة غافر‪ ،‬الية‪.]51 :‬‬
‫وقال ‪-‬سبحانه‪( :-‬وَكَانَ َحقّا عََلْينَا َنصْ ُر الْ ُم ْؤ ِمنِيَ)(‪[ )4‬سورة الروم‪ ،‬الية‪.]47 :‬‬
‫وقال‪ِ( :‬إنْ َتْنصُرُوا اللّ َه َيْنصُرْكُمْ)(‪[ )5‬سورة ممد‪ ،‬الية‪ .]7 :‬وقال ‪-‬جل ذكره‪:-‬‬
‫(وََليَْنصُ َرنّ اللّهُ مَ ْن يَْنصُ ُرهُ)(‪[ )6‬سورة الج‪ ،‬الية‪ .]40 :‬وقال‪( :‬وََلقَ ْد َسبَ َقتْ َكلِ َمُتنَا‬
‫ِل ِعبَا ِدنَا الْ ُم ْرسَلِيَ ِإّنهُمْ َلهُ ُم الْ َمْنصُورُو َن َوِإنّ ُجنْ َدنَا َلهُ ُم اْلغَاِلبُونَ)( ‪[ )7‬سورة الصافات‪،‬‬
‫اليات‪.]173 - 171 :‬‬
‫هذه اليات وأمثالا تدل على انتصار الداعية‪ ،‬سواء أكان رسول أو أحد الؤمني‪ ،‬وهذا‬
‫النتصار يكون ف الياة الدنيا قبل الخرة‪.‬‬
‫والذي علمناه من القرآن والسنة‪ ،‬أن من النبياء من قتله أعداؤه ومثّلوا به‪ ،‬كيحي وشعياء‬
‫وأمثالما‪ ،‬ومنهم من هم بقتله قومه‪ ،‬فكان أحسن أحواله أن يلص منهم حت فارقهم‬
‫ناجيا بنفسه‪ ،‬كإبراهيم الذي هاجر إل الشام من أرضه مفارقا لقومه‪ ،‬وعيسى الذي رفع‬
‫إل السماء‪ ،‬إذ أراد قومه قتله‪ ،‬وند من الؤمني من يسام سوء العذاب‪ ،‬وفيهم من يلقى‬
‫ف الخدود‪ ،‬وفيهم من يستشهد‪ ،‬وفيهم من يعيش ف كرب وشدة واضطهاد‪ ،‬فأين وعد‬
‫ال لم بالنصر ف الياة الدنيا؟ (‪ )8‬وقد طُردوا أو قتلوا أو عذبوا؟‬
‫نن نعلم يقينا‪ ،‬أن وعد ال ل يتخلف أبدا‪ ،‬ومنشأ السؤال والشكال أننا قصرنا النظر‬
‫على نوع واحد من أنواعه‪ ،‬وهو النصر الظاهر وانتصار الدين‪ ،‬ول يلزم أن يكون هذا هو‬
‫النصر الذي وعد ال به أنبياءه ورسله وعباده الؤمني‪.‬‬

‫‪279‬‬

‫وال قد وعدهم بالنصر‪ ،‬وهو متحقق ل شك ف ذلك‪ ،‬ول مرية‪ ،‬وذلك ف الياة الدنيا‬
‫حيَاةِ ال ّدْنيَا َوَي ْومَ‬
‫قبل الخرة‪ ،‬لن ال ‪-‬سبحانه‪ -‬قال‪ِ( :‬إنّا َلنَْنصُرُ ُر ُسَلنَا وَالّذِينَ آ َمنُوا فِي الْ َ‬
‫َيقُو ُم الَْأ ْشهَادُ)(‪[ )9‬غافر الية‪ .]51 :‬ومن أصدق من ال قيل‪.‬‬
‫وتلية لذه القضية‪ ،‬وبيانا لذا الانب ل بد من إيضاح معن النصر‪ ،‬وأنه أشل ما يتبادر‬
‫إل أذهاننا‪ ،‬ويسبق إل أفهامنا إن النصر له وجوه عدة‪ ،‬وصور متنوعة أهها ما يلي‪:‬‬
‫__________‬
‫(‪ - )1‬سورة البقرة آية‪.272 :‬‬
‫(‪ - )2‬سورة الائدة آية‪.105 :‬‬
‫(‪ - )3‬سورة غافر آية‪.51 :‬‬
‫(‪ - )4‬سورة الروم آية‪.47 :‬‬
‫(‪ - )5‬سورة ممد آية‪.7 :‬‬
‫(‪ - )6‬سورة الج آية‪.40 :‬‬
‫(‪ - )7‬سورة الصافات آية‪.173-171 :‬‬
‫(‪ - )8‬انظر تفسي الطبي ‪ 24/74‬وف ظلل القرآن ‪.5/3085‬‬
‫(‪ - )9‬سورة غافر آية‪.51 :‬‬
‫‪ -1‬أن النصر قد يكون بالغلبة الباشرة والقهر للعداء على أيدي هؤلء النبياء والرسل‪،‬‬
‫ت وَآتَاهُ اللّ ُه الْمُلْكَ‬
‫كما حصل لداود وسليمان‪ ،‬عليهما السلم (وََقتَلَ دَاوُدُ جَالُو َ‬
‫حكْ َمةَ)(‪[ )1‬سورة البقرة‪ ،‬الية‪( .]251 :‬وَ ُكلّا آتَْينَا ُحكْما َوعِلْما) (‪[ )2‬سورة‬
‫وَالْ ِ‬
‫ك سَُليْمَانَ)(‪[ )3‬سورة البقرة‪ ،‬الية‪( .]102 :‬قَالَ رَبّ‬
‫النبياء‪ ،‬الية‪( .]79 :‬عَلَى مُلْ ِ‬
‫ا ْغفِرْ لِي َوهَبْ لِي ُملْكا ل َيْنبَغِي ِلأَحَ ٍد مِ ْن َبعْدِي)(‪[ )4‬سورة ص‪ ،‬الية‪.]35 :‬‬
‫وكذلك موسى‪ ،‬عليه السلم‪ ،‬نصره ال على فرعون وقومه‪ ،‬وأظهر الدين ف حياته‪،‬‬
‫صنَعُ فِ ْر َع ْونُ وََق ْومُ ُه َومَا كَانُوا َيعْ ِرشُونَ)(‪[ )5‬سورة العراف‪.]137 ،‬‬
‫(وَ َدمّ ْرنَا مَا كَانَ يَ ْ‬
‫جْينَاكُ ْم َوَأغْرَ ْقنَا آلَ فِ ْر َع ْونَ َوَأْنتُ ْم َتنْظُرُونَ)(‪[ )6‬البقرة‪ ،‬الية‪.]50 :‬‬
‫(َفأَنْ َ‬
‫ونبينا ممد‪ ،‬صلى ال عليه وسلم نصره ال نصرا مؤزرا‪ ،‬وأهلك أعداءه ف بدر‪ ،‬وما‬
‫حنَا لَكَ َفتْحا ُمبِينا)(‪[ )7‬سورة‬
‫بعدها حت ظهر دين ال‪ ،‬وقامت دوله السلم‪ِ( .‬إنّا َفتَ ْ‬

‫‪280‬‬

‫س يَدْ ُخلُونَ فِي دِينِ اللّهِ أَ ْفوَاجا)(‬
‫ت النّا َ‬
‫الفتح‪ ،‬الية‪( .]1 :‬إِذَا جَا َء َنصْرُ اللّ ِه وَاْل َفتْحُ َو َرأَْي َ‬
‫‪[ )8‬سورة النصر‪ ،‬اليتان‪.]2 -1 :‬‬
‫وهذا النوع من النتصار هو النصر الظاهر‪ ،‬وهو أول ما يتبادر إل الذهان عند إطلق‬
‫كلمة النصر‪ ،‬للسباب التالية‪:‬‬
‫أ‪ -‬لنه نصر ظاهر يراه الناس ويسون به‪.‬‬
‫ب‪ -‬أنه هو النتصار الذي يمع بي انتصار الدين وظهوره وانتصار الداعية‪.‬‬
‫ج ‪ -‬أنه مبب إل النفوس‪ ،‬وهو النصر العاجل‪" ،‬والنفس مولعة بب العاجل" ولذلك قال‬
‫حبّونَهَا َنصْ ٌر مِنَ اللّ ِه وََفتْحٌ قَرِيبٌ )(‪[ )9‬سورة‪ ،‬الصف‪.]13 :‬‬
‫سبحانه‪َ ( :-‬وأُ ْخرَى تُ ِ‬‫‪ -2‬أن النصر قد يكون بإهلك هؤلء الكذبي‪ ،‬وناة النبياء والرسلي‪ ،‬ومن آمن معهم‪،‬‬
‫كما حدث لنوح‪ ،‬عليه السلم‪ ،‬حيث ناه ال وأهلك قومه‪َ) ،‬ف َدعَا َربّهُ َأنّي َمغْلُوبٌ‬
‫حنَا َأْبوَابَ السّمَا ِء بِمَا ٍء ُمْنهَمِ ٍر وََفجّ ْرنَا اْلأَ ْرضَ ُعيُونا فَاْلَتقَى الْمَا ُء عَلَى َأمْرٍ قَدْ‬
‫فَاْنتَصِرْ َف َفتَ ْ‬
‫جرِي بَِأ ْعيُِننَا َجزَاءً لِ َمنْ كَانَ ُكفِرَ)(‪[ )10‬سورة‬
‫ح َو ُدسُ ٍر تَ ْ‬
‫قُدِ َر َوحَمَ ْلنَا ُه عَلَى ذَاتِ أَْلوَا ٍ‬
‫القمر‪ ،‬اليات‪.]14-10 :‬‬
‫جْينَاهُ وَالّذِي َن َمعَهُ ِبرَحْ َم ٍة ِمنّا وَقَ َط ْعنَا دَابِ َر الّذِينَ كَ ّذبُوا بِآياتِنَا َومَا‬
‫وكذلك قوم هود‪َ( ،‬فَأنْ َ‬
‫كَانُوا ُم ْؤمِنِيَ)(‪[ )11‬سورة العراف‪ ،‬الية‪.]72 :‬‬
‫صبَحُوا فِي دَا ِرهِمْ جَاثِ ِميَ)(‪[ )12‬سورة العراف‪،‬‬
‫وقوم صال‪َ( ،‬فأَخَ َذْتهُمُ الرّ ْج َفةُ َفأَ ْ‬
‫الية‪.]78 :‬‬
‫ج ِرمِيَ)(‪[ )13‬سورة‬
‫وقوم لوط‪َ ( ،‬وَأمْطَ ْرنَا عََلْيهِ ْم مَطَرا فَانْظُرْ َكيْفَ كَانَ عَاِقَب ُة الْمُ ْ‬
‫العراف‪ ،‬الية‪.]84 :‬‬
‫ب َي ْومٍ عَظِيمٍ)(‪[ )14‬سورة‬
‫ب َي ْومِ الظّّلةِ ِإنّهُ كَانَ عَذَا َ‬
‫وقوم شعيب‪َ( ،‬فكَ ّذبُوهُ َفأَخَ َذهُ ْم عَذَا ُ‬
‫الشعراء‪ ،‬الية‪ .]189 :‬إن أخذ الجرمي بالعذاب الليم نصر عظيم للداعية‪ ،‬وكبت‬
‫للمكذبي والرجفي‪ ،‬وال يهل ول يهمل أبدا‪:‬‬
‫ح ُة َو ِمنْهُ ْم مَنْ‬
‫صيْ َ‬
‫(َفكُلّا أَخَ ْذنَا بِ َذْنبِهِ َف ِمْنهُ ْم مَنْ أَ ْرسَ ْلنَا عََليْهِ حَاصِبا َو ِمنْهُ ْم مَنْ أَ َخ َذتْهُ ال ّ‬
‫سهُ ْم يَظِْلمُونَ)(‬
‫س ْفنَا بِهِ اْلأَ ْرضَ َومِْنهُ ْم مَنْ َأغْرَ ْقنَا َومَا كَانَ اللّهُ ِليَظِْل َمهُ ْم وََلكِنْ كَانُوا َأنْفُ َ‬
‫خَ َ‬
‫‪[ )15‬سورة العنكبوت‪ ،‬الية‪.]40 :‬‬

‫‪281‬‬

‫‪ -3‬قد يكون النتصار بانتقام ال من أعدائهم‪ ،‬ومكذبيهم‪ ،‬بعد وفاة هؤلء النبياء‬
‫والرسل‪ ،‬كما حدث مع من قتل يي‪- ،‬عليه السلم‪ -‬وشعياء‪ ،‬ومن حاول قتل عيسى‪،‬‬
‫عليه السلم‪ ،‬قال المام الطبي ف تفسي الية‪:‬‬
‫__________‬
‫(‪ - )1‬سورة البقرة آية‪.251 :‬‬
‫(‪ - )2‬سورة النبياء آية‪.79 :‬‬
‫(‪ - )3‬سورة البقرة آية‪.102 :‬‬
‫(‪ - )4‬سورة ص آية‪.35 :‬‬
‫(‪ - )5‬سورة العراف آية‪.137 :‬‬
‫(‪ - )6‬سورة البقرة آية‪.50 :‬‬
‫(‪ - )7‬سورة الفتح آية‪.1 :‬‬
‫(‪ - )8‬سورة النصر آية‪.2-1 :‬‬
‫(‪ - )9‬سورة الصف آية‪.13 :‬‬
‫(‪ - )10‬سورة القمر آية‪.14-13-12-11-10 :‬‬
‫(‪ - )11‬سورة العراف آية‪.72 :‬‬
‫(‪ - )12‬سورة العراف آية‪.78 :‬‬
‫(‪ - )13‬سورة العراف آية‪.84 :‬‬
‫(‪ - )14‬سورة الشعراء آية‪.189 :‬‬
‫(‪ - )15‬سورة العنكبوت آية‪.40 :‬‬
‫حيَاةِ ال ّدنْيَا)(‪[ )1‬سورة غافر‪ ،‬الية‪" ]51 :‬إما‬
‫(ِإنّا َلَنْنصُرُ ُرسَُلنَا وَالّذِينَ آ َمنُوا فِي الْ َ‬
‫بإعلئنا لم على من كذبنا‪ ..‬أو بانتقامنا ف الياة الدنيا من مكذبيهم بعد وفاة رسولنا من‬
‫بعد مهلكهم‪ ،‬كالذي فعلنا من نصرتنا شعياء بعد مهلكه‪ ،‬بتسليطنا على قتلته من سلطنا‬
‫حت انتصرنا بم من قتلته‪ ،‬وكفعلنا بقتلة يي من تسليطنا بتنصر عليهم حت انتصرنا به‬
‫من قتله له‪ ،‬وكانتصارنا لعيسى من مريدي قتله بالروم حت أهلكناهم بم (‪ " )2‬وهذا‬

‫‪282‬‬

‫يدخل تت قوله ‪-‬تعال‪( :-‬وََل ْو يَشَاءُ اللّ ُه لْنتَصَ َر ِمْنهُمْ)(‪[ )3‬سورة ممد‪ ،‬الية‪.]4 :‬‬
‫أي‪ :‬لنتقم‪.‬‬
‫‪ -4‬أن ما يتصوره الناس هزية قد يكون هو النصر القيقي‪ ،‬كالقتل‪ ،‬والسجن والطرد‬
‫والذى‪.‬‬
‫سبَ ّن الّذِينَ ُقِتلُوا فِي َسبِيلِ اللّهِ َأ ْموَاتا بَلْ‬
‫أليس قتل الداعية شهادة ف سبيل ال‪( .‬وَل َتحْ َ‬
‫جّنةَ قَا َل يَا‬
‫أَ ْحيَا ٌء عِنْدَ َرّبهِمْ ُيرْزَقُونَ)(‪[ )4‬سورة آل عمران‪ ،‬الية‪( .]169 :‬قِيلَ ادْخُ ِل الْ َ‬
‫َليْتَ َق ْومِي َيعْلَمُو َن بِمَا َغفَرَ لِي َربّي وَ َجعََلنِي مِ َن الْ ُمكْ َرمِيَ)(‪[ )5‬سورة يس‪ ،‬اليتان‪:‬‬
‫‪.]27 ،26‬‬
‫سَنيَيْنِ)(‪[ )6‬سورة التوبة‪ ،‬الية‪ .]52 :‬فقتل الداعية‬
‫(قُ ْل هَ ْل تَ َرّبصُو َن ِبنَا إِلّا إِ ْحدَى الْحُ ْ‬
‫انتصار للداعية من عدة جوانب‪ ،‬أهها‪:‬‬
‫سبَ ّن الّذِينَ ُقتِلُوا فِي َسبِيلِ اللّهِ َأ ْموَاتا‬
‫(أ) الشهادة‪ ،‬وهي من أعظم أنواع النتصار‪( ،‬وَل تَحْ َ‬
‫ي بِمَا آتَاهُمُ اللّ ُه مِنْ َفضْلِهِ)(‪[ )7‬سورة آل عمران‪،‬‬
‫بَلْ أَ ْحيَا ٌء عِنْدَ َرّبهِمْ ُيرْزَقُونَ َفرِ ِح َ‬
‫اليتان‪.]170 ،169 :‬‬
‫(ب) انتصار النهج وظهوره‪ ،‬كما حدث لعبد ال الغلم عندما قتله اللك‪ ،‬فقال قوم‪:‬‬
‫"آمنا بال رب الغلم" (‪.)8‬‬
‫وند ف العصر الاضر سيد قطب ‪-‬رحه ال‪ -‬كان قتله انتصارا لنهجه الذي عاش من‬
‫أجله‪ ،‬ومات ف سبيله‪ ،‬حت قال أحد الشيوعيي وهو ف سجنه‪ :‬إنن أتن أن أقتل كما‬
‫قتل سيد وينتشر مبدئي وكتب كما انتشرت كتب سيد قطب‪.‬‬
‫بل إننا وجدنا مطابع النصارى ف لبنان تسارع إل طباعة ونشر كتب سيد ‪-‬يرحه ال‪-‬‬
‫كالظلل‪ ،‬والعال‪ ،‬وخصائص التصور السلمي‪ ،‬لا تدره من أرباح هائلة‪ ،‬نظرا لكثرة‬
‫القراء والستفيدين‪.‬‬
‫وهذا ما قصده سيد عندما قال‪ :‬إن كلماتنا وأقوالنا تظل جثثا هامدة حت إذا متنا ف‬
‫سبيلها وغذيناها بالدماء عاشت وانتفضت بي الحياء‪.‬‬

‫‪283‬‬

‫(ج) الذكر الطيب بعد وفاته‪ ،‬قال إبراهيم‪ ،‬عليه السلم‪( ،‬وَا ْجعَلْ لِي لِسَانَ صِ ْدقٍ فِي‬
‫الْآخِرِينَ)(‪[ )9‬سورة الشعراء‪ ،‬الية‪ .] 84 :‬والقتول ف سبيل ال له ذكر طيب عند‬
‫الؤمني‪ ،‬وهذا أمر مشاهد ومسوس‪.‬‬
‫وكذلك الطرد والخراج‪ ،‬قد يكون انتصارا للداعية‪ ،‬حي يتصور كثي من الناس أن هذا‬
‫هزية له‪ ،‬ولذا فإن ال ‪-‬جل وعل‪ -‬قال عن رسوله‪ ،‬صلى ال عليه وسلم حي أخرجته‬
‫قريش من مكة‪( .‬إِ ّل َتنْصُرُوهُ َفقَ ْد َنصَ َرهُ اللّهُ إِذْ أَ ْخرَجَ ُه الّذِينَ َكفَرُوا ثَاِنيَ اْثَنيْنِ ِإ ْذ هُمَا فِي‬
‫الْغَارِ)(‪[ )10‬سورة التوبة‪ ،‬الية‪.]40 :‬‬
‫ول شك أن خروجه من مكة كان انتصارا من عدة أوجه‪ ،‬أهها‪:‬‬
‫(‪ )1‬أن ال ناه من الشركي‪ ،‬وحاه منهم‪ ،‬وأعماهم عنه‪ ،‬حيث أرادوا قتله‪.‬‬
‫(ب) أن الدعوة انتقلت إل بيئة أخرى تميها وتؤازرها بدل أن كان رسول ال‪ ،‬صلى ال‬
‫عليه وسلم ماربا مطاردا‪ ،‬وأصحابه يعذبون ويقتلون‪ ،‬ول يتمكنون من إظهار عبادتم ل‬
‫كما حدث لم ف الدينة‪.‬‬
‫(ج) قيام دولة السلم ف الدينة‪ ،‬وانطلقة الهاد بعد ذلك‪ ،‬ث بدء دخول الناس ف دين‬
‫ال أفواجا‪.‬‬
‫وكذلك ند أن هجرة الصحابة للحبشة كانت انتصارا لم‪ ،‬وكبتا لعدائهم‪ ،‬ولذلك‬
‫لحقتهم قريش إل هنالك‪ ،‬ولكنهم عادوا خائبي حيث حاهم النجاشي‪ ،‬بل أسلم ودخل‬
‫ف دين ال !!‬
‫وقل مثل ذلك عن السجن والتعذيب والذى‪ ،‬فإن انطلقة الداعية قد تكون بداية من‬
‫سجنه أو إيذائه‪.‬‬
‫فهذا داعية اتم ف عرضه من قبل أعدائه‪ ،‬وتصور كثي من الناس أن هذا الداعية قد‬
‫انتهى‪ ،‬ولن يكون له شأن بعد اليوم‪ ،‬ولكن كانت هذه التهمة انطلقة كبى لذا الداعية‪،‬‬
‫من عدة أوجه‪:‬‬
‫(‪ )1‬انتصر على نفسه حيث عرف أن رهبة السجن أكب من حقيقته‪ ،‬حيث أدخل السجن‬
‫مرتي‪ ،‬فأصبحت لديه مناعة من الوف أو الرهبة من غي ال‪.‬‬
‫(ب) تكشف له الباطل‪ ،‬وعرف زيف بعض من كان يتلبس بالق تويها وخداعا‪.‬‬

‫‪284‬‬

‫(جـ) عرف صديقه من عدوه‪ ،‬وكما قال الشاعر‪:‬‬
‫جزى ال الشدائد عن كل خي ‪ ...‬عرفت با صديقي من عدوي‬
‫__________‬
‫(‪ - )1‬سورة غافر آية‪.51 :‬‬
‫(‪ - )2‬تفسي الطبي ‪.24/74‬‬
‫(‪ - )3‬سورة ممد آية‪.4 :‬‬
‫(‪ - )4‬سورة آل عمران آية‪.169 :‬‬
‫(‪ - )5‬سورة يس آية‪.27-26 :‬‬
‫(‪ - )6‬سورة التوبة آية‪.52 :‬‬
‫(‪ - )7‬سورة آل عمران آية‪.170-169 :‬‬
‫(‪ - )8‬قطعة من قصة أصحاب الخدود أخرجها مسلم (‪ )3005‬من حديث صهيب‪.‬‬
‫(‪ - )9‬سورة الشعراء آية‪.84 :‬‬
‫(‪ - )10‬سورة التوبة آية‪.40 :‬‬
‫(د) زاد عدد طلبه ومبيه‪ ،‬وكثر الستمعون للحق الذي يدعو إليه‪ ،‬فأصبحوا عشرات‬
‫اللف بل ويزيدون‪.‬‬
‫(هـ) كبت ال أعداءه وخصومه‪ ،‬وترعوا كأس الزية وهم ينظرون‪.‬‬
‫أليس هذا هو النتصار ف الياة الدنيا قبل الخرة؟! (وََلكِ ّن الْ ُمنَاِفقِيَ ل َيعَْلمُونَ)(‪)1‬‬
‫[سورة النافقون‪ ،‬الية‪ .]8 :‬وقبل أن نغادر هذا النوع من أنواع النتصار‪ ،‬ل بد من‬
‫الوقوف أمام حقيقة تفى على الكثيين‪ ،‬وهي نوع من أنواع انتصار الداعية‪ ،‬ذلك أن‬
‫الداعية عندما يقتل أو يسجن أو يؤذى أو يطرد فإن خصمه قد ذاق ألوان الذى العنوي‬
‫والعذاب النفسي قبل أن يقدم على ما أقدم عليه‪ ،‬بل وأحيانا بعد أن يفعل فعلته‪ ،‬فإنه ل‬
‫يد للراحة مكانا‪ ،‬ول للسعادة طعما‪ ،‬ولذا فإن الجاج بن يوسف عند ما قتل سعيد بن‬
‫جبي‪ ،‬ذاق ألوان العذاب النفسي حت كان ل يهنأ بنوم‪ ،‬ويقوم من فراشه فزعا ويقول‪ :‬ما‬
‫ل ولسعيد‪ ،‬حت مات وهو ف هه وغمه‪.‬‬

‫‪285‬‬

‫ولذا جاء القرآن معبا عن هذه القيقة‪ ،‬كما ف سورة آل عمران‪ ،‬فقال ‪-‬سبحانه‪:-‬‬
‫ت الصّدُورِ‬
‫( َوإِذَا خََلوْا عَضّوا عََلْيكُ ُم اْلأَنَامِ َل مِ َن اْل َغيْظِ قُلْ مُوتُوا ِب َغيْ ِظكُمْ إِنّ اللّ َه عَلِي ٌم بِذَا ِ‬
‫صبِرُوا َوَتّتقُوا ل َيضُرّكُمْ‬
‫س ْؤهُمْ َوإِ ْن ُتصِْبكُ ْم َسيَّئ ٌة َيفْرَحُوا ِبهَا َوِإنْ َت ْ‬
‫سَن ٌة تَ ُ‬
‫سكُمْ حَ َ‬
‫إِ ْن تَمْسَ ْ‬
‫َكيْ ُدهُمْ شَيْئا إِنّ اللّ َه بِمَا َيعْمَلُو َن مُحِيطٌ)(‪[ )2‬سورة آل عمران‪ ،‬اليتان‪.]120 ،119 :‬‬
‫وقال ‪-‬سبحانه‪( :-‬وَ َردّ اللّ ُه الّذِينَ َكفَرُوا ِب َغيْ ِظهِمْ لَ ْم َينَالُوا َخيْرا)(‪[ )3‬سورة الحزاب‪،‬‬
‫الية‪.]25 :‬‬
‫بينما ند الداعية يعيش ف سعادة وهناء‪ ،‬قال المام الطبي ف قوله ‪-‬تعال‪( :-‬وََلقَدْ‬
‫َسبَ َقتْ كَلِ َمُتنَا ِلعِبَا ِدنَا الْ ُم ْرسَلِيَ ِإّنهُمْ َلهُ ُم الْ َمْنصُورُو َن َوإِنّ ُجنْ َدنَا َلهُ ُم اْلغَاِلبُونَ)(‪)4‬‬
‫[سورة الصافات‪ ،‬اليات‪ ]173 - 171 :‬قال‪ :‬كان بعض أهل العربية يتأول ذلك‪،‬‬
‫ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا الرسلي بالسعادة (‪ )5‬وهذا ‪-‬أيضا‪ -‬معن حديث رسول ال‪،‬‬
‫صلى ال عليه وسلم " عجبا لمر الؤمن أن أمره كله خي ‪-‬وليس ذلك لحد إل‬
‫للمؤمن‪ -‬إن أصابته سراء شكر فكان خيا له‪ ،‬وإن أصابته ضراء صب فكان خيا له " (‬
‫‪.)6‬‬
‫ولذلك قال شيخ السلم معبا عن هذه القيقة‪ :‬ماذا ينقم من أعدائي؟ أنا جنت وبستان‬
‫ف صدري‪ ،‬قتلي شهادة‪ ،‬ونفي سياحة‪ ،‬وسجن خلوة‪.‬‬
‫وهو ما عناه أحد الزهاد عندما قال‪ :‬لو يعلم اللوك وأبناء اللوك ما نن فيه من اللذة‬
‫والنعيم لالدونا عليه بالسيوف‪.‬‬
‫وهنا ندرك من النتصر ومن النهزم‪ ،‬وأن النتصار والزية أبعد معن ما يراه الناس ف‬
‫الظاهر‪ ،‬بل هناك حقائق قد ل تدرك بالعيون‪ ،‬وصدق من قال‪:‬‬
‫اصب على مضض السو‬
‫فالنار تأكل نفسها ‪ ...‬د فإن صبك قاتله‬
‫إن ل تد ما تأكله‬
‫‪ -5‬أن ثبات الداعية على مبدئه‪ ،‬هو انتصار باهر‪ ،‬وفوز ساحق‪ ،‬حيث يعلو على‬
‫الشهوات والشبهات‪ ،‬ويتاز العقبات بشجاعة وثبات‪ ،‬بل إنه ل يكن أن يتحقق النتصار‬
‫الظاهر إل بعد تقق هذا النتصار‪ ،‬فإبراهيم‪ ،‬عليه السلم‪ ،‬وهو يلقى ف النار كان ف قمة‬

‫‪286‬‬

‫جعَ ْلنَاهُ ُم الَْأ ْسفَلِيَ)(‪)7‬‬
‫انتصار‪( ،‬قَالُوا اْبنُوا لَ ُه بُْنيَانا َفأَْلقُوهُ فِي الْجَحِيمِ َفأَرَادُوا بِهِ َكيْدا َف َ‬
‫[سورة الصافات‪ ،‬اليتان‪.]98 ،97 :‬‬
‫والمام أحد ‪-‬رحه ال‪ -‬عندما ثبت على مبدئه ف منة القول بلق القرآن‪ ،‬ورفض‬
‫الستجابة لميع الضغوط وماولت التراجع كان ف قمة انتصاره‪.‬‬
‫وأصحاب الخدود وهم يلقون ف النار‪ ،‬ول يقبلون الساومة على دينهم‪ ،‬ويفضلون‬
‫الوت ف سبيل ال كانوا هم النتصرين‪َ ( ،‬ومَا َنقَمُوا ِمنْهُمْ إِلّا َأنْ ُيؤْ ِمنُوا بِاللّ ِه اْلعَزِيزِ‬
‫الْحَمِيدِ)(‪[ )8‬سورة البوج‪ ،‬الية‪.]8:‬‬
‫وند هذا العن من معان النتصار ف الديث الذي رواه خباب عندما جاء إل رسول‬
‫ال‪ ،‬صلى ال عليه وسلم وقال له‪ :‬أل تستنصر لنا‪ ،‬أل تدعو لنا؟ قال‪ " :‬كان الرجل فيمن‬
‫قبلكم يفر له ف الرض فيجعل فيه فيجاء بالنشار فيوضع على رأسه فيشق بأثنتي وما‬
‫يصده ذلك عن دينه‪ ،‬ويشط بأمشاط الديد ما دون لمه من عظم أو عصب وما يصده‬
‫ذلك عن دينه " (‪ )9‬الديث‪.‬‬
‫فبي‪ ،‬صلى ال عليه وسلم أن النتصار هو الثبات على الدين‪ ،‬وعدم التراجع مهما كانت‬
‫العقبات والعوقات‪.‬‬
‫__________‬
‫(‪ - )1‬سورة النافقون آية‪.8 :‬‬
‫(‪ - )2‬سورة آل عمران آية‪.120-119 :‬‬
‫(‪ - )3‬سورة الحزاب آية‪.25 :‬‬
‫(‪ - )4‬سورة الصافات آية‪.173-172-171 :‬‬
‫(‪ - )5‬تفسي الطبي ‪.23/114‬‬
‫(‪ - )6‬أخرجه مسلم (‪.)3999‬‬
‫(‪ - )7‬سورة الصافات آية‪.98-97 :‬‬
‫(‪ - )8‬سورة البوج آية‪.8 :‬‬
‫(‪ - )9‬أخرجه البخاري (‪.)3612‬‬

‫‪287‬‬

‫‪- 6‬أن النصر قد يكون بقوة الجة‪ ،‬وصحة البهان‪ ،‬قال المام الطبي ف قوله تعال‪) :‬‬
‫وََلقَ ْد َسبَ َقتْ َكلِ َمُتنَا ِلعِبَا ِدنَا الْ ُم ْرسَلِيَ ِإّنهُمْ َلهُ ُم الْ َمْنصُورُونَ)(‪[ )1‬سورة الصافات‪،‬‬
‫اليتان‪ .]172 ،171 :‬يقول ‪-‬تعال ذكره‪ -‬ولقد سبق منا القول لرسلنا أنم لم‬
‫النصورون‪ ،‬أي مضى بذا منا القضاء والكم ف أم الكتاب‪ ،‬وهو أنم لم النصرة والغلبة‬
‫بالجج‪.‬‬
‫قال السدي‪ِ( :‬إّنهُمْ َلهُ ُم الْ َمْنصُورُونَ)(‪ )2‬بالجج‪)3( .‬‬
‫ج َع ْلنَاهُ ُم اْلَأسْفَِليَ)(‪ )4‬أي فجعلنا قوم‬
‫وقال الطبي ف قوله ‪-‬تعال‪َ( :-‬فأَرَادُوا بِهِ َكيْدا فَ َ‬
‫إبراهيم الذلي حجة‪ ،‬وغلبنا إبراهيم عليهم بالجة‪.)5( .‬‬
‫جُتنَا آَتيْنَاهَا إِبْرَاهِي َم عَلَى َق ْومِ ِه نَرَْفعُ‬
‫وكذلك ند هذا العن ف قوله ‪ -‬تعال‪َ ( :‬وتِلْكَ حُ ّ‬
‫ت مَ ْن نَشَاءُ)(‪[ )6‬سورة النعام‪ ،‬الية‪ .]83 :‬والرفع هو النتصار‪.‬‬
‫دَ َرجَا ٍ‬
‫وكذلك ف سورة البقرة بعد أن ذكر ال ماجة الذي كفر لبراهيم ف ربه‪ ،‬قال ال‬
‫ت الّذِي َكفَرَ)(‪[ )7‬سورة البقرة‪ ،‬الية‪ .]258 :‬والبهت هو الزية‪ ،‬أي‬
‫تعال‪َ( -‬فُب ِه َ‬‫انزم الكافر وانتصر إبراهيم بالجة والبهان‪.‬‬
‫إذن فانتصار الداعية بقوة حجته هو انتصار حقيقي‪ ،‬بل هو وسيلة من أهم وسائل انتصار‬
‫الدين وظهوره‪.‬‬
‫‪ -7‬أن انتصار الداعية‪ ،‬غي مصور ف زمان أو مكان‪ ،‬فزمانه الياة الدنيا ث الخرة‪،‬‬
‫ومكانه أرض ال الواسعة‪.‬‬
‫ولذا فقد يضطهد الداعية ف مكان وينتصر ف مكان آخر‪ ،‬كما حدث لنبينا ممد‪ ،‬صلى‬
‫ال عليه وسلم فقد اضطهد ف مكة‪ ،‬ث انتصر ف الدينة أول ث ف مكة ثانيا‪.‬‬
‫وموسى‪ ،‬عليه السلم‪ ،‬اضطهد ف أرض فرعون وانتصر بعد ذلك ف مكان آخر‪ ،‬وقد‬
‫يضطهد الداعية ف زمان‪ ،‬ث ينتصر ف زمان آخر‪ .‬كما حدث لشيخ السلم ابن تيمية‪،‬‬
‫فمات ف سجنه ‪-‬رحه ال‪ -‬ولكن انتصرت دعوته أعظم النتصار بعد عدة قرون من‬
‫وفاته ول تزال‪.‬‬
‫وهذا أمر معلوم ومشاهد‪ ،‬فكم من داعية هزم ف مكان وانتصر ف مكان آخر‪ ،‬وأوذي ف‬
‫زمان وانتصر ف زمان آخر‪ ،‬سواء ف حياته أو بعد وفاته‪.‬‬

‫‪288‬‬

‫‪ -8‬أخيا‪ ،‬فإن النصر قد يكون بالنع‪ ،‬أي بماية الداعية ومنع أعدائه من الوصول إليه‪،‬‬
‫قال ‪-‬سبحانه‪( :-‬وَل هُ ْم ُيْنصَرُونَ)(‪[ )8‬سورة البقرة‪ ،‬الية‪ .]48 :‬أي ينعون (‪)9‬‬
‫سَتهْزِئيَ)(‬
‫شرِكِيَ ِإنّا َكفَْينَاكَ الْمُ ْ‬
‫ع بِمَا ُت ْؤمَ ُر َوَأعْ ِرضْ عَ ِن الْمُ ْ‬
‫وقال‪ -‬جل وعل‪( :-‬فَاصْ َد ْ‬
‫‪[ )10‬سورة الجر‪ ،‬الية‪.]95 ،94 :‬‬
‫قال المام الطبي ف معن هذه الية‪ :‬فاصدع بأمر ال‪ ،‬ول تف شيئا سوى ال‪ ،‬فإن ال‬
‫كافيك من ناصبك وآذاك‪ ،‬كما كفاك الستهزئي‪.)11( .‬‬
‫ك مِ