‫فضائل الرسول صلى الله عليه وسلم‬

‫ومناقبه وحقوقه(‪)5‬‬
‫الباب السادس‪ -‬دلئل ومعجزات النبوة‬
‫شبهات وأباطيل‬
‫قصة الصراع بين الحق والباطل والخير والشر قصة قديمة بدأت‬
‫فصولها مع بداية وجود النسان على الرض‪ ،‬وسوف تتواصل‬
‫فصولها طالما كان هناك إنسان في هذا الوجود‪.‬‬
‫وعندما ظهر السلم منذ أكثر من أربعة عشر قرنا من الزمان لم‬
‫يتوقف سيل الشبهات التي يثيرها المشككون من خصوم هذا‬
‫الدين تشكيكا في مصادره أو في نبيه أو في مبادئه وتعاليمه‪ .‬ول‬
‫تزال الشبهات القديمة تظهر حتى اليوم في أثواب جديدة يحاول‬
‫مروجوها أن يضيفوا عليها طابعا علميا زائفا‪.‬‬
‫ومن المفارقات الغريبة في هذا الصدد أن يكون السلم – وهو‬
‫الدين الذي ختم الله به الرسالت ‪ ،‬وكان آخر حلقة في سلسلة‬
‫اتصال السماء بالرض – قد اختص من بين كل الديانات التي‬
‫عرفها النسان سماوية كانت أم أرضية بأكبر قدر من الهجوم‬
‫وإثارة الشبهات حوله‪.‬‬
‫ووجه الغرابة في ذلك يتمثل في أن السلم في الوقت الذي جاء‬
‫فيه يعلن للناس الكلمة الخيرة لدين الله على لم ينكر أيا من‬
‫أنبياء الله السابقين ول ما أنزل عليهم من كتب سماوية ‪ ،‬ولم‬
‫يجبر أحد من أتباع الديانات السماوية السابقة على اعتناق‬
‫السلم ‪ .‬ولم يقتصر المر على عدم النكار ‪ ،‬وإنما جعل السلم‬
‫اليمان بأنبياء الله جميعا وما أنزل عليهم من كتب عنصرا أساسيا‬
‫من عقيدة كل مسلم بحيث ل تصح هذه العقيدة بدونه‪.‬‬
‫ومن شأن هذا الموقف المتسامح للسلم إزاء الديانات السابقة‬
‫أن يقابل بتسامح مماثل وأن يقلل من عدد المناهضين للسلم‪.‬‬
‫ولكن الذي حدث كان على العكس من ذلك تماما‪ .‬فقد وجدنا‬
‫السلم – على مدى تاريخه – يتعرض لحملت ضارية من كل‬
‫اتجاه ‪ .‬وليس هناك في عالم اليوم دين من الديان يتعرض لمثل‬
‫ما يتعرض له السلم في العلم الدولي من ظلم فادح‬
‫وافتراءات كاذبة‪.‬‬
‫وهذا يبين لنا أن هناك جهل فاضحا بالسلم وسوء فهم لتعاليمه‬
‫سواء كان ذلك بوعي أو بغير وعى ‪ ،‬وأن هناك خلطا واضحا بين‬
‫السلم كدين وبعض التصرفات الحمقاء التي تصدر من بعض‬
‫أبناء المسلمين باسم الدين وهو منها براء‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫ومواجهة ذلك تكون ببذل جهود علمية مضاعفة من اجل توضيح‬
‫الصورة الحقيقة للسلم ‪ ،‬ونشر ذلك على أوسع نطاق‪.‬‬
‫ولم يقتصر علماء المسلمين على مدى تاريخ السلم في القيام‬
‫بواجبهم في الرد على هذه الشبهات كل بطريقته الخاصة‬
‫وبأسلوبه الذي يعتقد أنه السبيل القوم للرد ‪ ،‬وهناك محاولت‬
‫جادة بذلت في الفترة الخيرة للدفاع عن السلم في مواجهة‬
‫حملت التشكيك‪.‬‬
‫وسنعرض لبعض الشبهات التي أثارها الحاقدون والرد عليها‬
‫بالحجة الدامغة‪.‬‬
‫الشبهة الولى‪ :‬حول عصمة الرسول صلى الله عليه وسلم‬
‫وموقف القرآن من العصمة‪:‬‬
‫هناك من ل يعترفون بأن الرسول معصوم عن الخطأ ‪ ،‬ويقدمون‬
‫الدلة على ذلك بسورة [عبس وتولى] وكذلك عندما جامل‬
‫الرسول صلى الله عليه وسلم ‪ ،‬زوجاته ‪ ،‬ونزلت الية الكريمة‬
‫التي تنهاه عن ذلك‬
‫الرد على الشبهة‪:‬‬
‫إن عصمة الرسول صلى الله عليه وسلم ‪ ،‬وكذلك عصمة كل‬
‫الرسل ‪ -‬عليهم السلم ‪ -‬يجب أن تفهم في نطاق مكانة‬
‫حى إليه‪ ..‬أي أنه ‪-‬‬
‫الرسول‪ ..‬ومهمة الرسالة‪ ..‬فالرسول‪ :‬بشر يو َ‬
‫مع بشريته ‪ -‬له خصوصية التصال بالسماء ‪ ،‬بواسطة الوحي‪..‬‬
‫ولذلك فإن هذه المهمة تقتضى صفات يصنعها الله على عينه‬
‫فيمن يصطفيه ‪ ،‬كي تكون هناك مناسبة بين هذه الصفات وبين‬
‫هذه المكانة والمهام الخاصة الموكولة إلى صاحبها‪.‬‬
‫والرسول مكلف بتبليغ الرسالة ‪ ،‬والدعوة إليها ‪ ،‬والجهاد في‬
‫سبيل إقامتها وتطبيقها‪ ..‬وله على الناس طاعة هي جزء من‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫سو َ‬
‫طاعة الله ‪-‬‬
‫ل}‪،‬‬
‫ه وَأطِيعُوا الَّر ُ‬
‫سبحانه وتعالى – {أطِيعُوا الل ّ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ل أَطِيعُوا الل ّ‬
‫{قُ ْ‬
‫سو َ‬
‫سو َ‬
‫م‬
‫ل}‪{ ،‬‬
‫ل فَقَد ْ أطَاعَ‬
‫ن يُطِِع الَّر ُ‬
‫ه وَالَّر ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ه}‪{ ،‬قُ ْ‬
‫ه} ولذلك‬
‫م تُ ِ‬
‫ه فَاتَّبِعُونِي ي ُ ْ‬
‫حبُّو َ‬
‫ل إِ ْ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ن كُنْت ُ ْ‬
‫الل ّ َ‬
‫م الل ُ‬
‫حبِبْك ُ ُ‬
‫كانت عصمة الرسل فيما يبلغونه عن الله ضرورة من ضرورات‬
‫صدقهم والثقة في هذا البلغ اللهي الذي اختيروا ليقوموا به بين‬
‫سل‬
‫مْر ِ‬
‫الناس‪ ..‬وبداهة العقل ‪ -‬فضل ً عن النقل ‪ -‬تحكم بأن ُ‬
‫الرسالة إذا لم يتخير الرسول الذي يضفي الصدق على رسالته ‪،‬‬
‫كان عابثًا‪ ..‬وهو ما يستحيل على الله‪ ،‬الذي يصطفى من الناس‬
‫رسل ً تؤهلهم العصمة لضفاء الثقة والصدق على البلغ اللهي‪..‬‬
‫حجة على الناس بصدق هذا الذي يبلغون‪.‬‬
‫وال ُ‬
‫وفى التعبير عن إجماع المة على ضرورة العصمة للرسول فيما‬
‫يبلغ عن الله‪.‬‬
‫‪2‬‬

‫الشبهة الثانية‪ :‬قوم النبي محمد صلى الله عليه وسلم زناة من‬
‫أصحاب الجحيم!‬
‫الرد على الشبهة‪:‬‬
‫ما ذنب النبي محمد صلى الله عليه وسلم أن يقع قومه ومن‬
‫أرسل إليهم في خطيئة الزنا أو أن يكونوا من أصحاب الجحيم ؟‬
‫مادام هو صلوات الله وسلمه عليه قد برئ من هذه الخطيئة‬
‫ولسيما في مرحلة ما قبل النبوة ‪ ،‬وكانت مرحلة الشباب التي‬
‫يمكن أن تكون إغراء له ولمثاله أن يقعوا في هذه الخطيئة ؛‬
‫لسيما وأن المجتمع الجاهلي كان يشجع على ذلك وكان الزنا‬
‫فيه من المور العادية التي يمارسها أهل الجاهلية شبانًا وشيبًا‬
‫ضا‪ .‬وكان للزنا فيه بيوت قائمة يعترف المجتمع بها ‪ ،‬وتُعلق‬
‫أي ً‬
‫على أبوابها علمات يعرفها بها الباحثون عن الخطيئة ‪ ،‬وتعرف‬
‫بيوت البغايا باسم أصحاب الرايات‪.‬‬
‫ومع هذا العتراف العلني من المجتمع الجاهلي بهذه الخطيئة ‪،‬‬
‫ومع أن ممارستها للشباب وحتى للشيب لم تكن مما يكره‬
‫المجتمع أو يعيب من يمارسونه ؛ فإن محمدًا صلى الله عليه‬
‫وسلم لم يقع فيها أبدًا بل شهدت كل كتب السير والتواريخ له‬
‫صلى الله عليه وسلم بالطهارة والعفة وغيرهما من الفضائل‬
‫الشخصية التي يزدان بها الرجال وتحسب في موازين تقويمهم‬
‫وتقديرهم ‪ ،‬وأرسله الله سبحانه ليغير هذا المنكر‪ .‬هذه واحدة‬
‫والثانية‪ :‬أن الرسالة التي دعا بها ودعا إليها محمد صلى الله عليه‬
‫وسلم حّرمت الزنا تحريما ً قاطعا ً وحملت آياتها في القرآن‬
‫الكريم عقابا ً شديدا ً للزاني والزانية يبدأ بعقوبة بدنية هي أن يجلد‬
‫كل منهما مائة جلدة قاسية يتم تنفيذها علنا ً بحيث يشهدها الناس‬
‫لتكون عبرة وزجرا ً لهم عن التورط فيها‬
‫فإذا كان محمد صلى الله عليه وسلم قد طهر من هذه الخطيئة‬
‫في المجتمع الذي كان يراها عادية ومألوفة ‪ ،‬ثم كانت رسالته‬
‫صلى الله عليه وسلم تحرمها التحريم القاطع والصريح ‪ ،‬وتضع‬
‫مرتكبيها في مرتبة النحطاط والشذوذ عن السوياء من البشر‪..‬‬
‫م يُعَيّر محمد صلى الله عليه وسلم بأن بعض قومه زناة؟!‬
‫فل ِ َ‬
‫وهل يصح في منطق العقلء أن يعيبوا إنسانا ً بما في غيره من‬
‫العيوب ؟ وأن يحملوه أوزار الخرين وخطاياهم ؟‪.‬‬
‫وهنا يكون للمسألة وجه آخر يجب التنويه إليه وهو خاص‬
‫بالمسئولية عن الخطيئة أهي فردية خاصة بمن يرتكبونها ؟ أم أن‬
‫آخرين يمكن أن يحملوها نيابة عنهم ويؤدون كفارتها ؟ !‬
‫أن السلم يمتاز بأمرين مهمين‪:‬‬

‫‪3‬‬

‫أولهما‪ :‬أن الخطيئة فردية يتحمل من وقع فيها وحده عقوبتها ول‬
‫يجوز أن يحملها عنه أو حتى يشاركه في حملها غيره وصريح‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ت‬
‫آيات القرآن يقول‪{ :‬ل يُكَل ِّ ُ‬
‫ما ك َ َ‬
‫ه نَفْسا ً إِل ّ وُ ْ‬
‫سب َ ْ‬
‫سعَهَ َا لَهَا َ‬
‫ف الل ّ ُ‬
‫ب ك ُ ُّ‬
‫س إ ِ ّل ع َلَيْهَا وَل تَزُِر‬
‫ت} ثم‪{ :‬وَل تَك ْ ِ‬
‫س ُ‬
‫ما اكْت َ َ‬
‫وَع َلَيْهَا َ‬
‫سب َ ْ‬
‫ل نَفْ ٍ‬
‫خَرى}‪ .‬وورد هذا النص في آيات كثيرة‪.‬‬
‫وَازَِرة ٌ وِْزَر أ ُ ْ‬
‫أما المر الثاني‪ :‬فيما أقره السلم في مسألة الخطيئة فهو أنها‬
‫ل تورث‪ ،‬ول تنقل من مخطئ ليتحمل عنه وزره آخر حتى ولو‬
‫وما ً ل‬
‫بين الباء وأبنائهم وفى هذا يقول القرآن الكريم‪{ :‬وَاتَّقُوا ي َ ْ‬
‫س َ‬
‫شيْئاً}‪.‬‬
‫تَ ْ‬
‫جزِي نَفْ ٌ‬
‫س عَ ْ‬
‫ن نَفْ ٍ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫{هُنَال ِ َ‬
‫ك تَبْلو ك ُ ّ‬
‫ت}‪.‬‬
‫ما أ ْ‬
‫س َ‬
‫سلفَ ْ‬
‫ل نَفْ ٍ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫جزي الل ّه ك ُ َّ‬
‫ت إ ِ َّ‬
‫ب}‪.‬‬
‫سرِيعُ ال ْ ِ‬
‫ه َ‬
‫ح َ‬
‫ما ك َ َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫سب َ ْ‬
‫س َ‬
‫ُ‬
‫سا ِ‬
‫{لِي َ ْ ِ ْ َ‬
‫ل نَفْ ٍ‬
‫ُ‬
‫جاد ِ ُ‬
‫م تَأتِي ك ُ ّ‬
‫سهَا}‪.‬‬
‫ن ن َ ْف ِ‬
‫س تُ َ‬
‫{يَوْ َ‬
‫ل عَ ْ‬
‫ل نَفْ ٍ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫جَزى ك ُ ّ‬
‫ن}‪.‬‬
‫مو َ‬
‫{وَلِت ُ ْ‬
‫ما ك َ َ‬
‫م ل يُظل ُ‬
‫ت وَهُ ْ‬
‫سب َ ْ‬
‫س بِ َ‬
‫ل نَفْ ٍ‬
‫{ك ُ ُّ‬
‫ة}‪.‬‬
‫ت َرهِين َ ٌ‬
‫ما ك َ َ‬
‫سب َ ْ‬
‫س بِ َ‬
‫ل نَفْ ٍ‬
‫وغير هذا كثير مما يؤكد ما أقَّره السلم من أن الخطايا فردية‬
‫وأنها ل تورث ول يجزى فيها والد عن ولده ‪ ،‬ول مولود هو جاز‬
‫عن والده شيئاً‪.‬‬
‫وما دام المر فل أن فلم يلم محمد صلى الله عليه وسلم ول‬
‫يعاب شخصه أو تعاب رسالته بأن بعض أهله أو حتى كلهم زناة‬
‫مارسوا الخطيئة التي كان يعترف بها مجتمعه ول يجزى فيها شيئاً‬
‫أو ينقص الشرف والمروءة أو يعاب بها عندهم من يمارسها‪.‬‬
‫وحسب محمد صلى الله عليه وسلم أنه لم يقع أبدا ً في هذه‬
‫الخطيئة ل قبل زواجه ول بعده ‪ ،‬ثم كانت رسالته دعوة كبرى‬
‫إلى التعفف والتطهر وإلى تصريف الشهوة البشرية في‬
‫المصرف الحلل الذي حض السلم عليه وهو النكاح الشرعي‬
‫الحلل ‪ ،‬ودعا المسلمين إلى عدم المغالة في المهور تيسيراً‬
‫على الراغبين في الحلل‪.‬‬
‫الشبهة الثالثة‪ :‬محمد صلى الله عليه وسلم يحّرم ما أحل الله‬
‫الرد على الشبهة‪:‬‬
‫استند الظالمون لمحمد صلى الله عليه وسلم في توجيه هذا‬
‫التهام إلى ما جاء في مفتتح سورة التحريم من قوله تعالى‪{ :‬يَا‬
‫َ‬
‫َ َّ َ‬
‫َ‬
‫ج َ‬
‫ه لَ َ‬
‫أَيُّهَا النَّب ِ ُّ‬
‫ه‬
‫ح‬
‫مْر َ‬
‫ما أ َ‬
‫م تُ َ‬
‫حّرِ ُ‬
‫ت أْزوَا ِ‬
‫ضا َ‬
‫ك تَبْتَغِي َ‬
‫م َ‬
‫ي لِ َ‬
‫ك وَالل ّ ُ‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫م}‪.‬‬
‫غَفُوٌر َر ِ‬
‫حي ٌ‬
‫وهذه الية وآيات بعدها تشير إلى أمر حدث في بيت النبي صلى‬
‫الله عليه وسلم عاتبته نساؤه وتظاهرن عليه بدوافع الغيرة‬
‫المعروفة عن النساء عامة إذ كان صلى الله عليه وسلم قد دخل‬
‫ما ل يوجد في بيوتهن ‪ ،‬فأسر إلى‬
‫عند إحداهن وأكل عندها طعا ً‬
‫‪4‬‬

‫إحداهن بالمر فأخبرت به أخريات فعاتبنه فحّرم صلى الله عليه‬
‫وسلم تناول هذا الطعام على نفسه ابتغاء مرضاتهن‪.‬‬
‫والواقعة صحيحة لكن اتهام الرسول بأنه يحّرم ما أحل الله هو‬
‫تصيّد للعبارة وحمل لها على ما لم ترد له‪..‬‬
‫َ َّ َ‬
‫ه لَ َ‬
‫ك} هو فقط من باب "‬
‫ح‬
‫ما أ َ‬
‫م تُ َ‬
‫حّرِ ُ‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫م َ‬
‫فمطلع الية {ل ِ َ‬
‫المشاكلة " لما قاله النبي لنسائه ترضية لهن ؛ والنداء القرآني‬
‫ما له صلى الله عليه وسلم بتحريم ما أحل الله ؛ ولكنه‬
‫ليس اتها ً‬
‫من باب العتاب له من ربه سبحانه الذي يعلم تبارك وتعالى أنه‬
‫صلى الله عليه وسلم يستحيل عليه أن يحّرم شيئًا أو أمًرا أو‬
‫عمل ً أحلّه الله ؛ ولكنه يشدد على نفسه لصالح مرضاة زوجاته‬
‫من خلقه العالي الكريم‪.‬‬
‫ولقد شهد الله للرسول بتمام تبليغ الرسالة فقال‪{ :‬وَلَوْ تَقَوَّ َ‬
‫ل‬
‫َ‬
‫ن ث ُ َّ‬
‫ما‬
‫ل لَ َ‬
‫م لَقَطَعْنَا ِ‬
‫ه بِالْي َ ِ‬
‫خذ ْنَا ِ‬
‫ن فَ َ‬
‫من ْ ُ‬
‫من ْ ُ‬
‫ع َلَيْنَا بَعْ َ‬
‫وتِي َ‬
‫ه ال ْ َ‬
‫ض القَاوِي ِ‬
‫مي ِ‬
‫منك ُم م َ‬
‫ن}‪.‬‬
‫ه َ‬
‫نأ َ‬
‫حا ِ‬
‫حد ٍ ع َن ْ ُ‬
‫جزِي َ‬
‫ِ ْ ْ ِ ْ‬
‫وعليه فالقول بأن محمدًا صلى الله عليه وسلم يحّرم ما أحل‬
‫الله من المستحيلت على مقام نبوته التي زكاها الله تبارك‬
‫ن‬
‫ن الْهَوَى إ ِ ْ‬
‫وتعالى وقد دفع عنه مثل ذلك بقوله‪{ :‬وَ َ‬
‫ما يَنْطِقُ ع َ ِ‬
‫َ‬
‫حى}‪.‬‬
‫ي يُو َ‬
‫هُوَ إل ّ وَ ْ‬
‫ح ٌ‬
‫فمقولة بعضهم أنه يحّرم هو تحميل اللفظ على غير ما جاء فيه ‪،‬‬
‫وما هو إل وعد أو عهد منه صلى الله عليه وسلم لبعض نسائه‬
‫فهو بمثابة يمين له كفارته ول صلة له بتحريم ما أحل الله‪.‬‬
‫الشبهة الرابعة‪ :‬محمد صلى الله عليه وسلم أمي فكيف علّم‬
‫القرآن ؟‬
‫الرد على الشبهة‪:‬‬
‫والمي إما أن يكون المراد به من ل يعرف القراءة والكتابة أخذ ًا‬
‫من " المية " ‪ ،‬وإما أن يكون المراد به من ليس من اليهود أخذ ًا‬
‫من " الممية " حسب المصطلح اليهودي الذي يطلقونه على من‬
‫ليس من جنسهم‪.‬‬
‫فإذا تعاملنا مع هذه المقولة علمنا أن المراد بها من ل يعرف‬
‫القراءة والكتابة فليس هذا مما يعاب به الرسول ‪ ،‬بل لعله أن‬
‫يكون تأكيدًا ودليل ً قويًا على أن ما نزل عليه من القرآن إنما هو‬
‫وحى أُوحى إليه من الله لم يقرأه في كتاب ولم ينقله عن أحد‬
‫ول تعلمه من غيره‪ .‬بهذا يكون التهام شهادة له ل عليه‪.‬‬
‫حا في قوله‪:‬‬
‫وقد رد القرآن على هذه المقولة ردًا صري ً‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫صيل ً قُ ْ‬
‫ل‬
‫ملَى ع َلَيْهِ بُكَْرة ً وَأ ِ‬
‫{وَقَالُوا أ َ‬
‫ي تُ ْ‬
‫ن اكْتَتَبَهَا فَهِ َ‬
‫ساطِيُر الوَّلِي َ‬
‫َ‬
‫ن غَفُوراً‬
‫ه الَّذِي يَعْل َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ر‬
‫ال‬
‫و‬
‫ت‬
‫ا‬
‫ماو‬
‫س‬
‫ال‬
‫ي‬
‫ف‬
‫ر‬
‫س‬
‫ال‬
‫م‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ه كَا َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ض إِن َّ ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫أنَْزل َ ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ِ‬
‫حيماً}‪.‬‬
‫َر ِ‬
‫‪5‬‬

‫وحسب النبي المي الذي ل يعرف القراءة ول الكتابة أن يكون‬
‫الكتاب الذي أنزل عليه معجًزا لمشركى العرب وهم أهل‬
‫الفصاحة والبلغة ؛ بل ومتحديًا أن يأتوا بمثله أو حتى بسورة من‬
‫مثله‪.‬‬
‫كفاه بهذا دليل ً على صدق رسالته وأن ما جاء به ـ كما قال بعض‬
‫كبارهم ـ " ليس من سجع الكهان ول من الشعر ول من قول‬
‫البشر "‪.‬‬
‫أما إذا تعاملنا مع مقولتهم عن محمد (أنه " أمي " على معنى أنه‬
‫من المميين ـ أي من غير اليهود ـ فما هذا مما يعيبه‪ .‬بل إنه‬
‫لشرف له أنه من المميين أي أنه من غير اليهود‪.‬‬
‫ذلك لن اعتداد اليهود بالتعالي على من عداهم من " المميين "‬
‫واعتبار أنفسهم وحدهم هم الرقى والعظم وأنهم هم شعب الله‬
‫المختار ـ كما يزعمون‪.‬‬
‫ما مع ما جاء به محمد (من المساواة‬
‫كل هذا مما يتنافى تما ً‬
‫الكاملة بين بني البشر رغم اختلف شعوبهم وألوانهم وألسنتهم‬
‫على نحو ما ذكره القرآن ؛ الذي اعتبر اختلف الجناس واللوان‬
‫واللسنة هو لمجرد التعارف والتمايز ؛ لكنه ـ أبدًا ـ ل يعطى تميًزا‬
‫لجنس على جنس ‪ ،‬فليس في السلم ـ كما يزعم اليهود ـ أنهم‬
‫شعب الله المختار‪.‬‬
‫ولكن التمايز والتكريم في منظور السلم ؛ إنما هو بالتقوى‬
‫َ‬
‫ن‬
‫س إِنَّا َ‬
‫م ِ‬
‫خلَقْنَاك ُ ْ‬
‫والصلح كما في الية الكريمة‪{ :‬يَا أي ُّ َها النَّا ُ‬
‫م َْ‬
‫ل لِتعارفُوا إ َ َ‬
‫ُ‬
‫م ُ‬
‫م ِ‬
‫عنْد َ الل ّهِ‬
‫ِ ّ‬
‫ذ َكَرٍ وَأنْثَى وَ َ‬
‫مك ُ ْ‬
‫ن أكَْر َ‬
‫جعَلْنَاك ُ ْ‬
‫شعُوبا ً وَقَبَائ ِ َ َ َ َ‬
‫َ‬
‫م}‪.‬‬
‫أتْقَاك ُ ْ‬
‫الشبهة الخامسة‪ :‬محاولة النبي محمد صلى الله عليه وسلم‬
‫النتحار‬
‫الرد على الشبهة‪:‬‬
‫الحق الذي يجب أن يقال‪ ..‬أن هذه الرواية التي استندتم إليها ـ يا‬
‫خصوم السلم ـ ليست صحيحة رغم ورودها في صحيح البخاري‬
‫ـ رضي الله عنه ـ ؛ لنه أوردها ل على أنها واقعة صحيحة ‪ ،‬ولكن‬
‫أوردها تحت عنوان " البلغات " يعنى أنه بلغه هذا الخبر مجرد‬
‫بلغ ‪ ،‬ومعروف أن البلغات في مصطلح علماء الحديث‪ :‬إنما هي‬
‫مجرد أخبار وليست أحاديث صحيحة السند أو المتن‪.‬‬
‫وقد علق المام ابن حجر العسقلني في فتح الباري بقوله‪:‬‬
‫" إن القائل بلغنا كذا هو الزهري ‪ ،‬وعنه حكي البخاري هذا‬
‫البلغ ‪ ،‬وليس هذا البلغ موصول ً برسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم ‪ ،‬وقال الكرمانى‪ :‬وهذا هو الظاهر "‪.‬‬
‫‪6‬‬

‫هذا هو الصواب ‪ ،‬وحاش أن يقدم رسول الله ـ وهو إمام‬
‫المؤمنين ـ على النتحار ‪ ،‬أو حتى على مجرد التفكير فيه‪.‬‬
‫ل فإن محمدا ً صلى الله عليه وسلم كان بشرا ً من البشر‬
‫وعلى ك ٍ‬
‫ً‬
‫ولم يكن ملكا ول مدعيًا لللوهية‪.‬‬
‫والجانب البشرى فيه يعتبر ميزة كان صلى الله عليه وسلم‬
‫يعتني بها ‪ ،‬وقد قال القرآن الكريم في ذلك‪{ :‬قُ ْ‬
‫ن َربِّي‬
‫حا َ‬
‫سب ْ َ‬
‫ل ُ‬
‫هَ ْ‬
‫ت إِل ّ ب َ َ‬
‫سولً}‪.‬‬
‫شرا ً َر ُ‬
‫ل كُن ْ ُ‬
‫ومن ثم فإذا أصابه بعض الحزن أو الحساس بمشاعر ما نسميه‬
‫ في علوم عصرنا ‪ -‬بالحباط أو الضيق فهذا أمر عادى ل غبار‬‫عليه ؛ لنه من أعراض بشريته صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫وحين فتر (تأخر) الوحي بعد أن تعلق به الرسول صلى الله عليه‬
‫وسلم كان يذهب إلى المكان الذي كان ينزل عليه الوحي فيه‬
‫ب للمكان الذي جمع بينه وبين‬
‫يستشرف لقاء جبريل ‪ ،‬فهو مح ّ‬
‫حبيبه بشيء من بعض السكن والطمأنينة ‪ ،‬فماذا في ذلك أيها‬
‫الظالمون دائما ً لمحمد صلى الله عليه وسلم في كل ما يأتي وما‬
‫يدع ؟‬
‫وإذا كان أعداء محمد صلى الله عليه وسلم يستندون إلى الية‬
‫س َ‬
‫الكريمة‪{ :‬فَلَعَل َّ َ‬
‫منُوا بِهَذ َا‬
‫ك بَا ِ‬
‫م يُؤ ْ ِ‬
‫م إِ ْ‬
‫خعٌ نَفْ َ‬
‫ك ع َلَى آثَارِه ِ ْ‬
‫ن لَ ْ‬
‫َ‬
‫سفاً}‪.‬‬
‫حدِي ِ‬
‫ال ْ َ‬
‫ثأ َ‬
‫فالية ل تشير أبدا ً إلى معنى النتحار ‪ ،‬ولكنها تعبير أدبي عن‬
‫حزن النبي محمد صلى الله عليه وسلم بسبب صدود قومه عن‬
‫السلم ‪ ،‬وإعراضهم عن اليمان بالقرآن العظيم ؛ فتصور كيف‬
‫كان اهتمام الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بدعوة الناس‬
‫إلى الله ‪ ،‬وحرصه الشديد على إخراج الكافرين من الظلمات‬
‫إلى النور‪.‬‬
‫وهذا خاطر طبيعي للنبي النسان البشر الذي يعلن القرآن على‬
‫لسانه صلى الله عليه وسلم اعترافه واعتزازه بأنه بشر في قوله‬
‫ ردا ً على ما طلبه منه بعض المشركين‪{ :-‬وقالوا لن نؤمن لك‬‫حتى تفجر لنا من الرض ينبوعا ً * أو تكون لك جنة من نخيل‬
‫وعنب فتفجر النهار خللها تفجيرا ً * أو تسقط السماء كما‬
‫زعمت علينا كسفا ً أو تأتي بالله والملئكة قبيل ً * أو يكون لك‬
‫بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل‬
‫علينا كتابا نقرؤه}‪ .‬فكان رده‪{ :‬سبحان ربى} متعجبا ً مما طلبوه‬
‫ومؤكدا ً أنه بشٌر ل يملك تنفيذ مطلبهم‪{ :‬هل كنت إل بشراً‬
‫رسولً}‪.‬‬
‫أما قولهم على محمد صلى الله عليه وسلم أنه ليست له معجزة‬
‫فهو قول يعبر عن الجهل والحمق جميعاً‪.‬‬
‫‪7‬‬

‫حيث ثبت في صحيح الخبار معجزات حسية تمثل معجزة‬
‫الرسول صلى الله عليه وسلم ‪ ،‬كما جاءت الرسل بالمعجزات‬
‫من عند ربها ؛ منها نبع الماء من بين أصابعه ‪ ،‬ومنها سماع حنين‬
‫الجذع أمام الناس يوم الجمعة ‪ ،‬ومنها تكثير الطعام حتى يكفى‬
‫الجم الغفير ‪ ،‬وله معجزة دائمة هي معجزة الرسالة وهى القرآن‬
‫حفِ َ‬
‫ظ ‪ ،‬ووعد ببيانه ؛ لذا يظهر‬
‫الكريم الذي وعد الله بحفظه فَ ُ‬
‫بيانه في كل جيل بما يكتشفه النسان ويعرفه‪.‬‬
‫الشبهة السادسة‪ :‬مات النبي صلى الله عليه وسلم بالسم‬
‫الرد على الشبهة‪:‬‬
‫حين تصاب القلوب بالعمى بسبب ما يغشاها من الحقد‬
‫والكراهية يدفعها حقدها إلى تشويه الخصم بما يعيب ‪ ،‬وبما ل‬
‫يعيب ‪ ،‬واتهامه بما ل يصلح أن يكون تهمة ‪ ،‬حتى إنك لترى من‬
‫يعيب إنسانا ً مثل ً بأن عينيه واسعتان أو أنه أبيض اللون طويل‬
‫القامة ‪ ،‬أو مثل ً قد أصيب بالحمى ومات بها ‪ ،‬أو أن فلنا ً من‬
‫الناس قد ضربه وأسال دمه ؛ فهذا كأن أو أن تعيب الورد بأن‬
‫لونه أحمر مثل ً ؛ وغير ذلك مما يستهجنه العقلء ويرفضونه‬
‫سا وعجًزا‪.‬‬
‫ويرونه إفل ً‬
‫أن محمدا ً صلى الله عليه وسلم قدمت له امرأة من نساء اليهود‬
‫شاة مسمومة فأكل منها فمات صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫وينقلون عن تفسير البيضاوي‪:‬‬
‫أنه لما فتحت خيبر واطمأن الناس سألت زينب بنت الحارس ‪-‬‬
‫وهى امرأة سلم بن مشكم (اليهودي) ‪ -‬عن أي الشاة أحب إلى‬
‫محمد صلى الله عليه وسلم ؟ فقيل لها‪ :‬إنه يحب الذراع لنه‬
‫أبعدها عن الذى فعمدت إلى عنزة لها فذبحتها ثم عمدت إلى‬
‫م ل يلبث أن يقتل لساعته فس َّ‬
‫مت به الشاة ‪ ،‬وذهبت بها جارية‬
‫س ّ‬
‫لها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وقالت له‪ :‬يا محمد هذه‬
‫هدية أهديها إليك‪.‬‬
‫وتناول محمد الذراع فنهش منها‪ ..‬فقال صلى الله عليه وسلم‪:‬‬
‫ارفعوا أيديكم فإن هذه الذراع والكتف تخبرني بأنها مسمومة ؛‬
‫ثم سار إلى اليهودية فسألها لم فعلت ذلك ؟ قالت‪ :‬نلت من‬
‫قومي ما نلت … وكان ذلك بعد فتح " خيبر " أحد أكبر حصون‬
‫اليهود في المدينة وأنه صلى الله عليه وسلم قد عفا عنها‪.‬‬
‫ثم يفصحون عن تفسير البيضاوي‪:‬‬
‫أنه صلى الله عليه وسلم لما اقترب موته قال لعائشة ـ رضي‬
‫الله عنها ـ يا عائشة هذا أوان انقطاع أبهري‪.‬‬

‫‪8‬‬

‫فليس في موته صلى الله عليه وسلم بعد سنوات متأثًرا بذلك‬
‫ال ُّ‬
‫سم إل أن جمع الله له بين الحسنيين ‪ ،‬أنه لم يسلط عليه من‬
‫ضا كتب له النجاة من كيد‬
‫يقتله مباشرة وعصمه من الناس وأي ً‬
‫الكائدين وكذلك كتب له الشهادة ليكتب مع الشهداء عند ربهم‬
‫وما أعظم أجر الشهيد‪.‬‬
‫ضا‪ ..‬ل شك أن عدم موته بالسم فور أكله للشاة المسمومة‬
‫وأي ً‬
‫َ‬
‫ما من‬
‫وحياته بعد ذلك سنوات يُعد معجزة من معجزاته ‪ ،‬وع َل ً‬
‫أعلم نبوته يبرهن على صدقه ‪ ،‬وعلى أنه رسول من عند الله‬
‫حقًا ويقينًا‪.‬‬
‫وقد اقتضت حكمة الله تعالى أن يموت في الجل الذي أجله له‬
‫رغم تأثره بالسم من لحظة أكله للشاة المسمومة حتى موته بعد‬
‫ذلك بسنوات‪.‬‬
‫الشبهة السابعة‪ :‬يحتاج محمد صلى الله عليه وسلم إلى الصلة‬
‫عليه‬
‫الرد على الشبهة‪:‬‬
‫الحق أن الصلة على محمد صلى الله عليه وسلم من ربه ومن‬
‫المؤمنين ليست دليل حاجة بل هي مظهر تكريم واعتزاز وتقدير‬
‫له من الحق سبحانه وتقدير له من أتباعه ‪ ،‬وليست كما يزعم‬
‫الظالمون لسد حاجته عند ربه لن ربه قد غفر له ما تقدم من‬
‫ذنبه وما تأخر‪.‬‬
‫لن أي مقارنة منصفة بين ما كان عليه صلى الله عليه وسلم‬
‫وبين غيره من أنبياء الله ورسله ترتفع به ليس فقط إلى مقام‬
‫العصمة ؛ بل إلى مقام الكمال الذي أتم به الله الرسالت ‪ ،‬وأتم‬
‫به التنزيل ‪ ،‬وأتم به النعمة ‪ ،‬فلم تعد البشرية بعد رسالته صلى‬
‫الله عليه وسلم بحاجة إلى رسل ورسالت‪.‬‬
‫لذلك فإن رسالته صلى الله عليه وسلم وهى الخاتمة والكاملة‬
‫حملت كل احتياجات البشرية وما يلزمها من تشريعات ونظم‬
‫ومعاملت وما ينبغي أن تكون عليه من أخلق وحضارة مما‬
‫افتقدت مثل كماله كل الرسالت السابقة‪.‬‬
‫وحسب رسالة محمد صلى الله عليه وسلم أنها جاءت رحمة‬
‫ْ َ َ‬
‫َ‬
‫سلنَا‬
‫ة‬
‫م ً‬
‫ك إ ِ ّل َر ْ‬
‫ما أْر َ‬
‫ح َ‬
‫عامة للبشرية كلها كما قال القرآن‪{ :‬وَ َ‬
‫ن}‪ .‬فلم تكن كما جاء ما قبلها رسالة خاصة بقوم‬
‫لِلْعَال َ ِ‬
‫مي َ‬
‫رسولهم كما قال تعالى‪{ :‬وإلى عاد أخاهم هودًا قال يا قوم‬
‫اعبدوا الله}‪.‬‬
‫حا قال يا قوم اعبدوا الله}‪.‬‬
‫{وإلى ثمود أخاهم صال ً‬
‫{وإلى مدين أخاهم شعيبًا قال يا قوم اعبدوا الله}‪.‬‬
‫‪9‬‬

‫وهكذا كل رسول كان مرسل ً إلى قومه‪..‬‬
‫لت كانت رسالة محمد صلى الله عليه وسلم إلى العالمين وإلى‬
‫الناس كافة كما جاء في قوله تعالى‪{ :‬وما أرسلناك إل رحمة‬
‫للعالمين}‪{ ،‬وما أرسلناك إل كافة للناس بشيرا ً ونذيراً}‪.‬‬
‫ورسالة محمد صلى الله عليه وسلم كانت فوق كونها عالمية فقد‬
‫كانت هي الخاتمة والكاملة التي ـ كما أشرنا ـ تفي باحتياجات‬
‫البشر جميعا ً وتقوم بتقنين وتنظيم شئونهم المادية والمعنوية عبر‬
‫الزمان والمكان بكل ما فيه خيرهم في الدنيا والخرة‪.‬‬
‫وفى هذا قال الله تعالى‪{ :‬ما كان محمد أبا أحد من رجالكم‬
‫ولكن رسول الله وخاتم النبيين}‪.‬‬
‫وقال في وصفه لكمال الدين برسالة محمد صلى الله عليه‬
‫وسلم (السلم)‪{ :‬اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم‬
‫نعمتي ورضيت لكم السلم دينا}‪.‬‬
‫إن عموم رسالة محمد إلى العالمين ‪ ،‬وباعتبارها الرسالة الكاملة‬
‫والخاتمة ؛ يعنى امتداد دورها واستمرار وجودها إلى أن يرث الله‬
‫الرض ومن عليها مصداقا ً لقوله تعالى‪{ :‬هو الذي أرسل رسوله‬
‫بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله}‪.‬‬
‫الشبهة الثامنة‪ :‬خلو الكتب السابقة من البشارة برسول السلم‪.‬‬
‫الرد على الشبهة‪:‬‬
‫إن وجود البشارات وعدمها في الكتب المشار إليها آنفا سواء ‪،‬‬
‫وجودها مثل عدمها ‪ ،‬وعدمها مثل وجودها‪ .‬فرسالة رسول‬
‫السلم صلى الله عليه وسلم ليست في حاجة إلى دليل يقام‬
‫عليها من خارجها ‪ ،‬بحيث إذا لم يوجد ذلك الدليل " الخارجي "‬
‫بطلت ‪ -‬ل سمح الله ‪ -‬تلك الرسالة ؛ فهي رسالة دليلها فيها ‪،‬‬
‫ووجود البشارات بها في كتب متقدمة ‪ -‬زمنا ‪ -‬عليها ل يضيف‬
‫إليها جديدا ً ‪ ،‬وعدم وجود تلك البشارات ل ينال منها شيئا ً قط‪.‬‬
‫فهي حقيقة قائمة بذاتها لها سلطانها الغنى عما سواها‪ .‬ودليلها‬
‫قائم خالد صالح للفحص في كل زمان ومكان ‪ ،‬باق بقاء رسالته‬
‫أبد الدهر أشرق ولم يغب ‪ ،‬ظهر ولم يختف ‪ ،‬قوى ولم يضعف‪.‬‬
‫عل ولم يهبط ‪ ،‬إنه دليل صدق النبياء كلهم‪ .‬فكل النبياء مضوا‬
‫ولم يبق من أدلة صدقهم إل ما جاء في هذا الدليل " القرآن‬
‫العظيم " حيث شهد لهم بالصدق والوفاء وأنهم رسل الله‬
‫المكرمون‪..‬‬
‫فل يظنن أحد ُ أننا حين نتحدث عن بشارات الكتب السابقة‬
‫برسول السلم إنما نتلمس أدلة نحن في حاجة إليها لثبات‬
‫صدق رسول السلم في دعواه الرسالة‪ .‬فرسول السلم ليس‬
‫‪10‬‬

‫في حاجة إلى " تلك البشارات " حتى ولو سلم لنا الخصوم‬
‫بوجودها فله من أدلة الصدق ما لم يحظ به رسول غيره‪.‬‬
‫والبشارات موجودة في الكتب السابقة وقد وضعت فيه أبحاث‬
‫وكتب من أراد الطلع عليها فليرجع مثل إلى كتاب إظهار الحق‬
‫للشيخ رحمت الله الهندي تحقيق الدكتور أحمد حجازي السقا‪.‬‬
‫‪ .1‬آيات رسول الله صلى الله عليه وسلم وإثبات‬
‫معجزاته الباهرة للعقول‬
‫اعلم أخي القارئ أنه قد كان في النبياء عليهم السلم من له‬
‫المعجزة والنبوة معا ً مثل موسى والمسيح عليهما السلم وقد‬
‫ذهبت معجزاتهما بذهابهما‪ ،‬فلم يبق في أيدي الناس منها إل‬
‫ذكرها‪ ،‬ومنهم من كانت له نبوة ولم تكن له معجزة مثل زكريا‬
‫وناحوم وميخا وملخي وغيرهم‪ ،‬وها هو يوحنا المعمدان يقول‬
‫عنه متى‪((:‬يوحنا عند الجميع نبي)) متى ‪ ،26 :21‬و في موضع‬
‫آخر((أفضل من نبي)) متى ‪ 9 :11‬ورغم ذلك لم يأت بآية واحدة‪،‬‬
‫يقول يوحنا‪((:‬فأتى إليه كثيرون و قالوا أن يوحنا لم يفعل آية‬
‫واحدة)) يوحنا ‪ .41 :10‬وقد أثبت كتاب النصارى المقدس نبوة‬
‫جماعة من النساء مثل‪ :‬مريم أخت موسى [خروج ‪ 15‬عدد ‪]20‬‬
‫وحنة بنت فنوئيل [ لوقا ‪ 2‬عدد ‪ ] 36‬وخلده [ ‪ 2‬ملوك ‪ 22‬عدد ‪] 14‬‬
‫ودبوره [ القضاة ‪ 4‬عدد ‪ ] 4‬وأستير‪ ،‬وغيرهن ولم يكن لواحدة‬
‫منهن كتاب ول معجزة إل أنهن معدودات في زمرة النبياء‬
‫عندهم‪.‬‬
‫وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم قد جمع الله له النبوة‬
‫والمعجزة معا ً وقد كانت معجزة القرآن الكريم المعجزة العقلية‬
‫البيانية التي جاء بها الرسول المي هي من أعظم معجزاته وقد‬
‫تميز بها على سائر النبياء ببقائها حتى قيام الساعة‪ ،‬أما معجزات‬
‫من سبقه من النبياء فقد كانت معجزات حسية انتهت بانتهاء‬
‫وقتها‪ ،‬فلو أنك سألت أي نصراني اليوم أرني معجزة من‬
‫معجزات المسيح فلن يجيبك‪.‬‬
‫وبجانب معجزة القرآن الكريم ‪ -‬أخي القارئ ‪ -‬هناك الكثير من‬
‫المعجزات واليات الحسية قد قام بصنعها الرسول صلى الله‬
‫عليه وسلم ذكرتها الحاديث الصحيحة وقد أشار إليها القرآن‬
‫الكريم بكل وضوح كما في قوله تعالى في سورة الصافات‪:‬‬
‫ن * وَقَالُوا أن‬
‫س ِ‬
‫ن * وَإِذ َا َرأَوْا آي َ ً‬
‫خُرو َ‬
‫{ وَإِذ َا ذ ُ ِكُّروا َل يَذ ْكُُرو َ‬
‫ست َ ْ‬
‫ة يَ ْ‬
‫َ‬
‫ن}‬
‫هَذ َا إ ِ ّل ِ‬
‫س ْ‬
‫حٌر ُ‬
‫مبِي ٌ‬
‫ة) يدل‬
‫ففي هذه الية الكريمة نجد أن الـتعبير بـ(وَإِذ َا َرأَوْا آي َ ً‬
‫بوضوح على أنهم شاهدوا معجزة أو معجزات للنبي صلى الله‬
‫عليه وسلم‪ ،‬المر الذي أجمع عليه كافة علماء المسلمين‬
‫‪11‬‬

‫المعتبرين في العالم ودلت عليه الروايات المتواترة أيضاً‪ .‬ومن‬
‫سلم به أن اليات القرآنية سمعية وليست بصرية‪ ،‬وعليه ل‬
‫الم ّ‬
‫َ‬
‫ة)) عائد لليات‬
‫يمكن أن يكون قوله تعالى‪((:‬وَإِذ َا َرأوْا آي َ ً‬
‫القرآنية‪ ،‬بالضافة إلى ذلك فأن التعبير بـ‪((:‬السحر المبين))‬
‫يتناسب تماما مع الـمـعجزات وخوارق العادات‪ ،‬والواقع أن‬
‫اتهامهم نبي السلم بالسحر‪ ،‬وترويجهم لهذه المسالة بشكل‬
‫واسع يدل على أنهم رأوا منه خوارق عادات ومعجزات‪،‬‬
‫أما ما ذهب إليه البعض أن هناك آيات في القرآن الكريم تدل‬
‫على أن نبي السلم لم يمتلك معجزة سوى القرآن الكريم‬
‫واسـتـدللهم بالية ‪ 59‬من سورة السراء التي تقول‪{ :‬وما منعنا‬
‫أن نرسل باليات إل أن كذب بها الولون}‪ ،‬وكذلك بالية ‪ 90‬إلى‬
‫‪ 93‬من سورة السراء والتي جاء فيها‪{ :‬وقالوا لن نؤمن لك حتى‬
‫تفجر لنا من الرض ينبوعا ً * أو تكون لك جنة من نخيل و عنب‬
‫فتفجر النهار خللها تفجيرا ً * أو تسقط السماء كما زعمت علينا‬
‫كسفا ً أو تأتي بالله و الملئكة قبيل ً * أو ترقى في السماء و لن‬
‫نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا ً نقرؤه قل سبحان ربي هل‬
‫كنت إل بشرا ً رسولً}‪.‬‬
‫فالجواب عن ذلك هو‪:‬أن هؤلء المشركين لم يكن يقترحون‬
‫ستِْر َ‬
‫شادًا وطلبا ً للحق وإنما كانوا‬
‫ويسألون عن تلك المعجزات ا ِ ْ‬
‫ن ويقترحون ذَل ِ َ‬
‫عنَادًا فعند طلب أمثال هذه‬
‫ك كُفًْرا وَ ِ‬
‫يَطْلُبُو َ‬
‫المعجزات مع العراض عن المعجزة الحقيقية لنبينا صلى الله‬
‫عليه وسلم والمعجزات الخرى‪ ،‬عند ذلك لم يستجيب الله عز‬
‫وجل لطلب المشركين‪ ،‬إذ أن طلبهم ليس لعدم قيام الحجة‬
‫الكافية بل هو نوع من التعنت و التعجيز‪ ،‬و قد كانوا كلما رأوا‬
‫معجزة يقولون سحر مستمر أو ساحر مبين كما ذكرنا سالفاً…‬
‫وقد قال الله سبحانه وتعالى عنهم‪{ :‬ولو فتحنا عليهم بابا ً من‬
‫السماء فظلوا فيه يعرجون لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن‬
‫قوم مسحورون} فحتى لو نزلت هذه اليات فلسوف يعيدون‬
‫ذلك القول‪.‬‬
‫فالحاصل‪ :‬أن عدم إجابة المشركين على تعنتهم ل تعني أن‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأت بآيات‪ ،‬فإن هذا يرده‬
‫التأمل في معجزة القرآن وما نقل من معجزاته صلى الله عليه‬
‫وسلم المبثوثة في كتب الحديث ودلئل النبوة‪.‬‬
‫سل بِاليات‬
‫منَعَنَا أن نُْر ِ‬
‫ما َ‬
‫يقول أهل التفسير في قوله تعالى‪َ { :‬و َ‬
‫َّ‬
‫سل باليات التِي‬
‫منَعَنَا أن نُْر ِ‬
‫ب بِهَا الَوَّلُو َ‬
‫إل أن كَذ َّ َ‬
‫ما َ‬
‫ن } أي وَ َ‬
‫َ‬
‫اقْترحها أَهْل مكَّة إل أن كَذ َّب بها الَوَلُون ل َ َ َ‬
‫م‬
‫ما أْر َ‬
‫سلْنَاهَا فَأهْلَكْنَاهُ ْ‬
‫ّ َ ّ‬
‫َ‬
‫َ َِ‬
‫ََ َ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫منَا‬
‫حقّوا الهلك وَقَد ْ َ‬
‫ست َ َ‬
‫سلنَاهَا إلى هؤلء لكذ ّبُوا بِهَا وَا ْ‬
‫وَلَوْ أْر َ‬
‫حك ْ‬
‫‪12‬‬

‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫بإمهالِهم لتمام أ َ‬
‫ح َّ‬
‫م‪ ،‬روى الطبري‬
‫مر‬
‫م َ‬
‫صل ّى الل ّه ع َلَيْهِ وَ َ‬
‫سل ّ َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ِِ ْ َ ِ ْ‬
‫مد َ‬
‫َّ‬
‫سل بِاليات إل‬
‫منَعَنَا أن نُْر ِ‬
‫ما َ‬
‫عن الحسن فِي قَوْل الله تَعَالى‪{:‬وَ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن} قَا َ‬
‫سلْنَا‬
‫ل‪َ :‬ر ْ‬
‫ب بِهَا الَوَّلُو َ‬
‫أن كَذ َّ َ‬
‫م أيَّتهَا المة‪ ،‬أنا لَوْ أْر َ‬
‫مة لَك ُ ْ‬
‫ح َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م‪ .‬وجاء في تفسير‬
‫صا َ‬
‫ن قَبْلك ُ ْ‬
‫ب َ‬
‫م َ‬
‫صابَك ُ ْ‬
‫باليات فَكَذَّبْت ُ ْ‬
‫ما أ َ‬
‫م ب ِ َها‪ ،‬أ َ‬
‫م َْ‬
‫حوهَا إل أن‬
‫منَعَنَا أن نُْر ِ‬
‫سل باليات ال ّتِي اِقْتََر ُ‬
‫ما َ‬
‫القرطبي‪ :‬وَ َ‬
‫َّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ما فُعِ َ‬
‫خَر الله تَعَالى‬
‫م‪ .‬فَأ ّ‬
‫ن كَأن قَبْله ْ‬
‫ل بِ َ‬
‫يُكَذِّبُوا بِهَا فَيَهْلِكُوا ك َ َ‬
‫م ْ‬
‫ن يُولَد‬
‫ن يُؤْ ِ‬
‫ن كُفَّار قَُريْش لِعِل ْ ِ‬
‫م َ‬
‫من وَفِيهِ ْ‬
‫م َ‬
‫مهِ أن فِيهِ ْ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫الْعَذ َاب ع َ ْ‬
‫ك وقَع فَإن من هؤلء م َ‬
‫م‬
‫مؤْ ِ‬
‫منًا‪ .‬قال المام ابن كثير‪ :‬وَكَذَل ِ َ َ َ‬
‫نأ ْ‬
‫ُ‬
‫سل َ َ‬
‫َ َ ْ‬
‫ِ ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫مي ّة الذِي تَبِعَ‬
‫ن إسلمه َ‬
‫بَعْد ذل ِك وَ َ‬
‫ح ُ‬
‫حت ّى ع َبْد الله بْن أبِي أ َ‬
‫سَ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ما تَا ًّ‬
‫ما قَا َ‬
‫م وَقَا َ‬
‫ما‬
‫ي‬
‫النَّب‬
‫م إِ ْ‬
‫لأ ْ‬
‫صل ّى الله ع َليْهِ وَ َ‬
‫ه َ‬
‫لل ُ‬
‫سل َ‬
‫سل ً‬
‫سل َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ج َّ‬
‫ل‪.‬‬
‫ب إلى الل ّه عََّز وَ َ‬
‫وَأنا َ‬
‫أن المعجزات التي اقترحها هؤلء ل تستند إلى أساس البحث عن‬
‫الحقيقة‪ ،‬وإنما هي (اقتراحية) وتعللية‪ ،‬ولو نفذت طلباتهم لما‬
‫ضا‪.‬‬
‫آمنوا أي ً‬
‫هذا وأن اللتفات إلى الكلمة التي وردت في أقوال جمع من‬
‫المفسرين الكبار توضح أن المعجزات على نوعين‪:‬‬
‫الـنـوع الول‪ :‬هي المعجزات الضرورية لثبات صدق دعوى النبي‪،‬‬
‫وترغيب الناس إلى اليمان‪ ،‬وتخويف المنكرين‪ ،‬وهي المعجزات‬
‫المنطقية لناشدي الحق والباحثين عن الحقيقة‪ ،‬بحيث يعبر‬
‫القرآن في ذيل الية الولى منها بقوله‪{ :‬وما نرسل باليات إل‬
‫تخويفًا}‪( ،‬سورة السراء‪.)59 :‬‬
‫الـنـوع الـثاني من المعجزات‪ :‬هي المعجزات التي تسمى‬
‫بـ(القتراحية)‪ ،‬أي المعجزات التي يطالب بها ل لجل سلوك‬
‫سبيل الحق واليقين بصدق دعوى النبوة ومن ثم اليمان واعتناق‬
‫السلم‪ ،‬وإنما بقصد تعجيز الطرف الخر فأن وجدوا به قدرة‬
‫على ذلك اتهموه بالسحر‪.‬‬
‫والنبياء كانوا يتجهون صوب القسم الول ول يستسلمون إطلقا‬
‫لمقترحات المتعللين والمعجزات القتراحية‪ .‬وفي الناجيل التي‬
‫مع النصارى نجد أن هناك حالت لم يقدر المسيح عليه السلم‬
‫أن يعمل فيها معجزات كما في مرقس ‪(:5 :6‬ولم يقدر أن يصنع‬
‫هناك ول قوة واحدة) ويقول مرقس أيضاً‪(:‬فخرج الفريسيون و‬
‫ابتدأوا يحاورونه طالبين منه آية من السماء لكي يجربوه‪ ،‬فتنهد‬
‫بروحه‪ ،‬وقال‪ :‬لماذا يطلب هذا الجيل آية؟ الحق أقول لكم‪ :‬لن‬
‫يعطى هذا الجيل آية‪ .‬ثم تركهم…)(مرقس ‪.)13-8/11‬‬
‫يـشير لحن اليات ‪ 90‬ـ ‪ 93‬من سورة السراء بشكل واضح إلى أن‬
‫هذه المطالب العجيبة والغريبة لمشركي العرب لم يكن منشؤها‬
‫هو البحث عن الحقيقة‪ ،‬بل الغاية منها هي اختلق العذار‬
‫‪13‬‬

‫والـتـشكيك في نبوة نبي السلم وإرساء دعائم الشرك‬
‫والصنمية‪ ،‬ولذا لم يتمعنوا النظر حتى في مفهوم كلمهم‪ ،‬فمن‬
‫ضمن مطالبهم مثلً(الصعود إلى السماء)‪ ،‬ثم ينفون ذلك مباشرة‬
‫ويقولون‪ :‬نحن ل نؤمن بذلك حتى تبعث لنا كتابا من قبل اللّه‪،‬‬
‫{أو ترقى في السماء و لن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتاباً‬
‫نقرؤه } وتـارة يطلبون المور المستحيلة كقولهم‪{ :‬وَقَالُوا لول‬
‫مل َ ٌ‬
‫ي المُر ث ُ َّ‬
‫أنزِ َ‬
‫و‬
‫ملَكًا ل َ ُق ِ‬
‫م ل يُنْظَُرو َ‬
‫ل ع َلَيْهِ َ‬
‫ك وَلَوْ أنَزلْنَا َ‬
‫ن * وَل َ ْ‬
‫ض َ‬
‫ن} [ النعام‪:‬‬
‫ملَكًا ل َ َ‬
‫َ‬
‫سو َ‬
‫جعَلْنَاهُ َرجل ً وَلَلَب َ ْ‬
‫ما يَلْب ِ ُ‬
‫جعَلْنَاه ُ َ‬
‫م َ‬
‫سنَا ع َلَيْهِ ْ‬
‫‪]8‬‬
‫ثم إذا كان الهدف هو التوصل إلى معرفة حقيقة النبي فلم‬
‫يطلبون ست معجزات مختلفة؟ أليس المورد الواحد منها كافيا؟‪.‬‬
‫من هنا لم يتسن لي نبي أن يستسلم لهذا النوع من الراجيف‬
‫والباطيل‪ ،‬فضل عن أن العجاز ليس من شأن النبي واختياره‪،‬‬
‫وإنما هو من شأن اللّه تعالى واختياره‪.‬‬
‫أن الـنـبي بإمكانه أن يطلب المعجزة من اللّه واللّه تعالى يضع‬
‫حا‪ ،‬ولهذا نـقـرأ في ذيل اليات ‪ 90‬ـ ‪93‬‬
‫بين يديه أي مورد يراه صال ً‬
‫من سورة السراء هذا المعنى‪(:‬قل سبحان ربي هل كنت إل‬
‫بشًرا رسولً) وكذا في سورة الرعد آية ‪(:38‬وما كان لرسول أن‬
‫يأتي بآية إل بإذن اللّه)‪.‬‬
‫مـلخص الكلم هو أنه من الصحيح القول‪ :‬بأن القرآن لوحده‬
‫معجزة خالدة‪ ،‬ولو لم يكن هناك معجزة أخـرى سـوى هذه‬
‫المعجزة للنبي لستطاعت أن تكون شاهدا ً على صدقه‪ ،‬ولكن‬
‫هذا ل يدل على أن الـنبي لم يمتلك معجزات جسمانية ومادية‬
‫غير هذه المعجزات الروحية والمعنوية‪ ،‬بل ذهبت اليات‬
‫والـروايـات والـتـواريخ ‌السلمية وسيرة النبي إلى القول‪ :‬بأنه‬
‫كان يمتلك ذلك‪ ،‬ول شك في أن انـضـمـام الـمعجزات‬
‫المحسوسة والمادية إلى تلك المعجزة المعنوية الكبيرة يظهر‬
‫حقيقة الدعوة النبوية بصورة أجلى وأوضح‪.‬‬
‫ولنذكر الن بعض من المعجزات الحسية التي قام بصنعها رسولنا‬
‫الكريم‪:‬‬
‫‪ -1‬معجزة نبوع الماء من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم‪:‬‬
‫روى البخاري عن أنس بن مالك قال‪ :‬رأيت رسول الله صلى الله‬
‫عليه وسلم وحانت صلة العصر‪ ،‬والتمس الناس الوضوء فلم‬
‫يجدوه‪ ،‬فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضوء فوضع‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم يده في ذلك الناء فأمر الناس‬
‫أن يتوضئوا منه فرأيت الماء ينبع من تحت أصابعه‪ ،‬فتوضأ الناس‬

‫‪14‬‬

‫حتى توضئوا من عند آخرهم‪ [ .‬صحيح البخاري ج ‪ / 1‬ص ‪]74‬‬
‫[ صحيح مسلم ج ‪ / 4‬ص ‪ [ ] 1783‬صحيح ابن حبان ج‪ 14/‬ص‪] 477 /‬‬
‫وروى البخاري عن جابر بن عبد الله قال‪ :‬عطش الناس يوم‬
‫الحديبية والنبي صلى الله عليه وسلم بين يديه ركوة(أي أناء‬
‫صغير من جلد) يتوضأ فجهش الناس نحوه(أي تجمعوا) قال‪ :‬ما‬
‫لكم؟ قالوا‪ :‬ليس عندنا ماء نتوضأ ول نشرب إل ما بين يديك‬
‫فوضع يده في الركوة فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال‬
‫العيون‪ ،‬فشربنا وتوضأنا‪ ،‬قلت‪ :‬كم كنتم؟ قال‪ :‬لو كنا مائة ألف‬
‫لكفانا‪ ،‬كنا خمس عشرة مائة‪ [ .‬صحيح البخاري ج ‪ 3 /‬ص ‪] /1310‬‬
‫[ صحيح ابن حبان ج ‪/14‬ص ‪] 480‬‬
‫والروايات في هذه المعجزة مشهورة بين الصحابة وقد رواها‬
‫جمع كثير منهم أنس وجابر بن عبد الله وابن عباس‪ ،‬والبراء بن‬
‫مالك وأبو قتادة‪ ،‬وغيرهم وخبرها متواتر مستفيض‪ .‬وقد تكررت‬
‫في أكثر من مناسبة‪.‬‬
‫‪ -2‬معجزة شفاء علي رضي الله عنه وغيره من الصحابة‪:‬‬
‫قال عليه الصلة والسلم في غزوة خيبر‪(-:‬لعطين هذه الراية‬
‫غدًا رجل ً يفتح الله على يديه يحب الله ورسوله ويحبه الله‬
‫ورسوله قال فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها فلما أصبح‬
‫الناس غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يرجو‬
‫أن يعطاها فقال‪" :‬أين علي بن أبي طالب؟ فقيل‪ :‬هو يا رسول‬
‫الله يشتكي عينيه قال ‪" :‬فأرسلوا إليه (ائتوني به) فأُتي به فنفث‬
‫في عينه بقليل من ريقه عليه الصلة والسلم فبرأ لتوه ولم‬
‫يمرض بعينه قط‪ [ .‬رواه البخاري في كتاب الغزوات ورواه‬
‫مسلم في باب فضائل الصحابة ]‬
‫وقد قام المسيح عليه السلم بالتـفل في عين أحد العميان‬
‫فشفي من مرضه [ مرقس ‪((:] 22 :8‬وجاء إلى بيت صيدا‪.‬فقدموا‬
‫إليه أعمى وطلبوا إليه أن يلمسه‪ .‬فاخذ بيد العمى وأخرجه إلى‬
‫خارج القرية وتفل في عينيه ووضع يديه عليه وسأله هل أبصر‬
‫شيئًا‪)).‬‬
‫_ وأصيب سلمة يوم خيبر بضربة في ساقه‪ ،‬فنفث فيها رسول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم ثلث نفثات فما اشتكاها قد‪ .‬عن يزيد‬
‫بن أبي عبيد قال‪((:‬رأيت أثر ضربة في ساق سلمة‪ ،‬فقلت‪ :‬يا أبا‬
‫مسلم‪ ،‬ما هذه الضربة؟ قال‪ :‬هذه ضربة أصابتني يوم خيبر‪،‬‬
‫فقال الناس أصيب سلمة … فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم‬
‫فنفث فيها ثلث نفثات‪ ،‬فما اشتكيت حتى الساعة‪ [ )).‬صحيح‬
‫البخاري ج ‪ /1541 / 4‬صحيح أبي داود ‪ 3295 /‬صحيح ابن حبان ج ‪14‬‬
‫‪ /‬ص ‪]439‬‬
‫‪15‬‬

‫_ وعن البراء بن عازب رضي الله عنه‪ :‬أن عبد الله بن عتيك لما‬
‫قتل أبا رافع ونزل من درجة بيته سقط إلى الرض فانكسرت‬
‫ساقه‪ ،‬قال‪ :‬فحدثت النبي صلى الله عليه وسلم فقال‪":‬أبسط‬
‫رجلك" فبسطها فمسحها فكأنما لم أشكها قط‪ [ .‬صحيح البخاري‬
‫ج ‪ / 4‬ص ‪]1483‬‬
‫_ وعن معاذ بن رافع بن مالك عن أبيه قال‪((:‬رميت بسهم يوم‬
‫بدر ففقئت عيني فبصق فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫ودعا لي فما آذاني منها شيء)) [ أخرجه ابن أبي شيبه والحاكم‬
‫والبيهقي وأبو نعيم ]‬
‫‪ -3‬معجزة رد ّ عين قتادة بعد تدليها‪:‬‬
‫في غزوة أحد أُصيب قتادة بن النعمان في عينه حتى سقطت‬
‫وتدلت على وجـنته(أي على أحد خده) فردها عليه الصلة‬
‫والسلم بيده الشريفة فبرأت على الفور‪ ،‬وصارت عينيه تلك‬
‫أحسن عينيه‪ ...‬فتلك من آيات الله التي أيد الله بها رسوله‪.‬‬
‫والرواية أخرجها ابن إسحاق في السيرة النبوية(‪ ،)30 / 3‬وابن‬
‫حجر في الصابة‪ ،‬وابن عبد البر في الستيعاب في ترجمة‬
‫النعمان‪ ،‬وأبو يعلى‪ ،‬والبيهقي في الدلئل‪ ،‬وأبو نعيم في الدلئل‬
‫برقم(‪ )417 ،418‬وذكرها الحاكم في المستدرك(‪)295 / 3‬‬
‫‪ -4‬معجزة شفاء الضرير بدعائه صلى الله عليه وسلم‪:‬‬
‫عن عثمان بن حنيف‪ :‬أن رجل ً ضريرا ً أتى النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم فقال‪ :‬يا رسول الله أدع الله أن يعافيني فقال‪( :‬إن شئت‬
‫خرت ذلك فهو أفضل لخرتك‪ ،‬وأن شئت دعوت لك) قال‪:‬ل‪ ،‬بل‬
‫أ ّ‬
‫ادع الله لي قال‪ -:‬فأمره أن يتوضأ ويصلي ركعتين‪ ،‬وأن يدعو‬
‫بهذا الدعاء‪-:‬‬
‫(اللهم أني أسألك و أتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة‪،‬يا محمد‬
‫أني أتوجه بك في حاجتي هذه فتُقضى‪،‬اللهم شفعة في) ففعل‬
‫الرجل فبرأ‪،‬فشفاء هذا الضرير آية من نبوته [ رواه البخاري في‬
‫التاريخ الكبير ‪،6/210‬والطبراني في المعجم الكبير ‪ 9/19‬وصححه‬
‫وسلمه الذهبي‪ ،‬والبيهقي في دلئل النبوة ‪ 6/166‬وغيرهم ]‬
‫وهذا الدعاء خاص في حياته صلى الله عليه وسلم وليس بعد‬
‫مماته فلُيعلم‪.‬‬
‫‪ -5‬خروج الجن من الصبي بدعائه صلى الله عليه وسلم‪:‬‬
‫عن أبن عباس رضي الله عنهما قال‪-:‬أن امرأة جاءت بولدها إلى‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت‪:‬يا رسول الله أن به‬
‫لمماً‪ ،‬وأنه يأخذه عند طعامنا فيفسد علينا طعامنا قال‪ -:‬فمسح‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره ودعا له فثعّ (أي قاء أو‬

‫‪16‬‬

‫سعل مرة واحدة) فخرج منه مثل الجرو السود يسعى‪ [ .‬رواه‬
‫الدرامي ]‬
‫‪ -6‬معجزة فيضأن ماء بئر الحديبية‪:‬‬
‫ومن معجزاته صلى الله عليه وسلم أنه لما كان بالحديبية هو‬
‫وأصحابه سنة ست من الهجرة وكان بالحديبية بئر ماء فنزحها‬
‫أصحابه بالسقي منها حتى لم يبقى فيها ما يمل كأس ماء وكانوا‬
‫ألفًا وأربعمائة رجل‪ ،‬وخافوا العطش فشكوا ذلك إليه صلى الله‬
‫عليه وسلم‪ ،‬فجاء فجلس على حافة البئر‪ ،‬فدعا بماء فجئ به‬
‫إليه فتمضمض منه‪،‬ومج ما تمضمض به في البئر‪ ،‬فما هي إل‬
‫لحظات‪ ،‬وإذا البئر فيها ماء فأخذوا يسقون فسقوا وملئوا أوانيهم‬
‫وأدوات حمل الماء عندهم وهم كما تقدم ألف وأربعمائة رجل‪،‬‬
‫وهم أهل بيعة الرضوان الذين رضي الله عنهم وأنزل فيهم قوله‬
‫ن إَذ ْ يُبَاي ِ ُعون َ َ‬
‫ك‬
‫مؤ ِ‬
‫تعالى من سورة الفتح‪(-:‬لَقَد َر ِ‬
‫ن ال ُ‬
‫منِي َ‬
‫ض َ‬
‫ي الله ع َ ِ‬
‫ت ال َ َّ‬
‫ل ال َّ‬
‫ما في قُلُوبِهِم فَأنَز َ‬
‫م‬
‫ش َ‬
‫تَ ْ‬
‫م وأثَابَهُ ْ‬
‫سكِيَنَة ع َلَيْهِ ْ‬
‫م َ‬
‫جَرةِ فَعَل ِ َ‬
‫ح َ‬
‫فَتْحا ً قَرِيباً)‪ [ .‬رواه البخاري في كتاب المناقب‪ ،‬باب علمات‬
‫النبوة ]‬
‫‪ -7‬معجزة الطعام القليل يشبع العدد الكثير‪:‬‬
‫روى مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قوله‪:‬‬
‫سليم‪ :‬لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه‬
‫قال أبو طلحة لم ُ‬
‫وسلم ضعيفا ً أعرف فيه الجوع‪ ،‬فهل عندك من شيء؟‬
‫خمارا ً لها‬
‫صا من شعير‪ ،‬ثم أخرجت ِ‬
‫قالت‪:‬نعم‪ ،‬فأخرجت أقرا ً‬
‫فلفت الخبز ببعضه‪ ،‬ثم دسته تحت يدي‪ ،‬ثم أرسلتني إلى رسول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم في المسجد ومعه الناس‪ ،‬فقمت‬
‫عليهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪(-:‬أرسلك أبو‬
‫طلحة؟) فقلت‪ :‬نعم‪ ،‬قال‪(:‬بطعام؟) قلت‪:‬نعم‪ ،‬فقال‪ -:‬رسول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم لمن معه(قوموا) فأنطلق‪ ،‬وانطلقت‬
‫ين أيديهم حتى جئت أبا طلحة فأخبرته فقال أبو طلحة‪ -:‬يا أم‬
‫سليم قد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس وليس‬
‫ُ‬
‫عندنا ما نطعمهم فقالت‪ :‬الله ورسوله أعلم‪ ،‬فانطلق أبو طلحة‬
‫حتى لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم وأبو طلحة معه‪ ،‬فقال رسول الله صلى‬
‫سليم ما عندك؟) فأتت بذلك الخبز‬
‫الله عليه وسلم‪(-:‬هلم يا أم ُ‬
‫فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ففت‪ ،‬وعصرت أم‬
‫سليم عكة فآدمته‪ ،‬ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما‬
‫ُ‬
‫شاء أن يقول‪،‬ثم قال‪(-:‬ائذن لعشرة) فأذن لهم فأكلوا حتى‬
‫شبعوا‪،‬ثم خرجوا‪ ،‬ثم قال‪(،‬ائذن لعشرة)‪ ،‬فأذن لهم فأكلوا حتى‬
‫شبعوا‪ ،‬ثم خرجوا‪ ،‬ثم قال‪(،‬ائذن لعشرة) فأكل القوم كلهم‪،‬‬
‫‪17‬‬

‫والقوم سبعون أو ثمانون رجلً‪.‬أليست هذه معجزة؟ بلى وربي‬
‫أنها لمن أعظم المعجزات‪ [ .‬صحيح البخاري ‪ /‬علمات النبوة ]‬
‫[ صحيح مسلم ‪ /‬الشربة ]‬
‫‪ -8‬معجزة تكثير الطعام‪:‬‬
‫عن جابر ابن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أتاه‬
‫رجل يستطعمه فأطعمه شطر وسق شعير فما زال الرجل‬
‫يأكل منه هو وامرأته ووصيف لهم حتى كالوه فقال النبي صلى‬
‫الله عليه وسلم‪" :‬لو لم تكيلوه لكلتم منه ولقام لكم" [ صحيح‬
‫مسلم في معجزات النبي ‪ ،‬رواه احمد في مسنده ]‬
‫قال أبو طلحة النصاري في حديثه المشهور‪((:‬أطعم رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم ثمانين رجل ً من أقراص شعير جاء بها أنس‬
‫تحت إبطه)) [ البخاري في كتاب المناقب _ ومسلم ‪1612 / 3‬‬
‫والترمذي ‪ 595 / 5‬والبيهقي في الدلئل ]‬
‫وقال جابر بن عبد الله‪((:‬أطعم رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫يوم الخندق من صاع شعير وعناق(النثى من أولد المعز) ألف‬
‫رجل حتى تركوا وانحرفوا(مالوا عن الطعام)‪ ،‬وأن البرمة لتغط‬
‫كما هي وأن العجين ليخبر)) [ البخاري في كتاب المغازي‬
‫ومسلم ‪ 1610 / 3‬والترمذي ‪] 595 / 5‬‬
‫إن معجزة تكثير الطعام والشراب قد تكررت فبلغت عشرات‬
‫المرات‪ ،‬وفي ظروف مختلفة‪ ،‬ومناسبات عديدة‪ ،‬فقد قال أبو‬
‫هريرة رضي الله عنه‪((:‬كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في‬
‫مسير قال فنفدت أزواد القوم _ أي نفد زادهم واحتاجوا إلى‬
‫طعام _ قال حتى هم بنحر بعض حمائلهم قال فقال عمر‪ :‬يا‬
‫رسول الله لو جمعت ما بقي من أزواد القوم فدعوت الله‬
‫عليها؟(أي بقاياه) قال ففعل قال فجاء ذو البر ببره وذو التمر‬
‫بتمره قال وقال مجاهد وذو النواة بنواه قلت وما كانوا يصنعون‬
‫بالنوى قال كانوا يمصونه ويشربون عليه الماء قال فدعا عليها‬
‫حتى مل القوم أزودتهم قال فقال عند ذلك‪" :‬أشهد أن ل إله إل‬
‫الله وأني رسول الله ل يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إل‬
‫دخل الجنة" [ صحيح مسلم‪ ،‬والنسائي ]‬
‫‪ - 9‬معجزة تكثيره عليه السلم السمن لم سليم‪:‬‬
‫عن أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه‬
‫قال‪ -:‬كانت لمي أم سليم شاة فجمعت من سمنها في عكة‬
‫فملت العكة ثم بعثت بها ربيبة‪ ،‬فقالت‪:‬يا ربيبة أبلغي هذا العكة‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتدم بها‪ ،‬فانطلقت بها ربيبة‬
‫حتى أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله‬
‫سليم قال‪(-:‬أفرغوا لها عكتها)‬
‫هذه عكة سمن بعثت بها إليك أم ُ‬
‫‪18‬‬

‫فأفرغت العكة ودفعت إليها قالت‪ -:‬فانطلقت بها‪ ،‬وجئت وأم‬
‫سليم ليست في البيت‪،‬فعلقت العكة على وتد‪ ،‬فجاءت أم سليم‬
‫فرأت العكة ممتلئة تقطر فقالت‪:‬يا ربيبة أليس أمرتك أن‬
‫تنطلقي بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت‪ -:‬بلى‬
‫قد فعلت فإن لم تصدقيني فانطلقي فسلي رسول الله صلى‬
‫الله عليه وسلم فانطلقت ومعها ربيية‪ ،‬فقالت يا رسول الله إني‬
‫بعثت معها إليك بعكة فيها سمن قال‪(-:‬قد فعلت‪ ،‬قد جاءت)‬
‫قالت‪:‬والذي بعثك بالحق‪ ،‬ودين الحق أنها لممتلئة تقطر سمناً‪،‬‬
‫قال أنس‪ :‬فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪(-:‬يا أم سليم‬
‫أتعجبين إن كان الله أطعمك كما أطعمت نبيه! كلي وأطعمي)‬
‫قالت فجئت إلى البيت فقسمت في قعب لنا‪ ،‬وتركت فيها ما‬
‫أتئد منا به شهرا ً أو شهرين‪ ،‬فكون العكة تمتلئ بعد إفراغها‬
‫والكل منه طرة شهرين من معجزاته‪.‬‬
‫‪ -10‬معجزة نزول المطر بدعائه‪:‬‬
‫روى البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك قال‪ :‬أصابت الناس‬
‫سنة(جدب) على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ ،‬فبينا‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب على المنبر يوم الجمعة‬
‫فقام أعرابي فقال‪ :‬يا رسول الله هلك المال‪ ،‬وجاع العيال‪ ،‬فادع‬
‫الله أن يسقينا‪ ،‬قال‪ :‬فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه‬
‫وما رأينا في السماء قزعة (قطعة سحاب) فو الذي نفسي بيده‬
‫ما وضعها حتى ثار(أنتشر) سحاب أمثال الجبال ثم لم ينزل عن‬
‫منبره حتى رأيت المطر يتحادر(يتقاطر) على لحيته قال‪ :‬فمطرنا‬
‫يومنا ذلك ومن الغد ومن بعد الغد والذي يليه إلى الجمعة‬
‫الخرى‪ ،‬فقام ذلك العرابي أو قال غيره‪ ،‬فقال‪ :‬يا رسول الله‬
‫تهدم البناء‪ ،‬وغرق المال فادع الله لنا‪ ،‬فرفع رسول الله صلى‬
‫الله عليه وسلم يديه فقال‪":‬اللهم حوالينا ول علينا" قال‪ :‬فما‬
‫جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يشير بيده إلى ناحية من‬
‫السماء إل فرجت حتى صارت المدينة في مثل الجوبة (أي حتى‬
‫صارت السحب والغيوم محيطة بالمدينة) في السحاب‪ ،‬وسال‬
‫الوادي قناة شهرا‪ ،‬ولم يجئ أحد من ناحية إل حدث بالجود‪.‬‬
‫[ صحيح البخاري ‪ /‬كتاب الجمعة ]‬
‫‪ -11‬معجزة حنين جذع النخل شوقا ً إليه صلى الله عليه وسلم‪:‬‬
‫روى البخاري في صحيحه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما‬
‫قال‪((:‬كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب استند إلى جذع‬
‫نخلة من سواري المسجد‪ ،‬فلما صنع له المنبر فاستوى عليه‪،‬‬
‫صاحت النخلة التي كان يخطب عليها حتى كادت أن تنشق‪ ،‬فنزل‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم حتى أخذها فضمها إليه‪ ،‬فجعلت تئن‬
‫‪19‬‬

‫أنين الصبي الذي يسكت حتى استقرت‪ ،‬قال‪ :‬بكت على ما كانت‬
‫تسمع من الذكر)) [ رواه البخاري ]‬
‫وحديث حنين الجذع هو حديث مشهور معروف متواتر قد خرجه‬
‫أهل الصحيح ورواه الكابر ‪ /‬من أصحاب الرسول صلى الله عليه‬
‫وسلم منهم ‪ /‬أبي ابن كعب وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك‬
‫وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وأبو سعيد الخدري وبريدة‬
‫وأم سلمة وسهل ابن سعد‪.‬‬
‫وحديث ابن عمر رضي الله عنهما‪ ،‬أخرجه البخاري في كتاب‬
‫المناقب(فتح ‪ )6/601‬والترمذي في كتاب الجمعة(‪)،379 / 2‬‬
‫والبيهقي في الدلئل(‪.)66 / 6‬‬
‫‪ -12‬معجزة تحول جذل الحطب سيفاً‪:‬‬
‫الجذل‪:‬هو عود غليظ من أصل الشجرة‪ ،‬لقد انكسر سيف‬
‫عكاشة بن محصن يوم بدر فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم‬
‫جذل حطب فقال له‪(-:‬اضرب به) فانقلب في يده سيفاً‪ ،‬صارماً‬
‫طويل ً أبيضا ً شديد المتن‪ ،‬فقاتل به‪ ،‬ثم لم يزل عنده يشهد به‬
‫المواقف إلى أن استشهد عكاشة في قتال أهل الردة‪ ،‬وبعدما‬
‫قتل بلعت الرض ذلك السيف‪.‬‬
‫‪ -13‬معجزة نطق الغزالة ووفاؤها له صلى الله عليه وسلم‪:‬‬
‫مَّر النبي صلى الله عليه‬
‫عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال َ‬
‫وسلم على قوم قد اصطادوا ظبية‪ ،‬فشدوها على عمود‬
‫خشفان(الولد‬
‫فسطاط‪ ،‬فقالت‪ :‬يا رسول الله أني أُخذت ولي ِ‬
‫الصغير) فاستأذن لي أرضعهما وأعود إليهم‪ ،‬فقال النبي صلى‬
‫الله عليه وسلم(أين صاحب هذه؟) فقال القوم نحن يا رسول‬
‫الله قال‪(-:‬خلوا عنها حتى تأتي خشفيها ترضعهما وترجع إليكم)‬
‫فقالوا من لنا بذلك؟ قال‪(-:‬أنا) فأطلقوها‪،‬فذهبت فأرضعت‬
‫خشفيها ثم رجعت إليهم‪ ،‬فأوثقوها فمر بهم صلى الله عليه‬
‫وسلم فقال‪(-:‬أين صاحب هذه؟) فقالوا‪-:‬هذا يا رسول الله‬
‫فقال(تبيعونها؟) فقالوا‪ -:‬هي لك يا رسول الله‪ ،‬فقال‪(-:‬خلو عنها‬
‫فأطلقوها) فذهبت‪،‬فنُطقها آية من نبوته‪.‬‬
‫‪ -14‬معجزة انقياد الشجر له صلى الله عليه وسلم‪:‬‬
‫روى مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما‬
‫قال‪ -:‬سهرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزلنا وادياً‬
‫أفيح(أي واسعا ً رحباً) فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫يقضي حاجته‪ ،‬فأتبعتُه بإداوةٍ فيها ماء‪ ،‬فنظر فلم ير شيئا ً يستتر‬
‫به‪ ،‬وإذ شجرتان بشاطئ الوادي‪ ،‬فانطلق إلى إحداهما فأخذ‬
‫ببعض من أغصانها‪ ،‬وقال‪(-:‬انقادي علي بإذن الله) فانقادت معه‬
‫كالبعير المخشوش (الذي جعل في أنفه الخشائش وهو العود‪،‬‬
‫‪20‬‬

‫يجعل في عظم أنف الجمل لينقاد) الذي يُصانع قائده‪ ،‬حتى أتى‬
‫الشجرة الخرى‪ ،‬حتى إذا كان بالمنتصف فيما بينهما لءم أي‬
‫جمعهما‪ ،‬وقال‪(-:‬التئما إلي علي بإذن الله) فالتأمتا‪ ،‬قال جابر‪-:‬‬
‫فخرجت أحضر(أي أعدو بشدة) مخافة أن يحس بقربي منه‬
‫فيبعد‪ ،‬فجلست أحدث نفسي‪ ،‬فحانت مني التفاته‪ ،‬فإذا أنا‬
‫برسول الله صلى الله عليه وسلم مقبل وإذا الشجرتان قد‬
‫افترقتا‪ [ .‬صحيح مسلم ]‬
‫وعن ابن عباس‪ ،‬رضي الله عنه‪ ،‬قال‪ :‬جاء أعرابي إلى رسول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم‪ ،‬فقال‪ :‬بم أعرف أنك رسول الله؟‬
‫قال‪((:‬أرأيت أن دعوت هذا العذق من الشجرة تشهد أني رسول‬
‫الله؟)) قال‪ :‬نعم‪ .‬قال‪ :‬فدعا العذق‪ ،‬فجعل العذق ينزل من‬
‫النخلة حتى سقط إلى الرض ينقز‪ ،‬فأقبل إليه‪ ،‬وهو يسجد ويرفع‬
‫ويمجد ويرفع حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم‪،‬‬
‫ثم قال له‪((:‬ارجع)) فرجع إلى مكانه‪ ،‬فقال العرابي‪ :‬والله ل‬
‫أكذبك بشيء تقوله بعدها أبداً‪ ،‬أنا أشهد أنك رسول الله‪ ،‬وآمن‪[ .‬‬
‫أخرجه البخاري في تاريخه‪ ،‬والترمذي في أبواب المناقب(‪)3628‬‬
‫وأخرجه البزار‪ ،‬وأبو يعلى ]‬
‫‪ - 15‬معجزة سكون اضطراب الجبل بأمر الرسول‪:‬‬
‫روى البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه‪ ،‬أن‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم صعد أحدا ً وأبو بكر وعمر وعثمان‪،‬‬
‫فرجف بهم‪ ،‬فقال‪((:‬اثبت أحد فإنما عليك نبي وصديق‬
‫وشهيدان‪ )).‬وفي رواية‪ :‬فضربه برجله وقال‪((:‬أثبت أحد فما‬
‫عليك إل نبي أو صديق أو شهيدان)) [ رواه البخاري في كتاب‬
‫فضال الصحابة] [صحيح ابن حبان ج ‪/14‬ص ‪.]415‬‬
‫‪ - 16‬من معجزاته صلى الله عليه وسلم إخبار الشاة له أنها‬
‫مسمومة‪:‬‬
‫روى البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه‪ ،‬أن‬
‫امرأة يهودية أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاة‬
‫مسمومة‪ ،‬ولما أكل منها أخبرته الشاة أنها مسمومة‪ ،‬فجيء‬
‫باليهودية إلى رسول صلى الله عليه وسلم‪ ،‬فسألها عن ذلك‪،‬‬
‫فقالت‪ :‬أردت لقتلك‪ ،‬قال‪" :‬ل‪ ،‬ما كان الله ليسلطك علي"‪.‬‬
‫[ متفق عليه ] [ أخرجه البخاري في كتاب الهبة ومسلم ‪/ 4‬‬
‫‪[ ] 1721‬البيهقي في الدلئل ]‬
‫‪ - 17‬ومن علمات نبوته ذعر أبو جهل عندما أراد أن يؤذي‬
‫الرسول صلى الله عليه وسلم‪:‬‬
‫روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‪ :‬قال‬
‫أبو جهل‪ :‬هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ قال‪ :‬فقيل‪ :‬نعم‬
‫‪21‬‬

‫فقال‪ :‬واللت والعزى لن رأيته يفعل ذلك لطإن على رقبته أو‬
‫لعفرن وجهه في التراب‪ ،‬قال‪ :‬فأتى رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم وهو يصلي‪ _ ،‬ليطأ على رقبته _ قال‪ :‬فما فجئهم منه إل‬
‫وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه قال‪ :‬فقيل له مالك؟ فقال‪:‬‬
‫أن بيني وبينه لخندقا ً من نار وهول ً وأجنحة‪ ،‬فقال رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم‪((:‬لو دنا مني لختطفته الملئكة عضواً‬
‫عضواً)) [ صحيح مسلم ‪] 14 /17‬‬
‫‪ -18‬من علمات النبوة إخباره عليه الصلة والسلم عن غيوب‬
‫مستقبلية فوقعت كما أخبر‪:‬‬
‫أولً‪ -:‬قوله صلى الله عليه وسلم في الحسن رضي الله‬
‫عنهما‪((:‬إن ابني هذا سيد وسيُصلح الله به بين فئتين عظيمتين))‬
‫فكأن المر كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم فقد أصلح به‬
‫بين من كان مع الحسن وبين من كان مع معاوية رضي الله‬
‫عنهم‪ [ .‬رواه البخاري في صحيحه ]‬
‫ُ‬
‫ثانيًا‪ -:‬قوله صلى الله عليه وسلم‪((-:‬اُثبت أحد فإنما عليك نبي‬
‫وصدّيق وشهيدان))‪.‬‬
‫فكان كما أخبر صلى الله عليه وسلم‪ ،‬فمات أبو بكر بمرض‬
‫أصابه‪ ،‬وقُتل عمر في المحراب شهيداً‪،‬وقُتل عثمان في داره‬
‫شهيداً‪ ،‬فرضي الله عنهم أجمعين‪ [ .‬رواه البخاري ]‬
‫ثالثا‪ :‬إخباره صلى الله عليه وسلم عن فتح القسطنطينية‬
‫ورومية(روما)‬
‫روى أحمد في مسنده عن أبي قبيل قال‪ :‬كنا عند عبد الله بن‬
‫عمرو ابن العاص وسئل أي المدينتين تفتح أول ً القسطنطينية أو‬
‫رومية؟ فدعا عبد الله بصندوق له حلق‪ ،‬قال‪ :‬فأخرج منه كتاباً‪،‬‬
‫قال فقال عبد الله‪ :‬بينما نحن حول رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم نكتب إذ سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي‬
‫المدينتين تفتح أولً‪ ،‬أقسطنطينية أو رومية؟ فقال رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم‪((:‬مدينة هرقل تفتح أولً)) يعني‬
‫القسطنطينية‪ .‬والحديث صححه الحاكم والذهبي ووافقهما‬
‫اللباني في سلسلة الحاديث الصحيحة‪.‬‬
‫وقد وقع المر كما أخبر به صلى الله عليه وسلم فتحقق فتح‬
‫القسطنطينية على يد السلطان محمد الفاتح العثماني رحمه الله‬
‫كما هو معروف بعد أكثر من ثمانمائة سنة من إخبار النبي صلى‬
‫الله عليه وسلم بالفتح‪.‬‬
‫رابعا ً ‪ -:‬قوله صلى الله عليه وسلم‪(-:‬إن هذا قبر أبي ِرغال‪ ،‬وإن‬
‫معه غصنا ً من ذهب) فحفروه فوجدوه كما أخبر النبي صلى الله‬

‫‪22‬‬

‫عله وسلم‪ ،‬وذلك حين كان ذاهبا ً إلى الطائف‪ ،‬فكان هذا الخبر‬
‫آية نبوته صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫ت وقد جاء‬
‫خامساً‪ -:‬قوله صلى الله عليه وسلم لخباب بنت الر ّ‬
‫يشكو إليه ما يلقي المؤمنون كفار قريش‪ ،‬يطلب من أن‬
‫يستنصر الله تعالى لهم‪ ،‬قال له وقد أحمر وجهه صلى الله عليه‬
‫وسلم أو تغير لونه‪ ،‬فقال له‪(-:‬لقد كان من قبلكم تحفر له‬
‫الحفرة‪ ،‬ويجاء بالمنشار فيوضع على رأسه‪ ،‬فيشق نصفين ما‬
‫يصرفه ذلك عن دينه‪ ،‬وليتمن الله هذا المر‪ ،‬حتى يسير الراكب‬
‫ما بين صنعاء إلى حضرموت‪ ،‬ما يخشى إل الله والذئب على‬
‫غنمه)‪ .‬وقد تم هذا كما أخبر صلى الله عليه وسلم‪ [ .‬صحيح‬
‫البخاري ]‬
‫منعت العراق درهمها‬
‫سادسا ً ‪ -:‬قوله صلى الله عليه وسلم‪ُ (:‬‬
‫وقفيزها‪ ،‬ومنعت الشام مدها ودينارها‪ ،‬ومنعت مصر أرد بها‬
‫ودينارها‪ ،‬وع ُدتم من حيث بدأتم) فهذا الخبر قد وقع كما أخبر‬
‫صلى الله عليه وسلم‪ ،‬فقد منعت العراق‪ ،‬ومنعت الشام‪ ،‬ومنعت‬
‫مصر‪ ،‬ما كانوا يؤدونه إلى أهل الحجاز من خراج وغيره‪ ،‬وعاد‬
‫أهل الحجاز كما بدؤوا فمسهم الجوع‪ ،‬ونالهم بعد ما أصابهم من‬
‫رغد العيش وسعة الرزق‪.‬‬
‫سابعا ً ‪ -:‬قوله صلى الله عليه وسلم‪((:‬الخلفة بعدي ثلثون سنة‬
‫ثم يؤتي الله ملكه من يشاء)) فهذا الخبر من أنباء الغيب‪ ،‬إذ‬
‫كانت خلفة أبي بكر سنتين وأربعة أشهر إل عشر ليال‪ ،‬وكانت‬
‫خلفة عمر عشر سنين وستة أشهر وأربعة أيام‪ ،‬وخلفة عثمان‬
‫اثنتي عشر سنة إل اثني عشر يوماً‪ ،‬وكانت خلفة علي خمس‬
‫سنوات إل شهرين‪ ،‬وتكميل الثلثين بخلفة الحسن بن علي رضي‬
‫الله عنهما‪ ،‬إذ كانت نحو من ستة أشهر‪ ،‬ثم نزل عليهما لمعاوية‬
‫عام أربعين من الهجرة‬
‫‪ 20‬يوم‬
‫‪ 3‬أشهر‬
‫‪ 2‬سنة‬
‫أبو بكر‬
‫عـمر‬

‫‪10‬‬

‫سنوات‬

‫عثمان‬
‫علـي‬
‫الحسن‬
‫المجـموع =‬

‫‪6‬‬

‫سنة‬

‫‪11‬‬

‫شهر‬

‫سنوات‬

‫‪10‬‬

‫أشهر‬

‫‪11‬‬
‫‪4‬‬

‫شهر‬

‫شهريــــــــن‬
‫‪30‬‬

‫ســنة‬

‫‪23‬‬

‫‪4‬‬

‫أيام‬

‫‪18‬‬

‫يوم‬

‫ثامناً‪ -:‬قوله صلى الله عليه وسلم في عثمان رضي الله‬
‫عنه‪((،‬افتح له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه)) وذلك في حديث‬
‫ه‪ :‬أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل حائطاً(بستان)‬
‫صحيح ونص ُ‬
‫فدلى رجليه في القف(الدكة تجعل حول البئر يجلس عليها وتدلى‬
‫الرجل في الماء المستخرج من البئر) فقال أبو موسى وكان‬
‫معه‪ -:‬لكونن اليوم بواب رسول الله صلى الله عليه وسلم‪،‬‬
‫فجلست خلف الباب فجاء رجل فقال‪:‬أفتح فقلت من أنت؟ قال‬
‫ت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‪(:‬أفتح‬
‫أبو بكر‪ ،‬فأخبر ُ‬
‫له وبشره ُ بالجنة) ثم جاء عمر‪ ،‬فقال كذلك‪ ،‬ثم جاء عثمان فقال‪:‬‬
‫((ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه)) فهذا الخبر من أنباء‬
‫الغيب الدالة على نبوته صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫تاسعاً‪ :‬قوله صلى الله عليه وسلم‪((-:‬إن جبريل كان يعارضني‬
‫القرآن كل عام مرة‪،‬وإنه عارضني العام مرتين‪ ،‬وما أرى ذلك إل‬
‫اقتراب أجلي))‪ ،‬فبكت فاطمة ثم سارها فأخبرها بأنها سيدة‬
‫نساء أهل الجنة‪ ،‬وأنها أول أهله لحوقا ً به‪ ،‬فكان كما أخبر إذ‬
‫ماتت بعده بستة أشهر‪ ،‬ولم يمت قبلها من آل البيت أحد‪ ،‬فكأن‬
‫هذا الخبر آية من نبوته صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫عاشراً‪ :‬قوله صلى الله عليه وسلم لنسائه‪((-:‬كيف بإحداكن تنبح‬
‫عليها كلب الحواب)) وكان ذلك كما أخبر‪ ،‬فقد خرجت عائشة‬
‫رضي الله عنها تُريد الصلح بين علي ومعاوية رضي الله عنهما‬
‫في وقعة الجمل‪ ،‬فلما بلغت مياه بني عامر ليل ً نبحت الكلب‪،‬‬
‫فقالت رضي الله عنها‪:‬أي ماءٍ هذا؟ فقالوا‪ :‬ماء الحواب‪،‬فقالت‪:‬‬
‫ما أظنني إل راجعه‪:‬فقال بعض من كان معها‪ :‬بل تقدمي فيراك‬
‫المسلمون فيصلح الله ذات بينهم‪ ،‬قالت‪ :‬إن رسول الله صلى‬
‫الله عليه سلم قال لنا ذات يوم‪ -:‬قال‪((-:‬كيف بإحداكن تنبح‬
‫عليها كلب الحواب)) فهذا الخبر الصادق قد وقع كما أخبر به‬
‫قبل وقوعه بكذا سنة‪.‬‬
‫الحادي عشر‪ -:‬قوله صلى الله عليه وسلم في حديث احمد عن‬
‫عمار بن ياسر قال‪ :‬قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي‬
‫حين ولى غزوة العشيرة‪(:‬يا أبا تراب أل أحدثك بأشقى الناس‬
‫رجلين؟) قلنا بلى يا رسول الله‪ :‬قال(أحيمر ثمود‪ ،‬الذي عقر‬
‫الناقة‪ ،‬والذي يضربك يا علي على هذه ‪ -‬يعني قرنه ‪ -‬حتى يبل‬
‫أي بالدم هذه أي لحيته) [ صحيح الجامع الصغير ]‬
‫فكان كما أخبر صلى الله عليه وسلم فقد ضربه رضي الله عنه‬
‫عبد الرحمن بن ملجم أحد الخوارج بالكوفة فقتله على نحو ما‬
‫أخبر عليه الصلة والسلم‪.‬‬

‫‪24‬‬

‫الثاني عشر‪ -:‬قوله صلى الله عليه وسلم((سيكون في هذه المة‬
‫بعث إلى السند والهند)) فهذا الخبر الصادق وقع كما أخبر صلى‬
‫الله عليه وسلم فقد فتح المسلمون الهند أيام معاوية سنة ‪44‬هـ‬
‫أربع وأربعين ثم توالى الغزو والفتح كما أخبر صلى الله عليه‬
‫وسلم‪.‬‬
‫سهيل بن عمرو‪-:‬‬
‫رابع عشر‪ -:‬قوله صلى الله عليه وسلم في ُ‬
‫(عسى أن يقوم مقاما ً يسرك يا عمر) وذلك يوم صلح الحديبية‬
‫سهيل وكان ممثلً‬
‫حيث غضب عمر رضي الله عنه من تعنت ُ‬
‫لقريش يومئذ فقال له صلى الله عليه وسلم‪(-:‬عسى أن يقوم‬
‫مقاما ً يسرك يا عمر) وكان المر كما أخبر صلى الله عليه وسلم‬
‫إذ مات الرسول صلى الله عليه وسلم واضطربت البلد ونجم‬
‫الكفر ووقف سهيل بن عمرو رضي الله عنه بباب الكعبة بمكة‬
‫فخطب فثبت أهل مكة وقوى بصائرهم فحفظهم الله من الردة‬
‫بسببه وهو موقف سر عمر والمؤمنين وصدق عليه الصلة‬
‫والسلم‪.‬‬
‫خامس عشر‪ :‬النبي صلى الله عليه وسلم يخبر وهو في المدينة‬
‫أن أمته ستفتح كنوز كسرى‪:‬‬
‫روى المام البخاري رحمه الله بإسناده إلى عدي بن حاتم قال‪:‬‬
‫بينا أنا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أتاه رجل فشكا إليه‬
‫الفاقة‪ ،‬ثم أتاه آخر فشكا إليه قطع السبيل‪ .‬فقال‪[ :‬يا عدي‪ ،‬هل‬
‫رأيت الحيرة؟] قلت‪ :‬لم أرها‪ ،‬وقد أنبئت عنها‪ .‬قال‪[ :‬فإن طالت‬
‫بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة ل‬
‫تخاف أحدا ً إل الله‪ ،‬قلت فيما بيني وبين نفسي فأين دعار(الدعار‬
‫هو الخبث الشديد) طيء الذين قد سعروا البلد؟ ولئن طالت بك‬
‫حياة لتفتحن كنوز كسرى]‪ .‬قلت‪ :‬كسرى بن هرمز؟ قال‪:‬‬
‫[كسرى بن هرمز‪ .‬ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج ملء‬
‫كفه من ذهب أو فضة يطلب من يقبله منه فل يجد أحدا ً يقبله‬
‫منه‪ ،‬وليلقين الله أحدكم يوم يلقاه وليس بينه وبينه ترجمأن‬
‫يترجم له‪ ،‬فيقولن ألم أبعث إليك رسول ً فيبلغك فيقول بلى‬
‫فيقول‪ :‬ألم أعطك مال ً وأفضل عليك؟ فيقول‪ :‬بلى!! فينظر عن‬
‫يمينه فل يرى إل جهنم‪ ،‬وينظر عن يساره فل يرى إل جهنم]‪ .‬قال‬
‫عدي‪ :‬سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول‪[ :‬اتقوا النار‬
‫ولول بشق تمرة‪ ،‬فمن لم يجد شق تمرة فبكلمة طيبة]‪ .‬قال‬
‫عدي‪ :‬فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة ل‬
‫تخاف إل الله‪ ،‬وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز‪ ،‬ولئن‬
‫طالت بكم حياة لترون ما قال النبي أبو القاسم صلى الله عليه‬
‫وسلم‪ :‬يخرج ملء كفه‪(.‬رواه البخاري)‬
‫‪25‬‬

‫سادس عشر‪ :‬إخباره صلى الله عليه وسلم بأنه إذا هلك كسرى‬
‫فل كسرى بعده‪ ،‬وإذا هلك قيصر فل قيصر بعده‪:‬‬
‫قال البخاري رحمه الله‪ :‬حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب حدثنا أبو‬
‫الزناد عن العرج عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم قال ‪":‬إذا هلك كسرى فل كسرى بعده‪،‬‬
‫وإذا هلك قيصر فل قيصر بعده‪ ،‬والذي نفسي بيده لتنفقن‬
‫كنوزهما في سبيل الله‪.‬‬
‫سابع عشر‪ :‬الخبار عن فتح خيبر من الغد فتم ما أخبر به‬
‫الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم‪ :‬قال عليه الصلة‬
‫والسلم في غزوة خيبر‪((-:‬لعطين هذه الراية غدا رجل ً يفتح الله‬
‫على يديه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله)) قال فبات‬
‫الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها فلما أصبح الناس غدوا على‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يرجو أن يعطاها فقال‪:‬‬
‫أين علي بن أبي طالب" فقيل هو يا رسول الله يشتكي عينيه‬
‫قال ‪ :‬فأرسلوا إليه (ائتوني به) فأُتي به فنفث في عينه بقليل من‬
‫ريقه عليه الصلة والسلم فبرأ لتوه ولم يمرض بعينه قط‪ [ .‬رواه‬
‫البخاري في كتاب الغزوات ورواه مسلم في باب فضائل‬
‫الصحابة]‬
‫وفي الحديث معجزتين ظاهرتين للنبي صلى الله عليه وسلم‬
‫الولى إخباره بأن الله تعالى يفتح على يديه خيبر فكان كما‬
‫أخبر‪ ،‬والثانية شفائه علي رضي الله عنه وأرضاه‪.‬‬
‫الثامن عشر‪ :‬ومن علمات نبوته صلى الله عليه وسلم أنه أخبر‬
‫عن مصارع المشركين في بدر قبل مصرعهم‪ :‬روى مسلم في‬
‫صحيحه وأحمد _ واللفظ له _ عن أنس بن مالك رضي الله عنه‬
‫قال‪ :‬كنا مع عمر بين مكة والمدينة فترائينا الهلل وكنت حديد‬
‫البصر فرأيته فجعلت أقول لعمر‪ :‬أما تراه‪ ،‬قال سأراه وأنا‬
‫مستلق على فراشي‪ ،‬ثم أخذ يحدثنا عن أهل بدر‪ ،‬قال‪ :‬إن كان‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم ليرينا مصارعهم بالمس‪،‬‬
‫يقول‪((:‬هذا مصرع فلن غدا ً إن شاء الله تعالى‪ ،‬وهذا مصرع‬
‫فلن غدا ً أن شاء الله تعالى)) قال‪ :‬فجعلوا يصرعون عليها قال‪،‬‬
‫قلت والذي بعثك بالحق ما أخطئوا تيك كانوا يصرعون عليها‪.‬‬
‫التاسع عشر‪ :‬إخباره صلى الله عليه وسلم عن مقتل أمراء مؤتة‬
‫قبل أن يأتي الخبر بمقتلهم‪:‬‬
‫روى البخاري في الصحيح عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم نعى زيدا ً وجعفرا ً وابن رواحة للناس‬
‫قبل أن يأتيهم خبرهم فقال‪(( :‬أخذ الراية زيد فأصيب‪ ،‬ثم أخذ‬
‫جعفر فأصيب ثم أخذ ابن رواحه فأصيب ‪ -‬وعيناه تذرفان _ حتى‬
‫‪26‬‬

‫أخذها سيف من سيوف الله _ يعني خالد ابن الوليد رضي الله‬
‫عنه _ حتى فتح الله عليهم)) [ الفتح ‪] 54 / 9‬‬
‫عشرون‪ :‬إخباره صلى الله عليه وسلم بفساد بعض أحوال‬
‫المسلمين وقتالهم بعضهم بعضا ً بعد فتح فارس والروم‪:‬‬
‫قال مسلم رحمه الله‪ :‬حدثنا عمرو بن سواد العامري أخبرنا عبد‬
‫الله بن وهب أخبرني عمرو بن العاص حدثه عن عبد الله بن‬
‫عمرو بن العاص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‪[ :‬‬
‫إذا فتحت عليكم فارس والروم أي قوم أنتم؟ ] قال عبد الرحمن‬
‫بن عوف‪ :‬نقول كما أمرنا الله‪ .‬قال رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم‪[ :‬أو غير ذلك‪ .‬تتنافسون ثم تتحاسدون ثم تتدابرون ثم‬
‫تتباغضون أو نحو ذلك‪ ،‬ثم تنطلقون في مساكن المهاجرين‬
‫فتجعلون بعضهم على رقاب بعض](مسلم ‪)4/2274‬‬
‫قلت‪ :‬وللسف فقد حدث ما أخبر به الرسول صلى الله عليه‬
‫وسلم‪ ،‬وقتل المهاجرين والنصار بعضهم بعضا ً في الجمل‬
‫وصفين!! فأنا لله وأنا إليه راجعون‬
‫الحادي والعشرون‪ :‬أخبر صلى الله عليه وسلم بأنه ل تقوم‬
‫الساعة حتى تقاتل أمته قوما ً صغار العين ذلف النوف(قصر‬
‫النف مع انبطاحه)‪ ،‬وهذه حلية التتار‪ ،‬فكان كذلك ووقع ما أخبر‬
‫به الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫الثاني والعشرون‪ :‬أخبر صلى الله عليه وسلم بأن عمارا ً ستقتله‬
‫الفئة الباغية‪ ،‬فقتل يوم صفين مع علي رضي الله عنه [ رواه‬
‫البخاري‪ :‬الصلة [ ‪ ] 644 / 1‬ومسلم‪ :‬الفتن [ ‪ ] 2915 / 4‬وأخرجه‬
‫مسلم في صحيحه رقم(‪ )2916‬من حديث أم سلمة‪.‬‬
‫الثالث والعشرون‪ :‬أخبر صلى الله عليه وسلم بقتال الخوارج‪،‬‬
‫ووصف لهم الثدية‪ ،‬فحدث كما وصف سواء بسواء‪ .‬وأحاديث‬
‫قتال الخوارج متواترة‪ ،‬أنظرها في السنة لبن أبي عاصم(‪623 / 2‬‬
‫_ ‪ )2233‬من حديث أبي بكرة‪.‬‬
‫الثالث والعشرون‪ :‬أخبر الصادق المصدوق عليه الصلة والسلم‬
‫بأنه سوف تخرج نار من أرض الحجاز تضيء لها أعناق البل‬
‫ببصرى‪ ،‬فوقع ما أخبر به‪ ،‬وكان ظهور هذه النار في سنة بضع‬
‫وخمسين وستمائة‪ ،‬وتواتر أمرها‪ [ .‬البخاري‪ :‬الفتن ‪] 84 / 13‬‬
‫[ مسلم‪ :‬الفتن ‪ ] 2227 / 4‬رقم(‪ )2902‬قال النووي‪ :‬تواتر العلم‬
‫بخروج هذه النار عند أهل الشام _ وبصرى مدينة معروفة‬
‫بالشام‪ ،‬تبعد عن دمشق حوالي ‪ 100‬كم شرقاً‪.‬‬
‫وأخيًرا وبعد هذا العرض لبعض المعجزات الظاهرة للنبي الخاتم‬
‫صلى الله عليه وسلم نقول‪ :‬تعسا ً والله لمن ل يعتبر‪..‬‬
‫وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العاللمين‬
‫‪27‬‬

‫‪.2‬‬

‫ت‬
‫ن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأ ِ‬
‫شبهة أ ّ‬
‫بمعجزة‬

‫مقدمة‪:‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫طبع أحد المستشرقين كتابا مختصرا يحتوي على ترجمة لحياة‬
‫النبي(صلى الله عليه وآله)‪ ،‬وعلى غلف الكتاب وضعت صورة‬
‫خيالية للنبي(صلى الله عليه وآله)‪ ،‬كتب تحتها العبارة التية‪ :‬متى‬
‫يُطلب منه – يقصد بذلك النبي(صلى الله عليه وآله) – التيان‬
‫بمعجزة‪ ،‬كان يقول‪ :‬ليس لدّي معجزة‪ ،‬وأن الله لم يمنحنيها‪.‬‬
‫رد الشبهة‪:‬‬
‫ن هذا المستشرق خلط الحق بالباطل بهذه الشبهة‪ ،‬فعندما قال‬
‫إ ّ‬
‫النبي(صلى الله عليه وآله)‪ :‬المعجزة ليست بيدي‪ ،‬هذا الكلم‬
‫حق‪ ،‬ويعرفه الناس جميعاً‪ ،‬والية الكريمة التية تؤيّد ذلك‪ ،‬قال‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫الله تعالى‪(:‬وما كَان ل ِرسو َ‬
‫ن اللهِ) الرعد‪،38 :‬‬
‫َ َ‬
‫ي بِآيَةٍ إِل ّ بِإِذ ْ ِ‬
‫ل أن يَأت ِ َ‬
‫َ َ ُ ٍ‬
‫غافر‪.78 :‬‬
‫وفي معاجز النبي عيسى(عليه السلم) يؤكّد القرآن الكريم على‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ر‬
‫هذا المضمون‪ ،‬قال تعالى‪(:‬أَنِّي أ َ ْ‬
‫خلُقُ لَكُم ِّ‬
‫م َ‬
‫ن كَهَيْئَةِ ُالط ّي ْ ِ‬
‫ن الطِي َ ِ‬
‫ُ‬
‫فَأَنفُ ُ‬
‫حيِـي‬
‫ص وَأ ْ‬
‫خ فِيهِ فَيَكُو ُ‬
‫م َ‬
‫ن اللهِ وَأبْرِىءُ الك ْ َ‬
‫ه والبَْر َ‬
‫ن طَيًْرا بِإِذ ْ ِ‬
‫ن اللهِ) آل عمران‪.49 :‬‬
‫موتَى بِإِذ ْ ِ‬
‫ال ْ َ ْ‬
‫ن النبياء(عليهم السلم) جميعا ً ل يستطيعون‬
‫وخلصة القول‪ :‬أ ّ‬
‫عمل شيء إل ّ بإذن الله تعالى‪ ،‬وهذا الكلم يدعمه الدليل العلمي‬
‫والفلسفي‪.‬‬
‫ن النبي(صلى‬
‫نعود الن إلى الدِّعاء الثاني من الشبهة‪ ،‬وهو‪ :‬أ ّ‬
‫ن الله لم يعطني أي معجزة‪.‬‬
‫الله عليه وآله) قال‪ :‬بأ ّ‬
‫ن القرآن الكريم‪ ،‬والخبار‪ ،‬والحاديث‬
‫وهذا ال ِدّعاء مرفوض‪ ،‬ل ّ‬
‫المتواترة‪ ،‬التي جمعها المحدّثون في كتبهم‪ ،‬اتفقت جميعها على‬
‫حدوث كثير من المعجزات على يد النبي(صلى الله عليه وآله)‪،‬‬
‫وأنّها كانت بتسديد من الله عَّز وجل‪.‬‬
‫لنصرف النظر الن عن كتب الحديث والرواية‪ ،‬ونذهب إلى‬
‫القرآن الكريم‪ ،‬ليقضي بيننا في هذا المر‪ ،‬نجد القرآن الكريم قد‬
‫ذكر كثيرا ً من المعجزات‪ ،‬نذكر منها على سبيل المثال ل الحصر‪:‬‬
‫‪ - 1‬شق القمر(سورة القمر)‪.‬‬
‫‪ - 2‬المعراج(سورة السراء)‪.‬‬
‫‪ - 3‬المباهلة(آل عمران‪.)61 :‬‬
‫وبناءً على ذلك يكون الرسول(صلى الله عليه وآله) قد جاء‬
‫بالمعجزات كباقي النبياء(عليهم السلم) عندما كان الناس‬
‫ن معجزات النبياء(عليهم‬
‫يطالبونه بها لثبات نبوته‪ ،‬علما ً أ ّ‬
‫صة بزمانهم ومكانهم‪.‬‬
‫السلم) كانت خا ّ‬
‫‪28‬‬

‫صاً‬
‫أما معجزات النبي(صلى الله عليه وآله) فمنها ما كان مخت ّ‬
‫بزمان ومكان معين‪ ،‬ومنها التي لم تتقيّد بحدود المكان والزمان‪،‬‬
‫وبقت وستبقى شاهدة على نبوته(صلى الله عليه وآله) إلى يوم‬
‫القيامة‪ ،‬وهي معجزة القرآن الكريم‪.‬‬
‫القرآن الكريم الذي تحدَّى الناس أجمعين من الولين والخرين‪،‬‬
‫بأن يأتوا ولو بآية من مثله‪ ،‬لكنهم عجزوا عن ذلك‪ ،‬لذلك – وأمام‬
‫هذا التحدي – نجد بعض المغرضين‪ ،‬أو قاصري النظر‪ ،‬تصوّروا‬
‫ن النبي(صلى الله عليه وآله) ليس لديه معجزة غير القرآن‪.‬‬
‫بأ ّ‬
‫ن‬
‫في الوقت الذي صَّرحت به كثير من اليات والروايات بأ ّ‬
‫للنبي(صلى الله عليه وآله) معجزات أخرى غير القرآن الكريم‪،‬‬
‫وقد ذكرنا قسما ً منها فيما تقدّم‪.‬‬
‫‪ .3‬المعجزة الكبرى‪ ..‬القرآن الكريم‬
‫أعطى الله عز وجل كل نبي من النبياء عليهم السلم معجزة‬
‫خاصة به لم يعطيها بعينها غيره تحدى بها قومه‪ ،‬وكانت معجزة‬
‫كل نبي تقع مناسبة لحال قومه وأهل زمانه‬
‫فلما كان الغالب على زمان موسى عليه السلم السحر وتعظيم‬
‫السحرة‪ ،‬بعثه الله بمعجزة بهرت البصار‪ ،‬وحيرت كل سحار‪،‬‬
‫فلما استيقنوا أنها من عند العزيز الجبار انقادوا للسلم وصاروا‬
‫من عباد الله البرار‪.‬‬
‫وأما عيسى عليه السلم فبعثه الله في زمن الطباء وأصحاب‬
‫علم الطبيعة‪ ،‬فجاءهم من اليات بما ل سبيل لحد إليه إل أن‬
‫يكون مؤيدًا من الذي شرع الشريعة‪ ،‬فمن أين للطبيب قدرة‬
‫على إحياء الجماد‪ ،‬وبعث من هو في قبره رهين إلى يوم التناد‪،‬‬
‫أو على مداواة الكمه والبرص‪،‬‬
‫وكذلك نبينا بعث في زمان الفصحاء والبلغاء وتجاريد الشعراء‪،‬‬
‫فأتاهم بكتاب من عند الله عز وجل‪ ،‬فاتهمه أكثرهم أنه اختلقه‬
‫وافتراه من عنده فتحداهم ودعاهم أن يعارضوه ويأتوا بمثله‬
‫ُ َّ‬
‫وليستعينوا بمن شاءوا فعجزوا‬
‫ن‬
‫عن ذلك كما قال تعالي‪( :‬قْل لئ ِ ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ج ُّ‬
‫ن‬
‫ن ع َلَى أن يَأتُوا ب ِ ِ‬
‫معَ ِ‬
‫ن ل َ يَأتُو َ‬
‫ا ْ‬
‫س وَال ْ ِ‬
‫جت َ َ‬
‫ت الِن ُ‬
‫ل هَـذ َا القُْرآ ِ‬
‫مث ْ ِ‬
‫ض ظَهِيراً) ‪ -‬سورة السراء آية ‪ 88‬وكما‬
‫ضه‬
‫بِ ِ‬
‫م لِبَعْ‬
‫ن بَعْ ُ‬
‫مثْلِهِ وَلَوْ كَا َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ٍ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ن {‪ }33‬فَلْيَأتُوا‬
‫ه بَل ّل يُؤ ْ ِ‬
‫منُو َ‬
‫م يَقُولُو َ‬
‫قال الله تعالي‪( :‬أ ْ‬
‫ن تَقَوَّل َ ُ‬
‫ن) ‪ -‬سورة الطور ايات ‪ 33‬و ‪34‬‬
‫ث ِّ‬
‫حدِي ٍ‬
‫بِ َ‬
‫مثْلِهِ إِن كَانُوا َ‬
‫صادِقِي َ‬
‫ثم تقاصر معهم إلى عشر سور منه فقال في سورة هود‪( :‬أم‬
‫يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من‬
‫استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين)‪.‬‬

‫‪29‬‬

‫ثم تنازل إلى سورة فقال في سورة يونس‪( :‬أم يقولون افتراه‬
‫قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم‬
‫صادقين) وكذلك في سورة البقرة وهى مدنية أعاد التحدي‬
‫بسورة منه‪ ،‬وأخبر تعالى أنهم ل يستطيعون ذلك أبدا ل في‬
‫م َّ‬
‫ما نََّزلْنَا‬
‫ب ِّ‬
‫الحال ول في المآل فقال تعالى‪( :‬وَإِن كُنت ُ ْ‬
‫م فِي َري ْ ٍ‬
‫ْ‬
‫مثْلِهِ وَادْع ُوا ْ ُ‬
‫ن اللّهِ‬
‫شهَدَاءكُم ِّ‬
‫من ِّ‬
‫سوَرةٍ ِّ‬
‫ع َلَى ع َبْدِنَا فَأتُوا ْ ب ِ ُ‬
‫من د ُ َو ِ‬
‫َ‬
‫م تَفْعَلُوا ْ وَلَن تَفْعَلُوا ْ فَاتَّقُوا ْ النَّاَر ال ّتِي‬
‫إِ ْ‬
‫ن فَإِن ل ّ ْ‬
‫ن كُنْت ُ ْ‬
‫م َ‬
‫صادِقِي َ‬
‫ُ‬
‫ن) (سورة البقرة‪.)24-23:‬‬
‫س وَال ْ ِ‬
‫جاَرة ُ أ ِ‬
‫ح َ‬
‫عد َّ ْ‬
‫وَقُودُهَا النَّا ُ‬
‫ت لِلْكَافِرِي َ‬
‫وهكذا وقع‪ ،‬فإنه من لدن رسول الله صلى الله عليه و سلم وإلى‬
‫زماننا هذا لم يستطع أحد أن يأتي بنظيره ول نظير سورة منه‪،‬‬
‫وهذا ل سبيل إليه أبدا؛ فإنه كلم رب العالمين الذي ل يشبهه‬
‫شيء من خلقه ل في ذاته ول في صفاته ول في أفعاله‪ ،‬فأنى‬
‫يشبه كلم المخلوقين كلم الخالق؟‬
‫وقد انطوى كتاب الله العزيز على وجوه كثيرة من وجوه‬
‫العجاز‪ :‬ذلك أن القرآن الكريم معجز في بنائه التعبيري وتنسيقه‬
‫الفني باستقامته على خصائص واحدة في مستوى واحد ل يختلف‬
‫ول يتفاوت ول تختلف خصائصه معجز في بنائه الفكري وتناسق‬
‫أجزائه وتكاملها‪ ،‬فل فلتة فيه ول مصادفة‪ ،‬كل توجيهاته‬
‫وتشريعاته تتناسب وتتكامل وتحيط بالحياة البشرية دون أن‬
‫تصطدم بالفطرة النسانية معجز في يسر مداخله إلى القلوب‬
‫والنفوس ولمس مفاتيحها وفتح مغاليقها واستجاشة مواضع التأثر‬
‫والستجابة فيها وقد سرد هبة الدين الحسيني الشهرستاني‬
‫المزايا الجمالية للقرآن ومنها‪:‬‬
‫ فصاحة ألفاظه الجامعة لكل شرائعها‪.‬‬‫ أنباؤه الغيبية‪ ،‬وأخباره عن كوامن الزمان‪ ،‬وخفايا المور‪.‬‬‫ قوانين حكيمة في فقه تشريعي‪ ،‬فوق ما في التوراة والنجيل‪،‬‬‫وكتب الشرائع الخرى‬
‫ سلمته عن التعارض والتناقض والختلف‪.‬‬‫أسرار علمية لم تهتد العقول إليها بعد عصر القرآن إل بمعونة‬‫الدوات الدقيقة واللت الرقيقة المستحدثة‪.‬‬
‫ ظهوره على لسان أمي لم يعرف القراءة ول الكتابة‪.‬‬‫خطاباته البديعة‪ ،‬وطرق إقناعه الفذة‪.‬‬‫ سلمته من الخرافات والباطيل‪.‬‬‫تضمنه السس لشريعة إنسانية صالحة لكل زمان ومكان‪.‬‬‫قال الحافظ بن كثير‪ :‬إن الخلق عاجزون عن معارضة هذا‬
‫القرآن‪ ،‬بعشر سور مثله‪ ،‬بل عن سورة منه‪ ،‬وأنهم ل يستطيعون‬
‫َ‬
‫م تَفْعَلُوا ْ وَلَن تَفْعَلُواْ) ‪ (-‬سورة البقرة آية‬
‫كما قال تعالى‪(:‬فَإِن ل ّ ْ‬
‫‪30‬‬

‫‪ )24‬أي فان لم تفعلوا في الماضي‪ ،‬ولن تستطيعوا ذلك في‬
‫المستقبل‪ ،‬وهذا تحد ثان‪ ،‬وهو أنه ل يمكن معارضتهم له في‬
‫الحال ول في المآل ومثل هذا التحدي إنما يصدر عن واثق بأن ما‬
‫جاء به ل يمكن لبشر معارضته‪ ،‬ول التيان بمثله‪ ،‬ولو كان من‬
‫عند نفسه لخاف أن يعارض‪ ،‬فيفتضح ويعود عليه نقيض ما قصد‬
‫من متابعة الناس له‪..‬‬
‫‪ .4‬عصمته صلى الله عليه وسلم من الناس‬
‫لقي رسول الله صلى الله عليه و سلم من أعدائه كثير الذى‬
‫وعظيم الشدة منذ أن جهر بدعوته ولكن الله تبارك وتعالى‬
‫حفظه ونصره وعصمه من الناس كما قال تعالى في كتابه‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ل إِلَي ْ َ‬
‫من َّرب ِّ َ‬
‫سو ُ‬
‫ما أُنزِ َ‬
‫م تَفْعَ ْ‬
‫ل‬
‫ك ِ‬
‫العزيز‪( :‬يَا أي ُّ َها الَّر ُ‬
‫ل بَل ِّغْ َ‬
‫ك وَإِن ل ّ ْ‬
‫َّ‬
‫ن الن َّ‬
‫ه وَالل ّ‬
‫سال َ‬
‫َ‬
‫س ‪ -‬سورة المائدة آية‬
‫ا‬
‫م‬
‫ك‬
‫م‬
‫ص‬
‫ع‬
‫ي‬
‫ه‬
‫ت‬
‫ر‬
‫ت‬
‫غ‬
‫ما بَل‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫فَ َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫‪.67‬‬
‫وقد كان النبي صلى الله عليه و سلم يحرس قبل نزول هذه الية‬
‫من قبل بعض أصحابه فلما نزلت هذه الية قال‪ :‬يا أيها الناس‬
‫انصرفوا عني فقد عصمني الله عز وجل‬
‫ومن المثلة على عصمة الله لرسوله وكف العداء عنه‪:‬‬
‫عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‪ :‬قال أبو جهل‪ :‬هل يعفر‬
‫محمد وجهه بين أظهركم؟ ‪ -‬أي يسجد ويلصق وجهه بالعفر وهو‬
‫التراب قال‪ :‬قيل‪ :‬نعم فقال‪ :‬واللت والعزى لئن رأيته يفعل‬
‫ذلك لطأن على رقبته أو لعفرن وجهه في التراب‪ .‬قال‪ :‬فأتى‬
‫رسول الله رضي الله عنه وهو يصلي زعم ليطأ على رقبته قال‬
‫فما فجئهم(أي بغتهم) منه إل وهو ينكص على عقبيه(أي رجع‬
‫يمشي إلى ورائه) ويتقي بيديه قال فقيل له‪ :‬مالك؟ فقال‪ :‬إن‬
‫بيني وبينه لخندقًا من نار وهول ً وأجنحة‪ .‬فقال رسول الله صلى‬
‫الله عليه و سلم‪ :‬لو دنا مني لختطفته الملئكة عضوًا عضوًا ‪-‬‬
‫رواه البخاري مختصًرا ورواه مسلم واللفظ له‪.‬‬
‫عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه في قصة الهجرة النبوية‬
‫قال‪ :‬فارتحلنا بعد ما مالت الشمس واتبعنا سراقة بن مالك‬
‫فقلت‪ :‬أتينا يا رسول الله فقال‪ :‬ل تحزن إن الله معنا فدعا عليه‬
‫النبي صلى الله عليه و سلم فارتطمت به فرسه إلى بطنها‬
‫فقال‪ :‬إني أراكما قد دعوتما علي فادعوا لي فالله لكما أن أرد‬
‫عنكما الطلب‪ .‬فدعا له النبي صلى الله عليه و سلم فنجا فجعل‬
‫ل يلقى أحدًا إل قال‪ :‬كفيتكم ما هنا فل يلقى أحدًا إل رده قال‪:‬‬
‫ووفيلنا ‪ -‬رواه مسلم والبخاري مطولً‪.‬‬
‫عن سلمة بن الكوع رضي الله عنه قال‪ :‬غزونا مع رسول الله‬
‫صلى الله عليه و سلم حنينًا فولى صحابة النبي صلى الله عليه و‬
‫‪31‬‬

‫سلم فلما غشوا رسول الله صلى الله عليه و سلم(أي أتوه من‬
‫كل جانب) نزل عن البغلة ثم قبض قبضة من تراب الرض ثم‬
‫استقبل به وجوههم فقال‪ :‬شاهت الوجوه(أي قبحت) فما خلق‬
‫الله منهم إنسانًا إل مل عينيه ترابًا بتلك القبضة فولوا مدبرين‬
‫فهزمهم الله عز وجل وقسم رسول الله صلى الله عليه و سلم‬
‫غنائمهم بين المسلمين ‪ -‬رواه مسلم‪.‬‬
‫عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال‪ :‬غزونا مع رسول الله‬
‫صلى الله عليه و سلم قبل نجد(أي ناحية نجد في غزوته إلى‬
‫غطفان وهي غزوته ذي أمر موضع من ديار غطفان) فأدركنا‬
‫رسول الله صلى الله عليه و سلم في واد كثير العضاه(هي كل‬
‫شجرة ذات شوك) فنزل رسول الله صلى الله عليه و سلم تحت‬
‫شجرة فعلق سيفه بغصن من أغصانها قال‪ :‬وتفرق الناس في‬
‫الوادي يستظلون بالشجر قال‪ :‬فقال رسول الله صلى الله عليه‬
‫و سلم‪ :‬إن رجل ً أتلني وأنا نائم فأخذ السيف فاستيقظت وهو‬
‫قائم على رأسي فلم أشعر إل والسيف صلتًا(أي مسلولً) في‬
‫يده فقال لي‪ :‬من يمنعك مني؟ قال‪ :‬قلت‪ :‬الله ثم قال في‬
‫الثانية‪ :‬من يمنعك مني؟ قال‪ :‬قلت‪ :‬الله‪ .‬قال‪ :‬فشام السيف(أي‬
‫رده في غمده) فها هو ذا جالس ثم لم يعرض له رسول الله‬
‫صلى الله عليه و سلم ‪ -‬رواه البخاري ومسلم‪.‬‬
‫جالس أمامها ول تراه‪:‬‬
‫ت يَدَا‬
‫قالت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها‪ :‬لما نزلت {تَب َّ ْ‬
‫َ‬
‫ب وَت َ َّ‬
‫ب } جاءت العوراء أم جميل‪ ،‬ولها ولولة وفي يدها‬
‫أبِي لَهَ ٍ‬
‫ما أبينا‪ ،‬ودينه قلينا‪ ،‬وأمره عصينا‪ ،‬ورسول‬
‫فهر وهي تقول‪ :‬مذم ً‬
‫الله صلى الله عليه وسلم جالس‪ ،‬وأبو بكر إلى جنبه‪ ،‬فقال أبو‬
‫بكر رضي الله عنه‪ :‬لقد أقبلت هذه‪ ،‬وأنا أخاف أن تراك‪ ،‬فقال‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ :‬إنها لن تراني‪ ،‬وقرأ قرآنًا‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫جعَلْنَا بَيْن َ َ‬
‫ن لَ‬
‫ن َ‬
‫ت الْقُرآ َ‬
‫اعتصم به منها‪{ :‬وَإِذ َا قََرأ َ‬
‫ن ال ّذِي َ‬
‫ك وَبَي ْ َ‬
‫جابا ً َّ‬
‫ستُوراً}‪.‬‬
‫خَرةِ ِ‬
‫ن بِال ِ‬
‫يُؤ ْ ِ‬
‫ح َ‬
‫منُو َ‬
‫م ْ‬
‫قال‪ :‬فجاءت حتى قامت على أبي بكر‪ ،‬فلم تر النبي صلى الله‬
‫عليه وسلم‪ ،‬فقالت‪ :‬يا أبا بكر بلغني أن صاحبك هجاني‪ ،‬فقال أبو‬
‫بكر‪ :‬ل ورب هذا البيت ما هجاك(أي أنه حكى ما قاله ربه‪ ،‬وما‬
‫كان هذا كلمه‪ ،‬وإنما كلم ربه تعالى فلم يكن هاجيًا له)‪ ،‬قال‪:‬‬
‫فانصرفت وهي تقول‪ :‬لقد علمت قريش أني بنت سيدها ‪ -‬رواه‬
‫أبو يعلى‪.‬‬
‫مر صلى الله عليه وسلم عليهم وألقى على رءوسهم التراب ول‬
‫يرونه‪:‬‬

‫‪32‬‬

‫لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم عليًا رضي الله عنه يوم‬
‫الهجرة أن يبيت في مضجعه تلك الليلة‪ ،‬واجتمع أولئك النفر من‬
‫قريش يتطلعون من صير الباب ويرصدونه‪ ،‬ويريدون بياته‬
‫ويأتمرون أيهم يكون أشقاها‪ ،‬فخرج رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم عليهم‪ ،‬فأخذ حفنة من البطحاء‪ ،‬فجعل يذره على‬
‫رءوسهم‪ ،‬وهم ل يرونه وهو يتلو { وجعلْنا من بي َ‬
‫سدّاً‬
‫م َ‬
‫ن أيْدِيهِ ْ‬
‫َ َ َ َ ِ َْ ِ‬
‫سدّا ً فَأَغ ْ َ‬
‫ن }‪.‬‬
‫ن َ‬
‫م ل َ يُب ْ ِ‬
‫وَ ِ‬
‫صُرو َ‬
‫م َ‬
‫م فَهُ ْ‬
‫شيْنَاهُ ْ‬
‫خل ْ ِفهِ ْ‬
‫م ْ‬
‫ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت أبي بكر‬
‫فخرجا من خوخة في دار أبي بكر ليلً‪ ،‬وجاء رجل ورأى القوم‬
‫ببابه‪ ،‬فقال‪ :‬ما تنتظرون؟ قالوا‪ :‬محمدًا قال‪ :‬خبتم وخسرتم‪،‬‬
‫قال‪ :‬والله مر بكم وذّر على رءوسكم التراب‪ ،‬قالوا‪ :‬والله ما‬
‫أبصرناه‪.‬‬
‫وقاموا ينفضون التراب عن رءوسهم‪ ،‬وهم‪ :‬أبو جهل والحكم بن‬
‫العاص وعقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث وأمية بن خلف‬
‫وزمعة بن السود وطعيمة بن عدي وأبو لهب وأبي بن خلف ونبيه‬
‫ومنبه ابنا الحجاج‪ .‬أخرجه ابن سعد وابن هشام وأحمد‪ ،‬وقد‬
‫حسنه ابن كثير وابن حجر في الفتح‪.‬‬
‫أراد قتل الرسول صلى الله عليه وسلم فخذله الله‪:‬‬
‫عن جابر رضي الله عنه أن رجل ً من محارب يقال له غورث بن‬
‫الحارث قال لقومه‪ :‬أقتل لكم محمدًا‪ ،‬فقالوا‪ :‬كيف تقتل؟ قال‪:‬‬
‫أفتك به‪ ،‬فأقبل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس‬
‫وسيفه في حجره‪ ،‬فقال‪ :‬يا محمد‪ ،‬أنظر إلى سيفك هذا؟ قال‪:‬‬
‫نعم‪ ،‬فأخذه واستله وجعل يهزه ويهم فيكبته الله(أي فيخذله‬
‫الله)فقال‪ :‬يا محمد‪ ،‬أنظر إلى سيفك هذا؟ قال‪ :‬نعم‪ ،‬فأخذه‬
‫واستله وجعل يهزه ويهم فيكبته الله فقال‪ :‬يا محمد أما تخافني؟‬
‫قال‪ :‬ل‪ ،‬وما أخاف منك‬
‫قال‪ :‬أل تخافني وفي يدي السيف؟ قال‪ :‬ل يمنعني الله منك‪.‬‬
‫ثم أغمد السيف ورده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم‪،‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ت اللّهِ‬
‫م َ‬
‫منُوا ْ اذ ْكُُروا ْ نِعْ َ‬
‫نآ َ‬
‫فأنزل الله عز وجل‪( :‬يَا أيُّهَا ال ّذِي َ‬
‫م قَوم أَن يبسطُوا ْ إلَيك ُم أَيديهم فَك َ َّ َ‬
‫م) ‪-‬‬
‫م إِذ ْ هَ َّ ْ ٌ‬
‫َْ ُ‬
‫ِ ْ ْ ْ َُِ ْ‬
‫ع َلَيْك ُ ْ‬
‫م ع َنك ُ ْ‬
‫ف أيْدِيَهُ ْ‬
‫سورة المائدة‪ ،‬من الية‪ -11:‬أخرجه أبو نعيم‪.‬‬
‫أراد أن يدمغ النبي صلى الله عليه وسلم بحجر فيبست يده على‬
‫الحجر‪:‬‬
‫عن المعتمر بن سليمان عن أبيه‪ :‬أن رجل ً من بني مخزوم قام‬
‫إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده فهر(حجر يمل‬
‫الكف) ليرمي به رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ ،‬فلما أتاه وهو‬
‫ساجد رفع يده وفيها الفهر ليدمغ(أي ليرمي) به رسول الله صلى‬
‫‪33‬‬

‫الله عليه وسلم‪ ،‬فيبست يده على الحجر فلم يستطع إرسال‬
‫الفهر من يده‪ ،‬فرجع إلى أصحابه فقالوا‪ :‬أجبنت عن الرجل؟‬
‫قال‪ :‬لم أفعل ولكن هذا في يدي ل أستطيع إرساله‪ .‬فعجبوا من‬
‫ذلك‪ ،‬فوجدوا أصابعه قد يبست على الفهر‪ ،‬فعالجوا أصابعه حتى‬
‫خلصوها‪ ،‬وقالوا هذا شئ يراد‪ .‬أخرجه أبو نعيم في الدلئل‪.‬‬
‫أراد قتل النبي صلى الله عليه وسلم فنزل عليه شواظ من نار‪:‬‬
‫قال شيبة بن عثمان‪ :‬لما غزا النبي صلى الله عليه وسلم حنينًا‪،‬‬
‫تذكرت أبي وعمي قتلهما علي وحمزة فقلت‪ :‬اليوم أدرك ثأري‬
‫في محمد‪،‬فجئت من خلفه فدنوت منه ودنوت حتى لم يبق إل أن‬
‫أسوره بالسيف‪ُ ،‬رفع لي شواظ من نار كأنه البرق فخفت أن‬
‫يحبسني فنكصت القهقرى‬
‫فالتفت إلي النبي صلى الله عليه وسلم فقال‪ :‬يا شيبة! قال‪:‬‬
‫فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على صدري‬
‫فاستخرج الله الشيطان من قلبي‪ ،‬فرفعت إليه بصري وهو أحب‬
‫إلي من سمعي وبصري ومن كذا‪ .‬أخرجه أبو نعيم في الدلئل‪.‬‬
‫منع الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم من القتل في غزوة‬
‫ذات الرقاع‪:‬‬
‫عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال‪ :‬غزونا مع رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم غزوة قبل نجد‪ ،‬فأدركنا رسول الله صلى‬
‫الله عليه وسلم في واد كثير العضاة(أي كثير الشجار)‪ ،‬فنزل‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة فعلق سيفه بغصن‬
‫من أغصانها‪ ،‬قال‪ :‬وتفرق الناس في الوادي يستظلن بالشجر‪،‬‬
‫قال‪ :‬فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪" :‬إن رجل ً أتاني وأنا‬
‫نائم فأخذ السيف فاستيقظت وهو قائم على رأسي فلم أشعر إل‬
‫والسيف صلتًا في يده‬
‫فقال لي‪ :‬من يمنعك مني؟‬
‫قال‪ :‬قلت‪ :‬الله‬
‫ثم قال في الثانية‪ :‬من يمنعك مني؟‬
‫قال‪ :‬قلت‪ :‬الله‬
‫قال‪ :‬فشام السيف(أي أغمده)‪ ،‬فها هو جالس‪ ،‬ثم لم يعرض له‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫أخرجه مسلم‪ ،‬كتاب الفضائل‬
‫هذا الرجل اسمه غورث بن الحارث‪ ،‬وقيل‪ :‬اسمه غويرث‪ ،‬وقيل‪:‬‬
‫دعثورا‪.‬‬
‫إخباره صلى الله عليه وسلم عن الذي غل في سبيل الله‪:‬‬

‫‪34‬‬

‫عن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه أن رجل ً من أصحاب‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي يوم خيبر‪ ،‬فقال صلى‬
‫الله عليه وسلم‪ :‬صلوا على صاحبكم‪ ،‬فتغيرت وجوه الناس‬
‫لذلك‪ ،‬فقال‪ :‬إن صاحبكم غل في سبيل الله(الغلول‪ :‬أخذ شيء‬
‫من أموال الغنائم أو المال العام خفية)‪ ،‬ففتشنا متاعه فوجدنا‬
‫خرًزا من خرز اليهود ل تساوي درهمين‪.‬‬
‫صحيح‪ :‬أخرجه مالك في الموطأ في الجهاد‪ ،‬وأحمد‪ ،‬وأبو داود‪،‬‬
‫والنسائي‪ ،‬وابن ماجه‪.‬‬
‫كن أبا خيثمة فكان‪:‬‬
‫لما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك‪ ،‬تخلف عنه‬
‫بعض الصحابة رضي الله عنهم بدون شك ول ارتياب‪ ،‬منهم أبو‬
‫خيثمة السالمي‪ ،‬ثم إن أبا خيثمة رجع بعد أن سار رسول الله‬
‫ما‪ ،‬فوجد امرأتين له في عريشين لهما‬
‫صلى الله عليه وسلم أيا ً‬
‫في حائطه‪ ،‬قد رشت كل واحدة منهما عريشها وبردت له ماء‪،‬‬
‫ما‪ ،‬فلما دخل قام على باب العريش‪ ،‬فنظر‬
‫وهيأت له فيه طعا ً‬
‫إلى امرأتيه وما صنعتا له فقال‪ :‬رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم في الضح(الشمس) والريح والحر‪ ،‬وأبو خيثمة في ظل‬
‫بارد وطعام مهيأ وامرأة حسناء‪ ،‬في ماله مقيم‪ ،‬ما هذا‬
‫بالنصف(النصاف العدل)‪ ،‬ثم قال‪ :‬والله ل أدخل عريش واحدة‬
‫منكما حتى ألحق برسول الله صلى الله عليه وسلم‪ ،‬فهيئا لي‬
‫زادًا‪ ،‬ففعلتا‪ ،‬ثم قدم ناضحه(بعيره) فارتحله ثم خرج في طلب‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ ،‬حتى أدركه حين نزل تبوك‪،‬‬
‫وقد كان أدرك أبا خيثمة عمير بن وهب الجمحي في الطريق‬
‫يطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم فترافقا حتى إذا دنوا من‬
‫تبوك قال أبو خيثمة لعمير بن وهب‪ :‬إن لي ذنبًا‪ ،‬فل عليك أن‬
‫تتخلف عني حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ ،‬ففعل‬
‫حتى إذا دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نازل‬
‫بتبوك‪ ،‬قال الناس‪ :‬هذا راكب على الطريق مقبل‪ ،‬فقال رسول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم‪ :‬كن أبا خيثمة‪ ،‬قالوا‪ :‬يا رسول الله!‬
‫هو والله أبو خيثمة‪ ،‬فلما أناخ أقبل‪ ،‬فسلم على رسول الله صلى‬
‫الله عليه وسلم‪ ،‬فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم‪:‬‬
‫أولى لك يا أبا خيثمة‪ ،‬فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫خبره‪ ،‬فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ :‬خيًرا ودعا له‬
‫بخير‪.‬‬
‫رواه ابن هشام‪ ،‬عن ابن إسحاق بل سند‪ ،‬وفي حديث كعب بن‬
‫مالك الطويل المخرج في البخاري ومسلم‪ :‬فبينما هو على ذلك‬
‫ضا يزول به السراب‪ ،‬فقال رسول الله صلى الله‬
‫رأى رجل ً مبي ً‬
‫‪35‬‬

‫عليه وسلم‪ :‬كن أبا خيثمة‪ ،‬فإذا هو أبو خيثمة النصاري‪ ،‬وهو الذي‬
‫تصدق بصاع التمر حين لمزه المنافقون‪.‬‬
‫أخبر أنه من أهل النار فكان كذلك‪:‬‬
‫عن عبد الله بن عمرو قال‪ :‬كان على ثقل(الثقل‪ :‬العيال‪ ،‬وما‬
‫يثقله من المتعة) النبي صلى الله عليه وسلم رجل يقال له‬
‫كركرة‪ ،‬فمات‪ ،‬فقال النبي صلى الله عليه وسلم‪ :‬هو في النار‪،‬‬
‫فذهبا ينظرون‪ ،‬فوجدوا عليه كساء أو عباءة قد غلها‪ .‬أخرجه‬
‫البخاري‪ ،‬وأحمد‪ ،‬وأخرجه ابن ماجة كتاب الجهاد باب في الغلول‪.‬‬
‫إجابة النبي صلى الله عليه وسلم السائل قبل أن يسأله‪:‬‬
‫عن وابصة السدي رضي الله عنه قال‪ :‬أتيت رسول الله صلى‬
‫الله عليه وسلم وأنا أريد أن ل أع شيئًا من البر والثم إل سألته‬
‫عنه‪ ،‬وحوله عصابة من المسلمين يستفتونه‪ ،‬فجعلت أتخطاهم‪،‬‬
‫فقالوا‪ :‬إليك وابصة عن رسول الله فقلت‪ :‬دعوني فأدنو منه‪،‬‬
‫فإنه أحب الناس إلي أن أدنو منه‪ ،‬قال‪ :‬دعوا وابصة‪ ،‬ادن يا‬
‫وابصة‪ ،‬مرتين أو ثلثًا‪ .‬قال‪ :‬فدنوت منه حتى قعدت بين يديه‪،‬‬
‫فقال‪ :‬يا وابصة أخبرك أم تسألني؟ فقلت‪ :‬ل‪ ،‬بل أخبرني فقال‪:‬‬
‫جئت تسأل عن البر والثم؟ فقلت‪ :‬نعم‪ ،‬فجمع أنامله فجعل‬
‫ينكت بهن في صدري ويقول‪ :‬يا وابصة استفت قلبك استفت‬
‫نفسك(ثلث مرات) البر ما اطمأنت إليه النفس والثم ما حاك‬
‫في النفس وتردد في صدرك‪ ،‬وإن أفتاك الناس وأفتوك‪.‬صحيح‪:‬‬
‫أخرجه أحمد‪.‬‬
‫إخباره صلى الله عليه وسلم أن غلمه غل شملة‪:‬‬
‫عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‪ :‬لما أصيب مدعم غلم النبي‬
‫صلى الله عليه وسلم يوم خيبر قالوا‪ :‬هنيئًا له الجنة‪ ،‬قال صلى‬
‫الله عليه وسلم‪ :‬كل والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها‬
‫يوم خيبر من الغنائم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه ناًرا‪ ،‬فجاء‬
‫رجل بشراك أو شراكين لما سمع ذلك فقال‪ :‬شراك أو شراكان‬
‫من نار‪ .‬صحيح‪ :‬أخرجه البخاري‪ ،‬ومسلم‪ ،‬وأبو داود والنسائي‪.‬‬
‫وقوف الكفار أمام باب الغار‪:‬‬
‫جدت قريش في طلب الرسول صلى الله عليه وسلم وأبو بكر‬
‫رضي الله عنه‪ ،‬وأخذوا معهم القافة(متبعو الثر) حتى انتهوا إلى‬
‫باب الغار فوقفوا عليه‪ ،‬قال أبو بكر‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬لو أن‬
‫أحدهم نظر إلى ما تحت قدميه لبصرنا‪ ،‬فقال صلى الله عليه‬
‫وسلم‪ :‬يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما ل تحزن فإن الله‬
‫معنا‪ .‬صحيح‪ :‬رواه البخاري ومسلم‪.‬‬
‫وكان النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر يسمعان كلمهم فوق‬
‫رءوسهما‪ ،‬ولكن الله ع َّ‬
‫مى عليهم أمرهما‪.‬‬
‫‪36‬‬

‫‪ .5‬دلئل نبوته فيما يتعلق ببعض الحيوانات‬
‫قصة البعير وسجوده وشكواه لرسول الله صلى الله عليه و‬
‫سلم‪:‬‬
‫عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال‪ :‬كان أهل البيت من‬
‫النصار لهم جمل يسنون عليه وأنه استصعب عليهم فمنعهم‬
‫ظهره وأن النصار جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم‬
‫فقالوا‪ :‬إنه كان لنا جمل نسني عليه(أي نستقي عليه) أنه‬
‫استصعب علينا ومنعنا ظهره‪ ،‬وقد عطش الزرع والنخل‪ .‬فقال‬
‫رسول الله صلى الله عليه و سلم لصحابه‪ :‬قوموا فقاموا فدخل‬
‫الحائط والجمل في ناحيته‪ ،‬فمشى النبي صلى الله عليه و سلم‬
‫نحوه فقالت النصار‪ :‬يا رسول الله إنه قد صار مثل الكلب وإنا‬
‫ي منه بأس‪ .‬فلما نظر الجمل‬
‫نخاف عليك صولته فقال‪ :‬ليس عل َ‬
‫إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم أقبل نحوه حتى خر‬
‫ساجدا ً بين يديه‪ ،‬فأخذ رسول الله صلى الله عليه و سلم بناصيته‬
‫أذل ما كانت قط‪ ،‬حتى أدخله في العمل فقال له أصحابه‪ :‬هذه‬
‫البهيمة ل تعقل تسجد لك‪ ،‬ونحن أحق أن نسجد لك‪ .‬فقال‪" :‬ل‬
‫يصلح لبشر أن يسجد لبشر‪ ،‬ولو صلح لبشر أن يسجد لبشر‬
‫لمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها‪ ،‬والذي‬
‫نفس محمد بيده لو كان من قدمه إلى مفرق رأسه قرحة تتفجر‬
‫بالقيح والصديد ثم استقبلته فلحسته ما أدت حقه ‪ -‬رواه المام‬
‫أحمد في مسنده‬
‫وعن عبد الله بن جعفر‪ -‬رضي الله عنهما قال‪ :‬أردفني رسول‬
‫ي حديثا ً ل‬
‫الله صلى الله عليه و سلم ذات يوم خلفه فأسر إل َ‬
‫أخبر به أحدا ً أبدا ً وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم أحب‬
‫ما استتر به في حاجته هدف أو حائش نخل(أي جماعة النخل)‬
‫فدخل يوما ً حائطا ً من حيطان النصار فإذا جمل قد أتاه‬
‫فجرجر(أي ردد صوته في حنجرته) وذرفت عيناه قال بهر‬
‫ن وذرفت عيناه‬
‫وعفان‪ :‬فلما رأى النبي صلى الله عليه و سلم ح َ‬
‫فمسح رسول الله صلى الله عليه و سلم سراته(الظهر وقيل‬
‫السنام) وذفراه(العظم الشاخص خلف الذن) سكن فقال‪ :‬من‬
‫صاحب هذا الجمل؟ فجاء فتى من النصار فقال‪ :‬هو لي يا رسول‬
‫الله‪ .‬فقال‪ :‬أما تتقي الله في هذه البهيمة التي ملككها الله‪ ،‬إنه‬
‫شكا إلي أنك تجيعه وتدئبه ‪ -‬رواه أبو داوود والمام أحمد في‬
‫مسنده والحاكم في المستدرك‪.‬‬
‫إخبار الذئب بنبوته صلى الله عليه و سلم‪:‬‬
‫عن أبي سعيد الخضري رضي الله عنه قال‪ :‬عدا الذئب على شاة‬
‫فأخذها فطلبه الراعي فانتزعها منه‪ ،‬فأقعى الذئب على ذنبه‬
‫‪37‬‬

‫فقال‪ :‬أل تتقي الله؟ تنزع مني رزقا ً ساقه الله إلي؟ فقال‪ :‬يا‬
‫عجبي ذئب يقعي على ذنبه يكلمني كلم النس‪ .‬فقال الذئب‪ :‬أل‬
‫أخبرك بأعجب من ذلك؟ محمد صلى الله عليه و سلم بيثرب‬
‫يخبر الناس بأنباء ما قد سبق قال‪ :‬فأقبل الراعي يسوق غنمه‬
‫حتى دخل المدينة فزواها إلى زاوية من زواياها‪ ،‬ثم أتى رسول‬
‫الله صلى الله عليه و سلم فأخبره‪.‬‬
‫فأمر رسول الله صلى الله عليه و سلم فنودي‪ :‬الصلة جامعة ثم‬
‫خرج فقال للراعي أخبرهم فأخبرهم فقال رسول الله صلى الله‬
‫عليه و سلم‪ :‬صدق‪ ،‬والذي نفس محمد بيده ل تقوم الساعة حتى‬
‫يكلم السباع النس‪ ،‬ويكلم الرجل عذبة سوطه‪ ،‬وشراك نعله‪،‬‬
‫ويخبره فخذه بما أحدث أهله بعده ‪ -‬رواه المام أحمد في‬
‫المسند‪ ،‬و الحاكم في المستدرك‪ ،‬وابن سعد في الطبقات‪.‬‬
‫وفي رواية من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عندما كلم‬
‫الذئب راعي الغنم فقال الرجل‪ :‬تالله إن رأيت كاليوم ذئبا ً يتكلم‪.‬‬
‫فقال الذئب‪ :‬أعجب من هذا الرجل في النخلت بين الحرتين(أي‬
‫المدينة المنورة) يخبركم بما مضى وما هو كائن بعدكم وكان‬
‫الرجال يهودياً‪ ،‬فجاء النبي صلى الله عليه و سلم فأسلم وخبَره‬
‫فصدقه النبي صلى الله عليه و سلم ‪ -‬رواه المام أحمد في‬
‫المسند ‪3/88‬‬
‫الوحش يوقر الرسول صلى الله عليه وسلم‪:‬‬
‫قالت عائشة رضي الله عنها‪ :‬كان لل رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم وحش فإذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لعب‬
‫واشتد وأقبل وأدبر‪ ،‬فإذا أحس برسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫قد دخل ربض فلم يترمرم(أي سكن ولم يتحرك) ما دام رسول‬
‫اله صلى الله عليه وسلم في البيت كراهية أن يؤذيه ‪ -‬صحيح‪،‬‬
‫أخرجه أحمد‪ ،‬وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد‪.‬‬
‫وافد الذئاب يرضى بأوامر الرسول صلى الله عليه وسلم‪:‬‬
‫عن حمزة بن أبي أسيد قال‪ :‬خرج رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم في جنازة رجل من النصار بالبقيع‪ ،‬فإذا الذئب مفتر ً‬
‫شا‬
‫ذراعيه على الطريق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ :‬هذا‬
‫جاء يستفرض فافرضوا له‪ .‬قالوا‪ :‬ترى رأيك يا رسول الله‪ .‬قال‪:‬‬
‫من كل سائمة شاة في كل عام قالوا‪ :‬كثير‪ .‬قال‪ :‬فأشار إلى‬
‫الذئب أن خالسهم فانطلق الذئب‪ .‬حسن بشواهده ‪ -‬أخرجه‬
‫البيهقي في الدلئل‪ ،‬ورواه البزار وأبو نعيم‪.‬‬
‫ورضي الذئب بأن يأخذ منهم الشياة خلسة كما عرض عليه‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫‪ .6‬تكثيره الماء ونبعه من بين أصابعه الشريفة‬
‫‪38‬‬

‫عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال‪ :‬عطش الناس يوم‬
‫الحديبية والنبي صلى الله عليه و سلم بين يديه ركوة(إناء صغير‬
‫من جلد يشرب فيه الماء) فتوضأ فجهش الناس نحوه ‪ -‬و‬
‫الجهش‪( :‬أن يفزع النسان إلى النسان وهو مع ذلك يريد أن‬
‫يبكي كالصبي يفزع إلى أمه)‬
‫فقال‪ :‬ما لكم؟‬
‫قالوا‪ :‬ليس عندنا ماء نتوضأ ول نشرب إل ما بين يديك فوضع يده‬
‫في الركوة فجعل الماء يثور بين أصابعه كأمثال العيون فشربنا‬
‫وتوضأنا‬
‫قلت‪ :‬كم كنتم؟‬
‫قال‪ :‬لو كنا مئة ألف لكفانا كنا خمس عشرة مئة ‪ -‬رواه البخاري‬
‫ورواه مسلم مختصًرا‪.‬‬
‫وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال‪ :‬رأيت رسول الله‬
‫صلى الله عليه و سلم وحانت صلة العصر فالتمس الوضوء فلم‬
‫يجدوه فأتي رسول الله صلى الله عليه و سلم بوضوء فوضع‬
‫رسول الله صلى الله عليه و سلم يده في ذلك الناء فأمر الناس‬
‫أن يتوضئوا منه فرأيت الماء ينبع من تحت أصابعه فتوضأ الناس‬
‫حتى توضئوا من عند آخرهم‪ .‬رواه البخاري ومسلم‪.‬‬
‫قال المزنى‪ -‬رحمه الله‪ -‬نبع الماء من بين أصابعه صلى الله عليه‬
‫و سلم أبلغ في المعجزة من نبع الماء من الحجر حيث ضربه‬
‫موسى عليه السلم بالعصا فتفجرت منه المياه لن خروج الماء‬
‫من الحجارة معهود‪ ،‬بخلف خروج الماء من بين اللحم والدم‪.‬‬
‫تكثيره الطعام والشراب صلى الله عليه و سلم‪:‬‬
‫فأما الطعام‪:‬‬
‫فقد وقع ذلك منه صلى الله عليه وسلم مرات عديدة منها ما‬
‫روي عن جابر بن عبد الله‪ -‬رضي لله عنهما‪ -‬في الخندق حيث‬
‫يقول جابر‪ :‬لما حفر الخندق رأيت برسول الله صلى الله عليه و‬
‫صا(الخمص‪ :‬خلء البطن من الطعام) فانكفأت(أي‬
‫سلم خم ً‬
‫انقلبت ورجعت) إلى امرأتي فقلت لها‪ :‬هل عندك شيء؟ فإني‬
‫صا شديدًا فأخرجت‬
‫رأيت برسول الله صلى الله عليه و سلم خم ً‬
‫لي جرابًا(أي وعاء من جلد) فيه صاع من شعير ولنا بهيمة داجن‬
‫قال‪ :‬فذبحتها وطحنت ففرغت إلي فراغي فقطعتها في برمتها‬
‫ثم وليت إلي رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالت‪ :‬ل‬
‫تفضحني برسول الله صلى الله عليه و سلم ومن معه قال‪:‬‬
‫فجئته فساررته فقلت‪ :‬يا رسول الله! إنا قد ذبحنا بهيمة لنا‬
‫وطحنت صاع ًا من شعير كان عندنا فتعال أنت في نفر معك‬
‫فصاح رسول الله صلى الله عليه و سلم وقال‪" :‬يا أهل الخندق!‬
‫‪39‬‬

‫إن جابًرا قد صنع لكم سوًرا" (وهو الطعام الذي يدعى إليه وقيل‬
‫الطعام مطلقًا) فحيهل بكم ومعناه أعجل به‬
‫وقال‪ :‬رسول الله صلى الله عليه و سلم‪ :‬ل تنزلن برمتكم ول‬
‫تخبزن عجينتكم‪ ،‬حتى أجي فجئت وجاء رسول الله صلى الله‬
‫عليه و سلم يقدم الناس حتى جئت امرأتي فقالت‪ :‬بك‪ ،‬وبك ‪-‬‬
‫أي ذمته ودعت عليه فقلت‪ :‬قد فعلت الذي قلت لي ‪ -‬معناه أني‬
‫أخبرت النبي بما عندنا فهو أعلم بالمصلحة فأخرجت له عجينتنا‬
‫فبصق فيها صلى الله عليه و سلم وبارك ثم عمد إلي برمتنا‬
‫فبصق فيها وبارك ثم قال‪ :‬ادعى خابزة فلتخبز معك‪ ،‬واقدحي‬
‫من برمتكم(أي اغرفي والمقدح المغرفة) ول تنزلوها‪ ،‬وهم ألف‬
‫فأقسم بالله! لكلوا حتى تركوه وانحرفوا(أي شبعوا وانصرفوا)‬
‫وإن برمتنا لتغظ(أي تغلي ويسمع غليانها) كما هي وإن عجينتنا‪-‬‬
‫أو كما قال الضحاك‪ -‬لتخبز كما هو(أي يعود إلي العجين) رواه‬
‫البخاري ومسلم‬
‫وأما الشراب‪:‬‬
‫ً‬
‫فنأخذ من ذلك مثال ً واحدا وهو اللبن‪ ،‬فمن أدلة تكثيره صلى الله‬
‫عليه و سلم اللبن ما أخرجه البخاري وغيره عن أبي هريرة‪-‬‬
‫رضي الله عنه‪ -‬أنه كان يقول‪ :‬ألله الذي ل اله إل هو‪ ،‬إن كنت‬
‫لعتمد بكبدي على الرض من الجوع‪ ،‬وإن كنت لشد الحجر على‬
‫بطني من الجوع‬
‫ولقد قعدت يوما ً على طريقهم الذي يخرجون منه‪ ،‬فمر أبو بكر‬
‫فسألته عن آية في كتاب الله‪ ،‬ما سألته إل ليشبعني فمر ولم‬
‫يفعل ثم مر بي عمر فسألته عن آية في كتاب الله‪ ،‬ما سألته إل‬
‫ليشبعني فمر ولم يفعل‪ ،‬ثم مر بي أبو القاسم صلى الله عليه و‬
‫سلم فتبسم حين رآني وعرف ما في نفسي وما في وجهي‪ ،‬ثم‬
‫قال‪ :‬يا أبا هر‪ .‬قلت‪ :‬لبيك يا رسول الله قال‪ :‬الحق‪ ،‬ومضى‬
‫فتبعته فدخل فاستأذن فأذن له‪ ،‬فوجد لبنا ً في قدح فقال‪ :‬من‬
‫أين هذا اللبن؟ قالوا‪ :‬أهداه لك فلن‪ -‬أو فلنة قال‪ :‬يا أبا هر‪.‬‬
‫قلت‪ :‬لبيك يا رسول الله‪ .‬قال‪ :‬الحق إلي أهل الصفة فادعهم لي‬
‫ل ول‬
‫ل ول ما ٍ‬
‫قال‪ :‬وأهل الصفة أضياف السلم‪ ،‬ل يأؤون على أه ٍ‬
‫على أحدٍ‪ ،‬إذا أتته صدقة بعث بها إليهم ولم يتناول منها شيئاً‪ ،‬وإذا‬
‫أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها و أشركهم فيها‪ ،‬فساءني‬
‫ذلك‪ .‬فقلت‪ :‬وما هذا اللبن في أهل الصفة كنت أحق أن أصيب‬
‫من هذا اللبن شربة أتقوى بها‪ ،‬ولم يكن من طاعة الله وطاعة‬
‫رسوله صلى الله عليه و سلم بد فأتيتهم فدعوتهم‪ ،‬فأقبلوا‬
‫فاستأذنوا فأذن لهم وأخذوا مجالسهم من البيت‪ ،‬قال‪ :‬يا أبا هر‬
‫قلت‪ :‬لبيك يا رسول الله قال‪ :‬خذ فأعطهم‪ ،‬فأخذت القدح‬
‫‪40‬‬

‫فجعلت أعطيه الرجل فيشرب حتى يروى‪ ،‬ثم يرد على القدح‬
‫فأعطيه الرجل فيشرب حتى يروى‪ ،‬ثم يرد على القدح فأعطيه‬
‫الرجل فيشرب حتى يروى‪ ،‬ثم يرد على القدح فأعطيه الرجل‬
‫فيشرب حتى يروى‪ ،‬ثم يرد على القدح حتى انتهيت إلى النبي‬
‫صلى الله عليه و سلم وقد روي القوم كلهم‪ ،‬فأخذ القدح فوضعه‬
‫على يده‪ ،‬فنظر إلي فتبسم فقال‪ :‬يا أبا هر قلت‪ :‬لبيك يا رسول‬
‫الله قال‪ :‬بقيت أنا وأنت قلت‪ :‬صدقت يا رسول الله‬
‫قال‪ :‬اقعد فاشرب فقعدت فشربت فقال‪ :‬اشرب فشربت‪ ،‬فما‬
‫زال يقول‪ :‬اشرب‪ ،‬حتى قلت‪ :‬ل والذي بعثك بالحق‪ ،‬ما أجد له‬
‫مسلكاً‪ ،‬قال‪ :‬فأرني‪ ،‬فأعطيته القدح‪ ،‬فحمد الله وسمى وشرب‬
‫الفضلة ‪ -‬انظر البخاري لفتح ‪.6452-11‬‬
‫ثمانون رجل ً يأكلون بعض أرغفة الخبز وتكفيهم‪:‬‬
‫عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال‪ :‬قال أبو طلحة لم سليم‪:‬‬
‫لقد سمعت صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضعيفًا‬
‫أعرف فيه الجوع‪ ،‬فهل عندك من شيء؟‪ ،‬قالت‪ :‬نعم‪ ،‬فأخرجت‬
‫صا من شعير ثم أخرجت خماًرا لها فلفت الخبز ببعضه ثم‬
‫أقرا ً‬
‫دستني تحت يدي ولثتني ببعضه(أي لفتني به)‪ ،‬ثم أرسلتني إلى‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ ،‬قال‪ :‬فذهبت به فوجدت‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد ومعه الناس‪،‬‬
‫فقمت عليهم‪ ،‬فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم‪:‬‬
‫أرسلك أبو طلحة؟ فقلت‪ :‬نعم‪ ،‬قال‪ :‬بطعام؟ قلت‪ :‬نعم‪ ،‬فقال‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن معه‪ :‬قوموا‪ ،‬فانطلق‬
‫وانطلقت بين أيديهم حتى جئت أبا طلحة فأخبرته‪ ،‬فقال أبو‬
‫طلحة‪ :‬يا أم سليم‪ ،‬قد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫والناس وليس عندنا ما نطعمهم‪ ،‬فقلت‪ :‬الله ورسوله أعلم‪،‬‬
‫فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم‪،‬‬
‫فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو طلحة معه‪ ،‬فقال‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ :‬هلم يا أم سليم ما عندك؟‬
‫فأتت بذلك الخبز‪ ،‬فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم‪،‬‬
‫ت وعصرت أم سليم عكة فآدمته‪ ،‬ثم قال رسول الله صلى‬
‫فف ّ‬
‫الله عليه وسلم فيه ما شاء الله أن يقول‪ ،‬ثم قال‪ :‬ائذن لعشرة‪،‬‬
‫فأكل القوم كلهم والقوم سبعون أو ثمانون رجل‪ .‬صحيح‪ ،‬أخرجه‬
‫البخاري في المناقب‪ ،‬وأخرجه مسلم في الشربة‪ ،‬والترمذي في‬
‫المناقب‪.‬‬
‫قصعة الثريد يأكل منها المئات‪:‬‬
‫عن سمرة بن جندب قال‪ :‬بينما نحن عند النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم إذ أُتي بقصعة فيها ثريد(الخبز المختلط باللحم والرز)‬
‫‪41‬‬

‫قال‪ :‬فأكل وأكل القوم فلم يزالوا يتداولونها إلى قريب من‬
‫الظهر؛ يأكل القوم ثم يقومون ويجئ قوم فيتعاقبونه‪ ،‬قال‪ :‬فقال‬
‫له رجل‪ :‬هل كانت تُمد بطعام؟ قال‪ :‬أما من الرض فل‪ ،‬إل أن‬
‫تكون كانت تمد من السماء ‪ -‬رواه أحمد‪.‬‬
‫البركة في الشعير‪:‬‬
‫عن جابر رضي الله عنه‪ :‬أن رجل ً أتى النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم يستطعمه فأطعمه شطر وسق شعير‪ ،‬فما زال الرجل‬
‫يأكل منه وامرأته وضيفهما حتى كاله‪ ،‬فأتى النبي صلى الله عليه‬
‫ما‬
‫وسلم فقال‪ :‬لو لم تكله لكلتم منه ولقام لكم(أي لستمر دائ ً‬
‫أبدًا وما انقطع خيره) ‪ -‬رواه مسلم في كتاب الفضائل‪.‬‬
‫البركة في السمن‪:‬‬
‫عن جابر رضي الله عنه‪ :‬أن أم مالك كانت تُهدي إلى رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم في عكة لها سمنًا فيأتيها بنوها فيسألون‬
‫الدم وليس عندهم شئ‪ ،‬فتعمد إلى التي كانت تهدي فيه إلى‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم فتجد فيه سمنًا فما زال يقيم‬
‫لها أدم بيتها حتى عصرتها‪ ،‬فأتت رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم فقال‪ :‬أعصرتيها؟ قالت‪ :‬نعم‪ ،‬فقال‪ :‬لو تركتيها ما زالت‬
‫قائمة ‪ -‬رواه مسلم في كتاب الفضائل‪.‬‬
‫البركة في مزود أبي هريرة رضي الله عنه‪:‬‬
‫عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‪ :‬أتيت رسول الله صلى الله‬
‫ما بتمرات فقلت‪ :‬ادع الله لي فيهن بالبركة‪ ،‬قال‪:‬‬
‫عليه وسلم يو ً‬
‫فصفهن بين يديه ثم دعا‪ ،‬فقال لي‪ :‬اجعلهن في مزود(الوعاء من‬
‫الجلد وغيره‪ ،‬ويجعل فيه الزاد) وأدخل يدك ول تنثره‪ ،‬قال‪:‬‬
‫فحملت منه كذا وكذا وسقًا(الوسق‪50 :‬كيلة = ‪ 4‬أردب وكيلتان)‬
‫في سبيل الله ونأكل ونطعم‪ ،‬وكان ل يفارق حقوي‪ ،‬فلما قتل‬
‫عثمان رضي الله عنه انقطع حقوي فسقط‪ .‬حسن‪ ،‬رواه أحمد‪،‬‬
‫والترمذي في مناقب أبي هريرة‪.‬‬
‫ُ‬
‫وفي رواية‪ :‬أنه قال‪ :‬أُصبت بثلث مصيبات في السلم لم أصب‬
‫بمثلهن‪:‬‬
‫‪ .1‬موت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنت صويحبه‪.‬‬
‫‪ .2‬وقتل عثمان‪.‬‬
‫‪ .3‬والمزود‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬وما المزود يا أبا هريرة؟‬
‫قال‪ :‬قلت تمر في مزود‬
‫قال‪ :‬جئ به‪ ،‬فأخرجت تمًرا فأتيته به‬

‫‪42‬‬

‫قال‪ :‬فمسه ودعا فيه ثم قال‪ :‬ادع عشرة‪ ،‬فدعوت عشرة فأكلوا‬
‫حتى شبعوا‪ ،‬ثم كذلك حتى أكل الجيش كله وبقي من تمر معي‬
‫في المزود‬
‫فقال‪ :‬يا أبا هريرة إذا أردت أن تأخذ منه شيئًا‪ ،‬فأدخل يدك فيه‬
‫ول تكفه‬
‫قال‪ :‬فأكلت منه حياة النبي صلى الله عليه وسلم وأكلت منه‬
‫حياة أبي بكر كلها‪ ،‬وأكلت منه حياة عمر كلها‪ ،‬وأكلت منه حياة‬
‫عثمان كلها‪ ،‬فلما قتل عثمان انتهب ما في يدي‪ ،‬وانتهب المزود‪،‬‬
‫أل أخبركم كم أكلت منه‪ ،‬أكلت منه أكثر من مائتي‬
‫وسق(الوسق‪50 :‬كيلة = ‪ 4‬أردب وكيلتان) ‪ -‬دلئل النبوة للبيهقي‪.‬‬
‫البركة في شطر الشعير‪:‬‬
‫عن عائشة رضي الله عنها قالت‪ :‬لقد توفي رسول الله صلى‬
‫الله عليه وسلم وما في بيتي شئ يأكله ذو كبد إل شطر‬
‫شعير(أي نصف قدح من شعير أو شئ قليل من الشعير) في‬
‫رف لي‪ ،‬فأكلت منه حتى طال علي‪ ،‬ثم كِلته ففني ‪ -‬صحيح‪،‬‬
‫أخرجه البخاري ومسلم‪.‬‬
‫إجابة دعائه صلى الله عليه وسلم‬
‫‪.7‬‬
‫كان رسول الله صلى الله عليه و سلم كما وصفه ربه عز وجل ‪:‬‬
‫م) ‪ -‬سورة التوبة آية ‪ 128‬فكان ينظر إلى‬
‫ف َّر ِ‬
‫ن َرؤ ُو ٌ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫حي ٌ‬
‫(بِال ْ ُ‬
‫منِي َ‬
‫أصحابه نظرة الرحمة والشفقة فكلما ألم بأصحابه مكروه من‬
‫عاهة أو مرض أو تفكير في أمر يشغل بالهم أسرع رسول الله‬
‫صلى الله عليه و سلم بالدعاء لهم للتخفيف عنهم ولكي ينالوا‬
‫بركة دعوته صلى الله عليه و سلم أما بالنسبة للكفار‬
‫والمشركين والمعاندين فقد كان رسول الله صلى الله عليه و‬
‫سلم يدعو عليهم حيث تشتد شوكتهم ويكثر أذاهم وتارة كان‬
‫يدعو لهم حيث تؤمن غائلتهم ويرجى تآلفهم‪.‬‬
‫وإذا دعا رسول الله صلى الله عليه و سلم لناس أو دعا عليهم‬
‫فإنك تجد ما دعا به قد تحقق قطعًا وهذه بعض المثلة من‬
‫دعواته المستجابة صلى الله عليه و سلم‬
‫سرعة الجابة‪:‬‬
‫عن أنس بن مالك رضي الله عنه‪ :‬أن رجل ً دخل المسجد يوم‬
‫جمعة ورسول الله صلى الله عليه و سلم قائم يخطب فاستقبل‬
‫ما ثم قال‪ :‬يا رسول الله‬
‫رسول الله صلى الله عليه و سلم قائ ً‬
‫صا البل وهلكها من‬
‫هلكت الموال (المراد هنا المواشي خصو ً‬
‫قلة القوات بسبب عدم المطر والنبات) وانقطعت السبل (أي‬
‫انقطعت الطرق فلم تسلكها البل إما لخوف الهلك أو الضعف‬
‫بسبب قلة الكل أو عدمه) فادع الله يغثنا قال‪ :‬فرفع رسول الله‬
‫‪43‬‬

‫صلى الله عليه و سلم يديه ثم قال‪ :‬اللهم أغثنا اللهم أغثنا اللهم‬
‫أغثنا‬
‫قال أنس‪ :‬ول والله ما نرى في السماء من سحاب ول قزعة‬
‫(القطعة من الغيم)‪ /‬وما بيننا وبين سلع (جبل قرب المدينة) من‬
‫بيت ول دار قال‪ :‬فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس (هو ما‬
‫يتقي به السيف ووجه الشبه الستدارة والكثافة ل القدر) فلما‬
‫توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت‪.‬‬
‫قال‪ :‬فل والله ما رأينا الشمس سبتًا‬
‫قال‪ :‬ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ورسول‬
‫ما فقال‪ :‬يا‬
‫الله صلى الله عليه و سلم قائم يخطب فاستقبله قائ ً‬
‫رسول الله هلكت الموال وانقطعت السبل فادع الله يمسكها‬
‫عنا‬
‫قال‪ :‬فرفع رسول الله صلى الله عليه و سلم يديه ثم قال‪ :‬اللهم‬
‫حولنا ول علينا اللهم على الكام (جمع أكمة وهي الرابية‬
‫المرتفعة من الرض) والظراب (جمع ظرب وهي صغار الجبال‬
‫والتلل) ومنابت الشجر فانقلعت وخرجنا نمشي في الشمس ‪-‬‬
‫رواه البخاري ومسلم‬
‫يمهل ول يهمل‪:‬‬
‫عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال‪ :‬بينما رسول الله‬
‫صلى الله عليه و سلم يصلي عند البيت وأبو جهل وأصحاب له‬
‫جلوس وقد نحرت جزور (أي ناقة) بالمس فقال أبو جهل‪ :‬أيكم‬
‫يقوم إلى سل (هو اللفافة التي يكون فيها الولد في بطن الناقة‬
‫وسائر الحيوان وهي من الدمية المشيمة) جزور بني فلن‬
‫فيأخذه فيضل في كتفي محمد إذا سجد؟ فانبعث أشقى القوم‬
‫(وهو عقبة بن أبي معيط) فأخذه فلما سجد النبي صلى الله عليه‬
‫و سلم وضعه بين كتفيه قال‪ :‬فاستضحكوا (أي حملوا أنفسهم‬
‫على الضحك والسخرية) وجعل بعضهم يميل على بعض وأنا قائم‬
‫أنظر لو كانت لي منعة (أي لو كان لي قوة تمنع أذاهم أو كان‬
‫لي عشيرة بمكة تمنعني) طرحته عن ظهر رسول الله صلى الله‬
‫عليه و سلم والنبي صلى الله عليه و سلم ساجد ما يرفع رأسه‬
‫حتى انطلق إنسان فأخبر فاطمة‪ .‬فجاءت وهي جويرية (تصغير‬
‫جارية بمعنى شابة أي أنها إذ ذاك ليست بكبيرة) فطرحته عنه ثم‬
‫أقبلت عليهم تشتمهم فلما قضى النبي صلى الله عليه و سلم‬
‫صلته رفع صوته ثم دعا عليهم وكان إذا دعا دعا ثلثًا وإذا سأل‬
‫سأل ثلثًا ثم قال‪ :‬اللهم عليك بقريش (ثلث مرات) فلما سمعوا‬
‫صوته ذهب عنهم الضحك وخافوا دعوته ثم قال‪ :‬اللهم عليك بأبي‬
‫‪44‬‬

‫جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عقبة‬
‫(اتفق العلماء على أنه غلط وصوابه‪ :‬الوليد بن عتبة) وأمية بن‬
‫خلف وعقبة بن أبي معيط" وذكر السابع فلم أحفظه فو الذي‬
‫بعث محمدًا صلى الله عليه و سلم بالحق لقد رأيت الذين سمى‬
‫صرعى يوم بدر ثم سحبوا إلى القليب (القليب هي البئر التي لم‬
‫تطو وإنما وضعوا في القليب تحقيًرا لهم ولئل يتأذى الناس‬
‫برائحتهم) قليب بدر قال أبو إسحاق‪ :‬الوليد بن عقبة غلط في‬
‫هذا الحديث ‪ -‬رواه مسلم‬
‫دعوة وهداية‪:‬‬
‫عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‪ :‬كنت أدعو أمي إلى السلم‬
‫ما فأسمعتني في رسول الله صلى الله‬
‫وهي مشركة فدعوتها يو ً‬
‫عليه و سلم ما أكره فأتيت رسول الله صلى الله عليه و سلم‬
‫وأنا أبكي قلت‪ :‬يا رسول الله إني كنت أدعو أمي إلى السلم‬
‫فتأبى علي فدعونها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره فادع الله أن‬
‫يهدي أم أبي هريرة فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم‪:‬‬
‫"اللهم اهد أم أبي هريرة"‬
‫فخرجت مستبشًرا بدعوة نبي الله صلى الله عليه و سلم فلما‬
‫جئت فصرت إلى الباب فإذا هو مجاف (أي مغلق) فسمعت أمي‬
‫خشف (أي صوتهما في الرض) قدمي فقال‪ :‬مكانك يا أبا هريرة‬
‫وسمعت خضخضة الماء (أي صوت تحريكه)‪.‬‬
‫قال‪ :‬فاغتسلت ولبست درعها وعجلت عن خمارها ففتحت الباب‬
‫ثم قالت‪ :‬يا أبا هريرة أشهد أن ل إله إل الله وأشهد أن محمدًا‬
‫عبده ورسوله‪.‬‬
‫قال‪ :‬فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فأتيته وأنا‬
‫أبكي من الفرح قال قلت‪ :‬يا رسول الله أبشر قد استجاب الله‬
‫دعوتك وهدى أم أبي هريرة فحمد الله وأثنى عليه وقال خيًرا‬
‫قال قلت‪ :‬يا رسول الله ادع الله أن يحببني أنا وأمي إلى عباده‬
‫المؤمنين ويحببهم إلينا‬
‫قال‪ :‬فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم‪ :‬اللهم حبب عبيدك‬
‫هذا يعني أبا هريرة وأمه إلى عبادك المؤمنين وحبب إليهم‬
‫المؤمنين فما خلق مؤمن يسمع بي ول يراني إل أحبني ‪ -‬رواه‬
‫مسلم‪.‬‬
‫نزول المطر الشديد يوم تبوك بدعاء النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم‪:‬‬
‫عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قيل لعمر بن‬
‫الخطاب‪ ،‬حدثنا عن شأن ساعة العسرة‪ ،‬فقال عمر‪ :‬خرجنا إلى‬
‫تبوك في قيظ شديد(أي قلة نزول المطر)‪ ،‬فزلنا منزل ً وأصابنا‬
‫‪45‬‬

‫فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع‪ ،‬حتى إن كان أحدنا‬
‫ليذهب فيلتمس الرجل فل يجده حتى يظن أن رقبته ستنقطع‪،‬‬
‫حتى أن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه(أي روثه وفضلته)‬
‫فيشربه‪ ،‬ثم يجعل ما بقي على كبده‪ ،‬فقال أبو بكر الصديق‪ :‬يا‬
‫رسول الله‪ ،‬إن الله قد عودك في الدعاء خيًرا‪ ،‬فادع الله لنا‬
‫فقال صلى الله عليه وسلم‪ :‬أو تحب ذلك؟ قال‪ :‬نعم‪ ،‬فرفع يديه‬
‫نحو السماء فلم يرجعهما حتى قالت السماء فأطلت ثم سكبت‬
‫فملوا ما معهم‪ ،‬ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر‪.‬‬
‫أخرجه البيهقي في الدلئل‪ ،‬وقال ابن كثير في البداية‪ :‬هذا إسناد‬
‫جيد قوي ولم يخرجوه‪.‬‬
‫مجاب الدعوة بسبب دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم‪:‬‬
‫سعد ُ‬
‫عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم قال‪ :‬اللهم استجب لسعد إذا دعاك‪ .‬فكان ل يدعو إل‬
‫استجيب‪ .‬أخرجه الترمذي‪ ،‬والحاكم صححه‪.‬‬
‫ومن هذا ما رواه جابر بن سمرة رضي الله عنه قال‪ :‬شكا أهل‬
‫الكوفة سعدًا‪ ،‬يعني ابن أبي قاص رضي الله عنه‪ ،‬إلى عمر بن‬
‫الخطاب‪ ،‬رضي الله عنه‪ ،‬فعزله واستعمل عليهم عماًرا‪،‬‬
‫فشكوا(أي سعدًا رضي الله عنه) حتى ذكروا أنه ل يحسن يصلي‪،‬‬
‫فأرسل إليه فقال‪ :‬يا أبا إسحاق‪ ،‬إن هؤلء يزعمون أنك ل تحسن‬
‫تصلي! فقال‪ :‬أما والله فإني كنت أصلي بهم صلة رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم ل أخرم عنها؛ أصلي صلة العشاء فأركد‬
‫في الوليين وأخف في الخريين‪ ،‬قال‪ :‬ذاك الظن بك يا أبا‬
‫إسحاق‪ ،‬وأرسل معه رجل ً أو رجال ً إلى الكوفة يسأل عنه أهل‬
‫الكوفة‪ ،‬فلم يدع مسجدًا إل سأل عنه ويثنون معروفًا‪ ،‬حتى دخل‬
‫مسجدًا لبني عبس فقام رجل منهم يقال له‪ :‬أسامة بن قتادة‬
‫يكنى أبا سعدة‪ ،‬فقال‪ :‬أما إذا نشدتنا فإن سعدًا كان ل يسير‬
‫بالسرية ول يقسم بالسوية‪ ،‬ول يعدل في القضية‪ .‬قال سعد‪ :‬أما‬
‫والله لدعون بثلث‪ :‬اللهم إن كان عبدك هذا كاذبًا‪ ،‬قام رياءً‬
‫وسمعة‪ ،‬فأطل عمره وأطل فقره وعرضه للفتن‪.‬‬
‫قال عبد الملك بن عمير الراوي عن جابر بن سمرة‪ :‬فأنا رأيته‬
‫بعد قد سقط حاجباه على عينيه من الكِبَر‪ ،‬وإنه ليتعرض للجواري‬
‫سئل يقول‪ :‬شيخ كبير‬
‫في الطرق فيغمزهن‪ ،‬وكان بعد ذلك إذا ُ‬
‫مفتون‪ ،‬أصابتني دعوة سعد‪ .‬صحيح‪ ،‬رواه البخاري ومسلم‪.‬‬
‫الفرس الضعيف يسبق ويدر الموال الطائلة‪:‬‬
‫عن جعيل الشجعي رضي الله عنه قال‪ :‬غزوت مع رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم في بعض غزواته‪ ،‬وأنا على فرس لي‬
‫عجفاء ضعيفة‪ ،‬قال‪ :‬فكنت في أُخريات الناس‪ ،‬فلحقني رسول‬
‫‪46‬‬

‫الله صلى الله عليه وسلم وقال‪ :‬سر يا صاحب الفرس فقلت‪ :‬يا‬
‫رسول الله‪ ،‬عجفاء ضعيفة قال‪ :‬فرفع رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم مخفقة معه فضربها بها وقال‪ :‬اللهم بارك له‪ .‬قال‪ :‬فلقد‬
‫رأيتني أمسك برأسها أن تقدم الناس‪ ،‬ولقد بعت من بطنها باثني‬
‫عشر ألفًا‪ .‬رواه البخاري في التاريخ‪ ،‬والنسائي في السنن‬
‫الكبرى‪ ،‬والبيهقي في الدلئل‪.‬‬
‫دعاؤه لعبد الرحمن بن عوف‪:‬‬
‫عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫قال لعبد الرحمن بن عوف‪ :‬بارك الله لك‪ .‬رواه البخاري‪ .‬قال‬
‫عبد الرحمن‪ :‬فلقد رأيتني ولو رفعت حجًرا لرجوت أن أصيب‬
‫تحته ذهبًا أو فضة‪ .‬أخرجه ابن سعد والبيهقي‪.‬‬
‫وفتح الله له أبواب الرزق‪ ،‬ومن عليه ببركات من السماء‬
‫والرض‪ ،‬وكان حين قدم المدينة فقيًرا ل يملك شيئًا‪ ،‬فآخى‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن الربيع‬
‫النصاري رضي الله عنه‪ ،‬فقال سعد لعبد الرحمن‪ :‬إن لي‬
‫زوجتين فاختر أجملهما أطلقها ثم تعتد ثم تتزوجها‪ ،‬وإن لي من‬
‫المال كذا وكذا فخذ منه ما شئت‪ .‬فقال عبد الرحمن‪ :‬ل حاجة‬
‫لي في ذلك‪ ،‬بارك الله لك في زوجتيك ومالك‪ ،‬ثم قال‪ :‬دلوني‬
‫على السوق‪ .‬أخرجه البخاري‪.‬‬
‫فصار يتعاطى التجارة‪ ،‬وفي أقرب زمن رزقه الله مال ً كثيًرا‬
‫ببركة دعائه صلى الله عليه وسلم‪ ،‬حتى أنه لما توفي بالمدينة‬
‫حفِر الذهب من تركته‬
‫سنة إحدى وثلثين أو اثنتين وثلثين‪ُ ،‬‬
‫جرِحت اليدي من كثرة العمل‪ ،‬وأخذت كل زوجة‬
‫بالفئوس‪ ،‬حتى ُ‬
‫من زوجاته الربع ربع الثمن ثمانين ألفًا‪ .‬وقيل‪ :‬إن نصيب كل‬
‫واحدة كان مائة ألف‪ ،‬وقيل‪ :‬بل صولِحت إحداهن على نيف‬
‫وثمانين ألف دينار‪ ،‬وأوصى بألف فرس وخمسين ألف دينار في‬
‫سبيل الله‪ ،‬وأوصى بحديقة لمهات المؤمنين رضي الله عنهن‪،‬‬
‫بيعت بأربعمائة ألف‪ ،‬وأوصى لمن بقي من أهل بدر لكل رجل‬
‫بأربعمائة دينار‪ ،‬وكانوا مائة‪ ،‬فأخذوها وأخذ عثمان فيمن أخذ‪،‬‬
‫وهذا كله غير صدقاته الفاشية في حياته‪ ،‬وعطاءاته الكثيرة‪،‬‬
‫وصلته الوفيرة؛ فقد أعتق في يوم واحد ثلثين عبدًا‪ ،‬وتصدق‬
‫مرة بعير‪ :‬وهي الجمال التي تحمل الميرة‪ ،‬وكانت سبعمائة بعير‪،‬‬
‫وردت عليه‪ ،‬وكان أرسلها للتجارة‪ ،‬فجاءت تحمل من كل شيء‬
‫فتصدق بها وبما عليها من طعام وغيره بأحلسها وأقتابها‪.‬‬
‫وجاء أنه تصدق مرة بشطر ماله‪ ،‬وكان الشطر أربعة آلف‪ ،‬ثم‬
‫تصدق بأربعين ألفًا‪ ،‬ثم تصدق بأربعين ألف دينار‪ ،‬ثم تصدق‬
‫بخمسمائة فرس في سبيل الله ثم بخمسمائة راحلة‪.‬‬
‫‪47‬‬

‫زاد أولده عن المائة وزاد عمره عن المائة وزاد ماله عن المائة‬
‫ألف بسبب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم‪:‬‬
‫إنه أنس بن مالك رضي الله عنه‪ ..‬يحدثنا عن ذلك فيقول‪ :‬جاءت‬
‫أم سليم‪ ،‬وهي أم أنس‪ ،‬رضي الله عنهما‪ ،‬إلى رسول الله صلى‬
‫الله عليه وسلم وقد أزرتني بخمارها وردَّتني ببعضه‪ ،‬فقالت‪ :‬يا‬
‫رسول الله هذا أُنيس أتيتك به يخدمك فادع الله له‪ ،‬قال‪ :‬اللهم‬
‫أكثر ماله وولده‪ .‬صحيح‪ :‬أخرجه البخاري في الدعوات‪ .‬وفي‬
‫لفظ‪ :‬اللهم أكثر ماله وولده وأطِل عمره واغفر له‪.‬‬
‫قال أنس‪ :‬فو الله إن مالي لكثير‪ ،‬وإن ولدي وولد ولدي يتعادون‬
‫ُ‬
‫ميْنة أنه قد دفن من صلبي‬
‫على نحو المائة‪ .‬قال‪ :‬وحدثتني ابنتي أ َ‬
‫إلى مقدم الحجاج البصرة‪ :‬تسعة وعشرين ومائة‪.‬‬
‫وروى الترمذي وغيره أن أنس بن مالك رضي الله عنه خدم‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين‪ ،‬ودعا له‪ ،‬وكان له‬
‫بستان يحمل في السنة الفاكهة مرتين‪ ،‬وكان فيها ريحان يجيء‬
‫منها ريح المسك‪ .‬حسن‪ :‬أخرجه الترمذي في المناقب‪ ،‬وقال‪:‬‬
‫حديث حسن‪.‬‬
‫وفي رواية قال‪ :‬دفنت من صلبي مائة واثنتين‪ ،‬وإن ثمرتي‬
‫لتحمل في السنة مرتين‪ ،‬ولقد بقيت حتى سئمت الحياة‪ ،‬وأرجو‬
‫الرابعة‪.‬‬
‫فولده إذن يزيدون على المائة‪ ،‬وأما عمره فقد مات وعمره مائة‬
‫عام وقيل‪ :‬عشرة ومائة‪ ،‬وكانت وفاته سنة ثلث وتسعين على‬
‫الراجح‪ ،‬وأما ماله فقد كانت السحابة تمطر في أول أرضه ول‬
‫تمطر في آخرها لعظم مساحة أرضه‪.‬‬
‫دعا له فطال عمره وهو شاب‪:‬‬
‫ثبت أنه صلى الله عليه وسلم دعا للسائب بن يزيد ومسح بيده‬
‫على رأسه‪ ،‬فطال عمره حتى بلغ أربعًا وتسعين سنة‪ ،‬وهو تم تام‬
‫القامة معتدل‪ ،‬ولم يشب منه موضع أصابت يد رسول الله صلى‬
‫متِّع بحواسه قواه‪ .‬صحيح‪ :‬أخرجه البخاري‬
‫الله عليه وسلم‪ ،‬و ُ‬
‫كتاب المناقب‪ ،‬ومسلم في الفضائل‪.‬‬
‫ابن عباس حبر المة بسبب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم‪:‬‬
‫عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‪ :‬أتى رسول الله صلى الله‬
‫عليه وسلم الخلء فوضع له وضوءًا‪ ،‬فلما خرج قال‪ :‬من صنع‬
‫هذا؟ قالوا‪ :‬ابن عباس‪ ،‬قال‪ :‬اللهم فقهه في الدين‪ .‬صحيح‪،‬‬
‫أخرجه البخاري في الوضوء‪ ،‬ورواه مسلم‪.‬‬
‫وعنه قال‪ :‬إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع يده على‬
‫كتفي ثم قال‪ :‬اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل‪ .‬صحيح‪،‬‬

‫‪48‬‬

‫أخرجه الحاكم وقال‪ :‬هذا حديث صحيح السناد‪ ،‬ولم يخرجاه‪،‬‬
‫وقال الذهبي‪ :‬صحيح‪ ،‬ورواه البيهقي في الدلئل‪.‬‬
‫وقد استجاب الله لرسوله صلى الله عليه وسلم هذه الدعوة في‬
‫ما يُهتدى بهداه‪ ،‬ويُقتدى بسناه في علوم‬
‫ابن عمه؛ فكان إما ً‬
‫الشريعة‪ ،‬ول سيما في علم التأويل وهو التفسير؛ فإنه انتهت إليه‬
‫علوم الصحابة قبله‪ ،‬وما كان عقله من كلم ابن عمه رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم‪..‬‬
‫قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه‪ :‬لو أن ابن عباس أدرك‬
‫أسناننا ما عاشره أحد منا‪ ،‬وكان يقول‪ :‬نعم ترجمان القرآن ابن‬
‫عباس‪ .‬رواه الحاكم في المستدرك‪.‬‬
‫هذا وقد تأخرت وفاة ابن عباس عن وفاة عبد الله بن مسعود‬
‫ببضع وثلثين سنة‪ ،‬فما ظنك بما حصله بعده في هذه المدة؟!‪.‬‬
‫وقيل‪ :‬خطب الناس ابن عباس في عشية عرفة‪ ،‬ففسر لهم‬
‫سورة البقرة تفسيًرا لو سمعه الروم والترك والديلم لسلموا‪_ .‬‬
‫رضي الله عنه وأرضاه _‪.‬‬
‫دعا صلى الله عليه وسلم عليه فاختلج لسانه‪:‬‬
‫عن عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما قال‪ :‬كان فلن‬
‫يجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم‪ ،‬فإذا تكلم النبي صلى‬
‫الله عليه وسلم بشيء اختلج (ردد الكلم على هيئة المستهتر)‬
‫بوجهه‪ ،‬فقال له النبي صلى الله عليه وسلم‪ :‬كن كذلك‪ ،‬فلم يزل‬
‫يختلج حتى مات‪.‬‬
‫أخرجه البيهقي في الدلئل‪.‬‬
‫ثبوت جرير على الفرس بعد أن كان ل يثبت‪:‬‬
‫عن جرير البجلي رضي الله عنه قال‪ :‬كنت ل أثبت على الخيل‪،‬‬
‫فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم‪ ،‬فضرب بيده‬
‫على صدري حتى رأيت أثر يده على صدري‪ ،‬وقال‪ :‬اللهم ثبته‬
‫واجعله هاديًا مهديًا‪ ،‬فما سقطت عن فرسي بعد‪ .‬رواه أبو نعيم‪.‬‬
‫وأخرجه الشيخان عنه بلفظ‪ :‬قال لي رسول الله صلى الله عليه‬
‫خلَصة‪ ،‬صنم‪ ،‬فقلت‪ :‬يا رسول الله‪،‬‬
‫وسلم‪ :‬أل تريحني من ذي ال َ‬
‫ل أثبت على الخيل‪ ،‬فضرب في صدري وقال‪ :‬اللهم ثبته واجعله‬
‫سا من أحمس‪،‬‬
‫هاديًا مهديًا‪ ،‬فسرت إليها في مائة وخمسين فار ً‬
‫فأتيناها فحرقناها‪.‬‬
‫أخرجه الشيخان‪.‬‬
‫شلت يده‪:‬‬
‫رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجل يأكل بشماله فقال له‪ :‬كل‬
‫بيمينك‪.‬‬
‫قال‪ :‬ل أستطيع‬
‫‪49‬‬

‫قال‪ :‬ل استطعت‪.‬‬
‫قال الراوي‪ :‬فما رفعها إلى فيه (فمه)‪ .‬رواه مسلم في الشربة‪.‬‬
‫كان إذا باع شيئًا ربح فيه بسبب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم‬
‫له‪:‬‬
‫صاحب هذه الشهادة عروة بن أبي الجعد المازني‪ ،‬رضي الله‬
‫عنه‪ ،‬أعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ديناًرا ليشتري له‬
‫به شاة‪ ،‬فاشترى به شاتين وباع إحداهما بدينار وأتاه بشاة‬
‫ودينار‪ ،‬فقال له‪ :‬بارك الله لك في صفقة يمينك‪.‬‬
‫وفي رواية‪ :‬فدعا له بالبركة في البيع‪ ،‬فكان لو اشترى التراب‬
‫لربح فيه‪ .‬أخرجه البهقي في الدلئل‪.‬‬
‫ل يشبع أبدًا‪:‬‬
‫عن ابن عباس‪ ،‬رضي الله عنهما‪ ،‬قال‪ :‬كنت ألعب مع الغلمان‬
‫فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فاختبأت منه‪ ،‬فجاءني‬
‫فحطاني حطوة (أي قفدني يعني ضربه بيده وهي مبسوطة‬
‫الكفين) أو حطوتين وأرسلني إلى معاوية في حاجة‪ ،‬فأتيته وهو‬
‫يأكل‪ ،‬فقلت‪ :‬أتيته وهو يأكل‪ ،‬فأرسلني الثانية فأتيته وهو يأكل‪،‬‬
‫فقلت‪ :‬أتيته وهو يأكل‪ ،‬فقال‪ :‬ل أشبع الله بطنه‪ .‬فما شبع بعدها‪.‬‬
‫قال ابن كثير‪ :‬وقد كان معاوية‪ ،‬رضي الله عنه‪ ،‬ل يشبع بعدها‪،‬‬
‫ووافقته هذه الدعوة في أيام إمارته فيقال‪ :‬إنه كان يأكل في‬
‫ما بلحم وكان يقول‪ :‬والله ل أشبع وإنما‬
‫اليوم سبع مرات طعا ً‬
‫أعيي‪ .‬البداية والنهاية (‪.)6/189‬‬
‫قلت‪ :‬وهذا المر جاء لمعاوية على أنه استجابة لدعاء النبي صلى‬
‫الله عليه وسلم وابتلء من الله تعالى لمعاوية‪ ،‬ولم يكن غضبًا ول‬
‫سخطًا من الرسول صلى الله عليه وسلم على معاوية رضي الله‬
‫عنه‪.‬‬
‫حضور الطعام الطهي بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم‪:‬‬
‫عن واثلة بن السقع‪ ،‬رضي الله عنه‪ ،‬حضر رمضان ونحن في‬
‫أهل الصفة فصمنا‪ ،‬فكنا إذا أفطرنا أتى كل رجل منا رجل من‬
‫أهل البيعة فانطلق به فع َّ‬
‫شاه‪ ،‬فأتت علينا لم يأتنا أحد‪ ،‬وأصبحنا‬
‫ما‪ ،‬وأتت علينا القابلة فلم يأتنا أحد‪ ،‬فانطلقنا إلى رسول الله‬
‫صيا ً‬
‫صلى الله عليه وسلم فأخبرناه بالذي كان من أمرنا‪ ،‬فأرسل إلى‬
‫كل امرأة من نسائه يسألها هل عندها شيء؟ فما بقيت منهن‬
‫امرأة إل أرسلت تقسم‪ :‬ما أمسى في بيتها ما يأكل ذو كبد فقال‬
‫لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ :‬فاجتمعوا‪ ،‬فدعا وقال‪:‬‬
‫اللهم إني أسألك من فضلك ورحمتك فإنها بيدك ل يملكها أحد‬
‫غيرك‪ .‬فلم يكن إل ومستأذن يستأذن فإذا بشاة مصلية ورغف‪،‬‬
‫فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعت بين أيدينا‪،‬‬
‫‪50‬‬

‫فأكلنا حتى شبعنا‪ ،‬فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ :‬إنا‬
‫سألنا الله من فضله ورحمته‪ ،‬فهذا فضله‪ ،‬وقد ادخر لنا عنده‬
‫رحمته‪.‬‬
‫حسن‪ :‬أخرجه البيهقي في الدلئل‪ ،‬ورواه الطبراني وإسناده‬
‫حسن‬
‫‪ .8‬السراء والمعراج‬
‫عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه‬
‫و سلم قال‪" :‬أتيت بالبراق‪-‬وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار‬
‫ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه‪-‬قال‪ :‬فركبته حتى أتيت‬
‫بيت المقدس قال‪ :‬فربطته بالحلقة التي يربط بها النبياء قال‪:‬‬
‫ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين ثم خرجت فجاءني جبريل‬
‫عليه السلم بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن‬
‫فقال جبريل عليه السلم‪ :‬اخترت الفطرة‪ ،‬ثم عرج بنا إلى‬
‫السماء فاستفتح جبريل فقيل‪ :‬من أنت؟‬
‫قال‪ :‬جبريل‬
‫قيل‪ :‬ومن معك؟‬
‫قال‪ :‬محمد‬
‫قيل‪ :‬وقد بعث إليه؟‬
‫قال‪ :‬قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بآدم فرحب بي ودعا لي بخير‪.‬‬
‫ثم عرج بنا إلى السماء الثانية فاستفتح جبريل عليه السلم‬
‫فقيل‪ :‬من أنت؟‬
‫قال‪ :‬جبريل‬
‫قيل‪ :‬ومن معك؟‬
‫قال‪ :‬محمد‬
‫قيل‪ :‬وقد بعث إليه؟‬
‫قال‪ :‬قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بابني الخالة عيسى بن مريم‬
‫ويحيى بن زكريا صلوات الله عليهما فرحبا ودعوا لي بخير‪ .‬ثم‬
‫عرج بنا إلى السماء الثالثة فاستفتح جبريل عليه السلم فقيل‪:‬‬
‫من أنت؟‬
‫قال‪ :‬جبريل‬
‫قيل‪ :‬ومن معك؟‬
‫قال‪ :‬محمد‬
‫قيل‪ :‬وقد بعث إليه؟‬
‫قال‪:‬قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بيوسف عليه السلم إذا هو قد‬
‫أعطي شطر الحسن فرحب ودعا لي بخير‪ ،‬ثم عرج بنا إلى‬
‫السماء الرابعة فاستفتح جبريل عليه السلم قيل‪ :‬من هذا؟‬
‫قال‪ :‬جبريل‬
‫‪51‬‬

‫قيل‪ :‬ومن معك؟‬
‫قال‪ :‬محمد‬
‫قيل‪ :‬وقد بعث إليه؟‬
‫قال‪ :‬قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بإدريس فرحب ودعا لي بخير‬
‫قال الله عز وجل‪ :‬ورفعناه مكانًا عليًا‪ ،‬ثم عرج بنا إلى السماء‬
‫الخامسة فاستفتح جبريل عليه السلم قيل‪ :‬من هذا؟‬
‫قال‪ :‬جبريل‬
‫قيل‪ :‬ومن معك؟‬
‫قال‪ :‬محمد‬
‫قيل‪ :‬وقد بعث إليه؟‬
‫قال‪ :‬قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بهارون عليه السلم فرحب‬
‫ودعا لي بخير‪ ،‬ثم عرج بنا إلى السماء السادسة فاستفتح جبريل‬
‫عليه السلم قيل‪ :‬من هذا؟‬
‫قال‪ :‬جبريل‬
‫قيل‪ :‬ومن معك؟‬
‫قال‪ :‬محمد‬
‫قيل‪ :‬وقد بعث إليه؟‬
‫قال‪:‬قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بموسى عليه السلم فرحب‬
‫ودعا لي بخير‪ ،‬ثم عرج بنا إلى السماء السابعة فاستفتح جبريل‬
‫عليه السلم فقيل‪ :‬من هذا؟‬
‫قال‪ :‬جبريل‬
‫قيل‪ :‬ومن معك؟‬
‫قال‪ :‬محمد‬
‫قيل‪ :‬وقد بعث إليه؟‬
‫قال‪:‬قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بإبراهيم عليه السلم مسندُا‬
‫ظهره إلى البيت المعمور وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف‬
‫ملك ل يعودون إليه ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى وإذا ورقها‬
‫كآذان الفيلة وإذا ثمرها كالقلل قال‪ :‬فلما غشيها من أمر الله ما‬
‫غشي تغيرت فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من‬
‫ي خمسين صلة في‬
‫ي ما أوحى ففرض عل ّ‬
‫حسنها‪ ،‬فأوحى الله إل ّ‬
‫كل يوم وليلة فنزلت إلى موسى عليه السلم فقال‪ :‬ما فرض‬
‫ربك على أمتك؟‬
‫قلت‪ :‬خمسين صلة‪.‬‬
‫قال‪ :‬ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف؛ فإن أمتك ل يطيقون ذلك‬
‫فإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم‪.‬‬
‫قال‪ :‬فرجعت إلى ربي‬

‫‪52‬‬

‫سا فرجعت إلى‬
‫فقلت‪ :‬يا رب خفف على أمتي فحط عني خم ً‬
‫موسى‪.‬‬
‫سا‬
‫فقلت‪ :‬حط عني خم ً‬
‫قال‪ :‬إن أمتك ل يطيقون ذلك فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف‬
‫قال‪ :‬فلم أزل أرجع بين ربي تبارك وتعالى وبين موسى عليه‬
‫السلم حتى قال‪ :‬يا محمد إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة‬
‫لكل صلة عشر فذلك خمسون صلة ومن هم بحسنة فلم يعملها‬
‫كتبت له حسنة فإن عملها كتبت له عشًرا ومن هم بسيئة فلم‬
‫يعملها لم تكتب شيئًا فإن عملها كتبت سيئة واحدة‪.‬‬
‫قال‪ :‬فنزلت حتى انتهيت إلى موسى عليه السلم فأخبرته‬
‫فقال‪ :‬ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف‬
‫فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم فقلت‪ :‬قد رجعت إلى‬
‫ربي حتى استحييت منه ‪ -‬رواه مسلم‪.‬‬
‫عن أبي هريرة رضي الله عنه‪ :‬أن النبي صلى الله عليه و سلم‬
‫مر على قوم يزرعون ويحصدون في يوم كلما حصدوا عاد كما‬
‫كان فقال لجبريل عليه السلم‪" :‬ما هذا؟ قال‪ :‬هؤلء المجاهدون‬
‫في سبيل الله تضاعف لهم الحسنة إلى سبعمائة ضعف وما‬
‫أنفقوا من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين‪.‬‬
‫ثم أتى على قوم ترضخ رءوسهم بالصخر كلما رضخت عادت كما‬
‫كانت ول يفتر عنهم من ذلك شيء فقال‪" :‬ما هذا يا جبريل؟"‬
‫قال‪ :‬هؤلء الذين تتثاقل رءوسهم عن الصلة المكتوبة‬
‫ثم أتى على قوم على أقبالهم رقاع وعلى أدبارهم رقاع‬
‫يسرحون كما تسرح النعام يأكلون الضريع والزقوم ورضف‬
‫جهنم فقال‪" :‬ما هؤلء؟" قال‪ :‬هؤلء الذين ل يؤدون زكاة أموالهم‬
‫وما ظلمهم الله وما ربك بظلم للعبيد‪.‬‬
‫ثم أتى على قوم بين أيديهم لحم نضيج في قدر ولحم نيئ في‬
‫قدر خبيث فجعلوا يأكلون من النيئ الخبيث ويدعون النضيج‬
‫فقال‪ :‬ما هؤلء يا جبريل؟ قال جبريل‪ :‬هذا الرجل من أمتك تكون‬
‫عنده المرأة الحلل الطيب فيأتي امرأة خبيثة فيبيت عندها حتى‬
‫يصبح والمرأة تقوم من عند زوجها حلل ً طيبًا فتأتي رجل ً خبيثًا‬
‫فتبيت عنده حتى تصبح‪.‬‬
‫ثم أتى على رجل قد جمع حزمة حطب عظيمة ل يستطيع حملها‬
‫وهو يزيد عليها فقال‪ :‬ما هذا يا جبريل؟ قال‪ :‬هذا الرجل من‬
‫أمتك تكون عليه أمانات الناس ل يقدر على أدائها وهو يريد أن‬
‫يحمل عليها‪.‬‬

‫‪53‬‬

‫ثم أتى على قوم تقرض ألسنتهم وشفاهم بمقاريض من حديد‬
‫كلما قرضت عادت كما كانت ل يفتر عنهم من ذلك شيء قال‪:‬‬
‫ما هذا يا جبريل؟ قال‪ :‬هؤلء خطباء الفتنة‪.‬‬
‫ثم أتى على حجر صغير يخرج منه ثور عظيم فجعل الثور يريد أن‬
‫يرجع من حيث خرج فل يستطيع فقال‪ :‬ما هذا يا جبريل؟ قال‪:‬‬
‫هذا الرجل يتكلم بالكلمة العظيمة ثم يندم عليها فل يستطيع أن‬
‫يردها‪.‬‬
‫حا طيبة باردة وريح مسك وسمع‬
‫ثم أتى على واد فوجد فيه ري ً‬
‫صوتًا فقال‪ :‬ما هذا يا جبريل؟‬
‫قال‪ :‬هذا صوت الجنة تقول‪ :‬رب آتيني بما وعدتني فقد كثرت‬
‫غرفي وإستبرقي وحريري وسندسي وعبقريي ولؤلؤي ومرجاني‬
‫وفضيتي وذهبي وأكوابي وصحافي وأباريقي ومراكبي وعسلي‬
‫ومائي ولبني وخمري فآتيني بما وعدتني‬
‫قال‪ :‬لك كل مسلم ومسلمة ومؤمن ومؤمنة ومن آمن بي‬
‫حا ولم يشرك بي شيئًا ولم يتخذ من دوني‬
‫وبرسلي وعمل صال ً‬
‫أندادًا ومن خشيني فهو آمن ومن سألني فقد أعطيته ومن‬
‫أقرضني جازيته ومن توكل علي كفيته إنني أنا الله ل إله إل أنا ل‬
‫أخلف الميعاد قد أفلح المؤمنون وتبارك الله أحسن الخالقين‬
‫حا‬
‫قالت‪ :‬قد رضيت ثم أتى على واد فسمع صوتًا منكًرا ووجد ري ً‬
‫منتنة فقال‪ :‬ما هذا يا جبريل؟ قال‪ :‬هذا صوت جهنم تقول‪ :‬رب‬
‫آتيني بما وعدتني فقد كثرت سلسلي وأغللي وسعيري وحميمي‬
‫وضريعي وغساقي وعذابي وقد بعد قعري واشتد حري فآتيني بما‬
‫وعدتني‬
‫قال‪ :‬لك كل مشرك ومشركة وكافر وكافرة وكل جبار ل يؤمن‬
‫بيوم الحساب قالت‪ :‬قد رضيت فسار حتى أتى بيت المقدس ‪-‬‬
‫رواه الطبراني والبزار‪.‬‬
‫‪ .9‬مـقدمـة‬
‫والمعجزة على شقين شق هو من نوع قدرة البشر‪ ،‬فعجزوا عنه‬
‫فتعجيزهم عنه فعل لله دل على صدق نبيه كتحدي اليهود أن‬
‫يتمنوا الموت‪ ،‬وشق خارج عن قدرتهم‪ ،‬فلم يقدروا على التيان‬
‫بمثله كانشقاق القمر‪ ،‬مما ل يمكن أن يفعله أحد إل الله تعالى‬
‫فيكون ذلك على يد النبي من الله وتحدى من يكذبه أن يأتي‬
‫بمثله تعجيزا له‪.‬‬
‫ومعجزات رسول الله صلى الله عليه وسلم التي ظهرت على‬
‫يديه تشمل كل النوعين فهو صلى الله عليه وسلم أكثر الرسل‬
‫معجزات وأبهرهم آيات وأظهرهم برهانا فله من المعجزات مال‬
‫يحصى‪ ،‬وقد ألفت في معجزاته صلى الله عليه وسلم المؤلفات‬
‫‪54‬‬

‫الكثيرة‪ ،‬وتناولها العلماء بالشرح والبيان ممن اعتنى بجمعها من‬
‫الئمة أبو نعيم الصبهاني والبيهقي‪.‬‬
‫ومعجزاته صلى الله عليه وسلم منها ما نقل إلينا نقل ً متواتًرا من‬
‫طرق كثيرة تفيد القطع عند المة ومنها ما لم يبلغ مبلغ الضرورة‬
‫والقطع وهو على نوعين‪.‬‬
‫أولً‪ :‬نوع مشتهر منتشر‪ ،‬رواه العدد وشاع الخبر به عند أهل‬
‫العلم بالثار‪ ،‬ونقلته السيرة والخبار‪ ،‬كنبع الماء من بين أصابعه‬
‫الشريفة صلى الله عليه وسلم‪ ،‬وتكثير الطعام‬
‫ثانياً‪ :‬نوع منه اختص به الواحد والثنان ورواه العدد اليسير ولم‬
‫يشتهر اشتهاره غيره لكنه إذا جمع إلى مثله اتفقا في المعنى‬
‫واجتمعا على التيان بالمعجز‪.‬‬
‫وبعد هذا التمهيد الموجز‪ ،‬نورد بإذن الله تعالى جملة من‬
‫معجزات ودلئل نبوة سيد الولين والخرين صلى الله عليه وسلم‬
‫مما ساندها الدليل الصحي‬
‫‪ .10‬إخباره صلى الله عليه وسلم عن المغيبات (‪)1‬‬
‫أولً‪ :‬نبوءات تحققت في زمن النبي صلى الله عليه و سلم‪:‬‬
‫من معجزات رسول الله صلى الله عليه وسلم ودلئل نبوته ما‬
‫اطلع عليه من الغيوب الماضية والمستقبلية وإخباره عنها ومن‬
‫المعلوم المقرر أن علم الغيب مختص بالله تعالى وحده وقد‬
‫أضافه الله تعالى إلى نفسه الكريمة في غير ما آية من كتابه‬
‫ت واْل َ‬
‫العزيز قال تعالى‪( :‬قُل َّل يَعْل َ‬
‫َ‬
‫ب‬
‫ر‬
‫ا‬
‫ماو‬
‫س‬
‫ال‬
‫ي‬
‫ف‬
‫من‬
‫م‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ض الْغَي ْ َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ب لَ‬
‫َي‬
‫غ‬
‫ه)‪ -‬سورة النمل آية ‪ 65‬وقال تعالى‪( :‬وَ ِ‬
‫مفَات ِ ُ‬
‫عندَه ُ َ‬
‫إ ِ ّل الل ّ ُ‬
‫ح ال ْ ْ ِ‬
‫َ‬
‫مهَا إِل ّ هُوَ) ‪ -‬سورة النعام آية ‪59‬‬
‫يَعْل َ ُ‬
‫ضا أن النبياء عليهم الصلة والسلم ل يعلمون‬
‫ومن المعلوم أي ً‬
‫الغيب ول اطلع لهم على شيء منه قال الله تعالى مخبًرا عن‬
‫غير واحد من رسله الكرام عليهم الصلة والسلم أنهم قالوا‬
‫َ‬
‫لقوامهم‪( :‬قُل ل َّ أَقُو ُ‬
‫ب)‬
‫عندِي َ‬
‫م ِ‬
‫م الْغَي ْ َ‬
‫ن اللّهِ وَل أع ْل َ ُ‬
‫ل لَك ُ ْ‬
‫خَزآئ ِ ُ‬
‫سورة النعام آية ‪50‬‬
‫وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت‪ :‬من‬
‫زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبر بما يكون في غد‬
‫فقد أعظم على الله الفرية‪.‬‬
‫وكما جاءت الدلة تدل على أن الله تبارك وتعالى قد اختص‬
‫بمعرفة علم الغيب وأنه استأثر به دون خلقه جاءت أدلة أخرى‬
‫تفيد أن الله تعالى استثنى من خلقه من ارتضاه من الرسل‬
‫فأودعهم ما شاء من غيبه بطريق الوحي إليهم وجعله معجزة‬
‫ه‬
‫ما كَا َ‬
‫ن الل ّ ُ‬
‫(و َ‬
‫لهم ودللة صادقة على نبوتهم قال تعالى‪َ :‬‬
‫ب وَلَك ِ َّ‬
‫من ي َ َ‬
‫شاءُ)‪-‬‬
‫جتَبِي ِ‬
‫ه يَ ْ‬
‫من ُّر ُ‬
‫سلِهِ َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫لِيُطْلِعَك ُ ْ‬
‫م ع َلَى الْغَي ْ ِ‬
‫‪55‬‬

‫ب فََل يُظْهُِر ع َلَى‬
‫سورة آل عمران َ آية ‪ 179‬وقال تعالى‪( :‬ع َال ِ ُ‬
‫م الْغَي ْ ِ‬
‫َ‬
‫ل)‪ -‬سورة الجن آية ‪ 26‬و‬
‫ضى ِ‬
‫ن اْرت َ َ‬
‫غَيْبِهِ أ َ‬
‫من َّر ُ‬
‫حدا ً {‪ }26‬إ ِ ّل َ‬
‫سو ٍ‬
‫م ِ‬

‫‪27‬‬

‫فتلخص من ذلك أن ما وقع على لسان رسول الله صلى الله‬
‫عليه وسلم من الخبار بالمغيبات فبوحي من الله تعالى وهو من‬
‫إعلم الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم للدللة على‬
‫ثبوت نبوته وصحة رسالته‪.‬‬
‫وقد اشتهر وانتشر أمره صلى الله عليه وسلم بإطلع الله له‬
‫على المغيبات‬
‫قال حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما‪ :‬قام فينا رسول الله‬
‫ما فما ترك شيئًا يكون من مقامه ذلك‬
‫صلى الله عليه وسلم مقا ً‬
‫إلى قيام الساعة إل حدثه حفظه من حفظه ونسيه من نسيه‬
‫رواه البخاري ومسلم‪.‬‬
‫وقال عمرو بن أخطب النصاري رضي الله عنه‪ :‬صلى بنا رسول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم الفجر وصعد المنبر فخطبنا حتى‬
‫حضرت الظهر فنزل فصلى ثم صعد المنبر فخطبنا حتى حضرت‬
‫العصر فنزل فصلى ثم صعد المنبر فخطبنا حتى غربت الشمس‬
‫فأخبرنا بما هو كائن إلى يوم القيامة فأعلمنا أحفظنا‪ .‬رواه‬
‫مسلم‪.‬‬
‫والمغيبات التي تغيبها رسول الله صلى الله عليه وسلم على‬
‫أقسام ثلثة‬
‫أولً‪ :‬نبوءات تحققت في زمن النبي صلى الله عليه و سلم‪:‬‬
‫وهو ما أخبر به صلوات الله وسلمه عليه من المغيبات فوقع‬
‫أثناء حياته ومن أمثلة ذلك‬
‫قتل أمية بن خلف‪.‬‬
‫ثانياً‪ :‬نبوءات تحققت بعد زمن النبي صلى الله عليه و سلم‪:‬‬
‫وهو ما أخبر به صلوات الله وسلمه عليه من المغيبات فوقع بعد‬
‫مماته‪.‬‬
‫ثالثًا‪ :‬قسم في المستقبل لم يتحقق بعد‪.‬‬
‫و ستجد تفصيل ذلك في القبسات التالية‪.‬‬
‫أولً‪ :‬نبوءات تحققت في زمن النبي صلى الله عليه و سلم‪:‬‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم يخبر وهو في مكة في فئة‬
‫مستضعفة أن دينه سيعم الجزيرة كلها‪:‬‬
‫فعن خباب بن الرت قال‪ :‬شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم وهو يومئذ ٍ متوسد بردة في ظل الكعبة‪ ،‬فقلنا‪} :‬أل‬
‫تستنصر لنا الله تبارك وتعالى‪ ،‬أو أل تستنصر لنا؟‬

‫‪56‬‬

‫فقال صلى الله علي وسلم‪":‬قد كان الرجل فيمن كان قبلكم‬
‫يؤخذ فيحفر له في الرض‪ ،‬فيجاء بالمنشار على رأسه فيجعل‬
‫بنصفين فما يصده ذلك عن دينه‪ ،‬ويمشط بأمشاط الحديد ما‬
‫دون عظمه من لحم وعصب فما يصده ذلك‪ ،‬والله ليتمن الله عز‬
‫وجل هذا المر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ل‬
‫يخاف إل الله تعالى‪ ،‬والذئب على غنمه‪ ،‬ولكنكم تستعجلون{‪- ".‬‬
‫رواه أحمد‪.‬‬
‫وقد وقع هذا المر في حياته صلى الله عليه وسلم فدانت‬
‫الجزيرة كلها بالسلم‪ ،‬وآمن الناس فيها من أقصاها إلى‬
‫أقصاها‪...‬وكان تصور هذا ضرب من الخيال‪ ،‬فقد كان القتل‬
‫وقطع الطريق‪ ،‬والغارة والنهب والسلب في كل ركن من‬
‫أركانها إل المسجد الحرام فقط‪.‬‬
‫إخباره صلى الله عليه وسلم بفتح جزيرة العرب ثم فارس ثم‬
‫الروم‪ ،‬ووقوع المر كما حدث به تماماً‪:‬‬
‫قال مسلم رحمه الله‪ :‬حد ثنا قتيبة بن سعيد حدثنا جرير عن عبد‬
‫الملك بن عمير عن جابر بن سمرة عن نافع بن عتبة قال‪ :‬كنا مع‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة قال‪ :‬فأتى النبي‬
‫صلى الله عليه وسلم قوم من قبل المغرب عليهم ثياب الصرف‬
‫فوافقوه عند أكمة فإنهم لقيام ورسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم قاعد قال‪ :‬فقالت لي نفسي ائتهم فقم بينهم وبينه ل‬
‫يغتالونه‪.‬‬
‫قال‪ :‬ثم قلت لعله نجى معهم فأتيتهم فقمت بينهم وبينه‬
‫فحفظت منه أربع كلمات أعدهن في يدي قال‪":‬تغزون جزيرة‬
‫العرب فيفتحها الله‪ ،‬ثم فارس فيفتحها الله ثم تغزون الروم‬
‫فيفتحها الله‪ ،‬ثم تغزون الدجال فيفتحه الله"‪.‬‬
‫قلت‪ :‬ويبقى فتح الدجال‪ ،‬وسيقع المر فيه كما حدث صلى الله‬
‫عليه وسلم تماماً‪ ،‬وسيكون ذلك آية أخرى لمن يشهدها في‬
‫وقتها‪.‬‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم يخبر وهو في المدينة أن أمته ستفتح‬
‫كنوز كسرى‪:‬‬
‫روى المام البخاري رحمه الله بإسناده إلى عدي بن حاتم قال‪:‬‬
‫بينا أنا عند الني صلى الله عليه وسلم إذ أتاه رجل فشكا إليه‬
‫الفاقة‪ ،‬ثم أتاه آخر فشكا إليه قطع السبيل‪.‬‬
‫فقال‪ :‬يا عدي‪ ،‬هل رأيت الحيرة؟‬
‫قلت‪ :‬لم أرها‪ ،‬وقد أنبئت عنها‬
‫قال‪ :‬فإن طالت بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى‬
‫تطوف بالكعبة ل تخاف أحدا ً إل الله‪ ،‬قلت فيما بيني وبين نفسي‬
‫‪57‬‬

‫فأين دعار (الدعار هو الخبث الشديد) طيء الذين قد سعروا‬
‫البلد؟ ولئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى‪.‬‬
‫قلت‪ :‬كسرى بن هرمز؟‬
‫قال‪ :‬كسرى بن هرمز‪ .‬ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج‬
‫ملء كفه من ذهب أو فضة يطلب من يقبله منه فل يجد أحداً‬
‫يقبله منه‪ ،‬وليلقين الله أحدكم يوم يلقاه وليس بينه وبينه ترجمان‬
‫يترجم له‪ ،‬فيقولن ألم أبعث إليك رسول ً فيبلغك فيقول بلى‬
‫فيقول‪ :‬ألم أعطك مال ً وأفضل عليك؟‬
‫فيقول‪ :‬بلى فينظر عن يمينه فل يرى إل جهنم‪ ،‬وينظر عن يساره‬
‫فل يرى إل جهنم‬
‫قال عدي‪ :‬سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول‪ :‬اتقوا النار‬
‫ولو بشق تمرة‪ ،‬فمن لم يجد شق تمرة فبكلمة طيبة‬
‫قال عدي‪ :‬فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة‬
‫ل تخاف إل الله‪ ،‬وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز‪ ،‬ولئن‬
‫طالت بكم حياة لترون ما قال النبي أبو القاسم صلى الله عليه‬
‫وسلم‪ :‬يخرج ملء كفه ‪ -‬رواه البخاري‪.‬‬
‫وقد روى هذا الحديث أبو نعيم بإسناده في دلئل النبوة أن‬
‫الشعبي رحمه الله دخل على عدي بن حاتم الطائي فقال‪ :‬إنه‬
‫بلغني عنك حديث كنت أحب أن أسمعه منك‬
‫قال‪ :‬نعم‪ ،‬بعث النبي صلى الله عليه وسلم وكنت من أشد‬
‫الناس له كراهية‪ ،‬وكنت بأقصى أرض العرب من الروم‪ ،‬فكرهت‬
‫مكاني أشد من كراهيتي لمري الول‪ ،‬فقلت لتين هذا الرجل‪،‬‬
‫فإن كان صادقا ً ل يخفى علي أمره‪ ،‬وإن كان كاذبا ً ل يخفى علي‪،‬‬
‫أو قال‪ :‬ل يضرني‪ ،‬قال‪ :‬فقدمت المدينة‪ ،‬فاستشرفني الناس‬
‫فقالوا‪ :‬عدي بن حاتم‬
‫فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال‪ :‬يا عدي أسلم تسلم‬
‫قلت‪ :‬إن لي ديناً‪ ،‬قال‪ :‬أنا أعلم بدينك منك‬
‫قلت‪ :‬ما يجعلك أعلم بديني مني؟‬
‫قال‪ :‬أنا أعلم بدينك منك‪ .‬ألست ترأس قومك؟‬
‫قلت‪ :‬بلى‬
‫قال‪ :‬ألست تأخذ المرباع ‪ -‬أي ربع الغنيمة‬
‫قلت‪ :‬بلى‬
‫قال‪ :‬فإن ذلك ل يحل لك‬
‫قلت‪ :‬أجل‬
‫قال‪ :‬فكان ذلك أذهب بعض ما في نفسي‬
‫قال‪ :‬أنه يمنعك من أن تسلم خصاصة فقر من ترى حولنا‪ ،‬وإنك‬
‫ترى الناس علينا إلبا ً واحداً‪ ،‬أو قال يدا ً واحدة‬
‫‪58‬‬

‫قلت‪ :‬نعم‬
‫قال‪ :‬هل أتيت الحيرة؟‬
‫قلت‪ :‬ل‪ ،‬وقد علمت مكانها‬
‫قال صلى الله عليه وسلم‪ :‬يوشك الظعينة أن تخرج من الحيرة‬
‫حتى تطوف بالبيت بغير جوار ويوشك أن تفتح كنوز كسرى بن‬
‫هرمز‬
‫قال‪ :‬قلت‪ :‬كنوز كسرى بن هرمز‬
‫قال‪ :‬كنوز كسرى بن هرمز ويوشك أن يخرج الرجل الصدقة من‬
‫ماله فل يجد من يقبلها منه‬
‫قال عدي رضي الله عنه‪ :‬فلقد رأيت الظعينة تخرج من الحيرة‬
‫حتى تطوف بالبيت بغير جوار‪ ،‬وكنت في أول خيل أغارت على‬
‫السواد‪ ،‬والله لتكونن الثالثة أنه لقول رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم‪.‬‬
‫وفي رواية أبي بكر بن خلد ومحمد بن أحمد قال عدي فأنا‬
‫سرت بالظعينة من الحيرة‪ ،‬قال‪ :‬إلى البيت العتيق في غير جوار‪،‬‬
‫يعني أنه حج بأهله‪ ،‬وكنت في أول خيل أغارت على المدائن‪،‬‬
‫والله لتكونن الثالثة كما كانت هاتان أنه تحديث رسول الله صلى‬
‫الله عليه وسلم إياي‬
‫وفي رواية أخرى‬
‫قدم عدي بن حاتم الطائي الكوفة‪ ،‬فأتيته في أناس منا‪ ،‬من أهل‬
‫الكوفة‪ ،‬قلنا‪ :‬حدثنا بحديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم‬
‫فقال‪ :‬بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنبوة ول أعلم‬
‫أحدا ً من العرب كان له أشد بغضا ً مني‪ ،‬ول أشد كراهية له مني‪،‬‬
‫حتى لحقت بأرض الروم‪ ،‬فتنصرت فيهم‪ ،‬فلما بلغني ما يدعو‬
‫إليه من الخلق الحسنة‪ ،‬وما اجتمع إليه من الناس ارتحلت حتى‬
‫أتيته‪ ،‬فوقفت عليه وعنده صهيب وبلل وسلمان‬
‫فقال‪ :‬يا عدي بن حاتم أسلم تسلم‬
‫فقلت‪ :‬أخ أخ فأنخت‪ ،‬فجلست وألزقت ركبتي بركبته‬
‫فقلت‪ :‬يا رسول الله ما السلم؟‬
‫قال‪ :‬تؤمن بالله وملئكته وكتبه ورسله‪ ،‬وتؤمن بالقدر خيره‬
‫وشره‪ ،‬وحلوه ومره‪ .‬يا عدي بن حاتم ل تقوم الساعة حتى تفتح‬
‫خزائن كسرى وقيصر‪ .‬يا عدي بن حاتم ل تقوم الساعة حتى تأتي‬
‫الظعينة من الحيرة –ولم يكن يومئذ كوفة‪ -‬حتى تطوف بالكعبة‬
‫بغير خفير‪ ،‬ل تقوم الساعة حتى يحمل الرجل جراب المال‬
‫فيطوف به فل يجد أحد يقبله‪ ،‬فيضرب به الرض فيقول‪ :‬ليتك‬
‫كنت ترابا ً ‪ -‬دلئل النبوة لبي نعيم ‪.696-2/693‬‬
‫‪59‬‬

‫إخباره صلى الله عليه وسلم بفتح الحيرة وهبته الشيماء بنت‬
‫نفيلة لخريم بن أوس‪:‬‬
‫قال أبو نعيم‪ :‬حدثنا محمد بن معمر قال ثنا عبد الله بن محمد بن‬
‫ناجية‪ ،‬قال‪ :‬ثنا أبو السكين زكريا بن يحيى الطائي‪ ،‬قال حدثني‬
‫عم أبي زخر بن حصن عن جده حميد بن منهب قال‬
‫قال جدي خريم بن أوس‪ :‬هاجرت إلى النبي صلى الله عليه‬
‫ة من تبوك‪ ،‬فأسلمت فسمعته يقول‪:‬‬
‫صَرفَ ُ‬
‫وسلم‪ ،‬وقدمت عليه ُ‬
‫من ْ َ‬
‫هذه الحيرة البيضاء قد رفعت لي‪ ،‬وهذه الشيماء بنت نفيلة‬
‫الزدية على بغله شهباء معتجرة بخمار أسود‪.‬‬
‫فقلت‪ :‬يا رسول الله إن نحن دخلنا الحيرة فوجدناها كما تصف‬
‫فهي لي؟‬
‫قال‪ :‬هي لك‪.‬‬
‫قلت‪ :‬ثم كانت الردة‪ ،‬فما ارتد أحد من طيء‪ ،‬فأقبلنا مع خالد بن‬
‫الوليد نريد الحيرة‪ ،‬فلما دخلناها كان أول من تلقانا الشيماء بنت‬
‫نفيلة‪ ،‬كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلة‬
‫شهباء معتجرة بخمار أسود فتعلقت بها‪.‬‬
‫فقلت‪ :‬هذه وصفها لي رسول الله صلى الله عليه وسلم‪،‬‬
‫فدعاني خالد بالبينة فأتيت بها‪ ،‬فكانت البينة محمد بن مسلمة‬
‫ي خالد‪ ،‬ونزل إليها أخوها‬
‫ومحمد بن بشير النصاريان‪ ،‬فسلمها إل ّ‬
‫عبد المسيح بن نفيلة يريد الصلح‬
‫فقال‪ :‬بعينها‬
‫فقلت‪ :‬ل أنقصها والله من عشر مائة فأعطاني ألف درهم‬
‫وسلمتها إليه‬
‫فقالوا لي‪ :‬لو قلت مائة ألف لسلمها إليك‬
‫فقلت‪ :‬ما كنت أحسب أن عددا ً أكثر من عشر مائة‬
‫قلت‪ :‬وهذا صحابي ل يعلم بعد اللف عددا ً وهذا الحديث من‬
‫أعلم نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه حدث عن أمر من‬
‫الغيب ل يمكن تصوره بالظن ول التخييل ول التوقع فإن تصور‬
‫انتصار العرب المسلمين على الفرس كان أبعد من الخيال ولقد‬
‫حدث عنه النبي صلى الله عليه وسلم بصفته حقيقة واقعة ووقع‬
‫المر كما حدث به تماماً‪.‬‬
‫وقد روى هذا الحديث المام ابن حبان رحمه الله كما في‬
‫الموارد‪ :‬أخبرنا ابن أسلم حدثنا محمد بن يحيى بن أبي عمر‬
‫العدني‪ ،‬حدثنا سفيان‪ ،‬عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن‬
‫أبي حازم بن عدي بن حاتم قال‪ :‬قال رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم‪ :‬مثلت لي الحيرة كأنياب الكلب وإنكم ستفتحونها‬
‫فقام رجل فقال‪ :‬هب لي يا رسول الله ابنة نفيلة‬
‫‪60‬‬

‫فقال‪ :‬هي لك فأعطوها إياه‬
‫فجاء أبوها فقال‪ :‬أتبيعنها‬
‫فقال‪ :‬نعم‬
‫قال‪ :‬بكم؟‬
‫قال‪ :‬احتكم ما شئت‬
‫قال‪ :‬بألف درهم‬
‫قال‪ :‬قد أخذتها فقيل‪ :‬لو قلت ثلثين ألفاً‬
‫قال‪ :‬وقال‪ :‬وهل عدد أكثر من ألف؟‬
‫قال الحافظ الهيثمي‪ :‬قلت هكذا وقع في هذه الرواية أن الذي‬
‫اشتراها أبوها وإن المشهور أن الذي اشتراها عبد المسيح أخوها‬
‫والله أعلم‪.‬‬
‫إخباره صلى الله عليه وسلم بحسن إسلم الفرس بعد الفتح‪:‬‬
‫قال البخاري رحمه الله‪ :‬حدثنا عبد العزيز بن عبد الله قال‬
‫حدثني سليمان بن بلل عن ثور عن أبي الغيث عن أبي هريرة‬
‫رضي الله عنه قال‪ :‬كنا جلوسا ً عند النبي صلى الله عليه وسلم‬
‫م ل َ َّ‬
‫م) قال‪:‬‬
‫فأنزلت عليه سورة الجمعة (وآ َ‬
‫ن ِ‬
‫ما يَل ْ َ‬
‫حقُوا بِهِ ْ‬
‫منْهُ ْ‬
‫خرِي َ‬
‫قلت‪ :‬من هم يا رسول الله؟ فلم يراجعه حتى سأل ثلثاً‪ ،‬وفينا‬
‫سلمان الفارسي وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده‬
‫على سلمان ثم قال‪ :‬لو كان اليمان عند الثريا لناله رجال أو‬
‫رجل من هؤلء‪.‬‬
‫حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب حدثنا عبد العزيز أخبرني ثور عن‬
‫أبي الغيث عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم‪ :‬لناله‬
‫رجال من هؤلء ‪ -‬البخاري ‪.8/641‬‬
‫بشر الرسول المسلمين بغزو قريش‪:‬‬
‫ولما انصرف أهل الخندق عن الخندق قال رسول الله صلى الله‬
‫عليه وسلم فيما بلغني‪ ":‬لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا‪،‬‬
‫ولكنكم تغزونهم"‪ .‬فلم تغزهم قريش بعد ذلك وكان هو الذي‬
‫يغزوها‪ ،‬حتى فتح الله عليه مكة‪.‬‬
‫حدثت عن سلمان الفارسي‪ ،‬أنه قال‪ :‬ضربت‬
‫قال ابن إسحاق ‪ :‬و ُ‬
‫ي صخرة‪ ،‬ورسول الله صلى‬
‫في ناحية من الخندق‪ ،‬فغَلُظت عل ّ‬
‫الله عليه وسلم قريب مني؛ فلما رآني أضرب ورأى شدة المكان‬
‫علي‪ ،‬نزل فأخذ المعول من يدي‪ ،‬فضرب به ضربة لمعت تحت‬
‫المعول برقة؛‬
‫قال‪ :‬ثم ضرب به ضربة أخرى‪ ،‬فلمعت تحته برقة أخرى؛‬
‫قال‪ :‬ثم ضرب به الثالث‪ ،‬فلمعت تحته برقة أخرى ‪.‬‬
‫قال‪ :‬قلت‪ :‬بأبي أنت وأمي يا رسول الله! ما هذا الذي رأيت لمع‬
‫تحت المعول وأنت تضرب؟‬
‫‪61‬‬

‫قال‪ :‬أو قد رأيت ذلك يا سلمان؟‬
‫قال‪ :‬قلت ‪ :‬نعم‪.‬‬
‫قال‪ :‬أما الولى فإن الله فتح علي بها اليمن؛ وأما الثانية فإن الله‬
‫فتح علي بها الشام والمغرب؛ وأما الثالثة فإن الله فتح على بها‬
‫المشرق‪.‬‬
‫قال ابن إسحاق‪ :‬وحدثني من ل أتهم عن أبي هريرة أنه كان‬
‫يقول‪ ،‬حين فتحت هذه المصار في زمان عمر وزمان عثمان وما‬
‫بعده ‪ :‬افتتحوا ما بدا لكم‪ ،‬فو الذي نفس أبي هريرة بيده‪ ،‬ما‬
‫افتتحتم من مدينة ول تفتتحونها إلى يوم القيامة إل وقد أعطى‬
‫الله سبحانه محمدًا صلى الله عليه وسلم مفاتيحها قبل ذلك‪.‬‬
‫ولما انصرف أهل الخندق عن الخندق؛ قال رسول الله صلى الله‬
‫عليه وسلم فيما بلغني ‪ :‬لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا‪،‬‬
‫ولكنكم تغزونهم ‪ .‬فلم تغزهم قريش بعد ذلك‪ ،‬وكان هو الذي‬
‫يغزوها‪ ،‬حتى فتح الله عليه مكة‪.‬‬
‫إخباره صلى الله عليه وسلم بمصارع القوم يوم بدر‪:‬‬
‫روى مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام يوم بدر‬
‫قبل قتال المشركين وقال‪ :‬هذا مصرع فلن‪ ،‬ووضع يده على‬
‫الرض‪ ،‬ثم قال‪ :‬هذا مصرع فلن‪ ،‬ووضع يده عليها‪ ،‬وذكرهم‬
‫واحدًا واحدًا مشيًرا إلى مصارعهم‪ ،‬فصرعوا كذلك‪ ،‬ما تجاوز أحد‬
‫منهم موضعه الذي أشار إليه صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫إخباره صلى الله عليه وسلم بخراب خيبر‪:‬‬
‫لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر صلى بهم الصبح‬
‫وركب المسلمون‪ ،‬فخرج أهل خيبر بمساحيهم ومكاتلهم‪ ،‬ول‬
‫يشعرون‪ ،‬بل خرجوا لرضهم‪ ،‬فلما رأوا الجيش قالوا‪ :‬محمد‬
‫والله‪ ،‬محمد والجيش‪ ،‬ثم رجعوا هاربين إلى حصونهم‪ ،‬فقال‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم‪ ":‬الله أكبر خربت خيبر‪ ،‬الله أكبر‬
‫خربت خيبر‪ ،‬إنا إذا نزلنا بساحة قوم‪ ،‬فساء صباح المنذرين"‪.‬‬
‫أخرجه البخاري ومسلم‪.‬‬
‫إخباره صلى الله عليه وسلم بأنه هو الذي يقتل أبيًا‪:‬‬
‫ي بن خلف _ لعنه الله_ قتل النبي صلى الله‬
‫رام إمام الكفر أب ّ‬
‫عليه وسلم‪ ،‬فقال النبي صلى الله عليه وسلم‪":‬أنا أقتل أبيًا"‪،‬‬
‫وذلك الذي تم كما جاء في الحديث‪ :‬أقبل أبي بن خلف يوم أحد‬
‫إلى النبي صلى الله عليه وسلم فخلوا سبيله‪ ،‬فاستقبله مصعب‬
‫ي من‬
‫بن عمير‪ ،‬ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ترقوة أب ّ‬
‫فرجة بين سابغة الدرع والبيضة‪ ،‬وطعنه بحربته فسقط عن‬
‫فرسه ولم يخرج من طعنته الدم فكسر ضلعًا من أضلعه‪ ،‬فأتاه‬

‫‪62‬‬

‫أصحابه وهو يخور خوار الثور‪ ،‬فقالوا له‪ :‬ما أعجزك‪ ،‬إنما هو‬
‫خدش‪.‬‬
‫فذكر لهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ :‬بل أنا أقتل‬
‫أبيًا‪ ،‬ثم قال‪ :‬والذي نفسي بيده لو كان هذا الذي بي بأهل ذي‬
‫المجاز لماتوا أجمعون‪ ،‬فمات أبي قبل أن يقدم مكة‪ ،‬فأنزل الله‬
‫ت وَلَـك ِ َّ‬
‫ن‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫ي ال ْ ُ‬
‫ه َر َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫مي ْ َ‬
‫ت إِذ ْ َر َ‬
‫مي ْ َ‬
‫ما َر َ‬
‫تعالى‪( :‬وَ َ‬
‫منِي َ‬
‫مى وَلِيُبْل ِ َ‬
‫سنا) ‪ -‬سورة النفال‪ ،‬من الية‪ .17:‬أخرجه الحاكم‬
‫ِ‬
‫ه بَلء َ‬
‫ح َ‬
‫من ْ ُ‬
‫وقال‪ :‬صحيح السناد‪.‬‬
‫ي بن خلف الكافر الوحيد الذي قتله رسول الله صلى الله‬
‫وكان أب ّ‬
‫عليه وسلم في غزوة أحد‪ ،‬وما سمع أنه قتل بعده أحدًا‪.‬‬
‫إخباره صلى الله عليه وسلم بإسلم أبي الدرداء قبل أن يسلم‪:‬‬
‫ما‬
‫عن جبير بن نفير قال‪ :‬كان أبو الدرداء رضي الله عنه يعبد صن ً‬
‫في الجاهلية‪ ،‬وإن عبد الله بن رواحة ومحمد بن مسلمة رضي‬
‫الله عنهما دخل بيته فسرقا صنمه‪ ،‬فرجع أبو الدرداء فجعل يجمع‬
‫صنمه ذلك ويقول‪ :‬ويحك‪ ،‬هل امتنعت‪ ،‬أل دفعت عن نفسك؟‬
‫فقالت أم الدرداء‪ :‬لو كان ينفع أحدًا أو يدفع عن أحد‪ ،‬دفع عن‬
‫نفسه ونفعها‬
‫فقال أبو الدرداء‪ :‬أعدي لي في المغتسل ماء‪ ،‬فجعلت له ماء‬
‫فاغتسل وأخذ حلته فلبسها‪ ،‬ثم ذهب إلى النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم‪ ،‬فنظر إليه ابن رواحة مقبلً‪ ،‬فقال‪ :‬هذا أبو الدرداء ما أراه‬
‫جاء إل في طلبنا‪ ،‬فقال النبي صلى الله عليه وسلم‪" :‬ل‪ ،‬إنما جاء‬
‫ليسلم؛ فإن ربي عز وجل وعدني بأبي الدرداء أن يسلم‪ .‬أخرجه‬
‫البيهقي في الدلئل‪.‬‬
‫إعلمه صلى الله عليه وسلم بعدم غزو المشركين المسلمين بعد‬
‫الخندق‪:‬‬
‫لما انصرف أهل الخندق‪ ،‬قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪:‬‬
‫الن نغزوهم ول يغزوننا‪.‬‬
‫صحيح‪ :‬أخرجه البخاري وأحمد وابن إسحاق‪.‬‬
‫فلم تغز قريش بعد هذه الغزوة‪ ،‬وكان صلى الله عليه وسلم‬
‫يغزوهم حتى فتح الله عليه مكة‪.‬‬
‫إخباره صلى الله عليه وسلم عن إسلم أبي طلحة قبل أن‬
‫يسلم‪:‬‬
‫لما مات زوج أم سليم رضي الله عنها‪ ،‬جاءها أبو طلحة النصاري‬
‫خاطبًا فكلمها في ذلك‪ ،‬فقالت‪ :‬يا أبا طلحة‪ ،‬ما مثلك يرد‪ ،‬ولكنك‬
‫امرؤ كافر وأنا امرأة مسلمة ل يصلح لي أن أتزوجك‪ .‬فقال‪ :‬ما‬
‫ذاك دهرك! (ما هذه عادتك)‪ ،‬قالت‪ :‬وما دهري؟ قال‪ :‬الصفراء‬
‫(الذهب) والبيضاء (الفضة)‪ ،‬قالت‪ :‬فإني ل أريد صفراء ول بيضاء‪،‬‬
‫‪63‬‬

‫أريد منك السلم فإن تسلم فذاك مهري ول أسألك غيره‪ ،‬قال‪:‬‬
‫فمن لي بذلك؟ قالت‪ :‬لك بذلك رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم‪ ،‬فانطلق أبو طلحة يريد النبي صلى الله عليه وسلم‬
‫ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في أصحابه‪ ،‬فلما رآه‬
‫قال‪ :‬جاءكم أبو طلحة غرة السلم بين عينيه‪ ،‬فأخبر رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم بما قالت أم سليم‪ ،‬فتزوجها على ذلك‪.‬‬
‫قال ثابت البناني‪ ،‬راوي القصة عن أنس‪ :‬فما بلغنا أن مهًرا كان‬
‫أعظم منه أنها رضيت السلم مهًرا‪ .‬صحيح‪ ،‬رواه البخاري‪،‬‬
‫ومسلم‪ ،‬وأبو داود الطيالس‬
‫‪ .11‬إخباره صلى الله عليه وسلم عن المغيبات (‪)2‬‬
‫ثانياً‪ :‬نبوءات تحققت بعد زمن النبي صلى الله عليه و سلم‪:‬‬
‫المسلمون يفتحون فارس موقنين بخبر الرسول صلى الله عليه‬
‫وسلم‪:‬‬
‫قال البخاري رحمه الله‪ :‬حدثنا الفضل بن يعقوب حدثنا عبد الله‬
‫بن جعفر الرقي حدثنا المعتمر بن سليمان حدثنا سعيد بن عبيد‬
‫الله الثقفي حدثنا بكر بن عبد المزني وزياد بن جبير عن جبير بن‬
‫حية قال‪ :‬بعث عمر الناس في أفناء النصار‪ ،‬يقاتلون المشركين‪،‬‬
‫فأسلم الهرمزان‬
‫فقال له عمر‪ :‬إني مستشيرك في مغازي هذه‬
‫مثَلُها ومثل من فيها من الناس من عدو المسلمين‬
‫قال‪ :‬نعم‪َ ،‬‬
‫مثل طائر له رأس‪ ،‬وله جناحان وله رجلن‪ ،‬فإن كسر أحد‬
‫الجناحين نهضت الرجلن بجناح والرأس‪ ،‬فإن كسر الجناح الخر‬
‫نهضت الرجلن والرأس‪ ،‬وإن شدخ الرأس ذهبت الرجلن‬
‫والجناحان والرأس‪ ،‬فالرأس كسرى‪ ،‬والجناح قيصر‪ ،‬والجناح‬
‫الخر فارس‪ ،‬فمر المسلمين فلينفروا إلى كسرى‪.‬‬
‫وقال بكر بن زياد جميعا ً عن جبير بن حية قال‪ :‬فندبنا عمر‬
‫واستعمل علينا النعمان بن مقرن حتى إذا كنا بأرض العدو‪ ،‬خرج‬
‫علينا عامل كسرى في أربعين ألفا ً فقام ترجمان فقال‪ :‬ليكلمني‬
‫رجل منكم‪.‬‬
‫فقال المغيرة بن شعبة‪ :‬سل عما شئت‬
‫قال‪ :‬ما أنتم؟‬
‫قال‪ :‬نحن أناس من العرب‪ ،‬كنا في شقاء شديد وبلء شديد‪،‬‬
‫نمص الجلد والنوى من الجوع‪ ،‬ونلبس الوبر والشعر‪ ،‬ونعبد‬
‫الشجر والحجر‪ ،‬فبينا نحن كذلك إذ بعث رب السموات ورب‬
‫الرضين تعالى ذكره وجلت عظمته إلينا نبيا ً من أنفسنا نعرف‬
‫أباه وأمه‪ ،‬فأمر نبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقاتلكم‬
‫حتى تعبدوا الله وحده أو تؤدوا الجزية‪ ،‬وأخبرنا نبينا صلى الله‬
‫‪64‬‬

‫عليه وسلم عن رسالة ربنا أن من قتل منا صار إلى الجنة في‬
‫نعيم لم ير مثلها قط‪ ،‬ومن بقي منا ملك رقابكم‪.‬‬
‫وروى الحاكم رحمه الله هذا الحديث قال‪ :‬حدثنا علي بن جمشاد‬
‫العدل‪ ،‬ثنا علي بن عبد العزيز ثنا حجاج بن منهال ثنا حماد بن‬
‫سلمة ثنا أبو عمران الجوني‪ ،‬عن علقمة بن عبد الله المزني عن‬
‫معقل بن يسار أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه شاور‬
‫الهرمزان في أصبهان وفارس وآذربيجان‬
‫فقال يا أمير المؤمنين‪ :‬أصبهان الرأس وفارس وآذربيجان‬
‫الجناحان‪ ،‬فابدأ بأصبهان فدخل عمر بن الخطاب بالمسجد فإذا‬
‫هو بالنعمان بن مقرن يصلي فانتظره حتى قضى صلته‪.‬‬
‫فقال له‪ :‬إني مستعملك‪.‬‬
‫فقال‪ :‬أما جابيا ً فل!! وأما غازيا ً فنعم‪.‬‬
‫قال‪ :‬فإنك غاز‪.‬‬
‫فسرحه وبعث إلى أهل الكوفة أن يمدوه ويلحقوا به وفيهم‬
‫حذيفة بن اليمان‪ ،‬والمغيرة بن شعبة‪ ،‬والزبير بن العوام‪،‬‬
‫والشعث بن قيس وعمرو بن معدي كرب‪ ،‬وعبد الله بن عمرو‪،‬‬
‫فأتاهم النعمان وبينه وبينهم نهر‪ ،‬فبعث إليهم المغيرة بن شعبة‬
‫رسول ً وملكهم ذو الحاجبين فاستشار أصحابه فقال‪ :‬ما ترون‬
‫أقعد لهم في هيئة الحرب أو في هيئة الملك وبهجته؟‬
‫فجلس في هيئة الملك وبهجته على سريرة‪ ،‬ووضع التاج على‬
‫رأسه وحوله سماطين عليهم ثياب الديباج والقرط والسورة‪،‬‬
‫فجاء المغيرة بن شعبة فأخذ بضبعيه‪ ،‬وبيده الرمح والترس‬
‫والناس حوله سماطين على بساط له‪ ،‬فجعل يطعنه برمحه‬
‫فخرقه لك لي يتطيروا‪ ،‬فقال له ذو الحاجبين‪ :‬إنكم يا معشر‬
‫العرب أصابكم جوع شديد وجهد فخرجتم فإن شئتم مرناكم (من‬
‫الميرة يعني الطعام) ورجعتم إلى بلدكم‪.‬‬
‫فتكلم المغيرة فحمد الله وأثنى عليه وقال‪ :‬إنا كنا معشر العرب‬
‫نأكل الجيفة والميتة‪ ،‬وأنه قد وعدنا أن هاهنا سيفتح علينا‪ ،‬وقد‬
‫وجدنا جميع ما وعدنا حقاً‪ ،‬وإني لرى ها هنا بزة وهيئة ما أرى‬
‫من معي بذاهبين حتى يأخذوه‬
‫فقال المغيرة‪ :‬فقالت لي نفسي لو جمعت جراميزك فوثبت وثبة‬
‫فجلست معه على السرير إذ وجدت غفلة فزجني وجعلوا يحثونه‬
‫فقلت‪ :‬أرأيتم إن كنت أنا استحمق فإن هذا ل يفعل بالرسل‪ ،‬وإنا‬
‫ل نفعل هذا برسلكم إذا أتونا‬
‫فقال‪ :‬إن شئتم قطعتم إلينا وإن شئنا قطعنا إليكم‬
‫فقلت‪ :‬بلى نقطع إليكم‪ ،‬فقطعنا إليهم وصاففناهم فتسلسلوا كل‬
‫سبعة في سلسلة‪ ،‬وخمسة في سلسلة حتى ل يفروا‬
‫‪65‬‬

‫قال‪ :‬فرامونا حتى أسرعوا فينا‬
‫فقال المغيرة للنعمان‪ :‬إن القوم قد أسرعوا فينا فاحمل‬
‫فقال‪ :‬إنك ذو مناقب وقد شهدت مع رسول الله‪ ،‬ولكني أنا‬
‫شهدت رسول صلى الله عليه وسلم إذا لم يقاتل أول النهار‪ ،‬أخر‬
‫القتال حتى تزول الشمس وتهب الريح‪ ،‬وينزل النصر‬
‫فقال النعمان‪ :‬يا أيها الناس اهتز ثلث هزات فأما الهزة الولى‬
‫فليقضي الرجل حاجته‪ ،‬وأما الثانية فلينظر الرجل في سلحه‬
‫وسيفه‪ ،‬وأما الثالثة فإني حامل فاحملوا فإن قتل أحد فل يلوي‬
‫أحد على أحد‪ ،‬وإن قتلت فل تلووا علي‪ ،‬وإني داع الله بدعوة‬
‫فعزمت على كل امرىء منكم لما أمن عليها فقال‪ :‬اللهم ارزق‬
‫اليوم النعمان شهادة تنصر المسلمين‪ ،‬وافتح عليهم‪.‬‬
‫فأمن القوم‪..‬وهز لواءه ثلث مرات‪ ،‬ثم حمل فكان أول صريع‬
‫رضي الله عنه فذكرت وصيته فلم ألوي عليه‪ ،‬وأعلمت مكانه‬
‫فكنا إذا قتلنا رجل ً منهم‪ ،‬شغل عنا أصحابه يجرونه ووقع ذو‬
‫الحاجبين من بغلته الشهباء فانشق بطنه وفتح الله على‬
‫المسلمين‪ ،‬وأتيت النعمان وبه رمق‪ ،‬فأتيته بماء فجعلت أصبه‬
‫على وجهه أغسل التراب عن وجهه‬
‫فقال‪ :‬من هذا‬
‫فقلت‪ :‬معقل بن يسار‬
‫فقال‪ :‬ما فعل الناس‬
‫فقلت‪ :‬فتح الله عليهم‬
‫فقال‪ :‬الحمد لله اكتبوا بذلك إلى عمر‪.‬‬
‫وفاضت نفسه فاجتمع الناس إلى الشعث بن قيس فقال‪ :‬فأتينا‬
‫أم ولده فقلنا‪ :‬هل عهد إليك عهدا ً قالت‪ :‬ل إل سفيط له فيه‬
‫كتاب فقرأته فإذا فيه‪ :‬إن قتل فلن ففلن‪ ،‬وإن قتل فلن ففلن‬
‫ المستدرك ‪.3/293‬‬‫قلت‪ :‬فانظر كيف زحف المسلمون وهم قلة قليلة إلى الفرس‬
‫وهم أضعاف أضعافهم ولكن المسلمين كانوا موقنين بالنصر لن‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم وعدهم بذلك‪ ،‬والرسول ل يقول إل‬
‫حقاً‪.‬‬
‫إخباره صلى الله عليه وسلم بأنه إذا هلك كسرى فل كسرى‬
‫بعده‪ ،‬وإذا هلك قيصر فل قيصر بعده‪:‬‬
‫قال البخاري رحمه الله‪ :‬حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب حدثنا أبو‬
‫الزناد عن العرج عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم قال‪ :‬إذا هلك كسرى فل كسرى بعده‪ ،‬وإذا‬
‫هلك قيصر فل قيصر بعده‪ ،‬والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما‬
‫في سبيل الله‬
‫‪66‬‬

‫وقال البخاري رحمه الله‪ :‬حدثنا إسحاق سمع جريرا ً عن عبد‬
‫الملك عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال‪ :‬قال رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم‪ :‬إذا هلك كسرى فل كسرى بعده‪ ،‬وإذا هلك‬
‫قيصر فل قيصر بعده‪ ،‬والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في‬
‫سبيل الله‬
‫وأخرجه أيضا ً من حديث سماك بن حرب عن جابر بن سمرة‬
‫قال‪ :‬سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‪ :‬لتفتحن‬
‫عصابة من المسلمين ‪-‬أو من المؤمنين‪ -‬كنز آل كسرى الذي في‬
‫البيض‪.‬‬
‫ً‬
‫قلت‪ :‬وقد وقع المر تماما كما قال صلى الله عليه وسلم فإنه لم‬
‫يأت بعد كسرى كسرى غيره‪ ،‬ولما هدمت دولة القياصرة فلم‬
‫تقم لهم دولة بعد ذلك وإلى يومنا هذا‪.‬‬
‫فأي دليل أعظم من هذا الدليل على أن النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم يحدث بالوحي الذي ل يعلمه إل الله‪ ،‬فإنه لم يكن يتصور‬
‫أحد أن دولة الكاسرة التي استمرت نحو ألف عام أن يكون‬
‫سقوطها وزوالها بأيدي المسلمين‪ ،‬وأن الكاسرة ل يستطيعون‪،‬‬
‫وإلى قيام الساعة أن يعيدوا ملكهم مرة ثانية‪.‬‬
‫إخباره صلى الله عليه وسلم بفساد بعض أحوال المسلمين‬
‫وقتالهم بعضهم بعضا ً بعد فتح فارس والروم‪:‬‬
‫قال مسلم رحمه الله‪ :‬حدثنا عمرو بن سواد العامري أخبرنا عبد‬
‫الله بن وهب أخبرني عمرو بن العاص حدثه عن عبد الله بن‬
‫عمرو بن العاص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‪:‬‬
‫إذا فتحت عليكم فارس والروم أي قوم أنتم؟‬
‫قال عبد الرحمن بن عوف‪ :‬نقول كما أمرنا الله‪.‬‬
‫قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪" :‬أو غير ذلك تتنافسون ثم‬
‫تتحاسدون ثم تتدابرون ثم تتباغضون أو نحو ذلك‪ ،‬ثم تنطلقون‬
‫في مساكن المهاجرين فتجعلون بعضهم على رقاب بعض" ‪-‬‬
‫مسلم ‪.4/2274‬‬
‫قلت‪ :‬وللسف فقد حدث ما أخبر به الرسول صلى الله عليه‬
‫وسلم‪ ،‬وقتل المهاجرين والنصار بعضهم بعضا ً في الجمل‬
‫وصفين!! فإنا لله وإنا إليه راجعون‪.‬‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم يخبر بفتح القسطنطينية‪:‬‬
‫قال صلى الله عليه وسلم‪" :‬ل يذهب الليل والنهار حتى تعبد‬
‫اللت والعزى"‬
‫و‬
‫فقالت عائشة‪ :‬يا رسول الله إن كنت لظن حين أنزل الله (هُ َ‬
‫الَّذي أ َ‬
‫ق لِيُظْهَره ُ ع َل َ‬
‫ه بِالْهُدَى وَدِين ال ْ‬
‫سول َ‬
‫َ‬
‫ه‬
‫ي‬
‫د‬
‫ال‬
‫ى‬
‫ح‬
‫ر‬
‫ل‬
‫س‬
‫ر‬
‫ن كُل ِّ ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫م ْ‬
‫ن)‪-‬سورة التوبة آية ‪ 33‬أن ذلك تاما!!ً‪.‬‬
‫شرِكو َ‬
‫وَلَوْ كرِه َ ال ُ‬
‫‪67‬‬

‫قال‪ :‬إنه سيكون من ذلك ما شاء الله ‪ -‬رواه مسلم‬
‫وقال صلى الله عليه وسلم‪ :‬إن الله زوى (أي جمع وضم) لي‬
‫الرض فرأيت مشارقها ومغاربها‪ ،‬وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى‬
‫لي منها ‪ -‬رواه مسلم‬
‫وقال صلى الله عليه وسلم‪" :‬ليبلغن هذا المر ما بلغ الليل‬
‫والنهار‪ ،‬ول يترك الله بيت مدر ول وبر إل أدخله الله هذا الدين‬
‫بعز عزيز‪ ،‬أو بذل ذليل عزا ً يعز الله به السلم‪ ،‬وذل ً يذل به‬
‫الكفر"‪.‬‬
‫وعن أبي قبيل قال‪ :‬كنا عند عبد الله بن عمرو بن العاص‪ ،‬وسئل‬
‫أي المدينتين تفتح أول ً القسطنطينية أو رومية؟ فدعا عبد الله‬
‫بصندوق له خلق قال‪ :‬فأخرج منه كتابا ً قال‪ :‬فقال عبد الله‪ :‬بينما‬
‫نحن حول رسول الله صلى الله عليه وسلم نكتب‪ ،‬إذ سئل‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ :‬أي المدينتين تفتح أولً‬
‫أقسطنطينية أو رومية؟‬
‫فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪" :‬مدينة هرقل تفتح أول ً ‪-‬‬
‫يعني قسطنطينية ‪ -‬رواه أحمد والدارمي وغيرهما وصححه‬
‫اللباني في السلسلة الصحيحة‪.‬‬
‫فتح بيت المقدس‪:‬‬
‫فتح بيت المقدس فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ‪( :‬اعدد‬
‫ستا ً بين يدي الساعة) وذكر منها (فتح بيت المقدس) ‪ -‬رواه‬
‫البخاري‪.‬‬
‫وهذا الشرط قد حدث في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه‬
‫سنة ‪36‬هـ‪.‬‬
‫طاعون عمواس‪:‬‬
‫طاعون عمواس وهي بلدة في فلسطين ‪ ،‬قال النبي صلى الله‬
‫عليه وسلم ‪( :‬اعدد ستا ً بين يدي الساعة) وذكر منها (ثم موتان‬
‫يأخذ فيكم كقصاص الغنم) رواه البخاري ‪ ،‬قال ابن حجر ‪" :‬إن‬
‫هذه الية ظهرت في طاعون عمواس في خلفة عمر وكان ذلك‬
‫بعد فتح بيت المقدس" أهـ ‪ .‬وكان ذلك عام ‪18‬هـ وبلغ عدد من‬
‫مات فيه خمسة وعشرين ألفا ً من المسلمين‪.‬‬
‫استفاضة المال والستغناء عن الصدقة‪:‬‬
‫قال صلى الله عليه وسلم ‪" :‬ل تقوم الساعة حتى يكثر فيكم‬
‫المال فيفيض حتى يهم رب المال من يقبله منه صدقه ‪ ،‬ويدعى‬
‫إليه الرجل فيقول ‪ :‬ل أرب لي فيه" ‪ -‬رواه البخاري‪.‬‬
‫وهذا تحقق كثير منه في عهد الصحابة رضي الله عنهم بسبب ما‬
‫وقع من الفتوح‪ ،‬ثم فاض المال في عهد عمر بن عبد العزيز‬
‫رحمه الله‪ ،‬فكان الرجل يعرض المال للصدقة فل يجد من يقبله‪،‬‬
‫‪68‬‬

‫وسيكثر المال في آخر الزمان في زمن المهدي وعيسى عليه‬
‫السلم إن شاء الله‪.‬‬
‫ظهور الفتن‪:‬‬
‫ظهور الفتن ‪ ،‬قال صلى الله عليه وسلم ‪" :‬إن بين يدي الساعة‬
‫فتنا ً كقطع الليل المظلم يصبح الرجل فيها مؤمنا ً ويمسي كافراً‬
‫ويمسي مؤمنا ً ويصبح كافراً"‪ -‬رواه أحمد وأبو داود وصححه‬
‫اللباني في صحيح الجامع‪.‬‬
‫وقد حدث كثير من الفتن من عهد الصحابة رضي الله عنهم حتى‬
‫الن وأعظم الفتن جاءت من الشرق كما قال النبي صلى الله‬
‫عليه وسلم وهو مستقبل المشرق ‪" :‬أل إن الفتنة ها هنا أل إن‬
‫الفتنه هاهنا من حيث يطلع قرن الشيطان ‪ -‬رواه البخاري‪.‬‬
‫ومن الفتن التي حدثت‪ :‬مقتل عثمان رضي الله عنه‪ ،‬وموقعة‬
‫الجمل وصفين‪ ،‬وظهور الخوارج‪ ،‬وموقعة الحرة ‪ ،‬وفتنة القول‬
‫بخلق القرآن‪.‬‬
‫ظهور مدعي النبوة‪:‬‬
‫ظهور مدعي النبوة ‪ ،‬فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ‪" :‬ل‬
‫تقوم الساعة حتى يبعث دجالون كذابون قريب من ثلثين كلهم‬
‫يزعم أنه رسول الله" ‪ -‬رواه مسلم‬
‫وممن ظهر من هؤلء الثلثين ‪ :‬مسيلمة الكذاب في زمن النبي‬
‫صلى الله عليه وسلم والسود العنسي في اليمن وقتله الصحابة‪،‬‬
‫وظهرت سجاح فادعت النبوة ثم رجعت إلى السلم‪ ،‬وظهر‬
‫طليحة بن خويلد السدي ثم رجع إلى السلم‪ ،‬ثم ظهر المختار‪،‬‬
‫ومنهم الحارث الكذاب ظهر في خلفة عبد الملك بن مروان‪،‬‬
‫وخرج في خلفة بني العباس جماعة‪.‬‬
‫وظهر في العصر الحديث ميرزا أحمد القادياني بالهند‪ ،‬ول يزال‬
‫يظهر هؤلء الكذابون حتى يظهر آخرهم العور الدجال كما قال‬
‫صلى الله عليه وسلم ‪" :‬وإنه والله ل تقوم الساعة حتى يخرج‬
‫ثلثون كذابا ً آخرهم العور الكذاب" ‪ -‬رواه أحمد‬
‫ومن هؤلء الكذابون أربع نسوة ‪ ،‬قال صلى الله عليه وسلم ‪:‬‬
‫"في أمتي كذابون ودجالون ستة وعشرون منهم أربع نسوة وإني‬
‫خاتم النبيين ل نبي بعدي" ‪ -‬رواه أحمد وصححه اللباني في‬
‫صحيح الجامع الصغير‪.‬‬
‫ظهور نار الحجاز‪:‬‬
‫ظهور نار الحجاز‪ ،‬فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم قال‪ ":‬ل تقوم الساعة حتى تخرج نار من‬
‫أرض الحجاز تضيء أعناق البل ببصرى" ‪ -‬رواه البخاري‪.‬‬

‫‪69‬‬

‫وقد ظهرت هذه النار في منتصف القرن السابع الهجري في عام‬
‫‪ 654‬هـ‪ ،‬وكانت نارا ً عظيمة أفاض العلماء ممن عاصر ظهورها‬
‫ومن بعدهم بوصفها‪ ،‬قال النووي ‪ :‬خرجت في زماننا نار في‬
‫المدينة سنة أربع وخمسين وست مائة وكانت نارا ً عظيمة جداً‬
‫من جنب المدينة الشرقي وراء الحرة‪ ،‬وتواتر العلم بها عند جميع‬
‫الشام وسائر البلدان وأخبرني من حضرها من أهل المدينة‪.‬‬
‫ونقل ابن كثير أن غير واحد من العراب ممن كان بحاضرة‬
‫بصرى شاهدوا أعناق البل في ضوء هذه النار التي ظهرت من‬
‫أرض الحجاز‪ ،‬وذكر القرطبي في التذكرة أن هذه النار رئيت من‬
‫مكة ومن جبال بصرى‪.‬‬
‫فساد الخلق وضياع المانة‪:‬‬
‫فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال ‪ :‬قال رسول الله صلى الله‬
‫ضيعت المانة فانتظر الساعة"‪.‬‬
‫عليه وسلم ‪" :‬إذا ُ‬
‫قال ‪ :‬كيف إضاعتها يا رسول الله ؟‬
‫قال ‪ :‬إذا أسند المر إلى غير أهله فانتظر الساعة ‪ -‬رواه البخاري‬
‫ومن مظاهر تضييع المانة إسناد أمور الناس من إمارة وخلفة‬
‫وقضاء ووظائف إلى غير أهلها القادرين على تسييرها‪.‬‬
‫كثرة الشرطة وأعوان الظلمة‪:‬‬
‫فقد روى المام أحمد عن أبي أمامة رضي الله عنه أن رسول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم قال‪" :‬يكون في هذه المة في آخر‬
‫الزمان رجال‪-‬أو قال‪-‬يخرج رجال من هذه المة في آخر الزمان‬
‫معهم سياط كأنها أذناب البقر ‪ ،‬يغدون في سخط الله ويروحون‬
‫في غضبه"‪.‬‬
‫وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال ‪:‬‬
‫قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ ":‬صنفان من أهل النار لم‬
‫أرهما‪ ،‬قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون الناس"‬
‫انتشار الزنا‪:‬‬
‫ففي الصحيحين عن أنس رضي الله عنه قال ‪ :‬قال رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم ‪" :‬إن من أشراط الساعة ـ فذكر منها ـ‬
‫ويظهر الزنا"‬
‫وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال ‪ :‬قال رسول الله صلى الله‬
‫عليه وسلم‪" :‬والذي نفسي بيده ل تفنى هذه المة حتى يقوم‬
‫الرجل إلى المرأة فيفترشها في الطريق فيكون خيارهم يومئذ‬
‫من يقول لو واريتها وراء هذا الحائط" ‪ -‬رواه أبو يعلي وقال‬
‫الهيثمي‪ :‬ورجاله رجال الصحيح‪.‬‬

‫‪70‬‬

‫قال القرطبي ‪" :‬في هذا الحديث علم من أعلم النبوة إذا أخبر‬
‫عن أمور ستقع فوقعت خصوصا ً في هذه الزمان" أ هـ‪ ،‬فإذا كان‬
‫هذا في زمن القرطبي فهو في زمننا هذا أكثر ظهوراً‪.‬‬
‫الربا‪:‬‬
‫فعن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم‬
‫أنه قال ‪" :‬بين يدي الساعة يظهر الربا"‪ -‬رواه الطبراني في‬
‫الترغيب والترهيب وقال المنذري رواته رواة الصحيح‪ .‬وهذا‬
‫الحديث ينطبق على كثير من المسلمين في هذا الزمن‪.‬‬
‫ظهور المعازف واستحللها‪:‬‬
‫فعن سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‪:‬‬
‫"سيكون في آخر الزمان خسف وقذف ومسخ"‪.‬‬
‫قيل ‪ :‬ومتى ذلك يا رسول الله ؟‬
‫قال‪" :‬إذا ظهرت المعازف والقينات" ‪ -‬رواه ابن ماجه ‪ ،‬وقال‬
‫اللباني صحيح‪ .‬وهذه العلمة قد وقع شيء كثير منها في السابق‬
‫وهي إلى الن أكثر ظهوراً‪.‬‬
‫كثرة شرب الخمر واستحللها‪:‬‬
‫فقد روى المام مسلم عن أنس رضي الله عنه قال ‪ :‬سمعت‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ‪" :‬من أشراط الساعة ـ‬
‫وذكر منها ـ ويشرب الخمر‪.‬‬
‫وروى المام أحمد عن عباده بن الصامت قال ‪ :‬قال رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم ‪" :‬لتستحلن طائفة من أمتي الخمر باسم‬
‫يسمونها إياه"‬
‫ارتفاع السافل‪:‬‬
‫فيكون أمر الناس بيد السفهاء والراذل‪ ،‬فعن أبي هريرة رضي‬
‫الله عنه قال‪ :‬قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‪" :‬إنها‬
‫ستأتي على الناس سنون خداعة يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها‬
‫الصادق ويؤتمن فيها الخائن ويخون فيها المين وينطق فيها‬
‫الرويبضة‪ ،‬قال‪ :‬السفيه يتكلم في أمر العامة" ‪ -‬رواه أحمد وقال‬
‫أحمد شاكر ‪ :‬إسناده حسن‪.‬‬
‫أن تكون التحية للمعرفة فقط‪:‬‬
‫فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال‪ :‬قال رسول الله صلى الله‬
‫عليه وآله وسلم‪" :‬إن من أشراط الساعة أن يسلم الرجل على‬
‫الرجل ل يسلم عليه إل للمعرفة" ‪ -‬رواه أحمد‪ ،‬وقال أحمد‬
‫شاكر‪ :‬إسناده حسن‪.‬‬
‫ظهور الكاسيات العاريات‪:‬‬
‫فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال‪ :‬سمعت رسول الله‬
‫صلى الله عليه وآله وسلم يقول‪" :‬سيكون في آخر أمتي رجال‬
‫‪71‬‬

‫يركبون على سرج كأشباه الرحال ينزلون على أبواب المساجد‪،‬‬
‫نساؤهم كاسيات عاريات رؤوسهن كأسنمة البخت العجاف‪،‬‬
‫العنوهن فإنهن ملعونات" ‪ -‬رواه أحمد وقال أحمد شاكر ‪ :‬إسناده‬
‫صحيح‪.‬‬
‫ومعنى كاسيات عاريات أي‪ :‬كاسية جسدها ولكنها تشد خمارها‬
‫وتضيق ثيابها حتى تظهر تفاصيل جسمها‪ ،‬أو تكشف بعض‬
‫جسدها‪ ،‬وهذا حادث‪.‬‬
‫كثرة الكذب وعدم التثبت في نقل الخبار‪:‬‬
‫فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال‪ :‬قال رسول الله صلى الله‬
‫عليه وآله وسلم‪":‬سيكون في آخر الزمان دجالون كذابون‬
‫يأتونكم من الحاديث ما لم تسمعوا أنتم ول آباؤكم ‪ ،‬فإياكم‬
‫وإياهم ل يضلونكم ول يفتنونكم" ‪ -‬رواه مسلم‪.‬‬
‫كثرة شهادة الزور وكتمان شهادة الحق‪:‬‬
‫فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال‪ :‬قال رسول الله صلى الله‬
‫عليه وآله وسلم‪" :‬إن بين يدي الساعة شهادة الزور وكتمان‬
‫شهادة الحق" ‪ -‬رواه أحمد وقال أحمد شاكر‪ :‬صحيح‪.‬‬
‫النفاق في العلئق وقطعية الرحام‪:‬‬
‫للحديث‪" :‬إذا الناس أظهروا العلم وضيعوا العمل‪ ،‬وتحابوا‬
‫باللسن وتباغضوا بالقلوب وتقاطعوا في الرحام لعنهم الله عند‬
‫ذلك فأصمهم وأعمى أبصارهم"‪ -‬ابن أبي الدنيا‪.‬‬
‫زخرفة المساجد والتباهي بها‪:‬‬
‫فقد روى المام أحمد عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم قال‪":‬ل تقوم الساعة حتى يتباهى الناس‬
‫في المساجد"‪.‬‬
‫التطاول في البنيان‪:‬‬
‫ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى‬
‫الله عليه وسلم قال لجبريل عندما سأل عن وقت قيام الساعة‪:‬‬
‫"ولكن سأحدثك عن أشراطها ـ فذكر منها ـ وإذا تطاول رعاء‬
‫البهائم في البنيان فذاك من أشراطها"‪ ،‬وقد ظهر هذا في زماننا‬
‫جليا ً فتطاول الناس في البنيان وتفاخروا‪.‬‬
‫كثرة التجارة وفشوها بين الناس‪:‬‬
‫كثرة التجارة وفشوها بين الناس حتى تشارك المرأة فيها‪ ،‬فعن‬
‫عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و‬
‫آله وسلم قال‪" :‬بين يدي الساعة تسليم الخاصة وفشو التجارة‬
‫حتى تشارك المرأة زوجها في التجارة"‪ -‬رواه أحمد وقال أحمد‬
‫شاكر‪ :‬إسناده صحيح‪ ،‬وهذا الشرط واقع حادث‪.‬‬
‫كثرة الزلزل‪:‬‬
‫‪72‬‬

‫كثرة الزلزل‪ ،‬فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال‪ :‬قال رسول‬
‫الله صلى الله عليه وآله وسلم‪" :‬ل تقوم الساعة حتى تكثر‬
‫الزلزل" ‪ -‬رواه البخاري‪.‬‬
‫ذهاب بركة الوقات‪:‬‬
‫للحديث‪" :‬ل تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان فتكون السنة‬
‫كالشهر‪ ،‬والشهر كالجمعة‪ ،‬وتكون الجمعة كاليوم‪ ،‬ويكون اليوم‬
‫كالساعة‪ ،‬وتكون الساعة كالضرمة بالنار"‪ -‬أخرجه الترمذي‪.‬‬
‫تداعى المم على أمة السلم‪:‬‬
‫وقد وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا قائلً‪" :‬يوشك‬
‫ة على‬
‫م من كل أفق كما تداعى الكل ُ‬
‫أن تداعى عليكم الم ُ‬
‫قصعتها‪،‬‬
‫قال‪ :‬قلنا يا رسول الله أمن قلت بنا يومئذٍ؟‬
‫قال‪ :‬أنتم يومئذ ٍ كثيٌر ولكن تكونون غثاءً كغثاء السيل ينتزع‬
‫المهابة من قلوب عدوكم ويجعل في قلوبكم الوهن‪،‬‬
‫قلنا وما الوهن؟‬
‫قال‪ :‬حب الدنيا وكراهية الموت" رواه أحمد في كتاب باقي‬
‫مسند النصار‪.‬‬
‫صدقت يا سيدي يا رسول الله فأصبحت المة السلمية الن‬
‫مطمعا ً لكل لئيم بعدما ترك المسلمون الجهاد و تكالبوا على‬
‫الدنيا‪.‬‬
‫إخباره صلى الله عليه وسلم بأن خلفة النبوة ثلثون سنة‪:‬‬
‫عن سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‪ :‬قال‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم‪" :‬خلفة النبوة ثلثون سنة‪ ،‬ثم‬
‫يؤتي الله الملك من يشاء‪ .‬وفي رواية‪ :‬ثم تكون ملكًا‪ .‬أخرجه أبو‬
‫داود‪.‬‬
‫وقد وقع ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقد كانت‬
‫خلفة أبي بكر رضي الله عنه سنتين وثلثة أشهر‪ ،‬وخلفة عمر‬
‫بن الخطاب رضي الله عنه عشر سنين وستة أشهر‪ ،‬وخلفة‬
‫عثمان بن عفان رضي الله عنه اثنتي عشرة سنة‪ ،‬وخلفة علي‬
‫بن أبي طالب رضي الله عنه أربع سنين وتسعة أشهر‪ ،‬يضاف‬
‫إليها ستة أشهر وهي مدة خلفة الحسن بن علي رضي الله‬
‫عنهما‪ ،‬فتصير ثلثين سنة؛ لن وفاة النبي صلى الله عليه وسلم‬
‫كانت في ربيع الول سنة إحدى عشر‪ ،‬وتنازل الحسن لمعاوية‬
‫رضي الله عنهما كان في ربيع الول سنة إحدى وأربعون من‬
‫الهجرة النبوية‪.‬‬
‫شفي وطال عمره كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم‪:‬‬

‫‪73‬‬

‫عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله‬
‫عليه وسلم قال له‪" :‬لعلك تخلف حتى ينتفع بك أقوام ويستضر‬
‫بك آخرون"؛ وذلك أن سعدًا مرض بمكة‪ ،‬وكان يكره أن يموت‬
‫بالرض التي هاجر منها‪ ،‬واشتد مرضه حتى أشفى (أي أشرف‬
‫على الموت) فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوده‪ ،‬ولم‬
‫يكن لسعد إل بنت‪ ،‬فقال‪ :‬يا رسول الله أوصي بمالي كله؟ قال‪:‬‬
‫ل‪ ،‬إلى أن قال‪ :‬فالشطر‪ ،‬قال‪ :‬ل‪ ،‬فقلت‪ :‬الثلث‪ ،‬قال‪ :‬الثلث‬
‫والثلث كثير‪ ،‬ثم قال له صلى الله عليه وسلم‪ :‬لعلك تخلف –أي‬
‫تعيش‪ -‬حتى ينتفع بك أقوام ويستضر بك آخرون"‪ ،‬فشفاه الله‬
‫سا‬
‫من ذلك المرض‪ ،‬وفتح الله العراق على يديه‪ ،‬وهدى الله به نا ً‬
‫من الكفار جاهدهم وقتل منهم وسبى‪ ،‬وكانت المدة التي عاش‬
‫فيها بعد ذلك المرض نحو خمسين سنة‪ .‬أخرجه البخاري ومسلم‪.‬‬
‫إخباره صلى الله عليه وسلم الزبير بأنه سيقاتل عليًا‪:‬‬
‫لما دنا علي وأصحابه من طلحة والزبير ودنت الصفوف بعضها‬
‫من بعض‪ ،‬خرج علي رضي الله عنه وهو على بغلة رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم فنادى‪ :‬ادعوا لي الزبير بن العوام؛ فإني‬
‫علي‪ ،‬فدُعي له الزبير‪ ،‬فأقبل حتى اختلفت أعناق دوابهما‪ ،‬فقال‬
‫علي‪ :‬يا زبير أنشدتك بالله أتذكر يوم مر بك رسول الله صلى‬
‫الله عليه وسلم ونحن في مكان كذا وكذا؟‬
‫فقال‪ :‬يا زبير تحب عليًا؟‬
‫فقلت‪ :‬أل أحب ابن خالي وابن عمي وعلى ديني‬
‫فقال‪ :‬يا علي أتحبه؟‬
‫فقلت‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬أل أحب ابن عمتي وعلى ديني‬
‫فقال‪ :‬يا زبير‪ ،‬أما والله لتقاتلنه وأنت له ظالم‬
‫قال‪ :‬بلى‪ ،‬والله لقد نسيته منذ سمعته من قول رسول الله صلى‬
‫الله عليه وسلم ثم ذكرته الن‪ ،‬والله ل أقاتلك‪،‬‬
‫فرجع الزبير على دابته يشق الصفوف‪ ،‬فعرض له ابنه عبد الله‬
‫بن الزبير فقال‪ :‬مالك؟ فقال‪ :‬ذكرني علي حديثًا سمعته من‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعته يقول‪ :‬لتقاتلنه وأنت له‬
‫ظالم‪ ،‬فل أقاتله‬
‫قال‪ :‬وللقتال جئت! وإنما جئت تصلح بين الناس ويصله الله هذا‬
‫المر‬
‫قال‪ :‬قد حلفت أل أقاتله‬
‫قال‪ :‬فأعتق غلمك جرجس وقف حتى تصلح بين الناس‪ ،‬فأعتق‬
‫غلمه ووقف‪ ،‬فلما اختلف الناس ذهب على فرسه ‪ -‬صحيح‪،‬‬
‫أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي‪ ،‬والبيهقي في الدلئل‪.‬‬
‫إخباره صلى الله عليه وسلم أن عماًرا تقتله الفئة الباغية‪:‬‬
‫‪74‬‬

‫عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله‬
‫عليه وسلم قال لعمار‪ ":‬تقتلك الفئة الباغية"‪ .‬أخرجه الشيخان‪.‬‬
‫ومعلوم أن عماًرا رضي الله عنه كان في جيش علي يوم صفين‪،‬‬
‫وقتله أصحاب معاوية من أهل الشام‪ ،‬وكان الذي قتله رجل يقال‬
‫له أبو الفادية رجل من غوغاء الناس‪ ،‬وقيل‪ :‬قتله اثنان‪ :‬هذا‬
‫ويسار بن أزيهر الجهني من قضاعة‪.‬‬
‫إخباره صلى الله عليه وسلم أن آخر شربة لعمار مذقة لبن‪:‬‬
‫عن مولة لعمار رضي الله عنه قالت‪ :‬اشتكى عمار شكوى أرق‬
‫منها؟ فغشي عليه فأفاق ونحن نبكي حوله‪ ،‬فقال‪ :‬ما تبكون؟‬
‫أتخشون أن أموت على فراشي؟ أخبرني حبيبي صلى الله عليه‬
‫وسلم أنه تقتلني الفئة الباغية‪ ،‬وأن آخر زادي من الدنيا مذقة‬
‫لبن‪.‬‬
‫وعن أبي البختري قال‪ :‬قال عمار يوم صفين‪ :‬ائتوني بشربة لبن‪،‬‬
‫فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‪" :‬آخر شربة تشربها م‬
‫الدنيا شربة لبن"‪ ،‬فشربها ثم تقدم فقتل ‪ -‬أخرجه أحمد في‬
‫المسند‪ ،‬والحاكم في المستدرك‪.‬‬
‫إخباره صلى الله عليه وسلم عن مروق مارقة أثناء فرقة‪:‬‬
‫عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال‪ :‬قال رسول الله صلى‬
‫الله عليه وسلم‪" :‬تمرق مارقة عند فرقة المسلمين تقتلها أولى‬
‫الطائفتين بالحق" ‪ -‬أخرجه مسلم‪.‬‬
‫وهذه الفرقة هي الخوارج‪ ،‬وقد ظهرت أثناء القتال بين علي‬
‫ومعاوية رضي الله عنهما وقتلها أقرب الطائفتين إلى الحق‪ ،‬وهو‬
‫علي رضي الله عنه ومن معه‪.‬‬
‫إخباره صلى الله عليه وسلم عن أول أهله لحوقًا به‪:‬‬
‫عن عائشة رضي الله عنها قالت‪ :‬أقبلت فاطمة رضي الله عنها‬
‫تمشي كأن مشيتها مشية رسول الله صلى الله عليه وسلم‪،‬‬
‫فقال النبي صلى الله عليه وسلم‪ :‬مرحبًا بابنتي‪ ،‬ثم أجلسها عن‬
‫يمينه أو عن شماله‪ ،‬ثم أسر إليها حديثًا فبكت‬
‫م‬
‫فقلت‪ :‬استخصك رسول الله صلى الله عليه وسلم بحديث ل ِ َ‬
‫تبكين؟‬
‫ثم أسر إليها حديثًا فضحكت‬
‫حا أقرب من حزن‪ ،‬فسألتها عما قال‬
‫فقلت‪ :‬ما رأيت كاليوم فر ً‬
‫لها‬
‫فقالت‪ :‬ما كنت لفشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلم‪،‬‬
‫حتى إذا قبض سألتها فقالت‪ :‬إنه أسر إلي‪ :‬أن جبريل عليه‬
‫السلم كان يعارضني بالقرآن كل سنة مرة‪ ،‬وإنه عارضني به‬
‫العام مرتين‪ ،‬ول أراه إل حضر أجلي‪ ،‬وإنك أول أهل بيتي لحوقًا‬
‫‪75‬‬

‫بي‪ ،‬ونعم السلف أنا لك‪ ،‬فبكيت لذلك‪ ،‬ثم قال‪ :‬أل ترضين أن‬
‫تكوني سيدة نساء هذه المة أو نساء المؤمنين؟ فضحكت‪.‬‬
‫ول جدال أنها كانت أول أهله لحوقًا به صلى الله عليه وسلم‪،‬‬
‫واختلف في مدة مكثا بعده؛ فقيل‪ :‬مكثت شهرين‪ ،‬وقيل‪ :‬ثلثة‬
‫أشهر‪ ،‬وقيل‪ :‬ستة أشهر‪ ،‬وقيل‪ :‬ثمانية أشهر‪ ،‬وأصح الروايات‪:‬‬
‫أنها ستة أشهر‪.‬‬
‫إخباره صلى الله عليه وسلم عن أسرع أزواجه لحوقًا به‪:‬‬
‫عن عائشة رضي الله عنها قالت‪ :‬قال رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم‪" :‬أسرعكن لحوقًا بي أطولكن يدًا"‪ .‬قالت‪ :‬فكن يتطاولن‬
‫أيهن أطول يدًا‪ ،‬قالت‪ :‬فكانت زينب أطولنا يدًا لنها كانت تعمل‬
‫بيدها وتتصدق‪ .‬صحيح‪ ،‬أخرجه مسلم وغيره‪.‬‬
‫إخباره صلى الله عليه وسلم أم ورقة بأنها شهيدة‪:‬‬
‫عن أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث رضي الله عنها‪ ،‬وكان‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم يزورها ويسميها الشهيدة‬
‫وكانت قد جمعت القرآن وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫حين غزا بدًرا‬
‫قالت‪ :‬تأذن لي فأخرج معك أداوي جرحاكم وأمرض مرضاكم‬
‫لعل الله تعالى يهدي لي الشهادة؟‬
‫قال‪ :‬إن الله تعالى مهد لك الشهادة‪ ،‬فكان يسميها الشهيدة‬
‫وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أمرها أن تؤم أهل دارها‬
‫وأنها غمتها جارية لها وغلم كانت قد دبرتهما فقتلها في إمارة‬
‫عمر فقيل‪ :‬إن أم ورقة قتلتها جاريتها وغلمها وأنهما هربا‪ ،‬فأتي‬
‫بهما فصلبهما فكانا أول مصلوبين في المدينة‪ ،‬فقال عمر رضي‬
‫الله عنه‪ :‬صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول‪:‬‬
‫انطلقوا نزور الشهيدة‪ .‬أخرجه المام أحمد والبيهقي‪.‬‬
‫إخباره صلى الله عليه وسلم عن موقع الفتن‪:‬‬
‫عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم‬
‫قال‪":‬اليمان يمان‪ ،‬والفتنة ها هنا‪ ،‬ها هنا يطلع قرن الشيطان" ‪-‬‬
‫أخرجه البخاري ومسلم‪.‬‬
‫وقد وقع المر كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم؛ فخرجت‬
‫الفتنة من العراق ومن نجد وما حولهما‪.‬‬
‫إخباره صلى الله عليه وسلم عن الغزوة الولى في البحر‪:‬‬
‫عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان‬
‫يدخل على أم حرام بنت ملحان فتطعمه‪ ،‬وكانت تحت عبادة بن‬
‫ما فأطعمته ثم جلست تفلي رأسه‪ ،‬فنام‬
‫الصامت‪ ،‬فدخل عليها يو ً‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم استيقظ وهو يضحك‪ ،‬قالت‪:‬‬
‫فقلت‪ :‬ما يضحكك يا رسول الله؟‬
‫‪76‬‬

‫قال‪" :‬ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله يركبون‬
‫ثبج هذا البحر (أي ظهره أو وسطه)‪ ،‬ملوكًا على السرة‪ ،‬أو مثل‬
‫الملوك على السرة"‬
‫فقلت‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬ادع الله أن يجعلني منهم‪ ،‬فدعا لها‪ ،‬ثم‬
‫وضع رأسه فنام‪ ،‬ثم استيقظ وهو يضحك‬
‫قالت‪ :‬فقلت‪ :‬ما يضحكك يا رسول الله؟‬
‫قال‪" :‬ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله‪ ،‬كما قال‬
‫في الولى‬
‫قالت‪ :‬قلت‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬ادع الله أن يجعلني منهم‬
‫فقال‪ :‬أنت من الولين‬
‫قال‪ :‬فركبت أم حرام بنت ملحان البحر في زمان معاوية‬
‫فصرعت عن دابتها حين خرجت من البحر فهلكت‪ .‬أخرجه‬
‫البخاري ومسلم‪.‬‬
‫وقد وقعت هذه الغزوة سنة سبع وعشرين في زمان عثمان‬
‫رضي الله عنه بقيادة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما‪.‬‬
‫مقتل الحسين‪:‬‬
‫وذلك يم عاشوراء سنة إحدى وستين‪ .‬عن عائشة رضي الله عنها‬
‫أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‪" :‬يا عائشة إن جبريل أخبرني‬
‫أن ابني الحسين مقتول في أرض الطف وإن أمتي ستفترق‬
‫بعدي"‪ .‬حسن‪ ،‬أخرجه الطبراني‪.‬‬
‫عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‪ :‬رأيت رسول الله صلى الله‬
‫عليه وسلم نصف النهار أشعث أغبر معه قارورة فيها دم يلتقطه‬
‫ويتتبعه فيها‪ ،‬قال‪ :‬قلت‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬ما هذا؟‬
‫قال‪" :‬دم الحسين وأصحابه لم أزل أتبعه منذ اليوم"‪.‬‬
‫قال عمار بن أبي عمار الراوي عن ابن عباس‪ :‬فحفظنا ذلك‬
‫اليوم فوجدناه قتل ذلك اليوم‪ ،‬قلت‪ :‬يعني العاشر من محرم‬
‫(عاشوراء) سنة إحدى وستين‪.‬‬
‫ولية اثنا عشر خليفة كلهم من قريش‪:‬‬
‫عن جابر بن سمرة قال‪ :‬سمعت رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم يقول‪ :‬يكون اثنا عشر خليفة‪ ،‬ثم قال كلمة لم أسمعها‬
‫فقلت لبي‪ :‬ما قال؟ قال‪ :‬كلهم من قريش‪.‬‬
‫أخرجه البخاري‪.‬‬
‫إلى هذه اللحظة المدينة لم يدخلها الطاعون‪:‬‬
‫عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‪ :‬قال النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم‪ :‬على أنقاب المدينة ملئكة‪ ،‬ل يدخلها الطاعون ول‬
‫الدجال‪ .‬أخرجه الشيخان‪.‬‬

‫‪77‬‬

‫وقد وقع ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم‪ ،‬فحتى الن لم‬
‫نسمع بدخول الطاعون المدينة‪.‬‬
‫وصول مساكن المدينة إلى أهاب‪:‬‬
‫عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‪ :‬قال رسول الله صلى الله‬
‫عليه وسلم‪" :‬تبلغ المساكن أهاب أو يهاب‪ ،‬قال زهير‪ :‬قلت‬
‫لسهيل‪ ،‬أحد الرواة‪ :‬فكم ذاك من المدينة؟ قال‪ :‬كذا وكذا ميلً‪.‬‬
‫صحيح‪ ،‬أخرجه مسلم‪.‬‬
‫وقد وصلت مساكن المدينة أبعد من المدينة عددًا من الميال‪.‬‬
‫ظهور التتار‪:‬‬
‫عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم‬
‫قال‪" :‬ل تقوم الساعة حتى تقاتلوا خوًزا وكرمان من العاجم‪،‬‬
‫حمر الوجوه فطس النوف صغار العين‪ ،‬وجوههم المجان‬
‫جن وهو الترس‪ ،‬والمطرقة التي قد‬
‫المطرقة (المجان‪ :‬جمع ِ‬
‫م َ‬
‫عوليت بطراق وهو الجلد الذي يغشاه‪ ،‬وقيل‪ :‬التي يطرق بعضها‬
‫على بعض‪ ،‬كالنعل المطرق المخصوفة)‪ ،‬نعالهم الشعر ( أي‬
‫يصنعون من الشعر حبال ً و يصنعون منها نعالً)‪.‬‬
‫أخرجه البخاري‪.‬‬
‫وقد جاء التتار (المغول) إلى بلد السلم في القرن السابع‬
‫الهجري‪ ،‬فاجتاحوا ديار السلم وقتلوا مئات اللوف وهدموا‬
‫البيوت والقصور‪ ،‬وأذاعوا الفسق في كل مكان‪ ،‬وقتلوا المراء‬
‫والسلطين‪ ،‬وأزالوا الخلفة العباسية خلفة الظهور‪ ،‬وخرجوا من‬
‫بلد إلى بلد ليقضوا على العلم والنور‪ ،‬ثم كانت هزيمتهم على يد‬
‫المسلمين تحت قيادة سلطان مصر قطز‪.‬‬
‫وبلغ البناء سل ًعا‪:‬‬
‫قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبي ذر‪ :‬إذا بلغ البناء سلعًا‬
‫فاخرج منها‪ ،‬فلما بلغ البناء سلعًا خرج أبو ذر رضي الله عنه إلى‬
‫الربذة (على بعد أميال من المدينة) استجابة لم سول الله صلى‬
‫الله عليه وسلم‪ ،‬ل أنه خرج مطرودًا منفيًا من جانب عثمان‬
‫رضي الله عنه كما يزعم الرافضة والمستشرقون اعتمادًا على‬
‫روايات باطلة وأخبار واهية وفهم سقيم وسوء نية وفساد طوية‪.‬‬
‫وقد أمره النبي صلى الله عليه وسلم بالخروج من المدينة إذا بلغ‬
‫البناء سلعًا لما كان يخشى عليه ولما كان يعلم من حاله من‬
‫مبالغة في الزهد وأخذ بالعزيمة وجبر الناس عليها‪ ،‬وتم المر كما‬
‫أخبر النبي صلى الله عليه وسلم؛ فعندما زادت الموال في عصر‬
‫عثمان رضي الله عنه‪ ،‬وسارع الناس إلى جمع الثروات وبناء‬
‫المساكن وشراء الراضي‪ ،‬خرج أبو ذر يطالبهم بإنفاق أموالهم‬
‫والكتفاء بما يسد حاجتهم منها‪ ،‬واستغل عبد الله بن سبأ‬
‫‪78‬‬

‫اليهودي‪ ،‬كعادة اليهود‪ ،‬هذا ا لرأي استغلل ً مدمًرا؛ فأشعل نار‬
‫الفتنة بين الصحابة رضي الله عنهم‪ ،‬ووقعت الفتنة الكبرى‪.‬‬
‫أخرجه الطبري في تاريخه‪ ،‬وساقها الذهبي في سير أعلم‬
‫النبلء‪ ،‬وقال المحقق‪ :‬رجاله ثقات‪.‬‬
‫أبو ذر يمشي وحده ويموت وحده ويبعث وحده‪ ،‬ووقع المر كما‬
‫حكى سيد البشر‪:‬‬
‫عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال‪ :‬لما سار رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم إلى تبوك جعل ل يزال الرجل يتخلف‬
‫فيقولون‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬تخلف فلن‪ ،‬فيقول‪ :‬دعوه‪ ،‬إن يك فيه‬
‫خير فسيلحقه الله بكم‪ ،‬وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه‪،‬‬
‫حتى قيل‪ :‬يا رسول الله! تلف أبو ذر وأبطأ به بعيره‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫دعوه‪ ،‬إن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم‪ ،‬وإن يك غير ذلك فقد‬
‫أراحكم الله منه‪ ،‬فتلوم أبو ذر بعيره فلما أبطأ عليه أخذ متاعه‬
‫فجعله على ظهره‪ ،‬ثم خرج يتبع رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم ماشيًا‪ ،‬ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض‬
‫منازله ونظر ناظر من المسلمين فقال‪ :‬يا رسول الله! إن هذا‬
‫الرجل ماشي على الطريق‪ ،‬فقال رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم‪ :‬كن أبا ذر‪ ،‬فلما تأمله القوم قالوا‪ :‬يا رسول الله! هو والله‬
‫أبو ذر‪ ،‬فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ :‬يرحم الله أبا ذر‪،‬‬
‫يمشي وحده‪ ،‬ويموت وحده‪ ،‬ويبعث وحده‪ .‬قال‪ :‬فضرب الدهر‬
‫ضربه (أي مرت اليام) وسار أبو ذر إلى الربذة‪ ،‬فلما حضره‬
‫الموت أوصى امرأته وغلمه فقال‪ :‬إذا مت فاغسلني وكفناني‬
‫من الليل ثم ضعاني على قارعة الطريق‪ ،‬فأول ركب يمرون بكم‬
‫فقول‪ :‬هذا أبو ذر‪ ،‬فلما مات فعلوا به كذلك‪ ،‬فاطلع ركب فما‬
‫علموا به حتى كادت ركابهم تطأ سريره‪ ،‬فإذا ابن مسعود في‬
‫رهط من أهل الكوفة فقال‪ :‬ما هذا؟ فقيل‪ :‬جنازة أبي ذر‪،‬‬
‫فاستهل ابن مسعود يبكي‪ ،‬وقال‪ :‬صدق رسول الله صلى الله‬
‫عليه وسلم‪ :‬يرحم الله أبا ذر‪ ،‬يمشي وحده‪ ،‬ويموت وحده‪،‬‬
‫ويبعث وحده‪ .‬فنزل فوليه بنفسه حتى أجنه (دفنه وأقبره)‪.‬‬
‫حسن‪ :‬أخرجه ابن إسحاق‪ ،‬وإسناده حسن كما قال ابن كثير في‬
‫البداية‪.‬‬
‫عثمان تصيبه البلوى‪:‬‬
‫عن أبي موسى رضي الله عنه قال‪ :‬توضأت في بيتي ثم خرجت‬
‫فقلت‪ :‬لكونن اليوم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ ،‬فجئت‬
‫المسجد فسألت عنه فقالوا‪ :‬خرج وتوجه هاهنا‪ ،‬فخرجت في‬
‫أثره حتى جئت بئر أريس‪ ،‬وما بها من جريد‪ ،‬فمكثت عند بابها‬
‫حتى علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قضى حاجته‬
‫‪79‬‬

‫وجلس‪ ،‬فجئته فسلمت عليه‪ ،‬فإذا هو قد جلس على قف بئر‬
‫أريس فتوسطه ثم دلى رجليه في البئر وكشف عن ساقيه‪،‬‬
‫فرجعت إلى الباب وقلت‪ :‬لكونن بواب رسول الله صلى الله‬
‫عليه وسلم‪ ،‬فلم أنشب أن دق الباب‪ ،‬فقلت‪ :‬من هذا؟ قال‪ :‬أبو‬
‫بكر‪ ،‬قلت‪ :‬على رسلك‪ ،‬وذهبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم‬
‫فقلت‪ :‬يا رسول الله هذا أبو بكر يستأذن‪ ،‬فقال‪ :‬ائذن له وبشره‬
‫بالجنة‪ ،‬قال‪ :‬فخرجت مسرع ًا حتى قلت لبي بكر‪ :‬ادخل ورسول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم يبشرك بالجنة‪ ،‬قال‪ :‬فدخل حتى جلس‬
‫إلى جنب النبي صلى الله عليه وسلم في القف على يمينه ودلى‬
‫رجليه وكشف عن ساقيه كما صنع النبي صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫قال‪ :‬ثم رجعت وقد كنت تركت أخي يتوضأ‪ ،‬وقد كان قال لي‪ :‬أنا‬
‫على إثرك‪ ،‬فقلت‪ :‬إن يرد الله بفلن خيًرا يأت به‪ .‬قال‪ :‬فسمعت‬
‫تحريك الباب فقلت‪ :‬من هذا؟ قال‪ :‬عمر‪ ،‬قلت‪ :‬على رسلك‪،‬‬
‫قال‪ :‬وجئت النبي صلى الله عليه وسلم فسلمت عليه وأخبرته‪،‬‬
‫فقال‪ :‬ائذن له وبشره بالجنة‪ ،‬قال‪ :‬فجئت وأذنت له وقلت له‪:‬‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم يبشرك بالجنة‪ ،‬قال‪ :‬فدخل‬
‫حتى جس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على يساره‬
‫وكشف عن ساقيه ودلى رجليه في البئر كما صنع النبي صلى‬
‫الله عليه وسلم وأبو بكر‪ ،‬قال‪ :‬ثم رجعت فقلت‪ :‬إن يرد الله‬
‫بفلن خيًرا يأت به‪ ،‬يريد أخاه‪ ،‬فإذا تحريك الباب‪ ،‬فقلت‪ :‬من؟‬
‫قال‪ :‬عثمان بن عفان‪ ،‬قلت‪ :‬على رسلك‪ ،‬وذهبت إلى رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم فقلت‪ :‬هذا عثمان يستأذن‪ ،‬فقال‪ :‬ائذن له‬
‫وبشره بالجنة على بلوى تصيبه‪ ،‬قال‪ :‬فجئت فقلت‪ :‬رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم يأذن لك ويبشرك بالجنة على بلوى أو بلء‬
‫يصيبك‪ ،‬فدخل وهو يقول‪ :‬الله المستعان‪ ،‬فلم يجد في القف‬
‫سا فجلس وجاههم من شق البئر وكشف عن ساقيه ودلهما‬
‫مجل ً‬
‫في البئر كما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ ،‬وأبو بكر‬
‫وعمر رضي الله عنهما‪ .‬أخرجه الشيخان‪.‬‬
‫قال سعد بن المسيب‪ :‬فأولتها قبورهم؛ اجتمعت وانفرد عثمان‪.‬‬
‫وهذا البلء الذي أصاب عثمان رضي الله عنه هو ما وقع من قتله‬
‫وحصره ومنع الماء عنه‪ ،‬على يد رعاع أهل المصار ومن دبر هذه‬
‫صا عبد الله بن سبأ‬
‫المكيدة وخطط لها وأشعلها من اليهود خصو ً‬
‫اليهودي المعروف بابن السوداء لعنه الله‪ ،‬وبعد أن قتلوه ألقوه‬
‫على الطريق أياًما ل يصلى عليه ول يلتفت إليه‪ ،‬حتى غُسل بعد‬
‫صلي عليه ودُفن بحش كوكب‪ ،‬بستان في طريق البقيع‪.‬‬
‫ذلك و ُ‬
‫وقد بلغ هؤلء القتلة الخونة الفجرة من الخسة والدناءة والوقاحة‬

‫‪80‬‬

‫ما ل يخطر على بال؛ حين قتلوه‪ ،‬رضي الله عنه‪ ،‬وهو يقرأ‬
‫القرآن‪ ،‬فتقدم أحدهم عليه فركل المصحف برجله‪.‬‬
‫ضا‪:‬‬
‫قتل المسلمين بعضهم بع ً‬
‫عن أبي موسى قال‪ :‬حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم‪:‬‬
‫جا‪ ،‬قال‪ :‬قلت‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬ما الهرج؟‬
‫"إن بين الساعة لهر ً‬
‫قال‪ :‬القتل القتل‪ ،‬فقال بعض المسلمين‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬إنا نقتل‬
‫الن في العام الواحد من المشركين كذا وكذا‪ ،‬فقال رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم‪ :‬ليس بقتل المشركين ولكن بقتل بعضكم‬
‫ضا‪ ،‬حتى يقتل الرجل جاره وابن عمه وذا قرابته"‪.‬صحيح‪:‬‬
‫بع ً‬
‫أخرجه ابن ماجه‪.‬‬
‫وفي رواية‪" :‬إذا تواجه المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في‬
‫النار"‪ ،‬قيل‪ :‬يا رسول الله! هذا القاتل‪ ،‬فما بال المقتول؟ قال‪:‬‬
‫"إنه أراد قتل صاحبه"‪ .‬رواه مسلم‪.‬‬
‫هيمنة المة السلمية على العالم‪:‬‬
‫قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪" :‬إن الله زوى لي الرض‬
‫فرأيت مشارقها ومغاربها‪ ،‬وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوى لي‬
‫منها"‪ .‬أخرجه مسلم‪.‬‬
‫وقد حدث هذا في أيام الصحابة رضي الله عنهم‪ ،‬قبل نهاية‬
‫القرن الهجري الول؛ حيث سيطر المسلمون على قارات العالم‬
‫الثلث‪ :‬آسيا وأفريقيا وأوروبا‪ ،‬وزالت إمبراطورتا الفرس والروم‪.‬‬
‫أخذ المة السلمية بأخذ القرون قبلها‪:‬‬
‫قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ :‬ل تقوم الساعة حتى تأخذ‬
‫أمتي بأخذ القرون قبلها شبًرا بشبر وذراع ًا بذراع‪ ،‬قيل‪ :‬يا رسول‬
‫الله! كفارس والروم؟ قال‪ :‬ومن الناس إل أولئك"‪ .‬رواه البخاري‬
‫عن أبي هريرة‪.‬‬
‫وقد سارت المة على مناهج الشرق الملحد والغرب الكافر‪،‬‬
‫وجربت الشرق مرات وجربت الغرب مئات المرات‪ ،‬وأبت أن‬
‫تسير على منهج الله تعالى مرة واحدة‪.‬‬
‫تبرج النساء‪:‬‬
‫قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪" :‬صنفان من أهل النار لم‬
‫أرهما بعد‪ ،‬قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس‪،‬‬
‫ونساء كاسيات عاريات مميلت مائلت‪ ،‬رؤوسهن كأسنمة البخت‬
‫المائلة‪ ،‬ل يدخلن الجنة ول يجدن ريحها‪ ،‬وإن ريحها ليوجد من‬
‫مسيرة كذا وكذا"‪ .‬رواه البخاري‪.‬‬
‫أذناب البقر‪ :‬ذيول‪.‬‬

‫‪81‬‬

‫كاسيات عاريات‪ :‬كاسيات من نعمة الله عاريات عن شكرها‪ ،‬أو‬
‫كاسيات بعض العضاء عاريات البعض الخر‪ ،‬أو كاسيات في‬
‫الظاهر عاريات في الحقيقة لشفافية الثياب‪.‬‬
‫مميلت مائلت‪ :‬أي يمشين المشية الميلء ذات التبختر‬
‫والكبرياء‪ ،‬ويعلمن غيرهن هذا الصنيع‪.‬‬
‫رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة‪ :‬يعظمن ويكبرن رؤوسهن‬
‫كأسنمة البل‪.‬‬
‫ظهور أقوام يغيرون شعرهم باللون السود‪:‬‬
‫قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪" :‬يكون في آخر الزمان‬
‫قوم يخضبون بالسواد كحواصل الحمام ل يريحون رائحة الجنة"‪.‬‬
‫حديث صحيح‪ :‬رواه أبو داود والنسائي عن ابن عباس‪.‬‬
‫أي أن هؤلء القوم يغيرون شعرهم وشيبهم بالسواد كما يفعل‬
‫في عصرنا‪.‬‬
‫إنكار السنة النبوية المطهرة‪:‬‬
‫قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪" :‬يوشك أن يقعد الرجل‬
‫متكئًا على أريكته‪ ،‬يحدث بحديث من حديثي‪ ،‬فيقول‪ :‬بيننا وبينكم‬
‫كتاب الله‪ ،‬فما وجدنا فيه من حلل استحللناه‪ ،‬وما وجدنا فيه من‬
‫حرام حرمناه"‪ .‬أخرجه أحمد وأبو داود والحاكم وصححه اللباني‪.‬‬
‫ظهرت في هذه اليام جماعة يسمون أنفسهم القرآنيون‪،‬‬
‫يقرءون القرآن الكريم وينكرون السنة النبوية بالكلية‪ ،‬والحق‬
‫أنهم منكرون للقرآن الكريم قبل إنكار السنة؛ فمنكر السنة منكر‬
‫للقرآن بل ريب؛ إذ كيف يصلي وكم صلة يصليها‪ ،‬وما أركان‬
‫الصلة‪ ،‬وما سننها ومبطلتها؟ وكيف يزكي وكيف يصوم وكيف‬
‫يحج؟ وأنكر بعض المعاصرين السنة القولية‪ ،‬وأقر السنة العملية‪.‬‬
‫وأنكر بعض المعاصرين ممن ليس لهم اختصاص بالسنة أحاديث‬
‫الشفاعة‪ ،‬وأولوا اليات القرآنية الصريحة في الشفاعة‪ ،‬والبعض‬
‫الن يتكئ على أريكته وينفخ أوداجه ثم يضعف أحاديث الشيخين‬
‫البخاري ومسلم التي أجمعت المة على صحتها‪.‬‬
‫قوله صلى الله عليه وسلم إن البراء لو أقسم على الله لبره‪:‬‬
‫عن أنس رضي الله عنه قال‪ :‬قال رسول الله صلى الله عليه‬
‫خلِقين)‬
‫وسلم‪ :‬كم من ضعيف مستضعِّف ذي طمرين (أي ثوبين َ‬
‫لو أقسم على الله لبَّره‪ ،‬منهم البراء بن مالك"‪ .‬حسن‪ :‬رواه‬
‫الترمذي والحاكم والبيهقي‪.‬‬
‫وإن البراء لقي زحفًا من المشركين فقالوا‪ :‬يا براء إن النبي‬
‫صلى الله عليه وسلم قال‪ :‬لو أقسمت على الله لبَّرك‪ ،‬فأقسم‬
‫منحوا‬
‫على ربك‪ ،‬قال‪ :‬أقسم عليك يا رب لما منحتنا أكتافهم‪ ،‬ف ُ‬

‫‪82‬‬

‫أكتافهم‪ ،‬ثم التقوا على قنطرة السوس‪ ،‬فأوجعوا في المسلمين‪،‬‬
‫فقالوا‪ :‬أقسم يا براء على ربك‬
‫قال‪ :‬أقسم عليك يا رب لما منحتنا أكتافهم‪ ،‬وألحقني بنبيك‪ ،‬ثم‬
‫حملوا فانهزم الفرس وقُتل البراء شهيدًا‪ .‬وكان قتل البراء شهيدًا‬
‫يوم تستر في عهد عمر رضي الله عنه‪.‬‬
‫إشارته صلى الله عليه وسلم إلى أن الخليفة من بعده أبو بكر ثم‬
‫عمر‪ ،‬وإشارته إلى قصر خلفة الصديق وطول خلفة الفاروق‪:‬‬
‫عن حذيفة بن اليمان قال‪ :‬قال رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم‪" :‬اقتدوا بالذين من بعدي‪ ،‬أبي بكر وعمر رضي الله‬
‫عنهما"‪ .‬حسن‪ ،‬أخرجه الترمذي‪.‬‬
‫وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال‪ :‬قال رسول الله صلى الله‬
‫عليه وسلم‪" :‬بينا أنا نائم رأيتني على قليب‪ ،‬فنزعت منها ما شاء‬
‫الله‪ ،‬ثم أخذها ابن أبي قحافة‪ ،‬فنزع منها ذنوبًا أو ذنوبين‪ ،‬وفي‬
‫نزعه ضعف والله يغفر له‪ ،‬ثم أخذها ابن الخطاب فاستحالت‬
‫غْربًا (أي الدلو العظيمة‪ ،‬وهذا تمثيل معناه أن الفتوحات كانت‬
‫في زمن عمر أكثر)‪ ،‬فلم أر عبقريًا (العبقري هو سيد القوم‬
‫وكبيرهم) من الناس يفري فريه (يعمل عمله ويقطع قطعه)‪،‬‬
‫حتى ضرب الناس بعطن (العطن‪ :‬مبارك البل نحو الماء)‪.‬‬
‫أخرجه البخاري‪.‬‬
‫إخباره صلى الله عليه وسلم عن قتل مسيلمة الكذاب‪:‬‬
‫عن ابن عباس قال‪ :‬قدم مسيلمة الكذاب على عهد رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم المدينة‪ ،‬فجعل يقول‪ :‬إن جعل لي محمد‬
‫المر من بعده تبعته‪ ،‬وقدمها في بشر كثير من قومه‪ ،‬فأقبل‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم ومعه ثابت بن قيس بن شماس‪،‬‬
‫وفي يد النبي صلى الله عليه وسلم قطعة جريد حتى وقف على‬
‫مسيلمة في أصحابه‪ ،‬فقال‪" :‬إن سألتني هذه القطعة ما‬
‫أعطيتكها‪ ،‬ولن تعدو أمر الله فيك‪ ،‬ولئن أدبرت ليعقرنك الله‪،‬‬
‫وإني أراك الذي أريت فيه ما أريت وهذا ثابت بن قي يجيبك‬
‫عني‪ ،‬ثم انصرف‪.‬‬
‫قال ابن عباس‪ :‬فسألت عن قول النبي صلى الله عليه وسلم "‬
‫إنك الذي أريت فيه ما أريت "‪ ،‬فأخبرني أبو هريرة أن النبي‬
‫صلى الله عليه وسلم قال‪ :‬بينا أنا نائم رأيت في يدي سوارين‬
‫من ذهب‪ ،‬فأهمني شأنهما‪ ،‬فأوحي إلي في المنام أن أنفخهما‬
‫فنفختهما فطارا‪ ،‬فأولتهما كذابين يخرجان من بعدي‪ ،‬فهذان هما‬
‫أحدهما العنسي صاحب صنعاء‪ ،‬والخر مسيلمة الكذاب صاحب‬
‫اليمامة"‪ .‬أخرجه البخاري‪ ،‬ومسلم في الرؤية‪.‬‬
‫إسلم أهل اليمن قبل أهل الشام‪:‬‬
‫‪83‬‬

‫عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال‪ :‬نظر رسول الله صلى الله‬
‫عليه وسلم قِبَل اليمن (أي تجاهها وناحيتها) فقال‪ :‬اللهم أقبل‬
‫بقلوبهم‪ ،‬ثم نظر قِبَل الشام فقال‪ :‬اللهم أقبل بقلوبهم‪ ،‬ثم نظر‬
‫مدان‪،‬‬
‫قِبَل العراق فقال‪ :‬وبارك لنا في صاعنا ومدنا (الصاع‪ُ :‬‬
‫والمد حفنة بيد الرجل المتوسط)‬
‫قال ابن كثير‪ :‬وهكذا وقع المر‪ ،‬أسلم أهل اليمن قبل أهل‬
‫الشام‪ ،‬ثم كان الخير والبركة قِبَل العراق‪ ،‬ووعد أهل الشام‬
‫بالدوام على الهداية والقيام بنصرة الدين إلى آخر المر‪.‬‬
‫إعلمه صلى الله عليه وسلم بمواقيت الحج‪:‬‬
‫عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‪ :‬وقت رسول الله صلى الله‬
‫عليه وسلم لهل المدينة ذا الحليفة (موضع بينه وبين مكة ‪450‬‬
‫كيلو متر يقع في شمالها)‪ ،‬ولهل الشام الجحفة (موضع غي‬
‫الشمال الغربي من مكة بينه وبينها ‪ 187‬كيلومتر‪ ،‬وهي قرية من‬
‫رابغ‪ ،‬ورابغ بينها وبين مكة ‪ 204‬كيلومتر‪ ،‬وقد صارت رابغ ميقات‬
‫جحفة)‪،‬‬
‫أهل مصر والشام ومن يمر عليها‪ ،‬بعد ذهاب معالم ُ‬
‫ولهل نجد قرن المنازل (جبل شرقي مكة يطل على عرفات‪،‬‬
‫بينه وبين مكة ‪ 94‬كيلومتر)‪ ،‬ولهل اليمن يلملم (جبل يقع جنوب‬
‫مكة‪ ،‬بينه وبينها ‪ 54‬كيلومتر)‪ ،‬ولهل العراق ذات عرق (موضع في‬
‫الشمال الشرقي لمكة‪ ،‬بينه وبينها ‪ 94‬كيلومتر)‪ ،‬وقال‪" :‬هن لهن‬
‫ولمن أتى عليهن من غير أهلهن"‪ .‬أخرجه الشيخان‪.‬‬
‫ولم تكن هذه البلد قد فتحت كلها بعد‪ ،‬ثم مرت اليام وفتحت‬
‫هذه البلد في عهد الصديق والفاروق رضي الله عنهما‪.‬‬
‫أصابه العمى كما قال النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم‪:‬‬
‫عن زيد بن أرقم‪ ،‬رضي الله عنه‪ ،‬أن النبي صلى الله عليه وسلم‬
‫دخل عليه يعوده من مرض كان به‪ ،‬فقال‪" :‬ليس عليك من‬
‫مرضك هذا بأس‪ ،‬ولكن كيف بك إذا عمرت بعدي فعميت؟" قال‪:‬‬
‫إذ ًا أصبر وأحتسب‪ ،‬قال‪" :‬إذ ًا تدخل الجنة بغير حساب"‪ ،‬فعمي‬
‫بعد ممات النبي صلى الله عليه وسلم‪ .‬أخرجه أبو داود‪ ،‬وأحمد‪،‬‬
‫والحاكم‪ ،‬وابن عساكر في تاريخه واللفظ له‪ ،‬والبيهقي في دلئل‬
‫النبوة‪.‬‬
‫وعنه قال‪ :‬رمدت عيني‪ ،‬فعادني النبي صلى الله عليه وسلم ثم‬
‫قال‪" :‬يا زيد‪ ،‬لو أن عينك لما بها كيف كنت تصنع؟" قال‪ :‬كنت‬
‫أصبر وأحتسب‪ ،‬قال‪" :‬لو أن عينك لما بها ثم صبرت واحتسبت‬
‫كان ثوابك الجنة"‪ .‬أخرجه البخاري في الدب‪.‬‬
‫كثرة عدد النصارى‪:‬‬
‫قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪" :‬ل تقوم الساعة حتى‬
‫تكون الروم أكثر أهل الرض"‪ .‬صحيح‪ :‬أخرجه مسلم‪.‬‬
‫‪84‬‬

‫ونحن الن في العقد الول من القرن الحادي والعشرين‪،‬‬
‫والنصارى يبلغون أكثر من ثلث سكان العالم‪ ،‬ول تبلغ أمة من‬
‫المم عدد أمة الروم‪ .‬أما المسلمون فعددهم الن مليار وثلث‪،‬‬
‫وهذا يزيد قليل عن خمس سكان العالم‪.‬‬
‫الحديث في المساجد في الدنيا‪:‬‬
‫عن الحسن البصري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‪:‬‬
‫"يأتي على الناس زمان يكون حديثهم في مساجدهم في أمر‬
‫دنياهم فل تجالسوهم فليس لله فيهم حاجة"‪ .‬أخرجه البيهقي في‬
‫الشعب عن الحسن مرسلً‪.‬‬
‫وهذا كثير في المساجد الن سيما من خدم المسجد والمسئولين‬
‫عن إدارته يحولون المساجد إلى مجلس للدنيا والطعام‬
‫والشراب‪.‬‬
‫مقاطعة العالم للعراق‪:‬‬
‫عن أبي هريرة قال‪ :‬قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪:‬‬
‫"منعت العراق درهمها وقفيزها‪ ،‬ومنعت الشام مديها ودينارها‪،‬‬
‫ومنعت مصر إردبها ودينارها‪ .‬وعدتم من حيث بدأتم‪ ،‬وعدتم من‬
‫حيث بدأتم‪ ،‬وعدتم من حيث بدأتم"‪ .‬أخرجه مسلم‪.‬‬
‫سا عند جابر بن عبد الله فقال‪:‬‬
‫وعن أبي نضيرة قال‪ :‬كنا جلو ً‬
‫يوشك أهل العراق أن ل يجيء إليهم قفيز (مكيال العراق) ول‬
‫درهم‪ ،‬قلنا‪ :‬من أين؟ قال‪ :‬من قِبَل العجم (غير العرب)‪ ،‬يمنعون‬
‫ذلك‪ ،‬ثم قال‪ :‬يوشك أهل الشام أن ل يجيء إليهم دينار ول مدى‪،‬‬
‫قلنا‪ :‬من أين ذلك؟ قال‪ :‬من قِبَل الروم (النصارى)‪ ،‬ثم أسكت‬
‫هنية‪ .‬ثم قال ‪ :‬قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يكون في‬
‫آخر أمتي خليفة يحثي المال حثيا‪ .‬ل يعده عددا"‪ .‬أخرجه مسلم‪.‬‬
‫أما قطع المعونات عن العراق فهذا حدث منذ احتلل العراق‬
‫للكويت سنة ‪1991‬م‪ ،‬وأما قطع الموال من بلد الشام (سوريا‪-‬‬
‫لبنان‪ -‬فلسطين‪ -‬الردن) فلم يحدث بعد والن تستعد أمريكا‬
‫لتنفيذ المقاطعة ضد سوريا‪.‬‬
‫‪----------------‬‬‫‪ .12‬إخباره صلى الله عليه وسلم عن المغيبات (‪)3‬‬
‫ثالثًا‪ :‬نبوءات أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم في المستقبل‬
‫لم يتحقق بعد‪:‬‬
‫ظهور السلم‪:‬‬
‫في الحديث الذي رواه المام أحمد من حديث حذيفـة بن اليمان‬
‫وهو حديث صحيح أن النبي قال‪" :‬تكون النبوة فيكم ما شاء الله‬
‫أن تكون ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها‪ ،‬ثم تكون خلفة على‬
‫منهاج النبوة‪ ،‬فتكون فيكم ما شاء الله أن تكون‪ ،‬ثم يرفعها الله‬
‫‪85‬‬

‫إذا شاء أن يرفعها‪ ،‬ثم تكون ملكا ً عاضاً‪ ،‬فتكون فيكم ما شاء الله‬
‫أن تكون‪ ،‬ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها ثم تكون ملكا ً جبرياً‬
‫فتكون فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها الله إذا شاء أن‬
‫يرفعها‪ ،‬ثم تكون خلفة على منهاج النبوة" ‪ -‬رواه أحمد في‬
‫المسند (‪ )273 /4‬وصححه اللباني في الصحيحة رقم ‪. 5‬‬
‫وفى الحديث الذي رواه مسلم من حديث ثوبان أن الصادق‬
‫المصدوق قال‪" :‬إن الله تعالى زوى لي الرض فرأيت مشارقها‬
‫ومغاربها‪ ،‬وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوى لي منها"‪.‬‬
‫الرسول وهو في أحلك الزمـات والوقات وهو يُطـارد‪ ،‬وأصحابه‬
‫ت‪" :‬والله لَيُت ِ َّ‬
‫م َّ‬
‫ن هذا المر حتى‬
‫مهاجرون يقول لخباب بن الر ّ‬
‫يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ل يخاف إل الله والذئب‬
‫على غنمه"‪.‬‬
‫قبض العلم وظهور الجهل‪:‬‬
‫فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال ‪ :‬قال رسول الله صلى‬
‫الله عليه وسلم ‪" :‬من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويثبت‬
‫الجهل" ‪ -‬رواه البخاري ومسلم‪ ،‬وقبض العلم بقبض العلماء‪ ،‬قال‬
‫النووي رحمه الله‪( :‬هذا الحديث يبين أن المراد بقبض العلم في‬
‫الحاديث السابقة المطلقة ليس هو محوه من صدور حفاظه‬
‫ولكن معناه أن يموت حملته ويتخذ الناس جهال ً يحكمون‬
‫بحهالتهم فيضلون ويضلون)‪.‬‬
‫وقال الذهبي رحمه الله‪ :‬وما أوتوا من العلم إل قليلً‪ ،‬وأما اليوم‬
‫فما بقي من العلوم القليلة إل القليل‪ ،‬في أناس قليل‪ ،‬ما أقل‬
‫من يعمل منهم بذلك القليل فحسبنا الله ونعم الوكيل‬
‫وهذا في زمان الذهبي رحمه الله فما بالك بزماننا هذا ؟ فإنه‬
‫كلما بعد الزمان من عهد النبوة قل العلم وكثر الجهل ول يزال‬
‫يقبض العلم حتى ل يعرف من السلم إل اسمه كما قال النبي‬
‫صلى الله عليه وسلم ‪" :‬ل تقوم الساعة حتى ل يقال في الرض‬
‫الله الله" ‪ -‬رواه مسلم‪.‬‬
‫كثرة القتل‪:‬‬
‫فقد روى المام البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه‬
‫أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‪" :‬ل تقوم الساعة حتى‬
‫يكثر الهرج" قالوا ‪ :‬وما الهرج يا رسول الله قال‪ :‬القتل القتل"‪.‬‬
‫وروى المام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال ‪ :‬قال‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم ‪ ":‬والذي نفسي بيده ل تذهب‬
‫الدنيا حتى يأتي على الناس يوم ل يدري القاتل فيم قتل ول‬
‫المقتول فيم قتل"‬
‫‪86‬‬

‫فقيل ‪ :‬كيف يكون ذلك ؟‬
‫قال ‪" :‬الهرج القاتل والمقتول في النار"‪.‬‬
‫ذهاب الصالحين‪:‬‬
‫فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال‪ :‬قال رسول الله‬
‫صلى الله عليه وآله وسلم ‪" :‬ل تقوم الساعة حتى يأخذ الله‬
‫شريطته من أهل الرض ‪ ،‬فيبقى عجاجة ل يعرفون معروفا ً ول‬
‫ينكرون منكراً" ‪ -‬رواه أحمد وقال أحمد شاكر‪ :‬إسناده صحيح‪.‬‬
‫صدق رؤيا المؤمن‪:‬‬
‫فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال ‪ :‬قال رسول الله صلى الله‬
‫عليه وآله وسلم‪" :‬إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب"‬
‫ رواه مسلم‪.‬‬‫كثرة النساء‪:‬‬
‫فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال ‪ :‬قال رسول الله صلى‬
‫الله عليه وآله وسلم‪" :‬من أشراط الساعة ـ وذكر منها ـ وتكثر‬
‫النساء ويقل الرجال حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد" ‪-‬‬
‫رواه البخاري‪.‬‬
‫كثرة موت الفجأة‪:‬‬
‫فعن أنس رضي الله عنه قال‪ :‬قال رسول الله صلى الله عليه‬
‫وآله وسلم‪" :‬إن من أمارات الساعة أن يظهر موت الفجأة" ‪-‬‬
‫رواه الطبراني في الصغير والوسط وقال اللباني‪ :‬حسن‪.‬‬
‫وقوع التناكر بين الناس‪:‬‬
‫فعن حذيفة رضي الله عنه قال‪ :‬سئل رسول الله صلى الله عليه‬
‫وآله وسلم عن الساعة فقال‪ ":‬علمها عند ربي ل يجليها لوقتها إل‬
‫هو‪ ،‬ولكن أخبركم بمشاريطها وما يكون بين يديها ـ وذكر منها ـ‬
‫ويلقى بين الناس التناكر فل يكاد أحد يعرف أحد" ‪ -‬رواه أحمد‬
‫وقال الهيثمي‪ :‬رجاله رجال الصحيح‪.‬‬
‫عودة أرض العرب مروجا ً وأنهاراً‪:‬‬
‫فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال‪ :‬قال رسول الله صلى الله‬
‫عليه وآله وسلم‪" :‬ل تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجاً‬
‫وأنهاراً" ‪ -‬رواه مسلم‪.‬‬
‫كثرة المطر وقلة النبات‪:‬‬
‫فعن أنس رضي الله عنه قال‪ :‬قال رسول الله صلى الله عليه‬
‫وآله وسلم‪" :‬ل تقوم الساعة حتى يمطر الناس مطرا ً عاما ً ول‬
‫تنبت الرض شيئًا ‪ -‬رواه أحمد ‪ ،‬وقال الهيثمي ‪ :‬رجاله ثقات‪.‬‬
‫حسر الفرات عن جبل من ذهب‪:‬‬
‫فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال‪ :‬قال رسول الله صلى الله‬
‫عليه وآله وسلم‪" :‬ل تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل‬
‫‪87‬‬

‫من ذهب يقتتل الناس عليه فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون ‪،‬‬
‫ويقول كل رجل منهم‪ :‬لعلي أكون أنا الذي أنجو"‪ -‬رواه البخاري‪.‬‬
‫أولى العلمات الصغرى المصاحبة للكبرى التي بدأت في‬
‫الظهور‪ ..‬هي انحسار نهر الفرات عن جبل الذهب‪ ..‬ستظهر هذه‬
‫العلمة قرب ظهور المهدي‪ ..‬وبالفعل بدأ نهر الفرات في‬
‫انخفاض منسوب مياهه‪ ..‬قال صلى الله عليه وسلم‪" :‬ل تقوم‬
‫الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب يقبل الناس‬
‫عليه‪ ..‬فيقتتل من كل مائة تسعة وتسعون‪ ..‬ويقول كل رجل‬
‫منهم لعلي أكون أنا الذي أنجو "‪ ..‬وتلك فتنة شديدة ومقتلة‬
‫عظيمة‪ ..‬قتال دائر بين الرجال من أجل أخذ الذهب‪ ..‬ول يصل‬
‫إليه أحد‪ ..‬ومن حضر تلك العلمة فل يأخذ من الذهب شيئا ً كما‬
‫أمر النبي صلى الله عليه وسلم‪" :..‬يوشك الفرات أن يحسر عن‬
‫جبل من ذهب فمن حضره فل يأخذ منه شيء"‪.‬‬
‫كلم السباع والجمادات النس‪:‬‬
‫فعن أبي هريرة رضي الله عنه في قصة الراعي الذي تكلم معه‬
‫الذئب ثم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره‬
‫بذلك فصدقه النبي صلى الله عليه وسلم‬
‫ثم قال‪" :‬إنها أمارة من أمارات بين يدي الساعة‪ ،‬قد أوشك‬
‫الرجل أن يخرج فل يرجع حتى تحدثه نعله وسوطه ما أحدث‬
‫أهله بعده"‪ -‬رواه أحمد‪ ،‬وقال أحمد شاكر صحيح‪.‬‬
‫هذه العلمة قد ظهرت من عهد النبي صلى الله عليه وسلم! في‬
‫الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‪ :‬جاء ذئب‬
‫إلى راعي الغنم فأخذ منه شاه فطلبه الراعي حتى انتزعها منه‪.‬‬
‫قال‪ :‬فصعد الذئب على تل فأقص– جلس على أسته واستذفر–‬
‫أدخل ذنبه بين فخذيه‪ -‬فقال‪ :‬عمدت إلى رزق رزقنيه الله عز‬
‫وجل وانتزعته مني‪ ،‬فقال الرجل‪ :‬تالله إن رأيت كاليوم ذئباً‬
‫يتكلم! قال الذئب‪ :‬أعجب من هذا رجل في النخلت بين الحرتين‬
‫يخبركم بما مضى وبما هو كائن بعدكم‪ .‬وكان الرجل يهوديا ً فجاء‬
‫الرجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وخبره‪ ..‬فصدقه النبي‬
‫عليه الصلة والسلم‪ ..‬ثم قال الرسول صلى الله عليه وسلم‪":‬‬
‫إنها أمارة من إمارات بين يدي الساعة قد أوشك الرجل أن‬
‫يخرج حتى تحدثه نعله وسوطه ما أحدث أهله بعده "‪..‬‬
‫كثرة الروم وقتالهم للمسلمين‪:‬‬
‫فعن عوف بن مالك رضي الله عنه قال‪ :‬قال رسول الله صلى‬
‫الله عليه وآله وسلم‪" :‬اعدد ستا ً بين يدي الساعة‪ ،‬فذكر منها‪:‬‬
‫"ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الصفر فيغدرون فيأتونكم تحت‬
‫ثمانين غاية تحت كل غاية اثنا عشر ألفاً"‪ -‬رواه البخاري‪.‬‬
‫‪88‬‬

‫وجاء في وصف هذا القتال أنه عظيم شديد فعن عبد الله بن‬
‫مسعود رضي الله عنه أنه قال‪ :‬إن الساعة ل تقوم‪ ،‬حتى ل‬
‫يقسم ميراث‪ ،‬ول يفرح بغنيمة‪ ،‬ثم قال بيده هكذا ‪-‬ونحاها نحو‬
‫الشام فقال‪ :‬عدو يجمعون لهل السلم ويجمع لهم أهل السلم‪.‬‬
‫قلت‪ :‬الروم تعني؟‬
‫قال‪ :‬نعم وتكون عند ذلكم القتال ردة شديدة فيشترط‬
‫المسلمون شرطة للموت ل ترجع إل غالبة فيقتتلون حتى يحجز‬
‫بينهم الليل فيفيء هؤلء وهؤلء كل غير غالب‪ ،‬وتفنى الشرطة‪،‬‬
‫ثم يشترط المسلمون شرطة للموت ل ترجع إل غالبة‪ ،‬فيقتتلون‬
‫حتى يحجز بينهم الليل فيفيء هؤلء وهؤلء كل غير غالب‪ ،‬وتفنى‬
‫الشرطة‪ ،‬ثم يشترط المسلمون شرطة للموت ل ترجع إل غالبة‬
‫فيقتتلون حتى يمسوا‪ ،‬فيفيء هؤلء وهؤلء كل غير غالب وتفنى‬
‫الشرطة‪ ،‬فإذا كان يوم الرابع نهد إليهم بقية أهل السلم فيجعل‬
‫الله الدبرة عليهم فيقتلون مقتلة – إما قال ل يرى مثلها‪ ،‬وإما‬
‫قال لم ير مثلها – حتى إن الطائر ليمر بجنباتهم‪ ،‬فما يخلفهم‬
‫حتى يخر ميتا ً فيتعاد بنو الب كانوا مائة فل يجدونه بقي منهم إل‬
‫الرجل الواحد فبأي غنيمة يفرح؟ أو أي ميراث يقاسم؟ فبينما هم‬
‫كذلك إذ سمعوا ببأس هو أكبر من ذلك فجاءهم الصريخ‪ :‬إن‬
‫الدجال قد خلفم في ذراريهم ‪ ،‬فيرفضون ما في أيديهم ويقبلون‬
‫فيبعثون عشرة فوارس طليعة‪ ،‬قال رسول الله صلى الله عليه‬
‫وآله وسلم ‪" :‬إني لعرف أسمائهم وأسماء آبائهم وألوان خيولهم‬
‫هم خير فوارس على ظهر الرض يومئذ ‪ ،‬أو من خير فوارس‬
‫على ظهر الرض يومئذ"‪ -‬رواه مسلم‪.‬‬
‫قتال اليهود‪:‬‬
‫فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال‪ :‬قال رسول الله صلى الله‬
‫عليه وآله وسلم‪" :‬ل تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود‬
‫فيقتلهم المسلمون‪ ،‬حتى يختبئ اليهود من وراء الحجر والشجر‪،‬‬
‫فيقول الحجر أو الشجر‪ :‬يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي‬
‫فتعال فاقتله‪ ،‬إل الغرقد فإنه من شجر اليهود ‪ -‬متفق عليه‪.‬‬
‫ظهور المهدي المنتظر‪:‬‬
‫اعلم أن المحدثين متفقون على صحة حديث خروج المهدي فقد‬
‫صرح الحافظ ابن حجر بثبوته والحافظ السيوطي بل قال إنه‬
‫متواتر تواتًرا معنويًا وأكثر الئمة الذين ألفوا في الحديث أو خلق‬
‫كثير منهم وضعوا ترجمة لخروجه بل أفرد عدة منهم التأليف في‬
‫أخباره كالحافظ نعيم بن حماد والسيوطي‪ ،‬ول عبرة بطعن أناس‬
‫ليسوا من المحدثين في ذلك‪ .‬فإن عدد من روى حديث المهدي‬

‫‪89‬‬

‫‪ 38‬نفسا منهم‬
‫المهدي‪.‬‬
‫َّ‬
‫ُ َّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن ع َبْد ِ الل ّهِ قَاَل‪ :‬قَا َ‬
‫صلى‬
‫سعِيد ٍ وَ َ‬
‫ل َر ُ‬
‫ن أبِي َ‬
‫سول اللهِ َ‬
‫عَ َ ْ‬
‫جابِرِ ب ْ ِ‬
‫َ‬
‫ل وَلَ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ما َ‬
‫ن َ‬
‫خلِي َف ٌ‬
‫ن فِي آ ِ‬
‫ة ي َ ْق ِ‬
‫م‪ ":‬يَكُو ُ‬
‫ه ع َليْهِ وَ َ‬
‫م ال َ‬
‫س ُ‬
‫خرِ ال ّز َ‬
‫سل َ‬
‫الل ّ ُ‬
‫ما ِ‬
‫يَعُدُّه ُ ‪ -‬رواه مسلم‪.‬‬
‫َّ‬
‫َ‬
‫َّ‬
‫َ‬
‫م قَا َ‬
‫سل‬
‫ن النَّب‬
‫صل ّى الل‬
‫ي‬
‫ن ع َبْد ِ الل ّهِ ع َ‬
‫ه ع َلَيْهِ وَ َ‬
‫م يَبْقَ‬
‫ل‪" :‬لَوْ ل َ ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫عَ ْ‬
‫ّ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ه ذَل ِ َ‬
‫م ث ُ َّ‬
‫ه لطوَّ َ‬
‫م قَا َ‬
‫م‬
‫حدِيث ِ ِ‬
‫ِ‬
‫ل َزائِدَة ُ فِي َ‬
‫ك اليَوْ َ‬
‫ن الد ّنْيَا إ ِل يَوْ ٌ‬
‫ل الل ُ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ه‬
‫حت ّى يَبْعَ َ‬
‫جل ِ‬
‫ل بَيْتِي يُوَاط ِ ُ‬
‫منِّي أوْ ِ‬
‫ات ّفَقُوا َ‬
‫ث فِيهِ َر ُ‬
‫ئ ا ْ‬
‫م ُ‬
‫س ُ‬
‫ن أهْ ِ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ض‬
‫حدِي ِ‬
‫س ِ‬
‫م أبِي َزاد َ فِي َ‬
‫م أبِيهِ ا ْ‬
‫مي وَا ْ‬
‫ا ْ‬
‫ث فِطْرٍ ي َ ْ‬
‫س ُ‬
‫س ُ‬
‫مَل اْلْر َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫جوًْرا"‪ .‬وَقَا َ‬
‫ن‪:‬‬
‫حدِي ِ‬
‫سفْيَا َ‬
‫ل فِي َ‬
‫ما وَ َ‬
‫ث ُ‬
‫قِ ْ‬
‫ت ظل ً‬
‫ملِئ َ ْ‬
‫ما ُ‬
‫سطا وَعَد ْل ك َ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫مل ِ َ‬
‫ج ٌ‬
‫ل‬
‫ل ِ‬
‫ب أوْ َل تَن ْ َق ِ‬
‫ب َر ُ‬
‫ك الْعََر َ‬
‫ضي الدُّنْيَا َ‬
‫" َل تَذْهَ ُ‬
‫حتَّى ي َ ْ‬
‫ن أه ْ ِ‬
‫م ْ‬
‫مي"‪ .‬رواه أَبُو دَاوُد‪.‬‬
‫س ِ‬
‫بَيْتِي يُوَاط ِ ُ‬
‫ها ْ‬
‫ئ ا ْ‬
‫م ُ‬
‫س ُ‬
‫َّ‬
‫َّ‬
‫ُ َّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ل‪ :‬قَا َ‬
‫ي قَا َ‬
‫سعِيد ٍ ال ُ‬
‫ه ع َليْهِ‬
‫ل َر ُ‬
‫ن أبِي َ‬
‫صلى الل ُ‬
‫سول اللهِ َ‬
‫خدْرِ ِ ّ‬
‫عَ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ض‬
‫مهْدِيُّ ِ‬
‫جبْهَةِ أقْنَى اْلن ْ ِ‬
‫جلَى ال ْ َ‬
‫منِّي أ ْ‬
‫وَ َ‬
‫ف يَ ْ‬
‫سل ّم‪" َ:‬ال ْ َ‬
‫مَل اْلْر َ‬
‫مل ِ ُ‬
‫ن"‪ -‬رواه أبو‬
‫سبْعَ ِ‬
‫ت َ‬
‫قِ ْ‬
‫ك َ‬
‫ملِئ َ ْ‬
‫ما ُ‬
‫سطًا وَعَدًْل ك َ َ‬
‫جوًْرا وَظُل ْ ً‬
‫ما ي َ ْ‬
‫سنِي َ‬
‫داود‪.‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َّ‬
‫َ‬
‫ل النَّب ِ ُّ‬
‫ل‪ :‬قَا َ‬
‫خدْرِيَّ قَا َ‬
‫م‪:‬‬
‫سعِيد ٍ ال ْ ُ‬
‫ن أبِي َ‬
‫ه ع َلَيْهِ وَ َ‬
‫صل ّى الل ّ ُ‬
‫سل َ‬
‫ي َ‬
‫عَ ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ن أ َّ‬
‫ن طَا َ‬
‫ش‬
‫ن ِ‬
‫مهْدِيُّ فَإ ِ ْ‬
‫"يَكُو ُ‬
‫صَر ع ُ ْ‬
‫ل عُ ْ‬
‫متِي ال ْ َ‬
‫مُره ُ ع َا َ‬
‫مُره ُ أوْ قَ ُ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫سنِين ي َ ُ َ‬
‫سطًا وَعَدًْل‬
‫ن ِ‬
‫سبْعَ ِ‬
‫ن أوْ ت ِ ْ‬
‫َ‬
‫ض قِ ْ‬
‫ن أوْ ث َ َ‬
‫سعَ ِ َ ْ‬
‫مَل اْلْر َ‬
‫سنِي َ‬
‫ما ِ‬
‫سنِي َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ماءُ قَطَرهَا" ‪ -‬رواه أحمد‪.‬‬
‫وَت ُ ْ‬
‫خرِ ُ‬
‫مطُِر ال ّ‬
‫س َ‬
‫ض نَبَات َ َها وَت ُ ْ‬
‫ج الْر ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ل‪ ":‬ت ُمَلُ‬
‫سعِيد ٍ أ َّ‬
‫سو َ‬
‫م قَا َ‬
‫ن َر ُ‬
‫ن أبِي َ‬
‫ه ع َلَيْهِ وَ َ‬
‫صل ّى الل ّ ُ‬
‫ْ‬
‫سل ّ َ‬
‫ل الل ّهِ َ‬
‫عَ ْ‬
‫ك سبعا أوَ‬
‫َ‬
‫جوًْرا ث ُ َّ‬
‫ج ٌ‬
‫م يَ ْ‬
‫ن ِ‬
‫ل ِ‬
‫ج َر ُ‬
‫خُر ُ‬
‫ما وَ َ‬
‫ض ظُل ْ ً‬
‫عتَْرتِي ي َ ْ‬
‫اْلْر ُ‬
‫م ْ‬
‫مل ِ ُ َ ْ ً ْ‬
‫سطًا وَعَدًْل" ‪ -‬رواه أحمد‪.‬‬
‫مَل ُ اْلَْر‬
‫تِ ْ‬
‫ض قِ ْ‬
‫سعًا فَي َ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫سو ُ‬
‫ل‪ :‬قَا َ‬
‫ي قَا َ‬
‫ه‬
‫سعِيد ٍ ال ْ ُ‬
‫ه ع َلَي ْ ِ‬
‫ل َر ُ‬
‫ن أبِي َ‬
‫صل ّى الل ّ ُ‬
‫ل الل ّهِ َ‬
‫خدْرِ ِ ّ‬
‫عَ ْ‬
‫َ‬
‫حتَّى ت َمتَل ِ َ َ‬
‫م ال َّ‬
‫ل ث ُ َّ‬
‫ما وَعُدْوَانًا قَا َ‬
‫م‬
‫ساع َ ُ‬
‫ة َ‬
‫م‪َ" :‬ل تَقُو ُ‬
‫وَ َ‬
‫ض ظُل ْ ً‬
‫ْ‬
‫سل ّ َ‬
‫ئ اْلْر ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ج ٌ‬
‫سطًا وَعَدًْل‬
‫يَ ْ‬
‫ن ِ‬
‫عتَْرتِي أوْ ِ‬
‫ل ِ‬
‫ج َر ُ‬
‫خُر ُ‬
‫ملَؤُهَا قِ ْ‬
‫ل بَيْتِي ي َ ْ‬
‫ن أهْ ِ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ما وَعُدْوَانًا ‪ -‬رواه أحمد‪.‬‬
‫ت ظُل ْ ً‬
‫ملِئ َ ْ‬
‫ما ُ‬
‫كَ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫سو ُ‬
‫ل‪ ":‬قَا َ‬
‫ي قَا َ‬
‫سعِيد ٍ ال ْ ُ‬
‫ه ع َلَيْهِ‬
‫ل َر ُ‬
‫ن أبِي َ‬
‫صل ّى الل ّ ُ‬
‫ل الل ّهِ َ‬
‫خدْرِ ِ ّ‬
‫عَ ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ث فِي أ َّ‬
‫ن‬
‫متِي ع َلَى ا ْ‬
‫ي يُبْعَ ُ‬
‫ف ِ‬
‫م‪" :‬أب َ ّ ِ‬
‫ختَِل ٍ‬
‫وَ َ‬
‫م بِال ْ َ‬
‫شُرك ُ ْ‬
‫سل ّ َ‬
‫م ْ‬
‫مهْد ِ ِ ّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫س وََزَلزِ َ‬
‫النَّا‬
‫جوًْرا‬
‫ت َ‬
‫ض قِ ْ‬
‫ملِئ َ ْ‬
‫ما ُ‬
‫سطًا وَعَدًْل ك َ َ‬
‫ل فَي َ ْ‬
‫مَل اْلْر َ‬
‫ِ‬
‫َْ‬
‫ن ال َّ‬
‫ما َ‬
‫ل‬
‫ض يَقْ ِ‬
‫ما يَْر َ‬
‫ماءِ وَ َ‬
‫ه َ‬
‫م ال ْ َ‬
‫س ُ‬
‫س َ‬
‫ضى ع َن ْ ُ‬
‫وَظُل ْ ً‬
‫ساك ِ ُ‬
‫ساك ِ ُ‬
‫ن الْر ِ‬
‫سويَّةِ بَي ْ َ َ‬
‫س قَا َ‬
‫حا؟ قَا َ‬
‫ج ٌ‬
‫حا فَقَا َ‬
‫ل‬
‫ما ِ‬
‫ِ‬
‫حا ً‬
‫ص َ‬
‫ه َر ُ‬
‫حا ً‬
‫ص َ‬
‫ل َ‬
‫ل لَ ُ‬
‫ل بِال َّ ِ‬
‫ن الن ّا ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َّ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ح َّ‬
‫ب أ َّ‬
‫م‬
‫م َ‬
‫ه قُلُو َ‬
‫م ِغنًى َوي َ َ‬
‫ه ع َلَيْهِ وَ َ‬
‫وَي َ ْ‬
‫سعُهُ ْ‬
‫سل َ‬
‫صل ّى الل ّ ُ‬
‫مةِ ُ‬
‫مَل الل ّ ُ‬
‫مد ٍ َ‬
‫ْ‬
‫منَادِيًا فَيُنَادِي فَيَقُو ُ‬
‫ما‬
‫ج ٌ‬
‫حا َ‬
‫ل َ‬
‫ه َ‬
‫ة فَ َ‬
‫ه فِي َ‬
‫ن لَ ُ‬
‫ل َ‬
‫مَر َُ‬
‫حتَّى يَأ ُ‬
‫عَدْل ُ ُ‬
‫ما ٍ‬
‫م ْ‬
‫ت ال َّ‬
‫ن فَقُ ْ‬
‫ل فَيَقُو ُ‬
‫ج ٌ‬
‫ل‬
‫ن النَّا‬
‫ن يَعْنِي ال ْ َ‬
‫ل ائ ْ ِ‬
‫م ِ‬
‫خازِ َ‬
‫سدَّا َ‬
‫س إ ِ ّل َر ُ‬
‫يَقُو ُ‬
‫م ْ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ه إ ِ َّ‬
‫مُر َ‬
‫ماًل فَيَقُو ُ‬
‫حتَّى إِذ َا‬
‫ح ِ‬
‫ث َ‬
‫ه ا ْ‬
‫كأ ْ‬
‫ل لَ ُ‬
‫ن تُعْطِيَنِي َ‬
‫مهْدِيَّ يَأ ُ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫لَ ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ح َّ‬
‫شعَ أ َّ‬
‫م فَيَقُو ُ‬
‫ج َ‬
‫سا‬
‫ه فِي ِ‬
‫م َ‬
‫تأ ْ‬
‫ح ْ‬
‫َ‬
‫جرِهِ وَأبَْرَزه ُ نَد ِ َ‬
‫مد ٍ نَفْ ً‬
‫مةِ ُ‬
‫ل كُن ْ ُ‬
‫جعَل َ ُ‬
‫‪33‬‬

‫صحابة و ‪ 5‬تابعيون‪ ،‬ومن جملة ما ورد في‬

‫‪90‬‬

‫َ‬
‫م قَا َ‬
‫ه فَيُقَا ُ‬
‫ل فَيَُردُّه ُ فََل يَقْب َ ُ‬
‫ه إِنَّا َل‬
‫ما وَ ِ‬
‫ل ِ‬
‫أوَع َ َ‬
‫سعَهُ ْ‬
‫جَز ع َنِّي َ‬
‫ل لَ ُ‬
‫من ْ ُ‬
‫ك سبع سنِين أَو ث َمان سنِي َ‬
‫َ‬
‫خذ ُ َ‬
‫ن أْ ُ‬
‫شيْئًا أع ْطَيْنَاه ُ فَيَكُو ُ‬
‫ن أوْ‬
‫ن كَذَل ِ َ َ ْ َ ِ َ ْ َ ِ ِ َ‬
‫ْ‬
‫ل ث ُ َّ‬
‫ن ث ُ َّ‬
‫ش بَعْدَهُ أَوْ قَا َ‬
‫خيَْر فِي‬
‫م َل َ‬
‫م َل َ‬
‫سعَ ِ‬
‫تِ ْ‬
‫سنِي َ‬
‫خيَْر فِي العَي ْ ِ‬
‫حيَاةِ بَعْدَه ُ ‪ -.‬رواه أحمد‪.‬‬
‫ال ْ َ‬
‫َ‬
‫عَ َ‬
‫ي قَا َ‬
‫خدْر‬
‫ث‬
‫ل َ‬
‫سعِيد ٍ ال ْ ُ‬
‫حد َ ٌ‬
‫خ ِ‬
‫ن بَعْد َ نَبِي ِّنَا َ‬
‫ن يَكُو َ‬
‫شينَا أ ْ‬
‫ن أبِي َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َّ‬
‫َّ‬
‫َّ‬
‫َ َّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫متِي‬
‫م فقَال‪" :‬إ ِ ّ‬
‫ه ع َليْهِ وَ َ‬
‫فَ َ‬
‫ن فِي أ ّ‬
‫سل َ‬
‫صلى الل ُ‬
‫ي اللهِ َ‬
‫سألنَا نَب ِ ّ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫سعًا َزيْد ٌ ال َّ‬
‫شا ّ‬
‫ك قَا َ‬
‫ل‬
‫ش َ‬
‫مهْدِيَّ ي َ ْ‬
‫خُر ُ‬
‫سبْعًا أوْ ت ِ ْ‬
‫سا أوْ َ‬
‫م ً‬
‫خ ْ‬
‫ال ْ َ‬
‫ج يَعِي ُ‬
‫ما ذ َا َ‬
‫مهْدِيُّ‬
‫ل فَيَقُو ُ‬
‫ج ٌ‬
‫ن قَا َ‬
‫ك قَا َ‬
‫ل ِ‬
‫جيءُ إِلَيْهِ َر ُ‬
‫ل يَا َ‬
‫ل فَي َ ِ‬
‫قُلْنَا َو َ‬
‫سنِي َ‬
‫َ‬
‫أَعْطِنِي أ عْطِنِي قَا َ‬
‫ه‬
‫ح ِ‬
‫ن يَ ْ‬
‫ستَطَاع َ أ ْ‬
‫ل فَي َ ْ‬
‫ما ا ْ‬
‫مل َ ُ‬
‫ه فِي ثَوْبِهِ َ‬
‫حثِي ل َ ُ‬
‫ن‪.‬‬
‫حدِي ٌ‬
‫ث َ‬
‫ رواه الترمذي وقال‪ :‬هَذ َا َ‬‫ح َ‬
‫س ٌ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫صل ّى الل ّ‬
‫ي أ َ َّ‬
‫ن النَّب ِ َّ‬
‫م قَا َ‬
‫ل‪:‬‬
‫ي‬
‫خدْر‬
‫سعِيد ٍ ال ْ ُ‬
‫ه ع َلَيْهِ وَ َ‬
‫ن أبِي َ‬
‫سل ّ َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫عَ ْ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ن فِي أ َّ‬
‫م‬
‫ن قُ ِ‬
‫مهْدِيُّ إ ِ ْ‬
‫"يَكُو ُ‬
‫سبْعٌ وَإ ِ ّل فَت ِ ْ‬
‫صَر فَ َ‬
‫سعٌ فَتَنْعَ ُ‬
‫متِي ال ْ َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫مثْلَهَا قَ ّ‬
‫فِيهِ أ ُ َّ‬
‫م‬
‫ط تُؤْتَى أكُلَهَا وََل تَد َّ ِ‬
‫م ً‬
‫خُر ِ‬
‫موا ِ‬
‫منْهُ ْ‬
‫م يَنْعَ ُ‬
‫ة لَ ْ‬
‫متِي ن ِ ْع َ‬
‫مهْدِيُّ‬
‫ل فَيَقُو ُ‬
‫ج ُ‬
‫ما ُ‬
‫َ‬
‫م الَّر ُ‬
‫س فَيَقُو ُ‬
‫ل يَا َ‬
‫ل يَوْ َ‬
‫شيْئًا وَال ْ َ‬
‫مئِذ ٍ كُدُو ٌ‬
‫أَعْطِنِي فَيَقُو ُ‬
‫خذ ْ"‪ -‬رواه ابن ماجه‪.‬‬
‫ل ُ‬
‫عن أبي سعيد الخدري ‪-‬رضي الله تعالى عنه‪ -‬قال‪ :‬قال رسول‬
‫َ‬
‫الله ‪-‬صل ّى الله عليه وسلم‪":-‬ل تقوم الساعة حتى تمل الرض‬
‫ظلما وجورا وعدوانا‪ ،‬ثم يخرج من أهل بيتي من يملها قسطا‬
‫وعدل كما ملئت ظلما وعدوانا"‪ -‬رواه الحاكم وقال‪:‬هذا حديث‬
‫صحيح على شرط الشيخين‪ ،‬ولم يخرجاه وأقره الذهبي‪.‬‬
‫ُ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫سو‬
‫م‪" :‬ل تقوم الساعة حتى‬
‫ل الل ّ ِ‬
‫قال َر ُ‬
‫ه ع َلَيْهِ وَ َ‬
‫صل ّى الل ّ ُ‬
‫سل ّ َ‬
‫ه َ‬
‫يملك رجل من أهل بيتي يواطىء اسمه اسمي واسم أبيه اسم‬
‫ما وجوًرا"‪ -‬رواه ابن‬
‫أبي يمل الرض قسطًا وعدل ً كما ملئت ظل ً‬
‫حبان‪.‬‬
‫فالمهدي عليه السلم اسمه محمد بن عبد الله وهو حسني أو‬
‫حسني من ولد فاطمة رضي الله عنها‪ ،‬وقد ورد في الثر أنه‬
‫يسير معه في أول أمره ملك ينادي" يا أيها الناس هذا خليفة الله‬
‫المهدي فاتبعوه "‪ ،‬وورد في الثر أيضا أن المهدي أول ما يخرج‬
‫يخرج من المدينة ويخرج معه ألف من الملئكة يمدونه وينتظره‬
‫في مكة ثلثمائة من الولياء هم أول من يبايعه ثم يخرج جيش‬
‫لغزوه فيخسف الله به الرض فيما بين مكة والمدينة‪ ،‬بعد ذلك‬
‫يأتي إلى بر الشام‪.‬‬
‫والمهدي رجل طويل القامة آدم ‪-‬أي أسمر – وجهه كالكوكب‬
‫الدري في الحسن والوضاءة‪ ،‬أجلى الجبهة‪ ،‬أقنى النف‪ ،‬أكحل‬
‫العينين واسعهما‪ ،‬أزج‪ -‬أي دقيق الحاجبين طويلهما‪ -‬أبلج‪ -‬أي‬
‫مفروق الحاجبين غير مقرونهما – في خده اليمن خال أسود‪،‬‬
‫كث اللحية‪ ،‬براق الثنايا‪.‬‬
‫‪91‬‬

‫يولد بالمدينة المنورة وينشأ بها ثم يأتي إلى مكة فيبايعه الولياء‬
‫ثم يأتي إلى بر الشام وأما وقت ظهوره فلم يعينه الرسول صلى‬
‫الله عليه وسلم فنحن ل نعين ولكن له علمات على ظهوره‬
‫ما وجوًرا‪.‬‬
‫وأكبرها أن تمتل الرض ظل ً‬
‫ظهور الدجال‪:‬‬
‫هو أعظم فتنة تمر بالبشر قال رسول الله صلى الله عليه و‬
‫سلم‪" :‬ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة فتنة أكبر من الدجال" ‪-‬‬
‫رواه مسلم‪.‬‬
‫علمات خروجه‪:‬‬
‫أ‪ -‬قلة العرب‪ :‬روى أحمد ومسلم والترمذي عن أم شريك‪ :‬أنها‬
‫سمعت النبي صلى الله عليه و سلم يقول‪" :‬ليفرن الناس من‬
‫الدجال في الجبال" قالت أم شريك‪ :‬يا رسول الله فأين العرب‬
‫يومئذ؟‪.‬‬
‫قال‪ :‬هم قليل‪.‬‬
‫ب_ الملحمة وفتح القسطنطينية‪ :‬روى أحمد وأبو داود عن معاذ‬
‫بن جبل رضي الله عنه‪ :‬أن رسول الله صلى الله عليه و سلم‬
‫قال‪" :‬عمران بيت المقدس خراب يثرب‪ ،‬وخراب يثرب خروج‬
‫الملحمة‪ ،‬وخروج الملحمة فتح القسطنطينية‪ ،‬وفتح القسطنطينية‬
‫خروج الدجال"‪.‬‬
‫ج_ الفتوحات‪ :‬روى أحمد ومسلم وابن ماجة عن جابر بن سمرة‬
‫عن نافع بن عتيبة رضي الله عنهما؛ قال‪ :‬كنا مع الرسول صلى‬
‫الله عليه و سلم في غزوة‪ ،‬قال‪ :‬فأتى النبي صلى الله عليه و‬
‫م من قبل المغرب عليهم ثياب الصوف‪ ،‬فوافقوه عند‬
‫سلم قو ٌ‬
‫أكمةٍ‪ ،‬فإنهم لقيام ورسول الله صلى الله عليه و سلم قاعد‪،‬‬
‫قال‪ :‬فقلت لي نفسي‪ :‬ائتهم‪ ،‬فقم بينهم وبينه ل يغتالونه‪.‬‬
‫قال‪ :‬ثم قلت‪ :‬لعله نجي معهم‪ ،‬فأتيهم‪ ،‬فقمت بينهم وبينه‬
‫قال‪ :‬فحفظت منه أربع كلمات أعدهن في يدي قال‪" :‬تغزون‬
‫جزيرة العرب‪ ،‬فيفتحها الله عز وجل‪ ،‬ثم فارس‪ ،‬فيفتحها الله عز‬
‫وجل‪ ،‬ثم تغزون الروم‪ ،‬فيفتحها الله‪ ،‬ثم تغزون الدجال فيفتحه‬
‫الله"‪.‬‬
‫د‪ -‬انحباس القطر والنبات‪ :‬ستكون بين يدي الدجال ثلث سنوات‬
‫عجاف‪ ،‬يلقى الناس فيها شدة وكرباً؛ فل مطر‪ ،‬ول نبات‪ ،‬يفزع‬
‫الناس فيها للتسبيح والتحميد والتهليل‪ ،‬حتى يجزئ عنهم بدل‬
‫الطعام والشراب‪ ،‬فبينما هم كذلك؛ إذ تناهى لسماعهم أن إلهاً‬
‫ظهر ومعه جبال الخبز وأنهار الماء‪ ،‬فمن أعترف به رباً؛ أطعمه‬
‫وسقاه‪ ،‬ومن كذبه؛ منعه الطعام والشراب‪ ،‬فالمعصوم عندها من‬
‫عصمه الله وتذكر لحظتها وصايا المصطفى صلى الله عليه و‬
‫‪92‬‬

‫سلم‪" :‬لن تروا ربكم حتى تموتوا‪ ،‬وأنتم ترون هذا الفاك الدجال‬
‫ولم تموتوا بعد"‪.‬‬
‫مكان خروجه‪:‬‬
‫روى أحمد والترمذي والحاكم وابن ماجة عن أبي بكر الصديق‬
‫رضي الله عنه؛ قال‪ :‬حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم‪،‬‬
‫فقال‪" :‬إن الدجال يخرج من أرض بالمشرق‪ ،‬يقال لها‪ :‬خرسان‪،‬‬
‫مطرقة"‪.‬‬
‫يتبعه أقوام كأن وجوههم المجان ال ُ‬
‫وأول ظهور أمره واشتهاره والله أعلم يكون بين الشام والعراق؛‬
‫ففي رواية مسلم عن نواس بن سمعان‪" :‬إنه خارج خلة بين‬
‫الشام والعراق"‪.‬‬
‫أتباعه‪:‬‬
‫أ‪ -‬اليهود‪ :‬روى أحمد ومسلم عن أنس بن مالك‪ :‬أن الرسول الله‬
‫صلى الله عليه و سلم قال‪" :‬يتبع الدجال من يهود أصبهان‬
‫سبعون ألفاً‪ ،‬عليهم الطيالسة"‪.‬‬
‫ب‪ -‬الكفار والمنافقين‪ :‬روى الشيخان والنسائي عن أنس بن‬
‫مالك رضي الله عنه؛ قال‪ :‬قال رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم‪" :‬ليس من بلد إل سيطؤه الدجال؛ إل مكة والمدينة‪،‬‬
‫وليس نُقب من أنقابها إل عليها الملئكة حافين تحرسها‪ ،‬فينزل‬
‫بالسبخة‪ ،‬فترجف المدينة بأهلها ثلث رجفات‪ ،‬يخرج إليه منها كل‬
‫كافر ومنافق"‪.‬‬
‫ج_ جهلة العراب‪ :‬ودليل ذلك ما رواه ابن ماجه وابن خزيمة‬
‫والحاكم والضياء عن أبي أمامة‪ ،‬وفيه‪ . . ." :‬وإن من الفتنة أن‬
‫يقول العرابي‪ :‬أرأيت إن يبعث لك أباك وأمك؛ أتشهد أني ربك؟‬
‫فيقول‪ :‬نعم فيمثل له شيطانان في صورة أبيه وأمه‪ ،‬فيقولن‪:‬‬
‫يابني! اتبعه؛ فإنه ربك‪.‬‬
‫د‪ -‬من وجوههم كالمجان المطرقة‪ ،‬ولعلهم الترك‪ :‬عن أحمد‬
‫والترمذي والحاكم وابن ماجه عن أبي بكر الصديق رضي الله‬
‫عنه‪ :‬إن الدجال يخرج من أرض بالمشرق يقال لها خرسان‪ ،‬يتبعه‬
‫أقوام كأن وجوههم المجان المطرقة‪.‬‬
‫هلكه‪:‬‬
‫أ‪ -‬في بلد الشام حرسها الله‪ :‬روى أحمد ومسلم عن أبي هريرة‪:‬‬
‫أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال‪ :‬يأتي المسيح من قبل‬
‫المشرق‪ ،‬وهمته المدينة‪ ،‬حتى ينزل دُبُر أحد‪ ،‬ثم تصرف الملئكة‬
‫وجهه قبل الشام‪ ،‬وهناك يهلك‪.‬‬
‫ب‪ -‬قاتله هو عيسى بن مريم عليهما السلم‪ :‬روى الترمذي عن‬
‫مجمع بن جارية النصاري؛ قال‪ :‬سمعت رسول الله صلى الله‬

‫‪93‬‬

‫عليه و سلم يقول‪" :‬يقتل ابن مريم الدجال بباب لد " ولن يسلط‬
‫عليه أحد إل عيسى بن مريم عليه السلم"‪.‬‬
‫صفاته الخلقية‪:‬‬
‫أ‪ -‬أعور العين أو العينين‪ :‬روى الشيخان عن عبد الله بن عمر‬
‫رضي الله عنهما؛ قال‪ :‬قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪:‬‬
‫"إن الله ل يخفي عليكم‪ ،‬إن الله تعلى ليس بأعور‪ ،‬وإن المسيح‬
‫الدجال أعور عين اليمنى‪ ،‬كأن عينه عنبة طافية"‪.‬‬
‫ب‪ -‬مكتوب بين عينيه كافر‪ :‬روى الشيخان عن أنس؛ قال‪ :‬قال‬
‫رسول الله صلى الله عليه و سلم‪" :‬ما من نبي إل أنذر أمته‬
‫العور الكذاب‪ ،‬أل إنه أعور‪ ،‬وإن ربكم ليس بأعور‪ ،‬ومكتوب بين‬
‫عينيه ‪ -‬ك ف ر"‪.‬‬
‫د‪ -‬قصير‪ ،‬أفحج‪ ،‬جعد‪ ،‬أعور‪ ،‬عينه ليست بناتئة ول جحراء‪ :‬روى‬
‫أحمد وأبو داود عن عبادة بن الصامت عن رسول الله صلى الله‬
‫عليه و سلم قال‪" :‬إني حدثتكم عن الدجال حتى خشيت أن ل‬
‫تعقلوا أن المسيح الدجال‪ :‬قصير‪ ،‬أفحج‪ ،‬جعد‪ ،‬أعور‪ ،‬مطموس‬
‫العين‪ ،‬ليست بنائتة ول جحراء‪ ،‬فإن ألبس عليكم؛ فاعلموا أن‬
‫ربكم ليس بأعور‪ ،‬وأنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا‪.‬‬
‫هـ_ هجان‪ ،‬أزهر‪ ،‬كأن رأسه أصلة‪ :‬روى أحمد وابن حبان عن ابن‬
‫عباس‪ :‬أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال‪" :‬الدجال‪:‬‬
‫أعور‪ ،‬هجان‪ ،‬أزهر ( وفي رواية أقمر )؛ كأن رأسه أصلة‪ ،‬أشبه‬
‫الناس بعبد العزى بن قطن‪ ،‬فإما هلك الهلك؛ فإن ربكم تعالى‬
‫ليس بأعور"‬
‫أعماله‪:‬‬
‫أ ‪ -‬يدعي اللوهية للحديث‪" :‬معه جنة ونار فناره جنة وجنته نار" ‪-‬‬
‫رواه مسلم‪.‬‬
‫ب‪ -‬تسخر له الجن والسماء والرض زيادة في الفتنة للحديث‪:‬‬
‫يقول للعرابي‪ :‬أرأيت إن بعثت لك أباك وأمك أتشهد أني ربك؟‬
‫فيقول‪ :‬نعم‪ ،‬فيتمثل له الشيطان في صورة أبيه وأمه فيقولن‪ :‬يا‬
‫بني اتبعه فإنه ربك‪ ،‬فيأتي على القوم فيدعوهم فيردون عليه‬
‫قوله فينصرف عنهم‪ :‬فيصبحون ممحلين ليس بأيديهم شيء من‬
‫أموالهم" ‪ -‬رواه مسلم‪.‬‬
‫جـ‪ -‬أن يهبه الله إمكانية القتل ودعوة المقتول إلى الستواء‬
‫فيستوي زيادة في الفتنة للحديث‪ :‬ثم يدعو رجل ممتلئا شبابا‬
‫فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين‪ ،‬ثم يقول له‪ :‬قم فيستوي‬
‫قائما" ‪ -‬رواه مسلم‪.‬‬
‫د‪ -‬ومكوثه في الرض أربعون للحديث‪ :‬قلنا‪ :‬يا رسول الله وكم‬
‫لبثه في الرض؟ قال‪" :‬أربعون يوما" ‪ -‬رواه مسلم‪.‬‬
‫‪94‬‬

‫هـ‪ -‬للنجاة منه‪ :‬أن تقرأ فواتح سورة الكهف للحديث‪" :‬فمن‬
‫أدركه منكم فليقرأ عليه بفواتح الكهف فإنها جواركم من فتنته"‪-‬‬
‫رواه مسلم‪.‬‬
‫نزول عيسى بن مريم عليه السلم‪:‬‬
‫للحديث‪" :‬والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم‬
‫حكما عدل فيكسر الصليب‪ ،‬ويقتل الخنزير ويضع الجزية"‪ -‬رواه‬
‫البخاري ومسلم‪.‬‬
‫هلك الدجال على يد المسيح عليه السلم للحديث‪" :‬فيطلبه‬
‫حتى يدركه بباب لُد ّ فيقتله" ‪ -‬رواه مسلم‪.‬‬
‫مكوثه أربعين سنة‪ :‬للحديث‪" :‬ينزل عيسى بن مريم فيمكث في‬
‫الناس أربعين سنة ‪ -‬رواه الطبراني وابن عساكر‪.‬‬
‫"ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون ويدفن في الحجرة الشريفة‬
‫فيكون قبره رابعا"‪ -‬رواه البخاري في تاريخه‪.‬‬
‫يعيش الناس في خير عظيم وأمان يسع الجميع‪ :‬قال ابن‬
‫مسعود‪ :‬يقول الرجل لغنمه ودوابه اذهبوا فارعوا وتمر الماشية‬
‫بين الزروع ل تأكل منه سنبلة والحيات والعقارب ل تؤذي أحدًا‬
‫والسبع على أبواب الدور ل يؤذي أحدًا ويأخذ الرجل المد من‬
‫القمح فيبذره بل حرث فيجيء منها سبعمائة مد‪.‬‬
‫يأجوج ومأجوج‪:‬‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫من ك ُ ِّ‬
‫ب‬
‫ج وَهُم ِّ‬
‫ل َ‬
‫جو ُ‬
‫مأ ُ‬
‫جو ُ‬
‫ت يَأ ُ‬
‫حتى إِذ َا فُت ِ َ‬
‫قال تعالى‪َ ) :‬‬
‫ج وَ َ‬
‫ح ْ‬
‫حد َ ٍ‬
‫ن)‪ -‬سورة النبياء آية ‪. 96‬‬
‫يَن ِ‬
‫سلُو َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ن إ ِ َّ‬
‫ن‬
‫مفْ ِ‬
‫و قال تعالى‪( :‬قَالُوا يَا ذ َا الْقَْرنَي ْ‬
‫سدُو َ‬
‫جو َ‬
‫مأ ُ‬
‫جو َ‬
‫ن يَأ ُ‬
‫ج ُ‬
‫ج وَ َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َْ‬
‫ل لَ َ‬
‫جعَ َ‬
‫جعَ ُ‬
‫ض فَهَ ْ‬
‫سدّاً)‪-‬‬
‫ك َ‬
‫خْرجا ً ع َلَى أن ت َ ْ‬
‫ل نَ ْ‬
‫م َ‬
‫ل بَيْنَنَا َوبَيْنَهُ ْ‬
‫فِي الْر ِ‬
‫سورة الكهف آية ‪.94‬‬
‫الفتن تتوالى‪ ،‬وما أن يخرج المسلمون من فتنه ويحمدوا الله‬
‫على الخلص منها؛ إذا هم بفتنة جديدة ل تقل خطرا ً عن سابقتها‪.‬‬
‫فها هم قد انتهوا من الدجال‪ ،‬وقد قتله الله على يدي عيسى بن‬
‫م وهو‬
‫مريم عليه السلم‪ ،‬وقد أحاط بعيسى عليه السلم قو ٌ‬
‫يحدثهم عن درجاتهم في الجنة‪ ،‬وقد عصمهم الله من الفتنة‬
‫الدجال‪ ،‬وقد أبلغنا رسول الله صلى الله عليه و سلم‪" :‬أن من‬
‫نجا من فتنته؛ فقد نجا"‪.‬‬
‫وما زالوا يحفرون في السد حتى يخرقونه فيخرجون إلى الناس‬
‫وعيسى عليه السلم يحدث المؤمنين عن منازلهم في الجنة‬
‫وفجأة يطلب إليهم عيسى بوحي من السماء أن يحصنوا أنفسهم‬
‫بالطور؛ فقد أخرج الله عبادا ً ل قبل لحدهم بقتالهم‪ ،‬وهم يأجوج‬
‫ومأجوج‪ .‬ول تقل فتنتهم عن فتنة الدجال الذي يدعي اللوهية‪،‬‬

‫‪95‬‬

‫وهم يدعون قدرتهم على قتل من في السماء تعالى الله عن‬
‫قولهم علوا ً كبيراً‪.‬‬
‫من البشر من ذرية آدم‪:‬‬
‫ً‬
‫يأجوج ومأجوج من البشر من ذرية آدم؛ خلفا لمن قال غير ذلك‪،‬‬
‫وذلك لما روى الشيخان عن أبي سعيد الخدري‪ -‬واللفظ‬
‫للبخاري‪-‬؛ قال‪ :‬قال النبي صلى الله عليه و سلم‪" :‬يقول الله عز‬
‫وجل يوم القيامة‪ :‬يا آدم‬
‫فيقول‪ :‬لبيك ربنا وسعديك‬
‫فينادى بصوت‪ :‬إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا ً إلى النار‬
‫قال‪ :‬يارب! وما بعث النار؟‬
‫قال‪ :‬من كل ألف‪ -‬أراه قال‪ -‬تسع مئة وتسعة وتسعين؛ فحينئذ‬
‫تضع الحامل حملها‪ ،‬ويشيب الوليد‪ ،‬وترى الناس سكارى وما هم‬
‫بسكارى ولكن عذاب الله شديد‪.‬‬
‫فشق ذلك على الناس حتى تغيرت وجوههم فقال النبي صلى‬
‫الله عليه و سلم‪ :‬من يأجوج ومأجوج تسع مئة وتسعة وتسعين‬
‫ومنكم واحد‪ ،‬ثم أنتم في الناس كالشعرة السوداء في جنب الثور‬
‫البيض‪ ،‬أو كشعرة البيضاء في جنب الثور السود‪ ،‬وإني لرجو أن‬
‫تكونوا ربع أهل أهل الجنة"‪.‬‬
‫يخرجون على الناس بمشيئة الله تعالى‪:‬‬
‫روى أحمد وأبو داود والحاكم وابن حبان عن أبي هريرة؛ قال‪:‬‬
‫قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪" :‬إن يأجوج ومأجوج‬
‫يحفرون كل يوم‪ ،‬حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس؛ قال الذي‬
‫عليهم‪ :‬ارجعوا؛ فسنحفُره غداً‪ ،‬فيعيده الله أشد ما كان‪ ،‬حتى إذا‬
‫بلغت مدتهم وأراد الله أن يبعثهم على الناس؛ حفرو‪ ،‬حتى إذا‬
‫كادوا يرون شعاع الشمس؛ قال الذي عليهم‪ :‬ارجعوا؛‬
‫فستحفرونه غدا ً إن شاء الله تعالى‪ ،‬واستثنوا‪ ،‬فيعودون إليه وهو‬
‫كهيئته حين تركوه‪ ،‬فيحفرونه‪ ،‬ويخرجون على الناس‪ ،‬فينشفون‬
‫الماء‪ ،‬ويتحصن الناس منهم في حصونهم‪ ،‬فيرمون بسهامهم إلى‬
‫السماء‪ ،‬فترجع عليها الدم الذي أجفظ فيقولون‪ :‬قهرنا أهل‬
‫الرض وعلونا أهل السماء‪ ،‬فيبعث الله نغفا ً في أقفائهم فيقتلهم‬
‫بها‪.‬‬
‫كيف يقتلهم الله عز وجل‪:‬‬
‫فيرسل عليه النغف في رقابهم وفي رواية دودا كالنغف في‬
‫أعناقهم (ويكون في أنوف البل والغنم) فيصبحون موتى كموت‬
‫نفس واحدة ل يسمع لهم حس"‪ -.‬رواه مسلم‪.‬‬
‫أي يرسل عليهم النغف‪ ،‬فيأخذ بأعناقهم‪ ،‬فيموتون موت الجراد‪،‬‬
‫يركب بعضهم بعضا ً الدواب ترعي لحومهم وتسمن عليها ففي‬
‫‪96‬‬

‫حديث أبي سعيد الخدري وفيه‪ . . ." :‬فيحرج الناس‪ ،‬ويُخلون‬
‫ي إل لحومهم‪ ،‬فتشكر عليها‬
‫سبيل مواشيهم‪ ،‬فما يكون لهم رع ٌ‬
‫كأحسن ما شكرت على نبات قط"‪.‬‬
‫مقتلهم عند جبل بيت المقدس‪:‬‬
‫ففي حديث النواس بن سمعان وفيه‪ . . ." :‬ثم يسيرون حتى‬
‫ينتهوا إلى جبل الخمر‪ ،‬وهو جبل بيت المقدس"‪.‬‬
‫أسلحتهم وقود للمسلمين‪:‬‬
‫روى ابن ماجه والترمذي نحوه عن النواس‪ :‬سيوقد المسلمون‬
‫من قسي يأجوج ومأجوج ونشابهم وأترستهم سبع سنين‪.‬‬
‫المطر الغزير لزالة آثارهم‪:‬‬
‫ففي حديث النواس‪ ،‬وفيه‪ . . ." :‬ثم يهبط نبي الله عيسى‬
‫وأصحابه الرض‪ ،‬فل يجدون في الرض موضع شبر؛ إل مله‬
‫مهم ونتنهم(دسمهم ورائحتهم الكريهة)‪ ،‬فيرغب نبي الله‬
‫زه ُ‬
‫عيسى وأصحابه إلى الله‪ ،‬فيرسل الله طيرا ً كأعناق البخت( نوع‬
‫من الجمال)‪ ،‬فتحملهم‪ ،‬فتطرحهم حيث يشاء الله‪ ،‬ثم يرسل الله‬
‫مطرا ً ل يُكن منه بيت مدر(هو الطين الصلب) ول وبر‪ ،‬فيغسل‬
‫الرض‪ ،‬حتى يجعلها كالزلفة(المرآة في صفائها ونظافتها)"‪.‬‬
‫طيب العيش وبركته بعد الخلص منهم‪:‬‬
‫ففي حديث النواس‪ ،‬وفيه‪ . . .":‬ثم يقال للرض‪ :‬أنبتي ثمرتك‪،‬‬
‫وردي بركتك؛ فيومئذ تأكل العصابة (الجماعة) من الرمانة‪،‬‬
‫ويستظلون بقحفها‪ ،‬ويبارك في الرسل (اللبن)‪ ،‬حتى إن‬
‫اللقحة(قريبة العهد بالولدة) من البل لتكفي الفئام(الجماعة‬
‫الكثيرة) من الناس‪ ،‬واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس‪،‬‬
‫واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ(الجماعة من القارب) من‬
‫الناس‪.‬‬
‫دابة الرض‪:‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م َ ْ‬
‫قال تعالى‪( :‬وَإِذ َا وَقَعَ الْقَوْ ُ‬
‫ض‬
‫مأ ْ‬
‫م دَاب َّ ً‬
‫ة ِّ‬
‫خَر ْ‬
‫ل ع َلَيْهِ ْ‬
‫جنَا لَهُ ْ‬
‫ن الْر ِ‬
‫م أ َ َّ‬
‫ن) ‪ -‬سورة النمل آية ‪ 82‬و‬
‫س كَانُوا بِآيَاتِنَا َل يُوقِنُو َ‬
‫مهُ ْ‬
‫تُكَل ِّ ُ‬
‫ن النَّا َ‬
‫هي دابة تخرج من الرض؛ تكلم الناس‪ ،‬وتسمهم على‬
‫خراطيمهم؛ لقد أصبحت الساعة قريبا ً جدا ً منهم؛ فقد بدأ أيضاً‬
‫في هذا الوقت تغير العالم العلوي بطلوع الشمس من مغربها‪.‬‬
‫هذه الدابة تخرج في آخر الزمان عند فساد الناس وتركهم أوامر‬
‫الله وتبديلهم الدين الحق‪ ،‬يُخرج الله لهم دابة من الرض‪ -‬قيل‪:‬‬
‫من مكة‪ ،-‬فتكلم الناس‪.‬‬
‫اليمان عند خروجها ل ينفع‪:‬‬
‫والدابة أحد ثلث آيات ل ينفع اليمان عند معاينتها‪ ،‬بل ينفع‬
‫اليمان من أدركته واحدة ً من الثلث مؤمنا ً عامل ً روى مسلم‬
‫‪97‬‬

‫والترمذي عن أبي هريرة؛ قال ‪ :‬قال رسول الله صلى الله عليه‬
‫و سلم ‪" :‬ثلث إذا خرجن ل ينفع نفسا ً إيمانها لم تكن آمنت من‬
‫قب ُ‬
‫ل أو كسبت في إيمانها خيراً‪ :‬طلوع الشمس من مغربها‪،‬‬
‫والدجال‪ ،‬ودابة الرض"‬
‫وقت خروجها‪:‬‬
‫تخرج الدابة عل الناس ضحى وفي وقت طلوع الشمس من‬
‫مغربها‪ ،‬وأيهما كانت قبل الخرى؛ فالخرى في أثرها قريبا ً‬
‫وسمها للناس على خراطيمهم‬
‫روى أحمد والبخاري وغيرهما عن أبي أمامة يرفعه للنبي صلى‬
‫الله عليه و سلم؛ قال‪ " :‬تخرج الدابة‪ ،‬فتسم الناس على‬
‫خراطيمهم‪ ،‬ثم يعمرن فيكم‪ ،‬حتى يشتري الرجل الدابة‪ ،‬فيقال‪:‬‬
‫ممن اشتريت‪ ،‬فيقول‪ :‬من رجل المخاطم " وأما طبيعة هذا‬
‫الوسم‪ ،‬وكيف يكون؛ فل أعلم بذلك حديثا ً صحيحاً‪.‬‬
‫طلوع الشمس من مغربها‪:‬‬
‫للحديث‪":‬ل تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا‬
‫طلعت فرآها الناس آمنوا أجمعون فذاك حين ل ينفع نفسا إيمانها‬
‫لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً"‪-‬رواه البخاري‪.‬‬
‫خروج نار من اليمن‪:‬‬
‫نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم للحديث‪:‬‬
‫"ستخرج نار من حضرموت‪ ،‬أو من بحر حضرموت‪ ،‬قبل القيامة‬
‫تحشر الناس"‬
‫قالوا‪ :‬يا رسول الله فما تأمرنا؟ قال‪ :‬عليكم بالشام ‪ -‬أخرجه‬
‫الترمذي‪.‬‬
‫وقد روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه‪ :‬أن رسول الله‬
‫صلى الله عليه و سلم قال‪" :‬يحشُر الناس على ثلث طرائق‬
‫راغبين وراهبين‪ ،‬واثنان على بعير‪ ،‬وثلثة على بعير‪ ،‬وأربعة على‬
‫بعير‪ ،‬وعشرة على بعير‪،‬ويحشر بقيتهم النار؛ تقيل معهم حيث‬
‫قالوا‪ ،‬وتبيت معهم حيث باتوا‪ ،‬وتصبح معهم حيث أصبحوا‪،‬‬
‫وتمسي معهم حيث أمسوا"‪.‬‬
‫المراجع‪/‬‬
‫معجزات الرسول صلى الله عليه و سلم‪ -‬ألف معجزة من‬
‫معجزات الرسول للدكتور مصطفى مراد‪.‬‬
‫‪---------------‬‬‫‪ .13‬معجزاته صلى الله عليه وسلم في أنواع الجمادات‬
‫حنين الجذع شوقا ً إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم وشفقاً‬
‫من فراقه‪:‬‬

‫‪98‬‬

‫عن جابر بن عبد الله – رضي الله عنهما‪ -‬أن النبي صلى الله‬
‫عليه وسلم كان يقوم يوم الجمعة إلى شجرة أو نخلة‪ ،‬فقالت‬
‫امرأة من النصار‪ -‬أو رجل‪ -‬يا رسول الله‪ ،‬أل نجعل لك منبراً؟‬
‫قال‪ :‬إن شئتم‪.‬‬
‫فجعلوا له منبرا ً فلما كان يوم الجمعة دفع إلى المنبر‪ ،‬فصاحت‬
‫النخلة صياح الصبي‪ ،‬ثم نزل النبي صلى الله عليه و سلم فضمه‬
‫إليه‪ ،‬يئن أنين الصبي الذي يسكن قال‪" :‬كانت تبكي على ما‬
‫كانت تسمع من الذكر عندها"‪ -‬رواه البخاري‪.‬‬
‫وفي رواية أخرى عن جابر رضي الله عنه قال‪ :‬كان المسجد‬
‫مسقوفا ً على جذوع من نخل‪ ،‬فكان النبي إذا خطب يقوم إلى‬
‫جذع منها‪ ،‬فلما صنع له المنبر فكان عليه فسمعنا لذلك الجذع‬
‫صوتا ً كصوت العشار (جمع عشراء‪ ،‬وهى الناقة التي أتى عليها‬
‫عشرة أشهر من حملها)‪ ،‬حتى جاء النبي فوضع يده عليها‪،‬‬
‫فسكنت‪ .‬رواه البخاري‪.‬‬
‫وفى رواية من حديث ابن عباس‪ -‬رضي الله عنهما‪ -‬قال صلى‬
‫ن إلى يوم القيامة"‪ -‬رواه‬
‫الله عليه و سلم‪" :‬ولو لم أحتضنه لح َ‬
‫المام أحمد في مسنده‪ ،‬وابن ماجه‪ .‬وكان الحسن البصري رحمه‬
‫الله إذا حدث بحديث حنين الجذع يقول يا معشر المسلمين‬
‫الخشبة تحن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شوقا ً إلى‬
‫لقائه فأنتم أحق أن تشتاقوا إليه‪.‬‬
‫عذق النخلة ينزل منها ويمشي إلى النبي صلى الله عليه وسلم‪:‬‬
‫جاء إعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‪ :‬بما‬
‫أعرف أنك رسول الله؟‬
‫قال‪ :‬أرأيت إن دعوت هذا العذق من هذه النخلة أتشهد أني‬
‫رسول الله؟‬
‫قال‪ :‬نعم‪.‬‬
‫قال‪ :‬فدعا العذق فجعل العذق ينزل من النخلة حتى سقط في‬
‫الرض‪ ،‬فجعل ينقز حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫ثم قال له‪ :‬ارجع‪ ،‬فرجع حتى عاد إلى مكانه‪.‬‬
‫فقال‪ :‬أشهد أنك رسول الله‪ ،‬وآمن ‪ -‬صحيح‪ ،‬رواه البيهقي في‬
‫الدلئل‪ ،‬والحاكم في المستدرك‪.‬‬
‫انقياد الشجر لرسول الله صلى الله عليه و سلم‪:‬‬
‫عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال‪ :‬سرنا مع رسول الله‬
‫صلى الله عليه و سلم حتى نزلنا واديًا أفيح (أي واسعًا) فذهب‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته فاتبعته بإداوة من‬
‫ماء فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ير شيئًا يستتر‬
‫به فإذا شجرتان بشاطئ الوادي (أي جانبه) فانطلق رسول الله‬
‫‪99‬‬

‫صلى الله عليه وسلم إلى إحداهما فأخذ بغصن من أغصانها‬
‫فقال‪" :‬انقادي علي بإذن الله" فانقادت معه كالبعير المخشوش‬
‫(هو الذي يجعل في أنفه خشاش وهو عود يجعل في أنف البعير‬
‫إذا كان صعبًا ويشد فيه حبل ليذل وينقاد وقد يتمانع لصعوبته فإذا‬
‫اشتد عليه وآلمه انقاد شيئًا) الذي يصانع قائده حتى أتى الشجرة‬
‫الخرى فأخذ بغصن من أغصانها فقال‪" :‬انقادي علي بإذن الله‬
‫فانقادت معه كذلك حتى إذا كان بالمنصف (هو نصف المسافة)‬
‫مما بينهما لم بينهما (يعني جمعهما) فقال‪ :‬التئما علي بإذن الله‬
‫فالتأمتا قال جابر‪ :‬فخرجت أحضر (أي أعدو وأسعى سعيًا شديدًا)‬
‫مخافة أن يحس رسول الله صلى الله عليه و سلم بقربي فيبتعد‬
‫فجلست أحدث نفسي فحانت مني لفتة فإذا أنا برسول الله‬
‫صلى الله عليه و سلم مقبل ً وإذا الشجرتان قد افترقتا فقامت‬
‫كل واحدة منهما على ساق فرأيت رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم وقف وقفة فقال برأسه هكذا؟ وأشار أبو إسماعيل برأسه‬
‫يمينًا وشمال ً ثم أقبل فلما انتهى إلي قال‪ :‬يا جابر هل رأيت‬
‫مقامي؟ قلت‪ :‬نعم يا رسول الله قال‪" :‬فانطلق إلى الشجرتين‬
‫فاقطع من كل واحدة منهما غصنًا فأقبل بهما حتى إذا قمت‬
‫مقامي فأرسل غصنًا عن يمينك وغصنًا عن يسارك"‪ .‬قال جابر‪:‬‬
‫فقمت فأخذت حجًرا فكسرته وحسرته (أي أحددته بحيث صار‬
‫مما يمكن قطع الغصان به) فانذلق لي (أي صار حادًا) فأتيت‬
‫الشجرتين فقطعت من كل واحدة منهما غصنًا ثم أقبلت أجرهما‬
‫حتى قمت مقام رسول الله صلى الله عليه و سلم أرسلت غصنًا‬
‫عن يميني وغصنًا عن يساري ثم لحقته فقلت‪ :‬قد فعلت يا‬
‫رسول الله فعم ذاك؟ قال‪ :‬إني مررت بقبرين يعذبان فأحببت‬
‫بشفاعتي أن يرفه عنهما (أي يخفف) ما دام الغصنان رطبين"‪-‬‬
‫رواه مسلم‪.‬‬
‫عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال‪ :‬كنا مع رسول الله‬
‫صلى الله عليه و سلم في سفر فأقبل أعرابي فلما دنا منه قال‬
‫له رسول الله صلى الله عليه و سلم‪ :‬أين تريد؟‪.‬‬
‫قال‪ :‬إلى أهلي‪.‬‬
‫قال‪ :‬هل لك في خير؟‬
‫قال‪ :‬وما هو؟‪.‬‬
‫قال‪ :‬تشهد أن ل إله إل الله وحده ل شريك له وأن محمدًا عبده‬
‫ورسوله‬
‫قال‪ :‬ومن يشهد على ما تقول؟‬
‫قال‪ :‬هذه السلمة (شجرة من أشجار البادية)‪.‬‬

‫‪100‬‬

‫فدعاها رسول الله صلى الله عليه و سلم وهي بشاطئ الوادي‬
‫فأقبلت تخد (تشق) الرض خدًا حتى قامت بين يديه فأشهدها‬
‫ثلثًا فشهدت ثلثًا أنه كما قال ثم رجعت إلى منبتها ورجع‬
‫العرابي إلى قومه وقال‪ :‬إن اتبعوني آتك بهم وإل رجعت فكنت‬
‫معك‪ .‬رواه الطبراني في الكبير وأبو يعلى والبزار ورجال‬
‫الطبراني رجال الصحيح‪.‬‬
‫تسليم الحجر عليه صلى الله عليه و سلم‪:‬‬
‫عن جابر بن سمرة رضي الله عنهما قال‪ :‬قال رسول الله صلى‬
‫ي قبل‬
‫الله عليه و سلم‪" :‬إني لعرف حجًرا بمكة كان يسلم عل ّ‬
‫أن أبعث إني لعرفه الن"‪ .‬رواه أحمد ومسلم والترمذي‪.‬‬
‫قال المام النووي معلقًا على هذا الحديث‪ :‬فيه معجزة له صلى‬
‫الله عليه وسلم وفي هذا إثبات التمييز في بعض الجمادات وهو‬
‫ما يَهْب ِ ُ‬
‫موافق لقوله تعالى في الحجارة‪( :‬وَإ ِ َّ‬
‫خ ْ‬
‫ن َ‬
‫شيَةِ‬
‫ط ِ‬
‫ن ِ‬
‫منْهَا ل َ َ‬
‫م ْ‬
‫شيءٍ إلَّ‬
‫اللّهِ)‪ -‬سورة البقرة آية ‪ . 74‬وقوله تعالى‪( :‬وَإِن ِّ‬
‫من َ ْ ِ‬
‫مدَه)‪ -‬سورة السراء آية ‪.44‬‬
‫ح بِ َ‬
‫سب ِّ ُ‬
‫يُ َ‬
‫ح ْ‬
‫تسبيح الطعام بحضرته صلى الله عليه و سلم‪:‬‬
‫عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال‪ :‬كنا نعد اليات بركة‬
‫وأنتم تعدونها تخويفًا كنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم‬
‫في سفر فقال الماء فقال‪ :‬اطلبوا فضلة من ماء فجاءوا بإناء فيه‬
‫ماء قليل فأدخل يده في الناء ثم قال‪" :‬حي على الطهور‬
‫المبارك والبركة من الله"‪ .‬فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع‬
‫رسول الله ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل‪ .‬أخرجه‬
‫البخاري في صحيحه‪.‬‬
‫الشجرة تنتقل من مكانها ثم ترجع‪:‬‬
‫عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال‪ :‬جاء جبريل إلى رسول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وهو جالس حزين قد خضب‬
‫بالدماء (أي ملت الدماء رأسه) من ضربة بعض أهل مكة فقال‬
‫له‪ :‬مالك؟‬
‫قال‪ :‬فعل بي هؤلء وفعلوا‪.‬‬
‫فقال له جبريل‪ :‬أتحب أن أريك آية؟‬
‫فقال‪ :‬نعم‬
‫قال‪ :‬فنظر إلى شجرة من وراء الوادي فقال‪ :‬ادع تلك الشجرة‪،‬‬
‫فدعاها‪.‬‬
‫قال‪ :‬فجاءت تمشي حتى قامت بين يديه‬
‫فقال‪ :‬مرها فلترجع‪ ،‬فأمرها‪ ،‬فرجعت إلى مكانها‬

‫‪101‬‬

‫فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ :‬حسبي (أي يكفيني‬
‫اطمئنانًا) ‪ -‬صحيح‪ ،‬أخرجه أحمد في مسنده‪ ،‬ورواه ابن ماجة في‬
‫سننه‪.‬‬
‫الربعون نخلة تثمر في عام زرعها‪:‬‬
‫عن بريدة رضي الله عنه قال‪ :‬جاء سلمان الفارسي إلى رسول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة بمائدة عليها رطب‪،‬‬
‫فوضعها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‪ :‬يا‬
‫سلمان‪ ،‬ما هذا؟‬
‫فقال‪ :‬صدقة عليك وعلى أصحابك‪،‬‬
‫فقال‪ :‬ارفعها؛ فإنا ل نأكل الصدقة‪،‬‬
‫قال‪ :‬فرفعها‪ ،‬فجاء الغد بمثله‪ ،‬فوضعه بين يدي رسول الله صلى‬
‫الله عليه وسلم‪.‬‬
‫فقال‪ :‬ما هذا يا سلمان؟‬
‫فقال‪ :‬هدية لك‪،‬‬
‫فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لصحابه‪ :‬ابسطوا (يعني‬
‫ابسطوا أيديكم وكلوا)‪.‬‬
‫ثم نظر إلى الخاتم على ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫فآمن به‪ ،‬وكان لليهود‪ ،‬فاشتراه رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫ما على أن يغرس نخل ً فيعمل سلمان فيه حتى‬
‫بكذا وكذا دره ً‬
‫تُطعِم‪ ،‬فغرس رسول الله صلى الله عليه وسلم النخيل إل نخلة‬
‫واحدة غرسها عمر‪ ،‬فحملت النخل من عامها ولم تحمل النخلة‬
‫التي زرعها عمر‪،‬‬
‫فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ :‬ما شأن هذه النخلة؟‬
‫فقال عمر‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬أنا غرستها‪،‬‬
‫فنزعها رسول الله صلى الله عليه وسلم فغرسها‪ ،‬فحملت من‬
‫عامها‪ -‬حسن‪ ،‬أخرجه أحمد‪ ،‬والترمذي في الشمائل‪ ،‬وابن حبان‪،‬‬
‫والحاكم‪.‬‬
‫وفي هذا الحديث أربعون معجزة؛ لن كل نخلة تثمر في عامها‬
‫معجزة وحدها؛ فالنخلة ل تثمر إل بعد سبع سنوات على القل‪.‬‬
‫تسبيح الحصى‪:‬‬
‫عن أبي ذر رضي الله عنه قال‪ :‬كنت رجل ً ألتمس خلوات النبي‬
‫ما‬
‫الله صلى الله عليه وسلم لسمع منه أو لخذ عنه‪ ،‬فهجرت يو ً‬
‫من اليام‪ ،‬فإذا النبي صلى الله عليه وسلم قد خرج من بيته‪،‬‬
‫فسألت عنه الخادم فأخبرني أنه في بيت‪ ،‬فأتيته وهو جالس ليس‬
‫عنده أحد من الناس‪ ،‬وكأني حينئذ أرى أنه في وحي‪ ،‬فسلمت‬
‫عليه‪ ،‬فرد علي السلم ثم قال‪ :‬ما جاء بك؟ فقلت‪ :‬جاء بي الله‬
‫ورسوله‪ ،‬فأمرني أن أجلس‪ ،‬فجلست إلى جنبه ل أسأله عن‬
‫‪102‬‬

‫شيء ل يذكره لي‪ ،‬فمكثت غير كثير فجاء أبو بكر يمشي مسرع ًا‬
‫فسلم عليه فرد السلم ثم قال‪ :‬ما جاء بك؟ قال‪ :‬جاء بي الله‬
‫ورسوله‪.‬‬
‫فأشار بيده أن أجلس فجلس إلى ربوة مقابل النبي صلى الله‬
‫سا‪،‬‬
‫عليه وسلم بينه وبينها الطريق‪ ،‬حتى إذا استوى أبو بكر جال ً‬
‫فأشار بيده‪ ،‬فجلس إلى جنبي عن يميني‪ ،‬ثم جاء عمر ففعل مثل‬
‫ذلك‪ ،‬وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ذلك‪،‬‬
‫وجلس إلى جنب أبي بكر على تلك الربوة‪ ،‬ثم جاء عثمان فسلم‬
‫فرد السلم وقال‪ :‬ما جاء بك؟ قال‪ :‬جاء بي الله ورسوله‪ ،‬فأشار‬
‫إليه بيده‪ ،‬فقعد إلى الربوة‪ ،‬ثم أشار بيده فقعد إلى جنب عمر‪،‬‬
‫فتكلم النبي صلى الله عليه وسلم بكلمة لم أفقه أولها غير أنه‬
‫قال‪ :‬قليل ما يبقين‪ ،‬ثم قبض على حصيات سبع أو تسع أو قريب‬
‫من ذلك‪ ،‬فسبحن في يده حتى سمع لهن حنين كحنين النخل في‬
‫كف النبي صلى الله عليه وسلم‪ ،‬ثم ناولهن أبا بكر وجاوزني‬
‫فسبحن في كف أبي بكر‪ ،‬ثم أخذهن منه فوضعهن في الرض‬
‫فخرسن فصرن حصى‪ ،‬ثم ناولهن عمر فسبحن في كفه كما‬
‫سبحن في كف أبي بكر‪ ،‬ثم أخذهن فوضعهن في الرض‬
‫فخرسن‪ ،‬ثم ناولهن عثمان فسبحن في كفه نحو ما سبحن في‬
‫كف أبي بكر وعمر‪ ،‬ثم أخذهن فوضعهن في الرض فخرسن‪.‬‬
‫حسن‪ :‬أخرجه البيهقي في الدلئل‪ ،‬ورواه السيوطي في‬
‫الخصائص الكبرى‪ ،‬وعزاه للبزار والطبراني في الوسط وأبي‬
‫نعيم‪.‬‬
‫أنطق الله عز وجل الشجرة له‪:‬‬
‫عن معن قال‪ :‬سمعت أبي قال‪ :‬سألت مسروقًا‪ :‬من آذن النبي‬
‫صلى الله عليه وسلم بالجن ليلة استمعوا القرآن؟ فقال‪ :‬حدثني‬
‫أبوك‪ ،‬يعني ابن مسعود‪ :‬أنه آذنته بهم شجرة‪.‬‬
‫وكان ذلك ليلة الجن عندما غاب النبي صلى الله عليه وسلم عن‬
‫أصحابه‪ ،‬وجاءه داعي الجن فذهب معهم‪ ،‬وقرأ عليهم القرآن‪،‬‬
‫وآمنوا به واتبعوا النور الذي أنزل معه‪ .‬رواه مسلم‪.‬‬
‫من آذن النبي صلى الله عليه وسلم‪ :‬أي أعلمه بحضور الجن‪.‬‬
‫‪ .14‬إفحام النبي صلى الله عليه وسلم لهل الكتاب‬
‫كان أهل الكتاب كثيًرا ما يسألون رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم عن أشياء على سبيل المتحان والتعجيز وليس على سبيل‬
‫الهداية والنصياع للحق فسألوه عن أشياء كثيرة فكان رسول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم يورد الجواب على وجهه ويأتي به على‬
‫نصه كما هو معروف لديهم ومقرر في كتبهم‪.‬‬

‫‪103‬‬

‫وقد علموا أنه صلى الله عليه وسلم أمي ل يقرأ ول يكتب ول‬
‫اشتغل بمدارسة ولم يتلق العلم على أيديهم ومع هذا لم يحك‬
‫عن واحد من اليهود والنصارى على شدة عداوتهم له وحرصهم‬
‫على تكذيبه وكثرة سؤالهم له وتعنتهم في ذلك أنه أنكر على‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم جوابه أو كذبه بل أكثرهم صرح‬
‫بصحة نبوته وصدق مقالته والمكابر منهم اعترف بعناده وحسده‬
‫لرسول الله صلى الله عليه و سلم‪.‬‬
‫وها هي بعض النماذج التي سئل فيها رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم فأجاب بما طابق الحق المقرر عند أهل الكتاب‪.‬‬
‫عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال‪ :‬بلغ عبد الله بن سلم‬
‫مقدم النبي صلى الله عليه و سلم المدينة فأتاه فقال‪ :‬إني‬
‫سائلك عن ثلث ل يعلمهن إل نبي‬
‫قال‪ :‬ما أول أشراط الساعة (العلمات التي تتقدمها)؟ وما أول‬
‫طعام يأكله أهل الجنة؟ ومن أي شيء ينزع الولد إلى أبيه (أي‬
‫يجيء يشبهه) ومن أي شيء ينزع إلى أخواله؟‬
‫فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم‪ :‬خبرني بهن آنفًا جبريل‬
‫قال فقال عبد الله‪ :‬ذاك عدو اليهود من الملئكة‬
‫فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪" :‬أما أول أشراط الساعة‬
‫فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب‬
‫وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد حوت‬
‫وأما الشبه في الولد فإن الرجل إذا غشي المرأة فسبقها ماؤه‬
‫كان الشبه له وإذا سبق ماؤها كان الشبه لها‬
‫قال‪ :‬أشهد أنك رسول الله‬
‫ثم قال‪ :‬يا رسول الله إن اليهود قوم بهت (أي يكذبون على‬
‫الناس) إن علموا بإسلمي قبل أن تسألهم بهتوني عندك فجاءت‬
‫اليهود ودخل عبد الله البيت فقال رسول الله صلى الله عليه و‬
‫سلم‪ :‬أي رجل فيكم عبد الله بن سلم؟‬
‫قالوا‪ :‬أعلمن وابن أعلمنا وأخبرنا وابن أخبرنا‬
‫فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم‪ :‬أفرأيتم إن أسلم عبد‬
‫الله؟‬
‫قالوا‪ :‬أعاذه الله من ذلك‪ ,‬فخرج عبد الله إليهم فقال‪ :‬أشهد أن‬
‫ل إله إل الله وأشهد أن محمدًا رسول الله‪ .‬فقالوا‪ :‬شرنا وابن‬
‫شرنا ووقعوا فيه ‪ -‬رواه البخاري‪.‬‬
‫ما عند رسول الله صلى‬
‫عن ثوبان رضي الله عنه قال‪ :‬كنت قائ ً‬
‫الله عليه و سلم فجاء حبر من أحبار اليهود ‪ -‬أي عالم من‬
‫علمائهم فقال‪ :‬السلم عليك يا محمد‪ .‬فدفعته دفعة كاد يصرع‬
‫منها فقال‪ :‬لم تدفعني؟‬
‫‪104‬‬

‫فقلت‪ :‬أل تقول يا رسول الله‬
‫فقال اليهودي‪ :‬إنما ندعوه باسمه الذي سماه به أهله‬
‫فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم‪ :‬إن اسمي محمد الذي‬
‫سماني به أهلي‬
‫فقال اليهودي‪ :‬جئت أسألك‬
‫فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم‪ :‬أينفعك شيء إن‬
‫حدثتك؟‬
‫قال‪ :‬أسمع بأذني‪ .‬فنكت رسول الله صلى الله عليه و سلم بعود‬
‫معه (أي يخط بالعود في الرض ويؤثر به فيها) فقال‪ :‬سل‬
‫فقال اليهودي‪ :‬أين يكون الناس يوم تبدل الرض غير الرض‬
‫والسماوات؟‬
‫فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم‪ :‬هم في الظلمة دون‬
‫الجسر ‪ -‬المراد به‪ :‬الصراط‬
‫قال‪ :‬فمن أول الناس إجازة ‪ -‬المقصود‪ :‬الجواز والعبور؟‬
‫قال صلى الله عليه و سلم‪ :‬فقراء المهاجرين‬
‫قال اليهودي‪ :‬فما تحفتهم (وهي ما يهدى إلى الرجل ويخص به)‬
‫حين يدخلون الجنة؟‬
‫قال‪ :‬زيادة كبد النون ‪ -‬أي الحوت‬
‫قال‪ :‬فما غذاؤهم على إثرها؟‬
‫قال‪ :‬ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها‬
‫قال‪ :‬فما شرابهم عليه‬
‫قال‪ :‬عينا فيها تسمى سلسبيل‬
‫قال‪ :‬صدقت‪.‬‬
‫قال‪ :‬أردت أن أسألك عن شيء ل يعلمه أحد من أهل الرض إل‬
‫نبي أو رجل أو رجلن‪.‬‬
‫قال‪ :‬ينفعك إن حدثتك‪.‬‬
‫قال‪ :‬أسمع بأذني‪.‬‬
‫قال‪ :‬جئت أسألك عن الولد‪.‬‬
‫قال‪ :‬ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر فإذا اجتمعا فعل مني‬
‫الرجل مني المرأة أذكر بإذن الله وإذا عل مني المرأة مني‬
‫الرجل أنثا بإذن الله تعالى‪.‬‬
‫فقال اليهودي‪ :‬لقد صدقت وإنك لنبي‪ .‬ثم انصرف‪.‬‬
‫فذهب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪" :‬لقد سألني عن‬
‫الذي سألني عنه ومالي علم بشيء منه حتى أتاني الله عز وجل‬
‫به"‪ -‬في صحيح مسلم‪.‬‬
‫من كتاب ألف معجزة من معجزات الرسول للدكتور (مصطفى‬
‫مراد)‬
‫‪105‬‬

‫‪------------------‬‬‫‪ .15‬بركة النبي صلى الله عليه وسلم‬
‫أفاق جابر برش الوضوء النبوي عليه‪:‬‬
‫عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال‪ :‬عادني رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم‪ ،‬وأبو بكر رضي الله عنه في بني سلمة‪،‬‬
‫فوجدني ل أعقل‪ ،‬فدعا بماء فتوضأ فرش منه علي‪ ،‬فأفقت‪،‬‬
‫م‬
‫فقلت‪ :‬كيف أصنع في مالي يا رسول الله؟ فنزلت‪( :‬يُو ِ‬
‫صيك ُ ُ‬
‫َ‬
‫ح ِّ ُ‬
‫مث ْ ُ‬
‫ن)– سورة النساء‪ :‬من‬
‫م لِلذَّكَرِ ِ‬
‫ل َ‬
‫ه فِي أوْلَدِك ُ ْ‬
‫الل ّ ُ‬
‫ظ النثَيَي ْ ِ‬
‫الية ‪ - 11‬أخرجه البخاري ومسلم‪.‬‬
‫بصق في عين علي رضي الله عنه فبرأت‪:‬‬
‫في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‬
‫يوم خيبر‪" :‬لعطين هذه الراية غدًا رجل ً يحب الله ورسوله و‬
‫يحبه الله ورسوله‪ ،‬يفتح الله على يديه‪ ،‬فبات الناس يدركون أيهم‬
‫يُعطاها‪ ،‬فلما أصبح الناس‪ ،‬غدوا على رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم كلهم يرجو أن يُعطاها‪ ،‬فقال‪ :‬أين علي بن أبي طالب؟‬
‫ُ‬
‫فقالوا‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬هو يشتكي عينيه‪ ،‬قال‪ :‬فأرسلوا إليه‪ ،‬فأتي‬
‫به‪ ،‬فبصق رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينيه ودعا له‪،‬‬
‫فبرأ حتى كان لم يكن به وجع‪ ،‬فأعطاه الراية‪ ،‬فقال‪ :‬يا رسول‬
‫الله! أقاتلهم‪ ،‬حتى يكونوا مثلنا؟ قال‪ :‬انفذ على رسلك حتى تنزل‬
‫بساحتهم‪ ،‬ثم ادعهم إلى السلم‪ ،‬وأخبرهم بما يجب عليهم من‬
‫حق الله فيه‪ ،‬فو الله لن يهدي الله بك رجل ً واحدًا خير من أن‬
‫يكون لك حمر النعم"‪ .‬صحيح‪ ،‬أخرجه البخاري ومسلم‪.‬‬
‫بركة مسحه صلى الله عليه وسلم على رأس حنظلة بن خديم‪:‬‬
‫قال والد حنظلة بن خديم لرسول الله صلى الله عليه وسلم‪:‬‬
‫مت عليه (أي‬
‫س ِّ‬
‫بأبي وأمي‪ ،‬أنا رجل ذو سن‪ ،‬وهذا ابني حنظلة ف َ‬
‫ادع الله له)‪ ،‬فقال النبي صلى الله عليه وسلم‪ :‬يا غلم‪ ،‬فأخذ‬
‫بيده فمسح رأسه‪ ،‬وقال له‪ :‬بورك فيه‪ ،‬أو قال‪ :‬بارك الله فيك‪،‬‬
‫ورأيت حنظلة يؤتى بالشاة الوارم ضرعها والبعير والنسان به‬
‫الورم‪ ،‬فيتفل في يده ويمسح بصلعته ويقول‪ :‬بسم الله على أثر‬
‫يد رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ ،‬فيمسحه‪ ،‬فيذهب عنه‪.‬‬
‫أخرجه أحمد والبخاري وابن سعد والطبراني والبيهقي‪ ،‬وغيرهم‪.‬‬
‫الثر النبوي سبب في عدم نسيان أبي هريرة رضي الله عنه‪:‬‬
‫قال أبو هريرة رضي الله عنه‪ :‬إنكم تقولون‪ :‬أكثر أبو هريرة عن‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم والله الموعد‪ ،‬وإنكم تقولون‪ :‬ما بال‬
‫المهاجرين والنصار ل يحدثون عن رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم بهذه الحاديث؟ وإن أصحابي من المهاجرين كانت تشغلهم‬
‫صفقاتهم في السواق‪ ،‬وإن أصحابي من النصار كانت تشغلهم‬
‫‪106‬‬

‫أرضهم والقيام عليها‪ ،‬وإني كنت امرأ مسكينًا‪ ،‬وكنت أكثر‬
‫مجالسة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أحضر إذا غابوا‪،‬‬
‫ما‬
‫وأحفظ إذا نسوا‪ ،‬وإن النبي صلى الله عليه وسلم حدثنا يو ً‬
‫فقال‪ :‬من يبسط ثيابه حتى أفرغ من حديثي ثم يقبضه إليه‪ ،‬فإنه‬
‫ل ينسى شيئًا سمعه مني أبدًا‪،‬‬
‫قال‪ :‬فبسطت ثوبي أو قال‪ :‬نمرتي‪ ،‬ثم حدثنا فقبضته إلي‪ ،‬فو‬
‫الله ما نسيت شيئًا سمعته منه‪ ،‬وأيم الله‪ ،‬لول أنه في كتاب الله‬
‫َ َ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫ما أنَزلْنَا ِ‬
‫مو َ‬
‫ما حدثتكم بشيء أبدًا‪ ،‬ثم تل (إ ِ ّ‬
‫ن َ‬
‫ن يَكْت ُ ُ‬
‫م َ‬
‫ن ال ّذِي َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ب أولَـئ ِ َ‬
‫م‬
‫ت وَالْهُدَى ِ‬
‫الْبَيِّنَا ِ‬
‫ك يَلعَنُهُ ُ‬
‫من بَعْد ِ َ‬
‫س فِي الْكِتَا ِ‬
‫ما بَيَّن ّاه ُ لِلن ّا ِ‬
‫َّ‬
‫ن )– سورة البقرة‪ :‬الية ‪ .159‬صحيح‪ ،‬أخرجه‬
‫م الل ِ‬
‫عنُو َ‬
‫ه وَيَلْعَنُهُ ُ‬
‫الل ّ ُ‬
‫مسلم‪ ،‬والبيهقي في الدلئل‪.‬‬
‫ظهور آثار النبوة في عمرو بن أخطب‪:‬‬
‫عن أبي زيد عمرو بن أخطب النصاري رضي الله عنه قال‪ :‬قال‬
‫لي رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ :‬ادن مني‪ ،‬قال‪ :‬فمسح‬
‫بيده على رأسي ولحيتي ثم قال‪ :‬اللهم جمله‪ ،‬وأدم جماله‪ .‬قال‪:‬‬
‫فبلغ بضعًا ومائة سنة‪ ،‬وما في لحيته بياض إل نبذ يسير‪ ،‬ولقد‬
‫كان منبسط الوجه ولم يتقبَّض وجهه حتى مات‪ .‬حسن‪ ،‬أخرجه‬
‫المام أحمد‪ ،‬والترمذي‪ ،‬وحسنه البيهقي وقال‪ :‬هذا إسناد صحيح‬
‫موصول‪.‬‬
‫تفل النبي صلى الله عليه وسلم في يد الصحابي فاجتمعت‬
‫وبرأت‪:‬‬
‫عن خبيب بن أساف رضي الله عنه قال‪ :‬أتيت رسول الله صلى‬
‫الله عليه وسلم أنا ورجل من قومي في بعض مغازيه فقلنا‪ :‬إنا‬
‫نشتهي أن نشهد معك مشهدًا‪ ،‬قال‪ :‬أسلمتم؟ قلنا‪ :‬ل‪ ،‬قال‪ :‬فإنا‬
‫ل نستعين بالمشركين على المشركين‪ ،‬قال‪ :‬فأسلمنا‪ ،‬وشهدت‬
‫مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصابتني ضربة على عاتقي‬
‫فجافتني‪ ،‬فتعلقت يدي‪ ،‬فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫فتفل فيها وألزقها‪ ،‬فالتأمت وبرأت‪ ،‬وقتلت الذي ضربني‪ ،‬ثم‬
‫تزوجت ابنة الذي قتلته وضربني‪ ،‬فكانت تقول‪ :‬ل عدمت رجلً‬
‫و َّ‬
‫شحك هذا الوشاح‪ ،‬فأقول‪ :‬ل عدمت رجل ً أعجل أباك إلى النار‪.‬‬
‫حسن‪ ،‬أخرجه البيهقي في الدلئل‪ ،‬ورواه المام أحمد‪.‬‬
‫ُرزقا عشرة أولد ببركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم‪:‬‬
‫لما تزوجت أم سليم أبا طلحة النصاري ُرزقت بمولود محبوب‪،‬‬
‫كان أبوه يحبه حبًا شديدًا‪ ،‬فمرض الطفل‪ ،‬فمات وكان أبوه في‬
‫عمله‪ ،‬فلما رجع سأل عن ولده‪ ،‬فقالت له زوجته‪ :‬هو أسكن ما‬
‫كان‪ ،‬ووضعت العشاء‪ ،‬ثم تطيبت ولبست له خير لباس لها‪،‬‬
‫فقضى حاجته‬
‫‪107‬‬

‫ما أعاروا‬
‫فلما كان آخر الليل قالت له‪ :‬أبا طلحة‪ ،‬أرأيت لو أن قو ً‬
‫ما عارية (أمانة ووديعة) فسألوهم إياها أكان لهم أن يمنعوهم؟‬
‫قو ً‬
‫قال‪ :‬ل‬
‫قالت‪ :‬فإن الله عز وجل كان أعارك ابنك عارية‪ ،‬ثم قبضه إليه‪،‬‬
‫فاحتسب واصبر‪....‬‬
‫فاسترجع (قال‪ :‬إنا لله وإنا إليه راجعون)‪ ،‬وذهب إلى رسول الله‬
‫حا فأخبره‬
‫صلى الله عليه وسلم صبا ً‬
‫فقال‪ :‬بارك الله لكما في غابر ليلتكما (سالف ليلتكما)‪ ،‬فحملت‪،‬‬
‫ثم جئ بالمولود إلى النبي صلى الله عليه وسلم‪ ،‬فأخذ النبي‬
‫صلى الله عليه وسلم بعض التمر فمضغهن ثم جمع بزاقه ثم فغر‬
‫فاه وأوجره إليه‪ ،‬فجعل يحنك الصبي‪ ،‬وجعل الصبي يتل َّ‬
‫مظ‬
‫مه‪ ،‬فسماه عبد الله‪ ،‬فما كان في المدينة‬
‫قالت‪ :‬يا رسول الله س ِّ‬
‫شاب أفضل منه‪ ،‬وخرج منه رجل (جمع راجل ضد الفارس‪ ،‬أي‬
‫يجاهدون في سبيل الله على أرجلهم) كثير‪ ،‬واستشهد عبد الله‬
‫بفارس‪.‬‬
‫وفي رواية‪ :‬رزق أبو طلحة بعشرة أولد كلهم يحفظون القرآن‪.‬‬
‫صحيح‪ ،‬رواه مطول ً أبو داود الطيالسي‪ ،‬ورواه البخاري‪ ،‬ومسلم‪،‬‬
‫وأحمد وابن حبان‪ ،‬والبيهقي‪.‬‬
‫برأ ببصاق النبي صلى الله عليه وسلم‪:‬‬
‫عن يزيد بن أبي عبيد قال‪ :‬رأيت أثر ضربة في ساق سلمة بن‬
‫الكوع فقلت‪ :‬ما هذه الضربة؟ قال‪ :‬ضربة أصابتني يوم خيبر‪،‬‬
‫فقال الناس‪ :‬أصيب سلمة‪ ،‬فأتيت رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم فنفث فيها ثلث نفثات‪ ،‬فما اشتكيت منها حتى الساعة‪.‬‬
‫صحيح‪ ،‬أخرجه البخاري‪.‬‬
‫برأ بمسح النبي صلى الله عليه وسلم رجله‪:‬‬
‫عن البراء رضي الله عنه أن عبد الله بن عتيك لما قتل أبا رافع‬
‫ونزل من درجة بيته سقط إلى الرض فانكسر ساقه‪ ،‬قال‪:‬‬
‫فحدثت النبي صلى الله عليه وسلم فقال‪ :‬ابسط رجلك‪،‬‬
‫فبسطتها‪ ،‬فمسحها فكأنما لم أشكها قط‪ .‬صحيح‪ ،‬أخرجه‬
‫البخاري‪.‬‬
‫‪ .16‬الجذع يحن إليه!!‬
‫الجذع يحن إليه!!‬
‫د‪ .‬لطف الله بن مل عبد العظيم خوجه‬
‫ قصة‪:‬‬‫ن الجذع‪ ،‬وسمع الناس له صوتا كصوت العشار‪ ،‬حتى تصدع‬
‫فح ّ‬
‫وانشق‪ ،‬حتى جاء فوضع يده عليه فسكت‪ ،‬وكثر بكاء الناس لما‬
‫رأوا به‪ ،‬فقال‪( :‬إن هذا بكى لما فقد من الذكر‪ ،‬والذي نفسي‬
‫‪108‬‬

‫بيده‪ ،‬لو لم ألتزمه‪ ،‬لم يزل هكذا إلى يوم القيامة)‪ ،‬فأمر به‬
‫فدفن تحت المنبر‪.‬‬
‫ محبة مفترضة‪:‬‬‫من حقوق النبي صلى الله عليه وسلم محبته‪ ،‬وقد ورد المر بها‬
‫في القرآن‪ ،‬قال الله تعالى‪:‬‬
‫ {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم‬‫وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها‬
‫أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي‬
‫الله بأمره والله ل يهدي القوم الفاسقين}‪.‬‬
‫وموضع الشاهد‪ :‬ما في الية من الوعيد‪ ،‬لمن كانت محبته‬
‫لشيء‪ ،‬أكثر من محبته لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم‪،‬‬
‫في كلمتين هما‪:‬‬
‫أول‪ :‬قوله‪{ :‬فتربصوا حتى يأتي الله بأمره}‪ .‬والتربص هنا‬
‫للعقوبة‪ ،‬ول تكون العقوبة إل لترك واجب‪.‬‬
‫ثانيا‪ :‬قوله‪{ :‬والله ل يهدي القوم الفاسقين}‪ .‬فقد وصفهم‬
‫بالفسق‪ ،‬وذلك ل يكون إل بفعل كبيرة فما فوقها‪ ،‬من كفر‬
‫وشرك‪ ،‬ل في صغيرة‪.‬‬
‫فمن قدم شيئا من المحبوبات على محبة النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم فهو فاسق‪ ،‬متربص ببلية تنزل عليه‪.‬‬
‫وقد اقترنت محبته صلى الله عليه وسلم بمحبة الله تعالى‪ ،‬وذلك‬
‫يفيد التعظيم‪ ،‬كاقتران طاعته بطاعة الله تعالى‪.‬‬
‫وثمة نصوص نبوية صريحة‪ ،‬في وجوب تقديم محبته عليه الصلة‬
‫والسلم على كل المحبوبات الدنيوية‪:‬‬
‫ النص الول‪:‬‬‫كان النبي آخذا بيد عمر بن الخطاب‪ ،‬فقال له عمر‪:‬‬
‫ (يا رسول الله! لنت أحب إلي من كل شيء إل من نفسي‪.‬‬‫ فقال النبي‪ :‬ل‪ ،‬والذي نفسي بيده‪ ،‬حتى أكون أحب إليك من‬‫نفسك‪.‬‬
‫ فقال له عمر‪ :‬فإنه الن والله لنت أحب إلي من نفسي‪.‬‬‫ فقال النبي‪ :‬الن يا عمر)‪[ .‬البخاري‪ ،‬اليمان والنذور‪ ،‬باب كيف‬‫كانت يمين النبي]‪.‬‬
‫النفي المؤكد بالقسم يدل على وجوب تقديم محبته عليه الصلة‬
‫والسلم على النفس‪..‬‬
‫َ‬
‫مُره بتأخير محبة النفس‪ ،‬وتقديم هذه المحبة النبوية عليها‪ ،‬مع‬
‫فأ ْ‬
‫كون محبة النفس جبلة في النسان‪ ،‬يقدمها على كل شيء‪ ،‬ول‬
‫يلم على ذلك في أصل المر‪ ،‬إل إذا تجاوز بها إل محظور‪ :‬دليل‬
‫وجوب‪ ،‬ل استحباب‪.‬‬
‫‪109‬‬

‫إذ ل يؤمر النسان بترك فطرة فطر عليها‪ ،‬وليست مذمومة في‬
‫أصلها‪ ،‬إل إذا قادته إل محظور‪ .‬وتقديم محبة النفس على محبة‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم‪ ،‬تقود إلى فعل المحظورات‪ ،‬كما هو‬
‫مجرب‪ ،‬فلذا وجب التقديم‪.‬‬
‫أمر ثان‪ :‬النفس هالكة‪ ،‬لول فضل الله تعالى على الناس بهذا‬
‫النبي‪ ،‬فهو سبب نجاتها‪ ،‬فمحبته أحق بالتقديم‪.‬‬
‫ النص الثاني‪:‬‬‫قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪( :‬ل يؤمن أحدكم حتى‬
‫أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين) البخاري‪،‬‬
‫اليمان‪.‬‬
‫هذا نص في وجوب أن يكون عليه الصلة والسلم أحب إلى‬
‫المرء من كل شيء دنيوي‪ ،‬وذلك لمور‪:‬‬
‫ كونه نفى حصول اليمان إل بكونه أحب شيء‪ ،‬واليمان واجب‪،‬‬‫وما تعلق به فهو واجب‪.‬‬
‫ ثم إن الخطاب جاء في حق العيان في قوله‪( :‬أحدكم)‪ ،‬فكل‬‫مؤمن مخاطب بهذه المحبة‪.‬‬
‫ ثم إنه أتى بصيغة التفضيل‪( :‬أحب)‪ ،‬وهو صريح في تقديم‬‫محبته مطلقا على كل شيء دنيوي‪.‬‬
‫وهذه المحبة الواجبة من فرط فيها فهو آثم مذنب‪ ،‬ومن قدم‬
‫عليه محبة‪ :‬الباء‪ ،‬أو البناء‪ ،‬أو الخوان‪ ،‬أو الزواج‪ ،‬أو شيء من‬
‫متاع الدنيا‪ ،‬فهو آثم فاسق‪ ،‬مستحق للعقوبة‪ ،‬فقوله‪( :‬ل يؤمن‬
‫أحدكم‪ )..‬نفي لليمان الواجب‪ ،‬بمعنى أن من فعل ذلك فقد‬
‫نقص إيمانه‪ ،‬نقصا يستحق به الثم والعقوبة‪ .‬فالشارع ل ينفي‬
‫واجبا‪ ،‬ثبت وجوبه‪ ،‬إل لترك واجب فيه‪.‬‬
‫واليمان واجب‪ ،‬ول ينفى بقوله‪( :‬ل يؤمن‪ ) ..‬إل لترك واجب فيه‪،‬‬
‫كالصلة ل تنفى إل لترك واجب فيها‪ ،‬كقوله‪( :‬ل صلة لمن ل‬
‫وضوء له)‪[ .‬رواه أحمد]‬
‫والثم والعقوبة متفاوت بحسب نوع التقديم‪:‬‬
‫ فتارة يكون كفرا‪ ،‬وذلك في حالين‪:‬‬‫ الول‪ :‬إذا كان التقديم مطلقا‪ ،‬فل يتعارض شيء مع محبة النبي‬‫صلى الله عليه وسلم إل قدم ذلك الشيء‪ ،‬وهكذا في كل شيء‪،‬‬
‫فهذا يعبد هواه‪ ،‬ول يعبد الله تعالى في شيء‪.‬‬
‫ الثاني‪ :‬إذا كان التقديم في بعض الحوال‪ ،‬لكن في أمور كفرية‪،‬‬‫ينقض بها أصل دينه‪ ،‬فيقدم محبة المور الكفرية على محبة النبي‬
‫صلى الله عليه وسلم‪ ،‬كمن نصر الكافرين على المسلمين‪.‬‬

‫‪110‬‬

‫ وتارة يكون كبيرة‪ ،‬وذلك إذا قدم محبة الكبائر على محبة النبي‬‫صلى الله عليه وسلم‪ ،‬فشرب الخمر وزنا‪ ،‬ولم يطع النبي صلى‬
‫الله عليه وسلم في نهيه عنها‪ ،‬فهذا قدم محبة هذه الكبائر‪.‬‬
‫ وتارة صغيرة‪ ،‬وذلك إذا فعل الصغائر‪ ،‬فقدم حبها على حبه‬‫للنبي صلى الله عليه وسلم وطاعته‪.‬‬
‫ عبودية ل إلهية‪:‬‬‫وليس فوق محبة النبي صلى الله عليه إل محبة الله تعالى‪ ،‬فإن‬
‫محبة الله تعالى هي أعلى المحبوبات وأوجبها على الطلق‪ ،‬ول‬
‫يجوز أن يساوى بينه تعالى وبين غيره في المحبة‪ ،‬حتى النبي‬
‫صلى الله عليه وسلم‪ ،‬فإن محبته وإن كانت عظيمة مقدمة على‬
‫المحبوبات الدنيوية‪ ،‬لكنها تبقى في مرتبة البشرية‪ ،‬ل تبلغ مرتبة‬
‫اللوهية‪ ،‬فلله تعالى محبة تخصه تسمى محبة‪ :‬التأله‪ ،‬والخلة‪.‬‬
‫ويقال كذلك‪ :‬المحبة الذاتية‪ .‬فل يجب شيء لذاته إل الله تعالى‪.‬‬
‫ومن هنا يفهم خطأ من بالغ في محبة النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم‪ ،‬حتى جعله كمحبة الله تعالى‪ ،‬فنسب إليه خصائص الخالق‬
‫سبحانه‪:‬‬
‫ من علم الغيب‪.‬‬‫ وتدبير الخلق‪.‬‬‫ ونسبة إجابة الدعوات إليه‪.‬‬‫ ودعاؤه والستغاثة به من دون الله تعالى‪ ،‬في قضاء الحوائج‪،‬‬‫وتفريج الكربات‪.‬‬
‫ وسؤاله شيئا ل يقدر عليه إل الله تعالى‪.‬‬‫فإن محبة النبي صلى الله عليه وسلم وإن اقترنت بمحبة الله‬
‫تعالى‪ ،‬إل أنها كاقتران طاعته بطاعته‪ ،‬أما المحبة اللهية فشيء‬
‫وراء المحبة البشرية‪ ،‬وما أرسل النبي صلى الله عليه إل ليعلق‬
‫القلوب بالله تعالى‪ ،‬ويخلص الناس محبتهم لله تعالى فل يشركوا‬
‫فيها معه غيره‪ ،‬وهذه هي العبودية‪ ،‬التي قال تعالى فيها‪:‬‬
‫ {وما خلقت الجن والنس إل ليعبدون}‪ ،‬أي ليخلصوا المحبة‬‫والخضوع والطاعة لله تعالى‪.‬‬
‫وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من هذا المسلك غاية‬
‫التحذير‪ ،‬وحرص على منع كل ذريعة تفضي إلى مساواته بالله‬
‫تعالى في المحبة‪ ،‬فقال عليه الصلة والسلم‪:‬‬
‫ (ل تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم‪ ،‬فإنما أنا‬‫عبده فقولوا عبد الله ورسوله)‪.‬‬
‫ومعنى الثر‪ :‬ل تبالغوا في مدحي‪ ،‬وتغلوا كغلو النصارى في‬
‫عيسى عليه السلم‪.‬‬

‫‪111‬‬

‫فإن النصارى زعموا فيه أنه إله‪ ،‬وأنه ابن الله تعالى‪{:‬كبرت‬
‫كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إل كذبا}‪ ،‬فقد خشي النبي‬
‫صلى الله عليه وسلم من هذا المسلك‪ ،‬فنهى عن المبالغة في‬
‫مدحه‪.‬‬
‫وقد وقع ما نهى عنه صلى الله عليه وسلم‪ ،‬حيث غل فيه أناس‬
‫حتى جعلوه في مرتبة اللوهية والربوبية‪:‬‬
‫ فنسبوا إليه ما ل يليق إل بالخالق‪ ،‬وصنعوا به كما صنع النصارى‬‫بالمسيح‪ ،‬غير أنهم لم يقولوا‪ :‬هو ابن الله‪ .‬لكنهم نسبوا إليه‪:‬‬
‫التصريف‪ ،‬وعلم الغيب‪ ،‬وإجابة الدعاء‪ .‬وهذا إنزال له في مرتبة‬
‫اللوهية‪ ،‬وإن لم يقولوا‪ :‬إنه الله‪ .‬فإن العبرة بالمعاني والحقائق‪.‬‬
‫ كما أنهم ابتدعوا له عيدًا‪ ،‬يحتفلون فيه بمولده صلى الله عليه‬‫وسلم‪ ،‬كابتداع النصارى عيد الميلد للسيد المسيح عليه السلم‪،‬‬
‫ولم يفعله ولم يأمر به عليه السلم‪ ،‬كما لم يفعله النبي صلى‬
‫الله عليه وسلم ولم يأمر في حق نفسه الشريفة‪.‬‬
‫لقد اتبع طائفة من المسلمين سنن اليهود والنصارى حذو القذة‬
‫بالقذة‪ ،‬حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلوه‪ ،‬كما أخبر الصادق‬
‫المصدوق صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫نعم النبي صلى الله عليه وسلم أعظم الخلق‪ ،‬وسيد ولد آدم‪،‬‬
‫وخليل الله تعالى‪ ،‬وأعلى الناس منزلة يوم القيامة‪ ،‬وفي الجنة‪،‬‬
‫وهو إمام النبياء والمرسلين‪ ،‬ل يبلغ مقامه نبي مرسل‪ ،‬ول ملك‬
‫مقرب‪ ،‬غير أنه تحت سقف العبودية‪ ،‬دون مرتبة اللوهية‪ ،‬وقوله‪:‬‬
‫ (إنما أنا عبده‪ ،‬فقولوا عبد الله ورسوله)‪.‬‬‫تقرير على هذه الحقيقة‪ ،‬ولجم وإبطال لدعاوى فريقين‪:‬‬
‫ الول‪ :‬الغالي‪ ،‬الذي رفعه عن مرتبة العبودية‪ ،‬وذلك بقوله‪:‬‬‫(فقولوا عبد الله)‪.‬‬
‫ والثاني‪ :‬الجافي‪ ،‬الذي عامله كسائر الناس‪ ،‬فلم يميزه بالمرتبة‬‫العالية‪ ،‬وذلك بقوله‪( :‬ورسوله)‪.‬‬
‫قال الله تعالى‪{:‬قل ل أملك لنفسي نفعا ول ضرا إل ما شاء الله‬
‫ولو كنت أعلم الغيب لستكثرت من الخير وما مسني السوء إن‬
‫أنا إل نذير وبشير لقوم يؤمنون}‪.‬‬
‫وتقديم محبته صلى الله عليه وسلم على كل شيء له أربعة‬
‫أسباب‪ ،‬الثنان الولن منها على سبيل الوجوب‪ ،‬والخران على‬
‫سبيل الستحباب‪:‬‬
‫ الول‪ :‬أمر الله تعالى به‪ ،‬حيث تقدمت الدلة الدالة على هذا‪،‬‬‫وهذا السبب وحده يكفي في الوجوب‪.‬‬
‫ الثاني‪ :‬منته صلى الله عليه وسلم على أمته‪ ،‬إذا هداهم الله به‪،‬‬‫ودلهم على طريق السعادة والنجاة من شقاء الدنيا والخرة‪.‬‬
‫‪112‬‬

‫ما‪ ،‬وشجاعة‪ ،‬وإحسانًا‪ ،‬ومروءة‪،‬‬
‫ الثالث‪ :‬كماله ال ُ‬‫خلقي‪ :‬كر ً‬
‫حا‪ .‬بالضافة‬
‫ما‪ ،‬ورحمة‪ ،‬وعفوا وصف ً‬
‫وصدقًا‪ ،‬وعدلً‪ ،‬وأمانة‪ ،‬وحل ً‬
‫إلى العلم والفقه والبصيرة‪ ،‬وأية واحدة من هذه السجايا توجب‬
‫محبة من تحلى بها‪ ،‬فكيف بمن اجتمعت فيه على أكمل وجه‪،‬‬
‫قال تعالى‪{ :‬وإنك لعلى خلق عظيم}‪.‬‬
‫خلقي‪ .‬فقد كان جميلً‪ ،‬منيًرا كالشمس‪ ،‬طيب‬
‫ الرابع‪ :‬كماله ال َ‬‫الرائحة‪ ،‬عرقه كالمسك‪ ،‬معتدل القوام‪ ،‬حسن الشعر‪ ،‬جميل‬
‫العين‪ ،‬أبيض البشرة‪ .‬فله أوصاف الجمال‪ ،‬فمن رآه أحبه‪.‬‬
‫ الشوق إلى النبي‪:‬‬‫وعلمات المحبة متعددة‪ ،‬هي‪ :‬اليمان به‪ ،‬وتوقيره‪ ،‬ونصرته‪،‬‬
‫وطاعته‪.‬‬
‫ثم إن منها كذلك‪ :‬الشوق والطرب عند ذكره‪ ،‬وتمني رؤيته‪،‬‬
‫والجلوس إليه‪ ،‬ولو كان ذلك ل يحصل إل بإنفاق كل المال‪ ،‬وما‬
‫عرف عن الصادقين من المؤمنين إل مثل هذا الشعور الصادق‪،‬‬
‫وهذه آثارهم‪:‬‬
‫‪ -1‬سأل رجل فقال‪ " :‬متى الساعة؟‪.‬‬
‫ قال‪ ( :‬وما أعددت لها)؟‪.‬‬‫ قال‪ :‬ل شيء‪ ،‬إل أني أحب الله ورسوله‪.‬‬‫ فقال‪( :‬أنت مع من أحببت)‪.‬‬‫ قال أنس‪ :‬فما فرحنا بشيء فرحنا بقول النبي‪ :‬أنت مع من‬‫أحببت‪.‬‬
‫ قال أنس‪ :‬فأنا أحب النبي وأبا بكر وعمر‪ ،‬وأرجو أن أكون معهم‬‫بحبي إياهم‪ ،‬وإن لم أعمل أعمالهم" [البخاري‪ ،‬الدب‪ ،‬باب علمة‬
‫الحب في الله دون قول أنس]‪.‬‬
‫‪ -2‬قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ ( :‬والذي نفس محمد‬
‫بيده! ليأتين على أحدكم يوم ول يراني‪ .‬ثم لن يراني أحب إليه‬
‫من أهله وماله معهم ) [رواه مسلم في الفضائل‪ ،‬باب‪ :‬فضل‬
‫النظر إليه صلى الله عليه وسلم‪ ،‬وتمنيه ‪.]4/1836‬‬
‫‪ -3‬وجاء أن امرأة قتل أبوها وأخوها وزوجها يوم أحد مع رسول‬
‫الله فقالت‪:‬‬
‫ "ما فعل رسول الله؟‪.‬‬‫ قالوا‪ :‬خيًرا‪ ،‬هو بحمد الله كما تحبين‪.‬‬‫ فلما رأته قالت‪ :‬كل مصيبة بعدك جلل"‪[ .‬الروض النف‬‫للسهيلي ‪ ،6/25‬الشفا ‪]2/22‬‬
‫‪ -4‬ولما احتضر بلل قالت امرأته‪ " :‬واحزناه‪.‬‬
‫ فقال‪ :‬واطرباه‪ ،‬غدًا نلقى الحبة ‪ ..‬محمدًا وحزبه"‪[ .‬سير أعلم‬‫النبلء ‪ ،1/359‬الشفا ‪.]2/23‬‬
‫‪113‬‬

‫‪ -5‬ولما أخرج أهل مكة زيد بن الدثنة من الحرم ليقتلوه‪ ،‬قال له‬
‫أبو سفيان‪:‬‬
‫ " أنشدك الله يا زيد!‪ ،‬أتحب أن محمدًا الن عندنا مكانك‬‫يضرب عنقه‪ ،‬وأنك في أهلك"؟‪.‬‬
‫ فقال زيد‪" :‬والله ما أحب أن محمدًا الن في مكانه الذي هو‬‫فيه تصيبه شوكة‪ ،‬وإني جالس في أهلي"‪.‬‬
‫ فقال أبو سفيان‪" :‬ما رأيت من الناس أحدًا يحب أحدًا كحب‬‫أصحاب محمد محمدًا"‪[ .‬السيرة النبوية الصحيحة للعمري ‪،2/400‬‬
‫سيرة ابن هشام ‪ ،3/160‬الروض النف ‪ ،6/166‬الشفا ‪.]2/23‬‬
‫‪ -6‬وكان خالد بن معدان ل يأوي إلى فراشه إل وهو يذكر من‬
‫شوقه إلى رسول الله وإلى أصحابه‪ ،‬ويسميهم ويقول‪" :‬هم‬
‫أصلي وفصلي‪ ،‬وإليهم يحن قلبي‪ ،‬طال شوقي إليهم‪ ،‬فعجل رب‬
‫قبضي إليك"‪ ،‬حتى يغلبه النوم‪[ .‬سير أعلم النبلء ‪ ،4/539‬الحلية‬
‫‪ ،5/210‬الشفا ‪.]2/21‬‬
‫‪ -7‬وقد كانت الجمادات فضل ً عن المؤمنين تشتاق إلى رسول‬
‫الله وتحبه وكذا البهائم‪:‬‬
‫ فقد كان عليه السلم يخطب إلى جذع نخلة‪ ،‬فلما صنع له‬‫ن الجذع‪ ،‬وسمع الناس له صوتا كصوت‬
‫المنبر‪ ،‬تحول إليه‪ ،‬فح ّ‬
‫العشار‪ ،‬حتى تصدع وانشق‪ ،‬حتى جاء رسول الله فوضع يده‬
‫عليه فسكت‪ ،‬وكثر بكاء الناس لما رأوا به‪ ،‬فقال النبي‪( :‬إن هذا‬
‫بكى لما فقد من الذكر‪ ،‬والذي نفسي بيده‪ ،‬لو لم ألتزمه‪ ،‬لم يزل‬
‫هكذا إلى يوم القيامة)‪ ،‬فأمر به فدفن تحت المنبر‪.‬‬
‫ وكان الحسن البصري إذا حدث بهذا بكى وقال‪" :‬يا عباد الله!‬‫الخشبة تحن إلى رسول الله شوقًا إليه بمكانه فأنتم أحق أن‬
‫تشتاقوا إلى لقائه"‪[ .‬بتصرف‪ ،‬وأصله مروي في صحيح البخاري‪،‬‬
‫في المناقب‪ ،‬باب‪ :‬علمات النبوة قبل السلم ‪ ،3/1314‬انظر الشفا‬
‫‪ ،1/304‬صحيح الجامع ‪.]2256‬‬
‫‪ -8‬وقد كان الطعام يسبح في يده والشجر والجبل والحجر يسلم‬
‫عليه‪ [ .‬الشفا ‪ ،1/306‬وأثر التسبيح عند البخاري‪ ،‬في المناقب‪،‬‬
‫باب‪ :‬علمات النبوة قبل السلم ‪ ،3/1312‬وأثر تسليم الحجر في‬
‫مسلم‪ ،‬الفضائل‪ ،‬باب‪ :‬فضل نسب النبي صلى الله عليه وسلم‪،‬‬
‫وتسليم الحجر عليه قبل النبوة ‪]4/1782‬‬
‫‪ -9‬لما قدم عمر الشام‪ ،‬سأله المسلمون أن يسأل بلل ً يؤذن‬
‫ما كان أكثر باكيًا من يومئذ‪،‬‬
‫ما‪ ،‬فلم ير يو ً‬
‫لهم‪ ،‬فسأله‪ ،‬فأذن يو ً‬
‫ذكًرا منهم للنبي صلى الله عليه وسلم‪[ .‬سير أعلم النبلء ‪]1/357‬‬

‫‪114‬‬

‫‪ -10‬عن أبي بن كعب قال‪ " :‬كان رسول الله إذا ذهب ربع الليل‬
‫قام فقال‪":‬أيها الناس اذكروا الله‪ ،‬اذكروا الله‪ ،‬جاءت الراجفة‬
‫تتبعها الرادفة‪ ،‬جاء الموت بما فيه‪ ،‬جاء الموت بما فيه"‪.‬‬
‫ فقلت‪ :‬يا رسول الله! إني أكثر الصلة عليك‪ ،‬فكم أجعل لك‬‫من صلتي؟‪ .‬قال‪ :‬ما شئت‪.‬‬
‫ قلت‪ :‬الربع؟‪ ،‬قال‪ :‬ما شئت‪ ،‬وإن زدت فهو خير‪.‬‬‫ قلت النصف؟‪ ،‬قال‪ :‬ما شئت‪ ،‬وإن زدت فهو خير‪.‬‬‫ قلت‪ :‬الثلثين؟‪ ،‬قال‪ :‬ما شئت‪ ،‬وإن زدت فهو خير‪.‬‬‫مك‪ ،‬ويغفر لك‬
‫ قال‪ :‬أجعل لك صلتي كلها‪ ،‬قال‪ :‬إذا تكفى ه َ‬‫ذنبك"‪[ .‬رواه الترمذي‪ ،‬صفة القيامة‪ ،‬وأحمد ‪]5/136‬؛ لن من صلى‬
‫على النبي صلى الله عليه بها عشًرا‪ ،‬ومن صلى الله عليه كفاه‬
‫همه وغفر ذنبه‪[ .‬انظر جلء الفهام لبن القيم ص ‪.]46‬‬
‫كثير من الصالحين يرون النبي صلى الله عليه وسلم في المنام‪،‬‬
‫بعضهم كان يراه في كل ليلة‪ ،‬فإذا ما لم يره في ليلة اتهم نفسه‬
‫بالنفاق‪ ،‬ورؤيته في المنام صلى الله عليه دليل على تعلق القلب‬
‫به‪ ،‬واشتغال اللسان بالصلة عليه‪ ،‬والعين بالنظر في سنته‪،‬‬
‫والذن في سماع حديثه‪.‬‬
‫أما أولئك الذين‪:‬‬
‫ ل يصلون عليه حتى إذا ذكر‪.‬‬‫ ول يسمعون لحديثه ولو تلي‪.‬‬‫ ول ينظرون في سنته‪ ،‬ولو مر بهم كتاب حديث‪.‬‬‫فإنه لن يكون له في قلوبهم‪ :‬ذكر‪ ،‬ول شوق‪.‬‬
‫فأنى لهم أن يروه في المنام‪ ،‬ولو لمرة‪ ،‬فهل لهم أن يتهموا‬
‫أنفسهم بالنفاق؟!‪..‬‬
‫‪000000000000000‬‬
‫‪ -1 .17‬القول‬

‫القوم في معجزات النبي الكرم‪..‬‬
‫المقدمة‬
‫القول القوم في معجزات النبي الكرم‬
‫وما أظهره الله على يديه من اليات وشرفه به من الخصائص‬
‫والكرامات‬
‫أبو يوسف محمد زايد‬
‫الحمد لله والصلة‪ ،‬والسلم على رسول الله‪..‬‬
‫أصل هذا المؤلف من كتاب "الشفا بتعريف حقوق المصطفى"‬
‫للقاضي عياض رحمه الله‪ ،‬الباب الرابع؛ وكان عملي فيه كما‬
‫يلي‪:‬‬
‫‪-1‬تخريج اليات القرآنيـة وكتابتـها مشـكولة بالضبط التام‪.‬‬
‫‪ -2‬تخريج الحاديث وتدوينها كاملة اللفظ‪ ،‬كلما أمكنني ذلك‪.‬‬
‫‪115‬‬

‫‪ -3‬إضافة فوائد كثيرة مـن كتب عدة في السيرة والتاريـخ‪..‬‬
‫‪ -4‬وقفات مع نخبة طيبـة مــن العلماء حول بعض القصص‪.‬‬
‫‪ -5‬إلباس الكتاب حلـة ترتــاح لها عين القارئ الكريم‪...‬‬
‫ويشتمل هذا الكتاب على مقدمـة و ‪ 28‬فصــلً‪ ،‬وخاتمة‪...‬‬
‫والفصول كما وردت في المصفى من كتاب الشفا بتعريف حقوق‬
‫المصطفى صلى الله عليه وسلم؛ هي‪:‬‬
‫‪ -1‬في أن الله تعالى قادر على خلق المعرفة في قلوب عباده‪.‬‬
‫‪ -2‬في معنى تسمية من جاءت به النبياء معجزة‪.‬‬
‫‪ -3‬في إعجاز القرآن ـ الوجه الول‪ :‬حسن تأليفه‪ ،‬والتئام كلمه‪،‬‬
‫وفصاحته‪.‬‬
‫‪ -4‬في إعجاز القرآن ـ الوجه الثاني‪ :‬النظم والسلوب‪.‬‬
‫‪ -5‬في إعجاز القرآن ـ الوجه الثالث‪ :‬ما انطوى عليه من الخبار‬
‫بالمغيبات‪.‬‬
‫‪ -6‬في إعجاز القرآن ـ الوجه الرابع‪ :‬ما أنبأ به من أخبار القرون‬
‫السالفة‪ ،‬والمم البائدة‪ ،‬والشرائع الداثرة‪.‬‬
‫‪ -7‬هذه الوجوه الربعة من العجاز ل نزاع فيها ول مرية‪.‬‬
‫‪ -8‬من وجوه العجاز‪ :‬الروعة التي تلحق قلوب سامعيه‬
‫وأسماعهم عند سماعه‪ ،‬والهيبة التي تعتريهم عند تلوته‪.‬‬
‫ة ل تعدم ما بقيت‬
‫ة باقي ً‬
‫‪ -9‬ومن وجوه إعجازه المعدودة كونه آي ً‬
‫الدنيا‪.‬‬
‫‪ -10‬في وجوه أخرى للعجاز‪.‬‬
‫‪ -11‬في انشقاق القمر وحبس الشمس‪.‬‬
‫‪ -12‬في نبع الماء من بين أصابعه و تكثيره بركة‪.‬‬
‫‪ -13‬ومما يشبه هذا من معجزاته‪.‬‬
‫‪ -14‬ومن معجزاته تكثير الطعام ببركته ودعائه‪.‬‬
‫‪ -15‬في كلم الشجرة وشهادتها له بالنبوة وإجابتها دعوته‪.‬‬
‫‪ -16‬في قصة حنين الجذع‪.‬‬
‫‪ -17‬ومثل هذا في سائر الجمادات‪.‬‬
‫‪ -18‬في اليات في ضروب الحيوانات‪.‬‬
‫‪ -19‬في إحياء الموتى و كلمهم‪ ،‬و كلم الصبيان والمراضع و‬
‫شهادتهم لهم بالنبوة‪.‬‬
‫‪ -20‬في إبراء المرضى وذوي العاهات‪.‬‬
‫‪ -21‬في إجابة دعائه صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫‪ -22‬في كرامته صلى الله عليه وسلم وانقلب العيان له فيما‬
‫لمسه أو باشره‪.‬‬
‫‪ -23‬فيما أطلع عليه من الغيوب وما يكون‪.‬‬

‫‪116‬‬

‫‪ -24‬في عصمة الله تعالى له صلى الله عليه وسلم مـن‬
‫النـــاس‪.‬‬
‫‪ -25‬من معجزاته الباهرة ما جمعه الله له صلى الله عليه وسلم‬
‫من المعارف والعلوم‪.‬‬
‫‪ -26‬من خصائصه صلى الله عليه وسلم وكراماته وباهر آياته‬
‫أنباؤه مع الملئكة والجن‪.‬‬
‫‪ -27‬مــن دلئــل نـبـوتـه وعـلمـــات رسالـتـه صلى الله عليه‬
‫وسلم‪.‬‬
‫‪ -28‬فـيـمـا ظـهـر مـن اليـات عـنـد مـولـده صلى الله عليه‬
‫وسلم‪.‬‬
‫الخاتمة‪ -‬معجزات نبينا صلى الله عليه وسلم أظهر من سائر‬
‫معجزات الرسل عليهم السلم‪.‬‬
‫ة‬
‫مــــ ُ‬
‫مـقَـ ِ‬
‫دّ َ‬
‫اَلْـ ُ‬
‫قال القاضي أبو الفضل‪ :‬حسب المتأمل أن يحقق أن كتابنا‬
‫هذا لم نجمعه لمنكر نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم ‪ ،‬ول لطاعن‬
‫في معجزاته‪ ،‬فنحتاج إلى نصب البراهين عليها‪ ،‬وتحصين حوزتها‪،‬‬
‫حتى ل يتوصل المطاعن إليها‪ ،‬ونذكر شروط المعجز والتحدي‬
‫وحده‪ ،‬وفساد قول من أبطل نسخ الشرائع‪ ،‬ورده‪ ،‬بل ألفناه‬
‫لهل ملته‪ ،‬الملبين لدعوته‪ ،‬المصدقين لنبوته‪ ،‬ليكون تأكيدا ً في‬
‫محبتهم له‪ ،‬ومنماة ً لعمالهم‪ ،‬وليزدادوا إيمانا ً مع إيمانهم‪.‬‬
‫وبنيتنا أن نثبت في هذا الباب أمهات معجزاته‪ ،‬ومشاهير آياته‪،‬‬
‫لتدل على عظيم قدره عند ربه‪ .‬وأتينا منها بالمحقق والصحيح‬
‫السناد‪ ،‬وأكثره مما بلغ القطع‪ ،‬أو كاد‪ ،‬وأضفنا إليها بعض ما وقع‬
‫في مشاهير كتب الئمة‪ .‬وإذا تأمل المتأمل المنصف ما قدمناه‬
‫من جميل أثره‪ ،‬وحميد سيره‪ ،‬وبراعة علمه‪ ،‬ورجاحة عقله‬
‫وحلمه‪ ،‬وجملة كماله‪ ،‬وجميع خصاله‪ ،‬وشاهد حاله‪ ،‬وصواب‬
‫مقاله ـ لم يمتر في صحة نبوته‪ ،‬وصدق دعوته‪ .‬وقد كفى هذا غير‬
‫واحد في إسلمه واليمان به‪.‬‬
‫فروينا عن الترمذي‪ ،‬وابن قانع وغيرهما بأسانيدهم ـ أن عبد الله‬‫بن سلم‪ ،‬قال‪( :‬لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫المدينة جئته لنظر إليه‪ ،‬فلما استبنت وجهه عرفت أن وجهه‬
‫ليس بوجه كذاب)‪ .‬حدثنا به القاضي الشهيد أبو علي رحمه الله‪،‬‬
‫قال‪ :‬حدثنا أبو الحسين الصيرفي‪ ،‬و أبو الفضل بن خيرون عن‬
‫أبي يعلى البغدادي‪ ،‬عن أبي علي السنجي‪ ،‬عن ابن محبوب‪ ،‬عن‬
‫الترمذي‪ ،‬حدثنا محمد بن بشار‪ ،‬حدثنا عبد الوهاب الثقفي‪،‬‬
‫ومحمد بن جعفر‪ ،‬وابن أبي عدي‪ ،‬ويحيى بن سعيد‪ ،‬عن عوف بن‬

‫‪117‬‬

‫أبي جميلة العرابي‪ ،‬عن زرارة ابن أوفى‪ ،‬عن عبد الله بن‬
‫سلم‪ ...‬الحديث‪.‬‬
‫قلت‪ * :‬رواه ابن ماجه في السنن‪ ،‬والتبريزي في مشكاة‬
‫المصابيح‪ ،‬والمنذري في الترغيب والترهيب‪ ،‬ولفظه في سنن‬
‫الترمذي‪ :‬لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة‬
‫إنجفل الناس إليه وقيل قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم‪..‬‬
‫قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم‪..‬قدم رسول الله صلى‬
‫الله عليه وسلم‪ ..‬فجئت في الناس لنظر إليه فلما استثبت وجه‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم عرفت أن وجهه ليس بوجه‬
‫كذاب‪ .‬وكان أول شيء تكلم به أن قال‪" :‬أيها الناس‪ :‬أفشوا‬
‫السلم‪ ،‬وأطعموا الطعام‪ ،‬وصلوا والناس نيام‪ ،‬تدخلون الجنة‬
‫بسلم"‪ .‬قال أبو عيسى هذا حديث صحيح‪.‬‬
‫** وقال الشيخ اللباني‪ :‬صحيح سند الحديث حدثنا محمد بن‬
‫بشار حدثنا عبد الوهاب الثقفي ومحمد بن جعفر وبن أبي عدى‬
‫ويحيى بن سعيد عن عوف بن أبي جميلة العرابي عن زرارة بن‬
‫أوفى عن عبد الله بن سلم قال‪...‬‬
‫وعن أبي رمثة التيمي‪ :‬أتيت النبي صلى الله عليه وسلم‪ ،‬ومعي‬‫ابن لي‪ ،‬فأريته‪ ،‬فلما رأيته قلت‪ :‬هذا نبي الله‪.‬‬
‫قلت‪:‬‬
‫* رواه المام الترمذي في الشمائل ‪ -‬باب ما جاء في خضاب‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫أتيت النبي صلى الله عليه وسلم ومعي ابن لي قال‪ :‬فأريته‬
‫فقلت لما رأيته‪ :‬هذا نبي الله صلى الله عليه وسلم وعليه ثوبان‬
‫(وفي رواية‪ :‬بردان) أخضران وله شعر قد عله الشيب وشيبه‬
‫أحمر‪.‬‬
‫* وفي رواية أخرى‪ :‬أتيت النبي صلى الله عليه وسلم مع ابن لي‬
‫فقال‪" :‬ابنك هذا؟" فقلت‪ :‬نعم أشهد به‪ ..‬قال‪" :‬ل يجني عليك‬
‫ول تجني عليه"‪ .‬قال‪ :‬ورأيت الشيب أحمر‪.‬‬
‫قال أبو عيسى‪ :‬هذا أحسن شيء روي في هذا الباب وأفسر لن‬
‫الروايات الصحيحة أنه صلى الله عليه وسلم لم يبلغ الشيب‪..‬‬
‫وأبو رمثة اسمه رفاعة بن يثربي التيمي‪.‬‬
‫ضمادا ً لما وفد عليه‪ ،‬فقال له النبي‬
‫وروى مسلم وغيره أن ِ‬‫صلى الله عليه وسلم‪" :‬إن الحمد لله نحمده ونستعينه‪ ،‬من يهده‬
‫الله فل مضل له‪ ،‬ومن يضلل فل هادي له‪ ،‬وأشهد أن ل إله إل‬
‫الله وحده ل شريك له‪ ،‬وأن محمدا ً عبده ورسوله" قال له‪ :‬أعد‬
‫علي كلماتك هؤلء‪ ،‬فلقد بلغن قاموس البحر هات يدك أبايعك‪.‬‬

‫‪118‬‬

‫قلت‪ :‬رواه مسلم في كتاب الجمعة‪ ،‬باب تخفيف الصلة‬
‫والخطبة‪ ،‬قال‪ :‬حدثنا إسحاق بن إبراهيم ومحمد بن المثنى‪.‬‬
‫كلهما عن عبد العلى‪ .‬قال ابن المثنى‪ :‬حدثني عبد العلى (وهو‬
‫أبو همام) حدثنا داود عن عمرو بن سعيد‪ ،‬عن سعيد بن جبير‪،‬‬
‫عن ابن عباس؛ أن ضمادًا قدم مكة‪ .‬كان من أزد شنوءة‪ .‬وكان‬
‫يرقي من هذه الريح‪ .‬فسمع سفهاء من أهل مكة يقولون‪ :‬إن‬
‫محمدًا مجنون‪ .‬فقال‪ :‬لو أني رأيت هذا الرجل لعل الله يشفيه‬
‫على يدي‪ .‬قال فلقيه‪ .‬فقال‪ :‬يا محمد! إني أرقي من هذه الريح‪.‬‬
‫وإن الله يشفي على يدي من يشاء‪ .‬فهل لك؟ فقال رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم‪" :‬إن الحمد لله‪ .‬نحمده ونستعينه‪ ،‬من يهده‬
‫الله فل مضل له‪ ،‬ومن يضلل فل هادي له‪ .‬وأشهد أن ل إله إل‬
‫الله وحده ل شريك له‪ .‬وأن محمدًا عبده ورسوله‪ .‬أما بعد"‪ .‬قال‬
‫فقال‪ :‬أعد علي كلماتك هؤلء‪ .‬فأعادهن عليه رسول الله صلى‬
‫الله عليه وسلم‪ .‬ثلث مرات‪ .‬قال‪ ،‬فقال‪ :‬لقد سمعت قول‬
‫الكهنة وقول السحرة وقول الشعراء‪ .‬فما سمعت مثل كلمات‬
‫هؤلء‪ .‬ولقد بلغن ناعوس البحر‪ .‬قال‪ ،‬فقال‪ :‬هات يدك أبايعك‬
‫على السلم‪ .‬قال فبايعه‪ .‬فقال رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم‪" :‬وعلى قومك"‪ .‬قال‪ :‬وعلى قومي‪ .‬قال فبعث رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم سرية فمروا بقومه‪ .‬فقال صاحب السرية‬
‫للجيش‪ :‬هل أصبتم من هؤلء شيئًا؟ فقال رجل من القوم‪ :‬أصبت‬
‫منهم مطهرة‪ .‬فقال‪ :‬ردوها‪ .‬فإن هؤلء قوم ضماد‪.‬‬
‫وقال جامع بن شداد‪ :‬كان رجل منا يقال له طارق‪ ،‬فأخبر أنه‬‫رأى النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة‪ ،‬فقال‪ :‬هل معكم شيء‬
‫تبيعونه؟ قلنا‪ :‬هذا البعير‪ .‬قال‪ :‬بكم؟ قلنا‪ :‬بكذا و كذا وسقا ً من‬
‫تمر‪ ،‬فأخذ بخطامه‪ ،‬وسار إلى المدينة‪ ،‬فقلنا‪ :‬بعنا من رجل ل‬
‫ندري من هو‪،‬ومعنا ظعينة‪ ،‬فقالت‪ :‬أنا ضامنة لثمن البعير‪ ،‬رأيت‬
‫وجه رجل مثل القمر ليلة البدر ل يخيس فيكم‪.‬‬
‫فأصبحنا‪ ،‬فجاء رجل بتمر فقال‪ :‬أنا رسول رسول الله صلى الله‬
‫عليه وسلم إليكم‪ ،‬يأمركم أن تأكلوا من هذا التمر‪ ،‬وتكتالوا حتى‬
‫تستوفوا‪ .‬ففعلنا‪.‬‬
‫قلت‪ :‬جامع بن شداد‪ ،‬هو أبو صخرة السدي المحاربي‪ ،‬أخرج له‬
‫النسائي وأبو داود – توفي رحمه الله عام ‪118‬هـ‪ .‬والحديث أخرجه‬
‫البيهقي‪ ،‬والحاكم‪ ،‬والدارقطني وهو عند هذا الخير‪:‬‬
‫حدثنا أبو عبيد القاسم بن إسماعيل نا أحمد بن محمد بن يحيى‬
‫بن سعيد القطان نا ابن نمير عن يزيد بن زياد بن أبي الجعد نا‬
‫أبو صخرة جامع بن شداد عن طارق بن عبد الله المحاربي قال‪:‬‬
‫رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين مرة بسوق ذي‬
‫‪119‬‬

‫المجاز وأنا في تباعة لي هكذا قال أبيعها فمر وعليه حلة حمراء‬
‫وهو ينادي بأعلى صوته‪" :‬يا أيها الناس قولوا ل إله إل الله‬
‫تفلحوا"‪ ..‬ورجل يتبعه بالحجارة وقد أدمى كعبيه وعرقوبيه وهو‬
‫يقول‪ :‬يا أيها الناس ل تطيعوه فإنه كذاب‪ ..‬قلت‪ :‬من هذا؟ فقالوا‬
‫هذا غلم بني عبد المطلب‪..‬قلت‪ :‬من هذا الذي يتبعه يرميه؟‬
‫قالوا هذا عمه عبد العزى‪.‬وهو أبو لهب‪ ...‬فلما ظهر السلم‬
‫وقدم المدينة أقبلنا في ركب من الربذة وجنوب الربذة حتى نزلنا‬
‫قريبًا من المدينة ومعنا ظعينة لنا قال‪ :‬فبينا نحن قعود إذ أتانا‬
‫رجل عليه ثوبان أبيضان فسلم فرددنا عليه‪ ،‬فقال‪ :‬من أين أقبل‬
‫القوم؟ قلنا من الربذة وجنوب الربذة‪ ..‬قال ومعنا جمل أحمر‪.‬‬
‫قال‪ :‬تبيعوني جملكم‪ ..‬قلنا نعم‪.‬قال‪ :‬بكم؟ قلنا بكذا وكذا صاع ًا‬
‫من تمر‪..‬قال‪ :‬فما استوضعنا شيئًا‪ ،‬وقال‪ :‬قد أخذته‪ ..‬ثم أخذ‬
‫برأس الجمل حتى دخل المدينة فتوارى عنا‪ ،‬فتلومنا بيننا‪ :‬وقلنا‪:‬‬
‫أعطيتم جملكم من ل تعرفونه‪ .‬فقالت الظعينة‪:‬ل تلوموا‪ ،‬فقد‬
‫رأيت وجه رجل ما كان ليحقركم‪.‬ما رأيت وجه رجل أشبه بالقمر‬
‫ليلة البدر من وجهه‪ ..‬فلما كان العشاء أتانا رجل‪ ،‬فقال‪ :‬السلم‬
‫عليكم‪ .‬أنا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إليكم‪ ،‬وأنه‬
‫أمركم أن تأكلوا من هذا حتى تشبعوا وتكتالوا حتى تستوفوا‪..‬‬
‫قال‪ :‬فأكلنا حتى شبعنا واكتلنا حتى استوفينا‪ .‬فلما كان من الغد‬
‫دخلنا المدينة فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على‬
‫المنبر يخطب الناس وهو يقول‪ :‬يد المعطي العليا وابدأ بمن‬
‫تعول أمك وأباك وأختك وأخاك وأدناك أدناك‪ ...‬فقام رجل من‬
‫النصار‪ ،‬فقال‪ :‬يا رسول الله هؤلء بنو ثعلبة بن يربوع الذين‬
‫قتلوا فلنًا في الجاهلية‪ ،‬فخذ لنا بثأرنا فرفع يديه حتى رأينا بياض‬
‫إبطيه‪ ،‬فقال‪ :‬أل ل يجني والد على ولده‪.‬‬
‫وفي خبر الجلندي ملك عمان ـ لما بلغه أن رسول الله صلى‬‫الله عليه وسلم يدعوه إلى السلم ـ قال الجلندي‪ :‬والله‪ ،‬لقد‬
‫دلني على هذا النبي المي أنه ل يأمر بخير إل كان أول آخذ به‪ ،‬و‬
‫ل ينهى عن شيء إل كان أول تارك له‪ ،‬و أنه يغلب فل يبطر‬
‫ويغلب فل يضجر‪ ،‬ويفي بالعهد‪ ،‬وينجز الموعود‪ ،‬وأشهد أنه نبي‪.‬‬
‫قلت‪:‬‬
‫* ذكر ابن حجر في فتح الباري قصة " الجلندي" قال‪:‬‬
‫وقال الرشاطي عمان في اليمن سميت بعمان بن سبأ ينسب‬
‫إليها الجلندي رئيس أهل عمان ذكر وثيمة أن عمرو بن العاص‬
‫قدم عليه من عند النبي صلى الله عليه وسلم فصدقه‪ ..‬وذكر‬
‫غيره أن الذي آمن على يد عمرو بن العاص ولدا الجلندي عياذ‬
‫وجيفر وكان ذلك بعد خيبر ذكره أبو عمرو انتهى‪ ..‬وروى‬
‫‪120‬‬

‫الطبراني من حديث المسور بن مخرمة قال بعث رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم أرسله إلى الملوك فذكر الحديث‪ ..‬وفيه‬
‫وبعث عمرو بن العاص إلى جيفر وعياذ ابني الجلندى ملك‬
‫عمان‪ ..‬وفيه فرجعوا جميعًا قبل وفاة رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم إل عمرا فإنه توفي وعمرو بالبحرين وفي هذا إشعار‬
‫بقرب عمان من البحرين وبقرب البعث إلى الملوك من وفاته‬
‫صلى الله عليه وسلم فلعلها كانت بعد حنين فتصحفت‪.‬‬
‫* وقال ابن الجوزي في المنتظم‪ :‬وفي هذه السنة ـ أي السنة‬
‫العاشرة ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عمرو بن‬
‫العاص بعد رجوعه من الحج ليام بقين من ذي الحجة إلى جيفر‬
‫وعبد ابني الجلندي بعمان يدعوهما إلى السلم‪.‬‬
‫وكتب معه كتابًا إليهما وختم الكتاب قال عمرو‪ :‬فلما قدمت‬
‫عمان عمدت إلى عبد وكان أحلم الرجلين وأسهلهما خلقًا فقلت‪:‬‬
‫إني رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إليك وإلى أخيك‬
‫فقال أخي المقدم بالسّر والملك‪ :‬وأنا أوصلك إليه حتى تقرأ‬
‫ما ببابه ثم إنه دعاني فدخلت عليه فدفعت إليه‬
‫كتابك فمكثت أيا ً‬
‫ما ففض خاتمه وقرأه حتى انتهى إلى آخره ثم دفعه‬
‫الكتاب مختو ً‬
‫ت أخاه أرق منه فقال‪ :‬دعني يومي‬
‫إلى أخيه فقرأه إل أني رأي َ‬
‫ي غدا فلما كان الغد رجعت إليه فقال‪ :‬إني فكرت‬
‫هذا وارجع إل ّ‬
‫فيما دعوتني إليه فإذا أنا أضعف العرب إن ملكت رجًل ما في‬
‫ي‬
‫يدي قلت‪ :‬فإني خارج غدًا فلما أيقن بمخرجي أصبح فأرسل إل ّ‬
‫فدخلت عليه فأجاب إلى السلم هو وأخوه جميعًا وصدقا بالنبي‬
‫ي وبين الصدقة وبين الحكم فيما‬
‫صلى الله عليه وسلم وخليا بين ِ‬
‫بينهم وكانا لي عونًا على من خالفني فأخذت الصدقة من‬
‫ما بينهم حتى بلغنا‬
‫أغنيائهم فرددتها في فقرائهم ولم أزل مقي ً‬
‫وفاة النبي صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫وذكر الواقدي إن هذا كان في سنة ثمان‪ .‬قال المؤلف‪ :‬وما‬
‫ذكرناه أصح‪ .‬وقال ابن مسعود‪ :‬هذا آخر بعث النبي صلى الله‬
‫عليه وسلم إلى الملوك‪.‬‬
‫** ونص كتاب رسول الله إلى ملكي عمان‪ ،‬كما أورده الشيخ‬
‫أحمد بن محمد القسطلني في المواهب اللدنية بالمنح‬
‫المحمدية‪ ،‬هو‪ :‬بسم الله الرحمن الرحيم‪ .‬من محمد عبد الله‬
‫جلَنْدي‪ :‬السلم على من اتبع‬
‫جيْفَر وعبْد ابنَي ال ُ‬
‫ورسوله‪ ،‬إلى َ‬
‫الهدى‪ ،‬أما بعد‪:‬أسلما تسلما‪ ،‬فإني رسول الله إلى الناس‬
‫كافة‪،‬لُنذر من كان حيا ويحقّ القول على الكافرين‪ ،‬وإنكما إن‬
‫أقررتما بالسلم وليتكما‪ ،‬وإن أبيتما أن تقرا بالسلم فإن ملككما‬
‫زائل عنكما‪ ،‬وخيلي تحل بساحتكما‪،‬وتظهر نبوتي على ملككما‪.‬‬
‫‪121‬‬

‫م‬
‫وقال نفطويه ـ في قوله تعالى‪(:‬يَكَاد ُ َزيْتُهَا ي ُ ِ‬‫ضيءُ وَلَوْ ل َ ْ‬
‫ه نَاٌر) (النور‪ :)35 :‬هذا مثل ضربه الله تعالى لنبيه صلى‬
‫س ْ‬
‫م َ‬
‫س ُ‬
‫تَ ْ‬
‫الله عليه وسلم‪ ،‬يقول‪ :‬يكاد منظره يدل على نبوته وإن لم يتل‬
‫قرآنا ً كما قال ابن رواحة‪:‬‬
‫لكان منظره ينبيك بالخبر‬
‫لو لم تكن فيه آيات مبينة‬
‫ن نأخذ في ذكر النبوة والوحي والرسالة‪ ،‬وبعده في‬
‫نأ ْ‬
‫وقد آ َ‬
‫معجزة القرآن‪ ،‬وما فيه من برهان ودللة‬
‫‪00000000000000‬‬

‫‪ .18‬وانشق القمر‬
‫الكاتب‪ :‬د‪ .‬جمال الحسيني أبو فرحة‬
‫يقول تعالى‪" :‬اقتربت الساعة وانشق القمر‪ .‬وإن يروا آية‬
‫يعرضوا ويقولوا سحر مستمر" القمر‪ .2:1 :‬وكثيًرا ما كانت هذه‬
‫الية محل للطعن من غير المسلمين‪ ،‬والتأويل من بعض‬
‫المسلمين؛ بحجة أن هذه المعجزة لو وقعت لسجلها تاريخ المم‬
‫الخرى‪.‬‬
‫وجواب ذلك‪ :‬أن هذا هو ما حدث بالفعل؛ فقد سجلتها كتب بعض‬
‫مؤرخي الهند‪ ،‬وأرخت بها لبناء بعض البنية؛ ففي المقالة الحادية‬
‫ضا‪.‬‬
‫عشرة من تاريخ فرشته أن أهل مليبار من إقليم الهند رأوه أي ً‬
‫وقد نقل ابن تيمية عن بعض المسافرين أنه ذكر أنه وجد في بلد‬
‫ما مكتوبًا عليه‪ ( :‬بني ليلة انشق القمر )‪.‬‬
‫الهند بناءً قدي ً‬
‫ثم إن انشقاق القمر لم يكن أحد من أمم أهل الرض يترصده‬
‫وينتظره‪ ،‬وكان في ليل‪ ،‬وفي زمان البرد‪ ،‬ولفترة وجيزة؛ فقلما‬
‫يراه أحد‪.‬‬
‫ثم إنه قد يحول بين الرائي والقمر في بعض الماكن سحاب‬
‫كثيف؛ فل يرى هذه المعجزة‪ ،‬هذا بالضافة إلى اختلف مطالع‬
‫القمر؛ فهو ل يرى لكل أهل الدنيا مرة واحدة‪.‬‬
‫ومن ثمة فإنه من المتوقع أل يكون رآه إل عدد محدود من أهل‬
‫الرض متفرقين في بلدان شتى‪ ،‬ربما حمل معظم المؤرخين‬
‫روايتهم على تخطئة البصار‪ ،‬أو على نوع من الخسوف‪.‬‬
‫أضف إلى ذلك أن وصفه تعالى لنشقاق القمر بأنه (آية) ‪" :‬وإن‬
‫يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر "؛ يمنع أي محاولة لتأويل‬
‫هذه المعجزة‪.‬‬
‫ثم إن نزول القرآن على العرب وتحديه لهم وفيه هذه القصة مع‬
‫عدم اعتراض أحد منهم عليه ليؤكد حدوثها كما ذكرت الية‬
‫الكريمة‪.‬‬
‫أما في عصرنا الراهن فنجد في موقع وكالة ناسا الفضائية‬
‫المريكية على شبكة (النترنت)‬
‫‪122‬‬

‫‪ http://antwrp.gsfc.nasa.gov/apod/ap021029.html‬صورة لصدع طولي رهيب‬
‫على سطح القمر يظهر بوضوح من الصورة في أعلى المقال‬
‫يمتد لمئات الكيلومترات‪ ،‬عبارة عن حزام من الصخور المتحولة‪،‬‬
‫وكاتب المقال يتساءل‪:‬‬
‫‪?What could cause a long indentation on the Moon‬‬
‫أي ما الذي يمكن أن يحدث شقًا بهذا الطول في القمر؟‬
‫والكيفية التي طرح بها السؤال تبين بجلء حيرة العلماء في‬
‫ق‪ ،‬وهو ما ينم عن حدث عظيم تعرض له‬
‫تفسير تكون هذا الش ٍ‬
‫القمر ترك هذا الثر المحيّر‪ ،‬ولو كان سببه زلزال عاديًا أو بركانًا‬
‫لما استغلق على العلماء فهمه كل هذه المدة إذ أنه اكتشف منذ‬
‫أكثر من ‪ 200‬عام كما يذكر موقع وكالة ناسا‪.‬‬
‫والطريف في المر أن هؤلء العلماء ليسوا مسلمين ول علم لهم‬
‫بنسبة هذه المعجزة لنبينا – صلى الله عليه وسلم ‪ -‬؛ فصدق الله‬
‫العظيم القائل في كتابه الكريم‪" :‬ويرى الذين أوتوا العلم الذي‬
‫أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد "‬
‫سبأ ‪. 6:‬‬
‫‪------------------‬‬‫‪ .19‬القول القوم في معجزات النبي الكرم(‪..)2‬‬
‫معجزة القرآن‬
‫الفصل الول‪:‬‬
‫في أن الله تعالى قادر على خلق المعرفة في قلوب عباده‪:‬‬
‫اعلم أن الله جل اسمه قادر على خلق المعرفة في قلوب‬‫عباده‪ ،‬والعلم بذاته وأسمائه وصفاته وجميع تكليفاته ابتداء دون‬
‫واسطة لو شاء‪ ،‬كما حكي عن سنته في بعض النبياء‪ ،‬وذكره‬
‫َّ‬
‫بعض أهل التفسير في قوله تعالى‪( :‬وما كَان لِب َ َ‬
‫ه‬
‫َ َ‬
‫َ َ‬
‫م ُ‬
‫شرٍ أن يُكَل ِّ َ‬
‫ه الل ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫س َ‬
‫ما ي َ َ‬
‫شاءُ‬
‫سول فَيُو ِ‬
‫من وََراء ِ‬
‫ب أوْ يُْر ِ‬
‫حيا ً أوْ ِ‬
‫ح َ‬
‫إ ِ ّل وَ ْ‬
‫ل َر ُ‬
‫ي بِإِذ ْنِهِ َ‬
‫جا ٍ‬
‫ح َ‬
‫ه عَل ِ ٌّ‬
‫م) (الشورى‪.)51 :‬‬
‫ي َ‬
‫حكِي ٌ‬
‫إِن َّ ُ‬
‫وجائز أن يوصل إليهم جميع ذلك بواسطة تبلغهم كلمه‪ ،‬وتكون‬
‫تلك الواسطة‪ ،‬إما من غير البشر‪ ،‬كالملئكة مع النبياء أو من‬
‫جنسهم‪ ،‬كالنبياء مع المم‪ ،‬ول مانع لهذا من دليل العقل‪.‬‬
‫وإذا جاز هذا ولم يستحل‪ ،‬وجاءت الرسل بما دل على صدقهم‬
‫من معجزاته وجب تصديقهم في جميع ما أتوا به‪ ،‬لن المعجزة‬
‫مع التحدي من النبي صلى الله عليه وسلم قائم مقام قول الله‪:‬‬
‫صدق عبدي فأطيعوه واتبعوه‪ ،‬وشاهد على صدقه فيما يقوله‪ ،‬و‬
‫هذا كاف‪.‬‬
‫والتطويل فيه خارج عن العرض‪ ،‬فمن أراد تتبعه وجده مستوفي‬
‫في مصنفات أئمتنا رحمهم الله‪.‬‬
‫‪123‬‬

‫فالنبوة في لغة من همز مأخوذة من النبأ‪ ،‬وهو الخبر‪ ،‬وقد ل‬
‫تهمز على هذا التأويل تسهيل ً‬
‫والمعنى أن الله تعالى أطلعه على غيبه‪ ،‬وأعلمه أنه نبيه‪ ،‬فيكون‬
‫نبي منبأ فعيل بمعنى مفعول‪ ،‬أو يكون مخبرا ً عما بعثه الله تعالى‬
‫به‪ ،‬ومنبئا ً بما أطلعه الله عليه فعيل بمعنى فاعل‪ ،‬ويكون عند من‬
‫لم يهمزه من النبوة‪ ،‬وهو ما ارتفع من الرض‪ ،‬ومعناه أن له رتبة‬
‫شريفة‪ ،‬ومكانة نبيهة عند موله منيفة فالوصفان في حقه‬
‫مؤتلفان‪ .‬وأما الرسول فهو المرسل‪ ،‬ولم يأت فعول بمعنى‬
‫مفعل في اللغة إل نادراً‪ .‬وإرساله أمر الله بالبلغ إلى من أرسله‬
‫إليه‪ ،‬واشتقاقه من التتابع‪ ،‬ومنه قولهم‪ :‬جاء الناس أرسالً‪ ،‬إذا‬
‫اتبع بعضهم بعضاً‪ ،‬فكأنه ألزم تكرير التبليغ‪ ،‬أو ألزمت المة‬
‫اتباعه‪.‬‬
‫واختلف العلماء‪ :‬هل النبي والرسول بمعنى‪ ،‬أو بمعنيين؟ فقيل‪:‬‬
‫هما سواء‪ ،‬وأصله من النباء وهو العلم‪ ،‬واستدلوا بقوله تعالى‪:‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫من قَبْل ِ َ‬
‫منَّى أَلْقَى‬
‫ل وََل نَب‬
‫سو‬
‫ك ِ‬
‫سلْنَا ِ‬
‫ي إ ِ ّل إِذ َا ت َ‬
‫من َّر ُ‬
‫ما أْر َ‬
‫ِ‬
‫(وَ َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫َّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ال َّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ن ث ُ َّ‬
‫س ُ‬
‫ما يُلقِي ال ّ‬
‫ه‬
‫شيْطا ُ‬
‫م يُ ْ‬
‫شيْطا ُ‬
‫منِي ّتِهِ فَيَن َ‬
‫حك ِ ُ‬
‫ن فِي أ ْ‬
‫م الل ُ‬
‫ه َ‬
‫خ الل ُ‬
‫َ‬
‫م) (الحج‪ ،))52 :‬فقد أثبت لهما معا ً الرسال‪،‬‬
‫م َ‬
‫حكِي ٌ‬
‫ه عَلِي ٌ‬
‫آيَاتِهِ وَالل ّ ُ‬
‫قال‪ :‬و ل يكون النبي إل رسول ً ول الرسول إل نبياً‪.‬‬
‫و قيل‪ :‬هما مفترقان من وجه‪ ،‬إذ قد اجتمعا في النبوة التي هي‬
‫الطلع على الغيب والعلم بخواص النبوة أو الرفعة لمعرفة‬
‫ذلك‪ ،‬وحوز درجتها‪ ،‬وافترقا في زيادة الرسالة للرسول‪ ،‬وهو‬
‫المر بالنذار والعلم كما قلنا‪ .‬وحجتهم من الية نفسها التفريق‬
‫بين السمين‪ ،‬ولو كانا شيئا ً واحدا ً لما حسن تكرارهما في الكلم‬
‫البليغ‪ ،‬قالوا‪ :‬والمعنى‪ :‬ما أرسلنا من رسول إلى أمة أو نبي ليس‬
‫بمرسل إلى أحد‪.‬‬
‫وقد ذهب بعضهم إلى أن الرسول من جاء بشرع مبتدإ‪ ،‬ومن لم‬
‫يأت به نبي غير رسول‪ ،‬وإن أمر بالبلغ والنذار‪ .‬والصحيح‪،‬‬
‫والذي عليه الجماع الغفير‪ ،‬أن كل رسول نبي‪ ،‬وليس كل نبي‬
‫رسولً‪.‬‬
‫وأول الرسل آدم‪ ،‬وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم‪ .‬وفي‬
‫حديث أبي ذر رضي الله عنه‪ :‬إن النبياء مائة ألف وأربعة‬
‫وعشرون ألف نبي‪ .‬وذكر أن الرسل‪ ،‬منهم ثلثمائة وثلثة عشر‪،‬‬
‫أولهم آدم عليه السلم‪.‬‬
‫فقد بان لك معنى النبوة والرسالة‪ ،‬وليستا عند المحققين ذاتاً‬
‫للنبي‪ ،‬ول وصف ذات‪ ،‬خلفا ً للكرامية‪ ،‬وفي تطويل لهم‪ ،‬وتهويل‪،‬‬
‫ليس عليه تعويل‪.‬‬
‫قلت‪:‬‬
‫‪124‬‬

‫* حديث أبي ذر رضي الله عنه‪ ،‬أخرجه البيهقي‪ ،‬قال‪:‬‬
‫حدثنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو الحسن علي بن الفضل بن‬
‫إدريس السامري ببغداد ثنا الحسن بن عرفة العبدي حدثني يحيى‬
‫بن سعيد السعيدي البصري ثنا عبد الملك بن جريج عن عطاء‬
‫عن عبيد بن عمير عن أبي ذر قال دخلت على رسول الله صلى‬
‫الله عليه وسلم وهو في المسجد فذكر الحديث إلى أن قال‬
‫فقلت يا رسول الله كم النبيون قال مائة ألف نبي وأربعة‬
‫وعشرون ألف نبي قلت كم المرسلون منهم قال ثلثمائة وثلثة‬
‫عشر تفرد به يحيى بن سعيد السعيدي‪.‬‬
‫وأما الوحي فأصله السراع‪ ،‬فلما كان النبي يتلقى ما يأتيه من‬
‫جل سمي وحياً‪ ،‬وسميت أنواع اللهامات وحياً‪ ،‬تشبيهاً‬
‫ربه بِعَ َ‬
‫بالوحي إلى النبي‪ ،‬وسمي الخط وحياً‪ ،‬لسرعة حركة يد كاتبه‪،‬‬
‫ووحي الحاجب واللحظ سرعة إشارتهما ومنه قوله تعالى‪:‬‬
‫(فَأَوحى إلَيه َ‬
‫شيّاً) (مريم‪ ،)11 :‬أي أومأ‬
‫حوا بُكَْرة ً وَع َ ِ‬
‫سب ِّ ُ‬
‫ْ َ‬
‫م أن َ‬
‫ِ ِْ ْ‬
‫ورمز‪ .‬و قيل‪ :‬كتب‪ ،‬ومنه قولهم‪ :‬الوحا‪ ،‬الوحا‪ ،‬أي السرعة‪.‬‬
‫وقيل أصل الوحي السر ولخفاء‪ ،‬ومنه سمي اللهام وحياً‪ ،‬ومنه‪:‬‬
‫وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم‪ ،‬أي يوسوسون في‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫سى) (القصص‪ ،)7 :‬أي‬
‫صدروهم‪ ،‬ومنه قوله‪( :‬وَأوْ َ‬
‫حيْنَا إِلَى أ ّ‬
‫مو َ‬
‫مِ ُ‬
‫ألقي في قلبها‪.‬‬
‫َّ َّ‬
‫َ‬
‫ن لِب َ َ‬
‫ه إ ِل‬
‫ما كَا َ‬
‫وقد قيل ذلك في قوله تعالى‪(:‬وَ َ‬
‫م ُ‬
‫شرٍ أن يُكَل ِّ َ‬
‫ه الل ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫س َ‬
‫ما ي َ َ‬
‫ه‬
‫سول ً فَيُو ِ‬
‫من وََراء ِ‬
‫ب أوْ يُْر ِ‬
‫حيا ً أوْ ِ‬
‫ح َ‬
‫وَ ْ‬
‫ل َر ُ‬
‫ي بِإِذ ْنِهِ َ‬
‫شاءُ إِن َّ ُ‬
‫جا ٍ‬
‫ح َ‬
‫عَل ِ ٌّ‬
‫م) (الشورى‪ ،)51 :‬أي ما يلقيه في قلبه دون واسطة‪.‬‬
‫ي َ‬
‫حكِي ٌ‬
‫الفصل الثاني‪:‬‬
‫في معنى تسمية من جاءت به النبياء معجزة‪:‬‬
‫اعلم أن تسميتنا ما جاءت به النبياء معجزة‪ ،‬هو أن الخلق عجزوا‬
‫عن التيان بمثلها‪ ،‬وهي على ضربين‪ :‬ضرب هو من نوع قدره‬
‫البشر‪ ،‬فعجزوا عنه‪ ،‬فتعجيزهم عنه فعل لله دل على صدق نبيه‪،‬‬
‫كصرفهم عن تمني الموت‪ .‬وتعجيزهم عن التيان بمثل القرآن‬
‫على رأي بعضهم‪ ،‬ونحوه‪.‬‬
‫وضرب هو خارج عن قدرته‪ ،‬فلم يقدروا على التيان بمثله‪،‬‬
‫كإحياء الموتى‪ ،‬وقلب العصا حية‪ ،‬وإخراج ناقة من صخرة‪ ،‬وكلم‬
‫شجرة‪ ،‬ونبع الماء من الصابع‪ ،‬وانشقاق القمر‪ ،‬مما ل يمكن أن‬
‫يفعله أحد‪ ،‬إل الله‪ ،‬فكون ذلك على يد النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم من فعل الله تعالى و تحديه من يكذبه أن يأتي بمثله‬
‫تعجيز له‬

‫‪125‬‬

‫و اعلم أن المعجزات التي ظهرت على يد نبينا صلى الله عليه‬
‫وسلم دل ئل نبوته و براهين صدقه ـ من هذين النوعين معا ً ـ و‬
‫ة‪ ،‬و أظهرهم برهاناً‪ ،‬كما‬
‫هو أكثر الرسل معجرةً‪ ،‬وأبهرهم آي ً‬
‫ً‬
‫سنبينه‪ ،‬وهي ـ في كثرتها ـ ل يحيط بها ضبط‪ ،‬فإن واحدا منها ـ و‬
‫هو القرآن ـ ل يحصى عدد معجزاته بألف ول ألفين‪ ،‬ول أكثر‪ ،‬لن‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم قد تحدى بسورة منه فعجز عنها‪.‬‬
‫قال أهل العلم‪( :‬إنا أعطيناك الكوثر)‪ .‬فكل آية أو آيات منه‬
‫بعددها وقدرها معجزة‪ ،‬ثم فيها نفسها معجزات على ما سنفصله‬
‫فيما انطوى عليه من المعجزات‪.‬‬
‫ثم معجزاته صلى الله عليه وسلم على قسمين‪:‬‬
‫قسم منها علم قطعاً‪ ،:‬ونقل إلينا متواترا ً كالقرآن‪،‬فل مرية‪ ،‬ول‬
‫خلف‪ ،‬بمجيء النبي صلى الله عليه وسلم به‪ ،‬وظهوره من قبله‪،‬‬
‫واستدلله بحجته‪ ،‬وإن أنكر هذا معاند جاحد‪ ،‬فهو كإنكاره وجود‬
‫محمد صلى الله عليه وسلم في الدنيا‪ .‬وإنما جاء اعتراض‬
‫الجاحدين في الحجة به‪ ،‬فهو في نفسه وجميع ما تضمنه من‬
‫معجز معلوم ضرورة ووجه إعجازه معلوم ضرورة ً ونظراً‪ ،‬كما‬
‫سنشرحه‪.‬‬
‫قال بعض أئمتنا‪ :‬ويجري هذا المجرى على الجملة أنه قد جرى‬
‫على يديه صلى الله عليه وسلم آيات وخوارق عادات إن لم يبلغ‬
‫واحد منها معينا ً القطع فيبلغه جميعها‪ ،‬فل مرية في جريان‬
‫معانيها على يديه‪ ،‬ول يختلف مؤمن ول كافر ـ أنه جرت على يديه‬
‫عجائب‪ ،‬وإنما خلف المعاند في كونها من قبل الله‪.‬‬
‫وقد قدمنا كونها من قبل الله‪ ،‬وأن ذلك بمثابة قوله‪ :‬صدقت‪.‬‬
‫فقد علم وقوع مثل هذا أيضا ً من نبينا ضرورة ً لتفاق معانيها‪ ،‬كما‬
‫يعلم ضرورة جود حاتم‪ ،‬وشجاعة عنترة‪ ،‬وحلم أحنف‪ ،‬لتفاق‬
‫الخبار الواردة عن كل واحد منهم على كرم هذا‪ ،‬وشجاعة هذا‪،‬‬
‫وحلم هذا‪ ،‬وإن كان كل خبر بنفسه ل يوجب العلم‪ ،‬ول يقطع‬
‫بصحته‪.‬‬
‫والقسم الثاني‪ :‬ما لم يبلغ مبلغ الضرورة والقطع‪ ،‬وهو على‬
‫نوعين‪ :‬نوع مشتهر منتشر‪ ،‬رواه العدد‪ ،‬وشاع الخبر به عند‬
‫المحدثين والرواة ونقلة السير والخبار‪ ،‬كنبع الماء من بين‬
‫الصابع‪ ،‬وتكثير الطعام‪.‬‬
‫ونوع منه اختص به الواحد والثنان‪ ،‬ورواه العدد اليسير‪ ،‬ولم‬
‫يشتهر اشتهار غيره‪ ،‬لكنه إذا جمع إلى مثله اتفقا في المعنى‪،‬‬
‫واجتمعا على التيان بالمعجز‪ ،‬كما قدمناه‪.‬‬
‫قال القاضي أبو الفضل‪ :‬وأنا أقول صدعا ً بالحق‪ :‬إن كثيرا ً من‬‫هذه اليات المأثورة عنه صلى الله عليه وسلم معلومة بالقطع‪:‬‬
‫‪126‬‬

‫* أما انشقاق القمر فالقرآن نص بوقوعه‪ ،‬وأخبر عن وجوده‪ ،‬ول‬
‫يعدل عن ظاهر إل بدليل‪ ،‬وجاء برفع احتماله صحيح الخبار من‬
‫منا خلف أخرق منحل ع ُرى الدين‪ ،‬ول‬
‫طرق كثيرة‪ ،‬ول يُوهِن عز َ‬
‫يلتفت إلى سخافة مبتدع يلقي الشك على قلوب ضعفاء‬
‫المؤمنين‪ ،‬بل نرغم بهذا أنفه‪ ،‬وننبذ بالعراء سخفه‪.‬‬
‫وكذلك قصة نبع الماء‪ ،‬وتكثير الطعام ـ رواها الثقات والعدد‬
‫الكثير عن الجماء الغفير‪ ،‬عن العدد الكثير من الصحابة‪.‬‬
‫ومنها ما رواه الكافة عن الكافة متصل ً عمن حدث بها من جملة‬‫الصحابة وإخبارهم أن ذلك كان في موطن اجتماع الكثير منهم‬
‫في يوم الخندق‪ ،‬وفي غزوة بواط‪ ،‬وعمرة الحديبية‪ ،‬وغزوة‬
‫تبوك‪ ،‬وأمثالها من محافل المسلمين ومجمع العساكر‪ ،‬ولم يؤثر‬
‫عن أحد من الصحابة مخالفة للراوي فيما حكاه‪ ،‬ول إنكار لما ذكر‬
‫عنهم أنهم رأوه كما رآه‪ ،‬فسكوت الساكت منهم كنطق الناطق‪،‬‬
‫إذ هم المنزهون عن السكوت على باطل‪ ،‬والمداهنة في كذب‪،‬‬
‫وليس هناك رغبة أو رهبة تمنعهم‪ ،‬ولو كان ما سمعوه منكراً‬
‫عندهم وغير معروف لديهم لنكروه‪ ،‬كما أنكر بعضهم على بعض‬
‫أشياء رواها من السنن والسير وحروف القرآن‪ .‬وخطأ بعضهم‬
‫بعضاً‪ ،‬ووهمه في ذلك‪ ،‬مما هو معلوم‪ ،‬فهذا النوع كله يلحق‬
‫بالقطعي من معجزاته لما بيناه‪.‬‬
‫وأيضا ً فإن أمثال الخبار التي ل أصل لها‪ ،‬وبنيت على باطل‪ ،‬ل بد‬
‫بعد مرور الزمان وتداول الناس وأهل البحث من انكشاف‬
‫ضعفها‪ ،‬وخمول ذكرها‪ ،‬كما يشاهد في كثير من الخبار الكاذبة‪،‬‬
‫والراجيف الطارئة‪ .‬وأعلم نبينا هذه الواردة من طريق الحاد ل‬
‫تزداد مع مرور الزمان إل ظهوراً‪ ،‬ومع تداول الفرق‪ ،‬وكثرة طعن‬
‫العدو‪ ،‬وحرصه على توهينها‪ ،‬وتضعيف أصلها‪ ،‬واجتهاد الملحد‬
‫على إطفاء نورها‪ ،‬إل قوة وقبولً‪ ،‬وللطاعنين عليها إل حسرة‬
‫وغليلً‪.‬‬
‫وكذلك إخباره عن الغيوب‪ ،‬وإنباؤه بما يكون وكان معلوم من‬
‫آياته على الجملة بالضرورة‪.‬‬
‫وهذا حق ل غطاء عليه‪ ،‬وقد قال به من أئمتنا القاضي‪ ،‬والستاذ‬
‫أبو بكر وغيرهما‪ ،‬رحمهم الله‪ ،‬وما عندي أوجب قول القائل‪ :‬إن‬
‫هذه القصص المشهورة من باب خبر الواحد إل قلة مطالعته‬
‫للخبار وروايتها‪ ،‬وشغله بغير ذلك من المعارف‪ ،‬وإل فمن اعتنى‬
‫بطرق النقل‪ ،‬وطالع الحاديث والسير لم يْرتب في صحة هذه‬
‫القصص المشهورة على الوجه الذي ذكرناه‪ .‬ول يبعد أن يحصل‬
‫العلم يالتواتر عند واحد ول يحصل عند آخر‪ ،‬فإن أكثر الناس‬
‫يعلمون ـ بالخبر ـ كون بغداد موجودة ‪ ،‬وأنها مدينة عظيمة‪ ،‬ودار‬
‫‪127‬‬

‫المامة والخلفة‪ ،‬وآحاد من الناس ل يعلمون اسمها‪ ،‬فضل ً عن‬
‫وصفها‪ ،‬وهكذا يعلم الفقهاء من أصحاب مالك بالضرورة وتواتر‬
‫النقل عنه ـ أن مذهبه إيجاب قراءة أم القرآن في الصلة‬
‫للمنفرد والمام‪ ،‬وإجزاء النية في أول ليلة من رمضان عما‬
‫سواه‪ ،‬وأن الشافعي يرى تجديد النية كل ليلة‪ ،‬والقتصار في‬
‫المسح على بعض الرأس‪ ،‬وأن مذهبهما القصاص في القتل‬
‫بالمحدد وغيره‪ ،‬وإيجاب النية في الوضوء‪ ،‬واشتراط الولي في‬
‫النكاح‪ ،‬وأن أبا حنيفة يخالفهما في هذه المسائل‪ ،‬وغيرهم ممن‬
‫لم يشتغل بمذاهبهم ول روى أقوالهم ل يعرف هذا من مذاهبهم‬
‫فضل ً عمن سواه‪.‬‬
‫وعند ذكرنا آحاد هذه المعجزات نزيد الكلم فيها بيانا ً إن شاء الله‬
‫تعالى‪.‬‬
‫الفصل الثالث‪:‬‬
‫في إعجاز القرآن‪:‬‬
‫الوجه الول‪ :‬حسن تأليفه‪ ،‬والتئام كلمه‪ ،‬وفصاحته‬
‫قال القاضي أبو الفضل رحمه الله‪:‬‬‫منطوٍ على وجوه‬
‫اعلم ـ وفقنا الله وإياك ـ أن كتاب الله العزيز ُ‬
‫من العجاز كثيرة‪ ،‬وتحصيلها من جهة ضبط أنواعها في أربعة‬
‫وجوه‪:‬‬
‫أولها‪ :‬حسن تأليفه‪ ،‬والتئام كلمه‪ ،‬وفصاحته‪ ،‬ووجوه إيجازه‪،‬‬
‫وبلغته الخارقة عادة العرب‪ ،‬وذلك أنهم كانوا أرباب هذا الشأن‪،‬‬
‫و فرسان الكلم‪ ،‬قد خصوا من البلغة و الحكم بما لم يخص به‬
‫غيرهم من المم‪ ،‬وأوتوا من ذرابة اللسان ما لم يؤت إنسان‪،‬‬
‫ومن فضل الخطاب ما يقيد اللباب جعل الله لهم ذلك طبعاً‬
‫وخلقة‪ ،‬وفيهم غريزة وقوة‪ ،‬يأتون منه على البديهة بالعجب‪،‬‬
‫ويدلون به إلى كل سبب‪ ،‬فيخطبون‬
‫بديها ً في المقامات وشديد الخطب‪ ،‬و يرتجزون به بين الطعن‬
‫والضرب‪ ،‬ويمدحون ويقدحون‪ ،‬ويتوسلون ويتوصلون‪ ،‬ويرفعون‬
‫ويضعون‪ ،‬فيأتون من ذلك بالسحر الحلل‪ ،‬ويطوقون من‬
‫أوصافهم أجمل من سمط اللل‪ ،‬فيخدعون اللباب‪ ،‬ويذللون‬
‫حن‪ ،‬ويهيجون الدِّمن ويجرئون الجبان‪،‬‬
‫الصعاب‪ ،‬ويذهبون ال َ‬
‫ويبسطون يد الجعد البنان‪ ،‬ويصيرون الناقص كامل ً ويتركون‬
‫النبيه خاملً‪.‬‬
‫منهم البدوي ذو اللفظ الجزل‪ ،‬والقول الفصل‪ ،‬والكلم الفخم‪،‬‬
‫والطبع الجوهري‪ ،‬والمنزع القوي‪.‬‬

‫‪128‬‬

‫ومنهم الحضري ذو البلغة البارعة‪ ،‬واللفاظ الناصعة‪ ،‬والكلمات‬
‫الجامعة‪ ،‬والطبع السهل‪ ،‬والتصرف في القول القليل الكُلفة‪،‬‬
‫الكثير الرونق‪ ،‬الرقيق الحاشية‪.‬‬
‫و كل البابين لهما في البلغة الحجة البالغة‪ ،‬والقوة الدامغة‪،‬‬
‫والقدح الفالج‪ ،‬والمهيع الناهج‪ ،‬ل يشكون أن الكلم طوع‬
‫مرادهم‪ ،‬والبلغة ملك قيادهم‪ ،‬قد حوَوا فنونها واستنبطوا عيونها‪،‬‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫ودخلوا من كل باب من أبوابها‪ ،‬وعلوا صرحا لبلوغ أسبابها‪،‬‬
‫فقالوا في الخطير والمهين‪ ،‬وتفننوا في الغث والسمين‪ ،‬وتقاولوا‬
‫في القل والكثر‪ ،‬وتساجلوا في النظم والنثر‪ ،‬فما راعهم إل‬
‫رسول كريم‪ ،‬بكتاب عزيز ((َل يَأْتِيهِ الْبَاط ِ ُ‬
‫ن‬
‫ن يَدَيْهِ وََل ِ‬
‫ل ِ‬
‫م ْ‬
‫من بَي ْ ِ‬
‫خلْفِهِ تَنزِي ٌ‬
‫ميدٍ) (فصلت‪ ،)42 :‬أحمكت آياته‪ ،‬و‬
‫َ‬
‫ح ِ‬
‫ل ِّ‬
‫حكِيم ٍ َ‬
‫ن َ‬
‫م ْ‬
‫فصلت كلماته وبهرت بلغته العقول‪ ،‬وظهرت فصاحته على كل‬
‫مقول‪ ،‬وتظافر إيجازه وإعجازه‪ ،‬وتظاهرت حقيقته ومجازه‪،‬‬
‫وتبارت في الحسن مطالعه ومقاطعه‪ ،‬وحوت كل البيان جوامعه‬
‫وبدائعه‪ ،‬واعتدل مع إيجازه حسن نظمه‪ ،‬وانطبق على كثرة‬
‫فوائده مختار لفظه‪ ،‬وهم أفسح ما كانوا في الباب مجالً‪ ،‬وأشهر‬
‫في الخطابة رجالً‪ ،‬وأكثر في السجع والشعر سجالً‪ ،‬وأوسع في‬
‫الغريب واللغة مقالً‪ ،‬بلغتهم التي بها يتحاورون‪ ،‬ومنازعهم التي‬
‫عنها يتناضلون‪ ،‬صارخا ً بهم في كل حين‪ ،‬ومقرعا ً لهم بضعاً‬
‫َ‬
‫ن افْتََراه ُ قُ ْ‬
‫ل‬
‫م يَقُولُو َ‬
‫وعشرين عاما ً على رؤوس المل أجمعين‪((:‬أ ْ‬
‫ْ‬
‫م‬
‫ستَطَعْتُم ِّ‬
‫سوَرةٍ ِّ‬
‫نا ْ‬
‫فَأتُوا ْ ب ِ ُ‬
‫ن اللّهِ إِن كُنت ُ ْ‬
‫مثْلِهِ وَادْع ُوا ْ َ‬
‫من دُو ِ‬
‫م ِ‬
‫ن) (يونس‪.)38 :‬‬
‫َ‬
‫صادِقِي َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫مثْلِهِ‬
‫من ِّ‬
‫سوَرةٍ ِّ‬
‫ب ِّ‬
‫ما ن َ ّزلنَا ع َلى ع َبْدِنَا فَأتُوا ب ِ ُ‬
‫م ّ‬
‫((وَإِن كنت ُ ْ‬
‫م فِي َري ْ ٍ‬
‫وَادْع ُوا ْ ُ‬
‫ن) (البقرة ‪* )23‬‬
‫شهَدَاءكُم ِّ‬
‫ن اللّهِ إ ِ ْ‬
‫ن كُنْت ُ ْ‬
‫م ََ‬
‫صادِقِي َ‬
‫من دُو ِ‬
‫َ‬
‫س‬
‫(فَإِن ل ّ ْ‬
‫م تَفْعَلُوا ْ وَلَن تَفْعَلُوا ْ فَاتَّقُوا ْ النَّاَر ال ّتِي وَقُودُهَا النَّا ُ‬
‫ن) (البقرة‪.)24 :‬‬
‫ت لِلْكَافِرِي‬
‫جاَرة ُ أ ُ ِ‬
‫وَال ْ ِ‬
‫ح َ‬
‫عد َّ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ج ُّ‬
‫ن‬
‫ن ع َلَى أن يَأتُوا ْ ب ِ ِ‬
‫معَ ِ‬
‫نا ْ‬
‫جت َ َ‬
‫س وَال ْ ِ‬
‫ت الِن ُ‬
‫ل هَـذ َا الْقُْرآ ِ‬
‫مث ْ ِ‬
‫و ( ْقُل لئ ِ ِ‬
‫مثْلِهِ وَل َ‬
‫ض ظَهِيراً) (السراء‪.)88 :‬‬
‫ن بِ ِ‬
‫ن بَعْ ُ‬
‫و كَا َ‬
‫ل َ يَأتُو َ‬
‫ضهُ ْ‬
‫ْ‬
‫م لِبَعْ ٍ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ت وَادْع ُواْ‬
‫ن افْتََراه ُ قُ ْ‬
‫ل فَأتُوا ْ بِعَ ْ‬
‫مفْتََريَا ٍ‬
‫سوَرٍ ِّ‬
‫م يَقُولُو َ‬
‫و (أ ْ‬
‫شرِ ُ‬
‫مثْلِهِ ُ‬
‫ن) (هود‪ .)13 :‬وذلك أن‬
‫ستَطَعْتُم ِّ‬
‫نا ْ‬
‫ن اللّهِ إِن كُنت ُ ْ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫صادِقِي َ‬
‫من دُو ِ‬
‫م ِ‬
‫المفتري أسهل ووضع الباطل والمختلق على الختيار أقرب‪،‬‬
‫واللفظ إذا تبع المعنى الصحيح كان أصعب‪ ،‬ولهذا قيل‪ :‬فلن‬
‫يكتب كما يقال له‪ ،‬وفلن يكتب كما يريد‪.‬‬
‫و للول على الثاني فضل‪ ،‬و بينهما شأو بعيد‪.‬‬
‫فلم يزل يقرعهم أشد التقريع‪ ،‬ويوبخهم غاية التوبيخ‪ ،‬ويسفه‬
‫ويشتت نظامهم‪ ،‬ويذم آلهتهم‬
‫أحلمهم‪ ،‬ويحط أعلمهم‪،‬‬
‫وآباءهم‪ ،‬ويستبيح أرضهم وديارهم وأموالهم‪ ،‬وهم في كل هذا‬
‫‪129‬‬

‫ناكصون عن معارضتيه‪ ،‬محجمون عن مماثلته‪ ،‬يخادعون أنفسهم‬
‫َ‬
‫ن هَذ َا إ ِ ّل‬
‫بالتشغيب و التكذيب‪ ،‬والغراء بالفتراء‪ ،‬وقولهم‪(:‬إ ِ ْ‬
‫حٌر ُّ‬
‫ن هَذ َا‬
‫ست َ ِ‬
‫حٌر يُؤْثَُر) (المدّثر‪ ،)24 :‬و( ِ‬
‫ِ‬
‫مٌّر) (القمر‪ ،)2 :‬و(إ ِ ْ‬
‫س ْ‬
‫س ْ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫إَِّل إِفْ ٌ‬
‫ن) (النعام‪،)25 :‬‬
‫ساطِيُر الوَّلِي‬
‫ك افْتََراهُ) (الفرقان‪ ،)4 :‬و (َأ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م‬
‫والمباهتة والرضا بالدنية‪ ،‬كقولهم‪( :‬وَقَالُوا ْ قُلُوبُنَا غُل ْ ٌ‬
‫ف بَل ل ّعَنَهُ ُ‬
‫َ‬
‫م فَقَلِيل ً َّ‬
‫ن) (البقرة‪.)88 :‬‬
‫ما يُؤ ْ ِ‬
‫منُو َ‬
‫الل ّه بِكُفْرِه ِ ْ‬
‫َ‬
‫م َّ‬
‫من بَيْنِنَا‬
‫ما تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذ َانِنَا وَقٌْر وَ ِ‬
‫(وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أكِنَّةٍ ِّ‬
‫َ َ َ‬
‫وَبَيْن ِ َ‬
‫م ْ‬
‫ن‬
‫ن) (فصلت ‪( .)5‬وَقا‬
‫ب فَاع ْ‬
‫ك ِ‬
‫ل إِنَّنَا ع َا ِ‬
‫ملُو َ‬
‫جا ٌ‬
‫ح َ‬
‫َ‬
‫ل ال ّذِي َ‬
‫َ‬
‫ن) (فصلت‪:‬‬
‫م تَغْلِبُو َ‬
‫كَفَُروا َل ت َ ْ‬
‫ن وَالْغَوْا فِيهِ لَعَل ّك ُ ْ‬
‫س َ‬
‫معُوا لِهَذ َا الْقُْرآ ِ‬
‫م آيَاتُنَا قَالُوا ْ قَدْ‬
‫‪ ))26‬والدعاء مع العجز بقولهم‪((:‬وَإِذ َا تُتْلَى ع َلَيْهِ ْ‬
‫َ َ‬
‫مث ْ َ‬
‫معْنَا لَوْ ن َ َ‬
‫ن)‬
‫شاء لَقُلْنَا ِ‬
‫س ِ‬
‫ل هَـذ َا إ ِ ْ‬
‫ن هَـذ َا إِل ّ أ َ‬
‫َ‬
‫ساطِيُر الوَّلِي َ‬
‫(النفال‪)31 :‬‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫وقد قال لهم الله‪( :‬وَلن تَفْعَلوا ) (البقرة‪ ،)24 :‬فما فعلوا ول‬
‫قدروا‪ .‬ومن تعاطى ذلك من سخفائهم ـ كمسيلمة ـ كشف عواره‬
‫جميعهم‪ ،‬وسلبهم الله ما ألفوه‪ ،‬من فصيح كلمهم‪ ،‬وإل فلم يخف‬
‫على أهل الميز منهم أنه ليس من نمط فصاحتهم‪ ،‬ول جنس‬
‫بلغتهم‪ ،‬بل ولوا عنه مدبرين‪ ،‬وأتوا مذعنين من بين مهتد و بين‬
‫مفتون‪.‬‬
‫ولهذا لما سمع الوليد بن المغيرة من النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم‪:‬‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫(إ ِ َّ‬
‫ن‬
‫ل وَال ِ ْ‬
‫ح َ‬
‫ه يَأ ُ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫سا ِ‬
‫مُر بِالْعَد ْ ِ‬
‫ن وَإِيت َ َاء ذِي ال َقُْربَى َويَنْهَى ع َ ِ‬
‫ح َ‬
‫ن) (النحل‪. )90 :‬‬
‫الْفَ ْ‬
‫م تَذ َك ُّرو َ‬
‫ي يَعِظُك ُ ْ‬
‫م لَعَل ّك ُ ْ‬
‫شاء وَال ْ ُ‬
‫منكَرِ وَالْبَغْ ِ‬
‫قال‪ :‬والله‪ ،‬إن له لحلوة‪ ،‬وإن عليه لطلوةً‪ ،‬وإن أسفله لمغدق‪،‬‬
‫وإن أعله لمثمر‪ ،‬ما يقول هذا بشر‪.‬‬
‫وذكر أبو عبيد أن أعرابيا ً سمع رجل ً يقرأ‪:‬‬‫م ْ‬
‫ن) (الحجر‪ )94 :‬فسجد‪ ،‬و‬
‫شرِكِي‬
‫مُر وَأَع ْر‬
‫ض عَ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫ما تُؤ ْ َ‬
‫صدَع ْ ب ِ َ‬
‫ْ‬
‫(فَا ْ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫سواْ‬
‫قال‪ :‬سجدت لفصاحته‪ .‬وسمع آخر رجل ً يقرأ‪(( :‬فَل َ َّ‬
‫ستَيْأ ُ‬
‫ما ا ْ‬
‫جيّا ً ) (يوسف‪)80 :‬‬
‫ه َ‬
‫ِ‬
‫صوا ْ ن َ ِ‬
‫من ْ ُ‬
‫خل َ ُ‬
‫فقال‪ :‬أشهد أن مخلوقا ً ل يقدر على مثل هذا الكلم‪.‬‬
‫وحكي أن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ كان يوما ً نائما ً في‬‫المسجد فإذا هو بقائم على رأسه يتشهد شهادة الحق‪،‬‬
‫واستخبره‪ ،‬فأعلمه أنه من بطارقة الروم ممن يحسن كلم‬
‫العرب وغيرها‪ ،‬وأنه سمع رجل ً من أسرى المسلمين يقرأ آية من‬
‫كتابكم فتأملتها‪ ،‬فإذا هي قد جمع فيها ما أنزل على عيسى ابن‬
‫َّ‬
‫ه‬
‫مريم من أحوال‬
‫من يُطِِع الل َ‬
‫الدنيا والخرة‪ ،‬وهي قوله تعالى‪( :‬وَ َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ه وَيَتَّقْهِ فَأوْلَئ ِ َ‬
‫ن) (النور‪)52 :‬‬
‫ه وَي َ ْ‬
‫م الْفَائُِزو َ‬
‫وََر ُ‬
‫ك هُ ُ‬
‫ش الل ّ َ‬
‫سول َ ُ‬
‫خ َ‬

‫‪130‬‬

‫وحكى الصمعي أنه سمع كلم جارية‪ ،‬فقال لها‪ :‬قاتلك الله ما‬‫َ‬
‫حيْنَا‬
‫أفصحك! فقالت‪ :‬أو يعد هذا فصاح ً‬
‫ة بعد قول الله تعالى‪( :‬وَأوْ َ‬
‫َ‬
‫إلَى أ ُم موسى أ َ َ‬
‫م ِ وََل‬
‫ضعِيهِ فَإِذ َا ِ‬
‫خفْ ِ‬
‫ن أْر ِ‬
‫ْ‬
‫ِّ ُ َ‬
‫ت ع َلَيْهِ فَألْقِيهِ فِي الْي َ ّ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ن)‬
‫ي‬
‫ل‬
‫س‬
‫ر‬
‫م‬
‫ال‬
‫ن‬
‫م‬
‫ه‬
‫و‬
‫عل‬
‫جا‬
‫و‬
‫ك‬
‫ي‬
‫ل‬
‫إ‬
‫ه‬
‫و‬
‫د‬
‫را‬
‫ا‬
‫ن‬
‫إ‬
‫ي‬
‫زن‬
‫ح‬
‫ت‬
‫ل‬
‫و‬
‫ي‬
‫ف‬
‫خا‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ت ِ‬
‫ِّ َ ّ ُ ِ ْ ِ َ َ‬
‫َ َ ْ َ‬
‫ُ ْ َ َ‬
‫ُ ِ َ‬
‫(القصص‪ ،)7 :‬فجمع في آية واحدة بين أمرين ونهيين‪ ،‬وخبرين‪ ،‬و‬
‫بشارتين‪.‬‬
‫فهذا نوع من إعجازه منفرد بذاته‪ ،‬غير مضاف إلى غيره على‬
‫التحقيق والصحيح من القولين‪.‬‬
‫وكون القرآن من قِبَل النبي صلى الله عليه وسلم‪ ،‬وأنه أتى به‬
‫معلوم ضرورة‪ ،‬وكونه متحديا ً به معلوم ضرورة‪ ،‬وعجز العرب‬
‫عن التيان به معلوم ضرورة‪ ،‬وكونه في فصاحته خارقا ً للعادة‬
‫معلوم ضرورة للعالِمين بالفصاحة ووجوه البلغة‪ ،‬وسبيل من‬
‫ليس من أهلها علم ذلك بعجز المفكرين من أهلها عن معارضته‬
‫واعتراف المفسرين بإعجاز بلغته‪.‬‬
‫ُ‬
‫ي‬
‫وأنت إذا‬
‫ص َ‬
‫تأملت قوله تعالى‪(:‬وَلَك ُ ْ‬
‫م فِي ال ْ ِق َ‬
‫حيَاة ٌ يَا ْ أول ِ ْ‬
‫صا ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ن) (البقرة‪.) 179 :‬‬
‫م تَت ّقُو َ‬
‫ب لعَلك ُ ْ‬
‫اللْبَا ِ‬
‫من َّ‬
‫ب)‬
‫ت وَأ ُ ِ‬
‫خذ ُوا ِ‬
‫وقوله‪( :‬وَلَوْ تََرى إِذ ْ فَزِع ُوا فََل فَوْ َ‬
‫ن قَرِي ٍ‬
‫مكَا ٍ‬
‫(سبأ‪.))51 :‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن فَإِذ َا ال ّذِي بَيْن َ َ‬
‫ه‬
‫يأ ْ‬
‫ح َ‬
‫ه عَدَاوَة ٌ كَأن َّ ُ‬
‫ك وَبَيْن َ ُ‬
‫س ُ‬
‫وقوله‪(:‬إدْفَعْ بِال ّتِي ه ِ َ‬
‫وَل ِ ٌّ‬
‫م) (فصلت‪.)34 :‬‬
‫ح ِ‬
‫ي َ‬
‫مي ٌ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫و قوله‪(:‬وَقِي َ‬
‫ماء‬
‫ماء ِ‬
‫ك وَيَا َ‬
‫س َ‬
‫ض ابْلَعِي َ‬
‫ض ال ْ َ‬
‫ماء أقْلِعِي وَِغي َ َ‬
‫ل يَا أْر ُ‬
‫َ‬
‫ي وَقِي َ‬
‫ن)‬
‫وَقُ ِ‬
‫ل بُعْدا ً ل ِّلْقَوْم ِ الظ ّال ِ ِ‬
‫ت ع َلَى ال ْ ُ‬
‫مُر وَا ْ‬
‫ستَوَ ْ‬
‫ي ال ْ‬
‫جود ِ ِ ّ‬
‫ض َ‬
‫مي َ‬
‫(هود‪)44 :‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫منْهُم َّ‬
‫منْهُم‬
‫و قوله (فَكُّل ً أ َ‬
‫صبا ً وَ ِ‬
‫حا ِ‬
‫خذ ْنَا بِذ َنبِهِ فَ ِ‬
‫سلْنَا ع َلَيْهِ َ‬
‫ن أْر َ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫منْهُم َّ‬
‫منْهُم َّ‬
‫َّ‬
‫ه ال َّ‬
‫ن أغَْرقْنَا‬
‫ن َ‬
‫ن أَ َ‬
‫ح ُ‬
‫ض وَ ِ‬
‫ة وَ ِ‬
‫خذ َت ْ‬
‫صي ْ َ‬
‫خ َ‬
‫ُ‬
‫سفْنَا بِهِ اْلْر َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن) (العنكبوت‪:‬‬
‫ما كَا َ‬
‫مو َ‬
‫م وَلَكِن كَانُوا أن ُف َ‬
‫وَ َ‬
‫م يَظْل ِ ُ‬
‫سهُ ْ‬
‫مهُ ْ‬
‫ه لِيَظْل ِ َ‬
‫ن الل ّ ُ‬
‫‪.)40‬‬
‫وأشباهها من الي‪ ،‬بل أكثر القرآن حققت ما بينته من إيجار‬
‫ألفاظها‪ ،‬وكثرة معانيه‪ ،‬وديباجة عبارتها‪ ،‬وحسن تأليف حروفها‪،‬‬
‫وتلؤم كلمها‪ ،‬وأن تحت كل لفظة منها جمل ً كثيرة‪ ،‬وفصول ً جمة‪،‬‬
‫وعلوما ً زواخر‪ ،‬ملئت الدواوين من بعض ما استفيد منها‪ ،‬وكثرت‬
‫المقالت في المستنبطات عنها‪.‬‬
‫ثم هو في سرده القصص الطوال‪ ،‬وأخبار القرون السوالف‪ ،‬التي‬
‫يضعف في عادة الفصحاء عندها الكلم ويذهب ماء البيان ـ آية‬
‫لمتأمله‪ ،‬من ربط الكلم بعضه ببعض‪ ،‬والتئام سرده‪ ،‬وتناصف‬
‫وجوهه‪ ،‬كقصة يوسف على طولها‪.‬‬

‫‪131‬‬

‫ثم إذا ترددت قصصه اختلفت العبارات عنها على كثرة ترددها‬
‫حتى تكاد كل واحدة تنسي في البيان صاحبتها‪ ،‬وتناصف في‬
‫الحسن وجه مقابلتها‪ ،‬ول نفور للنفوس من ترديدها‪ ،‬ول معاداة‬
‫لمعادها‪.‬‬
‫الفصل الرابع‪:‬‬
‫في إعجاز القرآن ـ الوجه الثاني‪ :‬النظم والسلوب‪:‬‬
‫الوجه الثاني من إعجازه صورة نظمه العجيب‪ ،‬والسلوب‬
‫الغريب المخالف لساليب كلم العرب ومناهج نظمها ونثرها‬
‫الذي جاء عليه‪ ،‬ووقفت مقاطع آية‪ ،‬وانتهت فواصل كلماته إليه‪،‬‬
‫ولم يوجد قبله ول بعده نظير له‪ ،‬ول استطاع أحد مماثلة شيء‬
‫منه‪ ،‬بل حارت فيه عقولهم‪ ،‬وتدلهت دونه أحلمهم‪ ،‬ولم يهتدوا‬
‫إلى مثله في جنس كلمهم من نثر أو نظم‪ ،‬أو سجع أو رجز‪ ،‬أو‬
‫شعر‪.‬‬
‫ولما سمع كلمه صلى الله عليه وسلم الوليد بن المغيرة‪ ،‬وقرأ‬
‫عليه القرآن ـ رقّ‪ ،‬فجاءه أبو جهل منكرا ً عليه ـ قال‪ :‬والله ما‬
‫منكم أحد أعلم بالشعار مني‪ ،‬والله ما يشبه الذي يقول شيئا ً من‬
‫هذا‪.‬‬
‫قلت‪:‬‬
‫أخرج اللباني قصة الوليد بن المغيرة‪ ،‬في صحيح السيرة‪ ،‬باب‬
‫مجادلة المشركين رسول الله صلى الله عليه وسلم وإقامة‬
‫الحجة الدامغة عليهم واعترافهم في أنفسهم بالحق وإن أظهروا‬
‫المخالفة عنادا وحسدا وبغيا وجحودا‪.....‬قال‪:‬‬
‫روى إسحاق بن راهويه بسنده عن ابن عباس‪ :‬أن الوليد بن‬
‫المغيرة جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه‬
‫القرآن فكأنه رق له‪ ..‬فبلغ ذلك أبا جهل فأتاه فقال‪ :‬يا عم إن‬
‫قومك يريدون أن يجمعوا لك مال‪ .‬قال‪ :‬لم؟ قال‪ :‬ليعطوكه فإنك‬
‫أتيت محمدا لتعرض ما قبله‪ .‬قال‪ :‬قد علمت قريش أني من‬
‫أكثرها مال‪ .‬قال‪ :‬فقل فيه قول ً يبلغ قومك أنك منكر له‪ .‬قال‪:‬‬
‫وماذا أقول؟ فو الله ما منكم رجل أعرف بالشعار مني‪ ،‬ول أعلم‬
‫برجزه ول بقصيده مني‪ ،‬ول بأشعار الجن‪ ...‬والله ما يشبه الذي‬
‫يقول شيئا من هذا‪ ...‬و والله إن لقوله الذي يقوله لحلوة وإن‬
‫عليه لطلوة وإنه لمثمر أعله مغدق أسفله وإنه ليعلو ول يعلى‬
‫وإنه ليحطم ما تحته‪ .‬قال‪ :‬ل يرضى عنك قومك حتى تقول فيه‪.‬‬
‫قال‪ :‬فدعني حتى أفكر فيه‪.‬‬
‫فلما فكر قال‪ :‬إن هذا إل سحر يؤثر‪ ،‬يأثره عن غيره‪ .‬فنزلت‪:‬‬
‫مال ً َّ‬
‫ن‬
‫ن َ‬
‫ت وَ ِ‬
‫حيدا ً * وَ َ‬
‫م ْ‬
‫ه َ‬
‫ت لَ ُ‬
‫جعَل ْ ُ‬
‫خلَقْ ُ‬
‫(دَْرنِي وَ َ‬
‫مدُودا ً َ* َوبَنِي َ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫مهِيدا ً * ث ُ َّ‬
‫م َّهد ُّ‬
‫ُ‬
‫ن‬
‫ه كَا َ‬
‫معُ أ ْ‬
‫ن أزِيد َ * ك َ ّل إِن َّ ُ‬
‫م يَط ْ َ‬
‫ه تَ ْ‬
‫ت لَ ُ‬
‫شهُودا ً * وَ َ‬
‫‪132‬‬

‫لياتنا ع َنيداً* ُ‬
‫ه فَكََّر وَقَدََّر *فَقُت ِ َ‬
‫ف قَدََّر *‬
‫ل كَي ْ َ‬
‫ِ‬
‫ِ َ َِ‬
‫َ‬
‫صعُودا ً * إِن َّ ُ‬
‫سأْرهِقُ ُ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫سَر * ث ُ َّ‬
‫م نَظََر * ث ُ َّ‬
‫ف قَدََّر * ث ُ َّ‬
‫ث ُ َّ‬
‫م قُت ِ َ‬
‫ستَكْبََر‬
‫ل كَي ْ َ‬
‫م ع َب َ‬
‫م أدْبََر وَا ْ‬
‫س وَب َ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ن هَذ َا إَِّل قَوْ ُ‬
‫*فَقَا َ‬
‫ل الْب َ َ‬
‫صلِيهِ‬
‫ن هَذ َا إ ِ ّل ِ‬
‫حٌر يُؤ ْثَُر * إ ِ ْ‬
‫س ْ‬
‫ل إِ ْ‬
‫شرِ * َ‬
‫سأ ْ‬
‫َ‬
‫ما أدَْرا َ‬
‫ة ل ِّلْب َ َ‬
‫شرِ *‬
‫ح ٌ‬
‫سقَُر * َل تُبْقِي وََل تَذَُر * لَوَّا َ‬
‫ما َ‬
‫َ‬
‫ك َ‬
‫سقََر * وَ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ة عَ َ‬
‫جعَلنَا‬
‫ملئِك ً‬
‫سعَ َ‬
‫ما َ‬
‫حا َ‬
‫ص َ‬
‫ما َ‬
‫ع َليْهَا ت ِ ْ‬
‫ة وَ َ‬
‫ب َالن ّارِ إ ِل َ‬
‫ش ََر * َو َ‬
‫جعَلنَا أ ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫م إ ِ ّل فِتْن َ ً‬
‫ِ‬
‫ب وَيَْزدَادَ‬
‫ن أوتُوا الْكِتَا َ‬
‫ن كَفَُروا لِي َ ْ‬
‫ع َدَّتَهُ ْ‬
‫ة ل ِّل ّذِي َ‬
‫ن ال ّذِي َ‬
‫ستَيْقِ َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫ن‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫منُو َ‬
‫ن أوتُوا الكِتَا َ‬
‫مانا وَل يَْرتَا َ‬
‫ب وَال ُ‬
‫من ُ َوا إِي َ‬
‫نآ َ‬
‫ب الذِي َ‬
‫الذِي َ‬
‫َّ‬
‫َ‬
‫ن فِي قُلُوبِهِم َّ‬
‫وَلِيَقُو َ‬
‫ه بِهَذ َا‬
‫ل ال ّذِي‬
‫ض وَالْكَافُِرو َ‬
‫ماذ َا أَراد َ الل ُ‬
‫ن َ‬
‫مَر ٌ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫مثَل ً كَذَل ِ َ‬
‫ض ّ‬
‫من ي َ َ‬
‫من ي َ َ‬
‫ك يُ ِ‬
‫جنُودَ‬
‫م ُ‬
‫ما يَعْل َ ُ‬
‫شاءُ وَ َ‬
‫شاءُ وَيَهْدِي َ‬
‫ه ََ‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫َرب ِّ َ‬
‫ي إ ِل ذِكَْرى لِلب َ َ‬
‫شرِ *) المدثر‪ ./‬هكذا رواه‬
‫ك إ ِل هُوَ وَ َ‬
‫ما ه ِ َ‬
‫البيهقي عن الحاكم عن إسحاق‪.‬‬
‫قلت[ اللباني]‪ :‬وفي ذلك قال الله تعالى إخبارا عن جهلهم وقلة‬
‫ْ‬
‫ل قَالُوا ْ أ َضغَا ُ َ‬
‫عقلهم (ب َ ْ‬
‫ل افْتََراه ُ ب َ ْ‬
‫و َ‬
‫شا ِ‬
‫عٌر فَلْيَأتِنَا بِآيَةٍ‬
‫ثأ ْ‬
‫ْ‬
‫حلَم ٍ ب َ ِ‬
‫ل هُ َ‬
‫كَ ُ‬
‫َ‬
‫س َ‬
‫ن) (النبياء‪ )5 :‬فحاروا ماذا يقولون فيه؟ فكل‬
‫ما أْر ِ‬
‫ل الوَّلُو َ‬
‫َ‬
‫شيء يقولونه باطل لن من خرج عن الحق مهما قاله أخطأ‪...‬‬
‫ضربُوا ْ ل َ َ َ‬
‫ضلُّوا ْ فَلَ‬
‫مثَا َ‬
‫قال الله تعالى‪( :‬انظُْر كَي ْ َ‬
‫ل فَ َ‬
‫ك ال ْ‬
‫ف َ َ‬
‫سبِيلً) (السراء‪)48 :‬‬
‫ستَطِيعْو َ‬
‫ن َ‬
‫يَ ْ‬
‫قلت‪:‬‬
‫أورد الشيخ أحمد بن محمد القسطلني القصة في المواهب‬
‫اللدنية بالمنح المحمدية قال‪:‬‬
‫عن عكرمة في قصة الوليد بن المغيرة‪ ،‬وكان زعيم قريش في‬
‫الفصاحة‪ ،‬أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم‪ :‬اقرأ علي‪ ...‬فقرأ‬
‫ن الل ّه يأ ْ‬
‫عليه‪( :‬إ ِ َّ‬
‫ن وَإِيتَاء ذِي الْقُْربَى وَيَنْهَى‬
‫سا‬
‫ل وَال ِ ْ‬
‫مُر بِالْعَد ْ‬
‫َ َ‬
‫ح َ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ح َ‬
‫ن) (النحل‪)90 :‬‬
‫ن الْفَ ْ‬
‫م تَذ َك ُّرو َ‬
‫م لَعَل ّك ُ ْ‬
‫ي يَعِظُك ُ ْ‬
‫شاء وَال ْ ُ‬
‫منكَرِ وَالْبَغْ ِ‬
‫عَ ِ‬
‫قال‪ :‬أعد‪ ...‬فأعاد صلى الله عليه وسلم‪ ،‬فقال[ الوليد]‪:‬والله إن‬
‫له لحلوة وإن عليه لطلوة وإن أعله لمثمر وإن أسفله لمغدق‬
‫وما يقول هذا بشر‪ ،‬ثم قال لقومه والله ما فيكم رجل أعلم‬
‫بالشعار مني‪ ،‬ول أعلم برجزه ول أشعار الجن فو الله ما يشبه‬
‫الذي يقول شيئا من هذا‪ ..‬والله إن لقوله الذي يقول لحلوة وإن‬
‫عليه لطلوة وإنه لمثمر أعله مغدق أسفله وإنه ليعلو ول يعلى‪.‬‬
‫ش عند حضور الموسم‪ ،‬وقال‪:‬‬
‫ وفي خبره الخرـ حين جمع قري ً‬‫إن وفود العرب ترد فأجمعوا فيه رأيا ً ل يكذب بعضكم بعضاً‪،‬‬
‫فقالوا‪ :‬نقول كاهن‪ .‬قال‪ :‬والله ما هو بكاهن‪ .‬ما هو بزمزمته ول‬
‫سجعه‪.‬قالوا‪ :‬مجنون‪ :‬قال‪ :‬ما هو بمجنون‪ ،‬ول بخنقه ول‬
‫وسوسته‪.‬‬

‫‪133‬‬

‫قالوا‪ :‬فنقول شاعر‪ .‬قال‪ :‬ما هو بشاعر‪ .‬قد عرفنا الشعر كله‪،‬‬
‫رجزه‪ ،‬وهزجه‪ ،‬وقريضه‪ ،‬و مبسوطه‪ ،‬ومقبوضه‪ ،‬ما هو بشاعر‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬فنقول ساحر‪ .‬قال‪ :‬ما هو بساحر‪ ،‬ول نفثه ول عقده‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬فما نقول‪ :‬قال‪ :‬ما أنتم بقائلين من هذا شيئاً‪ ،‬إل وأنا‬
‫أعرف أنه باطل‪ ،‬وإن أقرب القول أنه ساحر‪ ،‬فإنه سحر يفرق‬
‫بين المرء وابنه‪ ،‬والمرء وأخيه‪ ،‬والمرء وزوجه‪ ،‬والمرء وعشيرته‪.‬‬
‫فتفرقوا وجلسوا على السبل يحذرون الناس‪ ،‬فأنزل الله تعالى‬
‫مال ً َّ‬
‫مدُودا ً *‬
‫ن َ‬
‫ت وَ ِ‬
‫حيدا ً *وَ َ‬
‫م َْ‬
‫ه َ‬
‫ت لَ ُ‬
‫جعَل ْ ُ‬
‫خلَقْ ُ‬
‫في الوليد‪( :‬ذَْرنِي وَ َ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫مهِيدا ً * ث ُ َّ‬
‫مهَّد ُّ‬
‫ن ُ‬
‫ن‬
‫ه كَا َ‬
‫معُ أ ْ‬
‫ن أزِيد َ * ك َ ّل إِن َّ ُ‬
‫م يَط ْ َ‬
‫ه تَ ْ‬
‫ت لَ ُ‬
‫شهُودا ً *وَ َ‬
‫وَبَنِي َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ه فَك َّر وَقَد َّر * فَقُت ِ َ‬
‫ف قَد َّر *‬
‫ل كَي ْ َ‬
‫ِليَاتِنَا ع َنِيدا * َ‬
‫صعُودا * إِن ّ ُ‬
‫سأْرهِقُ ُ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫سَر * ث ُ َّ‬
‫م نَظََر * ث ُ َّ‬
‫ف قَدََّر * ث ُ َّ‬
‫ث ُ َّ‬
‫م قُت ِ َ‬
‫ستَكْبََر‬
‫ل كَي ْ َ‬
‫م ع َب َ‬
‫م أدْبََر وَا ْ‬
‫س وَب َ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫شر* ُ‬
‫ن هَذ َا إ ِ ّل قَوْ ُ‬
‫* فَقَا َ‬
‫صلِيهِ‬
‫ن هَذ َا إ ِ ّل ِ‬
‫حٌر يُؤْثَُر * إ ِ ْ‬
‫س ْ‬
‫ل إِ ْ‬
‫ل الْب َ َ ِ َ‬
‫سأ ْ‬
‫سقََر *) ‪(-‬المدثر)‪.‬‬
‫َ‬
‫وقال عتبة بن ربيعة حين سمع القرآن‪ :‬يا قوم‪ ،‬قد علمتم أني‬‫لم أترك شيئا ً إل وقد علمته وقرأته وقلته‪ ،‬والله لقد سمعت‬
‫قولً‪ ..‬والله ما سمعت مثله قط‪ ،‬ما هو بالشعر‪ ،‬ول بالسحر‪ ،‬ول‬
‫بالكهانة‪- .‬وقال النضر بن الحارث نحوه‪.‬‬
‫قلت‪:‬‬
‫* أخرج اللباني قصة عتبة بن ربيعة‪ ،‬في صحيح السيرة‪ ،‬قال‪:‬‬
‫وروى المام عبد بن حميد في (مسنده) بسنده عن جابر بن‬
‫ما فقالوا‪ :‬انظروا أعلمكم‬
‫عبد الله قال‪ :‬اجتمعت قريش يو ً‬
‫بالسحر والكهانة والشعر فليأت هذا الرجل الذي فرق جماعتنا‬
‫وشتت أمرنا وعاب ديننا فليكلمه ولينظر ماذا يرد عليه؟ فقالوا‪:‬‬
‫ما نعلم أحدا غير عتبة بن ربيعة‪ .‬فقالوا‪ :‬أنت يا أبا الوليد فأتاه‬
‫عتبة فقال‪ :‬يا محمد أنت خير أم عبد الله؟ فسكت رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم فقال‪ :‬أنت خير أم عبد المطلب؟ فسكت‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ .‬ثم قال‪ :‬إن كنت تزعم أن‬
‫هؤلء خير منك فقد عبدوا اللهة التي عبت وإن كنت تزعم أنك‬
‫خير منهم فتكلم حتى نسمع قولك إنا والله ما رأينا سخلة قط‬
‫أشأم على قومك منك فرقت جماعتنا وشتت أمرنا وعبت ديننا‬
‫وفضحتنا في العرب حتى لقد طار فيهم أن في قريش ساحًرا‬
‫وأن في قريش كاهنا والله ما ننتظر إل مثل صيحة الحبلى أن‬
‫يقوم بعضنا إلى بعض بالسيوف حتى نتفانى‪ .‬أيها الرجل إن كان‬
‫إنما بك الحاجة جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش رجل ً واحدًا وإن‬
‫كان إنما بك الباءة فاختر أي نساء قريش شئت فلنزوجك عشًرا‪.‬‬
‫فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪( :‬فرغت؟)‪ .‬قال‪ :‬نعم‪.‬‬
‫فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪( :‬بسم الله الرحمن‬
‫‪134‬‬

‫الرحيم‪ .‬حم * تَنزِي ٌ‬
‫ه‬
‫ن الَّر ِ‬
‫ب فُ ِّ‬
‫ل ِّ‬
‫حيم ِ *كِتَا ٌ‬
‫ن الَّر ْ‬
‫ت آيَات ُ ُ‬
‫صل َ ْ‬
‫ح َ‬
‫م َ‬
‫م ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م َل‬
‫ن * بَ ِ‬
‫مو َ‬
‫م فَهُ ْ‬
‫ض أكْثَُرهُ ْ‬
‫قُْرآنا ً عََربِيّا ً ل ِّقَوْم ٍ يَعْل َ ُ‬
‫شيرا ً وَنَذِيرا ً فَأعَْر َ‬
‫َ‬
‫م َّ‬
‫ما تَدْع ُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذ َانِنَا وَقٌْر‬
‫ن *وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أكِنَّةٍ ِّ‬
‫معُو َ‬
‫يَ ْ‬
‫س َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫من بَيْنِنَا َوبَيْن ِ َ‬
‫ن * قُ ْ‬
‫م ْ‬
‫ما أنَا ب َ َ‬
‫شٌر‬
‫ك ِ‬
‫ل إِن ّنَا ع َا ِ‬
‫وَ ِ‬
‫ملو َ‬
‫جا ٌ‬
‫ح َ‬
‫ل إِن ّ َ‬
‫ب فَاع ْ َ‬
‫َ‬
‫حى إِل َ َّ‬
‫ه وَا ِ‬
‫ِّ‬
‫م يُو َ‬
‫موا إِلَيْهِ وَا ْ‬
‫حد ٌ فَا ْ‬
‫ستَغْفُِروهُ‬
‫ستَقِي ُ‬
‫م إِل َ ٌ‬
‫ما إِلَهُك ُ ْ‬
‫ي أن َّ ََ‬
‫مثْلُك ُ ْ‬
‫وَوَي ْ ٌ‬
‫م ْ‬
‫م‬
‫ن الَّزكَاة َ وَهُم بِاْل ِ‬
‫ن َل يُؤ ْتُو َ‬
‫خَرةِ هُ ْ‬
‫ل ل ِّل ْ ُ‬
‫ن * ال ّذِي َ‬
‫شرِكِي َ َ‬
‫َ‬
‫ن * إ ِ َّ‬
‫ملُوا ال َّ‬
‫ن‬
‫نآ‬
‫ن ال ّذِي‬
‫حا ِ‬
‫منُوا وَع َ ِ‬
‫مأ ْ‬
‫صال ِ َ‬
‫كَافُِرو َ‬
‫م ْ‬
‫جٌر غَيُْر َ‬
‫ت لَهُ ْ‬
‫َ‬
‫منُو ٍ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫* قُ ْ َ‬
‫َ‬
‫ه‬
‫ن بِال ّذِي َ‬
‫جعَلُو َ‬
‫ن وَت َ ْ‬
‫م لَتَكْفُُرو َ‬
‫ن لَ ُ‬
‫و َ‬
‫ل أئِنَّك ُ ْ‬
‫خلَقَ اْلْر َ‬
‫ض فِي ي َ ْ‬
‫مي ْ ِ‬
‫ك َر ُّ‬
‫أَندَادا ً ذَل ِ َ‬
‫من فَوْقِهَا وَبَاَر َ‬
‫جعَ َ‬
‫ك‬
‫ب الْعَال َ ِ‬
‫ي ِ‬
‫ل فِيهَا َروَا ِ‬
‫ن *وَ َ‬
‫مي َ‬
‫س َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫سوَاء ل ِّل َّ‬
‫ن * ث ُ َّ‬
‫ستَوَى‬
‫ما ْ‬
‫فِيهَا وَقَدََّر فِيهَا أقْوَات َ َها فِي أْربَعَةِ أيَّام ٍ َ‬
‫سائِلِي َ‬
‫إِلَى ال َّ‬
‫ن فَقَا َ‬
‫ض اِئْتِيَا طَوْعا ً أَوْ كَْرها ً قَالَتَا‬
‫ل ل َ َها وَلِْلَْر‬
‫ي دُ َ‬
‫خا ٌ‬
‫س َ‬
‫ماء وَه ِ َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ضاهُ َّ‬
‫حى فِي ك ُ ِّ‬
‫ل‬
‫ماوَا ٍ‬
‫ن وَأوْ َ‬
‫ن * فَقَ َ‬
‫سبْعَ َ‬
‫ن َ‬
‫ت فِي يَوْ َ‬
‫س َ‬
‫أتَيْنَا طَائِعِي َ‬
‫مي ْ ِ‬
‫َ‬
‫حفْظا ً ذَل ِ َ‬
‫مَرهَا وََزيَّنَّا ال َّ‬
‫ك تَقْدِيُر‬
‫ح وَ ِ‬
‫صابِي َ‬
‫َ‬
‫ماء الدُّنْيَا ب ِ َ‬
‫س َ‬
‫ماء أ ْ‬
‫س َ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫مث ْ َ‬
‫ضوا فَقُ ْ‬
‫صا ِ‬
‫عقَ ً‬
‫صا ِ‬
‫ة ِّ‬
‫عقَةِ‬
‫ن أعَْر ُ‬
‫الْعَزِيزِ العَلِيم ِ * فَإ ِ ْ‬
‫ل أنذَْرتُك ْ‬
‫ل َ‬
‫م َ‬
‫مود َ *) [ فصلت‪ .] 13 - 1 :‬فقال عتبة‪ :‬حسبك ما عندك غير‬
‫ع َاد ٍ وَث َ ُ‬
‫هذا؟ قال‪( :‬ل)‪ .‬فرجع إلى قريش فقالوا‪ :‬ما وراءك؟ قال‪ :‬ما‬
‫تركت شيئًا أرى أنكم تكلمونه إل كلمته‪ .‬قالوا‪ :‬فهل أجابك؟‬
‫فقال‪ :‬نعم‪ .‬ثم قال‪ :‬ل والذي نصبها بينة ما فهمت شيئًا مما قال‬
‫غير أنه أنذركم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود‪ .‬قالوا‪ :‬ويلك‬
‫يكلمك الرجل بالعربية ل تدري ما قال؟ قال‪ :‬ل والله ما فهمت‬
‫شيئًا مما قال غير ذكر الصاعقة‪.‬‬
‫وقد رواه البيهقي وغيره عن الحاكم بسنده عن الجلح به وفيه‬
‫كلم وزاد‪ :‬وإن كنت إنما بك الرياسة عقدنا ألويتنا لك فكنت‬
‫رأسا ما بقيت‪ .‬وعنده أنه لما قال‪(_:‬فإن أعرضوا فقل أنذرتكم‬
‫صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود) أمسك عتبة على فيه وناشده‬
‫الرحم أن يكف عنه ولم يخرج إلى أهله واحتبس عنهم‪ .‬فقال أبو‬
‫جهل‪ :‬والله يا معشر قريش ما نرى عتبة إل صبا إلى محمد‬
‫وأعجبه كلمه وما ذاك إل من حاجة أصابته انطلقوا بنا إليه‪ .‬فأتوه‬
‫فقال أبو جهل‪ :‬والله يا عتبة ما جئنا إل أنك صبوت إلى محمد‬
‫وأعجبك أمره فإن كان بك حاجة جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك‬
‫عن محمد‪ .‬فغضب وأقسم بالله ل يكلم محمدًا أبدًا وقال‪ :‬لقد‬
‫علمتم أني من أكثر قريش مال ً ولكني أتيته ‪ -‬وقص عليهم القصة‬
‫ فأجابني بشيء ‪ -‬والله ما هو بسحر ول بشعر ول كهانة ‪ -‬قرأ‪:‬‬‫(بسم الله الرحمن الرحيم‪ .‬حم‪ .‬تنزيل من الرحمن الرحيم‪...‬حتى‬
‫بلغ‪ :‬فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود)‬
‫فأمسكت بفيه وناشدته الرحم أن يكف وقد علمتم أن محمدًا إذا‬
‫قال شيئًا لم يكذب فخفت أن ينزل عليكم العذاب‪.‬‬
‫‪135‬‬

‫ثم روى البيهقي بسنده عن المغيرة بن شعبة قال‪ :‬إن أول يوم‬
‫عرفت رسول الله صلى الله عليه وسلم أني أمشي أنا وأبو جهل‬
‫بن هشام في بعض أزقة مكة إذ لقينا رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبي جهل‪( :‬يا أبا‬
‫الحكم هلم إلى الله وإلى رسوله أدعوك إلى الله)‪ .‬فقال أبو‬
‫جهل‪ :‬يا محمد هل أنت منته عن سب آلهتنا؟ هل تريد إل أن‬
‫نشهد أنك قد بلغت؟ فنحن نشهد أن قد بلغت فو الله لو أني‬
‫أعلم أن ما تقول حق لتبعتك‪ .‬فانصرف رسول الله صلى الله‬
‫عليه وسلم وأقبل علي فقال‪ :‬والله إني لعلم أن ما يقول حق‬
‫ولكن يمنعني شيء إن بني قصي قالوا‪ :‬فينا الحجابة‪ .‬فقلنا‪ :‬نعم‪.‬‬
‫ثم قالوا‪ :‬فينا السقاية‪ .‬فقلنا‪ :‬نعم‪ .‬ثم قالوا‪ :‬فينا الندوة‪ .‬فقلنا‪:‬‬
‫نعم‪ .‬ثم قالوا‪ :‬فينا اللواء‪ .‬فقلنا‪ :‬نعم‪ .‬ثم أطعموا وأطعمنا حتى‬
‫إذا تحاكت الركب قالوا‪ :‬منا نبي والله ل أفعل‪ .‬وهذا القول منه ‪-‬‬
‫لعنه الله ‪ -‬كما قال تعالى مخبرا عنه وعن أضرابه‪( :‬وَإِذ َا َرأَوْ َ‬
‫ك‬
‫َ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ضل ّنَا‬
‫إِن يَت َّ ِ‬
‫ك إ ِ ّل هُُزوا ً أَهَذ َا ال ّذِي بَعَ َ‬
‫خذ ُون َ‬
‫سول ً * إِن كَاد َ لَي ُ ِ‬
‫ه َر ُ‬
‫ث الل ّ ُ‬
‫َ‬
‫ب‬
‫سوْ َ‬
‫ن ِ‬
‫ن الْعَذ َا َ‬
‫ن يََروْ َ‬
‫مو َ‬
‫صبَْرنَا ع َلَيْهَا وَ َ‬
‫ف يَعْل َ ُ‬
‫ن آلِهَتِنَا لَوَْل أن َ‬
‫عَ ْ‬
‫حي َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ض ّ‬
‫سبِيلً) (الفرقان ‪.)42 -41‬‬
‫نأ َ‬
‫ل َ‬
‫َ‬
‫م ْ‬
‫صف أخاه أنيساً‪ ،‬فقال‪ :‬والله ما‬
‫وو‬
‫ذر‬
‫أبي‬
‫إسلم‬
‫حديث‬
‫وفي‬‫َ َ‬
‫ً‬
‫سمعت بأشعر من أخي أنيس‪ ،‬لقد ناقض اثني عشر شاعرا في‬
‫الجاهلية‪ ،‬أنا أحدهم‪ ،‬وإنه انطلق إلى مكة‪ ،‬وجاء إ لى أبي ذر‬
‫بخبر النبي صلى الله عليه وسلم‪ .‬قلت‪ :‬فما يقول الناس؟ قال‪:‬‬
‫يقولون‪ :‬شاعر‪ :‬كاهن‪ ،‬ساحر‪ ،‬لقد سمعت قول الكهنة فما هو‬
‫بقولهم‪ ،‬ولقد وضعته على أقراء الشعر فلم يلتئم‪ ،‬وما يلتئم على‬
‫لسان أحد بعدي أنه شعر‪ ،‬وإنه لصادق‪ ،‬وإنهم لكاذبون‪- .‬والخبار‬
‫في هذا صحيحة كثيرة‪.‬‬
‫قلت‪:‬‬
‫حديث إسلم أبي ذر رضي الله عنه رواه مسلم‪،‬وأحمد‪،‬‬
‫والبيهقي‪ ،‬وهو في صحيح مسلم‪ -‬كتاب فضائل الصحابة‪-‬‬
‫حدثنا هداب بن خالد الزدي‪ .‬حدثنا سليمان بن المغيرة‪ .‬أخبرنا‬
‫حميد بن هلل عن عبد الله بن الصامت‪ .‬قال‪ :‬قال أبو ذر‪ :‬خرجنا‬
‫من قومنا غفار‪ .‬وكانوا يحلون الشهر الحرام‪ .‬فخرجت أنا وأخي‬
‫أنيس وأمنا‪ .‬فنزلنا على خال لنا‪ .‬فأكرمنا خالنا وأحسن إلينا‪.‬‬
‫فحسدنا قومه فقالوا‪ :‬إنك إذا خرجت عن أهلك خالف إليهم‬
‫أنيس‪ .‬فجاء خالنا فنثا علينا الذي قيل له‪ .‬فقلت‪ :‬أما ما مضى من‬
‫معروفك فقد كدرته‪ ،‬ول جماع لك فيما بعد‪ .‬فقربنا صرمتنا‪.‬‬
‫فاحتملنا عليها‪ .‬وتغطى خالنا ثوبه فجعل يبكي‪ .‬فانطلقنا حتى‬
‫نزلنا بحضرة مكة‪ .‬فنافر أنيس عن صرمتنا وعن مثلها‪ .‬فأتيا‬
‫‪136‬‬

‫الكاهن‪ .‬فخير أنيسا‪ .‬فأتانا أنيس بصرمتنا ومثلها معها‪.‬قال‪ :‬وقد‬
‫صليت‪ ،‬يا ابن أخي! قبل أن ألقى رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم بثلث سنين‪ .‬قلت‪ :‬لمن؟ قال‪ :‬لله‪ .‬قلت‪ :‬فأين توجه؟‬
‫قال‪ :‬أتوجه حيث يوجهني ربي‪ .‬أصلي عشاء حتى إذا كان من‬
‫آخر الليل ألقيت كأني خفاء‪ .‬حتى تعلوني الشمس‪.‬‬
‫فقال أنيس‪ :‬إن لي حاجة بمكة فاكفني‪ .‬فانطلق أنيس حتى أتى‬
‫مكة‪ .‬فراث علي‪ .‬ثم جاء فقلت‪ :‬ما صنعت؟ قال‪ :‬لقيت رجل‬
‫بمكة على دينك‪ .‬يزعم أن الله أرسله‪ .‬قلت‪ :‬فما يقول الناس؟‬
‫قال‪ :‬يقولون‪ :‬شاعر‪ ،‬كاهن‪ ،‬ساحر‪ .‬وكان أنيس أحد الشعراء‪.‬‬
‫قال أنيس‪ :‬لقد سمعت قول الكهنة‪ .‬فما هو بقولهم‪ .‬ولقد وضعت‬
‫قوله على أقراء الشعر‪ .‬فما يلتئم على لسان أحد بعدي؛ أنه‬
‫شعر‪ .‬والله! إنه لصادق‪ .‬وإنهم لكاذبون‪(...‬الحديث)‬
‫والعجاز بكل واحد من النوعين‪ :‬اليجاز والبلغة بذاتها‪ ،‬أو‬‫السلوب الغريب بذاته‪ ،‬كل واحد منهما نوع إعجازه على‬
‫التحقيق‪ ،‬لم تقدر العرب على التيان بواحد منهما‪ ،‬إذا كل واحد‬
‫خارج عن قدرتها‪ ،‬مباين لفصاحتها و كلمها‪ ،‬وإلى هذا ذهب غير‬
‫واحد من أئمة المحققين‪.‬‬
‫و ذهب بعض المحققين المقتدى بهم إلى أن العجاز في مجموع‬
‫البلغة والسلوب‪ ،‬وأتى على ذلك بقول تمجه السماع‪ ،‬وتنفر منه‬
‫القلوب‪ .‬والصحيح ما قدمناه‪ ،‬و العلم بهذا كله ضرورة قطعاً‪.‬‬
‫ومن تفنن في علوم البلغة‪ ،‬وأرهف خاطره ولسانه أدب هذه‬
‫الصناعة لم يخف عليه ما قلناه‪.‬‬
‫وقد اختلف أئمة أهل السنة في وجه عجزهم عنه‪ ،‬فأكثرهم‬‫يقول‪ :‬إنه ما جمع في قوة جزالته‪ ،‬ونصاعة ألفاظه‪ ،‬وحسن‬
‫نظمه‪ ،‬وإيجازه‪ ،‬وبديع تأليفه وأسلوبه ل يصح أن يكون في مقدور‬
‫البشر‪ ،‬وأنه من باب الخوارق الممتنعة عن إقدار الخلق عليها‪،‬‬
‫كإحياء الموتى‪ ،‬وقلب العصا‪ ،‬وتسبيح الحصى‪.‬‬
‫وذهب الشيخ أبو الحسن إلى أن مما يمكن أن يدخل مثله تحت‬
‫مقدور البشر‪ ،‬ويقدرهم الله عليه‪ ،‬ولكنه لم يكن هذا ول يكون‪،‬‬
‫ه هذا‪ ،‬و ع َّ‬
‫جزهم عنه‪.‬‬
‫فمنعَهم الل ُ‬
‫وقال به جماعة من أصحابه‪.‬‬‫وعلى الطريقين فعجز العرب عنه ثابت‪ ،‬وإقامة الحجة عليهم‬‫بما يصح أن يكون في مقدور البشر‪ ،‬وتحديهم بأن يأتوا بمثله‬
‫قاطع‪ ،‬وهو أبلغ في التعجيز‪ ،‬وأحرى بالتقريع‪ ،‬والحتجاج بمجيء‬
‫بشر مثلهم بشيء ليس من قدرة البشر لزم‪ ،‬وهو أبهر آية‪،‬‬
‫وأقمع دللة‪.‬‬

‫‪137‬‬

‫وعلى كل حال فما أتوا في ذلك بمقال‪ ،‬بل صبروا على الجلء‪،‬‬
‫والقتل‪ ،‬وتجرعوا كاسات ال َّ‬
‫صغار والذل‪ ،‬وكانوا من شموخ النف‪،‬‬
‫وإباية الضيم‪ ،‬بحيث ل يؤثرون ذلك اختياراً‪ ،‬ول يرضونه إل‬
‫اضطراراً‪ ،‬وإل فالمعارضة لو كانت من قدرهم‪ ،‬الشغل بها أهون‬
‫عليهم وأسرع بالنجح وقطع العذر وإفحام الخصم لديهم‪ ،‬وهم‬
‫ممن لهم قدرة على الكلم‪ ،‬وقدوة في المعرفة به لجميع النام‪،‬‬
‫وما منهم إل من جهد جهده‪ ،‬واستنفد ما عنده في إخفاء ظهوره‪،‬‬
‫ة من بنات شفاههم‪ ،‬ول أتوا‬
‫وإطفاء نوره‪ ،‬فما جلوا في ذلك خبيئ ً‬
‫بنطفة من معين مياههم‪ ،‬مع طول المد‪ ،‬و كثرة العدد‪ ،‬وتظاهر‬
‫الوالد وما ولد‪ ،‬بل أبلسوا فما نبسوا‪ ،‬ومنعوا فانقطعوا‪ ،‬فهذان‬
‫نوعان من إعجازه‪.‬‬
‫الفصل الخامس‬
‫في إعجاز القرآن‪:‬‬
‫الوجه الثالث‪ :‬ما انطوى عليه من الخبار بالمغيبات‬
‫الوجه الثالث من العجاز ما انطوى عليه من الخبار بالمغيبات‪،‬‬‫وما لم يكن ولم يقع‪ ،‬فوجد‪ ،‬كما ورد وعلى الوجه الذي أخبر به‪،‬‬
‫َ‬
‫خل ُ َّ‬
‫م إِن َ‬
‫ن) (الفتح‬
‫كقوله تعالى‪( :‬لَتَد ْ ُ‬
‫هآ ِ‬
‫جد َ ال ْ َ‬
‫حَرا َ‬
‫م ْ‬
‫س ِ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫شاء الل ّ ُ‬
‫منِي َ‬
‫‪)27‬‬
‫ن) (الروم‪.)3 :‬‬
‫وقوله تعالى‪(:‬وَهُم ِّ‬
‫سيَغْلِبُو َ‬
‫م َ‬
‫من بَعْد ِ غَلَبِهِ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫سول َ ُ ْ‬
‫س َ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ل َر ُ‬
‫وقوله تعالى‪(:‬هُوَ ال ّذِي أْر َ‬
‫قّ لِيُظْهَِرهُ‬
‫ح ِ‬
‫ه بِالهُدَى وَدِي ِ‬
‫م ْ‬
‫ن) (التوبة‪)33 :‬‬
‫ع َلَى ال ِ‬
‫شرِكُو َ‬
‫ن كُل ِّهِ وَلَوْ كَرِ َه َ ال ْ َ ُ‬
‫دّي ِ‬
‫وقوله تعالى‪(( :‬وَعَد َ الل ّ‬
‫ملُوا ال َّ‬
‫ت‬
‫نآ‬
‫ه ال ّذِي‬
‫حا ِ‬
‫م وَع َ ِ‬
‫منُوا ِ‬
‫صال ِ َ‬
‫ُ‬
‫منك ُ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫مكِّن َ َّ‬
‫خلِفَنَّهُم فِي اْلَْر‬
‫ن‬
‫ست َ ْ‬
‫ست َ ْ‬
‫خل َ َ‬
‫ن ِ‬
‫ما ا ْ‬
‫لَي َ ْ‬
‫ض كَ َ‬
‫من قَبْلِهِ ْ‬
‫م وَلَي ُ َ‬
‫ف ال ّذِي َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫خوفه َ‬
‫مناً‬
‫دّلَنَّهُم ِّ‬
‫م وَلَيُب َ ِ‬
‫م ال ّذِي اْرت َ َ‬
‫من بَعْد ِ َ ْ ِ ِ ْ‬
‫لَهُ ْ‬
‫مأ ْ‬
‫ضى لَهُ ْ‬
‫م دِينَهُ ُ‬
‫ُ‬
‫ك فَأوْلَئ ِ َ‬
‫من كَفََر بَعْد َ ذَل ِ َ‬
‫ن بِي َ‬
‫يَعْبُدُونَنِي َل ي ُ ْ‬
‫م‬
‫شرِكُو َ‬
‫ك هُ ُ‬
‫شيْئا ً وَ َ‬
‫ن) (النور‪)55 :‬‬
‫الْفَا ِ‬
‫سقُو َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫س يَد ْ ُ‬
‫صُر الل ّ ِ‬
‫خلُو َ‬
‫ه وَالْفَت ْ ُ‬
‫وقوله تعالى‪(:‬إِذ َا َ‬‫ح (‪ )1‬وََرأي ْ َ‬
‫ت النَّا َ‬
‫جاء ن َ ْ‬
‫َ َ‬
‫واباً‬
‫مد ِ َرب ِّ َ‬
‫ن ت َ َّ‬
‫ه كَا َ‬
‫ح بِ َ‬
‫سب ِّ ْ‬
‫ك وَا ْ‬
‫ن الل ّهِ أفْوَاجا ً (‪ )2‬فَ َ‬
‫ستَغْفِْره ُ إِن َّ ُ‬
‫ح ْ‬
‫فِي دِي ِ‬
‫(‪(– )3‬النصر)‬
‫فكان جميع هذا‪ ،‬كما قال‪...‬فغلبت الروم فارس في بضع سنين‪،‬‬
‫ودخل الناس في السلم أفواجاً‪ ،‬فما مات صلى الله عليه وسلم‬
‫وفي بلد العرب كلها موضع لم يدخله السلم‪.‬واستخلف الله‬
‫المؤمنين في الرض‪ ،‬ومكَّن فيها دينهم‪ ،‬و ملكهم إياها من أقصى‬
‫المشارق إلى أقصى المغارب‪ ،‬كما قال صلى الله عليه وسلم‪:‬‬
‫"زويت إلى الرض‪ ،‬فأريت مشارقها و مغاربها‪ ،‬و سيبلغ ملك‬
‫أمتي ما زوي لي منها‪.‬‬

‫‪138‬‬

‫قلت‪ :‬أخرج هذا الحديث ابن ماجه في السنن؛ واللباني في‬
‫صحيح السيرة‪ ،‬ولفظه‪:‬‬
‫" زويت لي الرض حتى رأيت مشارقها ومغاربها وأعطيت‬
‫الكنزين الصفر أو الحمر والبيض‪( ،‬يعني الذهب والفضة) وقيل‬
‫لي إن ملكك إلى حيث زوي لك‪ ..‬وإني سألت الله عز وجل ثلثا‪:‬‬
‫أن ل يسلط على أمتي جوعا فيهلكهم به عامة‪ ،‬وأن ل يلبسهم‬
‫شيعا ويذيق بعضهم بأس بعض‪ ،‬وإنه قيل لي إذا قضيت قضاء فل‬
‫مرد له وإني لن أسلط على أمتك جوعا فيهلكهم فيه ولن أجمع‬
‫عليهم من بين أقطارها حتى يفني بعضهم بعضا ويقتل بعضهم‬
‫بعضا وإذا وضع السيف في أمتي فلن يرفع عنهم إلى يوم‬
‫القيامة‪ ..‬وإن مما أتخوف على أمتي أئمة مضلين‪ ..‬وستعبد قبائل‬
‫من أمتي الوثان‪ ،‬وستلحق قبائل من أمتي بالمشركين‪ ..‬وإن بين‬
‫يدي الساعة دجالين كذابين قريبا من ثلثين كلهم يزعم أنه نبي‪،‬‬
‫ولن تزال طائفة من أمتي على الحق منصورين ل يضرهم من‬
‫خالفهم حتى يأتي أمر الله عز وجل"‪ ..‬قال أبو الحسن لما فرغ‬
‫أبو عبد الله من هذا الحديث قال ما أهوله‪..‬‬
‫قال الشيخ اللباني‪ :‬صحيح‪ ..‬سند الحديث‪ :‬حدثنا هشام بن عمار‬
‫ثنا محمد بن شعيب بن شابور ثنا سعيد بن بشير عن قتادة أنه‬
‫حدثهم عن أبي قلبة الجرمي عبد الله بن زيد عن أبي أسماء‬
‫الرحبي عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‪( ...:‬الحديث)‪.‬‬
‫ن) (الحجر‪،)9 :‬‬
‫حافِظُو َ‬
‫ه لَ َ‬
‫وقوله‪(( :‬إِنَّا ن َ ْ‬‫ن نََّزلْنَا الذِّكَْر وَإِنَّا ل َ ُ‬
‫ح ُ‬
‫فكان كذلك‪ ،‬ل يكاد يعد من سعى في تغييره وتبديل محكمه من‬
‫الملحدة والمعطلة‪ ،‬ل سيما القرامطة‪ ،‬فأجمعوا كيدهم وحولهم‬
‫وقوتهم‪ ،‬اليوم نيفا ً على خمسمائة عام‪ ،‬فما قدروا على إطفاء‬
‫شيء من نوره‪ ،‬ول تغيير كلمة من كلمه‪ ،‬ول تشكيك المسلمين‬
‫في حرف من حروفه‪ ،‬و الحمد لله‪.‬‬
‫ُ‬
‫ن الدُّبَُر) (القمر‪)45 :‬‬
‫معُ وَيُوَل ّو َ‬
‫م ال ْ َ‬
‫سيُهَْز ُ‬
‫ومنه قوله‪َ ( :‬‬
‫ج ْ‬
‫َ‬
‫م‬
‫م َوي ُ ْ‬
‫م ع َلَيْهِ ْ‬
‫صْرك ُ ْ‬
‫خزِه ِ ْ‬
‫ه بِأيْدِيك ُ ْ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫م يُعَذِّبْهُ ُ‬
‫وقوله‪(:‬قَاتِلُوهُ ْ‬‫م َويَن ُ‬
‫صدُوَر قَوْم ٍ ُّ‬
‫وَي َ ْ‬
‫ن) (التوبة ‪)14‬‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫ش ِ‬
‫ف ُ‬
‫منِي َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫سول َ ُ ْ‬
‫س َ‬
‫ق لِيُظْهَِره ُ ع َلَى‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ل َر ُ‬
‫وقوله‪(:‬هُوَ ال ّذِي أْر َ‬
‫ح ِّ‬
‫ه بِالهُدَى وَدِي ِ‬
‫م ْ‬
‫ن) (التوبة ‪)33‬‬
‫شرِكُو َ‬
‫ن كُل ِّهِ وَلَوْ كَرِه َ ال ْ ُ‬
‫الدِّي ِ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م لَ‬
‫م الدُبَاَر ث ُ َّ‬
‫وقوله‪( :‬لَن ي َ ُ‬
‫م إِل ّ أذ ًى وَإِن يُقَاتِلُوك ُ ْ‬
‫ضُّروك ُ ْ‬
‫م يُوَل ّوك ُ ُ‬
‫ن) (آل عمران‪.)111 :‬‬
‫صُرو َ‬
‫يُن َ‬
‫فكان كل ذلك‪.‬وما فيه من كشف أسرار المنافقين واليهود‪،‬‬
‫ومقالهم وكذبهم في حلفهم‪ ،‬وتقريعهم بذلك‪،‬‬

‫‪139‬‬

‫َ‬
‫َ‬
‫ما نَقُو ُ‬
‫م‬
‫م لَوَْل يُعَ ِ‬
‫ن فِي أنفُ ِ‬
‫ل َ‬
‫كقوله‪(:‬وَيَقُولُو َ‬
‫ح ْ‬
‫سبُهُ ْ‬
‫ه بِ َ‬
‫ذّبُنَا الل ّ ُ‬
‫سهِ ْ‬
‫صيُر) (المجادلة ‪)8‬‬
‫م ِ‬
‫َ‬
‫س ال ْ َ‬
‫جهَن َّ ُ‬
‫صلَوْن َ َها فَبِئ ْ َ‬
‫م يَ ْ‬
‫َ‬
‫ن لَ َ‬
‫سهِم َّ‬
‫ن لَنَا‬
‫وقوله‪( :‬ي ُ ْ‬
‫ن فِي أن ُف ِ‬
‫ما ل َ يُبْدُو َ‬
‫خفُو َ‬
‫ن لَوْ كَا َ‬
‫ك يَقُولُو َ‬
‫َّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫يءٌ َّ‬
‫مرِ َ‬
‫ن‬
‫ِ‬
‫م فِي بُيُوتِك ُ ْ‬
‫ما قُتِلنَا هَاهُنَا قُل لوْ كُنت ُ ْ‬
‫ن ال ْ‬
‫م لبََرَز الذِي َ‬
‫ش ْ‬
‫م َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫م القَت ْ ُ‬
‫م‬
‫كت ِ َ‬
‫م َ‬
‫صدُورِك ْ‬
‫ب ع َليْهِ ُ‬
‫ه َ‬
‫ي الل ُ‬
‫جعِهِ ْ‬
‫ضا ِ‬
‫ل إِلى َ‬
‫ما فِي ُ‬
‫م وَلِيَبْتَل ِ َ‬
‫م َّ‬
‫ت ال ُّ‬
‫صدُورِ) (آل عمران‪:‬‬
‫م بِذ َا ِ‬
‫ه عَلِي ٌ‬
‫م وَالل ّ ُ‬
‫ما فِي قُلُوبِك ُ ْ‬
‫ص َ‬
‫وَلِي ُ َ‬
‫ح َ‬
‫‪.)154‬‬
‫َ‬
‫س َّ‬
‫س َّ‬
‫ن‬
‫ن لِقَوْم ٍ آ َ‬
‫وقوله‪ِ (:‬‬
‫ماع ُو َ‬
‫ماع ُو َ‬
‫ب َ‬
‫ن هِادُوا ْ َ‬
‫ن لِلْكَذ ِ ِ‬
‫خرِي َ‬
‫ن ال ّذِي َ‬
‫م َ‬
‫ُ‬
‫م يَأْتُو َ‬
‫م هَـذ َا‬
‫موَا ِ‬
‫م ِ‬
‫ن إِ ْ‬
‫ضعِهِ يَقُولُو َ‬
‫حّرِفُو َ‬
‫ك يُ َ‬
‫ن أوتِيت ُ ْ‬
‫من بَعْد ِ َ‬
‫ن الْكَل ِ َ‬
‫لَ ْ‬
‫َ‬
‫خذ ُوه ُ وَإِن ل ّ‬
‫مل ِ َ‬
‫ه‬
‫فَ ُ‬
‫م تُؤ ْتَوْه ُ فَا ْ‬
‫ك لَ ُ‬
‫ه فَلَن ت َ ْ‬
‫ه فِتْنَت َ ُ‬
‫من يُرِد ِ الل ّ ُ‬
‫حذَُروا ْ وَ َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫شيْئا ً أوْلَـئ ِ َ‬
‫ن اللّهِ َ‬
‫م فِي‬
‫ِ‬
‫م لَهُ ْ‬
‫ه أن يُطَهَِّر قُلُوبَهُ ْ‬
‫م يُرِد ِ الل ّ ُ‬
‫ن لَ ْ‬
‫ك ال ّذِي َ‬
‫م َ‬
‫م) (المائدة ‪)41‬‬
‫م فِي ال ِ‬
‫الدُّنْيَا ِ‬
‫خَرةِ عَذ َا ٌ‬
‫ب عَظِي ٌ‬
‫خْزيٌ وَل َ َهُ ْ‬
‫م ع َن َّ‬
‫ن‬
‫ن ال ّذِي‬
‫موَا ِ‬
‫وقوله‪ِّ ( :‬‬
‫ضعِهِ وَيَقُولُو َ‬
‫حّرِفُو َ‬
‫ن هَادُوا ْ ي ُ َ‬
‫ن الْكَل ِ َ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫م وَطَعْنا ً فِي)‬
‫مٍع وََرا ِ‬
‫عنَا لَيّا ً بِأل ْ ِ‬
‫س ِ‬
‫م ْ‬
‫صيْنَا وَا ْ‬
‫َ‬
‫سنَتِهِ ْ‬
‫س َ‬
‫معْ غَيَْر ُ‬
‫س َ‬
‫معْنَا وَع َ َ‬
‫(النساء‪.)46 :‬‬
‫ً‬
‫َ‬
‫وقد قال مبديا‪ ،‬ما قد ّره الله واعتقده المؤمنون يوم بدر‪( :‬وَإِذْ‬
‫يعِدك ُم الل ّه إحدى الطَّائِفَتِي َ‬
‫ت ال َّ‬
‫ن أ َ َّ‬
‫شوْكَةِ‬
‫ن غَيَْر ذ َا ِ‬
‫ُ ِ ْ َ‬
‫م وَتَوَدُّو َ‬
‫َ ُ ُ‬
‫ن أنَّهَا لَك ُ ْ‬
‫َ ْ ِ‬
‫ماتِهِ وَيَقْطَعَ دَابَِر‬
‫ه أن ي ُ ِ‬
‫حقَّ ال َ‬
‫تَكُو ُ‬
‫حقَّ بِكَل ِ َ‬
‫ن لَك ُ ْ‬
‫م َويُرِيد ُ الل ّ ُ‬
‫ن) (النفال‪)7 :‬‬
‫الْكَافِرِي َ‬
‫ومنه قوله تعالى‪( :‬إِنَّا كَفَيْنَا َ‬
‫ن) (الحجر‪.)95 :‬‬
‫م ْ‬
‫ك ال ْ ُ‬
‫ستَهْزِئِي َ‬
‫ولما نزلت بشر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك أصحابه بأن‬
‫الله كفاه إياهم‪ ،‬وكان المستهزئون نفرا ً بمكة ينفرون الناس عنه‬
‫و يؤذونه فهلكوا‪.‬‬
‫م َ َ‬
‫م َ‬
‫س ) (المائدة‪.)67 :‬‬
‫ك ِ‬
‫ه ي َ ْع ِ‬
‫ص ُ‬
‫وقوله (وَالل ّ ُ‬
‫ن الن ّا ِ‬
‫فكان كذلك على كثرة من رام ضره‪ ،‬وقصد قتله‪ ،‬والخبار بذلك‬
‫معروفة صحيحة‪.‬‬
‫قلت‪ :‬ذكر ابن كثير في التفسير أسماء هؤلء المستهزئين كما‬
‫رواه ابن إسحاق‪ ،‬قال‪:‬‬
‫قوله تعالى‪{ :‬وأعرض عن المشركين * إنا كفيناك المستهزئين}‬
‫أي بلغ ما أنزل إليك من ربك‪ ,‬ول تلتفت إلى المشركين الذين‬
‫يريدون أن يصدوك عن آيات الله {ودّوا لو تدهن فيدهنون} ول‬
‫تخفهم فإن لله كافيك إياهم وحافظك منهم‪ ,‬كقوله تعالى‪{ :‬يا‬
‫أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت‬
‫رسالته والله يعصمك من الناس}‪.‬‬
‫وقال الحافظ أبو بكر البزار‪ :‬حدثنا يحيى بن محمد بن السكن‪,‬‬
‫حدثنا إسحاق بن إدريس‪ ,‬حدثنا عون بن كهمس عن يزيد بن‬
‫درهم‪ ,‬عن أنس قال‪ :‬سمعت أنسا ً يقول في هذه الية‪{ ,‬إنا‬
‫‪140‬‬

‫كفيناك المستهزئين الذين يجعلون مع الله إلها ً آخر} قال‪ :‬مر‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم فغمزه بعضهم فجاء جبريل‪,‬‬
‫أحسبه قال‪ :‬فغمزهم‪ ,‬فوقع في أجسادهم كهيئة الطعنة فماتوا‪.‬‬
‫قال محمد بن إسحاق‪ :‬كان عظماء المستهزئين كما حدثني يزيد‬
‫بن رومان عن عروة بن الزبير خمسة نفر‪ ,‬وكانوا ذوي أسنان‬
‫وشرف في قومهم من بني أسد بن عبد العزى بن قصي السود‬
‫بن المطلب أبي زمعة‪ ,‬كان رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫فيما بلغني قد دعا عليه لما كان يبلغه من أذاه واستهزائه‪ ,‬فقال‪:‬‬
‫«اللهم أعم بصره‪ ,‬وأثكله ولده»‪ .‬ومن بني زهرة السود بن عبد‬
‫يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة‪ ,‬ومن بني مخزوم الوليد‬
‫بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم‪ ,‬ومن بني سهم ابن‬
‫عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي العاص بن وائل بن هشام بن‬
‫سعيد بن سعد‪ ,‬ومن خزاعة الحارث بن الطلطلة بن عمرو بن‬
‫الحارث بن عبد بن ـ عمرو بن ملكان ـ‪ .‬فلما تمادوا في الشر‬
‫وأكثروا برسول الله صلى الله عليه وسلم الستهزاء أنزل الله‬
‫تعالى‪{ :‬فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين * إنا كفيناك‬
‫المستهزئين‪ ...‬إلى قوله }فسوف يعلمون}‪.‬‬
‫وقال ابن إسحاق‪ :‬فحدثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير أو‬
‫غيره من العلماء أن جبريل أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫وهو يطوف بالبيت‪ ,‬فقام وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫إلى جنبه‪ ,‬فمر به السود بن عبد يغوث فأشار إلى بطنه‪,‬‬
‫ح‬
‫فاستسقى بطنه‪ ,‬ومر به الوليد بن المغيرة‪ ,‬فأشار إلى أثر جر ٍ‬
‫بأسفل كعب رجله‪ ,‬وكان أصابه قبل ذلك بسنتين‪ ,‬وهو يجز‬
‫إزاره‪ ,‬وذلك أنه مر برجل من خزاعة يريش نبل ً له‪ ,‬فتعلق سهم‬
‫من نبله بإزاره فخدش رجله ذلك الخدش‪ ,‬وليس بشيء‪ ,‬فانتفض‬
‫به فقتله‪ ,‬ومر به العاص بن وائل‪ ,‬فأشار إلى أخمص قدمه فخرج‬
‫على حمار له يريد الطائف‪ ,‬فربض على شبرقة فدخلت في‬
‫أخمص قدمه فقتلته‪ ,‬ومر به الحارث بن الطلطلة فأشار إلى‬
‫رأسه فامتخط قيحا ً فقتله‪.‬‬
‫قال محمد بن إسحاق‪ :‬حدثني محمد بن أبي محمد عن رجل‪ ,‬عن‬
‫ابن عباس قال‪ :‬كان رأسهم الوليد بن المغيرة وهو الذي جمعهم‪,‬‬
‫وهكذا روي عن سعيد بن جبير وعكرمة نحو سياق محمد بن‬
‫إسحاق به‪ ,‬عن يزيد عن عروة بطوله‪ ,‬إل أن سعيدا ً يقول‪:‬‬
‫الحارث بن غيطلة‪ ,‬وعكرمة يقول الحارث بن قيس‪ .‬قال‬
‫الزهري‪ :‬وصدقا هو الحارث بن قيس‪ ,‬وأمه غيطلة‪ ,‬وكذا روي‬
‫عن مجاهد ومقسم وقتادة وغير واحد أنهم كانوا خمسة‪ .‬وقال‬
‫الشعبي‪ :‬كانوا سبعة‪ ,‬والمشهور الول‪.‬‬
‫‪141‬‬

‫الفصل السادس‪:‬‬
‫في إعجاز القرآن‪:‬‬
‫الوجه الرابع‪ :‬ما أنبأ به من أخبار القرون السالفة‪ ،‬والمم‬
‫البائدة‪ ،‬والشرائع الداثرة‪:‬‬
‫الوجه الرابع ما أنبأ به من أخبار القرون السالفة‪ ،‬والمم البائدة‪،‬‬
‫والشرائع الداثرة‪ ،‬مما كان ل يعلم منه القصة الواحدة إل الفذ‬
‫من أخبار أهل الكتاب الذي قطع عمره في تعلم ذلك‪ ،‬فيورده‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم على وجهه‪ ،‬ويأتي به على نصه‪،‬‬
‫فيعترف العالم بذلك بصحته وصدقه‪ ،‬وأن مثله لم ينله بتعليم‪.‬‬
‫وقد علموا أنه صلى الله عليه وسلم أمي ل يقرأ ول يكتب‪ ،‬ول‬
‫اشتغل بمدارسة ول مثافنة‪ ،‬ولم يغب عنهم‪ ،‬ول جهل حاله أحد‬
‫منهم‪.‬‬
‫ً‬
‫وقد كان أهل الكتاب كثيراما يسألونه ـ صلى الله عليه وسلم ـ‬
‫عن هذا‪ ،‬فينزل عليه من القرآن ما يتلو عليهم منه ذكراً‪ ،‬كقصص‬
‫النبياء مع قومهم‪ ،‬وخبر موسى والخضر‪ ،‬ويوسف وإخوته‪،‬‬
‫وأصحاب الكهف‪ ،‬وذي القرنين‪ ،‬ولقمان وابنه‪ ،‬وأشباه ذلك من‬
‫النبياء والقصص‪ ،‬وبدء الخلق وما في التوراة‪ ،‬والنجيل‪،‬‬
‫والزبور‪ ،‬وصحف إبراهيم وموسى‪ ،‬مما صدقه فيه العلماء بها‪،‬‬
‫ولم يقدروا على تكذيب ما ذكر منها‪ ،‬بل أذعنوا لذلك‪ ،‬فمن‬
‫موفق آمن بما سبق له من خير‪ ،‬ومن شقي معاند حاسد‪ ،‬ومع‬
‫هذا لم يحك عن واحد من النصارى واليهود على شدة عداوتهم‬
‫له‪ ،‬وحرصهم على تكذيبه‪ ،‬وطول احتجاجه عليهم بما في كتبهم‪،‬‬
‫وتقريعهم بما انطوت عليه مصاحفهم‪ ،‬وكثرة سؤالهم له صلى‬
‫الله عليه وسلم‪ ،‬وتعنيتهم إياه ـ عن أخبار أنبيائهم‪ ،‬وأسرار‬
‫علومهم‪ ،‬ومستودعات سيرهم‪ ،‬وإعلمه لهم بمكتوم شرائعهم‬
‫ومضمنات كتبهم‪ ،‬مثل سؤالهم عن الروح‪ ،‬وذي القرنين‪،‬‬
‫وأصحاب الكهف‪ ،‬وعيسى‪ ،‬وحكم الرجم وما حرم إسرائيل على‬
‫نفسه‪ ،‬وما حرم عليهم من النعام‪ ،‬ومن طيبات أحلت لهم‬
‫فحرمت عليهم ببغيهم‪.‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ح َّ‬
‫وقوله‪ُّ ( :‬‬
‫سو ُ‬
‫ماء‬
‫هأ ِ‬
‫ل الل ّ ِ‬
‫شدَّاء ع َلَى الْكُفّارِ ُر َ‬
‫م َ‬
‫مد ٌ َّر ُ‬
‫ح َ‬
‫معَ ُ‬
‫ن َ‬
‫ه وَال ّذِي َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫س َّ‬
‫م‬
‫ضوَانا ً ِ‬
‫ضل ً ِّ‬
‫ن الل ّهِ وَرِ ْ‬
‫ن فَ ْ‬
‫جدا ً يَبْتَغُو َ‬
‫م ُرك ّعا ً ُ‬
‫سي َ‬
‫م تََراهُ ْ‬
‫بَيْنَهُ ْ‬
‫ماهُ ْ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫جود ِ ذَل ِ َ‬
‫ن أثَرِ ال ُّ‬
‫م فِي‬
‫جوهِهِم ِّ‬
‫س ُ‬
‫فِي وُ ُ‬
‫مثَلُهُ ْ‬
‫م فِي التَّوَْراةِ وَ َ‬
‫مثَلُهُ ْ‬
‫ك َ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ستَغْل َ َ‬
‫ج َ‬
‫ه‬
‫ل كََزْرٍع أ ْ‬
‫سوقِ ِ‬
‫خَر َ‬
‫ستَوَى ع َلَى ُ‬
‫ظ فَا ْ‬
‫شطْأهُ فَآَزَره ُ فَا ْ‬
‫اْلِن ِ‬
‫جي ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ب الُّزَّراع َ لِيَغِي َ‬
‫ملُوا‬
‫منُوا وَع َ ِ‬
‫ج ُ‬
‫نآ َ‬
‫م الْكُفَّاَر وَعَد َ الل ّ ُ‬
‫ظ بِهِ ُ‬
‫يُعْ ِ‬
‫ه ال ّذِي َ‬
‫َ‬
‫منْهُم َّ‬
‫ال َّ‬
‫جرا ً عَظِيماً) (الفتح‪ )29 :‬وغير ذلك من‬
‫ت ِ‬
‫حا ِ‬
‫مغْفَِرة ً وَأ ْ‬
‫صال ِ َ‬
‫أمورهم التي نزل فيها القرآن‪ ،‬فأجابهم وعرفهم بما أوحى إليه‬
‫من ذلك أنه أنكر ذلك أو كذبه‪ ،‬بل أكثرهم صرح بصحة نبوته‪،‬‬
‫‪142‬‬

‫وصدق مقالته‪ ،‬واعترف بعناده وحسدهم إياه‪ ،‬كأهل بجران‪ ،‬وابن‬
‫صوريا‪ ،‬وابني أخطب وغيرهم‪.‬‬
‫ومن باهت في ذلك بعض المباهتة‪ ،‬وادعى أن فيما عندهم من‬
‫ة ـ دعي إلى إقامة حجته‪ ،‬وكشف دعوته‪،‬‬
‫ذلك لما حكاه مخالف ً‬
‫فقيل له‪( :‬قُ ْ ْ‬
‫ن‬
‫ن َ (‪ )93‬فَ َ‬
‫ل فَأتُوا ْ بِالتَّوَْراةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنت ُ ْ‬
‫م َ‬
‫صادِقِي َ‬
‫م ِ‬
‫ك فَأُوْلَـئ ِ َ‬
‫من بَعْد ِ ذَل ِ َ‬
‫ن (‪.)94‬‬
‫ب ِ‬
‫مو َ‬
‫افْتََرىَ ع َلَى اللّهِ الْكَذ ِ َ‬
‫م الظ ّال ِ ُ‬
‫ك هُ ُ‬
‫(آل عمران )‬
‫فقرع ووبَّخ‪ ،‬ودعا إلى إحضار ممكن غير ممتنع‪ ،‬فمن معترف بما‬
‫جحده‪ ،‬ومتواقح يلقي على فضيحته من كتابه يده‪ .‬و لم يؤثر أن‬
‫واحدا ً منهم أظهر خلف قوله من كتبه‪ ،‬ول أبدى صحيحا ً ول‬
‫سقيما ً من صفحه‪ ،‬قال الله تعالى‪( :‬يَا أَهْ َ‬
‫م‬
‫ب قَد ْ َ‬
‫جاءك ُ ْ‬
‫ل الْكِتَا ِ‬
‫م َّ‬
‫ب وَيَعْفُو ع َن‬
‫م تُ ْ‬
‫م كَثِيرا ً ِّ‬
‫ن ِ‬
‫خفُو َ‬
‫َر ُ‬
‫ما كُنت ُ ْ‬
‫ن لَك ُ ْ‬
‫ن الْكِتَا ِ‬
‫م َ‬
‫سولُنَا يُبَي ِّ ُ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ب ُّ‬
‫ن‬
‫جاءكُم ِّ‬
‫ن اللهِ نُوٌر وَكِتَا ٌ‬
‫كَثِيرٍ قَد ْ َ‬
‫ه َ‬
‫ن (‪ )ُ 15‬يَهْدِي بِهِ الل ُ‬
‫مبِي ٌ‬
‫م َ‬
‫م ِ‬
‫ل ال َّ‬
‫سب ُ َ‬
‫سلَم ِ وَي ُ ْ‬
‫ما ِ‬
‫جهُم ِّ‬
‫ت إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ‬
‫خرِ ُ‬
‫اتَّبَعَ رِ ْ‬
‫ه ُ‬
‫ن الظ ّل ُ َ‬
‫ضوَان َ ُ‬
‫م ِ‬
‫ط ُّ‬
‫ستَقِيم ٍ (‪- )16‬المائدة‪.‬‬
‫صَرا ٍ‬
‫م إِلَى ِ‬
‫م ْ‬
‫وَيَهْدِيهِ ْ‬
‫الفصل السابع‪:‬‬
‫هذه الوجــوه الربعـة مـن العجـاز ل نـزاع فيها ول مريــة‪:‬‬
‫هذه الوجوه الربعة من إعجازه بينة ل نزاع فيها ول مرية‪.‬‬
‫ومن الوجوه البينة في إعجازه من غير هذه الوجوه آي وردت‬
‫بتعجيز قوم في قضايا‪ ،‬وإعلمهم أنهم ل يفعلونها فما فعلوا ول‬
‫قدروا على ذلك‪ ،‬كقوله لليهود‪( :‬قُ ْ‬
‫خَرةُ‬
‫م الدَّاُر ال َ ِ‬
‫ت لَك ُ ُ‬
‫ل إِن كَان َ ْ‬
‫ن)‬
‫ن النَّا‬
‫عند َ اللّهِ َ‬
‫ص ً‬
‫ِ‬
‫ة ِّ‬
‫ت إِن كُنت ُ ْ‬
‫مو َ‬
‫س فَت َ َ‬
‫م َ‬
‫خال ِ َ‬
‫صادِقِي َ‬
‫منَّوُا ْ ال ْ َ ْ‬
‫من دُو ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م‬
‫ه عَلِي ٌ‬
‫م وَالل ّ ُ‬
‫ت أيْدِيهِ ْ‬
‫م ْ‬
‫ما قَد َّ َ‬
‫منَّوْه ُ أبَدا ً ب ِ َ‬
‫(البقرة‪( )94 :‬وَلَن يَت َ َ‬
‫َ‬
‫ن) (البقرة‪)95 :‬‬
‫بِالظ ّالِمي َ‬
‫قال أبو إسحاق الزجاج‪ :‬في هذه الية أعظم حجة وأظهر دللة‬‫ت)‪ ،‬وأعلمهم أنهم‬
‫مو َ‬
‫على صحة الرسالة‪ ،‬لنه قال‪( :‬فَت َ َ‬
‫منَّوُا ْ ال ْ َ ْ‬
‫منَّوْه ُ أَبَداً)‪ ،‬فلم يتمنه واحدا ً منهم‪.‬‬
‫(لَن يَت َ َ‬
‫وعن النبي صلى الله عليه وسلم‪ :‬والذي نفسي بيده ل يقولها‬‫رجل منهم إل غص بريقه‪ .‬يعني يموت مكانه‪.‬‬
‫فصرفهم الله عن تمنيه وجزعهم‪ ،‬ليظهر صدق رسوله‪ ،‬وصحة ما‬
‫أوحي إليه‪ ،‬إذا لم يتمنه أحد منهم‪ ،‬وكانوا على تكذيبه أحرص لو‬
‫قدروا‪ ،‬ولكن الله يفعل ما يريد‪ ،‬فظهرت بذلك معجزته‪ ،‬وبانت‬
‫حجته‪.‬‬
‫قال أبو محمد الصيلي‪ :‬من أعجب أمرهم أنه ل يوجد منهم‬‫جماعة‪ ،‬ول واحد‪ ،‬من يوم أمر الله بذلك نبيه صلى الله عليه‬

‫‪143‬‬

‫وسلم ـ يقدم عليه‪ ،‬ول يجيب إليه‪ .‬وهذا موجود مشاهد لمن أراد‬
‫أن يمتحنه منهم‪.‬‬
‫قلت‪ :‬قال السيوطي في الدر المنثور‪:‬‬
‫وأخرج البيهقي في الدلئل عن ابن عباس في هذه الية قال‪ :‬قل‬
‫لهم يا محمد {إن كانت لكم الدار الخرة} يعني الجنة كما زعتم‬
‫{خالصة من دون الناس} يعني المؤمنين {فتمنوا الموت إن‬
‫كنتم صادقين} إنها لكم خالصة من دون المؤمنين فقال لهم‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ " :‬إن كنتم في مقالتكم‬
‫صادقين قولوا اللهم أمتنا‪ ،‬فوالذي نفسي بيده ل يقولها رجل‬
‫منكم إل غص بريقه فمات مكانه‪ ،‬فأبوا أن يفعلوا وكرهوا ما قال‬
‫لهم‪ ،‬فنزل {ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم} يعني عملته‬
‫أيديهم {والله عليم بالظالمين} أنهم لن يتمنوه‪ ،‬فقال رسول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم عند نزول هذه الية‪ :‬والله ل يتمنونه‬
‫أبدا"‪.‬‬
‫وأخرج ابن اسحق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في‬
‫قوله {فتمنوا الموت} أي ادعوا بالموت على أي الفريقين أكذب‬
‫فأبوا ذلك‪ ،‬ولو تمنوه يوم قال ذلك ما بقي على وجه الرض‬
‫يهودي إل مات‪.‬‬
‫وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله (قل إن لكم الدار‬
‫الخرة) يعني الجنة {خالصة} خاصة {فتمنوا الموت} فاسألوا‬
‫الموت {ولن يتمونه أبدا} لنهم يعلمون أنهم كاذبون {بما‬
‫قدمت} قال‪ :‬أسلفت‪.‬‬
‫وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وأبو نعيم في الدلئل‬
‫عن ابن عباس قال‪ :‬لو تمنى اليهود الموت لماتوا‪.‬‬
‫وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال‪ :‬لو تمنوا‬
‫الموت لشرق أحدهم بريقه‪.‬‬
‫وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن مردويه‬
‫وأبو نعيم عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫قال‪" :‬لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا‪ ،‬ولرأوا مقاعدهم من‬
‫النار"‪.‬‬
‫وكذلك آية المباهلة من هذا المعنى‪ ،‬حيث وفد عليه أساقفة‬
‫نجران وأبوْا السلم‪ ،‬فأنزل الله تعالى عليه آية المباهلة بقوله‪:‬‬
‫حآ َّ‬
‫جاء َ‬
‫ج َ‬
‫ن الْعِلْم ِ فَقُ ْ‬
‫ع‬
‫ل ت َ َعالَوْا ْ نَد ْ ُ‬
‫ك ِ‬
‫ك فِيهِ ِ‬
‫ما َ‬
‫ن َ‬
‫من بَعْد ِ َ‬
‫(فَ َ‬
‫م َ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م ث ُ َّ‬
‫م نَبْتَهِ ْ‬
‫ل‬
‫ساءنَا وَن ِ َ‬
‫م وَن ِ َ‬
‫سنَا وأنفُ َ‬
‫م وَأنفُ َ‬
‫سك ُ ْ‬
‫ساءك ُ ْ‬
‫أبْنَاءنَا وَأ َبْنَاءك ُ ْ‬
‫ن) (آل عمران‪.)61 :‬‬
‫جعَل ل ّعْن َ َ‬
‫فَن َ ْ‬
‫ة اللّهِ ع َلَى الْكَاذِبِي َ‬

‫‪144‬‬

‫فامتنعوا منها‪ ،‬ورضوا بأداء الجزية‪ ،‬وذلك أن العاقب عظيمهم‬
‫قال لهم‪ :‬قد علمتم أنه نبي‪ ،‬وأنه ما لعن قوما ً نبي قط فبقي‬
‫كبيرهم ول صغيرهم‪.‬‬
‫قلت‪ :‬قال ابن كثير عند تفسير هذه الية الكريمة‪:‬‬
‫قال تعالى آمرا ً رسوله صلى الله عليه وسلم‪ ,‬أن يباهل من‬
‫جك فيه من‬
‫عاند الحق في أمر عيسى بعد ظهور البيان {فمن حا ّ‬
‫بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا‬
‫ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم} أي نحضرهم في حال المباهلة {ثم‬
‫نبتهل} أي نلتعن {فنجعل لعنة الله على الكاذبين} أي منا أو‬
‫منكم‪.‬‬
‫وكان سبب نزول هذه المباهلة وما قبلها من أول السورة إلى‬
‫هنا في وفد نجران‪ ,‬أن النصارى لما قدموا فجعلوا يحاجون في‬
‫عيسى ويزعمون فيه ما يزعمون من البنوة واللهية‪ ,‬فأنزل الله‬
‫صدر هذه السورة ردا ً عليهم‪ ,‬قال ابن إسحاق في سيرته‬
‫المشهورة وغيره‪ :‬قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫وفد نصارى نجران ستون راكباً‪ ,‬فيهم أربعة عشر رجل ً من‬
‫أشرافهم يؤول أمرهم إليهم وهم‪ :‬العاقب واسمه عبد المسيح‪,‬‬
‫والسيد وهو اليهم‪ ,‬وأبو حارثة بن علقمة أخو بكر بن وائل‪,‬‬
‫وأويس بن الحارث‪ ,‬وزيد‪ ,‬وقيس‪ ,‬ويزيد ونبيه‪ ,‬وخويلد‪ ,‬وعمرو‪,‬‬
‫حنّس‪ ,‬وأمر هؤلء يؤول إلى ثلثة منهم وهم‬
‫وخالد‪ ,‬وعبد الله‪ ,‬وي ُ َ‬
‫العاقب‪ ,‬وكان أمير القوم وذا رأيهم وصاحب مشورتهم‪ ,‬والذي ل‬
‫يصدرون إل عن رأيه‪ ,‬والسيد وكان عالمهم وصاحب رحلهم‬
‫ومجتمعهم‪ ,‬وأبو حارثة بن علقمة وكان أسقفهم وحبرهم‬
‫وإمامهم وصاحب مدارسهم‪ ,‬وكان رجل ً من العرب من بني بكر‬
‫بن وائل‪ ,‬ولكنه تنصر فعظمته الروم وملوكها وشرفوه‪ ,‬وبنوا له‬
‫الكنائس وأخدموه لما يعلمونه من صلبته في دينهم‪ ,‬وقد كان‬
‫يعرف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفته وشأنه مما‬
‫علمه من الكتب المتقدمة‪ ,‬ولكن حمله جهله على الستمرار في‬
‫النصرانية لما يرى من تعظيمه فيها وجاهه عند أهلها‪.‬‬
‫قال ابن إسحاق‪ :‬وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير‪ ,‬قال‪ :‬قدموا‬
‫على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة‪ ,‬فدخلوا عليه‬
‫مسجده حين صلى العصر‪ ,‬عليهم ثياب الحبرات جبب وأردية في‬
‫جمال رجال بني الحارث بن كعب‪ ,‬قال‪ :‬يقول من رآهم من‬
‫أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم‪ :‬ما رأينا بعدهم وفدا ً مثلهم‪:‬‬
‫وقد حانت صلتهم فقاموا في مسجد رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم‪ ,‬فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪«:‬دعوهم» فصلوا‬
‫إلى المشرق‪ ,‬قال‪ :‬فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم‬
‫‪145‬‬

‫أبو حارثة بن علقمة‪ ,‬والعاقب عبد المسيح‪ ,‬والسيد اليهم وهم‬
‫من النصرانية على دين الملك مع اختلف أمرهم يقولون‪ :‬هو‬
‫الله‪ ,‬ويقولون‪ :‬هو ولد الله‪ ,‬ويقولون‪ :‬هو ثالث ثلثة‪ ,‬تعالى الله‬
‫عن قولهم علوا ً كبيراً‪ .‬وكذلك قول النصرانية‪ ,‬فهم يحتجون في‬
‫قولهم هو الله‪ ,‬بأنه كان يحيى الموتى ويبرىء الكمه والبرص‬
‫والسقام‪ ,‬ويخبر بالغيوب‪ ,‬ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ‬
‫فيه فيكون طيراً‪ ,‬وذلك كله بأمر الله‪ .‬وليجعله الله آية للناس‪,‬‬
‫ويحتجون على قولهم بأنه ابن الله يقولون‪ :‬لم يكن له أب يعلم‪,‬‬
‫وقد تكلم في المهد بشيء لم يسمعه أحد من بني آدم قبله‪,‬‬
‫ويحتجون على قولهم بأنه ثالث ثلثة بقول الله تعالى‪ :‬فعلنا‬
‫وأمرنا وخلقنا وقضينا فيقولون لو كان واحدا ً ما قال إل فعلت‬
‫وأمرت وقضيت وخلقت‪ ,‬ولكنه هو وعيسى ومريم ـ تعالى الله‬
‫وتقدس وتنزه عما يقول الظالمون والجاحدون علوا ً كبيرا ً ـ وفي‬
‫كل ذلك من قولهم‪ :‬قد نزل القرآن‪ ,‬فلما كلمه الحبران‪ ,‬قال‬
‫لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم‪« :‬أسلما» قال‪ :‬قد أسلمنا‪,‬‬
‫قال‪« :‬إنكما لم تسلما فأسلما»‪ .‬قال‪ :‬بلى قد أسلمنا قبلك‪ .‬قال‪:‬‬
‫«كذبتما يمنعكما من السلم دعاؤكما لله ولدا ً وعبادتكما الصليب‬
‫وأكلكما الخنزير»‪ .‬قال‪ :‬فمن أبوه يا محمد؟ فصمت رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم عنهما فلم يجبهما‪ ,‬فأنزل الله في ذلك من‬
‫قولهم واختلف أمرهم صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين‬
‫آية منها‪ ,‬ثم تكلم ابن إسحاق على تفسيرها إلى أن قال‪ :‬فلما‬
‫أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من الله والفصل‬
‫من القضاء بينه وبينهم وأمر بما أمر به من ملعنتهم إن ردوا‬
‫ذلك عليه دعاهم إلى ذلك‪ ,‬فقالوا‪ :‬يا أبا القاسم‪ ,‬دعنا ننظر في‬
‫أمرنا ثم نأتيك بما نريد أن نفعل فيما دعوتنا إليه‪ ,‬ثم انصرفوا‬
‫عنه‪ ,‬ثم خلوا بالعاقب‪ ,‬وكان ذا رأيهم فقالوا‪ :‬يا عبد المسيح ماذا‬
‫ترى؟ فقال‪ :‬والله يا معشر النصارى لقد عرفتم أن محمدا ً لنبي‬
‫مرسل‪ ,‬ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم‪ ,‬ولقد علمتم أنه‬
‫ما لعن قوم نبيا ً قط‪ ,‬فبقي كبيرهم ول نبت صغيرهم‪ ,‬وإنه‬
‫للستئصال منكم إن فعلتم‪ ,‬فإن كنتم أبيتم إل إلف دينكم‬
‫والقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم‪ ,‬فوادعوا‬
‫الرجل وانصرفوا إلى بلدكم‪ ,‬فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم‬
‫فقالوا‪ :‬يا أبا القاسم‪ ,‬قد رأينا أل نلعنك ونتركك على دينك‬
‫ونرجع على ديننا ولكن ابعث معنا رجل ً من أصحابك ترضاه لنا‬
‫يحكم بيننا في أشياء اختلفنا فيها في أموالنا‪ ,‬فإنكم عندنا رضا‪,‬‬
‫قال محمد بن جعفر‪ :‬فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪:‬‬
‫«ائتوني العشية أبعث معكم القوي المين» فكان عمر بن‬
‫‪146‬‬

‫الخطاب رضي الله عنه يقول‪ :‬ما أحببت المارة قط حبي إياها‬
‫يومئذ‪ ,‬رجاء أن أكون صاحبها‪ ,‬فرحت إلى الظهر مهجراً‪ ,‬فلما‬
‫صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر‪ ,‬سلم ثم نظر عن‬
‫يمينه وشماله‪ ,‬فجعلت أتطاول له ليراني فلم يزل يلتمس ببصره‬
‫حتى رأى أبا عبيدة بن الجراح فدعاه‪ ,‬فقال‪« :‬اخرج معهم فاقض‬
‫بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه»‪ .‬قال عمر‪ :‬فذهب بها أبو عبيدة‬
‫رضي الله عنه‪.‬‬
‫وقد روى ابن مردويه من طريق محمد بن إسحاق‪ ,‬عن عاصم بن‬
‫عمر بن قتادة‪ ,‬عن محمود بن لبيد‪ ,‬عن رافع بن خديج‪ :‬أن وفد‬
‫أهل نجران قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ ,‬فذكر‬
‫نحوه‪ ,‬إل أنه قال في الشراف‪ :‬كانوا اثني عشر‪ ,‬وذكر بقيته‬
‫بأطول من هذا السياق‪ ,‬وزيادات أخرى‪.‬‬
‫وقال البخاري‪ :‬حدثنا عباس بن الحسين‪ ,‬حدثنا يحيى بن آدم‪ ,‬عن‬
‫إسرائيل‪ ,‬عن أبي إسحاق‪ ,‬عن صلة بن زفر‪ ,‬عن حذيفة رضي‬
‫الله عنه‪ ,‬قال‪ :‬جاء العاقب والسيد صاحبا نجران إلى رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم يريدان أن يلعناه‪ ,‬قال‪ :‬فقال‪ :‬أحدهما‬
‫لصاحبه‪ :‬ل تفعل فو الله لئن كان نبيا ً فلعناه ل نفلح نحن ول‬
‫عقبنا من بعدنا‪ ,‬قال‪ :‬إنا نعطيك ما سألتنا وابعث معنا رجل ً أميناً‬
‫ول تبعث معنا إل أميناً‪ ,‬فقال‪« :‬لبعثن معكم رجل ً أمينا ً حق‬
‫أمين» فاستشرف لها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫‪ ,‬فقال‪ « :‬قم يا أبا عبيدة بن الجراح» فلما قام‪ ,‬قال رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم‪« :‬هذا أمين هذه المة» رواه البخاري‬
‫ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه من طرق عن أبي‬
‫إسحاق السبيعي عن صلة‪ ,‬عن حذيفة‪ ,‬بنحوه وقد رواه أحمد‬
‫والنسائي وابن ماجه من حديث إسرائيل عن أبي إسحاق‪ ,‬عن‬
‫صلة‪ ,‬عن ابن مسعود بنحوه‪.‬‬
‫وقال البخاري‪ :‬حدثنا أبو الوليد حدثنا شعبة عن خالد‪ ,‬عن أبي‬
‫قلبة‪ ,‬عن أنس‪ ,‬عن رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ ,‬قال‪:‬‬
‫«لكل أمة أمين‪ ,‬وأمين هذه المة أبو عبيدة بن الجراح» وقال‬
‫المام أحمد‪ :‬حدثنا إسماعيل بن يزيد الرقي أبو يزيد‪ ,‬حدثنا فرات‬
‫عن عبد الكريم بن مالك الجزري‪ ,‬عن عكرمة‪ ,‬عن ابن عباس‪,‬‬
‫قال‪ :‬قال أبو جهل قبحه الله‪ ,‬إن رأيت محمدا ً يصلي عند الكعبة‬
‫لَتينه حتى أطأ على رقبته‪ ,‬قال‪ :‬فقال‪« :‬لو فعل لخذته الملئكة‬
‫عياناً‪ ,‬ولو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ولرأوا مقاعدهم من‬
‫النار‪ ,‬ولو خرج الذين يباهلون رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫لرجعوا ل يجدون مال ً ول أهلً»‪ ,‬وقد رواه الترمذي والنسائي من‬
‫‪147‬‬

‫حديث عبد الرزاق‪ ,‬عن معمر‪ ,‬عن عبد الكريم به‪ ,‬وقال‬
‫الترمذي‪ :‬حسن صحيح‪.‬‬
‫وقد روى البيهقي في دلئل النبوة قصة وفد نجران مطولة جداً‪,‬‬
‫ولنذكره فإن فيه فوائد كثيرة‪ ,‬وفيه غرابة‪ ,‬وفيه مناسبة لهذا‬
‫المقام‪ ,‬قال البيهقي‪ :‬حدثنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد محمد‬
‫بن موسى بن الفضل‪ ,‬قال‪ :‬حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب‪,‬‬
‫حدثنا أحمد بن عبد الجبار‪ ,‬حدثنا يونس بن بكير‪ ,‬عن سلمة بن‬
‫عبد يسوع‪ ,‬عن أبيه‪ ,‬عن جده‪ ,‬قال يونس ـ وكان نصرانيا ً فأسلم‬
‫ـ‪ :‬إن رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ ,‬كتب إلى أهل نجران‬
‫قبل أن ينزل عليه(طـس) سليمان‪« :‬باسم إله إبراهيم وإسحاق‬
‫ويعقوب‪ ,‬من محمد النبي رسول الله إلى أسقف نجران وأهل‬
‫نجران أسلم أنتم‪ ,‬فإني أحمد إليكم إله إبراهيم وإسحاق‬
‫ويعقوب‪ .‬أما بعد فإني أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد‪,‬‬
‫وأدعوكم إلى ولية الله من ولية العباد‪ ,‬فإن أبيتم فالجزية‪ ,‬فإن‬
‫أبيتم فقد آذنتكم بحرب‪ ,‬والسلم»‪ .‬فلما أتى السقف الكتاب‬
‫وقرأه فظع به‪ ,‬وذعره ذعرا ً شديداً‪ ,‬وبعث إلى رجل من أهل‬
‫نجران يقال له شرحبيل بن وداعة‪ ,‬وكان من همدان‪ ,‬ولم يكن‬
‫أحد يدعى إذا نزلت معضلة قبله ل اليهم ول السيد ول العاقب‪,‬‬
‫فدفع السقف كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى‬
‫شرحبيل فقرأه‪ ,‬فقال السقف‪ :‬يا أبا مريم ما رأيك؟ فقال‬
‫شرحبيل‪ :‬قد علمت ما وعد الله إبراهيم في ذرية إسماعيل من‬
‫النبوة‪ ,‬فما يؤمن أن يكون هذا هو ذاك الرجل‪ ,‬ليس لي في أمر‬
‫النبوة رأي‪ ,‬ولو كان في أمر من أمور الدنيا لشرت عليك فيه‬
‫برأيي واجتهدت لك‪ ,‬فقال السقف‪ :‬تنح فاجلس‪ ,‬فتنحى شرحبيل‬
‫فجلس ناحية‪ ,‬فبعث السقف إلى رجل من أهل نجران يقال له‬
‫عبد الله بن شرحبيل‪ ,‬وهو من ذي أصبح من حمير‪ ,‬فأقرأه‬
‫الكتاب وسأله عن الرأي فيه فقال له مثل قول شرحبيل‪ ,‬فقال‬
‫له السقف‪ :‬تنح فاجلس‪ ,‬فتنحى عبد الله فجلس ناحية‪ ,‬فبعث‬
‫السقف إلى رجل من أهل نجران يقال له جبار بن فيض من بني‬
‫الحارث بن كعب أحد بني الحماس‪ ,‬فأقرأه الكتاب‪ ,‬وسأله عن‬
‫الرأي فيه؟ فقال له مثل قول شرحبيل وعبد الله‪ ,‬فأمره‬
‫السقف‪ ,‬فتنحى فجلس ناحية‪ ,‬فلما اجتمع الرأي منهم على تلك‬
‫المقالة جميعاً‪ ,‬أمر السقف بالناقوس فضرب به‪ ,‬ورفعت النيران‬
‫والمسوح في الصوامع‪ ,‬وكذلك كانوا يفعلون إذا فزعوا بالنهار‪,‬‬
‫وإذا كان فزعهم ليل ً ضربوا بالناقوس ورفعت النيران في‬
‫الصوامع‪ ,‬فاجتمعوا حين ضرب بالناقوس ورفعت المسوح‪ ,‬أهل‬
‫الوادي أعله وأسفله‪ .‬وطول الوادي مسيرة يوم للراكب السريع‪,‬‬
‫‪148‬‬

‫وفيه ثلث وسبعون قرية وعشرون ومائة ألف مقاتل‪ ,‬فقرأ‬
‫عليهم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ ,‬وسألهم عن‬
‫الرأي فيه‪ ,‬فاجتمع رأي أهل الرأي منهم على أن يبعثوا شرحبيل‬
‫بن وداعة الهمداني وعبد الله بن شرحبيل الصبحي وجبار بن‬
‫فيض الحارثي‪ ,‬فيأتونهم بخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم‪,‬‬
‫فانطلق الوفد حتى إذا كانوا بالمدنية وضعوا ثياب السفر عنهم‪,‬‬
‫ولبسوا حلل ً لهم يجرونها من حبرة وخواتيم الذهب‪ ,‬ثم انطلقوا‬
‫حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلموا عليه‪ ,‬فلم‬
‫يرد عليهم‪ ,‬وتصدوا لكلمه نهارا ً طويلً‪ ,‬فلم يكلمهم وعليهم تلك‬
‫الحلل وخواتيم الذهب‪ ,‬فانطلقوا يتبعون عثمان بن عفان وعبد‬
‫الرحمن بن عوف‪ ,‬وكانا معرفة لهم‪ ,‬فوجدوهما في ناس من‬
‫المهاجرين والنصار في مجلس‪ ,‬فقالوا‪ :‬يا عثمان ويا عبد‬
‫الرحمن‪ ,‬إن نبيكم كتب إلينا كتابا ً فأقبلنا مجيبين له‪ ,‬فأتيناه‬
‫فسلمنا عليه فلم يرد سلمنا‪ ,‬وتصدينا لكلمه نهارا ً طويلً‪ ,‬فأعيانا‬
‫أن يكلمنا‪ ,‬فما الرأي منكما‪ ,‬أترون أن نرجع؟ فقال لعلي بن أبي‬
‫طالب وهو في القوم‪ :‬ما ترى يا أبا الحسن في هؤلء القوم؟‬
‫فقال علي لعثمان وعبد الرحمن‪ :‬أرى أن يضعوا حللهم هذه‬
‫وخواتيمهم‪ ,‬ويلبسوا ثياب سفرهم ثم يعودون إليه‪ ,‬ففعلوا‬
‫فسلموا عليه فرد سلمهم‪ ,‬ثم قال‪« :‬والذي بعثني بالحق‪ ,‬لقد‬
‫أتوني المرة الولى وإن إبليس لمعهم»‪ .‬ثم سألهم‪ ,‬فلم تزل به‬
‫وبهم المسألة حتى قالوا له‪ :‬ما تقول في عيسى‪ ,‬فإنا نرجع إلى‬
‫قومنا ونحن نصارى‪ ,‬يسرنا إن كنت نبيا ً أن نسمع ما تقول فيه؟‬
‫فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪« :‬ما عندي فيه شيء‬
‫يومي هذا‪ ,‬فأقيموا حتى أخبركم بما يقول لي ربي في عيسى»‬
‫فأصبح الغد وقد أنزل الله هذه الَية {إ ِ َّ‬
‫مث َ َ‬
‫سى ِ‬
‫ل ِ‬
‫عند َ اللّهِ‬
‫عي َ‬
‫ن َ‬
‫من َّرب ِّ َ‬
‫ب ث ِ َّ‬
‫م قَا َ‬
‫ك‬
‫م َ‬
‫حقُّ ِ‬
‫ه ِ‬
‫ن * ال ْ َ‬
‫ه كُن فَيَكُو ُ‬
‫ل آد َ َ‬
‫ل لَ ُ‬
‫خل َ َق ُ‬
‫كَ َ‬
‫من تَُرا ٍ‬
‫مث َ ِ‬
‫حآ َّ‬
‫جاء َ‬
‫ج َ‬
‫ن‬
‫ك ِ‬
‫ك فِيهِ ِ‬
‫فَل َ تَكُن ِّ‬
‫ما َ‬
‫ن َ‬
‫من بَعْد ِ َ‬
‫ن * فَ َ‬
‫م ْ‬
‫من ال ْ ُ‬
‫م َ‬
‫م ْ‬
‫متَرِي َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫الْعِلْم ِ فَقُ ْ‬
‫سنَا‬
‫م وَأنفُ َ‬
‫ساءنَا وَن ِ َ‬
‫م وَن ِ َ‬
‫ل تَعَالَوْا ْ نَدْع ُ أبْنَاءنَا َ وَأبْنَاءك ُ ْ‬
‫ساءك ُ ْ‬
‫َ‬
‫م ث ُ َّ‬
‫م نَبْتَهِ ْ‬
‫ن *(آل‬
‫جعَل ل ّعْن َ َ‬
‫ل فَن َ ْ‬
‫وأنفُ َ‬
‫سك ُ ْ‬
‫ة اللّهِ ع َلَى الْكَاذِبِي َ‬
‫عمران) } فأبوا أن يقروا بذلك‪ ,‬فلما أصبح رسول الله صلى الله‬
‫عليه وسلم الغد بعد ما أخبرهم الخبر‪ ,‬أقبل مشتمل ً على الحسن‬
‫والحسين في خميل له‪ ,‬وفاطمة تمشي عند ظهره للملعنة‪ ,‬وله‬
‫يومئذ عدة نسوة‪ ,‬فقال شرحبيل لصاحبيه‪ :‬لقد علمتما أن الوادي‬
‫إذا اجتمع أعله وأسفله لم يردوا ولم يصدروا إل عن رأيي‪ ,‬وإني‬
‫والله أرى أمرا ً ثقيلً‪ ,‬والله لئن كان هذا الرجل ملكا ً مبعوثا ً فكنا‬
‫أول العرب طعنا ً في عينيه وردا ً عليه أمره‪ ,‬ل يذهب لنا من‬
‫صدره ول من صدور أصحابه حتى يصيبونا بجائحة‪ ,‬وإنا لدنى‬
‫‪149‬‬

‫العرب منهم جواراً‪ ,‬ولئن كان هذا الرجل نبيا ً مرسل ً فلعناه‪ ,‬ل‬
‫يبقى منا على وجه الرض شعر ول ظفر إل هلك‪ ,‬فقال له‬
‫صاحباه‪ :‬فما الرأي يا أبا مريم؟ فقال‪ :‬أرى أن أحكمه‪ ,‬فإني أرى‬
‫رجل ً ل يحكم شططا ً أبداً‪ ,‬فقال‪ :‬له‪ :‬أنت وذاك‪ ,‬قال‪ :‬فلقي‬
‫شرحبيل رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ ,‬فقال له‪ :‬إني قد‬
‫رأيت خيرا ً من ملعنتك‪ .‬فقال‪ :‬وما هو؟ فقال‪ :‬حكمك اليوم إلى‬
‫الليل وليلتك إلى الصباح‪ ,‬فمهما حكمت فينا فهو جائز‪ ,‬فقال‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم‪« :‬لعل وراءك أحدا ً يثرب‬
‫عليك»؟ فقال شرحبيل‪ :‬سل صاحبي‪ ,‬فسألهما فقال‪ :‬ما يرد‬
‫الوادي ول يصدر إل عن رأي شرحبيل‪ .‬فرجع رسول الله صلى‬
‫الله عليه وسلم فلم يلعنهم حتى إذا كان من الغد أتوه‪ ,‬فكتب‬
‫لهم هذا الكتاب‪« :‬بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما كتب النبي‬
‫محمد رسول الله لنجران ـ إن كان عليهم حكمه ـ في كل ثمرة‬
‫وكل صفراء وبيضاء وسوداء ورقيق فاضل عليهم‪ ,‬وترك ذلك كله‬
‫لهم على ألفي حلة‪ ,‬في كل رجب ألف حلة‪ ,‬وفي كل صفر ألف‬
‫حلة» وذكر تمام الشروط وبقية السياق‪.‬‬
‫والغرض أن وفودهم كان في سنة تسع‪ ,‬لن الزهري قال‪ :‬كان‬
‫أهل نجران أول من أدى الجزية إلى رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم‪ ,‬وآية الجزية إنما أنزلت بعد الفتح‪ ,‬وهي قوله تعالى‪:‬‬
‫{قاتلوا الذين ل يؤمنون بالله ول باليوم الخر} الية‪ ,‬وقال أبو‬
‫بكر بن مردويه‪ :‬حدثنا سليمان بن أحمد حدثنا أحمد بن داود‬
‫المكي‪ ,‬حدثنا بشر بن مهران حدثنا محمد بن دينار‪ ,‬عن داود بن‬
‫أبي هند‪ ,‬عن الشعبي‪ ,‬عن جابر‪ ,‬قال‪ :‬قدم على النبي صلى الله‬
‫عليه وسلم العاقب والطيب‪ ,‬فدعاهما إلى الملعنة فواعداه على‬
‫أن يلعناه الغداة‪ ,‬قال‪ :‬فغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم‪,‬‬
‫فأخذ بيد علي وفاطمة والحسن والحسين‪ ,‬ثم أرسل إليهما‪ ,‬فأبيا‬
‫أن يجيبا وأقرا له بالخراج‪ ,‬قال‪ :‬فقال رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم‪« :‬والذي بعثني بالحق لو قال‪ :‬ل‪ ,‬لمطر عليهم الوادي‬
‫ناراً» قال جابر‪ ,‬وفيهم نزلت {ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا‬
‫ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم} قال جابر {أنفسنا وأنفسكم}‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي بن أبي طالب {وأبناءنا}‬
‫الحسن والحسين {ونساءنا} فاطمة‪ .‬وهكذا رواه الحاكم في‬
‫مستدركه عن علي بن عيسى‪ ,‬عن أحمد بن محمد الزهري‪ ,‬عن‬
‫علي بن حجر‪ ,‬عن علي بن مسهر‪ ,‬عن داود بن أبي هند به‬
‫بمعناه‪ ,‬ثم قال‪ :‬صحيح على شرط مسلم‪ ,‬ولم يخرجاه هكذا قال‬
‫وقد رواه أبو داود الطيالسي‪ ,‬عن شعبة‪ ,‬عن المغيرة عن‬
‫الشعبي مرسلً‪ ,‬وهذا أصح‪ ,‬وقد روي عن ابن عباس والبراء نحو‬
‫‪150‬‬

‫ذلك‪ ,‬ثم قال الله تعالى‪{ :‬إن هذا لهو القصص الحق} أي هذا‬
‫الذي قصصناه عليك يا محمد في شأن عيسى هو الحق الذي ل‬
‫معدل عنه ول محيد {وما من إله إل الله‪ ,‬وإن الله لهو العزيز‬
‫الحكيم * { فإن تولوا} أي عن هذا إلى غيره {فإن الله عليم‬
‫بالمفسدين} أي من عدل عن الحق إلى الباطل فهو المفسد‬
‫والله عليم به‪ ,‬وسيجزيه على ذلك شر الجزاء وهو القادر الذي ل‬
‫يفوته شيء سبحانه وبحمده ونعوذ به من حلول نقمته‪ ...‬اهـ‬
‫ما نََّزلْنَا ع َلَى ع َبْدِنَا فَأْتُواْ‬
‫م َّ‬
‫ب ِّ‬
‫ومثله قوله‪(( :‬وَإِن كُنت ُ ْ‬
‫م فِي َري ْ ٍ‬
‫مثْلِهِ وَادْع ُوا ْ ُ‬
‫ن‬
‫شهَدَاءكُم ِّ‬
‫من ِّ‬
‫سوَرةٍ ِّ‬
‫ن اللّهِ إ ِ ْ‬
‫بِ ُ‬
‫ن كُنْت ُ ْ‬
‫م َ‬
‫صادِقِي َ‬
‫من دُو َ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫س‬
‫* فَإِن ل ْ‬
‫م تَفْعَلوا وَلن تَفْعَلوا فَات ّقُوا الن ّاَر التِي وَقُودُهَا الن ّا ُ‬
‫ُ‬
‫ن) (البقرة ‪.)24-23‬‬
‫وَال ْ ِ‬
‫جاَرة ُ أ ِ‬
‫ح َ‬
‫عد َّ ْ‬
‫ت لِلْكَافِرِي َ‬
‫فأخبرهم أنهم ل يفعلون‪ ،‬كما كان‪.‬‬
‫وهذه الية أدخل في باب الخبار عن الغيب‪ ،‬ولكن فيها من‬
‫التعجيز ما في التي قبلها‪.‬‬
‫الفصل الثامن‬
‫من وجوه العجاز‪:‬الروعة التي تلحق قلوب سامعيه وأسماعهم‬
‫عند سماعه‪،‬‬
‫والهيبة التي تعتريهم عند تلوته‪.‬‬
‫ومنها الروعة التي تلحق قلوب سامعيه وأسماعهم عند سماعه‪،‬‬
‫والهيبة التي تعتريهم عند تلوته لقوة حاله‪ ،‬وإنافة خطره‪ ،‬وهي‬
‫ما‬
‫على المكذبين به أعظم‪ ،‬حتى كانوا يستثقلون سماعه‪(،‬وَ َ‬
‫م إِل َّ نُفُوراً) (السراء‪ ،)41 :‬كما قال تعالى‪ ،‬و يودون‬
‫يَزِيدُهُ ْ‬
‫انقطاعه لكراهتهم له‪.‬‬
‫و لهذا قال‪ :‬إن القرآن صعب مستصعب على من كرهه‪ ،‬وهو‬
‫الحكم‪ ،‬وأما المؤمن فل تزال روعته به‪ ،‬وهيبته إياه‪،‬مع تلوته ـ‬
‫توليه انجذاباً‪ ،‬وتكسبه هشاشة‪ ،‬لميل قلبه إليه‪ ،‬وتصديقه به‪ ،‬قال‬
‫تعالى‪( :‬الل َّه نَز َ َ‬
‫شابِها ً َّ‬
‫ث كِتَابا ً ُّ‬
‫ي تَقْ َ‬
‫مت َ َ‬
‫ه‬
‫شعُِّر ِ‬
‫حدِي ِ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫لأ ْ‬
‫ُ َّ‬
‫ح َ‬
‫من َْ ُ‬
‫مثَان ِ َ‬
‫س َ‬
‫َ‬
‫م إِلَى ذِكْرِ اللهِّ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫م ث ُ َّ‬
‫خ َ‬
‫م وَقُل‬
‫م تَلِي‬
‫ن َرب ّه‬
‫جلُود ُ ال ّذِي‬
‫ن يَ ْ‬
‫جلودُهُ‬
‫ن ُ‬
‫شوْ َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫وبُهُ ْ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ضل ِ ْ‬
‫ن يَ َ‬
‫ن هَادٍ)‬
‫ه ِ‬
‫من ي ُ ْ‬
‫ما ل ُ‬
‫ه فَ َ‬
‫ل الل ُ‬
‫شاءُ وَ َ‬
‫ذَل ِك هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫(الزمر‪)23 :‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫وقال‪( :‬ل َ‬
‫شعا ً ُّ‬
‫ن‬
‫ه َ‬
‫صدِّعا ً ِّ‬
‫خا ِ‬
‫جب َ‬
‫ن ع َلَى َ‬
‫و أنَزلْنَا هَذ َا الْقُْرآ َ‬
‫ل ل َّرأي ْ َت َ ُ‬
‫مت َ َ‬
‫م ْ‬
‫ٍ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫شيَةِ اللَّهِ وتِل ْ َ َ‬
‫َ‬
‫مثَا ُ‬
‫خ ْ‬
‫ن) (الحشر‪:‬‬
‫َ‬
‫م يَتَفَك ُّرو َ‬
‫س لَعَل ّهُ ْ‬
‫ك اْل ْ‬
‫َ‬
‫ل نَ ْ ِ‬
‫ضربُهَا لِلن ّا ِ‬
‫‪)21‬‬
‫ويدل على أن هذا شيء خص به ـ أنه يعتري من ل يفهم معانيه‪،‬‬
‫ول يعلم تفاسيره‪ ،‬كما روي عن نصراني ـ أنه مر بقارئ ـ فوقف‬
‫يبكي‪ ،‬فقيل له‪ :‬مم بكيت؟ قال‪ :‬للشجا والنظم‪.‬‬

‫‪151‬‬

‫ة قبل السلم وبعده‪ ،‬فمنهم من‬
‫وهذه الروعة قد اعترت جماع ً‬
‫أسلم لها لول وهلة وآمن به‪ ،‬ومنهم من كفر‪.‬‬
‫فحكي في الصحيح‪ ،‬عن جبير بن مطعم‪ ،‬قال‪ :‬سمعت النبي‬‫صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور‪ ،‬فلما بلغ هذه‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن غَيْرِ َ‬
‫خلَقُوا‬
‫م‬
‫م َ‬
‫م ال ْ َ‬
‫م ُ‬
‫خلِقُوا ِ‬
‫خالِقُو َ‬
‫ن (‪ )35‬أ ْ‬
‫يءٍ أ ْ‬
‫الية‪(:‬أ ْ‬
‫م هُ ُ‬
‫ش ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫خزائ ِن رب َ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ال َّ‬
‫م‬
‫م ِ‬
‫ماوَا ِ‬
‫ض بَل ّل يُوقِنُو َ‬
‫كأ ْ‬
‫ن (‪ )36‬أ ْ‬
‫م َ َ ُ َ ِّ‬
‫عندَهُ ْ‬
‫س َ‬
‫ت وَاْلْر َ‬
‫ن (‪ - ))37‬كاد قلبي أن يطير للسلم‪.‬‬
‫صيْطُِرو َ‬
‫م ال ْ ُ‬
‫هُ ُ‬
‫م َ‬
‫وفي رواية‪ :‬و ذلك أول ما وقر اليمان في قلبي‪.‬‬‫وعن عتبية بن ربيعة أنه كلم النبي صلى الله عليه وسلم فيما‬‫جاء به من خلف قومه‪ ،‬فتل عليهم‪(:‬حم * تَنزِي ٌ‬
‫ن‬
‫ل ِّ‬
‫ن الَّر ْ‬
‫ح َ‬
‫م َ‬
‫م ِ‬
‫شيراً‬
‫الَّر ِ‬
‫ب فُ ِّ‬
‫ن * بَ ِ‬
‫حيم ِ * كِتَا ٌ‬
‫مو َ‬
‫ت آيَات ُ ُ‬
‫صل َ ْ‬
‫ه قُْرآنا ً عََربِيّا ً ل ِّقَوْم ٍ يَعْل َ ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن * وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أكِنَّةٍ‬
‫معُو َ‬
‫م َل ي َ ْ‬
‫م فَهُ ْ‬
‫ض أكْثَُرهُ ْ‬
‫س َ‬
‫وَنَذِيرا ً فَأعَْر َ‬
‫من بَيْنِنَا وَبَيْن ِ َ‬
‫م َّ‬
‫م ْ‬
‫ل إِنَّنَا‬
‫ك ِ‬
‫ما تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذ َانِنَا وَقٌْر وَ ِ‬
‫ِّ‬
‫جا ٌ‬
‫ح َ‬
‫ب فَاع ْ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫حى إِل َ َّ‬
‫ن * قُ ْ‬
‫ما أنَا ب َ َ‬
‫ه وَا ِ‬
‫شٌر ِّ‬
‫ع َا ِ‬
‫حدٌ‬
‫م يُو َ‬
‫ملُو َ‬
‫م إِل َ ٌ‬
‫ما َ إِلَهُك ُ ْ‬
‫ي أن َّ َ‬
‫مثْلُك ُ ْ‬
‫ل إِن َّ َ‬
‫ستَغْفُِروه ُ وَوَي ْ ٌ‬
‫م ْ‬
‫ن‬
‫ن َل يُؤْتُو َ‬
‫موا إِلَيْهِ وَا ْ‬
‫فَا ْ‬
‫ستَقِي ُ‬
‫ل ل ِّل ْ ُ‬
‫شرِكِي َ‬
‫ن * ال ّذِي َ‬
‫َ‬
‫ن * إ ِ َّ‬
‫ملُوا‬
‫نآ‬
‫ن ال ّذِي‬
‫خَرةِ هُ‬
‫الَّزكَاة َ وَهُم بِاْل ِ‬
‫منُوا وَع َ ِ‬
‫م كَافُِرو َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫صال ِحات لَهم أ َجر غَير ممنون * قُ ْ َ‬
‫ن بِال ّذِي َ‬
‫م لَتَكْفُُرو َ‬
‫ل أئِنَّك ُ ْ‬
‫خلَقَ‬
‫ال َّ َ ِ ُ ْ ْ ٌ ْ ُ َ ْ ُ ٍ‬
‫َ‬
‫ك َر ُّ‬
‫ه أَندَادا ً ذَل ِ َ‬
‫جعَ َ‬
‫ل‬
‫ب ال ْ َعال َ ِ‬
‫جعَلُو َ‬
‫ن وَت َ ْ‬
‫مي ْ‬
‫ن * وَ َ‬
‫ض فِي يَوْ َ‬
‫ن لَ ُ‬
‫اْلْر َ‬
‫مي َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫من فَوْقِهَا وَبَاَر َ‬
‫ك فِيهَا وَقَدََّر فِيهَا أقْوَات َ َها فِي أْربَعَةِ‬
‫ي ِ‬
‫فِيهَا َروَا ِ‬
‫س َ‬
‫َ‬
‫ستَوَى إِلَى ال َّ‬
‫سوَاء ل ِّل َّ‬
‫ن *ث ُ َّ‬
‫ن فَقَا َ‬
‫ل ل َ َها‬
‫ي دُ َ‬
‫خا ٌ‬
‫ما ْ‬
‫أيَّام ٍ َ‬
‫س َ‬
‫ماء وَه ِ َ‬
‫سائِلِي َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ضاهُ َّ‬
‫ع‬
‫وَلِْلَْر‬
‫سب ْ َ‬
‫ن * فَقَ َ‬
‫ن َ‬
‫ض اِئْتِيَا طَوْعا ً أوْ كَْرها ً قَالَتَا أتَيْنَا طَائِعِي َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫مَرهَا وََزيَّنَّا ال َّ‬
‫حى فِي ك ُ ِّ‬
‫ماء‬
‫ماوَا ٍ‬
‫ن وَأوْ َ‬
‫َ‬
‫ل َ‬
‫و َ‬
‫س َ‬
‫س َ‬
‫س َ‬
‫ماء أ ْ‬
‫ت فِي ي َ ْ‬
‫مي ْ ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ضوا‬
‫ح وَ ِ‬
‫ن أعَْر ُ‬
‫حفْظا ذَل ِك تَقْدِيُر العَزِيزِ العَلِيم ِ *فَإ ِ ْ‬
‫صابِي َ‬
‫الد ّنْيَا ب ِ َ‬
‫م َ‬
‫فَقُ ْ َ‬
‫مث ْ َ‬
‫مود َ *)(سورة فصلت‪1 :‬‬
‫صا ِ‬
‫عقَ ً‬
‫صا ِ‬
‫ة ِّ‬
‫عقَةِ ع َاد ٍ وَث َ ُ‬
‫ل أنذَْرتُك ُ ْ‬
‫ل َ‬
‫م َ‬
‫– ‪.)13‬‬
‫فأمسك عتبة بيده على في النبي صلى الله عليه وسلم‪ ،‬وناشده‬
‫الرحم أن يكف‪.‬‬
‫وفي رواية‪ :‬فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ وعتبة مصغ‬‫ملق يديه خلف ظهره‪ ،‬معتمد عليهما‪ ،‬حتى انتهى إلى السجدة‪،‬‬
‫فسجد النبي صلى الله عليه وسلم‪ ،‬وقام عتبة ل يدري بما‬
‫يراجعه‪ ،‬ورجع إلى أهله‪ ،‬ولم يخرج إلى قومه حتى أتوه‪ ،‬فاعتذر‬
‫لهم‪ ،‬وقال‪ :‬والله لقد كلمني بكلم والله ما سمعت أذناي بمثله‬
‫قط فما دريت ما أقول له‪.‬‬
‫وقد حكي عن غير واحد ممن رام معارضته أنه اعترته روعة‬‫وهيبة كف بها عن ذلك‪.‬‬
‫فحكي أن ابن المقفع طلب ذلك ورامه‪ ،‬وشرع فيه‪ ،‬فمر بصبي‬
‫َ‬
‫َ‬
‫يقرأ‪( :‬وَقِي َ‬
‫ماء‬
‫ماء ِ‬
‫ك وَيَا َ‬
‫ض ال ْ َ‬
‫س َ‬
‫ض ابْلَعِي َ‬
‫ماء أقْلِعِي وَِغي َ‬
‫ل يَا أْر ُ‬
‫‪152‬‬

‫َ‬
‫َ‬
‫ي وَقِي َ‬
‫ن)‬
‫وَقُ ِ‬
‫ل بُعْدا ً ل ِّلْقَوْم ِ الظ ّال ِ ِ‬
‫ت ع َلَى ال ْ ُ‬
‫مُر وَا ْ‬
‫ستَوَ ْ‬
‫ي ال ْ‬
‫ض َ‬
‫مي َ‬
‫جود ِ ِ ّ‬
‫(هود‪ )44 :‬ـ فرجع فمحا ما عمل‪ ،‬وقال‪ :‬أشهد أن هذا ل يعارض‪،‬‬
‫وما هو من كلم البشر‪ ،‬وكان من أفصح أهل وقته‪.‬‬
‫وكان يحيى بن حكم الغزال بليغ الندلس في زمنه‪ ،‬فحكي أنه‬‫رام شيئا ً من هذا فنظر في سورة الخلص ليحذو على مثالها‪،‬‬
‫وينسج ـ بزعمه ـ على منوالها ـ قال‪ :‬فاعترتني خشية ورقة‬
‫حملتني على التوبة والنابة‪.‬‬
‫الفصل التاسع‪:‬‬
‫ة ل تعدم ما بقيت‬
‫ة باقي ً‬
‫ومن وجوه إعجازه المعدودة كونه آي ً‬
‫الدنيا‬
‫ة ل تعدم ما بقيت‬
‫ة باقي ً‬
‫ومن وجوه إعجازه المعدودة كونه آي ً‬‫ه‬
‫الدنيا مع تكفل الله بحفظه‪ ،‬فقال‪( :‬إِنَّا ن َ ْ‬
‫ن نََّزلْنَا الذِّكَْر وَإِنَّا ل َ ُ‬
‫ح ُ‬
‫ن) (الحجر‪ )9 :‬وقال‪َ( :‬ل يَأْتِيهِ الْبَاط ِ ُ‬
‫ن‬
‫ن يَدَيْهِ وََل ِ‬
‫ل ِ‬
‫حافِظُو َ‬
‫لَ َ‬
‫م ْ‬
‫من بَي ْ ِ‬
‫خلْفِهِ تَنزِي ٌ‬
‫ميدٍ) (فصلت‪)42 :‬‬
‫َ‬
‫ح ِ‬
‫ل ِّ‬
‫حكِيم ٍ َ‬
‫ن َ‬
‫م ْ‬
‫وسائر معجزات النبياء انقضت بانقضاء أوقاتها‪ ،‬فلم يبق إل‬‫خبرها‪ ،‬والقرآن العزيز‪ ،‬الباهرة آياته‪ ،‬الظاهرة معجزاته على ما‬
‫ة لول‬
‫كان عليه اليوم ـ مدة خمسمائة عام و خمس و ثلثين سن ً‬
‫نزوله إلى وقتنا هذا ـ حجته قاهرة‪ ،‬ومعارضته ممتنعة‪ ،‬والعصار‬
‫كلها طافحة بأهل البيان‪ ،‬وحملة علم اللسان‪ ،‬وأئمة البلغة‪،‬‬
‫وفرسان الكلم‪ ،‬وجهابذة البراعة‪ ،‬والملحد فيهم كثير‪ ،‬والمعادي‬
‫للشرع عتيد‪،‬فما منهم من أتى بشيء يؤثر في معارضته‪ ،‬ول ألف‬
‫كلمتين في مناقضته‪ ،‬ول قدر فيه على مطعن صحيح‪ ،‬ول قدح‬
‫المتكلف من ذهنه في ذلك إل بزند شحيح‪ ،‬بل المأثور عن كل‬
‫من رام ذلك إلقاؤه في العجز بيديه والنكوص على عقبيه‪.‬‬
‫الفصل العاشر‪:‬‬
‫في وجوه أخرى للعجاز‬
‫ة من المة ومقلدي المة في إعجازه وجوها ً كثيرةً‪،‬‬
‫وقد عد َّ جماع ٌ‬
‫منها أن قارئه ل يمله‪ ،‬وسامعه ل يمجه‪ ،‬بل النكباب على تلوته‬
‫ة‪ ،‬ل يزال غضا ً طرياً‪ ،‬وغيره‬
‫يزيد حلوةً‪ ،‬وترديده يوجب له محب ً‬
‫من الكلم ـ و لو بلغ في الحسن والبلغة مبلغه ـ يمل مع الترديد‪،‬‬
‫ويعادى إذا أعيد‪ ،‬وكتابنا يستلذ به في الخلوات‪ ،‬ويونس بتلوته‬
‫في الزمات‪ ،‬وسواه من الكتب ل يوجد فيها ذلك‪ ،‬حتى أحدث‬
‫أصحابها لحونا ً وطرقا ً يستجلبون بتلك اللحون تنشيطهم على‬
‫قراء تها‪.‬‬
‫ولهذا وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن بأنه ل‬
‫يخلق على كثرة الرد‪ ،‬ول تنقضي عبره‪ ،‬ول تفنى عجائبه‪ ،‬هو‬
‫الفصل ليس بالهزل‪ ،‬ل يشبع منه العلماء‪ ،‬ول تزيغ به الهواء‪ ،‬ول‬
‫‪153‬‬

‫سمعته أن قالوا‪(:‬‬
‫شرِ َ‬
‫بِهِ وَلَن ن ُّ ْ‬
‫ك بَِرب ِّنَا‬

‫تلتبس به اللسنة‪ ،‬هو الذي لم تنته الجن حين‬
‫جبا ً * يَهْدِي إِلَى الُّر ْ‬
‫منَّا‬
‫س ِ‬
‫معْنَا قُْرآنا ً ع َ َ‬
‫إِنَّا َ‬
‫شد ِ فَآ َ‬
‫َ‬
‫حداً*) الجن ‪.) 2 ،1‬‬
‫أ َ‬
‫قلت‪ :‬الحديث رواه الترمذي ؛ولفظه‪:‬‬
‫مررت في المسجد فإذا الناس يخوضون في الحاديث‪ ،‬فدخلت‬
‫على علي‪ ،‬فقلت‪ :‬يا أمير المؤمنين‪ ،‬أل ترى أن الناس قد خاضوا‬
‫في الحاديث‪ .‬قال‪ :‬وقد فعلوها؟ قلت‪ :‬نعم‪ .‬قال‪ :‬أما إني قد‬
‫سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‪ :‬أل إنها ستكون‬
‫فتنة‪ ...‬فقلت‪ :‬ما المخرج منها‪ ،‬يا رسول الله؟ قال‪ :‬كتاب الله‬
‫فيه نبأ ما كان قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم‪ ،‬وهو الفصل‬
‫ليس بالهزل‪ ..‬من تركه من جبار قصمه الله‪ ،‬ومن ابتغى الهدى‬
‫في غيره أضله الله‪ ،‬وهو حبل الله المتين‪،‬وهو الذكر الحكيم‪ ،‬وهو‬
‫الصراط المستقيم‪ ،‬هو الذي ل تزيغ به الهواء‪ ،‬ول تلتبس به‬
‫اللسنة‪ ،‬ول يشبع منه العلماء‪،‬ول يخلق على كثرة الرد‪ ،‬ول‬
‫تنقضي عجائبه‪ ...‬هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا {إنا‬
‫سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد}‪..‬من قال به صدق‪ ،‬ومن‬
‫عمل به أجر‪ ،‬ومن حكم به عدل‪ ،‬ومن دعا إليه هدى إلى صراط‬
‫مستقيم‪...‬‬
‫خذها إليك يا أعور‪.‬‬
‫قال أبو عيسى هذا حديث ل نعرفه إل من هذا الوجه وإسناده‬
‫مجهول‪ ،‬وفي الحرث مقال‪.‬‬
‫وقال اللباني‪(:‬ضعيف)‪.‬‬
‫ة ول محمد‬
‫ومنها جمعه لعلوم ومعارف لم تعهد العرب عام ً‬
‫صلى الله عليه وسلم قبل نبوته خاصة‪ ،‬بمعرفتها‪ ،‬ول القيام بها‪،‬‬
‫ول يحيط بها أحد من علماء المم‪ ،‬ول يشتمل عليها كتاب من‬
‫كتبهم‪ ،‬فجمع فيه من بيان علم الشرائع‪ ،‬والتنبيه على طرق‬
‫الحجج العقليات‪ ،‬والرد على فرق المم‪ ،‬ببراهين قوية‪ ،‬وأدلة بينة‬
‫سهلة اللفاظ‪ ،‬موجزة المقاصد‪ ،‬رام المتخذلقون بعد ـ أن ينصبوا‬
‫َ‬
‫َ‬
‫س ال ّذِي َ‬
‫أدل ً‬
‫خل َ َقَ‬
‫ة مثلها فلم يقدروا عليها؛ كقوله تعالى‪( :‬أوَلَي ْ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ال َّ‬
‫مثْلَهُم بَلَى وَهُوَ ال ْ َ‬
‫ن يَ ْ‬
‫خ ّلقُ‬
‫خلُقَ ِ‬
‫ماوَا ِ‬
‫ض بِقَادِرٍ ع َلَى أ ْ‬
‫س َ‬
‫ت وَاْلْر َ‬
‫م) (يس‪) 81 :‬‬
‫الْعَلِي‬
‫ُ‬
‫ل َ ْ‬
‫مَّرةٍ وَهُوَ بِك ُ ِّ‬
‫شأَهَا أَوَّ َ‬
‫وقوله‪( :‬قُ ْ‬
‫حيِيهَا الَّذِي أَن َ‬
‫م)‬
‫ل يُ ْ‬
‫ق عَلِي ٌ‬
‫ل َ‬
‫خل ٍ‬
‫(يس‪.) 79 :‬‬
‫َّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ب‬
‫ما آلِهَ ٌ‬
‫ن اللهِ َر ِّ‬
‫حا َ‬
‫سب ْ َ‬
‫وقوله‪( :‬لَوْ كَا َ‬
‫سدَتَا فَ ُ‬
‫ه لَفَ َ‬
‫ة إ ِ ّل الل ّ ُ‬
‫ن فِيهِ َ‬
‫ْ‬
‫ش ع َ َّ‬
‫ن) (النبياء‪.) 22 :‬‬
‫ما ي َ ِ‬
‫صفُو َ‬
‫العَْر ِ‬
‫إلى ما حواه من علوم السير‪ ،‬وأنباء المم‪ ،‬والمواعظ‪ ،‬والحكم‪،‬‬
‫وأخبار الدار الخرة‪ ،‬ومحاسن الداب والشيم‪.‬‬
‫‪154‬‬

‫من َ‬
‫يءٍ)‬
‫ب ِ‬
‫قال الله ـ جل اسمه ـ‪( :‬ما فََّرطْنَا فِي الكِتَا ِ‬‫ش ْ‬
‫(النعام‪) 38 :‬‬
‫وقال‪( :‬وَنََّزلْنَا ع َلَي ْ َ‬‫ب تِبْيَانا ً ل ِّك ُ ِّ‬
‫ل َ‬
‫ة‬
‫م ً‬
‫ك الْكِتَا َ‬
‫يءٍ وَهُدًى وََر ْ‬
‫ح َ‬
‫ش ْ‬
‫وَب ُ ْ‬
‫ن) (النحل‪.) 89 :‬‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬
‫شَرى لِل ْ ُ‬
‫مي َ‬
‫من ك ُ ِّ‬
‫ل وَلَئِن‬
‫ضَربْنَا لِلنَّا‬
‫ن ِ‬
‫وقال‪( :‬وَلَقَد ْ َ‬‫ل َ‬
‫مث َ ٍ‬
‫س فِي هَذ َا الْقُْرآ َ ِ‬
‫ِ‬
‫ن الَّذين كَفَروا إ َ‬
‫جئْتَهُم بِآيَةٍ لَيَقُول َ َّ‬
‫ن) (الروم‪.) 58 :‬‬
‫مبْطِلُو َ‬
‫ِ ْ‬
‫م إ ِ ّل ُ‬
‫ن أنت ُ ْ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫ِ َ‬
‫وقال صلى الله عليه وسلم‪" :‬إن الله أنزل هذا القرآن آمراً‬‫ة‪ ،‬ومثل ً مضروباً‪ ،‬فيه نبؤكم‪ ،‬وخبر ما كان‬
‫ة خالي ً‬
‫وزاجراً‪ ،‬وسن ً‬
‫قبلكم‪ ،‬ونبأ ما بعدكم‪ ،‬وحكم ما بينكم‪ ،‬ل يخلقه طول الرد‪ ،‬و ل‬
‫تنقضي عجائبه‪ ،‬هو الحق ليس بالهزل‪ ،‬من قال به صدق‪ ،‬ومن‬
‫حكم به عدل‪ ،‬ومن خاصم به فلج‪ ،‬ومن قسم به أقسط‪ ،‬ومن‬
‫عمل به أجر‪ ،‬ومن تمسك به هدي إلى صراط مستقيم‪ ،‬ومن‬
‫طلب الهدى من غيره أضله الله‪ ،‬ومن حكم بغيره قصمه الله‪ ،‬هو‬
‫الذكر الحكيم‪ ،‬والنور المبين‪ ،‬والصراط المستقيم‪ ،‬وحبل الله‬
‫المتين‪ ،‬والشفاء النافع‪ ،‬عصمة لمن تمسك به‪ ،‬ونجاة لمن اتبعه‪،‬‬
‫ل يعوج فيقوم‪ ،‬ول يزيغ فيستعتب‪ ،‬ول تنقضي عجائبه‪ ،‬ول يخلق‬
‫على كثرة الرد‪.‬‬
‫قلت‪ :‬أخرجه الترمذي في سننه‪ ،‬والسيوطي في الجامع الصغير؛‬
‫من حديث علي رفعه‪ ،‬وقد سبق‪ ،‬وضعفه اللباني‪.‬‬
‫ن‪ ،‬فيه نبأ‬
‫ونحوه عن ابن مسعود‪ ،‬وقال فيه‪ :‬ول يختلف ول يتشا ّ‬‫الولين والخرين‪.‬‬
‫قلت‪ :‬لعله أشار إلى الحديث الذي أخرجه المنذري في الترغيب‬
‫والترهيب‬
‫عن عبد الله يعني ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى‬
‫الله عليه وسلم قال‪" :‬إن هذا القرآن مأدبة الله فاقبلوا مأدبته ما‬
‫استطعتم إن هذا القرآن حبل الله والنور المبين والشفاء النافع‬
‫عصمة لمن تمسك به ونجاة لمن اتبعه ل يزيغ فيستعتب ول يعوج‬
‫فيقوم ول تنقضي عجائبه ول يخلق من كثرة الرد اتلوه فإن الله‬
‫يأجركم على تلوته كل حرف عشر حسنات أما إني ل أقول الم‬
‫حرف ولكن ألف حرف ولم حرف وميم حرف‪.‬‬
‫وهذا ضعفه اللباني‪ ،‬لكنه صحح طرفه الخير الذي رواه‬
‫الترمذي‪ ،‬قال‪:‬‬
‫حدثنا محمد بن بشار أخبرنا أبو بكر الحنفي أخبرنا الضحاك بن‬
‫عثمان عن أيوب بن موسى‪ ،‬قال‪ :‬سمعت محمد بن كعب‬
‫القرظي يقول‪ :‬سمعت عبد اللّه بن مسعود يقول‪ :‬قال رسول‬
‫اللّه صلى الله عليه وسلم‪" :‬من قرأن حرفا من كتاب اللّه فله به‬
‫حسنة والحسنة بعشر أمثالها ل أقول آلم حرف‪ ،‬ولكن ألف حرف‬
‫‪155‬‬

‫وميم حرف"‪ .‬هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه‪.‬‬
‫سمعت قتيبة بن سعيد‪ ،‬يقول‪ :‬بلغني أن محمد بن كعب القرظي‬
‫ولد في حياة النبي صلى اللّه عليه وسلم‪ ،‬ويروي هذا الحديث‬
‫من غير هذا الوجه عن ابن مسعود رواه أبو الحوص عن عبد اللّه‬
‫بن مسعود‪ ،‬ورفعه بعضهم‪ ،‬ووقفه بعضهم عن ابن مسعود‪،‬‬
‫ومحمد بن كعب القرظي يكنى أبا حمزة‪.‬‬
‫قال الشيخ اللباني‪ :‬صحيح‪ .‬سند الحديث‪ :‬حدثنا محمد بن بشار‬
‫حدثنا أبو بكر الحنفي حدثنا الضحاك بن عثمان عن أيوب بن‬
‫موسى قال سمعت محمد بن كعب القرظي قال سمعت عبد‬
‫الله بن مسعود يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫ورواه الدارمي قال‪ :‬حدثنا أبو عامر قبيصة انا سفيان عن عطاء‬
‫بن السائب عن أبي الحوص عن عبد الله قال‪ :‬تعلموا هذا‬
‫القرآن فإنكم تؤجرون بتلوته بكل حرف عشر حسنات أما اني ل‬
‫أقول بألم ولكن بألف ولم وميم بكل حرف عشر حسنات‪.‬‬
‫ورواه الحاكم في المستدرك قال‪ :‬حدثنا أبو الوليد حسان بن‬
‫محمد القرشي الفقيه ثنا مسدد بن قطن بن إبراهيم ثنا داود بن‬
‫رشيد ثنا صالح بن عمر أنبأ إبراهيم الهجري عن أبي الحوص عن‬
‫عبد الله رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم‬
‫قال‪" :‬إن هذا القرآن مأدبة الله فاقبلوا من مأدبته ما استطعتم‬
‫إن هذا القرآن حبل الله والنور المبين والشفاء النافع عصمة لمن‬
‫تمسك به ونجاة لمن تبعه ل يزيغ فيستعتب ول يعوج فيقوم ول‬
‫تنقضي عجائبه ول يخلق من كثرة الرد اتلوه فإن الله يأجركم‬
‫على تلوته كل حرف عشر حسنات أما إني ل أقول ألم حرف‬
‫ولكن ألف ولم وميم"‪ .‬هذا حديث صحيح السناد ولم يخرجاه‬
‫بصالح بن عمر‪.‬‬
‫وفي الحديث‪ :‬قال الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم‪ :‬إني‬‫منزل عليك توراة حديثة‪ ،‬تفتح بها أعينا ً عمياً‪ ،‬وآذانا ً صماً‪ ،‬وقلوباً‬
‫غلفاً‪ ،‬فيها ينابيع العلم‪ ،‬وفهم الحكمة‪ ،‬وربيع القلوب‪.‬‬
‫قلت‪ :‬أخرجه ابن أبي شيبة قال‪ :‬حدثنا أبو معاوية عن هشام عن‬
‫العمش عن مالك بن الحارث عن مغيث بن سمي قال‪ :‬قال‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ " :‬أنزلت علي توراة محدثة‪،‬‬
‫فيها نور الحكمة وينابيع العلم‪ ،‬لتفتح بها أعينًا عميًا‪ ،‬وقلوبًا غلفًا‪،‬‬
‫ما‪ ،‬وهي أحدث الكتب بالرحمن‪.‬‬
‫وآذنًا ص ً‬
‫وأخرجه الدارمي قال‪:‬حدثنا عمرو بن عاصم ثنا حماد بن سلمة‬
‫عن عاصم بن بهدلة عن مغيث عن كعب قال‪:‬عليكم بالقرآن فإنه‬
‫فهم العقل ونور الحكمة وينابيع العلم وأحدث الكتب بالرحمن‬

‫‪156‬‬

‫عهدًا‪ ،‬وقال في التوراة يا محمد إني منزل عليك توراة حديثة‬
‫ما وقلوبًا غلفًا‪..‬‬
‫تفتح فيها أعينًا عميًا وآذانًا ص ً‬
‫وعن كعب‪ :‬عليكم بالقرآن‪ ،‬فإنه فهم العقول‪ ،‬ونور الحكمة‪.‬‬
‫وقال الله تعالى‪( :‬إ ِ َّ‬‫ن يَقُ ُّ‬
‫سَرائِي َ‬
‫ل أَكْثََر‬
‫ن هَذ َا الْقُْرآ َ‬
‫ص ع َلَى بَنِي إ ِ ْ‬
‫َ‬
‫ن) (النمل‪.) 76 :‬‬
‫م فِيهِ ي َ ْ‬
‫ختَلِفُو َ‬
‫ال ّذِي هُ ْ‬
‫وقال‪(:‬هَـذ َا بَيَا ٌ ّ َ‬‫ن) (آل عمران‪:‬‬
‫موْ ِ‬
‫عظ َ ٌ‬
‫س وَهُدًى وَ َ‬
‫ة ل ِّل ْ ُ‬
‫متَّقِي َ‬
‫ن لِلن ّا ِ‬
‫‪.) 138‬‬
‫فجمع فيه مع وجازة ألفاظه‪ ،‬وجوامع كلمة أضعاف ما في الكتب‬
‫قبله التي ألفاظها على الضعف منه مرات‪.‬‬
‫ومنها جمعه فيه بين الدليل ومدلوله‪ ،‬وذلك أنه احتج بنظم‬
‫القرآن‪ ،‬وحسن رصفه وإيجازه وبلغته‪ ،‬وأثناء هذه البلغة أمره‬
‫ونهيه‪ ،‬ووعده ووعيده‪ ،‬فالتالي له يفهم موضع الحجة والتكليف‬
‫معا ً من كلم واحد وسورة منفردة‪.‬‬
‫ومنها أن جعله في حيز المنظوم الذي لم يعهد‪ ،‬ولم يكن في‬‫حيز المنثور‪ ،‬لن المنظوم أسهل على النفوس‪ ،‬وأوعى للقلوب‪،‬‬
‫وأسمع في الذان‪ ،‬وأحلى على الفهام‪ ،‬فالناس إليه أميل‪،‬‬
‫والهواء إليه أسرع‪.‬‬
‫ومنها تيسيره تعالى حفظه لمتعلميه‪ ،‬وتقريبه على متحفظيه‪،‬‬‫قال الله تعالى‪ (:‬وَلَقَد ْ ي َ َّ‬
‫من ُّ‬
‫ن لِلذِّكْرِ فَهَ ْ‬
‫مدَّكِرٍ)‬
‫ل ِ‬
‫سْرنَا الْقُْرآ َ‬
‫(القمر‪ )...17 :‬وسائر المم ل يحفظ كتبها الواحد منهم‪ ،‬فكيف‬
‫الجماء على مرور السنين عليهم‪ .‬والقرآن ميسر حفظه للغلمان‬
‫في أقرب مدة‪.‬‬
‫ومنها مشاكلة بعض أجزائه بعضاً‪ ،‬وحسن ائتلف أنواعها‪ ،‬والتئام‬‫أقسامها‪ ،‬وحسن التخلص من قصة إلى أخرى‪ ،‬والخروج من باب‬
‫إلى غيره على اختلف معانيه‪ ،‬وانقسام السورة الواحدة إلى أمر‬
‫ونهي‪ ،‬وخبر واستخبار‪ ،‬ووعد ووعيد‪ ،‬وإثبات نبوة‪ ،‬وتوحيد وتفريد‪،‬‬
‫وترغيب وترهيب‪ ،‬إلى غير ذلك من فوائده‪ ،‬دون خلل يتخلل‬
‫فصوله‪.‬‬
‫والكلم الفصيح إذا اعتوره مثل هذا ضعفت قوته‪ ،‬ولنت جزالته‪،‬‬
‫وقل رونقه‪ ،‬وتقلقت ألفاظه‪.‬‬
‫ن ذِي الذِّكْرِ (‪ ،)1‬وما جمع‬
‫فتأمل أول سورة (ص) –( ص وَالْقُْرآ ِ‬
‫فيها من أخبار الكفار وشقاقهم وتقريعهم بإهلك القرون من‬
‫قبلهم‪ ،‬وما ذكر من تكذيبهم بمحمد صلى الله عليه وسلم‪،‬‬
‫وتعجبهم مما أتى به‪ ،‬والخبر عن اجتماع ملئهم على الكفر وما‬
‫ظهر من الحسد في كلمهم‪ ،‬و تعجيزهم و توهينهم‪ ،‬ووعيدهم‬
‫بخزي الدنيا والخرة‪ ،‬وتكذيب المم قبلهم‪ ،‬وإهلك الله لهم‪،‬‬
‫ووعيد هؤلء مثل مصابهم‪ ،‬و تصبير النبي على أذاهم وتسليته‬
‫‪157‬‬

‫بكل ما تقدم ذكره‪ ،‬ثم أخذ في ذكر داود و قصص النبياء‪ ،‬كل‬
‫هذا في أوجز كلم وأحسن نظام‪.‬‬
‫ومنه الجملة الكثيرة التي انطوت عليها الكلمات القليلة‪ ،‬وهذا‬‫كله وكثير مما ذكرنا أنه ذكر في إعجاز القرآن‪ ،‬إلى وجوه كثيرة‬
‫ذكرها الئمة لم نذكرها‪ ،‬إذ أكثرها داخل في باب بلغته‪ ،‬فل يجب‬
‫أن يعد فنا ً منفردا ً في إعجازه‪ ،‬إل في باب تفضيل فنون البلغة‪،‬‬
‫وكذلك كثير مما قدمنا ذكره عنهم يعد في خواصه وفضائله‪ ،‬ل‬
‫إعجازه‪.‬‬
‫وحقيقة العجاز الوجوه الربعة التي ذكرنا‪ ،‬فليعتمد عليها‪ ،‬وما‬
‫بعدها من خواص القرآن وعجائبه التي ل تنقضي‪ .‬والله ولي‬
‫التوفيق‪.‬‬
‫‪------------------‬‬‫‪ .20‬القول القوم في معجزات النبي الكرم(‪..)3‬‬
‫انشقاق القمر‪ ,‬نبع الماء من بين أصابعه‬
‫الفصل الحادي عشر‪:‬‬
‫في انشقاق القمر وحبس الشمس‬
‫ت ال َّ‬
‫ة وَان َ‬
‫ة‬
‫مُر(‪ )1‬وَأن يََروْا آي َ ً‬
‫ساع َ ُ‬
‫قال الله تعالى‪( :‬اقْتََرب َ ِ‬
‫شقَّ ال ْ َق َ‬
‫حٌر ُّ‬
‫مٌّر(‪ - )2‬القمر‪.‬‬
‫ست َ ِ‬
‫ضوا وَيَقُولُوا ِ‬
‫س ْ‬
‫يُعْرِ ُ‬
‫م ْ‬
‫أخبر تعالى بوقوع انشقاقه بلفظ الماضي‪ ،‬وإعراض الكفرة عن‬‫آياته‪ ،‬وأجمع المفسرون وأهل السنة على وقوعه‪.‬‬
‫أخبرنا الحسين بن محمد الحافظ من كتابه‪ ،‬حدثنا القاضي سراج‬‫بن عبد الله‪ ،‬حدثنا الصيلي‪ ،‬حدثنا المروزي‪ ،‬حدثنا الفربري‪،‬‬
‫حدثنا البخاري‪ ،‬حدثنا مسدد‪ ،‬حدثنا يحي‪ ،‬عن شعبة‪ ،‬و سفيان‪،‬‬
‫عن العمش‪ ،‬عن إبراهيم‪ ،‬عن أبي معمر‪ ،‬عن ابن مسعود رضي‬
‫الله عنه‪ ،‬قال‪ :‬انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم فرقتين‪ :‬فرقة فوق الجبل‪ ،‬و فرقة دونه‪ ،‬فقال رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم‪":‬اشهدوا"‬
‫وفي رواية مجاهد‪ :‬ونحن مع النبي صلى الله عليه وسلم‬‫وفي بعض طرق العمش‪ :‬ونحن بمنى‪.‬‬‫ورواه أيضا ً ـ عن ابن مسعود ـ السود‪ ،‬وقال‪ :‬حتى رأيت الجبل‬‫بين فرجتي القمر‪.‬‬
‫ورواه عنه مسروق ـ أنه كأن بمكة ـ و زاد‪ :‬فقال كفار قريش‪:‬‬‫سحركم ابن أبي كبشة!‬
‫فقال رجل منهم‪ :‬أن محمدا ً أن كأن سحر القمر فإنه ل يبلغ من‬
‫سحره أن يسحر الرض كلها‪ ،‬فاسألوا من يأتيكم من بلد آخر‪:‬‬
‫هل رأوا هذا؟ فأتوا‪ ،‬فسألوهم فأخبروهم أنهم رأوا مثل ذلك‪.‬‬

‫‪158‬‬

‫وحكى السمرقندي عن الضحاك نحوه‪ ،‬وقال‪ :‬فقال أبو جهل‪:‬‬‫هذا سحر‪ ،‬فابعثوا إلى أهل الفاق حتى تنظروا‪ :‬أرأوا ذلك أم ل؟‬
‫فأخبر أهل الفاق أنهم رأوه منشقاً‪ ،‬فقالوا ـ يعني الكفار‪ :‬هذا‬
‫سحر مستمر‪.‬‬
‫ورواه أيضا ً ـ عن ابن مسعود ـ علقمة‪ ،‬فهؤلء أربعة عن عبد‬‫الله‪.‬‬
‫وقد رواه غير ابن مسعود‪ ،‬كما رواه ابن مسعود‪ ،‬منهم أنس‪،‬‬‫وابن عباس وابن عمر‪ ،‬وحذيفة‪ ،‬وعلي‪ ،‬وجبير بن مطعم‪ ،‬فقال‬
‫علي ـ من رواية أبي حذيفة الرحبي‪ :‬انشق القمر و نحن مع‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫وعن أنس‪ :‬سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم أن يريهم‬‫آية‪ ،‬فأراهم انشقاق القمر فرقتين حتى رأوا حراء بينهم‪ .‬رواه‬
‫عن أنس قتادة‪.‬‬
‫وفي رواية معمر وغيره‪ ،‬عن قتادة‪ ،‬عنه‪ :‬أراهم القمر مرتين‬‫ت ال َّ‬
‫ة وَان َ‬
‫مُر(‪()1‬سورة القمر‬
‫ساع َ ُ‬
‫انشقاقه‪ ،‬فنزلت‪(:‬اقْتََرب َ ِ‬
‫شقَّ الْقَ َ‬
‫‪.)1‬‬
‫ورواه عن جبير بن مطعم ابنه محمد و ابن ابنه جبير بن محمد‪.‬‬‫ورواه عن ابن عباس عبيد الله بن عبد الله بن عتبة‪- .‬ورواه عن‬‫ابن عمر مجاهد‪ ،‬ورواه عن حذيفة أبو عبد الرحمن السلمي‬
‫ومسلم بن أبي عمر أن الزدي‬
‫وأكثر طرق هذه الحاديث صحيحة‪ ،‬والية مصرحة‪ ،‬ول يلتفت إلى‬
‫خف على أهل الرض‪ ،‬إذ‬
‫اعتراض مخذول‪ ،‬بأنه لو كأن هذا لم ي ْ‬
‫هو شيء ظاهر لجميعهم‪ ،‬إذ لم ينقل لنا عن أهل الرض أنهم‬
‫رصدوه تلك الليلة فلم يروه انشق‪ ،‬ولو نقل إلينا عمن ل يجوز‬
‫تمالؤهم ـ لكثرتهم ـ على الكذب‪ ،‬لما كانت علينا به حجة‪ ،‬إذ‬
‫ليس القمر في حد واحد لجميع أهل الرض‪ ،‬فقد يطلع على قوم‬
‫قبل أن يطلع على آخرين‪ ،‬وقد يكون من قوم بضد ما هو من‬
‫مقابليهم من أقطار الرض‪ ،‬أو يحول بين قوم و بينه سحاب أو‬
‫جبال‪ ،‬ولهذا نجد الكسوفات في بعض البلد دون بعض‪ ،‬وفي‬
‫بعضها جزئية‪ ،‬وفي بعضها كلية‪ ،‬وفي بعضها ل يعرفها إل‬
‫المدعوون لعلمها‪(،‬ذَل ِ َ‬
‫ك تَقْدِيُر الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ)(النعام‪.)96 :‬‬
‫وآية القمر كانت ليلً‪ ،‬والعادة من الناس بالليل الهدوء والسكون‬
‫وإيجاف البواب‪ ،‬وقطع التصرف‪ ،‬ول يكاد يعرف من أمور‬
‫السماء شيئاً‪ ،‬إل من رصد ذلك‪ ،‬واهتبل به‬
‫ولذلك ما يكون الكسوف القمري كثيرا ً في البلد‪ ،‬وأكثرهم ل‬
‫يعلم به حتى ينجز‪ ،‬وكثيرا ً ما يحدث الثقات بعجائب يشاهدونها‬

‫‪159‬‬

‫من أنوار ونجوم طوالع عظام تظهر في الحيان بالليل في‬
‫السماء‪ ،‬ول علم عند أحد منها‪.‬‬
‫قلت‪ :‬حديث انشقاق القمر في الصحيحين روى البخاري ـ في‬
‫كتاب فضائل الصحابة‪ ،‬باب انشقاق القمرـ قال‪:‬‬
‫‪ -1‬حدثني عبد الله بن عبد الوهاب‪ :‬حدثنا بشر بن المفضل‪ :‬حدثنا‬
‫سعيد بن أبي عروبة‪ ،‬عن قتادة‪ ،‬عن أنس بن مالك رضي الله‬
‫عنه‪ :‬أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن‬
‫يريهم آية‪ ،‬فأراهم القمر شقين‪ ،‬حتى رأوا حراء بينهما‪.‬‬
‫‪ -2‬حدثنا عبدان‪ ،‬عن أبي حمزة‪ ،‬عن العمش‪ ،‬عن إبراهيم‪ ،‬عن‬
‫أبي معمر‪ ،‬عن عبد الله رضي الله عنه قال‪ :‬انشق القمر ونحن‬
‫مع النبي صلى الله عليه وسلم بمنى‪ ،‬فقال‪(:‬اشهدوا)‪ .‬وذهبت‬
‫فرقة نحو الجبل‪.‬‬
‫وقال أبو الضحى‪ ،‬عن مسروق‪ ،‬عن عبد الله‪ :‬انشق بمكة‪ ،‬وتابعه‬
‫محمد بن مسلم‪ ،‬عن ابن نجيح‪ ،‬عن مجاهد‪ ،‬عن أبي معمر‪ ،‬عن‬
‫عبد الله‪.‬‬
‫‪ -3‬حدثنا عثمان بن صالح‪ :‬حدثنا بكر بن مضر قال‪ :‬حدثني جعفر‬
‫ابن ربيعة‪ ،‬عن عراك بن مالك‪ ،‬عن عبيد الله بن عبد الله بن‬
‫عتبة بن مسعود‪ ،‬عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما‪ :‬أن‬
‫القمر انشق على زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫‪ -4‬حدثنا عمر بن حفص‪ :‬حدثنا أبي‪ :‬حدثنا العمش‪ :‬حدثنا‬
‫إبراهيم‪ ،‬عن أبي معمر‪ ،‬عن عبد الله رضي الله عنهما قال‪:‬‬
‫انشق القمر‪.‬‬
‫‪-5‬حدثنا مسدد‪ :‬حدثنا يحيى‪ ،‬عن شعبة‪ ،‬وسفيان‪ ،‬عن العمش‪،‬‬
‫عن إبراهيم‪ ،‬عن أبي معمر‪ ،‬عن ابن مسعود قال‪:‬انشق القمر‬
‫على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرقتين‪ :‬فرقة فوق‬
‫الجبل‪ ،‬وفرقة دونه‪ ،‬فقال رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم‪(:‬اشهدوا)‪.‬‬
‫‪ -6‬حدثنا علي بن عبد الله‪ :‬حدثنا سفيان‪ :‬أخبرنا ابن أبي نجيح‪،‬‬
‫عن مجاهد‪ ،‬عن أبي معمر‪ ،‬عن عبد الله قال‪:‬انشق القمر ونحن‬
‫مع النبي صلى الله عليه وسلم‪ ،‬فصار فرقتين‪ ،‬فقال‬
‫لنا‪(:‬اشهدوا‪ ..‬اشهدوا)‪.‬‬
‫وروى مسلم في كتاب صفات المنافقين وأحكامهم‪ ،‬باب‬
‫انشقاق القمر قال‪:‬‬
‫‪ -1‬حدثنا عمرو الناقد وزهير بن حرب‪ .‬قال‪ :‬حدثنا سفيأن بن‬
‫عيينة عن ابن أبي نجيح‪ ،‬عن مجاهد‪ ،‬عن أبي معمر‪ ،‬عن عبد الله‬
‫قال‪:‬‬

‫‪160‬‬

‫انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بشقتين‪.‬‬
‫فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪" :‬اشهدوا"‪.‬‬
‫‪ )-2‬حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب وإسحاق بن إبراهيم‪.‬‬
‫جميعا عن أبي معاوية‪ .‬ح وحدثنا عمر بن حفص بن غياث‪ .‬حدثنا‬
‫أبي‪ .‬كلهما عن العمش‪ .‬ح وحدثنا منجاب بن حارث‬
‫التميمي(واللفظ له)‪ .‬أخبرنا ابن مسهر عن العمش‪ ،‬عن‬
‫إبراهيم‪ ،‬عن أبي معمر‪ ،‬عن عبد الله بن مسعود‪ .‬قال‪:‬‬
‫بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى‪ ،‬إذا انفلق‬
‫القمر فلقتين‪ .‬فكانت فلقة وراء الجبل‪ ،‬وفلقة دونه‪ .‬فقال لنا‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم‪" :‬اشهدوا"‪.‬‬
‫‪ -3‬حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري‪ .‬حدثنا أبي‪ .‬حدثنا شعبة عن‬
‫العمش‪ ،‬عن إبراهيم‪ ،‬عن أبي معمر‪ ،‬عن عبد الله بن مسعود‬
‫قال‪:‬‬
‫انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقتين‪.‬‬
‫فستر الجبل فلقة‪ .‬وكانت فلقة فوق الجبل‪ .‬فقال رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم‪" :‬اللهم! اشهد"‪.‬‬
‫‪ -4‬حدثنا عبيد الله بن معاذ‪ .‬حدثنا أبي‪ .‬حدثنا شعبة عن العمش‪،‬‬
‫عن مجاهد‪ ،‬عن ابن عمر‪ ،‬عن النبي صلى الله عليه وسلم‪ .‬مثل‬
‫ذلك‪.‬‬
‫‪-5‬وحدثنيه بشر بن خالد‪ .‬أخبرنا محمد بن جعفر‪ .‬ح وحدثنا محمد‬
‫بن بشار‪ .‬حدثنا ابن أبي عدي‪ .‬كلهما عن شعبة‪ .‬بإسناد ابن معاذ‬
‫عن شعبة‪ .‬نحو حديثه‪ .‬غير أن في حديث ابن أبي عدي‪ :‬فقال‪:‬‬
‫"اشهدوا‪ .‬اشهدوا"‪.‬‬
‫‪ -6‬حدثني زهير بن حرب وعبد بن حميد‪ .‬قال‪ :‬حدثنا يونس بن‬
‫محمد‪ .‬حدثنا شيبان‪ .‬حدثنا قتادة عن أنس أن أهل مكة سألوا‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية‪ .‬فأراهم انشقاق‬
‫القمر‪ ،‬مرتين‪.‬‬
‫‪ -7‬وحدثنيه محمد بن رافع‪ .‬حدثنا عبد الرزاق‪ .‬أخبرنا معمر عن‬
‫قتادة‪ ،‬عن أنس‪ .‬بمعنى حديث شيبان‪.‬‬
‫‪ -8‬وحدثنا محمد بن المثنى‪ .‬حدثنا محمد بن جعفر وأبو داود‪ .‬ح‬
‫وحدثنا ابن بشار‪ .‬حدثنا يحيى بن سعيد ومحمد بن جعفر وأبو‬
‫داود‪ .‬كلهم عن شعبة‪ ،‬عن قتادة‪ ،‬عن أنس‪ .‬قال‪ :‬انشق القمر‬
‫فرقتين‪.‬‬
‫وفي حديث أبي داود‪ :‬انشق القمر على عهد رسول الله صلى‬
‫الله عليه وسلم‪.‬‬
‫‪ -9‬حدثنا موسى بن قريش التميمي‪ .‬حدثنا إسحاق بن بكر بن‬
‫مضر‪ .‬حدثني أبي‪ .‬حدثنا جعفر بن ربيعة عن عراك بن مالك‪ ،‬عن‬
‫‪161‬‬

‫عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود‪ ،‬عن ابن عباس قال‪:‬‬
‫أن القمر انشق على زمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم‪...‬‬
‫قال ابن حجر العسقلني في فتح الباري‪:‬‬
‫* قوله باب انشقاق القمر‪ ،‬أي في زمن النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم على سبيل المعجزة له وقد ترجم بمعنى ذلك في علمات‬
‫النبوة‪ ،‬قال‪ :‬باب سؤال المشركين أن يريهم النبي صلى الله‬
‫عليه وسلم آية فأراهم انشقاق القمر ـ‬
‫* قوله عن أنس زاد في الرواية التي في علمات النبوة أنه‬
‫حدثهم (حدثني عبد الله بن محمد‪ :‬حدثنا يونس‪ :‬حدثنا شيبان‪،‬‬
‫عن قتادة‪ ،‬عن أنس بن مالك‪ .‬وقال لي خليفة‪ :‬حدثنا يزيد بن‬
‫زريع‪ :‬حدثنا سعيد‪ ،‬عن قتادة‪ ،‬عن أنس بن مالك رضي الله عنه‬
‫أنه حدثهم‪ :‬أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫أن يريهم آية‪ ،‬فأراهم انشقاق القمر‪).‬‬
‫ قوله أن أهل مكة هذا من مراسيل الصحابة لن أنسا لم يدرك‬‫ضا‬
‫هذه القصة وقد جاءت هذه القصة من حديث بن عباس وهو أي ً‬
‫ممن لم يشاهدها ومن حديث بن مسعود وجبير بن مطعم‬
‫وحذيفة وهؤلء شاهدوها ولم أر في شيء من طرقه أن ذلك‬
‫كأن عقب سؤال المشركين إل في حديث أنس فلعله سمعه من‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم ثم وجدت في بعض طرق حديث بن‬
‫عباس بيان صورة السؤال وهو وأن كأن لم يدرك القصة لكن في‬
‫بعض طرقه ما يشعر بأنه حمل الحديث عن بن مسعود كما‬
‫سأذكره فاخرج أبو نعيم في الدلئل من وجه ضعيف عن بن‬
‫عباس قال اجتمع المشركون إلى رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم منهم الوليد بن المغيرة وأبو جهل بن هشام والعاص بن‬
‫وائل والسود بن المطلب والنضر بن الحارث ونظرائهم فقالوا‬
‫للنبي صلى الله عليه وسلم أن كنت صادقا فشق لنا القمر‬
‫فرقتين فسأل ربه فانشق‪.‬‬
‫شقتين بكسر المعجمة أي نصفين وتقدم في العلمات‬
‫قوله‪ِ :‬‬‫من طريق سعيد وشيبأن عن قتادة بدون هذه اللفظة‪.‬‬
‫*وأخرجه مسلم من الوجه الذي أخرجه منه البخاري من حديث‬
‫سعيد عن قتادة بلفظ فأراهم انشقاق القمر مرتين‬
‫وأخرجه من طريق معمر عن قتادة قال بمعنى حديث شيبان‪..‬‬
‫ضا‪..‬‬
‫قلت وهو في مصنف عبد الرزاق عن معمر بلفظ مرتين أي ً‬
‫وكذلك أخرجه المامان أحمد وإسحاق في مسنديهما عن عبد‬
‫الرزاق‪ ..‬وقد اتفق الشيخان عليه من رواية شعبة عن قتادة‬
‫بلفظ فرقتين قال البيهقي قد حفظ ثلثة من أصحاب قتادة عنه‬
‫مرتين قلت لكن اختلف عن كل منهم في هذه اللفظة ولم‬
‫‪162‬‬

‫يختلف على شعبة وهو أحفظهم ولم يقع في شيء من طرق‬
‫حديث بن مسعود بلفظ مرتين إنما فيه فرقتين أو فلقتين بالراء‬
‫أو اللم وكذا في حديث بن عمر فلقتين وفي حديث جبير بن‬
‫مطعم فرقتين وفي لفظ عنه فانشق باثنتين وفي رواية عن بن‬
‫عباس عند أبي نعيم في الدلئل فصار قمرين وفي لفظ شقتين‬
‫وعند الطبراني من حديثه حتى رأوا شقيه ووقع في نظم السيرة‬
‫لشيخنا الحافظ أبي الفضل وانشق مرتين بالجماع ول أعرف من‬
‫جزم من علماء الحديث بتعدد النشقاق في زمنه صلى الله عليه‬
‫وسلم ولم يتعرض لذلك أحد من شراح الصحيحين‪ ..‬وتكلم بن‬
‫القيم على هذه الرواية فقال المرات يراد بها الفعال تارة‬
‫والعيان أخرى والول أكثر ومن الثاني انشق القمر مرتين وقد‬
‫خفي على بعض الناس فادعى أن انشقاق القمر وقع مرتين وهذا‬
‫مما يعلم أهل الحديث والسير أنه غلط فإنه لم يقع إل مرة‬
‫واحدة وقد قال العماد بن كثير في الرواية التي فيها مرتين نظر‬
‫ولعل قائلها أراد فرقتين قلت وهذا الذي ل يتجه غيره جمعًا بين‬
‫الروايات ثم راجعت نظم شيخنا فوجدته يحتمل التأويل المذكور‬
‫ولفظه فصار فرقتين فرقة علت وفرقة للطود منه نزلت وذاك‬
‫مرتين بالجماع والنص والتواتر السماع فجمع بين قوله فرقتين‬
‫وبين قوله مرتين فيمكن أن يتعلق قوله بالجماع بأصل النشقاق‬
‫ل بالتعدد مع أن في نقل الجماع في نفس النشقاق نظًرا‬
‫سيأتي بيانه‪.‬‬
‫حراء على يسار‬
‫حراء بينهما أي بين الفرقتين‪ ،‬و ِ‬
‫قوله حتى رأوا ِ‬‫السائر من مكة إلى منى‪.‬‬
‫* قوله عن أبي حمزة بالمهملة والزاي هو محمد بن ميمون‬
‫السكري المروزي قوله عن العمش عن إبراهيم وقع في رواية‬
‫السرخسي والكشميهني في آخر الباب من وجه آخر عن‬
‫العمش حدثنا إبراهيم قوله عن أبي معمر هذا هو المحفوظ‬
‫ووقع في رواية سعد أن بن يحيى ويحيى بن عيسى الرملي عن‬
‫العمش عن إبراهيم عن علقمة أخرجه بن مردويه ولبي نعيم‬
‫نحوه من طريق غريبة عن شعبة عن العمش والمحفوظ عن‬
‫شعبة كما سيأتي في التفسير عن العمش عن إبراهيم عن أبي‬
‫معمر وهو المشهور وقد أخرجه مسلم من طريق أخرى عن‬
‫شعبة عن العمش عن مجاهد عن بن عمر وسيأتي للمصنف‬
‫معلقا أن مجاهدًا رواه عن أبي معمر عن بن مسعود فالله اعلم‬
‫هل عند مجاهد فيه إسنادان أو قول من قال بن عمر وهم من‬
‫أبي معمر‪.‬‬

‫‪163‬‬

‫* قوله عن عبد الله هو بن مسعود‪ ،‬قوله انشق القمر ونحن مع‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم بمنى في رواية مسلم من طريق‬
‫علي بن مسهر عن العمش بينما نحن مع النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم بمنى إذ انفلق القمر وهذا ل يعارض قول أنس أن ذلك‬
‫كأن بمكة لنه لم يصرح بأن النبي صلى الله عليه وسلم كأن‬
‫ليلتئذ بمكة وعلى تقدير تصريحه فهي من جملة مكة فل تعارض‪..‬‬
‫وقد وقع عند الطبراني من طريق زر بن حبيش عن بن مسعود‬
‫قال انشق القمر بمكة فرأيته فرقتين وهو محمول على ما‬
‫ذكرته‪ ..‬وكذا وقع في غير هذه الرواية وقد وقع عند بن مردويه‬
‫بيأن المراد فاخرج من وجه آخر عن بن مسعود قال انشق القمر‬
‫على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن بمكة قبل أن‬
‫نصير إلى المدينة فوضح أن مراده بذكر مكة الشارة إلى أن‬
‫ذلك وقع قبل الهجرة ويجوز أن ذلك وقع وهم ليلتئذ بمنى‪.‬‬
‫قوله فقال‪ :‬اشهدوا أي اضبطوا هذا القدر بالمشاهدة‪ ..‬قوله‬‫وقال أبو الضحى الخ يحتمل أن يكون معطوفًا على قوله عن‬
‫إبراهيم فأن أبا الضحى من شيوخ العمش فيكون للعمش فيه‬
‫إسنادان ويحتمل أن يكون معلقًا وهو المعتمد فقد وصله أبو داود‬
‫الطيالسي عن أبي عوانة ورويناه في فوائد أبي طاهر الذهلي‬
‫من وجه آخر عن أبي عوانة وأخرجه أبو نعيم في الدلئل من‬
‫طريق هشيم كلهما عن مغيرة عن أبي الضحى بهذا السناد‬
‫بلفظ انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم‪..‬‬
‫فقالت كفار قريش‪ :‬هذا سحر سحركم بن أبي كبشة‪ ،‬فانظروا‬
‫إلى السفار فأن أخبروكم أنهم رأوا مثل ما رأيتم فقد صدق‪..‬‬
‫قال فما قدم عليهم أحد إل أخبرهم بذلك‪ ...‬لفظ هشيم وعند أبي‬
‫عوانة انشق القمر بمكة نحوه‪ ،‬وفيه فأن محمدًا ل يستطيع أن‬
‫يسحر الناس كلهم‪.‬‬
‫* قوله وتابعه محمد بن مسلم هو الطائفي وابن أبي نجيح اسمه‬
‫عبد الله واسم أبيه بتحتانية ثم مهملة خفيفة ومراده انه تابع‬
‫إبراهيم في روايته عن أبي معمر في قوله أن ذلك كأن بمكة ل‬
‫في جميع سياق الحديث والجمع بين قول بن مسعود تارة بمنى‬
‫وتارة بمكة إما باعتبار التعدد أن ثبت‪ ,‬وإما بالحمل على أنه كأن‬
‫بمنى ومن قال أنه كأن بمكة ل ينافيه لن من كأن بمنى كأن‬
‫بمكة من غير عكس ويؤيده أن الرواية التي فيها بمنى قال فيها‬
‫ونحن بمنى والرواية التي فيها بمكة لم يقل فيها ونحن وإنما قال‬
‫انشق القمر بمكة يعني أن النشقاق كأن وهم بمكة قبل أن‬
‫يهاجروا إلى المدينة وبهذا يندفع دعوى الداودي أن بين الخبرين‬
‫تضادًا والله أعلم‪ ...‬وابن أبي نجيح رواه عن مجاهد عن أبي‬
‫‪164‬‬

‫معمر و هذه الطريق وصلها عبد الرزاق في مصنفه ومن طريقه‬
‫البيهقي في الدلئل عن بن عيينة ومحمد بن مسلم جميعًا عن بن‬
‫أبي نجيح بهذا السناد بلفظ رأيت القمر منشقًا شقتين شقة على‬
‫أبي قبيس وشقة على السويداء‪ ،‬والسويداء بالمهملة والتصغير‬
‫ناحية خارج مكة عندها جبل‪ ..‬وقول بن مسعود على أبي قبيس‬
‫يحتمل أن يكون رآه كذلك وهو بمنى كأن يكون على مكان‬
‫مرتفع بحيث رأى طرف جبل أبي قبيس ويحتمل أن يكون القمر‬
‫استمر منشقًا حتى رجع بن مسعود من منى إلى مكة فرآه كذلك‬
‫وفيه بعد‪ ،‬والذي يقتضيه غالب الروايات أن النشقاق كأن قرب‬
‫غروبه ويؤيد ذلك إسنادهم الرؤية إلى جهة الجبل ويحتمل أن‬
‫يكون النشقاق وقع أول طلوعه فأن في بعض الروايات أن ذلك‬
‫كأن ليلة البدر أو التعبير بأبي قبيس من تغيير بعض الرواة لن‬
‫الغرض ثبوت رؤيته منشقًا إحدى الشقتين على جبل والخرى‬
‫على جبل آخر ول يغاير ذلك قول الراوي الخر رأيت الجبل بينهما‬
‫أي بين الفرقتين لنه إذا ذهبت فرقة عن يمين الجبل وفرقة عن‬
‫يساره مثل صدق أنه بينهما وأي جبل آخر كأن من جهة يمينه أو‬
‫يساره صدق انه عليه أيضا وسيأتي في تفسير سورة القمر من‬
‫وجه آخر عن مجاهد بلفظ آخر وهو قوله انشق القمر ونحن مع‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‪ " :‬اشهدوا‪ ..‬اشهدوا"‬
‫وليس فيه تعيين مكان وأخرجه بن مردويه من رواية بن جريح‬
‫عن مجاهد بلفظ آخر وهو قوله انشق القمر قال الله تعالى‪:‬‬
‫(اقتربت الساعة وانشق القمر) يقول كما شققت القمر كذلك‬
‫أقيم الساعة‪.‬‬
‫قوله في حديث بن عباس أن القمر انشق على زمان رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم هكذا أورده مختصًرا وعند أبي نعيم من‬
‫وجه آخر انشق القمر فلقتين قال بن مسعود لقد رأيت جبل‬
‫حراء من بين فلقتي القمر وهذا يوافق الرواية الولى في ذكر‬
‫حراء وقد أنكر جمهور الفلسفة انشقاق القمر متمسكين بأن‬
‫اليات العلوية ل يتهيأ فيها النخراق واللتئام وكذا قالوا في فتح‬
‫أبواب السماء ليلة السراء إلى غير ذلك من إنكارهم ما يكون‬
‫يوم القيامة من تكوير الشمس وغير ذلك وجواب هؤلء أن كانوا‬
‫كفاًرا أن يناظروا أول ً على ثبوت دين السلم ثم يشركوا مع‬
‫غيرهم ممن أنكر ذلك من المسلمين ومتى سلم المسلم بعض‬
‫ذلك دون بعض ألزم التناقض ول سبيل إلى إنكار ما ثبت في‬
‫القرآن من النخراق واللتئام في القيامة فيستلزم جواز وقوع‬
‫ذلك معجزة لنبي الله صلى الله عليه وسلم وقد أجاب القدماء‬
‫عن ذلك فقال أبو إسحاق الزجاج في معاني القران‪( :‬أنكر بعض‬
‫‪165‬‬

‫المبتدعة الموافقين لمخالفي الملة انشقاق القمر ول إنكار‬
‫للعقل فيه؛ لن القمر مخلوق لله يفعل فيه ما يشاء كما يكوره‬
‫يوم البعث ويفنيه وأما قول بعضهم لو وقع لجاء متواتًرا واشترك‬
‫أهل الرض في معرفته ولما اختص بها أهل مكة فجوابه أن ذلك‬
‫وقع ليل وأكثر الناس نيام والبواب مغلقة وقل من يراصد السماء‬
‫إل النادر وقد يقع بالمشاهدة في العادة أن ينكسف القمر وتبدو‬
‫الكواكب العظام وغير ذلك في الليل ول يشاهدها إل الحاد‬
‫فكذلك النشقاق كأن آية وقعت في الليل لقوم سألوا واقترحوا‬
‫فلم يتأهب غيرهم لها ويحتمل أن يكون القمر ليلتئذ كان في‬
‫بعض المنازل التي تظهر لبعض أهل الفاق دون بعض كما يظهر‬
‫الكسوف لقوم دون قوم وقال الخطابي انشقاق القمر آية‬
‫عظيمة ل يكاد يعدلها شيء من آيات النبياء وذلك أنه ظهر في‬
‫جا من جملة طباع ما في هذا العالم المركب‬
‫ملكوت السماء خار ً‬
‫من الطبائع فليس مما يطمع في الوصول إليه بحيلة فلذلك صار‬
‫البرهان به أظهر وقد أنكر ذلك بعضهم فقال لو وقع ذلك لم يجز‬
‫أن يخفى أمره على عوام الناس لنه أمر صدر عن حس‬
‫ومشاهدة فالناس فيه شركاء والدواعي متوفرة على رؤية كل‬
‫غريب ونقل ما لم يعهد فلو كان لذلك أصل لخلد في كتب أهل‬
‫التيسير والتنجيم إذ ل يجوز إطباقهم على تركه وإغفاله مع جللة‬
‫شأنه ووضوح أمره والجواب عن ذلك أن هذه القصة خرجت عن‬
‫بقية المور التي ذكروها لنه شيء طلبه خاص من الناس فوقع‬
‫ليل لن القمر ل سلطان له بالنهار ومن شأن الليل أن يكون أكثر‬
‫ما ومستكنين بالبنية والبارز بالصحراء منهم إذا كان‬
‫الناس فيه نيا ً‬
‫يقظان يحتمل أنه كان في ذلك الوقت مشغول ً بما يلهيه من‬
‫سمر وغيره ومن المستبعد أن يقصدوا إلى مراصد مركز القمر‬
‫ناظرين إليه ل يغفلون عنه فقد يجوز أنه وقع ولم يشعر به أكثر‬
‫الناس وإنما رآه من تصدى لرؤيته ممن اقترح وقوعه ولعل ذلك‬
‫إنما كان في قدر اللحظة التي هي مدرك البصر ثم أبدى حكمة‬
‫بالغة في كون المعجزات المحمدية لم يبلغ شيء منها مبلغ‬
‫التواتر الذي ل نزاع فيه إل القرآن بما حاصله أن معجزة كل نبي‬
‫كانت إذا وقعت عامة أعقبت هلك من كذب به من قومه‬
‫للشتراك في إدراكها بالحس والنبي صلى الله عليه وسلم بعث‬
‫رحمة فكانت معجزته التي تحدى بها عقلية فاختص بها القوم‬
‫الذين بعث منهم لما أوتوه من فضل العقول وزيادة الفهام ولو‬
‫ما لعوجل من كذب به كما عوجل من قبلهم‪ .‬وذكر‬
‫كان إدراكها عا ً‬
‫أبو نعيم في الدلئل نحو ما ذكره الخطابي‪ ,‬وزاد ول سيما إذا‬
‫وقعت الية في بلدة كان عامة أهلها يومئذ الكفار الذين‬
‫‪166‬‬

‫يعتقدون أنها سحر ويجتهدون في إطفاء نور الله‪.‬‬
‫قلت‪ :‬وهو جيد بالنسبة إلى من سأل عن الحكمة في قلة من‬
‫نقل ذلك من الصحابة وأما من سأل عن السبب في كون أهل‬
‫التنجيم لم يذكروه فجوابه أنه لم ينقل عن أحد منهم أنه نفاه‬
‫وهذا كاف فإن الحجة فيمن أثبت ل فيمن يوجد عنه صريح النفي‬
‫حتى أن من وجد عنه صريح النفي يقدم عليه من وجد منه صريح‬
‫الثبات‪.‬‬
‫وقال بن عبد البر‪ :‬قد روى هذا الحديث جماعة كثيرة من‬
‫الصحابة وروى ذلك عنهم أمثالهم من التابعين ثم نقله عنهم‬
‫الجمع الغفير إلى أن انتهى إلينا ويؤيد ذلك بالية الكريمة فلم‬
‫يبق لستبعاد من استبعد وقوعه عذر‪ ،‬ثم أجاب بنحو جواب‬
‫الخطابي وقال‪ :‬وقد يطلع على قوم قبل طلوعه على آخرين‬
‫ضا فإن زمن النشقاق لم يطل ولم تتوفر الدواعي على‬
‫وأي ً‬
‫العتناء بالنظر إليه ومع ذلك فقد بعث أهل مكة إلى آفاق مكة‬
‫يسألون عن ذلك فجاءت السفار وأخبروا بأنهم عاينوا ذلك‪ ،‬وذلك‬
‫لن المسافرين في الليل غالبًا يكونون سائرين في ضوء القمر‬
‫ول يخفى عليهم ذلك‪.‬‬
‫وقال القرطبي‪ :‬الموانع من مشاهدة ذلك إذا لم يحصل القصد‬
‫إليه غير منحصرة ويحتمل أن يكون الله صرف جميع أهل الرض‬
‫غير أهل مكة وما حولها عن اللتفات إلى القمر في تلك الساعة‬
‫ليختص بمشاهدته أهل مكة كما اختصوا بمشاهدة أكثر اليات‬
‫ونقلوها إلى غيرهم اهـ‪ .‬وفي كلمه نظر لن أحدا لم ينقل أن‬
‫أحدا من أهل الفاق غير أهل مكة ذكروا أنهم رصدوا القمر في‬
‫تلك الليلة المعينة فلم يشاهدوا انشقاقه‪ ،‬فلو نقل ذلك لكان‬
‫الجواب الذي أبداه القرطبي جيدًا‪ ،‬ولكن لم ينقل عن أحد من‬
‫أهل الرض شيء من ذلك‪ ،‬فالقتصار حينئذ على الجواب الذي‬
‫ذكره الخطابي ومن تبعه أوضح والله اعلم‪.‬‬
‫ت ال َّ‬
‫ة وَان َ‬
‫مُر‬
‫ساع َ ُ‬
‫وأما الية فالمراد بها قوله تعالى‪(:‬اقْتََرب َ ِ‬
‫شقَّ الْقَ َ‬
‫*)(القمر‪ )1:‬لكن ذهب بعض أهل العلم من القدماء أن المراد‬
‫بقوله‪(:‬وانشق القمر) أي سينشق كما قال تعالى‪(:‬أتى أمر الله)‬
‫أي سيأتي والنكتة في ذلك إرادة المبالغة في تحقق وقوع ذلك‬
‫فنزل منزلة الواقع‪ ..‬والذي ذهب إليه الجمهور أصح كما جزم به‬
‫بن مسعود وحذيفة وغيرهما ويؤيده قوله تعالى بعد ذلك‪(:‬وَأن‬
‫حٌر ُّ‬
‫مّر *)(القمر‪ )2:‬فإن ذلك‬
‫يََروْا آي َ ً‬
‫ست َ ِ‬
‫ضوا َويَقُولُوا ِ‬
‫س ْ‬
‫ر ُ‬
‫م ْ‬
‫ة يُعْ ِ‬
‫ظاهر في أن المراد بقوله‪(:‬وانشق القمر) وقوع انشقاقه لن‬
‫لكفار ل يقولون ذلك يوم القيامة‪ .‬وإذا تبين أن قولهم ذلك إنما‬

‫‪167‬‬

‫هو في الدنيا تبين وقوع النشقاق وأنه المراد بالية التي زعموا‬
‫حا في حديث بن مسعود كما بيناه قبل‪.‬‬
‫أنها سحر ووقع ذلك صري ً‬
‫ونقل البيهقي في أوائل البعث والنشور عن الحليمي أن من‬
‫الناس من يقول أن المارد بقوله تعالى‪(:‬وانشق القمر) أي‬
‫سينشق‪ .‬قال الحليمي‪ :‬فإن كان كذلك فقد وقع في عصرنا‬
‫فشاهدت الهلل ببخارى في الليلة الثالثة منشقًا نصفين عرض‬
‫كل واحد منهما كعرض ليلة أربع أو خمس ثم اتصل فصار في‬
‫شكل أترجة إلى أن غاب‪ ..‬قال‪ :‬وأخبرني بعض من أثق به أنه‬
‫شاهد ذلك في ليلة أخرى اهـ‪ .‬ولقد عجبت من البيهقي كيف أقر‬
‫هذا مع إيراده حديث بن مسعود المصرح بأن المراد بقوله‬
‫تعالى‪(:‬وانشق القمر) أن ذلك وقع في زمن النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم فإنه ساقه هكذا من طريق بن مسعود في هذه‬
‫الية‪(:‬اقتربت الساعة وانشق القمر) قال لقد انشق على عهد‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ساق حديث بن مسعود‪..‬‬
‫قال القاضي عياض‪-:‬وخرج الطحاوي ـ في مشكل الحديث‪ ،‬عن‬
‫أسماء بنت عميس من طريقين ـ أن النبي صلى الله عليه و‬
‫سلم كان يوحي إليه‪ ،‬ورأسه في حجر علي فلم يصل العصر‬
‫حتى غربت الشمس‪ ،‬فقال النبي صلى الله عليه وسلم‪ :‬أصليت‬
‫يا علي؟ قال‪:‬ل‪ .‬فقال‪ :‬اللهم إنه كأن في طاعتك و طاعة‬
‫رسولك فاردد عليه الشمس‪.‬‬
‫قالت أسماء‪ :‬فرأيتها غربت‪ ،‬ثم طلعت بعد ما غربت‪ ،‬ووقفت‬
‫على الجبال والرض‪ ،‬وذلك بالصهباء في خيبر‪ .‬قال وهذان‬
‫الحديثان ثابتان ورواتهما ثقات‪.‬‬
‫وحكى الطحاوي أن أحمد بن صالح كأن يقول‪ :‬ل ينبغي لمن‬‫يكون سبيله العلم المتخلف عن حفظ حديث أسماء‪ ،‬لنه من‬
‫علمات النبوة‪.‬‬
‫وروى يونس بن بكير في زيادة المغازي في روايته عن ابن‬‫إسحاق‪ :‬لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم‪ ،‬وأخبر‬
‫قومه بالرفقة والعلمة التي في العير قالوا‪ :‬متى تجيء؟ قال‪:‬‬
‫يوم الربعاء‪ ،‬فلما كان ذلك اليوم أشرفت قريش ينظرون وقد‬
‫ولى النهار ولم تجيء؟ فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم‪،‬‬
‫فزيد له في النهار ساعة‪ ،‬وحبست عليه الشمس‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬قال الشيخ محمد بن أحمد القسطلني في المواهب‬
‫اللدنية بالمنح المحمدية‪:‬‬
‫قال بعضهم هذا الحديث ليس بصحيح وأن أوهم القاضي عياض‬
‫له في الشفا عن الطحاوي من طريقين‪ ،‬فقد ذكره ابن الجوزي‬
‫في الموضوعات وقال‪ :‬إنه موضوع بل شك وفي سنده أحمد بن‬
‫‪168‬‬

‫داود وهو متروك الحديث كذاب‪ ،.‬كما قال الدارقطني‪ ،‬وقال ابن‬
‫حبان‪ :‬كان يضع الحديث‪.‬‬
‫قال ابن الجوزي‪ :‬وقد روى هذا الحديث ابن شاهين فذكره ثم‬
‫قال‪ :‬حديث باطل‪ ،‬قال‪ :‬ومن تغفل واضعه أنه نظر إلى صورة‬
‫فضيلة‪ ،‬ولم يلمح عدم الفائدة فيها‪ ،‬فإن صلة العصر بغيبوبة‬
‫الشمس تصير قضاء‪ ,‬ورجوع الشمس ل يعيدها أداء‪..‬اهـ‬
‫وقد أفرد ابن تيمية تصنيفًا مفردًا في الرد على الروافض ذكر‬
‫فيه الحديث بطرقه ورجاله وأنه موضوع‪ ،‬والعجب من القاضي‬
‫مع جللة قدره وعلو خطره في علوم الحديث كيف سكت عنه‬
‫موهما صحته‪ ،‬ناقل ثبوته‪ ،‬موثقًا رجاله‪ ..‬اهـ‬
‫وقال شيخنا ك قال أحمد‪ :‬ل أصل له‪ .‬وتبعه ابن الجوزي فأورده‬
‫في الموضوعات‪ ..‬ولكن قد صححه الطحاوي والقاضي عياض‪،‬‬
‫وأخرجه ابن منده وابن شاهين من حديث أسماء بنت عميس‪،‬‬
‫وابن مردويه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه‪ ..‬اهـ‬
‫ورواه الطبراني في معجمه الكبير بإسناد حسن كما حكاه شيخ‬
‫السلم ابن العراقي في شرح التقريب عن أسماء بنت عميس‬
‫ولفظه‪ :‬أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر‬
‫بالصهباء ثم أرسل عليا ًَ في حاجة فرجع وقد صلى النبي صلى‬
‫الله عليه وسلم العصر‪ ،‬فوضع صلى الله عليه وسلم رأسه في‬
‫ي ونام‪ ،‬فلم يحركه حتى غابت الشمس‪ ،‬فقال صلى الله‬
‫حجر عل ّ‬
‫عليه وسلم‪ " :‬اللهم أن عبدك عليًا احتبس بنفسه على نبيه فرد‬
‫عليه الشمس‪....‬قالت أسماء‪ :‬فطلعت علبه الشمس حتى وقعت‬
‫ي فتوضأ وصلى العصر ثم‬
‫على الجبال وعلى الرض‪ ،‬وقام عل ّ‬
‫غابت‪،‬وذلك بالصهباء‪.‬‬
‫وفي لفظ آخر‪ :‬كان صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحي‬
‫ً‬
‫ي‪ ،‬فقال له‬
‫يغشى عليه‪ ،‬فأنزل الله عليه يوما َ وهو في حجر عل ّ‬
‫ي؟" فقال‪ :‬ل‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم‪ " :‬صليت العصر يا عل ّ‬
‫يا رسول الله‪ ...‬فدعا الله فرد عليه الشمس حتى صلى‬
‫العصر‪..‬قالت أسماء‪ :‬فرأيت الشمس طلعت بعدما غابت حبن‬
‫ردت حتى صلى العصر‪.‬‬
‫قال‪ :‬وروى الطبراني أيضا ً في معجمه الوسط بإسناد حسن عن‬
‫جابر‪ :‬أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الشمس فتأخرت‬
‫ساعة من نهار‪.‬‬
‫وروى يونس بن بكير في زيادة المغازي في روايته عن ابن‬
‫إسحاق‪ ،‬مما ذكره القاضي عياض‪ :‬لما أسري بالنبي صلى الله‬
‫عليه وسلم وأخبر قومه بالرفقة والعلمة التي في العير‪ ،‬قالوا‪:‬‬
‫متى تجيء؟ قال‪ :‬يوم الربعاء‪ ..‬فلما كان ذلك اليوم أشرفت‬
‫‪169‬‬

‫قريش ينتظرون‪ ،‬وقد ولى النهار‪ ،‬ولم تجيء‪...‬فدعا رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم فزيد له في النهار ساعة وحبست عليه‬
‫الشمس‪.‬اهـ‪.‬‬
‫وهذا يعارضه قوله في الحديث‪ :‬لم تحبس الشمس على أحد إل‬
‫ليوشع بن نون‪ ،‬يعني حين قاتل الجبارين يوم الجمعة‪..‬فلما‬
‫أدبرت الشمس خاف أن تعيب قبل أن يفرغ منهم ويدخل‬
‫السبت فل يحل له قتالهم‪ ،‬فدعا الله تعالى فرد عليه الشمس‬
‫حتى فرغ من قتالهم‪.‬‬
‫قال الحافظ ابن كثير‪:‬فيه أن هذا كأن من خصائص يوشع‪ ،‬فيدل‬
‫على ضعف الحديث الذي رويناه أن الشمس رجعت حتى صلى‬
‫ي بن أبي طالب‪...‬وقد صححه أحمد بن صالح المصري‪ ،‬ولكنه‬
‫عل ّ‬
‫منكر‪.‬ليس في شيء من الصحاح والحسان‪.‬وهو مما تتوفر‬
‫الدواعي على نقله‪ ,‬وتفردت بنقله امرأة من أهل البيت مجهولة‬
‫ل يعرف حالها‪.‬اهـ‬
‫ويحتمل الجمع‪ :‬بأن المعنى لم تحبس الشمس على أحد من‬
‫النبياء غيري إل ليوشع‪ ...‬والله أعلم‪.‬‬
‫وكذا روي حبس الشمس لنبينا صلى الله عليه وسلم أيضا ً يوم‬
‫الخندق‪ ،‬حين شغل عن صلة العصر‪ ،‬فيكون حبس الشمس‬
‫مخصوصا ً بنبينا ‪ r‬وبيوشع‪ ،‬كما ذكره القاضي عياض في الكمال‪،‬‬
‫وعزاه لمشكل الثار‪ ،‬ونقله النووي في شرح مسلم في باب حل‬
‫الغنائم عن عياض‪ ،‬وكذا الحافظ ابن حجر في باب الذان في‬
‫تخريج أحاديث الرافعي ومغلطاي في الزهر الباسم‪،‬‬
‫وذكروه‪..‬وتعقب‪ :‬بأن الثابت في الصحيح وغيره‪ :‬أنه صلى الله‬
‫عليه وسلم صلى العصر في وقعة الخندق بعدما غربت‬
‫الشمس‪ ..‬وذكر البغوي في تفسيره أنها حبست لسليمان عليه‬
‫السلم أيضاً‪ ،‬لقوله ‪(:‬ردوها عل َّ‬
‫ي) ونوزع فيه بعدم ذكر الشمس‬
‫في الية‪ ..‬فالمراد‪ :‬الصافنات الجياد‪ .‬والله أعلم‪.‬‬
‫قال القاضي عياض‪ :‬واختلف في حبس الشمس المذكور هنا‪،‬‬
‫فقيل‪ :‬ردت على أدراجها‪ ،‬وقيل‪ :‬وقفت ولم ترد‪ ،‬وقيل‪ :‬بطء‬
‫حركتها‪ ...‬قال‪ :‬وكل ذلك من معجزات النبوة‪...‬اهـ‪...‬‬
‫وقفة مع ابن حجر العسقلني‬
‫البخاري حدثنا محمد بن العلء‪ :‬حدثنا ابن المبارك‪ ،‬عن معمر‪،‬‬
‫عن همام ابن منبه‪ ،‬عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‪ :‬قال‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم‪(:‬غزا نبي من النبياء‪ ،‬فقال‬
‫لقومه‪ :‬ل يتبعني رجل ملك بضع امرأة‪ ،‬وهو يريد أن يبني بها ولم‬
‫يبن بها‪ ،‬ول أحد بنى بيوتًا ولم يرفع سقوفها‪ ،‬ول أحد اشترى غنما‬
‫أو خلفات‪ ،‬وهو ينتظر ولدها‪ ،‬فغزا‪ ،‬فدنا من القرية صلة العصر‪،‬‬
‫‪170‬‬

‫أو قريبًا من ذلك‪ ،‬فقال للشمس‪ :‬إنك مأمورة وأنا مأمور‪ ،‬اللهم‬
‫احبسها علينا‪ ،‬فحبست حتى فتح الله عليه‪ ،‬فجمع الغنائم فجاءت‬
‫ يعني النار ‪ -‬لتأكلها فلم تطعمها‪ ،‬فقال‪ :‬أن فيكم غلولً‪،‬‬‫فليبايعني من كل قبيلة رجل‪ ،‬فلزقت يد رجل بيده‪ ،‬فقال‪ :‬فيكم‬
‫الغلول‪ ،‬فلتبايعني قبيلتك‪ ،‬فلزقت يد رجلين أو ثلثة بيده‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫فيكم الغلول‪ ،‬فجاءوا برأس مثل رأس بقرة من الذهب‪،‬‬
‫فوضعوها‪ ،‬فجاءت النار فأكلتها‪ ،‬ثم أحل الله لنا الغنائم‪ ،‬رأى‬
‫ضعفنا وعجزنا‪ ،‬فأحلها لنا)‪.‬‬
‫قوله عن بن المبارك كذا في جميع الروايات لكن قال أبو نعيم‬
‫في المستخرج أخرجه البخاري عن محمد بن العلء عن بن‬
‫المبارك أو غيره وهذا الشك إنما هو من أبي نعيم فقد أخرجه‬
‫السماعيلي عن أبي يعلى عن محمد بن العلء عن بن المبارك‬
‫وحده به قوله غزا نبي من النبياء أي أراد أن يغزو وهذا النبي هو‬
‫يوشع بن نون كما رواه الحاكم من طريق كعب الحبار وبين‬
‫تسمية القرية كما سيأتي وقد ورد أصله من طريق مرفوعة‬
‫صحيحة أخرجها أحمد من طريق هشام عن محمد بن سيرين عن‬
‫أبي هريرة قال‪ ،‬قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ :‬أن‬
‫الشمس لم تحبس لبشر إل ليوشع بن نون ليالي سار إلى بيت‬
‫المقدس‪ ...‬وأغرب بن بطال فقال في باب استئذان الرجل‬
‫المام في هذا المعنى حديث لداود عليه الصلة والسلم أنه قال‬
‫في غزوة خرج إليها ل يتبعني من ملك بضع امرأة ولم يبن بها أو‬
‫بنى داًرا ولم يسكنها ولم أقف على ما ذكره مسندًا لكن أخرج‬
‫الخطيب في ذم النجوم له من طريق أبي حذيفة والبخاري في‬
‫المبتدأ له بإسناد له عن علي قال سأل قوم يوشع منه أن‬
‫يطلعهم على بدء الخلق وآجالهم فأراهم ذلك في ماء من غمامة‬
‫أمطرها الله عليهم فكان أحدهم يعلم متى يموت فبقوا على ذلك‬
‫إلى أن قاتلهم داود على الكفر فاخرجوا إلى داود من لم يحضر‬
‫أجله فكان يقتل من أصحاب داود ول يقتل منهم فشكى إلى الله‬
‫ودعاه فحبست عليهم الشمس فزيد في النهار فاختلطت الزيادة‬
‫بالليل والنهار فاختلط عليهم حسابهم قلت وإسناده ضعيف جدًا‬
‫وحديث أبي هريرة المشار إليه عند أحمد أولى فإن رجال إسناده‬
‫محتج بهم في الصحيح فالمعتمد أنها لم تحبس إل ليوشع ول‬
‫يعارضه ما ذكره بن إسحاق في المبتدأ من طريق يحيى بن‬
‫عروة بن الزبير عن أبيه أن الله لما أمر موسى بالمسير ببني‬
‫إسرائيل أمره أن يحمل تابوت يوسف فلم يدل عليه حتى كاد‬
‫الفجر أن يطلع وكأن وعد بني إسرائيل أن يسير بهم إذا طلع‬
‫الفجر فدعا ربه أن يؤخر الطلوع حتى فرغ من أمر يوسف ففعل‬
‫‪171‬‬

‫لن الحصر إنما وقع في حق يوشع بطلوع الشمس فل ينفي أن‬
‫يحبس طلوع الفجر لغيره وقد اشتهر حبس الشمس ليوشع حتى‬
‫قال أبو تمام في قصيدة فو الله ل أدري أحلم نائم ألمت بنا أم‬
‫كان في الركب يوشع ول يعارضه أيضا ما ذكره يونس بن بكير‬
‫في زياداته في مغازي بن إسحاق أن النبي صلى الله عليه وسلم‬
‫لما أخبر قري ً‬
‫شا صبيحة السراء أنه رأى العير التي لهم وإنها‬
‫تقدم مع شروق الشمس فدعا الله فحبست الشمس حتى دخلت‬
‫العير وهذا منقطع لكن وقع في الوسط للطبراني من حديث‬
‫جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الشمس فتأخرت ساعة‬
‫من نهار وإسناده حسن ووجه الجمع أن الحصر محمول على ما‬
‫مضى للنبياء قبل نبينا صلى الله عليه وسلم فلم تحبس الشمس‬
‫إل ليوشع وليس فيه نفي أنها تحبس بعد ذلك لنبينا صلى الله‬
‫عليه وسلم وروى الطحاوي والطبراني في الكبير والحاكم‬
‫والبيهقي في الدلئل عن أسماء بنت عميس أنه صلى الله عليه‬
‫وسلم دعا لما نام على ركبة علي ففاتته صلة العصر فردت‬
‫الشمس حتى صلى علي ثم غربت وهذا أبلغ في المعجزة وقد‬
‫أخطأ بن الجوزي بإيراده له في الموضوعات وكذا بن تيمية في‬
‫كتاب الرد على الروافض في زعم وضعه والله أعلم‪...‬وأما ما‬
‫حكى عياض أن الشمس ردت للنبي صلى الله عليه وسلم يوم‬
‫الخندق لما شغلوا عن صلة العصر حتى غربت الشمس فردها‬
‫الله عليه حتى صلى العصر كذا قال وعزاه للطحاوي والذي رأيته‬
‫في مشكل الثار للطحاوي ما قدمت ذكره من حديث أسماء؛‬
‫ضا أنها‬
‫فإن ثبت ما قال فهذه قصة ثالثة والله أعلم وجاء أي ً‬
‫حبست لموسى لما حمل تابوت يوسف كما تقدم قريبًا وجاء‬
‫ضا أنها حبست لسليمان بن داود عليهما السلم وهو فيما ذكره‬
‫أي ً‬
‫الثعلبي ثم البغوي عن بن عباس قال‪ :‬قال لي علي ما بلغك في‬
‫قول الله تعالى حكاية عن سليمان عليه الصلة والسلم ردوها‬
‫سا عرضها فغابت‬
‫علي فقلت قال لي كعب كانت أربعة عشر فر ً‬
‫الشمس قبل أن يصلي العصر فأمر بردها فضرب سوقها‬
‫ما لنه‬
‫وأعناقها بالسيف فقتلها فسلبه الله ملكه أربعة عشر يو ً‬
‫ظلم الخيل بقتلها فقال علي كذب كعب وإنما أراد سليمان جهاد‬
‫عدوه فتشاغل بعرض الخيل حتى غابت الشمس فقال للملئكة‬
‫الموكلين بالشمس بإذن الله لهم ردوها علي فردوها عليه حتى‬
‫صلى العصر في وقتها وأن أنبياء الله ل يظلمون ول يأمرون‬
‫بالظلم قلت أورد هذا الثر جماعة ساكتين عليه جازمين بقولهم‬
‫قال بن عباس قلت لعلي وهذا ل يثبت عن بن عباس ول عن‬
‫غيره والثابت عن جمهور أهل العلم بالتفسير من الصحابة ومن‬
‫‪172‬‬

‫بعدهم أن الضمير المؤنث في قوله ردوها للخيل والله أعلم قوله‬
‫بضع امرأة بضم الموحدة وسكون المعجمة البضع يطلق على‬
‫ضا‬
‫الفرج والتزويج والجماع والمعاني الثلثة لئقة هنا ويطلق أي ً‬
‫على المهر وعلى الطلق وقال الجوهري قال بن السكيت البضع‬
‫النكاح يقال ملك فلن بضع فلنة قوله ولما يبن بها أي ولم يدخل‬
‫عليها لكن التعبير بلما يشعر بتوقع ذلك قاله الزمخشري في‬
‫قوله تعلى‪( :‬ولما يدخل اليمان في قلوبكم) ووقع في رواية‬
‫سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عند النسائي وابن عوانة وابن‬
‫حبان ل ينبغي لرجل بنى داًرا ولم يسكنها أو تزوج امرأة ولم‬
‫يدخل بها وفي التقييد بعدم الدخول ما يفهم أن المر بعد الدخول‬
‫بخلف ذلك فل يخفى فرق بين المرين وإن كان بعد الدخول‬
‫ربما استمر تعلق القلب لكن ليس هو كما قبل الدخول غالبا‬
‫قوله ولم يرفع سقوفها في صحيح مسلم ومسند أحمد ولما يرفع‬
‫سقفها وهو بضم القاف والفاء لتوافق هذه الرواية ووهم من‬
‫ضبط بالسكان وتكلف في توجيه الضمير المؤنث للسقف قوله‬
‫أو خلفات بفتح المعجمة وكسر اللم بعدها فاء خفيفة جمع خلفة‬
‫وهي الحامل من النوق وقد يطلق على غير النوق وفي قوله‬
‫ما أو خلفات للتنويع ويكون قد حذف وصف الغنم بالحمل‬
‫غن ً‬
‫لدللة الثاني عليه أو هو على إطلقه لن الغنم يقل صبرها‬
‫فيخشى عليها الضياع بخلف النوق فل يخشى عليها إل مع الحمل‬
‫ما بغير صفة أو‬
‫ويحتمل أن يكون قوله أو للشك أي هل قال غن ً‬
‫خلفات أي بصفة أنها حوامل كذا قال بعض الشراح والمعتمد أنها‬
‫للتنويع فقد وقع في رواية أبي يعلى عن محمد بن العلء ول رجل‬
‫له غنم أو بقر أو خلفات قوله وهو ينتظر ولدها بكسر الواو وهو‬
‫مصدر ولد ولدًا وولدة قوله فغزا أي بمن تبعه ممن لم يتصف‬
‫بتلك الصفة قوله فدنا من القرية هي أريحا بفتح الهمزة وكسر‬
‫الراء بعدها تحتانية ساكنة ومهملة مع القصر سماها الحاكم في‬
‫روايته عن كعب‪ ,‬وفي رواية مسلم فأدنى للقرية أي قرب‬
‫جيوشه لها قوله فقال للشمس انك مأمورة في رواية سعيد بن‬
‫المسيب فلقي العدو عند غيبوبة الشمس وبين الحاكم في روايته‬
‫عن كعب سبب ذلك فإنه قال أنه وصل إلى القرية وقت عصر‬
‫يوم الجمعة فكادت الشمس أن تغرب ويدخل الليل وبهذا يتبين‬
‫معنى قوله وأنا مأمور والفرق بين المأمورين أن أمر الجمادات‬
‫أمر تسخير وأمر العقلء أمر تكليف وخطابه للشمس يحتمل أن‬
‫يكون على حقيقته وأن الله تعالى خلق فيها تمييًزا وإدراكًا كما‬
‫سيأتي البحث فيه في الفتن في سجودها تحت العرش‬
‫واستئذانها من أن تطلع ويحتمل أن يكون ذلك على سبيل‬
‫‪173‬‬

‫استحضاره في النفس لما تقرر أنه ل يمكن تحولها عن عادتها إل‬
‫بخرق العادة وهو نحو قول الشاعر‪:‬‬
‫شكى إلي جملي طول السرى‬
‫ومن ثم قال اللهم احبسها‪ ,‬ويؤيد الحتمال الثاني أن في رواية‬
‫سعيد بن المسيب فقال اللهم أنها مأمورة وإني مأمور فاحبسها‬
‫علي حتى تقضي بيني وبينهم فحبسها الله عليه‪ ,‬قوله اللهم‬
‫احبسها علينا في رواية أحمد اللهم احبسها علي شيئًا وهو‬
‫منصوب نصب المصدر أي قدر ما تنقضي حاجتنا من فتح البلد‬
‫قال عياض اختلف في حبس الشمس هنا فقيل ردت على‬
‫أدراجها وقيل وقفت وقيل بطئت حركتها وكل ذلك محتمل‪,‬‬
‫والثالث أرجح عند بن بطال وغيره ووقع في ترجمة هارون بن‬
‫يوسف الرمادي أن ذلك كان في رابع عشر حزيران وحينئذ يكون‬
‫النهار في غاية الطول قوله فحبست حتى فتح الله عليه‪.‬‬
‫في رواية أبي يعلى فواقع القوم فظفر قوله فجمع الغنائم‬
‫فجاءت يعني النار في رواية عبد الرزاق عند أحمد ومسلم‬
‫فجمعوا ما غنموا فأقبلت النار زاد في رواية سعيد بن المسيب‬
‫وكانوا إذا غنموا غنيمة بعث الله عليها النار فتأكلها قوله فلم‬
‫ما وهو بطريق المبالغة قوله فقال أن‬
‫تطعمها أي لم تذق لها طع ً‬
‫فيكم غلول ً هو السرقة من الغنيمة كما تقدم قوله فليبايعني من‬
‫كل قبيلة رجل فلزقت فيه حذف يظهر من سياق الكلم أي‬
‫فبايعوه فلزقت‪ .‬قوله‪ :‬فلزقت يد رجلين أو ثلثة في رواية أبي‬
‫يعلى فلزقت يد رجل أو رجلين وفي رواية سعيد بن المسيب‬
‫رجلن بالجزم قال بن المنير جعل الله علمة الغلول إلزاق يد‬
‫الغال وفيه تنبيه على أنها يد عليها حق يطلب أن يتخلص منه أو‬
‫أنها يد ينبغي أن يضرب عليها ويحبس صاحبها حتى يؤدي الحق‬
‫إلى المام وهو من جنس شهادة اليد على صاحبها يوم القيامة‬
‫قوله فيكم الغلول زاد في رواية سعيد بن المسيب فقال أجل‬
‫غللنا قوله‪ :‬فجاءوا برأس مثل رأس بقرة من الذهب فوضعوها‬
‫فجاءت النار فآكلتها ثم أحل الله لنا الغنائم في رواية النسائي‬
‫فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك أن الله أطعمنا‬
‫الغنائم رحمة رحمناها وتخفيفًا خففه عنا قوله رأى ضعفنا وعجزنا‬
‫فأحلها لنا في رواية سعيد بن المسيب لما رأى من ضعفنا وفيه‬
‫أشعار بأن إظهار العجز بين يدي الله تعالى يستوجب ثبوت‬
‫الفضل وفيه اختصاص هذه المة بحل الغنيمة وكان ابتداء ذلك‬
‫من غزوة بدر وفيها نزل قوله تعالى‪( :‬فكلوا مما غنمتم حللً‬
‫طيباً)‪ ,‬فأحل الله لهم الغنيمة وقد ثبت ذلك في الصحيح من‬
‫حديث بن عباس وقد قدمت في أوائل فرض الخمس أن أول‬
‫‪174‬‬

‫غنيمة خمست غنيمة السرية التي خرج فيها عبد الله بن جحش‬
‫وذلك قبل بدر بشهرين ويمكن الجمع بما ذكر بن سعد أنه صلى‬
‫الله عليه وسلم أخر غنيمة تلك السرية حتى رجع من بدر‬
‫فقسمها مع غنائم بدر قال المهلب في هذا الحديث أن فتن الدنيا‬
‫تدعو النفس إلى الهلع ومحبة البقاء لن من ملك بضع امرأة ولم‬
‫يدخل بها أو دخل بها وكان على قرب من ذلك فإن قلبه متعلق‬
‫بالرجوع إليها ويجد الشيطان السبيل إلى شغل قلبه عما هو عليه‬
‫من الطاعة وكذلك غير المرأة من أحوال الدنيا وهو كما قال لكن‬
‫تقدم ما يعكر على إلحاقه بما بعد الدخول وأن لم يطل بما قبله‬
‫ويدل على التعميم في المور الدنيوية ما وقع في رواية سعيد بن‬
‫المسيب من الزيادة أو له حاجة في الرجوع وفيه أن المور‬
‫المهمة ل ينبغي أن تفوض إل لحازم فارغ البال لها لن من له‬
‫تعلق ربما ضعفت عزيمته وقلت رغبته في الطاعة والقلب إذا‬
‫تفرق ضعف فعل الجوارح وإذا اجتمع قوي وفيه أن من مضى‬
‫كانوا يغزون ويأخذون أموال أعدائهم وأسلبهم لكن ل يتصرفون‬
‫فيها بل يجمعونها وعلمة قبول غزوهم ذلك أن تنزل النار من‬
‫السماء فتأكلها وعلمة عدم قبوله أن ل تنزل ومن أسباب عدم‬
‫القبول أن يقع فيهم الغلول وقد من الله على هذه المة ورحمها‬
‫لشرف نبيها عنده فأحل لهم الغنيمة وستر عليهم الغلول فطوى‬
‫عنهم فضيحة أمر عدم القبول فلله الحمد على نعمه تترى ودخل‬
‫في عموم أكل النار الغنيمة والسبى وفيه بعد لن مقتضاه إهلك‬
‫الذرية ومن لم يقاتل من النساء ويمكن أن يستثنوا من ذلك‬
‫ويلزم استثناؤهم من تحريم الغنائم عليهم ويؤيده إنهم كانت لهم‬
‫عبيد وإماء فلو لم يجز لهم السبي لما كان لهم أرقاء ويشكل‬
‫على الحصر أنه كان السارق يسترق كما في قصة يوسف ولم أر‬
‫من صرح بذلك وفيه معاقبة الجماعة بفعل سفهائها وفيه أن‬
‫أحكام النبياء قد تكون بحسب المر الباطن كما في هذه القصة‬
‫وقد تكون بحسب المر الظاهر كما في حديث إنكم تختصمون‬
‫إلي الحديث واستدل به بن بطال على جواز إحراق أموال‬
‫المشركين وتعقب بأن ذلك كان في تلك الشريعة وقد نسخ بحل‬
‫الغنائم لهذه المة وأجيب عنه بأنه ل يخفى عليه ذلك ولكنه‬
‫استنبط من إحراق الغنيمة بأكل النار جواز إحراق أموات الكفار‬
‫إذا لم يوجد السبيل إلى أخذها غنيمة وهو ظاهر لن هذا القدر لم‬
‫يرد التصريح بنسخه فهو محتمل على أن شرع من قبلنا شرع لنا‬
‫ضا على أن قتال آخر النهار أفضل‬
‫ما لم يرد ناسخه واستدل به أي ً‬
‫من أوله وفيه نظر لن ذلك في هذه القصة إنما وقع اتفاقا كما‬
‫تقدم نعم في قصة النعمان بن مقرن مع المغيرة بن شعبة في‬
‫‪175‬‬

‫قتال الفرس التصريح باستحباب القتال حين تزول الشمس‬
‫وتهب الرياح فالستدلل به يغنى عن هذا‪.‬‬
‫الفصل الثاني عشر‪:‬‬
‫في نبع الماء من بين أصابعه وتكثيره بركة‬
‫أما الحاديث في هذا فكثيرة جداً‪.‬‬‫روى حديث نبع الماء من أصابعه صلى الله عليه وسلم جماعة‬‫من الصحابة‪ ،‬منهم أنس‪ ،‬وجابر‪ ،‬وابن مسعود‪:‬‬
‫حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن جعفر الفقيه بقراءتي عليه‪ ،‬حدثنا‬
‫القاضي عيسى بن سهل‪ ،‬حدثنا أبو القاسم حاتم بن محمد‪ ،‬حدثنا‬
‫أبو عمر بن الفخار‪ ،‬حدثنا أبو عيسى‪ ،‬حدثنا يحيى‪ ،‬حدثنا مالك‪،‬‬
‫عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة‪ ،‬عن أنس بن مالك رضي‬
‫الله عنه‪ :‬رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ ،‬و حانت صلة‬
‫العصر‪ ،‬فالتمس الناس الوضوء فلم يجدوه‪ ،‬فأتى رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم بوضوء‪ ،‬فوضع رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم في ذلك الناء يده‪ ،‬و أمر الناس أن يتوضئوا منه‪.‬‬
‫قال‪ :‬فرأيت الماء ينبع من بين أصابعه‪ ،‬فتوضأ حتى توضئوا من‬
‫عند آخرهم‪.‬‬
‫ورواه أيضا ً ـ عن أنس ـ قتادة‪ ،‬و قال‪ :‬بإناء فيه ماء يغمر أصابعه‬‫أو ل يكاد يغمر‪- .‬قال‪ :‬كم كنتم؟ قال‪ :‬كنا زهاء ثلثمائة‪.‬‬
‫وفي رواية عنه‪ :‬و هم بالزوراء عند السوق‪.‬‬‫ورواه أيضا ً حميد‪ ،‬و ثابت و الحسن‪ ،‬عن أنس‪.‬‬‫وفي رواية حميد‪ :‬قلت‪ :‬كم كانوا؟ قال‪ :‬ثمانين‪.‬‬‫ونحوه عن ثابت عنه‪.‬‬‫وعنه أيضاً‪ :‬وهم نحو من سبعين رجلً‪.‬‬‫قلت‪ :‬متفق عليه‪.‬‬
‫*رواه البخاري في كتاب الوضوء باب التماس الماء إذا حضرت‬
‫الصلة‬
‫حدثنا عبد الله بن يوسف قال‪ :‬أخبرنا مالك‪ ،‬عن إسحاق بن عبد‬
‫الله بن أبي طلحة‪ ،‬عن أنس بن مالك أنه قال‪ :‬رأيت رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم‪ ،‬وحانت صلة العصر‪ ،‬فالتمس الناس‬
‫الوضوء فلم يجدوه‪ ،‬فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫بوضوء‪ ،‬فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك الناء‬
‫يده‪ ،‬وأمر الناس أن يتوضئوا منه‪ ،‬قال‪ :‬فرأيت الماء ينبع من‬
‫تحت أصابعه‪ ،‬حتى توضئوا من عند آخرهم‪.‬‬
‫*ورواه مسلم في كتاب الفضائل باب في معجزات النبي صلى‬
‫الله عليه وسلم‬

‫‪176‬‬

‫‪ _1‬وحدثني أبو الربيع‪ ،‬سليمان بن داود العتكي‪ .‬حدثنا حماد (يعني‬
‫ابن زيد)‪ .‬حدثنا ثابت عن أنس؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم‬
‫دعا بماء فأتي بقدح رحراح‪ .‬فجعل القوم يتوضئون‪ .‬فحزرت ما‬
‫بين الستين إلى الثمانين‪ .‬قال‪ :‬فجعلت أنظر إلى الماء ينبع من‬
‫بين أصابعه‪.‬‬
‫‪ _2‬وحدثني إسحاق بن موسى النصاري‪ .‬حدثنا معن‪ .‬حدثنا مالك‪.‬‬
‫ح وحدثني أبو الطاهر‪ .‬أخبرنا ابن وهب عن مالك بن أنس‪ ،‬عن‬
‫إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة‪ ،‬عن أنس بن مالك؛ أنه قال‪:‬‬
‫رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ ،‬وحانت صلة العصر‪،‬‬
‫فالتمس الناس الوضوء فلم يجدوه‪ .‬فأتي رسول الله صلى الله‬
‫عليه وسلم بوضوء‪ .‬فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم في‬
‫ذلك الناء يده‪ .‬وأمر الناس أن يتوضئوا منه‪ .‬قال‪ :‬فرأيت الماء‬
‫ينبع من تحت أصابعه‪ .‬فتوضأ الناس حتى توضؤا من عند آخرهم‪.‬‬
‫‪ 3‬حدثني أبو غسان المسمعي‪ .‬حدثنا معاذ (يعني ابن هشام)‪.‬‬
‫حدثني أبي عن قتادة‪ .‬حدثنا أنس بن مالك؛ أن نبي الله وأصحابه‬
‫بالزوراء (قال‪ :‬والزوراء بالمدينة عند السوق والمسجد فيما ثمه)‬
‫دعا بقدح فيه ماء‪ .‬فوضع كفه فيه‪ .‬فجعل ينبع من بين أصابعه‪.‬‬
‫فتوضأ جميع أصحابه‪ .‬قال قلت‪ :‬كم كانوا يا أبا حمزة؟ قال‪ :‬كانوا‬
‫زهاء الثلثمائة‪.‬‬
‫‪_4‬وحدثنا محمد بن المثنى‪ .‬حدثنا محمد بن جعفر‪ .‬حدثنا سعيد‬
‫عن قتادة‪ ،‬عن أنس؛‬
‫أن النبي كان بالزوراء‪ .‬فأتي بإناء ماء ل يغمر أصابعه‪ .‬أو قدر ما‬
‫يواري أصابعه‪ .‬ثم ذكر نحو حديث هشام‪.‬‬
‫وأما ابن مسعود ففي الصحيح من رواية علقمة‪ :‬بينما نحن مع‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ ،‬وليس معنا ماء‪ ،‬فقال لنا‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ :‬اطلبوا من معه فضل ماء‪،‬‬
‫فأتى بماء فصبه في إناء‪ ،‬ثم وضع كفه فيه‪ ،‬فجعل الماء ينبع من‬
‫بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫قلت‪ :‬رواه البخاري في كتاب المناقب‪ ،‬حدثني محمد بن المثنى‪:‬‬
‫حدثنا أبو أحمد الزبيري‪ :‬حدثنا إسرائيل‪ ،‬عن منصور‪ ،‬عن إبراهيم‪،‬‬
‫عن علقمة‪ ،‬عن عبد الله قال‪:‬‬
‫كنا نعد اليات بركة‪ ،‬وأنتم تعدونها تخويفًا‪ ،‬كنا مع رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم في سفر‪ ،‬فقل الماء‪ ،‬فقال‪(:‬اطلبوا فضلة‬
‫من ماء)‪ .‬فجاءوا بإناء فيه ماء قليل‪ ،‬فأدخل يده في الناء ثم‬
‫قال‪(:‬حي على الطهور المبارك‪ ،‬والبركة من الله)‪ .‬فلقد رأيت‬
‫الماء ينبع من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ ،‬ولقد‬
‫كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل‪.‬‬
‫‪177‬‬

‫وفي الصحيح عن سالم بن أبي الجعد‪ ،‬عن جابر رضي الله‬‫عنه‪ :‬عطش الناس يوم الحديبية ورسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم بين يديه ركوة‪ ،‬فتوضأ منها‪ ،‬وأقبل الناس نحوه‪ ،‬وقالوا‪:‬‬
‫ليس عندنا ماء إل ما في ركوتك‪ ،‬فوضع النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم يده في الركوة‪ ،‬فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال‬
‫العيون‪.‬‬
‫وفيه‪ :‬فقلت‪ :‬كم كنتم؟ قالوا‪ :‬لو كنا مائة ألف لكفانا‪ ،‬كنا خمس‬
‫عشرة مائة‪.‬‬
‫وروي مثله عن أنس‪ ،‬عن جابر‪ ،‬وفيه أنه كأن بالحديبية‪.‬‬‫قلت‪ :‬رواه البخاري في كتاب المناقب ‪ 1‬وفي كتاب المغازي ‪2‬‬
‫قال‪:‬‬
‫‪-1‬حدثنا موسى بن إسماعيل‪ :‬حدثنا عبد العزيز بن مسلم‪ :‬حدثنا‬
‫حصين‪ ،‬عن سالم بن أبي الجعد‪ ،‬عن جابر بن عبد اله رضي الله‬
‫عنهما قال‪ :‬عطش الناس يوم الحديبية‪ ،‬والنبي صلى الله عليه‬
‫وسلم بين يديه ركوة فتوضأ‪ ،‬فجهش الناس نحوه‪ ،‬فقال‪(:‬ما‬
‫لكم)‪ .‬قالوا‪ :‬ليس عندنا ماء نتوضأ ول نشرب إل ما بين يديك‪،‬‬
‫فوضع يده في الركوة‪ ،‬فجعل الماء يثور بين أصابعه كأمثال‬
‫العيون‪ ،‬فشربنا وتوضأنا‪ .‬قلت‪ :‬كم كنتم؟ قال‪ :‬لو كنا مائة ألف‬
‫لكفانا‪ ،‬كنا خمس عشرة مائة‪.‬‬
‫‪-2‬حدثنا يوسف بن عيسى‪ :‬حدثنا ابن فضيل‪ :‬حدثنا حصين‪ ،‬عن‬
‫سالم‪ ،‬عن جابر رضي الله عنه قال‪ :‬عطش الناس يوم الحديبية‪،‬‬
‫ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين يديه ركوة فتوضأ منها‪ ،‬ثم‬
‫أقبل الناس نحوه‪ ،‬فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪(:‬ما‬
‫لكم)‪ .‬قالوا‪ :‬يا رسول الله ليس عندنا ماء نتوضأ به ول نشرب إل‬
‫ما في ركوتك‪ ،‬قال‪ :‬فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده في‬
‫الركوة فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون‪ ،‬قال‪:‬‬
‫فشربنا وتوضأنا‪ ،‬فقلت لجابر‪ :‬كم كنتم يومئذ؟ قال‪ :‬لو كنا مائة‬
‫ألف لكفانا‪ ،‬كنا خمس عشرة مائة‬
‫ حدثنا الصلت بن محمد‪ :‬حدثنا يزيد بن زريع‪ ،‬عن سعيد‪ ،‬عن‬‫قتادة‪ :‬قلت لسعيد بن المسيب‪ :‬بلغني أن جابر بن عبد الله كان‬
‫يقول‪ :‬كانوا أربع عشرة مائة‪ ،‬فقال لي سعيد‪ :‬حدثني جابر‪ :‬كانوا‬
‫خمس عشرة مائة‪ ،‬الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم يوم‬
‫الحديبية‪ .‬قال أبو داود‪ :‬حدثنا قرة‪ ،‬عن قتادة‪ .‬تابعه بن بشار‪:‬‬
‫حدثنا أبو داود‪ :‬حدثنا شعبة‪.‬‬
‫وأخرج مسلم طرفه الخير في كتاب المارة قال‪:‬‬
‫حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وابن نمير‪ .‬قال‪ :‬حدثنا عبد الله بن‬
‫إدريس‪ .‬ح وحدثنا رفاعة بن الهيثم‪ .‬حدثنا خالد (يعني الطحان)‪.‬‬
‫‪178‬‬

‫كلهما يقول‪ :‬عن حصين‪ ،‬عن سالم بن أبي الجعد‪ ،‬عن جابر‪.‬‬
‫قال‪:‬لو كنا مائة ألف لكفانا‪ .‬كنا خمس عشرة مائة‪.‬‬
‫وفي رواية الوليد بن عبادة الصامت عن جابر‪ ،‬في حديث‬‫مسلم الطويل في ذكر غزوة بواط‪ ،‬قال‪:‬‬
‫قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ :‬يا جابر‪ ،‬ناد الوضوء‪...‬‬
‫و ذكر الحديث بطوله‪ ،‬وأنه لم يجد إل قطرة في عزلء شجب‪،‬‬
‫فأتي به النبي صلى الله عليه وسلم‪ ،‬فغمزه وتكلم بشيء ل‬
‫أدري ما هو‪ ،‬وقال‪ :‬ناد بجفنة الركب‪ ،‬فأتيت بها‪ ،‬فوضعتها بين‬
‫يديه‪ ،‬وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم بسط يده في الجفنة‪،‬‬
‫وفرق أصابعه‪ ،‬وصب جابر عليه‪ ،‬وقال‪ :‬بسم الله‪ ،‬كما أمره صلى‬
‫الله عليه وسلم‪ ،‬قال‪ :‬فرأيت الماء يفور من بين أصابعه‪ ،‬ثم‬
‫فارت الجفنة واستدارت حتى امتلت‪ ،‬وأمر الناس بالستقاء‪،‬‬
‫فاستقوا حتى رووا‪ .‬فقلت‪ :‬هل بقي أحد له حاجة؟ فرفع رسول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم يده من الجفنة وهي ملئ‪.‬‬
‫قلت‪ :‬الطرف الذي أشار إليه من الحديث الذي رواه مسلم في‬
‫كتاب الزهد والرقائق‪ ،‬هو‪:‬‬
‫قال جابر‪ :‬ـ فأتينا العسكر‪ .‬فقال رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم‪" :‬يا جابر! ناد بوضوء" فقلت‪ :‬أل وضوء؟ أل وضوء؟ أل‬
‫وضوء؟ قال‪ ،‬قلت‪ :‬يا رسول الله! ما وجدت في الركب من‬
‫قطرة‪ .‬وكان رجل من النصار يبرد لرسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم الماء‪ ،‬في أشجاب له‪ ،‬على حمارة من جريد‪ .‬قال فقال‬
‫لي‪" :‬انطلق إلى فلن بن فلن النصاري‪ ،‬فانظر هل في أشجابه‬
‫من شئ؟" قال فانطلقت إليه فنظرت فيها فلم أجد فيها إل‬
‫قطرة في عزلء شجب منها‪ ،‬لو أني أفرغه لشربه يابسه‪ .‬فأتيت‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت‪ :‬يا رسول الله! إني لم‬
‫أجد فيها إل قطرة في عزلء شجب منها‪ .‬لو أني أفرغه لشربه‬
‫يابسه‪ .‬قال‪" :‬اذهب فأتني به" فأتيته به‪ .‬فأخذه بيده فجعل يتكلم‬
‫بشيء ل أدري ما هو‪ .‬ويغمزه بيديه‪ .‬ثم أعطانيه فقال‪" :‬يا جابر!‬
‫ناد بجفنة" فقلت‪ :‬يا جفنة الركب! فأتيت بها تحمل‪ .‬فوضعتها بين‬
‫يديه‪ .‬فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده في الجفنة‬
‫هكذا‪ .‬فبسطها وفرق بين أصابعه‪ .‬ثم وضعها في قعر الجفنة‪.‬‬
‫وقال "خذ‪ .‬يا جابر! فصب علي‪ .‬وقل‪ :‬باسم الله"‪ ,‬فصببت عليه‬
‫وقلت‪ :‬باسم الله‪ .‬فرأيت الماء يفور من بين أصابع رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم‪ .‬ثم فارت الجفنة ودارت حتى امتلت‪.‬‬
‫فقال‪" :‬يا جابر! ناد من كأن له حاجة بماء" قال فأتى الناس‬
‫فاستقوا حتى رووا‪ .‬قال فقلت‪ :‬هل بقي أحد له حاجة‪ .‬فرفع‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم يده من الجفنة وهي ملى‪....‬‬
‫‪179‬‬

‫وعن الشعبي‪ :‬أتي النبي صلى الله عليه وسلم في بعض‬‫أسفاره بإداوة ماء‪ ،‬وقيل‪ :‬ما معنا يا رسول الله ماء غيرها‪،‬‬
‫فسكبها في ركوة‪ ،‬ووضع إصبعه وسطها‪ ،‬وغمسها في الماء‪،‬‬
‫وجعل الناس يجيئون ويتوضئون ثم يقومون‪.‬‬
‫قال الترمذي وفي الباب‪ ،‬عن عمران بن حصين‪...‬‬
‫قلت‪ :‬قول الترمذي هذا أورده بعد حديث أنس حدثنا إسحاق بن‬
‫موسى النصاري حدثنا معن حدثنا مالك بن أنس عن إسحاق بن‬
‫عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك قال رأيت رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم وحانت صلة العصر والتمس الناس‬
‫الوضوء فلم يجدوه فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫بوضوء فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده في ذلك‬
‫الناء وأمر الناس أن يتوضئوا منه‪ ..‬قال فرأيت الماء ينبع من‬
‫تحت أصابعه فتوضأ الناس حتى توضئوا من عند آخرهم قال أبو‬
‫عيسى وفي الباب عن عمران بن حصين وبن مسعود وجابر‬
‫وزياد بن الحارث الصدائي وحديث أنس حديث حسن صحيح‪..‬‬
‫قال القاضي عياض‪ -‬ومثل هذا في هذه المواطن الحفلة‬
‫والجموع الكثيرة ل تتطرق التهمة إلى المحدث به‪ ،‬لنهم كانوا‬
‫أسرع شيء إلى تكذيبه‪ ،‬لما جبلت عليه النفوس من ذلك‪ ،‬ولنهم‬
‫كانوا ممن ل يسكت على باطل‪ ،‬فهؤلء قد رووا هذا‪ ،‬وأشاعوه‪،‬‬
‫ونسبوا حضور الجماء الغفير له‪ ،‬ولم ينكر أحد من الناس عليهم‬
‫ما حدثوا به عنهم أنهم فعلوا وشاهدوه‪ ،‬فصار كتصديق جميعهم‬
‫له‪.‬‬
‫الفصل الثالث عشر‪:‬‬
‫ومما يشبه هذا من معجزاته‪.‬‬
‫ومما يشبه هذا من معجزاته تفجير الماء ببركته‪ ،‬وانبعاثه بمسه‬
‫ودعوته فيما روى مالك في الموطأ عن معاذ بن جبل في قصة‬
‫غزوة تبوك‪ ،‬وأنهم وردوا العين وهي تبض بشيء من ماء مثل‬
‫الشراك‪ ،‬فغرفوا من العين بأيديهم حتى اجتمع في شيء‪ ،‬ثم‬
‫غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه وجهه ويديه‪ ،‬وأعاده‬
‫فيها‪ ،‬فجرت بماء كثير‪ ،‬فاستقى الناس‪.‬‬
‫قال ـ في حديث ابن إسحاق‪ :‬فانخرق من الماء ما له حس‬‫كحس الصواعق‪ .‬ثم قال‪ :‬يوشك يا معاذ‪ ،‬أن طالت بك حياة أن‬
‫ترى ها هنا قد مليء جناناً‪.‬‬
‫قلت‪ :‬حديث الموطأ رواه مالك في كتاب قصر الصلة في‬
‫السفر‪ ،‬باب الجمع بين الصلتين في الحضر والسفر؛ وهو‪:‬‬
‫* وحدثني عن مالك عن أبي الزبير المكي عن أبي الطفيل‬
‫عامر بن واثلة أن معاذ بن جبل أخبره أنهم خرجوا مع رسول الله‬
‫‪180‬‬

‫صلى الله عليه وسلم عام تبوك فكان رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم يجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء قال فأخر‬
‫ما ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعًا ثم دخل ثم‬
‫الصلة يو ً‬
‫خرج فصلى المغرب والعشاء جميعًا ثم قال‪ :‬إنكم ستأتون غدًا‬
‫أن شاء الله عين تبوك وإنكم لن تأتوها حتى يضحى النهار‪ ،‬فمن‬
‫جاءها فل يمس من مائها شيئا حتى آتي‪ ...‬فجئناها وقد سبقنا‬
‫إليها رجلن والعين تبض بشيء من ماء؛ فسألهما رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم‪" :‬هل مسستما من مائها شيئا؟ فقال نعم‪..‬‬
‫فسبهما رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ ,‬وقال لهما ما شاء الله‬
‫أن يقول؛ ثم غرفوا بأيديهم من العين قليلً‪ ,‬قليل ً حتى اجتمع في‬
‫شيء‪ ..‬ثم غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه وجهه‬
‫ويديه ثم أعاده فيها فجرت العين بماء كثير فأستقى الناس ثم‬
‫قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪" :‬يوشك يا معاذ أن طالت‬
‫بك حياة أن ترى ما ههنا قد ملئ جنانا"‪..‬‬
‫ورواه مسلم في كتاب الفضائل قال‪:‬حدثنا عبد الله بن عبد‬
‫الرحمن الدارمي‪ .‬حدثنا أبو علي الحنفي‪ .‬حدثنا مالك (وهو ابن‬
‫أنس) عن أبي الزبير المكي؛ أن أبا الطفيل عامر بن واثلة‬
‫أخبره‪ .‬أن معاذ بن جبل أخبره‪.‬‬
‫قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام غزوة تبوك‪.‬‬
‫فكان يجمع الصلة‪ .‬فصلى الظهر والعصر جميعًا‪ .‬والمغرب‬
‫ما أخر الصلة‪ .‬ثم خرج فصلى‬
‫والعشاء جميعًا‪ .‬حتى إذا كان يو ً‬
‫الظهر والعصر جميعًا‪ .‬ثم دخل ثم خرج بعد ذلك‪ .‬فصلى المغرب‬
‫والعشاء جميعًا‪ .‬ثم قال‪" :‬إنكم ستأتون غدًا‪ ،‬إن شاء الله‪ ،‬عين‬
‫تبوك‪ .‬وإنكم لن تأتوها حتى يضحى النهار‪ .‬فمن جاءها منكم فل‬
‫يمس من مائها شيئا حتى آتي" فجئناها وقد سبقنا إليها رجلن‪.‬‬
‫والعين مثل الشراك تبض بشيء من ماء‪ .‬قال فسألهما رسول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم‪" :‬هل مسستما من مائها شيئًا؟" قال‪:‬‬
‫نعم‪ .‬فسبهما النبي صلى الله عليه وسلم‪ ،‬وقال لهما ما شاء الله‬
‫أن يقول‪ .‬قال ثم غرفوا بأيديهم من العين قليلً‪ ,‬قليلً‪ .‬حتى‬
‫اجتمع في شيء‪ .‬قال وغسل رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫فيه يده ووجهه‪ .‬ثم أعاده فيها‪ .‬فجرت العين بماء منهمر‪ .‬أو قال‬
‫غزير ‪ -‬شك أبو علي أيهما قال ‪ -‬حتى استقى الناس‪ .‬ثم قال‪:‬‬
‫"يوشك يا معاذ! أن طالت بك حياة‪ ،‬أن ترى ما ههنا قد ملئ‬
‫جنانا"‪.‬‬
‫وفي حديث البراء‪ ،‬ومسلمة بن الكوع ـ وحديثه أتم ـ في قصة‬‫الحديبية‪ ،‬وهم أربع عشرة مائة‪ ،‬وبئرها ل تروي خمسين شاة‪،‬‬

‫‪181‬‬

‫فنزحناها فلم نترك فيها قطرة‪ ،‬فقعد رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم على جباها‪.‬‬
‫قال البراء‪ ،‬و أتي بدلو منها‪ ،‬فبصق فدعا‪.‬‬
‫وقال سلمة‪ :‬فإما دعا‪ ،‬وإما بصق فيها‪ ،‬فجاشت‪ ،‬فأرووا أنفسهم‬
‫وركابهم‪.‬‬
‫وفي غير هاتين الروايتين ـ في هذه القصة ـ من طريق ابن‬‫شهاب‪ ،‬في الحديبية‪:‬‬
‫فأخرج سهما ً من كنانته‪ ،‬فوضع في قعر قليب ليس فيه ماء؟‬
‫فروي الناس حتى ضربوا بعطن‪.‬‬
‫قلت‪ :‬حديث البراء‪ ،‬رواه البخاري في كتاب المناقب قال‪:‬‬
‫حدثنا مالك بن إسماعيل‪ :‬حدثنا إسرائيل‪ ،‬عن أبي إسحاق‪ ،‬عن‬
‫البراء رضي الله عنه قال‪:‬‬
‫كنا يوم الحديبية أربع عشرة مائة‪ ،‬والحديبية بئر‪ ،‬فنزحناها حتى‬
‫لم نترك فيها قطرة‪ ،‬فجلس النبي صلى الله عليه وسلم على‬
‫شفير البئر فدعا بماء‪ ،‬فمضمض ومج في البئر‪ ،‬فمكثنا غير بعيد‪،‬‬
‫ثم استقينا حتى روينا‪ ،‬وروت أو صدرت ركائبنا‪.‬‬
‫وفي كتاب المغازي قال‪:‬‬
‫‪ -1‬حدثنا عبيد الله بن موسى‪ ،‬عن إسرائيل‪ ،‬عن أبي إسحاق‪،‬‬
‫عن البراء رضي الله عنه قال‪ :‬تعدون أنتم الفتح فتح مكة‪ ،‬وقد‬
‫كأن فتح مكة فتحا‪ ،‬ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية‪،‬‬
‫كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم أربع عشرة مائة‪ ،‬والحديبية‬
‫بئر‪ ،‬فنزحناها فلم نترك فيها قطرة‪ ،‬فبلغ ذلك النبي صلى الله‬
‫عليه وسلم فأتاها‪ ،‬فجلس على شفيرها‪ ،‬ثم دعا بإناء من ماء‬
‫فتوضأ‪ ،‬ثم مضمض ودعا ثم صبه فيها‪ ،‬فتركناها غير بعيد‪ ،‬ثم إنها‬
‫أصدرتنا ما شئنا نحن وركابنا‪.‬‬
‫‪ -2‬حدثني فضل بن يعقوب‪ :‬حدثنا الحسن بن محمد بن أعين أبو‬
‫علي الحراني‪ :‬حدثنا زهير‪ :‬حدثنا أبو إسحاق قال‪ :‬أنبانا البراء بن‬
‫عازب رضي الله عنهما‪ :‬أنهم كانوا مع رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم يوم الحديبية ألفا وأربعمائة أو أكثر‪ ،‬فنزلوا على بئر‬
‫فنزحوها‪ ،‬فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ ،‬فأتى البئر‬
‫وقعد على شفيرها‪ ،‬ثم قال‪(:‬ائتوني بدلو من مائها)‪ .‬فأتي به‪،‬‬
‫فبصق فدعا ثم قال‪(:‬دعوها ساعة)‪ .‬فأرووا أنفسهم وركابهم‬
‫حتى ارتحلوا‪.‬‬
‫قال ابن حجر‪ :‬والحديبية بئر يشير إلى أن المكان المعروف‬
‫بالحديبية سمى ببئر كانت هنالك هذا اسمها ثم عرف المكان كله‬
‫بذلك‪ ...‬قوله فنزحناها كذا للكثر ووقع في شرح بن التين‬
‫فنزفناها بالفاء بدل الحاء المهملة قال والنزف والنزح واحد وهو‬
‫‪182‬‬

‫أخذ الماء شيئا بعد شيء إلى أن ل يبقى منه شيء قوله فلم‬
‫نترك فيها قطرة في رواية فوجدنا الناس قد نزحوها قوله فجلس‬
‫على شفيرها ثم دعا بإناء من ماء في رواية زهير ثم قال‪ :‬ائتوني‬
‫بدلو من مائها قوله ثم مضمض ودعا ثم صبه فيها فتركناها غير‬
‫بعيد في رواية زهير فبصق فدعا ثم قال دعوها ساعة قوله ثم‬
‫أنها أصدرتنا (أي رجعتنا) يعني أنهم رجعوا عنها وقد رووا وفي‬
‫رواية زهير فأرووا أنفسهم وركابهم والركاب البل التي يسار‬
‫عليها‪...‬‬
‫أما الحديث الذي ورد فيه فأخرج سهما ً من كنانته‪ :‬فرواه‬
‫البخاري‪ .‬في كتاب الشروط‪ ،‬باب‪ :‬الشروط في الجهاد‪،‬‬
‫والمصالحة مع أهل الحرب‪ ،‬وكتابة الشروط‪ .‬قال‪:‬‬
‫ حدثني عبد الله بن محمد‪ :‬حدثنا عبد الرزاق‪ :‬أخبرنا معمر‬‫قال‪ :‬أخبرني الزهري قال‪ :‬أخبري عروة بن الزبير‪ ،‬عن المسور‬
‫بن مخرمة ومروان‪ ،‬يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه‪ ،‬قال‪:‬‬
‫خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية‪ ،‬حتى كانوا‬
‫ببعض الطريق‪ ،‬قال النبي صلى الله عليه وسلم‪( :‬أن خالد بن‬
‫الوليد بالغميم‪ ،‬في خيل لقريش طليعة‪ ،‬فخذوا ذات اليمين)‪ .‬فو‬
‫الله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقترة الجيش‪ ،‬فانطلق يركض‬
‫نذيًرا لقريش‪ ،‬وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان‬
‫بالثنية التي يهبط عليهم منها‪ ،‬بركت به راحلته‪ ،‬فقال الناس‪ :‬حل‬
‫حل‪ ،‬فألحت‪ ،‬فقالوا خلت القصواء‪ ،‬هلت القصواء‪ ،‬فقال النبي‬
‫صلى الله عليه وسلم‪(:‬ما خلت القصواء‪ ،‬وما ذاك لها بخلق‪،‬‬
‫ولكن حبسها حابس الفيل)‪ .‬ثم قال‪(:‬والذي نفسي بيده‪ ،‬ل‬
‫يسألونني خطة يعظمون فيها حرمات الله إل أعطيتهم إياها)‪ .‬ثم‬
‫زجرها فوثبت‪ ،‬قال‪ :‬فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على‬
‫ضا‪ ،‬فلم يلبثه الناس حتى‬
‫ثمد قليل الماء‪ ،‬يتبرضه الناس تبر ً‬
‫نزحوه‪ ،‬وشكي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العطش‪،‬‬
‫فانتزع سهما من كنانته‪ ،‬ثم أمرهم أن يجعلوه فيه‪ ،‬فو الله مازال‬
‫يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه‪(.،‬الحديث)‪.‬‬
‫وأخرجه أحمد في المسند قال‪ ...:‬حتى نزل بأقصى الحديبية على‬
‫ضا فلم يلبثه الناس أن‬
‫ثمد قليل الماء إنما يتبرضه الناس تبر ً‬
‫نزحوه فشكى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العطش‬
‫فانتزع سهما من كنانته ثم أمرهم أن يج حتى نزل بأقصى‬
‫ضا فلم يلبثه‬
‫الحديبية على ثمد قليل الماء إنما يتبرضه الناس تبر ً‬
‫الناس أن نزحوه فشكي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫العطش فانتزع سهما من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه قال‬

‫‪183‬‬

‫فو الله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه علوه فيه قال‬
‫فو الله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه‪.‬‬
‫وقال ابن أبي شيبة‪ :‬وهذه من معجزات الرسول صلى الله عليه‬
‫وسلم في تكثير المياه ونبعها من الرض والشياء ومن بين‬
‫أصابعه‪ ....‬قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم‪( :‬أترون أن‬
‫نمضي لوجهنا‪ ،‬ومن صدنا عن البيت قاتلناه‪ ،‬ألم ترون أن نخالف‬
‫هؤلء إلى من تركوا وراءهم‪ ،‬فإن أتبعنا منهم عنق قطعة الله‪،‬‬
‫قالوا‪ :‬يا رسول الله! المر أمرك‪ ،‬والرأي رأيك‪ ..،‬فتيامنوا في‬
‫هذا الفعل‪ ،‬فلم يشعر به خالد ول الخيل التي معه حتى جاوز بهم‬
‫فترة الجيش وأوفت به ناقته على ثنية تهبط على غائط القوم‬
‫يقال له بلدح‪ ،‬فبركت فقال‪ :‬حل حل‪ ،‬فلم تنبعث‪ ،‬فقالوا‪ :‬خلت‬
‫القصواء‪ ،‬قال‪ :‬إنها والله ما خلت‪ ،‬ول هو لها بخلق‪ ،‬ولكن حبسها‬
‫حابس الفيل‪ ،‬أنا والله ل يدعوني اليوم إلى خطة يعظمون فيها‬
‫حرمة ول يدعوني فيها إلى صلة إل أجبتهم إليها)‪ ،‬ثم زجرها‬
‫فوثبت‪ ،‬فرجع من حيث جاء عوده على بدئه‪ ،‬حتى نزل بالناس‬
‫على ثمد من ثماد الحديبية ظنون قليل الماء يتربض الناس ماءها‬
‫ضا‪ ،‬فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قلة الماء‪،‬‬
‫تبر ً‬
‫فانتزع سهما من كنانته فأمر رجل ً فغرزه في جوف القليب‪،‬‬
‫فجاش بالماء حتى ضرب الناس عنه بعطن‪..‬‬
‫وعن أبي قتادة ـ وذكر أن الناس شكوا إلى رسول الله صلى‬‫الله عليه وسلم العطش في بعض أسفاره‪ ،‬فدعا بالميضأة‬
‫ضبْنِه‪ ،‬ثم التقم فمها‪ ،‬فالله أعلم ـ نفث فيها أم ل‪،‬‬
‫فجعلها في َ‬
‫فشرب الناس حتى رووا وملئوا كل إناء معهم‪ ،‬فخيل إلي أنها‬
‫كما أخذها مني‪ ،‬وكانوا اثنين وسبعين رجلً‪.‬‬
‫وروى مثله عمران بن حصين‪.‬‬‫وذكر الطبري حديث أبي قتادة على غير ما ذكره أهل الصحيح ـ‬‫وأن النبي صلى الله عليه وسلم خرج بهم ممدا ً لهل مؤتة عندما‬
‫بلغه قتل المراء‪:‬‬
‫وذكر حديثا ً طويل ً فيه معجزات وآيات للنبي صلى الله عليه‬
‫وسلم‪ ،‬وفيه إعلمهم أنهم يفقدون الماء في غد‪.‬‬
‫وذكر حديث الميضأة‪ ،‬قال‪ :‬والقوم زهاء ثلثمائة‪.‬‬
‫وفي كتاب مسلم أنه قال لبي قتادة‪ :‬احفظ علي ميضأتك‪ ،‬فإنه‬
‫سيكون لها نبأ‪ ..‬و ذكر نحوه‪.‬‬
‫قلت‪ :‬رواه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلة قال‪:‬‬
‫*وحدثنا شيبان بن فروخ‪ .‬حدثنا سليمان (يعني ابن المغيرة)‬
‫حدثنا ثابت عن عبد الله بن رباح‪ ،‬عن أبي قتادة؛ قال‪ :‬خطبنا‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‪:‬‬
‫‪184‬‬

‫"إنكم تسيرون عشيتكم وليلتكم‪ .‬وتأتون الماء‪ ،‬إن شاء الله‪،‬‬
‫غدًا"‪ .‬فانطلق الناس ل يلوي أحد على أحد‪ .‬قال أبو قتادة‪ :‬فبينما‬
‫صلى الله عليه وسلم يسير حتى إبهار الليل وأنا إلى جنبه‪ .‬قال‪:‬‬
‫فنعس رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ .‬فمال عن راحلته‪.‬‬
‫فأتيته فدعمته‪ .‬من غير أن أوقظه‪ .‬حتى اعتدل على راحلته‪ .‬قال‬
‫ثم سار حتى تهور الليل مال عن راحلته‪ .‬قال فدعمته من غير أن‬
‫أوقظه‪ .‬حتى اعتدل على راحلته‪ .‬قال ثم سار حتى إذا كان من‬
‫آخر السحر مال ميلة‪ .‬هي أشد من الميلتين الوليين‪ .‬حتى كاد‬
‫ينجفل‪ .‬فأتيته فدعمته‪ .‬فرفع رأسه فقال‪" :‬من هذا " قلت‪ :‬أبو‬
‫قتادة‪ .‬قال‪" :‬متى كان هذا مسيرك منى؟" قلت‪ :‬ما زال هذا‬
‫مسيري منذ الليلة‪ .‬قال‪" :‬حفظك الله بما حفظت به نبيه" ثم‬
‫قال‪" :‬هل ترانا نخفى على الناس؟" ثم قال‪" :‬هل ترى من‬
‫أحد؟" قلت‪ :‬هذا راكب‪ .‬ثم قلت‪ :‬هذا راكب آخر‪ .‬حتى اجتمعنا‬
‫فكنا سبعة ركب‪ .‬قال فمال رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫عن الطريق‪ .‬فوضع رأسه‪ .‬ثم قال‪" :‬احفظوا علينا صلتنا"‪ .‬فكأن‬
‫أول من استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم والشمس في‬
‫ظهره‪ .‬قال فقمنا فزعين‪ .‬ثم قال‪" :‬اركبوا" فركبنا‪ .‬فسرنا‪ .‬حتى‬
‫إذا ارتفعت الشمس نزل‪ .‬ثم دعا بميضأة كانت معي فيها شئ‬
‫من ماء‪ .‬قال فتوضأنا منها وضوءا دون وضوء‪ .‬قال وبقي فيها‬
‫شئ من ماء‪ .‬ثم قال لبى قتادة‪" :‬احفظ علينا ميضأتك‪ .‬فسيكون‬
‫لها نبأ"‪ ,‬ثم أذن بلل بالصلة‪ .‬فصلى رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم ركعتين‪ .‬ثم صلى الغداة فصنع كما كأن يصنع كل يوم‪ .‬قال‬
‫وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم وركبنا معه‪ .‬قال فجعل‬
‫بعضنا يهمس إلى بعض‪ :‬ما كفارة ما صنعنا بتفريطنا في صلتنا؟‬
‫ثم قال‪" :‬أما لكم في أسوة؟ "ثم قال‪ :‬ليس في النوم تفريط‪.‬‬
‫إنما التفريط على من لم يصل الصلة حتى يجيء وقت الصلة‬
‫الخرى‪ .‬فمن فعل ذلك فليصلها حين ينتبه لها‪ .‬فإذا كان الغد‬
‫فليصلها عند وقتها" ثم قال‪" :‬ما ترون الناس صنعوا؟" قال‪ :‬ثم‬
‫قال‪" :‬أصبح الناس فقدوا نبيهم‪ .‬فقال أبو بكر وعمر‪ :‬رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم بعدكم‪ .‬لم يكن ليخلفكم‪ .‬وقال الناس‪ :‬إن‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أيديكم‪ .‬فإن يطيعوا أبا بكر‬
‫وعمر يرشدوا"‪.‬‬
‫قال فانتهينا إلى الناس حين امتد النهار وحمي كل شئ‪ .‬وهم‬
‫يقولون‪ :‬يا رسول الله! هلكنا‪ .‬عطشنا‪ .‬فقال‪" :‬ل هلك عليكم" ثم‬
‫قال‪" :‬أطلقوا لي غمري" قال ودعا بالميضأة‪ .‬فجعل رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم يصب وأبو قتادة يسقيهم‪ .‬فلم يعد أن رأى‬
‫الناس ماء في الميضأة تكابوا عليها‪ .‬فقال رسول الله صلى الله‬
‫‪185‬‬

‫عليه وسلم‪" :‬أحسنوا المل‪ .‬كلكم سيروى"‪ ,‬قال ففعلوا‪ .‬فجعل‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم يصب وأسقيهم‪ .‬حتى ما بقي‬
‫غيري وغير رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ .‬قال ثم صب‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي‪" :‬اشرب"‪ .‬فقلت‪ :‬ل‬
‫أشرب حتى تشرب يا رسول الله! قال‪" :‬أن ساقي القوم آخرهم‬
‫شربًا" قال فشربت‪ .‬وشرب رسول الله صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫قال فأتي الناس الماء جامين رواء‪.‬‬
‫قال فقال عبد الله بن رباح‪ :‬إني لحدث هذا الحديث في مسجد‬
‫الجامع‪ .‬إذا قال عمران بن حصين‪ :‬انظر أيها الفتى كيف تحدث‪.‬‬
‫فإني أحد الركب تلك الليلة‪ .‬قال قلت‪ :‬فأنت أعلم بالحديث‪.‬‬
‫فقال‪ :‬ممن أنت؟ قلت‪ :‬من النصار‪ .‬قال‪ :‬حدث فأنتم أعلم‬
‫بحديثكم‪ .‬قال فحدثت القوم‪ .‬فقال عمران‪ :‬لقد شهدت تلك‬
‫الليلة وما شعرت أن أحدًا حفظه كما حفظته‪.‬‬
‫ومن ذلك حديث عمران بن حصين حين أصاب النبي صلى الله‬‫عليه وسلم وأصحابه عطش في بعض أسفارهم‪ ،‬فوجه رجلين‬
‫من أصحابه‪ ،‬وأعلمهما أنهما يجدان امرأة ً بمكان كذا معها بعير‬
‫عليه مزادتان‪ ...‬الحديث‪ ،‬فوجداها وأتيا بها إلى النبي صلى الله‬
‫عليه وسلم‪ ،‬فجعل في إناء من مزادتيها‪ ،‬وقال فيه ما شاء الله‬
‫أن يقول‪ ،‬ثم أعاد الماء في المزادتين‪ ،‬ثم فتحت عزاليهما‪ ،‬وأمر‬
‫الناس فملئوا أسقيتهم حتى لم يدعوا شيئا ً إل ملئوه‪.‬‬
‫قال عمران‪ :‬و تخيل إلي أنهما لم تزدادا إل امتلءً‪ ،‬ثم أمر فجمع‬
‫للمرأة من الزواد حتى مل ثوبها‪ .‬وقال‪ :‬اذهبي‪ ،‬فإنا لم نأخذ من‬
‫مائك شيئاً‪ ،‬و لكن الله سقانا‪ ...‬الحديث بطوله‪.‬‬
‫قلت‪ :‬رواه الشيخان‪ ،‬وهو عند مسلم في كتاب المساجد ومواضع‬
‫الصلة قال‪:‬‬
‫وحدثني أحمد بن سعيد بن صخر الدارمي‪ .‬حدثنا عبيد الله بن‬
‫عبد المجيد‪ .‬حدثنا سلم بن زرير العطاردي‪ .‬قال‪ :‬سمعت أبا رجاء‬
‫العطاردي عن عمران بن حصين‪ .‬قال‪:‬‬
‫كنت مع نبي الله صلى الله عليه وسلم في مسير له‪ .‬فأدلجنا‬
‫ليلتنا‪ .‬حتى إذا كان في وجه الصبح عرسنا‪ .‬فغلبتنا أعيننا حتى‬
‫بزغت الشمس‪ .‬قال فكان أول من استيقظ منا أبو بكر‪ .‬وكنا ل‬
‫نوقظ نبي الله صلى الله عليه وسلم من منامه إذا نام حتى‬
‫يستيقظ‪ .‬ثم استيقظ عمر‪ .‬فقام عند نبي الله صلى الله عليه‬
‫وسلم‪ .‬فجعل يكبر ويرفع صوته بالتكبير‪ .‬حتى استيقظ رسول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم‪ .‬فلما رفع رأسه ورأى الشمس قد‬
‫بزغت قال‪ " :‬ارتحلوا " فسار بنا‪ .‬حتى إذا ابيضت الشمس نزل‬
‫فصلى بنا الغداة‪ .‬فاعتزل رجل من القوم لم يصل معنا‪ .‬فلما‬
‫‪186‬‬

‫انصرف قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ " :‬يا فلن! ما‬
‫منعك أن تصلي معنا؟ " قال‪ :‬يا نبي الله! أصابتني جنابة‪ .‬فأمره‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم فتيمم بالصعيد‪ .‬فصلى‪ .‬ثم‬
‫عجلني‪ ،‬في ركب بين يديه‪ ،‬نطلب الماء‪ .‬وقد عطشنا عط ً‬
‫شا‬
‫شديدًا‪ .‬فبينما نحن نسير إذا نحن بامرأة سادلة رجليها بين‬
‫مزادتين‪ .‬فقلنا لها‪ :‬أين الماء؟ قالت‪ :‬أيهاه‪ .‬أيهاه‪ .‬ل ماء لكم‪.‬‬
‫قلنا‪ :‬فكم بين أهلك وبين الماء؟ قالت‪ :‬مسيرة يوم وليلة‪ .‬قلنا‪:‬‬
‫انطلقي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ .‬قالت‪ :‬وما رسول‬
‫الله؟ فلم نملكها من أمرها شيئا حتى انطلقنا بها‪ .‬فاستقبلنا بها‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ .‬فسألها فأخبرته مثل الذي‬
‫أخبرتنا‪ .‬وأخبرته أنها موتمة‪ .‬لها صبيان أيتام‪ .‬فأمر بروايتها‪.‬‬
‫فأنيخت‪ .‬فمج في العزلوين العلياوين‪ .‬ثم بعث براويتها‪ .‬فشربنا‪.‬‬
‫ونحن أربعون رجل عطاش‪ .‬حتى روينا‪ .‬وملنا كل قربة معنا‬
‫وإداوة‪ .‬وغسلنا صاحبنا‪ .‬غير أنا لم نسق بعيًرا‪ .‬وهي تكاد تنضرج‬
‫من الماء (يعني المزادتين) ثم قال‪" :‬هاتوا ما كأن عندكم"‬
‫فجمعنا لها من كسر وتمر‪ .‬وصر لها صرة‪ .‬فقال لها‪" :‬اذهبي‬
‫فأطعمي هذا عيالك‪ .‬واعلمي أنا لم نرزأ من مائك"‪ .‬فلما أتت‬
‫أهلها قالت‪ :‬لقد لقيت أسحر البشر‪ .‬أو إنه لنبي كما زعم‪ .‬كأن‬
‫من أمره ذيت وذيت‪ .‬فهدي الله ذاك الصرم بتلك المرأة‪.‬‬
‫فأسلمت وأسلموا‪.‬‬
‫ ورواه البيهقي في باب التطهر في أواني المشركين إذا لم‬‫يعلم نجاسة قال‪:‬‬
‫أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الله بن بشر أن رحمه‬
‫الله تعالى ببغداد أنا إسماعيل بن محمد الصفار ثنا أحمد بن‬
‫منصور ثنا عبد الرزاق أنبأ معمر عن عوف عن أبي رجاء‬
‫العطاردي عن عمران بن حصين قال سرى رسول الله صلى الله‬
‫عليه وسلم في سفر هو وأصحابه فأصابه عطش شديد فأقبل‬
‫رجلن من أصحابه أحسبه عليًا والزبير أو غيرهما قال إنكما‬
‫ستجدان بمكان كذا وكذا امرأة معها بعير عليه مزادتان فأتياني‬
‫بها فأتيا المرأة فوجداها قد ركبت بين مزادتين على البعير فقال‬
‫أجيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت ومن رسول الله‬
‫هذا الصابي‪ .‬قال‪ :‬هو الذي تعنين وهو رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم حقا فجاءا بها فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫فجعل في إناء من مزادتيها ثم قال فيه ما شاء الله أن يقول ثم‬
‫أعاد الماء في المزادتين ثم أمر بعزلء المزادتين ففتحت ثم أمر‬
‫الناس فملئوا آنيتهم وأسقيتهم فلم يدعوا يومئذ إناء ول سقاء إل‬
‫ملئوه قال عمران فكان يخيل إلي أنها لم تزدد إل امتلء قال‬
‫‪187‬‬

‫فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بثوبها فبسطت ثم أمر أصحابه‬
‫فجاءوا من زادهم حتى ملئوا لها ثوبها ثم قال لها‪ :‬اذهبي فإنا لم‬
‫نأخذ من مائك شيئًا ولكن الله سقانا‪ ...‬قال فجاءت أهلها‬
‫فأخبرتهم فقالت جئتكم من أسحر الناس أو إنه لرسول الله حقا‬
‫قال فجاء أهل ذلك الحواء حتى أسلموا كلهم‪.‬‬
‫مخرج في الصحيحين من حديث عوف بن أبي جميلة وفيه فكان‬
‫آخر ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى الذي أصابته‬
‫الجنابة إناء من ماء فقال اذهب فأفرغه عليك وهي قائمة تنظر‬
‫ما يفعل بمائها‪.‬‬
‫وعن سلمة بن الكوع‪ :‬قال نبي الله صلى الله عليه وسلم‪ :‬هل‬‫من وضوء؟ فجاء رجل بإداوة فيها نطفة فأفرغها في قدح‬
‫ة أربع عشرة مائة‪ ...‬الحديث بطوله ‪.‬‬
‫فتوضأنا كلنا نُدَغْفِقُه دغْفق ً‬
‫قلت‪ :‬رواه مسلم عن إياس بن سلمة عن أبيه؛ في كتاب‬
‫اللقطة‪ ،‬باب استحباب خلط الزواد إذا قلت‪ ،‬والمؤاساة فيها؛‬
‫قال‪:‬‬
‫حدثني أحمد بن يوسف الزدي‪ .‬حدثنا النضر(يعني ابن محمد‬
‫اليمامي)‪ .‬حدثنا عكرمة(وهو ابن عمار)‪ .‬حدثنا إياس بن سلمة‬
‫عن أبيه‪ ،‬قال‪:‬‬
‫خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة‪ .‬فأصابنا‬
‫جهد‪ .‬حتى هممنا أن ننحر بعض ظهرنا‪ .‬فأمر نبي الله صلى الله‬
‫عليه وسلم فجمعنا مزاودنا‪ .‬فبسطنا له نطعا‪ .‬فاجتمع زاد القوم‬
‫على النطع‪ .‬قال‪ :‬فتطاولت لحرزه كم هو؟ فحزرته كربضة‬
‫العنز‪ .‬ونحن أربع عشرة مائة‪ .‬قال‪ :‬فأكلنا حتى شبعنا جميعًا‪ .‬ثم‬
‫حشونا جربنا‪ .‬فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم (فهل من‬
‫وضوء؟) قال‪ :‬فجاء رجل بإداوة له‪ ،‬فيها نطفة‪ .‬فأفرغها في قدح‪.‬‬
‫فتوضأنا كلنا‪ .‬ندغفقه دغفقة‪ .‬أربع عشرة مائة‪.‬‬
‫قال‪ :‬ثم جاء بعد ذلك ثمانية فقالوا‪ :‬هل من طهور؟ فقال رسول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم (فرغ الوضوء)‪.‬‬
‫َّ‬
‫ن ع َبْد ِ اللهِ‪ ،‬باب إباحة‬
‫ن َ‬
‫ورواه ابن خزيمة في صحيحه ع َ ْ‬
‫جابِرِ ب ْ ِ‬
‫الوضوء من فضل وضوء المتوضىء؛ قال‪:‬‬
‫َ‬
‫ح َّ‬
‫ح‬
‫ن‬
‫س‬
‫سوَدُ‬
‫ن ُ‬
‫مدٍ‪ ،‬أخبرنا ع َبِيدَة ُ ب ْ‬
‫م َ‬
‫ن بْ‬
‫أخبرنا ال ْ َ‬
‫ميْدٍ‪ ،‬أخبرنا ال ْ‬
‫ح َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ن ع َبْد ِ اللَّهِ‪ ،‬قَا َ‬
‫سافَْرنَا‬
‫ن َ‬
‫ل‪َ :‬‬
‫ي‪ ،‬ع َ ْ‬
‫ن نُبَيٍْح الْعَنَزِ ِ ّ‬
‫س‪ ،‬ع َ َ ْ‬
‫بْ ُ‬
‫جابِرِ ب ْ ِ‬
‫ن قَي ْ ٍ‬
‫ت ال َّ‬
‫صلةُ‪ ،‬فَقَا َ‬
‫ل‬
‫ضَر ِ‬
‫ح َ‬
‫ل الل ّهِ صلى الله عليه وسلم‪ ،‬فَ َ‬
‫معَ َر ُ‬
‫َ‬
‫سو ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ما فِي القَوْم ِ طهُوٌر؟ قَا َ‬
‫سو ُ‬
‫ل‪:‬‬
‫َر ُ‬
‫ل اللهِ صلى الله عليه وسلم‪ :‬أ َ‬
‫ضأَ‬
‫ح فَتَوَ َّ‬
‫ماءٍ فِي إِدَاوَةٍ‪ ،‬قَا َ‬
‫ج ٌ‬
‫ه فِي قَد َ‬
‫ل بِفَ ْ‬
‫جاءَ َر ُ‬
‫فَ َ‬
‫صب َّ ُ‬
‫ل َ‬
‫ل‪ :‬فَ َ‬
‫ض ِ‬
‫ٍ‬
‫َ‬
‫م أن الْقَو َ‬
‫ل‪ :‬ث ُ َ‬
‫ل الل ّهِ صلى الله عليه وسلم‪ ،‬قَا َ‬
‫سو ُ‬
‫ة‬
‫قي َّ َ‬
‫م أتَوْا ب َ ِ‬
‫ْ َ‬
‫َر ُ‬
‫ّ ُ َّ‬
‫َ‬
‫م َّ‬
‫الط ّهُورِ‪ ،‬فَقَا َ‬
‫سول اللهِ صلى الله عليه‬
‫س ِ‬
‫س ُ‬
‫م َر ُ‬
‫حوا بِهِ‪ ،‬فَ َ‬
‫معَهُ ْ‬
‫ل‪ :‬ت َ َ‬
‫‪188‬‬

‫ُ َ‬
‫سلِك ُ‬
‫وسلم‪ ،‬فَقَا َ‬
‫ل الل ّهِ صلى الله عليه‬
‫سو‬
‫ضَر َ‬
‫م‪ ،‬فَ َ‬
‫ب َر ُ‬
‫ل‪ :‬ع َلَى رِ ْ‬
‫ْ‬
‫ُّ‬
‫َ‬
‫ماءِ‪ ،‬ث ُ َّ‬
‫م قَا َ‬
‫سبِغُوا الطهُوَر‪،‬‬
‫جوْ ِ‬
‫ح فِي َ‬
‫وسلم يَدَه ُ فِي الْقَد َ‬
‫ل‪ :‬أ ْ‬
‫ف ال ْ َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫صرِي‪ ،‬قَا َ‬
‫فَقَا َ‬
‫ل‪( :‬وَكان قَدْ‬
‫ب بَ‬
‫ن ع َبْد ِ الل ّهِ‪ :‬وَال ّذِي أذْهَ َ‬
‫ل َ‬
‫َ‬
‫جابُِر ب ْ ُ‬
‫َّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ل اللهِ صلى‬
‫ماءَ يَنْبُعُ ِ‬
‫ن بَي ْ‬
‫ذَهَ َ‬
‫صابِِع َر ُ‬
‫ت ال ْ َ‬
‫صُرهُ) لَقَد ْ َرأي ْ ُ‬
‫نأ َ‬
‫ب بَ َ‬
‫سو ِ‬
‫م ْ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫حتَّى تَوَ َّ‬
‫ن قَا َ‬
‫ل ع َبِيدَةُ‪:‬‬
‫معُو َ‬
‫ضئُوا أ ْ‬
‫م يَْرفَعْ يَدَه ُ َ‬
‫ج َ‬
‫الله عليه وسلم فَل َ ْ‬
‫قَا َ َ‬
‫ه قَا َ‬
‫ن أَوْ ِزيَادَةً‪.‬‬
‫ل‪ :‬كُنَّا ِ‬
‫ح ِ‬
‫سوَدُ‪َ :‬‬
‫ل ال ْ‬
‫سبْت ُ ُ‬
‫مائَتَي ْ ِ‬
‫وفي حديث عمر ـ في جيش العسرة‪ :‬وذكر ما أصابهم من‬‫العطش‪ ،‬حتى أن الرجل لينحر بعيره‪ ،‬فيعصر فرثه فيشربه‪،‬‬
‫فرغب أبو بكر إلى النبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء‪ ،‬فرفع‬
‫يديه فلم يرجعهما حتى قالت السماء فانسكبت‪ ،‬فملئوا ما معهم‬
‫من آنية‪ ،‬ولم تجاوز العسكر‪.‬‬
‫قلت‪ :‬أخرجه ابن خزيمة في صحيحه باب ذكر الدليل على أن‬
‫الماء إذا خالطه فرث ما يؤكل لحمه لم ينجس‪.‬‬
‫ أخبرنا أبو طاهر نا أبو بكر نا يونس بن عبد العلى أخبرنا بن‬‫وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلل عن عتبة‬
‫بن أبي عتبة عن نافع بن جبير عن عبد الله بن عباس أنه قيل‬
‫لعمر بن الخطاب حدثنا من شأن ساعة العسرة فقال عمر‬
‫خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد فنزلنا منزل ً أصابنا فيه عطش‬
‫حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع حتى إن كان الرجل ليذهب يلتمس‬
‫الماء فل يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع حتى أن الرجل ينحر‬
‫بعيره فيعصر فرثه فيشربه ويجعل ما بقي على كبده فقال أبو‬
‫بكر الصديق‪ :‬يا رسول الله إن الله قد عودك في الدعاء خيًرا‬
‫فادع لنا‪..‬فقال‪ :‬أتحب ذلك؟ قال نعم‪ ..‬فرفع يده فلم يرجعهما‬
‫حتى قالت السماء فأظلمت ثم سكبت فملئوا ما معهم ثم ذهبنا‬
‫ننظر فلم نجدها جازت العسكر‪ ...‬قال أبو بكر فلو كان ماء‬
‫سا لم يجز للمرء أن يجعله على كبده فينجس‬
‫الفرث إذا عصر نج ً‬
‫بعض بدنه وهو غير واجد لماء طاهر يغسل موضع النجس منه‪,‬‬
‫فأما شرب الماء النجس عند خوف التلف إن لم يشرب ذلك‬
‫الماء فجائز إحياء النفس بشرب ماء نجس إذ الله عز وجل قد‬
‫أباح عند الضطرار إحياء النفس بأكل الميتة والدم ولحم الخنزير‬
‫إذا خيف التلف إن لم يأكل ذلك والميتة والدم ولحم الخنزير‬
‫نجس محرم على المستغني عنه مباح للمضطر إليه لحياء‬
‫النفس بأكله فكذلك جائز للمضطر إلى الماء النجس أن يحيي‬
‫نفسه بشرب ماء نجس إذا خاف التلف على نفسه بترك شربه‬
‫سا على بعض بدنه والعلم محيط أنه أن لم‬
‫فأما أن يجعل ماء نج ً‬
‫يجعل ذلك الماء النجس على بدنه لم يخفف التلف على نفسه‬
‫ول كان في إمساس ذلك الماء النجس بعض بدنه إحياء نفسه‬
‫‪189‬‬

‫بذلك ول عنده ماء طاهر يغسل ما نجس من بدنه بذلك الماء‬
‫فهذا غير جائز ول واسع لحد فعله‪.‬‬
‫ورواه ابن سعد في طبقات‪...‬ومنه‪:‬‬
‫أن الرجلين والثلثة كانوا يتعاقبون على بعير واحد وأصابهم‬
‫عطش شديد حتى جعلوا ينحرون إبلهم لينفضوا أكراشها ويشربوا‬
‫ماءها‪.‬‬
‫وعن عمر بن شعيب ـ أن أبا طالب قال للنبي صلى الله عليه‬‫وسلم‪ ،‬وهو رديفه بذي المجاز‪ :‬عطشت وليس عندي ماء‪ ،‬فنزل‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم‪ ،‬وضرب بقدمه الرض‪ ،‬فخرج الماء‪،‬‬
‫فقال‪ :‬اشرب‪.‬‬
‫والحديث في هذا الباب كثير‪ ،‬ومنه الجابة بدعاء الستسقاء وما‬
‫جانسه‪.‬‬
‫قلت‪ :‬أشار القاضي عياض رحمه الله إلى الحديث المتفق عليه‬
‫والذي رواه البخاري في كتاب الستسقاء باب‪ :‬الستسقاء في‬
‫المسجد الجامع‪.‬قال‪:‬‬
‫* حدثنا محمد قال‪ :‬أخبرنا أبو ضمرة أنس بن عياض قال‪:‬حدثنا‬
‫شريك بن عبد الله بن أبي نمر‪ :‬أنه سمع أنس بن مالك يذكر‪:‬‬
‫أن رجل دخل يوم الجمعة من باب كان وجاه المنبر‪ ،‬ورسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم قائم يخطب‪ ،‬فاستقبل رسول الله صلى‬
‫ما‪ ،‬فقال‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬هلكت المواشي‪،‬‬
‫الله عليه وسلم قائ ً‬
‫وانقطعت السبل‪ ،‬فادع الله يغيثنا‪ .‬قال‪ :‬فرفع رسول الله صلى‬
‫الله عليه وسلم يديه فقال‪(:‬اللهم اسقينا‪ ،‬اللهم اسقنا‪ ،‬اللهم‬
‫اسقنا)‪ .‬قال أنس‪ :‬ل والله‪ ،‬ما نرى في السماء من سحاب‪ ،‬ول‬
‫قزعة‪ ،‬ول شيئًا‪ ،‬وما بيننا وبين سلع من بيت ول دار‪ .‬قال‪:‬‬
‫فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس‪ ،‬فلما توسطت السماء‬
‫انتشرت ثم أمطرت‪ .‬قال‪ :‬والله ما رأينا الشمس ستًا‪ .‬ثم دخل‬
‫رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة‪ ،‬ورسول الله صلى الله‬
‫ما‪ ،‬فقال‪ :‬يا رسول الله‪،‬‬
‫عليه وسلم قائم يخطب‪ ،‬فاستقبله قائ ً‬
‫هلكت الموال‪ ،‬وانقطعت السبل‪ ،‬فادع الله يمسكها‪ .‬قال‪ :‬فرفع‬
‫رسول الله يديه‪ ،‬ثم قال‪(:‬اللهم حولينا ول علينا‪ ،‬اللهم على‬
‫الكام والجبال‪ ،‬والجام والظراب‪ ،‬والودية ومنابت الشجر)‪ .‬قال‪:‬‬
‫فانقطعت‪ ،‬وخرجنا نمشي في الشمس‪.‬‬
‫سا‪ :‬أهو الرجل الول؟ قال‪ :‬ل أدري‪.‬‬
‫قال شريك‪ :‬فسألت أن ً‬
‫وفي باب‪ :‬الستسقاء في خطبة الجمعة غير مستقبل القبلة‪.‬‬
‫* حدثنا قتيبة بن سعيد قال‪ :‬حدثنا إسماعيل بن جعفر‪ ،‬عن‬
‫شريك‪ ،‬عن أنس بن مالك‪:‬‬

‫‪190‬‬

‫أن رجل ً دخل المسجد يوم الجمعة‪ ،‬من باب كان نحو دار القضاء‪،‬‬
‫ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب‪ ،‬فاستقبل رسول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم قائما‪ ،‬ثم قال‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬هلكت‬
‫الموال وانقطعت السبل‪ ،‬فادع الله يغثنا‪ .‬فرفع رسول الله صلى‬
‫الله عليه وسلم يديه‪ ،‬ثم قال‪(:‬اللهم أغثنا‪ ،‬اللهم أغثنا‪ ،‬اللهم‬
‫أغثنا)‪ .‬قال أنس‪ :‬ول والله‪ ،‬ما نرى في السماء من سحاب‪ ،‬ول‬
‫قزعة‪ ،‬وما بيننا وبين سلع من بيت ول دار‪ .‬قال‪ :‬فطلعت من‬
‫ورائه سحابة مثل الترس‪ ،‬فلما توسطت السماء انتشرت ثم‬
‫أمطرت‪ .‬فل والله ما رأينا الشمس ستًا‪ .‬ثم دخل رجل من ذلك‬
‫الباب في الجمعة ‪ -‬يعني الثانية ‪ -‬ورسول الله صلى الله عليه‬
‫ما‪ ،‬فقال‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬هلكت‬
‫وسلم قائم يخطب‪ ،‬فاستقبله قائ ً‬
‫الموال‪ ،‬وانقطعت السبل‪ ،‬فادع الله يمسكها عنا‪ .‬قال‪ :‬فرفع‬
‫رسول الله يديه‪ ،‬ثم قال‪(:‬اللهم حولينا ول علينا‪ ،‬اللهم على‬
‫الكام والظراب‪ ،‬وبطون الودية ومنابت الشجر)‪ .‬قال‪ :‬فأقلعت‪،‬‬
‫وخرجنا نمشي في الشمس‪.‬‬
‫سا بن مالك‪ :‬أهو الرجل الول؟ فقال‪ :‬ل‬
‫قال شريك‪ :‬فسألت أن ً‬
‫أدري‪.‬‬
‫وفي باب‪ :‬الستسقاء على المنبر‪.‬‬
‫* حدثنا مسدد قال‪ :‬حدثنا أبو عوانة‪ ،‬عن قتادة‪ ،‬عن أنس قال‪:‬‬
‫بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة‪ ،‬إذا‬
‫جاءه رجل فقال‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬قحط المطر‪ ،‬فادع الله أن‬
‫يسقينا‪ .‬فدعا‪ ،‬فمطرنا‪ ،‬فما كدنا أن نصل إلى منازلنا‪ ،‬فما زلنا‬
‫نمطر إلى الجمعة المقبلة‪ .‬قال‪ :‬فقام ذلك الرجل أو غيره‪،‬‬
‫فقال‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬ادع الله أن يصرفه عنا‪ .‬فقال رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم‪(:‬اللهم حولينا ول علينا)‪ .‬قال‪ :‬فلقد رأيت‬
‫السحاب يتقطع يمينًا وشمالً‪ ،‬يمطرون ول يمطر أهل المدينة‪.‬‬
‫وأخرجه مسلم في كتاب صلة الستسقاء باب الدعاء في‬
‫الستسقاء‪.‬قال‪:‬‬
‫* حدثنا يحيى بن يحيى ويحيى بن أيوب وقتيبة وابن حجر(قال‬
‫يحيى‪ :‬أخبرنا‪ .‬وقال الخرون‪ :‬حدثنا إسماعل بن جعفر) عن‬
‫شريك بن أبي نمر‪ ،‬عن أنس بن مالك‬
‫أن رجل دخل المسجد يوم جمعة‪ .‬من باب كأن نحو دار القضاء‪.‬‬
‫ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب‪ .‬فاستقبل رسول‬
‫ما‪ .‬ثم قال‪ :‬يا رسول الله! هلكت‬
‫الله صلى الله عليه وسلم قائ ً‬
‫الموال وانقطعت السبل‪ .‬فادع الله يغثنا‪ .‬قال‪ :‬فرفع رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم يديه‪ .‬ثم قال‪ " :‬اللهم أغثنا‪ ...‬اللهم أغثنا‪...‬‬
‫اللهم أغثنا "‪ .‬قال أنس‪ :‬ول والله! ما نرى في السماء من‬
‫‪191‬‬

‫سحاب ول قزعة‪ .‬وما بيننا وبين سلع من بيت ول دار‪ .‬قال‬
‫فطلعت من و رائه سحابة مثل الترس‪ .‬فلما توسطت السماء‬
‫انتشرت‪ .‬ثم أمطرت‪ .‬قال‪ :‬فل والله! ما رأينا الشمس ستًا‪ .‬قال‪:‬‬
‫ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة‪ .‬ورسول الله‬
‫ما‪ .‬فقال‪ :‬يا‬
‫صلى الله عليه وسلم قائم يخطب‪ .‬فاستقبله قائ ً‬
‫رسول الله! هلكت الموال وانقطعت السبل‪ .‬فادع الله يمسكها‬
‫عنا‪ .‬قال‪ :‬فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه‪ .‬ثم قال‪:‬‬
‫"اللهم حولنا ول علينا‪ ...‬اللهم على الكام والظراب‪ ،‬وبطون‬
‫الودية‪ ،‬ومنابت الشجر" فانقلعت‪ .‬وخرجنا نمشى في الشمس‪.‬‬
‫قال شريك‪ :‬فسألت أنس بن مالك‪ :‬أهو الرجل الول؟ قال‪ :‬ل‬
‫أدرى‪.‬‬
‫* وحدثنا داود بن رشيد‪ .‬حدثنا الوليد بن مسلم عن الوزاعي‪.‬‬
‫حدثني إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك‪.‬‬
‫قال‪ :‬أصابت الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس على المنبر‬
‫يوم الجمعة‪ .‬إذ قام أعرابي فقال‪ :‬يا رسول الله! هلك المال‬
‫وجاع العيال‪ .‬وساق الحديث بمعناه‪ .‬وفيه قال‪" :‬اللهم حوالينا ول‬
‫علينا" قال‪ :‬فما يشير بيده إلى ناحية إل تفرجت‪ .‬حتى رأيت‬
‫المدينة في مثل الجوبة‪ .‬وسال وادي قناة شهًرا‪ .‬ولم يجيء أحدًا‬
‫من ناحية إل أخبر بجود‪.‬‬
‫* وحدثني عبد العلى بن حماد ومحمد بن أبي بكر المقدمي‪.‬‬
‫قال‪ :‬حدثنا معتمر‪ .‬حدثنا عبيد الله عن ثابت البناني‪ ،‬عن أنس بن‬
‫مالك‪ .‬قال‪:‬‬
‫كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة‪ .‬فقام إليه‬
‫الناس فصاحوا‪ .‬وقالوا‪ :‬يا نبي الله! قحط المطر‪ ،‬واحمر الشجر‪،‬‬
‫وهلكت البهائم وساق الحديث‪ .‬وفيه من رواية عبد العلى‪:‬‬
‫فتقشعت عن المدينة‪ .‬فجعلت تمطر حواليها‪ .‬وما تمطر بالمدينة‬
‫قطرة‪ .‬فنظرت إلى المدينة وإنها لفي مثل الكليل‪.‬‬
‫* وحدثناه أبو كريب‪ .‬حدثنا أبو أسامة عن سليمان بن المغيرة‪،‬‬
‫عن ثابت‪ ،‬عن أنس‪ ،‬بنحوه‪ .‬وزاد‪ :‬فألف الله بين السحاب‪ .‬ومكثنا‬
‫حتى رأيت الرجل الشديد تهمه نفسه أن يأتي أهله‪.‬‬
‫* وحدثنا هارون بن سعيد اليلي‪ .‬حدثنا ابن وهب‪.‬حدثني أسامة؛‬
‫أن حفص بن عبيد الله بن أنس بن مالك حدثه؛ أنه سمع أنس بن‬
‫مالك يقول‪:‬‬
‫جاء إعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة‪،‬‬
‫وهو على المنبر وإقتص الحديث‪ .‬وزاد‪ :‬فرأيت السحاب يتمزق‬
‫كأنه الملء حين تطوى‪.‬‬
‫‪192‬‬

‫* وحدثنا يحيى بن يحيى‪ .‬أخبرنا جعفر بن سليمان عن ثابت‬
‫البناني‪ ،‬عن أنس‪ .‬قال‪ :‬قال أنس‪ :‬أصابنا ونحن مع رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم مطر‪ .‬قال‪ :‬فحسر رسول الله صلى الله‬
‫عليه وسلم ثوبه‪ .‬حتى أصابه من المطر‪ .‬فقلنا‪ :‬يا رسول الله! لم‬
‫صنعت هذا؟ قال‪" :‬لنه حديث عهد بربه تعالى"‪.‬‬
‫‪-------------------‬‬‫‪ .21‬البرق بين العلم الحديث والكلم النبوي الشريف‬
‫البرق بين العلم الحديث والكلم النبوي الشريف‬
‫‪Lightning Between Science and Prophet Speech‬‬

‫بقلم المهندس عبد الدائم الكحيل‬
‫ملخص البحث‬
‫يتضمن هذا البحث كشفا ً جديدا ً في العجاز العلمي في السن ّةَ‬
‫النبويَّة المطهَّرة‪ ،‬وذلك في حديث المرور على الصراط يوم‬
‫القيامة‪ ،‬فأسرع ُ الناس يمّر كالبرق‪ ،‬وآخرهم يزحف زحفاً‪ .‬هذا‬
‫الحديث الشريف ينطوي على معجزة علمية في قول الرسول‬
‫الكريم عليه صلوات الله وسلمه‪( :‬ألم تروا إلى البرق كيف يمُّر‬
‫ويرجع في طرفة عين؟) [رواه مسلم]‪ .‬ومن خلل البحث في‬
‫المعنى اللغوي الذي يحمله هذا الحديث العظيم‪ ،‬ومقارنة ذلك‬
‫بآخر ما وصل إليه العلم في مجال هندسة البرق‪ ،‬تبيَّن لنا‬
‫التطابق التام والكامل بين الكلم النبوي الشريف‪ ،‬وبين ما كشفه‬
‫العلماء مؤخرا ً من عمليات معقدة ودقيقة جدا ً تحدث في ومضة‬
‫البرق‪.‬‬
‫فقد بينت التجارب الجديدة أن أي ومضة برق ليست مستمرة‬
‫كما نراها‪ ،‬بل تتألف من عدة أطوار‪ ،‬أهمها طور المرور وطور‬
‫ر" ‪Stepped‬‬
‫الرجوع‪ ،‬أي ما يسميه العلماء اليوم بـ "القائد الما ّ‬
‫‪Leader‬وهو الشعاع الذي يمر ويخطو من الغيمة باتجاه الرض‪،‬‬
‫و"الضربة الراجعة" ‪Return Stroke‬وهي الشرارة التي ترجع باتجاه‬
‫الغيمة‪ .‬أي أن شعاع البرق يمّر ثم يرجع خلل زمن غير مدرك‬
‫بالعين‪ ،‬وهذا الزمن يقدر وسطيا ً بعشرات الجزاء من اللف من‬
‫الثانية‪.‬‬
‫وفي هذا البحث سوف نرى بأن الرسول العظم صلى الله عليه‬
‫وآله وسلم قد تحدّث بدقة بالغة عن هذه الطوار والمراحل بل‬
‫وحدَّد زمنها أيضاً! وك ّ‬
‫ل هذا في ما ل يتجاوز عدة كلمات‪ ،‬بل إن‬
‫الحديث الذي سنتناوله بالدراسة والتحليل العلمي‪ ،‬يؤكد أن‬
‫الرسول صلى الله عليه وسلم هو أول من تحدَّث عن سرعة‬
‫البرق بوضوح كامل‪ ،‬وهو أول من تحدَّث عن اللية الهندسية‬

‫‪193‬‬

‫الدقيقة للعمليات الفيزيائية التي تحدث في البرق‪ ،‬وأول من حدّد‬
‫زمن هذه العمليات التي ل تدركها أعيننا‪.‬‬
‫مقدمة‬
‫الحمد لله الذي أكرمنا بنعمة اليمان‪ ،‬وم َّ‬
‫ن علينا بهذا النبي‬
‫الكريم عليه وعلى آله الصلة والسلم وبعد‪:‬‬
‫فإن الحديث عن ظاهرة البرق ظل مرتبطا ً بالخرافات والساطير‬
‫للف السنين‪ ،‬وفي الزمن الذي عاش فيه رسول الله صلى الله‬
‫عليه وسلم‪ ،‬أي في القرن السابع الميلدي لم يكن لحد علم‬
‫بالعمليات الدقيقة التي تحدث داخل البرق‪ .‬ولكن الذي ل ينطق‬
‫عن الهوى والذي أرسله الله رحمة للعالمين حدثنا عن هذه‬
‫العمليات بكلمات قليلة في قوله عليه الصلة والسلم‪( :‬ألم تروا‬
‫إلى البرق كيف يمُّر ويرجع في طرفة عين؟) [رواه مسلم]‪ .‬ففي‬
‫هذه الكلمات معجزة علمية شديدة الوضوح‪ ،‬خصوصا ً إذا علمنا‬
‫أن العلماء يستخدمون نفس الكلمة النبوية من خلل تعبيرهم عن‬
‫طوري المرور والرجوع‪ ،‬وأن هذين الطورين يستغرقان مدة من‬
‫الزمن تساوي تماما ً الزمن اللزم لطرفة العين!‬
‫ت معه رحلة في عالم‬
‫ت بتأمل الحديث الشريف‪ ،‬وبدأ ُ‬
‫لقد بدأ ُ‬
‫المكتشفات العلمية وآخر ما توصل إليه العلماء من حقائق يقينية‬
‫َ‬
‫ثابتة حول هذه الظاهرة الجميلة والمخيفة‪ .‬هذه الظاهرة ظل ّت‬
‫مستعصية الفهم أمام العلماء لقرون طويلة‪ ،‬وبالرغم من التطور‬
‫العلمي والتقني الذي نراه اليوم‪ ،‬إل أن اللية الدقيقة لحدوث‬
‫البرق لم تزل غامضة (‪ .)1‬ولكن في السنوات القليلة الماضية‬
‫استطاع العلماء فهم الخطوط العريضة لهندسة البرق والعمليات‬
‫الفيزيائية الساسية التي تحدث خلله‪.‬‬
‫ومن خلل هذا البحث سوف نثبت أن النسان ل يمكنه أبدا ً أن‬
‫يلحظ بالعين المجردة هذه الطوار‪ ،‬والسبب هو أن الزمن اللزم‬
‫لكل طور يقاس بأجزاء من اللف من الثانية‪ ،‬وبالطبع ل تستطيع‬
‫العين أن تحلّل المعلومات القادمة إليها خلل زمن كهذا‪ ،‬وهذا‬
‫يثبت أن الرسول الكريم يحدثنا عن أشياء لم نتمكَّن من رؤيتها‬
‫إل بأجهزة التصوير المتطورة والتي تلتقط أكثر من ألف صورة‬
‫في كل ثانية(‪.)2‬‬
‫هنالك عمليات تحدث داخل البرق وهي مح ّ‬
‫ل اتفاق من قبل‬
‫جميع العلماء‪ ،‬ويمكن رؤيتها اليوم بفضل هذه الكاميرات الرقمية‬
‫المتطورة‪ ،‬كما يمكن اعتبار هذه العمليات كحقائق يقينية ل ش ّ‬
‫ك‬
‫فيها‪ .‬وعلى الرغم من التطور التقني الكبير لهذه الجهزة تبقى‬
‫المراحل الدقيقة للبرق لغزا ً محيرا ً للعلماء‪.‬‬

‫‪194‬‬

‫ففي ظل الظروف السائدة داخل شعاع البرق ل يمكن لي جهاز‬
‫أن يتحمل ضخامة الحرارة والتوتر العالي جداً‪ .‬فدرجة الحرارة‬
‫تصل إلى ‪ 30‬ألف درجة مئوية‪ ،‬أي خمسة أضعاف حرارة سطح‬
‫الشمس! ويصل التوتر الكهربائي إلى مليين الفولتات‪ ،‬وبالتالي‬
‫تُعتبر دراسة البرق من أصعب أنواع الدراسة وأكثرها تعقيداً‪ ،‬لن‬
‫زمن المراحل التي تشكل ومضة البرق من مرتبة المايكرو ثانية‪،‬‬
‫أي جزء من المليون من الثانية‪ ،‬وهذه صعبة الدراك‪.‬‬
‫سوف نرى معجزة نبوية أيضا ً في هذا الحديث تتمثل في إشارة‬
‫الرسول العظم عليه الصلة والسلم إلى سرعة البرق وأنه‬
‫يستغرق زمنا ً ليمر‪ ،‬وليس كما كان العتقاد السائد أن البرق‬
‫يقطع أي مسافة دون الحاجة إلى زمن بل بلمح البصر‪ .‬فص َّ‬
‫حح‬
‫هذا النبي الكريم المعتقد الخاطئ بكل صراحة ووضوح‪.‬‬
‫إنه بحق حديث يفيض بالمعجزات‪ ،‬ولو كان هذا الحديث من‬
‫اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم أو أصحابه أو أصحابه إذن‬
‫لمتزج بخرافات وأساطير عصره‪ ،‬وهذا يد ّ‬
‫ل على أن كل كلمة‬
‫ي من عند خالق البرق‬
‫نطق بها سيد البشر وخير الخلق هي وح ٌ‬
‫سبحانه وتعالى‪ ،‬وأن الله أعطى الرسول الكريم القرآن وأعطاه‬
‫مثله معه‪ ،‬والمعجزة التي سنراها في هذا البحث تثبت أن‬
‫الرسول على حق وأن السلم دين علم وليس كما يدعي أعداؤه‬
‫أنه دين تخلف وأساطير!‬
‫وسوف نرى أيضا ً التطابق الكامل بين ما جاء به محمد صلى الله‬
‫عليه وسلم في القرن السابع الميلدي‪ ،‬وبين ما توصل إليه‬
‫العلماء في القرن الحادي والعشرين‪ .‬وأن هذا الحديث الشريف‬
‫هو من دلئل نبوّة المصطفى عليه الصلة والسلم‪ ،‬وأنه حقا ً كما‬
‫َ‬
‫ي‬
‫ن ال ْ َهوَى * إ ِ ْ‬
‫ن هُوَ إ ِ ّل وَ ْ‬
‫وصفه الله تعالى بقوله‪(:‬وَ َ‬
‫ح ٌ‬
‫ما يَنْطِقُ ع َ ِ‬
‫حى) [النجم‪.]4-3 :‬‬
‫يُو َ‬
‫حقائق تاريخية‬
‫ظلت ظاهرة البرق حدثا ً مخيفا ً ومحيِّرا ً للعلماء على مدى قرون‬
‫طويلة‪ ،‬ونُسجت الساطير الكثيرة حول منشأ البرق وتأثيراته‪،‬‬
‫فكل حضارة كانت تنظر إلى هذه الظاهرة على أنها حدث‬
‫مقدس يرتبط باللهة‪ ،‬وكل حضارة كانت تحاول إعطاء تفسير‬
‫لهذا الحدث المرعب‪ .‬ففي الميثولوجيا الغريقية مثل ً كان البرق‬
‫هو سلح الله زيوس‪ ،‬الذي استخدمه لقتل أعدائه(‪ .)3‬على حد‬
‫زعمهم المفترى‪.‬‬
‫ثم جاء العصر الحديث عندما قام العلماء بتجارب متعددة منذ‬
‫منتصف القرن السابع عشر الميلدي وحتى يومنا هذا‪ ،‬أي على‬
‫مدى أكثر من قرنين ونصف‪ ،‬قام خللها العلماء بآلف التجارب‬
‫‪195‬‬

‫في سبيل فهم هذه الظاهرة المحيرة‪ ،‬والتي ل تزال التفاصيل‬
‫الدقيقة مجهولة تماما ً بالنسبة لنا حتى الن‪.‬‬
‫ففي النصف الثاني من القرن الثامن عشر قام بنيامين فرانكلين‬
‫‪ Benjamin Franklin‬بأول تجربة علمية منظّمة أثبت من خللها‬
‫الطبيعة الكهربائية للبرق‪ ،‬وأن البرق ما هو إل شرارة كهربائية‬
‫ناتجة عن التقاء شحنتين كهربائيتين متعاكستين‪ .‬فقد قام هذا‬
‫العالم بربط سلك من الحرير إلى طائرة ورقية وأرسله عالياً‬
‫أثناء وجود غيوم كثيفة وممطرة‪ ،‬أي أثناء وجود عاصفة رعدية‪،‬‬
‫وربط نهاية السلك بقضيب معدني وغلفه بعازل من الشمع لكي‬
‫ل تتسبب الشرارة القوية بقتله‪.‬‬
‫وقد نجحت التجربة‪ ،‬وعندما قَّرب القضيب من الرض انطلقت‬
‫شرارة قوية تشبه شرارة البرق‪ ،‬فأثبت بذلك هوية البرق‬
‫الكهربائية وآلية حدوثه‪ ،‬ولكن النتائج التي حصل عليها كانت‬
‫متواضعة جدا ً ولم يستطع إدراك العمليات الدقيقة التي تسبب‬
‫هذه الشرارة القوية‪.‬‬
‫أما الفيزيائي السويدي رتشمان ‪ ,G. W. Richmann‬والذي قام بتجربة‬
‫أثبت فيها أن الغيوم الرعدية تحوي شحنات كهربائية‪ ،‬وقد قُتِل‬
‫بسبب صدمة البرق التي تعرض لها أثناء قيامه بالتجارب‪.‬‬
‫واستمرت التجارب‪ ،‬ولكن المعرفة بالبرق بقيت متواضعة حتى‬
‫نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين‪ ،‬عندما أصبح‬
‫التصوير الفوتوغرافي ممكناً‪ ،‬عندها أصبح بإمكان العلماء التقاط‬
‫صور لومضات البرق ومن ثم تحليلها ومعرفة بعض تفاصيلها التي‬
‫ل تدركها عين النسان‪.‬‬
‫ولكن أجهزة التصوير كانت بطيئة وبقيت العمليات الدقيقة التي‬
‫ترافق ظاهرة البرق مجهولة حتى الستينات من القرن العشرين‪،‬‬
‫حيث تطورت التجارب وازداد الهتمام بها لتجنب صدمات البرق‬
‫التي تتعرض لها المراكب الفضائية والطائرات والمنشآت‬
‫الصناعية‪ .‬وقد أمكن استخدام التصوير السريع والمراكب‬
‫الفضائية والرادارات والحاسوب لمعالجة ودراسة البيانات التي‬
‫قدمتها مختبرات مراقبة البرق (‪.)4‬‬
‫وقد استطاع العلماء أخيرا ً بفضل التصوير فائق السرعة‬
‫والمعالجة الرقمية للبيانات أن يثبتوا أن ومضة البرق الواحدة قد‬
‫تتألف من عدة ضربات‪ ،‬وكل ضربة تتألف من عدة مراحل أو‬
‫أطوار‪ .‬وقد تم قياس الزمنة لكل مرحلة بدقة كبيرة‪ ،‬ورؤية هذه‬
‫المراحل‪ ،‬ولم يتحقق هذا إل في نهاية القرن العشرين‪ ،‬وبداية‬
‫القرن الحادي والعشرين‪.‬‬
‫أنواع البرق‬
‫‪196‬‬

‫قبل البدء بالتعرف على أسرار البرق وتفاصيله الدقيقة نود أن‬
‫نعّرِف القارئ الكريم بأهم أنواع البرق والتي قد ل تخطر بباله‪،‬‬
‫لبيان مدى تعقيد هذه الظاهرة والتنوع الكبير في ضربات البرق‪،‬‬
‫فالبرق يمكن أن يضرب في أي مكان على الرض أو في‬
‫السماء‪.‬‬
‫يحدث البرق على عدة أنواع حسب مكان وجود الشحنتين‬
‫الموجبة والسالبة‪ .‬وقد دلّت الحصائيات الحديثة أنه في كل ثانية‬
‫هنالك مئة ضربة برق على سطح الكرة الرضية (‪.)Uman,1984‬‬
‫وجميع هذه الضربات متشابهة من حيث آلية الحدوث وزمنه‪.‬‬
‫أكثر النواع شيوعا ً وأهمية هو البرق الناتج من التقاء شحنتين‬
‫متعاكستين بين الغيمة والرض‪ .‬فغالبا ً ما تكون الغيمة ذات شحنة‬
‫سالبة عند الجهة القريبة من الرض‪ ،‬أما سطح الرض فيكون ذا‬
‫شحنة موجبة‪ ،‬ويسمي العلماء هذا النوع "غيمة‪-‬أرض" أي ‪Cloud-‬‬
‫‪Ground‬واختصارا ً يرمز لهذا النوع بالحرفين ‪.CG‬‬
‫أما النوع الثاني فهو ما يحدث بين الغيمة وغيمة أخرى‪ ،‬وبما أن‬
‫الوسط الذي تتجمع فيه الغيوم يمتلئ بالحقول الكهربائية فإن‬
‫احتمال تلمس الشحنات المتعاكسة والتقائها كبير جداً‪ ،‬ولذلك‬
‫فإن هذا النوع يمثل ثلثة أرباع ضربات البرق‪ ،‬والتي تقدر كما‬
‫قلنا بمئة ضربة في كل ثانية وذلك في مختلف أنحاء العالم‪.‬‬
‫ويعرف هذا النوع ببرق "غيمة‪-‬غيمة" أي ‪Cloud-Cloud‬ويرمز له‬
‫بالحرفين ‪.CC‬‬
‫أما النوع الثالث فهو ما يحدث بين الغيمة والهواء‪ .‬حيث تكون‬
‫ملة بشحنة كهربائية‪ ،‬والهواء المحيط بها من أحد‬
‫الغيمة مح ّ‬
‫جوانبها يحمل شحنة معاكسة‪ .‬ويعرف هذا النوع بـ "غيمة‪-‬هواء"‬
‫أي ‪Cloud-Air‬ويرمز له بالرمز ‪.CA‬‬
‫البرق من الفضاء‬
‫البرق بين الغيمة وطبقات الجو العليا‪ ،‬ويحدث هذا البرق بين‬
‫الطبقات العليا في الغيوم وبين طبقة اليونوسفير والتي تحوي‬
‫حقل ً كهربائياً‪ ،‬وقد أمكن رؤية برق كهذا بواسطة أجهزة التصوير‬
‫المثبتة على القمار الصطناعية (‪.)5‬‬
‫وهنالك أنواع أخرى كثيرة نذكر منها ما يحدث داخل الغيمة ذاتها‪،‬‬
‫وإذا علمنا بأن أية غيمة تحمل شحنة موجبة في أحد طرفيها‪ ،‬فل‬
‫بد أن تحمل شحنة سالبة في طرفها المقابل‪ ،‬وهكذا وفي‬
‫ظروف العواصف الرعدية يحدث التلمس ويتحقق البرق الذي‬
‫يضيء الرض ولكنه ل يصل إليها‪.‬‬
‫هنالك أيضا ً البرق الناتج بين غيمة وهدف على الرض‪ ،‬مثل‬
‫شجرة أو بيت أو عمود كهرباء‪ .‬وفي جميع هذه النواع تتم‬
‫‪197‬‬

‫المراحل ذاتها‪ ،‬بنفس المرور والرجوع لشعاع البرق‪ ،‬وبنفس‬
‫السرعة ونفس الزمن‪.‬‬
‫كما أن العلماء يعددون أنواعا ً ل يمكن إحصاؤها من البرق‪ ،‬مثل‬
‫كرة البرق‪ ،‬والبرق الصيفي‪ ،‬وهو ما يحدث في أشهر الصيف‪،‬‬
‫والبرق الموجب والبرق السالب‪ ،‬والبرق الصفائحي‪ ،‬وغير ذلك‬
‫كثير(‪ .)6‬كما أن العلماء رصدوا ضربات برق على بعض الكواكب‬
‫مثل المشتري وكانت أشد بمئة مرة من تلك الضربات على‬
‫الرض [‪.]2‬‬
‫الغيوم الرعدية‬
‫إن البرق ل يحدث في أية غيوم‪ ،‬بل هنالك غيوم محددة يسميها‬
‫العلماء بالغيوم الرعدية‪ ،‬وهي البيئة المناسبة لحدوث البرق‪ ،‬وقد‬
‫تكون هنالك غيمة واحدة أو عدة غيوم وهو الغلب‪ .‬وهذه الغيوم‬
‫تكون عادة ممتلئة بالحقول الكهربائية بسبب الرياح التي تسوق‬
‫جزيئات بخار الماء وتدفعه للعلى وتسبب احتكاك هذه الجزيئات‬
‫بعضها ببعض مما يولد هذه الحقول الكهربائية‪ .‬فنجد أن الغيمة‬
‫تتجمع فيها بنفس الوقت شحنات سالبة وأخرى موجبة‪ ،‬وغالبا ً ما‬
‫ترتفع الشحنات الموجبة للعلى وتبقى السالبة في أسفل الغيمة‬
‫من الجهة القريبة من الرض‪.‬‬
‫إن ضربات البرق ما هي إل تفريغ للكهرباء الموجودة على‬
‫الغيوم‪ ،‬فلذلك يعمل البرق كصمام أمان‪ ،‬لن هذه الشحنات‬
‫العملقة إذا زادت كثيرا ً فإنها تؤدي إلى تكهرب الجو بكامله؛‬
‫تماما ً مثل البطارية إذا ظللنا نشحنها فإنها ستنفجر في النهاية‪.‬‬
‫فسبحان الله!‬
‫حقائق وأرقام‬
‫ولكي نأخذ فكرة أوسع عن البرق الذي يحدث على الرض نتأمل‬
‫هذه الحصائيات (‪:)7‬‬
‫ـ في كل ثانية هنالك مئة ومضة برق في العالم‪.‬‬
‫ـ وفي كل يوم هنالك ‪ 8,6‬مليون ضربة برق‪.‬‬
‫ـ وفي سنة واحدة يحدث في الوليات المتحدة المريكية فقط ‪20‬‬
‫مليون ضربة برق‪.‬‬
‫ـ كل ومضة برق تولد توترا ً يتراوح من ‪ 100‬مليون وحتى ‪1000‬‬
‫مليون فولت‪.‬‬
‫ـ كل ومضة برق تنتج تيارا ً من ‪ 10‬آلف أمبير وحتى ‪ 200‬ألف‬
‫أمبير‪.‬‬
‫ـ إذا نظرنا للكرة الرضية في أية لحظة نرى فيها ‪ 2000‬عاصفة‬
‫رعدية تحدث في نفس اللحظة‪.‬‬
‫العمليات الدقيقة داخل البرق‬
‫‪198‬‬

‫نعلم من قوانين الكهرباء أنه عندما تلتقي الشحنات المتعاكسة‬
‫ينتج عنها ومضة أو شرارة كهربائية‪ ،‬وهذا ما يحدث في البرق‪.‬‬
‫فالغيوم تتكون نتيجة تجمع جزيئات البخار المرتفع من الرض‪،‬‬
‫هذه الجزيئات تكون مح َّ‬
‫ملة بشحنات كهربائية موجبة وسالبة‬
‫نتيجة تفاعلها واحتكاكها واصطدامها‪ ،‬وكما قلنا غالبا ً ما تكون‬
‫الشحنات السالبة في أسفل الغيمة من الجهة القريبة من‬
‫الرض‪ ،‬وذلك بسبب تأثير الجاذبية التي تقوم بدورها في توزيع‬
‫الشحنات‪ ،‬وتكون الشحنة الموجبة في أعلى الغيمة‪ ،‬وهذا يحدث‬
‫في ما يسمى بالغيوم الرعدية التي تسبب البرق دائماً‪.‬‬
‫إن الشحنة الكهربائية أو ما يسمى بالكهرباء الساكنة هي تماماً‬
‫س به عندما نلمس قبضة الباب بعد احتكاك أقدامنا‬
‫ما نح ّ‬
‫س بلدغة‬
‫بالسجادة‪ ،‬أو عندما نلمس شاشة الكومبيوتر أحيانا ً فنح ّ‬
‫كهرباء خفيفة‪ ،‬وما هي إل عبارة عن شرارة برق مصغرة!‬
‫وعندما نجري تلمسا ً بين سلكين كهربائيين أحدهما موجب‬
‫والخر سالب فإننا نرى شرارة تتولد بينهما‪.‬‬
‫عندما يكون هنالك زيادة في عدد اللكترونات ذات الشحنة‬
‫السالبة فهذا يعني وجود حقل كهربائي سالب‪ ،‬أما عند زيادة عدد‬
‫البروتونات الموجبة فهذا يعني وجود شحنة أو حقل كهربائي‬
‫موجب‪.‬‬
‫وعندما تتجمع كميات مناسبة من اللكترونات في أسفل الغيمة‬
‫تنتقل هذه الشحنات السالبة بواسطة الهواء الرطب الموجود بين‬
‫الغيمة وسطح الرض‪ ،‬وتقترب من سطح الرض ذي الشحنة‬
‫الموجبة‪ ،‬ينطلق شعاع البرق القادم من الغيمة وتتشكل قناة‬
‫دقيقة جدا ً في قاعدة الغيمة‪ .‬وبسبب وجود حقل كهربائي بين‬
‫الغيمة والرض ينطلق ما يسميه العلماء الشعاع "القائد ‪"Leader‬‬
‫باتجاه الرض‪ ،‬وهذا الشعاع الذي يمّر ويخطو بخطوات متتالية هو‬
‫أول مرحلة من مراحل البرق‪ .‬وعندما يصل هذا القائد إلى الرض‬
‫وبفعل الحقل السالب الذي يحيط به يجذب إليه الشحنات‬
‫الموجبة الموجودة بالقرب من سطح الرض‪ ،‬وتتحرك هذه‬
‫الشحنات الموجبة باتجاه الشعاع القائد وتصطدم به على ارتفاع‬
‫عشرات المتار عن سطح الرض‪ ،‬وتتشكل قناة اتصال بين‬
‫الغيمة والرض‪.‬‬
‫وعندها تنهار عازلية الهواء ويصبح ناقل ً للكهرباء ويتولد تيار‬
‫كهربائي قوي ينير على شكل ومضة باتجاه العلى‪ ،‬ويدعى طور‬
‫الرجوع ‪ ، Return Stroke‬وهذه الضربة الراجعة هي ما نراه فعل ً لن‬
‫معظم الضوء يتولد عنها‪ .‬وهذه الضربة الراجعة تستغرق أقل من‬
‫‪ 100‬مايكرو ثانية وتُنتج التيار الراجع والذي يقدر ب ‪ 30‬ألف أمبير‪.‬‬
‫‪199‬‬

‫وبعد ذلك تمر فترة توقف مدتها من ‪ 20‬وحتى ‪ 50‬ميلي ثانية ثم‬
‫تتكرر العملية من جديد باستخدام نفس القناة التي تم تأسيسها‬
‫من قبل‪ ،‬وهكذا عدة ضربات‪ .‬وقد تكون ومضة البرق مفردة أو‬
‫متعددة حسب كمية الشحنات المتوفرة بين الغيمة والرض‪،‬‬
‫وحسب الظروف الجوية السائدة‪ .‬وقد يصل عددها إلى عشر‬
‫ضربات متتالية وسريعة ولكننا نراها ومضة برق واحدة ول ندرك‬
‫مرور ورجوع البرق بأعيننا (‪.)8‬‬
‫قد يحدث العكس أحياناً‪ ،‬فتأتي الشحنة الموجبة من الغيمة باتجاه‬
‫الشحنة السالبة للرض‪ ،‬وتتولد الومضة الموجبة وهذه تكون‬
‫وحيدة وعنيفة ول يتبعها ضربات أخرى‪.‬‬
‫في أقل من نصف ثانية تحدث ‪ 4-3‬ضربات برق كلها نراها في‬
‫ومضة برق واحدة‪ .‬ويمكن أن يصل التيار الناتج من الضربة‬
‫الراجعة إلى ‪ 200‬ألف أمبير‪ ،‬وتسير الضربة الراجعة بسرعة تصل‬
‫إلى نصف سرعة الضوء (‪.)9‬‬
‫البرق خطوة خطوة‬
‫ً‬
‫لكي نسهل رؤية ما يحدث تماما في البرق نستعين بالرسوم‬
‫التوضيحية (‪ .)10‬وهذه الرسوم هي تقريب لما يحدث‪ ،‬والواقع أن‬
‫ضخامة وسرعة العمليات الخاطفة في شرارة البرق ل يمكن‬
‫إدراكها أبداً‪.‬‬
‫‪ -1‬يبدأ البرق بالخطوة الولى المتمثلة بانطلق شعاع يسميه‬
‫العلماء بالقائد‪Leader ،‬وهذا الشعاع ل ينزل دفعة واحدة‪ ،‬بل يمّر‬
‫مرورا ً على شكل خطوات‪ .‬وغالبا ً ما تكون شحنة هذا الشعاع‬
‫سالبة أما شحنة الرض فهي موجبة‪.‬‬
‫* الخطوة الولى‪ :‬تبدأ شحنة سالبة دقيقة تدعى القائد الماّر‬
‫بالنطلق من الغيمة باتجاه الرض على خطوات طول كل منها‬
‫‪ 50‬مترا ً بزمن ‪ 1‬مايكرو ثانية‪ ،‬ويتفرع هذا الشعاع إلى عدة فروع‬
‫ويحمل بحدود ‪ 100‬مليون فولت‪ ،‬ويأخذ فترة توقف بين الخطوة‬
‫والخرى مقدارها ‪ 50‬مايكرو ثانية‪ ،‬ويبقى يتقدم حتى يجد هدفاً‬
‫ليصطدم به‪ ،‬وإل فيرجع ويعيد الكرة‪ .‬ويتألف الشعاع الواحد من‬
‫عشرة آلف خطوة!!‬
‫‪ -2‬ثم تأتي الخطوة الثانية ليصل هذا الشعاع إلى هدفه على‬
‫الرض ويصطدم مع شحنتها الموجبة‪ ،‬ويحدث التصادم عادة فوق‬
‫سطح الرض على ارتفاع عشرات المتار‪.‬‬
‫* الخطوة الثانية‪ :‬حالما يصل الشعاع القائد إلى الرض يبدأ‬
‫بجذب الشحنة الموجبة على سطح الرض‪ ،‬وبسبب الشحنة‬
‫الضخمة التي يحملها هذا الشعاع فإنه يؤسس قناة من الرض‬

‫‪200‬‬

‫للغيمة والتي ستجري داخلها الشحنات‪ ،‬ويحدث اللقاء بين‬
‫الشحنتين على ارتفاع ‪ 100-30‬متر فوق سطح الرض‪.‬‬
‫‪ -3‬أما الخطوة الثالثة ففيها يبدأ تدفق الشحنة السالبة من الغيمة‬
‫باتجاه الرض‪ ،‬وذلك على طول القناة التي أسسها الشعاع‬
‫القائد‪.‬‬
‫* الخطوة الثالثة‪ :‬وفيها تبدأ الشحنة السالبة بالتدفق إلى الرض‪،‬‬
‫وتجذب إليها الشحنة الموجبة من الرض‪.‬‬
‫‪ -4‬فيما بعد تتم أهم خطوة وهي الضربة الراجعة من الرض‬
‫باتجاه الغيمة‪ ،‬ومع أننا نظن بأن البرق يتجه من الغيمة إلى‬
‫الرض‪ ،‬إل أن الحقيقة هي أن الشعاع يتجه من الرض راجعاً‬
‫باتجاه الغيمة‪ ،‬ولكن سرعة العملية تجعلنا نرى العكس‪.‬‬
‫* الخطوة الرابعة‪ :‬تبدأ الضربة الراجعة على شكل موجه موجبة‬
‫بسرعة أكثر من ‪ 100‬ألف كيلو متر في الثانية‪ ،‬بالتوجه نحو العلى‬
‫وينتج تيار كهربائي الذي يستغرق ‪ 1‬مايكرو ثانية للوصول إلى ‪30‬‬
‫ألف أمبير وسطياً‪ ،‬وتنتج هذا البرق الراجع أكثر من ‪ %99‬من‬
‫إضاءة البرق وهو ما نراه فعل ً أي نرى رجوع البرق من الرض‬
‫باتجاه العلى‪.‬‬
‫‪ -5‬وأخيرا ً تنتهي ضربة البرق بصعود الشعاع الراجع إلى الغيمة‪،‬‬
‫وتكون هنالك فترة توقف تقدر بعشرات الجزاء من اللف من‬
‫الثانية‪ ،‬ثم ترجع الضربة لتتكرر من جديد بنفس الخطوات‪ ،‬وهكذا‬
‫يمكن أن تتكرر ضربة البرق عددا ً من المرات لتعطي ومضة‬
‫واحدة‪ .‬وقد تم تسجيل ‪ 47‬ضربة برق في ومضة واحدة‪ ،‬إن‬
‫الزمن الفاصل بين الضربات هو عشرات الجزاء من اللف من‬
‫الثانية(‪.)11‬‬
‫* الخطوة الخامسة‪ :‬بعد عودة الشعاع الراجع هنالك فترة توقف‬
‫‪ 50-20‬ميلي ثانية‪ ،‬فإذا توفرت شحنات كافية في الغيمة فإن هذه‬
‫الضربة ترجع وتتكرر وتستخدم نفس القناة التي تم تأسيسها من‬
‫قبل‪.‬‬
‫والن وبعدما رأينا نتائج وأبحاث وتجارب استمرت قرنين ونصف‬
‫من الزمن‪ ،‬وبعدما رأينا علماء أفنوا حياتهم ومنهم من مات في‬
‫سبيل معرفة هوية البرق وأطواره ومراحله‪ ،‬وكم من الموال قد‬
‫صرفت في سبيل التعرف على ضربة برق ل يتجاوز زمنها طرفة‬
‫العين! نأتي بعد هذه الحقائق العلمية لنرى الحقائق النبوية‪،‬‬
‫ي الذي علّم العلماء‪،‬‬
‫ونعيش رحلة ممتعة مع كلم النبي الم ّ‬
‫ونقارن ونتدبر‪ ،‬ونتساءل‪ :‬أليس هذا الحديث الشريف يطابق‬
‫ويوافق مئة بالمئة ما توصل إليه العلماء اليوم؟!‬
‫حديث يفيض بالمعجزات‬
‫‪201‬‬

‫تحدث الرسول العظم عليه صلوات الله وسلمه عن يوم‬
‫القيامة ومرور الناس على الصراط‪ ،‬وعن سرعة مرور كل منهم‬
‫حسب عمله في الدنيا‪ .‬فأحسنُهم عمل ً هو أسرع ُهم مرورا ً على‬
‫الصراط‪ ،‬وهذا هو سيدنا أبو هريرة رضي الله تعالى عنه يقول‬
‫على لسان سيد البشر محمد صلى الله عليه وسلم‪( :‬فيمُّر‬
‫أوَّلكم كالبرق)! فيقول أبو هريرة‪ :‬بأبي أنت وأمي أيّ شيء كمّر‬
‫البرق؟ قال عليه الصلة والسلم‪(:‬ألم تروا إلى البرق كيف يمُّر‬
‫ويرجع في طرفة عين؟)[رواه مسلم] (‪.)12‬‬
‫الشارة الولى‬
‫الواضح من خلل هذا الحديث أن الصحابي راوي الحديث رضوان‬
‫الله عليه استغرب من تعبير الرسول الكريم صلى الله عليه‬
‫وسلم حول مرور البرق وحركته وسرعته‪ .‬فقد كانوا يظنون أن‬
‫البرق والضوء ل يحتاج إلى زمن ليمّر! بل لم يكن أحد يتخيل أن‬
‫للضوء سرعة! فقد كانوا يعتقدون أن الضوء يسير بلمح البصر‪،‬‬
‫ولذلك قال هذا الصحابي الجليل‪( :‬بأبي أنت وأمي أي شيء كمّرِ‬
‫البرق؟)! فقد تعجب من قوله عليه الصلة والسلم (كمّر البرق)‬
‫إذ لم يكن يتصوّر أن البرق يمّر ويتحرك ويسير!!‬
‫وهذه هي أول إشارة نلمسها في الحديث الشريف إلى أن البرق‬
‫يسير بسرعة محددة‪ .‬ففي قوله صلى الله عليه وسلم‪( :‬فيمُّر‬
‫أوَّلكم كالبرق)‪ ،‬إشارة واضحة جدا ً إلى وجود زمن لمرور وتحرك‬
‫البرق! وكما قلنا كان العتقاد السائد وحتى زمن قريب هو أن‬
‫البرق والضوء ل يحتاجان لزمن ليمّرا‪ .‬ولكن الحقائق العلمية‬
‫التي رأيناها في هذا البحث تثبت أن البرق يمّر ويخطو ويتحرك‪.‬‬
‫وكما رأينا تسير الضربة الراجعة بسرعة أكثر من مئة ألف كيلو‬
‫متر في الثانية‪ .‬ومع أننا ل ندرك هذه السرعة بأبصارنا إل أن‬
‫الصادق المصدوق عليه الصلة والسلم حدثنا عنها وأشار إليها‬
‫في قوله (كيف يمُّر ويرجع)‪.‬‬
‫الشارة الثانية في هذا الحديث الشريف‬
‫وتتضمن آلية مرور البرق ورجوعه في قوله عليه الصلة‬
‫والسلم‪( :‬ألم تروا إلى البرق كيف يمُّر ويرجع في طرفة‬
‫عين؟)‪،‬وهذا ما كشفه العلم مؤخراً‪ .‬فقد انتهى العلماء كما‬
‫شاهدنا من خلل الحقائق الواردة إلى أن البرق ما هو إل شرارة‬
‫كهربائية ضخمة‪ ،‬هذه الشرارة تحدث نتيجة تلمس الشحنة‬
‫الكهربائية السالبة الموجودة في الغيمة مع الشحنة الكهربائية‬
‫الموجبة الموجودة في الرض‪ ،‬وأن هنالك طورين رئيسيين ل‬
‫يمكن لومضة البرق أن تحدث من دونهما أبداً‪ ،‬وهما طور المرور‬
‫وطور الرجوع‪.‬‬
‫‪202‬‬

‫وتأمل معي هذه المصطلحات العلمية‪ ،‬فكلمة "‪ "Step‬التي‬
‫يستخدمها العلماء للتعبير عن المرحلة الولى تعني "يخطو أو‬
‫يمر"‪ ،‬وكذلك كلمة "‪ "Return‬والتي يستخدمها العلماء للتعبير عن‬
‫طور الرجوع تعني "يرجع"‪ ،‬بما يتطابق مع التعابير النبوية‬
‫الشريفة!! وهذا يدل على دقة الكلم النبوي الشريف ومطابقته‬
‫للحقائق العلمية بشكل كامل‪ .‬ولكن ماذا يعني أن يستخدم‬
‫العلماء اليوم التعابير النبوية ذاتها؟‬
‫إنه يعني شيئا ً واحدا ً أل وهو أن الرسول الكريم حدثنا عن حقائق‬
‫يقينية وكأننا نراها‪ ،‬وذلك قبل أن يراها علماء عصرنا هذا‪ .‬ويدل‬
‫أيضا ً على إعجاز غيبي في كلم هذا النبي المي عليه الصلة‬
‫والسلم‪ .‬فم الذي أخبره بأن العلماء بعده بأربعة عشر قرناً‬
‫سيستخدمون هذه الكلمات؟؟ ولو كان الرسول العظم كما‬
‫َ‬
‫يدَّعون أنه تعل ّم هذه العلوم من علماء عصره‪ ،‬إذن لجاءنا‬
‫بالساطير والخرافات السائدة والتي كان يعتقد بها علماء ذلك‬
‫الزمان!!‬
‫الشارة الثالثة‬
‫هنالك إشارة رائعة في الحديث النبوي إلى الزمن اللزم لحدوث‬
‫البرق‪ ،‬فقد حدده الرسول العظم عليه وآله الصلة والسلم‬
‫بطرفة عين! والعمل الذي قمت به ببساطة أنني بحثت في‬
‫اكتشافات العلماء وقياساتهم الحديثة للزمن الذي تستغرقه‬
‫موجة البرق ذهابا ً وإيابا ً أي كم يستغرق البرق ليمّر ويرجع؟‬
‫فوجدت بأن الزمن هو أجزاء قليلة من الثانية‪ ،‬ويختلف هذا‬
‫الزمن من مكان لخر ومن وقت لخر‪ ،‬ومتوسط زمن البرق هو‬
‫عشرات الجزاء من اللف من الثانية (‪.)13‬‬
‫وبدأت أتساءل‪ :‬هل هنالك علقة بين الزمن اللزم لضربة البرق‪،‬‬
‫وبين الزمن اللزم لطرفة العين؟ وإذا كانت الزمنة متساوية إذن‬
‫يكون الحديث الشريف قد حدَّد زمن ضربة البرق قبل العلماء‬
‫بأربعة عشر قرناً‪ .‬وكانت المفاجأة وهي أنني عندما بحثت عن‬
‫زمن طرفة العين والمدَّة التي تبقى فيها العين مغلقة خلل هذه‬
‫ت بأن الزمن هو أيضا ً عشرات الجزاء من اللف‬
‫الطرفة‪ ،‬وجد ُ‬
‫من الثانية!!! وهو نفس الزمن اللزم لضربة البرق (‪.)14‬‬
‫ت بأن زمن ضربة البرق يختلف من غيمة لخرى حسب‬
‫ووجد ُ‬
‫بعدها عن الرض وحسب الظروف الجوية المحيطة‪ ،‬ولكن هذا‬
‫الزمن يبقى مقدرا ً بعدة عشرات من الميلي ثانية‪ ،‬وكذلك الزمن‬
‫اللزم لطرفة العين يختلف من إنسان لخر حسب الحالة‬
‫النفسية والفيزيولوجية‪ ،‬ولكنه أيضا ً يبقى مقدرا ً بعدة عشرات‬
‫من الميلي ثانية‪.‬‬
‫‪203‬‬

‫وسبحان الله! ما هذه الدقة في تحديد الزمنة؟ أعطانا رسول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم الزمن والمجال الذي يتراوح ضمنه هذا‬
‫الزمن‪ ،‬فهل بعد هذا العجاز كلم لحد بأن أحاديث الرسول‬
‫صلى الله عليه وسلم ليست معجزة من الناحية العلمية‬
‫والكونية؟‬
‫رد ّ على شبهة‬
‫وقد يدعي بعضهم أن الرسول الكريم لم يأت بشيء جديد! فأي‬
‫بدوي يعيش في الصحراء ويراقب ظواهر الطبيعة يمكن أن يرى‬
‫مرور البرق ورجوعه! وهذا الكلم غير منطقي وغير علمي‪،‬‬
‫ولكي ل ندع مجال ً لكل من يعتقد بذلك ليشكك بإعجاز هذا‬
‫الحديث‪ ،‬فإننا نتوجه للعلماء بسؤال‪ :‬هل يمكن ملحظة عمليات‬
‫البرق هذه بالعين البشرية؟‬
‫ً‬
‫وطبعا ً نجد الجواب بالنفي‪ ،‬فالعين ل يمكن أبدا أن تلحظ‬
‫الحداث التي تتم في أجزاء من اللف من الثانية‪ ،‬فعلى الرغم‬
‫من أننا نرى وميض البرق يبدو وكأنه مستمر‪ ،‬إل أن الدراسة‬
‫الدقيقة أظهرت وجود عمليات ومراحل متتالية تتم خلل زمن‬
‫قصير جدا ً ل يمكن إدراكه بالعين‪.‬‬
‫وهذه دراسة حول البرق يقول صاحبها بالحرف الواحد (‪:)15‬‬
‫"‪A single flash is usually composed of many distinct luminous events (strokes) that‬‬
‫‪."often occur in such rapid succession that the human eye cannot resolve them‬‬
‫ومعنى هذا الكلم‪":‬الومضة الواحدة تتألف عادة من أطوار‬
‫متعددة النارة‪ ،‬ولكنها تحدث بتعاقب سريع ل يمكن للعين‬
‫البشرية أن تحلّله"‪.‬‬
‫ويمكن القول‪ :‬إن أية محاولة لنقد هذا الحديث الشريف أو‬
‫التقليل من أهميته العلمية لن تنجح‪ ،‬وذلك لنه شديد الوضوح‪.‬‬
‫ولكي ندفع أي شك في ذلك فسوف نلجأ إلى اللغة العربية‬
‫ونبحث عن المعنى المباشر لكلمتي (يمّر) و(يرجع)‪ ،‬لندرك بما ل‬
‫يقبل الشك أن ما تعنيه هاتين الكلمتين مطابق تماما ً لما رأيناه‬
‫في هذا البحث‪.‬‬
‫المعنى المباشر للكلمتين‬
‫َ‬
‫مًّرا أي اجتاز‪ .‬و‬
‫مُّر َ‬
‫مَّر علـيه وبه ي َ ُ‬
‫جاء في لسان العرب‪" :‬مرر‪َ :‬‬
‫مَّر‬
‫مروراً‪ :‬ذَهَ َ‬
‫مًّرا و ُ‬
‫مُّر َ‬
‫مَّر ي َ ُ‬
‫َ‬
‫ب‪ ،‬واستمّر مثله‪ .‬قال ابن سيده‪َ :‬‬
‫مرورا ً جاء وذهب"‪ .‬وجاء في القاموس المحيط معنى‬
‫مًّرا و ُ‬
‫مُّر َ‬
‫يَ ُ‬
‫مَّرهُ‪ ،‬ومّر به‪ :‬جاَز عليه‪.‬‬
‫مروراً‪ :‬جاَز وذَهَ َ‬
‫ب‪َ .‬‬
‫مّرا ً و ُ‬
‫مَّر َ‬
‫(مّر)‪َ " :‬‬
‫ضى على طَريقَةٍ واحدَةٍ"‪.‬‬
‫م َ‬
‫وا ْ‬
‫مَّر‪َ :‬‬
‫ست َ َ‬

‫‪204‬‬

‫ع‬
‫ج ُ‬
‫جعَ) فنجد معناها في القاموس المحيط‪َ" :‬ر َ‬
‫أما كلمة (َر َ‬
‫جعَ يَْر ِ‬
‫صَرفَه وَردَّه‪ ،‬الَّرجيعُ من الكلمِ‪:‬‬
‫مْر ِ‬
‫ُرجوعا ً و َ‬
‫جعاً‪ ،‬ورجع الشيء َ‬
‫م‪ :‬عاوَدَه"‪.‬‬
‫مْردود ُ إلى صا ِ‬
‫حبِه‪ ،‬ورا َ‬
‫جعَه الكل َ‬
‫ال َ‬
‫ونلحظ المعنى الواضح لمرور البرق‪ ،‬أي ذهابه ثم رجوعه أي‬
‫ردّه ومعاودته وسلوكه للطريق ذاتها‪ ،‬أي استخدام نفس القناة‬
‫التي تم تأسيسها من قبل‪ .‬وفي كلتا الكلمتين نلحظ إشارة‬
‫للتكرار والمعاودة‪ ،‬وهذا ما يحدث تماما ً في ومضة البرق من‬
‫تعدد لضربات البرق وتكرارها ورجوعها ومعاودتها المراحل ذاتها‪.‬‬
‫الشارة الرابعة‬
‫في قول الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم (ألم تروا)‪ ،‬معجزة‬
‫علمية أيضاً‪ ،‬ففي عصر الصحابة وهم المعنيون بالحديث‪ ،‬فإنهم‬
‫لم يدركوا هذا المعنى العلمي لمرور البرق ورجوعه‪ ،‬بسبب عدم‬
‫وجود وسائل لقياس زمن البرق في عصرهم‪ .‬ولكنهم صدَّقوا كل‬
‫كلمة يقولها نبيّهم وقدوتهم وأسوتهم محمد عليه وآله الصلة‬
‫والسلم‪ .‬وبما أننا استطعنا اليوم رؤية مرور البرق ورجوعه‪ ،‬أي‬
‫تحقّق قولُه صلى الله عليه وسلم‪( :‬ألم تروا إلى البرق كيف يمُّر‬
‫ويرجع؟)‪ ،‬أل تظن معي أن الحديث النبوي الشريف يخاطب‬
‫علماء هذا العصر!؟‬
‫كذلك في تشبيه الرسول الكريم عليه الصلة والسلم للبرق‬
‫بطرفة العين كل الدقة العلمية‪ ،‬وليس غريبا ً أن نجد أن العلماء‬
‫اليوم يستخدمون التعبير النبوي ذاته!! وهذه إحدى الدراسات عن‬
‫البرق والرعد يصف مؤلفها ضربة البرق وما تحدثه من تسخين‬
‫وتمدد وتقلص للهواء (‪:)16‬‬
‫‪A lightning strike can heat the air in a fraction of a second. When air is heated that‬‬
‫‪quickly, it expands violently and then contracts, like an explosion that happens in the‬‬
‫‪.blink of an eye‬‬

‫وهذا يعني‪:‬‬
‫"ضربة البرق تسخن الهواء في جزء من الثانية‪ .‬عندما يسخن‬
‫الهواء بسرعة‪ ،‬يتمدد بعنف ثم يتقلص‪ ،‬مثل انفجار يحدث في‬
‫طرفة عين"‪.‬‬
‫إذن علماء عصر الفضاء والذرة والكومبيوتر يستخدمون التشبيه‬
‫النبوي ذاته‪ ،‬أل يعني ذلك أن العلم النبوي أعظم وأكبر من علوم‬
‫البشر؟ أل يعني هذا أن الكلم الذي جاء به رسول الله ل يمكن‬
‫أن يكون من عنده‪ ،‬بل هو من عند الله تعالى؟ أكرمه بالمعجزات‬
‫في كلمه أثناء حياته وبعد موته وإلى يوم القيامة‪ ،‬لتكون أحاديث‬
‫الرسول الكريم شاهدة على صدق رسالته للناس جميعاً‪.‬‬
‫نتائج البحث ووجوه العجاز‬

‫‪205‬‬

‫لنلخص أهم النتائج التي توصلنا إليها في هذا البحث والتي تمثل‬
‫معجزات علمية في مجال هندسة الكهرباء والبرق‪ ،‬جميعها في‬
‫كلمات ل يتجاوز عددها السطر الواحد‪:‬‬
‫من الحديث الشريف إشارة واضحة لتحرك البرق ومروره‬
‫‪ -1‬تض ّ‬
‫وأنه يسير بسرعة محددة‪ ،‬وليس كما كان يُظن ويعتقد بأن البرق‬
‫يسير بلمح البصر ول وجود لي زمن‪.‬‬
‫من الحديث إشارة إلى أطوار البرق التي اكتشفها العلماء‬
‫‪ -2‬تض ّ‬
‫حديثاً‪ ،‬وأن البرق يحدث على مراحل وليس كما كان يعتقد أنه‬
‫يحدث دفعة واحدة‪ ،‬أي أن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم‬
‫حدد المراحل الساسية التي يحدث خللها البرق‪ ،‬ومن دونها ل‬
‫يمكن لضربة البرق أن تحدث أبداً‪.‬‬
‫‪ -3‬حدّد الحديث الشريف اسم كل مرحلة (يمّر ويرجع)‪ ،‬باسمها‬
‫الحقيقي والفعلي‪ ،‬وبما يتناسب مع السم العلمي لها‪ .‬أيضاً‬
‫حح ما‬
‫الرسول الكريم هو أول من تحدث عن رجوع البرق وص ّ‬
‫نتوهمه من أننا نرى ومضة واحدة‪ ،‬والحقيقة أن هنالك عدة‬
‫ضربات راجعة‪.‬‬
‫‪ -4‬حدّد الحديث النبوي زمن ضربة البرق الواحدة بطرفة عين‪،‬‬
‫وقد رأينا كيف تساوى هذان الزمنان‪ ،‬أي أن التشبيه النبوي‬
‫للبرق بطرفة عين هو تشبيه دقيق جدا ً من الناحية العلمية‪.‬‬
‫خاتمة‬
‫وفي ختام هذا البحث ل بد ّ من الجابة عن سؤال قد يخطر ببال‬
‫من يقرأ هذا البحث للمرة الولى‪ :‬إذا كان هذا الحديث يتضمن‬
‫كل هذه الدقة العلمية والتفاصيل حول عملية البرق المعقدة‪،‬‬
‫فلماذا لم يكتشف علماء المسلمين هذه المراحل؟ بل على‬
‫العكس فإننا نرى بأن علماء الغرب وهم من غير المسلمين‬
‫يكتشفون هذه العمليات وهم لم يقرءوا هذا الحديث ولم يطلعوا‬
‫عليه؟‬
‫والجواب ببساطة أن المسلمين يصدّقوا كل ما جاء به محمد‬
‫عليه الصلة والسلم‪ ،‬ولكن غير المسلم هو من سيستفيد من‬
‫هذه الحقائق وهذه المعجزات لتكون برهانا ً ملموسا ً له على‬
‫صدق رسالة السلم‪ .‬فالنبي عليه الصلة والسلم عندما يخاطب‬
‫الملحدين بحقائق علمية هم من سيكتشفها فإن هذا قمة التفوق‬
‫والقناع بأن الرسول على حق!‬
‫والشيء المعجز حقا ً أ‪ ،‬الرسول العظم استخدم هذه المعجزة‬
‫العلمية أثناء الحديث عن القيامة التي ينكرها الملحدون‪ ،‬وكأنه‬
‫يريد أن يخاطبهم بلغة العلم التي يفهمونها جيدا ً ويؤكد لهم‪ :‬كما‬
‫أنهم رأوا حقيقة مرور البرق ورجوعه وهي حقيقة يقينية‪ ،‬فكذلك‬
‫‪206‬‬

‫سوف يرون حقيقة يوم القيامة والمرور على الصراط‪ .‬أليس‬
‫السلم يخاطب أعداءه بلغة العلم؟‬
‫أما المؤمن يزداد إيمانا ً عندما يرى هذه المعجزة النبوية‪ ،‬وإذا لم‬
‫تتيسر له رؤية هذه المعجزة أو غيرها فلن يختل إيمانه أبداً! بينما‬
‫الملحد ل تقنعه إل البراهين العلمية المادية‪ ،‬وما هذا الحديث إل‬
‫واحد منها‪ ،‬فهل تقتنع برسالة السلم يا صديقي الملحد؟! أم أنك‬
‫ستفتش كعادتك عن حجج واهية لتنقُد هذه المعجزة وتقلل من‬
‫شأنها؟‬
‫شكر ودعاء‬
‫نسأل الله تعالى أن يجعل في هذا البحث الخير والهداية والقناع‬
‫لكل من يش ّ‬
‫ك برسالة السلم وبنبوّة خاتم النبيين عليه الصلة‬
‫ت انتباهنا لهذا‬
‫والسلم‪ ،‬وأن يجزي الله خير الجزاء من لَفَ َ‬
‫الحديث الخ الكريم أبو همام حفظه الله وجعل ذلك في ميزانه‬
‫يوم القيامة‪ .‬وكذلك الخ الستاذ فراس مدير موقع موسوعة‬
‫العجاز العلمي لجهوده المباركة في تعريف الناس بمعجزات‬
‫ل وسنَّة نبيّه عليه الصلة والسلم‪ ،‬وك ّ‬
‫كتاب الله عّز وج ّ‬
‫ل من‬
‫يساهم في إعلء شأن هذا الدين الحنيف‪.‬‬
‫ب لكتاب الله وسنّة رسوله أن يتأمل أقوال‬
‫وندعو كل مؤمن مح ّ‬
‫َ‬
‫الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم‪ ،‬ويتفك ّر في إعجازها‬
‫العلمي واللغوي والغيبي‪ ،‬فنحن أمام بحر يزخر بالعجائب‬
‫والسرار! والكنوز النبوية لم يُستخرج منها إل القليل‪ ،‬وهنالك‬
‫الكثير والكثير من الحاديث التي لم تُدرس بعد‪ ،‬وهي بانتظار من‬
‫يستخرج إعجازها‪ .‬وأن نتعاون على البر والتقوى‪ ،‬ك ٌّ‬
‫ل حسب‬
‫اختصاصه‪ ،‬لنصل إلى مرضاة الله ج َّ‬
‫ل وعل عسى أن نكون جميعاً‬
‫م كَانُوا‬
‫من هؤلء الذين مدحهم الله في كتابه بقوله تعالى‪( :‬إِنَّهُ ْ‬
‫ت َويَدْع ُونَنَا َرغَبًا وََرهَبًا وَكَانُوا لَنَا‬
‫ن فِي ال ْ َ‬
‫خيَْرا ِ‬
‫سارِعُو َ‬
‫يُ َ‬
‫ن)[النبياء‪.]90 :‬‬
‫َ‬
‫خا ِ‬
‫شعِي َ‬
‫وأخيراً‬
‫نتذكر قول الحقّ تعالى عن أولئك المشكّكين بكتاب الله وسنّة‬
‫رسول الله‪ ،‬والذين دأبوا على نقد أيّة معجزة نبوية تصادفهم‪،‬‬
‫وأنهم لن يحصدوا أية نتيجة من محاولتهم لطفاء نور الحق‪،‬‬
‫منها هذا الكلم النبوي‬
‫مل المعجزات التي تض ّ‬
‫وندعوهم لتأ ّ‬
‫ن‬
‫الشريف‪ ،‬وأن يستيقنوا بصدق كلم الله تعالى القائل‪( :‬يُرِيدُو َ‬
‫أ َن يطْفئُوا نور اللَّه بأَفْواههم ويأْبى الل َّ َ َ‬
‫ن يُت ِ َّ‬
‫ه‬
‫ْ ُ ِ‬
‫ِ ِ َ ِ ِ ْ ََ َ‬
‫ه إ ِ ّل أ ْ‬
‫م نُوَره ُ وَلَوْ كَرِ َ‬
‫ُ‬
‫ُ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫سول َ ُ ْ‬
‫س َ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫الْكَافُِرو َ‬
‫ل َر ُ‬
‫ن * هُوَ ال ّذِي أْر َ‬
‫قّ لِيُظْهَِرهُ‬
‫ح ِ‬
‫ه بِالهُدَى وَدِي ِ‬
‫م ْ‬
‫ن)[التوبة‪.]33-32 :‬‬
‫ع َلَى ال ِ‬
‫شرِكُو َ‬
‫ن كُل ِّهِ وَلَوْ كَرِه َ ال ْ ُ‬
‫دّي ِ‬
‫بقلم المهندس‪ :‬عبد الدائم الكحيل‬
‫‪207‬‬

‫باحث في إعجاز القرآن الكريم‬
‫‪newmiracle7@hotmail.com‬‬

‫ــــــــــــــــ‬
‫الهوامش‪:‬‬
‫(‪ )1‬يعترف العلماء اليوم بأنهم ل يزالون يجهلون الكثير عن‬
‫العمليات الفيزيائية التي تحدث داخل البرق والعواصف الرعدية‪،‬‬
‫انظر مثل ً هذا البحث العلمي على الرابط‪:‬‬
‫‪http://www.aldis.at/research/index.html‬‬
‫(‪ )2‬جاء في إحدى الدراسات الحديثة‬

‫عن البرق‪ :‬إننا لم نستطع‬
‫رؤية أطوار البرق إل عام ‪ 2000‬عندما تمكنّا من تصنيع آلة تصوير‬
‫تستطيع التقاط ‪ 1000‬صورة في الثانية الواحدة‪ .‬انظر المقالة‬
‫على الرابط‪:‬‬

‫‪http://www.aldis.at/research/projects.html‬‬
‫(‪ )3‬يمكن مراجعة المقالت الواردة‬

‫الغريق على الرابط‪:‬‬

‫حول علقة البرق بأساطير‬

‫‪http://www.crystalinks.com/greekmythology.html‬‬
‫(‪)4‬يرجى الطلع على سلسلة مقالت‬

‫شيقة ومبسطة على موقع‬
‫وكالة ناسا حول مبادئ البرق‪ ،‬وذلك على الرابطين‪:‬‬
‫‪/http://thunder.nsstc.nasa.gov/primer‬‬

‫‪http://thunder.nsstc.nasa.gov/shuttle.html‬‬
‫(‪ )5‬يمكن مراجعة هذه المعلومات من على هذا الرابط‪:‬‬
‫‪http://earthobservatory.nasa.gov/Study/aces/index.html‬‬
‫(‪ )6‬انظر مقالة موسعة حول أنواع البرق على الرابط‪:‬‬
‫‪http://en.wikipedia.org/wiki/Lightning‬‬
‫(‪ )7‬هذه الحقائق واردة على الرابط‪:‬‬
‫‪http://www.srh.noaa.gov/mlb/ltgcenter/ltg_facts.html‬‬
‫(‪ )8‬يمكن مراجعة هذا المسرد المطوّل حول البرق وآلية‬

‫تشكله‬
‫على أحد المواقع المتخصصة في دراسات البرق والحماية منه‬
‫على الرابط‪:‬‬

‫‪http://www.lightningeliminators.com/Lightning%20101/lightning_glossary.htm‬‬
‫(‪ )9‬المعلومات من على الرابط‪:‬‬
‫‪http://www.educ.uvic.ca/Faculty/mroth/438/LIGHTENING/JASONS/Formation5.htm‬‬
‫‪l‬‬
‫(‪ )10‬يمكن مطالعة المبادئ المبسطة للبرق الواردة على الرابط‪:‬‬
‫‪http://www.srh.noaa.gov/srh/jetstream/lightning/lightning_max.htm‬‬
‫(‪ )11‬مقالة حول البرق متوفرة على الرابط‪:‬‬
‫‪http://www.fma-research.com/Q&A.htm‬‬
‫(‪ )12‬روى المام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله‬

‫عنه في وصف الصراط ومرور الناس عليه يوم القيامة قال‪ :‬قال‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم‪( :‬وترسل المانة والرحم‬
‫‪208‬‬

‫فتقومان على جنبتي الصراط يمينا وشمالً‪ ،‬فيمر أولكم كالبرق)‪،‬‬
‫قال‪ :‬قلت بأبي أنت وأمي‪ ،‬أي شيء كالبرق؟ قال‪( :‬الم تروا إلى‬
‫البرق كيف يمر ويرجع في طرفة عين؟ ثم كمر الريح‪ ،‬ثم كمر‬
‫الطير وشد الرحال‪ ،‬تجري بهم أعمالهم‪ ،‬ونبيكم قائم على‬
‫الصراط يقول رب سل ِّم سل ِّم‪ ،‬حتى تعجز أعمال العباد‪ ،‬حتى‬
‫يجيء الرجل فل يستطيع السير إل زحفا) [رواه مسلم]‪.‬‬
‫(‪)13‬يحدد العلماء الزمن المنقضي بين ضربة البرق ورجوعها‬
‫بعشرات الميلي ثانية على الرابط‪:‬‬
‫‪http://www.lightningeliminators.com/Lightning%20101/lightning_glossary.htm‬‬

‫وانظر أيضا ً هذا البحث‪:‬‬

‫‪http://www.fma-research.com/Q&A.htm‬‬

‫بحث حول قياس مدة ومضات البرق وجاء فيه أن القياسات‬
‫الحديثة تظهر مدة ومضة البرق (التردد العالي جداً) يستمر‬
‫لعشرات قليلة من الميلي ثانية‪ ،‬على الرابط‪:‬‬

‫‪http://www.pa.op.dlr.de/eulinox/publications/finalrep/Thery1/Final_Report_Thery1a.h‬‬
‫‪tml‬‬

‫حقائق عن البرق وفيها أن البرق بجميع أطواره الذهاب والياب‬
‫يستغرق عدة عشرات من الميلي ثانية‪ .‬على الرابط‪:‬‬
‫‪http://home.earthlink.net/~jimlux/lfacts.htm‬‬
‫(‪ )14‬في بحث موسع يحدد الزمن‬

‫المنقضي خلل طرفة العين‬
‫ميلي ثانية‪ .‬على الرابط‪:‬‬

‫وسطيا ً ‪50-30‬‬
‫‪http://www.freepatentsonline.com/4059348.html‬‬

‫وفي دراسة إحصائية فإن الزمن اللزم لطرفة عين هو‬
‫ثانية حسب الحصائيات‪ ،‬وذلك على الرابط‪:‬‬

‫‪25‬‬

‫ميلي‬

‫‪http://www.csgnetwork.com/timemath.html‬‬
‫(‪ )15‬مقالة بعنوان "ما هو البرق" على الرابط‪:‬‬
‫‪http://www.srh.noaa.gov/mlb/ltgcenter/whatis.html‬‬

‫وجاء في إحدى المقالت "ل تستطيع العين التمييز بين الضربات‬
‫المتتالية للبرق"‪ ،‬المقالة على الرابط‪:‬‬

‫‪http://www.lightningeliminators.com/Lightning%20101/lightning_glossary.htm‬‬
‫(‪ )16‬يمكن مراجعة هذه المقالة على الرابط‪:‬‬
‫‪http://weathereye.kgan.com/cadet/lightning/glossary.html#thunder‬‬

‫المراجع من المقالت والبحاث الجديدة على النترنت‬
‫يمكنك عزيزي القارئ الرجوع مباشرة إلى هذه المقالت‬
‫والبحاث المفيدة حول موضوع البرق‪ ،‬وأحدث ما وصل إليه‬
‫العلماء من معلومات حول هذه الظاهرة‪ ،‬وذلك من خلل‬
‫الروابط المذكورة‪:‬‬
‫‪ -1‬مجموعة شيقة من المقالت على موقع وكالة الفضاء‬
‫المريكية ناسا حول مبادئ البرق‪ .‬هذه السلسلة متوفرة على‬
‫الرابط‪/http://thunder.msfc.nasa.gov :‬‬
‫‪209‬‬

:‫ مقالة عن البرق على الرابط‬-2
http://www.crystalinks.com/lightning.html
:‫ "أسرار صدمة البرق" على الرابط‬:‫ مقالة بعنوان‬-3
http://www.nytimes.com/library/national/science/071800sci-environ-lightning.html
:‫ مقالة بعنوان "درس في البرق" على الرابط‬-4
http://www.srh.noaa.gov/abq/preparedness/ffwxwk.htm#Lightning%20%20Frequently%20Asked%20Questions
‫ مقالة بعنوان "ماذا يحدث عندما يلتقي البرق والنسان" على‬-5

:‫موقع وكالة ناسا على الرابط‬
‫من البرق على‬

http://science.nasa.gov/newhome/headlines/essd18jun99_1.htm
‫ مقالة بعنوان "آلية الرعد" على موقع السلمة‬-6

:‫الرابط‬
‫العواصف الرعدية‬

http://www.lightningsafety.com/nlsi_info/thunder.html
‫ مقالة بعنوان "الشحنات الموجودة في‬-7

:‫والبرق" على الرابط‬
http://www.ce-mag.com/archive/02/09/mrstatic.html
:‫ مقالة بعنوان "علم البرق" على موقع الفضاء‬-8
http://www.space.com/scienceastronomy/lightning_backgrounder.html
:‫ دراسة حول تأثيرات البرق على موقع السلمة من البرق‬-9
http://www.lightningsafety.com/nlsi_lhm/effect.html
:‫ معلومات مهمة حول البرق على الرابط‬-10
http://hyperphysics.phy-astr.gsu.edu/hbase/electric/lightning2.html#c2
‫ كذلك يمكن مراجعة المقالت المنشورة حول البرق ومراحل‬-11

:‫تشكله على الروابط التالية‬

http://science.msfc.nasa.gov/newhome/headlines/essd24may99_1.htm
http://wwwghcc.msfc.nasa.gov/overview/lightning.html
http://science.msfc.nasa.gov/newhome/headlines/essd16jun99_1.htm
http://earthobservatory.nasa.gov/Study/aces/index.html
http://www.thomson.ece.ufl.edu/lightning/SGEB17.html
http://www.physicstoday.org/pt/vol-54/iss-11/p41.html
http://home.earthlink.net/~jimlux/lfacts.htm
http://hyperphysics.phy-astr.gsu.edu/hbase/electric/ligseq.html

:‫المراجع من الكتب‬
‫كما يمكن الرجوع لكتاب "البرق" للكاتب المعروف مارتن‬
‫ والذي يعتبر من المراجع الساسية في هذا العلم والصادر‬،‫يومان‬
:1984 ‫عام‬
.Martin A. Uman, Lightning, Dover Publications, Inc. New York, 1984
‫ والصادر‬Dean R. Koontz ‫وكذلك كتاب "البرق" لمؤلفه دين كونتز‬
.2003 ‫عام‬
--------------------‫تكثير‬. .)4(‫ القول القوم في معجزات النبي الكرم‬.22
‫ كلم الشجرة وشهادتها بالنبوة‬،‫الطعام ببركته‬
210

‫الفصل الرابع عشر‪:‬‬
‫ومـن معجـزاته تكثـيـر الطعـام ببـركته ودعائـه‬
‫حدثنا القاضي الشهيد أبو علي رحمه الله‪ ،‬حدثنا العذري‪ ،‬حدثنا‬
‫الرازي‪ ،‬حدثنا الجلودي‪ ،‬حدثنا ابن سفيان‪ ،‬حدثنا مسلم بن‬
‫الحجاج‪ ،‬حدثنا سلمة بن شبيب‪ ،‬حدثنا الحسن بن أعين‪ ،‬حدثنا‬
‫معقل‪ ،‬عن أبي الزبير‪ ،‬عن جابر ـ أن رجل ً أتى النبي صلى الله‬
‫عليه وسلم يستطعمه‪ ،‬فأطعمه شطر وسق شعير‪ ،‬فما زال يأكل‬
‫منه وامرأته وضيفه حتى كالَه‪ ،‬فأتى النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم‪ ،‬فأخبره‪ ،‬فقال‪" :‬لو لم تكِلْه لكَلتم منه ولقام بكم"‪.‬‬
‫قلت‪ :‬رواه مسلم في كتاب الفضائل قال‪:‬‬
‫حدثني سلمة بن شبيب‪ .‬حدثنا الحسن بن أعين‪ .‬حدثنا معقل عن‬
‫أبي الزبير‪ ،‬عن جابر؛‬
‫أن رجل أتى النبي صلى الله عليه وسلم يستطعمه‪ .‬فأطعمه‬
‫شطر وسق شعير‪ .‬فما زال الرجل يأكل منه وامرأته وضيفهما‪.‬‬
‫حتى كاله‪ .‬فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال‪" :‬لو لم تكله‬
‫لكلتم منه‪ ،‬ولقام لكم"‪.‬‬
‫ومن ذلك حديث أبي طلحة المشهور‪ ،‬وإطعامه صلى الله عليه‬‫وسلم ثمانين أو سبعين رجل ً من أقراص من شعير جاء بها أنس‬
‫تحت يده‪ ،‬أي إبطه‪ ،‬فأمر بها ففُتِّت‪ ،‬و قال فيهما ما شاء الله أن‬
‫يقول‪.‬‬
‫قلت‪ :‬أشار إلى حديث أنس المتفق عليه والذي رواه البخاري‬
‫في كتاب اليمان والنذور‬
‫حدثنا قتيبة‪ ،‬عن مالك‪ ،‬عن إسحق بن عبد الله بن أبي طلحة‪ :‬أنه‬
‫سمع أنس بن مالك قال‪ :‬قال أبو طلحة لم سليم‪:‬‬
‫لقد سمعت صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضعيفاً‪،‬‬
‫أعرف فيه الجوع‪ ،‬فهل عندك من شيء؟ فقالت‪ :‬نعم‪ ،‬فأخرجت‬
‫أقراصا ً من شعير‪ ،‬ثم أخذت خمارا ً لها‪ ،‬فلفت الخبز ببعضه‪ ،‬ثم‬
‫أرسلتني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ ،‬فذهبت فوجدت‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد ومعه الناس‪،‬‬
‫فقمت عليهم‪ ،‬فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أأرسلك‬
‫أبو طلحة)‪ .‬فقلت‪ :‬نعم‪ ،‬فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫لمن معه‪( :‬قوموا)‪ .‬فانطلقوا وانطلقت بين أيديهم‪ ،‬حتى جئت أبا‬
‫طلحة فأخبرته‪ ،‬فقال أبو طلحة‪ :‬يا أم سليم‪ ،‬قد جاء رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم والناس‪ ،‬وليس عندنا من الطعام ما‬
‫نطعمهم‪ ،‬فقالت‪ :‬الله ورسوله أعلم‪ ،‬فانطلق أبو طلحة حتى‬
‫لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ ،‬فأقبل رسول الله صلى‬
‫الله عليه وسلم وأبو طلحة حتى دخل‪ ،‬فقال رسول الله صلى‬
‫‪211‬‬

‫مي يا أم سليم ما عندك)‪ .‬فأتت بذلك الخبز‪،‬‬
‫الله عليه وسلم‪( :‬هل ِّ‬
‫قال‪ :‬فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك الخبز ففت‪،‬‬
‫وعصرت أم سليم عكَّة لها فأدمته‪ ،‬ثم قال فيه رسول الله صلى‬
‫الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقول‪ ،‬ثم قال‪( :‬ائذن لعشرة)‪.‬‬
‫فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا‪ ،‬ثم خرجوا‪ ،‬ثم قال‪( :‬ائذن لعشرة)‪.‬‬
‫فأذن لهم‪ ،‬فأكل القوم كلهم وشبعوا‪ ،‬والقوم سبعون أو ثمانون‬
‫رجلً‪...‬‬
‫ومسلم في كتاب الشربة قال‪:‬‬
‫حدثنا يحيى بن يحيى‪ .‬قال‪ :‬قرأت على مالك بن أنس عن إسحاق‬
‫بن عبد الله ابن أبي طلحة؛ أنه سمع أنس بن مالك يقول‪ :‬قال‬
‫أبو طلحة لم سليم‪:‬‬
‫قد سمعت صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضعيفًا‪.‬‬
‫أعرف فيه الجوع‪ .‬فهل عندك من شيء؟ فقالت‪ :‬نعم‪ .‬فأخرجت‬
‫صا من شعير‪ :‬ثم أخذت خماًرا لها‪ .‬فلفت الخبز ببعضه‪ ،‬ثم‬
‫أقرا ً‬
‫دسته تحت ثوبي‪ .‬وردتني ببعضه‪ .‬ثم أرسلتني إلى رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم‪ .‬قال فذهبت به فوجدت رسول الله صلى‬
‫الله عليه وسلم جالسا في المسجد‪ .‬ومعه الناس‪ .‬فقمت عليهم‪.‬‬
‫فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪( :‬أرسلك أبو طلحة؟)‬
‫قال فقلت‪ :‬نعم‪ .‬فقال (ألطعام؟) فقلت‪ :‬نعم‪ .‬فقال رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم لمن معه‪( :‬قوموا) قال فانطلق وانطلقت‬
‫بين أيديهم‪ .‬حتى جئت أبا طلحة‪ .‬فأخبرته‪ .‬فقال أبو طلحة‪ :‬يا أم‬
‫سليم! قد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس‪ .‬وليس‬
‫عندنا ما نطعمهم‪ .‬فقالت‪ :‬الله ورسوله أعلم‪ .‬قال فانطلق أبو‬
‫طلحة حتى لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم معه حتى دخل‪ .‬فقال رسول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم‪( :‬هلمي‪ .‬ما عندك‪ .‬يا أم سليم!)‬
‫فأتت بذلك الخبز‪ .‬فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫ففت‪ .‬وعصرت عليه أم سليم عكة لها فأدمته‪ .‬ثم قال فيه‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقول‪ .‬ثم قال‪:‬‬
‫(ائذن لعشرة) فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا‪ .‬ثم خرجوا‪ .‬ثم قال‪:‬‬
‫(ائذن لعشرة) فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا‪ .‬ثم قال‪:‬‬
‫(ائذن لعشرة) حتى أكل القوم كلهم وشبعوا‪ .‬والقوم سبعون‬
‫رجل ً أو ثمانون‪.‬‬
‫ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة‪ .‬حدثنا عبد الله بن نمير‪ .‬ح وحدثنا‬‫ابن نمير (واللفظ له)‪ .‬حدثنا أبي‪ .‬حدثنا سعد بن سعيد‪ .‬حدثني‬
‫أنس ابن مالك قال‪:‬‬

‫‪212‬‬

‫بعثني أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لدعوه‪.‬‬
‫ما‪ .‬قال فأقبلت ورسول الله صلى الله عليه‬
‫وقد جعل طعا ً‬
‫وسلم مع الناس‪ .‬فنظر إلي فاستحييت فقلت‪ :‬أجب أبا طلحة‪.‬‬
‫فقال للناس‪( :‬قوموا) فقال أبو طلحة‪ :‬يا رسول الله! إنما صنعت‬
‫لك شيئًا‪ .‬قال فمسها رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا‬
‫فيها بالبركة‪ .‬ثم قال‪( :‬أدخل نفًرا من أصحابي‪ ،‬عشرة) وقال‪:‬‬
‫(كلوا) وأخرج لهم شيئًا من بين أصابعه‪ .‬فأكلوا حتى شبعوا‪.‬‬
‫فخرجوا‪ .‬فقال‪( :‬أدخل عشرة) فأكلوا حتى شبعوا‪ .‬فما زال‬
‫يدخل عشرة ويخرج عشرة حتى لم يبق منهم أحد إل دخل‪ ،‬فأكل‬
‫حتى شبع‪ .‬ثم هيأها‪ .‬فإذا هي مثلها حين أكلوا منها‪.‬‬
‫ وحدثني سعيد بن يحيى الموي‪ .‬حدثني أبي‪ .‬حدثنا سعد بن‬‫سعيد‪ .‬قال‪ :‬سمعت أنس ابن مالك قال‪ :‬بعثني أبو طلحة إلى‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ .‬وساق الحديث بنحو حديث‬
‫ابن نمير‪ .‬غير أنه قال في آخره‪ :‬ثم أخذ ما بقي فجمعه‪ .‬ثم دعا‬
‫فيه بالبركة‪ .‬قال فعاد كما كان‪ .‬فقال‪( :‬دونكم هذا)‪.‬‬
‫ وحدثني عمرو الناقد‪ .‬حدثنا عبد الله بن جعفر الرقي‪ .‬حدثنا‬‫عبيد الله بن عمرو عن عبد الملك بن عمير‪ ،‬عن عبد الرحمن بن‬
‫أبي ليلى‪ ،‬عن أنس بن مالك‪ .‬قال‪ :‬أمر أبو طلحة أم سليم أن‬
‫ما لنفسه خاصة‪ .‬ثم‬
‫تصنع للنبي صلى الله عليه وسلم طعا ً‬
‫أرسلني إليه‪ .‬وساق الحديث‪ .‬وقال فيه‪:‬‬
‫فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده وسمى عليه‪ .‬ثم قال‪:‬‬
‫(ائذن لعشرة) فأذن لهم فدخلوا‪ .‬فقال‪( :‬كلوا وسموا الله)‬
‫فأكلوا‪ .‬حتى فعل ذلك بثمانين رجلً‪ .‬ثم أكل النبي صلى الله‬
‫عليه وسلم بعد ذلك وأهل البيت‪ .‬وتركوا سؤًرا‪.‬‬
‫ وحدثنا عبد بن حميد‪ .‬حدثنا عبد الله بن مسلمة‪ .‬حدثنا عبد‬‫العزيز بن محمد عن عمرو بن يحيى‪ ،‬عن أبيه‪ ،‬عن أنس بن‬
‫مالك‪ ،‬بهذه القصة‪ ،‬في طعام أبي طلحة‪ ،‬عن النبي صلى الله‬
‫عليه وسلم ‪ .‬وقال فيه‪:‬‬
‫فقام أبو طلحة على الباب‪ .‬حتى أتى رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم فقال له‪ :‬يا رسول الله! إنما كان شيء يسير‪ .‬قال‪:‬‬
‫(هلمه‪ .‬فإن الله سيجعل فيه البركة)‪.‬‬
‫ وحدثنا عبد بن حميد‪ .‬حدثنا خالد بن مخلد البجلي‪ .‬حدثني محمد‬‫بن موسى‪ .‬حدثني عبد الله ابن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس‬
‫بن مالك‪ ،‬عن النبي صلى الله عليه وسلم‪ ،‬بهذا الحديث‪ .‬وقال‬
‫فيه‪ :‬ثم أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكل أهل البيت‪.‬‬
‫وأفضلوا ما أبلغوا جيرانهم‪.‬‬

‫‪213‬‬

‫ وحدثنا الحسن بن علي الحلواني‪ .‬حدثنا وهب بن جرير‪ .‬حدثنا‬‫أبي‪ .‬قال‪ :‬سمعت جرير ابن زيد يحدث عن عمرو بن عبد الله بن‬
‫أبي طلحة‪ ،‬عن أنس بن مالك‪ .‬قال‪:‬‬
‫رأى أبو طلحة رسول الله صلى الله عليه وسلم مضطجعا في‬
‫المسجد‪ .‬يتقلب ظهًرا لبطن‪ .‬فأتى أم سليم فقال‪ :‬إني رأيت‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم مضطجعًا في المسجد‪ .‬يتقلب‬
‫ظهًرا لبطن‪ .‬وأظنه جائ ًعا‪ .‬وساق الحديث‪ .‬وقال فيه‪ :‬ثم أكل‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو طلحة وأم سليم وأنس بن‬
‫مالك‪ .‬وفضلت فضلة‪ .‬فأهديناه لجيراننا‪.‬‬
‫ وحدثني حرملة بن يحيى التجيبي‪ .‬حدثنا عبد الله بن وهب‪.‬‬‫أخبرني أسامة؛ أن يعقوب ابن عبد الله بن أبي طلحة النصاري‬
‫حدثه؛ أنه سمع أنس بن مالك يقول‪:‬‬
‫سا مع‬
‫ما‪ .‬فوجدته جال ً‬
‫جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم يو ً‬
‫أصحابه يحدثهم‪ ،‬وقد عصب بطنه بعصابة ‪ -‬قال أسامة‪ :‬وأنا أشك‬
‫ على حجر‪ .‬فقلت لبعض أصحابه‪ :‬لم عصب رسول الله صلى‬‫الله عليه وسلم بطنه؟ فقالوا‪ :‬من الجوع‪ .‬فذهبت إلى أبي‬
‫طلحة‪ ،‬وهو زوج أم سليم بنت ملحان‪ .‬فقلت‪ :‬يا أبتاه! قد رأيت‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم عصب بطنه بعصابة‪ .‬فسألت‬
‫بعض أصحابه فقالوا‪ :‬من الجوع‪ .‬فدخل أبو طلحة على أمي‪.‬‬
‫فقال‪ :‬هل من شيء؟ فقالت‪ :‬نعم‪ .‬عندس كسر من خبز‬
‫وتمرات‪ .‬فإن جاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده‬
‫أشبعناه‪ .‬وإن جاء آخر معه قل عنهم‪ .‬ثم ذكر سائر الحديث‬
‫بقصته‪.‬‬
‫ وحدثني حجاج بن الشاعر‪ .‬حدثنا يونس بن محمد‪ .‬حدثنا حرب‬‫بن ميمون عن النضر بن أنس‪ ،‬عن أنس بن مالك‪ ،‬عن النبي‬
‫صلى الله عليه وسلم‪ ،‬في طعام أبي طلحة‪ ،‬نحو حديثهم‪.‬‬
‫وحديث جابر في إطعامه صلى الله عليه وسلم يوم الخندق‬‫ألف رجل من صاع شعير وعناق‪.‬‬
‫وقال جابر‪ :‬فأقسم بالله لكلوا حتى تركوه وانحرفوا‪ ،‬وإن برمتنا‬
‫لتغط كما هي‪ ،‬وإن عجيننا ليخبز‪.‬‬
‫وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بصق في العجين‬
‫والبرمة‪ ،‬وبارك‪.‬‬
‫رواه عن جابر سعيد بن ميناء‪ ،‬وأيمن‪.‬‬
‫قلت‪ :‬حديث جابر متفق عليه‪ ،‬رواه البخاري في كتاب المغازي؛‬
‫قال‪:‬‬
‫حدثنا خلد بن يحيى‪ :‬حدثنا عبد الواحد بن أيمن‪ ،‬عن أبيه قال‪:‬‬‫أتيت جابًرا رضي الله عنه فقال‪ :‬إنا يوم الخندق نحفر‪ ،‬فعرضت‬
‫‪214‬‬

‫كدية شديدة‪ ،‬فجاءوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا‪ :‬هذه‬
‫كدية عرضت في الخندق‪ ،‬فقال‪( :‬أنا نازل)‪ .‬ثم قام وبطنه‬
‫معصوب بحجر‪ ،‬ولبثنا ثلثة أيام ل نذوق ذواقا‪ ،‬فأخذ النبي صلى‬
‫الله عليه وسلم المعول فضرب الكدية‪ ،‬فعاد كثيبا أهيل‪ ،‬أو أهيم‪،‬‬
‫فقلت‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬ائذن لي إلى البيت‪ ،‬فقلت لمرأتي‪ :‬رأيت‬
‫بالنبي صلى الله عليه وسلم شيئًا ما كان في ذلك صبر‪ ،‬فعندك‬
‫شيء؟ قالت‪ :‬عندي شعير وعناق‪ ،‬فذبحت العناق‪ ،‬وطحنت‬
‫الشعير حتى جعلنا اللحم في البرمة‪ ،‬ثم جئت النبي صلى الله‬
‫عليه وسلم والعجين قد انكسر‪ ،‬والبرمة بين الثافي قد كادت‬
‫تنضج‪ ،‬فقلت‪ :‬طعم لي‪ ،‬فقم أنت يا رسول ورجل أو رجلن‪،‬‬
‫قال‪( :‬كم هو)‪ .‬فذكرت له‪ ،‬قال‪( :‬كثير طيب‪ ،‬قال‪ :‬قل لها‪ :‬ل‬
‫تنزع البرمة‪ ،‬ول الخبز من التنور حتى آتي‪ ،‬فقال‪ :‬قوموا)‪ .‬فقام‬
‫المهاجرون والنصار‪ ،‬فلما دخل على امرأته قال‪ :‬ويحك جاء‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم بالمهاجرين والنصار ومن معهم‪،‬‬
‫قالت‪ :‬هل سألك؟ قلت‪ :‬نعم‪ ،‬فقال‪( :‬ادخلوا ول تضاغطوا)‪.‬‬
‫فجعل يكسر الخبز‪ ،‬ويجعل عليه اللحم‪ ،‬ويخمر البرمة والتنور إذا‬
‫أخذ منه‪ ،‬ويقرب إلى أصحابه ثم ينزع‪ ،‬فلم يزل يكسر الخبز‪،‬‬
‫ويغرف حتى شبعوا وبقي بقية‪ ،‬قال‪( :‬كلي هذا وأهدي‪ ،‬فإن‬
‫الناس أصابتهم مجاعة)‪.‬‬
‫ حدثني عمرو بن علي‪ :‬حدثنا أبو عاصم‪ :‬أخبرنا حنظلة بن أبي‬‫سفيان‪ :‬أخبرنا سعيد بن ميناء قال‪ :‬سمعت جابر بن عبد الله‬
‫رضي الله عنهما قال‪ :‬لما حفر الخندق رأيت بالنبي صلى الله‬
‫صا شديدًا‪ ،‬فانكفأت إلى امرأتي‪ ،‬فقلت‪ :‬هل‬
‫عليه وسلم خم ً‬
‫عندك شيء؟ فإني رأيت برسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫صا شديدًا‪ ،‬فأخرجت إلى جرابًا فيه صاع من شعير‪ ،‬ولنا بهيمة‬
‫خم ً‬
‫داجن فذبحتها‪ ،‬وطحنت الشعير‪ ،‬ففرغت إلى فراغي‪ ،‬وقطعتها‬
‫في برمتها‪ ،‬ثم وليت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم‪..‬‬
‫فقالت‪ :‬ل تفضحني برسول الله صلى الله عليه وسلم وبمن‬
‫معه‪ ،‬فجئته فساررته‪ ،‬فقلت‪ :‬يا رسول الله ذبحنا بهيمة لنا وطحنا‬
‫صاع ًا من شعير كان عندنا‪ ،‬فتعال أنت ونفر معك‪ ،‬فصاح النبي‬
‫صلى الله عليه وسلم فقال‪( :‬يا أهل الخندق إن جابًرا قد صنع‬
‫سوًرا‪ ،‬فحي هل بكم)‪ .‬فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‪:‬‬
‫(ل تنزلن برمتكم‪ ،‬ول تخبزن عجينتكم حتى أجيء)‪ .‬فجئت وجاء‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدم الناس حتى جئت‬
‫امرأتي‪ ،‬فقالت‪ :‬بك وبك‪ ،‬فقلت‪ :‬قد فعلت الذي قلت‪ ،‬فأخرجت‬
‫له عجينًا فبصق فيه وبارك‪ ،‬ثم عمد إلى برمتنا فبصق وبارك‪ ،‬ثم‬
‫قال‪( :‬ادع خابزة فلتخبز معي‪ ،‬واقدحي من برمتكم ول تنزلوها)‪.‬‬
‫‪215‬‬

‫وهم ألف‪ ،‬فأقسم بالله لقد أكلوا حتى تركوه وانحرفوا‪ ،‬إن برمتنا‬
‫لتغط كما هي‪ ،‬وإن عجيننا ليخبز كما هو‪...‬‬
‫ورواه مسلم في كتاب الشربة قٌال‪:‬‬
‫حدثني حجاج بن الشاعر‪ .‬حدثني الضحاك بن مخلد‪ ،‬من رقعة‬
‫عارض لي بها‪ ،‬ثم قرأه علي‪ .‬قال‪ :‬أخبرناه حنظلة بن أبي‬
‫سفيان‪ .‬حدثنا سعيد بن ميناء‪ .‬قال‪ :‬سمعت جابر بن عبد الله‬
‫يقول‪:‬‬
‫لما حفر الخندق رأيت برسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫صا‪ .‬فانكفأت إلى امرأتي‪ .‬فقلت لها‪ :‬هل عندك شيء؟ فإني‬
‫خم ً‬
‫صا شديدًا‪ .‬فأخرجت‬
‫رأيت برسول الله صلى الله عليه وسلم خم ً‬
‫لي جرابًا فيه صاع من شعير‪ .‬ولنا بهيمة داجن‪ .‬قال فذبحتها‬
‫وطحنت‪ .‬ففرغت إلى فراغي‪ .‬فقطعتها في برمتها‪ .‬ثم وليت إلى‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ ..‬فقالت‪ :‬ل تفضحني برسول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم ومن معه‪ .‬قال فجئته فساررته‪.‬‬
‫فقلت‪ :‬يا رسول الله! إنا قد ذبحنا بهيمة لنا‪ .‬وطحنت صاع ًا من‬
‫شعير كان عندنا‪ .‬فتعال أنت في نفر معك‪ .‬فصاح رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم وقال‪( :‬يا أهل الخندق! إن جابًرا قد صنع‬
‫لكم سوًرا‪ .‬فحيهل بكم) وقال رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم‪(:‬ل تنزلن برمتكم ول تخبرن عجينتكم‪ ،‬حتى أجئ) فجئت‬
‫وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدم الناس‪ .‬حتى جئت‬
‫امرأتي‪ .‬فقالت‪ :‬بك‪ .‬وبك‪ .‬فقلت‪ :‬قد فعلت الذي قلت لي‪.‬‬
‫فأخرجت له عجينتنا فبصق فيها وبارك‪ .‬ثم عمد إلى برمتنا فبصق‬
‫فيها وبارك‪ .‬ثم قال‪( :‬ادعي خابزة فلتخبز معك‪ .‬واقدحي من‬
‫برمتكم ول تنزلوها) وهم ألف‪ .‬فأقسم بالله لكلوا حتى تركوه‬
‫وانحرفوا‪ .‬وإن برمتنا لتغط كما هي‪ .‬وإن عجينتنا ‪ -‬أو كما قال‬
‫الضحاك ‪ -‬لتخبز كما هو‪...‬‬
‫وعن ثابت مثله‪ ،‬عن رجل من النصار وامرأته‪ ،‬ولم يسمهما‪،‬‬‫قال‪ :‬و جيء بمثل الكف‪ ،‬فجعل رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم يبسطها في الناء ويقول ما شاء الله‪ ،‬فأكل منه من في‬
‫البيت والحجرة والدار‪ ،‬وكان ذلك قد امتل ممن قدم معه صلى‬
‫الله عليه وسلم لذلك‪ ،‬وبقي بعد ما شبعوا مثل ما كان في الناء‬
‫‪.‬‬
‫وحديث أبي أيوب أنه صنع لرسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫ولبي بكر من الطعام زهاء ما يكفيهما‪ ،‬فقال له النبي صلى الله‬
‫عليه وسلم‪( :‬ادع ثلثين من أشراف النصار) فدعاهم فأكلوا حتى‬
‫تركوا‪ ،‬ثم قال‪( :‬ادع ستين) فكان مثل ذلك‪ ،‬ثم قال‪( :‬ادع‬
‫سبعين) فأكلوا حتى تركوا‪ ،‬وما خرج منهم أحد حتى أسلم وبايع‪.‬‬
‫‪216‬‬

‫قال أبو أيوب‪ :‬فأكل من طعامي مائة وثمانون رجلً‪.‬‬
‫قلت‪:‬أورده البيهقي في دلئل النبوة؛ ورواه الطبراني في‬
‫معجمه‪ ،‬قال‪:‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫خطاب ِ ُّ‬
‫سَرائِي َ‬
‫ل‪،‬‬
‫م بن ع َب ّاد ٍ ال َ‬
‫حدَّثَنَا الْقَا ِ‬
‫س َ‬
‫ي‪َ ،‬‬
‫َ‬
‫حاقُ بن أبِي إ ِ ْ‬
‫حد ّثَنَا إ ِ ْ‬
‫س ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن أبِي‬
‫جَريْرِيُّ‪َ ،‬‬
‫سعِيد ٌ ال ُ‬
‫حد ّثَنَا ع َبْد ُ الع ْلى‪َ ،‬‬
‫َ‬
‫حد ّثَنَا َ‬
‫حد ّثَنَا أبُو الوَْردِ‪ ،‬ع َ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ح َّ‬
‫ب‪ ،‬قَا َ‬
‫ي صلى الله‬
‫ضَر ِ‬
‫ن أبِي أيُّو َ‬
‫ح ْ‬
‫مد ٍ ال ْ َ‬
‫م َ‬
‫صنَعْ ُ‬
‫ُ‬
‫ل‪َ :‬‬
‫ي‪ ،‬ع َ ْ‬
‫م ِّ‬
‫ت ل ِ َلنَّب ِ ِ ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ه‪ ،‬فَقَا َ‬
‫ل‬
‫ما ب ِ ِ‬
‫ما يَك ْ ِ‬
‫ما‪ ،‬فَأتَيْتُهُ َ‬
‫فيهُ َ‬
‫ما قَدَْر َ‬
‫عليه وسلم وَ َأبِي بَكْرٍ ط َعا ً‬
‫سو ُ‬
‫ن‬
‫ن ِ‬
‫ل الل ّهِ صلى الله عليه وسلم‪ :‬اذْهَ ْ‬
‫لِي َر ُ‬
‫م ْ‬
‫ب فَادْع ُ لِي ثَلثِي َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ي ذَل ِ َ‬
‫شقَّ ع َل َ َّ‬
‫عنْدِي َ‬
‫صارِ‪ ،‬فَ َ‬
‫أَ ْ‬
‫يءٌ أزِيدُهُ‪،‬‬
‫ما ِ‬
‫شَرا ِ‬
‫ت‪َ :‬‬
‫ك‪ ،‬قُل ْ ُ‬
‫ف الن ْ َ‬
‫ش ْ‬
‫َ‬
‫ل‪ :‬اذْهَب فَادع ُ لِي ثَلثِين م َ‬
‫شرا ِ َ‬
‫ت‪ ،‬فَقَا َ‬
‫صارِ‪،‬‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫فَكَأنِّي تَغَفَّل ْ ُ‬
‫ف الن ْ َ‬
‫نأ ْ َ‬
‫َ ِ ْ‬
‫َ‬
‫صدَُروا‪ ،‬ث ُ َّ‬
‫جاءُوا‪ ،‬فَقَا َ‬
‫م َ‬
‫شهِدُوا‬
‫موا‪ ،‬فَأكَلُوا َ‬
‫م فَ َ‬
‫ل‪ :‬اطْعَ ُ‬
‫فَدَع َْوتُهُ ْ‬
‫حتَّى َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ل الل ّهِ صلى الله عليه وسلم‪ ،‬ث ُ َّ‬
‫م بَايَعُوه ُ قَب ْ َ‬
‫سو ُ‬
‫جوا‪،‬‬
‫ن يَ ْ‬
‫خُر ُ‬
‫لأ ْ‬
‫ه َر ُ‬
‫أن َّ ُ‬
‫ل‪ :‬اذْهَب فَادع ُ لِي ستِين م َ‬
‫شرا ِ َ‬
‫ث ُ َّ‬
‫صارِ‪ ،‬قَا َ‬
‫م قَا َ‬
‫ل أَبُو‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ف الن ْ َ‬
‫نأ ْ َ‬
‫ِ ّ َ ِ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م‪ ،‬فَقَا َ‬
‫ن‪ ،‬قَا َ‬
‫ل‬
‫منِّي بِالث ّلثِي‬
‫ستِّي‬
‫جوَد ُ ِ‬
‫ب‪ :‬وَالل ّهِ لنَا ب ِ ِ‬
‫نأ ْ‬
‫أيُّو َ‬
‫ل‪ :‬فَدَع َْوتُهُ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ َ‬
‫َ‬
‫صدَُروا‪،‬‬
‫سو‬
‫ل الل ّهِ صلى الله عليه وسلم ‪ :‬تَوَقَّفُوا‪ ،‬فَأكَلُوا َ‬
‫َر ُ‬
‫حتَّى َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ل اللهِ صلى الله عليه وسلم‪ ،‬ث ُ َّ‬
‫ث ُ َّ‬
‫م بَاي َ ُعوه ُ قَب ْ َ‬
‫سو ُ‬
‫م َ‬
‫ل‬
‫ه َر ُ‬
‫شهِدُوا أن ّ ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫جوا‪ ،‬ث ُ َّ‬
‫صارِ‪ ،‬قَا َ‬
‫م قَا َ‬
‫ل‪:‬‬
‫م‬
‫سعِي‬
‫ن يَ ْ‬
‫ن الن ْ‬
‫ن ِ‬
‫ل‪ :‬اذْهَ ْ‬
‫أ ْ‬
‫خُر ُ‬
‫ب فَادْع ُ لِي ت ِ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫منِّي ب َ‬
‫ن‪ ،‬قَا َ‬
‫ستِّي‬
‫سعِي‬
‫م فَأَكَلُوا‬
‫ن ِ‬
‫ن وَال ِّ‬
‫فَلَنَا أ ْ‬
‫جوَد ُ بِالت ِّ ْ‬
‫ِ‬
‫ل‪ :‬فَدَع َْوتُهُ ْ‬
‫الث ّلثِي َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ل اللَّهِ صلى الله عليه وسلم‪ ،‬ث ُ َّ‬
‫صدَُروا‪ ،‬ث ُ َّ‬
‫سو ُ‬
‫م َ‬
‫م‬
‫حتَّى‬
‫َ‬
‫ه َر ُ‬
‫شهِدُوا أن َّ ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫جوا‪ ،‬فَأك َ‬
‫بَايَعُوه ُ قَب ْ َ‬
‫جل‬
‫ن يَ ْ‬
‫مائ َ ٌ‬
‫مي ذَل ِك ِ‬
‫ن طعَا ِ‬
‫ل ِ‬
‫ن َر ُ‬
‫مانُو َ‬
‫لأ ْ‬
‫خُر ُ‬
‫ة َوث َ َ‬
‫م ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫صار‪...‬‬
‫م ِ‬
‫كُل ّهُ ْ‬
‫م َ‬
‫ن الن ْ َ ِ‬
‫وعن سمرة بن جندب‪ :‬أتى النبي صلى الله عليه وسلم بقصعة‬‫فيها لحم‪ ،‬فتعاقبوها من غدوة حتى الليل‪ ،‬يقوم قوم ويقعد‬
‫آخرون‪.‬‬
‫قلت رواه البيهقي في دلئل النبوة؛ والنسائي في‬
‫َ‬
‫مد ُ بن ب َ َّ‬
‫ح َّ‬
‫خبََرنَا‬
‫شارٍ أ ْ‬
‫م َ‬
‫سننه؛والترمذي في جامعه‪ ،‬قال‪َ :‬‬
‫حدَّثَنَا ُ‬
‫ُ‬
‫ن التَّيم ُّ‬
‫ة‬
‫ن أَ ْ‬
‫مَر َ‬
‫ما ُ‬
‫ن هَاُرو َ‬
‫ي ع َن أبي العلءِ ع َن َ‬
‫خبََرنَا ُ‬
‫س ُ‬
‫سلِي َ‬
‫يزيد ُ ب ُ‬
‫ب قَا َ‬
‫ل‪:‬‬
‫ن ُ‬
‫جند ُ ٍ‬
‫ب ِ‬
‫ي صلى الله عليه وسلم نتداو ُ‬
‫ل من قَصعةٍ من‬
‫ "كنَّا مع النَّب ّ‬‫مدُّ؟‬
‫غُدْوَةٍ حتَّى الليل تقو ُ‬
‫م عشرة ٌ وتقعُد ُ عشرةٌ‪ .‬قلنَا فما كَانَت ت ُ َ‬
‫قَا َ‬
‫مد ُّ إل من ههنا وأشاَر بيدهِ إِلى‬
‫ي شيءٍ تعج ُ‬
‫ب ما كَانَت ت ُ َ‬
‫ل من أ ِ ّ‬
‫ال َّ‬
‫ح‪.‬‬
‫ص ِ‬
‫حدِي ٌ‬
‫حي ٌ‬
‫ث َ‬
‫ماءِ"‪ .‬هَذ َا َ‬
‫ح َ‬
‫س َ‬
‫ن َ‬
‫س ٌ‬
‫ومن ذلك حديث عبد الرحمن بن أبي بكر‪ :‬كنا مع النبي صلى‬‫الله عليه وسلم ثلثين ومائة‪ ،‬وذكر في الحديث أنه عجن صاع‬
‫من طعام‪ ،‬وصنعت شاة‪ ،‬فشوي سواد بطنها قال‪ :‬وأيم الله‪ ،‬ما‬
‫من الثلثين ومائة إل وقد حز له حزة ً من سواد بطنها ثم جعل منا‬

‫‪217‬‬

‫قصعتين‪ ،‬فأكلنا منها أجمعون‪ ،‬وفضل في القصعتين‪ ،‬فحملته‬
‫على البعير‪.‬‬
‫قلت‪ :‬حديث متغف عليه؛ رواه البخاري في كتاب الهبة وفضلها‪،‬‬
‫قال‪:‬‬
‫حدثنا أبو النعمان‪ :‬حدثنا المعتمر بن سليمان‪ ،‬عن أبيه‪ ،‬عن أبي‬
‫عثمان‪ ،‬عن عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما قال‪:‬‬
‫كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ثلثين ومائة‪ ،‬فقال النبي صلى‬
‫الله عليه وسلم‪( :‬هل مع أحد منكم طعام)‪ .‬فإذا مع رجل صاع‬
‫من طعام أو نحوه‪ ،‬فعجن‪ ،‬ثم جاء رجل مشرك‪ ،‬مشعان طويل‪،‬‬
‫بغنم يسوقها‪ ،‬فقال النبي صلى الله عليه وسلم‪( :‬بيعا أم عطية‪،‬‬
‫أو قال‪ :‬أم هبة)‪ .‬قال‪ :‬ل‪ ،‬بل بيع‪ ،‬فاشترى منه شاة‪ ،‬فصنعت‪،‬‬
‫وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بسواد البطن أن يشوى‪ ،‬وأيم‬
‫الله‪ ،‬ما في الثلثين والمائة إل قد حز النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم له حزة من سواد بطنها‪ ،‬إن كان شاهدًا أعطاها إياه‪ ،‬وإن‬
‫كان غائبًا خبأ له‪ ،‬فجعل منها قصعتين‪ ،‬فأكلوا أجمعون وشبعنا‪،‬‬
‫ففضلت القصعتان‪ ،‬فحملناه على البعير‪ ،‬أو كما قال‪.‬‬
‫وروا ه مسلم في كتاب الشربة قال‪:‬‬
‫مَر الْبَكَْراوِيّ َو‬
‫حا ِ‬
‫وحدّثنا ع ُبَيْد ُ الل ّ ِ‬
‫معَاذ ٍ الْعَنْبَرِيّ وَ َ‬
‫ن عُ َ‬
‫ن ُ‬
‫مد ُ ب ْ ُ‬
‫ه بْ ُ‬
‫ن ع َبْد ِ الَع ْل َ‬
‫ن (وَاللّفْ ُ‬
‫ظ‬
‫ميعا ً ع َ‬
‫ج ِ‬
‫معْت َ ِ‬
‫م َ‬
‫ى‪َ .‬‬
‫ما َ‬
‫ن ُ‬
‫ح ّ‬
‫ُ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫سلَي ْ َ‬
‫مد ُ ب ْ ُ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫مرِ بَ ْ ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ث‬
‫حد ّ َ‬
‫معْت َ ِ‬
‫معَاذٍ)‪َ .‬‬
‫ن (وَ َ‬
‫ما َ‬
‫مُر‪َ .‬‬
‫ن ُ‬
‫ن أبِي ع ُث ْ َ‬
‫حدّثَنَا ال ُ‬
‫حدّثَنَا أبِي ع َ ْ‬
‫َلِب ْ ِ‬
‫َ‬
‫ن أبِي بَكْرٍ‪ .‬قَا َ‬
‫ي صلى‬
‫ن ع َبْد ِ الّر ْ‬
‫ح َ‬
‫ل‪ :‬كُنّا َ‬
‫أيْضاً)‪ ،‬ع َ ْ‬
‫معَ النّب ِ ّ‬
‫م ِ‬
‫ن بْ ِ‬
‫ة‪ .‬فَقَا َ‬
‫ي صلى الله عليه وسلم‪:‬‬
‫مائ َ ً‬
‫ن وَ ِ‬
‫ل النّب ِ ّ‬
‫الله عليه وسلم ثَلَثِي َ‬
‫ل مع أ َحد منك ُم طَعام؟" فَإذ َا مع رجل صاع ٌ من طَعام أوَ‬
‫َ ٌ‬
‫"هَ ْ َ َ َ ٍ ِ ْ ْ‬
‫ِ َ َ َ ُ ٍ َ‬
‫َ ٍ ْ‬
‫ِ ْ‬
‫شرِ ٌ‬
‫ن طَوِي ٌ‬
‫ج ٌ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫سوقُهَا‪.‬‬
‫ش َعا ّ‬
‫جاءَ َر ُ‬
‫م َ‬
‫نَ ْ‬
‫ل‪ ،‬بِغَنَم ٍ ي َ ُ‬
‫ك ُ‬
‫ل‪ُ ،‬‬
‫ن‪ .‬ث ُ ّ‬
‫حوُهُ‪ .‬فَعُ ِ‬
‫ج َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ة أوْ قَا َ‬
‫فَقَا َ‬
‫م‬
‫م عَطِي ّ ٌ‬
‫لأ ْ‬
‫ي صلى الله عليه وسلم‪" :‬أبَيْعٌ أ ْ‬
‫ل النّب ِ ّ‬
‫َ‬
‫ل‪ :‬لَ‪ .‬ب َ ْ‬
‫ة؟" فَقَا َ‬
‫سو ُ‬
‫ه َ‬
‫ل بَيْعٌ‪ .‬فَا ْ‬
‫ل‬
‫هِب َ ٌ‬
‫شتََرىَ ِ‬
‫مَر َر ُ‬
‫ت‪ .‬وَأ َ‬
‫صنِعَ ْ‬
‫من ْ ُ‬
‫شاةً‪ .‬فَ ُ‬
‫َ‬
‫ْ ْ‬
‫شوَىَ‪ .‬قَا َ‬
‫ن يُ ْ‬
‫م‬
‫نأ ْ‬
‫اللّهِ صلى الله عليه وسلم ب ِ َ‬
‫ل‪ :‬وَاي ْ ُ‬
‫سوَاد ِ البَط ِ‬
‫سو ُ‬
‫ل اللّهِ صلى الله عليه‬
‫ن وَ ِ‬
‫ما ِ‬
‫مائَةٍ إِل ّ َ‬
‫ه َر ُ‬
‫حّز ل َ ُ‬
‫اللّهِ َ‬
‫ن الثّلَثِي َ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫ن َ‬
‫ن‬
‫حّزة ً ِ‬
‫ن كَا َ‬
‫سوَاد ِ بَطْنِهَا‪ .‬إ ْ‬
‫حّزة ً ُ‬
‫وسلم ُ‬
‫شاهِداً‪ ،‬أع ْطَاهُ‪ .‬وَإ ِ ْ‬
‫ن َ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫ه‪.‬‬
‫ن غَائِباً‪َ ،‬‬
‫كَا َ‬
‫خبَأ ل َ ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ض َ‬
‫جعَ َ‬
‫قَا َ‬
‫ن‪ .‬وَ َ‬
‫ل فِي‬
‫ن‪ .‬فَأكَلْنَا ِ‬
‫شبِعْنَا‪ .‬وَفَ َ‬
‫معُو َ‬
‫ما أ ْ‬
‫ل وَ َ‬
‫ج َ‬
‫منْهُ َ‬
‫ل قَ ْ‬
‫صعَتَي ْ ِ‬
‫َ‬
‫ما قَا َ‬
‫ل‪.‬‬
‫ن‪ .‬فَ َ‬
‫ملْت ُ ُ‬
‫ح َ‬
‫ه ع َلَى الْبَعِيرِ‪ .‬أوْ ك َ َ‬
‫الْقَ ْ‬
‫صعَتَي ْ ِ‬
‫ومن ذلك حديث عبد الرحمن بن أبي عمرة النصاري‪ ،‬عن أبيه‪،‬‬‫ومثله لسلمة بن الكوع‪ ،‬وأبي هريرة وعمر بن الخطاب رضي‬
‫الله عنه‪ ،‬فذكروا مخمصة أصابت الناس مع النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم في بعض مغازيه‪ ،‬فدعا ببقية الزواد‪ ،‬فجاء الرجل بالحثية‬
‫من الطعام‪ ،‬وفوق ذلك‪ ،‬وأعلهم الذي أتى بالصاع من التمر‪،‬‬
‫‪218‬‬

‫فجمعه على نطع‪ .‬قال سلمة‪ :‬فحزرته كربضة العنز‪ ،‬ثم دعا‬
‫الناس بأوعيتهم‪ ،‬فما بقي في الجيش وعاء إل ملئوه وبقي منه‪.‬‬
‫قلت‪ :‬رواه مسلم في كتاب اليمان قال‪:‬‬
‫حدثنا سهل بن عمان وأبو كريب محمد بن العلء‪ ،‬جميعا عن أبي‬
‫معاوية‪ .‬قال أبو كريب‪ :‬حدثنا أبو معاوية عن العمش‪ ،‬عن أبي‬
‫صالح‪ ،‬عن أبي هريرة أو عن أبي سعيد (شك العمش) قال‪ :‬لما‬
‫كان غزوة تبوك‪ ،‬أصاب الناس مجاعة‪ .‬قالوا‪:‬‬
‫يا رسول الله! لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا فأكلنا وادهنا‪ .‬فقال‬
‫رسول الله‪ :‬صلى الله عليه وسلم "افعلوا" قال فجاء عمر‪،‬‬
‫فقال‪ :‬يا رسول الله! إن فعلت قل الظهر‪ .‬ولكن ادعهم بفضل‬
‫أزوادهم‪ .‬وادع الله لهم عليها بالبركة‪ .‬لعل الله أن يجعل في‬
‫ذلك‪ .‬فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪" :‬نعم" قال فدعا‬
‫بنطع فبسطه‪ .‬ثم دعا بفضل أزوادهم‪ .‬قال فجعل الرجل يجيء‬
‫بكف ذرة‪ .‬قال ويجيء الخر بكف تمر‪ .‬قال ويجيء الخر‬
‫بكسرة‪ .‬حتى اجتمع على النطع من ذلك شيء يسير‪ .‬قال فدعا‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبركة‪ .‬ثم قال‪" :‬خذوا في‬
‫أوعيتكم" قال فأخذوا في أوعيتهم‪ .‬حتى ما تركوا في العسكر‬
‫وعاء إل ملوه‪ .‬قال فأكلوا حتى شبعوا‪ .‬وفضلت فضلة‪ .‬فقال‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم‪" :‬أشهد أن ل إله إل الله‪ ،‬وأني‬
‫رسول الله‪ .‬ل يلقى الله بهما عبد‪ ،‬غير شاك‪ ،‬فيحجب عن‬
‫الجنة"‪.‬‬
‫وعن أبي هريرة‪ :‬أمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن أدعو له‬‫أهل الصفة‪ ،‬فتتبعتهم حتى جمعتهم‪ ،‬فوضعت بين أيدينا صفحة‪،‬‬
‫فأكلنا ما شئنا‪ ،‬وفرغنا وهي مثلها حين وضعت إل أن فيها أثر‬
‫الصابع‪.‬‬
‫قلت‪ :‬رواه أبو نعيم‪ ،‬والطبراني‪ ،‬وابن أبي شيبة في مسنده قال‪:‬‬
‫ل‪ ،‬ع َن أُنيس ب َ‬
‫عي َ‬
‫ن‬
‫ما ِ‬
‫حدَّثَنَا َ‬
‫َ‬
‫س َ‬
‫ن أبِي ي َ ْ‬
‫ن إِ ْ‬
‫نإ ْ‬
‫س َ‬
‫حات ِ ُ‬
‫م بْ ُ‬
‫حيَى‪ ،‬ع َ ْ‬
‫حاقَ ب ْ ِ‬
‫ْ َْ ِ ْ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ج ع َل َّ‬
‫سو ُ‬
‫ن أبِي هَُريَْرةَ‪ ،‬قَا َ‬
‫ل اللهِ صلى الله‬
‫ل‪َ :‬‬
‫خَر َ‬
‫ي َر ُ‬
‫َ‬
‫سالِمٍ‪ ،‬ع َ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ما‪ ،‬فَقَا َ‬
‫صفّةِ ‪،‬‬
‫حا َ‬
‫ص َ‬
‫ص َ‬
‫عليه وسلم يَوْ ً‬
‫ب ال ّ‬
‫حابَك‪ ،‬يَعَنْي أ ْ‬
‫ل‪ :‬ادْع ُ لِي أ ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ب‬
‫جئْنَا بَا َ‬
‫حتَّى َ‬
‫م َ‬
‫جلً‪َ ،‬ر ُ‬
‫م َر ُ‬
‫فَ َ‬
‫م‪ ،‬فَ ِ‬
‫معْتُهُ ْ‬
‫ج َ‬
‫جل ً أوقِظُهُ ْ‬
‫جعَلْت أتَّبِعُهُ ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ن لَنَا‪ ،‬قَا َ‬
‫ل أبُو‬
‫ستَأذ َنَّا فَأذ ِ َ‬
‫ل اللهِ صلى الله عليه وسلم فَا ْ‬
‫َر ُ‬
‫سو ِ‬
‫َ‬
‫مدَّيْ َ‬
‫شعِيرٍ‪،‬‬
‫حفَ ٌ‬
‫هَُريَْرةَ‪ :‬وَوُ ِ‬
‫ص ْ‬
‫صنِيعٌ قَدُْر ُ‬
‫ضعَ ْ‬
‫ة فِيهَا َ‬
‫ن أيْدِينَا َ‬
‫ت بَي ْ َ‬
‫ه صلى الله عليه وسلم يَدَه ُ ع َلَيْهَا‪ ،‬فَقَا َ‬
‫سو ُ‬
‫قَا َ‬
‫ل‪:‬‬
‫ل الل ِ‬
‫ل‪ :‬فَوَ َ‬
‫ضعَ َر ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫شئْنَا‪ ،‬ث ُ َّ‬
‫سو ُ‬
‫ف‪ ،‬ع َنَّا أيْدِيَنَا‪ ،‬فَقَا َ‬
‫ل‬
‫سم ِ اللهِ‪ ،‬فَأكَلْنَا‬
‫ُ‬
‫م َر َ‬
‫ما ِ‬
‫ل َر ُ‬
‫خذ ُوا ب ِ ْ‬
‫َ‬
‫َ َّ‬
‫ت ال َّ‬
‫س‬
‫حفَ ُ‬
‫اللهِ صلى الله عليه وسلم ِ‬
‫ن وُ ِ‬
‫ص ْ‬
‫ضعَ ْ‬
‫ة‪ :‬وَالذِي نَفْ ُ‬
‫حي َ‬
‫َ‬
‫ح َّ‬
‫ح َّ‬
‫قي َ‬
‫م غَيُْر َ‬
‫ل‬
‫ه‪ ،‬فَ ِ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫مد ٍ طَعَا ٌ‬
‫م َ‬
‫يءٍ تََروْن َ ُ‬
‫ل ُ‬
‫ما أ ْ‬
‫مد ٍ بِيَدِهِ‪َ ،‬‬
‫ُ‬
‫ش ْ‬
‫سى فِي آ ِ‬

‫‪219‬‬

‫َ‬
‫م‪ ،‬قَا َ‬
‫ت‬
‫مثْلَهَا ِ‬
‫ت ِ‬
‫ن وُ ِ‬
‫ل‪ِ :‬‬
‫ضعَ ْ‬
‫ن فََرغْت ُ ْ‬
‫م كَان َ ْ‬
‫لبِي هَُريَْرةَ‪ :‬قَدُْر ك َ ْ‬
‫حي َ‬
‫حي َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫إلَّ‪ ،‬أ َ َّ‬
‫صابِِع‪..‬‬
‫ن فِيهَا أثََر ال َ‬
‫وعن علي بن أبي طالب‪ ،‬رضي الله عنه‪ :‬جمع رسول الله‬‫صلى الله عليه وسلم بني عبد المطلب‪ ،‬وكانوا أربعين‪ ،‬منهم‬
‫قوم يأكلون الجذعة‪ ،‬و يشربون الفرق‪ ،‬فصنع لهم مدا ً من طعام‬
‫فأكلوا حتى شبعوا‪ ،‬وبقي كما هو ثم دعا بعس‪ ،‬فشربوا حتى‬
‫رووا‪ ،‬وبقي كأنه لم يشرب منه‪.‬‬
‫قلت‪:‬رواه المام أحمد في (مسنده) قال‪:‬‬
‫عن علي قال‪ :‬جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ‪ -‬أو‪ :‬دعا‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم ‪ -‬بني عبد المطلب فيهم‬
‫رهط كلهم يأكل لجذعة ويشرب الفرق قال‪ :‬فصنع لهم مدا من‬
‫طعام فأكلوا حتى شبعوا قال‪ :‬وبقي الطعام كما هو كأنه لم‬
‫يمس ثم دعا بغمر فشربوا حتى رووا وبقي الشراب كأنه لم‬
‫يمس أو لم يشرب فقال‪( :‬يا بني عبد المطلب إني بعثت لكم‬
‫خاصة وإلى الناس بعامة وقد رأيتم من هذه الية ما رأيتم فأيكم‬
‫يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي؟)‪ .‬قال‪ :‬فلم يقم إليه أحد‬
‫قال‪ :‬فقمت إليه وكنت أصغر القوم قال‪ :‬فقال‪( :‬اجلس) قال‬
‫ثلث مرات كل ذلك أقوم إليه فيقول لي‪( :‬اجلس) حتى كان في‬
‫الثالثة ضرب بيده على يدي‪....‬‬
‫وقال أنس‪ :‬إن النبي صلى الله عليه وسلم حين ابتنى بزينب‬‫أمره أن يدعو له قوما ً سماهم‪ ،‬وكل من لقيت‪ ،‬حتى امتل البيت‬
‫والحجرة‪ ،‬وقدم إليهم توًرا‪ ،‬فيه قدر مد من تمر جعل حيساً‪،‬‬
‫فوضعه قدامه‪ ،‬وغمس ثلث أصابعه وجعل القوم يتغدون‬
‫ويخرجون‪ ،‬وبقي التور نحوا ً مما كان‪ ،‬وكان القوم أحداً‪ ،‬أو اثنين‬
‫وسبعين‪.‬‬
‫وفي رواية أخرى في هذه القصة أو مثلها‪ ،‬إن القوم كانوا زهاء‬‫ثلثمائة‪ ،‬وأنهم أكلوا حتى شبعوا‪ .‬وقال لي‪ :‬ارفع‪ ،‬فل أدري حين‬
‫وضعت كانت أكثر أم حين رفعت‪.‬‬
‫قلت‪ :‬رواه البخاري في كتاب النكاح‪ ،‬باب‪ :‬الهدية للعروس؛ قال‬
‫ وقال إبراهيم‪ :‬عن أبي عثمان‪ ،‬واسمه الجعد‪ ،‬عن أنس بن‬‫مالك قال‪:‬‬
‫مر بنا في مسجد بني رفاعة‪ ،‬فسمعته يقول‪ :‬كان النبي صلى‬
‫الله عليه وسلم إذا مر بجنبات أم سليم دخل عليها فسلم عليها‪،‬‬
‫ثم قال‪ :‬كان النبي صلى الله عليه وسلم عروسا بزينب‪ ،‬فقالت‬
‫لي أم سليم‪ :‬لو أهدينا لرسول الله صلى الله عليه وسلم هدية‪،‬‬
‫فقلت لها‪ :‬افعلي‪ ،‬فعمدت إلى تمر وسمن وأقط‪ ،‬فاتخذت حيسة‬
‫في برمة‪ ،‬فأرسلت بها معي إليه‪ ،‬فانطلقت بها إليه‪ ،‬فقال لي‪:‬‬
‫‪220‬‬

‫(ضعها)‪ .‬ثم أمرني فقال‪( :‬ادع لي رجال ‪ -‬سماهم ‪ -‬ادع لي من‬
‫لقيت)‪ .‬قال‪ :‬ففعلت الذي أمرني‪ ،‬فرجعت فإذا البيت غاص‬
‫بأهله‪ ،‬فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم وضع يديه على تلك‬
‫الحيسة وتكلم بها ما شاء الله‪ ،‬ثم جعل يدعو عشرة‪ ,‬عشرة‬
‫يأكلون منه‪ ،‬ويقول لهم‪( :‬اذكروا اسم الله‪ ،‬وليأكل كل رجل مما‬
‫يليه)‪ .‬قال‪ :‬حتى تصدعوا كلهم عنها‪ ،‬فخرج منهم من خرج‪ ،‬وبقي‬
‫نفر يتحدثون‪ ،‬قال‪ :‬وجعلت أغتم‪ ،‬ثم خرج النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم نحو الحجرات وخرجت في إثره‪ ،‬فقلت‪ :‬إنهم قد ذهبوا‪،‬‬
‫فرجع فدخل البيت‪ ،‬وأرخى الستر وإني لفي الحجرة‪ ،‬وهو يقول‪:‬‬
‫(يا أيها الذين أمنوا ل تدخلوا بيوت النبي إل أن يؤذن لكم إلى‬
‫طعام غير ناظرين إناه ولكن إذا دعتيم فادخلوا فإذا طعمتم‬
‫فانتشروا ول مستأنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي‬
‫فيستحيي منكم والله ل يستحيي من الحق)‪.‬‬
‫قال أبو عثمان‪ :‬قال أنس‪ :‬إنه خدم رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم عشر سنين‪.‬‬
‫وأخرجه مسلم في كتاب النكاح‪ ،‬باب زواج زينب بنت جحش‬
‫ونزول الحجاب‪ ،‬وإثبات وليمة العرس؛ قال‪:‬‬
‫حدثنا قتيبة بن سعيد‪ .‬حدثنا جعفر (يعني ابن سليمان) عن الجعد‬
‫أبي عثمان‪ ،‬عن أنس بن مالك‪ .‬قال‪:‬‬
‫تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل بأهله‪ .‬قال‪:‬‬
‫سا فجعلته في تور‪ .‬فقالت‪ :‬يا أنس!‬
‫فصنعت أمي أم سليم حي ً‬
‫اذهب بهذا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقل بعثت‬
‫بهذا إليك أمي‪ .‬وهي تقرئك السلم‪ .‬وتقول‪ :‬إن هذا لك منا قليل‪،‬‬
‫يا رسول الله! قال‪ :‬فذهبت بها إلى رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم‪ .‬فقلت‪ :‬إن أمي تقرئك السلم وتقول‪ :‬إن هذا لك منا‬
‫قليل‪ ،‬يا رسول الله! فقال "ضعه" ثم قال‪ " :‬اذهب فادع لي فلنا‬
‫وفلنا وفلنا‪ .‬ومن لقيت" وسمى رجالً‪ .‬قال‪ :‬فدعوت من سمى‬
‫ومن لقيت‪ :‬قال‪ :‬قلت لنس‪ :‬عدد كم كانوا؟ قال‪ :‬زهاء ثلثمائة‪.‬‬
‫وقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم‪" :‬يا أنس‪ ..‬هات‬
‫التور" قال‪ :‬فدخلوا حتى امتلت الصفة والحجرة‪ .‬فقال رسول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم‪" :‬ليتحلق عشرة عشرة وليأكل كل‬
‫إنسان مما يليه" قال‪ :‬فأكلوا حتى شبعوا‪ .‬قال‪ :‬فخرجت طائفة‬
‫ودخلت طائفة حتى أكلوا كلهم‪ .‬فقال لي‪" :‬يا أنس ارفع" قال‪:‬‬
‫فرفعت‪ .‬فما أدري حين وضعت كان أكثر أم حين رفعت‪ .‬قال‪:‬‬
‫وجلس طوائف منهم يتحدثون في بيت رسول الله صلى الله‬
‫عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس‪ ،‬وزوجته‬
‫مولية وجهها إلى الحائط‪ .‬فثقلوا على رسول الله صلى الله عليه‬
‫‪221‬‬

‫وسلم فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم على‬
‫نسائه‪ .‬ثم رجع‪ .‬فلما رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد‬
‫رجع ظنوا أنهم قد ثقلوا عليه‪ .‬قال‪ :‬فابتدروا الباب فخرجوا كلهم‪.‬‬
‫وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أرخى الستر ودخل‪.‬‬
‫وأنا جالس في الحجرة‪ .‬فلم يلبث إل يسيرا حتى خرج علي‪.‬‬
‫وأنزلت هذه الية‪ .‬فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫وقرأهن على الناس‪( :‬يا أيها الذين آمنوا ل تدخلوا بيوت النبي إل‬
‫أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا‬
‫فإذا طعمتم فانتشروا ول مستأنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي‬
‫النبي)؛ إلى آخر الية‪ .‬قال الجعد‪ :‬قال أنس ابن مالك‪ :‬أنا أحدث‬
‫الناس عهدًا بهذه اليات‪ .‬وحجبن نساء النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم‪.‬‬
‫ وحدثني محمد بن رافع‪ .‬حدثنا عبد الرزاق‪ .‬حدثنا معمر عن أبي‬‫عثمان‪ ،‬عن أنس‪ .‬قال‪:‬‬
‫لما تزوج النبي صلى الله عليه وسلم زينب أهدت له أم سليم‬
‫سا في تور من حجارة‪ .‬فقال أنس‪ :‬فقال رسول الله صلى‬
‫حي ً‬
‫الله عليه وسلم‪" :‬اذهب فادع لي من لقيت من المسلمين"‬
‫فدعوت له من لقيت‪ .‬فجعلوا يدخلون عليه فيأكلون ويخرجون‪.‬‬
‫ووضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على الطعام فدعا فيه‪.‬‬
‫وقال فيه ما شاء الله أن يقول ولم أدع أحدًا لقيته إل دعوته‪.‬‬
‫فأكلوا حتى شبعوا‪ .‬وخرجوا‪ .‬وبقي طائفة منهم فأطالوا عليه‬
‫الحديث‪ .‬فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يستحي منهم أن‬
‫يقول لهم شيئًا‪ .‬فخرج وتركهم في البيت‪ .‬فأنزل الله عز وجل‪:‬‬
‫{يا أيها الذين آمنوا ل تدخلوا بيوت النبي إل أن يؤذن لكم إلى‬
‫ما) {ولكن‬
‫طعام غيرناظرين إناه} (قال قتادة‪ :‬غير متحينين طعا ً‬
‫إذا دعيتم فادخلوا}‪ .‬حتى بلغ‪{ :‬ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن}‪.‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ي إ ِ ّل‬
‫منُوا َل تَد ْ ُ‬
‫خلُوا بُيُو َ‬
‫نآ َ‬
‫ت النَّب ِ ِ ّ‬
‫والية الكريمة هي‪( :‬يَا أيُّهَا ال ّذِي َ‬
‫َ‬
‫خلُوا‬
‫م فَاد ْ ُ‬
‫ن إِذ َا د ُ ِ‬
‫أن يُؤْذ َ َ‬
‫عيت ُ ْ‬
‫ن لَك ُ ْ‬
‫ن إِنَاه ُ وَلَك ِ ْ‬
‫م إِلَى طَعَام ٍ غَيَْر نَا ْظِرِي َ‬
‫ث إ ِ َّ‬
‫سي‬
‫ن يُؤْذِي‬
‫م فَانت َ ِ‬
‫حدِي ٍ‬
‫ستَأن ِ ِ‬
‫ن لِ َ‬
‫م كَا َ‬
‫م ْ‬
‫شُروا وََل َ ُ‬
‫مت ُ ْ‬
‫فَإِذ َا طَعِ ْ‬
‫ن ذَلِك ُ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫موهُ َّ‬
‫النَّب ِ َّ‬
‫ن‬
‫حيِي ِ‬
‫حيِي ِ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ست َ ْ‬
‫ست َ ْ‬
‫ق وَإِذ َا َ‬
‫ه َل ي َ ْ‬
‫ي فَي َ ْ‬
‫سألْت ُ ُ‬
‫ح ِّ‬
‫م وَالل ّ ُ‬
‫منك ُ ْ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م وَقُلُوبِهِ َّ‬
‫سألُوهُ َّ‬
‫ن‬
‫من وََراء ِ‬
‫ن ِ‬
‫ح َ‬
‫متَاعا ً فَا ْ‬
‫ب ذَلِك ُ ْ‬
‫َ‬
‫م أطْهَُر لِقُلُوبِك ُ ْ‬
‫جا ٍَ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫سو َ‬
‫من بَعْدِهِ‬
‫ه ِ‬
‫ما كا َ‬
‫حوا أْزوَا َ‬
‫ل اللهِ وَل أن تَنك ِ ُ‬
‫م أن تُؤْذ ُوا َر ُ‬
‫وَ َ‬
‫ج ُ‬
‫ن لك ْ‬
‫َ‬
‫أَبَدا ً إ ِ َّ‬
‫ه عَظِيماً) (الحزاب‪)53 :‬‬
‫ن ِ‬
‫عند َ الل ّ ِ‬
‫م كَا َ‬
‫ن ذَلِك ُ ْ‬
‫و في حديث جعفر بن محمد‪ ،‬عن أبيه‪ ،‬عن علي رضي الله عنه‬‫ـ أن فاطمة طبخت قدرا ً لغذائها ووجهت عليا ً إلى النبي صلى‬
‫الله عليه وسلم ليتغدى معهما‪ ،‬فأمر فغرفت منها لجميع نسائه‬

‫‪222‬‬

‫ة‪ ،‬ثم له صلى الله عليه وسلم ولعلي‪ ،‬ثم لها‪ ،‬ثم‬
‫ة صفح ً‬
‫صفح ً‬
‫رفعت القدر‪ ،‬وإنها لتفيض‪ ،‬قال‪ :‬فأكلنا منها ما شاء الله‪.‬‬
‫قلت‪ :‬أخرجه ابن سعد في طبقاته‬
‫وأمر عمر بن الخطاب أن يزود أربعمائة راكب من أحمس‪،‬‬‫فقال‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬ما هي إل أصوع‪ .‬قال‪ :‬اذهب‪ ،‬فذهب‬
‫فزودهم منه‪ ،‬و كان قدر الفصيل الرابض‪ ،‬من التمر‪ ،‬وبقي بحاله‪.‬‬
‫من رواية دكين الحمسي‪ ،‬و من رواية جرير‪.‬‬‫ومثله من رواية النعمان بن مقرن الخبر بعينه‪ ،‬إل أنه قال‪:‬‬‫أربعمائة راكب من مزينة‪.‬‬
‫قلت رواه عبد الله بن المام أحمد في مستد أبيه قال‪:‬‬
‫حدثني أبي حدثنا وكيع حدثنا اسماعيل عن قيس عن دكين بن‬
‫سعيد الخثعمي قال‪:‬‬
‫أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن أربعون وأربعمائة‬‫نسأله الطعام فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر‪ :‬قم‬
‫فأعطهم‪..‬قال‪ :‬يا رسول الله ما عندي إل ما يقيظني والصبية؛‬
‫قال وكيع والقيظ في كلم العرب أربعة أشهر؛ قال‪ :‬قم فأعطهم‬
‫قال عمر يا رسول الله سمعًا وطاعة‪ .‬قال‪ :‬فقام عمر وقمنا معه‬
‫فصعد بنا إلى غرفة له فأخرج المفتاح من حجزته ففتح الباب‬
‫قال دكين فإذا في الغرفة من التمر شبيه بالفصيل الرابض قال‬
‫شأنكم قال فأخذ كل رجل منا حاجته ما شاء قال ثم التفت وإني‬
‫لمن آخرهم وكأنا لم نرزأ منه تمرة‪.‬‬
‫ حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا يعلى بن عبيد حدثنا إسماعيل‬‫عن قيس عن دكين بن سعيد المزني قال‪:‬‬
‫أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين راكبُا وأربعمائة‬‫نسأله الطعام فقال لعمر‪ :‬اذهب فأعطهم‪ ,‬فقال يا رسول الله ما‬
‫بقي إل آصع من تمر ما أرى أن يقيظني قال‪ :‬اذهب فأعطهم‪.‬‬
‫قال‪ :‬سمعًا وطاعة قال‪ :‬فأخرج عمر المفتاح من حجزته ففتح‬
‫الباب فإذا شبه الفصيل الرابض من تمر فقال‪ :‬لتأخذوا فأخذ كل‬
‫رجل منا ما أحب ثم التفت وكنت من آخر القوم وكأنا لم نرزأ‬
‫تمرة‪.‬‬
‫ومن ذلك حديث جابر في دين أبيه بعد موته‪ ،‬وقد كان بذل‬‫لغرماء أبيه أصل ماله‪ ،‬فلم يقبلوه‪ ،‬ولم يكن في تمرها سنين‬
‫كفاف دينهم‪ ،‬فجاءه النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن أمره‬
‫بجدها‪ ،‬وجعلها بيادر في أصولها‪ ،‬فمشى فيها‪ ،‬ودعا‪ ،‬فأوفى منه‬
‫جابر غرماء أبيه‪ ،‬وفضل مثل ما كانوا يجدون كل سنة‪.‬‬
‫وفي رواية مثل ما أعطاهم‪ ،‬قال‪ :‬وكان الغرماء يهود‪ ،‬فعجبوا‬‫من ذلك‪.‬‬
‫‪223‬‬

‫قلت رواه البخاري في كتاب الستقراض وأداء الديون والحجر‬
‫والتفليس؛ باب‪ :‬إذا قضى دون حقه أو حلله فهو جائز‪.‬‬
‫ حدثنا عبدان‪ :‬أخبرنا عبد الله‪ :‬أخبرنا يونس‪ ،‬عن الزهري قال‪:‬‬‫حدثني ابن كعب بن مالك‪ :‬أن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما‬
‫أخبره‪ :‬أن أباه قتل يوم أحد شهيدًا وعليه دين‪ ،‬فاشتد الغرماء‬
‫في حقوقهم‪ ،‬فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم‪ ،‬فسألهم أن‬
‫يقبلوا تمر حائطي ويحللوا أبي فأبوا‪ ،‬فلم يعطهم النبي صلى الله‬
‫عليه وسلم حائطي‪ ،‬وقال‪( :‬سنغدوا عليك)‪ .‬فغدا علينا حين‬
‫أصبح‪ ،‬فطاف في النخل ودعا في ثمرها بالبركة‪ ،‬فجددتها‬
‫فقضيتهم‪ ،‬وبقي لنا من تمرها‪.‬‬
‫وفي باب‪ :‬إذا قاص أو جازفه في الدين تمًرا بتمر أو غيره‪.‬‬
‫ حدثنا إبراهيم بن المنذر‪ :‬حدثنا أنس‪ ،‬عن هشام‪ ،‬عن وهب بن‬‫كيسان‪ ،‬عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه أخبره‪ :‬أن أباه‬
‫توفي وترك عليه ثلثين وسقًا لرجل من اليهود‪ ،‬فاستنظره جابر‬
‫فأبى أن ينظره‪ ،‬فكلم جابر رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫ليشفع له إليه‪ ،‬فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلم‬
‫اليهودي ليأخذ ثمر نخله بالذي له فأبى‪ ،‬فدخل رسول الله صلى‬
‫الله عليه وسلم النخل فمشى فيها‪ ،‬ثم قال لجابر‪( :‬جد له‪،‬‬
‫فأوف له الذي له)‪ .‬فجده بعد ما رجع رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم فأوفاه ثلثين وسقًا‪ ،‬وفضلت له سبعة عشر وسقًا‪ ،‬فجاء‬
‫جابر رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخبره بالذي كان‪،‬‬
‫فوجده يصلي العصر‪ ،‬فلما انصرف أخبره بالفضل‪ ،‬فقال‪( :‬أخبر‬
‫ذلك ابن الخطاب)‪ .‬فذهب جابر إلى عمر فأخبره‪ ،‬فقال له عمر‪:‬‬
‫لقد علمت حين مشى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫ليباركن فيها‪.‬‬
‫وقال أبو هريرة رضي الله عنه‪ :‬أصاب الناس مخمصة‪ .‬فقال لي‬‫رسول الله صلى الله عليه وسلم‪( :‬هل من شيء) قلت‪ :‬نعم‪،‬‬
‫شيء من التمر في المزود‪ .‬قال‪( :‬فأتني به)‪ ،‬فأدخل يده فأخرج‬
‫قبضة‪ ،‬فبسطها ودعا بالبركة‪ ،‬ثم قال‪ :‬ادع عشرة فأكلوا حتى‬
‫شبعوا‪ ،‬ثم عشرة كذلك‪ ،‬حتى أطعم الجيش كلهم وشبعوا‪ .‬قال‪:‬‬
‫(خذ ما جئت به‪ ،‬وأدخل يدك‪ ،‬واقبض منه ول تكبه)‪ ،‬فقبضت على‬
‫أكثر مما جئت به‪ ،‬فأكلت منه وأطعمت حياة رسول الله صلى‬
‫الله عليه وسلم‪ ،‬وأبي بكر‪ ،‬وعمر‪ ،‬إلى أن قتل عثمان‪ ،‬فانتهب‬
‫مني‪ ،‬فذهب‪.‬‬
‫وفي رواية‪ :‬فقد حملت من ذلك التمر كذا وكذا من وسق في‬‫سبيل الله‪.‬‬

‫‪224‬‬

‫وذكرت مثل هذه الحكاية في غزوة تبوك‪ ،‬وأن التمر كان بضع‬‫عشرة تمرة‪.‬‬
‫قلت رواه البيهقي في دلئل النبوة قال‪:‬‬
‫باب ما جاء في مزود أبي هريرة رضي الله عنه وما ظهر فيه‬
‫ببركة دعاء النبي من آثار النبوة‪.‬‬
‫أخبرنا أبو الحسن محمد بن أبي المعروف (السفرائيني) الفقيه‬
‫أنبأنا بشر ابن أحمد بن بشر حدثنا أحمد بن الحسين بن نصر‬
‫الحذاء حدثنا علي بن المديني حدثنا حماد بن زيد حدثنا المهاجر‬
‫مولى آل أبي بكرة عن أبي العالية عن أبي هريرة قال‪:‬‬
‫أتيت رسول الله بتمرات فقلت ادع لي فيهن بالبركة قال‬
‫فقبضهن ثم دعا فيهن بالبركة ثم قال‪ :‬خذهن فاجعلهن في مزود‪.‬‬
‫أو قال‪ :‬في مزودك‪ ,‬فإذا أردت أن تأخذ منهن فأدخل يدك فخذ‬
‫ول تنثرهن نثًرا‪ .‬قال فحملت من ذلك التمر كذا وكذا وسقًا في‬
‫سبيل الله وكنا نأكل ونطعم وكان المزود معلقا بحقوي ل يفارق‬
‫حقوي فلما قتل عثمان انقطع‪.‬‬
‫أخبرنا أبو الفتح هلل بن محمد بن جعفر الحفار أنبأنا الحسين‬
‫بن يحيى بن عباس القطان حدثنا حفص بن عمرو حدثنا سهيل‬
‫بن زياد أبو زياد حدثنا أيوب السختياني عن محمد بن سيرين عن‬
‫أبي هريرة قال‪ :‬كان رسول الله في غزوة فأصابهم عوز من‬
‫الطعام فقال‪ :‬يا أبا هريرة عندك شيء؟ قال‪ :‬قلت‪ :‬شيء من‬
‫تمر في مزود لي؛ قال‪ :‬جيىء به‪ ..‬قال فجئت بالمزود؛ قال‪:‬‬
‫هات نط ًعا‪ ...‬فجئت بالنطع فبسطته‪ ،‬فأدخل يده فقبض على‬
‫التمر فإذا هو إحدى وعشرون تمرة ثم قال‪ :‬بسم الله‪...‬فجعل‬
‫يضع كل تمرة ويسمى حتى أتى على التمر فقال به هكذا فجمعه‬
‫فقال‪ :‬ادع فلنا وأصحابه‪ ...‬فأكلوا حتى شبعوا وخرجوا؛ ثم قال‪:‬‬
‫ادع فلنا وأصحابه‪ ..‬فأكلوا وشبعوا وخرجوا؛ ثم قال‪ :‬ادع فلنا‬
‫وأصحابه‪ ..‬فأكلوا وشبعوا وخرجوا؛ وفضل تمر‪ .‬قال فقال لي‪:‬‬
‫اقعد‪ ..‬فقعدت‪ .‬فأكل وأكلت‪..‬‬
‫قال وفضل تمر فأخذه فأدخله في المزود فقال لي‪ :‬يا أبا هريرة‬
‫إذا أردت شيئًا فأدخل يدك فخذ ول تكفأ فيكفأ عليك‪ ..‬قال فما‬
‫كنت أريد تمًرا إل أدخلت يدي‪ ...‬فأخذت منه خمسين وسقًا في‬
‫سبيل الله وكان معلقًا خلف رجلي فوقع في زمان عثمان بن‬
‫عفان رضي الله عنه فذهب‪.‬‬
‫وأخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان أنبأنا أبو سهل بن زياد‬
‫القطان حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي حدثنا احمد بن عبدة‬
‫حدثنا سهل بن أسلم (ح)‬

‫‪225‬‬

‫وأنبأنا أبو الحسن علي بن محمد المقري أنبأنا الحسن بن محمد‬
‫ابن إسحاق حدثنا يوسف بن يعقوب القاضي حدثنا ابن الخطاب‬
‫حدثنا سهل ابن اسلم العذري عن زيد بن أبي منصور عن أبيه‬
‫عن أبي هريرة قال‪ :‬أصبت بثلث مصائب في السلم لم أصب‬
‫بمثلهن‪ :‬بموت النبي وكنت صويحبه‪ ،‬وقتل عثمان‪ ،‬والمزود‪...‬‬
‫قالوا‪ :‬وما المزود يا أبا هريرة؟ قال كنا ُ مع رسول الله في سفر‬
‫فقال‪ :‬يا أبا هريرة أمعك شيء؟ قال‪ :‬قلت تمًرا في مزود معي؛‬
‫قال‪ :‬جىء به فأخرجت منه تمًرا فأتيته قال فمسه فدعا فيه ثم‬
‫قال‪ :‬ادع عشرة‪...‬فدعوت عشرة‪ .‬فأكلوا حتى شبعوا‪ ..‬ثم كذلك‬
‫حتى أكل الجيش كله وبقي من تمر المزود قال‪ :‬يا أبا هريرة إذا‬
‫أردت أن تأخذ منه شيئا فأدخل يدك ول تكبه‪ ...‬قال فأكلت منه‬
‫حياة النبي‪ ،‬وأكلت منه حياة أبي بكر كلها‪ ،‬وأكلت منه حياة عمر‬
‫كلها‪ ،‬وأكلت منه حياة عثمان كلها‪ ..‬فلما قتل عثمان انتهب ما‬
‫في بيتي وانتهب المزود أل أخبركم أكلت أكلت منه أكثر من‬
‫مائتي وسق‪ .‬لفظ حديث المقرئ‬
‫ورواه الترمذي‪.‬‬
‫أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بتمرات فقلت‪ :‬يا رسول الله‬
‫ادع الله فيهن بالبركة‪ .‬فضمهن ثم دعا لي فيهن بالبركة فقال‪":‬‬
‫خذهن وأجعلهن في مزودك هذا أو في هذا المزود كلما أردت أن‬
‫تأخذ منه شيئا فأدخل فيه يدك فخذه ول تنثره نثًرا"‪...‬‬
‫فقد حملت من ذلك التمر كذا وكذا من وسق في سبيل الله‪..‬‬
‫فكنا نأكل منه ونطعم وكان ل يفارق حقوي حتى كان يوم قتل‬
‫عثمان فإنه انقطع‪..‬‬
‫قال أبو عيسى هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه وقد روي‬
‫هذا الحديث من غير هذا الوجه عن أبي هريرة‪.‬‬
‫وقال الشيخ اللباني‪ :‬حسن السناد‪ ..‬وسند الحديث‪ :‬حدثنا‬
‫عمران بن موسى القزاز حدثنا حماد بن زيد حدثنا المهاجر عن‬
‫أبي العالية الرياحي عن أبي هريرة قال‬
‫ومنه أيضا ً حديث أبي هريرة حين أصابه الجوع‪ ،‬فاستتبعه النبي‬‫صلى الله عليه وسلم‪ ،‬فوجد لبنا ً في قدح قد أهدي إليه وأمره أن‬
‫يدعو أهل الصفة‪.‬قال‪ :‬فقلت‪:‬ما هذا اللبن فيهم؟ كنت أحق أن‬
‫أصيب منه شربة أتقوى بها فدعوتهم‪.‬وذكر أمر النبي صلى الله‬
‫عليه وسلم أن يسقيهم‪ ،‬فجعلت أعطي الرجل فيشرب حتى‬
‫يروى‪ ،‬ثم يأخذه الخر حتى روي جميعهم‪ .‬قال‪ :‬فأخذ النبي صلى‬
‫الله عليه وسلم القدح‪ ،‬وقال‪ :‬بقيت أنا وأنت‪ ،‬اقعد فاشرب‪،‬‬
‫فشربت‪ ،‬ثم قال‪ :‬اشرب‪ ،‬وما زال يقولها وأشرب حتى قلت‪ :‬ل‪،‬‬

‫‪226‬‬

‫و الذي بعثك بالحق‪ ،‬ما أجد له مسلكا ً ‪،‬فأخذ القدح فحمد الله و‬
‫سمى وشرب الفضلة‪.‬‬
‫قلت‪ :‬رواه البخاري في كتاب الرقاق قال‪:‬‬
‫حدثني أبو نعيم بنحو من نصف هذا الحديث‪ :‬حدثنا عمر بن ذر‪:‬‬
‫حدثنا مجاهد‪ :‬أن أبا هريرة كان يقول‪ :‬آلله الذي ل إله إل هو‪ ،‬إن‬
‫كنت لعتمد بكبدي على الرض من الجوع‪ ،‬وإن كنت لشد الحجر‬
‫على بطني من الجوع‪ ،‬ولقد قعدت يوما ً على طريقهم الذي‬
‫يخرجون منه‪ ،‬فمر أبو بكر‪ ،‬فسألته عن آية من كتاب الله‪ ،‬ما‬
‫سألته إل ليشبعني‪ ،‬فمر ولم يفعل‪ ،‬ثم مر بي عمر‪ ،‬فسألته عن‬
‫آية من كتاب الله‪ ،‬ما سألته إل ليشبعني‪ ،‬فمر ولم يفعل‪ ،‬ثم مر‬
‫بي أبو القاسم صلى الله عليه وسلم‪ ،‬فتبسم حين رآني‪ ،‬وعرف‬
‫ما في نفسي وما في وجهي‪ ،‬ثم قال‪( :‬يا أبا هر)‪ .‬قلت‪ :‬لبيك يا‬
‫رسول الله‪ ،‬قال‪( :‬الحق)‪ .‬ومضى فاتَّبعته‪ ،‬فدخل‪ ،‬فأستأذن‪،‬‬
‫فأذن لي‪ ،‬فدخل‪ ،‬فوجد لبنا ً في قدح‪ ،‬فقال‪( :‬من أين هذا اللبن)‪.‬‬
‫قالوا‪ :‬أهداه لك فلن أو فلنة‪ ،‬قال‪( :‬أبا هر)‪ .‬قلت‪ :‬لبيك يا‬
‫رسول الله‪ ،‬قال‪( :‬الحق إلى أهل الصفة فادعهم لي)‪ .‬قال‪:‬‬
‫وأهل الصفة أضياف السلم‪ ،‬ل يأوون على أهل ول مال ول على‬
‫أحد‪ ،‬إذا أتته صدقة بعث بها إليهم ولم يتناول منها شيئاً‪ ،‬وإذا أتته‬
‫هدية أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها‪ ،‬فساءني ذلك‪،‬‬
‫فقلت‪ :‬وما هذا اللبن في أهل الصفة‪ ،‬كنت أحق أنا أن أصيب من‬
‫هذا اللبن شربة أتقوى بها‪ ،‬فإذا جاء أمرني‪ ،‬فكنت أنا أعطيهم‪،‬‬
‫وما عسى أن يبلغني من هذا اللبن‪ ،‬ولم يكن من طاعة الله‬
‫وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم بد‪ ،‬فأتيتهم فدعوتهم‬
‫فأقبلوا‪ ،‬فاستأذنوا فأذن لهم‪ ،‬وأخذوا مجالسهم من البيت‪ ،‬قال‪:‬‬
‫(يا أبا هر)‪ .‬قلت‪ :‬لبيك يا رسول الله‪ ،‬قال‪( :‬خذ فأعطهم)‪ .‬قال‪:‬‬
‫فأخذت القدح‪ ،‬فجعلت أعطيه الرجل فيشرب حتى يروى‪ ،‬ثم يرد‬
‫علي القدح‪ ،‬فأعطيه الرجل فيشرب حتى يروى‪ ،‬ثم يرد علي‬
‫القدح فيشرب حتى يروى‪ ،‬ثم يرد علي القدح‪ ،‬حتى انتهيت إلى‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم وقد روي القوم كلهم‪ ،‬فأخذ القدح‬
‫فوضعه على يده‪ ،‬فنظر إل َّ‬
‫ي فتبسم‪ ،‬فقال‪( :‬أبا هر)‪ .‬قلت‪ :‬لبيك‬
‫يا رسول الله‪ ،‬قال‪( :‬بقيت أنا وأنت)‪ .‬قلت‪ :‬صدقت يا رسول‬
‫الله‪ ،‬قال‪( :‬اقعد فاشرب)‪ .‬فقعدت فشربت‪ ،‬فقال‪( :‬اشرب)‪.‬‬
‫فشربت‪ ،‬فما زال يقول‪( :‬اشرب)‪ .‬حتى قلت‪ :‬ل والذي بعثك‬
‫بالحق‪ ،‬ما أجد له مسلكاً‪ ،‬قال‪( :‬فأرني)‪ .‬فأعطيته القدح‪ ،‬فحمد‬
‫الله وسمى وشرب الفضلة‪...‬‬
‫وفي حديث خالد بن عبد العزى أنه أجزر النبي صلى الله عليه‬‫وسلم شاةً‪ ،‬وكان عيال خالد كثيرا ً يذبح الشاة فل تُبِد ُّ عيالَه‬
‫‪227‬‬

‫عظما ً عظماً‪ ،‬وإن النبي صلى الله عليه وسلم أكل من هذه‬
‫الشاة وجعل فضلتها في دلو خالد‪ ،‬ودعا له بالبركة‪ ،‬فنثر ذلك‬
‫لعياله‪ ،‬فأكلوا وأفضلوا ـ ذكر خبره الدولبي‪.‬‬
‫وفي حديث الجري في إنكاح النبي صلى الله عليه وسلم لعلي‬‫فاطمة ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بلل ً بقصعة من‬
‫أربعة أمداد أو خمسة‪ ،‬ويذبح جزورا ً ليوليمتها ـ قال‪ :‬فأتيته بذلك‬
‫ة يأكلون منها حتى‬
‫ة ُرفق ً‬
‫فطعن في رأسها‪ ،‬ثم أدخل الناس ُرفق ً‬
‫فرغوا‪ ،‬وبقيت منها فضلة‪ ،‬فبَّرك فيها‪ ،‬وأمر بحملها إلى أزواجه‪،‬‬
‫وقال‪ :‬كلن وأطعمن من غشيكن‪.‬‬
‫وفي حديث أنس‪ :‬تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم‪،‬‬‫فصنعت أمي أم سليم حيساً‪ ،‬فجعلته في تور‪ ،‬فذهبت به إلى‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ ،‬فقال‪ :‬ضعه‪ ،‬وادع لي فلنا ً و‬
‫فلناً‪ ،‬ومن لقيت‪.‬‬
‫فدعوتهم‪ ،‬ولم أدع أحدا ً لقيته إل دعوته‪ ،‬وذكر أنهم كانوا زهاء‬
‫ثلثمائة حتى ملئوا الصفة والحجرة‪ ،‬فقال لهم النبي صلى الله‬
‫عليه وسلم‪ :‬تحلقوا عشرة عشرة‪ ،‬ووضع النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم يده على الطعام‪ ،‬فدعا فيه‪ ،‬وقال ما شاء الله أن يقول‪،‬‬
‫فأكلوا حتى شبعوا كلهم‪ ،‬فقال لي‪( :‬ارفع)‪ .‬فما أدري حين‬
‫وضعت كانت أكثر أم حين رفعت‪.‬‬
‫قلت‪ :‬متفق عليه‪ ،‬وقد سبق‪ ...‬كما أخرجه أصحاب السنن‪ ،‬وهذه‬
‫رواية الترمذي‪:‬‬
‫***تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل بأهله قال‬
‫سا فجعلته في تور فقالت‪ :‬يا أنس‬
‫فصنعت أمي أم سليم حي ً‬
‫أذهب بهذا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقل‪ :‬بعثت‬
‫إليك بها أمي‪ ،‬وهي تقرئك السلم‪ ،‬وتقول إن هذا لك منا لك‬
‫قليل يا رسول الله‪..‬قال فذهبت بها إلى رسول الله صلى الله‬
‫عليه وسلم فقلت‪ :‬إن أمي تقرئك السلم‪ ،‬وتقول إن هذا منا لك‬
‫قليل‪ ..‬فقال‪( :‬ضعه)‪ ،‬ثم قال‪(:‬اذهب فأدع لي فلنًا وفلنًا وفلنًا‬
‫ومن لقيت)‪ ..‬فسمى رجالً‪.‬‬
‫قال‪ :‬فدعوت من سمى ومن لقيت‪ ...‬قال قلت لنس عددكم كم‬
‫كانوا قال زهاء ثلثمائة قال وقال لي رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم‪ :‬يا أنس هات التور‪ ...‬قال فدخلوا حتى امتلت الصفة‬
‫والحجرة؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ :‬ليتحلق‬
‫عشرة عشرة وليأكل كل إنسان مما يليه‪ ..‬قال فأكلوا حتى‬
‫شبعوا‪..‬قال‪ :‬فخرجت طائفة ودخلت طائفة حتى أكلوا كلهم‪..‬‬
‫قال فقال لي‪ :‬يا أنس ارفع‪ ...‬قال‪ :‬فرفعت فما أدري حين‬
‫وضعت كان أكثر أم حين رفعت‪ ..‬قال‪ :‬وجلس منهم طوائف‬
‫‪228‬‬

‫يتحدثون في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم جالس وزوجته مولية وجهها إلى‬
‫الحائط فثقلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم على نسائه ثم رجع‬
‫فلما رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رجع ظنوا أنهم‬
‫قد ثقلوا عليه قال فابتدروا الباب فخرجوا كلهم‪ ..‬وجاء رسول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم حتى أرخى الستر ودخل؛ وأنا جالس‬
‫في الحجرة فلم يلبث إل يسيًرا حتى خرج علي‪ ..‬وأنزلت هذه‬
‫اليات فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأهن على‬
‫َ‬
‫َ َ‬
‫َ‬
‫م‬
‫منُوا َل تَد ْ ُ‬
‫ي إ ِ ّل أن يُؤْذ َ َ‬
‫ن لَك ُ ْ‬
‫خلُوا بُيُو َ‬
‫نآ َ‬
‫الناس (يَا أيُّهَا ال ّذِي َ‬
‫ت النَّب ِ ِ ّ‬
‫م‬
‫م فَاد ْ ُ‬
‫ن إِذ َا د ُ ِ‬
‫مت ُ ْ‬
‫خلُوا فَإِذ َا طَعِ ْ‬
‫عيت ُ ْ‬
‫ن إِنَاه ُ وَلَك ِ ْ‬
‫إِلَى طَعَام ٍ غَيَْر نَاظ ِْرِي َ‬
‫ث إ ِ َّ‬
‫ن يُؤْذِي النَّب ِ َّ‬
‫ي‬
‫حدِي ٍ‬
‫ستَأن ِ ِ‬
‫فَانت َ ِ‬
‫م كَا َ‬
‫ن لِ َ‬
‫م ْ‬
‫ن ذَلِك ُ ْ‬
‫شُروا وََل ُ‬
‫سي َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫متَاعاً‬
‫موهُ َّ‬
‫حيِي ِ‬
‫حيِي ِ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ست َ ْ‬
‫ست َ ْ‬
‫ق وَإِذ َا َ‬
‫ه َل ي َ ْ‬
‫فَي َ ْ‬
‫م وَالل ّ ُ‬
‫ن َ‬
‫سألْت ُ ُ‬
‫ح ِّ‬
‫منك ُ ْ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م وَقُلُوبِهِ َّ‬
‫سألُوهُ َّ‬
‫ن‬
‫من وََراء ِ‬
‫ن ِ‬
‫ما كَا َ‬
‫ح َ‬
‫فَا ْ‬
‫ن َو َ‬
‫م أطْهَُر لِقُلُوبِك ُ ْ‬
‫ب ذَلِك ُ ْ‬
‫جا ٍ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫من بَعْدِهِ أبَدا ً إ ِ َّ‬
‫سو َ‬
‫ن‬
‫ه ِ‬
‫حوا أْزوَا َ‬
‫ل الل ّهِ وََل أن تَنك ِ ُ‬
‫م أن تُؤْذ ُوا َر ُ‬
‫ج ُ‬
‫لَك ُ ْ‬
‫َ‬
‫عند َ الل ّهِ عَظِيماً) (الحزاب‪ ...)53 :‬قال الجعد قال‬
‫ن ِ‬
‫م كَا َ‬
‫ذَلِك ُ ْ‬
‫أنس‪ :‬أنا أحدث الناس عهدًا بهذه اليات وحجبن نساء رسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح‬
‫والجعد هو بن عثمان ويقال هو بن دينار ويكنى أبا عثمان بصري‬
‫وهو ثقة عند أهل الحديث روى عنه يونس بن عبيد وشعبة وحماد‬
‫بن زيد‪ .‬قال الترمذي‪ :‬حسن صحيح‪.‬‬
‫وأكثر أحاديث هذه الفصول الثلثة في الصحيح‪ .‬وقد اجتمع على‬‫معنى حديث هذا الفصل بضعة عشر من الصحابة‪ ،‬رواه عنهم‬
‫أضعافهم من التابعين‪ ،‬ثم من ل ينعد بعدهم‪.‬‬
‫وأكثرها في قصص مشهورة‪ ،‬ومجامع مشهودة‪ ،‬ول يمكن‬
‫التحدث عنها إل بالحق‪ ،‬ول يسكت الحاضر لها على ما أنكر منها‪.‬‬
‫الفصل الخامس عشر‪:‬‬
‫في كلم الشجرة وشهادتها له بالنبوة وإجابتها دعوته‬
‫قال القاضي عياض* حدثنا أحمد بن محمد بن غلون الشيخ‬
‫الصالح فيما أجاز فيه عن أبي عمر الطلمنكي‪ ،‬عن أبي بكر بن‬
‫المهندس‪ ،‬عن أبي القاسم البغوي‪ ،‬حدثنا أحمد بن عمران‬
‫الخنسي‪ ،‬حدثنا أبو حيان التيمي ـ وكان صدوقاً‪،‬عن مجاهد‪،‬عن‬
‫ابن عمر‪ ،‬قال‪ :‬كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في‬
‫سفره‪ ،‬فدنا منه أعرابي‪ ،‬فقال‪:‬يا أعرابي‪ ،‬أين تريد؟ قال‪ :‬إلى‬
‫أهلي‪ .‬قال‪ :‬هل لك إلى خير؟ قال‪ :‬وما هو؟ قال‪ :‬تشهد أن ل إله‬
‫إل الله وحده ل شريك له‪ ،‬وأن محمدا ً عبده ورسوله ـ قال‪ :‬من‬

‫‪229‬‬

‫يشهد لك على ما تقول؟ قال‪ :‬هذه الشجرة السمرة‪ ،‬وهي‬
‫بشاطئ الوادي‪ ،‬وادع ُها فإنها تجيبك‪.‬‬
‫فأقبلت تخد الرض حتى قامت بين يديه‪ ،‬فاستشهدها ثلثاً‪،‬‬
‫فشهدت أنه كما قال‪ ،‬ثم رجعت إلى مكانها‪.‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ه صلى الله عليه‬
‫ما أكَْر َ‬
‫ه بِهِ نَبِي َّ ُ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫قلت‪ :‬رواه الدارمي ‪ -‬باب َ‬
‫مان ال َّ‬
‫ن‪:‬‬
‫وسلم ِ‬
‫ش َ‬
‫جرِ بِهِ وَالْبَهَائِم ِ وَال ْ ِ‬
‫ج ِّ‬
‫ن إِي َ ِ‬
‫م ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ح َّ‬
‫ح َّ‬
‫ن‬
‫ أَ ْ‬‫حي ّا َ‬
‫حد ّثَنَا أبُو َ‬
‫ل َ‬
‫ن فُ َ‬
‫م َ‬
‫ف َ‬
‫ن طرِي ٍ‬
‫م َ‬
‫حد ّثَنَا ُ‬
‫خبََرنَا ُ‬
‫ضي ْ َ ٍ‬
‫مد ُ ب ْ ُ‬
‫مد ُ ب ْ ُ‬
‫مَر قَا َ‬
‫ل الل ّهِ صلى الله عليه‬
‫ن ع َطَاءٍ ع َ‬
‫ن اب ْ‬
‫معَ َر ُ‬
‫ل‪ :‬كُنَّا َ‬
‫ن عُ َ‬
‫سو ِ‬
‫عَ ْ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ُ َّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ى فَل َ َّ‬
‫ه قَا َ‬
‫سفَرٍ فَأقْب َ َ‬
‫ل أعَْراب ِ ٌّ‬
‫سول اللهِ‬
‫ما دَنَا ِ‬
‫وسلم فِي َ‬
‫ه َر ُ‬
‫ل لَ ُ‬
‫من ْ ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ل « هَ ْ‬
‫ل إِلى أهْلِى‪ .‬قَا َ‬
‫ن تُرِيد ُ »‪ .‬قَا َ‬
‫ل‬
‫صلى الله عليه وسلم‪ « :‬أي ْ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫حدَه ُ لَ‬
‫لَ َ‬
‫ما هُوَ قَا َ‬
‫خيْرٍ »‪ .‬قَا َ‬
‫ل « تَ ْ‬
‫ك فِى َ‬
‫ه وَ ْ‬
‫شهَد ُ أ ْ‬
‫ه إِل ّ الل ّ ُ‬
‫ن ل َ إِل َ َ‬
‫ل َو َ‬
‫ه وَأ َ َّ‬
‫شرِي َ‬
‫ح َّ‬
‫ه »‪ .‬فَقَا َ‬
‫ن يَ ْ‬
‫َ‬
‫ما‬
‫م َ‬
‫مدا ً ع َبْدُه ُ وََر ُ‬
‫شهَد ُ ع َلَى َ‬
‫ل َوَ َ‬
‫سول ُ ُ‬
‫ن ُ‬
‫ك لَ ُ‬
‫م ْ‬
‫ل « هَذِهِ ال َّ‬
‫سو ُ‬
‫ل قَا َ‬
‫تَقُو ُ‬
‫ل الل ّهِ صلى الله عليه‬
‫م ُ‬
‫ة »‪ .‬فَدَع َاهَا َر ُ‬
‫سل َ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ى بِ َ‬
‫ت‬
‫ض َ‬
‫ت تُ ُ‬
‫خدًّا َ‬
‫م ْ‬
‫حتَّى قَا َ‬
‫ئ الْوَادِى فَأقْبَل َ ْ‬
‫خد ُّ الْر َ‬
‫شاط ِ ِ‬
‫وسلم وَه ِ َ‬
‫َ‬
‫ل ث ُ َّ‬
‫ما قَا َ‬
‫شهَدَهَا ثَلَثا ً فَ َ‬
‫ست َ ْ‬
‫ت‬
‫م َر َ‬
‫ن يَدَيْهِ فَا ْ‬
‫جعَ ْ‬
‫ه كَ َ‬
‫ت ثَلَثا ً أن َّ ُ‬
‫شهِد َ ْ‬
‫بَي ْ َ‬
‫َ‬
‫ن اتَّبَعُونِى أتَيْت ُ َ‬
‫مهِ وَقَا َ‬
‫م‬
‫جعَ الَعَْراب ِ ُّ‬
‫و ِ‬
‫منْبَتِهَا وََر َ‬
‫ك بِهِ ْ‬
‫إِلَى َ‬
‫ل إِ ِ‬
‫ى إِلَى قَ ْ‬
‫َ‬
‫معَ َ‬
‫ك‪..‬‬
‫وَإِل ّ َر َ‬
‫ت َ‬
‫ت فَكُن ْ ُ‬
‫جعْ ُ‬
‫وعن بريدة‪ :‬سأل أعرابي النبي صلى الله عليه وسلم آية‪ ،‬فقال‬‫له‪ :‬قل لتلك الشجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوك‪.‬‬
‫قال‪ :‬فمالت الشجرة عن يمينها وشمالها وبين يديها وخلفها‪،‬‬
‫فتقطعت عروقها‪ ،‬ثم جاءت تخد الرض تجر مغبرة ً حتى وقفت‬
‫بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ ،‬فقالت‪ :‬السلم‬
‫عليك يا رسول الله‪.‬‬
‫قال العرابي‪ :‬مرها فلترجع إلى منبتها‪ ،‬فرجعت‪ ،‬فدلت عروقها‬
‫فاستوت‪.‬‬
‫فقال العرابي‪ :‬ائذن لي أسجد لك‪.‬‬
‫قال‪ :‬لو أمرت أحدا ً أن يسجد لحد لمرت المرأة أن تسجد‬
‫لزوجها‪.‬‬
‫قال‪ :‬فأذن لي أن أقبل يديك ورجليك‪ ،‬فأذن له‪.‬‬
‫مراً‬
‫تآ ِ‬
‫وقفة مع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم‪" :‬لَوْ كُن ْ ُ‬
‫أ َحدا ً أ َن يسجد ِل َحد‪َ ،‬ل َمرت ال ْ َ‬
‫جهَا"‪:‬‬
‫ْ َ ْ ُ َ َ ٍ‬
‫س ُ‬
‫مْرأة َ أ ْ‬
‫َ‬
‫ن تَ ْ‬
‫جد َ لَِزوْ ِ‬
‫َ‬
‫َ ْ ُ‬
‫رواه أبو داود ‪ -‬في كتاب النكاح‪ ،‬باب في حق الزوج على‬
‫المرأة؛ قال‪:‬‬
‫ـ حدثنا عمرو بن عون‪ ،‬أخبرنا إسحاق بن يوسف الزرق‪ ،‬عن‬
‫شريك‪ ،‬عن حصين‪ ،‬عن الشعبي عن قيس بن سعد قال‪:‬‬
‫ن لهم‪ ،‬فقلت‪ :‬رسول اللّه‬
‫أتيت الحيرة فرأيتهم يسجدون لمرزبا ٍ‬
‫أحقُّ أن يسجد له‪ ،‬قال‪ :‬فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم‬
‫‪230‬‬

‫ن لهم‪ ،‬فأنت يا‬
‫فقلت‪ :‬إني أتيت الحيرة فرأيتهم يسجدون لمرزبا ٍ‬
‫رسول اللّه أحق أن نسجد لك‪ ،‬قال‪" :‬أرأيت لو مررت بقبري‬
‫أكنت تسجد له؟" قال‪ :‬قلت‪ :‬ل‪ ،‬قال‪" :‬فل تفعلوا‪ ،‬لو كنت آمراً‬
‫أحدا ً أن يسجد لحد ٍ لمرت النساء أن يسجدن لزواجه َّ‬
‫ن؛ لما‬
‫جعل اللّه لهم عليه َّ‬
‫ق"‪.‬‬
‫ن من الح ِ ّ‬
‫ورواه ابن ماجه ‪ -‬في كتاب النكاح باب حق الزوج على المرأة؛‬
‫قال‪:‬‬
‫ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة‪ .‬حدثنا عفان‪ .‬حدثنا حماد بن‬‫سلمة‪ ،‬عن علي بن زيد ابن جدعان‪ ،‬عن سعيد بن المسيب‪ ،‬عن‬
‫عائشة؛‬
‫ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‪(( :‬لو أمرت أحدا أن‬‫يسجد لحد‪ ،‬لمرت المرأة أن تسجد لزوجها‪ .‬ولو أن رجل ً أمر‬
‫امرأة أن تنقل من جبل أحمر إلى جبل أسود‪ ،‬ومن جبل أسود‬
‫إلى جبل أحمر‪ ،‬لكان نولها أن تفعل))‪.‬‬
‫في الزوائد‪ :‬في إسناده علي بن زيد‪ ،‬وهو ضعيف‪ .‬لكن للحديث‬
‫طرق أخر‪ .‬وله شاهدان من حديث طلق بن علي‪ .‬رواه الترمذي‬
‫والنسائي‪ .‬ومن حديث أم سلمة‪ ،‬رواه الترمذي وابن ماجة‪.‬‬
‫ حدثنا أزهر بن مروان‪ .‬حدثنا حماد بن زيد‪ ،‬عن أيوب‪ ،‬عن‬‫القاسم الشيباني‪ ،‬عن عبد الله بن أبي أوفى؛ قال‪:‬‬
‫ لما قدم معاذ من الشام سجد للنبي صلى الله عليه وسلم‪.‬‬‫قال‪((:‬ما هذا يا معاذ؟)) قال‪ :‬أتيت الشام فوافقتهم يسجدون‬
‫لساقفتهم وبطارقتهم‪ .‬فوددت في نفسي أن نفعل ذلك بك‪.‬‬
‫فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪(( :‬فل تفعلوا‪ .‬فإني لو‬
‫كنت آمرا أحد أن يسجد لغير الله‪ ،‬لمرت المرأة أن تسجد‬
‫لزوجها‪ ...‬والذي نفس محمد بيده! ل تؤدي المرأة حق ربها حتى‬
‫تؤدي حق زوجها ولو سألها نفسها‪ ،‬وهي على قتب لم تمنعه))‪.‬‬
‫في الزوائد‪ :‬رواه ابن حبان في صحيحه‪ .‬قال السندي‪ :‬كأنه يريد‬
‫أنه صحيح السناد‪.‬‬
‫ورواه الدارمي ‪-‬في كتاب الصلة باب النهي ان يسجد لحد؛ قال‪:‬‬
‫ أخبرنا عمرو بن عون ثنا إسحاق الزرق عن شريك عن حصين‬‫عن الشعبي عن قيس بن سعد قال أتيت الحيرة فرأيتهم‬
‫يسجدون لمرزبان لهم فقلت‪ :‬يا رسول الله أل نسجد لك‪،‬‬
‫فقال‪ ":‬لو أمرت أحدا لمرت النساء ان يسجدن لزواجهن لما‬
‫جعل الله عليهن من حقهم"‪.‬‬
‫ أخبرنا محمد بن يزيد الحزام ثنا حبان بن علي عن صالح بن‬‫حبان عن أبي بريدة عن أبيه قال جاء أعرابي إلى النبي صلى‬

‫‪231‬‬

‫الله عليه وسلم‪ ،‬فقال‪ :‬يا رسول الله ائذن لي فلسجد لك؛ قال‪:‬‬
‫(لو كنت آمرا أحدا يسجد لحد لمرت المرأة تسجد لزوجها)‬
‫ورواه الترمذي ‪ -‬في أبواب مختلفة في النكاح باب ما جاء في‬
‫حق الزوج على المرأة‪ .‬قال‪:‬‬
‫ حدثنا محمود بن غيلن‪ .‬أخبرنا النضر بن شميل‪ .‬أخبرنا محمد‬‫بن عمرو‪ ،‬عن أبي سلمة‪ ،‬عن أبي هريرة‪،‬‬
‫ عن النبي صلى الله عليه وسلم ‪ ،‬قال‪" :‬لو كنت آمرا أحدا أن‬‫يسجد لحد‪ ،‬لمرت المرأة أن تسجد لزوجها"‪.‬‬
‫وفي الباب عن معاذ بن جبل وسراقة بن مالك بن جعشم‬
‫وعائشة وابن عباس وعبد الله بن أبي أوفى وطلق بن علي وأم‬
‫سلمة وأنس وابن عمر‪ .‬حديث أبي هريرة حديث حسن غريب‬
‫من هذا الوجه‪ ،‬من حديث محمد بن عمرو‪ ،‬عن أبي سلمة‪ ،‬عن‬
‫أبي هريرة‪.‬‬
‫ورواه البيهقي ‪ -‬ما جاء في عظم حق الزوج على المرأة؛ قال‪:‬‬
‫ أخبرنا أبو طاهر الفقيه أنا أبو حامد أحمد بن محمد بن يحيى‬‫البزاز نا أحمد بن منصور المروزي ثنا النضر بن شميل أنا محمد‬
‫بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه‬
‫قال‪ ،‬قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‪( :‬لو كنت آمرا أحد‬
‫أن يسجد لحد لمرت المرأة أن تسجد لزوجها لما عظم الله من‬
‫حقه عليها)‪.‬‬
‫ أخبرنا محمد بن محمد بن محمش الزيادي أنا أبو بكر محمد‬‫الحسين القطان نا أحمد بن يوسف السلمي نا عبد الرحمن بن‬
‫أي بكر النخعي حدثني أبي نا حصين بن عبد الرحمن السلمي‬
‫عن عامر الشعبي عن قيس قال قدمت الحيرة فرأيت أهلها‬
‫يسجدون لمرزبان لهم فقلت نحن كنا أحق أن نسجد لرسول الله‬
‫صلى الله عليه وسلم فلما قدمت عليه أخبرته بالذي رأيت قلت‬
‫نحن كنا أحق أن نسجد لك فقال‪ :‬ل تفعلوا أرأيت لو مررت‬
‫بقبري أكنت ساجدًا قلت‪ :‬ل قال‪ :‬فل تفعلوا فإني لو كنت آمرا‬
‫أحدا أن يسجد لحد لمرت النساء أن يسجدن لزواجهن لما جعل‬
‫الله من حقهم عليهن‪...‬‬
‫رواه غيره عن شريك فقال عن قيس بن سعد‪.‬‬
‫ورواه الحاكم ‪ -‬في كتاب النكاح‬
‫حدثنا محمد بن صالح بن