‫المعارضة التونسية‪:‬‬

‫نشأتها وتطورها‬

‫البريد‬

‫الحقوق كافة‬
‫مـحــــفــــوظـة‬
‫لتـحــاد الـكـتـاب‬
‫الــعـرب‬

‫اللكتروني‪:‬‬

‫‪: unecriv@net.sy E-mail‬‬

‫‪aru@net.sy‬‬
‫موقع اتحاد الكّتاب العرب على شبكة النترنت‬
‫‪http://www.awu-dam.org‬‬

‫‪‬‬

‫‪-2-‬‬

‫توفيق المديني‬

‫المعارضة التونسية‪:‬‬

‫نشأتها وتطورها‬
‫‪ -‬دراســــة ‪-‬‬

‫من منشورات اتحاد الكتاب العرب‬
‫دمشق ‪2001 -‬‬

‫‪-3-‬‬

-4-

‫توطئــــــــــة‬
‫يتناول هذا الكتاب أزمة المعارضات التونسية علــى اختلف‬
‫مشاربها الفكرية واليديولوجية و السياسية بجوانبهـا المختلفـة‪.‬‬
‫ففي تو نس أزمتان ‪ :‬أزمة السلطة وأزمة المعارضة‪ :‬فل يمكن‬
‫الحــديث عــن أزمــة الســلطة مــن دون الحــديث عــن أزمــة‬
‫المعارضة‪ ،‬ذلك أن العلقة بين الســلطة والمعارضــة تعــبر فــي‬
‫سيرورة التطور التاريخي عن مستوى الحياة السياســية‪ ،‬وعــن‬
‫خصائص المجال السياســي للمجتمــع التونســي‪ ،‬ومــن ثــم عــن‬
‫درجة تقدمه وارتقائه ‪.‬‬
‫ولهذه الزمة أبعادها السياسية و الجتماعية و اليديولوجية‪،‬‬
‫وكثيرا ً ما يقترن الحديث عن مســائل المعارضــة التونســية عــن‬
‫أزمتها كدللة على لحظة انكسارها السياسي والتاريخي‪ ،‬حيــث‬
‫أنهــا تعيــش الن زمن ـا ً سياســيا ً راكــدا ً وميت ـًا‪ ،‬هــو زمــن أزمتهــا‬
‫السياسية واليديولوجيــة‪ ،‬والثقافيــة العميقــة‪ ،‬بعــد أن ســقطت‬
‫معظـم سـلطاتها المرجعيـة المعرفيـة واليديولوجيـة‪ ،‬وأصـيبت‬
‫بالفلس التاريخي‪ ،‬وبحالــة مــن الســلفية‪ ،‬بحثـا ً عــن ســند مــن‬
‫الشــرعية‪ .‬وبـالمعنى الكــثر مباشـرة والكــثر التصـاقا ً بـالواقع‪،‬‬
‫عجــزت أحــزاب المعارضــة التونســية‪ ،‬علــى اختلف منابعهــا‬
‫الفكرية و السياسية‪ ،‬عن القراءة العقلنية والتاريخية الجديــدة‪،‬‬
‫العلميــة والتجديديــة‪ ،‬للمســائل المعنيــة والتحــديات الداخليــة‬
‫والخارجية‪ ،‬وأخصها تحدي السلم الصولي‪ ،‬الـذي يعتــبر أقــوى‬
‫التحــديات المطروحــة علــى الفكــر العربــي المعاصــر‪ ،‬الــتي‬
‫تطرحها مرحلة التطور‪ ،‬التي يمثلها الواقع السياسي والتاريخي‬
‫التونسي ‪.‬‬
‫ولما كان حجم المأســاة التونســية ل ينعكــس علــى ســطح‬
‫الستبداد الذي تمارسه الدولةالتو نسية فقط‪ ،‬بقدر ما ينعكــس‬
‫أيضا ً على سطح العجز والرتباك الــذي تعــانيه قــوى المعارضــة‬
‫التونســية‪ ،‬فقــد ركــزت فــي هــذا الكتــاب علــى دراســة برامــج‬
‫أحزاب المعارضــة‪ ،‬والتــدقيق فــي وثائقهــا ونشــراتها ونشــاطها‬
‫الفكري ‪ -‬الثقافي و السياســي‪ ،‬واكتشــفت عجــزا ً فاحش ـا ً فــي‬
‫معظم الحالت‪ .‬وتقتضـي النظـرة الموضـوعية منـا‪ ،‬أن ل نـرى‬
‫جانبا ً واحدا ً مــن أزمــة المعارضــة النــاجم عــن القصــور الــذاتي‬
‫للحزاب والقوى السياسية‪ ،‬لجهة عــدم قــدرتها علــى اكتشــاف‬
‫طريق إنجــاز أهــداف الشــعب‪ ،‬واكتشــاف البرنامــج اللزم فــي‬
‫مرحلة معينة‪ ،‬والسلوب اللزم لتحقيــق هــذا البرنامــج‪ ،‬بــل إن‬
‫أزمة المعارضة في جانب آخر هي نتيجة ومحصلة لمــا مارســته‬
‫الدولة التونسية خلل فترة حكمها الطويلة‪ ،‬خصوصا ً منذ بدايــة‬
‫عقد التسعينات‪ ،‬حين أقصت السياسة عن المجتمع‪ ،‬المر الذي‬
‫قاد إلى أن يصبح المواطن العادي مشغول ً باللهــاث وراء لقمــة‬
‫العيش بعيدا ً عن السياسة وهمومها ‪.‬‬
‫إن ظـــروف الزمـــة وإســـقاطاتها علـــى صـــعيد أحـــزاب‬

‬‬ ‫إن مفتاح بنــاء معارضــة عقلنيــة هــو توســيع مفهــوم النقــد‬ ‫والنقد الــذاتي‪ .‬‬ ‫النقد الذاتي يعنــي نقــد الــذات‪ ،‬أي نقــد الحــزب المعــارض‬ ‫أفكارًا‪ ،‬ومفاهيمًا‪ ،‬وبرنامجًا‪ ،‬وبنية تنظيمية‪ ،‬واختيارا ً إيــديولوجيا ً‬ ‫ة‪ .‬أمــا مــن يراهــن علــى‬ ‫الجماهير فإن تجربة الجتماع السياسي الوطني بعد الســتقلل‬ ‫تثبــت أن الشــارع التونســي ل يمثــل حلقــة أساســية فــي قلــب‬ ‫‪-6-‬‬ .‬‬ ‫ونستطيع أن نقول اليوم بأن القمــع سـائد فـي كــل مكـان مـن‬ ‫تونس‪ ،‬وأن القضاء موجود‪ ،‬ولكنه عــاجز أو متــواطئ مــع قــوى‬ ‫القمع‪ ،‬وأنه حين يحاول ممارسة دوره يصــطدم بــأجهزة القمــع‬ ‫العاتية‪ .‬وإذا كان القمع يسود بدرجة كــبيرة‪ ،‬والقضــاء قــد فقــد‬ ‫استقلله‪ ،‬وفي معظم الحيان نزاهته‪ ،‬والمؤسسات الدســتورية‬ ‫قد تحولت إلى « صورة هزيلة مكشوفة » والرأي العــام قــد «‬ ‫ت إلى « أتبــاع‬ ‫ب » والمنظمات والنقابات والحزاب قد ُ‬ ‫غ ُي ّ َ‬ ‫ول ْ‬ ‫ح ِ‬ ‫تفـترس مـا تبقــى مـن‬ ‫» فإن هذا كله لم يرض الدولة‪ ،‬فراحت‬ ‫حريات شكلية‪ .‬وهذا يتطلب التفكير بروح نقدية بحقائقه وحاجــاته‪،‬‬ ‫من أجل بلورة فكــر سياســي ديمقراطــي يقــدم أجوبــة لتجــاوز‬ ‫التحديات المطروحة على نطاق المجتمع ككل ‪.‬وبينمــا انعقــدت‬ ‫المال علــى تحقيــق المزيــد مــن الديمقراطيــة بانقشــاع غيــوم‬ ‫الستبداد البورقيبي والتبعية ومجيء سلطة السابع من نوفمبر‪،‬‬ ‫فإن الحداث السياسية أثبتــت أن كــل التطــورات الــتي حــدثت‬ ‫في تونس طيلة عقد التسعينات لم تســهم فــي حــل إشــكالت‬ ‫الديمقراطيــة‪ ،‬بــل زادتهــا تعقيــدا ً الدولــة التونســية اقائمــة‪.‬فالنقــد والنقــد الــذاتي يعنــي أو ً‬ ‫ل‪ ،‬النقــد للواقــع‬ ‫ببعديه الزماني والمكـاني‪ ،‬ونقـد الخـر‪ ،‬لن الـوعي بـالخر هـو‬ ‫شــرط للــوعي مفهومـا ً فهمـا ً جــدليا ً صــحيحًا‪ ،‬أي وعــي الــذات‬ ‫بدللة الخر‪ ،‬بما في ذلك الخصم والعدو‪ .‬‬ ‫وسياسيا ً وأدا ً‬ ‫وهكذا يبدو لنا أن النقد والنقد الذاتي هو تعبير عن علقة جدلية‬ ‫بين الذات والموضوع‪ ،‬مع العتبار أن الموضوع هــو أيض ـا ً ذات‪،‬‬ ‫أي أن لـه منطق‪ ،‬مثلما الذات الواعية هي أيضا ً موضوع ‪.‬وهذا هــو النقــد الــذاتي مفهومـا ً فهمـا ً صــحيحًا‪.‫المعارضــة التونســية وكــذلك ظــروف الحيــاة الديمقراطيــة‬ ‫المعاصــرة‪ ،‬وموجباتهــا‪ ،‬والحاجــات المتبادلــة لتحقيــق التنميــة‬ ‫القتصادية‪ ،‬تتطلب بناء مجتمع مدني ومتحرر في الــوقت عينــه‬ ‫مـــن هيمنـــة الدولـــة عليـــه فـــي كافـــة المجـــالت‪ ،‬ذلـــك أن‬ ‫الديمقراطية ل تتحقــق إل شــريطة اســتقلل المجتمــع المــدني‬ ‫عن الدولة‪ .‬أليس الخصم والعــدو‬ ‫جـزء مـن هويـتي الشخصـية‪ ،‬أو الحزبيـة‪ ،‬معنـى هـذا أن إلغـاء‬ ‫الخر‪ ،‬إلغاء تاما‪ ،‬أو قتله‪ ،‬أو تصفيته‪ ،‬هو أيضا ً قتل الذات‪ ،‬وهنــا‬ ‫تصبح السياسة عملية تنافي وتعادم ‪.‬ومـن دون‬ ‫ولدة هذا الطرف ستبقى المبــادرة فــي يــد الســلطة حــتى لــو‬ ‫تحــرك الشــارع كمــا بــدأ يحــدث الن‪ .‬‬ ‫غيــر أن خــوض معركــة الديمقراطيــة يتطلــب وجــود قــوى‬ ‫سياســية واجتماعيــة تســتطيع تعــديل مــوازين القــوى القائمــة‪،‬‬ ‫وتفرض علـى السـلطة تقـديم التنـازلت المطلوبـة‪ .‬‬ ‫إن اســـتخدام النقـــد والنقـــد الـــذاتي بفاعليـــة مشـــروطة‬ ‫باستمرار هذه العملية‪ ،‬وتواصلها‪ ،‬ذلك أن الواقــع متغيــر بحكــم‬ ‫نوابضه‪ ،‬وبنية أحزاب المعارضة متغيرة‪ ،‬ودون استمرار عمليــة‬ ‫النقــد والنقــد الــذاتي‪ ،‬تتخلــف الحــزاب عــن الواقــع‪ ،‬أو يتقــدم‬ ‫الواقع على أحزاب المعارضة‪ ،‬ول فرق هنا من حيث النتائج ‪.‬‬ ‫إن المواطنين التونســيين يعــانون مــن غيــاب الديمقراطيــة‬ ‫مثلهم في ذلــك مثــل كــل المــواطنين العــرب‪ .‬من هنا فــإن كــل القــوى المعارضــة الوطنيــة و‬ ‫الديمقراطية و السلمية مــدعوة إلــى اعتبــار معركــة الحريــات‬ ‫الديمقراطية معركتهــا‪ ،‬ومطالبــة بالتحــاد علــى محاربــة القمــع‬ ‫وتعبئة الجماهير الشعبية لمواجهة كل أشكال الطغيـان‪.

‬‬ ‫وتشهد المعارضــة التونســية اليــوم هزيمــة تاريخيــة عادلــة‪،‬‬ ‫وتمثل التحليلت النقدية النظرية والسياسية حول هذه الهزيمة‬ ‫التامـة والشـاملة‪ ،‬شـرطا ً لزمـا ً لتجاوزهـا‪ ،‬مثلمـا التفكيــر فـي‬ ‫مستلزمات تغيير الواقع التونسي جذريا ً شرطا ً لزما ً لكل تفكير‬ ‫في الهزيمة ‪.‫توطئــــــة‬ ‫مــوازين القــوى‪ ،‬وأنــه فــي المــرات القليلــة الــتي نزلــت فيهــا‬ ‫الحشود الشعبية محتجة في الشوارع سـرعان مـا رجعـت إلــى‬ ‫بيوتها بأقــل المكاســب وأكــبر الضــرار‪ .‬فالشــارع فــي بلدنــا ل‬ ‫يملــك تقاليــد الحتجــاج المــدني والسياســي – وهــو فــي حــال‬ ‫الشارع العربي عموما ً – ما يمكنه من أن يــذهب نحــو القصــى‬ ‫مــا لضــعف الــوعي أو لغيــاب التــأطير أو‬ ‫فــي فــرض مطــالبه‪ ،‬إ ّ‬ ‫لمنزع إصلحي عميق مترسب في الثقافة السياسية في بلدنا‪،‬‬ ‫وهــو مــا يطــرح علــى النخبــة الوطنيــة والقــوى الحيــة مراجعــة‬ ‫حقيقية وعميقة لمنطلقات رؤيتها وبرامج عملها الميدانية‪ ،‬على‬ ‫حد قول أحمد المناعي ونور الدين ختروش‪ ،‬في مقالتهمــا عــن‬ ‫تــونس الــتي نشــرت بجريــدة الحيــاة تحــت عنــوان‪ «:‬نهايــة‬ ‫الحقوقي وبداية السياسي »‪.‬‬ ‫‪‬‬ ‫‪-7-‬‬ .

‫القســـم الّول‬ ‫المعارضــة القوميــة‬ .

‫المعارضة القومية‬ .

‬وعاشت تــونس فــترة مخــاض عســيرة بيــن ‪3‬‬ ‫حزيران ‪ 1955‬و ‪ 20‬آذار‪/‬مارس ‪ ،1956‬تاريخ استقلل تونس‪،‬‬ ‫حيـــث تفجـــرت كـــل التناقضـــات اليديولوجيـــة و السياســـية‬ ‫والشخصــية‪ ،‬الــتي كــانت الحركــة الوطنيــة قــد طمســتها خلل‬ ‫مرحلة تأطيرها وتجنيــدها لكــل القــوى الحيــة مــن أجــل خــوض‬ ‫معركة التحرر الوطني‪ ،‬والظفر بالستقلل‪.( 482‬‬ .1‬مكونات الحركة اليوسفية ‪:‬‬ ‫تعود جذور الحركة اليوسفية إلـى بدايات هــذا القــرن حيــن‬ ‫تشكل الحزب الحر الدســتوري ســنة ‪ ،1920‬علــى يــد الزعيــم‬ ‫عبد العزيز الثعالبي‪ ،‬الذي كان من أركان الصلح الجتمــاعي و‬ ‫القتصادي‪ ،‬والصلح الفكري الديني في تونس‪ ،‬وكــان متشــبثا ً‬ ‫بالتراث العربي السلمي‪ ،‬كمصدر للتشريع‪ ،‬ومؤمنا ً بأن العرب‬ ‫أمة واحدة ل بد أن تتوحد‪ .‬‬ ‫وهكــذا‪ ،‬تفجــر الصــراع بيــن جنــاح الحــبيب بورقيبــة رئيــس‬ ‫الحزب الحر الدستوري الجديد‪ ،‬الذي كان من أشــد المــدافعين‬ ‫عن التسـوية السياسـية مـع السـتعمار الفرنسـي‪ ،‬وبيـن جنـاح‬ ‫صالح بن يوســف الميــن العــام للحــزب‪ ،‬الــذي كــان مــن أشــد‬ ‫المعارضين لهذه التسوية‪ .‬فالحركة اليوسفية هــي أحــد‬ ‫تعــبيرات الزمــة الحــادة الــتي دخلــت فيهــا الحركــة الوطنيــة‬ ‫التونسية‪ ،‬والتي أدت إلـى اكبر انشقاق شـهده حـزب الدسـتور‬ ‫الجديد‪ ،‬وكشفت بأن هذا التنظيم ليس حزبا ً سياسيا ً له برنامــج‬ ‫واضح وعقيدة ثابتة ل تتزحزح‪ ،‬بقدر مــا هـ)ـو‪ « (1‬حركــة وطنيــة »‬ ‫التفت حولها تيارات مختلفة وأحيانا ً متباينة ‪.‬‬ ‫‪ .‬ومنذ حينئذ ولدت الحركة اليوســفية‪،‬‬ ‫التي كان صــالح بــن يوســف أحــد عناصــرها ومكوناتهــا‪ ،‬ولكنهــا‬ ‫كانت تضم تيارات فكريــة وأحــزاب سياســية ومنظمــات نقابيــة‬ ‫وعناصـــر وطنيـــة وأخـــرى ثوريـــة‪ ،‬تـــؤمن بالكفـــاح المســـلح‪،‬‬ ‫وقطاعات شعبية عريضــة‪ ،‬متناقضــة مــع نهــج الحــبيب بورقيبــة‬ ‫المساوم مع الستعمار الفرنسي‪ .‫الفصل الول‪:‬‬ ‫الحركة اليوسفية في تونس‬ ‫شكلت اتفاقيات الحكم الذاتي‪ ،‬التي تم توقيعها في تــونس‬ ‫منحــت تــونس بموجبهــا اســتقلل ً‬ ‫في ‪ 3‬حزيران ‪ ،1955‬والتي ُ‬ ‫داخليًا‪ ،‬منعرجا ً سياسيا ً وتاريخيا ً كبيرا ً في تاريخ الحركة الوطنية‬ ‫التونسية‪ ،‬التي كان يقودها الحــزب الدســتوري الجديــد بزعامــة‬ ‫الحبيب بورقيبة‪ .‬فقــد كتــب علــى ســبيل المثــال فــي‬ ‫مجلة الشهاب التي كانت تصدر في الجزائر في عدد يوليو سنة‬ ‫‪ 1939‬تحت عنوان « الوحــدة العربيــة فــي طريــق التحقيــق »‬ ‫‪1‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةةة ةةةةة – ةةةة ةةةةةة ةةةةة ةةة‬ ‫– ةةةةة ة ةةةةةةةة ة ةةةةةةةة ة – ةةة ةة‬ ‫‪72 – 71‬ةةةة ة ةةةةةة ة – ةة ةةةة ة ةةةة‬ ‫ةةةة‪ /‬ةةةة ة ) ‪.

‬وكان التحــاد يــدافع عــن فكــرة اســتقلليته‬ ‫كقوة تنظيمية عن هذا الحزب وسياسته الحتوائية‪ ،‬حيث كــانت‬ ‫تمثل مركزية مسار بن صالح في أفقه السياســي‪ ،‬الــذي يحــده‬ ‫‪2‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةةة ةةةةةة ةةةة ) ة ‪.‬‬ ‫وأنضم أيضا قسم من جيش التحرير )الفلقــة( الــذين لهــم‬ ‫ميول عروبية مشرقية إلـى الحركة اليوسفية‪ ،‬بهــدف اســتعادة‬ ‫مكانتهم في معركة التحرير الوطني‪ ،‬واستعادة ســلحهم الــذي‬ ‫ـرة كفــاحهم ويحصــد‬ ‫جردهــم منــه بورقيبــة‪ ،‬ليحصــد وحــده ثمـ‬ ‫تضحياتهم وما بذلوا من دمائهم وأرواحهم)‪.‬‬ ‫وقد وقف الحزب الحر الدستوري القديم إلـى جانب صــالح‬ ‫بن يوسف الــذي أصـبح يــرى فيـه معــبرا ً عـن تطلعـات وأفكـار‬ ‫الحــزب الدســتوري القــديم‪ ،‬ومــدافعا ً عــن توجهــاته‪ ،‬والزعيــم‬ ‫الكبير صاحب الرصيد النضالي القادر على أن يضاهي بورقيبــة‪،‬‬ ‫والوقوف بندية في وجهه‪ .‬‬ ‫وانضم كبار الفلحين الذين مكنهــم صــالح بــن يوســف مــن‬ ‫العبور إلـى « التحاد العــام للفلحــة التونســية » إلـــى الحركــة‬ ‫اليوسفية‪ ،‬بهدف حماية مصالحهم أمام خطــر النزعــة العماليــة‬ ‫الشتراكية‪ ،‬التي كان يمثلها التحاد العام التونسي للشغل الذي‬ ‫تحالف مع الرئيس بورقيبة خلل فترة النشقاق داخــل الحركــة‬ ‫الوطنية‪.‫الحركة اليوسفية في تونس‬ ‫بقوله ‪ « :‬الوحدة العربية كيان عظيم ثابت‪ ،‬غير قابــل للتجــزئة‬ ‫والنفصال‪ ،‬يشغل قسما ً كبيرا ً من رقعة آسيا الغربيــة وشــطرا ً‬ ‫من أفريقيا يمتد رأسه في الشرق من المحيط العربي‪ ،‬ويســير‬ ‫مغربا غربا إلـى المحيــط الطلنطــي‪ ،‬ويضــم فــي هــذا الشــطر‬ ‫نصف القارة الفريقية »‪.(2‬‬ ‫كما أن البرجوازية التقليدية التونســية – الـتي بــدأت آنـذاك‬ ‫تتضح معالمها الطبقيــة و اليديولوجيــة‪ ،‬وهــي تحـاول أن تكــون‬ ‫وطنية وأكثر راديكاليــة مــن فئات الطبقــة الوســطى المهــزوزة‬ ‫ذات الطابع القليمي‪ ،‬وجدت ضالتها في الحركة اليوسفية‪ ،‬لن‬ ‫هذه الخيرة كانت تطــالب « بتحريــر المغــرب العربــي تحريــرا ً‬ ‫كام ً‬ ‫ل‪ ،‬وفي سبيل توحيد سوق المغرب العربي»‪.‬‬ ‫وفيما جّرت الحركــة اليوســفية وراءهــا فــي تــونس القــوى‬ ‫التقليديـــة المتداعيـــة‪ ،‬المتعلقـــة بالماضـــي والمتخوفـــة مـــن‬ ‫المستقبل‪ ،‬والمدافعة عن الهوية العربية الســلمية للبلد‪ ،‬كــان‬ ‫جناح بورقيبة رئيس الحـزب الحـر الدسـتوري الجديـد المتشـبع‬ ‫بالثقافة الفرنسية‪ ،‬والمدافع عن مشروع المســتعمر التمــديني‪،‬‬ ‫والذي ينادي بسياسية المراحــل – وبمبــدأ خــذ وطــالب – الــذي‬ ‫ينــدرج ضــمن مــا يســميه بفلســفة « التهديــد والــترغيب » قــد‬ ‫اســتقطب فئات الطبقــة الوســطى المدنيــة والريفيــة‪ ،‬وكــذلك‬ ‫العمال والجراء والموظفين المنضوين تحت لواء التحاد العــام‬ ‫التونسي للشغل بزعامة أحمد بن صــالح‪ ،‬الــذي تقــدم ببرنامــج‬ ‫اقتصــادي واجتمــاعي ذي طــابع إصــلحي أهــم ركــائزه تــأميم‬ ‫الشركات الستعمارية الفرنسية وبعث قطــاع تعاضــدي خاصــة‬ ‫في الفلحة مع سن قوانين اجتماعية عصــرية‪ ،‬والعتمــاد علــى‬ ‫تدخل الدولة في الميدان القتصادي على أساس تخطيط يحــدد‬ ‫أهداف ووسائل لتحقيق التنمية القتصادية‪.‬كما وقفت جامعة الزيتونة المدافعــة‬ ‫عـن الهويــة العربيــة الســلمية لتــونس إلـــى جـانب صــالح بــن‬ ‫يوســف‪ ،‬نظــرا ً لعــداوتها التقليديــة لبورقيبــة بســبب علمــانيته‬ ‫وميوله الغربية السافرة‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫كان التحاد العام التونسي للشغل يمثــل رأيـا مســتقل عــن‬ ‫رأي الحزب الدستوري الجديد‪ ،‬هو رأي تيــار الطبقــة الوســطى‬ ‫الصلحي والعمال‪ .(483‬‬ .

‬حــزب الشــورى والسـتقلل ‪ :‬محمــد العربـي‬ ‫العلمي‪ ،‬الناصر الكتــابي‪ ،‬حــزب الصــلح الــوطني‪ ،‬عبــد‬ ‫بن‪(3‬عبــود‪ .‬‬ ‫‪ -6‬ل مفاوضة إل بعد إعلن الستقلل‪.2‬البعد القومي للحركة اليوسفية‬ ‫يعود البعد القومي العربي للحركة اليوسفية إلـــى المــؤتمر‬ ‫الذي عقد في القاهرة عام ‪ ،1947‬وضم كافة حركــات التحــرر‬ ‫الــوطني فــي المغــرب العربــي وتــونس‪ .‬‬ ‫‪ ‬عن الجزائر ‪ -‬حزب الشعب الجزائري ‪ :‬الشاذلي المكــي‬ ‫– الصديق السعدي‪.‬‬ ‫‪ -7‬للحزاب العضاء في " لجنة تحريــر المغــرب العربــي "‬ ‫أن تدخل في مخابرات مــع ممثلــي الحكومــة الفرنســية‬ ‫والســبانية علــى شــرط أن تضــطلع اللجنــة علــى ســير‬ ‫مراحل هذه المخابرات أول بأول‪.‬‬ ‫‪ -5‬ل مفاوضة مع المستعمر فــي الجزئيــات ضــمن النظــام‬ ‫الحاضر‪.‬‬ ‫‪3‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةة ة ة ة ةة ةة ة ة‪ .‬وفي‬ ‫خضم الزمة الحــادة الــتي عرفتهــا الحركــة الوطنيــة اليوســفية‬ ‫بسبب اتفاقيات الحكم الذاتي‪ ،‬تحــالف التحــاد العــام التونســي‬ ‫للشغل مع جناح الحبيب بورقيبة‪.‬وقــد أنبثــق عــن هــذا‬ ‫المؤتمر لجنــة ســميت « لجنــة تحريــر المغـرب العربــي فــي ‪5‬‬ ‫كانون ثاني ‪ ،1948‬أسندت رئاستها إلـى المير محمد بــن عبــد‬ ‫الكريم الخطابي‪ ،‬وأمانتها العامة للحبيب بورقيبة‪ ،‬وينص ميثــاق‬ ‫اللجنة على المبادئ التالية ‪:‬‬ ‫‪ « -1‬المغرب العربي بالسلم كان‪ ،‬وللسلم عــاش‪ ،‬وعلــى‬ ‫السلم سيسير في حياته المستقبلية‪.‫سقف بناء مجتمع على غرار الديمقراطيات السكندنافية‪ .‬‬ ‫‪ ‬عن المغرب – حــزب الســتقلل – علل الفاســي‪ ،‬أحمــد‬ ‫بن مليـح‪ .‬حــزب الوحــدة‬ ‫الخالق الطريس‪ ،‬محمد أحمد‬ ‫المغربية‪ .‬‬ ‫‪ .‬‬ ‫وافق على هـذا الميثـاق محمـد بـن عبـد الكريـم الخطـابي‬ ‫ورؤساء الحزاب الوطنية المغربية التالية ‪:‬‬ ‫‪ ‬عــن تـــونس – الحــزب الدســتوري الجديـــد – الحــبيب‬ ‫بورقيبة‪ ،‬الحبيب تامر‪ ،‬الحزب الدستوري القديم – محي‬ ‫الدين القليبي‪.‬محمد اليمني الناصري) ‪.‬‬ ‫‪ -4‬ل غاية يسعى لها قبل الستقلل‪.‬ة ةة ة ةةة ‪ :‬ة ةةةة‬ ‫ةةةة ةة ةةةةة ة ة ةة ‪ 1947‬ةةةةة ة ةة ةة‬ ‫ةةةة ةة ةةةةة ة ة ة ةةة ةةةة ‪ :‬ةةةة ة ةة ة‬ ‫ةة ة ةةةةة ة )ة ‪ ( 30 – 7‬ةةةةة ة ةةةةةةةة ة‬ .‬‬ ‫‪ -3‬الستقلل المأمول للمغرب العربي هو الســتقلل التــام‬ ‫لكافة أقطاره الثلثة تونس والجزائر ومراكش‪.‬‬ ‫‪ -8‬حصول قطر من القطار الثلثة علــى اســتقلله التــام ل‬ ‫يسقط عن اللجنة واجبهــا فــي مواصــلة الكفــاح لتحريــر‬ ‫البقية‪.‬‬ ‫‪ -2‬المغرب العربي جزء ل يتجزأ مــن بلد العروبــة وتعــاونه‬ ‫في دائرة الجامعة العربية‪ ،‬على قدم المساواة مع بقيــة‬ ‫القطار العربية أمر طبيعي ولزم‪.

‫الحركة اليوسفية في تونس‬ ‫وقد دبـت الخلفـات بيـن أعضـاء مكتـب المغـرب العربـي‪،‬‬ ‫وخاصة بين قيادة الحبيب بورقيبة التي وافقت منذ البــدء علــى‬ ‫الرتباط بالنظمة الرجعية العربية‪ ،‬وبالمبريالية الميركية‪ ،‬لنهـا‬ ‫رأت أن المعادلت الدولية أساسا ً هي التي تأتي بحـل للمسـألة‬ ‫الوطنية التونسية‪ ،‬وبين قيادة كــل مــن الــدكتور الحــبيب ثــامر‪،‬‬ ‫ويوســف الرويســي عضــو الــديوان السياســي للحــزب الجديــد‬ ‫ورئيــس لجنــة تحريــر المغــرب العربــي بدمشــق‪ ،‬والميــر عبــد‬ ‫الكريم الخطابي‪ ،‬بسبب الموقف من الكفاح المسلح‪.‬‬ ‫ومن العوامل التي أسهمت إسهاما ً فعلي ـا ً فــي تعميــق البعــد‬ ‫القومي للحركة اليوسفية‪ ،‬وبالتالي في إخراج المســألة الوطنيــة‬ ‫التونسية من حيزها القطري الضيق إلــى بعـدها العربـي‪ ،‬انـدلع‬ ‫ثورة ‪ 23‬يوليو في مصر عام ‪ 1952‬بزعامــة عبــد الناصـر‪ ،‬الــتي‬ ‫شكلت نقطة انعطاف كبيرة في صعود الحركة القوميــة العربيــة‬ ‫إلـى واجهة الحداث‪ ،‬من خلل تحقيق الستقلل والجلء‪ ،‬وتحرير‬ ‫الفلحين من قيود الملكين العقــاريين الكبــار وظلمهــم‪ ،‬وتوســيع‬ ‫القطــاع العــام‪ ،‬وتــأميم الرأســمال الجنــبي‪ ،‬والقضــاء علــى‬ ‫البرجوازية الطفيلية‪ ،‬ورفع عبد الناصر شعاره المجلجــل « ارفــع‬ ‫رأسك يا أخي فقد ولى عهد الستبداد » الذي تــردى صــداه فــي‬ ‫كل الوطن العربي‪ ،‬ومن خلل مقاومة الهيمنــة المبرياليــة‪ ،‬عــبر‬ ‫مقاومة الحلف العسكرية‪ ،‬والدعوى إلـى الحياد اليجابي‪ ،‬حيــث‬ ‫شكل انعقاد مؤتمر باندونغ بإندونيسـيا فـي نيسـان ‪ ،1955‬حـدثا‬ ‫سياسيا ً هائل ً في كل العــالم‪ ،‬حيــن شــاركت فيــه كــل مــن الهنــد‬ ‫والصــين ومصــر ويوغســلفيا‪ ،‬وحيــن جســد ذلــك المــؤتمر خطــا‬ ‫سياسيا ً واضحا ً يدعو إلـى مقاومة السـتعمار‪ ،‬ومسـاندة حركـات‬ ‫التحرر الوطني في العالم‪ ،‬وخاصة في شــمال أفريقيــا‪ ،‬وبانتهــاج‬ ‫الحيـــاد إزاء الصـــراع السياســـي واليـــديولوجي بيـــن التحـــاد‬ ‫السوفياتي والوليات المتحدة الميركية‪.‬‬ ‫فعندما أصــبح صــالح بــن يوسـف زعيمــا لحركـة المعارضــة‬ ‫للتفاقيات عام ‪ ،1955‬تلقى الدعم القـوي مـن جــانب قيـادات‬ ‫الحزب الدستوري ذات التجاه القومي المعروف‪ ،‬وخاصــة مــن‬ ‫يوسـف الرويسـي الـذي كـان يعتــبر مشـاركة بـن يوسـف فــي‬ ‫أســـاس غيـــر الســـتقلل خيانـــة‬ ‫حكومـــة المفاوضـــات علـــى‬ ‫لللتزامات الوطنية والقومية )‪ .(4‬كمــا اصــطف منــدوب الحــزب‬ ‫الدستوري في القاهرة إبراهيم طوبال‪ ،‬إلـــى جــانب صــالح بــن‬ ‫يوسف‪ ،‬حيث أصبح الممثل الرسمي للحزب الدستوري الجديــد‬ ‫في لجنة تحرير المغرب العربي‪.‬‬ ‫وكان الزعيم صالح بــن يوســف قــد حضــر مــؤتمر بانــدونغ‪،‬‬ ‫وهذا ما عــزز حضــوره السياســي كزعيــم وطنــي‪ ،‬وعــزز أيضــا‬ ‫علقاته مع عبد الناصر‪ ،‬وزعماء العالم الثالث آنذاك‪.‬‬ ‫وفضـل عـن ذلـك‪ ،‬كـان لهزيمـة المبرياليـة الفرنسـية فـي‬ ‫معركة " ديان بيان فو " في فيتنام في ‪ 7‬أيــار ‪ ،1954‬وانــدلع‬ ‫الثورة المسلحة في الجزائر في أول نوفمــبر مــن العــام ذاتــه‪،‬‬ ‫الثر البالغ في تجذير الحركة اليوسفية من ناحيــة‪ ،‬وفــي إجــراء‬ ‫الدولة الفرنسية تعديلت علــى سياســتها الســتعمارية القديمــة‬ ‫لجعلها مقبولة أكثر من ناحية أخرى‪.( 513‬‬ .‬‬ ‫وكانت لجنـة تحريـر المغـرب العربـي قـد عقـدت اجتماعـا ً‬ ‫بالقــاهرة بتاريــخ ‪ 14‬أكتــوبر ‪ ،1955‬واتخــذت فيهــا القــرارات‬ ‫التالية ‪:‬‬ ‫‪4‬‬ ‫ةةةةةةةة ةةة ‪26 – 25‬ة ةةةةةة ‪1982‬ة ةةةة )ة‬ ‫‪.(2‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةة ةةةةة – ةةةة ةةةة ) ة ‪.

‬وتلقت الحركة اليوسفية دعما ً قويا ً من جبهــة‬ ‫التحرير الوطني الجزائرية بإمضــاء محمــد خيضــر‪ ،‬ومــن حــزب‬ ‫الستقلل المغربي بإمضاء علل الفاسي‪.‬‬ ‫‪ .‬‬ ‫لقــد أدرك بورقيبــة أن التســوية السياســية مــع الســتعمار‬ ‫الفرنسي هي مفتاح الحــل للمســألة الوطنيــة التونســية‪ ،‬لــذلك‬ ‫ضحى بالمقاومة المسلحة وعمــل علــى تجريــدها مــن السـلح‪،‬‬ ‫لنــه يعلــم أن اســتمرار المقاومــة المســلحة ضــد الســتعمار‬ ‫الفرنسي‪ ،‬يعني أن مركز الثقل السياســي ســيميل بكــل تأكيــد‬ ‫لمصــلحة الحركــة اليوســفية الــتي تقــود هــذا الكفــاح المســلح‪،‬‬ ‫‪5‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةة – ‪ 17‬ةةةةةة ‪ 1955‬ةةة ‪ ) 136‬ة ‪.‬‬ ‫ثالثـا ً ‪ -‬يبقــى ممثــل الســيد صــالح بــن يوســف ) إبراهيــم‬ ‫طوبال ( هو الممثل الرسمي للحزب الدستوري فــي‬ ‫لجنة تحرير المغرب العربي إلـــى أن يتمكــن جمهــور‬ ‫الحــزب مــن البــت فــي مصــير الــديوان السياســي‬ ‫الحالي وتعيين المسؤولين الجدد في سياسة الحــزب‬ ‫وذلك في جـو بعيــد عـن الرهـاب الفرنســي وضـغط‬ ‫الديوان السياسي الحالي‪.( 1‬‬ .‫أول ً ‪ -‬فصل الــديوان السياســي للحــزب ورئيســه الحــبيب‬ ‫بورقيبة من عضوية اللجنة‪.‬‬ ‫هذه القرارات هدفها حمايــة الحركــة الســتقللية بــالمغرب‬ ‫العربي من التوجه الستعماري الــذي بــدأ يتســرب إلـــى بعــض‬ ‫القادة‪ ،‬وهي تؤمن بأنه ل خلص لتونس إل بالعودة إلـى كفاحها‬ ‫ـتقلل الصــحيح متضــامنة فــي‬ ‫المستمر في سبيل تحقيــق السـ‬ ‫ذلك مع شقيقتيها مراكش والجزائر )‪.(5‬‬ ‫وهكذا‪ ،‬تبلور خط الحركة اليوســفية‪ ،‬باعتبــاره تيــارا ً وطني ـا ً‬ ‫وعروبيا ً يقوده الزعيم صالح بن يوسف‪ ،‬الذي استطاع أن يشق‬ ‫الحــزب الحــر الدســتوري التونســي إلـــى قســمين ‪ :‬الــديوان‬ ‫السياســي بزعامــة الحــبيب بورقيبــة‪ ،‬والمانــة العامــة بزعامــة‬ ‫صالح بن يوسف‪ .‬فتم سحق النتفاضــة فــي ســتة أســابيع بينمــا أســدلت‬ ‫الصحافة الصمت على الحوادث‪.3‬طريقتان لحل المسألة الوطنية في تونس ‪:‬‬ ‫انفجر الصراع بين جناحي الحزب الحــر الدســتوري الجديــد‬ ‫فـــــــــــــــــــــــــــــــــــــي عـــــــــــــــــــــــــــــــــــــام‬ ‫‪ ،1955‬بسبب اتفاقيات ‪ 3‬حزيران من العام ذاته – يقــول أحــد‬ ‫أساتذة التاريخ الفرنسيين التقدميين في تحليــل الحــداث الــتي‬ ‫أعقبت التوقيــع علــى اتفاقيــة « الســتقلل الــداخلي » لتــونس‬ ‫عام ‪ ،1955‬والتي قاومها الشعب التونسي بكل فئاته وفصائله‬ ‫‪ « :‬وطلب بورقيبة مساندة القوات الفرنسية له من أجل قمــع‬ ‫سـريع وبــدون رحمــة فقبلــت الحكومـة ) الحكومــة النتقاليــة (‬ ‫فورًا‪ ،‬وتحصلت القيادة العسكرية على المكانيات التي حرمــت‬ ‫منها من قبل كــي تقضــي علــى عصــابات « الفلقــة » ) رجــال‬ ‫حرب العصابات في تونس إبان الحتلل الفرنسي ( المتمركزة‬ ‫بالجبال التونسـية وشـنت الجيـوش التونسـية والفرنسـية الـتي‬ ‫يــدعمها الطيــران بقيــادة الجنــرال « غيوبــون » حملــة ربيــع‬ ‫سريعة‪ .‬‬ ‫ثانيا ً ‪ -‬اعتبــار أن الســلطات الــتي للــديوان السياســي قــد‬ ‫انتقلت إلـى يد المين العام صالح بن يوســف‪ ،‬نظــرا ً‬ ‫لنه هو الذي بقي محافظا ً على المبــادئ الســتقللية‬ ‫التي انضم الحزب علــى أساســها إلـــى لجنــة تحريــر‬ ‫المغرب العربي‪.

‬‬ ‫وعلى الرغــم مــن أن صــالح بــن يوســف حــاول أن يحســم‬ ‫الصــراع مــع بورقيبــة علــى أرضــية سياســية‪ ،‬مــن خلل انعقــاد‬ ‫مؤتمر تاريخي للحزب ليحسم الشعب الخلف حول التفاقــات‪،‬‬ ‫إل أن بورقيبة بتحــالفه مــع الســتعمار الفرنســي ولجــوئه إلـــى‬ ‫القوة لحسم الخلف مع خصمه‪ ،‬جعل بــن يوســف يحتــاج إلـــى‬ ‫أسلوب المواجهة العسكرية أمام بورقيبة الذي هزمته شعارات‬ ‫العروبــة والســلم المتجــذرة فــي أعمــاق نفــوس الشــعب‬ ‫التونسي‪ .‬أما عن تقدير أعدادهم فيتراوح مــا بيــن ‪ 600‬و ‪1500‬‬ ‫رجل‪.1956‬‬ ‫ونظرا ً إلـى ما كـان للحركـة اليوسـفية مـن حضـور شـعبي‬ ‫مســلح فــي الجنــوب التونســي ومــن خطــر مــاحق كــان يهــدد‬ ‫الستعمار الفرنسي على صــعيد تــونس والجــزائر مع ـًا‪ ،‬بســبب‬ ‫التحالف والتمازج بيــن رجــال المقاومــة المســلحة علــى طــول‬ ‫الشريط الحدودي للبلدين‪ ،‬وتخوف بورقيبة مــن امتــداد الثــورة‬ ‫الجزائرية إلـى تونس‪ ،‬لجأت فرنسا إلـــى الــدخول فــي « لعبــة‬ ‫الستقلل »‪ .‬آنــذاك اســتقطبت الحركــة اليوســفية قيــادات حركــة‬ ‫المقاومــة المســلحة فــي تــونس‪ ،‬ومــن بينهــا الطــاهر الســود‬ ‫باعتبــاره القـائد العـام لجيــش التحريــر التونســي‪ ،‬ومجموعـات‬ ‫فدائية تتألف من عناصر تونسية وجزائرية مشتركة ومن أبرزها‬ ‫مجموعــات رضــا بــن عمــار بالعاصــمة‪ ،‬عبــد اللطيــف زهيــر‬ ‫بالســاحل التونســي‪ ،‬مصــباح النيفــر بــالجنوب الشــرقي‪ ،‬عبــد‬ ‫الرحمن جابا الله في الجنــوب الغربــي‪ ،‬الطيــب زلق بالشــمال‬ ‫الغربي‪ .‬هــذا البطــش أدى إلـــى استســلم‬ ‫تدريجي لهم القبائل في الجنوب‪ ،‬تلها استســلم المجموعــات‬ ‫المسلحة‪ .‬وأبرزها استسلم الطاهر السود في ‪ 3‬تموز ‪.(6‬وقد أدى التدخل المكثف للطيران الفرنسي إلـى‬ ‫إحداث مذبحـة فـي منطقــتي مـدنين ومطماطـة‪ ،‬بعـد انضـمام‬ ‫قبــائل الجنــوب إلـــى الحركــة اليوســفية‪ ،‬حيــث كــان الشــعور‬ ‫عــن‬ ‫بالحضور العسكري الفرنسي حادًا‪ .1989 15‬‬ .(7) 1956‬‬ ‫وقــامت الشــرطة مــن جهتهــا باعتقــال ‪ 2372‬مــن اليوســفيين‬ ‫حســب المصــادر الرســمية‪ .‬وهو ما أفصــح عنــه الن ســافاري وزيــر الشــؤون‬ ‫‪6‬‬ ‫‪7‬‬ ‫)( ‪^Le Petit matin 19 Fevrier 1965 -‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةةةة ة ة ةةةة ة ةةةة " ةةة ةة ة ةةة "‬ ‫ةةة ةةة ةةةةة ةة ةةةةة ةة ةةة ة ة ةةةة ة‬ ‫ةةة ةةة ‪ « :‬ة ةةة ة ةةة ةة ة ةةة ة – ة ةةةة‬ ‫ةةةة ة ) ةةةة ة ةةة ة ةة ةةة ( ة ةةة ةةةة ة‬ ‫ةةةةةةة ةةة ‪.‫الحركة اليوسفية في تونس‬ ‫والمتحالفة عضويا ً مع الثورة الجزائرية‪.‬وقد أسفر هذا التدخل‬ ‫أكــثر مــن ‪ 400‬قتيــل بيــن كــانون ثــاني وحزيــران ‪.‬وقــد تحــالفت هــذه اللجــان مــع القــوات‬ ‫النظامية التونسية والجيش الفرنسي للقيام بهذه المهمة‪ .‬‬ ‫وأمام هذه التعبئة للمقاومــة المســلحة مــن جــانب الحركــة‬ ‫اليوسفية‪ ،‬والتحام هــذه الخيــرة بــالثورة المســلحة الجزائريــة‪،‬‬ ‫وتحالفهــا مــع حركــة القوميــة العربيــة الصــاعدة فــي المشــرق‬ ‫العربي‪ ،‬عمل بورقيبــة رئيــس « الــديوان السياســي » للحــزب‬ ‫الدستوري الجديد على بعث « لجان اليقظة » وهي ميليشــيات‬ ‫حزبية تتألف من مجموعات مسلحة يقودها رجال مثل محجوب‬ ‫بن علي‪ ،‬وحسين بوزيــان‪ ،‬وساســي لســود‪ ،‬وحســن الصــيادي‪،‬‬ ‫وعمر شاشية‪ ،‬وغيرهــم‪ ،‬حيــث كــان يكمــن دورهــا فــي تصــفية‬ ‫الحركــة اليوســفية ‪ .‬فقــد‬ ‫أقلع سلح الجو الفرنسي من تونس بيــن ‪ 27‬كــانون ثــاني و ‪2‬‬ ‫‪ 62 1956‬مرة في مهام استطلعية أو لحماية القوافل‬ ‫شباط‬ ‫العسكرية )‪ .1956‬‬ ‫وقد بلغ عدد المقاومين الذين استســلموا للســلطات التونســية‬ ‫‪ 600‬رجل بين شباط وتموز ‪.

‬‬ ‫على انه يوجد تضامن تاريخي يرتكــز علــى ذكريــات تاريخيــة »‬ ‫)‪ .(9‬وقد استنكر يوسف الرويسي بشدة « كيــف يعلــن الحــبيب‬ ‫بورقيبة متحديا ً شعور الشعب‪ ،‬أن ما يربطنــا بــالعرب ليــس إل‬ ‫من قبيل الذكريات التاريخية‪ .1955‬‬ ‫)( ‪ -‬ة ةةة ةةة ة ةةةةةة ة ةةة ة ةةة ةة‬ ‫ةةةةةةةة ةةةةةة ‪ 12‬ةةةة ةة ‪1955‬ة ة ةة ‪131‬‬ ‫)ة ‪.‫المغربية والتونسية آنذاك‪ ،‬حين صرح أمام البرلمــان الفرنســي‬ ‫فــي حزيــران ‪ 1956‬قــائل ً ‪ « :‬لقــد وقعــت فرنســا اتفاقيــة ‪20‬‬ ‫مــارس ) آذار ( ‪ ) 1956‬وثيقــة اســتقلل تــونس ( كــي توقــف‬ ‫الثورة الــتي تنخــر تــونس‪ ،‬وكــي تقطــع محــاولت اللتحــام مــع‬ ‫حركـة الثـورة فـي الجـزائر‪ ،‬وتمنـع تـونس مـن الشـتراك فـي‬ ‫الجامعة العربية وكي تساند أخيرا ً حزب بورقيبة صــديق فرنســا‬ ‫علــى إيقــاف المــد القــومي العربــي تجــاه أفريقيــا‬ ‫الذي يعمــل‬ ‫الشمالية » )‪.‬ولما كان الحبيب بورقيبة ل ُيمثــل إرادة‬ ‫الشعب التونسي‪ ،‬ول يدافع عن قضيته‪ ،‬ول يحترم إرادتــه‪ ،‬فقــد‬ ‫أعلن‪ ،‬أنه يتبرأ من « الجامعة العربية »‪ ،‬مضــيفا ً بقــوله « إنــي‬ ‫لست منها ول هي مني وإني ل أبالي ل بنــداءاتها ول بشــتائمها‪.‬وأن مصالح تونس ترتبط بالغرب‬ ‫خاصة‪ ،‬وأن مرسيليا أقرب إلـى تونس من دمشــق أو‬ ‫وبفرنسا‬ ‫القاهرة » )‪.( 1‬‬ .(8‬‬ ‫وفيما كان بورقيبة يرى حل المسألة الوطنية التونسية فــي‬ ‫باريس عن طريق الرتماء في أحضان الغرب‪ ،‬ويرسم مستقبل‬ ‫تونس ضمن الدائرة الغربية المتوسطية‪ ،‬كان صالح بن يوســف‬ ‫يرى أن حل المسألة الوطنية التونسية يكمن في تعزيز التلحم‬ ‫الكفاحي مع الثورة الجزائريــة المســلحة مــن أجــل تحريــر كــل‬ ‫المغرب العربي‪ ،‬وفي توطيد العلقة مع القــاهرة‪ ،‬حيــث أصــبح‬ ‫فيها عبد الناصر في تلك الفترة العدو اللــدود للســتعمار عامــة‬ ‫والفرنسي بوجه خاص‪ ،‬بسبب دعمه المادي والمعنــوي للثــورة‬ ‫الجزائريــة‪ ،‬وفــي رســم مســتقبل تــونس ضــمن دائرة النتمــاء‬ ‫للهوية العربية السلمية‪.( 117‬‬ ‫)( ‪ -‬ة ةةة ةةةةةة ة ةة ةةةة ‪ – Le Combat‬ةةةة ة‬ ‫ةةةةةة ‪ 14‬ةةةةة ةةةةةة ‪.‬وكانت من نتيجة هذه المعركــة بيــن التيــار التغريــبي‬ ‫الذي يقوده بورقيبة‪ ،‬والتيار الوطني العروبي الذي يقوده صالح‬ ‫بن يوسف‪ ،‬أن أدار نظام بورقيبة الجديد بظهره إلـى المشــرق‬ ‫العربي‪ ،‬وعمق قطيعته مع المة العربية‪ ،‬وبلغ به المر حد قطع‬ ‫العلقات مع "الجمهورية العربية المتحدة " بسبب لجــوء صــالح‬ ‫بن يوسف إلـى القاهرة وتــدبيره مــن هنــاك محــاولت لغتيــال‬ ‫‪8‬‬ ‫‪9‬‬ ‫‪10‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةة ة ةةةة ةةة – ةةةة ة ةةة ة ةةة ةةة‬ ‫ةةة ةةة – ةة ةة ةةة ةة ة ة ةةة ة ةة ة‬ ‫ةةةةةةة – ةةةةة ةةةةة ةةةة – ةةةةةة ‪1978‬‬ ‫– ةةةة ةة ةةةةة – ) ة ‪.(10‬‬ ‫لقد نزلــت المبرياليــة الفرنســية بكــل ثقلهــا فــي المغــرب‬ ‫العربي‪ ،‬لتعديل ميزان القوى لمصلحة بورقيبة‪ ،‬ولتحسم معركة‬ ‫حل المسألة الوطنية التونسية على أرضــية الخــط الــذي يبقــي‬ ‫تونس تدور في فلك الســتعمار الجديــد‪ .‬‬ ‫وهكذا‪ ،‬فرضــت فرنســا تســوية سياســية غيــر عادلــة لحــل‬ ‫المســألة الوطنيــة التونســية‪ ،‬لن الحكومــة الفرنســية تعتــبر‬ ‫الحــبيب بورقيبــة جــزءا ً منهــا‪ ،‬ووجــوده علــى رأس الســلطة‬ ‫ضروريًا‪ ،‬ولنه ينتمي إلـى القيادات العربية الستســلمية‪ ،‬الــتي‬ ‫تخدم الهداف الغربية‪ .‬ولــم تســتطع الحركــة‬ ‫اليوسفية المدعومة عربيا ً أن تصمد كثيرا ً في هذه المعركة غير‬ ‫المتكافئة‪ .

‬وإذا كان ضعف فرنسا وطمـوح المبرياليـة الميركيـة‬ ‫في احتلل موقع فرنسا‪ ،‬قد حمل هذه الخيــرة علــى التفــاوض‬ ‫مع بورقيبة من أجل تسوية سياسية للمسألة الوطنية والسماح‬ ‫باسـتقلل قطـري جـزئي لتـونس‪ ،‬فـإن عمليـة السـتقلل كمـا‬ ‫طرحتها الحركة اليوسفية‪ ،‬والتي تعني تشديد النضــال المســلح‬ ‫ضد الجيوش الفرنسية على الــتراب التونســي‪ ،‬وإجلء القواعــد‬ ‫الفرنسية مــن تــونس‪ ،‬ومواصــلة الكفــاح المســلح إلـــى جــانب‬ ‫الثورة الجزائريــة‪ ،‬وتوحيــد كامــل المغــرب العربــي تحــت رايــة‬ ‫العروبة‪ ،‬لم تكن مسموحة آنذاك‪ ،‬ول هي مقبولــة مــن الغــرب‪.‬وفــي هــذه المعركــة أمتنــع‬ ‫بورقيبة عن تسليم السلح لغير أعضاء الحزب الحر الدســتوري‬ ‫مما دفع بأبناء الشعب العزل إلـى أن يستقبلوا بصدورهم قنابل‬ ‫الطائرات الفرنسية وسقط منهم ‪ 1500‬شهيدًا‪.4‬أي مصير لقته الحركة اليوسفية ؟‬ ‫لقــد انهزمـت الحركــة اليوســفية فــي المواجهــة السياســية‬ ‫والعســكرية مــع النظــام البورقيــبي الوليــد‪ ،‬المــدعوم مــن‬ ‫المبرياليــة الفرنســية‪ .‬وعلــى الرغــم ممــا أصــاب فرنســا مــن‬ ‫إنهاك‪ ،‬بســبب تنــامي المقاومــة المســلحة فــي تــونس‪ ،‬وتجــذر‬ ‫الثورة الجزائرية‪ ،‬فإن المبريالية الميركية كانت وما زالت فــي‬ ‫عنفوانها‪ .‫الحركة اليوسفية في تونس‬ ‫الحبيب بورقيبة )‪ .‬كما تم إيجار ميناء حلــق الــوادي للســطول الســادس‬ ‫الميركي‪.،‬‬ ‫للتخلص مــن العناصــر اليوســفية المتحالفـة مــع جبهــة التحريــر‬ ‫الوطني في الجزائر‪ ،‬حيث أصبح تطور النضــال المســلح هنــاك‬ ‫يهدده‪ ،‬ويهدد المبريالية الفرنســية‪ .‬‬ ‫‪11‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةة « ةةةة ةة ةةةةة ة » ة ة ةةةةةة ةة ة‬ ‫ةةةةةةةة ة ةةةةةة ةة ةةةةةةةةة ة‬ ‫ةةةةةة ة ةةةةة ةةة ةة ةةةة ةةةة ة‬ ‫ةةةةة ة ةةة ةةة ةةةةةةة ة ةةةةةةةة ة‬ ‫ةةةةةةةة ةة ةةةةةة ‪.‬‬ ‫فقد كان ضروريا ً للمبريالية الفرنسية أن يبقى المغرب العربي‬ ‫هامشيا ً تابعًا‪ ،‬وإن بصيغ جديــدة مــن خلل التعامــل مــع النخــب‬ ‫الحاكمــة الجديــدة‪ ،‬الــتي أنشــأت علقــة قويــة مــع المراكــز‬ ‫المبريالية الغربية‪.‬‬ ‫وكانت الحركة اليوســفية تمثــل تيــارا ً قومي ـا ً فــي أهــدافه ‪-‬‬ ‫يرتكز على شعار العروبة و الســلم كمرجعيــة ثنائيــة منغرســة‬ ‫في وجدان المجتمع ‪ -‬لكنه شبه عصــري وتقليــدي فــي واقعــه‪،‬‬ ‫وتلفيقي في منهجه‪ ،‬يكفــي أن نشــير هنــا إلـــى طبيعــة القــوى‬ ‫الــتي اصــطفت إلـــى جــانب الحركــة اليوســفية‪ ،‬وهــي القــوى‬ ‫التقليدية المتشبعة بالفكر الصلحي الســلفي‪ ،‬الفكــر المصــفح‬ ‫إزاء ما يشكل جوهر العصر أو جوهر الحضارة الغربية‪.1956‬‬ ..‬‬ ‫‪ .‬‬ ‫ولكــن معركــة بنــزرت الــتي تكبــد فيهــا الشــعب التونســي‬ ‫خسائر جسيمة على كافة المستويات‪ ،‬أرادها نظام بورقيبــة أن‬ ‫تكــون مــدخل ً لكســر الطــوق العربــي المتضــامن مــع الحركــة‬ ‫اليوسفية‪ ،‬ولستبعاد تهمة التعاون مع الستعمار الفرنسي‪ ،‬كما‬ ‫أرادهــا أيضــا أن تكــون نافــذة ليطــرد منهــا القــوات الفرنســية‪،‬‬ ‫ويفتح بعد ذلك الباب أمام القــوات الميركيــة‪ ،‬حيــث تــم إبــرام‬ ‫اتفاقيات سرية‪ ،‬منحت الوليــات المتحــدة الميركيــة بمقتضــاها‬ ‫قاعــدتين عســكريتين ‪ :‬الولــى فــي الجنــوب‪ ،‬و الثانيــة فــي‬ ‫الشمال‪ .(11‬وقد أصبح النظــام التونســي يعيــش عزلــة‬ ‫رهيبة‪ ،‬خاصة بعــد وصــول الجــزائر إلـــى الســتقلل‪ ،‬ممــا دفــع‬ ‫بورقيبة إلى افتعال معركة بنزرت في تمــوز عــام ‪ ،1961‬الــتي‬ ‫وجد فيها بورقيبة فرصــة يغتنمهــا لخمــاد نضــالت الجمــاهير‪.

‫فالحركة اليوسفية لم تستطع أن تبلور فكرها اليــديولوجي‬ ‫المســتقل والقــائم بــذاته‪ ،‬كمــا هــو الحــال بالنســبة للحركــات‬ ‫القومية في المشرق العربي‪ ،‬لنها حركة ارتبطت بردود الفعــل‬ ‫الوطنية بسبب اتفاقيات ‪ 3‬حزيران ‪ .1955‬ولهذا ظلت أســيرة‬ ‫الفكـر التلفيقــي الــذي تمـزق‪ ،‬وفقــد تــوازنه بيــن ثقــل الــتراث‬ ‫العربــي الســلمي وصــدمة الغــرب وفكــره المهيمــن‪ .‬وانتهــت آخــر مواقــع هــذا التيــار القــومي التقليــدي‬ ‫عندما ضرب « أحمد بن بل » ممثل جناح المغرب العربــي فــي‬ ‫جبهة التحرير الوطني الجزائرية‪ ،‬وذلك في حزيران ‪.1962‬‬ ‫وبعد تصفية الحركة اليوسفية‪ ،‬ارتمى النظام البورقيبي في‬ ‫أحضان المبريالية الغربية‪ ،‬التي مكنته من كسب المعركــة مــع‬ ‫المعارضــة العروبيــة‪ ،‬ورفــع شــعار معــاداة القوميــة العربيــة‪،‬‬ ‫والتضــامن مــع العــالم الغربــي‪ .‬‬ ‫ومــع هزيمــة المعارضــة اليوســفية‪ ،‬دخلــت تــونس مرحلــة‬ ‫جديدة اتسمت بهيمنــة نظــام الحــزب الواحــد‪ ،‬والفكـر الواحــد‪،‬‬ ‫والرأي الواحد‪ .‬وإذا كــانت الحركــة القوميــة‬ ‫التقليدية قد صفيت رســميا ً مــن خلل تصــفية جنــاح صــالح بــن‬ ‫يوسف في الحزب الدستوري عام ‪ ،1958‬فــإن التيــار القــومي‬ ‫التقليدي في المغرب القصى قد ضرب أيضًا‪ ،‬حيث كان يمثلــه‬ ‫الجناح التقدمي في حزب الستقلل النضمامي‪ ،‬والذي انفصل‬ ‫فيما بعد بقيادة الزعيم المهدي بن بركة ليكون « اتحــاد القــوى‬ ‫الشعبية »‪ .‬فهـي‬ ‫حركة تلتفت إلـــى الماضــي أكــثر ممــا تنظــر إلـــى المســتقبل‪،‬‬ ‫ولكن الذي يفسر فشــلها خاصــة‪ ،‬ليســت طبيعتهــا الــتي كــانت‬ ‫تتلءم أكثر في طبيعــة المجتمــع‪ ،‬وإنمــا عوامــل خارجيــة كــانت‬ ‫حاسمة في تحديد مصير جميــع المعــارك الــتي شــهدتها تــونس‬ ‫سواء‪(12‬السياسية أو القتصــادية أو الجتماعيــة أو‬ ‫في تلك الفترة‬ ‫الثقافية والحضارية ) ‪..‬كمــا أن‬ ‫التقارب اليديولوجي بين صالح بن يوسف وعبد الناصر‪ ،‬والناتج‬ ‫كونهما قد عاشا بداية مرحلة المد القومي العربي الجمــاهيري‪،‬‬ ‫إبان أحداث الجمهوريــة العربيــة المتحــدة‪ ،‬لــم يمنــع الول مــن‬ ‫الحتفــاظ بمســافة إيديولوجيــة بــارزة تجــاه القوميــة العربيــة‬ ‫العلمانية المشرقية‪.( 562‬‬ .‬فــألغى نظــام بورقيبــة المظــاهر الديمقراطيــة‪،‬‬ ‫التي حاول أن يتظاهر بهـا فـي البدايـة‪ ،‬ومنـع تواجـد الحـزاب‪،‬‬ ‫وقمع حرية الصــحافة‪ ،‬وأغلــق صــحف المعارضــة‪ ،‬والتجــأ إلـــى‬ ‫استخدام الغراءات‪ ،‬والى اعتماد أساليب الرهــاب والمطــاردة‬ ‫والتصفية الجسدية‪ ،‬الــتي كــان الزعيــم صــالح بــن يوســف أول‬ ‫ضــحاياها‪ ،‬حيــث تــم اغتيــاله علــى يــد المحــترف البشــير زرق‬ ‫العيــون‪ ،‬وذلــك فــي مدينــة فرانكفــورت بألمانيــا الغربيــة عــام‬ ‫‪.‬‬ ‫لذلك كانت الحركة اليوســفية عــاجزة عــن بلــورة مشــروع‬ ‫فكري ثقافي يسهم في تأسيس خــط قــومي حــديث‪ ،‬وبالتــالي‬ ‫في التحول إلـى قوة سياسية منظمــة وفاعلــة قــادرة أن تــؤثر‬ ‫في مستقبل تونس السياسي‪ ،‬وظلت الحركة اليوسفية تعــبيرا ً‬ ‫عن الحباطات‪ ،‬والخيبات‪ ،‬وهي فــي نهايــة المــر حركــة رفــض‬ ‫أكثر منها حركة بناء‪ ،‬واللتقاء كــان أساسـا ً حــول رفــض هيمنــة‬ ‫بورقيبة وما كان يمثله من مشاريع لتونس المســتقلة‪ .‬فــالعجز‬ ‫عن تقـديم بـديل‪ ،‬كـان نابعـا ً أساسـا ً مـن طبيعـة هـذه الحركـة‬ ‫المحافظة‪ ،‬القادرة أكثر على المقاومة السلبية‪ ،‬مثــل محافظــة‬ ‫الفلحين على الرض‪ ،‬ومحافظــة الزتيــونيين علــى هويــة البلد‪،‬‬ ‫ومحافظة الباي علـى العـرش كرمـز للسـيادة التونسـية‪ .1965‬‬ ‫وبعد أن قام النظام البورقيــبي بتصــفية صــالح بــن يوســف‬ ‫اغتيال ً في ألمانيــا الغربيــة‪ ،‬حــدثت فــي تــونس فــي نهايــة عــام‬ ‫‪12‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةةة ةةةةة – ةةةة ةةةة ) ة ‪.

‬ويقــول أحــد قــادة‬ ‫) الجبهة ( – عمارة ضو بن نايل ‪ « :‬لقد بـدأ نشـاطنا منـذ عـام‬ ‫‪ ،1970‬وكان أول نشاط علني فــي العــام ‪ ،1972‬حيــث أعلــن‬ ‫اسم التنظيم في بيروت عبر مجلــة « بيــروت المســاء »‪ .( 21 .‬وكــان حصــاد هــذه المحاولــة إعــدام أغلــب العناصــر‬ ‫المشاركة فيها‪ .‬وقــد‬ ‫وقــد‬ ‫حملنا وقتها اسم الجبهة القومية التقدمية لتحريــر تــونس‪،‬‬ ‫توافق هذا العلن مع نشر ميثاق الجبهة في المجلة ذاتها )‪.(13‬‬ ‫لقد عززت الجبهة القومية التقدمية لتحرير تونس علقاتهــا‬ ‫مــع النظــامين الليــبي والجــزائري‪ ،‬حيــث كــانت تتمتــع بوجــود‬ ‫سياسي شبه علنـي وشـبه سـري فـي ليبيــا والجــزائر‪ .1997‬‬ ‫وفي بداية الســبعينات شــكلت العناصــر المتبقيــة مــن تيــار‬ ‫المعارضــة اليوســفية حركــة سياســية جديــدة حملــت اســم «‬ ‫الجبهة القوميــة التقدميــة لتحريــر تــونس »‪ .‫الحركة اليوسفية في تونس‬ ‫‪ 1962‬محاولة انقلبية ذات طبيعة برجوازية صغيرة وطنية غير‬ ‫ملتحمة بالجماهير‪ ،‬شارك فيها عدد من العســكريين والمــدنيين‬ ‫المنتميــن إلـــى المعارضــة اليوســفية‪ .‬وكان من بين المشــاركين فــي النقلب وحكــم‬ ‫عليه بالعدام غيابيا ً الشيخ المسطاري بــن ســعيد‪ ،‬الــذي تــوفي‬ ‫في دمشق في تموز ‪.23/3/1984‬ةةة ة ةةةةةةة ة ة ة ةة ةةة ة ة ة ة‬ ‫ةةةة ) ة ‪.‬‬ .(14‬‬ ‫وصعق الرئيس الحبيب بورقيبــة آنــذاك مـن ســماع مرشــح‬ ‫تونســي محكــوم عليــه بالعــدام ينافســه فــي تلــك النتخابــات‬ ‫الرئاسية‪ ،‬فما كــان رده إل أن صــعد الهجــوم علــى ) الجبهــة (‪،‬‬ ‫ورفض قبــول ترشــيح المســطاري بــن ســعيد إلـــى النتخابــات‬ ‫‪13‬‬ ‫‪14‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةة ة ةةةة ةة – ة ةةة – ةةة ةة ) ‪ (17‬ةةةة ة‬ ‫‪ .‬فكــانت فرصــة جديــدة‬ ‫للنظام البورقيبي الذي أراد أن يبرهن من خلل استغللها علــى‬ ‫« قــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوته‬ ‫وجــديته»‪ .‬‬ ‫وطــالب مرشــح ) الجبهــة ( الســلطات التونســية‪ ،‬بــاحترام‬ ‫النصوص القانونية لدستور البلد‪ ،‬وإفساح المجال لكل الشــعب‬ ‫التونســي للمشــاركة فــي النتخابــات الرئاســية بحيــث تشــمل‬ ‫التوانسة المقيميــن فــي الخــارج‪ ،‬والبــالغ عــددهم )‪ (800‬ألــف‬ ‫لجنة محايدة لمراقبة النتخابات مــن‬ ‫شخص‪ ،‬كما طالب بتأليف‬ ‫قبل جامعة الدول العربية )‪.‬وفــي مقابلــة صــحفية أجرتهــا معــه جريــدة الســفير‬ ‫اللبنانية أعلن المسطاري عن برنامجه النتخــابي المتمثــل فــي‬ ‫نقطتين ‪:‬‬ ‫‪ -1‬إســـقاط النظـــام البورقيـــبي وخيـــاراته السياســـية و‬ ‫القتصادية والجتماعية‪.‬‬ ‫وكان الشيخ المسطاري بن سعيد قد قــدم طلــب ترشــيحه‬ ‫إلـــى النتخابــات الرئاســية بوســاطة الســفارة التونســية فــي‬ ‫الجــزائر‪ .‬‬ ‫‪ -2‬إقامة مجتمع ديمقراطي قومي في تونس ‪.‬وعنـدما‬ ‫أعلـــن فـــي تـــونس عـــن إجـــراء انتخابـــات رئاســـية عـــام‬ ‫‪ ،1974‬قــدمت الجبهــة القوميــة مرشــحا ً باســمها هــو الشــيخ‬ ‫المســـــــــــــــــــطاري بـــــــــــــــــــن ســـــــــــــــــــعيد‬ ‫)أحد رموز انقلب عام ‪ ،1962‬والمحكوم عليه بالعدام غيابيــًا‪،‬‬ ‫ويقيــم فــي المنفــى متنقل ً بيــن طرابلــس والجــزائر ( ليكــون‬ ‫منافسا ً للرئيس الحبيب بورقيبة‪ ،‬الذي كان الحــزب الشــتراكي‬ ‫الدستوري قد أتخذ قرارا ً بتجديد رئاســته وانتخــابه رئيس ـا ً للبلد‬ ‫مدى الحياة‪.19‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةة ةةة ةةةةةةةة ة ةةةة ة ‪ 2/7/1974‬ة ةةة‬ ‫ةة ةةةةة ةةةةةةةة ةة ةةةة‪.

‬ويقول صافي الســعيد فــي‬ ‫كتــابه الجديــد « بورقيبــة رحيــل آخــر البايــات‪ ،» ..‬ساءت علقات‬ ‫ليبيا مع مصر بسبب « كــامب ديفيــد » فلــم تقــف تــونس إلــى‬ ‫جانبها‪ ،‬وساءت علقات الجزائر مــع المغــرب بســبب الصــحراء‬ ‫الغربية فراوحت تـونس مكانهـا بـل مـالت نحـو المغـرب‪ .‬واســتقطبت ) الجبهــة ( العديــد مــن‬ ‫العناصر التونسية التي انخرطت مبكرا ً في صفوف التنظيمــات‬ ‫الفلسطينية‪ ،‬وكذلك العمال العاملين في ليبيا‪ ،‬وشكلت منهم «‬ ‫لجانا ثورية »‪ ،‬وقامت بتدريبهم عسكريا ً في معسكرات الجبهــة‬ ‫الشــعبية القيــادة العامــة ) أحمــد جبريــل (‪ ،‬قبــل أن تســتأنف‬ ‫نشــاطها العســكري‪ ،‬حيــث نظمــت‪ ،‬وقــادت عمليــة «انتفاضــة‬ ‫عسكرية » في مدينة قفصة في ‪ 27‬كانون الثاني‪/‬يناير ‪،1980‬‬ ‫عبر رحلة طويلة انطلقت من بيروت إلى روما والى طرابلــس‪،‬‬ ‫ثم من طرابلس إلى روما والى الجزائر‪.‬وقد ساق بورقيبــة اتهامــات للجبهــة القوميــة لتحريــر‬ ‫تتمثل في تبعيتها لليبيا‪ ،‬وفي سعيها إلـــى ) الوحــدة مــع‬ ‫تونس‪،‬‬ ‫ليبيا ( )‪.‫الرئاسية‪ .‬‬ ‫‪ – 3‬النتماء إلـى تنظيم غير مرخص له‪.‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةة ةةةةةة – ةةةة – ةةةة ةةةة‪.‬حــول هــذا‬ ‫الموضوع‪ ،‬ما يلي ‪ « :‬بدءا ً مــن عــام ‪ 1975‬راودت الجزائرييــن‬ ‫والليبيين أفكار كثيرة للطاحة بنويرة رئيــس الحكومــة الســبق‬ ‫ونظام بورقيبة‪ .2‬محاولة العتداء على رئيس الدولة الحبيب بورقيبة‪.‬كما كانت للجبهة علقات مع‬ ‫بعض فصائل المقاومة الفلسطينية باســتثناء حركــة فتــح‪ ،‬الــتي‬ ‫حكــم بلعــاوي ( مرتبط ـا ً بــأجهزة‬ ‫كــان ممثلهــا فــي تــونس ) ال َ‬ ‫المخابرات التونسية‪ ،‬وكان يتعــاون معهــا ضــد فصــائل الحركــة‬ ‫الوطنية التونسية المعارضة‪ ،‬فضل ً عن أن فتح ذاتها لها علقات‬ ‫جيدة مع النظام التونسي‪ .(15‬‬ ‫في غضـون ذلـك شــنت الجهـزة القمعيــة التونسـية حملــة‬ ‫الجبهة ( فــي البلد‪ .‬‬ ‫وصدرت الحكام بحق المتهمين التي راوحت مــا بيــن عــام‬ ‫إلـى ستة عشر عاما ً سجنًا‪ ،‬وكــان مــن بيــن المحكــومين أحمــد‬ ‫مصباح ضو المرغنــي أحــد قيــاديي الجبهــة‪ ،‬والــذي قــاد عمليــة‬ ‫قفصة العسكرية عام ‪.‬كانت كل دولة تحاول جذبه إليها‪ ،‬لكن نويرة لم‬ ‫يكن ليضعف ل باتجاه الشرق ول باتجاه الغرب‪ .‬‬ ‫‪ .‬وقــد‬ ‫اعتقالت واسعة في صفوف أعضاء )‬ ‫تم تقديم )‪ (33‬معتقل ً للمحاكمة بتهمة )‪: (16‬‬ ‫‪ .1‬تفجير السفارة الميركيــة ودار البيعــة اليهوديــة‪ ،‬ومقــر‬ ‫الحزب الحاكم‪.‬كـان‬ ‫التفاق الضمني‪ ،‬وهو أن بومدين والقذافي حاصل ً باتجاه تونس‬ ‫في حده الدنى‪ ،‬وهو أن النظام قد تآكل وصراعاته الداخلية قد‬ ‫تضعف موقفيهمــا‪ ،‬ولكنهمــا لــم يكونــا يملكــان خطــة مشــتركة‬ ‫‪15‬‬ ‫‪16‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةةة ةةةةةة ةةةة‪.‬‬ ‫وقــد لعبــت أجهــزة الســتخبارات الليبيــة‪ ،‬وجهــاز المــن‬ ‫العســكري الجــزائري بقيــادة قاصــدي مربــاح دورا ً رئيســيا ً فــي‬ ‫الترتيب والعداد اللوجيستيكي لهذه العملية‪ ،‬التي كان من أبرز‬ ‫قادتها التونسيين أحمد المرغني‪ ،‬وعز الــدين الشــريف‪ ،‬اللــذين‬ ‫قادا الهجوم العسكري على قفصة‪ .‬‬ .1980‬‬ ‫بعد تلك المحاكمة‪ ،‬عززت الجبهة القومية التقدمية لتحريــر‬ ‫تونس علقاتها مع ليبيــا‪ ،‬حيــث تركــز نشــاطها فــي الجماهيريــة‬ ‫الليبية‪ ،‬التي كانت تشكل قاعدة خلفية لهــا تحمــي نفســها مــن‬ ‫هجمة النظام التونسي عليهـا‪ ،‬خصوصـا ً أن العلقـات بيـن ليبيـا‬ ‫والنظــام التونســي آنــذاك كــانت دائم ـا ً متــوترة‪ ،‬بســبب إعلن‬ ‫القذافي محاربته للرجعية العربية‪ .

‬‬ ‫كانت الخطة تقف عند حدود أحداث صدمة لنظــام بورقيبــة‬ ‫في إحـدى مـدنه المهمــة الـتي عرفــت تقليـديا ً بـالتمرد‪ ،‬ولكــن‬ ‫الذين اخــتيروا لتنفيــذها مــن التونســيين‪ ،‬كـانوا يعتقــدون بــأنهم‬ ‫ذاهبون لعلن بدء الثورة المســلحة‪ ،‬لقــد فــات أولئك الشــباب‬ ‫الغاضب والمندفع أن ل ليبيا ول الجزائر تريد ثورة مسلحة على‬ ‫حدودها‪ ،‬وكما اعتقدوا أن المدادات ستأتيهم حين يتمكنون من‬ ‫الســيطرة علــى مدينــة قفصــة‪ ،‬فقــد توهمــوا أيضـا ً أنهــم كــانوا‬ ‫يقومون بعمل شعبي سيســانده « كــل الشــعب » حالمــا يعلــن‬ ‫عن نفسه‪.(17‬‬ ‫ورغم ما أحدثته عملية قفصة العسكرية من صــدمة عنيفــة‬ ‫هــزت أركــان الســـلطة فـــي تـــونس بخياراتهـــا السياســـية و‬ ‫القتصــادية و الجتماعيــة‪ ،‬إذ عجلــت برحيــل رئيــس الحكومــة‬ ‫الهادي نويرة من السلطة‪ ،‬ومجيء محمد المزالي إلــى رئاســة‬ ‫الحكومة في نيسان‪/‬أبريل عــام ‪ ،1980‬إل أن الجبهــة القوميــة‬ ‫التقدميــة لتحريـر تــونس خســرت المعركـة عسـكريًا‪ ،‬وبالتــالي‬ ‫سياسيا ً في عملية المواجهة مع النظام‪.‬وفــي ذلــك‬ ‫الوقت بالضـبط بــدأ سـيناريو مـا سـوف يعــرف بعمليـة قفصـة‬ ‫يتضح للرجال المكلفيــن فــي كــل مـن ليبيــا والجــزائر لمعالجــة‬ ‫ملــف تـونس كـان بومـدين قــد وضــع فجــأة تحـت طائلـة ذلـك‬ ‫المرض الذي سيأخذه من الحياة‪ ،‬حين ســافر رئيــس مخــابراته‬ ‫العسكري قاصدي مرباح إلى طرابلس ليضع مع رجال القذافي‬ ‫اللمســات الخيــرة للهجــوم الــذي سيســتهدف مدينــة قفصــة‬ ‫الجنوبية في كانون الثاني ‪ ..‬وبما أن الصل ) أي الحركــة اليوســفية ( قــد أنهــزم‪،‬‬ ‫فل بد للمتداد الطبيعي الــذي تفـرع عنـه ) أي الجبهــة القوميــة‬ ‫لتحرير تونس ( من أن ينهزم أيضا ً ولو بعد فترة من الزمن‪.1980‬كانت العمليــة ســتنطلق فــي‬ ‫صيف ‪ ،1979‬ولكنها تأجلت بسبب مرض بومدين‪ ،‬فوقعت فــي‬ ‫عهد الشاذلي بن جديد الذي لــم يكــن يعلــم بهــا‪ .‬‬ ‫‪‬‬ ‫‪17‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةة ةةة ة ةةة « ةةةةةة ة » ة ةةة ة ةة‬ ‫ةةةة ة – ةةة ةة ةة ةةةة ة ةةةة ة ةةةةة ة –‬ ‫ةةة‬ ‫ة – ةة‬ ‫ة ةةةةة‬ ‫ةةة – ةةةةة‬ ‫ةة‬ ‫ةةةةةة‪/‬ةةةةةة ‪ ) 2000‬ة ‪.‬‬ ‫وبما أن الجبهة القومية التقدمية لتحرير تونس تمثــل تيــارا ً‬ ‫قوميا ً تقليديًا‪ ،‬هو امتداد طبيعي وموضــوعي‪ ،‬فكــري وسياســي‬ ‫اليوسفية‪ ،‬فإنها عجزت سياسيا ً وتاريخيا ً عن أن تشــكل‬ ‫للحركة‬ ‫"بــديل ً ثوري ـا ًَ حقيقي ـا ً "‪ " ،‬لتحريــر تــونس "‪ ،‬ول نقيض ـا ً للنظــام‬ ‫التونسي‪ .‬في تلك اللحظة لحت فكــرة فــي رؤوس البعــض‬ ‫في العاصمتين الليبية والجزائرية مفادها أن نظام بورقيبة على‬ ‫شفير الحفرة ول يحتاج إل إلى ركلة صغيرة لكي يقع فــي تلــك‬ ‫الحفرة‪ .‬لم يكونا يملكان رجال ً داخل الجيش التونسي‪ ،‬كما كانا‬ ‫حذرين من تهمة التدخل واستفزاز الغرب‪ ،‬وخاصة أميركا الــتي‬ ‫كانت تبحث عن مدخل للتمدد تجاه ليبيــا والجــزائر‪ .( 355‬‬ .‬وكمــا أوضــح‬ ‫القذافي فيما بعد لحدى الصحف الجنبية فإن مرباح هــو الــذي‬ ‫مـع بومــدين وجـاء إلــى الـبيت ليطلــب المسـاعدة‬ ‫أعد الخطـة‬ ‫والمشاركة )‪.‫الحركة اليوسفية في تونس‬ ‫للطاحة به ول اتفاقا مشتركا ً على إقامة نوع من الوفــاق علــى‬ ‫أرض تونس‪ .

.

‬وقسم آخر وقــف مــع‬ ‫القيادة التاريخية لحــزب البعــث بزعامــة ميشــال عفلــق‪ ،‬ومــن‬ ‫بينهم مسعود الشابي‪ ،‬وعلي النجار‪ ،‬ومحمد صالح الحـراث ‪.‬وتضــمن العــدد الول لهــذه‬ ‫السلسلة نداء إلـى العمــل‪ ،‬كتــب فيــه أبــو القاســم عــن حــزب‬ ‫البعث‪ ،‬دستوره‪ ،‬وأفكاره‪ ،‬ودعوته الوحدوية ‪.‬‬ ‫ونذكر في هــذا الصــدد‪ ،‬أن أغلبيــة البعــثيين التونســيين قــد‬ ‫انحــازت إلـــى خــط القيــادة التاريخيــة‪ ،‬فيمــا انحــازت العناصــر‬ ‫البعثيــة النشــطة لحركــة ‪ 23‬شــباط‪ ،‬باعتبارهــا الكــثر جذريــة‬ .‬‬ ‫وبعـــد اســـتقلل تـــونس فـــي العـــام ‪ ،1956‬اســـتمرت‬ ‫الرساليات الطلبية تتوافد إلـى المشرق العربي‪ .‬‬ ‫غير أن هذه الستراتيجية لم تكــن تحظــى بإجمــاع البعــثيين‬ ‫حولها‪ .‬وكــان قســم‬ ‫هائل من هؤلء الطلب قد تبنى فكــر حــزب البعــث‪ ،‬وبــدأ فــي‬ ‫تشـــكيل النـــوى التنظيميـــة الولـــى ضـــمن إطـــار الجامعـــة‪،‬‬ ‫والثانويات‪ ،‬والساتذة‪ .‬وكانت اســتراتيجية قيــادة حــزب البعــث‬ ‫العربي الشتراكي قبل العــام ‪ ،1966‬تقــوم علــى دفــع الطلب‬ ‫البعثيين العائدين إلـى تونس إلـى النخراط في صفوف الحزب‬ ‫الشتراكي الدستوري الحاكم‪ ،‬والعمل من خلل هياكله ‪.‬وتركز الوجود التنظيمي لحركة البعــث فــي‬ ‫مدن تونس‪ ،‬وقفصة وصفاقس‪ ،‬وبعض المناطق فــي الجنــوب‪.1966‬آنــذاك‬ ‫انقسـم البعــثيون التونســيون إلـــى قســمين ‪ :‬قسـم يؤيــد تلــك‬ ‫الحركة‪ ،‬ومن أبرزهـم محمــد صــالح الهرماســي‪ ،‬وعبـد الـرزاق‬ ‫الكيلني‪ ،‬الطاهر عبد الله‪ ،‬علي شلفوح‪ .‬فبينما انخــرط عــدد مــن البعــثيين فــي صــفوف الحــزب‬ ‫الحاكم ) نذكر على ســبيل المثــال ‪ :‬المرحــوم عمــر الســحيمي‬ ‫الذي اغتيل في بيروت عام ‪ ،1968‬والميداني بن صالح رئيــس‬ ‫اتحاد الكتاب التونسيين (‪ ،‬هناك البعض الخر مــن البعــثيين لــم‬ ‫يمتثل لوامر القيادة في المشرق العربي‪ ،‬من بينهــم ‪ :‬مســعود‬ ‫الشابي‪ ،‬محمد صالح الهرماسـي‪ ،‬عبـد الــرزاق الكيلنـي‪ ،‬علـي‬ ‫شلفوح‪ ،‬والمرحوم الطاهر عبد الله‪ ،‬وبلقاسم الشابي وغيرهم‪.‫الحركة اليوسفية في تونس‬ ‫الفصل الثاني ‪:‬‬ ‫حركة البعث في تونس‬ ‫لعــب الطلب الــذين قــدموا مــن بلــدان المغــرب العربــي‪،‬‬ ‫ودرســـوا فـــي جامعـــات دمشـــق وبغـــداد منـــذ الربعينـــات‬ ‫والخمسينات‪ ،‬دورا ً رئيسيا ً في نقل أفكار حزب البعــث العربــي‬ ‫الشتراكي إلـى كــل مـن تــونس وليبيــا‪ ،‬ولحقـا ً إلـــى الجــزائر‪.‬‬ ‫وكانت أول مبادرة للتبشير بفكر البعث بصــورة علنيــة‪ ،‬تمثلــت‬ ‫في السلسلة الشهيرة التي أصدرها محمد أبو القاسم كرو عام‬ ‫‪ ،1955‬الذي كان عضوا ً في حزب البعث في بغداد‪ ،‬وكــان مــن‬ ‫الناشطين في الوســاط الجامعيــة‪ .‬‬ ‫واستمر البعثيون يعملــون فــي إطــار التنظيــم الســري الواحــد‪،‬‬ ‫إلـى أن قامت حركة ‪ 23‬شباط في سورية عام ‪ .‬‬ ‫وعندما وصل حزب البعث العربي الشتراكي إلـى السلطة‬ ‫فــي دمشــق عــام ‪ ،1963‬بــدأت التنظيمــات البعثيــة الســرية‬ ‫تتشكل في تونس‪ .

‬‬ ‫ً‬ ‫ومع بداية السبعينات‪ ،‬تراجع المد القومي عموما‪ ،‬وقاد هذا‬ ‫كله ل إلى هزيمة المشاريع الوحدوية فحسب‪ ،‬بــل إلـــى تراجــع‬ ‫القضية القومية في النظرية والممارسة‪ ،‬فمن ناحية المشــاريع‬ ‫مل منها‬ ‫الوحدوية‪ ،‬باتت الجماهير والقوى الوطنية العربية‪ ،‬ل تؤ ّ‬ ‫كثيرًا‪.‬‬ ‫ونظــرا ً لســخاء النظــام العراقــي‪ ،‬وإنشــائه العديــد مــن‬ ‫المؤسســات التعليميــة فــي تــونس‪ ،‬منهــا كليــة الداب بمنوبــة‪،‬‬ ‫وطبعه الكتب المدرسية والخرائط الجغرافية‪ ،‬فضل ً عن اللتقاء‬ ‫الموضــوعي بينــه وبيــن النظــام التونســي فــي بعــض القضــايا‬ ‫السياسية ـ فقد غــض هــذا الخيــر النظــر عــن نشــاط البعــثيين‬ ‫التونسيين الموالين للعراق ‪.‬ومــن‬ .‬ومع‬ ‫ذلك جرت محاولت لتوحيد البعثيين التونسيين في إطار تنظيم‬ ‫واحد خلل عقد السبعينات‪ .‫والقرب إلـى أقصى اليسار الماوي‪ .‬وظل نشاط البعثيين سريا ً‬ ‫حــتى ربيــع ‪ ،1968‬عنــدما حصــلت أول تظــاهرات طلبيــة فــي‬ ‫الجامعة التونسية‪ ،‬حينئذ شنت الســلطات التونســية حملــة مــن‬ ‫القمع على العناصر القومية واليسارية النشــطة فــي الجامعــة‪،‬‬ ‫وأصــدرت كتابـا ً أبيــض بعنــوان « الفتنــة البعثيــة ‪ -‬الماويــة فــي‬ ‫الجامعة » ‪.‬وكــان المهندســان لعمليــة التوحيــد‬ ‫هــذه‪ ،‬محمــد صــالح الهرماســي والميــداني بــن صــالح‪ .‬‬ ‫وبالمقابــل‪ ،‬إن القــوى المبرياليــة‪ ،‬وعلــى رأســها المبرياليــة‬ ‫الميركية‪ ،‬قـررت أن ترمـي بثقلهـا ضـد القضـية القوميـة‪ ،‬بعـد‬ ‫التجربة الناصرية ووحدة ‪.‬‬ ‫في غضون ذلك‪ ،‬تعرض العشرات مــن البعــثيين للمحاكمــة‬ ‫من قبـل محكمـة أمـن الدولـة‪ ،‬ومـن أبـرز هـؤلء عبـد الـرزاق‬ ‫الكيلنــي‪ ،‬وبلقاســم الشــابي‪ ،‬وأحمــد نجيــب الشــابي‪ ،‬وعمــار‬ ‫الشابي وغيرهم‪ .‬كما أن حزب البعث انقســم‪ ،‬وأن القطريــن‬ ‫اللــذين يحكمهمــا تصــارعا بــدل ً مــن أن يتحــدا‪ ،‬وقســما القــوى‬ ‫الوطنيـــة و الديمقراطيـــة العربيـــة‪ ،‬بـــدل ً مـــن أن يوحـــداها‪.‬ومــن ناحيــة النظريــة‪ ،‬نمــا منــذ أوائل الســتينات تيــاران‬ ‫متناقضان‪ ،‬ولكنهما يطرحان نفسيهما‪ ،‬ومن موقعين مختلفيــن‪،‬‬ ‫على انهما غير قوميين‪ ،‬وهمــا ‪ :‬التجــاه الماركســي – اللينينــي‪،‬‬ ‫والتجاه السلمي‪ .‬وكــانت‬ ‫فــترة ‪ ،1972 – 1968‬أخصــب فــترة لنشــاط البعــثيين فــي‬ ‫تونس ‪.‬‬ ‫وفيما كان النظام التونســي يشــدد الخنــاق علــى القــوميين‬ ‫واليساريين‪ ،‬الذين أصبحوا يشكلون ثقل ً قويا ً في الجامعة‪ ،‬وفي‬ ‫النقابــات العماليــة‪ ،‬بــدأ بالمقابــل يســمح للســلميين بالنشــاط‬ ‫العلني‪ ،‬لمحاصرة المد القومي – اليساري فــي تــونس‪ .‬‬ ‫والحــال هــذه‪ ،‬أســس البعــثيون فــي تــونس حركــة البعــث‬ ‫بزعامة فوزي السنوسي فــي بدايــة الثمانينــات ) والــذي تــوفي‬ ‫بسكتة قلبية في ظروف غامضة فــي نهايــة الثمانينــات (‪ .‬غيــر أن‬ ‫انقسام حزب البعث العربي الشــتراكي إلـــى فرعيــن حــاكمين‬ ‫في سوريا والعراق‪ ،‬لعب دورا ً سلبيا ً في ذلك‪ ،‬إضــافة إلـــى أن‬ ‫ظــروف العمــل الســري خلقــت جــوا ً متــوترا ً داخــل صــفوف‬ ‫البعثيين‪ ،‬ومرضا ً زعاماتيا ً ‪. 1958‬‬ ‫فــي هــذه الجــواء‪ ،‬انقســم البعــثيون التونســيون إلـــى‬ ‫تنظيمين‪ ،‬واحد مرتبط بمركز بغداد‪ ،‬والخر بمركز دمشق‪ .‬‬ ‫فقد فشلت كل المشاريع الوحدوية منذ عام ‪ ،1962‬وحـتى‬ ‫الن‪ .‬وبعد هذه المحاكمة أصبح البعث معروف ـا ً فــي‬ ‫تونس‪ ،‬وأصبحت السلطة التونسية متخوفة من العناصر البعثية‬ ‫المتغلغلة في صفوف الحزب الحاكم‪ ،‬حتى أنهــا أنشــأت جهــازا ً‬ ‫خاصا ً في أمن الدولة لتتبع نشاط البعثيين ‪.

‬ومن أبرز القيادات البعثية التونسية الدكتور‬ ‫محمد صالح الهرماسي‪ ،‬الذي حضر معظم المؤتمرات القوميــة‬ ‫لحــزب البعــث العربــي الشــتراكي‪ ،‬منــذ عــام ‪ 1966‬ولغايــة‬ ‫المؤتمر الثالث عشر الذي انعقــد فــي صــائفة ‪ 1980‬بدمشــق‪،‬‬ ‫وانتخب على أثره عضوا ً فــي القيــادة القوميــة‪ ،‬ومشــرفا ً علــى‬ ‫مكتب المغرب العربي‪.‬غير أنــه مــع مجيــء ســلطة‬ ‫السابع من نوفمـبر‪ ،‬انتقــل عفيـف البــوني إلــى حــزب التجمــع‬ ‫الدســتوري الــديمقراطي الحــاكم‪ ،‬حمايــة لوضــعه ومصــالحه‬ ‫الشخصية‪ ،‬بعد أن اتهمه رفاقه بــاختلس أمــوال التنظيــم الــتي‬ ‫تلقاها من النظام العراقي ‪.‬‬ ‫وفي إطار هذا التراجع تــم توقيــع اتفاقيــة كمــب ديفيــد‪،‬‬ ‫والتفاقيات الستسلمية اللحقة ‪.1‬لللل ل لللل ل لللل لل لللل للل ل ل لل ل‬ ‫لللل لل لللللل لل لللل ل للل ل للل للل‬ ‫لل لل لل ل للل للل ل ل للللل للللل لللل‪.‬‬ .‬كمـا أن احتـدام الصــراعات‬ ‫داخل حزب البعث الحاكم في كل من ســوريا والعــراق‪،‬‬ ‫وبين أطراف التحالف الـوطني الواسـع‪ ،‬احتـداما ً فـرض‬ ‫معــارك ضــارية أضــعف الحركــة القوميــة الديمقراطيــة‬ ‫كلها‪ ،‬وخدمت أعدائها المختلفين ‪.‬ويمكن أن نحصــي النقــاط الــتي‬ ‫عرقلت مسيرة البعث في تونس على النحو التالي ‪:‬‬ ‫‪ -1‬لقد ظلت فكرة البعث محصورة فــي إطــار نخبــة ضــئيلة‬ ‫مــن المثقفيــن‪ ،‬بــالرغم مــن أن المجــال كــان مفتوح ـا ً‬ ‫لتطويرها‪ ،‬ونشرها في الوساط الشعبية‪ ،‬نظرا ً لمــا هــو‬ ‫كامن في نفوس ووجدان الشعب التونسي من مفــاهيم‬ ‫ومضـامين قوميــة وحدويـة‪ .‬‬ ‫وبالمقابل ظل نشاط البعثيين التونسيين المــوالين لســوريا‬ ‫مقتصرا ً على جمعيات المجتمــع المــدني‪ ،‬والنقابــات‪ ،‬والتبشــير‬ ‫للهداف القومية العامة‪ ،‬من دون الــبروز بشــكل المــدافع عــن‬ ‫السياسة السورية‪ .2‬للللل لللللللل لل للللللللللل لللل ل‬ ‫للللللللل للللل للللل للللل لل لل لللل‬ ‫لللللللل ‪.‬‬ ‫وعلى الرغم من أن البعـثيين اسـتقطبوا أعـدادا ً هائلـة مـن‬ ‫الطلب والساتذة‪ ،‬والمعلمين‪ ،‬إل أنهم فشلوا فــي بنــاء تنظيــم‬ ‫متماسك في القطر التونسي‪ .‬‬ ‫للل ل لل ل لللل لل لل لل ‪1958‬ل للل ل‬ ‫لللل لللل لللل للل لل للل للل للللل‬ ‫للللللل لل لللللل للللللل ‪.‬‬ ‫‪ .‬‬ ‫‪ -3‬تراجــع المواجهــة مــع العــدو الصــهيوني‪ ،‬بتبنــي شــعارات‬ ‫التسوية‪ ،‬تحت أسماء مختلفة‪ ،‬منها قرارات قمة فــاس‪.‫الحركة اليوسفية في تونس‬ ‫أبرز قيادات حركة البعث الدكتور عفيف البوني‪ ،‬الذي كان كاتبا‬ ‫عاما ً للشبيبة المدرسية في صفاقس‪ ،‬ودرس في جامعة بغداد‪،‬‬ ‫وتزوج بعراقية‪ ،‬وأصبح قياديا ً بعثيًا‪ .‬وتمثلــت هــذه التراجعــات أساســا ً فــي‬ ‫التالي ‪:‬‬ ‫‪ .‬‬ ‫‪ -2‬التأثير السلبي والمدمر الناجم عن انقسام حــزب البعــث‬ ‫إلـى فرعين حاكمين في سوريا والعــراق‪ ،‬حيــث انقلــب‬ ‫كل فرع على نفسه‪ ،‬في ظــل تراجــع الحركــة القوميــة‪،‬‬ ‫على صعيد المواجهة مع المبرياليــة الميركيــة و الكيــان‬ ‫الصهيوني وعلى صعيد الدعوة والعمل للتغيير السياسي‬ ‫والجتمــاعي‪ .

‬وزاد القمع الذي مارسته الدولة البوليسية خلل عقد‬ ‫التسعينات في إخماد حركة البعث نهائيا ً فــي تــونس‪ ،‬حيــث لــم‬ ‫نعد نسمع عـن نشـاط البعـثيين أي شـيء يـذكر‪ ،‬خصوصـا ً بعـد‬ ‫الســقاطات المــدمرة الــتي تركتهــا حــرب الخليــج الثانيــة فــي‬ ‫نفوس الشعب التونسي ‪.‬‬ ‫‪ -5‬سيادة المفاهيم الصلحية والمســاومة‪ ،‬وتراجــع مفــاهيم‬ ‫النضال والمواجهة‪ ،‬مما أفقد الحركة القومية إندفاعاتها‪،‬‬ ‫وأسهم فــي تحولهــا إلـــى قــوى هامشــية‪ .‬‬ ‫‪‬‬ .‫والتعقل والواقعية خلل العقدين الماضيين‪ .‬ولــم تســتطع‬ ‫القــوى القوميــة والوطنيــة و الديمقراطيــة فــي هــذه‬ ‫الجواء‪ ،‬أن تحقق وحدتها‪ ،‬وأن تبني قواها الضاربة على‬ ‫الصــعيد القــومي‪ ،‬وعلــى الصــعيد القطــري فــي معظــم‬ ‫الحالت‪ ،‬وأن تعبئ جماهيرها وتنظمها لخــوض المعــارك‬ ‫المصيرية‪.‬‬ ‫ولقد كانت لكل ذلك أسبابه‪ ،‬ومـن ذلـك مـا يتعلــق بطبيعـة‬ ‫قيادات حركة البعث في تونس وبرنامجهــا وبنيتهــا‪ ،‬الــتي كــانت‬ ‫تســاعد علــى ضــعف الحركــة وإنقاســمها‪ ،‬وتصــارع أحزابهــا‬ ‫المختلفة‪ .‬أما النظمة‬ ‫القومية‪ ،‬الــتي كــانت مــع التحريــر فعل‪ ،‬أصــبحت تتبنــى‬ ‫شعار التسوية علنا ورسميا ً ‪.‬‬ ‫‪ -6‬إن البعث في تونس لم يخلق نخبة مثقفــة متخرجــة مــن‬ ‫الجامعــات الفرنســية‪ ،‬كمــا هــو الحــال بالنســبة للحــزب‬ ‫الحــاكم‪ .‬ويــذكر فــي هــذا الصــدد أن العــراق أرســل‬ ‫العشرات من البعثيين التونسيين لمتابعــة تعليمهــم فــي‬ ‫الجامعات الفرنســية‪ ،‬مــن أجــل تهيئتهــم لكــي يتســلموا‬ ‫مناصب حساسة في أجهزة الدولــة لنشــر فكــر البعــث‪،‬‬ ‫عقب عودتهم إلـى تونس ‪.

‬‬ ‫وهكذا عاشت تونس في عقد الســبعينات صــراعات عنيفــة‬ ‫بيـــن الســـلطة ممثلـــة بـــالحزب الشـــتراكي الدســـتوري و‬ ‫إيديولوجيته ) القومية التونســية ( ذات الطــابع القطــري‪ ،‬وبيــن‬ ‫التجاه القومي العربي‪ ،‬وذلك في إطــار الصــراعات السياســية‬ ‫العنيفة التي شهدتها البلد خلل عقدي الخمسينات والســتينات‪.‬‬ ‫وكان أحد وجوه هذه الصراعات الهجمات المتبادلة بين النظــام‬ ‫وحزبه وقوى المعارضة القوميــة – العربيــة‪ ،‬الــتي تبلــورت فــي‬ ‫ثلث اتجاهات تنظيمية هي ‪ :‬الناصريون‪ ،‬والبعثيون‪ ،‬والقوميـون‬ ‫العرب‪ ،‬والذين استمدوا جميعا ً قــوتهم المتصــاعدة فــي تــونس‬ ‫من فترة الصعود التي شهدها المشرق العربــي‪ ،‬ووصــل بعــض‬ ‫ــوى إلــــى الســـلطة وبخاصـــة فـــي مصــر وســـوريا‬ ‫هـــذه القـ‬ ‫والعراق)‪.(18‬‬ ‫‪18‬‬ ‫)( ‪ -‬ة ةةة ة ةةة – ةةةة ةةة ةةةةةة ةة‬ ‫ةةةةةة ةة ة ة ة ةةة – ة ة ةةة ةة ة ةةة‬ .‬‬ ‫وفيما كانت الحركــة اليوســفية بزعامــة صــالح بــن يوســف‬ ‫تمثــل المعارضــة العروبيــة الــتي تــدافع عــن الهويــة العربيــة‬ ‫الســلمية المهــددة بالــذوبان والتلشــي مــن قبــل الســتعمار‪،‬‬ ‫وتنادي باستقلل كامل لتونس ل غبار عليه ول تحده شــروط أو‬ ‫معاهدات تمس بالسيادة الوطنيــة‪ ،‬وتطــالب الشــعب التونســي‬ ‫أن يعاضد الشعبين الشقيقين في الجزائر والمغرب فــي نطــاق‬ ‫نضالهما من أجل التخلص النهائي من نير الستعمار الفرنســي‪،‬‬ ‫وتحقيق وحدة المغرب العربــي الكــبير‪ ،‬وتريــد أن تتجــه تــونس‬ ‫نحو المشرق العربي حيث ترى أن مستقبلها يكمن فــي نطــاق‬ ‫الوحدة العربية السلمية‪ ،‬كــان بورقيبــة يمثــل مصــالح الطبقــة‬ ‫الوســـطى المدنيـــة المتـــأثرة بـــالفكر الـــبرجوازي الغربـــي‪،‬‬ ‫والمتشعبة بالتعليم الوروبي والثقافة الغربية‪ ،‬التي تحالفت مع‬ ‫الستعمار الفرنسي وكبار الملكين العقاريين‪ ،‬وعقــدت تســوية‬ ‫سياسية حول الستقلل في كنف التعاون مع فرنســا‪ ،‬واعتبرتــا‬ ‫مستقبل تونس يكمن في النمط الغربي للتنمية ‪.‬وكــانت‬ ‫اتفاقيات ‪ 3‬حزيران ‪ 1955‬التي منحـت تــونس بموجبهــا حكمـا ً‬ ‫ذاتيًا‪ ،‬قد شــكلت منعرجـا ً سياســيا ً وتاريخيـا ً حاســما ً فــي تاريــخ‬ ‫تــونس الحــديث‪ ،‬حيــث تفجــرت التناقضــات المكبوتــة‪ ،‬ســواء‬ ‫الشخصية منها أو الجتماعية أو اليديولوجيــة أو الثقافيــة داخــل‬ ‫الحركة الوطنية التونسية‪ ،‬حــول المسـتقبل السياسـي والنمــط‬ ‫القتصــادي والجتمــاعي والنتمــاء الثقـافي والحضــاري لتــونس‬ ‫المستقلة ‪.‫الفصل الثالث ‪:‬‬ ‫حركة التجمع القومي العربي‬ ‫تعود جذور المعارضة العروبية – القوميــة فــي تــونس إلـــى‬ ‫مرحلــة الصــراع المريــر الــذي كــان يشــق الحركــة الوطنيــة‬ ‫التونسية خلل فترة الكفاح ضــد الســتعمار الفرنســي‪ .

‬وهــذه سياســة‬ ‫ثابتة نابعة من اليديولوجية البورقيبية‪ ،‬عندما يقول بورقيبة فــي‬ ‫أحد خطبه « ل‪ .‬لقد كانت تونس نموذجـا ً كاسـتعمار خـاص لـه‬ ‫مظاهر إيجابية ل يستهان بها »‪.‬وهــذا الخطــاب يقــف علــى الضــد مــن‬ ‫الخطــاب الناصــري والبعــثي‪ ،‬الــذي يــرى فــي وجــود عــدد مــن‬ ‫البلدان العربية الـتي تتكلـم نفـس اللغـة وتـدين بنفـس الـدين‪،‬‬ ‫وتعيش في نفس الغطاء الجغرافي وتحس أنها موحدة بروابـط‬ ‫تاريخية وقريبة من بعضها بفعــل نفــس الحضــارة‪ ،‬هــي عوامــل‬ ‫تؤهلها أن تتجمع في أمة عربية واحدة‪ ،‬وأن تكون وطنا ً واحــدًا‪،‬‬ ‫من حقه السياسي والتاريخي أن يحقق وحدته فــي إطــار دولــة‬ ‫واحدة‪ .‬‬ ‫الخطاب السياسي لبورقيبة ينكــر وجــود وطــن عربــي كمــا‬ ‫ينفي وجود هوية عربية‪ .‬وهو في ذلــك‪ ،‬كــان متفقـا ً‬ ‫مع نظام الملك حسين في الردن‪ ،‬وفيصل ونوري السعيد فــي‬ ‫العراق‪ ،‬بحجة مكافحة الشــيوعية والوقــوف فــي وجــه الحركــة‬ ‫القومية العربية‪ ،‬والدفاع عن « العــالم الحــر »‪ .‫لقــد ناصــبت الســلطة التونســية العــداء للقضــية القوميــة‪،‬‬ ‫ولحركة الوحدة العربيــة‪ ،‬نظــرا ً لتناقضــهما بعمــق مــع خيــارات‬ ‫السلطة التونسية وحزبها في مجال العلقات العربية والدوليــة‪،‬‬ ‫الــتي يحكمهــا نهــج التبعيــة فــي فلــك الســتعمار الجديــد –‬ ‫المبريالية الميركية – وبسبب من خضوعها لنفــوذه وســيطرته‬ ‫إلـى حـد كـبير‪ ،‬باعتبـار أن هـذه السـلطة التونسـية لـم تسـلك‬ ‫ســلوك الوصــاية علــى المجتمــع المــدني والشــعب فقــط‪ ،‬عــن‬ ‫طريـق تطـبيق مشـروعها « التحـديثي » أو بـالحرى « رسـالة‬ ‫المستعمر التمدينيــة »‪ ،‬وإنمـا عزلـت كــذلك الجمــاهير العربيــة‬ ‫التونســية عــن محيطهــا العربــي‪ ،‬حــتى تعيــق عمليــة التفاعــل‬ ‫والتكامل على الصعيد القومي‪ .‬فكــانت موافقــة بورقيبــة علــى‬ ‫مشروع أيزنهاور لسد الفراغ في الشرق الوسط‪ ،‬أي لمحاربــة‬ ‫الحركة الوطنية العربية والشيوعية‪ . (239‬‬ .‬وبينما يؤكد الخطاب القومي بشــقيه البعــثي والناصــري‬ ‫أن الوحــدة العربيــة موجــودة ول جــدال فيهــا‪ ،‬يؤكــد الخطــاب‬ ‫البورقيبي بدوره أن هذه الوحدة ليست معطى مباشرًا‪ ،‬وينفــي‬ ‫بورقيبة وبشكل مباشر وجــود جــذور تاريخيــة للوحــدة العربيــة‪،‬‬ ‫ويعتبرها أسطورة ل ركائز لها في التاريخ ‪..‬وهــذا عــائد إلـــى‬ ‫طبيعة حركة التحرر الوطني المغاربية‪ ،‬وسيرورة تطورهــا نحــو‬ ‫تحقيــق الســتقلل السياســي‪ ،‬وإلــى دور النخبــة السياســية‬ ‫والمثقفة الــتي قــادت هــذه الحركــة‪ ،‬ولعبــت دورا ً حاســما ً فــي‬ ‫عملية بناء الدولة الوطنية ذات الطابع القطــري المتناقضــة مــع‬ ‫طبيعة الدولة القومية ‪.‬‬ ‫على نقيض ما هو سائد في المشرق العربــي‪ ،‬حيــث تعتــبر‬ ‫اليديولوجية القومية أن الرتباط بالوجود الوطني « القطري »‬ ‫يناقض منطقها الخاص‪ ،‬بوصفها تمزقًا‪ ،‬وتقطع ـا ً فــي التضــامن‪،‬‬ ‫شعوبية على حد تعبير القوميين‪ ،‬فـإن الـوعي القـومي العربـي‬ ‫فــي منطقــة المغــرب الغربــي يتمفصــل فــي الــوعي الــوطني‬ ‫الخــاص « أي القطــري بــالمعنى القــومي »‪ .‬‬ ‫وجاءت التطــورات الدراماتيكيـة فـي التاريــخ العربــي‪ ،‬منـذ‬ ‫إنشــاء دولــة الكيــان الصــهيوني‪ ،‬واغتصــاب ارض فلســطين‪،‬‬ ‫والخفاقــات العربيــة لجهــة عجــز الحركــات القوميــة العربيــة –‬ ‫بتلوينها المختلفة الناصــرية والبعثيــة والقــوميين العــرب – عــن‬ ‫بناء دولة الوحدة التي طــال انتظارهــا‪ ،‬ليعــزز أطروحــة النخبــة‬ ‫السياسية الحاكمة في تونس القائلة بضرورة تمتين وتقوية بناء‬ ‫الدولة القطرية‪ ،‬وبمعاداة فكــرة الوحــدة العربيــة‪ ،‬خصوص ـا ً أن‬ ‫هذا الفكر الوحدوي الذي حملته الحركات القومية آنفــة الــذكر‪،‬‬ ‫كان ول يزال يحصر تحقيق الوحدة العربية عن طريــق القضــاء‬ ‫ةةةةة–ةةةةةة ةةةةةة ‪) 1986‬ة ‪.

‬‬ ‫أن تفشل الدول القليمية في الستمرار أمام الضغط الخارجي‬ ‫ـوقت‪(19‬نفســه بهــذه‬ ‫الصهيوني والتوسع المبريالي‪ ،‬فيطاح في الـ‬ ‫النظمة ويقضي على الصهيونية والمبريالية معا ً) ‪.‬فقـد أعقبــت هـذه‬ ‫التطورات مجيء حكومة مزالي في نيسان ‪ ،1980‬التي رفعت‬ ‫‪19‬‬ ‫)( ‪ -‬ةة ة ةةةةة ة – ةةةةة ة ةةةةةة ة ةةة ةة‬ ‫ةةةة ةة ةةةةة ة – ةة ة ةةة ةة ة ة ةة ةة «‬ ‫ةة ةة ةةةة ةة ةةةةة ة » ةةة ة ةةةة ةة‬ ‫ةةةةةة ةةةةةةة – ةةةةة – ةةةةةة ةةةةةة‬ ‫ةةةةة ةةةةةة‪/‬ةةةةة ‪ ) – 1987‬ة ‪.‬ولقـد بلـغ عســف موقـف السـلطة‬ ‫التونســية أقصــى مــداه مــن المعارضــة السياســية باتجاهيهــا‬ ‫الساسيين القومي والماركسي من خلل حكم التيار المتصــلب‬ ‫فــي الحــزب الشــتراكي الدســتوري بزعامــة رئيــس الحكومــة‬ ‫الهادي نويرة‪ ،‬ومدير الحزب محمد الصــباح ووزيــر الــدفاع عبــد‬ ‫الله فرحات ‪.‬والحـال هـذه تعرضـت التنظيمـات‬ ‫القومية في تونس إلـى اشد أنواع القمع خلل فــترة الســتينات‬ ‫والســبعينات‪ ،‬المــر الــذي قــاد هــذه التجاهــات القوميــة إلـــى‬ ‫النكفــاء‪ ،‬حيــث غــادر خيــرة المناضــلين القــوميين صــفوف‬ ‫التنظيمات القوميــة العربيــة إلـــى التنظيمــات الخــرى وخاصــة‬ ‫الماركســـية ومنظمـــات اليســـار الجديـــد‪ ،‬وغـــدت الحـــزاب‬ ‫والمنظمات القومية بقايا لهياكل تنظيمية وسياســية عــاجزة أن‬ ‫تؤلف قوة تــأثير فــي البلد‪ .‬‬ ‫وانطلقا ً من اعتقادها في اســتحالة إقامــة الوحــدة العربيــة‬ ‫الندماجية‪ ،‬وتأكيدها ضرورة إنجاز الجزئية والتدرجيــة‪ ،‬هــاجمت‬ ‫الدولة البورقيبية الحركات القومية بعنف‪ ،‬لنهــا تتنــاقض بعمــق‬ ‫مع خياراتها وحزبها الحـاكم‪ .‬‬ ‫وظل الخطاب البورقيبي يعتبر الوحدة العربية فــي صــيغتها‬ ‫المشرقية الحماسية فكرة عاطفيــة ومربكــة وديماغوجيــة‪ ،‬لــذا‬ ‫كان يدعو إلـى التدرج عبر المراحل فيما يتعلــق بالوحــدة‪ ،‬بنــاء‬ ‫الدولة الوطنية أو ً‬ ‫ل‪ ،‬وتحقيق نوع من التعاون الثنائي الذي يقود‬ ‫إلـى تشكيل بنية فضفاضة وفوق « وطنية » أو كنفدرالية‪ ،‬قبل‬ ‫ولوج مرحلة « الندماج » بين بلدين أو أكثر ‪.‬‬ ‫ً‬ ‫وهكذا‪ ،‬فإن الفكر القومي العربي الذي يقيــم تعارض ـا بيــن‬ ‫قيام الوحدة العربية ووجــود الدولــة القطريــة‪ ،‬يحصــر المســألة‬ ‫في المؤسسة السياسية على حد قــول الــدكتور علــي أومليــل‪،‬‬ ‫الذي يقول‪ :‬إن الفكر الوحودي ســواء أكــان مغاربي ـا ً أم عربي ـًا‪،‬‬ ‫يحصر المر في المؤسسة السياسية مما أدى بــه إلـــى التعلــق‬ ‫بمجموعة من النتظارات ‪:‬‬ ‫‪ ‬انتظار دولة ثورية‪ ،‬وحدوية‪ ،‬علــى رأســها قــائد تجــود بــه‬ ‫القدار‪ ،‬يقوم بتحقيق هذه الوحدة‪ ،‬ويكون غاريبالــدي أو‬ ‫بسمارك العرب ‪. ( 51‬‬ .‫حركة التجمع القومي‬ ‫على الدولة القطرية ‪.‬‬ ‫وجـــاءت التطـــورات السياســـية الـــتي شـــهدتها الســـاحة‬ ‫التونسية‪ ،‬النتفاضة العمالية التي فجرها التحاد العام التونسي‬ ‫للشغل بزعامة أمينه العام الحبيب عاشور في ‪ 26‬يناير )كانون‬ ‫الثاني ( ‪ ،1978‬والتي أدت إلـى مصرع أكثر من ‪ 500‬شــخص‪،‬‬ ‫وبروز الحركة الســلمية الصــولية بقــوة علــى صــعيد المشــهد‬ ‫السياســي التونســي‪ ،‬ومجيــء أحــداث قفصــة العسـكرية الــتي‬ ‫هزت أركان وهيبة الدولـة البورقيبيـة‪ ،‬فـي بدايـة العـام ‪،1980‬‬ ‫لتشكل منعرجا ً سياسـيا ً جديــدا ً فــي تــونس‪ .‬‬ ‫‪ ‬وكــذلك انتظــار ثــورة الجمــاهير الــتي تســتطيع الطاحــة‬ ‫بالحكومات القليمية العائقة للوحدة‪.

(20‬‬ ‫وفيما قبلت المعارضة التونســية الشــروط المجحفــة الــتي‬ ‫وضعها النظام‪ ،‬والنضــال مــن أجــل الديمقراطيــة علــى أرضــية‬ ‫برنامج السلطة التونسية‪ ،‬التي ربطت قضية العتراف بأي مــن‬ ‫التنظيمات المعارضة وأحزابها بصورة رسمية‪ ،‬بشرط الحصول‬ ‫على ‪ 5‬فــي المئة مــن الصــوات فــي النتخابــات النيابيــة الــتي‬ ‫جرت في خريف عــام ‪ ،1981‬رفــض التجمــع القــومي العربــي‬ ‫الدخول فــي تلــك النتخابــات البرلمانيــة‪ ،‬وقــال البشــير الصــيد‬ ‫بصدد شرط الحصول على ‪ 5‬في المئة ‪ « :‬إننا نكســب وجودنــا‬ ‫مــن تحركنــا فــي الســاحة السياســية‪ ،‬وحركتنــا ترفــض منطــق‬ ‫الخمسة في المئة‪ ،‬وأي نسبة أخرى‪ ،‬ليمانها بــأن حــق التجمــع‬ ‫السياســي مســتمد مــن الدســتور‪ ،‬ومــن الممارســة السياســية‬ ‫الواقعية »‪ .‫شعارات النفتاح الديمقراطي والتعدديــة السياســية فــي البلد‪،‬‬ ‫والتي جاء مؤتمر الحزب الشتراكي الدســتوري الحــادي عشــر‬ ‫فـي نيسـان ‪ 1981‬ليثبـت اتجاهاتهـا الرئيسـية‪ ،‬ويفتـح البـواب‬ ‫لظهــور معارضــة سياســية علنيــة فــي البلد فــي ظــل شــروط‬ ‫صيغت في كلمتي الحبيب بورقيبة ومحمد مزالــي أمــام مــؤتمر‬ ‫الحزب الحاكم ‪.‬وفي ذلك النتخاب العام‪ ،‬تجلــت بمــا ل يــدع مجــال ً‬ ‫للشـــك‪ ،‬حقيقـــة المســـاواة السياســـية الحقوقيـــة الشـــكلية‪،‬‬ ‫والمبتــورة جــدًا‪ ،‬بيــن جميــع النــاخبين فضــل ً عــن التضــييقات‬ ‫الشــديدة الــتي فرضــها حــزب الســلطة علــى بــاقي أحــزاب‬ ‫المعارضة السياسية‪ ،‬التي شاركت فــي تلــك النتخابــات‪ ،‬وهــي‬ ‫الحزب الشيوعي التونسي‪ ،‬وحركة الديمقراطيين الشــتراكيين‬ ‫وحركــة الوحــدة الشــعبية الــتي يتزعمهــا محمــد بلحــاج عمــر‪.1‬ميلد حركة التجمع القومي العربي‬ ‫وفــي أجــواء الفــراغ السياســي للقــوى القوميــة المنظمــة‬ ‫بسبب القمع الذي سلط عليهــا‪ ،‬وتشــرذم أقســام كــبيرة منهــا‪،‬‬ ‫بادر عدد من ممثلي التجاه القومي التونسيين بزعامــة البشــير‬ ‫الصــيد للعلن عــن التجمــع القــومي العربــي فــي أيــار – مــايو‬ ‫‪ ،1981‬وذلك بعد حصيلة نحو عام من العمل في هــذا التجــاه‪،‬‬ ‫وفي ندوة عقدها البشير الصيد‪ ،‬وأعلن تأليف التجمــع باعتبــاره‬ ‫تنظيمـا ً سياســيا ً‬ ‫قوميـا ً يسـتند علــى مبـادئ السـلم والوطنيـة‬ ‫والقومية العربية )‪.‬‬ ‫فمشاركة المعارضة في تلك النتخابات لم تلغ عــدم المســاواة‬ ‫بينها وبين النظام في الواقــع‪ ،‬إذ فــازت الجبهــة الوطنيــة‪ ،‬الــتي‬ ‫‪20‬‬ ‫‪21‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةة ة ة ةةةة ةة ةةة ةةةةةةة ة ةةةةة ة‬ ‫‪.‬‬ ‫ولقد ظهرت شكلية الديمقراطية الــتي أقرهــا النظــام فــي‬ ‫النتخابات التشريعية المبكــرة فــي خريــف العــام ‪ 1981‬بكــل‬ ‫وضوح‪ ،‬عندما لجأت أجهــزة الدولـة إلـــى عمليــة الــتزوير لتلـك‬ ‫النتخابات‪ .‬وأضــاف قــائل ً « إننــا إذا كنــا قــد قــدمنا طلبـا ً إلـــى‬ ‫السلطة‪ ،‬فلننا موضوعيون‪ ،‬نقبل الحوار‪ ،‬ونؤمن بالديمقراطيــة‬ ‫نستمر في نشــر مبادئنــا‪ ،‬حــتى ولــو لــم نحصــل علــى‬ ‫وسوف‬ ‫)‪(21‬‬ ‫التأشيرة»‪.‬‬ .‬‬ ‫‪ .‬‬ ‫ول شــك أن أحــزاب المعارضــة التونســية رحبــت بسياســة‬ ‫التفتح و الديمقراطية التي انتهجتها حكومة مزالــي‪ ،‬باعتبــار أن‬ ‫البلد بصدد دخول مرحلــة الصــلحات السياســية و الجتماعيــة‬ ‫وحل أزمة التمثيل العمالي ‪. 31/10/1981‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةة ة ةةةة ةة ةةةةة ة ةةة ةةةة ةةة ةة )‬ ‫‪ (238‬ةةةة ة ‪ 27/11/1981‬ة ة ةةةةة ة ة ة ةةةة ةة‬ ‫ةةةةة ‪.

.‫حركة التجمع القومي‬ ‫كانت قد تآلفت قبيل النتخابــات بيــن حــزب النظــام – الحــزب‬ ‫الشــتراكي الدســتوري و التحــاد العــام التونســي للشــغل‪،‬‬ ‫وأسفرت عن حصول التحالف الدستوري » علــى ‪ 136‬مقعــدًا‪،‬‬ ‫وهي مجموع مقاعد البرلمان‪ ،‬وســقوط كــل مرشــحي أحــزاب‬ ‫المعارضة ‪.‬علمـا ً أن حكومــة مزالــي كــانت ترفــض‬ ‫منح تأشيرة لتشــكيل أحــزاب سياســية علــى أســاس قــومي أو‬ ‫إسلمي في تونس ‪.‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةة ة ةةةة ةة – ة ةةة – ةةة ةة ) ‪ (11‬ةةةة ة‬ ‫‪ – 6/2/1984‬ةةةةةة ةة ةةةةةة ةةةةة ) ة ‪.‬‬ ‫وفي معرض تقويمه لتلك النتخابات قال البشير الصيد ‪« :‬‬ ‫كان امتناعنا عن النتخابات‪ ،‬لعتقادنا أن الظروف الموضــوعية‬ ‫والمنية‪ ،‬وكـل العوامــل اليجابيــة الـتي ينبغــي توفرهـا‪ ،‬ليسـت‬ ‫موجـــودة بالدرجـــة المطلوبـــة » وأضـــاف « إن الضـــمانات‬ ‫المطلوبة كنا قد وضعناها في بيان حركة التجمع الــذي نشــرناه‬ ‫في الصحافة التونسية‪ ،‬وأن نتائج النتخابات‪ ،‬جاءت لتؤكد صحة‬ ‫وبخاصة‪(22‬ممارسات السلطة‪ ،‬والترتيبات التي‬ ‫موقفنا المعارض‪،‬‬ ‫رافقت العملية النتخابية ) ‪..‬‬ ‫‪ .‬إذ ل بد لكل فكرة من عمل سياســي‬ ‫تنخرط في التاريخ‪ . (23‬‬ ‫وبشــكل مــوازٍ لنشــاطه التنظيمــي باتجــاه توســيع دائرة‬ ‫الستقطاب‪ ،‬قام التجمع بنشاط سياســي‪ ،‬باعتبــار ذلــك تأكيــدا ً‬ ‫لحقه في الوجــود العلنــي كحــزب مــن المعارضــة معــترف بــه‪،‬‬ ‫وبحقه في إصدار صحيفة « النداء العربي »‪ ،‬وذلك في إطار ما‬ ‫أعلنته حكومة محمد مزالي حول موضوعة التفتح الديمقراطي‬ ‫والتعددية السياسية‪ .‬‬ ‫ثانيا ً ‪ -‬على الصعيد السياسي ‪:‬‬ ‫مــارس التجمــع القــومي العربــي حقــه فــي انتقــاد حكومــة‬ ‫محمد مزالي في مجال تعاملها مع قــوى المعارضــة التونســية‪،‬‬ ‫وخاصة مع حركة التجمع القومي العربي‪ ،‬وأمينها العام البشــير‬ ‫الصــيد‪ ،‬إضــافة لتنديــد التجمــع بسياســات الســلطة التونســية‬ ‫ومواقفها على الصــعيدين السياســي و القتصــادي ومــا يــترتب‬ ‫على هذه السياسات مـن انعكاسـات علـى الصـعيد الجتمـاعي‬ ‫في البلد‪ ..( 22‬‬ .‬لبد لذلك من عمل سياسي تاريخي » )‪.‬‬ ‫أول ‪ -‬على الصعيد ا لتنظيمي ‪:‬‬ ‫عمل التجمع على توسيع وجــوده التنظيمــي فــي الوســاط‬ ‫القومية‪ ،‬وبادر باتجاه تجميع وإشراك كــل الــذين يتبنــون الفكــر‬ ‫القومي في داخل المجتمع‪ ،‬وهذا ما عبر عنه البشير الصيد في‬ ‫دعوته « القوميين العــرب »التوانســة إلـــى « أن ينتظمــوا‪ ،‬فل‬ ‫قوميــة بل تنظيــم‪ ،‬ول قــومي بل انتمــاء تنظيمــي‪ ،‬أمــا مجــرد‬ ‫الحديث عن القومية كظاهرة ثقل‪ ،‬وكجدل بياني بلغي‪ ،‬فهذا ل‬ ‫تجعلهــا‬ ‫معنى له إطلقًا‪ .2‬نشاط حركة التجمع القومي العربي ‪:‬‬ ‫خلل النصــف الول مــن عقــد الثمانينــات‪ ،‬حــدد التجمــع‬ ‫القومي العربي نشاطه في ثلثة أبعاد‪ ،‬بهدف تحقيق مزيد مــن‬ ‫الستقطاب التنظيمي‪ ،‬وإثبات وجوده علـى الســاحتين المحليــة‬ ‫والعربية ‪.‬وعلى الرغم من حــرص البشــير الصــيد علــى إقامــة‬ ‫حوار مع النظام‪ ،‬باعتبار حركة التجمــع القــومي العربــي حركــة‬ ‫‪22‬‬ ‫‪23‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةةة ةةةةةة ةةةة ‪.

‬‬ ‫‪-3‬مواقف حركة التجمع القــومي العربــي مــن‬ ‫القضايا الوطنية و القومية‬ ‫لما كانت حركة التجمع القو مي العربي تعتــبر مــن احــزاب‬ ‫المعارضة الراديكالية في تونس‪،‬فانهمن الطــبيعي جــدا ان تكــو‬ ‫‪24‬‬ ‫‪25‬‬ ‫‪26‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةة ة ةةةةة ة ةةةةة ة ‪ 4/7/1983‬ة ة ةةةةة ة‬ ‫ةة ةةةةةة ةةةةة ‪.1983‬وانسجاما ً مع نهجــه القــومي التقــى‬ ‫المين العام لحركة التجمع القومي العربي مــع الزعيــم الليــبي‬ ‫معمر القذافي عقب زيــارته لتــونس فــي عــام ‪ ،1982‬وأجــرى‬ ‫معه أحاديث حول قضايا العمـل القـومي‪ ،‬كمـا اتخـذت الحركـة‬ ‫مواقف مؤيدة لكــل مــن الجماهيريــة وســورية ضــد التهديــدات‬ ‫والســتفزازات الميركيــة علــى الميــاه القليميــة الليبيـ)ـة‪(25‬وضــد‬ ‫العتداءات الميركية على لبنان والقوات السورية هناك ‪.‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةةة ةةةةةة ‪.‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةة ة ةةةة ةة – ة ةةة – ةةة ةة ) ‪ (11‬ةةةة ة‬ ‫‪6/2/1984‬ة ةةة ة ةةة ة ةةة ة ةةةةة ة ةةةةة ة‬ ‫‪ 4/7/1983‬ةةةة ةةةة‪.‬وفي كل هــذه التطــورات أدانــت حركــة التجمــع‬ ‫القــومي العربــي بشـدة العتـداءات الصــهيونية علــى الشـعبين‬ ‫الفلســطيني واللبنــاني‪ ،‬وتمركــز القــوات المتعــددة الجنســيات‬ ‫الميركية والفرنســية واليطاليــة الــتي جــاءت لــتزكي العــدوان‬ ‫الصهيوني الغاشم‪ ،‬وأيدت بإطلقية المقاومة الباسلة المتشكلة‬ ‫مــن القــوى الوطنيــة الســلمية اللبنانيــة والقــوى الفلســطينية‬ ‫الرافضة لنهج التسوية الستسلمية والمدعومة بقـوة مـن قبـل‬ ‫سوريا‪ ،‬التي بادرت إلـى مقاومة الغزو الصهيوني‪ ،‬عبر تدشينها‬ ‫سلسلة من العلميات الستشهادية أجــبرت “ إســرائيل “ علــى‬ ‫النســحاب باتجــاه الشــريط الحــدودي لجنــوب لبنــان‪ ،‬وعلــى‬ ‫انسحاب القوات المتعددة الجنســيات مــن لبنــان‪ ،‬وعلــى إلغــاء‬ ‫اتفاق ‪ 17‬أيار لعام ‪ . (24‬‬ ‫ثالثا ً ‪ -‬على الصعيد العربي ‪:‬‬ ‫واكبت حركة التجمع القومي العربي أهــم التطــورات علــى‬ ‫الساحة العربية‪ ،‬وخاصة منها الغــزو الصــهيوني للبنــان‪ ،‬وتوقيــع‬ ‫اتفاق ‪ 17‬أيار‪ .‬‬ ‫وأمام هذا النشاط السياسي العربي المكثــف لجهــة تعزيــز‬ ‫حركــة التجمــع القــومي العربــي علقاتهــا العربيــة وخاصــة مــع‬ ‫النظمــة القوميــة‪ ،‬قــامت الجهــزة التونســية بمطــاردة رمــوز‬ ‫الحركة وكادراتها ومنعتهم من مغادرة البلد‪ ،‬ولم يستثن المين‬ ‫العام للحركة من ذلك إذ تمت مصادرة جواز سفره لمنعــه مــن‬ ‫مغادرة البلد لحضور مؤتمرات عربية‪ ،‬أو عقد لقاءات مع قــادة‬ ‫في‪(26‬الخارج‪ ،‬أو زيارة بعــض البلــدان العربيــة ذات‬ ‫أحزاب عربية‬ ‫التجاه القومي ) ‪.‬ويقــول‬ ‫البشير الصــيد فــي هــذا الصــدد ‪ « :‬وقعــت فعل ً مقــابلت بينــي‬ ‫وبيـن مســؤولين فــي الحكومـة‪ ،‬منهـم وزراء الداخليـة والعــدل‬ ‫والخارجية‪ ،‬وبعض المسؤولين الخرين‪ ،‬وبينــا لهــم وجهــة نظــر‬ ‫حركتنا من القضايا التونسية والخارجية‪ .‬وقلنا للمســؤولين أنــه‬ ‫ل مفــر لتــونس مــن تحقيــق المســيرة الديمقراطيــة‪ ،‬وضــمان‬ ‫ممارسة الحريات العامة لكل التيارات دون استثناء‪ ،‬وهذه هــي‬ ‫بضــمان مناعــة تــونس‪ ،‬والــتي تجنبهــا كــل‬ ‫الطريــق الكفيلــة‬ ‫التوترات والزمات » )‪..‬‬ .‫وطنية وقومية معارضة‪ ،‬تؤمن بالتعددية السياسية والفكرية‪ ،‬إل‬ ‫أن اســتجابة النظــام كــانت دون المســتوى المطلــوب‪ .

‬‬ ‫وإذ نندد بحل وسائل العلم والصــحافة التونســية المواليــة‬ ‫للحكومـــة الـــتي تلهـــث خلفـــا ً لواقـــع البلد‪ ،‬مروجـــة لبعـــض‬ ‫التجاوزات‪ ،‬التي هي مــن طبيعــة كــل غليــان شــعبي علــى أنهــا‬ ‫ظــاهرة مســتقلة‪ .‬‬ ‫ثانيا ً ‪ -‬وأن حركة التجمع القــومي العربــي‪ ،‬إذ تطعــن فــي‬ ‫لجنة التحقيق وتطلــب حلهــا‪ ،‬فإنهــا تؤكــد علــى ذلــك لنحــراف‬ ‫الحكومة بتفسـير الحـداث وتـوجيه التحقيـق إلــى غيـر وجهتـه‬ ‫الصحيحة‪ ،‬كما هو واضح من تركيب اللجنة المؤلفــة مــن أربعــة‬ ‫ممثليــن للســلطة‪ ،‬وتجريــدها مــن صــلحيات وطنيــة باختصــار‬ ‫مهامها على النظر في تناقضات داخل النظــام الحــاكم لتصــفية‬ ‫حسابات بين عناصره‪ ،‬لتبدو المــور وكــأن بعضـا ً مــن رد فعلهــا‬ ‫على الجماهير بالشارع‪ ،‬وموقفها إلـى حد ما‪ ،‬كان أقل ضــراوة‬ ‫وعنتا مما تطلبه بعض الجهات ‪.( 11‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةةة ةةةةةة ةةةة ‪.‬‬ ‫ً‬ ‫فحركتنا تعتــبر أن الحــوادث الواقعــة أخيــرا‪ ،‬فــي مســبباتها‬ ‫وتوجهاتها العامة‪ ،‬تحركات شــعبية قــام بهــا المضــطهدون أبنــاء‬ ‫تــونس المحرومــون مــن العــدل السياســي و القتصــادي و‬ ‫الجتماعي‪ ،‬والذين ل يتمتعون بحقوق المواطنة‪ .‬‬ .‬‬ ‫ضمن سياق هذه الحداث الدامية‪ ،‬أصــدرت حركــة التجمــع‬ ‫الممارسـات‬ ‫القــومي العربــي بيانـا ً سياسـيا ً أدانـت فيــه بشــدة‬ ‫)‪(27‬‬ ‫القمعية لجهزة النظام‪ ،‬حيث جاء في البيان ما يلي ‪:‬‬ ‫« أو ً‬ ‫ل‪ ،‬إذ ندين بشدة مغالطات النظام الحاكم الدامية إلـى‬ ‫محاولــة تفســير الحــداث الخيــرة بأنهــا أعمــال شــغب ونهــب‬ ‫وتخريب وحرق وعنف صدرت من جماعات متعصبة‪ ،‬وصــعاليك‬ ‫وقطاع طرق ولصوص وبطالين ‪.‬و لقــد تمثلــت مــو اقــف الحركــة‬ ‫فيما يلي‪:‬‬ ‫أول– شــهدت تــونس فــي نهايــة عــام ‪ 1983‬وبدايــة عــام‬ ‫‪ 1984‬أحــداثا ً داميــة أجمــع المحللــون علــى تســميتها « بثــورة‬ ‫الخبز » التي شملت معظم المدن التونسية‪ ،‬المر الــذي جعــل‬ ‫النظام التونسي يستعين بــالجيش للمــرة الثالثــة خلل فــترة ‪5‬‬ ‫سنوات‪ ،‬لينزل إلـى الشوارع بهدف تســليط نظــام القمــع ضــد‬ ‫الشعب‪ ،‬وفرض حالــة الطــوارئ فــي البلد‪ ،‬بغيــة تركيــع حركــة‬ ‫الجماهير الشعبية‪ ،‬وإعادة ترتيب أوضاع النظــام الداخليــة‪ ،‬بعــد‬ ‫أن شــهدت أجهزتــه القمعيــة البوليســية تصــدعا ً حقيقي ـا ً كنتــاج‬ ‫لتنافس وصراع الجنحة في صلب النظام ‪.‬وهي انتفاضــة‬ ‫شــعبية عارمــة‪ ،‬جــاءت تعــبيرا ً عــن إرادة الشــعب وطموحــاته‬ ‫المشروعة‪ ،‬وردا ً على ما يتهدده من كبت وحرمان واستغلل ‪.‬‬ ‫)‪ (28‬وخلص بيان حركة التجمع القــومي العربــي إلـــى المطالبــة‬ ‫‪:‬‬ ‫‪ .‬وبمعــزل عــن محيطهــا الصــلي‪ ،‬وباعثهــا‬ ‫وأهدافها الساسية لصرف النظار عن التوجه الحقيقــي ولتهيئة‬ ‫الشــروط بخلــق ضــحية أو ضــحايا – كبــش فــداء – لتتنصــل‬ ‫الحكومة من المسؤولية ‪.1‬إيقاف حملة العتقالت الــتي مــا زالــت أجهــزة الســلطة‬ ‫تشــنها ضــد المــواطنين التوانســة‪ ،‬فــي مختلــف أنحــاء‬ ‫‪27‬‬ ‫‪28‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةة ة ةةةة ةة – ة ةةة – ةةة ةة ) ‪ (13‬ةةةة ة‬ ‫‪ – 20/2/1984‬ةةةةةةة ةة ةةةةةة ) ة ‪.‫حركة التجمع القومي‬ ‫ن مو اقفها متميزة ازاء حركة الصراع السياســي‪ ،‬الــتي تجــري‬ ‫في تو نس‪ ،‬وعلى الصعيد العربي‪،‬بهدف بلورة خطها السياسي‬ ‫بما ينسجم و منهجها الفكري‪،‬و في سبيل بناء حركة وطنية‪ -‬قو‬ ‫مية عربية اصيلة في تو نس‪ .

‬‬ ‫‪ .‬وهي حركة وطنيــة قوميــة‬ ‫متواجدة علــى الســاحة بصــفة شــرعية‪ ،‬ويحــق لهــا أن تنشــط‪،‬‬ ‫وتساهم في الحياة السياسية للبلد‪ ،‬وأن « النتقــادات الــواردة‬ ‫في البيانــات‪ ،‬مـا هــي إل مواقــف الحركـة‪ ،‬الــتي ســلمت إلـــى‬ ‫والسابع عشر من كــانون‬ ‫وسائل العلم » وذلك يومي العاشر‬ ‫الثاني ‪ ،1984‬ونشرت في مجلة الوحدة()‪.7‬تحديد الجهات التي أذنت باستعمال السلح ضد الشــعب‪،‬‬ ‫وتقديمها إلـى المحاكمة لهذا السبب‪.‬‬ ‫وفي بداية شباط ‪ ،1984‬مثل البشــير الصــيد أمــام قاضــي‬ ‫التحقيق مرافقا ً بتظاهرة واسعة مــن رجــال القــانون التوانســة‬ ‫حيــث حضــر ‪ 90‬محاميـا ً للــدفاع عــن الصــيد‪ ،‬كمــا حضــر ‪150‬‬ ‫محامي ـا ً آخــر للســتماع لتفاصــيل التحقيــق‪ ،‬حيــث نفــى الصــيد‬ ‫التهامات المنسوبة إليه‪ ،‬وأكد أن مــا صــدر عــن الحركــة وعنــه‬ ‫) ل يشكل ما من شأنه أن يسبب المحاكمــة ( وأن ذلــك يمثــل‬ ‫) وجهـة نظـر سياسـية‪ ،‬وتحليل ً للوضـاع الوطنيـة العامـة‪ ،‬فـي‬ ‫إطار حركة التجمع القومي العربي‪ .3‬إطلق سراح كل الموقوفين فــي الحــداث الخيــرة دون‬ ‫قيد أو شرط ‪.2‬العلن رسميا ً عن عدد القتلى والجرحى والموقوفين ‪.6‬رفع الحصار عــن الجامعــات والمعاهــد‪ ،‬بمــا يعنــي عــودة‬ ‫الطلبة إلـى متابعة دراستهم في أجواء طبيعية ‪. (29‬‬ ‫لقد كان دفاع البشير الصيد سياسيا ً بصــدد التهــم الموجهــة‬ ‫إليه‪ ،‬ومع ذلك فإن المحكمة البتدائية في تونس أصدرت حكما ً‬ ‫عليه بالسجن لمدة عامين‪ ،‬ولـم تأخــذ المحكمــة بعيــن العتبــار‬ ‫من أن ما جاء في البيانين اللذين أصدرتهما حركة التجمــع كانــا‬ ‫تعبيرا ً عن رؤية سياسية معارضة‪ ،‬ولم يتضمنا أي مس أو تهجم‬ ‫على أحد‪ ،‬ومن أن التهم المنسوبة إليه تهمة النيــل مــن كرامــة‬ ‫رئيس الجمهورية‪ ،‬في حين لـم يــرد فيهمــا مطلقـا ً ذكــر رئيــس‬ ‫الجمهورية ل باسمه الشخصي‪ ،‬ول بصفته رئيس ـًا‪ ،‬وان البيــانين‬ ‫التعبير والتفكير والتنظيم وفق ما هو‬ ‫لم يخرجا من إطار حقوق‬ ‫معمول به طبيعيا ً ودستوريا ً )‪.‬‬ ‫‪ .‬‬ ‫‪ .‬‬ ‫‪ .‫البلد ‪.‬‬ ‫‪ .‬‬ ‫بعد صدور هذا البيان‪ ،‬قــررت السـلطات التونسـية ملحقــة‬ ‫الستاذ البشير الصيد أمين عام حركة التجمــع القــومي العربــي‬ ‫قضائيًا‪ ،‬بعد أن وجهت له التهم التالية ‪:‬‬ ‫أول ً ‪ -‬النيـــل مـــن كرامـــة رئيـــس الجمهوريـــة وأعضـــاء‬ ‫الحكومة ‪.‬‬ ‫ثانيا ً ‪ -‬التنويه بجرائم الحرق والنهب والقتل والسرقة ‪.‬‬ ‫‪ .‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةة ةةةةةة ةةةةةةةة ةةة ةة ) ‪ (2‬ةةةة ة‬ ‫‪ ) 19/5/1984‬ة ‪..4‬تمكين المحامين من زيارة الموقوفين والسماح لعائلتهم‬ ‫بالتصال بهم‪ ،‬وتأمين احتياجاتهم النسانية‪. ( 3‬‬ .5‬قيام القضاء التونسي بتحمل مسؤوليته باعتبــاره ســلطة‬ ‫مستقلة‪ ،‬بتوفير الضمانات الساســية بمــوجب القــانون‪،‬‬ ‫وممارسة صلحياته في التحقيق بالحداث ‪.‬‬ ‫ثالثا ً ‪ -‬نشر الخبار الزائفة « قصــد ســوء نيــة‪ ،‬والــتي مــن‬ ‫شأنها تعكير صفو المن العــام‪ ،‬وترويــج مناشــير بهــذا‬ ‫التجاه ‪. (30‬‬ ‫‪29‬‬ ‫‪30‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةةة ةةةةةة ‪.

‬‬ ‫غير أن حركة التجمع القومي العربي اســتمرت فــي نهجهــا‬ ‫السياسي النقدي تجاه السلطة‪ ،‬واستمرت أيضا ً فــي المطالبــة‬ ‫بضرورة منحها التأشـيرة كحـزب سياسـي معـترف بـه قانونيـًا‪،‬‬ ‫لكــي تمــارس نشــاطها السياســي العلنــي‪ ،‬معتــبرة أن هــذه‬ ‫الشرعية ل يجــوز أن تكــون من ّــة مــن النظــام‪ .‬شرعية متواجدة‬ ‫علــى الســاحة‪ ،‬ول يســتطيع أحــد أن يلغــي دورهــا‪ ،‬أو يســكت‬ ‫صوتها‪ ،‬والتأشيرة لو حصلت بالنســبة لنــا‪ ،‬مــا هــي إل مجــرد «‬ ‫إعراب من النظام الحاكم عن عدم التعرض لحركتنا بالمطاردة‬ ‫لقبــول الحــوار فــي شــؤون البلد مــع‬ ‫والحصار‪ ،‬وبالتالي علمة‬ ‫حركة وطنية ليس إل » )‪.‫حركة التجمع القومي‬ ‫وبعد استئناف قرار المحكمــة‪ ،‬اســتمرت القضــية مرفوعــة‬ ‫في محكمة الستئناف التي نظرت فيها عدة مرات طيلة سنتي‬ ‫‪ 1984‬و ‪ .‬‬ ‫‪31‬‬ ‫‪32‬‬ ‫‪33‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةة ة ةةةة ةة – ة ةةة – ةةة ةة ) ‪ (13‬ةةةة ة‬ ‫‪ – 20/2/1984‬ةةةةة ة ة ة ةةةة ةة ةةة ةة‬ ‫) ة ‪.1985‬وكانت الســلطات التونســية تهــدف مــن هــذه‬ ‫المحاكمــة لجــم حركــة التجمــع القــومي العربــي مــن تــوجيه‬ ‫النتقادات العلنية للنظام‪ ،‬وتركيعها مثلها فــي ذلــك مثــل بــاقي‬ ‫أطراف المعارضة الصلحية الخرى المعترف بها رسميا ً ‪. ( 11‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةة ةةةةةة ‪. 14/6/1984‬‬ . (31‬‬ ‫وترافق مع مطالبة حركة التجمــع القــومي العربــي بمنحهــا‬ ‫الشـــرعية القانونيـــة لصـــدار صـــحيفتها ) النـــداء العربـــي (‪،‬‬ ‫ولممارسة نشاطها السياسي‪ ،‬عقد المؤتمر العام الذي قــدمت‬ ‫فيه ثلثة مشاريع وثائق‪ ،‬وهي على النحو التي ‪:‬‬ ‫‪ –1‬ميثـــاق الحركـــة‪ -2 .‬وخلص البيان الــذي وقعتــه ســتة أحــزاب‬ ‫سياسية معارضة إلـى المطالبة بما يلي ‪:‬‬ ‫«‪ – 1‬أول ً ‪ :‬نســتنكر هــذه المحاكمــات‪ ،‬ونطــالب بإيقافهــا‪،‬‬ ‫وبإلغاء الحكام الصادرة‪ ،‬وخاصة الحكام بالعدام ‪.‬‬ ‫وقد أوضح البشير الصــيد الميــن العــام للحركــة فــي نــدوة‬ ‫صحافية عقدها في تونس في تشرين الثاني ‪ ،1984‬بمشــاركة‬ ‫عدد من رموز الحركة وأعضائها‪ ،‬وعدد مــن الصــحافيين ‪ « :‬أن‬ ‫‪32‬ـ(ـى أســلوب عملهــا‪ ،‬يتمثــل فــي‬ ‫الحركة قررت إدخــال تغييــر عل‬ ‫توسيع استشاراتها الداخلية ») ‪.‬‬ ‫ونددت حركة التجمع القومي العربي بسياســة القمــع الــتي‬ ‫مارستها السلطات التونسية إزاء معالجــة ذيــول « ثــورة الخــبز‬ ‫»‪ ،‬وطـــالبت برفـــع حالـــة الطـــوارئ فـــي البلد‪ ،‬كمـــا نـــددت‬ ‫بالمحاكمات التي جــرت ضــد معتقلــي « ثــورة الخــبز »‪ ،‬حيــث‬ ‫وقعت الحركة على بيان مــع أحــزاب المعارضــة التونســية فــي‬ ‫حزيران ‪ ،1984‬جاء فيه ‪ « :‬أن عمليات التعذيب قــد مورســت‬ ‫على المعتقليـن لجبـارهم علــى الدلء باعترافـات تنسـجم مــع‬ ‫التهــم الموجهــة لهــم‪ ،‬وتحملهــم مســؤولية الحــداث‪ ،‬وإصــدار‬ ‫أحكام قاسية بحقهم‪ .‬‬ ‫‪ – 2‬ثانيا ً ‪ :‬دعوة كل القوى الديمقراطية والهيئات النسانية‬ ‫تكـثيف الجهـود مـن أجـل إبطـال هـذه‬ ‫والمهنية إلـى‬ ‫)‪(33‬‬ ‫المحاكمات‪.( 12‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةة ة ةةةةة ة ةةةةةة ةة ةةة ةة ) ‪(27‬‬ ‫ةةةةة ‪ ) 19/11/1984‬ة ‪.‬الهيكليـــة التنظيميـــة‪–3 .‬‬ ‫البرنامج السياسي المرحلي‪.‬فحركــة التجمــع‬ ‫تعتبر أن شرعيتها مستمدة مــن « النضــال والشــعب والــوطن‪،‬‬ ‫وليست شرعيتنا في حاجة لتزكية من النظام‪ .

‬فهــي تحــاول أن توظــف التحــاد‬ ‫والعمال لخدمتها‪ ،‬وهذا موقف معكوس لــم يعــد ينطلــي‬ ‫على أحد‪ ،‬والعمال أصبحوا على درجة من الوعي‪ ،‬الــتي‬ ‫‪34‬‬ ‫‪35‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةة ة ةةةة ةة – ة ةةة ‪ -‬ةةة ةة ) ‪ (11‬ةةةة ة‬ ‫‪ ) 6/2/1984‬ة ‪.‬‬ ‫ونــدعوها دائمــا ً لتــأليف جبهــة شــعبية حــول المحــاور‬ ‫الوطنية محــل التفــاق بينهــا‪ ،‬ونعمــل باســتمرار لقامــة‬ ‫علقــات ســليمة ‪،‬بيننــا وبينهــا جميعـًا‪ ،‬ونحــترم كــل تيــار‬ ‫وطني‪ ،‬ونرى من حقه‪ ،‬ولو خالفنا في الرؤية‪ ،‬أن يتمكن‬ ‫من التعبير والتواجد والمساهمة فــي الحيــاة الوطنيــة »‬ ‫)‪. (35‬‬ ‫رابعا ً – ولمــا أصــبحت الحركــة النقابيــة العماليــة تجــذب إليهــا‬ ‫قطاعات واسعة من الشـعب‪ ،‬باعتبـار التحـاد التونسـي‬ ‫للشغل أداة نضالية جماهيرية‪ ،‬ظهر ذلك من خلل الدور‬ ‫الريادي الذي اضطلع به في قيادته للحركــات الضــرابية‬ ‫الجماهيرية‪ ،‬التي عمت تــونس خلل عقــدي الســبعينات‬ ‫والثمانينــات‪ ،‬كتعــبير عــن مــدى الــتزام التحــاد العــام‬ ‫التونسي للشغل بمصالح جمهور الشغيلة الكادحة‪ ،‬وعن‬ ‫مدى ضمان اســتقلليته مــن هيمنــة الحــزب الشــتراكي‬ ‫الدســتوري‪ ،‬فــإن حركــة التجمــع القــومي العربــي تؤيــد‬ ‫وحــدة المنظمــة النقابيــة واســتقلليتها‪ .‬وهناك حركات سياسية فــي‬ ‫تـونس‪ ،‬تريـد العكــس‪ . ( 12‬‬ .‬إذ القاعــدة الصــحيحة‪ ،‬إن الحركــة‬ ‫السياسية توظف نفسها لخدمــة الشــعب‪ ،‬ل أن توظــف‬ ‫العمال أو الشعب لخدمتها‪ .‬ولن الديمقراطيــة كــل ل‬ ‫يتجزأ‪ ،‬ينبغي أن يتمتع بها الجميع‪ ،‬وليست هبــة أو هديــة‬ ‫تمنح للبعض ويحرم منها البعض الخر‪ .. (23‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةة ة ةةةة ةة – ة ةةة ‪ -‬ةةة ةة ) ‪ ( 13‬ةةةة ة‬ ‫‪ ) 20/2/1984‬ة ‪..‬إن مجرد القيام‬ ‫بعملية الصطفاء والختيار يفقد التعدديــة معناهــا تمام ـا ً‬ ‫مجرد مناورة شكلية تهــدف إلـــى تعزيــز النظــام‬ ‫وتصبح‬ ‫الحاكم )‪ (34‬ويقول المين العام للحركة في هذا الصدد ‪:‬‬ ‫نؤمن بتواجد ونشاط كل حركات المعارضة الوطنيــة‪.‬والتعددية في نظــر الحركــة‪،‬‬ ‫تظل بدون معنى ما دامت مبنية على عملية انتقاء يقوم‬ ‫بها النظام‪ ،‬حيث يعترف ببعض الحركــات‪ ،‬وينكــر أخــرى‬ ‫حســب مــا تقتضــيه مصــالحه‪ .‬‬ ‫ثالثا ً ‪ -‬تؤيد حركة التجمع القــومي العربــي التعدديــة السياســية‬ ‫في تــونس ) بوصــفها حقـا ً لكــل تيــار وطنــي‪ ،‬حقـا ً فــي‬ ‫الوجود‪ ،‬وحقا ً في النشاط‪ .‬ويقــول الميــن‬ ‫العــام البشــير الصــيد فــي هــذا الصــدد ‪ « :‬إن فكــرة‬ ‫اســتقلل اتحــاد الشــغل جــاءت رد فعــل علــى محاولــة‬ ‫الهيمنة التي حاول البعض مــرارا ً فرضــها علــى التحــاد‪،‬‬ ‫ولكنهم فشلوا فشل ً ذريعًا‪ .‫ثانيا ً ‪ -‬طالبت حركة التجمع القــومي العربــي بتعميــم الحريــات‬ ‫السياسية فــي تــونس‪ ،‬وتعميقهــا‪ ،‬وضــمت صــوتها إلـــى‬ ‫أصوات أحزاب المعارضة التونسية في الفراج عن كــل‬ ‫المســاجين السياســيين‪ ،‬وخاصــة منهــم ســجناء حركــة‬ ‫التجاه السلمي المحكومين في قضية النتماء للحركــة‬ ‫عام ‪ ،1981‬ومن بينهم زعيــم حركــة التجــاه الســلمي‬ ‫الشيخ راشد الغنوشي‪ .‬واعتبرت حركة التجمــع القــومي‬ ‫العربي خوض معركة انتزاع الحريات الديمقراطيــة مــن‬ ‫المعارك الرئيسية التي يتوجب على كــل الــديمقراطيين‬ ‫التحاد من أجل الظفر بها ‪. .‬إن حركتنا تجعل نفسها على‬ ‫ذمة الجماهير والعمــال‪ ،‬أي إننــا نوظــف حركتنــا لخدمــة‬ ‫الجمــاهير الشــعبية وفــي مقــدمتها الطبقــة الشــغيلة‬ ‫والقــوى الكادحــة‪ .

‬إن‬ ‫القــوميين العــرب اصــطدموا مــع النظــام مــن أجــل‬ ‫الديمقراطيـــة وســـيادة الشـــعب‪ .‬ولمــا طلبنــا محــاورته‪ ،‬قمعنــا بشــدة‬ ‫وحاصرنا‪ ،‬وشردنا‪ .‬غير أننــي‬ ‫أطلب من هذا النظام الجديد بكل موضــوعية‪ ،‬أن يكــون‬ ‫التغيير الذي يعلـن عنـه حقيقـة جذريـة‪ ،‬ونحـن نعلـم أن‬ ‫التركة التي تركها العهد السابق‪ ،‬من الصــعب حلهــا فــي‬ ‫مرحلة وجيزة‪ ،‬أربعة أشهر‪ .‬فنحن نعذر النظــام الجديــد‪،‬‬ ‫غير أننا نطلب منه‪ ،‬أن يحاور القوميين الن في تونس‪.‬‬ ‫إلـى حد الن اقتصرا لحوار على الحزاب المعــترف بهــا‬ ‫في العهد السابق‪ .‬‬ ‫خامسـا ً ‪ -‬وحــول الموقــف مــن ســلطة الســابع مــن نوفمــبر‪،‬‬ ‫طرحــت فــي مقابلــة أجريتهــا مــع الميــن العـام لحركــة‬ ‫التجمــع القــومي العربــي الســتاذ البشــير الصــيد فــي‬ ‫دمشق‪ ،‬في ‪ 4‬نيسان ‪، 1988‬السؤال التــالي ‪ « :‬تجمــع‬ ‫معظم القوى السياسية التونسية على أن تــونس بصــدد‬ ‫الــدخول فــي مرحلــة جديــدة تتسـم بالديمقراطيــة‪ ،‬وأن‬ ‫تاريــخ ‪ 7‬نوفمــبر‪ ،‬يشــكل نقطــة تفصــل بيــن العهــد‬ ‫البورقيبي البائد والعهد الجديد‪ ،‬وأن تــونس مقبلــة علــى‬ ‫مرحلة من التعددية السياسية‪ ،‬وقد دخلــت فــي مرحلــة‬ ‫الجمهوريــة الثانيــة‪ .‬فلما جاء العهــد الجديــد بدايــة مــن ‪7‬‬ ‫نوفمبر‪ ،‬أعلن رئيس الجمهورية زين العابدين بــن علــي‪،‬‬ ‫أن هناك عهدا ً جديدا ً تقوم سياسته علــى الديمقراطيــة‪،‬‬ ‫ونبذ الحقد والعنف‪ ،‬وأن هناك تعدديـة سياسـية بالنسـبة‬ ‫لكل القوى السياسية‪ ،‬وقد أعلنا موقفنــا‪ ،‬وقلنـا إذا كـان‬ ‫هــذا النظــام الجديــد ديمقراطيــًا‪ ،‬فنحــن نتحــاور معــه‪،‬‬ ‫بصفتنا وطنيين تونسيين‪ ،‬ونأمل الن أن يفي بوعده‪ .‬‬ ‫فأجاب قائل ً ‪ « :‬القوميون العــرب فــي تــونس‪ ،‬هــم أول‬ ‫من اصطدموا مــع النظــام الســابق‪ ،‬وأول مــن تعرضــوا‬ ‫للقمع‪ ،‬لن النظام البورقيبي قمع كل الشعب التونسي‪،‬‬ ‫ومنع كل وسائل التعبير‪ ،‬وتفرد بتســيير الحيــاة الوطنيــة‬ ‫بمفرده‪ ،‬وبشكل تسلطي على كل القوى السياسية‪ .‬ومــازال لنــا أمــل‪ ،‬أن يحــاور النظــام‬ ‫القوميين باعتبــارهم طرف ـا ً وطني ـًا‪ ،‬يمكنهــم مــن صــوت‬ ‫‪36‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةة ةةةةةة ةةةةةة – ةةةةة ‪.‫حركة التجمع القومي‬ ‫تجعلهــم فــي مســتوى الــدفاع عــن حقــوقهم‪ .‬إن‬ ‫القوميين العرب في تونس ينتهجون النهج الديمقراطي‪،‬‬ ‫باعتبــار أن الديمقراطيــة هــي الحــل الســلم والحــل‬ ‫الصحيح بين كل التونسيين‪ ،‬فهم يتجذرون داخل القطــر‬ ‫التونسي‪ ،‬وبالتالي عندما يتنافسون مــع القــوى الخــرى‬ ‫بالطريقة الديمقراطية‪ ،‬ليس لهم ما يخشونه‪ . 4/7/1983‬‬ .‬بالنســبة‬ ‫لحضورنا داخل المنظمة النقابية‪ ،‬فإننا نعتبر كل مــن لــه‬ ‫‪(36‬العربــي هــو فــي الحقيقــة منتــم‬ ‫حــس ووعــي بانتمــائه‬ ‫موضوعيا ً لحركتنا » ) ‪.‬فكيــف تقيمــون الوضــع السياســي‬ ‫الراهن‪ ،‬سواء على صعيد تحقيق الديمقراطيــة أم علــى‬ ‫صــعيد التعدديــة السياســية والســماح لنشــاط القــوى‬ ‫السياسية التي تنتهج نهجا ً مغايرا ً على الصعيد السياسي‬ ‫وطنيا ً وقوميًا؟‪.‬النظــام‬ ‫السابق لم يقم معنا حوارا ً كقوميين‪ ،‬لننا لم نلمس منه‬ ‫أيــة جديــة إطلقـًا‪ ..‬ومـــن المعـــروف أن‬ ‫الحركة القومية في تونس قد قدمت تضــحيات جســامًا‪،‬‬ ‫ابتدأت من مرحلة مقاومة الستعمار الفرنســي‪ ،‬فهنــاك‬ ‫نقـاط مضـيئة فـي الحركــة القوميــة‪ ،‬اليوسـفية‪ ،‬عمليــة‬ ‫قفصة‪ ،‬باعتبارها عملية ضد الظلــم والســتبداد‪ .

‬‬ ‫فالدستور التونسي يقول عام ‪ : 1959‬إن تونس تنتمــي‬ ‫إلـى الســرة العربيــة‪ ،‬متجنبــا اســتخدام مفهــوم )المــة‬ ‫العربية (‪ .‬ومــن يتحــدث عــن‬ ‫التبعيــة فهــو مغــرض أو غيــر فــاهم‪ ..‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةة ةةةةةة ةةةةةة – ةةةةة ‪.‬وفــي مــؤتمر‬ ‫الحــزب عــام ‪ ،1981‬يــذهب التقريــر السياســي إلـــى‬ ‫الحديث عن المحافظة علـى البعـد المتوسـطي لتـونس‬ ‫بالضافة إلـى الواصر الحضــارية و الثقافيــة مــع العــالم‬ ‫العربي ‪. .‬‬ ‫فل احتوائيــة‪ ،‬ول تبعيــة أو متبوعيــة وخلفــات حركتنــا‬ ‫بالتيارات القومية‪ ،‬وبإخواننا القوميين أينما كــانوا تنــدرج‬ ‫في نطاق المبادئ و اليديولوجية القومية المشتركة ‪.‬وفــي‬ ‫‪37‬‬ ‫‪38‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةة ة ةة ة – ةةةة ة ‪ 4‬ةةة ةة ‪ ) 1988‬ة ة‬ ‫ةةةةةة ةةةةةة ةة ةةةةةة ةةةةة ( ‪. 4/7/1983‬‬ .‬ومــن هــذا المنطلــق‪ ،‬فــإن حركــة التجمــع‬ ‫القــومي العربــي تؤكــد علــى علقتهــا المصــيرية مــع‬ ‫التجاهات القومية العربية داخــل تــونس وخارجهــا‪ ،‬لنــه‬ ‫) من الحقائق أن الطروحات القومية‪ ،‬تربط بيــن كافــة‬ ‫القوميين‪ ،‬فهم شركاء في المبادئ‪ ،‬ويجمع بينهم قاســم‬ ‫مشــترك يتمثــل فــي النظريــة القوميــة ( حســب قــول‬ ‫المين العام البشير الصــيد‪ ،‬الــذي يضــيف قــائل ً أيضـا ً «‬ ‫وانطلقــا مــن هــذه المعطيــات‪ ،‬وخلفــا ً لمــا تروجــه‬ ‫الطراف المضادة مــن دعايــات مغرضــة‪ ،‬فل يمكــن أن‬ ‫يتهم بعضهم بأنه تابع للبعض الخــر‪ .(37‬‬ ‫سادسا ً ‪ -‬على الصعيد القومي ‪:‬‬ ‫الحركـة القوميـة العربيـة فـي تـونس عاشـت فـي بيئة قطريــة‬ ‫تونســية حكمتهــا مســيرة نظــام تغريــبي معــاد لفكــرة‬ ‫العروبة‪ ،‬بسبب تبعيته للغــرب مــن ناحيــة‪ ،‬وتبنيــه فكــرا ً‬ ‫سياســيا ً معاديــا ً للفكــر القــومي مــن ناحيــة أخــرى‪.‬وإذا كان الحبيب بورقيبة يقول… لتــونس دور‬ ‫ضــمن الحظيــرة العربيــة مــن ضــمن ارتباطاتهــا بــالبحر‬ ‫المتوسط ) خطاب ‪ ( 1965‬فإنه عنــدما ســاءت علقتــه‬ ‫بمصر يؤكد الشخصــية المســتقلة لتــونس الــتي تكــونت‬ ‫منذ أكثر من ألف ســنة علــى حــد تعــبيره‪ ..‬‬ ‫إن مــا تريــد أن تكرســه النظمــة القليميــة والقــوى‬ ‫المناهضة بين الناس وفي أذهــان الــرأي العــام الــوطني‬ ‫والخارجي القومي هو اسـتيراد وتصـدير الفكـر القـومي‬ ‫مــن قطــر عربــي إلـــى قطــر عربــي آخــر‪ ،‬بــالرغم مــن‬ ‫المبـــادئ والمقومـــات الذاتيـــة والطـــار الحضـــاري‪،‬‬ ‫والنظرية‪ ،‬والبنية الجتماعية‪ ،‬وكل العوامل هــي واحــدة‬ ‫في كل قطر عربي‪ ،‬ول حاجة لهذا القطر‪ ،‬أن يستوردها‬ ‫وهي الزاد المشترك بين كــل القطــار وكافــة القــوميين‬ ‫)‪.‫إعلمي )‪.‬فعلقــة القــومي‬ ‫بالقومي‪ ،‬هي علقة إيمان بمبدأ‪ ،‬واشــتراك فــي مصــير‪. (38‬‬ ‫سابعا ً ‪ -‬تتخذ حركة التجمع القومي العربي موقفا ً متشددا ً إزاء‬ ‫الصراع العربي – الصهيوني‪ ،‬إذ ما زالــت الحركــة ترفــع‬ ‫شــعارات ثلثــة ‪ :‬ل صــلح‪ ،‬ل اعــتراف‪ ،‬ل تفــاوض‪ .‬‬ ‫وعلى نقيض هذا الموقف للنظام البورقيبي‪ ،‬فإن حركــة‬ ‫التجمع القومي العربي في تونس‪ ،‬تتبنى منهــج العروبــة‬ ‫الذي هو ضد التغريــب والتجــزئة والســتعمار‪ ،‬المعــادين‬ ‫للســلم‪ ،‬وهــي مــع الوحــدة وتحريــر الراضــي والرادة‬ ‫والثروات وبناء الدولة الموحدة القوميــة تحقيق ـا ً للــذات‬ ‫الحضــارية‪ .

‬‬ ‫ونعتــبر أن الخطــأ الــذي وقــع فيــه العديــد مــن الخــوة‬ ‫الفلسطينيين والعرب عمومًا‪ ،‬هو أنهم لم يتبعوا أسلوبا ً كفاحيــا ً‬ ‫مــن خلل قوميــة المعركــة‪ ،‬بحيــث أن الخــوة الفلســطينيين ل‬ ‫يســتطيعون بمفردهــم أن يحــرروا فلســطين‪ .‬‬ .‫حركة التجمع القومي‬ ‫مقابلة أجريتها مع الميــن العــام البشــير الصــيد نشــرت‬ ‫في مجلة فتح بتاريخ ‪ 4‬نيســان ‪ ،1988‬أكــد هــذا الخيــر‬ ‫موقفه من مخططــات التســوية الــتي تســتهدف تصــفية‬ ‫القضــية الفلســطينية بقــوله ‪ « :‬بالنســبة لنــا كقــوميين‬ ‫عــرب فــي تــونس‪ ،‬والتجمــع القــومي العربــي‪ ،‬حــددنا‬ ‫مواقف راسخة على صعيد القضية الفلســطينية‪ ،‬فنحــن‬ ‫نعتــبر مــن يســاوم مــن النظمــة العربيــة علــى القضــية‬ ‫الفلســطينية‪ ،‬وعلــى أي شــبر مــن فلســطين وعلــى أي‬ ‫شبر من الرض العربية هو نظام خائن‪ ،‬وهذا ينطلق من‬ ‫اعتبارنا أن الصراع بين المة العربية و العدو الصهيوني‪،‬‬ ‫هو صراع من أجل الوجود‪ ،‬ل صــراع مــن أجــل الحــدود‪.‬ونحــن نعتــبر أن‬ ‫النتفاضــة الباســلة فــي فلســطين المحتلــة‪ ،‬هــي رد علــى كــل‬ ‫المشاريع الستسلمية‪ ،‬وعلى المشاريع التفاوضية‪ ،‬وعلــى كــل‬ ‫المشاريع الداعية إلـــى العــتراف بشــرعية الكيــان الصــهيوني‪،‬‬ ‫الميركيـــة‪ ،‬ورد علـــى العـــدو‬ ‫ورد علـــى الوليـــات المتحـــدة‬ ‫الصهيوني‪ ،‬ورد على الرجعية العربية )‪.‬وعنــدما نتكلــم‬ ‫عن ضرورة الكفاح المســلح‪ ،‬فــإن هــذا يتطلــب تســخير‬ ‫كل المكانيات العربية‪ ،‬البشرية‪ ،‬القتصادية و السياسية‬ ‫والعسكرية‪ ،‬من أجل قومية المعركة‪ . (39‬‬ ‫‪‬‬ ‫‪39‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةة ة ةة ة – ةةة ة ة ةةة ) ة ة ةةةةة ة‬ ‫ةةةةةة ةة ةةةةةة ةةةةة ( ‪.‬ونحن نركــز علــى‬ ‫دعم الخــوة الفلســطينيين الثــوريين الحقيقييــن‪ ،‬الــذين‬ ‫يؤمنون بهذا الخط ويدافعون عنه‪ ،‬ونحـن نعتـبر وإيـاهم‪،‬‬ ‫في خندق واحد‪ ،‬وكــل مــن خــالف هــذا الخــط فطريقــه‬ ‫مسدود ‪.‬ومعنــى‬ ‫هــذا أن حريــة القــرار المســتقل بالنســبة للثــورة الفلســطينية‪،‬‬ ‫يتطلب التوقف عنــده‪ ،‬ويتطلــب الفهــم‪ ،‬إن كــان بمعنــى عــزل‬ ‫العرب عن الخوة الفلسطينيين‪ ،‬وهذا مرفوض لنه يعني تمييــع‬ ‫القضـــية الفلســـطينية‪ .‬فتصـــفية القضـــية الفلســـطينية مـــن‬ ‫المحرمــات‪ ،‬ولهــذا ل نفــرق بيــن الفلســطينيين العــرب وبيــن‬ ‫العــرب غيــر الفلســطينيين‪ ،‬لن قضــيتنا واحــدة ول يمكــن أن‬ ‫تتجزأ‪ ،‬وعليه فنحن ل نفرق بين أي بلدة أو قرية‪ ،‬أو أيــة مدينــة‬ ‫في فلسطين أو أية مدينة وقرية في أي قطر عربي آخر‪ ،‬وهذا‬ ‫هو المنطق الصحيح‪.‬‬ ‫وعلينا كأمة عربية وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني‪ ،‬رفــع‬ ‫شار ل صلح‪ ،‬ول تفاوض‪ ،‬ول اعتراف بالعدو الصهيوني‪ .‬‬ ‫ولهــذا فــإن المنهــج الصــحيح لتحريــر فلســطين يظــل‬ ‫اللتزام بخط الكفاح المسلح وممارسته‪ .

‫الفصل الرابــع ‪:‬‬ ‫حركة التحرير الشعبية العربية – تونس‬ ‫يعتــبر التيــار القــومي الــديمقراطي فــي تــونس متميــزا ً‬ ‫بأطروحاته الفكرية والسياسية بــالنظر إلــى التيــارين القــوميين‬ ‫الخرين ‪ :‬الناصري والبعثي‪ .‬‬ ‫وكـــانت العناصـــر التونســـية المتبنيـــة للفكـــر القـــومي‬ ‫الديمقراطي منغرسة في صفوف حركة المقاومة الفلســطينية‬ ‫خلل عقد السبعينات‪ ،‬وظلت تتحــاور فكريـا ً وثقافيـا ً مــع التيــار‬ ‫القومي الديمقراطي داخل حركة التحرير الوطني الفلســطيني‬ ‫ فتح ‪ -‬بزعامة الستاذ ناجي علــوش‪ ،‬الرئيــس الســابق لتحــاد‬‫الكتــاب والصــحفيين الفلســطينيين‪ ،‬والمســؤول الســابق عــن‬ ‫منظمة حزب البعث العربي الشتراكي في الكويت عام ‪1958‬‬ ‫‪.‬‬ ‫والحال هذه فإن ماركسيته قومية وعقلنية بقدر ما هي كونيــة‪،‬‬ ‫حين يعتبر المسألة القومية قوامها وهدفها ومحتواها الساســي‬ ‫والتاريخي والسياسي‪ ،‬تحقيق الوحدة السياسية للمـة العربيـة‪،‬‬ ‫وبناء الدولة القومية الديمقراطية‪.‬فهو ملتزم بالمنهج الماركسي غير‬ ‫التقليدي‪ ،‬أي بالديالكتيك‪ ،‬ويحارب النسخ والدوغمائية والتقليــد‪،‬‬ ‫حين يؤكد أن المســألة القوميــة وإمكاناتهــا الثوريــة قائمــة فــي‬ ‫قلب المة العربيــة الخاضــعة للســيطرة المبرياليــة‪ ،‬والمجــزأة‬ ‫حســب مخطــط التقســيم الكولوينــالي إلــى كيانــات قطريــة‪.‬‬ ‫والمسألة القومية في منظور التيــار القــومي الــديمقراطي‬ ‫تقــوم علــى أســاس مقــولت الحداثــة‪ ،‬والعقلنيــة‪ ،‬والعلمانيــة‪،‬‬ ‫والديمقراطيــة‪ ،‬وهــي مســألة مجتمعيــة سياســية وأيديولوجيــة‪،‬‬ ‫وثقافية واقتصادية متطورة ومميزة في سيرورة تاريخية معينــة‬ ‫من التطور داخل أمــة معينــة‪ ،‬بإمكانهــا أن تفــرز حركــة قوميــة‬ ‫تاريخية تتسم بأبعاد كونية وديمقراطية لرفع سديم مــن البشــر‬ ‫إلى كتلة متجانسة متلحمة‪ ،‬مندمجة‪ ،‬تستحق اسم أمة‪ ،‬ويمكن‬ ‫أن تتخذ قرارا ً تاريخيا ً نحو تحقيق وحدتها ونهضتها التاريخية ‪.‬‬ ‫ولما كان ناجي علوش زعيــم التيــار القــومي الــديمقراطي‬ ‫داخل فتح‪ ،‬يعتــبر أن قيــادات المقاومــة الفلسـطينية الرســمية‪،‬‬ ‫وبعض الفصــائل الملتحقــة بهــا أخــذت منــذ ‪ ،1970‬تتكيــف مــع‬ ‫الواقع العربي الستسلمي‪ ،‬وتزداد ارتباطا ً بسياسة الستســلم‬ ‫العربيــة‪ ،‬لتصــبح عنــوان هــذه السياســة الستســلمية وطليعــة‬ ‫الدفاع عنها‪ ،‬فقد تحالف موضوعيا ً مع صبري البنا ) أبــو نضــال(‬ ‫في عام ‪ ،1977‬رئيس حركــة فتــح ‪ -‬المجلــس الثــوري – الــتي‬ ‫كانت قــد انشــقت عــن حركــة فتــح – اللجنــة المركزيــة – عــام‬ ‫‪ ،1974‬واتخذت من بغداد مركزا ً لها‪ .‬وقام هــذا التحــالف علــى‬ ‫أرضية سياسية‪ ،‬أو ً‬ ‫ل‪ ،‬وهي محاربة خط التســوية الستســلمي‪،‬‬ ‫الذي أصبح السياسية الرســمية لمنظمــة التحريــر الفلســطينية‬ ‫حسب قرارات مجالسها الوطنية‪ ،‬وممارســة لجنتهــا التنفيذيــة‪،‬‬ ‫وعلى أرضية فكرية ثانيًا‪ ،‬تتمثــل فــي مناقشــة مشــروع الثــورة‬ ‫القومية الديمقراطية الشعبية العربيــة‪ ،‬الــذي جــاء فــي كتابــات‬ .

‬‬ ‫وفيما كان توفيق المديني يقيم في بــاريس‪ ،‬أوكلــت مهمــة‬ ‫الشراف على العمل التنظيمي إلـى عمر الماجري‪ ،‬الــذي عــاد‬ ‫نهائيا ً إلـى تونس في خريف عام ‪ ،1979‬بعد أن كان يعمل في‬ ‫المكتبة العربية في باريس‪ ،‬الــتي كـان يــديرها الشـهيد محمــود‬ ‫صالح‪ ،‬الذي اغتيل في ‪ 4‬كانون ثاني ‪.1‬بداية تشكل الحركة وبرنامج المهمــات فــي‬ ‫تونس ‪.1979‬وفي ذلك الحين أعلنت الحركة‪ ،‬عن نقاطها البرنامجية‪،‬‬ ‫وهــو برنامــج قــومي ديمقراطــي شـعبي عربــي‪ ،‬وعـن أهــدافها‬ ‫المرتبطــة بالنضــال العربــي العــام‪ ،‬أي إنهــا لــم تتــوجه إلـــى‬ ‫الفلسطينيين فقط‪ ،‬بـل تتــوجه إلـــى العـرب جميعـًا‪ ،‬إلــى كـل‬ ‫المناضلين العرب‪ ،‬والى الجماهير العربية ‪.‬ويقــول قيــادي فــي‬ ‫التنظيــم‪ ،‬بــأن حركــة التحريــر الشــعبية العربيــة بــدأت جملــة‬ ‫نشــاطات فــي مختلــف القطــار العربيــة‪ ،‬بهــدف تعزيــز وجــود‬ ‫الحركة فيها‪ ،‬ومن بين هذه البلدان كانت تونس « وأنـه بـالرغم‬ ‫من أننا كنا نعاني من متابعات أجهــزة النظــام‪ ،‬ومــن ملحقاتهــا‬ ‫لرموزنا وقادتنا‪ ،‬وعلى الرغم مـن أوضـاعنا السـرية‪ ،‬فقـد كـان‬ .1977‬‬ ‫واقتصــرت مهمــة هــذه النــواة فــي البدايــة علــى التصــال‬ ‫بـــالكوادر التونســـية الـــتي انخرطـــت فـــي صـــفوف الثـــورة‬ ‫الفلسطينية‪ ،‬خلل فترة الســبعينات‪ ،‬بهــدف فتــح حــوار فكــري‬ ‫وسياســي معهــا‪ ،‬مــن أجــل توســيع دائرة الســتقطاب لتنظيــم‬ ‫حركة التحرير الشعبية في تونس‪ .‫حركة التحرير الشعبية العربية ‪ -‬تونس‬ ‫منها كتاب فــؤاد عمــرو – اسـم حركــي – « موضــوعات الثــورة‬ ‫العربية » وكتابات ناجي علــوش المتعــددة‪ ،‬وجريــدة النطلقــة‬ ‫التي بدأت في الصدور عام ‪ ،1978‬إضافة لكتابات أخرى ‪.‬‬ ‫غير أن هذا التحالف بين نــاجي علــوش وأبــو نضــال‪ ،‬الــذي‬ ‫كان سيؤدي إلـى ولدة تنظيم جديد‪ ،‬لم يدم طوي ً‬ ‫ل‪ ،‬إذ تفجــرت‬ ‫الخلفات داخل فتح – المجلس الثــوري – بســب التصــادم بيــن‬ ‫عقليتين ‪ :‬عقلية ديمقراطية تريد بناء تنظيم قومي ديمقراطــي‬ ‫شعبي يقودهـا نــاجي علــوش‪ ،‬وعقليـة دمويــة غيــر ديمقراطيـة‬ ‫تقــوم علــى انتهــاج خــط « العمليــات الخاصــة »‪ ،‬ومحاربــة أي‬ ‫مسعى لبناء تنظيم ديمقراطي‪ ،‬يقودها صبري البنا‪ .‬ولعبت جريدة النطلقة التي‬ ‫كانت تصدر من بيروت‪ ،‬ويعاد طباعتها في باريس دورا ً مركزي ـا ً‬ ‫فـــي التبشـــير بهـــذا التنظيـــم الجديـــد‪ ،‬وبأفكـــاره القوميـــة‬ ‫الديمقراطية‪ .‬فانقســمت‬ ‫حركـــة فتـــح – المجلـــس الثـــوري ‪ ،-‬بخـــروج مجموعـــة مـــن‬ ‫المنظمــات والعضــاء بقيــادة نــاجي علــوش فــي شــهر آذار‬ ‫) مارس ( ‪ .1979‬وما لبثت هذه المجموعة الــتي تضــم العديــد‬ ‫من المناضلين العرب‪ ،‬أن أعلنت عن تأسيس « حركة التحريــر‬ ‫الشــعبية العربيــة فــي بغــداد‪ ،‬فــي ‪ 11‬تشــرين الثــاني‪/‬نوفمــبر‬ ‫‪ .‬وكانت النطلقة توزع فــي فرنسـا بحــدود ‪1000‬‬ ‫نســخة‪ ،‬وترســل إلـــى عنــاوين وشخصــيات مهمــة‪ ،‬وأحــزاب‬ ‫سياسية‪ ،‬وصحف‪ ،‬في بلدان المغرب العربــي الثلثــة ) تــونس‪،‬‬ ‫الجزائر‪ ،‬المغرب ( بواسطة البريد العــادي‪ .‬‬ ‫‪ .‬‬ ‫لمــا كــانت حركــة التحريــر الشــعبية العربيــة تنظيم ـا ً يضــم‬ ‫أعضاء من أقطار عربية مختلفة‪ ،‬وهذا يتجسد في القاعدة كمــا‬ ‫يتجسد في المراتب القيادية‪ ،‬فقد دأبت علــى بنــاء تنظيــم فــي‬ ‫تــونس يعمــل علــى اســتقطاب خيــرة المناضــلين الثــوريين‬ ‫المــؤمنين بــالخط السياســي للحركــة‪ .‬وكــانت النــواة القياديــة‬ ‫الولى التي تصدت لبناء هــذا التنظيــم تتكــون مــن ثلثــة كــوادر‬ ‫سياسية لها تجربــة نضــالية فــي حركــة المقاومــة الفلســطينية‪،‬‬ ‫وهم توفيق المديني‪ ،‬ومحسن العياري‪ ،‬وعمر الماجري ‪.

‬‬ ‫‪40‬‬ ‫‪41‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةة ة ةةة ة ة ة ةة ة ةة ةةة ةةة ة‬ ‫ةةةةةةة ةةةةةةة ةةةةةةة ةةةةة ةة ة ة ة‬ ‫ةةةة ةة ةةةةة ةةة ‪.‬‬ ‫ً‬ ‫وإذا كانت النظمة العربية قد تخلت تماما عن كل مواجهة‪،‬‬ ‫فإن المقاومة اكتفت بقتال‪ ،‬يعزز وضع قيــادة منظمــة التحريــر‬ ‫الفلسطينية‪ ،‬وإن كــانت قــد انتهــت إلـــى النســحاب والتشــتت‬ ‫والخــروج فــي ظــل العلم الميركيــة‪ ،‬والموافقــة علــى وجــود‬ ‫القوة المتعددة الجنسيات‪ ،‬ذات القيادة الميركية ‪. 1985‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةةة ةةةةةة ةةةة ‪. (40‬‬ ‫وعلى نقيــض بقيــة قــوى المعارضــة التونســية الــتي قبلــت‬ ‫الشروط المجحفة التي وضــعها النظــام عقــب مجيــء حكومــة‬ ‫محمد مزالي عام ‪ ،1980‬والنضال من أجل الديمقراطية علــى‬ ‫أرضية برنامج الســلطة‪ ،‬فــإن حركــة التحريــر الشــعبية العربيــة‬ ‫رفضــت تلــك الشــروط باعتبارهــا ل تلــبي مطالبهــا‪ ،‬ول تعكــس‬ ‫حقيقة الموازين السياسـية فـي البلد‪ ،‬فـي ضـوء الوضـع الـذي‬ ‫يعيشه النظام وحزبه الحاكم‪ .‬ضــمن هــذا الســياق اســتقبل النظــام‬ ‫التونسي قيادة منظمة التحريــر الفلســطينية بزعامــة عرفــات‪،‬‬ ‫وجــزءا ً أساســيا ً مــن المقاومــة الفلســطينية الــتي خرجــت مــن‬ ‫بيروت ‪.‫علينا أن نعمل علــى تطــوير هــذه الوضــاع وتعزيزهــا‪ ،‬وتطــوير‬ ‫البنيــة التنظيميــة للحركــة فــي تــونس‪ ،‬لتتناســب مــع مجمــل‬ ‫التطــورات الحاصــلة فــي البلد‪ ،‬وبخاصــة أن الحــداث الــتي‬ ‫شهدتها تونس عام ‪ ) 1980‬أحداث مدينــة قفصــة (‪ ،‬قــد دللــت‬ ‫علــى أن هنـاك أزمــة سياسـية واقتصـادية واجتماعيــة عاصــفة‪،‬‬ ‫المر الذي بات يتطلب طرح مهـام محـددة بعضـها جديـد علـى‬ ‫الساحة التونسية‪ ،‬وذلك بهدف تطوير وعــي الجمـاهير وتحـويله‬ ‫إلـى وعي منظم فاعل لجراء تبديل حقيقي فــي بنيــة وتركيبــة‬ ‫النظام البورقيبي‪ ،‬وليــس إجــراء تعــديلت غيــر جوهريــة‪ ،‬وغيــر‬ ‫أساسية ذات طبيعة إصلحية‪ .‬إن المطلــوب هــو إعــادة صــياغة‬ ‫الجماهيرية و السياسية‪ ،‬وإعادة بنائها وتركيبهــا‬ ‫لموقف الحركة‬ ‫وفقا ً لسس جديدة )‪.‬ولقــد‬ ‫كشف مخطط الغزو الصهيوني طبيعة برامج المواجهة العربية‪،‬‬ ‫وطبيعة برنامج المقاومة الفلسطينية‪.‬‬ ‫اســتمرت حركــة التحريــر الشــعبية العربيــة فــي نشــاطها‬ ‫السري داخل تونس‪ ،‬إلـى أن جــاء احتلل لبنــان فــي الخــامس‬ ‫من حزيران سنة ‪ ،1982‬ليفــرض وقــائع جديــدة‪ ،‬تؤكــد طبيعــة‬ ‫المخططات الصهيونية‪ ،‬وطبيعــة التحــول الــتي تطرحهــا‪ .‬‬ .‬‬ ‫وكشفت النظمة العربية الشد رجعية عــن مشــاركتها فــي‬ ‫التخطيط لستثمار المعركــة فــي فــرض حــل سياســي‪ ،‬يصـفي‬ ‫القضــية الفلســطينية‪ ،‬وتحقيــق أهــداف المبرياليــة الميركيــة‬ ‫والدوائر الرجعية العربية‪ .‬وانسجاما ً مع هذا الموقــف‪ ،‬فــإن‬ ‫الحركة لم تتقدم بطلب الــترخيص إلـــى حــزب سياســي علنــي‬ ‫فــي البلد‪ ،‬أو بطلــب للحصــول علــى ترخيــص لصــدار صــحيفة‬ ‫ناطقة باسمها‪ ،‬كما فعلــت التنظيمــات المعارضــة‪ ،‬مثــل حركــة‬ ‫الوحدة الشعبية‪ ،‬وحركة الديمقراطيين الشــتراكيين‪ ،‬وامتنعــت‬ ‫الحركة عن المشاركة في النشاطات العلنية الــتي حــدثت فــي‬ ‫البلد‪ ،‬وخاصــة النتخابــات التشــريعية المــزورة الــتي أجراهــا‬ ‫النظام في أواخر عام ‪ ،1981‬واستطاع فيهــا مــن خلل عمليــة‬ ‫التزوير‪ ،‬أن يستولي على مقاعد البرلمــان التونســي كلهــا عــبر‬ ‫تحالف حزبه مع التحاد العــام التونســي للشــغل فــي إطــار مــا‬ ‫ـتمرت‪(41‬الحركــة فــي ممارســة‬ ‫سمي بـ ) الجبهــة الوطنيــة( واسـ‬ ‫نشاطها السري في الشارع التونسي ) ‪.

‫حركة التحرير الشعبية العربية ‪ -‬تونس‬ ‫ولما كــانت حركــة التحريــر الشــعبية العربيــة لــديها موقــف‬ ‫متشدد من خط التسوية‪ ،‬ومتناقضة جذريا ً مع نهج عرفات‪ ،‬فقد‬ ‫نشطت أجهزة المن التونسية‪ ،‬في أعقــاب ظهــور حملــة تأييــد‬ ‫شعبية تونسية للمقاومــة الفلســطينية‪ ،‬وللشــعبين الفلســطيني‬ ‫واللبناني في تصديهما للغزو الصهيوني‪ ،‬وقــامت هــذه الجهــزة‬ ‫بتتبع عدد من الرمــوز السياســية للحركــة فــي تــونس‪ ،‬قبــل أن‬ ‫تلقي القبض عليهم‪ .‬أمــا النزعــة الثانيــة فهــي‬ ‫تعتمد على العمل انطلقا ً من المبادئ الثوريــة المرتكــزة علــى‬ ‫الفلسفة الماركسية اللينينية وتعتمد فــي مجملهــا علــى وجــوب‬ ‫تحقيق الثورة بواسطة الرهاب‪ .‬ومن الملحظ أن كل النزعتين‬ ‫ـراد‬ ‫كانت تنوي استيعاب الخرى‪ ،‬غير أن إلقاء القبــض علــى أفـ‬ ‫)‪(43‬‬ ‫النزعتين كان فجائيًا‪ ،‬ولم يترك المجال لعملية الستيعاب »‬ ‫‪.‬‬ ‫وتضــيف التحقيقــات بــأن نــاجي علــوش قــد وضــع مبلــغ‬ ‫‪ 800000‬دولر تحت تصــرف تنظيــم تــونس‪ ،‬لتمويــل الحركــة‪،‬‬ ‫وتخطيط أهدافها التي تشكل البرنامج المعلن عنه للمجموعــة‪،‬‬ ‫والمتمثل أساسا ً في السطو على أحد البنوك لزيــادة التمويــل‪،‬‬ ‫وتفجير المركز الثقافي الميركي‪ ،‬والمركز الثقــافي الســعودي‬ ‫بتونس‪ ،‬وبعض المؤسسات التونسية‪ .‬‬ ‫ومــن الواضــح مــن خلل تســريب هــذه المعلومــات أن‬ ‫الســلطات التونســية‪ ،‬كــان تعــد لحملــة إرهابيــة واســعة ضــد‬ ‫المعارضة التونسية غيــر المعلنــة‪ ،‬وخاصــة المعارضــة المنتميــة‬ ‫إلـى التجاه القومي الراديكالي‪ ،‬والذي تكن له عداء خاص ـًا‪ ،‬ول‬ ‫ـة‬ ‫سيما أن توجها ً كهذا يمكن اعتبــاره تحــذيرا ً لعناصــره المقاومـ‬ ‫)‪(44‬‬ ‫الفلسطينية الذين قدموا إلـى تونس بعد الخروج من بيروت‬ ‫‪42‬‬ ‫‪43‬‬ ‫‪44‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةة ةة ةةةة ة ةةةةةةة ة – ةة ةة ةةة ة‬ ‫ةةةة ة ةةةةة ةة ة ة ة ةةة ةةة ة ةةة ة‬ ‫ةةةة‬ ‫ةةة ‪ :‬ةةة‬ ‫ة ةة‬ ‫ةة ةة‬ ‫ةةةةةة‬ ‫ةةةةةة ةةة ةةة ة ةةةةة ة ة ةةة ة ةةةة‬ ‫ة ةةة ةة ةةة ةةة ةةة ةةةة ةة ةةةةة ةة –‬ ‫ةةةةة ‪.‬وقالت وزارة الداخليــة فــي بيــان لهــا بــأن‬ ‫رجالها ألقوا القبض على مجموعــة أشــخاص يشــكلون تنظيم ـا ً‬ ‫سياســيا ً تحــت شــعار « الثوريــون الشــعبيون»‪ ،‬ولهــم توجهــات‬ ‫إرهابية‪ ،‬وذلك فــي بدايـة تشـرين أول‪/‬نوفمـبر ‪ .(42‬‬ ‫واستنادا ً إلـى تقرير صحفي منسوب إلـــى مصــادر رســمية‬ ‫تونسية‪ ،‬فإن التحقيق الذي جرى حتى الن‪ ،‬قد بيــن أن أعضــاء‬ ‫« التنظيم الســري » ينتمــون إلـــى ســلك الوظيفــة والصــحافة‬ ‫والتعليم والعمال الحرة‪ ،‬وهم أيديولوجيا ً ينتمون إلـى تنظيمين‬ ‫خارجيين‪ ،‬بحيث ينتمي إلـى النزعــة الولــى أغلــب الموقــوفين‪،‬‬ ‫وهي نزعة ينضوي تحتها طلبة وموظفون وصــحافيون ويتمحــور‬ ‫عملها حول أهداف مستمدة من حركــة قوميــة شــعبية تقدميــة‬ ‫يقودها من الخارج السيد « ناجي علوش» المين العام السابق‬ ‫لتحــاد الكتــاب والصــحافيين الفلســطينيين‪ ،‬الــذي انشــق عــن‬ ‫منظمة فتــح‪ ،‬واســتقر بالخــارج‪ ،‬ويعمــل بالتعــاون مــع نظــامين‬ ‫عربيين على تشكيل شــبكات عمــل سياســية باســم «الثــوريين‬ ‫الشعبيين » داخل « البلد العربية الرجعية »‪.‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةةة ةةةةةة ةةةة ‪. 4/12/1982‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةةة ةةةةةة ةةةة ‪.‬‬ ‫ومهما يكن من أمر‪ ،‬فإن هذه العتقالت كانت تعتبر أهم عملية‬ ‫شغلت الوساط التونسية الرسمية والشعبية منذ ســنة ‪،1981‬‬ ‫أعضاء التجاه السلمي‪ ،‬والبالغ عددهم أكثر مــن‬ ‫تاريخ اعتقال‬ ‫خمسين شخصا ً )‪.1982‬وذكـرت‬ ‫جريدة النــوار التونســية بــأن التحقيــق شــمل عشــرين متهم ـًا‪.‬‬ .

‬‬ ‫‪ .2‬أكد كل الموقوفين‪ ،‬أن العترافات‪ ،‬انتزعت منهــم تحــت‬ ‫التعذيب‪ ،‬وأنها بدون أســاس‪ ،‬وانهــم مناضــلون معنيــون‬ ‫بتحرير فلسطين والوطن العربي‪ ،‬وبقضايا الديمقراطية‬ ‫‪.‬‬ ‫‪ .‬‬ ‫إزاء هــذه المحاكمــة لتنظيــم قــومي ديمقراطــي‪ ،‬طــالبت‬ ‫القــوى الوطنيــة و الديمقراطيــة التونســية المعارضــة بــإطلق‬ ‫سراح المعتقلين في إطار عفو تشريعي عام فــي البلد‪ .3‬انسحب الدفاع احتجاجا على موقف المحكمــة‪ ،‬لنهــا لــم‬ ‫تعط الفرصة لــه للــدفاع عــن المتهميــن‪ ،‬ولنهــا أصــرت‬ ‫على النطق بالحكم في الجلسة عينها‪.‬‬ ‫وخلل جلسة واحدة ترأسها القاضي لخضر بن عبد السلم‪،‬‬ ‫تم إصدار أحكام على اثني عشر متهما ً من « التنظيــم الســري‬ ‫»‪ .‬‬ ‫لقد كشفت محاكمة أعضاء حركة التحرير الشعبية العربيــة‬ ‫في تــونس زيــف وشــكلية ديمقراطيــة حكومــة محمــد مزالــي‪.‬وقــد‬ ‫تميزت المحاكمة بثلث مظاهر أهمها ‪:‬‬ ‫‪.2‬حيازة مطبوعات غير قانونية ومتفجرات ‪.2‬محاكمة أعضاء الحركة‬ ‫استمر التحقيق مع أعضاء حركة التحرير الشــعبية العربيــة‬ ‫من أواخر عام ‪ ،1982‬ولغاية تقديمهم إلـى المحاكمة في تموز‬ ‫‪ ،1983‬ومارست الجهزة المنية التونسية بالتنســيق مــع جهــاز‬ ‫المن الفلسطيني الـ ‪ ،17‬أعمال التعذيب ضد المتهمين بهــدف‬ ‫انتزاع اعترافات منهم‪ ،‬تدعم بهـا السلطات التونســية اتهاماتهــا‬ ‫لهم‪ ،‬المر الذي جعــل الســلطة تؤجــل المحاكمــة عـدة مـرات‪،‬‬ ‫قبل تقديم المتهمين إلـى المحاكمة وإصدار الحكم عليهــم فــي‬ ‫جلسة واحــدة فــي ‪ 23‬تمــوز عـام ‪ ،1983‬اســتنادا ً إلـــى التهــم‬ ‫التالية ‪:‬‬ ‫‪ .‬ولعــب‬ .‫‪.‬‬ ‫فالحملة التضليلية التي مارستها السلطة التونسية عند اعتقــال‬ ‫المتهميــن فــي العــام ‪ ،1982‬فــي الصــحافة الرســمية والشــبه‬ ‫رسمية‪ ،‬التي أحاطت ) مصطلح أمن الدولــة ( التحقيــق معهــم‬ ‫في كنف الســرية التامــة‪ ،‬وتعريضــهم للتعــذيب الشــديد بهــدف‬ ‫انتزاع اعترافات تخدم توجهاتها‪ ،‬كـانت تسـتهدف القضـاء علــى‬ ‫كــل نفــس قــومي ديمقراطــي فــي تــونس يقــول ل لمخطــط‬ ‫التســوية‪ ،‬خصوص ـا ً وأن النظــام التونســي أراد اســتثمار وجــود‬ ‫المقاومة الفلسطينية في تونس‪ ،‬من أجل فرض حل سياســي‪،‬‬ ‫يصـــفي القضـــية الفلســـطينية‪ ،‬ويحقـــق أهـــداف المبرياليـــة‬ ‫الميركية‪ ،‬والدوائر العربية الرجعية ‪.3‬محاولة القيام بأعمال عنف ‪.‬‬ ‫ً‬ ‫‪ .‬‬ ‫‪ .1‬النتماء إلـى تنظيم سري ‪.‬‬ ‫‪ .‬فحكــم علــى توفيــق المــديني غيابي ـا ً بالســجن لمــدة عشــر‬ ‫سنوات أشغال شاقة‪ ،‬بحكم إقامته في باريس‪ ،‬فيمــا تراوحــت‬ ‫الحكام الخرى بالسجن مع الشــغال الشــاقة لمــدد مــا بيــن ‪7‬‬ ‫سنوات وسنتين‪ ،‬وسط اعتراضــات الــدفاع ومطــالبتهم بتأجيــل‬ ‫الجلســة‪ ،‬وعنــدما رفعــت المحكمــة انســحب المحــامون‪ .1‬‬ ‫أصر الدفاع علـى رفـض التهـم‪ ،‬واعتبـار القضـية تتعلـق‬ ‫بحرية الرأي ‪.

‬‬ ‫‪ . ( 81 – 59‬‬ .‬‬ ‫‪.‫حركة التحرير الشعبية العربية ‪ -‬تونس‬ ‫حزب التجمع الشتراكي التقدمي عبر مجلــة ) الموقــف ( دورا ً‬ ‫محوريا ً فــي ذلــك‪ ،‬حيــث طــالب بإعــادة فتــح ملــف « التنظيــم‬ ‫السري »‪ ،‬كما طالب المحامون بعرض المتهمين على الرابطة‬ ‫التونسية للــدفاع عــن حقــوق النســان‪ ،‬لتقــدير التعــذيب الــذي‬ ‫مورس عليهم ‪. ( 58 – 53‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةةةة ة ةةةةةة ة – ةةةةة ة ةةة ةةة –‬ ‫ةةةةة ةةةةةة ) ة ‪.‬‬ ‫ثانيا ً ‪ -‬إنجــاز الوحــدة القوميــة المرتبطــة بتحقيــق الهــدف‬ ‫الول‪ ،‬بما يضــمن العــتراف بحــق القليــات القوميــة‬ ‫المقيمـة علـى الرض العربيـة‪ ،‬وإقامـة جبهـة قوميـة‬ ‫متحدة‪ ،‬وبناء جيش شــعبي قــادر عــل إنجــاز الوحــدة‬ ‫القومية وحمايتها ‪.‬‬ ‫‪45‬‬ ‫‪46‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةةةة ة ةةةةةة ة – ةةة ة ةةةةةة ة‬ ‫ةةة ةةةة ةةةةةة ة – ةةةةة ة ةةةةة ة‬ ‫ةة‪/‬ةةةةة ‪ ) – 1983‬ة ‪.1‬بناء الحزب الثوري في عموم الساحة العربيــة‪ ،‬والــذي‬ ‫يتبنى برنامــج الثــورة القوميــة الديمقراطيــة الشــعبية‪،‬‬ ‫ويتكــون مــن الفئات الشــعبية العربيــة وعلــى رأســها‬ ‫الطبقة العاملة‪.2‬بناء الجبهة القومية المتحــدة‪ ،‬والمؤتلفــة علــى برنامــج‬ ‫محدد يجـري التفــاق عليــه‪ ،‬كمـا يجـري التفـاق علـى‬ ‫البنــى التنظيميــة للجبهــة وفق ـا ً للهــداف المنــوط بهــا‬ ‫تحقيقها ‪.‬‬ ‫ثالثا ً ‪ -‬إنجاز الثورة الديمقراطية‪ ،‬من خلل مشاركة أوســع‬ ‫الفئات الشعبية في تحقيق أهــداف النضــال العربــي‪،‬‬ ‫وتأمين مصالح هذه الفئات‪ ،‬عــبر إنجــازات اقتصــادية‬ ‫واجتماعية وسياسية ديمقراطية ‪. (45‬‬ ‫لقد حدد البرنامج السياسي للحركــة أهــدافها الســتراتيجية‬ ‫والمتمثلة فيما يلي‪:‬‬ ‫أول ً ‪ -‬تحريــر أرض الــوطن العربــي مــن كــل أثــار الحتلل‬ ‫بشــكليه القــديم والجديــد مــع إعطــاء عمليــة تحريــر‬ ‫فلسطين الهمية المركزية ‪.3‬المؤتمر التأسيسي للحركة وإعلن برنامجها‬ ‫عقدت حركة التحرير الشــعبية العربيــة مؤتمرهــا التأسيســي‬ ‫في سوريا في شهر كانون الثاني عام ‪ ،1983‬وصدر عنه برنامج‬ ‫سياسي‪ ،‬موجود ومنشور‪ ،‬حدد الهداف العامــة لنضــال الحركــة‪،‬‬ ‫حيث تقوم هذه الهداف على النضال من أجل إنجاز ثورة قومية‬ ‫وديمقراطية شعبية‪ ،‬تستجيب لمصالح المة العربية وأهدافها في‬ ‫التحرير وبناء وحدتها القومية‪ ،‬والتخلــص مــن الحتلل والتخلــف‪،‬‬ ‫والتبعيــة للخــارج‪ ،‬وإقامــة الديمقراطيــة بإســقاط بقايــا القطــاع‬ ‫والقبلية والطائفيـة‪ ،‬عـبر مشـاركة الفئات الشـعبية فـي العمليـة‬ ‫البرجوازيــة‬ ‫الثورية من عمال وفلحين وشــرائح ديمقراطيـة مـن‬ ‫الصغيرة‪ ،‬وبناء سلطة الشعب الممثلة للقوى الديمقراطية )‪.‬ولــذلك‪،‬‬ ‫الساسية‪ ،‬وطاقتها‪ ،‬حتى‬ ‫فإن هذه القوة تتجسد في )‪: (46‬‬ ‫‪ .‬‬ ‫‪ .‬‬ ‫إن الهداف المشار إليها آنفا ً بحاجة إلـى القــوة السياســية‬ ‫التي تحققها‪ ،‬وهذه القوة يجب أن تمثــل إرادة جمــاهير الثــورة‬ ‫تستطيع إنجاز هذه الهــداف‪ .

‬‬ ‫‪ .‬‬ ‫‪ .‬‬ ‫‪ .6‬النضال لجل تحسين الحوال المعيشية للجماهير‪ ،‬وحــل‬ ‫قضايا العمل والبطالــة والســكن والجــور وخــوض نضــال‬ ‫‪47‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةةةة ة ةةةةةة ة – ةةةةة ة ةةة ةةة –‬ ‫ةةةةة ةةةةةة ) ة ‪. ( 148 – 135‬‬ .‬‬ ‫‪ -4‬مواجهة القوى الرجعية والطائفية‪ ،‬وتعبيراتها السياســية‬ ‫من خلل توحيـد قـوى الشـعب ضـدها‪ ،‬وتبيـان الخطـار‬ ‫الحقيقية للهداف الطائفية والرجعية ‪.‫‪ .4‬بنــاء الجيــش الشــعبي والمؤلــف مــن ثلثــة أقســام ‪:‬‬ ‫الجيش الدائم‪ ،‬والحتياط العام والحتياط المحلي ‪.3‬النقابــات والمنظمــات الشــعبية‪ ،‬والــتي تســاهم فــي‬ ‫إشراك أوسع الفئات الشــعبية فــي النضــال السياســي‬ ‫لتحقيق أهداف النضال العربي ‪.‬‬ ‫‪ ‬أما على الصعيد العربي‪ ،‬فإن المهام تتبدى فــي‬ ‫أهم مفاصلها في ‪:‬‬ ‫‪ -1‬أنه وبمواجهة الخطار التي تتعرض لها القضــية القوميــة‬ ‫متمثلة في خطر الحتلل والتفتيت واســتمرار التجــزئة‪،‬‬ ‫ينبغي القيام بنشر الثقافة القومية المؤكدة وحدة المــة‬ ‫العربية‪ ،‬والحرص علــى مســتقبلها‪ ،‬باعتبــار ذلــك قضــية‬ ‫الكــادحين‪ ،‬والــدعوة للوحــدة فــي مواجهــة التجاهــات‬ ‫المعادية لها‪ ،‬والعمل على توفير عوامل التفاعل العربي‬ ‫‪.1‬بناء القوة اللزمة لتحقيق أهداف الحركة‪ ،‬ويقــوم ذلــك‬ ‫علــى دعــائم ثلث أساســية ‪ :‬التنظيــم‪ ،‬وتحقيــق القــوة‬ ‫السياســية العســكرية للحركــة بتوســيع أطــر علقــات‬ ‫الحركــة مــع القــوى السياســية والشخصــيات الوطنيــة‪،‬‬ ‫والقيام بإعـداد أعضـاء الحركـة فـي المجـال العسـكري‬ ‫ليكونوا مستعدين لممارسة المهام العسكرية‪.5‬مواجهــة القمــع‪ ،‬والنضــال لجــل الديمقراطيــة‪ ،‬عــبر‬ ‫محاولــة تعميــم الديمقراطيــة فــي أوســاط الشــعب‪،‬‬ ‫وكشف مظاهر القمع الواقع عليه ‪.‬‬ ‫‪ -3‬مواجهة المبريالية الميركية ووجودها في المنطقة مــن‬ ‫خلل أوسع تعبئة شعبية وسياسية‪ ،‬وحشد أوسع القــوى‬ ‫لمجابهة عملئها ‪.‬‬ ‫‪ .‬‬ ‫إذا كــانت الحركــة قــد حــددت برنامــج المهمــات البعيــدة‬ ‫المدى‪ ،‬المتمثلة في بنــاء الحــزب‪ ،‬والجبهــة القوميــة المتحــدة‪،‬‬ ‫وإنجاز الثــورة القوميــة الديمقراطيــة الشــعبية‪ ،‬فإنهــا بالمقابــل‬ ‫الثلثة‪ ،‬التنظيمي‪،‬‬ ‫حددت برنامج مهماتها النية على المستويات‬ ‫والعربي‪ ،‬والدولي‪ ،‬وفقا ً لهم المفاصل التالية)‪: (47‬‬ ‫‪ .‬‬ ‫‪ -2‬مواجهة الكيــان الصــهيوني فــي إطــار مواجهــة شــاملة‪،‬‬ ‫المر الذي يتطلب ضرورة وحدة المقاومــة الفلســطينية‬ ‫على برنامج تحرير فلسطين وإحباط التســوية‪ ،‬وتطــوير‬ ‫المقاومة الوطنية اللبنانية بمشاركة القوى الديمقراطية‬ ‫والوطنية العربية لضمان استمرار المقاومــة ضــد العــدو‬ ‫الصهيوني على قاعدة إلحاق الهزيمة به‪ ،‬وحشــد أوســع‬ ‫قوى لمواجهة الطائفية والرجعية ‪.2‬تأكيد أهمية العمل الجبهــوي والشــعبي‪ ،‬ونشــر الثقافــة‬ ‫المتصلة بهذين العملين‪ ،‬والعمل علــى تطــوير العلقــات‬ ‫مع القوى التي تقيم علقات مع الحركة‪ ،‬وتعزيز وجودها‬ ‫في النقابات والمنظمات الشعبية العربية القائمة ‪.

‬إن التفاوتات‬ ‫موجودة‪ ،‬حتى داخل البلدان الموحدة‪ ،‬منذ أكــثر مــن مئة عــام‪،‬‬ ‫مثل إيطاليا‪ .‬‬ ‫‪ -2‬اللتزام بحق تقرير المصير‪ ،‬وحق الشــعوب فــي اختيــار‬ ‫أنظمتها السياسية‪ ،‬ورفض سياسة العدوان والقــوة فــي‬ ‫حل الخلفات السياسية ‪.‬إن مصــلحة المــة كلهــا‪ ،‬والجمــاهير العاملــة الكادحــة‬ ‫تتطلب الوحــدة وهــذا هــو المعيــار‪ .‬وهــي ظــاهرة تتطلــب الدراســة والفهــم ولكنهــا ل‬ ‫تطرح حل ً غير الحل القومي‪ .‬وبمقــدار مــا يزيــد التغلغــل‬ ‫المبريالي الميركي والتطبيع مع العدو الصهيوني‪ ،‬ويزيـد بـؤس‬ ‫الكادحين من جراء ذلك‪ ،‬وتتفاقم أزمة الطبقــات الحاكمــة فــي‬ ‫القطار التي يــراد لهــا أن تكــون أممــا‪ ،‬تتســع قاعــدة الوحــدة‪،‬‬ ‫وتتضح أهمية القضية القومية ‪.‬‬ ‫‪ -5‬تشجيع سبل التعاون والتفاهم بين المم‪ ،‬وفتــح البــواب‬ ‫للتفاعل بينها ‪.‬والذين يظنــون الحلــول القطريــة‬ ‫هي الجواب‪ ،‬مطــالبون بتوزيــع كــل قطــر مــن أقطــارهم إلـــى‬ ‫أقطار‪ ،‬لن التفاوت عينه موجود في كل قطر‪ ،‬ما بيــن منطقــة‬ ‫وأخــرى‪ .‬إذ نرى أن القــوانين العامــة‪ ،‬يجــب أن تحكــم‬ ‫القــوانين الخاصــة‪ ،‬وأن القــوانين العامــة فــي المنــاطق الكــثر‬ .‬‬ ‫مـن الملحـظ أن برنامـج حركـة التحريـر الشـعبية العربيـة‬ ‫برنامج ذو صفة قوميـة علـى المسـتوى السـتراتيجي‪ ،‬ويشـمل‬ ‫كل البلد العربية‪ ،‬وهـذا نـابع مـن قناعـة الحركـة‪ ،‬بـأن القضـية‬ ‫القومية‪ ،‬هي قضية وجود المة‪ ،‬وبالتالي فإن محاربــة التجــزئة‪،‬‬ ‫وتحقيق الوحدة‪ ،‬لن يتما إل ببرنامج قومي‪ ،‬لكن إذا كانت هناك‬ ‫أقطار عربية تحكمها أنظمة سياســية متباينــة وخاضــعة لقــانون‬ ‫التفاوت الذي خلقته اختلفات السياسات المبريالية أو مصــالح‬ ‫الطبقــات والفئات المرتبطــة بــالتجزئة‪ ،‬فهــذا ل يجعــل القضــية‬ ‫القومية ملغاة‪ ،‬ول يفرض على حركة التحرير الشــعبية العربيــة‬ ‫وضــع برامــج قطريــة تخــدم مخططــات الماضــي المبريــالي‪،‬‬ ‫والحاضر المرتبط به‪ ،‬وتحافظ على واقع التجزئة‪ .‫حركة التحرير الشعبية العربية ‪ -‬تونس‬ ‫اجتماعي واسع من أجل ذلك‪.‬‬ ‫‪ -3‬مواجهــة المبرياليــة و الصــهيونية والعرقيــة‪ ،‬وسياســات‬ ‫الحتكـــار والســـلحة النوويـــة‪ ،‬ودعـــم حركـــة التحـــرر‬ ‫والحروب العادلة ‪.‬‬ ‫‪ ‬وعلى الصعيد العالمي ‪:‬‬ ‫تحــدد حركــة التحريــر الشــعبية العربيــة أبــرز مهامهــا فــي‬ ‫النقاط التالية ‪:‬‬ ‫‪ -1‬إقامة أوثـق العلقـات مـع القـوى والحـزاب العماليـة و‬ ‫الديمقراطيــة والوطنيــة‪ ،‬وتنســيق النشــطة معهــا علــى‬ ‫أرضية حركة تحرر المم المحتلة‪ ،‬والطبقات المضطهدة‬ ‫‪.‬‬ ‫ويقول المين العــام للحركــة نــاجي علــوش بهــذا الصــدد «‬ ‫نحن نرى أن القضية القومية كلها‪ ،‬ونرى القوانين العامــة الــتي‬ ‫تحكم هذه القضية‪ .‬وهذا النضال‬ ‫لــن يهبــط مــن الســماء‪ ،‬بــل ســينطلق مــن الرض‪ ،‬أي مــن‬ ‫الجمــاهير الشــعبية‪ ،‬وبهــذا ل يكــون بعيــدا ً عــن الخصوصــيات‬ ‫والشكاليات المحلية ولدينا نحن وجهــة نظــر فــي هــذا المجــال‬ ‫نعتقد أنها علمية‪ .‬ونرى التفاوتات والختلفــات‪ ،‬ول نعتقــد أن‬ ‫التشــديد علــى القــوانين العامــة‪ ،‬يلغــي هــذه التفاوتــات‪ ،‬وبــأن‬ ‫الوحدة والقضية القومية تحتاج إلـى نضال قومي‪ .‬‬ ‫‪ -4‬تأييــد سياســة الحــد مــن الســلحة الســتراتيجية ووقـف‬ ‫سباق التسلح ‪.

‬‬ ‫‪ .‬‬ ‫تعتبر حركة التحرير الشعبية العربية تنظيمـا ً قوميـا ً متفــردا ً‬ ‫في الساحة التونسية‪ُ ،‬يحلل الحــداث السياســية الجاريــة فيهــا‪،‬‬ ‫ويحدد منها المواقف على ضوء الخط السياسي الذي يطرحه ‪:‬‬ ‫خط الثورة القومية الديمقراطية‪ ،‬خصوصـا ً أن برنامــج التنظيــم‬ ‫يعطي اهتماما ً خاصا ً لتعميم أفكــاره وأطروحـاته حــول ضـرورة‬ ‫بناء وعي سياسي راديكالي مطــابق‪ ،‬وبلــورة مهــج جبهــوي مــع‬ ‫القــوى السياســية‪ ،‬ومحاربــة أيــة نزاعــات طفوليــة انعزاليــة‬ ‫واستعلئية ‪.‬وتفاعلهــا مــع القضــايا‬ ‫التونسية ‪. .‫تقدما ً في الوطن يجب أن تحكم القوانين الخاصة في المناطق‬ ‫الكثر تخلف ـًا‪ ،‬وهــذه بــديهيات علميــة فــي قناعتنــا )‪ . 1984‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةة ة ةةة ةةةة – ةةة ة ةةةةةةةةة ة‬ ‫ةةةة ة ةةة ةةة ة ة ة ةةة – ةةة ةةةةةة ة‬ ‫ةةةةةة ة ةةةةة ة ةةةةةةة ة – ةةة ة –‬ ‫ةةةةةة ةةةةةة – ةةةةة ‪ ) 1989‬ة ‪. ( 82 – 75‬‬ . (50‬‬ ‫وعن أســباب « ثــورة الخــبز » فــإن الحركــة تحــددها علــى‬ ‫النحو التالي ‪:‬‬ ‫‪ .‬وهــي ليســت‬ ‫‪(49‬دون مصر‪ ،‬أو مصر دون السودان‪ ،‬أو المشرق‬ ‫مشكلت سوريا‬ ‫دون المغرب ) ‪.‬‬ ‫أول ً ‪ -‬الحركة والموقف من « ثورة الخبز » ‪:‬‬ ‫أفردت حركة التحرير الشعبية العربية تحليل ً مطــول ً لثــورة‬ ‫الخبز كتبه توفيق المديني في كتابه « أزمة البرجوازية وطريق‬ ‫الثورة في تونس »‪ ،‬وجاء فيه ما يلــي ‪ :‬إن النتفاضــة الجديــدة‬ ‫تعتبر خطوة متقدمة بشمولها وعنفها‪ ،‬علــى الرغــم مــن غيــاب‬ ‫القوى المنظمة وشبه المنظمة فيها بسبب انطلقتهــا العفويــة‪،‬‬ ‫ردا ً على سياسة النهب التي تمارس مــن قبــل المبرياليــة عــبر‬ ‫الشركات متعددة الجنسيات إلـــى جــانب الفئات الكمبرادوريــة‬ ‫التونسية الحاكمة والمرتبطة بالمبريالية‪ .4‬حركــة التحريــر‪ . 1984‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةة ةةةة ةة – ة ةةة – ةةة ةة ‪ 13‬ةةةة ة ‪13‬‬ ‫ةةةة ‪.(1‬الخلــل فــي توزيــع الــثروة بيــن الطبقــات الجتماعيــة‪،‬‬ ‫وتراكــم الغنــى لــدى الفئات البرجوازيــة مقابــل تراكــم‬ ‫الفقــر لــدى الفئات الشــعبية وخاصــة العــاطلين عــن‬ ‫‪48‬‬ ‫‪49‬‬ ‫‪50‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةة ة ة ة ة ةةة ةة ةة ةةة ة ة ةة ةةة ة‬ ‫ةةةةةة ة ةةةة ةةة ةةةةةة ة ة ة ةةة ة‬ ‫ةةةةةة ةةةةة ) ‪ (13‬ةةةةة ‪ 13‬ةةةة ‪.(48‬ويجمــل‬ ‫المين العام لحركة التحرير الشعبية العربية رأي الحركــة حــول‬ ‫بقاء برنامج الحركــة فــي العموميــات باعتبــاره برنامجـا ً قوميـًا‪،‬‬ ‫فيقول « ما دام هـذا البرنامـج قـد اسـتمد قــوانينه العامـة مـن‬ ‫دراسة متأنيـة للواقــع العربــي‪ ،‬واســتخلص هـذه القــوانين مـن‬ ‫معرفــة مشــكلت الــوطن العربــي وقضــاياه‪ .‬ويضـيف المـديني ‪« :‬‬ ‫إن أسباب النتفاضة في جوانبها القتصادية تتمثل في ما تنهبــه‬ ‫البرجوازيــة ولحســابها وتمويــل أجهزتهــا ودوائرهــا الفاســدة‬ ‫والباذخة‪ ،‬من قوت الشــعب‪ ،‬فــترفع أســعار المــواد الساســية‪،‬‬ ‫وتزيد الضرائب والرسوم‪ ،‬فيما ) يقوم البنك الدولي ( بمطالبــة‬ ‫الدولة برفع الدعم عن كل المــواد الضــرورية لتوظيــف أمــواله‬ ‫وعليــه فقــد ردت الجمــاهير‬ ‫ومساعداته لتوسيع عمليــة النهــب‪،‬‬ ‫الشعبية على هذه السياسة بعنف )‪.

‬‬ ‫اختلل التكافؤ الجهوي‪ ،‬والتطور اللمتــوازن بيــن مختلــف‬ ‫المنــاطق‪ ،‬المــر الــذي أدى إلـــى زيــادة حــدة النقســام‬ ‫الفقي في المدن وبين المدن والرياف‪ . 52‬‬ ‫ثالثا ً ‪ :‬الحركة والموقف من التحاد العام‬ ‫التونسي للشغل ‪:‬‬ ‫في أواسط عقد الثمانينات أصــبحت العلقــة بيــن الســلطة‬ ‫التونســية والتحــاد متــوترة وصــدامية‪ ،‬بســبب تعمــق النضــال‬ ‫الثقافي الديمقراطي واتساعه‪ ،‬حيث أصــبحت الحركــة النقابيــة‬ ‫تجذب إليها قطاعات واسعة من الشعب‪ ،‬باعتبارهــا أداة نضــال‬ ‫جماهيرية‪ .‬وثانيهما ‪ :‬أن مسألة التعددية السياسية ) ينبغــي‬ ‫ـوين( الحــزاب السياســية‬ ‫أن تضمن حرية الــرأي والتنظيــم‪ ،‬وتكـ‬ ‫المعبرة عن مصالح الشعب التونسي ( )‪.‬‬ . (51)1984‬‬ ‫ثانيًا‪ -‬الحركة والموقف من التعددية السياسية‬ ‫في تونس‪:‬‬ ‫لقد تفاقمت مشكلة القمع في تونس‪ ،‬خلل العقــود الثلثــة‬ ‫الماضية‪ ،‬وبدأ النظام معركة القمع‪ ،‬وطور قواه البوليســية فــي‬ ‫هذا الميدان إلـى أقصى ما يستطيع‪ .‬وتمثل القمع في مصــادرة‬ ‫حريــة الــرأي والجتمــاع والضــراب وتكــوين الحــزاب وإصــدار‬ ‫الصحف‪ ،‬وفــي إطلق ســراح قــوى القمــع لممارســة العتقــال‬ ‫التعســفي ومصــادرة جــوازات الســفر‪ ،‬والطــرد مــن العمــل‪،‬‬ ‫وسحق الضرابات وتعذيب السجناء‪ ،‬وقتل المعارضين الخ‪.‬‬ ‫ولهــذا‪ ،‬فــإن حركــة التحريــر الشــعبية العربيــة تؤيــد قضــية‬ ‫التعدديــة السياســية فــي البلد‪ ،‬وحــق الحــزاب فــي ممارســة‬ ‫نشاطاتها العلنية‪ ،‬واعتبارها تمثل طبقات وشرائح اجتماعية في‬ ‫البلد لهــا الحــق فــي التعــبير عــن نفســها‪ ،‬ول تمــانع الحركــة‬ ‫التعددية حتى ولو طرحت من جانب النظــام نفســه‪ ،‬وتعتــبر أن‬ ‫ذلك يمثل مكسبا ً – ولو جزئي ـا ً – وذلــك اســتنادا ً إلـــى شــرطين‬ ‫أساسيين ‪ :‬أولهمــا أن ل تكــون حــدود التعدديــة السياســية فــي‬ ‫تــونس مرهونــة بحركــة معارضــة محكومــة بســقف النظــام‬ ‫وديمقراطيته المعلنــة ) علــى الرغــم مــن الهميــة الــتي توليهــا‬ ‫للنضال الديمقراطي‪ ،‬فإننا نرفض أن يكون ذلك ديكــورا ً يجمــل‬ ‫وجه النظام (‪ .‫حركة التحرير الشعبية العربية ‪ -‬تونس‬ ‫‪.‬وتتخذ حركة التحرير الشــعبية العربيــة موقف ـا ً نقــديا ً‬ ‫من قيادة التحاد العام التونسـي للشـغل‪ ،‬وممارسـاتها‪ ،‬ولكنهـا‬ ‫‪51‬‬ ‫‪52‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةةة ةةةةةة ةةةة ‪.‬وأكــدت الحركــة‬ ‫أن رموز النظام قد حاولت أن تصفي بعضها بعضها الخر‬ ‫من خلل تحميل طـرف لخــر مســؤولية «ثـورة الخــبز »‬ ‫وأحداثها ونتائجها‪ ،‬وتحويل هـذه الحـداث والنتـائج لصـالح‬ ‫فريق دون آخر في معركة الخلفــة علـى زعامـة الحــزب‬ ‫الحــاكم والدولــة‪ ،‬واســتعداد بعــض أطــراف المعارضــة‬ ‫الصـــلحية ممثلـــة بأحمـــد المســـتيري زعيـــم حركـــة‬ ‫الــديمقراطيين الشــتراكيين للــدخول فــي لعبــة الخلفــة‬ ‫والتي ذهب ضحيتها بعض مسؤولي النظام وعلى رأســهم‬ ‫إدريـس قيقـة وزيـر الداخليـة وعضـو الـديوان السياسـي‬ ‫للحزب الحاكم‪ ،‬وبعض معاونيه ونــددت الحركــة بالحكــام‬ ‫بالمشـاركة فـي‬ ‫الصادرة بإعـدام عشـرة توانسـة اتهمـوا‬ ‫) أعمال قتل ( إبان انتفاضة كانون الثاني ‪.(2‬‬ ‫العمل ‪.‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةة ة ةةة ة ة ة ةة ة ةة ةةةة ةةةةة ة –‬ ‫ةةةة ةةةة ‪.

‬ومن هــذا المنظــار‪ ،‬فــإن قيــامه بهــذه‬ ‫العملية السياسية من التوفيــق المســتحيل بيــن الديكتاتوريــة و‬ ‫الديمقراطيــة‪ ،‬بيــن الوحدانيــة والتعدديــة‪ ،‬يقــود فــي المحصــلة‬ ‫النهائية‪ ،‬إلـى التجديد السياسي لهذا النظام الــذي شــاخ‪ ،‬حيــث‬ ‫القاعدة المادية و اليديولوجية والسياسية‪ ،‬لوجوده‪ ،‬ولسيطرته‬ ‫المطلقة على الحياة السياسية‪ ،‬ولتبعيته للمبريالية‪ ،‬تمنعه مــن‬ ‫إيجاد الحل السياسي الضروري لمعضلة الديمقراطية‪ ،‬وتتنــافى‬ ‫تماما ً مع منطق التعددية السياسية‪ ،‬الرامية إلـى حــل التنــاقض‬ ‫الطبقي والوطني في البلد‪ ،‬بهدف الخروج من الزمة الكــبيرة‪،‬‬ ‫التي تعاني منها على جميع الصعد‪ .‬وتعتــب الحركــة ‪ « :‬أن القضــية‬ ‫الحاسمة لوحدة الحركة النقابية هي ممارسة الديمقراطية فــي‬ ‫صلب التحاد العام التونسي للشغل‪ ،‬وفي علقته مع الجمــاهير‬ ‫الشعبية الكادحة‪ . . (53‬‬ ‫رابعا ً ‪ -‬الحركة والموقف من سلطة السابع من‬ ‫نوفمبر ‪:‬‬ ‫تعتبر حركة التحرير الشعبية العربية أن النقلب العســكري‬ ‫البيض‪ ،‬الذي قاده الجنرال زين العابدين بن علــي‪ ،‬لــه شــروط‬ ‫خاصة من جهة‪ ،‬وشــكل حالــة فرديــة مــن جهــة أخــرى‪ ،‬تــوجب‬ ‫والحــال هــذه‪ ،‬اتخــاذ القــرار الحاســم لحســم معركــة الســلطة‬ ‫داخليا ً ) بعد أن وصلت الخلفة إلـى نهايتها ( بــإرادة وتوجيهــات‬ ‫المبريالية الميركية‪ ،‬بحوافز ودوافع المحافظة على استمرارية‬ ‫دولة الوصاية البورقيبية على المجتمع المدني ‪. ( 102‬‬ ..‬إن‬ ‫التأكيد على المسألة الديمقراطية لــه مغــزاه العميــق الطبقــي‬ ‫والقومي‪ ،‬ليــس فــي مجــال النشــاط النقــابي فقــط‪ ،‬بــل وفــي‬ ‫مجال النشاط السياسي الوطني والثوري ضد القــوى الرجعيــة‬ ‫والمبرياليــة‪ .‫في الوقت عينه تؤيد وحدة الحركــة النقابيــة فــي إطــار التحــاد‬ ‫العام‪ ،‬وتعـارض النشـقاق والتعدديـة النقابيـة‪ ،‬مؤكـدة ‪ « :‬بـأن‬ ‫الحركــة النقابيــة كــانت القــوة التونســية فــي مواجهــة النظــام‬ ‫وسياســاته فــي الــوقت الــذي كــانت فصــائل الحركــة الوطنيــة‬ ‫التونسية غائبة أو مغيبة »‪ ،‬ولهذا فإن الحركة تؤيد العمل داخل‬ ‫النقابات على أرضية وحدتها واستقلليتها وتعزيز دورها الوطني‬ ‫والطبقي وخاصة أن كثيرين من قوى سياسية يسارية‪ ،‬انضــووا‬ ‫في العمل داخــل النقابــات بعــد أن تعرضــت قــواهم السياســية‬ ‫لضــعف فــي فــترات ســابقة‪ .‬وحتى مجموع الجــراءات‬ ‫السياسية والدستورية‪ ،‬المتخذة مــن طــرف الرئيــس بــن علــي‬ ‫منــذ وصــوله إلـــى الســلطة تشــكل قــوام سياســة النفتــاح‬ ‫الــديمقراطي للنظــام علــى المعارضــة الصــلحية مــن ناحيــة‪،‬‬ ‫‪53‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةة ةةةةةةة – ةةةة ةةةة ) ة ‪.‬ولنــه يــترتب علــى الحركــة النقابيــة فــي هــذه‬ ‫المرحلة‪ ،‬أمام ضعف القوى الوطنية والثورية وتشتتها‪ ،‬أن تضع‬ ‫المســألة الديمقراطيــة كإحــدى المهمــات المركزيــة والملحــة‬ ‫لتقوية وحــدة نضــال القاعــدة النقابيــة والجماهيريــة‪ ،‬باعتبارهــا‬ ‫سلحا ً فعا ً‬ ‫ل‪ ،‬يجعل الطبقة العاملة توطد تحالفهــا مــع الفلحيــن‬ ‫الزراعيين‪ ،‬والشــرائح الثوريــة و الديمقراطيــة‬ ‫والعمال‬ ‫الفقراء‬ ‫من البرجوازية الصغيرة)‪.‬‬ ‫وتعتبر الحركة أن النظـام التونسـي القمعـي والرجعـي لـم‬ ‫يســتطع أن يخــرج مــن ذلــك التنــاقض بيــن منطــق انتهــاج‬ ‫الديمقراطيــة الحقيقيــة‪ ،‬وإقــرار التعدديــة الحزبيــة المرتبطــة‬ ‫بالحركة السياسية‪ ،‬والمعبرة عن مصالح الطبقــات المتصــارعة‬ ‫فــي المجتمــع‪ ،‬وبيــن منطــق الســيطرة الطبقيــة للبرجوازيــة‬ ‫الكمبرادوريــة‪ ،‬وتفــرد وديكتاتوريــة الحــزب الواحــد‪ ،‬التجمــع‬ ‫الدستوري الديمقراطي‪ .‬وإننا ل نرى وحدة الحركة النقابية‪ ،‬وتطورهــا‪،‬‬ ‫خـارج سـياق العلقـات الديمقراطيـة الحقـة داخـل النقابـة‪ .

‬‬ ‫السمة الثانية‪ ،‬وهي أن حركـة التحريـر الشـعبية العربيـة‬ ‫لمست تحولت حقيقية في وضع حركة النهضة التي اصطدمت‬ ‫بالســـلطة التونســـية فـــي ‪ 1981‬و ‪ 1987‬و ‪ ،1991‬وتعـــرض‬ ‫أعضاؤها وقياداتها لحملة مــن العتقــالت والتعــذيب والســجن‪،‬‬ ‫والتشرد في المنافي‪ . .‬وهنــاك قــوى‬ ‫سياســية تونســية تتخــذ موقفــا ً كهــذا مــن ) حركــة التجــاه‬ ‫السلمية ( ونخص منها التجمع الشتراكي التقدمي‪. .(55‬‬ ‫‪54‬‬ ‫‪55‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةةة ةةةةةة ةةةة ) ة ‪.‬فحركة التحرير ‪ . (54‬‬ ‫وكــانت حركــة التحريــر الشــعبية العربيــة‪ ،‬قــد أكــدت فــي‬ ‫حواراتها مع القوى الوطنية الديمقراطية التونسية‪ ،‬التي رحبــت‬ ‫بمجيء سلطة السابع من نوفمبر‪ ،‬بأنه يــترتب علــى المعارضــة‬ ‫أن ل تنخدع بشــعار النفتــاح الــديمقراطي للنظــام‪ ،‬لنــه شــعار‬ ‫مسموم‪ ،‬فالنظام مقبل على تكريس ديكتاتورية أشد فتكـا ً مـن‬ ‫عهد بورقيبة‪ ،‬وهو ما حصل بعدما افترس النظام حركة النهضة‬ ‫في طريقه‪ ،‬ومعها المجتمع المدني الوليد ‪.‬انطلقا ً مــن‬ ‫مواقفها البرنامجية و السياسية ل تمانع في وجود حركة التجاه‬ ‫السلمي‪ ،‬على الرغم من المحاذير المترتبة على هذا الوجــود‪،‬‬ ‫والــتي تضــر بالحركــة الوطنيــة و الديمقراطيــة‪ . .‫حركة التحرير الشعبية العربية ‪ -‬تونس‬ ‫وتعكس الصراع السياسي القائم بين جيل « الــذئاب الشــابة »‬ ‫المبراطوري القديم الموالي للرئيس‬ ‫بقيادة بن علي‪ ،‬والحرس‬ ‫المخلوع بورقيبة‪ ،‬من ناحية أخرى )‪.‬وتقف حركة التحرير الشعبية العربية مع‬ ‫حركة النهضة في الخنـدق الواحـد‪ ،‬بسـبب مـا تتعـرض لـه مـن‬ ‫القمع والمحاكمة بهدف اســتبعادها مــن المشــاركة فــي الحيــاة‬ ‫السياسية‪ ،‬فالقمع يجب أن يفضح ويدان من جانب كــل إنســان‬ ‫مؤمن بخيار الديمقراطيــة‪ .‬ةةةةةةةةةة ة ة ةةة ةة‬ . ( 188 – 187‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةة ة ةة ةة ةةةة ة ةةة ةةةة – ةة ةةةة‬ ‫ة ةةة ‪ :‬ةة ةةة ة ة‪ .‬كمــا تحيــي حركــة التحريــر التحــول‬ ‫النوعي في خطاب حركة النهضة التنويري الذي أصــبح يجســده‬ ‫الشــيخ راشــد الغنوشــي‪ ،‬الــذي جعــل حركتــه تتبنــى قضــايا‬ ‫جماهيرية‪ ،‬مثل الحريات السياســية‪ ،‬والعفــو التشــريعي العــام‪،‬‬ ‫وتحســين مســتوى الخــدمات الجتماعيــة والــدفاع عــن حقــوق‬ ‫النسان‪ ،‬والتوزيع العادل للثروة‪ ،‬والتأكيد علــى الهويــة العربيــة‬ ‫السلمية‪ ،‬وترسيخ التجربــة الديمقراطيــة مــن خلل العــتراف‬ ‫بحق التعــدد والختلف والتنــوع‪ ،‬حيــث يقــول الغنوشــي ‪ « :‬إن‬ ‫الديمقراطيـــة المعاصـــرة هـــي النســب لحركتــه‪ ،‬لن البنيـــة‬ ‫التنظيميـــة للســـلميين أصـــبحت مســـتقطبة مـــن العضـــاء‬ ‫المتعلمين فــي الجامعــات التونســية والغربيــة‪ ،‬وهــؤلء ينتمــون‬ ‫إلـى الفئات الوسطى في المجتمع ويتمتعــون بمســتوى ثقــافي‬ ‫وفكري حديث‪ ،‬كما يعملون جنبـا ً إلـــى جنــب مــع زملئهــم مــن‬ ‫ـف المؤسســات‬ ‫العلمانيين و الديمقراطيين الخريــن فــي مختلـ‬ ‫الدارية و الجتماعية و القتصادية والنتاجية » )‪.‬‬ ‫خامسا ً ‪ -‬حركة التحرير والموقف من الحركة‬ ‫السلمية ‪:‬‬ ‫لقد تميز موقف حركة التحرير الشعبية العربية من الحركة‬ ‫السلمية بسمتين ‪:‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫السمة الولى‪ ،‬حيــن اتخــذت الحركــة موقفـا جــذريا إزاء‬ ‫حركة التجاه السلمي في عقد الثمانينــات‪ ،‬انطلقـا ً مــن عــدة‬ ‫اعتبــارات بعضــها يتعلــق بــالموقف اليســاري واليــديولوجي‬ ‫الطاغي علــى الحركــة‪ ،‬وبعضــها يتعلــق بنمــو هــذا التجــاه فــي‬ ‫مواجهة المعارضــة التونســية‪ ،‬الــتي منطلقهــا الحركــة القوميــة‬ ‫والحركة الماركسية في البلد‪ .

‫أخيرا ً على الرغم مــن أن حركــة التحريــر الشــعبية العربيــة‬ ‫تعرضت لحملة بشعة مــن القمــع والملحقــة لعضــائها‪ ،‬وتعتــبر‬ ‫نفســها رافــدا ً مــن روافــد الحركــة القوميــة الديمقراطيــة فــي‬ ‫تونس‪ ،‬التي تكمن مهمتها في إنشاء خلياها في كل مؤسسات‬ ‫وتكوينات المجتمــع المــدني الحــديث‪ ،‬إل أن تعرضــها لنشــقاق‬ ‫تنظيمي في أواسط عــام ‪ ،1991‬جعــل هــذه التجربــة تتعــرض‬ ‫لنتكاسة حقيقية في تونس‪ .‬لن وجــود الحركــة فــي عــدد مــن‬ ‫القطار العربية طغى عليـه العنصـر الفلسـطيني‪ ،‬فيمــا اقتصــر‬ ‫العنصر العربــي علــى اللبنــاني والتونســي‪ .1992‬‬ .‬ولهــذا الســبب‪ ،‬لــم‬ ‫تســتطع الحركــة أن توســع دائرة اســتقطابها التنظيمــي لبنــاء‬ ‫البديل القومي الديمقراطي‪ ،‬ول أن تبني مشروع بــديل نضـالي‬ ‫فلسطيني وطني وواقعي‪ ،‬لذلك كــان مــن المنطقــي جــدا ً بعــد‬ ‫إسقاطات حرب الخليج الثانية أن تنقسم إلـــى قســمين‪ ،‬قســم‬ ‫أصبح يناضل داخل الساحة الردنية بزعامة ناجي علــوش الــذي‬ ‫شكل حزبا جديدا ً أردنيا ً ســماه حــزب العمــل القــومي‪ ،‬وقســم‬ ‫آخر يعمل تحت اسم « لجــان الحــوار القــومي الــديمقراطي »‬ ‫يقوده توفيق المديني ويعتبر مهمتـه الراهنـة‪ ،‬العمـل مـن أجـل‬ ‫تأسيس مشروع فكري ثقافي يكون ركيــزة للمشــروع القــومي‬ ‫الــديمقراطي النهضــوي‪ ،‬الــذي يؤســس للمشــروع السياســي‬ ‫المستقبلي‬ ‫‪‬‬ ‫ةةةةةة – ةةةةة ‪ 25‬ةةةة ‪.

‫حركة التحرير الشعبية العربية ‪ -‬تونس‬ ‫الفصل الخامس‬ ‫حزب التحاد الوحدوي الديمقراطي في‬ ‫تونس‬ ‫علــى الرغــم مــن أن قــانون تنظيــم الحــزاب السياســية‬ ‫الجديد‪ ،‬الذي اقر فــي تــونس بعــد مجيــء ســلطة الســابع مــن‬ ‫نوفمبر عام ‪ ،1987‬يقصي الحركات السلمية والقومية‪ ،‬إل أن‬ ‫قضية القوميين على اختلف تياراتهم وأحزابهم‪ ،‬احتلت صــدارة‬ ‫الحداث الوطنية‪ ،‬عندما اســتقال الســيد عبــد الرحمــن التليلــي‬ ‫من عضوية اللجنة المركزية للتجمــع الدســتوري الــديمقراطي‪،‬‬ ‫فـي أول خريـف عـام ‪ ،1988‬وكلفـه الرئيــس بــن علــي ببعــث‬ ‫حزب قومي جديــد يوحــد صــفوف الناصــرين والبعــثيين ويكــون‬ ‫طرفا ً في الحياة السياسية مثل بقية العائلت الفكـرية ‪.‬‬ ‫ومن المعروف تاريخيا ً أن التنظيمات القومية في تونس لم‬ ‫تتوصل إلـى صيغة للتوحيد‪ ،‬ولم تتفق على زعامة مقبولــة مــن‬ ‫الجميع تحقق التقاء القوميين في إطــار تنظيمــي واحــد‪ .‬وحضرت هذا الجتمــاع وجــوه قوميــة معروفــة‬ ‫على الساحة الوطنية من بينها الطاهر لبيب‪ ،‬والميــن العبيــدي‪،‬‬ ‫والسادة منصف الشابي أحــد قيــادي « حــزب الشــعب الثــوري‬ ‫التونسـي » سـابقًا‪ ،‬والميـداني بـن صـالح أحـد الرمـوز البعثيـة‬ ‫الموالية للعراق‪ ،‬ومنصف السود‪ ،‬وإبراهيــم بودربالــة‪ ،‬وفيصــل‬ ‫الجديدي‪ ،‬وأبو يعرب المرزوقي‪ ،‬وحضر من صفاقس الســيدان‬ ‫عبد اللـه السـافي وعبــد الكريـم الغـايري‪ ،‬ومــن مدينــة قفصـة‬ ‫السيدان الزهر الشريف والعكرمي البصري‪ .‬كما التحق الســيد‬ ‫علـــي شـــلفوح المعـــروف بميـــوله البعثيـــة الســـورية‪ ،‬إلــــى‬ ‫المجموعة‪ .‬وتســتند‬ ‫الحكومة في رفضها منح الترخيص للعمل‪ ،‬إلـى هذه الحــزاب‪،‬‬ ‫علــى كونهــا ل تخفــي تعاطفهــا مــع دول عربيــة‪ ،‬فيمــا تشــترط‬ ‫الحكومة أن تكون مستقلة وموحدة لكــي يعــترف بهــا‪ ،‬حــتى ل‬ ‫تكرس التشتت وتتحــول فــي البلد إلـــى نــوع مــن الفسيفســاء‬ ‫الحزبية‪ ،‬حسب وجهة النظر الحكومية ‪.‬وحضر هذا الجتمــاع أيض ـا ً الســتاذ عفيــف البــوني‪،‬‬ ‫الذي أكد أنه حضر بصفته الشخصية علــى الرغــم مــن انتســابه‬ ‫لحركة البعث ‪.‬‬ ‫وكانت الحكومة التونسية الــتي كـان يرأســها آنـذاك السـيد‬ ‫الهادي البكوش‪ ،‬قد أبلغت رموز القــوميين‪ ،‬أنهــا غيــر مســتعدة‬ ‫للعـتراف بالتنظيمـات القوميــة الثلثــة القائمــة حاليـًا‪ ،‬وهـي «‬ ‫التجمع القــومي العربــي » بزعامــة الســتاذ بشــير الصــيد‪ ،‬و «‬ ‫حركــة البعــث » بزعامــة فــوزي السنوســي‪ ،‬وتنظيــم « طلئع‬ ‫الوحدة العربية » بزعامة الستاذ عبد الرحمن الهــاني‪ .‬ولهــذا‬ ‫جاءت المبادرة لتأسيس الحزب القومي الجديد من السيد عبــد‬ ‫الرحمن التليلي – رجل السلطة – الذي قام بعقــد اجتمــاع فــي‬ ‫‪ 14‬أكتوبر ‪ ،1988‬ضم عددا ً من الممثلين عن جميع التجاهــات‬ ‫الفكرية القومية‪ ،‬ومن مختلف مناطق الجمهورية‪ ،‬بلــغ عــددهم‬ ‫نحو ‪ 35‬شخصًا‪ .‬‬ .

‬‬ ‫النضال من أجل الوحدة العربية التي تقــوم علــى أســس‬ ‫ديمقراطية تعتمد على الرادة الشعبية الحرة ‪.‫وقد تمخض عن هذا الجتماع طرح وثيقــة للنقــاش تعكــس‬ ‫نظر أصحاب المشروع‪ ،‬والقواســم المشــتركة لكــل التجاهــات‬ ‫القومية وهذا نص الوثيقة ‪:‬‬ ‫« خلل لقاءين انعقدا على التوالي فــي غــرة أكتــوبر و ‪12‬‬ ‫أكتــوبر مــن عــام ‪ ،1988‬بيــن جمــع مــن المناضــلين القــوميين‬ ‫لمناقشة وضع التيار القــومي فــي تــونس‪ ،‬وبحــث ســبل تجــاوز‬ ‫واقع تشتته‪ ،‬الذي يعيق مساهمته الفاعلة على الساحة الوطنية‬ ‫والمغاربية والعربية‪ ،‬وهي مساهمة أصبحت ضــرورية أكــثر مــن‬ ‫أي وقت مضى على ضوء التحولت التي تشهدها بلدنــا‪ ،‬والــتي‬ ‫مكنــت العديــد مــن القــوى السياســية مــن التنظيــم والتواجــد‬ ‫القانوني ‪.5‬‬ ‫‪.2‬‬ ‫‪.7‬‬ ‫« النطلق من الواقع الـوطني ًللحركـة ًمــع الســتقللية‬ ‫المطلقة عن كل النظمة تنظيما وقــرارا‪ ،‬ومــع ضــرورة‬ ‫التفاعــل مــع كــل القــوى القوميــة الديمقراطيــة أخــذا ً‬ ‫وعطاء ‪.‬‬ ‫اللتزام بالخيار ديمقراطي كأحد ثوابت الحركــة القوميــة‬ ‫ونبذ جميع أشكال العنف والتعصب ‪.‬‬ ‫العمل على تدعيم المجتمع المدني ومؤسساته من خلل‬ ‫تشجيع المبادرة الشعبية ‪.3‬‬ ‫‪.‬‬ ‫‪56‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةة ة ةةة ة ةةةةةة ة – ةة ةة ةةة ةةة «‬ ‫ةةةةة ةةة ةةةة ةة ةةةة » ةةةةة ةة ةةةةة‬ ‫ةةةةة ةةةةةةةة – ةةةةة ‪ 3‬ةةةةةة ‪.‬‬ ‫العمــل علــى تعميــق الــوعي بالهويــة العربيــة الســلمية‬ ‫ضمن منظور حضاري تقدمي وعقلني ‪.‬كما تم التفــاق‬ ‫أيضا ً على أن تكون رئاسة الحزب للسيد عبد الرحمــن التليلــي‪،‬‬ ‫أما المانة العامة للحزب الجديــد فتولهــا الســيد الميــداني بــن‬ ‫صــالح‪ ،‬وهــو مــن الوجــوه الثقافيــة المعروفــة فــي تــونس‪،‬‬ ‫والمعروف كذلك بانتماءاته القومية الوحدوية ‪.‬‬ ‫اعتماد الحركة في نضالتها على القوى الشــعبية صــاحبة‬ ‫المصلحة في إقامة مجتمع ديمقراطي وحدوي وعادل ‪.8‬‬ ‫مناصرة جميع حركات التحرر في الــوطن العربــي وفــي‬ ‫العالم وفي مقدمتها قضــية تحريــر فلســطين‪ ،‬والنضــال‬ ‫الصــهيونية و المبرياليــة وجميــع أشــكال التمييــز‬ ‫ضــد‬ ‫العنصري )‪.‬‬ ‫‪.‬‬ ‫ً‬ ‫« وبعــد تحــاور أخــوي وصــريح تركــز خصوص ـا حــول واقــع‬ ‫الحركة القومية وسبل تجاوز سلبياتها‪ ،‬تقرر القيــام بــالجراءات‬ ‫القانونيــة لبعــث حركــة سياســية قوميــة فــي إطــار القــانون‪،‬‬ ‫ولتحقيق هذا الهدف تم التفاق حول المرتكزات التاليــة لتكــون‬ ‫قاسما ً مشتركا ً يجمع القوميين دون إقصاء أو استثناء ‪. (56‬‬ ‫إضافة إلـى هذه الرضية‪ ،‬تم التفاق على تسمية الحزب بـ‬ ‫« التحـاد الـديمقراطي الوحـدوي »‪ ،‬وإعـداد مشـروع القـانون‬ ‫الساسي لهذا التحاد‪ ،‬وتشكيل مكتب سياسي‪ .1‬‬ ‫‪.4‬‬ ‫‪.‬‬ ‫‪.‬‬ ‫التمسك بحقوق النسان والدفاع عنها ‪. 1988‬‬ .6‬‬ ‫‪.

( 6‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةةة ةةةةةة ةةةة ‪.‬وأضاف « إن المر‬ ‫ل يتعدى مجرد محاولة‪ ،‬لتهميش القوميين وهي فاشلة مســبقا ً‬ ‫ول أدل على ذلك أنها تقوم تحت إشــراف أحــد رمــوز الدســتور‬ ‫وعضو في لجنته المركزية »‪ ،‬ويــرى الصــيد « أن الحــل يتمثــل‬ ‫التخاطب( مع القوميين الحقيقيين المعبرين فعل ً عن التوجه‬ ‫في‬ ‫القومي » )‪.1‬موقف الطراف القومية من المبادرة ‪:‬‬ ‫بعد صدور هذه الوثيقة‪ ،‬راوحت مواقف التنظيمات القومية‬ ‫ورموزهــا بيــن المعارضــة التامــة لهــذا المشــروع‪ ،‬والحــتراز‬ ‫والتحفظ ‪. 57‬‬ ‫أمـــا الســـيد البشـــير الصـــيد الميـــن العـــام « للتجمـــع‬ ‫الديمقراطي الوحدوي » فقد أبدى احترازا ً واضحا ً بل معارضــة‬ ‫لهذا المسعى وقد صرح في حينه ‪ « :‬أنه ل علقة لنــا بتات ـا ً بمــا‬ ‫سماه البعض غلطا ً بمسعى توحيد القوميين‪ ،‬أنها دعوى رفعتهــا‬ ‫بعض العناصر التي ل نعتبرها من القوميين‪ .‫حركة التحرير الشعبية العربية ‪ -‬تونس‬ ‫‪ .‬‬ ‫أما الســيد فــوزي السنوســي الميــن العــام لحركــة البعــث‬ ‫) وقد وافته المنية منذ عدة سنوات ( فقد قال ‪ « :‬إن البعــثيين‬ ‫كانوا منذ البداية مع التوحد‪ ،‬شريطة أن يكون على أسس جدية‬ ‫وبصيغة تحقق التفاعل بين الطــراف القوميــة »‪ .‬‬ ‫ولتوحيد القوميين تقترح الحركة‪ ،‬إحدى الصيغتين التيتين ‪:‬‬ ‫انضــمام كــل القــوى الوحدويــة المنظمــة والمســتقلة إلـــى‬ ‫إحدى التشكيلت القائمة والمعلن عنها‪.‬‬ .‬‬ ‫تأسيس جبهة القــوى الوحدويــة مــع محافظــة كــل تشــكيل‬ ‫التنظيمي(ــة‪ ،‬وذلــك كمقدمــة لخلــق الطــار الجــامع‬ ‫على وحــدته‬ ‫الموحد والقانوني )‪.‬لــذلك وجــب أن يكــون‬ ‫في قياداته وفي أعضائه بعيدا ً عن أي شكل من أشكال النتمائية‬ ‫والولء » ‪.‬وأضــاف «إن‬ ‫التنظيمــات‬ ‫هذا التصور يتجسد عمليا ً فــي صــيغة جبهويــة تضــم‬ ‫والفراد ول تنفي خصوصية كل طرف أو حساسية » )‪. ( 5‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةة ةةة ة ةةةة ةة ةةةةة ة‪ -‬ةةة ةة ‪– 123‬‬ ‫ةةةةةة ة ‪ 21‬ةةة ةةة ‪ 1988‬ةة ةة ةةةةة ةة‬ ‫ةةةةةةة « ةة ةةةةة ةةةة ةةةةةة ة » )ة ‪.‬وتفسـر بعـض الوسـاط‬ ‫القومية والعلمية هذا الموقف بتصاعد مخاوف الســيد البشــير‬ ‫الصيد على اعتبار أن السيد عبد الرحمن التليلي يحظــى كــذلك‬ ‫بثقة الليبيين‪ ،‬وبصداقة شخصية تربطه بالعقيد معمر القــذافي‪،‬‬ ‫مما يهدد السيد الصيد بفقدان السند الوحيد الذي يرتكز عليه ‪. (59‬‬ ‫‪57‬‬ ‫‪58‬‬ ‫‪59‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةة ةةةة ةةةة ةة ةةةةة ة – ةةة ةة ‪– 124‬‬ ‫ةةةةة ة ‪ 28‬ةةة ةةة ‪ 1988‬ةة ةة ةةةةة ةة‬ ‫ةةة ةةةة ةة ة ةة ةةة «ةةةة ةة ةةةةةة ةة ‪:‬‬ ‫ةةة ةةةةةةةةة » ) ة ‪.‬‬ ‫فقد أصدر السيد عبد الرحمن الهـاني رئيـس « حركـة طلئع‬ ‫الوحدة العربية» بيانا ً وضح فيه وجهة نظر الحركة مــن المســعى‬ ‫التوحيدي لبناء حزب قومي جديد‪ ،‬جاء فيه ما يلي‪ « :‬تعتبر حركة‬ ‫طلئع الوحدة العربية أن الفكـر الوحـدوي فكـر مناضـل تاريخيـًا‪،‬‬ ‫وأن تنظيمه ل يمكن إل أن يكون مناض ً‬ ‫ل‪ . 58‬‬ ‫ويعتبر السيد البشير الصيد أن قيام الحزب القومي الجديــد‬ ‫« مؤامرة » تهدف إلـى حجب الطار الحقيقي للقوميين‪ ،‬وهــو‬ ‫التجمع الذي أعلن عن تأسيسه منذ أكثر من ست سنوات ولــم‬ ‫يتوصل إلـى اكتسـاب شـرعية واقعيـة‪.

(61‬‬ ‫‪60‬‬ ‫‪61‬‬ ‫)( ‪ -‬ة ة ةةةةة ة ة ة ةة ةةة ةةة ةةة – ةةة ةةة‬ ‫ة ة ةةة ةة ةةةةة ة ةة ةة ة ةة ةةةةة ة‬ ‫ةةةة ةةةةة ةةةة ةةة – ةةةةة ة ‪ 27‬ةةة ةةة‬ ‫‪ – 1988‬ةةةةة ‪) 106‬ة ‪. ( 5‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةةة ةةةةةة ةةةة ‪.‬وأضــاف الشــابي ‪ :‬نحــن نعتقــد أن هنــاك نيــة‬ ‫واضحة في القصاء وهي نية واعية في اســتثناء عناصــر قوميــة‬ ‫‪(60‬رصيد نضالي وتجربة طويلة في الساحة التونسية القومية‬ ‫ذات‬ ‫») ‪..‬فهــو يعتــبر « أن بــادرة توحيــد‬ ‫القوميين بادرة إيجابية ولكن الطريقة التي سلكت لتحقيق ذلك‬ ‫سوف تكون مضرة لو لم تقع إعادة النظــر فيهــا وســينتج عنهــا‬ ‫حزب قومي رابع يشــكل فصــيل ً ورقمــا جديــدين ‪ -‬إلـــى جــانب‬ ‫الحــزاب والفصــائل الخــرى القائمــة الن – ل حركــة توحيديــة‬ ‫للتجاهات القومية‪ .‬‬ ‫كما أبدى السيد مسعود الشابي ‪ -‬الذي يعد الوجه التاريخي‬ ‫البارز في الحركة القومية‪ ،‬والذي تولى مسؤوليات في القيــادة‬ ‫القومية لحزب العبث العربي الشــتراكي فــي دمشــق وبغــداد‪،‬‬ ‫والذي دخل السجن في الستينات من أجل مواقفه القومية في‬ ‫صفوف البعث‪ ،‬وأمضــى وقتــا طــويل ً فــي المهجــر ‪ -‬برأيــه فــي‬ ‫موضوع تأسيس حزب قومي جديد‪ ،‬حين قال‪ « :‬أنــه ل يتحفــظ‬ ‫علـــى وجـــود حـــزب قـــومي جديـــد ينضـــاف إلــــى الحـــزاب‬ ‫والتنظيمات القومية الموجودة»‪.‬كما أنه سيترك عددا ً مهما ً من الشخصــيات‬ ‫القومية‪ ،‬خارج إطار عملية التوحيد هذه وأذكر منهـم عـددا ً مـن‬ ‫الموقعين على البيان الصادر عن عد من الشخصــيات القوميــة‬ ‫كالسيد الصادق الصعيدي وهو مناضل قومي من الرعيــل الول‬ ‫سجن سنوات عديدة من اجل أفكاره‪ ،‬والستاذ محمد الرافعــي‬ ‫المحــامي المعــروف علــى الســاحة القوميــة‪ ،‬والســتاذ محمــد‬ ‫الصــالح شــقير‪ .‬كمــا أكــد الحاضــرون « أن‬ ‫رفــض الصــيغة الجبهويــة ل يعنــي رفــض الحساســيات داخــل‬ ‫الحزب الموحد‪ ،‬لن نشاط هذه الحساسيات وفي حدود معينــة‬ ‫من شأنه إثراء الحزب »‪.‬‬ ‫وكان السيد مسعود الشابي قد استنكر تــدخل الســيد عبــد‬ ‫الرحمن التليلي في شؤون القوميين‪ ،‬لنه لم ينتم في يوم مــن‬ ‫اليام إلـى تنظيــم قــومي‪ ،‬حيــن قــال « إذا كــان عبــد الرحمــن‬ ‫التليلي وسيطا ً بين الدولة‪ ،‬والتجاهــات القوميــة فهــذا ل يلقــي‬ ‫اعتراض ـا ً لــدى القــوميين ولكــن لــديهم خشــية – زادتهــا بعــض‬ ‫التصريحات والتصالت تأكيدا ً من أن يقتصر السيد التليلي على‬ ‫دور الوساطة بل أن يسعى إلـى فرض وجهات نظــر قــد يراهــا‬ ‫عديد القوميين تدخل ً قويا ً في الشؤون التي ترجع إليها بــالنظر‪،‬‬ ‫مع العلم أن عددا ً منهم ل يشك في نوايــا الســيد عبــد الرحمــن‬ ‫التليلي إل أنهم يرون أهل مكة أولى بشعابها‪ ..‬‬ .‫وكان السيد عفيف البوني أحد رموز البعث العراقي ) الذي‬ ‫التحق لحقا ً بالتجمع الدستوري الديمقراطي الحاكم (‪ ،‬قد دافع‬ ‫عن الصيغة الجبهوية‪ ،‬أي تكوين تنظيم يضــم مختلــف التيــارات‬ ‫القومية على أن يحافظ كل تيار على خصوصياته وطبيعــة دوره‬ ‫على أساس الرضية الجامعة‪ ،‬لكن بقية الحاضرين في اجتمــاع‬ ‫‪ 12‬أكتــوبر عارضــوا هــذه الصــيغة وأكــدوا علــى مقــترح حــزب‬ ‫ممكنــة لن‬ ‫مندمج‪ ،‬مؤكدين « أن صيغة التنظيم الجبهــوي غيــر‬ ‫الجبهة تفترض وجــود أطــراف قائمــة الــذات تنظيمي ـا ًَ وقانوني ـا ً‬ ‫علوة علــى أن هــذا الشــكل التنظيمــي مــن شــأنه أن يعمــق‬ ‫الخلفات ويعطل عملية التوحيــد »‪ .‬وقد عبر الشابي‬ ‫عــن وجهــة نظــره فــي عمليــة التوحيــد‪ ،‬مــن خلل تكــوين هيئة‬ ‫تأسيسية من عناصر قوميــة معروفــة بنضــاليتها وبعراقتهــا فــي‬ ‫ـون مهمتهــا دعــوة‬ ‫التجربة القومية‪ ،‬وتحظى بثقــة الجميــع‪ ،‬وتكـ‬ ‫مختلف الطراف لنقاش مسألة التوحيد » )‪.

‬‬ ‫إن تجــاوز أمــراض وســلبيات الحركــة القوميــة فــي تــونس‬ ‫والمتمثلة بالتشتت والتجزئة‪ ،‬لسباب داخلية وخارجية‪ ،‬يقتضــي‬ ‫بلــورة مشــروع قــومي ديمقراطــي نهضــوي قــوامه‪ ،‬تجســيد‬ ‫سياسة قومية حديثة تمتلك مــن المقومــات‪ ،‬مــا يؤهلهــا لنجــاز‬ ‫عمــل تــاريخي ينقــض أو يوقــف هــذه الســيرورة التقهقريــة‬ ‫النحدارية التي انخرطــت فيهــا معظــم الحركــات القوميــة فــي‬ ‫تــونس‪ .‫حركة التحرير الشعبية العربية ‪ -‬تونس‬ ‫مــن الواضــح أنــه مــن خلل اســتعراض مواقــف الطــراف‬ ‫القومية‪ ،‬أن هناك إجماعا ً على أن مبادرة الســيد عبــد الرحمــن‬ ‫التليلــي بشـأن تأسـيس حـزب قــومي جديــد‪ ،‬لـم تلـق الرضـى‬ ‫المطلوب‪ ،‬لما يحوم حولها من شكوك قوية لجهة ارتبــاط هــذه‬ ‫المبادرة بمخطط سلطة الســابع مــن نوفمــبر‪ ،‬الــذي يســتهدف‬ ‫شــق وتفــتيت الحركــة القوميــة فــي تــونس‪ .2‬التجاه البرنامجي لحــزب التحــاد الوحــدوي‬ ‫الديمقراطي‬ ‫حصل حزب التحاد الوحدوي الــديمقراطي علــى التأشــيرة‬ ‫القانونية لعملــه السياســي فــي نهايــة عــام ‪ ،1988‬وقــد تــولى‬ ‫السيد عبد الرحمن التليلي المزكــي مــن قبــل الســلطة رئاســة‬ ‫هذا الحزب‪ ،‬وما زال مســتمرا ً فــي منصــبه‪.‬‬ ‫‪ .‬لقــد جــاءت هــذه‬ ‫المبادرة من خارج التنظيمات القومية المعروفــة‪ ،‬أو ربمــا مــن‬ ‫خارج القــوميين أصـل ً ) بــالمفهوم اليــديولوجي(‪ ،‬لهــذا الســبب‬ ‫تبدو مهمة بعث تنظيــم قــومي قــانوني يمكــن العائلــة القوميــة‬ ‫بمختلف فروعها من السهام‪ ،‬من منطلق وطني‪ ،‬وبعــد قــومي‬ ‫فــي الحيــاة الفكريــة و السياســية و الثقافيــة‪ ،‬أمــرا ً فــي غايــة‬ ‫الستعصاء ‪.‬‬ ‫لقد شخص حزب التحــاد الوحـدوي الـديمقراطي الســباب‬ ‫الداخلية والخارجية‪ ،‬التي جعلت التنظيمات القومية في تونس‪،‬‬ .‬‬ ‫في الواقع ل تعدو أن تكون مبــادرة بعــث الحــزب القــومي‬ ‫فــي تــونس‪ ،‬محاولــة ترقيعيــة وتكتيكيــة‪ ،‬لن النخبــة المتصــدية‬ ‫لنجــاز هــذا المشــروع ل تمتلــك وعيـا ً مطابقـا ً حــديثا ً وتاريخيـًا‪،‬‬ ‫يتجــاوز الفكــر القــومي التقليــدي والرومانســي أو ً‬ ‫ل‪ ،‬ول تمتلــك‬ ‫استراتيجية سياسية راديكالية تستهدف العبور بالحركة القوميــة‬ ‫في تونس من مرحلة اليديولوجيا المهزومة التي خــدمت علــى‬ ‫أحسن وجه الواقع العربــي المهــزوم‪ ،‬إلـــى مرحلــة بنــاء حركــة‬ ‫قومية جديدة عصرية وحديثــة تطــرح عمليــة بنــاء الديمقراطيــة‬ ‫في تونس‪ ،‬ثانيا ً ‪.‬وليــس مــن الواضــح أن مبــادرة عبــد الرحمــن التليلــي‬ ‫تمتلــك مثــل هــذا المشــروع الــذي ينضــج انصــهار التنظيمــات‬ ‫والحركات القوميـة التونسـية فـي حـزب قـومي جديـد‪ ،‬والـذي‬ ‫يمتلــك قــدرا ً معين ـا ً مــن الراديكاليــة والشــمول‪ ،‬لكــي يســيس‬ ‫الشعب التونسي‪ ،‬ويبث الــوعي الثــوري فــي صــفوفه بالدعايــة‬ ‫والتحريض ‪.‬ومــن بيــن العضــاء‬ ‫المؤسسين لهذا الحزب الســماء التاليــة ‪ :‬رضــا الملــولي‪ ،‬عبــد‬ ‫الرؤوف المام‪ ،‬محمــد الرفــاعي‪ ،‬الميــداني بــن صــالح‪ ،‬الزهــر‬ ‫الشريف‪ ،‬محمد الهاشمي بلوزة‪ ،‬عمر الوصيف‪ ،‬محمــد الميــن‬ ‫الشريف‪ ،‬أحمد الشريف‪ ،‬علي القريشــي‪ ،‬مصـطفى الشــريف‪،‬‬ ‫أبو الكمال الهبايلي‪ ،‬عبد الجليل بوريال‪ ،‬المين الفريدي‪ ،‬محمد‬ ‫الخضر الجري‪ ،‬البشير البجــاوي‪ ،‬حســن النــوري‪ ،‬بلقاســم بــن‬ ‫عمــار‪ ،‬صــالح الصــويعي المرزوقــي‪ ،‬صــالح النفضــي وخالــد‬ ‫الشريف‪ ،‬المنصف الشابي‪ ،‬المنصف السود ‪.

‫تعجز عن توحيد صفوفها في إطار حزب واحــد‪ ،‬بــالمور التاليــة‬ ‫)‪.‬‬ ‫ثانيا ً ‪ -‬الهداف ‪:‬‬ ‫تعميق الخيار الديمقراطي باعتباره ثابتا ً حضاريا ً من ثــوابت‬ ‫الحركة ونبذ التعصب ورفض كل أشكال العنف ‪.‬‬ ‫وتأسيســا ً علــى أن التعلــق بالوطنيــة التونســية يتضــمن‬ ‫بالضرورة البعد التحرري والديمقراطي الوحدوي ‪.‬‬ ‫التبعية السياسية والتنظيمية لعديد الفصــائل القوميــة وهــو‬ ‫المر الذي جعلها ل تتفاعل مع الواقع‪ ،‬بــل تمثــل مجــرد امتــداد‬ ‫لمراكز قوى خارجة عن القطر‪ ،‬وجعلهــا منقطعــة عــن الواقــع‪،‬‬ ‫ومحدودة الحركة في برامجها وتصوراتها ‪.‬‬ ‫منطلقــات‪(63‬وأهــداف التحــاد الــديمقراطي الوحــدوي‪،‬‬ ‫أمــا‬ ‫فتتلخص فيما يلي) ‪:‬‬ ‫أول ً ‪ -‬المنطلقات ‪:‬‬ ‫« انطلقــا ً مــن الواقــع الــوطني ومــن مبــدأ الســتقللية‬ ‫المطلقة تنظيما ً وقرارا ً وإيمانا ً بضرورة التفاعل مع كــل القــوى‬ ‫الوحدوية الديمقراطية والتقدمية ‪. (62‬‬ ‫أسباب داخلية تمثلت خاصة في القمع الــذي مــورس علــى‬ ‫القوميين في قطرنــا منــذ المانــة العامــة‪ ،‬وفــي الســرية الــتي‬ ‫فرضت على الفصائل المنظمة بما انجر عنها من انفصــال عــن‬ ‫الواقع‪ ،‬ومن زعامات ومــن تنــافر بيــن أجــزاء الحركــة القوميــة‬ ‫الواحدة ‪. ( 2‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةةة ةةةةةة ةةةة ) ة ‪.‬‬ ‫وانطلقا ً من ضرورة توحيد أوسع ما يمكن مــن المناضــلين‬ ‫المنتمين للعائلت والحساسيات الفكرية ذات التوجه الوحــدوي‬ ‫الــديمقراطي والتقــدمي بشــرط اللــتزام بمنطلقــات وأهــداف‬ ‫الحزب وبالقوانين المنظمة للحزاب » ‪.‬‬ ‫واعتمادا ً على القوى الشعبية و التقدمية صــاحبة المصــلحة‬ ‫في إقامة مجتمع ديمقراطي وحدوي وتقدمي ‪.‬وقــد كــان هــذا الغيــاب نتيجــة‬ ‫طبيعية لواقع السرية والتشتت مـن ناحيـة‪ ،‬ونتيجـة لطروحـات‬ ‫فكريـــة‪ ،‬وسياســـية تفصـــل بصـــفة اعتباطيـــة بيـــن الوحـــدة‬ ‫والديمقراطية‪ ،‬وتتشبث بصــيغ وخيــارات مــن نتيجتهــا مصــادرة‬ ‫إرادة المواطن العربي وتغريبها عن مهمتها المركزيــة فــي بنــاء‬ ‫الوحدة»‪.‬‬ ‫وانطلقا ً من انــه ل يمكــن تحقيــق تنميــة اقتصــادية شــاملة‬ ‫مستقلة إل في إطار اقتصاد موحد مغربي و عربي ‪.‬‬ ‫وهنــاك أســباب خارجــة عــن القطــر تمثلــت خاصــة فــي‬ ‫النعكاسات السلبية لخلفــات بعــض النظمــة العربيــة المتبنيــة‬ ‫للوحدة‪ ،‬وقد زادت هذه النعكاسات في تشتت الحركة القومية‬ ‫في تونس بدون أن يكون لها مبرر موضوعي في الواقع‪. ( 5 – 4‬‬ .‬‬ ‫غياب الديمقراطية كممارسة‪ ،‬وكخيار حضاري في الحركــة‬ ‫القومية وفي فصائلها المنظمــة‪ .‬‬ ‫العمل من أجل تحقيــق وحــدة المــة العربيــة علــى أســس‬ ‫‪62‬‬ ‫‪63‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةة ةةةةةةة ةة ةةةةةةةة ةةةة ةةة –‬ ‫ةةةةةةةة ةةةةةةة ) ة ‪.

‬‬ ‫العمــل علــى تــدعيم الدولــة العصــرية والمجتمــع المــدني‬ ‫ومؤسساته من خلل تشجيع المبادرة الشعبية وصون اســتقلل‬ ‫البلد واستقرارها والحفاظ على المصالح العليــا للــوطن وعلــى‬ ‫النظام الجمهوري ومكتسبات الشعب ‪.‬‬ ‫اعتمــاد الخيــار الشــتراكي بالعمــل علــى التوزيــع العــادل‬ ‫للثروات بما يقلــص الفــوارق الطبقيــة و يســتجيب للطموحــات‬ ‫الشعبية في العدالة ‪.3‬حـــزب التحـــاد الوحـــدوي الـــديمقراطي‬ ‫والتفاعل مع القضايا التونسية والعربية ‪:‬‬ ‫إن المتمعـــن فـــي برنامـــج حـــزب التحـــاد الوحـــدوي‬ ‫الديمقراطي‪ ،‬يلحظ أن هذا البرنامــج هــو بمنزلــة ميلد برنامــج‬ ‫جديد في المسار القومي‪ ،‬خاصة في تأكيده على الديمقراطيــة‬ ‫في العمل القومي‪ ،‬وفي الستقللية التامة عن النظمة العربية‬ ‫تنظيميا ً وقرارًا‪ ،‬مما يترتب على الحركة القومية في تــونس أن‬ ‫تســهم فــي تحقيــق نقلــة نوعيــة للنضــال القــومي فــي الــوطن‬ ‫العربي‪ ،‬وأن تشكل نموذجا ً جديدا ً بحكم هــذه الضــافة المهمــة‬ ‫الــتي تمكــن مــن تحريــر إرادة المــواطن العربــي‪ ،‬ومــن صــنع‬ ‫مصــيره بنفســه‪ ،‬وهــو الشــرط الساســي للحــديث عــن نهضــة‬ ‫عربية حقيقية ‪.‬‬ ‫العمل على تعميق الــوعي بالهويــة العربيــة الســلمية فــي‬ ‫إطــار بنــاء مشــروع حضــاري مســتقبلي يعتمــد قــراءة عقلنيــة‬ ‫لتراثنا العربي السلمي ومتفاعلة مع مقتضيات العصـر ‪.‬‬ ‫مناصــرة جميــع حركــات التحــرر والتقــدم والــديمقراطي‬ ‫والدفاع عن حقوق النســان فــي الــوطن العربــي وفــي العــالم‬ ‫وفي مقدمتها قضية تحرير فلسطين و النضــال ضــد الصــهيونية‬ ‫وجميع أشكال المبريالية و التمييز العنصري »‪.27‬‬ ‫بالمئة من الصوات‪ ،‬ثم في النتخابات التشــريعية الــتي حصــل‬ ‫فيها حزبه على كل مقاعد البرلمان‪ ،‬في حيــن حصــلت القــوائم‬ ‫المستقلة المدعومة من حركة النهضة السلمية غير المعــترف‬ ‫بها رسميا ً على نحو ‪ 33‬في المئة من الصوات ) لم يعترف لها‬ ‫منها‪ ،‬إل بالنصف (‪ ،‬لتؤكد أن هــذه النتخابــات شــكلت انتصــارا ً‬ ‫لشخص الرئيس بن علــي‪ ،‬الــذي اكتســب منهــا‪ ،‬ومــن الوفــاق‪،‬‬ ‫وأجواء التأييد الشعبي‪ ،‬الشـرعية الـتي غـابت عنـه عنـد اعتلئه‬ .‬‬ ‫لكــن شــتان مــا بيــن الــثرى والثريــا علــى حــد قــول المثــل‬ ‫العربي الشهير‪ ،‬فالبرنامج يبدو ورديًا‪ ،‬لكن الممارسة السياسية‬ ‫لحزب التحاد الوحدوي الــديمقراطي‪ ،‬تبــدو متناقضــة كلي ـا ً مــع‬ ‫النهج القــومي الــديمقراطي الحقيقــي‪ ،‬ويتــبين ذلــك مــن خلل‬ ‫مسيرة هذا الحزب‪ ،‬ومواقفه خلل عقد التسعينات ‪.‬‬ ‫أول ً ‪ -‬على نقيض ما ذهبت إليه أحــزاب المعارضــة الســتة‬ ‫المعترف بهــا رســميًا‪ ،‬مــن أن التوقيــع علــى الميثــاق الــوطني‪،‬‬ ‫الذي ينظم ويقنن الحياة السياســية الحزبيــة فــي تــونس يمثــل‬ ‫انتصــارا ً للديمقراطيــة‪ ،‬جــاءت أول تجربــة انتخابيــة فــي عهــد‬ ‫سلطة السابع من نوفمبر في نيسان ‪ ،1989‬والتي حصل فيهــا‬ ‫الرئيس بن علي المرشح الوحيــد للرئاســة علــى نســبة ‪99.‬‬ ‫العمل على إرساء قواعد تنمية شــاملة ومســتقلة عــن كــل‬ ‫تبعية ومتكاملة ضمن بعد وحدوي ‪.‬‬ ‫‪ .‫حركة التحرير الشعبية العربية ‪ -‬تونس‬ ‫ديمقراطية تعددية ودعم كل توجه وحــدوي يرتكــز علــى الرادة‬ ‫الشــعبية الحــرة مــع مراعــاة خصوصــيات النمــو فــي القطــار‬ ‫العربية ‪.

.1991‬‬ ‫وكان هذا التحالف الخطيــر الــذي حصــل تحــت ذريعــة ويافطــة‬ ‫ضرب الحركة السلمية التي تهــدد المجتمــع المــدني‪ ،‬وبهـــدف‬ ‫منع ما هو شبيه للحالة الجزائرية‪ ،‬هو الذي أفسح فــي المجــال‬ ‫لفقدان مكونــات المجتمــع المــدني اســتقلليتها‪ ،‬ثــم شــرعيتها‪،‬‬ ‫وأفسح في المجال للحكم الستبدادي الذي مارسه الرئيس بن‬ ‫علي‪ ،‬وما صاحبه من انتهاكات فظيعة لحقوق النسان‪ ،‬وضــرب‬ ‫كل أشكال التعبير الحر‪ ،‬وفرض الــرأي الواحــد الــذي قتــل كــل‬ ‫الحريات السياسية و الديمقراطية في تونس‪ ،‬وشــرعن الظلــم‬ ‫والعتداء على الحصانة الفكرية والجسدية للنسان‪ ،‬عن طريق‬ ‫استخدام آلة قمع الدولة التو نسية‪ ،‬التي بثــت الرعــب العمــى‬ ‫في صفوف المواطنين التونسيين‪ ،‬ول تزال ‪.‬فكيف يمكـن للـرأي العـام التونسـي أن يصـدق صـدقية‬ ‫ونزاهة حزب سياسي يدعي أنه يــدافع عــن الديمقراطيــة‪ ،‬فــي‬ ‫حين أنه منحـاز لصـف الدولـة التسـلطية التونسـية فـي قمعهـا‬ ‫للشعب‪ ،‬ولقواه الوطنيـة و الديمقراطيـة و الســلمية ؟ وكيـف‬ ‫يمكن تصديق دفاع حزب التحاد الوحدوي عــن الهويــة القوميــة‬ ‫للمجتمع التونسي أل وهي العروبة و السلم‪ ،‬في حين أن أكــبر‬ ‫حزب سياسي أل وهو حــزب النهضــة الــذي يــدافع عــن الهويــة‬ ‫العربية السلمية لتونس تعــرض بــأكمله للتصــفية‪ ،‬ولــم يصــدر‬ ‫حزب التحاد الوحدوي الديمقراطي أي بيــان سياســي يســتنكر‬ ‫فيه سياسة الستئصال التي مارسها الرئيس بن علي؟‬ ‫ثانيا ً ‪ :‬علــى الرغــم مــن أن ســلطة الســابع مــن نوفمــبر‬ ‫تعيش أزمة عميقة‪ ،‬نتيجة ومحصلة لما مارســه نظــام الرئيــس‬ ‫بن علي خلل فترة حكمه‪ ،‬حين أقصى السياسة من المجتمــع‪،‬‬ ‫وأصبحت السياسة حكرا ً على الحاكم فقط‪ ،‬ومارس نوعــا ً مــن‬ ‫النغلق العلمــي الكامــل الشــامل – حيــث تحــولت جميــع‬ ‫الوسائل العلمية الرسمية وغير الرسمية إلـــى وســائل دعايــة‬ ‫للسلطة‪ ،‬وما تنشره من مغالطات – في ظل غيــاب كامــل لي‬ ‫صوت مخالف‪ ،‬أو رأي مخالف عن موقف السلطة‪ ،‬وانتهج نهجا ُ‬ ‫يقــوم علــى النغلق السياســي الكامــل والشــامل أيضـًا‪ ،‬الــذي‬ ‫يقمــع أي تحــرك سياســي أو جمعيــاتي‪ ،‬مــن جــانب أحــزاب‬ ‫المســـاندة والمؤيـــدة للســـلطة‪ ،‬ويـــؤمن الســـيطرة الكاملـــة‬ ‫والشاملة لحزب التجمع الدستوري الــديمقراطي الحــاكم علــى‬ ‫الدارة‪ ،‬وعلى جميع دواليب الدولة ومؤسسات المجتمع‪ ،‬حيــث‬ ‫تحولت تونس إلـى نمــوذج فــي مجــال النغلق السياســي فــي‬ ‫الــوقت الــذي تتســارع فيــه المصــالحة الوطنيــة فــي الجــزائر‪.‫السلطة بواسطة النقلب العسكري ‪.‬‬ ‫وتتوالى فيه الخطوات الديمقراطية في المغرب‪ ،‬وفــي العديــد‬ .‬‬ ‫هذا الوضع المســتمر منــذ مــا يقــارب العشــر ســنوات‪ ،‬لــم‬ ‫يســتطع حــزب التحــاد الوحــدوي الــديمقراطي أن يصــدر بيانـا ً‬ ‫ينتقده‪.‬‬ ‫وكانت هذه النتيجــة‪ ،‬الــتي جعلــت المشــهد السياســي فــي‬ ‫تونس مستقطبا ً بين حركة النهضة وسلطة السابع من نوفمــبر‪،‬‬ ‫هــي الــتي أقنعــت الرئيــس بــن علــي بضــرورة قمــع الحركــة‬ ‫الســلمية واستئصــالها ‪،‬مــن خلل تطــبيق نظريــة « تجفيــف‬ ‫الينابيع » المعروفة‪ ،‬والتي يتصور أنه على طريقهــا يتــم إقصــاء‬ ‫خطر التطرف الديني‪ ،‬ووقف نمو جماعات السلم السياســي‪،‬‬ ‫والتي عجز الرئيس بورقيبة السبق عن مجابهتها‪ ،‬وكانت ســببا ً‬ ‫رئيسا ً في إزاحته‪ ،‬وتربع الجنرال بن علي محله ‪.‬‬ ‫وفي هذه الحـرب بيـن نظـام الرئيـس بـن علـي و الحركـة‬ ‫السلمية‪ ،‬اصطفت أحزاب المعارضة الرسمية‪ ،‬بما فيها حــزب‬ ‫التحاد الوحــدوي الــديمقراطي علــى أرضــية خــط الستئصــال‪،‬‬ ‫حيث اشــتركت المعارضــة مـع النظــام فــي خــوفه مــن انتصــار‬ ‫الجبهة السلمية للنقاذ في انتخابــات كــانون أول عــام ‪.

‬وأن «‬ ‫هذا يفرض علينا جميعا ً التزام هــذا العمــل الكــبير حــتى يتســنى‬ ‫للمواطنة أن تصبح واقعا ً معاش ـا ً مــن جميــع التونســيين‪ ،‬بــدون‬ ‫استثناء » وخصوصـا ً « أن فـرض نظـام الحــزب الواحـد ) قبـل‬ ‫العام ‪ ( 1981‬وانقيــاد المجتمــع المــدني والتشــخيص المفــرط‬ ‫للســلطة بمــا لــه مــن آثــار مــدمرة علــى المؤسســات وقيــم‬ ‫الجمهوريــة أدى إلـــى فقــد الــوعي بضــمير المواطنــة لــدى‬ ‫التونسيين وقلل من مستوى مشاركتهم في الحياة العامة إلـى‬ ‫مجرد الدلء بالموافقة‪ .‬وقد شدد الحزب في خطابه النتخــابي‬ ‫علــى « ضــرورة مواصــلة المعركــة مــن أجــل حقــوق النســان‬ ‫وحرية الرأي كدعامة مقدسة للديمقراطية » ‪.1999‬واتخــذ الحــزب شـجرة الزيتــون‬ ‫شعارا ً له مع اللون البني وترويسة « تونس في القلب »‪ .‬‬ ‫أما عن نتائج النتخابـات فقـد حصـل عبـد الرحمـن التليلـي‬ ‫على نسبة ‪ 0.‬‬ ‫ثالثا ً ‪ -‬لقد رشح السيد عبد الرحمن التليلي رئيــس حــزب‬ ‫التحاد الوحدوي الديمقراطي نفسه للنتخابات الرئاســية‪ ،‬الــتي‬ ‫جــرت فــي ‪ 24‬أكتــوبر ‪ .‬لــذلك نجــده اليــوم أكــثر ارتباطـا ً فــي تحــالفه مــع‬ ‫النظام‪ ،‬وهو ل يملك الجرأة الكافية ليعيد النظر في سياساته ‪.‬‬ ‫فكيــف يمكــن لهــذا الحــزب الــذي يعتــبر نفســه حزبــا ً قوميــا ً‬ ‫ديمقراطيًا‪ ،‬يؤيد سياسة التطبيع مع العدو الصهيوني‪ ،‬فــي حيــن‬ ‫أن كل الحزاب والحركات القومية في الوطن العربي ما زالت‬ ‫محافظة على مرجعيتها اليديولوجية و السياسية المتمثلــة فــي‬ ‫رفضها أي شكل من أشــكال التطــبيع‪ ،‬أو حــتى الموافقــة علــى‬ ‫تسوية مذلة للمة العربيــة ؟ فبينمــا تمــارس الحــزاب القوميــة‬ ‫الناصرية في كل مــن مصــر واليمــن‪ ،‬ولبنــان‪ ،‬وموريتانيــا‪ ،‬دورا ً‬ ‫رياديا ً في بلدانها لجهة مقاومة التطبيع‪ ،‬يمــارس حــزب التحــاد‬ ‫الوحدوي الديمقراطي في تونس سياســة صــمت القبــور علــى‬ ‫هذه القضية‪.‬إن أي‬ ‫نقـد للرئيـس بـن علـي أو لميـادين السياسـية الـتي تعتـبر مـن‬ ‫حقوقه‪ ،‬وهي المن والدفاع و السياسة الخارجية‪ ،‬يعتبر تجــاوزا ً‬ ‫على حدود الخط الحمر‪ .‬‬ ‫وهكذا يمــارس حــزب التحــاد الوحــدوي الــديمقراطي نهــج‬ ‫التبعية لنظام الرئيــس بــن علــي‪ ،‬وينتمــي إلـــى مؤسســاته‪ .‬ول‬ ‫يعني دخول هــذا الحــزب إلـــى البرلمــان عقــب انتخابــات عــام‬ ‫‪ ،1994‬أنه أصبح حزبا ً فــاع ً‬ ‫ل‪ .‬ورأى أن تــونس‬ ‫تسير على طريــق التعدديــة السياســية مطلــب الجميــع‪ .‬ولهــذا عنــدما أقــر الرئيــس بــن علــى‬ ‫إقامة علقات دبلوماسية مــع الكيــان الصــهيوني علــى مســتوى‬ ‫منخفض‪ ،‬وانتهج سياسة تطبيعية كاملــة معــه‪ ،‬لــم يجــرؤ حــزب‬ ‫التحاد الوحدوي الديمقراطي أن ينــدد بسياســة التطــبيع هــذه‪.‬‬ ‫لكن مــا يجــب التــذكير بــه‪ ،‬هــو أن المرشــح عبــد الرحمــن‬ ‫التليلــي‪ ،‬الــذي يــترأس حزب ـا ً »قوميـًا«‪ ،‬لــم يشــارك فــي هــذه‬ ‫النتخابــات مــن الموقــع المتنــاقض مــع المشــروع المجتمعــي‬ ‫للرئيس بن علي ‪.‫حركة التحرير الشعبية العربية ‪ -‬تونس‬ ‫من البلدان الفريقية ‪ -‬على الرغــم مــن كــل ذلــك‪ ،‬نجــد حــزب‬ ‫التحــاد الوحــدوي الــديمقراطي يتبنــى بالكامــل هــذه السياســة‬ ‫ويساندها بإطلقية بل أي حرج ‪.‬وعن‬ ‫مشاركته في النتخابات الرئاسية‪ ،‬قال التليلي ‪ « :‬أنه بات مــن‬ ‫الضروري خرق المحظور وتخطي حــدود الفكــر الواحــد »‪ ،‬وإن‬ ‫النتخابات « حقيقة تربوية لنها بمنزلــة تمريــن عــام‪ ،‬قبــل أول‬ ‫انتخابــات حقيقيــة تعدديــة ستحصــل لحق ـا ً »‪ .23‬في المئة من مجمل الصوات في النتخابــات‬ .‬فلــم يكــن هنــاك أي انتقــاد حــتى‬ ‫على نطاق محدود لسياسة الرئيس بــن علــي‪ ،‬مــن جــانب هــذا‬ ‫الحزب « القومي الديمقراطي »‪ ،‬فثمة خطــوط حمــراء معينــة‬ ‫معروفة جيدا ً لجميع أحزاب المعارضة الرسمية التونسية يجــب‬ ‫أل يجري تجاوزها فــي المحادثــات البرلمانيــة أو العامــة‪ .

‬‬ ‫على الرغم من أن القانون النتخابي لمنصب الرئاسة الذي‬ ‫عدل عام ‪ ،1988‬ل يجيز للرئيــس تــولي مهمــة الرئاســة لكــثر‬ ‫من ثلث دورات‪ ،‬وبالتالي ووفق هذا القانون فإن هــذه الــدورة‬ ‫الحالية للرئيس بن علي التي بدأت في شهر أكتوبر عام ‪1999‬‬ ‫هي آخر دورة له‪ ،‬إل أن هــذا الخيــر يتطلــع إلـــى رئاســة مــدى‬ ‫الحياة على غرار سلفه الحبيب بورقيبة‪ .‬ومع ذلك‪ ،‬فــإن الســيد‬ ‫عبد الرحمن التليلي المرشح المنافس للرئيس بن علي‪ ،‬أغفــل‬ ‫طوال الحملة النتخابية القول أن ترشــيح بــن علــي هــو الخيــر‬ ‫طبقا ً للدستور‪ ،‬وهــذا إن دل فهــو يــدل علــى أن حــزب التحــاد‬ ‫الوحدوي الديمقراطي أعجز مـن أن يحـرج الرئيــس بــن علـي‪،‬‬ ‫لن السلوب الذي عامل به النظام هــذا الحــزب‪ ،‬وكــذلك بقيــة‬ ‫أحــزاب المعارضــة الرســمية الخــرى‪ ،‬أدى إلـــى فقــدان هــذا‬ ‫الحزب صدقيته أمام الجماهير الشعبية التونســية‪ ،‬حيــث أصــبح‬ ‫الموقــف الشــعبي رافضـا ً لــه ولســواه مــن أحــزاب المعارضــة‬ ‫الرسمية‪ ،‬التي هي مجرد ديكور في صالون سلطة السابع مــن‬ ‫نوفمبر‬ ‫‪‬‬ .‬فالتعددية البرلمانيــة الحقيقيــة‬ ‫تبدأ من استبدال النظام الغلبي السائد حاليا ً في تونس بنظــام‬ ‫انتخابي انتقالي يضمن للمعارضة حضـورا ً محترمـا ً ومـؤثرا ً فـي‬ ‫الحياة البرلمانية‪ ،‬وهذا ما ل يسمح به نظام الرئيــس بــن علــي‪،‬‬ ‫كما أنه من بــاب المســتحيل أن يطــالب بــه حــزب مثــل حــزب‬ ‫التحاد الوحدوي الديمقراطي‪ . 1994‬‬ ‫وطبقا ً لهذه النتــائج المعلنــة‪ ،‬فــإن انتخابــات اكتــوبر ‪1999‬‬ ‫جاءت لتعمق السمات الساسية لنتخابات ‪ ،1994‬حيث تعيــش‬ ‫تونس في ظل تعددية موهومة‪ .‬فنتائج صــناديق القـتراع ل تفتــح‬ ‫طريق البرلمان أمام مرشحي المعارضة الرســمية فــي تــونس‬ ‫في ظل نظام القتراع الكثري‪ ،‬والحــال هــذه لجــأت الحكومــة‬ ‫التونســية إلـــى حــل قــانوني يتيــح تجــاوز النتــائج الــتي تقررهــا‬ ‫الصناديق‪ ،‬وتمثــل هــذا الحــل فــي تخصــيص ‪ 34‬مقعــدا ً للقليــة‬ ‫المعارضة التي تفشل في الحصول على مقاعد فــي المنافســة‬ ‫التي تمت على صعيد الدوائر ‪.‫الرئاسية‪ ،‬وبالتعداد الرقمي ‪ 7662‬صوتًا‪ ،‬ولم يحصل في مدينة‬ ‫قفصة مسقط رأسه إل على ‪ 47‬صوتا ً فقط‪ ،‬وحصل حزبه فــي‬ ‫النتخابات التشريعية علــى ‪ 7‬مقاعــد أي بزيــادة ‪ 4‬مقاعــد عــن‬ ‫انتخابات ‪.

‫حركة التحرير الشعبية العربية ‪ -‬تونس‬ ‫الخـاتمــــة‬ ‫منذ فجر عصر النهضة العربية الولــى وحــتى عصــر النهضــة‬ ‫العربية الثانية‪ ،‬انطوى مفهوم القومية العربية دوما ً علــى معنييــن‬ ‫مختلفيــن‪ :‬فهــو يحيــل علــى إيديولوجيــة الوحــدة العربيــة الــتي‬ ‫جسدتها كل مــن الناصــرية والفكــر البعــثي مــن جهــة‪ ،‬ويؤســس‬ ‫لمشــروع النهــوض القــومي ذي المضــمون التــاريخي‪ ،‬والوحــدة‬ ‫العربية كأحد ممكنات واقعنا العربي من جهة أخرى‪ .‬والتاريخ هــو‬ ‫توقيع الممكنات‪ ،‬أي تحويلها إلـى واقع ‪.‬‬ ‫ولقد شكل العدوان الثلثي النكلو – ساكســوني‪ ،‬الصــهيوني‬ ‫على مصر عام ‪ ،1956‬بالنسبة للبلدان المغاربية‪ ،‬أول اســتيعاب‬ ‫جدي وفعلي للوحدة العربية كرافعة للتقدم وشــرطه الضــروري‪،‬‬ .‬‬ ‫وقد أسهمت هذه الحركات‪ ،‬حتى وهــي تتصــارع‪ ،‬فــي طــرح‬ ‫قضية الوحدة‪ ،‬وفي نشر الوعي القومي‪ ،‬ولكنها عجزت أن تتحـد‬ ‫على برنامج ثم عجزت عن تحقيق أية وحدة ‪.‬وهذا مــا يجعــل‬ ‫منه بؤرة أساسية مــن بــؤر الصــراع العــالمي‪ ،‬ويجعــل مســتقبل‬ ‫النظام العالمي ونسق العلقـات الدوليـة مرتبطيـن بوتـائر نمـوه‬ ‫واتجاهات تطوره‪ ،‬بقدر ارتباطه بهما‪. 1947‬‬ ‫ل ‪ -‬لللل لللللللل للللل – للللل لللللللللل ‪.‬ومنذ ذلــك التاريــخ نشــأت حركــات قوميــة عــدة كــان‬ ‫أهمها ‪:‬‬ ‫ل ‪ -‬ل لل لللل ل للللل ل لللل للللل – للللل‬ ‫للللللللل لل للل ل لل للل لللل للللللل ل‬ ‫للل للل ‪.‬‬ ‫ل ‪ -‬لللللل لللللللل – للللل لللللللللل ‪.‬‬ ‫فالمشروع القــومي العربــي الــذي كــان البعــد الــديمقراطي‬ ‫غائبا ً عنه خلل العقود الماضية‪ ،‬هو حركة جماع المة العربية في‬ ‫نزوعها إلـى التحرر والســتقلل والتقــدم‪ .‬‬ ‫ومنذ انهيار السلطنة العثمانيـة‪ ،‬وانهيـار « الثـورة العربيـة »‪،‬‬ ‫وقيام الحكم السـتعماري الشـامل‪ ،‬فـي نهايـة الحـرب العالميـة‬ ‫الولى‪ ،‬شهد المغرب العربي عدة انفجــارات اســتقللية‪ ،‬وظلــت‬ ‫قضــية الوحــدة العربيــة قضــية خطابــات وشــعارات حــتى أواخــر‬ ‫الثلثينات‪ .‬وهــو التاريــخ الــداخلي‬ ‫للمة العربية‪ ،‬التاريخ المعوق بالســتعمار و المبرياليــة ول ســيما‬ ‫الميركية منها‪ ،‬وبالحتلل الستيطاني الصهيوني‪ .‬‬ ‫وكانت بلدان المغرب‪ ،‬على ما يبدو لم تستطع أن تســتوعب‬ ‫مفهوم القومية العربية‪ ،‬الذي ل يستنفذ في التيار الفكري القــائم‬ ‫على المذهب القومي‪ ،‬ول في الحــزاب الــتي تتبنــى إيديولوجيــة‬ ‫قومية‪ ،‬باعتباره مفهوما ً يشمل جميــع التيــارات والحــزاب‪ ،‬الــتي‬ ‫تعمل في المجال الفكري السياســي للمــة‪ ،‬باســتثناء تلــك الــتي‬ ‫تتعارض إيديولوجيتها مـع القوميــة صــراحة‪ ،‬أو التجـاه السـلمي‬ ‫الذي عارض القومية العربية بالسلم‪ ،‬وطـرح السـلم علـى أنـه‬ ‫نظرية شاملة‪ ،‬تتضمن كل مســتلزمات التقــدم‪ ،‬وحــارب الفكــرة‬ ‫القومية والقضية القومية‪ ،‬على أساس أن ل قومية في الســلم‪،‬‬ ‫أو التجــاه الماركســي‪ ،‬الــذي عــارض المــة بالطبقــة‪ ،‬والصــراع‬ ‫القومي الشامل بالصراع الطبقي ‪.

‬‬ ‫فالوعي القومي يأخذ معناه الكامل في الوعي الـوطني الخـاص‪،‬‬ ‫وهذا يرتبط فــي جـانبه الكـبر بالشـروط الخاصـة لتطــور حركـة‬ ‫التحــرر الــوطني فــي المغــرب العربــي‪ ،‬وســيرورتها فــي هــذه‬ ‫المنطقة التي اضطرت إلى تفضيل الجانب الــوطني والمغــاربي‪،‬‬ ‫مــن دون أن تنســى الــدور الحاســم للنخــب القــائدة لحــزاب‬ ‫الستقلل في هذا التوجه‪ ،‬الذي تتفــق مــع اليديولوجيــة القوميــة‬ ‫العربيــة بالمشــرق العربــي‪ ،‬الــتي تعتــبر أن الرتبــاط بــالوجود‬ ‫الوطني « المحلي » ينقض منطقها الخاص ‪.‬إذ‬ ‫يستحيل العثور علــى وعــي قــومي عروبــي بــدون الرجـوع إلــى‬ ‫السلم في كتابات الحركــات القوميــة المغاربيــة‪ .‬فــالحزاب المغاربيــة‬ ‫تفتقر إلـى النظريات الفلسفية والنظرية الشمولية‪ ،‬بل أنها تتهم‬ ‫بالفراغ اليديولوجي وعدم التأصيل الفكري للمسألة القوميــة‪ .‬فهــذه العلقــة‬ ‫) إسلم – عروبة ( تشكل مرجعا ً خاصـا ً لكــل الحركــات القوميــة‬ ‫سواء منها التقليدية أو التقدمية والثورية‪ ،‬وهي التي تميز الــوعي‬ ‫القومي في المغرب العربي عن المشرق العربـي‪ .‬والحــال‬ ‫هذه‪ ،‬فقــد جعــل طغيــان الهـاجس الــوطني طيلــة فــترة الكفــاح‬ ‫التحريري‪ ،‬القوى السياسية المغاربية وجماهيرها الحزبيــة‪ ،‬تركــز‬ ‫في برنامجها السياسي النضالي علــى هــدف تحقيــق الســتقلل‪،‬‬ ‫وإجلء الستعمار‪ ،‬ولم تكن متفقة على برنامج معين لمرحلــة مــا‬ ‫بعد الستقلل ‪.‬ومن الوهلة الولــى يظهــر أن هــذا المنــاخ الســائد فــي‬ ‫المغرب العربي يتجنب مفهوم « اليــديولوجيا »‪ ،‬ويرفضــه علــى‬ ‫عكس ما هو سائد في الخطاب المشرقي‪ .‬ولهذا السبب‪ ،‬لم تنفصل العروبــة عــن الســلم أبــدًا‪ .‬‬ ‫ومع ذلك‪ ،‬فقد تموقعت الحركات القوميــة الــتي بــرزت فــي‬ ‫تونس في قلب العروبة‪ ،‬واعتمدت علــى مرجعيــة ثنائيــة شــديدة‬ ‫النغراس في المجتمع التونسي‪ ،‬تقــوم علــى العروبــة والسـلم‪،‬‬ ‫اللذين يشكلن مرتكز الهويــة القوميــة فــي كــل بلــدان المغــرب‬ ‫العربي‪ .‫وأن النضـــال الجـــدي ضـــد الســـتعمار و المبرياليـــة و الكيـــان‬ ‫الصهيوني هو بالحرى نضال وحــدوي‪ ،‬طالمــا أن التجربــة أكــدت‬ ‫تصــادم المشــروع القــومي الوحــدوي العربــي مــع الســتعمار‬ ‫والمبريالية ‪.‬فهـذا الـوعي‬ ‫القــومي ليــس وليــد اليــوم‪ ،‬إنــه وليــد الفتــح الســلمي‪ ،‬ووليــد‬ ‫التجــانس المــذهبي المــالكي‪ ،‬ووليــد حالــة الســتعراب‪ ،‬ووليــد‬ ‫جامعات عريقة في القيروان والزيتونـة‪ ،‬ووليـد اسـتمرار الـتراث‬ ‫والثقافة العربية السلمية عبر العصور‪ ،‬وأخيرا ً هــو وليــد معــارك‬ ‫الستقلل والنضال ضد الهيمنة المبريالية ‪.‬‬ ‫وعلى الرغم من نفي النظام البورقيبي وبشكل مباشر وجود‬ ‫جذور تاريخية للوحدة العربية‪ ،‬إل أن خطــاب الحركــات القوميــة‬ ‫في تونس ) اليوسفية – الناصرية – البعث ( اســتمر فــي التأكيــد‬ .‬‬ ‫وأفرز تاريخ المغرب العربي الحديث اتجــاه القوميــة العربيــة‬ ‫كمضمون إيديولوجي وكقوى سياسية‪ ،‬مناخا ً يتســم بالخصوصــية‬ ‫في فهم الفكرة العربية الوحدوية‪ ،‬والــوعي السياســي والفكــري‬ ‫القومي‪ .‬‬ ‫وما يميز المرتكزات التي تشـكل نــواظم أساســية للخطـاب‬ ‫القومي في منطقة المغرب العربي عامة‪ ،‬وتــونس بــوجه خــاص‬ ‫حول الوحدة‪ ،‬هو نوع من الثبوتية‪ ،‬فمــا هــو صــائب فــي الحركــة‬ ‫القوميــة فــي تــونس هــو تمســكها بهــدف الســتقلل الــوطني‪.‬إذ‬ ‫لـم تسـتطع بلـورة منطقهـا المسـتقل‪ ،‬فـي هـذه البلـدان‪ ،‬لنهـا‬ ‫أحزاب تأسست فــي عهــد الســتعمار‪ ،‬وتــأثرت بــالنمط الحزبــي‬ ‫السائد في فرنسا بالذات‪ ،‬وهي أقرب إلـى التكتلت الجماهيريــة‬ ‫الكبيرة الفضفاضة‪ ،‬التي يقودها « زعيم ملهم »‪ ،‬وهذه الجماهير‬ ‫لم يرتق وعيها إلـى مستوى الوعي اليديولوجي لدى النخبة لنها‬ ‫ارتبطت بردود الفعل الوطني في جــل مراحــل تطــوره‪ .

‬وهذا الحزب أوجــدته‬ ‫السلطات التونسية لمنع تبلور وجود حزب قـومي راديكـالي فـي‬ ‫تونس‪ ،‬ولشق صفوف القوميين ‪.‬وحــتى‬ ‫الحركــات « الماركســية اللينينــة » إبــان ظهورهــا فــي عقــد‬ ‫السبعينات‪ ،‬والتي مع كونها تعلن تبنيها الشتراكية العلمية‪ ،‬ظلــت‬ ‫تلح بقوة على أفقها الوحدوي العربـي‪ ،‬وهـذا واضـح فـي أدبيـات‬ ‫حزب العمال الشيوعي التونسي‪ ،‬ومنظمة الشعلة ‪.‬من هنا نرى من الضروري تسليط سلح النقــد‬ ‫للفكــر القــومي علــى اختلف تيــاراته وتلوينــه‪ ،‬مـن أجــل إعـادة‬ ‫تأسـيس العقلنيـة فـي الفكـر القـومي المعاصـر‪ ،‬ونقـل الـوعي‬ ‫العربي‪ ،‬من وهدة التأخر والفوات إلـى مستوى العصر الحــديث‪،‬‬ ‫ومن حالـة الشـقاء والسـتلب إلــى المطابقـة‪ ،‬مطابقـة الواقـع‬ .‬غيــر أنــه‬ ‫يوجد حــزب التحــاد الــديمقراطي الوحــدوي الــذي يــتزعمه عبــد‬ ‫الرحمــن التليلــي‪ ،‬ويضــم العناصــر القوميــة المواليــة للحكــم‬ ‫التونسي‪ ،‬ويتبنى بالكامل سياسة السلطة التونســية فيمــا يتعلــق‬ ‫بالعتراف بالكيان الصهيوني والتطبيع معه‪ .‬‬ ‫وشكلت القضية الفلسطينية قضــية عربيـة مركزيـة بالنسـبة‬ ‫للحركات القومية في تونس‪ ،‬على الرغم من اختلف مرجعياتهــا‬ ‫اليديولوجية‪ ،‬الناصرية والبعث‪ ،‬وتوزعها على مجموعات صغيرة‪.‬وتأكيد العروبة‬ ‫هــذا مــن خلل خطــاب مغــاير لخطــاب الحركــات القوميــة فــي‬ ‫المشرق العربي‪ ،‬يتجلى حتى في فهم العناصــر المكونــة للمـة ‪:‬‬ ‫الجنس‪ ،‬اللغة‪ ،‬التاريخ‪ ،‬الوعي‪ ،‬السلم‪ .‬‬ ‫نســتخلص ممــا تقــدم أن التيــارات القوميــة علــى اختلف‬ ‫مرجعياتها الفكرية‪ ،‬التي خاضت تجارب نضــالية فــي تــونس‪ ،‬لــم‬ ‫تقــدم جديــدا ً فيمــا يتعلــق بــالمرتكزات الــتي تشــكل النــواظم‬ ‫الساسية للمسألة القومية العربية ‪ :‬الستقلل الوطني‪ ،‬والهويــة‬ ‫القومية‪ ،‬والوحـدة العربيـة‪ ،‬وقضـية فلسـطين‪ .‫حركة التحرير الشعبية العربية ‪ -‬تونس‬ ‫علــى أن الوحــدة العربيــة موجــودة ول جــدال فيهــا‪ ،‬ومــا عــدم‬ ‫تحقيقهـا إل نتيجـة لمـا يحيكـه أعـداء المـة العربيـة ‪ :‬المبرياليـة‬ ‫الميركيــة و الكيــان الصــهيوني مــن مــؤامرات ضــدها‪ .‬غيــر أن تأكيــد الحركــات‬ ‫القومية في تونس المتزايد للعروبة خلل العهد البورقيبي – على‬ ‫حساب السلم – يعود إلـى شعورهم بالغربة في وطنهم بســبب‬ ‫سيطرة الثقافـة والتقنيـات واللغـات الغربيـة‪ ،‬فكـانوا يـرون فـي‬ ‫المشرق العربي أكثر تطورا ً من المغرب العربــي‪ ،‬وحـامل ً لمـال‬ ‫العروبة في التقدم والحداثة والمعاصرة ‪.‬‬ ‫وبصــرف النظــر عــن الخلفــات اليديولوجيــة و السياســية‬ ‫القائمــة داخــل صــفوف الحركــات القوميــة فــي تــونس‪ ،‬إل أن‬ ‫الوحدة العربية‪ ،‬كمعطي آني ثابت‪ ،‬ظل يشــكل العنصــر المميــز‬ ‫لمجموع الخطــاب اليــديولوجي لهــذه الحركــات القوميــة‪ ،‬الــذي‬ ‫يؤكد بخصوص الوحدة العربية على عروبتها فقط‪ .‬‬ ‫وظل موقفها من التطبيع مع العدو الصهيوني ثابتا ً ولم يتغيــر‪ ،‬ول‬ ‫تعترف بوجود الكيان الصهيوني على أرض فلسطين‪ ،‬وتدعو إلـى‬ ‫انتهاج سياسة التحرير‪ ،‬وهذا ضد عملية السلم الجارية‪ .‬‬ ‫وما زال الموقف من القضية الفلسطينية يشكل فـي الـذهن‬ ‫الجماعي المغاربي حــدا ً فاصـل ً بيــن العــداء والتطــبيع مــع العــدو‬ ‫الصــهيوني‪ ،‬علــى الرغــم مــن أننــا لــم نعــد نشــهد فــي تــونس‬ ‫مظاهرات شعبية كما في السابق بمجــرد حــدوث صــدام مســلح‬ ‫بين العرب والفلسطينيين من جهة‪ ،‬والصهاينة من جهة أخرى ‪.‬وظلـت المسـألة‬ ‫القومية عامة وعائمة‪ ،‬وكــان مــن المؤســف أن الناصــرية أكــدت‬ ‫بعض هذه المفاهيم العامة‪ ،‬ولكنها لــم تضــف جديــدًا‪ ،‬ول قــدمت‬ ‫مفهوما ً متماسكًا‪ .‬‬ ‫غيـر أن الحركـات القوميـة فـي تـونس‪ ،‬مـا زالـت تعتـبر أن‬ ‫النخراط في الكفاح من أجل تحرير فلســطين‪ ،‬ومعــاداة الكيــان‬ ‫الصهيوني كان ول يزال يشكل واجبا ً قوميا ً ودينيًا‪ ،‬وأحــد الثــوابت‬ ‫الوطنية القومية للجماهير العربية ‪.

‫بأبعاده الثلثة‪ ،‬التاريخي‪ ،‬والكوني‪ ،‬والمنطقي ‪.‬‬ ‫أول ً ‪ -‬مسألة المنهج ‪ :‬إن الحركات القومية في تونس اتبعــت‬ ‫منهجـا ً ذاتويـا ً وغيـر واقعـي‪ ،‬لـم يأخـذ بعيـن العتبـار الرث‬ ‫التاريخي‪ ،‬وكانت تنقصه الرؤية الواضــحة لعــالم اليــوم فــي‬ ‫سياق احترام حقوق النسان‪ ،‬ومصائره‪ ،‬وتاريخه ‪.‬‬ ‫وعلى الرغم من أن العلقة العضوية بيــن العروبــة والســلم‬ ‫تشكل عنصرا ً أساسيا ً للهوية القومية‪ ،‬التي تميز المغرب العربي‬ ‫عن المشرق العربي‪ ،‬حيـث يسـتحيل العثـور علـى وعـي قـومي‬ ‫عروبــي بــدون الرجــوع للســلم‪ ،‬إل أن الخطــاب السياســي و‬ ‫اليديولوجي للحركات القومية فــي تــونس لــم تســتطع أن تقيــم‬ ‫تمييزا ً واضحًا‪ ،‬وفرزا ً بين مفهوم القومية الــذي يتضــمن الشــعور‬ ‫بالنتماء إلـى المة وينتمي إلـى دائرة الــذاتي‪ ،‬حيـث أن الشـعور‬ ‫بالنتماء القومي هو محصلة سيرورة تاريخية هي سيرورة تكــون‬ ‫المة أو تشكلها‪ ،‬تسنده ول شك وحدة اللغــة والثقافــة والتجربــة‬ ‫التاريخية المشتركة‪ ،‬وهـو أحـد العوامـل الجاذبـة فـي السـيرورة‬ ‫الوحدوية – حسب ياسين الحافظ‪ ،‬وبين مفهوم المــة – كمقولــة‬ ‫اجتماعيـــة وسياســـية وثقافيـــة وتاريخيـــة‪ ،‬تنتمـــي إلــــى دائرة‬ ‫الموضوعي – يتجسد عيانيا ً وواقعيا ً في المجتمــع المــدني ودولــة‬ ‫الحق والقانون‪ ،‬اللذين تتحقق فيهما الهوية القومية القائمة علــى‬ ‫قاعــدة التعــدد‪ ،‬والختلف‪ ،‬والتنــاقض أو التعــارض بيــن الفــراد‪،‬‬ ‫والجماعات‪ ،‬والفئات‪ ،‬والطبقات‪ ،‬والحــزاب‪ ،‬والنقابــات الــخ‪ .‬‬ ‫فالحركــات القوميــة فــي تــونس‪ ،‬إمــا أنهــا إنشــدت إلـــى‬ ‫الماضي‪ ،‬أو هربت إلـى المام‪ ،‬ولذلك هيمن عليها الفكر القومي‬ ‫التقليدي والرومانسي‪ ،‬الذي ظل يخلط دائما ً بين الهوية والصل‪،‬‬ ‫علما ً بأن الصــل والهويــة شــيئان مختلفــان وليــس شــيئا واحــدًا‪.‬‬ ‫فالشد إلـى الصل كما يقول المرحوم إلياس مرقص ليس إلغــاء‬ ‫للوجود‪ ،‬بل هو إلغاء للمة ‪ :‬لن مفهوم الصل يحيل على العــرق‬ ‫والشعب العريق‪ ،‬وعلى اللغــة‪ ،‬وعلــى الجــوهر الثــابت المتعــالي‬ ‫على التاريخ‪ ،‬أو الوجود الماهوي‪ ،‬والرسالة الخالـدة‪ ،‬وينتـج وعيـا ً‬ ‫ذاتي ـا ً منشــدا ً نحــو الماضــي‪ ،‬ونحــو الــتراث والثقافــة التقليديــة‪،‬‬ ‫وأوهاما ً شتى حول العلقة بين القومية والدين ‪.‬‬ ‫ثانيا ً ‪ -‬على الرغم من ولدة الحركـات القوميـة فـي تـونس فـي‬ ‫المناخ الليبرالي‪ ،‬إل أنها قطعت مــع الليبراليــة منهجـا ً ورؤيــة‬ ‫سياسـية‪ .‬وإذا كانت الليبرالية حركة أوروبية‪،‬‬ ‫غربية‪ ،‬أي أوروبية غربية المنشأ والمركز‪ ،‬فإنهــا تعتــبر خيــرا ً‬ ‫كبيرًا‪ ،‬بالمقارنة‪ ،‬مع ما سبقها أو ما دونها‪ .‬كذلك الرأســمالية‬ ‫التي تعتبر شرا ً كبيرا ً بالمقارنة مع الشتراكية هي خيــر كــبير‬ ‫بالمقارنة مع القطاعية ‪.‬فالليبراليـة تركــز علــى الفـرد – الــذات الواعيـة –‬ ‫باعتبــاره أصــل المجتمــع المــدني‪ ،‬وعلــى الملكيــة الخاصــة‪،‬‬ ‫بوصفها هي « وحدها ما يجعل البشر أهل ً للحقوق السياسية‬ ‫»‪ ،‬وعلى الحرية اليجابية التي تفتح عادة البواب للمشــاركة‬ ‫السياسية للمجتمع المدني‪ ،‬والمرتبطة بهذا المعنــى منطقيـا ً‬ ‫على القل بالديمقراطية‪ .‬فل‬ ‫هوية بل اختلف كما يقول إلياس مرقص ‪ « :‬إذا ما ألغينا الفــراد‬ ‫وأكدنا الهوية لن يكون لدينا أي تطور‪ ،‬ولـن يكـون لـدينا سـوى "‬ ‫جـوهر " وهمـي للمـة‪ ،‬عنـدئذ ل نكـون إزاء مسـألة الهويـة‪ ،‬بـل‬ ‫بالحرى إزاء عقدة الهويــة‪ ،‬والفــرق كــبير إلـــى مــا ل نهايــة بيــن‬ ‫الهوية وعقدة الهوية‪ ،‬الهوية ذاتية وحقيقية‪ ،‬ثقة بالذات‪ ،‬استقلل‬ ‫فعلي‪ ،‬حرية‪ ،‬حرية للنسان فردا ً ومجتمعا ً وأمة»‪.‬‬ ‫وكانت الحركة الوطنيــة العربيــة فــي عصــر النهضــة العربيــة‬ ‫الولى قد ولدت في ظل الليبرالية‪ ،‬باعتبار أن هذه الخيرة كانت‬ ‫تمثل على الصعيدين الطبقي والجتماعي حركة سياسية تاريخية‬ ‫هي حركة حزب الطبقة الوسطى الميســورة‪ ،‬الــتي تحتــوي فــي‬ .

‬والبرجوازيـة فـي وطننـا العربـي‬ ‫ليست طبقة منتجة وبالتالي ليست طبقة قائدة‪ ،‬وجزء مــن‬ ‫عملية أو سيرورة العولمة الرأسمالية الجارية والمتســارعة‪،‬‬ ‫التي كانت تعني في الماضي أوربة العالم‪ ،‬وتعني اليوم فـي‬ ‫ظل نظام القطــب الواحــد أمركتــه‪ ،‬أي جعلــه أميركي ـا ً مــن‬ ‫خلل عولمة القتصاد و السياسة و الثقافة والعلم ‪.‫حركة التحرير الشعبية العربية ‪ -‬تونس‬ ‫ســيرورتها الطبقيــة علــى عــدة فئات متنوعــة‪ .‬فالديمقراطية هــي اعــتراف بجمــاهير هــذه المــة‬ ‫العربيـة‪ ،‬وهـي كتلـة كـبيرة مهملـة ويجـب أن تتحـول إلــى ذات‬ ‫تاريخية سياسية فاعلة ‪.‬فبدت لها الديمقراطية جملــة مــن الليــات الشــكلية‬ ‫كالنتخابـــات‪ ،‬وشـــيء مـــن حريـــة الصـــحافة المحـــدودة‬ ‫والمثلومة‪ .‬‬ ‫ثالثا ً ‪ -‬لم تحتل مسألة الديمقراطية الحيز الكــبير فــي الخطــاب‬ ‫السياسي للحركات القومية العاملة في تونس‪ ،‬وفي رؤيتهـا‬ ‫ما ينبغــي أن تكــون عليــه المــة العربيــة‪ ،‬وفصــلت مــا بيــن‬ ‫الستقلل والهوية القومية من جهة‪ ،‬والديمقراطية من جهة‬ ‫أخرى‪ .‬ولم تع الحركات القوميــة أن المســألة القوميــة‪،‬‬ ‫مسألة الهوية ووعي الذات أي الــوعي القــومي‪ ،‬فــي وضــع‬ ‫المة العربية التي تعاني من التأخر التاريخي‪ ،‬ومن التجــزئة‬ ‫بوصــفها محصــلة هــذا التــأخر التــاريخي للشــعب العربــي‪،‬‬ ‫والوضــاع المبرياليــة الناجمــة عنــه‪ ،‬وتعــبيرا ً عــن القــانون‬ ‫الموضوعي لعمل المبريالية في الــوطن العربــي‪ ،‬مرتبطــة‬ ‫أشد الرتباط بإنجاز الثورة الديمقراطية‪ ،‬الــتي تختلــف عــن‬ ‫الثورات الديمقراطية الوروبيـة فـي القرنيـن الثـامن عشـر‬ ‫والتاسع عشر‪ ،‬كما أنها تختلف عن ثورات التحاد السوفيتي‬ ‫والصين وفيتنام الخ‪ .‬‬ ‫وهكذا فالحركات القومية التي قطعت مع الليبرالية‪ ،‬لم تتبن‬ ‫بالمقابل الديمقراطية والدياكتيك‪ .‬‬ ‫وثانيهما ينســجم مــع الوثنيــة الرأســمالية و المبرياليــة‪ ،‬وتتبنــاه‬ ‫التيارات اللعقلنية والظلميــة والفاشــية‪ ،‬والبربريــة الميركيــة‬ ‫أشد صورها قتامة وفظاظة ‪.‬وظـل الفكـر القـومي العربـي‬ ‫على اختلف تياراته وتلوينــه منــذ عصــر النهضــة العربيــة الثانيــة‬ ‫والى يومنا هذا فـي عصـر الهزيمــة العربيـة الراهنــة يعيــش فـي‬ ‫الوضـعانية‪ ،‬ولـم يجسـد قطيعـة منهجيـة ومعرفيـة مـع المـذهب‬ ‫ظــُر للنتصــار‬ ‫الوضــعي اليجــابي والنكلوساكســوني‪ ،‬الــذي ي ُن َ ِ‬ ‫التــاريخي والنهــائي لليبراليــة الميركيــة المتوحشــة‪ ،‬والعولمــة‬ ‫الرأسمالية الجديدة‪ ،‬والدولــة التســلطية العربيــة‪ ،‬والتســوية مــع‬ ‫العدو الصهيوني ‪.‬لن الليبرالية اتخــذت فــي ســيرورة تطورهــا‬ ‫وارتقائها خطين متعارضين أو منفصلين‪ .‬‬ ‫ولــذلك‪ ،‬فــإن البرجوازيــة العربيــة الــتي ارتبطــت مباشــرة‬ .‬‬ ‫وعلى الرغم من هذا التزاوج بين الليبرالية و الديمقراطيـة‪،‬‬ ‫على صــعيد المثــل والقيــم فــي إطــار ارتباطهــا بنشــوء وتطــور‬ ‫الرأســمالية ضــمن سـيرورتها التاريخيـة‪ ،‬إل أن التعـارض يبقــى‬ ‫على قوته الزلية‪ .‬أمــا الديمقراطيــة فهــي موقــف اعــتراف بالكــائن‬ ‫والواقع‪ ،‬بذات الواقع والتاريخ‪ ،‬موقـف اعــتراف بالبشـرية الميـة‬ ‫صانعة التاريخ‪ .‬أحــدهما يرقــى باتجــاه‬ ‫الديمقراطيـــة والـــديالكتيك‪ ،‬والحـــال هـــذه يمكـــن أن نقـــول‬ ‫الديمقراطية في التاريخ تمثل التخطــي الــديالكتيكي لليبراليــة‪.‬وهـي تختلـف عـن الثـورات الوروبيـة‪،‬‬ ‫لن الثورات الوروبية قادتها البرجوازية الصاعدة‪ ،‬وارتبطت‬ ‫بظهـور الرأسـمالية وتطورهـا فـي مراكـز النظـام العـالمي‬ ‫وأطرافه على حـد سـواء‪ .‬وعلــى الصــعيد‬ ‫السياسي العربي يقول إلياس مرقص بأن الليبرالية هي اعتراف‬ ‫بنخبة طبقة وسطى‪ ،‬برجوازية‪ ،‬بمثقفين وأحزاب‪ ،‬بــدائرة حديثــة‬ ‫من مجتمعنا أي شكل من أشكال « شعب الله المختار » حديث‬ ‫و إيــديولوجي‪ .

‬والمشروع الصهيوني فوق كل ذلك شكل‬ ‫ول يزال الساس الموضوعي الثاني للمأزق العربي الراهن ‪.‬لهــذا‬ ‫السبب‪ ،‬فإن الحركات القومية التي اخــتزلت المشــروع القــومي‬ ‫العربي النهضوي في الحزاب الــتي تتبنــى إيديولوجيــة قوميــة أو‬ ‫مذهبا قوميًا‪ ،‬وساوت بين المشروع القومي‪ ،‬والحزاب القوميــة‪،‬‬ ‫ل ســيما تلــك الــتي وصــلت إلـــى ســدة الحكــم‪ ،‬ونظــرت إلـــى‬ ‫التجاهـــات الفكريـــة و اليديولوجيـــة و السياســـية المختلفـــة ‪:‬‬ ‫الســلمية والماركســية والليبراليــة الــتي تتجــابه وتتقــاطع فــي‬ ‫المجال السياسي و الثقافي للمة علــى أنهــا ليســت مــن المــة‪،‬‬ ‫فكرست بذلك رؤية حصرية وشمولية واحدية سائدة في الحركة‬ ‫السياســية العربيــة‪ ،‬وادعــت لنفســها احتكــار حــق تمثيــل المــة‪،‬‬ ‫والتحدث باسمها‪ ،‬كما يحتكر السلميون مثل ً حق تمثيل الســلم‬ ‫والتحدث باسمه‪ ،‬هذه الحركات منيت بهزيمة تاريخية عادلة‪ ،‬لنها‬ .‬‬ ‫فالمشروع الصــهيوني هــو ثنــائي التجــزئة داخــل معادلــة التبعيــة‬ ‫والتأخر‪ ،‬وتحويل العرب إلـى كيانية وجغرافية ل حول لها ول قوة‬ ‫داخل تاريخ العولمة الرأسمالية مباشرة‪ ،‬أو فــي البعــد القليمــي‬ ‫الصهيوني لهذا التاريخ‪ .‬‬ ‫وهكذا‪ ،‬فإن المشروع القومي العربي الــذي هــو خيــار المــة‬ ‫التاريخي السـتراتيجي‪ ،‬لـم يتأسـس علـى مفهـوم الديمقراطيـة‬ ‫بكــل منطوياتهــا المعرفيــة والفكريــة و السياســية و الجتماعيــة‬ ‫والقتصادية‪ ،‬الديمقراطية هــي الــتي تتبــدى فــي احــترام حقــوق‬ ‫النسان والمواطن‪ ،‬وفي إنجاز تحرير الــوطن كلــه مــن الحتلل‪،‬‬ ‫وكل أشكال التبعية المباشرة وغير المباشرة‪ ،‬لن الوطن العربي‬ ‫ل يســتطيع أن يقــرر مصــيره دون الســتقلل الكامــل والتحــرر‬ ‫الشامل‪ .‬فبنــت‬ ‫الدولة القطرية المحكومة لقانون التجــزئة والتبعيــة‪ ،‬والمتجاوبــة‬ ‫مع التقسيم المبريالي للعمل كما أقرته اتفاقيــة ســايكس بيكــو‪،‬‬ ‫بين المبرياليات المنتصــرة فــي الحــرب العالميــة الولــى‪ ،‬حيــث‬ ‫شكلت اتفاقية سايكس بيكو هذه ول تزال الســاس الموضــوعي‬ ‫الجتمــاعي – القتصــادي – السياســي للمــأزق العربــي الراهــن‪،‬‬ ‫مأزق غياب الشروط المادية لدولة الســوق القوميــة البرجوازيــة‬ ‫المدنية المعاصرة‪ .‫بالستراتيجية الشاملة للمبريالية والنظــام الرأســمالي العــالمي‪،‬‬ ‫وفق معادلت الجغرافية السياسية الخاصة بكل قطـر‪ ،‬لـم تعتـبر‬ ‫أن برنامج الثورة القومية الديمقراطية في تعارضــاته المحكومــة‬ ‫لقــانون الوحــدة ولدولــة الســوق القوميــة‪ ،‬هــو برنامجهــا‪ .‬‬ ‫والديمقراطية التي هي شكل ممارسة الحرية فــي المجتمــع‬ ‫المدني ودولة الحق والقانون‪ ،‬تقوم على أساس إقرار حق المة‬ ‫فــي الســتقلل والوحــدة‪ ،‬والتقــدم‪ ،‬بوصــف الديمقراطيــة قــوام‬ ‫المم الحديثة وشرط تقدمها القتصادي و الجتماعي والحضاري‪،‬‬ ‫فمن دون ديمقراطية ليس ثمة أمة حديثة ول وحدة قومية‪ .‬والديمقراطية تعني أيضا ً تصفية حدود التجزئة القطرية‪،‬‬ ‫حيث تقــوم المبرياليــة الميركيــة وربيبتهــا الصــهيونية بمحــاولت‬ ‫حثيثــة ومســتمرة عــبر المشــروع الشــرق أوســطي الجديــد‪،‬‬ ‫والتطــبيع‪ ،‬وتفجيــر الصــراعات الطائفيــة والثنيــة‪ ،‬إلـــى تحويــل‬ ‫التقسيم الكياني للقطار العربية إلـى مشاريع أمم – كيانية أيضًا‪،‬‬ ‫في ظل هزيمة المشروع القومي العربي ‪.‬وقد عمق هذا المأزق العربي وواكبه تأســيس‬ ‫الكيان الصـهيوني فـي قلــب المــة العربيـة‪ ،‬ودخـوله علــى خـط‬ ‫تقسيم العمل الـدولي المبريـالي فـي المنطقـة‪ ،‬ودوره كركيـزة‬ ‫للمبرياليــة المنتصــرة أل وهــي الوليــات المتحــدة الميركيــة‪.‬‬ ‫وأخطــر مــا تعــانيه المــة العربيــة الن هــو تلزم عمليــتي‬ ‫التهميــش والتفــتيت وتكاملهمــا اللــذين همــا مــن أبــرز خصــائص‬ ‫النظام الدولي الجديد‪ ،‬نظام الهيمنة الميركية التامة‪ ،‬الذي قــام‪،‬‬ ‫بعد أن حققت الوليــات المتحــدة الميركيــة انتصــارا ً فــي حربهــا‬ ‫مثلثة البعاد على أوروبا الغربية‪ ،‬وعلى حركات التحــرر القــومي‪،‬‬ ‫وعلى المعسكر الشتراكي ‪.

‬فمفهوم المة ل ينفصل في الساس والمبدأ عن‬ ‫مفهوم المجتمع المدني‪ ،‬باعتباره شكل التوسط بين المــة الــتي‬ ‫تتجسد واقعيا ً وعياني ـا ً علــى قاعــدة التعــدد والختلف والتعــارض‬ ‫وبين الفــراد والجماعــات والفئات والطبقــات الجتماعيــة‪ ،‬وبيــن‬ ‫الدولــة القوميــة الديمقراطيــة الــتي تفســح فــي المجــال لنمــو‬ .‬فهــذه الحركــات القوميــة تفتقــر‬ ‫إلـى المنهــج النظـري الـديالكتيكي والرؤيـة التاريخيــة‪ ،‬الـتي‬ ‫تأخــذ بعيــن العتبــار مختلــف المعطيــات المتصــلة بالســياق‬ ‫والمرحلة التاريخية للمسألة القوميــة‪ ،‬مــن أجــل إعــادة بنــاء‬ ‫وعي قومي ديمقراطي‪ ،‬وإعادة بناء الروابط المنطقيــة بيــن‬ ‫الفكر والخلق و السياسة وتحديد مجال كل منهــا ووظيفتــه‬ ‫الجتماعية‪ ،‬وتعزيز الروح النقديـة باعتبارهـا أخــص خصـائص‬ ‫الفكر‪ ،‬وقوام العقل النقدي الذي ينفي باستمرار والى مــا ل‬ ‫نهايــة‪ .‬‬ ‫وبعد الخفاقات التي عرفتها التجارب الوحدوية العربية‪ ،‬ومــا‬ ‫نتج عنها من سلبيات متكررة‪ ،‬فإن النصوص السياسية للحركــات‬ ‫القوميــة فــي تــونس‪ ،‬بــدت وكأنهــا أصــبحت تبتعــد عــن العروبــة‬ ‫والقومية في صيغتها الناصرية والبعثية وغيرها‪ ،‬ولم تهيــئ الفئات‬ ‫السياســية التونســية لتبنــي الطروحــة القائلــة بضــرورة بلــورة‬ ‫مفهوم المة العربية على أساس مقولتي المجتمع المدني ودولة‬ ‫الحق والقانون‪ .‫حركة التحرير الشعبية العربية ‪ -‬تونس‬ ‫لم تكن ديمقراطية ‪.‬‬ ‫مل الفكر القومي التقليدي الستعمار ثم المبرياليــة و‬ ‫لقد َ‬ ‫ح ّ‬ ‫الصــهيونية مســؤولية هزيمــة المشــروع القــومي العربــي‪ .‬وهــذا‬ ‫نصف الحقيقة‪ ،‬فــالمتتبع لتاريــخ الصــراع فــي ‪ /‬وعلــى المنطقــة‬ ‫العربية يلحظ بسهولة معنى التركيز العربي المبريالي الصهيوني‬ ‫الدائم على ضـرب الحلقـات القوميـة‪ ،‬كلمـا فكـرت فـي تحويـل‬ ‫المشروع القومي إلـى واقع حي ) ضرب النهضة العربية الولــى‬ ‫فـي عهـد محمـد علـي‪ ،‬والنهضـة العربيـة الثانيـة فـي عهـد عبـد‬ ‫الناصــر‪ ،‬وضــرب ســوريا والعــراق‪ ،‬واســتنزاف الجــزائر (‪ .‬لكــن‬ ‫النصف الثاني من الحقيقة يكمن فــي أن الحركــات القوميــة لــم‬ ‫تطــرح المســألة القوميــة كجــزء أساســي مــن الثــورة القوميــة‬ ‫الديمقراطيـــة المعاديـــة للســـتعمار و المبرياليـــة والصـــهيونية‬ ‫والرجعية العربيــة‪ ،‬ولهــذا فقــد أنتجــت نمــوذج الدولــة البوليســية‬ ‫القطرية‪ ،‬العاجزة بنيويا ً عن توفير الحد الدنى من شروط الثورة‬ ‫القومية الديمقراطية ) التنميــة‪ ،‬الســوق القــومي‪ ،‬الديمقراطيــة‪،‬‬ ‫استكمال السيادة القومية على الرض القومية (‪ ،‬والـتي أضـحت‬ ‫مظهــرا ً مــن مظــاهر التكيــف مــع منطــق التوســع الرأســمالي‬ ‫وشروط التبعية‪ ،‬أي مظهــر مــن مظــاهر نقــص اســتقلل المــة‪،‬‬ ‫واستلب حريتها‪ ،‬وقدرتها على السيطرة وعلى مواردها وثرواتهــا‬ ‫ومقدارتها‪ ،‬والــتي اســتمدت شــرعيتها وحراكهــا الجتمــاعي مــن‬ ‫الضرورات والستحقاقات الخارجية‪ ،‬سواء في بعدها الســوفياتي‬ ‫أو الميركي ‪.‬‬ ‫رابعا ً ‪ -‬من خلل قــراءة الدبيــات والبيانــات الصــادرة عــن هــذه‬ ‫الحركات القوميــة فــي تــونس‪ ،‬فــإن هــذه الخيــرة لـم تعــن‬ ‫بالمسألة الفكرية‪ ،‬لجهة إعادة تأصيل فكري لمفهوم القومية‬ ‫الحديثـة‪ ،‬الـذي ل يقتصــر علــى التيــار الفكــري القـائم علـى‬ ‫المذهب القومي‪ ،‬ول على الحــزاب الــتي تتبنــى إيديولوجيــة‬ ‫قوميــة‪ ،‬بقــدر مــا هــو مفهــوم يشــمل مختلــف التجاهــات‬ ‫والتيــارات والحركــات السياســية الــتي تعمــل فــي المجــال‬ ‫الفكري – السياسي للمــة‪ .‬كمــا تجلــى عــدم إعـادة العتبــار للفكــر النقــدي فــي‬ ‫القطيعة التي جســدتها هــذه الحركــات القوميــة مــع الــتراث‬ ‫النهضوي في القرن التاسع عشر ) خير الدين التونسي على‬ ‫سبيل المثال (‪ ،‬والتفريط في منجزات التحديث الكولونيالي‪،‬‬ ‫حيث كان خطابها يشد إلـى المجتمــع التقليــدي مثــل » أمــة‬ ‫عربية واحدة ذات رسالة خالدة«‪.

‬‬ ‫والحال هذه‪ ،‬فــإن الحركــات القوميــة فــي تــونس إذا أرادت‬ ‫استخلص العبر من تجارب الماضي‪ ،‬عليها أن تعــي أن أطروحــة‬ ‫الوحدة العربية التي ل مفر منها‪ ،‬بوصفها ضــرورة وشــرط تقــدم‬ ‫المة العربية‪ ،‬ل يمكن لها أن تنجز وتتحقق واقعيا ً وعيانيـا ً إل فــي‬ ‫سياق الثورة القومية الديمقراطية‪ ،‬التي ل تزال بكــل منطوياتهــا‬ ‫الفكريــة و الجتماعيــة و السياســية و القتصــادية علــى جــدول‬ ‫أعمال المة ‪.‬ولــم تتمكــن هــذه الدولــة القطريــة التابعــة‬ ‫والكمبرادورية‪ ،‬منذ قيامهــا حــتى الن مــن « خلــق » المــة‪ ،‬بــل‬ ‫على العكس من ذلك نجحت في منــع المــة مــن إقامــة وحــدتها‬ ‫وبناء دولتها الديمقراطية‪ ،‬لنه الدولـة القطريـة قـامت‪ ،‬ول تـزال‬ ‫قائمــة علــى أســاس تغييــب الشــعب وتهميشــه‪ ،‬وتحويلهــا إلـــى‬ ‫سلطة غاشمة استبدادية منفصلة عن المجتمع ومسيطرة عليــه‪،‬‬ ‫على حد قول جاد الكريم الجباعي ‪.‬ولــم تــع هــذه الحركــات القوميــة أن‬ ‫المسألة الديمقراطية تؤسس لحل تاريخي للمسألة الجتماعيــة‪،‬‬ ‫وللوحدة العربية في آن معًا‪ .‬‬ ‫وفضل ً عن ذلك‪ ،‬فقــد كــانت الحركــات القوميــة فــي تــونس‬ ‫متخلفة عن الوعي بأهمية المسـألة الجتماعيـة وعمـق ارتباطهـا‬ ‫بالمسألة الديمقراطية‪ ،‬وهونت من شأن هذه المسألة‪ ،‬وفصــلت‬ ‫المســألة الديمقراطيــة عــن المســألة الجتماعيــة‪ ،‬والمســألة‬ ‫القومية‪ ،‬والوحــدة العربيــة‪ .‫ســيرورة المجتمــع المــدني الحــديث‪ ،‬الــذي تتحقــق فيــه الهويــة‬ ‫القومية مع حرية الفرد وحقوق النسان والمــواطن‪ ،‬والــتي تعــبر‬ ‫سياسـيا ً وحقوقيـا ً عــن الكــل الجتمــاعي‪ ،‬أي عـن الشـأن العـام‬ ‫المشترك بين جميع المواطنين‪ ،‬وعن ســيادة الشــعب‪ ،‬وتتطــابق‬ ‫هويتها مع هوية المجتمع‪ ،‬وتجسد خطـا ً عــدائيا ً جــذريا ً للمبرياليــة‬ ‫الميركية و الكيان الصهيوني والرجعية العربية ‪.‬‬ ‫‪‬‬ .‬‬ ‫الوعي القومي لـدى الحركـات القوميـة فـي تــونس مـا زال‬ ‫متخلفًا‪ ،‬ولم يرتق بعد إلـى مستوى نقد الفكر القومي التقليــدي‪،‬‬ ‫الذي يمتلك تصورا ً ميتافيزيقيا ً للمة‪ ،‬بوصفها جوهرا ً خالدا ً يتجلــى‬ ‫في « دولة قومية » مصممة قبليا ً ) مسبقة الصنع (‪ ،‬وهو تصــور‬ ‫مــع تأويــل محــافظ ورجعــي للفكــرة الهيغليــة‪ ،‬فكــانت الدولــة "‬ ‫القطرية " الحاضرة هي الشكل السياســي لوجــود المـة الغائبــة‬ ‫حسب ميشال كيلــو‪ .‬ولم تــدرك هـذه الحركـات القوميــة‬ ‫أيضا ً أن التضحية بالمســالة الديمقراطيــة‪ ،‬والمســألة الجتماعيــة‬ ‫في سبيل الوحدة العربية‪ ،‬هي تضحية بهن جميعا ً ‪.

‫القســم الثانـي‬ ‫المعارضـــة اليســاريــة‬ ‫الشيوعية التقليدية‪،‬و « اليسار‬ ‫الجديد»‬ .

.

‫الفصل السادس‪:‬‬ ‫المسألة الوطنية في وعي‬ ‫الحزب الشيوعي التونسي‬ ‫من أن قانون تنظيم الحزاب السياسية الجديد‪ ،‬الــذي اقــر‬ ‫في تونس بعد مجيء سلطة الســابع مــن نوفمــبر عــام ‪،1987‬‬ ‫يقصــي الحركــات الســلمية والقوميــة‪ ،‬إل أن قضــية القــوميين‬ ‫علــى اختلف تيــاراتهم وأحزابهــم‪ ،‬احتلــت صــدارة الحــداث‬ ‫الوطنية‪ ،‬عندما استقال السيد عبد الرحمن التليلي من عضــوية‬ ‫اللجنــة المركزيــة للتجمــع الدســتوري الــديمقراطي‪ ،‬فــي أول‬ ‫خريف عام ‪ ،1988‬وكلفه الرئيس بن علي ببعث حــزب قــومي‬ ‫جديد يوحد صفوف الناصرين والبعثيين ويكون طرفا ً في الحياة‬ ‫السياسية مثل بقية العائلت الفكـرية ‪.1907‬ثم بعدها )‪ .‬وقد أحدث الستعمار تحولت عميقة في المجتمع‬ ‫التونسي )خاصة بعد الحرب العالمية الولى(‪ ،‬لجهة وجود نظام‬ ‫اقتصادي مزدوج‪ ،‬فمن ناحيــة‪ ،‬نجــد اقتصــادا ً عصــريا ً رأســماليا ً‬ ‫يتحكم فيه الوروبيون‪ ،‬ومن ناحية أخرى نجــد اقتصــادا ً متخلف ـا ً‬ ‫يقوم على علقات إنتاج ما قبل رأسمالية‪.‬وإضافة إلى ذلك شهدت تــونس اســوا ً‬ ‫محاصـــيل زراعيـــة منـــذ ‪ 50‬عامـــا ً مـــا بيـــن )‪،(1924-1920‬‬ ‫فاندلعت إضرابات عشوائية جرت جماهير عمالية هامة أغلبهــم‬ ‫غيــر منخرطيــن فــي نقابــات تلــك الفــترة )النقابــات التابعــة‬ ‫للكونفدرالية العامة الموحــدة للشــغل‪ ،‬أو للكونفدراليــة العامــة‬ ‫للشغل(‪ .‬وقام عمال رصيف‬ ‫تونس بــأول إضــراب مهــم فــي ‪ 13‬آب ‪ ،1924‬وانــدلعت عــدة‬ ‫إضرابات أخرى مساندة له في مدن بنزرت وصفاقس‪ ،‬قام بها‬ ‫عمال الرصيف و المطاحن ‪.‬‬ ‫وكان لهذه التحولت أثرهــا الكــبير علــى التونســيين‪ ،‬حيــث‬ ‫أصبحت مشكلة البطالة تخصــهم وحــدهم وتجعلهــم يــرون فــي‬ ‫نظرائهم الفرنسيين كمنافســين ل يحتمــل حضــورهم‪ ،‬مــن هنــا‬ ‫نشأ تباين واضح فــي الهتمامــات الساســية لكــل مــن العمــال‬ ‫التونسيين والفرنسيين‪ .(1921 -1919‬وكــانت رد‬ ‫فعل التونسيين على سيطرة الستعمار الفرنسي‪ ،‬الذي رفضته‬ ‫أكثريــة الســكان لســباب متعــددة دينيــة واقتصــادية وثقافيــة‬ ‫وأيديولوجية‪ .‬‬ ‫وأمام تجذر نضال الحركــة العماليــة التونســية‪ ،‬تشــكل أول‬ ‫تنظيم للحركة النقابية التونسية‪ ،‬على يد الزعيم النقابي محمــد‬ ‫علي الحامي‪ ،‬الذي ولد بالحامة قرب قابس‪ ،‬ثم كــونته تجــارب‬ ‫عديدة عاشها في أثناء حرب طرابلس سنة ‪ ،1911‬وفي تركيــا‬ .‬في خضم ذلك‪ ،‬اندلعت الضرابات في وقت لــم يكــن‬ ‫معترفا ً فيه بحق الضراب وتكوين النقابات‪ .‬‬ ‫‪ .1‬ظروف نشأة الحزب الشيوعي ‪:‬‬ ‫ولــدت الحركــة الوطنيــة التونســية قبــل الحــرب العالميــة‬ ‫الولى ‪ 1912 .

T.U .‬ج‪ -.‫زمن الحرب وحتى في برلين بعد الحـرب‪ .G.‬وعنــدما رجــع إلــى‬ ‫تــونس فــي آذار مــن ســنة ‪ 1924‬بــادر إلــى إنشــاء جمعيــات‬ ‫التعــاون القتصــادي وشــركات اســتهلكية )صــيف ‪ (1924‬كمــا‬ ‫ساند الضرابات التي شنها عمــال رصــيف تــونس وبنــزرت آب‬ ‫وأيلول‪ ،‬وأخيرا ً أســس نقابــات تونســية مســتقلة عــن النقابــات‬ ‫الفرنسية بتونس وصفاقس وقابس وقفصة وبنزرت )بداية مــن‬ ‫شهر تشرين أول )أكتوبر( ‪ .‬‬ ‫ذات النزعة الشيوعية التي كــان يمثلهــا فينيــدوري ‪FINUDORI‬‬ ‫مدير جريدتها "المستقبل الجتماعي " على عكس الشتراكيين‬ ‫الــذين ناصــبوها العــداء‪ ،‬مثلهــم فــي ذلــك مثــل الســلطات‬ ‫الستعمارية الفرنسية‪،‬التي قضت على أول تجربة نقابية محلية‬ ‫في المهد حين تعرض محمد علــي ورفــاقه إلــى أحكــام قاســية‬ ‫في أواخر تشرين ثاني )نوفمبر( ‪ ،1925‬واتهمتهم بتــدبير تــآمر‬ ‫دستوري‪ -‬شيوعي‪.‬‬ ‫‪1‬‬ ‫‪2‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةة ة ةةة ةةة ةةة ةةة‪ -‬ةةةة ة ة ةةة‪ -‬ة ة‬ ‫ةة ةة ة ة ةة ة ةةةةةة ة ةة ة ةةةة ةةةةة‪-‬‬ ‫ةةةة ةةةةة‪ -‬ة ةةة ةةةةة ة ةةةةةة ة ‪) 1985‬ة‬ ‫‪.‬‬ ‫ونشط هذا التنظيم الشيوعي في المجال الدعاوي‪ ،‬وأصدر‬ ‫العديد من الصحف أبرزها‪ :‬حبيب المــة‪ ،‬حــبيب الشــعب‪ ،‬الــتي‬ ‫أخذت على عاتقها مهمة نشر الدعاية الشيوعية فــي الوســاط‬ ‫الشــعبية‪ .‬ج‪ .‬ت‪ .‬تـ ا " ‪ CGTU‬بتزكية‬ ‫ـاس مــن قبــل بعــض‬ ‫مــن الحــزب الدســتوري وبمســاعدة وحمـ‬ ‫)‪(1‬‬ ‫أعضائه )توفيق المدني‪ ،‬الطاهر الحداد(‪.‬م‪C.‬وعلى الرغـم مــن طـابعه الصــلحي‪ ،‬إل أن برنـامجه‬ ‫السياسي كان يطالب بالدرجــة الولــى بدســتور يضــمن تمــثيل ً‬ ‫ديمقراطيا ً للمساكنين من تونســيين وفرنســيين ويقيــم حكومــة‬ ‫مسؤولة أمــام برلمــان منتخــب‪ ،‬ويضــمن الفصــل بيــن الســلط‬ ‫ومساواة الجميع أمام القانون والحريات العامة‪..1924‬وفي ‪ 19‬كانون ثاني تكــونت‬ ‫)جامعة عموم العملة التونسيين( "س‪ .‬‬ ‫إلــى جــانب هــذا النشــاط النقــابي‪ ،‬ظهــرت بــواكير الخليــا‬ ‫الشيوعية في تونس في أوســاط الجاليــات الوروبيــة المقيمــة‬ ‫فــي البلد ‪ -‬أي فــي صــفوف الفرنســيين واليطــاليين واليهــود‬ ‫التونســيين‪ -‬بعــد انتصــار ثــورة أكتــوبر الشــتراكية فــي روســيا‬ ‫القيصرية‪ .‬وقد عقدت هذه الخليا مؤتمرها التأسيسي باعتبارها‬ ‫أول تنظيم شيوعي يتأسس فــي تــونس بضــاحية حلــق الــوادي‬ ‫على يد النخبة الوروبية في ‪ 48‬كــانون أول )ديســمبر( ‪،1921‬‬ ‫وبوصفه جناحا ً تابعا ً للفرع الفرنسي للممية الشيوعية‪..‬‬ ‫ولقيت جامعة عموم العملــة التونســية مســاندة مــن نقابــة‬ ‫الكونفدرالية العامــة للشــغل الموحــدة س‪ .(117‬‬ ‫)( ‪ -‬ة ةةة ةةة ةة ةةة ةةةة ةةةةةة ة ‪ -‬ة ةةة‬ ‫ة ةةةةةة ةة ةةةةة ةةةةة ة ةةة ةةةة‬ ‫ةةةةة ةةةة ‪) 1982‬ة ‪.‬‬ ‫وكان الشــيوعيون التونســيون الطــامحون إلــى بنــاء حــزب‬ ‫بروليتاري يكون قادرا ً على قيادة الحركة الوطنية الديمقراطيــة‬ ‫التونسية‪ ،‬منخرطين كليا ً في النضال الوطني‪ ،‬يشهد على ذلــك‬ ‫مساندتهم للحزب الحر الدستوري‪ ،‬الذي تأسس علــى يــد عبــد‬ ‫العزيز الثعالبي وثلة من النخبة المثقفة ذات التكــوين الجــامعي‬ ‫الفرنسي‪ ،‬ومــن أعيــان تــونس فــي العــام ‪ ،1920‬والــذي كــان‬ ‫يعتــبر أول حــزب سياســي جمــاهيري يقــود الحركــة الوطنيــة‬ ‫التونسية‪ .(9‬‬ .‬ولكــن ســلطات الحتلل الفرنســي‪ ،‬قــامت بمنــع‬ ‫حي‪(2‬ــن صــدر‬ ‫الصحف‪ ،‬وتعطيلها‪ ،‬وخاصة في بداية العــام ‪،1922‬‬ ‫مرسوم يقضي بمنع الدعاية الشيوعية باللغة العربية ) ‪.

‫المسألة الوطنية‬ ‫في وعي الحزب الشيوعي التونسي‬ ‫حدد الشيوعيون في مطالبهم السياسية مطلب الســتقلل‬ ‫السياسي لتونس‪ ،‬لكنهم في أواخر العشرينات‪ ،‬غيروا مــوقفهم‬ ‫مــن الحــزب الحــر الدســتوري )القــديم( وأصــبحوا يجــاهرون‬ ‫بعــدائهم لــه‪ .‬‬ ‫وقد رفع الشيوعيون شعارات صحيحة مثل‪ :‬عروبــة فلســطين‪،‬‬ ‫واعتبار الصهيونية أداة في أيدي المبرياليــة النكليزيــة‪ ،‬وانتفــاء‬ ‫الطابع القومي عن الحركة الصهيونية‪.‬يمكن إيجازها على النحو التالي‪:‬‬ ‫ا ‪ -‬تفريغ صهيونية تيودور هرتزل من أي مضــمون سياســي‬ ‫وتحميلها مضامين إنسانية وخيرية فقط‪.(3‬‬ ‫وعلى الصعيد العربي‪ ،‬تصدى الشــيوعيون التونســيون مــن‬ ‫مواقع نظرية للحركة الصهيونية العالمية في الســنوات ‪،1922‬‬ ‫و ‪ ،1923‬و ‪ ،1925‬وأفردوا على صفحات جريدتهم "المستقبل‬ ‫الجتماعي" الناطقة بالفرنسية عدة مقــالت حــول الصــهيونية‪.‬‬ ‫‪ -3‬النظر إلى الحركة الصهيونية العالمية المرتبطة بالــدول‬ ‫المبريالية‪ ،‬بصفتها مجرد مسـتغل لقـوة عمـل العـرب‪،‬‬ ‫في حيــن أن لهــا أهــدافا ً أقــوى كــانت تعنــى بتحقيقهــا‪،‬‬ ‫باعتبارهــا ممثلــة لمصــالح الــبرجوازيين اليهــود الكبــار‪،‬‬ ‫ومظهرا ً من مظاهر المبريالية‪.(4‬‬ ‫‪ .‬لكــن‬ ‫بــالرغم مــن هــذا الموقــف الخــاطئ مــن الحــزب الدســتوري‬ ‫واصــل الشــيوعيون تمســكهم بشــعار الســتقلل‬ ‫)القديم(‪ ،‬فقد‬ ‫السياسي للبلد )‪.‬وهــذا النقلب فــي الموقــف يعــزى إلــى المميــة‬ ‫الثالثــة الــتي طرحــت آنــذاك شــعار "طبقــة ضــد طبقــة"‪ .(311‬‬ .(315‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةةة ةةةةةة )ة ‪.‬‬ ‫‪ -2‬اختزال التفاوتات الطبقية لليهود المتواجدين في أوروبـا‬ ‫إلــى برجوازيـة كـبرى وبروليتاريـا‪ ،‬ممـا نتـج عنـه عــدم‬ ‫التعرض ولو بلغة التمتمة إلى الدور الكبير الــذي لعبتــه‬ ‫البرجوازية الصغيرة والمتوسطة في الحركة الصهيونية‬ ‫العالمية‪.‬‬ ‫‪ -4‬الســقوط فــي النظــرة " القتصــادية" اللماركســية‪ ،‬اذ‬ ‫ليــس مــن الصــواب القــول إن "اللســامية"‪ ،‬ســتزول‬ ‫بصفة آليــة حيــن تــزول قاعــدتها المتمثلــة فــي النظــام‬ ‫القطــاعي‪ ،‬فأشــرس موجــات اللســامية قــد عرفتهــا‬ ‫البشرية في مرحلة التراكم البدائي لرأس المال نتيجــة‬ ‫الصراع الضاري بيــن البرجوازيــات الوروبيــة الصــاعدة‬ ‫المبرياليــة حيــث عــانى‬ ‫والتجــار اليهــود‪ ،‬وفــي مرحلــة‬ ‫اليهود كثيرا ً من الهمجية النازية )‪.‬‬ ‫لكن تحليلت الشيوعيين التونســيين تنطــوي علــى ثغــرات‪،‬‬ ‫كما يقول ذلك الدكتور الهــادي التميمــي فــي مقــالته عــن )دور‬ ‫القضية الفلسطينية فــي تعميــق الــوعي العربــي فــي المغــرب‬ ‫العربي‪ ،‬مثال تونس(‪ .2‬مرحلـــة الثلثينـــات ‪ -‬المســـالة الوطنيـــة‬ ‫والشيوعية ‪:‬‬ ‫كــان للزمــة القتصــادية العالميــة ‪،1929‬الــتي ظهــرت‬ ‫‪3‬‬ ‫‪4‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةة ةةةةة ةةةةةة ةة ةةةة ةة ةةةةة ة‪-‬‬ ‫ةةةةة ة ة ة ةةة ةةةةة‪ -‬ةةة ة ةة ةة‬ ‫ةةةةةةة‪ -‬ةةة ةةة ةةةةةة ة‪ -‬ةةة ة ةةةة ةة‬ ‫ةةةة ةة ةةةةةة ة ةةةةة ة ةةةةة ة ةةة ةة‬ ‫‪ ) 1986‬ة ‪.

‬‬ ‫ومــع تــولي الجبهــة الشــعبية الحكــم فــي فرنســا عقــب‬ ‫النتخابات التي جرت في شهر أيار ‪ ،1936‬ولدت آمال عريضة‬ ‫في تونس اغتنمها الشيوعيون لكي يدخلوا معترك النشاط فــي‬ ‫الوساط النقابية والجماهيرية ويحدثوا فروعا ً جديدة فــي البلد‪،‬‬ ‫ويطــالبوا بتحقيــق إصــلحات ديمقراطيــة مــن بينهــا تمثيــل‬ ‫التونسيين في صلب مجلس منتخب وحكومة مســؤولة‪،‬والنظــر‬ ‫فــي إصــلح النظــام الداري والقضــائي لمصــلحة التونســيين‪،‬‬ ‫وأخيرا ً إصلحات اقتصادية واجتماعية مثل إقرار ثماني ســاعات‬ ‫عمل في اليوم‪ ،‬والعطلة الســبوعية‪ ،‬وتبنــوا فــي الــوقت عينــه‬ ‫"المسالة الوطنية" كما طرحتها حكومــة الجبهــة الشــعبية لحــل‬ ‫مسألة المستعمرات‪.(6‬‬ ‫ إقرار اســتقللية الحــزب‪ ،‬وتســميته « الحــزب الشــيوعي‬‫بالقطر التونسي»‪.‬‬ ‫مــع صــعود هتلــر إلــى قمــة هــرم الســلطة السياســية فــي‬ ‫‪5‬‬ ‫‪6‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةة ةةةةةة ةةةةةة‪ -‬ةةةة ةةةة )ة ‪.‫انعكاساتها على البلد التونسية منذ سنة ‪ ،1931‬حين انخفضت‬ ‫أســعار المــواد الزراعيــة )القمــح والزيــت( الــتي مســت صــغار‬ ‫الفلحين‪ ،‬وانتهاج ســلطات الحتلل الفرنســية سياســة تــوطين‬ ‫الفرنسيين في تونس‪ ،‬وتجنيس التونسيين بالجنسية الفرنسية‪،‬‬ ‫إسقاطاتها المدمرة لجهة جعل الوضع في تونس متفجرًا‪.‬‬ ‫وقد توج الشيوعيون التوانسة نشاطاتهم على صعيد ترتيب‬ ‫وضعهم التنظيمي باتخاذ قرار "تونســة" الحــزب‪ ،‬وجعلــه حزب ـا ً‬ ‫وطنيًا‪ ،‬منفصل ً عن الحـزب الشـيوعي الفرنسـي‪ ،‬حيـث عقـدوا‬ ‫في الفترة الواقعة ما بين ‪ 22-21‬أيــار ‪ ،1939‬وكــان‬ ‫مؤتمرهم‬ ‫من نتائجه )‪.‬‬ ‫وأفضت الحملة النشيطة التي قــام بهــا أولئك المنشــقون إلــى‬ ‫انعقــاد مــؤتمر قصــر هلل فــي الســاحل التونســي يــوم ‪ 2‬آذار‬ ‫)مارس(‪ ،1934(5‬ومن ذلك المؤتمر سينشأ الحــزب الدســتوري‬ ‫الجديد ) ‪.‬‬ ‫ضــمن هــذا الســياق مــن بدايــة تجــذر الحركــة الوطنيــة‬ ‫التونســية‪ ،‬واصــل الشــيوعيون التونســيون نشــاطهم بوصــفهم‬ ‫ممثليــن عــن الفــرع التونســي للحــزب الشــيوعي الفرنســي‪،‬‬ ‫منسجمين كل النســجام مــع الخــط الــوطني العــام‪ ،‬وتعرضــوا‬ ‫للقمع والضــطهاد مــن جــانب الســلطات الفرنســية علــى نحــو‬ ‫خاص في أيلوك ‪ ،1934‬حين قامت هذه الخيرة باعتقال ونفي‬ ‫قيادات الحزب الدستوري الجديد إلـى جنـوبي البلد‪ ،‬ومنـع كـل‬ ‫نشاط سياسي إلى جانب قيادات الحركــة الشــيوعية التونســية‬ ‫أمثال محمد وعلي جراد وحسن السعداوي‪.(11‬‬ .‬‬ ‫فاســتفاقت الحركــة الوطنيــة التونســية تحــت تــأثير قضــية‬ ‫التجنيس‪ ،‬واستعاد الحــزب الدســتوري )القــديم( نشــاطه أيضـا ً‬ ‫بفضل عمل النخبة المثقفــة الــتي زاولــت تعليمهــا العــالي فــي‬ ‫الجامعات الفرنسية‪ ،‬والتي دخلت في صراع مفتوح مع القيــادة‬ ‫التقليديــة للحــزب‪ .‬وفــي أواخــر ســنة ‪ ،1933‬انشــق الزعمــاء‬ ‫الجــدد الخــوان محمــد والحــبيب بورقيبــة‪ ،‬والــدكتور المــاطري‬ ‫والمحاميان الطاهر صفر والبحــري قيقــه‪ ،‬عــن قيــادة الدســتور‬ ‫القديمـة‪،‬وجعلـوا يقاومونهـا ليمسـكوا بأيـديهم مقاليـد الحـزب‪.(122‬‬ ‫)( ‪ -‬ة ةةة ةةة ةة ةةة ةةةة ةةةةةة ة‪ :‬ة ةةة‬ ‫ة ةةةةةة ةة ةةةة ةةةةة ةة ةةة ةةةة‬ ‫ةةةةة ةةةة ‪ 1982‬ة ) ‪.‬‬ ‫ تولي التونسيين قيادة الحزب‪ ،‬وانتخاب علي جــراد أمينــا ً‬‫عامًا‪.

‬وكــان هــذا الموقــف يعنــي مــن الناحيــة‬ ‫السياسية العملية‪ ،‬مهادنة الحزب الشيوعي التونسي الستعمار‬ ‫الفرنســي‪ ،‬والوقــوف ضــد اســتمرار الكفــاح التحــرري الــذي‬ ‫سيطرته‪ .(1946‬‬ .‬‬ ‫وفي المرحلة التي كــانت فيهــا الحركــة الوطنيــة التونســية‬ ‫ترفع شعار السـتقلل السياســي‪ ،‬باعتبـاره شــعارا ً قــادرا ً علــى‬ ‫تعبئة الجماهير التونســية‪ ،‬كــان الحــزب الشــيوعي يشــير علــى‬ ‫مناضــليه « إن الشــيوعيين يــرون أن المســألة فــي الظــروف‬ ‫الحاليــة ليســت مســالة اســتقلل ولكــن تتمثــل فــي استئصــال‬ ‫مخلفــات الفاشــية وســحق القــوى الجتماعيــة الــتي ولــدتها‬ ‫وساندتها‪ :‬الحتكارات القتصادية وكبار المعمرين والقطــاعيين‬ ‫» )‪ .‬وقد‬ ‫صرحت سكرتارية الحــزب الشــيوعي بتــونس فــي نــداء مــوجه‬ ‫للشعب في حزيــران )جــوان( ‪ ،1944‬جــاء فيــه مــا يلــي‪ « :‬إن‬ ‫المعركة الـتي نخوضــها يجـب أن تتواصـل حـتى تحريـر فرنسـا‬ ‫الكلي إلى حد القضاء على الهتليريــة عــدو النســانية‪ ،‬وســيحدد‬ ‫مصير تونس بهذه المعركة وسيبرز أثر نهايتهــا المنتصــرة عـالم‬ ‫أفضل‪ ،‬عالم تخلص من الضطهاد النــازي‪ ،‬حيــث تكــون تــونس‬ ‫فتســيران إلــى المــام‬ ‫وفرنسا مشاركتين في مجموعــة أخويــة‬ ‫)‪(7‬‬ ‫نحو المزيد من الحرية والعيش الكريم » ‪.‬وكــانت اســتراتيجية الحــزب لـم تعــر أهميــة للتنــاقض‬ ‫الحاصل بين الشعب التونسي والمبريالية الفرنســية‪ ،‬رغــم مــا‬ ‫يكسبه هــذا التنــاقض مــن طــابع عــدائي‪ ،‬حيــن أكــدت ضــرورة‬ ‫التحالف مع "الديمقراطيات الغربية" ضد الفاشية والنازية‪ .(8‬وفي تجمع أقيم يوم ‪ 7‬تشــرين الثــاني )نوفمــبر( ‪،1943‬‬ ‫وصف على جراد المين العام للحزب المنصف باي الذي اعتلى‬ ‫عــرش تــونس فــي حزيــران )جــوان( ‪ ،1942‬وكــان ذو نزعــة‬ ‫وطنية‪،‬ومثقفا ً بل كان أكثر ثقافة من كــل الــذين اعتلــوا عــرش‬ ‫‪7‬‬ ‫‪8‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةة ةةةة ةةةةةة ةةة ة ةة ‪ 13‬ةةة ةة ‪15‬‬ ‫ةةةةةة ‪.‬‬ ‫ً‬ ‫لقد أثرت هذه المواقف سلبيا في قــوة الحــزب الشــيوعي‬ ‫التونسي وتطوره في ساحة العمل الوطني‪ ،‬وفــي صــراعه مــع‬ ‫الحزب الدستوري‪ ،‬وأقامت انفصال ً بينه وبين الحركــة الوطنيــة‬ ‫التونسية التي نهجت المواجهة مع الستعمار الفرنســي بطــرق‬ ‫متعــددة‪ .‬‬ ‫وأمام انتهاج التحاد السوفياتي سياســة مهادنــة للســتعمار‬ ‫النجليزي والفرنسي‪ ،‬ورفع شعار "الفاشية هي الخطر الكبر"‪،‬‬ ‫أصــبح الحــزب الشــيوعي التونســي يعتــبر أن العــدو الرئيســي‬ ‫للشعب التونســي ليــس المبرياليــة الفرنســية "الليبراليــة" بــل‬ ‫الفاشــية العالميــة‪ .‬وهذا ما جعل الحــزب الشــيوعي‬ ‫يخوضه الشعب ضد‬ ‫التونسـي يرتكـب خطـأ ً كـبيرًا‪ ،‬حيـن اعتـبر الحـزب الدسـتوري‬ ‫الجديد الذي كـان علـى رأس الحركـة الوطنيــة عميل ً للفاشـية‪،‬‬ ‫لنه لم يجمد نضاله السياسي ضد فرنسا‪،‬كما كــانت تريــد ذلــك‬ ‫الجبهـــة الشـــعبية الحاكمـــة فـــي فرنســـا‪ ،‬ومصـــلحة التحـــاد‬ ‫السوفياتي‪.(21 -20‬ةةة ة ةةةة ة ةةةةةة ة ةة‬ ‫ةةةةةةة ‪.‫المسألة الوطنية‬ ‫في وعي الحزب الشيوعي التونسي‬ ‫ألمانيـا‪ ،‬واسـتلم الحركـة النازيـة الحكـم فيهـا بـدءا ً مـن العـام‬ ‫‪ ،1933‬وانعقاد المــؤتمر الســابع للكومنــترن عــام ‪ ،1935‬أكــد‬ ‫الخط العام للحركة الشيوعية العالمية علــى اســتهداف تحــالف‬ ‫الحزاب الشيوعية مــع الجنحــة الثوريــة فــي الحركــة الوطنيــة‬ ‫داخل البلدان المستعمرة‪ ،‬وعلى أن الخطر العــالمي فــي هــذه‬ ‫المرحلة ليس الستعمار )البريطاني والفرنسي بشــكل خــاص(‬ ‫بل هو خطر الفاشية اللمانية‪ ،‬بالدرجة الولى‪.1944‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةة ةة ةةة ةةةة ةةةةةة ة‪ :‬ةةةةةة ة‬ ‫ةةةةةة ةةة ةة ةةة ةةة ةةةة ةةة ةةةةةة‬ ‫ةةةةةة )ة ‪) .

‫تونس‪ ،‬ويتمتع بشــعبية كــبيرة فــي تــونس‪ ،‬وجــذب إليــه حركــة‬ ‫وطنية مرتبكة لن اكثر زعمائهــا نشــاطا ً كــانوا )فــي الســجن(‪.‬لقد كانت القيادات مزدوجة سواء في الحزب أو‬ ‫النقابات‪ ،‬والسبب في ذلك وجود جالية أوروبية وفرنســية علـى‬ ‫وجه الخصوص مكثفة‪ ،‬فيها عناصر شــيوعية متحمســة فرضــت‬ ‫نفسها‪ .‬وقد أكد مبدأ حرية تقرير‬ ‫أضاف قائل « بأن حق الطلق ل يعني وجوبه » )‪ .(9‬وبدايــة مــن‬ ‫سنة ‪ 1944‬شارك الحزب الشــيوعي الفرنســي فــي الحكومــة‬ ‫بإدخــال اثنيــن مــن أعضــائه فــي « اللجنــة الفرنســية للتحريــر‬ ‫الــوطني »‪،‬ولقــن مناضــليه أن ســكان شــمال أفريقيــا مــن‬ ‫مصلحتهم ربط مصــيرهم بمصــير فرنســا الجديــدة )‪ .‬وقــد أدى‬ ‫ذلــك إلــى ضــياع العديــد مــن المواقــف الوطنيــة المهمــة الــتي‬ ‫‪9‬‬ ‫‪10‬‬ ‫‪11‬‬ ‫)( ‪.‬وهذا ما أكــده‬ ‫موريس توريز في برنامج الحزب المقدم في المــؤتمر العاشــر‬ ‫)حزيــران‪/‬جــوان( ‪ ،1945‬الــذي نــص علــى ضــرورة "خلــق‬ ‫الظــروف لقيــام اتحــاد حــر قــائم علــى الخــوة بيــن الشــعوب‬ ‫المصير‪ ،‬ولكنــه‬ ‫المستعمرة وفرنسا"‪ .‬وكـان لـذلك تـأثيره المباشـر فـي‬ ‫مكانة الحزب‪ .1944‬‬ ‫)( ‪.(11‬‬ ‫الوطني في ‪ 17‬نيسان )أبريل( ‪1944‬‬ ‫وهكذا‪ ،‬وباســم مكافحــة الفاشــية‪ ،‬وقــع الحــزب الشــيوعي‬ ‫التونســي فــي أخطــاء قاتلــة أثــرت ســلبا ً فــي ســاحة العمــل‬ ‫الوطني‪ ،‬بسبب من صراعه مــع الحــزب الدســتوري‪ ،‬وانفصــاله‬ ‫عن الحركة الوطنية التونسية التي كانت تخوض معركة التحــرر‬ ‫الوطني ضــد الســتعمار الفرنســي بأشــكال متعــددة‪ .‬فبريطانيــا وفرنســا همــا دولتــان "ديمقراطيتــان "‬ ‫والواجب الول هو كسب ودهما لقامة "جبهة سلم ديمقراطية‬ ‫" تجابه "جبهة العدوان الفاشية » ‪.‬‬ ‫وقــد ركـز الحـزب الشـيوعي الفرنســي‪ ،‬الــذي كـان يتبنـى‬ ‫شــعار الحركــة الشــيوعية العالميــة‪،‬متكلمــة بلســان التحــاد‬ ‫السوفياتي‪ ،‬كل اهتمامه على تكوين الجبهة المناهضة للفاشية‪،‬‬ ‫المر الذي جعله يعمل على جلب الديمقراطيات الغربيــة علــى‬ ‫حساب وقوفه مع نضالت الشعوب المستعمرة‪ . Edidions sociales – Oeuvres – Maurice Thorez Tomell -‬‬ ‫ةة‬ ‫ةة ةةة‬ ‫ة ةةةةةة‬ ‫)( ‪ -‬ةةةة ةةةةةة‬ ‫ة‬ ‫ةة ةةة ةةةة‬ ‫ةةةة ةةةةةة‬ ‫ةةة‬ ‫ةةةةةةةةة ةةةةة ‪.‬وكانت تتمتع بتسهيلت‪ ،‬وإمكانــات‪ ،‬وبحريــة اكــبر‪ .‬‬ ‫وصفه "بالعمالة والفاشية" على المل ‪.(10‬والحــال‬ ‫هذه ليس غريبا ً أن نجد الحزب الشيوعي التونسي يرد العتبــار‬ ‫للنشــيد الــوطني الفرنســي لمارســياز ‪ ،lamarseillaise‬حيــث‬ ‫انشدها مناضلوه جماعيا ً في التجمع الــذي أحيــوا فيــه مشــاركة‬ ‫ـة الفرنســية للتحريــر‬ ‫الحــزب الشــيوعي الفرنســي فــي اللجنـ‬ ‫)‪.‬‬ ‫كان الحزب الشيوعي التونسي يتكون فــي مختلــف أطــره‬ ‫التنظيميــة القياديــة والقاعديــة مــن أبنــاء القليــات الفرنســية‬ ‫واليطالية المقيمة في تونس‪ ،‬إلى جانب أبناء الطائفة اليهودية‬ ‫التونســية‪ ،‬وأبنــاء البرجوازيــة الــذين تخرجــوا فــي الجامعــات‬ ‫الفرنسية‪ ،‬والحال هذه كان يشكو من نقص الكوادر التونســية‪-‬‬ ‫على رغم انخراط العديد من العناصر التونسية المسلمة بدايــة‬ ‫من فترة ما بين الحربين‪ ،‬واستمر هذا الوجه المختلط إلــى مــا‬ ‫قبل الستقلل بقليل تقريبـًا‪ .‬هــذا‬ ‫المر ساعد على خلق الحركة الشــيوعية التونســية‪ ،‬ولكنــه أثــر‬ ‫في وجهها الوطني سلبًا‪ ،‬لن الســلوك السياســي للحــزب كــان‬ ‫كما لو كان فرع ـا ً تابع ـا ً للحــزب الشــيوعي الفرنســي‪ ،‬إذ تبنــى‬ ‫بالكامل خطه السياسـي‪ ،‬وخاصـة الشـعار الكـبير الـذي رفعتـه‬ ‫الحركة الشــيوعية العالميــة‪ ،‬وهــو مهادنــة الســتعمار لمكافحــة‬ ‫الفاشــية‪ . Lade’peche Tunisienne -‬‬ .

‬حتى عندما كــان قــوام الحــزب مزيج ـا ً‬ ‫أوروبيًا‪ -‬تونســيًا‪ ،‬كـانت سياســة الحــزب وطنيــة‪ ،‬لكنهـا احتـوت‬ ‫بعض الخطاء‪ .‬وقـد اسـتطاع الحـزب شـيئا‬ ‫فشيئا أن يضفي الطابع التونسي على نفسه )بتونسة نفسه(‪.(14‬‬ ‫وأخطاء تبدو فادحة"‬ ‫‪12‬‬ ‫‪13‬‬ ‫‪14‬‬ ‫ة ‪-1948/5/27‬‬ ‫ةةة ةةةةةةةة‬ ‫ة ةةة‬ ‫)( ‪ -‬ةةة‬ ‫ةةةةةة ) ‪ (45‬ةةةةة ةةةةةةة ةةةةةةة‪.‬ـات ضــد الفاشــية‬ ‫كثيرة للشيوعيين التونسيين في فترة‬ ‫)‪12‬‬ ‫وضد رموزها من الفرنسيين أنصار فيشي‬ ‫وقد قام الحزب الشيوعي التونسي بإجراء مراجعــة نقديــة‬ ‫لتلك الفترة بالقول‪ « :‬وتجدر الشارة إلى أن الحزب الشيوعي‬ ‫التونسي‪ ،‬في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية ارتكب بعــض‬ ‫الخطاء تمثلــت فــي بعــض المواقــف‪ .(13‬الوطنية بصفة عامة‪ ،‬ولتأثيرها السائد على الطبقة‬ ‫)‬ ‫الشغيلة"‬ ‫وفي معرض نقده لهذه التجربة يقول المين العام للحــزب‬ ‫الشيوعي التونسي الحالي محمد حرمل في مقابلة لــه نشــرت‬ ‫بمجلـــة النهـــج « طـــرح الحـــزب القضـــية الطبقيـــة‪ ،‬القضـــية‬ ‫الجتماعية‪ ،‬لكنه فعل ذلك على حساب وجهه الوطني‪ .‬مبالغــا فــي إمكانيــات الطبقــة‬ ‫الشغيلة على قيادة الحركة الوطنية‪ ،‬وســوء تقــديره لمكانيــات‬ ‫الحـــزب الدســـتوري باعتبـــاره ممثل للبرجوازيـــة الصـــغيرة‪،‬‬ ‫والبرجوازية‪.‬فالحزب في فترة مــا لــم يرفــع‬ ‫شعار الستقلل‪ ،‬مــن منظــور أن الســتقلل فيــه انفصــال عــن‬ ‫ديمقراطيــة واشــتراكية‪ .‬فالتجاه كان مرتبطا ً بسياسة الحزب الشــيوعي‬ ‫الفرنسي‪ ،‬علـى أسـاس أن البروليتاريـا فـي فرنسـا هـي الـتي‬ ‫ستقوم بالثورة‪ ،‬وتساعد في تحرير المستعمرات‪ ،‬على غرار ما‬ ‫وقع في ثورة أكتوبر‪ .‬‬ ‫دعوني أوضح أمرًا‪ .(104 -103‬‬ .‫المسألة الوطنية‬ ‫في وعي الحزب الشيوعي التونسي‬ ‫اتخذها الحزب‪ ،‬وضاعت هذه المواقف‪ -‬الصــحيحة‪ -‬فــي زحمــة‬ ‫المواقف الخاطئة واللوطنية الــتي اتخــذها‪ ،‬وضــاعت تضــحيات‬ ‫الربعينـ(‪.‬‬ ‫وعند الستقلل أصبح الحزب الوجه الوطني‪ ،‬وقضــينا علـى‬ ‫اللتباس الذي اضر بمســيرة الحــزب ونفــوذه‪ ،‬وخســرنا بســببه‬ ‫الكثير‪.‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةة ة ة ة ةةة ة ةةة ة ة ة ةةة ة ةةةة ة‬ ‫ةةةةة ‪ 5‬ةة ‪ ) 1984‬ة ‪.‬لقــد طبقنــا‬ ‫الممية تطبيقـا ً غريبـا ً فكـان لـذلك تـأثير سـلبي سـمح للحـزب‬ ‫الدســتوري والعناصــر القوميــة بمقاومــة الحــزب مــن هــذا‬ ‫المنطلـق‪ ،‬وإضـعافه‪ ،‬ومحاصـرته‪ .‬نعنــي‬ ‫بالشكل الوطني أن تكون القيادة تونسية‪ ،‬ســواء فــي النقابـات‬ ‫أو الحزب‪ ،‬مهما كان إخلص العناصر الوروبيــة‪ -‬فمــن الصــعب‬ ‫أن يقتنع التونسيون بان غير التونسيين يفعلون ذلــك‪ ،‬والمميــة‬ ‫تقوم بين شعوب وليس في نطــاق تــونس‪ ،‬تقــوم بيــن الحــزب‬ ‫الشــيوعي التونســي والحــزاب الخــرى‪ ،‬بيــن عمــال تــونس‬ ‫والعمال في الخارج‪ ،‬ل وسط الحــزب فــي تــونس‪ .‬ففي فترة‪ ،‬كان ثمة تصور بأن كــل تغييــر‬ ‫ثوري إنما يقع بالرتباط مع طبقة الشغيلة الفرنسية‪ .‬‬ ‫)( ‪ -‬ة ةةة ةةة ةة ةةة ةةةة ةةةةةة ةة ة ةةة‬ ‫ة ةةةةةة ة ةة ةةةةة ةةةةة ة‪ -‬ةةة ةةةة‬ ‫ةةةةة ةةةةةةة ةةةةةةة‪.‬هــذه تعقيــدات‬ ‫فرنســا الــتي ســتكون‬ ‫)‪.‬وأســاس تلــك المواقــف‬ ‫تقويم غير صحيح لخاصيات المرحلة‪ ،‬ولدور القــوى الجتماعيــة‬ ‫والسياســية المحركــة للثــورة‪ .‬فعنــدما‬ ‫طــرح القضــية الطبقيــة طرحهــا دون شــكلها الــوطني‪ .‬هذا خطــأ‬ ‫أول‪ ،‬بيد أن الخطـأ الول لـم يمنـع الحـزب مـن اتخــاذ مواقـف‬ ‫وطنية‪ ،‬إل أنه حد من فاعليتها‪ .

(122‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةة ة ة ة ةةة ةةةة ةةةةةة ة ة ة‬ ‫ةةةةةةةةةة ة "ةةةة ة ة ة ةةة ةةةة ةة‬ ‫ةةةةةة ةةةةة ةةةةةة‪ -‬ةةةة ةةةةةةةة ةة‬ ‫ةةةةةةةةةة ة " ة ةةةة ة ة ‪ 18‬ةة ة ‪ 2‬ةةة ةةة‬ ‫‪ 1948‬ةةةةةةة ةةةةةةةة ةةةةةةةة )ة ‪.‬وانتخبت الـ ‪ 52‬نقابة الحاضرة في المــؤتمر فرحــات‬ ‫حشاد أمين ـا ً عام ـا ً لهــا‪ .(21‬‬ .‬‬ ‫وفــي ‪ 20‬كــانون ثــاني )ينــاير(‪ 1946،‬عقــد التحــاد العــام‬ ‫التونسي للشغل مؤتمره التأسيســي بقاعــة الخلدونيــة بتــونس‬ ‫العاصمة‪ .‬إل أن « التحــاد النقــابي لعملــة القطــر‬ ‫التونسي » التابع للحزب الشــيوعي تــأخر عــن ذلــك إلــى غايــة‬ ‫‪ ،1955‬حين حل نفسه واندمج في صلب التحاد العام‪.‫‪ -3‬علقـــة الحــزب الشــيوعي بالتحــاد العـــام‬ ‫التونسي للشغل‪:‬‬ ‫منذ اغتيال محمد على الحامي وحتى مجيء فرحات حشاد‬ ‫كانت الحركة النقابية في تونس تعيش حالت التشرد والتعقــب‬ ‫والنقســام بيــن قــاع الرضــوخ للتبعيــة وســقف الوقــوف عنــد‬ ‫المطلبية‪ .‬‬ ‫غداة الحرب العالمية الثانية ازداد نفــوذ الحــزب الشــيوعي‬ ‫في تونس وهو نفوذ ناجم عن المكانة السياســية الكــبيرة الــتي‬ ‫أصــبح الحــزب الشــيوعي الفرنســي يتمتــع بهــا فــي الحيــاة‬ ‫السياسية لفرنسا ومسـتعمراتها بفضـل مشـاركته الفعالـة فـي‬ ‫مقاومــة النازيــة أثنــاء الحــرب‪ .‬‬ ‫غيــر أن هـذا الرفــض للتبعيــة لي حــزب سياســي‪ ،‬ل يعنـي‬ ‫غياب العلقات مع الحزاب السياسية‪ ،‬خاصــة أن التحــاد يضــم‬ ‫عمال ً من بينهم من كــان منظمـا ً سياســيًا‪ .‬وتجســدت ســيطرة الحــزب‬ ‫الشيوعي عن طريق المنظمات النقابية الــتي كــانت تــدور فــي‬ ‫فلكه مثل « التحاد النقابي لعملة القطر التونسي » و«جامعــة‬ ‫الصنايعية وصغار التجار في القطر التونسي »‪،‬كما كان نشاطه‬ ‫‪15‬‬ ‫‪16‬‬ ‫ة‬ ‫ة ةةةةة‬ ‫ةةة " ةةةة‬ ‫ة ةةة‬ ‫)( ‪ -‬ةةةة‬ ‫ةةةةةةةة ةة ‪ 1936‬ةة ة ةةةة ة ة ةة" ةةةةة ة‬ ‫ةةةةةة ةةةةةة ةةةةةةة ةة ةةةةة ) ة ‪.(15‬واســتطاع‬ ‫فرحات حشاد أن يكون التحاد العــام التونســي للشــغل‪ ،‬ممثل ً‬ ‫وحيدا ً وشرعيا ً للحركــة النقابيــة فــي عمــوم تــونس‪ ،‬واســتطاع‬ ‫أيضا ً في زمن التبعية الذيلية أو الصــلحية السياســية‪ ،‬أن يقــف‬ ‫قويا ً على رأس التحاد في وجــه الحــزاب السياســية ويهاجمهــا‬ ‫ويفضح مؤامراتها المحبوكة في بيوتات الستعمار‪.‬واتصــلت هــذه النقابــات‬ ‫المستقلة بفرحات حشــاد الــذي كــون فــي عــام ‪ 1943‬التحــاد‬ ‫النقابي لعمــال منطقــة الجنــوب التونســي للتعــاون معــه علــى‬ ‫تأسيس اتحاد يجمع شمل العمال التونسيين‪.‬وكــانت الحركــة النقابيــة منقســمة بيــن نقابــة عمــال‬ ‫المــوانئ بقيــادة محمــد الــري‪ ،‬الجامعــة العامــة للمــواطنين‬ ‫التونسيين‪ ،‬نقابة عمال البناء‪ ،‬نقابة عمال ومنتســبي البلــديات‪،‬‬ ‫التحاد النقابي لعملة القطر التونسي‪ .(16‬ومع هذا لم يكن للحركة النقابيــة‬ ‫التونسية علقات مستمرة مع الحزب الشيوعي‪.‬‬ ‫كتــب فرحــات حشــاد عــام ‪ 1944‬مــا يلــي‪ « :‬إن العامــل‬ ‫التونسي ل يمكن له أن يتصور كونفدرالية عامــة للشــغل تابعــة‬ ‫لي حزب سياسي‪ ،‬فهو يرفض أن يقاد بغطاء النقابة إلى اتجاه‬ ‫والحــر والــذي‬ ‫غير التجاه الذي رسمه العمل النقابي المستقل‬ ‫ل يوجــد خــارجه ســوى الفوضــى والغمــوض » )‪ .‬وقــد صــرح فرحــات‬ ‫حشاد في حزيران )جوان( ‪ 1948‬فــي«المــؤتمر العــالمي ضــد‬ ‫المبرياليــة » المنعقــد بيوتــو‪ « :‬إنــي ل أمثــل هنــا أي حــزب‬ ‫سياسي‪ ،‬إني أمثل العمـال المنتميـن لكـل الحـزاب أو العمـال‬ ‫المستقلين عن أي حزب»)‪ .

1949‬وفـــي الـــوقت الــذي بــدا فيــه الســتعداد‬ ‫‪17‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةة ةةةة ةةةة ةةةة ةةةةةة ةةةةةةةة‬ ‫ةةةةة ةةةةةةة ةةةةة )ة ‪.(17‬لقــد‬ ‫تعــززت الروابــط الكفاحيــة بيــن التحــاد والحــزب الشــيوعي‪،‬‬ ‫وخاضــا نضــالت مشــتركة فــي بدايــة ســنة ‪ ،1930‬خاصــة أن‬ ‫التحاد تبنى التحليل الذي قدمه الحزب الشيوعي‪،‬والمتمثل في‬ ‫أن المبريالية المريكية قد حلت محل المبريالية الفرنسية في‬ ‫المستعمرات‪ .‬‬ ‫وأصبح التحاد يحتل مكانة مرموقــة فــي الحيــاة السياســية‬ ‫التونسية لربطه المطــالب الجتماعيــة بالقضــية الوطنيــة ربطــا‬ ‫متينا‪ ،‬ولرتفاع عدد المنخرطين في صفوفه مــن عشــرين ألــف‬ ‫في ســنة ‪ 1946‬إلــى نحــو مئة ألــف ســنة ‪ ،1956‬المــر الــذي‬ ‫يعني أن دوره في حيــاة البلد وفــي الكفــاح الــوطني مــا انفــك‬ ‫يتأكد‪.1943‬‬ ‫وبداية من آب )أغســطس( غيــر الشــيوعيون التونســيون اســم‬ ‫الحزب‪ ،‬فأصبح يسمى "الحزب الشيوعي التونســي " بــدل ً مـن‬ ‫السم الســابق‪ ،‬وهــو "الحــزب الشــيوعي بــالقطر التونســي "‪.‬ففــي ســنة ‪1948‬‬ ‫شارك التحاد في لجنة الحريــة والســلم التونســية إلــى جــانب‬ ‫مناضلين شــيوعيين قبــل انخراطــه بالجامعــة النقابيــة العالميــة‬ ‫الــتي يســيطر عليهــا الشــيوعيون‪ .‫المسألة الوطنية‬ ‫في وعي الحزب الشيوعي التونسي‬ ‫آنئذ علني ـًا‪ ،‬بينمــا كــان نشــاط بقيــة الحــزاب الوطنيــة الخــرى‬ ‫محظورا ً بحجــة اتهامهــا مــن قبــل ســلطات الحتلل الفرنســية‬ ‫بالتواطؤ مع النازية في الفترة التي استولى فيها اللمــان علــى‬ ‫تونس بين تشرين الثاني )نوفمبر( ‪ 1942‬وأيــار )مــايو( ‪.‬وألقــى الســكرتير العــام‬ ‫المســاعد للتحــاد النــوري البــودالي خطاب ـا ً بــالمؤتمر الــدولي‬ ‫"لنصــار الســلم " المنعقــد ببــاريس وبــراغ مــن ‪ 20‬إلــى ‪25‬‬ ‫نيسان )أبريل( ‪ 1949‬صفق له المناضــلون الشــيوعيون‪ ،‬وجــاء‬ ‫منه ما يلي‪ « :‬إننــا مــتيقنون أن الســتعمار الفرنســي لــم يكــن‬ ‫قــادرا ً علــى اســتئناف حربــه ضــد الشــعب الفيتنــامي‪ ،‬وكــذلك‬ ‫الستعمار الهولندي لــم يكــن قــادرا ً علــى غــزو إندونيســيا لــول‬ ‫اعتمادهمــا علــى قــروض مخطــط مارشــال وعلــى مســاعدة‬ ‫الوليات المتحدة الفعلية مما مكنهما من الطــائرات والــدبابات‬ ‫والمــدافع والرشاشــات الــتي تســتعملها الن كــل مــن فرنســا‬ ‫وهولندا لتحقيق رغبة السيطرة على كل الشعوب الــتي وقعــت‬ ‫تحــت هيمنتهــا وتهديــدات الحــرب الــتي شــنها تجــار الســلح‬ ‫لصــالح‬ ‫والرجعيــون لــم تــزد إل فــي تــدعيم الوضــع العــالمي‬ ‫المبرياليــة الــتي كــانت ومــا تــزال عــدونا الرئيــس » )‪ .‬‬ ‫غير أن الستراتيجية الكفاحية التي تبناها التحــاد بالتعــاون‪،‬‬ ‫الوثيق مــع الحــزب الشــيوعي‪ ،‬كــانت تتنــاقض مــع اســتراتيجية‬ ‫بورقيبة زعيم الحــزب الدســتوري‪،‬الــذي كــان يبحــث عــن ســند‬ ‫أميركي ضد المبريالية الفرنسية من ناحية‪ ،‬ومن ناحيــة أخــرى‬ ‫كان يبحث عن كسب ثقة فرنسا علــى أســاس ضــمان مصــالح‬ ‫مشتركة كما أشارت إلــى ذلــك صــحيفة "الرســالة" ‪MISSION‬‬ ‫لســان الحــزب الدســتوري الجديــد بتاريــخ ‪ 11‬تشــرين ثــاني‬ ‫)نوفمــبر( ‪ .(374‬‬ .‬‬ ‫وكــانت علقــة التحــاد العــام التونســي للشــغل بــالحزب‬ ‫الشيوعي التونســي يســودها المــد والجــزر‪ .‬‬ ‫ويعود تغيير اسم الحزب لسببين رئيسيين‪ :‬أولهما‪ ،‬رغبة الحزب‬ ‫الشيوعي التونسي في الستقلل عن هيمنة الحزب الشــيوعي‬ ‫الفرنسي‪ ،‬وثانيهما‪ " :‬عودة الوعي " إلــى الشــيوعيين‪ ،‬وتبنيهــم‬ ‫من جديد لشعار الستقلل السياسي لتونس‪.‬وخلل السـنة عينهــا رفـض عمـال مينــاء بنــزرت‬ ‫إفراغ حمولة أسلحة تتمثل في ‪ 44‬طائرة كانت تحملها الباخرة‬ ‫‪ DIXMUDE‬كانت قد سلمت لفرنسا في نطــاق إعــادة تســليح‬ ‫الحلف الطلسي والمساعدة الميركية‪.

‬ة ةة ةةةة ةة ‪ A.‬فهو يعتــبر أن الشــعب النجليــزي‬ ‫شعب حر حتى وإن لم يختر الشــيوعية‪ . paul lentin‬ةةةةة ة‬ ‫ةةةةةة ة ة ة ة ةةة‪ :‬ةةة ةةة ةةةةةةة ة‪.‬‬ ‫إن الشيوعية الكومنفورميــة ‪ KOMIN FOR MISTE‬تــدعي أن‬ ‫كل هذه الشعوب المذكورة مــازالت فــي حاجــة إلــى "تحريــر"‬ ‫لوضعها في صف النظمة القائمة ببولونيــا أو بتشيكوســلوفاكيا‪،‬‬ ‫إن الشعب التونسي ل يريــد النعتــاق مــن ســيطرة اســتعمارية‬ ‫ليقع من جديد تحت نظام هيمنة من نوع آخر لــذلك يبتعــد عــن‬ ‫الســوفيتية وكــذلك يتحصــن مــن ممارســة قوميــة‬ ‫الشــيوعية‬ ‫)‪(20‬‬ ‫شوفينية"‬ ‫ومع ذلك استمر الحزب الشيوعي في انتهاج خط سياســي‬ ‫يقــوم علــى التقــارب مــع الحركــة النقابيــة التونســية‪ ،‬وتحقيــق‬ ‫التضامن الوطني في مواجهــة الســتعمار الفرنســي‪ .(80 -59‬‬ .‬وقــد قــام‬ ‫الحزب الشيوعي بمساع في هذا التجاه‪ ،‬ففي ‪ 27‬كانون ثــاني‬ ‫)يناير( ‪ 1932‬قدم الخياري أحد القــادة الشــيوعيين "مــذكرة ل‬ ‫تتناول مطالب التونسيين الوطنية‪) ،‬إنهاء الحماية( فحســب بــل‬ ‫ومطالبهم السياسية أيضا )انتخاب مجلس تأسيسي( ومطالبهم‬ ‫القتصادية )إرجاع خيرات الشعب الــتي جــردت منــه( )‪ .(KOMIN FOR MISTE‬والشعب التونسي رغم أنه مســتعمر‬ ‫من قبل الجنبي ويطمح بالطبع إلي التحرر من رقبة الستعمار‬ ‫ل يمكــن أن يقبــل هــذا "التحــرر النمــوذجي" المســتوحي مــن‬ ‫ـة( الساســية‬ ‫أيديولوجية ضيقة ل تعــترف كليـا ً بالحريــات الفكريـ‬ ‫وبحرية التعبير وهي جدا ً عزيزة وحيوية للنسان »)‪.(189 -188‬‬ ‫)( ‪ -‬ة‪ .‬فقــد فصــل الــدكتور ســليمان بــن‬ ‫سـليمان عضـو الــديوان السياســي للحـزب الدسـتوري الجديــد‬ ‫الحزب‪ ،‬لنــه كــان‬ ‫ورئيس اللجنة التونسية للحرية والسلم من‬ ‫مناصرا ً للتحالف مع الحزب الشيوعي التونسي)‪.(188‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةةة ةةةةةة )ة ‪.(188‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةة ةة ةة ةة‪ -‬ةةةةة ة ةةةةةةة ة ةة ةةة‬ ‫ةةةةةةة ) ة ‪.‬‬ ‫ةةةةةة ةةةةةة ةةة ‪35‬ة ةةةةة )ةةةة ة( ‪1952‬‬ ‫)ة ‪.(21‬وقــد‬ ‫‪18‬‬ ‫‪19‬‬ ‫‪20‬‬ ‫‪21‬‬ ‫)( ‪ -‬ةة ة ةةة ةةة ة ة ةةة ةة‪ -‬ةةةةة ة‬ ‫ةةةةةةة ة ةةةةةة ة ةةة ةةةة ةة ةةة ‪-1924‬‬ ‫‪ 1936‬ةةة ةة ةةة ةةةة ةةةة ة ةة ة ةة ةةة‪-‬‬ ‫ةةةة ةةةةةةة ةة ة ةةة ة ةةة ةةة‪ -‬ةةة ةةة‬ ‫ةةةةة ةةة ةةة ةةةة ةة ة ةةة ةةة‪ -‬ةةةةة ة‬ ‫ةةةةةةةة ةةةةة ةةةةةةة ) ة ‪. 19‬‬ ‫ويوجه حشاد نقده للبلدان الشــيوعية لغيــاب الحريـة‪ ،‬الـتي‬ ‫يخصها بتعريف على النحو التالي « إن الشعب التونســي يعتــبر‬ ‫أن الشــعب يكــون حــرا ً فــي تقريــر مصــيره وفــي التصــرف‬ ‫ديمقراطيا ً في شؤونه الخاصة عندما يتحصــل دســتوريا ً وفعلي ـا ً‬ ‫على حقه في تقرير المصير‪ .(18‬‬ ‫ورغــم تجربــة النضــال المشــترك بيــن التحــاد والحــزب‬ ‫الشيوعي‪ ،‬إل أن هذا لم يمنع الزعيم النقابي فرحات حشاد من‬ ‫انتقــاد اليديولوجيــة الشــيوعية‪ ،‬واســتعمال الحــزب الشــيوعي‬ ‫للنقابة لهداف سياسية‪ ،‬إذ يقول في تموز )جويلية( ‪« :1951‬‬ ‫إن الطريقة الشيوعية ترمي في الظاهر إلــى تحريــر الشــعوب‬ ‫وأقول في الظاهر لكــن فــي الحقيقــة ل يوجــد بالنســبة للكتلــة‬ ‫الروسية سوى شكل واحد للتحرر أل وهــو التحــرر الشــيوعي )‬ ‫‪ .‬وكــذلك المــر بالنســبة‬ ‫للشــعب السويســري والبلجيكــي والســويدي والهولنــدي كلهــا‬ ‫شعوب حرة عندما اختارت ديمقراطيـا ً نمــط عيشـها‪ ،‬وانتخبـت‬ ‫ممثليها وعينت حكوماتها المسؤولة أمام المجالس الدســتورية‪.‫للمفاوضات مع فرنســا فــي أيــار )مــايو( ‪ ،1950‬كــان بورقيبــة‬ ‫يرمي إلى عزل الشــيوعيين‪ .

.‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةة ةةة ةةةة ةة ة ةةة )ة ةةةةة( ة ةة ‪1932‬‬ ‫ةة ةةةةة ةةةةةةةة ة ة ةة ة ةةةة ة ةةةة ة‬ ‫ةةةةة ةةةةةةة ةةةةةة‪.‬فقــد تجمــع ممثلــو الحــزب‬ ‫الدستوري الجديد والحزب الشيوعي‪ ،‬والتحاد في لجنة واحــدة‬ ‫بالرديف وأم العرائس والمكناسي وبأمــاكن أخــرى وبعثــوا معـا ً‬ ‫)‪.‬‬ ‫وبالفعــل كـان المناضــلون النقـابيون المنخرطـون فـي الحـزب‬ ‫الدستوري الجديد قد أبدوا استعدادا ً أكثر من غيرهم في مؤتمر‬ ‫الحــزب المنعقــد فــي كــانون ثــاني )ينــاير( ‪ 1952‬لتبنــي خــط‬ ‫سياســي جــذري يتمثــل فــي تصــعيد كفــاح ل هــوادة فيــه ضــد‬ ‫الستعمار الفرنسي‪،‬وهم ل يستبعدون التحالف مع الشــيوعيين‪،‬‬ ‫إن اقتضى المر ذلك‪ .(24‬‬ ‫لحرص تكتيكي أكيد‪،‬ل لمعاداة الشيوعية‬ ‫واستمر الحزب الشيوعي ينتهج خطـا ً سياســيا ً يســعى إلــى‬ ‫تدعيم الجبهة الوطنية التونسية ضد المبريالية‪ ...‬‬ ‫للتونسيين‪.(79‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةة ةةة – ة ة ةةةةةة ة ةةةةةةة ة‬ ‫ة‬ ‫ةة – ‪ SISL‬ةةةةةةة‬ ‫ةة ةةة‬ ‫ةةةةةة‬ ‫ةةةةةةةةةةةةةةةةةة ةة ةةةةة ‪.‬ونرمي من وحدة نضالنا هذه إلى تحقيق الهــداف‬ ‫العاجلة التالية‪:‬‬ ‫ا ‪ -‬برلمــان وطنــي تونســي منتخــب انتخاب ـا ً عام ـا ً مباشــرا ً‬ ‫وسريًا‪.‬ونشرت اللجنــة‬ ‫المركزيــة للحــزب الشــيوعي التونســي إثــر مــؤتمر الحــزب‬ ‫الدستوري الجديد في كانون ثاني )يناير( ‪ 1952‬بيانا أكدت فيه‬ ‫« أن ضمان انتصارنا الكيد علـى عـدونا المبريـالي يكمـن فـي‬ ‫اتحادنا جميعًا‪ .‬وأسهم التحــاد آنــذاك بحكــم‬ ‫نضاله المشترك مع شيوعيي "اتحــاد عملــة القطــر التونســي "‬ ‫في خلق تيار جبهوي ضد المبريالية‪ ،‬رغــم أن حشــاد لــم ينفــك‬ ‫يــذكر فــي مراســلته‪ ،‬للســيزل )‪ " (23‬بــان القمــع الســتعماري‬ ‫ـيوعيين لكــن ذلــك يرجــح‬ ‫يسلط على الــوطنيين أكــثر مــن الشـ‬ ‫)‪.2‬حكومة تونسية مسؤولة أمام نواب الشعب‪.‬‬ ‫‪ .‬دستوريين جدد وشيوعيين‪ ،‬نساًء ورجال ً وشــبابًا‪،‬‬ ‫ووطنيين مستقلين دون تمييز على أسـاس المنبـت الجتمـاعي‬ ‫أو الخاصية العرقية وبقطع النظر عن الفكــار السياســية »فــي‬ ‫جبهة وطنية تونسية‪ ..‬وقد يتيسر اليوم اتحادنا في جبهة وطنية‬ ‫بعد الموقف الذي اتخذه مؤتمر الحـزب الدسـتوري الجديـد ‪18‬‬ ‫كانون ثاني )ينـاير( ‪،1952‬حيــث نصـت لئحتـه علــى أنـه ‪ « :‬ل‬ ‫يمكــن أن يتحقــق تحريــر الشــعب التونســي فــي ظــل النظــام‬ ‫الحالي » ‪ .(35‬‬ .(22‬‬ ‫ببرقيات للمقيم العام ولمنظمة المم المتحدة »‬ ‫لكن هذا التقارب بين الحزب الشيوعي التونسي مع التحاد‬ ‫والحزب الدستوري الجديد قابله الجنــاح المعتــدل فــي الحــزب‬ ‫الخير بـالرفض‪ .‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةة ةةةةةة ةة ةةةةة ةةةةةة ةةةةةةةة‬ ‫ةةةةةة ة ةةة ةةةة ةة ةةة ‪ 1956 -1924‬ةة ةة‬ ‫ةةة‬ ‫ة‬ ‫)ة ‪.‬علـى أنــه تجـدر الملحظـة أن قاعـدة الحـزب‬ ‫الدستوري الجديــد كــانت تــدعو إلــى التقــارب مــع الشــيوعيين‪.(25‬تكون اللغة العربية هــي اللغــة‬ ‫‪ .‬وعلى كل حال‪ ،‬فــالمر الثــابت فــي هــذا‬ ‫المــؤتمر هــو فشــل الجنــاح الكــثر اعتــدال ً والمعــروف بنزعتــه‬ ‫الغربية المعادية بشدة للشيوعية‪ .3‬إدارة تونسية‬ ‫)‬ ‫الرسمية الوحيدة فيها‬ ‫‪22‬‬ ‫‪23‬‬ ‫‪24‬‬ ‫‪25‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةةة ةةةةةة )ة ‪.‫المسألة الوطنية‬ ‫في وعي الحزب الشيوعي التونسي‬ ‫تحققت وحــدة نضــالية حقيقيــة‪ « ..

‬وقـد صـرح بـن صـالح فـي عيـد‬ ‫العمال‪ ،‬الول من أيار ‪" 1955‬من الخطأ العتقاد بــان النضــال‬ ‫من اجل المسالة الوطنية سينتهي مع الحصول على الســتقلل‬ ‫الداخلي‪ .‬وكــان الفــق‬ ‫السياســي لبــن صــالح يحــده ســقف بنــاء مجتمــع علــى غــرار‬ ‫الديمقراطيات السكندنافية‪.‬وأضاف قائ ً‬ ‫ل‪ «:‬إن هذا خطــأ‬ ‫كــبير لننــي فــي زيــارتي الخيــرة إلــى أميركــا التقيــت بعــدة‬ ‫شخصيات سياسية ونقابية فهمــت جيــدا ً اتجــاه حزبنـا ً واقتنعــت‬ ‫بأن أحسن سد ضــد الشــيوعية فــي المجــال الجتمــاعي يمثلــه‬ ‫بينما يمثله في المجال السياسي‬ ‫التحاد العام التونسي للشغل‬ ‫)‪.(298‬ةةةةة ة ة ةةةة‬ ‫ةةةةة ةةةة ‪. Tunis – soir 12/2/1952‬‬ .‬‬ ‫الفراغ السياسي‪ ،‬وغياب الحزب المعارض لحزب الدســتور‬ ‫في فترة الستقلل‪ ،‬هما اللــذان شــجعا بــن صــالح علــى جعــل‬ ‫التحاد العام التونسي للشغل منظمة نقابية سياسية على غرار‬ ‫حزب العمال البريطاني‪ ،‬كنواة أولى فــي الــوقت عينــه لتوحيــد‬ ‫العمال فـي المغـرب العربـي‪ .‬فعلى العكس من ذلك سيبدأ في هذه المرحلة‪ ،‬لكــن‬ ‫ســيتجه إلــى المســائل الداخليــة لتحقيــق العدالــة الجتماعيــة‬ ‫والديمقراطيــة الحقــة"‪ .‬وبذلك أصبح هذا التجاه قوة منظمة مهمتهــا تحريــر‬ ‫الشغيلة عبر التحرر الــوطني‪ .‬والحال هذه‪،‬‬ ‫كــان التحــاد العــام التونســي للشــغل أكــثر التصــاقا ً بــالواقع‬ ‫التونسي‪ ،‬وجعل المهمات السياسية تحتل المرتبــة الولــى فــي‬ ‫نضـاله‪ ،‬ووضــع اســتراتيجية تعطــى الولويــة للنضـال مــن اجــل‬ ‫الستقلل‪ .‬وكــان يمثــل رأي ـا ً مســتقل ً عــن رأي الحــزب‬ ‫الدستوري الجديد‪ ،‬وهو راعــي البرجوازيــة الصــغيرة الصــلحية‬ ‫في الحــزب الدســتوري‪ ،‬وفكـرة اســتقلل التحــاد العـام كقــوة‬ ‫تنظيميــة إزاء هــذا الحــزب وسياســته الحتوائيــة‪ .‬وبعد النتهاء من تصفية آخر اليوسفيين كانت المســالة‬ ‫الملحة أمام بورقيبة وحزبه هــي تصــفية الحركــة النقابيــة الــتي‬ ‫‪26‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةةة ة‪ :‬ة ةةة ةةةةة ةة ة ةةةة ةةة ةة‬ ‫ةة ةةةةةة ‪) Julliard 1954‬ة ‪ .‬وقد تحالف بورقيبة مع التحاد‬ ‫ليحسم الصراع السياسي الداخلي‪ ،‬وللقضاء على منافســه بــن‬ ‫يوسف‪ .‬وقد صــرح بــورقيبه لجريــدة ‪TUNISA‬‬ ‫‪ SOIR‬في ‪ 12‬شباط )فبراير( ‪ 1952‬بان الســلطات الفرنســية‬ ‫أرادت مــن وراء إيقــاف قيــادتي الحــزب الدســتوري الجديــد‬ ‫والحزب الشيوعي بصورة متزامنة‪ ،‬أن تقنع الميركيين بتعامــل‬ ‫الحزب الدستوري مع الشيوعيين‪ .‬فاندمــج العمــل النقــابي بالعمــل‬ ‫السياسي‪ ،‬وتعدى حدود نضالت الحزاب السياسية ذات الفــق‬ ‫الصلحي والبرجوازي وحزب الدستور‪ -‬القديم و الجديد‪.‬ومــع حصــول تــونس علــى الســتقلل‬ ‫الداخلي‪ ،‬وتفجر الصراع داخل الحــزب الدســتوري الجديــد بيــن‬ ‫تياري الحبيب بو رقيبة وصالح بــن يوســف‪ ،‬وجــد التحــاد العــام‬ ‫التونسي للشغل نفسه مجبرا ً على المشــاركة فــي الصــراعات‬ ‫الداخليــة للحــزب الدســتوري‪ ،‬فــي حيــن رفــض هــو مــن قبــل‬ ‫الرتباط بأي حزب سياسي كان‪ .(26‬‬ ‫الحزب الدستوري الجديد »‬ ‫لقــد ظــل الشــيوعيون التونســيون يعلنــون وفــاءهم لمبــدأ‬ ‫صراع الطبقات ومبدأ الممية البروليتارية‪ ،‬ولكنهــم لــم يتمكنــوا‬ ‫من فهم جوهر الحركة النقابية في بلــد مســتعمر مثــل تــونس‪،‬‬ ‫حيث مهمتهـا الولى والملحة تتمثل في افتكاك الســتقلل‪ ،‬بــل‬ ‫إن ذلك من واجبها باعتبارها منظمة نقابية وطنية‪ .‬‬ ‫بعــد ذلــك جــاء احمــد بــن صــالح علــى راس التحــاد العــام‬ ‫التونسي للشــغل‪ .‫اصطدمت محاولة الحزب الشيوعي التونسي الخــروج مــن‬ ‫عزلته‪ ،‬ونداؤه بتوحيد القوى الوطنية بالتجاه الدستوري المؤيد‬ ‫للوليات المتحدة الميركية‪،‬والذي يرفض أي شكل من أشــكال‬ ‫التحالف مع الشيوعيين‪ .

‬إن تــونس ذات نظــام‬ ‫جمهوري‪ ،‬ولم تعد مملكة‪ .3‬إنشــاء نظــام جمهــوري ينتخــب رئيســه كــل خمــس‬ ‫سنوات‪.‬‬ ‫وانتهــي الصــراع بتقســيم الطبقــة العاملــة‪ ،‬عنــدما طلــب‬ ‫بورقيبة من الحــبيب عاشــور بالنشــقاق وإنشــاء اتحــاد عمــالي‬ ‫"التحاد التونسي للشغل "يحظى بدعم من الحزب الدستوري‪.‬‬ ‫‪ -2‬واتجاه منفتح على الفكار الشتراكية والحريــات العامــة‬ ‫ يرفض تبعية الحزب التي هي بالسـاس تبعيــة الــدعوة‬‫للبقاء ضمن الحدود النقابية والمعاداة الكاملة لكل فكــر‬ ‫اشتراكي حتى لو كان إصلحيًا‪ .‬‬ ‫وحين حصلت تونس على الستقلل السياسي في ‪ 20‬آذار‬ ‫)مــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــارس(‬ ‫‪ ،4956‬رأى فيه الحزب الشيوعي التونســي "مكتســبا ً وخطــوة‬ ‫إيجابية على طريق الستقلل النهائي "‪.2‬إصدار دستور البلد في سنة ‪ .‬‬ ‫‪ .5‬إنشـاء جهـاز قضـائي منفصــل ومســتقل عـن الســلطة‬ ‫السياسية )نصًا(‪.4‬إصــدار مجلــة "الحــوال الشخصــية" وهــي مجموعــة‬ ‫تشـــريعات تتســـم فـــي طابعهـــا العـــام بــــ "الثوريـــة‬ ‫البرجوازية" حددت ســن الــزواج ب ‪ 17‬عامــا‪ ،‬وأقــرت‬ ‫بالجهــاض‪ ،‬ونصــت علــى أن الطلق ل يتــم إل أمــام‬ ‫المحاكم‪ ،‬وعدلت من قوانين الميــراث المســتمدة مــن‬ ‫الســلم لمصــلحة المــرأة خصوص ـًا… وحــددت الــزواج‬ ‫بإمرأة واحــدة ل أكــثر‪ ،‬والمهــر بــدينار )مــا يســاوي ‪50‬‬ ‫ليرة سورية( أو )دولر أميركي( ‪.‬‬ ‫‪ .4‬الحــــزب الشــــيوعي ومرحلــــة التــــدعيم‬ ‫المؤسساتي للنظام )‪:(1969 -1956‬‬ ‫في العام ‪ 1956‬حصلت تونس علــى اســتقللها السياســي‬ ‫مــن فرنســا علــى يــد « بيــار منــداس فرانــس»‪ ،‬وذلــك لقطــع‬ ‫الطريق على الشق الذي ينادي بتحرير تونس ضمن تحرير كــل‬ ‫المغرب العربي )جناح اليوسفيين(‪ .‬ورفض خروج التحاد العام عــن‬ ‫وصاية الحزب‪ .1‬إنشــاء "مجلــس المــة"‪،‬وهــو صــيغة برلمانيــة يقــوم‬ ‫بتصديق كل القرارات السياسية الصادرة عن الحكومــة‬ ‫والحزب‪.‬هذا التجــاه كــان بقيــادة‬ ‫أحمد بن صالح‪.‬في هذه المرحلة يمكن أن نرتب مــا‬ ‫تم إنجازه علــى الصــعيد المؤسســاتي‪ -‬السياســي علــى الــوجه‬ ‫التالي‪:‬‬ ‫‪ .‬‬ ‫‪ .‬وظهر للعيان اتجاهان في المؤتمر‪:‬‬ ‫ا‪ -‬اتجــاه معــاد للنضــال القتصــادي والجتمــاعي ولكــل مــا‬ ‫قارب الشتراكية بقيادة الحبيب عاشور رجل السلطة‪..‬‬ ‫‪ .1958‬وهو دستور يتسم‬ ‫في طابعه العام "بالليبرالية" نصـا‪.‬‬ .‫المسألة الوطنية‬ ‫في وعي الحزب الشيوعي التونسي‬ ‫تضيق بها حدودها المرسومة لهــا فــي مــؤتمرات هــذا الحــزب‪.‬‬ ‫وبــدأت المعركــة فــي مــؤتمر التحــاد فــي ســنة ‪ ،1956‬وكــان‬ ‫الحبيب عاشور رجل الحزب الدستوري الجديد‪،‬قد أسندت إليــه‬ ‫مهمة معارضة أفكار بن صالح‪ .‬وفــي ‪ 25‬تمــوز مــن العــام‬ ‫‪ 1957‬أعلــن الحــبيب بورقيبــة الــذي كــان يشــغل آنــذاك ثلث‬ ‫وزارت في عهد الباي " الصادق باي "‪ .‬‬ ‫‪ ..

(27‬‬ ‫المتعددة التي قامت بها أجهزة السلطة ضده‬ ‫وفي فترة ما بعد الســتقلل‪،‬عقــد الحــزب الشــيوعي ثلثــة‬ ‫مؤتمرات حزبية وطنية‪ :‬المؤتمر الخامس في العام ‪ 1956‬وهو‬ ‫عام الستقلل‪ .‫‪ -6‬فتــح الجامعــة التونســية وغلــق جــامع الزيتونــة بحجــة‬ ‫"علمنة التعليم "‪.‬‬ ‫وأصبح الحزب حزبا ً شــيوعيا ً تونســيا ً علــى الرغــم مــن احتجــاج‬ ‫الحــزب الشــيوعي الفرنســي آنــذاك‪ .‬ولم يكن ذلك ينفصــل عــن‬ ‫دعوات الحــزب إلــى إرســاء تقاليــد ديمقراطيــة فــي البلد مــن‬ ‫حيث المحافظة على التعددية السياســية‪) ،‬وخاصــة أن الحــزب‬ ‫الشيوعي كان القــوة السياســية الوحيــدة المعارضــة فــي البلد‬ ‫آنذاك(‪ ،‬أو من خلل المشاركة في الحيــاة الديمقراطيــة ممثلــة‬ ‫فــي البرلمــان والنتخابــات البلديــة‪ :‬فقــد شــارك الحــزب فــي‬ ‫النتخابات التأسيسية للمجلس النيابي عــام ‪ ،1956‬ثــم شــارك‬ ‫فــي الــدورة التشــريعية التاليــة عــام ‪ ،1959‬وفــي النتخابــات‬ ‫مــن المضــايقات‬ ‫البلديــة الــتي تمــت فــي البلد علــى الرغــم‬ ‫)‪.‬‬ ‫وإلى جانب هذه المواقف اليجابية التي اتخذها الحزب من‬ ‫السلطة التونسية الفتيــة‪ ،‬فقــد انتقــد المظــاهر الســلبية‪ ،‬الــتي‬ ‫بــدأت فــي الظهــور بعــد الســتقلل‪،‬وخاصــة قصــة اســتئثار‬ ‫البرجوازيـــة التونســـية بنتـــائج النضـــالت الوطنيـــة‪ ،‬للشـــعب‬ ‫التونســـي‪ ،‬ومحـــاولت الهيمنـــة والتفـــرد بالســـلطة‪ ،‬وإفـــراز‬ ‫سياسات معادية للطبقات الشعبية‪ .1962‬علما أن محمــد النــافع تســلم منصــب الميــن‬ ‫العــام للحــزب فــي العــام ‪ ،1948‬واســتمر فــي هــذا المنصــب‬ ‫القيادي حتى العام ‪ ،1980‬وبرز في هذه الفترة عدد مــن قـادة‬ ‫الحزب أهمهم محمد حرمل‪ ،‬وموريس نزار‪.‬وقدم الحزب نقــدا ً ذاتيـا ً علنيـا ً "فيمــا يخــص الخطــاء‬ ‫التي ارتكبها الحزب في تلك الفترة‪.‬‬ ‫وم الحــزب الشــيوعي مجمــل‬ ‫فــي هــذه المــؤتمرات‪ ،‬قــ ّ‬ ‫سياساته ومواقفه‪ ،‬وممارســاته‪ ،‬وواصــل الجهــود لبنــاء الحــزب‬ ‫كحــزب ماركســي‪ ،‬واســتخلص الــدروس مــن تجــاربه القديمــة‪،‬‬ ‫وخاصــة أيــام كــان يمــارس فيهــا الحــزب نوع ـا ً مــن التعصــب‬ ‫والتحجر‪ .‬وهــذا أول إبــراز للــوجه‬ ‫الوطني بصورة واضحة ل لبس فيها‪ .‬وقــد قــرر المــؤتمر أل يكــون فــي الحــزب غيــر‬ ‫التونسيين‪ ،‬وتم تعديل النظام الداخلي بمــا يخــدم هــذا التــوجه‪.‬‬ ‫أيــد الحــزب الشــيوعي كــل إجــراءات الحكومــة التونســية‬ ‫المســتقلة هــذه‪ ،‬وخاصــة منهــا تــأميم القطاعــات القتصــادية‬ ‫الكـــبرى كالنقـــل‪ ،‬و الكهربـــاء‪ ،‬والميـــاه‪ ،‬والمنـــاجم‪ ،‬وكـــذلك‬ ‫الصلحات في الميــدان الزراعــي‪ ،‬مثــل حــل الحبــاس وتــأميم‬ ‫جزء من أراضى المعمرين الفرنسيين‪.‬وعقــد المــؤتمر الســادس‬ ‫في كانون ثاني ‪ ،1957‬أما المؤتمر السابع فقــد عقــد فــي آذار‬ ‫)مارس( ‪ .‬‬ ‫‪‬‬ ‫‪27‬‬ ‫)( ‪ -‬ة ةةة ة ةةة‪ -‬ةةةة ةةة ة ةةةةة ةة‬ ‫ةةةةةةةة ةة ةةةة – ةة ةةة ةةة ةةة ةةةةة‬ ‫‪ -‬ةةةةةة ةةةةةة ‪ -1986‬ةةةة ‪) -‬ة ‪.(144‬‬ .‬‬ ‫أما على صعيد المســاندة للثــورة الجزائريــة‪ ،‬تشــير بعضــى‬ ‫المراجــع إلــى مســاندة الحــزب الشــيوعي التونســي للثــورة‬ ‫المسلحة فــي الجــزائر لجــل انــتزاع حريــة واســتقلل الشــعب‬ ‫الجزائري‪ ،‬بينما تشير مراجع أخرى إلى أن موقف الحزب كــان‬ ‫أقرب إلى موقــف الحــزب الشــيوعي الجــزائري الــذي عــارض‬ ‫الثورة المسلحة‪.

‬ولكــن المــر بالنســبة لبرجوازيــة‬ ‫الدولــة الصــاعدة كــان يتمثــل فــي فــرض رقابــة تامــة علــى‬ ‫المنظمات الجماهيرية‪ ،‬وبالخص منهــا التحــاد العــام التونســي‬ ‫للشغل‪ ،‬والتحاد العام لطلبة تونس‪ .‬وتم تشديد الرقابة على كادرات الحزب‬ .‬‬ ‫في ظل تلك المدة هيمنت الشعارات والرموز اليديولوجية‬ ‫للنظام التونسي المجردة من الوقائع الجديدة‪ ،‬والتي ل تربطها‬ ‫أية صــلة بالمســائل السياســية القتصــادية للشــعب‪ ،‬وبقضــاياه‬ ‫الوطنية والقومية‪.‫الفصل السابع‬ ‫الحزب الشيوعي‬ ‫والنتقال إلى المعارضة الصلحية‬ ‫‪ .‬‬ ‫وفضل ً عن ذلــك‪ ،‬كــانت سياســة الدولــة‪ -‬التونســية الفتيــة‪،‬‬ ‫تستند إلى سياسة تخفيف حدة العداء تجاه الستعمار القديم و‬ ‫الستعمار الجديد‪ ،‬و المحافظة علــى "الوحــدة القوميــة" تحــت‬ ‫الوصــاية المباشــرة للوليــات المتحــدة المريكيــة‪ .‬واجتمع المجلــس القــومي‬ ‫للحــزب الدســتوري بمدينــة الكــاف فــي آذار )مــارس( ‪،1963‬‬ ‫وقرر أن كل المنظمات الجماهيرية تعتبر من « خليا الحزب »‬ ‫وتعمل تحت قيادته‪ ،‬ويتمثل دورها في « تطبيق سياسة الحزب‬ ‫كل في ميدانها »‪.‬‬ ‫وجاءت عمليــة حظــر نشــاط الحــزب الشــيوعي وصــحافته‬ ‫مترافقة مـع شـن حملـة اعتقـالت واسـعة ضـد قيـادة الحـزب‬ ‫وكوادره‪ .‬‬ ‫وقد حدثت محاولة انقلبيــة ذات طبيعــة برجوازيــة صــغيرة‬ ‫وطنيــة غيــر ملتحمــة بالجمــاهير فــي ‪ 24‬كــانون أول ‪،1962‬‬ ‫فاغتنم النظام هذه الفرصة لتخاذ قرار بحل الحزاب السياسية‬ ‫المعارضة وتجميدها‪ ،‬فتـم حظـر الحـزب الشـيوعي‪ ،‬وصـودرت‬ ‫صحافته‪ :‬جريدة « الطليعة » ومجلة « تريبون دي بروغــري »‪،‬‬ ‫وقمعت الحريــات السياســية‪ .1‬الحزب الشــيوعي فــي ظــل هيمنــة الحــزب‬ ‫الواحد ‪) -‬مرحلة ‪: ( 1981 – 1963‬‬ ‫تميزت فترة ‪ 1962 -1956‬من حكم البرجوازية التونسية‪،‬‬ ‫بأنها كانت مرحلة تشكلها السياسي واليــديولوجي‪ ،‬وذلــك عــبر‬ ‫هيمنتها على جهاز الدولة‪ ،‬كما كانت مرحلة رجعية فــي مجمــل‬ ‫مواقفها السياسية وتوجهاتها القتصادية والجتماعية‪ ،‬حيث أنهــا‬ ‫عولت على مقدرة تحالفها مــع البرجوازيــة التقليديــة فــي حــل‬ ‫مشاكل التخلف والتبعية ‪.‬فتم اعتقال كل من محمد حرمــل‪ ،‬وعبــد الحميــد بــن‬ ‫مصطفى‪ ،‬والهادي جراد‪ ،‬فيما توفي حسن السعداوي في أحــد‬ ‫مراكز المن التونسي‪ .‬ولقــد كــانت‬ ‫تجربة معركة الجلء عن بنزرت العام ‪ ،1962‬أحــد معــالم هــذه‬ ‫السياسة‪.

‬وقـامت الحركـة التعاضــدية‬ ‫في تونس بتصفية ملكيات الفلحين الصغار‪ ،‬والتجــار‪ ،‬وطبقــت‬ ‫الســاليب الرغاميــة والداريــة التســلطية لفــرض التعاضــديات‬ ‫الزراعيــة والتجاريــة فــي الريــف‪ ،‬المــر الــذي قــاد إلــى إلحــاق‬ ‫الضرر الكبير بالفلحين‪ .‬ونجــم عــن هــذا الوضــع‪ ،‬إفقــار شــديد‬ ‫لجماهير الفلحين الصــغار والمتوســطين‪ ،‬وهجــرة كــثير منهــم‪،‬‬ ‫لبيع قوة عملهم في أسواق الدول الرأسمالية‪ ،‬وخاصة فرنســا‪،‬‬ ‫‪28‬‬ ‫‪29‬‬ ‫)( ‪ -‬ة ةةة ة ةةة‪ -‬ةةةة ةةة ة ةةةةة ةة‬ ‫ةةةةةة ةة ة ة ة ةةة ‪ -‬ةةةةة ة ةةةةة ة ‪-1986‬‬ ‫ةةةة ‪) -‬ة ‪.(16‬‬ .‬فتــم إقــرار‬ ‫مسألة "الشـتراكية الدسـتورية" وبـرز الرجـل القـوي أحمـدبن‬ ‫صــالح فــي فضــاء السياســة التونســية‪ ،‬فقــاد بــدوره تجربــة‬ ‫التخطيط إلى "الشتراكية"‪ ،‬التي لــم تكــن ســوى محاولــة بنــاء‬ ‫رأسمالية الدولة‪ ،‬في ظل السيطرة المبريالية الميركية‪. 29‬‬ ‫لقد أرغمــت الدولــة التونســية علــى ضــرورة الشــروع فــي‬ ‫التخطيط وبناء رأسمالية الدولة‪ ،‬وتنظيم العلقات الجديدة بيــن‬ ‫الدولــة والرأســمالية‪ ،‬باعتبارهــا مرحلــة جديــدة تشــتمل علــى‬ ‫تغيرات مهمة في البنية الجتماعية‪ ،‬لقــوانين المجتمــع‪ ،‬وتخــدم‬ ‫بشكل رئيس عملية التراكم الرأسمالي‪ ،‬وتسير في خط تنميــة‬ ‫وتعزيــز الرأســمال الخــاص‪ ،‬فــي علقــاته العضــوية بالســوق‬ ‫الرأســمالية العالميــة‪ .‫المحظورة( النشاط‪ ،‬وتقديم عدد من الشيوعيين إلى‬ ‫ومنظماته‬ ‫المحاكمات العلنية)‪.‬كان انتهاج الدولة سياسة‬ ‫التخطيــط فــي الميــدانين القتصــادي والجتمــاعي‪ ،‬علم ـا ً بــان‬ ‫الحكم التونسي يطلق على مفهوم التخطيط‪ ،‬مصــطلحا ً خاص ـا ً‬ ‫به وهو "التصميم "‪ .(142‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةة ة ةةة ةةةةة ةةة ة ةةةةةةةةة ة‬ ‫ةةةة ة ةةة ةةة ة ة ة ةةة‪ -‬ةةة ةةةةةة ة‬ ‫ةةةة ة ةةةةةةة ة‪ -‬ةةة ة ةةةةة ة ةةةةة ة‬ ‫ةةةةة ‪ ( 1989‬ة ‪. 28‬‬ ‫وكــانت النتيجــة التاريخيــة الضــرورية الــتي توصــلت إليهــا‬ ‫الفئات الوســطى‪ ،‬الــتي امتلكــت بالفعــل ســلطة الدولــة‪ ،‬هــي‬ ‫إنشــاء القطــاع العــام والعتمــاد علــى الدولــة فــي الحقــل‬ ‫القتصادي‪ ،‬للخروج مـن الزمـة القتصـادية والجتماعيــة‪ ،‬الـتي‬ ‫عاشتها تونس فـي العـام ‪ ،1962‬وفــي ســبيل تشـكيل أسـاس‬ ‫مادي لسلطتها السياسية‪ ،‬وكرد مباشر في الوقت عينــه‪ ،‬علــى‬ ‫الضعف البنيوي للبرجوازية التقليدية‪ .‬وشــكل "مــؤتمر المصــير" المنعقــد فــي‬ ‫مدينة بنزرت العام ‪ ،1964‬منعرجا ً سياسيا ً وتاريخيا ً مهم ـًا‪ ،‬فــي‬ ‫حياة تونس‪ ،‬حين استبدل اسم الحزب وأصبح يســمى منــذ ذاك‬ ‫التاريخ "الحزب الشتراكي الدســتوري التونســي "‪ .‬وحول هذه السياسة الجديدة يقول ميشال‬ ‫كامو‪«:‬وفي هذا الصدد‪ ،‬فإن رأسمالية الدولــة لــم تكــن تشــكل‬ ‫فقط المظهر ) القتصادي ( للوصاية‪ ،‬ولم تكن الدولة تستجيب‬ ‫كانت( أيضا تتخــذ كيفيــات‬ ‫فقط لدوافع ضبط عملية التراكم‪ ،‬بل‬ ‫تعود إلى ضرورات التكامل السياسي » )‪.‬غيــر أن الصــلح الزراعــي الــذي اضــطلعت بتطــبيقه‬ ‫"الشتراكية الدستورية"‪ ،‬والدولة‪ ،‬لم يكن موجها لتصفية ملكية‬ ‫القطاعيين‪ ،‬ول سعى إلى تأميم الملكية الكبيرة لكبار المالكين‬ ‫العقاريين والرأسماليين الزراعيين‪ .‬‬ ‫وجعــل هــذا الصــعود القــوي لحمــدبن صــالح‪ ،‬يحتــل أربــع‬ ‫وزارات دفعــة واحــدة‪ :‬وزارة الماليــة‪ ،‬وزارة التخطيــط‪ ،‬وزارة‬ ‫اقتصــاد‪ ،‬ووزارة التعليــم‪ ،‬ويباشــر فــي تطــبيق برنامــج الفــاق‬ ‫العشــرية ‪ 1971-1962‬بوتــائر متســارعة‪ ،‬وارتبطــت تجربــة‬ ‫رأســمالية الدولــة ارتباط ـا ً وثيق ـا ً بإزالــة البنــى القديمــة العهــد‬ ‫المتشــابكة ببقايــا العلقــات القطاعيــة وشــبه القطاعيــة فــي‬ ‫الزراعــة‪ .

‬‬ ‫ولذا تحالف جنــاح البرجوازيــة البيروقراطيـة المتصـلب مــع‬ ‫جناح البرجوازية التقليدية ذي الميول الليبراليــة‪ ،‬الــذي يــتزعمه‬ ‫أحمد المستري الوزير السابق للداخليــة والــدفاع وحســيب بــن‬ ‫عمــار وزيــر الــدفاع الســابق‪ ،‬وكلهمــا مــن أعضــاء الــديوان‬ ‫السياسي للحزب الحاكم‪ .‬‬ ‫وعلــى كــل‪ ،‬فرغــم الخطــاء‪ ،‬والنــواقص‪ ،‬ورغــم العراقيــل‬ ‫‪30‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةةة ةةةةةة ( ة ‪.‬‬ ‫كما تميزت مرحلة حركة التعاضــد‪ ،‬بتســلط البيروقراطيــة‪،‬‬ ‫واحتكارها للقرار السياســي القتصــادي‪ ،‬وممارســتها الســتبداد‬ ‫علــى الجمــاهير الشــعبية الكادحــة‪ ،‬مــن خلل قمــع القــوى‬ ‫اليسارية‪ ،‬وضرب النقابات أو تعميم ال ّ‬ ‫شعب المهنية الدستورية‬ ‫في المصانع والمؤسسات المختلفــة‪ ،‬وتنصــيب قيــادة مســاومة‬ ‫ومتناقضة جذريا ً مــع مصــالح العمــال علــى رأس التحــاد العــام‬ ‫التونسي للشغل‪.‬وقاد هذا الئتلف حملة تصفية تجربة‬ ‫"رأسمالية الدولة"‪ ،‬وتقديم رائدهــا أحمــد بــن صــالح للمحاكمــة‬ ‫بتهمــة "الخيانــة العظمــى"‪ ،‬وقــد ســاندته فــي ذلــك أوســاط‬ ‫‪ (30‬الميركيـة‪ ،‬ففتـح بـذلك طريـق التطـور‬ ‫الرأسـمالية الحتكاريـة‬ ‫القتصادي الليبرالي ) ‪.‫الحزب الشيوعي‬ ‫والنتقال إلى المعارضة الصلحية‬ ‫ووجود جيش كبير من العاطلين عن العمل‪.‬‬ ‫إزاء هذه التجربة أصدر الحزب الشــيوعي التونســي وثيقــة‬ ‫فكريـــة ‪ -‬سياســـية بعنـــوان « مـــن أجـــل سياســـة تقدميـــة‬ ‫وديمقراطية جديدة » في العام ‪ ،1975‬قوم فيها العوامل التي‬ ‫أدت إلى إفشال تجربة السنوات ‪ .‬‬ ‫ثم إن تجربة الشتراكية الدستورية‪ ،‬مهدت الطريق لتطــور‬ ‫الرأسمالية في الريف‪ ،‬وشكلت القاعدة المادية لعملية التراكم‬ ‫الرأســـمالي لمصـــلحة البرجوازيـــة التقليديـــة والبيروقراطيـــة‬ ‫الجديدة‪ .‬وتشكلت في خضم هذه التجربــة "رأســمالية الدولــة"‬ ‫شريحة البرجوازية البيروقراطية ذات النزعة الستبدادية بقيادة‬ ‫محمد الصياح المــدير الســابق للحــزب الشــتراكي الدســتوري‪،‬‬ ‫والتكنـــوقراطي الهـــادي نـــويرة‪ ،‬رئيـــس الـــوزراء الســـابق‪،‬‬ ‫والمدعومة من قبل جبهة رأس المــال الخــاص المحلــي‪ ،‬ومــن‬ ‫المساندة المريكية الكبيرة‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫وبــذلك فقــدت هــذه التجربــة حليف ـا أساســيا‪ ،‬وهــو القــوة‬ ‫المنتجة الساسية فــي البلد لــدعم التحــولت القتصــادية الــتي‬ ‫قامت بها رأسمالية الدولة‪ .‬وكان لزمة ســنة ‪ 1969‬فــي نهايــة‬ ‫مرحلة )رأسمالية الدولة( التي شهدتها تونس فــي ســنة ‪1964‬‬ ‫واســـتمرت حـــتى ســـنة ‪ ،1969‬تحـــت رايـــة "الشـــتراكية‬ ‫الدســـتورية" وتعـــايش القطاعـــات الثلث‪ ،‬بقيـــادة الجنـــاح‬ ‫الــبيروقراطي التســييري فــي الحــزب )أحمــد بــن صــالح(‪ ،‬أن‬ ‫جعلــت النظــام غيــر مســتقر‪ ،‬داخــل الحــدود والهــداف الــتي‬ ‫رسمتها وفرضتها هذه التجربة‪.‬ونجــم‬ ‫عن كل ذلك تنشيط للنزاعات المعادية للشيوعية الــتي ل تفيــد‬ ‫إل القوى الرجعية والستعمار الجديد‪.1969 -1960‬وساند الحزب‬ ‫الشــيوعي الجــوانب اليجابيــة فــي الســتينات‪ ،‬وانتقــد ســلبياتها‬ ‫وحــذر فــي العــام ‪ 1969‬مــن خطــر الــتراجع وتركيــز التجــاه‬ ‫الرأســمالي‪ ،‬ومواصــلة العــداء للديمقراطيــة‪ .(26 -25‬‬ .‬وأكــد أن تركيــز‬ ‫الحــزب الواحــد ومــا تبعــه مــن مضــايقات وتعطيــل للحريــات‬ ‫الديمقراطية زاد في ضعف القــوى التقدميــة‪ ،‬وزاد فــي تجميــد‬ ‫الحركة النقابية والمنظمة الطلبية مما حرم هــاتين المنظمــتين‬ ‫من مساهمة فعالة في إنجــاح تجربــة التطــور التقــدمي‪ .

‬‬ ‫« أما فيما يتعلق بتجربة بن صالح ل سيما من سنة ‪،1964‬‬ ‫فإن مواقف الشيوعيين التونسيين كانت صــحيحة بصــفة عامــة‬ ‫ويمكــن تلخيصــها كمــا يلــي‪ :‬مســاندة التجربــة التقدميــة بحــزم‬ ‫وانتقاد الخطاء انتقادا ً بناًء وصريحا ً فــي الــوقت نفســه لتحــذير‬ ‫التجربة نفسها من الخطار التي تحدق بها‪.‬وكان هــدف الشــيوعيين فــي تلــك الفــترة‬ ‫الحفاظ على الداة النافعة للسهام فــي معركــة شــعبهم لجــل‬ ‫الديمقراطية‪ ،‬ولجل فرض العدول عن السياسة الرأسمالية‪.(31‬‬ ‫وخلل فترة الحظر‪ ،‬كانت مهمــة الحــزب الشــيوعي تكمــن‬ ‫في المحافظة على وحدته اليديولوجية والسياسية عبر مقاومة‬ ‫النحرافات اليمينية واليسارية الــتي بـرزت فــي داخلـه وخاصــة‬ ‫في الوقات الصعبة‪ .‬‬ ‫كان للشيوعيين احترازات فيما يخص تشكل الصــلحات‪ ،‬ل‬ ‫ســيما كيفيــة فهــم التعاضــد والشــكال الــتي جــاء فيهــا‪ .‬‬ ‫« كما إن تجربة سنوات ‪ 1969 -1960‬أفضت إلى توســع‬ ‫الملكية الكــبيرة الفلحيــة بحمايتهــا الراضــي الــتي اســترجعتها‬ ‫الدولــة مــن المطــامع وحــددت إمكانيــات )أصــحاب الفاريــات(‬ ‫بفضــل إصــلح قطــاع التجــارة وتــأميم الســياحة فــي قواعــدها‬ ‫الساسية وغير ذلك من الجراءات‪ .(11‬‬ .‫والتعطيلت‪ ،‬فإن تجربة ‪ 1969 -1960‬تركت تراث ـا ً طيب ـا ً مــن‬ ‫النجازات اليجابية‪ ،‬فقد حاولت أن ترفع ســدا ً يمنــع الســتعمار‬ ‫الجديد من التسرب في بلدنا وذلك بالشروع في تشييد اقتصاد‬ ‫مستقل أساســه التصــنيع ويعــترف خصــومه أنفســهم )بمجهــود‬ ‫التنميــة الملحــوظ( علــى حــد تعــبيرهم‪ ،‬الــذي تــم فــي العشــر‬ ‫سنوات الماضية ملحظين حجم التعديلت وقيمتها ولسيما في‬ ‫)ميادين المنتجة بعد أمد بعيــد( وإقامــة قاعــدة صــناعية وتنويــع‬ ‫نشــاطات القتصــاد الــوطني بفضــل إحــداث مشــاريع جديــدة‪،‬‬ ‫وتوسيع المؤسسات ذات الطابع الجتماعي والثقافي الخ‪.‬وكــان‬ ‫الشيوعيون يعتبرون انه من الخطأ الواضح الســاليب المعمــول‬ ‫بها‪ ،‬والتي كانت لها عواقب سيئة في العاجل على حالة الكــثير‬ ‫من صغار الفلحين وصغار التجــار الــذين لــم يفهمــوا مــا كــانت‬ ‫ترمي إليه فعل ً هذه التجربة الــتي كــان نصــيبها مــع الســف أن‬ ‫انعزلت‪ ،‬وأصبحت تحت رحمة القوى اليمينية الرخيصــة‪ ..‬‬ ‫« هذه كلها مكاسب إيجابية من واجب القــوى التقدميــة أن‬ ‫تدافع عنها وأن تقاوم المحاولت الرامية إلى ترك المؤسســات‬ ‫المؤممة للخواص أو بيع أراضي الدولة والمساعي الحثيثة التي‬ ‫يقوم بها أنصار التطور الرأسمالي‪.‬‬ ‫وقــد عقــد الحــزب الشــيوعي مــؤتمره الثــامن فــي شــباط‬ ‫‪ ،1981‬قبل رفع الحظر عنه ببضعة اشهر‪ ،‬وصدرت عنه وثيقــة‬ ‫رســمت مختلــف وجهــات نظــر الحــزب إزاء‬ ‫من أربعــة أجــزاء‪،‬‬ ‫القضايا الساسية )‪.‬وحصل تقدم محسوس في‬ ‫التشغيل وافتتح باب التعليم والثقافة‪..‬واتضـحث صـحة‬ ‫ـاندة الــروح التقدميــة لتلــك‬ ‫موقف الشــيوعيين ســواء فــي مسـ‬ ‫التجربة أو في انتقاد جوانبها السلبية)‪. (32‬‬ ‫‪31‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةة ة "ة ة ةة ة ةةةة ة ةةةةة ة‬ ‫ةةةةةةةةة ة ةةة ةة"‪ -‬ةةة ةةةة ةةةةة ة‬ ‫‪-15‬‬ ‫‪ (1975‬ة ‪-9‬‬ ‫‪.‬ولكــن‬ ‫على الرغم من الخطاء والحترازات فــإن الشــيوعيين ســاندوا‬ ‫المجهودات التي قام بها أحمد بن صالح بشــجاعة وبــدون كلــل‬ ‫ليحقق اتجاها ً تقدميا ً في ظروف صعبة جدًا‪ ،‬وقدموا له مساندة‬ ‫ناشطة بقدر مـا تســنى لهـم مـن إمكانيـات‪ ...

‫الحزب الشيوعي‬
‫والنتقال إلى المعارضة الصلحية‬

‫ففــي الجــزء الول‪ ،‬جــاء فــي معــرض تحليــل الطبقــات‬
‫الجتماعية والتناقضات بينها ما يلــي‪ :‬تعــاظم شــأن البرجوازيــة‬
‫الجديدة‪ ،‬حيث تمكنت بعض العناصر مــن البرجوازيــة الصــغيرة‬
‫مــن كســب مواقــع اقتصــادية جديــدة أو توســيع مواقــع قديمــة‬
‫بفضل نفوذها السياسي وما يــوفره لهــا مــن تســهيلت‪ .‬وهكــذا‬
‫ظهــرت البرجوازيــة الجديــدة‪ ،‬وتطــورت تــدريجيا ً عــبر مراحــل‬
‫معقدة‪ ،‬وعلوة على موقعها في القطــاع الفلحــي حيــث ســبق‬
‫للبرجوازيــة القديمــة )أي للرأســماليين الفلحيــن والمســتغلين‬
‫للفلحات الكبرى والتصدير( أن حصلت على قواعد متينة‪ ،‬فإنها‬
‫تمركزت في المشاريع التجاريــة الكــبرى كالســتيراد والتصــدير‬
‫والسياحة وفي العديد من النشطة التابعة لقطاع الخدمات بما‬
‫في ذلـك المضـاربة العقاريـة‪ ،‬وفـي مقـاولت البنـاء والشـغال‬
‫العمومية‪ ،‬وفي الصناعات الموجهة نحو التصدير‪ ،‬وفي شركات‬
‫التأمين والبنوك بالتعاون مع الرأسمال الجنبي‪.‬‬
‫وفي تقويمه للزمة العميقــة الـتي طــرأت علــى الصــلحية‬
‫الدستورية‪ ،‬جاء في وثيقة المؤتمر الثامن أن المحتــوى الجديــد‬
‫الذي أعطى للصلحية في عهد بن صالح بــات رهيــن الشــكال‬
‫اليديولوجيــة المســيطرة علــى الحــزب الشــتراكي الدســتوري‬
‫المتجسمة في نفي الصراع‪ ،‬وفي محاولة التوفيق بيــن مصــالح‬
‫متناقضة إلى أكبر حد‪ .‬كما أنه بــات رهيــن الطــار العــام الــذي‬
‫تطورت فيه تلك الصلحية‪ ،‬أي إطار الحزب الواحد الــذي يريــد‬
‫الجمــع بيــن اتجاهــات متناقضــة‪ ،‬وإطــارا ً للتعســف والســلطة‬
‫المطلقــة‪ ،‬والمــوالة للمريكــان الــخ‪ ...‬واســتطاعت الصــلحية‬
‫الدســتورية مــن خلل الرجــوع الصــوري لشــكالها القديمــة أن‬
‫تــوهم النــاس لمــدة محــدودة )فكــان الحــديث عــن القطاعــات‬
‫الثلث‪ ،‬ثم أتى التعامل مع الحركة النقابية على أساس الميثاق‬
‫الجتماعي( غير أن الصلحية الدســتورية لــم تعــد قــادرة علــى‬
‫أداة وظيفتها بصفة عادية‪ ،‬وحتى في شــكلها هــذا فإنهــا فقــدت‬
‫فعاليتها ول سيما مصداقيتها‪ ،‬فدخلت في أزمــة أول ً إثــر اختيــار‬
‫التجاه الرأسمالي‪ ،‬وثانيا ً إثر القطيعة مع الحركة النقابية‪.‬‬
‫وجــاء فــي الجــزء الثــاني مــن الوثيقــة‪ ،‬المتعلــق بتحليــل‬
‫السياسة القتصادية والجتماعية ما يلي‪ :‬إن الوضــع الــذي كــان‬
‫سـائدا ً منـذ سـنة ‪ ،1960‬قـد انقلـب سـيره واتسـم منـذ بدايـة‬
‫الســبعينات بالطــابع الرأســمالي المــوجه للسياســة القتصــادية‬
‫والجتماعية‪ ...‬إنها سياسة تشــجع عناصــر البرجوازيــة الجديــدة‬
‫التي تربطها مصالح بالرأسماليين الجانب‪ ،‬كما إنهــا تجــر تبنــي‬
‫ومســـاعدة نمـــط النمـــو الـــذي يفرضـــه الرأســـمال الجنـــبي‬
‫الستعمار الجديد وذلك أمر له انعكاســاته‪ ،‬حيــث يــؤدي تــدعيم‬
‫التبعية القتصادية أكــثر فــأكثر‪ ،‬إلــى إرســاء رأســمالية تونســية‬
‫متخلفـــة وتابعـــة‪ ،‬تتطـــور تطـــورا ً رأســـماليا ً وتعيـــش علـــى‬
‫المساعدات من الخارج‪ ،‬مما يؤدي إلــى إدمــاج البلد التونســية‬
‫فــي فلــك الســتعمار الجديــد ويجعلهــا تخضــع لتــأثير القتصــاد‬
‫الرأســمالي العـالمي‪ .‬وقـادت هــذه السياسـة الرأســمالية إلــى‬
‫تبديــد المجهــود الــوطني فــي مجابهــة التخلــف‪ ،‬وتعميــق قــوة‬
‫الفــوارق الجتماعيــة‪ ،‬لمــا اقــترنت بسياســة قمعيــة منافيــة‬
‫للديمقراطية‪ ،‬وما أحدثته مــن أزمــة خطيــرة فــي تــونس ظهــر‬
‫عمقهــا واتســاعها فــي النتفاضــة العماليــة والشــعبية فــي ‪26‬‬
‫كانون الثاني ‪ ،1978‬ثم في حوادث قفصة المسلحة فــي ســنة‬
‫‪.1980‬‬
‫‪32‬‬

‫)( ‪ -‬ةةة ةة ةةة ةةةة ةةةةةة ة‪ -‬ةةةة ة‬
‫ةةةةةةة ةةةةةة‪ -‬ة ةةة )ة ةةةةة( ‪ ( .1981‬ة ‪-12‬‬
‫‪(19‬‬

‫وفي الجزء الثالث المتعلق بتحليل الوضــع الــدولي‪ ،‬تعــرض‬
‫الحزب الشيوعي إلى أهم الحداث الساخنة فــي ذلــك الــوقت‪.‬‬
‫ففي تحليله للثورة اليرانية‪ ،‬يقول‪ « :‬إذا كانت الثــورة اليرانيــة‬
‫قد حطمت مواقع المبريالية فإن التناقضات الــتي تتخبــط فيهــا‬
‫هذه الثورة )مشاكل طبقية‪ ،‬المسألة الوطنية( تمنح المبرياليــة‬
‫إمكانية المناورات‪ .‬إن الحرب الــتي أثارهــا العــراق ضــد إيــران‬
‫تحقق موضــوعيا ً الغــراض الخفيــة للمبرياليــة‪ ،‬إذ هــي تضــعف‬
‫الثــورة اليرانيــة وتضــعف فــي الــوقت نفسـه الجبهــة النضــالية‬
‫للشعوب العربية ضد المبرياليــة‪ ،‬والصــهيونية )قطــع العلقــات‬
‫الدبلوماسية بين العراق‪ ،‬وسوريا وليبيا(‪ ....‬أما في أفغانســتان‪،‬‬
‫فإن الخطاء التي ارتكبتها القوى التقدميــة الــتي أخــذت بزمــام‬
‫الســلطة فــي نيســان )إبريــل( ‪ ،1978‬والظــروف الموضــوعية‬
‫المعقدة لهذا البلد الذي ل يزال يرزح تحت هياكل قبلية متخلفة‬
‫ساعدت على وقوف القوى المحافظة والمضادة للثورة‪ ،‬والتي‬
‫تهدف بتأييد من المبريالية‪ ،‬وبعــد ســقوط الشــاه‪ ،‬إلــى العثــور‬
‫علــى معقــل آخــر لضــرب حركــة التحــرر الوطنيــة والبلــدان‬
‫الشتراكية"‪.‬‬
‫ً‬
‫وإذا كــان الحــزب ظــل متمســكا بخيــار الشــتراكية‪ ،‬كخيــار‬
‫يضمن تطورات اقتصادية كبيرة فــي أمــد قصــير نســبيًا‪ ،‬إل انــه‬
‫وجه انتقاده لما جرى فــي بولنــدا‪ ،‬الــتي كــانت تعيــش ظــروف‬
‫الصراع بين نقابة تضامن وحكم جاروزلسكي العســكري‪ ،‬حيــن‬
‫قال‪ :‬إل أن بناء الشتراكية لم يتم ول يتم بدون أخطاء أو نقاط‬
‫ضعف أو تناقضات فهي لم تعرف النتصارات فحســب‪ .‬ومثــال‬
‫ما وقع في بولونيا يبين أن أخطاء وانحرافات جسيمة يمكن أن‬
‫تحدث وأن تبلغ درجة من الخطر تهدد الشتراكية ذاتها‪ .‬غير أنه‬
‫يمكن للشتراكية أن تجد في نفسها إمكانيات لتصحيح الخطــاء‬
‫ولحــل مشــاكل النمــو المعقــدة علــى المســتوى القتصــادي‬
‫والجتمــاعي والثقــافي‪ .‬وذلــك بالنضــال ضــد كــل انحــراف‬
‫بيروقراطــي وبالســتجابة لمتطلبــات الديمقراطيــة الجديــدة‬
‫وبتطورهــا مــن خلل المشــاركة النشــيطة لمجمــوع العمــال‬
‫ومنظماتهم الجماهيرية ول سيما النقابات التي يجــب أن تلعــب‬
‫الدور الخاص الذي يعود إليها »‪ .‬وفضل ً عن ذلك‪ ،‬قــوم الحــزب‬
‫ميزان القوى الجديد في العالم والوضع الــدولي‪ ،‬وحلــل طبيعــة‬
‫السياسة الخارجية التونسية‪ ،‬موضحا ً « إن موقف تــونس فيمــا‬
‫يتعلــق بالقضــية الفغانيــة والثــورة اليرانيــة وبمناســبة الحــرب‬
‫العراقية اليرانية وبحثها الصريح عن حمايــة عســكرية فرنســية‬
‫أميركية وعلقاتها القتصـادية مـع السـوق الوروبيـة المشـتركة‬
‫ومــع فرنســا كــل هــذا يجعلهــا تلعــب دور المســاعد للســتعمار‬
‫الجديد )الحوار الثلثي والعمليات المثلثية (‪.‬‬
‫المــؤتمر الثــامن‬
‫وثيقــة‬
‫وقــد خصــص الجــزء الرابــع مــن‬
‫لموضوع برنامج الحزب‪ ،‬واشتمل على المطالبة بـ )‪.(33‬‬

‫ا – على الصعيد السياسي ‪:‬‬
‫ركز الحزب على أن محاولة القمع التي انتهجها النظام في‬
‫‪ 26‬كــانون ثــاني ‪ 1978‬وســجن القيــادات النقابيــة‪ ،‬ومحاولــة‬
‫احتوائه للتحــاد العــام التونســي للشــغل لــم تنجــح فــي إيقــاف‬
‫الحركة المطلبية والقضاء على الحركــة النقابيــة‪ ،‬والحــال عينــه‬
‫في الجامعة‪ ،‬حيث لم يحـل القمـع أيضـا أي مشـكل ولـم تمنـع‬
‫المحاكمــات السياســية العديــدة ول المنــاورات والســتفزازات‬
‫المتنوعة واليقافات والســجن الــتي يرجــع بعضــها إلــى ‪،1967‬‬
‫‪33‬‬

‫)( ‪ -‬ةةةةةة ةةةةةة ( ة ‪.(53 -52 -51 -50 -49‬‬

‫الحزب الشيوعي‬
‫والنتقال إلى المعارضة الصلحية‬

‫الطلبـــة مـــن مواصـــلة الـــدفاع عـــن طموحـــاتهم الشـــرعية‬
‫والمساهمة في النضال العام من أجــل الحريــات الديمقراطيــة‬
‫والتغييرات الضرورية‪.‬‬
‫ولحظ برنامــج الحــزب الشــيوعي التغيــرات الحاصــلة فــي‬
‫تونس‪ ،‬مع مجيء رئيس الوزراء الجديد محمد مزالي‪ ،‬والوعــود‬
‫التي قطعتها حكومته لجل إحداث انفراج في الوضع السياسي‬
‫التونســي‪ ،‬مثل ً إيجــاد حلــول لمشــاكل التحــاد العــام التونســي‬
‫للشغل‪ ،‬والتحاد العام لطلبة تونس بــالحوار‪ ،‬وإجــراء انتخابــات‬
‫حرة‪ .‬وعلى هذا الساس‪ ،‬أكــد برنامــج الحــزب الشــيوعي‪ ،‬انــه‬
‫لكي تمئل هذه الجراءات الخطة الولى في إرساء ديمقراطيــة‬
‫حقيقية‪ ،‬فإنه يجــب أن تــدخل ضــمن ديناميكيــة تغييريــة ممثلــة‬
‫أساسا ً في تحقيق ما يلي‪:‬‬
‫ً‪ - 1‬الحل السريع لمشاكل التحاد العــام التونســي للشــغل‬
‫والتحاد العام لطلبــة تــونس علــى أســس ديمقراطيــة‬
‫وصحيحة‪ .‬وهذا يعني رفع جميع الستثناءات والحــترام‬
‫الفعلي لرادة الشغالين والشباب الطالبي‪.‬‬
‫ً‪ - 2‬العلن عن عفو تشريعي عام يرجع حقوق المســاجين‬
‫السياسيين والنقابيين‪.‬‬
‫ً‪ – 3‬إلغاء كل القرارات والقــوانين المنافيــة للدســتور حــتى‬
‫تضــمن حريــات التعــبير والتنظيــم لكــل التجاهــات‬
‫السياسية بصفة واضحة دون قيــد أو اســتثناء بمــا فــي‬
‫ذلك حق الشــيوعيين التونســيين فــي إصــدار الصــحف‬
‫ورفع الحظر الذي تسلط على حزبهم منذ سنة ‪1964‬‬
‫اثر قرار إداري‪.‬‬

‫‪ - 2‬في المجال القتصادي ‪:‬‬
‫طالب برنامج الحزب الشيوعي بضرورة مراجعة السياســة‬
‫القتصادية والجتماعية بصفة تضــع حــدا ً لمطــامع الرأســماليين‬
‫الطفيليين ولتزايد خطورة الفوارق الجتماعية‪ ،‬وبطريقــة تأخــذ‬
‫بعين العتبار مصالح الجماهير الكادحة‪ ،‬وتتجه نحو طريق تطور‬
‫وطنـــي حقيقـــي واســـتقلل اقتصـــادي‪ .‬وأكـــد البرنامـــج أن‬
‫الشــيوعيين التونســيين يناهضــون بشــدة السياســة الرأســمالية‬
‫المعادية للديمقراطية التي عمقت الفوارق الجتماعية وحــولت‬
‫النضــالت الراميــة إلــى الخــروج مــن التخلــف عــن أهــدافها‬
‫الساســية وقــادت البلد إلــى أزمــة خطيــرة‪ .‬ويبقــى هــدفهم‬
‫الساسي هو الشتراكية‪ ،‬في المرحلة الراهنــة‪ -‬مرحلــة الثــورة‬
‫الوطنية الديمقراطية ذات المحتوى الجتماعي المتقدم والــذي‬
‫يفتح الطريق نحو الشــتراكية‪ -‬وهــم يناضــلون مــن أجــل بــديل‬
‫ديمقراطي يضمن تطــورا ً اقتصــاديا ً متكــامل ً موجه ـا ً نحــو تلبيــة‬
‫حاجيات الجماهير الشعبية‪.‬‬

‫‪ - 3‬الهداف القتصادية ‪:‬‬
‫أكــــد برنامــــج الحــــزب أن البــــديل الجديــــد التقــــدمي‬
‫والديمقراطي الذي نقترحه يتركز على تحقيـق ما يلي‪:‬‬
‫ في المجال الزراعي ضرورة إجراء إصــلح زراعــي‪ ،‬يمنــع‬‫تجمــع الراضــي فــي أيــدي أقليــة محظوظــة‪ ،‬ويمكــن‬
‫الفلحيــن مـن أكــثر مــا يمكــن مــن الراضــي )الملكيــات‬
‫الفقيـــرة والمتوســـطة(‪ ،‬ويضـــع حـــدا ً للنـــزوح ويطـــور‬
‫الزراعات الغذائية ويوســع الســوق الداخليــة بمــا يســمح‬

‫بتصنيع فعلي‪ .‬ولتحقيــق هــذا الهــدف يجــب أن نحــد مــن‬
‫الملكية الكــبيرة بــالرجوع إلــى مقــاييس تختلــف حســب‬
‫الجهــات وأنــواع الزراعــات وأن يقــع التوزيــع المجــاني‬
‫للراضي على الفلحين الفقراء والعملة الفلحين وإعانــة‬
‫هؤلء على تطوير إنتاجهم ووسائل عملهم بكل الطرق‪.‬‬
‫ في مجال التصنيع ‪ :‬يجب تغيير العلقة بين قطــاع الدولــة‬‫والقطاع الخاص وإعطاء القطاع العــام مهمتــه الحقيقيــة‬
‫كمحرك للتطور‪ ،‬كما يجدر أيضا أن تتغير أهــداف النتــاج‬
‫في اتجاه تطوير أشــكال إنتاجيــة وطنيــة متجهــة أساسـا ً‬
‫نحو السوق الداخلية‪.‬‬
‫ في مجال التجارة‪ :‬يجب القضاء على القطاعات الطفيلية‬‫خاصة في الميدان العقاري ومجــال التصــدير والســتيراد‬
‫كما يجب مراقبة السعار بصورة حقيقية‪.‬‬
‫ في مجال الضـرائب أو الجبايـة‪ :‬جعـل السياسـة الجبائيـة‬‫تتماشى وضرورة التقشــف ول يتســنى هــذا إل بالعتمــاد‬
‫علــى كــل الفئات الجتماعيــة الوطنيــة وإجبــار القليــة‬
‫المحظوظــة علــى دفــع ضــرائب توظــف علــى ثرواتهــا‬
‫الجديدة‪ .‬وهكذا تساهم كـل الفئات فـي معركـة الخـروج‬
‫من التخلف والنهوض بالبلد‪.‬‬

‫‪ -4‬الهداف الجتماعية‪:‬‬
‫ضــرورة تطــبيق سياســة تشــغيل منظمــة للقــوى العاملــة‪،‬‬
‫وإيجاد حلول جذريــة لمســألة الســكن‪ ،‬وتــوفير خــدمات صــحية‬
‫ودوائيــة مناســبة للفئات الشــعبية‪ ،‬وتطــبيق سياســة تعليميــة‬
‫وثقافيـــة وإعلميـــة تســـتجيب لحاجـــات الطبقـــات الشـــعبية‬
‫ومصالحها‪.‬‬

‫‪ -5‬الهداف السياسية‪:‬‬
‫ التأكيد على نهج الديمقراطية‪ ،‬واتباع سياسة تقدميــة فـي‬‫البلد‪ ،‬عبر تأكيــد الــترابط بيــن الديمقراطيــة والسياســة‬
‫التقدمية في المبادئ القتصادية والجتماعية‪.‬‬
‫ التأكيد علــى أن التعدديــة السياســية هــي تجســيد للخيــار‬‫الديمقراطي في البلد‪ ،‬والــذي يترســخ مــن خلل إيجــاد‬
‫صيغة العمل المشــترك للقــوى الوطنيــة والديمقراطيــة‬
‫لمعالجة أوضاع البلد‪ .‬وقد عقب هــذا القــتراح سلســلة‬
‫مـن المبـادرات لبعـث عمـل موحـد والتصـالت وتبـادل‬
‫الراء مـــع الوحـــدة الشـــعبية وحركـــة الـــديمقراطيين‬
‫الشتراكيين والتجاه السلمي ‪.‬‬
‫ تأكيد الحزب ضرورة عمل القوى الوطنيـة والديمقراطيـة‬‫التونســية لقــرار اتفــاق وطنــي علــى أســاس الحريــات‬
‫الديمقراطية‪ ،‬وإعادة النظر فــي المتيــازات القتصــادية‬
‫والجتماعية‪.‬‬

‫‪ -6‬السياسة الخارجية ‪:‬‬
‫أكد الحزب الشيوعي في مؤتمره‪ ،‬أنــه حــتى تســير تــونس‬
‫في طريــق التغييــر اللزم فإننــا فــي حاجــة أيض ـا ً إلــى سياســة‬
‫خارجيـة متحـررة مـن كـل مـوالة للغـرب‪ ،‬وغيـر منحـازة فعل ً‬
‫تنشط في اتجاه وحدة المغرب العربي‪ ،‬وتجعل شــعبنا يشــارك‬
‫في نضال كل الشعوب العربية ضد المبرياليــة والصــهيونية‪ .‬إن‬
‫الشيوعيين يناضلون ويناشدون كل القوى الوطنية للنضال مــن‬

‫الحزب الشيوعي‬
‫والنتقال إلى المعارضة الصلحية‬

‫أجل سياسة خارجية تتماشى ومصلحة بلدنا الوطنية‪.‬‬

‫‪ - 2‬الحزب الشيوعي واستئناف نشاطه العلنــي‬
‫في ‪: 1981‬‬
‫بعد مظلمة تاريخية حرمت الحزب الشيوعي مــن ذلــك مــا‬
‫يزيد على ثمانية عشر عامـًا‪ ،‬وبعــد محــاولت عديــدة ومتكــررة‬
‫قام بها في عقدي الستينات والســبعينات لتمكينــه علــى القــل‬
‫مــن إصــدار صــحيفته‪ ،‬تــم رفــع الحظــر عــن نشــاط الحــزب‬
‫الشيوعي التونســي فــي تمــوز ‪ ،1981‬إثــر مقابلــة بيــن محمــد‬
‫حرمــل الــذي تــولى منصــب الميــن العــام للحــزب فــي العــام‬
‫‪ ،1980‬والرئيس السابق الحبيب بورقيبة‪.‬‬
‫و استأنف الحزب إصدار جريدته « الطريق الجديد » في ‪3‬‬
‫تشرين أول )أكتوبر( ‪ ،1981‬وجاء في افتتاحية العــدد الول مــا‬
‫يلي‪ « :‬فالطريق الجديد تجسيم للمسار الديمقراطي الذي هــو‬
‫في بدايته وتجسيد للتعددية التي بدأ العتراف بها وهو بل شــك‬
‫سيأخذ مكانه مع الصحف الوطنية والديمقراطيــة ليعــزز عملهــا‬
‫»‪ ...‬ولكــن الطريــق الجديــد سيســهم فــي مقاومــة التجــاه‬
‫الرأسمالي الحالي وتركيز الفاق الشتراكية حتى تخرج تــونس‬
‫حقا ً من التخلف وحتى يكــون تطــوير البلد فــي صــالح مجمــوع‬
‫شعبها « ولن ينسى الطريق الجديد ميدان السياســة الخارجيــة‬
‫» فيستعمل دوما ً في سبيل سلوك سياسة عدم انحياز حقيقيــة‬
‫وفي سبيل مساندة حركات التحرر في العالم وقضايا الشعوب‬
‫العربية وخاصة القضية الفلسطينية مساندة تامــة‪ ،‬وفــي ســبيل‬
‫توثيق العلقات مع القوى المعادية للستعمار وخاصــة مــع البلد‬
‫الشتراكية‪ .‬والطريق الجديــد سيســعى أن يكــون منــبرا ً للفكــر‬
‫التقدمي‪ ،‬الفكر الثوري المعاصر يروج الشتراكية العلمية بعيدا ً‬
‫عن كل تحجر وكل تعصب‪ ،‬وعــن الراء المســبقة‪ ،‬والختلقــات‬
‫والكاذيب التي تروجها حملت متواصلة أدت مثل ببعض الشبان‬
‫شــيوعيين ماركســيين لينينييــن إلــى‬
‫الــذين يعتــبرون أنفســهم‬
‫مقاومة الشيوعية والشتراكية )‪.(34‬‬
‫وهكذا وبعد ثمانية عشر سنة تظهــر « الطريــق الجديــدة »‬
‫لتأخذ المشعل عن " الطليعة "‪ ،‬التي وقع منعها في كانون أول‬
‫‪ ،1962‬مواصلة بذلك الخطوات النضــالية الــتي بــدأتها جريــدة‬
‫"حبيب المة" اليومية الصــادرة فــي ‪ 23‬تشــرين أول "أكتــوبر"‬
‫‪ .1921‬ونســتعرض الن الصــحف الشــيوعية منــذ نشــوئها فــي‬
‫تونس على النحو التالي‪:‬‬
‫الجنبية‬
‫العربية‬
‫يومية ‪ 1921‬أسبوع ‪1944‬‬
‫حبيب‬
‫‪L’ Avenir Social –1922‬‬
‫ية‬
‫المة‬
‫يومية‬

‫‪1921‬‬

‫أسبوع‬
‫ية‬

‫‪1925‬‬

‫الستبرار يومية‬

‫‪1921‬‬

‫يومية‬

‫‪1921‬‬

‫أسبوع‬
‫ية‬
‫أسبوع‬
‫ية‬

‫‪1925‬‬

‫‪Le Combat‬‬
‫‪Social‬‬
‫‪L’ Aube Sociale‬‬

‫حبيب‬
‫الشعب‬

‫‪1925‬‬

‫‪La Bataille‬‬
‫‪Sociale‬‬

‫البصير‬
‫‪34‬‬

‫)( ‪ -‬ةةةةة ة ةةةةة ة‪ -‬ةةة ةة ة ةةةة‪ -‬ةةة ةة ‪3‬‬
‫ةةةةة ةةة )ةةةةةة( ‪ -1981‬ةةةةةةةةةة‪.‬‬

1922‬أسبوع‬ ‫ية‬ ‫‪1921‬‬ ‫ية‬ ‫أسبوع‬ ‫تصدر بصفة غير‬ ‫ية‬ ‫قانونية‬ ‫الطليعة أسبوع ‪ – 1962‬شهرية‬ ‫‪1937‬‬ ‫ية‬ ‫المستقب أسبوع ‪ 1945‬دورية‬ ‫ية‬ ‫ل‬ ‫التونسي‬ ‫التونسي أسبوع ‪ 1949‬دورية‬ ‫ية‬ ‫شهرية‬ ‫‪1926‬‬ ‫‪Le Proletaire‬‬ ‫‪– 1944‬‬ ‫‪1956‬‬ ‫‪L’ Avenir de La‬‬ ‫‪Tunisie‬‬ ‫‪Liberte‬‬ ‫‪1955‬‬ ‫‪L’ Avenir‬‬ ‫‪1955‬‬ ‫‪L’ Espoir‬‬ ‫‪1963‬‬ ‫‪L’ Espoir‬‬ ‫‪1975‬‬ ‫‪Jeunesse‬‬ ‫‪De’mocratique‬‬ ‫‪1945‬‬ ‫‪1949‬‬ ‫حياة‬ ‫الحزب‬ ‫صوت أسبوع ‪1954‬‬ ‫ية‬ ‫المة‬ ‫الطريق شهرية ‪.‬وأن‬ ‫المؤتمر إيمانا ً منه كما أكد ذلك "المجاهد الكبر" ضمن خطــابه‬ ‫الذي افتتح به المؤتمر‪ ،‬بأن ما بلغه الشعب من رقي‪ ،‬وما يحدو‬ ‫الشباب من طموحات وما تقتضيه المصلحة من تشــريك جميــع‬ ‫التونســيين واتخــاذ القــرار مهمــا اختلفــت بينهــم الراء داخــل‬ ‫الحزب أو خارجه‪ ،‬يدعو إلى السماح بظهــور تنظيمــات وطنيــة‪.‬‬ ‫سياســية كــانت أو اجتماعيــة شــرط أن تلــتزم المصــلحة العليــا‬ ‫والشرعية الدستورية وحمايــة المكاســب القوميــة ونبــذ العنــف‬ ‫والعصبية والرهاب الفكري وعدم الولء أيديولوجيا ً أو ماديا ً لي‬ ‫جهة أجنبية ‪.‬‬ ‫وكانت انتفاضة ‪ 26‬كانون ثاني )يناير(‪ ،1978‬وأزمة التحاد‬ ‫العام التونسي للشغل عقب سيطرة الجناح الكثر رجعيــة فــي‬ ‫صلب النظام اثر النتفاضة‪ ،‬والنقلب الذي قام بــه هــذا الخيــر‬ ‫علــى رئاســة التحــاد مــن خلل زج بــن عاشــور فــي الســجن‪،‬‬ ‫وعملية قفصة العسكرية كانون ثاني )يناير( ‪ ،1980‬التي هــزت‬ ‫أركان السلطة الحاكمة‪ ،‬هي أهم الحوافز الــتي دفعــت النظــام‬ ‫إلى انتهاج سياسة« التفتح والديمقراطية » وكان على حكومــة‬ ‫محمد مزالي أن تواجه كل المتاعب دفعة واحدة الحــزب الــذي‬ ‫أصبح يحتاج إلى إعادة بناء‪ ،‬والجيش الذي اعتــاد علــى الخــروج‬ ‫إلى الشارع‪ ،‬والمن الذي تحطمت أسطورته حيـن لـم يســتطع‬ .‬وقــد جــاء‬ ‫في القسم المتعلق بها‪ « :‬والمؤتمر مع إقــراره بالتعدديــة فــي‬ ‫الراء والحــق فــي التعــبير والتنــافس الشــريف الــذي يؤكــد أن‬ ‫الديمقراطية تقتضي أول ً وبالذات وجود دولة مهابة‪ ،‬وأن الدولة‬ ‫والهياكــل تتطــور ول اســتقرار إل فــي ظــل دولــة قويــة‪ ..‫الخبير‬ ‫يومية‬ ‫‪1921‬‬ ‫المهضو‬ ‫م‬ ‫يومية‬ ‫‪1921‬‬ ‫أسبوع‬ ‫ية‬ ‫أسبوع‬ ‫ية‬ ‫المجلة أسبوع ‪ .1981‬‬ ‫‪1968‬‬ ‫وكان رفع الحظر عــن نشــاط الحــزب الشــيوعي التونســي‬ ‫ترافـــق مـــع انتهـــاج النظـــام التونســـي سياســـة « التفتـــح‬ ‫والديمقراطية » عقب المؤتمر الحادي عشر الستثنائي للحزب‬ ‫الشتراكي الدستوري الذي أقر مسألة الديمقراطية‪ ..

‬‬ ‫ونحــن متمســكون بــالقيم الســلمية التقدميــة كمــا أننــا‬ ‫متمسكون بالتقاليد العقلنية المتأصلة في تراثنا من ابــن رشــد‬ ‫وابن خلــدون ومحمــد عبــده وجمــال الــدين الفغــاني والطــاهر‬ ‫الحــداد وغيرهــم ممــن اجتهــدوا وتفتحــوا لكــل جديــد تقــدمي‬ ‫‪35‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةةة ةةةةةة‪ -‬ةةةةةة ةةةةةة ( ة ‪.(4‬‬ .‫الحزب الشيوعي‬ ‫والنتقال إلى المعارضة الصلحية‬ ‫إجهاض عملية قفصة ول إحباط الهجــوم الصــهيوني‪ ،‬والقتصــاد‬ ‫الذي دخل إلى غرفة العنايــة الفائقــة‪ ،‬والنقابــات الهائجــة الــتي‬ ‫تحتاج إلى ترويض )كما قال بورقيبة(‪ .‬‬ ‫وأمام تعاظم حركة التجاه السلمي في الشارع التونسي‪،‬‬ ‫وازدياد نفوذها ودورها السياسي وتعرضــها لحملــة ظالمــة مــن‬ ‫النظام‪ ،‬حدد الحزب الشيوعي موقفه منها علــى النحــو التــالي‪:‬‬ ‫« انه من حق أي مواطن أن ينتسب إلــى" التجــاه الســلمي"‬ ‫وأن يدافع عن رأيه كمـا مـن حــق أي مــواطن أن ينتســب إلــى‬ ‫اتجاهات أخرى‪ .‬إن توظيف الدين في السياسـة يكـون إيجابيـا ً أو سـلبيًا‪،‬‬ ‫تقدميا ً أو رجعيا ً حسب ما تحتوي عليه السياســة‪ ،‬الــتي ينطلــق‬ ‫منها‪ ،‬وحسب الظروف والجماعــات الــتي تســتعمله‪ .1981‬‬ ‫وقد أكد الحــزب الشــيوعي فــي تحليلــه الطــابع السياســي‬ ‫لهـذه المحاكمـة حيـن تسـاءل هـل مـا تعـرض لـه هـذا التجـاه‬ ‫السلمي « يمكــن أن يســحبه النظــام علــى مختلــف التيــارات‬ ‫السياســية الــتي لــم تحصــل بعــد علــى تأشــيرة‪ .‬هذا وإننــا ل نغــض الطــرف عــن تقييــم التجــاه‬ ‫السلمي نفسه‪ :‬إننا نعتبره تيارا ً فكريـا ً سياســيا ً يوظــف الــدين‬ ‫في السياسة فنختلف معه في ميادين ونلتقي معه فــي ميــادين‬ ‫أخرى‪ .‬‬ ‫وأضاف الحزب أن هذه المحاكمة بوصفها محاكمــة سياســية «‬ ‫تمثل انتكاسا ً في المسيرة الديمقراطية وتبرهن من جديد على‬ ‫أن النضال من أجل إرسـاء دعـائم الديمقراطيـة يسـتدعى مـن‬ ‫كل القوى الديمقراطية والوطنية المزيد مــن التلحــم والنضــال‬ ‫من أجل دعم هذا المسـار‪ .‬غير أن قوة المر الواقــع‬ ‫كانت أقوى من نوايا أي رجل‪ ،‬وتلك هــي الفجــوة الــتي تحــدث‬ ‫في كل مرة يطمح فيهــا بلــد مــن العــالم الثــالث إلــى الخــروج‬ ‫للهواء الطلق‪.‬فهــي عرضــة‬ ‫للمحاكمــة "مــن أجــل الحتفــاظ بجمعيــة غيــر مرخــص بهــا»‪.‬‬ ‫في غضون ذلك‪ ،‬قام النظــام فــي تــونس‪ ،‬بمحاكمــة قيــادة‬ ‫"حركة التجاه الســلمي" فــي تمــوز ‪ .‬وهــذا يمــر حتمــا بالعمـل مـن أجــل‬ ‫‪(35‬عفــو‬ ‫إقرار الحريات العامة وإلغاء القوانين اللدستورية وإصدار‬ ‫تشريعي يهيئ الظروف لدفع جديد نحو الديمقراطية » ) ‪.1981‬وقــد أراد النظــام‬ ‫من هذه المحاكمــة‪ ،‬تحجيــم قــوة "حركــة التجــاه الســلمي "‪،‬‬ ‫وســد الطريــق أمــام إمكانيــة التحــالف بينهــا وبيــن المعارضــة‬ ‫التونسية‪ ،‬حين أقرت حكومة مزالــي الســابقة إجــراء انتخابــات‬ ‫تشريعية مبكرة في خريف ‪.‬‬ ‫إن السلم ليس في حد ذاته مقياسا ً للتعرف علــى حقيقــة‬ ‫وأهداف الذين يتخــذونه اتجاهـًا‪ ،‬ذلــك إن الســلم ديــن للجميــع‬ ‫ولكن الجميع فئات وطبقــات وصــراع طبقــي ونزعــات‪ ،‬فهنــاك‬ ‫الرأسمالي وهنــاك العامــل‪ ،‬وهنــاك الرجعــي وهنــاك التقــدمي‪،‬‬ ‫وهنــاك دول إســلمية رجعيــة وهنــاك دول إســلمية معاديــة‬ ‫للستعمار‪.‬وقــد كــان‬ ‫إيجابيا ً بل ثوريا ً في بعض الظروف‪ ،‬وفي المكان أن يكــون لــه‬ ‫دور إيجابي في ظروف أخرى‪ ،‬ولكنه في المكان أن يكون هذا‬ ‫الدور ســلبيا ً إذ اختفــت الحقــائق والمصــالح الضــيقة والتعصــب‬ ‫وراء الدين وإذا كان توظيفه لغراض وأهداف رجعية‪.

‬‬ ‫وكانت هنـاك مجموعـة مـن الظـروف الـتي أحـاطت بهـذه‬ ‫النتخابات يمكن أن نوجزها كما يلي‪:‬‬ ‫ا ‪ -‬إن ضبط تاريخ أول تشرين ثاني )نوفمبر( ‪ 1981‬لجراء‬ ‫النتخابــات التشــريعية ل يــترك متســعا مــن الــوقت‬ ‫للحزاب والحركات السياسية المعارضة‪ ،‬التي مــازالت‬ ‫تعمل في إطار شبه علني‪ ،‬باستثناء الحزب الشــيوعي‪،‬‬ ‫الذي لم يحصل على حق الوجــود القــانوني إل فــي ‪19‬‬ ‫تموز ‪ .1981‬والحال هذه فإن المنافسة النتخابيــة فــي‬ ‫هذا الطار تصبح غير متكــافئة بيــن حــزب حــاكم يقــوم‬ ‫بحملتــه النتخابيــة عــبر اســتعمال هياكــل ومؤسســات‬ ‫الدولة‪ ،‬وبين أحزاب وحركات معارضــة ل تــزال تناضــل‬ ‫من أجل حقها في الوجود ومن أجل التعريف بنفسها‪.‬‬ ‫ولعل المرحلة الحالية تتميز بنوعية جديــدة‪ ،‬إذ لــم يعــد الحــزب‬ ‫الحــاكم يجــد إزاءه ســوى الحــزب الشــيوعي بمفــرده ينــادي‬ ‫بالديمقراطية والحرية‪ ،‬بل نجد كذلك عدة حركات سياسية مــن‬ ‫أهـــم اهتماماتهـــا تركيـــز منـــاخ سياســـي منســـجم بالتســـامح‬ ‫والديمقراطية‪ ،‬فضل ً عن أن مطلب الديمقراطية أصــبح مطلب ـا ً‬ ‫ملحا ً للجماهير الشعبية التي ما انفكت ترفعه كشــعار فــي كــل‬ ‫تحرك جماهيري‪.(15‬‬ .‬والتمسك بتلك القيم ل يعنى المحافظـة الجامـدة بـل‬ ‫التطور المســتمر‪ .‬واعتقادنــا أن التفتــح إلــى الماركســية كعلــم‬ ‫وكأسلوب للعمـل علـى تغييـره يمليـه إخلصـنا‬ ‫لتحليل المجتمع‬ ‫لتلك القيم وإمداداتها )‪.‬‬ ‫‪ -2‬إن إجراء انتخابات مبكرة يشكل محاولة لتدجين فصائل‬ ‫المعارضـــة‪ ،‬واحتـــواء مطلـــب التعدديـــة السياســـية‬ ‫والفكريــة‪ ،‬باعتبــار أن التمثيــل النيــابي يصــبح مقياســا‬ ‫للعتراف بالحزاب‪.‬‬ ‫‪ -3‬إن الحـــزب الحـــاكم دخـــل هـــذه النتخابـــات ضـــمن‬ ‫استراتيجية تعتمــد علــى محاصــرة أطــراف المعارضــة‪،‬‬ ‫فاختــار الحــزب الشــتراكي الدســتوري الحــاكم قــوائم‬ ‫"جبهة وطنية"‪ ،‬بإقحام التحاد العام التونســي للشــغل‪،‬‬ ‫أكبر قوة اجتماعية أساسية في البلد وأكــبر نقابــة فــي‬ ‫هذه القوائم‪ .‫وطوروه‪ .‬‬ ‫إزاء موقف السلطة التونسية المعادي للمعارضة التونسية‪،‬‬ ‫ما هي نظرة الحزب الشيوعي لهذه النتخابات؟‬ ‫يقول محمد حرمل في الندوة الصــحفية الــتي عقــدها يــوم‬ ‫‪ 1981 /9/8‬المتعلقة بالنتخابات‪ « ،‬ونحن ل ننظر إليها انطلقا ً‬ ‫من فكرة هل أنها ستفيد النظام أم ل‪ ،‬بل ننظر إليها على ضوء‬ ‫السؤال التالي‪ :‬هل تفيد المسـار الـديمقراطي أم ل؟ ول ننظــر‬ ‫‪36‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةةة ةةةةةة ( ة ‪.‬وفــي هــذا مــس باســتقللية التحــاد‪ ،‬لنــه‬ ‫فــرض عليــه تحــالف انتخــابي مــع الحــزب الدســتوري‪،‬‬ ‫وعلى كل منخرطيه مهما ً كانت انتماءاتهم السياسية‪.‬‬ ‫‪ -4‬إن القانون النتخابي المتبع فــي هــذه النتخابــات جــائر‪،‬‬ ‫لنه يعتمد طريقة التمئيل بالكثرية‪ ،‬أي أن القائمة التي‬ ‫تحصل علــى أكثريــة الصــوات فــي دائرة انتخابيــة هــي‬ ‫التي تفوز بجميع المقاعد المخصصة لهذه الدائرة‪.(36‬‬ ‫فــي العـام ‪ 1981‬أعلنــت حكومـة مزالـي إجـراء انتخابـات‬ ‫تشريعية مبكرة‪ .‬واكتسب هذا الحدث أهمية بالغة بعد ‪ 13‬عاما‬ ‫من هيمنة نظام الحزب الواحد‪ ،‬حرم خللهــا الشــعب التونســي‬ ‫من الختيار‪ ،‬وأفرغت عملية النتخابات من كل مغزى سياسي‪.

‫الحزب الشيوعي‬ ‫والنتقال إلى المعارضة الصلحية‬ ‫إليها من حيـث أنهـا انتخابـات فـي حـد ذاتهـا ولكـن فـي كيفيـة‬ ‫توجههــا وفــي الصــيغة الــتي يمكــن أن تكتســبها‪ ،‬ننظــر إلــى‬ ‫النتخابــات كمعركــة‪ ،‬كجــزء مــن التجربــة الديمقراطيــة‪ ،‬ومــن‬ ‫المفيـــد أن تكـــون النتخابـــات معركـــة مـــن أجـــل التحـــول‬ ‫الديمقراطي الحقيقي‪ ،‬لذلك قدمنا اقتراحنا بخصوص القائمـات‬ ‫المشتركة قبل العتراف بالحزب وقبل الحصول على الجريدة‪،‬‬ ‫لنه من الممكن أن يقــال إن الحــزب الشــيوعي التونســي أراد‬ ‫قوائم مشتركة حتى ل يقع في قضية الـ ‪ 5‬بــالمئة‪ ،‬لكــن قــدمنا‬ ‫اقتراحنا كقائمات بعد الحصـول علـى الجريـدة وبعـد العـتراف‬ ‫بالحزب‪ ،‬معنى ذلك اقتراحنا ليس اقتراحا ً ظرفيا ً تكتيكي ـا ً أناني ـا ً‬ ‫ـداها لطــرح‬ ‫بل اقــتراح يتجــاوز مصــالحنا الحزبيــة الضــيقة ويتعـ‬ ‫قضية المصلحة الوطنية الديمقراطية في البلد‪.(37) .‬‬ ‫ في النتخابــات البلديــة‪ ،‬جــرت يــوم ‪ 5‬أيــار ‪ ،1957‬تقــدم‬‫الحزب الشيوعي بـ "قائمة العمل لصالح الشعب "‪.1962 -1956‬وكــانت‬ ‫المشاركة في الدوائر التالية‪.‬‬ ‫)‪ (1‬انتخابات المجلس التأسيسي أيار ‪.‬‬ ‫ولم تتوصل المعارضة التونسية إلى صــيغة قائمــة انتخابيــة‬ ‫مشتركة في النتخابات التشريعية‪ ،‬لذا تقدم الحــزب الشــيوعي‬ ‫للمشاركة فـي النتخابــات تحــت قائمـات « التغييــر فــي صـالح‬ ‫العمال ومجموع الشعب »‪ ،‬وطــرح أســماء )‪ (42‬مرشــحا ً فــي‬ ‫ستة دوائر انتخابية‪:‬‬ ‫) ‪ -(1‬ل للل للل للللل لل للل لللللل ل‪ :‬للل ل‬ ‫لللل‪.‬‬ ‫وقد شارك الحزب الشيوعي التونسي فــي كــل النتخابــات‬ ‫الــتي وقــع تنظيمهــا فــي الفــترة بيــن ‪ .‬‬ ‫) ‪ -(4‬لللل للللل للللللل‪ :‬لللل لللللل‪..‬‬ ‫) ‪ -(3‬ل للل للللللل ل لل للل لللللل ل‪ :‬لل ل‬ ‫لللللل للللللل‪.‬‬ ‫ وفي النتخابــات التشــريعية لســنة ‪ ،1959‬تقــدم الحــزب‬‫الشــيوعي بثلث قــوائم‪ ،‬تحــت عنــوان "قــوائم الديمقراطيــة‬ ‫والتقدم "‪.(9‬‬ .‬‬ ‫) ‪ -(5‬لللل للللل للللللل لللل لللللل‪.‬‬ ‫وكان اللون المميز لجميع هذه القوائم هو اللون الزرق‪.‬‬ ‫)‪ -(4‬د دائرة تــــــونس )‪ (2‬د دائرة قفصــــــة‪ (3) ،‬د دائرة‬ ‫‪37‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةة ة ةةةةة ةة ةةة ةة ‪2‬ة ةةة ةة ‪15‬‬ ‫ةةةةة ةةة )ةةةةةة( ‪ ( 1981‬ة ‪. 1956‬‬ ‫" قوائم التحاد" في دوائر‪:‬‬ ‫)‪ -(1‬تونس العاصمة‪ (2) ،‬ضــواحي تــونس‪ (3) ،‬باجــة‪(4) ،‬‬ ‫جندوبة‪ (5) ،‬الكاف‪ (6) ،‬مجــاز البــاب ‪ -‬زغــوان‪ (7) ،‬صــفاقص‬ ‫السخيرة‪ (8) ،‬جبنيانة‪ -‬قفصة‪ (9) ،‬نابل‪ ،‬سليمان )‪ (45‬سوسة‪،‬‬ ‫)‪ (11‬المهديــة‪ (12) ،‬القيــروان جلص‪ (13) ،‬مكــثر ‪ -‬ســليانة ‪-‬‬ ‫تاجروين‪..‬‬ ‫) ‪ -(2‬لللل للللللل للللل للللللل‪ :‬للل لللللل‬ ‫لل للللل‪.

‬‬ ‫وهي تجاوزات كانت تقع أحيانا ً بل غالبا ً في وضح النهــار وأمــام‬ ‫الجميع في معظم الدوائر النتخابية الــتي قــدمت فيــه قائمــات‬ ‫معارضة‪ .‬ولــم يســتطع الشــباب دخــول الــدورة القتصــادية‪،‬‬ ‫وبالتالي الدورة الثقافية‪..‬‬ ‫وقال محمد حرمل « نحن نملك ملفا ً كامل ً يتضمن كل الوقــائع‬ ‫التي ل يمكن الطعــن فيهــا عــن التجــاوزات‪ ،‬وخــرق القــانون‪.‬‬ ‫ل شك أن هذا النمط التنموي الرأسمالي التابع الذي يشجع‬ ‫على الستهلك دون أن يمكن الغالبية الساحقة من الســتهلك‪،‬‬ ‫بل من النتاج والستهلك‪ ،‬يخلق حرمانــات قاســية‪ ،‬فهــو يتخــم‬ ‫السوق بسلع كمالية غير ضرورية‪ ،‬ليـس بمقـدور جميـع النـاس‬ ‫‪38‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةةة ةةةةةة ةةةةة ‪6‬ة ةةةةة ‪ 7‬ةةةةة‬ ‫ةةةةةة )ةةةةةة( ‪ ( 1984‬ة ‪..‬فالصــناعة محــدودة‪ ،‬ونســبة‬ ‫البطالة فيها مرتفعة‪ ،‬وهي تضرب الشباب‪ ،‬المهمش اقتصــاديا ً‬ ‫واجتماعي ـًا‪ .‬لقد وقع تغيير شنيع لنتائج هذه النتخابات وهي أول‬ ‫انتخابــات فــي نطــاق التعدديــة‪ ،‬أول انتخابــات تســاهم فيهــا‬ ‫‪(38‬ـة منــذ حظــر الحــزب الشــيوعي‬ ‫التنظيمات السياسية المعارضـ‬ ‫التونسي في سنة ‪.(6‬‬ .‬فمشاركة المعارضة في هذه النتخابــات‬ ‫لم تلغ عدم المساواة بينها وبين النظام في الواقع‪ ،‬فيما يتعلــق‬ ‫بالشروط المجحفة التي وضعها‪ ،‬ولم تلغ الفروقات الكبيرة في‬ ‫المكانيــات الواقعيــة لســتعمال الحقــوق السياســية والمدنيــة‬ ‫بشكل ديمقراطي‪ ،‬من أجل تعبئة قواعدها النتخابيــة المعــترف‬ ‫بها نظريا ً من قبل السلطات‪ .‬‬ ‫مــن بيــن اكــثر المســائل الــتي تناولهــا الحــزب الشــيوعي‬ ‫التونسي بالنقد هي الختيارات الرأسمالية للحكم‪ ،‬التي أفرزت‬ ‫عدة ظــواهر أصــبحت ملزمــة للقتصــاد التونســي فــي مرحلــة‬ ‫الثمانينات‪ ،‬منهــا انحســار مــردود الصــادرات‪ ،‬و انخفــاض إنتــاج‬ ‫النفط‪ ،‬وثقــل حجــم الــديون الخارجيــة‪ ،‬والزمــة فــي احتيــاطي‬ ‫العملة الصعبة‪ ،‬والعجز في الميــزان التجــاري‪ ،‬ودخــول مجمــل‬ ‫القتصاد التونسي في مرحلة من الكســاد‪ ،‬إضــافة إلــى ارتفــاع‬ ‫معــدل البطالــة‪ . ) » 1963‬‬ ‫وهكذا‪ ،‬ظهرت شكلية الديمقراطيــة الــتي أقرتهــا الســلطة‬ ‫التونسية في هــذه النتخابــات التشــريعية المبكــرة فــي خريــف‬ ‫‪ ،1981‬بكل وضــوح‪ ،‬عنــدما لجــأت أجهــزة الدولــة إلــى عمليــة‬ ‫تزوير هذه النتخابات‪ ...‫جندوبة‪.‬كمــا أن هــذه الختيــارات الرأســمالية‪ ،‬أخــذت‬ ‫تفكك المجتمع التقليدي بالتدريــج‪ ،‬ول ســيما أجــزاءه الفلحيــة‪،‬‬ ‫وتعمق الفــوارق الجتماعيــة والطبقيــة‪ ،‬ممــا أدى إلــى تهميــش‬ ‫جزء كبير من الشباب النازح من الرياف‪ ،‬حيث لــم يجــد هــؤلء‬ ‫في الصناعة ميدانا ً كافيا ً للتشغيل‪ ..‬‬ ‫وفي صباح الربعاء ‪ 4‬تشرين الثاني )نوفمبر( ‪ ،1981‬عقــد‬ ‫الحــزب الشــيوعي التونســي نــدوة صــحفية حضــرها عــدد مــن‬ ‫ممثلي الصحافة الجنبية والوطنيــة‪ ،‬وقــدم فيهــا محمــد حرمــل‬ ‫المين العام للحزب‪ ،‬موقف الحزب مــن النتخابــات التشــريعية‬ ‫الخيــرة‪ ،‬الــتي جــاءت مفــاجئة لجميــع المراقــبين السياســيين‪،‬‬ ‫ولقادة الحزاب السياسية التونسية المعارضة‪ ،‬بل أنهــا فاجــأت‬ ‫بعــض أطــراف الســلطة‪ :‬وتبعــا ً لــذلك فقــد اتهمــت أحــزاب‬ ‫المعارضــة الســلطات التونســية بــتزوير النتخابــات التشــريعية‪.‬ومن هذا المنطلــق‪ ،‬فــان مســألة‬ ‫السماح بالتعددية السياسية وفق الشروط التي وضعها النظام‪،‬‬ ‫والنتخابــات المــزورة الــتي جــرت فــي تــونس‪ ،‬تؤكــد أن هــذه‬ ‫الديمقراطية المقنعة لم تقلص من الدور الحتكاري الذي يلعبه‬ ‫الحزب الدستوري في سير آلية الحكم السياسية‪ ،‬بل إنها كانت‬ ‫ول تــزال تخــدم وتتجــاوب مــع مصــالح وأهــداف حكــم الطبقــة‬ ‫البرجوازية الكمبرادورية الجديدة‪.

‬‬ ‫)‪ -(3‬تــذكر انــه ســبق للحــزب الشــيوعي‪ ،‬إن عــبر عــن‬ ‫معارضته لمثل هذا القرار‪ ،‬وحذر من عواقبه الوخيمــة‪،‬‬ ‫وذلك بالخصوص في عدد الطريق الجديــد‪ ،‬الــذي وقــع‬ ‫حجزه في أكتــوبر الماضــي )يــذكر فــي هــذا العــدد أن‬ ‫الجهــزة التونســية قــامت بمصــادرة جريــدة الطريــق‬ ‫الجديد‪ ،‬ومنعت إصــدارها لمــدة ســتة اشــهر‪ ،‬وإحالتهــا‬ .‬‬ ‫)‪ -(2‬تندد اللجنة المركزية باستعمال القمع والعنف‪ ،‬وتدخل‬ ‫الجيش ضد المتظاهرين‪ ،‬الذين عبروا عن غضبهم إزاء‬ ‫قرار الحكومة‪.‬‬ ‫لقــد أفــرز هــذا النمــط‪ ،‬وهــذه أهــم نتــائجه القتصــادية‬ ‫والجتماعيــة‪ ،‬بــل حــتى الحضــارية‪ ،‬طبقــة يســميها الحــزب‬ ‫الشيوعي‪ :‬البرجوازية الجديدة‪ ،‬الــتي أثــرت فــي فــترة مــا بعــد‬ ‫الستقلل‪ ،‬وقد اغتنت فــي ميــادين طفيليــة غيــر مرتبطــة كلهــا‬ ‫بالنتاج‪ .‬‬ ‫‪ .‬وهذا النمط يتسم بطابع مزدوج‪:‬‬ ‫فهو يبدو كأنه يفتــح أبــواب العيــش بشــكل متقــارب لنمــط‬ ‫العيش في الغرب‪ ،‬ولكنــه يفتحهــا لجــزء مــن الســكان‪ :‬القليــة‬ ‫المتنعمة‪ ،‬ويغلقها بوجه الكثرية المحرومة‪.3‬الحزب الشيوعي و« ثورة الخبز» ‪: 1984‬‬ ‫كــان لتوجهــات وممارســات واختيــارات نظــام الحكــم فــي‬ ‫مختلــف الميــادين دورا ً رئيســيا ً فــي تغذيــة الزمــة العامــة فــي‬ ‫تــونس‪ ،‬وهــى اختيــارات طبقيــة واضــحة‪ ،‬فض ـًل عــن النفــراد‬ ‫والحتكار وتسيير البلد بعقلية الحزب الواحد‪ ،‬المر الذي أحدث‬ ‫قطيعة عنيفة بين توجهات‪ ،‬وانحيــازات الســلطة وبيــن مطــالب‬ ‫ومطامح أجزاء واسعة من الشعب والشباب في الجامعة‪ ،‬وفي‬ ‫الشارع‪ ،‬كانون ثاني ‪ ،1978‬وفي " ثورة الخبز " ‪.1984‬‬ ‫وقد أصدرت اللجنة المركزية للحــزب الشــيوعي التونســي‬ ‫بيانا ً سياسيا ً حللت فيه طبيعة الحداث الخطيرة والدامية‪ ،‬التي‬ ‫جــرت فــي مــدن وقــرى تونســية منهــا بالخصــوص‪ ،‬القصــرين‪،‬‬ ‫وقــابس وقفصــة‪ ،‬وقبلــي‪ ،‬والــتي ذهــب ضــحيتها مئات القتلــى‬ ‫والجرحى‪ ،‬وموقف الحزب منها بالقول‪ :‬فإن اللجنة المركزية‪:‬‬ ‫)‪ -(1‬تعتــبر أن هــذه الحــداث هــي نتيجــة مباشــرة للقــرار‬ ‫الحكومي القاضي برفع الدعم عن الحبوب ومشتقاتها‪،‬‬ ‫مما أدى إلى الترفيع في سعر الخــبز والعجيــن ترفيعــا‬ ‫مجحفا اضر بصفة خطيرة بالقدرة الشرائية للكــادحين‬ ‫وأوسع فئات الشعب في قوتها اليومي‪.‫الحزب الشيوعي‬ ‫والنتقال إلى المعارضة الصلحية‬ ‫التمتع بها‪ .‬غير أن هذا النمط دخـل فـي أزمـة عميقـة‪ ،‬حيـن كـان‬ ‫الجواب الذي طرحتــه الرأســمالية التابعــة فــي ســبيل التطــوير‬ ‫المتزايــد للصــادرات‪ ،‬والمحافظــة علــى أســعار تنافســية جيــدة‬ ‫للبضائع المصدرة‪ ،‬لستمرار النفتــاح القتصــادي علــى الســوق‬ ‫الرأسمالية العالمية‪ ،‬هو الضغط على الجــور‪ ،‬وإحلل المراقبــة‬ ‫الشديدة من قبل الدولة محل التحديد الحــر للجــور فــي إطــار‬ ‫السياسة التعاقدية بين مختلف الطــراف الجتماعيــة‪ ،‬وتطــبيق‬ ‫برنامج تقشف بمزيد مــن الخضــوع المطلــق لشــروط صــندوق‬ ‫النقد الدولي‪ ،‬وزيادة أسعار المواد الغذائيــة الساســية بالنســبة‬ ‫للطبقات الشعبية‪ :‬الخبز ومشتقات الحبوب‪ ،‬وهي كلها عوامــل‬ ‫قادت إلى اندلع « ثورة الخبز » في نهاية العام ‪ 1983‬وبدايــة‬ ‫‪ ،1984‬التي لعبت الجمــاهير الســاحقة مــن الفلحيــن الفقــراء‬ ‫والشباب العاطل عن العمل دورا ً أساسيا ً في تفجيرها‪.

‬‬ ‫)‪ -(6‬إن الحزب الشيوعي التونسي‪ ،‬يعتقــد أن الحــل الــذي‬ ‫يسمح بحمايــة المكاســب الديمقراطيــة‪ ،‬ويجنــب البلد‬ ‫الهــزات والزمــات‪ ،‬ويضــمن مصــالح الفئات الشــعبية‪،‬‬ ‫ـندوق النقــد الــدولي‪،‬‬ ‫يتطلب التخلــي عــن توصــيات صـ‬ ‫ومراجعة الختيارات الرأسمالية" )‪.(40‬‬ ‫وبصــدد اقتراحــات الحــزب لمعالجــة الوضــع‪ ،‬أكــد القــائد‬ ‫الشــيوعي التونســي إن معالجــة الســاس الــذي قــامت عليــه‬ ‫الحداث تكمن في‪:‬‬ ‫)‪" -(1‬معالجــة العجــز الحاصــل فــي الميــزان التجــاري‪،‬‬ ‫وإشــكالية الوضــع القتصــادي بعمــوميته‪ ،‬مــن خلل‬ ‫فرض ضريبة على الثروات لجل تمويل دعم الحبــوب‬ ‫والمواد الساسية‪.(41‬‬ ‫وفــي مقابلــة أخــرى‪ ،‬أجريــت مــع الميــن العــام للحــزب‬ ‫‪39‬‬ ‫‪40‬‬ ‫‪41‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةة ةةةةةة ةةةةةةةة ةةةةة ةةة ةةةة‬ ‫ةةةةةة ة ةةة ةة ةةة ة ةة ةةة ةةةةةة ةة‬ ‫‪.(39‬‬ ‫وفــي مقابلــة أجريــت مــع بوجمعــة الرميلــي عضــو اللجنــة‬ ‫المركزية للحزب الشيوعي التونسي قال‪" :‬إن الحداث اندلعت‬ ‫فــور إعلن الحكومــة عــن رفــع الــدعم الحكــومي‪ ،‬وإن أعضــاء‬ ‫الحــزب خرجــوا علــى رأس تظــاهرات معارضــة فــي المنــاجم‬ ‫التونسية‪ ،‬واســتنكر عمليــات "التخريــب " مؤكــدا ً أن الحــزب ل‬ ‫يجيز مثــل هــذه الســاليب محمل ً مســؤولية مـا حــدث للجهــزة‬ ‫ـى‬ ‫المنية فــي مواجهــة النتفاضــة‪ ،‬الــتي ســوف تــترك أثــرا ً علـ‬ ‫موقف الحزب الحاكم إزاء ظاهرة "النفتاح الديمقراطي " )‪.‬‬ ‫)‪ -(5‬إن اللجنــة المركزيــة‪ ،‬إزاء هــذه الوضــاع الخطيــرة‬ ‫وانطلقــا ً مــن موقــع المعارضــة الوطنيــة المســؤولة‬ ‫تطالب‪ -‬كحل عاجل‪ -‬بوضع حد فوري لكــل الجــراءات‬ ‫القمعية مهما كان شــكلها‪ ،‬كمــا تطــالب بالعــدول عــن‬ ‫قــرار الــترفيع فــي أســعار الخــبز والعجيــن‪ ،‬وفتــح‬ ‫استشارة جدية مع كل الطراف المعنيــة حــول قضــية‬ ‫صندوق التعويض‪.‫إلــى الملحقــة القضــائية‪ ،‬تحــت حجــة قيــام الصــحيفة‬ ‫بنشر أنباء كاذبة(‪.‬‬ .‬‬ ‫)‪ -(4‬العمــل علــى تنميــة المنــاطق المحرومــة والريفيــة‪،‬‬ ‫ـاك ومقاومــة البطالــة والنــزوح‬ ‫وتنشيط الســتثمار هنـ‬ ‫في هذه المناطق " )‪.4984/1/6‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةة ة ة ة ةةةةة ة‪ -‬ةةةةةة ة‪ -‬ةة ة‬ ‫ةةةةة ة ةةةةةةة ة ةةة ةة ةةة ةةةة ة ة‬ ‫ةةةة ةةةةةة ةةةةةة ةةةةة ) ‪ (62‬ةةةة ‪.1984‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةةة ةةةةةة‪.‬‬ ‫)‪ -(4‬إن الحــزب الشــيوعي الــذي ســاند‪ ،‬ول يــزال التحــاد‬ ‫العام التونسي للشغل‪ ،‬وحمايــة وحــدته مــن منــاورات‬ ‫التقسيم والنشقاق‪ ،‬يعتبر انه كــان مــن المفــروض أن‬ ‫يتســم موقــف التحــاد بوضــوح أكــثر‪ ،‬حــتى ل يــترك‬ ‫المجال مفتوحا ً لمثل هذه القرارات‪.‬‬ ‫)‪ -(3‬المطالبة ببرنامج وطني لجل معالجة البطالة وخاصــة‬ ‫في أوساط الشباب ‪.‬‬ ‫)‪ -(2‬القيام بحملة دعاوية عــبر أجهــزة الدولــة لجــل إغاثــة‬ ‫العائلت قليلة الدخل‪.

.(4‬‬ .‬‬ ‫وتم تشــديد الخنــاق علــى صــحافة المعارضــة ومنهــا "الطريــق‬ ‫الجديد"‪ ،‬فصــودر معظمهــا‪ .‬وقــال الحــزب تعقيبــا ً علــى‬ ‫الخطوة إن "هذا الفراج خطوة هامة مــن الضــروري أن تتبعهــا‬ ‫خطــوات أخــرى‪ .‬وقــد اســتجاب الرئيــس‬ ‫بورقيبــة للحملــة‪ ،‬وتــم اســتبدال الحكــم بحقهــم إلــى الســجن‬ ‫المؤبد‪ ،‬كما أبـدى الحـزب الشـيوعي ارتيـاحه لخطـوة الرئيــس‬ ‫التونسي بورقيبة بإطلق سراح سجناء حركة التجاه الســلمي‬ ‫المحكومين بالسجن منذ شهر تموز ‪ ،1981‬ومن بينهــم الشــيخ‬ ‫راشــد الغنوشــي زعيــم الحركــة‪ .4‬المؤتمر التاسع للحزب وتعاظم الصــراعات‬ ‫وأخطار عدم الستقرار ‪:‬‬ ‫عقد الحزب الشيوعي التونسي مؤتمره التاسع في الفــترة‬ ‫بين ‪ -14 -13 -12‬حزيران )يوليو( ‪ ،1987‬وإذا كــان المــؤتمر‬ ‫قد عقد في إطار العلنية‪ ،‬إل أن المـر لـم يكــن كــذلك بالنسـبة‬ ‫للحريات السياسية التي تراجعت كثيرًا‪ ،‬حتى أصــبحت التعدديــة‬ ‫عينها في الميزان‪ ،‬وأدى ذلك إلى محاولت متواصــلة لســكات‬ ‫النقد والــرأي المخــالف والمطــالب الديمقراطيــة والجتماعيــة‪.‬‬ ‫)‪ -(1‬عــودة التجاهــات المتشــددة إلــى أوســاط الحــزب‬ ‫الحاكم‪ ،‬واعتماده على الجهزة المنية‪ ،‬ورفض الحــوار‬ ‫مما يعني عودة النظام إلى اتباع السياسات القديمة‪.(43‬‬ ‫‪ .‫الحزب الشيوعي‬ ‫والنتقال إلى المعارضة الصلحية‬ ‫الشـيوعي التونسـي محمـد حرمـل‪ ،‬أشـار هـذا الخيـر إلـى أن‬ ‫الحداث أكدت ثلثة عناصر أساسية‪.‬‬ ‫)‪ -(3‬افتقاد الحزب الحاكم لدوره القيادي فــي البلد‪ ،‬المــر‬ ‫ـات‪(42‬يتطلــب بــدي ً‬ ‫ل‪ ،‬وهــو مــا تحســه الجمــاهير‬ ‫الــذي بـ‬ ‫التونسية‪.‬‬ ‫)‪ -(2‬احتدام الصراعات داخل الحزب الحاكم حــول مســألة‬ ‫الخلفة على قيادة السلطة وحزبها‪ ،‬الحزب الشتراكي‬ ‫الدستوري‪ ،‬مما يعني غياب وضع الستقرار في البلد‪..‬إن العفــو‬ ‫التشريعي العام ضرورة وطنية لتنقية الجــواء ورفــع المظــالم‪،‬‬ ‫ويجدد طلبه بالفراج والعفو عن المحكــوم عليهــم فــي أحــداث‬ ‫قفصة‪ ،‬وعن المجموعة المعروفة "بالتنظيم السري " كمــا انــه‬ ‫التعســف إلــى أرض الــوطن‪،‬‬ ‫يجدد المطالبة برجوع كل ضــحايا‬ ‫ونخص بالذكر منهم أحمد بن صالح )‪.‬وبهــذه المناســبة يؤكــد الحــزب‪ . ) .14/5/1984‬‬ ‫)( ‪ -‬ةة ةةة ةةةةةة ةة ةةة ةة ) ‪ (28 1‬ةةةة ة‬ ‫‪ (8/10/1984‬ة ‪.‬كمــا شــهدت هــذه الفــترة احتــدادا ً‬ ‫كـبيرًا‪ ،‬فـي الزمـة السياسـية فـي تـونس‪ ،‬تمثلـت فــي انتقــال‬ ‫حكومــة مزالــي إلــى الهجــوم لتصــفية التحــاد العــام التونســي‬ ‫للشغل في خريــف ‪ ،1985‬وتفجــر حــرب الخلفــة فــي تــونس‬ ‫للرئيس بورقيبة التي أدت إلى سقوط محمد مزالي مــن حلبــة‬ ‫الصراع السياسي وفــراره خــارج البلد‪ ،‬وملحقتــه قضــائيا ً فــي‬ ‫نهاية العام ‪ ،1986‬وتفجر الصراع من جديد بين حركــة التجــاه‬ ‫‪42‬‬ ‫‪43‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةة ة ة ة ةةة ة ةةة ة ةةةةة ة ةةة ةة‬ ‫ةةة ةة ةةة ةةةة ة ة ةةة ة ةة ةةة ةةةة ةة‬ ‫‪.‬‬ ‫أسهم الحزب الشيوعي التونسي‪ ،‬ومعه فصـائل المعارضـة‬ ‫التونسية‪ ،‬ورابطة حقوق النســان فــي القيــام بحملــة سياســية‬ ‫كبيرة من أجل الحيلولــة دون تنفيــذ حكــم العــدام بحــق بعــض‬ ‫المشــاركين فــي أحــداث ثــورة الخــبز‪ .

...‬‬ ‫ومن مظاهر النزلق في أوضاع البلد الضبابية التي تطغــى‬ ‫على قضية الخلفــة الـتي لـم تجــد بعــد حل ً واضــحا ً ديمقراطيـا ً‬ ‫لهشاشة المؤسسات الدستورية وللصراعات المتواصلة‪ ،‬داخــل‬ ‫الحزب الحاكم نفسه‪ ،‬واحتمال المفاجاءات والمغامرات‪ ،‬وحتى‬ ‫التداخلت الجنبية التي تعجز البلد عن التحكم فيهــا‪ ،‬والتصــدي‬ ‫لها‪ ،‬ل سيما أن السلطة تواصل تصلبها‪.‬كمــا ســجن مناضــلون يســاريون منهــم‬ ‫عناصر قيادية من التجمع الشتراكي‪ ،‬ثــم أطلــق ســراحهم بعــد‬ ‫أيام بموجب عفو رئاسي‪.‬‬ ‫للخلفـة‬ ‫الـديمقراطي‬ ‫الختيار‬ ‫وقد أصبحت مطروحة قضية‬ ‫مع ما يتطلبه ذلك من مراجعة الدستور إذا اقتضى المر )‪.‬‬ ‫إن التعسف إزاء هذا الواقع بكل تعقيداته ل يحل المشــاكل‬ ‫بل يزيدها تعقيــدا‪ .‬‬ ‫واستنادا ً إلى مــا جــاء فــي التقريــر‪ ،‬تكمــن مظــاهر الزمــة‬ ‫السياسية في تونس في "تدهور الحريــات ل ســيما فــي المــدة‬ ‫الخيرة‪ .‬ومعلوم كذلك أننا التقينا مع حركة التجــاه الســلمي فــي‬ ‫نطاق حركة المعارضة ولم نندم على تلك اللقاءات التي كــانت‬ ‫أرضيتها واضحة وإيجابية‪.‬ومن‬ ‫أهم العواقب المدمرة لمسيرة البلد نسف التحاد الــذي يمثــل‬ ‫مكسبا ً وطنيا ً وديمقراطيا ً ناضلت من اجله أجيال من النقابيين‪.‬‬ ‫وقـــد تضـــخم دور جهـــاز المـــن وكـــثرت المضـــايقات‬ ‫والمحاكمات‪ ،‬وأصبح أي مواطن مهددا ً في حريته وفي كرامته‪،‬‬ ‫والحريــات مهــددة حــتى فــي ممارســة أبســط الحقــوق الــتي‬ ‫تفرضها التعددية‪ ،‬وتتواصل محاولت إفراغها من محتواها‪ .(44‬‬ ‫‪44‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةة ة ةةةةة ة ةةةةةةة ة ةة ة ةةة ةةةة‬ ‫ةةةةة ة ةة ةة ة ةةة ةةة ة ةةة ة ةةةةة ة‬ ‫ةةةةةة ةةةة ةةةةةة ‪ ( 1987‬ة ‪..( 1987‬وقد رفعنا صوتنا كما رفعنــا‬ ‫صــوتنا فــي المــدة الخيــرة فــي البلغ المشــترك مــع حركــات‬ ‫المعارضة إيمانا ً منا بالحريات للجميــع ونطــالب بــإطلق ســبيل‬ ‫المساجين وإلغاء المحاكمــات السياســية وســن عفــو تشــريعي‬ ‫عام‪ .‬‬ ‫‪ -4‬تونس ومحيطها العالمي‪.‬‬ ‫هــذه هــي أجــواء تــونس عشــية انعقــاد مــؤتمر الحــزب‬ ‫الشيوعي‪ ،‬حين قدم المين العام محمــد حرمــل تقريــر اللجنــة‬ ‫المركزية الذي تضمن في أهم عناوينه المفاصل التالية‪:‬‬ ‫ا‪ -‬الزمة السياسية‪.(19 -15 -9 -7 -6‬‬ .‬وفضــل عــن أن التعســف مرفــوض حضــاريا ً‬ ‫وسياسيا ً مهما كانت الحركة التي تتعرض له ) فـي إشـارة إلـى‬ ‫المحاكمة الثانية للعناصر القيادية لحركة التجاه السلمي أمام‬ ‫محكمة أمن الدولة صيف ‪ ..‬‬ ‫‪ -3‬تونس ومحيطها الوطني والحضاري الطبيعي‪..‫السلمي والنظام‪ ،‬واعتقال قيادات الحركة السلمية في ربيــع‬ ‫‪ ،1987‬حيــث جســدت الســلطات التونســية النهايــة العمليــة‬ ‫والعلنية لسياسة التعددية السياسية‪.‬‬ ‫‪ -2‬أزمـــة المجتمـــع التونســـي فـــي بعـــدها القتصـــادي‬ ‫والجتماعي‪.‬وقد بــدا ذلــك بــتزييف انتخابــات ‪ 81‬وتواصــل محاولــة‬ ‫إسكات المعارضة بالخصوص‪ ،‬ونسف الحركة النقابية‪ ،‬وتجميــد‬ ‫حركة المطالبة‪ ،‬وتشديد الحصار على كل تعبير يخالف السلطة‬ ‫والحزب الحاكم مهما كانت نزعته‪ ،‬حــتى إن الرابطــة التونســية‬ ‫لحقوق النسان لــم تســلم مــن ذلــك التعســف وتعــرض أمينهــا‬ ‫العــام إلــى للعتقــال‪ .

......‬هـذا الرجـل هـو‬ ‫المين العام لتحاد البنوك العربية ومدير مركز الدراسات فيها‪،‬‬ ‫فــي تصــريح لــه فــي آذار )مــارس( ‪ 1987‬نقلتــه جريــدة ‪LA‬‬ ‫‪ PRESSE‬أن المعالجــات الــتي يفرضــها صــندوق النقــد علــى‬ ‫البلدان المدينة تهدد استقرار هذه البلدان لحدة مــرارة الــدواء‪.‬‬ ‫ورجعــت هــذه المؤشــرات ســنة ‪ 1986‬بعــواقب اكــثر خطــورة‬ ‫وحـدة شـملت معظـم القطاعـات بمـا فيـه إفلس العديـد مـن‬ ‫صغار الحرفييـن والتجـار وتفـاقم للبطالـة لـم يسـبق لـه مثيـل‬ ‫شــمل أصــحاب الشــهائد منهــم أطبــاء ومهندســون وصــيادلة‪،‬‬ ‫وكذلك نفاد رصيدنا بالعملة الصعبة‪...(45‬‬ ‫ويؤكد تقرير اللجنة المركزية أن المخرج من الزمة العامــة‬ ‫في البلد يكمن في إيجاد "البديل " في مختلف الميادين‪ ،‬وذلك‬ ‫بتحالف يجمع كل القوى النقابية والسياسية الديمقراطيـة علـى‬ ‫اختلف مشاربها ومواقعها وتعبئتها في حركة وطنية ديمقراطية‬ ‫جديدة واســعة وقويــة‪ ،‬ومرتبطــة بالجمــاهير الشــعبية‪ ،‬ومــؤثرة‬ ‫فيهــا باعتبارهــا ضــرورة تاريخيــة حيويــة‪ ،‬بعــد أن فقــد الحــزب‬ ‫‪45‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةةة ةةةةةة ( ة ‪.‬‬ ‫وقد أظهرت المدة الخيرة أن السياسة القتصادية أصبحت في‬ ‫الحقيقة ضــربا ً مــن الهــروب إلــى المــام بالعتمــاد علــى نمــط‬ ‫رأسمالي متأزم‪ ،‬دون مراعاة الثمن الذي يدفعه المجتمع ودون‬ ‫التحكــم فــي عــواقبه الســلبية حيــث ترجــع الزمــة باســتمرار‬ ‫متفاقمة ومتفجرة‪.‬فترك قانون السوق يعمل دون رقابة وتدخل‪،‬‬ ‫والتفويت في القطاع العام يعني في بلد متخلف إطلق العنــان‬ ‫ل للرأســمالية فــي المطلــق‪ ،‬ول التنميــة‪ ،‬وإنمــا للرأســمالية‬ ‫الطفيلية‪ ،‬والرأسمالية العالمية‪ ،‬وتعميــق التبعيــة بكــل عواقبهــا‬ ‫على القتصاد والمجتمع برمته‪ ..‬وقد عرفت عدة بلــدان تجــارب‬ ‫مأساوية لقتصادها من جــراء وصــفات صــندوق النقــد الــدولي‪،‬‬ ‫الذي يفرضها باســم قــانون الســوق والليبراليــة‪ ،‬وهــذه شــهادة‬ ‫رجــل ليــس شــيوعيا ً ول ماركســيا ً ول معاديــا ً للرأســمالية ول‬ ‫للنظمة العربية في تصريح لــه جــاء فــي جريــدة ‪LA PRESSE‬‬ ‫التي ل يمكن اعتبارها معادية للنظام الحاكم‪ .‬‬ ‫ونحن نرفض المنطق القائل إن الزمة ناتجــة عــن القطــاع‬ ‫العام وتدخل الدولة‪ ،‬وأن الحــل فــي القطــاع الخــاص‪ ،‬وقــانون‬ ‫الربح والسوق‪ ..‬‬ ‫ويضيف بالحرف الواحد‪ :‬إن المشكلة مع صندوق النقــد ليســت‬ ‫جديدة‪ ،‬كان ول يــزال الصــندوق يفــرض علــى البلــدان المدينــة‬ ‫نظاما ً لتغيير ميزان دفوعاتها الخارجية دون الهتمــام بتوازناتهــا‬ ‫الداخلية‪ .(15 -14 -13 -1 2‬‬ .‬وقد كان من أهم مؤشــراتها‬ ‫ابتداء من سنة ‪ 1982‬تعثر النشاط في مجــال النتــاج وارتفــاع‬ ‫السعار بنسبة ‪ %15‬في مســتوى الســتهلك وتفــاقم البطالــة‪...‬وهدف الصندوق هو نفسـه فـي جميـع البلـدان‪ :‬خلـق‬ ‫فائض من العملة حتى تتمكن تلك البلدان من تســديد ديونهــا‪..‬‬ ‫حســـاب للظـــروف الجتماعيـــة‬ ‫وهـــذه الحلـــول ل تقـــر أي‬ ‫والقتصادية الخاصة بتلك البلدان " )‪.‬‬ ‫ولكن ل يجوز أن تخفي هذه العوامل الخارجــة عــن إرادتنــا‬ ‫العوامل الخرى الناتجة عن اختيــارات وتوجهــات نظــام الحكــم‬ ‫ونمــط التنميــة الــذي تأصــل منــذ الســبعينات‪ ،‬وهــو النمــط‬ ‫الرأسمالي الذي اظهر حــدوده وانعكاســاته الســلبية‪ ،‬وأظهرهــا‬ ‫كلما ازداد تأصل ً كما أظهرها مفضوحة فــي الوقــات المتأزمــة‪.‫الحزب الشيوعي‬ ‫والنتقال إلى المعارضة الصلحية‬ ‫أما في مجال الزمة القتصادية‪ ،‬فان التقرير يخصها بتحليل‬ ‫معمق على النحو التالي‪ « :‬تتطور الزمــة السياســية فــي البلد‬ ‫على أرضية أزمـة اقتصـادية اسـتفحلت فـي السـنوات الخيـرة‬ ‫واتسمت بالعمق والحدة والتراكم‪ .

.‬‬ ‫وقــوم تقريــر اللجنــة المركزيــة للحــزب الشــيوعي مجمــل‬ ‫المتغيــرات علــى الســاحة العربيــة مشــيرا ً إلــى أن التحــولت‬ ‫القتصادية والجتماعية والسياسية في البلــدان العربيــة‪ ،‬كــانت‬ ‫وراء ظهور برجوازية عربية جديدة مرتبطة بـالنمط الرأســمالي‬ ‫المتخلف والتبعي‪ ،‬المر الذي أدى إلــى زيــادة حــدة التناقضــات‬ ‫في هذه البلدان‪ ،‬وتعــاظم دور الشــغيلة ونضــالهم علــى الرغــم‬ ‫من الفتور الذي أصاب حركة التحرر الوطني العربية بعــد وفــاة‬ ‫عبد الناصر عام ‪.5‬الحزب الشــيوعي والمواقــف مــن المســألة‬ ‫القومية وقضايا الوحدة العربية ‪:‬‬ ‫أسهم الصعود القوي للحركة القومية العربيــة فــي شــروط‬ ‫تاريخيــة محــددة فــي أوائل الخمســينات )ثــورة مصــر ‪(1952‬‬ ‫وأواسط الستينات‪ ،‬في إحداث التبــدلت التاريخيــة والسياســية‬ ‫التي شهدها الوطن العربي‪ ،‬والتي مارســت بــدون شــك تــأثيرا ً‬ ‫كبيرا ً في إحداث انقلب فكري وسياســي فــي موقــف الحركــة‬ ‫الشيوعية العربية‪ ،‬من وجـود المـة العربيـة‪ ،‬والقضـية القوميـة‬ ‫العربية‪ ،‬والوحدة العربية‪ .‬إل أن النتمــاء إلــى المــة العربيــة ل يلغــي‬ ‫الفروق والخاصــيات الوطنيــة التونســية والجزائريــة والمصــرية‬ ‫والفلسطينية‪ ،‬وهي واقع ملموس ل يجوز طمسه‪ ،‬وتنــدرج فــي‬ ‫والقوميــة العربيــة الــتي فيهــا‬ ‫إطــار الــوطن العربــي الشــامل‬ ‫الوحدة وفيها التعدد في آن واحد)‪.‬كما أكد الحزب ضــرورة إجــراء تغييــرات شــاملة فــي‬ ‫الوضع اقتصـاديا ً وسياســيا ً وثقافيـا ً وحضــاريا ً مــع اتبــاع سياسـة‬ ‫خارجية معادية للمبريالية على الصعيد الخارجي‪.1970‬‬ ‫ويرى الحزب الشيوعي أن ما يســمى أزمــة حركــة التحــرر‬ ‫العربيــة ل يعنــى فقــط عجــز الفئات القديمــة عــن مواصــلة‬ ‫المسيرة الثوريــة والتقدميــة‪ ،‬بــل وكــذلك إن الحركــة التقدميــة‬ ‫وفي مقدمتها الحزاب الشيوعية العربية والحــزاب والحركــات‬ ‫الديمقراطية لم تتمكن بعد من إعادة بناء الحركة علــى قواعــد‬ ‫جماهيرية‪.‬وقــد أولــى المــؤتمر التاســع للحــزب‬ ‫أهمية ملحوظة للمسألة القومية‪ ،‬إذ عالجها في باب المقدمات‬ ‫النظريــة والفكريــة للبــديل الــوطني وتحــت عنــوان فرعــي‪:‬‬ ‫"القضــية القوميــة"‪ ،‬معتــبرا ً أن تــونس بخصوصــيتها وتاريخهــا‪،‬‬ ‫والعلقات الـتي نســجها التاريـخ القــديم والمعاصـر‪ ،‬ومصـالحها‬ ‫المصيرية جزء ل يتجزأ من المغرب العربي والـوطن العربـي‪.(47‬‬ ‫ويوضـــح محمـــد حرمـــل الميـــن العـــام للحـــزب فكـــرة‬ ‫‪46‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةة ة ة ة ةةةة ة ةةةةة ة ةةةةةةة ة‬ ‫ةةةةةةة ةة ةةة ة ةةةة ةة ‪ -‬ةةةة ة ةةة ةة )‬ ‫‪ (26‬ةةةةة ‪ ( 19/11/1984‬ة ‪.‬‬ ‫وأن الطموح إلى الوحدة يســتمد قــوته وشــرعيته ودوامــه مــن‬ ‫المكونات والركائز الموضــوعية والذاتيــة للقوميــة العربيــة فــي‬ ‫معناهــا الواســع‪ .‬‬ ‫وقد اتضــح ذلــك بمناســبة الجتيــاح الصــهيوني للبنــان عــام‬ ‫‪ ،1982‬وقلــة ردود الفعــل الجماهيريــة‪ ...(15 -14‬‬ .‫الدستوري‪ ،‬الذي قاد الحركة الوطنية في الكفاح ضد الستعمار‬ ‫دوره القيــادي للطبقــات والفئات الشــعبية‪ ،‬وبعــد أن أصــبحت‬ ‫أيديولوجيته غطاًء أيديولوجيا ً وسياسيا ً للرأســمالية والبرجوازيــة‬ ‫الجديدة‪ ..‬وقــوم تقريــر اللجنــة‬ ‫المركزيــة عاليــا ً نضــال الشــعبين الفلســطيني واللبنــاني فــي‬ ‫معظـم النظمـة‬ ‫مواجهة الغــزو الصــهيوني للبنــان ودان تواطــؤ‬ ‫العربية وتخاذلها في مواجهة العدو الصهيوني )‪.(46‬‬ ‫‪ .

‬ويعـــــــــزو الحـــــــــزب الشـــــــــيوعي إخفـــــــــاق‬ ‫المشروع الوحدوي إلى أن القوى القومية‪ ،‬عملت من أجــل‪« :‬‬ ‫أيضــا كــانت مرتبطــة‬ ‫وحدة فوقية أو اندماجية أو شكلية‪ ،‬ولنها‬ ‫بفشل البرجوازية العربية بمختلف فئاتها»)‪.‬ة ةةة ة ة ‪12/13/14‬‬ ‫ةةةةةة ‪ ( -1987‬ة ‪.‬‬ ‫ةةةةة ةة ةةةة‪ ( -‬ة ‪.‫الحزب الشيوعي‬ ‫والنتقال إلى المعارضة الصلحية‬ ‫الخصوصيات هذه بقوله‪ « :‬نعتقد أن التحليل الموضوعي يثبــت‬ ‫أن من خاصيات القومية العربيــة اســتيعابها لمجموعــة متنوعــة‬ ‫لكنها مترابطة ومتكاملـة )‪ (DIVERSITE ET UNITE‬وأن هـذا‬ ‫يعني أن القومية العربية هــي قوميــة أوســع تســتوعب مختلــف‬ ‫القوميــات أو شــبه القوميــات‪ ،‬فمثل هنــاك القوميــة التونســية‬ ‫ولكنها عربية في نفس الوقت‪ ،‬أي ارتباطها بالقومية العربيــة »‬ ‫)‪.(47‬‬ ‫)( ‪ -‬ةة ةةةة ة ة ةةة ة ةةة ة‪ -‬ةة ةة "ةةةةة ة‬ ‫ةةةةة ة" ةة ةة ةةة ةةةة ةة ةةةةة ة‪ -‬ة ةةة‬ ‫‪ ( 1982‬ة ‪.‬‬ .(50‬‬ ‫ولما كان الحزب الشيوعي يــرى أن تحقيــق شــعار الوحــدة‬ ‫العربية ككل أمر بعيــد المنــال فــي الظــروف العربيــة الراهنــة‪،‬‬ ‫نظرا لن حركة التحرر الوطني العربية ليست حركة متجانســة‪،‬‬ ‫وموحدة‪ ،‬وليســت معســكرا ً واحــدا ً بــل هــي معســكرات‪ ،‬و لن‬ ‫النظمــة العربيــة الــتي تســتخدم الخطــاب الوحــدوي العربــي‪،‬‬ ‫تتناقض سياستها النظرية على طــول الخــط مــع اتجــاه العمــل‬ ‫الوحدوي‪ ،‬بسبب خدمة مصالحها الظرفية النانية القطريــة مــع‬ ‫‪47‬‬ ‫‪48‬‬ ‫‪49‬‬ ‫‪50‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةة ةة ةةة ةةةة ةةةةةة ة‪ -‬ةةة ةةةة‬ ‫ةةةةةة ةةةةةة ةةةةةة ة ةةةةةة ةة ةة ةة‬ ‫ة ةةة ةةةة ة ةةة ةةةة‪ .‬ةةة ةةةةةة ةةة ةةة ةة‬ ‫ةة ةةةةةةةةة ةةةةةة ة ةةةة ةةة ةة ةةةة‬ ‫ةة ة ةةةة ةة" ة ة ةةة ة ةةة ةةةةة ةةة ةةة‬ ‫ة ةةةة "ة ة ةةةةةةة ة ة ة ةة ة ةةةةةة ةةة‬ ‫ةةةةةةةةة ةةةةةةةة ةة ةة ةةةة ةة ةة ةة‬ ‫ةةةة ةةةةةة ةة ةةةةةةةة ةة ةة ةةةة ةةة‬ ‫ةةةةة ةة" ةةة ة ة ةةة "ةةةةة ة ةةةةة ة "‪.(48‬‬ ‫وينتقــد الحــزب الشــيوعي التونســي الحركــات القوميــة‬ ‫التقليديــة والرومانســية‪ ،‬الــتي ظهــرت فــي المشــرق العربــي‪،‬‬ ‫والتي تضفي نوعا ً من التجانس المطلق فــي التركيبــة البنيويــة‬ ‫للوطن العربي‪ ،‬وتنفي فكرة الخصوصــيات القطريــة‪ ،‬وفشــلت‬ ‫فشل ً تاريخيا ً في تحقيق أي وحدة عربية‪ ،‬بعد أن كانت تســيطر‬ ‫على الطاقات السياســية للمجتمــع العربــي منــذ نهايــة الحــرب‬ ‫العالمية الولى حتى العام ‪.(83/84‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةةة ةةةةةة ةةةة ‪.1970‬‬ ‫ويــرى الحــزب الشــيوعي « إن القاعــدة النظريــة القديمــة‬ ‫التي كانت ول زالت وراء ممارسات حركات قومية فعالة علــى‬ ‫الساحة ل سيما فــي المشــرق العربــي والــتي أدت إلــى فشــل‬ ‫الوحــدة العربيــة‪ ،‬تلــك القاعــدة القديمــة الــتي تعتــبر مختلــف‬ ‫البلــدان العربيــة أمــة واحــدة ودون فــروق‪ ،‬وتنكــر الخاصــيات‬ ‫الوطنية التي نسجها التاريخ وتعتبرها مجرد فروق إقليمية‪ ،‬فــي‬ ‫‪(49‬أن تلك الخاصيات الوطنية واقع ملموس ل يجــوز طمســه‬ ‫حين‬ ‫» ) ‪ .(84 -82‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةة ةة ةةة ةةةة ةةةةةة ة‪ -‬ةةةةةة ة‬ ‫ةةةةةة ةة ( ة ‪ (48 -47‬ةة ةةة ةةةةة ة ةةة ةة‬ ‫ةةة ةة‪" :‬ةة ةةةةةة ة ةةةةةة ةة ةةةة ةة‬ ‫ةةةةةةة ةة ةةةة ةةةة ةة ةةةةةة ةةةة ةة‬ ‫ةةةةةةة ةةةةةةة‪ .

‬وقالت الجريدة في تعليقها علــى‬ ‫معاهدة وجدة « إن هذه المعاهدة‪ ،‬وما يمكن أن ينجم عنها من‬ ‫توازنات مغاربية جديدة‪ ،‬تعد بمثابة محور مواز لمحــور الجــزائر‬ ‫تونس وموريتانيا‪ .181‬ولقــد اعتــبر الحــزب الشــيوعي قــرار‬ ‫التقســيم هــذا ضــربة قاصــمة للمبرياليــة البريطانيــة وحلفائهــا‬ ‫العرب المنضوين تحت لواء منظمة "الجامعة العربيـة"‪ ...‬ويعتقــد الحــزب الشــيوعي‪ « :‬إن‬ ‫مشروع الوحدة يندرج فــي عمليــة تاريخيــة طويلــة المــد وفــي‬ ‫إطـــار وحـــدة مغاربيـــة وعربيـــة عقلنيـــة وواقعيـــة ل تكتفـــي‬ ‫بالعواطف والوهام بل تستند إلى التحليل العلمي والتجارب‪.‬وهنا تكمن الخطورة» وأضافت‪:‬‬ ‫"ونحن نؤيد كل مــا يقــرب بيــن شــعوب المغــرب العربــي‪،‬‬ ‫ونتمنى النجاح لهذا التحاد المعلن بين ليبيــا والمغــرب‪ ...(53‬‬ ‫القضية الفلسطينية‪:‬‬ ‫أمـــا موقـــف الحـــزب الشـــيوعي التونســـي إزاء القضـــية‬ ‫الفلسطينية فهو ينسجم مع مواقف الحزاب الشيوعية العربية‪،‬‬ ‫الـتي تبنـت قـرار تقسـيم فلسـطين مـن جـانب منظمـة المـم‬ ‫المتحــدة‪ ،‬القــرار ‪ .." :‬إن المبرياليـــة‬ ‫النكلوسكسونية لم تنجح في الســيطرة علــى فلســطين وفــي‬ ‫‪51‬‬ ‫‪52‬‬ ‫‪53‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةة ةة ةةة ةةةة ةةةةةة ة‪ -‬ةةةةةة ة‬ ‫ةةةةةةةة‪ -‬ةةةة ةةةة ( ة ‪ 48‬ة ‪...‬ويقـول‬ ‫الحـــزب فـــي تـــبريره لهـــذا الموقـــف‪ .(63‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةةة ةةةةة ةةةة ‪.‫أنها تهاجم القطريات‪ ،‬لهذا كله فإن الحزب الشــيوعي يــرى أن‬ ‫لحركة التحرر مضمونين‪ :‬الول قومي وحدوي مشترك ينطــوي‬ ‫علــى وحــدة أهــداف مشــتركة وخاصــة مقاومــة المبرياليــة‬ ‫والصهيونية والرجعيـة‪ ،‬والثـاني‪ ،‬وطنـي فـي إطـار تعـدد وتنـوع‬ ‫الظروف الخاصة لكل قطــر‪ .‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةة ةةةةةةةة ‪.‬‬ ‫وكان الحــزب الشــيوعي يؤيــد علــى الــدوام خطــوات التقــارب‬ ‫والتعاون بين بلدان المغرب العربي مجتمعــة‪ ،‬لكنــه وقــف ضــد‬ ‫سياسة المحاور في المنطقة‪ ،‬التي شهدت ولدة محــور تــونس‬ ‫الجزائر وموريتانيا عبر معاهدة الخـاء فـي العـام ‪ ،1983‬قـابله‬ ‫ن عــبر إعلن معاهــدة وحــدة بيــن ليبيــا والمغــرب فــي‬ ‫محور ثا ٍ‬ ‫أيلول ‪ ..‬لكــن‬ ‫الذي يقلقنا هو احتمال تحول المعاهدات والتفاقيات الثنائيــة أو‬ ‫الثلثية إلى محاور متعادية‪ ،‬تستغلها المبريالية‪ ،‬فتكثف تدخلتها‬ ‫الســافرة والخافيــة ويصــبح بنــاء المغــرب العربــي أبعــد ممــا‬ ‫كان")‪..‬‬ ‫وعلــى صــعيد المغــرب العربــي‪ ،‬يحمــل الحــزب الشــيوعي‬ ‫النظمة المغاربية مسؤولية العجز عــن إقامــة أي تعــاون مثمــر‬ ‫وغير متقطع يخدم مصالح الشــعوب ووحــدة المغــرب العربــي‪.46/9/1984‬‬ .1984‬وكان الحزب يدعو في جريدته "الطريق الجديد"‬ ‫الحكومة التونسية إلى اتخاذ موقف الحياد إزاء سياسة المحاور‬ ‫المتقلبة في المغرب العربي‪ ..‬‬ ‫ويجعل هذا التوجه الستراتيجي توجها يتميز بالستمرارية حيــث‬ ‫أن هذا المشروع يندرج في إطار عملية تاريخيــة طويلــة المــد‪،‬‬ ‫بصـعود القـوى الجتماعيـة والسياسـية‬ ‫مرتبطـة اشـد الرتبـاط‬ ‫التقدمية والشتراكية » )‪.(51‬‬ ‫ويعتــبر الحــزب الشــيوعي التونســي أن تحقيــق الوحــدة‬ ‫العربيــة كهــدف اســتراتيجي يجــب أن يمــر عــبر بنــاء المغــرب‬ ‫العربــي بالتنســيق بيــن الحركــات الديمقراطيــة فــي مختلــف‬ ‫البلــدان للضــغط الــديمقراطي علــى الحكومــات حــتى تتجــاوز‬ ‫‪ (52‬وتشــرع فــي الســتجابة لهــذا المطمــح‬ ‫الخلفــات الهامشــية‬ ‫التاريخي الشرعي ) ‪.

‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةة ة ة ة ة ةةة ةةة ةةة ة ة ةةة ة‬ ‫ةةةةةة ‪.‬انــه ليــس مــن مصــلحة‬ ‫يهــود تــونس‪ -‬رغــم انســياقهم أحيانــا ً وراء تضــليل الحركــة‬ ‫الصــهيونية الرجعيــة أن يفصــلوا قضــيتهم عــن قضــية مجمــوع‬ ‫بعــض‬ ‫الشعب التونسي‪ ،‬كما أن عليهم أن يحترسوا من أحابيل‬ ‫الصهاينة الذين ل يخدمون إل مصلحة الستعمار في بلدنا" )‪.(55‬‬ ‫ويرى الحزب الشــيوعي التونســي "‪ .‫الحزب الشيوعي‬ ‫والنتقال إلى المعارضة الصلحية‬ ‫إجهــاض انعتاقهــا التــام إل بالتفرقــة بيــن العــرب واليهــود فــي‬ ‫فلسطين " )‪ ...‬وإلى سلب أراضــي عربيــة جديــدة وإلحاقهــا بـ ـ "‬ ‫إسرائيل"‪ .‬وهذه الهجمة تهدف إلــى اســتعادة الســيطرة علــى‬ ‫المنطقــة العربيــة عــن طريــق تصــفية الثــورة الفلســطينية‪،‬‬ ‫ومنجـــزات حركـــة التحـــرر الـــوطني السياســـية والقتصـــادية‬ ‫والجتماعية‪ ،‬كمــا أنهــا تهــدف إلــى إقامــة شــبكة مــن القواعــد‬ ‫والحلف العسكرية‪ ،‬وإخضاعها لمصالح الستراتيجية الميركية‪،‬‬ ‫وتهدف هذه الهجمـة إلـى تجميـع الرجعيـة العربيـة فـي محـاور‬ ‫تخدم مخططات المبريالية‪ ،‬وتهدف كذلك إلى ضرب العلقــات‬ ‫العربية السوفياتية‪.338 -242‬وانطلقا من هذا الموقف أيــد الحــزب الشــيوعي‬ ‫المبــادرة الــتي عمــل مــن أجلهــا التحــاد الســوفياتي صــديق‬ ‫فلسطين والوطن العربي‪ ،‬والمعروفة باسم مشروع بريجنيــف‪،‬‬ ‫كما ســاند الحــزب الشــيوعي القــرارات الــتي اتخــذتها منظمــة‬ ‫التحرير في مجالسها الوطنية المتعاقبة‪..‬‬ ‫ويقول أحد قيادي الحــزب الشــيوعي صــالح الحــاجي حــول‬ ‫موقف الحزب من اتفاقيات كامب ديفيــد بأنهــا « تنــدرج ضــمن‬ ‫الهجمــة المبرياليــة الــتي تشــنها الوليــات المتحــدة المريكيــة‪،‬‬ ‫انطلقا من استراتيجيتها العســكرية المعاديــة لحركــات التحــرر‬ ‫في العالم‪ .26/10/1981‬‬ .‬وقد دان حزبنـا هـذه التفاقيـة بشـدة… وسـاند كـل‬ ‫المبــادرات الــتي قــامت بهــا الــدول لمجابهتهـــا » )‪ .(57‬وأضــاف‬ ‫القيادي الشيوعي قائل ً إن الحزب الشيوعي اتخذ موقفا ً مؤيــدا ً‬ ‫لنضــال الشــعب الفلســطيني واللبنــاني فــي مواجهــة الغــزو‬ ‫الصهيوني للبنان في صيف العام ‪ ،1982‬ونشط فــي الوســاط‬ ‫السياســية بحملــة دعائيــة وطنيــة عامــة لمســاندة المواجهــة‬ ‫الوطنية لقوات الغزو‪ ،‬ونظــم مظــاهرة تضــامنية فــي العاصــمة‬ ‫‪54‬‬ ‫‪55‬‬ ‫‪56‬‬ ‫‪57‬‬ ‫)( ‪L’avenir de la Tunisie 13/12/1947 -‬‬ ‫)( ‪L’avenir de la Tunisie 14/8/1948 -‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةةة ةةةة‪.(56‬‬ ‫ساند الحزب الشيوعي الثــورة الفلســطينية منــذ انطلقتهــا‬ ‫مــل الشــرعي‬ ‫بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية‪ ،‬باعتبارها الم ُ‬ ‫والوحيد للشعب الفلسطيني من أجل تحقيق الحقــوق الوطنيــة‬ ‫المشروعة للشعب الفلسطيني‪ ،‬وفق قرارات الشرعية الدولية‬ ‫‪ .‬‬ ‫إن اتفاقيات كامب ديفيد هي المظهر الرئيس لهذه الهجمة‬ ‫المبريالية على منطقتنا‪ ،‬فهي تهدف بصورة واضحة إلى إقامــة‬ ‫حلف عسكري عدواني‪ ،‬وتصفية القضـية الفلسـطينية لمصــلحة‬ ‫الصهيونية‪ ،‬وذلك عن طريــق تحويــل هــذه القضــية إلــى قضــية‬ ‫حكــم ذاتــي‪ ،‬وإفراغهــا مــن جوهرهــا الساســي‪ ،‬وهــي العــودة‪،‬‬ ‫وتقريـــر المصـــير‪ ،‬وإقامـــة الدولـــة الوطنيـــة الفلســـطينية‬ ‫المستقلة‪ ...(54‬فبينما كان الحزب الشيوعي ينفي نفي ـا ً قاطع ـا ً‬ ‫وجود "المة اليهودية" تماشيا ً مع موقف ماركس ولينيــن حيــال‬ ‫هذه المسألة‪ ،‬أصبح الحزب يرى في المجموعات التراكمية من‬ ‫المستوطنين الصهاينة الذين يحملــون صــفات بلــدانهم الصــلية‬ ‫وخصائصها "قومية يهوديــة فــي طريــق النشــوء والتطــور" )‪.

‫تونس )‪.(58‬‬ ‫وكــان موقــف الحــزب الشــيوعي التونســي مــن القضــية‬ ‫الفلسطينية يتطــابق كلي ـا ً مــع موقــف القيــادة المتنفــذة داخــل‬ ‫منظمــة التحريــر الفلســطينية‪ ،‬بصــفتها المرجعيــة الفلســطينية‬ ‫المعترف بها في العواصم المغاربية‪ ،‬وإن كانت هــذه المرجعيــة‬ ‫ل تتجاوز حركة « فتح » والنهج السياسي الــذي يكرســه ياســر‬ ‫عرفــات فــي داخلهــا وعلــى مســتوى المنظمــة‪ .13/2/1983‬‬ .‬وكــان مبــدأ "‬ ‫القبــول مــا يقبلــه الفلســطينيون " هــو التســويغ الــذي تســوقه‬ ‫الحــزاب الشــيوعية المغاربيــة وغيرهــا مــن الحــزاب الخــرى‬ ‫الحاكمة وغير الحاكمة فــي المغــرب العربــي‪ ،‬لمباركتهــا اتفــاق‬ ‫أوسلو الذي أبرم في ‪ 3‬أيلول )ســبتمبر( ‪ 1993‬بيــن الحكومــة‬ ‫السرائيلية السابقة برئاسة اسحق رابين وقيادة عرفات‪ ،‬ومــن‬ ‫ثم لتأييدها التطبيع بين الكيان الصهيوني والنظمة المغاربية‪.‬‬ ‫‪‬‬ ‫‪58‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةة ة ة ة ة ةةة ةةة ةةة ة ة ةةة ةة‬ ‫ةةةةةة ةةةةةةةةة ‪.

‫الفصل الثامن‬ ‫الحزب الشيوعي‬ ‫في ظل سلطة السابع من نوفمبر‬ ‫‪ -1‬الحــــزب الشــــيوعي و تــــدعيم المســــار‬ ‫الديمقراطي‬ ‫الدوائر السياسية التونسية والعربية والدوليـة‪ ،‬الـتي تـابعت‬ ‫شـمس الحــداث الطاغيـة علـى تــونس‪ ،‬منــذ الطاحــة بمحمــد‬ ‫مزالي صيف ‪ ،1986‬وهجــوم النظــام علــى الحركــة الســلمية‬ ‫والقوى الديمقراطية في ربيع ‪ ،1987‬وانتهاء فصل من فصــول‬ ‫الصراع بيــن البورقيبيــة و" حركــة التجــاه الســلمي " بصــدور‬ ‫الحكام المختلفة للسلميين التسعين في خريــف العــام عينــه‪،‬‬ ‫رأت في ذلك الوقت أن تونس‪ ،‬قد دخلــت مرحلــة جديــدة‪ ،‬مــع‬ ‫صعود رجل تونس القوي الجنرال زين العابدين بن علــي الــذي‬ ‫لمــع نجمــه فــي فضــاء السياســة التونســية‪ ،‬واســتولي علــى‬ ‫السلطة بانقلب أبيض‪ ،‬فــي ‪ 7‬تشــرين ثــاني )نوفمــبر( ‪،1987‬‬ ‫منهيا ً بذلك حكم العجوز بورقيبة الذي استمر ثلثة عقود‪.‬‬ ‫وقد نجح العهد الجديــد إلــى حــد مقبــول فــي تنقيــة المنــاخ‬ ‫السياسي الذي كان مشحونا ً بالتوتر بل ومهــددا ً بالنفجــار قبــل‬ ‫قيام حركة السابع من نوفمبر‪.‬‬ ‫وقــد أعتــبر الســيد محمــد حرمــل الميــن العــام للحــزب‬ ‫الشيوعي الخطــاب )بيــان ‪ 7‬نوفمــبر( مهم ـا ً جــدا ً فــي مختلــف‬ ‫الجوانب التي عالجها‪ .‬وقال إنه موقــف يــدعم جــو الحــوار بيــن‬ ‫أحزاب المعارضة والســلطة‪ .‬وأضــاف‪ « :‬نحــن نجــدد مسـاندتنا‬ ‫للروح الديمقراطية والصراحة التي ميزت خطاب الرئيــس فــي‬ ‫تنــاول مختلــف المشــاكل بمــا فيهــا الشــارة إلــى العقبــات‬ ‫والعراقيل التي تعترض البلد في اتجاه التغيير » ‪.‬‬ ‫وهناك شواهد كــثيرة علــى سياســة النفتــاح الــتي يســلكها‬ ‫العهد الجديــد‪ ،‬أبرزهـا التجـاه إلــى رفــع القمـع المســلط علــى‬ ‫قيادات الحركة السلمية‪ ،‬والعتراف ببعض أحزاب المعارضة‪.‬‬ ‫على أن التجاه « الديمقراطي » الذي سلكه العهد الجديــد‬ ‫فــي تــونس أصــبح يوظــف شــعار « طــي صــفحة حكــم الفــرد‬ ‫وترســيخ الديمقراطيــة فــي البلد » مــن أجــل توطيــد ركــائز‬ .‬‬ ‫وعــبرت القــوى السياســية فــي تــونس‪ ،‬ل ســيما حركــات‬ ‫المعارضة سواء التي تتمثل فــي أحــزاب معــترف بهــا‪ ،‬أو الــتي‬ ‫تنتظر أن يعترف بها بعد إتمام قانون الحزاب المصادقة عليــه‪،‬‬ ‫عن ارتياحها لبيان السابع من نوفمبر‪ ،‬الذي ألقــاه الرئيــس بــن‬ ‫علي عبر التلفزيــون التونســي‪ ،‬وتــوجه فيــه إلــى الشــعب بكــل‬ ‫قواه العاملة والسياسية للنخراط في الفعل الجــدي مــن اجــل‬ ‫تطبيقه في أحسن الظروف وبأقصى النتائج‪.

‫النظام‪ ،‬ذلك أن هذه "الديمقراطيــة التعدديــة" لــم تغيــر شــيئًا‪،‬‬ ‫مبدئيا ً وعمليا ً في الختيارات الساسية القتصادية والجتماعيــة‪،‬‬ ‫والسياسية‪ ،‬للسلطة في تونس‪.‬كمــا منحــت‬ ‫مساعدات مادية للمرة الولى لصــحف الحــزاب لعانتهــا علــى‬ ‫مواجهة نفقات الطباعة‪ ،‬وقدرت بـ ‪ 25‬ألف دينار )نحو ‪ 20‬ألف‬ ‫دولر( لكل صحيفة‪.‬‬ ‫وكان زعماء الحزاب السياسية الست المعترف بها رسميا ً‬ ‫"الحزب الشــيوعي‪ ،‬حركــة الــديمقراطيين الشــتراكيين‪ ،‬حــزب‬ ‫الوحـــدة الشـــعبية‪ ،‬التجمـــع الشـــتراكي التقـــدمي‪ ،‬التحـــاد‬ ‫الديمقراطي الوحدوي )الــوطن(‪ ،‬والحــزب الجتمــاعي للتقــدم‬ ‫)الفق("‪ ،‬وزعمــاء نقـابيون‪ ،‬وممثلــو حركــة التجـاه السـلمي‪،‬‬ ‫وعبـــد الرحيـــم زاوري الميـــن العـــام للتجمـــع الدســـتوري‬ ‫الــديمقراطي الحــاكم‪ ،‬قــد وقعــوا فــي يــوم ‪ 7‬تشــرين ثــاني‬ ‫)نوفمبر( ‪ ،1988‬على وثيقة الميثاق الوطني‪ ،‬التي تنــص علــى‬ ‫مبدأ الديمقراطية القائمة علــى تعــدد الحــزاب‪ ،‬وعلــى أن مــن‬ ‫واجب الدولة‪ ،‬أن تضــمن الحريــات الساســية‪ ،‬كحريــة تشــكيل‬ ‫الجمعيات والحزاب السياســية‪ ،‬شــريطة أن تمــارس الحريــات‬ ‫في حدود القانون‪ ،‬ويؤكد الميثاق الوطني‪ « :‬إن القيود الوحيدة‬ ‫التي ينبغي فرضــها هــي القيــود الــتي تتضــمن أســس المجتمــع‬ ‫الديمقراطي والمن العام للقانون‪ ،‬وحقوق الغير »‪.‬‬ ‫وعادت صحف المعارضة الربع التي كانت معطلة إلى الصدور‪،‬‬ ‫وهي "المستقبل" )الــديمقراطيين الشــتراكيين( و "الموقــف "‬ ‫)للتجمــع ا لشــتراكي التقــدمي( و" الطريــق الجديــد" )الحــزب‬ ‫الشيوعي( و"الوحــدة" )حــزب الوحــدة الشــعبية(‪ .1989‬‬ ‫وكان البرلمان التونسي قد صدق تعديل دســتور العــام ‪،1959‬‬ ‫القاضــي بإلغــاء الرئاســة مــدى الحيــاة‪ ،‬وتحديــد مــدة التجديــد‬ ‫للرئيس‪ ،‬بثلث وليــات فقــط‪ ،‬مــدة كــل منهــا خمــس ســنوات‪،‬‬ ‫وجعــل الســبعين عامـا ً الحــد القصــى للترشــيح إلــى الرئاســة‪،‬‬ ‫وفرض العودة إلى النتخابات عن طريق الشعب مهلة ل تتعدى‬ ‫الستين يوما ً في حالة شغوره‪.‬‬ ‫وكانت الصــحافة فــي تــونس‪ ،‬عرفــت انتعاشــة مهمــة بعــد‬ ‫التغيير الذي حمل الرئيس بن علي إلى سدة الحكم فــي العــام‬ ‫دت دعامة أساسية للديمقراطية الوليدة‪ ،‬فتم تعديل‬ ‫‪ ،1987‬وع ُ ّ‬ ‫قانون الصحافة بما يحظر مصادرة الصحف في المطــابع‪ ،‬وهــو‬ ‫أســلوب كــان مألوف ـا ً أيــام الرئيــس الســابق الحــبيب بورقيبــة‪.‬‬ ‫فقد توجه التونسيون إلى صــناديق القــتراع فــي ‪ 2‬نيســان‬ .‬‬ ‫ويمكن القول أن العام ‪ 1988‬كان السنة الذهبية للصـحافة‬ ‫التونسية‪ ،‬إل أن الرياح بــدأت تهــب فــي العـام التــالي بغيــر مــا‬ ‫تشتهي سفينة الديمقراطية‪.‬‬ ‫وفي الذكرى الولى لتوليه مهام السلطة في تونس‪ ،‬أعلــن‬ ‫الرئيس بن علي عن إجراء انتخابات رئاسية‪ ،‬وكــذلك انتخابــات‬ ‫تشريعية في تــونس‪ ،‬فــي الثــاني مــن نيســان )أبريــل( ‪.‬‬ ‫وقد أبقى هذا الميثاق على قانون الحوال الشخصية الــذي‬ ‫أقر في عهد بورقيبة‪.‬‬ ‫وتزامن استئناف صدور صحف أحزاب المعارضة في العــام‬ ‫‪ 1988‬مع معاودة صدور المجلت المستقلة‪ ،‬الــتي تعكـس آراء‬ ‫قطاعات واســعة مــن المجتمــع المــدني )النقابــات والجمعيــات‬ ‫والهيئات والطلب(‪ ،‬ول ســـيما مجلـــتي " المغـــرب العربـــي "‬ ‫و"حقائق" السبوعيتين‪ ،‬إل أن أعرق صــحيفة مسـتقلة وأكثرهــا‬ ‫احتراما ً وصدقية "الرأي " لم يتح لها معاودة الصدور بعد حظــر‬ ‫عــدد خــاص أعــدته لمناســبة التغييــر‪ ،‬الــذي حصــل فــي قمــة‬ ‫السلطة‪.

‬‬ ‫)أبريــل( ‪) ،1989‬نحــو مليــونين و ‪ 700‬ألــف نــاخب تونســي(‬ ‫لنتخاب رئيس الجمهورية‪ ،‬ولنتخاب ‪ 141‬نائبا ً لمجلس النواب‪.‬‬ ‫‪ 5‬مرشـحين فـي قاتمـة مشـتركة بيـن التجمـع الشـتراكي‬ ‫التقــدمي والحــزب الشــيوعي والتحــاد الــديمقراطي‬ ‫الوحدوي‪.‬‬ ‫وفي النتخابات البلدية التي جرت في ‪ 15‬حزيران )يونيــو(‬ ‫مـــن العـــام ‪ ،1990‬والـــتي فـــاز فيهـــا التجمـــع الدســـتوري‬ .‬وللمــرة‬ ‫الولــى‪ ،‬أشــار التلفزيــون التونســي إلــى اجتماعــات اللجنــة‬ ‫المركزية للحزب الشيوعي‪ ،‬وبث مقابلة مع المين العام محمد‬ ‫حرمل بكاملها‪.‬‬ ‫‪ 17‬مرشحا ً باسم الحزب الجتماعي للتقدم‪.‬‬ ‫وبلغ عدد المرشــحين ‪ 487‬مرشــحا يتوزعــون علــى النحــو‬ ‫التالي‪:‬‬ ‫‪ 141‬مرشحا ً باسم التجمع الدستوري الديمقراطي الحاكم‪.‫منظمات اليسار الجديد في تونس‪.‬‬ ‫‪ 25‬مرشحا ً باسم التجمع الشتراكي التقدمي‪.‬‬ ‫وكان بن علي قد فــاز بنســبة ‪ %99.‬‬ ‫‪ 116‬مرشحا ً مستقل تدعمهم حركة النهضة السلمية‪.‬وشدد البيان على ضرورة تجسيد هـذه التصـريحات‬ ‫ورفع القيود التي تعرض العملية الديمقراطية للخطــر‪ .‬‬ ‫‪ 16‬مرشحا ً باسم التحاد الديمقراطي الوحدوي‪.‬‬ ‫وتقــدم الحــزب الشــيوعي التونســي والتجمــع الشــتراكي‬ ‫التقدمي بطلبات طعن احتجاجا ً على نتائج النتخابات التشريعية‬ ‫التي جرت في ‪ 2‬نيسان ‪ .‬‬ ‫وهمشت النتخابات بقية أحزاب المعارضة‪ ،‬غير أن الحــزب‬ ‫الحاكم وجد نفســه أمــام ظــاهرة لــم تكــن فــي الحســبان هــي‬ ‫صعود القوة السلمية الــتي يمثلهــا المســتقلون‪ ،‬والــتي فــازت‬ ‫رســميا ً بنحــو ‪ %14‬مــن الصــوات‪ ،‬والــتي كســبت ثقــة ثلــث‬ ‫الناخبين في الساحة التونسية‪.‬‬ ‫‪ 124‬مرشحا ً باسم حركة الديمقراطيين الشتراكيين‪.1989‬وحين تم تعيين الــدكتور حامــد‬ ‫القروي رئيسا ً للحكومة في ‪ 26‬أيلــول مــن العــام ‪ ،1989‬بــدل‬ ‫من الهادي البكوش‪ ،‬وصرح في أول خطاب لــه انــه « ســيكثف‬ ‫الحوار والتشاور مع مختلف الشركاء السياسيين والجتمــاعيين‬ ‫مـن اجـل تعزيـز المصـلحة الوطنيـة‪ ،‬وقـالت اللجنـة المركزيـة‬ ‫للحــزب الشــيوعي فــي بيانهــا الصــادر بتاريــخ ‪ 15‬تشــرين أول‬ ‫)أكتوبر( أنهــا أخــذت علم ـا ً بتصــريحات رئيــس الــوزراء الجديــد‬ ‫اليجابيــة حــول موضــوع التعدديــة والميثــاق الــوطني والحــوار‪،‬‬ ‫إضــافة إلــى لقــاءاته مــع الحــزاب السياســية والمنظمــات‬ ‫الجتماعية‪ .‬‬ ‫وكان عدد القوائم النتخابية المتنافسـة ‪ 84‬قائمــة‪ ،‬تنتمــي إلـى‬ ‫سبعة أحزاب سياسية‪ ،‬وذلك لملء مقاعد مجلس النواب البالغ‬ ‫عددها ‪ 141‬مقعدا ً موزعة على ‪ 25‬دائرة انتخابية‪.‬‬ ‫‪ 37‬مرشحا ً باسم حزب الوحدة الشعبية‪.27‬مــن عــدد أصــوات‬ ‫النــاخبين فــي النتخابــات الرئاســية‪ ،‬وفــازت قــوائم التجمــع‬ ‫الدستوري الديمقراطي الحاكم بجميــع مقاعــد مجلــس النــواب‬ ‫البالغ عددها ‪ 141‬مقعدًا‪..‬‬ ‫‪ 6‬مرشـحين فـي قائمـة مشـتركة بيـن التجمـع الشـتراكي‬ ‫والتقدمي والحزب الشيوعي‪.

‬‬ ‫وهكذا‪ ،‬لم تتحقــق التعدديــة فــي البرلمــان‪ ،‬وفــي مجــالس‬ ‫البلديات‪ ،‬ووصل المسار الديمقراطي إلى أفقــه المســدود مــع‬ ‫اشتداد الستقطاب الثنائي بين النظام والحركة الســلمية فــي‬ ‫مطلع التسعينات‪ .‬وأكــدت أحــزاب‬ ‫المعارضة أن السبب في بقائها بعيدا ً عن النتخابــات يعــود إلــى‬ ‫عمليات تزوير واسعة النطاق جرت في انتخابات العــام ‪،1989‬‬ ‫وإلــى المنــاخ السياســي الســائد‪ ،‬قــائلين إن ســيطرة الحــزب‬ ‫الدستوري الحاكم علــى وســائل العلم‪ ،‬وكــذلك البيروقراطيــة‬ ‫والخفاق في تطوير نظــام النتخابــات هــي الســباب الرئيســية‬ ‫التي دعت إلى مقاطعة النتخابات‪.‬‬ ‫وأصـــبح محمـــد مواعـــدة زعيـــم حركـــة الـــديمقراطيين‬ ‫الشتراكيين آنذاك ونائبه خميس الشماري‪ ،‬ينظران للخط الذي‬ ‫يدعو إلى التخلــي عــن المفهــوم التقليــدي للمعارضــة‪ ،‬وتــدعيم‬ ‫خيار التحالف مع السلطة‪.‬وقد أبدت أحزاب المعارضة خيبــة أملهــا فــي‬ ‫خطاب الرئيس بن علي في ‪ 7‬تشرين الثاني )نوفمــبر( ‪،1990‬‬ ‫لتجاهله المعارضــة الســلمية‪ ،‬وهــزئه مــن مطــالب المعارضــة‬ ‫بالفصــل بيــن الدولــة والحــزب الحــاكم‪ .1‬تحالف المعارضة مع الحكم في الحرب ضد‬ ‫الحركة السلمية ‪:‬‬ ‫إذا كانت النتائج التي أعلنت عن النتخابـات البرلمانيـة هـي‬ ‫السبب المباشر الذي فتح الصراع مــع الحركــة الســلمية‪ ،‬بعــد‬ ‫هدوء و"تبادل الود" لكثر من عام‪ ،‬إل أن هنــاك أســباب أخــرى‬ ‫جعلت هذا الصراع يتأجج‪ .‬‬ ‫وفي ظل وضع حسمت فيه السلطة التونسية أمرهــا علــى‬ ‫استئصـــال الحركـــة الســـلمية راهنـــت المعارضـــة الرســـمية‬ ‫التونسـية‪ -‬علـى اختلف فـي تفاصـيل الموقـف بيـن مكوناتهـا‪-‬‬ ‫على الخيار الممكن‪ ،‬متمثل ً في خيار التحالف مع النظام‪ ،‬علــى‬ ‫أساس وعد قطعته السلطة بتحقيق الديمقراطيـة‪ ،‬بعـد التفـرغ‬ .‬وفي مقدمة هذه السباب كان رفض‬ ‫السلطات التونســية أكــثر مــن مــرة الطلــب الــذي تقــدمت بــه‬ ‫حركة "النهضة" للحصول علــى تأشــيرة حــزب سياســي‪ .‬فبعد انتهاء حرب الخليج الثانية‪ ،‬وجد الحكـم‬ ‫نفسه مضطرا ً لتهدئة جبهة الصراع مع الحزاب غير الســلمية‪،‬‬ ‫ومد جسور الحوار معها‪ ،‬بل والبحث عن وسائل للحصول علــى‬ ‫رضاها‪ .‬وكـان‬ ‫حزب النهضة خرج من النتخابات البرلمانية بعد الحزب الحاكم‬ ‫مكرسـا ً نفسـه كقــوة أساســية فــي المجتمــع‪ ،‬تشــاطر التجمــع‬ ‫الدستوري الديمقراطي النفوذ في الشارع‪.‬‬ ‫‪ .‫الديمقراطي الحاكم بنحو ‪ %98‬من مقاعــد المجــالس البلديــة‪،‬‬ ‫قــاطعت أحــزاب المعارضــة الرســمية المعــترف بهــا وكــذلك‬ ‫الحركة السلمية في تونس‪ ،‬تلــك النتخابــات‪ .‬وقد حمل الخطــاب الــذي جــاء فــي الــذكرى الثالثــة‬ ‫لتولي بن علي الســلطة فــي تــونس‪ ،‬المعارضــة المحليــة تبعــة‬ ‫إعاقة محاولت الحكومة لقامة ديمقراطية فعلية في تونس‪.‬‬ ‫وقد حركت المواجهة الشاملة في تونس بين حركة النهضة‬ ‫والحكــم كــثيرا ً مــن الحجــار علــى شــطرنج اللعبــة السياســية‬ ‫الداخلية في البلد‪ .‬وفي أجواء الحرب المفتوحــة بيــن ســلطة الســابع مــن‬ ‫نوفمبر وحركة النهضة‪ ،‬ترسخت علقة تحالف غيــر عاديــة بيــن‬ ‫النظام وقوى واسعة من النخبة والمعارضة السياسية الرسمية‬ ‫الــتي وعــدت بتحقيــق نمــوذج ديمقراطــي فــي غيــاب الحركــة‬ ‫السلمية‪.‬ولحــظ زعيــم الحــزب‬ ‫الشــيوعي التونســي محمــد حرمــل أن الخطــاب لــم يســتجب‬ ‫للمطالب الساسية التي تقدمت بها المعارضــة لكســر الجمــود‬ ‫السياسي‪ .

‬ففي بعض الحيان نصــوت فــي نفــس التجــاه‪ ،‬وفــي‬ ‫بعض الحيان ل نصوت في نفس التجــاه‪ ..‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةةة ةةةةةة‪.‬‬ .(61‬‬ ‫وعن دور المعارضة داخل التركيبة البرلمانية يقــول الميــن‬ ‫العــام للحــزب الشــيوعي‪ « :‬نحــن ســاندنا ونســاند المشــاريع‬ ‫الوطنية التي ليس فيها مشــكل فنرفــع أيادينــا للتصــويت علــى‬ ‫المشاريع إيجابيا ً ولكن في بعض المشاريع نقدم ملحظات‬ ‫هذه‬ ‫نقدية » )‪.1995/10/28‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةةة ةةةةةة‪.‬أما فيمــا يخــص التنســيق فلــم يوجــد بعــد‪ ،‬لن أحــزاب‬ ‫المعارضــة مختلفــة‪ .(59) "1995‬‬ ‫وتوج شهر العسل بين السلطة والمعارضــة‪ ،‬فــي انتخابــات‬ ‫آذار )مـــارس( ‪ 1994‬الرئاســـية والتشـــريعية‪ ،‬بـــدخول أربعـــة‬ ‫أحزاب من قوى المعارضة التونسية لول مرة في تاريخ تونس‬ ‫المجلس النيابي‪ ،‬إذ حصلت المعارضة على ‪ 19‬مقعدًا‪ ،‬تــوزعت‬ ‫علـــى النحـــو التـــالي‪ 10 :‬مقاعـــد لحركـــة الـــديمقراطيين‬ ‫الشــتراكيين‪ ،‬و ‪ 4‬مقاعــد للحــزب الشــيوعي التونســي‪ ،‬فيمــا‬ ‫تقاســم بقيــة المقاعــد التحــاد الــديمقراطي الوحــدوي وحــزب‬ ‫الوحدة الشعبية‪.‫منظمات اليسار الجديد في تونس‪.‬ثــم أن مواقفهــا ليســت منســجمة فــي‬ ‫البرلمان‪ .‬‬ ‫ويصــف الميــن العــام للحــزب الشــيوعي التونســي محمــد‬ ‫حرمــل دخــول المعارضــة إلــى البرلمــان بقــوله‪ :‬دخــول نــواب‬ ‫أحزاب المعارضة الوطنية للبرلمان يعني تعددية لول مرة فــي‬ ‫تاريخ البرلمان‪ ،‬وأنا شخصيا ً المين العام الوحيد لحزب معارض‬ ‫في البرلمان مع المين العام للتجمــع الدســتوري الــديمقراطي‬ ‫هامـة فــي طريــق‬ ‫)الحزب الحاكم( وهذا فــي حـد ذاتـه خطـوة‬ ‫وتوسيع التعددية في البرلمان وخارج البرلمان )‪.‬المشــكلة‬ ‫الثانية هي أن التجمع الدســتوري الــديمقراطي )الحــاكم( الــذي‬ ‫لنا معه علقــات جيــدة ونعتــبره حــزب الغلبيــة‪ ،‬ونحــن قــابلون‬ ‫لدوره كحزب الغلبية وليس لنا أي عداء معه له احتكار مطلــق‬ ‫الفضاءات احتكار إلى درجة أصبح يهدد دور الحـزاب ودور‬ ‫لكل‬ ‫التعددية )‪.(60‬‬ ‫وعلـى العراقيـل الــتي تعيـق تطــوير فكـر التعدديــة‪ ،‬يقـول‬ ‫محمد حرمل‪" :‬أولى هذه العراقيل العلم إذ ل يمكــن أن نبنــي‬ ‫ديمقراطيــة عصــرية بــدون تعدديــة فــي العلم وخصوصــا فــي‬ ‫التلفزة والذاعة الوطنيــة‪ ،‬وهــذه مــن أهــم مطالبنــا‪ . (8‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةةة ةة ةةةة ةةة ة‪ -‬ةةة ةة ة ة ةةة ةة‬ ‫ةةةةةةة ةةةةةةةة ةةةةة ‪.‬وقد حكمت علقة التحــالف بيــن الســلطة‬ ‫والمعارضة الحيــاة السياســية التونســية منــذ ســنة ‪ 1991‬إلــى‬ ‫النتخابــــات البلديــــة الــــتي جــــرت فــــي ربيــــع‬ ‫فــــترة‬ ‫‪.‬وهــذه هــي التعدديــة‬ ‫‪59‬‬ ‫‪60‬‬ ‫‪61‬‬ ‫‪62‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةة ة ة ةةة ةةة ةةةة ةةة ةة ةةة ةةة‬ ‫ةةةةةةة ةة ‪ -‬ة ةةةةة‪ /‬ةةة ةةة ‪ 1996‬ةة ةة‬ ‫ةةةة ةةةةةةة‪ :‬ةةةةة ةةةةةةة( ة ‪.‬‬ ‫من قمع السلميين‪ .(62‬‬ ‫وعمــا أضــافته مشــاركة المعارضــة والتنســيق فيمــا بينهــا‪،‬‬ ‫يضيف محمد حرمل‪ « :‬أول أضافت التعددية‪ ،‬وهــذا أهــم شــيء‬ ‫بالنســبة للبرلمــان أي أضــافت آراء وأفكــار ومشــاكل لــم تكــن‬ ‫موجــودة مــن قبــل فــي البرلمــان وحركيــة جديــدة‪ ،‬وأضــافت‬ ‫علقـــات متميـــزة مـــع أعضـــاء نـــواب التجمـــع الدســـتوري‬ ‫الــديمقراطي‪ ،‬الــذين كــانوا يجهلــون الحــزاب الكــبرى وكــذلك‬ ‫أحزاب المعارضة لم تكن تعــرف نــواب التجمــع إذ تكــون منــاخ‬ ‫إيجابي في العلقات‪ ،‬وهذه حركية جديدة مازالت في خطواتهــا‬ ‫الولى‪ .

‬‬ ‫وأكد ســجن محمــد مواعــدة ‪ 11‬عامــا‪ ،‬ونــائبه الشــماري ‪5‬‬ ‫أعوام‪) ،‬تم إطلق سراحهما‪ ،‬شــرطيا ً فــي نهايــة عــام ‪،(1996‬‬ ‫عن عودة المحاكمات السياسية في ظل الحصانة من العقــاب‪،‬‬ ‫وانكســار التحــرك نحــو الديمقراطيــة‪ ،‬وارتــداده بصــورة أقــوى‬ ‫بكــثير ممــا كــان يتنبــأ بــه‪ ،‬لجهــة خــروج تــونس مــن نظــام‬ ‫"الديمقراطية الفوقيــة والمراقبــة" إلــى نظــام تســلط الحــزب‬ ‫الواحد الحاكم والمهيمن‪ ،‬وتموضع السياسة فــي الدولــة‪ ،‬لكــي‬ ‫تصبح حكرا ً على السلطة الحاكمة‪ ،‬إذ أصبحت تــونس منقســمة‬ ‫إلى فضاءين متخارجين‪ ،‬فضاء الدولة وحزبها الحــاكم‪ ،‬وأحــزاب‬ ‫المعارضة الدائرة في فلكها‪ ،‬أو القابعة على الخط الفاصل بين‬ ‫الدولة والمجتمع‪ ،‬وفضاء الشعب‪ ،‬في ظل غياب مجتمع مــدني‬ ‫يتمتع ببنية قوية لعلقات تكافؤ مع مجتمع سياسي متكامل‪.‫ومازال هناك مشاكل ستتبلور وتتوضح في المستقبل " )‪.‬فقــد تقلــص‬ ‫هــامش الحــراك السياســي إلــى أدنــى مســتوياته‪ ،‬واســتمرت‬ ‫الســجون مكتظــة بــآلف المســاجين السياســيين مــن كــل‬ ‫التجاهات الفكرية والسياسية‪ ،‬وتراجــع حضــور المعارضــة فــي‬ ‫مؤسسات الدولة‪ .‬‬ ‫إزاء خروج الشعب من عالم السياسة وعدم إنتاج السياسة‬ ‫وم الحــزب الشــيوعي‬ ‫فــي صــلب المجتمــع المــدني‪ ،‬كيــف يق ـ ّ‬ ‫التونسي هذا الوضع؟‬ ‫في افتتاحية عدد "الطريق الجديد" الصادر في ‪ 15‬نيســان‬ ‫)أبريل( ‪) ،1996‬وهو الول منــذ احتجابهــا فــي العــام ‪( 1995‬‬ ‫التي يصدرها الحزب‪ ،‬أشار المين العام محمــد حرمــل إلــى أن‬ ‫السؤال المتداول في تونس هو « هل أن السياســة مــن خــارج‬ ‫الحزب الحاكم )التجمع الدستوري الديمقراطي( لم تعد ممكنــة‬ ‫ول مجدية؟ وأوضح محمد حرمل أن هذا السؤال بطرحــه علينــا‬ ‫وعلى سوانا عدد من المناضلين طغى عليهم اليأس والتشــاؤم‪،‬‬ ‫وصاروا يعتبرون انــه لــم يعــد ممكن ـا ً التعــبير عــن رأي مخــالف‬ ‫)للحكم( بعدما تراجعت فضاءات التعددية‪ ،‬وانتشر العزوف عن‬ ‫العمل السياسي‪ ،‬وتوقــف تيــار النتمــاء إلــى الحــزاب‪ ،‬وتعمــق‬ ‫‪63‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةةة ةةةةةة‪.‬‬ ‫غير أن الثمار التي وقع جنيها كــانت ثمــارا ً كارثيــة‪ .(63‬‬ ‫استمر أنصار خيار التحالف مع السلطة مـن جـانب أحـزاب‬ ‫المعارضــة الرســمية يــدافعون عنــه باســتمرار‪ ،‬وهــم يمنــون‬ ‫أنفسهم وقواعدهم بان تجربة المسار الديمقراطي فــي تــونس‬ ‫ل تزال في بدايتها‪ ،‬وإنما تحتاج وقتا ً كافي ـا ً حــتى تــؤتي ثمارهــا‪.‬وفي مناسبة انتخابية عولت مختلــف أحــزاب‬ ‫المعارضة الرسمية كثيرا ً على نتائجها لقناع قواعدها بمردوديــة‬ ‫وواقعية التحالف مع السلطة‪ ،‬لم تحصد هذه الحـزاب مجتمعـة‬ ‫سوى ‪ 6‬مقاعد من بين ‪ 4090‬مقعدا ً بلديًا‪.‬‬ .‬‬ ‫وكانت نتائج النتخابات البلدية التي جرت في ربيــع ‪،1995‬‬ ‫بمنزلــة الهــزة العنيفــة الــتي اجتــاحت حركــة الــديمقراطيين‬ ‫الشتراكيين‪ ،‬أكبر أحــزاب المعارضــة‪ ،‬المــر الــذي دفــع أمينهــا‬ ‫العام محمد مواعدة إلى توجيه رسالة مفتوحة إلى الرئيس بــن‬ ‫علي في ‪ 21‬أيلول ‪ ،1995‬تضمنت نقدا ً جريئا ً وصريحا ً لسلطة‬ ‫السابع من نوفمبر تمثل في التأكيد علــى عــودة نظــام الحــزب‬ ‫الواحد المهيمن بصورة اشد تأطيرا ً وإحكامًا‪ ،‬وتطويــع المجتمــع‬ ‫المــدني أكــثر مــن العهــد البورقيــبي‪ ،‬وقيــام الجهــزة المنيــة‬ ‫التونســية بعمليــة "ضــغط خــانق"‪ ،‬علــى المجتمــع المــدني‬ ‫السياســي‪ ،‬واســتغلل شــعار "التطــرف الســلمي " كذريعــة‬ ‫للقضاء على كــل تشــكيلت المعارضــة‪ ،‬وســيادة نظــرة أحاديــة‬ ‫للعلم رتيبـة وجامـدة‪ ،‬إضـافة إلـى مـا تعـانيه الحيـاة الفكريـة‬ ‫والثقافية من جمود وتراجع في شتى المجالت‪.

.‬‬ ‫واقترح « توســيع فضـاءات التعدديـة ورفـع العراقيــل الـتي‬ ‫تعطل المسار الديمقراطي حتى تساهم كــل العــزائم الصــادقة‬ ‫‪(64‬في تحقيق توازن جديد في العلقة بيــن الدولـة والمجتمــع‬ ‫)‪(.‬‬ ‫‪64‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةة ة ةةة ة‪ -‬ةةةةةةة ة ةةةةة ة ةةةةة ة‪-‬‬ ‫‪ 15‬ةةةةة )ةةةةة( ‪.‬‬ ‫وأكــد « أن السياســة فــي وظيفتهــا النقديــة والمعارضــة‬ ‫مازالت ممكنة‪ ،‬لننا نعتبرها مسؤولية تاريخية ملقاة على عاتق‬ ‫الحركة الديمقراطية فــي كــل المراحــل‪ ،‬فــي حركــة مســتمرة‬ ‫ومتقطعة‪ ،‬فيها المد والجزر‪ ،‬النجاحات و الخســائر‪ ،‬و الفتــور و‬ ‫الركود »‪.‫منظمات اليسار الجديد في تونس‪.‬وحــض الحكــم التونســي علــى اســتخلص الــدروس مــن‬ ‫التجــارب تعميقــا ً لمفهــوم الوفــاق الــوطني وإنقــاذا ً للمســار‬ ‫الـــديمقراطي‪ .1996‬‬ ..‬‬ ‫وحمل حرمل على التيارات التي دخلــت السياســة بمبــادئ‬ ‫نبيلة‪ ،‬لكنها في الحقيقة جامدة ومسقطة على الواقــع‪ ،‬يســارية‬ ‫وغيــر يســارية‪ ،‬تغــذيها ثقافــة الرفــض المســتمر والمعارضــة‬ ‫التقليدية والثنائية المطلقــة‪ ،‬حكــم معارضــة المعمــول بهــا فــي‬ ‫أوروبا والبلدان المتقدمة‪ .‬وقال‪ « :‬ل أشك فــي أن لهـا الفضـل‬ ‫في شيء من الصــمود‪ ،‬لكنــه صــمود عقيــم‪ ،‬بالضــافة إلــى أن‬ ‫مواقفها تؤدي حكما إلــى هــدر الطاقــات والعــزائم وغلــق بــاب‬ ‫الجتهادات وتشتيت المناضلين واللتقـاء مـع التيـارات الرجعيـة‬ ‫والسلفية المتموقعة خـارج البلـد والــتي تبـذل قصـارى الجهــود‬ ‫لتظليم )تسويد( صورة الوطن مثلما تؤدي إلى نفي مستلزمات‬ ‫الوفاق الوطني والقطيعة مع السلطة الوطنية »‪.‬وحـــذر مـــن الغـــترار بالمســـاندات الظرفيـــة‬ ‫والنتهازية أو النزعاج من المعارضات التقليدية خصوصا ً إذا ً مــا‬ ‫تميزت عن السلفية ومعالجتها سياسيا ً وفكريا ً لن في التعددية‬ ‫والديمقراطية النقد اليجابي والنقد السلبي ‪..‬‬ ‫وأشــار حرمــل إلــى أن « المتشــائمين يقولــون لــم يبــق‬ ‫أمامكم أي هــامش » إل انــه شــدد علــى نجاعــة الخــط الثــالث‬ ‫الذي يختلــف عــن المســاندة المطلقــة‪ ،‬والمعارضــة المطلقــة‪.‬‬ ‫وعلى الرغم أن نظام الحكم للجنرال بن علي القائم علــى‬ ‫الحــزب شــبه المنفــرد يعكــس فــي سياســته الداخليــة تجنــب‬ ‫النــدفاع نحــو التعدديــة الفعليــة‪ ،‬ويتخــذ القــرارات السياســية‬ ‫المهمة دون التشاور حتى مــع قيــادة حــزب التجمــع الموســعة‪،‬‬ ‫ويستمر فــي تعييــن أكــثر مــن نصــف أعضــاء اللجنــة المركزيــة‬ ‫لحــزب التجمــع‪ ،‬كمــا كــان شــأن ســلفه بورقيبــة‪ ،‬ويســتخدم‬ ‫المشاركة الشعبية من خلل نظــام الحــزب الواحــد لكــي تظــل‬ ‫مشاركة محدودة جدا ً من الناحية العملية‪ ،‬ل يقصد منها بالتأكيد‬ ‫أن تؤدي إلى خسارة السلطة تدريجيًا‪ ،‬بل ترســيخها وإنعاشــها‪،‬‬ ‫وربما عقلنتها‪ ،‬رغم ذلك كله‪ ،‬فإن المين العام لحركــة التجديــد‬ ‫الوريثة الشرعية للحزب الشيوعي التونسي‪ ،‬محمــد حرمــل‪ ،‬ل‬ ‫يعتبر حزبه معارضا ً وإنما مساندا ً للسلطة‪.‬‬ ‫») ‪.‬‬ ‫وأكد أن الهامش ضيق في الظرف الراهن‪ ،‬لكن القضية ليست‬ ‫في وجود الهامش أم عدم وجوده بقدر مــا هــي خيــار ل منــاص‬ ‫منــه لعــادة أنفــاس الحركــة الديمقراطيــة والتقدميــة وتــأمين‬ ‫الظــروف لتوحيــد طاقاتهــا المشــتتة والضــائعة هنــا وهنــاك‬ ‫واستقطاب فئات من الشباب بالعتماد علــى الجتهــاد الفكــري‬ ‫»‪ .‬‬ ‫احتكــار الحيـاة العامــة مــن قبــل الحــزب الحــاكم‪ ،‬حــتى كـادت‬ ‫المواطنة تنحصر في النتمــاء إليــه » ‪ :‬وأضــاف حرمــل‪ " :‬هــل‬ ‫انتهت السياسة مثلما قيل عن اليديولوجيات أنها انتهت وحــتى‬ ‫عن التاريخ انه انتهى ؟‪.

‬‬ ‫‪ -3‬حرية المناقشات للتوصل إلــى القــرار‪ ،‬حيــث تخضــع‬ ‫القلية للكثرية‪ ،‬مع حق كل عضــو فــي الحــزب فــي‬ ‫التمسك بأفكاره وقناعـاته فــي إطـار الحـزب‪ ،‬حــتى‬ ‫ولو كانت هذه الفكار مخالفة لتجاه الحزب المقــرر‬ ‫)‪.‬‬ ‫‪ .‬‬ ‫‪ -2‬انتخـاب جميـع الهيئات المسـؤولة مـن القاعـدة إلـى‬ ‫القمة بما يضمن مشاركة أعضاء الحزب فــي اختيــار‬ ‫قياداتهم مع جواز تعيين بعــض الهيئات فــي الحــالت‬ ‫الستثنائية أو للفترات النتقالية‪.‬‬ ‫ولــم يــع محمــد حرمــل أن نــزع السياســة مــن المجتمــع‬ ‫التونســي نــابع مــن ســيادة الرؤيــة الحصــرية والســتبدادية‬ ‫والواحديــة فــي إيديولوجيــة الدولــة التســلطية التونســية‪ ،‬الــتي‬ ‫تنصب نفسها كل ً أو ُتحل نفســها محــل الكــل‪ ،‬وتطــرد الخريــن‬ ‫من عالمها‪ ،‬ول تنظر لمعارضة الخرين لها‪ ،‬إل على أنها مــروق‬ ‫وكفر وإضعاف لوحدة الجماعة السياسية في أحسن الظروف‪،‬‬ ‫وتعطي نفسها من الحقوق – المتيازات ول سيما امتياز تمثيــل‬ ‫الطبقة والشعب و المة‪ ،‬ما تنكره على غيرها‪.‬فالهوية اليديولوجيــة للحــزب‪،‬‬ ‫هي الماركسية اللينينية‪ ،‬بوصفها النظرية الثورية العلميــة الــتي‬ ‫يهتدي بها‪ .2‬تبنيه النظرية الثورية العلمية "الماركسية اللينينة"‪.3‬اعتماده مبادئ المركزية الديمقراطية في بنية الحزب‪،‬‬ ‫وفقا ً للسس التالية‪:‬‬ ‫ا‪ -‬تسعى الهيئات القيادية وخاصة المركزية إلــى تشــجيع‬ ‫البحـــث والتفكيـــر والمبـــادرة‪ ،‬وقبـــول ملحظاتهـــا‬ ‫ومناقشتها‪ ،‬وتنظيم حلقات تثقيف الحزبيين‪.‫والحــال هــذه‪ ،‬فــإن حركــة التجديــد تســاند سياســة الدولــة‬ ‫التسلطية التونسية‪ ،‬التي قلصــت المجــال السياســي للمجتمــع‬ ‫وجعلته حكرا ً على النخبة الحاكمة والمسيطرة علــى الســلطة‪،‬‬ ‫لتطــابق حــدود الهويــة الحصــرية والشــمولية لحــزب التجمــع‪،‬‬ ‫وألغــت دور المجتمــع التونســي فــي إنتــاج السياســة‪ ،‬وأطــرت‬ ‫النتخابــات العامــة الــتي تجــري فــي تــونس لخدمــة أهــداف‬ ‫ومصلحة هيمنة الحزب الواحد‪ ،‬وعدم السماح حتى بهامش من‬ ‫المنافسة والترضيات المحدودة للمعارضـات الرسـمية‪ ،‬وألغـت‬ ‫أيضا ً مختلف تكوينات المجتمع المدني ‪.(65‬‬ ‫‪65‬‬ ‫)( ‪ -‬ة ةةة ةةة ةة ةةة ةةةة ةةةةةة ةة ة ةةة‬ ‫ة ةةةةةة ةة ةةةةة ةةةةة ةة ةةة ةةةة‬ ‫ةةةةة ةةةة ‪ ( 1982‬ة ‪.‬‬ ‫‪ .(28‬‬ .‬‬ ‫‪ -2‬نظـــرة الحـــزب الشـــيوعي إلـــى المســـالة‬ ‫التنظيمية واليسار الجديد ‪:‬‬ ‫ل تختلف بنية الحــزب الشــيوعي التونســي التنظيميــة عــن‬ ‫البنية التنظيمية لي حزب شيوعي عربي‪ ،‬سواًء علــى مســتوى‬ ‫بنـاء الحـزب وقاعـدته‪ ،‬أم علـى مسـتوى بنـاء هيئاتـه القياديـة‪،‬‬ ‫وتسلسل التراتيبية الحزبية فيه‪ .‬ويعد الحزب الشيوعي التونســي نفســه حزبـا ً ثوريـا ً‬ ‫مــن نــوع جديــد يعمــل علــى اســتقطاب الجمــاهير العماليــة‬ ‫والفلحية والشعبية بصفة عامة‪ ،‬وإعادة تنظيــم قطــاع الشــباب‬ ‫لجعله قادرا ً على لعب دور طليعي في النضال‪.‬‬ ‫وتقوم المرتكزات التنظيمية للحزب الشيوعي على انه‪:‬‬ ‫ا ‪ -‬حزب الطبقة العاملة‪.

‬‬ ‫‪ -3‬السهام في رسم سياسة الحزب وقراراتــه والمشــاركة‬ ‫في المناقشات الحزبية‪ ،‬والتصويت على القرارات‪.‬‬ ‫‪ -4‬ممارسة سياسة انتقادية إزاء أعضــاء الحــزب وقراراتــه‬ ‫اللتزام بالموضوعية‪ ،‬والبتعاد عن العتبارات‬ ‫في إطار‬ ‫الشخصية )‪.‬‬ ‫ثانيــا ً‪ :‬مــع أن كــل قراراتنــا كــانت جماعيــة فــي اللجنــة‬ ‫المركزيــة والمكتــب السياســي‪ ،‬ل بــد مــن مواصــلة‬ ‫المجموعــات فــي اتجــاه تعميــق العمــل الجمــاعي‪،‬‬ ‫وتوزيــع المســؤوليات‪ ،‬وإحكــام العلقــة بيــن مختلــف‬ ‫الهياكل‪.‬‬ ‫‪ -3‬تطبيق النقد والنقد الذاتي‪.‬‬ ‫‪ -2‬الترشيح إلى الهيئات الحزبية في حال تــوافر المــؤهلت‬ ‫والكفايات المطلوبة‪.‬‬ ‫‪ -2‬أن يعمل على رفع مستواه السياسي والفكري‪ ،‬ويحترم‬ ‫نظــام الحــزب الــداخلي‪ ،‬وقــانونه‪ ،‬ويعمــل علــى إنجــاز‬ ‫برنامجه‪.‬‬ ‫ثالثـــا‪ :‬نبـــذ عـــادات الحلقـــات والتكتلت لنهـــا تـــدمر‬ ‫الديمقراطية وتبادل الراء وتضــر بوحــدة الحــزب‪ .‫منظمات اليسار الجديد في تونس‪.(66‬‬ ‫وفي نطاق عملية تجديد بناء الحزب على أرضية التحــولت‬ ‫الجتماعية واليديولوجية التي عرفها المجتمــع التونســي‪ ،‬الــذي‬ ‫انتقــل فــي الثمانينــات مــن نظــام الحــزب الواحــد إلــى نظــام‬ ‫التعدديــة الحزبيــة‪ ،‬ومــن النقابــة التابعــة إلــى الســتقللية‪ ،‬أكــد‬ ‫المــؤتمر التاســع للحــزب الشــيوعي التونســي تعميــق مســيرة‬ ‫التجديد والتصحيح في عملية بناء الحزب وذلك من خلل ‪:‬‬ ‫أول ً ‪ :‬تعميــق الديمقراطيــة فــي كــل المجــالت وتشــجيع‬ ‫التفكيــر والبحــث والمبــادرة والنقاشــات السياســية‬ ‫والفكرية فــي نطــاق الهياكــل ولجــان العمــل لتطــوير‬ ‫وتجديد وتعميق أطروحاتنا الماركسية‪.‬‬ ‫أما حقوق العنصر في الحزب فتتمثل فيما يلي‪:‬‬ ‫ا‪ -‬انتخاب الهيئات المسؤولة في المنظمة المنتمي إليها‪.‬إن‬ ‫المركزية الديمقراطية عندنا ليست قالبا ً جامدا ً نطبقه‬ ‫على واقع الحزب بل هي خلق مستمر تثريهــا بتقاليــد‬ ‫جديدة تقاليد ديمقراطية‪ .‬‬ ‫العضوية في الحزب ‪:‬‬ ‫يسعى الحزب الشيوعي التونسي أن يضم في صفوفه كــل‬ ‫التونسيين الواعين بضرورة الكفاح السياســي المنظــم للطبقــة‬ ‫الشغيلة ولكل الفئات الشعبية‪ ..(29 -28‬‬ ...‬ويتم قبول العنصر فــي الحــزب‬ ‫بعد أن يتبنى برنامج الحــزب وقــانونه الساســي‪ ،‬وينخــرط فــي‬ ‫إحدى منظماته‪ ،‬ويتعهد بالعمل في تلك المنظمة ويواظب على‬ ‫دفــع اشــتراكه المــالي‪ ،‬وتتمثــل واجبــات عضــو الحــزب فــي‬ ‫المسائل التالية ‪:‬‬ ‫ا‪ -‬المشاركة بانتظام في الجتماعــات‪ ،‬والعمــل بجديــة فــي‬ ‫المنظمة والعمل على تطبيق سياسات الحــزب‪ ،‬وتنفيــذ‬ ‫قرارات هيئاته‪ ،‬وأن يتعمق في معرفة سياسة الحزب‪.‬والديمقراطية الــتي نريــدها‬ ‫‪66‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةة ةةةةة‪ .‬ةةةةةة ةةةةةة ( ة ‪.

‬‬ ‫‪ -2‬الفرع‪ :‬ويتألف من جميع الخليــا الواقعــة فــي منطقــة‬ ‫معينة‪.‬‬ ‫ا‪ -‬الخلية ‪ :‬وهي أساس تنظيم الحزب‪ ،‬ويمكــن أن تتــألف‬ ‫فــي المعمــل أو الحــي أو المدينــة‪ .‬‬ ‫‪ -5‬المكتب السياسي‪ :‬وتنتخبه اللجنة المركزية من بيــن‬ ‫أعضائها لقيادة الحزب ونشاطاته وسياساته في الفترة‬ ‫الفاصلة بين اجتماعــات اللجنــة المركزيــة‪ ،‬وفــي إطــار‬ ‫الخطة‪ ،‬التي ترسمها‪ ،‬وهو مكلف تنفيذ قرارات اللجنــة‬ ‫المركزية‪.‫لشعبنا نريدها كذلك لحزبنا مع خصوصياتها‪.(27‬‬ .‬‬ ‫‪ -3‬الجهة‪ :‬وتتكون من جميع الفــروع الواقعــة فــي نطــاق‬ ‫الولية أو أكثر من ولية ‪.(30‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةة ةةةةةة ةةةةةة ةةةةةة ( ة ‪.‬‬ ‫الحزب الشيوعي أمام الماركسية وأزماتها ‪:‬‬ ‫في ضوء التحولت الكونية العاصــفة الــتي يشــهدها عالمنــا‬ ‫المعاصر‪ ،‬الــذي يتقــدم إلــى القــرن الحــادي والعشــرين بوتــائر‬ ‫متســـارعة‪ ،‬والتغييـــرات الجذريـــة المتولـــدة عـــن العولمـــة‬ ‫الرأسمالية الجديدة‪ ،‬التي ترافقت مع الثورة الصــناعية الثالثــة‪،‬‬ ‫الــتي تــؤدي إلــى ســيطرة المعلوماتيــة‪ ،‬وتغييــر راديكــالي فــي‬ ‫المعطيات الساسية للمجتمعات الحديثــة‪ ،‬فض ـل ً عــن التبــدلت‬ ‫التي أطلقتهــا البريســترويكا فــي التحــاد الســوفياتي ومــا نجــم‬ ‫عنها‪ ،‬واقعيًا‪ ،‬من انهيار التحاد السوفياتي‪ ،‬وانهيــارات فــي بنــاه‬ ‫القتصادية والجتماعية والسياسية‪ ،‬وإفرازات لوقائع جديدة في‬ ‫خريطة الوضع العالمي‪ ،‬وانقلبــات جذريــة فــي مــوازين القــوى‬ ‫الدوليــة وطبيعــة العلقــات الدوليــة‪ ،‬ومــا طرحتــه مــن أســئلة‬ ‫جوهرية متصــلة بــالواقع‪ ،‬والتاريــخ‪ ،‬والنظريــة‪ ،‬فــي ظــل تفجــر‬ ‫أزمة الماركسية على المستويين الفكــري واليــديولوجي‪ ،‬حيــن‬ ‫‪67‬‬ ‫‪68‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةة ة ةةة ة‪ -‬ةةةة ة ةةةةة ة ةةةةةةة ة‬ ‫ةةةةةة ة ةة ة ةةة ةةةة ةةةةة ة ة ةةة‬ ‫ةةةةةة ‪ ( 1987‬ة ‪.‬ويمكــن أن تتشــكل‬ ‫داخلها شعبة للنساء‪.‬‬ ‫إن الساس في المركزية الديمقراطية هو النسجام وتعــدد‬ ‫السهامات‪ ،‬وفيها الخلفات ول يجب أن تكــون بيروقراطيــة ول‬ ‫فوقية بل إطارا ً حيا ً يسمح بالنقاش والنقد ويسمح كذلك لحزب‬ ‫مما‪(67‬يجعل القلية تقبــل قــرارات الغلبيــة‬ ‫ثوري أن يقوم بدوره‬ ‫ولو حافظت على رأيها ) ‪.‬‬ ‫‪ -6‬الكتابة "السكرتاريا" ويتم انتخابها مــن قبــل اللجنــة‬ ‫‪68‬ـ(ـى‬ ‫المركزية الـتي تحــدد أعضـاءها‪ ،‬ومهمتهـا الســهر عل‬ ‫تنفيذ قرارات المكتب السياسي واللجنة المركزية ) ‪.‬‬ ‫‪ -4‬اللجنة المركزية‪ :‬وهي أعلى قيادة حزبية في الفترة‬ ‫الفاصلة بين مــؤتمرين للحــزب‪ ،‬وتتــولى تســيير نشـاط‬ ‫الحزب السياسي والتنظيمي‪.‬‬ ‫هيكلية الحزب‪:‬‬ ‫يتكون الحزب من هيكلية هرمية الشكل تبــدأ مــن القاعــدة‬ ‫نحو القمة‪ ،‬وتربــط بيــن القاعــدة "الخليــا" والقمــة « المكتــب‬ ‫السياســي » هيئات منتخبــة‪ ،‬بحيــث تتــولى جميــع هــذه الهيئات‬ ‫تطبيق سياسات الحزب وقيادته حسب موقعها‪.

(200‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةةة ةةةةةة‪ 15 -‬ةةةةة )ةةةةة( ‪.‬وإصرار المعارضة الرسمية على الندماج في عالم سلطة‬ ‫السابع من نوفمبر‪ ،‬وعلى أرضية برنامجها السياسي‪ ،‬في حيــن‬ ‫أن كل المجتمع المدني أصبح مخترقا ً اختراقا ً عميق ـا ً مــن قبــل‬ ‫الدولـــة البوليســـية التونســـية‪ ،‬كمـــا أن المنظمـــات النقابيـــة‬ ‫المستقلة عن الدولة إلى حد ما ‪ -‬مثل التحــاد العــام التونســي‬ ‫للشغل أو اتحاد الطلبة ‪ ،-‬كانت قد تحولت إلى منظمــات تابعــة‬ ‫للدولة ثانيًا‪ .‬وفــرض الدولــة البوليســية التونســية قيــودا ً‬ ‫شــديدة وصــارمة علــى المؤسســة القضــائية‪ ،‬وعلــى حريــة‬ ‫الصحافة‪ ،‬وعلــى حريــة تشــكيل الجمعيــات التطوعيــة‪ ،‬حــتى ل‬ ‫تصبح أداة فعالة لمعارضة تتحدى النظام الحاكم‪ ،‬وتكــون بــذلك‬ ‫عمليــا ً مــن مؤسســات المجتمــع المــدني القــادر علــى إثبــات‬ ‫‪69‬‬ ‫‪70‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةة ة ةةة ةةةة‪ -‬ةةةة ةةة ة ة ةة ةةة‬ ‫ةةة ةةة ةة ةةةةةةةة‪ -‬ةةة ةةةة ةةةة‪-‬‬ ‫ة ‪-1994‬‬ ‫ة ةةةةة‬ ‫ةةةةة‬ ‫) ة ‪.(70‬‬ ‫ومــن الملمــح الفكريــة و السياســية والتنظيميــة لحركــة‬ ‫التجديد هذه‪ ،‬كونها حزبا ً وطنيا ً تقدميا ً يساريا ً يدافع عن العمــال‬ ‫والفلحين والفئات الفقيرة‪ ،‬ويعارض النعكاسات الناجمــة عــن‬ ‫تعميق الفوارق الجتماعية والجهوية ‪.‫منظمات اليسار الجديد في تونس‪.‬وأضاف ‪ « :‬أسسنا حركة‬ ‫التجديد باعتبارها النواة الولى لعادة بناء الحركة الديمقراطيــة‬ ‫والتقدميــة برمتهــا علــى قواعــد فكريــة وسياســية للمرحلــة‬ ‫ـة‬ ‫التاريخية الجديدة‪ ،‬وتأمين الظروف لتوحيــد روافــدها المختلفـ‬ ‫بما يعزز إيجابياتها ويهمش سلبياتها ويعزز التجاه السليم " )‪.‬فحركــة التجديــد تمثــل محاولــة‬ ‫تاريخية يائسة تحمل في ثناياها معــالم ســقوطها‪ ،‬لنهــا عــاجزة‬ ‫عن تقديم أجوبة عقلنية وتاريخية للعديد مــن المعضــلت الــتي‬ ‫يعاني منها المجتمع التونسي‪ ،‬منها أسباب توقف حركة النتماء‬ ‫الواسع إلى الحزاب السياسية‪ ،‬والعزوف عن العمل السياسي‬ ‫أو ً‬ ‫ل‪ .1996‬‬ .‬‬ ‫ليس من شك أن حركة التجديد هي تعبير عن أزمــة يعــاني‬ ‫منهــا الحــزب الشــيوعي التونســي‪ ،‬مثلــه فــي ذلــك مثــل كــل‬ ‫الحزاب الشيوعية في العالم العربي‪ ،‬وعلــى مســتوى عــالمي‪،‬‬ ‫خصوصا ً بعد التحولت والنهيارات التي قادت إلى موت التحــاد‬ ‫السوفيتي‪ ،‬وانتصار الليبرالية الميركية المتوحشــة‪ ،‬الــتي تقتــل‬ ‫النســان فــي عــالم الجنــوب‪ ..‬فضل ً عــن أن التعدديــة السياســية المحــدودة الــتي‬ ‫أقرتها سلطة السابع من نوفمبر تدخل في سياق اتخــاذ الدولــة‬ ‫المســتبدة التونســية إجــراءات لتحــرك ســطحي وانتقــالي نحــو‬ ‫الديمقراطيــة المراقبــة مــن دون أن يتخلــى الحــزب الحــاكم‬ ‫) التجمــع الدســتوري الــديمقراطي ( عــن الحتكــار العمــى‬ ‫للســلطة السياســية‪ ،‬كمـا أن هـذه التعدديــة وظفــت مــن أجــل‬ ‫المحافظــة علــى وجــود النظــام‪ ،‬وليــس للتحــرك الفعلــي نحــو‬ ‫الديمقراطية ثالث ـًا‪ .‬‬ ‫وقد نفى محمد حرمل أن يكون النتقال من صيغة الحــزب‬ ‫الشيوعي إلى صيغة "حركة التجديد" التي تأسســت فــي العــام‬ ‫‪ ،1994‬تغييــرا ً للســم فقــط‪ ،‬وأوضــح أنهــا « مقولــة مغرضــة‬ ‫يرددها البعض للساءة ونفى التجديد عنا باعتبارنا حزبا ً بالمعنى‬ ‫المتعارف إلى جانب أحزاب أخرى »‪ .‬‬ ‫أصبحت ))موضوعا ً للسؤال‪ ،‬سواء ســؤال المعـادين لهــا الــذين‬ ‫يدعون أنها استنفذت قدراتها‪ ،‬وأصبحت جزءا ً مــن الماضــي‪ ،‬أم‬ ‫سؤال الوعي المهزوم بأشكاله المقدسة وغير المقدسة‪ ،‬الــذي‬ ‫طرح هل ما زالت الماركسية صــالحة كنظريــة معرفيــة علميــة‬ ‫لعالمنا المعاصر وعملية تغييره " )‪ ،(69‬في ضــوء كــل هــذا‪ ،‬نجــد‬ ‫الحزب الشيوعي التونسي يغير اسمه ويستبدل به اسما ً جديدا ً‬ ‫هو‪" :‬حركة التجديد"‪.

‫وجوده‪ ،‬رابعا ً ‪.(124 -123‬‬ .‬‬ ‫‪‬‬ ‫‪71‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةة ة ةةة ة‪ -‬ة ة ةةة ةة ةةةةة ة ةة ة‬ ‫ةةةةةةة ة‪ -‬ةةةةة ة ة ة ةةة ة ةةةة ة‪-‬‬ ‫ةةة ةةةة ة ة ةةة ة ةةةةة ةة ةةةةةةة ةة‬ ‫ةةةةةةةةةة ةة ةةة ةةة ةةةةة ة‪ -‬ةةة ةة ‪-5‬‬ ‫ةة ‪ ( 01984‬ة ‪.‬وعلى الرغــم‬ ‫أن الحـــزب الشـــيوعي ل يـــدعي انـــه يحتكـــر اليســـار‪ ،‬إل أن‬ ‫تنظيمات اليسار الجديــد فــي تــونس تبنــت إيديولوجيــة معاديــة‬ ‫للحزاب الشيوعية والبلــدان الشــتراكية‪ ،‬انطلقــا مــن النظــرة‬ ‫الماوية‪ ،‬وبتأثير مباشر من الحركات الماوية فــي فرنســا‪ .‬وفــي‬ ‫معرض تقويمه لتنظيمات اليسار الجديــد‪ ،‬يقــول محمــد حرمــل‬ ‫بهذا الصدد « لعبت هذه القوى‪ ،‬وبخاصة في الجامعة التونســية‬ ‫في صفوف الطلبــة دورا ً إيجابيـا ً فـي الصــمود بــوجه التعسـف‪،‬‬ ‫وفي مقاومة تصرفات وممارسات الحزب الحاكم‪ .‬‬ ‫الموقف من اليسار الجديد ‪:‬‬ ‫كانت علقة الحزب الشيوعي التونســي بتنظيمــات اليســار‬ ‫الجديد الماوية والتروتسكية يسودها التوتر البالغ درجة العــداوة‬ ‫أحيانًا‪ ،‬خصوصا ً في مرحلة الستينات والسبعينات‪ .‬لكنها لعبــت‬ ‫دورا ً سلبيا ً في محاولة استقطاب جــزء مــن الشــباب الجــامعي‬ ‫ونشــر أفكــار خــاطئة فــي صــفوفهم وبخاصــة "مفهــوم الثــورة‬ ‫البروليتارية العاجلة أي الثــورة النيــة‪ ،‬بــدون أي تحديــد للواقــع‬ ‫التونسي‪ ،‬ومعـاداة الحـزب الشـيوعي التونسـي باعتبـاره‪ ،‬كمـا‬ ‫‪(71‬والتحــاد‬ ‫يزعمون‪ ،‬حزبا ً تحريفي ـًا‪ ،‬ومعــاداة البلــدان الشــتراكية‬ ‫السوفياتي باعتبارها بلدانا ً "استعمارية وتحريفية إلخ) ‪.

1962‬وقــد اغتنمــت‬ ‫الدولــة التونســية تلــك الفرصــة‪ ،‬للغــاء التعدديــة‬ ‫السياسية وحظــر نشــاط الحــزب الشــيوعي بوصــفه‬ ‫الحزب المعارض العلني الوحيــد‪ ،‬ومصـادرة صــحافته‬ ‫ودوريــاته‪ ،‬وفــرض رقابــة تامــة علــى المنظمــات‬ ‫الجماهيريــة والنقابــات‪ ،‬وقمــع الحريــة السياســية‪،‬‬ ‫وإحلل هيمنة الحزب الواحد‪ ،‬فكرا ً وممارسة‪.‬‬ ‫‪ .1‬ميلد آفاق ‪:‬‬ ‫تأسس هذا التنظيم فــي بــاريس صــيف العــام ‪ ،1963‬بعــد‬ ‫نقاشات طويلة بين العضاء المؤسسين له‪ ،‬الذين ينتمون إلــى‬ ‫تيارات عدة ماركســية‪ ،‬وتروتســكية‪ .‬وناصــرية ثوريــة‪ ،‬وأعضــاء‬ ‫فرع التحاد العام لطلبة تونس‪ .‬وهكذا قامت مجموعة مؤلفة من الساتذة والبــاحثين‬ ‫المقيمين في فرنسا‪ ،‬والطلبة التونسيين‪ ،‬وأعضاء سابقين فــي‬ ‫أحزاب ومنظمات سياسية متعددة التجاهات‪ ،‬من الشــيوعيين‪،‬‬ ‫والمــاويين‪ ،‬والتروتســكيين‪ ،‬و البعــثيين‪ ،‬بــأول محاولــة لتــأليف‬ ‫"تجمــــع الدراســــات والعمــــل الشــــتراكي فــــي تــــونس "‬ ‫‪ Rassemblement pour le travail socialiste en Tunisie‬الــذي‬ ‫عرف تحت اسم « ‪ « » Perspectives‬أفاق » ‪.‬‬ ‫يعود ظهور تنظيمات اليسار الجديد في تونس إلى العوامل‬ ‫الرئيسية التالية‪:‬‬ ‫الول ‪ :‬شهدت بداية الستينات محاولة انقلبية قــامت بهــا‬ ‫مجموعة مــن العســكريين والمــدنيين معظمهــم مــن‬ ‫اليوسفيين بهدف الطاحة بالنظام البورقيــبي‪ ،‬وذلــك‬ ‫في ‪ 24‬كــانون أول )ديســمبر( ‪ ..‫الفصل التاسع‪:‬‬ ‫منظمات اليسار الجديد في تونس‪.‬وعندما تأسس تنظيم »آفــاق«‬ ‫لم يكن في نية المؤسســين تكــوين حــزب سياســي أو الســعي‬ .‬‬ ‫هذه العوامل مجتمعــة كــان لهــا تــأثير مباشــر فــي محاولــة‬ ‫استقطاب جزء من الشباب الجامعي‪ ،‬ونشر الفكــار الماويــة و‬ ‫التروتسكية في صفوفهم‪ ،‬وخاصة مفهوم "الثــورة البروليتاريــة‬ ‫العاجلة"‪ . .‬‬ ‫الثاني‪ :‬شــهدت أوروبــا عامــة وفرنســا خاصــة فــي بدايــة‬ ‫الستينات ولدة الحركات الماوية والتروتسكية‪ ،‬الــتي‬ ‫كــانت تعــد الحــزاب الشــيوعية الكلســيكية أحزابــا ً‬ ‫تحريفية‪ ،‬وانتهجــت خــط العــداء للبلــدان الشــتراكية‬ ‫عامــة‪ ،‬والتحــاد الســوفياتي خاصــة‪ ،‬بوصــفه دولــة‬ ‫"إمبريالية اشتراكية"‪ ،‬وتحريفية حسب وجهة نظرها‪.‬‬ ‫الثالث‪ :‬ظهور أزمة في الدور القيادي للحــزب الشــتراكي‬ ‫الدستوري الحاكم‪ ،‬ومعهـا فقــد مصــداقيته فــي نظــر‬ ‫جزء أساسي من الشباب الجامعي‪.

‬‬ ‫‪ .‬‬ ‫وكان هذا التجمع تلتقي فيه هذه التيـارات وتتنـاقش بحريـة‬ ‫على الرغـم مـن تعـددها واختلفاتهـا وتفـاوت تجـارب أعضـائها‬ ‫ورموزهــا‪ ،‬نخــص بالــذكر منهــم‪ :‬نــور الــدين بــن خضــر بــاحث‬ ‫اقتصادي ويعمل الن مديرا ً للنشر بدار سيراس للنشر ‪،‬ومحمد‬ ‫الشــرفي‪ ،‬الــذي تــولى رئاســة الرابطــة التونســية للــدفاع عــن‬ ‫حقوق النسان من سـنة ‪ 1988‬ولغايـة ‪ ،1989‬وتـولى منصـب‬ ‫وزير التربية والعلوم من سنة ‪ 1989‬ولغاية ‪ ،1994‬وارتبط بما‬ ‫عرف ببرنامــج الصــلح الــتربوي‪ ،‬وأحمــد الســماوي‪ ،‬وإبراهيــم‬ ‫رزق الله‪ ،‬الذي يعمل طبيبا ً الن في تونس‪ ،‬وأحمد بــن عثمــان‬ ‫المقيم في باريس الن‪ ،‬وهــو يعمــل رئيس ـا ً للمنظمــة العالميــة‬ ‫للصلح الجنائي‪ ،‬ومحمد عزيز كريشان المقيم في فرنسا منــذ‬ ‫عام ‪ ،1995‬وتاج الــدين بالرحــال الــذي يعمــل محاميـا ً بتــونس‬ ‫العاصمة‪ ،‬ونائبا ً بمجلـس النـواب ممثل ً عـن التجمـع الدسـتوري‬ ‫الديمقراطي الحاكم‪ ،‬ومنذر القرقــوري القــادم مــن المجموعــة‬ ‫التروتسكية التي التحقت بآفاق‪ ،‬وجلبار نقاش عضو سابق فــي‬ ‫الحزب الشيوعي التونسي‪ ،‬وهــو تروتســكي انضــم للمجموعــة‬ ‫بتونس ويعمل كمهندس فلحي‪ ،‬وحفناوي عمايرية عضو ســابق‬ ‫في حزب البعث العربي الشتراكي ‪.‬‬ ‫جيــل مصــدوم‪ ،‬وعــى مبكــرا ً التنــاقض فــي الربــط بيــن‬ ‫الستقلل وبيـن شـعارات الحريـة والعدالـة والرخـاء‪ ،‬وهـو أول‬ ‫جيل معبر عن ما أسمته الكاتبة التونسية هالة بــاجي بـ ـ »خيبــة‬ ‫المـل الوطنيـة«‪ .‬‬ ‫‪ .1‬لسياســات النظــام البورقيــبي وطــبيعته الديكتاتوريــة‬ ‫الفردية‪.‫للستيلء علــى الحكــم بــل الغايــة الولــى هــي الهتمــام ببعــض‬ ‫القطاعــات الجوهريــة الــتي تهــم مســتقبل تــونس وإعــداد‬ ‫الدراسات الضرورية ‪.2‬لسياسة ضرب الحريات العامة في البلد‪.‬‬ ‫‪ .‬‬ ‫وكــان التجمــع يعتــبر نفســه متموقع ـا ً علــى يســار الحــزب‬ ‫الشيوعي التونسي‪ ،‬حيث بدأ ينشط تنظيميا ً في أوساط التحاد‬ ‫‪72‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةة ةةةةةة ةةةةةة ‪) 6/8/1979‬ة ‪.‬‬ ‫وقام التجمع بإصدار مجلــة سياســية نظريــة ناطقــة باللغــة‬ ‫"مـن اجـل‬ ‫الفرنسية باسم "آفاق تونسية" الـتي حملــت شــعار‬ ‫)‪(72‬‬ ‫تونس افضل "‪ ،‬وأخذت على عاتقها مهمة التصدي‪.‬‬ ‫جيل سعيد‪ ،‬بحبه للحياة وملذاتها ‪.(22‬‬ .3‬لمحاولة توحيد القوى اليسارية التونسية‪.‬وهـو – أي الجيـل – أول مـدين للزعيـم الب‬ ‫الــذي تراجــع عــن الخطــاب المؤســس وعــن أرقــى المطــالب‬ ‫بالرجوع إلى براءة ذلك الخطــاب المؤســس‪ ،‬وهــو أول متهيــئ‬ ‫للصراع العلني كلفه ذلك ما كلفه‪.‬‬ ‫جيل مسؤول‪ ،‬يعتبر التسييس واجب المواطنة الول‪ ،‬يعــتز‬ ‫برأيه ول يهاب به‪ ،‬يقبل وجود الخر ول يهابه‪ ،‬ل يخشى الجديــد‬ ‫بل يطلبه‪ ،‬يرفض التخلف ويتوق إلى العلى‪ ،‬يقــدر دور المثقــف‬ ‫في مجتمعه ويعي واجب التضامن وشد إزر الضعيف‪.‬‬ ‫ويحدد نور الدين بن خذر بدقــة خصــائص الجيــل المؤســس‬ ‫لفاق‪ ،‬فهو عنده‪:‬‬ ‫جيــل محظــوظ بجــذوره الجتماعيــة‪ ،‬وبمحيطــه السياســي‬ ‫واليديولوجي المتميز في تونس كما في باريس‪ ،‬وهو محظوظ‬ ‫بثقافته‪ ،‬وبالفاق المفتوحة أمـامه بالبداهـة وخاصــة فـي صــلب‬ ‫الدولة الفتية ‪.

‬لكـن لنـا‬ ‫الفضــل فــي المبــادرة لخلــق منــاخ فكــري وتنشــيطه‪ ،‬وتطــوير‬ ‫الصــراع اليــديولوجي لجــل مناقشــة علميــة لقضــايا مجتمعنــا‪..‬وأســهم التجمــع إســهاما ً كــبيرا ً فــي خــوض النضــال‬ ‫الوطني الديمقراطي في تونس طيلة مرحلــة الســتينات‪ ،‬الــتي‬ ‫كرست الحتكار السياسي العمى للسلطة من جــانب الحــزب‬ ‫الشتراكي الدســتوري‪ ،‬الــذي غيــر اســمه فــي مــؤتمر المصــير‬ ‫العام ‪.‫منظمات اليسار الجديد في تونس‬ ‫العام لطلبــة تــونس‪ ،‬والتحـاد العــام التونســي للشــغل‪ ،‬بهــدف‬ ‫توسيع قوة ونفوذ "تجمع الدراسات "‪ ،‬الذي اشتهر باسم مجلته‬ ‫"آفــاق"‪ .‬‬ ‫وفي هذا السياق يقول الباحث نــور الــدين بــوقّرة أنــه بعــد‬ ‫النتقال ثبت أن »الهيكلية الفقيــة أي طريقــة اللجــان ) اللجنــة‬ ‫السياســـية واللجنـــة القتصـــادية واللجنـــة الثقافيـــة واللجنـــة‬ ‫القانونيــة ( ل يمكــن أن تكــون صــالحة إل لعــدد قليــل مــن‬ ‫الشخاص‪ « .‬ففي عام ‪ ،1967‬وجهت إليها الدعوة للمشــاركة فــي‬ ‫مؤتمر عقد في الجزائر حــول الشــتراكية فــي العــالم العربــي‪،‬‬ ‫كما شاركت أيضا ً في النقاش الكبير‪ ،‬الذي انتظــم فــي بورصــة‬ ‫العمل في العاصــمة تــونس‪ ،‬حــول سياســة التعاضــديات‪ .‬لكــن مــع انتقــال‬ ‫التجمع من باريس إلى تونس تغير أسلوب عمله وأصبح شــبيها ً‬ ‫بعمل الحزاب‪ ،‬لكن بشكل سّري ‪.181‬‬ ‫ويصــف أحــد قيــاديي "منظمــة العامــل التونســي " تلــك‬ ‫المرحلة بالقول‪ ،‬وبــدأت المنظمــة تــزرع فروعهــا داخــل البلد‪،‬‬ ‫وصارت تشارك في الهيئات النقابية والطلبية‪ ،‬وفي الملتقيــات‬ ‫الفكرية‪ .1964‬‬ ‫ً‬ ‫وفي صائفة عــام ‪ ،1964‬عقــد تجمــع آفــاق اجتماع ـا ‪ -‬إثــر‬ ‫مؤتمر اتحاد الطلبة الذي انعقد في الصائفة ذاتهــا بالمنســتير –‬ ‫بغابة زيتون بمنطقــة الشــراحيل قــرب المكنيــن حضــره قرابــة‬ ‫الخمسين شخصا ً منهم من قــدم مــن بــاريس ومنهــم مقيمــون‬ ‫بتونس‪ ،‬وتمت المصادقة خلل هذا الجتمـاع علـى لئحـة نـادت‬ ‫بتحويل مركز نشاط تجمع الدراسات مــن بــاريس إلــى تــونس‪،‬‬ ‫وتغيير هيكلته لســتيعاب المنخرطيــن الجــدد‪ .‬‬ ‫فمثل ً عندما قام محمد حرمل بإصدار كراس عن الطبقات فــي‬ ‫تــونس نشــرنا ردا ً عليــه "‪ .‬لذلك وعندما التحق عدد كبير من الطلبة بــالتجمع‬ ‫في السنة الجامعية ‪ 1964 – 1963‬بات من الضروري التخلي‬ ‫عن الهيكلية الفقية واعتماد الهيكلية الحزبيــة لضــمان الجــدوى‬ ‫والفاعلية لنشاط التجمع ‪.‬‬ ‫لقد خاض التجمع أولى معاركه ضـد النظـام‪ ،‬عقـب هزيمــة‬ ‫حزيــران العــام ‪ ،1967‬حيــن أســهم فــي قيــادة التظــاهرات‬ ‫الشــعبية العامــة فــي تــونس ردا ً علــى العــدوان الصــهيوني‬ ‫المبريالي علــى الــدول العربيــة‪ ،‬حيــث قــام المتظــاهرون فــي‬ ‫العاصمة بالعلن عن استنكارهم للسياسة التونســية الخارجيــة‬ ‫التي يحكمها نهج التبعية في فلك الستعمار الجديد‪ ،‬المبرياليــة‬ ‫الميركيــة‪ ،‬وعــن مواقــف الرئيــس بورقيبــة الــذي وافــق علــى‬ ‫مشروع أيزنهاور لسد الفراغ في الشــرق الوســط أي محاربــة‬ ‫الحركة القومية العربية والشيوعية‪ ،‬والدفاع عن "العالم الحر"‪،‬‬ ‫وبسبب موقفه من القضية الفلســطينية المعــروف حيــن ألقــى‬ ‫خطابه الشهير في مدينة أريحا بفلسطين العام ‪ ،1965‬وطالب‬ ‫الفلسطينيين بالعتراف بقرار التقسيم ‪.‬ويضيف هذا‬ ‫القيادي "صــحيح أن الحـزب الشــيوعي التونســي أصـدر نشــرة‬ ‫"أمل " باللغة الفرنسـية‪ ،‬وبــدأ يوزعهـا فـي الـداخل‪ .‬وكنــا‬ ‫الوحيدين الذين أوجدوا صحافة معارضة في تلك الفترة‪ ،‬وأمنوا‬ ‫لها توزيعا ً واسعا ً في أوساط المثقفين والشباب "‪ .‬ويتــابع هــذا القيــادي فــي وصــف‬ ‫نشــاطات تلــك الفــترة بــالقول "أمــا فــي مجــال الديمقراطيــة‬ ‫السياسية فكانت لنا مواقف واضحة وسجلنا تباينا ً مــع الخريــن‬ .

..1985 /8 /3‬‬ .(75‬‬ ‫وأصدر « تجمع الدراسات والعمــل الشــتراكي » التونســي‬ ‫كراســا ً باللغــة الفرنســية‪ ،‬تحــت عنــوان‪" :‬خصــائص المرحلــة‬ ‫‪73‬‬ ‫‪74‬‬ ‫‪75‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةة ة ةةةة ةة ةةةةة ة ةةة ةةةة ‪13/7/1981‬‬ ‫ةة ةة ة ة ةة ة ة ةةة ةةةة ة ةةةةة ة‬ ‫ةةةةةة ةة ةة ةةة ةةة ة ة ةةةة ةة ةةة‬ ‫ةةةةةةةة ‪.‬فبقدر ما نجد مواقف تؤيــد حركــة‬ ‫الثــورة العربيــة مــن أجــل تحريــر فلســطين‪ ،‬وتحقيــق الوحــدة‬ ‫العربية‪ ،‬نجد مواقف داخــل التجمــع تتبنــى مواقــف أيديولوجيــة‬ ‫متناقضة مع ذلك كله‪.(73‬‬ ‫‪ « .‬‬ ‫ويمكن استعراض هــذه المواقــف المتناقضــة ضــمن ســياق‬ ‫فــترتين زمنيــتين‪ ،‬ولكــن متــداخلتين ومتصــلتين‪ :‬الولــى‪ :‬قبــل‬ ‫هزيمة حزيران ‪ ،1967‬حيث يقول الستاذ نور الدين بن خضــر‪،‬‬ ‫أحد مؤسسي "آفاق" "إن قضــية فلســطين لــم تعننــا إل ابتــداء‬ ‫من أواخر ســنة ‪ ،1966‬وكــانت قضــية فيتنــام هــي الــتي ملت‬ ‫الــدنيا وشــغلت النــاس‪ . 10/8/1985‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةة " ةةةةةة " ةة ة ‪ 63‬ةةةةة ‪.2‬آفــاق » والموقــف مــن القضــية القوميــة‬ ‫عامة‪ ،‬والقضية الفلسطينية خاصة ‪:‬‬ ‫تباينت آراء ومواقف تنظيــم "آفــاق" مــن القضــية القوميــة‬ ‫العربية‪ ،‬والقضــية الفلســطينية‪ ،‬والنضــال السياســي المطــروح‬ ‫على المة العربية فــي مواجهــة المبرياليــة العالميــة‪ ،‬والحركــة‬ ‫الصــهيونية‪ ،‬والكيــان الصــهيوني‪ ،‬والنظمــة والقــوى الرجعيــة‬ ‫العربيـــة‪ ،‬بحســـب تبـــاين المشـــارب الفكريـــة والسياســـية‬ ‫لمؤسســيها‪ ،‬علــى رغـم أن التنظيــم أصــبح يتبنــى اليديولوجيــة‬ ‫الواحدة الماركسية اللينينية‪ ..‬‬ ‫أما في مجال نقده للسياسة الخارجية يقول هذا القيادي‪" :‬لقــد‬ ‫شاركنا في تظاهرة الخامس من حزيران ‪ ،1967‬احتجاجا ً على‬ ‫الوليات المتحدة وبريطانيا‪ ،‬وحوكم بعض أعضاء منظمتنا علــى‬ ‫أثــر تلــك التظــاهرة‪ ،‬كمــا ســاعدنا القضــية الفيتناميــة‪ ،‬وذلــك‬ ‫بالمساهمة في بعث "لجنــة فيتنــام الســرية"‪ ،‬والــتي اشــتركت‬ ‫فيها عناصر من الديمقراطيين ومحــبي الســلم‪ ،‬وتكريسـا ً لهــذا‬ ‫تظاهرة ضد وزير خارجية فيتنام الجنوبيــة‬ ‫التعاطف‪ ،‬فقد نظمنا‬ ‫الذي زار تونس آنذاك " )‪..‫بجلء‪ ،‬فحيــن اســـتقال أحــد الـــوزراء فــي الســتينات باســم‬ ‫الديمقراطية )احمد المستيري(‪ ،‬وضحنا الفرق بين نــوعين مــن‬ ‫الديمقراطية‪ :‬الديمقراطية الشعبية والديمقراطية البرجوازية"‪.‬وفي الواقع أنــا‬ ‫النقائص في مجال اهتمامنا‬ ‫مقتنع الن أننا كنا نحمل فعل بعض‬ ‫بالقضايا العربية والفكر العربي عامــة" )‪ .‬وكــان الخــوان البعــثيون والقوميــون‬ ‫يعيبون علينا بشدة تقاعسنا نحو هذه القضية‪ . 31/10/1981‬‬ ‫)( ‪ -‬ةة ةةةة ةةة ةة ةةةة "ةةةةةة " ةةةةةة ة‬ ‫ةةةة ةةةةةة ةةةةةةةةة ةةةةةةة )ةةة ةة‬ ‫ةةةةة ةةة ةةةةة( ةةة ‪ 64‬ةةةةة ‪.(74‬أمــا الســتاذ احمــد‬ ‫نجيب الشابي )كان أحد مناضـلي "آفــاق"‪ ،‬ثـم منظمـة العامـل‬ ‫التونسي‪ ،‬والن هو المين العام للتجمع الشــتراكي التقــدمي(‪،‬‬ ‫فيقول‪ « :‬الفكر الماركسي في نزعته الممية البروليتارية وفي‬ ‫ترجمتــه التونســية لــم يكــن ليــولي قضــية الهويــة أهميتهــا بــل‬ ‫انتقصها وحقر منها معتقدا ً بــأن الخــوة العماليــة الكونيــة فــوق‬ ‫الفوارق القومية‪ ،‬وفيها الحل للتناقضات القوميــة‪ ،‬فلـم يحســن‬ ‫فهم حركــة التحــرر الــوطني‪ ،‬وانعــزل عنهــا قبــل الســتقطاب‪،‬‬ ‫الترهات الرجعيــة‬ ‫وناصب العداء للقومية العربية‪ ،‬باعتبارها من‬ ‫التي تقوم على أخوة الدم والعرق و الدين " )‪.

(79‬‬ ‫ونشــرت مجلــة "آفــاق" فــي عــددها الصــادر بتاريــخ ‪14‬‬ ‫حزيران ‪ ،1967‬مقال ً بعنوان "اليسار التونسي والثورة العربيــة‬ ‫"‪ ،‬أكد عروبة تــونس وشــعبها الــذي يــرزح تحــت كلكــل زعامــة‬ ‫متغربة تحاول قطعه عن جــذوره وعــن محيطــه العربــي‪ .‬‬ ‫)( ‪Alya Cherif (ch) : L’itineraire Politique De L’opposition -‬‬ ‫) ‪Progressiste Dans La Taunisie Independante (1955 – 1970‬‬ ‫‪M’emoire (Ine’dit) Pre’sente’e Pour l’obtention Du diplome‬‬ ‫‪( D’Etude Superieure De Science .U.. (P122 – 123‬‬ .‬ولــذلك‬ ‫أيضا فان النضال ضــد النظمــة‪ -‬ومــن بينهــا النظــام التونســي‪-‬‬ ‫ـة‪ ،‬يجــب أن يكــون مــن الثــوابت النضــالية‬ ‫المرتبطــة بالمبرياليـ‬ ‫السياسية لليسار " )‪.‬وقــد انتهــى إلــى أن تــونس أمــة بحالهــا‬ ‫‪76‬‬ ‫‪77‬‬ ‫‪78‬‬ ‫‪79‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةة ةةةة ةة ةةةةة ةةةةةة ةةة ‪ 22‬ةةةةة‬ ‫ةةة ةةةةة ةةةةة ةة ةة ةة ة ة ةةةة ةةة ةة‬ ‫ةة ةة ةة ة ةةةةةةة ة ةةةةة ة ة ة ة ةةة‬ ‫ةةة ةةةة ة ةة " ةةةة ةةةةةة ة ة ةةة ةةة‬ ‫ةةةةةة " ةة ‪ 22‬ةة ةة )ة ةةة( ‪1967‬ة ةة ة ةةة ة‬ ‫ةةة ةةة ةةة ةةة ةةةةةة ةةةةةة ةة ة )ة ‪– 5‬‬ ‫‪(19‬‬ ‫‪Les Caracteristiques dupeuple‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةةة ةةةةةة)ة ‪.(76‬‬ ‫كما اعتبرت أن الوحدة العربية ضرورة اقتصــادية وثقافيــة‪،‬‬ ‫غير أنها ل يجب‪" :‬أن تكون متقدمة على النضال من أجــل بنــاء‬ ‫النظــام الشــتراكي‪ ،‬فقــد دلــت التجربــة‪ ،‬ومــا زالــت‪ ،‬إن هــذه‬ ‫الوحدة لن تتحقق إل إذا كــانت وليــدة النظــام الشــتراكي")‪.‬‬ ‫الثانيـــة بعيـــد هزيمـــة حزيـــران ‪ ،1967‬إذ أصـــدر "تجمـــع‬ ‫الدراسات والعمل الشتراكي " كراسا ً تحت عنــوان‪" :‬المســالة‬ ‫الفلسطينية في علقاتها بتطور النضــال الثــوري فــي تــونس "‪،‬‬ ‫وهو الكراس الثاني للمجموعة‪ ،‬وعرف بالكراس الصفر نســبة‬ ‫للــون غلف الكــراس‪ .‬وقــد تضــمن الكــراس‬ ‫أطروحات متقدمة حــول المســالة القوميــة‪ ،‬تتماثــل مــع الخــط‬ ‫الــذي تبنــاه التروتســكيون العــرب مــن قضــايا الثــورة العربيــة‪.‬وأن‬ ‫اليمان بعروبة تونس ل يـدخل فـي إطـار الحلـم ولكنـه اعتقـاد‬ ‫راسخ وثابت‪.( 6‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةةة ةةةةةة‪.‬‬ ‫واعتبرت "آفاق" الكراس أن الشتراكية ل يمكن أن تتحقــق إل‬ ‫مــن خلل الوحــدة العربيــة‪" :‬ليــس فقــط لن الوحــدة تشــكل‬ ‫طموحا ً مشتركا ً لشــعوبنا نظــرا ً لوحــدة اللغــة والــدين والتاريــخ‬ ‫ـدة الــتي يتســنى لقطارنــا‬ ‫ولكن لن الوحدة هي الوسيلة الوحيـ‬ ‫ومن خللها تشييد الشتراكية الحقة )‪.(77‬‬ ‫أما عن شكل الوحدة التي تؤمن بها "آفاق " فيحددها الكــراس‬ ‫كالتالي‪ " :‬فنحن نعلم أن كل قطر عربي لوحده ليس بمقدوره‬ ‫بناء السـس الشـتراكية وان هـذه الخيـرة لـن تتحقـق إل فـي‬ ‫إطار أوسع‪ ،‬وبإمكان وحــدات إقليميــة أن تهيــئ لوحــدة عامــة"‬ ‫)‪. Paris 1975 .‫منظمات اليسار الجديد في تونس‬ ‫الحالية للتطورات وأدوات الثورة العربية" كــان مــن المفــروض‬ ‫أن تســاهم بــه المجموعــة وتلقيــه فــي نــدوة الجــزائر حــول‬ ‫"الشتراكية فــي العــالم العربــي "‪ ،‬الــتي عقــدت فــي ‪ 22‬أيــار‬ ‫‪ ،1967‬أي قبل الهزيمــة بحــوالي شــهر‪ ..(78‬‬ ‫وفي الوقت عينه‪ ،‬نشرت "آفــاق " مقــال ً بعنــوان‪" :‬تــونس‬ ‫أمام أزمة الشرق الوسط "‪ ،‬جاء فيه ما يلي‪" :‬إن النضال ضــد‬ ‫إسرائيل التي نجدها أمام طريقنــا فــي كــل مــرة نبــادر مبــادرة‬ ‫تقدمية ل يمكن أن يكون إل نضال ً متواصل ً صميميًا‪ ،‬يــدخل فــي‬ ‫إطار النضال ضد المبريالية التي تهاجم كــل الشــعوب‪ .

‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةة ة ةةةة ةةة ةةة ةة ) ‪ (299‬ةةةة ة‬ ‫‪15/8/1983‬ة ةةة ةةةةةةة ةة ةةة ةةة ة ة ة ةةة‬ ‫)ة ‪.‬وان‬ ‫الفلسطيني " أحــد رعايــا دولــة إســرائيل الــتي يشــكل‬ ‫الشعب‬ ‫أقلية فيها" )‪. (81‬‬ ‫بعــد مــرور ثلثيــن ســنة مــن تكــوين آفــاق‪ ،‬يحلــل البــاء‬ ‫المؤسسون العوامل التي قادت إلى اندثار حركة آفــاق بمجــرد‬ ‫قيام أول محاكمة لها‪ ،‬فيرجعونها إلى سببين رئيسيين ‪:‬‬ ‫الول‪ :‬شراسة القمع الذي تعرضت له الحركة‪ .(26‬‬ ....‬وهكــذا‪ ،‬أصــدر‬ ‫الحبيب بورقيبة فــي العــام ‪ 1970‬قــرارا ً بــالعفو عــن الســجناء‬ ‫بينهــم أعضــاء "تجمــع الدراســات والعمــل‬ ‫السياســيين ومــن‬ ‫الشتراكي " آفاق " )‪.(80‬‬ ‫إذا كانت هزيمة حزيران قد فجرت التناقضات اليديولوجية‬ ‫والسياسية في صفوف "تجمــع الدراســات والعمــل الشــتراكي‬ ‫في تونس "‪ ،‬إل أن حملت العتقال والمطاردة المتوالية الــتي‬ ‫تعرضت لها كادرات وقيادات التجمع بهــدف تصــفيته فــي إطــار‬ ‫سياسة الستبداد‪ ،‬التي أغلقت كــل محــاولت الحريــة‪ ،‬وتصــفية‬ ‫كــل صــوت معــارض‪ ،‬ومصــادرة أشــكال التعــبير والممارســة‪،‬‬ ‫وتقديم معتقلـي "التجمـع" أمـام محـاكم أمـن الدولـة‪ ،‬وصـدور‬ ‫أحكــام قاســية وصــل بعضــها إلــى الســجن عشــرين عام ـا ً مــع‬ ‫الشغال الشــاقة‪ ،‬هــذه الضــربات أســهمت فــي تحطيــم البنيــة‬ ‫التنظيميــة للتجمــع‪ ،‬وشــل فعــاليته السياســية‪ ،‬وإنهــاء وجــوده‬ ‫التنظيمي في الجامعة والشارع التونسي‪.‬‬ ‫وكانت تجربة السجن قد خلقت تفاعلت فكريــة وسياســية‬ ‫جديدة‪ ،‬إذ حصلت أوسع عملية مراجعـة وحـوار‪ ،‬ودراسـة نتـائج‬ ‫التجربة الماضية‪ ،‬وتبلورت وجهــات نظــر جديــدة بــاتت بانتظــار‬ ‫فــرص تحقيقهــا بعــد الخــروج مــن الســجون والمعتقلت‪ ،‬لتبــدأ‬ ‫مرحلة جديدة مــن التجربــة‪ ،‬تجربــة اليســار الماركســي‪ ،‬خــارج‬ ‫المدرسة التقليديــة للحركــات الشــيوعية‪ ،‬وحزبهــا فــي تــونس‪.‫وبلغتها‪ ،‬وبشخصيتها المميزة‪ ،‬وان القومية العربيــة هــي إحــدى‬ ‫الترهات التي تقــوم علــى اخــوة الــدين والعــرق والــدم‪ .‬فقد كانت‬ ‫مواجهة غير متكافئة وقمعا ً ل يطاق‪ ،‬تميــز بالتعــذيب‪،‬‬ ‫والحكام الجائرة والمضخمة‪ ،‬كــأن يحــاكم فــرد بعــدة‬ ‫سنوات سجنا ً من أجل منشور وزعــه‪ ،‬علوة علــى أن‬ ‫خمســة أفــراد مــن التنظيــم كــانوا مهــددين بحكــم‬ ‫‪80‬‬ ‫‪81‬‬ ‫)( ‪ -‬ةة ة ةةة ةةة ةةة ةةة ةةةةةةة ة ةة ةة‬ ‫ة ةةةةةة ةةةة ةة ةة ةة ةة ةة ةةةة‬ ‫ةةة ةةةة ةةةةة ةةة ة ةةة ةةةة ة ةةة‬ ‫ةةةةة ةةة ة ة ةةةة ةة ةةة ةةةة ةة ة ةةةة‬ ‫ةةةةةةة ةةةة ةةة ةةةةة ةةةةةةة ةةة ة ة‬ ‫ةةةةة "ةةةةة ةةةةةةة ةةةةةة ةةةةةةة"‪.‬‬ ‫فقد تعرض تنظيم آفاق إلى محاكمة سياســية فــي ‪ 2‬تمــوز‬ ‫‪ ،1968‬وأصدرت محكمــة أمــن الدولــة برئاســة القاضــي علــي‬ ‫شريف أحكاما ً على ‪ 84‬متهما ً سياسيا ً تراوحت ما بين ‪ 14‬سنة‬ ‫سجنًا‪ ،‬على كل من نور الــدين بــن خــذر‪ ،‬وجلبــار نقــاش‪ ،‬و ‪11‬‬ ‫سنة سجنا ً على كل مــن محمــد بــن طــاهر ومحمــد بللونــة و ‪9‬‬ ‫سنوات سجنا ً على كل من محمد عبد العزيــز كريشـان وطــاهر‬ ‫بن حسين بن عثمان‪ ،‬والبقية تراوحت أحكامهم ما بين ســنتين‪،‬‬ ‫وبعض الغرامات المالية ‪.‬‬ ‫وكان لسقوط أحمــد بــن صــالح وإخفــاق سياســة التعاضــديات‪،‬‬ ‫واعتقـــــال صـــــاحبها بتهمـــــة الخيانـــــة العظمـــــى عـــــام‬ ‫‪ ،1969‬أن أفسح في المجال لظهور شكل من أشكال النفتاح‬ ‫السياسي من جانب السلطة ورئيســها بورقيبــة‪ .

‬‬ ‫يضاف إلى ذلك كما يقــول عــدد مــن أصــحاب المبــادرة أن‬ ‫التاريخ التونسي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشــر أفــرز‬ ‫نخب ـا ً كــانت الكــثر تقــدما ً مــن نظيراتهــا فــي العــالم العربــي‪-‬‬ ‫الســلمي‪ ،‬وهيــأت المجتمــع التونســي لنــوع مــن التعامــل مــع‬ ‫الدولة كما أن قواعد التسيير فيمــا بعــد جعلــت توزيــع الــثروات‬ ‫في تونس أكــثر منطقيــة مــن غيــره فــي المجتمعــات الخــرى‪،‬‬ ‫وأفرز المجتمع الطبقات الوسطى والصغرى بدرجة جمعت بين‬ ‫الكم والكيف‪ ،‬وهي التي تساهم في تغذية المجتمع بأيديولوجية‬ ‫الرضا بالموجود والبعد عن اليديولوجيا المترفة‪ ،‬وبعقلية حماية‬ ‫الرزق المكتسب خوفا ً عليه من التلشي إن دخــل صــاحبه فــي‬ ‫صراع ) مجلة حقائق عدد ‪ – 657‬من ‪ 9‬إلى ‪ 15‬تموز ‪.(1998‬‬ ‫‪ -3‬منظمة العامل التونسي‪ :‬النشأة والتطور‬ ‫مع تجذر الحركة الطلبية في النضال الديمقراطي في آخر‬ ‫الستينات‪ ،‬وعجز تجمــع الدراســات والعمــل الشــتراكي‪ ،‬الــذي‬ ‫كان تعبيرا ً راديكاليا ً عن اتجاه داخل الحركة اليسارية التونسية‪،‬‬ ‫عــن تقــديم مشــروع فكــري وسياســي يقــدم أجوبــة واقعيــة‬ ‫للمعضلت التي يعاني منها المجتمــع التونســي‪ ،‬بــادر عــدد مــن‬ ‫أعضائه السابقين فــي بــاريس ممــن كــانوا علــى خلف فكــري‬ ‫وسياســي مــع "الكــراس الصـفر" حـول القضــية الفلسـطينية‪،‬‬ ‫الــذي كــان ســببا ً ودافع ـا ً لخــروج العديــد مــن المناضــلين مــن‬ ‫"التجمع "‪ ،‬إلى تأسيس منظمة جديدة سميت بمنظمة العامــل‬ ‫التونسي‪ ،‬عرفت باسم مجلتها "العامـل التونسـي" الــتي تحــرر‬ ‫باللهجة التونســية المحليــة‪ ،‬وذلــك مــن ســنة ‪ 1969‬إلــى ســنة‬ ‫‪ ،1973‬وقــد عوضــت نشــرة "آفــاق " وأصــبحت لســان حــال‬ ‫المنظمة‪.‬‬ ‫كــانت منظمــة العامــل التونســي متــأثرة بمنــاخ الحركــات‬ ‫اليسارية الماوية والتروتسكية الــتي ســجلت حضــورا ً قويـا ً فــي‬ ‫الساحة الوروبية‪ ،‬وبأطروحتها‪ ،‬خاصة حول ما يتعلــق بالصــراع‬ ‫اليــديولوجي بيــن قطــبي الحركــة الشــيوعية العالميــة الصــين‬ ‫والتحاد السوفياتي‪ .‬‬ ‫الثاني‪ :‬إن المجتمــع التونســي غيــر مســتعد للصــراعات‬ ‫الراديكاليــة‪ .‫منظمات اليسار الجديد في تونس‬ ‫العدام‪ .‬فــالمجتمع التونســي يعيــش منــذ فــترة‬ ‫طويلــة مــن تــاريخه فــي رقعــة جغرافيــة صــغيرة‬ ‫ومســطحة ل مكــان للحتمــاء بالجبــال أو الدغــال ول‬ ‫مكان فيها للتناقضات الساسية الدينية أو العرقية ‪.‬‬ ‫غير أن منظمة العامل التونسي ظلــت متلقنــة لطروحــات‬ ‫المــدارس الفكريــة العالميــة‪ ،‬مــن دون أن تحســم التناقضــات‬ ‫الفكرية والسياسية الــتي كــانت قائمــة فــي تجربــة "آفــاق "‪" ،‬‬ ‫المر الذي وضعها من جديد علــى أرضــية الصــراعات الداخليــة‬ ‫على الرغم من التفاق التام والمعلن حول الموقف من النظام‬ ‫وضرورة مواجهته بشكل شمولي‪ ،‬عــبر إيجــاد وعــاء تنظيمــي ‪-‬‬ ‫عامــة‪ (،‬وينظــم نضــالت‬ ‫سياســي‪ ،‬يتبنــى الماركســية صــيغة‬ ‫قطاعات شعبية في المعركة مع النظام " )‪.‬كل ذلك يبرز أن قــوة الضــربة الــتي وجهتهــا‬ ‫السلطة كانت أقوى بكثير من حجم الحركة ‪.1932‬ةةةةة ة ةةة‬ .‬وكانت الحركة الطلبيــة التونســية التواقــة‬ ‫إلى التغيير الثوري والجذري‪ ،‬والتي تعبر في الــوقت عينــه عــن‬ ‫حاجة وطنية عميقة فــي التخلــص مــن هيمنــة الحــزب الواحــد‪،‬‬ ‫تستجيب وتتفاعل مع هذه الطروحات العالمية‪. 82‬‬ ‫‪82‬‬ ‫ةة‬ ‫ةةة ةةةةةة‬ ‫ةةة ةةةة‬ ‫ةةة ة‬ ‫)( ‪ -‬ة‬ ‫ةةةةةة ةة ة ة ة ةةة ‪ 1984 .

‬ة ة ة ةةةةة ةةة ة‬ ‫ةةة ةةة ة ة ةةةةةةة ة ةةة ةةةة ةة ةةة‬ ‫ةةة ة ةة ةةة ة ةة ةةة ةةةة ةةةةة ةةة ةة ة‬ ‫ةةة ةة ةةةةةةة ةةة‪.‫المسألة الفكريــة الــتي تصــدت لهــا مجموعــة مــن منظمــة‬ ‫العامل التونسي في تلك المرحلة‪ ،‬هي تلك التي تحلقــت حــول‬ ‫مجلة "النضال " التي عرفها أصحابها بأنها "لسان حــال الثــورة‬ ‫العربية في تونس"‪ ،‬وهي مجموعة تروتسكية‪ ،‬أصــدرت كراسـا ً‬ ‫بعنوان‪" :‬المسألة الفلسطينية‪ :‬مــن القوميــة إلــى الماركســية"‬ ‫خصص للرد على موقف "آفاق " ومعالجة نظرية حول الطبيعة‬ ‫الطبقيــة للصــراع العربــي الصــهيوني‪ ،‬ودراســة حــول المنهــج‬ ‫والماركســية الدوغمائيــة‪ .‬‬ .‬‬ ‫غيــر أن الســهام اليجــابي مــن جــانب منظمــة العامــل‬ ‫التونسي في تأطير النضالت الطلبية‪ ،‬ما كــان ليخفــي عوامــل‬ ‫التفتــت والنقســام داخــل المنظمــة الــتي بــدأت تطفــو علــى‬ ‫الســطح فــي العــام ‪ 1974‬ومــا بعــده‪ ،‬فــي ضــوء التطــورات‬ ‫الداخلية والقليميــة والدوليــة‪ ،‬الــتي اســتجدت فــي بدايــة عقــد‬ ‫الســبعينات‪ ،‬وبــدأت فــي طــرح أســئلتها الملحــة علــى منظمــة‬ ‫العمل التونسي‪.(172‬‬ ‫)( ‪ -‬ةة ةةة ة ةة ةةةةةةة ة ‪ 5‬ةة ةةة ة ة ةةة ة‬ ‫"ةةةة ةة "ة ةةةة ة ة ةة ة ة ة ةةة ةة ةةة‬ ‫ةةة ةةة )ةةةة ةة( ةة ةةةة ةةة ‪1970‬ة ة ة‬ ‫ة ةةةة ة ة ةةة ةةة‪ .‬‬ ‫ً‬ ‫ولما كانت هذه المنظمة تنظيما غير متجانس على الصــعيد‬ ‫اليــديولوجي وبالتــالي السياســي‪ ،‬نظــرا ً لتركيبتهــا المعقــدة‪،‬‬ ‫بوصـــفها خليطـــا ً مـــن الماركســـيين الخـــارجين مـــن الحـــزب‬ ‫الشيوعي‪ ،‬ومن التروتسكيين‪ ،‬والماويين‪ ،‬والغيفــاريين و أنصــار‬ ‫الثورة الطلبية فــي فرنســا‪ ،‬ومــن البعــثيين والقــوميين العــرب‬ ‫والناصريين‪ ،‬فقد عجــزت هــي ذاتهــا عــن تشــكيل قــوة طليعــة‬ ‫راديكاليــة‪ ،‬مثلمــا عجــزت تاريخي ـا ً عــن بلــورة مشــروع فكــري‬ ‫سياســي يحقــق تركيبــة بيــن الــواقعي والثــوري‪ ،‬يقــدم أجوبــة‬ ‫‪83‬‬ ‫ةةةةة ةةةةةة ةةةةةة ‪) 1986‬ة ‪.‬تركــز‬ ‫النشاط التنظيمي والسياســي لمنظمــة العامــل التونســي فــي‬ ‫أوساط التحاد العام التونســي للشــغل‪ ،‬والتحــاد العــام لطلبــة‬ ‫تونس‪ ،‬في الداخل وفروعه فــي فرنســا‪ ،‬اللــذين كانــا يطالبــان‬ ‫بالتعدديــة السياســية‪ ،‬والعدالــة الجتماعيــة‪ ،‬واحــترام حقــوق‬ ‫النســان‪ ،‬وهــي كلهــا مطــالب تســتجيب لحاجيــات اجتماعيــة‬ ‫عميقة‪ .‬كما أن الوحدة العربية تهيئ لنــا أساســين‬ ‫لستراتيجية التنمية في المستقبل‪ ،‬فهي تسمح بتجميع الثروات‬ ‫الطبيعية والقدرات البشرية والستثمارات )البشرية( وتضع حدا‬ ‫أن‪(83‬النضــال‬ ‫لعقبة مهمة‪ ،‬إل وهي ضــيق الســوق الداخليــة‪ ،‬كمــا‬ ‫ضــد المبرياليــة مســتحيل فــي إطــار دول مجــزاة" ) ‪ .‬وقد نجحت منظمة العامل التونســي فــي بلــورة اتجــاه‬ ‫نقابي ديمقراطي عميــق الجــذور فــي صــلب الحركــة الطلبيــة‬ ‫التونسية‪ ،‬وفي قاعدة الحركة النقابية العمالية‪ ،‬المر الذي كان‬ ‫له تأثير مباشر على تجــذر النضــال الــديمقراطي فــي الجامعــة‬ ‫التونسية في صفوف الطلبة‪ ،‬الذين قاموا بانتفاضة عارمــة فــي‬ ‫‪ 5‬شــباط فــبراير ‪ ،1972‬رفعــت شــعارات معاديــة للنظــام‪،‬‬ ‫وجسدت القطيعة بينه وبين الحركة الطلبية‪ ،‬وأسهمت إسهاما ً‬ ‫فعليا ً في مقاومــة الممارســات القمعيــة للحــزب الحــاكم‪ ،‬إلــى‬ ‫درجــة ان الجامعــة التونســية أصــبحت معقل ً حقيقيــا ً لليســار‬ ‫الجديد‪.‬وانتهــى الكــراس‪ ،‬إلــى اعتبــار المــة‬ ‫العربية‪ « :‬حقيقة تاريخية وواقعية‪ ،‬وأن وجودها ل يمكــن إل أن‬ ‫يكون نقطة انطلق مسـار الثــورة العربيــة‪ ،‬فــي حيــن أن عــدم‬ ‫وجودهــا ل يغيــر شــيئا مــن التجاهــات الوحدويــة الموضــوعية‬ ‫والذاتية لهذه الثورة‪ .

‬أي هل تونس أمة موحدة ومستقلة أم هي قطر ينتمي‬ ‫إلــى أمــة مجــزأة تناضــل مــن اجــل وحــدتها ؟ وكــذلك قضــية‬ ‫الموقــف مــن الســلطة‪ ،‬وطبيعتهــا‪ ،‬وكيفيــة التعامــل معهــا‪ .‬‬ ..‬‬ ‫‪ -3‬البعد الثالث‪ :‬الموقف من الصراعات داخل المعسكر‬ ‫الشتراكي وخاصة الصراع الصيني‪ -‬السوفياتي‪.‬‬ ‫ا‪ -‬البعد الول‪ :‬تحديد طبيعة علقات النتاج السائدة فــي‬ ‫تونس‪ ،‬هل هي من طبيعة « رأسمالية مهيمنة عليها »‪،‬‬ ‫أم هي « شبه إقطاعيــة شــبه مســتعمرة »‪ ،‬والموقــف‬ ‫من النظام خصوصا ً أنه برزت صــراعات داخــل الحــزب‬ ‫الحــاكم بيــن جنــاح بورقيبــة وجنــاح أحمــد المســتيري‬ ‫الليـــبرالي عقـــب انعقـــاد المـــؤتمر الثـــامن للحـــزب‬ ‫الشتراكي الدستوري الحاكم فــي العــام ‪ ،1971‬الــذي‬ ‫كــاد يفضــي إلــى إســقاط بورقيبــة‪ ،‬بعــد أن اســتنفذ‬ ‫الدورات الثلث الدستورية كرئيس للجمهورية‪.‬ومــن بيــن هــذه‬ ‫التنظيمـــات‪ « :‬التجمـــع الماركســـي اللينينـــي »‪ ،‬المنظمـــة‬ ‫الماركسية اللينينية )الشعلة(‪ ،‬الحركة الديمقراطية الجماهيرية‪،‬‬ ‫حزب الشعب الثوري التونسي‪ ،‬منظمة "الحقيقة"‪.‬‬ ‫ومن أهم السباب الــتي أدت إلــى النقســامات قضــية الوحــدة‬ ‫العربية‪ ..‬‬ ‫وتجــدر الشــارة هنــا إلــى أن الســاحة التونســية‪ ،‬وأوســاط‬ ‫العمال المهاجرين التونسيين‪ ،‬قد عرفــت ولدة عــدة تنظيمــات‬ ‫يسارية تتبنى اليديولوجية الماركسية اللينينيــة‪ ،‬وتنتقــد الحــزب‬ ‫الشيوعي‪ ،‬وكــذلك منظمــة العامــل التونســي‪ .‬إضافة إلى هذه‬ ‫القضايا‪ ،‬تأثر الماركسيون بتونس باحتدام الصراع داخل الحركة‬ ‫‪ (84‬العــوالم الثلثــة‬ ‫الشــيوعية العالميــة‪ ،‬كــالموقف مــن نظريــة‬ ‫الصينية‪ ،‬والموقف من فكر ماوتسي تونغ " ) ‪..‬‬ ‫ولــم يبــق مــن هــذه التنظيمــات الن ســوى حــزب العمــال‬ ‫الشــيوعي التونســي )الــذي يعــد امتــدادا ً أو انقطاع ـا ً لمنظمــة‬ ‫العامل التونسي‪ ،‬رغم إنكاره لذلك(‪.‫منظمات اليسار الجديد في تونس‬ ‫عقلنية للسئلة المطروحة في أبعادها الثلثة‪.‬‬ ‫‪ -2‬البعد الثاني‪ :‬الموقف من المسالة القوميــة‪ ،‬وحقيقــة‬ ‫انتماء تونس للمــة العربيــة‪ ،‬أو فــي كونهــا تمثــل "أمــة‬ ‫تونســـية" مســـتقلة بـــذاتها‪ ،‬والموقـــف مـــن القضـــية‬ ‫الفلسطينية‪ ،‬والصراع العربي الصهيوني‪.‬‬ ‫فالذين اعتقدوا في إمكانية استغلل التناقضات داخل الســلطة‬ ‫‪84‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةة ة ةةةة ةة "ة ةةة " ةةة ةة ) ‪ (16‬ةةةة ة‬ ‫‪12/3/1984‬ة ةةةةة ة ة ة ةة ة ةة ةةةة ةةةةة ة‬ ‫ةةةةةةة‪.‬‬ ‫أســـهمت هـــذه التنظيمـــات الصـــغيرة فـــي إذكـــاء حـــدة‬ ‫الصراعات داخل منظمــة العامــل التونســي‪ ،‬الــتي يصــفها أحــد‬ ‫قياديي هـذه المنظمـة علـى النحـو التـالي‪" :‬إن الصـراع‪ ،‬اتخـذ‬ ‫أحيان ـا ً أشــكال ً حــادة ومرضــية بســبب تعــود المناضــلين علــى‬ ‫أساليب الصـراع داخـل الحركـة الطلبيــة المتميـزة فــي إطلق‬ ‫التشويهات عوضا ً عن النقد النزيه‪ ،‬والحسم السريع عوضا ً عــن‬ ‫النقاش الرصين‪ ،‬لكن أسباب الخلف تبقى حقيقية وجوهرية‪.‬‬ ‫وقد لخص أحد قيـادي العامــل التونسـي معطيـات الصــراع‬ ‫داخل المنظمة في تلك الفترة وأسبابها بالقول‪ :‬انه قد ظهــرت‬ ‫أحداث داخلية وعالمية أســهمت فــي تصـعيد التناقضـات داخــل‬ ‫منظمــة العامــل التونســي وبالتــالي فــي إفــراز العديــد مــن‬ ‫المجموعات الماركسية وبخاصة في أوساط الطلبة المهاجرين‪..‬أي‬ ‫بمعنى آخر هل التناقض بين السلطة والشعب حاد وعدائي؟ أم‬ ‫أن هناك إمكانية للتعامل مع شق من السلطة‪ .

‬‬ ‫‪ ‬نشر أخبار زائفة والتحريض على التمرد‪.‬‬ ‫‪ ‬التشهير بأعضاء الحكومة‪.‬‬ ‫بلغ عــدد معتقلــي المنظمــة فــي العــام ‪ 1974‬وحــده عــدة‬ ‫مئات من الكادرات والعضاء والنصار‪ ،‬وقدم منهم للمحاكمات‬ ‫)‪ (202‬شخص معظمهم من الطلبة والطالبات‪ ،‬صدرت بحقهــم‬ ‫أحكام مختلفة بالسجن‪.‬‬ ‫‪ .‬‬ ‫‪ ‬إهانة شخص رئيس الدولة‪.(85‬‬ ‫في مرحلة السبعينات تطورت النضــالت النقابيــة العماليــة‬ ‫والطلبيــة والنضــالت السياســية لمختلــف القــوى الوطنيــة‬ ‫والديمقراطية‪ ،‬وبالمقابل دخــل القتصــاد التونســي فــي أزمتــه‬ ‫البنيوية العميقة منذ العـام ‪ ،1975‬بعـد فـترة النتعـاش الولـى‬ ‫التي شهدها عقب نهاية تجربة الشــتراكية الدســتورية‪ ،‬وانتصــر‬ ‫الخــط الــبيروقراطي المتشــدد داخــل النظــام بقيــادة رئيــس‬ ‫الحكومــة الســابق الهــادي نــويرة‪ ،‬ومــدير الحــزب الشــتراكي‬ ‫الدســتوري محمــد الصــياح‪ ،‬وعبــد اللـه فرحــات‪ ،‬والــذي يعتمــد‬ ‫أساسا ً على سياسة الحديد والنار في الحتفاظ بالحكم‪ ،‬ويمثــل‬ ‫المتياز المبريالي لميركا‪ ،‬وظهر إلى الوجــود التيــار الســلمي‬ ‫في مواجهة التيارات الماركسية والقومية‪.‫كرسوا مواقفهم بالتعامل مــع رمــوز الســلطة‪ ،‬وبخاصــة داخــل‬ ‫التحاد العام التونسي للشغل‪ ،‬أما قضية الخلفات حول تقــويم‬ ‫الوضاع الدولية‪ ،‬فهناك مــن اصــبح يعتقــد بــل ويــروج فــي كــل‬ ‫المناســبات ان الوليــات المتحــدة المريكيــة لــم تعــد العــدو‬ ‫ـبح مــن الممكــن التحــالف معهــا‬ ‫الساســي للشــعوب‪ ،‬بــل اصـ‬ ‫لمواجهة التحاد السوفياتي " )‪.4‬النقسامات والتشرذم في صــفوف منظمــة‬ ‫العامل التونسي ‪:‬‬ ‫في ظل غياب وعي مطــابق للواقــع التونســي‪ ،‬مــن جــانب‬ ‫منظمــة العامــل التونســي‪ ،‬ونتــاج خضــوعها التلقــائي لتــأثيرات‬ ‫‪85‬‬ ‫‪86‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةةة ةةةةةة‪.‬‬ ‫‪ ‬التعريض برئيس دولة أجنبية‪.‬‬ ‫هذه العوامــل مجتمعــة‪ ،‬شــكلت منعطف ـا ً سياســيا ً خطيــرًا‪،‬‬ ‫لجهة شــن الجهـزة البوليسـية حملـة اعتقــالت واسـعة بهــدف‬ ‫تصــفية منظمــة العامــل التونســي‪ ،‬اســتمرت عــامين متتــالين‬ ‫‪ 1974‬و ‪ ،1975‬إذ تم اعتقال مئات من أعضــاء المنظمــة مــن‬ ‫الشباب والطلبة والساتذة والعمال المنتسبين لهذه المنظمــة‪،‬‬ ‫التي قام أعضاؤها بتوزيع منشورات معاديـة للنظـام وسياسـاته‬ ‫على نطاق واسع في المعامل والمد ارس الثانوية‪ ،‬والمحطات‬ ‫والسواق العامة‪.‬‬ ‫وفي العام التالي ‪ 1975‬تم اعتقال أعداد أخرى‪ ،‬وبلغ عــدد‬ ‫من قدم إلى المحاكمة )‪ (151‬متهمًا‪ ،‬وصــدرت ضــدهم أحكــام‬ ‫السجن( لمدة ستة اشــهر وتســع ســنوات‪،‬‬ ‫بالسجن راوحت بين‬ ‫)‪86‬‬ ‫استنادا ً إلى التهم التالية‪:‬‬ ‫‪ ‬النتساب إلى منظمة غير مشروعة‪.‬‬ ‫)( ‪ -‬ةة ة ةةةة ة ة ة ة ةةة ةةة ة "ةةةةة ةة"‬ ‫ةةة ةةةة ةةةةةةة ة ةةةةة ة ةةة ةةةة‬ ‫ةةةةة ة ةةة ةةة " ةةةة ةةة ةةةةة ة "‬ ‫"ةةةةة" ةةةةة ) ‪ -(15‬ةةةةة ةةةةة ة ة ة ةةةة‬ ‫ةةةةةة ‪) 1976‬ة ‪.(14‬‬ .

1970‬وكــان هــذا‬ ‫وم طبيعــة النظــام التونســي‪ ،‬أنــه كمــبرادوري‬ ‫التجاه يق ّ‬ ‫في طبيعته‪ ،‬وتابع سياسيًا‪ ،‬وان طبيعــة الثــورة المقبلــة‪،‬‬ ‫هي ثورة وطنية ديمقراطية كمرحلــة ضــرورية للنتقــال‬ ‫إلى الثورة الشـتراكية‪ ،‬وهـو يـؤمن بوجـود أمـة عربيـة‪،‬‬ ‫وان تونس تنتمي إلى الوطن العربي أو ً‬ ‫ل‪ ،‬والــي العــالم‬ ‫الثالث ثانيًا‪ ،‬وأن اللغة العربية هي اللغة الصالحة لتكون‬ ‫لغــة أدبيــات المنظمــة وصــحافتها فــي التصــال مــع‬ ‫الجماهير‪ .‫منظمات اليسار الجديد في تونس‬ ‫المدارس الفكرية العالمية‪ ،‬فضـل ً عــن تعرضــها لحملت القمــع‬ ‫والعتقال والمحاكمة‪ ،‬وما أفرزتــه الســجون مــن إعــادة تقــويم‬ ‫تجربة "تجمع الدراسات والعمل الشــتراكي "‪ ،‬وكــذلك دراســة‬ ‫جوانب التجربــة الجديــدة‪ ،‬كــل هـذه العوامــل مجتمعـة‪ ،‬جعلـت‬ ‫منظمــة العامــل التونســي نفســها عرضــة لنشــقاقات عديــدة‪،‬‬ ‫بسبب من تبلور عدة اتجاهات في صفوفها نوجزها علــى النحــو‬ ‫التالي‪:‬‬ ‫‪ -1‬التجاه الول ‪ :‬وهو يمثل الدعاة المؤسسين لمنظمة‬ ‫العامل التونسي‪ ،‬الــذين يعــودون بأصــولهم إلــى "تجمــع‬ ‫الدراســات والعمــل الشــتراكي "‪" ،‬آفــاق "‪ ،‬والــذين‬ ‫يعتبرون النظام التونســي نظامـا ً رأســماليًا‪ ،‬وان طبيعــة‬ ‫الثــورة المقبلــة‪ ،‬هــي مــن طبيعــة ثــورة اشــتراكية‪ ،‬وأن‬ ‫تونس بلد ل ينتمي إلى الوطن العربي‪ ،‬بــل ينتمــي إلــى‬ ‫دول العالم الثالث‪ ،‬وان اللغـة التونسـية المحليـة ينبغـي‬ ‫أن تكون أداة التصال مــع الجمــاهير‪ ،‬وينبغــي اعتمادهــا‬ ‫فــي الصــحافة الحزبيــة فــي مخاطبــة الجمــاهير‪ .‬وكـــان هـــذا التجـــاه متـــأثرا ً بأفكـــار وأراء‬ ‫الفلســفة الفرنســيين الجــدد‪ ،‬أو مــا يســمونه بــاليمين‬ ‫الجديد‪ ،‬الذين اصــبحوا يركــزون نضــالهم علــى موضــوع‬ ‫القليات "النساء والقليات القومية"‪ ،‬فضــل عــن تبنيهــم‬ ‫لمقولــة "حريــة الجســد والعقــل " باعتبارهــا أساســا‬ ‫للحريــة‪ ،‬وان النظريــات الثوريــة‪ ،‬الــتي عرفهــا القــرن‬ ‫نظريــات أدت إلــى كــثير مــن الكــوارث و‬ ‫العشــرون‬ ‫الفواجع " )‪.‬لل لل ل لل لللل لل‬ ‫لل للللل لل لللل لللل للل للل لللللل لل‬ ‫لل ل للل ل "للل ل للللل للل " للللل للل‬ ‫‪87‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةة ةةةةةةة ‪ .15/8/1983‬ةةةة ةةةة‪.‬وقد تخلي هذا التجــاه عــن تبنيــه‬ ‫لليديولوجيــة الماركســية اللينينيــة‪ ،‬باعتبارهــا مثــل كــل‬ ‫اليــديولوجيات‪ ،‬تــؤدي حتم ـا ً إلــى الديكتاتوريــة والعنــف‬ ‫والتســـلط‪ .‬‬ ‫ل ‪ -‬لللل لل للللل لل ل لللل لل للل للل ل ل‬ ‫للللللل لل لل للل ل لللللل ل للللللل لل‬ ‫لللللللل لل للل ل للللل ل للل ل ل ل‬ ‫لللللل لل لل ل لللل ل لللل للل لل لل‬ ‫لللللل للللللل لل لللل لللللللللل للل‬ ‫للل للل لللل لل ل للل "ل لل للل لل لللل ل‬ ‫للللل" لللللل لللللل لللل لل لللللل لل‬ ‫لللل لل لللل ل لللللل لل لل لل للللل لل‬ ‫للل ل لل لل ل ل « لللل ل للل لل لللل لل‬ ‫لللللللللل لل لللل »‪ .‬‬ .‬غير أن هذا التجاه الثاني نظرا ً لعدم تجانسه‪،‬‬ ‫وبروز خلفات نظرية وسياسية في صفوفه‪ ،‬شهد تبلــور‬ ‫ثلثة تيارات في داخله‪ ،‬مهدت لنشقاقات عديدة‪.(87‬‬ ‫‪ -2‬التجاه الثاني‪ :‬ويمثل مواقف وآراء الجيل الثاني من‬ ‫المنتميــن إلــى المنظمــة بعــد عــام ‪ .‬وهــذا‬ ‫التجاه النعزالي كان يقوده جلبــار نقــاش‪ ،‬وهــو يهــودي‬ ‫الصل‪ ،‬وفرانكوفوني‪ .

‬‬ ‫‪ -3‬التيار الثالث‪ :‬وقد حـافظ علـى تبنيـه اسـم المنظمـة‬ ‫"العامــل التونســي " مجموعــة عــام ‪ ،1977‬وأكــد انــه‬ ‫يتبنــى نظريــة العــوالم الثلثــة الصــينية‪ ،‬الــتي تقــر بــان‬ ‫العـــالم الول يتكـــون مـــن "المبرياليـــة الشـــتراكية‬ ‫الســوفياتية‪ ،‬والمبرياليــة الميركيــة"‪ ،‬والعــالم الثــاني‬ ‫يتكون من دول أوروبا الغربية‪ ،‬والعالم الثالث هــو بقيــة‬ ‫البلدان‪ ،‬التي تتماثل فيها حســب هــذه النظريــة أنظمــة‬ ‫ديكتاتورية عفنه مثل نظام بينوشيه ونظام شاه إيــران‪،‬‬ ‫ونظام ماركوس‪ ،‬مع دولة مثل الصين أو فيتنام‪ .‬‬ ‫ل شك أن تزايد النقسامات فــي صــفوف منظمــة العامــل‬ ‫التونســي‪ ،‬قــد أســهم إســهاما ً كــبيرا ً فــي تفتيتهــا وتشــرذمها‬ ‫التنظيمي لحقًا‪ ،‬وإلى تحـول هــذه المنظمـة مـن أكــبر منظمـة‬ .‬‬ ‫وقد تبنــت القيــادة الصــينية بعــد وفـاة ماوتســي تونــغ هــذه‬ ‫النظرية‪ ،‬التي بلورها دينغ شياوبنغ في بداية السبعينات‪ ،‬وتبناها‬ ‫ماوتشي تونغ‪ .‬‬ ‫‪ -2‬لللل لل للل لللل لل لل للل ل للل ل لل ل‬ ‫"للل ل للل للل "ل للل ل للل ل للللل لل‬ ‫لللل لل لللللل للل ل لللل ل ل ل لل لل‬ ‫لل للل لللل للل للل لل لل للللل للل للل‬ ‫لللللل‪ .‫"للل ل للل للل لللل لل لل ل لللل لللللل‬ ‫لللللللل"‪.‬وانطلقا ً من هذه النظرية‪ ،‬يصبح نظام السادات‬ ‫نظامــا ً وطنيــا ً باعتبــاره معاديــا ً للســوفيات‪ ،‬وكــذلك النظــام‬ ‫التونسي‪ ،‬الذي اعتــبره هــذا التيــار الثــالث «نظامـا ً وطنيـا ً فــي‬ ‫داخلــه عناصــر فاشــية »‪ ،‬وأنــه مــن الضــروري "كســب الشــق‬ ‫الديمقراطي " في تركيبة النظــام والتعامــل معــه‪ ،‬المــر الــذي‬ ‫أدى إلى نبــذ شــعار الكفــاح المســلح وحــرب الشــعب باعتبــاره‬ ‫طريقا ً للوصول إلى السلطة وبناء الشتراكية‪ ،‬وتبني هذا التيــار‬ ‫الطريــق الســلمي للوصــول إلــى الشــتراكية عــبر النضــال‬ ‫الديمقراطي‪.‬‬ ‫وحسب هذه النظرية‪ ،‬يجب أن يتحــالف العــالم الثــالث مــع‬ ‫العالم الثاني لمقاومة العالم الول‪.‬لللل للل لل لل للللللللل ل‬ ‫للللللللل ل لللللل للل لللل للل لل ل‬ ‫ل للل‪ -‬للل للل لللللل لل‪ -‬لل ل ل لللل‬ ‫للللل للل ل لل ‪1971‬ل للل للل لل ل للل ل‬ ‫لللللللللل ل لللل للل للللللل لل‬ ‫لللل لللللل للل للل لل للللل للل للل‬ ‫لللللل ل لل ل لل للل "لللللللللل ل " ل‬ ‫"لللللللللل"‪.‬‬ ‫وهكذا‪ ،‬أكد الخط الثوري « إن هناك تناقضات في داخل‬ ‫الســـلطة ل بـــد مـــن اســـتغللها لمصـــلحة النضـــال‬ ‫الديمقراطي الوطني » ‪.‬للل للللل لللل لل ل لل ل لللل لل‬ ‫للللل لل لللللل لللللل للللللل لللللل‬ ‫لللللل لل لللللللللل للل "لللل للل للل‬ ‫" لل ل لل لللل لل لللللل ل للل لل ل ل‬ ‫لل لللل‪ :‬للللل لل لل للل لل‪ -‬للل لل للل ل‬ ‫لللللل ل لللللل لل لللل لللل لللل للل‬ ‫ل لل لللل لل لل ل لل للللل للللللل ل ل ل‬ ‫للل ل ‪1974‬ل للللل ل للل ل للل للل لل‬ ‫للل‬ ‫للل للل‬ ‫لل ل‬ ‫ل للللل‬ ‫للللل‬ ‫لللللللللللل للل للل ل لللل للل ل للل ل‬ ‫لل للللل‪ .‬الخ‪.

‬‬ ‫ويصف أحد قادة المنظمة التحولت التي بدأت تهــب عليهــا‬ ‫في عام ‪ 1977‬بالقول " من الناحية التنظيمية" لم يبــق ســوى‬ ‫العامل التونسي كتنظيم ماركســي لينينــي إلــى جــانب الحــزب‬ ‫الشيوعي التونسي معلنا ً عـن نفسـه فـي الصـحف‪ ،‬فـي جميـع‬ ‫التظاهرات‪ ،‬أما التنظيمات الخــرى الـتي انشــقت عـن العامـل‬ ‫التونسي‪ ،‬والتي لم تعد تعلن عن نفســها‪ ،‬فــإن مجــال نشــاطها‬ ‫اقتصر على العمل داخــل النقابــات وفــي أوســاط الطلبــة‪ .‬‬ ‫وقد اختفت معظم "التنظيمات " التي انشقت عن العامــل‬ ‫التونســي مــن الســاحة السياســية التونســية‪ ،‬بســبب عجزهــا‬ ‫التنظيمي‪ ،‬واندماجها في أطر التحاد العــام التونســي للشــغل‪،‬‬ ‫الذي أصبح الطار الوسع يستوعب مختلف التيارات اليســارية‪.‬‬ ‫والحال هذه بقــي علــى الســاحة التونســية تنظيمــان شــيوعيان‬ ‫فحسب ‪" :‬منظمة العامل التونسي " و"الحزب الشيوعي "‪.‫منظمات اليسار الجديد في تونس‬ ‫يسارية معارضة في تونس طيلة عقــد الســبعينات إلــى تنظيــم‬ ‫ضعيف في بدايــة الثمانينــات‪ ،‬علــى الرغــم مــن قيــام الســلطة‬ ‫بإطلق ســراح معتقلــي المنظمــة فــي آب ‪ ،1980‬بعــد مجيــء‬ ‫حكومة محمد مزالى بعدة أشهر‪ ،‬وذلــك فــي نطــاق « سياســة‬ ‫التفتح والديمقراطية »‪ ،‬التي أقرتها‪.‬‬ .(88‬‬ ‫‪‬‬ ‫‪88‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةة ة ةةةة ةة‪ -‬ة ةةة ةةة ةة ) ‪ (46‬ةة ةة‬ ‫ةةةة‪.‬أمــا‬ ‫نحن‪ -‬العامل التونسي‪ -‬فإنه إضافة لنشاطنا داخل التحاد العام‬ ‫التونسي للشغل وفي أوســاط الطلبــة‪ ،‬ومشــاركتنا فــي جميــع‬ ‫التظــاهرات السياســية والثقافيــة بــالبلد‪ ،‬فإننــا أصــبحنا نركــز‬ ‫اهتمامنا أكثر فأكثر على الجانب الفكري‪ ،‬لننا نعتقد‪ ،‬أن ابتعــاد‬ ‫العديد من المناضلين عن منظمتنا مــرده إلــى إهمالنــا للجــانب‬ ‫الفكــري فــي الســبعينات‪ ،‬مــع ملحظــة أن الحركــة الشــيوعية‬ ‫العالمية تمر بفترة دقيقة تتطلـب منـا مجهـودا ً فكريـا ً مضـاعفا ً‬ ‫ـايا الحساســة لتقــويم التجربــة الســوفيتية‬ ‫لمعالجــة أهــم القضـ‬ ‫والتجربة الصينية" )‪.

‬وهذه المجموعة التي ترفض الصرامة اليديولوجية‪ ،‬هي‬ ‫التي شكلت نواة حزب التجمع الشتراكي التقدمي‪ ،‬الذي تألف‬ ‫بصـورة أساسـية مـن أوسـاط المعارضـة الشـيوعية التقليديـة‪،‬‬ ‫ومن العضاء السابقين في منظمة العامل التونســي‪ ،‬ومنظمــة‬ ‫« الشعلة » وبعضهم الخر جاء من منظمة « الحقيقــة » الــتي‬ ‫كان يقودها حفناوي عمايرية ‪.‬لكـن هـذا الحـزب ظـل رضـيعا ً يحبـو علـى‬ ‫الرض‪ ،‬لــذا تشــكلت مجموعــة مــن الكــوادر تحــت اســم «‬ ‫الماركســيون المســتقلون » فــي أواخــر العــام ‪ ،1980‬لتشــق‬ ‫لنفســها طريقــة أخــرى فــي ســيرورة العمــل السياســي داخــل‬ ‫تونس‪ .‫الفصل العاشر‪:‬‬ ‫حزب التجمع الشتراكي التقدمي‬ ‫بعد النتفاضة العمالية والشعبية التي اندلعت بقيادة التحاد‬ ‫العام التونســي للشــغل‪ ،‬الــذي أعلــن الضــراب العــام فــي ‪26‬‬ ‫كــانون ثــاني ) ينــاير ( ‪ ،1978‬وبعــد الحــداث العســكرية الــتي‬ ‫شهدتها مدينة قفصة في كانون الثاني ) يناير ( ‪ ،1980‬توصلت‬ ‫مجموعــة كــبيرة مــن الكــوادر الماركســية اللينينيــة فــي نطــاق‬ ‫تقويمها لواقع الحركة الوطنية الثورية في تونس‪ ،‬إلـى تســجيل‬ ‫حقيقــتين ل مهــرب منهمــا بعــد أن فرضــتهما حركــة الصــراع‬ ‫السياسي في تونس‪.‬‬ ‫الولى ‪ :‬عجــز النظــام البورقيــبي عــن مواكبــة المرحلــة‬ ‫والســتمرار فــي التفــرد بالســلطة السياســية‪ ،‬فقــد‬ ‫أصبح النفتاح السياسي أمرا ً ل منــاص منــه لمحاولــة‬ ‫تجديد دم حكم البرجوازية وتأبيده ‪.‬والمحصــلة الســريعة‬ ‫تأتي في شكلها العكســي للمعادلــة البســيطة لمهــام‬ ‫الطليعــة‪ ،‬إذ أصــبحت هــذه الطليعــة ظل ً تابع ـا ً وذيل ً‬ ‫لحركــة الجمــاهير الواســعة والمفعمــة بالحتمــالت‬ ‫وخصوصيات التجــارب‪ ،‬وبــدل مـن أن تقــود الطليعــة‬ ‫الجماهير‪ ،‬وهذا على شرط الستيعاب والتعلم منها ل‬ ‫على شرط الوصاية والبوة‪ ،‬أصبحت الجماهير‪ ،‬هــذه‬ ‫الجمــاهير المســحوقة والعفويــة – والمســتقطبة مــن‬ ‫قبل قوى معادية لها استراتيجيا – تقود هذه الطليعــة‬ ‫المشتتة التي تولد وتموت في المنفــى علــى هــامش‬ ‫مدارس الستهلك الفلسفية ‪.‬‬ ‫ول شك أن الحركة الوطنيــة والثوريــة التونســية الــتي تعــد‬ ‫أكثر مــن ‪ 15‬تنظيم ـا ً ومنظمــة وحزب ـا ً فــي مرحلــة الســبعينات‬ ‫ظلت عاجزة ومتشرذمة تنظيميًا‪ ،‬وتعاني مــن التــأخر والتخلــف‬ ‫عن حركة الجماهير‪ ،‬أصبحت تبحث بعد انتفاضة الجماهير وفي‬ ‫خضــم البــوة والوصــاية والتشــرذم والقتامــة – عــن حزبهــا‬ ‫السياسـي الثـوري‪ .‬‬ ‫الثانية ‪ :‬عجز الحركة الوطنيــة والثوريــة التونســية بجميــع‬ ‫فصائلها الماركسية اللينينية‪ ،‬عن عمليــة الســتقطاب‬ ‫والتنظيــم الواســعة للجمــاهير العماليــة والفلحيــة‬ ‫لقيادتها نحــو النعتــاق النهــائي‪ .‬‬ .

90‬‬ ‫ويقول حفناوي عمايريــة عضــو المكتــب السياســي لحــزب‬ ‫التجمع الشتراكي التقدمي حــول ذلــك ‪ « :‬إن التجمــع قــد بــدأ‬ ‫عبارة عن مبادرة قام بها جمـع مـن المناضـلين التقـدميين بعـد‬ ‫العلن‪91‬ـ(ـي فــي الظــرف‬ ‫مشــاورات حــول مبــدأ العمــل السياســي‬ ‫الراهن‪ ،‬وحول مضمون واتجاه هذا العمل » ) ‪. 93‬‬ ‫‪ . 24/12/1983‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةة ةةةةةةة – ةةةة ةةةة ‪.‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةة ة ةةةة ةة ةةةةةة ةة ةةة ةة ) ‪(83‬‬ ‫ةةةةة ‪. 13/12/1983‬‬ .‬واستنادا ً لتوجهه هذا‪ ،‬فقــد بــادر‬ ‫المنخرطون فــي هــذه المجموعــة إلـــى التصــال مــع مفكريــن‬ ‫وقادة وسياسيين مصريين ومغاربة من قيادات التجمع التقدمي‬ ‫ومن قــادة التحــاد الشــتراكي للقــوات الشــعبية فــي‬ ‫المصري‬ ‫المغرب )‪.‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةة ةةةةة ةةةةةةة ةةةةةةة ةة ةةةةة‬ ‫ة ةة ةةةةة ة ةةةة ةةةةة ةةةة ةةة ة ة‬ ‫‪. ( 28 – 27‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةة ةةةةةةة – ةةةةةة ةةةةةة ‪.1‬إعلن التجمع‪ ،‬والختيار الديمقراطي‬ ‫التجمــع الشــتراكي التقــدمي‪ ،‬تنظيــم سياســي يســاري‬ ‫تونسي‪ ،‬نشأ في عام ‪ ،1983‬وبرز منذ ذلك الحين قوة رئيسية‬ ‫من قوى المعارضة اليسارية التونسية‪ .‬وقد أعلـن أحمـد نجيـب‬ ‫الشابي المين العام للحــزب فــي نــدوة صــحفية فــي العاصــمة‬ ‫‪89‬‬ ‫‪90‬‬ ‫‪91‬‬ ‫‪92‬‬ ‫‪93‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةة ةةةةةةة ةةةةة ) ‪ (299‬ةةةةة ‪) 15/8/1983‬‬ ‫ة ‪.‫حزب التجمع الشتراكي التقدمي‬ ‫وهكذا‪ ،‬تكون حزب التجمع الشــتراكي التقــدمي مــن عــدة‬ ‫اتجاهات إيديولوجيــة وسياســية ومتصــارعة تاريخيـًا‪ ،‬لكــن هــذه‬ ‫التشكيلة السياسية الجديدة‪ ،‬حــددت فــي منطلقاتهــا أن التقــاء‬ ‫أعضائها لم يتم علــى أســاس الوحــدة اليديولوجيــة المتراصــة‪،‬‬ ‫وإنما على أساس النعتاق في خوض تجربة عمل سياسـي فــي‬ ‫إطار من التوجه الــديمقراطي والتقــدمي‪ ،‬الــذي ينبــذ التطــرف‬ ‫كاتجاه سياسي‪ ،‬ويأخــذ تجربــة « التجمــع التقــدمي » المصــري‬ ‫مثال ً للتوجه والعمل السياسي‪ . (89‬‬ ‫وقد رافق نشاط هذه المجموعة‪ ،‬على هذا الصعيد‪ ،‬نشــاط‬ ‫على صعيد آخر‪ ،‬يتمثــل فــي الــدعوة إلـــى إقامــة حــوار وطنــي‬ ‫شامل بين مختلف القوى اليسارية التونســية‪ ،‬بهــدف « تجنيــب‬ ‫البلد مــا يمكــن أن ينجــم عــن نشــاطات التطــرف الــديني أو‬ ‫ص(ــار‬ ‫الماركسي » والــتي بــاتت تســيطر فــي الجامعــة‪ ،‬والــتي‬ ‫«خطرها» يمكن أن يمتد إلـى النقابات والنوادي الثقافية )‪.‬‬ ‫وكانت السلطات التونســية قــد قـامت باعتقــال بعــض مــن‬ ‫الرموز العاملة فـي اتجـاه إقامـة هـذه التجربـة السياســية فـي‬ ‫أواخر عام ‪ 1980‬بحجة « العمل على تشكيل منظمة سياســية‬ ‫‪ ،»(92‬ثم ما لبثت أن أطلقت سراحهم نظرا ً لعدم الدلــة‬ ‫محظورة‬ ‫الكافية) ‪.‬‬ ‫وعلــى الرغــم مــن اســتمرار العتقــالت فــي صــفوف هــذه‬ ‫المجموعــة الناشــئة‪ ،‬إل أن قيــادات التجمــع اســتمروا فــي بــذل‬ ‫الجهود الكافية من أجل تجميع مختلف التجاهات الماركسية فــي‬ ‫سبيل فرض تجربة عمل وطني ديمقراطي على أسس اشتراكية‬ ‫ديمقراطية‪ ،‬وفي التصال بالقادة والمفكريـن العـرب مـن خـارج‬ ‫تونس‪ ،‬وقد أدى ذلك إلـى قيام الجهزة التونسية المنية باعتقال‬ ‫بداية( عام ‪ ،1983‬حيث تــم التحقيــق‬ ‫بعض أعضاء المجموعة في‬ ‫معهم‪ ،‬ثم أفرج عنهم بعد ذلك)‪.

‫تـــونس‪ ،‬فـــي ‪ 13‬كـــانون أول )ديســـمبر ( ‪ 1983‬عـــن بيـــانه‬ ‫التأسيســـي‪ ،‬الـــذي تضـــمن العلن عـــن تأســـيس « التجمـــع‬ ‫الشـــتراكي التقـــدمي » مبينـــا ً فيـــه التجاهـــات السياســـية‬ ‫والقتصادية والجتماعية للحزب الجديد‪ ،‬وقدم إلـــى الســلطات‬ ‫ـترخيص‬ ‫فــي اليــوم عينــه الوثــائق المطلوبــة للحصــول علــى الـ‬ ‫القانوني وترخيص لصدار صحيفة ناطقة باسم الحزب)‪.13/2/1983‬ةةة ة ةةة ة ةةة ة ةةةة ةةةة‬ ‫ةةةةةةةة ‪ ) 15/12/1985‬ة ‪.‬‬ ‫وعليه فإن النظام الديمقراطي المنشود يقــوم علــى السياســة‬ ‫الشعبية كمبدأ‪ ،‬وعلى ضمان الحريـات الفرديـة والعامـة‪ .‬لكـن‬ ‫انضاج الظروف الموضوعية والذاتية لقامة نظام اشتراكي في‬ ‫تونس يفــترض المــرور بمرحلــة انتقاليــة ذات مضــمون وطنــي‬ ‫ديمقراطي يكون هدفها المركزي الذي يستأثر بالولوية تحقيــق‬ ‫النمــاء القتصــادي والجتمــاعي فــي بلدنــا » تســاهم فيــه‬ ‫القطاعــات القتصــادية الثلث‪ « :‬القطــاع العــام الشــتراكي‪،‬‬ ‫والقطاع التعاوني الحر‪ ،‬والقطــاع الخـاص الــوطني »‪ . ( 2‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةةة ةةةةةة ‪.‬‬ ‫ ضــمان الشــغل للشــباب فــي إطــار سياســة حقيقيــة‬‫للتشغيل‪.‬وينبغــي‪،‬‬ ‫أن يــترافق النمــاء القتصــادي بجملــة إصــلحات اقتصــادية‬ ‫اجتماعية تجيء في إطار إصــلح النظــام السياســي فــي اتجــاه‬ ‫تعددي‪(95‬يضمن الحريات الفردية والعامــة‬ ‫إقامة نظام ديمقراطي‬ ‫وفي مقدمة هذه الصلحات ) ‪:‬‬ ‫ تحقيـــق إصـــلح زراعـــي لفـــائدة الفلحيـــن الفقـــراء‬‫والمحروميـــن مـــن الرض‪ ،‬يســـتجيب لقيـــم العـــدل‬ ‫الجتمــاعي‪ ،‬ويســاعد علــى تطــوير النتــاج الزراعــي‪،‬‬ ‫وتحديث وسائله ودمجه في القتصاد الوطني‪.‬ولــذلك‬ ‫فإننا نعمل علــى إقامــة نظــام اشــتراكي قــوامه الديمقراطيــة‪.. (94‬‬ ‫وفي أثناء الندوة الصحفية حدد أحمد نجيب الشابي الميــن‬ ‫العام لحزب التجمع الشتراكي التقــدمي التجاهــات السياســية‬ ‫للحزب بقوله ‪ « :‬لما كان هدفنا الســمى تحريــر النســان مــن‬ ‫كــل أشــكال الســتغلل والضــطهاد‪ ،‬فــإن تصــورنا الشــتراكي‬ ‫ينــدرج فــي اتجــاه النقــد الجــذري للرأســمالية‪ ،‬والعمــل علــى‬ ‫تجاوزها تاريخيا ً نحو إرساء مجتمع خال مــن الطبقــات‪ ..‬‬ .‬وينهــض‬ ‫مبدؤنا الشتراكي على أساس ملكية المنتجين أنفسهم لوسائل‬ ‫النتاج الكبرى‪ ،‬ووجوب تسييرهم لها‪ ،‬وأن حركتنـا تنتسـب إلـى‬ ‫الفكر الشتراكي العمالي العالمي‪ ،‬ولهذا فهي ترى‪ ،‬أن الطبقة‬ ‫العاملة مدعوة إلى أن تلعب الدور القيادي في عمليــة التحــول‬ ‫هذه من الرأسمالية إلـــى الشــتراكية‪ ،‬الــذي ننشــده ‪ .‬‬ ‫ القيام بإصــلحات اجتماعيــة لفــائدة الشــغالين علــى نحــو‬‫يؤمن لهم حياة أفضل‪.‬‬ ‫ تــوفير الخــدمات الجتماعيــة الساســية كالنقــل والســكن‬‫‪94‬‬ ‫‪95‬‬ ‫)( ‪ -‬ةة ةة ةةةة ة – ةةةةة ة ةةة ةةة – ةةة ةة‬ ‫ةةةة ةةةة ةةةةةة ةة ةةةةةة ةةةةةةة ة ة‬ ‫‪ .‬‬ ‫ إدخال إصلح ديمقراطي على التعليم في كل المستويات‬‫وخاصــة بتعميــم التعليــم الساســي الجبــاري والمجــاني‪،‬‬ ‫وتعريب مواده‪.‬‬ ‫ الدفاع عن حقوق المرأة المكتســبة‪ ،‬والعمــل علــى إلغــاء‬‫كل تمييز فــي القــانون‪ ،‬وفــي الواقــع بيــن وضــع المــرأة‬ ‫ووضع الرجل‪ ،‬والعمل علــى إشــراكها فعلي ـا ً فــي الحيــاة‬ ‫الجتماعية والسياسية بما يتناسب ووزنها في المجتمع ‪.

‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةةة ةةةةةة ‪.‬نحــن‬ ‫ديمقراطيون ونناضل من اجل تثــبيت الديمقراطيــة والفــوز بهــا‬ ‫للجميع‪ ،‬أما الجانب الخر فهــو إنجــاز مهمــات التحــرر الــوطني‬ ‫بتخليص بلدنا من التبعية القتصادية وما ينجم عنهــا مــن جــرائر‬ ‫‪96‬‬ ‫‪97‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةة ةةةةة – ةةةةةة ةةةةةة ‪.‬‬ ‫رابعا ً ‪ « :‬وفي النضال من أجل أهدافنا في التحرر‬ ‫الــوطني وصــيانة الســلم العــالمي‪ ،‬نســلك سياســة‬ ‫دعــم لحركــة التحــرر العالميــة ولكفاحــات الطبقــة‬ ‫العاملة العالمية »‪.‫حزب التجمع الشتراكي التقدمي‬ ‫والصــحة وجعلهــا فــي متنــاول الفئات الشــعبية‪ ،‬وجعــل‬ ‫الدارة في خدمة المواطن بشكل فعلي‪.‬‬‫وانطلق ـا ً مــن اعتبــار« أنفســنا فصــيل ً مــن حركــة التحــرر‬ ‫العربية الديمقراطية‪ ،‬والمعادية للمبريالية» فقد حــدد « البيــان‬ ‫‪97‬ـ(ـات البرنامجيــة للحــزب خارجي ـا ً فــي أهــم‬ ‫التجاه‬ ‫السياســي »‬ ‫)‬ ‫المفاصل التالية ‪:‬‬ ‫أول ً ‪ :‬إن « النــدماج المغــاربي والعربــي » يســتجيبان‬ ‫لتطلعـــات الجمـــاهير العربيـــة فـــي بنـــاء وحـــدتها‬ ‫السياســـية بوصـــفها إطـــارا ً لنهضـــتها الحضـــارية‬ ‫والثقافية الحديثة‪.‬‬ ‫وحول ما اعتبره "البيان السياسي " مهام مباشرة للحــزب‬ ‫السياســي‪ ،‬طــالب الســلطات التونســية بالقيــام‬ ‫علــى الصــعيد‬ ‫)‪(96‬‬ ‫بثلث خطوات ‪:‬‬ ‫ إصدار عفو تشريعي عام‪.‬‬ ‫ثالثا ً ‪ :‬و « إن التعاون بين التحاد السوفييتي والقوى‬ ‫الوطنية العربية‪ ،‬على أساس الستقلل‪ ،‬والمصلحة‬ ‫الوطنيـــة‪ ،‬والمنفعـــة المشـــتركة مـــن العوامـــل‬ ‫المساعدة على التصدي للقوى العدوانية المريكيــة‬ ‫»‪ ،‬وحلفائهم الصهاينة‪.‬‬‫ إلغاء المحاكم الستثنائية‪.‬‬‫ إلغاء القوانين اللدستورية وخاصة قانون الصحافة‪.‬‬ ‫سادسا ً ‪ :‬اعتبار الحركات العدوانية للمبرياليين وحلفائهم‬ ‫هي مصدر التوتر فــي العــالم وهــي تهــدد النســانية‬ ‫بأخطار حرب عالمية جديدة‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ثانيا ً ‪ :‬إن القضية الفلسطينية تحتل « مركزا في‬ ‫اهتمامنا‪ ،‬وهي قطب الرحى في نضالنا العربي» ‪.‬‬ ‫وقد لخص حفناوي عمايرية التجاهات الساسية البرنامجية‬ ‫للحزب والتي تؤلف أســاس البرنامــج السياســي للحــزب‪ ،‬وهــو‬ ‫قيد النجاز بالقول ‪ « :‬إن المرحلة الراهنة ‪-‬حسب يقيننا‪ -‬تتسم‬ ‫بوجــود انفتــاح سياســي مــازال محتشــما ً ولكــن نأمــل فــي أن‬ ‫يترسخ وأن يتم العتراف فعليـا ً بكافــة الحريــات الديمقراطيــة‪.‬‬ ‫خامسا ً ‪ :‬الوقوف ضد سياسة الحلف واتباع سياسة «‬ ‫تنهض علــى مبــادئ الســتقلل والحيــاد التــام تجــاه‬ ‫الحلف والنضـــال ضـــد كـــل أشـــكال التـــدخل‬ ‫والسيطرة والعمل من أجل السلم وحق المم فــي‬ ‫تقرير مصيرها‪.‬‬ ‫ونحــن نبــارك الخطــوات المنجــزة ضــمن حــدودها ولســيما‬ ‫العتراف ببعض الحركات السياسية ‪-‬نحــن‪ -‬مــع تعــدد الحــزاب‬ ‫لكافة الطبقات والفئات والقوى علــى مختلــف مشــاربها‪ .‬‬ .

‫كالتبعية التكنولوجية والتبعية في التغذية والتسليح وغيرها‪ .‬كمــا‬
‫نتبنـــى المطــالب الجتماعيـــة للجمـــاهير العماليـــة والفلحيـــة‬
‫والشباب والنســاء والكســبة والفئات الوســطى عمومـًا‪-..‬ومــن‬
‫أجــل ‪-‬إصــلحات اجتماعيــة جذريــة فــي مســتوى توزيــع الــثروة‬
‫وتعميم الخدمات الجتماعية الساسية من شغل وتعليم وصــحة‬
‫ونقل وغيرها‪ .‬بكلمــة إننــا نهــدف مرحليـا ً إلــى تــوفير الشــروط‬
‫وذلـك هـو‬
‫السياسية لحداث التحول الديمقراطي في مجتمعنـا‬
‫السبيل المثل للسير نحو الشتراكية التي هي هدفنا )‪. (98‬‬
‫وجاء فــي ميثــاق التجمــع الشــتراكي التقــدمي وهــو البــاب‬
‫المتعلق بـ « رد الختيار الديمقراطي » ما يلي ‪:‬‬
‫تتخذ سلطة الدولة في جميع التجاهات مضــمونا ً اجتماعيــا ً‬
‫محددا ً ول تقف على الحياد في الصراعات الجتماعية ‪.‬‬
‫وكما أن سلطة الدولة في المجتمــع الرأســمالي تعــبر عــن‬
‫مصالح الطبقات الرأسمالية السائدة‪ ،‬فــإن ســلطة الدولــة فــي‬
‫المجتمــع الشــتراكي تعــبر عــن مصــالح العمــال والشــغالين‬
‫المحررين من رقبة الستغلل وهي أداة حكمهم ‪.‬‬
‫وعلـــى أن المضـــمون الطبقـــي للدولـــة فـــي المجتمـــع‬
‫الشتراكي ل يضــفي مــن تلقــاء نفســه الشــرعية علــى النظــام‬
‫السياسي للشتراكية و ل يبرر أي شكل من أشكال الحكــم بــل‬
‫إن السلطة الشتراكية ل تتحقق ول تكتسب شــرعيتها إل بقــدر‬
‫ما تتقيد بمبــدأ الســيادة الشــعبية وتكــون التعــبير الصــادق عــن‬
‫الدارة الحرة للشعب‪ .‬وليس التقيد بالســيادة الشــعبية اختيــارا ً‬
‫ممكنا ً للشتراكية بل هو حتمية اجتماعية‪ .‬فالشــتراكية ليمكــن‬
‫أن تولــد وتتطــور فــي تعــارض مــع إدارة الشــعب ‪.‬والســيادة‬
‫الشعبية تفرض لقيامها ضمان الحريات للفراد والمســاواة بيــن‬
‫المــواطنين فل يمكــن للمجتمــع أن يكــون حــرا ول للشــعب أن‬
‫يكون سيدا إذا جرد أفراده من حرية المعتقد والتفكير والتعــبير‬
‫والصحافة والنشر والتنقل والجتماع والتنظيم‪ ،‬وإذا لــم تضــمن‬
‫لهم السلمة والمراسلت وسائر الحريــات الساســية والــواردة‬
‫في العلن العالمي لحقوق النسان‪.‬‬
‫والسيادة الشعبية ل يمكن أن تتحقق إل من خلل القــتراع‬
‫العــام المتســاوي والمباشــر‪ ،‬والــذي يشــكل أســاس الشــرعية‬
‫مصــدر التشــريع‪ .‬وتتبلــور هــذه الدارة مــن خلل نظــام نيــابي‬
‫منبثق عن الشعب وخاضع لمراقبته‪.‬‬
‫لذلك يعتبر التجمع الشتراكي التقــدمي أن النظــام النيــابي‬
‫الديمقراطي التعددي القائم علــى مبــدأ الســيادة الشــعبية‪ ،‬هــو‬
‫النظام السياسي الملئم لبناء الشــتراكية‪ ،‬والــذي بــدونه تتعــثر‬
‫مسيرة الشتراكية‪.‬‬
‫وإذا كانت المساواة في النظام النيابي للرأسمالية مساواة‬
‫شكلية قانونية تحجب تحكم أصحاب رؤوس الموال في الحيــاة‬
‫السياسية‪ ،‬وتخفــي واقــع عــدم المسـاواة بيــن المــواطنين فــي‬
‫الفرص والحقوق‪ ،‬وتســمح باحتكــار الســلطة مــن طــرف نخبــة‬
‫سياسية بعيدة عن القاعدة الشعبية ومشاغلها اليومية‪ ،‬والتي ل‬
‫تطالهــا مراقبــة‪ ،‬فــان النظــام النيــابي للشــتراكية حيــن يــوفر‬
‫المساواة الفعلية بين أفراد الشــعب ‪ -‬يعمــل علــى تجــاوز هــذه‬
‫النقائص في اتجاه تمكيــن الطبقــات الجتماعيــة مــن ممارســة‬
‫السلطة وإخضاع ممثلي الشعب إلى التشريع الشعبي بما فيــه‬
‫المبادرة وحق الرفض وسحب الثقة حسب شــروط وإجــراءات‬
‫يحددها القانون‪.‬‬
‫‪98‬‬

‫)( ‪ -‬ة ة ةةةةة ة ةةةة ةةة ةةةةةة ة ة ة ةةة ة‬
‫ةةةةةة ةةةةةةةة ‪ ) 24/12/1983‬ة ‪. ( 83‬‬

‫حزب التجمع الشتراكي التقدمي‬

‫ولتقريب السلطة من المــواطنين يقــر التجمــع الشــتراكي‬
‫التقــدمي بمبـدأ لمركزيـة السـلطة وبوجـوب إنتخـاب مجـالس‬
‫جهوية ذات صلحيات واسعة في إطار وحدة مؤسسات الدولــة‬
‫الوطنية ‪.‬‬
‫ولتمكــن الشــغالين وســائر المنتجيــن مــن فرصــة التــدخل‬
‫الناجع في الحياة السياســية يقــر التجمــع الشــتراكي التقــدمي‬
‫مبدأ التنظيــم المجالســي للشــغالين والمنتجيــن علــى مســتوى‬
‫الوطني بدءا ً بالحياء‪.‬‬
‫ويمثل هذا التنظيم الشكل الرقى لتوحيد الشغالين وتجاوز‬
‫انقســاماتهم الحزبيــة والنقابيــة‪ .‬فهــو تنظيــم كفــاحي يمكــن‬
‫الطبقــات الكادحــة مــن التــدخل النــاجع فــي السياســة العامــة‬
‫للبلد ‪.‬ولما كان هذا التنظيم قائم ـا ً علــى أســاس مهنــي فهــو ل‬
‫يمكن أن يشكل مؤسسـة مـن مؤسســات الدولــة وإنمــا يلعــب‬
‫دورا ً استشــاريا ً و جوبيــًا‪ ،‬ويشــكل مصــدرا ً للتصــور والمبــادرة‬
‫السياسية‪.‬‬
‫وتتنــافى الشــرعية فــي النظــام الشــتراكي مــع « حريــة‬
‫استغلل النســان للنســان» وكــل أشــكال الضــطهاد والتمييــز‬
‫على أساس جنسي وقومي وعرقي أو ديني ‪.‬‬
‫وعلــى هــذا الســاس يقــاوم التجمــع الشــتراكي التقــدمي‬
‫النظرة الدونية للمرأة ومعاملتها ككــائن قاصــر‪ ،‬ويعمــل لقــرار‬
‫المساواة بين الجنســين فــي التربيــة والتعلــم والعمــل والحيــاة‬
‫السياسية‪.‬‬
‫ويناضل التجمع الشتراكي التقدمي من أجل احترام حقوق‬
‫القليات الدينية والقومية في الوطن العربي على أســاس مبــدأ‬
‫المساواة في المواطنة‪ .‬كما يعمل التجمع الشتراكي التقــدمي‬
‫على نشر وإقــرار التســامح فــي الميــدان الفكــري والعقــائدي‪،‬‬
‫الداعية إلى تأسيس الدولة علــى‬
‫ويناهض المشاريع الستبدادية‬
‫مطاردة حرية الفكر والمعتقد )‪. (99‬‬
‫لقد أحدث حزب التجمع الشتراكي التقدمي إنقلبا ً حقيقيــا ً‬
‫في إيديولوجية منظمات اليســار‪ ،‬حيــن تــولى قيــادته المحــامي‬
‫احمــد نجيــب الشــابي‪ ،‬وأنتهــج خــط الشــتراكية الديمقراطيــة‬
‫الرافض لشعارات الحرب الباردة‪ ،‬والرافــض أيض ـا ً للرأســمالية‬
‫بوصفها خيارا ً اقتصاديا ً يعمق الفوارق الطبقية في المجتمعات‪،‬‬
‫ويضع القيم القتصادية والــثراء وجمــع الــثروات والدخــار فــوق‬
‫القيم الخرى‪ .‬وقد جعـل حـزب التجمـع مـن الحريـات الفرديـة‬
‫التي تنادي بها الليبرالية البرجوازية ناجعة للجميع‪ ،‬حتى للطبقة‬
‫الكادحة من الشعب‪ ،‬على عكس الحزاب الشيوعية التي أولت‬
‫في كثير مــن الحيــان الحقــوق الجتماعيــة اهتمامـا ً أكــبر علــى‬
‫حساب الحقوق الفردية ‪.‬‬

‫‪ - 2‬حزب التجمع و « ثورة الخبز »‬
‫حين اندلعت « ثـورة الخـبز » كمـا أجمعـت علـى تسـميتها‬
‫معظم الوساط العلميــة الرســمية العربيــة والعالميــة‪ ،‬أصــدر‬
‫حزب التجمع الشتراكي التقدمي بيانا ً بأســم مكتبــه السياســي‬
‫أكــد فيــه ‪ « :‬أن الســلطة السياســية تتحمــل وحــدها مســؤولية‬
‫الزمة القتصادية‪ ،‬التي آل إليها النهج الرأســمالي التبعــي‪ ،‬بمــا‬
‫يؤدي إليه من إعطاء الولوية للتصدير علــى حســاب الحاجيــات‬
‫‪99‬‬

‫)( ‪ -‬ةةةةة ةةةةةةةةة – ةةةة ةةةة ةةةةةة ة‬
‫ةةة ةةةة ةةةةةة ة ةةة ةة ) ‪ – (203‬ةةة ةة ‪/‬‬
‫ةةةةةة ‪.1988‬‬

‫الساسية‪ ،‬والضغط على الجــور والتضــحية بالقطــاع الفلحــي‪،‬‬
‫وتفاقم الدين الخارجي‪ ،‬وأنه ل يمكن بأية حال من الحوال‪ ،‬أن‬
‫تحل هذه الزمة على حساب الجماهير الكادحة وقوتها اليــومي‬
‫»‪.‬‬
‫وبعــد أن أبــدى الحــزب أســفه لمــا حصــل مــن أضــرار‬
‫بالممتلكات العامة والخاصة‪ ،‬وأعتبر أن مردها حرمــان الشــعب‬
‫مــن التعــبير المنظــم‪ ،‬ومــن المؤسســات الديمقراطيــة‪ ،‬الــتي‬
‫يمارس من خللها حقه في أخــذ القــرار‪ .‬ودان الحــزب اللجــوء‬
‫إلـى السلح لمواجهة الغضب الشعبي‪ ،‬ممــا أدى إلـــى ســقوط‬
‫عــدد مــن الضــحايا مــن قتلــى وجرحــى فــي عــدة مــدن مــن‬
‫دفاعا ً عن حقهم في الخبز والحياة الكريمة‪ ،‬وطالب‬
‫الجمهورية‬
‫الحكومة بـ )‪: (100‬‬
‫‪ ‬العــدول عــن إجــراءات الزيــادة فــي أســعار الحبــوب‬
‫ومشتقاتها‪.‬‬
‫‪ ‬رفــع حالــة الطــوارئ‪ ،‬والكــف عــن القمــع والمتابعــات‪،‬‬
‫وإطلق سراح المعتقلين ‪.‬‬
‫‪ ‬فتح حوار وطني شامل‪ ،‬تشارك فيه القوى الجتماعيــة و‬
‫السياسية كافة لجل تسطير مستقبل البلد القتصــادي‪،‬‬
‫ومعالجــة مسـألة صــندوق التعــويض فــي إطــار سياســة‬
‫استقلل وطني وتقدمي اجتماعي ‪.‬‬

‫دور مجلة الموقف ‪:‬‬
‫على الرغم من أن جل صحف المعارضة التونسية صــدرت‬
‫في أواخر السبعينات ومطلع الثمانينات‪ ،‬وأسهمت إلـــى جــانب‬
‫عدد من الصحف المستقلة‪ ،‬وخاصــة صــحيفة « الــرأي » الــتي‬
‫كــان يــرأس تحريرهــا حــبيب بــن عمــار‪ ،‬فــي تطــوير الســاحة‬
‫العلمية‪ ،‬وشق الطريق لما يعرف بصحافة الرأي‪ ،‬فــإن مجلــة‬
‫حزب التجمع الشتراكي التقدمي لم تباشــر صــدورها أســبوعيا ً‬
‫إل بدءا ً من الثاني عشر من أيار عــام ‪ ،1984‬إذ أصــبحت هــذه‬
‫المجلة الناطقة الرسمية باسم الحزب‪ ،‬ومنبره العلمي لنشــر‬
‫أخباره ومواقفه‪ ،‬وتغطية نشاطاته‪ .‬وفــي افتتاحيــة العــدد الول‬
‫من مجلة «الموقف » كتب أحمد نجيب الشابي رئيس تحريرها‬
‫يقول ‪ « :‬لقد اختارت أسرة الموقف وجموع المناضــلين الــذين‬
‫حملوا على كاهلهم هذا المشروع أن تكون المجلة مستقلة عن‬
‫كل تنظيم حزبي‪ .‬واختيارهم هذا‪ ،‬ل يصدر عن موقــف سياســي‬
‫من مسألة التحزب والتنظيم‪ ،‬وإنما يعبر عــن إيمــانهم بضــرورة‬
‫وجود منــبر للحــوار الحــر‪ ،‬تتلقــح فيــه الفكــار والراء كافــة »‪.‬‬
‫وأضافت الفتتاحية قائلة « إن استقللية هذه المجلــة‪ ،‬ورغبتهــا‬
‫فــي أن تكــون محطــة للحــوار‪ ،‬ل يعنــي أنــه ليــس لهــا اتجــاه‬
‫سياسي‪ ،‬فهي ملتزمـة بقضـايا التقــدم الكــبرى تونسـيا ً ودوليـًا‪،‬‬
‫وتنتمــي أســرة تحريرهــا إلـــى حركــة اليســار التونســي‪ ،‬وهــي‬
‫تسعى إلـى إيصال صــوتها إلـــى القــارئ عــبر الحــوار مــع بقيــة‬
‫الفكريــة و السياســية‪ ،‬ل عــن طريــق خنــق الصــوت‬
‫العــائلت‬
‫المخالف»)‪. (101‬‬
‫وانســجاما ً مــع الــدور الــذي أراد أن يلعبــه حــزب التجمــع‬
‫الشتراكي التقدمي‪ ،‬على صعيد الســاحة السياســية التونســية‪،‬‬
‫تحولت مجلة الموقف إلـى منبر ديمقراطي‪ ،‬حين تطرقت إلـى‬
‫‪100‬‬
‫‪101‬‬

‫)( ‪ -‬ةة ةةةةةة – ةةةة ةةةةة ‪.‬‬
‫)( ‪ -‬ة ةةة ة ةةة – ةةةة ةةة ةةةةةة ةة‬
‫ةةةةةةةة ةة ةةةة – ةةةة ةةة ةةة ةةةة ة –‬
‫ةةةةةة ةةةةةة ‪ ) 1986‬ة ‪.( 194‬‬

‫حزب التجمع الشتراكي التقدمي‬

‫نشر موضوعات سياســية وفكريــة‪ ،‬تعــبر عــن مختلــف وجهــات‬
‫نظــر المعارضــة التونســية مــن القــوى المنشــقة عــن الحــزب‬
‫الشتراكي الدستوري الحــاكم‪ ،‬إلـــى القــوى القوميــة والدينيــة‪،‬‬
‫والحــزب الشــيوعي التونســي‪ .‬فقــد خصصــت المجلــة ملفــات‬
‫متعددة للمعتقلين السياسيين وأحزابهم من مختلــف المــدارس‬
‫والتجاهــات الفكريــة والعقائديــة‪ ،‬بــدءا ً مــن أعضــاء « التنظيــم‬
‫السري »‪ ،‬ومرورا ً بحزب التحرير الســلمي‪ ،‬وانتهــاء بمعتقلــي‬
‫أحــداث قفصــة‪ .‬ورصــدت الجــوانب السياســية والجتماعيــة‬
‫والمعاشية المحيطة بــالمعتقلين وأســرهم كمــا خصصــت نــدوة‬
‫موسعة لمناقشة « الوضع السياســي وآفـاق التجــاوز » شـارك‬
‫فيها ممثلون عن مختلف التجاهات السياسية في البلد‪ ،‬ونــدوة‬
‫أخرى بعنوان « قانون الحزاب كيف ؟ ومتى ؟ »‪ ،‬كمــا فتحــت‬
‫صفحاتها لمناقشــة أفكــار القــوى السياســية المعارضــة وآرائهــا‬
‫وتطوراتها الداخلية‪ ،‬وعلقاتهــا مــع الســلطة والمعارضــة‪ ،‬إلـــى‬
‫جــانب اســتخدام المجلــة منــبرا ً لعــرض وجهــات نظــر أعضــاء‬
‫وأعضاء قياديين في حزب التجمع حول القضايا الهامة سواء ما‬
‫ـا( بالحركــة اليســارية وأزمتهــا‪ ،‬أو مــا يتعلــق بالحركــة‬
‫يتعلق منهـ‬
‫النقابية )‪. 102‬‬

‫‪ - 3‬حزب التجمع في مواجهة أزمات نهاية العهد‬
‫البورقيبي ‪:‬‬
‫لقد حافظت حكومة محمد مزالي علــى الخيــار القتصــادي‬
‫والجتماعي للنظام البورقيبي عينه‪ ،‬واستمرت فــي تلقيــم كــل‬
‫طبقــات الشــعب وأحــزاب المعارضــة منــذ مجيئهــا عـام ‪1980‬‬
‫بسياســة « التفتــح و الديمقراطيــة »‪ ،‬وبــالوعود بالصــلح فــي‬
‫المجال القتصادي و الجتماعي‪ ،‬وأصــدرت بدايــة العــام ‪1983‬‬
‫مناشير تمنع الجتماعات النقابيــة فــي المصــانع والمؤسســات‪،‬‬
‫لكي ترضي أرباب العمل‪ ،‬وعمدت إلـى طرد العمال المضربين‬
‫من عملهم‪ ،‬وكذلك الكوادر النقابية النشيطة‪.‬‬
‫في معــرض تقييمــه لحكومــة مزالــي‪ ،‬يؤكــد حــزب التجمــع‬
‫الشتراكي التقدمي « نحن ل ننكــر المكتســبات‪ ،‬لكننــا نطــالب‬
‫بالتوســع لتوظيــف طاقــات البلد كلهــا‪ ،‬وإشــراك النــاس كلهــم‬
‫لرسم مصــيرهم ومســتقبلهم ومنهــم بالخصــوص القــوى الحيــة‬
‫والفاعلة فــي الســاحة سياســيا ً ونقابيـا ً وثقافيـا ً »‪ ،‬المــر الــذي‬
‫عند قدومها‪،‬‬
‫يدعم الثقة بالشعارات التي رفعتها حكومة مزالي‬
‫ويعزز المسار الديمقراطي والتعددية السياسية » )‪. (103‬‬
‫وعندما بلغت الخلفات بين التحاد العام التونســي للشــغل‬
‫وحكومة مزالي أقصى درجــات العمــق‪ ،‬وبيــن الحــبيب عاشــور‬
‫ومحمد مزالي‪ ،‬خصوصا ً إذ كانت هناك خلفــات مبدئيــة عميقــة‬
‫وجذرية حول سياسة الجور والنشقاقات في الحركة النقابيــة‪،‬‬
‫باعتبارها خطرا ً فعليا ً يهدد الطبقة العاملــة برمتهــا‪ ،‬حــدد حــزب‬
‫التجمــع الشــتراكي التقــدمي مــوقفه مــن موضــوع التعدديــة‬
‫النقابية‪ ،‬عندما أكد أحد قادة الحــزب الساســيين ‪ « :‬نحــن مــع‬
‫اســتقللية التحــاد العــام التونســي للشــغل ومــع ديمقراطيــة‬
‫)‪(104‬‬
‫هياكله‪ ،‬دون أن نتــدخل فــي شــؤون النقــابيين الداخليــة »‬
‫وذلك انطلقا ً من أن «منظمة الشغيلة» احتلت ول تزال موقعا ً‬
‫محوريا ً من بين عوامل النهضة الجتماعية والسياسية في تاريخ‬
‫‪102‬‬
‫‪103‬‬
‫‪104‬‬

‫)( ‪ -‬ةةةةةة ةةةةةة ) ة ‪. ( 196 – 195‬‬
‫)( ‪ -‬ةةةة ة ةةةةةةة ة ةةةة ة ‪ 2/7/1984‬ةةةةة ة‬
‫ةة ةةةةةة ةةةةة ةةةةة ‪.‬‬
‫)( ‪ -‬ةةة ة ةةةة ةة ةةة ةة ) ‪ (83‬ةةة ة ة ةةة ) ة‬
‫‪. ( 62‬‬

‫بلدنا الحديث » )‪. (105‬‬
‫أما فيما يتعلق بموقف حزب التجمــع الشــتراكي التقــدمي‬
‫من المعارضة التونسية‪ ،‬فإنه يراها ‪« :‬متعددة من غير تنســيق‪،‬‬
‫وأولى الخطوات لنجاحهــا وفعاليتهــا هــو وجــوب توليهــا المهــام‬
‫بنفســها‪ ،‬والمبــادرة بــدفع المــور إلـــى المــام والمعارضــة‬
‫المنقسمة‪ ،‬ل يمكن أن تقوم بهذا الدور»‪ .‬ويتــابع الميــن العــام‬
‫للحزب قائل ً ‪ « :‬ونحن كتجمع اشتراكي سعينا إلـى ذلك‪ ،‬ولعلنا‬
‫توصــلنا إلـــى تحقيــق بعــض النجــاح‪ ،‬لمــا اتفقــت ســتة أحــزاب‬
‫سياسية من بينها التجمع على إصدار بيان مشترك يندد بأحكــام‬
‫العدام‪ ،‬ويطالب بإلغائها وهـذا يقـع لول مـرة بتاريــخ التعدديـة‬
‫السياسية في تونس‪ ،‬وهذا عمل أولي ما زال علــى درجــة مــن‬
‫الضعف والهشاشة لدرجـة ل تعتـبره عـامل ً ويـوحي بالنعطـاف‬
‫في مجال العمل السياسي المشترك‪ ،‬سيما وانه مــازال يعــاني‬
‫التردد من طرف المعارضة نفسها لعــدم تجانســها‪ ،‬ولنهــا مــن‬
‫تحت تـأثير سياسـة فــرق تســد‪ ،‬الــتي‬
‫الممكن‪ ،‬أن تكون واقعة‬
‫تنهجها السلطة بدهاء » )‪. (106‬‬
‫أمــا موضــوع التحالفــات بيــن حــزب التجمــع وأطــراف‬
‫المعارضــة‪ ،‬فــإن الحــزب يــرى إمكانيــة قيــام علقــات مختلفــة‬
‫المســتويات مــع أطــراف المعارضــة‪ ،‬ويؤكــد حفنــاوي عمايريــة‬
‫عضو المكتب السياسي‪« :‬نحــن ننــوي إقامــة علقــات مــع كــل‬
‫القوى السياسـية المعارضـة علـى أسـاس المطالبـة بالحريـات‬
‫العامــة والعفــو التشــريعي‪ ،‬وتمكيــن الصــوات الحــرة أفــرادا ً‬
‫وجماعات من حقها في التعــبير‪ .‬وفــي التفصــيل نقيــم علقــات‬
‫ثنائية أو أكثر من ثنائية حسب مقتضيات العمل السياسي فعــدا‬
‫عن التحالفات الظرفية والموسمية‪ ،‬نســعى إلـــى تطــوير صــيغ‬
‫العمل المشترك وإرساء تقاليد ديمقراطية في التحالفات بدون‬
‫وصــاية أطــراف أو محــاولت احتــواء‪ .‬طبعــا ً نقيــم تحالفــات‬
‫التقدمية‪ ،‬التي تشاطرنا البرنامج المحلي‬
‫إستراتيجية مع القوى‬
‫في خطوطه الرئيسية » )‪. (107‬‬
‫وعنــدما شــهد الحكــم التونســي تحــول ً نوعي ـا ً علــى صــعيد‬
‫تعاطيه مع المعارضة اليســارية‪ ،‬ومــع التيــارات الســلمية‪ ،‬فــي‬
‫أوائل الثمانينات ســعى رئيــس الــوزراء الســابق محمــد مزالــي‬
‫الذي قاد تيار الليبرالية والنفتاح داخــل الحكــم وداخــل الحــزب‬
‫الشتراكي الدستوري‪ ،‬إلـى التخفيف مــن حــدة المواجهــة بيــن‬
‫الحكم والمعارضة‪ ،‬بهدف تحسين الوضع الداخلي والخلص من‬
‫المضــاعفات الســلبية الــتي خلقتهــا الصــدامات المتكــررة فــي‬
‫فــترات ســابقة‪ .‬وكــانت العلقــة بيــن مزالــي وحركــة التجــاه‬
‫السلمي من أبرز المثلة على التجاه الليبرالي لرئيس الوزراء‬
‫السابق‪ .‬كيف يحدد حزب التجمــع الشــتراكي التقــدمي مــوقفه‬
‫من حركة التجاه السلمي ؟ فإن الحزب يرى أنها ل تمثل كتلة‬
‫متماسكة‪ ،‬بـل تعبرهـا التناقضـات‪ ،‬الـتي تعـبر كامـل المجتمـع‪.‬‬
‫الــديمقراطي‪ ،‬ومنهــا التقــدمي‪ ،‬ومنهــا أيضــا ً الظلمــي‬
‫فمنهــا‬
‫والســتبدادي )‪ .(108‬ومــع رؤيــة هــذه التناقضــات داخــل حركــة‬
‫التجاه السلمي‪ ،‬فإن الحزب يؤيد حصــول هــذه الحركــة علــى‬
‫‪105‬‬

‫‪106‬‬
‫‪107‬‬

‫)( ‪ -‬ةةةة ةةةةة ة ةةةةةة ةة ةةةة ة ‪– 26/5/1984‬‬
‫ةةةةةةةةة ة – ةةة ة ةةة ة ةةة ةةة‪ .‬ةةة ة‬
‫ةةة ة ةةة ة ةةةةة ة ةةةةةة ةة ةةةة ة‬
‫‪ 16/6/1984‬ة ةةة ةةةة ةةة – ةةة ة ةةةة ةة‬
‫ةةةةةة ة ةةةةةةة ة ةةةةةة ة ةةةة ةةةةة‬
‫) ة ‪. ( 42‬‬
‫)( ‪ -‬ةةةةة ةةةةةةةة – ةةةة ةةةة ‪.‬‬
‫)( ‪ -‬ةةةة ةةةةةة ةةة ةة ) ‪ (83‬ةةةة ة ‪– 24/12/1983‬‬
‫ةةةة ةةةة ‪.‬‬

( 14‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةة ةةةةةة ةةةةة ) ‪ – ( 83‬ةةةة ةةةة ‪.‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةة ة ةةةةةةة ة ةةةة ة ‪ – 2/7/1984‬ةةة ة‬ ‫ةةةة ‪.‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةة ة ةةةةة ة ةةةةةة ةة ةةة ةة ) ‪(13‬‬ ‫ةةةةة ‪ – 4/8/1984‬ةةةةةةةةةة ‪.‬وفــي ظــل ســيادة الحريــات علــى مختلــف أنواعهــا‪،‬‬ ‫وصــول ً إلـــى التبشــير بتحــول تــونس واحــة للديمقراطيــة فــي‬ ‫الــوطن العربــي‪ ،‬علــى يــد رجــل خــرج مــن صــلب المؤسســة‬ ‫العسكرية والبوليسية ‪.(109‬وما يعزز‬ ‫هذا الموقف من جانب الحزب قيامه بدعوة السلطة للعــتراف‬ ‫ـي فــي أعقــاب الفــراج عــن ســجناء حركــة‬ ‫بحق النشــاط العلنـ‬ ‫التجاه السلمي)‪.‬‬ . (111‬‬ ‫‪ .‬‬ ‫وتسـتند هـذه التعليقـات إلــى مجمـل الجـراءات المتخـذة‬ ‫على امتداد السنة الولى من حكم بن علي‪ ،‬والذي تميــز بقــدر‬ ‫ملموس مــن « النفتــاح » قياسـا ً إلـــى عهــد بورقيبــة‪ ،‬فيجــري‬ ‫تصوير عودة عـدد مـن القـادة المنفييـن مثـل أحمـد بـن صـالح‬ ‫وغيره‪ ،‬والفراج عن عــدد مــن المعتقليــن السياســيين وصــدور‬ ‫قانون جديد للحزاب‪ ،‬كدليل قاطع علــى دخــول تــونس مرحلـة‬ ‫الديمقراطيـــة المنشـــودة‪ . (110‬‬ ‫ومـع احتـدام حـرب الخلفـة خلل النصـف الول مـن عقـد‬ ‫الثمانينات‪ ،‬حيث كــانت الطــراف المتعاركــة والمتنافســة تربــح‬ ‫اليوم معركة‪ ،‬وتخسر غدا ً معركة‪ ،‬حدد حزب التجمع الشتراكي‬ ‫التقدمي موقفه من الخلفة بقوله إنه ليس طرفا ً فيهــا‪ ،‬وإنــه ل‬ ‫دور له في هذه القضية باعتبارها قضية شخصية لرموز النظــام‬ ‫وشخصياته الرئيسية‪ ،‬ويقول المين العام للحـزب أحمــد نجيــب‬ ‫الشابي «نحــن كتجمــع اشــتراكي‪ ،‬وكــذلك المعارضــة الخــرى‪،‬‬ ‫يجب أن نعرف كيف نتلفى الســقوط فــي لعبــة الخلفــة‪ ،‬لنهــا‬ ‫توظفنــا وتجرنــا إلـــى حســابات بعيــدة المــدى‪ ،‬ونحــن عملنــا‬ ‫بالساس‪ ،‬يرتكز على القناعات والمبادئ السامية‪ ،‬ويتوجه إلـى‬ ‫ـعب‪ ،‬ول‬ ‫القضــايا الكــبرى والرئيســية‪ ،‬الــتي تهــم الــوطن والشـ‬ ‫ندخل في المناورات‪ ،‬وهمسات الكواليس المريبة » )‪.‬ويجـــري إغفـــال مواقـــف أحـــزاب‬ ‫المعارضة الديمقراطية من مجمل هذه الجراءات‪ ،‬كمــا يجــري‬ ‫إغفال تعقيدات اللحظة السياسية التونسية الراهنة‪ ،‬في ســبيل‬ ‫تــدعيم هــذا الحكــم القــاطع حــتى يبــدو كــأن مجمــل الزمــات‬ ‫والمشكلت التي عانت منها البلد طيلة السنوات الماضية‪ ،‬قــد‬ ‫وجــدت حلولهــا المطلوبــة‪ ،‬أو أنهــا فــي طريقهــا إلـــى الحــل‬ ‫والمطلوب بعض الصبر والتعاون مع « العهد الجديد » لتخطــي‬ ‫‪108‬‬ ‫‪109‬‬ ‫‪110‬‬ ‫‪111‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةة ة ةةةةة ة ةةةةةة ةة ةةة ةة ) ‪(17‬‬ ‫ةةةةة ‪ 1/9/1984‬ةةةة ةةة ة ةةة ةةة – ةةةة ةة‬ ‫ةةةةةةةة – ) ة ‪.4‬حزب التجمع في ظــل ســلطة الســابع مــن‬ ‫نوفمبر‬ ‫تم العتراف الرسمي بحزب التجمــع الشــتراكي التقــدمي‬ ‫في عام ‪ ،1988‬في سياق إجراءات النفتاح في عهــد الرئيــس‬ ‫بن علي‪ ،‬الذي اتخذ عــدة إجــراءات تبــدو للوهلــة الولــى ومــن‬ ‫خلل المراهنــات عليهــا كــأن ســلطة الحــزب الواحــد أضــحت‬ ‫لمصلحة « ديمقراطية تعددية » ترتكز علـى الصراع السياســي‬ ‫الــديمقراطي بيــن الحــزاب المختلفــة وفــق قــوانين محــددة‬ ‫ومعروفة‪ .‫حزب التجمع الشتراكي التقدمي‬ ‫حقها في الوجود في الساحة السياسية التونسية‪ ،‬انســجاما ً مــع‬ ‫والقــوى علــى‬ ‫« تعــدد الحــزاب » لكافــة الطبقــات والفئات‬ ‫مختلف مشاربها الفكرية‪ ،‬وبرامجها السياسية » )‪ .

‬‬ ‫أما السبب الثالث فيعود برأيه إلـى تنظيم العلم العمومي‬ ‫الــذي تحــول بيــد وكالــة العلم الخارجيــة إلـــى وســيلة ضــغط‬ ‫خطابهــا وتهميــش‬ ‫لتــوجيه الصــحافة والحفــاظ علــى انســجام‬ ‫الصوت المخالف إن لم نقل قتله وإخماده )‪.‬ويضيف الشابي في مقالة كتبها في العدد الخير مــن‬ ‫مجلة « الموقف » تحت عنوان حريــة العلم أول ً ‪ :‬إن الســبب‬ ‫الثاني ذو طابع سياسي‪ ،‬ويتمثل في الدور السلبي الــذي لعبتــه‬ ‫وزارة العلم في تـوجيه وتـأطير الصـحف‪ .‬‬ ‫ويعتبر المين العام لحزب التجمع الشــتراكي التقــدمي أن‬ ‫ثلثة عناصر أساسية تقف وراء أزمــة الصــحافة والعلم‪ ،‬أولهــا‬ ‫القانون الذي يربــط إصــدار الصــحف الجديــدة بالحصــول علــى‬ ‫إشعار من الدارة يقوم في الواقع المعيشــي مقــام الــترخيص‪،‬‬ ‫وهو قانون حول حق طبيعي يكفله الدستور إلـى مجرد رخصــة‬ ‫تصــدر عــن الدارة‪ .‬‬ ‫ويعتــبر الميــن العــام لحــزب التجمــع الشــتراكي التقــدمي‬ ‫أحمــد نجيــب الشــابي بــأن المعارضــة التونســية لــم تنجــح فــي‬ ‫المحافظة على وجودها‪ ،‬واستغلت سلطة الســابع مــن نوفمــبر‬ ‫انقســاماتها مــن أجــل إضــعافها وتهميشــها‪ .‬كما برزت مخاوف حقيقية عنــد حــزب التجمــع‬ ‫من أن تؤدي هذه الجراءات إلـى إضفاء مســحة ليبراليــة علــى‬ ‫النظام دون المساس بجوهره ‪.1971‬وهو ل يعني أبدا ً انتقال تونس إلـى مرحلة‬ ‫الديمقراطية الحقيقية‪ ،‬بل إن هذا « النفراج » المحدود يشكل‬ ‫مدخل ً إجباريـا ً يتعيــن علــى النظـام ولــوجه للتمكــن مــن تثــبيت‬ ‫ركائزه ‪.‬‬ ‫لقد رحب حزب التجمع الشــتراكي التقــدمي بمجمــل هــذه‬ ‫الجراءات التي تنطوي على قــدر مــن اليجابيــات الــتي أتــاحت‬ ‫للمعارضة الديمقراطية حيزا ً من حرية الحركة‪ ،‬إل أنه أبدى في‬ ‫الوقت عينه تحفظات جادة على هذه الجراءات‪ ،‬وعلى جوانبها‬ ‫السلبية الكثيرة‪ .‬كمــا أن المعارضــة‬ ‫ارتكبت خطأ في التقدير حين تخلت عن وظيفتها النقديــة‪ ،‬ولــم‬ ‫يكن الوضع خاليا ً من العيوب في السنوات الولى من التغييــر ‪:‬‬ ‫فالتعديلت المتلحقة بشأن قانون النتخابات أو قانون الصحافة‬ ‫كان بإمكانها أن تكون موضوعا ً للنقاش‪ . (112‬‬ ‫‪112‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةةةة ةةةةةةة – ةةةةة ةةة ةة ةةةةة‬ ‫ةةةةةةة ة ة ة ةةة ة ة ة ةة ةةة ة ةةةة ةة‬ ‫ةةةةةةة – ةةةةة ةةةةةة – ةةةةة ‪. 20/3/1999‬‬ .‬‬ ‫استمر حزب التجمــع الشــتراكي التقــدمي فــي مســاندة «‬ ‫العهد الجديد » طيلة الفــترة الممتــدة مــن عــام ‪ 1987‬ولغايــة‬ ‫‪ 1992‬تاريخ انتهاء محاكمة قيادات وكوادر حركة النهضة‪ ،‬حيث‬ ‫اعتبر الحزب أن النفراج الذي قام به الرئيس بن علــي يــذكره‬ ‫إلـى حد بعيد بـ « ديمقراطية » السادات عقب انقلبـه الشــهير‬ ‫في أيار عام ‪ .‬كما أن أغلــب قيــادات‬ ‫المعارضة انساقت فــي طريقــة النتهازيــة المــر الــذي أفقــدها‬ ‫صدقية في أوساط الرأي العام‪ .‬وهـو أمـر متواصـل‬ ‫على الرغم من إلغاء الوزارة‪ ،‬وآية ذلك أن شيئا ً لــم يتغيــر مــن‬ ‫مضـــمون الصـــحافة والعلم‪ .‫هذه « العقبات » ‪.‬إن وحدانيـــة الخـــبر والنغلق ل‬ ‫يزالن يهيمنان على القطاع‪.‬وكانت النتيجة أن الحزب الذي‬ ‫حاول أن يقوم بدوره النقدي‪ ،‬يجد نفسه مهمشًا‪ ،‬بحجة أنه غير‬ ‫ممثل في البرلمــان‪ ،‬والحــال هــذه يتــم حرمــانه مــن اســتخدام‬ ‫أجهزة العلم الحكومية للمشــاركة فــي الحيــاة العامــة بشــكل‬ ‫طبيعي ‪.‬هــذا بالضــافة للطــابع الزجــري لقــانون‬ ‫الصحافة‪ .

‬‬ ‫وفضل ً عن ذلك يعتبر المين العام للحــزب أحمــد نجيــب‬ ‫الشابي أن استئثار الحــزب الحــاكم بنصــيب الســد مــن‬ ‫المقاعد النيابية‪ ،‬يعود في جانب أساس منه إلى طبيعــة‬ ‫النظام النتخابي السائد فـي تـونس‪ ،‬الـذي يعتمـد علـى‬ ‫نظــام القــوائم فــي دورة واحــدة‪ ،‬وهــو نظــام اعتمــدته‬ ‫الحزاب الشمولية لضمان احتكار الحــزب الحــاكم لكــل‬ ‫المقاعد النيابية في المجالس التمثيلية المختلفة ‪.‫حزب التجمع الشتراكي التقدمي‬ ‫‪ .‬وعلــى الرغــم أن الطريــق كــانت ســالكة‬ ‫أمام أحزاب المعارضة الشرعية الستة لتمل الفـراغ الـذي نشـأ‬ ‫بفعل القمع الذي تعرضت له الحركــة الســلمية‪ ،‬إل أن ضــعف‬ ‫القاعدة الشعبية لحزاب المعارضـة أعاقهـا عـن النتقــال إلــى‬ ‫مرحلة جديدة تصير فيها المحاور القوى للحكــم‪ .5‬حزب التجمع والموقــف مــن بعــض القضــايا‬ ‫السياسية ‪:‬‬ ‫مع بداية النعطاف الكبير في الصــراع بيــن نظــام الرئيــس‬ ‫بن علي وحركة النهضة في مطلع التسعينات‪ ،‬والذي قــاد إلـــى‬ ‫تصــفية الحركــة الســلمية فــي تــونس‪ ،‬ســعى حــزب التجمــع‬ ‫الشتراكي التقدمي مع أحزاب المعارضة الخرى إلـى بلــورة «‬ ‫بديل » معارض آخر يملــك الثقــل الشــعبي الــذي كــانت تملكــه‬ ‫حركة النهضة‪ ،‬وصدقيتها السياســية‪ ،‬مــا يتيــح لهــذا « البــديل »‬ ‫المحافظة علــى موقــع «الســلطة المضــادة » وبالتــالي فــرض‬ ‫دوره محاورا ً للحكــم‪ .‬فهو لم يتمكن أن يوســع دائرة نفــوذه‬ ‫وقواعده‪ ،‬ورغــم أنــه يرفــض أن يوصــف بــأنه جــزء مــن‬ ‫أحزاب السلطة‪ ،‬إل أن الظروف وطبيعة المرحلــة الــتي‬ ‫مرت بها تونس طيلة عقد التسعينات حتمت أن تكون «‬ ‫إستراتيجيته » جــزءا ً ل يتجــزأ مــن إســتراتيجية النظــام‪،‬‬ ‫خصوصا ً بعد أن طلقت أحزاب المعارضــة تاريخي ـا ً خيــار‬ ‫العمل الجبهوي فيما بينها ‪.‬‬ .‬‬ ‫أول ً ‪ -‬يعــاني حــزب التجمــع الشــتراكي التقــدمي مــن خلــل‬ ‫اســتراتيجي‪ ،‬إذ جــرت ثلث دورات إنتخابيــة فــي أعــوام‬ ‫‪ 1989‬و ‪ 1994‬و ‪ 1999‬إل أنهـا لـم تســمح لي عنصـر‬ ‫من أعضائه باحتلل مقعد واحد داخل البرلمــان‪ ،‬ونتيجــة‬ ‫لذلك يعي هذا الحزب المعارض الهــادئ‪ ،‬والــذي اختــاره‬ ‫النظام مع بقية أحزاب المعارضــة الخــرى‪ ،‬خــارج دائرة‬ ‫النتاج السياسي‪ .‬‬ ‫ول يدعي حزب التجمــع الشــتراكي التقــدمي أنــه يمثــل‬ ‫قطاعات واسعة من السكان‪ ،‬في ظل الهيمنة المطلقة‬ ‫لحــزب التجمــع الدســتوري الــديمقراطي الحــاكم علــى‬ ‫الحيــاة السياســية فــي تــونس‪ ،‬إذ يفســر أحمــد نجيــب‬ ‫الشــابي حصــوله علــى نســبة ‪ 99.77‬فــي المئة مــن‬ ‫أصوات الناخبين بسبب علقة الحــزب الحــاكم العضــوية‬ ‫بالدارة والدولة ‪ :‬ويعتـبر الشــابي أنــه بمجــرد أن يقطــع‬ ‫هــذا الحبــل الســري‪ ،‬ســوف يحصــل حــزب التجمــع‬ ‫الدستوري الديمقراطي على نســبة ‪ 17‬فــي المئة‪ ،‬كمــا‬ ‫هو الحال بالنســبة لحــزب جبهــة التحريــر الــوطني‪ .‬وإذا‬ ‫عاد هذا الحزب إلـى السلطة‪ ،‬فــإنه ســوف يعــود بــأكثر‬ ‫من ‪.‬وأدى تحــالف‬ ‫أحزاب المعارضة مع الحكم إلـى فقدان صدقيتها أمام الشــارع‬ ‫التونسي‪ ،‬وإلى تعميق عجزها وقصورها لجهة عــدم تشــكيلها «‬ ‫القطب الديمقراطي » ‪. % 20‬‬ ‫والحال هذه فــإن أدوات قيــاس نســبة التمثيــل الشــعبي‬ ‫للحزاب السياسية في تونس غير موجودة ‪.

.‬فنحن نطالب بمراجعة قانون الصحافة‪ ،‬حتى ل‬ ‫يخضع إصدار الصــحف للرقابــة‪ ،‬ونطــالب أيضـا ً باعتمــاد‬ ‫قانون إنتخابي يقرب الناخب من المرشح‪ ،‬ونحن نقــترح‬ ‫إقرار قانون النسبية في النتخابات‪ ،‬لن قــانون القائمــة‬ ‫يسهل سيطرة الحزب الواحد‪ .‬ونحــن نناضــل مــن أجــل‬ ‫إعادة التوازن بين السلطات الثلث‪ ،‬بما يعزز اســتقللية‬ ‫القضـــاء والبرلمـــان‪ .‬والحـال‬ ‫هذه فإن خطاب حزب التجمع الشتراكي التقــدمي فــي‬ ‫‪113‬‬ ‫)( ‪Interview avec Ahmed Nejib Chaabi – Jeune – Afrique No.‬ويبـــدو لنـــا أكـــثر أهميـــة مـــن‬ ‫الديمقراطيــة هــو حريــة التعــبير‪ .‬ومــرة أخــرى يكتفــي فــي المســتوى‬ ‫الرسمي بإصلحات جزئية ل تتطرق إلى أصل المشكل‪.‬ومع ذلك فــإن‬ ‫المين العــام للتجمــع أحمــد نجيــب الشــابي مقتنــع بــأن‬ ‫الرأسمالية هي نمط إنتــاج وليســت دين ـًا‪ ،‬وأن المبــادرة‬ ‫الخاصة تخلق الثروة‪ ،‬لكن السوق ل تلبي كل الحاجات‪،‬‬ ‫وأن تدخل الدولة يمكن أن يكون تحت شكل تنظيم من‬ ‫السوق ل تحت شــكل تدخليــة الدولــة القديمــة‪ .‫وعلى الرغم من أن الرئيس بن علي قد قام بتنقيح هــذا‬ ‫خمــس المقاعــد فــي‬ ‫القــانون النتخــابي لجهــة منــح ُ‬ ‫البرلمان )‪ 34‬مقعدًا( إلى أحــزاب المعارضــة الرســمية‪،‬‬ ‫إل أن هذا الترميم للنظام النتخابي لم يكن كافيا ً لقرار‬ ‫التعددية بدرجة تعكس نضــج الشــعب التونســي ووعيــه‪.‬وإذا كــانت الحريــات‬ ‫الساسية‪ ،‬ومن ضــمنها حريــة الصــحافة‪ ،‬غيــر محترمــة‪،‬‬ ‫وإذا كانت نقطة التوازن بيــن الســلطات غيــر موجــودة‪،‬‬ ‫فــإن الديمقراطيــة تفقــد معناهــا‪ ،‬فالشــيء الهــم مــن‬ ‫ـروط الــتي تجعــل‬ ‫التداول على السلطة‪ ،‬هــو وضــع الشـ‬ ‫إمكانية تحقيقها واردة في المستقبل )‪.‬‬ ‫ويعتبر حــزب التجمــع الشــتراكي التقــدمي أن مراجعــة‬ ‫القانون النتخابي باتت أمرا ً ضروريا ً فــي تــونس‪ ،‬ومــرة‬ ‫أخرى – وككل مـرة بعـد النتخابـات يعـود الحـديث عـن‬ ‫تنقيح المجلة النتخابيــة معــبرا ً عــن الحاجــة إلــى قــانون‬ ‫إنتخــــابي عــــادل وملئم لحاجتنــــا إلــــى التعدديــــة‬ ‫والديمقراطيــة‪ . -‬‬ ‫– ‪1980 –1981 – Du 22 Decembre 1998 Au4 janvier 1999 (P62‬‬ ‫‪(63‬‬ .‬والحل يكون إذا ً في التخلي عن هذا النظام كلية‬ ‫واستبداله بنظام الدوائر الفردية حيــث يكــون المترشــح‬ ‫فـردا ً فـي دائرة إنتخابيـة صـغيرة الحجـم نسـبيا ً مـع مـا‬ ‫يقتضي ذلك من تعديلت تفرضها الخصوصيات القوميــة‬ ‫والتاريخية للبلد المعني … وأثبتت النتخابات الخيرة أن‬ ‫تونس في حاجة إلى إصلح سياسي ديمقراطــي‪ ،‬وإلــى‬ ‫مراجعـــة للقـــوانين المنظمـــة للحريـــات العامـــة‪ ،‬وأن‬ ‫"الصــلح " الــذي "يرغــب فيــه الحــزب الحــاكم " ل‬ ‫يســتجيب وطموحــات الشــعب التونســي إلــى حيــاة‬ ‫ديمقراطية متطورة ‪.‬‬ ‫وأصل المشــكل يكمــن بالــذات فــي النظــام النتخــابي‪،‬‬ ‫نظام القوائم في دورة واحــدة‪ ،‬والــذي تخلــت عنــه كــل‬ ‫البلدان التي قررت خــوض غمــار التجربــة الديمقراطيــة‬ ‫بجرأة‪ . . (113‬‬ ‫ثاني ـا ً ‪ -‬إن حــزب التجمــع الشــتراكي التقــدمي يمثــل تيــار «‬ ‫الشتراكية الديمقراطية » في تونس‪ ،‬فهــو الــذي يمثــل‬ ‫يســار الوســط بمفهومــة الحقيقــي‪ ،‬فهــو أقــرب إلـــى‬ ‫الشتراكية منه إلـى الرأسمالية الجديدة‪ .‬‬ ‫وفي هــذا الســياق يطــرح الميــن العــام لحــزب التجمــع‬ ‫الشتراكي التقدمي تعريفه للديمقراطيــة‪ ،‬بأنهــا ليســت‬ ‫جهرا ً بالرأي السياسي فقط‪ ،‬إنها قبل كل شيء برنامــج‬ ‫مطالب‪ .

‫حزب التجمع الشتراكي التقدمي‬ ‫المجال القتصادي هو بيان اشــتراكي ديمقراطــي يقــوم‬ ‫على المضــي قــدما ً فــي عمليــات الخصخصــة‪ ،‬علــى أن‬ ‫يوسعها لتشمل الخدمات العامة‪ ،‬ويشــدد علــى ضــرورة‬ ‫خلق التوازنات بين أسـاليب التمويـل الفاعلـة ومطـالب‬ ‫العدالة الجتماعية‪ .‬‬ ‫ثالثا ً ‪ -‬ويتميــز حــزب التجمــع الشــتراكي التقــدمي عــن بقيــة‬ ‫أحزاب المعارضة اليسارية‪ ،‬بدفاعه عــن الهويــة العربيــة‬ ‫السلمية‪ ،‬وبإقامته حدودا ً فاصلة بين العروبة‪ ،‬التي هي‬ ‫واقـع لغـوي‪ ،‬وثقـافي وتـاريخي‪ ،‬وبيـن القوميـة العربيـة‬ ‫كإيديولوجيــة سياســية‪ .‬وبعــد خلــق الكيــان‬ ‫الصهيوني‪ ،‬اتخذت إيديولوجية القوميــة العربيــة مفهومـا ً‬ ‫معاديا ً للكولونيالية مع بقائها محصورة في نطاق الشرق‬ ‫الدنــى‪ .‬ويعــود الفضــل إلـــى مصــر عبــد الناصــر الــتي‬ ‫أعطت بعدا ً تاريخيا ً لحركة القومية العربيــة شــملت كــل‬ ‫بلد العرب‪ .‬وفي السلطة‪ ،‬لم يحقــق القوميــون العــرب‬ ‫أي هــدف مــن أهــدافهم ‪ :‬تحريــر فلســطين‪ ،‬الوحــدة‬ ‫العربية‪ ،‬الديمقراطيــة‪ .‬‬ ‫نطاق انخراطه في عملية التحديث‬ ‫رابعا ً ‪ -‬في ظل التنامي الكبير الذي شهدته الحركة الســلمية‬ ‫في العالم العربي في عقــدي الثمانينــات و التســعينات‪،‬‬ ‫وتراجع الحركة القومية العربية على جميع المســتويات‪،‬‬ ‫وأمـــام اشـــتداد الضـــغوطات المبرياليـــة الميركيـــة‬ ‫والصهيونية‪ ،‬لجهة فرض مســيرة التســوية الستســلمية‬ ‫فــي المنطقــة العربيــة‪ ،‬خصوصــا ً بعــد انفجــار النظــام‬ ‫القليمي العربي عقب حرب الخليج الثانية‪ ،‬يشهد العالم‬ ‫العربــي نوعــا ً مــن التقــارب الملمــوس بيــن التيــارين‬ ‫القــومي و الســلمي‪ ،‬بعــد أن ســادت حالــة التنــافر‬ ‫والقصاء والتصادم بينهما‪ .‬‬ .‬ويكشــف لنــا‬ ‫الموقف الحــاد مــن العلمانيــة باعتبارهــا قضــية مركزيــة‬ ‫للقومية‪ ،‬هذا الفشل الذريع ‪.‬‬ ‫إن حزب التجمع الشتراكي التقدمي ل يتبنى إيديولوجية‬ ‫القومية العربية‪ ،‬إنمــا يعتــبر العروبــة والســلم مرجعيــة‬ ‫‪(114‬يتغاضى عنها‪ ،‬في‬ ‫تاريخية وثقافية‪ ،‬ل يمكن لمجتمعنا )أن‬ ‫‪.‬وفــي معــرض تقييمــه للمســار‬ ‫التــاريخي للقوميــة العربيــة يعتــبر الميــن العــام نجيــب‬ ‫الشابي – أن القومية العربية التي تبلورت فــي الشــرق‬ ‫الدنى في نهاية القرن التاسع عشر‪ ،‬عكست إيديولوجيا ً‬ ‫إرادة العرب في التحرر من السيطرة العثمانية‪ .‬ويعــزى هــذا الفشــل أيضـا ً إلـــى‬ ‫فشل نموذج للتطور الـدولي‪ ،‬ونمـط الحـزب الشـمولي‬ ‫الوحــد‪ .‬وعشية‬ ‫الحــرب العالميــة الولــى‪ ،‬شــجع البريطــانيون حركــة‬ ‫القوميــة العربيــة مــن أجــل موازنــة الحلــف المعــادي‬ ‫لبريطانيــا المتمثــل بألمانيــا وتركيــا‪ .‬وقــد عــانت حركــة القوميــة العربيــة أيض ـا ً مــن‬ ‫الصــعود القــوي لليديولوجيــة الســلمية‪ .‬ويتبنى الحــزب برنامجـا ً رأســماليا ً ذا‬ ‫وجه إنساني‪ ،‬لكنه يعتـبر فـي الـوقت عينـه أن النـدماج‬ ‫المغاربي والعربي يمكن أن يساعد تونس على تخفيــض‬ ‫الثار السلبية لعملية الندماج في العولمــة الرأســمالية‪،‬‬ ‫الــتي تقــود إلـــى فقــدان فــرص العمــل‪ ،‬وهبــوط فــي‬ ‫الستثمار وتقلص في الموازنة الخ ‪.‬وفي هذا اللتقاء بين العروبة‬ ‫والسلم‪ ،‬يقول المين العام لحركة التجمــع الشــتراكي‬ ‫التقدمي نجيب الشابي ما يلي ‪ « :‬في تقديري أن التيار‬ ‫القومي يعاني انحسارا ً شعبيا ً بسبب إخفاقه في تحقيــق‬ ‫الهداف الكبرى التي طرحها على نفســه‪ ،‬وهــي تحريــر‬ ‫‪114‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةةة ةةةةةة ةةةة‪.

‫فلسطين‪ ،‬وتوحيــد البلد العربيــة‪ ،‬ودفــع عمليــة التقــدم‪.‬فمراجعة القوميين لعلقتهم من الناحية‬ ‫الفكرية والنظرية بالســلم كحضــارة وعقيــدة وشــريعة‬ ‫من ناحية‪ ،‬والسلم كعمق بشري من ناحية أخــرى‪ ،‬هــو‬ ‫موضع تفكير‪ . 1996‬‬ . (115‬‬ ‫خامسا ً ‪ -‬ولمــا أصــبحت الديمقراطيــة أدلوجــة تتبناهــا معظــم‬ ‫التيارات السياسية واليديولوجية‪ ،‬وبــالخص منهــا التيــار‬ ‫السلمي والتيار القومي‪ ،‬يلخص نجيب الشــابي مــوقفه‬ ‫مـن المسـألة الديمقراطيـة‪ ،‬الـتي بـات كـل مـن هـذين‬ ‫التيارين يرفعانها كشعار‪ ،‬وكمفاهيم‪ ،‬وكمجموعة قيم‪« :‬‬ ‫في الحقيقة أعتقد أن الفكــر القــومي ليــس لــه مــوقفه‬ ‫محدد ومجمع عليه من كثير مــن القضــايا الــتي تؤســس‬ ‫المشـــروع المجتمعـــي‪ .‬‬ ‫ولئن نجح إلـى حــد مــا فــي هــذا الصــعيد أو ذلــك‪ ،‬فــإن‬ ‫إشعاعه الشعبي وقدرته التعبوية قد تراجعت‪.‬ويهتــدي‬ ‫الن أكثر من مفكر قومي إلـى إعادة النظر فــي علقــة‬ ‫العروبة بالسلم‪ .‬‬ ‫يبقى أن الحوار ما زال بين مكــوني هــذين التيــارين فــي‬ ‫بدايته متعــثرا ً وخاضــعا ً لملبســات الظــروف‪ ،‬ول يمكــن‬ ‫القول إنه أفرز اليوم نتيجة‪ ،‬ربما لن القوميين أنفســهم‬ ‫ليسوا متفقين حول الرضــية الــتي يمكــن اللتقــاء علــي‬ ‫أساسها مع السلميين‪ ،‬والســلميون أيضـا ً قــد يكونــون‬ ‫ينظرون إلـى هذا الجانب مــن زاويتــه التكتيكيــة لتكتيــل‬ ‫أكبر قوة لتعــبئتهم الشـعبية‪ .‬‬ ‫وبالمقابل عرفت الصحوة السلمية مدا ً واتساعا ً شــعبيا ً‬ ‫فــي مختلــف البلــدان العربيــة والســلمية‪ .‬وهــذا المــؤتمر الــذي نحضــره‬ ‫أسس مؤتمرا ً مســتقل ً عنــه هــو مــؤتمر الحــوار العربــي‬ ‫السلمي ‪.‬فكــان ذلــك‬ ‫منطلق ـا ً لــدى العديــد مــن القــوميين لمراجعــة النفــس‬ ‫والتساؤل عن سبب هــذا الــتراجع‪ ،‬وهــذا المــد‪ .‬ومنذ نهاية‬ ‫السبعينات تتبنى نفس الهــداف الــتي تطرحهــا الحركــة‬ ‫العربية في التحرر والتوحيــد‪ .‬ل أقــدر أن أجــزم شخصــيا ً‬ ‫ـلمي‪ ،‬ول‬ ‫لننــي لــم أشــارك فــي المــؤتمر العربــي السـ‬ ‫أمارس مباشرة هذا الحوار ولكن أتابعه عن بعد)‪.‬ولــذلك كــان هــذا التلقــي‬ ‫أيض ـا ً مبعث ـا ً لفتــح حــوار‪ .‬‬ ‫هــذه الفكــرة قــامت علــى أســاس توحيــد العــرب علــى‬ ‫اختلف انتماءاتهم الدينية والطائفية على أساس قــومي‬ ‫لغوي وتاريخي‪ ،‬وهذا كان من نــتيجته النقطــاع الثقـافي‬ ‫عن التراث العربي السلمي المعرفي‪ ،‬وعلى المستوى‬ ‫الجغرافي كان النقطاع عن العمق السلمي‪ ،‬فهذه من‬ ‫الشكاليات التي تقف الن حجر عثرة في علقة الحركة‬ ‫القومية بمحيطها الشــعبي الــذي يبقــى بالدرجــة الولــى‬ ‫محيطا ً إسلميًا‪ .‬لن الفكرة العربية كفكرة قومية هــي‬ ‫مــن جملــة الفكــار الــتي ولــدت فــي المشــرق العربــي‬ ‫بالدرجة الولى ثم انتقلت إلـى كافة الوطن العربي عن‬ ‫طريق الناصرية بالذات ‪.‬وأيضا الحركات السلمية الن‪ .‬فالحركـة‬ ‫القومية في بداية القرن وفي النصف الثاني من القــرن‬ ‫والن في موفى هذا القرن ليس لها نفس الموقف مــن‬ ‫‪115‬‬ ‫)( ‪ -‬ةة ةةةةةة ةةةةةة ةةة ةة ةةة ة ةةة ةةة‬ ‫ةة ةة ة ة ةةة ةة ةةةة ةةةة ةةةةة ة ‪5‬‬ ‫ةة ‪ /‬ةة‬ ‫ةةة‬ ‫‪.‬فهـــل القوميـــة العربيـــة هـــي‬ ‫اشتراكية تقدميــة أم ل ؟ ل يوجــد جــواب محــدد نظــري‬ ‫إنما يغلب هـذا التجـاه أو ذاك وفقـا للظـرف‪ .

‬‬ ‫بقي أن نقول يجب أن تتحول الديمقراطية إلـــى عبــارة‬ ‫سـحرية يعتقـد بأنهـا قـادرة علـى حـل مشـاكل النـاس‪.‫حزب التجمع الشتراكي التقدمي‬ ‫كثير من القضايا الساسية‪ .‬‬ ‫الديمقراطيــة يمكــن النظــر إليهــا مــن جــانبين ‪ :‬جــانب‬ ‫تقنــي ‪ :‬ل يطــرح أي مشــاكل ويتعلــق بكيفيــة مشــاركة‬ ‫النــاس فــي الحيــاة العامــة وكيفيــة تنظيــم الســلطة‬ ‫والدورات النتخابية وأشكالها وصيغها فهذه كلها تقنيــات‬ ‫ل تطرح أي مشكلة مــن حيــث اقتباســها‪ ،‬كمــا ل تطــرح‬ ‫السيارة أو الطائرة أي مشكلة حضارية للعالم العربي ‪.‬بالنســبة لتــونس العامــل القتصــادي قــد‬ ‫يكون العامــل فــي البحــث عــن صــيغ للتعــاون‪ ،‬الجــزائر‬ ‫كانت منذ البداية غارقة في أزمتهــا الداخليــة‪ ،‬والمغــرب‬ ‫منذ البداية كان ينظر بكثير من الشك فــي جــدوى مثــل‬ ‫هذا العمل‪ ،‬وكان يصبو إلـى التعاون مع أوروبا باعتبــاره‬ ‫المستوى الهم لنجاز شيء ما عملي‪ ،‬وبالتالي لم يكــن‬ ‫يولي المسألة المغاربية أهمية خاصــة‪ ،‬إضــافة إلـــى أنــه‬ ‫‪116‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةةة ةةةةةة ةةةة ‪.‬والسلميون أيضا ً ينتقدون موقف الرفض‬ ‫المبدئي للديمقراطية إلـى موقــف التبنــي العملــي لهــا‪،‬‬ ‫ولكن هذا الموقــف العملــي غيــر مؤســس علــى قاعــدة‬ ‫أصولية في تفكيرهم‪ .‬‬ ‫ل يجب أن نأخذ منها‬ ‫سادسا ً ‪ -‬وفي ظل الشلل التام الــذي أصــاب اتحــاد المغــرب‬ ‫العربي‪ ،‬الذي تأسس في نهاية عقــد الثمانينــات‪ ،‬والــذي‬ ‫تشقه تناقضات مستعصية الحــل‪ ،‬فــي ظــل عــدم تبلــور‬ ‫برنامج قومي ديمقراطي نهضــوي لهــذا القليــم العربــي‬ ‫وم نجيــب الشــابي الوضــاع فــي‬ ‫من الوطن العربي‪ ،‬يقـ ّ‬ ‫المغرب العربي علــى النحــو التــالي ‪ « :‬موضــوع اتحــاد‬ ‫المغرب العربي‪ ،‬هو أيضا ً من المواضـيع الـتي ل يختلـف‬ ‫عليهــا مغربيــان بــالمعنى المغــاربي للكلمــة‪ ،‬باعتبــار أن‬ ‫مطلب الوحدة المغاربية كجزء من وحدة المــة العربيــة‬ ‫وكجــزء مــن وحــدة العــالم الســلمي مــن الشــياء ذات‬ ‫الجذور العميقة في التراث النضالي لشــعوب المنطقــة‪،‬‬ ‫وفي عقائدهــا ووجــدانها‪ .‬‬ ‫ولكن الديمقراطية كفلسفة تقــوم علــى مبــدأ المواطنــة‬ ‫والفردية ونظرية العقد الجتماعي القائم على المصلحة‬ ‫بيــن الفــراد‪ ،‬كــل هــذه نظــرة ماديــة متكاملــة للوجــود‬ ‫ولعلقة النسان بالنسان وهي بهذه الصفة تتعارض مــع‬ ‫موروثنا السلمي‪ .‬وبالتالي تبني الديمقراطيــة كفلســفة‬ ‫يطرح قضايا ذات بعد فلسفي فكري حضاري ل بــد مــن‬ ‫تعميق الحوار فيها حتى يكون تعاملنــا مــع الديمقراطيــة‬ ‫نعرف ماذا يمكن أن نأخذ منهــا ومــا‬ ‫تعامل ً واعيًا‪ ،‬وحتى‬ ‫)‪(116‬‬ ‫‪.‬وهــذا يجعــل المــرء فــي حاجــة‬ ‫إلـى مزيد من تعميق النظــرة إلـــى التطــور الــذي طــرأ‬ ‫على الحركة السلمية ‪.‬‬ .‬فما هو موقف القوميين من‬ ‫المسألة الديمقراطية ؟ القوميون يتبنــون الن المطلــب‬ ‫الــديمقراطي لكنهــم فــي الحكــم ل يمارســون النظــام‬ ‫الديمقراطي‪ .‬فهناك قطعيــة معرفيــة إن أمكــن‬ ‫القــول بيــن المنطلقــات الفكريــة للحركــة الســلمية‬ ‫والمطالب العملية الن‪ .‬ولكـن كـان‬ ‫الوعي حادا ً بأن البواعث بين النظمة التي تصنع القــرار‬ ‫كانت مختلفة‪ ،‬فلليبيا بالدرجة الولى طموحات سياســية‬ ‫و إيديولوجيــة‪ .‬وهــذه كلهــا تتلقــى تمامـا ً مــع‬ ‫مصــالحها وبالتــالي كــان النظــر إلـــى تأســيس التحــاد‬ ‫المغاربي نظرة متفائلة‪ ،‬لقت تجاوب ـا ً وأمل ً فــي تحقيــق‬ ‫شيء مما طمح إليـه المغـاربيون كشـعوب‪ .

‬‬ ‫أعتقد أن الواقع التاريخي يشير إلـى أن هذه الرقعة هي‬ ‫جزء من التراب المغربي ‪ ،‬وأن المغرب العربــي والمــة‬ ‫العربية ليســت لهــا أيــة مصــلحة فــي الــدفع إلـــى خلــق‬ ‫كيانات مصـطنعة وأن إنهـاء هـذه القضـية علـى أسـاس‬ ‫النظرة الوطنية والوحدوية هو الطريق السلم‪ .‬فبالتالي لـم يكــن التــدويل‬ ‫في أي وقت من الوقات اختيارا ً لحكوماتنــا‪ ،‬وإنمــا كــان‬ ‫أمرا ً مفروضا ً من القوى الدولية وفقا ً لمصالحها‪ ،‬وتدخله‬ ‫الدول العربية فرادى‪ ،‬تدخله في حالــة تنــافس وتســابق‬ ‫‪117‬‬ ‫‪118‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةةة ةةةةةة ةةةة ‪.‫يعيش تناقضا ً مع الجــزائر حــول قضــية الصــحراء‪ ،‬الــتي‬ ‫هــي بــؤرة تــوتر فــي المغــرب العربــي تعطــل مســيرته‬ ‫الوحدوية‪.‬‬ .( 117‬‬ ‫لمختلف هذه البلدان ولكن هذا مطلب بريء‬ ‫ويضيف الشابي تحليله في التوتر الجــزائري – المغربــي‬ ‫بشــأن قضــية الصــحراء‪ ،‬قــائل ً ‪ « :‬أعتقــد أن الصــراع‬ ‫الجزائري المغربي بشأن هذه القضية صراع معقد‪ ،‬لنــه‬ ‫يواجه مصالح قــوتين أساســيتين فــي المغــرب العربــي‪،‬‬ ‫وإن كثيرا ً من القوى التقدميــة فــي الــوطن العربــي قــد‬ ‫أخطأت التقدير حيــن اعتقــدت أن المســألة الصــحراوية‬ ‫مسألة بإمكانها أن تــدفع المجتمــع المغربــي إلـــى حالــة‬ ‫من التقدم والتطور السياسي‪ . (118‬‬ ‫سابعا ً ‪ -‬وفي موضــوع التنميــة القتصــادية المغاربيــة‪ ،‬البعــض‬ ‫يتحدث عن انــدماج القتصــاد المغــاربي فــي مــا يســمى‬ ‫باقتصاد السوق أو العولمة والبعــض الخــر يتحــدث عــن‬ ‫إمكانية قيام تنمية اقتصادية مستقلة‪ .‬ولذلك موقفنا إزاء هذا هو السف والمطالبة بــأن‬ ‫تتعالى حكومات المغرب العربــي عــن المــور الظرفيــة‬ ‫الوطنيــة‬ ‫والشخصــية والجزئيــة بمــا يحقــق المصــلحة‬ ‫)‪.‬العكــس هــو الــذي كــان‪،‬‬ ‫باعتبار أن هناك وعيا ً مجمعا ً عليه في المغــرب وهــو أن‬ ‫الصحراء جزء ل يتجزأ من التراب المغربــي‪ ،‬وأن تجــزئة‬ ‫التراب المغربي أمر مرفوض ينظر إليه باعتباره عــدوانا ً‬ ‫مجانيــا ً مــن أشــقاء وهــو أســاس لوحــدة وطنيــة بيــن‬ ‫الحكومة والقوى السياسية ‪.‬‬ ‫ولذلك لم نباغت في الحقيقة بحالة الشــلل الــتي انتهــت‬ ‫إليها مؤسسات التحاد المغاربي الــذي ولــد متعــثرا ً مــن‬ ‫الوهلة الولى‪ ،‬ولم يحقق في الحياة الواقعيــة أي شــيء‬ ‫يذكر‪ .‬يحلل التجمــع هـذا‬ ‫الموضوع على النحو التالي‪ ،‬الذي يطرح مسألة التنميــة‬ ‫المستقلة‪ ،‬الن ينظر إليه كأنه من أهل الكهف الذي لــم‬ ‫يع تطور الزمن‪ ،‬ولكن مــا نعرفــه نحــن هــو أن انــدماجنا‬ ‫ضــعيف فــي الســوق الدوليــة يســبب لنــا الكــثير مــن‬ ‫المتاعب الدولية‪ ،‬يسبب لنا الكـثير مـن المتـاعب سـواء‬ ‫على مستوى مدخول الجباية الوطنيــة أو علــى مســتوى‬ ‫توازن ميزاننا التجاري‪ ،‬أو على مستوى قدرتنا الحقيقيــة‬ ‫على منافسة البضائع الخارجية‪ ،‬وتأثير ذلك على النسيج‬ ‫الصناعي الوطني‪ ،‬وتأثير ذلك علــى التشــغيل‪ ،‬ثــم علــى‬ ‫القدرة الشرائية للمواطنين‪ ،‬الذين يــدفعون مـن قــوتهم‬ ‫اليومي ثمن هذه السياسات‪ .‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةةة ةةةةةة ةةةة ‪.‬لكن هل‬ ‫ينظر إلـى هذه المسألة في الجزائر من هذه الزاويــة ل‬ ‫أظن ذلك ولذلك مع السف ستظل المسألة الصحراوية‬ ‫مشكل ً‬ ‫يؤثر على الجسم المغاربي لمدة من الزمــن قــد‬ ‫تطول )‪.

‬‬ ‫وللدللة على ذلك اصدرت قيادة هذا الحزب بيانا سياسيا رد ت‬ ‫فيــه علــى اعلن " التجمــع الدســتوري الــديمقراطي" الحــاكم‬ ‫ترشيح الرئيس بن علي لولية رئاسية رابعة‪ ،‬لتناقضه مع المدة‬ ‫‪ 39‬من الدستور التو نسي التي تنص على انه ل يجوز للرئيــس‬ ‫ان يترشح لكثر من ثلث وليات متتالية‪. 119‬‬ ‫ظل حزب التجمع الشتراكي التقدمي حزبــا مغضــوبا عليــه‬ ‫طيلــة عقــد التســعينات مــن القــرن الماضــي‪ ،‬و عقــد مــؤتمره‬ ‫الخير في شهر حزيــران الماضــي مــن ســنة ‪ ،2001‬واســتبدل‬ ‫اسمه‪ ،‬و اصبح يســمى" الحــزب الــديمقراطي التقــدمي"‪ .‬وقــد‬ ‫جــدد هــذا المــؤتمر المــل فــي امكــان اعــادة بنــاء الحركــة‬ ‫الديمقراطية التونسية وفق شروط سياســية و هيكليــة جديــدة‪.‬‬ .‬هــذا شــيء يؤلمنــا ويتطلــب منــا‬ ‫والتــوجه‬ ‫المزيد من النظر )‪.‬‬ ‫‪‬‬ ‫‪119‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةةة ةةةةةة ةةةة ‪.‫حزب التجمع الشتراكي التقدمي‬ ‫يشتكي منه حتى الوروبيــون أنفســهم الــذين يصــرحون‬ ‫علــى أعمــدة صــحافتهم بــأنهم ل يجــدون مغرب ـا ً عربي ـا ً‬ ‫موحدًا‪ ،‬يتحدثون إليه‪ ،‬رغــم أن حــاجتهم أن يتحــدثوا مــع‬ ‫كتلة اقتصادية‪ ،‬وإنمــا يجــدون أمــامهم دول ً ل تجتمــع‪ ،‬إل‬ ‫إذا طلبوا منها الجتماع وتأتي مشتتة في مستوى القرار‬ ‫والمصــلحة‪ (.

‬‬ .‬والحــال هــذه‪ ،‬اعتــبرت‬ ‫المنظمة أن تونس تمر بمرحلة "تحرر وطنــي لــم تنتــه‬ ‫بعــد"‪ ،‬ولهــذا فهــي معنيــة بتحقيــق المهمــات الوطنيــة‬ ‫باعتبارها مرحلة ضرورية نحو الوصول إلــى الشــتراكية‬ ‫وبنائها في تونس‪ ،‬والتوجه نحو الطبقة العاملــة‪ ،‬ونشــر‬ ‫الفكر التقدمي الجديد‪ ،‬في أوساطها‪.‬‬ ‫ذلك لن الشروط التي تضمنها "الميثاق الوطني " المعلــن‬ ‫من جانب السلطة والمطلوب الموافقة عليه‪ ،‬يتعارض و"حماية‬ ‫النزعـة الراديكاليـة والديمقراطيـة الـتي ظهـرت فـي المجتمـع‬ ‫التونسي وتوحيدها وتطويرها‪ ،‬ول مجال بالنسبة إلينا‪ ،‬لن نلعب‬ ‫دور الحجة على وجود الديمقراطية ظاهريًا‪ ،‬أو أن نكون ديكورا ً‬ ‫‪120‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةة ةةةةةة ةةةةةة ةةة ةةةة‪– 13/7/1981 -‬‬ ‫ةةةة ةة ةةة ةةةة ةةةةة ةةةةةة ةةةةةةة‪.‬‬ ‫لكن مع بداية الثمانينات‪ ،‬طرحت المنظمة مسألة التفاعــل‬ ‫مع تطور النظــام التونســي باتجــاه « التفتــح والديمقراطيــة »‪،‬‬ ‫وإمكانية احتلل موقع في النضال الشرعي عبر إصدار صحيفة‪،‬‬ ‫وتركيز جهاز حزبــي‪ .‫الفصل الحادي عشر‬ ‫حزب العمال الشيوعي التونسي‬ ‫بعــد مرحلــة النشــقاقات المتكــررة الــتي عرفتهــا منظمــة‬ ‫العامل التونسي‪ ،‬وهزيمة اليسار الجديد في مواجهــة الســلطة‪،‬‬ ‫تشرذمت صفوف الحركة اليسارية في تونس‪ ،‬وفقدت وجودها‬ ‫التنظيمي تحت وطأة الملحقات والمحاكمــات‪ ،‬ولــم يبــق فيهــا‬ ‫سوى عدد مـن القيـادات والكــوادر الـتي اســتمرت فـي تمثيـل‬ ‫منظمة العامل التونسي‪ ،‬ضمن رؤية جديدة‪ ،‬تقوم علــى انتهــاج‬ ‫خط سياسي وأيديولوجي‪ ،‬سماته المرتكز آت التالية ‪:‬‬ ‫ا ‪ -‬عربيًا‪ ،‬أصبحت المنظمة مهتمة بالقضـايا العربيــة‪ ،‬لجهـة‬ ‫تأكيدها ضرورة وحدة الشـعوب العربيـة‪ ،‬المنتميـة إلـى‬ ‫أمة عربية واحدة‪ ،‬وتأكيد انتماء تونس لهذه المة‪.‬‬ ‫‪ .‬‬ ‫وقد أعلنت المنظمة رفضها للشــروط الــتي أقرهــا النظــام‬ ‫في موضوع مشاركة القوى والحزاب السياسية فــي انتخابــات‬ ‫‪ .‬لكــن عمليــات الــتزوير الــتي حصــلت فــي‬ ‫النتخابــات التشــريعية عــام ‪ ،1981‬جعلــت المنظمـــة تعيـــد‬ ‫حساباتها بصدد الموقف من النشاط السياسي العلني‪.2‬داخليـــًا‪ ،‬أن المنظمـــة اســـتمرار للحركـــة النضـــالية‬ ‫اليسارية‪ ،‬التي بــرزت منــذ الســتينات‪ ،‬وشــاركت بجهــد‬ ‫كبير في ترسيخ الديمقراطية‪ ،‬ودفع التقدم الجتمــاعي‪،‬‬ ‫وتعزيــز الســتقلل الــوطني‪ .1981‬وقال أحد قيــاديي المنظمــة‪" :‬إن ممارســة الحريــات ل‬ ‫يمكن أن تكون مشروطة إل بما يحميها مــن الفاشــيين وأعــداء‬ ‫‪(120‬ـتي‬ ‫الحرية‪ ،‬لذلك نرفض الشــروط اليديولوجيــة والسياســية‪ ،‬الـ‬ ‫تستهدف إلزام الحركات السياسية بالدفاع عن النظام " ) ‪.

.‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةةة ةةةةةة‪.‬لذلك دعونــا إلــى مقاطعــة هــذه النتخابــات وإلــى‬ ‫مواصلة النضال لجل تحقيق المطــالب الديمقراطيــة‪ ،‬للشــعب‬ ‫التونسي‪ ،‬التي تحاول السلطة طمسها‪ ،‬والتي هي حالي ـا ً العفــو‬ ‫‪(123‬حرية التنظيــم وحريــة التعــبير‪ ،‬وحريــة‬ ‫التشريعي العام‪ ،‬وإقرار‬ ‫الجتماع والتظاهر " ) ‪.‬‬ ‫وعلى هذا الســاس تــابعت المنظمــة عملهــا شــبه الســري‬ ‫شــبه العلنــي فــي صــفوف المعارضــة التونســية‪ ،‬مركــزة علــى‬ ‫قضايا الحريات والديمقراطية طوال الســنوات الماضــية‪ ،‬علــى‬ ‫أســاس أن هــذه القضــايا يمكــن أن تؤلــف مــدخل ً حقيقي ـا ً فــي‬ ‫التطور السياسي للبلد‪ .‬كما انضمت منظمــة العامــل التونســي‬ ‫في أول خطوة من نوعها من جانب المنظمة إلى جانب خمس‬ ‫منظمات سياسية في البلد‪ ،‬في إصدار بيان حــول المحاكمــات‬ ‫‪121‬‬ ‫‪122‬‬ ‫‪123‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةةة ةةةةةة‪.(122‬‬ ‫وكــانت المنظمــة متشــككة فــي الشــعارات الــتي رفعتهــا‬ ‫التجربة التعددية في تونس‪ ،‬مشيرة إلــى أن الحكــم ابتعــد عــن‬ ‫التعاطي المتوازن بيــن الحــزب الشــتراكي الدســتوري الحــاكم‬ ‫والمعارضة على نحو أدى إلـى منـح جميـع المتيـازات ووسـائل‬ ‫العمل والتسهيلت للحزب الحاكم‪ ،‬ونزع الغطــاء عــن الحــزاب‬ ‫الخرى "لتعجيزها أو لتعرية ضعفها"‪.‬‬ ‫وم أمين عام منظمة العامل التونسي حمة الهمامي‪،‬‬ ‫وقد ق ّ‬ ‫نتائج النتخابات التي رفضت المنظمة الدخول فيها بقوله‪ " :‬إن‬ ‫البرلمان الذي جاء نتيجة لهذه النتخابات لن يختلف عن ســابقه‬ ‫وانه "ســيقوم بالمهــام العاديــة نفســها‪ ،‬وهــي تشــريع القــوانين‬ ‫التعسفية‪ .‫حزب العمال الشيوعي التونسي‬ ‫لهذه العملية التي يراد تمريرها باسم النفتاح " )‪.‬‬ ‫إذا كــانت المنظمــة قــد أعــادت النظــر فــي العديــد مــن‬ ‫"الثــوابت " النظريـة‪ ،‬مدخلـة إصــلحات كـبيرة علــى تصــوراتها‬ ‫الفكرية واليديولوجيــة‪ ،‬فــي محاولــة منهــا للتكيــف مــع أوضــاع‬ ‫تونس والعالم العربي‪ ،‬إل إنها لم تحسم بشكل قــاطع موضــوع‬ ‫النشاط السياسي العلني‪ ،‬وان كانت قد رفضــت شــروطه كمــا‬ ‫حددها النظام‪.‬‬ ...‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةة ة ةةةة ةة ةةةةة ة ةةة ةةةة ةةة ةة )‬ ‫‪ (238‬ةةةة ة ‪23/1/1981‬ة )ة ‪ (33‬ةةةةة ة ة ة ةة ة‬ ‫ةةةةةةة‪.‬‬ ‫الثالثــة‪ :‬مراجعــة القــانون النتخــابي‪ ،‬وتــوفير المكانيــات‬ ‫التيـــارات السياســـية‬ ‫الماديـــة والعلميـــة لجميـــع‬ ‫للمشاركة في العملية النتخابية )‪.(121‬‬ ‫ورغم أن عــدة أوســاط سياســية فســرت أن هنــاك عمليــة‬ ‫تضــارب بيــن الحكــم والتيــار اليســاري فــي الثمانينــات‪ ،‬بهــدف‬ ‫تشجيع اليسار على البتعاد عن أســلوب العمــل السـري‪ ،‬الــذي‬ ‫اضطر إليه في الستينات والسبعينات‪ ،‬بســبب غيــاب العــتراف‬ ‫بوجــود المعارضــة‪ ،‬إل أن منظمــة العامــل التونســي حــددت‬ ‫شروطها التي تراها مناسبة لسير النتخابات بصــورة حــرة فــي‬ ‫ثلث نقاط أساسية‪:‬‬ ‫الولــى‪ :‬إصــدار عفــو تشــريعي عــام فــي البلد‪ ،‬وتجــاوز‬ ‫الجــراءات المفروضــة علــى المناضــلين السياســيين‬ ‫والنقابيين‪.‬‬ ‫الثانية‪ :‬إلغاء القوانين اللدستورية القائمة‪ ،‬وخاصة قــانون‬ ‫الجمعيــات وقــانون الصــحافة‪ ،‬اللــذين يحرمــان علــى‬ ‫القوى والتيارات ممارسة حقوقها‪.

‫التي نصبتها السلطة لمعتقلي "ثــورة الخــبز" فــي عــام ‪،1984‬‬
‫وتضمن البيان‪:‬‬
‫‪ - 1‬استنكار المحاكمات الجارية‪ ،‬والمطالبة بوقفها‪ ،‬وإلغــاء‬
‫الحكام الصادرة عنها وخاصة الحكام بالعدام‪.‬‬
‫‪ - 2‬دعوة المنظمات والقوى الديمقراطيــة والنسـانية إلــى‬
‫التظاهر بالعاصمة في حملة شاملة لتحقيق ذلك‪.‬‬
‫وإزاء اتساع المطالبة بتراجع السلطة التونسية عـن أحكـام‬
‫العدام‪ ،‬قام الرئيس بورقيبة بإصدار قــراره بتخفيــض الحكــام‬
‫بالعدام الصادرة بحق عشرة من معتقلــي "ثــورة الخــبز" إلــى‬
‫‪124‬اعتــبر هــذا القــرار‬
‫السجن المؤبــد مــع الشــغال الشــاقة‪ ،‬وقــد‬
‫خطوة هامة وإيجابية من جانب السلطة )‪. (5‬‬
‫كمـــا أن منظمـــة العامـــل التونســـي‪ ،‬اهتمـــت بموضـــوع‬
‫الصــحافة‪ ،‬فأصــدرت مجلــة فكريــة وعلميــة جامعــة اســمها «‬
‫أطروحات » بترخيص من السلطات التونسية فــي بدايــة العـام‬
‫‪ .1984‬وقد جاء في افتتاحية العدد الرابع من مجلة أطروحــات‬
‫ما يلي‪" :‬السمة البارزة لدى أبناء جيلنا هــي طغيــان المشــافهة‬
‫وغياب التدوين أو ندرته ‪ ...‬وحتى الكتابات القليلــة المتــوفرة ل‬
‫يلبي معظمها حاجيات واقعنا المعيشي‪ ،‬متخلفة بحكم محدودية‬
‫أفقها‪ ،‬كاريكاتورية اجترارية تفتقر إلى الطرفــة والتميــز‪ ...‬إنهــا‬
‫ببساطة‪ ،‬كتابة "مصابة بفقر الدم " حسب عبارة غرامشي‪.‬‬
‫إن السؤال المطروح حاليا ً هو‪ :‬كيف الســبيل إلــى الرتقــاء‬
‫بمثقفينا مــن مرحلــة التقاليــد الشــفاهية الســائدة إلــى مرحلــة‬
‫الكتابة الواعية والمسؤولة؟ وهــل مــن إمكانيــة لحــل معضــلت‬
‫هــذه الكتابــة عنــدنا؟‪ ...‬إن مــا يمكــن أن يحققــه الكــاتب مــن‬
‫نجاحات لمرتبط اشد الرتباط بخصال ل بــد مــن توفرهــا لــديه‪،‬‬
‫ومن أهمها تنوير رؤيته للواقع وتوسيع آفاق تفكيره باللمام بما‬
‫تراكم من معـارف إنسـانية عـبر كتابـات مـن سـبقوه وإثراؤهـا‬
‫بإضــافته‪ .‬إن نشــأة جيــل مــن الكتــاب متســلح بهــذه الخصــال‪،‬‬
‫ـى( تجـاوز هــذا الواقـع‬
‫منغرس بعمق فــي واقعـه وسـاع بجــد إلـ‬
‫الفكري الرديء لكفيل ببلوغ المبتغى » )‪. 125‬‬
‫لقد صدرت ثمانية أعداد من مجلة أطروحــات‪ ،‬ثــم تــوقفت‬
‫عن الصدور‪ ،‬وكان هدفها تحقيق تراكـم تــراث نظــري سياســي‬
‫لليسار الماركسي‪ ،‬في الوقت الذي تسود فيــه ثقافــة سياســية‬
‫شفوية في تونس ‪.‬‬

‫‪ - 1‬ميلد حزب العمال الشيوعي التونسي‬

‫لما كان اللجوء إلى النضــال الســري‪ ،‬ليــس اختيــارا ً إرادي ـا ً‬
‫بقدر ما كان اختيارا ً فرضته ظروف القمــع البوليســية‪ ،‬وانعــدام‬
‫الحريات الديمقراطية‪ ،‬في تونس‪ ،‬فان التطورات التي فرضتها‬
‫الحركــة الديمقراطيــة والجماهيريــة‪ ،‬جعلــت منظمــة العامــل‬
‫التونسي تقتحم ميدان النضــال الشــرعي العلنــي‪ .‬ويقــول أحــد‬
‫قادتها بهذا الصدد "ونحن عازمون على اقتحام معركــة شــرعية‬
‫نشاطنا ووجودنا التنظيمي والعمالي مساهمة منــا فــي النضــال‬
‫من اجل الحريات الحقيقية‪ ،‬وليس فــي أفــق لعبــة ديمقراطيــة‬
‫مغلوطة‪ ،‬وذلك بصرف النظـر عـن اسـتعدادات النظـام لمنحنـا‬
‫‪124‬‬
‫‪125‬‬

‫)( ‪ -‬ةةة ةةة ةةةةةةةة ة‪ -‬ةة ةةة ةةة ةةةة‬
‫‪. 20/6/1984‬‬
‫)( ‪ -‬ةةة ة ةةةةة ةة‪ -‬ةةة ةة ةةةةة ة ‪ -‬ةةة ةة‬
‫ةةةةة ة‪ -‬ةةةة )ة ةةة( ةةة ةة )ةةةة ة( ‪1984‬‬
‫ةةةةةةةة ةةة ةةةةةةةة‪.‬‬

‫حزب العمال الشيوعي التونسي‬

‫الشــــرعية القانونيــــة‪ ،‬لن الشــــرعية تكتســــب ول تــــوهب‪،‬‬
‫مـن أجـل حريتنـا‬
‫وسنواصل‪ ،‬كما فعلنـا فـي الماضـي‪ ،‬النضـال‬
‫وحقنا في التعبير والعمل السياسي العلني " )‪.(126‬‬
‫وهكذا تأسس حزب العمال الشيوعي التونسي فــي أواخــر‬
‫العــام ‪ ،1985‬وهــو حــزب يتبنــى الماركســية اللينينيــة‪ ،‬ويعتــبر‬
‫امتدادا ً وانقطاعا ً لمنظمة "العامل التونسي " في الوقت عينه‪.‬‬
‫وعلى الرغم من أنه لم يحصل على التأشــيرة القانونيــة‪ ،‬إل أن‬
‫حزب العمال الشــيوعي التونســي رغــم حداثــة تكــوينه‪ ،‬أســهم‬
‫إســـهاما ً كـــبيرا ً فـــي تجـــذير النضـــال النقـــابي والسياســـي‬
‫الديمقراطي‪ ،‬وتعــرض إلــى هجمــة قمعيــة ســنة ‪ .1986‬ورغــم‬
‫وفــائه لبعــض الطروحــات اليســارية فــي الســبعينات‪ ،‬وخاصــة‬
‫الموقف من الحزاب الشيوعية والتحاد السوفياتي‪ ،‬فقد أصــبح‬
‫الديمقراطيــة وســيلة للنضــال والــدفاع عــن الطبقــات‬
‫يرى في‬
‫الكادحة )‪.(127‬‬
‫وظــل حــزب العمـال الشــيوعي التونســي فــي وضــع شــبه‬
‫سري‪ -‬شبه علني‪ ،‬فلم تكن بنيته التنظيمية مكشوفة‪ ،‬غيــر أنــه‬
‫بــرز كــل مــن حمــة الهمــامي الميــن العــام للحــزب‪ ،‬ومحمــد‬
‫الكيلني نائبه كأبرز قياديين‪ ،‬يعملن بصورة علنيــة‪ .‬وكــان حمــة‬
‫الهمــامي النــاطق الرســمي للحــزب‪ ،‬ينشــر مقــالته وكتبــه‪،‬‬
‫ويساهم في الندوات الصحفية‪ ،‬ويبــدو أن مــا يصــدر عنــه يلــزم‬
‫الحزب‪.‬‬

‫‪-2‬حزب العمال الشيوعي التو نسي و الموقــف‬
‫من المسالة القومية‬

‫يعتــبر حــزب العمــال الشــيوعي التونســي حزب ـا ً ماركســيا ً‬
‫لينينيــًا‪ ،‬يجســد الخــط الســتاليني علــى صــعيد نمــط تفكيــره‬
‫اليديولوجي‪ ،‬فهو له موقف نقدي حاد مــن التحــاد الســوفيتي‪،‬‬
‫وتجربة بناء الشتراكية فيه‪ .‬وهو وإن كان يتبنى فكــر ماوتســي‬
‫تونغ‪ ،‬إل أنه حدد كذلك موقفه من الصــين فــي ضــوء السياســة‬
‫الجديدة التي بدأ ينتهجها دنغ شياوبنغ‪ ،‬خصوصا ً إزاء التقارب مع‬
‫الوليــات المتحــدة‪ ،‬وأصــبح يعتــبر الصــين دولــة غيــر اشــتراكية‬
‫وتحريفية‪ .‬وظل الحزب وفيا ً لخط أنور خوجا الزعيم الشــيوعي‬
‫اللباني السابق‪ ،‬إذ كانت تربطه علقات وطيدة جدا ً بألبانيا قبل‬
‫انهيار الشتراكية فيها في مطلع التسعينات‪.‬‬
‫ويؤكــد حمــة الهمــامي الميــن العــام للحــزب‪ ،‬أن الطبقــة‬
‫العاملــة فــي القطــار العربيــة هــي الــتي تتحمــل مســؤوليتها‬
‫التاريخية‪ ،‬في قيادة العملية الثورية التحررية من نير المبريالية‬
‫والرجعية في كل قطر مــن هــذه القطــار‪ .‬ومــن الكيــد أنهــا ل‬
‫يمكنها أن تقوم بهــذه المهمــة دون أن تتــوافر لهــا هيئة أركانهــا‬
‫ممثلة بــالحزب الشــيوعي الماركســي اللينينــي « الــذي يطــرح‬
‫ـوينه وتحقيــق‬
‫علــى الماركســيين اللينينييــن فــي كــل قطــر تكـ‬
‫انصهاره في طبقته‪ ،‬والتفاف الشعب حولها » )‪.(128‬‬
‫‪126‬‬
‫‪127‬‬
‫‪128‬‬

‫)( ‪ -‬ةةةة ةةةة ةة ةةةةة ة ةةة ةةةة ‪- 13/7/1981‬‬
‫ةةةة ةةةة‪.‬‬
‫)( ‪ -‬ةةة ة ةةة ة ةةةة ةة ةةةةة ة ةةةة ةةةةة‬
‫ةةة ) ‪.(154 -155‬‬
‫)( ‪ -‬ةةة ة ةةةة ةة ةةة ةة ‪ 52‬ة ةةةة ةةة ةةة‬
‫‪" 1989‬ةة ةة ةةةة ةةة ةةةةةةة ةة ة ة ة ةةة‬
‫ةةةةةةةة ةةةةةةة" ةةة ةةةةةة ةةةةةةة‪.‬‬
‫ةةةة ة ةةة ةة ة ةةةة ةةة "ة ة ةةةةةةة ة"ة‬
‫)ة ة ةة ةة ةة ة ةةةةة ةة ةةةة ةةةة(ة ةةة‬
‫ةةةةة ةةةة ةة ةةةةة ة ‪ -‬ة ةةة ‪1985‬ة ةةة ةة‬

‫و يؤكــد حــزب العمــال الشــيوعي التونســي أن الشــعب‬
‫التونســي‪" :‬جــزء مــن القوميــة العربيــة بحكــم عوامــل اللغــة‬
‫والرض والتاريخ والثقافة المشتركة‪ ،‬وأن نضـاله ينصـهر ضـمن‬
‫النضال العام للشعوب العربية من أجل تحقيــق الوحــدة ضــمن‬
‫أمة واحدة‪ ،‬حال الستعمار‪ ،‬وما انجـر عنـه مـن تجـزئة وظهـور‬
‫تطورهــا القتصــادي والسياســي والثقــافي‬
‫كيانات مختلفة دون‬
‫على نفس الدرجة" )‪.(129‬‬
‫ل شك أن الحزب يتبنى تعريف ستالين للمــة‪ ،‬وهــو إذ يقــر‬
‫بعروبة تونس‪ ،‬إل أنه يرى أن المة العربية مازالت لم تستكمل‬
‫شروط تكوينها واندماجها في إشارة واضحة إلى غياب الوحــدة‬
‫القتصادية‪ .‬ولهذا يــرى أن النضــال فــي ســبيل تحقيــق الوحــدة‬
‫السياسية للمة كفيل باســتكمال هــذه الشــروط ووجــود المــة‬
‫بحد ذاته‪ .‬ويعتبر حزب العمــال الشــيوعي التونســي أن الوضــع‬
‫العربي الراهن غير مهيأ للوحدة‪ ،‬لن الوحدة العربية في نظــره‬
‫لــن تتحقــق فــي ظــل النظمــة القليميــة الحاليــة‪ .‬لن الوحــدة‬
‫تتنافى ومصالح النظمة شديدة الرتبــاط بالمبرياليــة العالميــة‪،‬‬
‫وهي لن تقوم إل بصــورة تدريجيــة‪ .‬فالقطــار الــتي تنجــح فيهــا‬
‫الثورة تتحد‪ ،‬وهكذا دواليك‪ .‬وهذا التدرج مرتبط بكون الثــورة ل‬
‫ـى الخليــج‪ ،‬بحكــم‬
‫يمكن أن تحصل مرة واحدة مــن المحيــط إلـ‬
‫التفاوت القتصادي والجتماعي والسياسي)‪.(130‬‬
‫كما أن الحزب يعتقد أن تحالف الطبقات الشعبية المتكونة‬
‫من العمال والفلحيــن هــو القــوة الجتماعيــة المؤهلــة لتحقيــق‬
‫الوحدة العربية‪ .‬ذلك "أن البرجوازية القومية عاجزة عن تحقيق‬
‫الوحــدة لنهــا عــاجزة عــن اختيــار طريــق مســتقل عــن العــالم‬
‫الرأسمالي‪ ،‬ولذلك فالوحدة ل يمكن تحقيقها إل بقيادة الطبقــة‬
‫العاملــة‪ ،‬لنهــا الطبقــة الوحيــدة المعاديــة للمبرياليــة‪ ،‬ولنهــا‬
‫الوحيدة أيضا ً القادرة على لف الجماهير الشــعبية حولهــا‪ .‬فهــي‬
‫نفسها تحرر جميــع الطبقــات الخــرى‬
‫طبقة غير أنانية‪ ،‬وبتحرير‬
‫من الستغلل والضطهاد " )‪.(131‬‬
‫ويضيف حزب العمال الشيوعي فــي نقــده للفكــر القــومي‬
‫والتجـــارب الوحدويـــة الفاشـــلة قـــائ ً‬
‫ل‪" :‬إن التيـــار القـــومي‬
‫البرجوازي قد فشل في تحقيق الوحدة القومية لنه عجــز عــن‬
‫قطع الصلة مـع المبرياليــة العالميــة" وأيضـا ً لنــه ل يتصــور أي‬
‫تطور قومي خارج النظام الرأسمالي‪ ...‬كما انهم ظلوا ينظرون‬
‫إلــى الوحــدة مــن زاويــة برجوازيــة‪ ،‬وهــو مــا انجــر عنــه أن‬
‫البرجوازية في القطر القوى كانت تنظر إلى الوحــدة كوســيلة‬
‫لتحقيق سيطرتها على القطر الخر واســتثمار خيراتــه وثرواتــه‬
‫ويــده العاملــة‪ .‬ولنــا شــاهد علــى ذلــك فــي الوحــدة المصــرية‪-‬‬
‫الســورية‪ ،‬إن رفــض الشــعب الســوري اســتغلل البرجوازيــة‬
‫ـة القليميــة‬
‫المصرية له‪ ،‬وقام ضدها‪ ،‬فاســتغلت القــوى الرجعيـ‬
‫في سوريا هذا الرفض لتقصف ذلك المشروع " )‪.(132‬‬

‫‪129‬‬

‫‪130‬‬
‫‪131‬‬
‫‪132‬‬

‫ةةة ةةةةة ةةةةةة ةةة ةةةة ةةةةةةة ةة ة‬
‫ةة ةةة "ةةةة ةة ةة ة ةةةة ةة ة ةةةةة‬
‫ةةةةةةة " )ة ‪.(132‬‬
‫)( ‪ -‬ةةةة ةة ةةة ةةة ةةة ةة ةةةة ة ة ةة‬
‫ةةةة ةة ةةة ةةةة ةةةةةة ة ة ة ةةةة ةةة‬
‫ةةةةةةة‪.‬‬
‫)( ‪ -‬ةةة ةةةةةةة "ةة ةةةةةةةة"‪ -‬ةة ةة ة ةةة‬
‫)ة ‪.(132‬‬
‫)( ‪ -‬ةةةة ةةةةة ةةةةة ةةة ةةةةةة ةةةةةةة‬
‫ةةةةةةة ةة ةةةةةةة ةةةةةةة‪.‬‬
‫)( ‪ -‬ةةة ةة ةةةة ة ة ةة ةةةة ةة ةةة ةةةة‬
‫ة‪ « :‬ة ة‬
‫ةةةةةةة ةة ةةةةةةة ةةةةةةة ةةةةة‬

‫حزب العمال الشيوعي التونسي‬

‫‪ - 3‬حزب العمال الشيوعي التونســي فــي ظــل‬
‫سلطة السابع من نوفمبر‬

‫على الرغم من أن الحــزب تقــدم رســميا ً بطلــب الحصــول‬
‫علــى تأشــيرة قانونيــة لنشــاطه السياســي‪ ،‬إل أن الســلطات‬
‫التونسية لم تستجب لهــذا الطلــب‪ ،‬وظــل الحــزب ينشــط مــن‬
‫دون الخضــوع لي حظــر‪ .‬وفــي العــام ‪ 1988‬شــهدت تجربــة‬
‫التعددية العلمية بعض النفراج‪ ،‬كما حاول الحكم إعــادة ربــط‬
‫جسور الحوار مع المعارضة وسعى إلى منحهــا بعــض فضــاءات‬
‫التعبير‪ ،‬وتمكن حزبــان مختلفــان مــن الحصــول علــى امتيــازين‬
‫لصدار صحيفتين‪ :‬وهما حركة النهضة )الفجر(‪ ،‬وحــزب العمــال‬
‫الشــيوعي التونســي )البــديل(‪ .‬وهمــا الحزبــان الوحيــدان غيــر‬
‫المجازين قانونيا ً اللذين يصدر كل منهما صحيفة ناطقة باسمه‪.‬‬
‫ومــع تفجــر الصــراع والمواجهــة بيــن ســلطة الســابع مــن‬
‫نوفمبر وحركة النهضة في مطلع التسعينات‪ ،‬اضــطر حكــم بــن‬
‫علــي إلــى تهــدئة جبهــة الصــراع مــع الحــزاب العلمانيــة ومــد‬
‫الجسور معها‪ ،‬فأقــام تحالفــا معهــا بهــدف القضــاء علــى البنيــة‬
‫التنظيمية للحركة السلمية‪.‬‬
‫وكان حزب العمال الشيوعي التونسي مــن أكــثر الحــزاب‬
‫السياســية تطرفــا ومنــاوئة لحركــة النهضــة‪ ،‬الــتي ينعتهــا بأنهــا‬
‫"حركة ظلمية ورجعية" حــتى أن أمينــه العــام حمــة الهمــامي‪،‬‬
‫أصدر كراسا ً بهذا الصدد عنوانه "ضد الظلمية" انتقد فيه بشدة‬
‫أطروحات الحركة السلمية التونسية‪ .‬وقد التقى حزب العمال‬
‫مع النظام في الموقف عينه من حركة النهضة‪ ،‬باعتبارها العدو‬
‫الرئيسي للمجتمع المدني وللديمقراطية حسب وجهة نظرهما‪.‬‬
‫وقــد أفقــد هــذا التحــالف غيــر المعلــن بيــن حــزب العمــال‬
‫الشيوعي التونسي والنظام‪ ،‬الحــزب مصــداقيته السياســة فــي‬
‫تونس‪ ،‬بسبب استمرار تشبثه بنهجه الدوغمائي‪ ،‬وقراءاتــه غيــر‬
‫الدقيقة لطبيعة الحركة الســلمية التونســية وأهــدافها‪ ،‬وكــذلك‬
‫تقويمه غير الصائب لطبيعة ســلطة الســابع مــن نوفمــبر‪ ،‬الــتي‬
‫اســتخدمته هــو والمعارضــة العلمانيــة‪ ،‬كرصــاص فــي مواجهــة‬
‫الحركة السلمية‪.‬‬
‫أما في حرب الخليج الثانية‪ ،‬فقد دعا حمة الهمامي الميــن‬
‫العام للحزب إلى اعتماد برنامج قومي جــاد لمواجهــة العــدوان‬
‫الميركي الصهيوني ضد العراق‪ .‬ووصف العدوان الثلثيني على‬
‫العراق بأنه ليس مجرد صراع بين العراق وقــوى أجنبيــة تــدعي‬
‫حماية الشرعية الدولية‪ ،‬إنما هو صــراع بيــن طموحــات العــرب‬
‫نحو نهوض قــومي شــامل وبيــن قــوى طامعــة بــأرض وثــروات‬
‫العــرب‪ .‬وأكــد أن الظــروف القائمــة فــي مواجهــة المبرياليــة‬
‫والصهيونية والرجعية هي أفضل من كل الظروف السابقة‪ ،‬لن‬
‫المواجهـــة الـــتي خاضـــها العـــراق كشـــفت تـــداخل الخنـــادق‬
‫والمتاجرين بالشعارات القومية وأعطت أهمية واســعة للنضــال‬
‫من أجل الوحدة العربية‪ .‬وأختتم حديثه قائل ً ‪ :‬إن ما حصل فــي‬
‫معركة العراق المقدسة يمثل قاعدة وأرضية لبعث جبهة وطنية‬
‫للمبريالية( والصهيونية والرجعية ترتقــي‬
‫وقومية عريضة معادية‬
‫إلى مستوى المعركة المقبلة )‪. 133‬‬
‫وجدير بالذكر أن حزب العمال الشيوعي التونسي كان من‬
‫أشد المتحمسين في مساندة العراق‪ ،‬مثله في ذلك مثل بــاقي‬
‫الجماهير العربية في تونس‪ .‬غيـر انـه مـع انتهـاء حـرب الخليـج‬
‫‪133‬‬

‫ةةةةةةةة " )ة ‪.(146 -145‬‬
‫)( ‪ -‬ةةة ةةةةة ةةةةةةةة‪ -‬ةةةةة ‪. 18/7/1991‬‬

‫الثانيــة وإســقاطاتها المــدمرة المعروفــة‪ ،‬وكــذلك مــع انتهــاء‬
‫محاكمة قيادات وكوادر حركة النهضة في تونس صــيف ‪،1992‬‬
‫وســيادة الحــل المنــي‪ -‬البوليســي فــي التعامــل مــع ملفــات‬
‫المعارضة التونسية‪ ،‬تعرض حزب العمال الشــيوعي التونســي‪،‬‬
‫إلــى اعتقــالت ومحاكمــات‪ ،‬شــملت أبــرز قيــاديه وهــم حمــة‬
‫الهمامي‪ ،‬ومحمد الكيلني‪ ،‬ومحمــد بــن ساسـي‪ .‬وقــد أصــدرت‬
‫محكمتان تونسيتان )محكمــة قــابس ومحكمــة سوســة( حكم ـا ً‬
‫بالسجن لمدة تسع سنوات علــى حمــة الهمــامي الميــن العــام‬
‫للحزب‪ ،‬بتهمة الحتفاظ بتنظيم غير مرخص لــه شــرعيًا‪ ،‬وتهــم‬
‫ملفقة له‪ ،‬وذلك في ربيع ‪ .1994‬ولم يفرج عن مساجين حزب‬
‫العمال الشيوعي إل في خريف ‪ ،1996‬حيث أصبح هذا الحزب‬
‫الماركسي الصغير جدا ً يعاني بــدوره مــن انشــقاق داخلــي فــي‬
‫صفوفه‪ ،‬بسبب تفجر الصراع بين قطبي قيادته‪ :‬حمة الهمــامي‬
‫الــذي يمثــل خــط التشــدد فــي التعامــل مــع الســلطة‪ ،‬ومحمــد‬
‫الكيلني الذي يمثل خط التعاون معها‪.‬‬
‫وفي نهاية عقد التسعينات عادت السلطات التونســية إلــى‬
‫ملحقة قيادات وأنصار حزب العمال الشـيوعي التونسـي‪ .‬فقـد‬
‫اعتقلت آلة القمع البوليسية عشرين طالبا ً وطالبة من أصــحاب‬
‫الميول اليسارية‪ ،‬وقدمتهم إلى المحاكمة إضافة إلى المحاميــة‬
‫المدافعة عن حقوق النســان راضــية نصــراوي فــي تمــوز عــام‬
‫‪ ،1999‬بتهمة « تسهيل عقد اجتماع أعضــاء جمعيــة تــدعو إلــى‬
‫الحقد »‪ ،‬في إشــارة إلــى حــزب العمــال الشــيوعي التونســي‪،‬‬
‫التنظيم الصغير والمحظور الذي يقوده زوجهــا حمــة الهمــامي‪،‬‬
‫بعد تعرض هؤلء المناضلين إلى التعذيب الوحشي‪ .‬وفي الرابع‬
‫عشر من تموز الماضي‪ ،‬صـدرت الحكـام‪ ،‬وراوحـت بيـن سـتة‬
‫أشهر و تسع سنوات بحق الطلبة النقابيين ‪.‬‬
‫‪‬‬

‬وظلت الطبقات والفئات الجتماعية فــي‬ ‫تونس تسلك طريقها الخاص‪ ،‬عندما تريد أن تعبر عــن إرادتهــا‪،‬‬ ‫كما وجــدت فــي انتفاضــة ‪ 26‬ينــاير )كــانون ثــاني( ‪ ،1978‬و «‬ ‫ثورة الخبز » في نهاية ‪ 1983‬وبداية ‪ ،1984‬ولم تكن في مثل‬ ‫هذه الحالت مستعدة لعتبـار أحـزاب المعارضـة اليسـارية‪ ،‬أي‬ ‫حزب منها‪ ،‬قيادتها‪ .‬‬ ‫ولهذا لم تصبح أحزاب المعارضــة اليســارية أحــزاب طبقــة‬ ‫وشرائح اجتماعية ذات مصلحة فــي إحــداث تحــول ديمقراطــي‬ ‫حقيقي وتغيير جذري‪ .‬‬ ‫وعلى الرغــم مــا قــامت بــه كــل هــذه الحــزاب مــن نشــاطات‬ ‫سياســية ك ـ ّ‬ ‫ل مــن مــوقعه‪ ،‬وقــدمت مــن تضــحيات إل أنهــا لــم‬ ‫تستطيع أن تنجز أهدافها السياســية‪ ،‬وبخاصــة بنــاء ديمقراطيــة‬ ‫فعلية وحقيقية في تونس‪ .‬وهذه مسألة طبيعية‪ ،‬لن قيادات الجمــاهير‬ ‫الشعبية التي تمردت في أكثر مــن مناســبة فــي تــونس‪ ،‬كــانت‬ ‫تتطلب تنظيم قطاعــات منهــا‪ ،‬ووضــع البرامــج الــتي تعــبر عــن‬ ‫مصــالحها‪ ،‬وانتهــاج النهــج الــذي يلــبي مطامحهــا‪ ،‬وهــذا مــا لــم‬ ‫تستطع أحزاب المعارضة اليسارية أن تفعله ‪.‬‬ ‫وأن هذه الحزاب كانت أحزاب نخبة من المثقفيــن فــي مدينــة‬ ‫تونس العاصمة والمراكز المدينية الخرى‪ ،‬وأنها لم تكن أحزاب ـا ً‬ ‫شعبية‪ .‬‬ ‫وتؤكـــد التجربـــة السياســـية والتاريخيـــة فـــي تـــونس أن‬ ‫المعارضــة اليســارية بمختلــف مكوناتهــا لــم تســتطع أن تجنــد‬ ‫قطاعا ً واسعا ً من المواطنين‪ ،‬وبالتالي أن تعبر عن إرادة طبقــة‬ ‫أو تحالف طبقي شعبي‪ .‬وهــذا البرنامــج ل يتحقــق بالوســائل‬ .‬ويعـود هـذا مـن وجهـة نظرنـا إلـى أن‬ ‫أحزاب المعارضة اليسارية في تونس كانت أحزابا ً مدنيــة‪ ،‬فــي‬ ‫وقت كانت فيه المدينة أقلية بالنسبة لسائر الشـعب التونسـي‪.‬ولقد أخذت التطورات والحداث العالميــة‬ ‫منذ نهاية الحرب الباردة‪ ،‬تدفع إلى تحديد برنامــج آليـة التحــرك‬ ‫نحو بناء ديمقراطية فعلية‪ .‫حزب العمال الشيوعي التونسي‬ ‫الخـاتمــــــــة‬ ‫تعيــش المعارضــة اليســارية فــي تــونس ‪ -‬علــى اختلف‬ ‫مكوناتها‪ ،‬من حركة التجديد )الحزب الشــيوعي التونســي( إلــى‬ ‫حــزب التجمــع الشــتراكي التقــدمي‪ ،‬مــرورا ً بحــزب العمــال‬ ‫الشيوعي التونسي غير المعترف به رسميا ً ‪ -‬في أزمــة عميقــة‬ ‫ولهــذه الزمــة أبعادهــا السياســية والجتماعيــة واليديولوجيــة‪.‬ولن المشاركين في هذه الحزاب كانوا كــذلك‪ ،‬وكــانوا‬ ‫يعملون علــى هــامش الســلطة‪ ،‬فيــدعون إلــى المشــاركة فــي‬ ‫النتخابات‪ ،‬ويكتفون بالمطالبة بالصلحات‪ ،‬ظلــوا بعيــدين عــن‬ ‫جماهير الشعب‪ ،‬التي هجرتهم‪.‬‬ ‫وقــد عجــزت أحــزاب المعارضــة اليســارية التونســية عــن‬ ‫اكتشاف البرنامج اللزم في مرحلة معينة‪ ،‬وحيــن أشــارت إلــى‬ ‫بعض ملمح التحول الديمقراطي‪ ،‬لم تكتشــف الســلوب اللزم‬ ‫الذي يحقق عملية بناء دولــة الحــق والقـانون بــالتلزم مــع بنــاء‬ ‫مجتمع مدني حديث‪ .‬فالحزب الشيوعي لــم ينجــز البــديل‬ ‫التقــدمي الــديمقراطي فــي تــونس الــذي ظــل يمجــده طيلــة‬ ‫تــاريخه‪ ،‬والتجمــع الشــتراكي التقــدمي لــم يحقــق الصــلح‬ ‫المنشود‪ ،‬وحزب العمال الشــيوعي التونســي لــم يقــم بــالثورة‬ ‫الوطنية الديمقراطية‪ ،‬و « الثورة الشتراكية » ‪.

‬هنـا وقعـت الحـزاب اليسـارية فـي قصـور الدراسـة‬ ‫والفهم‪ ،‬فحول كل منها إيديولوجيته إلى طــوبى‪ ،‬وكــان طبيعي ـا ً‬ ‫أن يفشل فــي أن يحولهـا إلــى برنامـج سياســي محــدد‪ ،‬وملئم‬ ‫لتطور مجتمعه التاريخي‪.‬ولن المــر كــان كــذلك‪ ،‬كــان‬ ‫مستحيل ً عليها أن تنجح أو تنتصـر‪.‬‬ ‫ومــن هنــا‪ ،‬فإننــا فــي هــذا المجــال‪ ،‬نعتــبر القصــور قصــور‬ ‫الحزاب والقوى السياسية‪ ،‬لن الجماهير التونسية شاركت في‬ ‫عدة هبات‪ ،‬وانتفاضات‪ ،‬وإضرابات عمالية وطالبية كبرى‪ ،‬خارج‬ ‫إطار الحزاب اليسـارية‪ .‬ولذلك ظلت مرتبكة فـي اليديولوجيـة والسياسـة‬ ‫معًا‪ ،‬لنها تحاول استيحاء إيديولوجية ســابقة‪ .‬‬ ‫ومــن اللفــت للنظــر فــي الواقــع التونســي أن أحــزاب‬ ‫المعارضة اليسارية فــي تــونس قســمان‪ ،‬فــي ميــدان التشــديد‬ .‬‬ ‫وفي ظل الحرب الباردة‪ ،‬لم تستطع الحزاب اليسارية في‬ ‫تونس أن تعبر عن إيــديولوجيتها‪ ،‬وبرنامجهــا السياســي‪ ،‬تعــبيرا ً‬ ‫دقيقا ً وفعا ً‬ ‫ل‪ .‬‬ ‫إن هذا ل ينفي وجود قيــود متشــددة مفروضــة مــن الدولــة‬ ‫البوليســية التونســية تمنــع المــواطن مــن الســهام فــي الحيــاة‬ ‫الحزبية‪ ،‬والطبقة من أن يكـون لهـا حزبهـا‪ ،‬والجمـاهير مـن أن‬ ‫تأخــذ زمــام قضــيتها‪ .‬‬ ‫لقد كانت الحزاب اليسارية التونســية حــائرة دائم ـا ً وســط‬ ‫الصراع اليديولوجي العالمي‪ ،‬ومرتبكة دائما ً في دوامة الحركــة‬ ‫السياســية‪ ،‬وتحــاول التوفيــق فــي خطواتهــا السياســية بيــن‬ ‫مصالحها في البقاء‪ ،‬والسلطة واليديولوجيا والبنيــة الجتماعيــة‬ ‫المتخلفة‪ ،‬والدين‪ .‬ولــذلك‬ ‫غابت التجمعات الشعبية عن أحزاب المعارضــة اليســارية‪ ،‬فــي‬ ‫مواسم النتخابات ‪.‬وهنــاك مشــكلتان‬ ‫هنا ‪ :‬الولى كيــف تفهــم هــذه الحــزاب اليســارية اليديولوجيــة‬ ‫وكيف تستطيع التعبير عنهــا‪ ،‬والثانيــة كيـف تحولهـا إلــى برامــج‬ ‫سياسـية‪ .‬ولذلك كان الخط السياســي رجراج ـًا‪ ،‬وكــان‬ ‫التقلــب السياســي ســمة بــارزة‪ .‬ولكــن هــذه القيــود والعــوائق‪ ،‬كــالقمع‬ ‫البوليســي‪ ،‬وعــدم صــدور صــحف المعارضــة منــذ ســنوات‬ ‫) فالطريق الجديد لسان حــال الحــزب الشــيوعي تحــولت إلــى‬ ‫مجلة شهرية‪ ،‬وكذلك الموقف لســان حــال التجمــع الشــتراكي‬ ‫التقــدمي‪ ،‬ورغــم ذلــك لــم تســتطيعا المحافظــة علــى الصــدور‬ ‫بصفة دورية ومنتظمة(‪ ،‬واحتكار الدولــة أجهــزة العلم بشــكل‬ ‫مطلــق‪ ،‬وتوظيفهــا لخدمــة مصــالح وأهــداف حــزب التجمــع‬ ‫الدستوري الديمقراطي الحاكم‪ ،‬وتغييب المعارضــة‪ ،‬فضـل ً عــن‬ ‫أن الصــحف الواســعة النتشــار ظلــت دائمــا ً قليلــة الهتمــام‬ ‫بالمعارضة اليسارية والحوار مع قياداتها‪ ،‬وكذلك التخلــف العــام‬ ‫في المجتمع‪ ،‬وعـدم التبلـور الطبقـي لـدى العمـال والفلحيـن‪،‬‬ ‫كانت موجودة في الجزائر والمغــرب‪ .‬لقـد كـانت مشـكلة الحـزب اليسـاري‬ ‫عامــة‪ ،‬كيــف يكــون حزبــا ً شــعبيًا‪ ،‬ل بالشــعارات فقــط‪ ،‬ول‬ ‫بالبرنامج‪ ،‬بل كيف يقود القطاع الذي يتوجه إليه مــن الشــعب‪،‬‬ ‫وكيف يصبح قيادة شعبية ؟ ولم يستطع الحزب اليســاري حــتى‬ ‫هذه اليام أن يحــل هــذه المشــكلة‪ ،‬حــتى عنــد الســتيلء علــى‬ ‫السلطة ولم تناقش الحزاب اليسارية هــذه المســألة مناقشــة‬ ‫علميــة‪ ،‬وإن كــانت تســتخدم فــي مجــال اتهــام حــزب لخــر‪،‬‬ ‫بالقصور وعدم الشعبية‪.‫التي تتبعها المعارضة اليسارية‪ ،‬التي ترفض أن تمارس سياسة‬ ‫المعارضة الجدليــة للســلطة‪ ،‬الــتي قــد تــؤدي إلــى قطيعــة مــع‬ ‫الســلطة‪ ،‬بــل اكتفــت بممارســة دور معــارض ل يتجــاوز حــدود‬ ‫الوفاق الوطني‪ ،‬الذي أقرته الدولة التسلطية التونسية‪ .‬ومــع ذلــك‪ ،‬فــإن أحــزاب‬ ‫المعارضة المعنية في هذين البلدين تخطت هذه العوائق‪ ،‬وبنت‬ ‫أحزابا ً شعبية ‪.

‬وكان طبيعيـا ً أن يــؤثر هــذا القصــور فــي المجـال‬ ‫الفكري – الثقافي في تنميــة الــوعي داخــل أحــزاب المعارضــة‬ ‫اليسارية‪ ،‬وفي عدم نشر الثقافـة الديمقراطيــة‪ ،‬وترســيخ مبــدأ‬ ‫حق الختلف‪ ،‬وتحفيــز قطــاع متزايــد مــن النخــب والمــواطنين‬ ‫للهتمــام بالشــأن العــام‪ ،‬والمشــاركة فــي النشــاط السياســي‬ ‫والجمعيــاتي وفــي علقتهــا بالجمــاهير الشــعبية‪ ،‬وأن يخضــعها‬ ‫لسياسات عملية‪ ،‬تنشغل بــاليومي دون البعيــد المــدى وتندمــج‬ ‫بمنطــق الواقــع القــائم‪ ،‬دون ارتبــاط وثيــق بالمبــادئ والقيــم‪.‬ويتجلــى هــذا العجــز‪ ،‬فــي‬ ‫النفصال عن حركة الجماهير‪ ،‬وفي تبنــي المواقــف والمواقــف‬ ‫المضادة‪ ،‬وفي تغليب اليومي على البعيد المدى ‪.‬وعلى الرغم من ذلك‪ ،‬فإن الممارسة العملية‪ ،‬تثبـت‬ ‫أن الذين يشددون على أهمية اليــديولوجيا نظري ـًا‪ ،‬ل يلــتزمون‬ ‫ذلك في الممارسة العملية ول يعطون اليديولوجيا‪ ،‬حتى بعــدها‬ ‫النظـري‪.‬وقد وضعت الجهزة المنية‬ ‫سياسات مختلفة اقتصادية واجتماعيــة وثقافيــة لتفــتيت القــوى‬ ‫السياسية المعارضة‪ ،‬ولبــتزاز المــواطنين وإخضــاعهم ‪ .‬‬ ‫إن قصــور المعارضــة اليســارية عــن تجســيد إيــديولوجيتها‬ ‫وتحويلها إلــى برنامــج سياســي محــدد‪ ،‬منســجم مــع متطلبــات‬ ‫المرحلة التاريخية‪ ،‬وإلى ممارسة عمليــة يوميــة‪ ،‬جعــل أحزابهــا‬ ‫غيــر فعالــة فــي إنجــاز المهمــات التاريخيــة‪ ،‬وأوقــع الجمــاهير‬ ‫التونسية في بلبلــة الصــراعات اليديولوجيــة المختلفــة ودفعهــا‬ ‫إلى السلبية‪ .‬ولهــذا لــم تعــن بإصــدار مجلت‬ ‫نظرية علنية‪ .‬ثــم إن‬ ‫الجهزة المنية التونســية الــتي ل تراعــي الحريــات‪ ،‬ول تحــترم‬ ‫حقــوق النســان‪ ،‬مســتعدة لرتكــاب المجــازر البشــعة عنــد‬ ‫الضــرورة‪ ،‬كمــا حــدث فــي انتفاضــة ‪ 26‬ينــاير ) كــانون الثــاني‬ ‫‪ ( 1978‬و « ثورة الخبز » عام ‪..‬‬ ‫ً‬ ‫وفضل عن ذلك كله‪ ،‬تفتقر أحزاب المعارضة اليسارية فــي‬ ‫تونس إلى الخبرة فــي إصــدار المجلت الثقافيــة النظريــة ذات‬ ‫الشأن‪ ،‬لكــي تكــون منــابر للحــوار الــوطني‪ ،‬والنقــد السياســي‬ ‫والمطارحات الفكرية‪ ،‬والصوت الذي يعبر عن شواغل مختلــف‬ ‫مكونات المجتمع المدني ) أحزاب‪ ،‬جمعيات‪ ،‬منظمــات الــدفاع‬ ‫عن حقوق النسان ونقابــات (‪ .‬‬ ‫وأن أحــزاب المعارضــة اليســارية لــم تكــن تمتلــك الخــبرة‬ ‫التنظيمية اللزمة لبناء جسم موحد ومتماسك وفعال‪ ،‬والخــبرة‬ ‫اللزمة لتعبئة جماهيرها وقيادتها‪ ،‬والــوعي اللزم لفهــم طبيعــة‬ .‬‬ ‫ل شك أن أحزاب المعارضة اليســارية نشــأت فــي مجتمــع‬ ‫تونسي متخلف وتــابع‪ ،‬وهــذا مــا جعلهــا هــدف القــوى الرجعيــة‬ ‫المحلية‪ ،‬التي طورت أجهزة القمع‪ .‬وثانيهمــا‪ ،‬ل يــرى التشــديد علــى‬ ‫اليديولوجيا ضروريًا‪ ،‬مثل التجمع الشتراكي التقدمي والحــزب‬ ‫الشيوعي‪ . 1984‬‬ ‫والحال هذه‪ ،‬فقد واجهت تشكيلت المعارضة اليسارية في‬ ‫تونس صعوبات جمة في عمليات بناء حزب العمال والفلحيــن‪،‬‬ ‫وتعــود الســباب فــي هــذا الفشــل إلــى أن القــوى التونســية‬ ‫البروليتاريا والفلحين الفقراء والشرائح الديمقراطيــة والثوريــة‬ ‫من الطبقة الوسطى ضعيفة الخبرة السياسية والتنظيميــة أو ً‬ ‫ل‪.‬وهذا ما يفسر لنا تآكل شــعبية أحــزاب المعارضــة‬ ‫اليســارية‪ ،‬واســتقطاب الحــزب الحــاكم النخبــة اليســارية مــن‬ ‫النتليجنســيا‪ ،‬ومــن أصــوات المقــترعين الــذين كــانوا يصــوتون‬ ‫للمعارضة فــي الماضــي‪ ،‬وتراجــع الرصــيد الشــعبي للمعارضــة‬ ‫اليسارية في السنوات العشر الخيرة ‪.‬‬ ‫ولذلك لم تستطع هذه الحزاب أن تفهم حركة المجتمــع‪ ،‬ونمــو‬ ‫القــوى فيــه‪ ،‬ول أن تجســد إرادة التغييــر ‪،‬ول أن تعمــق الــوعي‬ ‫السياســي‪ ،‬وتربــي أجيــال ً ثوريــة ‪ .‫حزب العمال الشيوعي التونسي‬ ‫علــى أهميــة اليــديولوجيا‪ ،‬أولهمــا يشــدد علــى أن اللــتزام‬ ‫اليــديولوجي هــو الســاس‪ .

‬والجــانب التنظيمــي ليــس هــو حالــة متوســطة بيــن‬ ‫النظرية والممارسة‪ ،‬إنه النظرية في الممارسة‪ ،‬وبالتــالي فهــو‬ ‫اتحاد النظرية والممارسة‪ ،‬اتحاد النظري والعملي ‪.‬‬ ‫ولما كانت المســألة التنظيميــة لــم تــول الهتمــام النظــري‬ ‫الذي تستحق‪ ،‬ولم تتـوافر لهـا الخـبرات العمليـة اللزمـة فإنهـا‬ ‫مازالت بعيدة عن البحث‪ ،‬وبالتالي بعيدة عن الفهم مــن جــانب‬ ‫أحزاب المعارضة اليسارية‪ ،‬وتتجسد هــذه المســألة‪ ،‬فــي مــدى‬ ‫تجسد الوعي التنظيمي في العضاء والمراتب القيادية‪ ،‬القيادة‬ ‫أو ً‬ ‫ل‪ ،‬ومدى تأثير النظام الداخلي في وعــي المسـألة التنظيميـة‬ ‫ثانيــًا‪ ،‬وفــي مــدى الــتزام القيــادة والمراتــب القيــادة النظــام‬ ‫الداخلي والمبادئ التنظيمية ثالثًا‪ ،‬وفي مــدى انســجام النظريــة‬ ‫التنظيمية مع البرنامــج السياســي والمهمــات السياســية رابعـًا‪،‬‬ ‫وفــي مــدى القــدرة علــى اكتســاب الخــبرة التنظيميــة اللزمــة‬ ‫لنجاز المهمات السياسية خامسًا‪ ،‬وفي مــدى تطــوير الخــبرات‬ ‫والقــدرات النضــالية والسياســـية والثقــة بالشــعب وقـــدراته‬ ‫سادسا ً ‪.‬كمـا أن العقــل السياسـي‬ ‫القادر على التحليل العلمي‪ ،‬واتخاذ القرار الصحيح فــي الــوقت‬ ‫المناسب كــان غائب ـا ً ثالث ـًا‪ .‬‬ ‫ولن هــذا لــم يتــم‪ ،‬فــإن الحــزب اليســاري التونســي‪ ،‬أو‬ ‫الشيوعي التقليدي‪ ،‬أو الجديد‪ ،‬يرتبــط عــادة باســم شــخص‪ ،‬أو‬ ‫يدين عمليا ً ونظريا ً لشخص‪ ،‬وتصبح الهيئات العليا مجــرد هيئات‬ ‫رمزية‪ ،‬أو جماعات موظفين يخدمون رئيس الحــزب أو الميــن‬ ‫العام‪ .‬ولــذلك فليــس هنــاك حــزب يســاري‬ ‫تونسي حقق بعض مهماته الرئيسية ‪.‬لن التسلط يسقط النضباط الــواعي‪،‬‬ ‫ويقيم نظام الريـاء و العلقـات الشخصــية‪ ،‬وقــد نتــج عـن ذلـك‬ ‫اختلل عمل التنظيم بعقد نظامية‪ ،‬ونقــص اللــتزام والنضــباط‬ ‫فيــه‪ ،‬وبــروز الــدور الشخصــي للميــن العــام‪ ،‬أو العضــاء ذوي‬ ‫المراتب المسؤولة‪ ،‬على حساب البنية التنظيمية‪ ،‬ونمــو الــروح‬ ‫الشــللية‪ ،‬والمحــاور ذات المصــالح الشخصــية‪ ،‬وســيادة روح‬ ‫التسيب والكولسة‪ ،‬مما أدى إلى إضعاف البنية التنظيمية‪ ،‬وإلى‬ ‫بروز صراعات استفحلت كثيرا ً في صــفوف أحــزاب المعارضــة‬ ‫اليسارية‪ .‬‬ ‫إن هذا يعكس مدى الخلل اليديولوجي والسياسي‪ ،‬وتفاقم‬ ‫هذا الخلل بعد سقوط الشيوعية‪ ،‬الخيار اليــديولوجي الســابق‪،‬‬ ‫حين جاءت عقيدة أخرى لتقدم أجوبة مطلقة عن جميــع قضــايا‬ ‫النسان‪ :‬الصولية الســلمية الــتي احتلــت موقــع اليديولوجيــة‬ ‫الشيوعية في التعــبئة الجماهيريــة ســواء علــى صــعيد الجامعــة‬ ‫التونســية‪ ،‬أم علــى صــعيد المــدن والريــاف‪ .‬وأوضح النــائب‬ ‫المعني لجريدة الحياة أنه لــم يخــتر موقــع الســتقلل‪ « ،‬وإنمــا‬ ‫أشعرتني حركة التجديد منذ اليام الولى اللحقة على انتخــابي‬ ‫بأن علي أن أكــون فــي ذلــك الموقــع‪ ،‬وزاد شــارحا ً « أول مــن‬ .‫المعركة الـدائرة ودورهـا فيهـا ثانيـًا‪ .‬وكان النائب سالم رجب قــد أمضــى‬ ‫شبابه فـي الحركـات اليسـارية‪ ،‬ثـم فـي الحركـة النقابيـة قبـل‬ ‫دخوله مجلس النواب على لئحة حركة التجديد‪ .‬فها هو النائب ســالم رجــب عــن « حركــة التجديــد »‬ ‫الذي انتخب على لئحتها في دائرة المهديــة عــام ‪ ،1994‬ابتعــد‬ ‫عنها بسبب قلة النسجام مع قيادتهــا‪ ،‬وعــاد شخصــية مســتقلة‬ ‫مثلما كان قبل النتخابات‪ .‬ولكــن المعارضــة‬ ‫اليســارية فــي تــونس لــم تكــن تعــاني مــن خلــل إيــديولوجي‬ ‫وسياسي فقط‪ ،‬بل إنها أيضا ً كانت تعاني من خلل فــي الجــانب‬ ‫التنظيمي‪ .‬وتتخــذ العلقــة بيــن المراتــب شــكل ً تســلطيا ً مــن جهــة‪،‬‬ ‫وتسيبيا ً من جهة أخرى‪ .‬ولمــا كــانت هــذه خــبرات ومهمــات‬ ‫كبيرة‪ ،‬فلن يكون سهل ً اكتسابها‪ ،‬وكان هذا واضحا ً على الصعيد‬ ‫التونسي‪ ،‬إذ إن أحزاب المعارضة اليسارية لم تستطع كلهــا أن‬ ‫تكتســب هــذه الخــبرات‪ ،‬وأن تحقــق هــذه المهمــات‪ ،‬وإن كــان‬ ‫هنــاك فــرق‪ ،‬فــإنه كمــي‪ .

‫حزب العمال الشيوعي التونسي‬ ‫صنفني في هذه الخانة هو المين العام للحركــة محمــد حرمــل‬ ‫في أول حديث أدلــى بــه »‪ .‬وكــانت حركــة‬ ‫التجديد قد ســيطرت علــى أربعــة مقاعــد فــي البرلمــان عقــب‬ ‫انتخابات ‪ ،1994‬لكن اثنين من هؤلء انشقا ليخوضا النتخابــات‬ ‫الخيرة التي جرت في ‪ 15‬أكتوبر عام ‪ 1999‬بلــوائح مســتقلة‪،‬‬ ‫فيما انفصل الثالث عن الحركة منذ خمسة أعوام ‪.‬ولــم‬ ‫تستطع النتلجنسيا اليســارية الضــعيفة والمشوشــة أن تعكــس‬ ‫موقف الجماهير العاملة والكادحة من التخلف التــاريخي‪ ،‬ومــن‬ ‫أشــكال النــدماج بالنظــام الرأســمالي العــالمي‪ .‬أمــا فــي البلد العربيــة‪ ،‬ومنهــا تــونس‪ ،‬فلقــد‬ ‫انهار الريف‪ ،‬ولم تنــم الصــناعة‪ ،‬وظلــت هامشــية بســبب عجـز‬ ‫الفئات الحاكمة الجديدة ) عجزها النظــري والعملــي ( وبســبب‬ ‫معارضــة الحتكــارات الرأســمالية الغربيــة‪ ،‬لــذلك تراجــع دخــل‬ ‫الريف في مجمل النتاج الــوطني‪ ،‬ولــم يتطــور وضــع الصــناعة‬ ‫كــثيرًا‪ .‬ولهــذا ظلــت‬ .‬وكــان رجــب يشــعر بحكــم أصــوله‬ ‫الفكرية و السياسية أن « التجديد » هو أقرب حــزب إليــه بيــن‬ ‫التشكيلت السياسية القائمة قبل النتخابات الخيـرة‪ ،‬خصوصـا ً‬ ‫أنه سبق أن ترشح في انتخابات ‪ 1989‬على لئحة « التجديد »‬ ‫لمــا كــان يحمــل اســم « الحــزب الشــيوعي»‪ .‬وقد أدى هذا الوضع إلـى اختلط طبقــي‬ ‫وتشوش اجتماعي‪ ،‬انعكس لدى أبناء المــدن عامــة والمثقفيــن‬ ‫خاصة‪ ،‬ولدى قطاعات واسعة من الشعب تمزق ـا ً وحيــرة‪ .‬ولــذلك دللتــه‪ ،‬فــإذا كــانت الطبقــة العاملــة والفلحــون‬ ‫الفقراء هما القوة الجتماعية التي اعتمــدها الحــزب الشــيوعي‬ ‫في الصين وفيتنام ‪،‬فإن دورهما محدود في تونس‪ ،‬وهذه عقدة‬ ‫مهمة في حاجة إلـى دراسة وتمحيص وبحث ‪.‬‬ ‫وقـد انعكـس ذلـك علـى طبيعـة الصـراع الجتمـاعي‪ ،‬فتـم‬ ‫تشــويه الطبقــات المتصــارعة بمعناهــا الكلســيكي‪ ،‬وتغييــب‬ ‫ســاحات الصــراع الحقيقيــة ) المصــانع (‪ ،‬وأصــبحت الدولــة‪،‬‬ ‫القطرية التونسية العاجزة بنيويا ً عــن مواكبــة العصــر‪ ،‬ل ضــمن‬ ‫قــانون العولمــة الرأســمالية الســائد‪ ،‬ول ضــمن نقيــض هــذا‬ ‫القانون‪ ،‬دولة بوليسـية بالضـرورة‪ ،‬وتحـولت إلـى مجـرد وكيـل‬ ‫سياســي أمنــي تقليــدي للفئات البرجوازيــة الطفيليــة الداخليــة‬ ‫وللمبريالية الميركية والصهيونية العالمية في آن معًا‪ ،‬مما حال‬ ‫دون أن يأخذ الصـراع بيـن السـلطة والجمـاهير الشـعبية طـابع‬ ‫صراع سياسي شامل‪ .‬‬ ‫فلماذا كثرت النشقاقات داخل أحزاب المعارضة اليســارية‬ ‫في تونس ؟ هناك عدة أسباب منها ‪:‬‬ ‫‪ .‬‬ ‫لقد كانت الصــناعة بــديل الزراعــة فــي الــدول الرأســمالية‬ ‫الغربيـة‪ ،‬لـذلك انهـزم الريــف‪ ،‬ونمـت الصـناعة كقـوة إنتاجيـة‪،‬‬ ‫كنمط إنتاج جديد‪ .‬‬ ‫ولقد أوجد هذا الوضــع ظرفـا ً معقــدا ً فــي تــونس‪ ،‬إذ أصــبح‬ ‫المجتمــع يعتمــد علـــى المســاعدات‪ ،‬والقــروض الخارجيــة‪،‬‬ ‫والسياحة‪ ،‬وكذلك دخول القوى العاملــة التونســية فــي البلــدان‬ ‫الرأسمالية‪ ،‬ممــا أعطــى الفئات الكمبرادوريــة الحاكمــة القــوة‬ ‫اللزمة لسحق الجمــاهير الشـعبية خصوصـا ً مــع ســيادة النمــط‬ ‫الستهلكي‪ ،‬الطامح لمتلك أرقى ما أنتجته السوق المبريالية‪،‬‬ ‫دون أن يكون هناك " دخــل " فــي الســداد‪ ،‬ممــا راكــم الــديون‬ ‫على تونس‪ ،‬وأبرز ظــاهرتين خطيرتيــن‪ ،‬ارتفــاع أســعار الســلع‬ ‫ارتفاعا ً جنونيـًا‪ ،‬وانخفــاض معــدل الــدخل الفــردي‪ ،‬ممــا فــرض‬ ‫تحــول أقســام متزايــدة مــن الجمــاهير الشــعبية إلـــى الفقــر‬ ‫المدقع ‪.1‬وجود بنــى اجتماعيــة متخلفــة فــي تــونس‪ ،‬وتشــكيلت‬ ‫اجتماعية « مــا قبــل رأســمالية »‪ ،‬تابعــة للقتصــاد الرأســمالي‬ ‫العالمي‪ ،‬أدت إلـى تفتيت المجتمع التقليدي‪ ،‬وعدم بناء اقتصاد‬ ‫إنتاجي حديث‪ ،‬بل اقتصاد خدمات تابع‪.

‬لن‬ ‫انهيار القبيلة‪ ،‬وتحلل القرية‪ ،‬وتحول الحي الشــعبي إلـــى جــزء‬ ‫من مدينة متغربة‪ ،‬وانهيار نمط النتاج التقليدي‪ ،‬لم يرافقه قيام‬ ‫نمط إنتاج حديث‪ ،‬ول مدنية حديثة‪ ،‬بكل معنى الكلمة‪ ،‬ول قرية‬ ‫حديثة … فسقطت حدود وضوابط اجتماعية ولم يقم بديل لها‪.‬‬ ‫إذ إن البلد يحتاج مثل هذا الخط السياسي لنه يقترب أكثر من‬ ‫هوية المجتمع نفسه » في حين أن الحــزاب الخــرى المصــنفة‬ ‫معارضــة تعــاني غموض ـا ً فــي هويتهــا‪ ،‬وهــذا الغمــوض مشــكلة‬ ‫للناخب « ويتابع » إذا كانت المعارضة تؤدي إلــى القطيعــة مــع‬ ‫السلطة فهي تفقد وظيفتها‪ ،‬نحن نســاند الســلطة وهــذا محلنــا‬ ‫في العراب السياسي‪ .2‬غياب التنظيم في حياة المجتمع التونســي العامــة‪ .‬‬ ‫وحين قامت الدولة التونسية الحديثة المرسملة والتابعة‪ ،‬كــانت‬ ‫تفتقد إلى الشرعية مــن جهــة‪ ،‬ودولــة نخبــة وجهويــة مــن جهــة‬ ‫ثانية‪ .‬‬ ‫لقــد لعبــت الطبقــة الوســطى دورا ً رئيســيا ً فــي أحــزاب‬ .‬ولذلك لم تكن دولة الحق والقانون‪ ،‬ولـم تعلـم المــواطن‬ ‫النظام‪ ،‬لنها ل تريــد أن تخضــع للنظـام والقـانون‪ ،‬واسـتعدتهما‬ ‫لنها بوليسية وتابعة ومعادية للديمقراطية ‪.‬‬ ‫‪ .‫الحزاب اليسارية كلها عاجزة عن تجســيد إرادة الجمــاهير فــي‬ ‫الصراع مع الدولة البوليسية فــي تــونس‪ ،‬وبالتــالي عــن خــوض‬ ‫معركة حاسمة‪ ،‬وظلت أوسع الجماهير غير موحدة على برنامج‬ ‫أو قيادة‪.‬‬ ‫ولذلك فإن الحزب اليساري التونسي‪ ،‬ســواء كــان الحــزب‬ ‫التقليدي أو الجديد‪ ،‬يضعف و يهمش‪ ،‬لتبرز النتفاضات والهبات‬ ‫الشــعبية‪ ،‬ولتكــثر داخــل هــذه الحــزاب اليســارية النقســامات‬ ‫وحتى الصراعات‪ ،‬وتثبت هذه الحزاب كل يوم أنها عاجزة عــن‬ ‫تحقيق أهدافها ‪.‬الســلطة الوطنيــة‪ ،‬وتختلــف معهــا لكنهــا‬ ‫وطنية« ‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ولذلك لم يكن غريبا أم يفقــد الحــزب اليســاري الصــلحي‬ ‫دوره الصـــلحي كـــالتجمع الشـــتراكي التقـــدمي‪ ،‬والحـــزب‬ ‫الشــيوعي دوره الثــوري‪ ،‬وحــزب العمــال الشــيوعي التونســي‬ ‫الذي يعتبر نفسه طليعة الطليعة نظريا ً وعمليًا‪ ،‬لن أيا ً من هذه‬ ‫الحزاب‪ ،‬ورغم المحاولت المختلفة كما ً ونوعًا‪ ،‬لم يكــن قــادرا ً‬ ‫على أن يثبت جدارته في ميدان النظرية أو الممارسة ‪.‬لدينا وظيفة نقدية ومعارضتنا ل تتجــاوز‬ ‫الوفــاق الــوطني‪ .‬‬ ‫وعليــه فــإن الــوعي اليــديولوجي و السياســي اللزم لبنــاء‬ ‫تنظيم قادر‪ ،‬لم يتوافر لي حزب يساري‪ ،‬أو أي قيــادة يســارية‪،‬‬ ‫ففقــدت اليديولوجيــة الثوريــة و السياســية الجذريــة‪ ،‬وفقــدت‬ ‫بغيابهما القدرة على بناء تنظيم يساري ثوري ‪.‬‬ ‫‪ – 3‬محاولت المراكز القيادية في هذه الحــزاب اليســارية‬ ‫الستئثار بالســلطة‪ ،‬ومنــع أي مناقشــة نظاميــة لهــذه القضــايا‪،‬‬ ‫فض ـل ً عــن النقــص الشــديد فــي الدراســة الخاصــة بالتجــارب‬ ‫التنظيمية‪ ،‬لن التجارب الحزبية اليسارية تجارب غير تنظيمية ‪.‬فها هو المين العام لحركة التجديد محمد حرمل ل‬ ‫يعتبر حزبه معارضا ً للنظام البوليسي‪ ،‬وإنمــا مســاندا ً للســلطة‪،‬‬ ‫حيـن يقــول » موقفنـا فـي النتخابــات )أكتــوبر ‪ (1999‬وخــارج‬ ‫النتخابات هو مساندة الرئيس )زين العابدين بن علي( انطلق ـا ً‬ ‫من ذلك لم يكــن منطقيـا ً أن أترشــح لمنافســته علــى الرئاســة‬ ‫طالما أنني أؤيـده واعتـبره رجـل هـذه المرحلـة التاريخيـة فـي‬ ‫تونس « ويحدد محمد حرمل حزبه بأنه في »اليسار الوســط«‪.‬‬ ‫ثم إن الحزب الشيوعي التونسي ) حركــة التجديــد ( الــذي‬ ‫فقد جدارته تحول إلى أساليب مختلفــة للمحافظــة علــى بقــائه‬ ‫في ظل حمايـة الدولـة البوليســية‪ ،‬فلجـأ إلــى التمتــع »بإغـداق‬ ‫امتيازاتها «‪ .

‬ولمـا كـان كــل مـا فـي الرض‬ ‫متعلق بالمن‪ ،‬وكان كل ما في الخيال خطيرًا‪ ،‬فــإن هــذا يشــل‬ ‫القوى السياسية الصلحية المرتبطـة‪ ،‬ويجعـل تحركاتهـا مجـرد‬ ‫حركات كاريكاتورية غير شعبية ‪.‬وقاد ضعف الحياة الحزبية في‬ ‫تــونس إلــى بــروز حقيقــتين متناقضــتين ‪ :‬الولــى أن الحركــة‬ ‫الشعبية ظلت تتجاوز دائما ً أحزاب المعارضة اليسارية‪ .‬الثانيــة أن‬ ‫الدولة البوليسية فــي تــونس اغتصــبت دور الحــزاب اليســارية‬ ‫حين سرقت شعارات المعارضة ‪.‫حزب العمال الشيوعي التونسي‬ ‫المعارضة اليسارية‪ ،‬فعكست فيها تأرجحها السياسي‪ ،‬وتذبــذبها‬ ‫اليديولوجي‪ ،‬وعجزها التنظيمي‪ .‬‬ ‫ولهذا ظلت الجماهير الشعبية تواجه قمع النظام البوليسـي‬ ‫القاسي‪ ،‬وتفتقر إلــى طلئع سياســية‪ ،‬وتعيــش أزمــة اقتصــادية‬ ‫حادة‪ ،‬وأزمة قيم وعلقات اجتماعيــة‪ ،‬ول تجــد برامــج سياســية‬ ‫تقنعهــا‪ ،‬ول قيــادات سياســية تحترمهــا‪ ،‬أو تثــق بهــا‪ .‬وهذا ما‬ ‫أكــدته الضــرابات العماليــة والنتفاضــات الشــعبية‪ .‬وهي تنتظر مناسبات‬ ‫يسمح لها فيها بالتظاهر‪ ،‬بدل ً مــن أن تخــوض الصــراع‪ ،‬وتعتمــد‬ ‫على حماسة الجماهير‪ .‬وقوى المعارضة اليسـارية معنيـة بعــدم‬ ‫الصدام مع الدولة البوليسية‪ ،‬ولذلك فإنها تكتفي بما يسمح لهــا‬ ‫بــه‪ ،‬وبالبيانــات والمناشــدات والمقــالت الــتي يقبلهــا القــانون‬ ‫والحاكمون‪ .‬‬ ‫وهكــذا أصــبحت أحــزاب المعارضــة اليســارية اليــوم قــوى‬ ‫إصلحية بل وهامشية جدًا‪ ،‬تكرر التراخي‪ .‬ول تستفز أحدًا‪ ،‬ثم إن هذه القوى تعلمت أن تحدد‬ ‫القضــايا الــتي تهتــم بهــا‪ ،‬فهــي تحــترم الحــدود الــتي يفرضــها‬ ‫ارتباطها بالدولة البوليسية‪ ،‬فتنــاقش كــل القضــايا ضــمن إطــار‬ ‫السياســة العامــة لهــذا النظــام أو القــوة السياســية‪ .‬‬ ‫وهذا يفرض على أحزاب المعارضة اليســارية التوقــف عــن‬ ‫القيام بأي نشاط‪ ،‬يمس المــن‪ .‬كمــا أن‬ ‫الجماهير‪ ،‬تبلبلت بالبرامج التي ل مصداقية واقعية لها‪ ،‬والفكار‬ ‫المتضــاربة‪ ،‬والشــعارات المتناقضــة‪ ،‬والحــزاب المتصــارعة‪،‬‬ ‫والممارسات المرائية‪ ،‬والنظام الخداع‪ ،‬والعلم المتحايل‬ ‫‪‬‬ .‬ومــن أول‬ ‫شروط هذا الرتباط أن يتم المتناع عــن »اســتثارة الجمــاهير«‬ ‫وأن يتم اللتزام بقضايا محددة‪ ،‬دون غيرها ‪.

‫القسم الثالث‬ ‫المعارضــــة السلمــــية‬ .

.

1‬التحديث والعلمانية والصراع مع المؤسســة‬ ‫الدينية التقليدية‬ ‫انبثقت الحركة السلمية في تونس انطلقا ً من خصوصيات‬ ‫المعطيــات التاريخيــة وعلقــة السياســي بالــديني‪ ،‬والصــراع‬ ‫التاريخي بيــن الســلطة التونســية الجديــدة والمؤسســة الدينيــة‬ ‫الزيتونية‪ ،‬وقــوة تــأثير اليديولوجيــة البورقيبيــة التحديثيــة علــى‬ ‫نطاق المجتمع‪ ،‬وقد امتلكت قدرة على التعبئة خاصة مع أواخر‬ ‫الخمسينات وبداية الستينات‪ ،‬وجسدت خطابا ً سياســيا ً علمانيــا ً‬ ‫لما يمثله من رأس مــال رمــزي و« شــرعية تاريخيــة »‪ ،‬عنــدما‬ ‫قام بورقيبة بإصلح جذري يتمثــل فــي تقليــص مكانــة الســلم‪،‬‬ ‫وتهميش دوره‪ ،‬وذلك بفعل الفهم الرسمي للسلم والنظر إليه‬ ‫علــى أنــه عقبــة فــي طريــق أي تحــرر وأي دخــول إلــى العـالم‬ ‫الحديث‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫مـــن المعـــروف تاريخيـــا وسياســـيا أن الفكـــر السياســـي‬ ‫البورقيــبي كــان متشــبعا ً باليديولوجيــة الثقافيــة الفرنســية‪،‬‬ ‫وبالنزعة التحديثية لكمال أتاتورك‪ ،‬إذ يــدل الخطــاب السياســي‬ ‫البورقيبي عــن أتــاتورك‪ ،‬علــى أهميــة التــأثير والتقــدير العميــق‬ ‫الذي ل تحظى به شخصية سياسية أخرى – فهو صانع معجزة –‬ ‫والنمــط المثــالي للبطــل والرئيــس والقــائد العلــى – ومصــدر‬ ‫الفخر الوطني لتركيا – رائد النضال الشعبي فــي تركيــا – بــاني‬ ‫تركيا الحديثة – رجل حرب وميدان‪ .‬وليس من بــاب المصــادفة‬ ‫أن يركز الخطاب السياسي البورقيبي على كمال أتــاتورك فــي‬ ‫خلـق الــوعي الـوطني وبلـورة أيديولوجيــة قوميــة قـادرة علـى‬ ‫التعــبئة‪ ،‬نظــرا ً لــتركيز السياســية الثقافيــة التونســية علــى‬ ‫ال(ــتي قــامت فــي تركيــا‬ ‫الطروحات نفسها والتوجهــات نفســها‬ ‫وأثبت نجاحها‪ ،‬وقدرتها على الستمرار )‪.‬و«الرجلن السياسيان ) بورقيبة‬ ‫وخير الدين ( يموقعان تفوق أوروبا عامة وفرنســا خاصــة‪ ،‬مــن‬ ‫‪1‬‬ ‫)( ‪ -‬ةة ةةةةة ةةةةة ة ةة ةة – ةةةةة ة‬ ‫ةةةةة ةةة ةةةةةةة ة ة ة ة ةةة – ةةة‬ ‫ةةةةة ةة ةةةةةة ة ةةةةة ة ةةةةةةة ة –‬ ‫ةةةة ةةةة ‪ ) 1988‬ة ‪.( 62‬‬ .‫الفصل الثاني عشر‪:‬‬ ‫إرهاصات ولدة الحركة السلمية‬ ‫‪ . 1‬‬ ‫وفضل ً عن ذلك‪ ،‬كان الفكر السياسي البورقيبي في ســعيه‬ ‫الـدائم نحـو القتـداء بـالغرب الرأسـمالي الوروبـي‪ ،‬مـن أجـل‬ ‫إضفاء المشروعية علــى اليديولوجيــة الوطنيــة كمرتكــز حركــة‬ ‫التحديث‪ ،‬يتسم في سياقه العــام بالنزعـة الصــلحية الليبراليــة‬ ‫والتحديثية البرجوازية الصغيرة ضمن الفق العلماني‪ ،‬وهو فــي‬ ‫الوقت عينه‪ ،‬من المنظور التاريخي‪ ،‬استمرار لفكر خيــر الــدين‬ ‫التونسي السياسي الصلحي‪ .

‬وكـان هـذا التحـالف واحـدا ً مـن‬ ‫أســباب الصــدام بيــن الســلطة السياســية والمؤسســة الدينيــة‬ ‫التقليدية‪ .‬‬ ‫وفــي نطــاق المواجهــة اليديولوجيــة ومحاصــرة فاعليــة‬ ‫الهياكــل الثقافيــة للمؤسســة الدينيــة التقليديــة‪ ،‬انتهــج بورقيبــة‬ ‫سياسة تعليمية قوامها العلمانيــة‪ ،‬وبنــاء المؤسســات الجامعيــة‬ ‫والتكنولوجيــة الــتي تعتمــد تــدريس ونشــر العلــوم والتقنيــات‬ ‫‪2‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةة ة ةةة ةةةة – ةةة ة ةةةةةةةةة ة‬ ‫ةةةة ة ةةة ةةة ة ة ة ةةة – ةةة ةةةةةة ة –‬ ‫ةةة ة – ةةة ة ةةة ة ‪ ) 1989‬ة ‪ .1957‬وبذلك أسهم بورقيبة إســهاما ً جــذريا ً‬ ‫في تفكيك البنية التحتية القتصادية للمؤسسة السلمية‪.‬ويميــل دبــاش‬ ‫إلى تفسير العامل السياسي من خلل العامل الديني‪ ،‬قــائل ً إن‬ ‫البعاد التي اكتسبتها الحركة اليوسفية « ترينا ضخامة الظاهرة‬ ‫الدينية »‪ .( 98‬‬ .‬سعى كل منهما إلى تحييد معارضة النشــأة الدينيــة‬ ‫فــي تــونس العاصــمة بتضــمين وتــوريط ممثليهــا فــي عمليــة‬ ‫الوروبيــة‬ ‫الصــلحات المؤسســاتية‪ ،‬وتقــديم هــذه الصــلحات‬ ‫اللهام بوصفها أفضل منظومة دفاع للمة السلمية»)‪.‬‬ ‫وكــانت الحركــة اليوســفية متحالفــة حينئذ مــع المؤسســة‬ ‫الدينية‪ ،‬بدليل أن خصــوم بورقيبــة‪ ،‬اتخــذوا مــن جــامع الزيتونــة‬ ‫لتنظيم أول لقاء جماهيري لهم‪ ،‬وأعطوا لمعارضتهم طابعا ً دينيا ً‬ ‫مستغلين القيمة التراثية لجامع الزيتونة كأداة لتعــبئة الجمــاهير‬ ‫الشعبية‪ .‬وقد حضر صالح بن يوسف في شهر نوفمــبر ‪،1955‬‬ ‫افتتاح المؤتمر الوطني الزيتوني ثم مــؤتمر الطلبــة الزيتــونيين‪،‬‬ ‫واعتبرت صحيفة » اليقظة « أن الكلمة الــتي ألقاهــا »الزعيــم‬ ‫الكبير‪ ،‬وجهت أبناء الزيتونة التوجيه العربي القومي الصحيح «‪.‬‬ ‫وقــد دفعــت المؤسســة الدينيــة ثمن ـا ً غالي ـا ً نتــاج مســاندتها‬ ‫اللمحدودة للحركة اليوسـفية‪ .‬واتخذ بورقيبة قرارات غاية في الهمية‪ ،‬اتسمت مــن‬ ‫حيــث مضــمونها اليــديولوجي‪ ،‬وبعــدها الحضــاري المــدني بـــ‬ ‫«الثورية البرجوازية » في إطار صراعه مــع المؤسســة الدينيــة‬ ‫التقليديــة‪ .‬فقــام بتصــفية الحبــاس‪ ،‬بإصــداره قــراري ‪ 31‬أيــار‬ ‫‪ 1956‬و ‪ 18‬تموز ‪ .(2‬‬ ‫إن تمركز السلطة السياسية في أيدي الحــزب الدســتوري‪،‬‬ ‫المؤلف أساسا ً من الشرائح العليا من الطبقــة الوســطى‪ ،‬ذات‬ ‫التكوين الثقافي الغربي‪ ،‬دفعـت بـالرئيس بورقيبـة إلـى خـوض‬ ‫الصــراع ضــد الحركــة اليوســفية الــتي عارضــت التفاقيــات‬ ‫التونسية – الفرنسية التي وقعها بورقيبة بشأن استقلل تونس‪،‬‬ ‫وقد اتخذ هذا الصراع طابعا ً دينيا ً وثقافيـا ً وحضــاريًا‪ ،‬وهــو ليــس‬ ‫مجرد صراع سياسي علــى الســلطة فقــط كمـا تتصــوره بعــض‬ ‫الطروحات‪ ،‬وإنما هو صراع حول الهوية بالدرجة الولى‪ ،‬مادام‬ ‫صـالح بــن يوسـف ينتمـي إلــى البرجوازيــة التجاريــة التقليديـة‪،‬‬ ‫ويدافع عن الهوية العربية‪-‬السلمية لتــونس‪ ،‬ومرتبــط بالحركــة‬ ‫الناصرية وقادة جبهة التحرير الوطني الجزائرية‪.‫إرهاصات ولدة الحركة السلمية‬ ‫جهة سير عمل المؤسســات وفــي نمــو العلــوم والتقنيــات فــي‬ ‫أوروبا‪ ،‬ومن جهة أخرى في تقهقر الفكر العقلني والعلمي في‬ ‫العالم السلمي… وكــذلك الســتراتيجية الــتي يتبناهــا الــرجلن‬ ‫السياسيان‪ .‬فمن المسجد الكبير )جامع الزيتونة( دشن بن يوسف‬ ‫حركته في ‪ 7‬أكتــوبر ‪ 1955‬وألقــى منــه الخطــاب الــذي كلفــه‬ ‫الفصل من الحزب الدستوري الجديد‪ ،‬وجسد معه القطيعة مــع‬ ‫التوجه البورقيبي للدســتور الجديــد إزاء فرنســا‪ .( 126‬ةةة ة ةةة ة‬ ‫ةةةة ةةةةةة – ةةةةة ةةةةة ة – ة ةةة ‪– 1982‬‬ ‫ةة ةة ‪ « :‬ة ةةة ةةةةةةةةة ة – ةةةةةةة ةة –‬ ‫ةةةةةةة » ةةةةةةة ةةة ةةةةةة ةة ةة ) ة ‪97‬‬ ‫– ‪.

(4‬‬ ‫‪3‬‬ ‫‪4‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةة ةةةةة ةةةةةةة – ةةةة ةةةةة ةةة –‬ ‫ةةة ةةةةةة ةةةةةة ة ةةةة ةةةة ةةةةةة ة‬ ‫ةةةة ةةةةةة ةةةة ةةةةة‪ .‫الحديثــة‪ ،‬أســوة بفرنســا‪ ،‬وتكــوين كــوادر تونســية تســتطيع أن‬ ‫تتصدى لحل المعضلت التي تجابه الدولة التونسية الفتية علــى‬ ‫الصــعد القتصــادية والعلميــة والتكنولوجيــة‪ .(3‬‬ ‫وبالمقابــل فــإن النخبــة المثقفــة ذات التكــوين التعليمــي‬ ‫والثقافي في الجامعات الفرنسية مــن أصــل برجــوازي وطبقــة‬ ‫وسطى‪ ،‬اضطلعت بدور قيادي للحركة الوطنيــة التونســية فــي‬ ‫مقاومة الستعمار الفرنسي‪ ،‬وانتزعت « الستقلل »‪ ،‬وقــامت‬ ‫ببنــاء دولــة عصــرية‪ .‬لكن حــتى هــذه‬ ‫الفضاءات سرعان ما غمرها النضال السياسي‪ ،‬ففقرتها الدولة‬ ‫الحديثة من جهة‪ ،‬وعجزت هي عن مواكبة التحولت والتحديات‬ ‫وتحولت إلى نــوع مــن الســماء‬ ‫الجديدة من جهة أخرى‪ ،‬فخبت‬ ‫ينتظر من يستغله في زرع جديد )‪.( 6‬‬ ‫)( ‪ -‬ةة ة ةةةةة ة ةةةةةةة ة – ةةةةة ة‬ ‫ةةةة ةةةةة ة ة ة ةةة – ةة ةة ةةةة ة –‬ ‫ةةةةة ة ةةةةة ة – ةةةة ةةة ةةة ةةةةة –‬ ‫ةةةةةةةة ةةةةةةة ‪ ) 1985‬ة ‪.‬وهــذا بكــل تأكيــد‬ ‫مرتبط بخيـار النظـام السياسـي علـى صـعيد التعليـم والثقافـة‬ ‫بصرف النظر عن كون هذا الخيار تحديدا ً يعمق التبعية الثقافية‬ ‫لوروبا بحكم عدم تحصنه بإرادة سياسية وإيديولوجية قومية‪.‬‬ ‫إن هذه الرؤية الصلحية الجذرية للسياســة الثقافيــة الــتي‬ ‫قوامهــا التحــديث والعلمانيــة أحــدثت نوع ـا ً مــن القطيعــة بيــن‬ ‫السلطة السياسية ومؤسسة العلماء‪ ،‬خصوصا ً عندما تم تحويل‬ ‫الجامعة الدينية الزيتونية العميقــة الجــذور فــي تاريــخ المجتمــع‬ ‫التونسي والمغاربي إلى مجرد كلية للشريعة وأصول الدين من‬ ‫الطــراز الحــديث فــي العــام ‪ ،1958‬للحــد مــن تــأثير مركــز‬ ‫المعارضة الرئيســية‪ ،‬وتحييــدها عــن كــل إشــعاع‪ ،‬وتغييبهــا عــن‬ ‫العمل الثقافي‪.‬‬ ‫ولما كانت النخبة المثقفة ذات التنشــئة الزيتونيــة ) دينيــة (‬ ‫تفصلها هوة تاريخية عميقة عن التكوين الثقــافي واليــديولوجي‬ ‫الــبرجوازي‪ ،‬والتعليــم الحــديث‪ ،‬فإنهــا ظلــت عــاجزة تاريخيــا ً‬ ‫وسياســيا ً عــن تقــديم الخطــاب اليــديولوجي الــذي يتلءم مــع‬ ‫طموحات فئات المجتمع المدني التونســي‪ ،‬فض ـل ً عــن عجزهــا‬ ‫عــن تقــديم مشــروع لبنــاء مجتمــع بــديل للمجتمــع التقليــدي‬ ‫المسكون بالتخلف الشديد والفقر والتبعية‪ ،‬وتقديم كوادر كفؤة‬ ‫تلبي حاجيات بناء الدولة العصرية‪ ،‬وتحقيق التنمية في مختلــف‬ ‫المجــالت القتصــادية والجتماعيــة والتعليميــة والتربويــة‪ .‬وهكــذا‪ ،‬فعنــدما أخــذ الشــق البورقيــبي‬ ‫السلطة « كان قد حدد مصيره وموقفه من السلم كمؤسســة‬ ‫قائمــة ممثلــة بالوســط الزيتــوني‪ ،‬الــذي اصــطدم مــع الحــزب‬ ‫الدســتوري فــي مناســبات عديــدة قبــل الســتقلل وتزعمتــه‬ ‫أرسـتقراطية دينيـة متكونـة مـن بعـض كبريـات عـائلت مدينـة‬ ‫تونس‪ ،‬احتكرت بالوراثة والتزكية أهم مراكــز التعليــم والقضــاء‬ ‫والمامــة‪ ،‬ووقفــت طــويل ً موقــف المتــواطئ مــع‬ ‫والفتــاء‬ ‫الستعمار »)‪.‬لقــد‬ ‫تضخمت أزمة المؤسسة الزيتونية منذ مطلع القرن ولكنهــا مــع‬ ‫ذلك بقيت تقوم بمهمة إيجابية من خلل الفضاءات التي صاغها‬ ‫خريجوها بالستقلل عــن هيكليتهــا الوظيفيــة‪ ،‬وذلــك مــن خلل‬ ‫الحركــة الدبيــة والفكريــة والتعليميــة والصــحفية والحقوقيــة‬ ‫والسياسية التي عاشتها تونس قبل الستقلل‪ .‬ةةة ةة ةةةة‬ ‫ةةةة ة – ة ةةة – ةةةةة ة ةةةةة ة – ‪ ) 1989‬ة ‪-5‬‬ ‫‪.( 34‬‬ .

‫إرهاصات ولدة الحركة السلمية‬ ‫وعلوة على تصفية المؤسســة الزيتونيــة الدينيــة وإقصــائها‬ ‫عن كل دور ثقافي وسياسي‪ ،‬اتخذ بورقيبة في المــدة الفاصــلة‬ ‫مــا بيــن ‪ 1956‬و ‪ 1958‬قــرارات راديكاليــة فــي المجــالت‬ ‫القضائية‪ ،‬فقــام بإصــدار مجلــة «الحــوال الشخصــية » للمــرأة‬ ‫التونســية‪ ،‬الــتي حــددت الــزواج بــامرأة واحــدة‪ ،‬ومنعــت تعــدد‬ ‫الزوجـات‪ ،‬وحـددت أيضـا ً سـن الـزواج للمـرأة بــ ) ‪ ( 17‬سـنة‬ ‫والمهــر بــدينار واحــد‪ ،‬ونصــت علــى أن الطلق ل يتــم إل أمــام‬ ‫المحاكم‪ ،‬وأبطلــت الطلق مــن طــرف الــزوج‪ ،‬وتســامحت مــع‬ ‫زواج المرأة المسلمة من رجل غير مسلم‪.‬‬ ‫ثانيا ً ‪ -‬تحويل العلمــاء التقليــديين والمفــتي إلــى مــوظفين‬ ‫رســميين ومستشــارين لــدى الســلطة السياســية‬ ‫وربطهم بحرية محددة تقلل من إمكانية المعارضة‪.‬فقام بحملة‬ ‫دعائية ضد صيام رمضان‪ ،‬وظهر وهو يحتسي كوب ـا ً مــن عصــير‬ ‫الفواكه أمام الناس في شهر رمضــان عــام ‪ 1960‬مــبررا ً ذلــك‬ ‫بأن الصوم يشكل عائقا ً أمام النتاج‪ ،‬ودعا العمال إلى الفطار‪،‬‬ ‫وانتقد ظــاهرة عيــد الضــحى والحــج وشــكك فــي قيمتهــا‪ ،‬لمــا‬ ‫يســببانه مــن خســائر كــبيرة فــي العملــة الصــعبة وفــي قطــاع‬ ‫المواشــي كــل ســنة‪ ،‬ل تقــدر البلد علــى تحملــه‪ ،‬وقــرر تثــبيت‬ ‫تقويم الشهر القمرية علمي ـًا‪ ،‬والكــف عــن اتبــاع المــر للرؤيــة‬ ‫البشرية للهلل‪.(5‬‬ ‫‪5‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةةةة ةةةة ةة ةة – ةة ةة ة ةةة ) ة ‪( 136‬‬ ‫ةةةة ةةةة ‪:‬‬ .‬‬ ‫رابعا ً ‪ -‬احتكار الجهزة السياسية لكل النشطة الدينية من‬ ‫حيث الجتهاد والعبادة وتطـبيق القـوانين السـلمية‪،‬‬ ‫المفتي إلى مجــرد مستشــار لــدى الســلطة‬ ‫وتحويل‬ ‫السياسية )‪.‬‬ ‫ومع تعمق عزلة الوساط الزيتونية الــتي أقصــيت عــن كــل‬ ‫حضور في المؤسسات التقليدية باستثناء الكلية الزيتونية‪ ،‬نجــح‬ ‫بورقيبة في تجريد المعارضة الدينية من أسلحتها‪ ،‬حيث تميــزت‬ ‫السياسة الثقافية التي سادت في مرحلــة الســتينات بمجموعــة‬ ‫من الخصوصيات ‪:‬‬ ‫أول ً ‪ -‬احتكار أجهزة الدولة للنشاط الديني وإشرافها عليــه‬ ‫مباشرة من خلل مؤسسة الشــعائر الدينيــة التابعــة‬ ‫في البدايــة لرئاســة الجمهوريـة‪ ،‬وهــي الــتي تضــبط‬ ‫الوضع القانوني والجتماعي لموظفيها‪.‬‬ ‫غير أن حركة الجــراءات عنــد بورقيبــة لــم تقــف عنــد هــذا‬ ‫الحد‪ ،‬بل إن الخطاب السياســي البورقيــبي‪ ،‬يشــكك أيض ـا ً فــي‬ ‫ذروة حيويته ونشاطه‪ ،‬في جدوى الفروض الدينية‪ .‬‬ ‫وفي إطار هذه الســتراتيجية السياســية الــتي بنتهــا الدولــة‬ ‫التونسية‪ ،‬والتي ســعت إلــى فــرض البــديل اليــديولوجي الــذي‬ ‫يتخذ من التحديث والعلمانية أداة وشك ً‬ ‫ل‪ ،‬قـام بورقيبــة بتصـفية‬ ‫المؤسســة القضــائية القديمــة‪ ،‬وأنشــأ جهــازا ً قضــائيا ً منفص ـ ً‬ ‫ل‪.‬‬ ‫ثالثــا ً ‪ -‬إزاحــة المؤسســة الدينيــة عــن كــل دور قيــادي‬ ‫وروحـــاني علـــى المســـتوى الجتمـــاعي بحكـــم أن‬ ‫التنلجنســيا التقليديــة أصــبحت تخضــع لوضــع مهنــي‬ ‫معين يتبع الوظيفة العمومية ويتولى المفــتي تمثيــل‬ ‫رئيس الدولة في المؤتمرات والندوات‪.‬‬ ‫وبذلك تم توحيد القضــاء فــي مؤسســة قضــائية واحــدة ضــمت‬ ‫الغالبية العظمى من قضــاة وطلب الجامعــة الزيتونيــة‪ ،‬ولكنهــا‬ ‫تطبق القوانين الوضعية العلمانية الفرنسية إلى جانب الشريعة‬ ‫السلمية‪.

‬‬ ‫ُ‬ ‫جت النخب المثقفة الدينية الزيتونية في دواليــب‬ ‫وهكذا أد ْ ِ‬ ‫م َ‬ ‫المؤسسات الجتماعية والثقافية للدولة التونسية الحديثة‪ ،‬ولــم‬ ‫تعد وحدها الناطقة باسم الدين أو الممثلة لسلطته فــي جســم‬ ‫المجتمع‪.‬‬ ‫إذا كانت تونس قد عرفــت الســتمرارية التاريخيــة للعلقــة‬ ‫بيــن الــديني والسياســي قبــل عهــد الســتقلل بوصــفها علقــة‬ ‫حاضرة على مر التاريخ ومارست مفعولها وتأثيرها على نطــاق‬ ‫المجتمــع‪ ،‬فــإن الخطــاب السياســي البورقيــبي ومشــروعه «‬ ‫العلماني » الساعيين إلى إقامة المجتمع المدني المنفصل عن‬ ‫المجتمع الديني‪ ،‬قد أوجدا علقة متوترة بين الدولة والدين‪ ،‬من‬ ‫دون أن يقود ذلك إلى القطيعة النهائية بينهما‪ ،‬بدليل أن الدولــة‬ ‫مارست الوصاية على الشعائر الدينية‪ ،‬واسـتفادت مـن الرمـوز‬ ‫الثقافية التقليدية لتبرير اليديولوجية الوطنية التي كانت تبحــث‬ ‫عن موطئ قدم وسـط فضـاء ثقـافي تقليــدي‪ . S 1973 – 1974..‫علــى الرغــم مــن « الجذريــة البرجوازيــة » للجــراءات‬ ‫والقرارات التي اتخذها بورقيبة فــي إطــار تــدعيم المؤسســات‬ ‫الفوقية للنظام الجديد‪ ،‬وفي سياق سياســة التحــديث والعلمنــة‬ ‫علــى المســتويين الثقــافي والجتمــاعي‪ ،‬والدلجــة الظرفيــة‬ ‫والمرحلية للسلم‪ ،‬إل أنها في المحصــلة النهائيــة لــم تــؤد إلــى‬ ‫فصل الدين عن الدولة‪ ،‬بالشكل الجذري والعلماني كمــا حصـل‬ ‫في الغرب‪..‬‬ ‫فالخطاب السياسي و اليــديولوجي للدولــة التونســية رغــم‬ ‫علمانيته‪ ،‬لم يؤد إلى قطيعة فكرية ومرجعيــة مــع اليديولوجيــة‬ ‫السلمية‪ ،‬لن ما قام به بورقيبة هو ضــرب المؤسســة الدينيــة‬ ‫التقليدية بغية تحجيمها‪ ،‬وجعلها مؤسسة دينيــة مجــردة مــن أي‬ ‫سلطة‪ ،‬وتابعة مباشــرة للنظــام السياســي القــائم‪ ،‬فــي ســبيل‬ ‫تأسيس هيمنـة اليديولوجيـة الدســتورية المتسـمة بالعصـرانية‪،‬‬ ‫والنزعة القليمية الضيقة المعادية للقومية العربية والتي تستند‬ ‫إلى ســلطة الفكــر الغربــي الوروبــي‪ ،‬مرجعهــا الساســي فــي‬ ‫تحديد خيارات الدولة التونسية الحديثة‪.‬فقدسية الدولة بعيدة كل البعد عن‬ ‫القيم التي يــدعو إليهــا الســلم مثــل العدالــة المتعــارف عليهــا‬ ‫لتحمل معاني تحديثية وسياسية مثــل« التصــدي للتخلــف » و«‬ ‫الجهاد الكبر »‪ ،‬ومعنى ذلك أن علمانيـة الخطـاب السياسـي ل‬ ‫تتنافى مع منطق « براغماتي » مواز يخلع القدسية عن الرموز‬ ‫الســلمية بأبعادهــا التقليديــة ويوظفهــا فــي إطــار المشــروع‬ ‫التعبوي للسلطة السياسية ‪ Un projet demobilisation‬باعتبار‬ ‫أن المؤسسة الدينية هي جهــاز إداري تــابع نظري ـا ً ) مــن حيــث‬ ‫‪HaFedh Ben Salah : systeme politique et systeme religieux en‬‬ ‫‪Tunisie D.‬‬ ‫وهكذا تحول مفهوم القدسية مـن الطـار الـديني التقليـدي‬ ‫إلــى مفهــوم قدســية الدولــة وقدســية الجهــاد ضــد التخلــف «‬ ‫واللحاق بركب الحضارة »‪ . E.‬فمبــدأ العلمانيــة‬ ‫لم يمنع السلطة السياســية مــن الشــعور بالحاجــة فــي فــترات‬ ‫معينة إلى السلم كحجة قصوى للشرعية‪ ،‬ولمواجهة الحركــات‬ ‫الدينية التي تتبنى قيما ً تعبوية مثل العدالة والحرية والمســاواة‪،‬‬ ‫التي من شأنها أن تكون مزاحما ً لقيم السلطة السياسية ‪.‬وهــذا النــدفاع أدى إلــى‬ ‫التنظيــر لمبــدأ « الشخصــية القوميــة التونســية » فــي مقابــل‬ ‫الشخصـية العربيـة السـلمية‪ ،‬و« المـة التونسـية »‪ ،‬كخطـاب‬ ‫بديل للخطاب القومي العربي في الســتينات‪ .‬فالعلمانيــة هــي‬ ‫السمة المميزة لليديولوجية الوطنيــة فــي تــونس‪ ،‬خاصــة فــي‬ ‫فترة الستينات حين اندفع النظــام السياســي إلــى التمــايز عــن‬ ‫المشــرق العربــي الــذي تســيطر عليــه اليديولوجيــة القوميــة‬ ‫واحتواء المؤسسات الدينية التقليديــة‪ .‬‬ .

‬‬ ‫ةةةةةة ةةةةةةة ‪ discours populiste :‬ةةةة ةةةةةة‬ ‫ةة ةةة ةةةةةة ةةة ‪:‬‬ ‫‪Leon Carl Brown : Tunisia .‬‬ .‬‬ ‫‪Fredricka.() 6‬ةةةة ةة ةةة ةةة ةةة ة ) ة ‪. New York London.‫إرهاصات ولدة الحركة السلمية‬ ‫قيمه ومراجعــه الفكريــة ( وتطبيقـا ً ) تبعيتــه المطلقــة لســلطة‬ ‫الشراف العليا (‪ .‬غيـر أن نهايــة السـتينات الـتي شــهدت‬ ‫ســقوطا ً عنيف ـا ً لتجربــة الشــتراكية الدســتورية‪ ،‬بعــد أن عبــأت‬ ‫الدولة الفئات الجتماعية الكثر فقرا ً حــول الخيــار الشــتراكي‪،‬‬ ‫وقبول التضحيات‪ ،‬من أجــل تحقيــق التنميــة فــي البلد‪ ،‬فقــدت‬ ‫الدولــة مصــداقيتها الكاملــة كمؤسســات وكخيــارات اقتصــادية‬ ‫اجتماعية‪ ،‬يمكن أن تؤمن المستقبل لبناء الشعب‪ . the politics of modernization.( 118 – 117 – 116‬‬ ‫ةةةةة ةةةة ‪:‬‬ ‫‪Islam et politique au Magreb : Centro de recherches‬‬ ‫‪et d’etudes sur les societes mediterraneennes .‬‬ ‫ولهــذا الخطــاب نزعــة توفيقيــة بيــن مختلــف الشــرائح‬ ‫الجتماعيــة المكونــة للمجتمــع التونســي بهــدف توحيــدها حــول‬ ‫جهـــاز « الدولـــة الوطنيـــة » وطمـــس الفـــوارق الجتماعيـــة‬ ‫والطبقية‪ .‬كما أن هذا الخطاب يتصــف بطــابع شــعبوي ‪Populiste‬‬ ‫بحكــم انتمــاء الطبقــة السياســية فــي تــونس إلــى البرجوازيــة‬ ‫الصغيرة وإلى الطبقات الوسطى‪.‬‬ ‫ولعل الخاصة الولى للخطاب التحديثي الجديد هي اتجــاهه‬ ‫إلى إنجاز مشروع الدولة العلمانيـة المختلفـة عـن بقيـة الـدول‬ ‫العربية والدفاع عن مبــدأ اســتقللية الذاتيــة التونســية مرجعي ـا ً‬ ‫وفكريًا‪ .‬وفضل ً عــن‬ ‫ذلك‪ ،‬فقد التعليم بريقه اللمــع‪ ،‬واســتتبع ذلــك خيبــة أمــل لــدى‬ ‫قسم من الشباب في التعليم‪ ،‬إذ رفع طلب ثانوية تــونس هــذا‬ ‫الشعار « طلبا ً أو غير طلب المستقبل ليس لنا »‪.‬‬ ‫وهكذا‪ ،‬فإن المجتمع التونسي الذي عاش إرهاصات مرحلة‬ ‫مــا بعــد الســتقلل‪ ،‬دخــل فــي أزمــة بنيويــة عميقــة فــي نهايــة‬ ‫الســتينات‪ ،‬هــي أزمــة اجتماعيــة وإيديولوجيــة شــاملة للمدينــة‬ ‫والريف معًا‪ ،‬وطرحت في الوقت عينه قضيتين رئيسيتين ‪:‬‬ ‫‪ – 1‬الصراع بين الخيــار اليــديولوجي التغريــبي الــذي تبنــى‬ ‫الفرنكوفونيــة وشــعار اللحــاق بــالغرب الرأســمالي‬ ‫باعتبار« أن كل ما هو مستورد من الغرب يمثل الرقي‬ ‫والتطور والمدنيـة»‪ ،‬وبيـن المـوروث الثقـافي العربـي‬ ‫الســلمي‪ ،‬الــذي قــوامه النزعــة الســلفية المحافظــة‬ ‫‪ . Praeger . wditions du CNRS. Publisher .‬‬ ‫وكان التعليم بجميع مراحله البتدائية والثانويــة والجامعيــة‪،‬‬ ‫هــو المحــور المركــزي للسياســة الصــلحية والعلمانيــة الــتي‬ ‫انتهجتها الدولة التونسية بعد الستقلل‪ ،‬والمدخل الرئيسي نحو‬ ‫الصــبوة الجتماعيــة البرجوازيــة المتوســطة‪ ،‬والحصــول علــى‬ ‫وظيفة جيدة في مؤسسات الدولة‪ ،‬والتكيف مع نمــوذج الحيــاة‬ ‫الجديدة ) العصرانية المستلهمة من الغــرب (‪ ،‬لعمــوم طبقــات‬ ‫الشعب‪ ،‬بحكم ديمقراطية التعليم التي كانت ســائدة‪ ،‬وتعميمــه‬ ‫علــى صــعيد القطــر كلــه‪ ،‬والمنظومــة اليديولوجيــة الغربيــة‬ ‫المتحكمة في توجهـاته‪ .‬ولعل ذلك ما يوحي بــأن للدولـة إسـلما ً غيــر‬ ‫الســلم الشــعبي المجســد فــي مؤسســة الزوايــا والتكايــا‬ ‫والمساجد‪.‬أما الخاصة الثانية لهذا الخطاب فهــي اعتمــاده مبــدأ‬ ‫مركزية الدولــة كجهــاز سياســي ل تخــترقه القــوى الجتماعيــة‪،‬‬ ‫شرعيته‪(6‬من منظومة طبقيــة معينــة بــل مــن‬ ‫باعتباره ل يستمد‬ ‫مراحل النضال التاريخي ) ‪.

‬‬ ‫وتــدعمت أســس الرأســمالية التابعــة‪ ،‬فــي نمــط الســتهلك‬ ‫والعيش‪ ،‬وفي تهــافت الطلــب علــى الســلع الرأســمالية‪ ،‬وفــي‬ ‫انتشــار ظــواهر النانيــة والربــح الســريع‪ ،‬واســتغلل الفــرص‬ ‫واللصوصية‪ ،‬مما أدى إلــى انحطــاط القيــم الخلقيــة الموروثــة‬ ‫مــن المجتمــع القــديم‪ ،‬الــتي كنســتها إيديولوجيــة البرجوازيــة‬ ‫الكمبرادورية‪.‬‬ ‫وكانت النهاية المأساوية لنتفاضة القيروان في سنة ‪1961‬‬ ‫واعتقــال كــل مــن شــارك فيهــا بمنزلــة إســدال الســتار علــى‬ ‫المعارضة الدينية للخط التحــديثي التــاتوركي‪ ،‬إذ لــم تعــد هــذه‬ ‫المعارضة تجرؤ على رفع صوتها والمجــاهرة بعــدائها للخيــارات‬ ‫العلمانية‪ ،‬فضل ً عن فقدانها لجهــاز حزبــي يــؤمن لهــا اســتمرار‬ ‫الوجود والعمل تحت الرض‪ .2‬بداية انتقال الفكــرة الســلمية مــن الجــامع‬ ‫الى الجامعة‬ ‫عرفـت تــونس فــي الســتينات انقلبـات اجتماعيــة عميقــة‪،‬‬ ‫غّيرت ‪ -‬مع مــرور الســنوات– هياكــل المجتمــع التقليــدي‪ ،‬ومــع‬ ‫بداية السبعينات عرف القتصاد التونسي انفتاحا ً واسع النطــاق‬ ‫علــى الخــارج‪ ،‬وازدادت علقــات التبعيــة الماليــة والتجاريــة‬ ‫والصناعية للسوق الرأسمالية العالمية‪ ،‬والحتكــارات العالميــة‪.‬‬ ‫‪ – 2‬احتــداد التناقضــات الطبقيــة علــى الصــعيد القتصــادي‬ ‫الجتماعي‪ ،‬وتنــامي عمليــة الســتقطاب للشــباب فــي‬ ‫حركة الصراع الطبقي‪.‬‬ ‫‪ .‬وأمــام تعمــق التبعيــة الثقافيــة‬ ‫للغرب الرأســمالي‪ ،‬طرحــت معضــلة الهويــة الثقافيــة‬ ‫القومية للمجتمع وللشباب‪.‬‬ ‫وفيما وجد قسم من الشباب ضالته في التجاه الماركســي‬ ‫اللينيني المتمركز أساسا ً بالجامعة‪ ،‬إيمانا ً منــه بــأن الماركســية‬ ‫تمتلك الجوبة الكافية لهاتين القضيتين‪ ،‬تلمست فصــائل أخــرى‬ ‫من الشباب طريــق العــودة إلــى الســلم فــي مفهــومه الكلــي‬ ‫والشمولي‪.‫والعــودة إلــى الــتراث‪ .‬‬ ‫هـذه التحـولت القانونيـة والجتماعيـة الـتي هـزت النسـيج‬ ‫التقليــدي للمدينــة والريــف علــى حــد ســواء‪ ،‬وإقــرار سياســة‬ ‫علمانية في التعليم مع مجانيته في المــدارس العصــرية‪ ،‬كــانت‬ ‫كلها عوامل خصبة لنشــوء معارضــة دينيــة‪ ،‬حــادة علــى مقــاس‬ ‫التغييرات الجذرية والسريعة التي شهدها المجتمع‪ ،‬لــذا جـاء رد‬ ‫الفعل الول عنيفا ً في شكل هبــة واســعة وداميــة قادهــا رجــال‬ ‫الدين في مدينة القيروان ) النتفاضة الشــعبية فــي ‪ 17‬كــانون‬ ‫الثــاني ‪ ( 1961‬معقــل الســلم فــي المغــرب العربــي‪ ،‬وفــي‬ ‫مقدمتهم إمام الجامع الكبر عبد الرحمن خليف الذي صار فيما‬ ‫بعد من أبرز الرموز المعتدلة للتيار الديني‪.‬‬ ‫وفضل ً عن ذلك‪ ،‬فقد ترسخت خيارات النظام القائمة علــى‬ ‫التبعيـــة المطلقـــة إزاء القـــوى المبرياليـــة‪ ،‬وبنـــاء القتصـــاد‬ ‫التصــديري الــذي يلــبي حاجيــات الســوق الرأســمالية العالميــة‪،‬‬ ‫وتــدمير الزراعــة فــي الريــف بعــد إخفــاق عصــرنتها‪ ،‬وتنــامي‬ ‫الثروات الفاحشة بسرعة مذهلة عند بعض الفئات الجتماعيــة‪،‬‬ ‫وتزايد الفقر والعوز القتصادي لدى الطبقات الشعبية‪ ،‬وتفــاقم‬ .‬ولعــل هــذه الظــاهرة هــي إحــدى‬ ‫خصوصيات مرحلة الستينات في تونس‪ ،‬ولم يكن هناك تنظيــم‬ ‫سياسي ديني على غرار حركة الخـوان المسـلمين فـي مصـر‪،‬‬ ‫ولم تفلح التيارات الدينية المشرقية في زرع فــروع محليــة لهــا‬ ‫في تونس على عكس ما حدث في الثمانينات‪.

‫إرهاصات ولدة الحركة السلمية‬ ‫تعقيــدات الحيــاة المدنيــة‪ ،‬وهجــرة أبنــاء الريــف إلــى المدينــة‬ ‫مشكلين بذلك أحزمة الفقر‪.‬ويعود الفضل في محاولة النعاش هذه إلى لشـيخ‬ ‫أحمــد بــن ميلد ســنة ‪ ،1965‬لكــن الديناميكيــة الجديــدة الــتي‬ ‫مهدت لنبعــاث الحركــة الســلمية التونســية لــم تبــدأ فعليـا ً إل‬ ‫عندما تجمعت نواة أولى‪ ،‬وتعهدت بالعمــل « لنشــر الســلم »‬ ‫متأثرة خاصــة بأدبيــات البنــا وقطــب والمــودودي‪ ،‬مــع انضــباط‬ ‫مرجعه عمل جماعي‪ ،‬وفقه للدعوة‪ ،‬وبيعة للكبر ســنا ومكانــة‪،‬‬ ‫مستفيدة من دعم رجل زيتوني هو الشيخ محمــد صــالح النيفــر‬ ‫الذي فضل الهجرة إلى الجزائر على أن يبقى صامتا ً بعــد خيبــة‬ ‫أمل دينية في شخصية بورقيبة‪ ،‬ومعتمــدة علــى مجلــة رجــل ل‬ ‫يقل صمودا ً )عبد القادر ســلمة( وضــع صــحيفته تحــت تصــرف‬ ‫وتصــبح شــهادة ميلد ووثيقــة‬ ‫الجماعة لتعكس ثقافتهــا الولــى‪،‬‬ ‫رئيسية تحدد ملمح الكيان الجديد )‪.‬وكان الشبان المنتمون لهــذه الحلقــة‪،‬‬ ‫ليست لديهم تجربــة كــبيرة فــي التكــوين الفقهــي‪ ،‬لــذا اقتصــر‬ ‫نشــاطهم علــى الطوفــان فــي القــرى المجــاورة لتــونس علــى‬ ‫طريقة جماعة التبليغ‪ ،‬يدعون الناس إلى الصلة‪.(7‬‬ ‫وفــي مقابــل تيــار المعرفــة‪ ،‬كــان بعــض شــيوخ الجامعــة‬ ‫الزيتونية بعد انقطاع التعليم في هذا الخير‪ ،‬قد شــكلوا حلقــات‬ ‫درس في الجامع العظم‪ .‬‬ .‬ثــم إن‬ ‫الرأسمالية التابعة الستهلكية‪ ،‬أدت إلــى تعميــق الفــوارق بيــن‬ ‫الطبقات الجتماعية‪ ،‬وإلى توسيع الهوة بيــن المدينــة والريــف‪،‬‬ ‫وإلى اختلل هائل في مســيرة«التنميــة » غيــر المتكــافئة‪ ،‬فــي‬ ‫تمركزهـــا وشـــموليتها القتصـــادية الســـتثمارية والجتماعيـــة‪،‬‬ ‫والثقافية‪ ،‬والترفيهية بين المناطق الساحلية وداخل البلد‪ .‬وهذا‬ ‫ما أدى إلى اشتداد التناقضات الطبقية بعمقها الجتماعي‪.‬وكانت هذه الحلقات يديرها الشيخ‬ ‫ال ّ‬ ‫أحمد بن ميلد‪ ،‬والشيخ الخياري‪ ،‬وآخرون ممن كانت لهم جهود‬ ‫فردية …‬ ‫وقد تكونت حول الشيخ أحمد بن ميلد حلقة اعتاد الشــبان‬ ‫الجلوس إليها‪ ،‬وفي مقدمة هــؤلء عبــد الفتــاح مــورو‪ ،‬واســتمر‬ ‫دة إلــى أن أحــس مــورو مــن نفســه‬ ‫المــر علــى هــذا النحــو مـ ّ‬ ‫الستقلل فصار له حلقة خاصة به في جامع حمــودة باشــا‪ ،‬ثــم‬ ‫في جامع سيدي يوسف‪ .‬‬ ‫وجاءت سنة ‪ 1969‬التي شهدت فيها تونس أزمة سياســية‬ ‫واقتصــادية واجتماعيــة عامــة فــي نهايــة تجربــة « الشــتراكية‬ ‫الدستورية » التي امتدت من العام ‪ 1962‬وحتى أواخر ‪،1969‬‬ ‫لتعجل بولدة الحركة الســلمية الــتي التقــى فــي داخلهــا أبنــاء‬ ‫الملكين الكبـار والـبرجوازيين التقليـديين والتجـار الـذين زجـوا‬ ‫قسرا ً في التعاونيات الزراعية في مرحلة الستينات‪ ،‬بمناضــلين‬ ‫منحــدرين مــن فئات شــعبية مدنيــة أو ريفيــة‪ ،‬أرهقهــم اليقــاع‬ ‫اللهــث للنقلبــات الجتماعيــة الســريعة فــي الحيــاة الماديــة‬ ‫‪7‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةة ةةةةة ةةةةةةة – ةةةة ةةةة ) ة ‪7 – 6‬‬ ‫(‪.‬‬ ‫لقــد شــكلت هــذه الســباب الرئيســية القاعــدة الساســية‬ ‫لنشوء الحركة السلمية في تونس‪ ،‬التي تشــكلت تحديــدا ً فــي‬ ‫العــام ‪ ،1970‬تاريــخ تأســيس مجلــة«المعرفــة» الســلمية‬ ‫الشهرية‪ ،‬التي تحلقت حولها أبرز العناصــر الســلمية ) الشــيخ‬ ‫راشد الغنوشي‪ ،‬وعبد الفتاح مورو ( الرافضة للعمل من داخــل‬ ‫جهاز الدولة‪ .‬‬ ‫إن هذه العوامل مجتمعة أدت إلى تفاقم التبعية والتخلــف‪،‬‬ ‫وولــدت أزمــة القيــم بكليتهــا وشــموليتها علــى صــعيد المجتمــع‬ ‫التونسي‪ ،‬في ظل طغيان نموذج « الحداثــة المســتلبة »‪ ،‬الــتي‬ ‫قادتهــا البرجوازيــة التابعــة فــي بنــاء نموذجهــا الــدولتي‪ .

‬ويــذكر صــلح الجورشــي أن الشــيخ أراد أن يســتدرج‬ ‫السـلميين كمجموعــة شـابة فــي إطــار الحـزب الحـاكم‪ ،‬كـان‬ ‫شعاره‪ :‬ندخل الحزب لتغييره من الداخل‪ ،‬وهو من دعاة العمل‬ ‫من داخل جهاز الدولة‪ ،‬وكان يقول « نحن المســلمين يجــب أن‬ ‫ل نترك المجال للحزب الحاكم يتصــرف كمــا يشــاء‪ ،‬بــل نــدخل‬ ‫الحزب نسيطر على الشــعب واللجنــة المركزيــة‪ ،‬ونصــبح قــوة‬ ‫مؤثرة في داخل الحزب‪ ،‬اختلفنا معه في ذلك‪ ،‬ولكــن باســتثناء‬ ‫هذا الخلف السياسي فقد كان يرى فينا أمل ً للمستقبل»‪.‬وكان لهــذه النــواة نشــاط مــع‬ ‫جمعيــة المحافظــة علــى القــرآن الكريــم‪ .‬‬ ‫وقد تكونت في ذلك العام جمعية المحافظــة علــى القــرآن‬ ‫الكريم القانونية بقيــادة الشــيخ الحــبيب المســتاوي‪ ،‬الــذي يعــد‬ ‫نفسه رائدا ً في العمل السلمي عبر تكوينه حلقة لنفسه بجامع‬ ‫الزيتونة‪ ،‬وبعثه مجلة « جــوهر الســلم » الدينيــة فــي منتصــف‬ ‫عام ‪ .1968‬ثـم‬ ‫انتقل إلــى بــاريس وســجل دراســات عليــا‪ ،‬إل انــه انقطــع عــن‬ ‫الدراسة بعد عام لظروف عائلية‪ ،‬وعاد إلى تونس ليستقر فيهــا‬ ‫مدرسا ً للفلسفة‪.Ville‬وهناك كانت لي أول تجربة فــي العمــل الســلمي وفــي‬ ‫مخاطبــة عامـة النــاس وتحويــل النظريــات الثقافيــة إلــى واقــع‬ ‫حركي‪ ،‬بهذه التجربة عدت إلى تــونس‪ .‬عــدت بثقافــة إســلمية‬ ‫ـودودي‪(8‬ومالــك‬ ‫مصادرها الساسية كتابات الخوان وكتابــات المـ‬ ‫بن نبي إلى جانب الثقافة الفلسفية التي تكونت بها » ) ‪.‬‬ ‫التقى الشيخ راشد الغنوشي مع عبد الفتاح مــورو وحميــدة‬ ‫النيفر الذي ينتمي إلى عائلة أخذت مكانا ً بـارزا ً فــي المؤسســة‬ ‫الدينية‪ ،‬وصلح الدين الجورشي‪ .1969‬وكان لنا مسجد صغير في بال فيل ‪Belle-‬‬ ‫‪ .( 18‬‬ .‬‬ ‫لقد عاد الغنوشي مــن ســورية بثقافــة إســلمية لكنهــا غيــر‬ ‫مصحوبة بتجربة عملية في العمل السلمي‪ .‬وكانت أول تجربة‬ ‫حركيــة عمليــة خاضــها الشــيخ راشــد الغنوشــي فــي العمــل‬ ‫السلمي هي مع جماعة التبليغ في بــاريس ســنة ‪ 1969‬يقــول‬ ‫في ذلك « فتعلمت منهم مخاطبة الناس‪ ،‬كنا نــذهب للمقــاهي‪،‬‬ ‫إلى الحانات في الحقيقة‪ ،‬محاولين استنقاذ العمــال المغــاربيين‬ ‫الذين لم يتسن لديهم أي توجيه إســلمي‪ .‬أخــوة التبليــغ أرســوا‬ ‫نــواة فــي بــاريس للعمــل الســلمي أدركتهــا عنــدما التحقــت‬ ‫بباريس سنة ‪ .‬‬ ‫كما شهد العام ‪ 1969‬عودة الشيخ راشــد الغنوشــي الــذي‬ ‫ســيلعب دروا ً رئيســيا ً فــي التأصــيل الفكــري النظــري للتجــاه‬ ‫السلمي في تونس‪ .‬وقــد تأسســت ســنة‬ ‫‪ 1970‬أول حلقة نقاش في جامع ســيدي يوســف‪ ،‬وتضــم نحــو‬ ‫ثلثين أو خمس وثلثين شابا ً معظمهم كانوا طلب ـا ً عنــد الشــيخ‬ ‫‪8‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةة ة ةةةةةةة ة ةة ةة ةةةةة ة ةةة ة «‬ ‫ة ةةة ةةة ةةةة » ةةة ةة ةةةةةة ة – ةةة ةة‬ ‫ةةةةةة ةةةةةةةةة ةةةةةة ‪ /‬ةةةة ‪ – 1996‬ة ة‬ ‫ةةةةة ةةةة ةةةةةةة ) ة ‪.‫والروحية‪.‬وكان الشيخ راشد الغنوشي ولد في قرية‬ ‫صغيرة في الجنوب التونسي ) الحامة ( بمحافظــة قــابس عــام‬ ‫‪ ،1941‬ودرس بالمدرســة الزيتونيــة بقــابس ثــم انتقــل إلــى‬ ‫الخلدونية حيث نال شهادة التحصيل سنة ‪ ،1962‬وانتدب بعدها‬ ‫معلما ً في مدينة قفصة فمكث هناك ســنة ثــم التحــق بالقــاهرة‬ ‫لغاية الدراسة الجامعية في أوائل خريف ‪ ،1963‬ثم اضطر بعد‬ ‫عام ونصف العام للنتقال إلى سورية بســبب تــدهور العلقــات‬ ‫التونسية–المصرية‪ .1968‬وكان المستاوي متشيعا ً لصالح بن يوسف‪ ،‬غير أنه‬ ‫عاد إلى صفوف الحزب وانتخــب عضــو لجنــة مركزيــة للحــزب‬ ‫الحــاكم‪ .‬وقد تخرج الشيخ الراشد الغنوشي بشهادة‬ ‫الستاذية شعبة الفلسفة فـي جامعـة دمشـق سـنة ‪ .

‬فكــان هنــاك‬ ‫نوعان من التعطش‪ ،‬نوع من الشوق‪ ،‬نوع من الحنين للســلم‪.‬وتأسس بعد ذلك مسجد آخر‬ ‫فــي رأس الطابيــة وبــدأت عمليــة دخــول الســلم إلــى عــالم‬ ‫الحداثــة‪ .‬كــان‬ ‫يجمع بين هؤلء الشبان أيضا ً رؤية في العمل السلمي تنطلــق‬ ‫من ضرورة العمل الجماعي ولذلك كانت النواة الولى تنظيم ـًا‪.‬هذا التأطير السياسي والتربوي والثقافي الــذي فــرض‬ ‫على البلد هو تــأطير ليــس إســلميًا‪ ،‬هــو تــأطير علمــاني‪ .‬‬ ‫يقول الشيخ راشــد الغنوشــي عــن بدايــة النتقــال بــالفكرة‬ ‫السلمية من الجامع إلى الجامعة التونسية ما يلــي ‪ :‬كــان أول‬ ‫مسجد في الجامعة تأسس بفضل مجموعة من الشبان التراك‬ ‫الذين أرسلتهم الجامعة التركيــة لتــونس لجــل أن يتــدربوا فــي‬ ‫معهد بورقيبة للغات الحية‪ ،‬وأن يأخذوا دروسا ً في العربيــة‪ .‬غيــر أنــه‬ ‫لما رجعت المجموعة الطلبية سنة ‪ 1971‬وجــدت أن المســجد‬ ‫قد أغلق لن مجموعة التراك قد عادوا إلــى بلدهــم‪ .‬لــم‬ ‫يكن التراك فقط يصلون‪ ،‬كان المسجد كبيرا ً وكانت لنا فسحة‬ ‫لنقيم الندوات ونحيي المناســبات كالمولــد وســائر المناســبات‪.‬وأفضــى إحكــام القبضــة علــى هــذه‬ ‫الجمعيــة إلــى فتــح أبــواب المســاجد أمــام «دعــاة» الحركــة‬ ‫السياســية الدينيــة‪ .‬فكانت فكرة الجماعة فكرة أساسية فــي النــواة‬ ‫الولى‪ ،‬ولــذلك لــم تكــن هــذه النــواة بــدون قيــادة يومـًا‪ .‬‬ ‫إذن بحكم أن النظــام لـم تكــن لـه تجربــة‪ ،‬وبحكـم الطــرح‬ ‫الذي تطرحه هذه المجموعة‪ ،‬كان ينظر إليها على انها نوع مــن‬ ‫الموضة كسائر الموضات ما ينبغي أن يلقى لهــا بــال‪ .‬نــوع مــن الفتــح الســلمي لمؤسســات العلمنــة ظــل‬ ‫يكتسح بسرعة كبيرة نظــرا ً لمــا أحــدثته العلمنــة مــن اســتفزاز‬ ‫للهوية وتحد للشعور الديني‪ ،‬ما أحدثته من فــراغ‪ .‬‬ ‫ولم تكن هناك معارضة تذكر لن السلم لم ينظر إليه على أنه‬ ‫يمكن أن يشكل خطرا ً في ذلــك الــوقت‪ .‫إرهاصات ولدة الحركة السلمية‬ ‫راشد الغنوشي في صف الباكلوريا في معهد ابن شرف‪ ،‬حيــث‬ ‫اضطلعوا بنقل العمل السلمي إلى الجامعة التونسية‪.‬النظــام التونســي لـم‬ ‫تكن له تجربــة فــي مقاومــة الحركــة الســلمية‪ .‬‬ ‫ولما انعقد المؤتمر الول والخير لجمعيــة المحافظــة علــى‬ ‫القرآن الكريم سنة ‪ ،1970‬تم إقحام الجــزء الكــبر مــن التيــار‬ ‫السلمي الصاعد بقوة في الجمعيــة القانونيــة‪ ،‬وفــرض توجه ـا ً‬ ‫جديــدا ً فيهــا‪ ،‬فجــرى صــراع قصــير بيــن الشــيوخ الزيتــونيين‬ ‫التقليديين وبيـن رمــوز الشـباب السـلمي‪ ،‬سـرعان مـا حســم‬ ‫لصــالح هــؤلء الخيريــن‪ .‬فناضــلت‬ ‫الجماعة حتى استعادت مسجدها‪ .‬فتحــولت الخطــب إلــى خطابــات سياســية‬ ‫معارضــة للنظــام الجتمــاعي القــائم وناقــدة لقيمــه الخلقيــة‬ ‫والحضارية في سياق رفض منهجي ومطلــق للحضــارة الغربيــة‬ ‫ولفلسفتها‪.‬‬ ‫منذ البداية كنــا مــؤمنين أن العمــل الســلمي ينبغــي أن يكــون‬ ‫عمل ً جماعيا ً وأن الصلح ل يمكن أن يتم إل في إطــار جماعــة‪،‬‬ ‫لن المشروع العلماني ليس مشروعا ً فرديا ً وإنما هــو مشــروع‬ ‫منظم تشــرف عليــه مؤسســات‪ ،‬مقــاومته ل يمكــن أن تتــم إل‬ ‫بأداة مشابهة‪ .‬كــان منشــغل ً‬ ‫بمقاومة اليسار‪ ،‬ل سيما أن الحركة السلمية لم تطرح نفســها‬ ‫طرفا ً سياسيًا‪ ،‬وإنما كانت تطرح نفسها طرحا ً ثقافي ـا ً اجتماعي ـا ً‬ ‫عقائديًا‪.‬‬ ‫ول ســيما مــن طــرف الشــبان الريفييــن الــذين كــانوا يــأتون‬ ‫للعاصمة وكانوا يعيشون في حالة مــن الغــتراب فقــدمت لهــم‬ ‫الحركة السلمية معنى لحياتهم‪ ،‬وقـدمت لهـم محضـنا ً ووسـعا ً‬ ‫يعيشون فيه دفء اليمان والتراحم والتعاون… أيضا ً كان يجمع‬ ‫هؤلء الشبان رؤية في الواقع على أن هذا الواقع القــائم ليــس‬ ‫إسلميًا‪ .‬ومنــذ‬ .

1971‬وكـان للشــيخ عبــد‬ ‫الفتاح تكوين صــوفي‪ .‬وكان الطلبة الخرون‪ ،‬الخ خالد بن عبد‬ ‫الله‪ ،‬الفاضل البلدي‪ ،‬والتحق بهذه المجموعة الولى بعــد ســنة‬ ‫أي في سنة ‪ ،1970‬الخ صالح كركر‪ ،‬وهو خريــج جــامعي كــان‬ ‫حتى بعد انضوائه فــي النــواة الســلمية يعــد دبلــوم الدراســات‬ ‫المعمقــة )‪ ( DEA‬فــي العلــوم القتصــادية‪ ،‬وقــد وجــد طريقــة‬ ‫للنهل مباشرة من المناهل الخوانية‪ ،‬حسن البنــا وســيد قطــب‬ ‫الخ… وكان صالح كركر الوحيد الذي قــدم تصــورا ً عملي ـا ً لغــزو‬ ‫الجامعة مدرجا ً هكــذا موضــوع التســرب إلــى المعاهــد الثانويــة‬ ‫ضمن الهتمامات الولى للحركة‪ .‬علما ً أن صالح كركــر مــارس‬ ‫عدة أنشطة ثقافية مكثفة بالجامعة جعلته عارف ـا ً بصــيغ تســيير‬ ‫الهياكل وأساليب التعامل مع المنضوين الجدد‪.‬‬ ‫أما مجموعة الطلبة المتحلقة حول الشيخ راشد الغنوشــي‪،‬‬ ‫فكانت تتألف من الشــيخ عبــد الفتــاح مــورو‪ ،‬وهــو مــن مواليــد‬ ‫تونس العاصمة‪ ،‬ودرس بمدرسة الصـادقية‪ ،‬ثـم بكليـة الحقـوق‬ ‫حيث حصل على ليسانس في ســنة ‪ .‬‬ ‫‪ – 3‬مرحلة التــأطير اليــديولوجي وبنــاء الهيكــل‬ ‫التنظيمي‬ ‫الحركة السلمية في تــونس هــي ملتقــى لتيــار واســع مــن‬ ‫اللوان الفكرية والمنازع السياســية والمزجـة المتعــددة ضــمن‬ ‫منظور أصــولي إســلمي‪ .‬‬ ‫يقول الشيخ راشد الغنوشــي فــي هــذا الصــدد إن الحركــة‬ ‫الســلمية التونســية هــي تمــازج بيــن مجموعــة مــن اللــوان‬ ‫الثقافيــة‪ .( 20‬‬ .‬تكــون فــي الطريقــة الصــوفية علــى يــد‬ ‫الشيخ أحمد بن ميلد الذي كان يلقيها في جامعة الزيتونــة فــي‬ ‫أواسط الستينات‪ ،‬وتقدم فيها أشواطًا…كان مرشحا ً لن يكــون‬ ‫المقدم في تلك الطريقة‪ .‫البداية كانت هناك قيادة» )‪.(9‬‬ ‫ومع تأسيس مجلة« المعرفة» الشهرية فــي العــام ‪،1970‬‬ ‫التي كان يديرها الشيخ عبد القادر سلمة أحد أبرز رموز التيــار‬ ‫الــديني التونســي‪ ،‬تحلقــت حولهــا معظــم الوجــوه الســلمية‬ ‫الرافضة للعمل من داخل جهاز الدولة‪ ،‬ومن هؤلء الشيخ راشد‬ ‫الغنوشي وحميدة النيفر اللذان انخرطا في أسرة التحرير‪.‬وبــأن الشــيخ وبــأنه ربــى علــى صــورته المجموعــة‪،‬‬ ‫وكان معترفا ً منذ البداية بحــق التنــوع وحــق الختلف وضــرورة‬ ‫الحوار وأن يكون القرار ثوريا ً وثمــرة وفــاق وليــس ثمــرة إملء‬ ‫‪9‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةةة ةةةةةة ) ة ‪.‬ظل مع النواة المؤسسة الولى وفي‬ ‫الوقت عينه مع الصوفية يجمع بينهما إلى أن انحاز إلى الحركــة‬ ‫السلمية الصاعدة بالكامل وترك الصوفية بعد ســنة أو ســنتين‬ ‫من النشاط السلمي‪ .‬كــانت الحركــة الســلمية وفاق ـا ً بيــن مجموعــة مــن‬ ‫اللوان الثقافية السلمية‪ ،‬المر الذي طبعها منذ البدايــة بطــابع‬ ‫الحوار‪ ،‬ولم تكن العلقات بين المجموعة الولى علقــات شــيخ‬ ‫بمريــد‪ ،‬وإنمــا كــان هنــاك نــوع مــن التقــارب فــي الســن وفــي‬ ‫المســتوى الثقــافي‪ ،‬ولــم يكــن هنــاك شــخص يزعــم بــأنه هــو‬ ‫المؤسس‪ .‬وكــانت النــواة المؤسســة والمبــادرة‬ ‫للعمل السلمي بتونس مؤلفة من الشيخ راشد الغنوشي الذي‬ ‫لم يكن تكوينه السلمي ذا اتجاه واحد‪ ،‬وإنما كـان تمازجـا ً بيـن‬ ‫مجموعة من التجاهات‪ ،‬بين التجاه الخواني وخاصة فكر ســيد‬ ‫قطب‪ ،‬الذي كان له وقع كبير في تلــك المرحلــة‪ ،‬وأيضـا ً الفكــر‬ ‫الســلفي‪ ،‬وقــد كــان يمثلــه فــي دمشــق فــي ذلــك الــوقت‬ ‫) الســتينات ( الشــيخ ناصــر الــدين اللبــاني الــذي تتلمــذ فــي‬ ‫حلقاته‪ ،‬وأيضا ً كان متأثرا ً بكتابات مالك ابن نبي‪.

‬هذا أتاح لهما حرية إزاء الدولــة‪ .‬تكون في علقــة‬ ‫مع الشباب‪ .‬هو نفسه كان يعاملنا ليس كشيخ مــع مريــد‪.‬كان‬ ‫يتاجر فــي الزيــت‪ ،‬ثــم بعــد ذلــك اتخــذ لــه بســتانا ً يشــتغل فيــه‬ ‫بنفسه‪ .‬‬ ‫وكانت الدعوة تبشر ببناء المجتمع السلمي وفقا ً للنمــوذج‬ ‫الذي اقترحه السلف الصالح على عهد الخلفاء الراشدين‪ ،‬لكــن‬ ‫مضمون المجتمع الســلمي المنــوي بعثــه مــن جديــد لــم يكــن‬ ‫واضح القسمات وإنما كــان فكــرة هلميــة رجراجــة تتبــاين مــن‬ ‫شخص إلى آخر داخل الحركة السلمية في تونس‪ .‬‬ ‫هو شيخ الشباب‪ .(10‬‬ ‫بدأت النواة المؤسسة تعبئ الجمــاهير فــي جــامع الزيتونــة‬ ‫الذي بدأ يستعيد نشاطه الثقافي في نهايــة الســتينات علــى يــد‬ ‫الشيخ بن ميلد بالعاصمة العــام ‪ ،1970‬وانضــمت إلــى جمعيــة‬ ‫المحافظة على القرآن الكريم في العام ‪ ،1971‬الــتي ســرعان‬ ‫ما أخرجها الحزب منها‪ ،‬فأنشأت حلقة جديدة أخرى فــي جــامع‬ ‫صاحب الطابع‪.‬وأيضـا َ تعايشــا وأطلعــا‬ ‫على حيــاة النــاس‪ ،‬فكــانت علقتهمــا بالشــبان علقــة متميــزة‪.‬لقد كان ظاهرة شاذة في‬ ‫جامع الزيتونة‪ .‬جهــاز معــزول عــن‬ ‫الرياف وعن حياة عامة الناس‪ ،‬بينما كان الشـيخ محمـد صـالح‬ ‫النيفر يعيش من الفلحة‪ ،‬له بستان في طبربة ) ناحية تونس (‬ ‫يشــتغل فيــه لنــه يــؤمن بــأنه ل ينبغــي أن يبقــى عالــة علــى‬ ‫الحكومة‪ ،‬عالة على الدولة‪ .‬إنها الدعوة التي جوهرها بناء حياة‬ ‫النسان على أسس من المبادئ الدينية‪ ،‬ومن القيم السلمية‪.‬كان يسمى "مهبول" آل النيفر‪.‫إرهاصات ولدة الحركة السلمية‬ ‫من شيخ إلى مريد‪.‬‬ ‫وتميزت هــذه الفــترة ببــذل جهــود فكريــة وإعلميــة كــبيرة‬ ‫بأقطاب التيار الديني الصولي كأبي العلى المــودودي وحســن‬ ‫البنا وسيد قطب ومالــك بــن نــبي وســواهم‪ .‬كـان يرتــاح لــه الشــباب‪ ،‬وكـان يتواضــع لهــم‬ ‫ويحاورهم وهو يسمح لهم بمخالفته‪ .‬وذلــك فــي ســياق‬ ‫ترسيخ العقيدة السلمية وإثبات تفوقها‪ ،‬عبر اســتغلل عاطفــة‬ ‫الجماهير الدينية‪ ،‬في تحويل أنظارها نتيجة الظلم والقهر الــذي‬ ‫لقتــه مــن الســلطة البرجوازيــة إلــى عــزاء الــدين الســلمي‬ ‫ورجــائه‪ ،‬باعتبارهــا دعــوة موضــوعها التربيــة الدينيــة الســلمية‬ ‫للراغــبين مــن الفــراد الــدخول فــي الحركــة‪ ،‬وتربيــة البنــاء‬ ‫والشباب على أساس أخلقي واجتمــاعي إســلمي يقــوم علــى‬ ‫نقد مظاهر الحياة الغربيــة مــع الــتركيز علــى مــا يعتــبر انهيــارا ً‬ ‫للعائلة وفسـادا ً للمـرأة وارتكـاب المعاصــي‪ ،‬كـي يصـبحوا أهل ً‬ ‫لتمثيــل النمــوذج الســلمي فــي النســان المســلم‪ ،‬والتقــوى‬ ‫والعبادة والخلق السلمية‪ .‬‬ ‫مثلت العلقة مع الشيخ النيفر والشيخ سلمة والشيخ ابن ميلد‬ ‫والشيخ عبد الفتاح تفاعل ً مع تراث التدين التونسي‪ ،‬فالمواريث‬ ‫ـم تكــن تتفــرد بســلطة التــوجيه فــي‬ ‫التي أتت مــن المشــرق لـ‬ ‫تكوين المجموعة الولى )‪.‬‬ ‫وقد مثل الشيخ محمد صالح النيفــر دورا ً مهم ـا ً فــي تــوجيه‬ ‫هؤلء الشــبان‪ ،‬فكــانت حلقتــه فــي بــاردو ذات تــأثير كــبير فــي‬ ‫المجموعة الولى‪ .‬إن مرحلــة‬ ‫التحسيس والتأسيس الــتي تعــددت أشــكالها العمليــة لــم تكــن‬ ‫واعيـــة بـــذاتها تمامـــا ً ول بثقافتهـــا ومقاصـــدها السياســـية‬ ‫‪10‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةةة ةةةةةة ) ة ‪( 21‬‬ .‬وكذلك الشــيخ عبــد القــادر ســلمة‬ ‫أيضا ً رغم أنه شيخ في جامع الزيتونة لكنه تعاطى التجارة‪ .‬كان رئيس جمعية الشبان المســلمين هــو والشــيخ‬ ‫عبد القادر سلمة بارك الله في عمره…كان هذا الثنائي فريــدا ً‬ ‫من جملة المشايخ في التواضع‪ ،‬وفي العلقة مع الشباب‪ ،‬وفي‬ ‫العلقة مع الناس‪ ،‬مخالطة عامة النــاس‪ ،‬لن جانب ـا ً مــن تــراث‬ ‫جامع الزيتونة إلى حد كبير كــان تراث ـا ُ أرســتقراطيا‪ ،‬بمعنــى ان‬ ‫المشايخ كــانوا يمثلــون نوع ـا ً مــن الطبقــة‪ .

‬‬ ‫العنصر الثالث‪ .‫والجتماعية‪ .‬الخطاب الســلفي الخــواني القــادم مــن‬ ‫المشرق العربي‪.‬وقد وجــدت فــي ســيد قطــب بالخصــوص رصــيدا ً‬ ‫مهما ً لبلورة وجودها النظري والجتماعي‪ ،‬وذلــك لمــا يتميــز بــه‬ ‫فكر الرجل من مثاليــة قصــوى‪ ،‬واســتعلء‪ ،‬وحسـم « مــانوي »‬ ‫في القضايا‪ ،‬واعتماد منهجية حرفية في التعامل مــع النصــوص‪،‬‬ ‫وتبســيط شــديد للقضــايا مــع صــياغة لغويــة أخــاذة وشــحنات‬ ‫عاطفية قوية‪ .‬‬ ‫‪ ‬الموقف من المرأة‬ ‫ينطلق الخطاب اليديولوجي السلمي فــي رؤيتــه للمــرأة‪،‬‬ ‫مــن أن هــذه الخيــرة صــارت مــن جديــد عرضــة للســتغلل‬ ‫التجاري‪ ،‬تعاني من الدونيــة والظلــم والضــطهاد‪ ،‬فهــذا الوضــع‬ ‫‪11‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةة ةةةةة ةةةةةةةة – ةةةة ةةةة ) ة ‪.‬‬ ‫ولما كانت التجاهــات اليســارية الماركســية والقوميــة ذات‬ ‫الطابع العلماني قد أصــبحت ذات وزن فــي الوســاط الطلبيــة‬ ‫والشعبية والعمالية بصورة خاصة في الستينات‪ ،‬وشــهدت مــدا ً‬ ‫شــعبيا ً واســعا ً فــي مرحلــة الســبعينيات‪ ،‬فقــد كــان الخطــاب‬ ‫اليديولوجي للحركة السلمية متمحــورا ً حــول مقاومــة الدولــة‬ ‫الكافرة باعتبارها تقود إلى المجتمع الجاهلي‪ ،‬والرفض المطلق‬ ‫للعلمانيــة‪ ،‬ليــس لنهــا آتيــة مــن الغــرب الرأســمالي‪ ،‬والعــالم‬ ‫الشيوعي فقط‪ ،‬بل لنها تجســد القــوانين الوضــعية المتناقضــة‬ ‫جذريا ً مع التشريعات السلمية‪ ،‬وحاكمية اللــه‪ ،‬وإقامــة الدولــة‬ ‫السلمية‪ ،‬التي تسترشد بقوانين السلم‪ ،‬باعتبارها قوانين كلها‬ ‫عدل‪ ،‬لنها منزلة من عند الله‪ ،‬ولنها قــادرة علــى إخضــاع كــل‬ ‫مفسد وكافر في الرض خارج عن طاعة الله ورسوله‪.( 7‬‬ .‬وتتكــون الظــاهرة‬ ‫السلمية التونسية من العناصر التالية ‪:‬‬ ‫العنصر الول‪ .‬لهذا كانت الملمح الولى للتفكير إلــى حــد كــبير‬ ‫أخلقوية إلــى درجــة التبســيط والخلل‪ ،‬غارقــة فــي الماضــوية‬ ‫واللتاريخيــة إلــى درجــة غيــر خافيــة‪ ،‬مبتــورة الصــلة بــالواقع‬ ‫‪(11‬حد التوتر‪ ،‬سطحية من حيــث‬ ‫الشعبي والسياسي‪ ،‬عاطفية إلى‬ ‫الرصيد والوضوح الستراتيجي ) ‪.‬فإذا كان التأثير القوى…‬ ‫العنصر الخواني السلفي في المرحلة الولــى كـان هــو المـؤثر‬ ‫الكبر‪ ،‬ولكن بعد ذلك تفاعل مع الــبيئة التونســية‪ ،‬الــتي ليســت‬ ‫طينــة طبقــة يمكــن تشــكيلها كمــا تشــاء‪ .‬‬ ‫العنصر الثاني‪ .‬وهو التيار السلمي العقلني الــذي عــبر‬ ‫عن نفسه في النصف الثاني مــن الســبعينات‪،‬‬ ‫والــذي يســتند إلــى تــراث عقلنــي إســلمي‬ ‫موجود فــي التاريــخ العربــي الســلمي‪ ،‬وإلــى‬ ‫النقــد الجــذري الصــارم للخــوان المســلمين‪،‬‬ ‫باعتبارهم ممثليــن للســلفية فـي هـذا العصـر‪،‬‬ ‫وإلـــى إعـــادة العتبـــار للغـــرب العقلنـــي‪،‬‬ ‫وللمدرسة الصلحية في تـونس ) خيــر الـدين‬ ‫التونســـي‪ -‬الطـــاهر الحـــداد ( ولمنجزاتهـــا‬ ‫الحديثــة‪ ،‬مـن خلل حركـة التحـديث والعلمنــة‬ ‫الــتي أنجزهــا بورقيبــة‪ ،‬مثــل تحريــر المــرأة‬ ‫والعلمانية في التعليم الخ‪.‬ويتــألف مــن التــدين التقليــدي التونســي‪،‬‬ ‫الذي يهيمن عليه المــذهب التقليــدي المــالكي‬ ‫والعقائد الشعرية والتربية الصوفية‪.‬‬ ‫غير أن الظاهرة الســلمية التونســية اتســمت منــذ البدايــة‬ ‫بنوع من التعقيد نظرا ً لتنوع مكوناتها‪ .

‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫وكــان الســلميون يقــدمون خطابــا ً إســلميا مختلفــا عــن‬ ‫‪12‬‬ ‫‪13‬‬ ‫‪14‬‬ ‫‪15‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةةة‬ ‫ةةةةةة‪.‬إل أن هــذا الخطــاب يســعى لتــبرير مــوقفه‬ ‫باختلف التكوين الطبيعي والستعدادات الفطرية ) ‪.‬‬ ‫ً‬ ‫فالموقف هو اعتبار المرأة قاصرا والوصاية عليها فــي كــل‬ ‫‪ (14‬المتنــاقض‬ ‫الحول‪ .‬كــانوا يطــالبون‬ ‫بفتح المساجد في المدارس والكليات والقســام الداخليــة فــي‬ ‫المعاهـــد والمبيتـــات الجامعيـــة‪ ،‬وترميـــم المســـاجد العتيقـــة‬ ‫المهجــورة فــي المــدن والريــاف‪ .‬‬ ‫لقد ركز التيار السلمي السلفي في خطابه علــى موضــوع‬ ‫الصــلحات الــتي شــملت تحريــر المــرأة التونســية‪ ،‬باعتبارهــا‬ ‫إصلحات تقود إلى مسار منحط وضائع للمــرأة‪ .1977 -‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةةةة – ةةةةة ةةةةةة ‪.1978‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةةةة – ةةةةة ةةةةةة – ‪1997‬‬ ‫ة – ةةة‬ ‫ةة ةةة‬ ‫ةةة – ةةة‬ ‫ةة‬ .‬‬ ‫هــذا الخطـاب ينكــر اســتغلل جســد المــرأة كتقليــد أعمــى‬ ‫لحضــارة الغــرب حيــث أصــبحنا ل نــرى إعلن ـا ً مــن العلنــات‬ ‫التجارية في الجــرائد والمجلت إل وفيــه امــرأة عاريــة أو شــبه‬ ‫اس(ــتخدمت‬ ‫عاريــة ول نجــد نــزل ً ول مطعم ـا ً أو متجــرا ً إل وقــد‬ ‫المرأة فيه لتعمل عملها المغناطيسي فــي الرجــال )‪ .‫إرهاصات ولدة الحركة السلمية‬ ‫ليس وليد السلم بــل نتــاج للنحطــاط والجاهليــة الحديثــة )‪.‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةةةة – ةةةةة ةةةةةة ‪.‬هــذا‬ ‫الحضور ملئم جدا ً لممارسة دعايتهم من خلل خطــب الجمعــة‬ ‫والــدروس والحــوارات الــتي يــديرونها‪ .‬فالمهم أن المرأة يجب صيانتها وحمايتهــا‬ ‫»‪.‬وإلــى جــانب « كلمــات‬ ‫الحق» التي يلقونهــا فــي المســاجد‪ ،‬فــإن منشــوراتهم العديــدة‬ ‫المسموحة تضمن لهم انتشار إيديولوجيتهم‪.‬‬ ‫تطور المجتمع في هذا التجــاه ســلبي تمام ـا ً ومنــا ٍ‬ ‫والنساء لدى التيــار الســلمي يقمــن‪ ،‬مثلمــا يــرد فــي الســورة‬ ‫القرآنية بـ « التحجب »‪ .(12‬‬ ‫المرأة والرجــل ســببها الحــرص‬ ‫فثمة فوارق أقرها السلم بين‬ ‫على كرامتها وسلمة المجتمع )‪. 15‬وحيــث‬ ‫تنظم «مهازل انتخاب ملكات الجمال باستعراض الجساد تحديا ً‬ ‫لعقيدة السلم وشريعته‪ ،‬وتزيينا ً للفساد ونشرا ً للرذيلة وإهانــة‬ ‫للمرأة وحطا ً من قيمتها »‪.‬‬ ‫فــي بدايــة الســبعينات أعــرب الســلميون عــن حضــورهم‬ ‫الجتمــاعي بنشــاطات رمزيــة محســوبة بدقــة‪ ،‬إذ إن مطــالبهم‬ ‫كانت بسيطة ومقبولة لدى السلطة السياسية‪ .‬‬ ‫وازداد حضــور الســلميين فــي جمعيــات حفــظ القــرآن‬ ‫الكريــم‪ ،‬والمســاجد الــتي هــي أمــاكن تجمــع جمــاهيري‪ .‬وقــد شــكل هــذا التــدين‬ ‫الجمــاهيري الــذي تلقــى دفعــة جديــدة بفعــل صــدمة التحــديث‬ ‫والعلمنة اللتين قامت بهما السلطات التونســية‪ ،‬ميــدانا ً ملئم ـا ً‬ ‫وخصبا لخطاب ومبادرات الحركة السلمية في تونس‪.‬والحجاب الســلمي يصــنع ويبــاع مــن‬ ‫قبل شبكة من التجار تحظى بدعم الحركــة الســلمية وتحظــى‬ ‫بتشجيع دعائي في صحفها « حمل الحجاب يحرر المرأة بحجبة‬ ‫جسدها »‪.(13‬‬ ‫وهــذا الســتدراك يفتــح المجــال للرؤيــة المتناقضــة لــدور‬ ‫المرأة « فالسلم ينظــر إلــى المــرأة كعــرض يجــب أن يصــان‬ ‫ومسؤولية الرجل ل تنتهي ببلوغ ابنته وقدرتها على الكسب بــل‬ ‫تستمر هذه المسؤولية حــتى بعــد أن تــتزوج‪ ،‬فــإذا مــا تزوجــت‬ ‫انتقلـت المســؤولية إلــى الـزوج فــإذا مـا تــوفي الــزوج صـارت‬ ‫المسؤولية إلى البن‪ .‬وهــو يعتــبر أن‬ ‫ف للســلم‪.

(18‬إل أن هذه النظــرة‬ ‫تولدت عنها سلبيات كثيرة وأزمات كالفشل فــي تقــديم معنــى‬ ‫لوجود النسان ومدارس ثابتة لخلقه‪ ،‬أدت إلــى إحســاس حــاد‬ ‫بالقلق والسأم والغثيان والحيرة‪ ،‬وســاد مبــدأ اللــذة ممــا جعــل‬ ‫المجتمـع مسـرحا ً فوضـويا ً للصـراع علـى اللـذائذ بيـن القويـاء‬ ‫صراع انتهى بالخلف على مبــدأ الحريــة باسـم مبــدأ‬ ‫والضعفاء‪،‬‬ ‫العدالة » )‪.‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةةة ة – ةةة ةة ةةةةة – ةةةة ةة ‪« 1978‬‬ ‫ةة ةةةة ةةة ةةةةةة »‪.‬‬ ‫وينطلق الخطاب السلمي من المقولة البسيطة التالية‪ ،‬حينمــا‬ ‫ل يكون السلم مطبقًا‪ ،‬يكون الفشل محتومًا‪ .‬وفيما هو يقدس‬ ‫إيران الخميني‪ ،‬إل أنه يصب جام غضبه على النظام البعثي في‬ ‫العراق‪.(19‬‬ ‫والغرب في هذا المفهوم ليس الغــرب الجغرافــي‪ ،‬بــل هــو‬ ‫نظرة إلى الحياة أي مفهوم للعالم يجعل الولوية للمــادة علــى‬ ‫الروح‪ ،‬وهــو بهــذا المعنــى الحضــاري ل يشــمل الكتلــة الغربيــة‬ ‫والكتلة الشرقية فحسب‪ ،‬بل أنه ليلقــي بظللـه الســوداء علــى‬ ‫‪16‬‬ ‫‪17‬‬ ‫‪18‬‬ ‫‪19‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةة ةةةةةةة « ةة ةة ةةةةة ة » ةةةةة‪.‬‬ .(16‬‬ ‫كيف تجسم هذا الحــط مــن مكانــة النســان؟ « الداروينيــة‬ ‫تجعل منه فصيلة من فصــائل القــرود‪ ،‬الفرويديــة تقــول‪ :‬أنكــم‬ ‫طوال حياتكم تجرون لتحقيــق شـهوتكم الجنسـية‪ ،‬ويـذهب بهـا‬ ‫الظن أن كل منا يود التصال الجنسي بأمه‪ ،‬فكر منحل‪ ،‬وضلل‬ ‫بطنا ً وكفى‪ ،‬مثلنا كبقية‬ ‫مبين وخبث يهود‪ ،‬الماركسية تجعل منا‬ ‫الحيوانات تأكل لتعيش وتعيش لتأكل » )‪.‫الخطــاب الســلمي الرســمي‪ ،‬إذ يركــز علــى الصــيام والصــلة‬ ‫والصدقة والزكاة‪ ،‬و«الضياع» الذي يعيشه المجتمــع الســلمي‬ ‫اليــوم‪ ،‬وأن مســؤولية ذلــك ملقــاة علــى « القــادة المرتبطيــن‬ ‫بالغرب» وعلى « الملحدين »‪.‬‬ ‫كما تركز الخطاب اليديولوجي على الوضع الدولي‪ ،‬فقــدم‬ ‫السلميون نقدا ً عنيف ـا ً للماديــة الغربيــة‪ ،‬رافضــين فــي الــوقت‬ ‫عينه النقد الماركسي والشتراكي‪ ،‬تشهد علــى ذلــك المقــالت‬ ‫العديدة التي كتبت عن الغولك‪ ،‬والصين ما بعد ماوتسي تونــغ‪،‬‬ ‫والحرب الصـينية– الفيتناميـة‪ ،‬والغـزو السـوفياتي لفغانسـتان‪.‬‬ ‫ول النسان إلى« موضوع بحث ل فرق بينه وبين‬ ‫فالغرب ح ّ‬ ‫المعادن والنبات والحيـوان»‪ ،‬فقـد بـدل القيمـة والمكانـة الـتي‬ ‫كانت له وأصبح هناك مجال واحــد ووحيــد هــو موضــوع الــديس‬ ‫النســان‪ :‬إنــه جســده أي « مطــالبه الرضــية وحاجيــاته‬ ‫فــي‬ ‫المادية» )‪.‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةةة ة – ةةة ةة ةةة ةةة – ‪ – 1973‬ةة ةةة‬ ‫ةةةةةة ةةة ةة ةةة ةةة ةةةة‪.‬‬ ‫‪ ‬الموقف من الغرب ‪:‬‬ ‫يحتل الغرب محورا ً مهما ً في نظر التيــار الســلمي‪ ،‬ولكــن‬ ‫هــذه النظــرة تبــدو ســطحية لنهــا تحتــوي علــى ثلثــة عناصــر‪:‬‬ ‫اختزال الفكر الغربي وتبســيطه‪ ،‬والعــداء لكــل مــا يحملــه مــن‬ ‫فلسفات وقيم‪ ،‬وللرؤية الكوارثية لوضاعه‪.‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةةةة – ةةةةة ةةةةةة – ‪ « 1978‬ةة ةةة ة‬ ‫ةةةة ةةةةةة » ةةةة ةةةةةةة‪.(17‬‬ ‫ول شك أن إيمان الغرب بالنسان كسيد يحكم عالمه كانت‬ ‫له نتائج إيجابيـة‪ :‬تحريــر النسـان مـن الحسـاس بــالعجز أمـام‬ ‫الطبيعــة‪ ،‬النظــرة العلميــة‪ ،‬اليمــان بالتقــدم الــدائم والتطــور‬ ‫المستمر‪ ،‬شعور النسان بقيمة الحرية )‪ .

‬‬ ‫ينطلق الخطاب اليديولوجي للحركة الســلمية كمــا يقــول‬ ‫عبــد اللطيــف الهرماســي مــن واقــع التخلــف لينفــي أن يكــون‬ ‫للسلم ضلع فيه‪ .‬‬ .‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةةة ةةةةةة‪.‬‬ ‫الحضــارة نقيــض للتخلــف‪ ،‬لكنهــا ليســت مجــرد تــوفير‬ ‫النجازات المادية لشــباع الغــرائز‪ .‬‬ ‫والسـلم ليــس إسـلم الفــرق الدينيــة والمــذاهب الفقهيـة‪ ،‬ول‬ ‫إسلم الزوايــا‪ ،‬بــل إســلم المصــادر الكفيــل بتمكيننــا مــن بنــاء‬ ‫حضــارة إســلمية جديــدة‪ ،‬تتحقــق بالتمســك بالمثــل الســلمية‬ ‫واستيعاب تقنيات الغــرب وخــبراته مــع الرفــض الكامــل لقيمــه‬ ‫وفلسفاته‪ ،‬حتى ل تخلص عقولنا وأرواحنا لغير الله‪.‬فالمسؤولية هي مــن فكــر النحطــاط وغــزو‬ ‫الســتعمار‪ .‬وهــم أعــداء تــاريخيون حاضــرون اليــوم‬ ‫أيض ـا ً فــي أفغانســتان ومصــر‪ .(21‬‬ ‫ففـــي نظـــر الســـلميين‪ ،‬أعـــداء الســـلم هـــم الغـــرب‬ ‫والطواغيت الملحدون‪ .‬‬ ‫وبــذلك ل يبقــى غيــر الســلم‪ ،‬يتعــرض لكيــد وتــآمر العــداء‪.(20‬‬ ‫الغرب أخضع المادة وكدس المكتســبات العلميــة والفنــون‬ ‫العملية‪ ،‬هذه ل بأس أن نستوعبها في حدود تطور السلم هــذا‬ ‫عن الحضارة المدنية‪ .‬مـن هنـا فـإن إعـادة بنـاء نظـام‬ ‫عالمي جديد يعتبر ضرورة ملحة في انتظار إرجــاع المــور إلــى‬ ‫نصـابها الصــحيح واســتعادة الســلم دوره ومــوقعه الشــرعيين‪.‬والعــالم الســلمي خاضــع الن‬ ‫ومســـتغل ومجـــزأ وضـــعيف بفعـــل مـــؤامراتهم واعتـــداءاتهم‬ ‫المســـتمرة منـــذ قـــرون وعلـــى جميـــع الصـــعدة السياســـية‬ ‫والقتصادية والثقافية‪.‬المجتمــع الحــالي‬ ‫ونظــامه حلــل مــا حـّرم اللــه‪ ،‬وابتعــد عــن الــدين وأذل رجــاله‪،‬‬ ‫واســتولت عليــه حضــارة المــادة وغزتــه الباحيــة‪ ،‬فهــو مجتمــع‬ ‫‪20‬‬ ‫‪21‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةة ةةةةةةة « ةةةةةة ةةة ةةةةةةة »‪.‬أما الحضارة الروحية« فيتبقى أن نرفض‬ ‫قيمهــا وفلســفتها وآدابهــا‪ ،‬وليــس الرفــض فحســب بــل العــداء‬ ‫ـن مفــاهيم وقيــم ونظــم تحــرر أرواحنــا‬ ‫الشــديد لمــا تحمــل مـ‬ ‫وعقولنا من تبعيته » )‪.‬‬ ‫هذا المجتمع السلمي البديل هو مجتمع العدالة والمساواة‬ ‫والخوة والرحمة‪ ،‬الغني فيه يود الفقير ويعينه والفقير ل يحسد‬ ‫الغني‪ .‬الرجل يكرم المرأة وينفق عليها ويرعاها‪ ،‬والمرأة تطيـع‬ ‫الرجل فيما يأمرها وتخــدمه وتــوفر حاجيــاته‪ .‫إرهاصات ولدة الحركة السلمية‬ ‫العـالم الثـالث الـذي ل يـزال‬ ‫مجموعـة الـدول المـدعوة بـدول‬ ‫مبهورا ً بما قدمه الغرب من أشياء )‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫السلم يحتل وضعا متدنيا على الصعيد العربي و السلمي‬ ‫والدولي‪ ،‬بصـورة غيـر عادلـة‪ .‬فالعــالم الســلمي تــداول عليــه الحكــام الجــائرون‬ ‫والبدع والخرافات حتى خرس تحت ســنابك جيــوش الســتعمار‬ ‫المادي والروحي‪.‬‬ ‫قيادة البشرية إلى الحرية الحقيقية‪.‬النشــاط الغريــزي يجــب أن‬ ‫يخضع لقيم ومبادئ‪ ،‬والمتحضر هــو الــذي يتجــاوز نطــاق حفــظ‬ ‫البقاء إلـى أفـق المثـل والمبـادئ فهـل نـأتي بهـذه المثـل مـن‬ ‫الغــرب؟ الغــرب ل يمكــن أن يعطينــا ذلــك‪ ،‬فهــو يعيــش أزمــة‬ ‫حضارية‪ ،‬حروب‪ ،‬أزمات اقتصادية‪ ،‬تفكك عــائلي‪ ،‬إجــرام‪ ،‬قلــق‬ ‫وحيــرة‪ ،‬وباختصــار فشــل الغــرب‪ ،‬كــل الغــرب كنظــرة للحيــاة‬ ‫تختلــف عــن الســلم‪ ،‬الغــرب الوروبــي والميركــي والعــالم‬ ‫الشيوعي والشــرق‪ ،‬والمســيحية واليهوديــة‪ ،‬كلــه غــرب‪ ،‬وعلــه‬ ‫يحمل قصورا ً في نظرته للنسان‪ ،‬إمــا بإهمــال القيــم المعنويــة‬ ‫والجتماعية )الرأسمالية( وإنكـار الـروح الفرديـة ) الشـيوعية (‬ ‫وإما بإهمال الحتياجات الغريزية )المسيحية وديانات الشرق (‪.

‬كنــا ننظــر لســيد قطــب‪ ،‬البنــا‪،‬‬ ‫المودودي هؤلء شيوخنا‪ ،‬لن هؤلء حملوا اللواء‪ ،‬لــواء الصــلح‬ ‫السلمي… كنت أبحث عن رمز… عــن أداة نضــالية‪ ،‬عــن مــن‬ ‫أقتدي به كمصلح يخوض المعركة ضد العلمنــة والفســاد‪ ،‬علــى‬ ‫حين كنت أرى هؤلء المشايخ كلهم… أفضــلهم طريقــة انــزوى‬ ‫مثل الشيخ شلبي‪ ،‬وآخرون هــاجروا مثــل الشــيخ محمــد صــالح‬ ‫النيفـــر‪ ،‬وآخـــرون انـــدمجوا فـــي خطـــة الحكومـــة فأصـــبحوا‬ ‫مسؤولين‪ ،‬في فترة كان عدد كــبير مــن العــاملين فــي الحــزب‬ ‫مـــن المســـؤولين فـــي لجـــان التنســـيق الحزبـــي هـــم بقيـــة‬ ‫الزيتونيين… مادة بنى بهــا النظــام الجديــد ملكــه‪ ،‬فكــان منهــم‬ ‫رجال الشرطة‪ ،‬وهؤلء هم الطبقة الدنيا من الزواتنة‪ ،‬كانوا هم‬ ‫رجال الشرطة والحرس… فئة أخــرى قضــاة…الــذين حاكمونــا‬ ‫وترأسوا محاكماتنا كانوا زواتنة… العدالة كلها تقريبا ً كانت مــن‬ ‫جامع الزيتونة « ضربهم بورقيبة بعصا الذل »‪ .‫جــاهلي يعبــد الصــنام الحديثــة كالشــتراكية والديمقراطيــة‬ ‫والقومية‪ ،‬ول مناص لجل تحرير المجتمع من هدم هذه الصنام‬ ‫وقيم التفسخ وإقامة المجتمع السلمي الــذي يطبــق الشــريعة‬ ‫يعترف بغير حكم الله‪ .‬فالقطيعــة‬ ‫بين هـذا الجيــل الجديــد مــن الســلميين وبيــن العــالم الفكــري‬ ‫والجتمــاعي للعلمــاء الزيتــونيين التقليــديين واضــحة‪ .‬ويقــول‬ ‫الغنوشي لم نعد ننظر إلــى الطبقــة الدينيــة الزيتونيــة المتبقيــة‬ ‫علــى انهــا نمــوذج يحتــذى بــه‪ .‬‬ ‫لقد وفر أحد رموز النظام محمد الصياح الذي كــان يشــغل‬ ‫منصب مدير الحزب الشــتراكي الدســتوري الحــاكم ومســؤول‬ ‫ميليشيا الحزب‪ ،‬للحركة السلمية الحماية لنشــاطها باســتمرار‬ ‫في الجامعة بداية مــن العــام ‪ ،1975‬إذ اخــترقت أرض اليســار‬ ‫الماوي واللباني في كليات العلوم والتكنولوجيا‪ ،‬بهدف إجهـاض‬ ‫‪22‬‬ ‫‪23‬‬ ‫)( ‪ -‬ةة ة ةةةةة ة ةةةةةةة ة – ةةةةة ة‬ ‫ةةةةةةةةة ةة ةةةة – ةةةة ةةةة ) ة ‪.‬وهــذا هــو واجبنــا‬ ‫ويقيم شعائر الدين ول‬ ‫الرباني والسلمي » )‪.( 60 – 59‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةة ةة ةةةةةةةة ةةةة ةةةة ةةة ةةةة‬ ‫« ةةةة ةةةةةةة » ةة ةةةةة ةةة ة ةةةةةة ة‬ ‫– ةةةة ةةةة ) ة ‪.‬وكــان الجيــل الجديــد مــن الحركــة‬ ‫السـلمية بزعامـة الشـيخ راشـد الغنوشــي يحمـل نقمـة علــى‬ ‫المشايخ الزيتونيين الذين لم ينهضوا بالمانة وفرطوا فــي البلد‬ ‫وسلموها للعلمانية« سلموا فيها لبورقيبــة وخلص»‪ .‬قــد نبحــث لهـم‪،‬‬ ‫ـوينهم الــذي لــم يــؤهلهم لكــي‬ ‫قد نتلمس لهــم العــذار مــن تكـ‬ ‫يخوضوا المعركة مع العلمانية…» )‪.(22‬‬ ‫‪ ‬تسامح السلطة مع السلميين‬ ‫استطاعت السلطة التونسية أن تحتــوي الوســط الزيتــوني‬ ‫بأكمله منذ بداية الســتينات‪ .(23‬‬ ‫إذا ً كان هذا هو المآل الذي سارت فيه المور فــي الوســط‬ ‫الزيتوني‪ ،‬فما هو وضع الحركة السلمية الصاعدة فــي علقتهــا‬ ‫مع السلطة؟‬ ‫على الرغم من النقد الــذي قــدمته الحركــة الســلمية إزاء‬ ‫سياسة التحديث والعلمانية التي طبقها النظام التونسي‪ ،‬إل أن‬ ‫الســلطة التونســية والحــزب الشــتراكي الدســتوري الحــاكم –‬ ‫نظــرا ً لتعمــق أزمــة الرأســمالية التابعــة‪ ،‬وانحســار القاعــدة‬ ‫الجتماعيـــة للنظـــام‪ ،‬وتجـــذر الحركـــات اليســـارية التونســـية‬ ‫العلمانية مــن كل التجــاهين الماركســي والقــومي – استشــعرا‬ ‫أهمية الحركة السلمية الناشئة وإمكانيــة الســتفادة منهــا فــي‬ ‫مواجهة التيار الديمقراطي واليساري السائد في الجامعة‪.( 22‬‬ .

1980‬‬ .‬ويعود أحد أسباب هذا النجـاح للسـلميين إلـى تراجـع‬ ‫اليديولوجيات التي كــانت تحتــل حقــل الرفــض والحتجــاج فــي‬ ‫الجامعة )الماركســيون‪ ،‬والقوميـون (‪ ،‬حيـث عجــزت منظمـات‬ ‫اليسار الجديد من الخروج من مجتمعاتها في أوساط الطبقــات‬ ‫العمالية الحديثة العهد‪ ،‬ومن الحرم الجامعي‪.‬‬ ‫ومع بداية الثمانينات حققت الحركة الســلمية فــي تــونس‬ ‫اختراقا ً كبيرًا‪ ،‬كان هذا الخــتراق فــي الجامعــة أو ً‬ ‫ل‪ ،‬ثــم بدرجــة‬ ‫أقل تشددا ً في أوســاط الجمــاهير المدنيــة الحديثــة العهــد فــي‬ ‫التمدين‪ .‬وهكذا انتشرت الحركة»)‪.‬‬ ‫ويــذهب بعــض المراقــبين إلــى تحليــل مــؤاده ‪ :‬أن بــروز‬ ‫حركات اليسار التي خاضــت معــارك ضــد الحكــم علــى امتــداد‬ ‫العقــدين الماضــيين‪ ،‬وكــانت تتصــدر المعارضــة السياســية فــي‬ ‫الداخل وفي المهجر ‪ -‬إلــى جــانب التيـارات القوميـة العربيـة –‬ ‫حمل مراكز القوى داخل الحزب الشتراكي الدستوري وخاصــة‬ ‫الدارة الســابقة للحــزب علــى بلــورة خطــة لضــرب اليســار‬ ‫بالحركة السلمية‪ .‬والــذين تخرجــوا مــن الجامعــة‪ ،‬انتشــروا فــي البلد‬ ‫لتوعية الشباب وتربيته‬ ‫ونقلوا فكرتهم‪ ،‬وانشأوا بدورهم حلقات‬ ‫تربية إسلمية‪ .‬ويقول أصحاب هذا الرأي أن اتصالت تمــت‬ ‫بين الطرفين تنفيذا ً لهذه الخطــة‪ .‬ومــن مظــاهر هــذه« اللفــة » أن‬ ‫تحركات رموز الحركة السلمية‪ ،‬ودروسهم في المساجد كانت‬ ‫تحاط برعاية صامتة‪ .‫إرهاصات ولدة الحركة السلمية‬ ‫نضالت الحركة الطلبية من الداخل‪ ،‬عنــدما عجــز النظــام عــن‬ ‫تصفيتها عبر القمع المباشر‪ ،‬أو من خلل المشــاريع الحتوائيــة‪.‬‬ ‫ويفســـر البـــاحث الفرنســـي أوليفيـــه روا هـــذا الخـــتراق‬ ‫السلموي في أوساط المثقفين كــذلك‪ ،‬بأزمــة اليــديولوجيات‪.(24‬‬ ‫فــي الــوقت الــذي كــانت فيــه حركــة اليســار ‪ -‬وهــي أهــم‬ ‫منــافس للحركــة الســلمية‪ -‬تقــود كقــوة طليعيــة النضــال‬ ‫الــديمقراطي والنقــابي فــي تــونس‪ ،‬وكــانت عرضــة لهجمــات‬ ‫أجهزة السلطة‪ ،‬ودفعـت ثمـن ذلـك ملحقـات ومحاكمـات فـي‬ ‫الستينات وخاصة في السبعينات‪ ،‬كانت الحركة السلمية تزيــد‬ ‫من اســتقطابها التنظيمــي فــي أوسـاط الجامعــة وعلــى صــعيد‬ ‫الساحة الشعبية‪ ،‬مستفيدة من تغاضي السلطة عن نشاطاتها‪.‬وفعل ً اتســمت العلقــات بيــن الحركــة‬ ‫السلمية وأجهزة الحكم منــذ بــواكير الســبعينات وإلــى خريــف‬ ‫‪1979‬بالــدفء والنســجام‪ .‬وكانت« جمعيــة المحافظــة علــى القــرآن‬ ‫الكريم » جهاز نشاط السلميين العلني‪ ،‬يتمتع بكل التســهيلت‬ ‫والمساعدات‪ ،‬أما مع اليســار فكــانت الحــرب علــى أشــدها‪ ،‬إذ‬ ‫تحول الصراع فــي مــدرجات الكليــات مــن صــراع بيــن الطلب‬ ‫اليســاريين وأجهــزة المــن إلــى صــراع بيــن طلب الحركــة‬ ‫السلمية والطلبة اليساريين‪.‬‬ ‫فالحركة السلمية كانت مهيــأة للقيــام بهــذه المهمــة‪ ،‬وهــو مــا‬ ‫يفسـر تسـامح السـلطة مـع النشـاط السـلمي فـي الجامعـة‪.‬‬ ‫ويقول الشيخ راشد الغنوشي بهــذا الصــدد‪ « :‬ثــم انتقــل هــؤلء‬ ‫الشباب الذين كانوا يحضــرون الحلقــات إلــى الجامعــة‪ ،‬ونقلــوا‬ ‫معهــم الفكــرة الســلمية وبــدأ صــراعهم هنــاك مــع التجاهــات‬ ‫اليســارية‪ .‬وممـا يؤكــد هـذا التحليــل أن‬ ‫عبد الفتاح مورو أمين عام « حركــة التجــاه الســلمي» صــرح‬ ‫فــي محاكمــة ‪ 1981‬أنــه ســبق أن التقــى مســؤول ً كــبيرا ً فــي‬ ‫الحـــزب الدســـتوري‪ .‬‬ ‫فـــتراجع مهابـــة اليـــديولوجيات التقدميـــة وإخفـــاق نمـــوذج‬ ‫»الشــتراكية العربيــة « تركـا مكانـا ً شـاغرا ً أمـام إيـديولوجيات‬ ‫احتجاجية ورفضية جديدة‪ ،‬داخل مجتمعات مفككة البنى انبعثت‬ ‫‪24‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةة ة ة ة ةةةةةةة ة ةة ةة ة ةةة ةة ة‬ ‫ةةةةة ةةةةةةةة « ةةةةةةة ةةةةةةةةة ةة‬ ‫ةةةة » ‪ -‬ةةةةةةة ‪.

‬وما يقدمه هــؤلء إلــى‬ ‫مقهوري أو » مستضعفي « جميع البلدان‪ ،‬هو الحلــم بالوصــول‬ ‫‪(25‬اســتبعدوا منــه بلــى‪،‬‬ ‫إلــى عــالم التنميــة والســتهلك الــذي‬ ‫السلموية هي الشريعة زائد الكهرباء ) ‪.‬‬ ‫‪‬‬ ‫‪25‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةةةة ةةة – ةةةةة ةةةةةةة ةةةةةة ة‬ ‫ةة – ةةة ةةة ةةة – ةة ةة –‬ ‫– ةةةة ة ةة ةة ة ةة‬ ‫ةةةةةة ةةةةةة ‪1994‬ة )ة ‪.‬ولهــذا فـإن الســلمويين يــدعون حيــث مــا‬ ‫وجدوا إلى التنمية الصناعية‪ ،‬والعمــران المــديني ومحــو الميــة‬ ‫على مستوى جماهيري وتحصيل العلوم‪ .‫فيهــا فجــأة أفكــار الصــول والهويــة‪ ،‬فــي مســعى ل يســتهدف‬ ‫العودة إلى الماضي‪ ،‬بل الستيلء على الحداثــة وتملكهــا داخــل‬ ‫الهويــة المســتعادة‪ .( 56‬‬ .

‬‬ ‫ً‬ ‫وكان لهذا الوضع القتصادي والجتماعي المتأزم جدا تــأثير‬ ‫عميــق فــي اشــتباك الحركــة الســلمية مــع معضــلت الواقــع‬ ‫التونسي السياسية‪ .‬‬ ‫التحولت الجتماعية الكبرى التي عرفتهــا تــونس فــي تلــك‬ ‫الحقبة‪ ،‬وبروز التحاد العــام التونســي للشــغل بمنزلــة الحــزب‬ ‫السياســي المعــارض الول فــي البلد يناطــح الســلطة‪ ،‬أضــفيا‬ ‫النزعة السياسية المتزايدة على الحركة السلمية‪ ،‬التي ركبــت‬ ‫موجة الصراع الجتماعي والسياسي المحتدم‪.‫الفصل الثالث عشر‬ ‫ظهور السلميين التقدميين‬ ‫مع اشتداد حركة الصراع الجتماعي‬ ‫‪ – 1‬نضــج الخلفــات الفكريــة داخــل الحركــة‬ ‫السلمية‬ ‫مع اشتداد حركة الصراع الجتماعي والنقابي في المجتمع‪،‬‬ ‫وخاصة مع انفجار الزمـة بيـن التحـاد العـام التونسـي للشـغل‬ ‫والحــزب والحكومـة‪ ،‬الــتي تــوجت بانتفاضــة ‪ 26‬كــانون الثــاني‬ ‫) جـــانفي ( ‪ ،1978‬لـــم يعـــد ممكنـــا ً أن تظـــل اليديولوجيـــة‬ ‫السلمية السلفية هي وحدها القبــة الكــبيرة الــتي تجمــع تحــت‬ ‫سقفها كل المثقفين للحركة السلمية تحــت عنــوان « العــودة‬ ‫إلــــــــــــــــــــى مجتمــــــــــــــــــــع الســــــــــــــــــــلف‬ ‫الصالح »‪.‬فقد اتسم الوضع السياسي التونســي منــذ‬ ‫مطلع الثمانينات باندلع أحداث فقصة العســكرية ‪ ،1980‬الــتي‬ ‫أطــاحت برئيــس الحكومــة الهــادي نــويرة الــذي أصــيب بشــلل‬ ‫نصــفي ممــا اضــطر الرئيــس الحــبيب بورقيبــة أن يســتبدل بــه‬ ‫محمد مزالي في أوائل نيســان عــام ‪ ،1981‬الــذي واجــه ثلثــة‬ ‫ملفات ضخمة ‪ :‬سياسية واقتصادية واجتماعية‪ .‬آنــذاك حــددت الصــراع‬ ‫الجتماعي إيديولوجيا ً وسياسيا ً وتنظيمي ـًا‪ ،‬حيــث يكــون الشــكل‬ ‫السياسي – الديني‪ ،‬هو الشكل الرئيسي الذي تجري فيه حركة‬ ‫الصراع الجتماعي باعتباره صراعا ً موجها ً ضد القوى الشــيوعية‬ ‫والقوميــة والديمقراطيــة بالدرجــة الولــى‪ ،‬خصوصــا ً أن هــذه‬ .‬‬ ‫وقد أصـدرت الحركـة مـا يؤكـد طغيـان الجـانب السياسـي‬ ‫على الجوانب الخرى مجلة المجتمع في أواخر ‪ ،1979‬ومجلــة‬ ‫« الحــبيب » بدايــة مــن تمــوز ‪ ،1980‬اللــتين عكســتا الخــط‬ ‫السياسي للحركــة الســلمية الســلفية‪ .‬منها النخفــاض‬ ‫المتواصــل لنســبة النمــو القتصــادي الــذي بــات يهــدد الســلم‬ ‫الجتماعي‪ ،‬وبقاء العديد من القيــاديين النقــابيين فــي الســجن‪،‬‬ ‫الذي بات يطرح شـرعية القيـادة المنتخبـة فــي مـؤتمر التحــاد‬ ‫العام التونســي للشــغل بقفصــة عــام ‪ ،1981‬ومحاكمــة قيــادة‬ ‫حركة التجاه السلمي في تموز عام ‪ ،1981‬وانعكاساتها على‬ ‫الصعيدين السياسي والمني‪.

‬‬ ‫وبدأت القطيعة بين حميدة النيفر والجماعة الســلمية منــذ‬ ‫عام ‪ 1977‬عندما حاول نشر مقال بمجلة « المعرفة »‪ ،‬وكــان‬ ‫آنذاك رئيس تحريرهـا‪ ،‬يتضـمن دراسـة نقديـة لتجربـة الخـوان‬ ‫المسلمين‪ ،‬لكنه فوجئ بسحب مقاله من المطبعــة دون علمــه‬ ‫)‪ .‬ةةة ة ة ة ةةة ةة ةةةةة ة ة ة ‪11‬‬ ‫ةةةةة ةةةة ‪ 1994‬ةةةةةة ةةةةةة ة ة ةةة ةة‬ ‫ةةةة ةة ةة ةة ة ة ةةة ةة ة ةة ةةةةة ة «‬ ‫ةةةةة ةة ةةة ةةةةةة ةة ةةةةة ةةة ةةةةة‬ ‫ةةةة ةةة ةةةة ةةة ةةةة ةةة ةةةةةة ةةةة‬ ‫ة ةةةةة ةة ة ة ةة‪ .‬فبــدأت‬ ‫السئلة تنزرع وتنبت على صفحة الموجة السلمية‪.(505‬ة ة ةة ةة ة ةة‬ ‫ةةةة ة ة‪ .‬يقــول النيفــر « اعتــبرت‬ ‫بعــض كتابــاتي بمجلــة المعرفــة خروج ـا ً عــن الخــط الرســمي‬ ‫للتنظيــم وبخاصــة فيمــا يتعلــق بتقييــم الحركــات الســلمية‬ ‫بالشــرق‪ ،‬وبالخصــوص حركــة الخــوان المســلمين‪ ،‬والجماعيــة‬ ‫السلمية بالباكستان‪ .(26‬وكــان ذلــك إيــذانا باســتحالة التعــايش بينــه وبيــن رفــاقه‬ ‫فاستقال مــن التنظيــم والمجلــة معـًا‪ .‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةةة ةةةةةة ةةةة ) ة ‪ – (506‬ةةة ة ةة ةة‬ ‫ةةة ةة ةةةةةة‪.‬ةةةة ةة ةة ةةة ةةةةة ة ةة‬ ‫ة ةة ةةةةة ةة ة ةةة ةةةةةة ة ة ة ة ةةة‬ ‫ةةةةة ة ةةةةة ةةة ةة ة ةةةة ة ة ةة ةةةة‬ ‫ةةة ةةةة ةةةةةة ةة ةةةةة ةةةةة ةةة ةةة‬ ‫ةةةة ةةة ةةةة ةةةةةةة ةةةةةةةةة‪.‬ة ة ةةة ةة ةةةة ة‬ ‫ةةةةةةةة ةة ةةةة ةةة ةةةة ةةةةةة ةة ةة‬ ‫ةةة ةةة ةةة ةةةةةة ةةةةةةة ةة ةةة ةةةة‬ ‫ةةةة ة ةة ةةةة ة ةة ة ة ةة ةة ةة ة ة ة ةة ة‬ ‫ة ةة ةةةةة ةة‪ .‬كما اعتبرت مقالتي بمثابة نشــر غســيل‬ ‫الحركات السلمية‪ ،‬وكان من المفــروض فــي نظرهــم أن تتــم‬ ‫إثارة هذه الجوانب النقدية في إطار ضيق وليس على صفحات‬ ‫الجــرائد »‪ .‬لكــن الســباب العميقــة لخــروج النيفــر ومجمــوعته‬ ‫تتعلق أساسا ً برفض النتمـاء التنظيمـي لي حركـة خــارج البلد‬ ‫وكــذلك التبــاين الكــبير فــي العديــد مــن المســائل الفكريــة و‬ ‫السياسية مع الجماعة الســلمية‪ ،‬إنــه يقــول ‪ « :‬فــدعوتنا هــي‬ ‫النتماء إلى إسلم تــاريخي ل فــوق التاريــخ وبالتــالي يمكــن أن‬ ‫يكون لنــا انتمــاء خــاص بنــا يقطــع مــع تجــارب ســابقة كتجربــة‬ ‫‪(27‬تلك الفترة‪ ،‬والذي كــان أحــد‬ ‫في‬ ‫الخوان‪ ،‬وهو ما كنت أعتقده‬ ‫)‬ ‫أسباب خروجي من التنظيم »‪.‫القـــوى تلعـــب دورا ً رئيســـا ً وقياديـــا ً فـــي النضـــال النقـــابي‬ ‫والديمقراطي‪ ،‬وهو صراع أيضا ً على السلطة في الــوقت عينــه‬ ‫من أجل تأسيس نمط من الدولة الدينية‪ ،‬لن الدين في منظور‬ ‫الحركات السلمية الصــولية‪ ،‬هــو الــذي يحكــم منطــق التاريــخ‬ ‫ويحركه‪.‬‬ ‫وحــتى ل تتســع دائرة النشــقاق قــررت الحركــة الســلمية‬ ‫إسناد رئاسة تحرير « المعرفة » لصلح الدين الجورشي‪ ،‬وهي‬ ‫تعرف الصلت الوثيقة التي تربطه بالنيفر‪ ،‬وكانت تعتقد أن هذا‬ ‫الموقــف يجنبهــا خــروج مجموعــة أخــرى كــانت تتهيــأ لمغــادرة‬ ‫الحركــة‪ ،‬وهــي الخليــة التنظيميــة بتــونس العاصــمة‪ ،‬ويــبرر‬ ‫‪26‬‬ ‫‪27‬‬ ‫ةةةةةة‬ ‫ة – ةةةة‬ ‫ة ةةةةةة‬ ‫)( ‪ -‬ةةة‬ ‫ةةةة ةةةةة ةة ةةة ‪ – 1991 – 1979‬ةةةة ة‬ ‫ة‬ ‫ة ةةةةةةةة‬ ‫ة ةةةةة‬ ‫ةةة ة‬ ‫ةةة‬ ‫ةةةةةةةة ة ةة ةة ‪ ) 1998‬ة ‪ .‬‬ .‬‬ ‫بداية الشتباك مع معضلت الواقــع التونســي المريــر‪ ،‬ومــا‬ ‫يتطلبه مــن تقــديم أجوبــة مقنعــة منطقيــة وتاريخيــة‪ ،‬والحــرب‬ ‫المفتوحة مع الحركة اليسارية‪ ،‬أسهما إلى حد كــبير فــي طــرح‬ ‫الســئلة الكــبيرة داخــل الحركــة الســلمية الصــولية‪ .

(28‬‬ ‫لــم تكــن الحركــة الســلمية التونســية فــي بــداياتها مهيــأة‬ ‫لفيضــان الخلفــات ذات الطــابع الفقهــي‪ ،‬الــتي تطــرح أســئلة‬ ‫عقلنية حول ضرورة محاربة العقلية الحرفية‪ ،‬دون الطعن فــي‬ ‫مشروعية النص وإسقاط مرجعيته‪ ،‬والتي تتطلب خوض عملية‬ ‫الصــلح مــن الــداخل‪ ،‬وكــانت الزمــة الــتي تعيشــها الحركــة‬ ‫الســلمية أعمــق مــن مجــرد اســتعارة أشــكال فــي التنظيــم‬ ‫والتربية أو استهلك غيــر واع لدبيــات «الخــوان»‪ ،‬لقــد أخــذت‬ ‫الثقافات تمتد وتغوص إلـــى أن لمســت أســس الفكــر الــديني‬ ‫السائد منذ قرون‪.‬ةةة ة ة ة ة ةةة ةة ةةة‬ ‫ةةةةةةة ةة ‪ 15‬ةةةة ‪ 1996‬ةةةةة‪.‬وتــم ذلــك بطريقــة غيــر ديمقراطيــة‬ ‫وغير مؤسساتية‪.‬‬ ‫وقد كان وراء عملية إبعادي من « المعرفة » وحل الهيكــل‬ ‫التنظيمي بالعاصمة المكتب التنفيذي وأساسا ً الغنوشي وصــالح‬ ‫كركر‪ ،‬ثم دعم هذا الموقف من بقية عناصر المكتــب التنفيــذي‬ ‫الفاضـــــــل البلـــــــدي وخاصـــــــة عبـــــــد الفتـــــــاح‬ ‫أي‬ ‫مورو»)‪.(29‬‬ ‫وكان قد تبلور داخل هذه الموجة تياران رئيسيان متنــافران‬ ‫في النصف الثاني من السبعينات‪.‫ظهور السلميين التقدميين‬ ‫مع اشتداد حركة الصراع الجتماعي‬ ‫الجورشي تأخر انسحابه من التنظيم برغبتــه فــي الصــلح مــن‬ ‫الــداخل‪ .‬ومن جهة أخرى تمــت إزاحــة المســؤول عــن‬ ‫الهيكــل التنظيمــي بالعاصــمة منصــف القلعــي لتعــاطفه معنــا‬ ‫وتعويضه بنجيب العيــاري‪ .‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةة ةةةةة ةةةةةةة – ةةةة ةةةةة ةةة –‬ ‫ةةة ةةةةةة ةةةةةةة – ةةةةةةةة ةةةةةةة‬ ‫ةةةة ةةةةةة ةةةة ةةةةة – ةةة ةة ةةةة‬ ‫ةةةةة – ةةةة – ةةةةةة ةةةةةة ‪ ) 1989‬ة ‪.‬هذه الرموز‬ ‫الــتي حــاول الدب الخــواني دفنهــا والتشــكيك فــي قيمتهــا‬ ‫التاريخية ومشروعيتها في الصلح‪ ،‬بالرغم مــن أنهــا لــم تقطــع‬ ‫تماما ً مع الفضاء السلفي‪ ،‬وإن أضفت عليه أبعادا ً تحديثية هامة‬ ‫)‪.‬‬ ‫ومن هنا جاء ذلك التركيز على نقد « الخطــاب الســلفي »‬ ‫حاضرا ً وماضيًا‪ ،‬وتحميله مسؤولية التردي الفكري والسياســي‪.( 13‬‬ .‬غيـر أن كــل المحـاولت الـتي بــذلناها بـاءت‬ ‫بالفشل‪ ،‬وفوجئنا بنوع من الحركة النقلبية حيث تمت إزاحــتي‬ ‫عن رئاســة التحريــر فــي أواخــر ‪ 1978‬بطريقــة ل أخلقيــة ول‬ ‫قانونية وبدون إعلمي‪ ،‬إذ فــوجئت بحــذف اســمي مــن المجلــة‬ ‫بعد صدور العدد‪ .‬‬ ‫ارتبــط التيــار الول بتنظيــرات مصــادر الحركــة الســلمية‬ ‫‪28‬‬ ‫‪29‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةةة ةةة ةةة ةةة ة ) ة ‪ ( 506‬ةةة ة ةة ةة‬ ‫ة ةة ةةةة ة ة‪ .‬وبعــد خــروج‬ ‫حميدة النيفر تحملت مسؤولية رئاسة تحرير « المعرفة » فــي‬ ‫‪ ،1977‬وكان ذلك بتشجيع مـن مجموعـة داخــل الحركـة كـانت‬ ‫تأمل في الصلح‪ .‬‬ ‫والسلفية التي انتقــدت تبــدأ مــن مرجعيـات الحركــة الســلمية‬ ‫المعاصرة )حسن البنا‪ ،‬سيد قطب‪ ،‬المودودي ( لتصــل تاريخي ـا ً‬ ‫إلـى المدرسة الشعرية والسلسلة الموصلة بالشيخ ابن تيمية‪،‬‬ ‫دون إغفال تأثيرات الغزالي والمنهج الحنبلي‪ ،‬ودون أن يتناقض‬ ‫ذلك مع إعادة العتبار لرموز النهضة الحديثة مـن جمـال الـدين‬ ‫الفغاني ومحمد عبده إلـى عبد الرحمن الكواكبي‪ .‬ويقــول ‪ « :‬تــأخر انســحابي قليل ً ممــا كــان يســمى‬ ‫بالجماعــة الســلمية‪ ،‬ويعــود ذلــك إلــى اعتقــادي بــأن إحــداث‬ ‫تغييرات فكرية وهيكلية مــن داخــل الحركــة يكــون أفضــل مــن‬ ‫الخروج عنها والنقطاع كليا ً عن دوائر التأثير فيها‪ .

‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةة ةةةة ةةةةةةةةةة ةةةةةةةةة ة ة‬ ‫ةةة ةةةةة ةةةةةةةةة ةةةةةةةةة ةةةةة "‬ ‫ة ةةة ةةةةة ة ةةةة ةةةةة ةةةةةة ة " ة ة‬ ‫ةةةة ةةةةةة ة ة ةة ‪ 4‬ةةة ةة ‪ /‬ةةةة ة ‪ ) 1979‬ة‬ ‫‪ .‬فـ ـ " الطــابع الشــمولي " للســلم يقــود إلــى‬ ‫منظور كوني للخلص كمــا يقــول المــودودي‪ :‬إن الســلم نــافع‬ ‫في كل زمان ومكان‪ ،‬أثبــت الماضــي حيــويته‪ ،‬والحاضــر أيض ـًا‪،‬‬ ‫وهو سيظل كذلك إلى البد‪ .‬إن المسألة تتعلق ببساطة‪ ،‬بقدرة‬ ‫شعب يحيى على هذه الرض على اعتناقه بكامله »‪ .‬يتكشف بوضوح أن بيــن‬ ‫هذه الحركـات الثلثـة فـي السـلم الحـديث ثمـة نقـاط التقـاء‬ ‫ووحدة عديدة بين التجارب والجهود… التباين يكشف عن كونه‬ ‫تكام ً‬ ‫التجربة الســلمية الحديثــة بهــدف‬ ‫ل‪ ،‬التعددية وحدة وإثراء‬ ‫إنقاذ مصير النسانية المهددة )‪.‬إنه النضال بين اليمان الصحيح والكفر‬ ‫الروح النسانية والمتطفل على الوجود بكامله » )‪.(13 -12‬ةة ةة ةةةة ةةة ةة ة ةة ةةة ةةة‬ ‫ةةةة ةة ةةةةة ةة ة ةة ةة ة ةةة ةةةة ة ة‬ ‫ةةةة ةةةةةة ةةةةةةةةة ةةةةةةةة‪.‬وبهــذا‬ ‫تشكل الحركة السلمية التونسية فــي نظــر مناضــليها امتــدادا ً‬ ‫في الزمــان والمكــان لتجــارب هــؤلء القــادة‪ .‬وكان البنا‬ ‫يعتبر أن جميع المسلمين آثمون ما دامت الدولة السلمية غيــر‬ ‫محققة )أطروحات المؤتمر الخامس للخوان المسلمين (‪.( 15‬‬ .(31‬‬ ‫وباستلهامهم حسن البنا الذي كـان يقــول « السـلم نظــام‬ ‫كامل يشمل جميع جوانب الحياة‪ ،‬فهو دولة ووطــن‪ ،‬أو حكومــة‬ ‫ومجتمع‪ ،‬خلق وقوة‪ ،‬أو صرامة وعدالة‪ ،‬ثقافة وقانون‪ ،‬أو علــم‬ ‫وحكم‪ ،‬مادة وثروة‪ ،‬أو كسب وغنــى‪ ،‬نضــال وقضــية‪ ،‬أو جيــش‬ ‫وفكرة‪ ،‬كمــا أنــه اليمــان الصــادق والتقــوى الصــحيحة…) فــي‬ ‫رسائل المام حســن البنــا (‪ ،‬قــام المناضــلون الســلميون فــي‬ ‫تونس بتعميــم صــرامة حكمهــم‪ .(32‬‬ ‫أمــا التيــار الثــاني فهــو يعــارض مســألة تحويــل الجماعــة‬ ‫السلمية إلى حزب أو حركة سياسية‪ ،‬مفضل ً إبقائها دون أطــر‬ ‫‪30‬‬ ‫‪31‬‬ ‫‪32‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةة ة ةة ةةةةة ةةةة ة ةةة ةة ة ةة ةة ة‬ ‫ةةةةةةةة ةةةةةةة ةةةةة ةةةةة ة ةة ة ةة‬ ‫ة ةةةةة ةةةةةة ةة ةةة ةةة ةة ة ةةة ةةةة‬ ‫ةةةةةةة ة ة ة ةةة ةةة ةةةةةة ةةةة‪ .‬‬ ‫البنــا والمــودودي والخمينــي هــم أقطــاب هــذا النشــاط‬ ‫الشرعي والضروري والمخلص للسلم والمسلمين وللنسانية‪،‬‬ ‫وبرغم من بعــض التحفظــات علــى نشــاط الوليــن‪ ،‬فــإن تــأثير‬ ‫فلسفتهما السياســيتين)‪ (30‬علــى كــوادر الحركــة الســلمية فــي‬ ‫تــونس كــان حاســمًا‪ .‬ةة ة‬ ‫ةة ة ةةةة ة ةةة ةة ةةة ة ةةة ة ةةةةة ة‬ ‫ةةةة ةةةة ةةة ة ة ة ة ةةة ةةةةة ة ) ةةة ةة‬ ‫ةةةةةة ة ( ةةة ةةة ةةةةة ة ةةةة ة‬ ‫ةةةةةةةة ةةةةةةةةة ةة ةةة ةة ةةةةةة‪.‬ول يــؤثر التبــاس‬ ‫مفهوم « المة » السلمي الذي يعني في الوقت عينه جماعــة‬ ‫قومية وطائفة على الطابع المتجاوز للقوميــة العربيــة فــي كــل‬ ‫حركــة إســلمية‪ .‬وقيــام الحكــم الســلمي فــي بلــدين‪،‬‬ ‫الباكستان وإيران يدعم اختيارهما هذا‪ .‬الســلم ينظــم جميــع جــوانب‬ ‫الحيــاة‪ ،‬وإذن فعلــى المســلمين أن يتمثلــوا لرســالته حرفيــًا‪.‫الصولية في العمل السلمي‪ ،‬والتي قادتها‪ :‬حسن البنــا وســيد‬ ‫قطب وأبو العلــى المــودودي وبــاقر الصــدر والخمينــي‪ .‬‬ ‫وتستند هذه الصرامة في الحكم على مفهوم مانوي وازدواجــي‬ ‫للتاريخ« التاريخ نضال بين اليمان والكفر فــي جميــع الجــوانب‬ ‫الوافد علــى‬ ‫بل استثناء‪ .‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةةة ة – ةةة ةة ةةة ةةة – ةةة ةةة ‪1979‬‬ ‫) ة ‪.

‬فعجــزت الطــر الــتي كــانت متحكمــة فــي أجهــزة‬ ‫الجماعة التنظيمية عــن أن تســتوعب التطــورات والتحــولت أو‬ ‫أن ترسي حوارا ً جديا ً في الــداخل أو عــبر مجلــة « المعرفــة »‬ ‫الدارة العلمية للحركـة ممـا أدى إلــى انســحاب جمــاعي مـن‬ ‫الحركــة وتكــوين نشــاط مســتقل عــرف بعــد ذلــك بمجموعــة‬ ‫السلميين التقدميين‪ ،‬لكن الجســم الصــلي لــم يقــدر أن يعيــد‬ ‫الستقرار النظري والتنظيمي الذي كــانت المؤسســة الحركيــة‬ ‫تجهــد نفســها لتحقيقــه إثــر عمليــة النشــقاق‪ ،‬لن العوامــل‬ ‫الموضوعية بدأت تفرض نفســها تــدريجيا ً وبــدأت العناصــر فــي‬ ‫الداخل تزداد تساؤلتها وتتسع‪ ،‬هذه العوامل الموضــوعية الــتي‬ ‫تتحـــدث عنهـــا الوثيقـــة‪ .‬وانعقـد‬ ‫المــؤتمر التأسيســي للســلميين التقــدميين فــي تمــوز ‪.‫ظهور السلميين التقدميين‬ ‫مع اشتداد حركة الصراع الجتماعي‬ ‫تنظيميــة والكتفــاء بهــا تيــارا ً ثقافي ـا ً ‪ -‬جماهيري ـًا‪ .‬‬ ‫وبسبب الخلفات المتصاعدة بين ممثلي كل التيارين داخــل‬ ‫الحركة السلمية‪ ،‬فقد أدى ذلك فــي العــام ‪ 1978‬إلــى خــروج‬ ‫مجموعة حميدة النيفر الذي كان يرأس تحرير مجلة« المعرفــة‬ ‫» السلمية‪ ،‬إلــى جــانب صــلح الجورشــي وكلهمــا كــان ممثل‬ ‫لتجــاه المعارضــة فــي تحــول الحركــة الســلمية إلــى حركــة‬ ‫سياسية‪ ،‬فيما حسم الجسم العام للتيار السلمي لصالح راشد‬ ‫الزعيم والداعية لتسييس التيار الديني وجعله منظمة‬ ‫الغنوشي‬ ‫سياسية )‪.‬تقــول وثيقــة‬ ‫صادرة عن هذا التيار الثــاني فــي أواخــر ســنة ‪ 1985‬بعنــوان«‬ ‫قراءة من الداخل لواقع العمل السلمي » ‪ « :‬إنــه بــدأ يبحــث‬ ‫عن البعد الجتماعي للسلم وصوب أدواته لنقــد فكــر الخــوان‬ ‫المســلمين ومشــروعهم كمــدخل رئيســي لقلــب رؤيــة الفــرد‬ ‫والمجموعــة وزرع الشــك المنهجــي فــي الــتراث المرجعــي‬ ‫للحركة»‪.6/7/1981‬‬ .‬‬ ‫وتتابع الوثيقة شارحة ظروف تبلــور هــذا التيــار‪ ،‬فتقــول ‪«:‬‬ ‫مع وقوع هزة ‪ 26‬يناير ‪ ،1978‬ووصول الصداء الولــى للثــورة‬ ‫اليرانية وصدور العداد الولى من مجلة« المسلم المعاصــر »‬ ‫تطــورت الســئلة ونضــجت نســبيا ً الخلفــات مــع المدرســة‬ ‫الخوانيــة‪ .1980‬‬ ‫وخلل هذه المرحلة النتقالية أي ما بين ‪ 1980 – 1978‬والتي‬ ‫سميناها بمرحلــة النــادي الثقــافي‪ ،‬كــان هنــاك شــكل تنظيمــي‬ ‫يؤطر عمل المجموعة‪ ،‬وهذا الهيكل التنظيمي هــو الــذي كلــف‬ ‫بالعداد للمؤتمر التأسيسي‪ .(33‬‬ ‫وســجلت أكــثر انســحابات هــذه المجموعــة مــن الحركــة‬ ‫السلمية الهم خلل ســنة ‪ ،1978‬ومنــذ أواســط ســنة ‪1980‬‬ ‫بــرزت مجموعــة ســمت نفســها « الســلميون التقــدميون »‪،‬‬ ‫باعتبارها تيارا ً فكريا ً مستقل ً وقائما ً على أرضية نظريـة واضـحة‬ ‫صيغت في لوائح ثلث فكرية واجتماعية واقتصادية‪ ،‬وهــو عمــل‬ ‫ينجز لول مرة في تاريخ السـاحة السـلمية التونســية‪ .‬لكـــن ســـرعة التقلبـــات السياســـية‬ ‫والجتماعيــة فــي غــروب الســبعينات حملــت قيــادة الحركــة‬ ‫الســلمية علــى النخــراط فــي العمــل السياســي المباشــر‪،‬‬ ‫فأصدرت مجلة « المجتمــع » الســبوعية السياســية والــتي تــم‬ ‫تعطيلها بعد صدور بضعة أعداد منها‪ ،‬وتحولت الخطب الوعظية‬ ‫فــي المســاجد إلــى خطابــات سياســية تطــالب بإقامــة الدولــة‬ ‫السلمية‪.‬وخلل هذه الفترة كــانت المبــادرة‬ ‫في النشاط بيد لجنة الطلبة المنشقين فــي الحركــة‪ ،‬ولــم يقــع‬ ‫إشراك النيفر والجورشي‪ ،‬إل في فترة لحقة وهو ما يعـبر عـن‬ ‫خوف هذه المجموعة من هيمنــة الحركــة الســلمية مــن جديــد‬ ‫على تنظيمهم خصوصا ً أن النيفر كــان نائب ـا ً للميــر والجورشــي‬ ‫‪33‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةة ةةةةةة ةةةةةة ةةةةةةة ‪.

(34‬‬ ‫وكان التيار الثاني أي « السلميون التقدميون » الذي كان‬ ‫يتزعمه حميدة النيفر يطرح توجها ً عقلنيا ً في الفكــر الســلمي‬ ‫ناقدا ً بذلك الطار المعرفي والمرجعي السلفي‪ ،‬ومتحفظا ً على‬ ‫تزايد الحضور اليراني داخل الفضاء السلمي المحلي‪ .1994‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةة ةةةةة ةةةةةةة – ةةةة ةةةةة ةةة –‬ ‫ةةة ةةةةةة ةةةةةةة – ةةةة ةةةة ) ة ‪.( 15‬‬ .‬إل‬ ‫أن مصطلح اليسار عندما التصق بالتجارب الماركسية الفاشلة‪،‬‬ ‫ولوثته الممارسات المتخلفة‪ ،‬فأفقدته الوضوح‪ ،‬وأربكـت دللتـه‬ ‫الثورية‪ .‬‬ ‫وانعقد المؤتمر باعتبــاره المســؤول عــن الهيئة التنفيذيــة‪ . (36‬‬ ‫يقول الشيخ راشد الغنوشي بصدد انفصال مجموعة النيفــر‬ ‫‪34‬‬ ‫‪35‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةة ة ةةةةةة ة – ةةة ة ة ةةة )ة ‪ (508‬ةةة ة‬ ‫ةةةة ةةةةةة ةةةة ةةةةة ةة ةةةة ةةةة ةة‬ ‫ةةةةةة ‪ 3‬ةةةة ‪.‬لهذا لم يقع اعتماده تجنبا ً للبس‪ ،‬وتفويتا ً للفرصة علــى‬ ‫دعايــة مضــللة حــاولت إضــفاء مســحة ماركســية علــى الخيــار‪.‫رئيسا ً للتحرير بمجلة « المعرفة » إضـافة إلـى مـا يعـرف عـن‬ ‫فـي السـتقللية وميـل إلـى الطـرح‬ ‫عناصر الجامعة مـن رغبـة‬ ‫الراديكالي في كل القضايا)‪.(35‬‬ ‫انعقد المــؤتمر التأسيســي والوحيــد لجماعــة « الســلميين‬ ‫التقــدميين » فــي أواخــر تمــوز ‪ 1980‬بمنــزل أحــد أعضــاء‬ ‫المجموعة بمنزل تميم من محافظة نابل‪ ،‬وذلك بهــدف إعطــاء‬ ‫هذه المجموعة صفة تنظيمية شرعية‪ ،‬خاصة أن الظرفية كانت‬ ‫تسمح بالنتشار حيث أعطــت الثــورة اليرانيــة نفس ـا ً راديكالي ـا ً‬ ‫للطلبة السلميين بالجامعة‪ .1981‬‬ ‫أما لمــاذا وقــع اختيــار تســمية « الســلميون التقــدميون »‬ ‫وليس اليسار السلمي مث ً‬ ‫ل‪ ،‬يقول مرجع من هذا التيار أن مرد‬ ‫ذلك ليــس رفــض مصــطلح اليســار مــن الناحيــة المبدئيــة‪ ،‬إذ ل‬ ‫يوجد مانع حركي ول شرعي من استعماله‪ ،‬لنه مصــطلح دافــع‬ ‫عنــه إســلميون ل يطعــن فــي أصــالتهم لــدللته علــى الجذريــة‬ ‫والمعارضة والتغيير نحو الفضل ومواجهته الستبداد السياســي‬ ‫والسـتغلل الطبقـي وعـدم التمييـز بيــن الجنسـين‪ ،‬وكـل تلـك‬ ‫المواصفات مطلوبة بالضرورة فــي إطــار التــوجه التقــدمي‪ .‬‬ ‫وحرصا ً في الخير على إعطاء الولوية للصــفة الســلمية علــى‬ ‫الوجهة التقدميــة‪ ،‬فجـاءت تســمية « السـلميون التقــدميون »‬ ‫ـة تعــج بالتناقضــات وتتميــز بــالفقر‬ ‫كلفتة أقوى دللة في مرحلـ‬ ‫الدللي وتهاوي الشعارات )‪.‬وقــد‬ ‫ناقشنا في هذا المؤتمر خطة العمل وصادقنا على لئحة وحيدة‬ ‫ســميناها اللئحــة المســتقبلية الــتي تــم إعــدادها قبــل المــؤتمر‬ ‫بشهرين وتتضمن موقف التنظيم من عديد القضايا العقائديــة و‬ ‫السياســية و القتصــادية والجتماعيــة وهــي تحتــوي علــى ‪27‬‬ ‫صفحة‪ ،‬كما تم انتخاب القيادة الجديدة للتنظيم » والمعلــوم أن‬ ‫ـتزمون كريشــان والجورشــي‬ ‫هذا المــؤتمر حضــره الفــراد الملـ‬ ‫وبقية المجموعة ما عدا حميدة النيفر)‪.‬وكــانت‬ ‫مجموعة السلميين المستنيرين تؤاخذ التيــار الول أيض ـا ً علــى‬ ‫اندفاعه نحو العمل السياسي قبل حل المعضلت النظرية التي‬ ‫يطرحها العمل السلمي وإيجاد الدراك السليم لكل التحــديات‬ ‫وربطها ببعضها البعــض ربط ـا ً منهجي ـًا‪ ،‬إل أن التيــار ظــل أقليــة‬ ‫وعجز عن تغيير المعادلت داخل الحركة السلمية خصوصا ً في‬ ‫فترة المد السلمي التي بلغت ذروتها في عام ‪.‬وقد تواصلت أشغال المؤتمر مــدة‬ ‫يــومين وترأســه زيــاد كريشــان‪ ،‬ويقــول هــذا الخيــر بشــأن‬ ‫المؤتمر ‪ « :‬انعقد المؤتمر التأسيســي يــومي ‪ 25 – 24‬تمــوز‬ ‫‪ ،1980‬لتحديد أرضية العمــل والهــداف والنشــاط‪ ،‬ومنــذ ذلــك‬ ‫الحين دخلنا في عمــل تنظيمــي فيــه مســاهمة ماديــة للعــداد‪.

‬هؤلء الخوة – ف ّ‬ ‫العلماني وتحت ضغط الواقع العلماني التونسي وهو ضغط غير‬ ‫يسير‪ ،‬ومارس عليهم وعلينا‪ ،‬ول يزال يمارس ضــغوطا ً شــديدة‬ ‫رهيبة‪ .‬لن المنهــج البــديل أن‬ ‫نعطي لعقولنا إمكانية التحرر من النــص بتخريــج مقاصــدي‪ ،‬أن‬ ‫النصوص كلها جاءت لتحقيــق مقاصــد…هــذا فــي النهايــة يلغــي‬ ‫سلطة النص…يلغــي ســلطة الــوحي‪ .‫ظهور السلميين التقدميين‬ ‫مع اشتداد حركة الصراع الجتماعي‬ ‫عن الحركة ما يلي‪ :‬إن هذا النشقاق تــم فــي منعطــف لتطــور‬ ‫الحركة السلمية فــي تــونس‪ .‬فهــذه‬ ‫الظاهرة أيضا ً‬ ‫ظاهرة‪(37‬مركبة أثمرتها تفاعــل الحركــة الســلمية‬ ‫مع واقعها التونسي ) ‪.‬فهنــا علــى هــذا افترقنــا‪.‬ول فائدة هنا في ضرب بعض المثلــة القليلــة فــي هــذا‬ ‫الصدد للتدليل على فســاد هــذا المنهــج‪ .( 23‬‬ .‬بعــض أجــزاء هــذا الجســم خلل‬ ‫منعطف التطور ذهبت شظايا‪ ،‬ولم تتمزق الحركة‪،‬وإنما فقــدت‬ ‫بعض عناصر مهمة فيها‪ .‬تحت ضغط هذا الواقــع العلمــاني وتحــت ضــغط الواقــع‬ ‫المني…تحت ضغط المناكفات الشخصية أيضًا‪ ،‬وهذه العوامــل‬ ‫أيضــا ً ليســت مــبرأة‪ ،‬خســرت الحركــة عــددا ً مــن عناصــرها‬ ‫الساسية والتي كان لها دور في التأسيس وفي التطــور…فــأن‬ ‫تتخذ المنهج المقاصدي أساسا ً للتجميع ستنتهي ل إلــى جماعــة‬ ‫واحدة وإنما تنتهي إلى جماعات‪ .‬الجسم لــم يســتطع‬ ‫أن يحافظ عليهــا‪ ،‬وهــي لــم تســتطع أن تصــبر علــى ضــرورات‬ ‫التطور‪ ،‬وأصبحت تزايد عليه وتسرف في اتهامه وتتحــداه‪ .‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةة ة ةةةةةةة ة ةة ةة ةةةةة ة ةةة ة "‬ ‫ةةةة ةةة ةةةة " – ةةة ةة ةةةةةة ة – ةةة ةة‬ ‫ةةة ةةة ةةةةةةة ةة – ةةة ةةة ‪ /‬ةة ةة ‪– 1996‬‬ ‫ةة ةةةةة ةةةة ةةةةةةة ) ة ‪.‬‬ ‫ضــرورات التطــور لــم تكــن تقتضــي النشــقاق‪ ،‬كــانت تقتضــي‬ ‫الختلف‪ ،‬وكان الختلف يمكن أن ينمي الحركة دون أن يحدث‬ ‫سرت أنا _ تحــت ضــغط الواقــع‬ ‫فيها انشقاقًا‪ .‬وما يطبقه منهج تفسير النص السلمي الــذي‬ ‫تواطأ عليه المسلمون‪ ،‬وخلصته أن التطور ينبغي أن يتــم فــي‬ ‫إطار المعلوم من الدين بالضرورة‪ .‬تقديرنا أن هذه العناصر لم تصبر على‬ ‫ضرورات التطور…الحركة كانت بصــدد أن تتطــور مــن حركــة‪،‬‬ ‫تستطيع أن تقول مستوردة‪ ،‬جسم أجنبي مزروع فــي المجتمــع‬ ‫التونسي إلى حركة تونســية‪ .‬هــذا‬ ‫التحدي كان له مفعول إيجابي… هذا التحدي الذي مارسته هذه‬ ‫العناصر للجسم كان له دور في تطويره… كانت التهمــة أنــه ل‬ ‫يتطور‪ ،‬فكان لبد للجسم أن يثبـت العكـس… هـذا سـاهم فـي‬ ‫تطوير الجسم‪ ،‬لكن من جهة أخرى لم تقف هذه العناصــر عنــد‬ ‫حد حيث أن التطور في إطــار هــذا الجســم انضــبط بحــدود مــا‬ ‫تطبقه النصوص‪ .‬فالعقول مختلفة وتتباين وفي‬ ‫النهاية ل تستطيع أن تؤسس جماعة غير دينيــة أص ـل ً ولكــن أن‬ ‫تؤســس جماعــة دينيــة بمنهــاج تفســيري للنصــوص ل ينضــبط‬ ‫بضوابط منهج تفسـير النصــوص‪ ،‬فـي النهايــة حـتى لـو جمعــت‬ ‫الناس ستجمعهم في حركة علمانية وليست حركة دينية‪ .‬فما هو ثابت نصا ً يقينــًا‪ ،‬مــا‬ ‫هو يقيني في مورده واضح فــي معنــاه مــن النصــوص ل نملــك‬ ‫أمــامه إل التســليم … يمكــن أن ل نطبــق بعضــه فــي الن لن‬ ‫ظروف التطبيق غير متوفرة‪ ،‬ولكننا ل نســتطيع أن نحــوله عــن‬ ‫اتجاهه‪ .‬‬ ‫‪36‬‬ ‫‪37‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةة ة ةةةةةة ة – ةةة ة ة ةةة ) ة ‪ – (510‬ةة ة‬ ‫ةةة ةةةةةة ةة ةةةةة ةةةةة ة ة ةةة ة ة ةة‬ ‫ةةة ةة ةةةةة ة ة ة ةةة ة ةةةةةة ةة‬ ‫ةةةةةةة ة ة ة ‪ 10‬ةة ةة ‪1980‬ة ةة ة ةةةة ة‬ ‫ة ةةةةةةة ةةة ة ة ةةة ةةة ‪1980‬ة ةة ة ةةة ة‬ ‫ةة ةةةةة ةةةة ةةةة‪.‬خلل مرحلــة التطــور هــذه بعــض‬ ‫الشظايا‪ ،‬بعض الجزاء انقلبت من الجسم‪ .

‬ويريــدون‬ ‫تجاوز«العدوانية المرضية لبعض المناضــلين الســلميين » إلــى‬ ‫الماركســية‪ .(38‬وتؤكد اللئحة كــذلك علــى ضــرورة الفصــل بيــن‬ ‫الســلطات وحريــة النتمــاء السياســي والتــدين وتنفــي علــى‬ ‫الحكومة المدنية أي صفة قدسية دينية‪ ،‬كمــا أنهــا ل تســمح لي‬ ‫‪ (39‬مؤسســة أن تنصــب نفســها ناطقــا ً رســميا ً باســم‬ ‫فــرد وأي‬ ‫السلم) ‪.‫أما مجموعة« السلميين التقدميين» فهــي تقــدم مفهوم ـا ً‬ ‫تقدميا ً للسلم‪ ،‬وتقدم تحليل ً مختلفا ً للتدين الشــعبي‪ .‬وتتميز هذه الدولة بالتسيير الــذاتي‬ ‫وإقرار الحريات الحقيقية وتركيز حكومــة مدنيــة ‪ « :‬إن الدولــة‬ ‫بمفهومها الكلي لبد أن تتحلــل وتتجــزأ فــالحواجز القائمــة بيــن‬ ‫إرادة الجماهير وبين مراكز التنفيــذ‪ ،‬ل بــد أن تــزول ول يحصــل‬ ‫ذلــك‪ ،‬إل بتفــتيت الدولــة وتوســيع دائرة القــرار حــتى يشــمل‬ ‫القاعــدة العريضـة‪ ،‬فلبـد إذن مـن ل مركزيـة الســلطة‪ ،‬ونحــن‬ ‫نعتقــد أن التســيير الــذاتي للمؤسســة السياســية والقتصــادية‬ ‫والثقافية‪ ،‬هو الســلوب الضــمن لــذلك‪ ،‬فينصــهر الشــعب كــل‬ ‫الشعب في مجالس‪ ،‬فتوجد مجــالس للقـرى ومجـالس للمــدن‬ ‫للمؤسسات العامة ومجالس للطلبة وللمثقفين وكــل‬ ‫ومجالس‬ ‫القطاعات)‪ .‬‬ ‫« السلميون التقدميون » ل يترددون عن استعارة مفاهيم‬ ‫ونظريات من اليديولوجيــة الماركســية والشــتراكية‪ .‬هذا الفشل يشجع على ولدة استعداد كبير للرجوع‬ ‫إلى الدين لدى شرائح عريضة من مجتمعنا المنتمية عموما ً إلى‬ ‫الطبقــة الوســطى والمعدمــة‪ ،‬وإلــى البحــث عــن إيمــان وعــن‬ ‫إيديولوجيا تنظم نضاله ضد المستغلين»‪.‬‬ ‫في « اللئحة المستقبلية » التي أقرها المؤتمر والتي تعــبر‬ ‫عن رؤية التنظيم لمختلف القضايا وعن برنامج هذه المجموعة‪،‬‬ ‫يمكن حوصــلة الفكـار الـواردة فـي هـذه اللئحـة فـي الجــانب‬ ‫السياسي‪ ،‬فنجد تأكيدا ً على ضرورة إقامة دولــة المستضــعفين‬ ‫على أنقاض دولة المترفين‪ .‬‬ ‫وبينما كان التيار الول يهيمن على خطابه السلمي النزعة‬ ‫الحصــرية الشــمولية‪ ،‬وإحالــة المجتمــع متطابق ـا ً مــع صــورة «‬ ‫السلم الصــافي »‪ ،‬كــان الســلميون التقــدميون يــدعون إلــى‬ ‫تفسير السلم وإصلح الفكر السلمي ليستجيب بنحــو أفضــل‬ ‫لمستلزمات الحياة الجتماعية الحديثة‪.( 6/11/1981‬وهــم ينتقــدون هنــا رفــض‬ ‫السلميين للماركسية ويعتبرونه امتدادا ً للبعد الرجعــي للــتراث‬ ‫كمـــا يلقـــون جانبـــا ً مـــن المســـؤولية علـــى " الماركســـيين‬ ‫الدوغمائيين " الذين يجهلون هوية المة‪.‬‬ ‫هذه القراءة الجديدة للسلم تطرح مشاكل علــى التفكيــر‬ ‫السلمي التقليدي‪ ،‬تتعلق المسألة الساســية الولــى بمعنــى «‬ ‫‪38‬‬ ‫‪39‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةة ةةةةةةة – ةةة ة ة ةةة ) ة ‪ .( 26‬‬ ‫)( ‪ -‬ةةةةة ة ة ةةة )ة ‪ ( 511‬ةةة ة ةةة ة ة ةةةة‬ ‫ةةةةةة ةةةةةة ‪ 3‬ةةةة ‪.‬إنهــم يقــدمون أنفســهم باعتبــارهم حمــاة الفكــر‬ ‫السلمي ) يراجع الفكر النساني والمناضلون السلميون "في‬ ‫جريــدة الــرأي " ‪ .‬‬ ‫التدين الشــعبي يحمــل آثــار هــذا النحطــاط وفشــل المشــاريع‬ ‫الصلحية التي قــامت بهــا الــدول الســلمية ) حــتى المرتبطــة‬ ‫بالغرب (‪ «.( 511‬ةةة ة‬ ‫ةةة ة ةةةة ة ةةةة ةة ةةة ةةة « ة ة ةةةة ة‬ ‫ةةةةةةةة ةةةةةةة » ةةةة ) ‪ (15/21‬ةةة ‪1986 13‬‬ ‫) ة ‪.‬إنها « ظاهرة اجتماعية ونفسية »‬ ‫ل يمكن تحليلهــا خــارج « الطــار التــاريخي لنحطــاط المجتمــع‬ ‫السلمي بصورة عامــة‪ ،‬والمجتمــع التونســي بصــورة خاصــة»‪.‬إنهــا تقــر‬ ‫بالطابع السماوي للســلم‪ ،‬ولكنهــا تعــد هــذا التــدين الشــعبي«‬ ‫ظاهرة اجتماعية وإنسانية»‪ .1994‬‬ .

‬ولهــذا يقــر المؤلــف بضــرورة اســتعارة بعــض‬ ‫المفردات من الفلســفة السياســية الحديثــة ) تكييــف ل تلفيــق‬ ‫"الرأي" ‪.(30‬‬ .‬إننا بعيدون‬ ‫هنا عن المجتمع السلمي