‫‪ )...‬الجنقو ‪...‬مسامير الرض ‪)..

‬بركه ساكن ‪Re:‬‬
‫صاِفَيُة‬
‫ال َ‬

‫قابلناها في سوق الَقْنذي‪ ،‬وهو سوق للملبس المستعملة الرخيصة‪ُ ،‬يَقاُم على هامش السوق الكبير‪ ،‬قرب زريبة‬
‫المواشي في مكان خجول منزٍو حتى ُتضمن خصوصية الرواد‪ ،‬البائع والبضاعة‪ ،‬يرتاده الجنقو بين حين وآخر‪،‬‬
‫إما لبيع ملبسهم وأحذيتهم وما تبقى من زينتهم‪ ،‬استبدالها‪ ،‬أو شراء أخرى وذلك في شهور الفلس قبل موسم‬
‫الحصاد أو عندما يقبضون على ما تحصلوا عليه من نقود نتيجة للعمل في الحصاد‪ ،‬ول يمنع أن يمروا عليه‬
‫‪.‬كذلك للبحث عن ملبوسات خاصة قد ل تتوفر في مكان آخر غيره‬
‫شاهدناها من بعيد تقف أمام البائع‪ ،‬تتفاوض في شراء جلباب‪ ،‬قال لي فيما يشبه الهمس‬
‫الصافية ‪:‬‬
‫‪.‬الصافية الرهيبة‪ ......‬أنا عايز اتكلم معاها‪ ...‬يا صديق ‪-‬‬
‫ي هذه الصفة عندما يشرع في الحديث عن موضوع يظنه بالغ الهمية‬
‫ق عل ّ‬
‫طِل ْ‬
‫‪.‬وكان ُي ْ‬
‫المخلوقات البسيطة الصغيرة المهملة المرمية على هامش المجتمع والمكان‪ ،‬تجد فيها أسرارًا ل حد لها‪ ،‬أن ‪-‬‬
‫‪.‬ال دائمًا ما يستودع حكمته في نوع زي ديل‬
‫أنا عايز أصل لصل الحكمة فيها‬
‫قلت له ساخرًا بذات اللغة التي تحدث بها‬
‫عايزها مشروع حياة ‪.‬‬‫ ‪،‬بالضبط‪ ،‬حتكون إضافة حقيقية لتجاربي النسانية‬‫تصور لو عرفت كل تجربة مرت بحياتها‪ ،‬لو عرفت أحلمها وأحزانها وآمالها‪ ،‬لو عرفت كيف بتفكر الزولة دي‪،‬‬
‫ي‪ ،‬أنا عايز أصل‬
‫عِل ْ‬
‫خَتاْر َ‬
‫كل زول لقيته في الحلة دي يحكي لي عنها حاجات أقرب للساطير‪ ،‬كلمني عنها ُم ْ‬
‫‪.‬للحقايق بنفسي‪ ،‬وليس من سمع كمن شاف‬
‫سألته‬
‫ منو هو مختار علي دا؟‬‫ ‪.‬واحد عجوز مريض اتعرفت عليه أمبارح بالليل رجل طيب‪ ،‬بت معاهو في البيت‬‫ل ولكنها قبلت أخيرًا‪،‬‬
‫وبأسلوبه المباشر‪ ،‬المعروف‪ ،‬طلب منها أن تسمح له بدفع ثمن الجلباب‪ ،‬مانعت قلي ً‬
‫ك وكوم الَكوَْل‪ ،‬الَُفرندو‬
‫ك‪ ،‬دفع لها ثمن رطلين من السمك الجاف الَكجي ْ‬
‫جي ْ‬
‫وشكرتنا الثنين وتبعناها إلى سوق الَك َ‬
‫ط‪ ،‬لفتين الُمصران وربع رطل الكمُبو‪ .‬قالت ممتنة‬
‫شرُمو ْ‬
‫‪:‬و ربع الّلوبة البيضاء‪ُ ،‬كَراعات ال َ‬
‫كدا تكونو وفرتوا لي قروش المريسة لسبوع كامل‪ ،‬ووفرتوا أكل لخمسة عمال مساكين لنه دا )الميز( ‪-‬‬
‫‪.‬بتاعهم‪ ...‬بعد يومين حنرجع الخلء‬
‫قال لي‪ ،‬وكأنه يهمس همسًا‬
‫ليه ما نمشي معاهم الخلء؟! أنا عايز أشوف الجنقو في مواقع عملهم‪ ،‬في بيئتهم الطبيعية‪ ..‬حتى ولو اشتغل ‪-‬‬
‫‪.‬معاهم‪ .‬أنا عايز أدرس حياتهم‪ ،‬دراسة من شاف وعايش وعاش‬
‫ضحكت من كل أعماقي‪ ،‬أنا أعرف أنه ل يستطيع فعل ذلك‪ ،‬وأعرف أنه ل ينفك من كونه برجوازيًا صغيرًا متخمًا‬
‫بالمتناقضات والدعاء والحلم الكبيرة‪ ،‬يحاول أن يقضي عطالته وصالحه العام في مكان يقدم له الدهشة‬
‫والنفعال‪ ،‬المتعة والثارة متعة المشاهدة أما أن يعمل في قطع السمسم‪ ،‬فهذا مستحيل‪ .‬العلقة بيني وبينه قائمة‬
‫طردنا للصالح العام معًا‪ ،‬إل‬
‫على الصراحة والوضوح‪ ،‬بالضافة إلى أننا كنا نعمل في مؤسسة حكومية واحدة‪ُ ،‬‬
‫شلق الضباط حيث إن‬
‫ق السجون بمدينة القضارف‪ ،‬ولو أنه كان يسكن في ِق ْ‬
‫شل ِ‬
‫أننا عشنا طفولة واحدة في ِق ْ‬

‫والده كان ضابطًا كبيرًا ومديرًا للسجن‪ ،‬ووالدي جنديًا بالسجن‪ ،‬امتدت علقتنا من المدرسة إلى الحي إلى البيت‪،‬‬
‫ثم لم ننفصل عن بعضنا البعض منذ أكثر من ثلثين عامًا‪ ،‬كلنا كان كتابًا مفتوحًا مفضوحًا أمام الخر‪ ،‬حيث إننا‬
‫سّيا ومعرفيًا بصورة تكاد أن تكون متطابقة‪ ،‬قرأنا في مدرسة ديم النور البتدائية‪ ،‬لعبنا خلف الَبيطري‬
‫ّكّونا َنَف ِ‬
‫خور مجاديف‬
‫سبحنا في ُ‬
‫لَمْة الَبِيْه جنبًا لجنب‪َ ،‬‬
‫سَ‬
‫سا و َ‬
‫وعلى ُتخوم مقابر المدينة معًا‪ ،‬تشاجرنا مع أطفال َدَل َ‬
‫ك‪ ،‬ولعبنا جيش جيش في وسط غابة الحسكنيت على سفح جبل مكي الشابك‪ ،‬قرأنا ذات الكتب‬
‫شاِب ْ‬
‫ك َمِكي ال َ‬
‫وِبَر ْ‬
‫جبران‪ ،‬مخائيل نعيمة وإيليا أبو ماضي‪ ،‬ومهرجان المدرسة القديمة‪ ،‬ونحن‬
‫جبران خليل ُ‬
‫واندهشنا معًا باكتشاف ُ‬
‫نكبر تدريجيًا عرفنا معًا نيتشه والنساء‪ ،‬ودقات ريشة ڤان جوخ‪ ،‬ثم حفظنا أشعار أمل دنقل‪ ،‬ناظم حكمت‪،‬‬
‫محمد محيي الدين‪ ،‬الُموِمس العمياء‪ ،‬ماريا وامبوي‪ ،‬عشقنا البنات أيضًا معًا‪ ،‬في باكورة مراهقتنا أحببت أخته‬
‫وأحب أختي‪ ،‬كأول مغامرات غرامية لكلينا‪ ،‬ولو أنني ما كنت أدري ماذا يفعل وأختي بالضبط حيث إنهما كانا‬
‫يحرصان على إخفاء نشاطاتهما عني‪ ،‬إل أنني‪ ،‬ولن أخته تكبرني بعامين أو ثلثة‪ ،‬كنا نعمل على اكتشاف‬
‫جسدينا بصورة محمومة وممتعة‪ ،‬أختي تصغره بعامين‪ ،‬مما جعلني أفترض أن شأنهما قد يختلف‪ ،‬لن البنات‬
‫الكبر سنًا هن دائمًا يبتدرن ما يخص الجسد وأنهن يعرفن كل شئ‪ ،‬ونسبة لصغر سن أختي ما كنت أظن أنها‬
‫بمهارة أخته‪ ،‬دائمًا ما أتخيلها بريئة مسكينة عويرة‪ ،‬على كل ليس فيها ما ُيعجب ولدًا ما‪ ،‬فهي في أحسن‬
‫الحوال مملة ومضجرة‪ ،‬وكنت ل أطيقها لحظة‪ ،‬ل تفلح في شئ غير فضح كل ما أقوم به عند أبي‪ ،‬ثم قرأت‬
‫ل جنسيًا كانت هي نفس المرأة‬
‫وإياه ذات الجامعة‪ ،‬ذات الكلية‪ ،‬ذات التخصص‪ ،‬وأول امرأة أجرينا معها فع ً‬
‫محاضرة شبقة بالقسم‪ .‬أقول كنت أعرفه تمامًا‪ ،‬قلت له‬
‫ش حأمشي معاك للخلء حانتظر هنا‪.‬‬
‫أنا ُم ْ‬‫قال ضاحكًا‬
‫ش ِكدا؟‬
‫مع ألم ِقشي‪ُ ،‬م ْ‬‫قلت له‬
‫بالتأكيد ‪.‬‬‫قالت الصافية فجأة‬
‫إنتو الليلة معزومين معاي في بيت أّدي ‪.‬‬‫قال فزعًا‬
‫تاني بيت أّدي؟! من قبل قلعوا ساعتي الجوڤيال الصلية وشالوا كل القروش الفي جيبي ولو ما ستر ال ‪-‬‬
‫‪.‬كانوا كتلوني عديل كدا‬
‫قالت الصافية بثقة‬
‫إنت حتكون في ضيافة الصافية ‪.‬‬‫ن مختلط بعرق المريسة أضافت‬
‫صَنا ْ‬
‫‪.‬قالت الجملة الخيرة وهي تندفع أمامنا مثيرة عاصفة من ال ُ‬
‫شَرُبوا؟‬
‫أنا لزم أكرمكم‪ِ ،‬بِت ْ‬
‫قلنا معًا في آن واحد‬
‫ب‪.‬‬
‫شَر ْ‬
‫ِبِن ْ‬‫ثم أضاف صديقي‬
‫المستورد علينا ‪.‬‬‫قالت‬
‫ي أبو حمار ‪.‬‬
‫أنا عل ّ‬‫شك من كل‬
‫شوك والقصب ورائحة المُ ُ‬
‫طي وأصرفة ال ُ‬
‫طا ِ‬
‫ضحكنا ونحن نتوغل في أزقة الحي الضيقة‪ ،‬تحيط بنا الَق َ‬
‫سكارى والُعشاق والطفال‪ ،‬يحييون الصافية بكلمة واحدة‬
‫جانب‪َ ،‬يُمر ِبَنا ال ُ‬
‫الصافية‪. -‬‬
‫فترد بكلمتين حنينتين تسعا الجميع‬
‫ل أبوي ‪.‬‬
‫‪-‬أه ً‬

‫ل أمي ‪.‬‬
‫أه ً‬‫فاجأتني الصافية قائلة‬
‫حبك للمجرمين‪ ،‬ومشيت للم ِقشي‪ ،‬كييف لو كتلوُه؟ ‪-‬‬
‫صا ِ‬
‫ت َ‬
‫سب ْ‬
‫قالوا إنت ِ‬
‫قلت مندهشًا‬
‫منو القال ليك؟ ‪-‬‬
‫قالت ببرود‬
‫س‪.‬‬
‫كل الناس بيعرفوا الموضوع دا‪ ،‬مافي شي هنا ينّد ْ‬‫قلت لها مبررًا‬
‫أنا عارف مافي زول بيقدر يكتلُه ‪.‬‬‫أضاف ضاحكًا‬
‫‪.‬على القل قبل عشرين سنة‪ ،‬عندي مشروع ما بيخلص قبل عشرين سنة‪ ،‬بعد داك أصبح مستعد للموت ‪-‬‬
‫ت الصافيُة في براءة‬
‫سأل ْ‬
‫شَقْة؟‬
‫ مشروع في الَف َ‬‫ت‪ ،‬قالت‬
‫حاول أن يشرح لها معنى مشروعه العشريني‪ ،‬ولكنه فشل فشرحت لها أنا‪َ ،‬فِهم ْ‬
‫ولكن الموت بيد ال ‪.‬‬‫قال‬
‫نعم‪ ،‬ولكن الحياة بيد النسان ‪.‬‬‫قالت بيقين عميق‬
‫الحياة والموت الثنين بيد ال‪ ،‬الزول ما بيُدُه حاجة ‪.‬‬‫قال مغتاظًا‬
‫أذن النسان قاعد ساكت؟ ‪-‬‬
‫قالت في هدوء‬
‫وال ما عارفة‪ ،‬أنا بس بعرف إنو الموت والحياة دي بيد ال ‪.‬‬‫ل لفشله في كسب الحوار‪ ،‬وأعرف أنه لن يتنازل بسهولة‪ ،‬ولكنه الن يوفر نفسه لمعركة‬
‫أعرف أنه اغتاظ قلي ً‬
‫أخرى في ميدان آخر‪ ،‬ظهرت طلئعها عندما همس في أذني‬
‫شْم ‪-‬‬
‫‪.‬عارف يا ولد‪ ،‬الصافية دي فيها أنوثة مجنونة عديل‪ ،‬أنوثة وحشية‪ ...‬أنوثة كلبة معوبلة‪ ،‬أنا شاميها َ‬
‫قلت له‬
‫وإنت كلب عاير ‪.‬‬‫قال بسرعة‬
‫تمامًا‪ ....‬تمامًا‪ ....‬كلب عرمان ‪.‬‬‫في حوش طرفي من بيت الم حيث جلسنا‪ ،‬أنا وود أمونة وألم ِقشي‪ ،‬وقد هيأ ود أمونة بخفة محترف كل شئ‬
‫وجلس قريبًا من الباب‪ ،‬كنت أحس برغبته العارمة في التحدث معي‪ ،‬ورغبته أيضًا في أن يتركني وألم ِقشي‬
‫وحدنا‪ ،‬وتحسست بميتافيزيقية رعنة رغبة ألم ِقشي في أن تطارحني الفراش‪ ،‬ورغبتها في أن يبقى ود أمونة‬
‫كما هو في موقعه‪ .‬المهم حسمت المر بأن قلت لود أمونة جملة اعتراضية‬
‫قلت لي اتربيت في السجن مش كدا؟‬‫أحسست حينها أن ألم ِقشي وود أمونة كادا أن يطيرا من الشعور بالراحة‪ ،‬قال وهو يأخذ نفسًا عميقًا من‬
‫‪:‬الشيشة‬
‫‪-‬آهـ‪ ....‬السجن‪ ،‬صاح‪ ....‬اتربيت في السجن ‪.‬‬

‬بركه ساكن ‪Re:‬‬ ‫‪:‬ابراهيم محمد صالح كتب‬ ‫محسن ‪.‬لن الروايه المفروض تدخل مسابقة الجامعه‬ ‫‪ .‬يا محسن‬ ‫اتمني ان ل تحزف الروايه لن اللغه فيها لتتجمل‬ ‫المعاني كما هي ‪..‬مرة في كوستي ومره في الجنقو ‪......‬ول خبر ثم هاتف ل يعمل ثم لقاء بحليوة بمحض‬ ‫‪ ....‬باصلها‬ ‫اتمني ذالك‬ ‫‪ .‬الجنقو ‪...‫‪...‬الصدفه‬ ‫وضاااع الحلم وتبدد اذا الرواية لم تطبع في مصر كشرط الجامعه المريكيه‬ ‫تري كم مبدع مثل هذا البركة ساكن‬ ‫‪ ..‬المريكيه للروايه‬ ‫وانا ابحث عن بركة ‪..‬مسامير الرض ‪)..‬اكملت سلمها حتي انهالت علي شعبي بالسب والشتم والكسل طبعا وتسألت كيف لتجد اعمال اخري لهذا‬ ‫المبدع علي النت ده حتي اسمة موش موجود‬ ‫قالت ان كانت هذه مسودة فيجب طبع الرواية باسرع ما يمكن ‪..‬ساعود بالطواحين وربما بهذا الكاتب هنا يا محسن‬ .......‬ونواصل‬ ‫_________________‬ ‫‪ )..

‬‬‫فأدخل الطباخ يده في جيبه وأخرجها قابضة على نقود لها رنين‬ ‫قال له ود أمونة‬ ‫أخير ليك تفكني ‪...‬وإنت‪ِ ..‬‬‫سحبت الكف عن فمه‪ ،‬قال له ود أمونة‬ ‫ثم ُ‬ ‫عايز مني شنو؟ ‪-‬‬ ‫قال الطباخ‬ ‫إنت بكره ماشي مع عازة‪ ،‬طبعًا حيطلعوها من السجن‪ ،‬وإنت حتمشي معاها‪ ،‬وأنا جيت عشان أقول ليك مع ‪-‬‬ ‫ش عيب عليك يا ود أمونة‪ ،‬ما تقو لي مع السلمة؟‬ ‫السلمة‪ ،‬طالما إنت ما بادرت بالوداع‪ُ ،‬م ْ‬ ‫قال ود أمونة متضايقًا‬ ‫ل فك يدي ‪.‫‪ )..‬مسامير الرض ‪).‬‬ ‫َ‬‫جَبنة‬ ‫‪.‬مع السلمة دي عندها ُ‬ ‫جبت شمع وعندي ليك هدية‪ ،‬ملبس جديدة وجزمة وكرة وحلوة وحاجات حتعجبك‬ ‫‪.‬‬‫بيد الطباخ الممسكة بالنقود‪ ،‬أعاد النقود إلى جيبه وبسرعة ومهارة فتح زرار بنطاله وأخرجه‪ ،‬شئ لم يستطع‬ ‫ود أمونة تمييز معامله في الظلم ولكن عندما دفع به الطباخ إلى بطن و أمونة‪ ،‬أحس به ود أمونة قويًا‬ ‫ل‪ ،‬قال الطباخ‬ ‫وطوي ً‬ ...‬الجنقو ‪..‬هكذا يعبر الناس عن حبهم واهتمامهم بالخر في هذه المكنة‪ ،‬بأن‪ :‬يعملوا لك َ‬ ‫ل حكاية العازة‪ ،‬لم تستطع عازة أن تقنع أمه لكي تتركه معها عندما تخرج من السجن في‬ ‫قال ود أمونة مواص ً‬ ‫الغد‪ ،‬وأرسلت لها الوسطاء من سجانين ومسجونين‪ ،‬وحتى مأمور السجن نفسه‪ ،‬ولم يقنعها سوى ما حدث لود‬ ‫أمونة في ذلك المساء‪ :‬كنت في طريقي إلى عنبر الُنسوان بعد أن عدت من مشوار كلفني به الشاويش خارج‬ ‫السجن‪ ،‬عندما وصل ود أمونة الممر المؤدي إلى الزنازين وهو الطريق القصر إلى الجزء الغربي من عنبر‬ ‫الُنسوان حيث مقام أمه‪ ،‬إذا بيد ناعمة قوية ُتمسك بذراعه‪ ،‬وأخرى توضع في فمه‪ ،‬كانت تفوح منها رائحة‬ ‫البصل والثوم مما جعله يتعرف بسهولة على الطباخ‪ ،‬ثم همس في أذنه‬ ‫ما تخاف‪ ،‬دا أنا ‪.‬‬ ‫قال ود أمونة وهو يحاول نزع يده‬ ‫إذا ما فكيت يدي حأصرخ وأمي تسمع وحتجي تقتلك ‪.‬‬ ‫كويس‪ ،‬مع السلمة‪َ ،‬ي ّ‬‫قال الطباخ محاوًل أن يكون رقيقًا ومهذبًا‬ ‫طقوس وفي احتفال صغير أنا عامله ليك في مخزن المطبخ برانا‪ ،‬أنا ‪-‬‬ ‫ل‪ ..‬ما كدا‪ ..‬ثم واصل في‬ ‫ل رقيقًا يتلمس ِ‬ ‫غناًء جمي ً‬ ‫واستطعنا أن نميز ِ‬ ‫حكي تفاصيل السجن‪ ،‬تحدث بتلقائية وبساطة‪ ،‬بهدوء ورقة ل تتوفر في شخص غيره‪ ،‬ألم ِقشي تقاسمني‬ ‫حّ‬ ‫ك‬ ‫الوسادة البيضاء المستطيلة على طول عرض السرير‪ ،‬تخلف ساقيها مع ساقي‪ ،‬وبين وقت وآخر تتعمد َ‬ ‫شَبَقًا وحشيًا تؤجله دائمًا حكايات ود أمونة المدهشة في السجن‪ ،‬الليل‬ ‫أخمصَ قدمي بأحد أظافر رجليها‪ُ ،‬مثيرة َ‬ ‫شي‪ ،‬عبرت عنها بنهوض مفاجئ من حضني قائلة‬ ‫ت ِفكرٌة للم ِق ِ‬ ‫عّن ْ‬ ‫‪:‬كعادته في هذه الشهور دافئ َمِرح‪َ ،‬‬ ‫حأعمل ليكُم قهوة ‪.‬بركه ساكن ‪Re:‬‬ ‫َوْد َأُموَنْة‬ ‫ظلمة للداخل‪،‬‬ ‫عْبر ال ُ‬ ‫طية َ‬ ‫طيَة‪ ،‬تأتي أصوات المكان مخترقة قش وأقصاب الُق ِ‬ ‫حبشي يمل الُق ِ‬ ‫خوِر ال َ‬ ‫طُر الَب ُ‬ ‫عْ‬ ‫ِ‬ ‫سَكَكه عبر الليل نحونا‪ ،‬قال ود أمونة‪ :‬إنها بوشاي‪ ..

‬أصلو ما تقول كان طفل في يوم من اليام ‪.‬صّبت الُبن في الُفُندك وأخذت تدق بتنغيم اتبعته بغناء بلغة الحماسين‬ ‫قال لي ود أمونة معتذرًا‬ ‫معليش شغلتك بحكايات السجن والمور الفارغة دي‪ ،‬أنا حأخليك شوية مع ألم ِقشي وحنتلقى‪ ،‬أنا قاعد في ‪-‬‬ ‫ُقطية ما بعيدة من هنا‪ ..‬بصقت رأس الذكر من خشمي‪ ،‬كان شئ مقرف‬‫صبح في الساحة‬ ‫قالت لي أمي بعدما صلينا صلة ال ُ‬ ‫إنت حتمشي مع عازة إلى بيتهم‪ ،‬أنا تاني ما حأخاف عليك‪ ،‬إنت بس حافظ على أسنانك‪ ،‬حأديك قروش تشتري ‪-‬‬ ‫‪.‬بعد دا كله‪ .‬ول صغيرة‬ ‫أضافت ألم ِقشي في زهو‬ ‫‪ ..‬ما شاء ال‪ .‫خْد دقيقة واحدة‪ ،‬وأنا أْدّيك أي حاجة عايزها ‪.‬‬ ‫‪.‬الطباخ شغال ِل َ‬‫‪.‬بيها مساويك‬ ‫حلو يغني‪ ،‬فيأتي به الهواء الدافئ من حي‬ ‫شاي ال ُ‬ ‫رائحة قلي الُبن الحبشي تمل رئتي عبقًا لذيذًا‪ ،‬وصوت ُبو َ‬ ‫شهيًا‪ ،‬قالت ألم ِقشي‬ ‫طّية أّدي َ‬ ‫‪:‬الُعمدة إلى ُق ِ‬ ‫سْع في السجن‪ ،‬سمين زي البغل‬ ‫‪.‬ود أمونة دا‪ .‬تحركت ألم ِقشي وهي تحمل الِمقلة تطوف بالُقطية مقربة إياها من أنوفنا‪ ،‬فنستنشق المزيد‬ ‫قال ود أمونة‬ ‫طلعت من السجن وأنا عمري عشر سنوات‪ ،‬لكن تقول راجل كبير‪ ،‬كنت بعرف كل شئ‪ ،‬ما تفوت عليّ كبيرة ‪-‬‬ ‫‪.‬ثم سقط‬ ‫‪...‬‬ ‫الموضوع بسيط‪ ،‬وما ِبَيا ُ‬‫عَرق العيش‪،‬‬ ‫وعندما َمّد َفَمه الذي تفوح منه رائحة الصعوط مختلطة بسجائر البرنجي محمولة على عبق َ‬ ‫بحركة رشيقة خاطفة أمسك ود أمونة بشئ الطباخ‪ ،‬كان مظلمًا‪ ،‬كبيرًا وأملس‪ ،‬أدخل ما يكفي في فمه وبين‬ ‫أضراسه الحادة نفذ وصية أمه بحذافيرها‪ ،‬الشئ الذي جعل كل من في السجن والذين يجاورونه والذين تصادف‬ ‫مرورهم في تلك الليلة بتلك النحاء‪ ،‬يقفزون رعبًا في الهواء من جراء صرخة الطباخ العنيفة البائسة التي لم‬ ‫يسمع أحد في حياته مثلها ولن تتكرر في مقبل اليام‪ ،‬صرخة أطارت العصافير الصغيرة النائمة في أشجار النيم‬ ‫في وسط السجن‪ ،‬جعلت السمبريات العجوزات الساكنات بالسنطة عند ِبركة المياه جنوب السجن‪ ،‬تضرب‬ ‫بأجنحتها في ذعر‪ ،‬كانت الصرخات التي ألحقها بالصرخة الول‪ ،‬أقل أهمية‪ ،‬لن أحدًا لم يسمعها سوى ود‬ ‫‪.‬بالغرفة سرير واحد ولكنه ضخم‪ ،‬يساوي سريرين كبيرين‪ ،‬يسمونه‪ :‬السرير الَدُبل‪،‬‬ ‫مصنوع من السنط‪ ،‬له قوائم ضخمة ثقيلة‪ ،‬عليه ُملءة بيضاء مطرزة بالكروشيه في شكل طاووسين كبيرين‬ ‫متقابلين بالفم‪ ،‬ويبدو النهج الحبشي واضحًا في فن الحياكة والتطريز‪،‬من حيث استخدام اللون الصفر و الحمر‬ ‫و الخضر‪ ،‬كانت ألم ِقشي كعادة الحبشيات تبدو في بشرة حمراء ناعمة وساقين طويلتين نحيفتين منتظمتين‬ ‫وجميليتين‪ ،‬عليهما نقوش حناء باهتة ووشم على القدم غريب‪ ،‬بدى لي كصليب أو خاتم سليمان‪ ،‬أو ربما وردة‬ ‫سحرية‪ ،‬على كٍل‪ ،‬كان شهيًا وطيبًا وطازجًا‬ ‫ل أفهم كثيرًا في ممارسة الجنس‪ ،‬في صباي‪ ،‬أنا وغيري من صبية الحي‪ ،‬في أيام مراهقتنا الولى‪ ،‬أتينا الغنام‬ ‫ل أمام أصحابك وإل ُلقبت بـ‬ ‫والدحوش وحتى الُعجول ولم يكن ذلك ممتعًا‪ ،‬ولكنه مهمًا حيث تبدو كبيرًا وفح ً‬ ‫المرا‪ ،‬وهذا ل يجوز في حق أحدنا‪ ،‬ولكن‪ ،‬تجربة شريرة حدثت لي قبل ذلك أي قبل البلوغ بسنتين أو أقل‪ ،‬كانت‬ ‫الكثر إدهاشًا وأكثر بقاء في ذهني وربما مازالت توجه بوصلة الجنس في ظلماء نفسي‪ ،‬إعتادت خالتي الَتاية‬ ‫أن ترسلني إلى الِمطحنة عند الصباح الباكر‪ ،‬قبل الذهاب إلى المدرسة‪ ،‬لكي أوصل جردل العيش إلى هناك ثم‬ ‫أعود لخذه في نهاية اليوم وأنا عائد من المدرسة‪ ،‬أي بعد أن يتم طحنه حيث تقوم بإعداده لصنع ِكسَرة يوم‬ ‫غد‪ ،‬التي تبيعها في السوق الكبير‪ ،‬صاحبة المطحنة امرأة شابة ليس لديها أطفال‪ ،‬يعمل زوجها في سوق‬ ‫الخضار‪ ،‬وكعادته ل يعود إل عند المغرب‪ ،‬وهي سيدة معروفة في مجتمع المراهقين بصورة جيدة وكل واحد‬ ‫منهم له معها ِقصة‪ ،‬ربما أغرب من قصتها معي‪ ،‬ولكن ربما الشئ الذي يميز حكايتها معي؛ هي أنها كانت‬ .‬أمونة‪ ،‬كانت أكثر بؤسًا ورعبًا‪ .

‬المتوحش ‪ ،‬وضربتني عندما اشتد بها الشبق‬ ‫ُبووووووووول ‪..‬‬ ‫ت َما ْ‬ ‫ُبول‪ُ ،‬بول الُرجال‪ ،‬إن َ‬‫ي فأرها‬ ‫ولم أعرف ُبول الرجال هذا إل بعد سنوات كثيرة‪ ،‬عندما جاءتني في الحلم هي ذاتها عارية‪ ،‬وبحلق ف ّ‬ ‫‪..‫تضربني ضربًا مبرحًا‪ ،‬ل أدري لماذا في ذلك الوقت‪ ،‬ولكني فهمت فيما بعد بعض الشئ‪ ،‬عندما أعود لخذ‬ ‫الطحين كانت تأخذني إلى داخل المنزل عبر باب داخلي للمطحنة‪ ،‬وهناك تخلع ملبسها وملبسي‪ ،‬في أول مرة‬ ‫شرحت لي وأرتني إياه‪ ،‬وخفت خوفًا حقيقيًا عندما رأيته لول مرة‪ ،‬كان ل يشبه كل التصورات التي رسمتها له‬ ‫ل‪ ،‬جذابًا مثل الوردة‪ ،‬ولكن هذا الشيء الذي أمامي شيئًا آخر‪ ،‬إنه أشبه بفأر‬ ‫و أصحابي‪ ،‬كن نظن أنه شيئًا جمي ً‬ ‫خدعنا به‬ ‫كبير على ظهره شعر أسود مرعب‪،‬له فم كبير وربما أسنان أيضًا‪ ،‬بل له رائحٌة كريهة‪،‬ل أدري كيف ُ‬ ‫طوال تلك السنوات‪ ،‬فلم آلفه أبدًا‪،‬ولكنها بخبرة المرأة المجربة التي تعرف كيف ُتثير‪ ،‬أذالت مخاوفي‪ ،‬ثم عرف ُ‬ ‫ت‬ ‫‪:‬كل شئ‪ ،‬أو ما ظننت أنه كل شيء‪ ،‬ولكنها كانت تطلب مني غير اليلج أن أقذف‪ ،‬بالحرى كانت تأمرني قائلة‬ ‫ ُبول … ُبول‪ُ ..‬نوااااصل‬ ‫_________________‬ .‬ثم لم أبل في سيدة بالفعل أبدًا‪ ،‬حيث لم تتح لي ُفرصة لذلك‪ ،‬أو أنني كنت خجوًل أمام النساء‪ ،‬ولم‬ ‫جرأة تلك المرأة‪ ،‬أو لست أدري ما هي حكايتي بالضبط‪ ،‬كل ما امتحنت به جسدي‪ ،‬كانت‬ ‫تصادفني من هي في ُ‬ ‫لمسات أخت صديقي الدافئة البريئة‪ ،‬إذن بعد خمسة وثلثين عامًا هائنزا وجهًا لوجه مع امرأة‪ ،‬ولول مرة في‬ ‫حياتي‪ :‬امرأة فعلية مجربة وخبيرة وأنا رجل كبير في السن راشد وبالغ ول خبرة لي في النساء‪ ،‬ول أدري كيف‬ ‫جال‪ ،‬كانت‬ ‫س الواقي؛ انتهاًء بالُبول‪ُ ،‬بول الُر َ‬ ‫ت ألم ِقشي ذلك‪ ،‬ولكنها قامت بكل شئ بنفسها‪ ،‬بدءًا من ِلب ِ‬ ‫َفِهَم ْ‬ ‫ن ولذٍة ل يوصفان‬ ‫جنو ٍ‬ ‫‪....‬‬‫فبللت ملبسي بسائل دافئ‪ ،‬له رائحة الللوب الذي كنت أكثر من أكله في تلك اليام‪ ،‬خرج الُبول في لذة و ألم‬ ‫ُمدهشين‪ .‬بول ‪.‬‬‫‪:‬وأنا ل أعرف كيف أُبول هناك‪ ،‬وليس لدي ُبول في مثانتي‪ ،‬فكنت أقول لها ذلك فتغضب فتضربني قائلة‬ ‫ك راجل ‪..‬تسحبه من أعماقي ِب ُ‬ ‫‪ .

.‬أّبكر آدم ما لحظ إُنُه أنا اتأخرت‪ ،‬يمكن إل عندما وقعت في الواطا َت ْ‬‫أسبوع بأكلمه قضاه مختار علي مريضًا في التاية‪ ،‬وحيدًا‪ ،‬حيث يذهب الجميع إلى العمل يتركونه مع الفئران‪،‬‬ ‫‪...‬بركه ساكن ‪Re:‬‬ ‫علي‪ُ ،‬كّليقْة‬ ‫خَتار َ‬ ‫‪ُ،‬م ْ‬ ‫سماعين‬ ‫‪..‬ال أكبر‪ ...‬مسامير الرض ‪)....‬ال أكبر‪..‫‪ )..‬أكبر‪َ ..‬لّم ْ‬ ‫سماعين بخروفين كبيرين أقرنين‪ ،‬كرامة وسلمة وطلب منهم أن يذبحونهما وقتما شاؤا‬ ‫‪.‬ال أكبر‪ ..‬نية ‪+‬‬ ‫وأحس مختار علي برأسه ثقيلة‪ ،‬بيديه مشلولتين‪ ،‬رجليه؛ أين هي رجله؟‬ ‫ل‪ ،‬ينـ‪ ..‬ثم جاء الجلبي ُ‬ ‫عندما يكون السمسم جيدًا‪ ،‬فتيًا مرصوصًا كالدرر على ساق حمراء شامخة‪ ،‬يجبر الجنقوجوراي على النحناء‬ ‫لحصاده‪ ،‬حينها يصبح الحصاد مهرجانًا من الرقص‪ ،‬يغني الجنقو لحنًا واحدًا ثريًا‪ ،‬حلوًا على إيقاع ضربات‬ ‫‪:‬المِنجل‪ ،‬خشخشة ربط الُكّليقْة ورميها بالخلف‪ ،‬متعة النجاز‬ ‫ُكّليقْة‬ ‫ُكّليقْة‬ ‫ُكّليقْة‬ ‫ُكّليقْة‬ ‫جنيهات‪ ،‬وهو ثلثة أضغاف سعرها في‬ ‫حلة‪ ،‬استطاعوا هذا العام أن يرفعوا سعرها إلى ثمانية ُ‬ ‫حلة( و ال ِ‬ ‫تصنع ) ِ‬ ‫جل هي جزء من ثروة كبيرة‪ ،‬كل ربطة ُكّليقْة‪ُ ،‬كراع بوليس‪ :‬هي بعض الحلم‬ ‫العام الماضي‪ ،‬كل ضربة ِمْن َ‬ ‫حلة انجزت؛ هي ثمانية جنيهات تنضاف إليها ثمانيات أخريات‪ ،‬ثم ثمانيات أخريات‪ ،‬ثم تسلم إلى‬ ‫يتحقق‪ ،‬كل ِ‬ ‫‪:‬الخالة؛ بالحلة‬ ‫ثمانية ‪ +‬ثمانية ‪ +‬ثمانية ‪ +‬ثمانية ‪ +‬ثمانية ‪ +‬ثمانية ‪ +‬ثمانية ‪ +‬ثمانية ‪ +‬ثمانية ‪ +‬ثمانية ‪ +‬ثمانية ‪ +‬ثمانية‬ ‫‪ + +....‬قال‬ ‫سماعين ثلث مرات‪ ..‬الجلبي ُ‬ ‫ثم واصل مختار علي الحكاية‪ ،‬يستطيع الن مختار علي الَمشي لقضاء الحاجة وحده‪ ،‬بل أن يذهب للدكان عند‬ ‫ناصية الطريق‪ ،‬ويشتري حجارة البطارية‪ .‬سـ‪ ،‬حب‪ ،،‬من حقل السمسم‪ ،‬حقل الحياة‬ ‫ل قلي ً‬ ‫‪،‬أحس أنه ينسحب‪ ،‬قلي ً‬ ‫ب‪ ،‬حتين شافاني‬ ‫‪..‬ية‪ + + + .....‬الجنقو ‪.‬ال ‪-‬‬ ‫لما قلنا كدا بسم ال ودخلنا السمسم‪َ ،‬كّبْر الجلبي ُ‬ ‫ن َيُوُوُوُو‬ ‫صّ‬ ‫خل ُكلُه َ‬ ‫ن ال َ‬ ‫‪.‬الزرازير‪ ،‬أولد أبرق‪ ،‬عشوشاي وكلب الخفير‬ ‫سّيات‪ ،‬كلمت سماعين الجلبي قلت ليُه أنا يمكن أموت هنا في الخل دا ساكت‪ ،‬وديني ‪-‬‬ ‫وال لّمان تقول جاتني نف ِ‬ ‫حلة‪ ،‬عندي أختًا لي هناك متزوجة‪ ،‬وديني ليها‪ ،‬وشالني جاباني هنا‪ ،‬رماني رمية واحدة‪ ،‬بت عمي‪ ،‬أختي‬ ‫ال ِ‬ .‬ثمانية ‪ +‬ثمانية‬ ‫‪، +‬ث م ا‬ ‫م‪ ،‬نيـ ‪ ،+‬م‬ ‫ا‪ ،‬ة ‪ +‬ث‬ ‫نيـ‪ ،‬ث ث ‪ +‬نية‬ ‫ة‪ ،‬م ‪ +‬ة‬ ‫نما‪ ،‬ن‪ ..

‬لكنه هرب منه هروبًا‪ ،‬كما وصفه بعض الجنقو فيما بعد‪ :‬هروب جبان‬ ‫ولكن بارك ال في الخوات الخوان‪ ،‬علي رأسهم الصافية‪ ،‬وهي غزالة سوداء نحيلة‪ ،‬قل نحلة لنها دائمة‬ ‫صنان مختلط ببقية الليلة الماضية وعرق كدح دؤوب‪ ،‬هذه السيدة‬ ‫الحركة‪ ،‬لها رائحة متميزة‪ ،‬عبارة عن ُ‬ ‫البسيطة الهزيلة‪ ،‬التي يتبعها لفيف من الجنقو كظل لها‪ ،‬المسالمة‪ ،‬من يحتفي بالخوان ومجالسهم‪ ،‬الطيبة‪ ،‬هي‬ ‫حلة خلف‬ ‫ذاتها الحيوان الشرس الضاري في المشروعات الزراعية‪ ،‬الذي‪ ،‬عندما يقتحم حقل السمسم يرمي ال ِ‬ ‫‪.‫‪.‬وعضّ يده في ألم‪ ،‬ثم أضاف‪ :‬لو كان بتنعرس‪ ،‬و ال أعرسها‬ ‫طرح‬ ‫ضحك الجميع في آن واحد‪ ،‬ولو أن بعضهم يخالفه الرأي‪ ،‬بل يحتفظ في أضابير وعيه برأي عكس ما ُ‬ ‫تمامًا‪ ،‬لكنهم ضحكوا‪ ،‬تململ البعض‪ ،‬آثروا الستماع‪ ،‬الكلم عن النساء وفيهن مثل أكل الُموليتة‪ُ ،‬مر‪ ،‬حارق‬ ‫ولكنه لذيذ‪ ،‬دائمًا له طعم متجدد‪ ،‬ربما لنه يحرك حنينًا منطويًا في ذواتهم عن أم جميلة ُفقدت في موطن ما‪ ،‬أو‬ ‫أخت حنينة لم تنس تمامًا ولكنها مختبئة في ركن غيب الذاكرة بعيدة قريبة في آن واحد‪ ،‬أو بنت استحال‬ ‫إنجابها‪ ،‬وربما زوجة‪ ،‬عشيقة‪ ،‬صديقة لم تتبين ملمحها بعد في موطن جاءوا جميعًا منه إلى هنا‪ ،‬ولكن ؛ أيضًا‬ ‫للصافية خصوصيتها‪ ،‬هنالك جوانب مظلمة في حياتها‪ ،‬خاصة فيما يتعلق بنشاطها الجسدي‪ ،‬وكل ما يدور في‬ ‫خرن في أودية وخيران دافئة‪ ،‬تحت سنطات وسيالت عجفاوات‪،‬‬ ‫هذا الشأن ليس سوى اسطورات صغيرات َتْم ِ‬ ‫حُلٌوْفات المكان‪ ،‬أسطورات حالمات وديعات‬ ‫‪.‬اكتمل المزاج بالشيشة حيث‬ ‫حلين طعم المؤانسة )القعدة( ويكسبن بعض المال‪،‬‬ ‫برع في إعدادها ود أمونة الذي لم يحتمل بقاءنا بدون نساء َي َ‬ ‫ولم تعجبه فكرة أننا نكتفي بهذا الوحش ‪ -‬في نظره الصافية‪ ،‬وذكر في أذني اسم ألم ِقشي كلما وجد فرصة‬ ‫ت ذلك الصافية‪ ،‬فتحدثت معه‬ ‫لفعل ذلك‪ ،‬لنه ل يعرف عني زهدي في النساء‪ ،‬ظل يلحقني‪ ،‬إلى أن لحظ ْ‬ ‫حلة وناسها وعن السجن‪ ،‬وحرمنا من نفحات عطر‬ ‫بأسلوب غليظ‪ ،‬حرمنا من نكاته وملحظاته الجميلة عن ال ِ‬ .‬وعلى حوافر الثعالب والرانب وال َ‬ ‫قال له مختار علي متحديًا‪ ،‬وقد نسي أم تناسى حكايته‬ ‫إنت لقيتها وين؟‬‫قال أّبكر آدم‬ ‫لو ما لقيتها ما بكون سمعت بحكايتها مع َوْد ُفور؟! يا أخوي لو ما ُمتنا؛ شقينا المقابر ‪.‬‬‫حسنًا‪ ،‬سوف ل نتطرق إلى هذه الحكاية الن‪ ،‬لنها معروفة ومكرورة وقد يتولد لدى البعض بأننا نعرف كل ما‬ ‫يحيط بها‪ ،‬وهذا مجانب للحقيقة‪ ،‬فكل شخص في هذا المكان يحتفظ برواية خاصة به عن الصافية وود فور‪،‬‬ ‫حكيت من قبل من ِقبل عشرات الشخاص‪ ،‬نساء ورجال وأطفال‪ ،‬وكل حكاية ما كانت تشبه الخرى‪ ،‬وما جاءت‬ ‫ُ‬ ‫‪.‬به‪ ،‬ما ُيشبه الندوة في بيت أَداليا َدانيال يوم مريستها؛ كان شيئًا آخر‬ ‫الجناح الذي خصتنا به الم من بيتها الكبير المتسع‪ ،‬يقع في آخر صف من القطاطي الملحقة برواكيب صغيرة‬ ‫ممتدة في شريط قد يصل طوله مائتين مترًا‪ ،‬وهو موقع شبه مهجور‪ ،‬وربما خاص‪ .‬الحلة خلف الحلة خلف الحلة خلف الحلة خلف الحلة‬ ‫وكأنها تعمل بماكينة‪ ،‬ما شاء ال‪ ،‬ينجح الجلبي صاحب المشروع حتمًا إذا نجح في أن يضم الصافية إلى فريق‬ ‫عمله‪ ،‬حكى مختار علي‬ ‫قالت لي الصافية‬ ‫سماعين ود الحايل ‪.‬‬ ‫أنا حأدب ليكم ُ‬‫عُه ‪.‬سافرت إلى همدائييت‪ ،‬راجلها اشتغل هناك في التهريب‬ ‫عين مرة أخرى‪ ،‬كأنما رمي بشئ قذر في واٍد مهمل مهجور‪ ،‬كان قد وعده بأن يحضر‬ ‫سَما ِ‬ ‫لم يره الجلبي ُ‬ ‫المساعد الطبي أو يأخذه إلى المستشفى المحلي‪ ،‬أو حتى ينادي له الفكي علي ود الزغراد‪ ،‬وهو زول يده لحقة‪،‬‬ ‫‪.‬‬ ‫خليُه َيْبكي ِبِدمو ُ‬ ‫حأ َ‬ ‫َ‬ ‫جابت لي الممرضة‪ ،‬جابت لي الفكي علي ود الزغراد بنفسه‪ ،‬جابت لي الِقضيم‪ ،‬جابت لي العدسية‪ ،‬جابت لي أم‬ ‫ن‪ ،‬قاطعة الشايقي ؛ وهو كما يعرف‬ ‫خْ‬ ‫عْرَقَها الُمْر‪ ،‬سوت لي المديدة‪ ،‬الفيتريتة الحمراء وعصيدة الُد ُ‬ ‫جْل و ِ‬ ‫جل ِ‬ ‫َ‬ ‫الجميع جعلي‪ ،‬ولكنه ملقب بالشايقي لثار شلوخ في وجهه‬ ‫قالوا الصافية دي فيها جنس مرا؟ ‪-‬‬ ‫‪.

.‬‬‫لم َيُقل إلى أين‪ ،‬ولكنه مضى أمامي ومشيت خلفه‪ ،‬كنا نهرول هرولة‪ ،‬دخلنا زقاقًا ضيقًا‪ ،‬أفضى بنا إلى زقاق‬ ‫ضيق‪ ،‬عبر صف من الرواكيب والقطاطي‪ ،‬عبرنا شجرتي نيم خلف زريبة‪ ،‬تبيناها من رائحة روث الغنام‬ ‫شك( ثم يتلوى بنا زقاق آخر‪ ،‬ليلفظنا خارج بيت الم في طريق رحبة يؤمها‬ ‫والبهائم‪ ،‬تفوح منها رائحة )الُم ٌ‬ ‫السكارى والعاشقون ولفيف من خلق ال من الجنقو والجلبة وبعض عساكر الجيش‪ .‬‬‫‪.‬صمت‪ ،‬ثم‪ ،‬خرج‬ ‫ق َيْن ِ‬ ‫‪.‬وعن بشر يأكلون البشر‪ ،‬وعن‪.‬أنا عندي ُ‬ ‫ودون أن ينتظر ردًا مني‪ ،‬ذهب واختفى في الزقة التي حتمًا ستسلمه إلى أزقة‪ ،‬التي سوف تلقي به في بيت‬ ‫‪.‬ملحوظتي عن سلوكه الفظ‪ ،‬وطريقته المباشرة الفجة عند مخاطبة الناس‬ ‫تعلم الكياسة‪ ،‬تعلم كيف تخاطب الناس ‪.‬مرحبا‪ ،‬اتفضلوا ‪-‬‬ ‫قال لي ود أمونة مستأذنًا‬ ‫شُغل في بيت الم‪ ،‬لو ما كدا كنت قعدت معاكم‪ ،‬الليلة في ضيوف ُكتار في البيت‪ ،،‬نتلقى الصباح ‪-‬‬ ‫‪..‫سمها‪ ..‬قالت لنا الصافية من بين قرقرات الشيشة‪ ،‬وكأنها تمتص العالم كله في نفس واحد من النارجيلة‬ ‫حُبوَبِتي الصافية‪ ،‬أنا سموني عليها‪ .‬عن‬‫إلى أن قاطعها صديقي سائ ً‬ ‫ل‬ ‫شُنو مع ود فور؟ ‪-‬‬ ‫قولي لينا حكايتك ُ‬ ‫ت‪ ،‬مد ْ‬ ‫ت‬ ‫أنا والحق ُيقال‪ ،‬خفت ولول مرة في حياتي أخشى ردود أفعال ل استطيع أن أتنبأ بها إطلقًا‪ ،‬نهض ْ‬ ‫ل عن َمجلسنا‪ ،‬القطية الكبر حجمًا‪،‬‬ ‫ت نحو ُقطيٍة تبعد قلي ً‬ ‫ي ِمَنا‪ ،‬مش ْ‬ ‫ي‪ ،‬دون أن تنظر إلى أ ّ‬ ‫)خرطوش( الشيشة إل ّ‬ ‫ن مسكنًا‪ ،‬اختفت‬ ‫منذ أن غابت الشمس أضاءها ود أمونة مع بقية القطاطي الفارغة‪ ،‬حتى ل يتخذها الشيطا ُ‬ ‫سَمْع لها حس‪ ،‬لم استطع أن أتفوه بكلمة‪ ،‬ولو أنني كنت في أشد الحاجة لكي ألومه‪ ،‬وأن أكرر‬ ‫هناك‪ ،‬لم ُي ْ‬ ‫‪..‬نمشي ‪.‬عن بشر يتحولون إلى حيوانات وغربان‪ ،‬عن أناس يموتون ثم يحيون في شكل بعاعيت‬ ‫وعن أناس عندما يموتون ويحيون سبع مرات يتحولون إلى أبي لمبة‪ ...‬‬‫ت بأعلى صوتي‬ ‫ت‪ ،‬نادي ُ‬ ‫ت )الخرطوش( جانبًا‪ ،‬نهض ُ‬ ‫لم اتفوه بكلمة واحدة‪ ،‬وضع ُ‬ ‫ ؟ يا ود أمونة‬‫وفي لمح البصر‪ ،‬وكأنما كان ينتظر خلف الباب مترقبًا النداء‪ ،‬جاء ووقف أمامي في أدب وهدوء قائ ً‬ ‫ل‬ ‫نعم ؟‬‫قلت له‬ ‫أرح‪ .‬وال َ‬ ‫سجناء يهربون ب)الِفرو( من سجن‬ ‫ت لنا حكايات كثيرة ممتعة‪ ،‬عن المكان قبل عشرات السنين‪ ،‬عن ُ‬ ‫حَك ْ‬ ‫َ‬ ‫حمرة( بأثيوبيا‪ ،‬عن جنون يسكنون ويتزاوجون مع البشر‬ ‫‪)،‬ال ُ‬ ‫‪.‬لّمان جات ِهنا‪ ،‬كان البلد ما فيها غير المرافعين والقرود ‪-‬‬ ‫البلد دي أسستها َ‬ ‫ف والجنون‪ ،‬البلد ُكلها غابة ِكِتر ولُلوب وَنَب ْ‬ ‫ك‬ ‫حُلٌو ْ‬ ‫‪.‬أيوه‬‫ولم أسأله كيف عرف ذلك‪ ،‬دخلنا‪ ،‬وجدنا مختار علي وقد خلد إلى النوم‪ ،‬استيقظ بمجرد أن ولجنا الحوش الكبير‬ ‫وصاح‬ ‫منو ؟ ‪-‬‬ ‫قال ود أمونة‬ ‫ نحنا يا مختار ‪.‬الم‬ ...‬‬ ‫‪.‬ومضى ود أمونة‪،‬‬ ‫ومضيت خلفه صامتا‪ .‬را ٍ‬ ‫‪.‬إلى أن دخل بيت مختار علي‪ ،‬حينها قال لي‬ ‫إنت عايز بيت مختار علي‪ ،‬مش كدا؟‪-‬‬ ‫قلت له‬ ‫‪.

‬‬‫قال محتجًا وقد طار النعاس من عينيه‬ ‫ لييه ؟‬‫قلت له في برود‬ ‫ رغبته ‪.‬ولو في الموضوعات التي يحبها كبار السن مثله‬ ‫ ليك كم سنة هنا؟‬‫انقلب على جنبه اليسر ليقابلني وجهًا لوجه‬ ‫حلة( دي بيت واحد كبير مزروب بشوك الكتر ‪-‬‬ ‫وال ما بتذكر أنا جيت هنا متين‪ ،‬أول مرة‪ ،‬لكن من ما كانت )ال ِ‬ ‫والسيال المرافعين والثعالب تحوم والشمس في نص السما‪ ،‬كان الجلبة البيزرعوا هنا‪ ،‬محسوبين على أصابع‬ ‫اليد الواحدة‪ ،‬والرض المزروعة ذاتها كانت صغيرة وضيقة‪ ،‬كنت أنا وكيل مشروع‪ ،‬أكبر مشروع‪ ،‬ما بشوف‬ ‫التاجر الجلبي دا إل يوم الحصاد وبس‪ ،‬كل البوابير والعمال تحت إدارتي أنا‪ ،‬ولكن نحنا ما فينا فايدة‪ ،‬الواحد‬ ‫بيلقى العشرة والعشرين في زمن القرش الواحد عندو قيمة‪ ،‬ولكن الواحد مننا يشيل القروش وينكسر في كنابي‬ ‫حمرة( في فريق قرش‬ ‫المريسة في )ال ُ‬ ‫دي حلوة‬ ‫دي ُمّرة‬ ‫دي حامضة‬ ‫دي فطيرة‬ .‬بتنفعه وما بتضره‪ ،‬كعب الموت بس‬ ‫طية مثلما يحب صديقي‪ ،‬أكدت له أنها رغبتي‬ ‫ولكي ينهي النقاش سألني مختار إذا كنت أرغب في النوم داخل الُق ِ‬ ‫ي رغبة في النوم‪ ،‬قلت لنفسي لجرجرنه في الكلم‬ ‫أنا أيضًا‪ ،‬وأنني معتاد على ذلك منذ صغري‪ ،‬طالما لم تكن لد ّ‬ ‫‪.‬‬‫قال وقد جلس‬ ‫ لكن مع الصافية؟‬‫قلت مؤكدًا‬ ‫نعم مع الصافية ‪.‬‬‫قلت له‬ ‫ هل أنت متأكد من أن قصتها مع ود فور صحيحة؟‬‫قال مستسلمًا‬ ‫في الحقيقة مافي زول متأكد من الحصل بالضبط لود فور‪ ،‬ولكن الناس كلها متأكدة إنو حصل ليُه شئ‪.‬‬‫قال محتجًا‬ ‫الموضوع مختلف‪ ،‬معاي براو‪ ،‬ومع ود فور براو ‪.‬المهم ربنا يستر‬ ‫قلت له وقد عاد واضطجع في السرير‬ ‫ما يهمني إنو ما حتقتله‪ ،‬لنه ما بيموت بالساهل‪ ،‬وكل شئ غير الموت‪ ،‬هو تجربة مفيدة في حياة الزول‪.‫بيني وبين نفسي كنت قد فسرت هروب ود أمونة مني وادعاءه المشغولية بعودته السريعة إلي بيت الم‪ ،‬كان‬ ‫يريد أن يشهد بأم عينيه ماذا سيجري ما بين صاحبي والصافية‪ ،‬سألني مختار علي بصوت نعسان مرهق عن‬ ‫صاحبي‪ ،‬قلت له‬ ‫تركته في بيت أّدي مع الصافية ‪.،‬‬ ‫‪.،‬‬ ‫‪.‬‬‫قال لي‬ ‫؟ ما سمعت قصتها مع ود فور‬‫قلت ببرود‬ ‫ولكن قصتها معك كانت مختلفة ‪.‬كويس؟ كعب؟ ال يعلم‪ .

‫دي خميرة‬ ‫دي فتاة‪ ،‬ودي عزباء‪ ،‬دي شرموطة‪ ،‬ودي شريفة‪ .‬وأنا ما ندمان على شئ‪ ،‬وال عشت زي ما عايز‪ ..‬‬‫؟ غريبة‬‫ثم أضفت وقد طغى على ذهني موضوع الشجرة الغريبة‬ ‫؟ أنا أتمنى أشوف شجرة الموت دي‬‫حمرة‪ ،‬جنب بيت الُعمدة َدَوَدْة‪،‬هي مصير الزّينا ديل ‪.‬لحدي ما يكمل الفي جيبُه‪ ،‬وتاني يبدأ من جديد‪ .‬وقريتنا ذاتها في دارفور انمسحت بالواطا‪ ،‬ضربتها الحكومة‪ .‬واستمتعت بحياتي في شبابي‪ ،‬وحتى‬ ‫ن البلد دي‪ ،‬وشرب مريستها تاني ما بيفارق‬ ‫سَوا ْ‬ ‫الن أنا بعمل وبجيب دخل‪ ،‬وأنا مقتنع أنه أي إنسان ضاق ُن ْ‬ ‫حمرة‪ ،‬ومن الحواتة حتى‬ ‫عيشتها‪ ،‬وأنا ل خليت نساوين ول مرايس‪ .‬‬‫استيقظنا مبكرين كعادة ناس البلد هنا‪ ،‬ينامون مع الدجاج ويستيقظون معه‪ ،‬ما عدا السكارى والعشاق‪،‬‬ ‫ي من ُتمباك وقصدت بيت الم‬ ‫يسهرون إلى ما بعد منتصف الليل‪ ،‬ويستيقظون مبكرًا‪ ،‬تركت له ما تبقى لد ّ‬ ‫مباشرة‪ ،‬كانت الشوارع تضج بالمارة القادمين من القرى القريبة في طريقهم إلى سوق الجمعة‪ ،‬البربارات‬ ‫مشحونة بالسمسم‪ ،‬القرويون يقتسمون ظهرها الضيق‪ ،‬مّر أمامي لوري‪،‬ثّم كارو لماء الشرب‪ ،‬ناداني الطفل‬ .‬‬ ‫في حي قرش‪ ،‬شجرة مشهورة في ال ُ‬‫قلت له مشفقًا‬ ‫ إنت أهلك وين يا مختار؟‬‫قال في حسرة‬ ‫أنا ما عندي أهل‪ ،‬أنا حسي عمري اتجاوز الستين‪ ،‬بعد دا في أم ول أب ول أخوان بيكونوا موجودين؟ وأنا ‪-‬‬ ‫‪.‬تمباك‬ ‫قلت له ثائرًا‬ ‫ لييه ما يرجعوه لهله؟‬‫مافي زول يقبل يرجع لهله بعد العمر دا كله‪ ،‬يرجع ليهم زول موت؟ عيب وال؟ ‪-‬‬ ‫ثم حدثني أن الجنقوجوراي‪ ،‬أي جنقوجوراي‪ ،‬يأتي إلى هنا للعمل موسم واحد فقط ويقول لنفسه إنه بعد هذا‬ ‫الموسم سوف يعود لهله‪ ،‬يبسط أمه وأخواته ويتزوج‪ ،‬فيعمل موسمه الول‪ ،‬ولكن أولد الحرام وبنات الحرام‬ ‫دائمًا له بالمرصاد‪ ،‬فيشرب قروشه كلها مريسة وعرقي وينوم مع النسوان ويصاحب‪ ،‬ويقول السنة الجاية بعد‬ ‫حصاد السمسم مباشرة سوف أعود إلى أهلي‪ ،‬وهكذا‪ ،‬إلى أن يبلغ من العمر عتيًا‪ ،‬فيمرض و يموت‪ ،‬قال‬ ‫ضاحكًا‬ ‫أنا في حياتي ما شفت جنقوجوراي واحد رجع لهله!! إل إذا جاء أهله وساقوه من ِهنا ‪.‬من خشم القربة حتى فريق قرش في ال ُ‬ ‫‪.‬كنت أصغرواحد في السرة‬ ‫ أولد أخوانك وأخواتك وين؟‬‫ل أعرفهم‪ ،‬ول هم يعرفوني‪ ..‬الفزرا‪ ،‬بس أنصحك يا ولدي؛ ما تفرط في حياتك‬ ‫ت وإنتهي‬ ‫‪..‬ال يستر ‪.‬قلت بيني وبين نفسي‪ :‬وال فرط ُ‬ ‫قلت له‬ ‫ال يستر‪ .‬أنا مصيري بس ‪-‬‬ ‫شجرة الموت يا ولدي‪ .‬قرش‪ ،‬و تبقى سوء الخاتمة‬ ‫قلت له مندهشًا‬ ‫ شجرة الموت؟ تقصد سدرة المنتهى؟‬‫حمرة في فريق قرش‪ ،‬لّمان يكبر الجنقوجوراي خلص ويقّرب من ‪-‬‬ ‫ل‪ ،‬دي شجرة الموت دي شجرة كبيرة في ال ُ‬ ‫حَبشية صاحبة البيت في الشجرة دي‬ ‫الموت أو يمرض مرض تاني مافي عافية بعده‪ ،‬يمشي وحده أو ترميه ال َ‬ ‫حتى يموت‪ ،‬الخوان ما بيقصروا منه يدوُه الفيها النصيب كان طعام‪ ،‬كان ُقُروش‪ ،‬كان ُهُدوم‪ ،‬كان شراب‪،‬كان‬ ‫‪ُ.‬أكثر من‬ ‫أربعين سنة بالصورة دي‪ ،‬يمكن حتى تقوم الساعة دا لو ما انتهى الواحد مننا في شجرة الموت‪ ،‬في فريق‬ ‫‪.

‬‬ ‫صا ِ‬‫قلت بسرعة‬ ‫وين؟ ‪-‬‬ ‫قال وهو يطرق برميل الماء إعلنًا لمائه‬ ‫أمبارح‪ ،‬بعد ما مشيت خليُتُه‪،‬وسبُتُه إنت وود أمونة في بيت أّدي مع الصافية ‪...‬‬ ‫صا ِ‬‫قلت مندهشًا‬ ‫ شنو؟‬‫قال مكررًا في استمتاع خاص ولذة قوالتية بالغة‬ ‫حبك الصافية ُأمبارح ورُتُه نجوم النهار ‪.‬‬‫‪...‫الذي يقود الحمار باسمي‪ ،‬عندما التفت إليه معيرَا إياه كل انتباهي خاطبني قائ ً‬ ‫ل‬ ‫حبك ُأمبارح نجمتو الصافية ‪.‬نوااصل‬ ‫_________________‬ .

‬حسي هو راجل عمره ثمانية وعشرين سنة‪ ،‬ولكن أبوه غير معروف‬ ‫قاطعتها‬ ‫قال أبوه يماني ‪.‬ود أمونة قاعد َيعّلْم العروس‬‫ ؟ َيعّلْم العروس؟ يعلمها شنو‬‫حّنان وحلق برضو؟‬ ‫ يعلمها الرقيص‪ ،‬إنت ما عارف إنه ود أمونة فنان؟ ورقاص و َ‬‫هززت رأسي إيجابًا و لكنني كنت أقصد بيني وبين نفسي‪ :‬نفيًا تامًا‬ ‫أضافت في شهية‬ ‫سّواق البربارا‪ ،‬يمكن سمعت بحمدو ‪.‬السجن لّمان كان صغير‪ ،‬تاني مافي شئ‪ .‬وهذه‬ ‫‪.‬‬ ‫ بت أبرهيت‪ ،‬حيعرسها محمد عوض َ‬‫هززت رأسي إيجابًا بما يعني‪ :‬إلى حد ما‬ ‫قالت لي ألم ِقشي‬ ‫ ود أمونة لو ما ال ستر كان حيجي بت ‪.‬و ُ‬ ‫ثم أضافت‬ ‫‪ -‬يمكن أمه هي الخربتُه؟‬ .‬‬‫ي يعجينة دلكة‬ ‫قالت وهي تدلك رجل ّ‬ ‫أي زول عارف قصة أمه ‪.‬ظاهر عليه ما راجل ‪،‬‬‫قالت وهي تضحك‬ ‫مافي )َمَرا( جربتُه حتى الن‪ ،‬ومافي راجل برضو جربُه حسب علمنا و معرفتنا‪ .‬‬‫ضحكت وقلت‬ ‫وبيعمل عمل البنات‪ .‬غير حكاية الطباخ الفي ‪-‬‬ ‫‪.‬‬‫شنو؟‬ ‫عشان لوُنُه الصفر وّل ُ‬‫هو قال كدا؛ أمه قالت ليُه ‪.‬الحكاية أنا سمعتها مباشرة من كلتوم بت فضل وهي أعز صديقات أّمونة‬ ‫ولكن ود أمونة طلع يشبه منو؟‬‫وال أنا الجماعة ديلك كلهم ما شفتهم‪ ،‬ولكن لونو دا لون أمه‪ ،‬إنت ما شفت أمه‪ ،‬أمه بيضاء وجميلة زي ‪-‬‬ ‫القمر‪ ،‬بالرغم من إنها كبيرة حسي‪ ،‬ولكنها جميلة‬ ‫ وين هي؟‬‫شفت أمه الليلة تقول عمرها ثلثين سنة‪ ،‬دلكة ‪-‬‬ ‫ت‪،‬كان ُ‬ ‫متزوجة من عسكري سجون في القضارف‪ ،‬ولدت ليُه ِب ْ‬ ‫حّنة ودلل‬ ‫خمرة و ِ‬ ‫‪.‬‬‫حكت له أن أمونة عندما هربت من أسرتها قبل ثمانية وعشرين عامًا‪ ،‬وكانت أسرتها في قرية نائية في الغرب‪،‬‬ ‫أن سائق اللوري الذي صادفته في الطريق مارس معها الجنس‪ ،‬وأن المساعد الذي يعمل معه أيضًا مارس معها‬ ‫الجنس‪ ،‬وأن الجلبي صاحب العربة أيضًا‪ ،‬وعندما وصلت مدينة القضارف‪ ،‬صاحب الكارو الذي استقلته لحلة‬ ‫البنات أيضًا مارس معها الجنس‪ ،‬ثم اليماني صاحب الدكان‪ ،‬النذير شيخ الحلة‪ ،‬ود جبرين صاحب اللوكاندة‬ ‫وراجل المرأة التي استضافتها في الحلة‪،‬و الستاذ زكريا الُمعلم بمرحلة الساس‪ ،‬ثم حبلت بود أمونة‪ .‫ق الُعَماْل‬ ‫سو ْ‬ ‫ُ‬ ‫افتقدت ود أمونة بمجرد دخولي إلى حوش بيت الم‪ ،‬كان غيابه واضحًا‬ ‫قالت لي ألم ِقشي‬ ‫ ‪.

‬الناس هنا يزيدوا الحكايات‪ ،‬وكل زول بيحكي الشئ البيتخيلُه كواقع ‪-‬‬ ‫ثم أخذت تحكي لي القصة كما تظن أنها الحقيقة‪ ،‬وقاطعتها عدة مرات‪ ،‬محاوًل محاصرتها لكشف تناقض قد يبدو‬ ‫لي هنا أو هناك في الحكاية‪ ،‬ولكنها مضت في حكيها بثبات وثقة العارف المتأكد‪ ،‬ثقة من شاف‪ ،‬ولو أنها‬ ‫خوض في هذا الموضوع‪ ،‬خاصة بعدما‬ ‫وغيرها لم يروا شيئًا‪ ،‬وهذا حسب ادعائي أنا أيضًا‪ ،‬لكنني فضلت عدم ال ُ‬ ‫خمرة والعطور الُنسوانية البلدية‪ ،‬كان ناعمًا لمعًا ونسوانيًا أكثر‬ ‫انضم إلينا ود أُمونة‪ ،‬كانت تفوح منه رائحة ال ُ‬ ‫شَترا ولم يستطع أن يرقصها إل على الغاني‬ ‫مما رأيته من قبل‪ ،‬قال إنه مستعجل واشتكى من أن العروس َ‬ ‫‪.‬‬ ‫صا ِ‬‫هززت رأسي إيجابًا‬ ‫أضافت‬ ‫يوم حيكتلوه ‪.‬‬‫‪:‬قلت لها‬ ‫ل‪ ،‬مافي زول حيكتله‪ ،‬دا ما النوع البيموت مكتول ‪.‬كان ُمدّلع‬‫لكنه قضى معظم حياته في السجن ‪.‬‬‫وأخذ يقهقه بالضحك إلى أن سمعنا صوت صديقي يلقي السلم‬ ‫شُنو مبسوطين ِكدا يا شباب‬ ‫؟ ُ‬‫استأذن ود أمونة ُمدعيًا أنه مشغول بالعروس‪ .‫كييف؟‬‫‪.‬‬ ‫وين صا ِ‬‫مع مختار علي ‪.‬‬‫‪:‬قالت‬ ‫حمرة في فريق قرش ما بياخد عشرة دقايق‪ ،‬شفت العملية العملتها فُيُه الصافية؟ ‪-‬‬ ‫وال في ال ُ‬ ‫‪:‬قلت لها‬ ‫‪.‬فمثل هذه الحوادث نادرًا ما تحدث‪ ،‬تركنا ألم ِقشي في المنزل‬ ‫سوق العمال في كل سبت‪ ،‬عند الميدان الكبير الذي يقع جنب المركز الصحي الذي شيدته منظمة عابرة تسمى‬ ‫)كرستيان أوت ريتش(‪ ،‬كمقر لرعاية المومة والطفولة‪ ،‬احتلته فيما بعد مؤسسة التأمين الصحي التجارية‬ ‫سوق )على‬ ‫جيرات النيم الخمس‪ ،‬يقع ُ‬ ‫شَ‬ ‫مشردة المهات والطفال‪ ،‬فيعرف الن بميدان التأمين الصحي‪ ،‬تحت ُ‬ ‫ال( يؤمه العتالة‪ ،‬الجنقو‪ ،‬البناءون‪ ،‬النجارون والسماسرة‪ ،‬كانت لندروفرات‪ ،‬باربارات‪ ،‬بكاسي ولواري‬ ‫سوق الميكانيكية والحدادين‪،‬‬ ‫شواك‪ ،‬حيث ُ‬ ‫سوق‪ُ ،‬قرب موقف ال ُ‬ ‫الجلبة تصطف عند الجانب الجنوبي من ال ُ‬ ‫الزيوت والسبيرات‪ .‬‬‫حبك دا زول غريب ‪.‬تناولنا وجبة الفطار فيما يشبه الصمت وخرجنا إلى سوق‬ ‫العمال‪ ،‬حين وصلنا كانت هناك بوادر ثورة على الجلبة في سوق العمال‪ ،‬وبدى لنا أن المر جدير بالمشاهدة‪،‬‬ ‫‪.‬التجار الجلبة في جلليبهم الكبيرة‪ ،‬أوجههم المنعمة‪ ،‬يتوسطون حلقات العمال يساومون‪،‬‬ ‫يفاصلون‪ ،‬يخادعون‪ ،‬يحاورون‪ ،‬يجادلون‪ ،‬يتاجرون ويسترضون‪ ،‬قالت لي جنقوجورايٌة جميلٌة ُبِنّية‬ ‫‪:‬استفسرناها‪ ،‬شرحت لنا ما يحدث‬ .‬‬‫برضو في السجن كان ُمدّلع دلعنُه السجينات والمساجين والعساكر‪ ،‬تحت تحت الناس بيقولوا العساكر كانوا ‪-‬‬ ‫‪.‬وحتى الغاني الحبشية بال ويامين‪ ،‬الدُلوَكة في ِ‬ ‫خاطبني قائ ً‬ ‫ل‬ ‫ت َمَيِتِيُنُه‬ ‫طّلع ْ‬ ‫ح الصافية َ‬ ‫حَبك ُأْمَبار ْ‬ ‫صا ْ‬ ‫‪َ .‬بيستعملوه‬ ‫الجو صحٌو والسماء زرقاء وصافية‪ ،‬كنا نجلس تحت الراكوبة الكبيرة أمام القطية‪ ،‬وهي أجمل المكنة للونسة‬ ‫‪:‬وشرب القهوة‪ ،‬ول أظن أن أول من ابتكر الراكوبة كان يعني بها شيئًا آخر غير الموانسة‪ ،‬سألتني‬ ‫حَبك ‪.‬الحبشية‬ ‫شَغلَنْة ‪-‬‬ ‫جهة‪ ،‬وووب علينا من دي َ‬ ‫جهة والرقيص في ِ‬ ‫‪.

...‬‬ ‫حنجيب ُ‬‫‪..‬نجيب عمال من معسكر اللجئين‬‫ضحك الجنقو قائلين‬ ‫؟؟ لجئين‪...‬‬‫‪.‬ضحك الجنقو عندما سمعوا بذلك قائلين لبعضهم البعض‬ ‫ هه‪ ...‬قال الجنقو لبعضهم البعض‬ ‫طَنَبارة ومدرسين ‪.‬أول مرة يحدث في البلد دي يتفق الجنقو على سعر واحد‪ ،‬كلهم بدون فرز‬‫ن ثّمة أمرًا قد تّم ترتيبه وأن اتفاقًا ما قد َوقع بين العاملين‪ ،‬كانت وجوههم السوداء والُبنية‪،‬‬ ‫كان واضحًا أ ّ‬ ‫الغبشاء والتي يبدو عليها ما تبقى من ليلة المس واضحًا جليًا‪ ،‬تلك الوجوه المرحة المتسامحة غير المبالية‪،‬‬ ‫‪:‬تبدو اليوم أكثر جدية وخطورة‪ ،‬تنطق جملة واحدة فقط‬ ‫حلة السمسم بتسعة جنيه ‪..‬‬ .‬وما في لجيء فاضي لقطع السمسم‬ ‫اقترح الجنقو لنفسهم بصوت مسموع‬ ‫‪.‫ ‪..‬‬ ‫ِ‬‫يقول التجار بسعر ثمانية‪ ،‬ويشتكون بأن الثمانية التي يعطونها الن مقابل أن يقطع الجنقوجوراي حلة واحدة‬ ‫طاق‪ ،‬فكيف التسعة؟‬ ‫من السمسم ل ت ُ‬ ‫يعلم الجنقو‪ ،‬ويعلم الجلبة أن السمسم هو صاحب الكلمة الخيرة‪ ،‬وما هذه المساومات و الحجج التي تدور الن‬ ‫ل‪ ،‬عندما ارتفعت الشمس في قبة السماء‪ ،‬هبت ريح شمالية حارقة‪ ،‬أرقصت‬ ‫سوى مضيعة لوقت الجلبي‪ ،‬وفع ً‬ ‫سمعت أغنيات السمسم موقعة على دلوكة ود أمونة في محاولته البائسة في ترقيص العروس الشتراء‪،‬‬ ‫المكان‪ُ ،‬‬ ‫فتفتقت السنابل السمينة ممزقة ثيابًا يريد لها الجلبي أن تبقى إلى حين أن يصلها المنجل‪ ،‬منجل الجنقوجوراي‬ ‫الحنين‪ ،‬الشمس الن في برج السمسم بالذات‪ ،‬القمر الذي سوف يطلع عندما تغيب الشمس‪ ،‬بفعل المّد والجزر‪،‬‬ ‫هذان الفعلن الشيطانان‪ ،‬سوف يفتقان فساتين السنابل‪ ،‬فيندلق الذهب منها إلى الرض‪ ،‬يلتقطه نمل نشط ل يكل‬ ‫ول يمل العمل‪ ،‬فيحتفظ به في صوامع أمينة تحت الرض ليام الشدة‪ ،‬تحرسه َبَركة الملكات الرؤومات‪ ،‬الجنقو‬ ‫متأكدون من أنهم سوف يكسبون الرهان‪ ،‬والجلبة أيضًا يعرفون أنهم سوف يخسرون‪ ،‬ولكن بعض الحوار قد‬ ‫يفيد‪ ،‬دخل الوسطاء‪ ،‬سماسرة‪ ،‬وكلء مشاريع‪ ،‬داعرات شهيرات‪ ،‬أصحاب لكوندات‪ ،‬سائقو بوابير‪ ،‬تجار الكلم‪،‬‬ ‫‪:‬واقترح البعض‬ ‫أن يأتوا بعمال من محلية الفشقة المجاورة‪ ،‬عمال مهرة ول يكلفون كثيرًا‪ ،‬و أن يتركوا هؤلء الثائرين‪ ،‬وسوف‬ ‫‪.‬أرح يا شباب نمشو‪) ،‬الُقوُقو( قال داير الحلة‪ ،‬أرح نكمل َ‬ ‫حلة‪ ،‬وعندما قاصد مباني البنك تحت التشييد‪ ،‬تحدث السمسم سرًا لجيوب‬ ‫وعندما تحرك فوج العمال نحو ال ِ‬ ‫الجلبة فقالوا‬ ‫‪-‬رضينا بالتسعة‪ ،‬وإن شاء ما تنفعكم وتبقى ليكم بالساحق والماحق والبل المتلحق ‪..‬أحسن نحن ذاتنا نسيب الشغلة بتاعة السمسم الما نافعة دي‪ ،‬ونشتغل مع شركة التصالت في حفر الكوابل ‪-‬‬ ‫قال جنقوجوراي بصوت عاٍل غليظ‬ ‫أنا لو أشتغل زي ود أمونة‪ ،‬ما بقطع السمسم بثمانية تاني ‪.‬‬ ‫إل لو عايزين َ‬‫ثم هتفت الصافية قائلة‬ ‫سَكرة أمبارح‪ ،‬النسوان في انتظاركم يا أولد ‪-‬‬ ‫‪..‬يندمون‬ ‫‪..‬أنتوا بتحلموا؟؟ اللجئين في المعسكرات بقوا أغنى من المواطنين‪ ،‬يحمدوا ربنا الخلقهم‬ ‫‪.‬الفشقة؟ يخلوا سمسم الفشقة لمنو؟‬‫اقترح الجلبة لنفسهم بصوت مسموع‬ ‫ ‪.‬‬‫قال الجلبة لنفسهم بصوت عاٍل‬ ‫عمال من خشم القربة ‪..

‬حأحكيها ليك بعدين‪ ،‬حتعرف كل شئ‬‫‪:‬قلت له‬ ‫ قالوا فعلت بك ‪.‬فالنساء يتخاطفونهم من الشوارع‬ ‫اعتذرت لنا صاحبة القهوة عن تقديم أي شئ لنا قائلة بوضوح‬ ‫الرزق دخل الحلة‪ ،‬وعندي عرقي خايفاه يبور‪ ،‬أخير ألحق أبيع ُكباية ُكبايتين‪ ،‬ول شنو يا أخواني؟ ربنا أجل ‪-‬‬ ‫سفرهم الليلة‪ ،‬فرصة‪ ،‬وّل شنو يا أخواني؟‬ ‫هززنا رأسينا معًا باليجاب‪ ،‬ونهضنا في وقت واحد من )البنبرين( مظهرين رضاًء تامًا بقرارها‪ ،‬بل عن طريق‬ ‫حركات مقصودة وهمهمات طيبة‪ ،‬أكدنا لها أنها تفعل الشئ الكثر صوابًا‪ ،‬ورُبَنا يكون في عونها‪ ،‬تمنينا لها ذلك‬ ‫ن( في الراكوبة طالبة منا عندما نغادر أن ندخلهما الحجرة ونغلقها‬ ‫بصدق وإخلص‪ ،‬مما جعلها تترك لنا )الَبَنَبري ِ‬ ‫‪.‫قال الشايقي‬ ‫نحن قروشكم دي عندنا زي قروش الحرام‪ ،‬نشربها بالنهار نبولها بالليل ‪..‬‬ ‫َ‬‫قلت لها‬ ‫شكرًا‬‫وقالت وهي تنسحب وعلى رأسها قفة المهمات‬ ‫أنا بيتي جنب بيت الم ‪.‬‬‫قال مندهشًا‬ ‫فعلت بي شنو؟‬‫ل‪ .‬بالطبلة‪ ،‬التي تركتها دون إغلق‬ ‫سِمح يا أخواني‬ ‫؟ َ‬‫رد عليها بحّنية‬ ‫سِمح ‪.‬‬ ‫سِمح يا أختي‪َ .‬سكرة المس‪ ،‬فالقوقو يتجه نحو الحلة‬ ‫سماعين قالوا إن عليه أن يتأدب‪ ،‬مما أعاد‬ ‫في الصباح الباكر غادروا إلى المشاريع‪ ،‬ما عدا مشروع الجلبي ُ‬ ‫العتبار إلي مختار علي‪ ،‬فبكى من الفرح‬ ‫حلة سألته‬ ‫ونحن راجعون إلى داخل ال ِ‬ ‫ شنو حكايتك أمبارح مع الصافية؟‬‫ً‪:‬قال لي وهو ينظر بعيدا‬ ‫‪.‬‬‫ن كثيرة وتخّيل لكلينا أنها ابتسمت‪ ،‬الشئ الذي أكدته لنفسي أنها لم تبتسم‪،‬‬ ‫ونظرت إلى صاحبي نظرة فيها معا ٍ‬ .‬يعني قدر بتاع الدحش ‪-‬‬ ‫قالوا إنو الصافية عندها )موضوع( زي ِبتاع الرجال‪ ،‬وأكبر شوية‪ُ ،‬نص حمار مث ً‬ ‫‪.‬‬‫قبل الجنقو ولكن أل يذهبوا اليوم‪ ،‬بل غدًا‪ ،‬لن الُقوُقو إذا اتجه إلى مكان ما‪ ،‬لبد أن يواصل مشواره سيكملون‬ ‫‪.‬كدا‬ ‫قال وهو يبتلع ريقه في ضيق بّين‬ ‫حأحكي ليك‪ ،‬الموضوع مختلف تمامًا الناس هنا مغرمين بالساطير‪ ،‬هو موضوع غريب‪ ،‬لكن ما عنده علقة ‪-‬‬ ‫‪.‬ببتاع حمار ول بتاع كلب‪ ،‬ول بينة العقل التناسلي‬ ‫جلسنا على قهوة في سوق العيش قرب الصيدلية‪ ،‬كان الجنقو يعبرون أمامنا إلى بطن الحلة جماعات جماعات‪،‬‬ ‫يتحدثون بأصوات عالية وبلكنات كثيرة مختلفة‪ ،‬يثيرون الغبرة من مشيهم السريع حيث يسحبون أرجلهم سحبًا‬ ‫على الرض‪ ،‬يضحكون وهم يحاكون الجلبة‪ ،‬أخذ أصحاب المطاعم يغلقون أماكنهم ونساء الشاي والطعام‬ ‫ح( وأن الجنقو ل يقنعهم الن سوى مجلس الشراب‪،‬‬ ‫ح َوَرّب ْ‬ ‫سّب ْ‬ ‫يفعلن الشئ نفسه لنهن يعرفن أن السوق قد ) َ‬ ‫على النساء أن يلحقن بهم في الحلة لكي يبعن لهم العرقي أو يهيئن لهم المفارش فهذه اليام هي أيام الحصاد‬ ‫والمحصول هوالجنقوجوراي‪َ ،‬دّينه مضمون ونقده أكثر ضمانًا‪ ،‬بس كيف يدخل البيت‬ ‫‪.

‬القل من جهتي‬ ‫_________________‬ .‬قلت له‪ :‬في البيت‬ ‫فنظر إلى صاحبي نظرة فاحصة وقال‪:‬‬ ‫جداد في البلد دي مش كدا؟‬ ‫ إنتو ُ‬‫‪.‬لم أجد سببًا وجيهًا يمنعه من أن يخبرني بالحقيقة فبيني وبينه دائمًا الصراحة والوضوح‪ .‫شُنو الُزولة‬ ‫ت وهي تترنم بأغنية بنات هابطة‪ ،‬قال لي‪ :‬تقصد ُ‬ ‫رأيت وقع ذلك حزنًا طفيفًا على وجه صاحبي‪ ،‬ذهب ْ‬ ‫دي؟‬ ‫قلت له دون مبالة‬ ‫تقصد موضوعك المبارح مع الصافية ‪.‬الحواجز والصمت‬ ‫مّر أمامنا نفر من ضباط الجيش‪ ،‬يتبخترون في مشيهم كالطواويس‪ ،‬سألنا موظفون من شركة التصالت ما إذا‬ ‫كانت )بخيتة( موجودة‪ ،‬قلنا لهم إنها في المنزل‪ .‬قلت له‪ :‬نعم‬ ‫سر صاحبي هذه البتسامة بأنها‬ ‫ابتسم ابتسامة عريضة‪ ،‬أظهرت أسنانًا متفرقة ُبنية بفعل التسوس والصعوط‪ ،‬ف ّ‬ ‫سخرية أو الشماتة‪ ،‬وحكى لي ما أسماه كل شئ حدث بينه وبين الصافية‪ ،‬حتى يغلق هذا الباب على‬ ‫نوع من ال ُ‬ ‫‪.‬وليست‬ ‫‪.‬طلمبة الوقود بشارع همدائييت‬ ‫‪:‬سألنا رجل وهو يدخل نصفه في الراكوبة‬ ‫ بخيتة مشت وين؟‬‫‪.‬قلت له‪ :‬نعم‬ ‫نازلين في بيت الم؟‬ ‫‪.‬صوته يغني بـالدلوكة‪ :‬الُلولّية َي ْ‬ ‫ل‪ ،‬وهي صفة يتسم بها أيضًا خاصة إذا كان يفكر في‬ ‫وتقريبًا ناس الحلة كلهم كانوا يسمعونه‪ ،‬صمت صمتًا طوي ً‬ ‫أمر شائك‪ .‬‬‫قال‬ ‫ لبد من أن ود أمونة هو النشر الدعاية دي؟‬‫سألته‬ ‫ت شنو بالضبط؟‪-‬‬ ‫عَمل َ‬ ‫إنت َ‬ ‫ص الَعروس في ذلك الوقت‪ ،‬بعد ما قام يتوصيلي الي بيت مختار علي‪ ،‬سمعت‬ ‫و أكدت له أن ود أمونة كان ُيَرّق ْ‬ ‫شيْة‬ ‫حَب ِ‬ ‫حُروك يا ُلوَلة ال َ‬ ‫سَ‬ ‫‪.‬فذهبوا نحو الميس‪ ،‬كان صديقي يعرف بعضهم ومن بين هذا‬ ‫البعض مدير الشركة‪ ،‬مّر بنا عمال يلبسون أفرولت زرقاء وسوداء وبيضاء عليها بقع من الزيت‪ ،‬تشهد الحلة‬ ‫هذه اليام نهضة تنموية ينظر إليها الجميع بعين التفاؤل والتقدير‪ ،‬ويهتم الهالي ويشجعون مظاهرها الخارجية‬ ‫وتنظم البنات الغنيات عن المعلمين وضباط المحلية والشرطيين ومهندسي شركة التصالت‪ ،‬وحتى عمال‬ ‫‪.

‬الجنقو ‪..‬مسامير الرض ‪).‬كان الجد عبد‬ ‫فالسجن ليس مسئوًل عن طعام الناس‪ ،‬يكفي أنه يوفر لهم َ‬ ..‬بركه ساكن ‪Re:‬‬ ‫ضيْه َبِعيْد(‬ ‫عَو ّ‬ ‫سَبَعْه ُيوْم َ‬ ‫)َ‬ ‫ف‪ ،‬أبوالقدح والقرود والثعالب‪ ،‬وفي كل مكان‬ ‫حُلٌو ْ‬ ‫حلة‪ ،‬ليس بها في الماضي سوى المرافعين‪ ،‬ال َ‬ ‫البلد‪ ،‬ويقصد ال ِ‬ ‫حلة‬ ‫تلقى الجنون‪ ،‬في الكرب وطرف البحر وحتى في باطن ال ِ‬ ‫حلة كانت عبارة عن بيت واحد كبير جدًا مزروب بالشوك‪ ،‬بيت طوله حوالى ألف متر‬ ‫ساكنة مع الناس‪ ..‬بالسمسم والدخن‪ ،‬وقد يتزوجون وينجبون الطفال‬ ‫منزل واحد كان مركز الدنيا‪ ،‬وامرأة واحدة كانت سمعتها تمل الشرق كله‪ ،‬وقد نقل سيرتها الحجاج إلى بيت ال‬ ‫الحرام بمكة‪ ،‬ولّما رجعوا لهلهم‪ ،‬حكوا لهم عنها كذلك‪ ،‬في الحقيقة‪ ،‬ما كانت الصافية الجدة هي مؤسسة هذا‬ ‫حمرة‪ ،‬في‬ ‫سللة جد جاء هاربًا من سجن في ال ُ‬ ‫ن في هذا المكان‪ُ ،‬‬ ‫شَ‬ ‫ع ْ‬ ‫النزل‪ ،‬ولكنها الشهر بين صافيات كثيرات ِ‬ ‫ب وهي نجمة ل تظهر إل في السنوات التي سوف تشهد أحداثًا عظيمة‪ ،‬كما‬ ‫ضَن ْ‬ ‫جمة أم َ‬ ‫سنة موسومة بسنة الَن َ‬ ‫تعلمون‪ ،‬كان نجمًا كبيرًا تبختر في السماء بذيله الطويل لسبوع كامل‪ ،‬جدها ُأِتِهَم في أثيوبيا بسرقة بيت‬ ‫)الِقشي( نفسه‪ ،‬وسيقتلونه بالتأكيد‪ ،‬ضربًا أو جوعًا‪ ،‬المسجونون في ذلك الزمن الغابر‪ ،‬يخرجون في‬ ‫طّوفون بالحياء والسواق والمطاعم‪ ،‬يأكلون البقايا ويسألون‬ ‫مجموعات‪ُ ،‬يْربطون على حبل واحد من التيل‪ُ ،‬ي َ‬ ‫الناس الطعام والمال‪ ،‬التباكو والصعوط‪ ،‬وهي الوسيلة الوحيدة للحفاظ على الحياة وتجنب الموت جوعًا‪،‬‬ ‫سقفًا يقيهم المطر وحر الشمس‪ ..‬ال ِ‬ ‫وعرضه أكثر من ذلك بكثير‪ ،‬ومحروس بالكلب وهو بيت الصافية الحبوبة‪ ،‬في الداخل كان مقسم لبيوت كثيرة‪،‬‬ ‫كلها قطاطي من القش والقصب ورواكيب كبيرة من حطب الكتر والدهاسير‪ ،‬وفي المنتصف توجد مطامير الذرة‬ ‫حلة‪ ،‬يجدون لنفسهم براحات يبنون فيها قطاطيهم داخل هذا‬ ‫جدد القادمين إلى ال ِ‬ ‫والدخن وخمارات الَكَوْل‪ ،‬كل ال ُ‬ ‫ضافون‬ ‫الحوش الكبير‪ ،‬أما العابرون إلى جهات أثيوبيا وإريتريا‪ ،‬أو الصعيد‪ ،‬الذين أتى بهم الطريق‪ ،‬فإنهم ُيست َ‬ ‫جدة الصافية‪ ،‬حيث توجد زاوية الصلة وسبيل للمياه والمستراح؛ وهو عبارة عن حفرة معروشة‬ ‫في ديوان ال َ‬ ‫بالحطب القوي والقش تستخدم كمرحاض‪ .‬وقد عبر بهذا الديوان حجاج جاءوا من تشاد‪ ،‬نيجيريا‪ ،‬النيجر‬ ‫والكميرون‪ ،‬وحتى مغاربة بيض الوجوه لهم ذقون ولحى طويلة شقراء‪ ،‬استراحوا هنا‪ ،‬وهم يمضون نحو باب‬ ‫المندب إلى اليمن ثم إلى مكة‪ ،‬كان بعضهم يقيم لكثر من عام‪ ،‬فيتخذ لنفسه أرضًا‪ ،‬يقوم بفلحتها وزرعها‬ ‫‪.‫‪ )..

‬القلب للقلب مباشرة وتهبط ملئكة الحكايات الرائعة في المجالس فتحلو‬ ‫جوز‪ ،‬وهو أشهر‬ ‫ج‪ ،‬على َبْنَبٍر آخر‪ ،‬قربه الَع ُ‬ ‫سي من مذبحة الَعنَ ْ‬ ‫وجدناه يجلس على َبْنَبٍر كبير‪ ،‬كشيخ أسطوري ُن ِ‬ ‫حلة والحلل المجاورة أيضًا‪ ،‬بالحرى‪ ،‬لم ير الساكنون مغنيًا يستخدم ُأم ِْكيِك ْ‬ ‫ي‬ ‫ي‪ ،‬في ال ِ‬ ‫ن يستخدم ُأم ِْكيِك ْ‬ ‫مغ ِ‬ ‫ل ممتعًا من الغنيات‪ ،‬حيث إنهما الن يتحدثان عن‬ ‫سَمٍع‪ ،‬يبدو أنهما أنهيا فاص ً‬ ‫غيره‪ ،‬ولم يسمعوا به مجرد َ‬ ‫‪:‬مناسبة أغنية‬ ‫سبَعْه يوم‬ ‫َ‬ ‫ضّيْه َبَعيْد‬ ‫عَو ِ‬ ‫َ‬ ‫أبو الّلقَني‬ ‫‪ُ.‬خشم خشمين‬ ‫قبلنا الدعوة الكريمة شاكرين‪ ،‬فالدنيا صباح والمريسة أطيب ما ُيستفتح‪ ،‬به وونسة الصباح هي مصيدة حكايات‬ ‫الليلة السابقة‪ ،‬سميتها وصديقي‪:‬جريدة الصباح‪ ،‬فالمريسة تطلق الخيال‪ ،‬الذي بدوره يطلق اللسان‪ ،‬فينفتح‬ ‫‪.‫سوق همدائييت‪ ،‬وهو سوق يؤمه لفيف من السودانيين للبيع‬ ‫حمرة‪ُ ،‬قرب ُ‬ ‫ق مع بعض أصدقائه في مطعم بال ُ‬ ‫الَراِز ْ‬ ‫والشراء‪ ،‬ولنهم يأتون عن طريق همدائييت عابرين نهر سيتيت فسمي بهذا السم‪ ،‬كانوا يتناولون الِزْقِني‬ ‫بـالنجيرا‪ ،‬والشطة الدليخ وهي وجبتهم المفضلة في أثيوبيا‪ ،‬عندما رأى توأمه عبد الرّزاق مربوطًا من قدميه‬ ‫في حبل من التيل مع عشرين من المساجين‪ ،‬كانت )حالته بالبل( ووجهه أصبح عظامًا من الجوع‪ ،‬تفوح منه‬ ‫رائحة كريهة‪ ،‬احتضنا بعضهما البعض إلى أن فّرق بينهما السجان والمسجونون المتعجلون حيث إن زمن‬ ‫البحث عن الطعام ل يمكن تضييعه في علقات اجتماعية ل فائدة ُترجى منها‪ ،‬وتكلما بلغة تخص قبيلتهما‪ ،‬ثم‬ ‫‪.‬أعطى توأمه طعامًا وماًل ووعدًا صادقًا‬ ‫يعرف عبد الرازق عن توأمه أنه خجول وعديم الحيلة‪ ،‬ول يمكن أن يسرق شيئًا مهما صُغر وُأْهِمل‪ ،‬ويعرف‬ ‫ل مسؤوًل أو وجيهًا‬ ‫غربة‪ ،‬وهو ل يعرف رج ً‬ ‫أيضًا أن عبد الرّزاق قد يموت بالسجن إذا لم ينجده‪ ،‬الحبشة بلد ُ‬ ‫أثيوبيًا يستعين به‪ ،‬وحتى صاحبة البار التي كان دائمًا ما يختلف إليها قالت له عندما حدثها عن محنة أخيه‬ ‫‪:‬وتوأمه‬ ‫ل‪ ،‬القشي حيقتلني ‪.‬رَوَداي بقنيص‬ ‫فالتقطنا بقية كلم نطق به العجوز‬ ‫ش هم أصحابها الحقيقيين‪ ،‬أنا جبتها من قيسان‪ ،‬وسمعتهم يغنوها في قنيص والكرمك‪ ،‬وحتى حي ‪-‬‬ ‫ناس الَكَل ْ‬ ‫‪.‬الزهور وفي ياُبوس‪ ،‬وكل حفلت الروصيرص‪ ،‬لكن أنا أول زول يغنيها بُأم ِْكيِك ْ‬ ‫ي‬ ‫ل في انشراح‬ ‫التفت إلى صديقي قائ ً‬ ‫وين إنت يا أبو الشباب؟ ‪-‬‬ .‬‬‫وهو ليس لديه مال للرشوة‪ ،‬أمامه بديل واحد فقط‪ ،‬ومضى نحوه دون تردد‪ ،‬عليه أن ينقذ توأمه‪ ،‬مهما كلف‬ ‫ذلك‪ .‬‬ ‫ل في شمس الصباح؛ لن‬ ‫كنا نسير ببطء عبر الزقة‪ ،‬ل نهدف لمكان بعينه‪ ،‬هي فكرة مختار علي‪ ،‬أن نتمشى قلي ً‬ ‫بها فيتامينات مهمة‪ ،‬وأكد لي أنه حتى الثعابين تطلع من جحورها لتأخذ منها قوة النظر‪ ،‬صحته بدت في تحسن‬ ‫ل ويضحك لتفه السباب‪ ،‬يتحدث بصوت عاٍل وهو ما ليس من طبيعته في شئ‪ ،‬وجدنا‬ ‫ملحوظ اليوم‪ ،‬كان متفائ ً‬ ‫‪:‬نفسينا ندخل زقاق بيت أداليا دانيال‪ ،‬التي فاجأتنا من أعلى صريف بيتها‬ ‫جوه‪ ،‬صاحبكم ذاتو قاعد هنا في بيتي‪ ،‬تعالوا أشربوا ليكم مريسة وونسوا ‪-‬‬ ‫يا مختار علي‪ ،‬إنت وصاحبك تعالوا ُ‬ ‫‪.‬كان مختار علي يحكي لنا الحكاية كأنما حضر كل حادثة منها أو أنه أحد أبطالها‪ ،‬على الرغم من أنه يؤرخ‬ ‫لذلك بين حين وآخر قائ ً‬ ‫ل‬ ‫دا حصل من أكثر من مية وخمسين سنة ‪.

‫ك هو في هستريا‪ ،‬قال لي‬ ‫ك مختار علي وضح َ‬ ‫ت أداليا دانيال‪ ،‬ضح َ‬ ‫ك‪ ،‬ضحك ْ‬ ‫ضح َ‬ ‫إنت الوحيد البتضحك عن معرفة ‪.‬قيسان البعيدة‪ ،‬عندي ُفوُقو الحبيبة‬ ‫ولن كل أغانيه جماعية‪ ،‬يستحيل أداؤها بدون كورس‪ ،‬أخذنا نردد خلفه المقاطع الولى من الغنية‪ ،‬وليست تلك‬ ‫مهمة صعبة‪ ،‬حيث إن كل الغاني معروفة لدى الجميع‪ ،‬أنا وصديقي غريبين‪ ،‬ولكن ترديد جملتين لحنيتين‬ ‫بالسلم الخماسي‪ ،‬بهما كلمتان من اللغة العربية وخمس كلمات من النقسنا ليس بالمر العسير‪ ،‬ولو أننا قد‬ ‫)نشُتر(نشذ عن اللحن و اليقاع أحيانًا‪ ،‬ولكننا نغني خلفة بإصرار وحماس؛ مدتنا به عسلية ومريسة أداليا‬ ‫غرباء هنا في الحلة؛ بمحرد أن تنزلك بربارا أو يلقي بك‬ ‫جْد ُ‬ ‫دانيال بجمالها ومذاقها الحلو‪ ،‬في الحقيقة ل ُيو َ‬ ‫سوق‪ ،‬تصبح أحد أفراد‬ ‫حلة‪ ،‬أو بمكان ما في ال ُ‬ ‫ص كئيب أو تهبط من ظهر لندروفر أو يرمي بك لوري في ال ِ‬ ‫ب ٌ‬ ‫حلة المؤسسين‪ ،‬وتعرف كل شئ عن كل شئ بحمد ال‪ ،‬في ذات اللحظة وذات مكان الوصول‬ ‫‪..‬ال ِ‬ ‫ت أداليا دانيال بصدرها المملوء باللبن بصورة رائعة‪ ،‬خلدت في ذهني إلى البد‪ ،‬تبرع جنقوجوراي شاب‬ ‫َرقص ْ‬ ‫ش السريع الصعب‪ ،‬بواسطة وعاء بلستيكي ُيستخدم لتقديم المريسة‪،‬‬ ‫من قبائل المابان بالنقسنا بأداء إيقاع الَكَل ْ‬ ‫عندما انتهت الغنية‪ ،‬صفقنا جميعًا لنفسنا‪ ،‬حيث كانت الغنية من أداء الجميع‪ ،‬رقصت أداليا دانيال عنا‬ ‫بصدرها الناهد الوافر‪ ،‬مما جعلنا نطلب باقي المريسة )البايرة( عندها‪ .‬‬‫قدمت لنا أداليا الكؤوس الولى بيديها الناعمتين السوداوين‪ ،‬تبدو الحناء على أظافرها رقيقة ساحرة‪ ،‬شهية‬ ‫وأكثر سوادا‪ ،‬بمنزلها أيضًا قليل من الجنقو‪ ،‬حيث سافر الجميع في الصباح الباكر لقطع السمسم‪ ،‬كان مختار‬ ‫‪.‬‬‫قالت أداليا وهي تهّز صدرها الناهد فيما يشبه الرقص‬ ‫يوم ليك و يومين عليك‪ .‬قيسان البعيدة‪ ،‬عندي ُفوُقو الحبيبة‬ ‫‪.‬علي بين حين وآخر يذكر الناس بانتصاره على إسماعيل الجلبي‬ ‫سماعين ود الِكِدك‪ ،‬ما لقى جنقوجوراي واحد يمشي معاُه ‪.‬لي عن أسرة الصافية كما طلبت منه‬ ‫حمرة وعلى رأسه‬ ‫الجدة ووالدها عبد الرازق‪ ،‬حدثني أن الجد جاء إلى هنا بعد هروبه العجيب من سجن ال ُ‬ ‫شخص في تاريخ الحبشة يهرب بـالِفرو‪ ،‬وربما في إيطاليا ذاتها‪ ،‬لن اليطاليين هم الذين‬ ‫)الِفرو(‪ ،‬وهو أول َ‬ ‫شة‪ ،‬وكان ُيستخدم لتأديب الثوار واللصوص‬ ‫حَب َ‬ ‫‪.‬جاءوا بالِفرو إلى ال َ‬ ‫ف‪ُ ،‬مذكرة إيانا بأن اليوم هو عيد القديس‬ ‫صِري ْ‬ ‫شربنا قهوة أعدتها لنا إحدى الجارات وناولتها لنا من على ال َ‬ .‬قالت وهي تشير بإصبع عليه خاتٌم كبيٌر من الذهب إلى الشطة‬ ‫فيها‪ ،‬الشطة فيها أبنغازي ‪.‬قيسان البعيدة‬ ‫‪.‬كلنا عارفين يا أخوي‪ ،‬الدنيا أصلها كدا ‪،‬‬‫ت بالشطة الخضراء والفول الدكوة‪ ،‬قالت‬ ‫أحضرت أداليا دانيال العسلية والمريسة‪ ،‬أحضرت الم ِفْتِف ْ‬ ‫عندي ُموليتة ‪..‬‬‫قال العجوز‬ ‫أنا أحب الُموليتة ‪.‬‬‫سألتها‬ ‫عندك أُبْنَغاَزي؟‪-‬‬ ‫‪.‬‬ ‫ُ‬‫‪:‬ودون رد أو تعليق من الحاضرين‪ ،‬أخذ العجور يغني بصوته الشجي‬ ‫‪.‬لن الجنقو الفدادة ذهبوا‪ ،‬وأعطيناها ثمن‬ ‫شر لها صديقي في فراغ ما بين النهدين )في ما‬ ‫ح َ‬ ‫حّر إرادتنا ووعينا‪ ،‬و َ‬ ‫جردلين من المريسة لم نشربهما‪ِ ،‬ب ُ‬ ‫س(‪ ،‬ورقة نقدية كبيرُة‪ ،‬همس لي مختار علي في أذني ونحن ننصرف‬ ‫سَمى بوادي الَكداي ْ‬ ‫ُي ْ‬ ‫ لو ما عملت ِكدا كان تبيع مريستها الحامضة دي لمنو؟! وعسليتها البايرة؟‬‫وضعنا سريرينا ُقرب ُقرب في المساء‪ ،‬كان الضوء الباهت يأتينا من داخل الُقطية في شكل عمود خضم‪ ،‬حكى‬ ‫‪.

‬يوَهِنس‬ ‫قالت لي الجارة‬ ‫ألم ِقشي تسّلم عليك ‪.‬أتينا الِفْعَل في ليلة واحدة ما ل يقل عن عشر مرات‪ ،‬أو قل الليل كله‬ ‫وعند الفجر وقبل وبعد الفطار‪ ،‬أعطيتها أجرها بكرم سخي‪ ،‬ثم لم نفعل مرة أخرى ولو أننا تقابلنا وشربنا‬ ‫ب والزواج وغيره وغيره‪ ،‬لم أعرف عنها شيئًا‪ ،‬ولم أفكر فيهما أبدًا‪ ،‬وإذا‬ ‫ح ْ‬ ‫القهوة معًا وتلمسنا‪ ،‬أما مسألة ال ُ‬ ‫ت الَقول‪ ،‬أنا لم أحب في حياتي مطلقًا‪ ،‬وغالبًا ما يصفني أصدقائي بأنني‪ :‬بارد‬ ‫صَدق ُ‬ ‫‪َ .‬فيما قبل بـضربة الدم‪ ،‬وهو التصنيف المحلي لمرضه المجهول‬ ‫ب عجوز دون‬ ‫عَنَقري ٍ‬ ‫عندما فرغنا من الستحمام‪ ،‬وجدناها في انتظارنا خارج الُقطية‪ ،‬في الراكوبة مضجعًة على َ‬ .‬ال َ‬‫ت للجارة الطيبة‬ ‫قل ُ‬ ‫قولي للم ِقشي َمبروك عيد القديس ُيوَهِنس‪ ،‬وأنا حأجيها بعد شوية عندكم ‪.‬أصدر ْ‬ ‫ب‪،‬‬ ‫عَلى الستحمام‪ ،‬وذلك لول مرة تقريبًا يستحم‪ ،‬منذ أكثر من أسبوعين‪ ،‬أي ُمنذ أن ُأصي َ‬ ‫ت مختار عِلي َ‬ ‫ساعد ُ‬ ‫حيث ُنصح بعدم القتراب من الماء‪ ،‬حتى لمجرد الوضوء للصلة‪ ،‬عليه بالتيمم‪َ ،‬نصحُه أفراد كثيرون أصيبوا‬ ‫‪.‬‬‫ت الجارُة صوتًا بباطن لسانها‪،‬وشفطت كمية من الهواء بنخريها فيما يعني في هذه النحاء‪ :‬حسنًا‬ ‫‪.‬‬ ‫ط بهما‬ ‫حبشية حيث ُيحي ُ‬ ‫حمراء‪ ،‬عيناها كبيرتان بالطريقة ال َ‬ ‫ألم ِقشي سيدة طويلة‪ ،‬لها بشرة ذهبية ناعمة‪ ،‬بل قل َ‬ ‫ت المطيرة‪ ،‬فوق ذلك‬ ‫سحرًا خاصًا بساكني المناطق الجبلية والهضاب العالية ذات الُمَناخا ِ‬ ‫ظل ثقيل يضيف إليهما ِ‬ ‫لم تكن بالسيدة الفاتنة فتنة ظاهرة صارخة‪،‬على الرغم من أن لها جسٌد شهواني‪ ،‬وإل لصبحت عاملة بار‬ ‫حمرة أو ُقْنَدْر أو حتى أديس أبابا ذاتها‪ ،‬ولكن ما يبدو من فتنتها أبعدها‪ ،‬كما تقول دائمًا‪ ،‬عن‬ ‫ناجحة في ال ُ‬ ‫علَم‬ ‫شِيَع و ُ‬ ‫ل و مهارًة هنالك‪ ،‬وقادها إلى الراضي السودانية الجديدة‪ ،‬حيث ِ‬ ‫ت المحترفات شك ً‬ ‫سَتا ْ‬ ‫منافسة الَباِر ْ‬ ‫حبهم للحبشيات وتفضيلهن على نسائهم الوطنيات وسبب ذلك‪ ،‬كما تؤكد ألم ِقشي‬ ‫سودانيين ُ‬ ‫‪:‬عن ال ُ‬ ‫حِنّيْة سببه الطهارة برضو‬ ‫حنّية‪ .‬‬‫سألتها بسرعة‬ ‫وين ألم ِقشي؟ ‪-‬‬ ‫قالت وبصوتها احتفالية جذلة‬ ‫هي قاعدة معانا هنا‪ ،‬عايز تشوفها؟‪-‬‬ ‫وجودنا في بيت مختار علي‪ ،‬حرمنا من حضور الحتفال العظيم الذي أقامته أّدي في منزلها احتفاًء بعيد القديس‬ ‫ُيوَهِنس‪ ،‬وحرمنا من وجبة الديوك الحمر والم َباَبا‪ ،‬ولو أنه لم يكن هناك رقص وغناء نسبة لنشغال ود أمونة‬ ‫حكي لنا لحقًا كان‬ ‫بتعليم العروس الشتراء‪ ،‬إل أن اليوم كما ُ‬ ‫خطير ‪.‬‬‫على حسب تعبير ألم ِقشي‪ ،‬وأشير هنا إلى أن ألم ِقشي هو السم الذي يلحقني في هذه اليام‪ ،‬وأنا وهي متهمان‬ ‫بأننا ننوي القيام بخطوة ما كانوا يتوقعونها‪ ،‬يقولون إننا سوف نتزوج في عيد الضحى القادم‪ ،‬وأقل القوال‬ ‫حبي لها‪ ،‬مثلها مثل الجميع إل أنا‪ ،‬ل أعرف‬ ‫حبًا شديدًا‪ ،‬وهي أيضًا متأكدة من ُ‬ ‫حبها ُ‬ ‫تفاؤًل بعلقتنا هي أنني أ ُ‬ ‫ب‪ ،‬كل ما أعرفه أن ألم ِقشي أول من أنهت عذريتي بصورة واضحة وطبيعية وأنها ؛ لحد ما‬ ‫ح ْ‬ ‫شيئًا عن هذا ال ُ‬ ‫خوف الذي بيني وبين المرأة؛ والحق ُيقال أيضًا‪ ،‬كنت دائمًا ما أتخيل نفسي بأنني سوف أفشل‬ ‫كسرت حاجز ال ُ‬ ‫ن يخفنني‪ ،‬كما أنني كنت ُمْقَتِنَعًا بفكرة غريبة مفادها‪:‬‬ ‫ح لي الفرصة كاملة في ذلك‪ ،‬لذا ك ّ‬ ‫مع النساء حالما ُتَتا ُ‬ ‫عّنينًا بقية حياتي‪ ،‬أي سوف أفشل مع جميع النساء‪ .‬وعدم ال ِ‬ ‫عَدْم ال ِ‬ ‫طَهارَة و َ‬ ‫‪.‬ولم تنفع‬ ‫أنني إذا فشلت مع المرأة الولى‪ ،‬سوف أصبح ُ‬ ‫حانة التي‬ ‫ل ذكري صاحبة الط ّ‬ ‫الشهادات الهشة التي كنت أستعين بها للدفاع عن رجولتي من حين لخر‪ ،‬مث ً‬ ‫شٌة وِمعزة أتيتهما وأصحابي المراهقين‪ ،‬ذكري كلبٍة‬ ‫ح َ‬ ‫اغتصبتني وأنا طفل‪ ،‬وذكري أخت زميلي‪ ،‬ذكري َد َ‬ ‫سعف حول عنقها و اغتصبناها‪ ،‬وأستاذة الجامعة وغيرها من الممارسات غير السوية‬ ‫طبقًا من ال َ‬ ‫ألبسناها َ‬ ‫حرفية عالية‪ ،‬بذكاء بالغ‪ ،‬في متعة مدهشة‪ ،‬وجدت نفسي‬ ‫المقرفة‪ ،‬ألم ِقشي هي التي أعادت لي ثقتي بنفسي ِب َ‬ ‫أتعامل مع امرأة كاملة طبيعية وإنسانة‪ .‫ُيوَهِنس‪ ،‬باركنا لها العيد وأعتذرنا على الُمباركة المتأخرة لننا ما كنا نعلم بأن اليوم هو يوم عيد القديس‬ ‫‪ُ.

‬عملي مع أّدي عمل شريف‬‫قلت لها‬ ‫على القل أنا شايفه غير شريف ‪.‬‬‫ل من الشيشة فتصدر صوتًا بائسًا‬ ‫قالت وهي تأخذ نفسًا طوي ً‬‫ُكوّيس ‪.‬‬‫قال وفي فمه ابتسامة تعبة‬ ‫الحكاية القصيتها ليك قطعتها من رأسي‪ ،‬إنت حاصرتني وأنا حاولت أفوتك‪ ،‬تعال يا مختار علي كون شاهدا‪-‬‬ ‫على ما أقول‪ ،‬هي حكاية على كل حال ظريفة‪ ،‬ول رأيكم شنو؟‬ ‫‪.‬فبادرت هي بالزيارة‪ ،‬ولكنها أكدت أيضا‪ ،‬أنها سوف ل تكرر هذه المحاولة‪ُ :‬كلنا ِ‬ ‫ي بأمر ملبسه و نظافته الشخصية‬ ‫عل ْ‬ ‫خَتار َ‬ ‫‪.‫ساقيها بصورة استعراضية إيروسية في غاية الغواء‪.‬‬ ‫ح َبُيْو( ثم أضافت‬ ‫سِر ْ‬ ‫ح َ‬ ‫سِر ْ‬ ‫جِرنة ) َ‬ ‫‪:‬وأكدتها باللغة الِت ْ‬ ‫شُنو؟‪-‬‬ ‫الَعيب فيُه ُ‬ ‫ت فيما بعد‪ ،‬بعد سنوات كثيرة‪ ،‬وذلك بعد أن قرأت كتاب َنْقُد الِفكِر الَيَوِمي لمهدي عامل‪ ،‬أن العيب الذي فيه‬ ‫عرف ُ‬ ‫تربيتي أنا‪ ،‬القيم الخاصة بي كآخر أقيم في ظرف مختلف ونوع مختلف وثقافة مختلفة‪ ،‬تراني اعترف بأنها‬ ‫جنسي معها‪ ،‬ولكنني رغم‬ ‫فتحت لي آفاقًا إنسانية فيما يخص علقتي بالمرأة‪ ،‬وتراني استمتعت تمامًا بالفعل ال ِ‬ ‫ع آخر‬ ‫ذلك أنظر إلى المر كله بميزان الخطأ والصواب‪ ،‬وهذا فضح لرجل انتهازي يسكن في خبايا شخص مد ٍ‬ ‫سلوك الشخصي‪ ،‬المسألة‬ ‫وُهَما َأنا‪ ،‬هذه شزوفرينيا أعاني منها كثيرًا‪ ،‬ول أظن أن المر له علقة بالدين أو ال ُ‬ ‫معرفة فحسب طالما ُكنا‪ ،‬أنا وهي ُندرك أن الخير والشر و كل الديانات والُكْفر أيضًا من ذات المصدر‪ ،‬وأن العمل‬ ‫مقدس‪ .‬تشاغل ُم ْ‬ ‫حبتني‪ ،‬ولكن في ظاهر المر أنا الذي أغير عليها‪ ،‬لنني طلبت منها أن تترك العمل‬ ‫سأعترف ُهنا‪ ،‬أن ألم ِقشي أ َ‬ ‫س شركة التصالت الجديدة‪ ،‬قلت ُمعلقًا ومحببًا الفكرة‬ ‫‪:‬مع أّدي كفتاة َمبيت‪ ،‬وتعمل طباخة في َمي ِ‬ ‫عمل شريف ‪.‬‬‫ت شغالة في مشروع الزبيدي‪ ،‬تعرف مشروع الزبيدي؟‬ ‫!الخريف الفات كن ُ‬ .‬‬‫قلت له متعجبًا‬ ‫إنت ُمش حكيته لي أمبارح ‪.‬أشرنا برأسينا في وقت واحد إيجابًا وجلسنا على عنقريب وبنبر قربه‬ ‫ظ على إثر نداء الصافيِة له‪ ،‬كان قد نام على الُكرسي الذي تركُته عليه‪ ،‬دخل الُقطية الكبيرة‪ ،‬كانت شبه‬ ‫استيَق َ‬ ‫سنط مفروشين بلحافين لم يتبين تفاصيلهما‪ ،‬الضاءة‪ ،‬لحد ما جيدة‪،‬‬ ‫خالية من الثاث‪ ،‬عدا سريرين من خشب ال ُ‬ ‫ت منه أن يجلس في السرير الخر‪ ،‬جل َ‬ ‫س‬ ‫طلب َ‬ ‫قالت له‬ ‫عايز تعرف حكايتي مع ود ُفور؟‪-‬‬ ‫رد عليها بدبلوماسية ليست من طبيعته‬ ‫لو ما بزعجك الموضوع دا ‪.‬ناداني ومختار علي في هدوء‪ ،‬خاطبني قائ ً‬ ‫ل‬ ‫تعال حأحكي ليك موضوع الصافية ‪.‬قالت طالما أنا رافض أن أزورها‪،‬‬ ‫عري َ‬ ‫لحاف‪ُ ،‬تظهر ُ‬ ‫عزة َنِف ْ‬ ‫س‬ ‫عندَنا ِ‬ ‫‪.‬قالت ِبغنج وهي تحاول أن تخفي عري ساقيها بحركة أخرى أكثر إثارة‬ ‫‪.‬‬‫قالت بإصرار‬ ‫شُغل َيْعِني‪-‬‬ ‫جاْل‪ُ :‬‬ ‫شُغل‪ ،‬العايز يدفع‪ ،‬وأنا بصراحة ما قاعدة استمتع إطلقًا بالُر َ‬ ‫شايَفاُه عكس ِكَدا َتمامًا‪َ ،‬دا ُ‬ ‫أنا َ‬ ‫شُغْل‬ ‫‪ُ.‬‬‫‪.

‬‬‫لييه؟ ‪-‬‬ ‫‪.‬قال محتجًا‬ ‫قالت بصوت عميق مخنوق بعبرة ُمّرة‬ ‫جرى مني أنا‪ ،‬جرى ود فور ‪.‬المجنون‬ .‬أجادت الصافيُة ادعاء تجاهلها‬ ‫‪:‬قال لي‪ ،‬والُدُنيا ليل ولكن القمر أبيض في السما وكل شئ واضح‪ ،‬قال لي ‪-‬‬ ‫سو‪ ،‬أنا ما قادر أنوم شايفة القمرة بيضا كيف؟‬ ‫يا الصافية أرحكي معاي للحفيرة َنَوُن ُ‬ ‫ب َكوبًا من الماء كان على التربيزة جنبه‪ ،‬قفز على تفاصيل كثيرة كثيرة كثيرة‪ ،‬تحدث عما‬ ‫شِر َ‬ ‫تثاءب صديقي‪َ ،‬‬ ‫رآه فقط مهمًا‪ ،‬قال‪ :‬إنها أصّرت على أن تحكي تفاصيل تفاصيل‪ ،‬ما حدث بينها وود فور‪ ،‬ربما يكون هو‬ ‫الشخص الوحيد في الدنيا الذي يفهمها‪ ،‬إنها لم تحكها لي كان من قبل‪ ،‬ما من أحد طلب منها ذلك‪ ،‬اكتفى‬ ‫الجميع بالشاعة‬ ‫‪:‬قالت له بألم‬ ‫ ‪.‬تتذكر أسماءهم‪ ،‬اليوم‪ ،‬الشهر والساعة‬ ‫‪.‬التفاصيل‪ ،‬التفاصيل‪ .‬قلت لنفسي يا ِب ْ‬‫حيله الصغيرة المسكينة‪ ،‬التي‬ ‫ت ِ‬ ‫طعم‪ ،‬أطلق المبادرة تلو المبادرة تلو المبادرة‪ ،‬إلى أن نفد ْ‬ ‫وبلع المسكين ال ُ‬ ‫‪.‬‬‫ل وهي تقول‬ ‫ثم هدأت قلي ً‬ ‫ت في حالة قريبة من الغيبوبة‪ ،‬ولكنه قام جاري‪ ،‬فجأة جرى زي ‪-‬‬ ‫ت عايزاه‪ ،‬وبدأنا كل شئ‪ ،‬في الحقيقة كن ُ‬ ‫كن َ‬ ‫‪.‬أنا وود فور كنا ماسكين مقاولة سوا في مشروع الزبيدي‬‫ت أن ود فور في الونة الخيرة كان يتقرب منها كثيرًا‪ ،‬و دائمًا ما يضع نفسه‬ ‫كانا يعملن في فريق واحد‪ ،‬لحظ ْ‬ ‫ت أنه يتعمد اللتصاق بها ومداعبتها‪ ،‬وبغريزة المرأة‪ ،‬تلك الغريزة التي‬ ‫في مجموعة العمل التي تضمها‪ ،‬ولحظ ْ‬ ‫ت أنه يرغب فيها كامرأة‪ ،‬وعرفت أنها تريد ذلك ولي مدى‪ ،‬إنها سوف ل ترفضه‪ ،‬إذا طلبها‬ ‫ل ُتخيب‪ ،‬عرف ْ‬ ‫للزواج‪ ،‬فهو شاب ونشط ومسئول و الهم أنه كان دائمًا ما يحترمها‪ ،‬فهي ترغب في أن يكون لها أطفاٌل وبيت‬ ‫ورجل‪ ،‬وفوق ذلك كله‪ ،‬لها رغباتها التي يجب أن ُتشَبْع‪ ،‬لذا لم تدفعه عنها ولم تستمله إليها‪ ،‬تركته يقوم بالدور‬ ‫ل‪ ،‬وهي طريقة تجيد النساء تمريرها للرجل الغبي المتعجل العاشق العمى‪ ،‬وهي صفات لحسن الحظ‪،‬‬ ‫كام ً‬ ‫‪.‬أكدنا له‪ ،‬أنا و مختار على أنه ليس مطالبا بأن يختصر‪ ،‬فالليل طويل‬ ‫خْذ راحتك‬ ‫‪.‬أنا تعبت‪ ،‬تعبت من الحكاية دي‪ ،‬عليك ال اسمعها كلها وما تزهج‬‫وغرقت في التفاصيل‪ .‫ل من الجنقو‪ ،‬وتستطيع أن‬ ‫وقبل أن تسمع إجابته واصلت الحكاية‪ ،‬كانت هي المرأة الوحيدة بين عشرين رج ً‬ ‫‪.‬يشترك فيها الرجال كلهم‬ ‫ت خلي المسألة على ال‬ ‫‪.‬و نحن ليس لدينا ما نفعله بما يتبقى منه‪ُ ،‬‬ ‫قال قالت له‬ ‫مشينا الحفير‪ ،‬طلعنا فوق الُدوَلة ‪،‬‬‫عشب الخريف‪ ،‬هي تخاف من الثعابين حصرًا‪ ،‬ول تخاف شيئًا آخر‪،‬‬ ‫كان ذلك المكان هو الوحيد الذي لم ينُم به ُ‬ ‫شرْة ُمجرب‪ ،‬وأراها له مربوطًا بصورة محكمة على ذراعه الُيسرى‪ ،‬سويًا مع‬ ‫ع َ‬ ‫ن َ‬ ‫ضاِم ْ‬ ‫طمأنها بأنه يمتلك َ‬ ‫سكينته‪ ،‬فرشا برشًا صغيرًا أتيا به‪ ،‬قالت لي فجأة‪ ،‬وقد عل شهيقها وزفيرها‬ ‫ِ‬ ‫؟ قام جاري‬‫قال لها مندهشا‬ ‫منو؟‪-‬‬ ‫قالت وهي ُتمسك بيده بشفقة‬ ‫ود فور‪ ،‬قام جاري مني ‪.

‬يصف لنا ما شاهد‪ ،‬بدى ذلك واضحًا من الطريقة التي أخذ يتحدث بها‬ ‫ل يمكن لشخص مثلي أن يتخيل ذلك مجرد تخيل‪ ،‬بل ل يمكن أن يخطر ببال شيطان رجيم‪ ،‬إذا كان للشيطان بال‪،‬‬ ‫‪:‬قالت بصوت حزين‬ ‫مما ولدوني إلى اليوم‪ ،‬ما قطعت شعرة واحدة منه‪ ،‬قالوا حلقتُه تجيب النحس وسوء الحظ‪ ،‬وبرضو ما لقيت ‪-‬‬ ‫شوية‬ ‫شُغل‪ ،‬بعد دا‪ ،‬حأخلي بالي من نفسي ُ‬ ‫وقت‪ ،‬وقتي كلُه لل ُ‬ ‫‪:‬قلت لنفسي‬ ‫الموضوع ما بيستحق‪ ،‬خلينا نخلص ‪.‬اقترح ْ‬ ‫ع لطرحها في ذلك الوقت بالذات‪ ،‬كل ما أرجوه‬ ‫ي بسرعة مجموعة من الجراءات لم يكن هناك دا ٍ‬ ‫ت عل ّ‬ ‫ثم طرح ْ‬ ‫‪.‬قالت إنها اشترته من بائعة )دللية( متجولة قبل عام‪ ،‬وأخذت تدلك أطرافها به‪،‬‬ ‫ق لي إطلقًا‪ ،‬المر ل يحتاج إلى كل هذا المجهود من جانبها لن الفكرة بسيطة‪،‬‬ ‫عطر قوي جدًا‪ ،‬كان تافهًا‪ ،‬لم َير ُ‬ ‫‪:‬كما شرحتها لنفسي‬ ‫سوف أحاول الجسد إلى أن يستجيب وتصل ذروة نشوتها ثم ينتهي كل شئ‪ .‬باختصار كانوا يعاملونها كرجل في ثوب امرأة ل أكثر‬ ‫سَدَها ل ُتطاق‪ ،‬وقالت صراحة في‬ ‫ج َ‬ ‫ت لكتشاف الحقيقة‪ ،‬أو ما أسميته بالحقيقة الولى‪ .‬‬‫كنت مصممًا على أن أجعلها تدخل تجربة جديدة مثيرة في حياتها‪ ،‬تجربة ل ُتنسى‪ ،‬بما يساوي نقطة تحول‪،‬‬ ‫‪:‬قالت‬ ‫قاعدة أنظُفُه وأسرحو بالمشط كل يوم جمعة ‪.‬بعد فوات الوان‬ ‫ت هي أيضًا اقتراحًا آخر‪ .‬‬‫شيئًا َتح ْ‬ ‫ت‬ ‫وقامت لجلي بمسح جسدها بالماء‪ُ ،‬مستخدمة ُملءة قديمة من ُملءات الم أّدي‪ ،‬كانت ل ترتدي َ‬ ‫سرية م ْ‬ ‫ن‬ ‫ي ُفوبيا ِ‬ ‫ق رؤية ملبس المرأة الداخلية متسخة أو ممزقة‪ ،‬ولد ّ‬ ‫طي ُ‬ ‫فستانها‪ ،‬وهذه فضيلة‪ ،‬لنني ل ُأ ِ‬ ‫خمرة( في‬ ‫ذلك‪ ،‬فبمجرد رؤيتي لما ذكرت‪ ،‬أصاب بالعجز الجنسي التام‪ ،‬كانت تحتفظ ِبعطر نسائي بلدي الصنع ) ُ‬ ‫الُقوُقو‪ ،‬لم تستخدمه من قبل‪ .‬قال إنه ليس بالسهل أن‬ ‫‪.‬ل أكثر ول أقل‪.‬يستحق كل هذا التعب‬ ‫ت أن يقتحمنا أحد الزبائن‪ ،‬أو يتلصص علينا ود أمونة‪ ،‬أو قل ربما‬ ‫ت الباب بصورة جيدة‪ ،‬ربما خاف ْ‬ ‫ت‪ ،‬أغلق ْ‬ ‫َقاَم ْ‬ ‫ت أن يهرب منها كما هرب ود فور من قبل‪ ،‬ولو أنه رفض فكرة قفل الباب‪ ،‬ولكن يبدو أن ذلك حدث‬ ‫خشي ْ‬ ‫أنها َ‬ ‫‪.‬أن ينتهي هذا الموضوع وبأسرع ما يمكن‬ ‫المفاجأة الخيرة‪ ،‬التي لول ُقوة عودي وعزيمتي وصبري على المكروه لكانت القاتلة‪ .‬وهو أن تبقى الضاءة كما هي‪ ،‬وافق‬ ‫‪.‬البائسة ول يفهمون شيئًا عن حاجاتها الصغيرة الحقيقية‪ .‬وهي أن رائحة َ‬ ‫صِدم ُ‬ ‫ُ‬ ‫‪:‬ذلك‬ ‫معليش‪ ،‬ما كان عندي وقت لنفسي ‪.‬‬ ‫‪-‬الصافية انقلب ْ‬ .‬المر في الحقيقة‬ ‫ل خيرًا‬ ‫أقرب لمقاولة‪ ،‬وهذا في ظني ما تحتاج إليه الصافية‪ ،‬واحتاج إليه أنا لقنع نفسي بأنني قدمت لها عم ً‬ ‫ت هي‬ ‫ح ْ‬ ‫ت منه طوال حياتها‪ ،‬وأتمنى أن أكون مخطئًا في هذه الفذلكة‪ ،‬اقتر َ‬ ‫حرم ْ‬ ‫ل ُ‬ ‫وإنسانيًا كبيرًا بل ونادرًا‪ ،‬فع ً‬ ‫ح أيضًا من قبلي بالرفض‪ ،‬الموضوع ل‬ ‫ل‪ ،‬وُقوِبل هذا القترا ُ‬ ‫اقتراحًا آخر‪ ،‬وهو أن أتركها تستحم استحمامًا كام ً‬ ‫‪.‬‬‫ل‪ ،‬بل مؤذيًا وضارًا جدًا‪ ،‬ثم أقسم وأقسم وقال‬ ‫‪:‬حكى لنا بالتفصيل الُمِمل‪ ،‬في الحقيقة ليس ُمِم ً‬ ‫ت َمَرَفِعين ْ‪.‫أحسست أنها ل تستطيع أن تشرح أكثر من ذلك‪ ،‬من الحسن أل أطالبها أو أجبرها على الحكي‪ ،‬أحسست‬ ‫بالشفقة تجاهها‪ ،‬قررت في الحال أن أضاجعها‪ ،‬وذلك لما توصلت إليه من تحليل‪ ،‬متعجل بعض الشئ‪ ،‬وسريع‬ ‫‪:‬لحالتها وهو‬ ‫أنها تفتقد الرجل في حياتها‪ ،‬الذين يحيطون بها لم يعرفوا المرأة فيها‪ ،‬ما عدا ود فور‪ ،‬ولم ينتبهوا إلى النسانة‬ ‫‪.

.‬ل أدري كيف تمكن ُ‬ ‫وأنا فريسٌة بائسٌة جريحة‪ ،‬حدث كل ذلك في ثوا ٍ‬ ‫طّية‪ ،‬خارج‬ ‫ك الصغير‪،‬أو أنني قد اخترقت السياج اختراقًا‪ ،‬ل أدري ولكنني وجدت نفسي خارج الُق ِ‬ ‫شّبا ْ‬ ‫أم عبر ال ُ‬ ‫جلة كلها‪ ،‬حدث ذلك‬ ‫‪،‬بيت أّدي‪ ،‬خارج ال ِ‬ ‫‪.‬بركه ساكن ‪Re:‬‬ ..‬في لمح البصر‬ ‫خدوشًا في ظهره وإليتيه‪ :‬ضحكنا‬ ‫جلبابه وأراهما ُ‬ ‫‪.‬خلع ُ‬ ‫نوااااااااااااااصل‬ ‫_________________‬ ‫‪ ).‬الجنقو ‪.‫قلنا بصوت واحد‬ ‫مرفعين؟‪-‬‬ ‫مرفعين عديل كدا ‪...‬مسامير الرض ‪).‬‬‫سدها وبدأ يداعبها في أذنيها وأنفها الكبير‪ ،‬بدأ الصوف ينمو في جسدها‪،‬‬ ‫ج َ‬ ‫عري َ‬ ‫اللحظة التي وضع يده على ُ‬ ‫حمار‪ ،‬كان ينمو بصورة مذهلة‪ِ ،‬بسرعة رهيبة‪ ،‬ثم أخذ ْ‬ ‫ت‬ ‫صوف ال ِ‬ ‫صوف أسود غليظ خشن وقبيح‪ ،‬تمامًا مثل ُ‬ ‫ُ‬ ‫ي‪ ،‬كما لو كانت أسدًا ضاريًا‪،‬‬ ‫ت عل ّ‬ ‫ت ُتصدر صوتًا غليظًا‪ ،‬ثم انقض ْ‬ ‫ح وجهها تتغير‪ ،‬برزت أنَياُبها‪ ،‬ثم أخذ ْ‬ ‫ملم ُ‬ ‫ت من الهرب‪ ،‬عبر الباب المغلق‪،‬‬ ‫ن معدودات‪ ..

‬ونظيفة‪ .‬‬‫قالت ألم ِقشي‬ ‫شُغل مع ناس شركة التصالت ‪.‬‬ ‫كويس‪ ،‬عايزاك في موضوع تاني‪ .‬وجهًا لوجه مع باب ُمجّمع أّدي السكني‬ ‫سَبَقِني لبيت أّدي ولكي ل أموت دهشة‪ ،‬قال لي إنه ركب موتر مع الحاج البوليس الذي‬ ‫ت ود أمونة قد َ‬ ‫وجد ُ‬ ‫وجده صدفة يمر بطريق منزل مختار علي‪ ،‬وذلك بعد أن أخبرني برسالة ألم ِقشي مباشرة‪ .‬موضوع ال ُ‬‫شُغل؟‪-‬‬ ‫ت على ال ُ‬ ‫يعني خلص وافق ِ‬ ‫قالت دون مبالة وهي تهّز صدرها بتلك الصورة الُمدهشة‬ ‫قلت أجّرب‪ ،‬يمكن ربنا كاتب لي رزق في مكان تاني ‪..‬‬ .‬‬‫تعرف ألم ِقشي أن العلقة بيني وبين موظفي شركة التصالت الوافدة حديثًا للمنطقة هي عبرصديقي‪ ،‬تربطه‬ ‫ي فكرة أن تعمل ألم ِقشي طباخة في َميس الشركة‪ ،‬إذ إن الموظفين لم‬ ‫علقة شخصية بالمدير‪ ،‬وقد طرح عل ّ‬ ‫يحضروا زوجاتهم بعد‪ ،‬في انتظار اكتمال البرج والتوصيلت الرضية‪ ،‬وإحضار الجهزة اللكترونية وغيرها‬ ‫من الشياء التي تؤكد استقرار العمل‪ ،‬قلت لها‬ ‫‪-‬كويس‪ ،‬حأكلمُه أقول ليه ألم ِقشي وافقت ‪.‫خرى‬ ‫شَياء ُأ ْ‬ ‫شاي‪ ،‬وَأ ْ‬ ‫ب الِبَنّية‪ُ ،‬بو َ‬ ‫‪ُ.‬كل في الكل ‪.‬الن‬ ‫المسافة ما بين بيت أّدي ومنزل مختار علي حيث أقيم وصاحبي‪ ،‬قريبة جدًا وبعيدة جدًا‪ ،‬يتوقف المر حسب‬ ‫ل أم نهارًا‪ ،‬حيث يمكن استغلل ما يسمونه بباب الجيران لختصار‬ ‫العلقات الجتماعية مع الجيران و الوقت‪ :‬لي ً‬ ‫مسافة كيلومتر من الهرولة عبر الزقة والطرق الجانبية‪ ،‬إلي ما ل يتعدى العشرين مترًا‪ ،‬وشخص مثلي غالبًا‬ ‫سعاد‪ ،‬تبادلت التحايا وزوجها‪ ،‬ثم عبرت‬ ‫ما تكون علقته جيدة مع الجيران‪ ،‬لذا دخلت منزل أول جارة وهي ُ‬ ‫خ عريضة و ابتسامة دائمة‪،‬‬ ‫شلو ٌ‬ ‫ت الُبرون‪ ،‬وهي امرأة عجوز طيبة بوجهها ُ‬ ‫عرض المنزل إلى بيت الداية ِب ْ‬ ‫ليس لها زوج‪ ،‬ليس لها أطفال‪ ،‬بنت أختها التي تقيم معها‪ ،‬كانت نائمة في تلك اللحظة‪ ،‬تبادلنا التحايا‪ ،‬وعبر‬ ‫ت بيتها‪ ،‬لجد نفسي‬ ‫عَبر ْ‬ ‫ي أن أعبر منزل الدينكاوية الحسناء أداليا دانيال ولم تكن بالمنزل‪َ ،‬‬ ‫باب الشارع كان عل ّ‬ ‫‪.‬أغنية الِفّرو‪َ ،‬تيرا ُ‬ ‫ح باكر‪ ،‬أرسلت لي ألم ِقشي ود أمونة برسالة شفهية‪ ،‬فهمت منها أنها تريد مقابلتي في بيت أّدي‪:‬‬ ‫ذات صبا ٍ‬ ‫‪.‬‬‫‪:‬أضاف ود أمونة‪ ،‬بأسلوبه الخاص‬ ‫ ‪.‬و حات ربي‪ ،‬ألم ِقشي مما نامت َمعاك‪ ،‬تاني رجلها دي ما رفعتها لزول‬‫قالت ألم ِقشي بصورة مباغتة وهي تنظر في أم عيني‬ ‫أنا ما عجبتك ول شنو؟ ‪-‬‬ ‫أضاف ود أمونة‬ ‫في زول ما بتعجبوا ألم ِقشي؟ ‪-‬‬ ‫قالت ألم ِقشي بغنج وهي تحرك صدرها بما يشبه الرقص‬ ‫مزاج ناس الُمدن صعب يا ود أمونة‪ ،‬ديل متعودين على الَبنات الفي التلفزيون؟ يمكن ‪،‬‬‫أضاف ود أمونة مخاطبًا ألم ِقشي برقة خبيثة فاجرة‬ ‫شُنو؟‪-‬‬ ‫خنت ليُه ول ُ‬ ‫ت َما إد ّ‬ ‫إن ِ‬ ‫طاُد ِبه‪ُ ،‬قل ْ‬ ‫ت‬ ‫صَ‬ ‫ادعت ألم ِقشي الخجل‪ ،‬أما أنا فكنت محرجًا من كل شئ‪،‬مع وعيي التام بالشرك الذي ُأ ْ‬ ‫العفو‪ ،‬العفو‪ ،‬ألم ِقشي جميلة‪ ..‬‬‫أضاف ود أمونة‬ ‫خنها ليك الليلة وأدِلكها وأبقيها ليك عروس عديل كدا‪ ،‬قصرت معاك؟‪-‬‬ ‫أنا حأد ِ‬ ‫قلت له مجام ً‬ ‫ل‬ ‫إنت ما بتقصر‪ ،‬ولو إنها كدا كويسة معاي ‪.‬أومأت برأسي أن‬ ‫فهمت‪ ،‬بادرتني ألم ِقشس معاتبة‬ ‫إنت ما سألت مني تاني؟ دا أسبوع كامل ‪.

‬‬‫وأخذت تصفه لي‪ ،‬ولكني‪ ،‬وهي عادة سيئة عندي‪ ،‬عندما يموت شخص أعرفه معرفة غير عميقة‪ ،‬أقصد معرفة‬ ‫ل إذا مازال على قيد الحياة‪ ،‬ل‬ ‫عابرة فإنني أنسى ملمحه‪ ،‬بل قد أتذكر أنني قابلته من قبل‪ .‬‬‫طعنه منو؟ ‪-‬‬ ‫قالت وهي تحرك جمرة صغيرة بملعقة السكر‬ ‫ ‪،‬أولد من المعسكر‬‫‪.‬ابتسم ُ‬ ‫يبدأ صباحي كالعادة بكسل يتسم به العاطلون عن العمل ولديهم مصدر رزق يحول دونهم والموت جوعًا‪ ،‬وليست‬ ‫ق( مثلي يبحثون‪ ،‬عن متعة المشاهدة ل‬ ‫طاِلي ْ‬ ‫عليهم مسؤوليات أسرية‪ :‬زوجة‪ ،‬أطفال‪ ،‬أم أو أب أو أخوات )َم َ‬ ‫شمطاء‪ ،‬تستغل راكوبة بيتها لتقدم الشاي‬ ‫أكثر‪ ،‬لدينا زبونة واحدة فقط نشرب عندها قهوة الصباح‪ ،‬عجوز َ‬ ‫والقهوة للعابرين من الجنقو والعمال الخرين‪ ،‬حيث يقع بيتها في أقصى الشرق على طريق همدائييت‪ ،‬حيث‬ ‫حلة‪ ،‬أما‬ ‫يعمل عدد من العمال على تأسيس طلمبة الوقود‪ ،‬ذهبت إليها وحدي إذ أن صديقي فضل )دخول( ال ِ‬ ‫مختار علي فلبى دعوة جارة حبشية كريمة طلبت منه أن يشرب معهما وزوجها قهوة الصباح‪ ،‬وكما هو معروف‬ ‫ل َيرفض عّينة هذه الدعوة إل شخصٌ أهبل‪ ،‬فالناس يؤمنون هنا أن ل أحد يصنع القهوة بمهارة تفوق مهارة‬ ‫الحبشيات‪،‬أعدت لي العجوز قهوة وعليها كمية أكبر من الزنجبيل‪ ،‬وهي علمة أنني من مدينة كسل‪ ،‬بينما أنا‬ ‫حلة وبعض أعضاء اللجنة الشعبية‪ ،‬رموا علينا السلم‬ ‫من مدينة القضارف‪ ،‬مّر أمامنا شرطيان‪ ،‬يتبعهما شيخ ال ِ‬ ‫ومضوا في عجلة نحو الطلمبة‪ ،‬قالت لي العجوز‬ ‫أمبارح واحد من عمال الطرمبة ديل طعنوه ‪.‬معسكر اللجئين القريب دا‪ ،‬كانوا بيلعبوا الُقمار مع بعض واختلفوا‪ ،‬كلهم كانوا سكرانين واقفين َل ْ‬ ‫ط‬ ‫‪:‬قلت لها‬ ‫إن شاء ال ما اتعوق شديد؟‪-‬‬ ‫‪:‬قالت بحسرة‬ ‫شوية في مستشفى الشجراب‪ ،‬شالوه بلوري عثمان عيسى لخشم القربة لكُنُه مات في السكة ‪-‬‬ ‫‪.‬‬‫‪:‬قلت‬ .‬يشبه البرنو‪ ،‬ولكنه ُمّولد‬‫حلة ليست لهم أجناس‪ .‬ليست لهم قبائل‪ ،‬كلهم ُمولدين‪،‬‬ ‫سكان ال ِ‬ ‫وشرحت لي أن تسعة وتسعين في المائة من ُ‬ ‫أمهاتهم حبشيات بازاريات‪ ،‬بني عامر‪ ،‬حماسينيات‪ ،‬بللويات‪ ،‬أو أي جنس‪ ،‬وآباؤهم في الغالب إما غرابة‪:‬‬ ‫شوايقة‬ ‫حمران وشكرية أو شلك ونوبة ونوير‪ ،‬وفي ِقلة من ال َ‬ ‫مساليت‪ِ ،‬بللة‪ ،‬زغاوة‪ُ ،‬فور‪ ،‬فلتة‪ ،‬تاما‪ ،‬أو ُ‬ ‫والجعليين‪ ،‬وكضاب الزول البقول عندو قبيلة هنا‪ ،‬ول جنس ول خشم بيت‪ ،‬قلت لها متحديًا‬ ‫كويس أداليا دانيال؟‪-‬‬ ‫‪:‬قالت‬ ‫أداليا دانيال أمها دينكاوية‪ ،‬أبوها أشولي وراجلها لكويا ‪.‬المر الذي يكون سه ً‬ ‫أعرف ماذا وراء ذلك‪ ،‬هل هو خوف من الموت يقبع في ل وعيي و ينشط في صمت‬ ‫هو واحد من زبايني‪ ،‬أنت شفتو هنا في راكوبتي ذاتها‬‫‪:‬قلت‬ ‫؟ الود البرناوي‬‫‪:‬قالت ضاحكة‬ ‫‪.‫طلبا مني أن أشرب معهما قهوة الصباح‪ ،‬إل أنني تعللت بارتباطي بمختار علي وصديقي في البيت‪ ،‬وأننا سوف‬ ‫نذهب معًا كما اعتدنا أن نفعل في اليام الخيرة إلى العجوز حيث نحتسي عندها القهوة‪ ،‬وأنا أخرج من المنزل‬ ‫سألني ود أمونة إذا ما كنت سأحضر في المساء‪ ،‬أكدت له ذلك‪ ،‬فغمز لي بعينه اليسرى بما يعني ما يعني‪،‬‬ ‫ت‪ ،‬أومأت برأسي مباركًا مساعيه وشاكرًا‬ ‫‪.‬مات قبل ُ‬ ‫ثم أضافت‬ ‫إنت ذاتك بتعرُفُه ‪.

.‬‬‫صبت لي فنجانًا آخر من القهوة وهي تكمل حديثها‬ ‫الحكاية ُكلها في اللبن‪ ،‬من جهة الم‪ ،‬وخلط اللبن باللبن ما ُكويس‪ ،‬الواحدة تخلي أطفالها يرضعوا هنا وهناك‪،‬‬ ‫غراب‪ ،‬وفيهم البنقلب أسد‬ ‫وهي لفة من بيت لبيت وما عارفة الناس‪ ،‬فيهم تيراب الِبنية البعاتي‪ ،‬وفيهم البنقلب ُ‬ ‫شكل‬ ‫حار‪ ،‬والبلد ملنة بالجن‪ ،‬تلقاهم في َ‬ ‫سّ‬ ‫أو مرفعين أو برطا برطا‪ ،‬وفيهم البياكل الناس عديل ِكدا‪ ،‬وفيهم ال َ‬ ‫ضُعُه‪ ،‬و‬ ‫جْر‪ ،‬وربنا يكون في الُعون‪ .‬قالت جدنا الكبر اسمو عبد الرازق وله توأم اسمو عبد‬ ..‬والقمراوي و النقريابي‪ ،‬والرباطابي وحتى الحلفاوي والمحسي والدنقلوي‬ ‫‪:‬قلت لها‬ ‫س البينقلب مرفعين دا شنو؟‪-‬‬ ‫جِن ْ‬ ‫كويس ال ِ‬ ‫قالت بطمأنينة العالم العارف‬ ‫الحكاية ُكلها في اللبن ‪.‬‬‫حكت لها بذلك جدتها عن جدتها عن جدتها‪ ،‬وهكذا‪ .‫؟ ‪-‬إن ِ‬ ‫ت‬ ‫قالت‬ ‫حباب من أسرة الكنتباي ذاتها‪ ،‬وأنت‪-‬‬ ‫أنا أمي بازاوية‪ ،‬وأبوي أمو حبشية وأبوه مسلتي وولدي متزوج من ال ُ‬ ‫سمحين‪ ،‬وكل الجناس القلتها ليك دي هي مجرد أسماء ولكن في الحقيقة إنمحوا في‬ ‫حباب ديل ناس َ‬ ‫عارف ال ُ‬ ‫بعض‪ ،‬بس الواحد فيهم بيتمسك بقبيلة الب‪ ،‬وطبعًا دا كلم ساي‪ ،‬الدم كلُه من الم‪ ،‬والروح من الم‪ ،‬والبو دا‬ ‫شنو غير الُموية؟‬ ‫عنده ُ‬ ‫خِلطوا‪ ،‬وختمت حديثها بما يعتبر من المسلمات‬ ‫ثم أخذت تعدد لي الشخاص وكيف ُ‬ ‫أهلنا ديل يموتوا في الحبشيات ‪.‬ربنا يكرم السامعين‪ :‬دا هو تيراب ال َ‬ ‫‪:‬قلت لها‬ ‫ش ِكدا؟ أسرة الصافية هي أول أسرة في البلد هنا ‪،‬‬ ‫ُم ْ‬‫ً‪:‬قالت وقد بدأ عليها الرتباك قليل‬ ‫منو القال ليك أسرة الصافية‪ ،‬الصافية السكرانة دي ربيناها نحنا في أسرتنا تربية‪ ،‬أمها ولدتها ورمتها لينا ‪-‬‬ ‫هنا وفاتت مافي زول يعلم وين‪ ،‬وأنا السميتها الصافية على جدتي‪ ،‬السرة الكانت هنا‪ ،‬هي أسرتي أنا‪ ..‬ثم حك َ‬ ‫ت‬ ‫سْد‪ ،‬عندما جاء أهلها إلي هذا‬ ‫ح َ‬ ‫لي الحكاية الحقيقية وما عداها اعتبرته تشويهًا دافعه سوء الِنّية والجهل و ال َ‬ ‫حبار‪ ،‬وأحيانًا‬ ‫ف‪ ،‬أبو القدح‪ ،‬الرانب والصقور وال ُ‬ ‫حُلٌو ْ‬ ‫سوى الثعالب‪ ،‬المرافعين القرود‪ ،‬ال َ‬ ‫المكان‪ ،‬لم يكن به ُ‬ ‫سّيال وعند‬ ‫يرى الناس بعض الُنمور‪ ،‬كانت هناك غابات كثيفة من شجر الكتر والللوب والهشاب وبعض ال َ‬ ‫ط‪ ،‬أما في الَكَرب وعلى شاطئ النهر فالعرديب والتبلدي‪ ،‬ولكن البلد‬ ‫سُن ْ‬ ‫الخيران وبرك المياه تنمو أشجار ال ُ‬ ‫مشهورة بالجن وأبي لمبة‪ ،‬منذ أن تغرب الشمس يخرج أبو لمبة‪ ،‬كانت أسرتها في طريقها إلي مدينة القضارف‬ ‫بعد أداء شعيرة الحج‪ ،‬حيث إنهم قدموا عن طريق اليمن‪ ،‬باب المندب‪ ،‬مصوع‪ ،‬الحبشة ثم إلى هنا‪ ،‬وقد داهمهم‬ ‫الخريف في هذا المكان‪ ،‬فأقاموا وبنوا أول منزل‪ ،‬قطع جدها وأبناؤه الشجار‪ ،‬نظفوا الرض وزرعوا محصول‬ ‫‪:‬الذرة والدخن والسمسم‪ ،‬قالت‬ ‫دا قبل أكثر من مية‪ ،‬مية وخمسين سنة ‪.‬اللهم أحفظنا وأحفظ المسلمين‪ ،‬آمين يا رب العالمين‬ ‫سَ‬ ‫‪.‬موسم الحج ولم يحظ بالعضو ال َ‬ ‫‪:‬قلت لها‬ ‫الصافية دي شنو؟‪-‬‬ ‫جدها مسلتي‪ ،‬أمها من المهرا من جهة الم‪ ،‬فوراوية من جهة الب‪ ،‬وبيتهم فيُه البازاوي والحبابوي‪-‬‬ ‫‪.‬‬‫وحكت لي قصة الحاج الذي ألهاه الشيطان عن الّلحاق بركب الحج‪ ،‬حيث تمثل له في شكل فرج أنثى على فرع‬ ‫من شجرة للوب شائكة استظل تحتها بمصوع‪ ،‬في طريقه إلى مكة‪ ،‬حيث أخذ الحاج يرمي الُعضو بالحجارة لكي‬ ‫ظّل الحاج يرمي الحجارة إلى انتهى‬ ‫ط ولكنه يبقى في مكانه‪ ،‬وهكذا َ‬ ‫سُق ْ‬ ‫يسقط في الرض يهتز العضو‪ ،‬ويكاد أن َي َ‬ ‫ظ بالحج‬ ‫حَ‬ ‫جّيْد‪ ،‬ولم ُي ْ‬ ‫‪.‬وحتى الُبومة دي لو لقت طفل وحدُه ِبْتَر ِ‬ ‫شَ‬ ‫سو َ‬ ‫ُنسوان ورجال وحمير وَكَداِي ْ‬ ‫حارين‪ .

‬الرزاق؟‬ ‫أطعمه وأعطاه ماًل وقال له بلغة المساليت إنه سوف يأتي إليه يوم الجمعة في السجن‪ ،‬الجمعة التي بعد جمعتين‬ ‫كاملتين‪ ،‬يرتدي نفس الملبس التي يرتديها توأمه الن‪ ،‬نفس الحذاء ونفس الطاقية‪ ،‬وسوف يطلب مقابلته‬ ‫وهنالك في السجن يتبادلن المواقع‪ ،‬وأضاف‬ ‫شفته والفالول سنة كاملة‪-‬‬ ‫‪.‬‬‫ل أتى أخي عبد الرزاق بالمبرد وقاما بقطع الفرو‪ ،‬وكانت لحظة عجيبة جدًا‬ ‫وفع ً‬ ‫‪.‬ل يتعاطى الُم ْ‬ ‫قدر ما قلت أقلد أخوي عبد الرزاق؛ ما ِقدرت خالص خالص ما قدرت‪ ،‬فالطبيعة جبل كما يقول الناس‪ .‬أخيها عبد الرازق‪ ،‬في شكل دوي هائٍل مدهشًا سكون هواء الخريف الثقيل‪ ،‬ناثرًا ُ‬ ‫‪.‬‬‫قالت لي العجوز وهي تحكي باستمتاع وقد نسينا فنجانًا من القهوة يقبع في صمت فتساقط عليه الذباب‪ ،‬قالت‬ ‫تحكي‪ :‬كان المساجين في الحبشة وإلى وقت قريب‪ ،‬ل يطعمهم السجن‪ ،‬يربطوهم يشحدوا في السوق والندايات‪،‬‬ ‫حمرة مع أصحابه التجار‪ ،‬إذا به يرى توأمه عبد الرزاق‬ ‫ق ال ُ‬ ‫سو ِ‬ ‫وأثناء ما كان عبد الرازق يتناول طعامًا في ُ‬ ‫مربوطًا ضمن عدٍد من المسجونين يسأل الناس طعامًا‪ ،‬كاد أن يقف قلب عبد الرازق من المفاجأة‪ :‬تومي عبد‬ ‫‪.‬أنا بعرف بتعامل مع الجماعة ديل كويس‪ ،‬أنا بعرف ليهم‪ ،‬أنا عشت مع ال ِ‬ ‫وبالفعل تبادل المواقع في التاريخ المتفق عليه‪ ،‬ولكن في اليوم الثالث بلغ عنه المساجين الذين اكتشفوا الخدعة‬ ‫منذ اليوم الول‪ ،‬بالرغم من أن عبد الرازق عبارة عن ُنسخة أخرى من عبد الرزاق‪ ،‬كأنما الول صورة للخر‬ ‫في المرآة‪،‬ولكن طبيعة عبد الرازق تختلف بصورة جوهرية عن توأمه‪ ،‬حيث إن عبد الرازق كان يميل لنوع من‬ ‫الحياة ل يحبذها أخوه‪ ،‬حيث إنه كثيرًا ما يختفي لشهور كثيرة باحثًا عن المغامرة والمتعة‪ ،‬الخمرة والنساء‪ ،‬مع‬ ‫طرق الحباش في أحراش أثيوبيا‪ ،‬كان ملوًل‪ ،‬سريع الغضب وعنيفًا و يتعاطى كل ما حرم ال‪ ،‬ولم يصل‬ ‫ع ال ُ‬ ‫طا ْ‬ ‫ُق ّ‬ ‫أو يصم إل في صغره‪ ،‬عكس عبد الرزاق تمامًا‪ ،‬حيث كان طيبًا مسالمًا‪ ،‬ولو أنه ما كان مياًل للعبادة إل أنه كان‬ ‫سِكرات ول حتى الصعوط والسجائر‬ ‫‪.‬ثم استفرغ‪ ،‬ثم نام‬ ‫أيقظه أبوه في منتصف الليل‪ ،‬حيث أطعم‪ ،‬ثم نام مرة أخرى تاركًا السرة كلها قابعة قرب رأسه ينظرون إليه‬ ‫مندهشين‪ ،‬وكان عبد الرزاق بين حين وآخر يردد‬ ‫أنا السبب‪ ،‬دا كله عشاني أنا ‪.‬كلنا أحسسنا بالراحة‬‫وكأنما هو ُوِلَد من جديد في تلك اللحظة‪ ،‬ولم يهتم أحد من السرة إطلقًا بالهواء العظيم الذي اندفع من ُدبر‬ ‫عُفونة إسهال حبيس بئيس‬ ‫‪.‫‪:‬الرّزاق‪ ،‬حبوبتي قالت‪ ،‬حبوبتها قالت ليها‬ ‫حمرة‬ ‫كانا يعملن في تجارة الحطب والمحاصيل الزراعية التي ينتجانها‪ ،‬حيث يقومان ببيعها إلى الحبش في ال ُ‬ ‫وبحر دار وحتى نواحي ُقندر‪ ،‬قد يسافران ليام تطول‪ ،‬بينما يبقى أبواهما في المنزل مع أختهما الصغيرة وهي‬ ‫عمرها ل يتجاوز الَعشر سنوات‪ ،‬في ذلك الوقت‬ ‫التي تسمى الصافية‪ ،‬حكت لها جدة عن جدة عن الصافية‪ ،‬كان ُ‬ ‫طوق من الحديد‪ ،‬مربوط بشكل‬ ‫ولكنها تتذكر إلي الن اللحظة التي جاء فيها أخوها عبد الرازق التوم على رأسه ُ‬ ‫محكم‪ ،‬عيناه محمرتان وبارزتان إلى الخارج ولسانه خارج فمه مثل لسان الكلب‪ ،‬ورغم ذلك كان صامتًا‪ ،‬فقط‬ ‫يصدر صوتًا من صدره مثل نداء البوم‪ ،‬فهب إليه أبوها وأمها وأخوها عبد الرزاق‪ ،‬والذي خرج من السجن قبل‬ ‫‪:‬يومين فقط‪ ،‬تذكر إلى الن جملة واحدة وهي‬ ‫أنا ممكون بالفرو ‪.‬وأخبر ‪-‬‬ ‫عنه المسجونون إدارة السجن علهم يجدون وضعًا مميزًا أو على القل يتجنبون المساءلة إذا اكتشف أمره‬ ‫السجانون‪ ،‬بأنفسهم‪ .‬‬‫ولكن أمه كانت تخفف عنه بالقول‬ ‫في النهاية أخوك‪ ،‬تكررها في قلق ‪.‬فقامت إدارة السجن بضربه ضربًا مبرحًا‪ ،‬ثم خيروه ما بين الخازوق أو الفرو‪ ،‬وكلهما‬ ‫ط في رأسه بأقصى درجة ممكنة وقالوا له‬ ‫‪:‬يعني الموت ببطء وألم شديد‪ ،‬فاختار الفرو‪َ ،‬فُرِب َ‬ .‬‬‫وكان جسده كله يتصبب عرقًا‪ ،‬أخذ أبي يقرأ على رأسه أيات من القرآن ولكن عبد الرازق قال له‬ ‫الُمبرد‪ ،‬الُمبرد يا حاج ‪.

‬وقبل أن يكتمل الغروب استطاعت ساقه أن تسلمه إلى البيت‬ ‫طة ِنكاية‬ ‫شرُمو َ‬ ‫ل عند العجوز‪ ،‬سألها عن فتى باسمه ولقبه واسم أمه مصحوبًا بكلمة ال َ‬ ‫طيان‪،‬توقفا قلي ً‬ ‫شَر ِ‬ ‫عاد ال َ‬ ‫‪:‬وغضبا عليه‪ ،‬قالت لهما‬ ‫مشى زهانة‪ ،‬معزوم مع أصحابه كلهم عيد القديس ُيوَهِنس ‪.‬ويستمر النشيد في كلمتين هما سوف أحيا‪ ،‬ولن ينتهي إلى أن يطلق الثعبان رأسه‬ ‫واتجه نحو الحدود السودانية‪ ،‬مهروًل منشدًا في اتجاه الغرب متجنبًا طرق المشاة‪ ،‬السيارات‪ ،‬الحمارين‪ ،‬كل‬ ‫ل جنوبًا‪ ،‬عبر غابة الطلح الصغيرة الواقعة على أرض حجرية‬ ‫السكك المطروقة إلى همدائييت‪ ،‬اتجه جنوبًا‪ ،‬قلي ً‬ ‫صلدة حمراء‪ ،‬بها خوران وعران وبعض شجيرات الكتر الشوكية‪ ،‬تنبت ما بين هنا وهناك‪ ،‬يعرف هذا المكان‬ ‫جيدًا‪ ،‬اشترى منه قبل عامين مائة قنطار من الصمغ العربي‪ ،‬مقابل عشر جوالت من السمسم الحمر النادر من‬ ‫برهاني ِكداني الحبشي الممسوخ كما يحب أن يسميه‪ ،‬وهو أحد أكبر الَفالول في نواحي خور الحمرة وغابة‬ ‫ل واحدًا منه ول يفهم في‬ ‫زهانة الكثر وعورة ورهبة‪ ،‬اشترى منه الصمغ على علمه التام أنه ل يمتلك ول رط ً‬ ‫طلحة والِكترة‪ ،‬لكن ليس بإمكان المزارعين‬ ‫ق الصمغ ول لقيطه‪ ،‬وللمبالغة يقولون عنه إنه ل يفرق بين ال َ‬ ‫ط ْ‬ ‫َ‬ ‫الفقراء البائسين أن يبيعوا صمغهم إل من خلله هو فقط‪ ،‬وبالسعر الذي يضعه‪ ،‬وكان غالبًا ل يظلمهم ودائمًا ما‬ ‫طرق واللصوص الخرين‪ ،‬إذا التقى به هنا سوف يساعده بدون شك في التخلص من الفرو‪،‬‬ ‫يحميهم من ُقطاع ال ُ‬ ‫تبدو الشمس أمامه كبيرة حمراء مثل الدم تغيب الن‪ ،‬يمضي نحوها‪ ،‬يعرف أنهم أطلقوه في هذا الوقت بالذات‬ ‫ليصعبوا أمامه خيارات النجاة‪ ،‬حيث إن الليل هنا عدو اللصوص أيضًا‪ ،‬في ذلك المغرب التقى بفالول وشياطين‪،‬‬ ‫‪.‬فروا منه‪ .‬المر الِفرو الذي لبد من إعادته للسجن‪ ،‬جثته سوف يرمون بها في البئر المهجورة عند سفح الجبل‬ ‫بعد لحظات بقيت أوعى‪ ،‬حسيت بنفسي‪ ،‬وتذكرت كيف الفالول يتعاملوامع الفرو‬‫ادعى أن الذي يلتف حول رأسه ليس هو الفرو آلة الحديد القاسية المميتة؛ ولكن ثعبان‪ ،‬ثعبان قد يقتله بلدغة‬ ‫واحدة وقد يتركه في حاله إذا تعامل معه برفق وكلمه بالحسنى وأقنعه بالمنطق‪ ،‬ولنه يريد أن يحيا ول يرغب‬ ‫في الموت ملدوغًا من ُثعبان سام‪ ،‬عليه بسياسة الَنفس الطويل‪ ،‬طولة البال‪ ،‬وأن يربط مهمة أن يخرج من‬ ‫ل يتكون من كلمات بسيطة‬ ‫ل بالتجرنة‪ ،‬كان نشيدًا طوي ً‬ ‫الحدود الحبشية بترضية الثعبان‪ ،‬وأخذ يتلو نشيدًا طوي ً‬ ‫‪:‬قليلة‬ ‫ل أموت ل أموت‬ ‫ل أموت ل أموت‬ ‫ل أموت ل أموت‬ ‫ل أموت ل أموت‬ ‫سوف أحيا‬ ‫سوف أحيا‬ ‫سوف أحيا‬ ‫‪.‬‬‫نواصل‬ ‫_________________‬ .‫ف‪-‬‬ ‫‪).‬لو ما جبت أخوك خلل نصف ساعة‪ ،‬حتموت‪ ،‬ومفتاح الفرو عندنا هنا في السجن يلل )َقْلِت ْ‬ ‫في الثواني الولى من ربط الِفرو‪ ،‬تمنى لو أنه وجد أخاه ليسلمه للسجانين حتى يفكوا من رأسه الفرو‪ ،‬ثم أخذ‬ ‫طرقات وهو يجري في كل اتجاه باحثًا عن ل‬ ‫بالفعل يبحث عنه دون تركيزدون خطة‪ ،‬دون أمل‪ ،‬كان يصرخ في ال ُ‬ ‫صيب بهلع شديد وحالة من التشتت‪ ،‬ولكنه كان يمضي بعيدًا عن السجن على أية‬ ‫شئ‪ ،‬كان يهتف باسمه‪ ،‬لقد ُأ ِ‬ ‫حال‪ ،‬كانوا متأكدين من أنه سيعود‪ ،‬حتمًا سيعود أو يموت‪ ،‬ويعرفون أنه لن يموت بعيدًا عن السجن‪ ،‬يهمهم في‬ ‫‪.

.

‬مسامير الرض ‪).‬‬‫‪:‬قال بقلق‬ ‫تقصد ما أتطفل ‪..‬كان‬ ‫ش‪ ،‬وهذا الثر وهذه الدهشة‪ ،‬ل‬ ‫دائمًا ما يكرر القول إنه يجب أن َيَتُرك أثرًا واضحًا‪ ،‬أينما يذهب‪ ،‬وأن ُيْدِه ْ‬ ‫يتأتيان ما لم يفعل ما ل يستطيع فعله غيره وهم العامة والخاصة معًا‪ ،‬ويختصر ذلك بالقول‬ ‫‪.‬ثم‬ ‫طرح سؤاًل‪ :‬الزول لو انتظر للنهاية حيحصل ليُه شنو؟‬ ‫دعونا نفكر في هذا الموضوع بجدية‪ ،‬دعونا نفكر كيف نتعامل معها‪ ،‬يجب أل نتركها هكذا تعاني وحدها هذه‬ ‫شركاء على القل في النسانية‬ ‫الزمة النسانية الفريدة‪ ،‬نحن ُ‬ ‫نحن بشر‪ ،‬يعني‪ ،‬هنالك مسألة تخص الفرد‪ ،‬تخص الجميع‪ ،‬وما يخص الجميع يخص الفرد‪ ،‬مسألة مصير واحد‪،‬‬ ‫مآل واحد‪ ،‬ثقب واحد يجب أن نعبر به جميعًا نحو الحياة‪ ،‬أن يعثر أحدنا فيه‪ ،‬يعني أل يمر الخرون‪ ،‬وأخذ يهذي‬ ‫‪.‬اركب الصعب‬‫أينما حللنا‪ ،‬كان يبحث عن الصعب والصعب فقط‪ ،‬يبحث عن الغرباء في الناس‪ ،‬في المجتمع‪ ،‬في المكان في كل‬ ‫شئ‪ ،‬كان يتصيد السؤال ول يخشى التهلكة‪ ،‬بل يرمي فيها نفسه رميًا‪ ،‬قلت له‬ ‫على العمل في ميس الشركة‪ ..‬‬‫أكلنا طعامًا طبخه هو ومختار علي من اللوبيا البيضاء والفرندو بالشرموط‪ ،‬اشترينا إنجيرا من بيت الم‪ ،‬كان‬ ‫‪،‬مختار علي دائمًا ما يحتفظ بمخزون من الدليخ في ُقطيته‬ ‫حضرت ألم ِقشي‪ ،‬وصنعت لنا القهوة بالزنجبيل والهبهان‪ ،‬ذهبنا الثلثة إلى مقر الشركة جوار زريبة‬ ‫ل قصيرًا‬ ‫المحاصيل‪ ،‬حيث وجدنا العمال مجتهدين في بناء المؤسسة‪ ،‬لكننا استطعنا أن نلتقي بالمدير‪ ،‬وكان رج ً‬ ‫نحيفًا مبتسمًا قليل الكلم مرحابًا مضيافًا أنيقًا‪ ،‬بعينيه حول يسير‪ ،‬شكرنا كثيرًا‪ ،‬اعتبر قدومنا بألم ِقشي لكي‬ ‫ل إنسانيًا كبيرًا‪ ،‬بركة من ال ومساهمة في نجاح الشركة‬ ‫تعمل معهم في الميس‪ ،‬في هذا الوقت بالذات‪ ،‬عم ً‬ ‫أيضًا‬ ‫نحن نحتاج لمرأة نثق بها لكي تعمل معنا‪ ،‬امرأة نظيفة تحمل عبء بطوننا‬‫و أكد أن العمل قدىعزلهم عن المجتمع‬ ‫لول وجودكم أنتم في الحلة‪ ،‬ما عارف كان نحنا نعمل شنو ‪.‬حواٌر َمو ُ‬ ‫‪ ).‬إلم ِقشي وافقت‬‫ً‪:‬قال مبتسما‬ ‫نسوقها للشركة معانا ‪.‬‬‫ولكني أحسست بمسحة غبشاء من الحباط تعتري وجهه وهو يرحب بألم ِقشي ويكيل لنا ولها الشكر‪ ،‬قالت ألم‬ ‫‪ِ:‬قشي فيما بعد‬ ‫‪-‬كانوا عايزين بت صغيرة في العمر‪ ،‬على القل أجمل وأخف مني ‪.‬‬ .‬في كلم أعرف أنه يجيده والسوأ أنه يؤمن به والسوأ أكثر أنه سيفعله‬ ‫قدمت له نصيحة ل تفيده‪ ،‬وقد تكون طوق نجاة لغيره‬ ‫أتمنى أنك ما ترمي بنفسك في التهلكة ‪.‬‬‫‪:‬قلت ضاحكًا‬ ‫أيوه ‪...‬‬‫‪:‬قال‬ ‫حلة( ُمش نوع من التطفل؟! عندنا هنا شنو‪ ،‬غير ناس مطرودين من وزارة الصحة للصالح‬ ‫وجودنا هنا في )ال ِ‬ ‫العام‪ ،‬كل يوم متطفلين على بلد من بلد ال‪ ،‬وناس من ناس ال؟‬ ‫فهمت أنه يعني فيما يعني أننا طالما تطفلنا على المكان‪ ،‬فنحن أيضًا تطفلنا على النسان‪ ،‬والمر سّيان‪ ..‫ي َوَكَرمل‬ ‫ضوع ٌ‬ ‫‪.‬بركه ساكن ‪Re:‬‬ ‫أكّد لي أن مشروع الصافية بالنسبة إليه لم ينته بعد‪ ،‬وأنه قرر أن يخوض المعركة إلى آخر طلقة‪ ،‬ولم يكن‬ ‫صحبة‪ ،‬القراءة المشتركة‪ ،‬السفر‪ ،‬الفشل‪،‬‬ ‫تصريحه هذا غريبًا‪ ،‬فأنا أعرفه فيما يزيد عن الثلثين عامًا من ال ُ‬ ‫الحباط‪ ،‬النجاحات الكبيرة‪ ،‬العمل والعطالة‪ ،‬سيكون تصريحه غريبًا إذا قال لي إنه تنازل عما سّماه بمشروع‬ ‫‪.‬الجنقو ‪.‬الصافية أو خاف‪،‬قال بثقة كبيرة‬ ‫ ‪:‬أنا بحلل وضع الصافية بالطريقة دي‬‫جنسيًا‪ ،‬ينمو الصوف في جسها كله‪ ،‬تطول أظافرها‪ ،‬وأذنيها‪ ،‬تتحول ملمح وجهها إلي ما‬ ‫امرأة عندما ُتثار ِ‬ ‫ُيشبه ذئب كبير‪ ،‬أسٍد أو حتى قرد‪ ،‬فتهاجم العشيق‪ ،‬فيهرب‪،‬وهي نفسها ل تكون واعية بحقيقة ما يجري لها‪ .

‫أضافت‬ ‫حيقتنعوا إُنُه أنا أجمل مرا في الدنيا ‪...‬إنت في المن؟ مما جعلنا جميعًا نضحك في وقت واحد‬‫‪:‬قال له صديقي‬ ..‬الصليين القرود‪ ،‬هذا المكان البعيد‪ ،‬الرض المهمشة النشأت أص ً‬ ‫‪.‬تركنا ألم ِقشي هناك ترتب أمر وظيفتها الجديدة وعدنا أدراجنا إلى السوق‬ ‫عّمال البنك يعملون بجد ونشاط‪ ،‬سيدرك البنك الموسم الزراعي القادم‪،‬‬ ‫الساعة تشير إلى منتصف النهار‪ُ ،‬‬ ‫سلطة وعلقات النتاج في المنطقة لمصلحة محدودي الدخل‪،‬‬ ‫وُيشاع أن هذا البنك سيغير خارطة الثروة وال ُ‬ ‫صغار المزارعين والفقراء‪ ،‬وسوف يقدم قروضًا وسلفيات إسلمية غير ربوية لكل منتج ومزارع‪ ،‬وقد اجتهد‬ ‫البعض مفسرين كلمة منتج‪ ،‬بأنه سوف ل ينسى أحدًا ويشمل ذلك فيما يشمل الندايات الكبيرة‪ ،‬تجارة الشنطة‬ ‫صِغيٍر على شاطئ النهر‪ ،‬كذلك الذي يوجد على الضفة‬ ‫وبائعات عرقي البلح والفحامة‪ ،‬وفكر ود أمونة في َباٍر َ‬ ‫ل على قرية همدائييت‪ ،‬يرتاده أصحاب المزاج والملماتية ما بعد منتصف‬ ‫حمرة‪ ،‬مط ً‬ ‫الشرقية من نهر سيتيت بال ُ‬ ‫النهار‪ ،‬حيث يعبرون النهر سباحة‪ ،‬بالرغم من أنه يوجد داخل حدود دولة أخرى وهي أثيوبيا إل أنه ليس‬ ‫سلطات الثيوبية ل تسأل عن شئ‪،‬‬ ‫لحدهم جواز أو بطاقة ول حتى ورقة تحمل اسمه‪ ،‬من جهة أخرى فإن ال ُ‬ ‫سوف ُينشئ ود أمونة َبارًا يستقطب هؤلء الفارين إلي الكيف العابرين النهار وسوف ل يخاطرون بحياتهم‬ ‫‪.‬‬‫ل بعض الشئ‪ ،‬لن شركة السمسم حتى الن لم تدخل السوق لشراء متطلباتها السنوية‬ ‫ولكن كان أحدهما متفائ ً‬ ‫من السمسم لجل التصدير‬ ‫حيرتفع‪ .‬حيرتفع أكثر من السنة الفاتت ‪.‬غرقًا‬ ‫ويبدو أن فكرة التمويل لم تكن إشاعة‪ ،‬ولكن المحاضر الذي أوفده البنك يوم جمعة ل ُينسى قال كل ذلك‪ ،‬أو لم‬ ‫صل لذلك بآيات وأحاديث وخطب‬ ‫سَلم والمبايعة والمشاركة‪ ،‬وأ ّ‬ ‫يقله‪ ،‬ولكن المؤكد أنه تحدث باستفاضة عن ال َ‬ ‫وشهادات فقهاء وفتاوى وذكر فيما ذكر اسم عالم غامض لم يسمع به أحد في القرية وهو القرضاوي ربما‬ ‫إشتق إسمه من قرض‪ :‬من يدري‪ .‬‬‫وهنا تدخل صديقي قائ ً‬ ‫ل‬ ‫السبب إنتاج الفول‪ .‬اليام‬ ‫دا آخر أسبوع لحصاد السمسم‪ ،‬تاني ما تبقى الحته ‪...‬وبرضو عباد الشمس ‪.‬الفول السوداني‪ .‬‬‫‪:‬قلت لصديقي‬ ‫ربما كان صاحبك عايز ملكة جمال في مكان في طرف الدنيا تحيط به الغابات والخيران الموسمية ومن سكانه ‪-‬‬ ‫ل من المطاريد‬ ‫‪.‬إنه ينخفض‪ ،‬وسوف ينخفض أكثر‪ ،‬وربط ذلك بالمستخدم‬ ‫من السمسم في زيت الطعام والحلوى وكيف أن الفول السوداني الرخيص حّل محله وزيت عباد الشمس النقي‬ ‫الصحي منخفض الثمن المفضل لدى المصدرين أصبح إنتاجه ضخمًا‪ ،‬ثم أسهب في الحديث عما أسماه بـ‬ ‫!مستقبل إنتاج السمسم في السودان‪ ،‬هل سيصبح مثل مستقبل إنتاج القطن والصمغ العربي؟‬ ‫نظرا إليه باستغراب‪ ،‬سأله أحدهما بعفوية‬ ‫‪....‬أن هناك قروضًا للجميع بدون فرز‪ ،‬وحق للجميع‪ ،‬بدون ربا‪ ،‬على ُ‬ ‫كل هذا تفوه به الخطيب‪ ،‬ولم يجتهد الناس كثيرًا في التأويل‪ ،‬وعلى بركة ذلك بادرت المحلية بتخصيص قطعة‬ ‫سمح باستخدام وابور المحلية لنقل الحجارة والرملة السفاية والطوب‬ ‫أرض مجانية للبنك لكي ُينشأ عليها‪ ،‬و ُ‬ ‫الحمر بسعر رمزي يغطي تكلفة العمالة‪ ،‬وتحصل إداريو البنك المشرفون على إنشائه على وقود وكهرباء‬ ‫وإمداد مائي مجانًا ولوجه ال وحده وفي خاطر التنمية وابتغاء رفعة البلد‪ ،‬وللحاق بركب هذا العطاء المجاني‬ ‫سعى المقاول الذي يعمل بالتشييد بأن يحصل على عمالة مجانية للبناء من الجيش‪،‬طاما يجلس العساكر هنالك‬ ‫في ثكناتهم دون عمل‪ ،‬يلعبون الورق و الضالة‪ ،‬ينتظرون حروبًا سوف ل تحدث في القريب العاجل‪ ،‬ولكن لسوء‬ ‫حظه أن قائد الحامية في ذلك الوقت كان جنديًا يمتلك رأسًا ُيسمى في الخفاء‪ :‬ناشفًا‪ ،‬لم يسعفه في تفهم التنمية‬ ‫‪:‬والتطور ودور البنك العظيم المنتظر‪ ،‬فرد إليه طلبه مشفوعًا بتهديد شفاهي‬ ‫احذروا و احذزروا و احذروا‪ ،‬الجيش دا قايلنوا شركة دانفوديو؟ ‪-‬‬ ‫صعوبة في الحصول على أي تسهيل ومباركة‪ ،‬بل أن ُمعظم الناس‬ ‫سوى هذا الصد الواضح‪ ،‬لم يجد البنك أية ُ‬ ‫ِ‬ ‫طلب منهم ذلك‪ ،‬كان البنك‬ ‫كانوا يحسون بأن لهم واجبًا ما تجاه البنك ول يتأخرون في مّد يد العون متى ما ُ‬ ‫بمثابة‪ :‬مهدي المكان المنتظر‪ .‬شربنا كركدي عند عزيزة الزغاوية‪ ،‬كان يجلس قربنا أثنان من السماسرة‬ ‫يتحسران لجل سعر السمسم المنخفض في هذا الموسم مع أن النتاج شحيح‪ ،‬يتعجبان‪ ،‬لنهما يريان أن‬ ‫انخفاض إنتاجية السمسم تؤدي مباشرة إلى ارتفاع سعره‪ ،‬هذا ما تعلماه من التجربة‪ ،‬الشئ الذي لم يحدث هذه‬ ‫‪.‬لم يفهم العامة الشئ القليل من خطبته العصماء‪ ،‬ولكنهم فهموا المهم والذي‬ ‫‪:‬يخصهم وهو‬ ‫سنة ال ورسوله‬ ‫‪..‬‬‫ل من الرقام مدهشة عن إنتاج الفول السوداني وعباد الشمس في هذا‬ ‫ودون أن يستأذنهما طرح من رأسه سي ً‬ ‫الموسم‪ ،‬ثم تحدث عن سعر رطل الزيت من الثنين‪ .

‬يعني من الفلشا ‪....‬السبوع‪ ،‬يتبعه كورس من الصبيات والنساء في حماس وإثارة‬ ‫عّلق أحد السماسرة في ضيق‬ ‫؟ ال يسخته‪ ....‬‬‫قال الرجل هو يحملق في وجه صديقي‬ ‫نعم‪ .‬أومأت برأسي أن نعم‪ ،‬وكنت أعني بيني وبين نفسي أني‪ :‬امتنع‬ ‫همس صاحبي في أذني‪ ،‬الذي كان يتتبع النقاش بانتباه كبير‬ ...‬إنت الزول العندك حكاية مع الصافية؟ لكن إنت شغال شنو؟‪-‬‬ ‫قال له صديقي وقد ظهر عليه بعض الغضب‬ ‫البلد دي غير القوالت والشاعات ما فيها شي‪ .‬بلد نكد ‪..‬هو كدا ‪.‫ل‪ ،‬أنا من القضارف ‪.‬‬‫قال الخر محاوًل الخروج من موضوع الصراع‬ ‫كدي أحسن نشوف موضوع السمسم ‪.‬‬‫‪:‬قال عزيزة‬ ‫مالك ومال الزول دا ربنا الخلُقُه عايزو كدا ‪..‬‬‫‪:‬قال أحد السماسرة‬ ‫اليهود ديل فيهم الُمسلم وفيهم الكافر‪ ،‬زيهم زي الجن‪ ،‬فيهم الُمسلم وفيهم الكافر ‪.‬وقالوا الفلشا ديل يهود‪ ،‬هْم ذاتهم الباعهم جعفر نميري لسرائيل‪ُ ،‬مش كدا؟‪-‬‬ ‫قال جملته الخيرة موجهًا كلمه إلى صديقي‬ ‫‪:‬قلت‬ ‫ولكن هنا في فلشا؟‪-‬‬ ‫‪:‬قال السمسار‬ ‫أسرة واحدة‪ ،‬هي أسرة أبرهيت ولدو إسحق ‪..‬عارف‪ ..‬‬‫ثم أضافت‬ ‫إنتو عارفين إتزوج منو؟‪-‬‬ ‫‪:‬قلت‬ ‫ل‪ ،‬بالتأكيد ‪.‬ما بتعرفو‪ ،‬مرا ول راجل‬‫ضحكت عزيزة قائلة‬ ‫دا ود أمونة وبس‪ .‬‬‫‪:‬قالت‬ ‫إتزوج زينب بت أبرهيت الفلشاوي ‪..‬‬‫قال السمسار الخر‬ ‫دا زول ُمخنث ما نافع‪ .‬‬‫ً‪:‬قلت مندهشا‬ ‫الفلشاوي‪ ..‬طالما الخريف‪-‬‬ ‫‪.‬‬‫‪:‬قالت عزيزة‬ ‫ولكن أبرهيت دا مسلم‪ ،‬قاعد يمشي صلة الجمعة‪ ،‬كل الناس شافوه ‪.‬‬‫‪،‬ثم أضاف‬ ‫شنو‪ُ ،‬مش يهود؟‬ ‫وفي مسلمين يهود عديل كدا‪ ،‬وديل الما بيصلوا ول بيصوموا ويأكلوا الربا ومال اليتيم‪ ،‬ديل ُ‬ ‫ثم أضاف فيما يعني أنه لو وجد أي إسرائيلي أو دولة تشتري منه الفلشا‪ ،‬لباع لها أبرهيت وأسرته جميعًا‬ ‫ليغنى للبد‪ ،‬ديل بيعهم ُمش حلل؟! ربنا ذاته ما حّرم بيع العبيد‪ ،‬سيبك من الفلشا‪ُ ....‬وال لو ولدي كنت حأكتلو عديل كدا ‪.‬مش كدا؟‬ ‫‪.‬انتهى وانفتحت الشوراع‪ ،‬دي مرتو التالتة‬ ‫شواك‪ ،‬لوري الحفيرة‪ ،‬تراكتور‬ ‫السيرة مكونة من عشرين باربارا‪ ،‬خمسة لندروفرات‪ ،‬بص همدائييت وبص ال ُ‬ ‫بمقطورة يتبع لحد التجار من زهانة‪ ،‬المغني المتفرد ود أمونة‪ ،‬يصدح بصوت نسائي عليه بحة خفيفة ربما‬ ‫نتيجة للسهر وتعليم العروس وشرب القهوة الكثير في بيت العرس‪ ،‬حيث ل تنطفئ نار القهوة لما يزيد عن‬ ‫‪.‬‬‫وقطع الحوار صوت أبواق سيارات ونهيق ونباح بربارات ولندروفرات مختلط بزغاريد نساء وصبايا‪ ،‬غناء‬ ‫وجلبة‪ ،‬ثم عّم المكان الغبار المختلق من رفس إطارات السيارات على الرض‪ ،‬قالت عزيزة الزغاوية مستنكرة‬ ‫دا زمن عرس؟؟ لسع الحصاد ما انتهى ‪.‬‬‫‪:‬قال أحد السماسرة‬ ‫أيوا‪ .‬‬‫قال أحد السماسرة مقررًا أمرًا قد يبدو معروفًا للجميع‬ ‫العريس دا قايله منو؟! دا محمد عوض‪ ،‬سّواق باربارة البرناوي‪ ،‬ديل بيعرسوا في أي وقت‪ .

‬الطبقات لود ضيف ال‪،‬غيرها من السرديات الُكبرى و الصغرى‪ ،‬قلت له‬ ‫إنت طريقتك في تناول المواضيع هي المشكلة وليست نواياك ‪.‬جاءت وفي يدها الماء والحلوى والمبابا والبتسامة الساحرة تحلق في فمها الصغير الحلو‬ ‫انحنت الصبية العشرينية أمام كل واحد ِمنا‪ ،‬وهي تصب الماء من وعاء زجاجي أزرق في أكواب عليها علم‬ ‫ل في إثارة واضحة وانفعال باللغة النجليزية‬ ‫‪. The Lion of Zion‬أسد صهيون‬‫حب بنا مرة أخرى‪ ،‬فباركنا له زواج ابنته زينب من محمد عوض سائق‬ ‫تجاهلت همسه حتى ل ألفت النتباه‪ ،‬ر ّ‬ ‫البربارا‪ ،‬وتمنينا لهما بيت الَمال والِعيال وسترة الحال‪ ،‬قال‬ ‫الجبنة جاهزة‪ ،‬والفطور برضو جاهز ‪.‬مقدمات وبوضوح تام ُ‬ ‫ت بالطريقة الذكية البليغة التي حسم بها أبرهيت الموضوع‪ ،‬في هدوء ورباطة جأش‪ ،‬وكأنه‬ ‫جب ْ‬ ‫عِ‬ ‫في الحقيقة أنا ُأ ْ‬ ‫كان يعد الجابة منذ أن ُولد قبل خمسة وخمسين عامًا خلت‪،‬و أنه أجرى عليها تجاربًا كثيرة واختبارات صحة‬ ‫وخطأ في شتى أصناف البشر وأحوالهم‪ ،‬وربما الحيوانات والجن أيضًا للتأكد من مدى صلحيتها‪ ،‬قبل أن يتبناها‬ ‫أخيرًا كإجابة نموذجية تصلح ردًا شافيًا كافيًا لكل المتطفلين والمتحشرين والمتسكعين الكسالى‪ ،‬الذين ل هّم‬ ‫لديهم سوى البحث عن الغوامض‪ ،‬مثيري السئلة‪ ،‬المتشككين‪ ،‬ضعيفي اليمان‪ ،‬والمتطرفين من الناس والجن‬ ‫‪:‬وهوام الرض كافة‬ ‫قال بصوت واضح‪ ،‬بينما كانت عربات السيرة تدور في الخارج‪ ،‬وصوت ود أمونة يصدح بأغنيات بنات رائعات‬ ‫محفزات للرقص‪ ،‬وابنته العشرينية تضع مزيدًا من المبابا على وعاء الحلوى وهي تتفحصنا بركن قصي من‬ ‫‪:‬عينيها الكبيرتين‪ ،‬وتنصرف لتستقبل السيرة في الخارج‪ ،‬قال‬ ‫أنا مسلم ‪.‬تاني‪ ،‬حتى لو كانوا َبني ُقريظة أو بني الَنضير‬ ‫‪:‬قلت له‬ ‫ش حأمشي معاك‪ِ ،‬كفاية العملية العملتها في الكنيسة السبوع الماضي مع الم َمَرَيم ُكِودي راعية الكنيسة‪-‬‬ ‫‪.‬وأح ُ‬ ‫‪:‬ثم أضاف في برود كالصقيع‪ ،‬بينما هو يحاول الحتفاظ بابتسامة دائمة لئيمة‬ ‫سلْم عليك ‪.‬‬‫‪،‬تفحص وجهينا وابتسم ابتسامة ُبنّية قبل أن يواصل كلمه‬ ‫‪،‬أنا مسلم‪ ،‬مسح وجهه براحة كفيه‪ ،‬قبل أن يضيف في حّدة‬ ‫‪،‬وأشهد أن ل إله إل ال‬ ‫وأن محمدًا رسول ال‬ ‫‪،‬وأقيم الصلة‬ ‫‪،‬وآتي الزكاة‬ ‫وأصوم رمضان‬ ‫ت إليه سبي ً‬ ‫ل‬ ‫ت إذا استطع ُ‬ ‫ج البي َ‬ ‫‪.‬أنا ُم ْ‬ ‫‪:‬قال ُمحتجًا وقد عل صوته فجأة‬ ‫عملتها أنا ول عملتها هي‪ ،‬أنا كنت عايز أقيم معاها حوار موضوعي عن الديان‪ ،‬وقصدي شريف جدًا‪ ،‬ولكن‪-‬‬ ‫الم مريم ما فهمتني واعتبرتني ُمخّرب‪ ،‬هي عايزة تتحاور معاي كمسلم عربي وأنا عايز أتحاور معاها كإنسان‬ ‫يتبنى كل الُتراث الروحي للبشرية بما فيه الدين المسيحي نفسه‪ ،‬وكما تكلم زرادشت للفيلسوف نيتشه وكتاب‬ ‫‪.‫لزم نزور أسرة أبرهيت دي‪ ،‬أنا أتمنى أشوف وأحاور يهودي‪ ،‬فلشا ول أشكناز ول سفرديم ول أي يهودي‪-‬‬ ‫‪.‬وبذلك قال لي صديقي فيما بعد أكد أنه يهودي‪ ،‬ويهودي متطرف‬ ‫ونحن نخرج من الباب معتذرين خائبين‪ ،‬وناكرين لصلتنا بالمن‪ ،‬إذا بابنته الِعشرينية الجميلة على الباب‬ ‫مباشرة‪،‬كانت تصتنت للحوار الذي دار بين صديقي ووالدها‪ ،‬الحوار القصير جدًا‪ ،‬حيث إن صاحبي سأله‪ :‬هل‬ ‫أنت من َيهود الِفلشا حقًا؟‬ ‫صِغيرٌة‬ ‫حرَكٍة لغاظِتَنا‪ ،‬بقٌع َ‬ ‫جَتُه إليَنا‪ِ ،‬في َ‬ ‫خَر َ‬ ‫ساِنَها الذي َأ ْ‬ ‫شاِئري‪َ ،‬وِبِل َ‬ ‫جِميلٌة‪ِ،‬في ِفسَتاِنَها الَبَيضِ الَع َ‬ ‫ت َ‬ ‫َكاَن ْ‬ .‬وأسد أثيوبيا الشهيرين‪ :‬همس صديقي في أذني قائ ً‬ ‫‪.‬‬‫اعتذرنا بأننا شربنا الجبنة مع عزيزة الزغاوية وفطرنا في المنزل‪ ،‬ثم دخل صديقي إلى الموضوع مباشرة ودون‬ ‫عرف به وتهور‬ ‫‪.‬وخوفًا من أن ُيقال إني تركته في محنة جديدة وحده ذهبت معه‬ ‫الذهاب إلى بيت أبرهيت لم يكن صعبًا‪ ،‬فالبيت كان متاخمًا للسوق‪ ،‬وأبرهيت نفسه معروف ومشهور كما أن‬ ‫عرس كان أسهل الشياء هنا‬ ‫‪،‬الذهاب إلى منزل فيه مناسبة ُ‬ ‫ونحن نطرق الباب‪ ،‬طلبت منا الصبايا وبعض النساء أن ندخل مباشرة‪ ،‬ومافي داعي لدق الباب‪ ،‬الشئ الذي‬ ‫ل يلبس بنطلونًا وقميصًا نظيفين‬ ‫أدهشهن‪ ،‬ونحن نرفض الدخول دون إعلن‪ ،‬فإذا بأبرهيت يأتي مبتسمًا‪ ،‬طوي ً‬ ‫سّلم علينا وهو يسحبنا إلى داخل ديوانه‪ ،‬ونادى بصوت خفيض لبنته التي‬ ‫وربما جديدين‪ ،‬وبلكنة أمهراوية َ‬ ‫‪. -‬‬ ‫يل مع السلمة‪ ،‬وقولوا لمدير المن أبرهيت ولدو اسحق َي ّ‬ ‫‪.‬‬‫‪.

...‫حَلَوى َكَرَمل‬ ‫حُة َ‬ ‫سوَداَء‪َ ،‬وَراِئ َ‬ ‫‪َ..‬نواصل‬ ‫_________________‬ .‬‬ ‫‪ .

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful