‫مصطفى خليفة‬

‫القــوقعـة‬
‫)) يوميات متلصص ((‬

‫جلست وسوزان في كافيتيريا مطار أورل ي بب اريس ننتظ ر إق الع الط ائرة الت ي س تقلني إل ى بل دي بع د غي اب دام‬
‫ست سنوات‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫حتى ربع الساعة األخير ھذا‪ ،‬لم تيأس سوزان من محاولة إقناعي بالبقاء في فرنس ا‪ ،‬أخ ذت تك رر عل ى مس امعي‬
‫نفس الحجج التي سمعتھا منذ شھور عندما أعلمتھا بقراري النھائي بالعودة إلى الوطن والعمل ھناك‪.‬‬
‫أنا ابن عائلة عربية تدين بالمسيحية والمذھب الكاثوليكي‪ .‬نص ف العائل ة يع يش ف ي ب اريس‪ ،‬ل ذلك كان ت األب واب‬
‫مفتوحة أمامي للدراسة في ھذا البلد‪ ،‬دراستي كان ت س ھلة وميس رة وخاص ة إنن ي كن ت أجي د الفرنس ية حت ى قب ل‬
‫ق دومي إل ى ب اريس‪ ،‬درس ت اإلخ راج الس ينمائي وتفوق ت ف ي دراس تي‪ .‬وھ ا أن ا أع ود بع د تخرج ي إل ى بل دي‬
‫ومدينتي‪.‬‬
‫سوزان أيضا ابنة عائلة عربية‪ ،‬ولكن كل عائلتھا كانت قد ھاجرت وتعيش في فرنسا‪ ،‬أص بحنا ص ديقين حميم ين‬
‫ف ي الس نتين األخي رتين م ن دراس تي‪ ،‬وك ان يمك ن أن نت زوج بمبارك ة الع ائلتين ل وال إص راري عل ى الع ودة إل ى‬
‫الوطن‪ ،‬وإصرارھا على البقاء في فرنسا‪.‬‬
‫قلت لھا حسما◌ً آلخر نقاش في الموضوع ونحن في المطار‪:‬‬
‫ سوزان ‪ ..‬أنا أحب بلدي‪ ،‬مدينتي‪ .‬أحب شوارعھا وزواياھا‪ .‬ھذه ليست رومانسية فارغة‪ ،‬إن ه ش عور أص يل‪،‬‬‫أحفظ العبارات المحفورة على جدران البيوت القديمة في حينا‪ ،‬أعشقھا‪ ،‬أحن إليھا‪ .‬ھذا أوالً‪ ،‬أما ثانيا◌ً فھ و أنن ي‬
‫أريد أن أكون مخرجا◌ً متميزا◌ً ‪ ،‬في رأسي الكثير من المشاريع والخطط‪ ،‬إن طموحي كبير‪ ،‬ف ي فرنس ا س وف‬
‫أبق ى غريب ا ً‪ ،‬أعم ل ك أي الج يء عن دھم‪ ،‬يتفض لون عل ي ب بعض الفت ات ‪ ...‬ال‪ ...‬ال أري د‪ .‬ف ي بل دي أن ا ص احب‬
‫حق… وليس ألحد مي زة التفض ل عل يّ ‪ ،‬بقلي ٍل م ن الجھ د أس تطيع أن أثب ت وج ودي‪ ،‬ھ ذا إذا نحّ ين ا جانب ا حاج ة‬
‫الوطن لي وألمثالي‪.‬‬
‫لذلك قراري بالعودة نھائي‪ ،‬وكل محاولة إلقناعي عكس ذلك عبث‪.‬‬
‫ران صمت استمر بضع دقائق‪ .‬سمعنا النداء‪ .‬آن أوان صعود الطائرة‪ ،‬وقفنا‪ ،‬شربنا ما تبقى في كؤوسنا من بيرة‬
‫دفعة واحدة‪ ،‬نظرت إليھا متأثراً‪ ،‬لمحت مشروع دمعة في عينيھا‪ ،‬ألقت بنفسھا على صدري‪ ،‬قبلتھا س ريعا ً‪ " .‬ال‬
‫أطيق ھكذا موقف "‬
‫قلت ‪ :‬أتمنى لك السعادة‪.‬‬
‫ وأنا كذلك‪ ،‬أرجو أن تنتبه‪ ،‬حافظ على نفسك‪.‬‬‫وصعدت الطائرة‪.‬‬

‫* يوميات متلصص‪:‬‬
‫إن التلصص الذي مارسته لم يكن تلصصا ً جنسيا ً ‪ -‬وان لم يخل األمر من ذلك‪.‬‬
‫ھذه اليوميات كتبت معظمھا في السجن الصحراوي‪ ،‬وكلمة ) كتبت ( في الجملة السابقة ليست دقيقة‪.‬‬
‫فف ي الس جن الص حراوي ال يوج د أق الم وال أوراق للكتاب ة‪ .‬ف ي ھ ذا الس جن الض خم ال ذي يحت وي عل ى س بع‬
‫ساحات إضافة إلى الساحة صفر‪ ،‬وعلى سبعة وثالثين مھجع اً‪ ،‬وعل ى العدي د م ن المھ اجع الجدي دة غي ر المرقم ة‬
‫والغرف والزنازين الفرنسية )السيلول ( ف ي الس احة الخامس ة‪ ،‬وال ذي ض م ب ين جدران ه ف ي لحظ ة م ن اللحظ ات‬
‫‪2‬‬

‫أكثر من عشرة آالف سجين‪ ،‬في ھذا السجن الذي كان يحتوي على أعلى نسبة لحملة الشھادات الجامعية ف ي ھ ذا‬
‫البلد‪ ،‬لم ير السجناء ‪ -‬وبعضھم قضى أكثر من عشرين عاما ً ‪ -‬أية ورقة أو قلم‪.‬‬
‫الكتابة الذھنية أسلوب طوّ ره اإلسالميون‪ " .‬أحدھم كان يحفظ في ذھن ه أكث ر م ن عش رة آالف اس م‪ ،‬ھ م الس جناء‬
‫ال ذين دخل وا الس جن الص حراوي‪ ،‬م ع أس ماء ع ائالتھم‪ ،‬م دنھم أو ق راھم‪ ،‬ت اريخ اعتق الھم‪ ،‬أحك امھم‪ ،‬مص يرھم‬
‫‪.".....‬‬
‫عندما قررت كتابة ھذه اليوميات كنت قد استطعت بالتدريب تحويل ال ذھن إل ى ش ريط تس جيل‪ ،‬س جلت علي ه ك ل‬
‫ما رأيت‪ ،‬وبعض ما سمعت‪.‬‬
‫واآلن أفرغ "بعض" ما احتواه ھذا الشريط‪.‬‬
‫ ھل أنا نفس ما كنته قبل ثالثة عشر عاما ؟! ‪ ...‬نعم ‪ ...‬وال‪ .‬نعم صغيرة‪ ،‬وال كبيرة‪.‬‬‫نعم‪ ،‬ألنني أفرغ وأكتب "كتابة حقيقية" بعضا ً من ھذه اليوميات‪.‬‬
‫وال‪ ..‬ألنن ي ال أس تطيع أن أكت ب وأق ول ك ل ش يء‪ .‬ھ ذا يحت اج إل ى عملي ة ب وح‪ ،‬وللب وح ش روط‪ .‬الظ رف‬
‫الموضوعي والطرف اآلخر‪.‬‬

‫‪ 20‬نيسان‬
‫وقفت على سلم الطائرة قليالً أتملى أبنية المطار‪ .‬أنظر إلى األضواء البعيدة‪ ،‬أضواء مدينتي‪ .‬إنھا لحظة رائعة‪.‬‬
‫نزلت‪ ،‬أخذت حقيبتي وجواز السفر في يدي‪ ،‬إحساس باالرتياح‪ ،‬إحساس من يعود إلى بيته وزواي اه المألوف ة بع د‬
‫طول غياب‪.‬‬
‫طلب مني الموظف االنتظار‪ .‬قرأ جواز السفر‪ ،‬رجع إلى أوراق عنده‪ ،‬بعدھا طلب مني االنتظار‪ ،‬فانتظرت‪.‬‬
‫اثنان من رجال األمن استلما جواز السفر وبلطف مبالغ فيه طلبا مني مرافقتھما‪.‬‬
‫أنا وحقيبتي – التي لم أرھ ا بع د ذل ك – ورحل ة ف ي س يارة األم ن عل ى طري ق المط ار الطوي ل‪ ،‬أرق ب األض واء‬
‫على جانبي الطريق‪ ،‬أرقب أضواء مدينتي تقترب‪ ،‬ألتفت إلى رجل األمن الجالس إلى جواري‪ ،‬أساله‪:‬‬
‫ خير إن شاء ﷲ ؟ ‪ ..‬لماذا ھذه اإلجراءات ؟!‬‫يصالب سبابته على شفتيه‪ ،‬ال ينطق بأي حرف‪ ،‬يطلب مني السكوت‪ ،‬فأسكت!‬
‫رحلة من المطار إلى ذلك المبنى الكئيب وسط العاصمة‪ .‬رحلة في المكان‪.‬‬
‫ومنذ تلك اللحظة ولى ثالثة عشر عاما ً قادمة! رحلة في الزمان‪.‬‬
‫"عرفت فيما بعد أن أحدھم‪ ،‬وكان طالبا معنا في باريس‪ ،‬قد كتب تقريرا رفعه إلى الجھة األمنية التي يرتبط بھ ا‪،‬‬
‫يق ول ھ ذا التقري ر إنن ي ق د تفوھ ت بعب ارات معادي ة للنظ ام الق ائم‪ ،‬وإنن ي تلفظ ت بعب ارات جارح ة بح ق رئ يس‬
‫الدولة‪ ،‬وھذا الفعل يعتبر من اكبر الجرائم‪ ،‬يعادل فعل الخيانة الوطنية إن لم يكن أقسى‪.‬‬
‫وھذا جرى قبل ثالث سنوات على عودتي من باريس"‪.‬‬
‫ذلك التقرير قادني إلى ھذا المبنى الذي يتوسط العاصمة – قريبا ً من بيتنا ھذا المبنى ال ذي أعرف ه جي داً‪ ،‬فلطالم ا‬
‫مررت من أمامه‪ .‬كنت حينھا ُمثاراً بالغموض الذي يلفه‪ ،‬وبالحراسة الشديدة حوله‪.‬‬
‫‪3‬‬

‫رج ال األم ن يخفران ي‪ ،‬اش تدت قبض اتھما عل ى س اعديّ عن دما ولجن ا الب اب إل ى المم ر الطوي ل‪ .‬ف ي آخ ر المم ر‬
‫شاب‪ ،‬صاح عندما رآنا‪:‬‬
‫ أھلين موسى ‪..‬شو ؟! أخضر وال أحمر؟‬‫ كلّو أخرى من بعض‪.‬‬‫من الممر إلى ممر آخر‪ ،‬درج داخلي‪ ،‬ممر علوي‪ ،‬غرفة إلى اليمين‪ ...‬قرع الباب‪ ...‬صوت من الداخل‪ :‬أدخل‪.‬‬
‫فتح مرافقي الباب بھدوء‪ ،‬ثم خبط األرض بقدميه بقوة‪:‬‬
‫ احترامي سيدي ‪ ..‬ھذا مطلوب جبناه من المطار ‪ ..‬سيدي‪.‬‬‫انسلت إلى أنفي رائحة مميزة‪ ،‬ال يوجد مثيلھا إال في مكاتب ضباط األمن‪ ،‬ھ ي خل يط روائ ح‪ ،‬العط ور المختلف ة‪،‬‬
‫السجائر الفاخرة‪ ،‬رائحة العرق اإلنساني‪ ،‬رائحة األرجل‪.‬‬
‫كل ذلك ممزوج برائحة التعذيب‪ .‬العذاب اإلنساني‪ .‬رائحة القسوة‪.‬‬
‫ما أن تصل الرائحة إلى أنف اإلنسان حتى يشعر بالرھبة والخوف‪ ،‬وقد شعرت بھما رغم اعتقادي أن التباس ا ً م ا‬
‫وراء كل ھذا‪.‬‬
‫التفت إلينا شخص عمالق‪ ،‬أبيض الشعر ذو وجه أحمر‪ ،‬لمحت عند قدمي ه ش ابا ً مقرفص ا ً معص وب العين ين‪ ،‬ق ال‬
‫العمالق‪:‬‬
‫ خذه لعند أبو رمزت‪.‬‬‫جذبني المرافقان‪ ،‬ھذه المرة بعنف ظاھر‪ .‬ممرات وأدراج‪ ،‬كم يبدو البناء صغيراً من الخارج‪ ،‬بينما ھو بك ل ھ ذا‬
‫االتس اع م ن ال داخل‪ ،‬خ الل س يرنا تص لني أص وات ص راخ إنس اني واس تغاثات‪ ،‬كلم ا تق دمنا أكث ر ت زداد ھ ذه‬
‫األصوات ارتفاعا ً ووضوحا ً‪ ،‬نزلنا – على ما أعتقد ‪ -‬إلى القبو‪ ،‬فتح أحد مرافق يّ الب اب‪ ،‬رأي ت مص در الص راخ‬
‫واالستغاثة‪ ،‬فاجأتني صرخة ألم عالية إثر ضربة كابل على قدمي الش خص المم دد أرض ا ً والمحش ور ف ي دوالب‬
‫سيارة خارجي‪ ،‬رجاله مرتفعتان في الھواء‪.‬‬
‫"أحسست أن شيئي بين فخدي قد ارتجف"‪.‬‬
‫بينما كنت مذھوالً من رؤية الكابل األسود يرتفع ثم يھوي على قدمي الشاب المحشور في دوالب السيارة األس ود‬
‫ثم يرتفع ناثراً معه نقاط الدم ونتف اللحم اآلدمي‪ ،‬ج ّمدني ص وت زاع ق‪ .‬التف ت مرغم ا ً إل ى مص دره‪ ،‬ف ي زاوي ة‬
‫الغرفة رجل محتقن الوجه‪ ،‬محمرّ ه‪ ،‬والزبد يرغي على زاويتي فمه‪:‬‬
‫ طمّش عيونه ‪..‬وال حمار!!‬‫قفز أحد مرافقيّ قفزتين‪ ،‬واحدة إل ى األم ام‪ ،‬وأخ رى إل ى ال وراء‪ ،‬وإذا بش يء يوض ع عل ى عين يّ و ُي ربط بمط اط‬
‫خلف رأسي‪ ،‬ولم أعد أرى شيئا‪.‬‬
‫ وقفوه على الحائط‪.‬‬‫دفعة على ظھري‪ ،‬صفعة على رقبتي‪ ،‬يداي إلى الخلف‪ ،‬أسير مرغما‪ ،‬يرتطم رأسي بالجدار‪ ،‬أقف‪.‬‬
‫ إرفع يديك لفوق ‪..‬ولك كلب ‪...‬‬‫أرف ُعھما‪.‬‬
‫‪4‬‬

‫ إرفع رجلك اليمين ووقف على رجلك اليسار ‪..‬يا ابن الشرموطة‪.‬‬‫أرفع رجلي‪ ،‬أقف‪.‬‬
‫في الخلف يستمر ما كان يجري‪ ،‬أسمع صوت الكابل‪ ،‬ص وت ارتطام ه بالق دمين‪ ،‬ص وت الش اب المت ألم‪ ،‬ص وت‬
‫لھاث الجالد‪ ،‬أكاد اسمع صوت نتف اللحم التي رأيتھا تتطاير قبل قليل‪ ..‬أصوات‪ ..‬أصوات‪.‬‬
‫عند األعمى الصوت ھو السيد‪.‬‬
‫الكرسي المريح في مطار اورلي‪ ،‬سوزان‪ ،‬مرطبات‪ ،‬بيرة‪ ،‬المقعد الوثير في الطائرة‪ ،‬المضيفة الت ي تف يض رق ًة‬
‫وجماالً‪ ،‬العصير‪ ..‬الشاي !!‬
‫تتعب رجلي اليسرى التي تحمل كامل جسدي‪ ".‬لو بدلت اليمنى باليسرى‪ ،‬ھل سينتبه الرجل ذو الوجه المح تقن؟!‬
‫وإذا انتبه ماذا سيفعل ؟!" ‪.‬‬
‫تتخدر اليسرى‪ ،‬لم أعد أستطيع االحتمال‪ ،‬أغامر ‪..‬أبدل !!‪ ..‬لم يحصل ش يء‪ ،‬ل م ينتب ه أح د‪ ،‬أش عر باالنتص ار!‪..‬‬
‫"بعد سنين طويلة من السجن مستقبالً‪ ،‬سأكتشف أن ه ف ي الص راع األب دي ب ين الس جين والس جان‪ ،‬ك ل انتص ارات‬
‫السجين ستكون من ھذا العيار!!"‪.‬‬
‫الزمن ثقيل ‪ ..‬ثقيل ‪ ..‬حال ة م ن الالتص ديق تنت ابني!! م ا ال ذي يج ري؟! ول م أن ا ھن ا ؟! آالف األس ئلة‪ ،‬أح اول أن‬
‫أستند بيدي إلى الحائط‪ ،‬ألمسه برؤوس أصابعي ‪ ....‬فجأة يص يح الش اب المحش ور ف ي دوالب الس يارة الخ ارجي‬
‫األسود‪:‬‬
‫ بس يا سيدي ‪..‬بس‪ ،‬مشان ﷲ‪ ،‬ما عاد فيني أتحمل! رح أحكي كل شي‪.‬‬‫بھدوء وبلھجة المنتصر‪ ،‬يقول الرجل ذو الوجه المحتقن‪:‬‬
‫ بس إبراھيم ‪ ..‬كافي‪ ،‬اتركه‪ ،‬طالعه من الدوالب وخذه لعند الرائد‪.‬‬‫اسمعه يتكلم بالھاتف مع الرائد‪ .‬فكرت‪ :‬جاء اآلن دوري !!؟ ‪.‬‬
‫فعالً‪ ،‬سمعت صوت سماعة الھاتف تعاد إلى مكانھا‪ ،‬صاح المحتقن‪:‬‬
‫ ولك أيوب ‪..‬أيوب‪.‬‬‫ نعم سيدي‪.‬‬‫ تعال شوف ھذا الزبون‪.‬‬‫أحس بأيوب خلفي ‪.‬‬
‫‪ -‬دخله عـ الدوالب ‪..‬يا‬

‫بسرعة‪.‬‬

‫شعرت بأن أكثر من خمسة رجال قد جذبوني وأوقعوني أرضا ً‪ " .‬ال ى اآلن‪ ،‬بع د أربع ة عش ر عام ا ً مض ت عل ى‬
‫تلك اللحظة‪ ،‬لم أستطع أن أفھم أو أتصور كيف أن أيوب قد حشرني في ذل ك ال دوالب الخ ارجي للس يارة‪ ،‬بحي ث‬
‫أصبحت رجالي مشرعتين في الھواء‪ ،‬ال أستطيع الفكاك مھما حاولت‪ ،‬وال كيف انتزع حذائي وجواربي !!"‪.‬‬
‫ سيدي ‪..‬كابل والّ خيزرانة؟‬‫ خيزرانه ‪ ..‬خيزرانه‪ ،‬يظھر األستاذ نعنوع!‬‫‪5‬‬

‫سيخ من النار لسع باطن قدمي‪ ،‬صرخت‪ .‬قبل انتھاء الصرخة كانت الخيزرانه قد لسعت م رة أخ رى ‪ ..‬الض رب‬
‫متواصل‪ ،‬الصراخ متواصل‪ .‬رغم ذلك سمعت صوت الرجل المحتقن‪:‬‬
‫ أيوب‪ ..‬بس استوى ناديلي‪.‬‬‫ال أعرف لماذا يضربونني! ال أعرف ماذا يريدون مني‪ ،‬تجرأت وصرخت‪:‬‬
‫ لك يا أخي شو بتريد مني؟‪.‬‬‫ كول خرى‪ ..‬وال َمنيك‪.‬‬‫ھذا كان رد أيوب الذي لم أر وجھه أبداً‪ .‬وبدأت أعد الضربات وأنا أصرخ ألما‪" .‬بعد ذلك بزمن طوي ل‪ ،‬أخبرن ي‬
‫المتمرسون‪ :‬إن ع َّد الض ربات أول عالم ات الض عف‪ ،‬وإن ھ ذا ي دل عل ى أن المجاھ د أو المناض ل س ينھار أم ام‬
‫المحقق!!‪..‬وقتھا قلت في نفسي‪ :‬ولكنني لست مناضالً وال مجاھ داً‪ .‬وأخبرون ي أن م ن األفض ل ف ي ھ ذه الح االت‬
‫أن تكون لديك قدرة كبيرة على التركيز النفسي بحيث تركز على مسألة محببة لك‪ ،‬وتحاول أن تنسى قدميك !!"‪.‬‬
‫عند الرقم أربعين أخطأت العد‪ ،‬وبدأت أفقد إحساس ي بجس دي‪ ،‬ص راخي خفت ت حدت ه‪ ،‬حال ة م ن ع دم الت وازن و‬
‫الدوار‪ ،‬الغمام – رغم الطماشة – بدأ يطفو أمام عيني "ھل بدأت أفقد وعيي ؟" غم ام ‪..‬دوار ‪ ..‬مط ار أورل ي ‪..‬‬
‫العصير البيرة ‪..‬الطائرة والمضيفة اللطيفة ‪...‬‬
‫إحساس مبھم بأن كل شيء قد توقف‪ ..‬استعدت استيعاب الموقف‪ ..‬نعم حتى الضرب توقف! خدر‪ ...‬خدر ‪..‬‬
‫دقائق قد تكون طويلة ‪ ...‬قد تكون قصيرة ‪..‬لست أدري !! صحوت!‪.‬‬
‫صوت الرجل ذو الوجه المحتقن ثانية‪:‬‬
‫ شو يا أيوب ‪ ..‬صحي والّ أل؟‬‫ صحي ‪ ..‬سيدي‪ ..‬صحي ‪ ،‬بس ‪ ..‬شخ تحتو!!‬‫ العمى بـ عيونه ‪..‬الظاھر إنو األستاذ كتير خروق!!‬‫أحسست بلكزة في خاصرتي‪ ،‬وصوت المحقق‪:‬‬
‫ ولك شو ؟ ‪ ..‬مانك رجّ ال ؟! العمى بعيونك ما بتستحي تشخ تحتك ؟! شو اسمك وال ؟‬‫قلت له اسمي‪.‬‬
‫ وال كلب ‪ ..‬شوف ‪ ،‬لسه ما بلشنا معك‪ ،‬صار فيك ھيك‪ ،‬لسه ھذا كله مزح وما بلشنا الجد‪ ،‬األفض ل م ن البداي ة‬‫تريح حالك وتريحنا ‪ ...‬بدك تحكي ‪ ...‬يعني بدك تحكي!! ھون عندنا الكل بيحكوا ‪ ...‬وبدك تحكي كل شي ‪ ..‬من‬
‫طق طق ‪..‬لـ السالم عليكم ! ھاه ‪..‬؟ مستعد تحكي ؟‬
‫ يا سيدي بحكي شو ما بتريد ‪ ..‬بس قولولي شو بدي أحكي!‬‫ طيب ‪..‬ھات لنشوف ‪..‬شو أسماء أسرتك وال؟‬‫بدأت أعد له أسماء أھلي‪ ،‬بدءاً◌ً من والدي ووالدتي‪ ،‬لكنه قاطعني صارخا ً مھتاجا ً‪:‬‬
‫ وال جحش ‪..‬عم تجدبھا علي ؟ أنا بدي أسماء أھلك !! خراي عليك وعلى أھلك‪ ،‬قل لي أس ماء أس رتك ب التنظيم‬‫وال ‪ ...‬كرّ ‪.‬‬
‫ أي تنظيم يا سيدي؟ أي تنظيم؟‬‫‪6‬‬

‫ يا أيوب ‪ ..‬يبدو ھـ التيس عم يغشم حاله!! بدو يعذبنا و يعذب حاله!!‬‫ يا سيدي ‪..‬وحياة الرب‪..‬وحياة الرب ‪..‬ما بعرف عن شو عم تسألني! أي تنظيم ھذا يللي عم تحكي عنه؟‬‫صوت خطوات‪ .‬شعرت أنه اقترب مني‪ ،‬أنفاسه لفحت وجھي‪ ،‬وبھدوء شديد قال‪:‬‬
‫ تنظيم المنايك أمثالك ‪ ..‬تنظيم اإلخوان المسلمين ‪..‬شو ما بتعرف تنظيمك ؟!‪.‬‬‫"الحظت أن رائحة فمه كريھة جداً"‪.‬‬
‫لم أدر‪ .‬ھل علي أن أفرح ألن االلتباس بدا واضحا ً جليا ً ؟ ‪..‬أم ألعن حظي الع اثر ال ذي أوقعن ي ف ي ھ ذا االلتب اس‬
‫؟‪ ..‬أم ألع ن الص دف الت ي ق درت أن أص ل مباش رة إل ى أب و رم زت ؟‪ ..‬ل و أنھ م فتش وني وأخ ذوا أغراض ي كم ا‬
‫يفعلون مع الجميع‪ ..‬لتبين ألحد ما من أكون وما ھي جريمتي‪ ،‬ولكن أن أدخ ل ف رع المخ ابرات ف ي اللحظ ة الت ي‬
‫ك ان ي أتي فيھ ا إل ى الف رع يومي ا ً مئ ات المعتقل ين م ن اإلخ وان المس لمين‪ ،‬وأن أ ُح َش ر بي نھم‪ ،‬وأن يعم ل الض باط‬
‫والعناصر على مدار األربع وعشرين ساعة يوميا ً‪ ،‬وأن تك ون الفوض ى داخ ل الف رع عارم ة لھ ذه الدرج ة‪ ،‬فم ن‬
‫المس تحيل عن دھا أن أس تطيع إزال ة وتوض يح ھ ذا االلتب اس‪ .‬وف وق ك ل ھ ذا اس مي ال ذي ال ي وحي ب أنني لس ت‬
‫مسلما ً‪.‬‬
‫ولكن رغم ذلك‪ ،‬صرخت‪:‬‬
‫ بس سيدي أنا مسيحي‪ ..‬أنا مسيحي!!‬‫ شو وال !! عم تقول مس يحي ؟! العم ى بعيون ك وال ‪..‬ل يش م ا حكي ت ؟! ل يش جايبين ك لكان؟‪..‬أكيد‪..‬أكي د عام ل‬‫شغلة كبيرة!‪..‬مسيحي؟!‬
‫ أنتو ما سألتوني يا سيدي ‪..‬ومو بس مسيحي ‪ ..‬أنا رجل ملحد ‪..‬أنا ما بآمن با !!‬‫"الى اآلن لم أجد تفسيراً لفذلكتي ھذه‪ ،‬فما الغاية من إعالن إلحادي أمام ھذا المحقق ؟‪ ..‬ال أعرف !"‪.‬‬
‫ وملحد كمان؟!‬‫سألھا بصوت عليه مسحة من تفكير‪.‬‬
‫ نعم سيدي ‪..‬نعم ‪ .‬وﷲ العظيم‪..‬وشوف جواز سفري‪.‬‬‫سكت الرجل المحتقن لحظات بدت لي طويلة جداً‪ .‬سمعت صوت أقدامه تبتعد‪ ،‬وبصوت واضح قال‪:‬‬
‫ قال ملحد‪ ...‬قال !! إي‪ ..‬بس نحن دولة إسالمية !!‪..‬أيوب‪..‬كمل شغلك!!‬‫وعادت خيزرانة أيوب تواصل عملھا‪.‬‬
‫" من ذ اللحظ ات األول ى الحتك اكي بھ ؤالء‪ ،‬اس تخدمت كلم ة _ ي اأخي_ عن د اإلجاب ة عل ى س ؤال م ا‪ ،‬لك ن أي وب‬
‫صفعني قائالً‪:‬‬
‫_ وال كلب‪ ..‬أنا أخوك؟‪ ..‬أخوك بالخان‪.‬‬
‫تداركت األمر وخاطبته ب "يا أستاذ" وصفعة أخرى‪:‬‬
‫ أستاذ؟‪ ..‬أستاذ ببيت أھلك‪..‬بين فخاذ أمك‪.‬‬‫منذ تلك اللحظات علموني أن أقول‪ " :‬ياسيدي"‪.‬‬
‫ھذه الكلمة التستخدم ھنا كما بين رجلين مھذبين‪ ،‬ھذه الكلمة ُتنطق ھنا وھي تحمل كل معاني الذ ّل والعبودية‪.‬‬
‫‪7‬‬

‫‪ 21‬نيسان‬
‫فتحت عيني ب بطء‪ ،‬أك اد اختن ق م ن نتان ة ال روائح المحيط ة ب ي‪ ،‬ح ولي غاب ة م ن األق دام واألرج ل‪ ،‬ملق ى عل ى‬
‫األرض بين ھذه األق دام المكتظ ة‪ ،‬رائح ة األق دام الق ذرة‪ ،‬رائح ة ال دم‪ ،‬رائح ة الج روح المتقيح ة‪ ،‬رائح ة األرض‬
‫التي لم تنظف منذ زمن طويل ‪ ...‬األنفاس الثقيلة ألناس يقفون متالصقين "علمت بعد قليل من خالل عملية التفق د‬
‫والعد‪ ،‬أننا كنا ستة وثمانين رجالً‪ ،‬عاينت سقف الغرف ة وق درت أن مس احتھا ال تزي د ع ن خمس ة وعش رين مت راً‬
‫مربعا‪."!!.‬‬
‫الحديث بين الناس يجري ھمساً‪ ،‬األم ر ال ذي يول د أزي زاً متواص ال يخ يم ف وق الجمي ع‪ .‬أردت الوق وف الستنش اق‬
‫بعض الھواء‪.‬آالم فظيعة في كامل الجسد‪ ،‬تحاملت‪ ،‬تجلدت‪ ،‬وعندما حاولت أن أقف على قدمي صرخت ألما ً‪.‬‬
‫انتبه الناس من حولي‪ ،‬عدة أياد امتدت‪ ،‬أمسكت بي من تحت إبطي وأنھض تني‪ ،‬وقف ت مس تندا إل ى األي ادي‪ ،‬ق ال‬
‫شاب يقف إلى جانبي‪:‬‬
‫ اصبر يا أخي‪ ..‬اصبر‪ ،‬إنھا شدة وتزول!!‬‫قال آخر‪:‬‬
‫ من يكن مع ﷲ فإن ﷲ سيكون معه‪..‬ال تيأس يا أخي‪.‬‬‫م ع الحرك ة خف ت اآلالم قل يالً‪ ،‬نظ رت ح ولي‪ ،‬رج ال‪ ..‬ش باب‪ ..‬ويوج د أطف ال ف ي الثاني ة عش ر والثالث ة عش ر‬
‫‪..‬كھول‪ ..‬شيوخ!!‬
‫ّ‬
‫التفت إلى الرجل الذي حاول أن يشد من عزيمتي قبل قليل‪ ،‬سألته ‪:‬‬
‫ مين ھدول الناس؟ ‪ ..‬ليش نحن ھون؟ ليش الناس واقفين؟!‬‫نظر الرجل إليّ بحيرة تقرب من البالھة وكأنه يقول‪ :‬كيف يمكن شرح ما ھو بديھي؟!! ورد بسؤال‪:‬‬
‫ أنت ‪..‬ما بتعرف شو صاير بالبلد ؟!‬‫"كنت‪ ،‬وأنا ف ي فرنس ا‪ ،‬ق د س معت أنب ا ًء ع ن اض طرابات سياس ية تحص ل ھن ا‪ ،‬وأن ھن اك حزب ا ً ي دعى اإلخ وان‬
‫المسلمين يقوم ببعض حوادث العنف ھنا وھناك‪ .‬ولكني لم أعر ھذه األنباء أية أھمية‪ ،‬وبقي ت مبھم ة‪ ،‬فل م أع رف‬
‫التفاص يل‪ ،‬ول م أك ن يوم ا م ن ھ واة نش رات األخب ار‪ ،‬أو العم ل السياس ي الم نظم‪ ،‬رغ م أنن ي كن ت ف ي المرحل ة‬
‫الثانوية وما تالھا قريبا ً من بعض الماركسيين ومتأثراً بأفكارھم‪ ،‬خاصة أفكار خالي الذي كان على ما يبدو يحتل‬
‫مركزاً قياديا ً مھما ً في الحزب الشيوعي"‪.‬‬
‫أجبته‪:‬‬
‫ ال وﷲ ‪ ..‬ما بعرف! ‪ ..‬ليش شو صاير؟‬‫ ليش مانك عايش بالبلد؟!‬‫و أردت أن اقطع كل دابر أسئلته‪ ،‬فأجبته دفعة واحدة عن كل ما يمكن أن يسأله‪:‬‬
‫ أل ‪ ..‬كنت عايش بفرنسا‪ ..‬واليوم أنا جيت‪ ،‬يعني من‪" ..‬نظرت الى ساعتي" أربع عشرة ساعة بس‪.‬‬‫ العمى معك ساعة ؟!! ‪..‬خبيھا يا أخي خبيھا‪ ،‬شايف كل الناس ھون‪ ،‬ھدول كلھم من خيرة المؤمنين والم دافعين‬‫عن اإلسالم بھا البلد‪ ،‬امتحان يا أخي امتحان‪ ،‬امتحان من ﷲ عز وجل‪.‬‬
‫‪8‬‬

‫قاطعته وقد بلغ بي اإلحساس بغرابة وضعي وبالغبن والضيق حداً كبيراً‪ ،‬قلت محت ّداً‪:‬‬
‫ طيب ‪ ..‬العمى أنا شو دخلني؟! أنا مسيحي ماني مسلم‪ ،‬وأنا ملحد ماني مؤمن!!‬‫" ھذه ھي المرة الثانية التي أعلن فيھ ا أنن ي ملح د ‪ -‬وكان ت فذلك ة أيض ا ‪ .-‬ف ي الم رة األول ى كلفتن ي وجب ة م ن‬
‫خيزرانة أيوب‪ ،‬بأمر من أبو رمزت الذي ذب ح المس لمين ألنن ا نع يش ف ي دول ة إس المية !!! أم ا ف ي الم رة الثاني ة‬
‫فإنھا ستكلفني سنوات طويلة من العزلة المطلقة‪ ،‬ومعاملة كمعاملة الحشرات‪ ،‬ال بل أسوأ منھا"‪.‬‬
‫رأيت محدثي وكأنه قفز إلى الخلف‪ .‬ولكونن ا محش ورين‪ ،‬ل م يتح رك من ه إال ج زؤه العل وي فق ط‪ ،‬وبش كل عف وي‬
‫قال‪:‬‬
‫ أعوذ با من الشيطان الرجيم ‪ - ..‬ثم بصوت أعلى ‪ .. -‬يا شباب في واح د نص راني ك افر !‪ ..‬ف ي عن دنا واح د‬‫جاسوس‪.‬‬
‫ُ‬
‫صوّ بت نحوي مجموعة من العيون‪ ،‬في نفس الوقت الذي سمعت فيه صوتا ً آتيا ً من خلفي‪ ،‬صوتا ً آمراً‪:‬‬
‫ـ مين ھذا يللي عم يرفع صوته ؟ ‪ ..‬سكوت ‪..‬سكوت ! يا‬

‫‪ ..‬صار وقت التبديل‪.‬‬

‫لم استطع استيعاب األمر !! في الجزء األبعد من الغرفة كانت ھناك مجموعة من الناس المستلقين عل ى األرض‪،‬‬
‫وقد اصطفوا بطريقة غريبة ولكن منتظمة‪" .‬كما لو كانوا مجموعة من لفائف التبغ قد اص طفت ف ي علب ة"‪ .‬وب ين‬
‫المستلقين وبيننا نحن الواقفين‪ ،‬توجد المجموعة الثالثة‪ ،‬مجموعة المقرفصين على األرض‪.‬‬
‫بع د ك الم الرج ل الض خم ـ علم ت أن ه رئ يس المھج ع ـ تحرك ت المجموع ات ال ثالث‪ .‬خ الل لحظ ات ك ان الني ام‬
‫جميعا ً قد وقفوا واحتلوا الركن الذي كنا فيه تدريجيا ً‪ .‬نحن قرفصنا‪ .‬المجموعة الثالثة اتجھت الى مكان النوم‬
‫ـ يا‬

‫سيّف‪ ..‬سيّف‪ ،‬كل النايمين يسيّفو‪.‬‬

‫"وتبين أن التسييف ھو النوم على الجنب"‪.‬‬
‫األول استلقى لصق الحائط على جنبه‪ ،‬ظھره إلى الحائط‪ ،‬الثاني استلقى أمام ه واض عا ً ال بطن عل ى ال بطن‪ ،‬رأس‬
‫كل واحد منھما عند أقدام اآلخر‪.‬‬
‫الثالث سيّف ووضع ظھره لصق الظھر الثاني‪ ،‬الرابع بطنه على بطن الثالث‪ ،‬ودائما ً الرؤوس عند األقدام‪.‬‬
‫تتابع المستلقون إلى أن وصل الصف إلى الحائط الثاني من الغرف ة والزال ھن اك س تة أو س بعة أش خاص ل م يب ق‬
‫لھم مكان‪ .‬ھنا صاح رئيس المھجع‪:‬‬
‫ـ يا‬

‫‪..‬يا كبّيس ‪ ..‬أجا شغلك!‬

‫تلق عن د الح ائط ‪ ،‬وبھ دوء وض ع‬
‫قام الرج ل الض خم الث اني بھ دوء ـ يب دو مص ارعا ً ـ ‪ .‬ذھ ب إل ى أول رج ل مس ٍ‬
‫قدميه بين الحائط وبين الرجل المستلقي‪ ،‬استند بظھره إلى الحائط‪ ،‬ثم أخذ يدفع المستلقي بباطن قدميه‪ ،‬دفع أكثر‪،‬‬
‫أنضغط المستلقون قليال‪ ،‬أصبح ھناك مسافة تتسع لرجل آخر‪ ،‬نادى على واحد من المتبقين‪ :‬يا‬

‫‪ ..‬إنزل ھون‪.‬‬

‫نزل الرجل مستلقيا ً على جنبه بين أقدام الك ّبيس والرجل األول‪ ،‬ثم بدأ الك ّبيس بالضغط على الرجل الجديد‪ ،‬ومرة‬
‫أخرى حقق مسافة تتسع إلى آخر‪ ..‬يا‬

‫‪ ..‬إنزل ھون‪ ،‬ثم الضغط من جديد ورجل جديد‪ ،‬في النھاية ت م اس تيعاب‬

‫جميع الذين لم يبق لھم مكان سابقا‪ ،‬عاد الكبيس إلى مكانه بنفس الھدوء‪ ،‬وھو ينفض يديه!‪.‬‬
‫راقبت المستلقين‪ ،‬بعضھم استغرق في النوم فوراً!!‪.‬‬
‫‪9‬‬

‫ثالث ة أي ام قض يتھا ف ي تل ك الغرف ة‪" .‬س معت أن بعض ھم س ابقا ً والحق ا ً‪ ،‬قض ى فيھ ا ش ھوراً عدي دة‪ ،‬وف ي بع ض‬
‫الحاالت كان العدد يزيد على عددنا"‪ .‬خالل ھذه األيام تعرفت على الغرفة جيداً‪.‬‬
‫بعد قليل من جلوسنا القرفصاء‪ ،‬أحسست أنني أريد قضاء حاجة‪ ،‬التفت إلى جاري وسألته‪:‬‬
‫ـ أين يقضي اإلنسان حاجته ؟‬
‫أشاح بوجھه عني ولم يجب‪ ،‬سألت الجار اآلخر‪ ،‬أيضا ً لم يجب‪ .‬تذكرت أنني نصراني‪ ،‬كافر‪ ،‬جاسوس‪ ،‬وس تظل‬
‫تالحقني ھذه التھم‪.‬‬
‫موقعي قريب من رئيس المھجع‪ ،‬سألته فدلني على المرحاض‪" .‬إذن في الغرفة مرح اض!"‪ .‬اض ررت لالنتظ ار‬
‫أكثر من ساعة‪ .‬مرحاض واحد‪ ،‬حنفية ماء واحدة‪ ،‬وستة وثمانون شخصا ً‪.‬‬
‫عدت إلى موقعي‪ .‬حركة ما فوق‪ ،‬نظرت‪ .‬أنبوب الصرف الصحي‪ ،‬ويبدو أنه للبناء كله‪ ،‬يقطع الغرف ة م ن أولھ ا‬
‫إلى آخرھا‪ .‬بين األنبوب وبين سقف الغرفة حوالي النصف متر‪ .‬فوق ھذا األنبوب ينام اثنان م ن الفتي ة عم ر ك ل‬
‫منھما حوالي خمسة عشر عاما ً‪ ،‬احتضن الواحد منھما األنبوب بيديه وص دره وت دلت األرج ل إل ى األس فل‪ ،‬بينم ا‬
‫الرأس مرتاح على صوت خرير الماء داخل األنبوب‪.‬‬
‫ـ بحياتي ما نمت أحلى من ھـ النومة!!‬
‫قال أحدھما في اليوم الثاني‪.‬‬

‫‪ 22‬نيسان‬
‫استيقظت!‬
‫بعد ثماني ساعات من القرفصة جاء دورن ا ف ي االس تلقاء‪ .‬بع ض المقرفص ين مم ن لھ م خب رة نبھ وا بعض ھم إل ى‬
‫ضرورة الذھاب إلى المرحاض قبل االس تلقاء‪ ،‬ألن ك إذا اس تلقيت وانتھ ى الكب يس م ن عمل ه‪ ،‬ومھم ا ك ان الس بب‬
‫الذي قمت من االستلقاء من أجله فإن مكانك سيذھب‪.‬‬
‫اس تلقيت مض غوطا ً بظھ ر ر ُج ل عل ى ظھ ري‪ ،‬وبط ن رج ل آخ ر عل ى بطن ي‪" ،‬ت ذكرت ص ديقتي الت ي تح ب‬
‫الوضعية الفرنسية !!"‪.‬‬
‫خلف رأسي قدمان‪ ،‬وأمامه قدمان‪ .‬كيف يمكن لإلنسان أن ينام وھو يشم ھذه الرائحة ؟!!‬
‫ورغم ذلك نمت نوما ً عميقا ً ‪ ..‬واآلن استيقظت‪ ..‬صحوت تماما ‪ ..‬كل شيء ف ي جس دي مض غوط ‪..‬لك ن الض غط‬
‫على أسفل بطني شديد ويكاد يكون مؤلما‪" .‬يبدو أن لصيقي األمامي قد امتألت مثانت ه‪ ،‬فتحج ر عض وه‪ ،‬وطبيع ي‬
‫أن ينغرز في بطني أنا"‪ .‬وفي ظل ھكذا ظروف من المعيب أن تفكر باحتمال آخر!!‬
‫حاولت زحزحته فلم أفلح‪ ،‬فمع كل حركة ينغ رز أكث ر‪ ،‬س معت ش خيره‪ ،‬فك رت أن أم د ي دي عل ى ص عوبة ذل ك‪،‬‬
‫ولكن خشيت أن يستيقظ لحظتھا‪" .‬ماذا سيقول إذا استيقظ وعضوه في يدي ؟!!"‪.‬‬
‫انسللت من وضعية االستلقاء بصعوبة‪ ،‬وذھبت إلى المرحاض‪.‬‬
‫أوان يس مونھا‬
‫ثالث ليال‪ ..‬وثالث مرات يفتح الباب في اليوم ويغلق‪ ،‬وفي كل مرة يفتح الباب‪ ..‬يدخل الطعام في‬
‫ٍ‬
‫قص عات‪ .‬ص باحا ً لك ل واح د رغي ف مرق د م ع قطع ة ح الوة‪ ،‬ھ ذان الص نفان يوزعھم ا رئ يس المھج ع‪ ،‬وخم س‬
‫قصعات من سائل أسود "تبين انه شاي"‪ .‬وفي المساء كذلك‪ .‬تدور القصعة م ن ش خص آلخ ر ‪ ..‬يرفعھ ا‪ ،‬يرش ف‬
‫‪10‬‬

‫منھا‪ ،‬يناولھا لمن بجانب ه‪ .‬أم ا الظھ ر‪ ،‬فتك ون القص عات مليئ ًة بالبرغ ل‪ ،‬م ع قص عة رب البن دورة تحت وي بع ض‬
‫الخضار‪.‬‬
‫" لن أنسى أبدا الطريقة التي تخاطف بھا الناس قطع اللحم في المرة الوحيدة التي جلب وا فيھ ا لحم ا ً‪ .‬فك رت‪ ،‬حت ى‬
‫الوجبتين الصباحية والمسائية‪ ،‬لوال رئيس المھجع لتحول المھجع إلى غابة"‪.‬‬
‫خالل ھذه الساعات التي بدت لي بطول دھر‪ ،‬كنت كمن يطفو في الزمان والمكان‪ .‬رغبة بدت لي كاعتقاد راس خ‬
‫بأن كل ھذا ماھو إال خطأ سخيف سينتھي بعد قليل‪.‬‬
‫حسي المھني والفني قابع في زاوية بعيدة يراقب واليتدخل‪ ،‬ھذا الحس الذي يبقى خارج حي ز األل م والقل ق‪ ،‬يبق ى‬
‫متيقظا ً ومحايداً مھما كانت درجة آالمي النفسية أو الجسدية‪ ،‬ھو يراقب ويسجل‪.‬‬
‫أتذكر قوالً ألحد أس اتذتي المرم وقين‪ :‬إن الح دث مھم ا ك ان ص غيراً‪ ،‬ف إن المخ رج الجي د يس تطيع أن يص نع من ه‬
‫فيلما ً جيداً‪ ،‬الحدث ھو الھيكل العظمي وعلى المخرج إكساؤه باللحم والثياب‪.‬‬
‫ھذا الحس التقط مشھد تخاطف قطع اللح م‪ ،‬وأح س المفارق ة الص ارخة ب ين مجموع ة م ن األش ياء المحيط ة الت ي‬
‫تدعو لإلقياء_ أو على األقل_ العزوف عن كل شيء‪ ،‬وبين الفعل المادي الممارس من قبل خاطفي قطع اللحم‪.‬‬
‫ما الذي يفقد ھؤالء الناس الحس باللياقة والذوق؟! وبالتالي بالكرامة والع زة البش رية‪ ،‬ھ ل ھ و الص راع م ن أج ل‬
‫البقاء؟‪ ..‬قد يكون‪.‬‬
‫ثالثة أيام بلياليھا‪ ،‬أكلت نصف رغيف مع قطعة حالوة‪.‬‬

‫‪ 23‬نيسان‬
‫استيقظت!‪.‬‬
‫كان االستلقاء الثاني " النوم على البالط " أفضل قليالً‪ ،‬استيقظت قبل انتھاء مدة الثماني ساعات‪ ،‬لم أشعر برغب ة‬
‫في النھوض‪ .‬حلمت أني قد شبعت نوما ً ولكني أتابع استرخا ًء وترفا ً‪.‬‬
‫"تمنيت لو أني أستطيع المطمطة قليالً!‪ .‬تمنيت فنجان قھوة وسيجارة"‪.‬‬
‫مكاني قريب من رئيس المھجع‪ .‬أسمع حديثه والكبّيس‪ ،‬فتح السجان طالّقة الباب وھي النافذة الص غيرة ف ي أعل ى‬
‫الب اب‪ .‬قف ز رئ يس المھج ع‪ ،‬تب ادل ح ديثا ً مط والً م ع الس جان ال ذي ف تح الطالّق ة‪ .‬ع اد رئ س المھج ع‪.‬‬
‫قال للكبّيس ھمسا‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫ج اي دفع ات كبي رة م ن المحافظ ات ‪ ..‬وجماعتن ا ھ دول ‪ ..‬الي وم أو بك رة راح يترحل وا ع ـ الس جن‬
‫الصحراوي‪.‬‬

‫ر ّد الكبّيس متسائالً باستغراب‪:‬‬
‫ العمى‪ ..‬شو راح يحطوا الناس كلھا بالسجن !؟ ‪ ...‬إي ‪ ..‬ما ضل حدا برات السجن !!‪.‬‬‫ ولك سكوت ‪ ..‬اوعا حدا يسمعك ‪ ...‬ما دخلنا نحن يا ع ّمي!!‪.‬‬‫"رئيس المھجع والكبّيس مسجونان بجرم التھريب"‪.‬‬
‫‪11‬‬

‫عن د المس اء‪ ،‬وعن دما انتقل ت مجموعتن ا م ن الوق وف إل ى القرفص ة‪ ،‬تعم دت أن أق رفص ق رب رئ يس المھج ع‪.‬‬
‫انتظرت حتى قبيل وجبة الطعام الثالثة‪ ،‬وبوجه حاولت أن يكون بشوشا ً‪ ،‬قلت له‪:‬‬
‫ يا أستاذ ‪ ..‬عفواً ‪ ..‬ممكن احكي معك شغلة ؟‪.‬‬‫ أستاذ ؟! ‪ ..‬من وين لوين ساويتني أستاذ ؟ ‪ ..‬نعم شو بدك ؟! ‪.‬‬‫ يا سيد ‪ ..‬أكيد في غلط!‪.‬‬‫ وين الغلط ؟‪ ..‬يا أستاذ‪.‬‬‫ يا أخي أنا ماني مسلم ‪ ..‬حتى أكون إخوان مسلمين‪ ..‬أنا مسيحي وليش حطوني ھون‪ ،‬ليش جابوني أص الً‪،‬‬‫ما بعرف!! ‪.‬‬
‫ لك يا أخي الطاسة ضايعة ‪ ..‬ما في حدا لحدا ‪. !.‬؟‬‫ طيب ممكن تقول لرئيس السجن ‪ ..‬لشي حدا مسؤول ھالحكي ؟‬‫ وين أنا بدي شوف مدير السجن ؟‪ ..‬خلص ‪ ..‬خلص‪ ..‬ھلق بيجي السجان وراح أنقل له ھـ الحكي‪.‬‬‫سمعت طقطقة القفل‪ ،‬وقف رئيس المھجع‪ ،‬أمسكت يده‪:‬‬
‫ أرجو أال تنسى أن تقول له‪.‬‬‫ھز رأسه‪ ،‬فُتح الباب‪" ،‬يا‬

‫ّ‬
‫دخلوا األكل"‪ .‬دخل األكل‪ .‬خاطب رئيس المھجع السجان‪:‬‬

‫ يا سيدي ‪ ...‬في عنا واحد ھون ‪ ..‬عم يقول ‪..‬‬‫قاطعه السجان مسرعا ً‪:‬‬
‫ عم يقول ما عم يقول ! أنا ما بعرف شي ‪ ...‬ھلق ببعتلك رئيس النوبة ‪.‬‬‫بعدما يقرب من نصف الساعة‪ ،‬طقطقة الباب مجددا‪ ،‬ظھر شخص وسيم‪ ،‬وبلھجة جبلية ثقيلة‪:‬‬
‫ شو في عندك يا رئيس المھجع؟‬‫جذبني رئيس المھجع من كتفي‪ ،‬وقفت‪ .‬قال‪:‬‬
‫ احكي له‪ ...‬احكي له‪ ،‬لسيدنا أبو رامي!‬‫متلعثما ً‪ ..‬متأتئا ً ‪ ..‬شرحت له األمر‪ ،‬وبنفس اللھجة الجبلية ر ّد علي ‪:‬‬
‫ طيب أنا شو بدي ساوي لك ؟ ‪ ...‬مسيحي ؟ ‪ ..‬إيه وإذا مسيحي !‪ ...‬بلك ي عاون ت األخ وان المس لمين م ثالً‬‫‪ ...‬يعني بلكي بعتھم سالح مثال ‪ ...‬إي ھيك بتكون أضرط منھم مثال ‪...‬‬
‫ثم التفت إلى السجان‪ ،‬أمره ‪:‬‬
‫ س ّكر ‪ ...‬وال س ّكر الباب ‪.‬‬‫وقبل أن يغلق السجان الباب‪ ،‬التفت أبو رامي إلى الناس في المھجع‪ ،‬وبصوت عال قال ‪:‬‬
‫ وال ‪ ..‬عرصات ‪ ...‬وال انتو مانكن إخ وان مس لمين ‪ ...‬انت و إخ وان ش ياطين ‪ ...‬فرجون ا ش طارتكم لش وف‬‫‪ ....‬ھاي عندكم واحد مسيحي ‪ ...‬انشطوا معه ‪ ....‬اھدوه للدين الحني ف ‪ ...‬ب س ش اطرين تقتل وا وتخرب وا ب ـ‬
‫ھالبلد !!‬
‫‪12‬‬

‫أغلق الباب الحديدي بيده بقوة‪ ،‬ومالبث أن فتحه فوراً وعلى وجھه ابتسامة عريضة‪ ،‬تعلق ت ك ل األنظ ار ب ه‪،‬‬
‫فتابع يقول ‪:‬‬
‫ وال كالب ‪ ...‬عرصات ‪ ...‬إذا حسنتوا تساووه مس لم‪ ،‬ال تنس وا تنظم وه ب اإلخوان المس لمين‪ ،‬مش ان تص ير‬‫حبسته محرزة‪.‬‬
‫وأغلق الباب بقوة‪.‬‬
‫االستلقاء الثالث‪:‬‬
‫لصيقي الخلفي كان ذا مؤخرة عريضة وكبيرة‪ ،‬ض ايقني وأراحن ي‪ ،‬إن ه أفض ل م ن ذوي العظ ام الناتئ ة الت ي‬
‫تنغرز في جسدك بال رحمة عند الكبس‪ .‬لصيقي األمامي شاب في العشرينات ال تبدو عليه عالئم التدين‪.‬‬
‫عاصاني النوم بعد حديث أبو رامي‪ .‬كان ھناك أمل كبير يعيش داخلي بأن أح داً م ا سيكتش ف الخط أ‪ ،‬وف وراً‬
‫ُيص ار ال ى تص حيح ھ ذا الخط أ‪ ،‬ولك ن بع د ھ ذا الح ديث ‪ ...‬والطاس ة ض ايعة ‪ ...‬والترحي ل إل ى الس جن‬
‫الصحراوي !!‪ ...‬خالطني اليأس والخوف من المصير المجھول‪.‬‬
‫ساعتان أو ثالث‪ ...‬لست أدري ‪ ...‬وأخيرا بدأت أھوم ‪ ،‬التعب ‪ ،‬اإلرھاق ‪ ،‬النوم ‪ ...‬ثم ‪ ...‬أص حو ت دريجيا ً‪.‬‬
‫إحساس بالضيق‪ .‬أقترب م ن الص حو أكث ر‪ ،‬أش عر أن ق دميّ مكبلت ان‪ ،‬كان ت ق دماي ق د تورمت ا م ن خيزران ة‬
‫أي وب‪ ،‬أص حو أكث ر ‪ ...‬ش عور بال دفء والرطوب ة يص عد م ن ق دمي‪ ،‬قلي ل م ن األل م أيض ا ً‪ ...‬حرك ة م ا‪...‬‬
‫أنتفض‪ ...‬أصحو تماما ً‪ ...‬أرفع رأسي وأنظر إلى قدمي العلوية‪:‬‬
‫لصيقي األمامي‪ ،‬الشاب‪ ،‬يقبض على قدمي العلوية بكلتا يديه‪ ،‬وق د وض ع أص بع ق دمي الكبي ر ف ي فم ه وأخ ذ‬
‫يمص ه !! لكزت ه ‪ ...‬ث م لكزت ه‪ ،‬تراخ ت ي داه ‪ ،‬س حب رأس ه! تابع ت اللك ز‪ ،‬اس تيقظ الش اب تمام ا ً‪ ،‬نظ ر إل ي‬
‫بغضب واستنكار!!‪ .‬وبحدة قال ‪:‬‬
‫ ليش فيقتني؟ !‬‫ شو ليش فيقتك ؟ مانك شايف شو عم تساوي ؟‬‫ يلعن سماك!! قطعت علي أحلى منام !!‬‫ شوكنت شايف منام ؟‬‫‪ -‬نع م ‪ ....‬كن ا أن ا وميس ون ‪ ...‬وباللحظ ة يل ي مس كتھا ومس كتني ‪ ...‬وبلش نا ‪ ...‬ب ـ "‬

‫" حض رتك‬

‫فيقتني!!‬
‫ ومين ھي ميسون ‪ ....‬دخلك ؟‬‫ ميسون؟ ‪ ....‬ميسون خطيبتي‪.‬‬‫ عفواً ال تواخذني ‪ ...‬ارجع نام ‪ ..‬لكن ال تخربط بين إصبع رجلي وشفايف ميسون ‪.‬‬‫لم أستطع النوم بعدھا ‪ ...‬أسئلة وأسئلة‪ ،‬أي عالم ھذاالذي حشرت فيه؟! ھل ھذه ھي البداية؟ ولكن إلى أين؟‪.‬‬
‫ھل بإمكان أي كاتب أو سينارست أو مخرج تخيل ھكذا عوالم؟! أسئلة تطارد أسئلة !! ‪...‬‬
‫‪13‬‬

‫} طوال ثالثة عشر عاما ‪ ،‬لم أسمع مرة قرقعة المفتاح في الياب الحديدي إال وأحسست أن قلبي يكاد ينخلع!!‬
‫لم أستطع االعتياد عليھا{‬
‫قرقع المفتاح ف ي غي ر وقت ه‪ ،‬قف ز رئ يس المھج ع ف ي اللحظ ة الت ي انف تح فيھ ا الب اب‪ ،‬أب و رام ي وال ى جانب ه‬
‫ش خص طوي ل ف ي الخمس ينات يض ع نظ ارات طبي ة بيض اء‪ ،‬خلفھم ا ح والي العش رين عنص را‪ ،‬ق ال ذو‬
‫النظارات‪:‬‬
‫ وين رئيس المھجع ؟‬‫ حاضر سيدي !‬‫ بھ دوء ونظ ام‪ ،‬ط العلي ھ دول كلھ ن لب ره‪ ،‬اتن ين اتن ين‪ ،‬م ا يبق ى ھ ون إال أن ت والمھ رب الث اني ‪...‬وي ن‬‫المھرب التاني؟‬
‫ حاضر سيدي‪.‬‬‫‪ -‬خليك ھون أنت كمان‪ ...‬يا‬

‫‪.‬‬

‫وخرجنا ‪ ...‬اثنين ‪ ...‬اثنين ‪ ...‬وكان فجر ‪ 24‬نيسان‪.‬‬

‫‪ 24‬نيسان‬
‫اليدان مقيدتان بالقيد الحديدي إلى الخلف‪ ،‬كاحل القدم مرب وط بجنزي ر حدي دي إل ى كاح ل س جين آخ ر‪ ،‬نس ير‬
‫بصعوبة‪ ،‬نتعثر‪ ،‬ممرات ‪ ...‬أدراج ‪ُ ....‬تسجّ ل أسماؤنا ضمن لوائح‪.‬‬
‫يتركنا ذو النظارات بضع دقائق واقفين و يذھب حامالً اللوائح االسمية‪ ،‬يع ود‪ ،‬م ن المؤك د ان ه ذو أھمي ة‪ ،‬ل م‬
‫ال أشرح له األمر‪ ،‬يقترب مني‪ ،‬أعاجله‪:‬‬
‫ يا سيدي كلمة واحدة‪.‬‬‫ كول خرى ‪ .....‬وال‪.‬‬‫وصفعة مدوية‪.‬‬
‫تنبثق آالف النجوم البراقة أمام عيني‪ ،‬الفجر ربيعي‪ ،‬أترنح‪ ....‬أسكت‪.‬‬
‫يسحبوننا إلى خارج البناء‪ ،‬أرى أربع سيارات شحن ذات أقفاص معدنية‪ ،‬الس جناء يس مون ھ ذه الس يارات ب ـ "‬
‫سيارات اللحمة "‪ .‬قد تكون سميت كذلك ألنھا تشبه السيارات التي يوزعون بھا األغن ام المذبوح ة م ن المس الخ‬
‫إلى الجزارين ‪ ،‬أو ألن السجناء يصطفون بداخلھا كما تصف الذبائح داخل سيارات اللحمة الحقيقية‪.‬‬
‫س لم مع دني ذو ث الث ع وارض‪ ،‬نص عد بص عوبة بس بب األرج ل المقي دة وع دم إمكاني ة االس تعانة بالي دين‪،‬‬
‫يجلسوننا على أرضية السيارة‪ ،‬تمتلىء السيارة‪ ،‬يغلق الباب بقفل كبير‪ ،‬يجلس عنص ران م ن األم ن أم ام الب اب‬
‫من الخارج‪ .‬انتظار ‪ ....‬انتظار‪ ،‬ثم تنطلق السيارات سوية‪.‬‬
‫نص بح خ ارج المدين ة‪ ،‬ت زداد س رعة الس يارات‪ ،‬نت رك الظ الم وراءن ا‪ ،‬ش يئا ً فش يئا ً تل وح أول ى خي وط الفج ر‬
‫الفضية‪.‬‬
‫} ھل ھي رحلة من الظالم إلى النور ؟ ‪ ...‬آمل ذلك‪{ .‬‬
‫سمعت أحدھم يسأل آخر‪:‬‬
‫‪14‬‬

‫ قديش بدنا وقت حتى نوصل ؟‬‫ تيسير ﷲ‪ ...‬شي أربع أو خمس ساعات‪.‬‬‫ يا أخي‪ ...‬وﷲ ما فيني أتحمل كل ھالوقت !!‪ ...‬كنت نايم ‪ ..‬فيقوني من النوم وفوراً لبرّ ه‪ ...‬وھلق أن ا كتي ر‬‫محصور‪ ....‬شو بدي ساوي ؟!‪ ..‬مثانتي راح تطق !!‬
‫ إذا مافيك تصبر‪ ...‬أنا بفكلك سحاب البنطلون‪ ،‬وساويھا ھون بالسيارة‪.‬‬‫ ھيك معقول ؟!!! قدام كل ھالناس؟‬‫‪ -‬إي ‪ ...‬إي ‪ ..‬مافيھا شي‪ ،‬والحمد‬

‫مافي نسوان بيناتنا‪.‬‬

‫ثم وبصو ٍ‬
‫مرتفع متوجھا بالحديث إلى الجميع‪:‬‬
‫ت‬
‫ٍ‬
‫ يا شباب‪ ...‬يا شباب اسمعوني‪.‬‬‫توجھت إليه األنظار‪ ،‬شرح لھم األمر‪ ،‬بعضھم ھمھ م‪ ،‬وبعض ھم س كت‪ ،‬ال بعض واف ق‪ ،‬ف أدار الم تكلم ظھ ره إل ى‬
‫المحصور‪ ،‬وبيديه المقيدتين خلفا ً‪ ،‬تلمس السحاب‪ ،‬ف ّكه‪ ،‬أخرجـ "ـه " له‪ ،‬وابتعد‪.‬‬
‫‪ -‬يا‬

‫‪ ...‬ر ّيح حالك يا أخي ‪.‬‬

‫بعدھا وحتى وصولنا السجن الصحراوي تكررت ھذه العملية أربع مرات‪ ،‬خمسة رجال آخرون تقيأوا فوق بركة‬
‫البول‪" .‬القيء كله ذو لون واحد"‪.‬‬
‫أما جاري‪ ،‬المقيدة رجلي إلى رجله‪ ،‬فيبدو أنه كان يعاني من تعفن األمعاء‪ ،‬لفني بغاللة من روائح بطنه !‬
‫ف ي الثامن ة ص باحا ً وص لنا أم ام الس جن الص حراوي‪ " .‬ف ي الطري ق كن ت أنظ ر كثي را إل ى س اعتي‪ ،‬وأكث ر م ن‬
‫شخص نصحني أن أخبأھا‪ ،‬ولكن أين ؟‪ ...‬تركتھا على معصمي"‪.‬‬
‫أمام السجن‪.‬‬
‫عشرات من عناصر الشرطة العسكرية‪ ،‬الباب صغير‪ ،‬تصدم الع ين لوح ة حجري ة ف وق الب اب مخطط ة باألس ود‬
‫النافر‪:‬‬
‫"ولكم في الحياة قصاص يا أولي األلباب"‪.‬‬
‫فتح لنا رجال األمن أب واب الس يارات‪ ،‬ھ م أنفس ھم الل ذين ك انوا يعاملونن ا بفظاظ ة وقس وة‪ ،‬أنزلون ا م ن الس يارات‬
‫برف ق مش وب بالش فقة‪ ،‬حت ى أن أح دھم ق ال‪ " :‬ﷲ يف رج ع نكم ! "‪ .‬وفيم ا بي نھم ك انوا يتح دثون ھمس ا ً وبص وت‬
‫خافت‪ ،‬يتحاشون النظر إلى عناصر الشرطة العس كرية ال ذين اص طفوا حولن ا بم ا يش به ال دائرة‪ ،‬الحظ ت أن لھ م‬
‫جميعا ً نفس الوقفة تقريبا‪ ،‬الساقان منفرجتان قليالً‪ ،‬الصدر مشدود إلى الوراء‪ ،‬اليد اليسرى تتك ىء عل ى الخص ر‪،‬‬
‫اليد اليمنى تحمل إما عصا ً غليظة أو ك بالً مج دوالً م ن أش رطة الكھرب اء أو ش يئا ً مطاطي ا أس و َد يش به الح زام‪" .‬‬
‫عرفت فيما بعد أنه قشاط مروحة محرك الدبابة "‪ .‬ينظرون إلينا والى عناصر األمن نظرة فوقية تحم ل اس تخفافا ً‬
‫بعناصر األمن ووعيداً مبطنا لنا‪ .‬حركاتھم تدل على نفاذ الصبر من بطء إجراءات التسليم واالستالم‪ ،‬ينقلون ثق ل‬
‫جسدھم من رجل إلى رج ل‪ ،‬يھ زون ي دھم اليمن ى بم ا تحم ل ھ زات تب رم وغ يظ‪ ،‬لباس ھم جميع ا عس كري أني ق‪،‬‬
‫أعلى رتبة بينھم مساعد أول‪ ،‬وھو الذي كان يوقع على لوائح استالمنا ‪.‬‬
‫‪15‬‬

‫} قرأت في مكان ما أن رجال إحدى القبائل اإلفريقية عن دما التق وا باإلنس ان األورب ي األب يض ألول م رة نظ روا‬
‫إلى بعضھم البعض بدھشة‪ ،‬وتساءلوا‪ :‬ھذا الرجل‪ ،‬لماذا قام بسلخ وجھه ؟! {‬
‫وتخيل ت أن عناص ر الش رطة العس كرية‪ ،‬ھ ؤالء ال ذين أراھ م ام امي‪ ،‬ذوو وج وه مس لوخة‪ ،‬أي ة ق وة س لخت ھ ذه‬
‫الوجوه ؟ ‪ ...‬كيف سلخت ؟‪ ...‬لماذا ؟‪ ...‬أين ؟‪ ...‬لست أدري لكن ما أراه أن الوج وه البديل ة ال تش به وج وه ب اقي‬
‫البشر‪ ،‬وجوه أھلنا وأصدقائنا !!‪ ...‬مسحة غير بشرية ‪ ...‬ھي غير مرئية‪ ،‬صحيح‪ ،‬ولكنھا قطعا ً موجودة!‪.‬‬
‫ ﷲ يعطيكم العافية ‪ ...‬خلص انتو تيسروا‪ ،‬خلصت مھمتكم‪.‬‬‫ھكذا قال مساعد الشرطة العسكرية للرجل ذي النظارات‪ .‬كانوا قد فكوا قيودنا‪ ،‬السجناء غريزيا ً التصقوا بعض ھم‬
‫ببعض‪ .‬ذھب رجال األمن‪.‬‬
‫بدأت الدائرة تضيق ‪ ....‬صمت مطبق!!‬
‫‪ -‬يا‬

‫‪ ...‬صفوھم تنين تنين ‪ ...‬دخلوھم‪.‬‬

‫وأدخلونا من ھذا الباب الصغير‪ ،‬وفوقنا منحوتة "ولكم في القصاص حياة يا أولي األلباب"‪ .‬اثنين اثنين‪ ،‬ف ي رت ل‬
‫طويل داخل ساحة في وسطھا وعلى جنباتھا بع ض األش جار وال ورود الريفي ة‪ ،‬وھ ي محاط ة م ن جمي ع الجھ ات‬
‫بغرف تشرف عليھا‪ .‬وقف الرتل أمام مساعد آخ ر‪ ،‬جل س خل ف طاول ة أخ رى‪ ،‬ول وائح اس مية أخ رى‪ ،‬أكث ر م ن‬
‫مائ ة عنص ر م ن عناص ر الش رطة العس كرية يحوم ون حولن ا‪ ،‬جمي ع الس جناء يتحاش ون النظ ر مباش رة إل ى أي‬
‫عنصر‪ .‬رأسنا منخفض قليال‪ ،‬أكتافن ا متھدل ة‪ .‬وقف ة فيھ ا خش وع‪ ،‬وقف ة تص اغر وذل‪ ،‬كي ف اتف ق جمي ع الس جناء‬
‫على ھذه الوضعية وكأننا تدربنا عليھا سابقا؟! لست ادري‪.‬‬
‫كأن كل واحد منا يحاول االختباء داخل ذاته !!!‬
‫حكني رأسي من القفا‪ ،‬وكما يفعل كل إنسان يحكه رأسه‪ ،‬مددت يدي عفويا ً وحككت !! وسمعت صوتا ً راعداً‪:‬‬
‫ ولك يا جماعة ‪ ...‬شوفوا الكلب شوفوا !! عم يحك راسه كمان ‪!!...‬‬‫ شــــوووو ‪ ! ....‬عم يحك راسه ؟!‬‫وسحبتني األيدي خارج الرتل‪ ،‬تقاذفتني صفعا ً ولكما ً‪ ،‬لكمة تقذفني‪ ،‬صفعة توقفني‪ ،‬النار في الرقبة والوجه ‪....‬‬
‫تمني ت ل و أبك ي قل يالً‪ ...‬طلبن ي المس اعد لتس جيلي فل م يب ق غي ري‪ ،‬س جلني وأص بحت ن زيالً رس ميا ً ف ي ھ ذا‬
‫السجن‪.‬‬
‫مرة أخرى قادونا‪ ،‬بين غرفتين باب حديدي صغير‪ ،‬أصغر من الب اب األول‪ " ،‬ل م األب واب تص غر كلم ا تق دمنا‬
‫؟! " وم ن ھ ذا الب اب ولجن ا إل ى س احة كبي رة‪ ،‬إنھ ا الس احة األول ى‪ ،‬س احة مفروش ة باإلس فلت‪ ،‬ك ل الطرق ات‬
‫والس احات مفروش ة باإلس فلت الخش ن‪ ،‬يح يط بالس احة أبني ة م ن ط ابق واح د مكت وب عليھ ا أرق ام متسلس لة ‪:‬‬
‫المھجع الثالث ‪ ،‬المھجع الرابع ‪ ...‬المھجع السابع‪.‬‬
‫} األبواب تصغر ولكن في الساحة األولى فتحت جھنم أوسع أبوابھا‪ ،‬وكنا وقودھا !! {‪.‬‬
‫بھدوء ودقة أوقفونا بعضنا إلى جانب بعض‪ ،‬يفصل بين الواحد واآلخر متران أو ثالثة‪ ،‬صاح المساعد‪:‬‬
‫ ھلق ‪ ...‬كل واحد منكن يشلح كل تيابه ‪ ....‬حط تيابك على يمينك ‪ ....‬خليك بالسروال الداخلي فقط‪.‬‬‫‪16‬‬

‫الحظ ت أنن ي الوحي د ال ذي يل بس " س ليب " بع د ان خل ع الجمي ع ثي ابھم ووقف وا ينتظ رون‪،‬‬
‫وانتابني إحساس بالغربة !‪..‬‬
‫كان صوت المساعد في البداية ھادئا ً‪ ،‬ومع مرور الوق ت أخ ذ يتص اعد ش يئا ً فش يئا ً‪ ،‬ح د ًة وش دة‪ ،‬وكلم ا تص اعد‬
‫صوت المساعد كنت أحس أن التوتر والعصبية يزدادان ف ي حرك ات الش رطة‪ ...‬والخ وف والھل ع ي زدادان ف ي‬
‫نفوس السجناء‪ ،‬يغضون أبصارھم وتتھدل أكتافھم أكثر فأكثر!‪.‬‬
‫اقترب مني شرطيان يحمالن الكرابيج‪ ،‬قال أحدھم‪:‬‬
‫ ّ‬‫نزل الكيلوت وال ‪...‬واعمل حركتين أمان!!‬
‫أنزلت الكيلوت حتى الركبة‪ ،‬نظرت إلى الشرطيين مستفھما ً ‪...‬‬
‫ اعمل حركتين أمان وال‪...‬‬‫ شلون يا سيدي بدي اعمل‪ ..‬شلون حركتين األمان؟‬‫ قرفص وقوم مرتين وال‪ ...‬صحيح انك جحش!‬‫"حركات األمان ُتعمل خشية أن يكون السجناء قد خبأوا شيئا ً ممنوعا ً في شرجھم!"‬
‫نظر أحد الشرطيين الى اآلخر مبتسما ً‪ ،‬وبصوت خفيض‪:‬‬
‫ العمى ‪ ...‬شو تبعو صغير!!‬‫نظرت اليـ"ـه"‪ ،‬إلى تبعي‪ ،‬نعم لقد كان صغيراً جداً !! حتى ھو أحس بالذعر الشديد والھلع‪ ،‬فا ختبأ داخ ل كيس ه‪،‬‬
‫أنا لم أستطع االختباء!‬
‫خلفي مھجع كبير كتب على بابه ‪ /‬المھجع ‪ ./ 6- 5‬تخرج من جان ب الب اب بالوع ة "ص رف ص حي" عل ى وج ه‬
‫األرض‪ ،‬تسيل في ھذه البالوعة مياه سوداء قذرة‪.‬‬
‫انتھ ى التفت يش‪ .‬ج رى بدق ة محت رفين‪ ،‬حت ى ثناي ا الثي اب‪ ،‬جمي ع النق ود واألوراق‪ ،‬أي ش يء مع دني‪ ،‬األحزم ة‬
‫وأربطة األحذية ‪ ...‬جميعھا صودرت‪" ،‬أنا كنت حافيا"‪ .‬ورغم كل ھذه الدقة ب التفتيش ف إن س اعة ي دي م رت‪ ،‬ل م‬
‫أتعمد إخفاءھا‪ ،‬فقط لم ينتبه لھا احد‪ ،‬وعندما صاح المساعد‪:‬‬
‫ وال كالب ‪ ...‬كل واحد يحمل تيابه‪.‬‬‫حملت ثيابي ووضعتھا على يدي اليسرى‪ ،‬وفورا فككت الس اعة ودسس تھا ف ي الجي ب ال داخلي لس ترتي‪ ،‬وش عور‬
‫آخر باالنتصار‪!.‬‬
‫البلديــــــــات ‪:‬‬
‫كلمة خاص ة بالس جون ھن ا‪ ،‬ھ م جن ود س جناء ‪ ...‬الف ارون م ن الخدم ة العس كرية‪ ،‬الجن ود ال ذين يرتكب ون ج رائم‬
‫القتل‪ ،‬االغتصاب‪ ،‬السرقة‪ ،‬مدمنو المخدرات‪ ...‬كل الجنود المجرمين‪ ،‬حثالة الج يش‪ ،‬يقض ون فت رة عق وبتھم ف ي‬
‫السجون العسكرية‪ ،‬في مثل ھذا السجن‪ ،‬مھمتھم التنظيف وتوزيع الطعام وغيره من األعمال‪ ...‬من ھنا جاء اس م‬
‫البلديات‪ ،‬ھؤالء في السجن الصحراوي لھم مھمات أخرى‪.‬‬
‫‪17‬‬

‫جمعونا في أحد أط راف الس احة‪ ،‬تكومن ا ونح ن نحم ل ثيابن ا‪ ،‬ص وت المس اعد ارتف ع كثي راً‪ ،‬البل ديات يقف ون ف ي‬
‫ً‬
‫الطرف اآلخر من الساحة‪ .‬كثير من البلديات‪ ،‬البعض منھم يحمل عصا ً‬
‫غليظة مربوط بھا حب ل مت دل يص ل ب ين‬
‫طرفيھا‪ ،‬حبل سميك يتدلى من العصا "الفلقة"‪ .‬صاح المساعد بصوت مشحون موجھا ً حديثه للسجناء ‪:‬‬
‫ مين فيكم ضابط ؟‪ ..‬الضباط تعو لھون‪.‬‬‫خرج اثنان من بين السجناء‪ ،‬أحدھما في منتصف العمر‪ ،‬اآلخر شاب‪.‬‬
‫ شو رتبتك ؟‬‫ عميد‪.‬‬‫ عميد؟!!‪.‬‬‫ نعم‪.‬‬‫ وأنت شو رتبتك؟‬‫ مالزم أول‪.‬‬‫ ھـممم‪.‬‬‫التفت المساعد إلى السجناء‪ ،‬وبصوت أقوى‪:‬‬
‫ مين فيكم طبيب ‪ ..‬أو مھندس أو محامي‪ ..‬يطلع لبره‪.‬‬‫خرج من بيننا أكثر من عشرة أشخاص‪.‬‬
‫ وقفوا ھون‪ ..‬ثم متوجھا ً للسجناء‪:‬‬‫ كل واحد معه شھادة جامعة ‪ ...‬يطلع لبرّ ات الصف‪.‬‬‫خرج أكثر من ثالثين شخصا ً‪ ،‬كنت أنا بينھم‪.‬‬
‫مشى المساعد مبتعداً‪ ،‬وقف بجوار البالوعة‪ ،‬صاح بالشرطة‪:‬‬
‫ جيبولي سيادة العميد!!‬‫انقض أكثر من عشرة عناصر على العميد‪ ،‬وبلحظات كان أمام المساعد!!‬
‫ كيفك سيادة العميد؟‬‫‪ -‬الحمد‬

‫‪ ...‬الذي ال يحمد على مكروه سواه‪.‬‬

‫ شو سيادة العميد ‪ ...‬مانك عطشان؟‬‫ ال ‪ ..‬شكراً‪.‬‬‫ بس الزم نشربك‪ ..‬يعني نحن عرب‪ ،‬والعرب مشھورين بالكرم‪ ،‬يعني الزم نقدم لك ضيافة‪ ...‬مو من شان‬‫شي ‪ ...‬منشان واجبك!!‬
‫بعد لھجة االستھزاء والسخرية صمت االثنان قليالً‪ ،‬ثم انتفض المساعد‪ ،‬وقال بصوت زاعق‪:‬‬
‫ شايف البالوعة ؟ ‪ ..‬انبطح واشرب منھا حتى ترتوي ‪ ...‬يا وال كلب!!‬‫ ال ‪ ...‬ما راح اشرب‪.‬‬‫وكأن مسا ً كھربائيا ً أصاب المساعد‪ ،‬وباستغراب صادق صرخ‪:‬‬
‫‪18‬‬

‫ شـو ‪..‬شـو ‪...‬شـو ؟؟!!! ما بتشرب!!!‬‫عندھا التفت إلى عناصر الشرطة العسكرية وال زال وجھه ينطق بالدھشة‪:‬‬
‫ شربوه ‪ ....‬شربوه على طريقتكن و ال كالب‪ ....‬تحركوا لشوف‪.‬‬‫عار إال من السروال الداخلي‪ ،‬حا ٍ‬
‫ف‪ ،‬وبلحظات قليلة اصطبغ جسده ب الخطوط الحم راء والزرق اء‪ ،‬أكث ر‬
‫العميد ٍ‬
‫من عشرة عناصر انقضوا عليه‪ ،‬تناوش وه‪ ،‬عص ي غليظ ة‪ ،‬كواب ل مجدول ة‪ ،‬أقش طة م راوح ال دبابات ‪ ....‬كلھ ا‬
‫تنھال عليه من جميع الجھات‪ ،‬من أول لحظة بدأ العميد يقاوم‪ ،‬يضرب بيديه العنصر الذي ي راه أمام ه‪ ،‬أص اب‬
‫بعضھم بضربات يديه ‪ ....‬كان يلكم ‪ ...‬يصفع ‪ ...‬يحاول جاھداً أن يمسك بواحد منھم‪ ،‬ولكنھم كانوا يض ربونه‬
‫وبشدة على يديه اللتين يمدھما لإلمساك بھم‪ ...‬تزداد ضراوتھم‪ ،‬خيوط الدم تسيل من مختل ف أنح اء جس ده ‪....‬‬
‫تمزق السروال وانقطع المطاط‪ ،‬أضحى العميد عاريا ً تماما ً‪ ،‬إليت اه أكث ر بياض ا ً م ن س ائر أنح اء جس ده‪ ،‬خي وط‬
‫الدم أكثر وضوحا ً عليھما‪ ،‬خصيتاه تتأرجحان مع كل ضربة أو حركة‪ ،‬بعد قليل ت دلت ي داه ال ى جانبي ه وأخ ذتا‬
‫تتأرجحان أيضا ً‪ ،‬سمعت صوتا ً ھامسا ً خلفي‪:‬‬
‫تكسروا إيديه !! يا لطيف ‪ ...‬ھالعميد يا رجال كتير ‪ ..‬يا مجنون!!‬‫لم ألتفت إلى مص در الك الم‪ .‬كن ت م أخوذاً بم ا يج ري أم امي‪ ،‬م ع الض رب ب دأ العناص ر يح اولون أن يبطح وه‬
‫أرضا ً‪ ،‬العميد يقاوم‪ ،‬يملص من بين أيديھم‪ ...‬تساعده دماؤه التي جعلت جسده لزجا ً‪ .‬تكاثروا عليه‪ ،‬كلما نجحوا‬
‫في إحنائه قليال ‪ ...‬ينتفض ويتملص من قبضاتھم وبعد كل حركة تزداد ضراوة الضرب ‪...‬‬
‫رأي ت ھ راوة غليظ ة ترتف ع م ن خل ف العمي د وتھ وي بس رعة الب رق !!‪ ..‬س معت ص وت ارتطامھ ا ب رأس‬
‫العميد‪ !....‬صوتأ ال يشبه أي صوت آخر‪ !....‬حتى عناصر الشرطة العسكرية توقفوا عن الض رب‪ُ ،‬‬
‫ش لوا ل دى‬
‫سماعھم الصوت لثوان‪....‬صاحب الھراوة تراجع خطوتين إلى الوراء ‪ ..‬جام َد العينين ‪ !!...‬العمي د دار بجذع ه‬
‫ربع دورة وكأنه يريد أن يلتفت الى الخلف لرؤية ضاربه !! خطا خطو ًة واحدة‪ ،‬وعندما ھ م برف ع رجل ه الثاني ة‬
‫‪ ....‬انھار متكوما ً على اإلسفلت الخشن !!‬
‫الصمت صفحة بيضاء صقيلة تمتد في فضاءات الساحة األولى ‪ ...‬شقھا صوت المساعد القوي‪:‬‬
‫‪ -‬يا‬

‫وال حمير ‪ ...‬اسحبوه وخلوه يشرب!!‬

‫سحب عناصر الشرطة العميد‪ ،‬واحد منھم التفت الى المساعد وقال‪:‬‬
‫ يا سيدي ‪ ..‬ھذا غايب عن الوعي‪ ،‬شلون بدو يشرب؟!‬‫ حطوا رأسه بالبالوعة ‪ ..‬بيصحى ‪ ..‬بعدين شربوه‪.‬‬‫وضعوا رأس العميد بمياه البالوعة‪ ،‬ولكنه لم يصح‪.‬‬
‫ يا سيدي ‪ ..‬يمكن أعطاك عمره!‬‫ ﷲ ال يرحمه ‪ ...‬اسحبوه لنص الساحة وزتوه ھونيك‪.‬‬‫من يديه جروه على ظھره‪ ،‬رأسه يتأرجح‪ ،‬اختلط ت ال دماء بأش ياء بيض اء وس وداء لزج ة عل ى وجھ ه!! مس ار‬
‫من خطوط حمراء قاتمة تمتد على اإلسفلت الخشن من البالوعة الى منتصف الساحة حيث تمددت جثة العميد‪.‬‬
‫صاح المساعد وقد توترت وبرزت حبال رقبته‪:‬‬
‫‪19‬‬

‫ جيبولي ‪ ..‬ھالكرّ الحقير ‪ ...‬المالزم لھون‪.‬‬‫وبعد أن أصبح المالزم أمامه‪:‬‬
‫ شو يا حقير ؟ ‪ ..‬بدك تشرب وال أل؟‬‫ حاضر سيدي ‪ ..‬حاضر ‪ ..‬بشرب‪.‬‬‫انبطح المالزم على اإلسفلت أمام البالوعة‪ ،‬غطس فكيه في مياه البالوعة‪ ،‬وضع المساعد حذاءه العسكري على‬
‫رأس المالزم المنبطح وضغطه إلى األسفل قائالً‪:‬‬
‫ ما بيكفي ھيك‪ .‬الزم تشرب وتبلع!!‬‫ثم تابع المساعد موجھا ً حديثه للشرطة‪:‬‬
‫ وھلق ‪ ..‬خدوا ھالكلب عا التشريفة ‪ ...‬بدي يكون االستقبال تمام ‪!.‬‬‫المالزم الذي شرب وبلع المياه القذرة بم ا فيھ ا م ن بص اق ومخ اط وب ول وق اذورات أخ رى‪ ،‬ألق ي عل ى ظھ ره‬
‫بسرعة مذھلة‪ ،‬ووضع اثنان من البلديات قدمي ه ف ي حب ل الفلق ة‪ ،‬لف وا الحب ل عل ى كاحلي ه ورفع وا الق دمين إل ى‬
‫أعلى‪.‬‬
‫القدمان مشرعتان في الھواء‪ ،‬ثالثة عناصر من الشرطة توزعوا أمام القدمين وحولھما بطريقة مدروسة بحي ث‬
‫كان ت ك رابيجھم تھ وي عل ى الق دمين بتن اغم عجي ب دون أن تعي ق إح دى الك رابيج األخ رى‪ ،‬ارتف ع ص راخ‬
‫المالزم عاليا ً‪ ،‬تلوى جسده يحاول خالصا ً‪ ،‬ولكن دون جدوى‪.‬‬
‫استفز صرا ُخ المالزم واستغاثا ًته العالية المساعد‪ ،‬مشى باتجاھه مسرعا ً‪ ،‬وكالعب كرة ق دم وج ه مقدم ة بوط ه‬
‫إلى رأس المالزم وقذف الكرة‪.‬‬
‫ً‬
‫صرخة كالعواء‪ ...‬اس ُتفز المساعد أكثر فأكثر‪ ،‬سحق فم المالزم بأسفل الب وط‪،‬‬
‫صرخ المالزم صرخة حيوانية‪،‬‬
‫عناص ر الش رطة يواص لون عملھ م عل ى ق دمي الم الزم‪ ،‬المس اعد يواص ل عمل ه س حقا ً‪ ،‬ال رأس‪ ،‬الص در‪،‬‬
‫البطن‪ ...‬رفسات على الخاصرة ‪ ...‬حركات ھستيرية للمساعد وھو يصرخ صراخا ً بالكاد يفھم‪:‬‬
‫ والك عرصات ‪ ...‬والك حقيرين ‪ ....‬عم تش تغلوا ض د ال رئيس !!‪ ...‬والك س وّ اك زلم ة ‪ ...‬س واك م الزم‬‫ب الجيش ‪ ...‬وبتش تغل ض ده ؟!!‪ ...‬والك ي ا عم الء‪ ...‬ي ا جواس يس !‪ ..‬والك ال رئيس خالن ا نش بع خب ز‪...‬‬
‫وھل ق ج ايين أنت و ي ا ك الب تش تغلوا ض ده ؟!‪ ...‬ي ا عم الء أمريك ا‪ ....‬ي ا عم الء اس رائيل ‪ ...‬ي ا والد‬
‫الشرموطة ‪ ...‬ھل ق ع م تترج وا ؟!!‪ ...‬ب ره كنت وا ع املين ح الكن رج ال ‪ ...‬ي ا جبن اء ‪ ...‬ھل ق ع م تص رخ‬
‫والك حقير !!‪...‬‬
‫على إيقاع صرخات المساعد و"دبيكه" فوق المالزم‪ ،‬كانت ضربات الشرطة تزداد عنف ا ً وشراس ًة‪ ،‬وص رخات‬
‫واستغاثات المالزم تخفت شيئا ً فشيئا ً‪.‬‬
‫بعد قليل تمدد المالزم أول إلى جانب العميد !!‪" .‬ال أدري حتى اآلن ماذا حل به ؟ ھل م ات أم ال ؟ ‪...‬ھ ل ك ان‬
‫لدى إدارة السجن أوامر بقتل الضباط أثناء االستقبال أو التشريفة ؟"‪.‬‬
‫واآلن جاء دورنا‪ " .‬إجاك الموت يا تارك الصالة !" عبارة سمعتھا فيما بعد من اإلسالميين حتى مللتھ ا‪ ،‬ولك ن‬
‫فعال جاء دورنا‪ ،‬حملة الشھادات الجامعية‪ ،‬ليسانس ‪ ،‬بكالوريوس ‪ ،‬دبلوم ‪ ،‬ماجستير ‪ ..‬دكتوراه ‪..‬‬
‫‪20‬‬

‫األطباء شربوا وبلع وا البالوع ة‪ ،‬المھندس ون ش ربوا وبلع وا البالوع ة‪ ،‬المح امون ‪ ..‬أس اتذة الجامع ات ‪ ..‬وحت ى‬
‫المخرج السينمائي ‪ ..‬شربت وبلعت البالوعة ‪ ..‬الطعم ‪ ..‬ال يمكن وصفه !! والغريب انه وال واحد من ب ين ك ل‬
‫الشاربين تقيأ !!‪.‬‬
‫وأصبح بين ھؤالء جميعا ً شيئان مشتركان‪ ،‬الشھادة الجامعية‪ ،‬وشرب البالوعة !! ‪.‬‬
‫ث م أكث ر م ن ثالث ين‪ ،‬ك ل فلق ة يحملھ ا اثن ان م ن البل ديات‪ ،‬أمامھ ا ثالث ة عناص ر وث الث ك رابيج‪ ....‬والكثي ر‪..‬‬
‫الكثير‪ ..‬من القسوة‪ ،‬األلم‪ ،‬الصراخ‪.‬‬
‫األلم‪ ..‬الضعف‪ ..‬القھر‪ ..‬القسوة‪ ..‬الموت‪!! ..‬‬
‫ق دماي متورمت ان م ن آث ار خيزران ة أي وب ‪ ،‬بالك اد أس تطيع المش ي‪ .‬عن دما مش يت ف ي الس احة األول ى ف وق‬
‫اإلسفلت الخشن ‪ ،‬كنت كمن يمشي على المسامير ‪ ،‬رفع البلديات قدمي الى األعلى بالفلقة ‪ ،‬ثالثة كرابيج تلس ع‬
‫قدمي المتورمتين ‪ ..‬موجة داخلي ة عارم ة م ن األل م تتك وم وتتص اعد م ن ال بطن لتنفج ر ف ي الص در‪ ...‬تنح بس‬
‫األنفاس عندما تھوي الكرابيج ‪ ...‬الرئتان تتشنجان ‪ ...‬تنغلق ان عل ى الھ واء المحب وس وتتوقف ان ع ن العم ل ‪...‬‬
‫وم ع الموج ة الثاني ة لألل م وانفج اره ف ي الص در ‪ ...‬ينفج ر الھ واء المحب وس ف ي ال رئتين ع ن ص رخة مؤلم ة‪،‬‬
‫أحسھا تخرج من قحف الرأس ‪ ...‬م ن العين ين ‪ ...‬أص رخ ‪ ...‬وأص رخ والق دمان مس مرتان ف ي الھ واء ‪ ...‬ك ل‬
‫مح اوالتي لتحريكھم ا ‪ ...‬إلزاحتھم ا ‪ ...‬فاش لة !! تنفص الن عن ي ‪ ...‬مص در لألل م فق ط ‪ ...‬س لك يص ل بينھم ا‬
‫وبين أسفل البطن والصدر‪ ...‬موجات متالطمة م ن األل م‪ ،‬تب دأ الموج ة عن دھما‪ ،‬تمت د وتتص اعد م رورا بأس فل‬
‫البطن ‪ ...‬البطن ‪ ...‬الصدر ‪ ...‬ثم تتكسر عند الرأس‪ ،‬وص رخة أل م ورع ب ومھان ة ن اثر ًة ال ذھو َل وع دم الفھ م‬
‫والتصديق‪ ،‬أكثر م ن ثالث ين ص رخة متوازي ة‪ ...‬متش ابكة‪ ،‬ألكث ر م ن ثالث ين رج الً‪ ،‬تنتش ر ف ي فض اء الس احة‬
‫األولى‪.‬‬
‫في البداية استنجدت با ـ وأنا الذي كنت طوال عمري أتب اھى بإلح ادي ـ ‪ ،‬ولك ن ﷲ ل م يس تطع أن يفع ل ش يئا‬
‫أمام جبروت الشرطة !!! فنقمت وتساءلت‪ :‬ولكن أين ﷲ‪ ،‬الساحة األولى أكبر دليل على عدم وجود كائن اس مه‬
‫ﷲ!!‬
‫أكثر م ن ثالث ين ص رخة أل م ‪ ...‬قھ ر ‪ ...‬تخ رج م ن أف واه أكث ر م ن ثالث ين رج الً مثقف ا ً ‪ ..‬متعلم ا ً !! أكث ر م ن‬
‫ثالثين رأسا ً‪ ،‬كل منھا يحوي الكثير من الطموح واألمل واألحالم‪ ،‬الك ل ك ان يص رخ ‪ ...‬ع واء ثالث ين ذئب ا ً ‪...‬‬
‫زئي ر أكث ر م ن ثالث ين أس داً ‪ ...‬ل ن يك ون أعل ى م ن ص راخ ھ ؤالء الرج ال المتحض رين ‪ ...‬ول ن يك ون أكث ر‬
‫وحشية ‪ ...‬وحيوانية!!‬
‫يضيع صراخي وسط ھذه الغابة من الصراخ وأصوات ارتطام الكرابيج باألقدام ‪ ...‬وترتفع األمواج‪.‬‬
‫أستنجد برئيس الدولة ‪ ..‬يشتد الضرب ‪ ..‬وأفھم منھم أن علي أال أدنس اسم فخامته بفمي القذر‪ .‬استنجد بنبيھم‪:‬‬
‫ من شان محمد!!!‬‫لطمة على الرأس وصوت المساعد الراعد‪:‬‬
‫ إي ‪ ..‬بدي نيك أمك ‪ ...‬على أم محمد!!! ليش في حدا خرب بيتنا غير محمد ؟!‬‫رأيته يبتعد عني ببطء‪ ..‬فصرخت‪:‬‬
‫‪21‬‬

‫ يا سيدي دخيلك ‪ ..‬دخيل أختك‪ ..‬بس كلمة واحدة!!‬‫موجات األلم تتصاعد أكثر فأكثر ‪ ...‬تتالطم أشد فأشد ‪ ...‬المساعد يبتعد أبعد فأبعد ‪ ...‬وأصرخ بأعلى صوتي‪:‬‬
‫ يا سيدي ‪ ...‬أنا م اني مس لم ‪ ...‬أن ا مس يحي ‪ ...‬أن ا مس يحي ‪ ...‬ي ا س يدي دخيل ك ‪ ...‬أب وس أي دك ‪ ...‬أب وس‬‫رجلك ‪ ...‬أنا مسيحي!!‬
‫وببطء شديد يقف المساعد‪ .‬لقد م ّيز ص وتي ض من ك ل ھ ذه األص وات‪ ،‬س معه‪ ،‬يع ود ب بطء أش د‪ ،‬يص ل قرب ي‪،‬‬
‫يرفع يده اليمنى لعناصر الشرطة بإشارة "كفى"‪.‬‬
‫} مصيري اآلن كله مرتبط بكلمة من فم ھذا المساعد الذي بالكاد يعرف القراءة‪{ .‬‬
‫يزرر عينيه ويسألني‪:‬‬
‫أنت مسيحي وال ؟‬‫ نعم سيدي نعم ‪ ...‬ﷲ يخليك ويطول عمرك ‪..‬‬‫ مسيحي‪ ...‬وصاير إخوان مسلمين؟!!‬‫ ال ‪..‬ال سيدي ال ‪ ...‬أنا ماني إخوان مسلمين‪.‬‬‫ لكن ليش جايبينك ؟ ‪ ..‬ھيك !! ‪ ..‬لوجه ﷲ !! ‪ ...‬يعني تبلّي ؟ ‪ ...‬آه يا كلب ‪..‬آه ‪ ،‬إذا كانوا ھ دول العرص ات‬‫يستحقوا الموت مرة واحدة‪ ،‬إنت الزم تموت مرتين!! ‪ ...‬يا‬

‫شباب زيدوا العيار لھالكلب ‪ ...‬مسيحي وصاير‬

‫إخوان مسلمين!!‬
‫مضى‪ ،‬والعناصر الثالثة يزيدون العيار على القدمين وعنصر رابع تنھال كرباجه على فخدي العاريتين‪.‬‬
‫تقلصات األل م ت زداد‪ ،‬لح م الفخ ذين رقي ق ويختل ف ع ن لح م ب اطن الق دمين‪ ،‬أختن ق بص رخاتي أس كت لحظ ات‬
‫ألتنفس وأعب الھواء الذي سأصرخه‪ ،‬غمامة حمراء تتأرجح أمام عيني‪ ،‬حد األلم ال يطاق‪.‬‬
‫بعد أن خذلني المساعد‪ ،‬أع ود إل ى ﷲ‪ ،‬ل م يب ق م ن مخل ص غي ره‪ ،‬وس اعات الض يق وانع دام األم ل يع ود فيھ ا‬
‫اإلنسان إل ى ﷲ‪ .‬ع دت إلي ه‪ ،‬راجي ا ً "س را" أن ينجين ي م ن األش رار‪ ،‬كن ت ف ي غاي ة التھ ذيب وأعم ق درج ات‬
‫األيمان والخشوع‪:‬‬
‫ يا رب خلصني ‪ ...‬أنت المخلص‪ ،‬نجني من بين أيديھم‪.‬‬‫قلت ھذا الكالم دون أن انطقه‪ ،‬طاف بذھني‪ ،‬ومنه خرج مسرعا ً باتجاه السماء‪.‬‬
‫ق واي تخ ور‪ ،‬ق درتي عل ى الص راخ تخف ت‪ ،‬يص بح األل م ح اداً كنص ل الش فرة‪ ،‬أرى الك رابيج ترتف ع عالي ا ً‪،‬‬
‫أتوقعھا‪ ،‬إذا نزلت ھذه الكرابيج على جسدي فأنا حتما ً سأموت !! لم يب ق أي طاق ة لتحم ل المزي د م ن األل م !!‪..‬‬
‫الموت‪ ...‬أعود إلى ﷲ‪:‬‬
‫يا رب دعني أموت ‪ ...‬دعني أموت ‪ ...‬خلصني من ھذا العذاب‪.‬‬‫يصبح الموت أمنية!! أتمنى الموت صادقا ‪ ...‬حتى الموت ال أستطيع الحصول عليه!!‪.‬‬
‫الكرابيج ترتفع وتھوي ‪ ...‬الغمامة الحمراء‪ ،‬السماء وردية‪ ،‬يخف األلم‪ ...‬يخف ت الص راخ ‪ ...‬موج ة ض عيفة م ن‬
‫الخدر والنمل تنزل من القدمين إلى باقي أنحاء الجسم!!‪.‬‬
‫‪22‬‬

‫الخدر يزداد ‪ ...‬موجة من االرتي اح اللذي ذ تغمرن ي ‪ ...‬الك رابيج ترتف ع وتھ وي ‪ ...‬األل م اللذي ذ ‪ ...‬أش عر بالجس د‬
‫المتوتر قد ارتخى ‪ ...‬ثم أغيب !!!!‪.‬‬

‫‪ 16‬تشرين الثاني‬
‫منذ الصباح يعم ضجيج مكبرات الصوت‪ .‬أرجاء السجن وما حوله تبث األناشيد الوطني ة واألناش يد الت ي تمج د‬
‫رئ يس الدول ة وتس بغ علي ه ص فات الحكم ة والش جاعة وتص فه بأوص اف عدي دة‪ ،‬فھ و المف دى‪ ،‬القائ د العظ يم‪،‬‬
‫لھم‪ ...‬تذكر أفضاله العميمة على جميع أبناء الشعب ‪ ،‬فل واله لم ا بزغ ت الش مس ‪،‬وھ و ال ذي يمنحن ا‬
‫المعلم‪ ،‬ال ُم ِ‬
‫الھواء لنتنفس ‪ ،‬والماء لنشرب ‪...‬‬
‫نح ن الس جناء جميع ا ً نق ف ف ي الس احات ف ي ص فوف منتظم ة‪ ،‬وألول م رة من ذ مجيئ ي ال ى ھن ا س محوا لن ا‬
‫بالوقوف ضمن الساحة مفتوحي األعين‪.‬‬
‫أعطوا واحداً من السجناء ورقة‪ ،‬ومما ھو مكتوب عليھا يھتف‪ ...‬فنھتف وراءه‪ :‬بالروح‪...‬بالدم س نفدي رئيس نا‬
‫المحبوب والمعبود !‪.‬‬
‫قبل قليل انتھى االحتفال‪ .‬أعادونا الى المھجع‪.‬‬
‫أشعر اآلن ان صحتي أصبحت جيدة‪ ،‬لقد مضى اآلن أكثر من ستة اشھر ونصف على اللحظة التي أعدت فيھ ا‬
‫فتح عيني على رأس حليق "عل ى الص فر"‪ ،‬ينحن ي الش خص ذو ال راس الحلي ق ف وقي وبي ده مزق ة قم اش مبلل ة‬
‫بالماء يحاول أن يمسح بھا بعض جروح جسدي‪ ،‬الحظ صحوتي فابتسم لي‪ ،‬قال‪:‬‬
‫‪ -‬الحمد‬

‫انك صحيت‪ ،‬أن ا ال دكتور زاھ ي ‪ ...‬ال تحك ي وال تتح رك ‪ ..‬والحم د‬

‫عل ى س المتك‪ ،‬ي ا أخ وي‬

‫انكتب لك عمر جديد‪ ،‬احمد ﷲ سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫لم استطع ال الكالم وال الحركة‪ .‬لزمتني ثالث ة أي ام أخ رى بع د ص حوتي األول ى ألتكل م‪ ،‬وأكث ر م ن ش ھر حت ى‬
‫أستطيع الحركة‪ .‬وطوال ھذه الفترة الزمني الدكتور زاھي بعنايته الفائقة‪ ،‬وبلھجة المنطقة الشرقية المحببة كان‬
‫يشرح لي بما يشبه التقرير الطبي أن وضعي كان خطراً لسببين‪ :‬األول أن أذية بالغة قد أصابت إحدى الكليت ين‬
‫وأنني بقيت فترة البأس بھا أتبول دما ً‪ .‬أما الثاني فھو أن مساحة الجل د المتھت ك ف ي جس دي ق د اقترب ت م ن ح د‬
‫الخطر‪ .‬وإن تفاوتت النسبة حسب المنطقة‪ .‬تھتك جل د الظھ ر بكامل ه تقريب ا ‪ ،‬قس م م ن ال بطن ‪ ،‬الجھ ة األمامي ة‬
‫من الفخذين‪ ،‬القدمان من الجھتين العلوية والسفلية‪ .‬أما جلد القدم اليس رى فق د انكش ط م ن الجھ ة العلوي ة وبان ت‬
‫العظام‪.‬‬
‫أخبرني زاھي إنني بقيت ستة أيام غائبا ً عن الوعي ومعلق ا ً ب ين الحي اة والم وت‪ ،‬ك ان المل ح ھ و الم ادة المعقم ة‬
‫الوحيدة المتوفرة‪ ،‬بالملح ع الجني الش يخ زاھ ي‪ ،‬كم ا ك ان يح ب أن ين ادى متن ازال ع ن لق ب دكت ور بك ل طيب ة‬
‫خاطر وكان يشربني الماء وقليال من المربى المذاب والمخفف بالماء‪.‬‬

‫‪23‬‬

‫وكما شرح لي وضعي الصحي فإنه أخبرني عن المعلومات التي وصلتھم من المھاجع األخرى والتي تق ول إن‬
‫عدد أفراد دفعتنا كان ‪ / 91 /‬شخصا ً‪ ،‬قتل منھم ثالث ة ف ي الس احة األول ى أثن اء االس تقبال وھ ؤالء ل م ي دخلوھم‬
‫إلى المھاجع‪ ،‬وخالل فترة غيابي عن الوعي مات عشرة آخرون متأثرين بجروحھم وإصاباتھم البليغ ة‪ ،‬واثن ان‬
‫من الدفعة أصيبا بشلل دائم نتيجة أذى كبير بالعمود الفقري‪ ،‬واحد فقط أصبح أعمى بعد أن تلقى ضربة كرب اج‬
‫فقأت عينيه‪ ،‬وبعد أن انتھى زاھي من سرد ھذه المعلومات قال‪:‬‬
‫‪ -‬والحمد‬

‫على سالمتك ‪ ..‬احم د ﷲ ي ا أخ وي احم ده‪ ..‬و رغ م أن الص الة ممنوع ة ب س أن ت تق در تص لي‬

‫سراً ركعتين لوجه ﷲ !‪.‬‬
‫الحالقة‬
‫بعد تسعة أيام من صحوتي وقف رئيس المھجع في الصباح وقال مخاطبا ً الناس في المھجع‪:‬‬
‫ ي ا إخ وان ‪ ..‬الي وم دورن ا بالحالق ة‪ ،‬اص بروا وص ابرو‪ ،‬س يعيننا ﷲ ‪ ..‬احمل وا المرض ى ويلل ي م ا بيحس ن‬‫يمشي على البطانيات‪ ،‬كل بطانية يحملھا أربعة فدائيين ‪ ...‬وقدر ما ف يكم أس رعوا‪ ،‬الس رعة أفض ل‪ ..‬و ﷲ‬
‫يقوينا!‬
‫فتح الباب‪ ،‬وقف الجميع‪ ،‬حملني أربعة أشخاص‪ ،‬قال لي أحدھم بحماس‪:‬‬
‫ ال ْتخافْ يا أخي ال تخاف‪ ..‬راح نحميك بأجسامنا‪.‬‬‫صفان من الشرطة على جانبي الباب‪ ،‬بين الشرطي واآلخر حوالي المترين‪ ،‬كل شرطي يحم ل كرباج ا ً‪ ،‬م ا أن‬
‫يصل السجين إلى الباب حتى يبدأ الركض‪ ،‬تتلقاه كرابيج الصف اليميني للشرطة من األمام‪ ،‬الكرابيج اليس ارية‬
‫تطارده من الخلف‪ ،‬من يتعثر أو يقع ‪ ..‬قد يموت فھو يكون قد كسر التناغم وإيق اع الض رب‪ ،‬يق ف الص ف م ن‬
‫خلفه وتجتمع عليه الكرابيج جميعا ً‪ ،‬فإذا ك ان ذا بني ة قوي ة واس تطاع النھ وض رغ م عش رات الك رابيج المنھال ة‬
‫عليه‪ ..‬فقد نجا‪ .‬أماالضعيف فستبقيه الكرابيج لصيقا ً باألرض إلى األبد‪.‬‬
‫حوالي الثالثمائة سجين من مھجعناركض وا بس رعة‪ ،‬تلق وا الض ربات الس ريعة والكاوي ة‪ ،‬اص طفوا ف ي الس احة‬
‫ووج وھھم إل ى الح ائط وأعي نھم مغمض ة‪ ،‬نح ن المرض ى وض عونا ف ي منتص ف الس احة‪ ،‬الكثي ر م ن عناص ر‬
‫الشرطة‪ ،‬الكثير من البلديات وفي أيديھم أمواس الحالقة للذقن وماكينات حالقة الشعر على الصفر‪.‬‬
‫اللؤم ‪....‬؟!!‬
‫كانت ھذه ھي التجربة األولى للحالقة‪ ،‬وسأجربھا في الق ادم م ن األي ام كثي راً‪ ،‬ولك ن من ذ الم رة األول ى ونتيج ة‬
‫لوضعي كمريض مرم ي ف ي وس ط الس احة يس تطيع أن يراق ب ك ل م ا يج ري فيھ ا رغ م أن عيني ه مغمض تان!‬
‫طرقت ذھني تساؤالت إنسانية كثيرة‪:‬‬
‫البلديات سجناء مثلنا‪ ،‬مقھورون مثلنا‪ ،‬ص حيح إنھ م مجرم ون‪ ،‬قتل ة ولص وص ولوطي ون‪ ،‬ولك نھم يع انون م ن‬
‫قھر السجن مثلما نعاني‪ ،‬وال تعني لھم السياسة شيئا‪ ...‬ولكن من أين تنبع ھذه القسوة اللئيم ة والض رب المب رح‬
‫اللذان يكيلھما البلديات للسجناء أثناء الحالقة؟!‬
‫وكنت دائما أتساءل بذھول‪ :‬ھل من المعقول أن يكون اإلنسان لئيما ً إلى ھذه الدرجة ؟!! وھذا اللؤم المجاني ؟!!‬
‫‪24‬‬

‫حالقة الذقن عملية تشريح أو حراثة للوجه مصحوبة بالبصاق والشتائم‪ ،‬وكان بعضھم يتلذذ بافتعال السعال قبل‬
‫البصق على وجه الس جين ك ي يك ون البص اق مص حوبا بالمخ اط !!! وتلتص ق بص قة البل ديات بالوج ه ! ويمن ع‬
‫السجين من مسحھا‪.‬‬
‫حالق ة ال رأس ‪ ..‬م ع ك ل س حبة ماكين ة عل ى ال رأس‪ ،‬وبع د أن ي نفض البل ديات الش عر المحل وق‪ ،‬ض ربة قوي ة‬
‫بالماكينة نفسھا على المكان المحلوق وھو يصر على أسنانه ويشتم‪:‬‬
‫ يا عرص يا ابن العرص ‪ ..‬منين جايب كل ھالقمل؟!‬‫ ولك يا منيك ‪ ...‬شو عامل راسك مزرعة قمل؟!‬‫ومع كل ضربة ماكينة‪ ،‬إما أن ينفر الدم‪ ،‬أو تظھر كرة صغيرة في الرأس مكان الضربة!!‪.‬‬
‫الكثي ر م ن الس جناء ع رف الكثي ر م ن البل ديات‪ ،‬ھ م م ن نف س ق راھم وبل داتھم وم دنھم وأحي ائھم‪ ،‬وتبق ى نف س‬
‫األسئلة مطروحة‪ :‬ولكن لماذا؟ ‪ ..‬لماذا ھو لئ يم بھ ذا الق در؟‪ ..‬م ا ھ ي دوافع ه النفس ية؟‪ ..‬ھ ل القس وة و الس ادية‬
‫المتأصلة أو العارضة يمكن أن تنتقل بالعدوى؟ أم ھي روح القطيع؟!‪.‬‬
‫" وددت لو تتاح لي فرصة محادثة احدھم "‪.‬‬
‫بعد أن انتھى أحد البلديات من حالقتي بضربة قوية على رأسي الحليق‪ ،‬قال‪:‬‬
‫ ياكلب يا ابن الكلب ‪ ..‬كسرتلي ضھري!! ‪ ..‬عامل حالك ما بتحسن توقف!!‪.‬‬‫أدخلونا جميعا ً إلى المھجع بين صفي الشرطة والكرابيج تنھال أكثر ما تنھ ال عل ى ال رؤوس الحليق ة!! اس تلقيت‬
‫في الركن المخصص للمرضى‪ .‬إمارات السرور والفرح بادية على كل المساجين‪:‬‬
‫" ھاھي حالقة أخرى ‪ ..‬تمر بسالم ‪ ..‬ال زلنا أحياء !! "‪.‬‬
‫المھجع‬
‫خالل استلقائي أكثر من شھر في ھذا الركن أتيح لي أن أعاين وأفھم الكثير من األشياء واألمور ف ي ھ ذا المھج ع‬
‫الكبير‪ .‬يبلغ طول المھجع ‪ / 15 /‬خمسة عشر مت راً‪ ،‬وعرض ه ح والي س تة أمت ار ب اب حدي دي أس ود‪ ،‬ف ي أعل ى‬
‫الج دران نواف ذ ص غيرة مالص قة للس قف و مس لحة بقض بان حديدي ة س ميكة‪ ،‬ال يتج اوز ع رض الناف ذة خمس ين‬
‫سنتمتراً وطولھ ا ح والي المت ر‪ .‬أھ م م ا ف ي المھج ع ھ و الفتح ة الس قفية‪ ،‬وھ ي فتح ة ف ي منتص ف الس قف طولھ ا‬
‫أربع ة أمت ار وعرض ھا مت ران‪ ،‬مس لحة أيض ا بقض بان حديدي ة متين ة‪ ،‬ھ ذه الفتح ة ويس مونھا " الش راقة " تت يح‬
‫للحارس المسلح ببندقية والذي يقف على سطح المھجع أن يراقب ويعاين كل ما يجري داخل المھجع وعلى م دار‬
‫ساعات الليل والنھار‪ ،‬فوق كل مھجع في السجن الصحراوي حارس مسلح من الشرطة العسكرية‪.‬‬
‫ساعات اليوم ھنا ج زءان الثال ث لھم ا‪ ،‬اثنت ا عش ر س اعة ن وم إجب اري‪ ،‬اثنت ا عش رة س اعة جل وس إجب اري‪ ،‬ك ل‬
‫سجين يملك ثالث بطانيات عسكرية فقط‪ ،‬يطوي واحدة ويمدھا على األرض فتصبح فراشا ً ويتغطى ب اثنتين‪ ،‬م ن‬
‫يملك ألبسة زائدة عن الثياب التي يرتديھا يطويھا ويجعلھا وسادة أو يضع حذاءه كوسادة‪ ،‬ومن يكن مثلي ال يملك‬
‫ثيابا ً أو حذا ًء فإنه ينام بال وسادة‪.‬‬
‫‪25‬‬

‫وعلى كل سجين أن يتقيد بالتعليمات‪ ،‬من السادسة مسا ًء إلى السادسة صباحا ً يجب أن يكون نائما ً ال يتح رك‪ ،‬م ن‬
‫السادسة صباحا ً إلى السادسة مسا ًء يجب أن يطوي البطانيات الثالث ويجلس عليھا ال يتحرك‪.‬‬
‫الذھاب إلى المرحاض يتم وفق نظام خاص‪ ،‬بحيث أن الشرطي الحارس في أي ساعة يخط ر ل ه أن ينظ ر داخ ل‬
‫المھجع يجب أال يرى أكثر من شخص واحد يمش ي داخ ل المھج ع‪ ،‬ورئ يس المھج ع وھ و س جين أيض ا ً يج ب أن‬
‫ينظم كل ھذا تحت طائلة المسؤولية‪.‬‬
‫لدى أي خلل‪ /..‬إذا تحرك النائم حركة غير طبيعية مثالً‪ ،‬إذا كان إثنان يتحدثان إلى بعض ھما ل يالً‪ ،‬إذا ك ان ھن اك‬
‫ً‬
‫أكثر من شخص يمشي‪ ،‬إذا كان جالسا ً‬
‫بطريقة التعجب الحارس‪ /‬يصيح الحارس برئيس المھجع‪:‬‬
‫ رئيس المھجع ‪ ....‬وال كرّ !!‬‫ نعم سيدي‪.‬‬‫ عل ّم ‪...‬ھالكلب‪.‬‬‫وھكذا يكون قد تم تعليم السجين‪.‬‬
‫نوب ة ك ل ح ارس س اعتان‪ .‬وع دد ال ذين ي تم تعل يمھم ت ابع لم زاج ك ل ح ارس‪ ،‬وك ل ح ارس يبل غ م ن يلي ه ف ي‬
‫الحراسة بعدد الذين علّمھم‪ ،‬وفي الصباح يكون المجموع عند الرقيب الذي يحضر إل ى الس احة وبص حبته ع دد‬
‫كبير من عناصر الشرطة العسكرية والبلديات‪ ،‬ويصيح‪:‬‬
‫ وال ‪ ...‬رئيس المھجع ياحقير ‪ ...‬عندك تالتة وتالتين معلِّمين ‪ ....‬طالعھن لبره الشوف!‪.‬‬‫ويخرج الفدائيون!‪ ..‬جزاء وعقوبة التعليم أصبحت عرفا ً‪ :‬خمسمائة جلدة‪.‬‬
‫الطعام‬
‫ثالث وجبات في اليوم‪ ،‬رغيفان من الخبز العسكري لكل سجين‪ ،‬الطعام يأتي في أوان بالستيكية‪ ،‬العش اء عل ى‬
‫األغلب شوربة عدس‪ ،‬الغداء برغل ومرق البطاطا‪ ،‬البطاطا تطبخ م ع رب البن دورة ب دون أن تغس ل أو تف رم‪،‬‬
‫ولذلك دائما ً ھناك عدة سنتمترات من التراب الراقد في أسفل جاط المرق‪ ،‬الفطور لبنة أو زيتون وأحيان ا ً ب يض‬
‫مسلوق‪.‬‬
‫يجلب البلديات جاطات الطعام‪ ،‬يضعونھا أمام المھاجع ويذھبون‪ ،‬أكثر من ستمائة رغي ف خب ز‪ ،‬ح والي العش ر‬
‫جاطات بالستيك مليئة بالبرغل ومثلھا من المرقة‪ ،‬كلھا تكوّ م أمام المھجع‪.‬‬
‫ثالث مرات في اليوم يفتح الباب الحديدي األسود إلدخال الطع ام‪ ،‬وف ي ك ل م رة يك ون الف دائيون واقف ين خل ف‬
‫الباب‪ ،‬ما أن يفتح حتى يصبحوا جميعا ً وبلمح البصر عند الطع ام‪ ،‬وبس رعة الب رق يحملون ه‪ ،‬ف دائي واح د لك ل‬
‫جاط برغ ل‪ ،‬ج اط الم رق يحمل ه اثن ان‪ ،‬الخب ز يكومون ه عل ى البطاني ات وك ل بطاني ة يحملھ ا أربع ة أش خاص‪،‬‬
‫ط وال الوق ت ال ذي يس تغرقه إدخ ال الطع ام تك ون ك رابيج الش رطة ق د فعل ت فعلھ ا‪ ،‬يتف نن عناص ر الش رطة‬
‫ويبتدعون أساليب جديدة‪:‬‬
‫أمام جاط شوربة العدس الغالي‪ ،‬أمسك الرقيب بالفدائي الذي ھم بحمل الجاط‪ .‬قال‪:‬‬
‫ أترك الجاط على األرض ‪ ...‬وال شرموط!‬‫‪26‬‬

‫ترك السجين الجاط ووقف‪.‬‬
‫ وھلق ‪ ...‬غطس إيديك بالشوربة لشوف!‬‫وخرجت اليدان من الشوربة مسلوختين‪ .‬وأجبره بعدھا أن يحمل الجاط بيديه المسلوختين إلى داخل المھجع‪.‬‬
‫كل بضعة أيام يقتل واحد أو أكثر أثناء إدخال الطعام إلى المھاجع‪.‬‬
‫الفدائيون‬
‫يوج د ھن ا أن اس م ن ك ل األعم ار‪ ،‬رج ال ف ي الثم انين م ن عم رھم‪ ،‬فتي ان ل م يتج اوزوا الخامس ة عش ر‪ ،‬يوج د‬
‫مرضى‪ ،‬ضعفاء‪ ،‬ذوو عاھات سواء كانت في األصل أو حدثت جراء التعذيب‪.‬‬
‫الفدائيون مجموعة من الشباب األقوياء ذوي األجساد المتينة‪ ،‬تطوعوا من تلقاء أنفسھم للقيام بالمھام الخطرة التي‬
‫تحتاج إلى قوة تحمل أو سرعة‪ ،‬مثل إدخال الطعام إلى المھجع‪ ،‬أو إذا تم " تعليم " أحد المرض ى أو الش يوخ م ن‬
‫قبل الحراس‪ ،‬فإن أحد الفدائيين ينوب عن ھذا المريض ف ي تلق ي الخمس مائة جل دة‪ ،‬ال يع رف أح د أي مھج ع ف ي‬
‫السجن كان السباق إلى ابتداع ھذه الفرقة الفدائية‪ ،‬ولك ن ف ي لحظ ة م ا تب ين أن ل دى ك ل مھج ع ف ي الس جن فرق ة‬
‫فدائي ة‪" ،‬اكتش فت الش رطة ف ي الس نوات الالحق ة ھ ذا األم ر‪ ،‬فف ي أح د األي ام ك ان الح راس يتس لون بمراقب ة أح د‬
‫المھاجع وتعل يم الس جناء‪ ،‬وأص بح ع دد األش خاص ال ذين ت م تعل يمھم يف وق ع دد أعض اء الفرق ة الفدائي ة‪ ،‬وأص ر‬
‫بع ض الف دائيين عل ى الخ روج م رة ثاني ة لتلق ي خمس مائة جل دة أخ رى‪ ،‬وف وراً اكتش ف عناص ر الش رطة آث ار‬
‫الضرب والكدمات الحديثة على أرجلھم ولكنھم رغم ذلك لم يفعلوا شيئا حيال األمر"‪.‬‬
‫سمعت أحد الفدائيين يقول إلى زميله‪:‬‬
‫ نحن مشروع شھادة‪.‬‬‫وھ م ص ادقون ف ي س عيھم إل ى االستش ھاد‪ ،‬وق د أنق ذت الف رق الفدائي ة حي اة الكثي ر‪ ،‬وعملھ م يتس م ب اإلخالص‬
‫واالندفاع الشديدين النابعين عن إيمان عميق‪.‬‬
‫في مرة أخرى سمعت دعاء أحدھم بعد الصالة التي أداھا جالسا ً‪:‬‬
‫ اللھ م ان ك ق ادر عل ى ك ل ش يء‪ ،‬باس مك الجلي ل ھبن ي الش ھادة‪ ،‬وخ ذني إل ى جنت ك حي ث النب ّي ون‬‫والمؤمنون األخيار‪.‬‬
‫بعضھم كان يقوم بعمله بتواضع شديد وصمت‪ ،‬وعلى بعضھم اآلخر كنت أالحظ نبرة زھو وتشوف في حديثه‪.‬‬
‫الح ّمام‬
‫نحن في المھجع ستة مرضى ال نذھب إلى الحمام‪ ،‬أنا وزميلي في الدفعة الذي بقي غائبا ً عن الوعي طوال الفترة‬
‫التي كنت ال أستطيع الحركة فيھا‪" ،‬وكان قد دخل إلى ھذا المھج ع م ن دفعتن ا ثالث ة‪ ،‬واح د م ات بع د ي ومين‪ ،‬أن ا‬
‫ص حوت بع د س تة أي ام‪ ،‬أم ا الثال ث فق د بق ي ش ھرين يت أرجح ب ين الم وت والحي اة‪ ،‬ص حا بع دھا وش في" وأربع ة‬
‫مشلولون‪ ،‬اثنان منھم باألصل شلل أطفال ‪ ،‬الثالث أثناء االستقبال‪ ،‬أما الرابع فقد ش ل نتيج ة التع ذيب ب ـ " المظل ة‬
‫"‪.‬‬
‫‪27‬‬

‫الحمام إجباري للجميع إال الذين ال يستطيعون الحركة‪ ،‬خاصة وقد كتب على باب ه إن النظاف ة م ن اإليم ان‪ ،‬ذھ ب‬
‫المھجع إلى الحمام مرتين خالل فترة الش ھر الت ي بقي ت فيھ ا ال أس تطيع الحرك ة‪ ،‬يخلع ون ك ل ثي ابھم يبق ون فق ط‬
‫بالسراويل الداخلية‪.‬‬
‫بعد شفائي نسبيا ً وقدرتي على الحركة ذھبت مع المھجع إلى الح ّمام!‪.‬‬
‫الكيلوت الذي كنت ارتديه عند مجيئي إما أنه تقطع أثناء االستقبال أو أن ه ض اع‪ ،‬ص حوت بع د س تة أي ام فوج دت‬
‫نفسي مرتديا ً سرواالً داخليا ً يصل إلى الركبتين وثيابي مكوم ة إل ى ج انبي‪ ،‬وبھ ذا الس روال وقف ت بالص ف داخ ل‬
‫المھج ع بانتظ ار ال ذھاب إل ى الح ّم ام‪ .‬الك ل مت وجس‪ ،‬الك ل خ ائف‪ ،‬نق ف خل ف الب اب األس ود تح يط بن ا األدعي ة‬
‫واالبتھاالت إلى ﷲ‪ ،‬خلفي اثنان يتحادثان حول أبواب الس جن‪ ،‬كلھ ا حديدي ة وكلھ ا س وداء‪ ،‬أح دھم ي روي لآلخ ر‬
‫عن سجينة اسمھا "ترفة" كانت قد قطعت عھداً على نفسھا نتيجة لكثرة االستفزازات الت ي كان ت تش كلھا األب واب‬
‫ً‬
‫السوداء لھا بأنھا بعد خروجھا من السجن ستحضر نجاراً يخلع لھا كل أبواب بيتھا‪ ،‬ھي ال تريد أبوابا ً‬
‫مغلقة أبداً‪.‬‬
‫فتح الباب ‪ ...‬خرجنا ركضا ً‪ ،‬اثنين اثنين‪ ،‬حولنا من الجانبين الشرطة يحملون الكرابيج الت ي ترتف ع عالي ا ً وتھ وي‬
‫على م ن تص ادفه‪ ،‬الك ل حف اة " كان ت ق دماي لم ا تش فى جي دا بع د "‪ ،‬م ن الس احة السادس ة عبرن ا ث الث س احات‬
‫أخرى حتى وصلنا الحمام‪ ،‬بناء مستطيل يحوي العديد من المقاصير‪ ،‬وھو من مخلفات الحقب ة الفرنس ية‪ ،‬أدخلون ا‬
‫كل اثنين إلى مقصورة بال باب‪ ،‬وزعوا الصابون العسكري ضربا ً على الرأس‪ ،‬لكل واحدا ل وح م ن الص ابون ‪..‬‬
‫ص ياح ‪ ...‬ش تائم ‪ ...‬تركي ز ش ديد ف ي ھ ذا الص ياح وھ ذه الش تائم ح ول موض وع أال نس تغل فرص ة وجودن ا ف ي‬
‫الحمام ونلوط بعضنا بعضا !!‪ ،‬وأنھم يعرفون أننا كلنا لوطيون وأننا نفعل كذا وكذا ببعضنا‪.‬‬
‫الماء النازل من "الدوش" يغلي‪ ،‬البخ ار يتص اعد‪ ،‬تع ديل ح رارة الم اء غي ر ممكن ة‪ ،‬بالك اد دھ ّن ا أجس ادنا بالم اء‪،‬‬
‫دقيقة واحدة قد تزيد أو تنقص بضع ث وان‪ ،‬نخ رج بع دھا تح ت وق ع الك رابيج‪ ،‬الض رب عل ى األجس اد المبلل ة ذو‬
‫وقع مختلف‪ ،‬يلسع لسعا ً‪ ،‬نعود إلى المھجع ركضا ً نحمل آثار الضرب فقط‪.‬‬
‫" س وف يلغ ى الح ّم ام بع د فت رة نتيج ة اكتظ اظ الس جن وس يتم تحويل ه إل ى مھج ع يوض ع في ه المعتقل ون‬
‫الشيوعيون ‪".‬‬
‫تابع الدكتور زاھي العناية بي وبالمرضى اآلخرين‪ ،‬جروحي كلھا على وشك الشفاء عدا الجرح عل ى وج ه الق دم‬
‫اليسرى‪ ،‬و نتيجة ألن عظام مشط القدم قد بانت بعد انكشاط الجلد عنھا فقد خش ي ال دكتور زاھ ي م ن مض اعفات‬
‫أخرى‪ ،‬حضر مرة ومعه شخص آخر وعرف به عل ى أن ه طبي ب أخص ائي جلدي ة‪ ،‬وق د أخبرن ي ھ ذا الطبي ب أن‬
‫بمھجعنا فقط يوجد ثالثة وعشرون طبيبا ً من مختلف االختصاصات‪.‬‬
‫زميلي في الدفعة قاوم الموت أكثر من شھرين‪ ،‬أخذت في نھايتھا صحته في التحسن‪ ،‬أيض ا بفض ل عناي ة وس ھر‬
‫زاھي‪ ،‬ثم بدأ يصحو من غيبوبته تدريجيا ً‪ ،‬وعندما أصبح بإمكان ه تحري ك رأس ه ‪ ...‬نظ ر باتج اھي وف وجيء ب ي‬
‫تماما !! أصيب بالدھشة الشديدة لث وان قليل ة حت ى أن زاھ ي ال ذي ك ان جانب ه س أله إذا ك ان ق د رأى ديناص وراً؟!‬
‫ولكنه تململ ولم يجب‪.‬‬

‫‪28‬‬

‫خالل الشھرين األولين كانت قد نشأت بعض العالقات بيني وبين بعض السجناء‪ ،‬فعالقتي مع زاھي تعتبر جي دة‪،‬‬
‫لقد جلسنا عدة مرات سوية نتحدث عن السجن والحرية‪ ،‬بثني العديد من ھمومه الطبية والعائلية حت ى‪ ،‬كش ف ل ي‬
‫عن خشيته من تفشي وباء ما داخل السجن‪ ،‬وأمام انع دام األدوي ة والوس ائل الطبي ة ف إن أي وب اء س يكون قاض يا ً‪،‬‬
‫سألته مرة عن تاريخ سجنه ومجيئه إلى السجن الصحراوي‪ ،‬قال‪:‬‬
‫ بعد المجزرة مباشرة!!‬‫ وأية مجزرة تعني؟!‬‫ ولو يارجل !!! ‪ ...‬معقول ما سمعت بالمجزرة يا أخوي؟‬‫ ال وﷲ ‪ ..‬ما سمعت ‪ ..‬أناما كنت بالبلد‪ ،‬كنت بفرنسا‪.‬‬‫بعدھا سرد علي تفاصيل ما حدث‪ ،‬أو ما سمي بمجزرة السجن الصحراوي‪:‬‬
‫ كان في ھذا الس جن قراب ة األل ف س جين إس المي‪ ،‬وف ي ي وم حزيران ي ق ائظ‪ ،‬حط ت ط ائرات الھليوك وبتر‬‫محملة بالجنود الذين يقودھم شقيق الرئيس‪ ،‬م دججين باألس لحة‪ ،‬نزل وا م ن الط ائرات ف ي س احات الس جن‪،‬‬
‫دخلوا على السجناء في مھاجعھم وبالرشاشات حصدوھم حص داً! جمع وا قس ما ً م نھم ف ي الس احات وقض وا‬
‫عليھم جميعا ً‪ .‬زاھي أتى إلى ھذا السجن بعد المجزرة تماما ‪،‬كانت الدماء والشعر اآلدم ي ونت ف م ن اللح م‬
‫واألدمغة ال زالت الصقة على جدران وأرضية المھجع الذي أدخلوه فيه‪.‬‬
‫يتوقف زاھي قليالعن السرد‪ ،‬ينظر عاليا خالل الشراقة نظرة ساھمة ‪ ...‬ويتابع‪:‬‬
‫ رحمھم ﷲ جميعا ‪ ...‬الجميع استشھد‪ ،‬كانوا أبطاالً من الرواد األوائل‪ ،‬عل يھم رحم ة ﷲ‪ ،‬تص ور ي ا أخ وي‬‫‪ ...‬انه خالل المجزرة ھجم كم واحد من الشباب المسلم على العساكر المسلحين‪ ،‬واستطاعوا انت زاع بع ض‬
‫األسلحة‪ ...‬ھم يعرفون أنھم راح يموتون على كل حال‪ ...‬ليش ما يق اومون ؟!‪ ..‬وظل وا يق اومون باألس لحة‬
‫ھاي ‪ ...‬حتى استشھدوا أو نفذت ذخيرتھم ‪ ...‬كبدوا العساكر خسائر كبيرة ‪ ...‬عليھم رحمة ﷲ ‪ ...‬الغريب‬
‫انك ما سمعت بھذي المجزرة‪ ..‬يا أخوي!!‪.‬‬
‫وخالل ھذين الشھرين لم يسألني أحد عن ديني‪ ،‬فلم يكن يخطر على ب ال أح دھم أن أك ون غي ر مس ٍلم ‪ ،‬خاص ة‬
‫وأن اسمي ال يوحي بذلك‪ ،‬وبعد التجربة التي مررت بھا في مركز المخ ابرات ل م أخب ر أح داً ب ذلك خاص ة ان ه‬
‫سيكون خارج السياق‪.‬‬
‫بعد يومين من دھشة زميلي في الدفعة عندما رآني‪ ،‬كان المھجع كله قد عرف أنني‪:‬‬
‫ نصراني‪ ،‬ملحد‪ ،‬وجاسوس!!‬‫ً‬
‫مقاطعة تامة من الجميع‪ ،‬لم يعد أحد منھم يحييني‪ ،‬إذا قلت ألحدھم صباح الخي ر‬
‫ظھرت النتائج فوراً‪ .‬قوطعت‬
‫أشاح بوجھه إلى الطرف اآلخر عكس تعاليم نبيھم التي تقول‪" :‬ردوا التحية بأحسن منھا"‪.‬‬
‫في اليوم الثالث للدھشة‪ ،‬تظاھر زاھي بأنه يريد الكشف على قدمي‪ .‬قال لي وھو منھمك بفحصھا‪:‬‬

‫‪29‬‬

‫ أن تكون نصراني‪ ...‬ھذا مو مشكلة‪ ،‬انت م ن أھ ل الكت اب !‪ ..‬ش غلة أن ك تك ون جاس وس للنظ ام ‪ ....‬ھ اي‬‫ماتخرط ال بالعقل وال بالمنطق ‪ ...‬أنت كنت راح تموت بالتعذيب‪ ...‬وھذول الكالب م ا يقتل ون جواسيس ھم‬
‫!!‪ ...‬بس قولي ‪ ...‬صحيح انك أعلنت قدام كل الناس بفرع المخابرات انك ملحد ؟! ‪.‬‬
‫ صحيح يا دكتور‪ ...‬ولكني قلتھا تخلصا ً من العذاب والسجن‪.‬‬‫ ھ ذا مب رر غي ر ك افي‪ ،‬لكنن ي أظ ن أن ك رج ل جي د‪ ،‬ل ذلك أق ول ل ك ‪ ...‬خلي ك حذر‪...‬انتب ه!! بھ ذا المھج ع‬‫جماعة من المتشددين‪ ...‬يفكرون انه من واجبھم قتل الكفار "حيثما وج دوا"‪ ،‬وأن ت ص ار مع روف للجمي ع‬
‫إنك كافر!!‪ ...‬وشغله ثانيه أرجو انه ما تحاول تحكي معي‪ ...‬فأنا ال أستطيع أن أكون شاذاً عن الجماعة!‬
‫ شكراً يا دكتور‪ ...‬على كل شيء‪.‬‬‫ ال شكر على واجب‪.‬‬‫مضى أسبوع دون حوادث تذكر‪ ،‬وذات يوم خرجت من المرحاض وأنا أعرج‪ ،‬أح اط ب ي ف ورا ح والي عش رة‬
‫أشخاص كلھم شباب في بداية العشرينات من عمرھم‪ ...‬صرّ ت كلمات من بين أسنان أحدھم‪:‬‬
‫ وقف ولك ‪ ...‬يا نجس ‪ ..‬يا كافر ‪ ...‬ھذي ھي نھايتك يا كلب‪.‬‬‫تجمدت مكاني‪ ،‬ذھلت‪ ...‬ألجزاء من الثانية نظرت إلى العيون المحدقة بي‪ ،‬فائض م ن الحق د والكراھي ة ينفج ر‬
‫من ھذه العيون‪ ،‬العزم‪ ..‬اإلصرار‪.!..‬‬
‫تضيق الدائرة حولي ‪ ...‬استسالم كلي‪ ،‬بل شلل بالتفكير‪.‬‬
‫طوال الفترة الماضية لم أك ف ع ن الخ وف‪ ،‬الخ وف م ن المخ ابرات‪ ،‬الخ وف م ن الش رطة العس كرية‪ ،‬الخ وف‬
‫لدى قرقعة المفتاح في باب المھجع‪ ،‬الخوف من الضرب واأللم والموت ‪ ...‬أما اآلن ‪ ..‬إنني أرى الموت يحدق‬
‫ب ي م ن خ الل األع ين المحيط ة ب ي ‪ !..‬ھ ل خف ت ؟ ‪ ...‬ال أدري‪ ،‬لق د كن ت حج راً‪ ...‬قطع ة خش ب مج ردة م ن‬
‫األحاسيس والمشاعر‪ ،‬ال تفكير‪ ..‬ال رد فعل‪ ...‬جمود كلي‪ ...‬واستسالم تام‪.!!...‬‬
‫ص مت رصاص ي ثقي ل يخ يم عل ى الفس حة الص غيرة أم ام المرح اض‪ ،‬وھ ي مك ان ال يس تطيع الح ارس عل ى‬
‫السطح أن يراه من شراقة السقف‪ ،‬كان اقترابھم مني بطيئا ً‪ ،‬خطواتھم صغيرة جداً نحو مركز الدائرة ال ذي ھ و‬
‫أن ا‪ ،‬ھ ل تعم دوا تع ذيبي عب ر إطال ة عمرخ وفي وفزع ي؟!‪ ..‬ھ ل ك انوا خ ائفين م ن ردود فعل ي؟!‪ ..‬ھ ل ھ م ل م‬
‫يحزموا أمر موتي بعد؟!‪ ..‬لست أدري!‪.‬‬
‫فجأة ُكسر الصمت‪ ...‬و ُكسر محيط الدائرة البشري حولي‪ ،‬قفز شخص كبير السن وأح اطني بيدي ه‪ ،‬التف ت إل ى‬
‫المحيطين بي وبصوت ھادىء أجش قال‪:‬‬
‫ من يعتدي على ھذا الشخص فقد اعتدى علي!‪.‬‬‫قالھا بالفصحى‪ .‬بوغت المھاجمون‪ ...‬توقفوا‪ ،‬قال أحدھم‪:‬‬
‫ يا شيخ محمود ‪ ...‬يا شيخ محم ود‪ ،‬نح ن نحترم ك ‪ ،‬لك ن ‪ ...‬م ا ال ك عالق ة بھ ذا األم ر!‪ ..‬أن ت ش يخ دي ن‪،‬‬‫والزم تكون معنا في القضاء على الكفر والكفار!‪.‬‬
‫ ال‪ ...‬لست معكم! قال ﷲ تعالى‪" :‬ال تقتلوا النفس التي حرم ﷲ إال بالحق"‪.‬‬‫‪30‬‬

‫ لكن‪ ...‬ھذا الشخص كافر يا شيخ محمود!‪.‬‬‫ ﷲ وحده يعلم ما في النفوس وسرائر القلوب‪.‬‬‫ لكنه نصراني‪ ...‬وجاسوس!‬‫ وجادلھم بالتي ھي أحسن‪ ،‬وال تأخذوا الناس بالشبھات‪.‬‬‫كل الناس بالمھجع يراقبون ما يحدث‪ ،‬ولكن لم يتجمع حولنا إال عدد قليل‪ ،‬خمنت أن أكثرھم من أنص ار الش يخ‬
‫محمود‪ ،‬فجأة رأيت الدكتور زاھي إلى جانبي‪ ،‬التفت إليه الشيخ محمود وقال آمراً‪:‬‬
‫ يا زاھي ‪ ...‬خود ھالشخص لمكانه‪.‬‬‫س حبني ال دكتور زاھ ي أو جرن ي م ن كتف ي‪ ،‬انفتح ت ال دائرة حولن ا دون أي ة ممانع ة‪ ،‬أوص لني إل ى فراش ي‬
‫وقال لي‪:‬‬
‫ اجلس مكانك وال تحكي أية كلمة!‪.‬‬‫مكان رئيس المھجع إلى جانب الباب حيث يكون جاھزاً دوما ً عند فتح الباب لمخاطبة الش رطة‪ ،‬وعل ى الط رف‬
‫اآلخر من الباب وضعوا فراشي بدالً من الشخص الذي ك ان يحتل ه‪ .‬يب دوا أنھ م رفض وا أن أك ون بي نھم‪ ،‬الب اب‬
‫على يساري‪ ،‬الشخص الذي على يميني وھو الجار الوحيد لي أبعد فراشه عن فراشي أكثر من رب ع مت ر رغ م‬
‫االكتظاظ واالزدحام‪ ،‬ولم يحتج أحد‪.‬‬
‫أض حت مق اطعتھم ل ي تام ة‪ ،‬التھدي د ال زال مس لطا ً‪ ،‬جلس ت عل ى فراش ي س اھما ً أتحاش ى النظ ر‬
‫إلى أي اتجاه محدد‪.‬‬
‫مع األيام بدأت تنمو حولي قوقعة بجدارين‪:‬‬
‫ـ جدار صاغه كرھم لي‪ .‬كنت أسبح في بحر من الكراھي ة والحق د واالش مئزاز‪ ،‬وحاول ت جاھ داً أال أغ رق ف ي‬
‫ھذا البحر‪.‬‬
‫ـ والجدار الثاني صاغه خوفي منھم!‬
‫وفتح ت ناف ذة ف ي ج دار القوقع ة القاس ي وب دأت أتلص ص عل ى المھج ع م ن ال داخل‪ ،‬وھ و األم ر الوحي د‬
‫الذي استطعته‪.‬‬

‫‪ 31‬كانون األول‬
‫اليوم عيد رأس السنة‪ ،‬ترى أين تسھر سوزان اليوم ؟! "لم أكن منتبھا ً الى مسألة التواريخ ھذه‪ ،‬األي ام ھن ا كلھ ا‬
‫متشابھة‪ ،‬ولكني سمعت رئيس المھجع يق ول مالحظ ة إل ى بع ض الس جناء ب أن الي وم ھ و رأس الس نة الميالدي ة‬
‫وأن غداً ھو يوم الخميس‪ ،‬وم ن حس ن الح ظ أن ھ ؤالء الظ المين يس ھرون ويعرب دون ويفس قون ف ي ھ ذا الي وم‬
‫حتى الصباح‪ ،‬بعدھا ينامون‪ ،‬ومعنى ذلك ان الھليوكوبتر لن تأتي غداً‪ ،‬ال محاكمات ‪ ...‬ال إعدامات"‪.‬‬
‫بعدھا أصغيت لألصوات خ ارج المھج ع‪ ،‬يب دو أن بع ض عناص ر الش رطة يحتفل ون ب رأس الس نة ف ي غ رفھم‪،‬‬
‫"حفل في الجحيم" خطر بذھني ھذا العنوان‪ ،‬ھل ھو عنوان فيلم ؟! عنوان رواية ؟‪ ...‬أو مسرحية ؟ ال يھم‪.‬‬
‫سوزان‪ ،‬خالل الشھور الثمانية الماضية كان حنيني إليھا يكاد يكون وحشيا ً!‪.‬‬
‫‪31‬‬

‫أھلي‪ ،‬أين ھم اآلن؟ ماذا يفعلون؟ بماذا يفسرون غيابي طوال ھذه الفترة؟ ماذا فعلوا ليعرف وا أي ن أن ا ؟‪ ...‬وأي ن‬
‫ولماذا اختفيت ؟‪ ...‬أبي وأمي يعيشان ھنا وكانا ينتظران وصولي‪ ...‬أنا لم أصل إلى البيت‪ ،‬إذاً أي ن أن ا؟؟ يج ب‬
‫أن يكون ھذا تساؤلھما الرئيسي!‪.‬‬
‫أب ي ض ابط متقاع د ول ه معارف ه‪ ،‬وك ذلك خ الي فھ و يمل ك بع ض النف وذ‪ ،‬وبع ض األقرب اء اآلخ رين‪ ،‬لم اذا ل م‬
‫يتحركوا حتى اآلن النتشالي من ھذا الجحيم؟‪ ...‬ولكن ما أدراني!! قطعا إن جميعھم اآلن يتحركون ويسعون‪.‬‬
‫ھذه األفكار أشعرتني ببعض األمل!‪.‬‬
‫أحتاج إلى شخص أحادثه ع ن ك ل ھ ذه األم ور‪ ،‬أس أله‪ ،‬أبث ه ھم ومي‪ .‬أنظ ر ح ولي فتص دمني الوج وه المغلق ة‪،‬‬
‫أكثر من نصف عام مرّ على مقاطعتھم لي‪ ،‬فقط بضع كلمات من رئيس المھجع عند الضرورة‪ ،‬وبضع كلم ات‬
‫من زاھي خلسة‪ .‬فمي مطبق ال يفتح إال أثناء إدخال الطعام‪ .‬أحس أن لس اني ق د ب دأ يص دأ‪ .‬ھ ل يمك ن لإلنس ان‬
‫أن ينسى عادة الكالم إذا لم يتكلم لفترة طويلة؟‪ .‬يجب أن أتكلم حتى لو مع نفسي وليقولوا أنني مجنون!!‪.‬‬
‫ال أستطيع أن ألمس شيئا ً م ن أش يائھم‪ ،‬أجس ا َدھم‪ .‬م ر ًة كن ت ماش يا ً باتج اه المغاس ل فاص طدمت ي دي بي د واح د‬
‫منھم كان عائ داً م ن المغاس ل‪ ،‬رج ع واغتس ل ليتطھ ر‪ .‬إذا اس تخدمت حنفي ة الم اء ف إن م ن ي أتي بع دي يغس لھا‬
‫بالصابون سبع مرات‪ ،‬ألنني ببساطة "نجس"‪ .‬م ر ًة س معت واح داً يق ول لآلخ ر بأن ه ال يكف ي أن يغس ل الحنفي ة‬
‫بالصابون سبع مرات‪ ،‬إنما يجب أن يكون لدينا بعض التراب‪ ...‬ألن الرسول صلى ﷲ عليه وسلم قال ‪:‬‬
‫"إذا ولغ كلب في إناء ‪ ،‬فاغسلوه سبع مرات إحداھا بالتراب‪".‬‬
‫من يقوم بتوزيع الطعام يضع الطعام لي أمام فراشي ويتحاشى أن يلمس بطانيتي أو ينظر إل ي‪ ،‬ك انوا يتكتم ون‬
‫أم امي! ولك ن رغ م ذل ك اس تطعت أن أع رف الكثي ر ع ن حي اتھم الداخلي ة ووس ائل عيش ھم وأس اليبھم‬
‫داخل السجن‪.‬‬
‫الصالة‬
‫الصالة ممنوعة منعا ً باتا ً بأوامر مدير الس جن‪ .‬عقوب ة م ن يق بض علي ه متلبس ا بج رم الص الة ھ ي " الم وت "‪،‬‬
‫رغم ذلك فإنھم لم يكونوا يفوتون وال صالة واحدة‪ .‬صالة الخوف‪ ،‬يوجد شيء من ھذا ف ي اإلس الم‪ ،‬ولك ن ھن ا‬
‫طوروھ ا بحي ث أن اإلنس ان يص لي وھ و ج الس ف ي مكان ه أو ف ي أي وض عية أخ رى‪ ،‬دون رك وع أو س جود‪.‬‬
‫إدارة السجن عرفت ھذا أيضا ً‪ ،‬ويتناقلون حديثا ً لمدير السجن قاله أمام السجناء الشيوعيين‪ ،‬ودائما ً ح ديث م دير‬
‫السجن أشبه ما يكون بالمحاضرات أو الخطب‪ ،‬خاطب الشيوعيين قائالً‪:‬‬
‫ ھؤالء الكالب ‪ ...‬اإلخوان المسلمون‪ ،‬البارحة فقط أمضيت أكثر من نصف ساعة وأنا أشرح لھ م وأفھمھ م‬‫أن القومية أھم من الدين‪ ،‬ولكن ھل تتصورون أنھ م الي وم ع ادوا يص لون !!! عجي ب أم ر ھ ؤالء الن اس !!‬
‫لماذا ذھنھم مغلق إلى ھذه الدرجة ؟!‪.‬‬
‫االتصال‬
‫‪32‬‬

‫جميع المھاجع ملتصقة ببعضھا‪ ،‬كل مھجع ملتص ق بمھجع ين آخ رين م ن اليم ين واليس ار‪ ،‬وأحيان ا ً م ن الخل ف‬
‫أيضا ً‪ ،‬وھذا األمر س ّھل االتصال بين السجناء كثيرا‪ ،‬ويكون ذلك بالدق على الحائط حسب طريقة مورس‪ ،‬دق ة‬
‫على الحائط ‪ ...‬دقتان ‪ ...‬دقة قوية ودقة ضعيفة‪ ...‬نفس رموز البرقيات التي ترسل وفق طريقة مورس‪.‬‬
‫كل ما يجري داخل السجن‪ ،‬الدفعات الجديدة‪ ،‬من مات‪ ،‬ع دد ال ذين اع دموا وأس ماؤھم‪ ،‬األخب ار خ ارج الس جن‬
‫والتي ينقلھا السجناء الذين جاؤوا حديثا ً‪ ،‬كل ھذه األشياء كانت تنتقل عبر المھ اجع وف ق رم وز الم ورس‪ ،‬وف ي‬
‫كل مھجع مجموعة مخصصة لتلقي وإرسال تلك الرموز‪ ،‬تقف خلفھم مجموعة الحفظة‪.‬‬
‫ت الق رآن‬
‫بدأ الحفظ منذ بداية "المحنة " كما يسميھا اإلسالميون‪ ،‬كان الشيوخ الكبار يجلسون ويتلون‬
‫سور وآي ا ِ‬
‫َ‬
‫على مجموعة من الشباب‪ ،‬وھؤالء يظلون يكررونھا حتى يحفظوھا‪ ،‬وھكذا تولدت آلية الحفظ ھذه‪ ،‬لم يبق أحد‬
‫في المھج ع إال وحف ظ الق رآن م ن أول ح رف إل ى آخ ر ح رف‪ ،‬وم ع ك ل دفع ة جدي دة كان ت تب دأ دورة جدي دة‪،‬‬
‫والحق ا ً تط ور األم ر باتج اه آخ ر‪ ،‬ي تم انتق اء مجموع ة م ن الش باب ص غار الس ن يحفظ ون إض افة ال ى الق رآن‬
‫وأحادي ث النب ي محم د ‪ ...‬م ا يمك ن تس ميته بس جل الس جن‪ ،‬أس ماء ك ل م ن دخ ل ھ ذا الس جن م ن الحرك ات‬
‫اإلسالمية‪" .‬في مھجعنا شاب لم يبلغ العشرين من عمره‪ ،‬يحف ظ أكث ر م ن ثالث ة آالف اس م‪ ،‬اس م الس جين‪ ،‬اس م‬
‫مدينت ه أو بلدت ه‪ ،‬قريت ه‪ ،‬ت اريخ دخول ه الس جن ‪ ...‬مص يره!!‪ ".‬بعض ھم متخص ص باإلع دامات والقت ل‪ ،‬وھ م‬
‫يس مون ك ل م ن يقت ل أو يع دم ف ي الس جن ش ھيداً‪ ،‬وھ ذا س جل الش ھداء‪ .‬أيض ا يحفظ ون االس م‪ ،‬عن وان األھ ل‪،‬‬
‫تاريخ اإلعدام أو القتل‪.‬‬
‫أعجبت بھذه الطريقة وأخذت أدرب نفسي عليھا‪ ،‬وبع د أن امتلك ت الق درة الكافي ة ق ررت كتاب ة ھ ذه اليومي ات‪،‬‬
‫أكتب الجملة ذھنيا‪ ،‬أكررھا‪ ...‬أحفظھ ا‪ ،‬أكت ب الثاني ة‪ ...‬أحفظھ ا‪ ،‬ف ي آخ ر الي وم أك ون ق د كتب ت وحفظ ت أھ م‬
‫أحداث اليوم‪ ،‬واكتشفت أنھا طريقة جيدة لش حذ ال ذھن وتمض ية الوق ت الطوي ل ف ي الس جن‪ ،‬وف ي ص باح الي وم‬
‫التالي أتلو كل ما حفظته البارحة‪.‬‬
‫عرف ت الحق ا أن م ا حف ظ حي اتي ھ و أنھ م ليس وا مجموع ة واح دة‪ ،‬فباإلض افة للمتش ددين ال ذين حكم وا عل ي‬
‫بالموت‪ ،‬يوجد التنظيم السياسي وھو تنظيم ل م يحم ل الس الح ول م يش ارك بالعملي ات العس كرية‪ ،‬وھن اك جماع ة‬
‫التحري ر اإلس المي وھ م جماع ة مس المة وم نھم الش يخ محم ود وزاھ ي الل ذان أنق ذا حي اتي‪ ،‬وك ذلك جماع ات‬
‫الصوفية وھي كثيرة ومتشعبة‪ ...‬وغيرھم‪.‬‬
‫ھذه المجموعات بقدر ما كانت تبدو متماثل ة ومتش ابھة‪ ،‬يختل ف بعض ھا ع ن بعض ھا اآلخ ر إل ى درج ة أن ھ ذه‬
‫الخالفات كانت تصل إلى حد التكفير‪ ،‬إلى حد االص طدام واالش تباك باألي دي والض رب المب رح دون رحم ة أو‬
‫شفقة‪.‬‬
‫ھم قساة إلى درجة أن بعض أعضاء الجماعة المتشددة كانوا يروون كيف أنھ م أنھ وا ت دريبھم العس كري ببي ان‬
‫عملي قتلوا خالله بعض "الزب الين" ف ي الص باح الب اكر أثن اء قي ام ھ ؤالء بتنظي ف الش وراع‪ ،‬وك ان ھ ذا مج رد‬
‫تدريب أو "عمادة بالدم"‪ .‬ھؤالء أنفسھم يتحولون إلى كائنات في منتھى الرقة و يبكون عندما ي روي ق ادم جدي د‬
‫أن أجھزة المخ ابرات كان ت تع ذب طف الً ص غيراً أم ام وال ده أو والدت ه إلجب ارھم عل ى االعت راف‪ ،‬أو كي ف ت م‬
‫اغتصاب إحدى الفتيات أمام والدھا إلھانته وإذالله وإجباره على اإلدالء بما يملك من معلومات‪.‬‬
‫‪33‬‬

‫شجاعتھم أسطورية في مواجھ ة التع ذيب والم وت‪ ،‬وخاص ًة ل دى ف رق الف دائيين‪ ،‬وق د رأي ت أناس ا ً م نھم ك انوا‬
‫يفرحون فرحا ً حقيقيا ً وھم ذاھبون لإلعدام‪ .‬الأعتقد أن مثل ھذه الشجاعة يمكن أن توجد في مك ان أخ ر أو ل دى‬
‫مجموعة بشرية أخرى‪.‬‬
‫ھناك الكثي ر م ن الج بن أيض ا ً‪ ،‬ولك ن الج بن ال يلف ت النظ ر بق در الش جاعة‪ .‬فف ي ظ ل ھ ذا الوض ع يب دو الج بن‬
‫والخوف طبيعيين والشجاعة استثنائية‪ .‬ولكن ھنا عندما يكون الجبن مبالغا ً فيه يعزى إلى قلة اإليمان با ‪.‬‬
‫" كسلحفا ًة أحست بالخطر وانسحبت داخل قوقعتھا‪ ،‬أجلس داخل قوقعتي‪ ....‬أتلصص‪ ،‬أراقب‪ ،‬أس جل‪ ،‬وأنتظ ر‬
‫فرجا ً"‪.‬‬

‫‪ 31‬أب‬
‫صيفان وشتاء واحد مروا وأنا ھنا وس ط ھ ذه الص حراء المترامي ة‪ ،‬ھن ا ال توج د فص ول أربع ة‪ ،‬فق ط فص الن‪،‬‬
‫ص يف وش تاء‪ ،‬وال ن دري أيھم ا أش د قس وة م ن اآلخ ر‪ ،‬ف ي الص يف يب دو الش تاء رحيم ا ً‪ ،‬وأثن اء الش تاء نح س‬
‫العكس‪.‬‬
‫نحن اآلن في عز الصيف‪ .‬الجو الھب‪ ،‬ال يوجد ھ واء لنتنفس ه‪ ،‬الھ واء ثقي ل ج دا بحي ث نحت اج إل ى جھ د كبي ر‬
‫عرقنا يس يل س يالً‪ ،‬س معت بعض ھم مم ن يع رف المنطق ة س ابقا ً يق ول إن‬
‫لشفطه إلى داخل الرئتين‪ ،‬وھذا يجعل َ‬
‫درجة الحرارة قد تصل الخمسين أو حتى ستين درجة مئوية في الخارج‪ ،‬وفي الظل داخ ل المھج ع ال تق ل ع ن‬
‫الخمسة وأربعين درجة مئوية‪ ،‬تأفف أحدھم‪:‬‬
‫ العمى ‪ ...‬شو نحن مسجونين بفرن !!‪.‬‬‫بعض كبار السن قضوا اختناقا‪ ،‬رئيس المھجع يدق الباب ويخبر الشرطة بموت أحدھم‪ ،‬يفتح ون الب اب‪ ،‬ويب دو‬
‫صوت الشرطي سائالً من شدة الحرارة‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫وين ھادا الفطسان ؟‪ ...‬يا ‪ ...‬زتوه لبره‪.‬‬

‫يحتال رئيس المھجع إلبقاء بعض أواني الطع ام البالس تيكية داخ ل المھج ع ومن ذ الص باح الب اكر وقب ل اس تيقاظ‬
‫الناس تقوم الخدمة اليومية بملء األواني بالماء‪ ،‬جميع السجناء بالسراويل الداخلية التي تغطي " العورة " فق ط‪،‬‬
‫من الس رة إل ى الركب ة‪ ،‬ي دخل أربع ة س جناء إل ى الفس حة الص غيرة أم ام الم راحيض‪ ،‬يق وم أربع ة م ن عناص ر‬
‫الخدمة اليومية "وھذه الخدمة منظمة دوريا ً من السجناء أنفسھم‪ ،‬أنا معفى من كل أنواع الخدمة !" بص ب الم اء‬
‫على رؤوس وأجساد األربعة‪ ،‬ويخرج ھؤالء سريعا ً والماء يقطر منھم‪ ،‬يدخل أربعة غيرھم ‪ ...‬وھكذا‪.‬‬
‫ستة بطانيات مبللة بالماء‪ ،‬كل بطانية يمسكھا اثن ان م ن الخدم ة‪ ،‬يقف ون عل ى مس افات متس اوية داخ ل المھج ع‪،‬‬
‫يھزون البطانيات جاعليھا كمراوح لتحريك الھواء وترطيب الجو‪ ،‬ھذا ھو اليوم الصيفي العادي‪.‬‬
‫أما اليوم الشتائي فھو يوم منكمش‪ ،‬ثياب الجميع قد تھرأت وال يمكن أن تقي من الب رد الص حراوي الح اد ال ذي‬
‫ينخر العظام ويجمد المفاصل‪ ،‬ثالثة بطانيات تعاقبت عليھا األيام واستخدمھا قبل ي مئ ات الس جناء‪ ،‬أل بس ب ذلتي‬
‫الباريسية األنيقة‪ ،‬السترة والبنطال وكان الشرطة قد صادروا "الكرافات"‪ ،‬سترة البذلة ال زالت بحالة جيدة‪ ،‬أما‬
‫البنطال فقد اھترأ عند ال ركبتين وف ي الم ؤخرة‪ ،‬الس حاب ق د خ رب وتقطع ت األزرار‪ ،‬ألبس ه ل يالً نھ اراً وعل ى‬
‫مدار األيام‪ ،‬وقد َنسلت بعض الخيوط من البطانية وجدلتھا وجعلتھا حزام ا أثب ت في ه البنط ال ب دالً م ن األزرار‬
‫‪34‬‬

‫والس حاب‪" ،‬ش اھدت غي ري يفع ل ھ ذا ففعل ت"‪ .‬ھن ا ال يوج د خيط ان أو إب ر خياط ة‪ ،‬أص بح ل دي س رواالن‬
‫داخليان‪ ،‬أحد القادمين الجدد إلى المھج ع ك ان أھل ه أغني اء ج دا‪ ،‬وق د اس تطاعوا زيارت ه أثن اء وج وده ف ي ف رع‬
‫المخابرات بعد أن دفعوا ما يوازي ثروة صغيرة كرشوة إلى الضابط المسؤول‪ ،‬وھناك من نصحھم بأن يأخذوا‬
‫البنھم الكثير من الثياب‪" .‬جلب معه أكثر من مائة غيار داخلي‪ ،‬كان نصيبي منھا سرواالً داخلي ا ً‪ ،‬أعط اني إي اه‬
‫رئيس المھجع‪:‬‬
‫ خود ھذا ‪ ....‬مشان يكون عندك بدل!‬‫البرد الصحراوي أقس ى م ن أي ب رد آخ ر‪ ،‬عش ت أيام ا ً ب اردة ج دا ف ي فرنس ا كان ت الح رارة تص ل ال ى تح ت‬
‫الصفر ‪ ،‬ولكن ذلك البرد يبدو برداً مھذبا ً‪ ،‬بينما البرد ھنا وقح صفيق!‬
‫أما مشكلة القمل فتكون أصعب في اليوم الشتائي‪ ،‬فال حل للقمل المنتشر بكثافة في جميع المھاجع إال أن تجل س‬
‫وتخلع كل ثيابك وتبدأ بالتفتيش عنه في ثنايا الثياب‪ ،‬الجميع ھنا يفعل ذل ك وفعل ت م ثلھم بع د أن ھ رش جل دي‪،‬‬
‫ولكنن ي ل م اس تطع أن أخ رج الص وت ال ذي يخرجون ه م ن ب ين أس نانھم "تس ه" كلم ا فقس وا قمل ة ب ين اظف ري‬
‫اإلبھامين!!‬
‫ك ل ي وم بع د وجب ة اإلفط ار يخل ع الجمي ع ثي ابھم ويب دؤون تفليتھ ا بحث ا ع ن القم ل‪ ،‬وأن ا أيض ا ً أمس ك القمل ة‬
‫وأھرسھا بين األظفرين‪ ،‬كان وجود القمل بھذه الكثافة محيراً‪ ،‬تساءل أحدھم بغضب‪:‬‬
‫ العمى منين عم يجي كل ھالقمل ؟!‪ ..‬كل يوم ننظف ثيابنا منه‪ ،‬كل يوم نتوضأ خمس م رات‪ ،‬عل ى األغل ب‬‫نغسل كل يوم جسمنا بالماء البارد والص ابون‪ ،‬نغس ل ثيابن ا‪ ،‬نغس ل بطانياتن ا‪ ،‬وب اليوم الث اني نش وف القم ل‬
‫أكثر ‪ ...‬وأكثر !!‪ ..‬العمى‪ ...‬في حدا عم يرش المھاجع بالقمل؟!!‬

‫‪ 10‬أيلول‬
‫ألول مرة يدور في المھجع نقاش خارج عما ھو موجود في القرآن أو الس نة النبوي ة ‪ ،‬نق اش طوي ل ش ارك في ه‬
‫أكث ر م ن عش رة أش خاص بي نھم اثن ان م ن المش لولين‪ " ،‬ك ل النقاش ات‪ ،‬الح وارات‪ ،‬حت ى الش جارات ‪ ...‬ت تم‬
‫بصوت منخفض خشية أن تسمع الشرطة"‪ .‬وكان موضوع الحوار ھو الحضارة اإلسالمية والحضارة الغربية‪،‬‬
‫بدأ ھذا النقاش طبيب دارس في أوربا بمالحظة سريعة أبداھا حول الحري ة و ُمث ل الديمقراطي ة الغربي ة‪ ،‬اس تمر‬
‫النقاش طويال وانتھى بقول أحد المشلولين‪:‬‬
‫ تقول الحضارة الغربية !‪ ...‬انظر يا أخي حولك‪ ،‬أن ا مش لول بالكرس ي األلم اني‪ ،‬وھ ذا محم د عل ي مش لول‬‫أيضا برصاصة استقرت بعموده الفقري مصنوعة في روسيا‪ ،‬ھذا السجن بنته فرنسا‪ ،‬القيود التي كبلوا بھا‬
‫يديّ مكتوب عليھا "صنع في أسبانيا"‪ ،‬الضابط الذي اعتقلني يحمل مسدسا ً بلجيكيا‪ ،‬الضباط الذين يش رفون‬
‫عل ى التحقي ق والتع ذيب ت دربوا ف ي أمريك ا وبريطاني ا وروس يا ‪ ...‬ھ ذه منتج ات الحض ارة الغربي ة‪ ،‬وإذا‬
‫أضفت إلى كل ھذا الكثير من الفسق والفجور واالنحالل األخالقي تكون الحضارة الغربية مجسدة أمامك‪.‬‬
‫بصوت تعب وبلھجة من يود إنھاء نقاش ال طائل تحته‪ ،‬لكنه ال يريد التسليم بحجج الخصم‪ ،‬رد الطبيب‪:‬‬
‫ إن في ھذا الكثير م ن التجن ي واالجت زاء‪ ،‬أن ا ال أق ول أن نقل د الغ رب أو نأخ ذ س لبياتھم‪ ،‬ف ي الغ رب أيض ا ً‬‫العلوم والطب وتطور الزراعة والصناعة ‪ ...‬وفوق كل ھذا وأھم من كل شيء ‪ ...‬ھو أن لديھم إنسانا ً حراً‬
‫‪35‬‬

‫ومحترما ً‪ ،‬إذا أردنا أن نتقدم علينا أن نتعلم منھم الكثير وخاصة احترام اإلنسان واحترام حريته‪ ،‬وھذا ليس‬
‫عيبا ً‪.‬‬

‫‪ 25‬كانون األول‬
‫جافاني النوم‪ .‬الساعة السادسة مددت البطاني ة كالع ادة وتم ددت‪ .‬الواح دة بع د منتص ف اللي ل ملل ت االض طجاع‬
‫بعد أن آلمتني أجنابي‪ ،‬جلست ولففت نفسي بالبطانيات‪ ،‬خمس دقائق وصوت الحارس من خالل الشراقة‪:‬‬
‫ يا رئيس المھجع ‪ ..‬يا حمار‪.‬‬‫ نعم سيدي‪.‬‬‫ علملي ھالتيس القاعد جنبك‪.‬‬‫ حاضر سيدي‪.‬‬‫لقد علمني‪ .‬تمددت ف ورا‪ ،‬غ داً ص باحا ً س يكون فط وري خمس مائة جل دة بقش اط مروح ة الدباب ة عل ى ق دمي! إن‬
‫قدمي التي أصيبت شفيت تماما مع ندب طويل ولكنھا كانت تؤلمني دائما ً في أيام البرد فأل ّفھا أكث ر م ن غيرھ ا‪،‬‬
‫كنت احلم بزوج من الجوارب الصوفية! احد أحالمي الصغيرة‪ .‬ماذا سيكون مص ير ھ ذه الق دم المس كينة عن دما‬
‫تتلقى خمسمائة جلدة؟ لم أستطع النوم حتى الصباح‪ .‬وعندما فتح الباب وصاح الشرطي برئيس المھج ع ليخ رج‬
‫األشخاص الذين تم تعليمھم‪ ،‬قفزت واقفا ً‪ ،‬ولكن رئيس المھجع وبسرعة قال‪:‬‬
‫ مكانك‪ ،‬ال تتحرك‪ ،‬واحد من الشباب طلع بدال منك‪.‬‬‫ذھلت‪ ،‬واحد من الفدائيين‪ ،‬واحد من المتشددين الذين حاولوا قتلي ألنن ي ك افر يف ديني اآلن بنفس ه ويتلق ى عن ي‬
‫خمسمائة جلدة!!‬
‫منذ سنة ونصف تقريبا لم أنطق وال كلمة‪ ،‬جلست مكاني وأنا أنظر إلى رئيس المھجع ب ذھول‪ ،‬خرج ت كلمت ان‬
‫من فمي ال إراديا ً‪:‬‬
‫ لكن ‪ ...‬ليش ؟‬‫لم يجب رئيس المھجع بشيء‪ ،‬أشار بيده لي أن اسكت‪ ،‬إشارة فيھا الكثير من االحتقار و االشمئزاز!!‪.‬‬
‫عاد األشخاص الذين جلدوا‪ ،‬بعد وجبة الجلد يعودون ركضا عل ى اإلس فلت الخش ن وھ م حف اة‪ ،‬أكث ر م ن واح د‬
‫منھم رمقني بطرف عينه بنظرة ازدراء وحقد!!‬
‫إذاً لماذا؟؟‬
‫"لزمني زمن طويل حتى استطعت التوصل إلى تخمين‪:‬‬
‫بما أنني جاسوس فإنھم كانوا حريصين جداً أال أحتك بعناصر الشرطة كي ال أمارس جاسوسيتي !!‪".‬‬
‫في اليوم نفسه كان دور مھجعنا بالتنفس ‪.‬‬
‫التنفس‬
‫‪36‬‬

‫في السجون األخرى التنفس ھو حيز زمني يخرج فيه السجين من مھجع ه إل ى س احة ھواؤھ ا نق ي‪ ،‬بھ ا بع ض‬
‫المالعب فيتريض‪ ،‬معرضة للشمس فيتشمس‪ ...‬يأخذ حاجته من الھواء والشمس والحركة‪.‬‬
‫ھنا ‪ ...‬قبل التنفس يكون السجناء في المھجع قد انتظم وا ف ي ط ابور متل ٍو بعض ھم خل ف بع ض‪ ،‬تف تح الش رطة‬
‫الباب‪ ،‬يخرج الطابور بخطوات بطيئة‪ ،‬الرؤوس منكسة إلى األسفل‪ ،‬العيون مغمضة‪ ،‬ك ل س جين يمس ك بثي اب‬
‫الذي أمامه‪ ،‬عناصر الشرطة والبلديات يحيطون بالساحة وينتشرون بھ ا بكثاف ة‪ ،‬يس ير الط ابور س يراً بطيئ ا ً أو‬
‫سريعا ً حسب مزاج وإرادة الرقيب‪.‬‬
‫االثنين والخم يس يوم ان مختلف ان ع ن بقي ة أي ام األس بوع ھن ا‪ .‬ف ي ھ ذين الي ومين ت تم اإلع دامات‪ ،‬ل ذلك عن دما‬
‫نخرج للتنفس في ھذين اليومين تكون كمية التعذيب والضرب أكثر من غيرھما م ن األي ام‪ ،‬وف ي الت نفس يك ون‬
‫الضرب غالبا ً على الرأس‪:‬‬
‫ وال كلب‪ ...‬ليش عم ترفع راسك؟!‬‫ويھوي الكرباج على الرأس‪.‬‬
‫ ولك ابن الشرموطة !!‪ ..‬ليش عم تفتح عيونك من تحت لتحت ؟!!‬‫ويھوي الكرباج على الرأس‪.‬‬
‫في الصيف يك ون التع ذيب أق ل‪ .‬ح رارة الش مس الت ي تثق ب رؤوس نا تجع ل عناص ر الش رطة ف ي حال ة تكاس ل‬
‫وعدم ميل للحركة‪ ،‬في الشتاء يشت ّد التعذيب‪.‬‬
‫أحيانا ً وبينما الطابور يدور يتجمع بعض عناصر الشرطة حول الرقباء‪ ،‬تدور بينھم أحاديث ال نس معھا‪ ،‬يص بح‬
‫مزاجھم فجأة أميل للتسلي بنا‪ ،‬يصرخ الرقيب‪:‬‬
‫ وال حقير‪ ...‬أنت أنت يا طويل‪ ...‬أطول واحد بالصف‪ ،‬تعال ھون‪...‬‬‫يركض أحد البلديات ويجر أطول واحد بينن ا‪ ،‬طول ه أكث ر م ن مت رين‪ ،‬الرقي ب ج الس عل ى كتل ة إس منتية أش به‬
‫بالكرسي‪ ،‬يضع رجالً على رجل‪ ،‬يشد صدره يرجع رأسه إلى الوراء واألعلى‪ ،‬يقول‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫وال حقير ‪ ..‬أنت بني آدم وال زرافة؟‬

‫يضحك المتجمعون حوله بصخب‪ ،‬يتابع الرقيب‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫وھلق ‪ ...‬اركض حول الساحة خمس دورات وطالع صوت متل صوت الزرافة ‪ ...‬يا بسرعة‪.‬‬

‫يركض السجين ويصدر أصواتاً‪ ،‬ال أحد يعرف كيف ھو صوت الزرافة‪ ،‬أعتق د حت ى وال الرقي ب نفس ه‪ ،‬ي دور‬
‫السجين خمس مرات‪ ،‬يتوقف‪ ،‬يقول الرقيب‪:‬‬
‫ وال حقير ‪ ...‬ھلق بدك تنھق متل الحمار!‬‫ينھق السجين الطويل‪ .‬تضحك الشرطة‪.‬‬
‫‪-‬‬

‫وال حقير‪ ...‬ھلق بدك تعوي متل الكلب!‬

‫يعوي السجين الطويل‪ .‬تضحك الشرطة‪ .‬يضحك الرقيب وھو يھتز‪ ،‬يقول‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫وال حقير‪ ...‬إي ‪ ...‬إي ‪ ...‬ھاي ناجحة وكويسه ‪ ...‬أنت متل الكلب فعال‪.‬‬
‫‪37‬‬

‫ثم يلتفت إلى رتل السجناء الذي يسير منكس الرؤوس ومغمض العينين‪ ،‬يصيح‪:‬‬
‫ وال حقير‪ ...‬أنت أنت‪ ...‬أقصر واحد بالصف ‪ ،‬تعال ھون‪.‬‬‫يركض أحد البلديات‪ ،‬يجر أقصر واحد بالرتل‪ .‬ش اب ص غير ال يتج اوز الخامس ة عش ر‪ ،‬طول ه أكث ر قل يال م ن‬
‫المتر والنصف‪ ،‬يقف أمام الرقيب الذي يضحك ويقول‪:‬‬
‫ك ‪ ...‬وقف قدام ھالكلب الطويل‪.‬‬
‫ وال حقير‪ ...‬يا ْز ِم ّ‬‫يقف السجين القصير أمام السجين الطويل‪ ،‬يصرخ الرقيب‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫وال حقير ‪ ...‬يا طويل ‪ ...‬ھلق بدك تعوي وتعض ھالكلب يللي قدامك وبدك تشيل قطعة م ن كتف ه ‪ ،‬وإذا‬
‫ما شلت ھـ القطعة ‪ ...‬ألف كرباج‪.‬‬

‫يعوي الطويل ثالث أو أربع مرات متواصلة‪ ،‬يتقدم من القصير وينحني مطبق ا بفكي ه عل ى كت ف القص ير ال ذي‬
‫يصرخ ألما ً ويتملص من العضة‪.‬‬
‫‪-‬‬

‫وال حقير‪ ...‬يا طويل‪ ...‬وين قطعة اللحم ؟ يا شرطة ‪ ...‬ناولوه‪.‬‬

‫ينھال رجال الشرطة بك رابيجھم ض ربا ً عل ى الطوي ل‪ ،‬يس قط عل ى ركبتي ه‪ ،‬يتس اوى ب الطول م ع القص ير وھ و‬
‫جا ٍ‬
‫ث ‪ ...‬يترنح ‪ ...‬يصرخ الرقيب‪:‬‬
‫ بس ‪ " ...‬تتوقف الشرطة عن الضرب " ‪ ...‬وال حقير ‪ ...‬طويل ‪ ...‬قوم وقف‪.‬‬‫يقف الطويل‪.‬‬
‫ وال حقير‪ ...‬قصير‪ ...‬وقف وراءه‪.‬‬‫يرجع القصير إلى خلف الطويل‪.‬‬
‫ وھلق ‪ ...‬انتوا االثنين اشلحوا تيابكم‪.‬‬‫يخلع االثنان ثيابھما ويبقيان بالسراويل‪.‬‬
‫ وال حقير قصير‪ ...‬نزل سرواله‪.‬‬‫ينزل القصير سروال الطويل الى حد الركبتين‪.‬‬
‫ ونزل سروالك كمان‪.‬‬‫ينزل القصير سرواله أيضا‪.‬‬
‫ وھلق ‪ ...‬قرب نيكه ‪ ...‬اعمل فيه متل ما بتعملوا ببعضكم كل ليلة يا منايك ‪ ...‬يا ﷲ قرب نيكه‪.‬‬‫يتلكأ القصير‪ ،‬تشتد إليتا الطويل وتتشنج‪ ،‬يشير الرقيب إلى أحد عناصر الشرطة‪ ،‬يقترب ھ ذا ويھ وي بالكرب اج‬
‫على ظھر القصير ‪ ...‬يلتصق القصير بالطويل من الخلف‪ ،‬يھتز الطويل‪ ،‬عض و القص ير المت دلي بالك اد يص ل‬
‫فوق ركبتي الطويل‪ ،‬يضحك الرقيب وباقي عناصر الشرطة‪.‬‬
‫الرت ل يس ير‪ .‬ال رؤوس منكس ة‪ ،‬العي ون مغمض ة‪ ،‬رغ م ذل ك‪ ،‬الك ل ي رى‪ ،‬الك ل يس مع‪ ....‬وترتف ع بي ادر الحق د‬
‫والذل‪.‬‬
‫يطل ب الرقي ب تب ديل المواق ع‪ ،‬يص بح الطوي ل خل ف القص ير‪ ،‬عض وه المرتخ ي والم نكمش ف ي منص ف ظھ ر‬
‫القصير‪ ...‬يستمر الضحك ‪...‬‬
‫‪38‬‬

‫الرتل يسير‪ ،‬الرؤوس منكسة‪ ،‬العيون مغمضة‪.‬‬
‫تنفس آخر‪ ،‬يوم آخر‪ ،‬رقيب آخر‪ ،‬شرطة آخرون‪ ،‬بلديات آخرون‪ ،‬السجناء أنفسھم‪ ،‬زادوا قليال‪ ،‬نقصوا قليال‪.‬‬
‫يجلس الرقيب على الكتلة االس منتية ذاتھ ا‪ ،‬يض ع رج الً عل ى رج ل‪ ،‬يص يح وھ و ينظ ر إل ى الرت ل ال ذي يس ير‬
‫برؤوس منكسة وعيون مغمضة‪:‬‬
‫ جيبوا لي ھـ البغل ‪ ...‬السمين‪.‬‬‫يأتون برجل أربعيني بدين‪ ،‬يعرف الرقيب منه اسمه واسم مدينته‪ ،‬كم أمضى في الس جن ‪ ...‬وتفاص يل أخ رى‪،‬‬
‫ثم يسأله‪:‬‬
‫ أنت متزوج والّ أعزب؟‬‫ متزوج سيدي‪.‬‬‫ أنت بتعرف شو عم تساوي زوجتك ھلق ‪ ...‬وال ‪ ...‬أنا بقلك‪ ،‬أكيد عم تشرمط‪ ،‬أنت ص ار ل ك ث الث س نين‬‫في السجن ‪ ....‬وھي كل يوم مع واحد جديد‪.‬‬
‫السجين ساكت‪ ،‬منكس الرأس مغمض العينين‪ ،‬يتابع الرقيب‪:‬‬
‫ ل يش س اكت ؟! ‪ ...‬احك ي ‪ ...‬وإال خج الن تق ول ق دام الش باب ان ك متج وز واح دة ش رموطة ؟!‪ ...‬ش و‬‫العرصات كمان بيخجلوا؟!‬
‫تمضي األيام‪ ،‬يتب دل الرقب اء‪ ،‬لك ن األس اليب تبق ى نفس ھا ‪ ...‬الزوج ة الش رموطة‪ ،‬إذا ل م يك ن الس جين متزوج ا‬
‫تصبح ‪ ...‬األخت الشرموطة‪ ،‬أو حتى األم الشرموطة‪ ،‬البنت الشرموطة إذا كان للسجين بنات‪.‬‬
‫" كنت أتساءل ‪ :‬ھل ھي تسلية فقط أم أنھا نھج ؟! ‪ ...‬الدافع للتركيز على ھ ذا الموض وع ھ ل ھ و عق د الج نس‬
‫والكبت الشرقية لدى الرقباء يفرغونھا من خالل السلطة التي يملكونھا على السجناء؟! ‪ ...‬أم ھ و نھ ج م دروس‬
‫الغاي ة من ه تحط يم اإلنس ان وإذالل ه م ن خ الل الم رأة باعتبارھ ا أعل ى ق يم الش رف ل دى المس لمين س واء كان ت‬
‫زوجة أو أختا ً أو أما ً أو أية قريب ة أخ رى ؟!‪ ...‬وش رف الم رأة ل دى الش رقيين بالع ام ھ و أن ال تم ارس الج نس‬
‫خارج نطاق الزوجية‪ ،‬وأي سلوك لھا في ھذا االتجاه قد يدمر العائلة بالكامل ويلحق بھا العار‪".‬‬
‫لم يكن ممكنا ً معرفة أسماء الشرطة أو الرقباء‪ ،‬ولكن السجناء أطلق وا عل يھم أس ماء م ن عن دھم‪ .‬وھ ذه األس ماء‬
‫كانت تعتمد إما على عالمة فارقة تميز ھذا العنصر‪ ،‬من مث ل‪ :‬األح ول‪ ،‬أو "األرب ع ش قف" وك ان ھ ذا الرقي ب‬
‫يھتز ويتخلع في مشيته بحيث يبدو إن قطع جسده تتحرك كل منھا باتجاه‪ .‬أو أن تس تند التس مية عل ى لب اس م ا‪،‬‬
‫مثل الرقيب "أب و ش حاطة" وھ ذا ك ان دائم ا ي أتي من تعالً الش حاطة‪ ،‬وعل ى األغل ب تس تند التس مية عل ى عب ارة‬
‫يرددھ ا الرقي ب دائم ا ً‪ .‬فك ان ھن اك الرقي ب "وال حقي ر"‪ ،‬والرقي ب "اب ن الش رموطة"‪ ،‬والرقي ب "ي ا ك رّ "‬
‫‪ ...‬إلى آخره‪.‬‬
‫يسأل السجين صديقه العائد من العقوبة‪:‬‬
‫‪39‬‬

‫ مين اليوم في الساحة؟‬‫ ابن الشرموطة‪.‬‬‫يقصد الرقيب الذي يظل يكرر عبارة‪ :‬ابن الشرموطة‪.‬‬

‫‪ 22‬شباط‬
‫في الصباح الباكر وقبل إدخال الطعام‪ ،‬فتح الشرطة باب المھجع ودخلوا بطريقة وكأن مائة ثور ھ ائج ق د دخ ل‬
‫ھذا المكان‪ ،‬الصياح‪ ،‬الضرب بالكرابيج‪ ،‬الشتم‪ ،‬وبين شتيمة ولسعة كرباج يصرخون‪:‬‬
‫ وجھك عـ الحيط ‪ ..‬وجھك عـ الحيط ‪..‬‬‫من ذ دخ ول أول ش رطي بھ ذه الطريق ة قف ز الس جناء وأداروا وجھھ م إل ى الح ائط‪ ،‬وقف ت ال أدري م ا افع ل‪..‬‬
‫صحوت على الكرباج يھوي على خدي ويلتف على رقبتي من الخلف والشرطي يصيح‪:‬‬
‫ وجھك عـ الحيط !‬‫أدرت وجھي‪ ،‬تخشبت وسيخ األلم يمتد من وجھي إلى رقبتي‪ ،‬بعدما ما يقرب الخم س دق ائق خ يم الص مت‪ ،‬ث م‬
‫صوت احد الشرطة يصيح بصوت عال‪:‬‬
‫ انتبــــه ‪ ..‬مكانك تھيأ‪.‬‬‫خبط جميع عناصر الشرطة أقدامھم باألرض‪ ،‬وقدم الصف بصوت اعلى‪:‬‬
‫ المھجع جاھز سيدي المقدم‪.‬‬‫انه مدير السجن‪ .‬أخد يتمشى من أول المھجع إلى آخره بين صفين من عناصر الشرطة ال واقفين وقف ة اس تعداد‬
‫عسكرية‪.‬‬
‫ركبني الفضول وبس لوك عف وي أكث ر م ن أن يك ون مقص وداً‪ ،‬نظ رت بزاوي ة عين ي خلس ة إل ى المق دم‪ .‬رأيت ه‪،‬‬
‫شاب ثالثيني أشقر الشعر‪ ،‬مشيته فيھا الكثير من التوتر‪ ،‬وكذلك كالم ه‪ ،‬ي تكلم وكأن ه يح ادث نفس ه بعب ارات ل م‬
‫أستطع فھمھا أو الربط بينھا‪:‬‬
‫ أنا‪ ..‬أنا أتھدد!! ‪ ..‬سأحولھا إلى جھنم ‪ ...‬شعرة واحدة يروح ألف مجرم مقابلھا ‪..‬‬‫ثم صاح بصوت شديد االحتقان‪:‬‬
‫ وال كالب‪ ..‬مجرمين‪ ..‬انتو لسا ما بتعرفوني منيح ‪ ..‬وﷲ الدبحكن دبح الغنم‪.‬‬‫بعدھا صاح بمجموعة من الشرطة واقفة بينه وبين السجناء‪:‬‬
‫ زيحوا ھيك وال‪..‬‬‫صوت طلقات مسدس متتابعة‪ ،‬انكمشت على نفسي ل دى س ماعھا وخب أت رأس ي أم ام ص دري‪ ،‬وبس رعة فائق ة‬
‫خرج المقدم يسحب وراءه رتالً من عناصر الشرطة وأغلق الباب‪.‬‬
‫أربعة عش ر قت يالً ب أربع عش رة طلق ة ھ ي ك ل مايحويھ ا مخ زن مس دس المق دم عل ى م ا يب دو‪ .‬رك ض األطب اء‬
‫وبينھم زاھي إل ى زاوي ة المھج ع حي ث القتل ى‪ ،‬فحص وھم جميع اً‪ ،‬الك ل م اتوا ف وراً‪ ،‬ومك ان دخ ول الرصاص ة‬
‫واحد لدى الجميع في الرأس من الخلف‪ ،‬سحبوھم إلى وسط المھجع‪ ،‬تجمعت بركة من الدماء الطازج ة وجل س‬
‫‪40‬‬

‫البعض حولھا يبكون‪ ،‬األغلبية جامدة مذھول ة‪ ،‬األطب اء ف ي حال ة حي رة اليعرف ون م ا يفعل ون‪ ،‬وق ف واح د م ن‬
‫فرقة الفدائيين‪ ،‬قال‪:‬‬
‫‪ -‬الحول والقوة اال با ‪ ...‬ا ّنا‬

‫وإ ّنا اليه راجعون‪ ،‬عل يھم رحم ة ﷲ‪ ،‬ھ م الس ابقون ونح ن الالحق ون‪ ،‬اللھ م‬

‫اسكنھم فسيح جنانك‪ ،‬اللھم ھؤالء شھداء في سبيل إعالء كلمتك‪ ،‬كلمة الحق‪ ،‬فارحمھم أنت الرحيم الغفور‪.‬‬
‫سكت قليالً ‪ ..‬ثم أردف موجھا ً حديثه للجميع‪:‬‬
‫ يا يا إخوان ‪ ..‬خلينا نقوم بواجبنا‪.‬‬‫انتظروا حتى توقف نزيف الجثث‪ ،‬نقلوھا ووضعوھا قرب الباب أمامي وأمام رئيس المھجع‪ ،‬بين القتلى الش يخ‬
‫محمود الذي أنقذ حياتي‪ ،‬صليت عليه سراً‪ ،‬حزن ت عل ى الجمي ع فوج وھھم أص بحت مألوف ة ل ي‪ ،‬وك ان حزن ي‬
‫كبيراً على الشيخ محمود‪.‬‬
‫نظفوا األرض من الدماء‪ ،‬كل البطانيات الملوثة بالدماء نظفوھا‪ ،‬دار نقاش بين مجموعتين عند رئيس المھجع‪،‬‬
‫مجموعة تقول إنه يجب ان نأخذ جميع مالبسھم‪ ،‬ألن الحي أفضل من الميت‪ ،‬وجماعة تع ارض ذل ك وت رى أن‬
‫ھذا معيب‪ .‬أخيرا انتصر الرأي القائل بأن األحياء الباقين بحاجة إلى المالبس‪ ،‬وتكفلت مجموع ة خل ع المالب س‬
‫وتنظيفھا‪ ،‬خرجت الجثث ليالً من المھجع وھي عارية ال تلبس إال السروال الداخلي فقط‪.‬‬
‫" بعد ثالث سنوات س يروي اح د الق ادمين الج دد أن الس بب ف ي ھ ذه المج زرة ھ وان التنظ يم المس لح ق د أرس ل‬
‫تھديداً بالقتل للمقدم إذا لم يحسن من معاملة السجناء اإلس الميين‪ ،‬وج د المق دم ھ ذا التھدي د تح ت ماس حة زج اج‬
‫س يارته وھ و ذاھ ب إل ى ال دوام ص باحا ً ‪ ،‬فق ام بقت ل ھ ؤالء وس رب الخب ر ليس مع ب ه التنظ يم مص حوبا ً بتھدي د‬
‫معاكس‪:‬‬
‫ مقابل ورقة مكتوبة قتلت أربعة عشر واحداً! إذا مست شعرة م ن رأس ي أو رأس ش خص يخص ني س يكون‬‫المقابل مائة‪ ،‬إذا حصل أذى أو مات احد من أقربائي فإنني لن أبقي على أحد حيا ً!!‪".‬‬
‫ولم يرد بعدھا أي تھديد‪.‬‬
‫مھجعنا قريب من الباب الخلفي من السجن‪ ،‬م ن ھ ذا الب اب ي أتي الطع ام‪ ،‬تص ف الش احنة الروس ية خلف ا ً ويق وم‬
‫البلديات بإنزال قدور الطعام الكبيرة‪ ،‬ومن ھذا الباب وفي نفس السيارة تنقل الجثث يومي ا ً بعي د منتص ف اللي ل‪،‬‬
‫من خالل سماعنا الرتطام الجثث في أرضية السيارة كنا نعرف عدد الذين ماتوا في ھذا اليوم‪ ،‬وفي يوم زي ارة‬
‫المقدم أحصى الس اھرون ثالث ة وعش رين خبط ة جث ة‪ ،‬وع ن طري ق مجموع ة الم ورس ذھاب ا ً وإياب ا ت م معرف ة‬
‫الجميع وحفظت ھذه المعلومات في األذھان‪.‬‬

‫‪ 24‬آذار‬
‫نسير‪..‬ندور‪.‬‬
‫أمشي في الرتل الدائر حول الساحة‪ ،‬منكس الرأس‪ ،‬مغمض العينين‪ ،‬ممسكا ً مطاط بيجاما من يتقدمني‪ ،‬يجرن ي‬
‫خلفه‪ .‬الرجل الذي خلفي يمسك مطاط بيجامتي ويشدني إلى الخلف‪ ،‬نسير‪..‬ندور‪ .‬أتساءل أحيانا ً‪:‬‬
‫أي كائن أنا؟! ھل أنا إنسان؟! حيوان؟! شيء؟!‪.‬‬
‫‪41‬‬

‫كان لي صديق من بلدي ي درس ف ي فرنس ا‪ ،‬يص له م ن أھل ه بداي ة ك ل ش ھر مبل غ م ن الم ال يكفي ه حت ى كفاي ة‬
‫الشھر‪ .‬ھذا الصديق بدالً من أن يبرمج مصروفه ويقسمه على ثالثين يوما ً كان يدعوني إلى س ھرة واح دة فخ م‬
‫أو مطعم مشھور‪.‬‬
‫ھذه السھرة كانت تكلفه حوالي نصف مصروفه‪ ،‬لذلك كان ف ي األي ام العش رة األخي رة م ن الش ھر يس تدين من ي‬
‫ومن األصدقاء حتى يأكل‪.‬سألته مر ًة‪:‬‬
‫ لماذا تصرف كل ھذه النقود على سھرة واحدة واليبقى معك في الثلث األخير من الشھر فلس واحد؟‬‫أجاب‪:‬‬
‫ إنني في ھذه السھرة التي أقيمھا مرة في الشھر أشعر أنني إنسان! إن ھؤالء الذين يعملون في ھك ذا فن ادق أو‬‫مطاعم مدربون جيداً كي يشعروك بأنك إنسان " كالمھم‪..‬طريقة خدمتھم ل ك‪..‬ھيئتھم" ك ل ھ ذه األش ياء تجعل ك‬
‫تحس بأنك إنسان محترم‪ ،‬أنا ياصديقي في جوع حقيقي كي أش عر يحترمن ي اآلخ رون‪ ،‬اليھ م أن أج وع بض عة‬
‫أيام كل شھر‪ ،‬لكن الشعور بأنني إنسان يكفيني لمدة شھر‪.‬‬
‫لقد راقبت ھذا الصديق في كل المرات التي دعاني فيھا إلى السھرة عند استالمه النقود المرسلة من أھله‪ ،‬وف ي‬
‫كل مرة كنت أشاھد إنسانا ً معتزاً بنفسه‪ ،‬واثقاً‪ ،‬يمشي إلى جانبي في خيالء‪.‬‬
‫راقبته كذلك في الم رات ال ثالث الت ي ك ان مجب راً فيھ ا عل ى مراجع ة س فارتنا ف ي ب اريس‪ ،‬وف ي ك ل م رة ك ان‬
‫يستعطفني ويرجوني بحرارة أن أرافقه‪ ،‬رغم أنه كان يحاول تأجيل الذھاب بأعذار وحجج واھي ة حت ى اللحظ ة‬
‫األخيرة‪.‬‬
‫يصل السفارة وقد تغير‪ ،‬يدخل متردداً‪ ،‬يلقي نظرة خاطفة إلى الوراء )عله يريد التأك د م ن وج ودي(‪ ،‬أق رأ ف ي‬
‫نظرته ھذه معاني الخوف والقلق‪ ..‬وطلب الغوث‪.‬‬
‫يخرج مكفھراً‪..‬صامتا ً‪ ..‬مسرعا ً‪..‬يشير لي بيده أن أمشي بسرعة‪ ،‬أمشي إلى جانبه صامتا ً‪.‬‬
‫في المرة األولى والثاني اكتفى بأن يبصق بصوت مدوّ حالما ابتعدنا عن السفارة‪.‬‬
‫في المرة الثالثة‪ ،‬تكلم‪:‬‬
‫الكالب‪ ..‬يريدون أن يجعلوا مني جاسوسا ً!‪ ..‬جاسوس ا ً! وعل ى م ن؟! يري دون من ي أن أتجس س عل ى يوس ف!!‬‫ھددوني باالعتقال والترحيل‪ ..‬قالوا إن لديھم خمس زنازين في مبنى السفارة‪ ،‬كالب‪..‬تفو‪..‬تفو!‪.‬‬

‫نسير‪..‬ندور حول الساحة‪.‬‬
‫إغماض العينين يجعل مئات الصور تتقافز في الذھن‪.‬‬
‫في بدايات حياتي أولعت بالمطالعة كثيراً‪ ،‬صار اسمي في البيت "فأر الكتب"‪ .‬التھمت كل ماوقع تحت يدي من‬
‫قصص وروايات‪ ،‬كنت وقتھا عندما أغمض عينيّ أحس أن ھناك آالف األحرف والكلم ات تتق افز ف ي ال ذھن‪..‬‬
‫تتصادم‪ ..‬ترتطم بجدران الرأس‪ ..‬تقع أرضا ً ليقفز غيرھا‪ .‬أجلس ملتفا ً برطوبة قبو منزلنا الظليل‪ -‬وال ذي كن ت‬
‫‪42‬‬

‫قد نظفته ورتبتع وجعلت منه مكاني المفضل بعيداً ع ن األھ ل وض جيجھم‪ -‬تعب ا ً م ن الق راءة‪ ،‬مغم ض العين ين‪،‬‬
‫أمارس لعبة األحرف والكلمات المتقافزة "يحرقني الحنين إلٮجلسة صغيرة في ذلك الركن"‪.‬‬
‫في المراھقة والشباب األول‪ ،‬أصبت بلوثة الس ينما‪ ،‬أخ رج م ن ص الة ألدخ ل أخ رى‪ ،‬كن ت أش اھد أحيان ا ً ثالث ة‬
‫أفالم في يوم واحد‪ ،‬أصبح اسمي "فأر السينما"‪ ،‬عرفت كل صاالت العاصمة جيداً‪ ،‬كنت أحف ظ ع ن ظھ ر قل ب‬
‫برامج الصاالت لألسابيع المقبلة‪.‬‬
‫نسير‪..‬ندور‪ ..‬تحت لسع الكرابيج‪ ،‬منكسي الرؤوس‪ ،‬عيوننا مغمضة‪ ،‬يمسك أحدنا ذيل اآلخر‪ ..‬وندور‪.‬‬
‫فأر كتب‪ ،‬فأر سينما‪ ،‬اآلن‪ ..‬أحس أنني بغل‪.‬‬
‫في الكثير من األرياف وقبل انتشار محركات ضخ المياه من اآلب ار‪ ،‬ك انم انتش ال المي اه م ن ھ ذه اآلب ار بواس طة‬
‫قوة محركة ھي البغال )في بعض البالد يسمونھا "الدوالب" ويسمونھا في أخرى "الغرّ اف"(‪ .‬يربطون البغل إلى‬
‫عمودٍ‪ ،‬يغطون عينيه " لآلن ل م أع رف لم اذا يغط ون عين يّ البغ ل" ويظ ل يدور‪..‬يس ير‪ ..‬وي دور ح ول البئ ر م ن‬
‫الصباح إلى المساء‪ ،‬ھذا الدوران العبثي بالنسبة للبغل!‪ ..‬ونظل ندور!‪.‬‬
‫فيلم غربي يصور حياة راھبة في الخامسة والعشرين من عمرھا‪ ،‬كان أھلھا ق د ن ذروھا لحي اة الرھبن ة‪ .‬فت اة ذات‬
‫نفس نقية‪ ،‬قانعة بحياة الرھبنة ومستمتعة بھا‪ ،‬طاھرة كالثلج‪ ،‬تعيش ف ي دي ر يق ع ف ي جزي رة نائي ة‪ .‬ت دور أح داث‬
‫الف يلم ويھ اجم القراص نة ھ ذه الجزي رة‪ ،‬ھ ذه الراھب ة البت ول تق ع ب ين أي دي قرص ان مج رم فاس ق‪ ،‬يلقيھ ا أرض ا ً‬
‫ويغتصبھا‪.‬‬
‫مشھد‪ :‬يقف القرصان بجسده الضخم ويبتعد مھمھما ً‪ ..‬لراھب ة ملق اة أرضا ً‪..‬مكش وفة الس اقين‪ -..‬تقت رب الك اميرا‪-‬‬
‫خيوط من دم العذرية تسيل على الفخذين‪ ..‬ھي غائبة عن الوعي‪.‬‬
‫نسير‪..‬وندور ح ول الس احة‪ ،‬مش دودي األعص اب‪ ،‬نتوق ع ف ي ك ل لحظ ة ص ً‬
‫فعة أو ركل ًة‪..‬أو كرباج اً‪ ،‬رغ م ذل ك‬
‫يوم النس ير والن دور في ه‪،‬‬
‫ننسى أحياناً‪ ،‬تأخذنا األفكار في جميع االتجاھات‪ ،‬نحلم بيوم النسمع فيه كلمة "تنفس"‪ٍ ،‬‬
‫تحض ر ال ذكريات‪ ..‬تتغل ب عل ى ك ل الش د العص بي وتحض ر‪ ،‬ت داعبني وج وه األھ ل واألص دقاء‪ ،‬الم رأة بش كل‬
‫خاص‪ ،‬أمي‪ ..‬أختي‪ ..‬سوزان‪ ،‬تحضر كل نساء"ي"‪ ،‬وأحيانا ً قد ترسم ذكرى ما ظ َّل ابتسامة على شفاھي‪.‬‬
‫نسير‪..‬ندور‪.‬‬
‫ّ‬
‫"التنخم" فھ و اس تحالب‬
‫في اللغة العربية "االستنثار"‪ :‬ھو إخراج المخاط عن طريق فوھات األنف الخارجية‪ ،‬أما‬
‫المخاط إلى داخل الفم‪.‬‬
‫فيما نحن نسير‪..‬ندور‪ ،‬امتدت يد غليظة‪ ،‬أمسكتني من ساعدي وجرتني خارج الرتل‪ ،‬أغلقت عينيّ جي داً ونكس ت‬
‫رأسي حتى التصق بصدري‪ .‬بقي ممسكا ً بساعدي‪ ،‬اليد األخرى أمسكت فكي السفلي ورفع ت رأس ي إل ى األعل ى‬
‫بعنف‪ ،‬ف ّح صوته ممزوجا ً بحقد رھيب‪:‬‬
‫ ارفع رأسك‪ ..‬وال كلب‪ ،‬افتح تمك‪..‬لشوف‪.‬‬‫‪43‬‬

‫فتحت فمي‪ ،‬طلب مني أن أفتحه أكثر‪ ،‬ففتحته‪ّ .‬‬
‫تنخم بقوة‪ ،‬تنخم ثالث مرات‪ ،‬ودون أن أستطيع رؤيته أحسس ت‬
‫أن فمه قد امتالً بالمخاط المستحلب‪ ..‬شعرت برأسه يقترب مني و‪..‬بصق كل مايحتوي ه فم ه إل ى‪ ..‬داخ ل فم ي‪.‬‬
‫برد فعل غريزي ح اول فم ي ال تخلص م ن محتويات ه‪ ،‬تملكتن ي حاج ة الإرادي ة باإلقي اء‪ ،‬لكن ه ك ان أس رع من ي‬
‫وأسرع م ن فم ي‪ ،‬أغل ق فم ي بي د وامت دت ي ده األخ رى بس رعة الب رق إل ى جھ ازي التناس لي‪ ،‬أمس ك خص يتيّ‬
‫وضغط عليھما بشدة‪ ..‬مودة األلم الھائلة التي صعدت من خصيتيّ إلى األعلى كادت أن تفق دني ال وعي‪ ،‬انقط ع‬
‫تنفسي لثانيتين أو ثالث‪ ،‬كانت كافية ألن أبتلع مخاطه وبصاقه كي أتنفس‪ ،‬ظل يضغط خصيتيّ حتى تأك د أنن ي‬
‫قد ابتلعت كل شيء‪.‬‬
‫تابعت السير‪ ..‬تابعت الدوران‪ ،‬مغمض العينين‪ ،‬منكس الرأس‪.‬‬
‫ألم الخصيتين المھروستين يخفت شيئا ً فشيئاً‪ ،‬اإلحساس بأنني قد امتالت بالقذارة يتصاعد شيئا ً فشيئا ً‪.‬‬
‫تفيق الراھبة من غيبوبتھا يملؤھا اإلحساس بقذارة جوفھ ا‪ ..‬تنتھ ي إل ى الجن ون‪ ..‬كان ت ت زداد إحساس ا ً بالق ذارة‬
‫كلما اغتسلت‪.‬‬
‫عدنا إل ى المھج ع‪ ،‬حاول ت اإلقي اء بش تى الس بل‪ ،‬ل م أنج ح‪ ،‬ش ربت كمي ا ٍ‬
‫ت ھائل ًة م ن المي اه ولك ن اإلحس اس ب أن‬
‫جوفي ممتلئ بالقذارة يزداد‪.‬‬
‫"س أخرج م ن الس جن وأش رب كمي ا ٍ‬
‫ت ھائل ًة م ن الم اء والع رق والنبي ذ والويس كي‪ ،‬ش تى المش روبات الب اردة‬
‫والساخنة‪ ،‬لكن لن أس تطيع ال تخلص م ن اإلحس اس ب أن مخ اط ذل ك الش رطي ملتص ق بمع دتي‪ ..‬ببلع ومي‪ ..‬وھ و‬
‫يأبى الخروج"‪.‬‬

‫‪ 30‬آذار‬
‫صح ما توقعه الدكتور زاھي ‪.‬‬
‫حوالي سنتين مضتا على وجودي ھنا‪ .‬معزول ومجبور على الجل وس ف ي مك اني ال أغ ادره إال إل ى الت نفس أو‬
‫المرحاض‪ ،‬ال أستطيع النظر إلى أي واحد بشكل مباش ر رغ م أنن ي ال أعتق د أن الجمي ع راغ ب بقتل ي "أو ك ان‬
‫راغب ا ً"‪ ،‬ولكنن ي ال أس تطيع أن أمي ز ب ين م ن يرغ ب أو ال يرغ ب‪ ،‬والمھ م ف ي ھ ذا أن الجمي ع يق اطعني وال‬
‫يرغب بوجودي بينھم ھنا‪ " ،‬وأنا أيضا ال أرغب بوجودي ھنا "‪ ،‬طوال ھذه الفترة كنت أتوق إلى م ن أحادث ه‪،‬‬
‫أن أجرب قدرتي على الكالم من جديد‪ ،‬لكن قوة الكراھية كانت تلصقني بالبطانية وتلصق البطانية باألرض‪.‬‬
‫اآلن بعد أن صحت توقعات الدكتور زاھي أصبحت اجلس في مكاني بإرادتي‪ ،‬ال أريد االحتكاك بأح د‪ ،‬ال أري د‬
‫محادثة احد‪.‬‬
‫إنه التھاب السحايا‪ .‬وتحول األمر إلى وباء بسرعة مذھل ة‪ ،‬ب دأ األم ر من ذ ش ھر تقريب اً‪ ،‬أوالً ش خص واح د‪ ،‬ث م‬
‫آخر ‪ ..‬ثم آخر‪ ،‬اجتمع األطباء السجناء‪ ،‬تدارسوا األمر‪ ،‬وعندما وصلوا إل ى ق رار موح د ك ان الع دد ق د ج اوز‬
‫عش رة مص ابين‪ .‬االتص ال ال داخلي ب ين المھ اجع "الم ورس" اخب ر واس تفھم‪ ،‬تب ين ان الحال ة عام ة ف ي ك ل‬
‫المھاجع‪.‬‬
‫عندما وصل عدد المصابين إلى عش رين "م ات م نھم اثن ان وفق د البص ر اثن ان وال ي زال الب اقون يت أرجحون"‪،‬‬
‫طل ب األطب اء أن يج ري نق اش ع ام ف ي المھج ع‪ ،‬تكلم وا وش رحوا األم ر بدق ة وواقعي ة‪ ،‬ث م طلب وا م ن رئ يس‬
‫‪44‬‬

‫المھجع أن يدق الباب ويطلب المساعد ويض عه ف ي ص ورة األم ر‪ ،‬رف ض رئ يس المھج ع ھ ذا الطل ب وق ال إن‬
‫ھذا مستحيل‪ ،‬رد عليه احد األطباء بأنه خالل أيام قليلة وإذا ل م يت وافر ال دواء ف إن ك ل الن اس ف ي ھ ذا المھج ع‪،‬‬
‫وعل ى األغل ب ف ي الس جن كل ه سيص ابون‪ .‬واإلص ابة ف ي ظ ل ھ ذه األوض اع الص حية وانع دام ال دواء انع داما ً‬
‫كلياً◌ُ ‪ ،‬يعني حتما ً إما الموت أو ما يشبه الموت‪ ،‬وطالما أننا سنموت في كل األحوال فلنطل ب المس اعد ونض عه‬
‫في صورة األمر ولو كانت نسبة األمل واحداً على مليون‪.‬‬
‫يا دكتور ‪ ..‬يا دكتور عندك شك إنه ھدول يريدون موتن ا؟ وأن ت تتوق ع م ن يلل ي يري د قتل ك ان ه يعالج ك؟‬

‫‪-‬‬

‫نح ن ھ ون م ن س نوات ‪ ..‬ش فت ش ي طبي ب ع الج م ريض بھالس جن؟ أن ت تتص ور إن ه ھ دول عن دھم ذرة‬
‫واحدة من الرحمة أو اإلنسانية؟ أو اإنه يخافوا ﷲ؟ خلينا نم وت تح ت رحم ة ﷲ ‪ ..‬وال نطل ب الرحم ة م ن‬
‫ھدول الوحوش‪ ،‬والموت حق على كل مسلم ومسلمة‪ ،‬والموت بھذا الظرف رحمة من ﷲ‪.‬‬
‫كنت اسمع كل النقاش ھلع ا ً‪" .‬رئ يس المھج ع م ن أكث ر الرج ال ال ذين ش اھدتھم ف ي حي اتي ق وة شخص ية‪ ،‬وھ و‬
‫ضابط في الجيش‪ ،‬قوي‪ ،‬صارم‪ ،‬رزين"‪.‬‬
‫لم يستسلم األطباء‪ ،‬توجه احدھم إلى رئيس المھجع قائالً‪:‬‬
‫ نع م ‪ ..‬الم وت ح ق‪ ،‬كلن ا راح نم وت بأجلن ا‪ ،‬لك ن ال دين يأمرن ا ب أال نرم ي بأنفس نا إل ى التھلك ة‪ ،‬وطلب ك‬‫المساعد قد يساعد على إنقاذ الكثير من أرواح المسلمين وھذا واجب عليك وعلينا‪.‬‬
‫وفي عبارة القصد منھا اإلحراج أردف الطبيب‪:‬‬
‫ إذا كنت أنت ال تستطيع أن تطلب المساعد‪ ،‬اترك واحداً منا يطلبه بدالً عنك‪.‬‬‫انتفض رئيس المھجع ‪" ،‬واضح انه اس ُتفز"‪ ،‬قال‪:‬‬
‫ طيب يا جماعة أعطوني مھلة ساعتين حتى أفكر بشي طريقة‪.‬‬‫انفض االجتماع‪ ،‬وأعطى األطباء مجموعة من النصائح الطبي ة للجمي ع‪ .‬س ارعت أن ا إل ى س ترة ب ذلتي فنزع ت‬
‫أحد جيوبھا الداخلي ة‪ ،‬نس لت خيط ا ً م ن البطاني ة‪ ،‬ص نعت كمام ة وض عتھا عل ى فم ي وانف ي‪ ،‬نظ ر الجمي ع إل يّ‬
‫باحتقار‪ ،‬ولكن خالل يومين كان لدى الجميع كمامات‪.‬‬
‫بعد حوالي ربع الساعة وقف رئيس المھجع بحركة مفاجئة‪ ،‬نظرت إليه‪ ،‬كانت عيناه محتقنت ين ب اللون األحم ر‪،‬‬
‫واضح انه أدرك حجم اإلھانة التي وجھھ ا إلي ه الطبي ب ‪ ،‬وق ف أم ام الب اب بع زم‪ ،‬وبجم اع ي ده طرق ه طرق ات‬
‫قوية‪.‬‬
‫سأل صوت الرقيب المناوب من الساحة‪:‬‬
‫ شو بدك وال حقير؟‬‫ بدي المساعد ‪ ..‬األمر ضروري جداً‪.‬‬‫ شو ‪ !..‬شو‪ !..‬شو‪ !..‬المساعد دفعة وحدة ؟! وال حقير‪ ..‬شو بدك من المساعد؟ ‪.‬‬‫اغتاظ رئيس المھجع ‪ ،‬وبدأ يتمتم‪:‬‬
‫ العمى ‪ ..‬شو أنا عم اطلب رئيس الجمھورية ؟!‪ ..‬ھوي شقفة مساعد ال راح وال أجا ‪ ..‬ﷲ يلعن ھ ـ الزم ان‬‫‪.‬‬
‫‪45‬‬

‫بعدھا صاح بصوت عال ‪:‬‬
‫ األمر خطير جداً ‪ ..‬جداً ‪ ،‬والزم يجي المساعد ھلق ‪ ،‬لمصلحتكم مولمصلحتنا ‪.‬‬‫بع د رب ع س اعة ف تح الب اب وطل ب المس اعد إخ راج الجح ش رئ يس المھج ع ‪ ،‬ش رح ل ه رئ يس المھج ع أبع اد‬
‫المرض كما سمعھا من األطباء ‪ ،‬وختم حديثه بقوله ‪:‬‬
‫ يا سيدي ‪ ..‬العدوى بھادا المرض شديدة جداً ‪ ،‬ممكن الشرطة ينع دوا م ن المس اجين ‪ ،‬ممك ن – الس مح ﷲ‬‫– سيادتكم تنعدوا ‪ ،‬نحن واجبنا نخبركن ‪ ،‬وإذا حبيتوا تسمعوا أكثر بنادي الدكتور سمير ‪.‬‬
‫ن ادوا ال دكتور س مير وش رح للمس اعد بالتفص يل مؤي داً ك الم رئ يس المھج ع أن الع دوى ممك ن أن تنتق ل إل ى‬
‫الشرطة ‪.‬‬
‫أغلق وا الب اب بع د إدخ ال ال دكتور س مير ورئ يس المھج ع دون عقوب ة! وبع د رب ع س اعة أع ادوا فتح ه‪ ،‬وق ف‬
‫المساعد وجميع الشرطة خارج المھجع ودخل ضابط برتبة مالزم ثان‪ ،‬طبيب الس جن العس كري‪ ،‬عرفن ا وقتھ ا‬
‫أن في السجن طبيبا َ!!‪.‬‬
‫وقف عند الباب إلى جانبي‪ ،‬طلب من الجميع الجلوس في أماكنھم وفتح عيونھم‪ " ،‬لم نعتد ھكذا لھج ة !" بع دھا‬
‫طلب م ن جمي ع األطب اء الوق وف ‪ ،‬بان ت دھش ة ح اول إخفا َءھ ا عن دما رأى ع دد األطب اء ‪ ،‬س ألھم ع ن أس باب‬
‫تشخيصھم فعددوا له األسباب‪ ،‬دخل إلى زاوية المرضى وألقى عليھم نظرة سريعة‪ ،‬ثم قف ل راجع ا ً إل ى الب اب‪،‬‬
‫توق ف والتف ت‪ ،‬أش ار إل ى اثن ين م ن األطب اء الش باب طالب ا ً م نھم المج ئ إلي ه‪ ،‬وعن دما ج اؤوا س ألھما دون أن‬
‫يستدير‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫عرفتوني؟‬

‫ نعم‪.‬‬‫ ھم م م‪..‬‬‫خرج الطبيب وأغلق الشرطة الباب‪ ،‬اقترب بضعة أشخاص من الطبيبين‪ ،‬قال أحدھما‪:‬‬
‫ ھذا الطبيب زميل دراستنا وتخرجنا مع بعضنا‪ ،‬ھو من الساحل من طائفة ال رئيس وعش يرته‪ ،‬بع د التخ رج‬‫ما عاد شفناه‪ ،‬راح على ضيعته‪.‬‬
‫بعد أقل من أربع وعشرين ساعة ع اد الطبي ب م رة أخ رى‪ ،‬مع ه المس اعد والش رطة والبل ديات‪ ،‬ن ادى ال دكتور‬
‫سمير قال له‪:‬‬
‫ أنت بدك تعالج كل المرضى في السجن ھ ادا ھ و ال دواء ال الزم‪ ،‬ف ي عن دنا كمي ات كبي رة من ه‪ ،‬راح يك ون‬‫معك رقيب وعناصر من الشرطة‪ ،‬الزم يشوفوا كل حبة دواء تستھلك‪ ،‬كل "سيرنغ" تس تخدمه الزم تس لمه‬
‫للشرطة‪ ،‬كل علبة كرتون ‪ ..‬أنت مستعد؟‪.‬‬
‫ نعم مستعد‪.‬‬‫وبدأ الدكتور سمير جوالته على المھاجع‪ ،‬الشرطة ترافقه‪ ،‬البلديات يحملون علب الدواء‪ ،‬كرتونة كبيرة لكل م ا‬
‫ھو مستھلك‪ ،‬يخرج صباحا ً ليعود مسا ًء تعبا ً منھكاً‪ ،‬ورغم ذلك استمر المصابون باالزدياد‪ ،‬لكن حاالت الم وت‬
‫انحسرت وتضاءلت اليوم انضم إلى المصابين بالمرض أول طبيب‪ ،‬الدكتور زاھي ‪.‬‬
‫‪46‬‬

‫‪ 1‬أيار‬
‫مات زاھي ‪.‬‬
‫ليس ألنني أدين بحياتي له مرتين‪ ،‬مرة لعنايته الطبية بي عندما كنت مشرفا ً على الم وت بع د االس تقبال‪ ،‬وم رة‬
‫عندما أوعز للشيخ محمود بانتشالي من بين أيدي المتشددين‪.‬‬
‫لكن ألنني أحببت ھذا الرجل الذي لم يفقد ابتسامته في أحلك الظ روف‪ ،‬لھجت ه لھج ة المنطق ة الش رقية المحبب ة‪،‬‬
‫تراه موجوداً في كل مكان يمكن فيه أن يقدم فيه يد المس اعدة‪ ،‬س ع َة أف ق وس ع َة ثقاف ة ن ادرتين ف ي ھ ذا المك ان‪،‬‬
‫كنت أحس أنه موجود في الموقع الخطأ حيث يسود التعصب والتشدد وضيق األفق والضحالة الثقافية‪.‬‬
‫زن أنس اني ح ذري المض اعف‪ ،‬أخرجن ي م ن ق وقعتي ف ور‬
‫شعرت بحزن عميق لم أش عر ب ه ط وال حي اتي‪ ،‬ح ٍ‬
‫سماع الخبر‪ ،‬نسيت حذري منھم وحذري من المرض‪.‬‬
‫مشيت كالمسرنم إلى حي ث يرق د زاھ ي‪ ،‬ركع ت إل ى جانب ه ورفع ت ي ده إل ى جبين ي وأجھش ت بالبك اء بص وت‬
‫عال‪ ،‬بكيت بك ا ًء مري راً‪ ،‬ھ ل تفج ر حزن ي عل ى زاھ ي ھك ذا؟ أم ھ و تفج ر بس يط للقھ ر المت راكم من ذ ع ودتي‬
‫إلى بلدي؟!‪.‬‬
‫بموته أحسست أنني قد فقدت آخر سند لي ھناك‪ ،‬أص بحت عاري اً‪ ،‬زاھ ي ھ و الوحي د ال ذي أس تطيع النظ ر إل ى‬
‫ً‬
‫خفية‪ ،‬كنت اشعر أن ھناك تفاھما ً خف ّيا ً بيني وبينه‪ ،‬وطالما ق رأت ف ي‬
‫عينه مباشرة‪ ،‬وغالبا ً كنا نختلس النظرات‬
‫عينه أنه لن يتخلى عني‪.‬‬
‫زاھي ‪ ..‬كان إنسانا ً ‪ ..‬إنسانا ً كبيراً‪.‬‬
‫بكيت وبكيت‪.‬‬
‫لكزني أحدھم بقدمه‪ ،‬رفعت رأسي ومن خالل الدموع رأيت "أحدھم"‪ ،‬صر على أسنانه وقال‪:‬‬
‫ قوم والك ‪ ..‬ال تنجس الشھداء‪.‬‬‫قمت‪ ،‬رجعت إلى مكاني‪ ،‬دخلت قوقعتي‪ ،‬مسحت دموعي من الخارج‪ ،‬تركتھا تسيل إلى الداخل‪.‬‬

‫‪ 3‬أيار ‪.‬‬
‫يجب أن ال أجن‪ .‬كان ھذا قراري منذ البداية‪ ،‬رغم ذلك كنت أحس أحيانا أنني على حافة الجن ون‪ ،‬عن دھا كن ت‬
‫أغني‪ ..‬لكن بصمت‪ ،‬أغني بذھني ودائما ً أغان فرنسية‪ ،‬لم أغن أية أغنية عربية‪.‬‬
‫ال أف تح فم ي مطلق اً‪ ،‬ال أتلف ظ ب أي ح رف‪ ،‬أجل س ط وال الي وم ف ي مك ان واح د‪ ،‬أغ ادره باتج اه المغاس ل‬
‫والمراحيض أربع أو خمس مرات في اليوم‪ ،‬أتحرك فقط في اليوم الذي يكون لدينا فيه تنفس‪.‬‬
‫اجلس ‪ ..‬أفكر وأفكر‪" .‬فكرت مرة‪ :‬ھل يمكن إلنسان ما أن يوقف التفكير؟!"‪.‬‬
‫استعرض ت الماض ي عش رات الم رات‪ ،‬أدق التفاص يل‪ ،‬تفاص يل ك ان ال يمك ن أن أت ذكرھا ول و عش ت عش ر‬
‫حيوات خارج ھذا المكان‪ ،‬أستعيد كل ما ھو سعيد ومبھج‪ ،‬كل ما ھو جميل في الخارج‪.‬‬

‫‪47‬‬

‫أن ا اآلن ف ي الثالث ين م ن عم ري‪ ،‬كن ت ق د ترك ت الدراس ة بع د نيل ي الثانوي ة تح ت إغ راءات العم ل التج اري‬
‫والث راء الس ريع م ع ص ديق ل ي‪ ،‬أرب ع س نوات م ن العم ل التج اري الفاش ل‪ ،‬تحم ل األھ ل مس ؤولية تس وية‬
‫األوضاع‪ ،‬بعدھا إلى فرنسا والدراسة ھناك‪ ،‬ست سنوات في فرنسا‪ ،‬واآلن ھنا‪.‬‬
‫اس تعرض الماض ي وأحل م بالمس تقبل‪ ،‬تح ول األم ر إل ى ع ادة‪ ،‬أح الم اليقظ ة‪ ،‬اس تمتع بھ ا اس تمتاعا ً كبي راً‪،‬‬
‫أص بحت م دمن أح الم يقظ ة‪ ،‬أبن ي الحل م ش يئا ً فش يئاً‪ ،‬أض ع التفاص يل الص غيرة والدقيق ة‪ ،‬أرس مھا‪ ،‬أص حح‪،‬‬
‫أغوص ساعات طويلة‪ ،‬جالسا ً أو مستلقياً‪ ،‬أغي ب ع ن ھ ذا الواق ع ألع يش واقع ا ً جم يالً ك ل م ا في ه حل و وس ھل‬
‫وميسر‪ ،‬وفي كل حلم يقظة تكون المرأة حاضرة دوماً‪ ،‬تشتعل خاليا الجسد‪ ،‬كل النساء الل واتي م ررت بھ ن أو‬
‫مررن بي‪ ،‬أخلط الماضي بالمستقبل‪ ،‬أكثر اللحظات حميمية أستعيدھا‪ ،‬أعيد تركيبھا‪ ،‬أبتدع مشاھد جديدة أتقلب‬
‫ويجفوني النوم ‪ ،‬أنتظر حتى آخر الليل واذھب إلى المرحاض لالستمناء‪ ،‬ھو الحل الوحيد لكي أستطيع النوم ‪.‬‬
‫لحظتھا لو سألني احدھم أن ألخص السجن بكلمة واحدة لقلت‪:‬‬
‫ إن السجن ھو المرأة!‪ .‬غيابھا الحارق‪.‬‬‫أنظر حولي متلصصاً‪ ،‬كيف يحل ھؤالء ھذه المسألة‪ ،‬وبعضھم لم ي ر ف ي حيات ه كاح ل ام رأة غي ر أم ه ؟ بم اذا‬
‫يفكرون ؟ ماھي أحالمھم ؟ بعضھم مراھقون بكل جموح وتوثب خياالت المراھقة‪ .‬كانت احتالمات النوم لديھم‬
‫غزيرة ‪ ،‬عرفت ھذا من خالل تلصصي الليلي الدائم ‪ ،‬يك ون الواح د م نھم نائم ا ً‪ ،‬فج أ ًة يخ تلج أو يص در ص وتا ً‬
‫خافتا ً‪ ،‬بعدھا يستيقظ‪ ،‬أغلبھم يقول‪ :‬أعوذ با من الشيطان الرجيم‪ ،‬ثم يقوم لالغتس ال‪ ،‬ألن ل ديھم تع الي َم مش دد ًة‬
‫بشأن النظافة‪ ،‬فھو ال يستطيع أن يأكل أو يشرب أو يصلي إن لم يكن طاھراً نظيفا ً تمام اً‪ ،‬والق ذف ب أي طريق ة‬
‫كانت سوا ًء باالتصال الجسدي أو باالحتالم‪ ،‬يوجب غسل الجسد كامالً‪.‬‬
‫أنا شبه متأكد أن كل ما يقوله عناصر الشرطة أو يشيعونه ب أنھم يمارس ون الش ذوذ الجنس ي ھ و مح ض افت راء‬
‫أو كذب‪ ،‬حتى على المستوى الواقعي ھذا مستحيل‪.‬‬
‫أعود ألحالمي أتقلب ‪ ..‬ال أعرف كم يطول ھذا‪ ،‬أسمع حركة استيقاظ الناس في المھجع ‪ ..‬أل ح عل ى الن وم ف ال‬
‫يأتي ‪ ..‬أسمع صوت طائرة الھليوكوبتر‪.‬‬
‫طائرة الھليوكوبتر‪.‬‬
‫عن دما نس مع ص وت الھليوك وبتر يرتج ف أو يت وتر ك ل م ن ف ي الس جن‪ ،‬حت ى الش رطة والبل ديات يت وترون‪،‬‬
‫البعض يسميھا طائرة الم وت‪ ،‬أو م الك الم وت الھ ابط م ن الس ماء‪ ،‬أح د الس جناء ق ال إن عزرائي ل يجل س ف ي‬
‫المقعد األمامي للطائرة الًن ھؤالء متعاقدون معه‪.‬‬
‫السجن يبعد عن العاصمة عدة مئات من الكيلومترات‪ ،‬لذلك فھيئة المحكمة الميدانية تأتي بالطائرة على األغل ب‬
‫مرتين في األسبوع‪ ،‬االثنين والخميس ‪ ،‬وھيئة المحكمة ھ ذه ق د تك ون ثالث ة ض باط وق د تك ون ض ابطا ً واح داً‪،‬‬
‫يعطون إدارة السجن بعد أن يدخلوا الغرفة المخصصة لھم الئحتين اسميتين‪:‬‬
‫الالئح ة األول ى ‪ :‬تض م أس ماء ال ذين س يحاكمون ف ي ھ ذا الي وم‪ ،‬تأخ ذ الش رطة ھ ذه الالئح ة وت دور عل ى ك ل‬
‫المھاجع منادية على األسماء‪ ،‬ثم يبدأ التجميع من آخر مھجع في الساحة السابعة مع الصياح والشتم والك رابيج‪،‬‬
‫‪48‬‬

‫الرؤوس المنكسة واألعين المغمضة‪ ،‬يسوقونھم س وقا ً إل ى الس احة ص فر حي ث ُيجلس ونھم عل ى األرض أي ديھم‬
‫فوق رؤوسھم ورؤوسھم بين ركبھم‪.‬‬
‫يدخل إلى غرفة المحكمة أول اسم نادوا عليه بصفعة قوية على الرقبة عند باب الغرفة‪ ،‬يسأله الضابط‪:‬‬
‫ أنت فالن ابن فالن؟‬‫ نعم سيدي‪.‬‬‫ طالعوه لبره‪.‬‬‫وھكذا تكون قد انتھت محاكمته‪ ،‬ثم يدخل الثاني والثالث ‪ ..‬وھكذا خالل ساعتين أو ثالث ة ق د ت تم محاكم ة أكث ر‬
‫من مئة شخص‪ ،‬أحيانا ً تتعطل إجراءات المحاكمة‪ ،‬فالضابط يسأل السجين‪:‬‬
‫ أنت فالن ابن فالن؟‬‫ نعم سيدي‪.‬‬‫ والك ابن الكلب ‪ ..‬أنت شاركت بتفجير المجمع االستھالكي؟‬‫ ال وﷲ يا سيدي ‪ ..‬أنا مالي عالقة بأي شي‪.‬‬‫ وال كلب ‪ ..‬عم تنكر كمان !! ‪ ..‬يا شرطة‪.‬‬‫يدخل عناصر الشرطة إلى الغرفة‪.‬‬
‫ حطوه بالدوالب حتى يعترف‪.‬‬‫تبدأ حفلة التعذيب أمام غرفة المحكمة‪ ،‬يبدأ الضرب والصراخ األمر الذي يشوش عل ى ھيئ ة المحكم ة‪ ،‬يتوق ف‬
‫العمل‪ ،‬تشرب ھيئة المحكمة القھوة العربية‪ ،‬بعد قليل يھدأ كل شيء ويدخل الشرطة والسجين معھم يترنح‪:‬‬
‫ شو ‪ ..‬لساتوا ميبس راسه؟!‬‫ ال سيدي ‪ ..‬اعترف بكل شي‪.‬‬‫ إعدام ‪ ..‬طالعوه لبرّ ه‪.‬‬‫أغلب السجناء ال تس تغرق محاكم ة أي م نھم ل دى المحكم ة الميداني ة أكث ر م ن دقيق ة واح دة‪ ،‬أغل ب الس جناء ال‬
‫يرون القاضي "الضابط"‪ ،‬أغلب السجناء ال يعرفون األحكام التي صدرت بحقھم وقررت مصيرھم‪.‬‬
‫ھذه المحكمة ذات نوعين من الصالحيات‪ ،‬فھي تملك الحق في أن تصدر أحكاما ً باإلع دام وتنف ذھا بالق در ال ذي‬
‫تش اء‪ ،‬وتس جن م ن تش اء الم دة الت ي تش اء‪ .‬لكنھ ا التمل ك الح ق ف ي إخ الء س بيل أي ب ريء "مع روف ھن ا أن‬
‫المھجعين األول والثاني يسميان حتى لدى الشرطة بـ مھجع البراءة‪ ،‬المحكمة ذاتھ ا وخ الل ع دة س نوات كان ت‬
‫قد أصدرت أحكاما بالبراءة على سجناء ھم في الحقيقة أطف ال أعم ارھم ب ين ‪ / 15 – 11 /‬عام ا ً ق بض عل يھم‬
‫خط أ ولك نھم بق وا ف ي الس جن ول م يطل ق س راح أي م نھم‪ ،‬وق د قض ى س جناء مھج ع الب راءة ف ي الس جن م دداً‬
‫تتراوح بين ‪ / 15 – 10 /‬سنة‪ ،‬ھؤالء األطفال خرجوا من السجن الحقا ً رجاالً"‪.‬‬
‫الالئحة الثانية‪:‬‬
‫الالئحة االسمية الثانية ھي الئحة الذين سينفذ فيھم حكم اإلعدام شنقا ً في اليوم نفس ه‪ ،‬أيض ا ي دور الش رطة بھ ذه‬
‫الالئحة على جميع المھاجع طالبين من األشخاص المدرجة أسماؤھم في الالئحة االستعداد‪.‬‬
‫‪49‬‬

‫اليوم ھناك أربع ة أش خاص م ن مھجعن ا س يتم تنفي ذ حك م االع دام بھ م‪ ،‬بع د أن ابلغ وھم‪ ،‬ق ام ھ ؤالء األش خاص‬
‫األربعة بالذھاب الى المغاسل‪ ،‬تطھروا‪ ،‬توضؤوا‪ ،‬صلّى كل واحد منھم صالة عادية‪ ،‬أي صالة علنية مكش وفة‬
‫للجمي ع فيھ ا س جود ورك وع‪ ،‬ص ال ًة ال خ وف فيھ ا‪" ،‬وھ ل بع د الم وت خ وف؟!" بع دھا ط افوا المھج ع ودع وا‬
‫ً‬
‫مصافحة وتقبيالً‪:‬‬
‫الجميع‬
‫ سامحونا يا جماعة‪ ...‬نرجوا أن تغفروا لنا أخطاءنا‪ ،‬ادعوا لنا عند ﷲ ان يأخذنا بواسع رحمت ه وأن يحس ن‬‫ختامنا‪.‬‬
‫األشخاص األربعة أعرفھم جيداً‪ ،‬ھم كلھم شباب في مثل سني أو أكبر‪" ،‬النسبة الغالبة من الذين أعدموا ھم من‬
‫الشباب‪ ،‬وقلة منھم تكون قد تجاوزت األربعين"‪.‬‬
‫الھ دوء‪ ،‬ابتس امة خفيف ة‪ ،‬أراق بھم جي داً‪ ،‬أتلص ص‪ ،‬ھ ل ھ دوؤھم حقيق ي أم مص طنع ؟ أرق ب الي دين ‪ ،‬زواي ا‬
‫الشفتين‪ ،‬العيون‪ ،‬ال ألمح شيئا يدل على الخوف أو الھلع‪.‬‬
‫يودعون ويصافحون الجميع عداي‪ ،‬يقفون الى جانب رئيس المھجع ‪ ،‬يخلع ون ك ل الثي اب الت ي ال زال ت بحال ة‬
‫جيدة وتصلح الستخدامھا من قبل األحياء من بعدھم ‪ ،‬يلبسون بدالً منھا ثيابا مھترئ ة ال تص لح لش يء‪ ،‬يس لمون‬
‫الثياب الجيدة الى رئيس المھجع لتوزع بمعرفته‪ ،‬يقفون خلف الباب الذي ال يلبث أن يفتح ‪ ...‬ويخرجون‪.‬‬
‫اإلعدام يتم قبالة مھجعنا‪ ،‬وقد رأينا المشانق عدة مرات أثناء خروجنا أو دخولنا من التنفس‪ ،‬وھن اك ي تم تجمي ع‬
‫الذين سيتم تنفيذ حكم اإلعدام بھم‪.‬‬
‫بين الفين ة واألخ رى نس مع ص وت التكبي ر ينطل ق م ن حن اجر ع دة أش خاص مع ا ً‪ ،‬يب دو أنھ ا الدفع ة الت ي ي أتي‬
‫دورھا بالتنفيذ‪:‬‬
‫ ﷲ أكبر ‪ ...‬ﷲ أكب‪.‬‬‫خالل الفترة الماضية كلھا كان شعر جسدي يقف منتصبا ً كلما سمعت ھذا الصوت ينطلق قبالة مھجعنا ‪.‬‬
‫في الليل يطابق الس اھرون ب ين الع دد ال ذي ورد عب ر االتص ال "الم ورس" وب ين ع دد ارتطام ات الجث ث عل ى‬
‫ارضية السيارة‪.‬‬
‫ صحيح ‪ ...‬خمسة وأربعون شھيداً‪.‬‬‫في اليومين التاليين ينھمك الحفظة بحفظ اسمائھم وعناوينھم‪.‬‬

‫‪ 15‬تموز‬
‫اآلن أصبح ھناك من أحادثه‪.‬‬
‫في لحظة كان فيھا الحارس على السطح قريبا ً من الشراقة ‪ ،‬وقف أحد السجناء وسط المھجع ‪ ،‬وضع ي ده عل ى‬
‫خده كمن يمسك بسماعة ھاتف‪ ،‬صاح‪:‬‬
‫ الو ‪ ...‬الو ‪ ...‬أعطوني القائد‪.‬‬‫"القائد ھو لقب شقيق رئيس الدولة‪ ،‬ويقود واحدة من أقوى وحدات الجيش‪ ،‬ويعتبر خليفة للرئيس" ‪.‬‬
‫‪50‬‬

‫سكت الجميع ‪ ،‬عيونھم موزعة بين الحارس والسجين الذي استمر يطل ب القائ د‪ ،‬وأحيان ا يطلب ه باس مه األول ‪،‬‬
‫ثوان قليلة وھجم عليه أربعة أشخاص سحبوه من وسط المھجع وقد كموا فم ه ال ى حي ث المغاس ل وھ و المك ان‬
‫الذي ال يستطيع أن يراه الحارس فيه ‪ ،‬عاد واح ٌد منھم وقال لرئيس المھجع مبتسما ً ‪:‬‬
‫ يبدو ان األخ فقس !‬‫ ال حول وال قوة إال با ‪ ،‬اللھم ثبت عقولنا‪ ،‬العقل زينة اإلنسان !‪.‬‬‫جنونه كان لطيفا‪ ،‬ال أذى‪ ،‬ال ھياج‪ ،‬فقط يريد أن يكلم القائد‪.‬‬
‫ ماذا تريد من القائد؟‬‫ ھناك موعد بيني وبينه ‪ ،‬لم يأت ‪ ...‬لقد أخلف الموعد !‪.‬‬‫ً‬
‫وحساسية‪:‬‬
‫تخاله طبيعيا ً‪ ،‬أكثر جمله وأحاديثه مترابطة‪ ،‬ولكنه خرق النظام العام للمھجع في أكثر األمور أھمية‬
‫لم يعد يصلي ‪ ،‬لم يعد يغتسل ‪ ،‬وبعد عدة أي ام م ن جنون ه فاج أ الجمي ع وفاج أني ‪ ،‬جل س قب التي عل ى فراش ي ‪،‬‬
‫حياني قائال ‪:‬‬
‫ السالم عليكم ‪ ...‬انت شو اسمك؟‬‫ارت َّج كياني كل ه‪ ،‬ل م اس تطع أن أرد تحيت ه‪ .‬فق ط كن ت انظ ر الي ه‪ ،‬إل ى عيني ه الباس متين مباش رة‪ ،‬من ذ أكث ر م ن‬
‫سنتين لم أنظر في عيني انسان بھذا القرب‪ ،‬أحسست بالدفء‪.‬‬
‫س كت جمي ع م ن ف ي المھج ع‪ ،‬ش يء غي ر م ألوف يح دث ام امھم !‪ ،‬جمي ع العي ون منص بة عل ى فراش ي وعل ى‬
‫الكائنين الجالسين عليه‪ ،‬دھشة من نوع خاص تكسو جميع الوجوه‪ ،‬يبدو أن الجميع ك ان ق د نس يني‪ ،‬فف ي غم رة‬
‫األحداث وضمن ش الل الم وت المت دفق س كنت مش اعر الع داء المتأجج ة نح وي ‪ ،‬أو ب األحرى غطاھ ا الرم اد‪،‬‬
‫بقيت مثل الجمر تحت الرماد‪.‬‬
‫لقد تعودوا على وجودي الى جانب الباب ولم يعد ھذا الوجود يطرح اس ئلة عل يھم‪ ،‬ل ون الب اب أس ود بش ع‪ ،‬ف ي‬
‫البداية يستفز لون الباب الجميع‪ ،‬ولكن مع توالي األيام يألفونه ثم ينسونه‪ ،‬وكذلك وجودي الى جانبه‪.‬‬
‫واآلن يوسف "مجنون القائد كما اصبح اسمه"‪ ،‬يعيد تذكيرھم بكل شيء‪ ،‬دھشوا‪ ،‬تفحصوا وجھي‪ ،‬كن ت مھم الً‬
‫واآلن بفضل مجنون القائد أعود الى دائرة األضواء!‪.‬‬
‫العجزة في المھجع كثر‪ ،‬المشلولون والمجانيين‪ ،‬ثالثة عميان‪ ،‬أخرس واحد‪.‬‬
‫أميز حالة بين المجانين إضافة الى يوسف ھي حالة دكتور الجيولوجيا ـ ال أعرف ھل ھو جن ون أم ش يء آخ ر‬
‫؟ ـ رجل في الخمسين من عمره‪ ،‬ذھب الى امريكا لدراسة الجيولوجيا‪ ،‬نجح في دراس ته وح از عل ى ال دكتوراه‬
‫بدرجة امتياز‪ ،‬عاد الى البلد وبعد عودته ببضع سنوات تسلم ادارة واحدة من أھم المؤسسات العلمية‪ ،‬كان مياال‬
‫الى التدين‪ ،‬يؤدي فرائض ال دين بأوقاتھ ا‪ ،‬يص وم ويص لي‪ ،‬ذھ ب ال ى مك ة للح ج ‪ ،‬وإب ان احت دام الص راع ب ين‬
‫اإلسالميين والسلطة كانت ھذه الصفات تھمة بحد ذاتھا‪ ،‬عند فجر أحد األيام سحبه رجال المخابرات م ن وس ط‬
‫عائلته‪ ،‬وماذا جرى بعد ذلك ال يعرف أحد‪.‬‬
‫‪51‬‬

‫يجلس دكتور الجيولوجيا على األرض متربعا ً ووجھه الى الحائط ثم يغطي نفسه كامالً بالبطانية‪ ،‬ليالً ونھ اراً ‪،‬‬
‫صيفا ً وشتا ًء‪ ،‬حاول كثيرون أن يسألوه‪ ،‬يحادثوه‪ ،‬سنوا ٍ‬
‫ت ‪ ...‬لم يلفظ حرفا ً ‪ ...‬لم يفتح عينا ً‪.‬‬
‫يرف ع أح دھم بطانيت ه م ن األم ام قل يالً ويض ع ل ه الطع ام ف ي حج ره‪ ،‬يأك ل وھ و مغط ى بالبطاني ة‪ ،‬ي ذھب ال ى‬
‫المرحاض وھو مغطى بالبطانية‪ ،‬كل بضعة أيام يقوده اثنان من تحت إبطيه ـ وھ و مطي ع ج داً ـ ال ى المغاس ل‪،‬‬
‫يخلعون ثيابه‪ ،‬يغسلون جسده‪ ،‬يعيدونه وھو مغطى‪ ،‬مكان دكتور الجيولوجيا قبالتي تماما ً‪.‬‬
‫************‬
‫نح ن اآلن ج ائعون ‪ ...‬وج ائعون بش دة‪ ،‬من ذ ثالث ة أش ھر ھبط ت كمي ات الطع ام الت ي تق دمھا لن ا إدارة الس جن‬
‫ھبوطا ً حاداً‪.‬‬
‫كان لكل سجين يوميا ً رغيف ان م ن الخب ز العس كري ‪ ،‬اآلن رغي ف واح د لك ل أربع ة س جناء ‪ ،‬حص تي اليومي ة‬
‫ربع رغيف ل ثالث وجب ات ‪ ،‬الي وم فط وري ك ان ث الث حب ات زيت ون ھ ي كام ل حص تي ‪ ،‬ملعق ة ص غيرة م ن‬
‫المربى على العش اء ‪ ،‬إذا ك ان األفطاربيض ا ً فلك ل ثالث ة س جناء بيض ة مس لوقة ‪" ،‬نص ح األطب اء الجمي ع بع دم‬
‫رمي قشر البيض‪ ،‬يسحقونه ويأكلونه للتعويض عن الكلس"‪.‬‬
‫بع د ثالث ة أش ھر م ن الج وع‪ ،‬الھ زال واص فرار الوج وه ب اد عل ى الجمي ع‪ ،‬قلّ ت حرك ة الجمي ع‪ ،‬م ن ك ان يق وم‬
‫بالرياضة سراً أقلع عنھا‪.‬‬
‫الشرطة تراقب ‪ ...‬وتواصل عملھا كالمعتاد‪.‬‬
‫جلس يوسف قبالتي على الفراش‪ ،‬في ي ده اليمن ى قطع ة خب ز ص غيرة فوقھ ا قلي ل م ن مرب ى المش مش‪ ،‬ن اولني‬
‫إياھا‪:‬‬
‫ خود ‪ ...‬ھاي الك‪.‬‬‫ شكراً يا يوسف‪ ...‬ھادا عشاك والزم تاكله‪.‬‬‫ ال أنا شبعان ‪ ...‬وإنت زلمه بدك تتجوز بكره‪ ،‬الزم تاكل عسل‪ ،‬قال الدكتور إن العسل مفيد‪.‬‬‫ثم تابع الحديث دون أن يتيح لي فرصة الكالم‪:‬‬
‫ ھلق انت شو بتتمنى؟‬‫ اتمنى أن أطلع من ھون‪.‬‬‫ شوف ‪ ...‬ھون كويس ‪ ...‬انت تعرف انه عندي فرس اصيلة لونھا احمر‪ ،‬وعندي تياب كلھا بيض ا‪ ،‬اب يض‬‫بأبيض ‪ ...‬اس تنى ش ي ك م ي وم بتش وف أخ وك يوس ف الب س أب يض ب أبيض ‪ ...‬وراك ب ع الفرس الحم را‪،‬‬
‫وواقف بنصّ موسكو ‪ ..‬بالساحة الحمراء‪...‬‬
‫سكت قليال ثم أردف بصوت أحد قليال ‪:‬‬
‫‪ -‬وﷲ ‪ ...‬وﷲ بدنا ندك اسوار موسكو !‪..‬بدنا نمسح الكفر والكفار! ‪.‬‬

‫‪ 15‬أيلول‬

‫‪52‬‬

‫أنا جائع‪ ،‬أكثر من خمسة شھور مرت على بداي ة الج وع‪ ،‬غري زة البق اء‪ ،‬ب دأت تح دث بع ض المش اجرات ب ين‬
‫السجناء بسبب توزيع الطعام‪ ،‬عھدوا بھ ذا األم ر ال ى أكث ر األش خاص احترام ا ً و مھاب ًة‪ ،‬تط رح ھن ا تس اؤالت‬
‫كثيرة حول سبب نقص الطعام‪:‬‬
‫ ھم يريدوننا أن نموت جوعا ً!‪.‬‬‫ ق د يك ون ل دى الس لطة الني ة ب إخالء س بيلنا‪ ،‬لكنھ ا ال تري دنا أن نك ون أقوي اء ف ي الخ ارج‪ ،‬يج ب ان نك ون‬‫مرضى كي ال نستطيع القيام بشيء خارجا ً‪.‬‬
‫الكثير من التخمينات ‪ ،‬الكثير من التحليالت‪ ،‬ولكن الشرطة كانت تراقب‪.‬‬
‫فتح اليوم عناصر الشرطة الباب وطلبوا إدخال الطعام‪ ،‬ركض الفدائيون وقاموا بإدخال كميات الطعام الھزيل ة‪،‬‬
‫وألول مرة لم يكن ھناك ضرب وكرابيج‪ ،‬برز بعدھا المس اعد ووق ف عل ى ب اب المھج ع‪ ،‬بي ده بطيخ ة حم راء‬
‫تزن حوالي ثالثة كيلو غرام‪ ،‬صاح برئيس المھجع‪:‬‬
‫ تعال لھون‪.‬‬‫ذھب رئيس المھجع اليه مسرعا ً‪.‬‬
‫ خود ھالبطيخة‪ ،‬حصة المھجع!‪.‬‬‫سكت قليال وبعد ان تناول رئيس المھجع البطيخة‪ ،‬قال المساعد‪:‬‬
‫ بدي شوف ‪ ...‬كيف بدك توزع ھالبطيخة على المساجين!‪.‬‬‫ت ردد رئ يس المھج ع قل يال‪ ،‬ف ي البداي ة ظھ رت عل ى وجھ ه عالئ م الحي رة ث م ام ارات التح دي واالس تفزاز‪،‬‬
‫"أصبحت أعرفه جيدا بحكم قربي منه"‪ ،‬أطرق برأسه قليالً ثم التفت الى داخل المھجع وصاح بصوت عال‪:‬‬
‫ يا مرضانين ‪ ...‬ھاي البطيخة الكم‪.‬‬‫وناولھا الى أحد السجناء‪.‬‬
‫نظر اليه المساعد لثانيتين بتمعن شديد‪ ،‬رجع خطوتين الى الوراء وصفق الباب بوجه رئيس المھجع بقوة‪.‬‬
‫جلس جميع السجناء‪ ،‬شعور الفخر يغمر الجميع‪ ،‬حتى أنا‪ ،‬لقد ھزم رئيسُ المھجع المساعد‪ ،‬يكفي انه أغاظه‪.‬‬
‫فيما الجميع منھمكون بالحدث حانت مني التفاتة الى اليسار وإذا بي ارٮالساحة تل وح ام امي‪ ،‬س احة اإلع دام ‪...‬‬
‫الساحة السادسة‪ ،‬ھناك الى جانب‪ ،‬كشف الباب‪ ،‬فجأة وجدت ثقبا ً غير منتظم أكبر قل يالً م ن حج م ج وزة ‪ ،‬ھ ذا‬
‫الثقب حدث اآلن! نظرت حولي فوجدت كتلة اسمنتية عل ى ط رف فراش ي‪ ،‬حملتھ ا وس ددت الثق ب بھ ا فركب ت‬
‫تماما وس ّدته‪ ،‬الثقب على مستوى رأسي وأنا جالس‪.‬‬
‫عندما صفق المساعد الباب وم ن ق وة الض ربة س قطت ھ ذه الكتل ة االس منتية والت ي يب دو أنھ ا باألس اس متش ققة‬
‫وأحدثت ھذا الثقب‪.‬‬
‫اآلن استطيع أن أرى كل ما يدور في الساحة متى أشاء ذلك‪ ،‬استطيع ان أتلص ص عل ى الخ ارج كم ا أتلص ص‬
‫من ثقب قوقعتي على الداخل‪.‬‬

‫‪53‬‬

‫يوسف "مجنون القائد" انقطع عن زيارتي‪ ،‬أو لم يعودوا يسمحوا له بزي ارتي‪ ،‬انتبھ وا ل ي مج دداً بع د زيارات ه‪،‬‬
‫مجموعة من األشخاص أخذت على عاتقھ ا أم ر الحيلول ة بين ه وب ين زي ارتي‪ ،‬يراقبون ه وھ م جالس ون حت ى إذا‬
‫رأوه متجھا نحوي ناداه أحدھم أو وقف في طريقه يمازحه‪:‬‬
‫ شو يوسف ‪ ...‬ما بدك تخبر القائد؟‬‫ أي ‪ ..‬بدي خبرو ‪ ...‬بس تلفوني مقطوع‪.‬‬‫ تعال لھون ‪ ...‬أنا عندي تلفون‪.‬‬‫يأخذه الى مكانه‪ ،‬يحادثه الى أن ينسى يوسف أنه كان قادما ً لعندي‪.‬‬
‫} الجوع يقرص معدتي‪{.‬‬

‫‪ 20‬أيلول‬
‫ثالثة أيام بعد اكتشاف الثقب‪ ،‬ثالثة أيام لم استطع أن أنظر من خالله‪ ،‬قلبي ينبض بشدة كلما فكرت في األمر‪.‬‬
‫طوال اليوم وأنا أفكر كيف أتغلب على خوفي من الشرطة‪ ،‬واألھم خوفي من السجناء‪ ،‬ماذا سيفعل الس جناء إذا‬
‫رأوني وأنا انظر عبر الثقب؟!‪.‬‬
‫ھبط علي الوحي عندما نظرت أمامي‪ ،‬الى دكتور الجيولوجيا‪ ،‬لماذا ال أفعل مثله ؟!! أدير وجھ ي قبال ة الح ائط‬
‫وأغطي نفس ي بالبطاني ة‪ ،‬بحي ث تغط ي البطاني ة الثق ب أيض ا ً‪ ،‬وھك ذا أنظ ر بحري ة دون أن يالح ظ أح د‪ ،‬وھ ذا‬
‫يخلصني في الوقت نفسه من النظرات العدائية التي ازدادت مؤخراً‪.‬‬
‫ولكن يجب أن أجرب التغطية لمدة يومين أو ثالثة قبل أن أغامر وأفتح الثقب وأنظر من خالله‪.‬‬
‫القمل يھرش جسدي‪ ،‬لم استطع االعتياد عليه والتعايش معه بعد‪.‬‬
‫}الجوع يشتد ويتراكم‪{ .‬‬

‫‪ 30‬أيلول‬
‫نجحت في أن أجعلھم يعتادون على رؤيتي مغطى بالبطانية‪ ،‬منذ يومين مرّ أحد السجناء من خلفي وأنا مغطى‪،‬‬
‫سمعته يقول لرئيس المھجع‪:‬‬
‫ شو يا أبو محمد ؟‪ ..‬كنا بواحد صرنا باثنين ‪ ..‬شو القصة ؟ ‪ ...‬كمان االستاذ أجّ ر الطابق الفوقاني ؟! ‪.‬‬‫ خليھا على ﷲ‪ ...‬اللھم نسألك حسن الختام‪.‬‬‫لم أستطع ان أنظر من خالل الثقب وال مرة‪ ،‬ألن الش رطة كان ت ف ي حال ة ھي اج ش ديد‪ ،‬فق د كان ت تم ر فت رات‬
‫نشعر فيھا أن قبضة رجال الشرطة قد تراخت قل يال‪ ،‬وفج أة تع ود ھ ذه القبض ة لتص بح م ن حدي د ون ار‪ ،‬عن دھا‬
‫يخمن البعض ھنا أن ھناك احداثا ً ھامة تدور في الخ ارج‪ ،‬وأن الس لطة ق د مني ت بخس ائر جس يمة وأن وض عھا‬
‫حرج وقد تكون آيلة للس قوط‪ ،‬ونتيج ة لعجزھ ا ع ن مواجھ ة م ا ي دور ف ي الخ ارج فانھ ا تح اول ن تع وض ھن ا‬
‫وتنتقم من المساجين المساكين الذين ال حول لھم وال قوة ‪.‬‬
‫‪54‬‬

‫‪ 6‬تشرين األول‬
‫اليوم كان مليئا ً‪.‬‬
‫منذ الصباح تعج الساحة باألصوات والضرب والصياح والصراخ‪ .‬فتح ب اب مھجعن ا وخ رج الف دائيون إلدخ ال‬
‫الطعام تحت ضرب الكرابيج والعصي‪ ،‬أحد الف دائيين تلق ى ض ربة عص ا س قط عل ى إثرھ ا ارض ا ً وكان ت ھ ذه‬
‫آخر سقطة له‪ ،‬بقي في الخارج وحيداً بين أيدي عناصر الشرطة‪ ،‬وبعد قليل صاح الرقيب‪:‬‬
‫ وال كالب ‪ ...‬تعوا دخلوه‪.‬‬‫عاد الى المھجع محموالً بدال من أن يكون حامالً‪.‬‬
‫تلقفه األطباء في المھجع‪ ،‬بعد أكثر من ساعة لفظ أنفاسه وأسلم الروح بعد ان أوصى صديقه بصوت متھدج‪:‬‬
‫ سلم على ابوي ‪ ...‬إذا ﷲ فرج عنك ‪ ...‬احكيلوا عني ‪ ...‬وقل له يرفع رأسه بابنه ‪...‬‬‫واحد من األطباء أتى الى عند رئيس المھجع والحزن باد عليه‪:‬‬
‫ البفي ة بحيات ك ي ا أب و محم د ‪...‬ي وم جدي د وش ھيد جدي د‪ ...‬ﷲ يرحم ه م ا خل وا مح ل بجس مه اال وض اربينه‬‫‪...‬عدة إصابات ‪ ...‬حتى الخصيتين مھروسات ھرس‪.‬‬
‫ عليه رحمة ﷲ‪ ،‬خلي الشباب يجھزوه مشان ندق الباب ونطالعه‪.‬‬‫انغمس المھجع بتجھيز الشھيد‪ ،‬الحديث ع ن الش ھيد‪ ،‬م آثره‪ ،‬وص يته األخي رة‪ ،‬ث م ص لوا علي ه س را وأحض روه‬
‫قرب الباب‪ ،‬وضعوه في الفسحة الفاصلة بيني وبين أبو محمد رئيس المھجع‪ ،‬علق واحد‪:‬‬
‫ العمى شو ھالحالة ؟! عم نموت واحد ورا واحد متل الخرفان !!‪.‬‬‫لم يرد عيه أحد‪.‬‬
‫وقف أبومحمد ودق الباب بجماع يده‪ ،‬وجاء الصوت من الخارج‪:‬‬
‫ شو بدك يا ابن الشرموطة ؟‪ ...‬ليش عم تدق الباب ؟‪.‬‬‫ يا سيدي ‪ ...‬في عنا واحد شھيد !!! ‪ ...‬عفوا عفوا ‪...‬‬‫واحد ميت‪.‬‬
‫نسي أبو محمد حذره من كثرة ترداد كلمة شھيد في المھجع‪ ،‬انتبه واستدرك ولكن ھذا االستدراك جاء متأخراً‪.‬‬
‫فتحت الطاقة الصغيرة في الب اب الحدي دي وظھ ر رأس الرقي ب‪ ،‬وبمنتھ ى الھ دوء توج ه بالس ؤال ال ى أب و محم د‬
‫الذي كان واقفا ً‪:‬‬
‫ مين يللي قال شھيد ‪ ...‬يا رئيس المھجع ؟‪.‬‬‫ أنا سيدي‪.‬‬‫أغلق الرقيب الطاقة وصاح بالشرطة أن يفتحوا الباب‪.‬‬
‫في الثواني القليلة التي استغرقھا فتح الباب‪ ،‬التفت أبو محمد الى الناس وقال‪:‬‬
‫ يا شباب سامحوني ‪ ...‬إدعوا لي ‪ ...‬ويللي يضل طيب منكم خليه يروح لعن د والدي ويحك يلھم كي ف م ات‬‫أبوھم!‬
‫‪55‬‬

‫فُتح الباب‪ .‬جمھرة من الشرطة أمامه تنظرالى الداخل‪ ،‬جمھرة من المساجين وف ي المقدم ة أب و محم د ينظ رون‬
‫إلى الخارج‪ ،‬صاح الرقيب‪:‬‬
‫ وال ابن الشرموطة ‪ ...‬اطلع لبره‪.‬‬‫قذف أبو محمد نفسه بينھم‪ ،‬صاح الرقي ب بالش رطة أن يغلق وا الب اب‪ ،‬ك ل الس جناء واقف ون إال العج زة ودكت ور‬
‫الجيولوجيا‪ ،‬جلست أنا ايضا وغطيت نفسي بالبطانية‪ ،‬وبسرعة وبھدوء نزعت الكتلة االسمنتية قليالً‪ ...‬قليالً‪.‬‬
‫لم أكن أعي أو أدرك ما أفعل‪ ،‬فالشرطة أمام مھجعنا تماما ً والثقب كبير يمكن ألي شرطي أن يالحظ ه‪ ،‬ولكن ي‬
‫فتحت الثقب ونظرت‪.‬‬
‫أبو محمد كان ضابطا ً سابقا ً‪ ،‬وكان رجالً حقيقيا ً‪ .‬منذ فترة وعندما حدثت بع ض المش احنات ف ي المھج ع بس بب‬
‫توزيع الطعام القليل أصالً‪ ،‬أحس انه قد ُمسَّ من قبل شخص م ا‪ ،‬بق ي عل ى أثرھ ا س بعة أي ام ل م يتن اول خاللھ ا‬
‫وال ذرة طعام‪ ،‬سبعة أيام بدون طعام بعد أشھر من الجوع‪.‬‬
‫اتى لعنده مجموعة من كبار المشايخ والناس األكثر احتراما ً ف ي المھج ع يطيب ون خ اطره ويعت ذرون نياب ة ع ن‬
‫كل الناس‪ ،‬ورجا ًء خالصا ً ان ينسى كل شيء‪ ،‬وانھم لن يذھبوا من عنده قبل ان يأكل‪ ،‬وكان مما قاله ابو محم د‬
‫رداً عليھم‪:‬‬
‫ ابو محمد ال يمكن ان يسمح لـ" لقمة أكل " ان تذل ه ‪ ...‬واذا ك ان ھن اك م ن تص رف او سيتص رف ب دناءة‪،‬‬‫فھذا الشخص لن يكون ابو محمد‪ ،‬الموت وال الذل‪.‬‬
‫بع د ان فتح ت الثق ب ك ان اول م ن رأي ت ھ و اب و محم د‪ ،‬بي ده عص ا غليظ ة م ن المؤك د أن ه انتزعھ ا م ن أح د‬
‫عناصر الشرطة بعد أن فاجأھم بطريق ة خروج ه‪ ،‬يض رب بھ ا ذات اليم ين وذات الش مال‪ ،‬تح يط ب ه دائ رة م ن‬
‫عناصر الشرطة والبلديات‪ ،‬ثم رأيت واحداً من الشرطة ممدداً على األرض‪.‬‬
‫تضيق الدائرة حوله وتنھال عليه بعض الضربات من الجانبين ومن الخلف‪ ،‬يتألم يلتف ت ويھج م‪ ،‬تتس ع ال دائرة‪،‬‬
‫معرك ة حقيقي ة ولكنھ ا غي ر متكافئ ة ع ددياً‪ ،‬م ن ط رف رج ل يع رف ان ه س يموت ف ي ك ل األح وال‪ ،‬وق رر أال‬
‫يم وت موت ا ً س ھالً ورخيص اً‪ ،‬وم ن الط رف االخ ر مجموع ة كبي رة م ن األش خاص اعت ادوا ان يك ون ق تلھم‬
‫لآلخرين سھالً‪.‬‬
‫والكثرة غلبت الشجاعة‪ .‬سقط أبو محمد ارضا ً بع د زم ن قدرت ه بح والي رب ع الس اعة‪ ،‬حض ر اثناءھ ا المس اعد‬
‫والطبي ب وم دير الس جن‪ ،‬عل ى األرض اربع ة اش خاص مم ددين‪ ،‬ثالث ة م ن الش رطة بي نھم الرقي ب " اب ن‬
‫الشرموطة "‪ ،‬لقد رأيت كيف تقصد ابو محمد أن يھاجمه ھو رغم أنه كان بعي داً عن ه‪ ،‬وكي ف نزل ت عص ا اب و‬
‫محمد على رأسه‪.‬‬
‫فح ص الطبي ب الجمي ع‪ ،‬أس عفوا أح د العناص ر بس رعة‪ ،‬الرقي ب والعنص ر اآلخ ر مات ا‪ ،‬اب و محم د م ات‪ ،‬ق دم‬
‫الطبيب ھذا الشرح لمدير السجن الذي التفت الى المساعد طالبا ً منه أن يجم ع ك ل م ن ف ي الس جن م ن عناص ر‬
‫الشرطة والبلديات وأن يقف جميع الحراس المسلحين الموجودين على االسطحة فوق مھاجع الساحة السادسة‪.‬‬
‫عرفت ان المشھد لما ينته بعد‪ ،‬أغلقت الثقب جيداً وأزحت البطانية‪.‬‬
‫‪56‬‬

‫) من االشياء التي ال يمكن أن أنساھا اب داً‪ ،‬ش جاعة العمي د ف ي الس احة االول ى وش جاعة اب و محم د ف ي الس احة‬
‫السادس ة‪ ،‬وفك رت كم ا يفك ر الجمي ع ھن ا‪ ،‬تس اءلت ‪ :‬كي ف يح دث‪ ،‬او لم اذا يح دث‪ ،‬ان يوج د ھك ذا ض باط ف ي‬
‫السجن‪ُ ،‬يقتلون فيه والكل يعرف اننا في حالة حرب؟‬
‫ولكن فوراً قمعت ھذا التفكير‪ ،‬محوته من ذھني ( ‪.‬‬
‫اعتب ر المق دم م دير الس جن أن م ا ح دث ك ان تم رداً وس ابقة خطي رة يج ب أن تجاب ه بك ل ق وة‪ ،‬بمنتھ ى القس وة‬
‫والعنف كي تكون درسا ً للجميع‪.‬‬
‫ح والي الثالثمائ ة س جين‪ ،‬يح يط بھ م عل ى مح يط الس احة أكث ر م ن ھ ذا الع دد بكثي ر م ن عناص ر الش رطة‬
‫والبلديات‪ ،‬عشرات الحراس المسلحين على األسطحة‪.‬‬
‫ ال تتركوا أحداً في المھجع‪.‬‬‫جمعونا وسط الساحة‪ ،‬في آخر الصف قريبا ً من المھجع وضعوا العج زة‪ ،‬الق ى م دير الس جن محاض رة نص فھا‬
‫شتائم‪ ،‬والنصف اآلخر تھديد ووعيد‪ ،‬وقد نفذ تھديده‪ ،‬قال للمساعد‪:‬‬
‫ مابدي حدا يفوت على المھجع وھو ماشي‪ ،‬السليم منھم الزم يفوت زحف على بطنه‪.‬‬‫"بعض السجناء سيسمي ھذا اليوم الحقا ً بـ ‪ /‬يوم التنكيل ‪ /‬وبعضھم اآلخر سيسميه ‪ /‬يوم أبو محمد‪. ."/‬‬
‫استمر التنكيل من قبيل الظھر إلى ما بعد حلول الظ الم‪ ،‬وك ان أكث ر م ا ي ؤلم مش ھد المش لولين وھ م ُيض ربون‪،‬‬
‫يحاولون الحركة‪ ،‬يحاولون تفادي الضرب ‪ ..‬ويظلون مكانھم‪.‬‬
‫دخلنا زحفا ً وجرجر ًة‪ ،‬من لم يستطع ان يجرجر نفسه أوغيره‪ ،‬تكف ل البل ديات ب ـ " قذف ه" داخ ل المھج ع‪ ،‬اخ ذنا‬
‫نضمد جراحنا‪ ،‬نغسلھا‪ ،‬نبحث عن مزقة قماش نلف بھا جرحا ً ما‪.‬‬
‫الجوع يعضنا‪ ،‬رغم ذلك نمنا‪.‬‬

‫‪ 7‬تشرين اول‬
‫في الصباح الجميع ينظر الى الجميع‪ ،‬كل م ن لدي ه الق درة يح اول أن يطم ئن عل ى ج اره‪ ،‬الحص يلة ثالث ة قتل ى‬
‫ماتوا ليالً‪ ،‬جراحي خفيفة وال تشكل أي خطر‪.‬‬
‫أتى المساعد ومعه الشرطة‪ ،‬كل من يستطيع الوقوف وقف‪" ،‬اكتشفت أن ابو حسين وھو الش خص ال ذي ي وزع‬
‫الطعام ويرضي الجميع كان قد نقل فراشه ليالً الى مكان ابو محمد"‪.‬‬
‫تقدم المساعد خطوتين‪ ،‬شمل المھجع بنظرته‪ ،‬ابتسامة على زاوية الفم‪ ،‬نظ ر إل ى اب و حس ين‪ ،‬نظ ر إل يّ ‪ ،‬أش ار‬
‫إليّ قائالً‪:‬‬
‫ إنت بتصير رئيس مھجع‪.‬‬‫سكت ولم اجب‪ ،‬سكت المساعد وتراجع يريد االنصراف‪ ،‬تحرك اب و حس ين مص طنعا ً الخ وف‪ ،‬رف ع ي ده عالي ا ً‬
‫ّ‬
‫وقال‪:‬‬
‫ يا سيدي اسمحلي بكلمة‪.‬‬‫ قول وال‪ ..‬كرّ ‪.‬‬‫‪57‬‬

‫ يا سيدي ھادا يللي عينتوا رئيس مھجع ‪ ..‬يا سيدي‪ ،‬مجنون!‪.‬‬‫التفت المساعد إليّ ‪ ،‬سألني‪:‬‬
‫ انت مجنون ‪ ..‬وال؟‬‫لم إجب‪ .‬لم أعرف بماذا أجيب‪ .‬قال المساعد‪:‬‬
‫ طيب ‪ ..‬أصبح انت بدك تصير رئيس مھجع‪.‬‬‫ متل ما بدك سيدي ‪ ..‬بس في عندنا ثالثة ميتين‪.‬‬‫ ميتين؟‪ ..‬وال شھداء؟‬‫ ميتين سيدي‪ ..‬ميتين‪.‬‬‫ قول نفقوا‪ ..‬وال جحش‪.‬‬‫ نفقوا سيدي‪ ..‬نفقوا‪.‬‬‫ يا ‪ ..‬طالعوھم لبره‪.‬‬‫وأغلق الباب‪ .‬أصبح ابو حسين رئيس مھجع‪ ،‬اقترب مني بھدوء وقال‪:‬‬
‫ انا بعرف إنك مانك جاسوس ‪ ..‬وساويتك مجنون ألنه للضرورة أحكام‪.‬‬‫" ھاھو واحد اخر منھم يشعرني باألمان الى جانبه "‪.‬‬

‫‪ 24‬شباط‬
‫البرد يجمدنا‪ ،‬الجوع يضنينا‪.‬‬
‫أكثر من عشرة اشھر مرت ونحن جائعون‪ ،‬ربع رغيف أقسمه ثالثة أقسام‪ ،‬وأقاوم‪ ،‬أق اوم الرغب ة بالتھام ه كل ه‬
‫دفع ة واح دة‪ ،‬عش رة ش ھور ل م يص ل فيھ ا أح د الس جناء ال ى الش عور بالش بع‪ ،‬الھ زال ب دا ش ديداً عل ى الجمي ع‪،‬‬
‫الوجوه مصفرة وآثار سوء التغذية جلية واضحة‪.‬‬
‫ف ي البداي ة تعام ل الجمي ع م ع المس ألة بأنف ة وع زة نف س‪ ،‬ش يئا ً فش يئا ً وم ع اس تمرار الوض ع ب دأت التص رفات‬
‫الغريزية تطل برأسھا‪ ،‬فالسجن أساس ا ً ھ و ع الم االش ياء الص غيرة‪ ،‬ع الم الص غائر‪ ،‬اثن ان م ن اس اتذة الجامع ة‪،‬‬
‫شخصان محترمان جداً‪ ،‬كبيران ف ي الس ن ‪ ..‬يتش اجران‪ ،‬يتش اتمان‪ ،‬ينتھ ي األم ر بالمقاطع ة‪ ،‬والمس ألة برمتھ ا‬
‫تكون قد بدأت على الشكل التالي‪:‬‬
‫ يا اخي كم مرة قلت لك ال تلبس شحاطتي؟!‬‫ ايه ‪ ...‬شو فيھا إذا لبسناھا؟ ‪ ..‬رح ينقص من قيمتھا يعني؟!‬‫ بينقص ما بينقص ‪ ...‬ال تلبسھا وبس‪ ...‬صار ميت مرة حكينا ‪ ...‬وإال انت ما بتفھم حكي؟!‬‫ انا ما بفھم!!‪ ...‬شو شايفني حمار متل حضرتك؟!‬‫ أنا حمار ؟! ‪ ...‬ايه إنت وأبوك وكل عيلتك حمير يا أكبر حمار!!‪.‬‬‫وقد يتطور األمر بين األستاذين إلى الضرب إذا لم يتدخل أحد بينھما‪.‬‬
‫ال يمر يوم دون مشاجرة أو أكثر موضوعھا الوحيد الطعام ‪.‬‬
‫ ليش اعطيتني قطعة خبز أصغر من غيري؟‬‫‪58‬‬

‫ ليش تعطي لفالن ملعقة لبنة كاملة وانا يا دوب نص ملعقة؟‬‫ ما بيكفي إنه حصتي ثالثة حبات زيتون وفوقھا تكون صغيرة‪ ،‬حبات غيري سمينة‪.‬‬‫قبل شھر اجتمع االطباء مع رئ يس المھج ع اب و حس ين‪ ،‬ش رح اح دھم الب و حس ين ان اس تمرار الوض ع الح الي‬
‫ينذر بكارثة مرضية‪ ،‬وأن لديھم اسبابا ً قوية من خالل مالحظاتھم وفحوصھم لالعتقاد أن قسما ً م ن الس جناء ق د‬
‫أصيب بالسل‪ ،‬وطلبوا منه إبالغ ادارة السجن باألمر‪ ،‬وبعد نقاش تقرر اعتماد خطة المرحوم ابو محمد‪.‬‬
‫أبلغوا جمي ع المھ اجع ب األمر ع ن طري ق "الم ورس" وتب ين أن اإلص ابات ل دى الجمي ع‪ ،‬وبع د المطالب ة حض ر‬
‫المساعد ‪ ،‬شرح له ابو حسين الوضع وأردف‪:‬‬
‫ يا سيدي األطباء متأكدين إنه مرض الس ل‪ ..‬ومت ل م ا س يادتكم تعرف وا ھ ادا م رض مع دي كتي ر ‪ ...‬ونح ن‬‫وانتو بمحل واحد‪ ،‬ومتل ما ممكن السجين يمرض‪ ،‬ممكن ال سمح ﷲ الشرطي كمان ينعدى‪.‬‬
‫ ابتدأ العالج ‪ ،‬تفاعل السلين ‪ ،‬األرشيدين ‪...‬‬‫************‬

‫أنا منذ أشھر مستمر بالمراقبة والتلصص عى ساحة السجن عبر الثقب‪ ،‬حفظت وج وه عناص ر الش رطة كلھ م‪،‬‬
‫شاھدت اإلعدامات ‪ ...‬ثمان مشانق ‪ ...‬كل اثنين وخميس‪ ،‬أسمع كالم الشرطة بوضوح احياناً‪ ،‬ك ان الن اس ھن ا‬
‫يتساءلون‪ :‬لماذا ل م نع د نس مع ص يحات ﷲ أكب ر ل دى تنفي ذ حك م األع دام ؟‪ .‬اآلن عرف ت الس ر‪ ،‬بع د أن يخ رج‬
‫المحكومون باإلعدام من المھجع يغلق الشرطة الباب ويقومون بلصق أفواه المحك ومين بالص ق ع ريض‪ ،‬ك أن‬
‫صرخة ﷲ أكبر من المحكومين قبل اعدامھم تشكل تحديا ً واستفزازاً للمحكمة الميدانية وادارة السجن‪ ،‬فمنعوھ ا‬
‫بالالصق‪.‬‬
‫المشانق غير ثابتة‪ ،‬ال تشبه المشانق العادية التي يص عد اليھ ا المحك وم باإلع دام‪ .‬ھ ذه المش انق ھ ي الت ي تن زل‬
‫إلى المحكوم‪ ،‬البلديات األشداء يميلون المشنقة إلى أن يصل الحب ل إل ى رقب ة المحك وم باإلع دام‪ ،‬يثبت ون الحب ل‬
‫حول الرقبة جيداً ثم يسحبون المشنقة من الخلف‪ ،‬يرتفع المحكوم عليه وتت دلى رج اله ف ي الھ واء‪ ،‬بع د ان يلف ظ‬
‫الروح ينزلونه الى االرض ‪ ...‬وتأتي الدفعة الثاني ة ث م الثالث ة ‪ ...‬أغل ب ال ذين ش اھدت اع دامھم ك انوا ھ ادئين‪،‬‬
‫شاھدت أيضا ً حاالت كثيرة ظھر فيھا حب الحياة والضعف االنساني‪ ،‬البعض كانت ترتخي لديه مص رتا الب ول‬
‫والبراز‪ ،‬والشرطة في ھذه الحالة ينزعجون كثيراً‪ ،‬فالرائحة التطاق‪ ،‬يشتمون ويضربون الشخص الذي عملھ ا‬
‫!‪ .‬بعضھم اآلخر كانوا يبكون‪ ،‬يحاولون الكالم والتضرع فيمنعھم الالصق العريض‪ ،‬أحد المساجين من ص غار‬
‫الس ن اس تطاع أن يفل ت م ن ب ين اي ديھم وي ركض ف ي الس احة السادس ة‪ ،‬وھ ي س احة كبي رة ج داً ذات ف رعين‪،‬‬
‫الھرب مستحيل واضطر الشرطة والبلديات للركض وراءه لدقائق الى أن أمسكوه‪ ،‬اوقفوه تحت المشنقة فجل س‬
‫على االرض‪ ،‬رفعه اثنان من البلديات وأدخلوا رقبته في الحبل‪ ،‬بعد قليل لعبط برجليه في الھواء‪.‬‬

‫‪ 20‬آذار‬
‫‪59‬‬

‫عالج مرضى السل مستمر‪ ،‬وجوالت الدكتور سمير الذي قام بالعالج أيضا ً مستمرة‪ ،‬م رّ ش ھران ك امالن لك ن‬
‫االصابات في تزايد مستمر‪ ،‬وصل الرقم الى ألف وثالثمائ ة إص ابة ف ي الس جن حس ب م ا ق ال ال دكتور س مير‪،‬‬
‫الوفيات قليلة جداً‪.‬‬
‫كان الجميع ھنا يعزي معالجة التھاب السحايا وم رض الس ل ال ى فض ل طبي ب الس جن‪ ،‬الجمي ع يش يد بانس انيته‬
‫وذلك حتى عشرين يوما ً خلت‪ ،‬حيث وردت رسالة "مورس" مؤلفة من بضع كلمات‪:‬‬
‫" طبيب السجن قتل اثنين من زمالء دفعته‪" .‬‬
‫الرسالة واردة من المھجع السابع‪ ،‬بعد ثالثة أيام وردت رسالة اخرى‪:‬‬
‫" طبيب السجن قتل ثالثة من زمالء دفعته‪" .‬‬
‫الرسالة واردة من المھجع الرابع والعشرين‪.‬‬
‫أبو حسين‪ ،‬وھو شخص ديناميكي جداً باالضافة الى انه ذكي‪ ،‬احس بالخطر‪ ،‬فدعا الطبيبن زم الء دفع ة طبي ب‬
‫الس جن لعن ده‪ ،‬تح دث واياھم ا مط وال‪ ،‬س ألھما ع ن أش ياء كثي رة‪ ،‬كان ت لدي ه خش ية كبي رة م ن أن يق وم طبي ب‬
‫السجن بقتل كافة زمالء دفعته ومنھم ھذان الطبيبان‪ ،‬استخدم أب و حس ين ك ل لباقت ه ودھائ ه ك يال ي دخل الخ وف‬
‫الى قلبيھما‪ ،‬وفي الوقت نفسه كان ال يري د أن يك ذب عليھم ا‪ .‬الح ديث ك ان ط ويال ج داً‪ ،‬وأھ م م ا في ه ق ول أب و‬
‫حسين لھما‪:‬‬
‫ أنا ال أريد أن أھون المسألة وأكذب عليكما‪ ،‬يبدو أن زميلكما ق د ب دأ ھن اك وم ن المحتم ل أن ينتھ ي ھن ا‪- ،‬‬‫وأرجوا من ﷲ أن يكون ظني خاطئا ً ‪ -‬ولكن قد يكون دوركما قادما ً ‪ -‬ال سمح ﷲ ‪ ، -‬واآلن ھل استطيع‬
‫أنا أو غيري أن نفعل شيئاً؟‪.‬‬
‫سكت الطبيبان قليالً ثم تناوبا على الحديث بعد ذلك‪:‬‬
‫ ليس بيدك أو بيدنا يا أبو حسين إال أن نقول‪ :‬حسبنا ﷲ ونع م الوكي ل‪ ،‬وس تأتي س اعة نق ف فيھ ا جميع ا ب ين‬‫يدي ﷲ‪ ،‬و يا ويله من تلك الساعة‪.‬‬
‫ ولكن قوال لي لماذا يفعل ھذا؟ ھل ھو ينتقم؟ وممن؟‪.‬‬‫ وﷲ يا أبو حسين ال نعرف الكثير عنه‪ ،‬ما نعرفه ويعرفه جمي ع زمالئن ا أن ه أت ى ال ى الجامع ة وك ان فقي را‬‫جداً‪ ،‬كان ريفيا بسيطا وخجوال‪ ،‬قد يكون زمالؤه أبناء المدينة قد تعاملوا مع ه بفوقي ة‪ ،‬وبع ضُ م نھم عامل ه‬
‫باحتقار‪ ،‬عرف الجميع أنه من عشيرة الرئيس وھو لم يكن يخفي ھذا‪ ،‬كان يدرس الطب عل ى نفق ة الدول ة‪،‬‬
‫قيل إنه كان يعمل مخبرا لدى الجھات األمنية‪ ،‬كل أبناء المدينة تجنبوه‪ ،‬والقصة التي لھا بعض المعن ى ف ي‬
‫ھ ذا المض وع ھ و حب ه لزميل ة م ن زميالتن ا م ن بن ات المدين ة‪ ،‬بق ي حت ى الس نة الثالث ة ف ي الجامع ة يحبھ ا‬
‫بص مت‪ ،‬ال يج رؤ عل ى االقت راب منھ ا أو مص ارحتھا‪ ،‬ف ي الس نة الثالث ة انتھ ز فرص ة انف راده بھ ا بأح د‬
‫المخابر‪ ،‬أمسك يدھا وصارحھا بحبه‪ ،‬قال إنه يعبدھا ‪ ...‬وإنه‪ ....‬وإنه‪.‬‬
‫الفتاة وھي من عائلة مدينية محافظة عرفت بالغنى والقوة‪ ،‬كانت ردة فعلھ ا عنيف ة ج داً‪ ،‬وق د تك ون ھ ي الس بب‬
‫في كل ما يحدث ‪ ،‬صدته باحتقار واشمئزاز‪ ،‬اشتكت الى عمادة الكلية‪ ،‬ثم أخبرت أھلھا بما حدث‪.‬‬
‫‪60‬‬

‫عوقب من قبل الجامعة‪ ،‬ولكن ردة فعل األھل كانت أعنف‪ ،‬ثالثة م ن أخ وة الطالب ة ظل وا يتجول ون ف ي أرج اء‬
‫الكلية بصحبة أختھم مدة ثالثة أيام‪ ،‬وكان واضحا للجميع أنھ م يخف ون أس لحة تح ت ثي ابھم‪ ،‬ك انوا يبحث ون عن ه‬
‫وبن ّيتھم قتله‪ ،‬ھكذا قالت الطالبة فيما بعد‪ ،‬لكنه لم يكن موجوداً‪ ،‬لقد اختفى ولم يعد يحضر الى الكلية‪.‬‬
‫بعد أسبوع حضرالى الكلية وكأن شيئا لم يكن‪ .‬إخوة الطالبة انسحبوا‪ .‬عقوبة اإلدارة ألغيت‪.‬‬
‫ راح جاب قرايبه المخابرات‪ّ ،‬‬‫ودخل وساطات‪ ،‬باس األيادي حتى عفا عنه أھلي‪.‬‬
‫ھكذا راحت الطالبة تشرح األمر لآلخرين‪.‬‬
‫تابع دراسته منزويا ً اليختلط مع أحد إال طالبا ً أو طالبين من منطقته‪ ،‬الك ل ك ان يعامل ه بع دھا باحتق ار‪ ،‬وبع ض‬
‫زمالئنا الطالب كانوا أحيانا ً يسلقونه بتعليقاتھم الالذعة‪.‬‬
‫ لكن ‪ ...‬اقسم با يا اخي ابو حسين ‪ ,‬نحن ھذه المجموعة لم نك ن ننتب ه لھ ذه االم ور ال م ن قري ب وال م ن‬‫بعيد ‪ ,‬كنا في صف واحد أكثر من خمس ة وعش رين ش ابا ً مؤمن ا ً ب ا نحض ر بع د ال دوام دروس ا ديني ة ف ي‬
‫المسجد‪ ،‬ولھذا السبب نحن ھنا االن‪ ،‬كم من االخوة قبض عليه وكم منھم نجا‪ ،‬لس ت أدري ‪ ...‬ك ان ﷲ ف ي‬
‫عون الجميع‪.‬‬
‫ ھم م ‪ ...‬قلت لنفسي إنه قد يكون في االمر امرأة‪ .‬إن ھذا الشخص يشعر بالعار‪ ،‬ولك ن ھ ل اذا قت ل ش ھود‬‫عاره‪ ،‬يمحي ھذا العار ؟‪ ...‬غبي ‪...‬‬
‫اخر ال يعرفه احد!‬
‫ولكني إعتقد أن ھذا السبب على قوته اليكفي! أعتقد ان ھناك سببا ً َ‬
‫اليوم في ‪ 20‬آذار‪ ،‬قبل عيد الربيع بيوم واحد‪ ،‬كان موعد ھذين الطبيبين مع زميلھما‪.‬‬
‫أخرج عناصر الشرطة الطبيبين وأغلقوا الباب‪ ،‬أسرعت الى بطانيتي والثق ب‪ ،‬راي ت الطبيب ين يس وقھما عناص ر‬
‫الشرطة إلى أمام طبيب السجن الذي يقف على مبعدة أربعة او خمسة أمتار من المھجع‪ .‬يقف الطبيب عاق داً يدي ه‬
‫على صدره وھو يبتسم‪ .‬رحب بھما‪ :‬أھالً وسھالً‪ ،‬ثم التفت الى عناصر الشرطة وأمرھما‪:‬‬
‫ روحوا خلوكم جانب البلديات‪.‬‬‫في وسط الساحة سبع من البلديات العمالقة‪ .‬وقف عناصر الشرطة بالقرب م نھم‪ ،‬اس مع الح ديث بص عوبة‪ ،‬ق ال‬
‫طبيب السجن‪:‬‬
‫ ايه ‪ ...‬ھلق عم تقولوا لحالكم ‪ :‬سبحان مغير االحوال ‪ ...‬طيب وان ا كم ان بق ول ھي ك ‪ ...‬ب دي اطل ب م نكم‬‫طلب‪ ،‬مين منكم بدو يجوزني اختوه ؟ ‪.‬‬
‫لم يجب الطبيبان بشيء‪ ،‬رأساھما منكسان قليالً‪ ،‬تابع طبيب السجن‪:‬‬
‫ ليش ساكتين؟! ‪ ...‬شو يا عدنان ‪ ...‬أنا عم أخطب اختك على سنة ﷲ ورسوله‪ ،‬الزواج عيب شي؟‪.‬‬‫ بس انا ما عندي اخت‪ ،‬والحمد ‪.‬‬‫ھنا قال طبيب السجن لعدنان شيئاً◌ً لم اسمعه‪ .‬سادت فترة صمت ثم التفت الى الطبيب اآلخر‪ ،‬وقال ‪:‬‬
‫ طيب ‪ ...‬وأنت يا زميل سليم كمان ما عندك أخت؟‪.‬‬‫ نعم ‪ ...‬عندي أخت‪.‬‬‫ طيب خطبني اياھا على سنة ﷲ ورسوله‪.‬‬‫‪61‬‬

‫ الزواج قسمة ونصيب‪ ،‬ونحن ھلق بوضع ما بيسمح بنقاش ھيك أمور‪ ،‬وأوالً وأخيراً أنا ماني ولي أمرھا‪.‬‬‫ ھذا أسلوب تھرب ‪...‬‬‫اقترب منه وبصوت أقوى‪:‬‬
‫ وإال شايف انه نحن مو قد المقام‪ ،‬انتو ناس أغنياء وأكابر‪ ،‬نحن فالحين‪ ،‬مو ھيك؟‬‫اقترب منه ولوح بيده أمام وجھه وبصوت حاد صاح وھو يصر على أسنانه‪:‬‬
‫ ولك شوف ‪ ...‬افتح عيونك وطل ع لھ ون‪ ،‬ش ايف ھ ذا الب وط‪ ،‬ب وطي أحس ن من ك وم ن أخت ك وأھل ك و ك ل‬‫عشيرتك وطايفتك ‪ ...‬وال كلب‪.‬‬
‫ثم التفت الى حيث البلديات وصاح‪:‬‬
‫ بلديات‪ ...‬تعوا لھون والك‪ ...‬خذوھم عـ نص الساحة‪.‬‬‫سحب البلديات الطبيبين‪ .‬ومشى وراءھم وھو يصيح‪:‬‬
‫ ھدول ناس أكابر ‪ ...‬يعني فوق ‪ ...‬فوق‪ ،‬وھلق نحن بدنا نطالعھم كمان لفوق أكثر وأكثر ‪ ...‬يا لشوف‪.‬‬‫ف ي منتص ف الس احة كن ت أرى وال أس مع‪ ،‬اس تلقى ع دنان عل ى ظھ ره وأمس ك ب ه س بعة م ن البل ديات‪ ،‬م ن‬
‫الرجلين‪ ،‬اليدين‪ ،‬الخاصرتين‪ ،‬وم ن تح ت ال رأس‪ .‬إنھ ا عقوب ة المظل ة‪ .‬والمظل ة عقوب ة تعن ي واح داً م ن ثالث ة‬
‫أشياء‪ :‬إما كسور مختلفة في سائر أنحاء الجسم وعلى األغلب في الحوض‪ ،‬وإما شلل دائ م عن دما يك ون الكس ر‬
‫في العمود الفقري‪ ،‬أو الموت وھو االحتمال الثالث خاصة عندما يس بق ال رأس الجس م ف ي الن زول‪ ،‬وغالب ا ھ ذا‬
‫يحدث عندما يكون عنصر البلديات الممسك بالرأس أقل قوة من اآلخرين‪.‬‬
‫رفع البلديات عدنان‪ ،‬وجھه الى السماء‪ ،‬ظھره مواز لألرض االسفلتية‪ ،‬أرجحوه قليالً ثم بصوت عال‪:‬‬
‫ يا ‪ ..‬واحد ‪ ...‬اثنين ‪...‬ثالثة‪.‬‬‫وقذفوه الى األعلى‪ ،‬ثم خبطة قوية على األرض‪ ،‬لم يتحرك عدنان بعد أن صرخ صرخة ألم رھيبة‪.‬‬
‫انتظر طبيب السجن قليال‪ ،‬أشعل لفافة تبغ وظھره لعدنان واآلخرين‪ ،‬كان ينظر باتجاه باب مھجعن ا‪ ،‬ع بّ نفس ا‬
‫م ن اللفاف ة وزف ره‪ ،‬التف ت وأش ار للبل ديات ال ذين تق دموا ورفع وا ع دنان م رة أخ رى و ‪ ...‬واح د ‪ ...‬اثن ين ‪...‬‬
‫ثالثة‪ ،‬ھذه المرة لم تصدر أية صرخة‪.‬‬
‫أشار لسليم اشارة وھو يتكلم كالما ً لم أسمعه‪ ،‬اقترب سليم وانحنى فوق عدنان‪ ،‬وقف وقال كالما ً لطبيب السجن‬
‫الذي انتفض وصفعه على وجھه صفعة سمعت صوتھا وأنا جالس داخل المھجع ‪ ...‬وبدأ يصرخ ويشير بيديه‪.‬‬
‫تكرر نفس األمر مع سليم‪.‬‬
‫تركوھما وسط الساحة في حالة استلقاء أبدي‪ .‬غادر طبيبُ السجن‪ ،‬يحيط به موكبه‪ ،‬الساح َة‪.‬‬
‫مجموع ما قتله طبيب السجن من زمالء دفعته أربعة عشر طبيبا ً‪.‬‬
‫إذا كان بعض ھؤالء األطباء أو أحدھم يعرف األسباب الت ي دفع ت زم يلھم إل ى ق تلھم فإن ه أخ ذ الس ر مع ه ال ى‬
‫القبر‪ ،‬ألن القاتل لن يتكلم‪ .‬وظل األمر داخل السجن في إطار التكھنات ‪ ...‬فال أحد يعرف السر الحقيقي‪.‬‬

‫‪ 6‬ايار‬
‫‪62‬‬

‫الدكتور سمير ومن خالل جوالته الطويلة داخل السجن استطاع أن يحقق بعض األم ور الت ي ل م يحققھ ا غي ره‪،‬‬
‫عرف تقسيمات السجن وتوزع ساحاته ومھاجعه‪ ،‬أصبح لدي ه ك م ھائ ل م ن المعلوم ات ع ن ن زالء ك ل مھج ع‪،‬‬
‫ينقل األخبار بين المھاجع‪ ،‬فقد يكون ھناك مجموعة من اإلخوة من عائلة واح دة اعتقل وا س وية ول م يع د أح دھم‬
‫يعرف عن اآلخر شيئاً‪ ،‬يقوم ھو بالسؤال عنھم وتطمين بعضھم ان االخرين موجودون في المھجع كذا وكذا‪.‬‬
‫أھم أمر حققه انه نال امتياز التكلم مع الشرطة وھ و مفت وح العين ين‪ ،‬فنتيج ة لالحتك اك ال دائم تع ود الش رطة ان‬
‫يبدأھم ھو بالحديث وھذا غير ممكن لآلخرين‪.‬‬
‫االثنين الماضي جاءت الھليوكوبتر‪ ،‬دخلت ھيئة المحكمة الميدانية الى الغرفة المخصصة لھا‪ ،‬سلمت الالئحتين‬
‫إلى إدارة السجن‪ ،‬الئحة الذين سيحاكمون والئحة اإلعدام‪.‬‬
‫جلست أمام الثقب مغطى بالبطانية أتلصص على الشرطة وعملي ة االع دام الت ي أص بحت روتيني ة بالنس بة ل ي‪،‬‬
‫كالع ادة حض ر الس جناء ال ذين س يتم تنفي ذ حك م اإلع دام بھ م‪ ،‬تم ت ك ل االج راءات المعت ادة‪ ،‬جھ زت المش انق‪،‬‬
‫البلديات ج اھزون‪ ،‬وض عوا اول مجموع ة ثماني ة اش خاص تح ت المش انق‪ ،‬ل م يب ق إال ان زال المش نقة والحب ل‪،‬‬
‫عندھا صاح احد الذين لم يلصق فمھم بعد وكان الشرطي واقفا ً امامه والالصق بيده‪:‬‬
‫ ياسيدي ‪ ...‬دخيلك‪ ،‬نحن لسه ما تحاكمنا‪.‬‬‫انھال عليه الشرطة بالضرب والشتائم‪ ،‬فال يجوز له ان يبدأھم الكالم‪ ،‬ولكن صيحته وصلت الى المساعد الواق ف‬
‫عند آخر مشنقة‪ ،‬قال‪:‬‬
‫ اتركوه ‪ ...‬اتركوه‪.‬‬‫ثم اقترب من السجين وسأله‪:‬‬
‫ شو عم تقول ‪ ..‬وال؟‬‫ ياسيدي نحن مانا محكمومين‪ ،‬لسه ما رحنا عـ المحكمة‪.‬‬‫ شو ھا الحكي !!‪.‬‬‫التفت المساعد إلى الرقيب المسؤول‪ .‬طل ب من ه الالئح ة‪ .‬تب ين ان ھن اك خط أ اداري ا ً بس يطاً‪ ،‬لق د اخط أ الرقب اء‬
‫فأخذوا السجناء الذين من المفترض أن يعدموا الى المحكمة‪ ،‬وجلبوا االشخاص الذين م ن المفت رض أن ي ذھبوا‬
‫الى المحكمة ليتم إعدامھم‪.‬‬
‫كل السجناء الذين جلبوا امام المشانق يعرفون انھم ھن ا بطري ق الخط أ‪ ،‬ولك ن ل م يتج رأ إال ش خص واح د عل ى‬
‫تنبيه الشرطة على ھذا الخطأ‪.‬‬
‫و ّبخ المساعد الرقيب وتم اصالح الخطأ‪.‬‬
‫بعد شھر تقريبا ً من مقتل الطبيبن عادل وسليم‪ ،‬عاد الدكتور س مير م ن جولت ه العالجي ة‪ ،‬دخ ل المھج ع‪ ،‬الس الم‬
‫عليكم‪ ،‬وقف قليالً ثم جلس عند ابو حسين‪ ،‬بعد االحاديث المعتادة قال ابو حسين‪:‬‬
‫ شو دكتور ؟‪ ...‬انا شايف انه عندك حكي‪.‬‬‫ ايه وﷲ ياابو حسين ‪ ...‬بدي نصيحتك‪.‬‬‫‪63‬‬

‫شرح الدكتور البو حسين ان ال نتائج ملموسة لكل العمل الذي يقوم به‪ ،‬ومع كل يوم جديد يتفاقم وضع مرضى‬
‫الس ل اكث ر ف أكثر‪" ،‬أن ا كم ن يح رث الم اء"‪ ،‬وأن ال دواء وح ده اليكف ي‪ ،‬فالغ ذاء ال ذي يتناول ه الم ريض ش يء‬
‫اساسي‪ ،‬و‪:‬‬
‫ متل مانك شايف ياابو حس ين ‪ ...‬الن اس جوعان ه‪ ،‬واذا م ا تحس ن االك ل بالس جن‪ ،‬مس تحيل ح دا يطي ب م ن‬‫ھالمرض‪ ،‬بالعكس المرض بدو يشتد اكتر‪ ،‬وعدد المرضى ب دو يزي د‪ .‬وان ه يفك ر ج ديا ً ب أن يطل ب اعف اءه‬
‫من ھذا العمل‪.‬‬
‫امتد النقاش ط ويالً‪ ،‬ش ارك في ه اخ رون‪ ،‬اخي راً خ تم اب و حس ين النق اش م ذكراً ال دكتور س مير بواجب ه ام ام ﷲ‬
‫وواجبه االنساني طالبا ً منه أن يجعل من يأسه منطلقا ً لتحسين الشروط‪ ،‬عندھا سأله الدكتور‪:‬‬
‫ وكيف بدي اعمل ؟‬‫ اطلب طبيب السجن‪ ،‬اشرح له األمر‪ ،‬وطالبه بتحسين الطعام‪.‬‬‫ طبيب السجن ؟! ھذا ‪ ...‬الجالد!‪.‬‬‫ نعم ‪ ..‬ھذا الجالد‪ ،‬انت اعمل اللي عليك واترك الباقي على ﷲ‪.‬‬‫في صباح اليوم التالي ‪ ،‬كالمعتاد فتح الشرطة والبلديات الباب وھم محملون باالدوية ‪ ،‬لم يخ رج ال دكتور وق ال‬
‫للرقيب ‪:‬‬
‫ قبل الجولة ‪ ...‬الزم شوف طبيب السجن ‪ ...‬ضروري ‪.‬‬‫بعد قليل حضر طبيب الس جن ‪ ،‬ش رح ل ه ال دكتور س مير األم ر بلغ ة االطب اء ‪ ،‬وأنھ ى حديث ه إل ى نتيج ة ان ال‬
‫جدوى من العالج كله اذا بقيت الشروط الغذائية كما ھي عليه االن ‪ ،‬رد طبيب السجن ‪:‬‬
‫ اترك لي موضوع الطعام شي يومين‪ ..‬ثالثة ‪ ،‬وروح انت تابع العالج مثل العادة ‪.‬‬‫الزائد أخو الناقص !‪.‬‬
‫بعد أسبوع من ھذه المحادثة فتح الشرطة الباب الدخال الفطور‪ ،‬واذا بت ٍل م ن الخب ز والب يض المس لوق‪ ،‬أدخ ل‬
‫الفدائيون الطعام‪ ،‬وزعوه‪ ،‬نصيب الشخص الواحد سبعة ارغفة مع خمس بيضات مسلوقات ‪ ...‬من س يأكل ك ل‬
‫ھذا ؟‪.‬‬
‫نبه االطباء الى ضرورة االعتدال باألكل‪ ،‬النه بعد كل ھذا الجوع اليجوز للبطن ان يمتلئ كثيراً‪.‬‬
‫استمر الجوع عاما ً ك امالً تقريب اً‪ ،‬اس ماه الس جناء " س نة الج وع "‪ ،‬وھ ي س نة غي رت الن اس كثي راً‪ ،‬وان أ أيض ا‬
‫تغيرت‪ ،‬وھذا التغيير أحسه جليا ً من الداخل‪ ،‬بعد مضي األسابيع األولى م ن س نة الج وع‪ ،‬أص بح األم ر عادي اً‪،‬‬
‫أن تكون جائعا ً أمر طبيعي لم يعد يستلزم الكثير من التفكير‪ ،‬ولك ن م ع تن اقص وزن الجس د كل ن يت امى داخل ي‬
‫إحساس عميق بالصفاء والنقاء‪.‬‬
‫اذكر أنني في بواكير المراھقة أخذ إحساسي بالجسد اإلنساني عموما ً وجسدي خصوصا ً يكبر شيئا ً فش يئاً‪ ،‬وم ن‬
‫ھمسات رفاق المدرسة والشارع تعلمت كيف أصل إلى انفجار اللذة الذي يعصف بالجسد كامالً‪.‬‬
‫دخلت الحمام في منزلنا وقمت بتطبيق ما تعلمته من رفاقي ‪ ،‬كدت أص اب باإلغم اء ل ذ ًة وخوف ا ً ودھش ة‪ ،‬ولك ن‬
‫بعد مضي دقائق قليلة تلبسني إحساس باإلثم‪ ،‬إحساس بالتلوث‪ ،‬فقدت طھارتي ونقائي الى األبد‪.‬‬
‫‪64‬‬

‫منذ ذلك الح ين الزمن ي ھ ذا اإلحس اس كظل ي‪ ،‬إل ى أن م ررت بس نة الج وع والت ي خاللھ ا كن ت اش عر أن ھ ذا‬
‫التلوث‪ ..‬ھذا الدنس قد بدأيزول تدريجياً‪ ،‬وانني اعود الى بساطة وبراءة الطفولة‪.‬‬
‫" اكثر ما امضني واحرقني ھو عدم قدرتي عل ى مش اركة أي انس ان بم ا احس ه واش عره‪ ،‬ك ان ش عوري بع ودة‬
‫النقاء فرحا ً رافق عذابات الجوع "‪.‬‬
‫حت ى أحالم ي تغي رت‪ ،‬أح الم اليقظ ة والت ي كان ت قب ل س نة الج وع منص بة كلھ ا تقريب ا ً عل ى الم رأة‪ ،‬تغي رت‬
‫وانصبت بمعظمھا خالل ھذه الس نة عل ى الطع ام‪ ،‬الطبخ ات الت ي كن ت احبھ ا‪ ،‬ابتك رت بع ض الطبخ ات‪ ،‬احل م‬
‫بوجبة مليئة باللحوم والدسم ‪ ...‬وإذا كنت استطيع معالجة الحاجات التي تخلفھا احالم اليقظة الجنسية‪ ،‬ف انني ل م‬
‫استطع معالجة الحاجات التي خلفتھا أحالم اليقظة الطعامية!‪.‬‬
‫اصبح الدكتور سمير بطالً على مستوى السجن كله‪ ،‬ولكنه بتواضع اصيل قال البو حسين‪:‬‬
‫ الفضل كله الك يا أبو حسين‪.‬‬‫اليوم اجروا لي فحصاً‪ ،‬فتأكد خلوي من مرض السل‪.‬‬

‫‪ 14‬تموز‬
‫خالل الفترة الماضية تمت السيطرة على مرض السل بنجاح البأس به ‪ ،‬الوفيات بسببه توقف ت ‪ ،‬يق در ال دكتور‬
‫سمير ان ھناك حوالي الفي شخص يعالجون من ھذا المرض ‪ ،‬أصبح ھناك طبيب اخر يساعده في جوالته ‪.‬‬
‫الطعام أصبح مشكلة كبيرة ‪ ،‬في األيام األولى من وفرة الطع ام أخ ذ الس جناء يح اولون تخ زين م ايمكن تخزين ه‬
‫خوفا ً من العودة الى ايام الجوع ‪ ،‬ولكن تدفق الطعام استمر بمعدل يزيد عن حاجة او قدرة االنسان عل ى االك ل‬
‫بضعفين او ثالثة اضعاف ‪ ،‬لم يبق فراغ في المھجع الذي ھو مكتظ اصالً اال وخزن فيه السجناء الخبز اليابس‬
‫‪ ،‬حتى اصبحت الحركة صعبة داخل المھجع ‪ ،‬ثم استحالت ‪.‬‬
‫" في ھذا السجن اليوجد قمامة ‪ ،‬ممنوع منعا ً باتا ً اخراج أي قمامة من أي مھجع " ‪.‬‬
‫اشتكى السجناء البو حسين ‪:‬‬
‫ يا ابو حسين ‪ ...‬القي لنا حل ‪ ،‬شوف المساعد بلكي ياخدوا من عندنا بس الخبز اليابس‪.‬‬‫ابو حسين طلب من الدكتور سمير ان يتحدث بالموضوع مع المساعد فقال سمير له في نفس اليوم ‪:‬‬
‫ ياسيدي ‪ ...‬صار في عندنا خبز يابس كتير ‪ ...‬بلكي سيادتك تسمح للس جناء يط العوه ب رات المھج ع ‪ ،‬الن ه‬‫زائ د ع ن حاجتن ا ‪ ...‬وممك ن غيرن ا يس تفيد من ه ‪ ...‬اذا ف ي ح ولكم اغن ام ‪ ...‬ھ ذا ممك ن يص ير عل ف جي د‬
‫لالغنام ‪.‬‬
‫جاء رد المساعد حاسما ً ‪:‬‬
‫ شو دكتور !!‪ ...‬شايفك صرت عم تتمدمد اكتر من الالزم !‪ ..‬شو شايفنا رعيان غنم !؟ بعدين نظ ام الس جن‬‫واضح وصريح ‪ :‬ممنوع يطلع م ن المھ اجع وال ذرة زبال ة ‪ .‬ھ ذا اوالً ‪ ،‬ام ا ثاني ا ً ‪ :‬انت و يلل ي طلبت وا نزي د‬
‫االكل ‪ ...‬زدناه ‪ ،‬وھلق كل شي موجود في المھجع الزم تاكلوه ‪.‬‬
‫احت دم النق اش ف ي المھج ع‪ .‬المك ان ض اق‪ ،‬الخب ز الي ابس جل ب مع ه قطعان ا ً ج رارة م ن النم ل والصراص ير‬
‫والجرذان‪.‬‬
‫‪65‬‬

‫كان السؤال كيف نسطيع التخلص من كل ھذا الخبز ؟‪ ...‬وجاء الحل من عند ابو حسين‪:‬‬
‫ ياشباب ‪ ...‬خلونا نختصر‪ ،‬انا برأي م ا ف ي غي ر ح ل واح د‪ ،‬ننق ع ھ ذا الخب ز بالم اء وعل ى دفع ات‪ ،‬بع دين‬‫نمرسه حتى يصير سائل بعدين نصرفه عن طريق المراحيض‪.‬‬
‫وقامت قيامة المھجع ‪:‬‬
‫ ھذا حرام ‪ ...‬ھذا كفر ‪ ...‬نعمة ﷲ نلقيھا بالمرحاض !!‪.‬‬‫ ھذا ما بيجوز من ﷲ ‪ ...‬ياما احلى سنة الجوع !!‪.‬‬‫ اي ه وﷲ ص حيح ‪ ...‬اي ه يك ون ط ول س نة الج وع عش ر س نين احس ن م ن ان ه الواح د يك ب الخب ز بج ورة‬‫المرحاض !!‪.‬‬
‫ يالطيف ‪ ...‬يالطيف وين وصلنا !!‪.‬‬‫خالل الس نوات الماض ية وحت ى قب ل س نة الج وع كن ت أالح ظ االحت رام الكبي ر ال ذي يع املون الخب ز في ه‪ ،‬ك ان‬
‫واحدھم حريصا ً جداً على أال يوقع اية قطعة خبز على االرض‪ ،‬وإذا صدف وأن رأى قطعة خب ز مرمي ة عل ى‬
‫االرض فإنه يرفعھا باحترام ‪ ،‬ينفضھا ثم يقبلھا ثم يضعھا على جبينه‪ ،‬اما ان يأكلھا او يضعھا ف ي مك ان ع ال ٍ‬
‫‪ ،‬فللخبز عندھم مكانة القداسة ‪ ،‬واآلن يتجرأ ابو حسين ويقترح ان يرموا الخبز ف ي المرح اض ‪ ،‬وھ اج الن اس‬
‫ھياجا ً شديداً‪.‬‬
‫" للحقيقة فان الحل الذي اقترحه اب و حس ين ك ان ق د ورد ال ى ذھن ي وان ا اس تمع ال ى نقاش اتھم‪ ،‬وبع د ان رأي ت‬
‫الھياج الذي عم المھجع‪ ،‬قلت الحمد‬

‫اني ممن وع م ن الك الم‪ ،‬فل و انن ي كن ت ال ذي ق دم ھ ذا االقت راح لقتل وني‬

‫حتما ً "‪.‬‬
‫قابل ابو حسين ھياجھم بھدوء شديد ‪ ،‬جلس مكانه ‪ ،‬لم يجادل ‪ ،‬لم يتكلم وتركھم يوما ً اخر‪.‬‬
‫كل يوم يعني حوالي ألف رغيف خبز زيادة ‪ ،‬صار الجميع يمشي بين تالل من الخبز ‪ ،‬الوصول ال ى المغاس ل‬
‫او المرحاض أضحى صعبا ً جداً ‪ ،‬وأعيد ف تح النق اش ف ي الي وم الت الي فل م يش ارك في ه اب و حس ين ‪ ،‬ف ي الوق ت‬
‫الذي كان الجميع ينتظرون رأيه ومساھمته ‪ ،‬ضاق الناس ذرعا ً بسكوته فتوجه اليه احدھم بالكالم ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫ ايه ابو حسين ‪ ...‬شايفك ساكت ‪ ،‬ما الك رأي بالموضوع وانت رئيس المھجع ؟‪.‬‬‫ طبعا ً الي رأي ! لكن قبل كل شي الزم احكي شوي مع المشايخ ‪ ،‬ياريت الش يخ ف الن ‪ ...‬والش يخ ف الن ‪...‬‬‫يتفضلوا لعندي شوي‪.‬‬
‫عدد اسماء خمس ة مش ايخ ك انوا ف ي الحقيق ة يمثل ون االتجاھ ات والتحزب ات الموج ودة ف ي المھج ع ‪ ،‬وكن ت ق د‬
‫اصبحت أعرفھا جيداً من خالل تلصصي الدائم ‪ ،‬كل واحد منھم ھو االكثر علما ً واحتراما ً في جماعته ‪.‬‬
‫تكلم ابو حسين مطوالً ‪ ،‬بدأ حديثه بسرد مجموع ة م ن اي ات الق رآن واحادي ث النب ي محم د ‪ ،‬ث م وص ف الواق ع‬
‫والمخاطر ‪ ...‬أنھى حديثه قائالً ‪:‬‬
‫ نع م ‪ ...‬كلن ا نع رف أن ھ ذا نعم ة م ن عن د ﷲ يج ب احترامھ ا ‪ ،‬لك ن يج ب ان ال ننس ى ان االنس ان اھ م ‪،‬‬‫االنسان مخلوق على صورة ﷲ ولذلك ھو اعلى قيمة من أي شيء آخ ر عل ى وج ه البس يطة ‪ ،‬ولق د كرمن ا‬
‫بني آدم ‪ ...‬ثم الم يعلمنا ديننا ان " الضرورات تبيح المحظورات ؟ " ‪.‬‬
‫‪66‬‬

‫كان منطقه مفحما ً ‪ ،‬ان ھذا الرجل ثعلب ‪ ،‬ذو شخصية قيادية ھائلة ‪ ،‬سكت قليالً وعاد يتكلم ‪:‬‬
‫ واخي راً ي ا أفاض ل ‪ ...‬ش و بنحس ن نس اوي ؟‪ ...‬مث ل م ا بق ول المث ل‪ :‬كعك ة بخمس ة !! ھ ذي النعم ة ‪ ،‬ام ا‬‫نطالعھ ا لب رات المھج ع ‪ ،‬وھ ذا مس تحيل ‪ ،‬أو بناكلھ ا كلھ ا ‪ ،‬وھ ذا كم ان مس تحيل ‪ ،‬أو إن ه نص رفھا ع ن‬
‫طريق المرحاض ‪ ،‬وال تنسوا إنه المرحاض ھو المنفذ الوحيد النا ھون على ھـ االرض ‪.‬‬
‫سأله احد المشايخ ‪:‬‬
‫ ايه طيب ‪ ...‬شو المطلوب منا نحن يا ابو حسين ؟‪.‬‬‫ فتوى‪ ...‬انتو مشايخ ھذا المھجع ‪ ،‬ھلق تجتمعوا وبطالعوا فتوى ‪ ،‬موبس لھذا المھجع ‪ ،‬فتوى لكل المھ اجع‬‫‪.‬‬
‫وصدرت فتوى بأغلبية اربعة ضد واحد ‪ ،‬عمم ت الفت وى عل ى الس جن بكامل ه ‪ ،‬نظ م مھجعن ا طريق ة ال تخلص‬
‫م ن األك ل الزائ د ‪ ،‬ك ل ي وم عش رون شخص ا ً دوري ا ً مھم تھم الوحي دة ‪ :‬نق ع الخب ز ‪ ،‬مرس ه ‪ ،‬تص ريفه ف ي‬
‫المرحاض ‪ ،‬ھو وكل المواد األخرى ‪ ،‬الرز والبرغل والبطاطا والبيض ‪.‬‬
‫حدثت أزمة من نوع أخر ولكنھا اخف‪ ،‬أصبح على الشخص أن ينتظر مدة طويلة حتى يأتي دوره ف ي ال دخول‬
‫إلى المرحاض لقضاء الحاجة !‪.‬‬

‫‪ 29‬أيلول‬
‫عاد يوسف " مجنون القائد " لزيارتي ‪ ،‬لقد تحسن وضعي في المھجع قل يالً من ذ ش ھر تقريب ا ً ‪ ،‬خف ت مم انعتھم‬
‫له عن زيارتي ‪.‬‬
‫استيقظت في الصباح الب اكر قب ل موع د االس تيقاظ الع ادي بس اعة او س اعتين عل ى أن ين رج ل يت ألم بش دة‪ .‬ان ه‬
‫ج اري ف ي الف راش‪ ،‬ك ان يض ع ي ده عل ى بطن ه وھ و يتل وى ألم اً‪ ،‬يح اول جاھ داً أن يك تم أ ّن ات ألم ه‪ ،‬نظ رت‬
‫حولي‪ ...‬أنا الوحيد ال ذي أس تيقظ عل ى أنين ه ‪ ،‬نظ ر ال ي مباش رة ‪ ،‬ھ ي الم رة األول ى الت ي تلتق ي فيھ ا أعينن ا ‪،‬‬
‫نظرته تحتوي على نداء استغاثة لرجل يت ألم بش دة ‪ ،‬رغبت ي بمس اعدته ش ديدة ‪ ،‬ولك ن كي ف ؟!‪ ...‬تلف ُّ‬
‫ت ح ولي‬
‫حائراً‪ ،‬ورغم انه كان قد ترك مسافة أكثر من خمسة وعشرين سنتمتراً ب ين فراش ي وفراش ه إال ان ه ك ان قريب ا ً‬
‫جداً‪ ،‬ھممت أن أسأله عما به وم اذا يري د‪ ،‬لك ن ل م أع رف كي ف افع ل ذل ك !‪ ،‬وب نفس الوق ت أش اح بوجھ ه ال ي‬
‫الطرف األخر ‪ ،‬دقائق كانت طويلة ‪ ...‬استيقظ العديد من السجناء ‪ ،‬اقتربوا منه ‪ ،‬طلب منھم أن يأتوه بطبيب ‪،‬‬
‫حضر أحد األطباء استفسر منه وسأله وھو يفحصه عما به‪:‬‬
‫ مغص ‪ ...‬مغص شديد يادكتور ‪ ...‬مصاريني عم تتقطع‪ ،‬ألم ما بينطاق ‪ ...‬راح موت يا دكتور!!‪.‬‬‫خالل ساعة اجتمع ثالثة من االطباء عند ابو حسين رئيس المھجع ‪:‬‬
‫ التھاب حاد بالزائدة الدودية‪ ،‬ال نعرف الزمن الذي يمك ن أن تنفج ر في ه‪ ،‬إذا ل م ي تم إس عافه س ريعا ً واج راء‬‫عملية جراحية الستئصال الزائدة فھي حتما ً ستنفجر وسيموت المريض‪.‬‬
‫نظر ابو حسين الى األطباء‪ ،‬التفت الى المريض ‪ ...‬تساءل وكأنه يحادث نفسه ‪:‬‬
‫ ايه ‪ ...‬والحل ؟ ‪ ...‬الزم نالقي حل ‪ ...‬أظن ما في غير حل واح د ‪ ...‬منش ان ش يل خطيت ه م ن رقبت ي! ‪...‬‬‫ندق الباب ونطلب طبيب السجن‪ ،‬ھذا كل شيء اقدر اساويه ‪ ...‬بس ياھ ل ت رى رح ي ردوا علين ا ؟‪ ...‬ول ك‬
‫‪67‬‬

‫خلينا ندق الباب ويللي بدو يصير يصير !!‪ ...‬ھ ي موت ة وح دة !‪ ...‬وأكت ر م ن الق رد م ا مس خ ﷲ !‪ ...‬ش و‬
‫رأيكم بھالحكي؟‪.‬‬
‫ متل ما بدك يا ابو حسين‪.‬‬‫دق ابو حسين الباب‪ ،‬الشرطة والبلديات في الساحة يوزعون طعام االفطار‪ ،‬جاء صوت الرقيب " اب و ش حاطة‬
‫"‪:‬‬
‫ مين ھـ الكلب يللي عم يدق الباب ؟‪.‬‬‫أخبره أبو حسين برقم المھجع‪ ،‬وان الدكتور سمير يريد طبيب السجن ألمر ھام‪.‬‬
‫فوجئ الدكتور سمير بذلك لكنه وقف إلى جانب ابو حسين بانتظار طبيب السجن‪ ،‬قال أبو حسين لسمير‪:‬‬
‫ وﷲ يا دكتور ‪ ...‬كيف طلع اسمك معي مابعرف !!‪ ...‬يجوز إلھام من ﷲ‪ ،‬وانت ص اروا يعرف وك ويج وز‬‫يسمعوا منك‪.‬‬
‫كان مرض الس ل ف ي اواخ ره وال زال ال دكتور س مير يت ابع ع الج عش رات الح االت الت ي أس ماھا مستعص ية‪،‬‬
‫ولذلك فھو على احتكاك دائم مع الشرطة‪.‬‬
‫استغرق مجئ الطبيب اكثر من ساعة ألن الوقت الزال مبكراً‪ ،‬جاري يعتصر من األلم ويحاول كبح أ ّناته‪ ،‬فتح‬
‫الباب وظھر أمامه الطبيب والمساعد وبعض الشرطة‪ ،‬سأل الطبيب الدكتور سمير ع ن س بب اس تدعائه‪ ،‬ش رح‬
‫له سمير األمر‪ ،‬لكن طبيب السجن لم يتكلم ابداً‪ ،‬أدار ظھره ومشى‪ ،‬المساعد رمق سمير بنظرة طويلة وقال‪:‬‬
‫ مشان زائدة دودية عملتوا كل ھـ الضجة ؟!‪ ...‬صحيح ھـ الكلب معه زائدة بس انت معك ناقص ة‪ ،‬وأن ا م ن‬‫زمان حاسس إنك ما تنعطى وجه ‪ ...‬طالع لبره‪.‬‬
‫خرج الدكتور سمير الى خارج المھجع ‪ ،‬وخاطب المساعد أبو حسين‪:‬‬
‫ مين دق الباب ‪ ...‬وال خرى؟‬‫ انا يا سيدي دقيت الباب‪.‬‬‫ طالع لبره كمان يا كلب ‪ ...‬يا ابن الكالب‪.‬‬‫خرج ابو حسين ايضا ً واغلق الباب‪ ،‬نصف ساعة كنا نسمع صراخھما‪ ،‬ومع مجئ الھليوكوبتر توقف الضرب‬
‫وادخلوھما المھجع‪.‬‬
‫ مشان ﷲ يادكتور ال تواخذني !‪ ...‬انا سببتلك ھـ العقوبة‪ ،‬انا يللي ورطتك‪.‬‬‫ضحك الدكتور سمير وھو يحجل في مشيته‪ ،‬ربت على كتف ابو حسين‪:‬‬
‫ بسيطة ابو حسين بسيطة ‪ ...‬ھنن كم كرباج !‪ ...‬راح سجلن دين عليك واس توفيھن انش اء ﷲ ب ره ‪ ...‬يعن ي‬‫قدام ام حسين‪ ،‬المھم ھلق شو بدنا نساوي بالمريض؟‪.‬‬
‫طرح ھذا السؤال على مستوى المھجع كله‪ ،‬كثرت االقتراحات‪ ،‬كثرت التعليقات والتساؤالت‪:‬‬
‫‪ -‬العمى ‪ ...‬بدي افھم !‪ ...‬ليش عالجونا من السل‪ ،‬وما بعالجونا من الزائدة الدودية؟‪.‬‬

‫‪68‬‬

‫ يا اخي ‪ ...‬الزم نفھمھا منيح ‪ ...‬الزائدة ش خص واح د‪ ،‬يعن ي فراط ة‪ ،‬اذا م ات م ا بتف رق معھ م‪ ،‬أم ا الس ل‬‫جماعي ‪ ،‬يعني جملة‪ ،‬اذا ماتوا كل الناس ھون ھذا مو من مصلحة ھـ الحكومة بنت الكل ب الن ه نح ن مث ل‬
‫الرھائن عندھا‪ ،‬تضغط على الناس يللي بره بھالرھائن‪.‬‬
‫ لم يدم النقاش والحوار اكثر من عشردقائق‪ ،‬تق دم خاللھ ا طبي ب كھ ل اش يب الش عر وس يم القس مات‪ ،‬عين اه‬‫صغيرتان براقتان‪ ،‬جلس على فراش ابو حسين‪ ،‬قال‪:‬‬
‫ تعرف يا ابو حس ين ان ي طبي ب ج رّ اح‪ ،‬ان ا بحس ن ھل ق س اوي عملي ة جراحي ة للم ريض بستأص ل الزائ دة‬‫فيھا‪ ،‬لكن يلزمني بعض االشياء‪ ،‬وكم ان الزم الم ريض يق ول ق دام الن اس كلھ ا إن العملي ة عل ى مس ؤوليته‬
‫ھو‪.‬‬
‫دون أن يجيب ابو حسين أمسك يد الطبيب وسحبه إلى عند المريض‪ ،‬انتقال م ن يس اري ال ى يمين ي‪ ،‬جلس ا ال ى‬
‫جانبه‪ ،‬قال أبو حسين للطبيب‪:‬‬
‫ احكي له‪ ،‬شو بدك منه‪.‬‬‫ شوف يا اخي‪ ،‬راح كون صريح معك‪ ،‬انت معك التھاب حاد بالزائدة الدودي ة‪ ،‬وخ الل فت رة بس يطة اذا م ا‬‫ساوينا عملية جراحية راح تنفجر وتموت‪ ،‬في عندنا فرصة نساويلك عملية جراحي ة‪ ،‬لك ن بھ ذي الظ روف‬
‫خلينا نقول إن ه نس بة النج اح أق ل م ن خمس ين بالمي ة‪ ،‬وھل ق ان ت ب دك تخت ار ق دام الن اس كلھ ا ب ين الم وت‬
‫المؤكد‪ ،‬وبين الموت المحتمل‪.‬‬
‫واختار المريض الموت المحتمل‪ ،‬نفى امام الناس كل مسؤولية عن الطبيب‪.‬‬
‫ابلغ الطبيب ابو حسين بمستلزمات العملية‪:‬‬
‫ يوجد قماش نظيف‪ ،‬يوجد كحول‪ ،‬يوجد مل ح‪ ،‬يوج د بع ض حب وب المض اد الحي وي الت ي اس تطاع ال دكتور‬‫س مير أن يغاف ل الش رطة عنھ ا‪ ،‬يوج د اب ر خياط ة‪ ،‬يوج د خيط ان‪ ،‬يوج د ن ار‪ ،‬لك ن م ا نحتاج ه ھ و بع ض‬
‫االشياء المعدنية لنحولھا الى مشارط !!‪.‬‬
‫مع ظھور كل ھذه االشياء تبين أنني كنت غافالً وأن تلصصي لم ير إال ما يظھر على السطح‪.‬‬
‫التلييس الداخلي للمھجع كان ذا اسمنت خشن والجميع يدرمون اظافرھم بھذا االسمنت – ال مقصات أظافر ف ي‬
‫السجن – االسمنت يستخدم كمبرد‪ ،‬وعلى ھذا االسمنت ت م ص نع وابتك ار العدي د م ن األش ياء‪ ،‬فم ن قط ع عظ م‬
‫صغيرة تم صنع إبر الخياطة‪ ،‬يمسك اح دھم العظ م ويب دأ بحك ه عل ى الج دار ‪ ...‬ي وم ‪ ...‬ي ومين‪ ..‬اي ام‪ ،‬إل ى أن‬
‫يأخذ شكل االبرة‪ ،‬وبواسطة مسمار يكون قد تم برده ايضا ً عل ى الح ائط‪ ،‬يق وم الش خص وبص بر عج ائبي بف تح‬
‫ثقب االبرة ‪ " ،‬المسمار ھنا يعتب ر ث روة ‪ ،‬وتب ين ان ھن اك عش رات المس امير ف ي المھج ع " ‪ ،‬الخيط ان امرھ ا‬
‫سھل ‪ ،‬ينسلون قطعة قماش ‪ ،‬بصبر وھدوء يغزلون الخيطان الرفيعة من جديد وحسب الطلب ‪.‬‬
‫وقتھ ا انتبھ ت إل ى ان معظ م الثي اب الت ي يلبس ونھا ق د اھت رأت ‪ " ،‬كي ف ل م يخط ر عل ى ب الي أن اتس اءل ع ن‬
‫الوسيلة الت ي يرقع ون بھ ا ثي ابھم ؟!" ‪ ،‬علم ا ً أن بنط الي ك ان ق د اھت رأ عن د ال ركبتين وال ورك وأض حى ب أمس‬
‫الحاجة الى ترقيع ‪.‬‬
‫‪69‬‬

‫الكحول ‪ :‬بعض االطباء – او باالتفاق بينھم جميعا ً – قاموا بتخمير المربى في بعض المرطبانات البالس تكية "‬
‫كيف حصلوا عليھا ؟؟!" وتحول السائل الى كحول ‪ ،‬قد تكون نسبته قليلة لكنه كحول ‪.‬‬
‫عمم ابو حسين االمر على المھجع ‪:‬‬
‫ كل من لديه قطعة معدنية مھما كان نوعھا او شكلھا ليأت بھا ‪.‬‬‫وظھرت المعادن ‪ ،‬مسامير ‪ ،‬قطعة نقدية من فئة الليرة عليھا صورة رئيس الدولة ‪ ،‬اربع علب س ردين فارغ ة‬
‫! اسالك معدنية‪ ،‬خاتم ذھبي " خاتم زواج " ‪.‬‬
‫مددت يدي الى جيب سترتي الداخلي ‪ ،‬تحسست الساعة ‪ ،‬أمسكت بھا‪ ،‬يجب ان اعطيھا لھ م ‪ ...‬ولك ن لم ن؟‪...‬‬
‫ھل سيقبلونھا ؟ ‪ ...‬أم انھم سيقذفون بھا على وجھي باعتبارھا نجسة م ن ش خص نج س ؟ ! س اعتي مفي دة ج داً‬
‫لھذا االم ر ‪ ،‬ف ـ " الكس تك " المع دني مؤل ف م ن قط ع معدني ة رقيق ة يس ھل تحويلھ ا ال ى أدوات ح ادة ‪ ،‬وك ذلك‬
‫غطاؤھا الخلفي ‪ ،‬وحتى زجاجھا اذا لزم االمر‪ ،‬وطال ترددي دقائق طويل ة ‪ ،‬ع دة اش خاص ك انوا ق د انتش روا‬
‫وبيد كل منھم قطعة معدنية ما يبردھا حسب توجيھات الطبيب ‪ ،‬تم فرش بطانية امام المغاسل حيث ال يس تطيع‬
‫الحارس على السطح ان يرى شيئا ً ‪ ،‬واستلقى المريض وھو يتأوه على ھذه البطاني ة ‪ ،‬الطبي ب الج راح يتن اقش‬
‫مع مجموعة من االطباء وسط المھجع ‪.‬‬
‫حزمت امري ‪ ،‬سأغافلھم واضع الساعة في مكان يس تطيعون في ه ان يج دوھا بس ھولة ‪ ،‬ولك ن ال ن يس ألوا ع ن‬
‫صاحب ھذه الساعة ؟ ‪ ،‬ھل أستطيع أن اجيبھم بأنھا لي ؟ ‪ ...‬ال أعتقد ‪.‬‬
‫لو ان يوسف " مجنون القائد " يزورني في ھذه اللحظة ألعطيتھا له ‪.‬‬
‫ليكن ما يكون ‪ ،‬وقفت ومشيت باتجاه الطبيب الجراح ‪ ،‬دون اية كلمة مددت يدي بالساعة اليه ‪.‬‬
‫بوغت الجميع ‪ ،‬سكتوا ‪ ،‬نظر الجراح في عيني مباشرة ‪ ،‬عيناه عسليتان دافئتان دھشتان قليالً ‪ ،‬وب بطء م د ي ده‬
‫وتناول الساعة مني ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫ شكراً ‪.‬‬‫ثم التفت الى االطباء وھو يقلب الساعة ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫ ھلق صار فينا نبدأ ‪ ،‬ھـ الساعة راح تساعدنا كثير ‪.‬‬‫ع دت ال ى مك اني وجلس ت‪ ،‬قلي ٌل م ن النش وة‪ ،‬قلي ٌل م ن الرض ى ‪ ،‬اس ترجع وق ع كلم ة " ش كراً " بع د ك ل ھ ذه‬
‫السنوات " احدھم " يشكرني ‪ ،‬يخاطبني مباشرة وھو ينظر في عيني مباشرة ‪ ،‬ال يشيح بنظره قرفا ً واشمئزازاً‬
‫وحقداً ‪.‬‬
‫وزع الطبيب قطع الس اعة و " الكس تك " عل ى بع ض الس جناء ال ذين انھمك وا ف ي عملي ة الب رد والش حذ ‪ ،‬فج أة‬
‫قرق ع المفت اح ف ي الب اب ‪ ،‬أذيع ت اس ماء تس عة اش خاص م ن مھجعن ا ‪ ،‬ثالث ة اع دام وس تة محاكم ة ‪ ،‬توقف ت‬
‫التحض يرات إلج راء العملي ة اكث ر م ن س اعة ‪ ،‬توض أ خاللھ ا المحكم ون باالع دام ‪ ،‬ص لوا ‪ ،‬ودع وا الن اس ‪،‬‬
‫خلعوا الثياب الجيدة وارتدوا ثيابا ً بالية ‪ ،‬فتح الباب ‪ ...‬خرجوا ‪.‬‬
‫ اللھم احسن ختامنا ‪ ،‬عل يھم رحم ة ﷲ ‪ ،‬خلون ا نت ابع الش غل ي ا ش باب ألن ه الم ريض م ا ع اد ممك ن يتحم ل‬‫اكثر من ھيك ‪.‬‬
‫‪70‬‬

‫توجه الطبيب الجراح بھذه الكلمات الى بعض االطباء والى الشباب الذين ك انوا يقوم ون باالس تعدادات ‪ ،‬انتھ ى‬
‫تجھيز المشارط ‪ ،‬توجه الطبيب ومعه بعض الشباب الى حيث يستلقي المريض متألما ً امام المغاسل ‪.‬‬
‫تملكني الفض ول ‪ ،‬اري د ان ارى اج راء العملي ة الجراحي ة ‪ ،‬وقل ت ان م ن حق ي ان ارى ‪ ،‬تمش يت م تمھالً ال ى‬
‫ال داخل ‪ ،‬دخل ت ال ى المرح اض ‪ ،‬ح والي عش رة اش خاص منھمك ون بالتحض ير ‪ ،‬خرج ت م ن المرح اض‬
‫وانزويت جانبا ً ‪ ،‬لم ينتبه إليّ احد ‪ ،‬اخذت أراقب ‪.‬‬
‫ك يس بالس تيكي ممل وء بال دھن ‪ ،‬يب دو أنھ م ك انوا يجمع ون ال دھن المتجم د عل ى س طح الطع ام ‪ ،‬ينقون ه م ن‬
‫الشوائب ويضعونه في الكيس ‪ ،‬م ألوا اح دى عل ب الس ردين بال دھن وغ رزوا في ه قطع ة قم اش بع د ان فتلوھ ا‬
‫جيداً ‪ ،‬اخرج احدھم علبة كبريت واشعل الفتيل ‪ " ،‬من اين الكبريت ؟!" ‪ ،‬اشتعلت النار مدخنة ‪ ،‬وضعوا ف وق‬
‫النار علبة سردين اخرى مملوءة بالم اء وب ه " المش ارط " ‪ ،‬ك انوا ينفخ ون عل ى ال دخان المتص اعد م ن ال دھن‬
‫ويحاولون توزيعه قدر االمكان كي ال يصعد الى السطح ويشمه الحارس ‪ ،‬بعد قليل غلت المياه فتعقم ت ادوات‬
‫الجراحة ‪.‬‬
‫في ھذه االثناء كان الطبي ب ق د غس ل بط ن الم ريض بالم اء والص ابون ‪ ،‬ث م احض ر ملح ا ً رطب ا ً ف رك ب ه نف س‬
‫المكان ‪ ،‬غسل يديه جيداً واصر عل ى ارات داء الكمام ة قب ل اج راء العملي ة ‪ ،‬تغي رت نب رة ص وته وب دأ باص دار‬
‫االوامر ‪:‬‬
‫ ما في عنا مخدر ‪ ...‬لذلك بدك تتحمل االلم وال تتحرك ابداً ‪.‬‬‫ تعالوا انتو االربعة ‪ ،‬امسكوه بقوة ‪ ،‬كل واحد من طرف ‪.‬‬‫اخ رج الطبي ب المش ارط م ن علب ة الس ردين وب دأ بتجريبھ ا واح داً بع د االخ ر ‪ ،‬اخت ار المش رط المص نوع م ن‬
‫غطاء ساعتي ‪ ،‬جربه على اظفر ابھامه ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫ يا يا اخي ‪ ،‬توكلنا على ﷲ ‪ ،‬يا شباب ثبتوه منيح وال تخلوه يتحرك ابداً ‪.‬‬‫وضع المشرط على بطن المريض " بسم ﷲ الرحمن الرحيم "‪ ،‬وحز جرحا ً بطول عشرة سنتيمترات تقريبا ً‪.‬‬
‫ آخ يا امي ‪.‬‬‫صاح المريض ولكنه لم يتحرك ‪.‬‬
‫انتھت العملي ة ‪ ،‬ك ان الطبي ب يعم ل بس رعة فائق ة ‪ ،‬وبع د خياط ة الج رح مس حه ونظف ه ‪ ،‬ف تح ع دة حب ات م ن‬
‫المضاد الحيوي وافرغ المسحوق فوق الجرح ‪ ،‬ثم قطعة قماش نظيفة وربطه جيداً ‪.‬‬
‫ انشاء ﷲ معافى يا اخي ‪ ،‬يا شباب احملوه على فرشته ‪.‬‬‫عدت الى فراشي فوجدت بنطال بيجام ا وقطعت ي قم اش فوقھم ا اب رة عظمي ة وخيط ان ‪ ،‬امس كت بھ ذه االش ياء‬
‫نظرت حولي ولكن لم يكن ھناك اح د يلحظن ي ‪ ،‬م ن وض ع ھ ذه االغ راض ؟ البنط ال عرفت ه ك ان الح د ال ذين‬
‫أعدموا اليوم ‪ ،‬لكن من وضعه على فراشي ؟ ‪.‬‬
‫بعد قليل أدركت االمر ‪ ،‬لقد اعطوني ھذه االشياء ‪ ،‬ھل ھي مكافأة ؟ ھل يعني ھذا انني لم اع د جاسوس ا ً ك افراً‬
‫؟! التفت الى ابو حسين ‪ ،‬رفعت االشياء بيدي أمام وجھه وقبل ان أنطق بحرف قال بحدة شعرت انھا مفتعلة ‪:‬‬
‫ الك ‪ ...‬ھدول الك ‪ ...‬ماداموا على فرشتك يعني الك ‪.‬‬‫‪71‬‬

‫من يومھا احسست ان وضعي قد تحسن قليالً ‪ ،‬رقعت بنطالي م ن الخل ف وم ن األم ام ‪ ،‬أص بحت ال بس بنط ال‬
‫البيجاما عندما اغسل بنطالي ‪ ،‬اصبح يوسف "مجنون القائد" يزورني مجدداً دون ممانعات ‪.‬‬
‫اآلن وبعد مرور شھر على اجراء العملية فان الرجل تعافى وأصبح يمشي بشكل طبيعي ‪.‬‬
‫" لكنه سيعدم بعد حوالي السنة شنقا ً "‪.‬‬

‫‪ 1‬كانون الثاني‬
‫البارحة كان عيد رأس السنة ‪ ،‬اغلب الناس خارج ھ ذا المك ان يحتفل ون بھ ذه المناس بة حت ى الص باح ‪ ،‬أم ا ھن ا‬
‫فأعتقد أني الوحيد ال ذي يعن ي ل ه ھ ذا الي وم ش يئا ً‪ .‬من ذ بداي ة المس اء ن ام الجمي ع ‪ ،‬الب رد ج ارح ‪ ،‬لبس ت بنط ال‬
‫البيجاما وفوقه بنطالي والسترة ‪ ،‬تغطيت بالبطانيات لكن ال جدوى ‪ ،‬قداماي مثلجتان ‪ ،‬انف ي ‪ ...‬اذن ي ‪ ...‬لفف ت‬
‫نفسي جيداً وغطيت رأسي‪ ،‬ھذا البرد الصحراوي اللعين ‪ ...‬برد كنصل الشفرة ‪.‬‬
‫حاول ت الھ رب من ه ال ى أحالم ي ‪ ،‬رتب ت س ھرة ل رأس س نة م ا ‪ ،‬تعب ت قل يالً ف ي اختي ار المك ان‬
‫واألشخاص ‪ ،‬انا نجم السھرة بال منازع ‪ ،‬المائدة مليئة باألطعمة واألشربة ‪ ،‬الموسيقا ‪ ،‬الرقص ‪ ...‬جو الم رح‬
‫والنكات‪ ،‬الثلج يتساقط في الخارج‪ ،‬أقف خلف زجاج النافذة‪ ،‬أرقب اشجار الصنوبروقد تكللت ب اللون األب يض‪،‬‬
‫الدفء داخل المنزل يحيطني ‪ ...‬أحس بالترف‪ ،‬وبنفس الوقت بالتعب‪ ،‬سريروثيروأغطية ناعمة اللمس !!‪.‬‬
‫مستحيل ‪ ...‬غير ممكن في ظل ھذا البرد ان تحلم بالدفء!‪ .‬أزحت الغطاء قليالً‪ ،‬حككت يدي ببعضھما‪ ،‬نفخ ت‬
‫عليھما‪ ،‬فركت قدمي بقوة ع ّل الدماء تسري فيھما ! ‪.‬‬
‫عند منتصف اللي ل س معت اص واتا ً ف ي الس احة أم ام مھجعن ا ‪ ،‬تغطي ت بالبطاني ة ونظ رت م ن الثق ب ‪ ،‬الس احة‬
‫مضاءة كالعادة ‪ ،‬كل ساحات واسطح ومھاجع وسور السجن تبقى مضاءة ليالً نھاراً ‪ ،‬ھناك في الساحة جمھرة‬
‫كبي رة م ن الش رطة يص درون ض جة كبي رة ‪ ،‬ض حك ‪ ..‬ص ياح ‪ ..‬ش تائم ‪ ..‬امعن ت النظ ر جي داً ‪ ،‬المس اعد ف ي‬
‫وسط الساحة تحيط به مجموعة من الرقباء ‪.‬‬
‫احسست بحركة داخل المھجع ‪ ،‬نظرت من تحت البطاني ة ك ان الجمي ع ق د اس تيقظ ‪ ،‬ال بعض يبس مل ويحوق ل ‪،‬‬
‫البعض يردد عبارات مثل ‪ :‬يالطيف ‪ ..‬ياستار ‪ ..‬اللھم مرر ھذه الليلة على خير !!‪.‬‬
‫عدت للنظر الى الساحة‪ ،‬كان المساعد وشلته قد اقتربوا قليالً من مھجعنا الذي يعتبر من أكبر المھاجع ف ي ھ ذه‬
‫الساحة ‪ ،‬طلب من الشرطة فتح الباب وإخراج السجناء الى الساحة‪ .‬وخرجنا ‪.‬‬
‫خرجنا حفاة عراة ‪ ،‬حتى السروال الداخلي أمرونا ان نخلعه ‪ ،‬صفونا أرتاالً وأمروا أن يبتعد الواحد عن االخر‬
‫خطوتين ‪ ..‬وأن ال نستغل عرينا لنلوط بعضنا !‪.‬‬
‫" وردت رسالة قبل بضعة ايام عن طريق المورس م ن الس احة الثاني ة تق ول إن الرقي ب ) ي ا مني ك ( ق د اجب ر‬
‫سجينا ً ان يلوط أخاه !!"‪.‬‬
‫] لماذا تركز الشرطة على ھذه المسألة كثيراً ؟![ ‪.‬‬
‫الشرطة والرقباء والمساعد جميعا ً يرتدون المعاطف العسكرية وقد لفوا رؤوسھم باللفحات الص وفية ‪ ،‬المس اعد‬
‫يتمشى جيئ ًة وذھابا ً أمام الصف ‪ ،‬الشرطة يضبطون االصطفاف ‪ :‬وقف باستعداد وال ‪ ...‬نزل راسك ‪..‬‬
‫الريح شمالية خفيفة ولكنھا قارسة ‪ ،‬اعتقد ان درجة الحرارة تحت الصفر ببضع درجات ‪.‬‬
‫‪72‬‬

‫بللونا بالمياه من الرأس وحتى اخم ص الق دمين ‪ ،‬امرون ا اال نتح رك ‪ ،‬عناص ر الش رطة يمش ون حولن ا وخ الل‬
‫صفوفنا وبايدھم الكرابيج والعصي ‪.‬‬
‫بدأ المساعد خطبة طويلة ‪ ،‬وقفته والكثير من عباراته وجمله وحركاته ھي تقليد وتكرار لحركات واقوال م دير‬
‫السجن ‪ ،‬ثالثة ارباع الخطبة شتائم مقذعة ‪ ،‬وقد بدأھا بتحميل السجناء مس ؤولية بقائ ه بالس جن بينم ا الع الم كل ه‬
‫يحتفل ‪ ،‬ولوال اننا موجودون ھنا حاليا ً لكان ھو ايضا ً يحتف ل ‪ ،‬الض باط ذھب وا ليحتفل وا وترك وا ك ل المس ؤولية‬
‫على عاتقه‪ " .‬رجل ذو اھمية تاريخية !" ‪.‬‬
‫انھى خطبته وغادر الساحة وقد شد صدره الى الخلف ‪ ،‬دون أن يعطي اية تعليمات بشأننا ‪.‬‬
‫صوت اصطكاك االسنان مسموع بشكل واضح الجميع يرتجف برداً ‪ ،‬انا بالكاد أتماسك ألبقى واقفا ً ‪.‬‬
‫أظن أن ھناك سؤاالً طاف بأذھان الجميع ‪.‬‬
‫ م ا نھاي ة ك ل ھ ذا ؟‪ ...‬م اذا س يفعلون بن ا ؟‪ ...‬ھ ل ھ ي مقدم ة لمج زرة جدي دة ؟‪ ...‬ھ ل س نعود ثاني ة ال ى‬‫مھجعـ"نا" ؟!‪.‬‬
‫ال كلمة ‪ ،‬ال صراخ ‪ ،‬ال ش تيمة ‪ ،‬ص مت مطب ق ال يخدش ه اال ص وت خط وات الش رطة وھ ي تتمش ى حولن ا ‪،‬‬
‫حتى ايديھم التي يحملون بھا الكرابيج والعصي دسوھا ف ي جي وبھم وب رزت العص ي وت دلت الك رابيج م ن ھ ذه‬
‫الجيوب ‪.‬‬
‫الجسد ‪ ...‬الخدر يزداد وينتشر ‪ ،‬االلم يتعمم ويتعمق ‪ ،‬االس نان تص طك ‪ ،‬م ن اللس ان وحت ى المس تقيم ارتج اف‬
‫واحد ‪ ،‬االنف ‪ ،‬االذنان ‪ ،‬الكفان ‪ ،‬القدمان ‪ ،‬كل ھذا ليس من الجسد‪ .‬تتس اقط ال دموع ب رداً وبك ا ًء فتتجم د عل ى‬
‫الخدين وزوايا الفم المرتجف ‪ ،‬والسؤال ‪ :‬متى سأسقط ارضا ً ؟‪.‬‬
‫يس قط أح دھم قبل ي ‪ ،‬يوق ف جمي ع عناص ر الش رطة ع ن الحرك ة ل دى س قوطه ‪ ،‬تخ رج االي دي م ن الجي وب ‪،‬‬
‫وينطلق بضعة عناصر ‪ ،‬يجرون السجين الذي سقط الى امام الصف حيث يتجمع الرقباء ‪ ،‬يقول احد الرقباء‪:‬‬
‫ يا ‪ ...‬د ّفوه ‪.‬‬‫تنھال الكرابيج على جميع أنحاء جسده المتخشب ‪ ،‬يحاول الوقوف ولكن وق ع الك رابيج يمنع ه ‪ ،‬يس قط آخ ر ‪...‬‬
‫يجر الى حيث التدفئة ‪ ،‬وآخر ‪ ...‬وآخر‪.‬‬
‫أجالد نفسي خوفا ً من السقوط ‪ ،‬يحدث انفصال تام بين العقل والجسد ‪ ،‬عقلي ص ا ٍ‬
‫واع ك ل م ا يج ري‬
‫ف تمام ا ً و ٍ‬
‫حولي ‪ ،‬أما جسدي فينفصل عني شيئا ً فشيئا ً خدراً وتجمداً ‪ ،‬تختلط الدموع مع المخاط الس ائل م ن األن ف واج د‬
‫صعوبة بالتنفس ‪ ،‬ال أجرؤ على رفع يدي إلى أنفي ‪ ...‬حتى لو استجابت يدي !‪.‬‬
‫وسقطت ‪ ...‬سقطت دون ان افقد الوعي وجروني الى امام الصف ‪.‬‬
‫لقد جربت وعاينت الكثير من صنوف االل م الجس دي ‪ ...‬لك ن أن تس اط ف ي الب رد وأن ت مبل ل ‪ ...‬أم ر ال يمك ن‬
‫وصفه ‪.‬‬
‫مع بزوغ ضوء الفجر وسقوط آخر شخص وتدفئته من قبل الشرطة انتھت الحفل ة‪ .‬دخلن ا المھج ع ركض ا ً عل ى‬
‫ايقاع الكرابيج ‪ ،‬ركضنا بخفة ورشاقة وكنت أظن أنني لن استطيع النھ وض ع ن االرض ‪ ،‬لك ن م ا أن س معت‬
‫‪73‬‬

‫األمر بالدخول ورأيت الكرابيج تھوي حتى قفزت ‪ " ،‬لطالما تساءلت بيني وبين نفسي عن منبع ھ ذه الق وة !‪...‬‬
‫المقاومة ؟"‪.‬‬
‫ھذه المرة رأيت فرحا ً حقيقيا ً على وجوه الناس بخالصھم من مجھول كانوا يخشون وقوع ه ف ي دواخلھ م كثي راً‬
‫‪ ،‬وخلف ھذا الفرح تراكمت طبقة جديدة من حقد اسود تزداد سماكتھا بازدياد االلم والذل ‪.‬‬

‫‪ 5‬حزيران‬
‫قيل قديما ً إن ﷲ خلق لالنسان فماً◌ً واحداً وأذنين اثنين حتى يسمع أكثر مما يتكلم ‪ ،‬أما أنا فقد كنت ط وال ھ ذه‬
‫السنوات بال فم وبعشرات اآلذان ‪.‬‬
‫كالم ‪ ...‬كالم ‪ ...‬كالم ‪ ...‬بيادر وأھرامات مكدسة من الكالم ‪ ،‬انق ل إذن ا ً ال ى زاوي ة المھج ع البعي دة ألس مع ب م‬
‫يتحدثون ‪ ،‬االذن االخ رى انقلھ ا ال ى ح ائط الم ورس ‪ ،‬م اذا ي رد رس ائل م ن المھ اجع ‪ ،‬ال أح رك عين ي ‪ ،‬فق ط‬
‫اذني ‪ ،‬األذن الثالثة تنتقل الى حيث حلقة حفظ القرآن ‪ " ،‬لقد حفظت الكثير ج داً م ن الق رآن !"‪ ،‬واألذن الرابع ة‬
‫‪ ...‬الخامسة ‪.‬‬
‫فمي مقفل ‪ ،‬أحن الى الكالم ‪ ،‬أشتاق الى ان أسمع صوتي أنا ‪ ،‬حتى عندما يجلس يوسف عن دي ال أتكل م ‪ ،‬ألن ه‬
‫ببساطة ال يتيح لي المجال حت ى اس أله ش يئا ً ‪ ،‬م ا ان يجل س حت ى يب دأ الك الم ‪ ،‬احيان ا ً تك ون الجم ل مترابط ة ‪،‬‬
‫احيانا ً مجرد تخاريف ‪ ،‬لكن ال فواصل وال توقفات ‪ ،‬وعلى االغلب ينھض مغادراً وھو يتابع الحديث ‪.‬‬
‫كالم ‪ ...‬كالم ‪ ...‬كالم ‪ ...‬الجميع يتكلم والجميع يسمع ‪ ،‬وألن الكالم دائما ً يك ون ھمس ا ً اأو بص وت خاف ت ف إن‬
‫شيئ ال ھو باألزيز وال ھو ب الطنين ‪ ،‬ال ب الفحيح وال بالھس يس ‪ ...‬ھ و ش يء‬
‫مجموع ھذه الھمسات يتحول الى‬
‫ٍ‬
‫من كل ھذا ‪ ،‬يدخل االذنين ومنه الى الرأس ال ذي يتح ول آخ ر الي وم ال ى م ا يش به الطاس ة الفارغ ة ‪ ،‬ش يء م ا‬
‫كالطبل ‪ ،‬أنقر على رأسي بأصابعي فأسمع الرنين ‪ ،‬حتى بعد ان ينام الجميع وتسكت االصوات كلھا تبق ى ھ ذه‬
‫الضجة المكتومة تحوم داخل االذن وتقرع جدران الرأس‪.‬‬
‫احلم احد احالمي الصغيرة ‪ ،‬وقد صغرت كل احالمي ‪:‬‬
‫ أحلم ‪ ...‬أن اعيش ولو لي وم واح د فق ط ف ي زنزان ة انفرادي ة ‪ ،‬ف ي ص مت مطب ق ‪ ،‬ال ض جيج ‪ ،‬ال نظ رات‬‫عداء ‪ ،‬ال نظرات احتقار ‪ ،‬وأنام خالله نوما ً عميقا ً ‪.‬‬
‫ احل م ‪ ...‬أن أس تحم ول و لم رة واح دة فق ط ف ي حم ام الس وق ‪ ،‬محاط ا ً بالبخ ار والمي اه الس اخنة المتدفق ة ‪،‬‬‫والمكيس والمدلك ‪.‬‬
‫ أحلم ‪ ...‬أن اقف على الرصيف امام محل للفالفل ‪ ،‬آكل سندويشة واشرب العيران ‪.‬‬‫خص عاط ل متبط ل ٍ ‪ ،‬ال يقص د مكان ا ً مح دداً ‪ ،‬وغي ر‬
‫ير ش ٍ‬
‫ احلم ‪ ...‬أن اسير في شارع ھ ادىء ظلي ل ‪ ،‬س َ‬‫محدد بزمن معين ‪.‬‬
‫ احلم ‪ ...‬بأمي وھي توقظني صباحا ً ‪ ،‬وأنا ارفض دالالً أن استيقظ مغطيا ً رأسي باللحاف ‪.‬‬‫ احلم ‪ ...‬بشخص ‪ ...‬أي شخص ‪ ،‬يقول لي صباح الخير ‪.‬‬‫كالم ‪ ...‬كالم‪ ...‬كالم‪ ، ...‬منذ عشرة ايام كل الكالم يدور حول موضوع واحد ھو الزيارة !‪.‬‬
‫‪74‬‬

‫منذ عشرة ايام قرب اثنان من السجناء في المھجع رأسيھما من الجدارالذي ت رد من ه الرس ائل ع ادة ‪ ،‬يس معان‬
‫النقرات ويبلغانھا ألربعة اشخاص خلفھما ‪:‬‬
‫ فاء – ياء " في " ‪ ،‬ا‪ -‬ل – م – ه – ج – ع " المھجع " ‪ ،‬وھكذا الى ان اكتملت الرسالة – البرقية ‪: -‬‬‫" في المھجع الواحد والعشرين أحد االخوة أتته زيارة ‪ ،‬وقد حضر كل اھله !" ‪.‬‬
‫في البداية كان ال ذھول س يد الموق ف ‪ ،‬بع د ان أذيع ت الرس الة عل ى الجمي ع س اد الص مت ‪ ،‬ال بعض ينظ ر ال ى‬
‫ال بعض ‪ ،‬اعقبتھ ا نظ رات س اھمة ‪ ،‬ت ذكر الجمي ع ماك انوا ق د نس وه لمعظ م الوق ت ‪ ،‬او أ ُجب روا عل ى نس يانه ‪،‬‬
‫قاموس حياتھم اصبح يحت وي عل ى عش رات المف ردات فق ط ‪ ،‬تب دأ بالمرح اض والحنفي ة والطھ ارة والنجاس ة ‪،‬‬
‫وتنتھي عند الكرباج واالسماء المحلية للشرطة ‪ ،‬اما الصالة والقرآن‪ ،‬على ما فيھم ا م ن غن ىً لغ وي ‪ ،‬فيص بح‬
‫تردادھما آليا ً ال يستدعي اشغال الفكر ‪.‬‬
‫ت ذكر الجمي ع أن ھن اك حي ا ًة اخ رى خ ارج ھ ذا المك ان ‪ ،‬وخ ارج ھ ذا الق اموس اللغ وي الض ئيل ‪ ،‬وانھ ا ھ ي‬
‫االصل ‪ ،‬وما ھم فيه طارىء عابر ‪.‬‬
‫يذھب الخيال الى حيث األھل واالحبة ‪ ،‬تحض ر الم رأة بق وة مھيمن ة ‪ ،‬الم رأة الزوج ة ‪ ،‬الم رأة االم ‪ ...‬االخ ت‬
‫‪ ...‬االبنة ‪ ،‬ويسود وجوم رمادي حامض ‪ ،‬تثور التساؤالت الممضة والحارقة عن المصائر ؟!‪.‬‬
‫الزمن في السجن زمنان ‪ ،‬يستتبعھما احساسان متناقضان ‪ ،‬الزمن الراھن ‪ ...‬ثقي ل بط يء ‪ ،‬وال زمن الماض ي‬
‫‪ ،‬ما مضى من ايام وشھور وسنين السجن ‪ ...‬زمن خفيف سريع ‪ ،‬تنتبه فجأة وتسأل نفسك ‪:‬‬
‫ ماذا ؟ ! ‪ ...‬اصبح لي في الس جن خم س س نوات ‪ ،‬س بع ‪ ،‬عش ر ؟! الحقيق ة ل م اش عر بھ ذا ال زمن ‪ ،‬ي االھي‬‫كيف مضت ھذه السنون بسرعة البرق !!‪.‬‬
‫تفكر ‪ ،‬وتع رف ان ھ ذا االحس اس ن اتج ع ن ان ه ف ي زحم ة التفاص يل اليومي ة قلم ا يت اح ل ك الوق ت لتع د االي ام‬
‫والسنوات ‪ ،‬وھذا كالجلد بالكرباج ‪ ،‬اذا بدأت عد الض ربات حتم ا ً س وف تض عف ‪ ،‬وك ذلك اذا ب دأت ع د االي ام‬
‫وتسجيلھا خطا ً وراء خط على الحائط ‪ ،‬حتما ً سوف تضعف ‪ ،‬او ‪ ...‬تجن !‪.‬‬
‫كسر ابو حسين الصمت بعد دقائق قليلة ‪ ،‬نادى احد جماع ة الم ورس وطل ب من ه االتص ال م ع المھج ع الواح د‬
‫والعشرين واالستفسار عن الزيارة ‪ ،‬كيف اتت ‪ ،‬ھ ل فتح ت الزي ارات للجمي ع ‪ ،‬ام ھ ي بالواس طة ‪ ،‬ام الرش وة‬
‫‪ ...‬كيف تعامل الشرطة مع االمر ‪ ،‬ھل احضر االھل اغراضا ً ‪ ...‬الخ؟ ‪.‬‬
‫وجاء الجواب ‪ ،‬ال يعرفون شيئا ً عن آلية الزيارة ‪ ،‬ھناك الكثير من االغراض ‪ ،‬البسة واطعمة ونقود ‪ ،‬السجين‬
‫ذھب الى الزيارة وعاد دون ان يضربه احد ‪.‬‬
‫بعد ثالثة ايام ألقى مدير السجن خطابا ً ‪ ،‬تحدث فيه عن انسانيته ورحمته وان قلبه ينفطر ألما ً عن دما ي رى ابن اء‬
‫وطنه في ھذه الحالة !! وقال ‪:‬‬
‫ كل من تأتيه زيارة منكم عليه ان يطلب من أھله إخبار كل م ن يعرف ون م ن اھ الي الس جناء االخ رين لك ي‬‫يسعوا الى زيارته وبنفس الطريقة ‪.‬‬
‫لكن ماھي الطريقة ؟‪ ...‬لم يعرف احد ‪ ،‬ولم يجرؤ على السؤال اح د ‪ ،‬وكان ت الم رة االول ى الت ي يخاطبن ا فيھ ا‬
‫وعيوننا مفتوحة ورؤوسنا ليست منكسة الى االسفل ‪.‬‬
‫‪75‬‬

‫الي وم ات ت زي ارة لش خص م ن مھجعن ا ‪ ،‬اب و عب دﷲ ‪ ،‬ن ادوه باس مه الثالث ي ‪ ،‬وھن ا قلم ا يع رف االس م الثالث ي‬
‫لشخص ما ‪ ،‬فالكل ينادون بعضھم بـ " ابو " ‪ ،‬ابو حسين ‪ ،‬ابو عبدﷲ ‪ ،‬ابو علي ‪ ،‬ابو احمد ‪...‬‬
‫طلب الشرطة من ابو عبدﷲ ان يلبس ثيابا ً جيدة ‪ ،‬وتبارى الجميع إللباس ابو عبدﷲ افضل ثياب ف ي المھج ع ‪،‬‬
‫ذھ ب اب و عب دﷲ وع اد بع د اكث ر م ن نص ف س اعة ‪ ،‬ع اد الھث ا ً مخضوض ا ً يتص بب عرق ا ً ‪ ،‬وق ف بمنتص ف‬
‫المھجع يتلفت وينظ ر ال ى الجمي ع ‪ ،‬ولك ن يب دو كم ن ال ي رى اح داً ‪ ،‬ب اب المھج ع الي زال مفتوح ا ً والبل ديات‬
‫يدخلون االغراض بجاطات بالستيك ‪ ،‬بعد ان اغلق الشرطة الباب قال شخص الخر ‪:‬‬
‫ ماشاء ﷲ ‪ ...‬ما شاء ﷲ ‪ ،‬خمسة وثمانون جاطا ً !!‪.‬‬‫ابو عبدﷲ يتلقى التھاني من الجميع وھو الزال واقفا ً كالمأخوذ ‪:‬‬
‫ مبروك ابو عبدﷲ ‪ ...‬مبروك الزيارة ‪.‬‬‫ ﷲ يبارك فيكم ‪ ...‬عقبال عندكم ‪.‬‬‫ مبروك ابو عبدﷲ ‪ ...‬كيف االھل ؟‪.‬‬‫ الحمد بخير ‪ ...‬يسلمون على الجميع ‪.‬‬‫قطع ابو عبدﷲ سلسلة " المبروك " والتفت فجأة الى ابو حسين ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫ كيلو ذھب ‪ ...‬كيلو ذھب ياابو حسين !! ‪ ...‬ﷲ وكيلك كيلو ذھب ‪.‬‬‫فوجئ ابو حسين ‪ ،‬نظر الى ابو عبدﷲ بتمعن ‪ ،‬وزن االمور قليالً ‪ ،‬ثم سأل ‪:‬‬
‫ خير ابو عبدﷲ ‪ ...‬خير ‪ ،‬شو قصة ھـ الكيلو ذھب ؟‪.‬‬‫ الزيارة يا ابو حسين الزيارة ‪ ...‬كل زيارة بكيلو ذھب ‪.‬‬‫فارتفعت عدة اصوات متسائلة الى جانب صوت ابو حسين ‪:‬‬
‫ شو !!‪ ...‬كيلو ذھب كل زيارة ؟‬‫ نعم كيلو ذھب ‪ ،‬سألت اھلي قالوا لي ‪ ،‬الزم امك تروح لعن د ام م دير الس جن تأخ ذ معھ ا كيل و ذھ ب ‪ ،‬وام‬‫مدير السجن تعطي ورقة زيارة !!‪.‬‬
‫اراد ابو حسين ان يھون على ابو عبدﷲ ‪:‬‬
‫ ول و اب و عب دﷲ ‪ ...‬كيل و ذھ ب ف داك ‪ ...‬المھ م ان و ش فت اھل ك وش افوك وتطمن وا علي ك ‪ ،‬اي ه ھ ـ الش غلة‬‫بتساوي اموال الدنيا كلھا ‪ ،‬ﷲ يلع ن ال ذھب واب و ال ذھب‪ ...‬الم ال وس خ اي دين ب روح وبيج ي ‪ ،‬المھ م ان ت‬
‫وصحتك واھلك ‪ ،‬الذھب مو مھم المھم البني ادم اللي بجيب الذھب ‪.‬‬
‫ ايه وﷲ صحيح ‪ ...‬ايه وﷲ صحيح ياابو حسين !‪.‬‬‫يومھا انا دخت ‪ ...‬سكرت ‪ ...‬حتى ان عيني قد غامتا ‪ ...‬تشوشتا ‪.!...‬‬
‫البل ديات ك انوا ينقل ون الجاط ات حت ى ب اب المھج ع ‪ ،‬يخ رج الف دائيون ويأخ ذون الجاط ات م نھم ‪ ...‬دون أي‬
‫ض رب !‪ ...‬يفرغونھ ا داخ ل المھج ع ويس لمونھا للبل ديات ‪ ...‬الكثي ر م ن االلبس ة ‪ ،‬خاص ة المالب س الداخلي ة‬
‫الصيفية والشتوية ‪ ،‬كأن ھن اك م ن أس رّ ب أذان االھ ل ع ن حاجاتن ا ‪ ،‬والكثي ر ‪ ...‬الكثي ر م ن الخض ار والفواك ه‬
‫التي يمكن ان تؤكل نيئة ‪.‬‬
‫‪76‬‬

‫ما اسكرني ‪ ...‬كان الخيار ‪ ...‬الخيار بلونه االخضر ‪ ،‬انسابت روائحه وعط وره ال ى انف ي ‪ ،‬ثالث ة جاط ات م ن‬
‫الخي ار أفرغوھ ا وس ط المھج ع غي ر بعي د عن ي مش كلة ت الً ص غيراً اخض َر ‪ ،‬ال ى جانب ه ت ل ص غير احم ر م ن‬
‫البندورة ‪ ،‬رائحة الخيار مألت المھجع ‪ ،‬الجميع كان فرحا ً ‪ ،‬ابو عبدﷲ كان م ذھوالً م ن اث ر الزي ارة ‪ ،‬ودون ان‬
‫افكر او اعي بما اقوم به مشيت وجلست ال ى جان ب ت ل الخي ار االخض ر ‪ ،‬انحني ت وش ممت بعم ق ‪ ،‬انھ ا رائح ة‬
‫الطبيعة ‪ ...‬انھا رائحة الحياة ‪ ،‬اخضراره ھو اخضرار الحياة ذاتھا ‪ ،‬امسكت واح دة وادنيتھ ا م ن انف ي وتنش قتھا‬
‫بعمق ‪ ،‬اغمضت عيوني واعتقد ان مالمحي كلھا كانت تبتسم ‪.‬‬
‫كان كل ھذا اشبه بزلزال ‪ ،‬ارت ج كيان ه كل ه ‪ ،‬فتح ت عين ي واذ بغاب ة م ن العي ون تح دق ب ي ‪ ...‬ل م اعب أ ‪ ،‬القي ت‬
‫الخيارة على كومة الخيار ‪ ،‬مشيت الى فراشي ‪ ،‬تمددت ‪ ،‬غطيت رأسي ‪ ...‬وبكيت بصمت ‪.‬‬
‫بقيت ع دة س اعات تح ت البطاني ة ‪ ،‬ال اري د ان ارى اح داً ‪ ،‬ال اري د ان ارى ش يئا ً ‪ ،‬البك اء اراحن ي قل يالً ‪ ...‬ول م‬
‫الب ث ط ويالً حت ى نم ت ‪ ،‬اس تيقظت عص راً رفع ت البطاني ة وجلس ت ‪ ،‬ك ان ام ام فراش ي مجموع ة متنوع ة م ن‬
‫االغراض ‪ " ...‬نصف خيارة ‪ ،‬نصف حبة بندورة ‪ ،‬رغي ف خب ز م دني ‪ ،‬قطع ة بق الوة ف اخرة ‪ ،‬بع ض انص اف‬
‫حبات الفاكھة ‪ ،‬ولكن االھ م ك ان االلبس ة ‪ ...‬بيجام ا رياض ية ‪ ،‬غي ار داخل ي ش توي م ن الص وف ‪ ،‬غي ار داخل ي‬
‫صيفي ‪ ،‬جوارب صوفية ‪ ...‬ثم شحاطة !"‪.‬‬
‫طوال كل ھذه السنوات ومنذ ان اخذوا حذائي بمركز المخابرات لم انتع ل بق دمي ش يئا ً ‪ ،‬وق د تش كلت عل ى كام ل‬
‫قدمي من االسفل طبقة سميكة من اللحم الميت المتقرن المتشقق ‪ ...‬واالن ھا ھي شحاطة !‪.‬‬
‫نظرت حولي ‪ ،‬واضح ان حصتي مساوية لحصة أي سجين اخر منھم ‪ ،‬الاكثر وال اقل ‪.‬‬
‫) ھ م جميع ا ً يكرھ ونني ‪ ،‬ھ م جميع ا ً يحتقرونن ي ‪ ،‬بعض ھم يري د قتل ي ‪ ...‬ك ل ھ ذا ص حيح ‪ ،‬ولك ن ف ي االم ور‬
‫الحياتية ‪ ...‬كانوا عادلين معي ( ‪.‬‬
‫اخذت االغراض ‪ ،‬رتبتھا كوسادة ‪ ...‬اكلت ‪ ،‬ولكن لم اشأ ان اكل نصف الخيارة ‪.‬‬

‫‪ 6‬حزيران‬
‫البارح ة ك ان يوم ا ً ح افالً ‪ ،‬ل م اس تطع الن وم اال ف ي س اعة مت أخرة واس تيقظت كالع ادة ص باحا ً ‪ ،‬فاج أني وج ود‬
‫قطعتين من الخيار " نصفين " الى جانب النصف الخاص بي ‪ ،‬ثالثة انصاف ‪ ...‬واستنجت ان ھناك شخصين قد‬
‫تنازال عن حصتھما من الخيار لي !!‪ ...‬ظن ا انن ي اح ب الخي ار !‪ ...‬ل م يعرف ا ان الخي ار برائحت ه ‪ ...‬لون ه ‪ ...‬ق د‬
‫استحضر الحياة بكل ثقلھا الى نفس كانت قد نسيت الحياة !‪.‬‬
‫اثنان منـ "ھم" يتعاطفان معي ! ‪ ...‬ولكن ال يجرؤان على اظھار ھذا التعاطف !‪.‬‬
‫داخلي قليل من الراحة واالطمئنان ‪ ،‬نظرت حولي ‪ ،‬ھل أستطيع تمييزھما ؟ ‪.‬‬
‫كل الوجوه مغلقة ‪ ،‬كل العيون كابية ‪.‬‬

‫‪ 8‬اذار‬
‫كالع ادة أخرجون ا الي وم ال ى الس احة ‪ ،‬أوقفون ا أم ام مھجعن ا ‪ ،‬وھك ذا بقي ة المھ اجع ‪ ،‬إذاع ة الس جن تص دح من ذ‬
‫الصباح باألغاني التي تمجد رئيس الدول ة وتتغن ى بحكمت ه وش جاعته وبطوالت ه ‪ ،‬اعط وا ورق ة مكتوب ة ال ى اح د‬
‫‪77‬‬

‫السجناء بھا بعض الشعارات والھتاف ات يص رخ بھ ا ون ردد نح ن وراءه ‪ :‬س نفدي ال رئيس ب الروح وال دم ‪ ،‬يس قط‬
‫االخوان المسلمون عمالء االمبريالية ‪...‬‬
‫لم يكن السجناء يرون أي غضاضة بالھتاف ضد انفسھم ‪ ،‬او على االقل ل م تب در م نھم اي ة اش ارة او ممانع ة ت دل‬
‫على ذلك ‪ ،‬كانوا يھتفون باصوات عالية جداً ال يستشف منھا أي شيء من ھذا ‪.‬‬
‫ھذه االحتفاالت تجري كل عام مرتين او ثالث مرات ‪ ،‬واحتفاالت ھذا الع ام تختل ف ع ن غيرھ ا ف ي ان الس جناء‬
‫اليوم كانوا ال ينفكون يحكون ويھرشون اجسادھم ‪ :‬انه الج رب‪ .‬ب ين تص فيق وتص فيق ‪ ،‬ب ين ھت اف واخ ر ‪ ،‬يم د‬
‫السجين يده ليحك جسده ‪.‬‬
‫بدأ الجرب منذ خمس ة اش ھر تقريب ا ً ‪ ،‬وكن ت ق د نج وت م ن التھ اب الس حايا وم ن الس ل اال انن ي كن ت م ن اوائ ل‬
‫المص ابين ب الجرب ‪ ،‬ال ذي س رعان م ا ع م وانتش ر ليش مل الس جن كل ه ‪ ،‬والغري ب ف ي االم ر ان االخ تالط ب ين‬
‫المھاجع ممنوع منعا ً باتا ً ‪ ،‬فكيف يمكن ان ينتشر وبا ٌء ما يبدأ في احد المھاجع ليعم السجن كله !!‪.‬‬
‫واالغرب من ھذا ان مستوى النظافة ھنا يعتبر جيداً ‪ ،‬فالمساجين عموما ً يھتمون بالنظاف ة كثي راً ‪ ،‬خاص ة نظاف ة‬
‫الجس د والثي اب النھ ا ش رط دين ي للطھ ارة والص الة ‪ ،‬فكي ف يمك ن الش ياء مث ل القم ل والج رب ان تنتش ر بھ ذه‬
‫الكثافة ؟!‪.‬‬
‫ب دأالجرب فج أة عن د بض عة اش خاص وان ا م نھم ‪ ،‬ظھ ر اول م ا ظھ ر ب ين االص ابع ث م امت د ال ى ثني ات الجس م‬
‫االخرى ‪ ،‬كان عذابا ً مضنيا ً كالنار عندما تسري في الجس د ‪ ،‬ك ل ي وم يم ر ي زداد ع دد المص ابين ‪ ،‬وواض ح من ذ‬
‫البداية ان اية عملية وقاية ال جدوى منھا ‪ ،‬مھما كانت االحتياطات المتخذة من قبل الشخص الس ليم فھ ي عب ث ال‬
‫طائل تحته ‪.‬‬
‫منذ اليوم االول حدد ال دكتور غس ان االم ر ‪ ،‬ھ ذا ال دكتور وھ و زمي ل الب ورد االمريك ي لالم راض الجلدي ة ‪ ،‬ل ه‬
‫مؤلفات كثيرة ويعتبر عالما ً في اخصاصه على المستوى العالمي ‪ ،‬شخص محت رم ھن ا كثي راً ‪ ،‬ال يت دخل ف ي أي‬
‫مسألة ال تعنيه ‪ ،‬يترفع كثيراً عن الصغائر‪ ،‬وھو المرجع االخير في الطب لكل االطباء الذين في المھجع ‪.‬‬
‫فحص الحاالت االولى للم رض ‪ ،‬ق ام بھ دوء م ن مكان ه واتج ه لعن د اب و حس ين ‪ ،‬وق ف ب ين فراش ي وف راش اب و‬
‫حسين ‪ ،‬القى التحية ‪:‬‬
‫ السالم عليكم يا ابو حسين ‪.‬‬‫قفز ابو حسين احتراما ً وھو يرد التحية ‪:‬‬
‫ وعليكم السالم ورحمة ﷲ وبركاته ‪ ،‬اھالً وسھالً ‪ ...‬اھلين دكتور ‪ ...‬تفضل ‪ ...‬تفضل ‪ ...‬استريح ‪.‬‬‫جلس الدكتور غسان ‪ ،‬وبمنتھى الھدوء بلغ االمر البو حسين ‪ ،‬ختم حديثه قائالً ‪:‬‬
‫ ھذا الجرب سريع العدوى ‪ ،‬خالل ايام راح نك ون كلن ا جرب انين اذا م ا عالجن اه ‪ ،‬والع الج بس يط ‪ ،‬اخ ي‬‫ابو حسين ‪ ...‬خذ اجراءاتك ‪ ...‬بس انا خلين ي بعي د ع ن ھ ـ الس اقط طبي ب الس جن !‪ ،‬م اني ط ايق احك ي‬
‫معه وال كلمة ‪ ...‬مفھوم ؟‪.‬‬
‫اومأ ابو حسين برأسه موافقا ً ‪ ،‬عندھا قام الدكتور فوراً الى فراشه الذي ال يغادره ابداً ‪ ،‬فھو ل م يش اھد جالس ا ً‬
‫عند احد ‪ ،‬وھذه ھي المرة االولى التي يقوم فيھا بالجلوس على فراش سجين اخر وكان ذلك للضرورة ‪.‬‬
‫‪78‬‬

‫فيما ھو يغادرالتفت نحوي ‪ ،‬سار خطوتين ثم توقف ‪ ،‬اتجه نحوي ‪ ،‬جلس على فراشي وھو يقول ‪:‬‬
‫ السالم عليكم ‪ ...‬يا اخي ‪.‬‬‫ال ادري كيف اجبته مبھوتا ً وبصوت انا نفسي لم اسمعه ‪:‬‬
‫ وعليكم السالم ورحمة ﷲ وبركاته ‪.‬‬‫ ممكن ‪ ...‬يا اخي من بعد فضلك‪ ...‬تمد ايديك حتى افحصھم ‪.‬‬‫بحركة الية مددت كفيّ الى االمام ‪ ،‬امسك بھما‪ ،‬باعد بين االصابع ثم التفت ال ى اب و حس ين وق ال كان ه يت ابع‬
‫حديثا ً انقطع ‪:‬‬
‫ شايف ابو حسين‪ ..‬وھاي االخ جارك كمان مصاب !‪ ،‬وانا ماشي شفته عم يحك وعرفت انه مصاب ‪.‬‬‫ ال ح ول وال ق وة اال ب ا ‪ ...‬اللھ م اع ّن ا عل ى تحم ل ك ل ھ ذه المح ن ‪ ،‬اللھ م ال تعطن ا حم الً خفيف ا ً ولك ن‬‫اعطنا ظھراً قويا ً ‪ ،‬يارب انت السميع المجيب ‪.‬‬
‫بعد ان انھى ابو حسين الدعاء قال الدكتور ‪ :‬آمين ‪ ،‬ثم التفت اليّ ‪:‬‬
‫ يا اخي حاول اال تحك ‪ ...‬مھما حكك جسمك حاول ال تحك ‪ ،‬وحتى يفرجھا ﷲ ويتأمن الدواء حاول ان ك‬‫تغسل ايديك دائما ً بالماء والصابون ‪ ،‬وارجو لك من ﷲ الشفاء ‪ ،‬وال تخاف ھذا المرض مزعج بس مانو‬
‫خطير ‪.‬‬
‫وذھب ‪.‬‬
‫) ياﷲ ‪ ...‬ما ھذه العذوبة ؟‪ ...‬ما ھذه الرقة ؟‪ ...‬ما ھذه االنسانية ؟‪ ...‬ھل ھو ال يع رف م ن ان ا ؟‪ ...‬اذا ك ان‬
‫كذلك ‪ ،‬فھذا يثبت انه انسان كبير !‪ ...‬اما اذا كان يعرف م ن ان ا ‪ ...‬فھ ذا يثب ت ان ه انس ان كبي ر ‪ ...‬كبي ر ‪...‬‬
‫واليخشى احداً ( ‪.‬‬
‫مرت االيام ‪ ،‬ثم االسابيع ‪ ،‬وابو حسين يحاول م ع ادارة الس جن وطبي ب الس جن ان يؤمن وا لن ا الع الج ولك ن‬
‫دون جدوى ‪ ،‬وآخر مرة قدم فيھا الطبيب قام بزجر ابو حسين وتھديده ‪:‬‬
‫ العم ى بعيون ك ‪ ...‬ص رعتنا ‪ ،‬اي ه ھ و ج رب ! ‪ ...‬ش وية حك ة وينتھ ي االم ر ‪ ،‬اي ه والك ‪ ...‬قاع دين ال‬‫شغلة وال عملة ‪ ...‬اكل ومرعى وقلة صنعة ‪ ،‬خليھم يتسلوا بالحك ‪ ...‬احسن ما يملوا !‪.‬‬
‫وذھب ‪.‬‬
‫كانت قد مرة اربعة اشھر على بداية المرض ‪ ،‬وظل ابو حسين يحاول ‪.‬‬
‫" اما انا فقد شفيت بعد حوالي الش ھر م ن بداي ة مرض ي ‪ ،‬كي ف ؟ ‪ ...‬ال اع رف ‪ ،‬كن ت الحال ة الوحي دة الت ي‬
‫شفيت ‪ ،‬فقط اتبعت م ا قال ه ال دكتور غس ان ‪ ،‬كن ت ك ل نص ف س اعة اق وم ال ى المغاس ل اغس ل ك ل االج زاء‬
‫المصابة بالماء والصابون جي داً ‪ ،‬ث م اص بحت اعم د ال ى كش ط الص ابون الرط ب الل ين واض عه عل ى ام اكن‬
‫االصابة وأتركه الى اليوم الثاني ‪ ،‬لم أحك جسمي أبداً ‪ ،‬حتى عندما أنام أحضر سروالي النظي ف وأض ع ك ل‬
‫يد في طرف من السروال ‪ ،‬وأظل الف ه متعاكس ا ً إل ى ان يص بح الس روال كالقي د ‪ ،‬وب ذلك أتأك د انن ي ال أح ك‬
‫حت ى وأن ا ن ائم‪ .‬وكم ا ظھ ر الم رض عل يّ فج أة اختف ى فج أة‪ .‬واغتنمتھ ا فرص ة بع د ان تأك دت م ن الش فاء‬
‫لمحادثة الدكتور غسان ‪ ،‬ذھبت اليه وابلغته انني شفيت ‪ ،‬اكتفى بھز رأسه !‪.‬‬
‫‪79‬‬

‫تط ور م رض الج رب كثي راً ‪ ،‬س معت ح ديثا ً لل دكتور غس ان م ع مجموع ة م ن االطب اء بحض ور اب و حس ين‬
‫وكان حديثه موجھا ً لالطباء ‪ ،‬ف احتوى عل ى العدي د م ن التع ابير الطبي ة والالتيني ة الت ي ل م افھمھ ا ‪ ،‬وبع د ان‬
‫عدد انواع الجرب خلص الى نتيجة انه ال يوجد عبر تاريخ الط ب ان س جلت ح االت كالح االت الت ي يرونھ ا‬
‫ھنا ‪ ،‬وذكر ان اقسى انواع الجرب ھو ان يكون لدى المريض حوالي ‪ /300 /‬بثرة ‪ ،‬بينما ھنا سجل ح االت‬
‫احتوت على اكثر من ‪ /3000/‬بثرة تغطي كام ل الجس م ‪ ،‬وان ھ ذا ھ و اح د االس باب الت ي ادت ال ى ح دوث‬
‫وفيات بالجرب ‪ ،‬ونبه الى حالة خطرة وھي انتشار المرض داخل االليتين وعلى فوھ ة الش رج ‪ ،‬وان ه نتيج ة‬
‫للح ك القاس ي ف ي تلل ك المنطق ة وال ذي ادى ال ى ح دوث ج روح عدي دة بع دد البث رات الموج ودة ح ول فتح ة‬
‫الشرج ‪ ،‬ونتيجة لتقارب ھذه البثرات ف ان الج روح ق د الص قتھا ببعض ھا بع د تخث ر ال دم مم ا ادى ال ى انس داد‬
‫الشرج ‪ ...‬ومن ثم الى الوفاة الستحالة طرح الفضالت من الجسم ‪ ،‬وتمنى لو ان ھناك امكاني ة لحض ور اح د‬
‫معاھد البحث الطبي المتطورة لمراقبة ومعاينة ھذه الحاالت الشاذة ‪.‬‬
‫طلب الدكتور غسان من ابو حسين تشكيل فرقة تمريض مھمتھا ربط المرضى الذين ينتشر الجرب لديھم في‬
‫الشرج من ايديھم لمنعھم من حك انفسھم ‪ ،‬ثم طلب منه معاودة جھوده مع ادارة السجن ‪.‬‬
‫منذ خمسة ايام وفي الص باح ك ان أب و حس ين مس تغرقا ً ب التفكير ‪ ،‬فج أة ان تفض وذھ ب ال ى ال دكتور غس ان ‪،‬‬
‫تحدث معه قليالً والدكتور يھز برأسه ‪ ،‬بعدھا جال أبو حسين في المھجع كله وھو يردد ‪:‬‬
‫ شباب ‪ ...‬كل شخص اتته زيارة مدعو لالجتماع عندي ‪ ،‬كل اربعة ‪ ...‬خمسة يجوا سوا ‪.‬‬‫كان ھناك حوالي ثالث ين ش خص م ن مھجعن ا ق د ات تھم زي ارات ‪ ،‬ولمعرف ة االھ ل ان ھ ذه الزي ارة ق د تك وت‬
‫استثنائية ويتيمة فانھم كانوا يح اولون تزوي د س جينھم بم ا ق د يحتاج ه ول زمن مس تقبلي طوي ل ‪ ،‬خاص ة لجھ ة‬
‫االلبسة والنقود ‪ ،‬وتبين لي أن اھالي المساجين االسالميين عموما ً ھم من الفئة الميسورة في المجتمع ‪ ،‬ولھ ذا‬
‫فان أقل مبلغ أعطي لسجين كان مئتي الف لي رة ‪ ،‬وال بعض أكث ر م ن ذل ك بكثي ر‪ ،‬ول ذلك اص بح ف ي مھجعن ا‬
‫مالي ين اللي رات وال مج ال لش راء أي ش يء ‪ ،‬وق د اس تمرت الزي ارات ح والي الس تة اش ھر ‪ "،‬ك ان بع ض‬
‫الحفظ ة يحص ون ويحفظ ون ع دد الزي ارات لك ي يعرف وا ك م كيل و ذھ ب اص بح ل دى م دير الس جن ‪ ،‬وف ي‬
‫اإلحصاء االخير بعد توقف الزيارات كان العدد قد وصل الى ستمائة وخمسة وستين كيلو ذھبا ً "‪.‬‬
‫وقد توقفت الزيارات نتيجة النتقال مدير السجن وحلول نائبه محله في اإلدارة ‪ ،‬ولم يكن توقف الزيارات ھو‬
‫النتيجة الوحيدة النتقال مدير السجن بل كان ھناك نتيجة أخرى ‪ ،‬اذ وردت برقية مورس من المھاجع األولى‬
‫تقول ‪:‬‬
‫" لقد جمع مدير السجن الجديد جميع عناصر ورقباء الشرطة العاملين داخل الس جن وابلغھ م ان ه اعتب اراً م ن‬
‫ھذا اليوم ال يح ق للعنص ر الع ادي – الجن دي أن يق وم بقت ل أي س جين اذا ل م يك ن أح د الرقب اء موج ودا ف ي‬
‫الساحة ‪ ،‬التعذيب ‪ ،‬الضرب ‪ ،‬السحل ‪...‬كل ھذا ليس مشكلة‪ ،‬لكن الم وت ال يج وز إال بحض ور أح د الرقب اء‬
‫"‬
‫اعتبر الجميع عندھا ان المدير الجديد أفضل وأكثر انسانية من المدير القديم ‪.‬‬
‫‪80‬‬

‫أتت أول مجموعة من خمسة أشخاص لعند أبو حسين ‪ ،‬بعد التحية والسالم والمجامالت وكأنھم يزورونه في‬
‫بيته دعاھم للجلوس وبادرھم فورا بفتح الموضوع دون مقدمات فيما الجميع يھرشون ويحكون ‪:‬‬
‫ بدنا منكم يا شباب ‪ ..‬تبرعات في سبيل ﷲ ‪.‬‬‫سكت الخمسة قليال ‪ ،‬ثم قال أحدھم ‪:‬‬
‫ يا أبو حسين ‪ ...‬أرواحنا وأموالنا في سبيل ﷲ ‪ ،‬بس أشرح ‪ ،‬قول أوال شو ب دك تعم ل ب األموال ‪ ،‬المبل غ‬‫المطلوب ‪ ...‬موالزم نعرف ؟!‪.‬‬
‫ طبعا الزم تعرفوا ‪ ...‬لكن ما بدھا ذكاء كثير ‪ ،‬ﷲ خلق األموال وأعطانا إياھا منش ان نص رفھا ونش تري‬‫بھا ‪.‬‬
‫ طيب شو بدك تشتري ؟‪.‬‬‫ بدي اشتري طبيب ‪ ...‬دكتور ‪.‬‬‫ دكتور‪...‬؟!!‬‫وضحك الجميع ‪.‬‬
‫ نعم دكتور ‪ ...‬بدي اش تري طبي ب الس جن ‪ !..‬م ا ف ي غي ر ھ ذا الطري ق ‪ ...‬وبس المة فھمك م بھ ذه الدول ة‬‫ومن فوق لتحت كل واحد له سعر ‪ ،‬وما بظن ان ھذا الدكتور غير شكل ‪ ،‬كلھم عم يلھطوا ‪ ،‬ونحن خلينا‬
‫نملي جيب ھـ الدكتور منشان يجيب لنا دواء للجرب ‪ ،‬ونخلّص أمــة محمد من ھذه البلوة ‪.‬‬
‫وافقه الجميع وتتالت االجتماعات وأصبح بحوزة أبو حسين مبل ٌغ محترم‪ ،‬عندھا طلب من الرقيب عن دما ف تح‬
‫الباب مجيء الطبيب ألمر ھام !‪.‬‬
‫كان الطبيب حانقا عندما فتح الباب ‪ ،‬وصاح بوجه أبو حسين ‪:‬‬
‫ اذا كنت طالبني منشان الجرب ‪ ...‬بدي كسّر عظامك ي ا كل ب ‪ ،‬ص ار أل ف م رة قل ت ل ك م ا عن دنا دواء‬‫جرب ‪ ،‬ھات لشوف ‪ ...‬شو بدك ؟‪.‬‬
‫ ي ا س يدي ‪ ...‬منش ان ﷲ ‪ ...‬ب س ط ول بال ك واس معني ش وي ‪ ...‬ي ا س يدي مت ل م ا بتع رف نح ن ب الفترة‬‫الماضية اجتنا زيارات وصار في عندنا مصاري كتير ‪ ...‬ومثل ما أنت شايف ‪ ...‬نح ن ھ ون المص اري‬
‫ما تلزمنا ألنه ممنوع نشتري أي شيء ‪.‬‬
‫كان ھذا ھو الطعم الذي ألقاه أبو حسين للطبيب ‪ ،‬وبدأ الطبيب بالتقاط الطعم فالتفت الى الش رطة ال ذين ك انوا‬
‫يحيطون به وأمرھم باالبتعاد ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫ ايه طي ب ‪ ...‬وأن ا ش و عالقت ي بك ل ھ ـ الع الك ‪ ...‬اذا ك ان عن دكم مص اري أو م ا عن دكم ‪ ...‬ش و ممك ن‬‫أعملك ؟!‪.‬‬
‫ ي ا س يدي ‪ ...‬اخ دمنا ھالخدم ه لوج ه ﷲ ‪ ...‬ان ت رج ل كل ك انس انية ‪ ،‬وس اعدتنا كثي ر لوج ه ﷲ ‪ ...‬ھ ذه‬‫المرة كمان ساعدنا ‪ ...‬اشتري لنا الدواء على حسابنا ‪ ...‬حتى لو كان من السوق الس ودا ‪ ...‬ومعل يش اذا‬
‫كان الدواء غالي ‪ ،‬نحن مستعدين نشتريه بضعفين أو حتى ثالثة ‪ ...‬خدمة لوجه ﷲ يا سيدي ‪.‬‬
‫وتحولت لھجة الطبيب فورا من الحنق والغضب الى اللين الثعلبي ‪:‬‬
‫‪81‬‬

‫ لكن ‪ ...‬انت تعرف أن ھذا الدوا غالي كتير ؟‬‫ معليش يا سيدي ‪ ...‬مھما كان غالي الثمن ‪ ،‬بس يكون كافي لكل ھـ الناس ‪ ،‬ألن الكل جربانين ‪.‬‬‫ طيب ‪ ...‬تعال لھون شوي ‪.‬‬‫أخرج الطبيب أبو حسين الى خارج المھجع ‪ ،‬تكلما بصوت خافت ‪ ،‬وتمت الصفقة ‪.‬‬
‫بعد يومين أتى الدواء بالصناديق الكرتوني ة ‪ ،‬ومن ذ ثالث ة أي ام وجمي ع الن اس س واء ك انوا مص ابين أم ال وأن ا‬
‫منھم بدأوا العالج بـ البنزوات " بناء على تعليمات الدكتور غسان المشددة ‪ ،‬وتحت رقابته الصارمة " ‪.‬‬
‫تم تھيئة خمس مقاصير بالبطانيات يدخل الواحد خلفھا ويبدأ بفرك كل جسمه بـ البنزوات ‪.‬‬
‫خالل ھذه الفترة القصيرة بدأت تظھر النتائج االيجابية ‪.‬‬
‫تم ابالغ المھاجع األخرى ‪ ،‬والجميع أتم الصفقة مع الطبيب الذي أصبح مليونيرا‪ ،‬وعلق أحد األشخاص ‪:‬‬
‫ اذا سألوا طبيب السجن شي مرة ‪ ،‬كيف صرت مليونير ‪ ،‬الزم يقول ‪ :‬الجرب حولني من شخص جربان‬‫الى مليونير ‪.‬‬
‫‪ -‬بس يا أخي الحظ ان الفساد في بعض األحيان يكون مفيد وكويس ‪.‬‬

‫‪ 23‬تموز‬
‫رغم مرور كل ھذه السنوات بقيت قابعا في قوقعتي أتلصص على الداخل والخارج ‪ ،‬داخل المھجع وخارج ه‬
‫‪ ،‬ولكن مع مرور األيام قل أھتمامي بكثير من األشياء نتيجة لمعرفتي التامة بھا ‪.‬‬
‫حفظ ت الق رآن جي دا ولطالم ا رددت بش كل عف وي آي ا ٍ‬
‫ت وس وراً طويل ة من ه ‪ ،‬حفظ ت الص لوات كلھ ا حت ى‬
‫الطارئ ة منھ ا كص الة الخ وف ‪ ،‬ص الة الجن ازة ‪ ،‬وص الة الت راويح ‪ ...‬اس تمعت ال ى خالف ات الجماع ات‬
‫المختلفة حول األحك ام الش رعية ‪ ،‬آلي ة تفكي رھم ‪ ،‬ردود أفع الھم ‪ ،‬طموح اتھم ‪ ...‬آم الھم ‪ ...‬لك ل ھ ذا ل م أع د‬
‫أركز ذھني كثيرا عندما أنظر من خالل فتحة القوقعة ‪.‬‬
‫كذلك عندما أطل بنظري من خالل الثقب ال ى خ ارج المھج ع ‪ ،‬م رأى ت نفس المھ اجع األخ رى ‪ ...‬العقوب ات‬
‫‪ ...‬التعذيب ‪ ...‬كله أضحى عاديا ‪ ...‬يوميا ‪.‬‬
‫لكن كنت أداوم يوميا على النظر خ الل الثق ب انتظ ارا وتوقع ا لم ا ھ و غي ر م ألوف ‪ ...‬لش يء جدي د ‪ ،‬وك ان‬
‫على األغلب يوجد شيء جديد ‪ ،‬فالتعذيب وان كان ذا نمط معمم والك ل ق د ت درب علي ه ف ي مدرس ة واح دة ‪،‬‬
‫اال انه يبقى ھناك شيء له عالقة بال ذات ‪ ،‬ذات ك ل ف رد ‪ ،‬فك ل رقي ب ‪ ...‬ك ل ش رطي يض في م ن ذات ه ش يئا‬
‫خاص ا عل ى العم ل المتش ابه ‪ ،‬فيخل ق ش يئا جدي دا نس تطيع ان نض يفه ال ى خان ة اإلب داع ‪ " ،‬مس حة ابداعي ة‬
‫بالتعذيب !! " ‪.‬‬
‫منذ أكثر من سنة وخالل تنفس أحد المھاجع ‪ ،‬كان أحد الرقباء واقفا في ظ ل الح ائط ‪ ،‬م رت ف أرة م ن أمام ه‬
‫فھرسھا ببوطه العسكري ‪ ،‬معست الفأرة ومات ت ‪ ،‬أخ رج الرقي ب م ن جيب ه من ديال ورقي ا وأمس كھا بواس طة‬
‫المن ديل م ن ذيلھ ا ‪ ،‬اقت رب م ن ص فوف المس اجين الت ي ت دور ح ول الس احة ‪ ،‬أمس ك بأح د الس جناء ال عل ى‬
‫التعيين وأجبره على ابتالع الفأرة ‪ ،‬ابتلع السجين الفأرة ‪.‬‬
‫‪82‬‬

‫من ذ ذل ك الي وم ص رف الرقب اء وعناص ر الش رطة ج زءا مھم ا م ن وق تھم الص طياد الفئ ران والصراص ير‬
‫والسحالي وإجبار السجناء على ابتالعھا ‪ ،‬كلھم قاموا بھذا العمل ولك ن ابتك اره " ابداع ه " عائ د ألول رقي ب‬
‫قام بھذا العمل ‪.‬‬
‫حتى اإلعدمات ‪ ،‬رغم أنني أدمنت مراقبتھا اال أنھا لم تعد تحمل نفس الشحنة من التوجس والرھبة ‪.‬‬
‫يقاد المحكوم عليھم باالعدام الى أمام المشانق ‪ ،‬يقيدون بعد أن ي تم تثبي ت الالص ق الع ريض عل ى أف واھھم ‪،‬‬
‫كل دفعة ثمانية أشخاص ‪ ،‬ترتفع المشانق ‪ ،‬تنحني الرق اب ‪ ،‬ارتخ اء الجس د ‪ ،‬ان زال الدفع ة األول ى ‪ ،‬ص عود‬
‫الدفعة الثانية ‪...‬‬
‫كن ت أراق ب الجمي ع ‪ ،‬ش رطة وبل ديات ومع دومين ‪ ،‬تط ورت مراقبت ي م ن مراقب ة األفع ال ال ى الوج وه ‪،‬‬
‫االنفعاالت ‪ ،‬ردود الفعل ‪ ...‬ما يرتسم على الوجه من خوف ‪ ،‬ھل ع ‪ ،‬حق د ‪ ،‬تش ف ‪ ،‬س رور ‪ ،‬اس تمتاع ‪ ،‬ل ذة‬
‫‪...‬‬
‫"الوحش" ‪...‬‬
‫الجميع ابتداء من رفاقه البلديات الى جميع عناصر الشرطة حتى المس اعد ك انوا ينادون ه ال وحش ‪ ،‬ش اب ف ي‬
‫الخامسة والعشرين تقريبا ‪ ،‬قد ال يتجاوز طوله المائة والستين سنتمترا ولكن عرض أكتافه قد يتج اوز المائ ة‬
‫والعش رين س نتمترا ‪ ،‬س ماكته ق د تبل غ الس تين أو س بعين س نتمترا ‪ ،‬م ن األم ام والخل ف يب دو كمرب ع ‪ ،‬م ن‬
‫الجانب يبدو كصندوق ‪ ،‬مفتول العضالت ‪ ،‬شاھدته ف ي اح دى الم رات يرف ع س جينا بي د واح دة ال ى م ا ف وق‬
‫رأسه ‪ ،‬قوي جدا ‪ ،‬ال يغيب أبدا عن أية اعدامات ‪ ،‬ويلعب دورا فعاال فيھا ‪ ،‬جميع عناصر الشرطة يعتمدون‬
‫عليه ‪.‬‬
‫في أحدى حفالت األعدام وبعد أن أنزلو الدفعة األولى وضعوا الحبال في رق اب الدفع ة الثاني ة ورفعوھ ا ال ى‬
‫األعلى ‪ ،‬سبعة معدومين من ثمانية ارتخت أجس ادھم ‪ ،‬وبق ي الث امن يص ارع ‪ ،‬ك ان ي أبى أن يم وت ‪ ،‬جس ده‬
‫مت دل ويلع بط ‪ ،‬انتظ ر الجمي ع دق ائق ولك ن روح ه كان ت عني دة ‪ ،‬أب ت أن تخ رج ‪ ،‬يح رك رجلي ه يح اول أن‬
‫يرتف ع بجس ده ال ى األعل ى ‪ ،‬وط ال اإلنتظ ار ‪ ،‬احس اس باإلختن اق وض يق الت نفس ينت اب الجمي ع ‪ ،‬المس اعد‬
‫تلمس رقبته بيده اليمنى وفركھا ‪ ،‬الجسد المعلق في الھواء يصارع ‪ ،‬أخ ذت ألھ ث تح ت البطاني ة ‪ ...‬وص اح‬
‫المساعد ‪:‬‬
‫ يا وحش خلصنا من ھـ الشغلة !‪ ..‬خليه يرتاح ‪.‬‬‫تقدم الوحش ‪ ،‬وقف تحته وأمسك برجلي ه وأخ ذ يش ده ال ى األس فل ‪ ،‬ك ان الس جين المعل ق – كالع ادة – يل بس‬
‫ثيابا رثة ‪ ..‬أسماالً ‪ ،‬ولذلك عندما شده الى االسفل انشدت الثياب واصبح السجين عاريا ً بجزئه السفلي ‪ ،‬ت ابع‬
‫الوحش الشد ‪ ،‬يشد ‪ ...‬ويشد ‪ ...‬ونجح اخيراً ‪ ،‬مات السجين ‪ ،‬لكن ف ور موت ه يب دو ان مص رته الش رجية ق د‬
‫ارتخت نھائيا ً فأفرغ كل ما في امعائه فوق الوحش الذي ال زال يشد ‪ ،‬وكان ت كمي ة الفض الت كبي رة وس ائلة‬
‫‪ ...‬غطت الوحش ‪ ،‬رأسه ‪ ،‬وجھه ‪ ،‬ص دره ‪ ... ،‬رج ع ال وحش ال ى الخل ف واخ ذ ينظ ر ال ى الجمي ع ‪ ،‬قھق ه‬
‫المساعد وكان اول من استوعب االمر ‪ ،‬قال وھو يضحك ‪:‬‬
‫‪83‬‬

‫ كان اسمك الوحش ‪ ...‬بس ھلق صار اسمك الوحش ابو خريه !‪.‬‬‫ضحك الجميع كثيراً ‪ ،‬حتى انا ضحكت بصوت مسموع ‪.‬‬
‫م ن يومھ ا اص بح لل وحش اس مان ‪ ،‬رفاق ه ال ذين يخش ونه ويخ افون بطش ه ينادون ه ال وحش وم ن ال يخش اه‬
‫والجنود والرقباء ينادونه بـ " ابو خريه " ‪.‬‬
‫الجنود والرقباء اغلبھم من المجندين الذين يؤدون الخدمة العسكرية ومدتھا سنتان ونصف ‪ ،‬االغلبية الساحقة‬
‫منھم ھم من ابناء الجبال والساحل ‪ ،‬لھجتھم ثقيلة وتصرفاتھم غليظة وجلفة ‪ ،‬ويستحيل ان يوج د بي نھم واح د‬
‫م ن ابن اء الم دن الكبي رة والرئيس ية ‪ ،‬وك ونھم مجن دين ف انھم يتغي رون بش كل دوري ‪ ،‬ف ي الس نة الواح دة ي تم‬
‫تخريج دورتين من م دارس الش رطة العس كرية ‪ ،‬لھ ذا فك ل س تة اش ھر ت أتي دورة جدي دة وي تم تس ريح دورة‬
‫قديمة ‪.‬‬
‫من ذ اربع ة اش ھر ات ت اخ ر دورة ‪ ،‬ك انوا ثالث ة عش ر عنص راً ‪ ،‬ثالث ة رقب اء وعش رة جن ود ‪ ،‬عن دما دخل وا‬
‫ساحتنا ھبط قلبي بين قدميّ ‪ ،‬ففي المقدمة ك ان يس ير اخ ي االص غر س امر بلب اس الش رطة العس كرية ‪ ،‬عنم ا‬
‫اقتربوا اكثر تبينت انه شخص يشبه اخي كثيراً ‪ ،‬اسميته في سري " سامر" بينما الس جناء االخ رون س موه "‬
‫االعوج " النه كان يميل برأسه دوما ً الى جھة اليمين ‪.‬‬
‫في البداية ال تطلب االدارة من العناصر الجدد القيام بأي عمل على صعيد التعذيب او االعدامات ‪ ،‬يتركونھم‬
‫حوالي الشھر فقط يحضرون ويشاھدون م ا يج ري وھ م وق وف ‪ ،‬ودائم ا ً يك ون الج دد متھيب ين م ن االمس اك‬
‫بالكرباج او العصي ‪ ،‬وحتى بعد مضي الشھر وعندما يبدؤون بمشاركتھم تكون ضرباتھم حفيفة ومرتبكة ‪.‬‬
‫في االعدامات يوقفونھم على مبعدة من المشانق‪ ،‬ما ان تبدأ عملية الشنق حتى يكونوا قد اقترب وا م ن بعض ھم‬
‫اكثر ‪ ،‬اصفرت وجوھھم ‪ ،‬البعض يرتجف ويغض النظ ر وال بعض االخ ر يص اب بتقلص ات ف ي المع دة مم ا‬
‫يجعله يتقيأ ‪.‬‬
‫المساعد والعناص ر الق دماء ي رون ك ل ذل ك فيتع املون مع ه وك أنھم ل م ي روا ش يئا ً ‪ ،‬م ع حفل ة االع دام الثاني ة‬
‫والثالثة ‪ ...‬يسترخون ‪ ،‬يتجرؤون ‪ ،‬يصبحون طبيعيين كباقي زمالئھم ‪.‬‬
‫الرقي ب س امر " االع وج " وكن ت اراقب ه دائم ا َ ‪ ،‬عن دما حض ر اول حفل ة اع دام تقي أ بش دة حت ى خل ت ان ه‬
‫سيخرج امعاءه ‪ ،‬جلس على االرض وقد غطى عينيه بيديه الى نھاي ة االع دامات ‪ ،‬س اعده اثن ان م ن زمالئ ه‬
‫على النھوض وقاداه من تحت ابطيه الى خارج الساحة ‪.‬‬
‫اخر حفلة اعدام حضرھا كان نش يطا ً ج داَ ‪ ،‬بي ده عص ا طولھ ا اكث ر م ن مت ر ‪ ،‬يم ازح زمالئ ه وعل ى وجھ ه‬
‫ابتسامة دائمة ‪ ،‬عند االنتھاء من اخر وجبة اعدام وق ف ام ام اح د المش نوقين واخ ذ يؤرجح ه ‪ ،‬وض ع العص ا‬
‫على االرض آخذاً وضعية المالكم جاعالً من الجثة المعلقة كيس رمل ‪ ،‬اخذ يوجه لھا اللكم ات ‪ ،‬ص اح عل ى‬
‫الوحش ‪:‬‬
‫ وحش وال وحش ‪ ...‬تعال ھون ‪.‬‬‫ركض الوحش لعنده ‪.‬‬
‫ نعم سيدي ‪.‬‬‫‪84‬‬

‫ شوف ھـ الكلب ‪ ...‬صار له ربع ساعة معلق من رقبته ولسا ما مات ‪ ،‬شده من رجليه ‪ ...‬خليه يرتاح ‪.‬‬‫ضحك العناصر والبلديات الذين سمعوا ھذا الحديث متذكرين ما حصل للوحش ‪ ،‬ام ا ال وحش فق د وج م قل يالً‬
‫وھو ينظر الى سامر ‪.‬‬

‫‪ 24‬شباط‬
‫ھذا الشتاء كان بارداً جداً ‪ ،‬نزل ت امط ار غزي رة قلم ا تن زل ف ي الص حراء ‪ ،‬وخف ف ح دة الب رد ت وفر بع ض‬
‫االلبسة وخاصة الجوارب الصوفية ‪.‬‬
‫مضى ھذا الشتاء كما مضت الشتاءات االخ رى قبل ه ‪ ،‬عش رة ش تاءات وان ا ج الس ف ي نف س المك ان ‪ ،‬ض من‬
‫نفس الجدران ‪ ،‬الى جانبي الباب االسود ذات ه ‪ ،‬تغي رت كثي ر م ن الوج وه ح ولي ‪،‬الفرق ة الفدائي ة الت ي كان ت‬
‫تقوم بادخال الطعام والتطوع للذھاب لتلقي العقوبات بدالً عن المرض ى وكب ار الس ن ‪ ،‬والت ي كان ت موج ودة‬
‫لحظة ق دومي ال ى المھج ع ‪ ،‬ل م يب ق منھ ا اح د ‪ ،‬ام ا ش نقا ً او ق تالً او مرض ا ً ‪ ،‬ذھب وا ‪ ...‬غ ابوا جميع ا ً ‪ ،‬اب و‬
‫حسين رئيس المھجع الحالي اصبح حاجباه ابيضين ولم يكن بھما اي ة ش عرة بيض اء‪ ،‬رغ م انن ي ارى الجمي ع‬
‫يومي ا ً ولكن ي باس ترجاع ص ورھم قب ل عش ر س نوات ‪ ،‬اس تطيع ان الم ح اث ار ال زمن واث ار المعان اة عل ى‬
‫وجوھھم ‪ ،‬ترى كيف اصبح وجھي ؟!‪.‬‬
‫لو كسرة من مرآة ‪.‬‬
‫ال نعرف شيئا ً مطلقا ً عما يجري في عالم ما ھو خ ارج ھ ذا المھج ع ‪ ،‬حت ى الق ادمين الج دد ل م يكون وا ي أتون‬
‫من الحياة مباشرة ‪ ،‬اغلبھم يكون ق د امض ى س نتين او ثالث ة او اربع ة ف ي مراك ز المخ ابرات‪ ،‬وھ ؤالء عل ى‬
‫االغلب من قيادات التنظيمات ‪ ،‬يبقونھم في فروع المخابرات لضرورات التحقيق ‪ ،‬رغم ذل ك ف ان المس اجين‬
‫يظلون اياما ً عديدة يسألونھم عن الجدي د م ن االخب ار ‪ ،‬فاالخب ار قب ل س نتين او اربع ة تعتب ر جدي دة وطازج ة‬
‫قياسا ً باخبار ما قبل عشر سنوات ‪.‬‬
‫من ھؤالء الق ادمين الج دد " اب و القعق اع " واح د م ن أم راء الجماع ة المتش ددة ‪ ،‬وك ان كم ا فھم ت بط الً م ن‬
‫ابطال العمليات العسكرية التي قام بھا التنظيم ضد السلطات الحكومية ‪ ،‬وانه كان المخطط والمنف ذ لمجموع ة‬
‫من االعمال الجريئة التي القت الرعب في صفوف رجال االمن والمخابرات ‪.‬‬
‫لكن بعد ذلك سرى ھمس خافت داخل المھجع ب ين اش خاص م ن التنظيم ات االخ رى تق ول ‪ :‬ان ه ك ان جبان ا ً‬
‫جداً في التحقيق وان تعاونه مع المخابرات واعترافاته امامھم ادت ال ى الق اء الق بض عل ى كام ل الل واء ال ذي‬
‫كان يقوده وعدده اربعمائة مقاتل ‪ ،‬وقد اعدموا جميعا ً ‪ ،‬وان ھؤالء المقاتلين كانوا ناقمين جداً علي ه ‪ ،‬وع ّدوه‬
‫خائن ا ً واقس موا يمين ا ً جماعي ا ً " ان أي واح د م نھم س يخرج م ن الس جن ف ان اول عم ل يج ب ان يق وم ب ه ھ و‬
‫تصفية ابو القعقاع " ‪.‬‬
‫ولكن لم يخرج أي واحد منھم ‪.‬‬
‫بمجئ ابو القعقاع فقد المھجع ھدوءه وسالمه الداخلي ‪.‬‬
‫‪85‬‬

‫كان اول ما فعله ابو القعقاع ھ و تعرف ه عل ى اعض اء التنظ يم ‪ ،‬وھ ؤالء ك انوا ق د اص بحوا اقلي ة ف ي المھج ع‬
‫نتيجة النزيف المستمر بين صفوفھم ‪ ،‬وھم بالكاد يعدون اربعين شخصا ً ‪ ،‬لم يكن يعرف ف ي البداي ة أي ا ً م نھم‬
‫‪ ،‬فلم يسبق ان كان تحت امرته واحد من الموجودين ھنا ‪ ،‬بعد ان تعرف عليھم زارھم واح داً واح داً ‪ ،‬خ الل‬
‫يومين كان ينتقل من فراش الى فراش ‪ ،‬بعد ذلك اخذ يعقد اجتماعات ‪ ،‬في اول اجتماع الول مجموعة الحظ‬
‫انھم متحفظ ون تجاھ ه ‪ ،‬ودون ان يس اله اح د ‪ ،‬ب دأ برواي ة طريق ة اعتقال ه والتحقي ق مع ه واكث ر حديث ه ك ان‬
‫بالعربية الفصحى ‪:‬‬
‫" ‪ ...‬وھيك استمر تبادل اطالق النار بيننا وبينھم اربع ساعات ‪ ،‬كنا نحن في الطابق الرابع وكانوا قد احتل وا‬
‫جميع االسطحة والشوارع المحيطة ببنايتنا ‪ ،‬بدأت ذخيرتن ا تنف ذ ‪ ،‬وك ان مع ي ثالث ة اخ وة عل يھم رحم ة ﷲ‪،‬‬
‫الفاتحة على روحھم يا اخواني – وقرأ جميع الحاضرين الفاتحة ومسحوا وجوھھم ‪ ، -‬كل واح د م ن الش باب‬
‫استلم شباك من شبابيك البيت ‪ ،‬انا استلمت الباب ‪ ،‬منعت ايا ً من المجرمين الصعود و الن زول عل ى ال درج ‪،‬‬
‫لكن بعد اربع ساعات استخدموا ضدنا الـ ‪ -‬ار‪ ،‬بي ‪ ،‬ج ي ‪ ، -‬ادخل وا القذيف ة م ن اح د الش بابيك ‪ ،‬ان ا انق ذفت‬
‫عل ى ال درج ول م اص ب ‪ ،‬ام ا الش باب الثالث ة ‪ -‬ص مت قص ير ‪ -‬اللھ م اجع ل مث واھم الجن ة ‪ -‬آم ين ‪ -‬عن دھا‬
‫قررت االنسحاب من الحركة رغم الحصار ‪ ،‬حملت معي خمسة مخازن ونزلت عل ى ال درج ‪ ،‬ك ل عس كري‬
‫كان قدامي بعثته الى جھنم ‪ ،‬صرت بالشارع ‪ ،‬ركضت وانا ارش الطلقات يمينا ً وشماالً حتى اصبت ‪ ،‬واح د‬
‫كلب كان بزاوية الشارع وجه لي صلية رصاص ‪ ،‬اصبت بثالث طلقات ‪ ،‬واحدة في الفخذ باللحم م ا ص ابت‬
‫العظم ‪ ،‬واحدة مسحت راسي مس حا ً ف وق االذن ‪ -‬ھ اي محلھ ا ‪ -‬واراھ م خط ا ً طوالني ا ً ف وق االذن خالي ا ً م ن‬
‫الش عر‪ ،‬الثالث ة اص ابت ص دري ف وق الرئ ة اليمن ى وخرج ت م ن ظھ ري ‪ -‬خل ع قميص ه وب ان مك ان دخ ول‬
‫الطلقة ‪ ،‬حفرة صغيرة ‪ ،‬ومكان خروجھا ‪ ،‬حفرة كبيرة ‪ ، -‬وقعت على االرض وطارت البارودة م ن ي دي ‪،‬‬
‫مديت يدي لكي اسحب قنبلة يدوية ‪ ...‬ما لحقت ‪ ،‬كانوا صاروا فوقي والسبطانات موجھة الى رأسي ‪.‬‬
‫مباشرة اخذوني الى فرع المخابرات ‪ ،‬لم يضمدوا جروح ي ‪ ،‬ابت دؤوا التحقي ق ف وراً ‪ ،‬رفض ت االجاب ة عل ى‬
‫أي سؤال اذا لم يتم اسعافي الى المشفى ‪ ،‬قال لي ضابط التحقيق وھو يبتسم ‪:‬‬
‫ تكرم شواربك وذقنك ‪ ...‬ھلق راح نسعفك !‪.‬‬‫احضروا حبالً رفيعا ً ومتينا ً ضموه في مس لّة كبي رة وادخل وا المس لّة ف ي مك ان دخ ول الطلق ة واخرجوھ ا م ن‬
‫مكان خروجھا والحبل وراءھا‪ ،‬سحبوا الحبل وعقدوه عقدة متينة ثم رفعوني وعلقوني بواسطة الحبل ‪ ،‬أخ ذ‬
‫الحبل يحز اللحم وأحسست انني سأشنق ‪ ،‬غبت عن الوعي عدة مرات وھم يرشقوني بالماء ألص حو ‪ ،‬ك انوا‬
‫يريدون معلومات سريعة ‪ ،‬رغم ذلك رفضت أن أعطيھم حتى اسمي ‪ ،‬كانت اآلالم فوق طاقة البشر ‪ ،‬ويب دو‬
‫أن عظم الكتف قد أوقف الحبل‪ ،‬أصبح ثقل جسمي كله علي ه ‪ ،‬ب دأ ين زاح م ن مكان ه ‪ ،‬ولح د اآلن ف إن وض ع‬
‫كتفي ويدي غير طبيعي ‪.‬‬
‫لم يدم األمر طويال ألنھم في ھذه الفترة كانوا قد فتشوا الشقة ووج دوا جمي ع وثائقن ا وس جالتنا ‪ ،‬لطالم ا كن ت‬
‫أح ذر المس ؤول الم الي ـ رحم ه ﷲ وس امحه ـ أال يح تفظ بأي ة وثيق ة ‪ ،‬لك نھم وج دوا س جال ك ان ق د دون في ه‬
‫‪86‬‬

‫أس ماء جمي ع اإلخ وة ومص اريفھم ‪ ،‬أج ور الش قق الت ي يس كنونھا وعق ود االيج ار الخاص ة بك ل ش قة ‪ ...‬م ن‬
‫خالل ھذا السجل وفي الليل كانوا قد اعتقلوا الجميع ‪" .‬‬
‫ك ان ي تكلم بطريق ة س ردية عادي ة ‪ ،‬ال تحم ل أي ة نب رة لل دفاع وكأن ه غي ر م تھم البت ة ‪ ،‬وس رعان م ا تج اوز‬
‫موضوع االعتقال وتوابعه وابتدأ حديثا دينيا متينا عن اإليمان وقوته والجھاد وضرورته ‪ ،‬مع اني االستش ھاد‬
‫‪ ،‬ال دار اآلخ رة ‪ ،‬الجن ة ومحتوياتھ ا ‪ ،‬ول م ي نقض ھ ذا الي وم اال وك ان ق د أص بح زعيم ا ال ين اقش ‪ ،‬والتف ت‬
‫الجماعة المتشددة حوله بقوة ‪.‬‬
‫خ الل العش رة أي ام التالي ة ب دأ بالمجموع ات األخ رى ‪ ،‬خاص ة المجموع ة الت ي ينتم ي اليھ ا الش يخ محم ود‬
‫والدكتور زاھي ‪ ،‬وھي مجموعة نق يض للمتش ددين ‪ ،‬ال ت ؤمن ب العنف والكف اح المس لح ‪ ،‬تمي ل ال ى الوس ائل‬
‫السلمية ‪.‬‬
‫ھاجمھ ا بش دة مس فھا آراءھ ا ودع ا كب ارھم ال ى س جال ونق اش علن ي " ألن م ن واجب ه ھ دايتھم ال ى الطري ق‬
‫القويم " وكان رد فعلھم عنيفا ومترفعا ‪ ،‬رفضوا أي حوار معه " نح ن لس نا بحاج ة ال ى ش خص مثل ك ‪ ،‬ب اع‬
‫نفسه للمخابرات حت ى يھ دينا ‪ ".‬ك ذلك ك ان رد الجماع ات الص وفية ال ذين اتھمھ م ب أنھم عب ارة ع ن دراوي ش‬
‫وجھلة " وأصحاب بدع في االسالم ‪ " .‬وأنھم قد أھملوا ركن الجھاد في االسالم ‪.‬‬
‫عشرة أيام تقريبا قسمت المھجع الى معسكرين ‪ ،‬أبو القعقاع وجماعته م ن ط رف وب اقي المھج ع م ن ط رف‬
‫آخر ‪ ،‬واستطاع أبو القعقاع ببراعة أن يكسب ع داء الجمي ع ‪ ،‬خاص ة أن ه اس تمر ف ي اح راجھم وتح ديھم بع د‬
‫رفضھم الدخول في سجال معه حول جوھر الدين االسالمي وتعاليمه ‪.‬‬
‫نعتھم بالجبن وطالب أن تك ون الص الة علني ة حت ى أم ام ادارة الس جن ‪ ،‬فقوبل ت دعوت ه ھ ذه باالس تھزاء م ن‬
‫الجميع ‪ ،‬حتى أن بعض أفراد مجموعته نصحوه ب التخلي عنھ ا ‪ ،‬دع ا بع د ذل ك ال ى أن تك ون الفرق ة الفدائي ة‬
‫مؤلفة من جميع التنظيمات وأن ال تكون طوعية ‪ ،‬ألن الجھاد فرض عين على كل مسلم ‪ ،‬وقب ل الجمي ع ھ ذا‬
‫األمر‪ ،‬لكن جماعته والذين ھم في الحقيقة كانوا دائما قوام الفرقة الفدائية رفضوه ألنه سيفقدھم مكان ة وتمي زا‬
‫طالما تمتعوا بھا طوال السنوات السابقة " نحن نقوم بھذا العم ل لوج ه ﷲ ‪ ،‬وأجرن ا عن ده ‪ ،‬وال يمك ن اجب ار‬
‫أحد على ھذا " ‪.‬‬
‫فشل أبو القعقاع في كل شيء ونجح في كسب عداء الجميع ‪ ،‬كان قد مضى عل ى وج وده ف ي المھج ع خمس ة‬
‫عشر يوما عندما اعتقد أنه قبض على المسألة التي سيحرج بھ ا الجمي ع ‪ ،‬ال أدري م ن م ن مجموعت ه أخب ره‬
‫بموضوعي ‪ ،‬عندھا جابه الجميع ‪:‬‬
‫" ‪ ...‬كيف تقولون عن أنفسكم أنكم مس لمون وتس محون لجاس وس ك افر أن يع يش بي نكم ؟ م ع أن ﷲ س بحانه‬
‫وتعالى قال ‪ :‬واقتلوھم حيثما ثقفتموھم ؟ ! " ‪.‬‬
‫وطالب الجميع بمحاكمتي وانزال حد ﷲ بي ‪ ،‬وحد الكفر والشرك با ھو القتل ‪.‬‬
‫أصبحت حياتي معلقة على رد فعل المجموع ات االخ رى ‪ ،‬وق د كان ت كلھ ا حيادي ة ‪ ،‬ف األمر ال يعنيھ ا وھ ي‬
‫بغنى عن تفجير مشكلة غير معروفة النتائج مع أبو القعقاع وجماعته ‪.‬‬
‫‪87‬‬

‫لكن مجموعة المرحوم الشيخ محمود كان لھا رأي آخر ‪ ،‬ووقف أبو حسين كالجب ل ال يتزح زح وأعل ن وھ و‬
‫في منتصف المھجع ـ وكان الموضوع قد خرج من اطار الھمس الى النقاش العلني وبأص وات مرتفع ة ـ ق ال‬
‫أبو حسين موجھا كالمه الى أبو القعقاع ‪:‬‬
‫ أوال من أنت حتى تحاسب وتحاكم البشر ؟! ان ھذا الرجل " وأشار بيده الي ّ " مضى عل ى وج وده بينن ا‬‫سنوات طويلة ولم نر منه شيء سيئا ‪ ،‬وھو رجل مسكين حت ى ان ه ال ي تكلم ‪ ،‬وال أح د يع رف م ا بقلب ه ‪،‬‬
‫فبأي حق تحاسبه وتحاكمه وتريد قتله ؟‪ ،‬اعلم يا أبو القعقاع أن له ربا يحاسبه ويحاسبك ويحاسبنا جميع ا‬
‫‪ ،‬وليس أنت ‪.‬‬
‫ثانيا أعلم يا أبو القعقاع أن الشيخ محمود رحمه ﷲ قد منع ايذاء ھذا الرجل ‪ ،‬وأنه أجاره وحم اه ‪ ،‬ونح ن‬
‫ال يمكن أن نسمح ألحد أن يؤذي شخصا كان الشيخ محمود قد أجاره ‪.‬‬
‫ثالثا ليعلم الجميع وأنت أولھم أن أية محاولة للمساس بھذا الشخص ستقابل من جھتنا بأعنف الردود ‪.‬‬
‫بينما كان أبو حسين يتكلم نھض أبو القعقاع ووقف قبالته ‪ ،‬ودارت معركة كالمية بين االثنين ‪.‬‬
‫رد أبو القعقاع ردا قوي ا ‪ ،‬اس تند في ه ال ى مجموع ة م ن اآلي ات القرآني ة وأحادي ث الرس ول وح وادث م ن‬
‫التاريخ االسالمي ‪ ،‬كان من في المھج ع يھ زون رؤوس ھم دالل ة الموافق ة ‪ ،‬وخل ت ان ه س ينجح ف ي اقن اع‬
‫الجميع ‪ ،‬لكن أبو حسين التقط الحديث وبدأ يرد عليه وقد ارتفع صوته ‪.‬‬
‫جاء ايضا بمجموعة من اآليات القرآنية واألحاديث والسيرة النبوية تدحض وتناقض جميع ما استشھد ب ه‬
‫أبو القعقاع ‪ ،‬ايضا كان جميع من في المھجع حتى بعض من مجموعة أبو القعقاع يھزون رؤوسھم داللة‬
‫الموافقة واالقتناع ‪ ،‬كان رد أبو حسين مفحما ‪ ،‬ولم يشأ أبو القعقاع ان ينھزم فأنبرى يرد ‪ ...‬وأبو حسين‬
‫يرد ‪ ،‬وكان كالھما مقنعا للجميع ‪.‬‬
‫ارتفعت األصوات كثيرا ‪ ،‬وفي غمرة النقاش برز الشرطي فوق الشراقة ‪ ،‬صاح ‪:‬‬
‫ شو ھالصوت يا رئيس المھجع يا جحش ؟‬‫علّم الشرطي الشخصين الواقفين ‪ ،‬أبو حسين وأبو القعقاع ‪ ،‬ومن السطح اخبر الرقيب الموجود في الساحة ‪،‬‬
‫فأخرجوھما وخمسمائة جلدة لكل منھما ‪.‬‬
‫منذ لحظة خروجھما الى ح ين عودتھم ا ران الص مت عل ى المھج ع ‪ ،‬لك ن م ا ان اغل ق الش رطة الب اب حت ى‬
‫عادا الى المعركة الكالمية ‪ ،‬وبدأھا ابو حسين قائالً ‪:‬‬
‫ خاف ربك يا رجل ‪ ...‬انت السبب بالعقوبة ‪ ،‬انت مبسوط ھلق ؟ ‪.‬‬‫واستأنفا المعركة الكالمية ‪ ،‬وبعد اكثر من ساعة قال ابو حسين ‪:‬‬
‫ ھذا حكينا وما في عندنا غيره ‪ ...‬وكل واحد يقعد على فرشته ومو ناقصنا زعماء ھون ‪.‬‬‫ ما في حدا بدو يعمل زعيم ‪ ...‬وامر ﷲ بدنا نطيعه ونطبقه ‪ ،‬سواء رضيتم ام ال ‪.‬‬‫توتر جو المھجع كثيراً ‪ ،‬فكرت انه يجب ان اتدخل ‪ ،‬ان اخرج من القوقعة ‪ ،‬ولك ن كي ف ؟‪ ...‬اق ف واحك ي‬
‫لھم حكايتي ؟ ‪ ...‬افند كل التھم التي وجھت لي ؟ ‪ ...‬ان اكون مسيحيا ً ھ ذه ليس ت تھم ة ‪ ،‬الن تع اليم االس الم‬
‫الحقيقية تأمرھم بحسن معاملة المسيحين ‪ ،‬ان اكون جاسوسا ً !‪ ...‬اظن ان ھذه التھمة قد سقطت بالتقادم ‪ ،‬فلو‬
‫‪88‬‬

‫كنت جاسوسا ً لما انتظرت اكثر من عشر سنوات حتى امارس جاسوسيتي ‪ ،‬ولكن تھمة الكفر وااللح اد كي ف‬
‫سأدافع عنھا ؟‪ ...‬صحيح ان كل من سمعني اقول انني ملحد قد مات ‪ ،‬ولكن اذا سألوني في سياق دفاعي ھل‬
‫استطيع ان اقول لھم انني مؤمن ؟!‪ ..‬ال اعتقد ذلك ‪ ،‬ولم اتوصل الى قرار ‪.‬‬
‫بقي الجو مشحونا ً بالتوتر ‪ ،‬وب دا ان مجموع ة اب و القعق اع بص دد عم ل م ا ‪ ،‬فاحترس ت ‪ ،‬لك ن مجموع ة اب و‬
‫حسين اتخذت مجموعة من االجراءات ‪ ،‬طوال النھار كان ثالثة منھم يجلس ون عل ى ف راش اب و حس ين عل ى‬
‫يساري ‪ ،‬ثالث ة اخ رون يجلس ون عل ى ف راش ج اري اليمين ي ‪ ،‬ف ي اللي ل يق وم واح د م نھم بنق ل فراش ه فين ام‬
‫امامي عند قدمي في الممر ‪ ،‬وھكذا اكون محاطا ً بھم ‪ ،‬عندما اقوم الذھب الى المغاسل كنت االحظ ان اثن ين‬
‫من المجموعة يقومان وبشكل عفوي يرافقاني وكأنھما ذاھبان الى المغاسل عرضا ً ‪.‬‬
‫اذن ھم يحرسوني ‪.‬‬
‫بقي الوضع ھكذا ثالثة ايام ‪ ،‬في اليوم الرابع افتعل بضعة اشخاص من المتشددين امام المغاس ل ذريع ة عل ى‬
‫واحد من ال ذين يقوم ون بحراس تي واش تبكوا مع ه باالي دي ‪ ،‬خ الل ث وان قليل ة كان ت دم اؤه تس يل م ن انف ه ‪،‬‬
‫وكان اكثر من مئتي شخص قد وقفوا واشتبكوا مع بعضھم البعض ‪ ،‬ولم يعد من الممكن معرف ة م ن يض رب‬
‫م ن ‪ ،‬او م ن ال ذي يح اول ف ض المعرك ة الت ي اس تمرت دق ائق قليل ة س الت خاللھ ا دم اء كثي رة ‪ ،‬ول م يك ن‬
‫باالمكان اخفاء ھكذا ضجة ‪.‬‬
‫كنت واقفا ً الى جانب الباب ‪ ،‬ل م يش ترك اب و حس ين وال اب و القعق اع ‪ ...‬الش باب الص غار فق ط ‪ ،‬وعن دما ف تح‬
‫عناصر الشرطة الباب ‪ ،‬توقفت المعركة اليا ً ‪.‬‬
‫ح اول اب و حس ين االدع اء ان بع ض الش باب ك انوا يلعب ون !! ص رخ الرقي ب بوجھ ه ش اتما ً إي اه ‪ " ...‬نح ن‬
‫جايبنكم مشان تلعبوا ‪ ..‬مــــا " وامر بخروج الجمي ع ال ى الس احة ‪ ،‬فخرج وا ‪ ...‬وكلم ا راى الرقي ب شخص ا ً‬
‫عليه اثار دماء يلتفت الى ابو حسين ويقول ‪:‬‬
‫ رياضة ‪ ...‬يا عرص مو ‪ ..‬قلت لي رياضة !‪.‬‬‫عوقب المھجع بأكمله عقابا ً شديداً ‪ ،‬وقد ضربني احد العناصر بالكبل الرب اعي عل ى ندب ة ق دمي مم ا آلمين ي‬
‫كثيراً ‪ ،‬ادخلونا واغلقوا الباب مع التھديد والشتائم ‪.‬‬
‫كنت قد نسيت عادة الكالم ‪ ،‬لكن لحظتھا اعتقدت انني اذا لم اتكلم فس وف اختن ق ‪ ،‬ش حنت نفس ي ب أقوال اب ي‬
‫وخالي لي منذ الصغر عن ضرورة ان اكون رجالً يتحمل المسؤولية ‪.‬‬
‫مشيت الى منتصف المھجع ووقفت ‪ ،‬من اآلالم بالكاد كن ت اق ف ‪ ،‬عن دما رأون ي ادي ر نظ ري الش مل جمي ع‬
‫من في المھجع ‪ ،‬سكتوا ‪ ،‬اثنان من حراسي نھضا فوراً ووقفا الى جانبي ‪ ،‬اشرت لھما ان يعودا الى مكانھما‬
‫‪ ،‬تلكآ ‪ ،‬لكنھما عادا ‪.‬‬
‫لم اكن خطيبا ً في يوم من االيام ‪ ،‬ولم اقف ابداً التكلم امام مئات العيون المحدقة بي ‪ ،‬ك ذلك ل م ادع الش جاعة‬
‫يوما ً ‪ ،‬بل على العكس فان ھذه التجربة في االعتقال والسجن اظھرت لي على االقل انني اقرب ال ى الج بن ‪،‬‬
‫لكنه االلم والقھر والعذاب ‪ ،‬الصوم االجباري عن الكالم ‪ ،‬توجھت بنظري ويدي الى اب و القعق اع وص رخت‬
‫بصوت قوي " انا نفسي استنكرته " قلت ‪:‬‬
‫‪89‬‬

‫ يا ابو القعقاع ‪ ...‬تريد ان تقتلني ؟‪ ...‬تفضل ھذا انا‪ ،‬عاريا ً امامك " لم ادر لماذا كنت اخاطبھم بالفصحى‬‫" ‪ ...‬تفضل ‪ ،‬ولك ن قب ل ان تقتلن ي اج ب عل ى اس ئلتي ‪ ،‬ھ ل تري د ان تقتلن ي بص فتك وك يالً ع ن ﷲ ف ي‬
‫االرض ؟‪ ...‬ھل تستطيع ان تثبت انك وكيله ؟‪ ...‬واذا اثيت ذلك ‪ ...‬ھل تستطيع ان تثب ت ل ي ولألخ رين‬
‫انه اصدر لك امراً بقتلي ؟‪ ...‬ال اعتقد ذلك ‪ ،‬واجزم انك لست وكيل ﷲ ‪.‬‬
‫يا ابو القعقاع ان ت تري د قتل ي الرض اء ش ھوة القت ل ل ديك ‪ ،‬وارج و ان اك ون مخطئ ا ً ف ي ذل ك ‪ ،‬ارج و ان ال‬
‫تكون شخصا ً حاقداً موتوراً ‪ ،‬ارجو ان ال تك ون ك العقرب ان ل م تج د م ن تلس عه فھ ي تلس ع نفس ھا ‪ ...‬ولك ن‬
‫اقول ‪ ،‬واشھد جميع الناس ھنا ‪ ،‬اذا كان قتلي يح ل المش كلة فتفض ل ‪ ،‬ارس ل واح داً م ن جماعت ك لقتل ي وان ا‬
‫اسامحكم بدمي ‪.‬‬
‫سكت قليال ‪ ،‬ثم التفت الى مجموع الناس ‪ ،‬وبصوت أقل حدة قلت ‪:‬‬
‫ يا جماعة ‪ ....‬أكثر من عشر سنوات حكمتم عليّ بالسكوت ‪ ،‬لقد سمعتكم كثيرا ‪ ،‬واآلن اسمعوني ل دقائق‬‫فقط ‪...‬‬
‫قلت لھم م ن أن ا ‪ ،‬وكي ف أتي ت ال ى ھن ا ‪ ،‬دافع ت ع ن نفس ي ض د ال تھم ال ثالث ‪ ،‬وعن دما وص لت ال ى تھم ة‬
‫االلحاد ‪ ،‬عدت لمخاطبة أبو القعقاع ‪:‬‬
‫ يا أبو القعقاع ‪ ...‬انما مسألة اإليمان أو ع دم اإليم ان مس ألة شخص ية بح ت ‪ ،‬وعلي ك أن ت وجمي ع الن اس‬‫أمثالك أن يفھموا ذلك ‪ ،‬اإليمان ھو عالقة خاصة بين كل شخص وخالقه ‪ ،‬وأن ت تع رف أن ه ل يس ص عبا‬
‫عليّ أو على غيري أن يقول ‪ :‬أشھد أن ال إله إال ﷲ وأشھد أن محمدا رسول ﷲ ‪ ،‬ولكن لو قلت أن ا ذل ك‬
‫لقلت أنت وأمثالك أنه كان ملحدا وأسلم خوفا ‪ ،‬ال ‪ ...‬أن ا لس ت خائف ا من ك ‪ ،‬ول ن أك ون منافق ا أو كاذب ا ‪،‬‬
‫واذا قلت لك فقط انني مسيحي ومتمسك بديني ‪ ،‬فلن تسطيع أن تفعل شيئا حي ال ذل ك ‪ ،‬ألن دين ك ي أمرك‬
‫أن تحسن معاملة المسيحيين‪ ،‬لكن حتى ھذا لن أقول ه ‪ ...‬ل ئال تق ول ان ه خ ائف ‪ ...‬أب و القعق اع ‪ :‬اس معني‬
‫جيدا ‪ ...‬أنا لست خائفا منك ‪ ...‬أنت لست ربي ألقدم لك كشف حساب ‪ ...‬واذا كنت مقتنعا بقتلي فھي ا ‪...‬‬
‫قم وال تخف ‪.‬‬
‫سكت عندھا ‪ ،‬بقيت واقفا أبادل أبوالقعقاع النظرات ‪ ،‬جاھدت أال ت رفّ عي وني ‪ ،‬وم ن خلف ي أمس كت ب ي ي د‬
‫أبو حسين وقادتني الى فراشي ‪.‬‬
‫ خلص بقا ‪ ...‬اسكت ‪ ...‬ال تتحداه أكثر م ن ھي ك ‪ ...‬أظ ن أن المش كلة انحل ت ‪ ،‬ﷲ يعطي ك العافي ة ‪ ،‬ب س‬‫ھلق اسكت ‪.‬‬
‫وفعال كما قال أبو حسين انحلت المشكلة ‪ ،‬وبعد يومين انحلت نھائيا ‪ ،‬فقد كان أحد الخميسات وخرج فيه أب و‬
‫القعقاع الى اإلعدام ‪.‬‬
‫أقام له المھجع صالة الجنازة ‪ ،‬ترحموا عليه ‪ ،‬أما أبو حسين فقد علق موجھا الحديث لي ‪:‬‬
‫ ﷲ يرحمه ‪ ...‬وال يجوز على الميت إال الرحمة ‪ ،‬واذكروا حس نات موت اكم ‪ ،‬لك ن ي ا أخ ي كلھ ا عش رين‬‫يوم قضاھا ھون ‪ ...‬كأنه اعصار دخل ھـ المھجع ‪ ...‬ﷲ يرحمه !! قل ب المھج ع فوق اني تحت اني ! ‪ .‬ﷲ‬
‫يرحمه ‪ ...‬يا ﷲ بتعيش كثير ‪ ...‬بتشوف كثير ‪.‬‬
‫‪90‬‬

‫تحسنت عالقتي م ع أب و حس ين وأخ ذنا نتب ادل األحادي ث‬

‫" قل ت ف ي س ري ‪ ...‬ل و أن أب و القعق اع آت ى م ن‬

‫زمان طويل ! " كان أبو حسين يسألني عن فرنسا ‪ ،‬والحي اة ف ي فرنس ا ‪ ،‬وعل ى األخ ص ع ن نس اء فرنس ا ‪،‬‬
‫وكنت أتكلم ‪ ...‬وأتكلم ‪ ...‬أغوص بالتفاصيل ‪ ،‬عندي جوع كبير للكالم ‪ ،‬ألتفت اليه وأمازحه قليال ‪:‬‬
‫ شو يا أبو حسين ؟ ‪ ...‬شايفك عم تسأل عن النسوان كثير ‪ ،‬مانك خايف تسمعك أم حسين ؟ ! ‪.‬‬‫ لك يا أخي ‪ ...‬أم حسين على عين ي وراس ي ‪ ،‬ب س ھل ق بتك ون كب رت وص ارت ختي ارة ‪ ،‬واذا ﷲ ف رّ ج‬‫عنا ‪ ...‬ان شاء ﷲ راح اتجوز واحدة فرنساوية ‪ ...‬با عليك قل لي ‪ ...‬بفرنسا في مسلمات ؟‪.‬‬
‫ اي طبعا في مسلمات ‪.‬‬‫‪ -‬الحمد‬

‫‪ ...‬الحمد‬

‫" يضحك " ھلق أمنت مستقبلي ‪.‬‬

‫باإلضافة الى أبو حسين ھناك أربعة أطب اء فق ط كس روا الح اجز المض روب ح ولي ‪ ،‬و األطب اء األربع ة م ن‬
‫خريجي الدول األوربية ‪ ،‬أحدھم خ ريج فرنس ا ‪ ،‬ب دأ يجل س عن دي ‪ ،‬وم ن ث اني جلس ة اقت رح عل يّ أن يك ون‬
‫حديثنا باللغة الفرنسية ‪.‬‬
‫اكتشفت انه قد عاش حياته طوال وعرضا ‪ ،‬وانه لم يكن يتبع التعاليم الدينية إال في شھر رمضان ‪ ،‬ففي ه ك ان‬
‫يصوم ويصلي فقط وما عدا ذلك فال عالقة له ال بالسياسة وال بالتنظيمات وال بغيرھا ‪.‬‬
‫قلت له بالفرنسية مستفسرا ‪:‬‬
‫ طيب ‪ ...‬اذا كان األمر كذلك ‪ ،‬فلماذا اعتقلوك ؟‬‫ اذا كنت أنت تستطيع اإلجابة على ھذا السؤال ‪ ...‬فأنا استطيع !‪.‬‬‫أبو حسين يضيق ذرعا باألحاديث الفرنسية ‪:‬‬
‫ يا شباب ‪ ...‬خلصونا ‪ ...‬يكفي تعوجوا لسانكم ‪ ...‬احكوا عربي حتى نفھم عليكم ‪.‬‬‫كانت األحاديث بالفرنسية تسكرني ‪ ...‬تدوخني ‪ ،‬فعلت في داخلي أكثر مما فعلت رؤية الخيار ألول مرة ‪.‬‬
‫نتبادل الذكريات عن أمكنة زرناھا ونعرفھا كالنا ‪ ،‬أصبحت عالقتنا الثنائية عالقة حميمية لحظية ‪.‬‬
‫في احدى المرات وأنا أتلذذ وأنتشي بالتأكيد على مخارج الحروف الفرنسية ‪ ،‬نظر اليّ وباغتني بالسؤال ‪:‬‬
‫ يا أخي ‪ ...‬مادام أنت ھيك ‪ ...‬يعني عاقل !‪ ...‬ليش كنت تغطي حالك بالبطانية مثل ھ ذا المجن ون دكت ور‬‫الجيولوجيا ؟‪.‬‬
‫سكت قليال ‪ ...‬ثم أخبرته بسري الكبير ‪ ،‬سر الثقب !!‪.‬‬
‫أخبرته به بالفرنسية ‪ ،‬لكنه أجاب باللغة العربية بعد أن اتسعت عيناه وتدلت شفته السفلى ‪:‬‬
‫ العماااااا ش ‪...‬ونحن كنا نقول عنك أھبل !! ‪.‬‬‫س أل ان ك ان يس تطيع أن ينظ ر م ن خالل ه ‪ ،‬أعلمت ه أن ھ ذا مس تحيل اآلن ألن ه س يلفت انتب اه الجمي ع ‪ ،‬ث م‬
‫عرض بعد قليل أن نخبر أبو حسين فوافقته ‪.‬‬
‫كانت ردة فعل أبو حسين شبيھة بردة فعل الدكتور نس يم ‪ ،‬ارتس مت عل ى وجھ ه ام ارات الدھش ة ‪ ،‬واس تخدم‬
‫نفس الكلمة ‪:‬‬
‫‪91‬‬

‫ العماااااش ‪ ...‬وﷲ تاريك مو قليل !‪ ...‬يا ما تحت السواھي دواھ ي !‪ ...‬ول ك طل ع ص حيح ان ك جاس وس‬‫‪ ...‬بس جاسوس عـ الشرطة مو للشرطة!‪.‬‬
‫بعد يومين أبلغنا أبو حسين أنه قرر اعالم جميع الن اس ف ي المھج ع ب األمر ‪ ،‬حت ى يمك ن اس تخدامه بحري ة ‪،‬‬
‫وألن كل الناس ھنا مأمونون ‪ ،‬وھكذا تم ‪.‬‬
‫باستثناء أبو حسين واألطباء " وعلى رأسھم الدكتور نسيم " فإن الجميع بقي متحفظا تجاھي ‪.‬‬
‫علمت انھم ناقشوا األمر فيما بينھم ‪ ،‬وخرجوا بنتيجة ‪:‬ان كالمي بخص وص دف ع تھم ة االلح اد ملت بس وغي ر‬
‫مقنع ‪ ،‬وانني لو كنت مؤمنا بحق سواء بالدين المسيحي أو االسالم لما ترددت في اعالن ذلك " فال دين يج ب‬
‫أن يكون جھرا " ‪.‬‬
‫لكن بالمقابل لم يبق ھناك أي تھديد لحياتي ‪ ،‬وھكذا فقد حصلت على أول حق من حقوقي األساسية كإنسان "‬
‫حق الحياة " ‪ ،‬حصلت عليه من السندان " الجماعة األسالمية " ولكن لم أحصل عليه من المطرقة " الشرطة‬
‫"فال زال أي رقيب في الساحة يستطيع وبضربة عصا أن يرسلني الى الحياة األخرى ‪.‬‬

‫‪ 6‬تشرين األول‬
‫األش ھر القليل ة الماض ية مض ت بس رعة ‪ ،‬ال دكتور نس يم وھ و كالنس يم فع ال م أل عل ي ّ س اعات ي وم الس جن‬
‫الطويلة ‪ ،‬كنا ال نكاد نفترق ‪ ،‬وبعد فترة من تعارفنا اتفق مع ج اري وتب ادال األمكن ة ‪ ،‬نس تيقظ ص باحا ودون‬
‫ان نتحرك من تحت البطانية نستأنف حديثا لم يكتمل البارحة ‪ ،‬نأك ل س وية ‪ ،‬نتح ادث ‪ ،‬قمن ا بتص نيع أحج ار‬
‫شطرنج من العجين ‪ ،‬استغرق صنعھا أكثر من عشرين يوما ‪ ،‬وكان ش طرنجا جم يال ‪ ،‬فنس يم بج وھره فن ان‬
‫وشاعر ‪ ،‬مرھف االحساس ‪ ،‬يتلمس الجمال في مواطنه ‪ ،‬كان ت امني ة حيات ه ان ي درس الف ن التش كيلي‪ ،‬لك ن‬
‫ضغط األھل اجبره على دراسة الط ب ‪ ،‬ورغ م ذل ك فان ه ت رك الط ب لم دة ع ام كام ل عن دما ك ان ف ي الس نة‬
‫الرابعة واشترك مع فنان آخر في محترف بباريس ‪ ،‬وعاد أبوه ليجبره على العودة لدراسة الطب ‪ ،‬رغم ذلك‬
‫لم ينقطع عن الرسم ابدا ‪.‬‬
‫كنا نكشط األجزاء المحروقة من الخبز ونجمعھا ومنھا اللون األسود ‪ ،‬نض ع قل يال م ن مرق ة رب البن دورة ‪،‬‬
‫نتركھا عدة أي ام لتتكث ف وتج ف ومنھ ا الل ون االحم ر ‪ ،‬م ن ل ب الخب ز العس كري نص نع العج ين ‪ ،‬وم ن ھ ذا‬
‫العجين الممزوج بھ ذه األل وان ك وّ ن نس يم أحج ار ش طرنج ك ل م ن رآھ ا ش ھق ‪ ،‬ث م أخ ذ يص يغ أش كاالً فني ة‬
‫مبتكرة آية في الجمال والذوق ‪.‬‬
‫نتحدث بالفرنسية ‪ ،‬نتحدث بالعربية ‪ ،‬نلعب الشطرنج ‪ ،‬نراقب الساحة من خ الل الثق ب ‪ ،‬وبع د أن ننھ ي ك ل‬
‫ذلك ‪ ،‬واذا بقي القليل من الوقت فان نسيم يتناول قطعة م ن العج ين ويب دأ بتش كيلھا ‪ ،‬وف ي ك ل األش كال الت ي‬
‫صاغھا تلمس المرأة والحنين اليھا " عاش نسيم قص ة ح ب كبي رة ال زال ت تحف ر ف ي وجدان ه ‪ ،‬وعن د حديث ه‬
‫عنھا اعتبرھا معنى حياته ‪ ،‬وايضا احدى أكبر خيبات ه ف ي الحي اة ‪ ،‬وأول ى ھ ذه الخيب ات دراس ة الط ب تح ت‬
‫ضغط األھل والمجتمع "‪.‬‬
‫مرة ودون مقدمات سألته فجأة ‪:‬‬
‫ اآلن ‪ ..‬ھل تواظب على الصالة ؟‬‫‪92‬‬

‫ببساطة شديدة قال ‪:‬‬
‫ منذ انا أصبحت بين ھؤالء ‪ ..‬لم أعد أصلي ‪.‬‬‫ ولكن ما الذي قذف بك الى ھنا بينھم ؟‬‫ انه أخي ‪ ..‬أخي الذي لم أك ن اطيق ه أو يطيقن ي ‪ ،‬ش خص متزم ت وض يق األف ق ‪ ،‬وحت ى قب ل أن أذھ ب‬‫للدراسة في فرنسا كان صياحنا اليومي يصل الى الشارع ‪ ،‬وغالبأ م ا يك ون الس بب محاولت ه الت دخل ف ي‬
‫لباس أمي واخواتي البنات ‪ ،‬يريد ان يفرض عليھن لباسا اسالميا أسود ‪ ،‬وكن يعارض ن ذل ك وأق ف ال ى‬
‫جانبھن ‪.‬‬
‫في غالب األحيان كنت وإياه نتضارب بااليدي ‪ ،‬كان فاشال على المستوى الدراسي ‪.‬‬
‫ذھبت الى فرنسا ‪ ،‬بقيت ھناك ثماني سنوات ‪ ،‬كان خاللھ ا ق د انتس ب ال ى ھ ؤالء "وأش ار بي ده ال ى الجماع ة‬
‫المتش ددة" ‪ ،‬أص بح مطلوب ا ً بش دة م ن قب ل األم ن ال ذي اعتق ل وال دي ووال دتي‪ ،‬وللخ الص م ن ھ ذا الم أزق‬
‫وإلبعاد أنظار األمن داخل المدينة ‪ ،‬ق ال وال دي لألم ن إن ه ق د ھ رب ال ى فرنس ا عن د أخي ه ‪ ،‬ودون أن أدري‬
‫أصبحت مطلوبا ً ‪ ،‬أنھيت دراستي وعدت ال ى بل دي ‪ ،‬اس تقبلني رج ال األم ن ف ي المط ار يري دون من ي أخ ي‬
‫الذي لم أره منذ ثماني سنوات‪.‬‬
‫وھا أنا أمامك في ھذا السجن‪.‬‬
‫كن ت ونس يم نتن اوب المراقب ة م ن خ الل الثق ب دون بطاني ة ‪ ،‬ل م يتج اوز ع دد ال ذين نظ روا م ن الثق ب ع ن‬
‫الخمسة ‪ ،‬يبدو ان الجميع الزال يعتبر فراشي نجسا ً ‪ ،‬فللمراقبة من الثق ب يج ب عل ى الواح د أن يجل س عل ى‬
‫فراشي ‪.‬‬
‫كنا‪ ،‬نسيم وأنا‪ ،‬اللذان يراقبان دائما‪ ،‬نبلغ ما نشاھده ألبو حسين وھو بدوره يبلغه للجميع ‪.‬‬
‫عادت العالقة بين المتشددين وباقي المھج ع لتص بح ودي ة ‪ ،‬خاص ة ان المتش ددين بالع ام ش باب ص غار الس ن‬
‫أقرب الى الطيبة والسذاجة ‪ ،‬شرط أال يظھر بينھم ابو القعقاع أو صعصعة أو ابو قتادة !‪.‬‬
‫َبقُوا ُھم األكثر عطاء وتضحية ‪.‬‬
‫في واح ٍد من أيام االثنين تركت الثقب كامأل لنسيم ك ي يراق ب اإلع دامات ‪ ،‬التص ق بالثق ب ول م يع د ي تكلم أو‬
‫يتحرك ‪ ،‬كان نسيم يكرر كلمة "العمش" كثيرا في احاديثه ‪.‬‬
‫بعد ساعتتن من التصاقه بالثقب ‪ ،‬قفز الى الوراء واقفا ً ‪ ..‬نظر اليّ وقال ‪:‬‬
‫ العمش ‪ ..‬العمش ‪..‬‬‫نظر الى أبو حسين ‪ :‬العم‪..‬اا‪..‬ش‬
‫نظر الى المجموع ‪ :‬العمش ‪ ..‬العمش ‪..‬‬
‫ثم وبصوت خافت بعد أن اقترب مني ‪:‬‬
‫ العمش ‪ ..‬ولك شو ھاد ؟! ولك ‪ ...‬شلون كنت عم تتحمل ھيك مناظر ؟!‪ ..‬العمش ول ك ش وف ‪ ...‬ش وف‬‫!‪ ...‬شو ھذا يللي عم يصير ؟!‬
‫‪93‬‬

‫نظرت عبر الثقب ‪ ،‬كانت ثماني جثث متدلي ة ع ن الحب ال ‪ ،‬والعدي د م ن الجث ث عل ى األرض ‪ ،‬ھ ذه الجث ث‬
‫الثمان يبو انھا آخر وجب ة ‪ ،‬ال وحش "عنص ر البل ديات" يق ف أم ام الجث ة الثاني ة م ن اليس ار وھ ي جث ة رج ل‬
‫بدين ‪ ،‬يمسك الوحش بيده عصا غليظة ينھال بھا ضربا على الجثة ‪ ،‬الشرطة يراقبون ه ض احكين ‪ ،‬وم ع ك ل‬
‫ضربة عصا على الجثة يصرخ بصوت عال ‪:‬‬
‫عاش الرئيس المفدى ‪ ..‬بالروح بالدم نفديك يا رئيس ‪ " ...‬وضربة بالعصا على الجثة " ‪ ...‬ولك يا كل ب‬

‫‪-‬‬

‫بتشتغل ضدد الرئيس ‪ ..‬وضربة بالعصا ‪ ...‬لك يا منيك ‪ ...‬رئيسنا أحسن رئ يس ‪ ...‬ض ربة بالعص ا ‪ ...‬حي دو ي ا‬
‫منايك حيدو ‪ ..‬ضربة بالعصا‪ ...‬ال رئيس قب ل ﷲ نعب ده ‪ ...‬ض ربة بالعص ا ‪ ...‬ويخت ل االيق اع ‪ ..‬ض ربات عدي دة‬
‫بالعصا " اتساءل‪ :‬ھل انتھت ذخيرة الوحش الكالمية التي كان ق د حفظھ ا لكث رة تردادھ ا ف ي الرادي و والتلفزي ون‬
‫وف ي الش وارع اثن اء المس يرات الت ي تنظمھ ا الدول ة ؟! يب دو ان االم ر ك ذلك ألن ال وحش ب دأ يلج أ ال ى ذخيرت ه‬
‫الكالمية الشخصية ! الذخيرة الكالمية التي لمھا من الشوارع " ‪.‬‬
‫يتوقف قليال عن الضرب ‪ ،‬ثم ضربة قوية على الرأس اس مع م ن خاللھ ا رن ين العظ ام ‪ ...‬ول ك ي ا كل ب ‪ ...‬انت و‬
‫فيكن عالرئيس ؟‪ ...‬ضربة عصا ‪ ...‬ولك الرئيس أقوى واحد بالدنيا ‪ ...‬ضربة ‪ ...‬ولك الرئيس بدو ينيك امھاتكم‬
‫‪ ...‬ضربة ‪ ...‬ولك الرئيس عندو أطول اير بالدنيا كلھا ‪ ...‬ضربة ‪ ...‬ولك بدو ينيكم وينيك اختكم واح د واح د ‪...‬‬
‫ضربة بالعصا ‪ ...‬يتوقف الوحش قليال وھو يلھث ‪ ،‬بعدھا وبحركات ھستيرية يضع احد طرفيّ العصا بين اليت ي‬
‫الجثة ويدفع بھا الى األمام ‪ ،‬تتحرك الجثة كلھا الى االمام ‪ ،‬يستمر الوحش بالضغط ‪ ،‬الط رف الث اني للعص ا ب ين‬
‫يديه االثنتين يركزه في موضع قضيبه ويب دأ ب دفع العص ا ب ين اليت ي الجث ة رھ زا ‪ ،‬وم ع ك ل ھ زة ال ى االم ام ‪...‬‬
‫يصيح ‪:‬‬
‫ بالروح بالدم ‪ ..‬نفديك يارئيس ‪.‬‬‫تبقى العصا بين االليتين ‪ ،‬الجثة دائمة التأرجح ‪ ،‬الش رطة يض حكون ‪ ...‬يتق دم الرقي ب " األع وج " وھ و يقھق ه ‪،‬‬
‫يمسك الجثة من األمام ويثبتھا جيدا للوحش ‪ ،‬الوحش يتابع ضغط العصى بين االليتين ويھتف ‪:‬‬
‫ بالروح ‪ ...‬بالدم ‪ ..‬نفديك يارئيس ‪.‬‬‫األعوج يضغط من األمام ‪ ،‬الوحش يضغط بالعصا من الخلف ‪ ،‬وفي لحظة يفلت رأس الجثة من الحبل "يب و‬
‫المشھد من بعيد وكأن الجثة حرك ت رأس ھا بحرك ة بارع ة لت تخلص م ن الحب ل" ‪ ،‬تس قط الجث ة عل ى وجھھ ا‬
‫أرضا ‪ ،‬تفلت العصا من يد ال وحش وتظ ل مغ روزة منتص بة ب ين اليت ي الجث ة ‪ ،‬يقف ز ال وحش عالي ا ً ويص يح‬
‫بشعار طالما سمعه يردد كثيرا في الراديوا و التلفزيون ‪:‬‬
‫ يسقط االستعمار ‪ ...‬تسقط االمبريالية ‪.‬‬‫يرد عليه الرقيب األعوج ‪:‬‬
‫ تسقط ‪ ...‬تسقط ‪ ..‬تسقط ‪.‬‬‫ يعيش الرئيس المفدى ‪.‬‬‫ يعيش ‪ ...‬يعيش ‪ ...‬يعيش ‪.‬‬‫وتبقى العصا مغروزة بين اليتي الجثة تتأرجح ‪.‬‬
‫‪94‬‬

‫ الى األبد ‪ ...‬الى األبد ‪ ...‬يعيش الرئيس ‪.‬‬‫ يعيش ‪ ...‬يعيش ‪ ...‬يعيش ‪.‬‬‫ومع كل كلمة "يعيش" تتأرجح العصا ذات اليمين وذات اليسار ‪.‬‬

‫‪20‬كانون أول ‪:‬‬
‫خالل الشھور الماضية توطدت عالقتي كثيراً مع نسيم‪ ،‬وھ و ك ان فرح ا ً ب ي أيض ا ً‪ ،‬ل م يك ن نس يم مث ل ھ ؤالء‪،‬‬
‫عقله منفتح ومتحرر و ال يھتم باألمور السياسية ول م يس بق ل ه أن فك ر حت ى باإلنتس اب إل ى أي م ن التنظيم ات‬
‫الدينية‪ ،‬كان وھو في الحياة خارج السجن يؤدي الفرائض الدينية بالمناسبات‪.‬‬
‫مرة قال لي شيئا ً كنت أفكر فيه أيضا ً‪ .‬قال ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫كيف مرت كل ھـ السنين وأنا وأنت في محل واحد ولم نتعرف على بعض ؟! بعدين نتعرف عل ى بع ض‬

‫و نصير كأننا توأم !!‪ ..‬فعالً أنت توأم روحي‪.‬‬
‫كنت أحس اإلحساس نفسه‪.‬‬
‫************‬
‫الزال ت ورش ات البن اء ف ي الس جن الص حراوي تق وم بإش ادة مھ اجع جدي دة‪ ،‬رغ م أن الق ادمين الج دد إل ى ھ ذا‬
‫السجن قد تناقصوا بشكل كبير في السنوات الثالثة األخيرة ‪.‬‬
‫)) من ھو أول سجين في التاريخ ؟ من الذي اخترع السجن ؟ ‪ ..‬كي ف ك ان ش كل الس جين األول ؟‪ ..‬ھ ل ھن اك‬
‫سجين واحد في كل العالم ‪ ..‬في كل األزمان ‪ ..‬في كل السجون ‪ ..‬قضى في السجن عام ا ً واح داً أو أكث ر ‪ ..‬ث م‬
‫عندما يخرج ‪ ..‬يكون ھو ‪ ..‬ھو ؟ !‬
‫أي عبقري ھذا الذي أوجد فكرة السجن !!‪ ..‬ھل ھو اإلله ؟‪ ..‬يجب أن يكون كذلك ‪ ..‬ألن فيھ ا م ن اإلعج از م ا‬
‫ھو فوق قدرات العقل البشري !!‪..‬‬
‫لكن لماذا ترك ﷲ الشيطان طليقا ً بعد العصيان ول م يس جنه إذا ك ان ﷲ يع رف م ا ھ و الس جن ؟!‪ ..‬أن ا واث ق أن‬
‫الشيطان كان سيسجد مرغما ً بعد قضاء عدة شھور ال ب ل ع دة أس ابيع‪ ،‬ل يس أم ام آدم فق ط إنم ا أم ام ح واء!‪....‬‬
‫ھل يمكن أن يكون ﷲ قد أخطأ عندما طلب من إبليس أن يس جد أم ام آدم ؟! لم اذا ل م يطل ب من ه أن يس جد أم ام‬
‫حواء !؟‪..‬‬
‫ھل كان إبليس سيرفض السجود أمام حواء ؟‬
‫ولكن ماذا لو سجد إبليس أمام آدم نفسه ؟‬
‫ھل كان سيصبح إبليس نائبا ً‬

‫؟! ‪....‬أو شريكا ً له ؟!‬

‫" لو لم أكن سجينا ً كيف كان لمثل ھذه األفكار المضحكة أن تنبت ؟! " (( ‪.‬‬
‫تنشأ في السجن مھاجع جديدة ‪" .‬متى كانت كل المھاجع في ھذا السجن فارغة ؟" ي دخلھا الن اس س ً‬
‫وية أو عل ى‬
‫دفعات متتابعة‪ .‬بضعة أيام ويكتمل نصاب المھجع‪ .‬بضع عشرات ‪ ،‬مائ ة ‪ ..‬مئت ان ‪ ...‬ث الث أو يزي د ! الجمي ع‬
‫ينظر إلى الجميع‪ .‬الوجوه متشابھة‪ .‬ال يعرف أح ٌد أحداً‪ .‬يبدأ التعارف بعد دقائق ‪ ..‬ويستمر سنوات ‪.‬‬
‫‪95‬‬

‫مع التعارف يبدأ الفرز‪ .‬يبدأ اإللتفاف و التالقي‪ .‬في البداية تنشأ التجمعات على األرضية السياس ية التنظيمي ة و‬
‫الت ي كان ت س ببا ً ف ي دخ ولھم الس جن‪ ،‬أبن اء الح زب الواح د ‪ ..‬التنظ يم الواح د‪ ،‬يلتق ون ‪ ..‬س وا ًء ك انوا يعرف ون‬
‫بعض ھم س ابقا ً أم ال ‪ ..‬يتع ارفون‪ ،‬يش كلون مجموع ة واح دة‪ ،‬وحي اة اجتماعي ة مش تركة‪ ،‬لھ م اجتماع اتھم‬
‫وأسرارھم‪ ،‬أغلبھا إن لم يكن كلھا ‪ ..‬وھم‪ ،‬كل ما في األمر أنھم يتساندون !‪ .‬يتكئ بعضھم على بع ض‪ ،‬ال روح‬
‫الجماعية تشكل لھم وھما ً بالقوة ‪ ..‬وبالتالي الحماية‪ ،‬أن تكون محميا ً بالجماعة يعطي الشعور باألمان‪.‬‬
‫تبدأ الحالة شديدة متوترة‪ ،‬تصل إلى حد التعصب وعداوة اآلخرين‪ ،‬مع األيام ‪ ..‬تبدأ بالتراخي‪ ،‬خاص ة إذا ك ان‬
‫المھجع كله ذا لون تنظيمي واحد ‪.‬‬
‫في الدروس التي يتلقاھا ضباط األمن ‪ ..‬وبعد الدرس األول الذي يقول ‪:‬‬
‫" أول درس في المخابرات ‪ ..‬ھو أن ال تثق برجل المخابرات "‪.‬‬
‫ت أتي دروس عدي دة‪ ،‬ق د تك ون ص ائبة وق د تك ون خاطئ ة‪ .‬و ف ي ال نص ال ذي يحت وي عل ى كيفي ة التعام ل م ع‬
‫التنظيمات المعادية ‪ ..‬ھناك درس يبقى صائبا ً على الدوام ‪:‬‬
‫ً‬
‫سوية "‪.‬‬
‫" إذا أردت ألفراد تنظيم ما أن يأكلوا بعضھم بعضا ً ‪ ..‬اسجنھم‬
‫اإلحب اط‪ ،‬التباع د‪ ،‬النف ور‪ ،‬الكراھي ة‪ ،‬الني ل م ن ھيب ة القي ادات ‪ ..‬وتب دأ الوش ائج التنظيمي ة ب التراخي والتفك ك‪،‬‬
‫ومعھا يبدأ التطلع إلى المحيط خارج إطار التنظيم الواحد‪.‬‬
‫تمر األيام ‪ ،‬األسابيع‪ ،‬الشھور‪ ،‬السنوات !‪.‬‬
‫تنشأ عالقات جديدة على أرضية جديدة ‪ " :‬الجغرافية "‪ .‬أبناء المنطقة الواحدة‪ ،‬القرية‪ ،‬البلدة‪ ،‬المدين ة‪ ،‬أو حت ى‬
‫‪ ..‬المنطقة األوسع‪ ،‬المنطقة الشمالية‪ ،‬المنطقة الشرقية‪ ،‬المنطقة الساحلية ‪.‬‬
‫يستعيدون فيما بينھم الذكريات‪ .‬يتذكرون األماكن األليفة بحنين بالغ‪ ،‬الطرقات ‪ ..‬الس ھول ‪ ..‬الودي ان ‪ ..‬الجب ال‬
‫‪ ..‬الش وارع والح دائق والس احات‪ .‬يت ذكرون بع ض األح داث العام ة و المش ھورة‪ ،‬ويوم ا ً بع د ي وم تكب ر‬
‫التقاطعات‪ ،‬وتكبر معرفتھم بعضھم ببعض‪.‬‬
‫مع ازدياد المعرفة‪ ،‬وبأسئلة بريئة في الظاھر يُنبش ما كان محس وبا ً أن ه م ن المنس يات‪ .‬فلك ل ش خص أو عائل ة‬
‫أو عشيرة إيجابياتھا ‪ ..‬ولھا كذلك ما تخجل منه وتحاول نسيانه ‪ ..‬أو جعل اآلخرين ينسونه ‪.‬‬
‫لكنه السجن و له قوانينه الخاصة‪ ...‬البسيطة‪ ...‬الصريحة‪ ...‬الوقحة !‬
‫ويسأل أحدھم ابن مدينته الذي تعرف عليه سؤاأل قد يكون مازحا ً ‪ ....‬قد يكون بريئا ً ‪ ....‬قد يكون ! ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫أنت من بيت البيك الذين يسكنون في المحل الفالني ؟ ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫نعم ‪ ..‬أنا من بيت البيك ھؤالء ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫آ ‪ .....‬آ عفواً ‪ ..‬ال تواخذني ‪ ..‬بس أنا سمعت حكاية‪ ،‬صحيح أن رتبة البكوية و األم الك و األراض ي ‪..‬‬

‫صارت عندكم ألنه ستك "جدتك" الكبيرة كانت صديقة للوالي العثماني ؟؟‬
‫‪-‬‬

‫أل ‪ ...‬أبداً مو صحيح‪.‬‬

‫ينتھي الحديث و ينكمش شيء ما داخل نفس سليل آل البيك ‪ ..‬ونفور !‬
‫يسأل آخ ٌر آخراً ‪:‬‬
‫‪96‬‬

‫‪-‬‬

‫أنت من قرية الحيدرية بس أنت من بيت مين ؟‬

‫‪-‬‬

‫أنا من بيت البيطار ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫آ ‪ ...‬البيطار‪ .‬قل لي ‪ ..‬س معنا م ن ك ام س نة ‪ ...‬أن ام رأة م ن بي ت البيط ار قتل ت زوجھ ا باالش تراك م ع‬

‫عشيقھا ‪ ..‬بتقربك شي ھــ المرأة ؟‬
‫‪-‬‬

‫المرأة خالتي ‪ ..‬بس القصة مو صحيحة‪ ،‬يعني تھمة وبس !‬

‫ينتھي الحديث و ينكمش شيء ما داخل نفس سليل آل البيطار ‪ .....‬ونفور !‬
‫وتتعدد األسئلة ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫أنت ابن فالن الذي سرق صندوق البلدية ؟‬

‫‪-‬‬

‫أنت أبن فالنة التي ‪.......‬‬

‫وتنتھي األحاديث‪ ،‬وتنكمش أشياء كثيرة داخل النفوس ‪ ...‬ونفور !‬
‫تمر األيام‪ ،‬األسابيع‪ ،‬الشھور‪ ،‬السنوات !‪.‬‬
‫تنش أ عالق ات جدي دة عل ى أرض ية جدي دة‪ .‬المي ول‪ ،‬الھواي ات‪ ،‬المھ ن‪ ،‬المھتم ين ب األدب‪ ،‬الفن انين‪ ،‬المعلم ين‪،‬‬
‫األطباء ‪.....‬‬
‫تمر األيام‪ ،‬األسابيع‪ ،‬الشھور‪ ،‬السنوات !‪.‬‬
‫تنشأ عالقات جديدة على أرضية جديدة ‪ :‬الذوق‪ ،‬اللباقة األجتماعية !‪.‬‬
‫ينفر منه ويبتعد عن زميله في التنظيم أو المھنة أو المنطقة ‪ ..‬ألنه يخرج أصوات من فمه عندما يأك ل ‪ ..‬وھ ذا‬
‫قلة ذوق ‪.‬‬
‫ينفر منه ويبتعد عنه ألنه عندما يطوي بطانياته فإنه يطويھا بعنف مثيراً الغبار على جاره ‪..‬وھذا قلة ذوق ‪.‬‬
‫ينفر منه ويبتعد عنه ‪ ..‬ألنھما عندما يتحادثان ال يترك مسافة كافية بين الرأسين !‪ ..‬يقترب منه كثيراً وي تكلم ‪..‬‬
‫يجبره أن يشم رائحة فمه الكريھة !‪ ..‬وھذا قلة ذوق ‪.‬‬
‫مئات المشاكل الت ي يثيرھ ا التع ايش القس ري ب ين أن اس ل م يخت اروا بعض ھم بعض ا ً‪ ،‬فھ م م ن مش ارب ومناب ت‬
‫مختلفة ‪ ..‬تربيات مختلفة ‪ ..‬سويات حضارية مختلفة ‪.‬‬
‫تكون السنوات قد مرت‪ .‬سنة تجثم على صدر التي قبلھا ‪.‬‬
‫تنشأ عالقات جديدة على أرضية جديدة‪ ،‬ويبتعد الناس أكثر فأكثر عن كل ما ل ه ط ابع جم اعي‪ ،‬رم اد الس نوات‬
‫المنطفئة يغطي شيئا ً فشيئا ً طزاجة ال ذكريات ع ن الخ ارج‪ .‬يبتع د ھ ذا الخ ارج‪ ،‬وي نغمس الش خص ف ي تفاص يل‬
‫الحياة اليومية للسجن‪ ،‬تكبر المساحة الت ي تحتلھ ا ھ ذه التفاص يل ف ي نف س الس جين‪ ،‬عل ى حس اب الخ ارج ال ذي‬
‫يبدو قصيا ً بعيد المنال ! ‪ ..‬وأكثر ما يبتعد ھو السياسة‪ ،‬انعكاساتھا كناظم لقطيع من البشر‪ .‬تعود ال ذات الفردي ة‬
‫لتنمو على حساب الذات الجماعية أو روح القطيع‪ .‬وق د يص ل األم ر إل ى ح د القطيع ة أو الع داء ‪ ..‬م ع الت اريخ‬
‫الذي ساھم ھو بصنعه !‪ ..‬خطوة أخرى ويصل إلى جل ٍد ساديٍّ للذات !!‪ ...‬يقول بمرارة تقطر مع الكلمات ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫لقد كان السجن ضروريا ً لنا لنكتشف الكذبة الكبيرة التي كنا نعيشھا‪ .‬أي غباء ‪ ..‬أي وھم ‪ ..‬أوصالنا إلى‬

‫ھنا ؟!‪..‬‬
‫‪97‬‬

‫وتنشأ عالقات جدي دة عل ى أرض ية جدي دة‪ .‬والص داقات الثنائي ة ھ ي المرحل ة م ا قب ل األخي رة‪ ،‬و تب دأ كح االت‬
‫معزولة منذ البداي ة و وال تتح ول إل ى ظ اھرة إال ف ي المراح ل المتقدم ة‪ ،‬وحت ى ف ي ھ ذه المراح ل ق د ال تك ون‬
‫عامة مطلقة ولكنھا تقترب من األغلبية‪.‬‬
‫المتشابھان ‪ .....‬المتناقضان ‪ ...‬التشابه و التناقض‪ ،‬على م ا فيھم ا م ن تباع د ف ي ك ل ش يء‪ ،‬إال أنھم ا يش كالن‬
‫األرضية المناسبة أو التربة المناسبة لنشوء العالقات الصداقية الثنائية ! ‪.‬‬
‫بعد مسيرة السنوات الطوال‪ ،‬ومن خالل التجربة و الخطأ‪ ،‬من خالل االحتكاك المستمر والدائم على مدار أربع‬
‫وعشرين ساعة كل يوم‪ ،‬ثالثمائة وخم س وس تون يوم ا ً ك ل ع ام ‪ ..‬يكتش ف االثن ان أنھم ا متش ابھان ف ي بع ض‬
‫األشياء ‪ ..‬في الكثير من األشياء ‪ ..‬في كل األشياء !‪.‬‬
‫ينجذبان إلى بعضھما البعض‪ .‬وتبدأ عالقة صداقة بين اثنين ‪.‬‬
‫بعد مسيرة السنوات الطوال‪ ،‬ومن خ الل التجرب ة و الخط أ‪ ،‬م ن خ الل االحتك اك المس تمر وال دائم وعل ى م دار‬
‫أربع وعشرين ساعة كل يوم و ثالثمائة وخمس وس تين يوم ا ً ك ل ع ام و يكتش ف اثن ان أنھم ا متناقض ان ‪ ..‬ف ي‬
‫بعض األشياء ‪ ..‬في الكثير من األشياء ‪ ..‬في كل األشياء ‪.‬‬
‫وكما المغنطيس ينجذب سالبه إلى موجب ه ‪ ..‬ينج ذبان إل ى بعض ھما ال بعض ‪ ..‬وتب دأ عالق ة ص داقة ب ين اثن ين‪،‬‬
‫وھذه الصداقة تبدأ متوازنة متكافئة‪ ،‬لكل منھما نفس الحقوق وعليه نفس الواجبات‪ ،‬ومع توالي األيام يبدأ الخلل‬
‫بين كفتي الميزان‪ ،‬بنفس قدر ارتفاع األولى تنخفض الثانية‪ ،‬ط رف يب دأ باكتس اب الق وة و اظھارھ ا‪ ،‬والط رف‬
‫اآلخر يعتمد أكثر فأكثر وفي كل األمور على صديقه القوي‪ ،‬ليصبح ھو الط رف األكث ر ليون ة ورق ة!‪ ..‬تس تمر‬
‫العالقة بين االثنين وفق ھذه المعادل ة ط ويالً‪ ،‬الق وي والض عيف‪ ،‬الق وي ال ذي يرع ى الض عيف ويبس ط حمايت ه‬
‫عليه وھو في غاية االستمتاع بھذا الدور‪ ،‬والضعيف الذي يلوذ تحت جناحه ورعايته وھو ف ي غاي ة االس تمتاع‬
‫بھذا الدور !‪.‬‬
‫أقبع في قوقعتي طوال ھذه السنوات أح اول أن أرق ب وأفس ر وأس جل ك ل م ا يح دث أم امي ض من ھ ذا التجم ع‬
‫اإلنساني‪ ،‬رصدت الكثير من األمور وفسرتھا وسجلتھا ‪.‬‬
‫ھذه الثنائيات منذ بداية تش كلھا أث ارت اھتم امي‪ ،‬راقبتھ ا‪ ..‬تحوالتھ ا وتطوراتھ ا‪ ،‬وفس رتھا ف ي س ياق الحاج ات‬
‫اإلنسانية لإلجتماع و التواصل ‪ ..‬إلى أن نشأت الحالة الثنائية بيني وبين نسيم بفضل المرحوم أبو القعقاع ‪.‬‬
‫في بداية العالقة كنت مأخوذاً بأمر واحد فقط ‪ ..‬أن يكون لدي من أحادثه !‪.‬‬
‫كان طبيعيا ً أن أندفع وبقوة نحو ھذا الشخص الذي ارتضى بع د أكث ر م ن عش ر س نوات م ن القطيع ة التام ة أن‬
‫يح ادثني ويجل س عل ى فراش ي ‪ ..‬ث م ي دعوني للجل وس عل ى فراش ه !‪ ..‬ع اودني الش عور ب أني إنس ان ذو كي ان‬
‫يحترمه البعض‪ ،‬يحترم شخصه ويحت رم عقل ه ورأي ه‪ ،‬وك ان ھ ذا يمك ن أن يتحق ق م ع أي ش خص ھن ا ي رفض‬
‫مقاطعتي ويملك عقالً منفتحا ً ولو بحدوده الدنيا‪.‬‬
‫لكن نسيم أكثر من ذلك بكثير‪ .‬نسيم أكبر من كل أحالمي وامنياتي بشخص ينتشلني مما أنا فيه‪ ،‬بس اطته ورقت ه‬
‫جعالني أراه أمامي ساطعا ً نقيا ً كس طوع ص فحة بيض اء تح ت أن وار قوي ة‪ ،‬دخ ل إل ى روح ي خ الل أي ام قليل ة‪،‬‬
‫ھصرھا ‪ ..‬سحنھا ‪ ..‬عجنھا بروحه وجسده ‪ ..‬اتحد بھا !!‪ ...‬و‬
‫‪98‬‬

‫ذعرت ‪ ..‬ذعرت ‪ ..‬ذعرت !!‪.‬‬
‫من أنا ؟ ! ‪ ..‬ھل أنا ‪ ..‬أنا ؟! ‪ ..‬و‬
‫إلى أين ؟؟ ‪.‬‬
‫في بلدي وفي فرنسا عرفت الكثير من النساء‪ ،‬بعضھن عابرات ‪ ..‬قد ال أتذكر مالمحھ ن اآلن‪ ،‬وال بعض األق ل‬
‫حفرن في الوجدان أثالما ً ال تمحى ‪! ....‬‬
‫كنت ف ي ھ ذه العالق ات طبيعي ا ً ج داً‪ ،‬ك أي إنس ان ع ادي‪ ،‬ول م يح دث أب داً خ الل ك ل الماض ي أن كان ت ل ي أي‬
‫ممارسات غير طبيعية أو شاذة‪ ،‬ولم ألحظ على نفسي أية ميول لممارسات جنسية غير الممارسات العادي ة ب ين‬
‫الرجل و المرأة‪ ،‬كما لم ألحظ أبداً أية ميول مثلية نحو الجنس المشابه‪ ،‬ال بل على العكس كنت أنف ر منھ ا نفس يا ً‬
‫حتى في فت رة المراھق ة الت ي يح دث فيھ ا أن ي داعب المراھق ون بعض ھم م داعبات ش تى ذات ط ابع جنس ي‪ ،‬ل م‬
‫أتعرض أنا – وقد يكون بحكم بعض ظروفي الموضوعية – إلى أية تجارب من ھذا النوع ‪.‬‬
‫ولكن اآلن ‪ ..‬اآلن ماذا يجري لي ؟!‬
‫وماذا يمكن أن تكون نھاية ھذا األمر ؟‬
‫ما أشعر به اتجاه نسيم من عواطف ملتھبة لم أشعر به أبداً حيال أية امرأة عرفتھا في حياتي !‪.‬‬
‫ً‬
‫سوية‪ ،‬نتحادث ‪ ..‬نلعب ‪ ..‬نأكل‪ ،‬طوال ساعات االستيقاظ‪ ،‬ينام إلى جانبي ونتابع أحاديثنا بصوت خاف ت‬
‫نجلس‬
‫ونحن مستلقيان‪ .‬نحن‪ ،‬االثنين‪ ،‬مع بعضنا البعض طوال اليوم ‪ ..‬ورغم ذلك أظل مشتاقا ً إليه وبشدة!‪.‬‬
‫يغادرني أوقات قليلة‪ ،‬كأن يذھب إلى المرحاض أو يذھب لالغتسال ‪ ..‬فتبقى عيوني معلقة على ب اب المغاس ل‬
‫الحجري إلى أن يعود‪ ،‬ومن ھناك يبادلني االبتسام ‪ ..‬فأرتاح ‪.‬‬
‫ال أدري شيئا ً عن مشاعره‪ ،‬عواطفه‪ ،‬تفكيره في ھذا الموضوع‪ ،‬لكن اندفاع ه نح وي ف ي ھ ذه العالق ة الحميمي ة‬
‫وت رداده ال دائم لعب ارة أن ي " ت وأم روح ه " كلھ ا أم ور تنب ئ بأن ه إم ا أن ه يع يش نف س ح التي ‪ ..‬أو أن ه بمنتھ ى‬
‫البراءة ‪.‬‬
‫كفتا الميزان في عالقتنا في األساس متفاوتة‪ ،‬ھو رقيق جداً‪ ،‬وحتى على صعيد الشكل تقاسيمه ناعمة بھا ش يء‬
‫من األنوثة‪ .‬وأنا متجھم ‪ ..‬ذو شعر كث وتقاسيم حادة قاسية‪ .‬ومع تطور العالقة بيننا ازددت قوة ورجولة بينم ا‬
‫شابت حركاته بعض النعومة و الليونة ‪ ..‬وأحيانا ً الدلع ‪.‬‬
‫أعيش اآلن ص راعا ً نفس يا ً رھيب ا ً ب ين عقل ي ومحاكمات ه القاس ية‪ ،‬وب ين ع واطفي ومي ولي الطارئ ة الت ي أحس ھا‬
‫أحيانا ً أنھا ال تستجيب ألوامر العقل ونواھيه و روادعه ‪.‬‬
‫ھل أناقش األمر معه بصراحة ؟‪ ..‬ولكن لم ؟‪ ..‬ما ھي الفائدة ؟ ألن يكون ھ ذا س ببا ً ف ي تحط يم عالق ة الص داقة‬
‫الرائعة ھذه ؟!‬
‫المالمسات بيننا‪ .‬يحدث أحيانا ً ونحن في حمى الحديث أو اللعب أن أمسك ي ده فأش عر براح ة ومتع ة غ ريبتين!!‬
‫أبقى ممسكا ً بھا أكثر مما يستوجبه الموقف !! ‪.‬‬

‫‪99‬‬

‫ألتفت إلى المھجع مجدداً‪ .‬أرقب وأفسر ھ ذه العالق ات الثنائي ة المنتش رة‪ ،‬ولك ن بعي ون جدي دة ‪ ..‬عي ون فاحص ة‬
‫تحاول أن تثقب الجدار الخارجي السميك لكل واحدة من ھذه العالق ات ‪ ..‬ث م تس بر م ا تح ت القش رة ھ ذه !‪ ..‬ل م‬
‫أتوصل إلى أية معلومة أو نتيجة مفيدة في ھذا الشأن‪ .‬كل العالقات ظاھرھا بريء ‪.‬‬
‫ُ‬
‫وخفت ‪ ..‬خفت كثيراً ‪.‬‬
‫ھل يمكن أن تكون مفاعيل السجن وتأثيراته قد غيرا بنيتي النفسية بحيث يجعالني اسير في ھ ذا االتج اه ؟ لك ن‬
‫عقلي يرفض ذلك رفضا ً باتا ً ‪.‬‬
‫وخوفي الشديد ‪ ..‬ھل يمكن أن يكون داللة صحة إذا كانت مشاعري وعواطفي داللة مرض ؟!‬
‫ولك ن ‪ ..‬ھ ل ھ ذا كل ه وھ م ؟ أال يمك ن أن ي اعط ي الموض وع حجم ا ً أكب ر م ن حجم ه الحقيق ي ؟ لم اذا ال أدع‬
‫األمور تسير سيراً طبيعيا ً ؟ ‪ ..‬وليكن ما يكون ‪.‬‬
‫ھ ذا ال دمار الكام ل و الش امل لإلنس ان‪ ،‬ھ ذا الم وت الي ومي المعم م ‪ ..‬أال ي دفع إل ى الجن ون ‪ ..‬أو إل ى أكث ر‬
‫التصرفات والسلوكيات جنونا ً وغرابة ؟!‬
‫تتجمع في حلقي بصقة كبيرة ‪ ..‬إلى أين أقذفھا ؟ ‪ ..‬بوجه من ؟‪.‬‬

‫‪ 24‬شباط‬
‫مؤخراً انتبھت إلى أمر آخر‪ ،‬بدالً من أن تساھم عالقت ي م ع نس يم ف ي إخراج ي م ن ق وقعتي‪ ،‬قم ت أن ا بإدخال ه‬
‫إلى القوقعة‪.‬‬
‫بقي المھجع على موقفه مني‪ ،‬وھو المقاطعة‪ .‬صحيح أنھا لم تعد مقاطعة عدائية خطرة‪ ،‬لكنھا أصبحت مقاطع ة‬
‫سلبية ب ادرة‪ ،‬وش يئا ً فش يئا ً وم ع اقتص ار عالقت ي عل ى نس يم فق ط انس حب موق ف المقاطع ة علي ه أيض ا ً‪ ،‬بع ض‬
‫المتزمتين اتھمني بأنني أفس دت نس يم ف ي دين ه‪ ،‬وغي ر بعي د أن نس يم ق د أص بح ملح داً أيض ا ً‪ ،‬ودلل وا عل ى ذل ك‬
‫بانقطاع نسيم عنھم وقضائه كل الوقت عندي يتحدث معي بلغة الكفار ‪ ..‬ونتلھ ى بالش طرنج ب دالً م ن ذك ر ﷲ‪،‬‬
‫وعندما نبھت نسيم إلى ھذا األمر قال ‪:‬‬
‫ مع ألف جھنم‪ ،‬من قبل ما يرفضوني ھم‪ ،‬أنا من الداخل كنت رافضھم ‪.‬‬‫واس تفاض بالح ديث وتب ين ل ي أن ه ال يح بھم‪ ،‬وف ي بع ض األحي ان عب ر ع ن اش مئزازه م نھم‪ ،‬ووص ف بع ض‬
‫تصرفاتھم بالتخلف و الجھل وأحيانا ً بالوضاعة ‪.‬‬
‫كنت أعتقد أن إنسانا ً مثل نسيم‪" ،‬شفافا ً وصافياً‪ ،‬فنانا ً صادقاً‪ ،‬طيبا ً إلى أبعد الحدود " ال يمكن أن يعرف الك ره‪،‬‬
‫ولكن من أحاديثه عنھم كنت ألمس أحيانا ً بعض شذرات كراھية مترسبة في أعماقه‪ .‬صارحته بمالحظت ي ‪ ..‬ل م‬
‫ينف أو يدافع‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫ ال أعرف ‪ ..‬اإلنسان ال ينتبه على حاله ‪ ..‬ممكن يكون أساس ھذه الكراھية أخوي ‪ ..‬يعني " زميلھم " !‬‫نسيم دائم اإلندھاش يرى أمراً أو حدثا ً يتكرر أمامه مئات المرات لكنه في كل مرة يبدي نفس القدر من الدھشة‬
‫و االستغراب‪ ،‬وإذا كان أمراً يرفضه يبدي نفس القدر من االحتجاج و االستنكار ‪.‬‬
‫أھم ما يميزه ھو ذكاؤه ورقته‪ ،‬ھذه الرقة الالمتناھية‪ ،‬والرھافة االرستقراطية ‪.‬‬
‫اآلن مضى على نسيم ثالثة أيام ال يأكل رغم كل محاوالتي إلجباره على األكل ‪.‬‬
‫‪100‬‬

‫************‬
‫في مھجعنا عائلتان‪ ،‬العائلة األولى تتألف من أربعة أخوة‪ ،‬أما العائلة الثانية فھي تتألف من أب وثالثة أبناء ‪.‬‬
‫عند بداية األحداث بين الحركة الدينية و السلطة‪ ،‬وبدء حمالت االعتق ال الواس عة‪ ،‬اس تطاع األبن اء الثالث ة وھ م‬
‫جميعا ً منظمون‪ ،‬استطاعوا الفرار و التواري عن األنظار‪ ،‬وعند مداھمة المنزل وجد رجال األمن والد الفارين‬
‫وحيداً‪ ،‬اقتادوه معھم إلى فرع المخابرات‪ ،‬وھن اك ظ ل اآلب أكث ر م ن ش ھرين رھ ن التحقي ق‪ ،‬يري دون من ه أن‬
‫يدلھم على مكان تواجد أوالده‪ ،‬وھو حقيقة ل م يك ن يع رف ! وبع د ش ھرين أرس لوه إل ى العاص مة وھن اك أيض ا ً‬
‫حققوا معه لكن دون جدوى‪ ،‬أخيراً سئم الضابط منه وقال له إنھم سيبقونه في السجن رھينة إلى أن يسلم أوالده‬
‫أنفسھم لألمن ‪.‬‬
‫بقي األب إلى جانب الكثيرين من أمثاله و ال ذين ك ان الس جناء يطلق ون عل يھم عل ى س بيل الم زاح اس م " تنظ يم‬
‫الرھائن " أو " حزب الرھائن " ‪.‬‬
‫بق ي األب ع دة ش ھور ف ي العاص مة‪ .‬بع دھا ت م ترحيل ه م ع اآلخ رين إل ى الس جن الص حراوي‪ ،‬عن دما ض اقت‬
‫سجون وفروع المخابرات في العاصمة ‪.‬‬
‫بعد ثالثة أعوام من بدء اعتقال األب‪ ،‬أصبح جميع أبنائه في السجن الصحراوي‪ ،‬تم اعتقالھم واحداً إثر األخر‪،‬‬
‫وف ي النھاي ة وم ن خ الل رس ائل الم ورس عرف وا مواق ع بعض ھم‪ ،‬ورغ م اعتق ال اإلخ وة الثالث ة ل م ي تم اط الق‬
‫سراح األب ‪.‬‬
‫بعد ثالثة أعوام أخرى جاء دور قض يتھم لتنظ ر فيھ ا المحكم ة الميداني ة‪ .‬ك ان ھن اك أكث ر م ن خمس ين شخص ا ً‬
‫سيحاكمون في ذلك اليوم ‪.‬‬
‫ص فا ً رباعي ا ً جالس ون عل ى األرض‪ ،‬وك ل واح د م نھم علي ه أن يش بك يدي ه ف وق رأس ه ورأس ه ب ين ركبتي ه و‬
‫األعين مغمضة‪.‬‬
‫المحكمة تناديھم باألسماء‪ ،‬من يذاع اسمه يقف ز ويص يح حاض ر‪ ،‬وف ي أق ل م ن ثاني ة يج ب أن يك ون أم ام ھيئ ة‬
‫المحكمة ‪ ..‬وفي أقل من دقيقة أو دقيقتين تتم محاكمته !! ‪ ..‬وفي أقل من ثانية أخ رى علي ه أن يع ود إل ى مكان ه‬
‫وجلسته !‪.‬‬
‫في ھذا الجو‪ ،‬ورغم كل شيء رأى األب و األخوة بعضھم ووصلت سالماتھم لبعضھم عن طريق التسلسل‪ ،‬ثم‬
‫نودي عليھم فرداً فرداً ‪.‬‬
‫بعد أن انتھت محاكمتھم يبدوا أن أحد الضباط قد الحظ وانتبه أن الكنية واح دة لألربع ة‪ ،‬فطلب ت ھيئ ة المحكم ة‬
‫من الشرطة ادخال األب و أبنائه ‪.‬‬
‫كانت ھيئة المحكم ة المؤلف ة م ن ثالث ة ض باط ف ي حال ة اس ترخاء ومعھ م م دير الس جن ق د توزع وا ف ي أرج اء‬
‫الغرفة حول المدفأة المتوھجة‪ ،‬جو الغرفة حار نسبيا ً‪ ،‬يشربون القھوة ويدخنون ويتبادلون النكات‪ ،‬وفي اللحظ ة‬
‫التي دخل فيھا األربعة إلى الغرفة كان مدير السجن يروي لھ م نكت ه ‪ ,‬فوق ف األربع ة عن د ب اب الغرف ة المغل ق‬
‫وقفة تصاغر ‪ ,‬ل م يع رھم أي م ن الحاض رين اھتمام ا ً ‪ ,‬ض حكوا بش دة ‪ ..‬تب ادلوا التعليق ات ‪ ..‬بع د بض ع دق ائق‬
‫التفت أحد الضباط وأمعن النظر باألشخاص األربعة ‪ ,‬كان جو المرح الزال سائداً ‪ ,‬توجه بالحديث لألب ‪..‬‬
‫‪101‬‬

‫‪-‬‬

‫شو يا حجي ‪ ..‬أنتوا كنيتكم واحدة ‪ ..‬أنتوا بتقربوا بعضكم شي ؟‬

‫‪-‬‬

‫نعم يا سيدي نعم ‪ ..‬ھدول أوالدي وأنا أبوھم ‪.‬‬

‫استلم دفة الحديث ضابط أخر ‪..‬‬
‫‪-‬‬

‫قول لي يا حجي ‪ ..‬في عندك أوالد غير ھدول ؟‬

‫‪-‬‬

‫ال و ﷲ يا سيدي ‪ ..‬ھدول ھنن كل أوالدي ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫يعني العائلة كلھا مجرمين وعمالء ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫ال و ﷲ يا سيدي ‪ ..‬نحن ناس على قد حالنا ‪ ..‬وحسبنا ﷲ ونعم الوكيل ‪.‬‬

‫تدخل مدير السجن ‪ ,‬فسأل األب ‪..‬‬
‫‪-‬‬

‫قديش عمرك أنت ‪ ..‬وال ؟‬

‫‪-‬‬

‫و ﷲ بالضبط ما بعرف يا سيدي ‪ ..‬بس يمكن صار فوق السبعين ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫فوق السبعين !‪ ..‬وباقي عندك حيل وعندك قوة تضرب وتقتل ؟‬

‫‪-‬‬

‫يا سيدي ‪ .....‬ﷲ وكيلك ال قتلنا وال ضربنا ‪ ...‬بس النار مرت من جنبنا قامت حرقتنا نحن كمان ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫و ﷲ مانك سھل يا ختيار النحس ‪ ...‬قديش صار لك بالحبس ‪ ..‬و ال ؟‬

‫‪-‬‬

‫و ﷲ يا سيدي ‪ ....‬صار يمكن ‪ ....‬ست سبع سنين ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫طيب ‪ ..‬بھـ السنين ‪ ...‬ما عم تشتاق لمرتك ؟‬

‫‪-‬‬

‫يا سيدي ‪ ...‬االنسان بعمري ‪ ..‬وبعد كل ھالشي ‪ ..‬ما يطلب غير حسن الختام ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫طيب ھاي فھمناھا ‪ ..‬بس غير شي ‪ ..‬غير شي ‪ ..‬ما بتحس انو ناقصك شي شغلة ؟‬

‫‪-‬‬

‫أي و ﷲ ي ا س يدي ‪ ..‬أن ا ص رت زلم ة كبي ر ‪ ...‬وحركت ي ص عبة كتي ر ‪ ...‬ل و تحط وا ل ي أوالدي مع ي‬

‫يخدموني ‪ ..‬بتكونوا فضلتوا على راسي ‪.‬‬
‫وقتھا أمر مدير السجن أن ينقل أوالده إلى مھجعه ‪.‬‬
‫عاد عضو المحكمة بعد ذلك لتوجيه الحديث ‪ ..‬خاطب األب ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫شوف يا حجي ‪ ...‬شو تتوقع يكون حكمكم ؟‬

‫‪-‬‬

‫يا سيدي ‪ ..‬رحمة ﷲ واسعة ‪ ,‬و انتوا دائما ً بتحكموا بالعدل !!‬

‫‪-‬‬

‫طيب اسمعني ‪ ..‬انتوا اربعة أشخاص عائلة واحدة ‪ ....‬ونحن حكمنا على ثالث ة م نكم باإلع دام ‪ ...‬وھل ق‬

‫‪ ..‬أنت بدك تختار مين الزم ينعدم ومين الواحد ياللي الزم يعيش ‪.‬‬
‫‪-‬‬

‫ﷲ يطول عمرك ي ا س يدي ‪ ..‬و يط ول عم ر أوالدك ‪ ..‬إذا ك ان الموض وع ھي ك فــ ـ الزم اس عد يع يش ‪,‬‬

‫ونحن الثالثة يدبرھا ﷲ !‪.‬‬
‫‪-‬‬

‫ومين أسعد ؟‬

‫‪-‬‬

‫ھذا ھوي أسعد ‪ ..‬مخدومك ويبوس ايدك يا سيدي ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫ليش اخترت أسعد يا حجي ؟‬
‫‪102‬‬

‫‪-‬‬

‫يا سيدي أنا زلمة كبير أكلت عمري ‪ ,‬وسعد وسعيد متجوزين م ن زم ان وخلف وا أوالد ‪ ,‬و م ن خل ف م ا‬

‫مات ‪ ,‬أم ا أس عد بع دو ص غير وم انو متج وز و بع دو بزھ رة ش بابو ‪ ..‬و الزھ رة ح رام تنقط ف ‪ ..‬م و ھي ك ي ا‬
‫سيدي ؟‬
‫‪-‬‬

‫أي حجي أي ‪ ...‬ھيك ‪ ...‬يا شرطي ‪ ...‬يا شرطي ‪ ...‬تعال رجع ھالجماعة وحطھم بمھجع واحد ‪.‬‬

‫عاد جميع أفراد العائلة إلى مھجعنا ‪ ,‬ھذه القصة ‪ ..‬ھ ذا الح وار س معته خ الل س نتين عش رات الم رات ‪ ,‬ولك ن‬
‫منذ خمسة أيام – وكان أحد أيام الخميس – وردت الئحة اإلعدامات وبدأ الشرطي بقراءتھا ‪ ,‬كان اسماء ال ذين‬
‫سيعدمون من مھجعنا ھم ) سعد وسعيد وأسعد ( ‪ ,‬عندھا ثار األب ‪.‬‬
‫أسعد كان نائما ً عند قراءة االس ماء ‪ ,‬ق ام س عد وس عيد ع ن فراش يھما ‪ ,‬توجھ ا إل ى ف راش أس عد ‪ ,‬أيقظ اه ‪ ,‬كان ا‬
‫يناديانه باسمه ‪ ,‬عندما يناديه سعد يسكت سعيد ثم يناديه سعيد فيسكت سعد ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫أسعد ‪ ..‬يا خاي ‪ ..‬أسعد ‪ ..‬فيق ‪ ..‬قوم ‪ ..‬يا خ اي ق وم ‪ ..‬أس عد ‪ ..‬ق وم ‪ ..‬أم ر ﷲ وم ا من وا مھ رب ‪ ..‬ي ا‬

‫أسعد ‪ ..‬يا خاي ‪.‬‬
‫استيقظ أسعد ‪ ,‬ونظر إلى أخويه على جانبي فراشه ‪ ,‬اعت دل جالس ا ً وھ و ينظ ر إليھم ا نظ رة ملؤھ ا االس تفھام ‪,‬‬
‫وسألھما ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫شو ؟ ‪ ..‬شو في يا خاي ؟ ‪ ..‬شو صار ؟‬

‫‪-‬‬

‫ما في شي ‪ .....‬بس قوم ‪ ....‬فيق ‪ ....‬الزم نقوم نتغسل ونتوضا ونصلي ‪ ,‬بعدين الزم نودع ناس ‪.‬‬

‫تجمدت قسمات أسعد للحظات ‪ ,‬ثم نظر إلى أخويه وسأل ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫أنا كمان معكم ؟‬

‫‪-‬‬

‫نعم ‪ ..‬انت كمان معنا !‬

‫‪-‬‬

‫ال حول وال قوة إال با ‪ ..‬حسبنا ﷲ ونعم الوكيل ‪ ...‬توكلنا على ﷲ ‪.‬‬

‫قام الثالثة باتجاه المغاسل التي كانت قد افرغت وتركت لھم فقط ‪.‬‬
‫قفز األب السبعيني إلى الممر بين طرفي المھجع وھو يلوح بيديه تلويحات عدم فھم وعدم تصديق !! مشى إل ى‬
‫منتص ف المھج ع ‪ ,‬وق ف تح ت الش راقة الت ي يط ل منھ ا الح ارس ع ادة و نظ ر إل ى األعل ى ‪ ..‬إل ى الس ماء ‪,‬‬
‫وبصوت راعش ولكن قوي ‪:‬‬
‫‬‫حاشا‬

‫يا رب ‪ ..‬يا رب العالمين ‪ ,‬أنا قضيت عمري كلو صايم مصلي وعم أعبدك ‪ ,‬يا رب أنا ما ب دي أكف ر ‪..‬‬
‫واستغفر ﷲ العظيم ‪ ..‬بس بدي اسأل سؤال واحد ‪ :‬ليش ھيك ؟ ‪"..‬وبصوت عالي أقرب إل ى الص راخ‬

‫وھو يلتفت إلى الن اس" ‪ ..‬ول ك ل يش ھي ك ؟؟ ي ا رب الع المين ‪ ..‬ل يش ھي ك ؟؟ أن ت الق وي ‪ ..‬ان ت الجب ار ! ‪..‬‬
‫ليش عم تترك ھـ ـ الظ المين يفظع وا فين ا ‪ ..‬ل يش ؟ ‪ ..‬ش و ب دك تق ول ؟ ب دك تق ول إن ﷲ يمھ ل وال يھم ل ؟ ‪..‬‬
‫طيب ھــ الكالم م ين ب دو يرجِّ ع م ن أوالدي ؟ ‪ ..‬ي ا ﷲ ‪ ...‬أن ت ترض ى أن و أس عد اب ن الخم س وعش رين س نة‬
‫ينعدم على أيدي ھــ الظالّم ؟! قلي ‪ ..‬ج اوبني ‪ ..‬ل يس س اكت ‪ ..‬أن ت ‪ ..‬ان ت ‪ ..‬اس تغفر ﷲ العظ يم اس تغفر ﷲ‬
‫العظيم ‪ ...‬يا رب ‪ ...‬لو كان عندك ثالثة أوالد وراح يروحوا عـ اإلعدام بلحظة واحدة ‪ ..‬ش و كن ت تعم ل ؟ ‪..‬‬
‫ھاه ؟ ‪ ..‬طيب جاوبني على ھا السؤال الصغير بس ‪ ..‬انت ‪ ..‬رب العالمين ‪ ..‬معنا نحن و إال م ع ھ ـ الظ المين‬
‫‪103‬‬

‫؟! لحد اآلن كل شي يقول ‪ ...‬أنك معھ م ‪ ..‬م ع الظ المين !! ‪ ...‬اس تغفر ﷲ ‪ ...‬اس تغفر ﷲ ‪ ..‬ي ا رب ‪ ..‬بعزت ك‬
‫وجاللك ‪ ..‬بس اسعد ‪ ,‬بس رجِّ ع لي أسعد ‪ ,‬ال تخليه يموت ‪ ..‬أنا ما عم قل ك الثالث ة ‪ ,‬ب دي أس عد ب س ‪ ..‬وان ت‬
‫قادر على كل شي !‪.‬‬
‫السكون و الوجوم يخيمان على المھجع ‪ ,‬أبو سعد سكت أيض ا ً ‪ ,‬جل س عل ى األرض ووض ع رأس ه ب ين يدي ه ‪,‬‬
‫بعد قليل رج ع اإلخ وة الثالث ة ‪ ,‬ص لوا أخ ر ص الة لھ م وب دؤوا بتودي ع الن اس ‪ ,‬أب و س عد ل م يتح رك م ن مكان ه‬
‫والزال رأسه بين يديه ‪ ,‬انتھى اإلخوة من وداع الناس ‪ ,‬جاؤوا ووقف وا أم ام األب ال ذي الزال مطرق ا ً ‪ ,‬جلس وا‬
‫حوله ‪ ..‬سأله سعد ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫أبي ‪ ...‬يا أبي ‪ ....‬ما بدك تودعنا ؟ ‪ .....‬أبي ﷲ يخليك ال تحرق قلبنا بآخر عمرنا ‪ ...‬ابوس أيدك ي ا ب و‬

‫‪....‬‬
‫رفع األب رأسه ‪ ,‬شملھم بنظرة ذاھل ة حارق ة ‪ ,‬رف ع يدي ه باتج اھھم ‪ ,‬ال تقط أوالده الي دين وأخ ذوا بتقبيلھم ا ‪...‬‬
‫وأجھش األربعة ببك ا ٍء فج ائعي ‪ ,‬ع م البك اء المھج ع كل ه ‪ ...‬أخ ذ الرج ال جميع ا ً ينش جون ويش ھقون ‪ ...‬ارتف ع‬
‫صوت نش يج الرج ال الجم اعي عالي ا ً ‪ ,‬وق ف أب و حس ين ف ي منتص ف المھج ع ‪ ,‬وبك الم تقطع ه ش ھقات البك اء‬
‫المتتالية أخذ يرجو الجميع أن يخفضوا اصواتھم ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫من شان ﷲ يا اخوان ‪ ...‬ھلق ‪ ....‬نكون بشي بنصير بشي ‪ّ ...‬‬
‫وطوا الصوت يا شباب ‪ ..‬من شان ﷲ ي ا‬

‫شباب ‪.‬‬
‫سحب األب يديه من أيدي ابنائه وحاول أن يلف الثالثة بيدي ه ‪ ,‬الق ى األبن اء أنفس ھم ف ي حض ن األب ‪ ,‬تجمع ت‬
‫الرؤوس الثالثة على صدره ‪ ,‬وضع األب يديه عل ى رؤوس ھم وق د أغم ض الجمي ع عي ونھم والزال ت دم وعھم‬
‫تسيل ولكن بصمت ‪.‬‬
‫مرة اخرى بدا المھجع يھدأ ‪ ,‬مسحنا دموعنا جميعا ً ونحن شاخصون بأبصارنا اتج اه األب وأوالده ‪ ,‬رف ع االب‬
‫رأسه قليالً ‪ ,‬مسح بيديه على ال رؤوس الحليق ة ‪ ...‬ح ول عيني ه إل ى الن اس المح دقين ب ه وبص وت ھ ادئ ولكن ه‬
‫قوي بدأ الكالم كمن يخاطب نفسه ‪ ,‬قال ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫ھ ذا أم ر ﷲ ‪ :‬أم ر ﷲ م ا من ه مھ رب ‪ ..‬إن ا‬

‫وإن ا الي ه راجع ون ‪ ..‬معل يش ‪ ..‬ال تخ افوا ‪ ..‬ي ا ابن ي ال‬

‫تخافوا ‪ ..‬خليكم سباع ‪ ..‬قلبي وقلب أمكم مع اكم ‪ ..‬ﷲ يرض ى عل يكم دني ا آخ رة‪ ..‬رض ا ﷲ ورض اي معك م ‪..‬‬
‫ھذا الموت كاس ‪ ..‬نعم كاس ‪ ..‬كل الناس بدھا تشرب منه ‪...‬‬
‫سكت قليال التفت إلى الناس واستأنف حديثه ‪:‬‬
‫ ولك بس ليش ؟‪ ..‬ليش اوالدي أنا ‪ ..‬ليش ؟ ‪..‬يا جماعة ‪ ..‬يا ناس ھدول أوالدي ‪ ..‬ما عندي غي رھم ‪ ..‬آخ ‪..‬‬‫آخ ‪ ..‬ﷲ وكيلكم ما عندي غيرھم ‪ ..‬آخ ي ا أس عد ‪ ..‬آخ ‪ ..‬ول ك ي ا جماع ة ي ا ن اس ‪ ..‬ل ك ح دا م نكم ش اف ھي ك‬
‫شوفة ‪ ..‬أوالدي كلھم قدامي راح يتعلقوا ع ـ المش انق !!‪ ..‬ول ك ش ي ح دا يخبرن ي ‪ ..‬احك وا ي ا ن اس ‪ ..‬ل يش ‪..‬‬
‫ليش أنا وأوالدي ‪ ..‬شو عملت من الذنوب تحت قبة ﷲ حتى يجازيني ھيك جزاء ؟!‪ ..‬آه يا ابني آه ‪ ..‬يا ريتن ي‬
‫متت من زمان وال شفت ھيك شوفه !‪ ..‬ياريت متت وال عشت ھيك يوم !! ‪ ..‬آخ ‪ ..‬يا ربي آخ ‪ ..‬ل يش ‪ ..‬ل يش‬
‫‪ ..‬ليش ‪ ..‬؟؟‪.‬‬
‫‪104‬‬

‫تق دم ثالث ة م ن كب ار الس ن إل ى حي ث جلس ت العائل ة ف ي منتص ف المھج ع ‪ ،‬أمس كوا ب األب م ن تح ت ابطي ه‬
‫وأنھض وه ‪ ،‬تن اوبوا عل ى الح ديث مع ه يق وون عزيمت ه ‪ ,‬يذكرون ه بض رورة اإليم ان بحكم ة ﷲ أم ام أش د‬
‫المصائب ھوال ‪ ،‬سحبوه بھدوء إلى فراشه ‪.‬‬
‫في اللحظة التي جلس بھا على الفراش قرقع مفتاح الباب ‪ ..‬ان تفض األب واقف ا ‪ ،‬أمس كه الرج ال وثبت وه مكان ه‬
‫يرجونه الھدوء ‪ ،‬لدى فنح الباب وقف جميع الناس في المھجع ‪ ،‬سار األخوة ال ثالث باتج اه الخ روج وعناص ر‬
‫الشرطة يص رخون ط البين م نھم اإلس راع ‪ ..‬لك ن عن د وص ولھم إل ى الب اب توقف وا والتفت وا ‪ ،‬توقف ت نظ راتھم‬
‫لثانيتين أو ثالث على والدھم‪ ،‬ثم خرجوا وأغلق الباب وراءھم !‪.‬‬
‫أفلت األب نفسه من قبض ة الرج ال ورك ض برش اقة ش اب عش ريني ي داه مم دودتان إل ى األم ام اتج اه الب اب ‪..‬‬
‫وھو يلھث ‪:‬‬
‫ أوالدي ‪ ..‬يا جماعة أوالدي ‪ ..‬ولك يا أسعد ‪ ..‬رجاع ‪ ..‬رجاع !!‪ ..‬ولك أكيد في غلط ‪ ..‬ولك ي ا أبن ي رج اع‬‫‪ ..‬خليني أنا روح محلك !!‪.‬‬
‫اعترضه أبو حسين محتضنا اياه ‪ ،‬لف يديه عليه بقوة ‪ ،‬وتعاون مع الرجال اآلخرين إلعادت ه إل ى مكان ه برف ق‬
‫‪ ..‬اجلسوه وجلسوا حوله يواسونه وھو شاخص بأنظاره إلى الباب ‪.‬‬
‫منذ أن خرج األخوة الثالثة ونسيم ملتصق بالثقب يراقب ‪ ،‬ينشج ‪ ،‬يمسح دموعه التي لم تتوقف !‪.‬‬
‫نھض األب م ن جدي د ‪ ،‬ح اول ال بعض منع ه لك ن أب و حس ين أش ار لھ م بي ده أن يترك وه وأوع ز إل ى اثن ين م ن‬
‫الشباب أن يقفوا قرب الباب تحسبا ‪ ..‬وعندما ابتعد األب عن المجموعة قال أبو حسين ‪:‬‬
‫ اتركوه ‪ ..‬اتركوه يا جماعة ‪ ،‬قلب ه مح روق ‪ ..‬ﷲ يعين ه ويص بره ‪ ..‬اترك وه يعم ل ش و ماب ده ‪ ،‬ب س ال تخل وه‬‫يقرب على الباب ‪ ،‬مصيبته كبيرة وبدھا جبال حتى تتحملھا !‪ ..‬ال حول وال قوة إال با ‪.‬‬
‫أخذ األب يسير سيرا سريعا وس ط المھج ع ‪ ،‬م ن أول ه إل ى آخ ره ‪ ،‬يتم تم كالم ا غي ر مفھ وم ‪ ،‬يؤش ر بيدي ه ف ي‬
‫جميع االتجاھات ‪ ،‬وعندما يصل بمشيته أمام فراشي ك ان يتلك أ قل يال ‪ ..‬ينظ ر إل ى نس يم الملتص ق بالثق ب ‪ ،‬ث م‬
‫يعاود المشي ‪.‬‬
‫أبو حسين جلس إلى جانب نسيم يسأله عما يجري عند المشانق ‪ ،‬نس يم ال يجي ب ‪ ،‬نظ ر أب و حس ين إل يّ وكن ت‬
‫جالسا خلف نسيم كأنه يطلب مني أن أتدخل ‪ ،‬وضعت يدي على كتف نسيم وطلبت من ه أن يتراج ع قل يال ليت يح‬
‫ألبو حسين أن ينظر من الثقب ‪ ،‬لكن نسيم لم يتزحزح وأزاح يدي عن كتفه بعصبية !‪ ..‬كانت يده ترتجف‪ ،‬ف ي‬
‫ھذه اللحظة وقف األب أمام فراشي‪ ،‬نظر إليّ ثم جثا على ركبتيه أمامي‪ ،‬قال متضرعا ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫خلوني شوفھم ‪ ..‬من شان ﷲ ‪ ..‬من شان محمد ‪ ..‬يا ناس خلوني شوف أوالدي ‪ ..‬خلوني ودعھم ‪.‬‬

‫أمسكه أبو حسين من يده ‪ ،‬انھضه ‪ ،‬ماشاه وسط المھجع طالبا منه أن يوكل أمره إلى ﷲ ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫أبكي ‪ ..‬أبكي يا حجي ابكي ‪ ..‬وكل ﷲ ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫يا أبو حسين ‪ ..‬يا ابو حسين ‪ ..‬شو بدي أبكي ؟‪ ..‬دموع ؟‪ ..‬وإال دم ؟‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫ﷲ يصبرك ‪ ..‬ويصبرنا ‪ ،‬إن‬

‫وإن إليه لراجعون‪ ..‬ﷲ أعطى ‪ ..‬ﷲ اخذ ‪.‬‬
‫‪105‬‬

‫بقي أبو حسين يسير مع األب أكثر من ساعة ‪ ،‬الجميع يس معون الح ديث ‪ ،‬ش يئا فش يئا ب دأ األب يتماس ك أكث ر‪،‬‬
‫إلى اللحظة التي أدار فيھا نسيم رأس ه ونظ ر إل ى ال داخل وق د اس تند بظھ ره إل ى الح ائط‪ ،‬ب دا متھالك ا ونظرت ه‬
‫زائغة ال تعبر عن شيء ‪ ،‬عنھا عرف الجميع أن األمر قد انتھى ‪.‬‬
‫أسرعت بأغالق الثقب أمام نظرات األب الذي توقف عن المشي وھو ينظر إلى نسيم نظرة ھلع ‪ ،‬ثم وضع يده‬
‫وصاح بصوت حارق ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫يا ولداه ‪!!..‬‬

‫انھار أرضا بين يدي ابو حسين ‪ ،‬تعاون بعض الشباب لنقله إلى الفراش ‪.‬‬
‫بعد قليل دار أبو حسين على الجميع في المھجع عارضا ً عليھم أداء صالة الجنازة جماعيا وعلنيا !!‪.‬‬
‫كانت ھذه الفكرة في وقت آخر ستبدو ضربا من الجنون ‪،‬وكانت ستلقى معارض ة ش ديدة م ن الكثي ر ‪ ،‬لك ن ف ي‬
‫ھذه اللحظة أيدھا ووافق عليھا الجميع دون استثناء ‪.‬‬
‫ألول مرة منذ وجودي ھنا الذي مضى علي ه أكث ر م ن أح د عش ر عام ا ‪ ،‬ان تظم أكث ر م ن ثالثمائ ة ش خص ف ي‬
‫المھجع وصلوا عالنية صالة واحدة !!‪.‬‬
‫وقفت معھم في الصف األخير إلى جانب نسيم وأبو حسين الذي نظر إليّ متعجبا مستغربا !‪ ..‬و" صليت " ‪.‬‬
‫عاد الجميع إلى أماكنھم ‪ ،‬يتمتمون باألدعية ‪ ،‬الشعور بالحزن ط اغ ‪ ،‬لك ن بع د ھ ذه الص الة الجماعي ة والعلني ة‬
‫خالط الحزن قليل من الرضا عن الذات ‪ ..‬شعور غير مرئي باألنصار ‪. !..‬‬
‫جلس نسيم على فراشه بعد الصالة ‪ ،‬ومنذ تلك اللحظة وحتى اآلن ‪ ،‬لم يتكلم أبدا ‪ ..‬ولم يأكل البتة !‪.‬‬

‫‪ 1‬آب‬
‫اليوم قلعت ضرسين من أضراس العقل ‪ ,‬تخلص ت م ن أس وأ األش ياء الت ي يمك ن أن يتع رض لھ ا الس جين ھن ا‬
‫" آالم األسنان " ‪.‬‬
‫إن أبي بعقليته العسكرية الصارمة اكسبنا بعض العادات ‪ ,‬في البداية تكون قسراً ‪ ,‬ولكن مع األيام تص بح ع ادة‬
‫ال نستطيع التخلي عنھا ‪ ,‬من ھذه العادات تنظيف األسنان بالفرشاة ث الث م رات يومي ا ً‪ ,‬وق د أدمن ت ھ ذه الع ادة‬
‫إلى درجة أنه كان يستحيل علي النوم مھما كنت تعب ا ً إذا ل م أنظ ف أس ناني بالفرش اة قب ل الن وم ‪ ,‬و اآلن مض ى‬
‫سنوات طويلة لم أر فيھا أية فرشاة ‪ ,‬وألنه حال الجميع ھن ا فم ن الطبيع ي أن تتخ رب األس نان وتب دأ المعان اة ‪,‬‬
‫فآالم األسنان ھ ي األس وء ب ين ك ل م ا تعرض نا ل ه ‪ ,‬أس وء م ن التع ذيب و الم وت و اإلع دام فھ ذه كلھ ا آني ة ‪..‬‬
‫لحظية ‪ ,‬أم ألم األسنان فيبقى مالزما ً اإلنسان في الليل و النھار يمنعه من النوم وال يتركه يھدأ لحظة واحدة ‪.‬‬
‫رغم أن أطباء األسنان من السجناء قد ت دخلوا ‪ ,‬وم ع نم و الحاج ة ط وروا آلي اتھم ووس ائلھم ‪ ,‬لك نھم ل م يكون وا‬
‫يملكون إال عالجا ً واحداً وھو القلع !‪.‬‬
‫معروف كم ھ و م ؤلم قل ع األس نان عن د الطبي ب رغ م التخ دير ورغ م األدوات الت ي يملكھ ا الطبي ب يبق ى القل ع‬
‫مؤلما ً ومكروھا ً ‪ ,‬أما ھنا فال تخدير ‪ ..‬وال وسائل قلع مطلقا ً !‪.‬‬
‫كل ما ق ام ب ه أطب اء األس نان ھ و أنھ م ج دلوا خيط ا ً متين ا ً م ن الخي وط التركيبي ة الرفيع ة ) الن ايلون ( و الش يء‬
‫الثاني الذي يقومون به ھو تحديد السن او الضرس المخرب الواجب قلعه ‪.‬‬
‫‪106‬‬

‫في المھجع مجموعة تسمى ) تحببا ً ( مجموعة الب راعم ‪ ,‬وھ ي مؤلف ة م ن ثماني ة أش خاص أو ثماني ة عمالق ة ‪..‬‬
‫أجساد ضخمة ‪ ,‬طوال القامة ‪ ,‬عض الت مفتول ة ‪ ,‬وھ م يش كلون مجموع ة طع ام واح دة وب الطبع ين الون حص ة‬
‫مضاعفة من الطعام ‪.‬‬
‫بعد أن يحدد الطبيب الضرس الواجب قلعه يأتي دور مجموعة البراعم ‪ ,‬يربط أحدھم الضرس الخ رب ب الخيط‬
‫المتين بينما برعم آخر يثبت رأس المريض بكلتا يديه ‪ ,‬فيجذب األول الخيط بقوة ‪ ,‬ونادراً ما احت اج األم ر إل ى‬
‫أكثر من شدة واحدة ليخرج الضرس معلقا ً بطرف الخيط ‪ ,‬أنا لم أخلع أضراسي بھذه الطريقة ‪.‬‬
‫تحسن موضوع الطبابة في السجن الصحراوي منذ عدة شھور ‪ ,‬فلقد دار المس اعد عل ى مھ اجع الس جن وأخب ر‬
‫الجميع أن من يريد أن يقلع سنا ً أو ضرسا ً فبإمكانه فعل ذلك عند طبيب األسنان التابع للسجن ‪ ,‬كذلك المرض ى‬
‫باألمراض العادية يستطيعون أن يراجعوا طبيب السجن لشراء األدوية التي يحتاجون ‪.‬‬
‫ھذا التحسن بدأ من سنتين أو ثالث ‪ ,‬وكان تدريجيا ً بطيئا ً ‪ ,‬وكان ھذا طبيعي ا ً فلق د ق ل ع دد الق ادمين الج دد إل ى‬
‫السجن ‪ ,‬فبع د أن كان ت ال دفعات تع د بالمئ ات اس بوعيا ً أخ ذت تع د بالعش رات ‪ ,‬ث م قل ت أكث ر ‪ ..‬ف أكثر ‪ ,‬تباع د‬
‫مرات مجيء الھيلوكوبتر وبالتالي المحاكمات و اإلعدامات ‪ ,‬خف التوتر و الشحن في نفوس عناص ر الش رطة‬
‫‪ ,‬قلت الحاالت الت ي يك ون فيھ ا الض رب للض رب و القت ل للقت ل ‪ ,‬أص بح للقت ل او الض رب س بب عل ى الغال ب‬
‫كالصالة مثالً ‪ ,‬أو أن يرى السجين فاتحا ً عينيه اثناء التنفس ‪.‬‬
‫أما نسيم فقد ساء وضعه كثيراً ‪ ,‬بقي صائما ً عن الطعام و الكالم مدة خمسة أيام كاملة بعد إعدام اإلخوة الثالث ة‬
‫‪ ,‬حينھا تعاونا أنا وأبو حسين على إقناعه بأن يتناول قليال من الطعام ‪ ,‬رغ م ذل ك دخ ل ف ي حال ة م ن االكتئ اب‬
‫الحاد ‪ ,‬عزوف عن الكالم ‪ ,‬لم يعد يلعب الشطرنج ‪ ,‬وتوقف عن األعمال الفنية التي كان يشكلھا من العجين ‪.‬‬
‫بعد حوالي عشرة ايام كان جالسا ً إلى جانبي وھو ملتزم الصمت ‪ ,‬التفت إلي ببطء وقال بالفرنسية ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫أين يدفنون جثث الذين يعدمون أو يقتلون ؟‬

‫‪-‬‬

‫ال أعرف ‪ ..‬وال أعتقد أن أحداً من السجناء يعرف !‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫حسب رأيك ‪ ...‬ھل تكون جثث سعيد وسعد و أسعد قد تحللت ؟‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫يا أخي ‪ ..‬يا نسيم ‪ ..‬دعك من ھذه األفكار السوداء ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫من المؤكد أن الشرطة تحفر حفرة كبيرة ثم تفرغ فيھا كل ھذه الجثث وتھيل عليھا التراب ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫نسيم ارجوك ‪ ..‬أرجوك يكفي كالما ً بھذا الموضوع ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫الشك أن الديدان تنھش اآلن لحم األخوة الثالثة ‪ ..‬ديدان في العينين ‪ ..‬ديدان في البطن ‪ ..‬دي دان ف ي الف م‬

‫‪ ..‬الديدان تخرج من فتحتي األنف ‪ ..‬ديدان ‪ ..‬ديدان ‪.‬‬
‫‪-‬‬

‫نسيم ‪ ..‬يكفي ‪ ..‬قلت لك يكفي ‪.‬‬

‫بعدھا صمت وغرق في أفكاره ‪ ,‬باءت كل محاوالتي إلخراجه من صمته بالفش ل ‪ ,‬يظ ل ص امتا ً أيام ا ً عدي دة ‪,‬‬
‫وعندما يتكلم يبدأ بطرح األسئلة الكبيرة ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫ما ھي الحياة ؟ ‪.‬‬
‫‪107‬‬

‫‪-‬‬

‫ما ھي الغاية من ھذه الحياة ؟ ‪ ..‬ھل من المعقول أن تكون الحياة بال ھ دف ؟‪ ..‬ھ ل م ن المعق ول أن ھ ذه‬

‫الحياة من صنع ﷲ ؟ ‪.‬‬
‫‪-‬‬

‫ماذا يستفيد ﷲ من خلق شخص مثل أسعد ؟‪ ..‬أتى به إلى ھذه الحياة ‪ ,‬تعذب كثيراً ثم أع دم ‪ ..‬م ات وھ و‬

‫اليزال في أول حياته !! ‪ ...‬حتى أنه لم يأخذ الوقت الكافي ليثبت إن كان رجالً صالحا ً أم طالحا ً ؟!‪.‬‬
‫الغري ب أن ك ل تس اؤالته وأحاديث ه ح ول ھ ذا الموض وع كان ت باللغ ة الفرنس ية !‪ ,‬ك ان احساس ي اق رب إل ى‬
‫الفجيعة ‪ ,‬ھو يغوص في كآبته ومتاھاته وأنا أغوص أكثر فأكثر في الحزن و األلم عليه ‪.‬‬
‫بقي على ھذا المنوال حوالي الشھرين ‪ ,‬وذات صباح ‪ ,‬فتح عناصر الشرطة باب المھجع ‪ ,‬قب ل أن يتم وا فتح ه‬
‫كالعادة قفز نسيم كنابض مضغوط تم افالت ه ‪ ,‬بأق ل م ن ثاني ة اص بح خ ارج المھج ع بع د أن رف س الب اب بقدم ه‬
‫مكمالً فتحه !‪.‬‬
‫ف وجىء عناص ر الش رطة و البل ديات ألول وھل ة ‪ ,‬ول م يتخلص وا م ن وق ع المفاج أة األول ى حت ى فاج أھم ثاني ة‬
‫بالھجوم عليھم ‪..‬‬
‫الباب مفتوح ونحن نراقب ما يحدث بالساحة ‪ ,‬كان نسيم يتحرك ويصرخ صراخا ً وحشيا ً كجمل ھائج ‪ ,‬عاصر‬
‫الش رطة و البل ديات أق ل م ن عش رة ‪ ..‬وذھل ت ‪ ..‬م ا ھ ذه الق وة الھرقلي ة الت ي أظھرھ ا نس يم ؟‪ ..‬أي ن تعل م ھ ذه‬
‫الحركات القتالية ؟!‪ ..‬يھاجم أحدھم ‪ ,‬يقفز أمامه عاليا ً ثم يھوي بسيف كفه على رقبته أو على أنفه فيلقيه أرض ا ً‬
‫!!‪ ..‬عنص ران م ن الش رطة وواح د م ن البل ديات ألق اھم أرض ا ً خ الل أق ل م ن دقيق ة !! ال بعض م ن عناص ر‬
‫الشرطة و البلديات ابتعدوا مسرعين ‪ ..‬ف روا ‪ ..‬ال بعض اآلخ ر ھج م عل ى نس يم لإلمس اك ب ه ‪ ,‬ع ال الص ياح و‬
‫الصراخ في الساحة ‪ ,‬أطل الحراس الموجودون على األس طحة ‪ ,‬س رعان م ا أش رعوا البن ادق ولقموھ ا أخ ذين‬
‫وضعية الرامي ‪ ,‬وجھوا بنادقھم اتجاه نسيم ‪ ..‬وھبط قلبي بين قدمي ‪ ..‬ھل سيطلقون النار عليه ؟‪ ..‬لكنه مل تحم‬
‫مع الشرطة ‪.‬‬
‫أحد الرقباء ھجم عليه من الخلف وأمسكه من رقبته محاوالً إيقاعه على األرض لتثبيته ‪ ,‬تش جع ب اقي العناص ر‬
‫فھجموا عليه ‪ ,‬لك ن نس يم أخ ذ ي دور ح ول نفس ه بس رعة والرقي ب معل ق برقبت ه م ن الخل ف ‪ ,‬دار ع دة دورات‬
‫تزداد سرعتھا م ع ك ل دورة ‪ ..‬ارتفع ت ق دما الرقي ب ع ن األرض وأخ ذ ي دور م ع دوران جس م نس يم ‪ ,‬توق ف‬
‫نسيم فجأة وجذب الرقيب فألقاه أرضا ً !! ‪.‬‬
‫فتح باب الساحة الحديدية األسود وأخذ عناصر الشرطة يتدفقون ‪ ,‬العشرات منھم أح اطوا بنس يم لدرج ة أنن ا ل م‬
‫نعد نستطيع أن نراه ‪ ,‬مع ھدوء حركتھم تأكدنا أنھم قد تمكنوا منه ‪.‬‬
‫صاح احد الرقباء ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫امسكوه ‪ ..‬ال تضربوه ‪ ..‬مدير السجن جاي لھون ‪.‬‬

‫حضر مدير السجن يحيط به المساعد وعدد من الرقباء و الشرطة ‪ ,‬أربعيني طوي ل القام ة ‪ ,‬بمش ية ھادئ ة تق دم‬
‫حيث نسيم ملقى على األرض ‪.‬‬
‫باب مھجعنا الزال مفتوحا ً ‪ ,‬نراقب ما يحدث دون أن نلتفت برؤوسنا ‪ ,‬طلب مدير السجن إحض ار نس يم أمام ه‬
‫‪ ,‬انفض جمع الشرطة من حول نسيم واوقفه على قدميه عنص ران ‪ ,‬وفج اة ان تفض وأفل ت نفس ه م ن قبض تيھما‬
‫‪108‬‬

‫وھ و يص رخ بك الم غي ر مفھ وم متق دما ً اتج اه م دير الس جن ‪ ,‬خط وة أو خط وتين وھجم ت علي ه مجموع ة م ن‬
‫الشرطة أحاطوا به جيداً وثبتوه ‪.‬‬
‫تحادث مدير السجن مع المساعد و الرقباء بكالم لم نسمعه ‪ ,‬أحد الرقباء أشار إل ى م دير الس جن اتج اه مھجعن ا‬
‫فتقدم المدير من الباب معه المساعد وبع ض الرقب اء ‪ ,‬طل ب أب و حس ين و تكل م مع ه ‪ ,‬طل ب طبيب ا ً م ن المھج ع‬
‫وسأله ‪ ,‬تشاور قليالً مع طبيب السجن ‪ ,‬عاد وطلب طبيب المھجع سائالً إياه عن الدواء ال ذي يري ده ‪ ,‬ث م ذھ ب‬
‫بعد أن أمر بإعادة نسيم إلى المھجع دون إزعاج ‪.‬‬
‫كان تصرف مدير السجن أقرب إلى التفھم و الود‪ ،‬أقرب إلى تصرف الراعي ‪ ,‬ھذا األمر المس تغرب ‪ ..‬أطل ق‬
‫تكھنات وتحليالت وتأويالت لم تنته ‪.‬‬
‫بعد إغالق الباب بقي نسيم لمدة ساعتين تقريبا ً يمش ي مش يا ً س ريعا ً وس ط المھج ع جيئ ًة وذھاب ا ً وعل ى دفع ات ‪,‬‬
‫كل دفعة ما يقارب الخمسة دقائق ‪ ,‬يقف بعدھا ويبدأ الدبكة وھو يغني ‪:‬‬
‫على دلعونا على دلعونا‬

‫بيّ بيّ الغربة الوطن حنونا‬

‫يعاود المشي السريع بعدھا ‪ ..‬لم يكن ينظر إلى أي شخص وال إلى أي مكان ! في المشي أو الدبكة ‪ ,‬ينظر إلى‬
‫نقطة محددة أمامه ال يحول بصره عنھا !‪.‬‬
‫بعد ھاتين الساعتين فتح ت الناف ذة الص غيرة ف ي الب اب ) الطالق ة ( ‪ ,‬ن ودي عل ى رئ يس المھج ع ‪ ,‬بح ذر ش ديد‬
‫أعطى الرقيب ثالث علب دواء ألبو حسين قائالً ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫ھدول ‪ ..‬دواء المجنون !‪.‬‬

‫كان نسيم لحظتھا قبالة الب اب تمام ا ً ‪ ,‬س مع العب ارة الت ي قالھ ا الرقي ب ‪ ,‬ان تفض وانطل ق كالس ھم اتج اه الب اب ‪,‬‬
‫شاھده الرقيب في انطالقته فتراجع إلى الوراء عفويا ً رغم الباب المغلق ‪ ..‬وصل نسيم إلى الب اب ‪ ..‬أخ رج ي ده‬
‫من الطالقة يحاول االمساك بالرقيب وھو يصرخ ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫المجنون ؟!‪ ..‬انت المجنون ولك كلب !‪ ...‬أبوك المجنون ‪ ....‬امك المجنونة ‪ ...‬ولك ي ا حي وان ‪ ....‬كلك م‬

‫مجانين ‪.‬‬
‫من الخارج سمعت صوت الرقيب يصرخ بالجندي ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫س ّكر ‪ ..‬س ّكر ‪ ..‬العمى ‪ ..‬ناقصنا مجانين ؟!‪.‬‬

‫ألول مرة منذ م ا يق ارب االثن ي عش ر عام ا ً أرى الش رطة خ ائفين ‪ ,‬ف روا م ن أم ام نس يم ف ي الس احة ‪ ,‬رأي تھم‬
‫مذعورين !‪ ,‬ألول مرة أراھم يتلقون الشتائم وال يطلقونھا !‪ ..‬يتلقونھا وال يردون !‪ ..‬وتساءلت ‪:‬‬
‫) ھل تحتاج ھذه القوة الطاغية التي تمثلھا الشرطة إلى الجنون ‪ .....‬إل ى مواجھ ة مجنون ة ‪ ....‬حت ى تق ف عن د‬
‫حدھا ؟ ! ( ‪.‬‬
‫رفض نسيم تناول الدواء من الطبيب ‪ ,‬وتشاور ھذا مع أبو حسين بع د أن ش رح ل ه أن أي م ريض بھ ذه الحال ة‬
‫يرفض تن اول ال دواء ويج ب إجب اره عل ى اب تالع الحب وب ‪ ,‬وطل ب من ه االس تعانة بمجموع ة الب راعم إلعطائ ه‬
‫الدواء بالقوة ‪ ,‬فالمريض في ھكذا حاالت يمتلك قوة ھائلة غي ر طبيعي ة ويحت اج إل ى أربع ة أو خمس ة أش خاص‬
‫حتى يستطيعوا إمساكه وإجباره على ابتالع الحبوب !‪.‬‬
‫‪109‬‬

‫قبل الظھ ر تن اول ال دواء ‪ ,‬ن ام عل ى إثرھ ا نوم ا ً عميق ا ً ‪ ,‬اس تيقظ بع د منتص ف اللي ل وكن ت اراقب ه ‪ ,‬ابتس م ل ي‬
‫ابتسامة واھنة دون أن يتحرك من مكانه ‪ ,‬قال لي ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫كيفك ‪ ...‬كيف أحوالك ؟ ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫أنا ممتاز ‪ ..‬انت كيف أحوالك ؟ ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫ماشي الحال ‪ ..‬بس نعسان ‪ ..‬بدي نام ‪.‬‬

‫نام بعدھا إلى الصباح وعندما استيقظ تصرف تصرفا ً طبيعيا ً كم ا ل و أن ه ل م يم ر بأي ة مش كلة أو ماش ابه ‪ ,‬ك ان‬
‫ھ ذا رأي الجمي ع ‪ ...‬أم ا أن ا فق د الحظ ت الكثي ر م ن التغي رات الطفيف ة و الت ي ھ ي ب نفس الوق ت لھ ا دالالتھ ا‬
‫العميقة ‪ ,‬ھذه المالحظات تكونت بمرور األيام و األس ابيع الت ي تل ت ‪ ,‬أص بح ھن اك ابتس امة دائم ة معلق ة عل ى‬
‫شفتيه ‪ ,‬ھي ابتسامة مزيفة أو أنھا ممزوجة بحزن دفين في أعماق النفس ‪ ,‬فق د نس يم الق درة عل ى الدھش ة الت ي‬
‫كانت من أھم سمات شخصيته ‪ ,‬لم يعد يسخط على ما يعجبه واستمر بإضرابه عن العمل في العجين ‪.‬‬
‫أوكل لي الطبيب بص فتي ص ديقه وج اره أم ر إعطائ ه ال دواء بانتظ ام ‪ ,‬مش دداً عل ى أن ه يج ب أن ال أنس ى أب داً‬
‫مواعيده ‪ ,‬ألن أي انقطاع عن تناوله سيؤدي حتما ً إلى عودة حالة الھياج الشديد والعدوانية !‪.‬‬
‫بقيت عالقتنا الثنائية بنفس الحميمية ‪ ,‬استأنفنا حياتنا اليومية المشتركة كالسابق ‪ ,‬ومرت األي ام لكن ه ل م يتط رق‬
‫بحديثه وال مرة إلى ما حدث ‪ ,‬حتى موضوع إعدام اإلخوة الثالثة لم يعد إلى ذكره أبداً ‪.‬‬
‫مشاعري الداخلية اتجاھه ھي ھي لم تتغير ‪ ,‬لكن احساسي يقول ‪:‬‬
‫" ان ھناك شيئا ً ما داخل نسيم ‪ ...‬قد مات " ‪.‬‬
‫وكنت حزينا ً جداً لموت ھذا الشيء ‪.‬‬

‫‪ 25‬أيلول‬
‫الغبار يمأل األجواء ‪.‬‬
‫بعد ستة أشھر أو سبعة سأتم عامي الثاني عشر في السجن ‪ ،‬لقد عدت إلى عد األيام والشھور وھ ذا ف ي ع رف‬
‫السجناء داللة سوء ‪ ،‬لكن أال يحق لي أن أتسأل إلى متى ؟‪.‬‬
‫ال بعض ھن ا س بقوني بس نوات ‪ ..‬وال زال وا ! اذا ك ان األطف ال ال ذين حكم تھم المحكم ة الميداني ة ب البراءة ‪ ..‬ال‬
‫زالوا يقيمون في مھجع يسميه عناصر الشرطة مھجع البراءة ‪ ،‬فھل يأمل ش خص مثل ي ‪ ..‬منس يّ ‪ ،‬مھم ل ‪ ،‬ال‬
‫يعرف حتى لماذا ھو ھنا ‪ ..‬أن يخرج من ھذا الجحيم ؟ ‪ ..‬ھ ل الطري ق إل ى ھ ذا الس جن ذو اتج اه واح د فق ط ؟‬
‫ھل العبارة التي يكررھا السجناء وأكاد أسمعھا يوميا ب أن " ال داخل مفق ود والخ ارج مول ود " ص حيحة ؟ ل م أر‬
‫أي شخص دخل ھذا السجن يخرج منه ! ‪.‬‬
‫فمت ى ‪ ..‬مت ى يح ين موع د الخ الص ؟‪ ..‬لس ت أدري ‪ ،‬ومعھ ا ‪ ..‬إم ا العج ز الكام ل واالستس الم لألق دار أو ‪..‬‬
‫االنتحار والخالص من ھذا العذاب اليومي الذي يبدو بال نھاية ‪.‬‬
‫وتجيش نفسي بالغضب ‪.‬‬
‫************‬
‫‪110‬‬

‫العجاج ‪ ،‬أو كما يسميه البعض " الطوز " ‪ ..‬يثورھنا في ھذه الصحراء مرتين أو ثالث مرات كل ع ام ‪ ،‬وف ي‬
‫سنوات القحط قد يزيد عن ذلك مرتين أو ثالثة ‪ ،‬تث ور العواص ف الرملي ة ف تمأل األج واء بالغب ار ويس تمر ذل ك‬
‫يوما ً أو يومين أو ثالثة ‪ ،‬سواء استمر ھبوب الريح أم توقف فإن الغبار يبقى معلقا ف ي الھ واء‪ ،‬نت نفس الغب ار ‪،‬‬
‫األنف ‪ ..‬الفم ‪ ..‬العينان ‪ ..‬تمتليء كلھا بالغبار ‪ ،‬ننام والغبار ما زال معلقا فوقنا وحولنا وداخلنا ‪ ،‬نس تيقظ فنج د‬
‫ان كل فتحات االنسان الموجودة في الرأس قد امتألت يالتراب المسحوق الناعم‪ ،‬مياھنا غبار ‪ ..‬طعامنا غبار ‪.‬‬
‫منذ صباح أول البارحة ابتدأ ھبوب الرياح واشتدت عند الظھيرة ‪ ،‬اصبحت الرياح زوابع ‪ ،‬ھذه الزواب ع ق ذفت‬
‫من الشراقة التي في السقف باالضافة إلى الغبار ‪ ،‬مزق من أكياس بالستيكية والكثير من القش والعيدان الجافة‬
‫الخفيفة الوزن ‪ ..‬أشواك ‪ ..‬شتى النباتات الصحراوية اليابسة ‪.‬‬
‫كل من لديه قطعة ثياب زائدة ح اول ل ف رأس ه بھ ا ‪ ،‬الكثي ر م ن األش خاص ل م يع د يظھ ر م ن وج وھم س وى‬
‫العينان ‪.‬‬
‫فجأة قذفت الريح على القضبان الحديدية للشراقة صفحة كاملة من جريدة ‪ ..‬علقت ھذه الص فحة ب ين القض بان‬
‫!‪.‬‬
‫أنظار جميع من في المھجع تعلقت بھذه الجريدة العالقة بين القضبان في السقف ‪ ،‬تھزھ ا ال ريح ويس مع الجمي ع‬
‫صوت خشخشتھا ‪.‬‬
‫سمعت البعض يدعون ويبتھلون إلى ﷲ ان يسقط الجريدة داخل المھجع وأال يجعلھا تطير بعيدا !‪.‬‬
‫في األجواء الطبيعية كنا نرى الحارس كل بضعة دقائق ‪ ،‬إما ان يطل ناظرا م ن الش راقة ‪ ،‬أو يم ر م ن جانبھ ا‬
‫فن راه أو ن رى ظل ه ‪ ،‬حت ى عن دما يك ون بعي دا ع ن الش راقة فإنن ا نس مع وق ع خطوات ه وھ و يمش ي عل ى س طح‬
‫المھجع جيئة وذھابا ‪،‬اآلن ال أثر للحارس ‪ ،‬يبدو أنه يلوذ بأحد زوايا السطح متقيا الرياح والغبار ‪.‬‬
‫كما تمنى الجميع تمنيت أنا أيضا أن تسقط الجريدة داخل المھجع ‪ ،‬منذ أن أصبحت في بلدي لم أر حرفا واح دا‬
‫مطبوعا !‪ ،‬الجميع مثلي ‪ ..‬شوق حقيقي لرؤية األحرف المتالصقة ‪ ،‬الكلمات المطبوعة!‪.‬‬
‫ھذه جريدة ‪ ،‬وفي الجريدة أخبار ‪ ،‬ونحن منذ أكثر سنتين‪ ،‬تاريخ قدوم آخر نزي ل إل ى المھج ع ‪ ،‬ل م نس مع ش يئا‬
‫عما يدور خارج ھذه الجدران األربعة ‪.‬‬
‫سمعت نسيم يقول ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫يارب ‪ ..‬يارب ‪ ..‬ولك يا انزلي ‪.‬‬

‫كان يخاطب الجريدة ‪ ،‬نظرت اليه ‪ ،‬أنظاره معلقة بالجريدة عاليا ‪.‬‬
‫الكثير من الناس وقف منتصبا ‪ ،‬الكثير أزاحوا عن وجوھھم األقمشة التي تلثم وا بھ ا ‪ ،‬م ن ل م يق ف اعت دل ف ي‬
‫جلسته ‪ ،‬بعض من وقف مشى بشكل عفوي إلى تحت الشراقة ‪ ،‬الرأس مرفوع واألعين معلقة ‪ ..‬األنظار تت ابع‬
‫تراقص الجريدة بين القضبان !‪.‬‬
‫واحد من الواقفين تحت الشراقة ‪ ،‬وھو من الفرقة الفدائية ‪ ،‬نظر إلى الناس وقال بصوت مسموع للجميع ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫يا شباب ‪ ..‬ھرم ؟‪.‬‬

‫على أثر سؤاله ھذا قفز العديد وھم يقولون ‪:‬‬
‫‪111‬‬

‫‪-‬‬

‫ھرم ‪ ..‬ھرم ‪ ..‬ھرم ! ‪.‬‬

‫لم تستغرق عملية بناء الھرم البشري وانزال الجريدة أكثر من عشر ثوان تقريبا ‪ ،‬لكنھا ث وان مرعب ة ‪ ..‬خانق ة‬
‫وحابسة لألنفاس !‪.‬‬
‫كان من الممكن أن تكلف العديد حياتھم ‪ ،‬لكنھا مرت بسالم ‪.‬‬
‫وأصبح لدينا جريدة !‪.‬‬
‫خاطب أبو حسين الفدائي الذي أنزل الجريدة وبلھجة سريعة ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫بسرعة ‪ ..‬بسرعة ‪ ..‬عـ المراحيض ‪ ،‬اطويھا ‪ ،‬خلي واحد يقرأھا ويحكينا شو فيھا أخبار ‪.‬‬

‫وركض الفدائي إلى المرحاض حامال الجريدة ‪.‬‬
‫الفرحة عمت الجميع ‪ ,‬فرحت حقيقية ‪ ,‬الكثير تصافحوا وتعانقوا مھنئين بعضھم بعض‪ ..‬إنه انتصار آخر !‪.‬‬
‫ا َ‬
‫لتفت نسيم إلي بعد أن عانقني ‪ ..‬قال ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫أنت تعرف أن أول كلمة نزلت من القرآن الكريم ھي كلمة " اقرأ " ؟ ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫أعرف ‪ ....‬و أنت تعرف أن اإلنجيل يبدأ بـــ " في البدء كانت الكلمة " ؟‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫أعرف ‪ ..‬بس يا مخرج السينما شو يقول لك ھذا الحدث ؟‬

‫‪-‬‬

‫تريد أحكي كالم كبير ‪ ..‬مثل األفالم و الروايات ؟ الحدث بيقول ‪ :‬إن اإلنس ان مس تعد أن يض حي بحيات ه‬

‫في سبيل المعرفة ‪.‬‬
‫‪-‬‬

‫صح ‪ ..‬شاطر ‪.‬‬

‫وضحكنا كما لم نفعل منذ شھور ‪.‬‬
‫محتوي ات الجري دة ج اءت مخيب ة لآلم ال قل يالً ‪ ,‬الوج ه األول م ن الص فحة ھ و ص فة اإلعالن ات الرس مية ‪ ,‬و‬
‫الوجه الثاني ھو الصفحة الرياضية و بھا أخبار ال دوري الع ام لك رة الق دم !‪ .‬وھ ذه الص فحة أث ارت زوبع ة م ن‬
‫النقاشات ل م تنت ه حت ى اآلن ‪ ,‬فبم ا أن المھج ع يض م اناس ا ً م ن جمي ع المحافظ ات ‪ ,‬ول ذلك عل ى ض وء األخب ار‬
‫الرياضية الواردة في الجريدة سرعان ما تكتلت جماھير كل نا ٍد من النوادي و أخ ذت تف اخر بمنج زات وت اريخ‬
‫انتصارات النادي الذي تشجعه ‪.‬‬
‫حتى اإلعالنات الرسمية أخذ الناس يقرؤونھا بعناية شديدة ‪ ..‬النھم إلى القراءة !‪ ,‬عين أبو حسين شخصا ً لي نظم‬
‫قراءة الجريدة بالدور من قبل الجميع ‪ ,‬أصبح للجريدة مسؤول " اس ماه ال بعض م ازحين بـ ـ وزي ر اإلع الم " ‪,‬‬
‫وھو الذي ينظم دور قراءتھا ‪ ,‬ينقلھا من شخص آلخر وھو الذي يحدد الزمن لكل شخص ‪.‬‬
‫الريح ھدأت تماما ً اليوم ‪ ,‬لكن الغبار الزال معلقا ً بالجو ‪ ,‬حتى داخل المھجع الغبار يمأل كل الفراغات ‪.‬‬
‫************‬

‫‪112‬‬

‫في الصباح أعاد الشرطة للمھجع شخصا ً كان قد عوقب منذ شھر ‪ ,‬ضبطوه في ساحة الت نفس وعيون ه مفتوح ة‬
‫‪ ,‬بعد أن جلدوه ونكلوا به أمامنا فيما نحن ندور ح ول الس احة ‪ ,‬أم ر المس اعد بوض عه بالزنزان ة اإلنفرادي ة ف ي‬
‫الساحة الخامسة ‪.‬‬
‫بعد أن دخل وما أن اطمأن إل ى أن الش رطة أغلق وا الب اب وذھب وا ت نفس الص عداء ‪ ,‬أخ ذ يض حك ‪ ,‬جل س عل ى‬
‫األرض ‪ ..‬وروى للجميع رحلة الشھر التي قضاھا في الساحة الخامسة ‪ ,‬بدأ حديثه بالقول ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫و ﷲ ي ا ش باب اش تقت لك م ‪ ...‬وق ت دخل ت المھج ع حس يت إن ي راج ع عل ى بيت ي ‪ ..‬ي ا اللـ ـه ‪ ..‬ق ديش‬

‫المھجع حلو !‪ ..‬يا شباب جنة ‪ ..‬جنة ‪ ..‬نحن عايشين ھون بالجنة ‪...‬‬
‫طفق يروي ‪ ..‬ويحكي يروي ‪ ..‬ويحكي !‪.‬‬
‫المرحاض داخل الزنزانة اإلنفرادية و حتى يأمن أذى الجرذان أضطر أن يسد فتحة المرح اض ب الخبز بع د أن‬
‫عجنه وجعل منه سدادة ‪ ,‬أقسم أن ھناك جرذانا ً بحجم الخروف الصغير !‬
‫ثالث مرات في اليوم حفلة تعذيب أشبه ما تكون باالستقبال في أول قدوم السجين إلى السجن ‪.‬‬
‫يوض ع الطع ام ف ي ص حن ق ذر عل ى بع د عش رة أمت ار م ن ب اب الزنزان ة ‪ ,‬يفتح ون الب اب ‪ ...‬يج ب أن يخ رج‬
‫أربع كما تسير الكالب ‪ ..‬وأن يظل ينبح في الذھاب ‪ ,‬وفي اإلياب بعد أن يحمل الص حن ‪..‬‬
‫السجين سائراً على‬
‫ٍ‬
‫خالل كل ھذا تكون الكرابيج قد أكلت قطعا ً من لحم ظھره !!‪.‬‬
‫النوم على االسمنت ‪ ..‬ال بطانيات وال أغطية وال أي شيء ‪.‬‬
‫كان يروي ويضحك ‪ ..‬وجھه مشرق من الضحك ! ‪ )) ..‬ما الذي يضحكه ؟!(( ‪.‬‬
‫************‬
‫الغبار ال زال معلقا ً ‪.‬‬
‫رموش الناس أص بحت بيض اء ‪ ,‬الش رطة مت وترون لك ن الرقاب ة ض عفت ‪ ,‬ض عفت م ن األعل ى " الش راقة " ‪,‬‬
‫وضعفت من األسفل من األرض ‪.‬‬
‫سمعت حديثا ً منذ ساعتين أثار اھتمامي والزلت أفكر فيه ‪.‬‬
‫لدينا في المھجع أربعة من البدو ‪ ,‬ھم أمي ون ال يعرف ون الق راءة أو الكتاب ة ‪ ,‬مھن تھم الرئيس ية رع ي األغن ام و‬
‫الجمال ‪ ,‬عاشوا طوال حياتھم في ھذه الصحراء المترامية يتنقلون في أرجائھا من مكان آلخر طلب ا ً للمرع ى و‬
‫الماء ‪ ,‬قبض عليھم واعتقلوا وجيء بھم إلى السجن الص حراوي بتھم ة مس اعدة بع ض المطل وبين عل ى الف رار‬
‫إلى دولة مجاورة ‪ ,‬وعندما يسألون ھنا عن ذلك يعبسون قليالً ويجيب كبيرھم المدعو " شنيور " ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫و ﷲ يا أخوي ‪ ..‬تھمة باطلة ‪ ..‬نحن بدو بديرة ﷲ ‪ ..‬جام " أتوا " جماع ة علين ا ‪ ..‬و عل ى ع ادة الع رب‬

‫‪ ..‬رحبنا بھم ‪ ,‬ضيفناھم من الميسور ‪ ,‬بعدين يا خوي سألونا عــ الدرب ‪ ..‬دلين اھم ‪ ,‬ھ اي فيھ ا ش يء ي ا خ وي‬
‫؟! وبعدين يقولون لنا ‪ ..‬انتو عمالء ‪ ..‬و انتو جواسيس ! عجيبة و ﷲ يا خوي ! عجيبة ‪.‬‬

‫‪113‬‬

‫اليوم بعد أن سرد شنيور ھذه القصة للمرة األلف تشعب الحديث كثيراً وكان كله منصبا ً على الب دو‬
‫البدو ‪ ,‬سأله أحد أبناء المدينة من الذين لم يعرفوا في حياتھم كلھا س وى ثالث ة أمكن ة " البي ت ‪,‬‬

‫وحي اة‬
‫ال دكان ‪,‬‬

‫الجامع " عما إذا كان صحيحا ً ما يقال عن الكرم البدوي ‪ ,‬وعن أسبابه ومسبباته ‪ ,‬وختم سؤاله قائالً بتعجب ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫وكيف يا أخ شنيور ‪ ..‬إذا اجاك ضيف وما كان عندك غي ر غنم ة وح دة ‪ ,‬ص حيح أن ك ت ذبحھا وتطبخھ ا‬

‫لتقدمھا له ؟‪ ..‬وليش ھذا الشيء ؟ ايه ‪ ..‬عمره وانشاء ﷲ ما بياكل ! ‪ ..‬انشاء ﷲ يأكل سم ‪.‬‬
‫‪-‬‬

‫له ‪ ..‬له ‪ ..‬له ‪ ..‬يا خوي ما يصير تحجي ھيج " تتكلم ھكذا " ‪.‬‬

‫مضى شنيور في مداخلة طويلة يشرح ويعلل ويفسر ‪ ,‬كنت أنصت إليه قسراً ألنه جالس ب القرب م ن فراش ي ‪,‬‬
‫لكنه بعد قليل شد اھتمامي بفكرة !‪.‬‬
‫قال شينور ما معناه ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫أن للكرم البدوي أسبابا ً عديدة ‪ ,‬عدد عدة أسباب ‪ ,‬لكنه قال إن أھم االس باب ھ ي أن الب دوي يح ب ض يفه‬

‫‪ ..‬يعشقه !‪ ..‬وھذا بسبب أن البدوي يبقى أياما ً وأسابيعا ً وشھوراً يعيش في ھذه الب راري ب ين الكثب ان الرملي ة و‬
‫األتربة و الغبار في وحدة مطلق ة ‪ ,‬زوجت ه وأوالده يعتب رھم أق ل ش أنا ً م ن أن يج ري ح ديثا ً معھ م‪ .‬ل ذلك وف ي‬
‫حاالت كثيرة نرى البدوي يحادث أغنامه أو جماله !‪ ..‬يكون ف ي المرع ى ال يس معه أح د ‪ ,‬وألن ه يح ب أغنام ه‬
‫فإن ه يج رى ح ديثا ً معھ ا ‪ ,‬وال ب أس أن تتخل ل ھ ذه الح ديث بع ض الش تائم الموجھ ة إل ى األغن ام المش اغبة ‪ ,‬و‬
‫البدوي عندما يصل إلى درج ة أن يج ري ح ديثا ً م ع الغ نم ‪ ..‬يك ون ھ ذا دل يالً إل ى أن حاجت ه إل ى األن س ‪ ,‬إل ى‬
‫المؤانسة ‪ ..‬إلى االجتماع مع أي انسان ‪ ,‬ق د بلغ ت م داھا األقص ى ‪ ,‬ف ي ھ ذا الوق ت إذا حض ر الض يف فس يجد‬
‫حتما ً شخصا ً متلھفا ً يغدق عليه الكثير الكثير من آيات الترحيب و المحبة ‪ ,‬يقدم له أفضل ما عنده من كل ش يء‬
‫‪ ..‬وھذا من حيث ال يدري مكافأة له على مجيئه ‪ ,‬وإغرا ًء له للبقاء أطول مدة ممكنة ‪.‬‬
‫" يبدوا أن العزلة تعلم الحكمة ‪ ,‬ھذا البدوي فيلسوف حك يم !‪ ..‬ش كراً ل ك ي ا ش ينور ‪ ,‬لق د أزل ت م ن نفس ي قلق ا ً‬
‫مبھما ً ك ان يق ض مض جعي ‪ ..‬ق د كان ت عزلت ي ف ي المھج ع أس وأ م ن عزل ة أي ب دوي ف ي الص حراء ‪ ,‬وفج أة‬
‫اصبح نسيم ضيفي ‪ ,‬م ع نس يم ج اء األن س و المؤانس ة ‪ ,‬فطبيع ي ج داً حس ب ش رح ش ينور أن تك ون ع واطفي‬
‫جياشة تجاھه " ‪.‬‬
‫التفت إلى نسيم بابتسامة ود وحب ‪ ,‬أجابني بابتسامة – مع االستمرار بتن اول ال دواء يص بح وض عه أق رب إل ى‬
‫الطبيعي – قلت له ‪:‬‬
‫ أنا رايح اغسل وجھي من آثار الغبار ‪.‬‬‫اكتفى بھز رأسه ‪.‬‬

‫‪ 17‬أيار ‪.‬‬
‫ال أدري كم كان الوقت ‪ ,‬أعتقد أنه بعد منتصف الليل ‪ ,‬نسيم ن ائم إل ى ج انبي ‪ ,‬ال دواء ال ذي يتناول ه يجعل ه ين ام‬
‫بعمق ‪ ,‬لم أكن قد نمت بعد ‪.‬‬

‫‪114‬‬

‫سمعت حركة في الساحة ‪ ,‬جلست ‪ ,‬نويت أن أنظر من الثق ب ألرى م ا يفعل ون ‪ ,‬قب ل أن أم د ي دي لف تح الثق ب‬
‫عال ‪ ..‬لم أفھم ماذا يقول ‪ ,‬ع اد لتك رار ص راخه ‪ ,‬إن ه يق ول اس ما ً ثالثي ا ً ‪,‬‬
‫سمعت أحد الشرطة يصرخ بصوت ٍ‬
‫أنصت أكثر ‪ ..‬يصرخ ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫يا مھاجع الساحة السادسة ‪ ..‬مين عنده ھذا االسم ؟‪.‬‬

‫وقال االسم الثالثي مرة ثالثة ‪.‬‬
‫إنه اسمي !!‪.‬‬
‫ألجزاء من الثانية كنت أتساءل من ھو صاحب ھذا االسم ؟‪ ..‬وقعه ليس غريبا ً علي ‪ ..‬كأنني سمعت ھذا االسم‬
‫يوما ً ما !! ‪ ..‬إنه اسمي ‪.‬‬
‫ما الذي يجري ؟ ما ھذا ؟ ‪ ..‬لم اذا ين ادون اس مي ؟ أص ابني ش يء أق رب إل ى البالھ ة ‪ ,‬اتلف ت ح ولي مس تغربا ً‬
‫متسائالً ! ‪.‬‬
‫صاح أبو حسين وكان مستيقظا ً ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫يا شباب ‪ ..‬في حدا عندنا بھـ االسم ؟‪.‬‬

‫رفعت سبابتي عاليا ً كما يفعل التالميذ الصغار ‪ ,‬رفعتھا في وجه أبو حسين دون أن أنطق حرفا ً ‪.‬‬
‫وعاد الشرطي يصرخ باالسم مرة أخرى ‪.‬‬
‫انتقلت بالھتي إلى أبو حسين ‪ ,‬فغر فمه ‪ ,‬عيناه متسعتان دھشة ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫ھذا االسم اسمك ؟‪.‬‬

‫ھززت رأسي مومئا ً باإليجاب ‪.‬‬
‫وبسرعة رمى أبو حسين جسده الثقيل اتجاه الباب ‪ ,‬بدأ يدقه بسرعة وقوة وھو يصرخ ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫ھون يا سيدي ‪ ..‬ھون ‪ ..‬ھذا االسم في المھجع الجديد رقم ‪. /8/‬‬

‫ھدأ كل شيء‪ .‬فجأة ‪ ,‬لم يعد يصرخ أحد ‪.‬‬
‫بعد دقيقة أو أكثر فتح الباب ‪ ,‬وقف الرقيب ومعه شرطيان ‪ ,‬توجه إلى أبو حسين سائالً ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫ھذا اإلسم عندك ‪ ..‬يا رئيس المھجع ؟‬

‫‪-‬‬

‫نعم سيدي ‪ ..‬ھذا ھو ‪.‬‬

‫و أشار باصبعه اتجاھي ‪ ,‬اقترب الرقيب مني ‪ ,‬نظر بعيني غاضبا ً ‪ ,‬سأل ‪:‬‬
‫ ھذا اسمك ؟‬‫ نعم سيدي ‪.‬‬‫رفع يده عاليا ً وبكل قوته ھوى بباطن يده على خدي األيمن ‪ ,‬دار جسدي كله ربع دوره ‪ ,‬بسرعة البرق ألحقھا‬
‫بلطمة على خ دي األيس ر بقف ا ي ده اع ادتني إل ى الوض ع الطبيع ي ‪ ,‬ع ادت النج وم لتت راقص أم ام عين اي ‪ ,‬ق ال‬
‫غاضبا ً ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫يا جحش ‪ ....‬يا ابن الكلب ‪ ....‬صار لنا ساعتين ندور عليك ونصرخ ‪ ..‬ليش ما ع م تج اوب ي ا ش رموط‬

‫‪ ..‬؟‬
‫‪115‬‬

‫سكت ‪.‬‬
‫مد يده ‪ ,‬وبقوة سحبني من صدري ليقذف بي خارج المھجع ‪ ,‬وأغلق الباب ‪.‬‬
‫أُغلق باب المھجع في وجھي إلى األبد ‪.‬‬
‫ضربا ً ‪ ..‬ركضا ً ‪ ,‬الرقيب وعنصرا الشرطة من الخلف ‪ ,‬يسوقوني أمامھم ‪ ,‬من الساحة السادسة ‪ ,‬إل ى الس احة‬
‫ص فر !‪ .‬ومنھ ا إل ى الب اب الحدي دي الص غير ‪ ,‬أص بحت أم ام الس جن ‪ ,‬حان ت من ي التفات ة ص غيرة ‪ ,‬الزال ت‬
‫المنحوتة الحجرية في مكانھا ‪:‬‬
‫" ولكم في الحياة قصاص يا أولي األلباب "‬
‫منذ أكثر من اثنتي عشرة عاما ً قرأت ھذه المنحوت ه‪ ،‬ودخل ت‪ .‬اآلن اق رأ ھ ذه المنحوت ه وأخ رج ‪ ,‬إل ى أي ن ؟ ‪..‬‬
‫لست أدري !!‪.‬‬
‫ثالثة رجال في اللباس المدني تقدموا من ي ‪ ,‬أح دھم طوي ل ج داً ‪ ,‬يزي دني بم ا يق ارب النص ف مت ر ‪ ,‬تق دم من ي‬
‫وفتح ورقة كانت مطوية في يده وسأل ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫أنت فالن ؟‬

‫‪-‬‬

‫نعم ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫ابن فالن وفالنة ؟‬

‫‪-‬‬

‫نعم ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫أنت كذا ‪ ...‬كذا ‪ ..‬نعم – أنت ‪..‬؟ ‪ ..‬نعم ‪.‬‬

‫التفت إلى رفيقيه ‪ ,‬قال ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫ھات الكلبشة ‪.‬‬

‫ناوله أحدھم الكلبشة ‪ ,‬الكلبشة االسبانية ‪.‬‬
‫مددت يدي إلى األمام ‪ ,‬البسھما الكلبش ة ‪ ,‬طقطق ة ناعم ة ‪ ,‬أص بحت ي داي مقي دتين إل ى األم ام ‪ ,‬ث م وق ع بع ض‬
‫األوراق وسحبني إلى مسافة خمسين متراً ‪.‬‬
‫سيارة تكس ي " بيج و فرنس ية "‪ ،‬الس ائق يجل س خل ف المق ود ‪ ,‬جل س الطوي ل إل ى جانب ه ‪ ,‬جلس ت ب ين االثن ين‬
‫اآلخرين في المقعد الخلفي ‪ ,‬انطلقت السيارة في عتمة الليل ‪ ,‬أنوارھا تشق الظالم شقا ً ‪.‬‬
‫لم يتكلموا بشيء ‪ ,‬لم يضربوني أو يزعجوني ابداً ‪ ,‬تعاملوا وكأني غي ر موج ود معھ م ‪ ,‬بع د قلي ل م ن انطالق ة‬
‫الس يارة س أل الطوي ل ع ن الس اعة فأج ابوه أنھ ا الثاني ة و النص ف بع د منتص ف اللي ل ‪ ,‬ق ال إن ه س ينام ح والي‬
‫الساعة ‪.‬‬
‫بعد ساعة نام الجميع عداي و الس ائق ال ذي ينظ ر إل ي بم رآة الس يارة عل ى فت رات متباع دة ‪ ,‬أغمض ت عي وني‬
‫ألوھمه أنني نائم ‪ ,‬وتساءلت ‪:‬‬
‫‪116‬‬

‫‪-‬‬

‫ي ا ھ ل ت رى ‪ ..‬إل ى أي ن ؟ قلب ت األم ر م ن جمي ع الوج وه ‪ ,‬خرج ت بنتيج ة ان ه مھم ا ك ان المك ان ال ذي‬

‫سيأخذوني إليه فإنه حتما ً سيكون أفضل ‪.‬‬
‫ارتحت قل يالً‪ ،‬فك رت بنس يم ‪ ..‬م اذا س يقول ‪ ,‬و م اذا س يفعل عن دما يس تيقظ ص باحا ً ف ال يج دني إل ى جانب ه ؟!‪..‬‬
‫اشتقت إليه ‪.‬‬
‫استرخيت قليالً وكان يمكن أن أغفوا ولكن فجأة ترنحت السيارة ‪ ,‬السائق أخذ يصيح ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫يا لطيف ‪ ..‬يا ستار ‪ ..‬يا لطيف ‪.‬‬

‫استيقظ الجميع وصرخوا ‪ ,‬لقد انفجر اإلط ار الخلف ي للس يارة ‪ ,‬اس تطاع الس ائق بمھ ارة فائق ة أن يس يطر عليھ ا‬
‫بعد أن خرجت عن الطريق وتوغلت في رمال الصحراء ‪.‬‬
‫وصلنا العاصمة قبيل الظھر ‪ ,‬استغرق اصالح اإلطار عدة ساعات ‪ ,‬فقد كن ا ف ي الص حراء وأق رب نقط ة إلين ا‬
‫تبعد عشرات الكيلومترات ‪.‬‬
‫ھذه مدينتي ‪ ..‬لم أعرف شيئا ً في الشوارع التي كن ا نس ير فيھ ا !‪ ..‬م دينتي الت ي ول دت فيھ ا وترعرع ت وكن ت‬
‫أحسب نفسي ضليعا ً في معرفتھا ‪ ,‬لم أعرف ف ي أي ش ارع نح ن وال إل ى أي ن نتج ه !‪ ..‬لق د تغي رت إل ى درج ة‬
‫يصعب على من غاب عنھا ھذه المدة أن يعرفھا ‪ ,‬إلى أن وصلنا إل ى الس احة المركزي ة للمدين ة ‪ ,‬ھ ا أن ا أع ود‬
‫إلى مدينتي التي أعرفھا ‪ ,‬ھذه النوافير ‪ ..‬ھي ‪ ..‬ھي ‪ ..‬عندما كنت طفالً كان يطي ب ل ي أن أق ف تح ت رذاذھ ا‬
‫المتطاير ‪ ..‬فأشعر باإلنتعاش ‪ ,‬ومن ھذه الساحة عرفت أن السيارة تتجه نحو مركز المخابرات الذي حللت في ه‬
‫لدى عودتي ‪.‬‬
‫ترى ھل مازال أبو رمزت و أيوب ھناك ؟ ‪ ..‬خيزرانة أيوب التي تبدو لي اآلن كلعب األطفال أمام ما شاھدت‬
‫وذقت ‪ ..‬ھناك !‪.‬‬
‫السيارة تتوقف عند اشارات المرور ‪ ,‬انظر إلى الناس ‪ ,‬اتفحص وجوھھم ‪ ,‬ما ھذه الالمباالة ‪ ..‬ترى كم واح داً‬
‫منھم يعرف ماذا جرى ويجري في السجن الصحراوي ؟ ‪ ..‬ترى كم واحداً منھم يھ تم ؟ أھ ذا ھ و الش عب ال ذي‬
‫يتكلم عنه السياسيون كثيراً ؟ ‪ ..‬يتغنون به ‪ ..‬يمجدونه ‪ ..‬يؤلھونه ! ‪ ...‬ولك ن ھ ل م ن المعق ول أن ھ ذا الش عب‬
‫العظيم ال يعرف ماذا يجري في بلده ؟! إذا لم يكن يعرف فتلك مصيبة ‪ ,‬و إذا كان يعرف ولم يفعل شيئا ً لتغيير‬
‫ذلك فالمص يبة أعظ م ‪ ,‬اس تنتجت أن ھ ذا الش عب إم ا أن يك ون مخ دراً ‪ ..‬أو أبل َه ! ‪ ...‬ش عب م ن البلھ اء ‪ ,‬ھ ل‬
‫يعرف أحد من ھذه الجموع ‪ ..‬ھذا البقال ‪ ..‬ھذه الفتاة التي تسير س عيدة مبتس مة وھ ي تت أبط حبيبھ ا ‪ ..‬م ن ھ و‬
‫نسيم ؟ ‪ ...‬نسيم الذي يقبع اآلن في السجن الصحراوي ينتظر من يناوله دواءه ‪ ,‬نسيم الذي جن ألنه لم يستطيع‬
‫أن يتصالح مع ھذا الواقع ‪.‬‬
‫انتبھت لنفسي ‪ ,‬مالي أفكر غاضبا ً ھكذا ! ھل أصبحت سياسيا ً ؟ ‪ ...‬ابتسمت رغما ً عني ‪ ,‬ھ ل أتوق ع أن يخ رج‬
‫ھذا الشعب في مظاھرات عارمة للمطالبة بإطالق سراحي من السجن ؟ ‪ ..‬من أنا ؟ ! ‪.‬‬
‫يا إلھي ما أكثر الناس ‪ ,‬أحدق في الوجوه ‪ ,‬بيتنا قريب من المك ان ال ذي تتج ه إلي ه الس يارة ‪ ,‬ق د يح الفني الح ظ‬
‫فأحظي بمشاھدة أمي أو أبي أو أحد أخوتي ‪ ,‬ال بل يكفي أي وجه أعرفه ‪.‬‬
‫‪117‬‬

‫انحرفت السيارة عن الطريق الذي كنت أتوقعه و الذي يؤدي إلى ذلك المبنى الكئيب القريب م ن بيتن ا ‪ ,‬س ارت‬
‫بإتجاه الجنوب الغربي مخترقة المدينة من الشمال إلى الجنوب ‪ ,‬مررنا بمع الم كثي رة أعرفھ ا ‪ ,‬أح ن إليھ ا ‪ ,‬ھ ا‬
‫ھ ي الجامع ة و الط الب و الطالب ات داخل ين خ ارجين ‪ ,‬ال أذك ر م ن حي اتي إال أنن ي كن ت طالب ا ً واآلن أمش ي‬
‫سريعا ً في العقد الخامس من عمري ! ‪.‬‬
‫مبنىً ضخم ‪ ,‬حراسات مشددة ‪ ,‬الدخول صعب ومعقد حتى على سيارات األمن ‪ ,‬انتظرنا أكثر من عشر دقائق‬
‫‪ ,‬اتصاالت واستفس ارات ‪ ,‬س محوا للس يارة بتج اوز الح اجز ‪ ,‬دخلن ا وأص بحنا أم ام البن اء ‪ ,‬أنزل وني أم ام ب اب‬
‫زجاجي عريض ‪ ,‬البالط يلمع ‪ ,‬كل شيء يوحي بالنظافة و النظام ‪ ,‬ذھب الطوي ل ح امالً مع ه األوراق ‪ ,‬دخ ل‬
‫أول غرفة إلى اليسار ‪ ,‬لم يطلب مني أحد أن أغمض عيني أو أنكس رأس ي ‪ ,‬لك ن رأس ي نص ف م نكس بحك م‬
‫العادة ‪ ,‬عاد الطويل وقال لالثنين اللذين معي بعد ان ناولھما األوراق ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫نزلوه عــ السجن ‪.‬‬

‫مباشرة قبالة المكان الذي كنا نقف فيه ‪ ,‬نزلنا األدراج ‪ ..‬أدراج ‪ ..‬ثم نلف ثم أدراج ‪ ..‬ب اب عب ارة ع ن قض بان‬
‫حديدية ‪ ,‬قفل ض خم ‪ ,‬ي دقون الب اب ‪ ,‬يحض ر س جان س مين يحم ل بي ده كدس ة م ن المف اتيح ‪ ,‬يعط وه األوراق ‪,‬‬
‫يفتح الباب يدفعوني إلى الداخل ‪ ,‬يغلق الباب ‪ ,‬ينصرف االثنان ‪ ..‬ثم ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫انتظر ھون ‪ ..‬ال تتحرك ‪.‬‬

‫يذھب حامالً األوراق إلى غرفة في صدر رواق طوي ل ‪ ,‬يظھ ر عل ى ب اب الغرف ة الت ي دخ ل إليھ ا ‪ ,‬ين اديني ‪,‬‬
‫أذھب إليه ‪ ,‬يدخلني الغرفة فأرى رجالً أشيب وراء طاولة ينظر إلي ‪ ,‬يطلب مني أن أخ رج م ن جي وبي جمي ع‬
‫أغراضي ‪.‬‬
‫‪-‬‬

‫ما عندي شيء ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫ابداً ‪ ..‬أبداً ؟ ما عندك مصاري ؟ ‪ ..‬ما عندك أغراض ؟ ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫ما عندي شيء ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫طيب ‪ ..‬ما عندك ھوية ؟ ‪ ..‬جواز سفر ؟ ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫ال ال ما عندي شيء ‪ ,‬جواز سفري وھويتي أخذوھا مني في السجن الصحراوي ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫ما رجعوھا إلك ؟ ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫ال ما رجعوھا سيدي ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫طيب ‪ ..‬جسمك نظيف ؟ ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫نظيف سيدي ‪ ..‬نظيف ‪ ,‬البارحة تحممت ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫يعني ‪ ..‬ما عندك قمل ؟‬

‫‪-‬‬

‫قمل ؟ ‪ ..‬في عندي قمل كثير ‪ ..‬سيدي ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫وبتقول انك نظيف !!‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫التفت إلى السجان ‪ ,‬طلب منه أن يأخذني إلى الحمام وبعد أن أنتھي م ن الحم ام أن يض عني ف ي المنف ردة‬

‫رقم ‪ , /17/‬ثم قال لي ‪:‬‬
‫‪118‬‬

‫‪-‬‬

‫الحمام ساخن ‪ ,‬فوت عــ الحمام ‪ ..‬أول مرة اغسل كل ثيابك بشكل جيد ‪ ,‬بعد غسيل الثياب تحم م أن ت ‪..‬‬

‫بــ تظل تتحمم وتغسل الثياب حتى تحس أنه ما ظل عندك وال قملة ‪ ,‬أحسن ما تملي السجن ھون قمل ‪.‬‬
‫‪-‬‬

‫حاضر سيدي ‪.‬‬

‫أخذني السجان ‪ ,‬أدخلني الحمام المليء بالبخار ‪ ,‬قبل أن يغلق الباب علي قال ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫أعمل مثل ما قال لك المساعد ‪ ,‬بس تخلص دق الباب ‪ ..‬مفھوم ؟ ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫نعم سيدي ‪.‬‬

‫الحمام كان ممتعا ً ‪ ,‬انتھيت‪ ،‬دققت الباب‪ ،‬لملمت ثي ابي الت ي غس لتھا جي داً ‪ ,‬ل م أس تطع أن أعص رھا بق وة ألنھ ا‬
‫مھترئة ‪ ,‬فتح السجان الباب ورآني أحاول أن ألبس الثياب المغسولة ‪ ,‬أمرني أن أمشي قبل أن أل بس ‪ ..‬قل ت ل ه‬
‫ال يجوز ‪ ,‬صرخ ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫اطلع وال ‪ ..‬شو مانك رجّ ال ؟ ‪ ..‬بعدين على شو خايف ؟ !‪ ..‬على ھــ الطيز متل طيز القرد !!‪.‬‬

‫سترت عورتي من األمام بثيابي المبللة ‪ ,‬مشيت خل ف الس جان ‪ ,‬وص لنا باب ا ً علي ه رق م ‪ /17/‬ففتح ه ‪ ,‬دفعن ي ‪,‬‬
‫وأغلق الباب ورائي ‪.‬‬
‫ھا أنا لوحدي ‪ ..‬في زنزانة مطلية باللون األخضر الف اتح ‪ ,‬البطاني ات عل ى األرض ‪ ,‬الزنزان ة واس عة ق د تبل غ‬
‫أكثر من ثالثة أمتار مربعة ‪ ,‬في سقفھا فتحتان اكتشفت أنھما للتھوية ‪ ,‬واحدة لس حب الھ واء الفاس د و اآلخ رى‬
‫لضخ الھواء الخارجي ‪.‬‬
‫نشرت ثيابي المبللة على األرض ‪ ,‬جلست على البطانيات ‪ ..‬تغطيت بواحدة ‪ ,‬الجو ھنا حار ‪ ,‬بعد قليل تم ددت‬
‫وغفوت ‪.‬‬
‫استيقظت على الصوت المرعب ‪ ,‬صوت قرقعة المفتاح الحديدي في الباب الحديدي ‪ ,‬صرير الحدي د بالحدي د ‪,‬‬
‫جلست وأحكمت لف البطانية حول وسطي ‪ ,‬انفتح الباب وظھر رج الن ‪ ,‬أح دھما كھ ل و األخ ر ش اب ومعھم ا‬
‫سجل ‪ ,‬سألني عن اسمي وعمري ‪ ,‬مكان والدتي ‪ ,‬كل المعلومات الخاصة المتعلق ة ب ي س جلھا ‪ ,‬أغل ق الس جل‬
‫وسألني عن سبب نومي عاريا ً ‪ ,‬أجبته بأن الثي اب الوحي دة الت ي أملكھ ا مغس ولة ‪ ..‬وھ ي ل م تج ف بع د ‪ ,‬التف ت‬
‫إلى الشاب وقال ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫روح عــ المھجع ‪ ,‬قول لھم أنه في واحد سجين ما عنده ثياب ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫حاضر ‪.‬‬

‫أغل ق الب اب ‪ ,‬بع د رب ع س اعة ع اد الش اب ح امالً ص رة م ن الثي اب ‪ ,‬بيجام ا رياض ية ‪ ,‬غي ار داخل ي ‪ ..‬س ليب‬
‫ُ‬
‫ظھرت بمظھر جديد ‪.‬‬
‫وليس سرواالً شرعيا ً يصل حد الركبة ‪ ,‬جميعھا جديدة ‪..‬‬

‫‪ 20‬آيار ‪.‬‬
‫ثالثة أيام منذ أن غادرت السجن الصحراوي ومجيئي إلى ھنا لم أر خاللھا أحداً غير السجانين ‪ ,‬ث الث م رات‬
‫في اليوم يفتحون الباب إلدخال الطعام ‪ ,‬وبعد ساعة تقريبا ً من ادخال الطعام يفتحونه ثانية إلخراج الص حون و‬
‫للخروج للمرحاض و المغاسل – يسمون المرحاض ھنا " الخط " لم أستطع أن أعرف سبب ھذه التسمية!‪.‬‬
‫الطعام ھنا أفضل من ھناك ‪ ,‬يصل إلى السجين القليل من قطع اللحم ‪ ,‬و الطعام أكثر نظافة ‪ ..‬وتنوعا ً ‪.‬‬
‫‪119‬‬

‫أنتظر بقلق يزداد كلما مر يوم دون أن أعرف سبب نقلي إلى ھنا ‪ ,‬المعامل ة ھن ا جي دة نس بيا ً ‪ ..‬باس تثناء بع ض‬
‫الصفعات على الوجه و الرقبة أثناء الخروج إلى المرحاض أو العودة منه ‪ ,‬لم أتعرض إل ى أي تع ذيب جس دي‬
‫مباشر ‪ ,‬لكن أصوات التعذيب التي تصل جلي ة واض حة إل ى جمي ع المنف ردات تغ دو م ع الوق ت أكث ر اس تفزازاً‬
‫ومدعاة للتوتر و الخوف ‪ ,‬كل يوم من الثامن ة و النص ف ص باحا ً تب دأ ص رخات األل م و التوس ل ‪ ,‬وتنتھ ي عن د‬
‫الثانية والنصف ‪ ,‬لتعاود االسطوانة عزفھا من السادسة مسا ًء وحتى ساعة متأخرة من الليل ‪.‬‬
‫أحاول تجاھلھا ‪ ..‬نسيانھا أو التغاضي عنھا ‪ ..‬ال أفلح ‪.‬‬

‫‪ 21‬أيار ‪.‬‬
‫اليوم مسا ًء فتحوا باب زنزانتي وطلب العنصر خروجي ‪ ,‬خرجت ‪ ,‬أمسكني من يدي وقادني إلى ب اب األدراج‬
‫ذي القضبان المعدنية ‪ ,‬فتح الباب ‪ ,‬سلمني إلى عنصر آخر كان واقفا ً أمام الب اب ‪ ,‬ق ادني ھ ذا اآلخ ر ص عوداً ‪,‬‬
‫وصلنا إلى البالط الملمع ‪ ,‬سحبني خالل الممر اليميني إلى آخر غرفة ‪ ,‬أدخلني فيھا ‪ ,‬خرج وأغلق الب اب دون‬
‫أن ينطق حرفا ً ‪ ,‬ليس في الغرفة إال طاولة وكرسي واحد فقط ‪.‬‬
‫دخل رجل في األربعين وبيده كدسة أوراق بيضاء وقلم حبر ناشف ‪ ,‬سألني إن كنت أنا ‪ ..‬أنا ‪ ,‬أجبت نعم أن ا ‪,‬‬
‫وضع األوراق و القلم على الطاولة ‪ ,‬أمرني أن أجلس ‪ ,‬جلست عل ى الكرس ي خل ف الطاول ة‪" .‬ھ ذه ھ ي الم رة‬
‫األولى التي أجلس فيھا على كرسي منذ ‪ /12 /‬سنة"‪ .‬قال ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫ھذه أوراق ‪ ..‬ھذا قلم ‪ ,‬نريد منك تكتب تاريخ حياتك من والدتك وحتى اآلن ‪ ,‬مفھوم ؟‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫نعم مفھوم ‪.‬‬

‫خرج ‪ ,‬وبدأت أكتب ‪ ..‬استذكر وأكتب ‪ ,‬أفك ر م اذا يري دون بالض بط ؟‪ ..‬ال أع رف وأكت ب ‪ ,‬س اعة ‪ ..‬س اعتان‬
‫وأكتب ‪ ,‬فتح الباب خاللھا مرتين وعندما يرون انھماكي في الكتاب ة يخرج ون دون أن يقول وا ش يئا ً ‪ ،..‬أكت ب ‪,‬‬
‫القلم ‪ ..‬الورقة ‪ ..‬افتقدتھما سنوات طويلة ‪ ,‬كانا أمراً عاديا ً ‪ ,‬بديھيا ً وفي متناول الي د دائم ا ً ‪ ,‬وعن دما تفق دھما ‪..‬‬
‫تفكر طويالً ‪ :‬كم أنفقت البش رية م ن زم ن وجھ د حت ى اس تطاعت اخت راع وإيج اد ال ورق ؟ ك م لزمھ ا ‪ ..‬حت ى‬
‫اخترعت القلم الذي نكتب به بسھولة ؟ كم ھما عزيزان ‪ ..‬اثي ران إل ى قلب ي ‪ ,‬واكت ب ‪ ..‬أغ وص ف ي التفاص يل‬
‫الصغيرة ‪ ,‬استذكر المدارس التي درست في صفوفھا ‪ ,‬أھلي ‪ ..‬أصدقائي ‪ ,‬أصبحت ھ ذه الكتاب ة متع ة ل ي ‪ ,‬ال‬
‫أريد مفارقة الورقة و القلم ‪.‬‬
‫يدخل الرجل الذي قادني ‪ ..‬يحدق بي ‪ ,‬يقول ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫لو كنت عم تكتب تاريخ العالم كنت خلصت ھلق ‪ ..‬العمى ليش لھلق ؟ !‬

‫‪-‬‬

‫أعطيني كم دقيقة ‪ ..‬أكون خالص ‪.‬‬

‫بعد دقائق اسلمه األوراق و القلم ‪ ..‬يقول لي ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫خليك ھون ‪.‬‬

‫‪120‬‬

‫ويذھب ‪ ,‬عاد بعد أق ل م ن س اعة بقلي ل م ع ش خص ذي ھيب ة ‪ ,‬األوراق الت ي كتبتھ ا بي د الش خص ذي الھيب ة ‪,‬‬
‫حدق ھذا فيّ قليالً وقال ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫كل شيء كتبته ‪ ..‬اسمه‪ :‬أكل خرى‪ .‬ھاي أوراق جديدة وھذا قلم‪ .‬أكتب لنا ‪ ..‬المفيد و المختصر ‪.‬‬

‫رموا بالقلم و األوراق على الطاولة وذھبوا ‪.‬‬
‫بدأت أكتب من جديد ولكن بنفس المتعة ‪ ,‬أعدت ما كنت قد كتبته سابقا ً ‪ ,‬ليس لدي جديد ‪ ,‬لق د كن ت ص ادقا ً ف ي‬
‫كل ما كتبت ‪ ,‬طلبوا تاريخ حياتي وقد كتبته لھم في بضع ص فحات ‪ ,‬و ك ل م ا كتب ت ك ان ص حيحا ً فل يس ل دي‬
‫شيء أخفيه أو أخاف من قوله‪ ،‬ولكن لماذا يطلبون مني كتابة ما كنت قد كتبته سابقا ً ؟ ‪ ..‬لست أدري ‪.‬‬
‫ومن جديد أخذوا ما كتبت ‪ ,‬عاد الرجل األول بعد أقل من ساعة ‪ ,‬قال ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫يا ﷲ ‪ ..‬أمشي ‪.‬‬

‫بنفس الطريقة عدنا ‪ ,‬ودخلت إلى زنزانتي ‪.‬‬

‫‪ 22‬أيار ‪.‬‬
‫اليوم مسا ًء فتح باب زنزانتي ‪ ,‬طلب العنصر خروجي ‪ ,‬خرج ت ‪ ..‬مم رات ‪ ..‬ادراج ‪ ..‬أب واب حديدي ة ‪ ,‬مم ر‬
‫إلى اليمين ملمع البالط ‪ ..‬أول غرفة إلى اليسار ‪.‬‬
‫رج ل يض ع نظ ارات طبي ة ‪ ,‬يجل س وراء مكت ب أس ود ‪ ,‬أم ام المكت ب كرس ي بالس تيكي ‪ ,‬رف ع رأس ه ‪ ,‬خل ع‬
‫النظارات الطبية ‪ ,‬أشار لي أن اجلس فجلست على الكرسي ‪ ,‬وبعد قليل وضع النظ ارات ‪ ,‬أمس ك القل م ‪ ,‬يس ال‬
‫‪ ,‬أجيب ‪ ,‬يسجل دون أن ينظر اليّ ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫اسمك ‪ ,‬اسم أبوك ‪ ,‬اس م أم ك ‪ ,‬أخوت ك ال ذكور ‪ ,‬أخوات ك البن ات ‪ ,‬أعمام ك ‪ ,‬أخوال ك ‪ ,‬اص دقاؤك ھن ا ‪,‬‬

‫أصدقاؤك في فرنسا ‪ ,‬اسماؤھم الثالثية جميعا ً ‪ ,‬انتماءاتھم الحزبية وعند ھذا السؤال قلت ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫ال أعرف ‪.‬‬

‫لم يجادل ‪ ,‬لم يكذبني ‪ ,‬كتب على الورقة التي أمامه ‪ ..‬ال يعرف ‪.‬‬
‫ثم سألني الكثير من االسئلة ‪ ,‬كلھا سياسية ‪ ..‬عن األحزاب التي انتميت إليھا ‪ ,‬وأخيراً قال لي ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫ھل لديك أقوال أخرى ؟‬

‫‪-‬‬

‫ال ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫خليك ھون ‪.‬‬

‫لملم أوراقه وذھب ‪ ,‬بعد حوالي الساعة أتى عنصر أعادني إلى زنزانتي ‪ ,‬جلست ‪.‬‬
‫طوال الوقت أسمع صراخ امرأة ‪ ..‬إنھم يعذبونھا !‪.‬‬

‫‪ 23‬أيار ‪.‬‬
‫في آخر الليل ‪ ،‬أعادوني إلى الزنزانة محطما ‪.‬‬
‫‪121‬‬

‫في أول الليل فتحوا باب زنزانتي وأمروني أن أخ رج ‪ ،‬خرج ت كالع ادة ‪ ،‬ل م يك ن ھن اك أدراج ‪ ،‬أخ ذوني إل ى‬
‫آخر غرفة في صف الزنازين ‪ ،‬وضع السجان الطماشة على عينيّ ودفعني إلى داخل الغرفة !‪.‬‬
‫سألت نفسي ‪ :‬ھل انتھى شھر العسل ؟‪.‬‬
‫أوقفتني أيدي السجان ‪ ،‬جاءني صوت من أمامي ‪:‬‬
‫نحن عاملناك معاملة راقية ‪ ..‬ألنه أھلك جماعة طيبين ‪ ،‬بس أنت ما في ك ذوق ‪ ،‬ك ل ھ ـ الع الك والحك ي‬

‫‪-‬‬

‫الفارغ ‪ ..‬ما ينفع ‪ ،‬كلمتين ورد غط اھن ‪ :‬ي ا إم ا تق ول ل ي إل ى أي تنظ يم تنتم ي ‪ ..‬ي ا إم ا خلي ك تش وف نج وم‬
‫الضھر ‪ ..‬ھا شو قلت ‪ ..‬؟‪.‬‬
‫‪ -‬يا سيدي ‪ ..‬أنا ما انتميت ألي تنظيم ‪ ..‬بس أنا رحت ع ـ الس جن الص حراوي بتھم ة‬

‫األخ وان‬

‫المسلمين ‪.‬‬
‫ شو اخوان ‪ ..‬شو خرى !‪ ..‬شلون مسيحي وأخوان مسلمين ؟‪ ..‬ھذا كان خطأ ‪ ،‬وھلق الزم نصحح الخطأ ‪،‬‬‫ألي تنظيم أنت منتسب ؟ ‪.‬‬
‫ أنا ما انتسبت ألي تنظيم ‪.‬‬‫ يبدو انك جحش ‪ ..‬ما تفھم ! ‪ ..‬أي ‪ ..‬أي واحد يحكي مثل الحكي ياللي أنت حاكي ه الزم يك ون عن ده تنظ يم‬‫!‪.‬‬
‫ثم سمعته يخاطب آخرين في الغرفة ‪:‬‬
‫ خذوه على بساط الريح وبس يقرر يعترف ‪ ..‬ھاتوه لھون !‪.‬‬‫سحبوني بعنف ‪ ،‬رغم كل شيء فقد ارتحت قليال ألنني عرفت أن أھلي قد أصبحوا ورائي ‪ ،‬الق وني عل ى ل وح‬
‫خشبي ‪ ،‬ربطوني من جميع أنحاء جسمي ‪ ،‬رفعوا الجزء السفلي من اللوح الخشبي عاليا ‪ ..‬ثبتوه ‪.‬‬
‫بدأ الضرب ‪ ..‬وبدأ الصراخ ‪.‬‬
‫كنت أتألم بشدة ‪ ،‬لكنني لم أكن خائفا وال ھلعا ‪ ،‬أنا اآلن " صاحب خبرة وتجربة " ‪ ،‬لقد رأي ت وس معت الكثي ر‬
‫من الحاالت أمامي ‪ ..‬ومنھا تعلمت وحفظت ‪.‬‬
‫كما لرجال األمن دروسھم وقواعدھم ‪ ،‬فإن للسجناء أيضا قواعدھم ووصاياھم ‪ ،‬وھنا كان أھم وصيتين ‪:‬‬
‫األولى ‪ :‬مھما تألمت من التعذيب فال تعترف بشيء لكي تتخلص من األل م ‪ ،‬ألن األعت راف مھم ا ك ان ص غيراً‬
‫سيجعلھم يعرفون أنك قد ضعفت ‪ ،‬لذلك فان كمية التعذيب س تزيد النت زاع المزي د م ن االعتراف ات ب دالً م ن أن‬
‫تنتھي ‪.‬‬
‫الثانية ‪ :‬اذا طلبوا منك أن تتعاون معھم وتصبح مخبراً لديھم مقابل أن يطلقوا سراحك ‪ ،‬فال تقبل مطلق ا ‪ ،‬ألن ك‬
‫إن قبلت تكون قد تورطت ورطة تدوم مدى الحياة ‪ ،‬وھم دائما يكذبون !‪.‬‬
‫كن ت أت ألم ‪ ..‬لك ن ل م أع د الض ربات ‪ ،‬فك رت ب أمور ش تى ‪ ،‬أھل ي ‪ ..‬نس يم ‪ ..‬ك ل ھ ذا وأن ا أص رخ‬
‫بصوت عال !‪.‬‬
‫بعد فترة أحسست أن قدميّ قد تخدرتا ‪ ،‬احساسي باأللم خف كثيرا ‪ ..‬وغ دا األم ر ميكانيكي ا ‪ ،‬يض ربون ‪ ،‬أت ألم‬
‫قليال ‪ ،‬أصرخ عاليا ‪.‬‬
‫‪122‬‬

‫انتھت لعبة عد األصابع لصالحي !‪ ..‬إما انھم تعبوا ‪ ،‬أو ملوا ‪ ،‬أو اقتنعوا أنني ال أنتمي ألي تنظيم ‪.‬‬
‫تركوني بناء على أوامر "الصوت الذي كان في الغرفة" ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫اتركوه ‪ ..‬اتركوه ‪ ،‬خذوه عـ الزنزانة ‪ ،‬العمى ما أيبس رأسه ‪ ..‬مثل رأس الجحش !‪.‬‬

‫أمشي بصعوبة ‪ ،‬محطما ً بدنيا ‪ ..‬لكن بمعنويات جد مرتفعة ‪ ،‬أعادوني إلى زنزانتي ‪.‬‬
‫لم ألبث أن نمت ‪.‬‬

‫‪ 24‬أيار‬
‫اليوم صباحا ً فتحوا باب زنزانتي ‪ ,‬أخرجوني ‪ ,‬طمشوني فوراً ‪ ,‬ومن خالل السير عرفت أنني اصعد األدراج‬
‫و الس اللم ‪ ,‬ق ادوني ال أدري ب أي اتج اه ‪ ,‬دق العنص ر أح د األب واب ‪ ..‬أدخ ل ‪ ,‬دخ ل ‪ ,‬خبط ة ق دم ‪ ..‬احترام ي‬
‫سيدي ‪.‬‬
‫قال صوت أجش ثخين ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫ارفع الطماشة عن عيونه ‪ ..‬وروح أنت ‪.‬‬

‫رف ع العنص ر الطماش ة ‪ ,‬ثالث ة رج ال ف ي منتص ف العم ر ‪ ..‬أح دھم يجل س خل ف مكت ٍ‬
‫ب فخ م وأني ق‪ ,‬اآلخ ران‬
‫يجلسان إلى جانبي المكتب ‪ ,‬جميعھم صامتون ‪ ,‬ستة عي ون تح دق ف يّ مباش رة ‪ ,‬يفحص وني م ن قم ة رأس ي إل ى‬
‫أخمص قدمي ‪ ,‬ستة عيون قاسية ‪ ..‬ثاقبة ‪ ..‬أحسست أنني أتعرى من ال داخل ‪ ,‬س تة عي ون يس يل منھ ا م زيج م ن‬
‫الدھاء و الذكاء ‪ ..‬مزيج من القسوة و السطوة ‪ ..‬مزيج من الترفع و العنجھية ‪ ..‬عيون رأت عشرات اآلالف م ن‬
‫أمثالي ‪ ..‬عيون قد شبعت من كل شيء !‪ ..‬عيون ضجرة ملولة ‪.‬‬
‫فوراً قدرت أن ھؤالء الرجال الثالثة ھم أھم من قابلتھم من المسؤولين و المحققين حتى اآلن ‪ ,‬وأن مصيري كل ه‬
‫سيتقرر في ھذه الجلسة ‪ ,‬قررت أن أكون جريئا ً ‪ ..‬أن ادافع عن نفسي بقوة ‪ ,‬أن أستفيد من كل ما سمعته وما مر‬
‫بي ‪ ,‬سأواجھھم ‪ ,‬لذلك وقبل أن يتفوھوا بأي كلمة بادرتھم بالسؤال مستجمعا ً كل شجاعتي ‪:‬‬
‫ إذا ممكن تسمحوا لي بسؤال ‪ ..‬أنا ليش ھون ؟ ‪ ..‬ما ھي جريمتي حتى أبق ى ف ي الس جن أكث ر م ن ‪/12/‬‬‫سنة ؟ ‪ ..‬شو عملت ؟‪ ..‬ممكن واحد منكم يجاوبوني على ھذا السؤال ؟ ‪.‬‬
‫قال الرجل الجالس خلف المكتب ‪ ,‬ھو نفس الصوت األجش ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫أوالً أخرس ‪ ,‬ثانيا ً أنت ھون اتج اوب عل ى األس ئلة م و تط رح أس ئلة ‪ ,‬ثالث ا ً رغ م ھي ك ‪ ..‬راح نق ول ل ك‬

‫ليش أنت ھون وما ھي جريمتك ‪ ..‬يا مجرم ‪.‬‬
‫سكت قليالً ثم أردف ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫اسحب ھـ الكرسي ‪ ..‬أجلس ‪.‬‬

‫سحبت الكرسي وجلست ‪.‬‬
‫‪-‬‬

‫أنت مخرج سينمائي ‪ ..‬وال ؟‬

‫‪-‬‬

‫نعم سيدي ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫أنت عم تقول أنك ما انتسبت الي تنظيم سياسي معارض للدولة ‪ ..‬أنا راح صدقك ‪ ,‬لكن إذا ظھ ر عك س‬

‫ھذا الكالم ‪ ..‬أنا بإيدي راح أعدمك ‪ ..‬مفھوم ؟‬
‫‪123‬‬

‫‪-‬‬

‫نعم سيدي ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫طيب ‪ ..‬أنا راح أقرأ لك مجموعة أسماء و أي اسم تعرفه قول ‪ ..‬مفھوم ؟‬

‫‪-‬‬

‫نعم سيدي‬

‫قرأ ثالثة أسماء ال أع رفھم ‪ ,‬ق رأ االس م الراب ع ‪ ,‬االس م الثالث ي لص ديقي أنط وان ‪ ,‬عن دھا رفع ت ي دي مس رعا ً ‪,‬‬
‫وكأني أريد أن اثبت مصداقيتي ‪ ..‬صرخت ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫ھذا يا سيدي ‪ ..‬أنطوان ‪ ..‬ھو صديقي بفرنسا ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫ھ اه ‪ ..‬وص لنا لش يء مفي د ‪ ..‬أن ت تع رف أن ھ ذا أنط وان م ن أخط ر الن اس ؟ ‪ ..‬ھ و ش يوعي مع ارض‬

‫للنظام ‪ ,‬يعني م و مث ل خال ك ‪ ,‬رغ م أن خال ك ش يوعي ‪ ..‬خال ك رج ل كثي ر وطن ي ومخل ص ‪ ,‬ونح ن نحترم ه‬
‫كثير ‪ ,‬بس أنطوان ‪ ..‬أنطوان عميل !‪ ..‬أنطوان ضد الوطن !‪ ..‬وأكيد ھو حرض ك حت ى تحك ي ض د ال وطن ‪..‬‬
‫مو ھيك ؟ ‪.‬‬
‫‪-‬‬

‫أل ‪ ..‬أل سيدي ‪ ,‬أنطوان ما كان يحكي معي بالسياسة ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫لكن ‪ ..‬أنت من وين جايب ھذا الحكي المكتوب بالتقرير ؟ ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫أي حكي ‪ ..‬وأي تقرير ؟‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫مشان ما وجع راسك ‪ ..‬وتوجع راسنا راح أقرأ لك التقرير ‪ ,‬وبعدين تجاوبني ‪ ,‬اتفقنا ؟‬

‫‪-‬‬

‫طيب ‪.‬‬

‫فتح اضبارة أمامه ‪ ,‬تفحص عدة أوراق ‪ ,‬سحب ورقة منھا ‪ ,‬نظر إليھا مليا ً وطفق يقرأ ‪.‬‬
‫" بتاريخ كذا ‪ ..‬وكذا ‪ ..‬دعيت إلى سھرة مع صديقتي الفرنسية ‪ ,‬السھرة كانت في بيت المدعو أنطوان ‪ ,‬وكان‬
‫حاضراً في السھرة ‪ ,‬فالن وفالن وفالن ‪ ..‬ك ّل منھم بصحبة صديقته ‪..‬‬
‫توقف عن القراءة قليالً قائالً ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫شو بدنا بكل ھـ العالك ‪ ..‬وين الفقرة الخاصة فيك ‪ ..‬وين ھا ‪ ..‬ھذه الفقرة ‪..‬‬

‫‪ .........‬عند نھاية النقاش بقي ھناك شخص لم يشارك في الحديث لم أعرف رأيه ‪ ,‬وھو الم دعو ف الن الفالن ي‬
‫‪ ,‬وھ و طال ب م ن العاص مة ي درس اإلخ راج الس ينمائي ھن ا ف ي فرنس ا ‪ ,‬وق د أمض ى فت رة النق اش ينظ ر إلين ا‬
‫مبتسما ً ‪ ,‬وأحيانا ً يحادث صديقته ‪.‬‬
‫توجھت إليه بالسؤال عن رأيه عما دار من حديث‪ ،‬ولكي أدعه يطمئن تابعت تھجمي على السلطة السياسية‪.‬‬
‫ضحك وقال كالما ً جارحا ً بح ق الرفي ق األم ين الع ام رئ يس الجمھوري ة المف دى ‪ ,‬وأن ا أآلن س أورد كالم ه كم ا‬
‫ورد على لسانه مضطراً رغ م أنن ي مح ر ٌج ج داً ‪ ,‬وأرب أ بقلم ي أن يخ ط ھك ذا عب ارات !‪ ..‬وس يادتكم تعلم ون‬
‫أنني على استعداد ألن أقطع لساني وال أدعه يتلفظ بھكذا عبارات مقذعة بح ق اإلنس ان ال ذي نجل ه ونحترم ه ‪..‬‬
‫ال بل نعبده ‪ ..‬السيد الرئيس حماه ﷲ ونصره ‪ ,‬ولتكن أرواحنا فدا ًء له ‪.‬‬
‫ولكن تسجيلي لھذه العبارات إنما الھدف منه أن تكون الجھات األمنية الساھرة على أمن ال وطن عل ى عل ٍم بك ل‬
‫شيء ‪ ,‬وأن تكون في صورة الموضوع ‪ ,‬قال المدعو فالن رداً على تساؤلي ‪ ..‬و بالحرف الواحد ‪:‬‬
‫‪124‬‬

‫‪-‬‬

‫أن ا بالحقيق ة ال استس يغ وال أح ب النقاش ات السياس ية ‪ ,‬وكرج ل يھ وى ويعم ل ف ي مج ال الف ن الس ينمائي‬
‫فإنني أھتم بالصوت و الصورة ‪ ,‬ال تھمني السياسيات االقتصادية أو السياسية ‪ ,‬ال أستطيع أن أحكم عل ى‬
‫النظام أو على السلطة من خاللھا ‪ ,‬أنا أحكم من خالل الصوت و الصورة ‪.‬‬

‫إذا كانت الرسالة تعرف من عنوانھا ‪ ,‬فإن عنوان ھذا النظام ھو الرئيس ‪ ..‬فم اذا يق ول الص وت ؟‪ ..‬إن ص وت‬
‫ھذا الرئيس مثل صوت التيس ‪ ..‬و التيس كما تعرفون ھو من أنتن الحيوانات وأعندھا ‪ ,‬وأنا ال أح ب النتان ة و‬
‫ال العناد ‪.‬‬
‫أما الصورة فتقول ‪ ,‬إن رأسه مثل رأس البغل ‪ ,‬وأنا أكره البغال كثيراً ‪ ..‬لسبب بس يط ھ و أنھ ا ليس ت أص يلة ‪,‬‬
‫لو كان حماراً ألحببته ‪ ,‬ألنه في ھذه الحالة ينتمي إلى ساللة الحمير األصيلة و العريقة ‪.‬‬
‫لھذين السببين يا أخي ‪ ,‬فإنني ال أحب ھذا الرئيس وال أحب ھذا النظام ‪.‬‬
‫وقد ضحك جميع الحاضرين في الجلسة ‪ ..‬ھذا ھو رأي ‪. " ..‬‬
‫عند ھ ذه العب ارة توق ف الص وت األج ش ع ن الق راءة ‪ ,‬نظ ر إل يّ بعم ق وحق د وھ و يط وي األوراق الموج ودة‬
‫أمامه ‪ ,‬ثم قال بلھجة استھزاء ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫نحن قلنا لك عن سبب وجودك ھون ‪ ..‬عن جريمتك ‪ ,‬وانت الزم ھلق تق ول لن ا ألي تنظ يم أن ت منتس ب‬
‫‪ ..‬ھذا الكالم الوارد بالتقرير كالمك وإال أل ؟ ‪ ..‬احكي ‪.‬‬

‫فيما كان يقرأ التقرير كان عقلي يعمل بسرعة مذھلة ‪ ,‬كل حواسي كان ت مس تنفرة ‪ ,‬كن ت اس مع بنص ف عقل ي و‬
‫النصف اآلخر كان يفكر ‪ ,‬حاولت تذكر السھرة فلم أفلح !‪ ..‬التقطت التاريخ المذكور في التقرير ‪ ,‬أكثر من ثالث‬
‫سنوات قبل عودتي إلى بلدي ‪ ,‬يضاف إليھا أكثر من إثنتي عشر عاما ً قضيتھا في الس جن !‪ ..‬كي ف ل ي أن أت ذكر‬
‫سھرة من مئات الس ھرات الت ي كن ا نقيمھ ا ؟‪ ..‬حت ى أش خاص الس ھرة ل م أت ذكر م نھم س وى ص ديقي أنط وان !‪..‬‬
‫وھذا كنت معه يوميا ً تقريبا ً ‪ ,‬لم أتذكر ‪ ..‬لم أتذكر ‪.‬‬
‫أما كالمي الوارد في التقرير فھو يندرج في ع داد النك ات ‪ ,‬وكان ت ھن اك آالف النك ات ‪ ,‬قس م كبي ر منھ ا يتن اول‬
‫رجال السياسة و الرئيس شخصيا ً ‪ ,‬وال تخلو سھرة من سھراتنا كطالب من عش رات النك ات ‪ ,‬فلم اذا ھ ذه النكت ة‬
‫بالذات – على فرض أني قلتھا – يكون ثمنھا باھظا ً إلى ھذه الدرجة ؟!‬
‫أجبت على السؤال الذي وجھه لي ‪..‬‬
‫ھذا التقرير ال ذي قرأت ه و عم ره أكث ر م ن خمس ة عش ر عام ا ً ‪ ,‬ال أذك ر أن ي حكي ت ھي ك ك الم ‪ ,‬وعل ى‬

‫‪-‬‬

‫فرض أني حكيته ‪ ..‬ھذه نكتة ال أكثر و ال أقل ‪ ,‬وأنت تعرف أنه في مئات النكات من ھذه الشاكلة ‪.‬‬
‫‪-‬‬

‫حتى لو كانت نكتة ‪ ..‬ھذه النكتة عقوبتھا من سنة إلى ثالث سنوات ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫بس أنا صار لي ‪ /12/‬سنة في السجن !‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫ال‪ /12/‬سنة انساھم ‪ ,‬ھدول نتيجة خطأ نحن غير مسؤولين عنه ‪ ,‬حسابك يب دأ م ن ھ ذه اللحظ ة ‪ ,‬وھل ق‬
‫احكي لنا عن تنظيمك ‪ ..‬وألي تنظيم تنتمي ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫أنا منتسب إلى تنظيم ‪ ..‬اإلخوان المسلمين !‪.‬‬
‫‪125‬‬

‫انفجروا بالضحك ‪ ..‬ومد الصوت األجش يده ليكبس زر الجرس ‪ ,‬ظھ ر العنص ر عل ى الب اب ف وراً ‪ ,‬خاطب ه وال‬
‫زالت أثار الضحك بادية عليه ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫رجعه عــ الزنزانة ‪ ..‬وقول لمدير السجن ‪ ..‬ال تزعجوه ‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫حاضر سيدي ‪.‬‬

‫يبدوا أنھم كانوا قد درسوا القضية واتخذوا قراراً‪ ،‬وكل الدالئل تشير إلى أن ھذا القرار لصالحي ‪.‬‬
‫ولكن مادور خالي في كل ھذا ؟ ‪ ..‬لست أدري ‪.‬‬

‫‪ 10‬حزيران ‪.‬‬
‫أكثر من نصف شھر لم يحدث خاللھا شيء ‪ ,‬أصوات التعذيب أنھكت أعصابي ‪ ,‬أن تتعذب أن ت أھ ون م ن أن‬
‫تسمع أصوات الصراخ اإلنساني ليالً نھاراً ‪ ,‬أحاول أن أتلھى بقراءة األسماء الموجودة على حيطان الزنزان ة ‪,‬‬
‫جميعھا مكتوبة بواسطة شيء معدني ‪ ..‬مسمار مثالً ‪ ,‬محفورة بالطالء األخضر الف اتح ‪ ,‬الكثي ر م ن األش عار ‪,‬‬
‫أسماء ذكور و إناث ‪ ,‬بعضھم يكتب اس م مدينت ه أو حزب ه السياس ي ‪ ,‬أح دھم ك ان يخ ط خطوط ا ً متوازي ة إل ى‬
‫جانب اسمه ‪ ..‬يبدو أن كل خط يمثل يوما ً ‪ ,‬عددتھا‪ :‬ثالثة وثالثين خطا ً ‪.‬‬

‫‪ 21‬حزيران ‪.‬‬
‫أخرجني السجان وھو يطلب من ي أن أحم ل ك ل أش يائي ‪ ,‬ص عدنا إل ى ف وق دون طماش ة ودون قي ود ‪ ,‬أدخلن ي‬
‫بالمراسيم المعتادة إلى غرفة " الصوت األجش " الذي بادر بأن طلب مني الجلوس ‪.‬‬
‫تكل م مع ي أكث ر م ن عش ر دق ائق ‪ ,‬أفھمن ي أنھ م ك انوا ين وون إط الق س راحي ‪ ,‬و أنھ م يحترم ون خ الي ال ذي‬
‫يتدخل لصالحي كثيراً ألنه إنسان جيد ‪ ,‬إال أن ھناك جھات أمنية أخرى اعترضت على ذل ك وطالب ت بتس ليمي‬
‫إليھا و أنھم مضطرون آسفين لتسليمي إليھم ‪.‬‬
‫بع د ذل ك بق ي ح والي عش ر دق ائق اخ رى يح اول أن يفھمن ي أم راً ولك ن م داورة ‪ ,‬وتب ين ل ي أن ه ال يري د أن‬
‫يخوض فيه صراحة لذلك لجأ إلى التلميح و اللف و الدوران ‪ ,‬كل ما استطعت فھمه ھو ‪..‬‬
‫أنني يجب أال أدلي بمعلومات ل دى الجھ ة األمني ة األخ رى زي ادة عم ا أدليت ه ب ه ھن ا مھم ا اس تعملوا مع ي م ن‬
‫وسائل ‪ ,‬وأنني يجب أال أنكر الجميل الذي أسدوه لي ھنا بعدم ضغطھم عليّ النتزاع المعلومات – وھذا كرمى‬
‫لخالي – وذلك ألنني إذا أدليت بمعلومات جديدة سوف تظھر الجھة األمنية األخرى بمظھ ر الط رف األق در و‬
‫األكثر نجاحا ً ‪ ,‬وأنني عندھا سوف أصم " الصوت األجش " وجماعته بوصمة الفشل ‪.‬‬
‫خاصة أنني إذا تقيدت بھ ذه التعليم ات ف إن ذل ك س يكون لص الحي ‪ ,‬وسيص ب ف ي النھاي ة لص الح ق رار إط الق‬
‫سراحي ‪.‬‬
‫ختم حديثه قائالً ‪:‬‬
‫‪126‬‬

‫‪ -‬أتمنى لك التوفيق ‪ ,‬إذا أطلقوا سراحك سلّم على خالك ‪ ,‬قل له العميد "‬

‫" يسلم علي ك ‪ ,‬وخلي ك رجّ ال ‪..‬‬

‫ال تخاف ‪ ..‬مع السالمة ‪.‬‬
‫بعدھا سلموني إلى الجھة األمنية األخرى و‪...‬عناصر أمن ‪ ,‬سيارة ‪ ,‬قي ود ‪ ...‬ننطل ق عل ى األوتوس تراد باتج اه‬
‫الشرق ‪.‬‬

‫‪ 24‬حزيران ‪.‬‬
‫عند الجھة األمنية األخرى ‪.‬‬
‫ثالثة أيام تساوي ثالث سنوات في السجن الصحراوي ‪.‬‬
‫كان الضابط بإنتظاري على باب غرفته ‪ ,‬الغضب يقطر من ه ‪ ,‬ل م يلتف ت إل ى تحي ة العناص ر ل ه ‪ ,‬فق ط س ألني إن‬
‫كنت أنا أنا ‪ ,‬أجبت نعم ‪ ..‬ومع الــ نع م فاج أني بلكم ة عل ى أنف ي القتن ي عل ى ص در العنص ر ال ذي يق ف خلف ي ‪,‬‬
‫سندني ھذا العنصر ‪ ,‬عدت ألقف معتدالً ‪ ,‬أمسكني الضابط من صدري وشدني إلى داخ ل الغرف ة وھ و يص فعني‬
‫باليد األخرى ‪ ,‬في وسط الغرفة أمسكني من رقبتي ‪ ..‬م ن تفاح ة آدم وأخ ذ يض غط عليھ ا ‪ ,‬أحسس ت باإلختن اق ‪,‬‬
‫قال لي وھو يصّر على اسنانه ‪:‬‬
‫ أركع وال كلب ‪ ..‬أركع وال عرص ‪.‬‬‫ركعت على ركبتي أفلت رقبتي وذھب إلى خلف المكتب ‪ ,‬أمسك ورق ة واقت رب من ي ‪ ,‬أخ ذ يق رأ فق رات منھ ا ‪..‬‬
‫مع كل فقرة يضربني باسفل حذائه على وجھي ‪..‬‬
‫الصوت و الصورة ‪ " ..‬رفسة على الخد " ‪ ..‬الرسالة تظھر من عنوانھا " رفسة ف وق الخ د قل يالً " ‪ ..‬ص وت‬‫التيس " ببوز حذائيه ضربة على جنبي ألقتني أرضا ً " ‪ ..‬ويتابع القراءة و الضرب !‪.‬‬
‫ألقاني أرضا ً ‪ ,‬سحق فمي بحذائه ثم وضعه على رقبتي وضغطه ‪ ,‬عجنني برجليه ‪ ..‬وفھمت منه أن ما قلته بحق‬
‫" السيد الرئيس " يكفي بحد ذاته لشنقي من خصيتيّ !‪.‬‬
‫صرخ وھو يكاد يختنق بصراخه على أحد العناصر ‪ ,‬وأعطاه التعليمات ‪.‬‬
‫ثالثة ايام لن أنساھا ما حييت ‪ ,‬الجلد ‪ ,‬الضرب ‪ ,‬ف ي ال دوالب ‪ ,‬عل ي بس اط ال ريح ‪ ,‬التع ذيب بالكھرب اء ‪ ..‬يثب ت‬
‫المالقط على األجزاء الحساسة من جسدي ويشغل الجھاز ‪ ..‬يبدأ جسدي رقصته الكھربائي ة ‪ ,‬أح س أنن ي س ألفظ‬
‫أنفاس ي ‪ ,‬أعج ز ع ن الت نفس ‪ ,‬تك اد الرئت ان أن تنفج را ‪ ..‬الطماش ة عل ى عين ي ‪ ..‬ال أع رف مت ى يش غل الجھ از‬
‫ومتى يوقفه ‪ ,‬وأرقص ‪ ..‬أرقص تشنجا ً وألما ً ‪.‬‬
‫في اليوم الثالث جاء دور الشبح ‪ ..‬عندما سمعت األم َر بش ْبحي لم أفھ م م اذا يعن ي ذل ك ‪ ,‬لك ن عن دما ربط وا ي ديّ‬
‫عاليا ً وجسدي كله مرفوع عن األرض أكثر من نصف متر تذكرت صلب المسيح ‪ ,‬دون أن أعي صرخت ‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫يا يسوع ‪ ..‬يا محمد ‪ ..‬يا ﷲ ‪.‬‬

‫بعدما يقارب النصف ساعة أحسست أنني قد استنفذت كل طاقتي على التحمل ‪ ..‬أحسست بضعف ھائل ‪.‬‬
‫سأعترف بما يريدون مني أن أعترف به ‪ ,‬وليكن اإلعدام ! اإلعدام سوف يكون أرحم ! ‪ ..‬ولكن م ن أي ن أخت رع‬
‫لھم تنظيما ً معاديا ً غير اإلخوان المسلمين ‪ ..‬وبعد ذلك أنتسب إليه ؟ ‪.‬‬
‫‪127‬‬

‫تذكرت المھجع ‪ ,‬مئات الروايات عن الذين ضعفوا واعترفوا بأعمال لم يقترفوھا ! ‪ ..‬اعترفوا بجرائم لم يس معوا‬
‫بھا إال من فم المحقق الذي يتھمھم بارتكابھا !‪ ..‬ماذا كان ت نتيج ة اعتراف اتھم ؟ ‪ ..‬ال بعض ت م إعدام ه ‪ ,‬اآلخ رون‬
‫يتعفنون في السجن ‪ ..‬الكثير منھم مات أو في طريقه إل ى الم وت !‪ ..‬قوي ت عزيمت ي ‪ ,‬أن ا ل م أع د كم ا كن ت قب ل‬
‫اثني عشر عاما ً ‪ ,‬لقد صلبتني التجربة ‪ ,‬أخذت اقنع نفسي أنني رجل ‪ ..‬ورجل ش جاع ‪ ..‬رج ل ش جاع ق ادر عل ى‬
‫التحمل !‪ ..‬وتحملت ‪.‬‬

‫‪ 2‬حزيران‬
‫ھل اكتفوا باأليام الثالثة من التعذيب ؟‪ ..‬البارحة و اليوم لم يفتحوا باب زنزانتي إال من أجل الطعام و المرحاض‬
‫‪ ,‬الطعام ثالث مرات في اليوم ‪ ,‬المرحاض ثالث مرات في اليوم بعيد الطعام مباشرة ‪.‬‬
‫لملمت نفسي قليالً ‪ ,‬أترقب متوجسا ً ‪ ,‬ھ ل س يعاودون الك رة ؟‪ ..‬ومت ى ؟ ق ررت أن اس ترخي و اض مد جراح ي !‬
‫يداي خدرتان م ن أث ر الش بح ! ‪ ..‬اس تعملھما بص عوبة ‪ ,‬أح اول أن أج ري لھم ا بع ض التم ارين الرياض ية ‪ ,‬أج د‬
‫صعوبة في تنظيف نفسي بعد انتھائي من قضاء حاجتي ‪.‬‬
‫أريد أمي ‪ ...‬آه يــــا أمي ‪.‬‬

‫‪ 22‬آب ‪:‬‬
‫رجل ذو ھيئة ارستوقراطية ال تتناسب أبداً مع اللھجة الجبلية الثقيلة و البدائية التي كلمني بھ ا وأفھمن ي أن أي امي‬
‫لديھم قد انتھت و أن ھناك جھ ة أمني ة ثالث ة طلب ت تس ليمي إليھ ا ‪ ,‬وأنن ي أس تطيع تجن ب ال ذھاب إل ى ھ ذه الجھ ة‬
‫األمنية الثالثة وأنني أستطيع الخ روج م ن الس جن إذا كن ت متفھم ا ً ومرن ا ً وعل ى اس تعداد ألن أخ دم وطن ي خدم ة‬
‫حقيقية ‪ ,‬وانه اآلن سيرسلني إلى المساعد أحمد لكي نتفاھم على التفاصيل ‪.‬‬
‫رن الجرس وحضر المساعد أحمد الذي قادني إلى غرفته ‪.‬‬
‫المساعد أحمد ‪ ,‬نظرته لزجة ‪ ..‬ابتسامته لزجة ‪ ..‬كلماته لزجة ‪! ..‬‬
‫وضع يديه على يدي أثناء الحديث ‪ ,‬كانت تنضح عرقا ً ولزوج ًة ‪ ,‬ھو كائن لزج ‪ ..‬كان يمكن أن يكون بزاقة!‪.‬‬
‫ع رض عل ي وبطريق ة لزج ة ‪ ,‬كريھ ة ج داً وت دعو لإلقي اء ‪ ,‬أن يطلق وا س راحي ويعي دوني إل ى ب اريس ‪ ,‬ھن اك‬
‫أنخرط في صفوف المعارضة مسلحا ً بتاريخي "سجني الطويل" وأن أخدم وطني من خالل التق ارير الت ي ارفعھ ا‬
‫للجھات األمنية المسؤولة كاشفا ً لھم عن أعداء الوطن ‪ ..‬من أبناء الوطن ‪.‬‬
‫رفض ت ‪ ,‬م تعلالً ‪ ..‬م داوراً ‪ ..‬لبق ا ً ‪ ,‬رفض ت ‪ ,‬ث م ح اول ‪ ..‬فرفض ت ‪ ,‬ك رر المحاول ة بالترغي ب و الترھي ب ‪..‬‬
‫فرفضت – مستذكراً الدروس ‪. -‬‬
‫يحاول أن يكسب رضى رؤسائه بنجاحه في مھمته ‪ ,‬يحاول أن يبني مجداً ذاتيا ً ‪ ..‬حاول وحاول ‪.‬‬
‫لزوجته ‪ ..‬نعومته ‪ ,‬تدعو للغثيان !! وبقيت أرف ض ‪ ,‬أوص لته للي أس ‪ ,‬فكش ر ع ن أنياب ه ‪ ,‬غاب ت النعوم ة لتظھ ر‬
‫الھمجية و الشراسة ‪.‬‬
‫لم أبه ‪ ..‬ليكن ما يكون ‪ ,‬ولن يكون أكثر مما كان !‪.‬‬
‫وقف غاضبا ً ‪ ,‬صفعني بلؤم ‪ ,‬وبلھجة تقطر فشالً وإحباطا ً ‪ ,‬قال ‪:‬‬
‫‪128‬‬

‫ إنت واحد جحش ما بتعرف مصلحتك ‪ ,‬راح تتعفن بالسجن ‪ ,‬راح نسلمك للجماعة ‪ ..‬وھدول إن ش اء ﷲ‬‫راح ينيكوا أمك ‪ ..‬يا كلب يا حقير ‪.‬‬
‫وسلموني للجھة األمنية الثالثة ‪.‬‬
‫عناصر أمن ‪ ,‬س يارة ‪ ,‬قي ود ‪ ,‬تنطل ق الس يارة ش ماالً ‪ ,‬نص ل إل ى الش ارع ال ذي ين ار بأض وا ٍء برتقالي ة محم رة ‪,‬‬
‫وزنزانة جديدة مقاييسھا تختلف عن سابقاتھا !‪.‬‬

‫‪ 23‬آب ‪.‬‬
‫متر عرضا ً ‪ ,‬متر طوالً ‪ ..‬ھذه ھي الزنزانة الجديدة ‪ ,‬على ارتفاع متر تقريبا ً عن األرض يوج د بالط ة مص ممة‬
‫ككرس ي تص ل ب ين ح ائطين طولھ ا مت ر وعرض ھا نص ف مت ر ‪ ,‬الجل وس و الن وم عليھ ا ‪ ,‬ف ي الزنزان ة بطاني ة‬
‫مھترئة واحدة فقط ‪ ,‬حظي جيد فالوقت ص يف ‪ ,‬ناف ذة مش بكة بالقض بان و الش بك الحدي ديين تأخ ذ نص ف الج دار‬
‫الخارجي وتطل على حديقة مركز المخابرات ‪ ,‬أتنفس ھواء طبيعيا ً ‪.‬‬

‫‪ 1‬ايلول ‪.‬‬
‫أنا ھنا منذ عشرة أيام تقريبا ً ‪ ,‬الثالثة أي ام األول ى ل م يس ألوني ش يئا ً ‪ ,‬الطع ام وجب ة واح دة فق ط ت وزع ظھ راً بع د‬
‫اإلنتھاء من التحقيق الذي يجري قريبا ً من زنزانتي ‪ ,‬بعد الظھر وحتى حل ول الظ الم ھ ي الفت رة الوحي دة الت ي ال‬
‫أسمع فيھا الصراخ و البكاء ‪ ..‬و الشتائم ‪ ,‬وما عدا ذلك فالتحقيقات مستمرة وعلى مدار األربع و العشرين س اعة‬
‫‪ ,‬ھذا الفرع مشھور بين السجناء بقسوته ‪.‬‬
‫في اليوم الرابع فتح السجان باب زنزانتي صباحا ً ‪ ,‬يقف إلى جانبه شخص أخر ‪ ,‬سألني عن اسمي فأجبته ‪ ..‬ق ال‬
‫‪:‬‬
‫ شوف ‪ ..‬المعلم طلبك ‪ ,‬وانت أكيد سمعت بالمعلم ‪ ,‬راح أعطيك نصيحة لوج ه ﷲ ‪ :‬ش و م ا س ألك احك ي‬‫بصدق وصراحة ‪ ,‬ال تكون عنيد وتعمل نفسك بطل ‪ ..‬بھ ذا المح ل م ا ف ي أبط ال !‪ ..‬ك ل الن اس بتع رف‬
‫المعل م ‪ ,‬ومنش ان تك ون بالص ورة ‪ ..‬م رة م ن الم رات ك ان المعل م ع م يحق ق م ع واح د أخ رس ‪ ..‬أجب ر‬
‫األخرس أنو يحكي !‪ ..‬األخرس حكى ‪ ..‬فيا أخي ‪ ,‬ﷲ يرضى عليك ‪ ..‬منش ان مص لحتك ال تخب ي ش يء‬
‫‪ ..‬احكي كل شيء ‪ ..‬اسلم لك !‪.‬‬
‫وأخذوني إلى عند المعلم ‪.‬‬
‫في غرفة اإلنتظار ذات األثاث الفخم أمام غرفة " المعلم " أوقفوني أكثر من ربع س اعة ‪ ,‬حرك اتھم ‪ ..‬تراكض ھم‬
‫‪ ..‬الحديث بصوت خافت ‪ ..‬كلھا أمور تدخل الخوف و الفزع إلى قلب الشخص الذي ينتظر ‪.‬‬
‫أوقفني " المعلم " أم ام مكتب ه دون أن يكت رث ب ي أيض ا ً أكث ر م ن رب ع س اعة ‪ ,‬ك ان يتص رف وكأن ه ال يران ي ‪,‬‬
‫مشغول بقراءة بعض األوراق و الملفات والرد على الھواتف ‪.‬‬
‫بعد ذلك تفرغ لي كليا ً ‪ ..‬ولمدة أربعة أيام !! ‪.‬‬

‫‪129‬‬

‫منذ الصباح إلى ما بعد الظھر كتبت ت اريخ حي اتي ث الث م رات ‪ ,‬وك ل م رة بع د انتھ ائي م ن الكتاب ة يأخ ذه من ي‬
‫ويعطيه إلى أحد الضباط الصغار الذي يعود بعد أقل من نصف ساعة و ھو يھز رأسه س لبا ً ‪ ,‬فيطل ب من ي إع ادة‬
‫الكتابة مرة اخرى ‪.‬‬
‫غرفة المكتب عبارة عن قاعة فسيحة مؤثثة بشكل باذخ ‪ ,‬لم اش اھد ف ي حي اتي أثاث ا ً بمث ل ھ ذه الفخام ة و األناق ة‪,‬‬
‫أجلسني إلى طاولة لالجتماعات في ركن الغرفة حولھا أربعة وعشرون كرسيا ً‪.‬‬
‫خالل وجودي في غرفته وبينم ا أكت ب ت اريخ حي اتي‪ ,‬أج رى التحقي ق م ع ثالث ة أش خاص ‪ ,‬ك ان يع ذبھم أم امي ‪,‬‬
‫احاول أن اركز انتباھي على ما أكتب ‪ ..‬وسط ضربات السياط والصراخ االنساني ‪ ,‬وينتھ ي األم ر ف ي ك ل م رة‬
‫باعتراف المعتقل ‪ ,‬يأمر " المعلم " بايقاف التعذيب ويطلب من أحد العناصر ضبط أقواله واعترافاته ‪.‬‬
‫ك ل م ا ف ي الغرف ة متس ق ومتناس ق ‪ ,‬ع داي و المعتقل ين اآلخ رين بالثي اب الرث ة و المتجع دة ‪ ,‬وك ذلك ال دوالب‬
‫األسود وأدوات التعذيب األخرى ‪.‬‬
‫بعد الظھر لم يبق في الغرفة غيري من المعتقلين ‪ ,‬خرج " المعلم " م ن وراء مكتب ه ‪ ,‬جل س قرب ي ‪ ,‬نظ ر إل ي ‪,‬‬
‫قال ‪:‬‬
‫ شوف ‪ ..‬كلمتين نظاف ‪ ..‬أحسن من جريدة وسخة ‪.‬‬‫بدأ من حيث انتھي األخرون ‪ ,‬خيرني بين شيئين ‪:‬‬
‫ إما العذاب والعودة إلى السجن الصحراوي حيث سألقى اإلعدام ‪ ,‬أو ‪..‬‬‫ اإلعتراف و العودة إلى فرنسا و العمل بين صفوف المعارضة كمخبر ‪.‬‬‫لم أختر ‪ ,‬لكن نفيت أي عالقة لي مع أي تنظيم ‪ ,‬ورفضت العودة إلى فرنسا ‪.‬‬
‫جمي ع الوس ائل الت ي لدي ه جربھ ا ‪ ,‬ال بعض منھ ا كن ت ق د عرفت ه ف ي األم اكن األخ رى ‪ ,‬لك ن ھن ا زادوا عليھ ا‬
‫باس تخدام الكرس ي األلم اني ال ذي أحسس ت أن ه ق د كس ر ظھ ري ‪ ,‬علق وني كف روج ‪ ,‬ش بحوني عل ى الس لم ‪......‬‬
‫وآخ ر ش يء ھ ددني باس تعماله ف ي آخ ر ي وم ‪ ..‬أو أخ ر دقيق ة م ن االي ام األربع ة الت ي اس تغرقھا التع ذيب ‪ ..‬أن ه‬
‫سيدخل قنينة كازوز في شرجي ‪ ..‬وبعد أن أحض روا ل ه القنين ة رن الھ اتف ‪ ,‬تكل م عل ى الھ اتف بغض ب ‪ ,‬خ رج‬
‫بعدھا من الغرفة – قبل أن ينفذ تھديده – بعد أن أمر بإعادتي إلى الزنزانة وايقاف التعذيب ‪.‬‬
‫أربعة أيام لم أك ل ‪ ,‬ل م أن م وال دقيق ة واح دة ‪ ,‬يترك ونني بع د الظھ ر ث الث أو أرب ع س اعات ف ي الزنزان ة ‪ ,‬ي داي‬
‫مقيدتان ‪ ,‬مربوطتان بجنزير معدني ‪ ,‬الجنزير معلق إلى حلقة بالسقف ‪ ,‬يش دونه بحي ث بالك اد أق ف عل ى رؤوس‬
‫أصابع القدمين ‪ ,‬كنت احس بالراحة عن دما يفك ون ي دي ويأخ ذونني إل ى ال دوالب أو بس اط ال ريح أو الكھرب اء ‪..‬‬
‫كل وسائل التعذيب اسھل من التعليق ھذا ‪.‬‬
‫بقيت صامداً ‪ ,‬لم اض عف مطلق ا ً ھ ذه الم رة ‪ ,‬كن ت دائم ا ً أق ول لنفس ي إنھ ا س اعات أل م مؤقت ة س تزول ‪ ...‬أتلھ ي‬
‫بأفكار أخرى ‪ ,‬قد يكون تركيزي على أح الم اليقظ ة خ الل الس نوات الماض ية و الس ھولة الت ي ص رت استحض ر‬
‫فيھا أي مادة لتكون حلما ً‪ ..‬قد ساعدني ! اكتشفت نفسي ‪ ,‬وسررت لما اكتشفت ‪ ,‬قلت في سري برنة تحمل بعض‬
‫التباھي ‪:‬‬
‫ ھذه معمودية صيرورتي رجالً يحترم نفسه ‪.‬‬‫‪130‬‬

‫مضى اآلن أربعة أيام على إنتھاء التعذيب ‪ ,‬شبعت نوما ً ‪ ,‬رغم أنني أنام وانا جالس ‪.‬‬
‫لكن وجبة واحدة من الطعام ال تكفي ‪.‬‬

‫‪ 2‬كاون األول ‪.‬‬
‫الساعة اآلن الواحدة و النصف بعد منتصف الليل ‪ ,‬ألول مرة منذ عودتي إلى بل دي م ن فرنس ا أش عر أن النظاف ة‬
‫تحيط بي من كل جان ب ‪ ,‬تغمرن ي ‪ ,‬فراش ي نظي ف ‪ ,‬شرش ف أب يض نظي ف ‪ ,‬بطاني ات نظيف ة ‪ ,‬بيجام ا جدي دة ‪,‬‬
‫غيار داخلي جديد ناصع البياض ‪ ,‬حولي عشرة اشخاص نظيفين في كل شيء ‪.‬‬
‫في األيام األخيرة من وجودي في الزنزانة الت ي مس احتھا مت ر مرب ع واح د وتحت وي عل ى بطاني ة مھترئ ة واح دة‬
‫فقط ونافذتھا مفتوح ة عل ى الحديق ة ‪ ,‬كن ت أع اني األم رين م ن الب رد ف ي اللي ل ‪ ,‬ل ذلك أخ ذت أس ھر ط وال اللي ل‬
‫وكلما شعرت بالبرد أتحرك وأقوم ببعض التمارين الرياضية قدر ما تتيحه المساحة ‪ ,‬عند الصباح ألتف بالبطانية‬
‫و أنام في وضعية الجلوس ‪.‬‬
‫أيقظتني قرقعة المفتاح الحديدي في الباب الحديدي ‪ ,‬السجان الذي بت أعرفه ومعه شخصان ‪ ,‬قال ‪:‬‬
‫ قوم بسرعة ‪ ..‬ھات كل أغراضك يا ﷲ ‪.‬‬‫خرجت فوراً ‪ ,‬ال أغراض لدي سوى بعض مزق الثياب ‪ ,‬لم تتأخر اإلجراءات كثيراً ‪ ,‬بع د قلي ل اص بحنا خ ارج‬
‫الفرع ‪ ,‬سيارة ميكرو باص محركھا يدور تقف على باب الفرع ‪ ,‬قي دوا ي دي وأمرون ي أن أص عد إليھ ا ‪ ,‬الس ائق‬
‫وأربعة عناصر ‪ ..‬وأنا ‪.‬‬
‫قال كبيرھم ‪:‬‬
‫ توكل على ﷲ ‪ ..‬عــ السجن الجبلي ‪.‬‬‫انطلق الميكرو باص باتجاه الغرب أو الشمال الغربي صعوداً ‪ ,‬خالل أقل من ساعة وصلنا ‪.‬‬
‫بين الجبال ‪ ,‬في مكان منعزل ‪ ,‬بناء حديث ضخم ‪ ,‬يتألف من أربعة طوابق ‪ ,‬مئات النواف ذ ‪ ..‬إن ه الس جن الجبل ي‬
‫‪.‬‬
‫نزلنا ‪ ,‬اجراءات التسليم و االستالم ‪ ,‬ادخلوني لعند مدير السجن ‪ ,‬سألني أسئلة كثيرة وعندما عرف أنني مسيحي‬
‫نادى أحد رقباء الشرطة العسكرية ‪ ,‬طلب منه أن يأخذني إلى جناح الشيوعيين ‪.‬‬
‫بينما كان الشرطي منھمكا ً بفتح ب اب الجن اح كن ت أنظ ر مش دوھا ً إل ى الس جناء ال ذين يتمش ون ف ي مم ر الجن اح ‪,‬‬
‫يسيرون ‪ ..‬يتحدثون ‪ ..‬يضحكون ‪ ..‬صوتھم مرتفع ‪ ,‬عيونھم مفتوحة ‪ ,‬كل ھذا و الشرطي قريب‬

‫م نھم‬

‫‪ ,‬وقف ثالثة أو أربعة سجناء قبالة الباب ينظرون إلي ‪ ,‬أدخلني الشرطي وأغلق الباب ‪ ,‬بص وت خاف ت قل ت لھ م‬
‫‪:‬‬
‫ السالم عليكم ‪.‬‬‫ وعليكم السالم ‪ ,‬أھالً رفيق ‪ ,‬ھل أنت رفيق ؟‪.‬‬‫ ال ‪ ..‬لست رفيقا ً ‪.‬‬‫ أھالً بك مھما كنت ‪ ..‬تفضل ‪ ..‬تفضل ‪.‬‬‫‪131‬‬

‫أدخلوني أول مھجع ‪ ,‬وقالوا لي قبل أن تجلس ھل أنت بحاجة للدخول إلى الحمام ‪ ,‬أجبتھم نعم ‪ ,‬أدخلوني الحم ام‬
‫‪ ,‬صابون معطر ‪ ,‬غيار جديد ‪ ,‬بيجاما جديدة ‪.‬‬
‫خرجت ‪ ,‬جلست ‪ ,‬حكيت لھم حكايتي ‪ ..‬رداً على أسئلتھم ‪ ,‬تجمعت حولي حلقة من الناس يستمعون ‪.‬‬
‫أحضر أحدھم صينية كبيرة عليھا بيض مقلي ‪ ,‬بندورة ‪ ,‬جبن ‪ ,‬زيت وزعتر ‪....‬‬
‫يا إلھي كما في البيت !‪ ...‬ھل ھذا سجن ؟‪ ..‬سألتھم ھذا السؤال ‪ ,‬ضحكوا وأجابوا ‪:‬‬
‫ نعم سجن ‪ ,‬لكنه سجن خمس نجوم ‪.‬‬‫طلب مني أحدھم أن أكل وبعد ذلك أكمل حكايتي ‪ ..‬وكنت جائعا ً كذئب ‪.‬‬
‫أكلت أكالً حقيقيا ً ‪ ..‬شربت شايا ً حقيقيا ً ‪ ,‬مع كأس الشاي أعطاني أحدھم سيجارة ‪ ..‬سألني ‪:‬‬
‫ ھل تدخن ؟‬‫ نعم كنت أدخن ‪ ..‬ولكن منذ اثني عشر عام وسبعة أشھر واثني عشر يوما ً لم ادخن سيجارة ‪.‬‬‫ يبدو أنك نسيت أن تحسب الساعات و الدقائق و الثواني ‪.‬‬‫وانقسم الناس حولي إل ى قس مين ‪ ,‬قس م يطل ب من ي أن أغت نم الفرص ة وأت رك الت دخين نھائي ا ً ‪ ,‬وقس م يق ول أن ال‬
‫ضير من بضع سجائر بعد كل ھذه المدة ‪.‬‬
‫تناولت اللفافة واشعلتھا ‪ ,‬عببت نفسين منھا ‪ ,‬دخت ! ‪ ..‬سعلت ‪ ,‬تابعت تدخينھا ‪ ,‬واستمرت الجلس ة من ذ الص باح‬
‫وحتى آخر الليل ‪.‬‬
‫يسألون ‪ ,‬يستفسرون ‪ ,‬يعلقون تعليقات ضاحكة ‪ ,‬ورويت لھم ك ل ش يء‪ " .‬فرغ ت " ‪ ,‬وش عرت بارتي اح ف ائق ‪..‬‬
‫عبرت عنه قائالً لھم ‪:‬‬
‫‪ -‬ھل ھذه ھي الجنة ؟‪.‬‬

‫‪ 31‬كانون األول ‪.‬‬
‫الي وم رأس الس نة ‪ ,‬االس تعدادات عل ى ق دم وس اق ‪ ,‬الجمي ع منھم ك بالتحض ير لالحتف ال ب راس الس نة ‪ ,‬الش رائط‬
‫الملونة و البالونات ‪ ,‬الرسوم و التلوينات ‪ ,‬اللحوم و المآكل الطيبة ‪ ,‬و ‪ ...‬المشروبات ‪ ,‬لديھم نبيذ وع رق وكلھ ا‬
‫تصنيع محلي !‪.‬‬
‫أعيش بين ھؤالء الناس منذ شھر تقريبا ً ‪ ,‬أكثرھم عرف صديقي أنطوان عندما ذكرته عرض ا ً ف ي س ياق الح ديث‬
‫‪ ,‬بعضھم قال إن أنطوان صديقه ‪ ,‬كلھم عرفوا خالي ‪ ,‬وكلھم يحملون رأيا ً سلبيا ً فيه ألنه يتعاون مع ھ ذا النظ ام ‪,‬‬
‫لكن الذي فاجأني أن خالي أصبح وزيراً في الوزارة الحالية !‪..‬وقد صاح الشخص الذي كنت اتحادث معه ‪:‬‬
‫ ھل فالن خالك ؟‬‫ نعم خالي ‪.‬‬‫ لكن كيف ال يسعى إلخراجك من السجن وقد اصبح وزيراً ؟!‪.‬‬‫يقولون عنه أنه انتھازي ‪ ,‬وأنه قد باع نفسه للشيطان ھ و وك ل حزب ه ‪ ,‬وان حزب ه يتحم ل المس ؤولية ع ن س جني‬
‫وسجن اآلخرين وعن كل ما يجري داخل البلد من قتل وتدمير وقمع بنفس درجة مشاركتھم بالحكم ‪.‬‬
‫خالي وزير ؟‪ ..‬خب ٌر أصابني بالدوار !‪.‬‬
‫‪132‬‬

‫‪ 6‬كانون الثاني ‪.‬‬
‫رغم عدم وجود نساء فإن حفلة راس السنة كانت حل وة بك ل المع ايير ‪ ,‬ل ديھم الكثي ر م ن النبي ذ و الع رق وبع ض‬
‫المشروبات الكحولية التي ال اسم لھا ‪ ,‬وكلھا م ن ص نعھم ھن ا ‪ ..‬م ن العن ب و الفواك ه و المرب ى ك انوا يص نعون‬
‫ھذه المشروبات ‪ ..‬شربنا ‪ ,‬أكلنا ‪ ,‬غنينا ورقصنا ‪ ..‬حتى الصباح ‪ ,‬الجميع ك انوا ف رحين ش اركوا بك ل ج وارحھم‬
‫‪....‬‬
‫كنت أجلس في احدى زوايا المھجع أحتسي المشروبات وأراقب ‪ ,‬أراقب أفعالھم وف رحھم وض حكھم ‪ ,‬اح اول أن‬
‫اتلص ص عل ى دواخلھ م !‪ ..‬وأتس اءل ‪ :‬ھ ل يمك ن أن يك ون ھ ذا الف رح حقيقي ا ً ؟‪ ..‬أال يحم ل ك ل م نھم ب ين دفت ي‬
‫ص دره إم رأة م ا ‪ ,‬زوج ة ‪ ..‬خطيب ة ‪ ..‬حبيب ة ؟ أال يتمن ى ف ي ھ ذه اللحظ ة أن تك ون ھ ذه الم رأة موج ودة مع ه‬
‫يراقصھا ‪ ..‬يعانقھا ؟‪ ..‬أال يشكل ھ ذا الغي اب الج ارح لھ ذه الم رأة ‪ ..‬م رارة وألم ا ً ؟‪ ..‬إذن م ن أي ن ينب ع ك ل ھ ذا‬
‫الفرح المتطاير في أجواء السھرة؟‬
‫كان كل شيء يوحي بالبساطة و المحبة ‪ ,‬لكن لم أستطيع أن أكون صافيا ً ‪ ,‬جب ال م ن الح زن و الكآب ة تج ثم عل ى‬
‫صدري ‪ ,‬حاولت أن اشارك بكل كياني ‪ ,‬لكن ھناك شيئا ً في داخلي يرفض الفرح ‪ ..‬يرفض ألن ه ال يس تطيع ‪ ,‬ال‬
‫عال وصل ٍد من الحزن المتراكم طوال ھذه السنوات ‪.‬‬
‫يستطيع أن يقفز فوق جدار ٍ‬
‫ھن اك ‪ ..‬ف ي الس جن الص حراوي ‪ ,‬ف ي اللي الي الموحش ة الكئيب ة ‪ ,‬اللي الي الت ي تب دو ب ال نھاي ة ‪ ,‬عن دما تترس خ‬
‫القناعات بأن ال خروج من ھنا !‪ ..‬عندما يتساوى الموت و الحياة !‪ ..‬وفي لحظات يصبح الموت أمنية !‪....‬‬
‫لم يكن ألكثر أحالمي وردية آنذاك أن تبلغ مطامحه الوض ع ال ذي أن ا في ه اآلن !‪ ..‬ل م أك ن اس تطيع أن أص ل إل ى‬
‫قناعة حقيقية – رغم كل أحالم اليقظة – أنني قد أكون في يوم ما وس ط ج و م ن الف رح كس ھرة رأس الس نة الت ي‬
‫عشتھا ھنا في ھذا السجن الجبلي !‪ ..‬رغم ذلك لم استطع الفرح ‪ ,‬لم استطع أن أض حك ض حكة واح دة م ن القل ب‬
‫!‪ ..‬ھل م ات الف رح داخل ي ف ي زحم ة الم وت تل ك ؟‪ ..‬ھ ل س أبقى ھك ذا ‪ ..‬ولم اذا ؟‪ ..‬ھ ل س أحمل بي ادر الع ذاب‬
‫والموت جاثمة على قلبي دائما ً لتخنق كل ما ھو جميل بالحياة ؟!‪ ..‬لست أدري ‪.‬‬

‫‪ 2‬آذار ‪.‬‬
‫وأخيراً بدأت جھود خالي – على ما يبدو – تؤتي ثمارھا ‪.‬‬
‫م ن ب ين االش ياء األول ى الت ي قم ت بھ ا ف ي أول ي وم ل دى ق دومي إل ى الس جن الجبل ي ھ ي ان نظ رت إل ى نفس ي‬
‫بالمرآة ‪ ..‬وأحسست بالخوف ‪ ,‬صلع في مقدمة الراس ‪ ,‬الشعر وقد طال كثيراً خالل وجودي بالفرع أصبح مي االً‬
‫إل ى الل ون األب يض ‪ ,‬الش اربان متھ دالن وق د أب يّضّ أكث ر م ن نص فھما ‪ ,‬العين ان غائرت ان تح يط بھم ا ھالت ان‬
‫س وداوان ‪ ,‬األل م و القھ ر و الخ وف و ال ذل ‪ ..‬ق د حف رت أخادي َد عميق ًة عل ى الجب ين وح ول العين ين ! ‪ ..‬أبع دت‬
‫المرآة بسرعة ‪.‬‬
‫اليوم في العاشرة صباحا ً حضر شرطي إلى باب الجناح يحمل بيده ورقة ‪ ,‬ص اح اس مي وق ال ألب و وجي ه رئ يس‬
‫الجناح ‪:‬‬
‫ بلغ ھذا ‪ ..‬عندو زيارة ‪.‬‬‫‪133‬‬

‫انشغل أكثر من عشرة اشخاص بمسالة تجھيزي وإعدادي للزيارة ‪ ,‬حالقة ال ذقن ‪ ,‬تش ذيب الش اربين ‪ ,‬البنط ال و‬
‫القميص ‪ ,‬الحذاء " سألوني عن نمرة حذائي واتوني بحذاء نمرته ‪ /42/‬بنا ًء على طلبي ‪ ,‬لكنه كان صغيراً ‪ ,‬ول م‬
‫تدخل قدمي إال في حذاء نمرته ‪ /44/‬لقد كبرت قدمي نمرتين !"‬
‫وكانت ھذه ھي المرة األولى التي ألبس فيھا حذا ًء منذ ح والي ‪ /13/‬عام ا ً ‪ ,‬مثلم ا كان ت الم رة األول ى الت ي أرى‬
‫فيھا مرآة طوال نفس المدة ‪.‬‬
‫بعد أن ألبسوني كم ا يلبس ون الع ريس ‪ ,‬رش وني ب العطور ‪ ,‬كن ت مت وتراً ‪ ,‬ي داي ترتجف ان ‪ ,‬دخن ت س يجارة إل ى‬
‫حين مجيء السجان ألخذي إلى الزيارة ‪.‬‬
‫مشيت إل ى جان ب الس جان متوجس ا ً مرتبك ا ً ‪ ,‬ك دت أق ع م رتين بع د أن تعث رت بالح ذاء ال ذي ألبس ه " م ا أص عب‬
‫المشي بالحذاء " وص لنا إل ى غرف ة بابھ ا مفت وح يجل س فيھ ا رج ل كھ ل اب يض الش عر وأم رأة ش ابة تحم ل عل ى‬
‫صدرھا طفالً رضيعا ً ‪ ,‬وضع السجان يده على ظھري بلطف ‪ ,‬وقال ‪:‬‬
‫ تفضل ‪ ..‬ادخل ‪.‬‬‫دخل ت ‪ ..‬واحت اج األم ر إل ى ع دة ث وان م ن التح ديق حت ى اس تطعت تب ين مالم ح أخ ي األكب ر !‪ ..‬ھ و أيض ا ً ل م‬
‫يعرفني ألول وھلة " مضى تسعة عشر عاما ً منذ أن رأيته أخر مرة " ‪.‬‬
‫صرخت اسمه وأنا أتقدم نحوه ‪ ..‬احتضنني واجھشنا بالبكاء ‪.‬‬
‫تعانقنا ونحن نبكي أكثر من دقيقة ‪ ,‬رأسي على كتف أخي ‪ ,‬ابكي لوعة ‪ ..‬اشتياقا ً ‪ ,‬ألما ً وفرحا ً ‪ ..‬أبكي ارتياح ا ً ‪,‬‬
‫ھنا بر األمان ‪.‬‬
‫ابتعد أخي قليالً ‪ ,‬مسح دموعه وناولني منديالً ورقيا ً ألمسح دم وعي ‪ ,‬التف ت إل ى حي ث الم رأة الش ابة ‪ ,‬كان ت ق د‬
‫وضعت رضيعھا على كرسي وجلست على آخر ‪ ,‬تبكي وتنشج ‪ ,‬تبكي بحرقة شديدة وقد غط ت وجھھ ا وعينيھ ا‬
‫بيديھا ‪ ,‬نظرت إلى أخي مستفھما ً ‪ ,‬وبحركة من راسي سألته عنھا ‪ ,‬من تكون ؟‪.‬‬
‫ووسط عينيه الدامعتين الح شبح ابتسامة خفيفة ‪ ,‬قال ‪:‬‬
‫ ما عرفتھا ؟ ‪ ..‬أكيد ما راح تعرفھا ‪ ..‬يا أخي ھذه بنتي ‪ ..‬بنتي لينا ‪.‬‬‫التفت إليھا وكانت قد رفعت رأسھا ‪ ,‬احمرار البكاء يحيط ببؤبؤيھا األخضرين ‪ ,‬قال ‪:‬‬
‫ يا لينا ‪ ..‬قومي سلمي على عمك ‪.‬‬‫ألقت لينا نفسھا بأحضاني ‪ ,‬اعتصرتني واعتص رتھا ونح ن نل ف ح ول نفس ينا ‪ ,‬أحسس ت ب دوار ق وي ‪ ,‬كن ت ب ال‬
‫وزن أطوف في الفضاء الرحب ‪ ..‬ال أرى شيئا ً ‪ ,‬ال أدري كيف جلست على أحد المقاعد ‪ ,‬لينا تجلس في حجري‬
‫كما كانت تفعل وھي صغيرة ‪ ,‬تمسح دموعي ‪ ,‬تقبلني وتقبلني وھي تھمس ‪:‬‬
‫ يا عمو ‪ ..‬يا عمو ‪ ..‬شو عاملين فيك ‪ ..‬يا عم و ‪ ..‬آخ ي ا عم و ‪ ..‬آخ ‪ ..‬وﷲ العظ يم أن ا اش تقت ل ك كثي ر‬‫‪ ...‬شلون ھيك ‪ ...‬شلون ؟!‪..‬‬
‫لينا ‪ ..‬بؤبؤ الروح ‪.‬‬
‫عندما ولدت لينا ‪ ,‬أنا الذي اخترت لھا ھذا االسم ‪ ,‬ومن ذ أن اص بح عمرھ ا س تنين كان ت ال تف ارقني " لين ا حبيب ة‬
‫عمھا ‪ ..‬ھكذا كان الجميع يقول"‪ .‬تنام معي في السرير ‪ ,‬حتى لو تأخرت في المجيء إلى البيت ونامت ھ ي قبل ي‬
‫‪134‬‬

‫‪ ,‬كنت استيقظ صباحا ً ألجدھا نائم ة إل ى ج انبي ‪ ,‬تس يقظ ع دة م رات ف ي اللي ل ‪ ,‬تتفق دني ‪ ,‬وعن دما أع ود وس وا ًء‬
‫أكنت صاحيا ً أم نائما ً تندس إلى جانبي ‪.‬‬
‫عندما ذھبت إلى فرنسا كان عمرھا أكثر قليالً من خمس سنوات ‪ ,‬وھاھي اآلن أمرأة كاملة ‪ ,‬وأم أيضا ً ‪.‬‬
‫أمسك أخي كتف لينا وھزھا قائالً وھو يضحك ‪:‬‬
‫ قومي انزلي من حضن عمك ‪ ..‬كسرتي رجليه ‪ ..‬شو ظانة حالك صغيرة لسى !‬‫جلست لينا إلى جانبي مبقية يدي بين يديھا ‪ ,‬تعصر لينا يدي وتقبلھا بينم ا أخ ي يح اول أن يطمئنن ي ‪ ..‬وأن خ الي‬
‫يبذل جھوداً جبارة إلخراجي من السجن وأنھم ورائي ولم يتركوني أبداً ‪ ,‬وأفھمني أن خروجي من السجن مرتبط‬
‫بموافقة رئ يس الجمھوري ة !!‪ ..‬وأن ه من ذ أكث ر م ن عش ر س نوات ج رت الع ادة أن أي مس ؤول ف ي أجھ زة األم ن‬
‫يستطيع أن يس جن م ن يش اء ‪ ,‬لك ن خ روج أي س جين يج ب أن ت تم بموافق ة رئ يس الدول ة ال ذي يح تفظ بس جالت‬
‫اسمية لكل السجناء السياسين !‪.‬‬
‫سألته عن صحة أمي وابي ‪ ,‬فقال إنھما بخير ‪.‬‬
‫انتھت الزيارة ولينا متعلقة بيدي ‪ ..‬تعصرھا وتقبلھا ‪.‬‬
‫عدت إلى الجناح ‪ ,‬إلى المھجع ‪ ..‬استقبلني أبو وجيه مبتسما ً ‪ ,‬و ‪ ..‬الحمد‬

‫على السالمة ‪ ,‬مبروك الزيارة ‪.‬‬

‫يتكلمون معي ‪ ,‬أجيب ‪ ...‬وأنا في حالة انعدام وزن ‪ ,‬في خفة الريشة كنت !‪.‬‬
‫الحظوا حالي ‪ ,‬جلب لي أحدھم كأسا ً من العرق ‪ ..‬شربته دفع ة واح دة ‪ ,‬ض حك ‪ ,‬جل ب ل ي كأس ا ً أخ ر ‪ ..‬ش ربته‬
‫على دفعات ‪ ,‬سألت أبو وجيه ماذا أفعل بالنقود التي أعطانيھا أخي ‪ ,‬قال‪:‬‬
‫ إذا شئت ضعھا في الصندوق ‪ ,‬ھنا ال يحتفظ أحد بنقوده وكل شيء مشترك ‪ " ,‬نقودھم مشتركة وتوض ع‬‫في صندوق واحد ‪ ,‬طعامھم مشترك ‪ ,‬لباسھم مشترك " ‪ ,‬عشرة آالف ليرة وضعتھا في الصندوق ‪ ,‬ق ال‬
‫الشخص الذي أخذ النقود إنني شخص غني ‪ ,‬ألن الناس ھنا كلھم فقراء ‪ ,‬وأكبر مبلغ يستلمه السجين م ن‬
‫أھله ھو ألفا ليرة ‪ ,‬قلت إن في السجن الصحراوي اشخاصا ً أعطاھم أھلھم نصف مليون ليرة ‪ ,‬اطلق ھذا‬
‫الشخص صفرة تعجب من بين شفتيه ‪.‬‬
‫تممدت على فراشي ‪ ,‬غطيت رأسي بالبطانيات ‪ ..‬نمت ‪.‬‬
‫) حصيلة ألحاديث طويلة وممتدة على فترة طويلة ‪ ,‬عرف ت ھن ا م ن الش باب "كم ا يحب ون أن يس موا أنفس ھم" أن‬
‫السبب الرئيس للتحقيق معي لدى جھات أمنية متعددة ھو الصراع الشرس بين ھذه األجھزة ‪ ,‬وقد شرحوا لي م ع‬
‫اس تخدام الكثي ر م ن التع ابير السياس ية مايس مونه "ج وھر النظ ام السياس ي ف ي البل د" وآلي ة عم ل األجھ زة ‪ ,‬ھ ذه‬
‫األجھزة التي جعلھا رئيس الدولة تتن افس عل ى ش يئين أساس ين ‪ :‬أوالً اثب ات والئھ ا المطل ق ل ه ‪ ,‬وثاني ا ً الحص ول‬
‫على أكبر قدر ممكن من المكاسب و االمتيازات ‪.‬‬
‫ولكون خالي وزيراً شيوعيا ً ‪ ,‬وبما أنه المت دخل الط الق س راحي فق د انعك س موق ف األجھ زة األمني ة المختلف ة ‪,‬‬
‫ال‬
‫سلبا ً أو ايجابا ً ‪ ,‬من الشيوعيين عليّ ‪ ,‬فبعض األجھزة تكره الشيوعيين كرھا ً مطلق ا ً وال تمي ز ب ين ش يوعي م و ٍ‬
‫للنظام وآخر معا ٍد ‪ ,‬بينما األجھزة األخرى تكرھھم بدرجة أقل ( ‪.‬‬
‫‪135‬‬

‫‪ 6‬أيار ‪.‬‬
‫أعادوني إلى فرع المخابرات الذي أتيت إليه عندما عدت من السجن الصحراوي ‪.‬‬
‫زارني أخي وابنته لينا ثالث مرات في السجن الجبلي ‪ ,‬وفي آخر مرة قال لي أنھم يمك ن أن يعي دوني إل ى الف رع‬
‫تمھيداً إلطالق سراحي ‪ ,‬وأنه يجب أن أكون مرنا ً ومتعاونا ً ‪ ..‬و ‪:‬‬
‫ اليد التي ال تسطيع عضھا ‪ ..‬بوسھا ‪ ..‬وادعي عليھا بالكسر !‪.‬‬‫صباحا ً حضر السجان ‪ ,‬نادى اسمي ‪ ,‬طلب مني أن أجھز نفسي ‪.‬‬
‫أعطاني زمالئي السجناء خمسة آالف ليرة ‪ ,‬الكثير من الثياب ‪ ,‬بعض األطعمة ‪ ,‬ودعني أبو وجيه بالقبالت ‪:‬‬
‫ خليك رجّ ال ‪ ,‬ال تخاف من شيء أبداً ‪ ,‬نتمنى لك التوفيق و ‪ ...‬الحرية ‪.‬‬‫في الفرع درج ‪ ..‬ثم درج ‪ ..‬الباب ذو القض بان الحديدي ة ‪ ,‬قرقع ة الحدي د ال دائر ف ي الحدي د ‪ ,‬وم ن جدي د زنزان ة‬
‫جديدة ‪ ,‬اسماء جديدة محفورة على الجدران ذات اللون األخضر الفاتح ‪.‬‬
‫يومان من الوحدة ‪ ..‬مع أصوات التعذيب ‪ ,‬الصراخ المعبر عن األلم اإلنساني ‪ ,‬رج ال ونس اء وأطف ال حت ى ! ‪..‬‬
‫ومحاولة تجاھل كل ذلك ‪ ,‬توبيخ الذات ألنھا تحاول التجاھل ! ‪ ..‬التجاھل ھو دعوة للبالدة و التحجر ‪.‬‬
‫مسا ًء يفتح السجان الباب ‪:‬‬
‫ قوم ‪ ..‬رئيس الفرع طالبك ‪.‬‬‫القي التحية على رئيس الفرع الذي سبق أن قابلته منذ شھور ‪:‬‬
‫ مساء الخير ‪.‬‬‫ أھالً وسھالً ‪ ,‬تفضل ‪ ..‬اجلس ‪.‬‬‫أجلس بھدوء ‪.‬‬
‫تب دأ محاض رة فيھ ا الكثي ر مم ا يق ال ف ي الرادي و و التلفزي ون ع ن ال دور التق دمي ال ذي يلعب ه الس يد القائ د رئ يس‬
‫الجمھورية ضد الرجعية و االستعمار ‪ ,‬وعن أفضاله على الناس وحكمته وشجاعته وبراعته ‪ ..‬و ‪ ..‬أخيراً ‪:‬‬
‫ نحن قررنا نخلي سبيلك ‪ ,‬ألنك انسان وطن ي ‪ ,‬وألن خال ك ق دم خ دمات كبي رة لل وطن ‪ ..‬و ‪ ..‬و ‪ ...‬ب س‬‫نريد منك مسألتين روتينيتين !‪ ..‬نريد من ك أن توق ع عل ى تعھ د بع دم العم ل ف ي السياس ية ‪ ,‬وأيض ا ً نري د‬
‫منك أن تكتب برقية شكر للسيد الرئيس حفظه ﷲ ‪.‬‬
‫ برقية شكر ؟!‬‫ نعم ‪ ..‬برقية تشكر فيھا السيد الرئيس ‪.‬‬‫ برقية شكر ؟! ‪ ..‬ولكن على أي شيء أشكره ؟ ‪.‬‬‫نظر إليّ متعجبا ً ‪ ,‬وباستغراب صادق قال ‪:‬‬
‫ تشكره ألنه شملك برعايته ورحمته واخلى سبيلك ‪.‬‬‫مرة أخرى ركبني العناد البغلي الذي أصبح نھجا ً لي أواجھھم به كلما طلبوا مني شيء ‪.‬‬
‫بأكثر ما يمكن من اللطف ‪ ,‬قلت ‪:‬‬
‫ أنا أسف سيادة العميد ‪ ,‬ال استطيع أن أوقع ال على التعھد السياسي وال على برقية الشكر ‪.‬‬‫‪136‬‬

‫ذھل العميد عندما سمع كلماتي !‪ ..‬سكت قليالً وبطريقة خبير أخفى كل ذھوله واندھاشه ‪ ,‬قال ‪:‬‬
‫ أنت تعرف أننا نكرنمك كرمى لخالك ‪ ,‬ل ذلك أرج وا أن تل ين رأس ك قل يالً ‪ ,‬يباس ة ال راس راح تض رك ‪,‬‬‫وليكن بعلمك أن آالف السجناء كتبوا برقيات شكر للس يد ال رئيس بال دم ‪ ,‬ول م ي تم إخ الء س بيلھم ‪ ..‬فـ ـ ‪..‬‬
‫خليك عاقل ووقع أحسن لك ‪.‬‬
‫فع الً كن ت أع رف أن المئ ات م ن الس جناء ك انوا يطلب ون م ن إدارات الس جون مح اقن طبي ة يس حبون ال دم م ن‬
‫عروقھم بھا ليستعملوه كحبر يكتبون به برقيات شكر أو استرحام لرئيس الجمھورية راجين اط الق س راحھم م ن‬
‫الس جن ‪ ,‬وعن دما كان ت ادارات الس جون ال تعط يھم المح اقن ف إنھم ك انوا يجرح ون أص ابعھم وم ن ال دم الن ازف‬
‫يكتبون برقيات الشكر واالسترحام ‪.‬‬
‫لكن كنت قد قررت ‪ " :‬ال مزيد من الذل ‪ ,‬وليكن السجن أو الموت " ‪.‬‬
‫و الحقيقة أن معاشرتي الطويل ة للس جناء ف ي الس جن الص حراوي و الس جن الجبل ي علمتن ي الكثي ر م ن األش ياء ‪,‬‬
‫وأھم ما تعلمته منھم ھو معنى وأھمية الكرامة والرجولة ‪ ,‬وھما شيئان شخصيان ال عالقة لھما بتنظيم أو نظام‪.‬‬
‫إن التوقيع على برقية الشكر كشرط إلخالء السبيل ھي االختبار النھائي لھذه األجھزة لتؤك د لھ م أن ھ ذا الس جين‬
‫قد تجرع الذل حتى النھاية وتحول إلى كائن ال يمكن أن يقف بوجھھم يوم ا ً م ا‪ ،‬وھ و عل ى اس تعداد لتنفي ذ ك ل م ا‬
‫يطلبونه منه‪ ,‬طالما ھو على استعداد ألن يشكر كبيرھم على كل م ا عان اه عل ى يدي ه وأي دي م ن ھ م أص غر ش أنا ً‬
‫منه ‪.‬‬
‫رفضت بقوة ان أوقع ‪.‬‬
‫" لن اشكر من سجنني ك ل ھ ذه الس نوات الطويل ة ‪ ,‬ل ن أش كر م ن س رق عم ري وش بابي ‪ ..‬ل ن أش كر م ن ض يع‬
‫أجمل سنوات عمري ‪" ..‬‬
‫كنت أردد ھذه العبارات و الجمل بيني وبين نفسي ‪ ,‬أشحذ فيھا عزيمتي وأقوي إرادتي ‪ ,‬كنت خائفا ً من نفس ي ‪..‬‬
‫خائفا ً من ضعفي ‪ ..‬ظللت أردد ھذه الكلمات القوية ألبعد عني الضعف ‪.‬‬
‫بعد أن يئس مني رئيس الفرع أمر بإعادتي إلى الزنزانة ‪ ,‬أعادوني بخشونة ظاھرة ‪.‬‬
‫بعد نصف ساعة من عودتي إلى الزنزانة دخل عليّ مدير السجن ‪ ,‬وھو شخص مسن على أبواب التقاعد ‪ ,‬طيب‬
‫القلب كثيراً ‪ ,‬يحاول مساعدة السجناء خفية وقدر المتاح ‪.‬‬
‫بلھجة أبوية وبنوايا صادقة حاول اقناعي أن أوقع ‪ ,‬شرح لي عواقب عدم التوقيع وأسھب في ذلك ‪ ,‬وأورد اش ياء‬
‫كثيرة ‪ ,‬منھا ‪:‬‬
‫ إن من يرفض التوقيع عادة ھم القيادات و الزعماء و المعارضون بشدة للس لطة القائم ة ‪ ,‬ل ذلك ف إن ع دم‬‫توقيعي سيعتبر دليالً على أنني من ھؤالء ‪ ,‬وينسف كل أقوالي السابقة بأنني لم أعمل في السياسة ‪..‬‬
‫ظل يحاول خاتما ً حديثه بالعبارة التي قالھا لي أخي ‪:‬‬
‫ اليد التي ال تستطيع عضھا ‪ ..‬بوسھا ‪ ..‬وادعو عليه بالكسر‪.‬‬‫وبقيت مصراً على موقفي ‪.‬‬
‫‪137‬‬

‫بعد ذھاب مدير السجن فكرت طويالً ‪ ,‬ضحكت ‪ ..‬لو كنت في السجن الصحراوي الستطاعوا أن يجعل وني أوق ع‬
‫على آالف البرقيات ‪ ,‬ال بل إنھم يستطيعون أن يجعلوني أقبل حذاء أصغر شرطي !‪.‬‬
‫الشعور بالحماية ‪.‬‬
‫معرفتي أن أھلي عامة وخالي على وج ه الخص وص يت ابعونني خط وة بخط وة ولّ د ل دي احساس ا ً ب أنني محم ي ‪,‬‬
‫ويمكن أن يكون ھو األساس الفعلي لموقفي الرافض للتوقيع !‪ ..‬ولكن ‪..‬‬
‫أال يوجد شيء نابع من الذات ؟ ‪.‬‬

‫‪ 3‬تموز ‪.‬‬
‫التاسعة وسبع وثالثون دقيقة صباحا ً‪ ،‬أقف على الرصيف المبلل بالمياه أمام الفرع بعد أن أغلقوا الباب خلفي ‪.‬‬
‫واخيراً ‪ ..‬أنا حرّ ! ‪.‬‬
‫ثالثة عشر عاما ً وثالثة اشھر وثالث ة عش ر يوم ا ً ‪ ..‬مض ت عل ى وص ول الط ائرة ‪ ,‬الت ي كن ت عل ى متنھ ا ‪ ,‬إل ى‬
‫مطار عاصمة الوطن ‪.‬‬
‫دوار في الرأس ‪ ,‬طنين في االذنين ‪ ,‬زوغان في العينين ‪.‬‬
‫عش رات الس يارات الص فراء تنطل ق أم امي مس رعة وف ي االتج اھين ‪ ,‬مئ ات الن اس يھرول ون بس رعة ف ي كاف ة‬
‫االتجاھات ‪.‬‬
‫سمعت من ينادي خلفي ‪ ,‬التفت ‪ ,‬رأيت حارس الفرع يشير لي بيده يأمرني أن أبتعد م ن أم ام الف رع ‪ " ,‬تس اءلت‬
‫‪ :‬ھل ھي آخر أوامرھم لي ؟ " ‪.‬‬
‫ابتعدت أكثر من مئة متر ‪ ,‬وقف ت عل ى الرص يف ‪ ,‬وقف ت أم امي س يارة أج رة ص فراء ‪ ,‬س ألني الس ائق إن كن ت‬
‫ً‬
‫مسرعة ‪ ,‬الھ واء يض رب وجھ ي ‪ ..‬أغمض ت عين ي ‪ ,‬س معت ص وت‬
‫أريد الصعود ‪ ..‬صعدت ‪ ,‬انطلقت السيارة‬
‫السائق ‪:‬‬
‫ لوين رايح ‪ ..‬استاذ ؟‬‫ إلى أي مكان !‬‫سكت السائق قليالً ‪ ,‬نظر إلي في المرآة متفحصا ً ‪ ..‬عاد للسؤال ‪:‬‬
‫ ألي مكان ‪ ..‬تحب تروح استاذ ؟‪.‬‬‫لم أكن راغبا ً بالحديث مع أي كان ‪ ,‬اردت اسكاته قلت ‪:‬‬
‫ أريد أن تأخذني مشوار ‪ ..‬دورة في كل األحياء القديمة ‪.‬‬‫************‬
‫بعد خروجي من عند رئيس الفرع وبعد محاولة مدير السجن معي ألوقع ‪ ,‬أھملوني تماما ً أكثر من ش ھر ونص ف‬
‫‪ ,‬في االيام األولى من ھذه الفترة كنت فرحا ً ومزھ واً وراض يا ً ع ن نفس ي تمام ا ً ‪ ,‬لك ن م ع اس تمرار االھم ال ب دأ‬
‫االحساس بالضيق و الملل ينتابني ‪ ,‬يوميا ً كنت اسمع أصوات التع ذيب و الص راخ ‪ ,‬وف ي ي وم م ن األي ام س معت‬
‫صراخ ول ٍد صغير يتعذب ‪ ,‬فكرت أن أطرق الباب ألطلب منھم مقابلة رئيس الفرع !‪.‬‬
‫‪138‬‬

‫حتى الكلمات التي يجب أن أقولھا له كانت جاھزة ‪:‬‬
‫ سيدي العميد ‪ ..‬لقد فكرت طويالً ‪ ,‬وأنا على استعداد للتوقيع على أي ورقة تريد !‪.‬‬‫فركت جبيني وأنا أسير خطوتين إلى األم ام ومثلھم ا إل ى الخل ف ‪ ,‬جلس ت ‪ ,‬وض عت رأس ي ب ين ي دي ‪ ,‬فك رت ‪,‬‬
‫ضربت راسي بالحائط ‪ ,‬بكيت ‪ ..‬بكيت ‪ ,‬تمددت ونمت ‪.‬‬
‫في ‪ 23‬حزيران حوالي العاشرة صباحا ً فتح السجان الباب وقال لي أن أجھز نفسي للزيارة ‪.‬‬
‫أخي لوحده دون لينا ‪ ,‬يجلس إلى جانب العميد ‪ ,‬قام العميد وقال أن ه س يتركنا لوح دنا لك ي نأخ ذ حريتن ا ب الكالم ‪,‬‬
‫قال ذلك بمنتھى التھذيب و اللباقة ‪.‬‬
‫بدأ أخي الحديث ‪ ,‬حوالي الساعة أو أقل قليالً ‪ ,‬ساق الكثير من األمثال ‪ ,‬وضغط عليّ بشدة ي دعوني إل ى التوقي ع‬
‫‪ ,‬تكلم ‪ ..‬وتكلم ‪ ,‬أنا مطرق براسي أستمع إليه ‪ ,‬استمع إليه وأزداد ابتع اداً عن ه ! ھ ل ھ ذا أخ ي الكبي ر ال ذي ك ان‬
‫يوما ً ما مثاالً وقدوة لي ؟!‪.‬‬
‫دون أن أرفع راسي قلت له أنني لن أوقع على أي شيء ‪,‬انني اذا كنت عبئا ً عليه ف ارجو أال يكل ف نفس ه زي ارتي‬
‫ثاني ة ‪ ..‬ث م ‪ ..‬ان دفعت كتل ة م ن الغض ب و الحن ق إل ى حلق ي فص حت بوجھ ه ‪ ..‬إن ه إذا أراد ثاني ة أن يزورن ي‬
‫ليسمعني ھكذا كالم ‪ ..‬ھكذا نصائح ‪ ..‬فأرجو منه بشدة أال يزورني ‪ ,‬ألنني اشعر بالقرف اتجاھه !‪.‬‬
‫اتسعت عيناه دھشة ‪ ..‬فغر فمه ‪ ,‬سكت مطرقا ً ‪..‬‬
‫أنقذ العميد الموقف بدخوله ‪ ,‬واستوعب الموقف حاالً ‪ ..‬التفت إلى أخي وقال بھدوء ‪:‬‬
‫ سلم لي على خالك ‪ ..‬مو قلت لك أن رأسه يابس ‪.‬‬‫شكر أخي العميد وخرج ‪.‬‬
‫عشرة أيام أخرى من اإلھمال ‪ ,‬عشرة ايام من الع ذاب النفس ي المض ني ‪ ..‬ھ ل خس رت أخ ي ؟ ‪ ..‬ھ ل أن ا عب ارة‬
‫دع ف ارغ ص غير؟‪ ..‬ھ ل أري د أن ال بس نفس ي ث وب المناض ل الص لب ؟‪ ..‬أل ن يك ون ھ ذا الث وب فضفاض ا ً‬
‫عن م ٍ‬
‫عليّ كثيراً ؟‪ ..‬أليس المنطق الذي يتكلم فيه أخي ھو السائد إن لم يكن ھو الصحيح ؟‪ ..‬أتقل ب عل ى جم ر ال نفس ‪,‬‬
‫و ‪ ..‬أحترق !‪.‬‬
‫في ‪ 1‬تموز الساعة الحادية عشر صباحا ً ادخلوني إلى غرفة العميد ألجده واقفا ً باحترام بينما أخي وش خص أخ ر‬
‫كھل ‪ ,‬أبيض الشعر ‪ ,‬جالسان !‪ ..‬عرفت فيما بعد أن ھذا الكھل ھو خالي ‪.‬‬
‫استأذن العميد بأدب جم أن يخرج من الغرفة بعد أن طلب لنا ثالثة فناجين قھوة ‪.‬‬
‫بعد التحيات و القبالت بدأ خالي محاضرة طويلة انتھت بالتأني ب و الت وبيخ ‪ ,‬ث م أص در ل ي أم راً حازم ا ً ب التوقيع‬
‫على الورقة التي مدھا لي ‪.‬‬
‫بھدوء شديد رفضت ‪.‬‬
‫قام عن كرسيه ألول مرة ‪ " ,‬فكرت ‪ ..‬كم يبدو كبي راً ف ي الس ن !" اقت رب من ي حانق ا ً ‪ ,‬توق ف ‪ ,‬التف ت إل ى أخ ي‬
‫بسرعة وسأله أن كان يستطيع التوقيع على الورق ة ب دالً من ي ‪ ,‬أوم أ أخ ي برأس ه موافق ا ً ‪ ..‬ث م وق ع ‪ ,‬ص رّ خ الي‬
‫على اسنانه ‪ ,‬وقال لي ‪:‬‬
‫‪139‬‬

‫ يا ويلك ‪ ..‬إذا حكيت أي كلمة !‪.‬‬‫حضر العميد‪ .‬ناوله خالي الورقة‪ .‬رن العميد الجرس بعد أن وضع الورقة ف ي درج المكت ب‪ .‬أم رھم أن يعي دوني‬
‫إلى الزنزانة‪ .‬بعد يومين وف ي الس اعة التاس عة وس بع وثالث ين دقيق ة كن ت أق ف عل ى الرص يف المبل ل أم ام مبن ى‬
‫الفرع‪ ..‬حرّ اً!‬
‫************‬
‫دارت بي السيارة زھ اء س اعة‪ ،‬تجاھل ت الس ائق تمام ا ً‪ ،‬كن ت ف ي حال ة انع دام تفكي ر‪ ،‬ص حوت بع دھا ‪ ..‬وس ألت‬
‫نفسي ‪ :‬إلى أين ‪ ..‬إلى أين ؟‪.‬‬
‫شعرت برغبة جارحة للنوم ! ‪ ..‬أريد أن أنام ‪ ,‬أريد أن أنام !‪.‬‬
‫أعطيت السائق عنوان بيتنا‪ .‬نزلت من السيارة بعد أن أعطيته نصف ما أملك من النق ود‪ .‬مش يت عل ى الرص يف‪.‬‬
‫كنت أنظر إلى الرصيف وأخشى في كل لحظة أن ينخسف و أغوص في حفرة ال نھاية لھا ‪.‬‬
‫صعدت الدرج‪ ،‬ضغطت الجرس ‪ ..‬من سيفتح الباب ؟‪ ..‬أمي‪ ،‬أبي ؟ ‪.‬‬
‫لم يفتح لي أحد ! أين أبي؟ ‪ ..‬أين أمي؟‪..‬‬
‫جلست على الدرج‪ ،‬بقيت جالسا ً ثالث ساعات تقريبا ً‪ ،‬مرت بي العديدات م ن جاراتن ا ص عوداً أو ن زوالً‪ ،‬ينظ رن‬
‫إلي باستغراب وتوجس‪ ،‬لم أعرف أية واحدة منھن‪ .‬حضر شاب أنيق يلبس نظ ارات طبي ة‪ ،‬نظ ر إل ي باس تغراب‬
‫ثم تجاوزني‪ ،‬فتح باب بيتنا ‪ ..‬ودخل !‪.‬‬
‫وقفت ‪ ..‬ناديت عليه‪ ،‬التفت إلي دون أن يستدير ناظراً بطرف عينه‪.‬‬
‫ نعم ‪ ..‬شو بتريد؟‬‫ من أنت ‪ ..‬لوين داخل؟‪.‬‬‫************‬
‫تعارفنا‪ .‬انه زوج لينا ابنة أخي‪ .‬رح ب ب ي ترحيب ا ً ش ديداً‪ ،‬ق ال إن ه س يجھز الحم ام بس رعة‪ ،‬وإن ه يج ب أن أغي ر‬
‫ثيابي‪ .‬سألني إن كنت جائعا ً‪ ،‬طلبت منه فنجان قھوة بال سكر‪ .‬يدور س ؤال ف ي حلق ي‪ ..‬أخش ى كثي راً أن أطرح ه‪.‬‬
‫أنھيت شرب القھوة‪ ..‬اعتدلت في جلستي‪ ،‬وسألته ‪:‬‬
‫ـ أين أبي و أمي؟‬
‫فوجئ‪ ...‬نظر إلي بدھشة ممزوجة بالشفقة‪ ،‬بدأ يتمتم‪:‬‬
‫ ال أعرف‪ ..‬أنا ولينا‪ ،‬وقت معرفتي بلينا ‪ ..‬لم يكون ا موج ودين‪ .‬رحمھم ا ﷲ ‪ ..‬م ا تعرف ت ال عل ى الوال د‬‫وال على الوالدة ‪ ..‬و ‪ ..‬و‪..‬‬
‫ما كنت أخشاه‪ ..‬حاصل‪ .‬آه يا أمي ويا أبي‪ ،‬ھل قلتما أو ق ال أح دكما إن ه يتمن ى أن يران ي قب ل أن يم وت؟ ‪ ..‬ھ ل‬
‫تسبب سجني وغيابي بتعجيل موتكما؟‪ ..‬أدفع نصف حياتي مقابل أن أض ع رأس ي لم دة خم س دق ائق عل ى ص در‬
‫أمي‪.‬‬
‫‪140‬‬

‫أنور زوج لينا يقف أمامي مرتبكا ً‪ ،‬يراقبني‪ ،‬سألته إن كان يعرف مكان الدفن‪ ،‬أومأ برأسه أن نعم‪.‬‬
‫كتب ورقة وضعھا على الطاولة‪ .‬انطلقنا نحو المقبرة‪ ،‬وصلنا‪ ،‬اسم أبي وأمي واضحان عل ى الحج ر‪ ،‬رس م أن ور‬
‫إشارة الصليب على صدره‪...‬‬
‫وقف ت قل يالً أتمع ن الكتاب ة وال أفھ م ش يئا ً‪ ،‬احتض نت الحج ارة الب اردة وأرح ت رأس ي عليھ ا‪ ،‬أغمض ت عين ي‪...‬‬
‫شعرت براحة كبيرة‪ ...‬أوشكت أن أنام‪ ،‬تذكرت أنور فوقفت‪ .‬في داخلي شعور ب أن عل ي واجب ا ً م ا اتج اه الم وت‬
‫يجب القيام به‪ ،‬اتجھت نحو القبلة‪ ...‬القبر بيني وبين مكة‪ ،‬فتحت كف ي باتج اه الس ماء وق رأت الفاتح ة‪ ،‬ث م وبش كل‬
‫آلي‪ ...‬صليت صالة الجنازة!‪.‬‬

‫‪ 6‬تشرين أول‬
‫بعد أسبوع من خروجي من السجن دعاني أخي أبو لينا إلى عشاء في مطعم خ ارج المدين ة ‪ ,‬ك ان المطع م جم يالً‬
‫وھادئا ً ال يسمع فيه إال صوت الموسيقى الناعمة وصوت خرير النھر المنحدر من الھضاب الغربية ‪.‬‬
‫على العشاء حدثني عن أمي و أبي و قال إن ابي قد رتب قبل وفاته وضعي المالي بحيث يكون بيت العائلة ال ذي‬
‫تسكن فيه حاليا ً لينا مع زوجھا ملكا ً لي ‪ ,‬وأنش أ باس مي ش راكة بعم ل تج اري م ع أح د األق ارب وأن األرب اح م ن‬
‫يومھا تحفظ لي مما شكل ثروة صغيرة ‪ ,‬وقال ‪:‬‬
‫‪ -‬من ھذه الناحية ال تحمل ھم ‪ ,‬وضعك المادي مرتب و الحمد‬

‫‪.‬‬

‫بعدھا سألني إن كنت اريد السكن لوحدي بحيث تخرج لينا وزوجھا من بيتي ‪ ,‬فرفض ت رفض ا ً قاطع ا ً ‪ ,‬أحسس ت‬
‫أن لھجة الرفض الحازمة قد أشعرت أخي باالرتياح ‪.‬‬
‫مع إنتھاء كأس العرق الثانية اصبح الجو أكثر استرخا ًء وحميمي ة ‪ ,‬اس ترجعنا بع ض ال ذكريات العائلي ة ‪ ..‬وفج أة‬
‫اعتدل في جلسته وتطرق إلى الموضوع الذي كنت أخشى أن يفتحه أو يلمح إليه ‪ ,‬قال ‪:‬‬
‫ راح كون صريح معك ‪ ..‬حول الكالم الذي قلته لي بالفرع أثناء الزيارة ‪ ,‬يا أخي ‪ ..‬ف ي البداي ة أحسس ت‬‫بجرح عميق ‪ ,‬لكن بعد عدة ساعات أحسست بالفرح ‪ ,‬بالفخر ‪ ,‬ألنك رجل ‪ ..‬وبطل ‪..‬‬
‫رفعت يدي واسكته ‪.‬‬
‫خالل ھذه الشھور الثالثة كان أكثر ما يضايقني ھو معاملة األخرين لي بصفتي بطالً !!‪.‬‬
‫" الف ائض الرئيس ي ف ي الس جن ھ و الوق ت ‪ ,‬ھ ذا الف ائض يت يح للس جين أن يغ وص ف ي ش يئين ‪ ,‬الماض ي ‪..‬‬
‫والمستقبل ‪ ,‬وقد يكون السبب في ذلك ھو محاوالت السجين الحثيثة للھرب من الحاضر و نسيانه نسيانا ً تاما ً ‪.‬‬
‫والغوص في ھذين الشيئين قد يحوالن اإلنسان إما إلى ‪ .....‬إنسان حكيم ھ ادئ ‪ ,‬أو إل ى ش خص نرجس ي عاش ق‬
‫لذاته ومنكفئ ال يتعاطى مع اآلخرين إال في الحدود الدنيا ‪ ,‬أو إلى ‪ .....‬مجنون !‪.‬‬
‫منذ أن وعيت ھذه المعادلة حاولت جاھدأ أن أتحول إلى ذلك اإلنسان الھادئ ‪ ,‬وال أدري إلى أية درجة نجحت ‪.‬‬
‫من ھن ا رفض ت أن أت اجر بس جني ‪ ,‬رفض ت أن أك ون بط الً عن دما أراد اآلخ رون عن د خروج ي م ن الس جن أن‬
‫يعتبروني ويعاملوني كبطل ‪ ,‬أنا أعرف امكانياتي جيداً ‪ ..‬ببساطة ‪ ...‬أنا إنسان ‪.‬‬
‫‪141‬‬

‫أنا خواف ورعديد وجبان ‪ ..‬إلى درجة أنني قد أتبول في ثيابي من الخوف ‪.‬‬
‫أنا شجاع وصلب وعنيد ‪ ..‬إلى درجة أنني أصمد أمام اقسى اساليب التعذيب ‪.‬‬
‫لك ن ‪ ..‬وبك ل األح وال لس ت بط الً ‪ ,‬فس لوكي ھ ذا الطري ق ل م يك ن بخي اري ‪ ,‬و البط ل ال يمك ن أن يك ون بط الً‬
‫لسلوكه طريقا ً باإلكراه ‪.‬‬
‫بذلت جھوداً مضنية مع لينا وزوجھا ‪ ,‬حتى استطعت أن أقنع لينا أنني لست أس طورة ‪ ,‬وبالت الي أن تتعام ل مع ي‬
‫بمنتھى البساطة ‪ ,‬وأن أقنع أنور أن ال حاج ة لك ل ھ ذا التھي ب و اإلج الل ف ي التعام ل مع ي ‪ ,‬ال حاج ة ألن يق ف‬
‫احتراما ً كلما دخلت أو خرجت من الغرفة ‪ " ,‬عمري يزيد عمر أنور بحوالي العشر سنوات " ‪.‬‬
‫************‬
‫منذ الساعة التاسعة وسبع وثالثين دقيقة من الثالث من تموز الحظت شيئا ً لم أعھده في المدينة سابقا ً ‪.‬‬
‫الغب ار ‪ ..‬الغب ار يغط ي ك ل ش يء ف ي المدين ة ‪ ,‬الطرق ات ‪ ,‬الش وارع ‪ ,‬الج دران ‪ ,‬كلھ ا مغط اة بطبق ة رقيق ة م ن‬
‫الغبار األصفر الناعم ‪ ,‬أوراق االشجار الخض راء ‪ ..‬الت ي كن ت أعرفھ ا س ابقا ً زاھي ة المع ة بخض رتھا ‪ ..‬مغط اة‬
‫بھذه الطبقة الرقيقة من الغبار ‪.‬‬
‫حت ى وج وه الن اس الس ائرين ف ي الش وارع و المتس كعين ف ي الس احات و عل ى االرص فة ‪ ..‬مغط اة بھ ذه الطبق ة‬
‫الغبارية الصفراء ‪.‬‬
‫يغسلون وجوھھم ‪ ,‬يجففونھ ا ‪ ,‬لك ن الغب ار ال ي زول ‪ ,‬يب دو ملتص قا ً ب الوجوه أو أن ه م ن تكوينھ ا ! ‪ ..‬ويب دو ھ ذا‬
‫الغبار واضحا ً عند االبتسام ‪ ,‬فاالبتسامات على ندرتھا – ھذه الندرة التي تقترب من العدم حت ى أنن ي ش ككت أن‬
‫الن اس ف ي م دينتي ق د نس وا فع ل االبتس ام – تتراف ق م ع ھ ذا الغب ار‪ ،‬ف إذا ح اول ش خص م ا االبتس ام ‪ ,‬تب دو ھ ذه‬
‫االبتس امة ش ائھه ‪ ..‬ويب دو ھ ذا الش خص وكأن ه ق د كب ر ف ي الس ن عش رات الس نين ‪ ,‬وأھ م ع رض م ن أع راض‬
‫اإلبتس ام ھ و ظھ ور طبق ة الغب ار الملتص ق بالوج ه ظھ وراً واض حا ً ‪ ..‬حينھ ا تظھ ر حبيب ات الغب ار ھ ذه مجس مة‬
‫واضحة ‪.‬‬
‫خشيت أن أسأل أحداً عن أمر الغبار ھذا ‪.‬‬
‫************‬
‫بعد خمسة عشر يوما ً من خروجي فكرت بالقيام بواجبي األول ‪ ,‬زيارة أھل نسيم ‪ ,‬ومحاولة تطمينھم عنه ‪.‬‬
‫ضجة خروجي من السجن خفت قليالً ‪ ,‬انخف ض مع دل ال زوار كثي راً ‪ ,‬ال زوار م ن األھ ل و األق ارب ‪ ,‬ي أتون ‪..‬‬
‫يتلفظون بعبارات التھنئة التقليدية ‪ ,‬الكثير من عبارات التبجيل ‪ ,‬وأكثر من كل شيء ‪ ..‬النصائح ‪:‬‬
‫‪ -‬الحمد‬

‫على سالمتك ‪.‬‬

‫ نحن نفتخر بك ‪.‬‬‫ ال تنظر إلى الخلف ‪ ..‬المستقبل ال زال أمامك ‪.‬‬‫ أصلحك ﷲ ‪ ..‬ضروري تعمل بالسياسية ؟‪ ..‬يا أخي العين ال تقاوم المخرز !‪.‬‬‫‪142‬‬

‫اسمع أنا كل ھذا وأرسم ابتسامة بلھاء على وجھي ‪.‬‬
‫صديقان أو ثالثة من أيام الصبا و الشباب ‪ ,‬أرسلوا لي خبراً في منتھى السرية و الخفاء ‪:‬‬
‫ نحن نود زيارتك ‪ ..‬لكننا نخاف نتائج ھذه الزيارة ‪ ,‬فعذراً !‪.‬‬‫واحترمت جبنھم كثيراً‪.‬‬
‫أخب رت لين ا وأن ور ع ن س فري إل ى مدين ة نس يم الس احلية‪ ,‬رت ب أن ور جمي ع االج راءات ورافقن ي حت ى انط الق‬
‫البولم ان باتج اه الش مال‪ .‬ألول م رة من ذ س نوات طويل ة أح س أنن ي انس ان ‪ ,‬ج اري ف ي المقع د ومراف ق الب اص‬
‫يعامالني كإنسان‪ ,‬عندما يخاطباني يخاطباني بلقب استاذ!‪.‬‬
‫أرجعت المقعد إلى الخلف‪ ,‬أغمضت عيوني‪ ,‬صددت كل محاوالت جاري بفتح حديث معي‪ ,‬اس ترجعت ذكري ات‬
‫نسيم ‪ ..‬يا ھل ترى ماذا يفعل اآلن؟‪..‬‬
‫ف ي ك ل مك ان م ن ھ ذا الع الم يمك ن أن تنش أ عالق ات حميمي ة ب ين شخص ين ‪ ,‬لك ن أن تنش أ عالق ة حميمي ة ب ين‬
‫شخصين في السجن‪ ,‬حتما ً سيكون لھا معنى آخر‪ ,‬مذاق آخر ‪ ..‬نكھة أخرى‪.‬‬
‫أيام كثيرة ‪ ,‬وليال طويلة ‪ ..‬طويلة نقضيھا في الحديث ‪ ,‬أعرف كل شيء عن عائل ة نس يم ‪ ,‬األب ‪ ,‬األم ‪ ,‬األخ وة‬
‫‪ ,‬األخوات ‪ ..‬عاداتھم ‪ ,‬تقاليدھم ‪ ,‬تفاصيل عائلية دقيقة ال يمكن الحديث عنھا إال ‪ ..‬بين سجينين !‬
‫بعد فترة من ھذه األحاديث يصبح لكل من طرفي العالقة السجنية ھ ذه حيات ان عائليت ان ‪ ,‬الحي اة الت ي عش تھا ف ي‬
‫عائلتي الحقيقية ‪ ,‬والحياة التي عشتھا متقمصا ً ‪ ,‬حالما ً ‪ ,‬في عائلة نسيم ! ‪.‬‬
‫استرجع التفاصيل الطازجة بينما الباص يجتاز مسرعا ً مناظر آخاذة وساحرة من الخضرة و المياه ‪.‬‬
‫المائة كيلو متر األخيرة اسرني فيھا جمال الطبيعة إلى درجة أنن ي ل م اس تطع أن أفك ر إال بم ا أرى ‪ ,‬إل ى اليس ار‬
‫البحر الرائق بزرقته المتدرجة ‪ ,‬والى اليمين الجبال الشاھقة الخضراء ‪.‬‬
‫يتلوى الطريق ‪ ,‬يقترب من البحر حتى يدانيه ‪ ,‬أرقب تكسر المويجات الصغيرة على الشاطئ ‪ ,‬أرى الس ابحين و‬
‫السابحات يحتضنون البحر و يحتضنھم ‪ ,‬ويبتعد إلى درجة يغيب فيھا البحر ع ن أعينن ا ف أنظر يمين ا ً إل ى بس اتين‬
‫البرتقال و الليمون و الزيتون ‪ ..‬ھذا االخضرار الندي ‪.‬‬
‫ويصل الباص إلى المدينة ‪ ,‬مدينة نظيفة ‪ ,‬أنزل واستقل تكسيا ً ‪ ,‬أعطي ه العن وان ال ذي أعرف ه كم ا أع رف عن وان‬
‫بيت أھلي ‪ ,‬أصل ‪ ,‬أنزل ‪ ,‬ودون عناء أقف أمام بيت أھل نسيم واضغط الجرس ‪.‬‬
‫بين رنين الجرس وخروجي من البيت مطروداً مھانا ً حوالي الثالث ساعات ‪.‬‬
‫فتح الباب ووقفت طفلة صغيرة في العاشرة من عمرھا ‪ ,‬قلت ‪:‬‬
‫ مرحبا عمو ‪ ,‬ھذا بيت أھل الدكتور نسيم ؟‬‫لم تجب ‪ ,‬ركضت إلى الداخل ‪ ,‬سمعتھا تقول ‪:‬‬
‫ ماما ‪ ..‬ماما ‪ ,‬في واحد عم يسأل عن الدكتور نسيم ‪.‬‬‫ثوان قليلة خرجت بعدھا أخت نسيم ف ي ثيابھ ا المنزلي ة وق د وض عت بس رعة غط ا ًء عل ى رأس ھا ‪ ,‬عيونھ ا مثقل ة‬
‫بنظرات الدھشة و االستفسار ‪ ,‬وقد عرفتھا فوراً ‪ ,‬ابتسمت وقلت لھا ‪:‬‬
‫ مرحبا ‪ ..‬أكيد أنت سميرة ؟‬‫‪143‬‬

‫جمدت في مكانھا مواجھتي قليالً مرتبكة وقد سمرت عينيھا عليّ ‪ ..‬سحبت نفسا ً عميقا ً وقالت ‪:‬‬
‫ نعم يا أخي ‪ ..‬نعم ! أنا سميرة ‪ ,‬بس حضرتك مين ؟ ‪ ..‬كيف بتعرفني ؟‪.‬‬‫ أنا صديق نسيم ‪ ,‬وجئت أزور أھله واطمنھم عليه ‪.‬‬‫ أھالً وسھالً ‪ ..‬يا أھالً وسھالً ‪ ..‬صحيح ؟ ‪ ..‬يعني نسيم حي ؟ ‪ ..‬نسيم عايش ؟‪..‬‬‫مع العشرات من التساؤالت و الترحيبات ووس ط دم وع غزي رة ‪ ..‬أخ ذت س ميرة ت دور ح ول نفس ھا ‪ ..‬ال تع رف‬
‫ماذا تفعل ‪ ,‬طفلتھا إلى جانبھا ‪ ,‬تسألني عدة أس ئلة دون أن تنتظ ر جواب ا ً ‪ ,‬ث م تتبعھ ا ‪ ..‬ي ا أھ الً وس ھالً ‪ ,‬مس حت‬
‫دموعھا عدت مرات بغطاء الراس ‪ ,‬وأخيراً انتبھت ‪ ,‬قالت ‪:‬‬
‫ عفواً ‪ ..‬عفواً ‪ ,‬تفضل ‪ ..‬تفضل ‪.‬‬‫أدخلتني إلى غرفة الضيوف ‪ ,‬جلست ‪ ,‬ذھبت ھي قليالً ثم عادت ‪ ,‬قالت ‪:‬‬
‫ اتصلت مع زوجي ‪ ..‬زوجي في الجمارك ‪ ,‬لم أجده ‪ ,‬تركت له خبراً ‪.‬‬‫سكتت قليالً ‪ ..‬ثم وبحرقة ‪:‬‬
‫ من شان ﷲ يا أخي ‪ ..‬طمني عن نسيم ‪ ,‬أكيد نسيم عايش ؟ ‪ ..‬و وينو ؟‬‫ش رحت لھ ا ‪ ..‬تكلم ت وتكلم ت ‪ ,‬روي ت لھ ا العدي د م ن قصص ھم وحكاي اھم العائلي ة و الت ي ال يعرفھ ا إال أف راد‬
‫العائلة ‪ ,‬فصدقتني ‪ ,‬سألتھا عن والد ووال دة نس يم ‪ ..‬عن دھا ازداد بكاؤھ ا وتح ول إل ى نش يج ‪ ,‬وفھم ت م ن خ الل‬
‫الدموع و النحيب ‪ ,‬أنھما قد توفيا ‪ ,‬توفيا بحسرة الولدين ‪.‬‬
‫األول وھ و المنخ رط بص فوف المعارض ة االس المية انقطع ت أخب اره نھائي ا ً وتض اربت اآلراء ب ين أن ه قت ل ف ي‬
‫إحدى العمليات وبين أنه معتقل‪ ,‬أما نسيم فقد انتظرت العائلة في اليوم المحدد لعودته متھيئ ًة لالحتفال بھذه العودة‬
‫رغم غصة الولد األول‪.‬‬
‫لكن العائد لم يعد‪ ,‬وطال االنتظار‪ ,‬بدأ األب رحلة ماراثونية عبثي ة ب ين إدارة المط ار وش ركة الطي ران والس فارة‬
‫الفرنسية‪.‬‬
‫القنصل الفرنسي أكد بعد شھر من االنتظار على أن نسيم ق د غ ادر األراض ي الفرنس ية متوجھ ا ً إل ى ب الده ‪ ,‬لك ن‬
‫شركة الطيران الوطنية وادارة المطار لم يقدما إال إجابات غامضة ال تنفي وال تؤكد ‪.‬‬
‫ست سنوات بقي األب مواظبا ً على السفر إلى العاصمة ‪ ,‬في كل مرة يبقى ثالثة أو أربع ة أي ام يتنق ل خاللھ ا ب ين‬
‫السفارة الفرنسية و الشركة الوطنية للطيران و المطار الدولي ‪ ,‬لكن دون فائدة ‪.‬‬
‫عرف ه موظف وا القنص لية الفرنس ية ‪ ,‬وك ان الج واب واح داً ف ي ك ل م رة ‪ .‬الش ركة الوطني ة للطي ران ك ان جوابھ ا‬
‫واحداً في كل مرة ‪ :‬رفضت رفضا ً قاطعا ً إطالعه على قائمة المس افرين ف ي الرحل ة الت ي ك ان م ن المفت رض أن‬
‫يكون نسيم ضمنھا ‪ .‬إدارة األمن في المط ار ال دولي ردوه ع دة م رات رداً لطيف ا ً ‪ ,‬ث م أخ ذوا يعاملون ه بخش ونة ‪,‬‬
‫بعدھا ھددوه باالعتقال ‪ ,‬وفي رحلة آب من السنة السادسة صفعه أح د عناص ر األم ن ف ي المط ار ص فعتين عل ى‬
‫وجھه ‪.‬‬
‫خرج األب وھو يبكي ألول مرة في حياته ‪ ,‬قالت سميرة ‪:‬‬
‫‪144‬‬

‫ و ﷲ يا استاذ ‪ ..‬لم نشاھده أبداً وھو يبكي ‪ ,‬حتى أمي قالت بعد أن رووا لھا الحادثة أنھا لم تشاھده يبك ي‬‫أو يضعف وال مرة في حياتھما المشتركة الطويلة ‪.‬‬
‫اصيب األب بجلطة دماغية لم تقض عليه ولكنھا ألصقته بفراشه مدة أربع سنوات مش لوالً ع اجزاً ع ن الحرك ة و‬
‫الكالم ‪.‬‬
‫نسيت األم كل شيء ‪ ,‬حتى أوالدھا ‪ ,‬كرست نفسھا لخدمة الرج ل ال ذي رافقت ه ھ ذه الحي اة ‪ ,‬كان ت ال تخ رج م ن‬
‫غرفته إال لقضاء حاجة أو لشأن خاص به ‪.‬‬
‫دام ھذا الحال أربع سنوات توفي األب بعدھا ‪ ,‬وبعد شھرين لحقته األم ‪.‬‬
‫البنات تزوجن ‪ ,‬سميرة وزوجھا الكمركجي يسكنان بيت العائلة ‪.‬‬
‫أعطيتھا رقم ھاتفي ‪ ,‬سجلت رقم ھاتفھا ‪.‬‬
‫ران صمت استمر أكثر من دقيقة ‪ ,‬شعرت بعطش فطلبت من الطفل ة أن ت أتيني بك أس م اء ‪ ,‬مق رراً الرحي ل بع د‬
‫شرب الماء ‪ ,‬فيما أنا أشرب فتح باب البيت وسمعت خطوات الرجل ‪ ,‬ھبت سميرة واقفة وخرجت مسرعة ‪.‬‬
‫سمعت ھمسا ً في البداية ‪ ,‬ثم صوت نقاش حاد ‪ ,‬ص وت الرج ل ال ذي م ا ينف ك يرتف ع بينم ا س ميرة تح اول جاھ دة‬
‫خفض صوتھا والطلب إليه أن يخفض صوته ‪ ,‬رغم ذلك سمعت أغلب ما دار بينھما ‪ ..‬بصوت خشن ‪:‬‬
‫ ولك ‪ ..‬كيف تدخليه على بيتي و أنا غايب ‪ ,‬أنا ناقصني مجرمين وخريجين سجون ! ‪.‬‬‫ يا ابن عمي ‪ ..‬يا ابن عمي ‪ ,‬ﷲ يخليك ويطول عمرك ‪ ..‬ھذا ما نو مجرم ‪ ,‬ھذا م ن عن د نس يم ‪ ,‬ص ديق‬‫نسيم ‪ ,‬ھو فاعل خير ‪ ..‬ﷲ يخليك طوّ ل بالك ‪.‬‬
‫ودخل زوج سميرة بلباس الجمارك ‪ ,‬طويل القامة ‪ ,‬اشقر ‪ ,‬مكفھر المالمح ‪ ,‬وببرود وجفاء شديدين قال ‪:‬‬
‫ مرحبا‪.‬‬‫ھببت واقفا ً وأنا أقول ‪:‬‬
‫ أھالً وسھالً ‪.‬‬‫بإشارة من يده طلب مني الجلوس بينما بقي ھو واقفا ً ‪ ,‬بادرني بأول سؤال ‪:‬‬
‫ كيف تسمح لنفسك أن تدخل إلى بيت رجل في غيابه ؟‬‫لم يتنظر الجواب ‪ ,‬تبع ھذا السؤال سيل من األسئلة التي لم يكن يريد لھا جوابا ً ‪ ,‬وأنقذت سميرة الموقف بدخولھا‬
‫الغرفة ‪ ,‬تحول إليھا آمراً إياھا بالخروج ‪ ,‬أبت الخروج ممسكة يده ‪ ..‬ومتضرعة ‪:‬‬
‫ من شان ﷲ ‪ ..‬ابوس ايدك ‪ ..‬ابوس رجلك ‪ ,‬ھذا صديق نسيم ونواياه كلھا خير ‪..‬‬‫سحب يده بعنف وھو يصرخ ‪:‬‬
‫ خي ر ! ‪ ..‬ع م تق ولي خي ر !‪ ..‬بتعرف ي ل و عرفـــ ـ "وا " ‪ ..‬ان ه ھي ك ن اس ع م يزورون ي ‪ ..‬وقتھ ا راح‬‫ينخرب بيتي ‪ ..‬وبروح لعند أخوك الدكتور !‪ ..‬وإال ھذا المجرم الث اني ‪ ..‬ق ولي ل ي ‪ ..‬عن دھا ش و بص ير‬
‫فيكي ‪ ..‬و باألوالد ؟‪ ..‬أه احكي ‪.‬‬
‫ثم التفت إليّ ‪ ..‬وبصوت أھدأ قليالً ‪:‬‬
‫‪145‬‬

‫ شوف ‪ ..‬أنا الزم خبر األمن ‪ ,‬ب س م ن ش ان خ اطر نس يم ‪ ..‬راح خلي ك ت روح ‪ ..‬ب س وين ك !‪ ..‬ت رى ال‬‫شفتني وال شفتك ‪ ..‬ويا ويلك إذا ھوبت صوب بيتنا مرة ثانية ‪ ..‬فھمان ھــ الحكي ؟‪.‬‬
‫خرجت ال ألوي على شيء ‪ ,‬اتصبب عرقا ً وأصواته تالحقني ‪.‬‬
‫رميت نفسي في أول سيارة رأيتھا وقلت للسائق أن يأخذني إلى البحر ‪ ,‬لكن السائق توقف وقال ‪:‬‬
‫ لكن ‪ ..‬ھذا ھو البحر ‪ ..‬قدامك يا استاذ !‪.‬‬‫ خذني إلى بحر غير ھذا البحر ‪ ..‬يعني خارج المدينة ‪.‬‬‫في مطعم بحري ال أذكر منه شيئا ً ‪ ,‬جلست و أكلت ‪ ,‬ال أعرف ماذا وكيف أكلت ‪,‬ال أعرف كم بقيت جالسا ً ‪.‬‬
‫ف ي الي وم الث اني اس تيقظت م ن ن ومي عن د ع ودة لين ا بع د الظھ ر ‪ ,‬م ع القھ وة أخبرتن ي أن أم راة اس مھا س ميرة‬
‫اتصلت ھاتفيا ً وسألت عني وأنھا تعتذر بشدة عما حدث ‪.‬‬
‫استرجعت أحداث اليوم السابق محاوالً أن استوعب ما حدث ‪.‬‬
‫حاولت أن أنسى ‪.‬‬

‫‪ 13‬تشرين الثاني ‪.‬‬
‫اتركوني بسالم فأنا ال أريد منكم شيئا ً ‪.‬‬
‫استيقظ صباحا ً دون موعد محدد ‪ ,‬يكون البيت فارغ ا ً ‪ ,‬أن ور ولين ا ف ي عملھم ا ‪ ,‬البن ت الص غيرة ف ي الحض انة ‪,‬‬
‫أبقى قليالً في السرير ثم أنھض ‪ ,‬أرتدي ثيابي كلھا " منذ أن خرجت من السجن و أن ا أن ام عاري ا ً " ‪ ,‬أتوج ه إل ى‬
‫باب الغرفة المقفل ‪ ,‬افتحه ‪ ,‬أضع " ركوة " قھوة ثقيلة على الغاز وأذھب إلى المغسلة ‪.‬‬
‫ساعة أو ساعتين وأحيانا ً أكثر أجلس على " الكنبة " اشرب القھوة بال سكر وأدخن ‪ ,‬أدخ ل إل ى المرح اض " أن ا‬
‫حريص جداً أن اقضي حاجتي اثناء غياب لين ا ع ن البي ت ‪ ,‬وأعتق د أن المس ألة ھن ا معق دة قل يالً ‪ ,‬فب نفس الدرج ة‬
‫التي تضايقني عملية اعتباري اسطورة من قبل لينا ‪ ,‬إال أنھا ترض ي بع ض الع والم الجواني ة ف ي نفس ي ‪ ,‬أي بم ا‬
‫انني بطل واسطورة كبي رة ف ي نظرھ ا ف إنني – م ع ض يقي م ن ذل ك – أح اول ب اكثر م ن وس يلة أن أوك د ذل ك ‪,‬‬
‫ومنھا عدم دخولي المرحاض في حضورھا ‪ ,‬فاالسطورة الت ي ف ي ذھنھ ا أو البط ل ذاك ‪ ,‬يج ب أن يك ون منزھ ا ً‬
‫عن كل ما ھو كريه ‪ ,‬وھو أرفع من ھذه الحاجات اإلنسانية الوضيعة ‪ ..‬لذلك ومنذ أن عشت معھا في بيت واح د‬
‫‪ ,‬لم ترني قط أدخل المرحاض ‪. " ....‬‬
‫أرتدي مالبسي ‪ ,‬أخرج ‪ ,‬أسير على غير ھدى ‪ ,‬ال أحد يعرفن ي ‪ ,‬ال أع رف أح داً ‪ ,‬أس ير ‪ ....‬و أس ير ‪ ,‬ال أفك ر‬
‫بشيء محدد ‪ ,‬قد اشتري قطعة شوكوالته فاخرة ‪ ,‬انا أحب الشوكوالته ولدي الكثير من النقود ‪ ,‬آكلھ ا ‪ ..‬أدخ ن و‬
‫أنا أمشي ‪ ,‬في الكثير من الحاالت أجلس في حديقة صغيرة قريبة من بيتنا ‪.‬‬
‫أشتري بعض الحاجات التي أشعر أنھا قد توفر بعض المال عل ى لين ا و زوجھ ا ‪ ,‬فوض عي الم ادي أفض ل منھم ا‬
‫بكثير ‪ ,‬أنا مليونير تقريبا ً ‪.‬‬
‫************‬
‫مسألتان أرعبتاني ‪.‬‬
‫‪146‬‬

‫اتركوني بسالم فأنا ال أريد منكم شيئا ً ‪.‬‬
‫منذ فترة حضر خالي الوزير – وھو يتردد لعندنا بشكل دوري – وبعد الكثير من األحاديث المعتادة ‪ ,‬التف ت إل يّ‬
‫فجأة وقال ‪:‬‬
‫ أما آن األوان ‪ ..‬تفكر بمستقبلك ؟‪.‬‬‫وجمدت !!‪.‬‬
‫المستقبل ؟!‪ ..‬وھل إلنسان في مثل سني ووضعي مستقبل ؟!‪.‬‬
‫خالي مثل أغلب رفاقه‪ ,‬آراؤه قاطعة حاسمة وال تقبل النقاش‪ ,‬يتكلم دائما ً بلھج ة الع ارف بك ل ش يء‪ ,‬ويتخ ذ ھيئ ة‬
‫من يمتلك الحقيقة دائما ً ‪ ..‬ولوحده!‪.‬‬
‫لذلك قال كالمه ھذا بلھجة اآلمر‪ ,‬وتطرق إلى المسألتين المرعبتين بالنسبة لي ‪ :‬العمل ‪ ..‬و الزواج !‪.‬‬
‫أيد جميع الحاضرين الفكرة‪ ,‬انتفخت أوداج خالي ‪ ,‬ابتسم ‪ ,‬التفت إلى بعض نساء العائلة وقال ‪:‬‬
‫ أمر العمل ‪ ,‬اتركوه لي ‪ ..‬أما الزواج فھو مھم ة ھـ ـ الص بايا ‪ ,‬ي ا ﷲ ‪ ....‬ش وفوني ش طارتكن ‪ ....‬ونق وا‬‫شي عروس تكون حلوة ومناسبة لھذا العريس المليونير ‪.‬‬
‫ارتفعت صيحات النساء وزقزقاتھن وفوراً بدأن أحاديث جانبية عن مواصفات العروس المطلوبة ‪.‬‬
‫ذھب خالي وانھمك الجميع في ترتبات الخطبة و الزواج ‪ ,‬وانا صامت ! لم يس الني أح د رأي ي ‪ ,‬وبقي ت ص امتا ً ‪.‬‬
‫ھاتان المسألتان أتعبتاني لفترة طويلة ‪.‬‬
‫بع د مض ي ح والي االس بوعين طلبن ي عل ى الھ اتف موظ ف كبي ر ف ي اإلذاع ة و التلفزي ون ‪ ,‬عرفن ي عل ى نفس ه‬
‫وطلب مني الحضور إلى مكتبه لمناقشة سيناريو مسلسل تلفزيوني وقال ‪:‬‬
‫ إذا عجبك السيناريو‪ ,‬فوراً نوقع العقد لتخرجه‪ ,‬وال تسأل عن اإلمكانيات المادية فھي مت وفرة و الحم د‬‫‪.‬‬
‫احتجت إلى الكثير من اللباقة لكي أعتذر بلطف ‪ ,‬لكنه واصل ‪:‬‬
‫ يا أخي ال ترفض ‪ ,‬تفضل لعندي إلى المكتب و أن ا واث ق أن ك س تقتنع ‪ ,‬يعن ي‪..‬ال تواخ ذني‪..‬أنت ص حيح‬‫مخرج لكنك اسم غير معروف‪ ,‬وأنا العتبارات أظنك تعرفھا‪ ,‬أقدم لك فرصة العمر على طبق من ذھ ب‬
‫‪.‬‬
‫ورفضت ‪.‬‬
‫نتيجة الرفض كانت توبيخا ً شديداً من خالي عند المساء ‪ ,‬وأمرني أن أوافق عل ى الع رض ‪ ,‬لكن ي رفض ت ‪ ,‬ق ال‬
‫بغضب ‪:‬‬
‫ انت واحد حمار ‪.‬‬‫بقي ت مس ألة ال زواج‪ ،‬ال يم ر ي وم دون أن تتص ل أو تحض ر إح دى نس اء العائل ة ‪ ،‬أغل بھن يب دأن الح ديث بجمل ة‬
‫واحدة ‪:‬‬
‫ أما شو لقيت لك عروس ‪ ..‬لقطة ‪ ..‬لقطة ‪ ،‬واذا مشي الحال ‪ ..‬راح يكون بيتك بالجنة ‪.‬‬‫وتبدأ عرض مزايا ھذه العروس التي قد تكون قريبتھا أو جارتھا ‪ ،‬واحداھن رشحت لي أختھا ‪.‬‬
‫‪147‬‬

‫كنت أحتاج إلى صبر أيوب ‪ ،‬خاصة والحديث يجري مع النساء ‪ ،‬فأنت تس طيع بس ھولة أن تجع ل أي ة إم رأة تي دأ‬
‫الكالم ‪ ،‬لكن من العسير جدا أن تجعلھا تسكت ‪.‬‬
‫اتركوني بسالم فأنا ال أريد منكم شيئا ‪.‬‬
‫منذ أن خرجت من السجن أحسست أن ھناك ھ وة ال يمك ن ردمھ ا أو جس رھا بين ي وب ين اآلخ رين ‪ ،‬حت ى أق رب‬
‫الناس إلي ‪ ،‬اخوتي أو لينا‪ ،‬أحك عواطفي ومشاعري فال أشعر تجاھھم بشيء ‪ ،‬الحيادية ف ي المش اعر ‪ ،‬ال ش يء‬
‫يشدني ‪ ،‬ال شيء يثير اھتمامي ‪.‬‬
‫لكل انسان لغة تواصل خاصة به يستخدمھا بإقامة العالقات المتفاوتة في القرب أو البعد عن الناس ‪ ،‬ھذه اللغة ‪..‬‬
‫لغتي الخاصة بالتواصل مع الناس ‪ ،‬مفقودة ‪ ..‬ميتة ‪ ،‬واألكثر من ذلك ليست لدي الرغب ة ب المطلق ف ي إيج اد لغ ة‬
‫تواصل جديدة ‪ ...‬أو احياء القديمة ‪.‬‬
‫دائما أشعر أن لھم عالمھم ‪ ..‬ولي عالمي ‪ ،‬أو ليس لديّ عالم أبدا ‪ ،‬لكن قطعا ال أنتمي لعالمھم ‪.‬‬
‫أرتعب من فكرة االضطرار إلى مخالطة الناس بحكم العمل أو أي شيء آخر ‪ ،‬أريد االبتعاد عنھم أكثر‬
‫ما يمكن !! ‪ ..‬االنزواء !‪.‬‬
‫أريد أن أكون منسيا ومھمال منھم ‪.‬‬
‫الزواج ؟ ‪ ....‬يا الھي ‪.‬‬
‫أن تأتي إنسانة ما تشاركني فراشي وطعامي ومرحاضي وروائحي !!‪..‬‬
‫إن مجرد التفكير بھذا المضوع يتعبني ويصيبني بالدوار ‪.‬‬
‫اتركوني بسالم فأنا ال أريد منكم شيئا !‪.‬‬
‫وفي لحظة غضب طلبت من لينا أن تبلغ الجميع ھاتفيا انني ال أريد من أحد أن يكلمني في موض وع ال زواج بع د‬
‫اليوم أبدا ‪.‬‬
‫كانت النتيجة أن قال لي خالي ‪:‬‬
‫ أنت واحد بغل ‪.‬‬‫أما النساء اللواتي كن يسعين لتزويجي فقد اعتبرن الموضوع ماسا بكرامتھن وانطلقت السنتھن تنھشني ‪..‬‬
‫ ال تعمل خير ‪ ،‬شر ما يجيك ‪..‬‬‫ على شو شايف حاله !! ‪ .‬يعني كل واحد يدخل شي يومين عـ السجن يصير يعنطز حاله ھيك !‬‫ رضينا بالھم ‪ ،‬لكن الھم ما رضي فينا ‪..‬‬‫ يعني ختيار " مكحكح " واصلع ‪ ..‬مثل الق رد ‪ ،‬يعن ي ألن ه عن دو قرش ين م ا ع اد ح دا يعجب ه !‪ ..‬ص حيح‬‫مثل ما يقول المثل ‪ :‬يا آخذ القرد على ماله ‪ ،‬بيروح المال ويظل القرد على حاله ‪.‬‬
‫كل ھذ وأكثر ‪ ..‬ولكن رب ضارة نافعة ‪ ،‬فقد تحولت العالقات إلى ما يشبه القطيعة ‪.‬‬
‫وأخيرا ‪ ..‬تركوني بسالم ‪.‬‬
‫‪148‬‬

‫‪ 25‬كانون األول‬
‫اليوم عيد الميالد ‪ ،‬وھو يتوافق مع العيد الثاني لميالد ابنة لينا ‪.‬‬
‫حقا أنني قد عشت عمرا طويال !! ‪ ..‬وقد يكون أكثر من الالزم ‪ ،‬ال زلت أذكر حماسي الشديد عند ما كنا نحضر‬
‫لالحتفال بأعياد ميالد لينا نفسھا ‪ ،‬األول ‪ ..‬الثاني ‪ ..‬الثالث ‪ ..‬وحتى الخامس ‪.‬‬
‫اآلن أرقب " ومن مسافة " التحضيرات الحماسية ألجواء عيد الميالد ‪ ،‬ولالحتفال بعيد ميالد ابنة لينا ‪.‬‬
‫************‬
‫طوال الشھور الماضية حياتي محصورة بمجموعة من األفعال القليلة ‪ ،‬وعلى األغلب يشكل قس م منھ ا الس بب أو‬
‫العلة للقسم الثاني ‪:‬‬
‫أنام ‪ ،‬آكل ‪ ،‬أشرب ‪ ...‬و‪ ...‬استيقظ ‪ ،‬أتغوط ‪ ،‬أتبول ‪..‬‬
‫أتجول ھائما على وجھي في الشوارع والطرقات والحدائق ‪ ،‬ح ولي الكثي ر م ن الن اس ‪ ،‬لكن ي ال ألح ظ الوج وه ‪،‬‬
‫أحس الناس كتلة ھالمية ‪ ،‬أو كتلة أثيرية ‪ ..‬ج زءاً م ن الھ واء المح يط ب ي ‪ ،‬ال ألح ظ ش يئا ً أو وجھ ا ً ‪ ...‬فاالنس ان‬
‫عادة ال يرى الھواء المحيط به ‪.‬‬
‫اشتريت جھاز تلفزيون جديداً وضعته في غرفتي ‪ ،‬ال اشاھد إال األفالم األجنبي ة والمسلس الت ‪ ،‬ال أت ابع األخب ار‬
‫مطلقا ‪ ،‬ال أفوت أية مباراة كرة قدم سواء كانت محلية أم أجنبية ‪.‬‬
‫أن ور زوج لين ا يعم ل مبرمج ا للكمبي وتر ‪ ،‬أغران ي بتعلم ه وھ و ال ينف ك ي ردد عب ارة ‪ " :‬ف ي ھ ذا ال زمن م ن ال‬
‫يعرف الكمبيوتر يعتبر أميا " ‪ ،‬تعلمت واشتريت جھازا حديثا ذا نوعية جيدة ‪ ،‬لم استخدمه إال أللعاب الورق‬
‫" الشدة " وخاصة لعبة تسمى " العنكبوت " ‪.‬‬
‫منقطع كليا عن كل ما يدور في ھذا الع الم ‪ ،‬حاول ت لين ا ع دة م رات أن تعي د ص لتي بالن اس ‪ ..‬ب المحيط ‪ ،‬أحيان ا‬
‫كنت أحب أن أسايرھا وأجاملھا ‪ ،‬لكني رفضت بعناد تغيير أسلوب حياتي ‪.‬‬
‫ف ي حض ور الن اس أح س بالوحش ة والغرب ة ‪ ،‬أش عر أن ھن اك عبئ ا ثق يال ملق ى عل ى ك اھلي !‪ ..‬وال ي زول ھ ذا‬
‫االحساس إال عندما أعود إلى غرفتي ‪ ,‬اس تلقي عل ى س ريري وأح دق بالس قف ‪ ,‬أبق ى س اعات ‪ ..‬س اعات طويل ة‬
‫على ھذه الشاكلة ‪ ..‬ودون أن أفكر بشيء !‪.‬‬
‫أنور ولينا يتحركان اآلن بحماس شديد ‪ ،‬يزينان شجرة الميالد ‪ ،‬بحضران الشموع ‪ ..‬يرتبان المائدة ‪ ،‬ھن اك ع دد‬
‫من المدعويين ‪ ،‬أفكر كيف سأتملص من ھذه الحفلة الصاخبة !‪ ..‬في داخلي حزن أسود ‪.‬‬
‫لم أخبر أحدا بما حدث لنسيم !‪.‬‬
‫************‬
‫منذ عشرة أيام رن الھاتف في البيت ‪ ،‬عادة ال أرد أنا على الھ اتف ‪ ،‬ل يس ھن اك م ن يتص ل ب ي ‪ ،‬ظلل ت مس تلقيا‬
‫على سريري ‪ ،‬نادت لينا ‪:‬‬
‫ يا عمو ‪ ..‬التلفون الك !‪.‬‬‫‪149‬‬

‫ألول وھلة جفلت ‪ ،‬ذھبت إلى حيث التلفون ‪ ،‬لينا تمسك السماعة ‪ ،‬سألتھا ‪:‬‬
‫ مين ؟ ‪.‬‬‫ واحد اسمه الدكتور ھشام ‪.‬‬‫أخذت السماعة وتكلمت ‪ ،‬ذكرني بنفسه ‪ ،‬تذكرته جيدا ‪ .‬أحد األطباء اللذين كانوا معي ف ي الس جن الص حراوي ‪،‬‬
‫وھو من أوائل الذين اتخذوا موقفا ً جيدا مني ‪ ،‬كان من األصدقاء المقربين لنسيم ‪.‬‬
‫فوجئت ‪ ،‬سألته من أين يتكلم ‪ ،‬أعلمني أنه ونسيم قد خرجا من السجن ‪ ،‬وأن نس يم أعط اه رق م الھ اتف ھ ذا طالب ا‬
‫منه االتصال بي ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫ نسيم يحييك ‪ ..‬يرجو منك الحضور إلى ھنا ‪.‬‬‫أجبت أنني سأكون عندھم غدا ‪ ،‬أعلمني بلباقة أنه ال يجب أن أذھب لعند نسيم في البيت ‪ ،‬رتبنا موعدا في عصر‬
‫اليوم الثاني في مقھى بحري قريب من بيت أھل نسيم ‪.‬‬
‫المقھى شبه فارغ ‪ ،‬اخترنا طاولة على الحافة تتكسر تحتھا األمواج الصغيرة ‪ ،‬جلسنا نسترق النظر إلى بعضنا ‪،‬‬
‫شعرھما ال زال قصيرا ‪ ،‬مضى أكث ر م ن نص ف س اعة عل ى لقائن ا ول م تلت ق نظرات ي بنظ رات نس يم !‪..‬لم اذا ال‬
‫ض نا بعض نا وب دأنا نبك ي ‪ ،‬بكين ا أكث ر م ن‬
‫ينظر إليّ مباشرة ؟ عندما التقينا حضنا بعضنا بعنف ‪ ،‬نح ن الثالث ة ح ّ‬
‫خمس دقائق " ال أعرف سبب البكاء ‪،‬الفرح باللقاء ‪ ..‬أم أن كالً منا يبكي على نفسه ؟ " ‪.‬‬
‫بعدھا بدأت البسمات المتبادلة ‪ ،‬نسيم لم يبتسم أبدا ‪ ،‬زائغ النظرات ‪ ،‬ال يتكلم ‪.‬‬
‫شربنا أنا ونسيم البيرة ‪ ،‬شرب ھشام عصيرا ‪ ،‬ھشام ھو الذي يتكلم ‪ ،‬شرح لنا مخططاته للمس تقبل ‪ ،‬ھدف ه واح د‬
‫وبسيط ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫‪ -‬أخرجوني من ھذا البلد ‪ ..‬وأنا على استعداد للعمل "زباالً" في أي مكان آخر على ظھر الكرة‬

‫األرضية‪.‬‬

‫" ھشام طبيب جراح تجميل ‪ ،‬ويعتبر متميزا في اختصاصه !"‪.‬‬
‫نسيم صامت يحدق بنظره إلى نقطة في عمق البحر ‪.‬‬
‫سألت ھشام كيف تم خروجھما من السجن ‪.‬‬
‫فج أة ودون س ابق ان ذار ‪ ،‬ف تح عناص ر الش رطة الب اب ل يال وأخ ذوا يق رؤون األس ماء ‪ ,‬خ رج جمي ع م ن تلي ت‬
‫أسماؤھم ‪ ,‬عندما تفحصوا بعض ھم تب ين أن ه يمك ن تص نيفھم ف ي ث الث فئ ات ‪ :‬المش لولون ‪ ,‬المص ابون ب أمراض‬
‫عضال ويتوقع موتھم قريبا ً ‪ ,‬الرھائن ‪..‬‬
‫فيما بعد انضم إليھم قسم من نزالء مھجع الب راءة ‪ ,‬ال ذين غ دوا ش بابا ً ف ي العش رينات م ن عم رھم بع د أن قض وا‬
‫أكثر من عشر سنوات في السجن ‪ .‬نقلوا الجميع بالحافالت إلى العاصمة ‪.‬‬
‫قبل ذلك كانت السلطة قد سربت أخب اراً ش تى ع ن ني ة ال رئيس باص دار عف و ع ام ع ن الس جناء ‪ ,‬ل م يص دق أح د‬
‫سوا ًء داخل السجون أو في خارجھا ھذه اإلشاعات ‪ ,‬لكنھم تعلقوا باألمل ‪.‬‬
‫بض عة أي ام ف ي العاص مة ‪ ,‬أي ف ي س جون العاص مة ‪ ,‬ح اولوا تحس ين مظھ ر الس جناء قل يالً ‪ ,‬اش تروا لھ م ألبس ة‬
‫جديدة ‪ ,‬أعطوا كل سجين مبلغ مئتي ليرة كمصروف جيب وثمن بطاقة السفر لكل واحد إلى بلدته أو مدينته ‪.‬‬
‫‪150‬‬

‫في اليوم المقرر لخروجھم من السجن وضعوھم في حافالت أخذتھم إل ى أكب ر و أھ م س احة ف ي المدين ة ‪ ,‬أوكل وا‬
‫األمر إلى أحد كبار ضباط األمن الذي فھم األمر حرفيا ً ‪:‬‬
‫ تأخذھم إلى الساحة ‪ ,‬تضع الباصات حول الساحة ‪ ,‬تن زل الجمي ع إل ى الس احة ‪ ,‬المطل وب مظ اھرة تأيي د‬‫للسيد الرئيس ‪.‬‬
‫عند التنفيذ أشار عليه البعض أن ھناك عشرات المشلولين وھوالء ال يستطيعون السير في مظاھرة !‪.‬‬
‫لكن الضابط أصر ‪ ,‬لقد قال له رؤساؤه كلمة ‪ :‬الجميع ‪.‬‬
‫ف ي الوق ت المح دد النطالق ة مس يرة تأيي د الس يد رئ يس الجمھوري ة ‪ ,‬ك ان ال ي زال م ا يق ارب األربعمئ ة س جين‬
‫يح اولون إن زال م ا يق ارب المئت ي مش لول !‪ ..‬أنزل وھم ‪ ,‬أجلس وھم ف ي ص فوف نظامي ة عل ى االس فلت ال دائري‬
‫الع ريض ‪ ,‬وق ف أم امھم المص ابون ب األمراض العض ال ‪ ,‬مرض ى الس رطان ‪ ,‬مرض ى القل ب و الش رايين ‪,‬‬
‫مرضى السل ‪ .....‬وكذلك الش يوخ وكب ار الس ن ‪ ,‬ف ي مقدم ة الجمي ع أف راد مھج ع الب راءة ‪ ,‬وھ م األكث ر ش بابا ً و‬
‫معھم البعض من تنظيم الرھائن ‪ ,‬أمام الجميع الفتة ضخمة مكتوبة باللون األحمر الدموي وبخط جميل ‪ ,‬معنون ة‬
‫‪:‬‬
‫" مبايعة مكتوبة بالدم "‬
‫يب ايع فيھ ا المتظ اھرون الس يد رئ يس الجمھوري ة ويعاھدون ه أن يف دوه ب دمائھم وأرواحھ م ‪ ,‬وأنھ م كلھ م‬
‫جنود لديه !‪.‬‬
‫************‬
‫األمواج ال زالت تتكسر تحتنا تماما ً ‪ ,‬يصل إلينا بعض الرذاذ أحيانا ً ‪ ,‬نسيم ساكت يدخن بشراھة ‪ ,‬ال دكتور ھش ام‬
‫يمسك بدفة الحديث ‪ ,‬بدأ يتحدث عن مخططاته للمستقبل ‪:‬‬
‫ أھم شيء ھو أن أخرج من ھذا البلد اللعين ‪ ,‬يومان أو ثالثة وتكون أموري قد ترتبت ‪.‬‬‫لديه أ ٌخ يعمل بحاراً على إحدى الس فن التجاري ة الس ويدية ‪ ,‬ھ ذا األخ ك ان موج ود ص دفة عن د خ روج ھش ام م ن‬
‫السجن ‪ ,‬ابلغه ھشام برغبته الحارقة لمغادرة البلد فرتب له عمالً على السفينة التي يعمل بھا ‪ ,‬العم ل ھ و مس اعد‬
‫طباخ السفينة ‪ ,‬مساعد الــ " شيف كوك " ‪.‬‬
‫الدكتور ھشام يكاد يطير فرحا ً بھذه الوظيفة ‪ ,‬ھذه الفرصة للھرب ‪.‬‬
‫نسيم ساكت ‪ ,‬أنا قلق ‪.‬‬
‫قلق رغم أنني لم أحس بالفرحة المتوقعة لدى رؤيتي نسيم مرة أخرى ‪ ,‬أحسست أنه إنس ان ع ادي ‪ ,‬ال ب ل إنس ان‬
‫مريض ‪ ,‬واغتنمت فرصة انشغاله بالتحديق الدائم إلى نقطة محددة ف ي البح ر الس أل ھش ام خفي ة وباإلش ارة فيم ا‬
‫إذا كان نسيم يتناول دواءه بانتظام ؟‬
‫ھشام قلب لي شفته السفلى دون اكتراث ‪ ,‬ال يعرف !‬

‫‪151‬‬

‫أحسست أن مجيئي إلى ھنا بال معنى ‪ ,‬ماذا أفعل ھنا ؟‪ ..‬بدأ الملل ينت ابني ‪ ,‬تخيل ت نفس ي مس تقليا ً عل ى س ريري‬
‫في البيت أدخن ‪ ,‬مجرد التخيل أراحني ‪ ,‬فأنا بالعام لم أع د أح ب التفكي ر ‪ ,‬إن مج رد إش غال فك ري و ذھن ي ب أي‬
‫قضية مھما كانت صغيرة تتعبني ‪ ,‬أحس عندھا أن رأسي قد انتفخ والصداع يطرق الصدغين ‪.‬‬
‫ق ررت أن أع ود إل ى بيت ي ‪ ,‬ولك ن كي ف ل ي أن أنس حب ‪ ,‬لح د اآلن ‪ -‬ورغ م أن نس يم ق د بك ى كم ا بكي ت عن دما‬
‫تعانقنا‪ -‬لم يتفوه بجملة واحدة مفيدة ‪ ,‬فكرت أن أشده للمشاركة بھذا الحديث ‪ ,‬قلت ‪:‬‬
‫ ش و ي ا نس يم ‪ ..‬ھ ذا ال دكتور ھش ام يخط ط للھ رب م ن ھ ذا البل د ‪ ,‬م اذا تخط ط أن ت للمس تقبل ؟‪.‬‬‫صمت قليالً ‪ ,‬التفت إليّ ‪ ,‬ألول مرة تلتقي عينانا ‪ ,‬عيناه حمراوان ‪ ,‬بحدة وتشنج واضحين قال ‪:‬‬
‫ بدي أشكل عصابة ‪ ..‬عصابة مجرمين ‪.‬‬‫ضحك ھشام ‪ ,‬وبعفوية سأله مازحا ً ‪:‬‬
‫ ليش العصابة ؟‪ ..‬بدك تسرق البنوك ؟‪.‬‬‫ ال ‪ ..‬ما بدي أسرق ‪ ,‬أنا ما بسرق ‪ ....‬نسيم ما نه حرام ي !‪ ..‬ب س ف ي واح د كمركج ي س رق من ي بيت ي‬‫واختي ‪ ..‬اغتصب بيت أھلي ‪ ,‬وكل يوم يغتصب أختي سميرة !‪ ..‬وھلق يريد طردي م ن البي ت !‪ ..‬راح‬
‫أقتل ھذا الكمركجي ‪ ..‬وكل كمركجي بھــ البلد ‪ ....‬راح أقتل ك ل الك الب المج رمين ‪ ....‬راح اقت ل يلل ي‬
‫عم يغتصبوا كل يوم أمي وأمك ‪ ....‬أختي و أختك ‪ ...‬بيتي وبيتك ‪.‬‬
‫جمد ھشام وسكت ‪.‬‬
‫التفت نسيم بعدھا إلى نقطته التي يحدق فيھا ‪ ..‬في عمق البحر ‪ ,‬وران صمت عميق على جلستنا ‪.‬‬
‫أرى م ن خ الل س لوك نس يم ن ذر عاص فة قوي ة ‪ ,‬عاص فة ھوج اء تن ذر باإلنفج ار ‪ ,‬ويب دوا أن ھش ام أيض ا ً أح س‬
‫بالخطر ‪ ,‬تبادلت وإياه النظرات خفية ‪ ,‬عالئم الحيرة ‪ ..‬االرتباك علينا نحن االثنين ‪.‬‬
‫أحسست بتعب شديد ‪ ,‬بانتفاخ في الرأس وصداع ‪ ,‬حزمت أمري وقررت االنسحاب و السفر ‪ ,‬الس فر إل ى البي ت‬
‫حيث السالم و الھدوء و الالتفكير ‪.‬‬
‫المقھى البحري الذي نجلس فيه قريب من بيت أھل نسيم ‪ ,‬وفيما أنا غارق في أفكاري اح اول اغتن ام أول فرص ة‬
‫مناسبة لكي أعتذر وأنسحب ‪ ,‬ھب نسيم واقفا ً ‪ ,‬التفت إلين ا وطل ب من ا أن ننتظ ره ھن ا ‪ ,‬وأن ه ل ن يغي ب أكث ر م ن‬
‫خمس دقائق ‪ ,‬فوجدتھا فرصة مناسبة ألقول إننا كلنا يجب أن نذھب ‪ ,‬وأنه يتعين عليّ السفر بعد قلي ل الرتب اطي‬
‫باشياء ھامة في العاصمة ‪.‬‬
‫وقفت ووقف ھشام ‪ ,‬سكت نسيم قليالً ‪ ..‬نظر إليّ بعمق مصوبا ً نظرة من عينيه الحمراوين ل م اس تطع تفس يرھا ‪,‬‬
‫بعدھا طلب منا أن نمشي معه قليالً صوب البيت ألن ھناك شيئا ً يج ب أن يعطين ي إي اه ‪ ,‬استفس رت من ه ع ن ھ ذا‬
‫الشيء ‪ ,‬قال إنه ھدية منه لي ‪.‬‬
‫دقيقة أو أكثر وصلنا أمام البناء المؤلف من ستة طوبق و الذي خرجت منه ذليالً مطروداً قبل بضعة أشھر ‪.‬‬
‫وقف ت م ع ھش ام عل ى الرص يف المقاب ل للبن اء ننتظ ر ع ودة نس يم ‪ ,‬قل ت لھش ام إن ه يج ب أن يت ابع وض ع نس يم‬
‫الصحي ألنه – على ما أعتقد – على أبواب نوبة جديدة ‪ ,‬وأن عليه أن يتح ادث م ع أخت ه وص ھره ويض عھم ف ي‬
‫صورة الوضع الصحي ‪ ,‬لوح ھشام بيده وقال ‪:‬‬
‫‪152‬‬

‫ صھر نس يم واح د ك ر !‪ ..‬الحك ي مع ه خس ارة ‪ ,‬بع دين ‪ ...‬ي وم أو ي ومين راح ق ول لھ ذا ال وطن العزي ز‬‫باي ‪ ..‬باي ‪.‬‬
‫لم يتم ھشام كالمه ‪ ,‬س معنا ص رخة م ن س طح البناي ة ‪ ,‬رأين ا نس يم يل وح بي ده وين ادي اس مي ‪ ...‬وب أعلى ص وته‬
‫فھمنا منه ما معناه أنه سيقدم موته ھدية لي !!! ‪.‬‬
‫وقفز ‪.‬‬
‫على الرصيف ‪ ..‬أمام مدخل البناية ‪ ,‬تحول نسيم إلى كتلة من الدماء و اللحم المھروس و العظام المحطمة ‪.‬‬
‫أمام جمع كبير من المارة ‪ ,‬وأمام أعيننا ‪ ..‬قفز نسيم من سطح الطابق السادس ‪ ..‬إلى الرصيف أمام البناية ‪.‬‬
‫و ‪ .....‬مات نسيم ‪.‬‬
‫سحبني ھشام من يدي ‪ ,‬سرنا ‪ ..‬لم أكن أفكر بشيء !‪ .‬لم أك ن حزين ا ً ‪ ...‬ال أح س بأي ة مش اعر ‪ ..‬س لبية كان ت أم‬
‫إيجابية !! ‪.‬‬
‫وضعني ھشام في أول بولمان ذاھب إلى العاصمة ‪ ,‬أوصاني أال أخبر أحداً أنن ا كن ا م ع نس يم قي ل انتح اره ‪ ,‬ألن‬
‫ھذا سيعرضنا للتحقيق والسؤال و الجواب ‪.‬‬
‫وصلت البيت في الواحدة بعد منتصف الليل ‪ ,‬لم أخلع ثيابي كعادتي حين أدخل ‪ ,‬أحضرت لترع رق م ن المط بخ‬
‫وجلست في غرفتي أشرب وأدخن ‪.‬‬
‫استيقظت لينا ‪ ,‬وقفت بثياب النوم قبالتي تتفرس في وجھي ‪ ,‬قالت ‪:‬‬
‫ شو القصة ‪ ..‬عمو ؟ ‪ ..‬وين كنت ؟ وليش ھلق عم تشرب عرق ؟ ‪...‬‬‫لم تكمل لينا سيل أسئلتھا ‪ ,‬حضر أنور زوجھا ‪ ,‬استيقظ ھو أيضا ً ‪ ...‬قال ‪:‬‬
‫ يا سالم !‪ ..‬العم يشرب العرق مثل العادة ‪ ,‬لكنه اليوم متأخر عن موعده ھاتي كاس لــ نشاركه ‪.‬‬‫شرب معي كأسا ً من العرق ‪ ,‬شربت لينا كأسا ً صغيراً ‪ ,‬استأذن أنور وذھب لينام ‪ ,‬بقيت لينا جالسة قب التي تنظ ر‬
‫إليّ بقلق ‪ ,‬صببت الكأس الثالثة عندما الحظت أن لينا تھم بالكالم ‪ ,‬رفعت يدي ‪ ..‬أسكتھا وطلب ت منھ ا أن ت ذھب‬
‫للنوم ‪ ,‬رفضت و أفھمتني أنھا لن تذھب قبل أن تعرف ماذا أريد ‪ .. ,‬لماذا أدف ن نفس ي ف ي الحي اة ھك ذا ؟‪ ..‬لم اذا‬
‫أشرب ھذه الكميات الھائلة من العرق و التبغ يوميا ً وكأنني أسعى لإلنتحار ؟ ‪ ...‬لماذا ‪ ....‬ولماذا ؟‪.‬‬
‫أفرغت الكأس الثالثة دفعة واحدة ‪ ,‬بدأ العرق يطفو في رأسي ‪ ,‬نظرت إلى لينا وتساءلت ‪ :‬ماذا تريد ھذه الص بية‬
‫الجميلة التي تدعوني بــ " عمو الحبيب " ؟ ‪ .‬أعرف أنھ ا تحترمن ي وتحبن ي كثي راً ‪ ..‬رغ م ھ ذا ل م يك ن ل دي أي ة‬
‫رغبة بالكالم !‪ ..‬سكت طويالً بينما ھي تنتظر كالمي ‪ ...‬ال أدري كيف بدات الكالم ‪ ,‬وال ماذا قلت ‪ ,‬لق د تكلم ت‬
‫كثيراً ‪ ...‬اسمعي يا لين ا ‪ ,‬كن ت أتمن ى ل و كان ت أم ي عل ى قي د الحي اة لكن ت أرح ت نفس ي ف ي حض نھا ووض عت‬
‫رأسي على صدرھا وبكيت ‪ ...‬بكيت فقط ‪ ,‬البكاء لدي حاجة ‪ ...‬وحاجة قوية ‪.‬‬
‫اليوم يا لينا انتحر صديقي وتوأم روحي !!‪..‬أنتحر أمامي و اھداني موته "ھل يمكن أن يكون الموت ھدية ؟ " ‪.‬‬
‫لم أبكِ ‪ ...‬لم أحزن ‪.‬‬

‫‪153‬‬

‫يا لينا ‪ :‬أنا أؤمن بقول يقول إن اإلنسان ال يموت دفعة واحدة ‪ ,‬كلما مات له قريب أو صديق أو واحد من معارفه‬
‫‪ ...‬فإن الجزء ال ذي ك ان يحتل ه ھ ذا الص ديق أو القري ب ‪ ...‬يم وت ف ي نف س ھ ذا اإلنس ان !‪ ..‬وم ع االي ام وتت ابع‬
‫سلسلة الموت ‪ ...‬تكثر األجزاء التي تموت داخلنا ‪ ...‬تكبر المساحة التي يحتلھا الموت ‪...‬‬
‫و أن ا ي ا لين ا ‪ ...‬أحم ل مقب رة كبي رة داخل ي ‪ ,‬تف تح ھ ذه القب ور أبوابھ ا ل يالً ‪ ...‬ينظ ر إل يّ نزالؤھ ا ‪ ..‬يح ادثونني‬
‫ويعاتبونني ‪.‬‬
‫أشرب العرق يوميا ً يا لينا ‪ ...‬لكي أنام !‪.‬‬
‫أمسكت لينا يدي وطفق ت تبك ي ‪ ,‬آخ ر م ا س معته منھ ا ھ و رجاؤھ ا أن تح ل مح ل أم ي ‪ ,‬وأن أض ع رأس ي عل ى‬
‫صدرھا وأبكي !‪..‬‬
‫وقفت على قدمي و أنا أكاد أفقد التوازن ‪ ,‬أمسكت يدھا وسحبتھا إلى غرفتھا ‪ ,‬دفعتھا إل ى ال داخل وأغلق ت الب اب‬
‫‪.‬‬
‫عدت إلى غرفتي واقفلت الباب بالمفتاح ‪ ..‬ال أذكر متى نمت ! ‪.‬‬

‫‪ 3‬تموز‬
‫ھا قد مضى عام كامل على لحظة خروجي من السجن !‪.‬‬
‫ينام اإلنسان فال يعود يشعر بشيء مما يدور حوله ‪ ,‬تدخل حواسه جميعا ً في حالة سبات ‪.‬‬
‫يستيقظ اإلنسان فتسيقظ حواسه جميعا ً ويصبح مدركا ً لما حوله ‪.‬‬
‫لكن بين النوم و اليقظة ھناك لحظة ‪ ,‬ثانية أو أقل أو أكثر ‪ ,‬ھذه اللحظة ال ھي نوم وال ھي يقظة ‪ ,‬لحظة التح ول‬
‫بين الحالتين أو اإلنتقال من حالة إلى أخرى ‪.‬‬
‫ھذه اللحظة التي تمثل نصف وعي ‪ ..‬أو نصف احساس ‪ ..‬نصف إدراك ‪.‬‬
‫ضمن ھ ذه اللحظ ة ‪ ,‬ض من المس افة الزمني ة الت ي تس تغرقھا " لحظ ة " ‪ ..‬الزل ت أرى نفس ي " نص ف رؤي ة " ‪,‬‬
‫أحس " نصف احساس " ‪ ..‬أنني في السجن الصحراوي !!‪.‬‬
‫مضى عام كامل والزلت أرى نفسي عند استيقاظي في السجن الصحراوي ‪.‬‬
‫ھل يمكن القول أنني خرجت من السجن قوالً وفعالً ؟‪.‬‬
‫ال أعتقد ذلك !‪.‬‬
‫يوميا ً ‪ ..‬أمارس نفس األفعال اآللية و الضرورية الستمرار الحياة ‪ ,‬أكل وأشرب وأنام ‪ ..‬و‪..‬‬
‫ھل سأحمل سجني معي إلى القبر ؟‪.‬‬
‫ف ي الس جن الص حراوي ‪ ..‬ش كل خ وفي الم زدوج ق وقعتي الت ي لب دت فيھ ا محتمي ا ً الخط ر !‪ ...‬ھن ا – ويس ميه‬
‫الس جناء ع الم الحري ة – خ وفٌ م ن ن وع أخ ر ‪ ,‬وق رف ‪ ..‬ض جر ‪ ,‬اش مئزاز ‪ ,‬كلھ ا ش كلت قوقع ة اض افية أكث ر‬
‫سماكة ومتانة وقتامة !! ‪ ...‬الن األمل بشيء أفضل كان موجوداً في القوقعة األولى !‪.‬‬
‫في القوقعة الثانية ال شيء غير ‪ ....‬الالشيء !‪.‬‬

‫‪154‬‬

‫يشرب اإلنسان الخمر ‪ ,‬الكأس األولى قد ال تفع ل ش يئا ً ‪ ,‬يس تمر بالش رب إل ى أن يص ل إل ى حال ة الس كر ‪ ,‬وھ ي‬
‫الحالة التي ينفصم فيھا عقل اإلنسان ‪ ..‬للسكران عقالن ‪,‬عقل سكران ‪ :‬ليكن اسمه الالعقل ‪ ,‬لكنه ليس نفي ا ً للعق ل‬
‫‪ ,‬ليس عدما ً ‪ ,‬ھو نقيض العقل ‪ ,‬الالعقل شيء مادي موجود !‪ ...‬كوجود العقل ذاته ‪.‬‬
‫الالعقل ھو الذي يتحكم بأفعال السكران وحركته ويدفعه الرتكاب األخطاء ‪.‬‬
‫واع ‪ ,‬لكن ليس ت لدي ه س لطة ف ي تل ك اللحظ ة عل ى ھ ذا الش خص ‪ ,‬ھ و‬
‫و العقل الثاني للسكران ھو عقل صاح ‪ٍ ,‬‬
‫يرى ويراقب ويسجل ‪ ...‬دون أن يستطيع التدخل ‪.‬‬
‫منذ عام وأنا أعيش الحالة ھذه !‪ ..‬أعرف ان انزوائي وانكفائي ‪ ...‬عزوفي وكرھي للتعامل م ع الن اس حال ة غي ر‬
‫صحية ‪ ,‬لكن ‪ ...‬ال الرغبة و ال اإلرادة موجودتان للتغيير ‪ ...‬بل على العكس ‪ ,‬أحس رعبا ً قاصما ً للظھ ر عن دما‬
‫يومض في ذھني خاطر أن أعود للعيش كبقية الناس !‪ " ...‬يا إلھي كم العيش مثلھم ‪ ,‬متعب وسخيف ! " ‪.‬‬
‫************‬
‫بعد وفاة نسيم بأكثر من شھر اتصل ب ي ص ھره " الكمركج ي " ھاتفي ا ً ‪ ,‬اعت ذر ‪ ...‬أخبرن ي بح ادث انتح ار نس يم‬
‫"إنھم ال يعلمون أنني كنت حاض راً " ودع اني إل ى حض ور األربع ين ‪ ,‬ال أعل م الحيثي ات الت ي دفع تھم ل دعوتي ‪,‬‬
‫ذھبت في الموعد المحدد ‪ ,‬ذھبنا جميعا ً إلى المقب رة ‪ ,‬رأي ت بع ض الوج وه الت ي أعرفھ ا م ن الس جن ‪ ,‬ع دت ف ي‬
‫النھاية إلى أحد الفنادق المطلة على البحر مقرراً قضاء الليلة فيه ‪.‬‬
‫مسا ًء ذھبت إلى أحد المطاعم ‪ ,‬تناولت العش اء وش ربت ‪ ,‬ش ربت كثي راً ‪ ,‬بالك اد اس تطعت الوص ول إل ى غرفت ي‬
‫بحدود الساعة الواحدة بعد منتصف الليل ‪.‬‬
‫استلقيت على السرير بكامل ثيابي ‪ ,‬احدق خالل الظالم إلى نقط ة ض وء آتي ة م ن الخ ارج ومطبوع ة عل ى س قف‬
‫الغرفة ‪ ,‬و ‪ ...‬حضر نسيم !!‪...‬‬
‫انتصب قبالتي عند طرف السرير ‪ ,‬لم يتكلم ‪ ,‬لم يتحرك ‪ ...‬فق ط ينظ ر إل يّ نف س النظ رة الت ي رأيتھ ا ف ي أعم اق‬
‫عينيه قبيل انتحاره بدقائق ‪ ,‬عندھا فھمت النظرة ‪ ,‬عتاب قاتل ‪ ...‬وعبارة ‪:‬‬
‫لم تركتني ‪ ....‬لم تركتني !‪.‬‬
‫وكأني كنت اسمع المسيح لحظة موته يصرخ ‪ ...‬بعتب ‪ ...‬احتجاج ‪ ....‬حيرة ‪ ....‬وبالكثير من الحب ‪:‬‬
‫إيلي ‪ ..‬إيلي ‪ ...‬لم شبقتني ؟‪.‬‬
‫انفجر الحزن داخلي كبركان حبيس ‪ ,‬اعتدلت ‪ ,‬ذھب نسيم وھو ال يزال ينظر نفس النظرة ‪.‬‬
‫س يطرت عل يّ فك رة واح دة إل ى ح د الھ وس‪ ،‬أن أحم ل باق ة ورد وأذھ ب إل ى المقب رة‪ ،‬أحتض ن حج ارة نس يم‬
‫و أبكي ‪ ...‬أبكي حتى الثمالة ‪.‬‬
‫الورد لنسيم ‪ ...‬و البكاء لي ‪.‬‬
‫خرجت إلى الشارع أبحث عن محل للورود في الساعة الثانية بعد منتصف الليل ؟‪ ...‬ال أح د ف ي جمي ع الش وارع‬
‫التي لبتھا بحثا ً عن الورود!‪.‬‬
‫‪155‬‬

‫ھا قد مضى عام كامل على لحظة خروجي من السجن ‪.‬‬
‫كانت لحظة بحثي عن الورود الفورة العاطفية الوحيدة الت ي أش عرتني أنن ي كبقي ة البش ر !‪ ...‬لكنھ ا ھم دت عن دما‬
‫ظللت أبحث عن الورد حتى الصباح‪.‬‬
‫ورأيت أنه من األنانية بمكان أن أذھب دون ورود‪ ...‬ألبكي فق ط‪ .‬م ن األناني ة أن ألب ي ح اجتي دون حاج ة نس يم‪.‬‬
‫نسيم يريدني أنا فقط‪ ...‬وأمامي فقط‪ ...‬يريد أن يرد اعتباره‪ .‬وأنا أريد أن أبكي ألف رغ بع ض الس واد الممتل ئ ف ي‬
‫القلب‪.‬‬
‫وعاد السواد ليطمس كل شيء‪.‬‬
‫************‬
‫قضيت ھناك داخل قوقعتي في الس جن الص حراوي آالف اللي الي استحض ر وأس تحلب المئ ات م ن أح الم اليقظ ة‪،‬‬
‫كنت أمني النفس أنه إذا قيض لي أن أخرج من جھنم ھذه‪ ،‬سوف أعيش حياتي طوالً وعرض ا ً وس أحقق ك ل ھ ذه‬
‫األحالم التي راودتني ھناك‪.‬‬
‫اآلن‪ ...‬ھا قد مضى عام كامل‪ ...‬ال رغبة لدي في عمل شيء مطلقا ً‪.‬‬
‫أرى أن كل ما يحيط بي ھو فقط‪ :‬الوضاعة و الخسة ‪ ....‬والغثاثة !!‪.‬‬
‫وتزداد سماكة وقتامة قوقعتي الثانية التي أجلس فيھا اآلن ‪ ...‬ال يتملكني أي فضول للتلصص على أي كان !‪.‬‬
‫أح اول أن أغل ق أص غر ثق ب فيھ ا‪ ،‬ال أري د أن أنظ ر إل ى الخ ارج‪ ،‬أغل ق ثقوبھ ا الح ول نظ ري بالكام ل‬
‫إلى الداخل‪.‬‬
‫إليّ أنا‪ ..‬إلى ذاتي!‪..‬‬
‫وأتلصص‪.‬‬

‫‪156‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful