‫أسرار‬

‫البيان‬
‫في التعبير‬
‫القرآني‬
‫للدكتور ‪ /‬فاضــل صالـح السامرائــــــــي‬
‫أستاذ النحو في جامعة الشارقة‬
‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬

‫‪1‬‬

‫‪ (11‬وهذه محاضرة ألقاها الدكتور فاضل السامرائي ضمن فعاليات جائزة دبي الدولية‬
‫للقرآن الكريم عام ‪2002‬م‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫القرآن هو تعبير بياني مقصود أي أن كل كلمة وكل حرف فيه ُوضع‬
‫وضعا ً مقصودًا‪.‬‬
‫الذكر والحذف‪:‬‬
‫َ‬
‫قموا َرب ّ ُ‬
‫س ات ّ ُ‬
‫خ َ‬
‫مما َل‬
‫وا ْ‬
‫قال تعــالى ‪َ) :‬يا أي ّ َ‬
‫و ً‬
‫كم ْ‬
‫هما الّنما ُ‬
‫وا ي َ ْ‬
‫شم ْ‬
‫م َ‬
‫ه َ‬
‫ن‬
‫ز َ‬
‫وال ِدٌ َ‬
‫وُلودٌ ُ‬
‫د ِ‬
‫وال ِ ِ‬
‫د ِ‬
‫ول َ ِ‬
‫شي ًْئا إ ِ ّ‬
‫و َ‬
‫يَ ْ‬
‫ع ْ‬
‫ع ْ‬
‫وَل َ‬
‫ن َ‬
‫ه َ‬
‫م ْ‬
‫ه َ‬
‫ن َ‬
‫زي َ‬
‫ج ِ‬
‫جا ٍ‬
‫ق َ‬
‫ه‬
‫وَل ي َ ُ‬
‫فَل ت َ ُ‬
‫و ْ‬
‫م ب ِممالل ّ ِ‬
‫عدَ الل ّ ِ‬
‫م ال ْ َ‬
‫ه َ‬
‫غّرن ّك ُم ْ‬
‫غّرن ّك ُ ُ‬
‫ح ّ‬
‫حي َمماةُ ال مدّن َْيا َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫وات ّ ُ‬
‫ه‬
‫ال َ‬
‫ن ِ‬
‫فيمم ِ‬
‫عو َ‬
‫ج ُ‬
‫ما ت ُْر َ‬
‫و ً‬
‫قوا ي َ ْ‬
‫غُروُر )‪ (33‬لقمان( وقال تعالى ‪َ ) :‬‬
‫ل نَ ْ‬
‫و ّ‬
‫فى ك ُ ّ‬
‫ن)‬
‫و ُ‬
‫إ َِلى الل ّ ِ‬
‫مممو َ‬
‫سب َ ْ‬
‫ما ك َ َ‬
‫م َل ي ُظْل َ ُ‬
‫ه ْ‬
‫س َ‬
‫ه ثُ ّ‬
‫ت َ‬
‫م تُ َ‬
‫ف ٍ‬
‫‪ (281‬البقرة( اليتين جملتان وصفيتان فلمــاذا الحــذف )فيه( فــي‬
‫إحــداها والــذكر فــي الخــرى؟ الســبب أن التقــدير حاصــل )يجزي‬
‫فيه( لكــن لمــاذا الحــذف؟ الحــذف يفيــد الطلق ول يختــص بــذلك‬
‫اليوم‪ .‬فالجزاء ليس منحصرا ً في ذلك اليوم وإنما سيمتد أثــره إلــى‬
‫ما بعد ذلك اليوم وكلما يذكر الجــزاء يحــذف )فيــه( )ل تجــزي( و)ل‬
‫يجزي(‬
‫أما في الية الثانية فذكر )فيه( لنه منحصر فقط في يوم الحســاب‬
‫وليس عمومًا‪ .‬وكذلك في قــوله تعــالى )يخــافون يوم ـا ً تتقلــب فيــه‬
‫القلوب والبصار( اليوم منحصر في يوم القيامة والحساب لذا ذكــر‬
‫)فيه(‪ .‬وحذف )فيه( عندما كان اليوم ليس محصورا ً بيوم معين‪.‬‬
‫َ‬
‫قاُلوا َتالل ّه ت َ ْ ُ‬
‫حّتى ت َ ُ‬
‫) َ‬
‫ن‬
‫س َ‬
‫حَر ً‬
‫ِ‬
‫و ت َك ُممو َ‬
‫كو َ‬
‫ن َ‬
‫ف َ‬
‫فت َأ ت َذْك ُُر ُيو ُ‬
‫ضمما أ ْ‬
‫ن )‪ (85‬يوســف( محــذوف حــرف النفــي )ل( )تــالله ل‬
‫هال ِ ِ‬
‫ِ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫كي َ‬
‫م َ‬
‫تفتأ(‪ .‬القاعدة ‪ :‬أنه إذا كان فعل مضارع مثبت لبد من حــرف اللم‬
‫فإن لم تذكر اللم فهو منفي مثال‪ :‬والله أفعل )معناهــا ل أفعــل( و‬
‫واللــه لفعــل )معناهــا أثب ّــت الفعــل( فلمــاذا حــذف إذن؟ هــذا هــو‬
‫حــذف فيــه حــرف النفــي جواب ـا ً‬
‫الموطن الوحيد في القــرآن الــذي ُ‬
‫وَرّبم َ‬
‫للقسم‪ .‬وقد جاء في القرآن قوله تعــالى ) َ‬
‫ك َل ي ُ ْ‬
‫ن‬
‫ؤ ِ‬
‫مُنمو َ‬
‫فَل َ‬
‫مو َ‬
‫في أ َن ْ ُ‬
‫ما َ‬
‫م‬
‫دوا ِ‬
‫ك ِ‬
‫ف ِ‬
‫ج ُ‬
‫ش َ‬
‫حّتى ي ُ َ‬
‫َ‬
‫جَر ب َي ْن َ ُ‬
‫ه ْ‬
‫م ثُ ّ‬
‫ه ْ‬
‫في َ‬
‫حك ّ ُ‬
‫م َل ي َ ِ‬
‫سم ِ‬
‫َ‬
‫وأ ْ‬
‫ما َ‬
‫موا‬
‫ق َ‬
‫جا ِ‬
‫حَر ً‬
‫َ‬
‫ضي ْ َ‬
‫ق َ‬
‫موا ت َ ْ‬
‫وي ُ َ‬
‫س ُ‬
‫سِلي ً‬
‫سل ّ ُ‬
‫م ّ‬
‫ما )‪ (65‬النساء( ) َ‬
‫ت َ‬
‫َ‬
‫ه‬
‫ع ُ‬
‫دا َ‬
‫و ْ‬
‫عل َي ْم ِ‬
‫ِبالل ّ ِ‬
‫ع ً‬
‫م َل ي َب ْ َ‬
‫ه َ‬
‫مو ُ‬
‫ج ْ‬
‫م ْ‬
‫ن يَ ُ‬
‫ه َ‬
‫ث الل ّ ُ‬
‫ه ْ‬
‫هدَ أي ْ َ‬
‫ت ب ََلى َ‬
‫مان ِ ِ‬
‫قا ول َكن أ َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ن )‪ (38‬النحل(‪ .‬إنما آية سورة‬
‫نا‬
‫ال‬
‫ر‬
‫ث‬
‫ك‬
‫ّ‬
‫مو َ‬
‫س َل ي َ ْ‬
‫َ‬
‫ح ّ َ ِ ّ‬
‫عل َ ُ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫يوسف هي الوحيدة التي تفيد النفي ولــم يــذكر فيهــا حــرف النفــي‬
‫لماذا؟ الذين أقسموا هم إخوة يوسف ومــن المقــرر فــي النحــو أن‬
‫الــذكر يفيــد التوكيــد والحــذف أقــل توكيــدًا‪ .‬فعلــى مــاذا أقســموا؟‬
‫‪2‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫أقسموا أن أباهم ل يزال يذكر يوسف حتى يهلك فهل هم متأكــدون‬
‫من ذلك؟ أي هل هم متأكدون أن أبــاهم ســيفعل ذلــك حــتى يهلــك‬
‫وهل حصل ذلك؟ كل لم يحصل‪.‬‬
‫في حين في كل القسام الخرى في القرآن المر فيها مؤكــد‪ .‬أمــا‬
‫في هذه الية ل يؤكد بالحذف لحرف النفي مع أنه أفاد النفي‪.‬‬
‫فتأ‪ :‬من معانيها في اللغة نسي وس ّ‬
‫كن وأطفأ النار يقال فتأت النار‬
‫والتيان بالفعل )فتأ( في هذه الية وفي هذا الموطن جمع كل هــذه‬
‫ف عن ذكره أو ُيس ـ ّ‬
‫كن‬
‫المعاني‪ .‬كيف؟ المفقود مع اليام ُينسى وُيك ّ‬
‫لوعة الفراق أو نار الفراق في فؤاد وفي نفس من ُفقــد لــه عزيــز‪.‬‬
‫ولو اختار أي فعل من الفعال الخرى المرادفة لفعل فتأ لم تعطـي‬
‫كل هذه المعاني المختصة في فعل فتأ‪.‬‬
‫ف َ‬
‫ح َ‬
‫م َ‬
‫س‬
‫قال تعالى في سورة آل عمران )إ ِ ْ‬
‫قْر ٌ‬
‫س ْ‬
‫م َ‬
‫قد ْ َ‬
‫سك ُ ْ‬
‫ن يَ ْ‬
‫م ّ‬
‫َ‬
‫وت ِل ْ َ‬
‫م َ‬
‫ال ْ َ‬
‫م‬
‫ح ِ‬
‫ول ِي َ ْ‬
‫م نُ َ‬
‫قْر ٌ‬
‫ك اْلّيا ُ‬
‫و َ‬
‫ول ُ َ‬
‫ها ب َي ْم َ‬
‫عل َم َ‬
‫مث ْل ُ ُ‬
‫س َ‬
‫ه َ‬
‫ق ْ‬
‫دا ِ‬
‫ن الن ّمما ِ‬
‫َ‬
‫من ْ ُ‬
‫م ُ‬
‫خمم َ‬
‫ب‬
‫ه َل ي ُ ِ‬
‫وي َت ّ ِ‬
‫ذ ِ‬
‫ه اّلمم ِ‬
‫حمم ّ‬
‫ه َ‬
‫شمم َ‬
‫ذي َ‬
‫والّلمم ُ‬
‫كمم ْ‬
‫نآ َ‬
‫الّلمم ُ‬
‫داءَ َ‬
‫مُنمموا َ‬
‫َ‬
‫ال ّ‬
‫ق‬
‫ه اّلمم ِ‬
‫ظممال ِ ِ‬
‫م َ‬
‫م ّ‬
‫ذي َ‬
‫مي َ‬
‫حمم َ‬
‫وي َ ْ‬
‫نآ َ‬
‫ص الّلمم ُ‬
‫ول ِي ُ َ‬
‫حمم َ‬
‫مُنمموا َ‬
‫ن )‪َ (140‬‬
‫ال ْ َ‬
‫ن )‪ ((141‬اللم فــي )ليعلممم( هــي لم التعليــل ثــم قــال‬
‫كا ِ‬
‫ري َ‬
‫ف ِ‬
‫حص( عطــف وذكــر‬
‫تعالى )يتخذ( عطف بــدون لم ثــم قــال )ليم ّ‬
‫اللم ثم قــال )يمحق( عطــف بــدون ذكــر اللم ‪ ،‬لمــاذا ؟ قلنــا أن‬
‫الذكر للتوكيد وما حذف أقل توكيدا ً وإذا استعرضنا الفعال في الية‬
‫فهل كلها بدرجة واحدة من التوكيد والحذف؟‬
‫)وليعلم( الله تعالى يريد ذلك مـن كـل شـخص علمـا ً يتحقـق منـه‬
‫الجزاء لكل شخص‪ .‬إذن هو أمر عام لجميع الذين آمنــوا ومــن غيــر‬
‫الذين آمنوا فهو أمر ثابت مطلق لكل فرد من الفراد‪.‬‬
‫)يتخذ( ل يتخذ كل المؤمنين شهداء فهذا الفعل ليس بدرجة اتساع‬
‫الفعل الول وهو ليس متعقل ً بكل فرد‪.‬‬
‫)ليمحص( متعلق بكل فرد وهذا يتعلق به الجزاء‪.‬‬
‫)يمحممق( لــم يمحــق كــل الكــافرين محق ـا ً تام ـا ً فــالكفر واليمــان‬
‫موجودان‪.‬‬
‫إذن عندما يذكر اللم على وجه العموم والمقصــود يكــون كــل فــرد‬
‫من الفراد والحذف عكس ذلك‪.‬‬
‫قال تعالى )ولتبتغوا فضل ً من ربكممم( فــي الحــالتين ذكــر اللم‬
‫لن المرين مطلوبين حتما ً في هذه الحياة‪.‬‬
‫َ‬
‫قال تعالى في سورة النساء )ب َ ّ‬
‫عم َ‬
‫ذاًبا‬
‫م َ‬
‫ف ِ‬
‫مَنا ِ‬
‫ن ب ِأ ّ‬
‫ن لَ ُ‬
‫قي َ‬
‫هم ْ‬
‫ر ال ْ ُ‬
‫ش ِ‬
‫َ‬
‫وب َ ّ‬
‫ر‬
‫أِلي ً‬
‫ممما )‪ ((138‬وقممال تعممالى فممي سممورة البقممرة ) َ‬
‫شم ِ‬
‫عمُلوا الصال ِحات أ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫م‬
‫ج‬
‫ت‬
‫ت‬
‫ما‬
‫م‬
‫ن‬
‫ج‬
‫م‬
‫م‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ن‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ري ِ‬
‫ٍ‬
‫ّ َ ِ‬
‫و َ ِ‬
‫ال ّ ِ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫مم ْ‬
‫ذي َ‬
‫ْ‬
‫نآ َ‬
‫مُنوا َ‬
‫ِ‬
‫‪3‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫َ‬
‫قمما َ‬
‫رْز ً‬
‫ز ُ‬
‫هم َ‬
‫ذا‬
‫ة‬
‫ما ُر‬
‫قمماُلوا َ‬
‫مَر ٍ‬
‫ها ِ‬
‫قوا ِ‬
‫تَ ْ‬
‫من ْ َ‬
‫ها اْلن ْ َ‬
‫حت ِ َ‬
‫م ْ‬
‫ن ثَ َ‬
‫هاُر ك ُل ّ َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ل ُ‬
‫ن َ‬
‫ز ْ‬
‫مت َ َ‬
‫ج‬
‫م ِ‬
‫وأُتوا ب ِ ِ‬
‫قَنا ِ‬
‫ال ّ ِ‬
‫وا ٌ‬
‫في َ‬
‫ول َ ُ‬
‫شمماب ِ ً‬
‫م ْ‬
‫هم ْ‬
‫ه ُ‬
‫همما أْز َ‬
‫ها َ‬
‫قب ْ ُ َ‬
‫ذي ُر ِ‬
‫ن )‪((25‬‬
‫ها َ‬
‫م ِ‬
‫و ُ‬
‫دو َ‬
‫خال ِ ُ‬
‫في َ‬
‫مطَ ّ‬
‫ه ْ‬
‫ُ‬
‫هَرةٌ َ‬
‫ذكر الباء في اليــة الولــى )بــأن( وحــذفها فــي الثانيــة )أن( مــع أن‬
‫التقــدير هــو )بــأن( لمــاذا؟ لن تبشــير المنــافقين آكــد مــن تبشــير‬
‫المؤمنين ‪ ،‬ففي السورة الولى أ ّ‬
‫صــل فــي عــذاب المنــافقين‬
‫كد وف ّ‬
‫في عشرة آيات من قوله )ومن يكفر بالله وملئكته(‪ .‬أما في اليــة‬
‫الثانية فهي الية الوحيدة التي ذكر فيها كلما ً عــن الجــزاء وصــفات‬
‫المؤمنين في كل ســورة البقــرة‪ .‬إذن )بــأن( أكــثر مــن )أن( فالبــاء‬
‫الزائدة تناسب الزيادة في ذكر المنافقين وجزاؤهم‪.‬‬
‫َ‬
‫م ْ‬
‫وب َ ّ‬
‫ن‬
‫م ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫ن ب ِأ ّ‬
‫ن لَ ُ‬
‫مم َ‬
‫مِني َ‬
‫ه ْ‬
‫ر ال ْ ُ‬
‫وقال تعالى في سورة الحزاب ) َ‬
‫ش ِ‬
‫ه َ‬
‫صــل فــي الســورة جــزاء‬
‫ف ْ‬
‫الل ّ ِ‬
‫ض مًل ك َِبي مًرا )‪ ((47‬لنــه تعــالى ف ّ‬
‫المؤمنين وصفاتهم‪.‬‬
‫َ‬
‫ماءً ب ِ َ‬
‫ر‬
‫ما ِ‬
‫وأن َْزل َْنا ِ‬
‫ن ال ّ‬
‫م َ‬
‫ء َ‬
‫س َ‬
‫قال تعالى في سورة المؤمنون ) َ‬
‫قممدَ ٍ‬
‫َ َ‬
‫ه لَ َ‬
‫ن )‪(18‬‬
‫في اْل َْر‬
‫وإ ِّنا َ‬
‫عل َممى ذَ َ‬
‫سك َّناهُ ِ‬
‫ب ب ِم ِ‬
‫قمماِدُرو َ‬
‫فأ ْ‬
‫همما ٍ‬
‫ض َ‬
‫ِ‬
‫فأ َن ْ َ ْ‬
‫همما َ‬
‫َ‬
‫ه‬
‫وأ َ ْ‬
‫م ِ‬
‫ن نَ ِ‬
‫ت ِ‬
‫جّنا ٍ‬
‫م بِ ِ‬
‫ه َ‬
‫في َ‬
‫م ْ‬
‫واك ِ ُ‬
‫ب ل َك ُ ْ‬
‫شأَنا ل َك ُ ْ‬
‫عَنا ٍ‬
‫فم َ‬
‫ل َ‬
‫خي ٍ‬
‫ْ‬
‫وت ِل ْ َ‬
‫ك‬
‫و ِ‬
‫ها ت َأك ُُلو َ‬
‫من ْ َ‬
‫ن )‪ ((19‬وقــال فــي ســورة الزخــرف ) َ‬
‫ك َِثيَرةٌ َ‬
‫ة ال ِّتي ُ‬
‫همما‬
‫أو‬
‫جن ّ ُ‬
‫م ِ‬
‫مو َ‬
‫مل ُممو َ‬
‫م تَ ْ‬
‫ال ْ َ‬
‫في َ‬
‫ن )‪ (72‬ل َك ُم ْ‬
‫ع َ‬
‫ما ك ُن ْت ُم ْ‬
‫ها ب ِ َ‬
‫رث ْت ُ ُ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ن )‪ ((73‬ذكر الواو في الولــى )ومنهــا(‬
‫ه ٌ‬
‫ة ك َِثيَرةٌ ِ‬
‫ها ت َأك ُُلو َ‬
‫من ْ َ‬
‫فاك ِ َ‬
‫وحذف الواو في الثانية )منها( لماذا؟ في سورة المؤمنــون الســياق‬
‫في الكلم عن الدنيا وأهل الدنيا وتعداد النعم قــال )ومنهــا تــأكلون(‬
‫فالفاكهة في الدنيا ليست للكل فقط فمنها مــا هــو للدخــار والــبيع‬
‫دخرون‪،‬‬
‫والمرّبيات والعصــائر فكــأنه تعــالى يقصــد باليــة ‪ :‬ومنهــا تـ ّ‬
‫مى عطف علــى محــذوف‪.‬‬
‫ومنها تعصرون ومنها تأكلون وهذا ما ُيس ّ‬
‫أما في سورة الزخرف فالسياق في الكلم عن الجنة والفاكهة فــي‬
‫الجنة كلها للكل ول ُيصنع منها أشياء أخرى‪.‬‬
‫الحذف من الفعل‪:‬‬
‫دل –‬
‫تتوفــاهم – توفّــاهم‪ ،‬تن ـّزل – تتن ـّزل‪ ،‬تــذكرون – تتــذكرون‪ ،‬تب ـ ّ‬
‫تتبدل‪.‬‬
‫الحذف من الفعل يدخل تحت ضابطين في القرآن كله‪:‬‬
‫‪ .1‬يحذف من الفعل إما للدللة على القتطاع من الفعل‪.‬‬
‫‪ .2‬يحذف من الفعل في مقام اليجاز ويذكر في مقام التفصيل‪.‬‬
‫ن َ‬
‫م‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫قال تعالى في ســورة فصــلت )إ ِ ّ‬
‫ذي َ‬
‫ه ث ُم ّ‬
‫قمماُلوا َرب ّن َمما الل ّم ُ‬
‫َ‬
‫ل َ َ‬
‫خمما ُ‬
‫ست َ َ‬
‫موا ت َت َن َمّز ُ‬
‫حَزن ُمموا‬
‫ة أّل ت َ َ‬
‫مَلئ ِك َم ُ‬
‫وَل ت َ ْ‬
‫ا ْ‬
‫م ال ْ َ‬
‫هم ُ‬
‫قا ُ‬
‫فوا َ‬
‫علي ْ ِ‬
‫َ‬
‫ن )‪ ((30‬وقــال فــي ســورة‬
‫م ُتو َ‬
‫جن ّ ِ‬
‫وأب ْ ِ‬
‫دو َ‬
‫ع ُ‬
‫شُروا ِبال ْ َ‬
‫ة ال ِّتي ك ُن ْت ُ ْ‬
‫َ‬
‫‪4‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫َ‬
‫ن ُ‬
‫كم ّ‬
‫القدر )ت َن َّز ُ‬
‫ر‬
‫مَلئ ِك َ ُ‬
‫ح ِ‬
‫م ِ‬
‫والّرو ُ‬
‫في َ‬
‫م ْ‬
‫لأ ْ‬
‫ه ْ‬
‫ل ال ْ َ‬
‫ها ب ِإ ِذْ ِ‬
‫ة َ‬
‫مم ٍ‬
‫ن َرب ّ ِ‬
‫)‪ ((4‬استخدم نفس الفعــل المضــارع لكــن حــذفت التــاء فــي اليــة‬
‫الثانية )تنّزل( لماذا؟‬
‫الية الولى هي عند الموت تنزل الملئكة على الشخص المســتقيم‬
‫تبشّره بمآله إلى الجنة ‪ ،‬أما الثانية فهي في ليلة القدر ‪ ،‬التنّزل في‬
‫الية الولى يحدث في كل لحظة لنه في كل لحظــة يمــوت مــؤمن‬
‫في هذه الرض إذن الملئكة في مثل هــذه الحالــة تتن ـّزل فــي كــل‬
‫لحظة وكل وقت أما في الية الثانية فهي في ليلة واحدة في العــام‬
‫وهــي ليلــة القــدر‪ .‬لذن التنـّزل الول أكــثر اســتمرارية مــن التنـّزل‬
‫الثاني‪ ،‬ففي الحدث المستمر جاء الفعل كامل ً غير مقتطــع )تتنـّزل(‬
‫أما في الثانية في الحدث المتقطع اقتطع الفعل )تنّزل(‪.‬‬
‫و ّ‬
‫م‬
‫فمما ُ‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫مثال آخر في قوله تعالى في سورة النســاء )إ ِ ّ‬
‫ذي َ‬
‫ه ُ‬
‫ن تَ َ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫مي أ َن ْ ُ‬
‫قمماُلوا ك ُن ّمما‬
‫سم‬
‫مَلئ ِك َم ُ‬
‫قمماُلوا ِ‬
‫ف ِ‬
‫ة ظَممال ِ ِ‬
‫م ك ُن ْت ُم ْ‬
‫في م َ‬
‫ه ْ‬
‫ال ْ َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ض َ‬
‫ة‬
‫في اْل َْر‬
‫ع ً‬
‫ن ِ‬
‫ع ِ‬
‫ست َ ْ‬
‫وا ِ‬
‫ض الل ّ م ِ‬
‫سم َ‬
‫ض َ‬
‫م ْ‬
‫م ت َك ُ ْ‬
‫في َ‬
‫قاُلوا أل َ ْ‬
‫ُ‬
‫ن أْر ُ‬
‫ه َ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫فأول َئ ِ َ‬
‫ها َ‬
‫َ‬
‫صمميًرا )‬
‫وا ُ‬
‫جُروا ِ‬
‫م ِ‬
‫م َ‬
‫سمماءَ ْ‬
‫و َ‬
‫ج َ‬
‫في َ‬
‫فت ُ َ‬
‫ت َ‬
‫هن ّم ُ‬
‫ه ْ‬
‫ك َ‬
‫ها ِ‬
‫م َ‬
‫م مأ َ‬
‫و ّ‬
‫مي‬
‫مَلئ ِك َم ُ‬
‫فمما ُ‬
‫ة ظَممال ِ ِ‬
‫‪ ((97‬وفي ســورة النحــل )ال ّ ِ‬
‫ذي َ‬
‫م ال ْ َ‬
‫ه ُ‬
‫ن ت َت َ َ‬
‫فأ َل ْ َ‬
‫م َ‬
‫أ َن ْ ُ‬
‫م ُ‬
‫ه‬
‫سو ٍ‬
‫ل ِ‬
‫ف ِ‬
‫ء ب ََلى إ ِ ّ‬
‫ما ك ُّنا ن َ ْ‬
‫ن ُ‬
‫وا ال ّ‬
‫م ْ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ع َ‬
‫م َ‬
‫سل َ َ‬
‫ه ْ‬
‫ق ُ‬
‫س ِ‬
‫ن )‪ .((28‬لنســتعرض المتــوفين فــي‬
‫َ‬
‫مُلممو َ‬
‫م تَ ْ‬
‫ع َ‬
‫ممما ك ُن ُْتمم ْ‬
‫م بِ َ‬
‫عِليمم ٌ‬
‫السياقين‪ :‬في آية سورة النساء المتوفون هــم جــزء مــن المتــوفين‬
‫فـــي آيـــة ســـورة النحـــل ففـــي ســـورة النســـاء المتوفـــون هـــم‬
‫المستضـعفون مـن الـذين ظلمـوا أنفسـهم أمـا فـي سـورة النحـل‬
‫فالمتوفون هم ظالمي أنفسهم كلهم على العمــوم‪ .‬فـأعطى تعــالى‬
‫القسم الكبر الفعل الطول وأعطى القسم القل الفعل الق ّ‬
‫ل‪.‬‬
‫ل لَ َ‬
‫ح ّ‬
‫وَل‬
‫مثال آخر في سورة الحزاب )َل ي َ ِ‬
‫ساءُ ِ‬
‫ن بَ ْ‬
‫ك الن ّ َ‬
‫ممم ْ‬
‫عممدُ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫مل َ َ‬
‫جب َ َ‬
‫ن ت َب َدّ َ‬
‫ت‬
‫و أَ ْ‬
‫ن ِ‬
‫أ ْ‬
‫ك ُ‬
‫ع َ‬
‫كمم ْ‬
‫سن ُ ُ‬
‫ح ْ‬
‫ه ّ‬
‫م ْ‬
‫ه ّ‬
‫ما َ‬
‫ن إ ِّل َ‬
‫ول َ ْ‬
‫ج َ‬
‫ن أْز َ‬
‫وا ٍ‬
‫ل بِ ِ‬
‫و َ‬
‫مين ُ َ‬
‫ل َ‬
‫عَلى ك ُ ّ‬
‫قيب ًمما )‪ ((52‬وقــوله تعــالى‬
‫ي ٍ‬
‫ه َ‬
‫ء َر ِ‬
‫يَ ِ‬
‫كا َ‬
‫ن الل ّ ُ‬
‫ك َ‬
‫ش ْ‬
‫َ‬
‫) َ‬
‫وَل‬
‫خِبي م َ‬
‫وَل ت َت َب َمدُّلوا ال ْ َ‬
‫وال َ ُ‬
‫ه ْ‬
‫مى أ ْ‬
‫وآُتوا ال ْي ََتا َ‬
‫ث ب ِممالطّي ّ ِ‬
‫ب َ‬
‫م َ‬
‫مم َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫حوب ًمما ك َِبي مًرا )‪(2‬‬
‫ه ك َمما َ‬
‫ن ُ‬
‫وال َ ُ‬
‫م إ ِن ّم ُ‬
‫وال ِك ُ ْ‬
‫م إ ِل َممى أ ْ‬
‫ه ْ‬
‫ت َمأك ُُلوا أ ْ‬
‫مم َ‬
‫مم َ‬
‫النساء( في آيــة ســورة الحــزاب هــي مقصــورة علــى الرســول ‪‬‬
‫والحكــم مقصــور عليــه ‪ .‬أمــا اليــة الثانيــة فهــي آيــة عامــة لكــل‬
‫دل هو لعموم المسلمين وليــس مقصــورا ً علــى‬
‫المسلمين وهذا التب ّ‬
‫أحد معين وإنما هو مستمر إلــى يــوم القيامــة‪ .‬لــذا أعطــى الحــدث‬
‫دل( وأعطــى الحــدث الممتــد الصــيغة‬
‫الصغير الصيغة القصــيرة )تب ـ ّ‬
‫الممتدة )تتبدلوا(‪.‬‬
‫‪5‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫مثال آخر‪ :‬قال تعالى في سورة الشورى ) َ‬
‫ن‬
‫شَر َ‬
‫م ِ‬
‫ن الم ّ‬
‫مم َ‬
‫ع ل َك ُ ْ‬
‫دي ِ‬
‫َ‬
‫حي ْن َمما إ ِل َي ْم َ‬
‫ه‬
‫ص مي َْنا ب ِم ِ‬
‫وال ّم ِ‬
‫صممى ب ِم ِ‬
‫و َ‬
‫ه ُنو ً‬
‫و َ‬
‫َ‬
‫و ّ‬
‫و ّ‬
‫ممما َ‬
‫ك َ‬
‫ذي أ ْ‬
‫حمما َ‬
‫ممما َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫فّر ُ‬
‫وَل ت َت َ َ‬
‫قمموا‬
‫نأ ِ‬
‫و ِ‬
‫إ ِب َْرا ِ‬
‫سى أ ْ‬
‫ممموا ال م ّ‬
‫عي َ‬
‫مو َ‬
‫دي َ‬
‫قي ُ‬
‫و ُ‬
‫هي َ‬
‫ن َ‬
‫سى َ‬
‫م َ‬
‫م ْ‬
‫ه‬
‫ما ت َدْ ُ‬
‫ه ك َب َُر َ‬
‫عو ُ‬
‫ِ‬
‫جت َِبي إ ِل َْيمم ِ‬
‫م إ ِل َي ْ ِ‬
‫ر ِ‬
‫في ِ‬
‫ه يَ ْ‬
‫كي َ‬
‫ه الل ّ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ن َ‬
‫عَلى ال ْ ُ‬
‫ش ِ‬
‫ن يَ َ‬
‫ب )‪ ((13‬وقــال فــي ســورة آل‬
‫دي إ ِل َي ْ ِ‬
‫ه ِ‬
‫ن ي ُِني م ُ‬
‫وي َ ْ‬
‫مم ْ‬
‫م ْ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫شاءُ َ‬
‫واذْ ُ‬
‫فّر ُ‬
‫وَل ت َ َ‬
‫كممُروا‬
‫وا ْ‬
‫ج ِ‬
‫ل الل ّ ِ‬
‫عت َ ِ‬
‫مي ً‬
‫ه َ‬
‫موا ب ِ َ‬
‫ص ُ‬
‫قمموا َ‬
‫عمما َ‬
‫حب ْ ِ‬
‫عمران ) َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫عل َي ْ ُ‬
‫ن ُ‬
‫داءً َ‬
‫م‬
‫مأ ْ‬
‫ه َ‬
‫ممم َ‬
‫فممأل ّ َ‬
‫ة الّلمم ِ‬
‫عمم َ‬
‫نِ ْ‬
‫ف ب َْيمم َ‬
‫قُلمموب ِك ُ ْ‬
‫م إ ِذْ ك ُن ُْتمم ْ‬
‫كمم ْ‬
‫ع َ‬
‫َ‬
‫ح ْ‬
‫ش َ‬
‫َ‬
‫عَلى َ‬
‫ر‬
‫ه إِ ْ‬
‫م َ‬
‫ة ِ‬
‫فَر ٍ‬
‫مت ِ ِ‬
‫فا ُ‬
‫م ب ِن ِ ْ‬
‫صب َ ْ‬
‫م َ‬
‫وك ُن ْت ُ ْ‬
‫ع َ‬
‫حت ُ ْ‬
‫فأ ْ‬
‫واًنا َ‬
‫خ َ‬
‫ن الّنمما ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ها ك َذَل ِ َ‬
‫فأن ْ َ‬
‫َ‬
‫ن)‬
‫م آَيات ِ ِ‬
‫م ِ‬
‫دو َ‬
‫هت َ م ُ‬
‫ه لَ َ‬
‫م تَ ْ‬
‫من ْ َ‬
‫ك ي ُب َي ّ ُ‬
‫عل ّك ُم ْ‬
‫ه ل َك ُ ْ‬
‫ن الل ّ ُ‬
‫قذَك ُ ْ‬
‫‪ ((103‬في الية الولى الوصية خالدة من زمن ســيدنا نــوح ‪ ‬إلــى‬
‫خاتم النبياء ‪ ‬فجاء الفعــل )تتفرقــوا( أمــا فــي اليــة الثانيــة فهــي‬
‫خاصة بالمسلمين لذا جاء الفعل )تفّرقوا(‪ .‬والمة المحمديــة هــي‬
‫جزء من المم المذكورة في الية الولى‪ .‬وكذلك فالحدث ممتد في‬
‫الولى )تتفرقوا( والحــدث محــدد فــي الثانيــة )تفرقــوا(‪ .‬فــالولى‬
‫وصية خالدة على زمن الزمان )ول تتفرقمموا فيممه( لن هــذا هــو‬
‫المأتى الـذي يـدخل إليـه أعـداء السـلم فيتفرقـون بـه لـذا جـاءت‬
‫صــى المــة‬
‫صــى تعــالى المــم مــرة وو ّ‬
‫الوصــية خالــدة مســتمرة‪ ،‬و ّ‬
‫السلمية مرتين‪ .‬والية الولى أشد تحذيرا ً للمة الســلمية )شممرع‬
‫صممى بممه نوح ما ً والممذي أوحينمما إليممك(‪.‬‬
‫لكم من الدين ممما و ّ‬
‫ص‬
‫ص بالذي أوحينا إليك ثم خ ّ‬
‫شرعه لنا في الوصية العامة لنوح وخ ّ‬
‫المة السلمية في الية الثانيــة‪.‬والحــذف لــه ســببان هنــا الول لن‬
‫المة المحمدية أصغر‪ .‬ونهانا عن التفّرق مهما كــان قليل ً وأراد ربنــا‬
‫تعالى أن نلتزم بهذا المر )ل تفرقوا( وقال )واعتصممموا بحبممل‬
‫الله جميعا(‪ .‬أكد على الجمـع الكامـل وعلـى سـبيل العمـوم كـأنه‬
‫فرض عين على الجميع فل ُيعفى أحد مـن المسـؤولية أن ل نتفـرق‬
‫وأن نعتصم بحبل اللــه وذكرهــم بنعــم اللــه عليهــم وتوعــدهم علــى‬
‫الختلف بالعذاب العظيم وأطلق العذاب ولم يحصــره فــي الخــرة‬
‫إنما قد يطالهم فــي الــدنيا والخــرة‪ .‬المصــدر ل يعمــل بعــد وصــفه‬
‫)يموم تممبيض وجمموه وتسممود وجمموه( ليســت متعلقــة بالعــذاب‬
‫العظيم‪ .‬التفّرق يكون عذابه عظيما ً في الدنيا والخرة‪.‬‬
‫وقوله تعالى )والذي أوحينا إليــك( اختــار الســم الموصــول )الــذي(‬
‫عندما ذكر شريعة محمد ‪ ‬ولم يقل )وما أوحينا إليك( لن )الــذي(‬
‫ص من )ما( التي تشـترك فـي المفـرد والمثنـى والجمـع‬
‫أعرف وأخ ّ‬
‫والمذكر والمؤنث‪ .‬وقد بّين تعالى شريعتنا وعرفناها فجاء بــالعرف‬
‫صــى اللــه‬
‫)اسم الموصول الذي(‪ ،‬ل نعلم على وجــه التفصــيل مــا و ّ‬
‫‪6‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫تعالى نوحا ً وعيسى وموسى وإبراهيم لذا اختار ســبحانه )مــا( اســم‬
‫الموصول غير المعّرف‪.‬‬
‫َ‬
‫قدْ آت َي َْنما ل ُ ْ‬
‫ول َ َ‬
‫ن‬
‫مما َ‬
‫ق َ‬
‫مثال آخــر‪ :‬قــال تعــالى فــي ســورة لقمــان ) َ‬
‫حك ْم َ َ‬
‫شك ُُر ل ِن َ ْ‬
‫شك ُْر َ‬
‫ما ي َ ْ‬
‫ن يَ ْ‬
‫نا ْ‬
‫ن‬
‫س ِ‬
‫ف ِ‬
‫شك ُْر ل ِل ّ ِ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫و َ‬
‫فإ ِن ّ َ‬
‫و َ‬
‫ال ْ ِ َ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫ةأ ِ‬
‫ه َ‬
‫فَر َ‬
‫كَ َ‬
‫د )‪ ((12‬وقــال فــي ســورة إبراهيــم‬
‫غِنم‬
‫ح ِ‬
‫فمإ ِ ّ‬
‫ميم ٌ‬
‫ي َ‬
‫ن الّلم َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ْ َ‬
‫ن ت َك ْ ُ‬
‫و َ‬
‫قا َ‬
‫عمما‬
‫ن ِ‬
‫ج ِ‬
‫سى إ ِ ْ‬
‫مي ً‬
‫ض َ‬
‫مو َ‬
‫مم ْ‬
‫و َ‬
‫ف مُروا أن ْت ُم ْ‬
‫ل ُ‬
‫م َ‬
‫) َ‬
‫فممي الْر ِ‬
‫َ‬
‫د )‪ ((8‬في الية الولى أكــدها بــ )إن( بقــوله‬
‫ه لَ َ‬
‫ح ِ‬
‫فإ ِ ّ‬
‫مي ٌ‬
‫ي َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫غن ِ ّ‬
‫)فإن الله غني حميد( وغني نكرة وحميــد نكــرة‪ .‬أمــا فــي اليــة‬
‫الثانية فأ ّ‬
‫كد بـ )إن( واللم )فإنه لغني حميد(‪ .‬وفي سورة لقمــان‬
‫ْ َ‬
‫و‬
‫ه ُ‬
‫ما ِ‬
‫وا ِ‬
‫أيضا ً قال تعالى )ل ِل ّ ِ‬
‫ض إِ ّ‬
‫في ال ّ‬
‫ن الل ّ م َ‬
‫س َ‬
‫ه َ‬
‫هم َ‬
‫ت َ‬
‫ما َ‬
‫والْر ِ‬
‫د )‪ ((26‬باستخدام الضــمير )هــو( والتعريــف )الغنــي‬
‫ال ْ َ‬
‫ح ِ‬
‫مي ُ‬
‫ي ال ْ َ‬
‫غن ِ ّ‬
‫فممي‬
‫ممما ِ‬
‫ما ِ‬
‫وا ِ‬
‫فممي ال ّ‬
‫و َ‬
‫سم َ‬
‫ه َ‬
‫الحميد( أما في سورة الحج )ل َ ُ‬
‫ت َ‬
‫ما َ‬
‫ْ َ‬
‫د )‪ ((64‬زاد تعالى اللم على‬
‫و ال ْ َ‬
‫ح ِ‬
‫وإ ِ ّ‬
‫مي ُ‬
‫ي ال ْ َ‬
‫ه لَ ُ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ه َ‬
‫ض َ‬
‫غن ِ ّ‬
‫الْر ِ‬
‫الضمير المنفصل )لهو( لماذا؟‬
‫في الفرق بين آية لقمان الولى وآية سورة إبراهيم نجــد أن الثانيــة‬
‫آكد من الولى لنـه ذكـر اللم‪ .‬فــي آيـة ســورة لقمـان ذكـر تعـالى‬
‫صنفين أي جعل الخلق على قسمين ‪ :‬مـن شـكر ومـن كفـر‪ ،‬ومـن‬
‫و َ‬
‫قمما َ‬
‫سممى‬
‫مو َ‬
‫ل ُ‬
‫كفر بعض من الناس‪ .‬أما في آية سورة إبراهيــم ) َ‬
‫َ‬
‫ْ َ‬
‫عما َ‬
‫ن ت َك ْ ُ‬
‫ي‬
‫ه لَ َ‬
‫ن ِ‬
‫ج ِ‬
‫فمإ ِ ّ‬
‫إِ ْ‬
‫مي ً‬
‫ض َ‬
‫م ْ‬
‫ن الل ّم َ‬
‫و َ‬
‫فُروا أن ْت ُ ْ‬
‫م َ‬
‫غِنم ّ‬
‫فمي الْر ِ‬
‫د )‪ ((8‬افترض ُ‬
‫كفر أهل الرض جميعا ً لذا جاء قوله )فــإن اللــه‬
‫ح ِ‬
‫مي ٌ‬
‫َ‬
‫لغني حميد( أعم وأشمل‪ .‬إن تكفروا تحتاج إلــى الســتمرار وتحتــاج‬
‫إلى التوكيد فكان التوكيد أنســب مــن اليــة الولــى‪ .‬فــي ســورة آل‬
‫في ِ َ‬
‫ه َ‬
‫م َ‬
‫مًنا‬
‫ن دَ َ‬
‫عمران ) ِ‬
‫ن آَ ِ‬
‫م إ ِب َْرا ِ‬
‫كا َ‬
‫قا ُ‬
‫ت ب َي َّنا ٌ‬
‫ه آَيا ٌ‬
‫م ْ‬
‫خل َ ُ‬
‫و َ‬
‫هي َ‬
‫ت َ‬
‫م َ‬
‫ست َ َ‬
‫ه َ َ‬
‫ن‬
‫طا َ‬
‫س ِ‬
‫ع إ ِل َي ْ ِ‬
‫ج ال ْب َي ْ ِ‬
‫ول ِل ّ ِ‬
‫ح ّ‬
‫ه َ‬
‫نا ْ‬
‫مم ْ‬
‫و َ‬
‫ت َ‬
‫س مِبيًل َ‬
‫َ‬
‫م ِ‬
‫على الّنا ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ه َ‬
‫فَر َ‬
‫ك َ‬
‫ن )‪ ((97‬باســتخدام صــيغة‬
‫ي َ‬
‫عممال ِ‬
‫فمإ ِ ّ‬
‫ن ال َ‬
‫مي َ‬
‫ن اللم َ‬
‫غِنم ّ‬
‫عم ِ‬
‫الماضي وفي آيــة ســورة إبراهيــم )وإن تكفــروا( بصــيغة المضــارع‪.‬‬
‫فعل الماضي بعد أداة الشرط مع المستقبل يفــترض الحــدث مــرة‬
‫واحدة أما فعل المضارع فيد ّ‬
‫ل على تكرار الحدث‪.‬‬
‫واستخدام صيغة الماضي والمضــارع فــي القــرآن كــثير مثــل قــوله‬
‫ً‬
‫َ‬
‫ما َ‬
‫ن َ‬
‫ن يَ ْ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫قَتمم َ‬
‫قت ُ َ‬
‫ل‬
‫م‬
‫مًنا إ ِّل َ‬
‫ؤ ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫نأ ْ‬
‫كا َ‬
‫م ْ‬
‫و َ‬
‫ل ُ‬
‫ن لِ ُ‬
‫و َ‬
‫خطَأ َ‬
‫تعالى ) َ‬
‫ٍ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ريُر َر َ‬
‫خطَأ َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ه إ ِّل‬
‫مًنا َ‬
‫م ٌ‬
‫وِدي َ ٌ‬
‫ة إ َِلى أ ْ‬
‫هل ِ ِ‬
‫من َ ٍ‬
‫ؤ ِ‬
‫قب َ ٍ‬
‫ؤ ِ‬
‫فت َ ْ‬
‫م َ‬
‫سل ّ َ‬
‫ة ُ‬
‫ة ُ‬
‫ُ‬
‫ة َ‬
‫ح ِ‬
‫َ‬
‫ن َ‬
‫قوا َ‬
‫ص مد ّ ُ‬
‫مم ْ‬
‫ن‬
‫وم ٍ َ‬
‫و ُ‬
‫ؤ ِ‬
‫ن ِ‬
‫ن ك َمما َ‬
‫ف مإ ِ ْ‬
‫أ ْ‬
‫م ٌ‬
‫مم ْ‬
‫و ُ‬
‫و ل َك ُم ْ‬
‫ن يَ ّ‬
‫هم َ‬
‫م َ‬
‫ع مد ُ ّ‬
‫قم ْ‬
‫ن َ‬
‫ريُر َر َ‬
‫َ‬
‫م ْ‬
‫م‬
‫ن ِ‬
‫من َم ٍ‬
‫ؤ ِ‬
‫قب َم ٍ‬
‫ن ك َمما َ‬
‫وإ ِ ْ‬
‫فت َ ْ‬
‫وب َي ْن َ ُ‬
‫مم ْ‬
‫هم ْ‬
‫وم ٍ ب َي ْن َك ُم ْ‬
‫ة ُ‬
‫م َ‬
‫قم ْ‬
‫ة َ‬
‫ح ِ‬
‫َ‬
‫ة َ‬
‫ريُر َر َ‬
‫ميَثاقٌ َ‬
‫م ْ‬
‫ن‬
‫م ٌ‬
‫دي َ ٌ‬
‫ة إ َِلى أ ْ‬
‫من َ م ٍ‬
‫ؤ ِ‬
‫قب َ م ٍ‬
‫هل ِ ِ‬
‫ف ِ‬
‫ِ‬
‫وت َ ْ‬
‫م َ‬
‫مم ْ‬
‫ف َ‬
‫ة ُ‬
‫سل ّ َ‬
‫ة ُ‬
‫ه َ‬
‫ح ِ‬
‫و َ‬
‫جد ْ َ‬
‫م َ‬
‫ه‬
‫وب َ ً‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫ة ِ‬
‫ف ِ‬
‫كا َ‬
‫مت ََتاب ِ َ‬
‫صَيا ُ‬
‫ش ْ‬
‫م َ‬
‫ن الّلمم ُ‬
‫ن ُ‬
‫لَ ْ‬
‫م يَ ِ‬
‫ه َ‬
‫ن تَ ْ‬
‫عي ْ ِ‬
‫هَري ْ ِ‬
‫‪7‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫ن يَ ْ‬
‫م ْ‬
‫قت ُم ْ‬
‫مًنما‬
‫َ‬
‫ؤ ِ‬
‫ح ِ‬
‫ما َ‬
‫مم ْ‬
‫ل ُ‬
‫و َ‬
‫كي ً‬
‫عِلي ً‬
‫ما )‪ (92‬النساء( وقــوله تعــالى ) َ‬
‫و َ‬
‫دا َ‬
‫جَزا ُ‬
‫ه‬
‫م َ‬
‫ه َ‬
‫دا ِ‬
‫عل َي ْ ِ‬
‫غ ِ‬
‫ول َ َ‬
‫ض َ‬
‫خال ِ ً‬
‫ؤهُ َ‬
‫ف َ‬
‫م ً‬
‫مت َ َ‬
‫في َ‬
‫ج َ‬
‫عن َ م ُ‬
‫ب الل ّ ُ‬
‫هن ّ ُ‬
‫ع ّ‬
‫ُ‬
‫ه َ‬
‫ها َ‬
‫َ‬
‫ع َ‬
‫ما )‪ (93‬النساء( أي كلما سنحت له الفرصــة‬
‫ذاًبا َ‬
‫ه َ‬
‫وأ َ‬
‫ع ِ‬
‫ظي ً‬
‫عد ّ ل َ ُ‬
‫َ‬
‫قتل وهذا دليل التكرار لذا جاء الفعل بصيغة المضارع‪ .‬وكــذلك فــي‬
‫قوله تعالى )ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه( صــيغة المضــارع‬
‫لن الشكر يكون في كل لحظة على كل نعم الله أمــا )ومــن كفــر(‬
‫جاء بصيغة الماضي لن الكفر يحصل مرة واحدة فقط‪ .‬وقال تعالى‬
‫َ‬
‫ها َ‬
‫م )‪(37‬‬
‫ضم َ‬
‫وي ُ ْ‬
‫م ت َب ْ َ‬
‫ح ِ‬
‫مو َ‬
‫ج أَ ْ‬
‫)إ ِ ْ‬
‫ر ْ‬
‫في ُ ْ‬
‫ن يَ ْ‬
‫غان َك ُ ْ‬
‫فك ُم ْ‬
‫س مأل ْك ُ ُ‬
‫خل ُمموا َ‬
‫خم ِ‬
‫محمد( سؤال متكرر لن سؤال الموال متكرر فجاء الفعــل بصــيغة‬
‫سأ َل ْت ُ َ‬
‫ها َ‬
‫المضارع‪ ،‬وقال تعالى ) َ‬
‫ن َ‬
‫قا َ‬
‫فَل‬
‫ي ٍ‬
‫ك َ‬
‫ع مد َ َ‬
‫ل إِ ْ‬
‫ء بَ ْ‬
‫ن َ‬
‫عم ْ‬
‫شم ْ‬
‫حب ِْني َ‬
‫ع مذًْرا )‪ (76‬الكهــف( الســؤال‬
‫قدْ ب َل َ ْ‬
‫ن ل َمدُّني ُ‬
‫صا ِ‬
‫ت ِ‬
‫غ َ‬
‫مم ْ‬
‫تُ َ‬
‫حصل مرة واحدة فجاء بصيغة الماضي‪.‬‬
‫أسئلة‪:‬‬
‫‪ .1‬فأكله الذئب‪ :‬لماذا لم يقل أفترسه لن هـذا عـادة‬
‫الذئب الفتراس ؛ والفتراس ُيفترض أن يمّزق ثيابه كلهــا‬
‫وإخوة يوسف جاءوا علـى قميصـه بـدم كـذب فـد ّ‬
‫ل ذلـك‬
‫على أن الذئب لم يفترسه لذا جاء فعل )فأكله(‪.‬‬
‫َ‬
‫‪ .2‬قال تعالى‪) :‬ب َ ّ‬
‫عم َ‬
‫ذاًبا‬
‫م َ‬
‫ف ِ‬
‫من َمما ِ‬
‫ن ب ِ مأ ّ‬
‫ن لَ ُ‬
‫قي َ‬
‫هم ْ‬
‫ر ال ْ ُ‬
‫ش ِ‬
‫َ‬
‫ممما )‪ (138‬النســاء( المعــروف أن التبشــير بالشــيء‬
‫أِلي ً‬
‫الحسن أما هنا فجاء التبشير من بــاب الســخرية والتهكــم‬
‫منهم‪ .‬كما في قوله تعالى أيضا ً ) ُ‬
‫ذق أنك أنممت العزيممز‬
‫الكريم( العزيز الكريم من باب التهكم والسخرية‪.‬‬
‫لمــاذا نصــب )دين ـًا( فــي قــوله تعــالى ) ُ‬
‫قم ْ‬
‫ل إ ِن ّن ِممي‬
‫‪.3‬‬
‫ة‬
‫مل ّ م َ‬
‫قيم ٍ ِدين ًمما ِ‬
‫ست َ ِ‬
‫َ‬
‫ممما ِ‬
‫صَرا ٍ‬
‫داِني َرّبي إ َِلى ِ‬
‫ه َ‬
‫م ْ‬
‫قي َ ً‬
‫ط ُ‬
‫حِني ً‬
‫م ْ‬
‫ن )‪(161‬‬
‫ر ِ‬
‫ن ِ‬
‫إ ِب َْرا ِ‬
‫ممما ك َمما َ‬
‫م َ‬
‫كي َ‬
‫مم َ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫و َ‬
‫هي َ‬
‫فمما َ‬
‫شم ِ‬
‫النعام(؟ النصب يدخل في باب التخصيص بالمدح‪.‬‬
‫ذي َر َ‬
‫ر‬
‫ت بِ َ‬
‫وا ِ‬
‫ه ال ّ ِ‬
‫فم َ‬
‫ع ال ّ‬
‫سم َ‬
‫‪ .4‬قــال تعــالى )الل ّ ُ‬
‫ما َ‬
‫غي ْم ِ‬
‫خَر‬
‫سم ّ‬
‫وى َ‬
‫َ‬
‫مم ٍ‬
‫عل َممى ال ْ َ‬
‫و َ‬
‫ما ْ‬
‫ون َ َ‬
‫همما ث ُ م ّ‬
‫ع َ‬
‫ش َ‬
‫س مت َ َ‬
‫د ت ََر ْ‬
‫ع مْر ِ‬
‫َ‬
‫مَر ُ‬
‫وال ْ َ‬
‫كم ّ‬
‫ال ّ‬
‫مى ي ُمدَب ُّر‬
‫ري ِل َ‬
‫ل يَ ْ‬
‫م َ‬
‫سم ّ‬
‫ل ُ‬
‫ق َ‬
‫ش ْ‬
‫م َ‬
‫جم ٍ‬
‫س َ‬
‫جم ِ‬
‫َ‬
‫م ب ِل ِ َ‬
‫مَر ي ُ َ‬
‫ص ُ‬
‫ن)‬
‫قا ِ‬
‫م ُتو ِ‬
‫ل اْل ََيا ِ‬
‫قن ُممو َ‬
‫ت لَ َ‬
‫ء َرب ّك ُم ْ‬
‫عل ّك ُ ْ‬
‫اْل ْ‬
‫ف ّ‬
‫‪ (2‬الرعد( على ماذا يعود الضمير في ترونها؟ قسم يقول‬
‫إنها عمد غير مرئية بمعنى )بغير عمد مرئية( وقسم قــال‬
‫)بغير عمد ثم استأنف ترونها بمعنى ترونها مرفوعة بغيــر‬
‫عمد‪ .‬هناك تعبيرات قطعيــة وتعــبيرات ظني ّــة وهــذه اليــة‬
‫تحتمل المعنيين‪.‬‬
‫‪8‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫‪ .5‬مــا الفــرق بيـن " اســتطاعوا " وَ " اسـطاعوا " فـي‬
‫َ‬
‫سم َ‬
‫ســورة الكهــف ) َ‬
‫ممما‬
‫طا ُ‬
‫عوا أ ْ‬
‫ن ي َظْ َ‬
‫ممما ا ْ‬
‫و َ‬
‫ف َ‬
‫ه مُروهُ َ‬
‫ست َ َ‬
‫ه نَ ْ‬
‫قًبا )‪((97‬؟ هــذه مــن الحــذف للتقليــل‬
‫طا ُ‬
‫ا ْ‬
‫عوا ل َ ُ‬
‫من الفعل كما ذكرنا ســابقًا‪ .‬اســتطاعوا تحتــاج إلــى جهــد‬
‫لنقــب الس ـد ّ أمــا اســطاعوا فهــي للصــعود علــى ظهــره‬
‫وبالتأكيد أن إحداث نقب في السد المصنوع مــن الحديــد‬
‫والنحاس أشد ّ من الصــعود علــى ظهــره ويســتغرق وقت ـا ً‬
‫أطول فحذف من الفعل الذي مدته أقل وذكر في الحدث‬
‫الممتد‪.‬‬
‫و َ‬
‫قا َ‬
‫ل‬
‫‪ .6‬ما دللة التذكير والتــأنيث فــي قــوله تعــالى ) َ‬
‫َ‬
‫ودُ َ‬
‫ن‬
‫همما َ‬
‫و ٌ‬
‫فَتا َ‬
‫ة ِ‬
‫دين َ ِ‬
‫م ِ‬
‫مَرأةُ ال ْ َ‬
‫نِ ْ‬
‫عم ْ‬
‫ةا ْ‬
‫في ال ْ َ‬
‫س َ‬
‫ز ت َُرا ِ‬
‫زي ِ‬
‫ع ِ‬
‫غ َ‬
‫ه َ‬
‫نَ ْ‬
‫قد ْ َ‬
‫ن)‬
‫ش َ‬
‫ها ِ‬
‫حّبا إ ِّنا ل َن ََرا َ‬
‫في َ‬
‫س ِ‬
‫ف ِ‬
‫ها ُ‬
‫ف َ‬
‫ل ُ‬
‫ضَل ٍ‬
‫مِبي ٍ‬
‫‪ (30‬يوسف(؟ بحسب القاعدة النحوية المعروفة أنه جائز‬
‫باعتبــار أن جمــع التكســير يجــوز تــذكيره وتــأنيثه‪ .‬يــؤّنث‬
‫الفعــل عنــدما يكــون الفاعــل أكــثر وإذا كــان أقــل ي ُــذ ّ‬
‫كر‬
‫الفعل‪ .‬ونسوة هن حاشــية امــرأة العزيــز‪ .‬كمــا جــاء فــي‬
‫َ‬
‫عمرا ُ َ‬
‫من ّمما ُ‬
‫قــوله أيض ـا ً ) َ‬
‫م تُ ْ‬
‫قم ْ‬
‫مُنموا‬
‫ؤ ِ‬
‫قمال َ ِ‬
‫ل َلم ْ‬
‫بآ َ‬
‫ت اْل ْ َ‬
‫َ‬
‫ل ا ِْ‬
‫ن ُ‬
‫فممي‬
‫ممما ي َمدْ ُ‬
‫ن ِ‬
‫ممما ُ‬
‫قول ُمموا أ ْ‬
‫ول َك ِم ْ‬
‫لي َ‬
‫ول َ ّ‬
‫س مل َ ْ‬
‫خ ِ‬
‫مَنا َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ن‬
‫م ِ‬
‫ن تُ ِ‬
‫وإ ِ ْ‬
‫طي ُ‬
‫وَر ُ‬
‫مم ْ‬
‫ه َل ي َل ِت ْك ُم ْ‬
‫سممول َ ُ‬
‫عوا الل ّم َ‬
‫قُلوب ِك ُ ْ‬
‫ه َ‬
‫م َ‬
‫ه َ‬
‫غ ُ‬
‫م َ‬
‫م )‪ (14‬الحجـرات(‬
‫أَ ْ‬
‫فوٌر َر ِ‬
‫شي ًْئا إ ِ ّ‬
‫حي ٌ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫مال ِك ُ ْ‬
‫ع َ‬
‫استخدم الفعل قالت مؤنثا ً لن العراب ك ُُثر‪ .‬وكذلك فــي‬
‫ن َ‬
‫ه مدَ إ ِل َي ْن َمما أ َّل‬
‫ه َ‬
‫قــوله تعــالى )ال ّم ِ‬
‫قمماُلوا إ ِ ّ‬
‫ذي َ‬
‫ن الل ّم َ‬
‫ع ِ‬
‫ْ‬
‫ه الّناُر ُ‬
‫حّتى ي َأ ْت ِي ََنا ب ِ ُ‬
‫نُ ْ‬
‫قمم ْ‬
‫ل‬
‫ؤ ِ‬
‫ل َ‬
‫ن ل َِر ُ‬
‫م َ‬
‫ن ت َأك ُل ُ ُ‬
‫قْرَبا ٍ‬
‫سو ٍ‬
‫ذي ُ‬
‫ن َ‬
‫َ‬
‫س ٌ‬
‫م‬
‫وِبال ّ ِ‬
‫قب ِْلي ِبال ْب َي َّنا ِ‬
‫ل ِ‬
‫قد ْ َ‬
‫م ُر ُ‬
‫م ْ‬
‫قل ُْتمم ْ‬
‫جاءَك ُ ْ‬
‫ت َ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫ن )‪ (183‬آل‬
‫صممماِد ِ‬
‫ممممو ُ‬
‫م إِ ْ‬
‫قي َ‬
‫ن ك ُن ُْتممم ْ‬
‫ه ْ‬
‫قت َل ْت ُ ُ‬
‫فِلممم َ‬
‫م َ‬
‫عمران( هؤلء مجموعة من الرسل أما فــي قــوله تعــالى‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ه يَ ُ‬
‫قممو ُ‬
‫ه ْ‬
‫ل‬
‫) َ‬
‫ل ي َن ْظُُرو َ‬
‫و َ‬
‫ويل ُ ُ‬
‫ويل َ ُ‬
‫ه ي َم ْ‬
‫م ي َمأِتي ت َمأ ِ‬
‫ن إ ِّل ت َأ ِ‬
‫ل َ‬
‫ن َ‬
‫س ُ‬
‫قب ْ ُ‬
‫ق‬
‫سوهُ ِ‬
‫ال ّ ِ‬
‫ل َرب َّنا ِبممال ْ َ‬
‫قد ْ َ‬
‫جاءَ ْ‬
‫ت ُر ُ‬
‫ن نَ ُ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫ح ّ‬
‫َ‬
‫و ن ُمَردّ َ‬
‫ش َ‬
‫عاءَ َ‬
‫ش َ‬
‫َ‬
‫مم َ‬
‫في َ ْ‬
‫ن ُ‬
‫ه ْ‬
‫ل‬
‫ل ل ََنا ِ‬
‫فن َ ْ‬
‫ف ُ‬
‫ف َ‬
‫ف َ‬
‫م ْ‬
‫ع َ‬
‫عوا ل ََنا أ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫س مُروا أن ْ ُ‬
‫ل َ‬
‫ضم ّ‬
‫م ُ‬
‫ل‬
‫ق مد ْ َ‬
‫و َ‬
‫خ ِ‬
‫غي َْر ال ّ ِ‬
‫ذي ك ُّنا ن َ ْ‬
‫سم ُ‬
‫ف َ‬
‫ه ْ‬
‫ع َ‬
‫م َ‬
‫ما َ‬
‫كاُنوا ي َ ْ‬
‫ن )‪ (53‬العــراف( المــذكورون‬
‫َ‬
‫فت َمُرو َ‬
‫عن ْ ُ‬
‫م َ‬
‫ه ْ‬
‫هم جميع الرسل وهـم أكـثر مـن الولـى لـذا جـاء الفعـل‬
‫مؤنثًا‪.‬‬
‫لماذا التحول في الخطــاب مــن المفــرد إلــى الجمــع‬
‫‪.7‬‬
‫َ‬
‫سل َ َ‬
‫ع َ‬
‫ك‬
‫في قوله تعالى )ال ّ ِ‬
‫ه ً‬
‫ج َ‬
‫ذي َ‬
‫و َ‬
‫م ْ‬
‫ض َ‬
‫ل ل َك ُ ُ‬
‫م اْلْر َ‬
‫دا َ‬
‫‪9‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫َ‬
‫ممماءً َ‬
‫وأ َن َْز َ‬
‫جن َمما‬
‫ما ِ‬
‫فأ ْ‬
‫م ِ‬
‫ل ِ‬
‫خَر ْ‬
‫ن ال ّ‬
‫ها ُ‬
‫في َ‬
‫م َ‬
‫ء َ‬
‫سم َ‬
‫ل َك ُ ْ‬
‫سب ًُل َ‬
‫ب َ‬
‫ت َ‬
‫ش مّتى )‪ (53‬طــه( ؟ هــذا يســمى‬
‫ن ن ََبا ٍ‬
‫جا ِ‬
‫ِ ِ‬
‫وا ً‬
‫م ْ‬
‫ه أْز َ‬
‫التفاف ويسـتعمل لتطريـة نشــاط السـامع وقـد ورد فــي‬
‫القرآن كثيرًا‪ .‬يلتفت من الغائب إلى الحاضر ومن الجمــع‬
‫إلى الفراد ومن الغائب إلى المتكلم‪.‬‬
‫‪ .8‬ما معنى جيوبهن؟ الجيب هو فتحة الصدر‪.‬‬

‫تذكير الفعل أو تأنيثه مع الفاعل‬
‫المؤّنث‬
‫‪10‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫قال تعالى )ول تكونوا كالذين جمماءهم البينممات( وقــال تعــالى‬
‫)وما كان صلتهم عند البيت( وقال تعالى )قد كــان لكــم فيهــم‬
‫أسوة حسنة(‬
‫ُ‬
‫هناك خط بلغي في القرآن الكريم حــول هــذا الموضــوع وقــد أثيــر‬
‫في عديد من السئلة خلل الحلقات ونذكر منها ما جــاء فــي تــذكير‬
‫وتأنيث الفعل مع كلمة الضللة والعاقبة وكذلك مــع كلمــة الملئكــة‬
‫وكذلك مع كلمة البّينات‪ .‬وقلنا باختصار أنه‪:‬‬
‫تذكير الفاعل المؤنث له أكثر من سبب وأكثر من خــط فــي‬
‫القرآن الكريم‪ .‬فإذا قصدنا بــاللفظ المــؤّنث معنــى المــذ ّ‬
‫كر جــاز‬
‫تذكيره وهو ما ُيعرف بالحمل على المعنى‪ .‬وقــد جــاء فــي قــوله‬
‫ق َ َ‬
‫ري ً‬
‫و َ‬
‫ري ً‬
‫تعــالى عــن الضــللة ) َ‬
‫م‬
‫ف‬
‫قمما َ‬
‫قمما َ‬
‫هم َ‬
‫هم ُ‬
‫حم ّ‬
‫دى َ‬
‫ف ِ‬
‫ِ‬
‫علي ْ ِ‬
‫َ‬
‫ذوا ال ّ‬
‫خم ُ‬
‫ه‬
‫م ات ّ َ‬
‫ضَلل َ ُ‬
‫ال ّ‬
‫ن الل ّم ِ‬
‫ول ِي َمماءَ ِ‬
‫ش مَيا ِ‬
‫ن ُ‬
‫ة إ ِن ّ ُ‬
‫مم ْ‬
‫طي َ‬
‫ه ُ‬
‫دو ِ‬
‫نأ ْ‬
‫َ‬
‫ن )‪ (30‬العــراف( وقــوله تعــالى‬
‫دو َ‬
‫سممُبو َ‬
‫هَتمم ُ‬
‫وي َ ْ‬
‫م ْ‬
‫ن أن ّ ُ‬
‫ح َ‬
‫م ُ‬
‫همم ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫ول َ‬
‫في ك ُ ّ‬
‫جت َن ُِبوا‬
‫نا ْ‬
‫عث َْنا ِ‬
‫م ٍ‬
‫وا ْ‬
‫عب ُ ُ‬
‫قد ْ ب َ َ‬
‫ة َر ُ‬
‫دوا الل َ‬
‫لأ ّ‬
‫ه َ‬
‫سول أ ِ‬
‫) َ‬
‫ال ّ‬
‫طا ُ‬
‫ح ّ‬
‫ت َ‬
‫ه‬
‫ت َ‬
‫ن َ‬
‫عل َْيمم ِ‬
‫و ِ‬
‫ف ِ‬
‫ن َ‬
‫ه َ‬
‫غو َ‬
‫ق ْ‬
‫من ْ ُ‬
‫من ْ ُ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫م َ‬
‫ه ْ‬
‫دى الل ّ ُ‬
‫م َ‬
‫ه ْ‬
‫ه َ‬
‫ْ َ‬
‫ف َ‬
‫ض َ‬
‫ة َ‬
‫ة‬
‫ن َ‬
‫قَبمم ُ‬
‫ضَلل َ ُ‬
‫عا ِ‬
‫فان ْظُُروا ك َي ْ َ‬
‫سيُروا ِ‬
‫ال ّ‬
‫ف ِ‬
‫كا َ‬
‫في الْر ِ‬
‫ن )‪ (36‬النحــل(‪ .‬ونــرى أنــه فــي كــل مــرة يــذكر فيهــا‬
‫مك َذِّبي َ‬
‫ال ْ ُ‬
‫الضللة بالتــذكير تكــون الضــللة بمعنــى العــذاب لن الكلم فــي‬
‫َ‬
‫ن )‪ (29‬العراف( وليس في الخرة‬
‫دو َ‬
‫عو ُ‬
‫م تَ ُ‬
‫ما ب َدَأك ُ ْ‬
‫الخرة )ك َ َ‬
‫ضللة بمعناها لن المور كلها تنكشف في الخرة‪ .‬وعندما تكــون‬
‫مــا كــانت الضــللة‬
‫الضــللة بالتــأنيث يكــون الكلم فــي الــدنيا فل ّ‬
‫بمعناها هي يؤّنث الفعل‪.‬‬
‫وكــذلك بالنســبة لكلمــة العاقبــة أيض ـا ً تــأتي بالتــذكير مــرة‬
‫وبالتأنيث مرة ‪ ،‬وعندما تأتي بالتذكير تكون بمعنــى العــذاب وقــد‬
‫وردت في القرآن الكريــم ‪ 12‬مــرة بمعنـى العـذاب أي بالتــذكير‬
‫والمثلة في القرآن كثيرة منها قــوله تعــالى فــي ســورة النعــام‬
‫َ‬
‫) ُ‬
‫ق ْ‬
‫ة‬
‫ن َ‬
‫قب َم ُ‬
‫عا ِ‬
‫م انظُ مُروا ْ ك َي ْم َ‬
‫سيُروا ْ ِ‬
‫ل ِ‬
‫ف ك َمما َ‬
‫ض ث ُم ّ‬
‫في الْر ِ‬
‫فك َمذُّبوهُ َ‬
‫ن }‪ ({11‬وســورة يــونس ) َ‬
‫مممن‬
‫فن َ ّ‬
‫مك َذِّبي َ‬
‫و َ‬
‫ال ْ ُ‬
‫جي َْنماهُ َ‬
‫ن ك َمذُّبوا ْ‬
‫وأ َ ْ‬
‫غَر ْ‬
‫في ال ْ ُ‬
‫م َ‬
‫خل َئ ِ َ‬
‫عل َْنا ُ‬
‫ه ِ‬
‫قَنا ال ّ ِ‬
‫ج َ‬
‫و َ‬
‫فل ْ ِ‬
‫م َ‬
‫ذي َ‬
‫ه ْ‬
‫ع ُ‬
‫ّ‬
‫ف َ‬
‫ك َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِبآَيات َِنمما َ‬
‫ن }‪({73‬‬
‫ن َ‬
‫قَبمم ُ‬
‫عا ِ‬
‫فممانظْر كْيمم َ‬
‫ف كمما َ‬
‫ري َ‬
‫ة ال ُ‬
‫منممذَ ِ‬
‫و)وأ َ‬
‫م َ‬
‫عل َ‬
‫مطَ‬
‫ف َ‬
‫طممًرا َ‬
‫ة‬
‫ي‬
‫نمما‬
‫ر‬
‫ن َ‬
‫َ‬
‫قَبمم ُ‬
‫عا ِ‬
‫فممان ْظُْر ك َْيمم َ‬
‫َ‬
‫كمما َ‬
‫ْ‬
‫م َ‬
‫همم ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ن )‪ (84‬العــراف( و) َ‬
‫ة‬
‫ن َ‬
‫قب َ م ُ‬
‫عا ِ‬
‫فممان ْظُْر ك َي ْ م َ‬
‫ر ِ‬
‫ف ك َمما َ‬
‫م ْ‬
‫مي م َ‬
‫ال ْ ُ‬
‫ج ِ‬
‫ن )‪ (73‬الصاّفات( المقصود بالعاقبة هنا محــل العــذاب‬
‫ري َ‬
‫ال ْ ُ‬
‫من ْذَ ِ‬
‫فجاء الفعــل مــذكرًا‪ .‬وعنــدما تــأتي بالتــأنيث ل تكــون إل بمعنــى‬
‫و َ‬
‫قا َ‬
‫ن‬
‫سممى َرب ّممي أ َ ْ‬
‫مو َ‬
‫مم ْ‬
‫م بِ َ‬
‫عل َم ُ‬
‫ل ُ‬
‫الجّنة كما في قوله تعالى ) َ‬
‫‪11‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫ن تَ ُ‬
‫ه َل‬
‫ه َ‬
‫قب َ ُ‬
‫عا ِ‬
‫ن ِ‬
‫د ِ‬
‫عن ْ ِ‬
‫دى ِ‬
‫كو ُ‬
‫ة ال م ّ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫جاءَ ِبال ْ ُ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ر إ ِن ّ م ُ‬
‫ن لَ ُ‬
‫و َ‬
‫ه َ‬
‫دا ِ‬
‫يُ ْ‬
‫ن )‪ (37‬القصــص( وقــوله تعــالى فــي ســورة‬
‫مو َ‬
‫فل ِم ُ‬
‫ح الظّممال ِ ُ‬
‫ل َيا َ‬
‫النعام ) ُ‬
‫مم ٌ‬
‫ق ْ‬
‫ل‬
‫م إ ِن ّممي َ‬
‫مل ُمموا ْ َ‬
‫وم ِ ا ْ‬
‫عا ِ‬
‫مك َممان َت ِك ُ ْ‬
‫عل َممى َ‬
‫ع َ‬
‫ق ْ‬
‫من ت َ ُ‬
‫ه ل َ يُ ْ‬
‫َ‬
‫ح‬
‫ه َ‬
‫قب َ ُ‬
‫عا ِ‬
‫و َ‬
‫كو ُ‬
‫مو َ‬
‫فل ِ م ُ‬
‫ة ال م ّ‬
‫ف تَ ْ‬
‫ف َ‬
‫ر إ ِن ّ م ُ‬
‫ن لَ ُ‬
‫ن َ‬
‫عل َ ُ‬
‫س ْ‬
‫دا ِ‬
‫ال ّ‬
‫ن }‪.({135‬‬
‫مو َ‬
‫ظال ِ ُ‬
‫تذكير كلمــة شــفاعة مــرة وتأنيثهــا مــرة أخــرى فــي ســورة‬
‫وات ّ ُ‬
‫زي‬
‫وم ما ً ل ّ ت َ ْ‬
‫قمموا ْ ي َ ْ‬
‫البقرة‪ :‬قال تعالى في سورة البقرة ) َ‬
‫جم ِ‬
‫شم َ‬
‫ول َ ي ُ ْ‬
‫عن ن ّ ْ‬
‫نَ ْ‬
‫ول َ ي ُ ْ‬
‫ها َ‬
‫قب َ ُ‬
‫س َ‬
‫خم ُ‬
‫ذ‬
‫ؤ َ‬
‫فا َ‬
‫س َ‬
‫ع ٌ‬
‫ل ِ‬
‫من ْ َ‬
‫ف ٌ‬
‫ة َ‬
‫شْيئا ً َ‬
‫ف ٍ‬
‫عد ْ ٌ‬
‫ن }‪ ({48‬وقال في نفس الســورة‬
‫ها َ‬
‫ول َ ُ‬
‫ِ‬
‫صُرو َ‬
‫من ْ َ‬
‫ه ْ‬
‫م ُين َ‬
‫ل َ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ْ‬
‫ول َ ي ُ ْ‬
‫عن ن ّ ْ‬
‫زي ن َ ْ‬
‫وات ّ ُ‬
‫قب َم ُ‬
‫س َ‬
‫ل‬
‫س َ‬
‫وما ل ّ ت َ ْ‬
‫ف ٌ‬
‫شمْيئا َ‬
‫قوا ي َ ْ‬
‫) َ‬
‫ج ِ‬
‫فم ٍ‬
‫شمم َ‬
‫ول َ َتن َ‬
‫همما َ‬
‫عممدْ ٌ‬
‫ن}‬
‫فا َ‬
‫همما َ‬
‫ع ٌ‬
‫ول َ ُ‬
‫ِ‬
‫صممُرو َ‬
‫ف ُ‬
‫ع َ‬
‫من ْ َ‬
‫همم ْ‬
‫م ُين َ‬
‫ة َ‬
‫ل َ‬
‫‪.({123‬جاءت الية الولى بتذكير فعل )يقبل( مع الشفاعة بينما‬
‫جاء الفعل )تنفعها( مؤنثا ً مع كلمة الشفاعة نفســها‪ .‬الحقيقــة أن‬
‫الفعل )يقبل( لم ُيذ ّ‬
‫كر مع الشفاعة إل في الية ‪ 123‬من ســورة‬
‫البقرة وهنا المقصود أنهــا جــاءت لمــن سيشــفع بمعنــى أنــه لــن‬
‫ُيقبل ممن سيشــفع أو مــن ذي الشــفاعة‪ .‬أمــا فــي اليــة الثانيــة‬
‫فالمقصود الشفاعة نفسها لن تنفــع وليــس الكلم عــن الشــفيع‪.‬‬
‫وقد وردت كلمة الشفاعة مع الفعل المؤنث في القــرآن الكريــم‬
‫ة ِإن‬
‫ه ً‬
‫في آيات أخرى منها في سورة يس )أ َأ َت ّ ِ‬
‫دون ِ ِ‬
‫خذ ُ ِ‬
‫من ُ‬
‫ه آل ِ َ‬
‫ول َ‬
‫شم َ‬
‫م َ‬
‫عّنمي َ‬
‫ضمّر ل ّ ت ُ ْ‬
‫فا َ‬
‫ن َ‬
‫من ب ِ ُ‬
‫ن الّر ْ‬
‫عت ُ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ح َ‬
‫شمْيئا ً َ‬
‫ردْ ِ‬
‫يُ ِ‬
‫غم ِ‬
‫و َ‬
‫قمم ُ‬
‫فممي‬
‫ك ِ‬
‫ُين ِ‬
‫مَلمم ٍ‬
‫مممن ّ‬
‫كممم ّ‬
‫ن }‪ ({23‬وســـورة النجـــم ) َ‬
‫ذو ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ش َ‬
‫م َ‬
‫غِني َ‬
‫ن‬
‫ت َل ت ُ ْ‬
‫فا َ‬
‫ع ِ‬
‫شْيئا ً إ ِّل ِ‬
‫وا ِ‬
‫د أن ي َمأذَ َ‬
‫من ب َ ْ‬
‫عت ُ ُ‬
‫ال ّ‬
‫ه ْ‬
‫س َ‬
‫ما َ‬
‫من ي َ َ‬
‫ضى }‪.({26‬‬
‫وي َْر َ‬
‫ه لِ َ‬
‫الل ّ ُ‬
‫شاءُ َ‬
‫وكذلك كلمة )البّينات( فإذا كانت بمعنى العلمات الدالة على‬
‫المعجزات أّنث الفعل وإذا كانت بمعنى المر والنهــي وح ـد ّ اللــه‬
‫والدين ذ ّ‬
‫كر الفعل هناك حكــم نحــوي مفــاده أنــه يجــوز أن يــأتي‬
‫الفعــل مــذكرا ً والفاعــل مؤنثـًا‪ .‬وكلمــة )البّينــات( ليســت مــؤنث‬
‫حقيقي لذا يجوز تذكيرها وتأنيثها‪ .‬والسؤال ليس عن جواز تذكير‬
‫وتأنيث )البّينات( لن هذا جائز كما قلنا لكن السؤال لماذا؟ لماذا‬
‫جاء بالســتعمال فعــل المــذكر )جــاءهم البّينــات( مــع العلــم أنــه‬
‫استعملت في غير مكان بالمؤنث )جاءتهم البّينات(؟‬
‫جاءتهم البّينات بالتأنيث‪ :‬يؤّنث الفعل مع )البّينات( إذا كانت اليــات‬
‫تد ّ‬
‫ل على النبوءات فأينما وقعت بهذا المعنى يأتي الفعل مؤنثا ً كمــا‬
‫في قــوله تعــالى فــي ســورة البقــرة ) َ‬
‫ممما‬
‫عم ِ‬
‫مممن ب َ ْ‬
‫د َ‬
‫م ّ‬
‫فِإن َزل َل ْت ُ ْ‬
‫عل َموا ْ أ َ‬
‫ّ‬
‫ت َ‬
‫م }‪ ({209‬والية‬
‫ع‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ال‬
‫ن‬
‫َ‬
‫ح ِ‬
‫ّ‬
‫زيٌز َ‬
‫َ‬
‫م ال ْب َي َّنا ُ‬
‫كي ٌ‬
‫َ‬
‫فا ْ ُ‬
‫جاءت ْك ُ ُ‬
‫ِ‬
‫‪12‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫)ك َممان الن ّمماس أ ُ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ن‬
‫م‬
‫ش‬
‫ب‬
‫م‬
‫ن‬
‫م‬
‫يي‬
‫ب‬
‫ن‬
‫ال‬
‫ه‬
‫م‬
‫ل‬
‫ال‬
‫ث‬
‫َ‬
‫م‬
‫ع‬
‫ب‬
‫ف‬
‫ة‬
‫د‬
‫م‬
‫ح‬
‫وا‬
‫ة‬
‫م‬
‫م‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ِ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ري َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫وأنَز َ‬
‫س‬
‫من ِ‬
‫ق ل ِي َ ْ‬
‫ب ب ِممال ْ َ‬
‫م ال ْك َِتا َ‬
‫م َ‬
‫ع ُ‬
‫م ب َي ْم َ‬
‫ري َ‬
‫حك ُم َ‬
‫ح ّ‬
‫ه ُ‬
‫ل َ‬
‫و ُ‬
‫ن َ‬
‫َ‬
‫ذ ِ‬
‫ن الن ّمما ِ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫د‬
‫ما ا ْ‬
‫ما ا ْ‬
‫ف ِ‬
‫خت َل َ‬
‫خت َلفوا ِ‬
‫ِ‬
‫ع ِ‬
‫ن أوُتوهُ ِ‬
‫ه إ ِل ال ِ‬
‫في ِ‬
‫في ِ‬
‫من ب َ ْ‬
‫ذي َ‬
‫و َ‬
‫في َ‬
‫ه َ‬
‫م َ‬
‫ممما‬
‫ت بَ ْ‬
‫ه ال ّ ِ‬
‫ه َ‬
‫ما َ‬
‫م ال ْب َي َّنا ُ‬
‫ف َ‬
‫غيا ً ب َي ْن َ ُ‬
‫جاءت ْ ُ‬
‫ذي َ‬
‫مُنوا ْ ل ِ َ‬
‫نآ َ‬
‫دى الل ّ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ه ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫خت َل ُ‬
‫مممن ي َ َ‬
‫شمماءُ إ ِلممى‬
‫ا ْ‬
‫فوا ِ‬
‫هم ِ‬
‫ق ب ِإ ِذْن ِ ِ‬
‫ه ِ‬
‫في ِ‬
‫ن ال َ‬
‫ه يَ ْ‬
‫م َ‬
‫دي َ‬
‫واللم ُ‬
‫ح ّ‬
‫ه َ‬
‫قيم ٍ }‪ ({213‬و )ت ِل ْم َ‬
‫ل َ‬
‫سم ُ‬
‫م‬
‫سمت َ ِ‬
‫ع َ‬
‫ف ّ‬
‫صَرا ٍ‬
‫ِ‬
‫ضمل َْنا ب َ ْ‬
‫ضم ُ‬
‫ك الّر ُ‬
‫م ْ‬
‫ه ْ‬
‫ط ّ‬
‫وَر َ‬
‫وآت َي َْنا‬
‫ع‬
‫َ‬
‫ع َ‬
‫جا ٍ‬
‫م دََر َ‬
‫ع بَ ْ‬
‫ف َ‬
‫عَلى ب َ ْ‬
‫ض ُ‬
‫من ْ ُ‬
‫ه ْ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫من ك َل ّ َ‬
‫هم ّ‬
‫ض ّ‬
‫ت َ‬
‫ه َ‬
‫ٍ‬
‫َ‬
‫ح ال ْ ُ‬
‫و َ‬
‫شمماء‬
‫ِ‬
‫م ال ْب َي َّنا ِ‬
‫عي َ‬
‫سى اب ْ َ‬
‫مْري َ َ‬
‫ن َ‬
‫وَلمم ْ‬
‫س َ‬
‫ت َ‬
‫قد ُ ِ‬
‫وأي ّدَْناهُ ب ُِرو ِ‬
‫ممما ا ْ‬
‫قت َت َم َ‬
‫م‬
‫عم ِ‬
‫د ِ‬
‫عم ِ‬
‫ن ِ‬
‫ل ال ّم ِ‬
‫ممما َ‬
‫مممن ب َ ْ‬
‫مممن ب َ ْ‬
‫جمماءت ْ ُ‬
‫ذي َ‬
‫ه ُ‬
‫د َ‬
‫هم ّ‬
‫ه َ‬
‫الل ّم ُ‬
‫ت َ َ‬
‫مممن ك َ َ‬
‫فوا ْ َ‬
‫خت َل َ ُ‬
‫ف مَر‬
‫نا ْ‬
‫و ِ‬
‫ف ِ‬
‫ال ْب َي َّنا ُ‬
‫من ْ ُ‬
‫من ْ ُ‬
‫م َ‬
‫م ْ‬
‫هممم ّ‬
‫نآ َ‬
‫هم ّ‬
‫ن َ‬
‫ولمك ِ ِ‬
‫ه يَ ْ‬
‫ممما ا ْ‬
‫عم ُ‬
‫و َ‬
‫د}‬
‫ريم ُ‬
‫ممما ي ُ‬
‫ف َ‬
‫وَلممك ِ ّ‬
‫ل َ‬
‫ن الل ّم َ‬
‫ه َ‬
‫شمماء الل ّم ُ‬
‫قت َت َل ُمموا ْ َ‬
‫ول َ ْ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫هم ُ‬
‫ب أن‬
‫س مألك أ ْ‬
‫‪ ،({253‬وقــوله فــي ســورة النســاء )ي َ ْ‬
‫ل الك ِت َمما ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ف َ‬
‫ء َ‬
‫ت ُن َّز َ‬
‫من‬
‫ما ِ‬
‫ل َ‬
‫سى أك ْب ََر ِ‬
‫عل َي ْ‬
‫مو َ‬
‫قد ْ َ‬
‫ن ال ّ‬
‫م َ‬
‫سأُلوا ْ ُ‬
‫س َ‬
‫م ك َِتابا ً ّ‬
‫ه ْ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ذَل ِ َ‬
‫ع َ‬
‫هَرةً َ‬
‫ف َ‬
‫ك َ‬
‫م‬
‫فأ َ‬
‫ق ُ‬
‫صمما ِ‬
‫ة ب ِظُل ْ ِ‬
‫رَنا الل ّ ِ‬
‫ه َ‬
‫خ مذَت ْ ُ‬
‫ج ْ‬
‫هم ْ‬
‫ه ُ‬
‫م ال ّ‬
‫قاُلوا ْ أ ِ‬
‫م ِ‬
‫ع َ‬
‫ت َ‬
‫ج َ‬
‫خ ُ‬
‫عممن‬
‫م ات ّ َ‬
‫ون َمما َ‬
‫ذوا ْ ال ْ ِ‬
‫ع ِ‬
‫ل ِ‬
‫ف َ‬
‫ما َ‬
‫من ب َ ْ‬
‫ع ْ‬
‫م ال ْب َي َّنا ُ‬
‫جاءت ْ ُ‬
‫ه ُ‬
‫د َ‬
‫ثُ ّ‬
‫ف ْ‬
‫سل ْ َ‬
‫ذَل ِ َ‬
‫مِبينا ً }‪.({153‬‬
‫سى ُ‬
‫مو َ‬
‫طانا ً ّ‬
‫وآت َي َْنا ُ‬
‫ك َ‬
‫أما "جاءهم البّينات" بالتذكير‪ :‬فالبّينات هنا تأتي بمعنى المر‬
‫والنهي وحيثما وردت كلمة البّينات بهذا المعنى من المر والنهي‬
‫ُيذ ّ‬
‫ف‬
‫كر الفعل كما في قوله تعــالى فــي ســورة آل عمــران )ك َي ْ َ‬
‫َ‬
‫وممما ً ك َ َ‬
‫ه َ‬
‫و َ‬
‫ن‬
‫همم ِ‬
‫دوا ْ أ ّ‬
‫ه ُ‬
‫فممُروا ْ ب َ ْ‬
‫يَ ْ‬
‫ه ْ‬
‫عممدَ ِإي َ‬
‫دي الّلمم ُ‬
‫م َ‬
‫ق ْ‬
‫شمم ِ‬
‫مممان ِ ِ‬
‫دي ال ْ َ‬
‫سو َ‬
‫م‬
‫جمماء ُ‬
‫هم ِ‬
‫و َ‬
‫ل َ‬
‫و َ‬
‫م ال ْب َي ّن َمما ُ‬
‫ه ل َ يَ ْ‬
‫الّر ُ‬
‫والل ّم ُ‬
‫ه ُ‬
‫حم ّ‬
‫قم ْ‬
‫ت َ‬
‫ق َ‬
‫قممموا ْ‬
‫ال ّ‬
‫كوُنممموا ْ َ‬
‫ول َ ت َ ُ‬
‫فّر ُ‬
‫ن تَ َ‬
‫كاّلممم ِ‬
‫ظمممال ِ ِ‬
‫ذي َ‬
‫مي َ‬
‫ن }‪ ({86‬و ) َ‬
‫هم ال ْبيَنات ُ‬
‫وَلمئ ِ َ‬
‫خت َل َ ُ‬
‫ع َ‬
‫ب‬
‫وا ْ‬
‫م َ‬
‫ع ِ‬
‫فوا ْ ِ‬
‫ذا ٌ‬
‫َ ّ‬
‫ما َ‬
‫من ب َ ْ‬
‫ك لَ ُ‬
‫ه ْ‬
‫جاء ُ ُ‬
‫د َ‬
‫وأ ْ‬
‫ُ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫م }‪ ({105‬وفي سورة غافر )ق ْ‬
‫د‬
‫نأ ْ‬
‫َ‬
‫ع ِ‬
‫تأ ْ‬
‫عب ُم َ‬
‫هي م ُ‬
‫ظي ٌ‬
‫ل إ ِّني ن ُ ِ‬
‫من ّرّبي‬
‫ن ت َدْ ُ‬
‫ت ِ‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫ن ِ‬
‫ال ّ ِ‬
‫عو َ‬
‫ما َ‬
‫من ُ‬
‫ي ال ْب َي َّنا ُ‬
‫ذي َ‬
‫ه لَ ّ‬
‫دو ِ‬
‫جاءن ِ َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ن }‪.({66‬‬
‫عال َ ِ‬
‫وأ ِ‬
‫تأ ْ‬
‫ب ال ْ َ‬
‫م ل َِر ّ‬
‫مْر ُ‬
‫نأ ْ‬
‫مي َ‬
‫سل ِ َ‬
‫َ‬
‫‪ .‬وقد يكون التأنيث للكــثرة والتــذكير للقلــة كمــا فــي قــوله‬
‫تعالى )قالت العراب آمنا( وقوله تعالى )وقال نسوة في‬
‫المدينة(‪ .‬ونقول أن هذا المر جــائز مــن حيــث الجــواز اللغــوي‬
‫وليس فــي هــذا شــيء لكــن الســؤال يبقــى لمــاذا اختــار تعــالى‬
‫التذكير في موضع والتأنيث في موضع آخر؟ ونأخــذ قــوله تعــالى‬
‫)جاءكم رسول( بتذكير فعل جاءكم‪ ،‬وقوله تعالى )جاءت رسل‬
‫ربنا( بتأنيث فعل جاءت‪ .‬ونلحظ أنه في الية الولى كان الكلم‬
‫عن جميع الرسل في جميع المم من آدم إلى أن تقــوم الســاعة‬
‫وهذا يدل على الكثرة فجاء بالفعل مؤّنثا ً للدللة على الكثرة‪ .‬أما‬
‫‪13‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫في الية الثانية فالخطاب لبني إسرائيل ولزمرة منهم وفي حالة‬
‫معينة أيضا ً وهذا يدل على القلة فجاء بالفعل مذ ّ‬
‫كرًا‪.‬‬
‫ما َ‬
‫ت إ ِّل‬
‫م ِ‬
‫عْنمدَ ال ْب َْيم ِ‬
‫كا َ‬
‫صَلت ُ ُ‬
‫ه ْ‬
‫و َ‬
‫ن َ‬
‫مثال آخر قوله تعالى ) َ‬
‫م َ‬
‫م ت َك ْ ُ‬
‫ذو ُ‬
‫ة َ‬
‫عم َ‬
‫ف ُ‬
‫ن )‪(35‬‬
‫دي َ ً‬
‫ص ِ‬
‫فمُرو َ‬
‫ذا َ‬
‫قوا ال ْ َ‬
‫ممما ك ُن ْت ُم ْ‬
‫ب بِ َ‬
‫ُ‬
‫وت َ ْ‬
‫كاءً َ‬
‫النفــال( والمكــاء والتصــدية ‪ :‬همــا التصــفيق والصــفير وكلهمــا‬
‫مذ ّ‬
‫كر وجاء الفعل مع كلمة )الصلة( مــذكرا ً لن المــراد بالصــلة‬
‫هنا التصفيق والصفير وكلهما مذكر‪ .‬والصلة عندهم كانت تفيــد‬
‫الطواف والطواف مــذ ّ‬
‫كر أيضـا ً )صــلتهم كــانوا يطوفــون وحــول‬
‫الكعبة ويصفقون ويصفرون(‪ .‬إذن الطواف والتصــفيق والصــفير‬
‫كّلها مذ ّ‬
‫كر فجاء الفعل مع كلمة الصلة المقصود بمعناها المذكر‬
‫جاء مذكرًا‪.‬‬
‫ْ‬
‫ن بِ َ‬
‫ح َ‬
‫ة‬
‫فا ِ‬
‫شم ٍ‬
‫ت ِ‬
‫ن َيمأ ِ‬
‫قال تعالى )َيا ن ِ َ‬
‫من ْك ُم ّ‬
‫مم ْ‬
‫ي َ‬
‫ساءَ الن ّب ِم ّ‬
‫و َ‬
‫ن ذَل ِ َ‬
‫ع َ‬
‫ع َ‬
‫ه‬
‫ك َ‬
‫ضا َ‬
‫ع ْ‬
‫ة يُ َ‬
‫عَلى الّلمم ِ‬
‫ب ِ‬
‫مب َي ّن َ ٍ‬
‫كا َ‬
‫ض ْ‬
‫ذا ُ‬
‫ها ال ْ َ‬
‫ف لَ َ‬
‫ُ‬
‫ن َ‬
‫في ْ ِ‬
‫ّ‬
‫ن يَ ْ‬
‫مم ْ‬
‫ل‬
‫سممول ِ ِ‬
‫ن ل ِلم ِ‬
‫ت ِ‬
‫يَ ِ‬
‫وت َ ْ‬
‫قن ُم ْ‬
‫وَر ُ‬
‫من ْك ُم ّ‬
‫مم ْ‬
‫ع َ‬
‫و َ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫سمميًرا )‪َ (30‬‬
‫َ‬
‫رْز ً‬
‫حا ن ُ ْ‬
‫ما )‪(31‬‬
‫وأ َ ْ‬
‫جَر َ‬
‫ها أ ْ‬
‫صال ِ ً‬
‫عت َدَْنا ل َ َ‬
‫ؤت ِ َ‬
‫ري ً‬
‫ها َ‬
‫َ‬
‫ن َ‬
‫قا ك َ ِ‬
‫ها ِ‬
‫مّرت َي ْ ِ‬
‫ً‬
‫الحزاب( هذه الية ليست من باب التذكير والتأنيث أصل وتذكير‬
‫الفعل والفاعل وإنما هي من باب استعمال )من(‪ .‬والســؤال هــو‬
‫لماذا استعمل )مــن( فــي اليــة؟ مــن أصـل ً فــي اللغــة تســتعمل‬
‫للمذكر والمؤنث والمفرد والمثنــى والجمــع وطبيعــة الكــثر فــي‬
‫كلم العرب والقرآن أنه حتى لو كان الخطاب للنــاث أو الجمــع‬
‫يأتي أول مرة بـ )من( بصيغة المفرد المذكر ثم يعقبه مــا يوضــح‬
‫المعنى‪ .‬ومهما كانت حالــة مــن ســواء أكــانت إســما ً موصــول ً أو‬
‫نكرة تامة بمعنى شخص أو ذات أو كانت اسم شرط‪ ،‬يــؤتى بهــا‬
‫بصيغة المفرد المذكر أول مرة ثم ُيعاد عليها بمعناها فــي المــرة‬
‫الثانية كقــوله تعــالى )ومن النمماس مممن يقممول آمنمما بممالله‬
‫واليوم الخر وما هم بمؤمنين( وهذا هو خــط القــرآن وهــو‬
‫الكثر في كلم العرب وهذا هو الصل‪ .‬وكقوله تعــالى )ومنهممم‬
‫من يقول ائذن لي (‪.‬والية موضع السؤال )مــن يــأت منكــن(‬
‫تدخل فــي هــذه القاعــدة جــاء بــ )مــن( بمــا يــدل علــى الفــراد‬
‫والتذكير ثم جاء فيما بعد بما يدل على المعنــى‪ .‬وإذا خــرج عــن‬
‫هذا المر كما في قوله تعالى )ومنهم من ينظر إليك ومنهم مــن‬
‫يستمعون إليك( جــاء فـي الولــى بـالفراد والثانيـة جمــع لمــاذا؟‬
‫نسأل أيهما أكثر الذين ينظرون إلى الشخص أم الذين يستمعون‬
‫إليه؟ الجواب الذين يســتمعون ولهــذا عب ّــر عنهــم بــالجمع لنهــم‬
‫‪14‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫أكــثر‪ .‬ولهــذا عنــدما يخــالف القاعــدة فــإنه يخــالف بمــا يقتضــيه‬
‫السياق والمعنى‪.‬‬
‫َ‬
‫مثال آخر قــوله تعــالى ) َ‬
‫ن‬
‫م آي َم ٌ‬
‫فممي ِ‬
‫ة ِ‬
‫قدْ ك َمما َ‬
‫ن ل َك ُم ْ‬
‫فئ َت َي ْم ِ‬
‫خَرى َ‬
‫ة تُ َ‬
‫ال ْت َ َ‬
‫قات ِ ُ‬
‫م‬
‫وأ ُ ْ‬
‫فئ َ ٌ‬
‫كا ِ‬
‫ل ِ‬
‫قَتا ِ‬
‫ل الل ّ ِ‬
‫ون َ ُ‬
‫في َ‬
‫ه ْ‬
‫فَرةٌ ي ََر ْ‬
‫ه َ‬
‫سِبي ِ‬
‫مث ْل َيهم رأ ْ‬
‫ي ال ْ‬
‫ه يُ َ‬
‫ن يَ َ‬
‫فممي‬
‫ي‬
‫ع‬
‫ن ِ‬
‫ر ِ‬
‫شمماءُ إ ِ ّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫م ْ‬
‫ه َ‬
‫والل ّ ُ‬
‫َ‬
‫ؤي ّدُ ب ِن َ ْ‬
‫ن َ‬
‫ِ ْ ِ ْ َ‬
‫ص ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ذَل ِ َ‬
‫ر )‪ (13‬آل عمران( وفي آيــة أخــرى‬
‫ك لَ ِ‬
‫عب َْرةً ِلوِلي اْلب ْ َ‬
‫صا ِ‬
‫همما‬
‫ما ت َمأ ِْتي‬
‫م إ ِّل ك َمماُنوا َ‬
‫ن آ َي َمما ِ‬
‫ة ِ‬
‫ن آ َي َم ٍ‬
‫م ِ‬
‫ت َرب ّ‬
‫عن ْ َ‬
‫مم ْ‬
‫مم ْ‬
‫هم ْ‬
‫ه ْ‬
‫و َ‬
‫) َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ة َ‬
‫وإ ِ َ‬
‫قمماُلوا‬
‫م آي َ ٌ‬
‫ر ِ‬
‫ذا َ‬
‫م ْ‬
‫جاءَت ْ ُ‬
‫ضي َ‬
‫ه ْ‬
‫ُ‬
‫ن )‪ (4‬النعام( وقوله تعالى ) َ‬
‫ع ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫حّتى ن ُ ْ‬
‫ن نُ ْ‬
‫س ُ‬
‫مث ْ َ‬
‫م‬
‫هأ ْ‬
‫ما أوت ِ‬
‫ل الل ِ‬
‫ؤَتى ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫ن َ‬
‫ي ُر ُ‬
‫م َ‬
‫لَ ْ‬
‫علم ُ‬
‫ه الل ُ‬
‫ل َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ع ُ‬
‫د‬
‫حي ْ ُ‬
‫صم َ‬
‫غاٌر ِ‬
‫ب ال ّ ِ‬
‫سي ُ ِ‬
‫عن ْم َ‬
‫نأ ْ‬
‫صي ُ‬
‫ج َ‬
‫ث يَ ْ‬
‫َ‬
‫ه َ‬
‫ر َ‬
‫ذي َ‬
‫جَر ُ‬
‫سال َت َ ُ‬
‫ممموا َ‬
‫ل ِ‬
‫ما َ‬
‫ب َ‬
‫ع َ‬
‫ن )‪ (124‬النعام( نقــول‬
‫و َ‬
‫ش ِ‬
‫الل ّ ِ‬
‫مك ُُرو َ‬
‫ذا ٌ‬
‫كاُنوا ي َ ْ‬
‫ديدٌ ب ِ َ‬
‫ه َ‬
‫أنه من حيث الحكم النحوي يجوز تذكير وتأنيث الفعل لكن يبقى‬
‫السر البياني لهذا التذكير والتأنيث‪ .‬ونقول أنه عندما تكون كلمــة‬
‫)آية( بمعنى الدليل والبرهان تكــون بمعنــى مــذ ّ‬
‫كر فيــأتي الفعــل‬
‫بالتذكير وإذا كانت كلمة الية بمعنــى اليــة القرآنيــة أن ّــث الفعــل‬
‫)وإذا جاءتهم آية(‪.‬‬
‫ت لَ ُ‬
‫قد ْ َ‬
‫مثال آخر قوله تعالى في سورة الممتحنة ) َ‬
‫م‬
‫كان َ ْ‬
‫كمم ْ‬
‫أُ‬
‫قا ُ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫م‬
‫م‬
‫و‬
‫ق‬
‫ل‬
‫لوا‬
‫ذ‬
‫إ‬
‫ه‬
‫ع‬
‫م‬
‫ن‬
‫ذي‬
‫ل‬
‫وا‬
‫م‬
‫هي‬
‫را‬
‫ب‬
‫إ‬
‫في‬
‫ة‬
‫ن‬
‫س‬
‫ح‬
‫ة‬
‫و‬
‫س‬
‫ٌ‬
‫ٌ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ه ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م‬
‫ن اللم ِ‬
‫ن ِ‬
‫و ِ‬
‫إ ِّنا ب َُرآ َءُ ِ‬
‫دو َ‬
‫ن ُ‬
‫عب ُم ُ‬
‫ما ت َ ْ‬
‫مم ْ‬
‫ه كفْرَنما ب ِكم ْ‬
‫م ّ‬
‫من ْك ُ ْ‬
‫دو ِ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫حت ّممى ت ُ ْ‬
‫من ُمموا‬
‫وال ْب َ ْ‬
‫غ َ‬
‫ؤ ِ‬
‫دا َ‬
‫ضمماءُ أب َ م ً‬
‫ع َ‬
‫م ال ْ َ‬
‫وب َ َ‬
‫وب َي ْن َك ُ ُ‬
‫وةُ َ‬
‫دا َ‬
‫دا ب َي ْن ََنا َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫حدَهُ إ ِل َ‬
‫و َ‬
‫مما‬
‫سمت َ ْ‬
‫غ ِ‬
‫م ِلِبيم ِ‬
‫ل إ ِب َْرا ِ‬
‫ِبالل ِ‬
‫فَر ّ‬
‫و ْ‬
‫هل ْ‬
‫و َ‬
‫هي َ‬
‫ن لمك َ‬
‫ق ْ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫وإ ِل َي ْم َ‬
‫عل َي ْم َ‬
‫ك لَ َ‬
‫مل ِ ُ‬
‫ن َ‬
‫ك‬
‫ي ٍ‬
‫ء َرب ّن َمما َ‬
‫ه ِ‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫ك ِ‬
‫م ْ‬
‫م َ‬
‫أ ْ‬
‫وك ّل ْن َمما َ‬
‫ك تَ َ‬
‫شم ْ‬
‫َ‬
‫قد ْ َ‬
‫وإ ِل َي ْ َ‬
‫صيُر )‪ ((4‬وفي نفس السورة )ل َ َ‬
‫م‬
‫م ِ‬
‫كا َ‬
‫ن ل َك ُ ْ‬
‫ك ال ْ َ‬
‫أن َب َْنا َ‬
‫ُ‬
‫ن َ‬
‫خ مَر‬
‫سن َ ٌ‬
‫م اْل َ ِ‬
‫ِ‬
‫كا َ‬
‫ن ي َْر ُ‬
‫وةٌ َ‬
‫و َ‬
‫ح َ‬
‫مأ ْ‬
‫م ْ‬
‫جممو الل ّم َ‬
‫ة لِ َ‬
‫ه ْ‬
‫وال ْي َم ْ‬
‫ه َ‬
‫س َ‬
‫في ِ‬
‫ل َ‬
‫و ّ‬
‫د )‪ ((6‬وفــي ســورة‬
‫غن ِم‬
‫و ال ْ َ‬
‫ه ُ‬
‫ح ِ‬
‫فإ ِ ّ‬
‫ميم ُ‬
‫ي ال ْ َ‬
‫م ْ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫و َ‬
‫ه َ‬
‫ن ي َت َ َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫قد ْ َ‬
‫الحزاب )ل َ‬
‫ة‬
‫س من َ ٌ‬
‫م ِ‬
‫ل الل م ِ‬
‫كا َ‬
‫وةٌ َ‬
‫ح َ‬
‫هأ ْ‬
‫فممي َر ُ‬
‫ن لك ُم ْ‬
‫سم َ‬
‫سممو ِ‬
‫ن َ‬
‫ه ك َِثيًرا )‪((21‬‬
‫م اْل َ ِ‬
‫كا َ‬
‫ن ي َْر ُ‬
‫و َ‬
‫م ْ‬
‫وذَك ََر الل ّ َ‬
‫جو الل ّ َ‬
‫لِ َ‬
‫خَر َ‬
‫وال ْي َ ْ‬
‫ه َ‬
‫ونقــول أنــه مــن الناحيــة النحويــة إذا كــثرت الفواصــل فالتــذكير‬
‫أفضل‪ .‬في الية الولى الفاصل بين الفعل وكلمة أســوة )لكــم (‬
‫أما في الية الثانية فالفاصل )لكم فيهم( وفي الثالثــة )لكــم فــي‬
‫رسول الله( فعندما تكون الفاصلة أكــثر يقتضــي التــذكير‪.‬وهنــاك‬
‫م مــن التــأنيث‬
‫أمر آخر وهو أن التذكير في العبادات أفضــل وأهـ ّ‬
‫كما جاء في مريم )وكانت من القانتين( لن الذين كملوا في‬
‫التذكير أكثر‪ .‬وكذلك عندما يتحدث عن عبادة الملئكة يذ ّ‬
‫كر‪ .‬أي‬
‫العبادات أكثر في هــذه اليــات؟ فــي الولــى الســوة كــانت فــي‬
‫‪15‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫القــول فــي أمــر واحــد إل )إل قممول إبراهيممم( جــادله قــومه‬
‫والســتثناء هــو قــول إبراهيــم‪ ،‬أمــا فــي الثانيــة )فيكم أسمموة‬
‫حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الخر( هذه عامــة وهــي‬
‫م ولذلك أ ّ‬
‫كدها باللم )لقد كان لكممم( وجــاء بــأمرين بتــذكير‬
‫أه ّ‬
‫در وكذلك فــي آيــة‬
‫العبادة كما جاء باللم في جواب القسم المق ّ‬
‫ســورة الحــزاب اليــة عامــة ولــم يخصــص بشــيء ولهــذا ذك ّــر‬
‫وخصص باللم الواقعة في جواب القسم‪ ،‬أما في الولى فجاء بـ‬
‫م وأوسـع‬
‫)قد( وأّنث الفعل‪ .‬فعندما اتسعت العبـادة وصـارت أعـ ّ‬
‫من الولى ذ ّ‬
‫كر وجاء باللم وهذا هو المر البيــاني بالضــافة إلــى‬
‫المر النحوي الذي تحدثنا عنه‪.‬‬
‫التذكير مرة والتأنيث مرة مع الملئكة في القــرآن الكريــم ‪:‬‬
‫َ‬
‫قال تعالى في سورة ص ) َ‬
‫ن}‬
‫مَلئ ِك َ ُ‬
‫عو َ‬
‫م ُ‬
‫مأ ْ‬
‫ج َ‬
‫س َ‬
‫ة ك ُل ّ ُ‬
‫ف َ‬
‫ج َ‬
‫ه ْ‬
‫د ال ْ َ‬
‫‪ ({73‬وجــاءت الملئكــة هنــا بالتــذكير‪ ،‬وفــي ســورة آل عمــران‬
‫َ‬
‫و َ‬
‫) َ‬
‫ه‬
‫ملئ ِك َ ُ‬
‫صّلي ِ‬
‫و ُ‬
‫في ال ْ ِ‬
‫بأ ّ‬
‫م ْ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫قائ ِ ٌ‬
‫ه ال ْ َ‬
‫فَنادَت ْ ُ‬
‫حَرا ِ‬
‫م يُ َ‬
‫ه َ‬
‫ة َ‬
‫صممورا ً‬
‫شُر َ‬
‫ي ُب َ ّ‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫م ٍ‬
‫و َ‬
‫ص ّ‬
‫ك ب ِي َ ْ‬
‫و َ‬
‫م َ‬
‫ة ّ‬
‫دقا ً ب ِك َل ِ َ‬
‫حَيمى ُ‬
‫ح ُ‬
‫م َ‬
‫سّيدا ً َ‬
‫ه َ‬
‫ن }‪ ({39‬جاءت الملئكة بالتأنيث‪.‬‬
‫صال ِ ِ‬
‫حي َ‬
‫م َ‬
‫ون َب ِي ّا ً ّ‬
‫ن ال ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫الحكم النحوي‪ :‬يمكن أن يؤّنث الفعل أو ُيذكر إذا كان الجمــع جمــع‬
‫تكســير كمــا فــي قــوله تعــالى )قالت العمراب آمنما( و)قمالت‬
‫نسوة في المدينة( فيجــوز التــذكير والتــأنيث مــن حيــث الحكــم‬
‫النحوي‪.‬‬
‫اللمسة البيانيـة‪ :‬أمـا لمـاذا اختـار اللـه تعـالى التـأنيث فـي مـوطن‬
‫والتذكير في موطن آخر فهو لن فــي اليــات خطــوط تعبيريــة هــي‬
‫التي تحدد تأنيث وتذكير الفعل مع الملئكة‪ .‬وهذه الخطوط هي‪:‬‬
‫في القرآن الكريم كله كل فعل أمر يصــدر إلــى الملئكــة‬
‫يكون بالتذكير )اسجدوا‪ ،‬أنبئوني‪ ،‬فقعوا له ساجدين(‬
‫كل فعل يقع بعد ذكر الملئكة يأتي بالتذكير أيضا ً كما فــي‬
‫قوله تعالى )والملئكة يممدخلون عليهممم مممن كممل بمماب(‬
‫و)الملئكة يشهدون( )الملئكة يسبحون بحمد ربهم(‬
‫كــل وصــف إســمي للملئكــة يــأتي بالتــذكير )الملئكممة‬
‫ومين‪،‬‬
‫المقّربممون( )الملئكممة باسممطوا أيممديهم( )مســ ّ‬
‫مردفين‪ ،‬منزلين(‬
‫كل فعل عبادة يأتي بالتــذكير )فسجد الملئكممة كلهممم‬
‫أجمعين( )ل يعصون الله ما أمرهم( لن المذكر فــي العبــادة‬
‫أكمل من عبادة النثى ولذلك جاء الرسل كلهم رجا ً‬
‫ل‪.‬‬
‫‪16‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫كل أمر فيه ِ‬
‫دة وقوة حتى لو كان عذابين أحدهما أش ـد ّ‬
‫ش ّ‬
‫من الخر فالشد ّ يأتي بالتذكير )ولو ترى إذا يتوفى الذين‬
‫كفروا الملئكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقمموا‬
‫عذاب الحريق( )يتــوفى( جــاءت بالتــذكير لن العــذاب أشــد‬
‫)وذوقوا عذاب الحريق( أما في قــوله تعــالى )فكيف إذا‬
‫تمموفتهم الملئكممة يضممربون وجمموههم وأدبممارهم(‬
‫ف من الية الســابقة‪.‬‬
‫)تتوفاهم( جاءت بالتأنيث لن العذاب أخ ّ‬
‫وكذلك في قوله تعــالى )ونمّزل الملئكممة تنممزيل( بالتــذكير‬
‫وقــوله تعــالى )تتن مّزل عليهممم الملئكممة( بالتــأنيث وقــوله‬
‫)تنزل الملئكة والروح فيها من كل أمر( بالتأنيث‪.‬‬
‫لم تأت بشرى بصيغة التذكير أبدا ً في القرآن الكريم فكل‬
‫بشارة في القرآن الكريم تأتي بصيغة التــأنيث كمــا فــي قــوله‬
‫تعالى )فنادته الملئكة( و)قالت الملئكة(‬
‫قال تعالى )إذا جاءكم المؤمنات( هــذه تنــدرج أيضـا ً فــي‬
‫سياق الكثرة والقلة وفي سياق زيادة الفواصل أيضًا‪.‬‬

‫التقديم والتأخير في القرآن الكريم‬
‫المفهوم الفعلي من حيث الدللة اللغويــة للتقــديم والتــأخير أنــه إذا‬
‫بدأنا بكلمة سابقة على غيرهــا فقــد قــدمناها فــي الكلم‪ .‬والتقــديم‬
‫نوعان أو ثلثة‪:‬‬
‫‪ .1‬تقديم اللفظ علــى عــامله نحــو قــوله تعــالى )إياك‬
‫نعبد وإياك نستعين( وقوله تعالى )وربك فكّبر( وقولنا‬
‫‪ :‬زيدا ً أكل أو زيدا ً أكرمت‪.‬و بمحمد اقتديت‪.‬‬
‫‪17‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫‪ .2‬تقديم اللفاظ بعضــها علــى بعــض فــي غيــر العامــل‬
‫ُ‬
‫ه ّ‬
‫ه( البقــرة‬
‫ه لِ َ‬
‫ر الل ّم ِ‬
‫ل بِ ِ‬
‫ما أ ِ‬
‫و َ‬
‫وذلك نحو قوله تعالى ) َ‬
‫غي ْ ِ‬
‫ُ‬
‫ه ّ‬
‫ه( المائدة‬
‫ل لِ َ‬
‫ه بِ ِ‬
‫ر الل ّ ِ‬
‫ما أ ِ‬
‫و َ‬
‫وقوله ) َ‬
‫غي ْ ِ‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬تقديم اللفظ على عامله‪:‬‬
‫ومن هذا الباب تقديم المفعول به علــى فعلــه وتقــديم الحــال علــى‬
‫فعله وتقديم الظرف والجار والمجرور على فعلهمــا وتقــديم الخــبر‬
‫على المبتدأ ونحو ذلك‪ .‬وهذا التقديم فــي الغــالب يفيــد الختصــاص‬
‫فقولك )أنجدت خالدًا( يفيد أنك أنجدت خالدا ً ول يفيد أنك خصصــت‬
‫خالدا ً بالنجاة بل يجوز أنك أنجدت غيره أو لم تنجد أحدا ً معــه‪ .‬فــإذا‬
‫قلت‪ :‬خالدا ً أنجدت أفاد ذلك أنك خصصت خالدا ً بالنجــدة وأنــك لــم‬
‫تنجد أحدا ً آخر‪.‬‬
‫ومثل هذا التقديم في القرآن كثير‪ :‬فمــن ذلــك قــوله تعــالى )إياك‬
‫دم المفعول به "‬
‫نعبد وإياك نستعين( في سورة الفاتحة‪ ،‬فقد ق ّ‬
‫إياك " على فعل العبادة وعلــى فعــل الســتعانة دون فعــل الهدايــة‬
‫قلم يقل إيانا اهد كما قــال فــي الولييــن ‪ ،‬وســبب ذلــك أن العبــادة‬
‫والستعانة مختصتان بالله تعالى فل يعبد أحد غيره ول يســتعان بــه‪.‬‬
‫ه َ‬
‫ن ال ّ‬
‫ن)‬
‫فا ْ‬
‫ن ِ‬
‫ري َ‬
‫ممم َ‬
‫وك ُ ْ‬
‫ل الل ّ َ‬
‫عب ُدْ َ‬
‫وهذا نظير قوله تعالى )ب َ ِ‬
‫شمماك ِ ِ‬
‫وا ْ‬
‫ن)‬
‫شك ُُروا ل ِّلم ِ‬
‫دو َ‬
‫ه إِ ْ‬
‫عب ُم ُ‬
‫م إ ِّيماهُ ت َ ْ‬
‫ن ك ُن ْت ُم ْ‬
‫‪ (66‬الزمــر ( وقــوله ) َ‬
‫‪ (172‬البقرة( فقدم المفعول به على فعل العبــادة فــي الموضــعين‬
‫وذلك لن العبادة مختصة بالله تعالى‪.‬‬
‫ه‬
‫و َ‬
‫عَلى الل ّم ِ‬
‫** ومثل التقديم على فعــل الســتعانة قــوله تعــالى ) َ‬
‫َ‬
‫ن )‪ (12‬ابراهيم( وقوله ) على الله توكلنمما‬
‫وك ُّلو َ‬
‫ل ال ْ ُ‬
‫مت َ َ‬
‫وك ّ ِ‬
‫فل ْي َت َ َ‬
‫عل َيه ت َ موك ّل ْت وإل َي م ُ‬
‫ب )‪ (88‬هــود(‬
‫ُ َ ِ ْ ِ‬
‫ربنا ‪ ،‬العراف( وقوله ) َ ْ ِ‬
‫ه أِني م ُ‬
‫َ‬
‫فقدم الجار والمجرور للدللة على الختصــاص وذلـك لن التوك ّــل ل‬
‫يكون إل على الله وحده والنابة ليست إل إليه وحده‪.‬‬
‫ولم يقدم مفعول الهداية على فعله قلم يقــل ‪ :‬إيانــا اهــد كمــا قــال‬
‫)إياك نعبد( وذلــك لن طلــب الهدايــة ل يصــح فيــه الختصــاص إذ ل‬
‫خصــني‬
‫يصح أن تقول اللهم اهــدني وحــدي ول تهــد أحــدا ً غيــري أو ُ‬
‫بالهداية مــن دون النــاس وهــو كمــا تقــول اللهــم ارزقنــي واشــفني‬
‫وعافني‪ .‬فأنت تسأل لنفســك ذلــك ولــم تســأله أن يخصــك وحــدك‬
‫بالرزق والشفاء والعافية فل يرزق أحدا ً غيرك ول يشفيه ول يعافيه‪.‬‬
‫َ‬
‫** ومن هذا النوع من التقديم قوله تعالى ) ُ‬
‫ق ْ‬
‫مّنا‬
‫ل ُ‬
‫و الّر ْ‬
‫م ُ‬
‫نآ َ‬
‫ح َ‬
‫ه َ‬
‫وك ّل َْنا َ‬
‫ن )‪(29‬‬
‫و َ‬
‫و ِ‬
‫ن ُ‬
‫في َ‬
‫عل َي ْ ِ‬
‫بِ ِ‬
‫مو َ‬
‫ست َ ْ‬
‫ف َ‬
‫م ْ‬
‫ل ُ‬
‫ن َ‬
‫عل َ ُ‬
‫ضَل ٍ‬
‫ه َ‬
‫ه تَ َ‬
‫ه َ‬
‫مِبيمم ٍ‬
‫خر توكلنا عــن‬
‫الملك( فقدم الفعل آمنا على الجار والمجرور )به( وأ ّ‬
‫الجار والمجرور )عليه( وذلك لن اليمان لما لم يكن منحصــرا ً فــي‬
‫‪18‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫اليمان بالله بل ل بد معه من رسله وملئكتــه وكتبــه واليــوم الخــر‬
‫وغيره مما يتوقف صحة اليمان عليه‪ ،‬بخلف التوكــل فــإنه ل يجــوز‬
‫دم‬
‫إل على الله وحده لتفرده بالقدرة والعلــم القــديمين البــاقيين ق ـ ّ‬
‫الجار والمجرور فيه ليؤذن باختصاص التوكــل مــن العبــد علــى اللــه‬
‫دون غيره لن غيره ل يملك ضرا ً ول نفعا ً فيتوكل عليه‪.‬‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ممموُر )‪(53‬‬
‫ه تَ ِ‬
‫** ومن ذلك أيضا ً قوله تعالى )أَل إ َِلى الل ّ ِ‬
‫صمميُر اْل ُ‬
‫الشورى( لن المعنى هو أن الله مختص بصيرورة المــور إليــه دون‬
‫عل َي ْن َمما‬
‫ن َ‬
‫م إِ ّ‬
‫غيره‪ .‬ونحو قــوله تعــالى )إ ِ ّ‬
‫ن إ ِل َي َْنا إ ِي َمماب َ ُ‬
‫م )‪ (25‬ث ُم ّ‬
‫ه ْ‬
‫م )‪ (26‬الغاشية( ‪ .‬فإن اليــاب ل يكــون إل إلــى اللــه وهــو‬
‫ِ‬
‫ساب َ ُ‬
‫ح َ‬
‫ه ْ‬
‫َ‬
‫ب )‪ (36‬الرعــد( وقــوله‬
‫ه أ َدْ ُ‬
‫وإ ِل َي ْم ِ‬
‫نظير قوله تعــالى )إ ِل َي ْ ِ‬
‫ه َ‬
‫م مآ ِ‬
‫عممو َ‬
‫وّلى )‪ (32‬القيامة( فالمســاق إلــى اللــه وحــده ل‬
‫ن ك َذّ َ‬
‫ول َك ِ ْ‬
‫وت َ َ‬
‫ب َ‬
‫) َ‬
‫إلى ذات أخرى وهذا ليس من التقديم من أجــل مراعــاة المشــاكلة‬
‫لرؤوس الي كما ذهب بعضهم بل هو لقصد الختصاص نظيــر قــوله‬
‫ع‬
‫وإ ِل َي ْم ِ‬
‫ج ِ‬
‫تعالى )إ ِل َي ْ ِ‬
‫جم ُ‬
‫ه ي ُْر َ‬
‫مي ً‬
‫م َ‬
‫ج ُ‬
‫عك ُ ْ‬
‫ه َ‬
‫مْر ِ‬
‫عا )‪ (4‬يــونس( وقــوله ) َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫وت َ َ‬
‫م ك ُم ّ‬
‫ل‬
‫مَر ُ‬
‫قطّ ُ‬
‫م ب َي ْن َ ُ‬
‫هم ْ‬
‫هم ْ‬
‫عوا أ ْ‬
‫مُر ك ُل ّ ُ‬
‫اْل ْ‬
‫ه )‪ (123‬هود( وقــوله ) َ‬
‫ن )‪ (93‬النبياء( وغير ذلك من اليات‪.‬‬
‫عو َ‬
‫ج ُ‬
‫إ ِل َي َْنا َرا ِ‬
‫ة )‪(47‬‬
‫سمما َ‬
‫ه ي ُمَردّ ِ‬
‫ع ِ‬
‫** ومن هذا البــاب قــوله تعــالى )إ ِل َي ْ ِ‬
‫م ال ّ‬
‫عل ْم ُ‬
‫فصلت( فعلم الساعة مختص بالله وحده ل يعلمه أحد غيره ونحــوه‬
‫ة )‪ (34‬لقمــان( فقــدم‬
‫سمما َ‬
‫عن ْمدَهُ ِ‬
‫ه ِ‬
‫ع ِ‬
‫قوله تعالى )إ ِ ّ‬
‫م ال ّ‬
‫عل ْم ُ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫الظرف الذي هو الخبر على المبتدأ وهو نظير الية السابقة‪.‬‬
‫م َ‬
‫و )‪(59‬‬
‫ح ال ْ َ‬
‫همما إ ِّل ُ‬
‫و ِ‬
‫ب َل ي َ ْ‬
‫فات ِم ُ‬
‫م َ‬
‫عل َ ُ‬
‫عن ْدَهُ َ‬
‫غي ْم ِ‬
‫هم َ‬
‫** ونحو قوله ) َ‬
‫النعام( فقدم الظرف الذي هو الخبر على المبتــدأ )مفاتــح الغيــب(‬
‫وذلــك لختصاصــه ســبحانه بعلــم الغيــب أل تــرى كيــف أكــد ذلــك‬
‫الختصاص بأسلوب آخر هو أسلوب القصر فقال‪ :‬ل يعلمها إل هو؟‬
‫وقــد يكــون التقــديم مــن هــذا النــوع لغــرض آخــر كالمــدح والثنــاء‬
‫والتعظيم والتحقير وغير ذلك مــن الغــراض‪ ،‬إل أن الكــثر فيــه أنــه‬
‫يفيد الختصاص‪ .‬ومن التقديم الذي ل يفيد الختصاص قـوله تعـالى‪:‬‬
‫ع ُ‬
‫ن‬
‫حمما َ‬
‫ب ك ُّل َ‬
‫و َ‬
‫همدَي َْنا ِ‬
‫وُنو ً‬
‫قممو َ‬
‫وي َ ْ‬
‫س َ‬
‫ه إِ ْ‬
‫مم ْ‬
‫هب َْنا ل َ ُ‬
‫همدَي َْنا َ‬
‫حاقَ َ‬
‫و َ‬
‫) َ‬
‫َ‬
‫قب ْ ُ‬
‫ل )‪ (84‬النعام( فهذا ليس من باب التخصيص إذ ليس معناه أننا‬
‫َ‬
‫ما هدينا إل نوحا ً وإنما هو من باب المدح والثناء‪ .‬ونحو قوله ) َ‬
‫ممما‬
‫فأ ّ‬
‫قهر )‪َ (9‬‬
‫ل َ‬
‫م َ‬
‫سائ ِ َ‬
‫هْر )‪ (10‬الضــحى( إذ‬
‫فَل ت َن ْ َ‬
‫ما ال ّ‬
‫وأ ّ‬
‫ال ْي َِتي َ‬
‫َ‬
‫فَل ت َ ْ َ ْ‬
‫ليس المقصود به جواز قهر غير اليتيم ونهر غيــر الســائل وإنمــا هــو‬
‫من باب التـوجيه فـإن اليـتيم ضـعيف وكـذلك السـائل وهمـا مظنـة‬
‫القهر فقدمهما للهتمام بشأنهما والتوجيه إلى عدم استضعافهما‪.‬‬
‫ثانيًا‪ :‬تقديم اللفظ وتأخيره على غير العامل‪:‬‬
‫‪19‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫إن تقديم اللفــاظ بعضــها علــى بعــض لــه أســباب عديــدة يقتضــيها‬
‫المقام وسياق القول‪ ،‬يجمعها قولهم‪ :‬إن التقديم إنما يكون للعنايــة‬
‫والهتمام‪ .‬فما كــانت بــه عنايتــك أكــبر قــدمته فــي الكلم‪ .‬والعنايــة‬
‫باللفظة ل تكون من حيث أنهــا لفظـة معينـة بـل قــد تكــون العنايــة‬
‫بحسب مقتضى الحال‪ .‬ولذا كان عليك أن تقدم كلمة في موضع ثم‬
‫تؤخرها في موضــع آخــر لن مراعــاة مقتضــى الحــال تقتضــي ذاك‪.‬‬
‫والقرآن أعلى مثل في ذلك فإنا نراه يقدم لفظة مرة ويؤخرها مرة‬
‫أخرى على حســب المقــام‪ .‬فنــراه مثل ً يقــدم الســماء علــى الرض‬
‫ومرة يقدم الرض على السماء ومرة يقدم النس على الجن ومرة‬
‫يقدم الجن على النس ومرة يقـدم الضـر علـى النفـع ومـرة يقـدم‬
‫النفع على الضر كل ذلك بحسب ما يقتضيه القول وسياق التعبير‪.‬‬
‫فإذا أردت أن تبين أسباب هذا التقديم أو ذاك فإنه ل يصــح الكتفــاء‬
‫بالقول إنه قدم هذه الكلم للعناية بها والهتمام دون تــبيين مــواطن‬
‫هذه العناية وسبب هذا التقديم‪.‬‬
‫فإذا قيل لك مث ً‬
‫ل‪ :‬لمــاذا قــدم الســماء علــى الرض هنــا؟ قلــت لن‬
‫الهتمــام بالســماء أكــبر ثــم إذا قيــل لــك ولمــاذا قــدم الرض علــى‬
‫السماء في هذه الية قلت لن الهتمام بالرض هنا أكبر‪ ،‬فــإذا قيــل‬
‫ولماذا كان الهتمام بالسماء هناك أكبر وكان الهتمــام بــالرض هنــا‬
‫أكبر؟‬
‫وجب عليك أن تبين سبب ذلك وبيان الختلف بين الموطنين بحيث‬
‫تبين أنه ل يصح أو ل يحسن تقديم الرض على السماء فيما قــدمت‬
‫فيه السماء أو تقديم السماء علــى الرض فيمــا قــدمت فيــه الرض‬
‫بيانا ً شافيًا‪ .‬وكذلك بقية المواطن الخرى‪ .‬أما أن تكتفــي بعبــارة أن‬
‫هــذه اللفظـة قــدمت للعنايـة والهتمـام بهــا فهــذا وجــه مـن وجـوه‬
‫البهام‪ .‬والكتفاء بها يضيع معرفة التمايز بيــن الســاليب فل تعــرف‬
‫السلوب العالي الرفيع من السلوب المهلهل السخيف إذ كل واحد‬
‫يقول لك‪ :‬إن عنايتي بهذه اللفظة هنا أكبر دون البصر بما يســتحقه‬
‫المقام وما يقتضيه السياق‪.‬‬
‫إن فن التقديم والتأخير فن رفيع يعرفه أهل البصر بــالتعبير والــذين‬
‫أوتوا حظا ً من معرفــة مواقــع الكلــم وليــس ادعــاء يــدعى أو كلمــة‬
‫تقال‪.‬‬
‫وقد بلغ القرآن الكريم في هذا الفن كما في غيره الذروة في وضع‬
‫الكلمات الوضع الذي تستحقه في التعبير بحيث تستقر فــي مكانهــا‬
‫المناسب‪ .‬ولم يكتف القـرآن الكريـم الـذي وضـع اللفظـة بمراعـاة‬
‫السياق الذي وردت فيه بل راعى جميع المواضــع الــتي وردت فيهــا‬
‫‪20‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫اللفظة ونظر إليها نظرة واحــدة شــاملة فــي القــرآن الكريــم كلــه‪.‬‬
‫فنرى التعبير متسقا ً متناسقا ً مع غيره من التعبيرات كأنه لوحة فنية‬
‫واحدة مكتملة متكاملة‪.‬‬
‫إن القرآن الكريم دقيق في وضع اللفاظ ورصفها بجنب بعض دقــة‬
‫عجيبة فقد تكون له خطوط عامة في التقديم والتــأخير وقــد تكــون‬
‫هناك مواطن تقتضي تقديم هذه اللفظة أو تلك و كذلك مرتعــا فيــه‬
‫سياق الكلم والتساق العــام فــي التعــبير علــى أكمــل وجــه وأبهــى‬
‫صورة‪ .‬وسنوضح هذا القول المجمل ببيان شاف‪.‬‬
‫إن القرآن كما ذكرت يقدم اللفاظ ويؤخرها حسبما يقتضيه المقــام‬
‫فقــد يكــون ســياق الكلم مثل ً متــدرجا ً حســب القــدم والوليــة فــي‬
‫الوجود‪ ،‬فيرتب الكلمات على هذا الساس فيبــدأ بالقــدم ثــم الــذي‬
‫خل َ ْ‬
‫س إ ِّل‬
‫ما َ‬
‫ق ُ‬
‫ج ّ‬
‫و َ‬
‫واْل ِن ْ َ‬
‫ت ال ْ ِ‬
‫ن َ‬
‫يليه وهكذا وذلك نحو قوله تعالى ) َ‬
‫ن )‪ (56‬الذاريات( فخلق الجن قبل خلق النس بدليل قوله‬
‫عب ُ ُ‬
‫ل ِي َ ْ‬
‫دو ِ‬
‫ن َ‬
‫خل َ ْ‬
‫قب ْم ُ‬
‫موم ِ )‪(27‬‬
‫ن َ‬
‫ل ِ‬
‫قن َمماهُ ِ‬
‫جا ّ‬
‫وال ْ َ‬
‫ر ال ّ‬
‫مم ْ‬
‫مم ْ‬
‫سم ُ‬
‫تعــالى ) َ‬
‫ن ن َمما ِ‬
‫الحجر( فذكر الجن أول ً ثم ذكر النس بعدهم‪.‬‬
‫م )‪ (255‬البقــرة( لن‬
‫** ونحو قوله تعالى )َل ت َأ ْ ُ‬
‫سن َ ٌ‬
‫خذُهُ ِ‬
‫و ٌ‬
‫وَل ن َ ْ‬
‫ة َ‬
‫سنة وهي النعاس تسبق النوم فبدأ بالسنة ثم النوم‪.‬‬
‫ال ّ‬
‫و َ‬
‫د‬
‫و َ‬
‫قم ْ‬
‫عا ً‬
‫وث َ ُ‬
‫مودَ َ‬
‫دا َ‬
‫** ومن ذلك تقديم عاد على ثمود قال تعالى ) َ‬
‫م )‪ (38‬العنكبوت( فــإن عــادا ً أســبق مــن‬
‫م ِ‬
‫م َ‬
‫م ْ‬
‫ت َب َي ّ َ‬
‫ه ْ‬
‫ن َ‬
‫ن ل َك ُ ْ‬
‫ساك ِن ِ ِ‬
‫ثمود‪.‬‬
‫** وجعلوا من ذلك تقديم الليل على النهار والظلمــات علــى النــور‬
‫وال ْ َ‬
‫وال ّ‬
‫ق الل ّي ْ َ‬
‫مَر‬
‫ذي َ‬
‫و ُ‬
‫و ال ّ ِ‬
‫والن ّ َ‬
‫ق َ‬
‫ش ْ‬
‫خل َ َ‬
‫م َ‬
‫س َ‬
‫هاَر َ‬
‫ل َ‬
‫ه َ‬
‫قال تعالى ) َ‬
‫في َ‬
‫كُ ّ‬
‫ن )‪ (33‬النبياء( فقدم الليل لنه أسبق مــن‬
‫ل ِ‬
‫حو َ‬
‫سب َ ُ‬
‫فل َ ٍ‬
‫ك يَ ْ‬
‫النهار وذلك لنه قبل خلق الجــرام كــانت الظلمــة وقــدم الشــمس‬
‫علــى القمــر لنهــا قبلــه فــي الوجــود‪ .‬وقــال )ي ُ َ‬
‫ه الل ّي ْم َ‬
‫ل‬
‫قل ّ ُ‬
‫ب الل ّم ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫في ذَل ِ َ‬
‫ر )‪ (44‬النــور( إلــى‬
‫ك لَ ِ‬
‫ن ِ‬
‫هاَر إ ِ ّ‬
‫والن ّ َ‬
‫عب َْرةً ِلوِلي اْلب ْ َ‬
‫َ‬
‫صمما ِ‬
‫غير ذلك من اليات الكثيرة‪ .‬ومثل تقديم الليــل علــى النهــار تقــديم‬
‫ع َ‬
‫ت‬
‫ممما ِ‬
‫ج َ‬
‫و َ‬
‫ل الظّل ُ َ‬
‫الظلمات على النور كمــا ذكــرت‪ .‬قــال تعــالى ) َ‬
‫والّنوَر )‪ (1‬النعام( وذلك لن الظلمة قبل النور لما مر في الليل‪.‬‬
‫َ‬
‫قالوا‪ :‬ومن ذلك تقديم العزيز على الحكيــم حيــث ورد فــي القــرآن‬
‫م )‪ (1‬الحشر( قالوا لنه عّز فحكم‪.‬‬
‫و ُ‬
‫ح ِ‬
‫زيُز ال ْ َ‬
‫و ال ْ َ‬
‫كي ُ‬
‫ه َ‬
‫الكريم ) َ‬
‫ع ِ‬
‫** ومنه تقديم القوة علـى العـزة لنـه قـوي فعـّز أي غلـب بـالقوة‬
‫ه لَ َ‬
‫زيٌز )‪ (40‬و )‪ (70‬الحج(‬
‫ي َ‬
‫فالقوة أول قال تعالى )إ ِ ّ‬
‫و ّ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ع ِ‬
‫ق ِ‬
‫و َ‬
‫ه َ‬
‫زيًزا )‪ (25‬الحزاب(‪.‬‬
‫وّيا َ‬
‫كا َ‬
‫ن الل ّ ُ‬
‫وقال ) َ‬
‫ع ِ‬
‫ق ِ‬
‫‪21‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫** وقد يكون التقديم بحســب الفضــل والشــرف منــه تقــديم اللــه‬
‫سمو َ‬
‫ل‬
‫والّر ُ‬
‫م ْ‬
‫ع الل ّم َ‬
‫و َ‬
‫ه َ‬
‫سبحانه فــي الــذكر كقــوله تعــالى ) َ‬
‫ن ي ُطِم ِ‬
‫َ‬
‫فممُأول َئ ِ َ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫ه َ‬
‫م ِ‬
‫ع اّلمم ِ‬
‫عل َي ْ‬
‫ن أن ْ َ‬
‫ممم َ‬
‫ن الن ّب ِّييمم َ‬
‫ممم َ‬
‫ذي َ‬
‫همم ْ‬
‫م الّلمم ُ‬
‫عمم َ‬
‫ك َ‬
‫ِ‬
‫ن ُأول َئ ِ َ‬
‫في ً‬
‫وال ّ‬
‫قمما )‬
‫دا ِ‬
‫ك َر ِ‬
‫صال ِ ِ‬
‫دي ِ‬
‫و َ‬
‫ه َ‬
‫ص ّ‬
‫ح ُ‬
‫ش َ‬
‫سم َ‬
‫حي َ‬
‫قي َ‬
‫وال ّ‬
‫وال ّ‬
‫ن َ‬
‫ء َ‬
‫ن َ‬
‫َ‬
‫‪ (69‬النساء(‪ .‬فقدم الله على الرسول ثم قدم السعداء من الخلــق‬
‫بحسب تفاضلهم فبدأ بالفضلين وهم النــبيون ثــم ذكــر مــن يعــدهم‬
‫بحســب تفاضــلهم‪ .‬كمــا تــدرج مــن الفئة القليلــة إلــى الكــثرة فبــدأ‬
‫ديقين وهــم أكــثر ثــم الشــهداء ثــم‬
‫بالنبيين وهو أقل الخلق ثــم الصـ ّ‬
‫الصالحين فكل صنف أكثر من الذي قبله فهو تدرج مــن القلــة إلــى‬
‫الكثرة ومن الفضل إلى الفاضل ول شك أن أفضل الخلق هم أقــل‬
‫الخلق إذ كلما ترقى الناس في الفضل ق ّ‬
‫ل صنفهم‪.‬‬
‫ميث َمما َ‬
‫م‬
‫وإ ِذْ أ َ َ‬
‫ن ِ‬
‫خذَْنا ِ‬
‫ق ُ‬
‫ن الن ّب ِّيي م َ‬
‫م َ‬
‫ه ْ‬
‫** ومــن ذلــك قــوله تعــالى ) َ‬
‫من ْ َ‬
‫م‬
‫و ِ‬
‫وإ ِب َْرا ِ‬
‫و ِ‬
‫و ِ‬
‫عي َ‬
‫مو َ‬
‫م ْ‬
‫مْري َم َ‬
‫ن َ‬
‫و ُ‬
‫هي م َ‬
‫سممى َ‬
‫م َ‬
‫ح َ‬
‫ك َ‬
‫َ‬
‫سممى اب ْم ِ‬
‫ن ُنو ٍ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫قا َ‬
‫ميَثا ً‬
‫غِليظا )‪ (7‬الحــزاب( فبــدأ بالرســول لنــه‬
‫وأ َ‬
‫م ِ‬
‫خذَْنا ِ‬
‫من ْ ُ‬
‫ه ْ‬
‫َ‬
‫أفضلهم‪.‬‬
‫و‬
‫و ُ‬
‫ه َ‬
‫** وجعلوا من ذلك تقديم الســمع علــى البصــر قــال تعــالى ) َ‬
‫ع‬
‫ه ُ‬
‫سم ِ‬
‫ع ال ْب َ ِ‬
‫س ِ‬
‫صمميُر )‪ (11‬الشممورى* و )إ ِ ّ‬
‫مي ُ‬
‫مي ُ‬
‫و ال ّ‬
‫ال ّ‬
‫ن الل ّم َ‬
‫هم َ‬
‫و‬
‫صمميُر )‪ (1‬و ) ُ‬
‫صيُر )‪ (20‬غافر( وقال )إ ِّنه ُ‬
‫ع ال ْب َ ِ‬
‫س ِ‬
‫ال ْب َ ِ‬
‫مي ُ‬
‫و ال ّ‬
‫هم َ‬
‫ه َ‬
‫خل َ ْ‬
‫قن َمما‬
‫صيُر )‪ (56‬غافر( الســراء( وقــال تعــالى )إ ِّنا َ‬
‫ع ال ْب َ ِ‬
‫س ِ‬
‫مي ُ‬
‫ال ّ‬
‫َ‬
‫ه َ‬
‫ن ن ُطْ َ‬
‫م َ‬
‫صمميًرا )‬
‫عا ب َ ِ‬
‫س ِ‬
‫ج ن َب ْت َِلي ِ‬
‫ف ٍ‬
‫ن ِ‬
‫سا َ‬
‫مي ً‬
‫ج َ‬
‫ف َ‬
‫عل َْناهُ َ‬
‫اْل ِن ْ َ‬
‫م ْ‬
‫ةأ ْ‬
‫شا ٍ‬
‫ن إِ َ‬
‫ذا ذُك ّمُروا‬
‫وال ّم ِ‬
‫ذي َ‬
‫‪ (2‬النسان( فقدم السمع على البصر‪ .‬وقال ) َ‬
‫مَيان ًمما )‪ (73‬الفرقــان(‬
‫و ُ‬
‫خّروا َ‬
‫م يَ ِ‬
‫ب ِآ ََيا ِ‬
‫عل َي ْ َ‬
‫ع ْ‬
‫صم ّ‬
‫م لَ ْ‬
‫ه ْ‬
‫همما ُ‬
‫ما َ‬
‫ت َرب ّ ِ‬
‫دم الصم وهم فاقدو السـمع علـى العميـان وهـم فاقـدو البصـر‪.‬‬
‫فق ّ‬
‫قالوا لن السمع أفضل‪ .‬قاول والدليل على ذلك أن اللــه تعــالى لــم‬
‫يبعث نيا ً أصم ولكن قد يكون النبي أعمـى كيعقـوب ‪ ‬فـإنه عمـي‬
‫لفقد ولده‪.‬‬
‫والظاهر أن السمع بالنسبة إلى تلقــي الرســالة أفضــل مــن البصــر‬
‫ففاقد البصر يستطيع أن يفهم ويعــي مقاصــد الرســالة فــإن مهمــة‬
‫الرسل التبليغ عن الله‪ .‬والعمى يمكن تبليغه بها وتيســير اســتيعابه‬
‫لها كالبصير غير أن فاقـد السـمع ل يمكـن تبليغـه بسـهولة فالصـم‬
‫أنأى عن الفهم من العمى ولــذا كــان العميــان علمــاء كبــار بخلف‬
‫الصم‪ .‬فلكون متعلق ذلك التبليغ كان تقديم السمع أولى‪.‬‬
‫ويمكن أن يكون تقديم السمع على البصر لسبب آخر عدا الفضلية‬
‫وهو أن مدى السمع أقل مـن مـدى الرؤيـة فقـدم ذا المـدى القـل‬
‫متدرجا ً من القصر إلى الطول في المــدى ولــذا حيــن قــال موســى‬
‫‪22‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ف مُر َ‬
‫ن يَ ْ‬
‫فــي فرعــون ) َ‬
‫ن‬
‫قاَل َرب ّن َمما إ ِن ّن َمما ن َ َ‬
‫ط َ‬
‫خمما ُ‬
‫وأ ْ‬
‫فأ ْ‬
‫عل َي ْن َمما أ ْ‬
‫خا َ‬
‫غى )‪ (45‬طه( قال الله تعالى ) َ‬
‫قا َ‬
‫ممما‬
‫ل َل ت َ َ‬
‫ي َطْ َ‬
‫م َ‬
‫عك ُ َ‬
‫فمما إ ِن ّن ِممي َ‬
‫َ‬
‫وأ ََرى )‪ (46‬طه( فقدم السمع لنه يوحي بــالقرب إذ الــذي‬
‫م ُ‬
‫أ ْ‬
‫س َ‬
‫ع َ‬
‫يسمعك يكون في العــادة قريبـا ً منــك بخلف الــذي يــراك فــإنه قــد‬
‫يكون بعيدا ً وإن كان الله ل يند عن سمعه شيء‪.‬‬
‫وقد يكون التقديم بحســب الرتبــة وذلــك كقــوله تعــالى ) َ َ‬
‫ع‬
‫فل ت ُطِ ِ‬
‫ع ُ‬
‫ن َ‬
‫كم ّ‬
‫ل‬
‫في ُمدْ ِ‬
‫و ُتمدْ ِ‬
‫هُنو َ‬
‫وَل ت ُطِم ْ‬
‫و ّ‬
‫ه ُ‬
‫مك َذِّبي َ‬
‫ال ْ ُ‬
‫ن )‪َ (9‬‬
‫دوا ل َ ْ‬
‫ن )‪َ (8‬‬
‫م ّ‬
‫ر‬
‫شمما ٍ‬
‫ع ل ِل ْ َ‬
‫ن )‪َ (10‬‬
‫ء ب ِن َ ِ‬
‫حّل ٍ‬
‫َ‬
‫مي مم ٍ )‪َ (11‬‬
‫ز َ‬
‫ه ّ‬
‫ف َ‬
‫خي ْم ِ‬
‫من ّمما ٍ‬
‫هي ٍ‬
‫م ِ‬
‫ممما ٍ‬
‫َ‬
‫ماز هو العّياب وذلك ل يفتقــر إلــى‬
‫عت َ ٍ‬
‫م ْ‬
‫د أِثيم ٍ )‪ (12‬القلم( فإن اله ّ‬
‫ُ‬
‫مشي بخلف النميمة فإنها نقل للحديث من مكان إلــى مكــان عــن‬
‫شخص إلى شخص‪ .‬فبدأ بالهمــاز وهــو الــذي يعيــب النــاس وهــذا ل‬
‫يفتقر إلى مشي ول حركة‪ ،‬ثم انتقل إلى مرتبة أبعد في اليذاء وهو‬
‫المشي بالنميمة ثم انتقل إلى مرتبة أبعد في اليذاء وهـو أنـه يمنـع‬
‫الخير عن الخرين‪ .‬وهذه مرتبــة بعــد فــي اليــذاء ممــا تقــدمها‪ .‬ثــم‬
‫انتقل إلى مرتبة أخرى أبعد مما قبلها وهو العتداء فإن منــع الخيــر‬
‫قد ل يصحبه اعتداء أما العـدوان فهــو مرتبـة أشــد فــي اليـذاء‪ .‬ثــم‬
‫ختمها بقوله أثيم وهو وصف جامع لنواع الشرور فهي مرتبة أخرى‬
‫مــاز علــى م ّ‬
‫شــاء‬
‫أشد إيذاًء‪ .‬جاء فــي بــدائع الفــوائد ‪ :‬وأمــا تقــدم ه ّ‬
‫بنميم فالرتبة لن المشي مرتب على القعود في المكــان‪ .‬والهمــاز‬
‫هو العّياب وذلك ل يفتقــر إلــى حركــة وانتقــال مــن موضــعه بخلف‬
‫النميم‪ .‬وأمــا تقــدم )منــاع للخيــر( علــى )معتــد( فبالرتبــة أيضـا ً لن‬
‫المناع يمنع من نفســه والمعتــدي يعتــدي علــى غيــره ونفســه قبــل‬
‫غيره‪.‬‬
‫** وجعلوا مــن تقــدم الســمع علــى العلــم حيــث وقــع فــي القــرآن‬
‫م )‪ (137‬البقرة( وقــوله‬
‫و ُ‬
‫س ِ‬
‫ع ال ْ َ‬
‫مي ُ‬
‫و ال ّ‬
‫عِلي ُ‬
‫ه َ‬
‫الكريم كقوله تعالى ) َ‬
‫م )‪ (61‬النفــال( وذلــك أنــه خــبر يتضــمن‬
‫ه ُ‬
‫س ِ‬
‫ع ال ْ َ‬
‫مي ُ‬
‫و ال ّ‬
‫عِلي ُ‬
‫)إ ِن ّ ُ‬
‫ه َ‬
‫التخويف والتهديد‪ .‬فبدأ بالسمع لتعلقه كالصوات وهمس الحركــات‬
‫فإن من سمع حسك وخفي صــوتك أقــرب إليــك فــي العــادة ممــن‬
‫يقال لك‪ :‬إنه يعلم وإن كان علمــه تعــالى متعلق ـا ً بمــا ظهــر وبطــن‬
‫وواقعا ً على ما قرب وشــطن‪ .‬ولكــن ذكــر الســميع أوقــع فــي بــاب‬
‫التخويف من ذكر العليم فهو أولى بالتقديم‪.‬‬
‫ويمكن أن يقال‪ :‬إن السمع من وسائل العلم فهو يسبقه‪.‬‬
‫ن‬
‫** وجعلوا منه أيضا ً تقديم المغفــرة علــى الرحمــة نحــو قــوله )إ ِ ّ‬
‫و َ‬
‫ه َ‬
‫غ ُ‬
‫ن‬
‫فوٌر َر ِ‬
‫كا َ‬
‫حي ٌ‬
‫الل ّ َ‬
‫م )‪ (173‬البقرة( في آيات كــثيرة وقــوله ) َ‬
‫ه َ‬
‫غ ُ‬
‫ما )‪ (100‬النساء( قــالوا‪ :‬وســبب تقــديم الغفــور‬
‫فوًرا َر ِ‬
‫حي ً‬
‫الل ّ ُ‬
‫‪23‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫على الرحيم أن المغفرة سلمة والرحمة غنيمة والســلمة مطلوبــة‬
‫ج‬
‫ممما ي َِلمم ُ‬
‫قبل الغنيمة وإنما تأخرت في سورة سبأ في قوله )ي َ ْ‬
‫م َ‬
‫عل َ ُ‬
‫ْ َ‬
‫ز ُ‬
‫ممما‬
‫ما ِ‬
‫ما ي َ ْ‬
‫ِ‬
‫ل ِ‬
‫ج ِ‬
‫خمُر ُ‬
‫ن ال ّ‬
‫من ْ َ‬
‫مم َ‬
‫و َ‬
‫سم َ‬
‫و َ‬
‫و َ‬
‫ء َ‬
‫همما َ‬
‫ض َ‬
‫ممما ي َن ْم ِ‬
‫في الْر ِ‬
‫فوُر )‪ ( (2‬فالرحمة شملتهم جميعا ً‬
‫غ ُ‬
‫م ال ْ َ‬
‫و الّر ِ‬
‫و ُ‬
‫ج ِ‬
‫عُر ُ‬
‫يَ ْ‬
‫في َ‬
‫حي ُ‬
‫ه َ‬
‫ها َ‬
‫والمغفرة تخص بعضا ً ‪ ،‬والعموم قبــل الخصــوص بالرتبــة‪ .‬وليضــاح‬
‫ذلــك أن جميــع الخلئق مــن النــس والجــن والحيــوان وغيرهــم‬
‫محتاجون إلى رحمته فهي برحمتــه تحيــا وتعيــش وبرحمتــه تــتراحم‬
‫م‪.‬‬
‫وأما المغفرة فتخص المكلفين فالرحمة أع ّ‬
‫** ومن التقـديم بالرتبـة أيضـا ً قـوله تعـالى فـي مـن يكنـز الـذهب‬
‫م َ‬
‫همما‬
‫فممي ن َمما‬
‫مممى َ‬
‫همما ِ‬
‫ر َ‬
‫م يُ ْ‬
‫و َ‬
‫وى ب ِ َ‬
‫ج َ‬
‫عل َي ْ َ‬
‫هن ّم َ‬
‫ح َ‬
‫فت ُك ْم َ‬
‫والفضــة )ي َم ْ‬
‫ِ‬
‫م ِل َن ْ ُ‬
‫هم َ‬
‫م‬
‫م َ‬
‫همموُر ُ‬
‫جَبا ُ‬
‫ف ِ‬
‫و ُ‬
‫وظ ُ ُ‬
‫جن ُمموب ُ ُ‬
‫ه ُ‬
‫س مك ُ ْ‬
‫ممما ك َن َْزت ُم ْ‬
‫ذا َ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ِ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ذو ُ‬
‫َ‬
‫ف ُ‬
‫ن )‪ (35‬التوبة( فبدأ بالجباه ثــم الجنــوب‬
‫م ت َكن ُِزو َ‬
‫ما كن ْت ُ ْ‬
‫قوا َ‬
‫ثم الظهور قيل‪ :‬لنهم كانوا إذا أبصــروا الفقيــر عبســوا وإذا ضــمهم‬
‫وإياه مجلس ازوروا عنـه وتولـوا بأركـانهم وولـوه ظهـورهم فتـدرج‬
‫حسب الرتبة‪.‬‬
‫وقد يكون التقديم بحســب الكــثرة والقلــة فقــد يرتــب المــذكورات‬
‫متدرجا ً من القلة إلى الكثرة حسبما يقتضيه المقام وذلك نحو قوله‬
‫)أ َ‬
‫وال ْ‬
‫ي ِلل ّ‬
‫ن طَ‬
‫ّ‬
‫جوِد )‬
‫م‬
‫ك‬
‫ر‬
‫وال‬
‫ن‬
‫في‬
‫ك‬
‫ما‬
‫م‬
‫ع‬
‫ن‬
‫في‬
‫ئ‬
‫طا‬
‫ت‬
‫ي‬
‫ب‬
‫را‬
‫ه‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫سم ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ع ال ّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫‪ (125‬البقرة( فكل طائفة هي أقل من التي بعدها فتدرج من القلة‬
‫إلى الكثرة‪ .‬فالطائفون أقل من العاكفين لن الطــواف ل يكــون إل‬
‫حول الكعبة‪ .‬والعكوف يكون في المساجد عموما ً والعــاكفون أقــل‬
‫من الراكعين لن الركوع أي الصلة تكون في كل أرض طاهرة أمــا‬
‫العكوف فل يكون إل في المساجد ‪ .‬والراكعون أقل من الســاجدين‬
‫وذلك لن لكل ركعة سجدتين ثم إن كل راكع ل بــد أن يســجد وقــد‬
‫يكون سجود ليس فيه ركوع كسجود التلوة وسجود الشكر فهو هنا‬
‫تدرج من القلة إلى الكثرة‪ .‬ولهذا التدرج سبب اقتضاه المقام فــإن‬
‫م‬
‫و َ‬
‫هدَْنا إ َِلممى إ ِب َْرا ِ‬
‫هيمم َ‬
‫الكلم على بيت الله الحرام‪ .‬قال تعالى ) َ‬
‫ع ِ‬
‫عي َ َ‬
‫ي ِلل ّ‬
‫والّر ّ‬
‫ع‬
‫عماك ِ ِ‬
‫طمائ ِ ِ‬
‫ما ِ‬
‫لأ ْ‬
‫وال ْ َ‬
‫ن طَ ّ‬
‫وإ ِ ْ‬
‫في َ‬
‫في َ‬
‫س َ‬
‫ن َ‬
‫ن َ‬
‫َ‬
‫هَرا ب َي ْت ِ َ‬
‫كم ِ‬
‫جوِد )‪ (125‬البقرة( فالطائفون هم ألصــق المــذكورين بــالبيت‬
‫س ُ‬
‫ال ّ‬
‫لنهم يطوفون حوله‪ ،‬فبدأ بهم ثم تدرج إلى العاكفين في هذا البيت‬
‫أو في بيوت الله عموما ً ثم الركع السجود الذين يتوجهون إلــى هــذا‬
‫البيت في ركوعهم وسجودهم في كل الرض‪.‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫دوا‬
‫همما ال ّم ِ‬
‫ج ُ‬
‫سم ُ‬
‫من ُمموا اْرك َ ُ‬
‫وا ْ‬
‫ونحوه قــوله تعــالى )َيا أي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫عمموا َ‬
‫م تُ ْ‬
‫وا ْ‬
‫ن )‪ (77‬الحــج(‬
‫عُلوا ال ْ َ‬
‫وا ْ‬
‫حممو َ‬
‫فل ِ ُ‬
‫خي ْمَر ل َ َ‬
‫ف َ‬
‫عب ُ ُ‬
‫عل ّك ُم ْ‬
‫دوا َرب ّك ُ ْ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫‪24‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫فبدأ بالركوع وهو أقل المذكورات ثم السجود وهــو أكــثر ثــم عبــادة‬
‫م ثم فعل الخير‪.‬‬
‫الرب وهي أع ّ‬
‫وقد يكون الكلم بالعكس فيتدرج من الكثرة إلى القلــة وذلــك نحــو‬
‫ما ْ‬
‫ع‬
‫واْرك َ ِ‬
‫ج ِ‬
‫مم َ‬
‫سم ُ‬
‫قن ُت ِممي ل َِرب ّم ِ‬
‫وا ْ‬
‫عممي َ‬
‫مْري َم ُ‬
‫قوله تعالى )َيا َ‬
‫دي َ‬
‫ك َ‬
‫ن )‪ (43‬آل عمران( فبدأ بالقنوت وهــو عمــوم العبــادة ثــم‬
‫الّراك ِ ِ‬
‫عي َ‬
‫السجود وهو أخص وأقل ثم الركوع وهو أقل وأخص‪.‬‬
‫م َ‬
‫خل َ َ‬
‫م‬
‫ذي َ‬
‫م ك َمما ِ‬
‫ومنــه قــوه تعــالى ) ُ‬
‫و ِ‬
‫ف ِ‬
‫و ال ّم ِ‬
‫من ْك ُم ْ‬
‫من ْك ُم ْ‬
‫قك ُم ْ‬
‫فٌر َ‬
‫ه َ‬
‫م ْ‬
‫صيٌر )‪ (2‬التغابن( فبدأ بالكفار لنهــم‬
‫ن بَ ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫مُلو َ‬
‫ما ت َ ْ‬
‫م ٌ‬
‫ع َ‬
‫ه بِ َ‬
‫والل ّ ُ‬
‫ُ‬
‫ن َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫مم ْ‬
‫ن)‬
‫ؤ ِ‬
‫و َ‬
‫صم َ‬
‫مِني َ‬
‫ت بِ ُ‬
‫و َ‬
‫حَر ْ‬
‫ولم ْ‬
‫س َ‬
‫أكثر قال تعــالى ) َ‬
‫ما أكث َمُر الن ّمما ِ‬
‫‪ (103‬يوسف(‪.‬‬
‫َ‬
‫ص مطَ َ‬
‫ن‬
‫في َْنا ِ‬
‫ب ال ّم ِ‬
‫وَرث ْن َمما ال ْك ِت َمما َ‬
‫مم ْ‬
‫ذي َ‬
‫ونحوه قوله تعالى )ث ُ ّ‬
‫نا ْ‬
‫مأ ْ‬
‫م َ‬
‫م ْ‬
‫م ل ِن َ ْ‬
‫عَباِدَنا َ‬
‫ق‬
‫ِ‬
‫و ِ‬
‫قت َ ِ‬
‫و ِ‬
‫س ِ‬
‫ف ِ‬
‫ف ِ‬
‫م َ‬
‫من ْ ُ‬
‫من ْ ُ‬
‫من ْ ُ‬
‫سمماب ِ ٌ‬
‫ه ْ‬
‫م ُ‬
‫ه ْ‬
‫ظال ِ ٌ‬
‫ه ْ‬
‫صد ٌ َ‬
‫ه َ‬
‫ه ذَل ِم َ‬
‫و ال ْ َ‬
‫ضم ُ‬
‫ل ال ْك َِبيمُر )‪ (32‬فــاطر(‬
‫ِبال ْ َ‬
‫ك ُ‬
‫ف ْ‬
‫ن الل ّم ِ‬
‫خي َْرا ِ‬
‫هم َ‬
‫ت ب ِإ ِذْ ِ‬
‫فقدم الظالم لكثرته ثم المقتصد وهو أقل ممن قبله ثــم الســابقين‬
‫وهم أقل‪ .‬جاء في الكشــاف فــي هــذه اليــة فــإن قلــت ‪ :‬لــم قــدم‬
‫الظــالم ثــم المقتصــد ثــم الســابق؟ قلــت لليــذان بكــثر الفاســقين‬
‫وغلبتهم وإن المقتصدين قليل بالضافة إليهم والسـابقون أقــل مــن‬
‫ن‬
‫القليــل‪.‬أل تــرى كيــف قــال اللــه تعــالى فــي الســابقين )ث ُل ّ ٌ‬
‫ة ِ‬
‫مم َ‬
‫َ‬
‫و َ‬
‫قِلي ٌ‬
‫ن )‪ (14‬الواقعــة( إشــارة إلــى‬
‫ن اْل َ ِ‬
‫ل ِ‬
‫ري َ‬
‫م َ‬
‫وِلي َ‬
‫ن )‪َ (13‬‬
‫اْل ّ‬
‫خ ِ‬
‫ندرة وقلة وجودهم؟‬
‫ق‬
‫ر ُ‬
‫وال ّ‬
‫قــالوا‪ :‬ومــن هــذا النــوع مــن القــديم قــوله تعــالى ) َ‬
‫سمما ِ‬
‫َ‬
‫فا ْ‬
‫ة َ‬
‫ر َ‬
‫ما )‪ (38‬المائدة( قدم الســارق علــى‬
‫ق ُ‬
‫عوا أي ْ ِ‬
‫قطَ ُ‬
‫دي َ ُ‬
‫وال ّ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫سا ِ‬
‫السارقة لن السرقة في الذكور أكــثر‪ .‬وقــدم الزانيــة علــى الزانــي‬
‫دوا ُ‬
‫والّزاِني َ‬
‫كمم ّ‬
‫ممما‬
‫في قوله تعالى )الّزان ِي َ ُ‬
‫وا ِ‬
‫د ِ‬
‫حمم ٍ‬
‫جل ِ ُ‬
‫فا ْ‬
‫من ْ ُ‬
‫ه َ‬
‫ل َ‬
‫ة َ‬
‫ة )‪ (2‬النور( لن الزنى فيهن أكثر‪ .‬أل ترى أن قســما ً مــن‬
‫مئ َ َ‬
‫جل ْدَ ٍ‬
‫ِ‬
‫ة َ‬
‫النساء يحترفن هذه الفعلة الفاحشة؟ وجاء في حاشـية ابـن المنيـر‬
‫على الكشاف قـوله‪ :‬وقـدم الزانيـة علـى الزانـي والسـبب فيـه أن‬
‫الكلم الول فــي حكــم الزنــى والصــل فيــه المــرأة لمــا يبــدو مــن‬
‫اليماض والطماع والكلم‪ ،‬ولن مفسدته تتحقق بالضافة إليها"‪.‬‬
‫وقد يكون التقديم لملحظ أخرى تتناسب مع الســياق فنــراه يقــدم‬
‫لفظــة فــي موضــع ويؤخرهــا فــي موضــع آخــر بحســب مــا يقتضــي‬
‫السياق‪.‬‬
‫**فمن ذلك تقديم لفظ الضرر على النفع وبالعكس قاول‪ :‬إنه حيث‬
‫تقدم لنفع على الضر فلتقدم ما يتضمن النفع‪ .‬قال تعــالى ) ُ‬
‫قم ْ‬
‫ل َل‬
‫َ‬
‫مل ِ ُ‬
‫سي ن َ ْ‬
‫ك ل ِن َ ْ‬
‫ما َ‬
‫ه )‪ (188‬العراف(‬
‫وَل َ‬
‫ف ِ‬
‫ف ً‬
‫شاءَ الل ّ ُ‬
‫ضّرا إ ِّل َ‬
‫أ ْ‬
‫عا َ‬
‫‪25‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫ه‬
‫ه ِ‬
‫ن يَ ْ‬
‫م ْ‬
‫د الّلمم ُ‬
‫فقدم النفع على الضرر وذلك لنه تقدمه في قوله ) َ‬
‫ف مُأول َئ ِ َ‬
‫ل َ‬
‫َ‬
‫ضل ِ ْ‬
‫ن )‪(178‬‬
‫م ال ْ َ‬
‫ك ُ‬
‫ن يُ ْ‬
‫خا ِ‬
‫هت َ ِ‬
‫س مُرو َ‬
‫م ْ‬
‫ف ُ‬
‫م ْ‬
‫هم ُ‬
‫و َ‬
‫و ال ْ ُ‬
‫دي َ‬
‫ه َ‬
‫ت‬
‫و ك ُن ْم ُ‬
‫ول َ ْ‬
‫العراف( فقدم الهداية على الضــلل وبعــد ذلــك قــال ) َ‬
‫َ‬
‫ن أَنا‬
‫ن ال ْ َ‬
‫م ال ْ َ‬
‫أَ ْ‬
‫ت ِ‬
‫سوءُ إ ِ ْ‬
‫غي ْ َ‬
‫ست َك ْث َْر ُ‬
‫ي ال ّ‬
‫م ّ‬
‫ب َل ْ‬
‫م َ‬
‫ما َ‬
‫و َ‬
‫عل َ ُ‬
‫ر َ‬
‫سن ِ َ‬
‫خي ْ ِ‬
‫شمميٌر ل ِ َ‬
‫وم ٍ ي ُ ْ‬
‫ن )‪ ( (188‬فقــدم الخيــر علــى‬
‫ؤ ِ‬
‫وب َ ِ‬
‫إ ِّل ن َم ِ‬
‫من ُممو َ‬
‫قم ْ‬
‫ذيٌر َ‬
‫السوء ولذا قدم النفع على الضرر إذ هو المناسب للسياق‪.‬‬
‫َ‬
‫مل ِ ُ‬
‫وَل ن َ ْ‬
‫ك ل ِن َ ْ‬
‫وقال‪ُ ) :‬‬
‫ما َ‬
‫ق ْ‬
‫ه)‬
‫سي َ‬
‫ف ِ‬
‫ف ً‬
‫شاءَ الل ّم ُ‬
‫عا إ ِّل َ‬
‫ل َل أ ْ‬
‫ضّرا َ‬
‫و‬
‫‪ (49‬يونس( فق ّ‬
‫ول َم ْ‬
‫دم الضرر على النفع وقد قال قبل هذه اليــة ) َ‬
‫ضمم َ َ‬
‫ر لَ ُ‬
‫س ال ّ‬
‫ج ُ‬
‫م‬
‫م ِبال ْ َ‬
‫ق ِ‬
‫ع َ‬
‫ست ِ ْ‬
‫ع ّ‬
‫يُ َ‬
‫جال َ ُ‬
‫شّر ا ْ‬
‫همم ْ‬
‫ه ْ‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫خي ْ ِ‬
‫ي إ ِلي ْ ِ‬
‫ه ِللّنا ِ‬
‫َ‬
‫ن لِ َ‬
‫م َ‬
‫ن‬
‫في طُ ْ‬
‫غَيان ِ‬
‫قاءََنا ِ‬
‫فن َذَُر ال ّ ِ‬
‫هو َ‬
‫جو َ‬
‫م يَ ْ‬
‫ن َل ي َْر ُ‬
‫أ َ‬
‫م ُ‬
‫جل ُ ُ‬
‫ذي َ‬
‫ع َ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ِ‬
‫عان َمما ل ِجن ْب م َ‬
‫وإ ِ َ‬
‫و‬
‫ضّر دَ َ‬
‫ن ال ّ‬
‫َ ِ ِ‬
‫سا َ‬
‫س اْل ِن ْ َ‬
‫ذا َ‬
‫م ّ‬
‫هأ ْ‬
‫)‪ (11‬يونس( وقال ) َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ش ْ‬
‫ما َ‬
‫و َ‬
‫َ‬
‫ما ك َ َ‬
‫عَنا‬
‫م ي َمدْ ُ‬
‫فَنا َ‬
‫قا ِ‬
‫ه ُ‬
‫ممّر ك َمأ ْ‬
‫ع ً‬
‫ن ل َم ْ‬
‫ضّرهُ َ‬
‫عن ْ ُ‬
‫فل َ ّ‬
‫قائ ِ ً‬
‫دا أ ْ‬
‫ه ك َذَل ِ َ‬
‫ن)‬
‫ر ِ‬
‫إ َِلى ُ‬
‫مل ُممو َ‬
‫ممما ك َمماُنوا ي َ ْ‬
‫م ْ‬
‫م ّ‬
‫في َ‬
‫ك ُزي ّ َ‬
‫ع َ‬
‫ن َ‬
‫ن ل ِل ْ ُ‬
‫س ُ‬
‫ضّر َ‬
‫سم ِ‬
‫‪ (12‬يونس(‪ .‬فقدم الضر على النفع فــي اليــتين ‪ .‬ويــأتي بعــد هــذه‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ق ْ َ َ‬
‫الية قوله‪ُ ) :‬‬
‫عم َ‬
‫ممما َ‬
‫ذا‬
‫م َ‬
‫م إِ ْ‬
‫و نَ َ‬
‫هماًرا َ‬
‫ذاب ُ ُ‬
‫ن أَتاك ُ ْ‬
‫ل أَرأي ْت ُ ْ‬
‫ه ب ََيات ًمما أ ْ‬
‫ج ُ‬
‫ن )‪ ( (50‬فكان المناسب تقــديم الضــرر‬
‫ل ِ‬
‫مو َ‬
‫م ْ‬
‫ست َ ْ‬
‫يَ ْ‬
‫ر ُ‬
‫ه ال ْ ُ‬
‫من ْ ُ‬
‫ع ِ‬
‫ج ِ‬
‫على النفع ههنا‪.‬‬
‫َ‬
‫ل أَ‬
‫ن ِل َ‬
‫ول َِياءَ َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫وقال‪ُ ) :‬‬
‫ق ْ‬
‫ْ‬
‫م‬
‫سمم‬
‫ف‬
‫ن‬
‫كو‬
‫ل‬
‫م‬
‫ي‬
‫ل‬
‫أ‬
‫ه‬
‫ن‬
‫دو‬
‫ن‬
‫م‬
‫م‬
‫ت‬
‫ذ‬
‫خ‬
‫ت‬
‫فا‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ه ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫نَ ْ‬
‫دم النفع على الضرر‪ ،‬قالوا‪ :‬وذلــك‬
‫وَل َ‬
‫ضّرا )‪ (16‬الرعد( فق ّ‬
‫ف ً‬
‫عا َ‬
‫ْ َ‬
‫ض‬
‫ن ِ‬
‫وا ِ‬
‫ول ِل ّ ِ‬
‫س ُ‬
‫فممي ال ّ‬
‫ه يَ ْ‬
‫مم ْ‬
‫سم َ‬
‫جد ُ َ‬
‫ت َ‬
‫ما َ‬
‫لتقدم قوله تعالى ) َ‬
‫والْر ِ‬
‫َ‬
‫ل }س{)‪ (15‬الرعــد(‬
‫م ِبال ْ ُ‬
‫و ً‬
‫وك َْر ً‬
‫وظَِلل ُ ُ‬
‫ه ْ‬
‫واْل َ‬
‫صمما ِ‬
‫و َ‬
‫غد ُ ّ‬
‫ها َ‬
‫عا َ‬
‫طَ ْ‬
‫مل ِم ُ‬
‫فقــدم الطــوع علــى الكــره‪ .‬وقــال‪َ ) :‬‬
‫م‬
‫ع ُ‬
‫ك بَ ْ‬
‫و َ‬
‫ض مك ُ ْ‬
‫م َل ي َ ْ‬
‫فممال ْي َ ْ‬
‫ض نَ ْ‬
‫ضّرا )‪ (42‬سبأ( فقـدم النفــع علــى الضــر قــالوا‪:‬‬
‫وَل َ‬
‫ف ً‬
‫ل ِب َ ْ‬
‫عا َ‬
‫ع ٍ‬
‫س ُ‬
‫وذلك لتقدم قوله ) ُ‬
‫ن يَ َ‬
‫ق ْ‬
‫ن‬
‫شاءُ ِ‬
‫ل إِ ّ‬
‫ن َرّبي ي َب ْ ُ‬
‫ممم ْ‬
‫م ْ‬
‫ط الّرْزقَ ل ِ َ‬
‫خل ِ ُ‬
‫ء َ‬
‫ف ْ‬
‫ما أ َن ْ َ‬
‫وي َ ْ‬
‫ن َ‬
‫و‬
‫ي ٍ‬
‫و يُ ْ‬
‫و ُ‬
‫ِ‬
‫م ِ‬
‫ق ِ‬
‫عَباِد ِ‬
‫ف ُ‬
‫م ْ‬
‫فم ُ‬
‫قت ُ ْ‬
‫و َ‬
‫دُر ل َ ُ‬
‫هم َ‬
‫ه َ‬
‫هم َ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫شم ْ‬
‫ن )‪ (39‬سبأ( فقــد البســط‪ .‬وغيــر ذلــك مــن مواضــع‬
‫َ‬
‫ز ِ‬
‫قي َ‬
‫خي ُْر الّرا ِ‬
‫هاتين اللفظتين‪.‬‬
‫**ومن ذلك تقديم الرحمة والعذاب فقد قيل إنه حيث ذكر الرحمــة‬
‫ن يَ َ‬
‫ب‬
‫والعذاب بدأ بذكر الرحمة كقوله تعالى )ي َ ْ‬
‫غ ِ‬
‫عذ ّ ُ‬
‫وي ُ َ‬
‫م ْ‬
‫فُر ل ِ َ‬
‫شاءُ َ‬
‫ن َرّبم َ‬
‫ن يَ َ‬
‫ك َلم ُ‬
‫و ُ‬
‫ذو‬
‫م ْ‬
‫غ ِ‬
‫فمَر ٍ‬
‫شماءُ )‪ (18‬المــائدة( وقــوله )إ ِ ّ‬
‫مم ْ‬
‫ذو َ‬
‫َ‬
‫ة َ‬
‫َ‬
‫ب أِليم ٍ )‪ (43‬فصلت( وقوله ) َ‬
‫و َ‬
‫ع َ‬
‫ب‬
‫غا ِ‬
‫ِ‬
‫و ِ‬
‫ر الذّن ْ ِ‬
‫قا ٍ‬
‫ل الت ّم ْ‬
‫قاب ِم ِ‬
‫ب َ‬
‫ف ِ‬
‫ب ِذي ال ّ‬
‫ع َ‬
‫َ‬
‫صميُر )‪(3‬‬
‫ه إ ِّل ُ‬
‫د ال ْ ِ‬
‫م ِ‬
‫و إ ِل َْيم ِ‬
‫دي ِ‬
‫ش ِ‬
‫ه ال ْ َ‬
‫ل َل إ َِلم َ‬
‫قا ِ‬
‫هم َ‬
‫و ِ‬
‫طم ْ‬
‫غافر(‬
‫وعلى هذا جاء قول النبي ‪ ‬حكاية عــن اللــه تعــالى ‪ ":‬إن رحمــتي‬
‫سبقت غضبي"‬
‫‪26‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫وقد خرج عن هذه القاعدة مواضع اقتضت الحكمة فيها تقديم ذكــر‬
‫َ‬
‫م‬
‫العذاب ترهيبا ً وزجرًا‪ .‬من ذلك قوله تعالى في سورة المائدة )أَلمم ْ‬
‫َ‬
‫ْ َ‬
‫مل ْ ُ‬
‫ن يَ َ‬
‫شمماءُ‬
‫وا ِ‬
‫مأ ّ‬
‫عذ ّ ُ‬
‫ض يُ َ‬
‫تَ ْ‬
‫ك ال ّ‬
‫مم ْ‬
‫ب َ‬
‫س َ‬
‫ه ُ‬
‫ه لَ ُ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫عل َ ْ‬
‫ت َ‬
‫ما َ‬
‫والْر ِ‬
‫ء َ‬
‫ل َ‬
‫عَلى ك ُم ّ‬
‫ن يَ َ‬
‫ديٌر )‪ ( (40‬لنهــا‬
‫ي ٍ‬
‫وي َ ْ‬
‫ه َ‬
‫غ ِ‬
‫قم ِ‬
‫م ْ‬
‫والل ّ ُ‬
‫فُر ل ِ َ‬
‫شاءُ َ‬
‫َ‬
‫شم ْ‬
‫وردت فـي سـياق ذكــر قطـاع الطــرق والمحـاربين والسـّراق كـان‬
‫ن‬
‫المناسب تقديم ذكر العذاب وذلك أنها وردت بعد قوله تعالى ) ِ‬
‫مم ْ‬
‫عَلى بِني إسراِئي َ َ‬
‫َ‬
‫ل ذَل ِ َ‬
‫ل نَ ْ‬
‫ن َ‬
‫قت َ َ‬
‫ر‬
‫سا ب ِ َ‬
‫ك ك َت َب َْنا َ‬
‫َ‬
‫أ ْ‬
‫ف ً‬
‫م ْ‬
‫ه َ‬
‫ل أن ّ ُ‬
‫ِ ْ َ‬
‫ج ِ‬
‫غي ْ ِ‬
‫في اْل َرض َ َ‬
‫َ‬
‫ما َ‬
‫و َ‬
‫نَ ْ‬
‫قت َ َ‬
‫ن‬
‫ساٍد ِ‬
‫ج ِ‬
‫مي ً‬
‫س َ‬
‫ف َ‬
‫م ْ‬
‫و َ‬
‫فك َأن ّ َ‬
‫ل الّنا َ‬
‫عا َ‬
‫سأ ْ‬
‫ْ ِ‬
‫ف ٍ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ول َ َ‬
‫ها َ‬
‫س مل َُنا‬
‫حَيا َ‬
‫ج ِ‬
‫ق مد ْ َ‬
‫مي ً‬
‫س َ‬
‫ما أ ْ‬
‫أ ْ‬
‫م ُر ُ‬
‫جمماءَت ْ ُ‬
‫ه ْ‬
‫فك َأن ّ َ‬
‫حي َمما الن ّمما َ‬
‫عمما َ‬
‫ْ َ‬
‫عمممدَ ذَل ِممم َ‬
‫ض‬
‫ك ِ‬
‫ن ك َِثيمممًرا ِ‬
‫ِبال ْب َي ّن َممما ِ‬
‫م إِ ّ‬
‫م بَ ْ‬
‫من ْ ُ‬
‫هممم ْ‬
‫ت ث ُممم ّ‬
‫فمممي الْر ِ‬
‫ر ُ‬
‫ن )‪ (32‬المائدة( فقدم القتل على الحياء ثم قــال بعــدها‬
‫فو َ‬
‫م ْ‬
‫لَ ُ‬
‫س ِ‬
‫فممي‬
‫حمما‬
‫ن ِ‬
‫جَزاءُ ال ّم ِ‬
‫و َ‬
‫رُبو َ‬
‫سم َ‬
‫ن يُ َ‬
‫ما َ‬
‫وي َ ْ‬
‫وَر ُ‬
‫ذي َ‬
‫سممول َ ُ‬
‫ن الل ّم َ‬
‫)إ ِن ّ َ‬
‫ع ْ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ق ّ‬
‫و تُ َ‬
‫ن يُ َ‬
‫ض َ‬
‫م‬
‫اْل َْر‬
‫ع أْيمم ِ‬
‫دا أ ْ‬
‫طمم َ‬
‫سمما ً‬
‫ف َ‬
‫ه ْ‬
‫و يُ َ‬
‫صممل ُّبوا أ ْ‬
‫قت ُّلمموا أ ْ‬
‫دي ِ‬
‫ِ‬
‫خَلف أ َ‬
‫وأ َ‬
‫ممن اْل َ‬
‫جل ُ‬
‫ض ذَل ِم َ‬
‫َ‬
‫ي‬
‫ر‬
‫وا‬
‫ف‬
‫ن‬
‫ي‬
‫و‬
‫ن‬
‫م‬
‫م‬
‫ه‬
‫ر‬
‫م ِ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫ٍ‬
‫ُ‬
‫ك لَ ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫خمْز ٌ‬
‫هم ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫عم َ‬
‫م )‪ ( (33‬ثــم جــاء‬
‫ب َ‬
‫ة َ‬
‫في اْل ِ‬
‫م ِ‬
‫ِ‬
‫ع ِ‬
‫خ مَر ِ‬
‫ذا ٌ‬
‫ول َ ُ‬
‫ظي م ٌ‬
‫ه ْ‬
‫في الدّن َْيا َ‬
‫َ‬
‫فمما ْ‬
‫ة َ‬
‫ر َ‬
‫ممما‬
‫ق ُ‬
‫عوا أي ْم ِ‬
‫ما َ‬
‫قطَ ُ‬
‫دي َ ُ‬
‫وال ّ‬
‫وال ّ‬
‫جمَزاءً ب ِ َ‬
‫ه َ‬
‫رق ُ َ‬
‫بعــدها ) َ‬
‫سمما ِ‬
‫سا ِ‬
‫سَبا ن َ َ‬
‫م )‪ ((38‬ثــم جــاء بعــدها‬
‫ه َ‬
‫ح ِ‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫كاًل ِ‬
‫زيٌز َ‬
‫كَ َ‬
‫م َ‬
‫كي م ٌ‬
‫والل ّ ُ‬
‫ه َ‬
‫ع ِ‬
‫قوله تعالى )أ َل َم ت َعل َم أ َ‬
‫ت واْل َ‬
‫م ْ‬
‫ه لَ‬
‫ن الل ّ‬
‫ُ‬
‫ض‬
‫ر‬
‫وا‬
‫ما‬
‫م‬
‫سم‬
‫ال‬
‫ك‬
‫م‬
‫لم‬
‫ه‬
‫م‬
‫ِ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ْ ْ ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ل َ‬
‫عل َممى ك ُم ّ‬
‫ن يَ َ‬
‫ن يَ َ‬
‫ء‬
‫ي ٍ‬
‫وي َ ْ‬
‫ه َ‬
‫غ ِ‬
‫عذ ّ ُ‬
‫يُ َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫والل ّ م ُ‬
‫فُر ل ِ َ‬
‫ب َ‬
‫شاءُ َ‬
‫شاءُ َ‬
‫شم ْ‬
‫َ‬
‫ديٌر )‪( (40‬فــأنت تــرى أن المناســب ههنــا تقــديم العــذاب علــى‬
‫ق ِ‬
‫ق‬
‫ر ُ‬
‫وال ّ‬
‫المغفــرة‪ .‬جــاء فــي )الكشــاف( فــي قــوله تعــالى ) َ‬
‫سمما ِ‬
‫َ‬
‫فا ْ‬
‫ة َ‬
‫ر َ‬
‫ن يَ َ‬
‫ق ُ‬
‫شمماءُ‬
‫عوا أي ْ ِ‬
‫عذ ّ ُ‬
‫ما ( إلى قــوله ) ي ُ َ‬
‫قطَ ُ‬
‫دي َ ُ‬
‫وال ّ‬
‫مم ْ‬
‫ب َ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫سا ِ‬
‫ن يَ َ‬
‫شاءُ ( "فإن قلت لم قدم التعــذيب علــى المغفــرة؟‬
‫وي َ ْ‬
‫غ ِ‬
‫م ْ‬
‫فُر ل ِ َ‬
‫َ‬
‫قلت لنه قوبل بذلك تقديم السرقة على التوبة"‪.‬‬
‫ن يَ َ‬
‫شمماءُ‬
‫عذ ّ ُ‬
‫ومن ذلك قوله تعــالى فــي ســورة العنكبــوت )ي ُ َ‬
‫مم ْ‬
‫ب َ‬
‫ه تُ ْ‬
‫ن يَ َ‬
‫ن )‪ ( (21‬وذلك لنهــا فــي ســياق‬
‫وإ ِل َي ْ ِ‬
‫قل َُبو َ‬
‫وي َْر َ‬
‫م ْ‬
‫م َ‬
‫ح ُ‬
‫شاءُ َ‬
‫َ‬
‫إنذار ابراهيم لقومه ومخاطبة نمرود وأصحابه وأن العذاب وقع بهم‬
‫في الدنيا‪ .‬فقد أنذر ابراهيم قومه قائ ً‬
‫ن‬
‫ن ِ‬
‫دو َ‬
‫ن ُ‬
‫عب ُم ُ‬
‫ما ت َ ْ‬
‫مم ْ‬
‫ل‪) :‬إ ِن ّ َ‬
‫دو ِ‬
‫الل ّ َ‬
‫ف ً‬
‫ن إِ ْ‬
‫خل ُ ُ‬
‫ه‬
‫وت َ ْ‬
‫ن الل ّم ِ‬
‫ن ِ‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫ِ‬
‫دو َ‬
‫كا إ ِ ّ‬
‫قو َ‬
‫ن ُ‬
‫عب ُ ُ‬
‫ن تَ ْ‬
‫مم ْ‬
‫ذي َ‬
‫دو ِ‬
‫وَثاًنا َ‬
‫هأ ْ‬
‫مل ِ ُ‬
‫قمما َ‬
‫رْز ً‬
‫ه‬
‫فمماب ْت َ ُ‬
‫وا ْ‬
‫غوا ِ‬
‫عن ْمدَ الل ّم ِ‬
‫كو َ‬
‫عب ُم ُ‬
‫دو ُ‬
‫ن ل َك ُ ْ‬
‫َل ي َ ْ‬
‫ه ال مّرْزقَ َ‬
‫م ِ‬
‫وا ْ‬
‫ن‬
‫ه إ ِل َي ْم ِ‬
‫وإ ِ ْ‬
‫عممو َ‬
‫ج ُ‬
‫ه ت ُْر َ‬
‫شك ُُروا ل َم ُ‬
‫ن )‪ (17‬العنكبــوت( ثــم قــال‪َ ) :‬‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ن َ‬
‫ف َ‬
‫ت ُك َذُّبوا َ‬
‫ل إ ِّل‬
‫ممما َ‬
‫م ِ‬
‫قدْ ك َذّ َ‬
‫عل َممى الّر ُ‬
‫مم ْ‬
‫و َ‬
‫قب ْل ِك ُم ْ‬
‫م ٌ‬
‫بأ َ‬
‫سممو ِ‬
‫م َ‬
‫ال ْب ََل ُ‬
‫ن كَ َ‬
‫ت‬
‫فُروا ب ِآ ََيا ِ‬
‫وال ّ ِ‬
‫ذي َ‬
‫مِبي ُ‬
‫غ ال ْ ُ‬
‫ن )‪ ( (18‬وهددهم بعد بقوله ) َ‬
‫وُأول َئ ِ َ‬
‫ه ُأول َئ ِ َ‬
‫ول ِ َ‬
‫عم َ‬
‫ب‬
‫م َ‬
‫سوا ِ‬
‫قائ ِ ِ‬
‫الل ّ ِ‬
‫ذا ٌ‬
‫ن َر ْ‬
‫ك لَ ُ‬
‫ك ي َئ ِ ُ‬
‫م ْ‬
‫هم ْ‬
‫ح َ‬
‫مت ِممي َ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫م )‪ ( (23‬فأنت ترى أن السياق يقتضي تقديم العذاب هنا‪.‬‬
‫أِلي ٌ‬
‫‪27‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫وقد يكون التقديم والتأخير على نمط غير الذي ذكــرت مــن تقــديم‬
‫الضرر والنفع والعذاب والمغفرة وغيرها من الخطوط العامة‪ .‬فقــد‬
‫يقدم لفظـة فــي مكــان ويؤخرهـا فـي مكـان آخــر حسـبما يقتضـيه‬
‫السياق‪.‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫د‬
‫عل َْنا ِ‬
‫ن تَ ِ‬
‫وا ِ‬
‫يأ ْ‬
‫مي َ‬
‫ج َ‬
‫و َ‬
‫ض َر َ‬
‫**فمن ذلك قوله تعالى ) َ‬
‫س َ‬
‫في الْر ِ‬
‫ن )‪(31‬‬
‫همما ِ‬
‫عل َْنمما ِ‬
‫دو َ‬
‫هَتمم ُ‬
‫سممب ًُل ل َ َ‬
‫جا ً‬
‫ف َ‬
‫ج َ‬
‫و َ‬
‫م يَ ْ‬
‫عل ّ ُ‬
‫جمما ُ‬
‫في َ‬
‫همم ْ‬
‫همم ْ‬
‫م َ‬
‫بِ ِ‬
‫َ‬
‫سمما ً‬
‫عم َ‬
‫طا )‪(19‬‬
‫ج َ‬
‫ه َ‬
‫ض بِ َ‬
‫ل ل َك ُم ُ‬
‫والل ّ م ُ‬
‫م اْلْر َ‬
‫النبيمماء( وقمموله ) َ‬
‫سمل ُ ُ‬
‫جما )‪ (20‬نــوح( فقــدم الفجــاج علــى‬
‫سمب ًُل ِ‬
‫كوا ِ‬
‫جا ً‬
‫ف َ‬
‫همما ُ‬
‫من ْ َ‬
‫ل ِت َ ْ‬
‫ج فــي‬
‫السبل في الية الولى وأخرها عنها في آية نوح وذلك أن الف ّ‬
‫الصل هو الطريق في الجبل أو بين الجبليــن‪ ،‬فلمــا تقــدم فــي آيــة‬
‫النبياء ذكر الرواسي وهي الجبال قدم الفجاج لذلك بخلف آية نوح‬
‫فإنه لم يرد فيها ذكر للجبال فأخرها‪ .‬فوضع كل لفظة في الموضــع‬
‫الذي تقتضيه‪.‬‬
‫َ‬
‫ن ُ‬
‫م‬
‫م ِ‬
‫ل الل ّ ِ‬
‫في َ‬
‫ول َئ ِ ْ‬
‫مت ّ م ْ‬
‫و ُ‬
‫قت ِل ْت ُ ْ‬
‫هأ ْ‬
‫سِبي ِ‬
‫**ومثل ذلك قوله تعالى ) َ‬
‫ن‬
‫ة َ‬
‫م ْ‬
‫مم ٌ‬
‫غ ِ‬
‫خي ْمٌر ِ‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫فَرةٌ ِ‬
‫عممو َ‬
‫م ُ‬
‫ممما ي َ ْ‬
‫وَر ْ‬
‫ول َئ ِ ْ‬
‫م َ‬
‫ج َ‬
‫م ّ‬
‫ح َ‬
‫لَ َ‬
‫ن )‪َ (157‬‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫و ُ‬
‫ح َ‬
‫ن )‪ (158‬آل عمــران( فقــدم‬
‫م َل َِلى الل ّ ِ‬
‫ش مُرو َ‬
‫ه تُ ْ‬
‫قت ِل ْت ُ ْ‬
‫مت ّ ْ‬
‫ُ‬
‫مأ ْ‬
‫القتل على الموت في الية الولى وقدم الموت في الية التي تليها‬
‫وسبب ذلك والله أعلم أنه لما ذكر في اليــة الولــى )في سممبيل‬
‫الله( وهـو الجهــاد قــدم القتـل إذ هـو المناسـب لن الجهـاد مظّنـة‬
‫القتل‪ ،‬ثم هو الفضل أيضا ً ولذا ختمها بقوله )لمغفممرة مممن اللممه‬
‫ورحمة( فهذا جزاء الشهيد ومن مات في سبيل الله‪ .‬ولما لم يقل‬
‫في الثانية )في سبيل الله( قدم الموت على القتــل لنــه الحالــة‬
‫الطبيعية في غير الجهاد ثم ختمها بقوله )للممى اللممه تحشممرون(‬
‫إذا الميــت والمقتــول كلهمــا يحشــره اللــه إليــه‪ .‬فشــتان مــا بيــن‬
‫الخاتمتين‪ .‬فلم يزد في غير الشهيد ومن مات في سبيل اللــه علــى‬
‫أن يقول )للى الله تحشرون( وقال في خاتمــة الشــهيد )لمغفرة‬
‫من الله ورحمة خير مما يجمعون( فوضع كل لفظــة الموضــع‬
‫الذي يقتضيه السياق‪.‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ز‬
‫ماءَ إ َِلى اْلْر‬
‫ض ال ْ ُ‬
‫وا أّنا ن َ ُ‬
‫سوقُ ال ْ َ‬
‫ول َ ْ‬
‫م ي ََر ْ‬
‫** وقال تعالى )أ َ‬
‫ِ‬
‫جُر ِ‬
‫ل مْنمم َ‬
‫عمما ت َأ ْ ُ‬
‫م أَ َ‬
‫وأ َن ْ ُ‬
‫َ‬
‫فَل‬
‫فن ُ ْ‬
‫ه َزْر ً‬
‫كمم ُ ِ‬
‫ج ِبمم ِ‬
‫ه أن ْ َ‬
‫ر ُ‬
‫سمم ُ‬
‫ف ُ‬
‫م ُ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫عمما ُ‬
‫ُ‬
‫م َ‬
‫خمم ِ‬
‫ن )‪ (27‬الســجدة( فقــدم النعــام علــى النــاس‪ .‬وقــال فــي‬
‫ي ُب ْ ِ‬
‫صُرو َ‬
‫ة َ‬
‫و َ‬
‫م )‪(32‬‬
‫مَتا ً‬
‫عمما ِ‬
‫وِل َن ْ َ‬
‫فاك ِ َ‬
‫مك ُ ْ‬
‫عمما ل َك ُم ْ‬
‫وأب ّمما )‪َ (31‬‬
‫م َ‬
‫ه ً َ‬
‫مكان آخر ) َ‬
‫عبس( فقدم الناس على النعام وذلك لنه لما تقدم ذكر الزرع في‬
‫آية السجدة ناسب تقديم النعام بخلف آية عبس فإنهــا فــي طعــام‬
‫النسان قال تعالى ) َ‬
‫ه )‪ (24‬أ َن ّمما‬
‫م ِ‬
‫عمما ِ‬
‫سمما ُ‬
‫ن إ ِل َممى طَ َ‬
‫ر اْل ِن ْ َ‬
‫فل ْي َن ْظُ ِ‬
‫‪28‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫َ‬
‫شمم ّ‬
‫ق ْ‬
‫شمم َ‬
‫ض َ‬
‫م َ‬
‫قا )‪(26‬‬
‫صممّبا )‪ُ (25‬ثمم ّ‬
‫صممب َب َْنا ال ْ َ‬
‫قَنا اْلْر َ‬
‫ممماءَ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫و َ‬
‫َ‬
‫خًل )‬
‫ون َ ْ‬
‫و ِ‬
‫فأن ْب َت َْنا ِ‬
‫ق ْ‬
‫ها َ‬
‫في َ‬
‫وَزي ُْتوًنمما َ‬
‫ضًبا )‪َ (28‬‬
‫عن ًَبا َ‬
‫حّبا )‪َ (27‬‬
‫ة َ‬
‫ق ُ‬
‫و َ‬
‫م‬
‫مَتا ً‬
‫حم َ‬
‫و َ‬
‫فاك ِ َ‬
‫عمما ل َك ُم ْ‬
‫وأب ّمما )‪َ (31‬‬
‫دائ ِ َ‬
‫هم ً َ‬
‫غل ْب ًمما )‪َ (30‬‬
‫‪َ (29‬‬
‫م )‪ (32‬عبــس( أل تــرى كيــف ذكــر طعــام النســان مــن‬
‫عا ِ‬
‫وِل َن ْ َ‬
‫مك ُ ْ‬
‫َ‬
‫ب أي التبــن‪،‬‬
‫الحب والفواكه أول ً ثم ذكر طعام النعام بعده وهــو ال ّ‬
‫فناسب تقديم النسان على النعام ههنا كمــا ناســب تقــديم النعــام‬
‫م‪ .‬فسبحان الله رب العالمين‪.‬‬
‫على الناس ث ّ‬
‫َ‬
‫وَل ت َ ْ‬
‫ن‬
‫م ِ‬
‫ق نَ ْ‬
‫حمم ُ‬
‫م ْ‬
‫ن إِ ْ‬
‫وَلدَك ُ ْ‬
‫قت ُُلوا أ ْ‬
‫** ومن ذلك قوله تعالى ) َ‬
‫مَل َ ٍ‬
‫وَل ت َ ْ‬
‫ن َْرُز ُ‬
‫م‬
‫وإ ِّيا ُ‬
‫وَلدَك ُم ْ‬
‫ه ْ‬
‫قك ُ ْ‬
‫قت ُل ُمموا أ ْ‬
‫م )‪ (151‬النعــام( وقــوله ) َ‬
‫م َ‬
‫ن َ‬
‫ن ن َْرُز ُ‬
‫خ ْ‬
‫خطًْئا‬
‫َ‬
‫شي َ َ‬
‫ن ِ‬
‫م ك َمما َ‬
‫م إِ ّ‬
‫ق نَ ْ‬
‫قت ْل َ ُ‬
‫ق ُ‬
‫ح ُ‬
‫هم ْ‬
‫وإ ِي ّمماك ُ ْ‬
‫هم ْ‬
‫ة إِ ْ‬
‫م َ‬
‫مَل ٍ‬
‫ك َِبيًرا )‪ (31‬السراء( فقدم رزق الباء في الية الولى على البناء‪،‬‬
‫وفي الثانية قدم رزق البناء على البــاء وذلـك لن الكلم فـي اليـة‬
‫الولى موجه إلى الفقــراء دون الغنيــاء فهــم يقتلــون أولدهــم مــن‬
‫عــدتهم‬
‫الفقر الواقع بهم ل أنهــم يخشــونه فــأوجبت البلغــة تقــديم ِ‬
‫بالرزق تكميل العدة برزق الولد‪ .‬وفي الية الثانيــة الخطــاب لغيــر‬
‫الفقراء وهم الذين يقتلون أولدهم خشية الفقــر ل أنهــم مفتقــرون‬
‫في الحال وذلك أنهم يخــافون أن تسـلبهم كلـف الولد مــا بأيــديهم‬
‫من الغنى فوجب تقديم العدة بــرزق الولد فيــأمنوا مــا خــافوا مــن‬
‫الفقر‪ .‬فقل‪ :‬ل تقتلوهم فإنا نرزقهم وإياكم أي أن الله جعــل معهــم‬
‫رزقهم فهم ل يشاركونكم في رزقكم فل تخشوا الفقر‪.‬‬
‫عل َممى ُ ُ‬
‫عل َممى‬
‫** ومــن ذلــك قــوله تعــالى ) َ‬
‫و َ‬
‫ه َ‬
‫ه ْ‬
‫م الل ّم ُ‬
‫خت َ َ‬
‫م َ‬
‫قلمموب ِ ِ‬
‫عَلى أ َ‬
‫غ َ‬
‫عم َ‬
‫م )‪(7‬‬
‫صا‬
‫ب‬
‫ب َ‬
‫م َ‬
‫و َ‬
‫م ِ‬
‫م ِ‬
‫ع ِ‬
‫ر ِ‬
‫ذا ٌ‬
‫ْ‬
‫ول َ ُ‬
‫َ‬
‫ظي م ٌ‬
‫هم ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫س ْ‬
‫َ‬
‫وةٌ َ‬
‫شا َ‬
‫م َ‬
‫ِ‬
‫ع ِ‬
‫و َ‬
‫ع َ‬
‫ه‬
‫و َ‬
‫ل َ‬
‫م َ‬
‫م ِ‬
‫ر ِ‬
‫قل ْب ِ ِ‬
‫ع ِ‬
‫ج َ‬
‫و َ‬
‫عَلى َ‬
‫س ْ‬
‫خت َ َ‬
‫عل َممى ب َ َ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫البقرة( وقوله ) َ‬
‫صم ِ‬
‫غ َ‬
‫ة )‪ (23‬الجاثية( فقدم القلوب على السمع في البقرة وقدم‬
‫و ً‬
‫ِ‬
‫شا َ‬
‫السمع على القلب في الجاثية وذلك لنه فــي البقــرة ذكــر القلــوب‬
‫في ُ ُ‬
‫ض َ‬
‫ضمما )‬
‫فَزادَ ُ‬
‫المريضة فقــال ) ِ‬
‫مَر ً‬
‫ه َ‬
‫م الل ّم ُ‬
‫هم ُ‬
‫م َ‬
‫ه ْ‬
‫ممَر ٌ‬
‫قلمموب ِ ِ‬
‫‪ ( (10‬فقدم القلــوب لــذلك‪ .‬وفــي الجاثيـة ذكــر السـماع المعطلـة‬
‫َ‬
‫ل أَ ّ‬
‫ل ل ِك ُ ّ‬
‫وي ْ ٌ‬
‫ه‬
‫ه ت ُت َْلى َ‬
‫عل َي ْ ِ‬
‫ت الل ّ ِ‬
‫ع آ ََيا ِ‬
‫م ُ‬
‫فا ٍ‬
‫ك أِثيم ٍ )‪ (7‬ي َ ْ‬
‫س َ‬
‫فقال ) َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ها َ‬
‫فب َ ّ‬
‫ع َ‬
‫ب أِليم ٍ )‪(8‬‬
‫م يُ ِ‬
‫ست َك ْب ًِرا ك َأ ْ‬
‫شْرهُ ب ِ َ‬
‫م ْ‬
‫ع َ‬
‫م يَ ْ‬
‫م ْ‬
‫س َ‬
‫ن لَ ْ‬
‫صّر ُ‬
‫ثُ ّ‬
‫ذا ٍ‬
‫الجاثية( فقدم السمع‪ .‬فوضع كل لفظة في المكان الذي يناسبها‪.‬‬
‫ثم إن آية البقرة ذكرت صنفين من أصناف الكافرين من هــم أشــد‬
‫ن‬
‫ضلل ً وكفرا ً ممن ذكرتهم آية الجاثية فقد جاء فيها قوله تعــالى )إ ِ ّ‬
‫َ‬
‫ََ‬
‫واءٌ َ َ‬
‫ن كَ َ‬
‫م َل‬
‫ذْر ُ‬
‫م ت ُن ْم ِ‬
‫ال ّم ِ‬
‫مأ ْ‬
‫م أأن ْمذَْرت َ ُ‬
‫ف مُروا َ‬
‫ذي َ‬
‫ه ْ‬
‫م ل َم ْ‬
‫ه ْ‬
‫هم ْ‬
‫سم َ‬
‫علي ْ ِ‬
‫عَلى ُ ُ‬
‫يُ ْ‬
‫عَلممى‬
‫ن )‪َ (6‬‬
‫و َ‬
‫و َ‬
‫ه َ‬
‫م ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫عَلى َ‬
‫ه ْ‬
‫س ْ‬
‫ه ْ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫خت َ َ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫ع ِ‬
‫قلوب ِ ِ‬
‫أَ‬
‫غ َ‬
‫ع َ‬
‫م )‪ (7‬البقــرة( وجــاء فــي‬
‫صا‬
‫ب‬
‫ب َ‬
‫م َ‬
‫م ِ‬
‫ع ِ‬
‫ر ِ‬
‫ذا ٌ‬
‫ْ‬
‫ول َ ُ‬
‫ظي ٌ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫َ‬
‫وةٌ َ‬
‫شا َ‬
‫ِ‬
‫‪29‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫َ‬
‫فرأ َ‬
‫الجاثية قوله )أ َ‬
‫َ‬
‫عل َممى‬
‫م‬
‫ت‬
‫ي‬
‫ن ات ّ َ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫وأ َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫خذَ إ ِل َ َ‬
‫ه الل ّم ُ‬
‫ضل ّ ُ‬
‫ه ُ‬
‫َ‬
‫واهُ َ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ة‬
‫و َ‬
‫و ً‬
‫عل َ‬
‫م َ‬
‫ه ِ‬
‫م ِ‬
‫ِ‬
‫ر ِ‬
‫وقلب ِ ِ‬
‫ع ِ‬
‫ج َ‬
‫و َ‬
‫عَلى َ‬
‫س ْ‬
‫خت َ َ‬
‫علممى ب َ َ‬
‫غشمما َ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫عل ْم ٍ َ‬
‫صم ِ‬
‫َ‬
‫هأ َ‬
‫َ‬
‫ن )‪ ( (23‬فقــد ذكــر فــي‬
‫د الل ّ ِ‬
‫ع ِ‬
‫ه ِ‬
‫دي ِ‬
‫ه ِ‬
‫فَل ت َذَك ُّرو َ‬
‫ن بَ ْ‬
‫ن يَ ْ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ف َ‬
‫البقرة أن النذار وعدمه عليهم سواء وأنهــم ميــؤوس مــن إيمــانهم‬
‫ولم يقل مثل ذلك في الجاثية‪.‬‬
‫ثم كرر حرف الجر )على( مع القلوب والسماع في آية البقرة ممــا‬
‫عَلى ُ ُ‬
‫م ( ولــم‬
‫و َ‬
‫يفيد توكيد الختم فقال ) َ‬
‫م ِ‬
‫عل َممى َ‬
‫ه ْ‬
‫سم ْ‬
‫ه ْ‬
‫م َ‬
‫ع ِ‬
‫قلمموب ِ ِ‬
‫يقل مثل ذلك في الجاثية بل انتظم الســماع والقلــوب بحــرف جــر‬
‫واحد فقال )وختم على سمعه وقلبه(‪.‬‬
‫َ‬
‫غ َ‬
‫ة( بالجملــة الســمية‬
‫و ٌ‬
‫و َ‬
‫م ِ‬
‫ر ِ‬
‫ه ْ‬
‫عَلى أب ْ َ‬
‫شا َ‬
‫ثم قال في البقرة ) َ‬
‫صا ِ‬
‫والجملة السمية كما هو معلوم تفيد الدوام والثبات ومعنى ذلك أن‬
‫هؤلء لم يسبق لهم أن أبصروا وإنما هذا شأنهم وخلقتهــم فل أمــل‬
‫عمم َ‬
‫ل‬
‫ج َ‬
‫و َ‬
‫في إبصارهم في يوم من اليام‪ .‬في حين قال في الجاثية ) َ‬
‫غ َ‬
‫ة ( بالجملة الفعلية التي تفيد الحدوث ومعلوم‬
‫و ً‬
‫َ‬
‫ه ِ‬
‫ر ِ‬
‫عَلى ب َ َ‬
‫شا َ‬
‫ص ِ‬
‫أن )جعل( فعل ماض ومعنى ذلك أن الغشاوة لم تكن قبــل الجعــل‬
‫عل ْ مم ٍ ( ممــا يــدل‬
‫ه َ‬
‫عَلى ِ‬
‫وأ َ َ‬
‫ه الل ّ ُ‬
‫ضل ّ ُ‬
‫يدلك على ذلك قوله تعالى ) َ‬
‫على أنه كان مبصرا ً قبل ترديــه‪ .‬ثــم ختــم آيــة البقــرة بقــوله )وله‬
‫عذاب عظيم( ولم يقل مثل ذلك في آيــة الجاثيــة‪ .‬فــدل علــى أن‬
‫صفات الكفر في البقرة أشد تمكنـا ً فيهــم‪ .‬ولــذا قــدم ختــم القلــب‬
‫على ما سواه لنه هو الهم فإن القلـب هــو محـل الهــدى والضــلل‬
‫وإذا ختم عليه فل ينفع سمع ول بصر قال تعالى ) َ‬
‫مممى‬
‫همما َل ت َ ْ‬
‫فإ ِن ّ َ‬
‫ع َ‬
‫َ‬
‫مى ال ْ ُ‬
‫ر )‪ (46‬الحج(‪.‬‬
‫ب ال ِّتي ِ‬
‫ص ُ‬
‫قُلو ُ‬
‫ن تَ ْ‬
‫ول َك ِ ْ‬
‫ع َ‬
‫في ال ّ‬
‫اْلب ْ َ‬
‫صاُر َ‬
‫دو ِ‬
‫وقال ‪ " :‬أل وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجســد كلــه‬
‫وإذا فسدت فسد الجسد كله أل وهي القلب"؟‬
‫فكان تقديم القلب في البقرة أولى وأنسب كمــا أن تقــديم الســمع‬
‫في الجاثية أنسب‪.‬‬
‫ن َ‬
‫** ومنه قوله تعالى )ل َ َ‬
‫وآ ََبا ُ‬
‫قب ْ ُ‬
‫ه َ‬
‫ن‬
‫عدَْنا َ‬
‫و ِ‬
‫ؤَنا ِ‬
‫ل إِ ْ‬
‫ذا ن َ ْ‬
‫م ْ‬
‫ح ُ‬
‫ن َ‬
‫قد ْ ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن )‪ (68‬النمل( وقوله )ل َ َ‬
‫ه َ‬
‫ن‬
‫و ِ‬
‫َ‬
‫سا ِ‬
‫عدَْنا ن َ ْ‬
‫ذا إ ِّل أ َ‬
‫ح ُ‬
‫وِلي َ‬
‫قد ْ ُ‬
‫طيُر اْل ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن َ‬
‫وآَبا ُ‬
‫قْبم ُ‬
‫هم َ‬
‫هم َ‬
‫ن )‪(83‬‬
‫ن َ‬
‫ؤَنما َ‬
‫سما ِ‬
‫ذا ِ‬
‫ل إِ ْ‬
‫ذا إ ِّل أ َ‬
‫وِليم َ‬
‫مم ْ‬
‫طيُر اْل ّ‬
‫َ‬
‫المؤمنون( فقدم )هذا( في الية الولى وأخرها فــي آيــة المؤمنــون‬
‫َ‬
‫وآ ََبا ُ‬
‫وذلك أن ما قبل الولى )أ َئ ِ َ‬
‫ن)‬
‫م ْ‬
‫جو َ‬
‫خَر ُ‬
‫ؤَنا أئ ِّنا ل َ ُ‬
‫ذا ك ُّنا ت َُراًبا َ‬
‫ع َ‬
‫‪ (67‬النمل( وما قبل الثانية ) َ‬
‫قاُلوا أ َئ ِ َ‬
‫ما‬
‫و ِ‬
‫ذا ِ‬
‫ظا ً‬
‫وك ُّنا ت َُراًبا َ‬
‫مت َْنا َ‬
‫َ‬
‫ن )‪ (82‬المؤمنون( فالجهة المنظور فيها هناك كونهم‬
‫عوُثو َ‬
‫مب ْ ُ‬
‫أئ ِّنا ل َ َ‬
‫أنفســهم وآبــاؤهم تراب ـًا‪ .‬والجهــة المنظــور فيهــا هنــا كــونهم تراب ـا ً‬
‫وعظامًا‪ .‬ول شبهة أن الولى أدخل عندهم في تبعيد البعث ذلــك أن‬
‫‪30‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫البلى في الحالة الولى أكــثر وأشــد وذلــك أنهــم أصــبحوا ترابـا ً مــع‬
‫أبائهم‪ .‬وأما في الية الثانية فالبلى أقل وذلــك أنهــم تــراب وعظــام‬
‫دم )هــذا( فــي اليــة‬
‫فلم يصبهم ما أصاب الولين من البلى‪ ،‬ولذا قـ ّ‬
‫الولى لنه أدعى إلى العجب والتبعيد‪.‬‬
‫ق‬
‫و َ‬
‫ه إ ِّل ُ‬
‫خممال ِ ُ‬
‫م َل إ ِل َ َ‬
‫ه َرب ّك ُ ْ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫** ومن ذلك قوله تعالى )ذَل ِك ُ ُ‬
‫هم َ‬
‫ء َ‬
‫كيم ٌ‬
‫ل َ‬
‫عل َممى ك ُم ّ‬
‫ل َ‬
‫ك ُم ّ‬
‫ل )‪(102‬‬
‫ي ٍ‬
‫ي ٍ‬
‫و َ‬
‫فا ْ‬
‫و ُ‬
‫و ِ‬
‫عب ُم ُ‬
‫ء َ‬
‫هم َ‬
‫دوهُ َ‬
‫شم ْ‬
‫شم ْ‬
‫ل َ‬
‫ق كُ ّ‬
‫و‬
‫ي ٍ‬
‫م َ‬
‫ه إ ِّل ُ‬
‫ء َل إ ِل َ َ‬
‫خال ِ ُ‬
‫ه َرب ّك ُ ْ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫النعام( وقوله )ذَل ِك ُ ُ‬
‫ه َ‬
‫ش ْ‬
‫ف ُ‬
‫ؤ َ‬
‫َ‬
‫فأ َّنى ت ُ ْ‬
‫ن )‪ (62‬غافر(‬
‫كو َ‬
‫ق‬
‫خــر ) َ‬
‫هممو( وأ ّ‬
‫ه إ ِّل ُ‬
‫خممال ِ ُ‬
‫فأنت ترى أنه قدم في آية النعــام )َل إ ِل َ َ‬
‫ل َ‬
‫كُ ّ‬
‫ء( وفي غافر جاء بالعكس‪ .‬وذلك أنــه فــي ســياق النكــار‬
‫ي ٍ‬
‫ش ْ‬
‫على الشرك والدعوة إلى التوحيد الخــالص ونفــى الصــاحبة والولــد‬
‫شَر َ‬
‫خَر ُ‬
‫خل َ َ‬
‫ه ُ‬
‫ن‬
‫و َ‬
‫و َ‬
‫عُلوا ل ِل ّ ِ‬
‫ج َ‬
‫و َ‬
‫ق ُ‬
‫ه ب َِنيم َ‬
‫ج ّ‬
‫قمموا ل َم ُ‬
‫ه ْ‬
‫كاءَ ال ْ ِ‬
‫م َ‬
‫ن َ‬
‫قال‪َ ) :‬‬
‫ص ُ‬
‫ع‬
‫ت بِ َ‬
‫عاَلى َ‬
‫ر ِ‬
‫ن )‪ (100‬ب َ ِ‬
‫ما ي َ ِ‬
‫وب ََنا ٍ‬
‫فو َ‬
‫دي ُ‬
‫وت َ َ‬
‫سب ْ َ‬
‫عل ْم ٍ ُ‬
‫ع ّ‬
‫حان َ ُ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫غي ْ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ض أّنى ي َ ُ‬
‫ة‬
‫حب َ ٌ‬
‫صمما ِ‬
‫وا ِ‬
‫كو ُ‬
‫ال ّ‬
‫م ت َك ُ ْ‬
‫ن لم ُ‬
‫ول ْ‬
‫نل ُ‬
‫س َ‬
‫ه َ‬
‫ولدٌ َ‬
‫ه َ‬
‫ت َ‬
‫ما َ‬
‫والْر ِ‬
‫م )‪ (101‬ذَل ِ ُ‬
‫ل َ‬
‫و ب ِك ُ ّ‬
‫ل َ‬
‫ق كُ ّ‬
‫ه‬
‫ي ٍ‬
‫ي ٍ‬
‫و َ‬
‫ء َ‬
‫و ُ‬
‫م الّلم ُ‬
‫كم ُ‬
‫عِليم ٌ‬
‫خل َ َ‬
‫ه َ‬
‫ء َ‬
‫َ‬
‫شم ْ‬
‫ش ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫على ك ّ‬
‫ل َ‬
‫قك ّ‬
‫ل‬
‫ي ٍ‬
‫و َ‬
‫و َ‬
‫ء فا ْ‬
‫و ُ‬
‫ه إ ِل ُ‬
‫عب ُ ُ‬
‫خال ِ ُ‬
‫م ل إ ِل َ‬
‫َرب ّك ْ‬
‫ه َ‬
‫دوهُ َ‬
‫ه َ‬
‫ش ْ‬
‫كي ٌ‬
‫َ‬
‫ل )‪ (102‬النعام(‪ .‬فــأنت تــرى أن الكلم علــى التوحيــد‬
‫ي ٍ‬
‫و ِ‬
‫ء َ‬
‫ش ْ‬
‫دم كلمــة التوحيــد‬
‫ونفي الشرك والشركاء والصاحبة والولد ولــذا ق ـ ّ‬
‫ل َ‬
‫ق كُ ّ‬
‫ء( وهو المناسب للمقام‪.‬‬
‫ي ٍ‬
‫ش‬
‫و ( على ) َ‬
‫ه إ ِّل ُ‬
‫خال ِ ُ‬
‫)َل إ ِل َ َ‬
‫ه َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ل َ‬
‫ق كُ ّ‬
‫ه‬
‫ي ٍ‬
‫و َ‬
‫ء( بعد قوله )أّنى ي َك ُممو ُ‬
‫ن ل َم ُ‬
‫خل َ َ‬
‫ثم انظر كيف قال ) َ‬
‫ش ْ‬
‫خر الخلـق بعـد التوحيـد وهـو نظيـر‬
‫ة ( فأ ّ‬
‫حب َ ٌ‬
‫صا ِ‬
‫م ت َك ُ ْ‬
‫ن لَ ُ‬
‫ول َ ْ‬
‫ه َ‬
‫ول َدٌ َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ق كُ ّ‬
‫ل‬
‫و َ‬
‫ه إ ِل ُ‬
‫ه إ ِل ُ‬
‫خال ِ ُ‬
‫و ( فقال )ل إ ِل َ‬
‫تأخيره بعد قوله )ل إ ِل َ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫ء ( وهو تناظر جميل‪.‬‬
‫ي ٍ‬
‫ش ْ‬
‫أما في غافر فليس السياق كذلك وإنما هو في سياق الخلق وتعداد‬
‫َ‬
‫ْ َ‬
‫ن َ ْ‬
‫ق‬
‫النعم قال تعالى )ل َ َ‬
‫ض أك ْب َمُر ِ‬
‫وا ِ‬
‫ق ال ّ‬
‫مم ْ‬
‫سم َ‬
‫خل ْ ُ‬
‫ت َ‬
‫ما َ‬
‫خل م ِ‬
‫والْر ِ‬
‫الّناس ول َك من أ َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ن )‪ ((57‬إلــى أن يقــول‬
‫ما‬
‫م‬
‫ن‬
‫ال‬
‫ر‬
‫م‬
‫ث‬
‫ك‬
‫ّ‬
‫مممو َ‬
‫س َل ي َ ْ‬
‫ِ َ ِ ّ‬
‫عل َ ُ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫و َ‬
‫قا َ‬
‫ن‬
‫م ادْ ُ‬
‫ن ال ّ م ِ‬
‫س مت َك ْب ُِرو َ‬
‫م إِ ّ‬
‫ج ْ‬
‫ن يَ ْ‬
‫عوِني أ ْ‬
‫ذي َ‬
‫ب ل َك ُم ْ‬
‫ل َرب ّك ُ ُ‬
‫س مت َ ِ‬
‫) َ‬
‫ذي‬
‫سمي َدْ ُ‬
‫َ‬
‫دا ِ‬
‫ن ِ‬
‫ه ال ّم ِ‬
‫خُلو َ‬
‫م َ‬
‫ن َ‬
‫ج َ‬
‫عب َممادَِتي َ‬
‫ريم َ‬
‫عم ْ‬
‫ن )‪ (60‬الل ّم ُ‬
‫هن ّم َ‬
‫خ ِ‬
‫م الل ّي ْ َ‬
‫ع َ‬
‫ه َلمم ُ‬
‫ذو‬
‫سك ُُنوا ِ‬
‫مب ْ ِ‬
‫في ِ‬
‫صًرا إ ِ ّ‬
‫ج َ‬
‫َ‬
‫والن ّ َ‬
‫ل ل ِت َ ْ‬
‫ن الّلمم َ‬
‫هاَر ُ‬
‫ل ل َك ُ ُ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫س َل ي َ ْ‬
‫ن )‪(61‬‬
‫ن أك ْث َمَر الن ّمما‬
‫عَلى الن ّمما‬
‫ل َ‬
‫ف ْ‬
‫ش مك ُُرو َ‬
‫ول َك ِم ّ‬
‫س َ‬
‫ض ٍ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫و َ‬
‫ل َ‬
‫ق ك ُم ّ‬
‫ف مأّنى‬
‫ي ٍ‬
‫م َ‬
‫ه إ ِّل ُ‬
‫ء َل إ ِل َم َ‬
‫خممال ِ ُ‬
‫ه َرب ّك ُم ْ‬
‫م الل ّم ُ‬
‫ذَل ِك ُم ُ‬
‫هم َ‬
‫شم ْ‬
‫ف ُ‬
‫ؤ َ‬
‫تُ ْ‬
‫ن )‪ ( (62‬فــالكلم كمــا تــرى عــل الخلــق وعلــى نعــم اللــه‬
‫كو َ‬
‫وفضله على الناس ل على التوحيد فقدم الخلــق لــذلك فوضــع كــل‬
‫تعبير في موطنه اللئق حسب السياق‪.‬‬
‫‪31‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫و‬
‫ه إ ِّل ُ‬
‫م َل إ ِل َ َ‬
‫ه َرب ّك ُ ْ‬
‫م الل ّ ُ‬
‫جاء في البرهان للكرماني قوله )ذَل ِك ُ ُ‬
‫همم َ‬
‫ق ك ُم ّ‬
‫ل َ‬
‫ق كُ ّ‬
‫ل‬
‫ي ٍ‬
‫ء (فــي هــذا الســورة وفــي المــؤمن ) َ‬
‫َ‬
‫خال ِ ُ‬
‫خال ِ ُ‬
‫ش ْ‬
‫َ‬
‫و ( لن فيها قبله ذكر الشركاء والبنين والبنــات‬
‫ي ٍ‬
‫ه إ ِّل ُ‬
‫ء َل إ ِل َ َ‬
‫ه َ‬
‫ش ْ‬
‫ل َ‬
‫ق كُ ّ‬
‫ء‬
‫ي ٍ‬
‫هو ( ثم قال ) َ‬
‫ه إ ِّل ُ‬
‫خال ِ ُ‬
‫فدمغ قول قائله بقوله )َل إ ِل َ َ‬
‫ش ْ‬
‫ت واْل َ‬
‫ض‬
‫ر‬
‫(‪ .‬وفي المؤمن قبله ذكر الخلق وهو )ل َ َ‬
‫ق ال ّ‬
‫س َ‬
‫خل ْ ُ‬
‫ْ‬
‫وا ِ َ‬
‫ما َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ن َ ْ‬
‫س ( فخرج الكلم على إثبــات خلــق النــاس ل‬
‫أك ْب َُر ِ‬
‫م ْ‬
‫ق الّنا ِ‬
‫خل ِ‬
‫على نفي الشريك فقدم في كل سورة ما يقتضيه قبله من اليات‪.‬‬
‫َ‬
‫دوا‬
‫جا َ‬
‫و َ‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫** ومن ذلك قوله تعالى )إ ِ ّ‬
‫هم ُ‬
‫و َ‬
‫همما َ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫جُروا َ‬
‫مُنوا َ‬
‫بأ َموال ِهم وأ َ‬
‫ُ‬
‫ه )‪ (72‬النفــال( وقــوله‬
‫م‬
‫س‬
‫ف‬
‫ن‬
‫م ِ‬
‫ْ‬
‫ل الل ّم ِ‬
‫ِ‬
‫فممي َ‬
‫ه ْ‬
‫سمِبي ِ‬
‫ِ ْ َ ِ ْ َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫م‬
‫دوا ِ‬
‫جا َ‬
‫و َ‬
‫ل الل م ِ‬
‫)ال ّ ِ‬
‫ه ُ‬
‫و َ‬
‫ها َ‬
‫في َ‬
‫ذي َ‬
‫ه ْ‬
‫ه ب ِمأ ْ‬
‫نآ َ‬
‫م َ‬
‫سِبي ِ‬
‫جُروا َ‬
‫مُنوا َ‬
‫وال ِ ِ‬
‫وُأول َئ ِ َ‬
‫م ال ْ َ‬
‫وأ َن ْ ُ‬
‫ن)‬
‫م أَ ْ‬
‫ج ً‬
‫ك ُ‬
‫ة ِ‬
‫عْنمدَ الّلم ِ‬
‫ف ِ‬
‫فمائ ُِزو َ‬
‫م دََر َ‬
‫هم ُ‬
‫عظَ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫س ِ‬
‫‪ (20‬التوبة(‬
‫فقدم الموال والنفس على )في ســبيل اللــه( فــي ســورة النفــال‬
‫وقدم )في سبيل الله( على المــوال والنفــس فــي ســورة التوبــة‪،‬‬
‫وذلك لنه في سورة النفال تقدم ذكر المال والفداء والغنيمــة مــن‬
‫ض الدّن َْيا )‪ (67‬النفال( وهو المــال‬
‫ن َ‬
‫دو َ‬
‫ري ُ‬
‫عَر َ‬
‫مثل قوله تعالى )ت ُ ِ‬
‫ق‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫ب ِ‬
‫وَل ك َِتا ٌ‬
‫ه َ‬
‫م َ‬
‫سممب َ َ‬
‫الذي فدى به السرى أنفسهم وقوله )ل َ ْ‬
‫ع َ‬
‫م )‪ (68‬النفال( أي من الفداء‬
‫ما أ َ َ‬
‫ب َ‬
‫م َ‬
‫م ِ‬
‫ع ِ‬
‫ذا ٌ‬
‫م ّ‬
‫ظي ٌ‬
‫خذْت ُ ْ‬
‫في َ‬
‫سك ُ ْ‬
‫لَ َ‬
‫ما َ‬
‫وقوله ) َ‬
‫حَلًل طَي ًّبا )‪ (69‬النفال( وغيــر ذلــك‬
‫فك ُُلوا ِ‬
‫م َ‬
‫مت ُ ْ‬
‫غن ِ ْ‬
‫م ّ‬
‫فقدم المال ههنا‪ ،‬لن المال كان مطلوبا ً لهم حتى عاتبهم اللــه فــي‬
‫ذلك فطلب أن يبدأوا بالتضحية به‪.‬‬
‫وأما في سورة التوبة فقد تقدم ذكر الجهاد في سبيل الله من مثل‬
‫َ‬
‫قــوله تعــالى ) َ‬
‫م‬
‫وي ُ ْ‬
‫قممات ُِلو ُ‬
‫ز ِ‬
‫ه ب ِأْيمم ِ‬
‫م يُ َ‬
‫عممذّب ْ ُ‬
‫همم ْ‬
‫ديك ُ ْ‬
‫م الّلمم ُ‬
‫ه ُ‬
‫ه ْ‬
‫م َ‬
‫خ ِ‬
‫م َ َ‬
‫دوَر َ‬
‫مم ْ‬
‫وي َ ْ‬
‫ن )‪( (14‬وقــوله‬
‫ؤ ِ‬
‫ص ُ‬
‫ش ِ‬
‫مِني َ‬
‫وم ٍ ُ‬
‫ه ْ‬
‫صْرك ُ ْ‬
‫ف ُ‬
‫وي َن ْ ُ‬
‫ق ْ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫عل َي ْ ِ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫م‬
‫جا َ‬
‫دوا ِ‬
‫ه ال ِ‬
‫ح ِ‬
‫مأ ْ‬
‫ه ُ‬
‫ن َ‬
‫ما ي َ ْ‬
‫م َ‬
‫)أ ْ‬
‫ذي َ‬
‫من ْك م ْ‬
‫علم ِ الل ُ‬
‫ول ّ‬
‫سب ْت ُ ْ‬
‫ن ت ُت َْركوا َ‬
‫م ْ‬
‫خ ُ‬
‫ة‬
‫جمم ً‬
‫م ي َت ّ ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫سول ِ ِ‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫ذوا ِ‬
‫وِلي َ‬
‫ن ُ‬
‫وَل َر ُ‬
‫مِني َ‬
‫م ْ‬
‫وَل ال ْ ُ‬
‫ول َ ْ‬
‫ن َ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫دو ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫س َ‬
‫ج‬
‫ه َ‬
‫قاي َ َ‬
‫م ِ‬
‫مُلو َ‬
‫حا ّ‬
‫ة ال ْ َ‬
‫ج َ‬
‫ن )‪ ( (16‬وقوله )أ َ‬
‫ما ت َ ْ‬
‫عل ْت ُ ْ‬
‫ع َ‬
‫خِبيٌر ب ِ َ‬
‫والل ّ ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ر‬
‫وم ِ اْل ِ‬
‫و ِ‬
‫ن ب ِممالل ّ ِ‬
‫ج ِ‬
‫د ال ْ َ‬
‫م ْ‬
‫مم َ‬
‫مم ْ‬
‫نآ َ‬
‫ح مَرام ِ ك َ َ‬
‫ماَرةَ ال ْ َ‬
‫ع َ‬
‫س ِ‬
‫وال ْي َم ْ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫خم ِ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫دي‬
‫ن ِ‬
‫هد َ ِ‬
‫جا َ‬
‫همم ِ‬
‫عن ْدَ الل ِ‬
‫ل الل ِ‬
‫وو َ‬
‫و َ‬
‫ه ل يَ ْ‬
‫ه ل يَ ْ‬
‫في َ‬
‫والل ُ‬
‫ه َ‬
‫ست َ ُ‬
‫سِبي ِ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ال َ‬
‫ن )‪ ( (19‬فقــدم ذكــر )فــي ســبيل اللــه( علــى‬
‫م الظممال ِ ِ‬
‫و َ‬
‫مي َ‬
‫قم ْ‬
‫المــوال والنفــس وهــو المناســب ههنــا للجهــاد كمــا قــدم المــوال‬
‫والنفس هناك لنه المناسب للموال‪.‬‬
‫فل ْم َ‬
‫وت ََرى ال ْ ُ‬
‫ه )‪ (14‬النحــل(‬
‫خَر ِ‬
‫وا ِ‬
‫فيم ِ‬
‫ك َ‬
‫مم َ‬
‫**ومنه قــوله تعــالى ) َ‬
‫فل ْ َ‬
‫وت ََرى ال ْ ُ‬
‫خَر )‪ (12‬فاطر(‪:‬‬
‫وا ِ‬
‫ك ِ‬
‫في ِ‬
‫ه َ‬
‫م َ‬
‫وقوله ) َ‬
‫‪32‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫ّقدم المواخر على الجار والمجــرور فــي النحــل وقــدم )فيــه( علــى‬
‫مواخر في فاطر‪ .‬وذلك أنه تقــدم الكلم فــي النحــل علــى وســائط‬
‫النقل فذكر النعام وأنها تحمل الثقال وذكر الخيل والبغال والحمير‬
‫و‬
‫و ُ‬
‫ه َ‬
‫نركبها وزينة ثم ذكر الفلك وهــي واســطة نقــل أيضــا ً فقــال ) َ‬
‫ْ‬
‫ه‬
‫ست َ ْ‬
‫س ّ‬
‫جوا ِ‬
‫حَر ل ِت َأك ُُلوا ِ‬
‫ال ّ ِ‬
‫ر ُ‬
‫ه لَ ْ‬
‫خَر ال ْب َ ْ‬
‫وت َ ْ‬
‫ذي َ‬
‫مْنمم ُ‬
‫ح ً‬
‫من ْ ُ‬
‫رّيا َ‬
‫خ ِ‬
‫ما طَ ِ‬
‫فل ْم َ‬
‫وت َمَرى ال ْ ُ‬
‫ن‬
‫ول ِت َب ْت َ ُ‬
‫حل ْي َ ً‬
‫خَر ِ‬
‫وا ِ‬
‫ِ‬
‫غمموا ِ‬
‫في م ِ‬
‫سممون َ َ‬
‫ة ت َل ْب َ ُ‬
‫مم ْ‬
‫ك َ‬
‫ه َ‬
‫مم َ‬
‫ها َ‬
‫َ‬
‫م تَ ْ‬
‫دم المــواخر لنــه مــن‬
‫ف ْ‬
‫ضل ِ ِ‬
‫شك ُُرو َ‬
‫ن )‪ (14‬النحــل( ق ـ ّ‬
‫ول َ َ‬
‫عل ّك ُ ْ‬
‫ه َ‬
‫صفات الفلك وهذا التقديم مناسب في سياق وسائط النقل‪ .‬وليس‬
‫ه‬
‫والل ّ ُ‬
‫الســياق كــذلك فــي ســورة فــاطر وإنمــا قــال اللــه تعــالى ) َ‬
‫َ‬
‫ن ن ُطْ َ‬
‫خل َ َ‬
‫ممما‬
‫َ‬
‫فم ٍ‬
‫م ِ‬
‫م ِ‬
‫وا ً‬
‫ج َ‬
‫م َ‬
‫مم ْ‬
‫م ْ‬
‫و َ‬
‫عل َك ُم ْ‬
‫ة ث ُم ّ‬
‫ب ثُ ّ‬
‫قك ُ ْ‬
‫ن ت َُرا ٍ‬
‫جمما َ‬
‫م أْز َ‬
‫ُ‬
‫م ُ‬
‫وَل‬
‫ع إ ِّل ب ِ ِ‬
‫وَل ت َ َ‬
‫مُر ِ‬
‫م ِ‬
‫عل ْ ِ‬
‫ل ِ‬
‫ح ِ‬
‫م َ‬
‫ما ي ُ َ‬
‫ض ُ‬
‫تَ ْ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ع ّ‬
‫ن ُ‬
‫ع ّ‬
‫و َ‬
‫ر َ‬
‫ه َ‬
‫ن أن َْثى َ‬
‫م ٍ‬
‫ن ذَل ِ َ‬
‫ي ُن ْ َ‬
‫سمميٌر )‬
‫ك َ‬
‫ن ُ‬
‫ه إ ِّل ِ‬
‫ه يَ ِ‬
‫عل َممى الل ّم ِ‬
‫ر ِ‬
‫ص ِ‬
‫ب إِ ّ‬
‫م ْ‬
‫ع ُ‬
‫في ك َِتا ٍ‬
‫ق ُ‬
‫م ِ‬
‫ب ُ‬
‫هم َ‬
‫ت‬
‫ذا َ‬
‫ن َ‬
‫ع مذ ْ ٌ‬
‫وي ال ْب َ ْ‬
‫ف مَرا ٌ‬
‫ما ي َ ْ‬
‫و َ‬
‫ح مَرا ِ‬
‫‪ (11‬فاطر( ثم قال ) َ‬
‫ست َ ِ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ن كُ ّ‬
‫غ َ‬
‫ه َ‬
‫ري ّمما‬
‫سائ ِ ٌ‬
‫و َ‬
‫و ِ‬
‫ذا ِ‬
‫ل ت َأك ُُلو َ‬
‫ن لَ ْ‬
‫جا ٌ‬
‫حأ َ‬
‫مل ْ ٌ‬
‫َ‬
‫م ْ‬
‫ح ً‬
‫شَراب ُ ُ‬
‫ج َ‬
‫ه َ‬
‫ممما طَ ِ‬
‫فل ْم َ‬
‫وت َمَرى ال ْ ُ‬
‫خَر‬
‫ست َ ْ‬
‫حل ْي َم ً‬
‫وا ِ‬
‫ك ِ‬
‫ن ِ‬
‫في م ِ‬
‫جو َ‬
‫ر ُ‬
‫سممون َ َ‬
‫ة ت َل ْب َ ُ‬
‫وت َ ْ‬
‫ه َ‬
‫مم َ‬
‫ها َ‬
‫َ‬
‫خ ِ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫م تَ ْ‬
‫ن )‪ ( (12‬فالكلم هنــا علــى‬
‫ل ِت َب ْت َ ُ‬
‫نف ْ‬
‫ضل ِ ِ‬
‫غوا ِ‬
‫شكُرو َ‬
‫ول َ‬
‫م ْ‬
‫علك ْ‬
‫ه َ‬
‫البحر وأنواعه وما أودع الله فيــه مــن نعــم‪ .‬فلمــا كــان الكلم علــى‬
‫البحر قدم ضمير البحر على المواخر فقــال )وتممرى الفلممك فيممه‬
‫مواخر(‪ .‬فانظر كيف أنه لما كان الكلم على وسائط النقل والفلك‬
‫قدم حالة الفلك ولما كان الكلم على البحر ذكر ما يتعلق به‪.‬‬
‫ص مّر ْ‬
‫ول َ َ‬
‫هم َ‬
‫ذا‬
‫فممي َ‬
‫س ِ‬
‫ق مد ْ َ‬
‫** ومــن ذلــك قــوله تعــالى ) َ‬
‫فَنا ِللن ّمما ِ‬
‫َ‬
‫ف مأ َ‬
‫ال ْ ُ َ‬
‫ْ‬
‫س إ ِّل ك ُ ُ‬
‫ل َ‬
‫َ‬
‫ن ك ُم ّ‬
‫فمموًرا )‪(89‬‬
‫ما‬
‫م‬
‫ن‬
‫ال‬
‫ر‬
‫م‬
‫ث‬
‫ك‬
‫أ‬
‫بى‬
‫ّ‬
‫ن ِ‬
‫َ‬
‫م ْ‬
‫ل َ‬
‫ُ‬
‫مث َم ٍ‬
‫قْرآ ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ذا ال ْ ُ‬
‫صّر ْ‬
‫ول َ َ‬
‫هم َ‬
‫ن‬
‫في َ‬
‫فَنا ِ‬
‫س ِ‬
‫مم ْ‬
‫قد ْ َ‬
‫ق مْرآ ِ‬
‫السراء( وقوله ) َ‬
‫ن ِللن ّمما ِ‬
‫َ‬
‫و َ‬
‫ن أك ْث ََر َ‬
‫كُ ّ‬
‫جدًَل )‪ (54‬الكهف(‬
‫ي ٍ‬
‫سا ُ‬
‫كا َ‬
‫ء َ‬
‫ن اْل ِن ْ َ‬
‫ل َ‬
‫ل َ‬
‫مث َ ٍ‬
‫ش ْ‬
‫خرهــا فــي‬
‫قدم )للنــاس( علــى )فــي هــذا القــرآن( فــي الســراء وأ ّ‬
‫الكهف وذلك لنه تقدم الكلم في السراء على النسان ونعــم اللــه‬
‫عليه ورحمته به فقال )وإ َ َ‬
‫ون ََأى‬
‫ن أَ ْ‬
‫مَنا َ‬
‫ذا أن ْ َ‬
‫عَلى اْل ِن ْ َ‬
‫ع ْ‬
‫عَر َ‬
‫ض َ‬
‫سا ِ‬
‫َ ِ‬
‫ه ال ّ‬
‫وإ ِ َ‬
‫سمما )‪ ( (83‬إلــى أن يقــول‬
‫جممان ِب ِ ِ‬
‫ش مّر ك َمما َ‬
‫بِ َ‬
‫ن ي َُئو ً‬
‫م ّ‬
‫سم ُ‬
‫ذا َ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫ج مد ُ ل َ م َ‬
‫حي َْنا إ ِل َي ْ َ‬
‫ه‬
‫شئ َْنا ل َن َذْ َ‬
‫ك ب ِم ِ‬
‫ن ِبال ّ ِ‬
‫ن ِ‬
‫و َ‬
‫هب َ ّ‬
‫ول َئ ِ ْ‬
‫ك ث ُم ّ‬
‫م َل ت َ ِ‬
‫ذي أ ْ‬
‫) َ‬
‫عل َي ْم َ‬
‫ن َرب ّ َ‬
‫ن َ‬
‫ك‬
‫ن َ‬
‫َ‬
‫م ً‬
‫ف ْ‬
‫ة ِ‬
‫و ِ‬
‫ه ك َمما َ‬
‫ك إِ ّ‬
‫كيًل )‪ (86‬إ ِّل َر ْ‬
‫م ْ‬
‫ض مل َ ُ‬
‫ح َ‬
‫عل َي َْنا َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ك َِبيًرا )‪ُ (87‬‬
‫ق ْ‬
‫ن َيمأُتوا‬
‫ن َ‬
‫ل ل َئ ِ‬
‫ع ِ‬
‫عَلمى أ ْ‬
‫م َ‬
‫نا ْ‬
‫ج ّ‬
‫جت َ َ‬
‫ت اْل ِن ْ ُ‬
‫وال ْ ِ‬
‫س َ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫ذا ال ْ ُ َ‬
‫و َ‬
‫ه َ‬
‫ض‬
‫ل َ‬
‫ع ُ‬
‫مث ْل ِ ِ‬
‫ن بِ ِ‬
‫بِ ِ‬
‫كما َ‬
‫ن َل ي َأُتو َ‬
‫م ل ِب َ ْ‬
‫ن بَ ْ‬
‫ضم ُ‬
‫ه ْ‬
‫ول َ ْ‬
‫ه َ‬
‫قْرآ ِ‬
‫مث ْ ِ‬
‫عم ٍ‬
‫َ‬
‫هيًرا )‪ ( (88‬فناسب تقديم الناس في سورة السراء‪.‬‬
‫ظ ِ‬
‫ولم يتقدم مثل ذلك في سورة الكهف‪ .‬ثم انظر في افتتاح كل مــن‬
‫ذي أ َْنممَز َ‬
‫ل‬
‫ه اّلمم ِ‬
‫مدُ ل ِّلمم ِ‬
‫السورتين فقد بدأ سورة الكهف بقوله )ال ْ َ‬
‫ح ْ‬
‫‪33‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫جمما )‪َ (1‬‬
‫عم ْ‬
‫ذَر‬
‫عَلى َ‬
‫َ‬
‫ه ِ‬
‫ممما ل ِي ُن ْم ِ‬
‫د ِ‬
‫عب ْ ِ‬
‫و ً‬
‫ج َ‬
‫م يَ ْ‬
‫ه ال ْك َِتا َ‬
‫قي ّ ً‬
‫ل ل َم ُ‬
‫ول َم ْ‬
‫ع َ‬
‫ب َ‬
‫ْ‬
‫مم ْ‬
‫وي ُب َ ّ‬
‫سا َ‬
‫ن‬
‫ن ال ّ م ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫دا ِ‬
‫ش ِ‬
‫مل ُممو َ‬
‫ن يَ ْ‬
‫دي ً‬
‫ب َأ ً‬
‫ذي َ‬
‫مِني َ‬
‫مم ْ‬
‫ع َ‬
‫ش مَر ال ْ ُ‬
‫ن ل َمدُن ْ ُ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫سًنا )‪ ( (2‬فقــد بــدأ الســورة بــالكلم‬
‫حا ِ‬
‫تأ ّ‬
‫جًرا َ‬
‫مأ ْ‬
‫صال ِ َ‬
‫ح َ‬
‫ن لَ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ال ّ‬
‫على الكتاب وهو القرآن ثم ذكر بعده أصحاب الكهف وذكر موســى‬
‫والرجل الصالح وذكر ذا القرنيــن وغيرهــم مــن النــاس‪ ،‬فبــدأ بــذكر‬
‫القرآن ثم ذكر الناس فكان المناسب أن يتقــدم ذكــر القــرآن علــى‬
‫الناس في هذه الية كما في البدء‪.‬‬
‫وأما في سورة السراء فقد بدأت بالكلم علــى النــاس ثــم القــرآن‬
‫َ‬
‫ن‬
‫ه ل َي ًْل ِ‬
‫د ِ‬
‫عب ْم ِ‬
‫ن ال ّم ِ‬
‫حا َ‬
‫سمَرى ب ِ َ‬
‫سب ْ َ‬
‫ذي أ ْ‬
‫فقد بدأت بقوله تعالى ) ُ‬
‫مم َ‬
‫د اْل َ ْ‬
‫ه)‬
‫صى ال ّ ِ‬
‫ج ِ‬
‫ج ِ‬
‫ذي َباَرك َْنا َ‬
‫د ال ْ َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ول َ ُ‬
‫حَرام ِ إ َِلى ال ْ َ‬
‫ال ْ َ‬
‫ق َ‬
‫س ِ‬
‫س ِ‬
‫ح ْ‬
‫ذا ال ْ ُ‬
‫ه َ‬
‫ن‬
‫ن َ‬
‫قْرآ َ َ‬
‫‪( (1‬ثم تكلم على بني إسرائيل ثم قال بعد ذلك‪) :‬إ ِ ّ‬
‫ي أَ ْ‬
‫مم ْ‬
‫وي ُب َ ّ‬
‫ن‬
‫ه‬
‫ن ال ّ م ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫دي ل ِل ِّتي ِ‬
‫ه ِ‬
‫مل ُممو َ‬
‫ن يَ ْ‬
‫و ُ‬
‫يَ ْ‬
‫ذي َ‬
‫مِني َ‬
‫ع َ‬
‫ش مُر ال ْ ُ‬
‫م َ‬
‫قم َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫جًرا ك َِبيًرا )‪ ( (9‬فكان المناســب أن يتقــدم‬
‫حا ِ‬
‫تأ ّ‬
‫مأ ْ‬
‫صال ِ َ‬
‫ن لَ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ال ّ‬
‫ذكر الناس فيها على ذكر القرآن في هذه الية وهذا تناسب عجيــب‬
‫بين الية ومفتتح السورة في الموضعين‪.‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ثم انظر خاتمة اليتين فقد ختم آيــة الســراء بقــوله ) َ‬
‫فمأَبى أك ْث َمُر‬
‫س إ ِّل ك ُ ُ‬
‫فوًرا )‪ ( (89‬والكفور هــو جحــد النعــم فناســب ذلــك‬
‫الّنا ِ‬
‫تقدم ذكر النعمة والرحمة والفضل أل ترى مقابل الشــكر الكفــران‬
‫سمِبي َ‬
‫مما‬
‫ومقابــل الشــاكر الكفــور قــال تعــالى )إ ِّنا َ‬
‫همدَي َْناهُ ال ّ‬
‫ل إِ ّ‬
‫ما ك َ ُ‬
‫َ‬
‫فوًرا )‪ (3‬النسان( فكــان ختــام اليــة مناســب لمــا‬
‫وإ ِ ّ‬
‫شاك ًِرا َ‬
‫ن‬
‫وك َمما َ‬
‫تقــدم مــن الســياق‪ .‬أمــا آيــة الكهــف فقــد ختمهــا بقــوله ) َ‬
‫ن أ َك ْث ََر َ‬
‫ج مدًَل )‪ ( (54‬لمــا ذكــر قبلهــا وبعــدها مــن‬
‫ي ٍ‬
‫سا ُ‬
‫ء َ‬
‫اْل ِن ْ َ‬
‫ش ْ‬
‫ف َ‬
‫المحاورات والجدل والمراء من مثل قوله تعالى ) َ‬
‫قا َ‬
‫ه‬
‫صمما ِ‬
‫حب ِ ِ‬
‫ل لِ َ‬
‫ه )‪ ( (34‬وقوله ) َ‬
‫قا َ‬
‫ه)‬
‫و ُ‬
‫صمما ِ‬
‫و ُ‬
‫و يُ َ‬
‫و يُ َ‬
‫وُر ُ‬
‫حب ُ ُ‬
‫ل ل َم ُ‬
‫وُر ُ‬
‫ه َ‬
‫هم َ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫حمما ِ‬
‫حا ِ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫نك َ‬
‫جاِد ُ‬
‫ه‬
‫ل ل ِي ُدْ ِ‬
‫ح ُ‬
‫ضمموا ب ِ م ِ‬
‫ل ال ِ‬
‫وي ُ َ‬
‫ذي َ‬
‫فُروا ِبالَباطِ م ِ‬
‫‪ ( (37‬وبعدها ) َ‬
‫ق )‪ ( (56‬وذكر محاورة موسى الرجل الصــالح ومجــادلته فيمــا‬
‫ال ْ َ‬
‫ح ّ‬
‫كان يفعل‪ .‬وقال ) َ‬
‫هًرا )‪ ( (22‬ولــم‬
‫ر ِ‬
‫مَراءً ظَمما ِ‬
‫م إ ِّل ِ‬
‫ه ْ‬
‫فَل ت ُ َ‬
‫ما ِ‬
‫في ِ‬
‫يرد لفظ الجدل ول المحاورة في سورة السراء كلهــا‪ .‬فمــا ألطــف‬
‫هذا التناسق وما أجمل هذا الكلم!‪.‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫من ُمموا َل ت ُب ْطِل ُمموا‬
‫همما ال ّم ِ‬
‫** ومــن ذلــك قــوله تعــالى )ي َمما أي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫ذى َ‬
‫صد َ َ‬
‫واْل َ َ‬
‫وَل‬
‫ذي ي ُن ْ ِ‬
‫كال ّ ِ‬
‫م ّ‬
‫مال َ ُ‬
‫ق َ‬
‫ف ُ‬
‫م ِبال ْ َ‬
‫قات ِك ُ ْ‬
‫َ‬
‫س َ‬
‫ن َ‬
‫ه ِ‬
‫رَئاءَ الّنمما ِ‬
‫َ‬
‫ص ْ‬
‫ر َ‬
‫يُ ْ‬
‫ب‬
‫ن َ‬
‫وم ِ اْل ِ‬
‫عل َي ْ ِ‬
‫ن ِبالل ّ ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫ه ُتممَرا ٌ‬
‫م ُ‬
‫ه كَ َ‬
‫مث َل ُ ُ‬
‫ف َ‬
‫ل َ‬
‫وا ٍ‬
‫ف َ‬
‫مث َ ِ‬
‫وال ْي َ ْ‬
‫ه َ‬
‫خ ِ‬
‫َ َ‬
‫دا َل ي َ ْ‬
‫ل َ‬
‫عل َممى َ‬
‫واِبم ٌ‬
‫ممما‬
‫ي ٍ‬
‫ن َ‬
‫ء ِ‬
‫قم ِ‬
‫دُرو َ‬
‫صمل ْ ً‬
‫م ّ‬
‫فت ََرك َم ُ‬
‫صاب َ ُ‬
‫ه َ‬
‫فأ َ‬
‫ه َ‬
‫شم ْ‬
‫م ال ْ َ‬
‫دي ال ْ َ‬
‫ن )‪ (264‬البقرة( وقــوله‬
‫كا ِ‬
‫ه ِ‬
‫و َ‬
‫ه َل ي َ ْ‬
‫كَ َ‬
‫ري َ‬
‫والل ّ ُ‬
‫ق ْ‬
‫سُبوا َ‬
‫ف ِ‬
‫ن كَ َ‬
‫ماٍد ا ْ‬
‫مث َ ُ‬
‫ح‬
‫م أَ ْ‬
‫ت بِ ِ‬
‫ل ال ّ ِ‬
‫ه الّري ُ‬
‫شت َدّ ْ‬
‫مال ُ ُ‬
‫ذي َ‬
‫م ك ََر َ‬
‫ه ْ‬
‫ع َ‬
‫ه ْ‬
‫) َ‬
‫فُروا ب َِرب ّ ِ‬
‫‪34‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫ء ذَل ِم َ‬
‫ف َل ي َ ْ‬
‫عل َممى َ‬
‫ك‬
‫ي ٍ‬
‫سمُبوا َ‬
‫وم ٍ َ‬
‫ِ‬
‫ن ِ‬
‫ق ِ‬
‫عا ِ‬
‫دُرو َ‬
‫ص ٍ‬
‫ما ك َ َ‬
‫م ّ‬
‫في ي َ ْ‬
‫شم ْ‬
‫ضَل ُ‬
‫د )‪ (18‬ابراهيم(‬
‫ل ال ْب َ ِ‬
‫ُ‬
‫و ال ّ‬
‫عي ُ‬
‫ه َ‬
‫فقال في آية البقــرة )َل ي َ ْ‬
‫عل َممى َ‬
‫س مُبوا (‬
‫ي ٍ‬
‫ن َ‬
‫ء ِ‬
‫ق ِ‬
‫دُرو َ‬
‫ممما ك َ َ‬
‫م ّ‬
‫شم ْ‬
‫خر الكسب‪ .‬وقال في سورة ابراهيم )َل ي َ ْ‬
‫ن‬
‫فقدم الشيء وأ ّ‬
‫ق ِ‬
‫دُرو َ‬
‫عَلى َ‬
‫ء ( فقدم الكسب وأخر الشــيء وذلــك أن‬
‫ي ٍ‬
‫سُبوا َ‬
‫ِ‬
‫ما ك َ َ‬
‫م ّ‬
‫ش ْ‬
‫ط وليــس كاســبا ً‬
‫آية البقرة قي سياق النفاق والصدقة والمنفق مع ٍ‬
‫خــر الكســب فقــال )َل ي َ ْ‬
‫عَلممى َ‬
‫ممما‬
‫ي ٍ‬
‫ن َ‬
‫ولــذلك أ ّ‬
‫ء ِ‬
‫قمم ِ‬
‫دُرو َ‬
‫م ّ‬
‫شمم ْ‬
‫سُبوا ( وأما الية الثانية فهي في سياق العمــل والعامــل كاســب‬
‫كَ َ‬
‫دم الكسب‪.‬‬
‫فق ّ‬
‫ه إ ِّل ب ُ ْ‬
‫م‬
‫ج َ‬
‫ممما َ‬
‫شمَرى ل َك ُم ْ‬
‫ه الل ّم ُ‬
‫عل َم ُ‬
‫و َ‬
‫** ومــن ذلــك قــوله تعــالى ) َ‬
‫ن ُ‬
‫ز‬
‫ن ِ‬
‫د الل ّم ِ‬
‫عن ْم ِ‬
‫صُر إ ِّل ِ‬
‫م بِ ِ‬
‫ه ال ْ َ‬
‫مم ْ‬
‫مئ ِ ّ‬
‫و َ‬
‫قُلوب ُك ُ ْ‬
‫ول ِت َطْ َ‬
‫ما الن ّ ْ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫زي م ِ‬
‫عَ ِ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫غ ّ‬
‫ة‬
‫كيم ِ )‪ (126‬آل عمران( وقــوله )إ ِذْ ي ُ َ‬
‫من َم ً‬
‫ح ِ‬
‫م الن ّ َ‬
‫ال َ‬
‫سأ َ‬
‫شيك ُ‬
‫عمما َ‬
‫وي ُن َّز ُ‬
‫ب‬
‫ما ِ‬
‫ل َ‬
‫وي ُمذْ ِ‬
‫م ب ِم ِ‬
‫م ِ‬
‫ِ‬
‫ه َ‬
‫ممماءً ل ِي ُطَ ّ‬
‫ن ال ّ‬
‫م َ‬
‫هَرك ُم ْ‬
‫ء َ‬
‫س َ‬
‫عل َي ْك ُ ْ‬
‫من ْ ُ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫ول ِي َْرب ِم َ‬
‫ش مي ْ َ‬
‫عل َممى ُ‬
‫ج مَز ال ّ‬
‫ه‬
‫ط َ‬
‫َ‬
‫ت ب ِم ِ‬
‫ر ْ‬
‫وي ُث َب ّم َ‬
‫قل ُمموب ِك ُ ْ‬
‫عن ْك ُ ْ‬
‫م َ‬
‫ن َ‬
‫طا ِ‬
‫م ِ‬
‫َ‬
‫اْل ْ‬
‫م )‪ (11‬النفال(‬
‫ق َ‬
‫دا َ‬
‫دم القلب على الجار والمجرور في آل عمران فقــال‪) :‬ولتطمئن‬
‫فق ّ‬
‫خرها عنه فــي النفــال فقــال )ولتطمئن بــه قلــوبكم(‬
‫قلوبكم به( وأ ّ‬
‫علما ً بأن الكلم على معركة بــدر فــي المــوطنين غيــر أن الموقــف‬
‫مختلف‪.‬‬
‫ففــي آل عمــران ذكــر معركــة بــدر تمهيــدا ً لــذكر موقعــة أحــد ومــا‬
‫أصابهم فيها مـن قـرح وحـزن والمقـام مقـام مسـح علـى القلـوب‬
‫وطمأنة لها من مثل قوله تعالى‪) :‬وَل ت َهُنوا وَل ت َحزُنمموا َ‬
‫م‬
‫ْ َ‬
‫وأن ُْتمم ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ف َ‬
‫ح َ‬
‫م َ‬
‫م ْ‬
‫د‬
‫اْل َ ْ‬
‫ؤ ِ‬
‫ن )‪ (139‬إ ِ ْ‬
‫ن إِ ْ‬
‫و َ‬
‫قم ْ‬
‫قمْر ٌ‬
‫س ْ‬
‫م َ‬
‫مِني َ‬
‫سك ُ ْ‬
‫ن يَ ْ‬
‫م ُ‬
‫ن ك ُن ْت ُ ْ‬
‫عل َ ْ‬
‫َ‬
‫وت ِل ْم َ‬
‫م َ‬
‫س ال ْ َ‬
‫س‬
‫ح ِ‬
‫م ن ُم َ‬
‫قْر ٌ‬
‫ك اْلي ّمما ُ‬
‫و َ‬
‫ول ُ َ‬
‫ها ب َي ْم َ‬
‫مث ْل ُم ُ‬
‫َ‬
‫م ّ‬
‫ه َ‬
‫ق ْ‬
‫دا ِ‬
‫ن الن ّمما ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫م ُ‬
‫ب‬
‫ه ل يُ ِ‬
‫وي َت ّ ِ‬
‫خذ َ ِ‬
‫ه ال ِ‬
‫حم ّ‬
‫ه َ‬
‫ول ِي َ ْ‬
‫ش َ‬
‫ذي َ‬
‫والل ُ‬
‫من ْك ْ‬
‫نآ َ‬
‫م الل ُ‬
‫عل َ‬
‫داءَ َ‬
‫مُنوا َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ن )‪ (140‬آل عمران( إلى غيـر ذلـك مـن آيـات المواسـاة‬
‫الظال ِ ِ‬
‫مي َ‬
‫ه إ ِّل ب ُ ْ‬
‫م‬
‫ج َ‬
‫ما َ‬
‫شَرى ل َك ُ ْ‬
‫ه الل ّ ُ‬
‫عل َ ُ‬
‫و َ‬
‫والتصبير فقال في هذا الموطن ) َ‬
‫ن ُ‬
‫ه ( فذكر أن البشرى )لهم( وقــدم )قلــوبهم(‬
‫م بِ ِ‬
‫مئ ِ ّ‬
‫قُلوب ُك ُ ْ‬
‫ول ِت َطْ َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ن ُ‬
‫على المداد بالملئكة فقال )إ ِل ب ُ ْ‬
‫م‬
‫مئ ِ ّ‬
‫قلوب ُك ْ‬
‫ول ِت َط َ‬
‫شَرى لك ْ‬
‫م َ‬
‫ه ( كل ذلك من قبيل المواساة والتبشير والطمأنة‪.‬‬
‫بِ ِ‬
‫ولما لم يكن المقام في النفال كذلك وإنما المقام ذكر موقعة بــدر‬
‫وانتصارهم فيها ودور المداد السماوي في هــذا النصــر وقــد فصــل‬
‫ن َرب ّ ُ‬
‫م‬
‫ست َ ِ‬
‫غيُثو َ‬
‫في ذلك أكثر مما ذكر في آل عمران فقال )إ ِذْ ت َ ْ‬
‫كمم ْ‬
‫َ‬
‫فاست َجاب ل َك ُ َ‬
‫مَلئ ِ َ‬
‫ن)‬
‫مْرِد ِ‬
‫كمم ِ‬
‫ف ِ‬
‫م ِ‬
‫م ب ِأل ْ ٍ‬
‫َ ْ َ َ‬
‫فيمم َ‬
‫م َ‬
‫ة ُ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫مدّك ُ ْ‬
‫م أّني ُ‬
‫ْ‬
‫ه ُ‬
‫ه إ ِّل ب ُ ْ‬
‫ممما‬
‫ن ب ِم ِ‬
‫ج َ‬
‫ما َ‬
‫مئ ِ ّ‬
‫و َ‬
‫قل ُمموب ُك ُ ْ‬
‫ول ِت َطْ َ‬
‫ه الل ّم ُ‬
‫عل َم ُ‬
‫و َ‬
‫م َ‬
‫ش مَرى َ‬
‫‪َ (9‬‬
‫‪35‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫م )‪ (10‬إ ِ ْ‬
‫ذ‬
‫ه َ‬
‫ن ِ‬
‫ح ِ‬
‫د الّلمم ِ‬
‫عْنمم ِ‬
‫صممُر إ ِّل ِ‬
‫ه إِ ّ‬
‫زيممٌز َ‬
‫ممم ْ‬
‫كيمم ٌ‬
‫ن الّلمم َ‬
‫الن ّ ْ‬
‫ع ِ‬
‫َ‬
‫وي ُن َّز ُ‬
‫غ ّ‬
‫ما ِ‬
‫يُ َ‬
‫ل َ‬
‫من َ ً‬
‫ممماءً‬
‫م ِ‬
‫ة ِ‬
‫م الن ّ َ‬
‫ن ال ّ‬
‫مم َ‬
‫ء َ‬
‫سم َ‬
‫عل َي ْك ُ ْ‬
‫من ْ ُ‬
‫سأ َ‬
‫شيك ُ ُ‬
‫عا َ‬
‫ه َ‬
‫ول ِي َْرب ِ م َ‬
‫ش مي ْ َ‬
‫جَز ال ّ‬
‫عل َممى‬
‫ط َ‬
‫ب َ‬
‫وي ُذْ ِ‬
‫م بِ ِ‬
‫ر ْ‬
‫ه َ‬
‫ل ِي ُطَ ّ‬
‫عن ْك ُ ْ‬
‫هَرك ُ ْ‬
‫ن َ‬
‫طا ِ‬
‫ه َ‬
‫م ِ‬
‫حي َرّبمم َ‬
‫ه اْل َ ْ‬
‫ُ‬
‫ك إ َِلممى‬
‫م )‪ (11‬إ ِذْ ُيممو ِ‬
‫ت ِبمم ِ‬
‫قمم َ‬
‫دا َ‬
‫وي ُث َّبمم َ‬
‫قُلمموب ِك ُ ْ‬
‫م َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫في ُ‬
‫م َ‬
‫ب‬
‫قي ِ‬
‫سأل ْ ِ‬
‫فث َب ُّتوا ال ّ ِ‬
‫مَلئ ِك َ ِ‬
‫م َ‬
‫مُنوا َ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫عك ُ ْ‬
‫ة أّني َ‬
‫ال ْ َ‬
‫قل ُممو ِ‬
‫رُبوا َ‬
‫ب َ‬
‫ن كَ َ‬
‫رُبوا‬
‫وقَ اْل َ ْ‬
‫ف مُروا الّر ْ‬
‫وا ْ‬
‫فا ْ‬
‫ال ّم ِ‬
‫عم َ‬
‫ذي َ‬
‫ق َ‬
‫فم ْ‬
‫ضم ِ‬
‫عن َمما ِ‬
‫ضم ِ‬
‫م كُ ّ‬
‫ن )‪ ( (12‬أقول لما كان المقــام مختلفـا ً خــالف فــي‬
‫ِ‬
‫من ْ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ل ب ََنا ٍ‬
‫التعبير‪ .‬أنه لما كان المقام فــي النفــال مقــام النتصــار وإبــراز دور‬
‫المداد الرباني قدم )به( على القلوب والضمير يعود علــى المــداد‪.‬‬
‫ولما كان المقــام فــي آل عمــران هــو الطمأنينــة وتســكين القلــوب‬
‫ن ُ‬
‫ه ( وزاد كلمــة‬
‫م ب ِم ِ‬
‫مئ ِ ّ‬
‫قُلوب ُك ُ ْ‬
‫ول ِت َطْ َ‬
‫قدمها علــى المــداد فقــال ) َ‬
‫ه إ ِّل ب ُ ْ‬
‫م ( زيــادة فــي‬
‫ج َ‬
‫ممما َ‬
‫ش مَرى ل َك ُم ْ‬
‫ه الل ّم ُ‬
‫عل َم ُ‬
‫و َ‬
‫)لكــم( فقــال ) َ‬
‫المواساة والمسح على القلوب فجعل كل ً في مقامه‪.‬‬
‫عل َي ْ ُ‬
‫م‬
‫م َ‬
‫مي َْتم َ‬
‫ما َ‬
‫والمدّ َ‬
‫حمّر َ‬
‫م ال ْ َ‬
‫كم ُ‬
‫** ومــن ذلــك قــوله تعــالى )إ ِن ّ َ‬
‫ة َ‬
‫ُ‬
‫ضطُّر َ‬
‫ه َ‬
‫ه ّ‬
‫غ‬
‫ه لِ َ‬
‫م ال ْ ِ‬
‫نا ْ‬
‫ر الل ّ ِ‬
‫ل بِ ِ‬
‫ما أ ِ‬
‫ول َ ْ‬
‫ف َ‬
‫و َ‬
‫ح َ‬
‫ر َ‬
‫َ‬
‫غي ْ ِ‬
‫زي ِ‬
‫خن ْ ِ‬
‫غي ْمَر ب َمما ٍ‬
‫م ِ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫م )‪ (173‬البقــرة(‬
‫م َ‬
‫ول َ‬
‫ه غفمموٌر َر ِ‬
‫علي ْم ِ‬
‫ه إِ ّ‬
‫حيم ٌ‬
‫ن اللم َ‬
‫عاٍد فل إ ِث ْ َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫هم ّ‬
‫ل‬
‫ت َ‬
‫مي ْت َ ُ‬
‫م ال ِ‬
‫ما أ ِ‬
‫ول ْ‬
‫وقوله ) ُ‬
‫والدّ ُ‬
‫م ْ‬
‫و َ‬
‫ح ُ‬
‫م ال َ‬
‫علي ْك ُ‬
‫حّر َ‬
‫ر َ‬
‫م َ‬
‫ة َ‬
‫زي ِ‬
‫خن ْ ِ‬
‫و ُ‬
‫خن ِ َ‬
‫ة‬
‫من ْ َ‬
‫لِ َ‬
‫حم ُ‬
‫مت ََردّي َم ُ‬
‫ق ُ‬
‫والن ّ ِ‬
‫ه بِ ِ‬
‫ر الل ّ ِ‬
‫طي َ‬
‫وال ْ ُ‬
‫وال ْ َ‬
‫وال ْ ُ‬
‫ة َ‬
‫قمموذَةُ َ‬
‫م ْ‬
‫ة َ‬
‫ه َ‬
‫غي ْ َِ‬
‫ما أك َ َ‬
‫ب )‪(3‬‬
‫ح َ‬
‫ممما ذُب ِم َ‬
‫سب ُ ُ‬
‫ل ال ّ‬
‫و َ‬
‫ممما ذَك ّي ْت ُم ْ‬
‫ع إ ِّل َ‬
‫و َ‬
‫صم ِ‬
‫عل َممى الن ّ ُ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫المائدة( وقوله )ق ْ‬
‫علممى‬
‫ممما َ‬
‫ما أو ِ‬
‫جد ُ ِ‬
‫م َ‬
‫حّر ً‬
‫ي ُ‬
‫في َ‬
‫للأ ِ‬
‫ي إ ِل م ّ‬
‫ح َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن يَ ُ‬
‫سم ُ‬
‫م‬
‫مي ْت َ ً‬
‫طا ِ‬
‫كو َ‬
‫ه إ ِّل أ ْ‬
‫و لَ ْ‬
‫فو ً‬
‫عم ٍ ي َطْ َ‬
‫م ْ‬
‫حم َ‬
‫ممما َ‬
‫و دَ ً‬
‫ن َ‬
‫م ُ‬
‫ع ُ‬
‫حا أ ْ‬
‫ةأ ْ‬
‫قا أ ُ‬
‫فإن ّه رجس أ َ‬
‫ر الل ّ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫ضطُّر‬
‫م‬
‫ف‬
‫ه‬
‫ب‬
‫ه‬
‫ي‬
‫غ‬
‫ل‬
‫ل‬
‫ه‬
‫س‬
‫ف‬
‫و‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫نا ْ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ر َ ِ ُ ِ ْ ٌ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫زي ٍ‬
‫خن ْ ِ‬
‫ِ‬
‫ن َرب ّ َ‬
‫ك َ‬
‫َ‬
‫غ ُ‬
‫عاٍد َ‬
‫م )‪ (145‬النعام(‬
‫غي َْر َبا‬
‫وَل َ‬
‫فوٌر َر ِ‬
‫فإ ِ ّ‬
‫حي ٌ‬
‫غ َ‬
‫ٍ‬
‫ُ‬
‫ه ّ‬
‫ه ( فقــدم )بــه(‬
‫ه لِ َ‬
‫ر الل ّم ِ‬
‫ل ب ِم ِ‬
‫ما أ ِ‬
‫و َ‬
‫فقد قال في آية البقرة‪َ ) :‬‬
‫غي ْم ِ‬
‫ُ‬
‫على )لغير الله( ومعنى )ما أهل به( ‪ :‬ما رفــع الصــوت بــذبحه وهــو‬
‫ُ‬
‫هم ّ‬
‫ه‬
‫ل لِ َ‬
‫ر الل ّم ِ‬
‫ما أ ِ‬
‫و َ‬
‫البهيمة‪ .‬وقال في آيتي المــائدة والنعــام‪َ ) :‬‬
‫غي ْم ِ‬
‫دم )لغير الله( على )به( وذلك أن المقام في آية النعام هو‬
‫بِ ِ‬
‫ه ( فق ّ‬
‫في الكلم على المفترين علــى اللــه ممــن كــانوا يشــرعون للنــاس‬
‫َ‬
‫ن‬
‫ممما ذََرأ ِ‬
‫ه ِ‬
‫عُلوا ل ِل ّم ِ‬
‫ج َ‬
‫و َ‬
‫مم َ‬
‫م ّ‬
‫بإسم الله وهم يفترون عليــه فقــال ) َ‬
‫ث واْل َ‬
‫ذا ل ِ ّ‬
‫قما ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫هم َ‬
‫َ‬
‫ذا‬
‫م‬
‫ع‬
‫ز‬
‫ب‬
‫ه‬
‫لم‬
‫هم‬
‫لوا‬
‫ف‬
‫با‬
‫مي‬
‫م‬
‫ص‬
‫ن‬
‫م‬
‫عما‬
‫ن‬
‫ْ‬
‫و َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫ال ْ َ‬
‫هم ْ‬
‫ِ‬
‫م َ‬
‫حمْر ِ َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ما َ‬
‫شَر َ‬
‫ما َ‬
‫شَر َ‬
‫م َ‬
‫كائ َِنا َ‬
‫ص ُ‬
‫ن لِ ُ‬
‫لِ ُ‬
‫ن‬
‫ل إ َِلى الل ّ ِ‬
‫فَل ي َ ِ‬
‫كمما َ‬
‫كا َ‬
‫و َ‬
‫ه ْ‬
‫ف َ‬
‫ه َ‬
‫كائ ِ ِ‬
‫شمَر َ‬
‫ه َ‬
‫ل إ ِل َممى ُ‬
‫صم ُ‬
‫ن )‪(136‬‬
‫كائ ِ‬
‫و يَ ِ‬
‫ل ِل ّم ِ‬
‫مممو َ‬
‫ممما ي َ ْ‬
‫م َ‬
‫ف ُ‬
‫حك ُ ُ‬
‫سمماءَ َ‬
‫ه ْ‬
‫هم َ‬
‫ِ‬
‫قت ْ َ َ‬
‫شَر َ‬
‫وك َذَل ِ َ‬
‫ن َ‬
‫كا ُ‬
‫م ُ‬
‫م ْ‬
‫م‬
‫ؤ ُ‬
‫وَلِد ِ‬
‫ر ِ‬
‫ر ِ‬
‫كي َ‬
‫م َ‬
‫ك َزي ّ َ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫لأ ْ‬
‫َ‬
‫ش ِ‬
‫ن ل ِك َِثي ٍ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ممما َ‬
‫و َ‬
‫ه‬
‫سوا َ‬
‫دو ُ‬
‫ف َ‬
‫ل ِي ُْر ُ‬
‫م ِدين َ ُ‬
‫ول ِي َلب ِ ُ‬
‫علممو ُ‬
‫ه َ‬
‫شاءَ الل ُ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ول ْ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫علي ْ ِ‬
‫َ‬
‫و َ‬
‫ما ي َ ْ‬
‫َ‬
‫جٌر‬
‫حْر ٌ‬
‫ث ِ‬
‫قاُلوا َ‬
‫فذَْر ُ‬
‫ذ ِ‬
‫ه ِ‬
‫فت َُرو َ‬
‫ح ْ‬
‫و َ‬
‫ه أن ْ َ‬
‫عا ٌ‬
‫و َ‬
‫ه ْ‬
‫م َ‬
‫ن )‪َ (137‬‬
‫م َ‬
‫‪36‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫َ‬
‫ن نَ َ‬
‫همما‬
‫شاءُ ب َِز ْ‬
‫هوُر َ‬
‫ع ِ‬
‫م ُ‬
‫وأن ْ َ‬
‫َل ي َطْ َ‬
‫عا ٌ‬
‫ممم ْ‬
‫ت ظُ ُ‬
‫م َ‬
‫م ْ‬
‫حّر َ‬
‫ه ْ‬
‫ها إ ِّل َ‬
‫ع ُ‬
‫م َ‬
‫م ِ‬
‫َ‬
‫ها ا ْ‬
‫م‬
‫فت َِراءً َ‬
‫ه َ‬
‫عل َي ْ ِ‬
‫م الل ّ ِ‬
‫م َل ي َذْك ُُرو َ‬
‫سممي َ ْ‬
‫وأن ْ َ‬
‫عا ٌ‬
‫ه َ‬
‫عل َي ْ َ‬
‫نا ْ‬
‫ه ْ‬
‫س َ‬
‫َ‬
‫ج ِ‬
‫زي ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ن )‪ (138‬النعام( إلى غير ذلك من اليــات الــتي‬
‫ما كاُنوا ي َفت َُرو َ‬
‫بِ َ‬
‫تبين أن ثمة ذوات غير الله تحلل وتحرم مفترية علــى اللــه‪ ،‬وذوات‬
‫يزعمون أنها شركاء لله تعبد معه ونصيبها أكبر من نصيب اللـه فــي‬
‫العبادة‪ ،‬ولذا قدم إبطال هذه المعبودات من غيــر اللــه علــى )ربــه(‬
‫فس ً ُ‬
‫َ‬
‫ه ّ‬
‫ه ( لنــه هــو مــدار الهتمــام‬
‫ل لِ َ‬
‫ه ب ِم ِ‬
‫ر الل ّم ِ‬
‫قا أ ِ‬
‫و ِ ْ‬
‫فقال‪) :‬أ ْ‬
‫غي ْ ِ‬
‫والكلم‪.‬‬
‫والكلم في المائدة أيضا ً على التحليــل والتجريــم ومــن بيــده ذلــك‪،‬‬
‫ورفض أية جهة تحلل وتحرم من غير اللــه فــإن اللــه هــو يحكــم مــا‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ع ُ‬
‫و ُ‬
‫م‬
‫قوِد أ ُ ِ‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫فمموا ب ِممال ْ ُ‬
‫حل ّم ْ‬
‫يريد‪ .‬قال )َيا أي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫ت ل َك ُم ْ‬
‫نآ َ‬
‫من ُمموا أ ْ‬
‫حّلي الص ميد َ‬
‫م َ‬
‫م‬
‫ما ي ُت َْلى َ‬
‫م ُ‬
‫م ِ‬
‫ة اْل َن ْ َ‬
‫وأن ْت ُ م ْ‬
‫غي َْر ُ‬
‫عل َي ْك ُ ْ‬
‫عام ِ إ ِّل َ‬
‫هي َ‬
‫ّ ْ ِ َ‬
‫بَ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫من ُمموا َل‬
‫همما ال ّم ِ‬
‫م إِ ّ‬
‫ه يَ ْ‬
‫ُ‬
‫حُر ٌ‬
‫ري مدُ )‪ (1‬ي َمما أي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫م َ‬
‫حك ُم ُ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ممما ي ُ ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ول ا ل َ‬
‫ول ال ّ‬
‫حلوا َ‬
‫د‬
‫تُ ِ‬
‫عائ َِر الل ِ‬
‫قل ئ ِ َ‬
‫هَر ال َ‬
‫ش َ‬
‫حَرا َ‬
‫ول ا ل َ‬
‫ش ْ‬
‫هد ْ َ‬
‫ي َ‬
‫م َ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫ن َ‬
‫واًنا‬
‫و‬
‫م ي َب ْت َ ُ‬
‫ر ْ‬
‫ف ْ‬
‫ضًل ِ‬
‫غو َ‬
‫ن َرب ّ‬
‫ت ال ْ َ‬
‫حَرا َ‬
‫ن ال ْب َي ْ َ‬
‫مم ْ‬
‫مي َ‬
‫هم ْ‬
‫وَل آ ّ‬
‫ضم َ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫وإ ِ َ‬
‫ن‬
‫وم ٍ أ ْ‬
‫شمممن َآ ُ‬
‫ول ي َ ْ‬
‫صمممطا ُ‬
‫ذا َ‬
‫من ّكممم ْ‬
‫ر َ‬
‫حللت ُممم ْ‬
‫م فا ْ‬
‫ن قممم ْ‬
‫دوا َ‬
‫َ‬
‫ج ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫على الب ِّر‬
‫وُنوا َ‬
‫م َ‬
‫ج ِ‬
‫حَرام ِ أ ْ‬
‫وت َ َ‬
‫عت َ ُ‬
‫ن تَ ْ‬
‫د ال َ‬
‫ص ّ‬
‫م ْ‬
‫ن ال َ‬
‫دوك ْ‬
‫َ‬
‫س ِ‬
‫عا َ‬
‫دوا َ‬
‫ع ِ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫وات ّ ُ‬
‫والت ّ ْ‬
‫ن‬
‫وُنوا َ‬
‫ه إِ ّ‬
‫وال ُ‬
‫ول ت َ َ‬
‫قوا اللمم َ‬
‫ن َ‬
‫وا ِ‬
‫عد ْ َ‬
‫على ال ِث ْم ِ َ‬
‫عا َ‬
‫وى َ‬
‫ق َ‬
‫َ‬
‫ع َ‬
‫ه َ‬
‫م‬
‫ت َ‬
‫مي ْت َ ُ‬
‫ديدُ ال ْ ِ‬
‫ش ِ‬
‫ول َ ْ‬
‫ب )‪ُ (2‬‬
‫وال مدّ ُ‬
‫م ْ‬
‫حم ُ‬
‫م ال ْ َ‬
‫عل َي ْك ُ ُ‬
‫حّر َ‬
‫الل ّ َ‬
‫قا ِ‬
‫م َ‬
‫ة َ‬
‫ُ‬
‫و ُ‬
‫خن ِ َ‬
‫هم ّ‬
‫ة‬
‫غي ْم‬
‫زي‬
‫من ْ َ‬
‫ل لِ َ‬
‫قمموذَ ُ‬
‫قم ُ‬
‫ال ْ ِ‬
‫خن ْ‬
‫ه ب ِم ِ‬
‫ر الل ّم ِ‬
‫ممما أ ِ‬
‫وال ْ َ‬
‫وال ْ ُ‬
‫و َ‬
‫م ْ‬
‫ة َ‬
‫ه َ‬
‫ر َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ما أ َك َ َ‬
‫ح‬
‫ح ُ‬
‫مت ََردّي َ ُ‬
‫والن ّ ِ‬
‫ما ذُب ِ َ‬
‫سب ُ ُ‬
‫طي َ‬
‫ل ال ّ‬
‫و َ‬
‫ما ذَك ّي ْت ُ ْ‬
‫ع إ ِّل َ‬
‫و َ‬
‫وال ْ ُ‬
‫م َ‬
‫ة َ‬
‫ة َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ست َ ْ‬
‫م‬
‫َ‬
‫م ِ‬
‫ق ِ‬
‫وأ ْ‬
‫و َ‬
‫ف ْ‬
‫ن تَ ْ‬
‫سم ٌ‬
‫موا ِبالْزلم ِ ذَل ِك ُم ْ‬
‫س ُ‬
‫ص ِ‬
‫على الن ّ ُ‬
‫ق الي َم ْ‬
‫ب َ‬
‫م َ‬
‫ن كَ َ‬
‫خ َ‬
‫خ َ‬
‫ن‬
‫وا ْ‬
‫فَل ت َ ْ‬
‫و ُ‬
‫ف مُروا ِ‬
‫س ال ّ م ِ‬
‫مم ْ‬
‫ذي َ‬
‫ه ْ‬
‫ن ِدين ِك ُم ْ‬
‫ي َئ ِ َ‬
‫و ِ‬
‫شم ْ‬
‫م َ‬
‫شم ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ت‬
‫ت َ‬
‫وَر ِ‬
‫م نِ ْ‬
‫و َ‬
‫ضممي ُ‬
‫م ُ‬
‫مل ْ ُ‬
‫ع َ‬
‫عل َي ْك ُم ْ‬
‫م ْ‬
‫وأت ْ َ‬
‫م ِدين َك ُ ْ‬
‫ت ل َك ُ ْ‬
‫م أك ْ َ‬
‫مت ِممي َ‬
‫م َ‬
‫ال ْي َ ْ‬
‫ة َ‬
‫م ِديًنا َ‬
‫ف‬
‫م‬
‫م ْ‬
‫ضطُّر ِ‬
‫نا ْ‬
‫صم ٍ‬
‫جممان ِ ٍ‬
‫مت َ َ‬
‫سَل َ‬
‫م اْل ِ ْ‬
‫غي ْمَر ُ‬
‫خ َ‬
‫في َ‬
‫ف َ‬
‫ل َك ُ ُ‬
‫م َ‬
‫ِ‬
‫س مأ َُلون َ َ‬
‫ه َ‬
‫غ ُ‬
‫ِل ِث ْم ٍ َ‬
‫حم ّ‬
‫ممما َ‬
‫م‬
‫ذا أ ُ ِ‬
‫فوٌر َر ِ‬
‫فإ ِ ّ‬
‫ل لَ ُ‬
‫م )‪ (3‬ي َ ْ‬
‫هم ْ‬
‫ك َ‬
‫حي ٌ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ُ‬
‫ح ّ‬
‫ق ْ‬
‫ن‬
‫ما َ‬
‫ل أُ ِ‬
‫م ِ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫م الطّي َّبا ُ‬
‫مك َل ِّبي م َ‬
‫مم َ‬
‫ح ُ‬
‫مت ُ م ْ‬
‫عل ّ ْ‬
‫و َ‬
‫ل ل َك ُ ُ‬
‫جم َ‬
‫ت َ‬
‫وا ِ‬
‫ر ِ‬
‫َ‬
‫ه َ‬
‫م‬
‫ن َ‬
‫ممما َ‬
‫فك ُل ُمموا ِ‬
‫ن ِ‬
‫تُ َ‬
‫م َ‬
‫مون َ ُ‬
‫س مك ْ َ‬
‫ه ّ‬
‫عل َي ْك ُم ْ‬
‫ممما أ ْ‬
‫م ّ‬
‫م الل ّم ُ‬
‫مك ُم ُ‬
‫عل ّ َ‬
‫م ّ‬
‫عل ّ ُ‬
‫واذْ ُ‬
‫وات ّ ُ‬
‫ع‬
‫ه َ‬
‫عل َْيمم ِ‬
‫م الّلمم ِ‬
‫ه إِ ّ‬
‫ري ُ‬
‫ه َ‬
‫كممُروا ا ْ‬
‫ن الّلمم َ‬
‫قمموا الّلمم َ‬
‫سمم َ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫سمم ِ‬
‫ْ‬
‫ب )‪ (4‬المائدة( فهو يجعل التحليل والتحريــم بيــده ويرفــض‬
‫ال ِ‬
‫ح َ‬
‫سا ِ‬
‫أية جهة أخرى تقوم بذلك‪ ،‬لن ذلك من الشرك الذي أبطله السلم‬
‫ُ‬
‫ه ّ‬
‫ه (‪ .‬ثــم إنــه‬
‫ل لِ َ‬
‫ه ِبم ِ‬
‫ر الل ّم ِ‬
‫ما أ ِ‬
‫و َ‬
‫ولذا قدمه في البطلن فقال ) َ‬
‫غي ْ ِ‬
‫جاء في الموطنين بذكر اسم الله على الذبائح فذكر في آية النعام‬
‫أن المشركين ل يذكرون اسم الله على بعض ذبائحهم تعمدا ً فقال‪:‬‬
‫) َ‬
‫ها (‪ .‬وأمــر فــي آيــة المــائدة‬
‫ه َ‬
‫م الل ّ ِ‬
‫م َل ي َذْك ُُرو َ‬
‫وأن ْ َ‬
‫عا ٌ‬
‫عل َي ْ َ‬
‫نا ْ‬
‫س َ‬
‫َ‬
‫‪37‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫عل َي ْممهِ ( فناســب ذلــك‬
‫ه َ‬
‫م الل ّ ِ‬
‫واذْك ُُروا ا ْ‬
‫س َ‬
‫بذكر اسم الله فقال‪َ ) :‬‬
‫تقديم بطلن ذكر غير الله‪.‬‬
‫وأما في البقرة فليس المقام كذلك فلم يذكر أن جهة أخــرى تقــوم‬
‫بالتحليل والتحريم وإنما الكلم على ما رزق الله عباده من الطيبات‬
‫فقال‪) :‬يا أ َ‬
‫فممي اْل َ‬
‫س ك ُل ُ‬
‫حَلًل طَي ّب ًمما )‬
‫ر‬
‫ما‬
‫م‬
‫م‬
‫م‬
‫موا‬
‫م‬
‫ما‬
‫م‬
‫ن‬
‫ال‬
‫ما‬
‫م‬
‫ه‬
‫ي‬
‫ِ‬
‫ّ‬
‫ِ‬
‫ض َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ ِ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫من ُمموا ك ُل ُمموا ِ‬
‫همما ال ّم ِ‬
‫‪ (168‬البقرة(‪ .‬وقــال بعــدها‪َ) :‬يا أي ّ َ‬
‫مم ْ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫ما َرَز ْ‬
‫وا ْ‬
‫ن)‬
‫شك ُُروا ل ِل ّ ِ‬
‫طَي َّبا ِ‬
‫دو َ‬
‫ه إِ ْ‬
‫عب ُم ُ‬
‫م إ ِي ّمماهُ ت َ ْ‬
‫ن ك ُن ْت ُم ْ‬
‫قَناك ُ ْ‬
‫ت َ‬
‫م َ‬
‫ممما‬
‫م َ‬
‫مي ْت َ َ‬
‫م ال ْ ِ‬
‫ول َ ْ‬
‫ما َ‬
‫وال مدّ َ‬
‫حّر َ‬
‫و َ‬
‫حم َ‬
‫م ال ْ َ‬
‫عل َي ْك ُ ُ‬
‫‪ (172‬إ ِن ّ َ‬
‫ر َ‬
‫م َ‬
‫ة َ‬
‫زي م ِ‬
‫خن ْ ِ‬
‫أُ‬
‫ضمطُ‬
‫ر الل ّ‬
‫َ‬
‫عمماٍد َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫م‬
‫ما‬
‫م‬
‫ب‬
‫ر‬
‫م‬
‫ي‬
‫غ‬
‫ر‬
‫ا‬
‫ن‬
‫م‬
‫م‬
‫ف‬
‫ه‬
‫ي‬
‫غ‬
‫ل‬
‫ه‬
‫ب‬
‫ل‬
‫ه‬
‫َ‬
‫وَل َ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫فَل إ ِث ْم َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫غ َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ِ‬
‫ٍ‬
‫ِ‬
‫ه َ‬
‫غ ُ‬
‫م )‪ (173‬البقــرة( فلمــا كــان المقــام‬
‫م‬
‫حي‬
‫َ‬
‫عل َي ْ ِ‬
‫ه إِ ّ‬
‫فمموٌر َر ِ ٌ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫مقام الرزق والطعام بأكل الطيبات قدم )به( والضــمير يعــود علــى‬
‫ما يذبح وهو طعام مناسبة للمقام والله أعلم‪.‬‬
‫َ‬
‫**ومن ذلك قوله تعالى‪) :‬أ َ َ‬
‫س َ‬
‫ل‬
‫ما ِ‬
‫ن ِ‬
‫ن ي ُْر ِ‬
‫مأ ِ‬
‫ءأ ْ‬
‫ْ‬
‫في ال ّ‬
‫م ْ‬
‫س َ‬
‫م َ‬
‫من ْت ُ ْ‬
‫صًبا َ‬
‫ر )‪ (17‬الملممك( وقمموله‬
‫ذي‬
‫َ‬
‫ن ك َي ْ َ‬
‫ف نَ ِ‬
‫حا ِ‬
‫مو َ‬
‫ست َ ْ‬
‫م َ‬
‫ف َ‬
‫عل َ ُ‬
‫عل َي ْك ُ ْ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن َ‬
‫و ال ْ َ‬
‫) ُ‬
‫ق ْ‬
‫ع َ‬
‫و‬
‫ع َ‬
‫م َ‬
‫ث َ‬
‫قاِدُر َ‬
‫و ِ‬
‫ل ُ‬
‫ذاًبا ِ‬
‫عَلى أ ْ‬
‫ن ي َب ْ َ‬
‫م ْ‬
‫قك ُ ْ‬
‫عل َي ْك ُ ْ‬
‫مأ ْ‬
‫ف ْ‬
‫ه َ‬
‫ْ‬
‫من ت َحت أ َرجل ِك ُ َ‬
‫س‬
‫ع َ‬
‫وي ُ م ِ‬
‫م ِ‬
‫ق بَ ْ‬
‫ش مي َ ً‬
‫ِ ْ ْ ِ ْ ُ‬
‫و ي َل ْب ِ َ‬
‫ض مك ُ ْ‬
‫ذي َ‬
‫سك ُ ْ‬
‫ْ‬
‫م ب َ مأ َ‬
‫عا َ‬
‫مأ ْ‬
‫ف َ‬
‫م يَ ْ‬
‫ن )‪(65‬‬
‫ص مّر ُ‬
‫ض ان ْظُمْر ك َي ْم َ‬
‫ف اْل َي َمما ِ‬
‫هممو َ‬
‫ت لَ َ‬
‫بَ ْ‬
‫ق ُ‬
‫عل ّ ُ‬
‫هم ْ‬
‫ف نُ َ‬
‫عم ٍ‬
‫دم خسف الرض على إرسال الحاصــب فــي آيــة الملــك‬
‫النعام( فق ّ‬
‫خر العذاب عما يأتي من السماء فــي آيــة النعــام‪ .‬وذلــك أن آيــة‬
‫وأ ّ‬
‫َ‬
‫عم َ‬
‫ض ذَل ُمموًل‬
‫دمها قوله تعالى ) ُ‬
‫و ال ّ م ِ‬
‫ج َ‬
‫ذي َ‬
‫الملك تق ّ‬
‫ل ل َك ُم ُ‬
‫م اْلْر َ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫ه الن ّ ُ‬
‫م ُ‬
‫شمموُر )‪(15‬‬
‫رْز ِ‬
‫شوا ِ‬
‫وإ ِل َْيمم ِ‬
‫ق ِ‬
‫وك ُُلوا ِ‬
‫مَناك ِب ِ َ‬
‫م ْ‬
‫في َ‬
‫فا ْ‬
‫ه َ‬
‫ها َ‬
‫ن ِ‬
‫الملــك( فكــأن أنســب شــيء فــي الموعظــة تــذكيره بخســفها مــن‬
‫هُر َ‬
‫و ال ْ َ‬
‫ق‬
‫و َ‬
‫و ُ‬
‫قمما ِ‬
‫فم ْ‬
‫ه َ‬
‫تحتهم‪ .‬أما آية النعام فتقدمها قــوله تعــالى ) َ‬
‫َ‬
‫ح َ‬
‫س ُ‬
‫حّتى إ ِ َ‬
‫ت‬
‫ل َ‬
‫فظَ ً‬
‫ِ‬
‫وي ُْر ِ‬
‫عَباِد ِ‬
‫جاءَ أ َ‬
‫ذا َ‬
‫ة َ‬
‫م َ‬
‫و ُ‬
‫م ال ْ َ‬
‫حممدَك ُ ُ‬
‫عل َي ْك ُ ْ‬
‫ممم ْ‬
‫ه َ‬
‫فّر ُ‬
‫م َل ي ُ َ‬
‫و ّ‬
‫ن )‪ (61‬النعــام( فصــرف هــذا‬
‫و ُ‬
‫طمو َ‬
‫ه ُر ُ‬
‫هم ْ‬
‫فت ْ ُ‬
‫سمل َُنا َ‬
‫َتم َ‬
‫الخطاب تفكر النفس في عين الجهة التي ذكــر منهــا القهــر‪ ،‬وكــان‬
‫أنسب شيء ذكر منها القهر وكان أنسب شيء ذكــر التخويــف مــن‬
‫تلك الجهة بخلف آية الملك‪.‬‬
‫ومما زاد حسنا ً قوله تعالى )ويرسل عليكم حفظة( والحفظــة‪ :‬هــم‬
‫الملئكة‪ ،‬والملئكة مسكنهم في السماء‪ ،‬وربنــا يرســلهم مــن فــوق‬
‫فناسب تقديم هذه الجهة على غيرها‪.‬‬
‫ونكتفي بهذا القدر من المثلة فإن فيهــا كفايــة فيمــا أحســب فهــي‬
‫تدل دللة واضحة على أن التعبير القرآني تعــبير مقصــود كــل لفــظ‬
‫فيه وضع وضعا ً فنيا ً مقصودا ً وأنــه لــم يقــدم لفظــة علــى لفظــة إل‬
‫لغرض يقتضيه السياق‪ .‬وقد روعي فــي ذلــك التعــبير القرآنــي كلــه‬
‫‪38‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫ونظر إليه نظرة واحدة شاملة‪ .‬وأظن أن ما مر مــن المثلــة تريــك‬
‫شيئا ً من فخامة التعبير القرآني وعلوه وأن مثل هذا النظم ل يمكن‬
‫‪2‬‬
‫أن يكون في طوق بشر فسبحان الله رب العالمين‪.‬‬

‫أمثلة أخرى على التقديم والتأخير‬

‫تقديم وتأخير اللهو على اللعب في آية سورة العنكبوت‬
‫دما ً على اللهو إل في هذه الية‬
‫كل اليات في القرآن جاء اللعب مق ّ‬
‫ب‬
‫ول َ ِ‬
‫ما َ‬
‫ذ ِ‬
‫هم ِ‬
‫عم ٌ‬
‫ه ال ْ َ‬
‫حي َمماةُ المدّن َْيا إ ِّل ل َ ْ‬
‫و َ‬
‫و َ‬
‫هم ٌ‬
‫من سورة العنكبوت ) َ‬
‫َ‬
‫ن }‪.({64‬‬
‫داَر اْل ِ‬
‫مممو َ‬
‫وا ُ‬
‫وإ ِ ّ‬
‫و ك َمماُنوا ي َ ْ‬
‫ي ال ْ َ‬
‫ن ال ّ‬
‫عل َ ُ‬
‫ن ل َم ْ‬
‫حي َ َ‬
‫َ‬
‫ه َ‬
‫خَرةَ ل ِ‬
‫ه‬
‫ولو لحظنا الية التي سبقت هــذه اليــة فــي نفــس الســورة )الل ّ ُ‬
‫س ُ‬
‫ه بِ ُ‬
‫وي َ ْ‬
‫كمم ّ‬
‫من ي َ َ‬
‫ل‬
‫ن ِ‬
‫ق ِ‬
‫عَباِد ِ‬
‫شاءُ ِ‬
‫ه إِ ّ‬
‫ي َب ْ ُ‬
‫م ْ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫دُر ل َ ُ‬
‫ط الّرْزقَ ل ِ َ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫م }‪ ({62‬والرزق ليس من مدعاة اللعب وإنمــا اللهــو‬
‫ي ٍ‬
‫ء َ‬
‫عِلي ٌ‬
‫ش ْ‬
‫َ‬
‫مُنوا َل‬
‫ها ال ّ ِ‬
‫كما في قوله تعالى في سورة المنافقون )َيا أي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫َ‬
‫ت ُل ْهك ُ َ‬
‫ل ذَِلمم َ‬
‫من ي َ ْ‬
‫ع ْ‬
‫ك‬
‫م َ‬
‫ر الل ّ ِ‬
‫ف َ‬
‫و َ‬
‫وَلدُك ُ ْ‬
‫وال ُك ُ ْ‬
‫مأ ْ‬
‫ِ ْ‬
‫ه َ‬
‫وَل أ ْ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫عن ِذك ْ ِ‬
‫َ ُ‬
‫ول َئ ِ َ‬
‫ن }‪.({9‬‬
‫م ال ْ َ‬
‫ك ُ‬
‫خا ِ‬
‫سُرو َ‬
‫ه ُ‬
‫فأ ْ‬
‫تقديم وتأخير كلمة )شممهيدًا( فممي آيممة سممورة العنكبمموت‬
‫وآية سورة السراء‬
‫‪) (22‬من كتاب التعبير القرآني للدكتور فاضل السامرائي‪ .‬من صفحة ‪(74 - 49‬‬

‫‪39‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫وب َي ْن َ ُ‬
‫ل كَ َ‬
‫قال تعالى في سورة العنكبوت ) ُ‬
‫ق ْ‬
‫م‬
‫فى ِبالل ّ ِ‬
‫كمم ْ‬
‫ه ب َي ِْنممي َ‬
‫ْ َ‬
‫َ‬
‫من ُمموا‬
‫شم‬
‫ممما ِ‬
‫وال ّم ِ‬
‫وا ِ‬
‫هيدا ً ي َ ْ‬
‫فممي ال ّ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫سم َ‬
‫م َ‬
‫عل َم ُ‬
‫ض َ‬
‫ت َ‬
‫ما َ‬
‫والْر ِ‬
‫ِ‬
‫فروا بالل ّ ُ‬
‫ول َئ ِ َ‬
‫ن }‪ ({52‬وقــال‬
‫م ال ْ َ‬
‫ك ُ‬
‫خا ِ‬
‫ِ‬
‫سممُرو َ‬
‫ه ُ‬
‫ِ‬
‫هأ ْ‬
‫وك َ َ ُ‬
‫ل َ‬
‫ِبال َْباطِ ِ‬
‫وب َي ْن َ ُ‬
‫ل كَ َ‬
‫في سورة السراء ) ُ‬
‫ه َ‬
‫ق ْ‬
‫ه‬
‫فى ِبالل ّ ِ‬
‫م إ ِّنمم ُ‬
‫كمم ْ‬
‫هيدا ً ب َي ِْني َ‬
‫ش ِ‬
‫َ‬
‫صيرا ً }‪({96‬‬
‫ه َ‬
‫ن بِ ِ‬
‫خِبيرا ً ب َ ِ‬
‫عَباِد ِ‬
‫كا َ‬
‫في آية سورة السراء ختم تعالى الية بذكر صــفاته )خــبيرا ً بصــيرا(‬
‫دم صفته )شهيدًا( على )بيني وبينكم(‪ ،‬أما في آيــة‬
‫لذا اقتضى أن ُيق ّ‬
‫ســورة العنكبــوت فقــد ختمــت اليــة بصــفات البشــر )أولئك هــم‬
‫الخاسرون( لذا اقتضى تقديم ما يتعّلق بالبشر )بيني وبينكــم( علــى‬
‫)شهيدا(‪.‬‬
‫تقديم شبه الجملة )عليها زكريـا( فـي قـوله تعـالى فـي سـورة آل‬
‫قبممول حس من َ‬
‫سممنا ً‬
‫فت َ َ‬
‫عمران ) َ‬
‫همما ن ََبات ما ً َ‬
‫همما ب ِ َ ُ‬
‫ح َ‬
‫وأنب َت َ َ‬
‫ها َرب ّ َ‬
‫قب ّل َ َ‬
‫ٍ َ َ ٍ َ‬
‫ها َزك َ‬
‫وك َ ّ‬
‫خ َ‬
‫ها‬
‫ما دَ َ‬
‫ل َ‬
‫عندَ َ‬
‫جد َ ِ‬
‫رّيا ال ْ ِ‬
‫و َ‬
‫حَرا َ‬
‫م ْ‬
‫عل َي ْ َ‬
‫فل َ َ‬
‫رّيا ك ُل ّ َ‬
‫ب َ‬
‫َ‬
‫ها َزك َ ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ذا َ‬
‫رْزقا َ‬
‫قا َ‬
‫هم َ‬
‫ن‬
‫ن ِ‬
‫ت ُ‬
‫ك َ‬
‫د اللمم ِ‬
‫عن ِ‬
‫و ِ‬
‫هإ ّ‬
‫م أّنى ل ِ‬
‫قال ْ‬
‫م ْ‬
‫مْري َ ُ‬
‫ل َيا َ‬
‫ه َ‬
‫ِ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ب }‪({37‬‬
‫من ي َشاءُ ب ِ َ‬
‫ر ِ‬
‫ح َ‬
‫ه ي َْرُزقُ َ‬
‫الل َ‬
‫سا ٍ‬
‫غي ْ ِ‬
‫قاعدة نحوية‪ :‬يقول سيبويه في التقديم والتأخير‪ :‬يقدمون الذي هــو‬
‫م لهم وهم أعنى به‪.‬‬
‫أه ّ‬
‫والتقديم والتأخير في القرآن الكريم يقرره سياق اليات فقد يتقدم‬
‫المفضــول وقــد يتقــدم الفاضــل‪ .‬والكلم فــي اليــة فــي ســورة آل‬
‫عمران واليات التي ســبقتها فــي مريــم عليهــا الســلم وليــس فــي‬
‫دم عليهـا لن الكلم كلـه عـن مريـم‬
‫زكريا ول في المحـراب لـذا قـ ّ‬
‫عليها السلم‪.‬‬
‫تقديم وتأخير فوقكم والطور‬
‫وكذلك قوله تعالى في الكلم عن بني إســرائيل والطــور فقــد قــال‬
‫و َ‬
‫عن َمما َ‬
‫وَر َ‬
‫ميث َمما َ‬
‫م‬
‫وإ ِذْ أ َ َ‬
‫خذَْنا ِ‬
‫ف ْ‬
‫قك ُ ُ‬
‫قك ُ ْ‬
‫فم ْ‬
‫م َ‬
‫تعالى في سورة البقرة ) َ‬
‫ممما آت َي ْن َمما ُ‬
‫كم ب ِ ُ‬
‫خم ُ‬
‫م‬
‫الطّمموَر ُ‬
‫ممما ِ‬
‫فيم ِ‬
‫و ٍ‬
‫ه لَ َ‬
‫عل ّك ُم ْ‬
‫واذْك ُمُروا ْ َ‬
‫ذوا ْ َ‬
‫ة َ‬
‫قم ّ‬
‫م ال ّ‬
‫و َ‬
‫عَنا َ‬
‫وَر َ‬
‫ت َت ّ ُ‬
‫طوَر‬
‫قو َ‬
‫ف ْ‬
‫ق ُ‬
‫ه ُ‬
‫ف ْ‬
‫ن }‪ ({63‬وقال في سورة النساء ) َ‬
‫م لَ‬
‫و ُ‬
‫و ُ‬
‫ق‬
‫م ادْ ُ‬
‫ميَثا ِ‬
‫بِ ِ‬
‫سم ّ‬
‫خل ُمموا ْ ال ْب َمما َ‬
‫قل ْن َمما ل َ ُ‬
‫ب ُ‬
‫قل َْنا ل َ ُ‬
‫هم ْ‬
‫هم ُ‬
‫ه ْ‬
‫جدا ً َ‬
‫م َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ميَثاقما ً َ‬
‫غِليظما ً }‪({154‬‬
‫وأ َ‬
‫دوا ْ ِ‬
‫خمذَْنا ِ‬
‫سمب ْ ِ‬
‫ع ُ‬
‫تَ ْ‬
‫من ْ ُ‬
‫فممي ال ّ‬
‫هممم ّ‬
‫ت َ‬
‫َ‬
‫و َ‬
‫ل َ‬
‫وِإذ ن َت َ ْ‬
‫جب َ َ‬
‫ة‬
‫ه ظُّلمم ٌ‬
‫قَنا ال ْ َ‬
‫ق ُ‬
‫م ك َأن ّ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ف ْ‬
‫وقال في سورة العراف ) َ‬
‫وظَّنوا ْ أ َ‬
‫ممما آت َي ْن َمما ُ‬
‫كم ب ِ ُ‬
‫خ ُ‬
‫ممما‬
‫ب‬
‫ع‬
‫ق‬
‫وا‬
‫ه‬
‫ن‬
‫م ُ‬
‫ِ‬
‫ّ‬
‫و ٍ‬
‫ٌ‬
‫واذْك ُمُروا ْ َ‬
‫ذوا ْ َ‬
‫ه ْ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫ة َ‬
‫قم ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫م ت َت ّ ُ‬
‫ن }‪.({171‬‬
‫ِ‬
‫في ِ‬
‫قو َ‬
‫ه لَ َ‬
‫عل ّك ُ ْ‬
‫من حيث التقديم والتــأخير هــو قــائم علــى الهتمــام الــذي يقتضــيه‬
‫سياق اليات سواء كان ـفضل أو مفضول وإنما للهمية‪ .‬في سورة‬
‫م من الطور نفسه وكــذلك‬
‫البقرة )ورفعنا فوقكم الطور( فوقكم أه ّ‬
‫‪40‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫في آية ســورة النســاء أمــا آيــة ســورة العــراف فالجبــل أهــم مــن‬
‫فوقهم‪.‬‬
‫في آية سورة العراف وصف تعالى الجبل كأنه ظ ُّلة وذكــر )وظنــوا‬
‫أنه واقع بهم( ومعنى واقع بهم أي أوقع بهم أو أهلكهم وهذا كله لــه‬
‫م‪ .‬ولم يذكر عن الطــور شــيئا ً‬
‫علقة بالجبل فالجبل في العراف أه ّ‬
‫آخر في سورة البقرة أو النساء‪.‬‬
‫آية البقرة والنســاء يســتمر الكلم بعــد اليــات علــى بنــي إســرائيل‬
‫دم‬
‫حوالي أربعين آية بعــد اليــة الــتي جــاء فيهــا ذكــر الطــور لــذا قـ ّ‬
‫فوقهم في النساء وفوقهم في البقرة على الطور للهمية‪ .‬أما فــي‬
‫سورة العراف فبعد الية التي تحدث فيها عن الجبــل انتهــى الكلم‬
‫دم‬
‫عن بني إسرائيل ولم يذكر أي شيء عنهم بعد هذه اليــة لــذا ق ـ ّ‬
‫الجبل‪.‬‬
‫والجبل ‪ :‬هو إسم لما طال وعظ ُــم مــن أوتــاد الرض والجبــل أكــبر‬
‫وأهم من الطور من حيث التكوين‪ .‬أما النتق فهو أشــد وأقــوى مــن‬
‫الرفع الذي هو ضد الوضع‪ .‬ومن الرفع أيضا ً الجذب والقتلع وحمل‬
‫الشيء والتهديد للرمي به وفيه إخافة وتهديــد كــبيرين ولــذلك ذكــر‬
‫الجبل في آية سورة العراف لن الجبــل أعظــم ويحتــاج للزعزعــة‬
‫والقتلع وعــادة مــا ت ُــذكر الجبــال فــي القــرآن فــي موقــع التهويــل‬
‫مي َ‬
‫قات ِن َمما‬
‫سممى ل ِ ِ‬
‫ما َ‬
‫مو َ‬
‫جاء ُ‬
‫ول َ ّ‬
‫والتعظيم ولذا جاء في قوله تعالى ) َ‬
‫َ‬
‫رِنمي َأنظُمْر إ ِل َْيم َ‬
‫ك َ‬
‫ه َ‬
‫قما َ‬
‫قما َ‬
‫ل َلمن ت ََران ِممي‬
‫ل َر ّ‬
‫ه َرّبم ُ‬
‫مم ُ‬
‫وك َل ّ َ‬
‫َ‬
‫بأ ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ه َ‬
‫ست َ َ‬
‫ل َ‬
‫ف ت ََراِنممي‬
‫و َ‬
‫ن انظْر إ ِلى ال َ‬
‫ف َ‬
‫نا ْ‬
‫مكان َ ُ‬
‫قّر َ‬
‫س ْ‬
‫فإ ِ ِ‬
‫جب َ ِ‬
‫َ‬
‫ولمك ِ ِ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫عقا َ‬
‫َ‬
‫ممما‬
‫و َ‬
‫صمم ِ‬
‫ج َ‬
‫ل َ‬
‫ه ل ِل َ‬
‫ما ت َ َ‬
‫خّر مو َ‬
‫فل ّ‬
‫عل ُ‬
‫جلى َرب ّ ُ‬
‫فل ّ‬
‫سى َ‬
‫ه دَك ّا َ‬
‫جب َ ِ‬
‫ك َ َ‬
‫حان َ َ‬
‫فاقَ َ‬
‫أَ َ‬
‫ممم ْ‬
‫و ُ‬
‫قا َ‬
‫ن }‪({143‬‬
‫ؤ ِ‬
‫سب ْ َ‬
‫ك ت ُب ْ ُ‬
‫ل ُ‬
‫مِني َ‬
‫ل ال ْ ُ‬
‫وأن َا ْ أ ّ‬
‫ت إ ِل َي ْ َ َ‬
‫ولم يقل الطور‪ .‬إذن النتق والجبل أشد تهديدا ً وتهوي ً‬
‫ل‪.‬‬
‫عمن‬
‫ب َ‬
‫عمُز ُ‬
‫مما ي َ ْ‬
‫و َ‬
‫تقديم وتأخير الرض والسماء في قوله تعــالى ) َ‬
‫في ال َ‬
‫ّرب ّ َ‬
‫مث ْ َ‬
‫ماء( وقمموله‬
‫ر‬
‫ول َ ِ‬
‫ة ِ‬
‫ل ذَّر ٍ‬
‫ك ِ‬
‫فممي ال ّ‬
‫سم َ‬
‫من ّ‬
‫ض َ‬
‫ْ‬
‫قا ِ‬
‫ِ‬
‫ْ َ‬
‫مث ْ َ‬
‫قا ُ‬
‫ض(‬
‫ب َ‬
‫وَل ِ‬
‫ة ِ‬
‫وا ِ‬
‫ل ذَّر ٍ‬
‫ه ِ‬
‫عُز ُ‬
‫)َل ي َ ْ‬
‫في ال ّ‬
‫س َ‬
‫عن ْ ُ‬
‫ت َ‬
‫ما َ‬
‫في الْر ِ‬
‫التقديم والتأخير في السماء والرض‪ :‬الكلم في سورة يــونس عــن‬
‫أهل الرض فناسب أن يقدم الرض على السماء فــي قــوله تعــالى‬
‫)وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الرض ول في السماء( أمــا‬
‫فــي ســورة ســبأ فــالكلم عــن الســاعة والســاعة يــأتي أمرهــا مــن‬
‫السماء وتبدأ بأهــل الســماء )فصــعق مــن فــي الســموات والرض(‬
‫دم الســماء‬
‫و)ففزع من في السموات ومــن فــي الرض( ولــذلك قـ ّ‬
‫على الرض في قوله تعالى )ل يعزب عنه مثقال ذرة في السموات‬
‫ول في الرض(‪.‬‬
‫‪41‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫واستخدمت السماء في سورة يــونس لن الســياق فــي الســتغراق‬
‫فجاء بأوسع حالة وهي السماء لنها أوسع بكثير من الســموات فــي‬
‫بعض الحيان‪ .‬فالسماء واحدة وهي تعني الســموات أو كــل مــا عل‬
‫وفي سورة سبأ استخدم السموات حسب ما يقتضيه السياق‪.‬‬
‫تقممديم الكممل علممى الشممرب فممي سممورة مريممم )فكلممي‬
‫واشربي وقّري عينا(‬
‫َ‬
‫نلحــظ اليــة قبلهــا فــي ســورة مريــم ) َ‬
‫همما أّل‬
‫دا َ‬
‫همما ِ‬
‫مممن ت َ ْ‬
‫فَنا َ‬
‫حت ِ َ‬
‫حَزِني َ‬
‫ع َ‬
‫ع‬
‫و ُ‬
‫هّزي إ ِل َي ْ ِ‬
‫حت َ ِ‬
‫ك تَ ْ‬
‫ل َرب ّ ِ‬
‫ج َ‬
‫قد ْ َ‬
‫تَ ْ‬
‫ك َ‬
‫ك بِ ِ‬
‫ري ّا ً }‪َ {24‬‬
‫س ِ‬
‫ج مذ ْ ِ‬
‫ك ُر َ‬
‫ق ْ‬
‫جن ِي ّما ً }‪َ {25‬‬
‫وا ْ‬
‫ش مَرِبي‬
‫الن ّ ْ‬
‫ط َ‬
‫سا ِ‬
‫خل َ ِ‬
‫طب ما ً َ‬
‫عل َي ْم ِ‬
‫ة تُ َ‬
‫فك ُل ِممي َ‬
‫ش َ‬
‫ف ُ‬
‫حدا ً َ‬
‫عْينا ً َ‬
‫و َ‬
‫ت‬
‫قّري َ‬
‫ن ِ‬
‫رأ َ‬
‫قوِلي إ ِن ّممي ن َمذَْر ُ‬
‫م َ‬
‫ما ت ََري ِ ّ‬
‫فإ ِ ّ‬
‫َ‬
‫ن ال ْب َ َ ِ‬
‫ُ‬
‫وما ً َ‬
‫س مي ّا ً }‪ .({26‬فقــد وردت‬
‫م ِإن ِ‬
‫ِللّر ْ‬
‫و َ‬
‫فل َ ْ‬
‫ن أك َل ّم َ‬
‫ح َ‬
‫ن َ‬
‫م ال ْي َم ْ‬
‫ص ْ‬
‫م ِ‬
‫سراة‬
‫سراة أي السادة )ول ُ‬
‫كلمة السري وهي تعني السّيد وجمعها ُ‬
‫جّهالهم سـادوا(‪ ،‬وهــي بمعنــى أن اللـه تعــالى قـد جعلـك تحتــك‬
‫إذا ُ‬
‫سّيدا‪ .‬أما التقديم والتــأخير فــي الكــل والشــرب فنلحــظ أنــه فــي‬
‫دم تعــالى الكــل علــى‬
‫القرآن كله حيثما اجتمــع الكــل والشــرب ق ـ ّ‬
‫الشرب حتى في الجّنة )كلوا واشربوا هنيئا بما أســلفتم فــي اليــام‬
‫الخالية( وقوله )كلوا واشربوا من رزق الله( وكذلك في آيــة ســورة‬
‫مريم )فكلي واشربي وقّري عينا( والســبب فــي ذلــك أن الحصــول‬
‫على الكل أصعب من الحصول على الشرب‪.‬‬
‫ومثال آخر قوله تعالى سورة هود‪:‬‬
‫َ َ‬
‫م ِإن ُ‬
‫ل َيا َ‬
‫) َ‬
‫قا َ‬
‫وآت َمماِني‬
‫ت َ‬
‫عَلى ب َي ّن َ م ٍ‬
‫كن ُ‬
‫ة ّ‬
‫وم ِ أَرأي ْت ُ ْ‬
‫ي َ‬
‫ق ْ‬
‫مممن ّرب ّ م ََ‬
‫َ‬
‫ه َ‬
‫همما‬
‫ت َ‬
‫م ً‬
‫مو َ‬
‫ن ِ‬
‫د ِ‬
‫عنم ِ‬
‫ف ُ‬
‫َر ْ‬
‫مي َم ْ‬
‫م لَ َ‬
‫مم ْ‬
‫وأنت ُم ْ‬
‫مك ُ ُ‬
‫ز ُ‬
‫عل َي ْك ُم ْ‬
‫ع ّ‬
‫ة ّ‬
‫ح َ‬
‫همما َ‬
‫م أن ُل ْ ِ‬
‫َ‬
‫ل َيا َ‬
‫ن }‪ ({28‬وقوله تعالى في سورة هود أيضا ً ) َ‬
‫قا َ‬
‫ر ُ‬
‫هو َ‬
‫ق ْ‬
‫كا َ ِ‬
‫وم ِ‬
‫َ‬
‫م ِإن ُ‬
‫ة َ‬
‫من‬
‫ت َ‬
‫م ً‬
‫عَلى ب َي ّن َ ً‬
‫وآَتاِني ِ‬
‫ه َر ْ‬
‫كن ُ‬
‫ف َ‬
‫ح َ‬
‫من ْ ُ‬
‫ة ّ‬
‫أَرأي ْت ُ ْ‬
‫من ّرّبي َ‬
‫دون َِني َ‬
‫ه َ‬
‫ر}‬
‫غي ْمَر ت َ ْ‬
‫ن َ‬
‫خ ِ‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫صُرِني ِ‬
‫ه إِ ْ‬
‫زي ُ‬
‫م َ‬
‫ف َ‬
‫صي ْت ُ ُ‬
‫ع َ‬
‫َين ُ‬
‫سممي ٍ‬
‫ما ت َ ِ‬
‫دم الرحمة علــى الجــاّر والمجــرور‪ ،‬واليــة‬
‫‪ .({63‬في الية الولى ق ّ‬
‫ميت‪ ،‬أنلزمكموهـا‪ ،‬وأنتـم لهـا كـارهون( كلهـا‬
‫تتكلم عن الرحمة )فع ّ‬
‫تعود على الرحمة لذا اقتضــى الســياق تقــديم الرحمــة علــى الجــاّر‬
‫والمجرور‪ .‬أما في الية الثانية فالية تتكلم عــن اللــه تعــالى )ربــي‪،‬‬
‫الله‪ ،‬منه‪ ،‬الضمير في عصيته( كلها تعود على الله تعالى لذا اقتضى‬
‫السياق تقديم )منه( على الرحمة‬
‫تقديم وتأخير الصابئين في آيتي سورة البقرة والمائدة‬
‫دوا ْ‬
‫ن َ‬
‫وال ّم ِ‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫قال تعالى في سورة البقــرة )إ ِ ّ‬
‫همما ُ‬
‫ذي َ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫من ُمموا ْ َ‬
‫ممم َ‬
‫ل‬
‫و َ‬
‫وم ِ ال ِ‬
‫ع ِ‬
‫ن ِبالل ّ ِ‬
‫م َ‬
‫م ْ‬
‫صاب ِِئي َ‬
‫نآ َ‬
‫ن َ‬
‫وال ّ‬
‫والن ّ َ‬
‫ر َ‬
‫وال ْي َ ْ‬
‫ه َ‬
‫صاَرى َ‬
‫َ‬
‫خمم ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫صاِلحا َ‬
‫م‬
‫ول َ َ‬
‫ف َ‬
‫ول َ ُ‬
‫و ٌ‬
‫م ِ‬
‫جُر ُ‬
‫مأ ْ‬
‫فل ُ‬
‫هم ْ‬
‫هم ْ‬
‫هم ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫خم ْ‬
‫م َ‬
‫علي ْ ِ‬
‫عندَ َرب ّ ِ‬
‫‪42‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫مُنوا ْ‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫ن }‪ ({62‬وقال في سورة المائدة )إ ِ ّ‬
‫حَزُنو َ‬
‫يَ ْ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫صاب ِ ُ‬
‫ن َ‬
‫ن ِبالل ّ ِ‬
‫وال ّ ِ‬
‫ؤو َ‬
‫ها ُ‬
‫م َ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫صاَرى َ‬
‫والن ّ َ‬
‫وال ّ‬
‫وال ْي َ ْ‬
‫ه َ‬
‫ن َ‬
‫دوا ْ َ‬
‫َ‬
‫وم ِ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫ن}‬
‫صاِلحا فل َ‬
‫ف َ‬
‫رو َ‬
‫ول ُ‬
‫و ٌ‬
‫ال ِ‬
‫ع ِ‬
‫حَزن ُممو َ‬
‫م يَ ْ‬
‫هم ْ‬
‫هم ْ‬
‫ل َ‬
‫م َ‬
‫خم ْ‬
‫خ ِ‬
‫علي ْ ِ‬
‫‪ ({69‬اليتان فيهما تشابه واختلف وزيادة في إحداها عن الخرى‪.‬‬
‫دم النصارى علــى الصــابئين )النصــب جــاء مــع‬
‫في سورة البقرة ق ّ‬
‫دم الصــابئون‬
‫العطف لتوكيد العطف(‪ ،‬وفــي آيــة ســورة المــائدة ق ـ ّ‬
‫على النصارى ورفعهــا بــدل النصــب‪ .‬فمــن حيــث التقــديم والتــأخير‬
‫ننظر في سياق السورتين الذي يعين على فهم التشــابه والختلف‪،‬‬
‫ففي آية سورة المائدة جاءت اليات بعدها تتناول عقيــدة النصــارى‬
‫والتثليث وعقيدتهم بالمسيح وكأن النصارى لم يؤمنوا بالتوحيد فيما‬
‫ن َ‬
‫قد ْ ك َ َ‬
‫تذكر اليات في السورة )ل َ َ‬
‫و‬
‫ه ُ‬
‫فَر ال ّ م ِ‬
‫قمماُلوا ْ إ ِ ّ‬
‫ذي َ‬
‫ن الل ّ م َ‬
‫هم َ‬
‫دوا ْ‬
‫و َ‬
‫س مَراِئي َ‬
‫قا َ‬
‫لا ْ‬
‫م ِ‬
‫م ِ‬
‫عب ُم ُ‬
‫سي ُ‬
‫سي ُ‬
‫ح َيا ب َِني إ ِ ْ‬
‫ح اب ْ ُ‬
‫ل ال ْ َ‬
‫مْري َ َ‬
‫ن َ‬
‫ال ْ َ‬
‫م َ‬
‫ر ْ‬
‫ف َ‬
‫ه َ‬
‫من ي ُ ْ‬
‫ه‬
‫ش‬
‫ه َ‬
‫عَلي م ِ‬
‫ك ِبالل ّ ِ‬
‫قد ْ َ‬
‫حّر َ‬
‫م الل ّ م ُ‬
‫ه َ‬
‫م إ ِن ّ ُ‬
‫وَرب ّك ُ ْ‬
‫الل ّ َ‬
‫ه َرّبي َ‬
‫ِ‬
‫ة ومأ ْواه الّنار وما ِللظّممال ِمين م من َ‬
‫ر }‪ {72‬ل ّ َ‬
‫د‬
‫ما‬
‫م‬
‫ص‬
‫أن‬
‫قم ْ‬
‫ال ْ َ‬
‫ِ َ ِ ْ‬
‫ُ َ َ‬
‫جن ّ َ َ َ َ ُ‬
‫َ‬
‫ٍ‬
‫ن َ‬
‫كَ َ‬
‫ه‬
‫ه َثال ِ ُ‬
‫ن إ َِلم م ٍ‬
‫ما ِ‬
‫ث ث َل َث َ ٍ‬
‫فَر ال ّ ِ‬
‫قاُلوا ْ إ ِ ّ‬
‫مم ْ‬
‫ذي َ‬
‫ه إ ِل ّ إ َِلم م ٌ‬
‫و َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ة َ‬
‫ف مُروا ْ‬
‫ن كَ َ‬
‫ما ي َ ُ‬
‫هوا ْ َ‬
‫وا ِ‬
‫ن ال ّ م ِ‬
‫قول ُممو َ‬
‫م ّ‬
‫م َينت َ ُ‬
‫ذي َ‬
‫سم ّ‬
‫ن ل َي َ َ‬
‫ع ّ‬
‫وِإن ل ّ ْ‬
‫حد ٌ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ع َ‬
‫ممما‬
‫هوا َ‬
‫م َ‬
‫ِ‬
‫ذا ٌ‬
‫م َينت َ ُ‬
‫من ْ ُ‬
‫ع ّ‬
‫وِإن ل ْ‬
‫ب أِلي ٌ‬
‫ه ْ‬
‫م }‪ ({73‬ثم جاء التهديد ) َ‬
‫َ‬
‫ن كَ َ‬
‫يَ ُ‬
‫ع َ‬
‫ما‬
‫م َ‬
‫فُروا ْ ِ‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫قوُلو َ‬
‫ذا ٌ‬
‫من ْ ُ‬
‫م ّ‬
‫ذي َ‬
‫س ّ‬
‫م }‪ّ ) ({73‬‬
‫ب أِلي ٌ‬
‫ه ْ‬
‫ن ل َي َ َ‬
‫مممن َ‬
‫ل َ‬
‫سم ُ‬
‫سو ٌ‬
‫ل‬
‫قدْ َ‬
‫قب ْل ِ م ِ‬
‫ت ِ‬
‫م ِ‬
‫سي ُ‬
‫خل َ م ْ‬
‫ه الّر ُ‬
‫م إ ِل ّ َر ُ‬
‫ح اب ْ ُ‬
‫مْري َ َ‬
‫ن َ‬
‫ال ْ َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ة َ‬
‫دي َ‬
‫م‬
‫ق ٌ‬
‫م انظُمْر ك َي ْم َ‬
‫ه ِ‬
‫ن الطّ َ‬
‫ص ّ‬
‫عمما َ‬
‫ن لَ ُ‬
‫ف ن ُب َي ّم ُ‬
‫هم ُ‬
‫م ُ‬
‫وأ ّ‬
‫كاَنا ي َمأك ُل َ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ؤ َ‬
‫م انظْر أّنى ي ُ ْ‬
‫ن }‪ ({75‬هذا السياق لم يذكر هــذا‬
‫الَيا ِ‬
‫فكو َ‬
‫ت ثُ ّ‬
‫المــر فــي ســورة البقــرة وهكــذا اقتضــى تقــديم الصــابئين علــى‬
‫النصارى في آية سورة المائدة‪ .‬فلما كـان الكلم فـي ذم معتقــدات‬
‫النصارى اقتضى تأخيرهم عن الصابئين‪.‬‬
‫ول هم يحزنون‪ :‬بتقديم )هم( الذين يحزن غيرهم وليــس هــم‪ .‬نفــي‬
‫الفعل عن النفس ولكنه إثبات الفعل لشخص آخر كأن نقول )ما أنا‬
‫مى‬
‫ت وجـود شـخص آخـر ضـربه )ُيسـ ّ‬
‫ضربته( نفيته عن نفسي وأثب ّ‬
‫التقديم للقصر( أما عندما نقول )ما ضربته( يعنــي ل أنــا ول غيــري‪.‬‬
‫نفى الحزن عنهم وأثبت أن غيهــم يحــزن )أهــل الضــلل فــي حــزن‬
‫دائم(‪ .‬ولم يقل ل خوف عليهم ول حزن لهم لنها ل تفيد التخصــيص‬
‫)نفى عنهم الحزن ولم يثبته لغيرهم( ولو قال ول لهم حــزن لنتفــى‬
‫التخصيص على الجنس أصل ً ول ينفي التجدد وقوله تعالى )ل خوف‬
‫ٌعليهم ول هم يحزنون( ل يمكن أن يؤدي إلــى حــزن فنفــى الخــوف‬
‫المتجدد والثابت ونفــى الحــزن المتجــدد )ل هــم يحزنــون بمعنــى ل‬
‫‪43‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫يخافون( والثابت )ل خوف( ول يمكــن لعبــارة أخــرى أن تــؤدي هــذا‬
‫المعنى المطلوب‪.‬‬
‫تقديم وتأخير اللهو على التجارة في آية سورة الجمعة‬
‫َ‬
‫َ‬
‫وت ََرك ُممو َ‬
‫هوا ً ان َ‬
‫وإ ِ َ‬
‫ك‬
‫ف ّ‬
‫وا ت ِ َ‬
‫ضمموا إ ِل َي ْ َ‬
‫و لَ ْ‬
‫همما َ‬
‫جاَرةً أ ْ‬
‫ذا َرأ ْ‬
‫هذه الية ) َ‬
‫قاِئما ً ُ‬
‫َ‬
‫ق ْ‬
‫ه‬
‫ه َ‬
‫ما ِ‬
‫جمماَر ِ‬
‫و ِ‬
‫عندَ الل ّ ِ‬
‫ن الت ّ َ‬
‫ن الل ّ ْ‬
‫مم َ‬
‫م َ‬
‫والل ّ م ُ‬
‫خي ٌْر ّ‬
‫ل َ‬
‫ة َ‬
‫و َ‬
‫ه ِ‬
‫ن }‪ ({11‬نزلت بينما كان الرسول صــلى اللــه عليــه‬
‫َ‬
‫ز ِ‬
‫قي َ‬
‫خي ُْر الّرا ِ‬
‫وسلم يخطب بعد صلة الجمعة فجاءت العيــر بتجــارة وكــانت ســنة‬
‫ض الناس بسبب التجارة وليس بسبب اللهــو لنــه كــان‬
‫شديدة فانف ّ‬
‫ض الناس‬
‫هناك غلء في السعار فعندما نودي أن القافلة وصلت انف ّ‬
‫دم التجارة في أول الية‬
‫عن الرسول صّلى الله عليه وسّلم ولهذا ق ّ‬
‫دم تعالى اللهو علــى التجــارة‬
‫)وإذا رأوا تجارة(‪ .‬ثم في نهاية الية ق ّ‬
‫لنه ليس كل الناس ينشغلون بالتجارة عن الصلة فكــثير ينشــغلون‬
‫دم اللهــو‬
‫باللهو وما عند الله تعالى خيٌر من اللهو ومن التجارة لذا ق ّ‬
‫على التجارة‪.‬‬
‫وقوله تعالى )والله خير الرازقين( لن التجارة مظّنة الــرزق فوضــع‬
‫التجارة بجانب قوله تعــالى )واللــه خيــر الرازقيــن( فليــس لئقـا ً ول‬
‫مناسبا ً أن يقول تعالى )الله خير الرازقين( بجانب اللهو وفي اللغــة‬
‫عادة تترّقى من الدنى إلى العلى فذكر الدنى )اللهـو( ثـم العلـى‬
‫)التجارة(‪.‬‬
‫وهناك أمر آخر وهو تكرار )من( في قــوله تعــالى )مــن اللهــو ومــن‬
‫التجارة( لنه لو قال )من اللهو والتجارة( لفاد أن الخيريــة ل تكــون‬
‫إل باجتماعهما أي اللهو والتجارة أما قــوله تعــالى )مــن اللهــو ومــن‬
‫التجارة( فهي تفيد أن الخيرية من اللهو على جهــة الســتقلل ومــن‬
‫التجارة على جهة الستقلل أيضا ً فإن اجتمعا زاد المر سوءاً‪.‬‬
‫تقديم الرحيم على الغفممور فممي سممورة سممبأ وقممد وردت‬
‫في باقي القرآن الغفور الرحيم‬
‫فممي‬
‫ممما ِ‬
‫ه ال ّم ِ‬
‫مدُ ل ِل ّ ِ‬
‫لو قرأنــا اليــة فــي ســورة ســبأ )ال ْ َ‬
‫ه َ‬
‫ذي ل َم ُ‬
‫ح ْ‬
‫و‬
‫في اْل َْر‬
‫و ُ‬
‫فممي اْل ِ‬
‫م مد ُ ِ‬
‫ما ِ‬
‫خ مَر ِ‬
‫وا ِ‬
‫ه ال ْ َ‬
‫ال ّ‬
‫ح ْ‬
‫ول َ م ُ‬
‫و َ‬
‫س َ‬
‫هم َ‬
‫ة َ‬
‫ض َ‬
‫ت َ‬
‫ما َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ج‬
‫ممما ي َ ْ‬
‫م ال ْ َ‬
‫ج ِ‬
‫ح ِ‬
‫خ مُر ُ‬
‫ممما ي َل ِم ُ‬
‫خِبيُر }‪ {1‬ي َ ْ‬
‫ال ْ َ‬
‫و َ‬
‫م َ‬
‫عل َ ُ‬
‫كي ُ‬
‫ض َ‬
‫فممي الْر ِ‬
‫ز ُ‬
‫م‬
‫ما ِ‬
‫و الّر ِ‬
‫و ُ‬
‫ج ِ‬
‫ل ِ‬
‫ِ‬
‫ع مُر ُ‬
‫ما ي َ ْ‬
‫في َ‬
‫ن ال ّ‬
‫من ْ َ‬
‫م َ‬
‫حي م ُ‬
‫و َ‬
‫س َ‬
‫و َ‬
‫هم َ‬
‫همما َ‬
‫ء َ‬
‫ها َ‬
‫ما َين ِ‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫غ ُ‬
‫ص المكلفيــن أبــدا والمغفــرة ل‬
‫ال َ‬
‫فوُر }‪ ({2‬لم يتق ّ‬
‫دم الية ما يخ ّ‬
‫تأتي إل للمكّلفين والمذنبين الذين يغفر الله تعالى لهــم وإنمــا جــاء‬
‫ذكرهم بعد اليتين الولى والثانية لــذا اقتضــى تــأخير الغفــور لتــأخر‬
‫المغفور لهم في سياق الية‪ .‬أما في باقي سور القرآن الكريم فقد‬
‫‪44‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫دم ذكر المكّلفين فيــذنبون فيغفــر اللــه‬
‫وردت الغفور الرحيم لنه تق ّ‬
‫تعالى لهم فتطّلب تقديم المغفرة على الرحمة‪.‬‬
‫تقديم النس علممى الجممان فممي آيممة سممورة الرحمممن )لممم‬
‫يطمثهن إنس قبلهم ول جان(‬
‫ن َ‬
‫م‬
‫قال تعالى في ســورة الرحمــن ) ِ‬
‫قا ِ‬
‫ت الطّ مْر ِ‬
‫ص مَرا ُ‬
‫ه ّ‬
‫ف ل َم ْ‬
‫في ِ‬
‫س َ‬
‫ن }‪ ، ({56‬والنسان عــادة تعــاف‬
‫ي َطْ ِ‬
‫جا ّ‬
‫وَل َ‬
‫قب ْل َ ُ‬
‫مث ْ ُ‬
‫ه ّ‬
‫ه ْ‬
‫ن ِإن ٌ‬
‫م َ‬
‫دم ذكــر النــس لكــن إذا‬
‫نفســه المــرأة إذا طمثهــا إنســي لــذلك تقـ ّ‬
‫عاشرها جان ليس لها نفس الوقع كالنسي‪.‬‬
‫تقديم )ما تسبق من أمممة أجلهمما( علممى )ممما يسممتأخرون(‬
‫في آية سورة الحجر والمؤمنون‬
‫قال تعالى في سورة الحجــر )ما ت َس مبق م من أ ُم م َ‬
‫ممما‬
‫ْ ِ ُ ِ ْ ّ ٍ‬
‫ةأ َ‬
‫جل َ َ‬
‫و َ‬
‫ّ‬
‫همما َ‬
‫ن‬
‫ست َأ ْ ِ‬
‫ق ِ‬
‫خُرو َ‬
‫ما ت َ ْ‬
‫يَ ْ‬
‫مم ْ‬
‫سمب ِ ُ‬
‫ن }‪ ({5‬وقال فــي ســورة المؤمنــون ) َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ن }‪ ({43‬بتقديم )ما تسبق( علــى )مــا‬
‫ست َأ ِ‬
‫م ٍ‬
‫خُرو َ‬
‫ةأ َ‬
‫ما ي َ ْ‬
‫جل َ َ‬
‫و َ‬
‫أ ّ‬
‫ها َ‬
‫يستأخرون( أما في سورة العراف فقد جاءت اليــة بقــوله )وَل ِك ُـ ّ‬
‫ل‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ج ٌ‬
‫ل فَإ ِ َ‬
‫ن }‪({34‬‬
‫ساعَ ً‬
‫ست َأ ِ‬
‫مو َ‬
‫خُرو َ‬
‫جاء أ َ‬
‫ذا َ‬
‫مة ٍ أ َ‬
‫ة وَل َ ي َ ْ‬
‫ن َ‬
‫م ل َ يَ ْ‬
‫ست َْقدِ ُ‬
‫جل ُهُ ْ‬
‫أ ّ‬
‫بتقديم )ل يستأخرون( على )ل يستقدمون(‪ .‬وإذا لحظنا اليات فــي‬
‫القــرآن نجــد أن تقــديم )مــا تســبق مــن أمــة أجلهــا( علــى )ومــا‬
‫يستأخرون( لم تأت إل في مقام الهلك والعقوبة‪.‬‬
‫تقممديم وتممأخير كلمممة ) تخفمموا ( فممي آيممة سممورة البقممرة‬
‫وسورة آل عمران‬
‫فممي‬
‫ممما ِ‬
‫ه ما ِ‬
‫ماوا ِ‬
‫قال تعالى في سورة البقرة )ل ّل ّ ِ‬
‫في ال ّ‬
‫و َ‬
‫سم َ‬
‫ت َ‬
‫فسك ُ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫س مب ْ ُ‬
‫خ ُ‬
‫ه‬
‫و تُ ْ‬
‫ما ِ‬
‫كم ب ِم ِ‬
‫حا ِ‬
‫فوهُ ي ُ َ‬
‫وِإن ت ُب ْ ُ‬
‫في أن ُ ِ ْ‬
‫دوا ْ َ‬
‫مأ ْ‬
‫ض َ‬
‫الْر ِ‬
‫ه َ‬
‫عل َممى ك ُم ّ‬
‫مممن ي َ َ‬
‫من ي َ َ‬
‫ل‬
‫في َ ْ‬
‫ه َ‬
‫غ ِ‬
‫عذ ّ ُ‬
‫وي ُ َ‬
‫والل ّم ُ‬
‫ب َ‬
‫فُر ل ِ َ‬
‫الل ّ ُ‬
‫شمماءُ َ‬
‫شاءُ َ‬
‫خ ُ‬
‫ديٌر }‪ ({284‬وقال في آل عمــران ) ُ‬
‫ء َ‬
‫ق ْ‬
‫َ‬
‫ممما‬
‫ي ٍ‬
‫ل ِإن ت ُ ْ‬
‫ق ِ‬
‫فمموا ْ َ‬
‫ش ْ‬
‫َ‬
‫فممي‬
‫ممما ِ‬
‫ِ‬
‫وي َ ْ‬
‫دوهُ ي َ ْ‬
‫و ت ُْبمم ُ‬
‫صمم ُ‬
‫م َ‬
‫عَلمم ُ‬
‫ه الّلمم ُ‬
‫ممم ُ‬
‫عل َ ْ‬
‫رك ُ ْ‬
‫فممي ُ‬
‫ه َ‬
‫مأ ْ‬
‫دو ِ‬
‫ء َ‬
‫ل َ‬
‫عَلى ك ُم ّ‬
‫ديٌر }‬
‫ي ٍ‬
‫ه َ‬
‫ما ِ‬
‫قم ِ‬
‫وا ِ‬
‫ال ّ‬
‫والل ّ ُ‬
‫و َ‬
‫س َ‬
‫ض َ‬
‫ت َ‬
‫ما َ‬
‫شم ْ‬
‫في الْر ِ‬
‫‪ .({29‬المحاسبة فــي ســورة البقــرة هــي علــى مــا ُيبــدي النســان‬
‫دم البداء أما في سورة آل‬
‫وليس ما ُيخفي ففي سياق المحاسبة ق ّ‬
‫دم الخفــاء لنــه ســبحانه يعلــم‬
‫عمران فالية في سياق العلم لذا قـ ّ‬
‫السر وأخفى‪.‬‬
‫تقديم الشممتاء علممى الصمميف والجمموع علممى الخمموف فممي‬
‫سورة قريش‬
‫ف ُ‬
‫م‬
‫ش }‪ِ {1‬إيَل ِ‬
‫ليَل ِ‬
‫هم ْ‬
‫قال تعــالى فــي ســورة قريــش ) ِ ِ‬
‫ف ِ‬
‫قَري ْ ٍ‬
‫ف }‪َ {2‬‬
‫ة ال ّ‬
‫هم َ‬
‫ت }‪{3‬‬
‫حل َ َ‬
‫ب َ‬
‫ذا ال ْب َي ْم ِ‬
‫دوا َر ّ‬
‫عب ُ ُ‬
‫فل ْي َ ْ‬
‫صي ْ ِ‬
‫ر ْ‬
‫وال ّ‬
‫شَتاء َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ف }‪ ( {4‬والمعروف‬
‫ن َ‬
‫ال ِ‬
‫و ٍ‬
‫من ُ‬
‫ذي أط َ‬
‫من َ ُ‬
‫م ُ‬
‫م ْ‬
‫هم ّ‬
‫وآ َ‬
‫هم ّ‬
‫ع َ‬
‫خ ْ‬
‫ع َ‬
‫جو ٍ‬
‫‪45‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫أن حاجة النسان للطعام في الشتاء أكثر من الصيف والخوف فــي‬
‫الصيف أكثر لنه فيه يكثر ق ّ‬
‫دم تعــالى‬
‫طاع الطرق والزواحف لــذا قـ ّ‬
‫الشتاء والخوف على الصيف والجوع وقال أيضا ً أطعمهم ولــم يقــل‬
‫أشبعهم لن الطعام أفضل من الشباع‪ .‬ولقد جاءت سورة قريــش‬
‫بعد سورة الفيل للتركيز علــى المــن فــي الــبيت الحــرام بعــد عــام‬
‫الفيل‪.‬‬
‫ديم البصر على السمممع فممي آيممة سممورة الكهممف وآيممة‬
‫تق ّ‬
‫سورة السجدة‬
‫َ‬
‫ه َ‬
‫قال تعالى في سورة الكهف ) ُ‬
‫ب‬
‫هأ ْ‬
‫غْيمم ُ‬
‫ما ل َب ُِثوا ل َ ُ‬
‫م بِ َ‬
‫عل َ ُ‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫ق ِ‬
‫السماوات واْل َرض أ َبصر به َ‬
‫مممن‬
‫ه ِ‬
‫دون ِ ِ‬
‫س ِ‬
‫من ُ‬
‫م ْ‬
‫ما ل َ ُ‬
‫وأ ْ‬
‫هم ّ‬
‫ع َ‬
‫ْ ِ ْ ِ ْ ِ ِ َ‬
‫ّ َ َ ِ َ‬
‫َ‬
‫ر ُ‬
‫وَل ي ُ ْ‬
‫حممدا ً }‪ ({26‬وقــال فــي ســورة‬
‫ك ِ‬
‫مم ِ‬
‫حك ْ ِ‬
‫هأ َ‬
‫فممي ُ‬
‫ي َ‬
‫َ‬
‫ول ِ ّ‬
‫شم ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫سممو ُر ُ‬
‫د‬
‫م ِ‬
‫ؤو ِ‬
‫مممو َ‬
‫عن م َ‬
‫م ْ‬
‫ن َناك ِ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ر ُ‬
‫و ت َمَرى إ ِِذ ال ُ‬
‫ول م ْ‬
‫الســجدة ) َ‬
‫ج ِ‬
‫سم ِ‬
‫َ‬
‫عَنا َ‬
‫مم ْ‬
‫صمماِلحا ً إ ِن ّمما‬
‫سم ِ‬
‫عن َمما ن َ ْ‬
‫ج ْ‬
‫م ْ‬
‫و َ‬
‫ع َ‬
‫هم ْ‬
‫ل َ‬
‫م َرب ّن َمما أب ْ َ‬
‫فاْر ِ‬
‫ص مْرَنا َ‬
‫َرب ّ ِ‬
‫ن }‪ ({12‬والمعلــوم أن الكــثر فــي القــرآن تقــديم الســمع‬
‫مو ِ‬
‫قُنو َ‬
‫ُ‬
‫على البصر لن السمع أهــم مــن البصــر فــي التكليــف والتبليــغ لن‬
‫فاقد البصر الذي يسمع يمكن تبليغه أما فاقد السمع فيصعب تبليغه‬
‫ثم إن مدى السمع أقل من مدى البصر فمــن نســمعه يكــون عــادة‬
‫أقرب ممن نراه‪ ،‬بالضافة إلى أن الســمع ينشـأ فــي النسـان قبــل‬
‫دم البصــر علــى الســمع فــي اليــتين‬
‫البصر في التكوين‪ .‬أما لماذا ق ّ‬
‫المذكورتين فالسبب يعود إلى أنه في آية سورة الكهف الكلم عــن‬
‫أصحاب الكهف الذين فروا من قومهم لئل يراهــم أحــد ولجــأوا إلــى‬
‫ظلمة الكهف لكيل يراهم أحد لكن الله تعالى يراهم في تقلبهم في‬
‫ظلمة الكهف وكذلك طلبوا مــن صــاحبهم أن يتلطــف حــتى ل يــراه‬
‫القوم إذن مسألة البصر هنا أهم من السمع فاقتضى تقــديم البصــر‬
‫على السمع في الية‪.‬‬
‫وكذلك في آية سورة السجدة‪ ،‬الكلم عن المجرمــون الــذين كــانوا‬
‫فــي الــدنيا يســمعون عــن القيامــة وأحوالهــا ول يبصــرون لكــن مــا‬
‫ن ولــو تيقنــوا لمنــوا أمــا‬
‫يسمعوه كان يدخل في مجال الشك والظ ّ‬
‫في الخرة فقد أبصروا ما كانوا يســمعون عنــه لنهــم أصــبحوا فــي‬
‫مجال اليقين وهو ميدان البصر )عين اليقين( والخرة ميدان الرؤيــة‬
‫وليس ميدان السمع وكما يقال ليس الخــبر كالمعاينــة‪ .‬فعنــدما رأوا‬
‫في الخرة ما كانوا يسمعونه ويشكون فيه تغير الحال ولذا اقتضــى‬
‫تقديم البصر على السمع‪.‬‬
‫تقديم وتأخير الجن والنس في آيتي السراء والرحمن‬
‫‪46‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫قال تعالى‪ُ ) :‬‬
‫ق ْ‬
‫ن ي َمأُتوا‬
‫ن َ‬
‫ل ل َئ ِ‬
‫ع ِ‬
‫عل َممى أ ْ‬
‫م َ‬
‫نا ْ‬
‫ج ّ‬
‫جت َ َ‬
‫ت اْل ِن ْ ُ‬
‫وال ْ ِ‬
‫س َ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫ذا ال ْ ُ َ‬
‫ه َ‬
‫ض‬
‫ل َ‬
‫ع ُ‬
‫مث ْل ِ ِ‬
‫ن بِ ِ‬
‫بِ ِ‬
‫و ك َمما َ‬
‫ن َل ي َأُتو َ‬
‫م ل ِب َ ْ‬
‫ن بَ ْ‬
‫ضم ُ‬
‫ه ْ‬
‫ول َ ْ‬
‫ه َ‬
‫قْرآ ِ‬
‫مث ْ ِ‬
‫عم ٍ‬
‫ظَ‬
‫ع َ‬
‫ن‬
‫م ْ‬
‫جم ّ‬
‫هي مًرا )‪ (88‬الســراء( وقــال عــز وجــل ‪ ) :‬ي َمما َ‬
‫ش مَر ال ْ ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ق َ‬
‫َ ْ‬
‫ن أَ ْ‬
‫ن ت َن ْ ُ‬
‫فم ُ‬
‫ت‬
‫وا ِ‬
‫ذوا ِ‬
‫مأ ْ‬
‫سمت َطَ ْ‬
‫ر ال ّ‬
‫نا ْ‬
‫مم ْ‬
‫سم َ‬
‫عت ُ ْ‬
‫ما َ‬
‫س إِ ِ‬
‫طما ِ‬
‫وال ِ َن ْ ِ‬
‫سل ْ َ‬
‫َ ْ‬
‫ذوا َل ت َن ْ ُ‬
‫فان ْ ُ‬
‫ض َ‬
‫ف ُ‬
‫ف ُ‬
‫ن )‪ (33‬الرحمن(‬
‫ذو َ‬
‫ن إ ِّل ب ِ ُ‬
‫طا ٍ‬
‫والْر ِ‬
‫قدم في الولى النس وقدم في الثانية الجن لن مضمون الية هــو‬
‫التحدي بالتيان بمثل القرآن ‪ ،‬ول شك أن مــدار التحــدي علــى لغــة‬
‫القرآن ونظمه وبلغته وحسن بيانه وفصاحته‪.‬‬
‫والنــس فــي هــذا المجــال هــم المقــدمون ‪ ،‬وهــم أصــحاب البلغــة‬
‫وأعمدة الفصاحة وأساطين البيان ‪ ،‬فإتيان ذلك مــن قبلهــم أولــى ‪،‬‬
‫ولذلك كان تقديمهم أولى ليناسب ما يتلءم مع طبيعتهم‪.‬‬
‫أما الية الثانية فإن الحديث فيها عـن النفـاذ مـن أقطـار السـموات‬
‫والرض ‪ ،‬ول شك أن هذا هو ميدان الجن لتنقلهم وسرعة حركتهــم‬
‫الطيفية وبلوغهم أن يتخذوا مقاعد في في السماء للســتماع ‪ ،‬كمــا‬
‫قال تعالى على لسانهم ‪ " :‬وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمممع‬
‫" الجن ‪9‬‬
‫فقدم الجن على النــس لن النفــاذ ممــا يناســب خواصــهم وماهيــة‬
‫أجسامهم أكثر من النس‬

‫موضوع القطع في القرآن الكريم‬
‫القطع أكثر ما يكون في أمرين‪ :‬في النعت والعطف بالواو‪ .‬والقطع‬
‫هو تغييــر الحركــة الــتي ينبغــي أن يكــون عليهــا التــابع‪ .‬الصــل فــي‬
‫الصفة )النعــت( أن يتبــع الموصــوف بــالعراب )مرفــوع – مرفــوع‪،‬‬
‫منصوب – منصوب‪ ،‬أو مجرور – مجــرور‪ .‬أمــا الصــل فــي العطــف‬
‫بالواو أن يتبع المعطوف بالواو ما قبله بالحركة العرابية‪.‬‬

‫‪47‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫أحيان ـا ً تغي ّــر العــرب الحركــة فتــأتي بعــد المرفــوع بمنصــوب وبعــد‬
‫المنصوب بمرفوع وبعــد المجــرور بــالرفع أو النصــب )فــي النعــت(‬
‫وعندما تتغير الحركة يتغير العراب‪ .‬مثال على النعت‪:‬‬
‫م ‪ -‬مــررت بمحم ـدٍ‬
‫م ‪ -‬رأيــت محمــدا ً الكري ـ ُ‬
‫أقبــل محمــد الكري ـ َ‬
‫م‬
‫م أو الكري َ‬
‫الكري ُ‬
‫وهذا المر يجري في العطف أيضا ً كما في قوله تعــالى )والموفــون‬
‫بعهــدهم إذا عاهــدوا والصــابرين ( )لكــن الراســخون فــي العلــم‬
‫والمقيمين الصلة والمؤتون الزكاة( المقيمين )قطع(‬
‫لماذا يستخدم أسلوب القطع؟ هو ليس بالصل أسلوبا ً قرآنيــا ً‬
‫ابتدعه القرآن لكنه أسلوب عربي موجــود فــي اللغــة ‪ ،‬والقطــع لــه‬
‫شروط لكن لماذا تقطع العرب؟ تقطع العرب لسببين‪:‬‬
‫الول‪ :‬لتنــبيه الســامع وإيقــاظ ذهنــه إلــى الصــفة المقطوعــة ‪،‬‬
‫والمفروض في الصفة أن تأتي تابعة لحركة الموصوف فإذا تغيــرت‬
‫الحركة انتبه السامع‪ .‬وهذا دليل على أن الموصوف قد بلغ حدا ً في‬
‫هذه الصفة يثير الهتمام ويقتضيه‪.‬‬
‫والثاني أن القطع ل يكون إل إذا كان الســامع المخــا َ‬
‫طب يعلــم مــن‬
‫اّتصاف الصفة بالموصوف التي يذكرها المتكلــم أو يقطعهــا‪ .‬مثــال‪:‬‬
‫إذا قلنا مررت بمحمد الكريم )السامع قد يعلم أو ل يعلم أن محمدا ً‬
‫ِ‬
‫ً‬
‫كريم فُيعطى السامع معنى جديدا لم يكــن يعلمــه(‪ .‬وإذا قلنــا‪ :‬جــاء‬
‫م فل بد أن يكون الســامع علــى علــم أن خالــد كريــم أي‬
‫خالد ٌ الكري َ‬
‫اشتهر بهذه الصفة حتى عُِلمت عنه‪ .‬والقطع في هــذه الحالــة ُيفيــد‬
‫أن المخا َ‬
‫طب يعلم من اتصاف الموصــوف مــا يعلمــه المتكلــم فــإذا‬
‫م له‪.‬‬
‫ما ً كان أذ ّ‬
‫كان مادحا ً كان أمدح له وإذا كان ذا ّ‬
‫م عندما يوصف‬
‫ما قيمة هذا القطع في اللغة؟ في المدح والذ ّ‬
‫شخص الكرم فهو مشهور بالكرم ول يخفــى كرمــه علــى أحــد وقــد‬
‫يكون الشخص كريما ً لكن ل يعرفه أحــد‪ .‬فــإذا كــان المــدح بــالقطع‬
‫يكون أمدح للشــخص بمعنــى أنــه بلــغ مــن الخصــال الكريمــة مــا ل‬
‫يخفى على أحد فيكون أمدح له‪ .‬فإذا كان في حالة ال ّ‬
‫م‬
‫ذم فيكون أذ ّ‬
‫ة الحطــب(‬
‫ه حمال َ‬
‫له‪ .‬كما في قوله تعالى في سورة المسد )وامرأت ُ ُ‬
‫م الله تعالى امرأة أبو لهــب مرتيــن مــرة بــالقطع لن الكــل يعلــم‬
‫ذ ّ‬
‫مالة( على وزن فّعالــة‬
‫مها بصيغة المبالغة في كلمة )ح ّ‬
‫بصفاتها ثم ذ ّ‬
‫م لهــا لمــا كــانت تلحقــه مــن أذى‬
‫م بــالقطع هنــا أذ ّ‬
‫وهكــذا جــاء الــذ ّ‬
‫مالــة( علــى أنهــا‬
‫برسول الله ‪ .‬وقد أعرب بعض النحــاة كلمــة )ح ّ‬
‫خبر لمبتدأ )امرأته( ولخرون أعربوهــا علــى أنهــا صــفه وهــذا عليــه‬
‫اعتراض ظاهر لنه ل يمكن أن تكون صفة بحسب القواعد النحويــة‬
‫‪48‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫مالة الحطب هي إضافة لفظية يعنــي إضــافة صــيغة المبالغــة‬
‫ل ّ‬
‫نح ّ‬
‫إلى معمولها يعتي نكرة )وامرأتــه( معّرفــة فكيــف نصــف المعرفــة‬
‫بالنكرة؟ هذه يقــال فيهــا أنهــا إضــافة لفظيــة‪ .‬إذا قلنــا‪ :‬رأيــت رجل ً‬
‫طوي َ‬
‫ل القامــة )طويــل القامــة هــي صــفة لفظيــة( وإذا قلنــا‪ :‬رأيــت‬
‫الرجل الطويــل القامــة )الطويــل القامــة هــي موصــوف لمعرفــة(‪.‬‬
‫والضافة اللفظية هي إضاقة اسم الفاعل واســم المفعــول إذا كانــا‬
‫داّليــن علــى الحــال أو الســتقبال إلــى معمولهمــا‪ ،‬إضــافة الصــفة‬
‫المشبهة والمبالغة إلى معمولهمــا دون تحديــد الزمــن مثــال‪ :‬أقبــل‬
‫رج ٌ‬
‫ل مصري المولد )مصري المولد إضــافة لفظيــة وبقيــت نكــرة(‬
‫وإذا قلنا‪ :‬مــررت برجــل مصــري النشــأة )موصــوف لنكــرة وُتعــرب‬
‫نعت( وإذا قلنا‪ :‬مررت بالرجل المصــري النشــأة )المصــري النشــأة‬
‫نعت موصوف لمعرفة( وفي العودة إلى آية سورة المســد )حمالــة‬
‫مها‪.‬‬
‫الحطب( مفعول به لفعل محذوف تقديره أذ ّ ّ‬
‫حم‬
‫م والــتر ّ‬
‫ما الحكم النحمموي فممي القطممع؟ فــي المــدح والــذ ّ‬
‫ُيحذف وجوبا ً فعنـد العـراب ُيعـرب خـبر لمبتـدأ محـذوف )إذا كـان‬
‫مرفوع( ونقول محذوف وجوبا ً وإذا كان في غير حالة يكون جــوازًا‪.‬‬
‫م‬
‫وفي النصب يكون مفعول به لفعل محذوف وجوبا ً في المدح والذ ّ‬
‫حم وفي غير ذلك يكون جوازًا‪.‬‬
‫والتر ّ‬
‫م‬
‫س ُ‬
‫في ال ْ ِ‬
‫ن ِ‬
‫عل ْم ِ ِ‬
‫ن الّرا ِ‬
‫في سورة النساء آية ‪ّ) 162‬لمك ِ‬
‫خو َ‬
‫من ْ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫قب ْل ِم َ‬
‫ل إ َِلي م َ‬
‫مممن َ‬
‫ن يُ ْ‬
‫م ْ‬
‫ز َ‬
‫ز َ‬
‫ك‬
‫ل ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫مُنو َ‬
‫مُنو َ‬
‫و َ‬
‫ن بِ َ‬
‫وال ْ ُ‬
‫ك َ‬
‫َ‬
‫ممما أن م ِ‬
‫ما أن ِ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ه‬
‫م ِ‬
‫ن ب ِممالل ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫قي ِ‬
‫من ُممو َ‬
‫ؤت ُممو َ‬
‫ميم َ‬
‫وال ُ‬
‫وال ُ‬
‫وال ُ‬
‫ن ال ّ‬
‫ن الّزكمماةَ َ‬
‫صملةَ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ولمئ ِ َ‬
‫سن ُ ْ‬
‫ما( القطع هنــا فــي‬
‫جًرا َ‬
‫وم ِ ال ِ‬
‫ع ِ‬
‫مأ ْ‬
‫ك َ‬
‫ظي ً‬
‫ه ْ‬
‫رأ ْ‬
‫والي َ ْ‬
‫َ‬
‫خ ِ‬
‫ؤِتي ِ‬
‫م من كل العمال‪.‬‬
‫كلمة )المقيمين الصلة( لهمية الصلة فهي أه ّ‬
‫َ‬
‫م‬
‫جممو َ‬
‫و ُ‬
‫هك ُ ْ‬
‫وفي سورة البقــرة آيــة ‪) 177‬ل ّي ْ َ‬
‫ول ّمموا ْ ُ‬
‫س ال ْب ِمّر أن ت ُ َ‬
‫م ْ‬
‫قب َ َ‬
‫م ْ‬
‫ِ‬
‫ن ِبالل ّ ِ‬
‫م َ‬
‫م ْ‬
‫وَلمك ِ ّ‬
‫نآ َ‬
‫ن ال ْب ِّر َ‬
‫وال ْ َ‬
‫ل ال ْ َ‬
‫ر ِ‬
‫وال َْيمم ْ‬
‫ه َ‬
‫ب َ‬
‫ق َ‬
‫غ ِ‬
‫ر ِ‬
‫ش ِ‬
‫وم ِ‬
‫ممما َ‬
‫ه‬
‫ل َ‬
‫ال ِ‬
‫حب ّم ِ‬
‫ملئ ِك َ ِ‬
‫عل َممى ُ‬
‫والن ّب ِّيي َ‬
‫وآَتى ال ْ َ‬
‫وال ْ َ‬
‫وال ْك َِتا ِ‬
‫ن َ‬
‫ب َ‬
‫ة َ‬
‫ر َ‬
‫خ ِ‬
‫وي ال ْ ُ‬
‫ذَ‬
‫ل‬
‫سممما ِ‬
‫ن ال ّ‬
‫م َ‬
‫واْبممم َ‬
‫كي َ‬
‫وال ْ َ‬
‫وال ْي ََتممما َ‬
‫سمممِبي ِ‬
‫ن َ‬
‫مى َ‬
‫قْرَبمممى َ‬
‫ِ‬
‫وآَتممى الّز َ‬
‫وأ َ َ‬
‫فممي الّر َ‬
‫ة‬
‫كمما َ‬
‫و ِ‬
‫قمما َ‬
‫وال ّ‬
‫سممآئ ِِلي َ‬
‫قمما ِ‬
‫م ال ّ‬
‫صمملةَ َ‬
‫ب َ‬
‫ن َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫مو ُ‬
‫م إِ َ‬
‫سماء‬
‫ذا َ‬
‫ن ِ‬
‫عا َ‬
‫د ِ‬
‫هم ِ‬
‫فو َ‬
‫هم ُ‬
‫ن بِ َ‬
‫فممي الب َأ َ‬
‫ع ْ‬
‫ري َ‬
‫ه ْ‬
‫وال ُ‬
‫وال ّ‬
‫دوا َ‬
‫َ‬
‫صمماب ِ ِ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫وأولم مئ ِ َ‬
‫س أولمئ ِ َ‬
‫ص مد َ ُ‬
‫م‬
‫ك ُ‬
‫و ِ‬
‫وال ّ‬
‫ك ال ِ‬
‫ذي َ‬
‫حي َ‬
‫هم ُ‬
‫ن َ‬
‫قوا َ‬
‫ضّراء َ‬
‫ن الب َأ ِ‬
‫مت ّ ُ‬
‫ن( قطع كلمة الصابرين للهمية وللــتركيز علــى الصــابرين‪.‬‬
‫قو َ‬
‫ال ْ ُ‬
‫م‪ .‬والمنصــوب فــي القطــع ُيعــرب‬
‫إذن القطع جــاء هنــا لمــا هــو أهـ ّ‬
‫مفعول به لفعل محذوف‪.‬‬
‫‪49‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬

‫مقاصد الذكر والحذف في الحروف في‬
‫القرآن الكريم‬
‫نذكر من حالت ذكر وحــذف الخــرف فــي القــرآن الكريــم حــالتين‪:‬‬
‫الولى عندما يحتمل التعبير ذكر أكثر مــن حــرف ومــع ذلــك يحــذفه‬
‫وقد يحتمل التعبير ذكر أكــثر مــن حــرف‪ ،‬والثانيــة عنــدما ل يحتمــل‬
‫التعبير ذكر حرف بعينه‪.‬‬
‫الحالممة الولممى‪) :‬وأمــرت أن أكــون أول المســلمين( يحتمــل أن‬
‫يكون المحذوف )الباء( لن المر عادة يأتي مع حرف البــاء )أمــرت‬
‫بأن( كما في قوله تعالى )تأمرون بــالمعروف( كمــا يحتمــل التعــبير‬
‫ذكر حرف اللم )وأمرت لن أكون أول المســلمين( فلمــاذا حــذف؟‬
‫هــذا مــا يســمى التوســع فــي المعنــى وأراد تعــالى أن يجمــع بيــن‬
‫المعنيين )الباء واللم( فإذا أراد التخصيص ذكر الحرف وإذا أراد كل‬
‫الحتمالت للتوسع فــي المعنــى يحــذف‪ .‬مثــال‪) :‬ألــم يؤخــذ عليكــم‬
‫ميثاق الكتاب أل تقولوا علــى اللــه إل الحــق( فــي اليــة حــرف جــر‬
‫محذوف‪ ،‬يحتمل أن يكون )في( )ألم يؤخذ عليكم ميثاق الكتاب في‬
‫أل تقولوا على الله إل الحق( ويحتمــل أن يكــون )اللم( )ألــم يؤخــذ‬
‫عليكم ميثـاق الكتـاب لئل تقولـوا علـى اللـه إل الحـق( ويحتمـل أن‬
‫يكون )على( )ألم يؤخذ عليكم ميثاق الكتــاب علــى أل تقولــوا علــى‬
‫الله إل الحــق( ويحتمــل أن يكــون بالبــاء )ألــم يؤخــذ عليكــم ميثــاق‬
‫الكتاب بأل تقولوا على الله إل الحق( لذا فهــذا التعــبير يحتمــل كــل‬
‫معاني الباء واللم وفي وعلى للتوسع في المعنى أي أنه جمع أربــع‬
‫معاني في معنى واحد بحذف الحرف‪.‬‬
‫الحالة الثانية‪ :‬يحــذف الحــرف فــي موقــع ل يقتضــي إل الحــذف‬
‫بالحرف‪ ،‬والذكر يفيد التوكيد بخلف الحذف )مررت بمحمد وبخالد(‬
‫أوكد من )مــررت بمحمــد وخالــد(‪ .‬مثــال مــن القــرآن الكريــم‪:‬فــي‬
‫ف َ‬
‫ح َ‬
‫م َ‬
‫س‬
‫ق مْر ٌ‬
‫س ْ‬
‫م َ‬
‫ق مد ْ َ‬
‫سك ُ ْ‬
‫سورة آل عمران قال تعــالى‪ِ) :‬إن ي َ ْ‬
‫مم ّ‬
‫وت ِل ْ َ‬
‫م َ‬
‫ال ْ َ‬
‫م‬
‫ول ِي َ ْ‬
‫م نُ َ‬
‫قْر ٌ‬
‫ك الّيا ُ‬
‫و َ‬
‫ول ُ َ‬
‫ها ب َي ْم َ‬
‫عل َم َ‬
‫مث ْل ُ ُ‬
‫ح ّ‬
‫س َ‬
‫ه َ‬
‫ق ْ‬
‫دا ِ‬
‫ن الن ّمما ِ‬
‫من ُ‬
‫م ُ‬
‫خمم َ‬
‫ب‬
‫ه ل َ يُ ِ‬
‫وي َت ّ ِ‬
‫ذ ِ‬
‫ه اّلمم ِ‬
‫حمم ّ‬
‫ه َ‬
‫شمم َ‬
‫ذي َ‬
‫والّلمم ُ‬
‫كمم ْ‬
‫نآ َ‬
‫الّلمم ُ‬
‫داء َ‬
‫مُنمموا ْ َ‬
‫ال ّ‬
‫ق‬
‫ه اّلمم ِ‬
‫ظممال ِ ِ‬
‫م َ‬
‫م ّ‬
‫ذي َ‬
‫مي َ‬
‫حمم َ‬
‫وي َ ْ‬
‫نآ َ‬
‫ص الّلمم ُ‬
‫ول ِي ُ َ‬
‫حمم َ‬
‫مُنمموا ْ َ‬
‫ن }‪َ {140‬‬
‫ال ْ َ‬
‫ن }‪({141‬‬
‫كا ِ‬
‫ري َ‬
‫ف ِ‬
‫‪50‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫إذا كان التعبير يحتمل تقــدير أكــثر مــن حــرف ُيحــذف للتوســع فــي‬
‫المعنى وعندما ل يحتمل إل حرفا ً بعينه فيكون في مقـام التوكيـد أو‬
‫م َ‬
‫س ال ْ َ‬
‫ف َ‬
‫ح َ‬
‫م َ‬
‫ح‬
‫قممْر ٌ‬
‫قْر ٌ‬
‫و َ‬
‫س ْ‬
‫م َ‬
‫قد ْ َ‬
‫سك ُ ْ‬
‫التوسع وشموله‪ِ) .‬إن ي َ ْ‬
‫م ّ‬
‫قمم ْ‬
‫وت ِل ْ َ‬
‫ن‬
‫ه ال ّ م ِ‬
‫ول ِي َ ْ‬
‫م نُ َ‬
‫ك الّيا ُ‬
‫ول ُ َ‬
‫ذي َ‬
‫ها ب َي ْ َ‬
‫م الل ّ م ُ‬
‫عل َ م َ‬
‫مث ْل ُ ُ‬
‫ّ‬
‫س َ‬
‫ه َ‬
‫دا ِ‬
‫ن الن ّمما ِ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫م ُ‬
‫خ َ‬
‫ن }‪({140‬‬
‫ه ل َ يُ ِ‬
‫وي َت ّ ِ‬
‫ب الظال ِ ِ‬
‫ذ ِ‬
‫ح ّ‬
‫ه َ‬
‫ش َ‬
‫مي َ‬
‫والل ُ‬
‫منك ُ ْ‬
‫آ َ‬
‫داء َ‬
‫مُنوا َ‬
‫ذكرت اللم في كلمة )ليعلم( وحذفت في كلمة )يّتخذ( الية الولـى‬
‫نزلت بعد معركة أحد )ليعلم الله الذين آمنـوا( غـرض عـام يشـمل‬
‫كل مؤمن ويشمل عموم المــؤمنين فــي ثبــاتهم وســلوكهم أي ةمــا‬
‫يتعلق به الجزاء ول يختص به مجموعة من الناس فهــو غــرض عــام‬
‫إلى يوم القيامة والله عليم وهذا علم يتحقق فيــه الجــزاء‪ .‬أمــا فــي‬
‫قوله )ويتخذ منكم شهداء( ليست في سعة الغرض الول فالشهداء‬
‫أقل من عموم المؤمنين‪.‬‬
‫ه‬
‫م ّ‬
‫ص الل ّم ُ‬
‫ول ِي ُ َ‬
‫ح َ‬
‫وكذلك في قوله تعــالى فــي ســورة آل عمــران‪َ ) :‬‬
‫ق ال ْ َ‬
‫ن }‪ ({141‬ذكـرت فــي )ليمحـص(‬
‫كا ِ‬
‫ال ّ ِ‬
‫م َ‬
‫ري َ‬
‫ذي َ‬
‫ح َ‬
‫وي َ ْ‬
‫نآ َ‬
‫مُنوا ْ َ‬
‫ف ِ‬
‫ولم تذكر في )يمحــق(‪ .‬غــرض عــام ســواء فــي المعركــة )أحــد( أو‬
‫غيرها لمعرفة مقدار ثباتهم وإخلصهم وهو أكثر اتساعا ً وشمول ً من‬
‫قوله تعالى )ويتخذ منكم شــهداء( ويمحــق الكــافرين ليســت بســعة‬
‫)ليمحص الله( لم تخلو الرض مــن الكــافرين ولــم يمحقهــم جميعـا ً‬
‫زوال الكافرين ومحقهم على وجــه العمــوم ليســت الحــال وليســت‬
‫بمقدار الغرض الذي قبله‪) .‬ليعلم الله( غــرض كــبير متســع وكــذلك‬
‫قوله تعالى )ليمحص الله( إنما قوله تعــالى )يتخــذ منكــم( و)يمحــق‬
‫الكافرين( فالغرض أقل اتساعا ً لذا كان حذف الحرف )لم(‪.‬‬
‫ي‬
‫أما في قوله تعالى في الية ‪ 154‬من سورة آل عمران‪َ ) :‬‬
‫ول ِي َب ْت َل ِ َ‬
‫في ُ‬
‫م‬
‫ه َ‬
‫ما ِ‬
‫ما ِ‬
‫م ّ‬
‫ص ُ‬
‫عِلي ٌ‬
‫والل ّ ُ‬
‫قُلوب ِك ُ ْ‬
‫ص َ‬
‫ول ِي ُ َ‬
‫رك ُ ْ‬
‫ه َ‬
‫الل ّ ُ‬
‫ح َ‬
‫في ُ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫دو ِ‬
‫بِ َ‬
‫ر( هنــا الغرضــين بدرجــة واحــدة مــن التســاع ولهــذا‬
‫ذا ِ‬
‫ص ُ‬
‫ت ال ّ‬
‫دو ِ‬
‫وردت اللم في الحالتين‪.‬‬
‫مثال آخر‪:‬‬
‫َ‬
‫من ُمموا ْ إ ِ َ‬
‫ذا‬
‫ها ال ّم ِ‬
‫في آيــة الوضــوء فــي ســورة المــائدة )َيا أي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫هك ُم َ‬
‫ة فا ْ‬
‫ُ‬
‫م إ َِلممى‬
‫وأْيمم ِ‬
‫غ ِ‬
‫صممل ِ‬
‫و ُ‬
‫دي َك ُ ْ‬
‫مُتمم ْ‬
‫ق ْ‬
‫م إ َِلممى ال ّ‬
‫جممو َ ْ َ‬
‫سممُلوا ْ ُ‬
‫َ‬
‫حوا ْ ب ُِر ُ‬
‫وِإن‬
‫عَبيم‬
‫ف‬
‫مَرا ِ‬
‫ؤو ِ‬
‫م إ ِل َممى ال ْك َ ْ‬
‫وأْر ُ‬
‫س ُ‬
‫م َ‬
‫جل َك ُ ْ‬
‫سك ُ ْ‬
‫وا ْ‬
‫ال ْ َ‬
‫ن َ‬
‫م َ‬
‫ق َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ف َ‬
‫ضممى أ َ‬
‫َ‬
‫وِإن ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫جُنبا ً َ‬
‫و‬
‫سم‬
‫مى‬
‫م‬
‫ل‬
‫ع‬
‫و‬
‫َ‬
‫مْر َ‬
‫م ُ‬
‫َ‬
‫فماطّ ّ‬
‫كنُتمم ّ‬
‫كنت ُ ْ‬
‫رأ ْ‬
‫ْ‬
‫هُروا ْ َ‬
‫ٍ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫دوا ْ‬
‫من ُ‬
‫سمماء َ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫غائ ِ ِ‬
‫جم ُ‬
‫جاء أ َ‬
‫َ‬
‫م الن ّ َ‬
‫م ْ‬
‫م َ‬
‫فل َم ْ‬
‫ست ُ ُ‬
‫و لَ َ‬
‫كم ّ‬
‫حد ٌ ّ‬
‫م تَ ِ‬
‫طأ ْ‬
‫َ‬
‫دي ُ‬
‫عيدا ً طَّيب ما ً َ‬
‫ماء َ‬
‫كم‬
‫صم ِ‬
‫وأي ْم ِ‬
‫جممو ِ‬
‫و ُ‬
‫سم ُ‬
‫م َ‬
‫هك ُ ْ‬
‫فا ْ‬
‫م ُ‬
‫فت َي َ ّ‬
‫َ‬
‫موا ْ َ‬
‫م َ‬
‫حوا ْ ب ِ ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫عم َ‬
‫د‬
‫ل َ‬
‫ولمم ِ‬
‫ريم ُ‬
‫ن َ‬
‫ج َ‬
‫ه ل ِي َ ْ‬
‫مم ْ‬
‫علي ْكمم ّ‬
‫ريمدُ اللم ُ‬
‫ه َ‬
‫من ْ ُ‬
‫ّ‬
‫ج َ‬
‫كن ي ُ ِ‬
‫ممما ي ُ ِ‬
‫حمَر ٍ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫عل ُ‬
‫م تَ ْ‬
‫ن }‪ ({6‬اللم‬
‫ه َ‬
‫شممك ُُرو َ‬
‫مل َ‬
‫م نِ ْ‬
‫ل ِي ُط ّ‬
‫كمم ْ‬
‫علي ْك ُ ْ‬
‫مت َ ُ‬
‫ع َ‬
‫ول ِي ُت ِ ّ‬
‫هَرك ُ ْ‬
‫م َ‬
‫‪51‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫فممَر‬
‫م(‪ ،‬وفي سورة الفتح )ل ِي َ ْ‬
‫غ ِ‬
‫وردت في الفعلين‪) :‬ليطهركم( )ولي ُت ِ ّ‬
‫عل َي ْم َ‬
‫ذنب ِم َ‬
‫لَ َ‬
‫ما ت َ َ‬
‫من َ‬
‫ك‬
‫ممما ت َمأ َ ّ‬
‫ه َ‬
‫م ِ‬
‫م نِ ْ‬
‫قد ّ َ‬
‫مت َم ُ‬
‫ع َ‬
‫وي ُت ِم ّ‬
‫و َ‬
‫ه َ‬
‫ك الل ّ ُ‬
‫خَر َ‬
‫ك َ‬
‫دي َ َ‬
‫قيما ً }‪ ({2‬ذكــر اللم فــي فعــل )ليغفــر(‬
‫ست َ ِ‬
‫ك ِ‬
‫ه ِ‬
‫م ْ‬
‫وي َ ْ‬
‫صَراطا ً ّ‬
‫َ‬
‫م( و )يهديك( ‪ .‬والفرق بين اليتين في سورة المائدة‬
‫وحذف في )ُيت ّ‬
‫وسورة الفتح أن )ليتم نعمته( في آية الوضــوء فــي ســورة المــائدة‬
‫الكلم هنا في أصــول الــدين وتمــامه وهــذه اليــة هــي آيــة الوضــوء‬
‫والُغسل وهي عامة للمؤمنين وتشملهم إلــى يــوم القيامــة والنعمــة‬
‫عامة واسعة وتشمل الكثير‪ .‬أما في آية سورة الفتح )ويتــم نعمتــه(‬
‫فالخطاب هنا للرسول ‪ ‬وهي خاصة به وليســت عامــة للمــؤمنين‬
‫وهي ليست في أصول الدين‪.‬‬
‫مثال آخر‪:‬‬
‫َ‬
‫ت‬
‫ة َ‬
‫فــي ســورة الحــزاب )إ ِّنا َ‬
‫مان َم َ‬
‫عَر ْ‬
‫وا ِ‬
‫عل َممى ال ّ‬
‫سم َ‬
‫ض مَنا اْل َ‬
‫ما َ‬
‫َ‬
‫واْل َرض وال ْجبمممال َ َ‬
‫ف ْ‬
‫شممم َ‬
‫وأ َ ْ‬
‫همما‬
‫ن ِ‬
‫ح ِ‬
‫ن أن ي َ ْ‬
‫ْ ِ َ ِ َ‬
‫من ْ َ‬
‫مل ْن َ َ‬
‫ق َ‬
‫فممأب َي ْ َ‬
‫هممما َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ه‬
‫ه كا َ‬
‫سا ُ‬
‫عذ ّ َ‬
‫هول }‪ {72‬ل ِي ُ َ‬
‫ن ظلوما َ‬
‫و َ‬
‫ج ُ‬
‫لن َ‬
‫مل َ‬
‫ب الل ُ‬
‫ن إ ِن ّ ُ‬
‫ح َ‬
‫َ‬
‫ها ا ِ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ف َ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫ب‬
‫مَنا ِ‬
‫ف ِ‬
‫مَنا ِ‬
‫ركا ِ‬
‫ر ِ‬
‫قا ِ‬
‫وي َت ُممو َ‬
‫كي َ‬
‫قي َ‬
‫وال ُ‬
‫وال ُ‬
‫وال ُ‬
‫ال ُ‬
‫ت َ‬
‫ن َ‬
‫ت َ‬
‫ن َ‬
‫شم ِ‬
‫ش ِ‬
‫و َ‬
‫ه َ‬
‫غ ُ‬
‫م ْ‬
‫م ْ‬
‫حيماً }‬
‫ه َ‬
‫فورا ً ّر ِ‬
‫مَنا ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫كا َ‬
‫مِني َ‬
‫ن الل ّ ُ‬
‫وال ْ ُ‬
‫عَلى ال ْ ُ‬
‫الل ّ ُ‬
‫ت َ‬
‫ن َ‬
‫‪ ({73‬ذكرت اللم مع فعل )لُيع ّ‬
‫ذب( وحذفت مع فعل )ويتوب( وقــد‬
‫خر التوبة للمؤمنين لن سياق اليات‬
‫دم تعالى عذاب المنافقين وأ ّ‬
‫ق ّ‬
‫ص مد َ ُ‬
‫م ْ‬
‫جمما ٌ‬
‫قوا‬
‫ؤ ِ‬
‫كان في المنافقين‪ ،‬أما في الية ) ِ‬
‫ر َ‬
‫مِني َ‬
‫م َ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫ل َ‬
‫ن ِ‬
‫من َ‬
‫ه َ‬
‫مممن‬
‫ه َ‬
‫ما َ‬
‫عا َ‬
‫ق َ‬
‫و ِ‬
‫ف ِ‬
‫عل َي ْ ِ‬
‫ضممى ن َ ْ‬
‫ه ُ‬
‫من ْ ُ‬
‫من ْ ُ‬
‫هممم ّ‬
‫حب َم ُ‬
‫هم ّ‬
‫دوا الل ّ َ‬
‫َ‬
‫ه َ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ن‬
‫صمماِد ِ‬
‫ممما ب َمدّلوا ت َب ْم ِ‬
‫ديل ً }‪ {23‬ل ِي َ ْ‬
‫قي َ‬
‫ي الل م ُ‬
‫ز َ‬
‫و َ‬
‫ه ال ّ‬
‫َينت َظِ مُر َ‬
‫جم َ ِ‬
‫ب َ َ‬
‫ن ِإن َ‬
‫ن‬
‫ف ِ‬
‫مَنا ِ‬
‫صد ْ ِ‬
‫بِ ِ‬
‫م إِ ّ‬
‫و ي َُتممو َ‬
‫عذ ّ َ‬
‫وي ُ َ‬
‫قي َ‬
‫همم ْ‬
‫ب ال ْ ُ‬
‫ه ْ‬
‫شمماء أ ْ‬
‫م َ‬
‫علي ْ ِ‬
‫ق ِ‬
‫ه َ‬
‫ن َ‬
‫غ ُ‬
‫حيما ً }‪ ({24‬ذكرت اللم مــع فعــل )ليجــزي(‬
‫فورا ً ّر ِ‬
‫كا َ‬
‫الل ّ َ‬
‫وحذفت مع فعل )يع ّ‬
‫ذب( وهنا بدأ بــالمؤمنين أول ً وذكــر معهــم اللم‬
‫خــر‬
‫دم جــزاء المــؤمنين وأ ّ‬
‫ثم ذكر المنافقين بدون لم بمعنى أنــه قـ ّ‬
‫عذاب المنافقين‪ ،‬ولم يذكر المشيئة في اليــة الولــى وذكرهــا فــي‬
‫الية الثانية وذكر احتمال التوبة في الثانيــة ولــم تــذكر فــي الولــى‪،‬‬
‫وفـــي آخـــر الســـورة ذكـــر المنـــافقين والمنافقـــات والمشـــركين‬
‫والمشــركات أمــا فــي اليــة الثانيــة لــم يــذكر فيهــا إل المــؤمنين‬
‫والمنــافقين ولــم يلحــق معهــم المنافقــات والمؤمنــات‪ .‬وفــي اليــة‬
‫الولى لم يؤ ّ‬
‫كد المغفرة )وكان الله غفورا ً رحيما( بينمــا أكــدها فــي‬
‫الثانية )إن الله كان غفورا ً رحيما( والســبب فــي ذلــك الصــل الول‬
‫في سياق اليــات والســياق هــو أكــبر وأهــم القــرائن‪ .‬الســياق فــي‬
‫‪52‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫خــر التوبــة وهــذا‬
‫اليات الولى بدأ بتعذيب المنافقين والمنافقــات وأ ّ‬
‫أصل السياق في اليـات )وإن لـم ينتـه المنـافقين ( إلـى أن ينتهـي‬
‫بهذه الية الخيرة أي أن أصل السياق فــي اليــات علــى المنــافقين‬
‫دم عذابهم وأكده ولم يذكر المؤمنين‪.‬‬
‫وليس على المؤمنين لذا ق ّ‬
‫أما في اليــة الخــرى فنزلــت حســب ســياق اليــات فــي المــؤمنين‬
‫الصادقين )وصدقوا الله ورسوله( السياق مختلف تماما ً نا وهو فــي‬
‫خــر المنــافقين ونــزع اللم تمامـا ً‬
‫دمهم وأكرمهــم وأ ّ‬
‫المؤمنين لذا قـ ّ‬
‫عكس الية الولى‪ .‬وضع احتمال التوبة في الية الثانية )ليجزي الله‬
‫الصادقين بصدقهم( والكلم ليس للمؤمنين وإنمــا للصــادقين منهــم‬
‫وسبب ذكر التعليق بالمشيئة في الية الثانية ووضع احتمــال التوبــة‬
‫لن اليات جاءت بعد وقعة الحزاب لذا فتح مجال التوبــة والــدخول‬
‫في اليمان يفتح للمنافقين باب التوبة لذا جاءت )يعـ ّ‬
‫ذب المنــافقين‬
‫إن شاء أو يتوب عليهم( لنهم ما زالوا فــي الــدنيا أمــا اليــة الولــى‬
‫فهي في الخــرة )يــوم ُتقل ّــب وجــوههم فــي النــار( الكلم هنــا فــي‬
‫الخرة ولم يكن هناك مجال للتوبة أو المشيئة ولم يفتــح لهــم بــاب‬
‫المل في التوبة ولم ُيعلقها بالمشيئة‪.‬‬
‫فــي آيــة الــدنيا )إن اللــه كــان غفــورا ً رحيمــا( أك ّــد المغفــرة ليفتــح‬
‫للمنافقين باب التوبة والدخول في السلم حتى يغفر الله للعبد كل‬
‫دم‪ .‬أما في آية الخرة فلم يؤ ّ‬
‫كد ذلك فقال تعـالى )وكـان اللـه‬
‫ما تق ّ‬
‫غفورا ً رحيما( بدون توكيد‪ .‬وتوكيد المشيئة واحتمال التوبــة يقتضــي‬
‫توكيد المغفرة‪.‬‬
‫أما ذكر المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات والمــؤمنين‬
‫والمؤمنــات ولــم تــرد فــي اليــة الثانيــة وهــذه فــي وقعــة الحــزاب‬
‫والوقعة هي للرجال لذا لم يرد ذكر النساء‪ .‬أما العذاب في الخــرة‬
‫فيطال الجميع ذكرانا ً وإناثا ً فكلهم يطالهم العذاب أما الجزاء فيكون‬
‫بخلف ما ُ‬
‫ذكــر فــي وقعـة الحـزاب عنـدما ذكـر مـا يخـص الرجــال‬
‫)الصادقين بصدقهم ( ولم يقل الصادقات ذلك لن الموطن يقتضي‬
‫ذلك‪.‬‬
‫مثال آخر‪:‬‬
‫َ‬
‫وب َ ّ‬
‫ن‬
‫ش‬
‫و َ‬
‫حا ِ‬
‫ع ِ‬
‫ر ال ّ ِ‬
‫تأ ّ‬
‫صممال ِ َ‬
‫ذين آ َ‬
‫مُلمموا ْ ال ّ‬
‫مُنوا ْ َ‬
‫في سورة البقرة ) َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ز ُ‬
‫مممن‬
‫ما ُر‬
‫ج‬
‫همما ِ‬
‫قمموا ْ ِ‬
‫ري ِ‬
‫جّنا ٍ‬
‫من ت َ ْ‬
‫ت تَ ْ‬
‫م َ‬
‫من ْ َ‬
‫ها الن ْ َ‬
‫حت ِ َ‬
‫لَ ُ‬
‫هاُر ك ُل ّ َ‬
‫ه ْ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ل ُ‬
‫مممن َ‬
‫ز ْ‬
‫ة ّرْزقما ً َ‬
‫همم َ‬
‫ه‬
‫قمماُلوا ْ َ‬
‫وأت ُمموا ْ ب ِم ِ‬
‫قن َمما ِ‬
‫ذا ال ّم ِ‬
‫مَر ٍ‬
‫ثَ َ‬
‫قب ْم ُ َ‬
‫ذي ُر ِ‬
‫َ‬
‫مت َ َ‬
‫ن}‬
‫همما َ‬
‫م ِ‬
‫و ُ‬
‫م ِ‬
‫دو َ‬
‫خال ِم ُ‬
‫وا ٌ‬
‫في َ‬
‫مطَ ّ‬
‫في َ‬
‫ول َ ُ‬
‫هم ْ‬
‫ج ّ‬
‫ه ْ‬
‫ُ‬
‫هَرةٌ َ‬
‫ها أْز َ‬
‫شاِبها ً َ‬
‫‪ ({25‬التبشير هنا يأتي بحرف الباء كما في قوله تعــالى‪) :‬وبشــرناه‬
‫بإسحق(‪ ،‬فعندما ذكر المؤمنين )ب ّ‬
‫شرهم أن لهــم الجنــة( ولــم يقــل‬
‫‪53‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫َ‬
‫)بأن لهم الجنة( أما فــي ســورة النســاء )ب َ ّ‬
‫ن‬
‫ف ِ‬
‫من َمما ِ‬
‫ن ب ِ مأ ّ‬
‫قي َ‬
‫ر ال ْ ُ‬
‫ش ِ‬
‫َ‬
‫ع َ‬
‫ن(‬
‫م َ‬
‫ذابا ً أِليما ً }‪ .({138‬ففي هذه اليــة أك ّــد بالبــاء فــي )بــأ ّ‬
‫لَ ُ‬
‫ه ْ‬
‫لنه أ ّ‬
‫صل العقوبات وعذابات الكافرين والمنافقين في اليــات‬
‫كد وف ّ‬
‫َ‬
‫همما‬
‫التي تسبقها فالســياق كلــه فــي تأكيــد وتفصــيل للعــذاب )َيا أي ّ َ‬
‫ذي َنممّز َ‬
‫عَلممى‬
‫ل َ‬
‫ب ال ّ ِ‬
‫سول ِ ِ‬
‫مُنوا ْ ِبالل ّ ِ‬
‫مُنوا ْ آ ِ‬
‫ال ّ ِ‬
‫وَر ُ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫وال ْك َِتا ِ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫مممن ي َك ْ ُ‬
‫مممن َ‬
‫قب ْم ُ‬
‫ي َأن مَز َ‬
‫ه‬
‫ف مْر ب ِممالل ّ ِ‬
‫ل ِ‬
‫ب ال ّم ِ‬
‫سول ِ ِ‬
‫َر ُ‬
‫و َ‬
‫ذ َ‬
‫وال ْك َِتا ِ‬
‫ل َ‬
‫ه َ‬
‫عيدا ً‬
‫ف َ‬
‫ر َ‬
‫ض ّ‬
‫ضل َل ً ب َ ِ‬
‫وم ِ ال ِ‬
‫ل َ‬
‫قد ْ َ‬
‫سل ِ ِ‬
‫وك ُت ُب ِ ِ‬
‫مل َئ ِك َت ِ ِ‬
‫وُر ُ‬
‫و َ‬
‫وال ْي َ ْ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫خ ِ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫مك َ‬
‫مك َ‬
‫م‬
‫ن ال ِ‬
‫}‪ {136‬إ ِ ّ‬
‫ذي َ‬
‫ف مُروا ث ُ م ّ‬
‫مُنوا ث ُ ّ‬
‫مآ َ‬
‫فُروا ث ُ ّ‬
‫مُنوا ث ُ ّ‬
‫نآ َ‬
‫م ي َك ُ‬
‫دوا ْ ك ُ ْ‬
‫بيل }‬
‫س ِ ً‬
‫ه ل ِي َ ْ‬
‫غ ِ‬
‫ه ِ‬
‫دا ُ‬
‫اْز َ‬
‫م َ‬
‫دي َ ُ‬
‫ول َ ل ِي َ ْ‬
‫فَر ل َ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ن الل ّ ُ‬
‫فرا ً ل ّ ْ‬
‫م َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫‪ {137‬ب َ ّ‬
‫ع َ‬
‫ن‬
‫ش‬
‫م َ‬
‫ف ِ‬
‫مَنا ِ‬
‫ذابا ً أِليما ً }‪ {138‬ال ّ ِ‬
‫ن ب ِأ ّ‬
‫ن لَ ُ‬
‫ذي َ‬
‫قي َ‬
‫ه ْ‬
‫ر ال ْ ُ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ممم ْ‬
‫خمم ُ‬
‫ن‬
‫ن أ َي َب ْت َ ُ‬
‫كمما ِ‬
‫ي َت ّ ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫ول َِيمماء ِ‬
‫غممو َ‬
‫ذو َ‬
‫مممن ُ‬
‫مِني َ‬
‫ري َ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫دو ِ‬
‫نأ ْ‬
‫ف ِ‬
‫و َ‬
‫عمّزةَ َ‬
‫قمدْ ن َمّز َ‬
‫ل‬
‫ن ال ِ‬
‫م ال ْ ِ‬
‫عندَ ُ‬
‫ِ‬
‫ج ِ‬
‫عمّزةَ ل ِل ّم ِ‬
‫ف مإ ِ ّ‬
‫ه َ‬
‫ه ُ‬
‫ميعما ً }‪َ {139‬‬
‫َ‬
‫ه ي ُك َ َ‬
‫ن إِ َ‬
‫همما‬
‫َ‬
‫م ِ‬
‫ت الل ّم ِ‬
‫م آي َمما ِ‬
‫سم ِ‬
‫بأ ْ‬
‫م ْ‬
‫ف مُر ب ِ َ‬
‫ذا َ‬
‫عت ُ ْ‬
‫عل َي ْك ُ ْ‬
‫فممي ال ْك ِت َمما ِ‬
‫ُ‬
‫فل َ ت َ ْ‬
‫ها َ‬
‫ث‬
‫حّتى ي َ ُ‬
‫ضمموا ْ ِ‬
‫خو ُ‬
‫دي ٍ‬
‫حم ِ‬
‫فممي َ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫ع ُ‬
‫ق ُ‬
‫ع ُ‬
‫هَزأ ب ِ َ‬
‫ست َ ْ‬
‫وي ُ ْ‬
‫ه ْ‬
‫دوا ْ َ‬
‫َ‬
‫وال ْ َ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫كمما ِ‬
‫ف ِ‬
‫مَنا ِ‬
‫جا ِ‬
‫ر ِ‬
‫م إِ ّ‬
‫م ُ‬
‫ه َ‬
‫مث ْل ُ ُ‬
‫ري َ‬
‫قي َ‬
‫ع ال ْ ُ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ه ْ‬
‫م ِإذا ً ّ‬
‫ه إ ِن ّك ُ ْ‬
‫ن َ‬
‫ف ِ‬
‫غي ْ ِ‬
‫م َ‬
‫ن‬
‫ِ‬
‫ميعا ً }‪ { 140‬ال ّ ِ‬
‫ج ِ‬
‫ف مِإن ك َمما َ‬
‫صو َ‬
‫م َ‬
‫في َ‬
‫ج َ‬
‫ذي َ‬
‫ن ب ِك ُم ْ‬
‫هن ّ َ‬
‫ن ي َت ََرب ّ ُ‬
‫َ‬
‫ن ل ِل ْ َ‬
‫وِإن َ‬
‫م نَ ُ‬
‫ه َ‬
‫م َ‬
‫ن‬
‫كا ِ‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫كا َ‬
‫م َ‬
‫فت ْ ٌ‬
‫ري َ‬
‫م َ‬
‫عك ُ ْ‬
‫كن ّ‬
‫قاُلوا ْ أل َ ْ‬
‫ح ّ‬
‫ل َك ُ ْ‬
‫م َ‬
‫ف ِ‬
‫قاُلوا ْ أ َ‬
‫َ‬
‫ب َ‬
‫مم ْ‬
‫ن‬
‫ح‬
‫ت‬
‫س‬
‫ن‬
‫م‬
‫ل‬
‫وذْ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ؤ ِ‬
‫نَ ِ‬
‫من َ ْ‬
‫ْ‬
‫صي ٌ‬
‫ْ‬
‫مِني َ‬
‫مم َ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫عك ُممم ّ‬
‫ون َ ْ‬
‫عل َي ْك ُ ْ‬
‫ْ‬
‫م َ‬
‫ِ‬
‫ه ل ِل ْ َ‬
‫َ‬
‫ع َ‬
‫ن‬
‫كمما ِ‬
‫م ال ْ ِ‬
‫م ِ‬
‫ج َ‬
‫وَلن ي َ ْ‬
‫ه يَ ْ‬
‫و َ‬
‫ري َ‬
‫ل الّلمم ُ‬
‫قَيا َ‬
‫م ب َي ْن َك ُ ْ‬
‫حك ُ ُ‬
‫فالل ّ ُ‬
‫ة َ‬
‫م يَ ْ‬
‫ف ِ‬
‫م ْ‬
‫ه‬
‫ن يُ َ‬
‫خاِد ُ‬
‫َ‬
‫ف ِ‬
‫مَنا ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫عو َ‬
‫سِبيل ً }‪ {141‬إ ِ ّ‬
‫ن َ‬
‫قي َ‬
‫مِني َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫عَلى ال ْ ُ‬
‫ة َ‬
‫ذا َ‬
‫وإ ِ َ‬
‫سمماَلى‬
‫و َ‬
‫خمماِد ُ‬
‫و ُ‬
‫صممل َ ِ‬
‫موا ْ ك ُ َ‬
‫ع ُ‬
‫قمما ُ‬
‫قمما ُ‬
‫ه ْ‬
‫موا ْ إ َِلممى ال ّ‬
‫م َ‬
‫همم َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ه إ ِل ّ َ‬
‫ي َُرآ ُ‬
‫ن‬
‫ول َ ي َذْك ُُرو َ‬
‫ؤو َ‬
‫مذَب ْذَِبي َ‬
‫قِليل ً }‪ّ {142‬‬
‫ن الل َ‬
‫ن الّنا َ‬
‫س َ‬
‫ن ذَل ِ َ‬
‫همم ُ‬
‫هم ُ‬
‫ه‬
‫ول َ إ ِل َممى َ‬
‫ك ل َ إ َِلى َ‬
‫مممن ي ُ ْ‬
‫ب َي ْ َ‬
‫ل الل ّم ُ‬
‫و َ‬
‫ض مل ِ ِ‬
‫ؤلء َ‬
‫ؤلء َ‬
‫َ‬
‫ذوا ْ‬
‫َ‬
‫خم ُ‬
‫من ُمموا ْ ل َ ت َت ّ ِ‬
‫ها ال ّم ِ‬
‫سِبيل ً }‪َ {143‬يا أي ّ َ‬
‫ه َ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫جد َ ل َ ُ‬
‫فَلن ت َ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫عل ُمموا ْ‬
‫ال ْ َ‬
‫مم ْ‬
‫كا ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫ول َِياء ِ‬
‫دو َ‬
‫ج َ‬
‫ن أن ت َ ْ‬
‫ري م ُ‬
‫مممن ُ‬
‫مِني َ‬
‫ري َ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫دو ِ‬
‫نأ ْ‬
‫ن أت ُ ِ‬
‫ف ِ‬
‫سل ْ َ‬
‫ك‬
‫ه َ‬
‫ن ِ‬
‫ف ِ‬
‫مَنا ِ‬
‫ل ِل ّ ِ‬
‫مِبينا ً }‪ {144‬إ ِ ّ‬
‫في الدّْر ِ‬
‫م ُ‬
‫قي َ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫طانا ً ّ‬
‫عل َي ْك ُ ْ‬
‫َ‬
‫س َ‬
‫صميرا ً }‪ ({145‬والمنــافقين‬
‫م نَ ِ‬
‫ل ِ‬
‫جد َ ل َ ُ‬
‫ال ْ‬
‫م َ‬
‫ه ْ‬
‫وَلن ت َ ِ‬
‫ر َ‬
‫ف ِ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫في الدرك السفل من النار‪ .‬أما في ســورة البقــرة فلــم يــأتي بــأي‬
‫تفصيل فهي آية موجزة والسياق في اليات الكلم علــى المــؤمنين‬
‫ن‬
‫لذا اليجاز اقتضى اليجاز في الحديث وعدم ذكر التوكيد بالباء‪) .‬أ ّ‬
‫لهم الجنة(‬
‫الحذف في القرآن الكريم يتعلق بأمرين ‪:‬‬
‫أول ً ‪ :‬في مقام التفصيل واليجاز كما فــي قــوله تعــالى فــي ســورة‬
‫َ‬
‫وب َ ّ‬
‫ت‬
‫ش‬
‫و َ‬
‫جّنا ٍ‬
‫حا ِ‬
‫ع ِ‬
‫ر ال ّ ِ‬
‫تأ ّ‬
‫م َ‬
‫صال ِ َ‬
‫ن لَ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ذين آ َ‬
‫مُلوا ْ ال ّ‬
‫مُنوا ْ َ‬
‫البقرة ) َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ة ّرْزقمما ً‬
‫ز ُ‬
‫مممَر ٍ‬
‫ها ِ‬
‫قوا ْ ِ‬
‫ري ِ‬
‫من ت َ ْ‬
‫تَ ْ‬
‫من ْ َ‬
‫ها الن ْ َ‬
‫حت ِ َ‬
‫من ث َ َ‬
‫هاُر ك ُل ّ َ‬
‫ج ِ‬
‫ما ُر ِ‬
‫‪54‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫ُ‬
‫من َ‬
‫ز ْ‬
‫َ‬
‫مت َ َ‬
‫قب ْ ُ‬
‫هم َ‬
‫م‬
‫قاُلوا ْ َ‬
‫وأت ُمموا ْ ب ِم ِ‬
‫قَنا ِ‬
‫ذا ال ّ ِ‬
‫ول َ ُ‬
‫هم ْ‬
‫ه ُ‬
‫شمماِبها ً َ‬
‫ل َ‬
‫ذي ُر ِ‬
‫َ‬
‫ن }‪({25‬‬
‫ها َ‬
‫م ِ‬
‫و ُ‬
‫ِ‬
‫دو َ‬
‫خال ِ ُ‬
‫وا ٌ‬
‫في َ‬
‫مطَ ّ‬
‫في َ‬
‫ه ْ‬
‫ج ّ‬
‫هَرةٌ َ‬
‫ها أْز َ‬
‫َ‬
‫مم ْ‬
‫وب َ ّ‬
‫ه‬
‫ن الل ّم ِ‬
‫ؤ ِ‬
‫ن ب ِمأ ّ‬
‫ن لَ ُ‬
‫مم َ‬
‫مِني َ‬
‫هممم ّ‬
‫ر ال ْ ُ‬
‫وفي سورة الحــزاب‪َ ) :‬‬
‫ش ِ‬
‫َ‬
‫ضل ً ك َِبيرا ً }‪ .({47‬ذكرت الباء مع المــؤمنين فــي حيــن حــذفت‬
‫ف ْ‬
‫في آية سورة البقرة‪.‬‬
‫آية سورة البقرة هي آية مفردة في المؤمنين لم يسبقها أو يليها ما‬
‫يتعّلــق بــالمؤمنين ‪ ،‬أمــا آيــة ســورة الحــزاب فســياقها فــي ذكــر‬
‫المؤمنين )يا أيها الذين آمنوا( إلــى قــوله تعــالى )وبشــر المــؤمنين(‬
‫فاقتضى السياق والتفضيل ذكر الباء في آية سورة الحزاب‪.‬‬
‫ميث َمماقَ ب َن ِممي‬
‫وإ ِذْ أ َ َ‬
‫خذَْنا ِ‬
‫ومن ذلك قوله تعالى في سورة البقــرة ) َ‬
‫سممَراِئي َ‬
‫وِذي‬
‫دو َ‬
‫ن إِ ْ‬
‫عُبمم ُ‬
‫ل ل َ تَ ْ‬
‫ح َ‬
‫إِ ْ‬
‫ن إ ِل ّ الّلمم َ‬
‫سممانا ً َ‬
‫وِبال ْ َ‬
‫ه َ‬
‫واِلممدَي ْ ِ‬
‫سممنا ً‬
‫ْ‬
‫و ُ ُ‬
‫ال ْ ُ‬
‫سمما ِ‬
‫س ُ‬
‫ح ْ‬
‫م َ‬
‫وال ْ َ‬
‫وال ْي ََتمما َ‬
‫ن َ‬
‫مى َ‬
‫قْرَبممى َ‬
‫قولمموا ِللّنمما ِ‬
‫كي ِ‬
‫م إ ِل ّ َ‬
‫م‬
‫وأ َ ِ‬
‫منك ُم ْ‬
‫قِليل ً ّ‬
‫ول ّي ْت ُ ْ‬
‫وآت ُمموا ْ الّزك َمماةَ ث ُم ّ‬
‫قي ُ‬
‫موا ْ ال ّ‬
‫م ت َم َ‬
‫صمل َةَ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن }‪ ({83‬ذكرت الباء مع )بالوالدين( وحــذفت مــع‬
‫ر ُ‬
‫ضو َ‬
‫م ْ‬
‫وأنُتم ّ‬
‫َ‬
‫ع ِ‬
‫ول َ‬
‫وا ْ‬
‫عب ُ ُ‬
‫دوا ْ الل ّم َ‬
‫ه َ‬
‫كلمــة )ذي القربــى( أمــا فــي ســورة النســاء ) َ‬
‫ر ُ‬
‫ذي ال ْ ُ‬
‫ه َ‬
‫تُ ْ‬
‫قْرَبممى‬
‫وِبمم ِ‬
‫كوا ْ ِبمم ِ‬
‫ن إِ ْ‬
‫ح َ‬
‫سممانا ً َ‬
‫وِبال ْ َ‬
‫شممْيئا ً َ‬
‫شمم ِ‬
‫واِلممدَي ْ ِ‬
‫ر ِذي ال ْ ُ‬
‫ب‬
‫جمما‬
‫كي‬
‫سا ِ‬
‫ر ال ْ ُ‬
‫وال ْ َ‬
‫وال ْ َ‬
‫م َ‬
‫وال ْ َ‬
‫وال ْي ََتا َ‬
‫جن ُم ِ‬
‫قْرب َممى َ‬
‫ن َ‬
‫مى َ‬
‫َ‬
‫جمما ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫صا ِ‬
‫م إِ ّ‬
‫ب ِبال َ‬
‫ملك َم ْ‬
‫ن ال ّ‬
‫مممان ُك ُ ْ‬
‫ت أي ْ َ‬
‫ممما َ‬
‫و َ‬
‫جن ِ‬
‫ح ِ‬
‫وال ّ‬
‫ل َ‬
‫س مِبي ِ‬
‫ب َ‬
‫َ‬
‫واب ْم ِ‬
‫من َ‬
‫خَتال ً َ‬
‫خورا ً }‪ ({36‬فقــد ذكــرت البــاء‬
‫ف ُ‬
‫م ْ‬
‫ه ل َ يُ ِ‬
‫كا َ‬
‫ح ّ‬
‫ن ُ‬
‫ب َ‬
‫الل ّ َ‬
‫مع الوالدين ومع ذي القربى‪ .‬وذلك لن السياق فــي ســورة النســاء‬
‫والكلم عن القرابات من أول السورة إلى آخرها وليس فقــط فــي‬
‫الية التي بين أيدينا‪ .‬إذن ذكر الباء مع ذي القربى في هذه الية من‬
‫سورة النساء كان لمراعاة التفضيل والتوكيــد‪ .‬أمــا فــي آيــة ســورة‬
‫البقرة فليس السياق في القرابات فحذفت الباء فــي )ذي القربــى(‬
‫مراعاة لليجاز‪.‬‬
‫مثال آخر‪:‬‬
‫فِإن ك َمذُّبو َ‬
‫ف َ‬
‫ك َ‬
‫في ســورة آل عمــران ) َ‬
‫سم ٌ‬
‫مممن‬
‫ق مدْ ك ُمذّ َ‬
‫ب ُر ُ‬
‫ل ّ‬
‫قب ْل ِ َ‬
‫َ‬
‫جآ ُ‬
‫ر }‪ ({184‬حــذف‬
‫ؤوا ِبال ْب َي َّنا ِ‬
‫ك َ‬
‫ب ال ْ ُ‬
‫وال ْك َِتا ِ‬
‫ر َ‬
‫ت َ‬
‫مِني ِ‬
‫والّزب ُ ِ‬
‫وِإن‬
‫الباء مع كلمة )الزبر( وكلمة )الكتاب( أمــا فــي سـورة فــاطر ) َ‬
‫ي ُك َمذُّبو َ‬
‫مممن َ‬
‫ف َ‬
‫ك َ‬
‫هم‬
‫ن ِ‬
‫ب ال ّم ِ‬
‫م َ‬
‫قمدْ ك َمذّ َ‬
‫سمل ُ ُ‬
‫م ُر ُ‬
‫جمماءت ْ ُ‬
‫ذي َ‬
‫ه ْ‬
‫هم ْ‬
‫قب ْل ِ ِ‬
‫ر }‪ ({25‬ذكر الباء مع كلمــتي‬
‫ِبال ْب َي َّنا ِ‬
‫ب ال ْ ُ‬
‫وِبال ْك َِتا ِ‬
‫ر َ‬
‫ت َ‬
‫مِني ِ‬
‫وِبالّزب ُ ِ‬
‫الزبر والكتاب‪ .‬المقام فــي ســورة فــاطر مقــام التوكيــد والتفصــيل‬
‫بخلف مــا ورد فــي ســورة آل عمــران‪ ،‬والكلم فــي ســورة فــاطر‬
‫زُر‬
‫للتوكيــد والتفصــيل فــي مقــام النــذار والــدعوة والتبليــغ ) َ‬
‫وَل ت َ ِ‬
‫مث ْ َ‬
‫م ْ‬
‫ه‬
‫وْزَر أ ُ ْ‬
‫وِإن ت َدْ ُ‬
‫قل َ ٌ‬
‫ة إ َِلى ِ‬
‫ل ِ‬
‫ها َل ي ُ ْ‬
‫مل ِ َ‬
‫من ْم ُ‬
‫ح َ‬
‫ح ْ‬
‫ع ُ‬
‫خَرى َ‬
‫َ‬
‫زَرةٌ ِ‬
‫وا ِ‬
‫‪55‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫و َ‬
‫ذا ُ‬
‫خ َ‬
‫َ‬
‫ن َ‬
‫هممم‬
‫ش‬
‫ن يَ ْ‬
‫ذُر ال ّم ِ‬
‫ممما ُتن م ِ‬
‫و َ‬
‫كا َ‬
‫ن َرب ّ ُ‬
‫ذي َ‬
‫قْرَبى إ ِن ّ َ‬
‫شم ْ‬
‫ول َ ْ‬
‫يء ٌ َ‬
‫ْ‬
‫من ت ََز ّ‬
‫ممما ي َت ََزك ّممى ل ِن َ ْ‬
‫كى َ‬
‫وأ َ َ‬
‫ه‬
‫ِبال َ‬
‫سم ِ‬
‫ف ِ‬
‫فإ ِن ّ َ‬
‫و َ‬
‫قا ُ‬
‫غي ْ ِ‬
‫موا ال ّ‬
‫صَلةَ َ‬
‫ب َ‬
‫َ‬
‫ذيٌر }‬
‫ت إ ِّل ن َ ِ‬
‫م ِ‬
‫وإ َِلى الل ّ ِ‬
‫صيُر }‪ ({18‬إلى قوله تعالى )إ ِ ْ‬
‫ن أن َ‬
‫ه ال ْ َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ة إ ِّل خلَ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫م ٍ‬
‫ون َ ِ‬
‫ق بَ ِ‬
‫سلَناك ِبال َ‬
‫‪ {23‬إ ِّنا أْر َ‬
‫م ْ‬
‫نأ ّ‬
‫وِإن ّ‬
‫ح ّ‬
‫ذيرا َ‬
‫شيرا َ‬
‫ذيٌر }‪ ({24‬فالســياق إذن فــي النــذار والــدعوة والتبليــغ‬
‫ِ‬
‫همما ن َم ِ‬
‫في َ‬
‫ويســتمر الســياق فــي الكلم عــن الــذين يســتجيبون والــذين ل‬
‫يستجيبون وأن هذه الكتب التي ذكرت فـي اليـة هـي كتـب النــذار‬
‫)الزبر‪ ،‬الكتاب المبين‪ ،‬البينات(‪ .‬أمــا فــي ســورة آل عمــران فاليــة‬
‫ن َ‬
‫د‬
‫ه َ‬
‫تعقيب على محادثة تاريخية معينــة )ال ّ ِ‬
‫قمماُلوا ْ إ ِ ّ‬
‫هم َ‬
‫ذي َ‬
‫ن الل ّم َ‬
‫ع ِ‬
‫ْ‬
‫ه الّنمماُر ُ‬
‫ى ي َأ ْت ِي ََنا ب ِ ُ‬
‫إ ِل َي َْنا أ َل ّ ن ُ ْ‬
‫قمم ْ‬
‫ل‬
‫ؤ ِ‬
‫ل َ‬
‫ن ل َِر ُ‬
‫م َ‬
‫ن ت َأك ُل ُ ُ‬
‫قْرَبا ٍ‬
‫سو ٍ‬
‫حت ّ َ‬
‫م َ‬
‫ذي ُ‬
‫مممن َ‬
‫َ‬
‫س ٌ‬
‫م‬
‫وِبال ّم ِ‬
‫قب ْل ِممي ِبال ْب َي ّن َمما ِ‬
‫قد ْ َ‬
‫م ُر ُ‬
‫فل ِم َ‬
‫قل ْت ُم ْ‬
‫ل ّ‬
‫جاءك ُ ْ‬
‫ت َ‬
‫م ِإن ُ‬
‫َ‬
‫ن }‪ ({183‬فالمقام هنا مقام حادثــة‬
‫صاِد ِ‬
‫مو ُ‬
‫قي َ‬
‫كنت ُ ْ‬
‫ه ْ‬
‫قت َل ْت ُ ُ‬
‫م َ‬
‫معينة وليس في سياق اليات فاختلف المر هنا ولهذا حــذفت البــاء‬
‫لنه مناسب لليجاز‪.‬‬
‫سورة فاطر فيها مقام التوكيد ومقام التفصيل‪:‬‬
‫وِإن ي ُك َذُّبو َ‬
‫ف َ‬
‫ك َ‬
‫ن‬
‫ب ال ّ ِ‬
‫قدْ ك َذّ َ‬
‫ذي َ‬
‫مقام التوكيد في سورة فاطر ‪َ ) :‬‬
‫من َ‬
‫ب‬
‫هم ِبال ْب َي ّن َمما ِ‬
‫ِ‬
‫م َ‬
‫سمل ُ ُ‬
‫م ُر ُ‬
‫جمماءت ْ ُ‬
‫ه ْ‬
‫هم ْ‬
‫وِبال ْك ِت َمما ِ‬
‫ر َ‬
‫ت َ‬
‫وب ِممالّزب ُ ِ‬
‫قب ْل ِ ِ‬
‫ر }‪ ({25‬وجاء بصيغة الفعل المضارع في )يكــذبوك( للدللــة‬
‫ال ْ ُ‬
‫مِني ِ‬
‫على الســتمرارية وفيــه التصــديق والتكــذيب مســتمران )هــو فعــل‬
‫شرط مضارع( أما في ســورة آل عمــران فقــد جــاء الفعــل ماضــيا ً‬
‫قب ِْلم َ‬
‫فِإن ك َذُّبو َ‬
‫ممن َ‬
‫ف َ‬
‫ك َ‬
‫) َ‬
‫جمآ ُ‬
‫سم ٌ‬
‫ت‬
‫ؤوا ِبال ْب َي َّنما ِ‬
‫ك َ‬
‫قدْ ك ُذّ َ‬
‫ب ُر ُ‬
‫ل ّ‬
‫ر }‪ ({184‬وهــذه قاعــدة فــي القــرآن إذا‬
‫ب ال ْ ُ‬
‫وال ْك َِتا ِ‬
‫ر َ‬
‫َ‬
‫مِني ِ‬
‫والّزب ُ ِ‬
‫كان فعل الشــرط مضــارعا ً د ّ‬
‫ل علــى اســتمرارية الحــدث وإذا كــان‬
‫فعل الشرط ماضيا ً فهو يد ّ‬
‫ل على الحدوث مرة واحدة‪.‬‬
‫وِإن ي ُك َذُّبو َ‬
‫ف َ‬
‫ك َ‬
‫ب‬
‫قمدْ ك َمذّ َ‬
‫وذكر تــاء التــأنيث فــي ســورة فــاطر ) َ‬
‫مممن َ‬
‫ر‬
‫هم ِبال ْب َي َّنمما ِ‬
‫ن ِ‬
‫اّلمم ِ‬
‫م َ‬
‫سممل ُ ُ‬
‫م ُر ُ‬
‫جمماءت ْ ُ‬
‫ذي َ‬
‫ه ْ‬
‫همم ْ‬
‫ت َ‬
‫وِبممالّزب ُ ِ‬
‫قب ْل ِ ِ‬
‫ر }‪ ({25‬يفيــد التوكيــد أيض ـا ً أمــا فــي ســورة آل‬
‫ب ال ْ ُ‬
‫وِبال ْك َِتا ِ‬
‫َ‬
‫مِني ِ‬
‫عمران فجاءت الية )( والتذكير يــدل علــى الكــثرة كمــا فــي قــوله‬
‫تعــالى )وقــال نســوة فــي المدينــة( فعــل يــدل علــى القل ّــة بصــيغة‬
‫التذكير‪ .‬وكذلك قوله تعالى‪) :‬قالت العراب آمنا( دللة على الكثرة‬
‫فجــاء الفعــل مؤنثـا ً بتــاء التــأنيث‪ .‬وعليــه ففــي ســورة فــاطر اليــة‬
‫)جاءتهم رسلهم( تدل على كثرة الرسل في سورة فــاطر أمــا فــي‬
‫سورة آل عمران فالتذكير يفيد أن الحادثة وقعت مرة واحدة‪.‬‬
‫مقام التخصيص فممي سممورة فمماطر‪ :‬فــي ســورة آل عمــران‬
‫الفعل مبني للمجهول )ك ُ ّ‬
‫ذب رسل( في حين في سورة فــاطر ذكــر‬
‫‪56‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫الفاعل )كــذب الــذين مــن قبلهــم( وقــال تعــالى فــي ســورة فــاطر‬
‫)جاءتهم رسلهم( بذكر الفاعل الظــاهر أمــا فــي ســورة آل عمــران‬
‫فقال تعالى )جاءوا( بدون ذكر الفاعل الظاهر‪.‬‬
‫إذن ذكر الباء مع كل معطوف فـي سـورة فــاطر وحـذف البــاء مــع‬
‫المعطوف في سورة آل عمران وكــل مــا ســبق ذكــره فــي ســورة‬
‫فاطر وآل عمران يقتضي ذكر الباء فــي آيــة ســورة فــاطر وحــذفها‬
‫في آية سورة آل عمران‪.‬‬
‫مثال آخر‪:‬‬
‫ُ‬
‫قاُلوا ْ َتالله ت َ ْ‬
‫قال تعالى في سورة يوسف‪َ ) :‬‬
‫ف‬
‫سم َ‬
‫فت َمأ ت َمذْك ُُر ُيو ُ‬
‫َ‬
‫و تَ ُ‬
‫حّتى ت َ ُ‬
‫ن }‪ .({85‬من الناحيــة‬
‫هال ِ ِ‬
‫ن ِ‬
‫كو َ‬
‫كو َ‬
‫ن َ‬
‫َ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫كي َ‬
‫م َ‬
‫حَرضا ً أ ْ‬
‫اللغوية معناها تالله ل تفتأ‪ ،‬إذا كان جواب القسم فعل مضارع ل بــد‬
‫ن(أو مع اللم إذا اقتضى حذف‬
‫أن يكون باللم مع النون )تالله لكيد ّ‬
‫النون‪ .‬ل بد في جواب القسم المثّبت أن ُتذكر اللم سواء مع النون‬
‫ل على النفي‪ .‬إذن ل يكــون مثبتــا ً‬
‫أو بدونها‪ .‬وعندما ل تذكر اللم يد ّ‬
‫إل بذكر اللم مع الفعل المضارع‪ .‬فــإذا قلنــا )واللــه أذهــب( معناهــا‬
‫والله ل أذهب‪ .‬إذا جاء جواب القسم فعل ً مضارعا ً ولم يقترن باللم‬
‫فهو نفي قطعًا‪.‬‬
‫نعود إلى آية سورة يوسف )تالله تفتأ تذكر يوسف( ومعناها ل تفتأ ‪،‬‬
‫هي الية الوحيدة التي وقعت في جــواب القســم منفي ّــة ولــم يــذكر‬
‫اللم معها‪ ،‬في عموم القرآن عندما يكون القسم منفيا ً يــأتي بــاللم‬
‫)وأقسموا بالله جهد أيمانهم ‪..‬ل يبعث(‪ .‬هناك خياران‪ :‬ذكــر اللم أو‬
‫حذف اللم‪ .‬فلماذا حذف اللم في آية سورة يوسف ولم يقل )تالله‬
‫علــم معنــاه هــو أقـ ّ‬
‫ل‬
‫ل تفتأ( الذكر يفيــد التوكيــد والحــذف فــي مــا ُ‬
‫توكيدًا‪ .‬وفــي اليـة اسـتخدم كلمـة )حرضـًا( ومعناهــا الـذي يمــرض‬
‫مرضا ً شديدا ً ويهلك‪ .‬ومعنى الية أن إخوة يوسف أقسموا أن أباهم‬
‫سيظ ّ‬
‫ل يذكر ابنه يوسف حتى يهلك أو تفسد صحته‪ .‬لكــن هــل هــذا‬
‫مقام توكيد؟ وهل يمكن أن يقسم أحد على هذا المــر المســتقبل؟‬
‫طبعا ً هذا ليس بمقدورهم ول يعلمون مــاذا ســيحدث فيمــا بعــد لــذا‬
‫فالمقام ليس مقام توكيد أص ً‬
‫ل‪ .‬القسم هنا غيــر واقــع حقيقــة وغيــر‬
‫متيقن لذلك وجب حذف حرف النفي )ل( مع أنه معلوم بالدللة‪.‬‬
‫إذن لماذا اختار )تفتأ(؟ تفتأ من فعل فتأ بمعنى ل تزال ول تــبرح ول‬
‫تنفك ول تفتأ وكلها تفيد الستمرار والـدوام‪.‬إذن لمـاذا اختـار )تفتـأ(‬
‫مع العلم أن القرآن استخدم ل أبــرح فــي مواقــع كــثيرة؟ بــرح مــن‬
‫المغادرة ويوال من الستمرارية أما تفتأ فهي تختلف بدللــة خاصــة‬
‫فهي تأتي بمعنى س ّ‬
‫كن وبمعنى نسي وبمعنى أطفأ النار‪ ،‬وقد اختار‬
‫‪57‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫تعالى كلمة )تفتأ( لن المعنى المطلــوب يحتمــل كــل معــاني كلمــة‬
‫تفتأ‪ :‬نار الحرقة ل تنطفيء في قلب يعقوب ‪ ‬ثم معنــى ل تنســى‬
‫مع مرور الزمن كما يحدث لي مبتلــى فــي مصــيبة فــالزمن ُينســي‬
‫المصائب أي ل تنسى ذكر يوسف ول تــزال تــذكره‪ ،‬وبمعنــى سـ ّ‬
‫كن‬
‫أي أنت لن تسكن ولن تكف عن ذكره لذا اختار تعالى هذه الكلمــة‬
‫)تفتأ( دون أخواتها لنها أنسب فعل يجمع المعاني الثلثة المقصودة‬
‫وإضافة إلى ذلــك حــذف حــرف النفــي الــذي ل يــدل علــى التوكيــد‬
‫فالكلم في الية غير متيقن‪.‬‬
‫مثال آخر‪:‬‬
‫َ‬
‫ف ُ‬
‫ممما‬
‫م ِ‬
‫ن ُين ِ‬
‫ل الل ّ ِ‬
‫)ال ّ ِ‬
‫عممو َ‬
‫قو َ‬
‫م ل َ ي ُت ْب ِ ُ‬
‫في َ‬
‫وال َ ُ‬
‫ذي َ‬
‫ن َ‬
‫ه ثُ ّ‬
‫ه ْ‬
‫نأ ْ‬
‫سِبي ِ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫ف ُ‬
‫َأن َ‬
‫ول َ أ َ ً‬
‫ف‬
‫ول َ َ‬
‫و ٌ‬
‫م ِ‬
‫جُر ُ‬
‫مأ ْ‬
‫ذى ل ّ ُ‬
‫هم ْ‬
‫هم ْ‬
‫هم ْ‬
‫قمموا ُ َ‬
‫خم ْ‬
‫م َ‬
‫من ّ ما ً َ‬
‫عن مدَ َرب ّ ِ‬
‫َ َ‬
‫ن }‪ ({262‬ســورة البقــرة‪ ،‬حــذف الفــاء‬
‫ول َ ُ‬
‫حَزن ُممو َ‬
‫م يَ ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫م َ‬
‫علي ْ ِ‬
‫)لهم(‬
‫َ‬
‫ف ُ‬
‫ة‬
‫و َ‬
‫عل َن ِي َم ً‬
‫ن ُين ِ‬
‫ر ِ‬
‫)ال ّم ِ‬
‫قممو َ‬
‫والن ّ َ‬
‫وال َ ُ‬
‫ذي َ‬
‫نأ ْ‬
‫س مّرا ً َ‬
‫ل َ‬
‫هم ِبالل ّي ْم ِ‬
‫مم َ‬
‫همما ِ‬
‫َ‬
‫ف َ َ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫ول َ َ‬
‫ول َ ُ‬
‫و ٌ‬
‫م ِ‬
‫جُر ُ‬
‫حَزُنممو َ‬
‫م يَ ْ‬
‫مأ ْ‬
‫فل َ ُ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫م َ‬
‫خ ْ‬
‫م َ‬
‫علي ْ ِ‬
‫عندَ َرب ّ ِ‬
‫}‪ ({274‬سورة البقرة ذكر الفاء في كلمة )فلهم(‬
‫الية الولى حذفت فيهــا الفــاء )لهــم أجرهــم( والثانيــة ذكــرت فيهــا‬
‫الفاء )فلهم أجرهم( وقد ذكرت في الية الثانية لن السياق يقتضي‬
‫الذكر‪ .‬وذكر الفاء هنا يسمى تشبيه والتشــبيه مــن أغراضــه التوكيـد‬
‫)بالليل والنهار سرا ً وعلنية( فيها توكيد وتفصيل في النفاق ودللــة‬
‫على الخلص فاقتضى السياق زيــادة التوكيــد لــذا جــاء بالفــاء فــي‬
‫مقام التوكيد والتفصيل‪.‬‬

‫‪58‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬

‫الفاصلة القرآنية من حيث المعنى‬
‫ل يراد بالفاصلة القرآنية مراعاة الحروف وإنمــا يــراد المعنــى قبــل‬
‫ذلــك ويلتقــي الحــرف بالمشــابهة اللفظيــة مــع المعنــى‪ .‬وأحيان ـا ً ل‬
‫يراعي القرآن الكريم الفاصلة بل قد تأتي مغايرة عن غيرهــا وهــذا‬
‫دليل على أن المقصود بالدرجة الولى هو المعنى‪.‬‬
‫في سورة طه مثل‪ :‬تــأتي اليــة ) َ َ‬
‫ه‬
‫فْر َ‬
‫م ِ‬
‫جن ُمموِد ِ‬
‫و ُ‬
‫ن بِ ُ‬
‫فأت ْب َ َ‬
‫ع ُ‬
‫ه ْ‬
‫عم ْ‬
‫ما َ‬
‫َ‬
‫م }‪ ({78‬مغايرة للفاصلة القرآنية‬
‫ف َ‬
‫غ ِ‬
‫غ ِ‬
‫شي َ ُ‬
‫شي َ ُ‬
‫م َ‬
‫ه ْ‬
‫م َ‬
‫ن ال ْي َ ّ‬
‫هم ّ‬
‫في باقي آيات السورة )تزكى‪ ،‬يخشــى‪ ،‬هــدى( لن المقصــود الول‬
‫ل أَ َ‬
‫هو المعنى‪ .‬وكذلك في سورة النبياء الية ) َ‬
‫قا َ‬
‫مممن‬
‫ن ِ‬
‫دو َ‬
‫عُبمم ُ‬
‫فت َ ْ‬
‫ممما َل َين َ‬
‫م َ‬
‫م }‪ ({66‬مغــايرة‬
‫وَل ي َ ُ‬
‫ن الل ّم ِ‬
‫ف ُ‬
‫ُ‬
‫ض مّرك ُ ْ‬
‫عك ُم ْ‬
‫ه َ‬
‫ش مْيئا ً َ‬
‫دو ِ‬
‫لباقي آيات السورة )يشهدون‪ ،‬ينطقون‪ ،‬تعقلون( وليس لها ارتبــاط‬
‫بما قبلها وبعدها‪.‬‬
‫َ‬
‫حمموَر }‬
‫ن أن ّلن ي َ ُ‬
‫ه ظَ ّ‬
‫ومثال آخر في سورة النشقاق الية )إ ِن ّ ُ‬
‫‪ ({14‬فلو قال )يحورا( لتغّير المعنى وفي هذا دللة على أن القرآن‬
‫يراعي المعنى قبل مراعاة الناحية اللفظية‪.‬‬
‫كيل ً‬
‫وك َ َ‬
‫وك ّ ْ‬
‫ل َ‬
‫و ِ‬
‫فى ِبممالل ّ ِ‬
‫عَلى الل ّ ِ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫وت َ َ‬
‫في أول سورة الحزاب ) َ‬
‫من َ‬
‫عم َ‬
‫ع َ‬
‫ل‬
‫و ِ‬
‫ن ِ‬
‫ف ِ‬
‫ج َ‬
‫ممما َ‬
‫في َ‬
‫قل ْب َي ْ‬
‫ه ل َِر ُ‬
‫ج َ‬
‫ما َ‬
‫و َ‬
‫ل ّ‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫}‪ّ {3‬‬
‫ه َ‬
‫جم ْ‬
‫ج ٍ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫م الّلِئي ت ُ َ‬
‫ج ُ‬
‫عمم َ‬
‫ل‬
‫ن ِ‬
‫ظمما ِ‬
‫هُرو َ‬
‫ج َ‬
‫ممما َ‬
‫وا َ‬
‫م َ‬
‫من ْ ُ‬
‫همم ّ‬
‫و َ‬
‫هممات ِك ُ ْ‬
‫نأ ّ‬
‫كمم ُ‬
‫م َ‬
‫أْز َ‬
‫عيمماءك ُ َ‬
‫َ‬
‫ول ُ ُ‬
‫ه يَ ُ‬
‫كم ِبمأ َ ْ‬
‫م َ‬
‫قممو ُ‬
‫ل‬
‫وا ِ‬
‫أدْ ِ َ‬
‫والل ّم ُ‬
‫هك ُ ْ‬
‫م ذَل ِك ُم ْ‬
‫م أب ْن َمماءك ُ ْ‬
‫ْ‬
‫م َ‬
‫ف َ‬
‫قم ْ‬
‫س ُ‬
‫و أَ ْ‬
‫سِبي َ‬
‫ط‬
‫ل }‪ {4‬ادْ ُ‬
‫م ُ‬
‫عو ُ‬
‫و ُ‬
‫ه ِ‬
‫ال ْ َ‬
‫ق َ‬
‫دي ال ّ‬
‫و يَ ْ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫ح ّ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫ق َ‬
‫م ِلَبائ ِ ِ‬
‫م َ‬
‫ه َ‬
‫ن‬
‫فمإ ِ ْ‬
‫م ِ‬
‫مموا آَبماء ُ‬
‫ِ‬
‫عندَ الّلم ِ‬
‫فمي الم ّ‬
‫م تَ ْ‬
‫وان ُك ُ ْ‬
‫ه ْ‬
‫عل َ ُ‬
‫فمِإن ّلم ْ‬
‫خ َ‬
‫دي ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ممما‬
‫ما أ ْ‬
‫س َ‬
‫ح ِ‬
‫خطَ مأُتم ب ِم ِ‬
‫جَنا ٌ‬
‫م ُ‬
‫ول َك ِممن ّ‬
‫في َ‬
‫عل َي ْك ُ ْ‬
‫واِليك ُ ْ‬
‫و َ‬
‫ول َي ْ َ‬
‫ه َ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ه َ‬
‫غ ُ‬
‫ت ُ‬
‫حيما }‪ ({5‬جــاءت كلمــة‬
‫فورا ّر ِ‬
‫وكا َ‬
‫تَ َ‬
‫مد َ ْ‬
‫ن الل ُ‬
‫قلوب ُك ْ‬
‫ع ّ‬
‫م َ‬
‫)السبيل( في آخر الية ‪ 4‬بينما جاء مــا قبلهــا وبعــدها بــاللف‪ ،‬وفــي‬
‫ر يَ ُ‬
‫م تُ َ‬
‫ن‬
‫م ِ‬
‫جو ُ‬
‫قوُلو َ‬
‫و ُ‬
‫قل ّ ُ‬
‫و َ‬
‫ه ُ‬
‫ه ْ‬
‫ب ُ‬
‫أواخر سورة الحزاب )ي َ ْ‬
‫في الّنا ِ‬
‫يا ل َيت ََنا أ َطَعَنا الل ّه َ‬
‫و َ‬
‫قاُلوا َرب ّن َمما إ ِن ّمما‬
‫وأطَ ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫عَنا الّر ُ‬
‫سوَل }‪َ {66‬‬
‫َ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫وك ُب ََراءَنا َ‬
‫سِبيَل }‪ ({67‬جــاءت كلمــة‬
‫فأ َ‬
‫أط َ ْ‬
‫ضّلوَنا ال ّ‬
‫عَنا َ‬
‫سادَت ََنا َ‬
‫السبيل باللف‪ ،‬والكلم في هذه اليات عن هؤلء في النار ويمــدون‬
‫أصواتهم في النار و)الرسول( باللف هو صوت الباكي أمــا فــي أول‬
‫‪59‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫السورة فبليس هناك عذاب فجاءت على حالهــا )الســبيل( وليســت‬
‫السبيل‪ ،‬تصور الحالة الطبيعية من اصــطراخ فجــاءت اللــف تعــبيرا ً‬
‫عن حالهم وهم يصطرخون في النار في كلمة )الرسول( في أواخر‬
‫السورة‪.‬‬
‫مثال آخر‪:‬‬
‫)وتظنون بــالله الظنونــا( تســمى اللــف فــي النحــو )ألــف الطلق(‬
‫كلمة ظنون إذا انتهت بساكن يسمى مقّيد‪ .‬الظنونـا كـثير ومتشـعبة‬
‫واختلفوا وتشابكوا فاختلفت الظنون ولذا جاءت بالطلق )الظنونــا(‬
‫وجب استخدام اللف لطلق الظنون‪.‬‬
‫مثال آخر‪:‬‬
‫ُ‬
‫في سورة الحاّقة ) َ َ‬
‫في َ ُ‬
‫ه َ‬
‫ها ُ‬
‫قو ُ‬
‫م‬
‫ل َ‬
‫مين ِ ِ‬
‫ه ب ِي َ ِ‬
‫ؤ ُ‬
‫م ْ‬
‫ي ك َِتاب َ ُ‬
‫ما َ‬
‫فأ ّ‬
‫ن أوت ِ َ‬
‫ا ْ‬
‫قَر ُ‬
‫ه }‪ ({19‬من الناحية اللغوية هناك قاعدة الــتي فيهــا‬
‫ؤوا ك َِتاِبي ْ‬
‫ياء المتكلم يجوز فيها الفتح والسـكون )كتـابي وكتـابيه( مـن سـ ّ‬
‫كن‬
‫الياء يقول )كتابي( ومن فتح الياء يقول )كتابيه(‪.‬‬
‫الفاصــلة القرآنيــة مــن حيــث المعنــى )مــاليه‪ ،‬حســابيه‪ ،‬كتــابيه‪،‬‬
‫سلطانيه( لماذا جاءت الهاء ؟ هذا الكلم يقال في يوم الحشر وهــو‬
‫يوم ثقيــل كمــا أخبرنــا ســبحانه وتعــالى ووصــفه بيــوم عســير وأنــه‬
‫عبوس قمطرير والناس في ذلك اليوم يبقــون خمســين ألــف ســنة‬
‫في هذه الشــدة حــتى يفزعــون إلــى النبيــاء‪ .‬والهــاء أشــبه بالنهــاة‬
‫)المتعبين( تصــور المشــهد الــذي هــم فيــه جميعـا ً مــن تعــب وعنــاء‬
‫فاختارها سبحانه لمراعاة الموقف الذي هم فيــه كمــا اختــار اللــف‬
‫فــي البكــاء ســابقًا‪ .‬إذن اســتخدام حــرف الهــاء فــي فواصــل هــذه‬
‫السورة يدل على التعب والعناء واللم والهاء مأخوذة من اله‪.‬‬
‫الفاصلة القرآنية مــن حيــث المحــور النفســي‪ :‬قــال تعــالى )وأضــل‬
‫فرعون قومه وما هدى( سورة طه‪ .‬قال النحاة أنها جــاءت مراعــاة‬
‫للفاصلة‪ ،‬ولكن كان من الممكن قــول )ومــا هــداهم( لكــن فرعــون‬
‫أض ّ‬
‫ل قومه لنه غّيبهم في البحر إذن هو أضــلهم ومــا هــداهم‪) .‬ومــا‬
‫هداهم( تحتمل أن يكون قد هدى غيره قــومه أمــا )مــا هــدى( ففيــه‬
‫إطلق نفي الهداية بمعنى أنه لم يهدي قــومه ول غيرهــم ولــم يكــن‬
‫أبدا ً سببا ً في هداية أحــد‪ .‬ولــذا جــاء اختيــار الكلمــة المناســبة لليــة‬
‫بدون مراعــاة الفاصــلة فــي بــاقي آيــات الســورة لن المعنــى أهــم‬
‫دم على الفاصلة‪.‬‬
‫وُيق ّ‬
‫دعك ربك وما قلــى(‪ :‬نفــى‬
‫مثال آخر في سورة الضحى‪) :‬ما و ّ‬
‫تعــالى فــي هــذه اليــة شــيئين‪ :‬نفــي التوديــع وهــو ل يكــون إل بيــن‬
‫الحباب والصحاب‪ ،‬ونفى القلى الذي ل يكون إل للمتباغضين‪ .‬وقــد‬
‫‪60‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫يسأل البعض لم لم يقل تعــالى )ومــا قلك( كمــا قــال )مــا ودعــك(‬
‫والحقيقة أنه في المر المحبوب نفى الله تعالى بقوله )مــا ودعــك(‬
‫باستخدام ضمير المخاطب لنه الرســول ‪ ‬وفيــه تكريــم لــه بــذكر‬
‫حرف المخاطب أما في قوله )وما قلى( فل يصح اســتخدام )قلــى(‬
‫بيــن المحــبين وقــد كــّرم تعــالى رســوله ‪ ‬عــن أن يكــون مــن‬
‫المبغوضين فلم يقل )ومــا قلك( حــتى ل يكــون الخطــاب مباشــرة‬
‫للرسول ‪ ‬من ربه الــذي يحبــه ول يقليــه واســتخدام فعــل قلــى ل‬
‫يليق أن ينسب للرسول ‪ .‬فجاء التكريم في هــذه اليــة مــن اللــه‬
‫تعالى لرسوله في ذكر المفعـول بـه بــ )مـا ودعـك( وتكريـم بعـدم‬
‫ذكره بـ )ما قلى( فكّرمه بالذكر وبالحذف‪.‬‬
‫كذلك في سورة المــدّثر ل يمكــن أن تكــون الفاصــلة منفصــلة عــن‬
‫المعنى فلو اقتضى المعنى ترك الفاصلة تركهــا فــالمعنى يــأتي أول ً‬
‫في عموم القرآن وتلتقي الفاصلة مع المعنى‪.‬‬
‫وقد تكون الفاصلة والمعنى غير منتهي‪ .‬ليست الفواصل هي دائمــا ً‬
‫تامة المعنى فقد تكون متعلقة بما قبلها أوما بعدها‪ .‬كمــا فــي قــوله‬
‫تعالى في سورة العلق )أرأيت الذي ينهى * عبــدا ً إذا ص ـّلى( وقــال‬
‫متان( اليــات ليســت وحــدات‬
‫تعــالى فــي ســورة الرحمــن )مــدها ّ‬
‫مستقلة المعنى قد تكون تامة وقد تكون متعلقة بما قبلها أو بعدها‪.‬‬
‫جدا ً َ‬
‫في سورة طه الية ) َ‬
‫ب‬
‫فأ ُل ْ ِ‬
‫من ّمما ب ِمَر ّ‬
‫س ّ‬
‫س َ‬
‫حَرةُ ُ‬
‫ي ال ّ‬
‫قمماُلوا آ َ‬
‫ق َ‬
‫ب‬
‫َ‬
‫همماُرو َ‬
‫سممى }‪ ({70‬وفــي ســورة الشــعراء اليــة )َر ّ‬
‫مو َ‬
‫و ُ‬
‫ن َ‬
‫ن }‪ ({48‬لماذا التقديم والتأخير وهل هو للفاصــلة‬
‫و َ‬
‫هاُرو َ‬
‫مو َ‬
‫ُ‬
‫سى َ‬
‫القرآنية؟‬
‫تكرر ذكر هـارون كـثيرا ً فـي سـورة طـه )أربـع مـرات(‪ ،‬والخطـاب‬
‫موجه إلى موسى وهارون دائما ً إذن القصة فــي ســورة طــه مبنيــة‬
‫على الثنائية‪ ،‬وفي سورة طه أيضا ً أدرك موســى الضــعف البشــري‬
‫كما أدرك أبو البشر آدم ‪َ َ ) ‬‬
‫خي َ‬
‫في ن َ ْ‬
‫سى‬
‫ف ً‬
‫ه ِ‬
‫س ِ‬
‫س ِ‬
‫ف ِ‬
‫و َ‬
‫مو َ‬
‫ة ّ‬
‫ج َ‬
‫فأ ْ‬
‫}‪ ({67‬ولم يذكر الخيفة لهارون أما في ســورة الشــعراء فقــد ورد‬
‫ذكر هارون مرتين فقــط والخطــاب فــي السـورة كـان موجهـا ً إلــى‬
‫موسى وحده في كل السورة فهي مبنية على الوحــدة فــي الغــالب‬
‫وقد أورد تعالى في سورة الشعراء عناصر القوة فــي موســى ولــم‬
‫يذكر عناصر الضعف ولهذا السبب اختلف السياق واقتضى التقــديم‬
‫والتأخير كما جاء في آيات كل من السورتين‪ .‬وهناك أمــر آخــر فــي‬
‫سورة طه )طه( فيها حرف من حروف هــارون وليــس فيهــا حــرف‬
‫من حروف موسى )وكل سورة تبدأ بالطاء تحوي قصــة موســى‪(‬‬
‫‪61‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫أما سورة الشعراء )طسم( ففيها حرفين من حروف موسى وليس‬
‫فيها حرف من حروف هارون‪.‬‬

‫موضوع التشابه والختلف في القرآن‬
‫الكريم‬
‫قد يتغير في اليــة كلمــة مــن ســياق إلــى ســياق ومــن ســورة إلــى‬
‫سورة‪ .‬وردت قصة ســيدنا موسـى فـي سـور متعــددة فــي القــرآن‬
‫الكريم وبين قصة موسى ‪ ‬في سورة البقرة وقصــته فــي ســورة‬
‫العراف تشابه واختلف في اللفــاظ كمــا هــو حاصــل فــي كلمــتي‬
‫)انفجرت( و)انبجست(‪ .‬فقد يحصل اختلف في التعــبير أحيان ـا ً فــي‬
‫مكان عن مكان أو في قصة عن قصة فلماذا الختلف؟‬
‫الحقيقــة أنـه ليــس فــي القــرآن الكريــم اختلف فــي القصــة وإنمــا‬
‫يختلف التعبير عن مشهد من مشاهد القصة بين سورة وسورة لن‬
‫كل سورة تأتي بجزئية من القصة نفسها تتناسب وسياق اليات في‬
‫السورة التي تذكر فيها‪ .‬فالمشـاهد ملهـا وقعـت للقصـة نفســها ول‬
‫تختلف في الفحــوى والحقيقــة‪ .‬ولعــل مــن أبــرز المثلــة علــى هــذا‬
‫التشابه والختلف ما جاء في سورتي البقـرة والعـراف فـي قصـة‬
‫موسى ‪ ‬مع بني إسرائيل‪.‬‬
‫ف ُ‬
‫ه َ‬
‫سى ل ِ َ‬
‫س َ‬
‫رب‬
‫قل ْن َمما ا ْ‬
‫م ِ‬
‫و ِ‬
‫مو َ‬
‫ست َ ْ‬
‫وإ ِِذ ا ْ‬
‫قى ُ‬
‫قم ْ‬
‫سورة البقرة‪َ ) :‬‬
‫ضم ِ‬
‫صا َ‬
‫عْينا ً َ‬
‫فان َ‬
‫جَر َ‬
‫م كُ ّ‬
‫ع ْ‬
‫ل‬
‫قد ْ َ‬
‫شَرةَ َ‬
‫ه اث ْن ََتا َ‬
‫ت ِ‬
‫ف َ‬
‫ح َ‬
‫ك ال ْ َ‬
‫بّ َ‬
‫جَر ْ‬
‫عل ِ َ‬
‫من ْ ُ‬
‫ع َ‬
‫ُ‬
‫وا ْ‬
‫م ْ‬
‫فممي‬
‫وا ْ ِ‬
‫ق الل ّ ِ‬
‫شَرُبوا ْ ِ‬
‫ول َ ت َ ْ‬
‫شَرب َ ُ‬
‫ه ْ‬
‫س ّ‬
‫عث َ ْ‬
‫ه َ‬
‫م ك ُُلوا ْ َ‬
‫من ّرْز ِ‬
‫أَنا َ ٍ‬
‫م ْ‬
‫ن }‪({60‬‬
‫س ِ‬
‫ف ِ‬
‫دي َ‬
‫ض ُ‬
‫الْر ِ‬
‫‪62‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫مم ما ً‬
‫و َ‬
‫ع ْ‬
‫م اث ْن َت َم‬
‫ي َ‬
‫عَنا ُ‬
‫قطّ ْ‬
‫ش مَرةَ أ ْ‬
‫س مَباطا ً أ َ‬
‫ه ُ‬
‫سورة العــراف‪َ ) :‬‬
‫ْ‬
‫قوم َ‬
‫َ‬
‫صمما َ‬
‫س َ‬
‫ك‬
‫ض‬
‫نا ْ‬
‫رب ب ّ َ‬
‫و َ‬
‫ست َ ْ‬
‫سى إ ِِذ ا ْ‬
‫مو َ‬
‫قاهُ َ ْ ُ ُ‬
‫حي َْنا إ َِلى ُ‬
‫ع َ‬
‫هأ ِ‬
‫وأ ْ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫م كم ّ‬
‫ع ْ‬
‫س‬
‫عْينا قدْ َ‬
‫شَرةَ َ‬
‫ه اثن ََتا َ‬
‫ت ِ‬
‫جَر فانب َ َ‬
‫ح َ‬
‫ال َ‬
‫س ْ‬
‫ج َ‬
‫عل ِ َ‬
‫من ْ ُ‬
‫ل أن َمما ٍ‬
‫َ‬
‫وأنَزل ْن َمما َ َ‬
‫وظَل ّل ْن َمما َ َ‬
‫م ْ‬
‫ن‬
‫م ال ْ َ‬
‫ممما َ‬
‫ش مَرب َ ُ‬
‫مم ّ‬
‫م ال ْ َ‬
‫هم ُ‬
‫غ َ‬
‫هم ُ‬
‫ه ْ‬
‫ّ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫علي ْ ِ‬
‫علي ْ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ما َرَز ْ‬
‫كن‬
‫ولم ِ‬
‫من طي َّبا ِ‬
‫وى ك ُلوا ِ‬
‫وال ّ‬
‫ما ظل ُ‬
‫و َ‬
‫قَناك ُ ْ‬
‫ت َ‬
‫موَنا َ‬
‫م َ‬
‫سل َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫كاُنوا ْ أن ُ‬
‫ن }‪.({160‬‬
‫مو َ‬
‫س ُ‬
‫ف َ‬
‫م ي َظْل ِ ُ‬
‫ه ْ‬
‫سممى ل ِ َ‬
‫س َ‬
‫ه‬
‫م ِ‬
‫و ِ‬
‫مو َ‬
‫ست َ ْ‬
‫وإ ِِذ ا ْ‬
‫قى ُ‬
‫قم ْ‬
‫فقد جــاء فــي ســورة البقــرة ) َ‬
‫صا َ‬
‫فممان َ‬
‫ج مَر َ‬
‫ف ُ‬
‫َ‬
‫ع ْ‬
‫ة‬
‫ض‬
‫ش مَر َ‬
‫ه اث ْن َت َمما َ‬
‫قل َْنا ا ْ‬
‫ت ِ‬
‫ف َ‬
‫ح َ‬
‫ك ال ْ َ‬
‫رب ب ّ َ‬
‫جَر ْ‬
‫من ْم ُ‬
‫ع َ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫عْينا ً َ‬
‫وا ْ‬
‫م ْ‬
‫م كُ ّ‬
‫ق‬
‫قدْ َ‬
‫َ‬
‫ش مَرُبوا ْ ِ‬
‫شَرب َ ُ‬
‫ه ْ‬
‫س ّ‬
‫عل ِ َ‬
‫م ك ُل ُمموا ْ َ‬
‫مممن ّرْز ِ‬
‫ل أَنا َ ٍ‬
‫م ْ‬
‫ن }‪ ({60‬وجــاء فــي ســورة‬
‫في الْر‬
‫وا ْ ِ‬
‫س ِ‬
‫ف ِ‬
‫الل ّ ِ‬
‫ول َ ت َ ْ‬
‫دي َ‬
‫ض ُ‬
‫عث َ ْ‬
‫ه َ‬
‫ِ‬
‫شرةَ أ َس مباطا ً أ ُمم ما ً َ‬
‫و َ‬
‫حي ْن َمما‬
‫ي َ‬
‫عَنا ُ‬
‫م اث ْن َت َ‬
‫و َ‬
‫ْ َ‬
‫قطّ ْ‬
‫َ‬
‫ه ُ‬
‫وأ ْ‬
‫َ‬
‫ع ْ َ‬
‫العراف ) َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫صمما َ‬
‫قاهُ َ‬
‫س َ‬
‫جمَر‬
‫ضم‬
‫نا ْ‬
‫ح َ‬
‫ك ال ْ َ‬
‫رب ب ّ َ‬
‫ست َ ْ‬
‫سى إ ِِذ ا ْ‬
‫مو َ‬
‫م ُ‬
‫و ُ‬
‫إ َِلى ُ‬
‫ع َ‬
‫هأ ِ‬
‫ق ْ‬
‫ِ‬
‫عِلممم ك ُم ّ ُ‬
‫عْينمما ً َ‬
‫َ‬
‫ع ْ‬
‫س‬
‫ش مَرةَ َ‬
‫ه اث ْن َت َمما َ‬
‫ت ِ‬
‫فانب َ َ‬
‫سم ْ‬
‫ج َ‬
‫ق مد ْ َ َ‬
‫من ْ م ُ‬
‫ل أن َمما ٍ‬
‫َ‬
‫وأنَزل ْن َمما َ َ‬
‫وظَل ّل ْن َمما َ َ‬
‫م ْ‬
‫ن‬
‫م ال ْ َ‬
‫ممما َ‬
‫ش مَرب َ ُ‬
‫مم ّ‬
‫م ال ْ َ‬
‫هم ُ‬
‫غ َ‬
‫هم ُ‬
‫ه ْ‬
‫ّ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫علي ْ ِ‬
‫علي ْ ِ‬
‫ما َرَز ْ‬
‫كن‬
‫وَلم ِ‬
‫من طَي َّبا ِ‬
‫وى ك ُُلوا ْ ِ‬
‫وال ّ‬
‫ما ظَل َ ُ‬
‫و َ‬
‫قَناك ُ ْ‬
‫ت َ‬
‫موَنا َ‬
‫م َ‬
‫سل ْ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ن }‪.({160‬‬
‫مو َ‬
‫س ُ‬
‫كاُنوا أنف َ‬
‫م ي َظل ِ ُ‬
‫ه ْ‬
‫والسؤال ماذا حدث فعل ً هل انفجرت أو انبجست؟ والجواب كلهما‬
‫وحسب ما يقوله المفسرون أن الماء انفجرت أول ً بالماء الكثير ثــم‬
‫ق ّ‬
‫ل الماء بمعاصيهم وفي سياق اليات في سورة البقرة الذي يذكر‬
‫ضل على بني إســرائيل جــاء بالكلمــة الــتي تــدل‬
‫الثناء والمدح والتف ّ‬
‫علــى الكــثير فجــاءت كلمــة )انفجــرت( أمــا فــي ســورة العــراف‬
‫م بني إسرائيل فذكر معها النبجــاس وهــو أق ـ ّ‬
‫ل مــن‬
‫فالسياق في ذ ّ‬
‫النفجار وهذا أمٌر مشاهد فالعيون والبار ل تبقى على حالــة واحــدة‬
‫ف العيون والبار فذكر النفجار في مــوطن والنبجــاس فــي‬
‫فقد تج ّ‬
‫موطن آخر وكل المشهدين حصل بالفعل‪.‬‬
‫وبعضــهم قــال جــاء بالفــاء للــترتيب والتعقيــب فــي )فــانفجرت(‬
‫مى فــاء الفصــيحة وهنــاك عطــف‬
‫و)فانبجســت( وهــذه الفــاء ُتســ ّ‬
‫صــا َ‬
‫ك‬
‫والعطف قد يكون أكثر من معطوف عليــه‪) .‬فَُقل ْن َــا ا ْ‬
‫رب ب ّعَ َ‬
‫ضـ ِ‬
‫ه اث ْن ََتـا عَ ْ‬
‫شـَرةَ عَْينــا( لـم يقـل سـبحانه وتعــالى‬
‫ت ِ‬
‫جَر َفانَف َ‬
‫ح َ‬
‫ال ْ َ‬
‫مْنـ ُ‬
‫جَر ْ‬
‫)فضرب( كــذلك فــي قــوله تعــالى )فقلنــا اذهبــا إلــى القــوم الــذين‬
‫ك ّ‬
‫صل في اليات هل أبلغا أم لم‬
‫ذبوا ( هل ذهبا أم لم يذهبا؟ ولم يف ّ‬
‫يبلغا؟ وهذه الفاء إذن هي فاء الفصــيحة الــتي تــد ّ‬
‫ل علــى أن هنــاك‬
‫محذوف ولكن المعنى واضــح فهــي أوضــحت معــاني متعــددة‪ .‬وقــد‬
‫تكرر استخدام هذه الفاء فــي مــواطن عديــدة فــي القــرآن الكريــم‬
‫َ‬
‫منها في قوله تعــالى فــي ســورة الســراء )وإ َ َ‬
‫هل ِم َ‬
‫ك‬
‫ذا أَردَْنا أن ن ّ ْ‬
‫َ ِ‬
‫‪63‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫قر ي ً َ‬
‫همما ال ْ َ‬
‫همما َ‬
‫سم ُ‬
‫ف َ‬
‫ها َ‬
‫و ُ‬
‫ل‬
‫ق َ‬
‫قوا ْ ِ‬
‫مت َْر ِ‬
‫ف َ‬
‫َ ْ َ‬
‫عل َي ْ َ‬
‫في َ‬
‫ف َ‬
‫في َ‬
‫حم ّ‬
‫مْرَنا ُ‬
‫ةأ َ‬
‫قم ْ‬
‫َ‬
‫ميرا ً }‪ ({16‬وفي قصة ســليمان فــي ســورة النمــل‬
‫مْرَنا َ‬
‫ها ت َدْ ِ‬
‫فد َ ّ‬
‫م َ‬
‫ذا َ‬
‫و ّ‬
‫ه َ‬
‫ما َ‬
‫ذا‬
‫ل َ‬
‫فأ َل ْ ِ‬
‫هب ب ّك َِتاِبي َ‬
‫)اذْ َ‬
‫ه إ ِل َي ْ‬
‫عن ْ ُ‬
‫فانظُْر َ‬
‫ه ْ‬
‫م ثُ ّ‬
‫ه ْ‬
‫ق ْ‬
‫م تَ َ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫م}‬
‫عو َ‬
‫ي ك ِت َــا ٌ‬
‫ج ُ‬
‫ريـ ٌ‬
‫ت َيا أي ّهَــا ال َ‬
‫ن }‪َ {28‬قال َ ْ‬
‫ي َْر ِ‬
‫ي إ ِل َـ ّ‬
‫مَل إ ِن ّــي أل ِْقـ َ‬
‫ب كَ ِ‬
‫‪ ({29‬كان في القصة إيجاز وحذف لكن هذا لم يمنع وضوح المعنى‬
‫فالمفروض أن الهدهد أخذ الكتــاب وذهــب بــه وألقــاه عنــد بلقيــس‬
‫وانتظر لكن بعض هذه المشاهد حذف مع بقاء المعنى واضحًا‪.‬‬
‫نعــود لســتعمال )انفجــرت( و)انبجســت( فــي ســورتي البقــرة‬
‫وإ ِذْ ُ‬
‫قل َْنا‬
‫والعراف وإذا لحظنا سياق اليــات فــي ســورة البقــرة ) َ‬
‫خُلمموا ْ‬
‫م َر َ‬
‫ة َ‬
‫ه ال ْ َ‬
‫حي ْ ُ‬
‫وادْ ُ‬
‫ادْ ُ‬
‫قْري َ َ‬
‫خُلوا ْ َ‬
‫ث ِ‬
‫فك ُُلوا ْ ِ‬
‫ذ ِ‬
‫هم ِ‬
‫ها َ‬
‫من ْ َ‬
‫شئ ْت ُ ْ‬
‫غدا ً َ‬
‫خ َ‬
‫و ُ‬
‫د‬
‫م َ‬
‫ة نّ ْ‬
‫حطّم ٌ‬
‫غ ِ‬
‫قوُلوا ْ ِ‬
‫زي ُ‬
‫س ّ‬
‫ال َْبا َ‬
‫و َ‬
‫ب ُ‬
‫طاي َمماك ُ ْ‬
‫فمْر ل َك ُم ْ‬
‫م َ‬
‫جدا ً َ‬
‫س من َ ِ‬
‫ول ً َ‬
‫موا ْ َ‬
‫ن }‪َ {58‬‬
‫قي َ‬
‫فب َدّ َ‬
‫ل‬
‫ذي ِ‬
‫غي َْر ال ّ ِ‬
‫ل ال ّ ِ‬
‫ح ِ‬
‫م ْ‬
‫ذي َ‬
‫سِني َ‬
‫ن ظَل َ ُ‬
‫ال ْ ُ‬
‫ق ْ‬
‫كاُنوا ْ‬
‫ما َ‬
‫م َ‬
‫فَأنَزل َْنا َ‬
‫عَلى ال ّ ِ‬
‫ر ْ‬
‫ن ال ّ‬
‫لَ ُ‬
‫م َ‬
‫ذي َ‬
‫ماء ب ِ َ‬
‫س َ‬
‫جزا ً ّ‬
‫ن ظَل َ ُ‬
‫ه ْ‬
‫موا ْ ِ‬
‫ف ُ‬
‫ه َ‬
‫سممى ل ِ َ‬
‫سمم َ‬
‫سمم ُ‬
‫يَ ْ‬
‫قل َْنمما‬
‫م ِ‬
‫و ِ‬
‫قو َ‬
‫مو َ‬
‫ست َ ْ‬
‫وإ ِِذ ا ْ‬
‫ف ُ‬
‫قى ُ‬
‫قمم ْ‬
‫ن }‪َ {59‬‬
‫صا َ‬
‫عْينمما ً َ‬
‫فان َ‬
‫جَر َ‬
‫ع ْ‬
‫د‬
‫شَرةَ َ‬
‫ه اث ْن ََتا َ‬
‫ا ْ‬
‫ت ِ‬
‫قمم ْ‬
‫ف َ‬
‫ح َ‬
‫ك ال ْ َ‬
‫رب ب ّ َ‬
‫جَر ْ‬
‫من ْ ُ‬
‫ع َ‬
‫ض ِ‬
‫ُ‬
‫ول َ‬
‫وا ْ‬
‫م ْ‬
‫م كُ ّ‬
‫َ‬
‫ق الل ّم ِ‬
‫شمَرُبوا ْ ِ‬
‫شَرب َ ُ‬
‫ه ْ‬
‫س ّ‬
‫عل ِ َ‬
‫ه َ‬
‫م ك ُُلوا ْ َ‬
‫مممن ّرْز ِ‬
‫ل أَنا َ ٍ‬
‫م ْ‬
‫ن }‪({60‬‬
‫وا ْ ِ‬
‫س ِ‬
‫ف ِ‬
‫تَ ْ‬
‫دي َ‬
‫ض ُ‬
‫عث َ ْ‬
‫في الْر ِ‬
‫سمك ُُنوا ْ‬
‫قي َ‬
‫وإ ِذْ ِ‬
‫ما ْ‬
‫ل لَ ُ‬
‫هم ُ‬
‫أما سياق اليــات فــي ســورة العــراف ) َ‬
‫خُلوا ْ‬
‫و ُ‬
‫ه ال ْ َ‬
‫حي ْ ُ‬
‫وادْ ُ‬
‫حطّ ٌ‬
‫قْري َ َ‬
‫قوُلوا ْ ِ‬
‫َ‬
‫ث ِ‬
‫وك ُُلوا ْ ِ‬
‫ذ ِ‬
‫هم ِ‬
‫ها َ‬
‫من ْ َ‬
‫شئ ْت ُ ْ‬
‫ة َ‬
‫م َ‬
‫ة َ‬
‫ن}‬
‫م َ‬
‫جدا ً ن ّ ْ‬
‫غ ِ‬
‫ح ِ‬
‫خ ِ‬
‫م ْ‬
‫سم ّ‬
‫ال َْبا َ‬
‫م َ‬
‫ب ُ‬
‫سمِني َ‬
‫زيدُ ال ْ ُ‬
‫طيَئات ِك ُم ْ‬
‫فمْر ل َك ُم ْ‬
‫سمن َ ِ‬
‫‪ ({161‬يمكن ملحظة ما يأتي‪:‬‬

‫سورة البقرة‬
‫سياق اليـات والكلم هـو فــي التكريـم‬
‫لبني إسرائيل فــذكر أمــورا ً كــثيرة فــي‬
‫ضــل )وَإ ِذ ْ‬
‫مقام التفضيل والتك ـّرم والتف ّ‬
‫جي َْنــا ُ‬
‫م‬
‫ل فِْر َ‬
‫عــوْ َ‬
‫نَ ّ‬
‫ن يَ ُ‬
‫مون َك ُ ْ‬
‫ســو ُ‬
‫كم ّ‬
‫نآ ِ‬
‫مــ ْ‬
‫َ‬
‫ســــوََء ال َْعــــ َ‬
‫م‬
‫حو َ‬
‫ب ُيــــذ َب ّ ُ‬
‫ُ‬
‫ن أب َْنــــاءك ُ ْ‬
‫ذا ِ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫من‬
‫حُيو َ‬
‫ست َ ْ‬
‫ن نِ َ‬
‫وَي َ ْ‬
‫م وَِفي ذ َل ِكم َبلٌء ّ‬
‫ساءك ْ‬
‫م }‪ {49‬وَإ ِذ ْ فََرقَْنــا ب ِ ُ‬
‫ّرب ّ ُ‬
‫م‬
‫م عَ ِ‬
‫كــ ُ‬
‫ظيــ ٌ‬
‫كــ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م وَأغ َْرقَْنــا آ َ‬
‫ن‬
‫ل فِْر َ‬
‫عــوْ َ‬
‫ح ـَر فَأن َ‬
‫ال ْب َ ْ‬
‫جي َْنــاك ُ ْ‬
‫َ‬
‫م َتن ُ‬
‫ن }‪ ({50‬و )َيـــا ب َِنـــي‬
‫ظـــُرو َ‬
‫وَأنُتـــ ْ‬
‫َ‬
‫سـَراِئي َ‬
‫ت‬
‫إِ ْ‬
‫مـ ُ‬
‫ي ال ّت ِــي أن ْعَ ْ‬
‫ل اذ ْك ُـُروا ْ ن ِعْ َ‬
‫مت ِـ َ‬

‫سورة العراف‬
‫الســياق فــي ذكــر ذنــوبهم ومعاصــيهم والمقــام‬
‫جاوَْزَنا ب ِب َِنــي‬
‫مقام تقريع وتأنيب لبني إسرائيل )وَ َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫سَراِئي َ‬
‫ن ع َلــى‬
‫حـَر فَـأ َت َوْا ْ ع َل َــى قَـوْم ٍ ي َعْك ُ‬
‫فــو َ‬
‫ل ال ْب َ ْ‬
‫إِ ْ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ّ‬
‫مــا‬
‫ســى ا ْ‬
‫مو َ‬
‫جعَــل لن َــا إ ِلـــها ك َ َ‬
‫م َقالوا َيا ُ‬
‫صَنام ٍ لهُ ْ‬
‫أ ْ‬
‫ة َقا َ‬
‫ن } ‪ ({138‬والفاء‬
‫م آل ِهَ ٌ‬
‫جهَُلو َ‬
‫م تَ ْ‬
‫م قَوْ ٌ‬
‫ل إ ِن ّك ُ ْ‬
‫ل َهُ ْ‬
‫هنــا تفيــد المباشــرة أي بمجــرد أن أنجــاهم اللــه‬
‫تعالى من الغرق أتوا على قوم يعبــدون الصــنام‬
‫فسألوا موســى أن يجعــل لهــم إلهـا ً مثــل هــؤلء‬
‫القوم‪.‬‬
‫‪64‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫سورة البقرة‬
‫َ‬
‫ن}‬
‫م ع َل َــى ال ْعَــال َ ِ‬
‫م وَأّني فَ ّ‬
‫ضل ْت ُك ُ ْ‬
‫ع َل َي ْك ُ ْ‬
‫مي َ‬
‫‪({47‬‬
‫قوم موسى استسقوه فأوحى إليه ربه‬
‫سـى‬
‫سـ َ‬
‫مو َ‬
‫ست َ ْ‬
‫بضـرب الحجـر )وَإ ِذ ِ ا ْ‬
‫قى ُ‬
‫ْ‬
‫صــا َ‬
‫ج ـَر(‬
‫مهِ فَ ُ‬
‫لِ َ‬
‫ق ـوْ ِ‬
‫ح َ‬
‫ك ال َ‬
‫قل ْن َــا ا ْ‬
‫رب ب ّعَ َ‬
‫ضـ ِ‬
‫ي اللــه موســى ‪‬‬
‫وفيهــا تكريــم لنــب ّ‬
‫واســتجابة اللــه لــدعائه‪ .‬واليحــاء أن‬
‫الضرب المباشر كان من الله تعالى‪.‬‬
‫)كلــوا واشــربوا( والشــرب يحتــاج إلــى‬
‫ماء أكثر لذا انفجرت الماء مــن الحجــر‬
‫في السياق الذي يتطلب الماء الكثير‬
‫جعـل الكــل عقــب الـدخول وهـذا مـن‬
‫مقام النعمة )ادخلوا هذه القرية فكلوا(‬
‫الفاء تفيد الترتيب والتعقيب‪.‬‬
‫)رغــدًا( تــذكير بــالنعم وهــم يســتحقون‬
‫رغد العيش كما يد ّ‬
‫ل سياق اليات‪.‬‬
‫جدا ً وقولــوا حطــة(‬
‫)وادخلــوا البــاب سـ ّ‬
‫ب ُــديء بــه فــي مقــام التكريــم وتقــديم‬
‫الســجود أمــر مناســب للمــر بالصــلة‬
‫َ‬
‫مــوا ْ‬
‫الذي جاء في سياق الســورة )وَأِقي ُ‬
‫ع‬
‫مـــ َ‬
‫صـــل َة َ َوآت ُـــوا ْ الّزك َـــاة َ َواْرك َعُـــوا ْ َ‬
‫ال ّ‬
‫ن }‪ ({43‬والســجود هــو مــن‬
‫الّراك ِِعيــ َ‬
‫أشرف العبادات‪.‬‬
‫)نغفر لكم خطاياكم( الخطايا هم جمــع‬
‫كــثرة وإذا غفــر الخطايــا فقــد غفــر‬
‫الخطيئات قطعا ً وهذا يتناسب مع مقام‬
‫التكريم الذي جاء في السورة‪.‬‬
‫)وسنزيد المحسنين( إضــافة الــواو هنــا‬
‫تدل على الهتمام والتنويع ولذلك تأتي‬
‫ضل وذكر النعم‪.‬‬
‫الواو في موطن التف ّ‬
‫دل الذين ظلموا قول ً غير الذي قيل‬
‫)فب ّ‬
‫لهم(‬
‫)فأنزلنا على الذين ظلموا(‬
‫)بما كانوا يفسقون(‬

‫سورة العراف‬
‫سـ َ‬
‫ست َ ْ‬
‫فموسى هو الذي استسقى لقومه )إ ِذ ِ ا ْ‬
‫قاهُ‬
‫قَوم َ‬
‫صا َ‬
‫جَر(‬
‫ح َ‬
‫ك ال ْ َ‬
‫نا ْ‬
‫ْ ُ ُ‬
‫رب ب ّعَ َ‬
‫هأ ِ‬
‫ض ِ‬

‫)كلوا من طيبات ما رزقناكم( لــم يــذكر الشــرب‬
‫فجــاء بــاللفظ الــذي يــدل علــى المــاء القــ ّ‬
‫ل‬
‫)انبجست(‬
‫لم يــرد ذكــر الكــل بعــد دخــول القريــة مباشــرة‬
‫وإنما أمرهم بالســكن أول ً )اســكنوا هــذه القريــة‬
‫وكلوا(‬
‫لم يذكر رغدا ً لنهم ل يستحقون رغد العيش مــع‬
‫ذكر معاصيهم‪.‬‬
‫)وقولــوا حطــة وادخلــوا البــاب ســجدًا( لــم يبــدأ‬
‫بالسجود هنا لن الســجود مــن أقــرب مــا يكــون‬
‫العبد لربه وهم في السياق هنا مبعدين عن ربهم‬
‫لمعاصيهم‪.‬‬

‫)نغفر لكم خطيئاتكم( وخطيئات جمع قل ّــة وجــاء‬
‫هنا فــي مقــام التــأنيب وهــو يتناســب مــع مقــام‬
‫التأنيب وال ّ‬
‫ذم في السورة‪.‬‬
‫)سنزيد المحسنين( لم ترد الواو هنا لن المقــام‬
‫ضل‪.‬‬
‫ليس فيه تكريم ونعم وتف ّ‬
‫)الذين ظلموا منهم( هم بعض ممن جاء ذكرهــم‬
‫في أول اليات‬
‫)فأرسلنا ( أرسلنا في العقوبـة أشـد ّ مــن أنزلنـا‪،‬‬
‫وقد تردد الرسال في السورة ‪ 30‬مرة أمــا فــي‬
‫البقرة فتكرر ‪ 17‬مرة‬
‫)بمــا كــانوا يظلمــون( والظلــم أشـد ّ لنــه يتعل ّــق‬
‫بالضير‬

‫وقد ورد في القرآن الكريم مواضع أخرى عديدة جاء فيها التشــابه‬
‫بين قصتين مع اختلف في اختيار اللفاظ بما يتناســب مــع الســياق‬
‫‪65‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫والمهم أن نعلم أن كــل المشــاهد مــن القصــة قــد حصــلت بالفعــل‬
‫و َ‬
‫س مَنا‬
‫م ّ‬
‫قاُلوا ْ ل َممن ت َ َ‬
‫ومثال على ذلك ما جاء فــي ســورة البقــرة ) َ‬
‫َ‬
‫هممدا ً َ‬
‫ة ُ‬
‫قم ْ‬
‫فل َممن‬
‫ل أ َت ّ َ‬
‫ه َ‬
‫دودَ ً‬
‫م ِ‬
‫عنمدَ الل ّم ِ‬
‫عم ُ‬
‫م ْ‬
‫ع ْ‬
‫خمذْت ُ ْ‬
‫الّناُر إ ِل ّ أّياما ً ّ‬
‫َ‬
‫م تَ ُ‬
‫ن}‬
‫يُ ْ‬
‫ن َ‬
‫ه َ‬
‫خل ِ َ‬
‫عل َممى الل ّم ِ‬
‫مممو َ‬
‫قول ُممو َ‬
‫ممما ل َ ت َ ْ‬
‫هدَهُ أ ْ‬
‫ع ْ‬
‫عل َ ُ‬
‫ه َ‬
‫ف الل ّ ُ‬
‫َ‬
‫سَنا الّناُر إ ِل ّ‬
‫‪ ({80‬وسورة آل عمران )ذَل ِ َ‬
‫م َ‬
‫م ّ‬
‫ك ب ِأن ّ ُ‬
‫قاُلوا ْ َلن ت َ َ‬
‫ه ْ‬
‫َ‬
‫ما َ‬
‫و َ‬
‫كاُنوا ْ ي َ ْ‬
‫ن }‪({24‬‬
‫م ِ‬
‫غّر ُ‬
‫دا ٍ‬
‫فت َُرو َ‬
‫دو َ‬
‫ع ُ‬
‫م ْ‬
‫هم ّ‬
‫ه ْ‬
‫أّياما ً ّ‬
‫ت َ‬
‫في ِدين ِ ِ‬
‫فنسأل هل قالوا أياما ً معدودة أو أيامـا ً معــدودات؟ معــدودات جمــع‬
‫قّلة وهي تفيد القّلة أما معــدودة فهــي جمــع كــثرة وهــي أكــثر مــن‬
‫معدودات )والقاعدة العامة أنه إذا وصفنا الجمع غير العاقل بالمفرد‬
‫فإنه يفيد الكثرة( ومثال ذلك )أنهار جارية( و)أنهار جاريات( الجارية‬
‫أكثر من حيث العدد من الجاريات وأشجار مثمرة أكثر من مثمــرات‬
‫وجبال شاهقة أكثر من شاهقات‪ .‬فماذا قــالوا بالفعــل؟ إنهــم قــالوا‬
‫مــا ذ ُك ّــروا بمــا فعلــوه مــن آثــام‬
‫الثنيــن معـا ً ففــي ســورة البقــرة ل ّ‬
‫فت َطْمعممون َ‬
‫)أ َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫م‬
‫ف‬
‫ن‬
‫كمما‬
‫د‬
‫قمم‬
‫و‬
‫م‬
‫كمم‬
‫ل‬
‫ا‬
‫نممو‬
‫م‬
‫ؤ‬
‫ي‬
‫أن‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫من ْ ُ‬
‫همم ْ‬
‫ق ّ‬
‫ريمم ٌ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫حّر ُ‬
‫م‬
‫ممما َ‬
‫و ُ‬
‫عم ِ‬
‫ه ِ‬
‫م الل ّ ِ‬
‫عو َ‬
‫من ب َ ْ‬
‫م يُ َ‬
‫م ُ‬
‫ن ك َل َ َ‬
‫يَ ْ‬
‫هم ْ‬
‫د َ‬
‫فون َ ُ‬
‫ه ثُ ّ‬
‫س َ‬
‫عقلمموهُ َ‬
‫ن }‪ ({75‬قالوا معدودة فهم يحّرفــون الكلــم بعــدما عقلــوه‬
‫مو َ‬
‫يَ ْ‬
‫عل َ ُ‬
‫وهناك أمور عديدة يعرفــون بهــا ويــذكرونها وقــال تعــالى يتوعــدهم‬
‫ل ل ّل ّذين يك ْت ُبون ال ْكَتاب بأ َ‬
‫م يَ ُ‬
‫) َ‬
‫وي ْ ٌ‬
‫هم َ‬
‫ن‬
‫دي‬
‫ي‬
‫ن َ‬
‫ذا ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫قوُلو َ‬
‫ِ َ َ ُ َ‬
‫ْ‬
‫م ْ‬
‫م ثُ ّ‬
‫ه ْ‬
‫َ ِ‬
‫ف َ‬
‫ِ‬
‫قِليل ً َ‬
‫منما ً َ‬
‫وي ْم ٌ‬
‫ه ل ِي َ ْ‬
‫ت‬
‫ِ‬
‫شمت َُروا ْ ب ِم ِ‬
‫د الل ّم ِ‬
‫عن ِ‬
‫ممما ك َت َب َم ْ‬
‫ل لّ ُ‬
‫م ّ‬
‫هممم ّ‬
‫ه ثَ َ‬
‫ف َ‬
‫َ‬
‫دهــم )أيام ـا ً‬
‫وي ْ ٌ‬
‫دي‬
‫ممما ي َك ْ ِ‬
‫أي ْ ِ‬
‫س مُبو َ‬
‫ن }‪ ({79‬فجــاء ر ّ‬
‫ل لّ ُ‬
‫م ّ‬
‫م ّ‬
‫ه ْ‬
‫ه ْ‬
‫و َ‬
‫م َ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫وُتمموا ْ‬
‫م ت ََر إ َِلممى ال ّ م ِ‬
‫ذي َ‬
‫معدودة(‪ ،‬أما في سورة آل عمران ) أل َ ْ‬
‫نأ ْ‬
‫م‬
‫ب ي ُدْ َ‬
‫ب الل ّ ِ‬
‫نَ ِ‬
‫و َ‬
‫ه ل ِي َ ْ‬
‫م ب َي ْن َ ُ‬
‫م َ‬
‫م ثُم ّ‬
‫هم ْ‬
‫حك ُ َ‬
‫صيبا ً ّ‬
‫ن إ َِلى ك َِتا ِ‬
‫ن ال ْك َِتا ِ‬
‫ع ْ‬
‫وّلى َ‬
‫ن }‪ ({23‬لم يكن هناك تذكير‬
‫و ُ‬
‫ر ُ‬
‫ضو َ‬
‫م ْ‬
‫من ْ ُ‬
‫هم ّ‬
‫ه ْ‬
‫ق ّ‬
‫ري ٌ‬
‫م َ‬
‫ي َت َ َ‬
‫ع ِ‬
‫ف ِ‬
‫عد بالحساب فلما ذ ُ ّ‬
‫كروا بها قالوا أياما ً معــدودات لن‬
‫بالفعال والتو ّ‬
‫ل ‪ .‬ومنهم من يقول أن قســما ً قــالوا )أيام ـا ً‬
‫ذكروا بها أق ّ‬
‫الثام التي ُ‬
‫معدودة( والقسم الخر قال )أياما ً معدودات(‪.‬‬
‫سآِتي ُ‬
‫)إ ِذْ َ‬
‫قا َ‬
‫ر‬
‫همما ب ِ َ‬
‫سى ِل َ ْ‬
‫هل ِ ِ‬
‫س ُ‬
‫من ْ َ‬
‫ت َنارا ً َ‬
‫ه إ ِّني آن َ ْ‬
‫مو َ‬
‫كم ّ‬
‫ل ُ‬
‫خَبمم ٍ‬
‫َ‬
‫و آِتي ُ‬
‫ب َ‬
‫ن }‪ ({7‬سورة النمل‪.‬‬
‫كم ب ِ ِ‬
‫صطَُلو َ‬
‫س لّ َ‬
‫ش َ‬
‫عل ّك ُ ْ‬
‫ها ٍ‬
‫م َت َ ْ‬
‫أ ْ‬
‫قب َ َ ٍ‬
‫طــورِ َنــارا ً‬
‫ب ال ّ‬
‫ج َ‬
‫س ِ‬
‫من َ‬
‫سى اْل َ‬
‫ما قَ َ‬
‫ل وَ َ‬
‫مو َ‬
‫ضى ُ‬
‫)فَل َ ّ‬
‫جان ِ ِ‬
‫ساَر ب ِأهْل ِهِ آن َ َ‬
‫َ‬
‫َقا َ َ‬
‫ت َنارا ً ل ّعَّلي آِتي ُ‬
‫ن‬
‫من َْها ب ِ َ‬
‫جذ ْوَةٍ ِ‬
‫خب َرٍ أوْ َ‬
‫مك ُُثوا إ ِّني آن َ ْ‬
‫كم ّ‬
‫س ُ‬
‫ل ِلهْل ِهِ ا ْ‬
‫م َ‬
‫ن }‪ ({29‬سورة القصص‪.‬‬
‫صط َُلو َ‬
‫الّنارِ ل َعَل ّك ُ ْ‬
‫م تَ ْ‬
‫ومثال آخر على التشابه والختلف في القرآن الكريم مــا جــاء فــي‬
‫سورتي النمل والقصــص فــي قصــة موســى ‪ ‬أيضـا ً ففــي ســورة‬
‫ت ن َممارا ً‬
‫النمــل قــال تعــالى )إ ِذْ َ‬
‫قا َ‬
‫سى ِل َ ْ‬
‫هل ِم ِ‬
‫سم ُ‬
‫ه إ ِن ّممي آن َ ْ‬
‫مو َ‬
‫ل ُ‬
‫َ‬
‫عل ّ ُ‬
‫و آِتي ُ‬
‫سممآِتي ُ‬
‫ب َ‬
‫م‬
‫همما ب ِ َ‬
‫كممم ب ِ ِ‬
‫س لّ َ‬
‫شمم َ‬
‫من ْ َ‬
‫َ‬
‫كمم ْ‬
‫كم ّ‬
‫ها ٍ‬
‫رأ ْ‬
‫خَبمم ٍ‬
‫قَبمم ٍ‬
‫‪66‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫ما َ‬
‫ن }‪ ({7‬وفي سورة القصــص قــال تعــالى ) َ‬
‫ضممى‬
‫ق َ‬
‫صطَُلو َ‬
‫فل َ ّ‬
‫تَ ْ‬
‫ب ال ّ‬
‫ر َنارا ً َ‬
‫قا َ‬
‫ج َ‬
‫ل‬
‫طو‬
‫ساَر ب ِأ َ ْ‬
‫س ِ‬
‫هل ِ ِ‬
‫من َ‬
‫سى اْل َ َ‬
‫و َ‬
‫مو َ‬
‫ُ‬
‫جان ِ ِ‬
‫ه آن َ َ‬
‫ل َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫عّلمي آِتي ُ‬
‫و‬
‫هما ب ِ َ‬
‫ِل ْ‬
‫هل ِ ِ‬
‫ت َنمارا ً ل ّ َ‬
‫سم ُ‬
‫من ْ َ‬
‫مك ُُثوا إ ِّني آن َ ْ‬
‫كمم ّ‬
‫ها ْ‬
‫رأ ْ‬
‫خَبم ٍ‬
‫ن }‪ ({29‬الخــط البيــاني فــي‬
‫ة ِ‬
‫و ٍ‬
‫ص مطَُلو َ‬
‫ر لَ َ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫عل ّك ُم ْ‬
‫م تَ ْ‬
‫جذ ْ َ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫السورتين متســع ولكــن ندرســه مــن ناحيــة التشــابه والختلف لن‬
‫بينهما اختلفات عدة‪.‬‬
‫أول ً فــي ســورة النمــل جــاء بالســين فــي )ســآتيكم( والســين تفيــد‬
‫جي‪ .‬فمــاذا‬
‫التوكيد‪ ،‬أما في القصص فجاء بـ )لعّلي آتيكم( وهي للتر ّ‬
‫جــى أم قطــع؟ هــل قــال أحــدهما أم‬
‫قال موسى لهله هــل قــال تر ّ‬
‫ماذا؟ الحقيقة أن هذا يحصل فــي حياتنــا يقــول أحــدنا ســآتي اليــوم‬
‫جى( والمشــهد نفســه هــو الــذي‬
‫لعلي أستطيع بمعنى )أقطع ثم أتر ّ‬
‫يفرض الترجي أو القطع‪ .‬قد نقطع ثم يــأتي أمــور تحــول دون ذلــك‬
‫فنقول لعّلي للترجي أو العكس لكن يبقى لماذا الختيــار أي اختيــار‬
‫الترجي في سورة والقطع في سورة أخرى؟‬
‫المقام كله في سورة النمل مبني على القطع والقوة والتمكين أمــا‬
‫سورة القصص فهي مبنّية على الخوف من قبل ولدة موسى‪ .‬وقــد‬
‫قال تعالى في سورة النمل )أو آتيكم بشهاب قبس( وهذا في مقام‬
‫القطع لن الشهاب هو شعلة من النار والشــهاب أنفــع فــي الــدفء‬
‫والســتنارة‪ ،‬أمــا فــي القصــص فقــال تعــالى )أو جــذوة مــن النــار(‬
‫والجذوة ليس بالضرورة أن يكون فيها نار وهذا أنسب لجو وســياق‬
‫السورة المبني علــى الخـوف‪ .‬وهنــاك اختلفــات كـثيرة أخــرى بيـن‬
‫السورتين‪ ،‬لكــن المهــم القــول أن موســى ‪ ‬قـال التعــبيرين لكــن‬
‫اختيار كل تعبير في مكانه يناســب المقــام والســياق الــتي ورد فيــه‬
‫التعبيرين‪.‬‬
‫ونسأل هــل قــال موســى هــذا الكلم حقـا ً أم اليــات هــي عــن رب‬
‫العالمين؟ نقول أن القرآن هو ترجمة للحداث والقوال لكن مصوغ‬
‫صياغة فّنية عالية وهو أدق ترجمة فنية للحوال وكلها صحيحة مــائة‬
‫في المائة وبتعبيرات مناسبة للسياق‪ .‬وقد نقرأ ترجمات مــن لغــات‬
‫أخرى في نفس الموضوع وكل ترجمة تختلف عن الخــرى بحســب‬
‫الذي يترجم ولن الفحوى واحد وهذه الترجمات ليست كلها بنفــس‬
‫النوعية والدقة والبلغة‪ .‬فعلى سبيل المثال بدل أن نقــول لشــخص‬
‫ما أكبر منا سن ّا ً أنه فاجر نقول له مسرف فنختار الصيغة التي تليق‬
‫بالمقام وبدل أن نقول متهور نقول مسرع وهكذا‪.‬‬
‫وكذلك نسأل هل قال برهانان أو تسع آيات؟ قال تعالى في ســورة‬
‫جي ْب ِ َ‬
‫ك ي َدَ َ‬
‫سل ُ ْ‬
‫ن َ‬
‫ء‬
‫سممو ٍ‬
‫ك تَ ْ‬
‫ك ِ‬
‫ج ب َي ْ َ‬
‫ضاء ِ‬
‫خُر ْ‬
‫في َ‬
‫ر ُ‬
‫القصص )ا ْ‬
‫م ْ‬
‫غْيمم ِ‬
‫‪67‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫مممن ّرب ّم َ‬
‫ذان ِ َ‬
‫ح َ‬
‫م إ ِل َي ْ َ‬
‫ب َ‬
‫ف َ‬
‫ك‬
‫ك ب ُْر َ‬
‫ن الّر ْ‬
‫وا ْ‬
‫ن ِ‬
‫ك ِ‬
‫جَنا َ‬
‫ك َ‬
‫م َ‬
‫م ْ‬
‫ض ُ‬
‫ه ِ‬
‫هاَنا ِ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫وممما ً َ‬
‫كاُنوا َ‬
‫ن }‪ ({32‬أمــا‬
‫فْر َ‬
‫سمم ِ‬
‫إ َِلى ِ‬
‫فا ِ‬
‫مل َئ ِ ِ‬
‫و َ‬
‫ه إ ِن ّ ُ‬
‫قي َ‬
‫ه ْ‬
‫و َ‬
‫ق ْ‬
‫ن َ‬
‫ع ْ‬
‫جي ْب ِم َ‬
‫ل َيمدَ َ‬
‫خم ْ‬
‫ج‬
‫ك تَ ْ‬
‫ك ِ‬
‫وأ َدْ ِ‬
‫خمُر ْ‬
‫فممي َ‬
‫في سورة النمل فقال تعالى ) َ‬
‫ن َ‬
‫و َ‬
‫ه‬
‫سو ٍ‬
‫فْر َ‬
‫ت إ ِل َممى ِ‬
‫ء ِ‬
‫ب َي ْ َ‬
‫م ِ‬
‫و ِ‬
‫ع آي َمما ٍ‬
‫ضاء ِ‬
‫و َ‬
‫في ت ِ ْ‬
‫ر ُ‬
‫م ْ‬
‫قم ْ‬
‫ن َ‬
‫عم ْ‬
‫غي ْ ِ‬
‫س ِ‬
‫م َ‬
‫وما ً َ‬
‫كاُنوا َ‬
‫ن }‪ .({12‬والجــواب أنــه قــال كلهمــا‬
‫س ِ‬
‫فا ِ‬
‫إ ِن ّ ُ‬
‫قي َ‬
‫ه ْ‬
‫ق ْ‬
‫لن في سورة القصص المر لموسى بالــذهاب إلــى فرعــون وملئه‬
‫أي خاصة مجلسه وهنا ذهب بآيتين هما العصا التي تنقلب حية واليد‬
‫التي تخرج بيضاء‪ .‬أما في سورة النمل فالمر إلى موسى بالــذهاب‬
‫إلى فرعون وقومه وهنا ذكر تسع آيات لن الحشد أكثر وهو القــوم‬
‫احتاج ذكر أكثر اليات فجــاء ذكــر تســع آيــات‪ .‬وأمــا ســبب الختيــار‬
‫فيعود للقصة ففي سورة القصص قلنا أنها مبنية علــى الخــوف أمــا‬
‫وة‪.‬‬
‫في سورة النمل فهي مبنية على القطع والق ّ‬
‫ل أ ََتا َ‬
‫ه ْ‬
‫ن‬
‫دي ُ‬
‫سورة الذاريات‪َ ) :‬‬
‫ث َ‬
‫مك َْر ِ‬
‫ف إ ِب َْرا ِ‬
‫ح ِ‬
‫ضي ْ ِ‬
‫ك َ‬
‫ميمم َ‬
‫م ال ْ ُ‬
‫هيمم َ‬
‫م َ‬
‫سممَلما ً َ‬
‫ف َ‬
‫ه َ‬
‫قمما َ‬
‫م‬
‫}‪ {24‬إ ِذْ دَ َ‬
‫خُلمموا َ‬
‫عل َْيمم ِ‬
‫و ٌ‬
‫سممَل ٌ‬
‫ل َ‬
‫قمماُلوا َ‬
‫قمم ْ‬
‫فَرا َ‬
‫ه َ‬
‫ن }‪َ {25‬‬
‫ن }‪.({26‬‬
‫جاء ب ِ ِ‬
‫غ إ َِلى أ َ ْ‬
‫س ِ‬
‫هل ِ ِ‬
‫منك َُرو َ‬
‫ع ْ‬
‫ف َ‬
‫ل َ‬
‫ّ‬
‫ج ٍ‬
‫مي ٍ‬
‫خل ُمموا ْ‬
‫م }‪ { 51‬إ ِذْ دَ َ‬
‫م َ‬
‫عن َ‬
‫ف إ ِْبرا َ ِ‬
‫ض مي ْ ِ‬
‫ون َب ّئ ْ ُ‬
‫هي م َ‬
‫ه ْ‬
‫سورة الحجر‪َ ) :‬‬
‫قمماُلوا ْ ل َ‬
‫ن }‪َ {52‬‬
‫سلما ً َ‬
‫ف َ‬
‫ه َ‬
‫قا َ‬
‫َ‬
‫ل إ ِّنا ِ‬
‫عل َي ْ ِ‬
‫جُلممو َ‬
‫قاُلوا ْ َ‬
‫منك ُ ْ‬
‫و ِ‬
‫م َ‬
‫شُر َ‬
‫ل إ ِّنا ن ُب َ ّ‬
‫ج ْ‬
‫عِليم ٍ }‪.({53‬‬
‫ك بِ ُ‬
‫غلم ٍ َ‬
‫و َ‬
‫تَ ْ‬
‫فلماذا لم يرد الســلم فــي الحجــر ولــم يســتكمل القصــة كمــا فــي‬
‫سورة الذاريات؟ هذا ليـس اختلفـا ً فـي القصــة ولكـن اختلف فـي‬
‫ذكر المشاهد للقصة‪.‬‬
‫في سورة الذاريات قــال تعــالى )هــل أتــاك حــديث ضــيف ابراهيــم‬
‫المكرميــن( ذكــر المكرميــن فــذكر مــا يقتضــي الكــرام ورد ّ التحيــة‬
‫والكرام‪ ،‬أما في سورة الحجر لم يذكر التكريم فلم يحتــاج المقــام‬
‫ذكر رد ّ إبراهيم‪.‬‬
‫فقــد نقــول ذهبنــا إلــى آل فلن وس ـّلمنا عليهــم وبتنــا عنــدهم ليلــة‬
‫ورجعنا ولم نقــل رّدوا علينــا الســلم وطلبــوا منــا أن نبقــى عنــدهم‬
‫فوافقنا ونذكر كل التفاصيل التي حصلت‪ .‬وقد نذكر في مقــام آخــر‬
‫حبوا بنا وأقسموا أن نبات عندهم وأصروا أن ُنفطر عنــدهم‬
‫ذهبنا ور ّ‬
‫)وفي هذا وصف دقيق حسب المقام ولم نقــل سـّلمنا عليهــم لكــن‬
‫لم يؤثر على المعنى( وإل كيف رحبوا بنا إذا لم نس ـّلم عليهــم لكــن‬
‫المقام ُيحدد ماذا نقول‪ :‬هــل نتحــدث عــن ضــيافتهم أو عــن ســفرنا‬
‫نحن؟‬
‫نعود إلى اليات في سورة الذاريات فقد ذكر تعالى المكرمين وكل‬
‫المور المتعلقة بالكرام ومنها رد ّ السلم والمجيء بالعجل وتقديمه‬
‫‪68‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫لهم‪ .‬وقد وصف اللـه تعـالى نـبيه إبراهيـم أنـه أوجـس منهـم خيفـة‬
‫)وهذا شعور في نفسه( أما فــي ســورة الحجــر فقــال تعــالى علــى‬
‫لسان إبراهيم ‪) ‬إنا منكم وجلون( أي خاطبهم مباشــرة ول نقــول‬
‫في مقام التكريم إني خائف منكم‪ .‬فكل المور حصلت فــي القصــة‬
‫لكن الله تعالى اختار لكل سورة مشهدا ً وألفاظ وتعــبيرات تناســب‬
‫سياق اليات والحالة التي ذكــرت فيهــا فكــل قصــة فــي الســورتين‬
‫جاءت بالتعبير المناسب والحالة المناسبة‪.‬‬
‫ونســأل لمــاذا يكــون هــذا فــي اللغــة؟ البلغــة هــي مطابقــة الكلم‬
‫لمقتضى الحال أو السياق‪ .‬فل يمكن مثل ً في مقام الفــرح أن نــأتي‬
‫بقصيدة حزن كما قال الشاعر في وصــف دار دخلهــا الخليفــة لول‬
‫مرة )يــا دار مــا فعلــت بــك اليــام( وقــد عــابوا علــى هــذا الشــاعر‬
‫مقولته هذه‪ .‬فيجب أن نحــدد أيــن المقصــود تــوجيه الكلم؟ فهنــاك‬
‫عدة أمور نريد التركيز عليها والقصة الواحدة لها عدة جــوانب فــأي‬
‫الجوانب نريد أن نر ّ‬
‫كز عليها فنأتي بجزئياتها المناسبة لهــذا الجــانب‬
‫أو غيره‪.‬‬
‫وقد حــاول المستشــرقون أن ينتقــدوا القصــة فــي القــرآن الكريــم‬
‫فقالوا إنه في قصــة موســى ‪ ‬وردت ‪ 11‬آيــة )وأخــي هــارون هــو‬
‫ن فهم قادرون‬
‫أفصح مني لسانا( فقالوا أنه لو اجتمعت النس والج ّ‬
‫على أن يأتوا بمثل القرآن ولكنهــم جهلــوا أن القصــة الواحــدة فــي‬
‫القرآن قد ُيعّبر عنها بصور مختلفة لكن اختيار الصورة المعجزة هــو‬
‫اختيار القرآن الكريم وهناك شــاعر أمثــل مــن شــاعر وقــد يعب ّــرون‬
‫جميعا ً عن نفس المعنى ونفس المشهد‪ .‬وقد ُيصاغ المشهد الواحــد‬
‫ن‪ .‬ففــي‬
‫بعدة تعبيرات ولكنها ليست كلها بنفس درجة البلغــة والف ـ ّ‬
‫قصة موسى ‪ ‬قــد يكتــب فيهــا الكــثيرون ولكــن ليســت كــل هــذه‬
‫ن ‪ .‬فــالقرآن ل يمكــن أن‬
‫الكتابات متماثلــة مــن حيــث البلغــة والفـ ّ‬
‫دى‬
‫يدانيه أحد من ناحية البلغة واللغة والفن وكل تعبير يمكن أن يؤ ّ‬
‫دى القـرآن المشـركين أن‬
‫بتعبير آخر فالقرآن فيه معجز وكذلك تحـ ّ‬
‫يأتوا بسورة واحدة ولو كانت قصيرة مثل الكوثر‪ .‬فل يمكـن صـياغة‬
‫سورة مثل سور القــرآن الكريــم حــتى لــو كــان المحتــوى فــالقرآن‬
‫معجز في هذا وسورة الكوثر وهي مــن ثلث آيــات فقــط فيهــا مــن‬
‫البلغة والختيارات العجيبة في التعبير )كما فــي اللمســات البيانيــة‬
‫في سورة الكوثر(‪.‬‬
‫فالمسألة إذن ليست مسألة قال هذا أو ذاك ولكنها ترجمة لما قال‬
‫ما دعا رب ّــه دعــاه بكلمــات عرفهــا اللــه تعــالى لن‬
‫موسى ‪ ‬فهو ل ّ‬
‫موسى كان في لسانه عجمة )ول يكاد ُيبين( كمــا جــاء علــى لســان‬
‫‪69‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫فرعون والدليل قول موسى )هو أفصح منــي لســانًا( لمــا دعــا ربــه‬
‫بأن يرسل معه هارون أخوه ولو قال هذا الدعاء شخص آخــر لقــاله‬
‫بصيغة مختلفة‪ ،‬وهكذا صــيغت العبــارات فــي القــرآن الكريــم بكلم‬
‫معجز وهي ترجمة دقيقة لما قاله موسى وإبراهيــم ‪ ‬وغيــره مــن‬
‫النبياء‪ ،‬حتى النقاش بين الرسل وقــومهم كمــا حصــل بيــن موســى‬
‫وفرعون هي ترجمات دقيقة فنية لما حصل‪.‬‬

‫سع في المعنى في القرآن الكريم‬
‫التو ّ‬
‫ســع فــي‬
‫ما هو مفهوم التوسممع فممي القممرآن الكريممم؟ التو ّ‬
‫المعنى هو أن يؤتى بتعبير يحتمل أكثر من معنــى وتكــون كــل هــذه‬
‫مرادة وهناك مواطن للتوسع في القرآن الكريم كما ســبق‬
‫المعاني ُ‬
‫حـ ّ‬
‫ل( وقلنــا أنهــا تعنـي‬
‫شرحه فــي ســورة البلـد فــي معنـى كلمـة ) ِ‬
‫مستحل وحلل ومقيم أو حا ّ‬
‫ل وهذه المعاني كلها مرادة فــي اليــة‪.‬‬
‫ن )ل( محتمــل أن‬
‫وكذلك في قوله تعالى )فل اقتحم العقبة( وقلنا أ ّ‬
‫تكون داخلة على المستقبل أو يراد بها الــدعاء أو حــرف الســتفهام‬
‫محذوف أو غيرها‪ .‬وللتوسع في القرآن الكريم أسباب ومواطن‪.‬‬
‫سع‪:‬‬
‫مواطن التو ّ‬
‫اللفاظ المشتركة‪ :‬يوجد في القرآن الكريم ألفــاظ تشــترك‬
‫في المعنى مثل كلمة )جائر( على ســبيل المثــال هــل هــي اســم‬
‫فاعل من )جأر أو جار(؟ وكذلك كلمة )سائل( هل هي من ســأل‬
‫أو سال؟ هناك كلمات إذن تحتمل أكثر من معنى كما فــي كلمــة‬
‫العين يذكر لها أكثر من معنى فهي تحتمل أن تكــون الجاسوســة‬
‫أو عين الماء أو أداة البصار‪ .‬وكذلك تكثر في الحروف مثل ً )مــا(‬
‫هل هي استفهامية أو تعجبية أم ماذا؟ هل هــي نافيــة؟ يمكــن أن‬
‫‪70‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫تقع في تعبيرات تحتمل عدة معاني في آن واحد فإذا أريدت كــل‬
‫سع‪.‬‬
‫هذه المعاني يدخل في باب التو ّ‬
‫نقول مثل ً ‪ :‬مــا أغفلــك عن ّــا؟ )مــا( تحتمــل أن تكــون اســتفهامية أو‬
‫ن( تكــون نافيــة أو‬
‫ســعًا‪ .‬كــذلك )إ ّ‬
‫تعجبية فإذا أردنا المعنيين صار تو ّ‬
‫مشّبهة بليس أو ليست مشّبهة بليس كما في قــوله تعــالى )إن هــو‬
‫إل رحمة للعالمين( وقوله تعالى )إن أنا إل نذير( وقوله تعــالى )وإن‬
‫ن( شرطية كمــا فــي‬
‫أدري أقريب أم بعيد ما توعدون( وقد تكون )إ ّ‬
‫ن(‬
‫قوله تعالى )وإن طائفتان مــن المــؤمنين اقتتلــوا( وقــد تكــون )إ ّ‬
‫مخففة من الثقيلة‪.‬‬
‫وإذا قلنا‪ :‬هو ل يكذب وإن ُأكره على ذلــك‪ .‬قــد نفهــم أنهــا شــرطية‬
‫بمعنى ل يكذب حتى لو ُأكــره‪ ،‬وقــد تكــون نافيــة أي ل يكــذب ولــم‬
‫سـع فـي المعنـى بصـورة‬
‫ُيكره على ذلك فلماذا يكذب؟ هذا هو التو ّ‬
‫سطة‪.‬‬
‫مب ّ‬
‫وإذا أرنا التوســع فــي المعنــى ل ضــرورة عنــدها لوجــود قرينــة لن‬
‫القرينة هي التي تساعد على تحيد معنى واحد من المعاني المرادة‬
‫دون غيره‪ .‬إذن إذا ُأريد التوســع ل يــؤتى بالقرينــة وإذا أردنــا تحديــد‬
‫معنى من المعاني يؤتى بالقرينة التي تدل عليه‪.‬‬
‫ونأخذ أمثلة من القرآن الكريم‪:‬‬
‫فممي‬
‫ن ِ‬
‫مت ّ ِ‬
‫‪ .1‬قال تعــالى فــي ســورة القمــر )إ ِ ّ‬
‫قي َ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫ر }‪ ({54‬كلمة )ن ََهر( لها دللت مختلفة منهــا‬
‫جّنا ٍ‬
‫َ‬
‫ون َ َ‬
‫ت َ‬
‫ه ٍ‬
‫سعة في الرزق والمعيشة وفي كل ما تقتضيه السعادة‬
‫ال َ‬
‫سعة فيــه‪ .‬ومــن دللتهــا أيضـا ً الضــياء لتهــم يقولــون أن‬
‫الجنة ليس فيها ليل ومــن معــاني الن َهَــر فــي اللغــة أيضـا ً‬
‫مجرى المــاء‪ .‬اليــة فــي ســورة القمــر تحتمــل كــل هــذه‬
‫المعاني وهي كلها مرادة‪ .‬ومن الملحظ في القــرآن كل ّــه‬
‫أنه حيثما جمع الجّنات جمع النهار إل في هذه الية‪ ،‬فقــد‬
‫ورد فــي القــرآن قــوله تعــالى )جنــات تجــري مــن تحتهــا‬
‫النهــار( وجــود كلمــة تجــري هنــا تــدل علــى أن المعنــى‬
‫المطلوب هو مجرى المــاء‪ .‬وفــي آيـة أخــرى قــال تعــالى‬
‫)فيها أنهار من ماء غير آسن( وجود )غير آسن( في اليــة‬
‫تفيــد جريــان المــاء لن المــاء ل يأســن إل إذا فــي حالــة‬
‫الركود وغيــر آســن قرينــة الجريــان‪ .‬أمــا فــي آيــة ســورة‬
‫القمر جاءت كلمة )نهر( بـدون قرينـة )فـي جنـات ونهـر(‬
‫‪71‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫وهي وردت في المتقين وهم المؤمنــون وزيــادة لــذا جــاء‬
‫مــراد فــي‬
‫بالنهر وزيادة كما قال المفســرون‪ .‬والمعنــى ال ُ‬
‫الية أن المتقين في جنات ونهر بمعنــى فــي مــاء وضــياء‬
‫وسعة وقــد ورد فــي الحــديث الشــريف )الجنــة نــور يتلل‬
‫وريحانة تهتز قصــر مشــيد( وهــم فــي ســعة مــن العيــش‬
‫والرزق والمنازل وما تقتضيه الســعادة الســعة فيــه وهــذا‬
‫سع في المعنى ولم يــؤتى بــأي قرينــة تــدل علــى‬
‫من التو ّ‬
‫معنى واحد فلــم يــذكر تجــري أو غيــر آســن أو أي قرينــة‬
‫مرادة‪.‬‬
‫أخرى تحدد معنى واحد للن ََهر وإنما كل المعاني ُ‬
‫فــي ســورة يوســف قــال تعــالى علــى لســان إخــوة‬
‫‪.2‬‬
‫قاُلوا ْ َتالله ت َ ْ‬
‫يوسف مخاطبين أباهم يعقوب ) َ‬
‫فت َأ ُ ت َذْك ُُر‬
‫َ‬
‫و تَ ُ‬
‫حّتى ت َ ُ‬
‫ن‬
‫س َ‬
‫هممال ِ ِ‬
‫ن ِ‬
‫كو َ‬
‫كو َ‬
‫ن َ‬
‫ف َ‬
‫ن ال ْ َ‬
‫ُيو ُ‬
‫كي َ‬
‫ممم َ‬
‫حَرضا ً أ ْ‬
‫}‪ .({85‬استخدمت كلمة )تفتأ( هنا بمعنــى ل يــزال وهــي‬
‫من أخوات كان )ما انفك‪ ،‬ما برح‪ ،‬ما زال‪ ،‬مــا فــتيء( مــا‬
‫زال تدل على الستمرار والــدوام )نقــول مــا زال المطــر‬
‫ناز ً‬
‫ل( لكن يبقى السؤال لماذا اختار تعالى كلمة )تفــت(‪9‬‬
‫دون غيرها من أخواتها التي قد تعطي نفس المعنــى مــن‬
‫الستمرار والــدوام؟ ونســتعرض معنــى كلمــة فــتيء فــي‬
‫اللغة‪ :‬من معانيها )سـ ّ‬
‫كن( بمعنــى مســتمر لنــه عنــدما ل‬
‫يسكن فهو مستمر‪ ،‬ومعناها أطفأ النار )يقال فتيء النار(‬
‫ومــن معانيهــا أيضـا ً نســي )فــتئت المــر أي نســيته(‪ .‬إذن‬
‫كلمة )فتأ( لهــا ثلثــة معــاني سـ ّ‬
‫كن وأطفــأ النــار ونســي‪.‬‬
‫وفاقد العزيز سكن بمجــرد مــرور الزمــن فمــن مــات لــه‬
‫ميت يسكن بعد فترة لكن اللــه تعــالى أراد أن يعقــوب ل‬
‫ن‬
‫ت َ‬
‫ينسى ول يك ّ‬
‫واب ْي َ ّ‬
‫عي َْناهُ ِ‬
‫ض ْ‬
‫ممم َ‬
‫ف بدليل قوله تعالى ) َ‬
‫ن َ‬
‫م }‪ ،({84‬وفاقد العزيــز كأنمــا هنــاك‬
‫و كَ ِ‬
‫ال ْ ُ‬
‫ف ُ‬
‫ظي ٌ‬
‫ه َ‬
‫حْز ِ‬
‫نارا ً تحرق جنبيه ويقال )حرق قلبي( والنار التي بين جنبي‬
‫يعقوب ‪ ‬لــم تنطفــئ مــع مــرور اليــام ولــم تــزل النــار‬
‫ملتهبــة مســتعرة فــي قلــب يعقــوب ‪ ،‬وهــو لــم ينســى‬
‫وفاقد العزيز ينســى بعــد فــترة ولــذا يــدعو لــه المع ـّزون‬
‫بالصــبر والســلوان‪ .‬إذن تفتــأ جمعــت كــل هــذه المعــاني‬
‫المرادة هنا في الية ول يؤدي أي لفظ آخر هذه المعــاني‬
‫مجتمعة غير هذه الكلمــة‪ .‬والقــرآن الكريــم لــم يســتعمل‬
‫هــذه الكلمــة إل فــي هــذا الموضــع فــي ســورة يوســف‬
‫واســتعمل )يــزال ول يــوال( كــثيرا ً فــي آيــات عديــدة )ول‬
‫‪72‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫تزال ت ّ‬
‫طلع على خائنة منهم(‪ .‬ومن الغريب أن القياس أن‬
‫ُيقال )ل تفتــأ( لن اســتعمالها نفــي أو شــبه نفــي‪ .‬إذا لــم‬
‫تــأتي بــ )ل( فهــو نفــي قطعـا ً كقــول الشــاعر )فل واللــه‬
‫أشــربها حيــاتي( بمعنــى ل أشــربها قطعـًا‪ .‬وقولنــا )واللــه‬
‫أذهــب( يعنــي ل أذهــب‪ .‬وهــذه مــن مــواطن النفــي ولــم‬
‫تحذف الـ)ل( في جواب القسم إل في هذا المــوطن فــي‬
‫القــرآن الكريــم‪ .‬فقــد ورد قــوله تعــالى )فل ورّبــك ل‬
‫يؤمنون( لم تحذف الـ)ل( هنا ونسأل عــن السـبب؟ لمـاذا‬
‫حذف الـ)ل( في الية؟ لن هذا القول قاله إخــوة يوســف‬
‫لكن هل هم أقسموا على أمــر يعلمــونه حــق العلــم ؟ كل‬
‫هم أقسموا على أمر يتصورونه فــالمر إذن ليــس مؤكــدا ً‬
‫ولم يحصل أصل ً فالذكر آكد من الحذف ولذا لم تذكر )ل(‬
‫في جواب القسم ولقد جــاء فــي اليــة مــا يفهــم المعنــى‬
‫بدون الحاجة لذكر )ل( ولن الذكر آكــد مــن الحــذف ولن‬
‫المر ليس مؤكدا ً عند إخوة يوسف‪.‬‬
‫َ‬
‫ه‬
‫س الّلمم ُ‬
‫‪ .3‬مثال آخر قوله تعالى في سورة التين )أل َي ْ َ‬
‫َ‬
‫ن }‪ ({8‬ما المقصود بأحكم الحـاكمين؟‬
‫حاك ِ ِ‬
‫حك َم ِ ال ْ َ‬
‫ب ِأ ْ‬
‫مي َ‬
‫حكم أو من القضاء‪ .‬وقــد ورد فــي‬
‫تحتمل أن تكون من ال ُ‬
‫القــرآن الكريــم )ان احكــم بينهــم بمــا أنــزل اللــه( تعنــي‬
‫ص الحـقّ وهـو خيـر الفاصـلين(‬
‫القضاء‪ ،‬وقوله تعالى )يقـ ّ‬
‫حكم‪ .‬فهي تحتمل أن تكون مــن القضــاء أو مــن‬
‫بمعنى ال ُ‬
‫الحكمة وهي تحتمل أن تكون أقضى القضاة وتحتمــل أن‬
‫تكون أقضى الحكماء‪ ،‬وأحكــم القضــاة وأحكــم الحكمــاء‪،‬‬
‫فهي إذن جمعت أربع معاني في كل كلمة احتمــالين فــي‬
‫الحكمة والقضاء‪ .‬وهذا كلــه محتمــل وجــائز وليــس هنــاك‬
‫قرينة تحدد معنى واحدا ً من هذه المعاني دون غيــره إذن‬
‫سع في المعنى فــي بــاب‬
‫المراد كل هذه المعاني وهذا تو ّ‬
‫اللفاظ المشتركة‪.‬‬
‫سع في المعنى في الصيغ المشتركة‪:‬‬
‫التو ّ‬
‫في العربية أحيانا ً الصيغة الواحدة يجتمع بهــا أكــثر مــن معنــى مثــل‬
‫صيغة فعيل على سبيل المثال فهي قد تكون للمبالغة مثل )ســميع(‬
‫أو صفة مشّبهة مثل )طويل أو قصير( أو اسم مفعــول مثــل )قتيــل‬
‫أو أسير( إذن هذه الصيغة تحتمل عدة معاني‪ .‬ومعــروف فــي اللغـة‬
‫‪73‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫أن اســم المفعــول مــن غيــر الثلثــي يشــترك فيــه المصــدر واســم‬
‫المكان واسم الزمــان واســم المفعــول وأحيان ـا ً يشــترك فيــه اســم‬
‫الفاعل‪ .‬مثال كلمة مختار‪ ،‬هل هي اسم اعل ؟ ل نعلم ما هي فقــد‬
‫تحتمل أن تكون مصدر بمعنى اختيار أو مكــان الختيــار أو زمــانه أو‬
‫اسم فاعل أو اسم مفعول‪ .‬فإذا قلنا )هذا مختارنا( يحتمل أن يكون‬
‫هــو الــذي اخترنــاه أو اختيارنــا أو زمــان اختيارنــا أو مكــان اختيارنــا‪.‬‬
‫فالصيغة إذن تكون أحيانا ً مشتركة فــإذا أردنــا معــاني الصــيغ يكــون‬
‫توسع في المعنى وليس هناك قرينة‪.‬‬
‫‪ .1‬مثال من القــرآن الكريــم فــي ســورة القيامــة قــوله‬
‫تعـــالى )إ َِلممى َرّبمم َ‬
‫سممت َ َ‬
‫قّر }‪ .({12‬مـــا‬
‫مئ ِ ٍ‬
‫م ْ‬
‫ذ ال ْ ُ‬
‫و َ‬
‫ك َيمم ْ‬
‫المقصود بالمستقر؟ هل هو بمعنى إلى ربك الستقرار أو‬
‫إلى مشيئته الستقرار أي ل يســتقرون إلــى غيــره أو هــو‬
‫موضع الستقرار وهو الجنة أو النار فالله وحده هــو الــذي‬
‫يحكم بين العباد‪ ،‬أو هو زمان الستقرار بمعنى يبقــون مــا‬
‫يشاء الله في المحشر ثم يأمر الله تعالى بالقضاء بينهم؟‬
‫والمقصـــود مـــن هـــذه اليـــة كـــل المعـــاني المحتملـــة‬
‫فالســتقرار إليــه ومكــان وزمــان الســتقرار إليــه فــإليه‬
‫المستقر إذن هي جمعــت ثلثــة معــاني ‪ :‬المصــدر واســم‬
‫المكان واسم الزمان وهــي كلهــا مــرادة مطلوبــة وليــس‬
‫هناك قرينة تصرف إلى أحد هــذه المعــاني فأصــبحت إذن‬
‫سع في المعنى‪.‬‬
‫من باب التو ّ‬
‫‪ .2‬مثــال آخــر‪ :‬ما المقصممود بكلمممة )حكيممم( فممي‬
‫قمموله تعممالى فممي سممورة يممس )يممس والقممرآن‬
‫الحكيممم( وقمموله تعممالى )ذلممك نتلمموه عليممك مممن‬
‫اليممات والممذكر الحكيممم(؟ يحتمــل أن تكــون بمعنــى‬
‫محكم )اسم مفعول( كما في قوله تعالى )كتاب ُأحكمــت‬
‫آيــاته( )ومنــه آيــات محكمــات( فهــو محكــم ‪ ،‬وقــد يكــون‬
‫مبالغة في الحكم لنــه حــاكم علــى غيــره ومهيمــن علــى‬
‫غيره من الكتــب والحكــام )مصــدقا ً لمــل بيــن يــديه مــن‬
‫الكتاب ومهيمنا ً عليه( أو هو صفة مشّبهة من الحكمة فهو‬
‫مرادة ولم يأتي‬
‫ينطق بالحكم ويأتي بها‪ .‬كل هذه المعاني ُ‬
‫بقرينــة تصــرف إلــى معنــى مــن هــذه المعــاني وهــذا مــا‬
‫ُيسمى التوسع في المعنى‪.‬‬
‫مــة(‪ .‬مــا‬
‫‪ .3‬مثال آخــر قــوله تعــالى )إن إبراهيــم كــان أ ّ‬
‫مة(؟ في اللغة لها احتمالن والمشــهور‬
‫المقصود بكلمة )أ ّ‬
‫‪74‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫هو أنها الجيل من الناس ولها عنــى آخــر فهــي علــى وزن‬
‫م‪ .‬والُفعلة هكذا هي اسم مفعول له أوزان‬
‫م يؤ ّ‬
‫ُفعلة من أ ّ‬
‫صــرعة إذا‬
‫سـّبة إذا كــان ُيسـ ّ‬
‫كثيرة نقول هــو ُ‬
‫ب كــثيرا ً أو ُ‬
‫ضحكة هو الــذي‬
‫كان ُيصرع كثيرا ً وُلعنة الذي ُيلعن كثيرا ً و ُ‬
‫يضحك منه الناس وُيهزأ به‪ .‬وكذلك لدينا فُعََلة وهي صيغة‬
‫ص ـَرعة أي‬
‫مبالغة مثل ُ‬
‫حط َ َ‬
‫مة وهي اسم فاعل فنقول هو ُ‬
‫مــزة الــذي يســخر مــن النــاس‬
‫الــذي َيصــرع كــثيرا ً ‪ ،‬وهُ َ‬
‫حكة هو الذي يضحك من الناس‪ ،‬فمــا المقصــود بأمــة‬
‫ض َ‬
‫و ُ‬
‫في هذه الية؟ والمقصود أن إبراهيــم ‪ ‬كـان عنــده مـن‬
‫مة أو جيل مــن النــاس وهــو أيض ـا ً إمــامهم‬
‫الخير ما عند أ ّ‬
‫مة من معانيها إمام ومـأموم وقـد قـال تعـالى فـي آيـة‬
‫وأ ّ‬
‫مة فــي هــذه اليــة‬
‫أخرى )إني جاعلك للناس إماما( إذن أ ّ‬
‫فيها احتمالين أن عنده من الخير ما عند جيل مــن النــاس‬
‫ص على معنـى‬
‫وهو يؤ ّ‬
‫م الناس وإمام لهم ولو قال إمام لن ّ‬
‫مة( تدل أن المقصــود‬
‫واحد دون الخر لكن اختيار كلمة )أ ّ‬
‫مراد هو المعنيين لهذه الكلمة فصار هــذا اتســاعا ً فــي‬
‫وال ُ‬
‫المعنى‪.‬‬
‫‪ .4‬مثال آخر قوله تعالى فــي ســورة البقــرة )ول ُيضــاّر‬
‫كــاتب ول شــهيد( ونســأل كلمــة )ضــاّر( هــل هــي مبنــي‬
‫للفاعل او المفعول؟ نقــول هــي تحتمــل الثنيــن ولــو أراد‬
‫التنصيص لف ّ‬
‫ك الدغام كما في قوله تعالى )ومـن يشـاقق‬
‫الله ورسوله( وقوله )ومن يرتدد منكم عن دينــه( بمعنــى‬
‫أنـه لـو أراد إسـم الفاعـل لقـال )ُيضـاِرر( ولـو أراد إسـم‬
‫المفعــول لقــال )ُيضــاَرر(‪ .‬واللــه تعــالى أراد الثنيــن معـا ً‬
‫ضّرا غيرهما إما‬
‫ومعنى الية أنه نهى الكاتب والشهيد أن ي ُ‬
‫بكتــم الشــهادة أو المتنــاع عــن الحضــور لهــا أو تحريفهــا‬
‫وأراد المعنى الخر وهو نهى أن يقع الضرر علــى الكــاتب‬
‫والشهيد ممن يضغطون عليهم لتغيير الشــهادة أو تبــديلها‬
‫أو المتناع عنها‪ .‬إذن المطلــوب منــع الضــرر مــن الكــاتب‬
‫والشهيد ومنعه عنهما أيضا ً في نفس الية وبدل أن يقول‬
‫ول ُيضاَرر ول ُيضاِرر كــاتب ول شــهيد جــاء بالصــيغة الــتي‬
‫تحتمل المعنيين وهي كلمة )ُيضاّر(‪.‬‬
‫ت‬
‫‪.5‬‬
‫واِلمم َ‬
‫دا ُ‬
‫وال ْ َ‬
‫ومثــل المثــل الســابق قــوله تعــالى ) َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫كا ِ َ‬
‫ح ْ َ‬
‫ن َ‬
‫م‬
‫ول َدَ ُ‬
‫ي ُْر ِ‬
‫ن َ‬
‫ض ْ‬
‫م ْ‬
‫ه ّ‬
‫ع َ‬
‫ن أَرادَ أن ي ُت ِ ّ‬
‫ن لِ َ‬
‫نأ ْ‬
‫ملي ْ ِ‬
‫ولي ْ ِ‬
‫رْز ُ‬
‫ن‬
‫ضا َ‬
‫ع َ‬
‫الّر َ‬
‫وت ُ ُ‬
‫وك ِ ْ‬
‫ق ُ‬
‫ه ّ‬
‫هم ّ‬
‫ول ُمموِد ل َ م ُ‬
‫وعَلى ال ْ َ‬
‫سم َ‬
‫ن َ‬
‫م ْ‬
‫ة َ‬
‫ه ِ‬
‫‪75‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫ف نَ ْ‬
‫ضممآّر‬
‫ف ل َ ت ُك َّلمم ُ‬
‫ها ل َ ت ُ َ‬
‫سمم َ‬
‫عُرو ِ‬
‫م ْ‬
‫ع َ‬
‫و ْ‬
‫ِبممال ْ َ‬
‫فمم ٌ‬
‫س إ ِل ّ ُ‬
‫ث‬
‫و َ‬
‫د َ‬
‫ر ِ‬
‫د ِ‬
‫ول َم ِ‬
‫ول َ ِ‬
‫وُلودٌ ل ّ ُ‬
‫ول َ َ‬
‫عل َممى ال ْم َ‬
‫ه َ‬
‫ه بِ َ‬
‫م ْ‬
‫ها َ‬
‫وال ِدَةٌ ب ِ َ‬
‫َ‬
‫وا ِ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫مث م ُ‬
‫ممما‬
‫صممال َ‬
‫دا ِ‬
‫ِ‬
‫ل ذَل ِمك ف مإ ِ ْ‬
‫ن أَرا َ‬
‫من ْ ُ‬
‫ه َ‬
‫ض ّ‬
‫ف َ‬
‫عممن ت َم َ‬
‫را ٍ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ح َ َ‬
‫ر َ‬
‫وت َ َ‬
‫م أن‬
‫وإ ِ ْ‬
‫جَنمممما َ‬
‫فل َ ُ‬
‫ن أَردّتمممم ْ‬
‫ه َ‬
‫ممممما َ‬
‫شمممما ُ‬
‫َ‬
‫و ٍ‬
‫علي ْ ِ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫م َ‬
‫م إِ َ‬
‫مُتم‬
‫ح َ‬
‫ست َْر ِ‬
‫جن َمما َ‬
‫فل َ ُ‬
‫ض ُ‬
‫ذا َ‬
‫تَ ْ‬
‫س مل ْ‬
‫علي ْك ُم ْ‬
‫ول َدَك ُ ْ‬
‫عوا أ ْ‬
‫َ‬
‫وات ّ ُ‬
‫ه‬
‫وا ْ‬
‫ممموا ْ أ ّ‬
‫عُرو ِ‬
‫م ْ‬
‫ن الل ّ م َ‬
‫عل َ ُ‬
‫قوا ْ الل ّ َ‬
‫ما آت َي ُْتم ِبال ْ َ‬
‫ّ‬
‫ه َ‬
‫ف َ‬
‫صيٌر }‪ .({233‬هل هي مبنيــة للفاعــل أو‬
‫ن بَ ِ‬
‫مُلو َ‬
‫ما ت َ ْ‬
‫ع َ‬
‫بِ َ‬
‫المفعول؟ من المحتمــل أن تضــر الزوجــة زوجهــا بزلــدها‬
‫ضر الزوج زوجتــه بولــده فــأراد تعــالى‬
‫ومن المحتمل أن ي ُ‬
‫المعنيين لكيل يقع الضرر مــن أحــدهما علــى الخــر فجــاء‬
‫بصيغة تــدل علــى المعنييــن وهــذا مــن بــاب التوســع فــي‬
‫المعنى‪ .‬ولقد تفّرد القرآن الكريم باختيار التعــبير العلــى‬
‫مراد وفي المكان الذي يقتضيه هذا المعنــى‬
‫في المعنى ال ُ‬
‫دى بــه العــرب أهــل اللغــة‬
‫ومــن هنــا إعجــازه الــذي تح ـ ّ‬
‫والفصاحة فعجــزوا عــن التيــان ولــو بســورة واحــدة مــن‬
‫مثله‪.‬‬
‫سممع فممي المعنممى فممي الجمممع بيممن اللفمماظ‬
‫التو ّ‬
‫والصيغ المشتركة ذات الدللت المختلفة‪:‬‬
‫سع في القرآن الكريم الجمع بيــن اللفــاظ والصــيغ‬
‫من مواطن التو ّ‬
‫ذات الدللت المختلفة‪ .‬ونأخذ مثــال مــن غيــر القــرآن أول ً لــو قلنــا‬
‫أعطيته عطاًء حسنًا‪ .‬فعل أعطــى مصــدره العطــاء وليــس العطــاء‬
‫كصيغة أفعل افعال مثل أكرم إكرام لــو قلنــا أعطيتــه إعطـاًء لكــان‬
‫واضــحا ً لن مصــدر الفعــل أعطــى إعطــاًء أمــا العطــاء فهــو اســم‬
‫المصدر بمعنى العطــاء أو المــال والعطــاء يحتمــل معنييــن إعطــاء‬
‫حسن ومــال حســن أمــا قولنــا أعطيتــه إعطــاء لــد ّ‬
‫ل المعنــى علــى‬
‫المصدر فقط أي العطاء الحسن فقط‪.‬‬
‫ونأخذ مثال ً مــن القــرآن قــوله تعــالى )مــن ذا الــذي‬
‫‪.1‬‬
‫يقرض الله قرضا ً حسنًا( الفعــل أقــرض مصــدره إقراضـا ً‬
‫والفعــل الثلثــي قــَرض مصــدره قرضــًا‪ .‬فجــاء بالفعــل‬
‫الرباعي )يقــرض( ولــم يــأت بمصــدره إنمــا جــاء بمصــدر‬
‫الفعل الثلثي )قرضًا(‪ .‬ولو رجعنا إلى معنى القــرض فــي‬
‫اللغة فهو يعني المــال والقــراض إذن القــرض فــي اليــة‬
‫تحتمل المعنيين‪ ،‬فلو كان القصد القــراض لكــان إعرابهــا‬
‫مفعول مطلق‪ ،‬ولــو كـان المقصــود المــال لكـان إعرابهـا‬
‫مــراد مــن اليــة الكريمــة )مــن ذا‬
‫مفعول بــه‪ .‬والمعنــى ال ُ‬
‫‪76‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫الــذي يقــرض اللــه إقراض ـا ً حســنا ً أي خــالص النيــة للــه‬
‫محتسبا ً الجر من الله‪ ،‬ومال ً حسنا ً أي طيبا ً حل ً‬
‫ل( فهنــاك‬
‫إذن إقراض حسن ومال حســن ولمــا قــال تعــالى قرض ـا ً‬
‫حسنا ً جمع بيــن المريــن مع ـا ً إقراض ـا ً حســنا ً ومــال ً حلل ً‬
‫طيبًا‪.‬‬
‫‪ .2‬مثال آخر في القرآن الكريم قوله تعالى فــي ســورة‬
‫ل ُيض ّ‬
‫النساء )يريد الشيطان أن يضّلهم ضلل ً بعيدا(‪ :‬أض ّ‬
‫ل‬
‫مصدره الضلل والضلل مصدر فعل ض ّ‬
‫ل‪ .‬وقد جــاء فــي‬
‫آية أخرى أيضا ً )فقد ض ّ‬
‫ل ضلل ً بعيــدا(‪ ،‬وقــد جــاء بالفعــل‬
‫مــن بنــاء ولــم يــأتي بمصــدره وإنمــا جــاء بمصــدر الفعــل‬
‫الثلثي )ض ّ‬
‫ل( نســأل لمــاذا؟ لن الشــيطان يريــد أن يبــدأ‬
‫مرحلة أن يضل النسان ولكن ل يريد أن يتابع وإنما يريــد‬
‫النســان أن يتــم ويكمــل المرحلــة فيبتــدع مــن وســائل‬
‫الضلل ما ل يعلمه الشــيطان‪ .‬لــو جــاء فــي اليــة إضــلل‬
‫لكان هذا كله مــن الشــيطان وحــده ول يتــابع فالشــيطان‬
‫يضع النسان على طريق الضلل ويذهب إلى مكــان آخــر‬
‫أما إذا جــاء بكلمــة ضــلل فهــي تعنــي أن الشــيطان فهــو‬
‫يبـــدأه ويكملـــه النســـان فـــأراد ســـبحانه المعنييـــن أن‬
‫الشيطان يبدأ بالضلل والنسان ُيكمل ما بــدأه الشــيطان‬
‫ويبتدع من طرق الضلل ما يبتدع‪ .‬إذن معنى الضلل هــو‬
‫من الشيطان وحده أما الضلل فالشيطان يبدأ والنســان‬
‫ُيكمل الطريق فالشيطان والنسان مشتركين في عمليــة‬
‫الضلل‪.‬‬
‫ومثــال آخــر فــي قــوله تعــالى )وتبت ّــل إليــه تبــتيل(‬
‫‪.3‬‬
‫القياس أن يقال تبّتل تبت ّل ً أنما في الية جاء بالفعــل ولــم‬
‫يأت بمصــدره وإنمــا جــاء بمصــدر فعــل آخــر ليجمــع بيــن‬
‫أمرين‪) .‬صــيغة تفعّــل تفيــد التــدرج مثــل تجـّرع المــاء أي‬
‫ســر فيهــا التــدرج والتكلــف( ومثلهــا‬
‫جرعــة جرعــة وتح ّ‬
‫سر أي جعلــه كســرة كســرة‬
‫سس وكسر وك ّ‬
‫سس وتح ّ‬
‫تج ّ‬
‫وقطع وق ّ‬
‫طع تفيد التكــثير لن صــيغة فعّــل تفيــد التكــثير‪.‬‬
‫فهو الن في قــوله تعــالى )وتبت ّــل إليــه تبــتيل( جمــع بيــن‬
‫المعنيين التــدرج والتكلــف والمبالغــة والتكــثير ووضــعهما‬
‫وضعا ً تربويا ً عجيبا ً يبدأ بالتدرج ثم ينتهي بــالتكثير فالتبت ّــل‬
‫هو النقطاع إلى الله في العبادة وقد عّلمنا تعالى أن نبدأ‬
‫بالتدرج في العبادة شيئا ً فشيئا ً ثم نــدخل فــي التكــثير ول‬
‫‪77‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫ندخل في العبادة الكثيرة مباشرة لن التدرج في العبــادة‬
‫يــؤدي إلــى الكــثرة فيهــا فيمــا بعــد وهــذه هــي الطريقــة‬
‫التربوية للعبادة تبدأ بالتدرج وتحمل نفســك علــى العبــادة‬
‫شــيئا ً فشــيئا ً ثــم تنتهــي بــالتكثير والكــثرة فــي العبــادة‪.‬‬
‫والتــدرج والتكلــف جــاء بالصــيغة الفعليــة الدالــة علــى‬
‫الحدوث والتجدد )تبّتل(ثــم جــاء بالصــيغة الســمية الدالــة‬
‫على الثبوت )تبتيل( فبــدل أن يقــول تبت ّــل إليــه تبت ّل ً وبت ّــل‬
‫نفسك إليه تبتيل وهــذه صــياغة فنيــة تربويــة عجيبــة وقــد‬
‫جمع في الية عدة أمور بيانية في التعبير‪ .‬والعرب قديما ً‬
‫كانوا يفهمون هــذه البلغــة بــالفطرة لكنهــم عجــزوا عــن‬
‫التيان بالصــيغة الـتي جـاء بهــا القـرآن الكريـم وهــذا هــو‬
‫التحدي والعجاز في القرآن‪.‬‬
‫‪ .4‬مثال آخر قوله تعالى )مالك الملــك( هــو مالــك مــن‬
‫ملــك مــن الحكــم‪ .‬مــع‬
‫التمّلك ومــن ال ِ‬
‫ملــك )الملكيــة( وال ُ‬
‫فرعون قــال تعــالى )أليــس لــي ملــك مصــر( بمعنــى لــه‬
‫ملك‪ .‬أما لله تعالى مالــك الملــك تعنـي‬
‫الحكم وليس له ال ِ‬
‫أن الملــك ملكــه وهــو يملكــه ملك ـا ً كمــا يملــك المالــك‪،‬‬
‫ملك الله تعالى يتصرف به تصّرف المالك لنه‬
‫ملك هو ِ‬
‫فال ُ‬
‫ملكه وحده سبحانه فإذن جمع تعــالى بيــن الملكيــة وبيــن‬
‫الحكم‪ .‬والمالــك يتصــرف فــي ملكــه مــا ل يتصــرف فيــه‬
‫المِلك لن المِلك لــه تصــرف عــام آخــر أمــا المالــك فلــه‬
‫تصرف خاص‪ .‬وقوله تعالى )مالك الملــك( جمــع المريــن‬
‫الملكية والتحكم كما نقرأ في سورة الفاتحــة )ملــك يــوم‬
‫الدين( في قراءة و)مالك يوم الدين( في قراءة أخرى‪.‬‬
‫‪) .5‬وأنبتها نباتا ً حسنًا( في الثناء على مريم قــال تعــالى‬
‫وأنبتها نباتا ً حسنا ً ولم يقل إنباتا ً حسنا ً لنــه تعــالى أراد أن‬
‫ُيثني عليها وعلى معدنها الكريم‪ .‬يقال أنبت إنباتــا ً ومريــم‬
‫عليها الســلم أنبتهــا تعــالى فنبتــت نباتـا ً حســنا ً فطــاوعت‬
‫وقبلت أي أن لها فضل في هذا ولو قال تعالى إنباتا ً لكان‬
‫كله عملية لله وحده وليس لمريــم أي فضــل بمعنــى أنــه‬
‫تعالى أنبتها كما يشاء هــو لكــن اللــه تعــالى أراد أن يثنــي‬
‫على مريم ويجعل لها فضل ً في هذا النبــات فقــال تعــالى‬
‫)وأنبتها نباتا ً حسنًا( أي أنه تعالى أنبتها فنبتت نبات ـا ً حســنا ً‬
‫وطاوعت أمر ربها وقبلت وكان من معدنها ما جعلها تنبت‬
‫نباتـا ً حســنًا‪ .‬وقــد أراد تعـالى أن يجمـع بيــن المريــن أنـه‬
‫‪78‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫تعالى أنبتها كما يشاء وأراد من باب الثنــاء أن يجعــل لهــا‬
‫فضل ً في هذا من طيب معدنها وطواعيتها فقــال )وأنبتهــا‬
‫نباتا ً حسنًا(‪.‬‬
‫من مواطن التوسع في المعنى‪ :‬العدول من تعبير‬
‫إلى تعبير‪:‬‬
‫هذا في القرآن الكريم كثير وهو ترك تعبير إلى تعبير آخــر ويحتمــل‬
‫أكثر من وجه إعرابي وأكثر مــن معنــى‪ .‬كمــا فــي قــوله تعــالى )ول‬
‫تشركوا به شيئا( فما المقصود بـ)شيئا(؟ هل هو شيء من الشــياء‬
‫مما ُيشرك الناس به من أوثان وغيرها وعنده ُيعرب مفعول به أو ل‬
‫تشركوا بــه شــيئا ً مــن الشــرك لن الشــرك أنــواع الشــرك الصــغر‬
‫والشرك الكبر وتعرب حينها مفعول مطلق‪ ،‬فمــا المقصــود؟ كلمــة‬
‫)شيئا( تحتمل المعنييــن أي ل تشــركوا بــالله شــيئا ً مــن الشــياء ول‬
‫شيئا ً من الشرك فنهانا سبحانه عن الشرك به شيئا ً مــن الشــياء أو‬
‫شيئا ً من الشرك لن هناك من أنواع الشرك ما هو أخفى من دبيب‬
‫النمل‪ .‬والمفعول المطلــق المصــدر ينــوب عنــه أشــياء كــثيرة فقــد‬
‫تنوب عنه صفته والضمير والمصــدر‪) .‬شــيئًا( أحيان ـا ً الســم العــادي‬
‫المادي نفسه مثال لما نقول طعنه ســكينا ً عنــد النحــاة هــو مفعــول‬
‫مطلق بمعنى طعنه بسكين فالمفعول المطلق )سكينا( ينــوب عــن‬
‫المصدر وهو اللة‪.‬‬
‫وكذلك قوله تعالى )ول تظلمون فتيل( الفتيل هو الخيــط فــي شــق‬
‫النواة فهل المقصود شيئا ً ماديا )مفعول به( أو شيئا ً من الظلم وإن‬
‫كــان فــتيل؟ إذا أردنــا المصــدر تعــرب مفعــول مطلــق بمعنــى )ول‬
‫تظلمون شيئا ً من الظلم وإن كــان قلي ً‬
‫ل( وهنــا أراد تعــالى المريــن‬
‫والمعنيين معا ً بمعنى أنه ل يظلمنا ل قليل ً من الشياء ول شــيئا ً مــن‬
‫الظلم وإن كان قليل‪ .‬ولــو أراد تعــالى التحديــد والتخصــيص بمعنــى‬
‫واحد لفعل كما في قوله تعالى )ول يشــرك بعبــادة ربــه أحــدا( هنــا‬
‫حدد معنى واحدا ً أما عندما يريد أكثر من معنى ويريد التعميم يــأتي‬
‫بصيغة تحتمل عدة معاني وهذا ما ُيسمى التوسع فــي المعنــى فــي‬
‫القرآن الكريم‪.‬‬
‫مثال آخر قوله تعالى )فليضحكوا قليل ً وليبكوا كثيرا( ‪ :‬ما المقصــود‬
‫ضحكا ً قليل ً أو وقتا ً قلي ً‬
‫ل؟ أو بكاء كثيرا ً أو وقتا ً كــثيرًا؟ اليــة تحتمــل‬
‫كل هذه المعاني أراد تعالى معنى المصدر والظرف في آن معا ً هــو‬
‫أراد فليضحكوا ضحكا ً قليل ً وقتا ً قليل ً وليبكوا بكاء كــثيرا ً وقتـا ً كــثيرا ً‬
‫ولــو أراد معنــى واحــدا ً لحــدد الظــرف أو المصــدر لكنــه جمــع بيــن‬
‫الظرف والمصدرية في الية الواحدة‪ .‬والعراب يختلف هنا لــو أراد‬
‫‪79‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫ضحكا ً قليل ً تكــون قليل ً مفعــول مطلــق ولــو أراد وقتـا ً قليل ً لكــانت‬
‫ظرفا ً وكذلك لو أراد بكاء كثيرا ً لكانت كثيرا ً مفعول مطلق ولو أراد‬
‫وقتا ً كثيرا ً لكانت ظرفا ً إذن أراد تعالى أن يجمع بين الحدث القليــل‬
‫والزمن القليــل )فليضــحكوا قلي ً‬
‫ل( والحــدث الكــثير والزمــن الكــثير‬
‫)وليبكوا كثيرًا(‪ .‬ونلحظ أنه في التقييد حكمــة وفــي التكــثير حكمــة‬
‫أيضًا‪.‬‬
‫ومثال آخر قوله تعالى )بل كانوا ل يفقهون إل قليل( هــل المقصــود‬
‫قليل من الفقه أو قليل من المسائل والمور‪ .‬الية تحتمل المعنيين‬
‫قليل من الفقه وقليل من المســائل ومثــل هــذه اليــة قــوله تعــالى‬
‫دهم عن سبيل الله كثيرا( هل المقصود كثير من الصد ّ أو كثير‬
‫)وبص ّ‬
‫مــن الخلــق أو كــثير مــن الــوقت؟ اليـة تحتمـل كــل هــذه المعــاني‬
‫والسياق هو الذي يحدد كيف نتنــاول هــذه اليــات وهــو الــذي يحــدد‬
‫المراد من الية‪.‬‬
‫ومثال آخر قــوله تعــالى )وادعــوه خوفـا ً وطمعــا( يحتمــل أن يكــون‬
‫مفعــول لجلــه أو حــال بمعنــى خــائفين طــامعين ويمكــن أن يكــون‬
‫مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره ندعوه خائفين ونــدعوه ونحــن‬
‫نخاف خوفا ً وندعوه من أجل الطمع أي ينبغي أن يكون الطمع دافع‬
‫لنا‪ ،‬وفي حالة طمــع )حــال( ونحــن نطمــع طمعـا ً )مفعــول مطلــق(‬
‫للطمع وطامعين وحال طمــع فجمعهــا ســبحانه فــي اليــة )وادعــوه‬
‫خوفا ً وطمعا( والتعابير كلها مرادة‪.‬‬
‫وقوله تعالى )إليه يصعد الكِلم الطيب والعمل الصالح يرفعــه( ‪ :‬مــا‬
‫ل الصــالح والثــاني العم ـ ُ‬
‫المقصــود؟ تحتمــل خيــاران الول‪ :‬العم ـ َ‬
‫ل‬
‫ل الصــالح يرفعــه؟ ولــم يقــل العم ـ َ‬
‫الصــالح‪ .‬فلمــاذا اختــار العم ـ ُ‬
‫ل‬
‫الصالح؟ نفهم الية أول ً قوله تعالى )والعم ُ‬
‫ل الصــالح يرفعــه( جملــة‬
‫إسمية من الذي يرفع؟ هو مرفوع يرفعه الله تعالى ؟ هل هو يرفــع‬
‫الكلم الطيب إلــى اللـه تعــالى؟ يحتمــل المعنييــن فــي هــذا التعــبير‬
‫ويكون لدينا معنيين مقبولين‪ :‬العمل الصالح هــو الــذي يرفــع الكلــم‬
‫الطيب عند اللـه صـاعدا ً إليــه واللـه تعـالى هـو الــذي يرفـع العمــل‬
‫الصالح‪ .‬ولــو قــال تعــالى )والعمـ َ‬
‫ل الصــالح يرفعــه( ل يمكــن إل أن‬
‫يكــون لهــا معنــى واحــدا ً هــو أن اللـه تعـالى يرفــع العمـ َ‬
‫ل الصــالح(‬
‫ولتحدد المعنى وهذا هو العدول من النصب إلى الرفــع وهــو عــدول‬
‫بياني لكسب معنيين وليس مصادفة أو اعتباطًا‪.‬‬
‫من مواطن التوسع في المعنى أيضا ً الحذف‪:‬‬
‫الحذف يــؤدي إلــى إطلق معنــى المعنــى وتوســعه وهــو قســمان‪:‬‬
‫قسم ل يؤدي إلى توسع في المعنى ول إلــى إطلق لن المحــذوف‬
‫‪80‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫در ذلك المحذوف )ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا( المحذوف‬
‫يتعين فيتق ّ‬
‫أنــزل وكــذلك قــوله تعــالى )والحــافظين فروجهــم والحافظــات(‬
‫المحــذوف كلمــة فروجهــن‪ ،‬وقــوله تعــالى )والــذاكرين اللــه كــثيرا ً‬
‫والذاكرات( وقوله تعالى )ولئن سألتهم من خلق السموات والرض‬
‫ليقولن الله( هذا الحذف هنا ليس فيه توسع ول إطلق في المعنــى‬
‫لن المحذوف محدد ومعّين‪.‬‬
‫وهناك قسم آخر من الحذف يؤدي إلى التوســع فــي المعنــى وهــذا‬
‫يحتمل عدة تقديرات ‪ 2‬أو ‪ 3‬أو ‪ 4‬أو ‪ 5‬تقــديرات قــد يكــون بعضــها‬
‫مراد وقد تكون كلها مرادة بقدر ما يحتمــل الســياق‪ .‬وعلــى ســبيل‬
‫المثال قوله تعالى )وَنادى أ َصحاب ال ْجن ّ َ‬
‫ر َأن َ‬
‫د‬
‫َ ِ‬
‫ق ْ‬
‫حا َ‬
‫ص َ‬
‫ْ َ ُ‬
‫َ َ‬
‫ةأ ْ‬
‫ب الّنا ِ‬
‫قمما ً‬
‫عدَ َرب ّ ُ‬
‫ح ّ‬
‫قا ً َ‬
‫ح ّ‬
‫ه ْ‬
‫و َ‬
‫و َ‬
‫م َ‬
‫و َ‬
‫عدََنا َرب َّنا َ‬
‫و َ‬
‫ف َ‬
‫كمم ْ‬
‫جدّتم ّ‬
‫جدَْنا َ‬
‫ما َ‬
‫ل َ‬
‫ما َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫م َ‬
‫َ‬
‫م َ‬
‫ن‬
‫ه َ‬
‫عن َ ُ‬
‫على الظممال ِ ِ‬
‫ة الل ِ‬
‫ؤذّ ٌ‬
‫فأذّ َ‬
‫م أن ل ْ‬
‫قالوا ن َ َ‬
‫ن ب َي ْن َ ُ‬
‫مي َ‬
‫ه ْ‬
‫ن ُ‬
‫ع ْ‬
‫}‪ ({44‬قــال تعــالى علــى لســان أصــحاب الجنــة )مــا وعــدنا ربنــا(‬
‫بالتخصيص لهم ولم يقل )ما وعدكم ربكم( مع أصحاب النــار وذلــك‬
‫لن الكافرين ل ينكرون فقط مـا وعـدهم ربهـم لكنهـم ينكـرون مـا‬
‫وعدهم وما وعد غيرهم وكل ما يتعلق بــالبعث والحســاب والقيامــة‬
‫فهم ينكــرون مــا يتعلــق بهــم وبغيرهــم فالســؤال لـم يكــن عــن مــا‬
‫وعدهم ربهم فقط ولكن السؤال عن الوعد بصورته العامة لذا قال‬
‫تعالى )ما وعد ربكم( ولو قال ما وعــدكم لكــان جــزءا ً مــن المعنــى‬
‫مراد وليس كله فأهل قريش كانوا يؤمنــون بــالله لكنهــم ينكــرون‬
‫ال ُ‬
‫الساعة والبعث‪ .‬إذن الحذف هنا أدى إلــى توســع فــي المعنــى لنــه‬
‫شمل ما وعدهم ووعد غيرهم والوعد العام بالحساب والبعث‪.‬‬
‫مثال آخر قوله تعالى )فاصدع بما تــؤمر وأعــرض عــن المشــركين(‬
‫)ما( تحتمل أمرين تحتمل أن تكون مصدرية بمعنــى فاصــدع بأمرنــا‬
‫وتحتمل أن تكون اسم موصول فلو قال تعــالى )فاصــدع بمــا تــؤمر‬
‫به( لكان اســما ً موصــول ً قطع ـًا‪ .‬فمــا المقصــود؟ تحتمــل أن تكــون‬
‫فاصدع بأمرنا وتحتمل أنو تكون فاصــدع بالــذي تــؤمر بــه والمــران‬
‫مرادان في الية أن يصدع بأمره ويصدع بما أمره به ولو ذكــر أحــد‬
‫المرين لتحدد المعنــى بشــيء واحــد أو بقســم مــن المعنــى‪ ،‬وهــذا‬
‫الحذف هنا يدل على التوسع في المعنى‪.‬‬
‫ونظير ذلك قوله تعالى )أنسجد لما تأمرنا( تحتمل معنى أنسجد لما‬
‫تأمرنا به وأنسجد لكل ما تأمرنا بــه ولمــرك ‪ ،‬فالحــذف هنــا أطلــق‬
‫سعه‪ .‬ومثال ذلك أيضا ً قــوله تعــالى فــي ســورة الضــحى‬
‫المعنى وو ّ‬
‫)ألم يجدك يتيما ً فآوى( احتملت المعاني آواك وآوى بك خلقا ً كــثيرا ً‬
‫وآوى لك ولجلك من آوى‪.‬‬
‫‪81‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫مثال آخر من الحذف وقد يكون الحذف للتوسع في المعنى يعطــي‬
‫أكثر من احتمالين كما فــي قــوله تعــالى )ألــم يؤخــذ عليهــم ميثــاق‬
‫الكتاب أن ل يقولوا على الله إل الحق( هذه الية غريبة في التوسع‬
‫فيها لن احتمالت الحذف فيه متعددة‪ ،‬محتمل أن يكون المحــذوف‬
‫حرف الباء )بأن يقولوا على الله( بمعنــى ألــم يؤخــذ عليهــم ميثــاق‬
‫الكتاب بهذا المر وهذا حذف قياسي‪ .‬ومحتمل أن يكون المحــذوف‬
‫حرف في )ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب في أن يقولوا على اللــه(‬
‫ومحتمل أن يكون المحذوف حرف علـى )ألـم يؤخــذ عليهـم ميثـاق‬
‫الكتاب على أن ل يقولوا على الله( وهذا من باب التوافق والتعاهــد‬
‫سيكون أش ـد ّ توافقنــا وتعاهــدنا علــى هــذا فأصــبح اشــتراطا ً عليــه‪،‬‬
‫ومحتمل أن يكون المحذوف حرف اللم )لئل يقولوا على الله( وهنا‬
‫للتعليل فيمكن أن تكون كل هذه المعاني مرادة وكلهــا مــرادة لنــه‬
‫لو أراد سبحانه معنى منها لذكر أي حرف وحــدد المعنــى‪ .‬والتوســع‬
‫في هذه الية ليس بحذف حرف الجر فقط ولكن هناك توســع آخــر‬
‫هو في عدم الحــذف أصـل ً فيمكــن أن ل يكــون هنـاك حـذف أصـ ً‬
‫ل‪،‬‬
‫وهناك احتمال أن يكون هناك احتمال حذف فلو سألنا ما هو ميثــاق‬
‫الكتاب؟ الجواب‪) :‬أن ل يقولوا على الله إل الحق(وهذه الجملة قــد‬
‫تكون عطف بيان أو بدل وهنــاك احتمــالن آخــران )أن( يحتمــل أن‬
‫تكون مصدرية أو تفسيرية وكذلك هناك إحتمالن لــ )ل( تحتمــل أن‬
‫تكــون نافيــة أو ناهيــة إذن هنــاك تســعة احتمــالت فــي هــذه اليــة‬
‫الواحــدة إحتمــال حــذف حــرف الجــر )البــاء‪ ،‬فــي‪ ،‬علــى‪ ،‬اللم(‬
‫واحتمال عدم الحذف )عطف بيان أو بدل( واحتمــال أن )تفســيرية‬
‫أو مصــدرية( واحتمــال ل ناهيــة أو نافيــة‪ ،‬فهــذه تســعة احتمــالت‬
‫لمعاني في آن واحد وهذا توسع عجيب في هذه الية الكريمــة وقــد‬
‫مرادة ولو أراد معنى محددا ً لجــاء بمــا يــدل‬
‫تكون كل هذه المعاني ُ‬
‫عليه‪.‬‬
‫مثال آخر قوله تعالى )قل إني أمرت أن أكون أول من أســلم( هــل‬
‫المقصود )بأن أكون أول من أسلم( بحذف البــاء أو )لن أكــون أول‬
‫من أسلم( بحذف اللم وقد استعمل القــرآن الكريــم الحــالتين فــي‬
‫آيات أخــرى ولــو أراد اللم تخصيصـا ً ونصـا ً لقالهــا لكنــه تعــالى أراد‬
‫المعنيين وهما مرادان والحذف في هذه اليــة يــدل علــى المعنييــن‬
‫معًا‪.‬‬
‫فُتون َ َ‬
‫ه يُ ْ‬
‫ساء ُ‬
‫ست َ ْ‬
‫م‬
‫ك ِ‬
‫في الن ّ َ‬
‫وي َ ْ‬
‫فِتيك ُ ْ‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫ق ِ‬
‫وكذلك قوله تعالى ) َ‬
‫سمماء‬
‫ما ي ُت َْلى َ‬
‫ب ِ‬
‫م ِ‬
‫ِ‬
‫مى الن ّ َ‬
‫ه ّ‬
‫فممي ي َت َمما َ‬
‫عل َي ْك ُم ْ‬
‫و َ‬
‫فممي ال ْك ِت َمما ِ‬
‫ن َ‬
‫في ِ‬
‫َ‬
‫وت َْر َ‬
‫اّللِتي ل َ ت ُ ْ‬
‫ن‬
‫حممو ُ‬
‫غب ُممو َ‬
‫ن أن َتنك ِ ُ‬
‫ما ك ُت ِ م َ‬
‫ب لَ ُ‬
‫ؤُتون َ ُ‬
‫ه ّ‬
‫هم ّ‬
‫ه ّ‬
‫ن َ‬
‫ن َ‬
‫‪82‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫َ‬
‫وأن ت َ ُ‬
‫مى‬
‫ع ِ‬
‫ست َ ْ‬
‫ن ِ‬
‫وْلممم َ‬
‫ضممم َ‬
‫م ْ‬
‫مممم َ‬
‫في َ‬
‫مممموا ْ ل ِل ْي ََتممما َ‬
‫قو ُ‬
‫وال ْ ُ‬
‫ن َ‬
‫دا ِ‬
‫َ‬
‫ن ال ْ ِ‬
‫ه َ‬
‫ر َ‬
‫ما ت َ ْ‬
‫عِليمما ً }‬
‫ن َ‬
‫ه َ‬
‫ِبال ْ ِ‬
‫ن ِبم ِ‬
‫عُلوا ْ ِ‬
‫س ِ‬
‫كما َ‬
‫فمإ ِ ّ‬
‫ف َ‬
‫ق ْ‬
‫م ْ‬
‫ن الّلم َ‬
‫و َ‬
‫ط َ‬
‫خي ْ ٍ‬
‫‪ .({127‬نذكر أن القاعدة في كتب النحو أنــه إذا أدى الحــذف إلــى‬
‫التباس في المعنى فل يصح الحذف‪ ،‬ل يجوز الحذف مع فعل رغــب‬
‫أبدا ً لن الحذف يؤدي إلى التباس في المعنى فإمــا أن يقــال رغــب‬
‫فيه بمعنى أحّبه أو يرغب عنه بمعنى تركه وانصــرف عنــه هــذا فــي‬
‫اللغة أما في هذا اليــة فــالله تعــالى أراد المعنييــن معـا ً أراد معنــى‬
‫ترغبــون فــي أن تنكحــوهن لجمــالهن وغنــاهن وترغبــون عــن أن‬
‫تنكحــوهن لــدمامتهن وفقرهــن وهكــذا حــذف الحــرف ليــدل علــى‬
‫المعنيين ولــو ذكــر حرفـا ً لخصــص المعنــى وحــدده‪ ،‬لكــن المعنييــن‬
‫مرادين والحكم يتعلق بالمرين مع ـا ً الــذي يرغــب فــي أن ينكحهــن‬
‫والذي يرغب عن أن ينكحهن‪.‬‬
‫التضمين هو نمموع آخممر مممن مممواطن التوسممع فممي‬
‫المعنى في القرآن الكريم‪:‬‬
‫التضمين في النحو هو إشراب لفظ معنى لفظ آخــر فيأخــذ حكمــه‪.‬‬
‫دى‬
‫دى بحرف وفعل يتعــ ّ‬
‫دى كلمتين مثال‪ :‬فعل يتع ّ‬
‫أو كلمة تؤدي مؤ ّ‬
‫بآخر والتضمين هو تعدية الفعل بحــرف الفعــل الثــاني‪ .‬مثــال علــى‬
‫دى بنفسه في الصــل فنقــول ســمع‬
‫ذلك قوله تعالى فعل سمع يتع ّ‬
‫الصوت وقوله تعالى )يومئذ يســمعون الصــيحة بــالحق(‪ ،‬لكننــا فــي‬
‫الصلة وبعد الرفع من الركــوع نقــول‪ :‬ســمع اللــه لمــن حمــد فعــل‬
‫دي باللم لن المقصود هو فعل اســتجاب فكأنمــا أخــذنا‬
‫سمع هنا عُ ّ‬
‫دينا فعل سمع بهذه اللم لتعطي معنى‬
‫اللم من فعل الستجابة وع ّ‬
‫الستجابة وليس الستماع فليس كل سماع إستجابة‪.‬‬
‫ومثل ذلك استخدام فعل نصر مع الحرف من كما في قــوله تعــالى‬
‫)ونصرناه من القوم( في الصل يقال )نصــر علــى( لن فعــل نصــر‬
‫دى بــ )مــن(‪ ،‬وقــد‬
‫جــى يتعـ ّ‬
‫جــى مــن( وفعــل ن ّ‬
‫دى بــ )علــى( و)ن ّ‬
‫يتع ّ‬
‫استخدم القرآن هاتين الحالتين في مواطن كثيرة وفي آيات كــثيرة‬
‫)فانصــرنا علـى القــوم الكــافرين( وقــوله تعـالى )فأنجــاه اللـه مــن‬
‫دى‬
‫النار(‪ .‬لكن في هذه الية قــال تعــالى )ونصــرناه مــن القــوم( عـ ّ‬
‫جى أي بحرف )مــن( وذلــك للدللــة‬
‫دى به فعل ن ّ‬
‫الفعل نصر بما يتع ّ‬
‫على أن المعنى المطلوب هو معنى النصر والنجاة فــي آن مع ـا ً لن‬
‫جاه وعاقب القوم وحاسبهم وع ّ‬
‫ذبهم فجاء فعــل‬
‫الله تعالى نصره ون ّ‬
‫جى فكسب معنى النصر والنجاة أما في حالة )فأنجــاه‬
‫نصر بمعنى ن ّ‬
‫جى متعد بـ )من( لن المعنى هــو النجــاة‬
‫الله من النار( جاء الفعل ن ّ‬
‫دى فعــل‬
‫فقط ول يمكن أن تعاقب النار ول ُينتصر منها‪ .‬إذن لقــد عـ ّ‬
‫‪83‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫جى وهذا يسمى التضــمين وهــو‬
‫دى فيه فعل ن ّ‬
‫نصر بالحرف الذي ع ّ‬
‫من مواطن التوسع في المعنى في القرآن الكريم‪.‬‬
‫ه يُ َ‬
‫عْينا ً ي َ ْ‬
‫همما‬
‫مثال آخر قوله تعالى ) َ‬
‫همما ِ‬
‫عب َممادُ الل ّم ِ‬
‫ف ّ‬
‫شَر ُ‬
‫جُرون َ َ‬
‫ب بِ َ‬
‫تَ ْ‬
‫جيممرا ً }‪ ({6‬الصــل أن يقــال يشــرب منهــا‪ .‬وهــذه اليــة فيهــا‬
‫ف ِ‬
‫احتمالن‪ :‬تحتمل أن يكون هناك تضمين بمعنى يرتوي بهــا )يشــرب‬
‫بمعنى يروى أو يشرب إلى أن يروى( وهذا هو الحتمال الشائع عند‬
‫المفسرين وقالوا هذا جزاء المقّربين‪ .‬لنه لو أراد غير هــذا المعنــى‬
‫ْ‬
‫ن اْل َب َْراَر ي َ ْ‬
‫س‬
‫ن ِ‬
‫ش مَرُبو َ‬
‫لحدده كما قال في آية أخرى )إ ِ ّ‬
‫مممن ك َمأ ٍ‬
‫ها َ‬
‫َ‬
‫كا ُ‬
‫دى فعــل يشــرب‬
‫ن ِ‬
‫كا َ‬
‫فورا ً }‪ .({5‬فــي هــذه اليــة ع ـ ّ‬
‫مَزا ُ‬
‫ج َ‬
‫بالباء ليحتمل معنى يرتوي وهناك إحتمال آخر أنهم نازلون بهــا كمــا‬
‫يقال نزلنا في المكان وشربنا بــه فتصــير إذن ظرفيــة‪ .‬إذن تحتمــل‬
‫التعدية بالباء لفعل يشربون أن تكون بمعنى الشرب حــتى الرتــواء‬
‫ومعنى التمتع بل ّ‬
‫ذة النظر إلى العين والستقرار عنــدها وهــذه متعــة‬
‫أخرى‪.‬‬
‫كذلك قوله تعــالى فــي ســورة المطففيــن )الــذين إذا اكتــالوا علــى‬
‫الناس يستوفون(‪ .‬في الصل يقال اكتال من ول يقال اكتــال علــى‪.‬‬
‫دى فعـل اكتـال فـي هـذه اليـة بحـرف علـى للدللـة علـى‬
‫وقـد عـ ّ‬
‫التسلط لن هؤلء المطففين لــم يكتــالوا مــن النــاس بــل تســلطوا‬
‫عليهم بالكتيال ولو كان الكتيال طبيعي ـا ً لقــال اكتــالوا مــن النــاس‪.‬‬
‫)يقال كالوا الناس( كما في قوله تعــالى )وإذا كـالوهم أو وزنــوهم(‬
‫فعل كال وفعــل وزن الصــل أن يتعــدى بنفســه أو بــاللم وممكــن‬
‫الحذف يقال ‪ :‬كال له أو وزن له‪ .‬فلماذا لم يقــل كــالوا لهــم؟ اللم‬
‫هنا تفيد الستحقاق فــي أصــل معناهــا فــي اللغــة ثــم تتشــعب إلــى‬
‫معــاني متعــددة أخــرى لكــن هــؤلء المطففيــن لــم يعطــوا النــاس‬
‫حقــوقهم فكيــف يقــول )كـالوا لهـم( فحـذف لم السـتحقاق فقـال‬
‫دى الفعــل‬
‫كالوهم لنهم ظلموا النــاس ولــو يعطــوهم حقــوقهم وع ـ ّ‬
‫اكتال بالحرف على للدللة على الظلم والتسلط‪.‬‬
‫وكذلك قوله تعالى )فليحذر الذين يخافون عــن أمــره( ل يقــال فــي‬
‫دى‬
‫الصل خالف عن المر وإنما يقال خالف المر‪ .‬فعــل خــالف يتع ـ ّ‬
‫بنفسه‪ .‬لكن يخالفون عن جاءت بمعنى البتعاد عن المر أو العدول‬
‫عن المر ولو كان قلي ً‬
‫ل‪ .‬والمعنى من الية أنه ينبغي علــى النســان‬
‫أن يحــذر مــن مجــرد البتعــاد ولــو فــي أمــر واحــد أو قليــل فكيــف‬
‫بالمخالفة للمر فهذا من باب أولى وهو أمر كبير عظيم هذا تحــذير‬
‫عظيم‪ .‬فالله تعالى يحذرنا من الفتنة بمجرد البتعاد عــن أمــره ولــو‬
‫‪84‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫كان قليل ً فكيف المخالفــة لمــره تعــالى إذن صــار المعنــى يحتمــل‬
‫المخالفة والبتعاد‪.‬‬
‫وكذلك قوله تعالى )من بعد أن أظفركم عليهــم( يقــال فــي الصــل‬
‫ظفر به وليس ظفــر علــى لكــن تعديــة الفعــل أظفــر بحــرف علــى‬
‫للدللة على الستعلء‪ .‬وكذلك قوله تعالى )ول تــأكلوا أمــوالهم إلــى‬
‫دى فعل تأكلوا بالحرف إلى ليد ّ‬
‫ل على معنى ل تجمعوها‬
‫أموالكم( ع ّ‬
‫وتضموها إلى أموالكم آكلين لها بمعنى الستحواذ والجمع‪.‬‬
‫ص‪:‬‬
‫الخبار بالعام عن الخا ّ‬
‫هذا موطن آخر من مواطن التوسع في المعنى في القرآن الكريم‪.‬‬
‫مثــال علــى ذلــك مــن القــرآن قــوله تعــالى فــي ســورة العــراف‬
‫قاموا ْ الصل َةَ إّنا ل َ ن ُضي َ‬
‫كون بال ْكَتاب َ‬
‫جَر‬
‫س ُ َ ِ ِ‬
‫وال ّ ِ‬
‫عأ ْ‬
‫ِ ُ‬
‫م ّ‬
‫ذي َ‬
‫وأ َ ُ‬
‫ن يُ َ‬
‫ّ‬
‫ِ َ‬
‫) َ‬
‫ِ‬
‫ن }‪ ({170‬القيــاس أن يقــول إنــا ل نضــيع أجرهــم لن‬
‫صمل ِ ِ‬
‫حي َ‬
‫ال ْ ُ‬
‫م ْ‬
‫المبتدأ يحتاج إلى رابــط قــد يكــون اســما ً أو إشــارة أو ضــمير وقــد‬
‫يكون الخبر عاما ً يدخل في ضمنه مبتدأ‪ ،‬لكنه قــال أجــر المصــلحين‬
‫وهذا للدللة على أن هؤلء المذكورين في الية هم مــن المصــلحين‬
‫وأن الجر ل يختص بهم وحدهم وإنما هو لكل مصلح فالجر يشــمل‬
‫كل مصلح هؤلء المذكورين في الية وغيرهم من المصــلحين فهــذا‬
‫ن‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫م‪ .‬وكــذلك قــوله تعــالى فــي ســورة الكهــف )إ ِ ّ‬
‫ذي َ‬
‫أوسع وأع ّ‬
‫َ‬
‫عمُلوا الصال ِحات إّنا َل ن ُضي َ‬
‫مل ً‬
‫ن َ‬
‫و َ ِ‬
‫نأ ْ‬
‫عأ ْ‬
‫ِ ُ‬
‫ح َ‬
‫سمم َ‬
‫م ْ‬
‫ع َ‬
‫جَر َ‬
‫آ َ‬
‫مُنوا َ‬
‫ّ َ ِ ِ‬
‫}‪ ({30‬لم يقل أجرهم فأفاد أمرين أن هــؤلء المــذكورين هــم مــن‬
‫الذين أحســنوا العمــل وأنــه هنالــك مــن أحســن عمل ً غيرهــم واللــه‬
‫تعالى ل يضيع أجرهم جميعًا‪ .‬وكذلك قوله تعالى في ســورة البقــرة‬
‫مي َ‬
‫من َ‬
‫ل َ‬
‫كا َ‬
‫ري َ‬
‫ن‬
‫ن َ‬
‫و ِ‬
‫سل ِ ِ‬
‫ملئ ِك َت ِ ِ‬
‫وا ً ل ّل ّ ِ‬
‫فممإ ِ ّ‬
‫كا َ‬
‫وُر ُ‬
‫و َ‬
‫) َ‬
‫و ِ‬
‫ل َ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫ه َ‬
‫عد ُ ّ‬
‫جب ْ ِ‬
‫و ل ّل ْ َ‬
‫ن }‪ ({98‬لم يقــل عــدو لهــم وهــذا يــدل علــى‬
‫ه َ‬
‫كا ِ‬
‫ري َ‬
‫الل ّ َ‬
‫عد ُ ّ‬
‫ف ِ‬
‫أمرين أنه من كان عدوا ً للــه فهــو مــن الكــافرين لكــن الكــافرين ل‬
‫يختصون بهؤلء فقط وقوله تعــالى الكــافرين دللــة علــى أن هــؤلء‬
‫من الكافرين وهو يشملهم ويشمل غيرهم أيضًا‪ .‬وكذلك قوله تعالى‬
‫ن‬
‫م َفــإ ِ ّ‬
‫م فَِإن ت َْر َ‬
‫م ل ِت َْر َ‬
‫حل ُِفو َ‬
‫في سورة التوبة )ي َ ْ‬
‫ضوْا ْ عَن ْهُ ْ‬
‫ضوْا ْ عَن ْهُ ْ‬
‫ن ل َك ُ ْ‬
‫ن }‪ ({96‬لم يقل ل يرضــى عنهــم‬
‫ن ال َْقوْم ِ ال َْفا ِ‬
‫ه ل َ ي َْر َ‬
‫الل ّ َ‬
‫سِقي َ‬
‫ضى عَ ِ‬
‫ليشمل هؤلء المذكورين في الية الذين هم من الفاسقين وليشمل‬
‫جميع الفاسقين سواء كانوا من هؤلء أو من غيرهم وهذا مــن بــاب‬
‫التوسع بالمعنى وهو من إخبار بالعام عن الخاص‪.‬‬
‫العطف بين المتغايرين‪:‬‬
‫وهذا الموطن له مواطن عديدة منها وليست موطنا ً واحدا ً ‪:‬‬
‫‪85‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫در غيــر مــذكور فــي الكلم أو العطــف علــى‬
‫‪ .1‬العطف علــى مق ـ ّ‬
‫المعنى‪ :‬حرف العطف والمعطوف موجود لكن المعطوف عليه‬
‫غير مذكور وهو في القرآن كثير مثال قــوله تعــالى فــي ســورة‬
‫َ‬
‫و َ‬
‫عل َممى َ‬
‫عل َممى‬
‫خا‬
‫هم‬
‫ي َ‬
‫ة َ‬
‫م مّر َ‬
‫وي َم ٌ‬
‫و ِ‬
‫قْري َم ٍ‬
‫كال ّم ِ‬
‫ذي َ‬
‫ة َ‬
‫البقــرة )أ ْ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫هـذه الل ّه بعد موت ِهمما َ َ‬
‫ها َ‬
‫قا َ‬
‫ه‬
‫ُ‬
‫ل أ َن ّ‬
‫حِيمي َ ِ ِ‬
‫عُرو ِ‬
‫ى يُ ْ‬
‫ُ َ ْ َ َ ْ َ‬
‫ش َ‬
‫مممات َ ُ‬
‫فأ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ت َ‬
‫ه َ‬
‫قا َ‬
‫قا َ‬
‫و‬
‫ة َ‬
‫مئ َ َ‬
‫ه ِ‬
‫م بَ َ‬
‫ل ل َب ِث ْ ُ‬
‫م ل َب ِث ْ َ‬
‫ل كَ ْ‬
‫عث َ ُ‬
‫عام ٍ ث ُ ّ‬
‫الل ّ ُ‬
‫وممما ً أ ْ‬
‫ت يَ ْ‬
‫مم َ‬
‫عام ٍ َ‬
‫وم ٍ َ‬
‫قا َ‬
‫ك‬
‫ة َ‬
‫مئ َ َ‬
‫عا ِ‬
‫ت ِ‬
‫فمانظُْر إ ِل َممى طَ َ‬
‫بَ ْ‬
‫ل َبل ل ّب ِث ْ َ‬
‫ع َ‬
‫ض يَ ْ‬
‫عل َم َ‬
‫ر َ‬
‫شَراب ِ َ‬
‫و َ‬
‫ة‬
‫ك آي َم ً‬
‫وانظُْر إ ِل َممى ِ‬
‫ج َ‬
‫ول ِن َ ْ‬
‫م ي َت َ َ‬
‫ح َ‬
‫سن ّ ْ‬
‫ك لَ ْ‬
‫ك َ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫ممما ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ها‬
‫ّللّنا‬
‫سممو َ‬
‫ش مُز َ‬
‫عظام ِ كي ْ َ‬
‫وانظْر إ ِلى ال ِ‬
‫ف ُنن ِ‬
‫م ن َك ُ‬
‫ها ث ُ م ّ‬
‫س َ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ه َ‬
‫حما ً َ‬
‫ل َ‬
‫عل َممى ك ُم ّ‬
‫قا َ‬
‫ء‬
‫ي ٍ‬
‫ه َ‬
‫ل أَ ْ‬
‫مأ ّ‬
‫لَ ْ‬
‫ما ت َب َي ّ َ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫عل َ ُ‬
‫ن لَ ُ‬
‫فل َ ّ‬
‫شم ْ‬
‫َ‬
‫ديٌر }‪ ({259‬اليــة فيهــا أفعــال أمــر )انظــر إلــى طعامــك(‬
‫قم ِ‬
‫و)انظــر إلــى حمـارك( و)انظــر إلــى العظــام( أمــا قــوله تعـالى‬
‫)ولنجعلك آية للناس( فهي ليست فعــل أمــر وليســت معطوفــة‬
‫عّلة واللم للتعليل‪ .‬هــي معطوفــة لكــن‬
‫على ما قبلها وإنما هي ِ‬
‫على ماذا؟ لو فتشنا في الية كلها ل نجد المعطوف عليــه وهــذا‬
‫إشارة إلى أن في هذا الموضع مطلوب هذا المر )لنجعلــك آيــة‬
‫للناس( لكن هنالك علل وأسباب أخرى غيــر مــذكورة فــي هــذه‬
‫الية وإنما اقتضى المقام هنــا فــي اليـة فقـط ذكــر هـذه العِّلـة‬
‫عزيـر ليجعلـه آيـة‬
‫)ولنجعلك آية للناس( فالله تعـالى لـم ُيحيـي ُ‬
‫للناس فقط ولكن لمــور أخــرى لــم تــذكر فــي اليــة إذن قــوله‬
‫تعالى )ولنجعلــك آيــة للنــاس( هــي ليســت العِل ّــة الوحيــدة فــي‬
‫إحيائه وإنما الِعلل الخرى لم ُتذكر في الية لدللة التوســع فــي‬
‫المعنى ولو أراد معنى واحدا ً لقال )ونجعلـك آيـة للنـاس( بــدون‬
‫لم التعليل‪.‬‬
‫وك َذَل ِ َ‬
‫ت‬
‫ري إ ِب َْرا ِ‬
‫مل َك ُممو َ‬
‫م َ‬
‫هي م َ‬
‫‪ .2‬وكذلك قوله تعالى النعام ) َ‬
‫ك ن ُم ِ‬
‫ت وال َ‬
‫ول ِي َ ُ‬
‫ن }‪ ({75‬فاليــة‬
‫ر‬
‫مو ِ‬
‫ن ِ‬
‫كو َ‬
‫ال ّ‬
‫قِني َ‬
‫م َ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫س َ‬
‫ض َ‬
‫ْ‬
‫وا ِ َ‬
‫ما َ‬
‫ِ‬
‫تفيد أن الله تعالى ُيري إبراهيم ‪ ‬آيات أخرى إحداها أن يكــون‬
‫من الموقنين فــالله تعــالى ُيعـد ّ إبراهيــم ‪ ‬لمــور أخــرى منهــا‬
‫ليكون من الموقنين فجاء بواو العطف وجاء بالعِّلة )ليكون مــن‬
‫الموقنين( في هذه الية بحسب ما يقتضيه السياق‪.‬‬
‫م‬
‫س ْ‬
‫م َ‬
‫سك ُ ْ‬
‫‪ .3‬وكذلك قــوله تعــالى فــي ســورة آل عمــران )ِإن ي َ ْ‬
‫وت ِْلم َ‬
‫م َ‬
‫س ال ْ َ‬
‫ف َ‬
‫ح َ‬
‫َ‬
‫ها‬
‫م ُنم َ‬
‫قْر ٌ‬
‫قْر ٌ‬
‫ك الّيما ُ‬
‫و َ‬
‫ول ُ َ‬
‫مث ُْلم ُ‬
‫ح ّ‬
‫قد ْ َ‬
‫م ّ‬
‫ه َ‬
‫ق ْ‬
‫دا ِ‬
‫م‬
‫وي َت ّ ِ‬
‫خ مذ َ ِ‬
‫ه ال ّ م ِ‬
‫ول ِي َ ْ‬
‫ذي َ‬
‫ب َي ْم َ‬
‫منك ُم ْ‬
‫نآ َ‬
‫م الل ّ م ُ‬
‫عل َم َ‬
‫من ُمموا ْ َ‬
‫س َ‬
‫ن الن ّمما ِ‬
‫ُ‬
‫ن }‪ ({140‬فالمداولــة بيــن‬
‫ه ل َ يُ ِ‬
‫ب الظّممال ِ ِ‬
‫حم ّ‬
‫ه َ‬
‫ش َ‬
‫مي َ‬
‫والل ّ ُ‬
‫داء َ‬
‫علــل المداولــة وهــي‬
‫الناس كثيرة وفي هذه الية ذكر جزءا ً من ِ‬
‫‪86‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫ليست الجانب الوحيد المقصود ولذلك جاء قوله تعالى )وليعلــم‬
‫عل ّــة‬
‫الله الذين آمنوا(‪ .‬ويمكن أن يذكر علل ً متعــددة لكنــه ذكــر ِ‬
‫واحدة حسب ما يقتضيه سياق اليات فـي السـورة‪ .‬ومثـل هـذا‬
‫ت‬
‫جاء ِ‬
‫سى ِبال ْب َي َّنمما ِ‬
‫ما َ‬
‫عي َ‬
‫ول َ ّ‬
‫قوله تعالى في سورة الزخرف ) َ‬
‫ُ‬
‫ن لَ ُ‬
‫جئ ْت ُ ُ‬
‫ل َ‬
‫َ‬
‫قمما َ‬
‫ذي‬
‫كممم ِبال ْ ِ‬
‫ض اّلمم ِ‬
‫ممم ِ‬
‫كممم ب َ ْ‬
‫وِلب َّيمم َ‬
‫حك ْ َ‬
‫عمم َ‬
‫قممدْ ِ‬
‫ة َ‬
‫قوا الل ّه َ‬
‫فات ّ ُ‬
‫ه َ‬
‫خت َل ِ ُ‬
‫ن }‪.({63‬‬
‫تَ ْ‬
‫ن ِ‬
‫وأ ِ‬
‫في ِ‬
‫فو َ‬
‫طي ُ‬
‫عو ِ‬
‫َ َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫وكذلك قوله تعالى في ســورة المؤمنــون ) َ‬
‫فأن َ‬
‫شأَنا ل َك ُممم‬
‫‪.4‬‬
‫َ‬
‫همما َ‬
‫ة‬
‫ه ك َِثي مَر ٌ‬
‫وأ ْ‬
‫م ِ‬
‫من ن ّ ِ‬
‫جّنا ٍ‬
‫بِ ِ‬
‫ه َ‬
‫في َ‬
‫واك ِ ُ‬
‫ب ل ّك ُم ْ‬
‫ت ّ‬
‫عن َمما ٍ‬
‫فم َ‬
‫ل َ‬
‫خي م ٍ‬
‫ْ‬
‫ن }‪ ({19‬وهو يختلف عن قوله تعالى في سـورة‬
‫و ِ‬
‫ها ت َأك ُُلو َ‬
‫من ْ َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ها َ‬
‫ن }‪({73‬‬
‫ة ك َِثي مَر ٌ‬
‫هم ٌ‬
‫م ِ‬
‫ة ِ‬
‫همما ت َمأك ُلو َ‬
‫من ْ َ‬
‫فاك ِ َ‬
‫في َ‬
‫الزخرف )لك ُ ْ‬
‫لنه في الدنيا نزرع الفاكهة ليس للكل فقط وإنمــا نصــنع منهــا‬
‫العصير ونجففها ونتداول بهــا ونتــداوى بهــا وغيرهــا مــن المــور‬
‫والغراض وإحداها هو الكل أمــا فــي فاكهــة الجنــة فليــس فــي‬
‫الجنة تجارة والفاكهة ل تكون إل للكل فقط فلم يأتي بالواو مع‬
‫كلمة تأكلون في فاكهة الجنة وجاء بالواو في فاكهة الدنيا‪.‬‬
‫العطف على مغاير في العراب‪:‬‬
‫العطف على مغاير في العراب هو موطن آخر من مواطن التوسع‬
‫في القرآن الكريم مثل أن يضاف منصوب يعطــف عليــه مرفــوع أو‬
‫فعل منصوب يضاف إليه مجزوم ولكــل منهــم حكمــه وهــذا لغــرض‬
‫التوسع في المعنى‪ .‬وفــي القــرآن الكريــم أمثلــة عديــدة علــى هــذا‬
‫النوع من التوسع في المعنى منها قوله تعالى في سورة المنافقون‬
‫َ‬
‫قَنا ُ‬
‫من َ‬
‫ما َرَز ْ‬
‫ف ُ‬
‫ت‬
‫ل َأن ي َأ ْت ِ‬
‫وَأن ِ‬
‫قوا ِ‬
‫يأ َ‬
‫و ُ‬
‫م ال ْ َ‬
‫حدَك ُ ُ‬
‫كم ّ‬
‫من ّ‬
‫م ْ‬
‫قب ْ ِ‬
‫) َ‬
‫َ‬
‫قري مب َ َ‬
‫َ‬
‫في َ ُ‬
‫َ‬
‫قو َ‬
‫وأ َك ُممن‬
‫وَل أ َ ّ‬
‫خْرت َِني إ َِلى أ َ‬
‫ل َر ّ‬
‫ٍ‬
‫فأ ّ‬
‫ص مدّقَ َ‬
‫جم ٍ‬
‫ب لَ ْ‬
‫ل َ ِ‬
‫ن }‪) ({10‬أكــن( عطــف مجــزوم علــى منصــوب‬
‫صممال ِ ِ‬
‫حي َ‬
‫مم َ‬
‫ّ‬
‫ن ال ّ‬
‫صدق( هذا يسمى في النحو عطف على المعنى والفاء في كلمة‬
‫)فأ ّ‬
‫مى فاء السببية في النحو التي تقــع بعــد الطلــب )لن‬
‫)فأصدق( ُتس ّ‬
‫لول حرف تحضيض( فلو أسقطنا الفــاء وأردنــا الطلــب نجــزم علــى‬
‫دق( كما في قوله تعالى ‪) :‬وألق مــا‬
‫جواب الطلب )لول أخرتني أص ّ‬
‫في يمينك تلقف ما صنعوا( أما لما نجيء بالفــاء ننصــب‪ .‬معناهــا إن‬
‫تؤخرني أكن من الصالحين علــى تقــدير شــرط ؛ أي جــواب شــرط‬
‫در وفــي هــذه اليــة أراد تعــالى معنييــن ولــم ي ُــرد الســبب فــي‬
‫مق ـ ّ‬
‫المعطوف والمعطوف عليه وأراد تعالى أن يجمع بين السبب وبيــن‬
‫دق وأكــون( لكــان عطــف ســبب علــى‬
‫الشرط‪ .‬لو قال تعالى )فأص ّ‬
‫سبب لكنه أراد أن يجمع المعنييــن الســبب والشــرط أي الشــتراط‬
‫على النفس والشتراط فيه توثيـق فعطـف مجـزوم علـى منصـوب‬
‫‪87‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫لرادة معنيين‪ .‬لكن يبقى السؤال لماذا أراد المعنيين؟ لو نظرنا إلى‬
‫الية فقد جاء فيها أمريــن الصــدقة أن يكــون مــن الصــالحين وهمــا‬
‫ليسا بدرجة واحدة فكون النسان من الصالحين أكــبر وأعظــم مــن‬
‫الصدقة وهــو العــم وهــو الــذي يــدخل الجنــة ولنهمــا ليســا بدرجــة‬
‫واحدة فكيف يفّرق بينهما؟ بعطف المجزوم علــى المنصــوب فقــال‬
‫دم‬
‫دق ثم اشترط على نفسه أن يكون من الصالحين‪ .‬ولماذا ق ـ ّ‬
‫فأص ّ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫همما ال ّم ِ‬
‫الصدقة؟ لن السياق في السورة هو في الصدقة )َيا أي ّ َ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫آمُنوا َل ت ُل ْهك ُ َ‬
‫مممن‬
‫م َ‬
‫ر الل ّم ِ‬
‫و َ‬
‫وَلدُك ُم ْ‬
‫وال ُك ُ ْ‬
‫مأ ْ‬
‫ِ ْ‬
‫َ‬
‫ه َ‬
‫وَل أ ْ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫عممن ِذك ْم ِ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ولئ ِ َ‬
‫ل ذَل ِم َ‬
‫ك َ‬
‫يَ ْ‬
‫عم ْ‬
‫دم الصــدقة‬
‫م ال َ‬
‫ك ُ‬
‫خا ِ‬
‫س مُرو َ‬
‫ن }‪ ({9‬فقــ ّ‬
‫ف َ‬
‫هم ُ‬
‫ف مأ ْ‬
‫مراعاة لمقتضى السياق وجزم )أكن( مراعاة للهمية‪.‬‬
‫وأ َ َ‬
‫ه‬
‫سول ِ ِ‬
‫ن الل ّ ِ‬
‫ذا ٌ‬
‫وَر ُ‬
‫م َ‬
‫ن ّ‬
‫ه َ‬
‫ومن ذلك قوله تعالى في سورة التوبة ) َ‬
‫إَلى الّناس يوم ال ْحج ال َك ْب َ‬
‫م ْ‬
‫ن‬
‫ر ِ‬
‫رأ ّ‬
‫َ ّ‬
‫ِ َ ْ َ‬
‫كي َ‬
‫م َ‬
‫ن ال ْ ُ‬
‫ريءٌ ّ‬
‫ن الل ّ َ‬
‫شمم ِ‬
‫ه بَ ِ‬
‫َ ِ‬
‫ِ‬
‫موا ْ‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫م َ‬
‫م َ‬
‫ه َ‬
‫و َ‬
‫فمما ْ‬
‫ف ُ‬
‫وَر ُ‬
‫عل ُ‬
‫ولي ْت ُ ْ‬
‫خي ْمٌر لك م ْ‬
‫فِإن ت ُب ْت ُم ْ‬
‫سول ُ‬
‫وِإن ت َم َ‬
‫م َ‬
‫هم َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫أَ‬
‫ْ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ن كَ َ‬
‫ّ‬
‫عم َ‬
‫ب أِليمم ٍ }‬
‫ش‬
‫ب‬
‫و‬
‫ه‬
‫ل‬
‫ال‬
‫زي‬
‫ج‬
‫ع‬
‫م‬
‫ر‬
‫ي‬
‫غ‬
‫م‬
‫ك‬
‫ن‬
‫ّ‬
‫ر ال ِ‬
‫ِ‬
‫فمُروا ب ِ َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ذي َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ذا ٍ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ن أي مرفوعــة وليســت‬
‫ه جــاءت علــى غيــر إرادة إ ّ‬
‫‪ ({3‬ورســول ُ ُ‬
‫ه( فجــاءت كلمــة‬
‫منصوبة وهي ليست معطوفة على مــا قبلهــا )الل ـ َ‬
‫)ورسوله( مرفوعة لن براءة الرسول ‪ ‬ليست كبراءة الله تعــالى‬
‫وإنما هي تابعة لها فــبراءة اللــه تعــالى أول ً فلــم يجعــل بــراءة اللــه‬
‫تعالى وبراءة الرسول ‪ ‬بمرتبة واحدة فجعل براءة الرســول أقــل‬
‫توكيدا ً من براءة الله تعالى ودونها وتبعا ً لها‪.‬‬
‫ن‬
‫ن ال ّ ِ‬
‫وكذلك ما جــاء فــي قــوله تعــالى فــي ســورة المــائدة )إ ِ ّ‬
‫ذي َ‬
‫ه‬
‫ن َ‬
‫ن ب ِممالل ّ ِ‬
‫وال ّ ِ‬
‫صاِبئو َ‬
‫ها ُ‬
‫مم َ‬
‫مم ْ‬
‫ذي َ‬
‫نآ َ‬
‫صاَرى َ‬
‫آ َ‬
‫والن ّ َ‬
‫وال ّ‬
‫ن َ‬
‫دوا ْ َ‬
‫مُنوا ْ َ‬
‫ف َ َ‬
‫صمماِلحا ً َ‬
‫مم َ‬
‫م‬
‫فل َ َ‬
‫رو َ‬
‫ول َ ُ‬
‫و ٌ‬
‫وم ِ ال ِ‬
‫ع ِ‬
‫هم ْ‬
‫هم ْ‬
‫ل َ‬
‫م َ‬
‫خم ْ‬
‫وال ْي َ م ْ‬
‫َ‬
‫خم ِ‬
‫علي ْ ِ‬
‫ن }‪ ({69‬برفع الصابئون لنهــم أبعــد المــذكورين عــن اللــه‬
‫حَزُنو َ‬
‫يَ ْ‬
‫ن‬
‫وهم ليسوا من أهل الكتــاب فجــاءت مرفوعــة علــى غيــر لرادة إ ّ‬
‫وأقـل توكيـدا ً ويمكـن الرجـوع إلـى صـفحة لمسـات بيانيـة فـي آي‬
‫ص ً‬
‫ل‪.‬‬
‫القرآن الكريم لقراءة ما جاء في هذه الية مف ّ‬
‫َ‬
‫قَبمم َ‬
‫ل‬
‫م ِ‬
‫جممو َ‬
‫و ُ‬
‫هك ُ ْ‬
‫وكــذلك قــوله تعــالى )ل ّي ْ م َ‬
‫وّلمموا ْ ُ‬
‫س ال ْب ِ مّر أن ت ُ َ‬
‫م ْ‬
‫ر‬
‫م ْ‬
‫وم ِ ال ِ‬
‫ن ِبالل ّ ِ‬
‫م َ‬
‫م ْ‬
‫وَلمك ِ ّ‬
‫نآ َ‬
‫ن ال ْب ِّر َ‬
‫وال ْ َ‬
‫ال ْ َ‬
‫ر ِ‬
‫وال ْي َ ْ‬
‫ه َ‬
‫ب َ‬
‫ق َ‬
‫خ ِ‬
‫غ ِ‬
‫ر ِ‬
‫ش ِ‬
‫ممما َ‬
‫وي‬
‫ل َ‬
‫حب ّم ِ‬
‫ملئ ِك َ ِ‬
‫عل َممى ُ‬
‫والن ّب ِّيي َ‬
‫وآت َممى ال ْ َ‬
‫وال ْ َ‬
‫وال ْك َِتا ِ‬
‫ن َ‬
‫ب َ‬
‫ة َ‬
‫َ‬
‫ه ذَ ِ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ال ُ‬
‫ن‬
‫سمما ِ‬
‫وال ّ‬
‫ن ال ّ‬
‫م َ‬
‫سممآئ ِِلي َ‬
‫واب ْم َ‬
‫كي َ‬
‫وال َ‬
‫والي ََتا َ‬
‫ل َ‬
‫س مِبي ِ‬
‫ن َ‬
‫مى َ‬
‫قْرَبى َ‬
‫وآَتممى الّز َ‬
‫مو ُ‬
‫وأ َ َ‬
‫فممي الّر َ‬
‫ن‬
‫و ِ‬
‫فممو َ‬
‫قمما َ‬
‫وال ْ ُ‬
‫قمما ِ‬
‫م ال ّ‬
‫كمماةَ َ‬
‫صمملةَ َ‬
‫ب َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫م إِ َ‬
‫ضممّراء‬
‫ذا َ‬
‫ن ِ‬
‫عا َ‬
‫سمماء وال ّ‬
‫د ِ‬
‫همم ِ‬
‫همم ُ‬
‫بِ َ‬
‫فممي الب َأ َ‬
‫ع ْ‬
‫ري َ‬
‫ه ْ‬
‫وال ّ‬
‫دوا َ‬
‫صمماب ِ ِ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫حي َ ْ‬
‫وأوَلمئ ِ َ‬
‫س أوَلمئ ِ َ‬
‫مت ّ ُ‬
‫صد َ ُ‬
‫ن‬
‫ك ُ‬
‫و ِ‬
‫ك ال ّ ِ‬
‫قممو َ‬
‫ذي َ‬
‫م ال ْ ُ‬
‫همم ُ‬
‫ن َ‬
‫قوا َ‬
‫َ‬
‫ن الب َأ ِ‬
‫}‪ ({177‬وهذا يسمى القطــع بمعنــى أخــص الصــابرين وهــذه كلهــا‬
‫‪88‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫تخص التوسع في المعنى في العطف على مغاير حتى يفهمنا تعالى‬
‫أن هذا ليس بمنزلة الولى وقد يكون أقل منه أو أعلى منه‪.‬‬
‫العطف على مغاير في المعنى‪:‬‬
‫موطن آخر من مواطن التوسع في المعنى هو العطف علــى مغــاير‬
‫عل َيهممم ن َبممأ َ‬
‫وات ْ ُ‬
‫ل َ ْ ِ ْ َ‬
‫في المعنى مثل قوله تعالى في سورة يونس ) َ‬
‫م َ‬
‫ه ي َمما َ‬
‫ل لِ َ‬
‫ح إ ِذْ َ‬
‫قا َ‬
‫مي‬
‫ن ك َب ُمَر َ‬
‫قمما ِ‬
‫م ِ‬
‫و ِ‬
‫وم ِ ِإن ك َمما َ‬
‫عل َي ْك ُممم ّ‬
‫قم ْ‬
‫ق ْ‬
‫ُنو ٍ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ت َ‬
‫ه َ‬
‫م‬
‫ج ِ‬
‫عَلى الل ّ م ِ‬
‫ت الل ّ ِ‬
‫ري ِبآَيا ِ‬
‫وت َذْ ِ‬
‫م ُ‬
‫ف مأ ْ‬
‫ف َ‬
‫وك ّل ْ ُ‬
‫مَرك ُم ْ‬
‫عوا ْ أ ْ‬
‫ه ت َم َ‬
‫َ‬
‫كي ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ما ْ‬
‫و ُ‬
‫ي‬
‫م َ‬
‫م ً‬
‫ق ُ‬
‫م ل ي َك ْ‬
‫ة ث ُم ّ‬
‫مغ ّ‬
‫علي ْك ْ‬
‫مُرك ْ‬
‫نأ ْ‬
‫م ثُ ّ‬
‫شَركاءك ْ‬
‫َ‬
‫ضمموا إ ِل م ّ‬
‫ن }‪ ({71‬ل يقــال فــي اللغــة أجمــع للشــركاء وإنمــا‬
‫ول َ ُتنظِ مُرو ِ‬
‫َ‬
‫يستخدم فعل أجمع للمور المعنوية أما فعل جمع فيستخدم للمــور‬
‫الماديــة والمعنويــة فالمقصــود فــي اليــة أجمعــوا أمرهــم وجمعــوا‬
‫شركاءهم لن كما أسلفنا ل يكون فعل أجمع مع الشركاء أو المــور‬
‫المادية أما جمع فتأتي مع المريـن‪ .‬ومثـل ذلـك مـا جـاء فــي قــوله‬
‫تعالى )والذين تبوؤا الدار واليمان( اليمان ل يتبؤأ إنمــا يتبــوأ الــدار‬
‫در لــه عامــل‬
‫فهنا عطف على الدار لكن ليس بنفس المعنى فالمق ـ ّ‬
‫آخــر‪ .‬وتقـول العــرب ‪" :‬شــراب ألبـان وتمـر" والمقصــود أن التمـر‬
‫للكل واللبن للشراب‪ ،‬إذن يذكر أمر وُيعطف عليه أمر وُيفهــم بــأن‬
‫هناك محذوفا ً يقتضيه المعنى وهذا من مواطن التوسع في المعنــى‬
‫في القرآن الكريم‪.‬‬
‫موطن آخر من مواطن التوسع في المعنى هو أن‬
‫جممل تحتممل فممي بنائهما أكممثر مممن دللممة‬
‫يكون هنمماك ُ‬
‫مرادة‪:‬‬
‫وكلها ُ‬
‫قول َك ُ َ‬
‫مثال قوله تعالى في سورة الملك ) َ‬
‫هممُروا‬
‫وأ ِ‬
‫وا ْ‬
‫ج َ‬
‫ْ‬
‫سّروا َ ْ‬
‫َ‬
‫مأ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م بِ َ‬
‫و‬
‫ن َ‬
‫ه َ‬
‫و ُ‬
‫ذا ِ‬
‫بِ ِ‬
‫ر }‪ {13‬أل ي َ ْ‬
‫ص ُ‬
‫مم ْ‬
‫خل م َ‬
‫م َ‬
‫عل ُ‬
‫عِلي ٌ‬
‫ه إ ِن ّ ُ‬
‫ت ال ّ‬
‫هم َ‬
‫ق َ‬
‫دو ِ‬
‫خِبيُر }‪ .({14‬ما المقصود بقوله تعــالى )أل يعلــم مــن‬
‫ف ال ْ َ‬
‫طي ُ‬
‫الل ّ ِ‬
‫خلــق(؟ هــل يقصــد الخــالق أم المخلــوق؟ بمعنــى أل يعلــم الخــالق‬
‫بعباده ويعلم ما ُيسّرون وما يجهرون به )هنا تكون فاعل(؟ ويحتمل‬
‫أن يكون المعنى أل يعلم الذين خلقهم؟ )وهنا تكون مفعول به( إذن‬
‫)من خلق( تحتمل المعنيين الخالق والمخلوق‪.‬‬
‫فممُروا ْ‬
‫ن كَ َ‬
‫وي َ ُ‬
‫قو ُ‬
‫ل اّلمم ِ‬
‫ذي َ‬
‫ومن ذلك قوله تعالى في سورة الرعــد ) َ‬
‫ل َول َ ُ‬
‫ه ُ‬
‫مممن ي َ َ‬
‫ضم ّ‬
‫قم ْ‬
‫ز َ‬
‫أن‬
‫ل َ‬
‫ه آي َ ٌ‬
‫شمماءُ‬
‫ه يُ ِ‬
‫من ّرب ّ ِ‬
‫عل َي ْ ِ‬
‫ل إِ ّ‬
‫ل َ‬
‫ن الل ّم َ‬
‫ة ّ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ب }‪ ({27‬من فاعل المشيئة؟ الله تعــالى أم‬
‫دي إ ِل َي ْ ِ‬
‫ه ِ‬
‫ن أَنا َ‬
‫وي َ ْ‬
‫م ْ‬
‫ه َ‬
‫َ‬
‫المخلوق؟ تحتمل أن يكــون المعنــى يضــل مــن يشــاء فيبقيــه علــى‬
‫ضلله ويهدي من يشاء فييسر له طريق الهدايــة ويحتمــل أن يكــون‬
‫‪89‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬
‫المعنى من يشاء الله أن يضله ويهدي إليـه مـن أنـاب تحتمـل )مـن‬
‫يشاء( المعنيين والله تعالى يقول للشيء إذا أراده كن فيكون‪.‬‬
‫ت‬
‫ن ِ‬
‫فممي آَيما ِ‬
‫وكذلك قوله تعالى في سورة غافر )ال ّ ِ‬
‫جمماِدُلو َ‬
‫ن يُ َ‬
‫ذي َ‬
‫سل ْ َ‬
‫م ْ‬
‫ن‬
‫ه بِ َ‬
‫و ِ‬
‫قتما ً ِ‬
‫ن أ ََتا ُ‬
‫عنمدَ ال ّم ِ‬
‫عنمدَ الل ّم ِ‬
‫الل ّ ِ‬
‫ر ُ‬
‫ذي َ‬
‫م ك َب َُر َ‬
‫ه ْ‬
‫ه َ‬
‫طا ٍ‬
‫غي ْ ِ‬
‫مُنوا ك َذَل ِ َ‬
‫ل َ‬
‫عَلى ك ُ ّ‬
‫ر }‪ ({35‬ما‬
‫ه َ‬
‫ر َ‬
‫ك ي َطْب َ ُ‬
‫ب ُ‬
‫ع الل ّ ُ‬
‫آ َ‬
‫قل ْ ِ‬
‫جّبا ٍ‬
‫مت َك َب ّ ٍ‬
‫المقصود بقوله تعالى )على كل قلب( هل المقصود على قلــب كــل‬
‫متكبر جبار )اي قلوب المتكبرين جميعا( أو على كــل قلــب المتكــبر‬
‫الجبار؟ لو أراد أحد هــذين المعنييــن لقــال تعــالى "علــى قلــب كــل‬
‫متكبر جبار" وإنما قال )علــى كــل قلــب متكــبر جبــار( والمــراد هنــا‬
‫معنيين أحدهما يطبع الله تعالى على كل القلب فل يترك من القلب‬
‫شيئا ً ويطبع على قلوب كل المتكبرين الجبارين‪.‬‬
‫وَل‬
‫سممن َ ُ‬
‫وي ال ْ َ‬
‫ح َ‬
‫وَل ت َ ْ‬
‫ة َ‬
‫كذلك قوله تعالى في ســورة فصــلت ) َ‬
‫ست َ ِ‬
‫َ‬
‫ذي ب َي َْنم َ‬
‫ن َ‬
‫ة ادْ َ‬
‫فمإ ِ َ‬
‫ه‬
‫سي ّئ َ ُ‬
‫ذا اّلم ِ‬
‫ع ِبمال ِّتي ِ‬
‫يأ ْ‬
‫فم ْ‬
‫ح َ‬
‫ال ّ‬
‫سم ُ‬
‫وب َي َْنم ُ‬
‫ك َ‬
‫هم َ‬
‫َ‬
‫م }‪ ({34‬الســتواء لبــد أن يكــون لــه‬
‫َ‬
‫ح ِ‬
‫ي َ‬
‫عم َ‬
‫ميم ٌ‬
‫وةٌ ك َمأن ّ ُ‬
‫ه َ‬
‫دا َ‬
‫ول ِم ّ‬
‫طرفيــن فنقــول ل يســتوي فلن وفلن‪ .‬ويمكــن القــول ل تســتوي‬
‫الحسنة والسيئة بحذف )ل( كما قــال تعــالى )ومــا يســتوي العمــى‬
‫والبصــير( فلمــاذا جــاء بـ ـ )ل( هنــا؟ النحــاة يقولــون أن )ل( مزيــدة‬
‫للتوكيد لكن لها دللة أخــرى غيــر الزيــادة فــي التوكيــد فلــو قــال ل‬
‫تستوي الحسنة والسيئة فالمعنى واحد واضح لكــن زيــادة )ل( تفيــد‬
‫أن الحســنات ل تســتوي بيــن بعضــها لن بعــض الحســنات أفضــل‬
‫وأعظم مــن بعــض‪ ،‬وكــذلك الســيئات ل تســتوي فيمــا بينهــا فهنــاك‬
‫سيئات أعظم من سيئات وكذلك الحسنات ل تستوي مــع الســيئات‬
‫وهكذا باستخدام )ل( في الية أفادت هذه المعــاني الثلثــة‪ .‬وكــذلك‬
‫قوله تعالى )وما يستوي الحياء ول الموات( تدل على معــاني ثلث‬
‫هي أن الحيــاء ل يســتوون فيمــا بينهــم والمــوات ل يســتوون فيمــا‬
‫مــرادة‬
‫بينهم والحياء والموات ل يستوون أيضا ً وهذه المعاني كلهــا ُ‬
‫وكذلك قوله تعالى )ول الظلمات ول النور(‪.‬‬

‫‪90‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬

‫الفهرس‬
‫أسرار البيان في التعبير‬
‫القرآني ‪1 ........................................................‬‬
‫تذكير الفعل أو تأنيثه مع الفاعل‬
‫المؤّنث ‪9 .................................................‬‬
‫التقديم والتأخير في القرآن‬
‫الكريم ‪15.......................................................‬‬
‫أمثلة أخرى على التقديم والتأخير‬
‫‪34.......................................................‬‬
‫موضوع القطع في القرآن الكريم‬
‫‪41......................................................‬‬
‫مقاصد الذكر والحذف في الحروف في القرآن الكريم‬
‫‪43....................................‬‬
‫الفاصلة القرآنية من حيث‬
‫المعنى ‪51.......................................................‬‬
‫موضوع التشابه والختلف في القرآن‬
‫الكريم ‪54..........................................‬‬
‫سع في المعنى في القرآن‬
‫التو ّ‬
‫الكريم ‪61.....................................................‬‬
‫‪91‬‬

‫أسرار البيان في التعبير القرآني‬

‫‪92‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful