‫‪1‬‬

‫الشّبَحْ الِسلمي نَقد العقل ا ُلسْلِ ْم‬
‫للــــــــــــمؤلـــف‪ :‬ســــــهــيــل أحــــــمـــد‬
‫بجـــــــــــــت‬
‫مـــــــــقـــدّمة‬
‫العال السلم أو العال السلمي كما يُسمّيه آخرون هو باجة فعلية إل إنقاذه ما هو فيه من دكتاتورية و‬
‫ثقافة إرهاب و عنصرية "فاشيّة" و من فقر و جهل و ُأمّيّة ثقافيّة ‪ ،‬و للسف فإن الطبقة الثقّفة ف عالنا‬
‫ال سلمي ‪ ،‬و هذه الطب قة ف طريق ها للنقراض ‪ ،‬مق صرة فعل لن ا وض عت نف سها ف سجن عقلي‬
‫يتنا قض مع نف سه عب نظريات الؤامرة و التّبير و العاط فة اليا شة الّ ت ل تن تج إل الز يد من الل و‬
‫الشاكل ‪ ،‬الشكاليّة الت طرحها حامد نصر أبو زيد حول النّص الُقدّس ف كتابه الُهم "نقد الطاب‬
‫الدّين" و كيفية التعامُل مع الطابع التاريي للنص القدس و بعديه الاضوي التاريي و التحليلي التركيب‬
‫العاصر لستخراج "مفاهيم" الدّة و الداثة ‪ ،‬يشكل هذا المر جزءا مهما ف طريقة البحث ‪ ،‬بعن أ نّ‬
‫علينا طرح أفكار و تأويلت و حلول جديدة لظاهرة تناقض النصوص الدينية مع نفسها ث مع واقعها و‬
‫أخيا مع التطور! فالديقراطية و التعدد و حُريّة التعبي ل تعد مسألة "فقهية = إسلميّة" بقدر ما أصبحت‬
‫ضرورة عقلية و اجتماعية ل يتم حفظ إنسانيّة النسان إل من خللا‪.‬‬
‫مثال على ذلك كان ال سلمون ف القرون الو سطى يُف سّرون الحاد يث الّ ت تُظّ على طلب العلم و أن‬
‫العلم فرض "حالُ هُ حال الصلة و الصوم"! كانوا يفسرون العن بكلمة علم على أنه "التفقه ف الدّين أو‬
‫الشري عة" ‪ ،‬ل كن م نذ الملة الفرن سية ال ت قام ب ا نابليون ف نا ية القرن ‪ 18‬اليلدي و تأثّر ال سلمي‬
‫بالدا ثة الوروبيّة ‪ ،‬راح رجال الد ين ال سلمون يُف سّرون كل مة علم ف منطوق ها العام و الشا مل ب يث‬
‫تشمل كل العلوم الديثة الّت يتاجُها طلب الامعات الديثة ‪ ،‬و هكذا كان التحول ف التفسي و َفكّ‬
‫رموز النّ ص نتي جة لض غظ الوا قع ا ُللّح الّذي ج عل العقول التقليد ية تض طر إل تغي ي أو تطو ير مع ن دي ن‬
‫بيث ل يكون نقيض الواقع التغيّر و الُتحوّل ‪ ،‬و ل يكن هذا التغيي نتاج تطور عقل فقهي من داخل ‪،‬‬
‫بالر غم من أ نّ الف قه نف سه عل يه أن يتلئم مع الوا قع ل أن ي صطدم بي ثُ يكون نقي ضه فل يكون من‬
‫المكن بعدها إلّ أن يلغي أحدها الخر ‪ ،‬ففي تركيا العلمانية قام "العقل" بإلغاء "النّص" و ف "أفغانستان‬
‫طالبان" كان العكس فكان أن "فهم النّص" ل ـ النّص ـ ألغى "نتاجات الع قل" إذ ل ي كن بال من‬

‫‪2‬‬

‫ص مقدس إلغاء العقل و النطق البشري ‪ ،‬إ ّل بعن أنه يب العقل على النكفاء‬
‫الحوال أن يستطيع أيّ ن ّ‬
‫على نفسه بسبب الرهاب الّذي يستهدف ُحرّيّة التفكي‪.‬‬
‫يتركز بثنا حول النقاط التالية‪:‬‬
‫آ ـ أهّيّة مراجعة أصول التّشيع ـ و هي تربة إسلميّة نشأت خارج السلطة الزّمنيّة و ل يتعامل التّشيّع‬
‫مع الدّولة إ ّل ف القرون الخية َك َردّ فعل على انعزال شيعي دام ‪ 11‬قرنا‪.‬‬
‫ب ـ أ نّ أصول التّشيّع ‪ ،‬حالا حال السيحية الصلحيّة و اليهوديّة الديثة ‪ ،‬ل تتناقض مع أساسيات‬
‫الجتمع الدن و الريات الفردية و الديقراطية ‪ ،‬بالتال يفقد النّظام اليران شرعيته الدّينية و الوطنيّة‪.‬‬
‫السـنّي و الشّيعـي و سـُبل مواجهتهمـا و احتواء هذا‬
‫ج ــ حول فهـم مسـبّبات الرهاب فـ العاليـ ّ‬
‫الرهاب‪.‬‬
‫د ـ الروج بفلسفة تؤمن بالفرد كأساس لبناء الدّولة و أ نّ هذه الريات ل تتناقض مع أصل الدّين ـ‬
‫أيّ دين ـ با فيه السلم‪.‬‬
‫و أرجو من القرّاء أن يعذرون إن كان هناك جانب موضوعي يتاج مزيدا من التوضيح لنن فعل كنت‬
‫أود أن أُحرج مئات الصفحات ف بثٍ تفصيلي و لكن صحت التدهورة حالت دون ذلك‪.‬‬
‫أخيا أود أن أشكر كل من ساهم ف ترجة و نشر و توزيع هذا الكتاب‪.‬‬
‫الكاتب العراقي‬
‫سهيل أحد بجت‬
‫العراق ‪21-10-2007‬‬
‫‪Website: www.sohel-writer.i8.com‬‬
‫‪Tel: 00964627604616‬‬
‫التّشيّــع و الديقراطـــية‬
‫خلل هذا الب حث ‪ ،‬و الذي سأحاول ف يه ج هد المكان أن أكون من صفا ف يه ‪ ،‬أن أطرح درا سة و ب ثا‬
‫كنـت أود أن أكتبـه بشكـل أكثـر تفصـيل لول بعـض العوائق الصـحية و الظروف الاديـة الصـعبة كقلة‬
‫الصادر البحثية و الراجع و الوسوعات ‪ ،‬لكن مستقبل دراسة العلقة بي "التشيع" كمذهب أساس ف‬
‫السـلم ‪ ،‬و "الديقراطيـة" كإنتاج حضاري إنسـان و نظام للحكـم ‪ ،‬يسـتحق منـا البحـث و التنقيـب‬
‫لظهار فرص النجاح أو الفشل ف تطبيق الديقراطية ف منطقة الشرق الوسط ‪ ،‬حيث يتركز الوجود‬
‫الشيعي ‪.‬‬

‫‪3‬‬

‫إن دراسة تعامل أي دين أو مذهب مع السياسة و أنظمة الكم يب أن تتم عب دراسة "النص القدس"‬
‫و تعامل هذه الفئات ـ عب مراحل تاريية ـ مع أنظمة الكم التعددة ‪ ،‬و مدى تقبل الدين أو الذهب‬
‫"متمثل ف رجالته و مرجعياته الدينية" ‪ ،‬مع مارسات و آليات الديقراطية و النظم النتخابية ‪ ،‬و ل بدّ‬
‫ها ه نا من درا سة "تار يخ التشيّ ع" و "تار يخ النظام الديقرا طي" ل كي ن ستطيع مقار نة صورتي و إياد‬
‫علئق الصيورة بي الالتي ‪.‬‬
‫كما أن هنالك إشكالية كبية حينما نقول "التشيع" أو "السلم" ‪ ،‬و نقصد به "الشيعة" و "السلمي" ‪،‬‬
‫و الع كس صحيح ‪ ،‬فالتش يع الذي سيتكرر ا سه خلل هذا الب حث هو ما نع ن به "الترا كم الن سان‬
‫التجر يب التغ ي" لذا العت قد ‪ ،‬و بالقدر الذي يكون ف يه هذا "الد ين" أو "الذ هب" ساويا مقد سا ‪ ،‬فإن‬
‫التراكم و التداعي التجريب الذي يتحول ف صيورة مستمرة ‪ ،‬هو تراكم إنسان قابل للبحث و النقد و‬
‫التمحيص الفلسفي التاريي ‪ ،‬و ما دام كذلك فهو قابل للتغيي و البداع و خلق مفاهيم جديدة تتناسب‬
‫و التحولت الضارية و القيمية الت يشهدها العال ‪ ،‬و طبعا فإن "الشيعة" هم ف قلب هذا العال ‪ ،‬و من‬
‫حسن حظهم أن مذهبهم يتلك هذه القدرة على التحول ‪ ،‬غي أنه ل شكّ أن هذا العمل صعب و شاق‬
‫و يتاج إل تعاون الا نبي "الدي ن و العلما ن" ف الو سط الشي عي ‪ ،‬و بدون ذلك فال صلح و التحول‬
‫مستحيلن‪.‬‬
‫و الا نب ال هم الذي ينب غي لدار سي "التش يع" ‪ ،‬سواء كان البا حث شرق يا أو غرب يا ‪ ،‬ملح ظة ظاهرة‬
‫"الجتهاد" الستمرة ف الوسط الشيعي ‪ ،‬رغم أن طبقة الجتهدين و الوزات تعان من كثي من القصور‬
‫و ال ساليب القدي ة ف التدر يس و التعل يم و يبدو أحيا نا أن غالب ية دار سي و طلب الوزة يعانون من‬
‫ضعف ف الطلع على الداثة و فهم الفلسفة الديثة الت خلقتها البيئة الديقراطية الغربية ‪ ،‬لكن المر‬
‫الميز هو أن كلمة "اجتهاد" ف القاموس الشيعي ل تزال تفل بالمل رغم أننا هنا باجة إل نقد حقيقي‬
‫لذه الكلمـة ‪ ،‬بيـث نسـتكشف مـن خلل هذا النقـد مناطـق الفراغ و الل مــفكّر فيـه فـ قواميـس‬
‫الجتهدين ‪ ،‬كما أن كلمة "متهد" رغم أهيتها ف الوسط الشيعي ‪ ،‬إل أنا بد ذاتا ل تنح العصمة‬
‫"للمجتهد" كونه يُجهد نفسه للوصول إل مـــراد النص القدس و كشف "الشيفرة" الت يتظنها‬
‫النص بي جوانه‪.‬‬
‫يقول آ ية ال ال صادق ال سين الشيازي ف كتاب "بيان الف قه ف شرح العروة الوث قى ـ الجتهاد و‬
‫التقليد ج ‪ 1‬ص ‪" 17‬‬
‫و ما ذكره بعض هم ‪ :‬من أن الجتهاد قوة قد سية ‪ ،‬أو نور يقذ فه ال ف قلب من يشاء ‪ ،‬و ن و ذلك ‪،‬‬
‫فالظاهر من تأمل أمثال ذلك ـ و لو لناسبة الكم و الوضوع ـ أنه ل يريد الجتهاد الصطلح بل يريد‬

‫‪4‬‬

‫الثار الخروية الترتبة ‪ ،‬أو الجتهاد الذي يوز رجوع العامي إليه و تقليده ‪ ،‬و إل فالجتهاد الذي هو‬
‫م ل الب حث م كن ال صول للفا سق و العادل ‪ ،‬و النا فق و الؤ من ‪ ،‬بل و الكا فر و ال سلم ‪ ،‬و الرائي و‬
‫الخلص ‪ ،‬و غيهم ‪ ،‬لتسببه بإعمال القوة النظرية الذكورة‪ ."..‬ناية القتباس‪.‬‬
‫الل حظ ف هذه العبارات ذات الغزى ال كبي ‪ ،‬أن هناك وع يا و فه ما دا خل الوزة ‪ ،‬و إن ا ستثنينا من‬
‫ذلك البعض ‪ ،‬من أن "الجتهاد" هو مسئولية و ليست عباءة مقدسة يرتديها من يشاء ‪ ،‬كما أن الجتهاد‬
‫يُمثل إذنا إليا يستند إل جواز التجديد الدين با يلئم العصر و الزمان ‪ ،‬إن مشكلة الوزة هي أن أصول‬
‫الفقه هي أكثر تطورا من الفقه نفسه ‪ ،‬خصوصا ف جانبه السياسي‪.‬‬
‫و المينية "الصول الفقهية" أكثر حداثة و تطورا من نظيها الخر "المينية ف فقهها السياسي" ‪ ،‬ففي‬
‫أ صول الف قه تقوم نظر ية ال سيد المي ن على دور و بعدي الزمان ‪ +‬الكان = الزمكان ‪ ،‬ف تأثي ها على‬
‫التغي الفقهي ف أصوله الثابتة ‪ ،‬بعن أن "مسألة معينة" تتلف أحكامها بي الظروف الزمكانية التغية ‪،‬‬
‫بعن أن شيئا ما "حراما" يتحول بفعل "الزمكان" إل "حلل" و "مباح" بل و ربا مرغوبا فيه ‪ ،‬و حسب‬
‫هذه الصول فإن أمريكا الت كانت "شيطانا أكب" حسب مصطلحه ‪ ،‬تصبح "اللك الكب و العظم"‬
‫إذا ما توفرت أ سباب التحول ‪ ،‬مع ملح ظة تف ظي الكلي على موا قف ال سيد المي ن ال سياسية و ال ت‬
‫أرا ها خاطئة و مناق ضة ف تطبيق ها الفق هي لذه ال صول الفقه ية القابلة للتطو ير ‪ ،‬من ه نا كان ل بد‬
‫للحوزات الدينيـة مـن مراعاة الفارق بيـ "النـص" كمقدس ثابـت و الواقـع غيـ القدس و "التحول"‪,‬‬
‫"التغ ي" ‪ ،‬ف من دون ملئ مة ال نص "الثا بت" كتف سي و حتوى للوا قع التغ ي ‪ ،‬فإن كليه ما "ال نص" و‬
‫"الواقع" الذي ينتج منهما التطبيق ‪ ،‬يصبحان جامدين ‪ ،‬النص يصبح "تقليدا سلفيا جوديا" و "الواقع‬
‫متخلفا ماضويا" ‪ ،‬من هنا ل بد من خلق مغزى أعمق لسألة الجتهاد ‪ ،‬خصوصا و أن الشيعة ل يسدوا‬
‫باب الجتهاد كما فعل السنة ف القرن الثان عشر اليلدي‪.‬‬
‫كما يب أن نلحظ أن هناك أقسام و تيارات حت داخل "التشيع" تتلف و تتباين و تتفاوت فيما بينها‬
‫تطرفا أو اعتدال ‪ ،‬و ل بد من الشارة إل أن التشيع كأي فكر أو منهج ف الياة البشرية يؤثر و يتأثر ف‬
‫الوقت نفسه ‪ ،‬كما أن التشيع يتلف عن الذاهب السلمية الخرى ف كونه يتلك فلسفة تعله يتكيف‬
‫ب سرعة مع التغيات ‪ ،‬فالتش يع مرّ بعدة تولت و تغيات ‪ ،‬التش يع ف الع صر العبا سي يتلف ع نه ف‬
‫الع صر العثما ن ‪ ،‬كذلك الال مع التش يع ف بدا ية القرن العشر ين و التش يع ف العقود الثل ثة الخية و‬
‫ظهور "فلتة ـ ولية الفقيه" و الفوران الذي شهده الشرق الوسط و إيران خصوصا‪.‬‬
‫و القيقة أن أحداث ‪ 11‬سبتمب ‪ ،‬الت ل تز الوليات التحدة فحسب بل العال بأسره ‪ ،‬كانت حافزا‬
‫أساسا ف طرح التساؤلت الت سنناقشها ف بثنا هذا ‪ ،‬خصوصا و أن "التشيع"يكاد يكون هو الصم‬

‫‪5‬‬

‫العقائدي الوح يد للوهاب ية "ال سلفية" ال ت ات سعت مع الن فط ال سعودي و أذر عه الخطبوط ية ‪ ،‬ر غم أن‬
‫هناك خلفا شيعيا ـ أمريكيا أعتقد أنه ف طريقه للذوبان تت الشمس العراقية الديدة ‪.‬‬
‫التـشيــــــُع تاريـــــخيـــــا ‪....‬‬
‫التش يع ‪ Shiism‬ا صطلحا ‪ ،‬كل مة عرب ية تع ن "التحزب" و تأي يد رأي مع ي ‪ ،‬و اللف الرئي سي‬
‫الذي جعل السلمي الشيعة يتلفون مع "السنة ‪ "Sunnism‬هو موقفهم ‪ ،‬ليس من خلفة علي بن أب‬
‫طــالب للنب ممد ‪ ،‬بقدر ما هو رفض أو قبول التاريخ السلمي ككل و أنظمته السياسية ‪ ،‬الدولة‬
‫المو ية ـ الدولة العبا سية ـ الدولة العثمان ية ‪ ،‬فالشي عة ينتقدون هذا التار يخ الم تد إل ‪ 1400‬سنة‬
‫م ضت ‪ ،‬بين ما ال سنة عمو ما ينظرون إل يه بع ي التقد يس ‪ ،‬فالشي عة يع تبون أن هناك انقل با ت ف صدر‬
‫ال سلم و بالذات ع ند وفاة ال نب م مد و نشوب الناع ب ي القبائل العرب ية الرئي سية ‪ ،‬و خ صوصا قبيلة‬
‫قريـش التـ كانـت الصـم اللدود للدعوة الديدة و بيـ مرشـح النـب ممـد للفتـه و حسـب اليان‬
‫الشيعي ‪ ،‬أي المام علي ‪ ،‬هذا النقلب سح لكل من طمع بالكم أن يستول عليه عب النقلب ‪ ،‬إن‬
‫الشكلة ال ت ظهرت ف صدر ال سلم ل تزال ك ما هي إل الن ‪ ،‬و هي الشكلة نف سها ال ت نعاني ها ‪،‬‬
‫فكان ال صراع القي قي الدائر ف العال ال سلمي هو صراع مفهوم ي مت صارعي ‪ ،‬الفهوم الول الذي‬
‫حلته الفلسفة الشيعية هو أنه يب أن يكم "الفضل" و "الصلح" و إن ل يكن "القوى" ‪ ،‬بينما كان‬
‫الفهوم الخر "السن" يقول بأنه يب أن يكم "القوى" حت لو كان "ظالا و مرما"!! ‪.‬‬
‫إن هذا ال صراع ل يزال موجودا ‪ ،‬ل كن ل يس بذا الوضوح الفل سفي ‪ ،‬لن كثيا من القطاعات الشيع ية‬
‫تشوهت ثقافتها بفعل التراكم الثقاف و الجتماعي و السياسي و جوانب أخرى يصعب تعدادها الن ‪ ،‬و‬
‫من أبرز هذه التشوهات هو ما ي سمى بتيار "ح ـــزب ال" و ول ية الفق يه "النظر ية المين ية" ال ت‬
‫تنسجم مع النظرية "السنية" ف الكم ‪ ،‬أكثر من التشيع ‪ ،‬و هي تشبه نظرية "اللفة" أكثر من أي نظرية‬
‫أخرى‪.‬‬
‫إن معال التشيع أصبحت أكثر وضوحا منذ اغتيال علي بن أب طالب و قيام حكم بن أمية الذين كان‬
‫شعارهم هو سب و لعن "علي" و كانوا يشنون الملة تلو الخرى لق تل و اضطهاد أنصار علي بن أب‬
‫طالب و الت بدأت بشكل عفوي ف عهد الليفة عثمان و أصبحت منظمة و مقصودة أيام معاوية بن أب‬
‫سفيان الذي استخدم أ ساليب وحش ية مثل ق طع الطراف و ال صلب و قلع العي و الوت البط يء عب‬
‫العطـش ‪ ،‬و كان يكفـي أن يقتـل أي شخـص لجرد اتامـه بأنـه مـن أنصـار علي و آله ‪ ،‬كمـا أن فترة‬
‫الضطهاد الطويلة و الت ل تف على الشيعة إل ف فترات متقطعة من القرني التاسع و العاشر اليلديي‬
‫حينما قامت مموعة دول شيعية ‪ ،‬كما ل يفى على دارس التاريخ السلمي أن أحوال الشيعة كانت‬

‫‪6‬‬

‫أف ضل ن سبيا ف الع صر العبا سي ‪ ،‬و ل كن عودة إل الع صر الموي نقول ‪ ،‬أن ب ن أم ية ل يكونوا على‬
‫اختلف مع آل علي لجرد الت صارع على ال سلطة ‪ ،‬بل كان اللف أع مق من ذلك بكث ي ‪ ،‬ف قد ف سر‬
‫المويون "ال سلم" على أ نه د ين خاص "للعرب" و أن هدف الد ين ال سلمي هو ف قط "إركاع العال‬
‫للعرب" و رب ا كان اللي فة الثا ن "ع مر بن الطاب" أول من روج لذا العت قد ‪ ،‬لذلك ن د أن غ ي‬
‫العرب كانوا أسرع استجابة للمذهب الشيعي من العرب أنفسهم ‪ ،‬رغم أن مهد التشيع كان ف العراق ‪،‬‬
‫ف الكو فة و كربلء و الب صرة و جنوب العراق عمو ما ‪ ،‬ك ما أن هناك وجودا شيع يا ف شرق الزيرة‬
‫العرب ية و لبنان ‪ ،‬إن الذ هب الشي عي ي يل إل ال ساواة ب ي متلف النتماءات العرق ية و القوم ية أك ثر من‬
‫الذا هب الخرى ‪ ،‬ر غم أن أكثر ية الرجعيات الدي ثة تتب ن الن هج "القو مي العر ب" و رب ا كان لعقدة‬
‫الشعور بالنقص دور ف ذلك ‪ ،‬بعن أنم تلوا عن أساسيات الذهب بفعل التأثي القليمي‪.‬‬
‫و أوجد انعزال الئمة عن السلطة ‪ ،‬ابتداء من السن بن علي و انتهاء بالسن العسكري ـ والد المام‬
‫الثا ن ع شر الغائب ـ أدى هذا ال مر إل توج يه التش يع ن و التغل غل أك ثر فأك ثر ب ي الطبقات الفقية‬
‫السحوقة من قبل السلطة و الطبقات الترفة الاكمة ‪ ،‬لذلك ل يتاج الباحث إل كثي تعمق ليكتشف‬
‫أن الثقا فة الشيع ية ‪ ،‬بع كس تلك ال سنية ‪ ،‬ت يل أك ثر ن و الب ساطة و أن ر جل الد ين الشي عي كل ما كان‬
‫أز هد ف الياة و ملذات ا و ترف ها و كل ما ابت عد عن الا كم و ال سلطان كان أك ثر قبول و شعب ية ب ي‬
‫الناس ‪ ،‬بعكس السن الذي يزداد حظوة كلما التصق بالاكم و السلطة ‪ ،‬و ند أن التشيع و برور الزمن‬
‫ل ين جو ‪ ،‬كأي د ين أو مذ هب ‪ ،‬من أن تتغل غل إل يه الرافات و البالغات العقائد ية في ما يتعلق بال نب و‬
‫الزهراء و الئمة ‪ ،‬و لكن يبقى التشيع رغم التراكمات سهل الصلح ‪ ،‬خصوصا و أن للعقل دورا أكب‬
‫ف العقيدة الشيعية ‪ ،‬على عكس الذاهب الخرى الت تشكك ف قيمة العقل ل على سبيل "الفلسفة" أو‬
‫"الكمة" بل على سبيل تعطيل دور الدين ف ردع "الاكم" و "السلطة" ‪.‬‬
‫ل تتو قف العزلة على الئمة ‪ ،‬بل امتدت إل الرا جع الدينيي و النقباء و الشراف العلويي ‪ ،‬و ل زالت‬
‫عزلة آية ال السيستان و قبله أبو القاسم الوئي و مراجع آخرين شبيهة بتلك الرحلة الت أخذت تنتهي‬
‫م نذ بدا ية القرن العشر ين ‪ ،‬و إن كا نت هذه النها ية إعل نا لظاهرة سلبية أخرى هي "ح كم الفق يه" أو‬
‫"ولية الفقيه" ـ نظرية السيد المين الت سنناقشها ف هذا البحث ـ فقد كان الشيعة ينظرون إل‬
‫ال سلطة على الدوام ‪ ،‬ح ت ف ظل الدول الشيع ية ‪ ،‬على أن ا عدو ي ب الذر م نه ‪ ،‬و الن صوص الدين ية‬
‫الشيعية كأصول الكاف للكلين و من ل يضر الفقيه و ‪ ..‬غيها من كتب الديث النقولة عن الئمة و‬
‫النب ‪ ،‬كلها أو أغلبها يذر من إتباع هوى السلطان و الاكم ‪.‬‬

‫‪7‬‬

‫و الل حظ أن الضارة ال سلمية كا نت تع يش أوج حالت البداع و خلق الق يم الضار ية ف الفترة‬
‫المتدة من القرن الثامن اليلدي و حت القرن الادي عشر ‪ ،‬و هي الفترة الت سادت فيه دول شيعية ‪،‬‬
‫"الدولة البويهية" ف إيران و العراق و "الدولة المدانية" ف الوصل و شال العراق و "الدولة الفاطمية" ف‬
‫مصر و ش ــال أفريقيا ‪" ،‬الدولة الدريسية" ف شال أفريقيا ‪ ،‬و هذا طبيعي ف ظل إيان الشيعي أن‬
‫على الع قل أن يقرر ما هو حق و با طل و أن الع قل مقدس إضا ف للو حي ‪ ،‬بين ما ال سن ـ حاله حال‬
‫الارجي ـ يؤمن بالوحي فقط و إن تناقض كليا مع العقل و الواقع ‪ ،‬فنجد أشخاصا مثل أبو العلء‬
‫العرّي و الغزال ـ فلو ل التش يع ل ا كان لذا الفيل سوف السن وجود ـ و الفاراب و بن سينا و ابن‬
‫اليثـم و ابـن رشـد و ابـن خلدون ((راجـع كتاب ــ منطـق بـن خلدون ــ للدكتور الرحوم علي‬
‫الوردي)) ‪ ،‬كمـا أن الشيعـة أنتجوا فيلسـوفي كـبيين هاـ "الرازي ــ ننـ ننسـبه إل التشيـع كنتاج‬
‫حضاري و إن كان متهما باللادـ" و "الل صدرا" ‪ ،‬و لكن التشيع أيضا شهد انقساما جذريا خلل‬
‫القرون التاليـة ‪ ،‬و لرباـ كان هذا النقسـام واضـح العال إل الن ‪ ،‬و هـو أن التشيـع يصـنف الن إل‬
‫قسمي ‪ ،‬فالصوليون ـ و هم الذين يركّزون على أُصول الدين و رفض النصوص الحادية غي الؤكدة‬
‫ـ هم الن يثلون غالبية الشيعة ‪ ،‬ييلون إل اللئمة بي النص و الواقع و أن هناك جانبا مهما يب أن‬
‫يلتفت إليه الجتهد و الباحث ‪ ،‬هو أن على ال نص أن يتعامل مع الواقع دون إغفال جانب التغيّر فيه و‬
‫بالتال إياد فلسفة واقعية اسها "التأويل" ‪ ،‬و لربا كان على الجتهد أن يلئم النص مع الواقع ل الواقع‬
‫مع النص ‪ ،‬فمن السهل إياد حل "فقهي" لكل مُستجد ‪ ،‬لكن أن يُرفض الواقع بجة عدم ملئمته مع‬
‫النص فهو أمر سلب و فقه مقلوب ‪.‬‬
‫أما الطرف الخر أو القسم الثان فهم "الخباريّون" الذين نستطيع أن نقول عنهم أنم أشبه بالسنة منهم‬
‫بالشي عة ‪ ،‬ف قد كانوا يؤمنون أن على ر جل الد ين أن يتحرى ف ب ثه مراعاة "الن صوص" و "الروايات"‬
‫النقولة عن النب و الئمة ‪ ،‬و أن على الجتهد العمل بالنص بجرد أن يشتبه بصحة وروده عن العصوم ‪،‬‬
‫مهما كان هذا النص غي واقعي و مشكوك الصدور عن العصوم ‪.‬‬
‫و عندما نقوم بقارنة بسيطة بي كتب الفريقي ‪ ،‬ند أن كتب الصوليي أكثر قربا بالواقع و أسهل على‬
‫الت طبيق ‪ ،‬أ ما الخباريون ف قد ا ستمروا بش حن كتب هم بالحاد يث و الروايات إل حد أ صبح للق صص‬
‫الشعب أيضا مكان ف هذه الكتب ‪ ،‬فتجد فيها روايات و أحاديث يال لك من خللا و كأن اللئكة و‬
‫الل العلى و الن ليس لم شغل غي خطبة "فلنة" للمام الفلن أو الستبشار و الحتفال بولد المام‬
‫الفل ن ‪ ،‬أ نا ل أن كر أن الد ين يؤ من بكث ي من أمثال هذه الشياء ‪ ،‬م ثل م يء الجوس الثلث ب ثا عن‬
‫مولود اسه السيح ـ كما تنقل لنا كتب العهد الديد ـ ‪ ،‬لكن من الواضح أن هناك نوعا من البالغة‬

‫‪8‬‬

‫جرى ف هذا الا نب ‪ ،‬إن ل ت كن ال سألة قري بة من خرا فة العشرة البشر ين بال نة أو أ سطورة اللفاء‬
‫الراشدين ‪.‬‬
‫النقطة الهمة الخرى الت اتسم با التاريخ الشيعي بدءا من الدولة الموية و انتهاء بقيام الدولة الصفوية‬
‫ـ الت كانت بداية خروج التشيع من عزلته ـ هذه الفترة تتميز بنمو التنظيمات السرية ‪ ،‬و هي حال‬
‫كـل الديان و اليدولوجيات الواقعـة تتـ الضطهاد أو خطـر البادة ‪ ،‬كالديـن اليهودي مثل ‪ ،‬و لن‬
‫التشيع تنوع بي "التشيع العفري الذي يؤمن باثن عشر إماما و هم أغلبية الشيعة ف العال" و "التشيع‬
‫الفاطمي الساعيلي الذي يؤمن بالئمة السبعة و هم القلية" و "التشيع العاطفي ـ و هم اؤلئك الذين‬
‫ينتمون إل مذاهب أخرى و لكنهم يتعاطفون فكريا مع المام علي و أبناءه الضطهدين" ‪ ،‬هذه التنوعات‬
‫جعلت للتنظيـم السـري الشيعـي يتاز بأصـناف ‪ ،‬فالتنظيـم السـري "الثنـ عشري" يتلف عـن ذلك‬
‫"الساعيلي" و بشكل كبي ‪ ،‬و كان التنظيم الساعيلي يتسم بالقدرة على الواجهة العسكرية كتنظيمات‬
‫قادرة على القيام بعمليات اغتيال للشخصيات العادية ‪ ،‬بينما كان التنظيم الثن عشري يقوم فقط بشد‬
‫النصار و تثقيفهم و تيئة خلق متمع قابل للتغيي ‪ ،‬و حت العباسيون ـ الذين كانوا شيعة ف البداية ث‬
‫قرروا اعتناق الذ هب ال سن لكو نه أ صلح لبقائ هم ف ال سلطة ـ ا ستفادوا من خبة الشي عة و نحوا‬
‫بفضلهم ف الطاحة بالكم الموي ‪ ،‬و يعزو بعض الؤرخي قيام النصور الدوانيقي ‪ ،‬الليفة العباسي‬
‫الثا ن ‪ ،‬بق تل كل من أ ب م سلم الرا سان و أ ب سلمة اللل ‪ ،‬إل أن ما كا نا يؤمنان بالولء لل علي‬
‫بدل مـن آل العباس ‪ ،‬و بجرد أن سـقط بنـو أميـة عـن الكـم ‪ ،‬تول الضطهاد مـن الموييـ إل‬
‫العبا سيي ‪ ،‬ل كن على ال قل و برور الز من أ صبح للشي عة حال أف ضل من الع هد الموي بف ضل ب عض‬
‫اللفاء العبا سيي م ن كادوا يعتنقون التش يع ‪ ،‬كالأمون الذي كاد ي سلم ال كم لل علي لو ل أ سباب‬
‫كثية يطول شرح ها ‪ ،‬و أعت قد أن الأمون ـ و هو يكاد يكون الفيل سوف الوح يد من ب ي اللفاء ـ‬
‫ظـــلم من قبل الشيعة حينما اتموه بأنه وضع ال سّ ّم للمام الرضا "المام الثامن لدى الثن عشرية"‬
‫لكي ل يلفه ف الكم و أظن أن الأمون كان شيعيا جادّا خصوصا إذا نظرنا إل تقريبه للمـعتزلة و هم‬
‫الذهب الفلسفي القرب للشيعة ‪.‬‬
‫التشيّــع و الفـــتح الـــغول‬
‫أدى ال صراع العباسي مع الدول الشيعية ‪ ،‬البويهيون ف الشرق و الفاطميون ف الغرب و المدانيون ف‬
‫الشمال و القرام طة ف الزيرة العرب ية ‪ ،‬و هم يتبعون الذ هب ال ساعيلي ‪ ،‬أدى هذا ال صراع إل تو تر‬
‫العلقة بي الدولة العباسية و الشيعة و عودة عهود الضطهاد ‪ ،‬و كانت السلطة "العباسية" ذات الطابع‬

‫‪9‬‬

‫الذهب السن ‪ ،‬تتحيز ضد الشيعة عند نشوب فتنة أو حدوث مشكلة مذهبية ‪ ،‬و قد شهدت بغداد بعضا‬
‫من هذه الفت و الت كانت تتحول إل ما يشبه الذابح ‪.‬‬
‫إن من يظن أن عهود الظلم ف السلم بدأت مع الفتح الغول ‪ ،‬يطئ حتما ‪ ،‬فالحداث التاريية الت‬
‫شهدها العال السلمي خلل القرن الامس و السادس الجريي ـ الثان عشر و الثالث عشر ميلديي‬
‫ـ تدل على ت صاعد التع صب الدي ن و الذ هب و ان سار سيطرة "ال سلم العقلي" التم ثل ف الشي عة و‬
‫العتزلة و فئة من السّنّة "ابن رشد مثال" ‪ ،‬و كانت اللفة العباسية تعيش حالة رهيبة من النلل اللقي‬
‫و إهال واجبات ال سلطة ‪ ،‬و اللي فة ل ي كن له ه ّم سوى الواري و الغلمان و مقار عة ال مر و ق مع‬
‫الشعب الفقي للستمرار ف الكم ‪.‬‬
‫هنا و ف بداية القرن السابع الجري ‪ ،‬الثالث عشر اليلدي ‪ ،‬ظهر فاتح هز اسه و اسم جيوشه التاريخ ‪،‬‬
‫فعلى الرقعـة المتدة مـن شال الصـي حيـث الباديـة الواسـعة ‪ ،‬اسـتطاع قائد مغمور اسـه "‪TIMU‬‬
‫‪ "CHIN‬و العروف بلقب "جنكيزخان" ‪ ،‬أن يوحد القبائل الغولية من "مغول" و "تاتار" و "ناين" و‬
‫"الركيت" و هاجم الدول و المباطوريات الحيطة بم ‪ ،‬و خلل عشرين سنة فقط ‪ ،‬أنشأ إمباطورية‬
‫متدة من النصف الشمال للصي و حت شــال إيران و حدود أوروبا الشرقية ‪.‬‬
‫و خلل خ سي سنة الخرى توج هت أنظار الغول ن و منط قة الشرق الو سط ‪ ،‬خ صوصا و ب عد أن‬
‫تسبب سلطان "خوارزم" ف حرب مع الغول دمرت ملكته و إل البد ‪ ،‬و من هذه الرحلة و ما بعدها ‪،‬‬
‫بدأ احتكاك الشرق السلمي بالغول ‪ ،‬و من ضمنهم الشيعة طبعا ‪ ،‬إن الشيعة اتموا من قبل السنة بأنم‬
‫هم من جلب الغول و دعاهم لتدمي اللفة العباسية ‪ ،‬و القيقة أن الغول كانوا ينوون أصل أن يفتحوا‬
‫بلدان الشرق الوسـط ‪ ،‬بدون أن يدعوهـم أحـد ‪ ،‬و لكـن تبقـى القيقـة التـ تقول ‪ :‬أنـه لو ل الفتـح‬
‫ال ـغول ل ا ا ستعاد الشي عة جزءا كبيا من حريت هم ‪ ،‬خ صوصا و أن الغول ‪ ،‬خ صوصا "جنكيزخان" ‪،‬‬
‫كانوا يؤمنون برية العبادة و العتقد ‪ ،‬و هو أمر ل يعتده العال السلمي ـ إل من استثناءات نادرة ـ‬
‫و بالتال كان حق إعلن الدين و العقيدة مكفول للجميع ‪ ،‬و الشيعة من بينهم‪.‬‬
‫الل حظ أن للشي عة أبا ثا و درا سات تتعلق بذا الوضوع ‪ ،‬و من جلة ذلك ما كت به الش يخ "ع ــلي‬
‫الكَوران" بعنوان "الشيعة هم من رد الغول" و البحث منشور على موقع منتدى البحرين ‪ ،‬و القيقة أن‬
‫الباث الت يصدرها كل الطرفي ‪ ،‬السن و الشيعي ‪ ،‬ل تعدوا أن تكون أباثا مصممة مسبقا ‪ ،‬للدفاع‬
‫أو الجوم على صاحب العقيدة الخالفة ‪ ،‬و ليست بوثا تاريية تدف إل الحاطة بتاريخ تلك الفترة ‪،‬‬
‫الشكلة الخرى فهذه الباث هي أن الطرف السن مثل يُصر على نظرية الؤامرة "الشيعية ـ الغولية" ‪،‬‬
‫مع أن الد الغول اكتسح ج ّل العال القدي و دون نظريات مؤامرة ‪ ،‬و الشكلة الخرى أن الشيعة تعاملوا‬

‫‪10‬‬

‫مـع هذه "التهمـة"! تعامل ينطلق مـن عقدة "الشعور بالنقـص" ‪ ،‬بالتال يقوم باحثوهـم بإنكار حقيقـة‬
‫الستفادة الشيعية من قواني "الرية الدينية" الت قام الغول بتطبيقها ‪ ،‬و أنا شخصيا ل أرى ف ذلك تمة‬
‫أو سبة ‪ ،‬من ه نا انطلق الشي عة القدماء ‪ ،‬و يبدو أن م ل يأبوا لزا عم ال صوم على ع كس الشي عة ف‬
‫ع صرنا ‪ ،‬فأكدوا ‪ :‬أن الك ـــافر الع ـادل خ ـــــــي من ال سلم الظ ـــــال" ‪ ،‬و‬
‫هو مبدأ كان موجودا ف صلب العقيدة الشيعية ‪ ،‬لكنه أصبح أكثر وضوحا بعد الريات الديدة ‪ ،‬لكن‬
‫هذا طبعـا ل يعنـ أن الال اسـتمر كذلك ‪ ،‬إذ سـرعان مـا أصـيب حكام الغول و أباطرتمـ بأمراض‬
‫السـلمي ‪ ،‬إذ تنافـس الطرفان "السـن ــ الشيعـي" فـ إقناع السـلطة بالقبول بنظريتهـا ‪ ،‬و كان‬
‫الــــكم الــغول "الوثن" أفضل من ذلك السلمي ‪ ،‬إذ كان طرفا مايدا على القل‪.‬‬
‫غ ي أن ال كم الغول ل يدم أك ثر من قرن و ن صف ‪ ،‬ف هذه النط قة ‪ ،‬و تف تت ال سلطة الركز ية و‬
‫ضعفت أكثر فأكثر ‪ ،‬فأصبحت السلطات ف ظل الماليك و إل حي ظهور المباطوريتي "العثمانية" و‬
‫"الصفوية" ‪ ،‬مرد حكومات ملية ضعيفة ل تتم إل بباية "الضرائب" و الولء الشكلي أو الرمزي‪.‬‬
‫التشيع من العهد العثمان إل القرن العشرين‪.‬‬
‫‪...............................................................................‬‬
‫حقيقـة أن الفترة المتدة مـن القرن الرابـع عشـر اليلدي و حتـ بدايـة الرب العاليـة الول و سـقوط‬
‫المباطور ية العثمان ية ‪ ،‬كا نت الفترة الك ثر ظلم ية ف التار يخ ال سلمي ‪ ،‬و في ما كان الغرب ي طو‬
‫خطواتـه البارة نوـ "التنويـر" و "الدا ثة" و "الديقراط ية" ‪ ،‬كان الشرق يتصـارع حول مفهوم "الدولة‬
‫الشرع ية" و مار بة أعدائ ها ‪ ،‬ح يث كان "ال سنة" و "الشي عة" يتبادلون هذه النظرة ‪ ،‬فالشي عي كان يرى‬
‫لنفسـه امتدادا طائفيـا فـ "الدولة الصـفوية" ‪ ،‬بينمـا كان "السـن" يرى امتداده الطائفـي و الذهـب فـ‬
‫"المباطورية العثمانية" و الت كانت لضخامتها قادرة على لعب هذا الدور ‪.‬‬
‫و كان مر كز ال صراع "الط ـائفي" يتمحور حول "العراق" الذي كان له هذا الع مق ‪ ،‬ح يث الرا قد و‬
‫القدّسـات "السـنية" و "الشيعي ّة" على حـد سـواء ‪ ،‬و الذي زاد الوضـع سـوءا هـو اسـتغلل كل‬
‫ال مباطوريتي "ال صفوية ـ العثمان ية" للخلفات الدين ية و ت سخيها ف التنظ ي ال سياسي ‪ ،‬و لن أكون‬
‫متحيزا لو قلت‪ :‬أن رجال الدين السنة كانوا و ل زالوا أكثر طواعية للسلطة ‪ ،‬من رجال الدين الشيعة ‪،‬‬
‫الذ ين يفضلون ف أ سوأ الوضاع أن ينأوا بأنف سهم عن ال سلطة ‪ ،‬بين ما كان من ال سهل على "ال سلطان‬
‫العثما ن" ا ستصدار "فتوى" ‪ ،‬أو "إجازة دينية" من ش يخ ال سلم "أعلى سلطة دينية ف المباطور ية أو‬
‫غيه من الفتي ‪ ،‬بقتال الشيعة "الروافض" ‪ ،‬أو العكس ‪ ،‬بعن عدم جواز القتال ‪ ،‬و كمثال راجع كتاب‬

‫‪11‬‬

‫"ر سائل ف الرد على الراف ضة‪ :‬تأل يف ممو عة من رجال الد ين الكراد ‪ :‬تق يق ‪ :‬حدي ع بد الج يد‬
‫السلفي"‪.‬‬
‫و شهد ذلك العصر ‪ ،‬إعلن المباطورية "الصفوية" رسيا‪ :‬عن أن "التشيع" هو الذهب الرسي للدولة ‪،‬‬
‫م ا كان يع ن أن ال صم الطائ في ل ـ"ال سنّة" أ صبح مذه با ر سيا لدولة ماورة ‪ ،‬و لرب ا كا نت نز عة‬
‫"التشيع" الُمية ‪ ،‬سببا رئيسيا ‪ ،‬من ضمن مموعة أسباب ‪ ،‬ف انتشار التشيع بي اليرانيي ‪ ،‬خصوصا و‬
‫أن "الذ هب ال سن" لد يه نزوع أ كب ن و "القوم ية العرب ية" ‪ ،‬ل كن "التش يع" تأ ثر سلبيا أي ضا ‪ ،‬بإعلن‬
‫الصفويي عن مذهب "التشيع" كدين رسي للدولة ‪ ،‬إذ دخلت "العقلية الشيعية" ف جدال "فلسفي" و‬
‫"فقهي دي ن" حول جواز دعم "السلطة" و إن زعمت اعتناق ها الذ هب الشيعي ‪ ،‬و اعتقد أن السبب‬
‫الرئيسي ف ذلك التردد ‪ ،‬هو اختلف علقة رجل الدين "الشيعي" بالسلطة و أبناء الشعب‪.‬‬
‫فبين ما ي صل ر جل الد ين "ال سنّي" على م صدر عي شه من "ال سلطة" أو "الا كم" ‪ ،‬فإن ر جل الد ين‬
‫"الشي عي" ‪ ،‬ي صل على م صدر رز قه عب الش عب ‪ ،‬و كل ما ابت عد عن "ال سلطان" و "الا كم" ‪ ،‬كل ما‬
‫ازدادت شعبيته و اتسع مصدر عيشه و تكن من النفاق على "طلبه" و مشاريعه ‪ ،‬لكن هذا ل يعن أن‬
‫رجال الدين "الشيعة" ل يتعاطفوا على القل مع الدولة الصفوية الت أصبحت أمل للدفاع عن مظلمتهم‪.‬‬
‫و ر غم الجازر التبادلة ‪ ،‬حيث ذ بح العثمانيون آلف "الشيعة" ف " تبيز" اليرانية ‪ ،‬و بغداد ‪ ،‬ث انتقم‬
‫اليرانيون من "ال سنة" ف العراق ‪ ،‬ل كن أ ستطيع أن اؤ كد أن علماء "الشي عة" ل يفتوا بقتال ال سنة على‬
‫أ ساس طائ في ‪ ،‬بين ما ف عل الل ية ال سنة ذلك و بدون تردّد ‪ ،‬ل كن و ب عد أن انتقلت الدولة العثمان ية من‬
‫مرحلة التوسع السريع إل استقرار الدولة ف بداية القرن الـ ‪ 17‬م ‪ ،‬ففي الوقت الذي كان السلطان‬
‫"سليم ياووز" و ابنه "سليمان القانون" متعطشي إل إراقة دماء "الكفار ـ الشيعة و السيحيي" ‪ ،‬كان‬
‫ال سلطي الذ ين جاءوا من بعد هم "با ستثناء مراد الذي ق تل الشي عة ع ند ف تح بغداد ‪ 1638‬م" ‪ ،‬أك ثر‬
‫تفاها مع مواطنيهم الشيعة ‪ ،‬و كان لتحسن العلقات و سوءها بي العثمانيي و الصفويي ‪ ،‬أثره البالغ‬
‫على العلقات السنية ـ الشيعية ‪ ،‬خصوصا ف العراق‪.‬‬
‫و شهدت العلقات الطائف ية ب ي "الشي عة" و "ال سنة" حالت متفاو تة م نذ ح كم "نادر شاه" الذي انت قل‬
‫من الغالة ف التشيع إل الالة الوسطية "العلمانية" ماول الصول على موقف وسطي و خلق إمباطورية‬
‫متجان سة تتجاوز الدود اليران ية ‪ ،‬خ صوصا و أن الر جل عرف ع نه أ نه "فا تح قاس القلب" ـ لحات‬
‫اجتماع ية من تار يخ العراق الد يث‪ :‬علي الوردي ـ ل كن من الوا ضح أن جهوده هذه ذه بت أدراج‬
‫الرياح ‪ ،‬بعن أنه قد فشل ‪ ،‬و كان ذلك وسط قرون كان الشعور الطائفي "ف قمته"‪.‬‬

‫‪12‬‬

‫ا ستمرت الوزات العلم ية "الشيع ية" تع يش بعيدا عن ال سياسة و ال كم ‪ ،‬ل كن القرن ‪ 18‬م كان بدا ية‬
‫ظهور تيار جد يد و سط "التشيّع" كان أش به ب ـ"نز عة صوفية" و سط مدر سة مليئة بالن طق و "ف هم‬
‫الواقع" ‪ ،‬كان لظهور الشيخ أحد الحسائي ـ نسبة إل منطقة "الحساء" شرق الجاز ‪ ،‬دور كبي ف‬
‫جعل الذهب "الشيعي" أكثر مثالية "طوباوية" و بعدا عن الواقع ‪ ،‬و صار يعتمد ‪ ،‬حاله حال "الصوفية"‬
‫ف الوسط السنّي ‪ ،‬على العواطف و "الوارق" و العجزات ‪ ،‬دون النطق "الدال" الفقهي و الفلسفي ‪،‬‬
‫و أعطى الشيخ الحسائي و جاعته "الشيخية" دفعة قوية للتيار "التقليدي ـ أه ُل الديث" ف مواجهة‬
‫"الصـوليي" الذيـن كانوا يتقلبون بيـ "الواقـع" و "النـص القدّس" ‪ ،‬و كان للشيخيـة دور فـ ظهور‬
‫الركات "القاديان ية" و "الباب ية" و "البهائ ية" ‪ ،‬و ل زال ل ا تأث ي وا ضح ف ثقا فة "جا عة ال صدر" إل‬
‫الن ‪ ،‬لكـن مـن الواضـح أن رجال الدولة اليرانيـة فـ "المهوريـة السـلمية"!! يتعاملون مـع بعـض‬
‫الشخ صيات "الدين ية" عب نظر ية "الؤامرة" يقول وز ير الارج ية اليرا ن ال سبق ـ على أ كب ولي ت‬
‫"مــجلة التقريب ـ العدد ‪ 14‬القال‪:‬مقدمة فــكرية لــركة "الشروطة ـ الدستور"‪:‬‬
‫هذا الرجل ـ أي الح سائي ـ ظ هر بش كل مهول‪ ،‬وأشاع أفكارا هي مزيج من غلو وخرافة‬
‫وانراف‪ ،‬ث اختفى بشكل مهول‪.‬‬
‫سى نف سه بالش يخ أح د الح سائي وأ هل الح ساء ف شرق الزيرة العرب ية ل يعرفون ع نه ول‬
‫عن أسرته شيئا‪ ،‬ول تعرف الدارس السلميّة ف العال السلمي عنه شيئا‪.‬‬
‫يبدو أنّه اسـتطاع أن يصـل فـ البحريـن على إجازة روايـة الديـث مـن «الشيـخ حسـي آل‬
‫ع صفور» وعلى إجازة ماثلة من «الش يخ كا شف الغطاء» ف الن جف‪ .‬وكله ا صرّحا ف الجازة‬
‫بعدم معرفته ما بالح سائي‪ ،‬بل رأ يا أورا قا في ها شرح لكتاب «التب صرة» ادّ عا أنّه حرر ها بنف سه‪،‬‬
‫وأقام الشهود على ذلك‪ ،‬وبعد أن افتضح أمر الرجل تبي أنّه ل يكتبها وادعاها كذبا لنفسه‪.‬‬
‫نشط هذا التشيخ ف بث أفكاره وكان لا أثرها ف إيران وملخصها‪:‬‬
‫«أن العصومي الربعة عشر هم(القيقة الحمدية)‪ ،‬وهذه القيقة هي نفسها القيقة اللية!! ث‬
‫إنه هو(الشيخ أحد) جزء من القيقة الحمدية‪ ،‬ومعرفته تشكل(الركن الرابع) من الدين‪ .‬ومن عرف‬
‫هذا الركـن الرابـع حـق معرفتـه فقـد أمـن مـن عذاب النار ولو ارتكـب العاصـي والحرمات‪ ،‬وترك‬
‫الواجبات»‪.‬‬
‫ويذ كر الش يخ الال صي أن هذا الر جل كان له الدور ال كبي ف إشا عة النكرات والعا صي ب ي‬
‫الناس‪ .‬وأ صدر علماء الن جف وإيران على أ ثر ذلك ال كم بتكفيه‪ ،‬ث اخت فى فجأة ول يعلم له أ ثر‪.‬‬

‫‪13‬‬

‫وشاع ف إيران آنئذ أنّه راهب مسيحي هدفه زلزلة وحدة السلمي وزعزعة استقلل إيران‪" .‬نـهاية‬
‫القتباس"‬
‫من الل حظ مدى التحول الط ي الذي يعي شه التش يع الن ‪ ،‬فكون "الش يخ الح سائي" شذ عن‬
‫بعض معتقدات الشيعة عموما ‪ ،‬ليس مبرا لؤلء ‪ ،‬وليت و من على نجه ‪ ،‬أن ينفوا حقيقة وجود‬
‫الرجل و تنيه الط الشيعي عن الطأ ‪ ،‬مع أن ل أعتقد أن "الشيخ الحسائي" كان مطئا ‪ ،‬فكل ما‬
‫حدث هو قليل من الستغراق "الصوف" ل أكثر ‪ ،‬و سنتحدث بشكل أعمق عن أسباب هذا التوجه‬
‫"الدين" ف إيران العاصرة أو العهد "الدين"‪.‬‬
‫و ينبغي أن ل ننسى أيضا أن رجال الدين "الشيعة" أخذوا ف تطوير "فقه سياسي" منذ بداية القرن ‪ 19‬م‬
‫ح ي أخذت "الثقا فة الغرب ية" و ن ظم الغرب ال سياسية ‪ ،‬تؤ ثر على إيران و العراق ‪ ،‬و كذلك انتع شت‬
‫الركـة الثقافيـة اليرانيـة ‪ ،‬و طبعـا كان هناك مال هائل للعلمانييـ فـ إيران ‪ ،‬و وجـد "أصـحاب‬
‫العمامات" أنف سهم مضطر ين إل التعا طي بال سياسة ‪ ،‬ف الو قت الذي أ صبح ف يه من ش به ال ستحيل ‪،‬‬
‫التفر يق بين ما هو "للش عب" و ما هو "لل سلطة" ‪ ،‬م ا كان يع ن انرا طا تدري يا "لرجال الد ين" ف‬
‫ال سياسة ‪ ،‬يقول علي أ كب ولي ت ـ وز ير الارج ية اليرا ن ال سبق ـ ف معرض حدي ثه عن تعا طي‬
‫رجال الدين "الشيعة" مع مسألة "احتكار الشركة البيطانية للتنباك"‪:‬‬
‫حي يئس رجال الكومة من التفاوض لأوا إل التهديد‪ ،‬فقال مشي الدولة ماطبا العلماء‪« :‬أيها‬
‫ال سادة فكروا ف عوا قب هذا ال صرار»‪ .‬ثار ال سيد علي أ كب التفر شي أمام هذا التهد يد وقال‪ « :‬ما‬
‫هذا الُراء؟ مـا معناه؟ ماذا تريدون أن تفعلوا بنـا؟»‪ .‬فتحدث قوام الدولة وقال‪ :‬إلغاء هذه التفاقيـة‬
‫مال ومتنع‪ .‬عاد السيد علي أكب وقال‪« :‬يبدو أنك أنت رئيس دائرة التدخي واتفاقية رجي»! فقال‬
‫أم ي ال سلطان‪« :‬ل هذا قوام الدولة وز ير الارج ية»‪ .‬فقال ال سيد م مد ر ضا الطباطبائي‪« :‬إذا كان‬
‫هذا الكم قد صدر عن الدولة فلبد أن توقع عليه الُمة‪ ،‬وإذا كان قد صدر عن شخص الشاه فلم‬
‫يكن ذلك من حقه أبدا»‪.‬‬
‫أن ظر إل جذور الديقراط ية والشرو طة ف الف كر الدي ن وب ي علماء ال سلمي‪ ،‬وان ظر إل در جة‬
‫شهامة الرحوم السيد ممد رضا الطباطبائي ف موقفه من سلطة الشاه الطلقة وتصريه برفضها أمام‬
‫كبار رجال الدولة‪ .‬وافهم من ذلك دور الدين ف ترير الُمة من السيطرة الستعمارية ومن الكم‬
‫الديكتاتوري ف هذا البلد السلم‪.‬‬
‫على أي حال‪ ،‬ل ي ستطع رجال الدولة أن يتجاوزوا العبارة الول من اتفاق ية التنباك‪ ،‬ووجدوا أن‬
‫الطريق أمامهم مسدود تاما‪ ،‬فصرفوا النظر عن قراءة بقية التفاقية‪ ،‬وانتهى الجلس بأن يتعهد أمي‬

‫‪14‬‬

‫السـلطان مـن جانـب علماء الشعـب أن يسـعى إل فسـخ التفاقيـة شرط أن يعلن العلماء بعـد إلغاء‬
‫التفاقية إباحة التدخي ونفي فتوى الهاد‪.‬‬
‫وتواصـلت انتفاضـة الشعـب السـلم بقيادة علمائه الكبار يتزعمهـم الرحوم اليزا الشيازي‪،‬‬
‫وحق قت انت صارها‪ ،‬واض طر الشاه نا صر الد ين إل إلغاء التفاق ية‪ ،‬واقترض مبلغ ‪ 500‬ألف لية من‬
‫البنك الشاهنشاهي الذي أسسه البيطانيون ‪".‬انتهى القتباس"‪.‬‬
‫من الواضح أن ناح "اللية" اليرانيي ف منع "ناصر الدين شاه" عن عقد التفاقية مع البيطانيي‬
‫‪ ،‬أطمعهم ف النرار ‪ ،‬أكثر فأكثر ‪ ،‬للنغماس ف السياسة ‪ ،‬و بينما كان رجل الدين "السنّي" يتأثر‬
‫بأفكار "القومييـ" سـواء "العرب" أو التراك" أو "الكراد" ‪ ،‬كان رجـل الديـن "الشيعـي" ‪ ،‬يتأثـر‬
‫بالفاهيم و الفلسفة "الاركسية" و "الشيوعية" الت أخذت بالتنامي على أيدي "القوميي اليرانيي" من‬
‫هنا فإنك ستجد اللية اليرانيي و حت العراقيي يستخدمون مصطلحات ل يكن يعرفونا و لو قبل‬
‫قرن من الزمن‪.‬‬
‫التشيــع ف زمن الشاه و الثورة‬
‫‪...............................................................................‬‬
‫ن ستطيع القول أن دور "الل ية" و "رجال الد ين" ف تغيي ين جر يا على الرض اليران ية ‪ ،‬كان‬
‫كبيا و إن بشكل متلف ‪ ،‬فقد كان إقرار الدستور عام ‪ 1906‬إيابيا ‪ ،‬بينما كان قيام "المهورية‬
‫ال سلمية" عام ‪ 1979‬م نك سة حقيق ية ‪ ،‬و كان لقرار د ستور ‪ 1906‬م و الذي ن تج عن ض غط‬
‫شعب و بدعم من "العلمانيي" و "رجال الدين" ‪ ،‬فرصة لتقدم الديقراطية ف إيران ‪ ،‬و كانت إيران‬
‫حين ها أول دولة ف الشرق الو سط ‪ ،‬و ح ت ق بل الوليات التحدة ‪ ،‬تع طي حق الت صويت للمرأة و‬
‫تنح ها مال وا سعا للمشار كة ال سياسية ‪ ،‬ك ما أن إيران انتقلت من "اللك ية الطل قة" إل "اللك ية‬
‫الدستورية" ‪ ،‬و هو أمر إياب بالتأكيد‪.‬‬
‫و رب ا يت ساءل الب عض‪ :‬إذا كا نت إيران قط عت أشوا طا بعيدة ف التقدم ن و التحد يث ؟! فلماذا‬
‫انتقلت و بشكـل تصـاعدي نوـ التديـن "التطرف" و انتهاء بثورة ‪ 1979‬م ؟!‪ .‬الكيـد أن هذا‬
‫الوضوع شائك بعـض الشيـء ‪ ،‬و رباـ كان "للماركسـية" أيضـا دور فيـه ‪ ،‬و هـو جواب قـد يثيـ‬
‫استغراب البعض ‪ ،‬لقد شهدت إيران خطوات جبارة نو التحديث و العا صَرة خلل السبعي السنة‬
‫ال ت سبقت الثورة بل إن ر ضا شاه بلوي و الد الشاه الخ ي ش جع نزع الجاب و سفور الرأة و‬
‫سـح بنشـر الطبوعات الل دينيـة و السـينما على النمـط الغربـ الديـث ‪ ،‬حينهـا أصـبح لليرانيات‬
‫م ساهات ف أدوار الغراء و ال سينما الواقع ية ‪ ،‬و كان لحتضان الثقف ي "القومي ي" و "الي ساريي"‬

‫‪15‬‬

‫للمفاهيم "الاركسية" و ترويها ف أوساط الطلبة ‪ ،‬و ل ننسى أنه كان هناك صراع بي السوفييت و‬
‫الغرب على النطقة الستراتيجية ف الليج الفارسي ‪ ،‬هذه الطبقة الثقفة و الت تعاطفت مع حكومة‬
‫"مصدّق" ـ العروف بيوله الشيوعية ـ و سقوطه الفاجيء على يد مموعة ‪ ،‬قيل إن المريكيي و‬
‫البيطاني ي دعمو ها ‪ ،‬و من إعدا مه ب عد مك مة " صورية" ‪ ،‬كل هذه ال سباب جعلت اليراني ي‬
‫يتضنون "التطرف الدين" بل و يضغط العامة على هذا التاه الدين نو كراهية "الغرب"‪.‬‬
‫مـن الواضـح أن الدارس الدينيـة "الوزة" تأثرت بالفكار الاركسـية ‪ ،‬و باسـتثناء الانـب‬
‫"اللادي" من الاركسية ‪ ،‬فإن كراهية "الرأسالية" و "الغرب الستعماري" وجد لنفسه رواجا بي‬
‫رجال الديـن ‪ ،‬و هذا ل يعنـ أن ليسـت هناك اسـتثناءات و لكنهـا نادرة ‪ ،‬و فـ الرجعيـة الشيعيـة‬
‫"العراقية ـ ف النجف" انتقلت الرجعية من "الائري" النفتح على البيطانيي و التفهم للواقع ‪ ،‬إل‬
‫"الشيازي" التطرف و الل واقعي ‪ ،‬و حت الصفهان و الالصي ‪ ،‬بعن أن خط "التطرف" يشي إل‬
‫تصاعد وتيته مع تصاعد "الرب الباردة" بي الشرق و الغرب‪.‬‬
‫و لكن هذا ل يعن أن الغرب ل يرَ أي إيابيات ف هذا الشعور الدين ‪ ،‬فالعروف أن أحد أُسس‬
‫الفل سفة "الارك سية" هو "عداء الد ين" و اعتبار أي شعور دي ن مرد "أفيون" أو "مدر" و أن الد ين‬
‫ينبع من "السطورة" و أنه "مموعة أكاذيب" ‪ ،‬و بدورهم ‪ ،‬نظر التدينون إل "الشيوعية" على أنا‬
‫تتآ مر على لُ بّ الثقا فة اليران ية "الذ هب الشي عي و ال سلم" ‪ ،‬و من ال طبيعي أي ضا أن سلطة الشاه‬
‫كا نت تر يد خلق هكذا مواج هة ب ي فريق ي كله ا يعادي "ال سلطة" ‪ ،‬ك ما أن التأث ي أي ضا كان‬
‫متبادل بي الطرفي "الدين" و الاركسي" ‪ ،‬فبينما ند "امرأة شيوعية مجبة" نرى مقابلها "إسلمية‬
‫تتحدث عن الصراع الطبقي" ‪ ،‬و هذا مرد مثال ‪ ،‬كما أن تنامي "الشعور القومي" التطرف على يد‬
‫الشاه و جاعته ‪ ،‬كان سببا ف تنامي التطرف الدين‪.‬‬
‫فالعلوم أن إيران دولة "متعددة القوميات و الديان" ‪ ،‬و من ال طبيعي أن يت سبب النظام ال سياسي‬
‫السائد ف إيران ‪ ،‬و الذي تبن النظرية "القومي الفارسية" ‪ ،‬ف زعزعة النظام و الترابط الجتماعي و‬
‫ال سياسي و ف إيران تو جد القوميات الفار سية و الترك ية الذر ية و الكازاخ ية و الكراد و العرب و‬
‫البشتون و غيهـم مـن القليات الدينيـة و الذهبيـة ‪ ،‬و كانـت النتيجـة أن تتصـاعد اليدولوجيات‬
‫"الارك سية" و "ال سلمية" جن با إل ج نب ‪ ،‬و بالط بع فإن "إيران الشيع ية" لي ست بعزل عن التأث ي‬
‫"الشيعي العراقي" ‪ ،‬كما أن العكس صحيح ‪ ،‬فكان تنامي العداء بي "التّشيّع و القومية" أثرا متبادل‬
‫ب ي البلد ين "العراق و إيران" ‪ ،‬ف في الو قت الذي ت صاعد ف يه ح سّ الكراه ية و الواج هة ب ي "شي عة‬
‫العراق" و "القومي ي من الب عث و النا صريي" ‪ ،‬حدث الش يء ذا ته ف إيران ‪ ،‬ب ي الشي عة و القوم ية‬

‫‪16‬‬

‫الفار سية ‪ ،‬و أدت سياسات الشاه الاطئة تاه "ال سلميي" و عب "اضطهاد هم" إل تنا مي الف كر‬
‫الدي ن ‪ ،‬و كان ل سوء ال ظ أن قادت شخ صية المي ن "القو ية و التطر فة" البلد ن و حق بة مظل مة ‪،‬‬
‫أساءت ليران ـ كبلد ـ و للتشيّع ـ كمذهب ـ ‪ ،‬إن أي فكر عندما يصبح منوعا ‪ ،‬يصل على‬
‫فر صة كبية للرواج ‪ ،‬ح سب القاعدة " كل منوع مرغوب" ‪ ،‬و بدل من أن تكون "الثورة" خطوة‬
‫نو المام ‪ ،‬فإنا كانت خطوات إل الوراء و نكسة و آفة أصابت التشيع‪.‬‬
‫و مشكلة رجال الدين دائما ـ و الشيعة ليسوا استثناء ـ أنم يفكرون بعواطفهم ل بعقولم ‪،‬‬
‫بعن أنم إذا دخلوا ف السياسة و نظم الكم أفسدوها و جلبوا الراب ‪ ،‬لقد تنامت خرافة "الشعور‬
‫السـلمي" لدى هذه الرجعيات التـ تمـل فـ ذهنهـا كـل أمراض "الاركسـية" و "القوميـة" و‬
‫"السلموية" ‪ ،‬بشكل دراماتيكي متصاعد ‪ ،‬و كانت النتيجة أنا اختزلت كل الثقافة اليرانية ‪ ،‬و‬
‫شيعـة العراق يعانون مـن الرض نفسـه ‪ ،‬فـ "الول الفقيـه" و أحلمـه و كوابيسـه ‪ ،‬فـ خلق "النـة‬
‫السلمية" المتدة من إندونيسيا و حت موريتانيا ‪ ،‬كما أن "العلمانية اليرانية" الاكمة و العارضة‬
‫على حد سواء ‪ ،‬و بسبب تبنيها لنوعي من التطرف "اللكية القائمة على القومية" و ضدها "الشيوعية‬
‫الاركسية" ‪ ،‬أسهمت ف ناح السلميي "التطرفي" و استيلئهم على الكم‪.‬‬
‫يقول ع بد البار الرفا عي ف ب ثه العنون "تد يث الب حث العل مي ف الوزة الشيع ية" و النشور‬
‫بتاريخ ‪ 2005 \ 2 \ 3‬م على موقع ‪: Islam On Line‬‬
‫ث تعزز الوقع السياسي والدين‪ ،‬وفيما بعد العلمي لدرسة قم‪ ،‬بعد انتفاضة ‪ 1963‬الت قادها‬
‫المام المين‪ ،‬وانتهت بانتصار الثورة السلمية سنة ‪ 1979‬وإقامة المهورية السلمية‪.‬‬
‫وبعد ذلك التاريخ اتسع التعليم الدين ف قم‪ ،‬وأخذ ينفتح على عوال جديدة‪ ،‬ويرث أرضا بكرا‬
‫ل يدشنها من قبل‪ ،‬بعد أن انبثقت طائفة من الستفهامات‪ ،‬وأثي العديد من الشكاليات‪ ،‬وفجأة بدأ‬
‫الدار سون ف الوزة العلم ية يقرءون وي سمعون ب ا ل يفكروا ف يه‪ ،‬وتف جر ال سؤال اللهو ت الذي ظل‬
‫غائبا عدة قرون‪.‬‬
‫ول ريب ف أن الوية الدينية لثورة ‪ 1979‬ومساهة الوزة العلمية ف قيادتا‪ ،‬وتعبئتها للجماهي‪،‬‬
‫و ما نت ته من شعارات ووعود متنو عة ف تق يق ال ستقلل‪ ،‬والر ية‪ ،‬وال من‪ ،‬والضمان‪ ،‬والرفاه ية‪،‬‬
‫والتقدم‪ ...‬وغي ذلك‪ .‬والقول بأن الفقه وعلم الكلم وسائر العارف السلمية الورو ثة كفيلة بالوفاء‬
‫بالفاهيـم والبامـج اللزمـة لناز هذه الوعود‪ ،‬وتسـيد تلك الشعارات فـ الياة الجتماعيـة‪ ،‬وضـع‬
‫الوزة العلميـة للمرة الول فـ مواجهـة مباشرة مـع الناس‪ ،‬ومتطلباتمـ الياتيـة الختلفـة‪ ،‬مضافـا إل‬

‫‪17‬‬

‫ت صاعد وتية التغي ي الجتما عي واشتداد ها ف العقد ين الخي ين‪ ،‬بف عل ممو عة عوا مل تقن ية (ثورة‬
‫الت صالت) وجيو سياسية (حروب صدام الثلث) واقت صادية (ترا جع عوائد البترول) و(ف شل مشار يع‬
‫التنمية) وديوغرافية (تضاعف عدد السكان) و(الجرة الواسعة من أفغانستان والعراق بسبب الروب)‬
‫ـ ناية القتباس‪.‬‬
‫التّشيع و إشكالت ما بعد الثورة !‬
‫من الضروري ه نا ‪ ،‬و ن ن ندرس التحولت الطية و ال كبية ف الو سط الشي عي اليرا ن ‪ ،‬و‬
‫سنتحث عن الو سط العرا قي في ما ب عد ‪ ،‬أن نل حظ أن التش يع الد يد الذي برز قب يل و ب عد الثورة ‪،‬‬
‫يتلف جذريا عن التشيع الذي كان أكثر استجابة للحداثة و العاصرة ‪ ،‬فبينما يغرق الؤدلون ـ ف‬
‫عصر ما بعد ولية الفقيه ـ ف مظاهر و مصطلحات النقاش الفلسفي على الطراز الغرب ـ إل أن‬
‫التعامل دوما مع هذا النطق ينتهي بطروحات ساذجة و سطحية و حت انفعالية ‪ ،‬تاه الرأي الخالف ‪،‬‬
‫و بدل من طرح قضية "نقد الذات" كخطوة للتطوير ‪ ،‬تغرق الدرسة الدينية الشيعية "الوزة" ف نقد‬
‫الغرب و الداثة ‪ ،‬بينما تقف تاه "الذات ‪ +‬النا" موقف التقديس و الحترام‪.‬‬
‫يقول السيد عبد البار الرفاعي ـ الستاذ ف حوزة قم ـ ‪:‬‬

‫‪18‬‬

‫" منذ عشرين عاما بدأت تتشكل ف طهران حلقات دراسية ونقاشية ‪ ،‬تتم بالتفكي باستفهامات‬
‫لهوتيـة ل يعرفهـا الهتمون بالدرا سات السـلمية فـ إيران ق بل هذه الفترة‪ .‬تدور حول‪ :‬مـا يترقبـه‬
‫الن سان من الد ين‪ ،‬وجدل العلم والد ين‪ ،‬والع قل والعتقدات الدين ية‪ ،‬وطبي عة التجر بة الدين ية‪ ،‬ومال‬
‫الد ين وحدوده ف حياة الن سان‪ ،‬وهكذا ح قل الف قه ومديا ته‪ ،‬ومشروع ية الدولة الدين ية‪ ،‬وإمكان ية‬
‫توظيف الناهج والدوات العاصرة للعلوم النسانية ف دراسة التجربة الدينية والتراث والنص‪ ...‬وغي‬
‫ذلك‪ ،‬ما يعرف اليوم بباحث «فلسفة الدين وعلم الكلم الديد» ف إيران‪.‬‬
‫وبالتدريج حفلت مموعة من الدوريات الناطقة بالفارسية بذه الوضوعات‪ ،‬واهتمت دور النشر‬
‫بطباعة عدد وفي من الدراسات الترجة عن النليزية واللانية والفرنسية‪ ،‬الت تتناول قضايا فلسفة‬
‫الديـن‪ ،‬واللهوت الكنسـي الديـث‪ ،‬والتعدديـة الدينيـة‪ ،‬والرمنيوطيقـا والتأويـل‪ ،‬وفلسـفة اللغـة‪،‬‬
‫واللسنيات‪ ،‬وفلسفة العلم‪ ...‬وغيها‪.‬‬
‫وكانت الوزة العلمية ف قم أول مطة لجرة هذه النقاشات والكتابات من طهران‪ ،‬فقبل عشر‬
‫سنوات افتتح الدكتور عبد الكري سروش‪ ،‬وهو أحد أبرز الفكرين ف هذا القل‪ ،‬حلقة لدراسة علم‬
‫الكلم الد يد ف قم‪ ،‬و ظل يدير ها بنف سه أك ثر من سنة‪ ،‬وكان يتلف إلي ها نبة من تلمذة الوزة‬
‫العلمية‪.‬‬
‫واستعر السجال بي الدارسي ف إيران حول مشروعية توظيف مناهج العلوم الجتماعية الغربية‪،‬‬
‫وهكذا أدوات ومقولت اللهوت الديد‪ ،‬ف الدراسات السلمية‪ ،‬بل مشروعية الشتغال على بعض‬
‫الباحث‪ ،‬وتأجيج أسئلة‪ ،‬وإثارة إشكالت من شأنا أن تزعزع إيان الناس وتعصف بعتقداتم‪.‬‬
‫وبالر غم من هذه العتراضات وازدياد مظا هر الحتجاج على هذا اللون من الباث‪ ،‬فإن عدد‬
‫النخرطي ف السجال اتسع‪ ،‬فاستوعب النخبة ف الوزة العلمية والامعات‪ ،‬وصار من أهم مشاغل‬
‫النتديات الثقافية ومراكز البحوث‪ ،‬والدوريات الفكرية‪.‬‬
‫ث توغلت هذه البا حث ف أق سام درا سات الفل سفة وعلم الكلم وغيه ا ف كليات الليات‬
‫والشريعة‪ ".‬ـ الصدر السابق‪.‬‬
‫فاللحظ أن التشيع الديد ‪ ،‬ف حقيقته ‪ ،‬معاكس للتشيع القدي أو بالحرى يقف بالضد منه ‪،‬‬
‫فمه ما ح ل التش يع القد ي من "خرافات" و "طقوس" و "شعائر" ‪ ،‬إل أ نه كان ي ثل حقي قة "الد ين‬
‫الشعب" و "دين الفقراء و الحرومي" ‪ ،‬لكن و منذ تبن "إيران السلمية" لبدأ "ولية الفقيه ـ الفقيه‬

‫‪19‬‬

‫الطلق الصلحيات" و ظهور "أوليجاركية اللية ‪ ، " oligarchy of clergy‬إنقلب الذهب إل‬
‫نوع آخر من "دين السلطة" و انتقلنا من "وعاظ السلطي" إل "سلطان الواعظي" ‪ ،‬حسب تعبي أحد‬
‫الكتّاب ‪ ،‬و مشكلة "الريـة السـطحية" التـ نظّرت لاـ "الوزة" أناـ "حريـة مؤطرة" ‪ ،‬أو لنشبههـا‬
‫ب ـ"ال سجّان" الذي ي ب ال سجوني أن م "أحرار دا خل زنزانات م" ‪ ،‬و ه نا فن حن ن د أن كل فل سفة‬
‫مدرو سة تدور ف أطار "اللهوت" ‪ ،‬و أن كل مر شح للنتخابات ل بد و أن يدور ف فلك ال سلم‬
‫ال سياسي ‪ ،‬و بدون ذلك ن د أن كل شيـء ينظـر إليـه على أنـه "عدو" و "مؤامرة" و "تديـد للمـن‬
‫القومـي" و فعل شهدت التسـعينيات و فـ فترة بروز "الرئيـس ممـد خاتيـ" تصـاعد الصـراع بيـ‬
‫الصلحيي و الحافظي ـ الذين أُفضّل تسميتهم بالرجعيي ـ و عندما خشي الحافظون من التأييد‬
‫الت صاعد لل صلحيي من ق بل الشباب و الن سوة اليرانيات ‪ ،‬قام الرس القد ي بتحج يم دور الرئ يس‬
‫خاتي خصوصا ف دورته النتخابية الثانية حيث شبهه سياسيون إيرانيون معارضون بالدمية الت يلعب‬
‫با الحافظون ‪ ،‬و قُمعت مظاهرات الطلبة بالشدة و القسوة‪.‬‬
‫فمثل ند أن آية ال صادق السين الشيازي و على نسق آية ال المين ‪ ،‬يروج ـ ف كتابه‬
‫"ال سياسة ف ال سلم" ـ لفكرة أن ال سياسة ال سلمية هي سياسة "مثال ية" قائ مة على الخلق و‬
‫الفضيلة و الح سان و العدل ‪ ،‬و هذا م كن ف "ع صر ال نبياء" ‪ ،‬أ ما ف ع صرنا الال ‪ ،‬و ف ز من‬
‫التكنولوج يا الن ـــووية اليران ية و ز من الع ــنف "الذي يارس ت ت شعار القاو مة" ‪ ،‬و تبد يد‬
‫الال على السلح و شراءه و تطويره ‪ ،‬و تفاقم الفقر و العوز و الطبقية ف الوسط الشيعي خصوصا ‪،‬‬
‫فإن اللي و الواضح أن "العمم" كسياسي ‪ ،‬ل يتلف عن نظيه "العلمان" ‪ ،‬هذا إن ل يكن أسوأ ‪،‬‬
‫كونه ياول أضفاء القدسية على نفسه‪.‬‬
‫إن الل أخلقية و اليكافيلية الت جسدها ملية إيران ف سياستهم الليئة بالداع و الراوغة و إلاء‬
‫الشعب بالعداء الارجيي ‪ ،‬أثبت با ل يقبل الشك ‪ ،‬أن كل ما طرحه العممون من "سياسة السلم‬
‫الخلق ية" هي مرد كذ بة ‪ ،‬و بالر غم من تطرف آ ية ال المي ن إل أ نه على ال قل كان صريا ف‬
‫ماول ته ج عل ال سياسة اليران ية "ال سلمية" أخلق ية أو مثال ية ‪ ،‬و لك نه طب عا ف شل ف إقناع الطب قة‬
‫الاك مة "الدينية" من اتاذ هذا الط ‪ ،‬و الدل يل على ذلك أن الر جل ل ي كد ينت قل إل عال الغ يب ‪،‬‬
‫حت سارع اليرانيون إل الصلح مع نظام "البعث" ف العراق ‪ ،‬و دون شروط مسبقة تفظ لليرانيي‬
‫ماء الو جه و مئات اللف الذ ين قتلوا ف الرب العراق ية ـ اليران ية ‪ 1980‬ـ ‪ 1988‬م ‪ ،‬و ف‬
‫الوقت الذي كان نظام البعث ف العراق يرب الجيال على أن اليرانيي أعداء و أنم "الفرس الجوس"‪.‬‬

‫‪20‬‬

‫الانـب الخـر القبيـح مـن السـياسة اليرانيـة هـو ترسـيخهم للعلقات مـع النظـم "الدكتاتوريـة‬
‫الستبدادية" كالنظام السوري "البعث العرب السوري" ‪ ،‬النظام الشيوعي ف كوبا "دكتاتورية كاسترو"‬
‫‪ ،‬النظام الشيوعي ف كوريا الشمالية "الطاغية كم سونغ إل" ‪ ،‬الدكتاتورية الصينية ‪ ،‬روسيا التادية و‬
‫نظامها الديقراطي الش ‪ ،‬ما يعكس أسوأ مثل على "الباغماتية" أو لنقل أنه النموذج السوأ لنظرية‬
‫النفعية الواقعية‪.‬‬
‫كمـا أن هذا النظام الدينـ ‪ ،‬ركـز على قضايـا شوليـة ‪ ،‬كــ"فلسـطي" ‪" ،‬الصـراع العربـ‬
‫السرائيلي" ‪ ،‬و بشكل يناقض تاما الصال الشروعة للشعب اليران ‪ ،‬كما أن إيران أصبحت تتبن‬
‫"الشروع القومي العرب" ف حني واضح من قبل ذوي "العمائم السود" إل الماد القريشية ‪ ،‬مع أن‬
‫إيران ليست دولة عربية‪.‬‬
‫التشيّع و وليـــة الفقـــيه‬
‫‪..........‬‬
‫تقوم "نظرية ولية الفق يه" و الت طرحها آ ية ال المي ن ف كتابه "الكو مة السلمية" ‪ ،‬و قد‬
‫استوحاها من آية ال أحد النراغي "من علماء الشيعة ف القرن ‪ 19‬ميلدي" ‪ ،‬على مبدأ أساسي هو‬
‫أن النـب "ممـد" و خليفتـه ــ حسـب العقيدة الشّيعيـة ــ المام علي ‪ ،‬ل يكتفوا بالقيام بالدعوة و‬
‫التف سي و توض يح النّص القدس ‪ ،‬بل أداروا نظا ما إدار يا كامل ‪ ،‬كإدارة الرب و ت طبيق الحكام و‬
‫الدود ‪ ،‬يقول آية ال المين ف كتابه "الكومة السلمية" ‪:‬‬
‫وجود القانون الدوّن ل يكفـي لصـلح الجتمـع‪ .‬فكلي يصـبح القانون أسـاسا لصـلح البشريـة‬
‫وا سعادها‪ ،‬فإ نه يتاج إل سلطة تنفيذ ية ولذا أ قر ال تعال الكو مة وال سلطة التنفيذ ية والدار ية إل‬
‫جا نب إر سال القانون‪ ،‬أي أحكام الشرع‪ .‬وكان الر سول الكرم (ص) على رأس التشكيلت التنفيذ ية‬
‫والداريـة للمجتمـع السـلمي‪ ،‬واهتـم (ص) ــ بالضافـة إل ابلغ الوحـي وبيان وتفسـي العقائد‬
‫والحكام والنظمة السلمية ـ باجراء الحكام وإقامة نظم السلم‪ ،‬إل أن وجدت الدولة السلمية‬
‫ل ببيان قانون الزاء فحسب‪ ،‬بل قام مع ذلك بتنفيذه أيضا‪ ،‬فقطع اليدي‬
‫فلم يكتف ف ذلك الزمان مث ً‬
‫ور جم وأقام الدود‪ .‬وكان للخلي فة والرت بة‪ .‬فعند ما ع ي الر سول الكرم (ص) خلي فة بعده‪ ،‬ل ي كن‬
‫ذلك لجرد بيان العقائد والحكام‪ ،‬بل كان لجل تطبيق الحكام وتنفيذ القواني أيضا‪.‬‬

‫‪21‬‬

‫وكانت وظيفة تنفيذ الحكام واقامة نُظُم السلم هي الت جعلت تعيي الليفة مهما إل درجة لوله لا‬
‫كان الرسول (ص) قد بلغ رسالته‪ ،‬ولا كان أكملها‪ ،‬إذ إن السلمي بعد الرسول (ص) كانوا يتاجون‬
‫إل من يطبق القواني‪ ،‬ويقيم النظم السلمية ف الجتمع لتأمي سعادة الدنيا والخرة‪.‬‬
‫و يضيف ‪:‬‬
‫من البدي هي أن ضرورة تنف يذ الحكام ال ت ا ستلزمت تشك يل حكو مة الر سول الكرم (ص) لي ست‬
‫منحصرة ومدودة بزمانه (ص)‪ ،‬فهي مستمرة أيضا بعد رحلته (ص)‪ .‬وفقا لليات القرآنية الكرية‪]1[1‬‬
‫فإن أحكام السلم ليست مدودة بزمان ومكان خاصي‪ ،‬بل هي باقية وواجبة التنفيذ إل البد‪.‬‬
‫فلم تأت لجـل زمان الرسـول الكرم (ص) لتترك بعده ول تنفّذ أحكام القصـاص‪ ،‬أي القانون‬
‫الزائي لل سلم‪ .‬أو ل تؤ خذ الضرائب القررة‪ ،‬أو يتع طل الدفاع عن الرا ضي وال مة ال سلميتي‪.‬‬
‫والقول بأن قواني السلم قابلة للتعطيل‪ ،‬أو أنا منحصرة بزمان أو مكان مددين خلف الضروريات‬
‫العقائدية ف السلم‪ .‬وعليه فبما أن تنفيذ الحكام ضرورة بعد الرسول الكرم (ص) وإل البد‪ ،‬فإن‬
‫تشك يل الكو مة وإقا مة ال سلطة التنفيذ ية الدار ية ي صبح ضروريا‪ .‬فبدون تشك يل الكو مة‪ ،‬وبدون‬
‫السلطة التنفيذية والدارية ـ والذي يعل جيع تصرفات وانشطة افراد الجتمع خاضعا لنظام عادل‪،‬‬
‫وذلك عن طر يق تنف يذ الحكام ـ بدون ذلك تلزم الفوضى‪ ،‬ويتف شى الفساد الجتما عي والعقائدي‬
‫والخلقي‪.‬‬
‫إن نا ه نا بدا ية أمام تلك الشكال ية القدي ة ال ت يطرح ها "ال سلميون ال صوليون" دو ما ‪ ،‬و هو‬
‫الرجوع إل "الثال" أو "النموذج" التاريي الاضوي ـ ذو الطبيعة التخيلية ـ إذ أن هذه الادة تعتمد‬
‫على الوروث الشفهي التراثي الذي يمل ف ذاته نوعا من "الكم التراكم" ‪ ،‬فالتراث ككل هو مموعة‬
‫روايات "تراث" يتوقف حجمها و نوعها على مزاج الباحث و نظرته "التمحيصية" ف هذه النصوص ‪،‬‬
‫و مهما حاول السيد المين هنا إقناعنا فهو يبقى دائرا أول ف فلك "التشيع" و لربا ل تتلئم فلسفته‬
‫مع الذاهب الخرى الت تؤمن أن النب ممد ترك المور فوضى من بعده ‪ ،‬لكن كيف للفقيه العاصر‬
‫أن يضع نفسه ف مقام العصوم ؟! و هل كان الشيعة و الئمة الثن مطئي حينما ل يقوموا بتطبيق‬
‫هذه الحكام طوال ‪ 1400‬سنة هي عمر التاريخ السلمي ؟!‪.‬‬
‫‪ ]1[1‬كنموذج لهذه اليات‪ :‬الية ‪ 52‬سورة ابراهيم‪ ،‬والية ‪ 2‬سورة يونس‪ ،‬والية ‪ 49‬سورة الحج‪ ،‬والية‬
‫‪ 40‬سورة الحزاب‪ ،‬والية ‪ 70‬سورة يس‪.‬‬

‫‪22‬‬

‫يقول أيضا ‪:‬‬
‫ب عد رحلة الر سول الكرم (ص) ل ي سمح العاندون وب نو ام ية لعن هم ال با ستقرار الكو مة ال سلمية‬
‫بول ية علي بن أ ب طالب (ع)‪ .‬ل ي سمحوا بتح قق الكو مة ال ت كا نت مرض ية ع ند ال تعال وع ند‬
‫الر سول الكرم (ص) و ف النتي جة بدّلوا اساس الكو مة‪ .‬وكان ن ج حكومتهم ف معظ مه يغا ير الن هج‬
‫السلمي‪ .‬لقد كان نظام الكم ونط الدارة والسياسة عند بن أمية وبن العباس ضد السلم‪ ،‬فصار‬
‫نظام الكـم مقلوبا بش كل كا مل وتول إل سلطنة‪ .‬كم ثل نظام اللك ية ف ايران وامباطور ية الروم‬
‫وفراع نة م صر‪ .‬وا ستمر ف العهود التال ية بذا الن حو غ ي ال سلمي غالبا‪ ،‬إل أن و صلنا إل الال ال ت‬
‫نراها‪.‬‬
‫يقول أيضا ‪:‬‬
‫وح يث ان نا مكلفون بتأم ي الظروف الجتماع ية ال ساعدة لترب ية العنا صر الؤم نة والفاضلة أيضا‪ .‬وهذه‬
‫الظروف تعاكـس ظروف حاكميـة الطاغوت والسـلطات غيـ الشرعيـة بشكـل كامـل‪ .‬فالظروف‬
‫الجتماعية الناشئة من حاكمية الطاغوت ونظام الشرك يترتب عليها هذه الفاسد الت نراها‪ .‬وهذا هو‬
‫الفساد ف الرض الذي يب أن يزال من الوجود‪ ،‬وينال مسببوه عقابم‪ ،‬وهذا هو نفس الفساد الذي‬
‫أوجده فرعون ف مصر بسياسته "إنه كـــان من الــفسدين" ‪ ...‬ففي هذه الظروف الجتماعية‬
‫وال سياسية ل ي ستطيع الن سان الؤ من والت قي والعادل الع يش مع بقائه على ايا نه وعمله ال صال‪ .‬يب قى‬
‫امامـه طريقان‪ :‬إمـا الضطرار إل ارتكاب العمال الطالةـ والتـ فيهـا شرك‪ ،‬أو معارضـة الطواغيـت‬
‫وماربتهـم لزالة تلك الظروف الفاسـدة فرارا مـن ارتكاب تلك العمال‪ ،‬ومـن الضوع لوامـر‬
‫الطواغيت وقوانينهم‪ .‬اننا ل ند حيلة سوى القضاء على الجهزه الكومية الفاسدة والفسدة‪ ،‬واسقاط‬
‫الكومات الائنة والفاسدة والظالة الائرة‪ .‬هذه هي الوظيفة الت يب على السلمي ف كل بلد من‬
‫البلدان السلمية القيام با‪ ،‬والوصول بالثورة السياسية السلمية إل النصر‪.‬‬
‫إن الظلم حسب هذا الفهم السطحي "للدين" يعن ـ عدم تطبيق الشريعة ـ لكن القيقة الواقعية تناف‬
‫ذلك ‪ ،‬ف كم من تر بة قا مت بت طبيق "الشري عة" و هي من أ سوأ التجارب ف التار يخ ‪ ،‬و ح سب هذا‬
‫الف هم أي ضا نرى تأثرا واض حا بالفل سفة الارك سية ‪ ،‬ال ت تر يد ر سم صورة "ورد ية" للجنّة الشيوع ية‬
‫"التمية" حيث ل يبقى هناك تباغض أو تاسد ‪ ،‬بينما الواقع التاريي يقول بنقيض ذلك ‪ ،‬ففي ظل‬
‫حكم النب و ف ظل المام علي ‪ ،‬كان هناك سعي حثيث من الخرين ف جع الال و إن كان عب طرق‬

‫‪23‬‬

‫غ ي شرع ية "غ ي قانون ية" ‪ ،‬و معروف أن كل النق سام الاصل ف ال سلم هو ب سبب هذه الطبي عة ‪،‬‬
‫كمـا أن هذه السـباب هـي التـ جعلت فريقـا فـ الوزة يؤمـن بــ"وليـة المـة" أو "الشعـب" أو‬
‫"الديقراطية السلمية" كما يسميها البعض ‪ ،‬حيث أنه ف غياب "العصوم" ل بد أن يكون "الشعب"‬
‫هو صاحب ال مر و الن هي ‪ ،‬و الفق يه مه ما كان تق يا أو ور عا فإ نه يب قى صاحب أهواء و رغبات و‬
‫مصال ‪ ،‬و من الواضح أن نظرية "ولية الفقيه" و ضعت الرجع "آية ال" ف مقام وكيل العصوم الغائب‬
‫‪ ،‬و هو أمر يرفضه "التشيع" ف خطوطه العامة‪.‬‬
‫يقول الكاتب "مرتضى معاش" ف بثه القيـم حول "حقيقة العلقة بي ولية الفقيه و الرية" و النشور‬
‫ف ملة "النبأ" الكويتية العدد ‪: 41‬‬
‫ليوجد هناك دليل شرعي قاطع على ان ولية الفقيه هي مثل ولية العصوم بل ان معظم الدلة الواردة‬
‫فـ باب الوليـة تتحدث عـن وليتهـم دون ذكـر الفقهاء‪ ،‬واذا كانـت هناك روايات فـ ذكـر العلماء‬
‫والفقهاء فان الكثي من الفقهاء يشيون ال انا واردة ف باب التقليد والحكام الشرعية ورجوع الاهل‬
‫ال العال‪ ،‬ا ما ول ية الفق يه وبذا الطلق فل يس هناك مورد قط عي ي ستند عل يه‪ .‬يقول الش يخ النائي ن‪: :‬‬
‫القصود من اثبات الولية للفقيه هو اثبات ما كان للشتر وقيس وممد بن اب بكر ونظرائهم ولاشكال‬
‫ف ا نه كان ل م اجراء الدود وا خذ الزكاة جبا والراج والز ية ون و ذلك من المور العا مة‪ .‬وهذا‬
‫لينفع دليل لن ولية ولة المام كانت بالنيابة الاصة وف ظل حكمه و مراقبته‪ ،‬بينما ولية الفقهاء‬
‫بالنيا بة العا مة حددت ض من ا طر لي كن ف هم ذلك الطلق من ها‪ ،‬لذلك يقول الش يخ الن صاري‪ :‬ا ما‬
‫الولية على الوجه الول اعن استقلله ف التصرف فلم يثبت بعموم‪ .‬حيث حصر رحه ال الولية ف‬
‫بعض المور الاصة كولية اليتام والسفهاء والمر بالعروف والنهي عن النكر وهي ولية عامة اعم‬
‫من كونا خاصة بالفقيه‪ ،‬نعم من باب الهم والهم ورفع اختلل النظام يتصدى الفقيه لبعض الوارد‪،‬‬
‫وهذا ليش كل دليل اول يا وا صليا على ثبوت الول ية الطل قة‪ .‬بل ما ث بت من الجموع العام لليآت‬
‫والروايات هو ول ية مدودة بشروط وقيود وأ طر ح يث يرى المام الشيازي‪ :‬أن ل ول ية للفق يه ف‬
‫التشريع الارج عن الطار السلمي اذ الدلة لتدل عليه والصل العدم‪ .‬وهذا يعن ان الولية مصورة‬
‫ضمن الطار السلمي الذي من اسسه الولية الرية والشورى‪.‬‬
‫حول ولية الفقــــــــيه‬

‫‪24‬‬

‫يستشهد السيد المين ف كتابه "الكومة السلمية" بديث منقول عن الكاف ف باب "(‪ ..‬جيع ما‬
‫يتاج الناس اليـه إل وقـد جاء فيـه كتاب أو سـنة‪ ")..‬للسـتدلل على "وجوب" إقامـة حكومـة‬
‫إسلمية" !! مع أن ل أرى هنا أي علقة "استدللية" بي هذه الحاديث و النظام الدين كما أنه استدل‬
‫بالية "{ولقد أرسلنا ر سلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب واليزان ليقوم الناس بالق سط} و ل كن الية‬
‫تص "الرسل فقط و ل تسري حت على النبياء من ل يملون الرسالة" كما أن هذه الية تصلح لدم‬
‫"نظرية ولية الفقيه" ل لثباتا ‪ ،‬بعن أن الرّسل و العصومون وحدهم يستطيعون الطلع على القيقة‬
‫الطلقة و السيد المين يستمر "ربّما ل شعوريا" بالديث عن المر الوجه من ال للرسول و كأنه هو‬
‫نفسـه فهـم مـا فهمناه ‪ ،‬و لنفترض أن المـر كذلك ‪ ،‬فإيـن الحاديـث التـ تدد مدة انتخاب رئيـس‬
‫المهور ية بأرب عة سنوات ؟! ك ما أن "أ صول الكا ف" ل يقوم ب ي الشي عة العفري ي مقام " صحيح‬
‫البخاري و مسلم" بي السنة ‪ ،‬فالشيعي ل يعتب كل ما ورد ف "الكاف" واجب التباع ‪ ،‬بل إنه بجرد‬
‫أن يناقض القرآن يكون قابل للرفض‪.‬‬
‫أعت قد أن الجت مع اليرا ن و النظام الدي ن اليرا ن ‪ ،‬ل يقو ما ل د الن بن قد حقي قي و واق عي لن هج‬
‫"المين" و تطبيقاته الكارثية على الشيعة و الذهب الشيعي و اليرانيي عموما ‪ ،‬كما أن احتجاجه على‬
‫اؤلئك الذين قالوا أنه ل يكم تطبيق الحكام السلمية إل بظهور "الهدي النتظر" ‪ ،‬بالقول‪ :‬أن الصلة‬
‫واج بة ف هل تتركون ا إل ح ي ظهور الهدي‪ , !!"..‬الوا ضح أن ل مال للمقار نة ب ي سياسة دولة و‬
‫عبادات خاصة بالفرد و إيانه الشخصي ‪ ،‬فرُبّ مصلّ يصلّي ليقال "ما أتقاه" ‪ ،‬و آخر يصلي على سبيل‬
‫"الرياضة" و الصول على قبول "الجتمع التقليدي"‪.‬‬
‫كما أن ماولة الطبقة "العممة ـ اللية" ف إيران ‪ ،‬إخفاء حقيقة "دكتاتورية الفقيه" و جعله وكيل ل‬
‫ف الرض ‪ ،‬باءت بالف شل ‪ ،‬فالول الفق يه صامد على كر سي ال كم و ح ت آ خر ل ظة من حيا ته ‪،‬‬
‫صحيح أنه ل يورث الكرسي ‪ ،‬حيث أن المين منع تول أي من عائلته هذا النصب ‪ ،‬لكن المسك‬
‫بذه السلطة ‪ ،‬و الذي ل ينتخب بشكل مباشر و ل يعاد انتخابه أو ماسبته ‪ ،‬إذ هو القرآن الناطق ؟!!‬
‫يشبه اللوك الستبدّين أو الدكتاتور ف الدولة الشيوعية الاركسية ‪ ،‬و هو "كونه وكيل العصوم الغائب"‬
‫يستبد على أصحاب اللك "الشعب" عب هذه الوكالة ‪ ،‬بعن أن على الشيعة ف إيران تليص مذهبهم و‬
‫شعبهم من "دكتاتورية" قائمة على وكالة مزورة و غي حقيقية ‪ ،‬و كان من المكن الصول على نتائج‬
‫أف ضل ف ظل دولة يكون الول الفق يه في ها مدود ال صلحيات و معر ضا للمحا سبة إذا ل ترق سياسته‬
‫للش عب ‪ ،‬و بالتال انتخاب آ خر مكا نه ‪ ،‬ل كن طب قة الل ية أرادت عب هذا النظام ‪ ،‬فرض دكتاتور ية‬

‫‪25‬‬

‫تتذرع بالنتخاب ‪ ،‬مـع أن الرشحيـ للحكومـة و البلان يُختارون مسـبقا مـن قبـل "ملس تشخيـص‬
‫مصلحة النظام" و الذي يشبه "ملس قيادة الثورة" ف ظل دكتاتورية البعث و صدام‪.‬‬
‫يقول السيد المين ‪:‬‬
‫فك ما كان الر سول الكرم (ص) م سؤو ًل عن ت طبيق الحكام‪ ،‬واقا مة أنظ مة ال سلم‪ ،‬و قد جعله ال‬
‫تعال رئيسا وحاكما للمسلمي‪ ،‬وأوجب عليهم طاعته‪ ،‬فالفقهاء العدول أيضا يب أن يكونوا رؤساء‬
‫وحكاما‪ ،‬ومسؤولي عن تنفيذ الحكام وإقرار النظام الجتماعي للسلم‪.‬‬
‫و ل كن نعود لل سؤال‪ :‬من يُقرر من هو الفق يه العادل و الوثوق ؟!! و إذا كا نت "الوزة" أو "الطب قة"‬
‫العم مة هي من ستقرر ذلك ‪ ،‬نكون عد نا إل أ صل الشكلة ‪ ،‬إذ ل ي كن بال من الحوال أن ي ثل‬
‫هؤلء مصال غالبية الشعب ‪ ،‬خصوصا و أن السلك الدراسي "الوزة" مليئة بالعيوب و النظم القدية ‪،‬‬
‫فهل يوز مثل انتقاد "المام الب القائد الفقيه"؟!! أو رسم صورة كاريكاتورية عنه و نشرها ؟!! طبعا‬
‫هذا غي مسموح به ف "ديقراطيتنا السلمية"‪.‬‬
‫من ه نا فمه ما روّج الل ية و العممون من نظريات و مثاليات ‪ ،‬تب قى ال سألة الدين ية ‪ ،‬كأي موضوع‬
‫بشري آخر ‪ ،‬قابل للختلف ف الشرح و التفسي بل و حت حرية الختيار ف القبول أو الرفض "فمن‬
‫شاء فليؤ من و من شاء فليك فر" ‪ ،‬من ه نا كان نظام ول ية الفق يه نو عا آ خر من الدكتاتور ية ‪ ،‬و لرب ا‬
‫يكون أخطر من غيه كونه قائما على أساس "ثيوقراطي" يضفي القدسية و الشرعية اللية على نفسه ‪،‬‬
‫لذلك ند "علي الامنئي ـ الرشد الروحي الذي خلف المين ف الكم" يؤكد ف كتابه "الكومة ف‬
‫السلم" على أن النظام "السلمي" اليران قائم على اليان بال ‪ ،‬يقول‪:‬‬
‫اليان بال يؤ ثر على البن ية ال سياسية للمجت مع‪ ،‬أي ف ن ط الكومات والتشكيلت القائ مة على‬
‫إدارة هذا الجتمـع النبثـق على أسـاس العتقاد بال وبالسـتناد إل الدرسـة الليـة‪ ،‬فالبنيـة السـياسية‬
‫والتشكيلت الدار ية والهاز التشري عي تتم يز باختلفات أ ساسية عن نظيات ا ف الجت مع غ ي القائم‬
‫على أ ساس توح يد ال واليان به‪ .‬وإل هذا يرشد نا القرآن الكر ي فيقول {ونر يد أن ن ّن على الذ ين‬
‫استضعفوا ف الرض ونعلهم أئمة ونعلهم الوارثي} (القصص‪ .)5:‬الكومة ف السلم ص ‪3‬‬

‫‪26‬‬

‫و الوا ضح أن ال ية ال ت ا ستشهد ب ا ل عل قة ل ا بالوضوع و "القرآن حّال أو جه" ك ما يقول المام‬
‫علي ‪ ،‬و ل دليل شرعي على أن استبداد "فقيه"!! ما بالسلطة هو "النظام القصود" شرعا ‪ ،‬خصوصا و‬
‫أنه واحد من سائر الناس ‪ ،‬هذا الصرار على ربط "النظام" بال أو الشيئة اللية ‪ ،‬هو نوع من "بابوية"‬
‫القرون الو سطى ‪ ،‬ح ي كان "البا با" باعتباره وك يل الل ــــه و ال سيـح ‪ ،‬ي شن الروب و يرم‬
‫الناس أو يهبهم أو يعذبم و يقتلهم‪.‬‬
‫و يقول أيضا‪:‬‬
‫فالكومة تعود لولئك الناس الذين يثلون الكثرية الساحقة ف الجتمع‪ ،‬وهي من صلحيات الشخاص‬
‫الذين ينتخبهم الناس ويعلونم على رأس هرم السلطة‪ .‬ولذلك وجدنا المام المين ياطب السؤولي‬
‫الكومي ي قائلً‪" :‬إن الناس هم الذ ين أخرجو كم من ال سجون وأجل سوكم على كرا سي ال كم ف‬
‫الدولة"‪ .‬الصدر السابق ص ‪.4‬‬
‫فالل حظ أن الول الفق يه "و الذي يُنظّر لنف سه ه نا ‪ ،‬ينت قل من ال ق الل ي و الشر عي ‪ ،‬إل "ح كم‬
‫الكثر ية" الزعو مة ‪ ،‬و ل ندري ه نا ما هو الق صود بالكثر ية ‪ ،‬فإذا كان يتكلم با سم "الشي عة" فإن‬
‫الشي عة فعل هم الكثر ية ف إيران ‪ ،‬ل كن هل كل هم يؤمنون بول ية "الفق يه" ‪ ،‬هذا فضل عن الدولة‬
‫"السلمية"؟!! ‪ ،‬ل أظن ذلك ‪ ،‬خصوصا و أنه بات معروفا حجم العارضة العطّلة و تيار الصلح‬
‫الضطهد‪.‬‬
‫و يضيف "الامنئي" ‪:‬‬
‫هذه أول ثرة من ثار اليان بالتوح يد ف الجت مع‪ ،‬حيث يارس الناس دور الشراف والرقا بة بناءا‬
‫على السس والعايي اللية‪ .‬أي أنه حينما يكون اليان بال أساسا للحكومة‪ ،‬يُنتخب الاكمون من‬
‫بي عباد ال‪ ،‬ول يكون العيار واللك لتول الكم هو الثراء‪ ،‬واللَكة الادية والغن‪ ،‬بل اليان والعمل‬
‫الصال والتقوى‪.‬‬
‫فمَن ي كن أك ثر إيانا بال ـ تبارك وتعال ـ وأ شد تقوى و تبز مل مح تقواه بش كل أو ضح ف‬
‫ميدان ال سياسة‪ ،‬ينب غي له أن يكون هو البد يل ل سلطة ال ستكبين ويتبوأ مق عد ال كم الل ي‪ ،‬وي صبح‬
‫خليفة ال ف الرض‪ .‬الــصدر السابق ص ‪4‬‬

‫‪27‬‬

‫و هذه مغال طة واض حة ‪ ،‬فماذا يع ن "الامنئي" بقوله "اليان و الع مل ال صال و التقوى"!! ‪ ،‬فإن‬
‫كان القصود هو "كثرة العبادات و التقلب على السجاد و اللطم ف السينيات" ‪ ،‬فما أكثر من يفعل‬
‫ذلك ‪ ،‬و ال وحده يعلم من هو "الخلص" و من هو "الكاذب" ‪ ،‬ك ما أ نه ل يس هناك طرف مدد‬
‫يكون هو "الفيصل" ف أن يقرر من هو "التقي" و من هو "الرائي" و من هو "الاحد" و كما يقول‬
‫الثل الشعب الشيعي ف العراق ‪":‬يلطم على الريسة ما على السي"!!‪.‬‬
‫القي قة الواض حة هي أ نه ل أ حد م نا ي ستطيع أن ي يز "ال بيث" من "الط يب" ‪ ،‬خ صوصا و أن‬
‫الع صوم الثا ن ع شر غائب ح سب الذ هب الشي عي العفري ‪ ،‬و الر سول متو ف ـ ح سب مذ هب‬
‫السنة ـ فل أ حد يلك الن ح ّق "احتكار" التفسي و الفقه و النظم السياسية ‪ ،‬كما أن سية المام‬
‫علي و قبله النب ممد كانت بالضد من "الستبداد" بالرغم من امتلكهما العصمة و التأييد اللي ‪،‬‬
‫بينما ل "المين" و ل "الامنئي" يلك هذا القام أو الق‪.‬‬
‫يقول الكاتب "مرتضى معاش" ‪:‬‬
‫من الدلة ال ساسية ال ت ي ستدل ب ا على ول ية الفق يه ونفوذ حك مه وامره هو ح فظ النظام ودرء‬
‫الفوضى لن ترك المة بل قيادة سوف يقودها ال فوضى عارمة تنتهك فيها القوق وتضيع الصال‬
‫وتنتشر الفاسد‪ ،‬وهذا يعن ان الكومة من الضرورات العقلية الواضحة‪ .‬ولكن عندما يتصرف الول‬
‫بدون رضى المة ويضيع حقوق الناس وليراعي الصال ويسلب الريات ويستبد بالمر فان هذا هو‬
‫درء للفا سد بالف سد ويؤدي ال فو ضى ا كب وتدم ي النظام الجتما عي العام‪ .‬فالع قل‪ :‬ي كم بالبداهة‬
‫بقبح الفوضى ووجوب اقامة النظام‪ ،‬ولتستقر الدولة ال بضوع المة وطاعتها‪ ،‬وتقق الدولة بقهر‬
‫قا هر ظلم على ال مة ي كم الع قل بقب حه فا نه خلف سلطنة الناس على اموال م ونفو سهم ولي كم‬
‫العقل ايضا بوجوب الضوع والطاعة له(‪ .)17‬ان النظام الجتماعي ليستقر ال عند وجود مشاركة‬
‫جاع ية م سؤولة على ا ساس واق عي وهذه الشار كة تتح قق عب وجود الريات ال ت من اه ها حر ية‬

‫‪28‬‬

‫انتخاب الاكم‪ .‬لذلك نرى ان النظمة الستبدادية هي اكثر النظمة فوضوية وفسادا حيث تسحق‬
‫اب سط القوق الن سانية وتن مو المراض الخلق ية والنف سية والجتماع ية وي ستهلك النظام العام ف‬
‫اشكال مـن النفاق والنانيـة والتفكـك والتناحـر‪ .‬ومـن هنـا فليـس‪ :‬لحـد ان يدد حريات الناس او‬
‫يتصرف ف مقدراتم بغي اذنم‪ ،‬وللفراد ان ينتخبوا الفرد الصلح ويولوه على انفسهم بل يب ذلك‬
‫بعد ما ح كم الع قل بان الجت مع ل بد له من نظام وح كم وان ما من ضروريات حياة الب شر(‪.)18‬‬
‫فالنظام يتحقق ويتكامل مع الرية ويتنق وينهار مع الستبداد وقمع الريات‪.‬‬
‫اللقة الثامنـــة‬
‫‪ ..................‬حول ولية الفقيه ‪.........................................‬‬
‫إن التظاهر بالدين ‪ ،‬هو أحد أسوأ أمراض "الدولة الدينية" حيث يسعى الناس جاهدين إل إظهار‬
‫"الشوع" و "التف قه" و "الورع" ف سبيل الو صول إل "من صب" أو "وظي فة" أو "وزارة" ‪ ،‬و ه نا و‬
‫لن النظام السياسي القائم أقر مقاييسه "الفقهية التقوية" فهو نفسه سيحدد من هو "التقي" و من هو‬
‫"الشقي"!! مع أن القرآن يقول ف أوضح آياته { ل تزكوا أنفسكم بل ال يزكيكم } أو قوله { إل‬
‫ال مرجعكم فينبأكم با كنتم تعملون } ‪ ،‬يقول "الامنئي" ‪:‬‬
‫إن نا ن سعى لتكون قوانيننا إل ية‪ ،‬فمجلس الشورى السلمي وملس صيانة الدستور‪ ،‬اللذان يثلن‬
‫معا السلطة القنّنة لدينا‪ ،‬يسعيان لتكون القواني الت يصادقان عليها قواني متطابقة مع الكتاب والسنّة‬
‫ومع النصوص لنتخاب أشخاص يديرون البلد عب اختيارهم من بي الفراد الؤمني بالعقيدة الدينية‪،‬‬
‫وهذا هو الدرس الذي يعلمنا إياه العتقاد بالتوحيد واليان بال‪ .‬الصدر السابق ص ‪5‬‬
‫فالل حظ ه نا أ نه تدث ه نا عن "انتخاب أشخاص" ‪ ،‬لك نه عاد ليق يد النتخاب بالقول " عب‬
‫اختيارهم من بي الفراد الؤمني بالعقيدة الدينية" ‪ ،‬إنه فعل تلعب بالنتخاب إل حد أنه انتخاب‬
‫بل جدوى أو معن ‪ ،‬و الشخص "الؤمن" فعل قد يصبح "ملحدا" بقاييس السلطة و "الول الفقيه" ‪،‬‬
‫و ما حصل مع "آية ال منتظري" و حجبه عن الولية لصلحة "الامنئي" خي مثال على ما قلناه‪.‬‬

‫‪29‬‬

‫و يضيف ف ص ‪ 7‬من كتابه‪:‬‬
‫إن هذه الفرصة الثمينة‪ ،‬فرصة قيام الكومة السلمية ونشوء النظام السلمي‪ ،‬وفرصة تبلور لطف‬
‫ال بعباده ف هذه البقعة من الرض‪ ،‬علينا أن نعرف قيمتها ونقدر أهيتها‪ ،‬فقد كان شعبنا يُساق نو‬
‫الفساد والثام‪ ،‬ويُحَث على العاصي والذنوب‪ ،‬بينما يكنه اليوم أن يتمتع بنعمة العيش مسلما مؤمنا‬
‫بال‪ ،‬يارس العمل الصال وقد مهد للجميع سبيل الجاهدة ف مقابل الشياطي والنفس المارة بالسوء‬
‫وف مقابل العداء‪ ،‬وفُتح أمام أبناء هذا الشعب طريق التضحية والفداء والصلح والرشاد‪.‬‬
‫إن هذا الديـث "الوعظـي" ينافـ الواقـع و القيقـة ‪ ،‬فمنـذ قيام "الثورة السـلمية" تضاعـف عدد‬
‫الدمني على الكحول و الخدرات و راجت النرافات النسية "كالثلية" و يعيش أغلبية اليرانيي "و‬
‫قد ت سن ل الطلع على الوضاع هناك ف زيارة ق صية" حالة مزر ية من الف قر و البطالة و ت صاعد‬
‫حالت الطلق و الفساد الداري ‪ ،‬بل إن اليرانيي يتندرون على سبيل "النكتة" بالقول ‪ :‬إذا قال لك‬
‫السئول بس فردا ـ بعد الغد بالفارسية ـ فهو يكذب‪."..‬‬
‫و اللحظ أن "ولية الفقيه" هي أقرب إل أن تكون نظرية "سنية" أكثر منها "شيعية" ‪ ،‬بعن أنا‬
‫تشبه "نظرية اللفة" الت يروّج لا "بن لدن" و "القاعدة" ‪ ،‬و الواضح أن "الامنئي" ـ و هو يتلف‬
‫ف ذلك قليل عن السيد المين ـ ي سعى إل أن يعل من نف سه هذا "الليفة" و لذلك نراه و تياره‬
‫"حزب ال" يتبن القضايا "السلمية ـ القومية العربية" بل و حت التضحية بشيعة العراق للوصول إل‬
‫هذا الدف‪.‬‬
‫إن ماولة تعم يم نظر ية "شيع ية" ف عال " سن" معروف بطائفي ته ‪ ،‬هو أش به بزرا عة أي نبات ف‬
‫"القطب الشمال" ‪ ،‬بل إن "نظرية ولية الفقيه" ليس لا مؤيدون بي "الشيعة" فضل عن غيهم ‪،‬‬
‫مع ذلك ند "الامنئي" يقول‪:‬‬

‫‪30‬‬

‫فنظام ولية الفقيه هو الطابع الميز لدستور المهورية السلمية والصفة الغالبة على الشكل العام‬
‫لجتمعنـا‪ ،‬أي أن "وليـة الفقيـه" تُلحـظ بوضوح فـ كـل شأن مـن الشؤون الهمـة والسـاسية لذا‬
‫الجتمع‪ ،‬وآثارها مشهودة ف أعطاف الجتمع وحناياه‪ "..‬الصدر ص ‪. 8‬‬
‫و الواضـح هنـا أن هذا المـر ل يعدو كونـه مرد زعـم ل أسـاس له ‪ ،‬و مشكلة إيران مـع "وليـة‬
‫الفق يه" هو أن أي دولة شهدت نوض "ثورة" و إحلل نظام مكان آ خر ‪ ،‬ل بد و أن تتخ طى ز من‬
‫الثورة و قوانينها إل "الجتمع الدن" القائم على الواطنة ‪ ،‬لكن الواضح لد الن أن إيران ل زالت ف‬
‫حالة طوار يء ‪ ،‬و من خلل متاب عة أطروحات "الر شد" ن د أ نه هو نف سه غ ي متأ كد من شرع ية‬
‫"وليته الفقهية" حت بالدلة الشرعية فهو يقول‪:‬‬
‫وأعتقد أننا لسنا باجة إل دليل نقلي (روائي) للبهنة على "ولية الفقيه"‪ ،‬على الرغم من أن الدلة‬
‫النقلية الروائية متوفرة ف القرآن والديث‪ ،‬وكلها تدلل على حكومة الفقهاء والعلماء الربانيي‪ .‬بيد أننا‬
‫لو ل ي كن لدي نا أي دل يل نقلي على حكو مة ال باء بالد ين ف الجت مع ال سلمي‪ ،‬فإن الع قل والدلة‬
‫النطقية تشي إل حقيقة أنه من أجل تطبيق الحكام اللية‪ ،‬وتنفيذ القواني الدينية ف الجتمع ينبغي أن‬
‫يت صدى لذلك أشخاص يتلكون الهل ية‪ ،‬والكفاءة وال صلحية اللز مة‪ ،‬ف هذا الضمار م ن لدي هم‬
‫إطلع ومعرفة بالشؤون الدينية‪ .‬الصدر ص ‪.8‬‬
‫و من ه نا نرى أن ال ستدلل يب قى "ذات يا" ‪ ،‬بع ن أن "الر شد" يشرع شرعي ته بنف سه ‪ ،‬بل و إن‬
‫الرجل ليؤكد شرعية دكتاتوريته بالقول‪:‬‬
‫إن إشراف الول الفق يه على ج يع الرا كز ال ساسية والرا فق ال ساسة ف الجت مع ال سلمي‪ ،‬أ مر‬
‫ضروري‪ ،‬وقد استجاب دستورنا لذه الضرورة ولبّاها ‪ ...‬فإن الول الفقيه يارس بالفعل إشرافه ـ‬
‫كما ورد ف دستور المهورية السلمية ـ على جيع الراكز اليوية والساسة ف هذا الجتمع‪ ،‬وله‬

‫‪31‬‬

‫حضور فاعل ومؤثر فيها‪ ،‬وهذا أمر ليس باجة إل دليل وبرهان‪ ،‬بل العجيب هو ما قد يطرحه بعض‬
‫ل على رفض ولية الفقيه ودحضها‪ .‬الصدر ص ‪ 8‬و ‪. 9‬‬
‫الشخاص ما يعدّونه دلي ً‬
‫و هو فعل سبب وجيه لرفض "دكتاتورية الُعمّم" و ليس هناك من دليل شرعي أو عقلي يقبل بكم‬
‫شول من أي نوع كان ‪ ،‬من هذا النطلق كان لزا ما على اليراني ي ‪ ،‬إ ما تطو ير النظر ية ـ ب يث‬
‫ي صبح الفق يه عر ضة للمحا سبة ـ أو إلغاء هذا النظام بنظام آ خر ب سيط يقوم على ح كم الش عب و‬
‫رقابته على الكومة‪.‬‬
‫و الصيبة أن الامنئي وضع نفسه موضع "النبياء و الئمة العصومي" فهو يقول‪:‬‬
‫أما الجتمع اللتزم بالقيم اللية‪ ،‬والقائم على اعتناق عقيدة التوحيد‪ ،‬والنبوة والشريعة اللية‪ ،‬فإنه ل‬
‫يرى بدا من القبول بأن يكون على رأسه ش خص عال بالشري عة السلمية والتعال يم اللية‪ ،‬وتتجسد‬
‫فيه الخلق الفاضلة‪ ،‬وتتجلى فيه الصال الميدة‪ ،‬ول يقترف الذنوب ول يرتكب العاصي‪ ،‬ول يقع‬
‫عمدا فـ الطـأ والشتباه‪ ،‬غيـ جائر ول ظال ول طامـع فـ شيـء مـن الطام لنفسـه‪ ،‬بـل يتحرق‬
‫للخرين ويفضل إقرار القيم اللية على القضايا الشخصية والمور الذاتية والصال الفئوية‪ .‬الصدر ص‬
‫‪.9‬‬
‫إ نه مرد حد يث "مثال" خيال ‪ ،‬ل يس له أ سس أخلق ية أو دين ية أو إن سانية ‪ ،‬بالقي قة فإن "ول ية‬
‫الفقيه" هو انقلب على التشيع و مذهب أهل البيت ‪ ،‬لنه انتقل من كونه "عقيدة شعب" إل عقيدة‬
‫أخرى يسـتحوذ باـ "طبقـة مـن اللل" على قرار الشعـب و ثرواتـه ‪ ،‬و رغـم ماولت "الرشـد علي‬
‫الامنئي" ف كتابه الذي نن بصدده ‪ ،‬ف إقناع القاريء اليران خصوصا و السلم الشيعي و السن‬
‫بشكل أعم ‪ ،‬بأن النظام اليران "جهوري مستمد من الشعب" ‪ ،‬إل أنه وضح با ل يقبل الشك أن‬
‫هذا النظام هو "دكتاتورية" مائة بالائة ‪ ،‬حيث يقول الامنئي‬
‫تت عنوان "تنفيذ رأي الشعب"‪:‬‬

‫‪32‬‬

‫ولذا فإن هذا المر قد تت معالته ف متمعنا وف نظامنا المهوري السلمي‪ ،‬إذ أن على رأس‬
‫ال سلطة التنفيذ ية ف البلد ي قف رئ يس المهور ية ال سلمية‪ ،‬و قد ت انتخا به من خلل آراء الش عب‬
‫وعيّن ف منصبه عب تنفيذ المام لرأي الشعب وإمضائه‪ ،‬أي أنه ـ ف القيقة ـ معيّن‪ ،‬وبالتال‪ ،‬من‬
‫قبل المام‪.‬‬
‫فالشعب ينتخب شخصا من بي الشخاص اللئقي لرئاسة المهورية‪ ،‬ث يقوم المام بتنفيذ رأي‬
‫الشعـب بتعيينـه رئيسـا‪ ،‬أي أنـه إن ل يصـادق المام على انتخابـه لن يصـبح رئيسـا للجمهوريــة‪.‬‬
‫فالمـام ـ وهو الفقيه العادل وول أمر السلمي ـ يسك زمام المور بشأن تعيي أعلى مسؤول‬
‫تنفيذي ف البلد‪ .‬و يضيف‪:‬‬
‫وهكذا ال مر على صعيد ال سلطة التشريع ية "القنّ نة"‪ ،‬ح يث يعيّن المام ستة من الفقهاء ف ملس‬
‫صيانة الد ستور‪ ،‬وهذا يع ن حضور المام ـ معنويا ـ ف مال التشر يع القانو ن ف البلد‪ ،‬فبدون‬
‫تسجيل المام حضوره ف هذا الضمار ل تكون عملية التقني قد تت تت نظر الول الفقيه وإشراف‪.‬‬
‫وهكذا ال مر ف مال ال سلطة القضائ ية‪ ،‬ح يث ي سجل المام حضوره "العنوي" من خلل تعيي نه‬
‫رئ يس ديوان القضاء العلى‪ ،‬والد عي العام ف البلد‪ ،‬وهذان ال سؤولن تنت هي إليه ما ج يع الشؤون‬
‫القضائية ف البلد‪ ،‬وها ـ ف القيقة ـ نائبا المام ومثله ف هذا الجال‪ ،‬ومن خللما يتم تأمي‬
‫إشراف المام على هذا الصعيد‪.‬‬
‫إذا‪ ،‬فالول الفق يه له حضور فعال ودور أ ساسي ف الجت مع ال سلمي‪ ،‬سواء على صعيد ال سلطة‬
‫التنفيذ ية أو ال سلطتي القنّ نة والقضائ ية‪ .‬وطبعا فإن صلحيات الول الفق يه ل تنح صر ف هذا الطار‪،‬‬
‫وتتجاوز ذلك بكثي؛ ففي اليش والقضايا العسكرية‪ ،‬وف إعلن الرب وبدئها‪ ،‬وف ختامها وإعلن‬
‫السلم‪ ،‬وف تعبئة القوى وحشدها‪ ،‬وف كل الشؤون الت تع ّد من القضايا الساسية والهمة ف الجتمع‬
‫السلمي‪ ،‬نرى للول الفقيه سلطة ودورا وحضورا فاعلً طبقا للدستور‪ ،‬ووفقا للمقاييس العقلية‪ ،‬الت‬

‫‪33‬‬

‫يب أن تري المور بوجبها ف الجتمع الذي يتوجب قيام الكومة السلمية فيه‪ .‬الصدر ص ‪ 9‬و‬
‫‪. 10‬‬
‫من هنا تتو ضح القي قة و على ل سان أعلى سلطة ف النظام الدين ف إيران و أنه ل يستند إل أي‬
‫قاعدة شعبية ‪ ،‬اللهم إل ف قطاعات ضيّقة جدا ‪ ،‬إنا دكتاتورية مغلفة "بالوعظ" و "الشوع الكاذب"‬
‫‪ ،‬بالتال فإن ترير الذهب الشيعي من خاطفيه يب أن يكون هدف الوزات الشيعية نفسها ‪ ،‬و على‬
‫الصلحيي التحرك قبل تول المر إل كارثة ل خروج منها‪.‬‬
‫الــلقة التـــاســــــــعــة‬
‫‪ ...............‬حول ولية الفقيه ‪.........................‬‬
‫من الل حظ أن كل النظر ين الديني ي اليراني ي ‪ ،‬من "ال سيد المي ن" و "الامنئي" و "م مد علي‬
‫التسخيي" و سائر الطبقة السياسية العممة ‪ ،‬يطرحون نظام ولية الفقيه على أنه نظام يعكس رغبة‬
‫الشعـب أكثـر مـن الديقراطيـة الغربيـة ‪ ،‬و مـن الواضـح مـن نقدهـم الوجّه إل الديقراطيـة الغربيـة‬
‫"الرأسالية" أنه نقد سطحي ل أكثر ‪ ،‬فمجرد نظرة إل الكتاب الكبي للعلمة آية ال مــحمد باقر‬
‫الصدر "إقتصادنا" ـ ف اعتقادي أنه ما من شخصية شيعية تضاهي قوة و إبداع هذا الرجل ـ فإنك‬
‫ستجد النظام القتصادي السلمي "أشكّ حقيقة ف وجود نظام اقتصادي خاص بالسلم" أقرب إل‬
‫الرأسـالية و حريـة التجارة ‪ ،‬و أعتقـد أن هذه نقطـة تسـب لصـال السـلم كديـن قابـل للتطور و‬
‫الندماج فـ العال الديقراطـي‪ .‬و هنـا أود أن أطرح جلة نقاط مفيدة حول موضوع "وليـة الفقيـه"‬
‫طرحها الكاتب مرتضى معاش و هي‪:‬‬

‫‪34‬‬

‫ويرى البعض ان الول ينتخب ولكن ليس عن طريق المة بل عن طريق اهل الل والعقد‪ ،‬لن المة غي‬
‫قادرة على معر فة الؤ هل وتشخ يص اعلمي ته وعدال ته لذلك يقت صر ال مر على العارف ي و هم ا هل ال ل‬
‫والعقد مع كون السية التاريية على ذلك‪ .‬ولكن هناك ملحظات ف هذا الرأي‪:‬‬
‫‪1‬ـ ان الرية حق عام ليقتصر على اهل الل والعقد ولو قصر على ذلك لضيعت حقوق السلمي كما‬
‫حصل ذلك ف السقيفة‪ .‬لن الرية من اوليات القوق النسانية‪.‬‬
‫‪2‬ـ ان الخذ برأي اهل الل والعقد وترك رأي المة خلف اطلق ايات الشورى‪ ،‬وعمل برأي القلية‬
‫وتضييع رأي الكثرية وهذا ليسمى شورى‪ .‬يقول امي الؤمني ) والزموا السواد العظم فان يد ال على‬
‫الماعـة واياكـم والفرقـة فان الشاذ مـن الناس للشيطان كمـا ان الشاذ مـن الغنـم للذئب‪(.‬نجـ البلغـة‬
‫‪)2/11‬‬
‫‪3‬ـ اذا كانت تصرفات الول تتاج ال اجازة من المة لنفوذ عمله وسلطته فان الجازة لتتحقق بجرد‬
‫انتخاب اهل الل والعقد‪.‬‬
‫‪ 4‬ـ ان السية السابقة كانت ف انتخاب اهل الل والعقد للول فان ذلك كان لبعد السافات جغرافيا‬
‫و صعوبة الت صال‪ ،‬ول كن اليوم ال سافات ا صبحت ش به ملغ ية لوجود القدرة على الت صال واعطاء ال مة‬
‫رأيها ف الول الذي تنتخبه‪.‬‬

‫‪35‬‬

‫‪ 5‬ـ ترى القواني الدستورية ان انتخاب اهل الل والعقد هو نوع من الدكتاتورية البطنة الت تدف ال‬
‫مصادرة رأي ال مة ل صال ال سلطة عب تعيي ممو عة من الشخاص ت سميهم ا هل ال ل والعقد لضفاء‬
‫الشرع ية على نف سها‪ ،‬ك ما تف عل ذلك ب عض النظ مة ال ت ينت خب في ها الرئ يس من خلل البلان الذي‬
‫يسيطرون عليه سيطرة مطلقة‪.‬‬
‫نعم يكن ان يقوم اهل الل والعقد بترشيح الفقيه او الفقهاء للمة كي تنتخبهم انتخابا حرا كما يصل‬
‫ذلك ف النظام الديقراطي عندما ترشح الحزاب اشخاصا ال الشعب حت ينتخبوهم‪ .‬ناية القتباس‪.‬‬
‫نعود إل النق طة الول ال ت بدأ نا ب ا الوضوع ‪ ،‬ف كل الن قد الوجّه إل "الديقراط ية الغرب ية" يب قى‬
‫استعارة من معممي و ملتحي "الثورة" ف قراءاتم للكتب "الاركسية" و "الشيوعية" ‪ ،‬بعن أنك عندما‬
‫تقرأ هذا الن قد ت ظن نف سك لول وهلة تقرأ كتا با للبلش فة "الشيوعي ي" ‪ ،‬يقول "الامنئي" ف كتا به‬
‫"الكومة ف السلم"‪:‬‬
‫ولذا فإن هذا المر قد تت معالته ف متمعنا وف نظامنا المهوري السلمي‪ ،‬إذ أن على رأس‬
‫ال سلطة التنفيذ ية ف البلد ي قف رئ يس المهور ية ال سلمية‪ ،‬و قد ت انتخا به من خلل آراء الش عب‬
‫وعيّن ف منصبه عب تنفيذ المام لرأي الشعب وإمضائه‪ ،‬أي أنه ـ ف القيقة ـ معيّن‪ ،‬وبالتال‪ ،‬من‬
‫قبل المام‪.‬‬
‫فالشعب ينتخب شخصا من بي الشخاص اللئقي لرئاسة المهورية‪ ،‬ث يقوم المام بتنفيذ رأي‬
‫الشعـب بتعيينـه رئيسـا‪ ،‬أي أنـه إن ل يصـادق المام على انتخابـه لن يصـبح رئيسـا للجمهوريــة‪.‬‬

‫‪36‬‬

‫فالمـام ـ وهو الفقيه العادل وول أمر السلمي ـ يسك زمام المور بشأن تعيي أعلى مسؤول‬
‫تنفيذي ف البلد‪.‬‬
‫وهكذا ال مر على صعيد ال سلطة التشريع ية "القنّ نة"‪ ،‬ح يث يعيّن المام ستة من الفقهاء ف ملس‬
‫صيانة الد ستور‪ ،‬وهذا يع ن حضور المام ـ معنويا ـ ف مال التشر يع القانو ن ف البلد‪ ،‬فبدون‬
‫تسجيل المام حضوره ف هذا الضمار ل تكون عملية التقني قد تت تت نظر الول الفقيه وإشراف‪.‬‬
‫وهكذا ال مر ف مال ال سلطة القضائ ية‪ ،‬ح يث ي سجل المام حضوره "العنوي" من خلل تعيي نه‬
‫رئ يس ديوان القضاء العلى‪ ،‬والد عي العام ف البلد‪ ،‬وهذان ال سؤولن تنت هي إليه ما ج يع الشؤون‬
‫القضائية ف البلد‪ ،‬وها ـ ف القيقة ـ نائبا المام ومثله ف هذا الجال‪ ،‬ومن خللما يتم تأمي‬
‫إشراف المام على هذا الصعيد‪ .‬الصدر ص ‪ 9‬و ‪. 10‬‬
‫فأين هو النتخاب الر إذا يا مرشد الثورة و عرّابا ؟! فقبل قليل أخبنا الامنئي بنفسه أن رئيس‬
‫المهورية و كل الركان الخرى ف النظام اليران ‪ ،‬يعيّنهم "الول الفقيه باسم الشعب"!! بعن أن‬
‫الشّ عب بليي نه ل يعدوا أن يكون ا سا و شعارا ترف عه الكو مة اليران ية ف النا سبات الر سية ‪ ،‬و أن‬
‫"العمامة" هي وحدها الت تتحكم ف القرار ‪ ،‬و ل تنسى عزيزي القاريء أن الفقيه الشيعي ـ الذي‬
‫يتلف عن الفقيه السن الذي ل يعدو كونه موظفا حكوميا ـ يتلك قوة اقتصادية كبية عب استلمه‬
‫ملي ي الدولرات من أموال ال مس و ال تبعات و ال صدقات ‪ ،‬بع ن أ نه من الم كن أن ي ثل طب قة‬
‫رأسالية بعينها ‪ ،‬حاله حال السياسي الغرب الذي انتقده "اللية" و "اللتحون" ‪ ،‬و الكيد أن "الفقيه"‬
‫سيختلف تعامله مع فقي يبلغ خسه السنوي ‪ 100‬دولر عن ذلك الذي يدفع ‪ 1000000‬دولر‬
‫مثل‪.‬‬
‫إن العلم "الغرب" الخادع الذي حدثنا عنه "الرشد العلى" ‪ ،‬ليس إل عكسا للصورة الخرى ‪،‬‬
‫فالعلم اليران الذي يديره "الحجّبون و الحجبات" و "اللية و الليات" ل يعكس إل رؤية "فقيه‬

‫‪37‬‬

‫واحد" ‪ ،‬بعن أنه حت "الفقهاء" العارضون "للول الفقيه" ل يق لم الدلء بآرائهم ف هذا العلم‬
‫الوجّه و السيّس ‪ ،‬يقول "الامنئي"‪:‬‬
‫وبالملة‪ ،‬فإنه ف الجتمع السلمي تتجسد إرادة الشعب وينفّذ رأيه على جيع الصعد‪ ،‬سواء على‬
‫صعيد السلطة القنّنة أو التنفيذية‪ ،‬أو ف جيع شؤون السلطة والكم وولية المر‪ ،‬تتجسد أكثر بكثي‬
‫ماـ يري فـ ظـل الكومات الديقراطيـة‪ .‬مضافا إل ذلك‪ ،‬فإننـا نرى أن الاكميـ والسـؤولي فـ‬
‫الجتمع السلمي يتمتعون بإيان الشعب وتأييده وحبه‪ .‬فالشعب يك ّن لم الود والب واليان‪ ،‬ولذا‬
‫فإنه يراهم منه وإليه‪ ،‬ويؤمن بأنم خدم له ومنفّذون لرادته ومثلون لطموحاته وآماله‪ .‬الصدر ص ‪15‬‬
‫‪.‬‬
‫طبعا سيبدو ف إعلم يسيطر عليه "أصحاب النظرة الضيقة" أن الشعب كله يؤمن بذه النظرية ‪ ،‬و‬
‫بدل يل أن كل "ال صحف و الجلت ـ ح يث أن التلفزيون مت كر من ق بل الحافظ ي و التطرف ي"‬
‫الصلحية ‪ ،‬أُغلقت بأمر الحافظي ‪ ،‬إل لنم نشروا أفكارا إسلمية أكثر "تررا"‪.‬‬
‫إن ولية الفقيه ف داخلها ل تمل إل فلسفة هشّة و خداعا ‪ ،‬ل يتوي حت البيق الكاذب ‪ ،‬بعن‬
‫أن هذه النظرية "الفقهية"!! ل توي إل دكتاتورية مغلفة بغلف "اليان الدين"‪ .‬يقول "الامنئي"‪:‬‬
‫على هذا الساس‪ ،‬فإن القول بأن الكومة الديقراطية والشعبية ل يكن أن تكون ـ بالضرورة ـ‬
‫حكومة دينية‪ ،‬أو أن حكومة الدين ل يكنها أن تكون حكومة شعبية‪ ،‬مغالطة وسفسطة ليس إل‪ .‬إذ‬
‫أن بإمكان الكو مة ال سلمية ـ ف الو قت نف سه الذي هي ف يه حكو مة إل ية ـ أن تكون حكو مة‬
‫شعب ية أيضا‪ .‬وكنموذج على ذلك‪ ،‬ما كان ف ع هد صدر ال سلم‪ ،‬إبّان ز من ال نب (ص) واللفاء‬
‫الذ ين تبعوه أول ال مر‪ ،‬والنموذج الثا ن هو حكو مة المهور ية ال سلمية‪ ،‬وكلتاه ا حكو مة شعب ية‪،‬‬
‫وقائمة على عواطف الشعب ووفقا لرائه‪ ،‬وتأسست عب انتخاب الشعب وتقودها العناصر الشعبية‪.‬‬
‫الصدر ص ‪. 15‬‬

‫‪38‬‬

‫الوا ضح ه نا بأن مقارن ته ب ي "حك مة ال نب و صدر ال سلم" و ن ط الدولة الد يث ‪ ،‬مقار نة غ ي‬
‫منطقية ف زمن ظهر فيه "العلم" و "الرأي العام" و "النتخاب السري الباشر" ‪ ،‬و عهد كان تفسي‬
‫متلف لية أو حديث يتسبب ف حروب ـ راجع كتاب معال الدرستي للمحقق مرتضى العسكري‬
‫فهو حافل بذه المثلة ـ كما أن "الامنئي" نفسه يتحدث عن "عواطف الشعب و آرائه" مع أنه ل‬
‫يوجد ف إيران إعلم حرّ ‪ ،‬باستثناء الروّج للسلطة‪.‬‬
‫فن حن و ف بث نا هذا ل سنا ضد "الشروع الديقرا طي ال سلمي" و لكن نا ضد احتكار وج هة ن ظر‬
‫واحدة لكل ما أنتجه السلم من فكر و نظريات و مذاهب و فلسفات ‪ ،‬فليست هناك آية واحدة أو‬
‫حديث أو كلمات إمام معصوم تنص على أن "الول الفقيه يتلك كامل الصلحيات" حت ف إخراس‬
‫الجتهادات ‪ ،‬و ل أستبعد أن تقوم السلطات اليرانية مستقبل ـ و على منوال العباسيي قبل ‪800‬‬
‫عام حين ما سدّوا باب الجتهاد ف الذ هب ال سن ـ بإ صدار فتوى ترم "الجتهاد" الذي هو لُ بّ‬
‫الذهب الشيعي و أساسه الذي سح له بالنجاح و الستمرارية‪.‬‬
‫و يستند الامنئي ف كتابه على الادة الدستورية التالية‪:‬‬
‫تقول الادة الام سة من الد ستور‪" :‬ز من غي بة المام الهدي (ع جل ال تعال فر جه) تكون ول ية ال مر‬
‫وإمامة المة ف جهورية إيران السلمية بيد الفقيه العادل‪ ،‬التقي‪ ،‬البصي بأمور العصر‪ ،‬الشجاع القادر‬
‫على الدارة والتدبي‪."...‬‬
‫وتقول الادة التاسعة بعد الائة‪ :‬الشروط اللزم توفرها ف القائد‪ ،‬وصفاته هي‪:‬‬
‫‪1‬ـ الكفاءة العلمية اللزمة للفتاء ف متلف أبواب الفقه‪.‬‬
‫‪2‬ـ العدالة والتقوى اللزمتان لقيادة المة السلمية‪.‬‬
‫‪3‬ــ الرؤيـة السـياسية الصـحيحة‪ ،‬والكفاءة الجتماعيـة والداريـة‪ ،‬والتدبيـ والشجاعـة‪ ،‬والقدرة‬
‫الكافية للقيادة ‪.‬‬

‫‪39‬‬

‫من الطبيعي أن تكون الالة النتخابية "اليرانية" هشّة و ضعيفة ف ظل دستور يقوم على الضبابية و‬
‫التناقـض ‪ ،‬فليـس هناك دسـتور فـ العال يقول ‪ :‬يبـ أن يكون الاكـم ظالاـ ‪ "..‬حتـ طغاة‬
‫كه ـــتلر و ستالي و الطاغ ية صدّام ‪ ،‬يدعون و يزعمون أن م عادلون و مُ ستقيمون ‪ ،‬إذن ف من‬
‫الواضح أن الدّستور اليران ضباب لكونه من فئة بعينها و ل يثل كل الشعب أو حت الغلبية‪.‬‬
‫‪ ........‬ملية ماركسيــون ‪...............................‬‬
‫من الؤسف حقا أن ند الشّرق السلمي ‪ ،‬خصوصا ‪ ،‬تتأثر بالثقافة الاركسية اللينينية الشيوعية ‪،‬‬
‫هذه الفل سفة الليئة بال قد و الدكتاتور ية و احتقار الب شر و معاملت هم كقطعان من اليوانات ‪ ،‬لذلك‬
‫لن يكون غري با أن يقوم "الول الفق يه" و من م عه من جيوش الل ية التع صبي ‪ ،‬بتحر يف القائق و‬
‫الل عب بعوا طف الناس و عقول م ‪ ،‬و من هج "المي ن" و "الامنئي" وا ضح ف هذا الشأن ‪ ،‬و ل يس‬
‫عجيبا أن ند أنه منذ أيام "الشيازي" و ابنه ممد رضا ـ الذي اتمه البيطانيون بأنه يروج للبلشفية‬
‫و الاركسية ـ و فتوى الشيازي الت اعتبت "البلشفة" الشيوعيي الذين ل يؤمنون بال ‪ ،‬أصدقاء‬
‫للمة السلمية خلل حربم مع البيطانيي بداية القرن العشرين‪.‬‬
‫و ف الرحلة ال ت تلت الرب العال ية الثان ية من صراع ب ي "الل ية" و "حزب تودة" و "الر كة‬
‫الشيوعيـة" فـ إيران و العراق ‪ ،‬تأثـر العمّمون فـ الوزة بالنطـق الشيوعـي فـ اليان بصـراع‬
‫"الشتراك ية" مع "الرأ سالية" و ت سخي الش عب و تري كه ككتلة من "المادات ال ت ل تع قل" و‬
‫استغلل عواطفه‪.‬‬
‫فها هو الامنئي حينما ينتقد "الغرب" يبدو لك و كأنه تلميذ من تلميذ "ستالي" أو "خروشوف"‬
‫‪:‬‬

‫‪40‬‬

‫لو نظرنا إل قضية مدى انطباق تصرفات النظمة الديقراطية مع رأي الشعوب وإرادتا من زاوية‬
‫أخرى‪ ،‬هـي الزاويـة العمليـة والانـب التطـبيقي‪ ،‬لوجدنـا عدم انسـجام مـا تارسـه تلك الكومات‬
‫والنظمة على الصعيد العالي مع رغبات شعوبا وآرائها‪.‬‬
‫وكدل يل على ذلك‪ ،‬ما تار سه الدول الغرب ية الرأ سالية وح ت الشرق ية الارك سية من العمال ضد‬
‫الدول الخرى م ا ل تر ضى به شعوب تلك الدول‪ ،‬و هي لي ست أعمالً مرحل ية أو مؤق تة‪ ،‬بل هي‬
‫سلسلة أعمال تعكس النهج الدائم والسلوك الستمر لذه النظمة‪.‬‬
‫ض عما تقوم به حكومته من التدخل ف شؤون دول الشرق‬
‫فلو سئل الشعب الميكي هل هو را ٍ‬
‫الوسط فماذا سيكون الواب؟‬
‫هل يرضى مليي النساء والرجال الميكان بأن تنهب حكومته ثروات بلدنا العطاء المنوحة له من‬
‫ال‪ ،‬وهل يرغب هذا الشعب بأن تستول حكومته ـ ظلما ـ على الطاقات البشرية والقتصادية‪ ،‬ف‬
‫البلدان الخرى عب قيام ها بإر سال ال ساطيل الع سكرية العظ مى ف الح يط الادي والح يط الندي‬
‫والحيط الطلسي‪ ،‬من أجل تديد دول تلك الناطق؟!‬
‫ولو سئل الشعب الميكي هل هو مستعد لنفاق مليارات الدولرات على أعمال وكالة الخابرات‬
‫الركزيـة (‪ )C.I.A‬مـن أجـل الطاحـة بالكومات الوطنيـة فـ الدول الخرى‪ ،‬كــ نيكاراغوا‬
‫والسلفادور‪ ،‬وغيها باستخدام الموال والسلحة الميكية‪ ،‬فبماذا سيجيب؟‬
‫وإذا سئل الرأي العام الميكي عن مدى موافقته على تسخي الموال والسلحة والطط الميكية‬
‫وتوظ يف ال باء الع سكريي وال سياسيي الميكي ي ف خد مة الكيان ال صهيون الغا صب‪ ،‬كي يهدد‬
‫الشعب السوري والفلسطين واللبنان ويعتدي عليه فهل سيضى بذلك؟‬
‫لو أجري استطلع للرأي العام ف أميكا حول مدى قبوله بذه الرائم والنتهاكات فماذا سيكون‬
‫جوابه؟‬

‫‪41‬‬

‫ل شك ف أن الواب وا ضح‪ ،‬فالش عب المي كي أو أغلبي ته ال ساحقة ستعترض على كل ذلك‬
‫بشكـل كامـل‪ ،‬وهذا مـا حصـل فـ حرب فيتنام‪ ،‬إذ أدت ضغوط الرأي العام إل اضطرار الكومـة‬
‫الميكية لسحب ‪ 500‬ألف جندي أميكي من فيتنام‪ ،‬وترك النظام الفيتنامي العميل وجها لوجه مع‬
‫الشعب الفيتنامي الناضل ضده‪ "...‬الصدر ص ‪.17‬‬
‫هـل رأيـت أخـي القاريـء ؟! هذه اللغـة و الصـطلحات "ماركسـية" مائة بالائة ‪ ،‬فرغـم النتقاد‬
‫الجول للنظمـة "الاركسـية" إل أن "ال" لديـه علقات ميزة مـع أنظمـة "كاسـترو" و "الصـي‬
‫الشيوعية" و "تشافيز اللحد ـ رئيس فنويل" و "كيم سونغ إل ـ الذي يرفض أن يعبد شعب كوريا‬
‫الشمال ية إل ا غيه" ‪ ،‬هل الش عب الفيتنا مي الذي يع يش ت ت وطأة ال كم و النظام الشيو عي م نذ‬
‫السبعينات و لد الن ‪ ،‬هل هو مكوم فعل "بنظام وطن" ؟! و هل هو حقا شعب حرّ ؟! ‪ ،‬القيقة‬
‫أنه ل فرق بي أن تكون دكتاتورا باسم "ال" أو "البوليتاريا" ‪ ،‬و الكيد أن الشعب الحكوم بنظام ل‬
‫يُتقـن شيئا غيـ قلب القائق ‪ ،‬هـو شعـب غيـ ُح ّر ‪ ،‬و لاذا يكون "الغرب الديقراطـي القائم على‬
‫النتخاب" نظامـا غيـ حُر "حسـب الامنئي و ملليـه" ؟! بينمـا النظمـة "الشيوعيـة الاركسـية و‬
‫دكتاتوريات الش عب الكافرة بال" هي ‪ :‬أنظ مة وطن ية حرة تن بع من الش عب" ح سب هؤلء اللل‬
‫أنفسهم ‪ ،‬و طبعا أُستُقبل "الطاغية كاسترو" استقبال البطال ـ و إن كان ل يؤمن بال ـ فقط لنه‬
‫يعادي الغرب و الديقراطية المريكية‪.‬‬
‫القي قة أن رجال الد ين "الشي عة و ال سنة على حد سواء" ينطلقون ف نقد هم "للغرب" من منطلق‬
‫"الكراهية الدّينية" دون النقد الواقعي الوضوعي و العلمي ‪ ،‬فمثل عندما ينتقد هؤلء الغرب ‪ ،‬يبحثون‬
‫عن أي مشكلة موجودة ف الغرب ‪ ،‬متنا سي مشاكل هم و متنا سي أي ضا أن "الطبي عة الن سانية" هي‬
‫نفسها مشكلة ‪ ،‬كون النسان شيئا مدودا و ناقصا ‪ ،‬أي أن ل حضارة ف التاريخ ـ با فيهم النبياء‬
‫ـ ا ستطاعوا ح ّل كل الشا كل ‪ ،‬فالنظام الديقرا طي الغر ب له ـ حاله حال كُل تر بة إن سانية ـ‬

‫‪42‬‬

‫حسناته و فضائله و سيئاته و عيوبه ‪ ،‬من هنا كان ينبغي على التفلسفي "ل نقصد بكلمة متفلسف‬
‫التحق ي من فل سفتهم بل بع ن دار سي الفل سفة من رجال الد ين" أن ينظروا إل إيابيات الفل سفة‬
‫الديقراطيـة و تطابقهـا مـع روح الديان ‪ ،‬فهـم ينتقدون "الريـة الفرطـة فـ الغرب" مـع أن هؤلء‬
‫العمّم ي ل يلكون "قط عا" الر ية ال ت يتغنون ب ا ‪ ،‬فق بل أن ينتقدوا " سيئات الر ية و الديقراط ية"‬
‫عليهم أن يتلكوا هذه التجربة ‪ ،‬و هو يُشبه حديث واعظ "لشعب جائع" عن سيئات "التخمة و كثرة‬
‫الكل" أو الديث عن "الغترار بالال و الاه" لشعب فقي‪.‬‬
‫من هنا فإن قلّة قليلة حاولت و تاول هضم و استيعاب "النتج الغرب للحضارة" كما يفعل السيد‬
‫"هـان فـــحــص" الذي قد نتلف مع بعض آرائه ‪ ،‬لكنه فعل عقل تنويري كبي وسط بر‬
‫مـن التخبطيـ و التخلفيـ ‪ ،‬فمشاكـل الغرب هـي "مشاكـل مرحليـة" عرضيـة ‪ ،‬ناتةـ عـن الرحلة‬
‫التطور ية التقد مة ال ت بلغو ها ‪ ،‬ك ما أن التيار ال صلحي "م مد خات ي" و من يؤيده ‪ ،‬قد يكونون‬
‫"المل الخي" ف إنقاذ التشيع من هذا التطرف الارف ‪ ،‬و لكن يبقى الصلح خجول لد الن ‪،‬‬
‫بعن أن الصلح ما ل يستخدم لغة واضحة و يواجه تيّار السلطة بكل قوة ‪ ،‬و القوة الت نعنيها هي‬
‫ال صراحة و الن قد البا شر ‪ ،‬بدون ذلك سيبقى التشيّع ف خ طر و إيران على حا فة الاو ية ‪ ،‬ح يث أن‬
‫النظام اليرا ن يل هي الش عب ب ا أ ساه "المي ن" ب ـ"الشيطان ال كب ـ الوليات التحدة المريك ية"‬
‫بينما هم يغدقون مليارات الدولرات على مشروعهم النووي ‪ ،‬الذي يبنيه الروس ‪ ،‬وسط ماوف من‬
‫حدوث كارثة إنسانية إذا حصل أي خطأ تقن أو حرب قد تدمر الفاعلت النووية ‪ ،‬و العروف عن‬
‫الروس أنم أصحاب الكارثة ف "شينوبل"‪.‬‬
‫إن الطبقة "الدينية" ف إيران تستغل الدين و ح سّ الضطهاد الغروس ف النفس الشيعية منذ مئات‬
‫السني ‪ ،‬ف سبيل الستمرار ف السلطة و الكم ‪ ،‬و هو تاما ما فعله "الزب الشيوعي الرّوسي" الذي‬
‫استغل الطبقة العاملة "السحوقة" للستحواذ على السلطة و الكم ‪ ،‬على إيران السلمية ‪ ،‬لو أرادت‬

‫‪43‬‬

‫فعل الفاظ على مصال الشعب اليران و إبقاء التشيع خالصا للشعب ‪ ،‬تغيي الطبقة السياسية الالية‬
‫أو بعبارة أُخرى ‪ ،‬إناء الرحلة الثورية الت تلغي تطبيق القانون "ل يُهم إن كان قانونا وضعيا أو دينيا"‬
‫بجة الفاظ على "خط الثورة"‪.‬‬
‫و يبقى السؤال هو‪ :‬مت تنتهي حقبة "اللية الاركسيي"؟!‪.‬‬

‫‪ ....................‬خط حزب ال و "عقدة الشعور بالنقص" ‪..............................‬‬
‫القيقة ‪ ،‬أن ظاهرة ما ي سمى ب ـ"ح ــزب ال" أو "خ طّ المام" ـ أي المي ن ـ ي ثل ال ط‬
‫الك ثر "تطر فا" ف ال سلم الشي عي ‪ ،‬و هذا ال ط ير فض تق بل الرأي ال خر ـ ح ت دا خل الذ هب‬
‫الشي عي ـ و هم يرفضون ال ط الشي عي ف جان به ال سياسي "الش به علمان" ‪ ،‬الم تد من غي بة المام‬
‫الثا ن ع شر "م مد بن ال سن" الهدي و الذي اخت فى م نذ القرن الثالث الجري ‪ ،‬بع ن أن م نقلوا‬
‫التشيع نو خطوة متطرفة ‪ ،‬من اعتزال الفقيه للسياسة إل حكم الفقيه و استبداده بكل شيء‪.‬‬
‫يرى الباحث "إيلي كارمن" ف بثه العنون ‘‬
‫" ‪:’FIGHT ON ALL FRONTS‬‬
‫‪,Hizballah, the War on Terror‬‬
‫‪and the War in Iraq‬‬
‫و النشور عام ‪ 2003‬م ‪ ،‬بأن حزب ال ل يتلف ف طبيعته العدوان ية م نذ تأ سيسه خلل‬
‫الثمانينات "قام حزب ال بعدة عمليات إنتحارية ضد القوات المريكية و الفرنسية ف لبنان ‪ 1983‬و‬
‫‪ 1984‬م " و هو المر الذي نتج عنه اعتباره "أحد أخطر التنظيمات الرهابية" من قبل الوليات‬
‫التحدة و وكالة الخابرات الركزية الـسي أي أي‪.‬‬

‫‪44‬‬

‫إن التطرف خطأ ‪ ،‬سواء ف الوقف الول "اعتزال السياسة" أو نقيضه "التحكم ف السياسة" ‪ ،‬إن‬
‫خط حزب ال و الذي قام ف إيران ‪ ،‬و اشتهر إعلميا ف لبنان ‪ ،‬هو حالة خاصة أستطيع بأنا أقرب‬
‫إل "ردّ الف عل" ‪ ،‬فعند ما رأى رجال الوزة انرار ممو عة كبية من العمم ي ن و تلق ال سلطات و‬
‫الكومة "السنة عموما معروفون بذلك بينما هذه الظاهرة أضيق بي الشيعة" كان ردّ الفعل هو "ولية‬
‫الفقيه" ‪ ،‬و عندما اتم السنة الشيعة بأن الخيين هم "عملء إسرائيل و الصهيونية" ‪ ،‬خصوصا و أن‬
‫السنة اختلقوا شخصية "عبد ال بن سبأ" ـ و هي شخصية أُسطورية اختلقها سيف بن عمر التميمي‬
‫و نسب إليها كل أحداث صدر السلم و أيضا تأسيس الذهب الشيعي ‪ :‬وعاظ السلطي للدكتور‬
‫علي الوردي و عبد ال بن سبأ و أساطي أخرى للمحقق مرتضى العسكري ـ و لن الشيعة متهمون‬
‫من قبل أعدائهم التارييي أيضا و منذ مئات السني بأنم استدعوا "الغول" لدم حكم بن العباس ‪،‬‬
‫كـل هذا خلق "عقدة الشعور بالنقـص" لدى عموم الشي عة ‪ ،‬و بالذات "حزب ال" الذي يظـن أنـه و‬
‫بفعـل تبنيـه لبنامـج "القاومـة" و عداء اليهود و "الصـهيونية"!! و مقاومـة "السـتعمار الغربـ" كمـا‬
‫يصطلحون عليه ‪ ،‬سيطوي هذه الصفحة‪.‬‬
‫بل بل غت هذه "العقدة" حدا ف أن تيار "حزب ال" تنازل عن كل برنام ه العقائدي و الذي كان‬
‫قد تخض عن صراع "إيران السلمية" مع "عراق البعث العرب و صدام" ‪ ،‬بيث أصبح هذا الزب‬
‫أشبه باللطة العجيبة من "التشيع النسان" إل "الاركسية المية" و "حزب البعث العرب" و "الوطنية"‬
‫‪ ،‬من ه نا فإن هزي ة "اليدولوج ية القوم ية العرب ية" على يد اللبالي ي الن سانيي ف الشرق الوسط و‬
‫بدعم من الغرب الديقراطي ‪ ،‬سيكون الصفعة الهم الت سيستفيق على أثرها من عقدة "النقص" الت‬
‫يعيشها هذا الط الثيوقراطي‪.‬‬
‫إن الصولية الشيعية ‪ ،‬و رغم كل عيوبا ‪ ،‬إل أنا أفضل من "الصولية السنية" ‪ ،‬فالصولية السنية‬
‫"القاعدة و الخوان السلمون و الركة الوهابية" ممعون على "تكفي كل من يؤمن بالديقراطية أو‬

‫‪45‬‬

‫يارسها" ‪ ،‬بينما الصولية "الشيعية" تتعامل مع "قواعد المارسة الديقراطية" بشكل أكثر انفتاحا و هم‬
‫ينتقدون جوانب معينة من المارسات الجتماعية ف ظل الديقراطية "كالزواج الثلي" مثل‪.‬‬
‫من هنا فإن من المكن ـ بعن أنه ليس مستحيل ـ إياد حركة إصلح ف الوسط الشيعي ‪ ،‬تدفع‬
‫باتاه المارسة الديقراطية ‪ ،‬و حت إيران السلمية تزعم أنا نظام "انتخاب" رغم تفظنا على قواعد‬
‫هذا النتخاب ‪ ،‬بين ما أنظ مة ك ـ"المل كة ال سعودية" و "إمارة طالبان ف أفغان ستان سابقا" تر فض‬
‫النتخاب جلة و تفصيل‪.‬‬
‫لكننا نعود إل القول بأن "حزب ال" أو "خط المام" يبقى ـ ككل حركة أيدولوجية ـ منغلقا و‬
‫عدائيا ف الوقت نفسه ‪ ،‬و متابعة بسيطة لطروحات الزعيم الروحي لزب ال ف لبنان "ممد حسي‬
‫ف ضل ال" و ال ت ي كن الطلع علي ها على موق عه الشخ صي على النتر نت "بينات دوت أورغ" ‪،‬‬
‫ستجد الر شد يتحدث ب صطلحات متعددة "إ سلمية"‪" ,‬عروب ية"‪" ,‬مارك سية"‪ ,‬م ا يع ن أ نه ما من‬
‫هدف واضح لذا الزب ‪ ،‬و غالبا ما يكون نقده للعلقة مع "الغرب" نقدا انتقائيا و عاطفيا ‪ ،‬و ليس‬
‫واقع يا سياسيا ‪ ،‬و كأن مكوّن العل قة هو "ن ن" ف قط ‪ ،‬بين ما الغرب و م صاله و ثقاف ته هو مرد‬
‫"شبح"‪.‬‬
‫فهو يقول عن هذه العلقة‪:‬‬
‫اتذت العلقة بي السلم و الغرب أوجها متعددة ‪ ،‬و اتسمت غالب الحيان بالدة و التوتر ‪ ،‬و‬
‫ل سيّما ب عد انيار التاد ال سوفيت ‪ ،‬ولكن ها أ صبحت أك ثر تعقيدا ف الو نة الخية ‪ ،‬و تديدا ب عد‬
‫أحداث ‪ 11‬من أيلول ‪ ،‬ح يث أف صح الغرب عن طبيعته العدوان ية ‪ ،‬و ات م ال سلم بأ نه يتزن ف‬
‫صلب تشريعاته الرهاب و العنف ‪ ،‬فأضحى الرهاب سة كل عرب و مسلم ‪..‬إل"‬

‫‪46‬‬

‫لحظ معي كيف أن هذا الط ل ينتقد "جرية ‪ 11‬سبتمب" و ل ينتقد تنظيم "القاعدة" و عملياته‬
‫الرهابية ‪ ،‬بل النقد ‪ ،‬كل النقد ‪ ،‬يوجّه للغرب و فقط للغرب ‪ ،‬إن القيقة الواضحة هي أن التيارات‬
‫السلمية "با فيها حزب ال" ينطلق من نرجسية حادة تقوم على عبادة الذات و النا النتشية‪.‬‬
‫و ياول ف ضل ال أن يف صل ب ي "الدارات الغرب ية" و "الشعوب الغرب ية" ف إشارة أو تلم يح ضد‬
‫"الديقراطية الغربية" ‪ ،‬و كأن أنظمة الشرق السلمي العروفة بدكتاتوريتها هي أنظمة شرعية و وطنية‬
‫‪ ،‬من الواضح أن هذه متاجرة سافرة بذهب التشيع و السلم و الدين عموما‪.‬‬
‫و الشكلة الكبى الت يعانيها الشيعة الن و بفعل هذا الط النغلق و التطرف داخل "الوزة" هو‬
‫تولم نو تبن "اليدولوجية القومية العربية" و متابعة بسيطة للعلم اليران و تلفزيون "النار" التابع‬
‫لزب ال ‪ ،‬تدرك مدى تغل غل ال س القو مي "العرو ب" و الفاش ية العرب ية دا خل منظومات التطرف‬
‫الشيعي ‪ ،‬و هي حقا مصيبة أن يتبن خط "يزعم الدفاع عن مظلومية آل ممد و يزعم إعادة الس‬
‫النسان المي ف السلم" منهجا قوميا عربيا حول السلم و الدين إل سلح بوجه الديقراطية و‬
‫أنصـارها ‪ ،‬بـل إن هيئة دينيـة كــ"الجلس الشيعـي العلى فـ لبنان" يردد كلمات "العروبـة" و‬
‫"الستعمار" و "المة العربية" أكثر من حزب البعث و التيارات القومية و الناصرية ‪.‬‬
‫إذا فقد أصبح "السلم الشيعي" حاله حال "السلم السن" ‪ ،‬مريضا بألف عاهة و عاهة و وسيلة‬
‫أخرى لنشـر الكراهيـة و إلغاء الخريـن و ابتلع حقوقهـم ‪ ،‬إن هذا التطرف سـيسيء إل الذهـب‬
‫الشيعي أكثر ما تعرض له طوال ‪ 1400‬عام ‪ ،‬من التمي إذا ‪ ،‬و تلك مصيبة إن ل تصل ‪ ،‬أن يولد‬
‫الصلح و التغي من رحم الذهب نفسه ‪ ،‬و هو أمر ينطوي على كثي من التعقيد ‪ ،‬و كل ما شهده‬
‫التشيع من ماولت إصلح ل يكن إل حركات خجولة ل تضرب ف العمق ‪ ،‬إذ أن حلقة العصومي‬
‫امتدت من الئ مة الث ن ع شر لتش مل "الرا جع" و من ثُم الوكلء و ح ت الطفال أ صبحوا "يُقتدى"‬
‫بم‪.‬‬

‫‪47‬‬

‫حزب ال و اللفية الفكرية ‪........................‬‬
‫ل بد لنا من دراسة أعماق الفكر الاص بزب ال اللبنان و الذي يعكس خلفيات تاريية تعود إل‬
‫بدايات القرن ‪ 19‬و ظهور الفكر القومي العروب ‪ ،‬خصوصا و أن لبنان يثل جسرا ثقافيا و تاريا بي‬
‫الشرق و الغرب ‪ ،‬و القيقة الت يب أن ل نغفلها ها هنا و الت يغفلها "حزب ال" و خط "المام"!!‬
‫هـي أن الشيعـة فـ لبنان و قبيـل العهـد الملوكـي و العثمانـ كانوا أكثـر انفتاحـا مـن شيعـة العصـر‬
‫الديـث ‪ ،‬حيـث أنمـ ل يقاوموا اليوش الصـليبية التـ دخلت إل بلد الشام مـن تركيـا و سـواحل‬
‫إسـرائيل ‪ ،‬و مهمـا حاول الؤرخون "القوميون العروبيون" الديـث عـن "مقاومـة الشيعـة للصـليبيي"‬
‫لربطهـم قسـرا بصـدام الضارات الذي يروج له "مليـة" و حكام الدول العربيـة و السـلمية ‪ ،‬فإن‬
‫التاريخ يكذّبم و ينفي تلك الدعاءات ‪ ،‬فالدكتور ممد مزوم "و هو مؤمن بالقومية العربية حسب‬
‫ما هو وا ضح من أ سلوبه" ياول الد يث عن "مقاو مة شيع ية"!! لل صليبيي ل كن الب حث الذي كت به‬
‫ت ت عنوان {ج بل عا مل ف العهد ين ال صليب و الملو كي } و النشور عام ‪ 1979‬م يو ضح أن‬
‫"القاومة الشيعية" ل تكن بذلك الجم ‪ ،‬خصوصا و أن الشيعة شهدوا تساما دينيا حقيقيا من قبل‬
‫الصـليبيي الذيـن حركوا القتصـاد الحلي و خلقوا بيئة متماسـكة "مسـلمون شيعـة و إل جانبهـم‬
‫مسيحيون و نصيية" يقول الدكتور ممد مزوم‪:‬‬
‫وبينما تذكر بعض الصادر العاصرة ومنها "ابن القلنسي" ان نورالدين هزم الصليبيي ومعهم بعض‬
‫السلمي ف جبل عامل قرب بانياس‪ ،‬نرى العامليي يساندون صلح الدين ف حروبه‪ .‬وتفسي ذلك انه‬
‫ل يس من الستغرب ان يضم ج يش الصليبيي بعض السلمي‪ ،‬لن النظام القطا عي الذي كان سائدا‬
‫كان يعتمـد على تأديـة خدمـة عسـكرية سـنوية يؤديهـا التابـع للمتبوع بسـب التشريعات والعراف‬
‫القطاعية‪.‬‬

‫‪48‬‬

‫الوا ضح أ نه ياول إياد مبرات لحداث ‪ ،‬ل تروق لنظري ته القوم ية ‪ ،‬فيحاول إياد تبير ما ‪،‬‬
‫فالشيعي الذي يارب ف جيوش "نور الدين" و "صلح الدين" ليس مـكرها بل هو "متطوع" و يريد‬
‫بذلك و جه ال ‪ ،‬أ ما حين ما يرج مع ال صليبيي "فإن النظام القطا عي الذي كان سائدا ‪ !! "..‬هو‬
‫الذي حتم ذلك ‪ ،‬لكن القيقة التاريية تقول أن شيعة لبنان ل يكونوا مصورين بــنوب الليطان‬
‫و مناطـق جنوب لبنان قبـل العهـد الملوكـي ‪ ،‬هذا العهـد الذي تسـبب فـ قتـل آلف الشيعـة و‬
‫اضطهادهم و قتل أحد أكب علمائهم ممد بن مكي الزين اللقب بـ"الشهيد الول" و تسبب ف‬
‫هجرت م كغالب ية إل النط قة المتدة إل جنوب الليطا ن بف عل المال يك الذ ين تبنوا "فتاوى ا بن تيم ية"‬
‫العروف بقده تاه الشي عة و المام علي "الكيان السـياسي ل بل عامـل ــ الدكتور منذر جابر" ‪ ،‬و‬
‫لرب ا كان شي عة لبنان قاوموا ال صليبيي قليل ف الفترة التـ شهدت الصـراع ب ي ال صليبيي و الدولة‬
‫الفاطميـة "الشيعيـة" السـاعيلية و ينبغـي ملحظـة وجود برود بيـ الفاطمييـ و الشيعـة اللبنانييـ‬
‫لختلفات مذهبية ‪ ،‬لكنهم و عند سقوط هذه الدولة على يد "صلح الدين اليوب" و وصول أنباء‬
‫ذبه و أفاعيله بالشيعة ف مصر ‪ ،‬فإن الشيعة اللبنانيي استذكروا الأثورة الشيعية ‪":‬الكافر العادل خي‬
‫من السلم الظال" ‪ ،‬يقول الدكتور ممد مزوم‪:‬‬
‫ولا كان امتلك الصليبيي للرض قد نشأ عنه بالضرورة امتلكهم للسلطة‪ ،‬فقد نشأ امتزاج بي‬
‫الرض والسلطان ف منطقة جبل عامل‪ ،‬جعل الجتمع يدين بدورته القتصادية للنظام القطاعي‪.‬‬
‫ما أدى ال خلق تراتبية اجتماعية يقف فيها السيد القطاعي على رأس الرم‪ ،‬يليه اسياد الناطق‬
‫الصغية التابعة له‪ ،‬ث الطبقة الواسعة من الناس الرتبطة بالكي الرض بكم علقاتم القتصادية‬
‫الت رسختها العلقات القوقية الوضوعة من قبل القطاعيي انفسهم‪ .‬وهكذا اصبح بكم هذا‬
‫النظام سـكان جبـل عامـل أقنانا عنـد هؤلء يقدمون الولء والخلص والتمويـن أيام السـلم‬
‫والرب‪ ،‬وهو ما يفسر وقوف بعضهم ال جانب الصليبيي ف بعض العارك‪.‬‬
‫و من هذه العبارات يتو ضح مدى اللط الذي ي قع ف يه القوميون العرب "ب ا في هم حزب ال"‬
‫حينما يدرسون تاريخ تلك الفترة دون أن يسألوا أنف سهم أيضا السؤال النطقي التال ‪ :‬لاذا ل‬

‫‪49‬‬

‫يع ثر الصليبيون على مقاو مة شيع ية حقيق ية كتلك ال ت قام با الشي عة اللبنانيون ضد المال يك و‬
‫العثمانيي ؟! و لاذا ل تكن هناك معركة شبيهة بعركة "يارون" الت أدت إل تسلط "أحد باشا‬
‫الزار" و الذي ش هد عهده الكث ي من النتفاضات الشيع ية كرد ف عل على الضطهاد ‪ ،‬بالر غم‬
‫من أن الظروف الوضوع ية ل تتلف ‪ ،‬بل إن معانات الشي عة ف ظل ال كم "ال سلمي" ل‬
‫تقارن بالظروف المتازة التـ عاشو ها أيام ال صليبيي ‪ ،‬بل كا نت فترة رفاه ية مقار نة بالعهـد‬
‫"الملوكي" و "العثمان" ‪ ،‬يقول الدكتور ممد مزوم‪:‬‬
‫والفلح العاملي ارتبـط بأرضـه ارتباطا وثيقا فلم يكـن يسـمح له بترك ارضـه ال نادرا‪ ،‬لئل‬
‫تتعرض النا طق ال ت ي سيطر علي ها ال صليبيون ال خلل سكان‪ ،‬ف الو قت الذي كان يت هن ف يه‬
‫الصليبيون الفروسية والرب‪ ،‬فكان من المكن مصادرة أرض الفلح وطرده منها‪ .‬ال انه كان‬
‫مصدر الستثمار القطاعي الوحيد ف الجتمع الرب ال جانب التجارة‪ ،‬لذلك كان يتم الصاقه‬
‫بالرض بدلً من تريده منها‪.‬‬
‫حاول الدكتور ها هنا إيهامنا أنه كان من "المكن"!! أن يطرد الفلح من أرضه ف جبل عامل‬
‫ف العهد الصليب ‪ ،‬لكنه ف بداية كلمه يقول "و الفلح العاملي ارتبط بأرضه ارتباطا وثيقا فلم‬
‫يكن يسمح له بترك أرضه إل نادرا" و ف ناية كلمه "لذلك كان يتم إلصاقه بالرض بدل من‬
‫تريده منهـا" ‪ ،‬يتضـح مدى الحاولة اليائسـة للق "تاريـخ وهيـ" بدل مـن ذلك الوثــق و‬
‫الواق عي ‪ ،‬و من ال طبيعي أن ت د الفلح يع يش ب سعادة و هو مرت بط بأر ضه بدل من ال سخرة‬
‫الربية الت عمل عليها الماليك و العثمانيون‪.‬‬
‫يقول الدكتور ممد مزوم‪:‬‬
‫ولكن سرعان ما كانت العلقات تستقر بي الطرفي نتيجة لضرورة التعامل التجاري والوافز‬
‫القت صادية ال ت كا نت تربطه ما‪ .‬وا بن جبي الذي زار لبنان ف هذه الفترة يب نا بذلك‪ " :‬من‬
‫الع جب ان النصارى الجاور ين لبل عا مل اذا رأوا به ب عض النقطعي من ال سلمي جلبوا ل م‬
‫القوت واحسنوا اليهم‪ ،‬ويقولون هؤلء من انقطع ال ال عز وجل فتجب مشاركتهم"‪.‬‬
‫اما ف وصفه لالة سكان جبل عامل ف تلك الفترة فيذكر قائلً‪" :‬رحلنا من تبني‪ ،‬دمرها ال‪،‬‬
‫(اشارة ال انا بأيدي الفرنج) وطريقنا كله على ضياع متصلة وعمائر منتظمة‪ ،‬سكانا كلهم‬

‫‪50‬‬

‫مسـلمون‪ ،‬وهـم مـن الفرنـج على حالة ترفيـه‪ ،‬نعوذ بال مـن الفتنـة"‪ .‬ول أدل على الياة‬
‫الجتماعية الشتركة الت عاشها السلمون والنصارى ف مدينة صور من وصف ابن جبي ايضا‬
‫لعرس أفرني يشترك فيه كل الطرفي‪:‬‬
‫"خر جت (العروس) تتهادى بي رجلي ي سكانا من يي وشال‪ ..‬و هي ف أبى زي‪ ،‬وآ خر‬
‫لباس‪ ،‬ت سحب أذيال الر ير الذ هب سحبا على اليئة العهودة من لبا سهم‪ ،‬وعلى رأ سها و هي‬
‫رافلة ف حلي ها وحلل ها ت شي فترا ف ف تر م شي الما مة او سي الغما مة‪ ،‬نعوذ بال من فت نة‬
‫الناظر‪ ،‬والسلمون وسائر النصارى من النظار قد عادوا ف طريقهم يتطلعون فيهم ول ينكرون‬
‫عليهم ذلك"‪.‬‬
‫من الواضح ‪ ،‬ر غم كل ال تبيرات القتصادية ‪ ،‬إن عل قة متازة قامت بي الطرف ي "الشيعي و‬
‫السـيحي" فـ تلك القبـة ‪ ،‬و تفسـي الدكتور مزوم لكلمات ابـن جـبي و دعائه على تبنيـ‬
‫بالقول‪ :‬دمرها ال" كان بسبب وجود الطرفي الشيعي و السيحي فيها و ليس تعليله بـ"إشارة‬
‫إل أن ا بأيدي الفرن ة" سوى اجتهادا شخ صيا ‪ ،‬ك ما أن و صف ا بن جبي لشار كة ال سلمي‬
‫"الشيعة" و السيحيي ف العرس تؤكد وجود انسجام اجتماعي ‪ ،‬و ثقافة التبير شوهت بالفعل‬
‫كل أباثنا التاريية و الجتماعية ‪ ،‬و كمثال ند الدكتور مزوم يقول‪:‬‬
‫ولا كان الجتع الصليب ف منطقة جبل عامل يتشكل باسره من العساكر والتجار‪ ،‬فلم يكن ف‬
‫الواقع صالا لن يلق او يقيم مستوى فكريا رفيعا‪ .‬لذا كان أ ثر الصليبيي الضاري ف هذه‬
‫النط قة ضعيفا جدا اقت صر على العلقات القت صادية وعلى ما يتر تب ب ي ال سيد وفلح يه من‬
‫علقات مدودة ضمن اطار ما تليه الصلحة الربية‪.‬‬
‫من الواضح أن هذه نظرة سطحية للمور ‪ ،‬فالبحث عن "متمع الفلسفة" هو إحدى الستحيلت ‪،‬‬
‫بل إن التا جر و الحارب و الفلح قد يكون ف عقله "فيل سوف" أ ما الب حث عن "الدي نة الفاضلة"‬
‫فهـي مـن أوهام شرقنـا التخلف ‪ ،‬بـل إن وصـف ابـن جـبي للعرس تبدوا ل أشبـه بوصـفه لجتمـع‬
‫متسامح أكثر ما يدور ف خيالت مؤرخينا الفذاذ‪.‬‬
‫يقول الدكتور ممد مزوم‪:‬‬

‫‪51‬‬

‫اما عن التمازج العرقي بي الوطنيي والفرنج‪ ،‬فقد حدث خلل الروب الصليبية –نتيجة للغزو‬
‫والسـب وب يع الرقيـق‪ -‬ظهور جيـل هجيـ اطلق عليـه اسـم (‪ )Poulain‬تول فيمـا بعـد ال‬
‫مذ هب النط قة ال ت و جد في ها‪ .‬ف في الشمال اعتنقوا مذ هب الوار نة‪ ،‬و ف بلد العلو ية اعتنقوا‬
‫مذهب النصيية‪ ،‬وف النوب اعتنقوا مذهب الشيعة‪ ،‬وما زالت سحنتهم الوروبية ظاهرة ال‬
‫اليوم ف ب عض مناط قه‪ .‬ك ما ان ب عض هذه العائلت ما زالت تت فظ بأ ساء لتين ية أمثال عائلة‬
‫الصليب‪ ،‬وبروديل (‪ )Baldwin‬وفرنية والدويهي (‪ )De Douhai‬ودوريان حله وطربيه‬
‫(‪ )Torby‬وغيها‪.‬‬
‫من الواضح إذا أن هناك اختلفا كبيا بي الشيعة ف جبل عامل و لبنان خلل ناية اللف الول‬
‫من التار يخ اليلدي ‪ ،‬و الشي عة خلل القرن ي الخي ين ‪ ،‬ح ي قاموا خلل الحتلل الفرن سي ـ‬
‫الذي ل أعتبه احتلل ـ بذبح مسيحيي ف جنوب لبنان ‪ ،‬و هو تول مثي للنتباه ‪ ،‬و كان ذلك‬
‫ربا ردة فعل أخرى على الحيط العرب السلمي الذي كان ـ و ل زال ـ ينظر إل الشيعة على‬
‫أ ساس أن م "لي سوا ماهد ين" و كأن ال سلم كد ين ل مع ن له بدون سفك الدم ‪ ،‬يقول الدكتور‬
‫مزوم‪:‬‬
‫م نذ اللح ظة ال ت ا ستطاع في ها ال صليبيون ان يضعوا اقدام هم على ارض معاد ية ل م حاولوا ان‬
‫يقيموا ل م مرا كز دفاع ية وهجوم ية ف الو قت نف سه‪ ،‬و هو تأك يد ثا بت على ر فض العاملي ي‬
‫للحتلل‪ .‬وهكذا كانـت سـلسلة الصـون والبراج التـ اقاموهـا على طول السـاحل النوبـ‬
‫المتد من عكا ال صيدا‪ .‬كما اقاموا سلسلة اخرى من هذه الصون ف داخل منطقة جبل عامل‬
‫امنع وأضخم ما انشأوه على الساحل‪.‬‬
‫هذه القلع والصون الساحلية منها والداخلية لعبت دورا حضاريا مهما لكونا كانت مراكز التقاء‬
‫للتفا عل الضاري الذي كان ي تم ب ي و قت وآ خر ب ي ال سكان الوطني ي من ج هة ووفود الفر نج‬
‫التعددة والتغية على الدوام من جهة ثانية‪.‬‬
‫إن بناء القلع ف هذه النط قة من لبنان ل يع ن إل أن ا كا نت تثّل خطو طا خلف ية مؤمّ نة ‪ ،‬و ل يس‬
‫كما يتوهم الدكتور ‪ ،‬خصوصا و أنا كانت تستخدم للهجوم و الدفاع على حد سواء‪.‬‬

‫‪52‬‬

‫و خلل القرني الخيين و حيث كانت أوروبا تشهد بدايات النهضة القومية آنذاك ‪ ،‬كما أن‬
‫مسيحيي و دروز و سنة لبنان روجوا للقومية العربية و فعل انر الشيعة مع الخرين ‪ ،‬و متابعة بسيطة‬
‫للثقل الثقاف الذي كان يتمحور حوله أهال النوب اللبنان ـ جبل عامل ـ تبني ـ بنت جبيل ـ‬
‫ستجد أن كل الشاعر الخوية تتمحور حول "القومية" الت بدت بديل للدين الذي يرفض الخوة مع‬
‫"السيحيي" حسب الفهم الرجعي للدين‪.‬‬
‫و مو قف اللبناني ي تاه إسرائيل "اليهود" و الغرب ‪ ،‬ل يتلف قط عن موا قف الفلسطينيي و ح ت‬
‫خطابم السياسي ل يكاد يتلف ‪ ،‬عدا فئة من السيحيي "الوارنة" و "السلمي الدروز" الذين كانوا‬
‫أك ثر انفتا حا تاه الدا ثة ‪ ،‬و ح ت ال سيد م سن الم ي ـ أ حد زعماء ال صلح ف الو سط الشي عي‬
‫كانت أفكاره تتمحور حول "الفهوم القومي" و كان ينظر إل كل الحاولت الغربية لصلح الشرق‬
‫على أنا "مؤامرة استعمارية" ‪:‬‬
‫قالوا الشعوب نفكّها من رقّها‬
‫كل بل استعبادَها قد راموا‬
‫باسم الماية والوصاية يُجترى‬
‫ح ٌق لكم وتدوسكم أقدامُ‬
‫إن هذه النظرة القائمة على "الشك" و الطعن ف كل مشروع سياسي غرب و عدم النظر إل المور‬
‫بأ سلوب "براغما ت" قائم على من طق ال سؤال عن "النف عة و الضرر" ف القضا يا ‪ ،‬و طبيعي أن تكون‬
‫النتيجـة هـي القبول باللول الدنيـا و الشروع الذي كان مرفوضـا ‪ ،‬و كان الغتراب الذي يعيشـه‬
‫"الرا جع الدينية" بصفة عامة ‪ ،‬سببا مهما من السباب ال ت أدت إل غياب الس الوطن ـ بعناه‬
‫ـ يقضـي فـ النجـف أو كربلء‬
‫الباغماتـ ل الشعاراتـ ــ لدى التصـدي للفتوى ‪ ،‬فترى مثل لبناني ا‬
‫عقودا من عمره للب حث و الدرا سة ث يعود إل ج بل عا مل أو إل لبنان من غ ي أن يدرك التحولت‬

‫‪53‬‬

‫الجتماعية و القتصادية و السياسية الت شهدها البلد ‪ ،‬و العكس صحيح ‪ ،‬و المر نفسه يتكرر مع‬
‫إيران و العراق‪.‬‬
‫ك ما أن مفهوم العن صرية العرب ية و الذي ساد ب ي فئة من الرا جع و ل يس كل هم و القائل‪ :‬حا كم‬
‫عربـ أو مسـلم ظال خيـ مـن حاكـم إنكليزي "كافـر" عادل" و هذا البدأ يقـف بالضـد مـن أُسـس‬
‫التشيع ‪ ،‬لذلك نلحظ أن الدرسة الشيعية "اللبنانية ـ حزب ال" أخذت تتخلى عن مباديء التشيع ‪،‬‬
‫إل حد أن فضل ال أنكر استشهاد الزهراء بسبب الليفة الثان عمر ‪ ،‬و هو المر الذي جعل بعض‬
‫العمم ي الشي عة ك ـ"فا ضل الال كي" يتهمو نه بالضلل و الروج على أ صول الذ هب و ل سباب‬
‫أخرى أيضا‪.‬‬
‫كما أن شيعة لبنان "الط العام" ينتمون فكريا لنهج الالصي ‪ ،‬و الذي يكرهه شيعة العراق عموما‬
‫‪ ،‬هذا الط الذي يتبن مبدأ "قف مع أخيك و إن كان ظالا" ‪ ،‬إن هذا الط العنصري التطرف يكن‬
‫تسميته بـ"تنظيم القاعدة الشيعي" ‪ ،‬من اللحظ أيضا أن ظاهرة "النتحاريي ـ الطياح" ظهرت ف‬
‫هذه النط قة ‪ ،‬يقول أ سامة م مد أ بو ن ل أ ستاذ التار يخ الد يث بكل ية الداب و العلوم الن سانية ف‬
‫جامعة الزهر ـ غزة ـ ف بثه العنون { الكم القطاعي لتأولة جبل عامل ف العهد العثمان }‪:‬‬
‫أدت هزي ة التاولة ـ أي الشي عة ـ ف معر كة يارون إل سقوط الكو مة القطاع ية‬
‫الول ف جبل عامل‪ ،‬وإل إضعاف التاد العاملي وخضع إقليم جبل عامل لكم الزار الباشر‪ ،‬ف‬
‫الوقت الذي شكّل فيه الشيخ فارس بن الشيخ ناصيف النصار الفرق النتحارية‪ ،‬أو العصابات السماة‬
‫"الطياح" لعتراض سـبيل جنـد الزار وعماله‪ ،‬واسـتمر الال هكذا حتـ بعـد وفاة الزار سـنة‬
‫‪1219‬هـ‪1804/‬م‪ ".‬الصدر ص ‪10‬‬
‫شيــــعة العراق من حكم البعث إل التحرير المـــــريكــــــي‬

‫‪54‬‬

‫ل شك أن الشي عة العراقي ي اكتشفوا م نذ انقلب ‪ 1958‬و الذي أطاح بال كم الل كي ‪ ،‬أن م‬
‫ارتكبوا أ كب غل طة بقيام هم ب ـ"ثورة" ضد الوجود البيطا ن الذي كان فر صة ذهب ية ل م للق بلد‬
‫يستطيعون الشاركة فيه ‪ ،‬لكن سقوط الكم اللكي ـ الذي كان على الرغم من سلبياته ـ كان‬
‫يلك صفات ديقراطية لبالية ‪ ،‬أتاح للحزاب القومية و الشيوعية النافسة على الكم و عب الساليب‬
‫الدموية و القذرة ‪ ،‬كُل منهم كان يؤمن أن الكم "الطلق" من حقه وحده ‪ ،‬و مهما لعنا صورة "عبد‬
‫الكري قاسم" فإنه يبقى مثال جوديا و شخصية عسكرية ل تساهم ف أي نزعة ديقراطية ‪ ،‬و كان‬
‫لوصـول شخـص عسـكري إل دفــة السـلطة شبـه إعلن عـن طبيعـة العراق المهوري "الدموي‬
‫التوتاليتاري" ‪ ،‬و إذا أمع نت الن ظر ف بش كل مت سلسل ف الشخ صيات ال ت ت سنمت من صب الرئا سة‬
‫"عبد الكري ـ عبد السلم عارف ـ أحد حسن البكر التكريت ـ صدام حسي التكريت" طبعا‬
‫ن ستثن ع بد الرح ن عارف الذي تل أخاه ح يث أ نه ل ي كن دمو يا أو صاحب طموح ميكافيللي ‪،‬‬
‫ستجد أن هناك وتية تصاعدية ف العنف و الدكتاتورية‪.‬‬
‫و خلل هذه التحولت كان شيعـة العراق ينتقلون مـن سـيء إل أسـوأ ‪ ،‬و مـن اضطهاد إل‬
‫اضطهادات ‪ ،‬بينمـا كانـت الوزة السـبب السـاس فـ هذا التخلف السـياسي الشيعـي ‪ ،‬أي أن هذه‬
‫الوزة و الرجعية كانت الداء و الدواء ف وقت واحد ‪.‬‬
‫راجـع مثل الطاب السـياسي الشيعـي فـ بدايـة القرن العشريـن و بدايات الرب العاليـة الثانيـة ‪،‬‬
‫ستجد أن "الع قل و الن طق الشي عي" يع يش حالة "العاط فة ال سلبية ‪ ،‬و نع ن بذلك أن العاط فة ال ت‬
‫تكمت بشيعة العراق أوقعتهم ف مأزق تاريي خطي ‪ ،‬و التاريخ ل يرحم أحدا كما تعلم ‪ ،‬و بدل‬
‫من السؤال الذي يطرحه الفكرون العراقيون "الشيعة" ‪ :‬لاذا تركنا العال و الجتمع الدول تت سيف‬
‫اللد" ؟!!‪.‬‬

‫‪55‬‬

‫نطرح السؤال التال‪ :‬ما الذي جعل أقلية ل تكاد تزيد عن ‪ %20‬تتحكم بصي الـ ‪ % 70‬من‬
‫العراقي ي ؟! إن حالة النتماء الكاذب إل ال مة اليال ية "ال مة ال سلمية" ك ما ي سمونا ‪ ،‬هو الذي‬
‫جعـل الرجعيـة الشيعيـة "الشيازي" و "الالصـي ‪ :‬الذي كان أشبـه بصـان طروادة السـن داخـل‬
‫الرجعية" و "الصفهان" ‪ ،‬يفتون بـ"مقاومة البيطانيي ‪ ،‬و كانت النتيجة الكارثية هو إغراق أجيال‬
‫كاملة ف حياة البؤس و التخلف "و أ حد الرا جع ألّف كتا با ت ت عنوان ـ دولة الليار م سلم" ‪ ،‬بل‬
‫المر الدهش و الذي أثار ‪ ،‬و ل زال يثي استغراب ‪ ،‬أن مراجع مذهب "أهل العقل" ـ من ل عقل له‬
‫ل دين له ‪ ،‬الديث الذي يرويه الكلين ف الكاف ـ أفتوا برمة الشاركة أو حت إقامة النتخابات‬
‫ـ بجة أنا تت تت ما أسوه بالحتلل البيطان ـ و كان عليهم "منطقيا" أن يفتوا بالعكس ‪ ،‬أي‬
‫الشار كة الفع ـالة ل كي ل يفقدوا حقوق هم أو عدم ال سماح للخر ين بالتعدي علي ها ‪ ،‬و بف عل هذه‬
‫ال سياسة ال ت أ ستطيع أن أ سيها "النتحار ال سياسي" ‪ ،‬أ صبح الشي عي مواط نا من الدر جة العاشرة ‪،‬‬
‫لذلك ل بد من البدء بن قد ذا ت صريح ل كي ل تكرر تلك الخطاء ‪ ،‬و من الوا ضح أن شي عة العراق‬
‫كادوا يرتكبون ذات الطأ أثناء التحر ير المريكي للعراق ‪ ،‬بل إن الرجعيات سكتت فعل عن أفعال‬
‫"مقتدى الصدر" الذي كاد بسياساته يعيد العادلة القدية‪.‬‬
‫إن تار يخ شي عة العراق ل يتلف ف مظهره العام عن تار يخ الشي عة و مواقف هم ف إيران و لبنان و‬
‫سوريا ‪ ،‬فالفكر الشيعي المتد من ناية القرن التاسع عشر و حت سبعينيات القرن العشرين و ظهور‬
‫"م مد با قر ال صدر" كأ كب عقل ية شيع ية طوال القرون ال سبعة الخية ‪ ،‬يت سم هذا الف كر بنع ته‬
‫"القومية" العربية ‪ ،‬و ل تكن لغة الراجع الذين أثاروا ثورة "العشرين" لتختلف عن لغة أي منظر ف‬
‫"حزب الب عث" الذي تأ سس عام ‪ 1947‬م ‪ ،‬من ه نا كان ها جس "الو ية" و "النتماء" و معر فة‬
‫"الذات" سببا ف دخول شيعة العراق خصوصا و الشيعة عموما ‪ ،‬ف حالة من الغتراب الذات و النظر‬
‫إل القضايا بعي "العقلية الضطهدة" ‪ ،‬ما يعن تقوقع العقل الشيعي و ميله إل ردود الفعل‪.‬‬

‫‪56‬‬

‫فبين ما كان هناك صراع هويات قوم ية و مذهب ية ف العراق ‪ ،‬كان العل مة "كا شف الغطاء" يتردد‬
‫على مؤترات "العال السلمي" و "الوحدة السلمية الزعومة" ‪ ،‬و كانت النتيجة أن وقع الشيعة ف‬
‫مأزق ما كان الروج م نه مك نا لو ل أحداث ‪ 11‬سبتمب الرهابية و ال ت غيت من مرى التاريخ‬
‫العالي و العراقي على الخص ‪ ،‬فكان الجتهد الشيعي ف وا ٍد و الـقلّد "الشيعي البسيط" ف وادٍ آخر‬
‫‪ ،‬الول يبحث النظريات و الفلسفات العامة و هوم "المة الزعومة" و الثان يعيش ه ّم الواقع اليومي‬
‫الؤل من دكتاتورية و فقر و حرمان و حياة غي مضمونة‪.‬‬
‫و ل قد أدرك "م مد با قر ال صدر" هذه القي قة و كان أول مر جع شي عي ينت قد "النظر ية القوم ية‬
‫العرب ية" و هو ال مر الذي د فع نظام الب عث الدكتاتوري إل قتله و شقيق ته و من ث إبادة اللف من‬
‫أنصاره و التعاطفي معه ‪ ،‬لكن مشكلة الصدر الول أنه ل يقم بنقد الرافة الطية الخرى "المة‬
‫السلمية" و حقيقة أنا ل تتلف عن وهم "المة العربية" ‪ ،‬رغم أن نقده للمفهوم القومي كان خطوة‬
‫مهمة للمام ‪ ،‬و لكن ينبغي أن نذكر حقيقة مهمة أخرى ‪ ،‬و هي أن ممد ممد صادق الصدر و هو‬
‫شقي قه ‪ ،‬م ثل تول خطيا ن و التخلف و التطرف القو مي الدي ن م ا خلق أك ثر الركات ال سياسية‬
‫تشوها ف التاريخ "التيار الصدري"‪.‬‬
‫مشكلة الذهب الشيعي الن هي توله إل مرد "آلة" لشعال نيان العواطف دون أن يكون للعقل‬
‫دور ‪ ،‬أي دور كان ‪ ،‬و ل زالت نظريات الؤامرة تتحكـم بالليـة الشيعـة ــ عدا اسـتثناءات هنـا و‬
‫هناك ـ و هذا التيار التطرف ل يتلك ما ن ستطيع ت سميته ب ـ"النظر ية أو اليديولوج ية" ح ت و إن‬
‫كانت أكثرها تلفا ‪ ،‬فالتيار كله ل يعدو كونه "مموعة عواطف" و حركة ردود فعل و تكرار ببغائي‬
‫لنتجات التش يع العرا قي اليرا ن و اللبنا ن ‪ ،‬من ه نا ي ثل "تيار ال صدر" ـ و الذي يتلف ف ب عض‬
‫نوا حي فكره عن طروحات ال صدر الول ـ خطرا حقيق يا على ال ساحة الفكر ية و ال سياسية للتشيّ ع‬
‫عموما و العراق خصوصا‪.‬‬

‫‪57‬‬

‫إن الصدر الول كسر بعض الواجز النفسية تاه "القومية العربية" و توجيه نقد فلسفي إليها ‪ ،‬لكن‬
‫أفكاره ف خطوطها العامة ل تصلح للديقراطية و اللبالية ‪ ،‬هذا إن ل نقل أنا تقف بالضد ‪ ،‬فالصدر‬
‫الول كان يؤمـن بــ"نظام إسـلمي يقود الياة" ‪ ،‬و نظرة بسـيطة إل طروحات "آيـة ال كاظـم‬
‫الائري" تظهر أن هذا الط فعل يؤمن بـ"ولية فقيه" مـــقنــعة ‪ ،‬و أن برنامه السياسي ل‬
‫يعدو كو نه "أيديولوج ية أخرى" ل تؤ من بالو طن العرا قي ـ و هو بالذات ما عا شه حزب الب عث‬
‫الؤمن بالعروبة و كذبة الوطن العرب و كذلك السلم السن الذي يؤمن بإسلم ملوط بالعروبة ـ‬
‫من هنا و رغم أننا نقدّر للرجل مواجهته للبعث الرهاب ‪ ،‬إل أن منهجه السياسي قائم على العاطفة و‬
‫رفض اللبالية ل بنطق فلسفي موضوعي ‪ ،‬لكن عب رفض الذات "النا السلم" للخر "السيحي ‪+‬‬
‫اليهودي ‪ +‬الغرب"‪.‬‬
‫و مه ما حاولت الدرسة الوزو ية الشيع ية تم يل الصورة ف علق ته تاه "السيحيي ‪ +‬اليهود" إل‬
‫أنه ل يعدو كونا صورة جيلة إذا ما قورنت بالتعامل السلمي "السن" تاه الديان الخرى ‪ ،‬لكن‬
‫تبقى الالة السلمية ف علقتها العامة بالخر و منتجه الضاري "الديقراطية ‪ +‬اللبالية ‪ +‬العلمانية"‬
‫علقة كراهية و خوف و رفض سلب ‪ ،‬و الرفض السلب نعن به الرفض غي القائم على منطق واقعي‬
‫حقيقي‪.‬‬
‫و الشكلة ال ت تعا ن من ها الوزة الشيع ية ف العراق هو أن ما ح صل ل ا من اضطهاد و ق تل إبادة‬
‫خلل القرن العشر ين ‪ ،‬خ صوصا الثلث الخ ي الذي ح كم ف يه الب عث ‪ ،‬أدى إل خ سارة الوزة ب ا‬
‫يعادل كل تاري ها ‪ ،‬م نذ تأ سيسها ف القرن الثا من و التا سع اليلدي ‪ ،‬فعلماء كبار تعرضوا للق تل و‬
‫التشريد و الطرد ‪ ،‬فكان أن وجد الشيعة العراقيون أنفسهم مرميي ف أحضان حوزة قم و مبين على‬
‫تبن منهجها ‪ ،‬شاءوا أم أبوا ‪ ،‬و إل أن يتحرر العقل الشيعي العراقي من ثقافة النفى و الشتات ‪ ،‬ل بُدّ‬
‫له من وقت و صب‪.‬‬

‫‪58‬‬

‫من ح سن ح ظّ الشي عة ‪ ،‬أن أحداث سبتمب الرهاب ية جاءت ل م بالفرج و بفر صة تاري ية لعادة‬
‫صياغة التار يخ ف قالب جد يد ‪ ،‬ل كن ل سوء طالع هم أي ضا ‪ ،‬أن هناك دولة ا سها "إيران" تطعن هم ف‬
‫الظهـر و ترّك بعـض الطراف الشيعيـة العراقيـة باـ يناقـض الصـلحة الشيعيـة العراقيـة باتاه العداء و‬
‫الصطدام مع الغرب ‪ ،‬و هي الفرصة الت طالا انتظرها العسكر الاسر ف حرب ترير العراق ‪2003‬‬
‫م ‪ ،‬أل و هم العرب السنة ‪ ،‬الذين قاموا بالفعل بد "مقتدى الصدر" و تياره التخريب الفوضوي بالال‬
‫و ال سلح ‪ ،‬و ال ت أظهرت على أرض الوا قع تالف "التناقضات" بو جه الدّ المري كي الديقرا طي ‪،‬‬
‫حيـث قام "مقتدى" بإشعال فتنـة مـع المريكييـ فـ الوقـت الذي كان اليـش المريكـي يسـتعد‬
‫للنقضاض على إرهابيي الفلوجة ‪ ،‬بل إن "مقتدى" افتخر ف إحدى خطب المعة بـ"احداث ‪11‬‬
‫سبتمب" الرهابية ‪ ،‬معتبا إياها عمل بطوليا "عامي ف العراق‪ :‬السفي بول برير ‪ ،‬الصدر"‪.‬‬
‫من هنا فإن الواقع السياسي الشيعي يعان من حالة تأزم ذاتية تنطوي على خطورة فعلية من حيث‬
‫استخدام أدوات رجعية ف وقت أحوج ما يكون فيه الشيعة إل البحث عن حلفاء و أصدقاء يكنهم‬
‫الساعدة ‪ ،‬خصوصا و أن القاعدة و تنظيمات "آل سعود" أعلنتها حربا على الشيعة عموما و العراقيي‬
‫من هم خ صوصا ‪ ،‬و ما حدث من مذا بح انتحار ية م نذ ‪ 2003‬م و ل د الن هو أ كب دل يل ‪ ،‬مع‬
‫ملحظة أن هذا المر يدث مع شيعة الند و باكستان منذ أمد طويل‪.‬‬
‫إ ّن التّشويه البشع لذهب التشيع و الذي قام به معمّموا "قُم" و "طهران" خلل النصف الثان للقرن‬
‫العشرين و لد الن ‪ ،‬أثّر سلبا على الدور الشيعي العراقي ‪ ،‬حيث رسخ اليرانيون ف نفوس الكثي‬
‫من معمّ مي العراق مفاه يم "ال صراع" و "الب هة الداخل ية" و "الب هة الارج ية" و عقل ية "القاو مة" و‬
‫"كراهية الداثة" ‪ ،‬فمن المكن للدارس تبي أوجُه التشابه بي البنامج السياسي ‪ ،‬هذا إن كان هناك‬
‫أيّ برنا مج أ صل !! ب ي "التيار ال صدري" و "حزب الدّعوة" و "الجلس العلى للثورة ال سلمية ف‬

‫‪59‬‬

‫العراق ـ جاعة الكيم" و بي اليديولوجية العدائية "عقلية الصراع" و "دكتاتورية الفقيه" الت تروج‬
‫لا عمائم طهران‪.‬‬
‫صحيح أن بع ضا من الحزاب ال سلمية الشيع ية تراج عت عن نظريات ال سلم ال سياسي و إن‬
‫بش كل غ ي كلي ‪ ،‬ل كن من الوا ضح أي ضا أن المار سة ال سياسية لما عة الك يم و الدعوة جعلت هم‬
‫ي سلّمون بالوا قع ال سياسي العرا قي القائم على التعدد ية ال سياسية و الفكر ية ‪ ،‬و من ذلك مشار كة‬
‫"السيد الالكي ـ رئيس الوزراء العراقي و هو من جاعة الدعوة" ف حفل تضمن رقصات باليه لحد‬
‫مدارس الطفال ‪ ،‬و هي خطوة ـ على صغرها ـ ن و الف هم الديقرا طي ‪ ،‬و كان لهتمام الدكتور‬
‫العفري ــ رئيـس الوزراء السـابق و هـو أيضـا مـن الدعوة ــ بالنموذج التركـي الال ‪ ،‬تعايـش‬
‫ال سلميي مع النظام العلما ن ‪ ،‬دليل و ر سالة واض حة لواشن طن و الغرب على أن حزب الدعوة ـ‬
‫تديدا ـ و الشي عة العراقيون عمو ما ‪ ،‬م ستعدون للديقراط ية ‪ ،‬ك ما أن ر فض الدكتور العفري ف‬
‫أكثر من مناسبة وصف العلمانية على أنا "إلاد" و رفضه جعل السلم حجة لر فض الديقراطية ‪،‬‬
‫دليل و إشارة أُخرى على التحولت‪.‬‬
‫من ال هم أي ضا أن تقوم الوزة و الرجعيات الشيع ية ‪ ،‬خ صوصا آ ية ال ال سيستان ‪ ،‬بالز يد من‬
‫الضغوط على جاع ت "الك يم" و "مقتدى" لو قف عمليات "أ سلمة الدولة العراق ية" ‪ ،‬و من الؤ سف‬
‫حقا أن مادة "السلم هو الدين الرسي للعراق" حشي حشوا ف الدستور العراقي ‪ ،‬ما يعن أن حرية‬
‫الفرد ف اختيار عقيدته مهددة ‪ ،‬فل بد من جعل الفرد حرا ف أن يؤمن أو ل يؤمن ‪ ،‬و بجرد أن نبدأ‬
‫بو ضع العوائق أمام الفرد ‪ ،‬فإن العوائق ستتراكم برور الو قت و نعود إل نق طة ال صفر ‪ ،‬و هذا البدأ‬
‫الاطيء "فرض الدين بالكراه" يتناف مع كل الديان و العقائد ‪ ،‬خصوصا الذهب الشيعي‪.‬‬
‫على ال سلميي الشي عة أن يفهموا أن الديقراط ية لي ست مرد انتخابات و ح كم أغلب ية ف قط ‪ ،‬بل‬
‫يُ ضم إل ذلك ضمان الريات الفرد ية و حر ية العت قد و تغي ي الد ين ـ أ ما ح ّد الردة ف هو من بدع‬

‫‪60‬‬

‫الليفة الول ـ و معلوم أن آية "ل إكراه ف الدين" هي مدنية و ل يكن أن تكون منسوخة ‪ ،‬كما‬
‫أن من م صلحة الشي عة ق بل غي هم ‪ ،‬توف ي جو من الر ية ‪ ،‬و العلوم أن التش يع كان ينت عش ف ظل‬
‫الرية ‪ ،‬و بدون الرية فإن الضطهاد ل يتلف باختلف العناوين ‪ ،‬لن الضمون واحد‪.‬‬
‫الشــيعة و الديــــقراطــــية ‪.‬‬
‫من خلل ما تقدم ي تبي ل نا أن هناك مؤشرات متباي نة بشأن ما إذا كان الشي عة سيقومون بت طبيق‬
‫"الديقراطية" كخيار واقعي و تقبّل عقائدي ‪ ،‬كما أن هناك نقطة مهمة يب أن تتوفر ف العقيدة و‬
‫التطبيق الشيعيي لينجح اليار الديقراطي ‪ ،‬أل و هو التسامح الدين‪:‬‬
‫"‪"Toleration‬‬
‫و هو المر الذي قام الغربيون بتطبيقه منذ القرن الامس عشر و ظهور الصلح الدين الذي قاده‬
‫مارتن لوثر و تلميذه "كالفن" و ترسخ مدرسة العقلنية‪:‬‬
‫"‪"Rationalism‬‬
‫الت خلقت من الغرب أقوى حضارة ف التاريخ ‪ ،‬و هنا ل مال لي ماججة من قبل العممي و‬
‫ال صوليي للقول بأن الغرب ل يس متدي نا و أ نه أ صبح بف عل هذه ال سياسة "حضارة ملحدة" و ت قف‬
‫بال ضد من الد ين ‪ ،‬ذلك أ نه ل مال نائ يا لي د ين قائم على الكراه ‪ ،‬و من ذلك ن د أن جا عة‬
‫الامنئي و ما ي سمى ب ـ"حزب ال" ت قف بال ضد من العمم ي الذ ين يؤمنون بالديقراط ية أو ح ت‬
‫بالنظريات ال سلمية ال ت ل مكان لل ـ"ول الفق يه" في ها ‪ ،‬ك ما هو وا ضح من موقف هم من آ ية ال‬
‫ال سيستان أو النتظري و البوجردي و الشيازي و ح ت الدر سي الذي تعرض لضايقات حين ما كان‬
‫ف إيران‪.‬‬
‫و ل بد من وق فة حوزو ية حقي قة إل جا نب الديقراط ية و حر ية الفرد ف إختيار دي نه و أفكاره و‬
‫ح ت أ سلوب حيا ته ‪ ،‬ك ما أن مبدأ "ول ية الفق يه" ل بد و أن يذف من قاموس الف كر الشي عي و‬

‫‪61‬‬

‫يسـتبدل بالنظام العلمانـ الذي يقوم على "العلمانيـة الؤمنـة" التـ تمـي الديـن و توفـر له الريـة فـ‬
‫العتناق و إقامـة الطقوس و الشعائر الدينيـة ‪ ،‬و يبـ أن يتـم هذا التغييـ بالوسـائل السـلمية الدنيـة‬
‫كالظاهرات و الضراب و نشر روح التسامح و الخاء ‪ ،‬ليس بي الشيعة و السنة و حسب "كما هو‬
‫عادة النظام اليرا ن الذي يروج للوحدة ف إيطار ها الدي ن الض يق" بل و ح ت الت سامح و الخوة مع‬
‫"السيحيي" و الهم مع "اليهود" و سائر الديان و الذاهب ‪ ،‬كـ"البهائية" و "الحدية القاديانية" و‬
‫ح ت اللحد ين و الل دينيي "فمن كـفر فعليه كفره" ‪ ،‬و بدون هذا ل يتم التغي ي القيقي ‪ ،‬و كل‬
‫الكلم الذي يرو جه الامنئي و خطّه عن "حر ية" و "كرا مة" و "ا ستقلل" ال مة هو ثرثرة ل أك ثر و‬
‫ليس لا أي حظ من التطبيق‪.‬‬
‫مشكلة الشرق السلمي ‪ ،‬و الوجود الشيعي جزء من هذا الشرق ‪ ،‬أنه ل يستطع الوصول إل فهم‬
‫دور الدين ف متمع يؤمن بالداثة ‪ ،‬كما هو ف الغرب ‪ ،‬و الصيبة أن دعاتنا و مللينا "شيعة و سنة"‬
‫يقومون ف الغرب بالدعوة و الترو يج ل ا يؤمنون به ‪ ،‬بين ما ي نع ف الدول ال سلمية و العرب ية "و أ نا‬
‫أتف ـظ على هذا ال سلم الر سي ذو التف سي الوا حد" ي نع الدعوة لي د ين آ خر أو التبش ي به ‪ ،‬و‬
‫حت إن حدث ذلك فهو يتم تت رقابة مشددة من السلطة و الؤسسة الدينية الرسية‪.‬‬
‫و حينما ند السلمي يتحدثون عن "اضطهاد الشركي للمسلمي" و المارسات الل إنسانية الت‬
‫كانوا يتعرضون ل ا ف صدر ال سلم ‪ ،‬و حين ما يدث نا الشي عة عن كل حلت الق تل و الضطهاد و‬
‫البادة ال ت تعرضوا لا ‪ ،‬ث ندهم يقومون الن و على أرض الوا قع باضطهاد الديان أو "الرتدين"!!‬
‫و من يغي دينه ؟!! نسألم‪ :‬لاذا كان الضطهاد أمرا مذموما هنا و مدوحا دينيا ف الالية التالية ؟!!‬
‫الكيد أن ل أحد يتلك الواب ‪ ،‬و الواب الوحيد هو تطبيق "العلمانية و تطبيق الرية العقائدية"‪.‬‬
‫إن حوار "ال" مع "الشيطان" ف سورة البقرة ‪ ،‬يشكل إحدى النقاط الهمة لرسم فلسفة دينية تعل‬
‫السلم "و الشيعة جزء مهم من هذا الكون" ف وفاق و انسجام مع النظام الديقراطي العلمان ‪ ،‬كما‬

‫‪62‬‬

‫أن الذ هب الشي عي قا بل للعلم نة خ صوصا و أ نه يؤ من بأن "الهدي ـ المام الخ ي الغائب و الذي‬
‫سيعود مع ال سيح" هو وحده الذي يلك حق ت طبيق الحكام "النظام ـ ال سلطة" و أ نه ل جهاد أو‬
‫مبادرة بالرب ما دام المام الغائب ل يس هو من ي كم ‪ ،‬و أعت قد أ نه ف هذه النق طة تديدا يلت قي‬
‫التشيع مع "اليهودية" و "السيحية" ‪ ،‬و حقيقة أنه ل بد للشيعي كفرد أن يعود إل الصل ف التشيع و‬
‫يلغي "التشيع الصطنع" الذي صنعه جيل "ردود الفعل" ابتداءا من السيد المين ـ و هو غي معصوم‬
‫بالتأكيد ـ و انتهاءا بالامنئي و فضل ال‪.‬‬
‫إن الد ين "كمجمو عة عقائد ية" يب قى شيئا و موضو عا مرتب طا بالفرد "الن فس" و م سألة قبول أو‬
‫رفض هذه النظومة العقائدية هي مسألة "قناعة شخصية" و ل يكن لحد التحكم با "لست عليهم‬
‫بسيطر" و من هنا يب ترك الناس أحرارا ف أن يؤمنوا أو ل يؤمنوا ‪ ،‬ما يعن عدم تناقض "السلم"‬
‫مع "العلمان ية" و تقبله "للحدا ثة" ‪ ،‬و ح قا ف قد كا نت فتوى "ال سيد المي ن" ضد الكا تب البيطا ن‬
‫"سلمان رشدي" و تليله قتله ‪ ،‬سابقة خطية ف الذهب الشيعي ‪ ،‬إذ ل يسبق لرجع شيعي ‪ ،‬ل قديا‬
‫و ل حديثا ‪ ،‬أن أصدر فيها فتوى تدر دم شخص معي بسبب رأي رآه‪.‬‬
‫بالتال ‪ ،‬انت قل الشي عة من كون م "ضح ية فتاوى" ‪ ،‬ك ما حدث مع الشه يد الول و الثا ن ‪ ،‬إل‬
‫مرحلة "البابويـة السـلمية" التـ تبيـح قتـل الخريـن على أسـاس الرأي و اختلف الذهـب ‪ ،‬و مـن‬
‫الطبيعي فإن هذه الفتوى "السيئة السمعة" أعادت إل أذهاننا عصور الظلم و خلط الدين بالسلطة ‪ ،‬و‬
‫من ملك استأثر ‪ ،‬و بينما كان من المكن أن ينظر العال بعي الحترام إل التشيع و الشيعة ‪ ،‬أظهرت‬
‫هذه الفتوى و كأن "التشيع" ليس إل نسخة أخرى من الذهب السن ‪ ،‬و أنه ل يتقبل الرأي الخر و‬
‫غي قابل للتطورأو التعايش ‪ ،‬فانتقلنا من مذهب "يعان من الضطهاد" إل مذهب يقوم بالضطهاد‪.‬‬
‫الشّــــــــــــــــــــــــــيــــــعة و‬
‫النتــــــــــــــــحــــــــــــــــاريون‬

‫‪63‬‬

‫من العروف ‪ ،‬تاري يا ‪ ،‬أن "خ طّ المام" و "حزب ال" قد ت سبب ف ظاهرة "النتحاري ي" الذ ين‬
‫تعان منهم الغلبية الشيعية ف العراق ‪ ،‬فمهما حاول الُنظّرون تبير ما روج له "حزب ال" بجة أن‬
‫عملياتم "النتحارية" ضد السرائيليي و المريكيي كانت تتم ضدّ "قوات عسكرية"!! ‪ ،‬لكنها و بل‬
‫جدال أوحت إل الركات الطائفية السنية "القاعدة" و أذيالا ‪ ،‬أن تقوم بقتل العراقيي ـ الشيعة على‬
‫وجه الصوص ـ بذه الطريقة البشعة الغدارة ‪ ،‬كما أن علينا أن ل ننسى "أحداث سبتمب" الليمة و‬
‫الت كانت عبارة عن "عملية انتحارية ضخمة" ‪ ،‬و صحيح أن تلفزيون "النار" التابع لزب ال ل يعد‬
‫يروج لعملياتـه النتحاريـة و غابـت وجوه اؤلئك الذيـن كانـت القناة تعرضهـم كــ"مسـافرين إل‬
‫النة"!!‪.‬‬
‫ل كن العلم اليرا ن ل زال يروج عب أفلم الكارتون و ال سلسلت لعمليات "النتحار" ‪ ،‬و أ حد‬
‫هذه السلسلت كانت تدور عن قصة فتاة فلسطينية صغية ‪ ،‬يقوم ضابط إسرائيلي بسرقة عينيها لبنه‬
‫العمى و يعيد الفتاة و هي عمياء ‪ ،‬فيغضب أخوها ـ و ما أسرع التدين السلم إل الغضب ـ و‬
‫يقوم بتفجي نفسه بي اؤلئك الضباط انتقاما لخته‪.‬‬
‫إن هذه الثقا فة ال ت ت عل الرء سريعا ف تفج ي نف سه ‪ ،‬هي فعل ثقا فة خطرة و ل ت مل أي ميزة‬
‫شجا عة أو رجولة ـ ك ما ي ب الشر قي أن يفت خر ـ و ل ي كن أن نقارن هذا الع مل "الو صول‬
‫ال سريع إل ال ـ ح سب ت عبي أ حد الك ـتـاب" ب ا يقوم به جندي أو مارب يدا فع عن بلده أو‬
‫قضية معينة ‪ ،‬بعن أنه أقرب إل الروب من آلم العركة و ما يترتب عنها من تشوه أو عوق‪.‬‬
‫كما أن على شيعة العراق أن يقوموا عب الثقل الكبي للمرجعية الشيعية ف العراق ‪ ،‬بإصدار فتاوى‬
‫صرية "ترّم النتحار" البر و غي البر ‪ ،‬و أيضا الضغط على اليرانيي للغاء هذه الثقافة من بي‬
‫س مدنيي ‪ ،‬لكن ما تقوم‬
‫الشيعة ‪ ،‬صحيح أنه ل شيعي فجر نفسه ـ لد الن ـ ف دولة غربية أو أنا ِ‬

‫‪64‬‬

‫به ال سلطات الروح ية ف إيران و الوزات ف قم و طهران من تشج يع لذا ال سلوب الرهاب ‪ ،‬هو‬
‫ضار بالشيعة أنفسهم و غي لئق أخلقيا‪.‬‬
‫بل إن أفلم الكارتون اليرانية "و هي بالتأكيد موجهة للطفال" تشكل دافعا خطيا للق جيل غي‬
‫منضبط و خطر على متمعه و العال ‪ ،‬من هنا وجب العودة إل صيغ التشيع الصيلة و الت تركز على‬
‫"النسان السال" و الذي ل يؤذي أحدا ‪ ،‬و يروي الشيعة ف كتبهم حديثا يقول‪" :‬السلم من سلم‬
‫الن ـاس من يده و ل سانه" و صيغة هذا الد يث تتلئم مع التطور الخل قي للن سانية ‪ .‬بين ما يرو يه‬
‫السنّـة بالصيغة التالية ‪":‬السلم من سلم السلمون من يده و لسانه"!!‪.‬‬
‫ك ما قلت ف حلقات سابقة من هذا الب حث ‪ ،‬شكلت الثورة اليران ية و ب كل مقومات ا الفكر ية و‬
‫الثقاف ية ‪ ،‬انتكا سة خطية لفاه يم التش يع ‪ ،‬و تول دراماتيك يا ن و ال سوأ ‪ ،‬بين ما كان من الفترض‬
‫حدوث الع كس ‪ ،‬كان من النت ظر أن ت قف الرجع ية ف إيران مع "حر ية العقيدة" و ال سلم الهلي و‬
‫ن شر التش يع عب "الكل مة" و "الكل مة ف قط" و طرق الدعوة التوفرة ف ج يع البلدان الديقراط ية ‪ ،‬و‬
‫القيام بملت ثقافية ضخمة من تبادل أفكار و خبات و خدمة متمع ‪ ،‬لكن السألة أصبحت مقلوبة‬
‫الن ‪ ،‬حيث يقوم مموعة صغية من العممي باحتكار كل شيء و كل يوم يقوم هؤلء بأفعال تسيء‬
‫إل التش يع و بأب شع ال ساليب ‪ ،‬تارة عب خلق "تد ين فا شي" و تارة " عب تب ن العن صرية العرب ية" أو‬
‫بالترويج للنتحار القاتل و الرهاب كما رأينا ف هذه اللصة‪.‬‬
‫من الهم جدا إذن أن ينتبه الشيعة إل أن ما يصدونه اليوم هو نتاج إيران الشيعية الت أساءت إل‬
‫التشيع و جعلته دافعا لتطرف السنة ليستخدموا الن ‪ ،‬ذات الساليب القذرة ‪ ،‬لقتل الشيعة العراقيي ‪.‬‬
‫أعتقد أننا طرحنا كثيا من النقاط الديدة الديرة بالبحث من قبل الباحثي و الكتّاب ‪ ،‬إن إعادة‬
‫أي ديـن أو مذهـب إل أصـوله القادرة على التعايـش مـع الضارة و التطور و الديقراطيـة ‪ ،‬لوـ مـن‬
‫أ صعب الهات على الطلق ‪ ،‬و من ض من تلك الشكلت هو تعا مل "الفرد الشي عي" مع القوان ي‬

‫‪65‬‬

‫الدنية و العصرية ‪ ،‬فنحن ند رفضا شيعيا ـ على مستوى النخبة العمّمة و التدينة ـ للقانون الدن‬
‫و الحاكـم الدنيـة ‪ ،‬على أسـاس أناـ مـن "التحاكـم إل الطاغوت" حسـب اليـة القرانيـة (يريدون‬
‫ليتحاكموا إل الطاغوت) ‪ ،‬متناسـي أن هذا المـر أيضـا داخـل فـ الختيار الشخصـي ‪ ،‬كمـا أن‬
‫الطاغوت ه نا هو (هوى ال سلطان) أو (الطاغ ية الدكتاتور) و ل يس ال ساواة ب ي الب شر ‪ ،‬و هو مفهوم‬
‫إنسان ف صميم الديانة السلمية‪.‬‬
‫و نن هنا ضربنا هذا الثل للكثي من الواضيع الت تعتب ضرورية للبحث و الدراسة ‪ ،‬إن العنصرية‬
‫"السلمية" الت خلقها الذهب السن العروب أصبحت خطرا كبيا ب سبب انتقال هذه العدوى إل‬
‫الذهب الشيعي الذي يعان الن من "اغتراب" عن الذات الصولية الت تد نفسها ف تناقض مع الواقع‬
‫و التطبيق ‪ ،‬تول "التشيع" ف ما بعد "الثورة اليرانية" إل دافع آخر للعنف و العنصرية و لغة الكراهية‬
‫‪ ،‬و رأينا كيف هدد "حزب ال اللبنان" بلق ما يشبه "تنظيم القاعدة الشيعي"!! المر الذي يعن أننا‬
‫نكاد نفقد المل ف علج هذه الالة "حزب ال" و أن السرطان قد لمس النخاع‪.‬‬
‫و ل بد أيضا من مراجعة شيعية للهويتي "الدينية" و "الوطنية" مع إلغاء ما يسمى "الوية القومية"‬
‫كمنهج سياسي ‪ ،‬و كيفية اللئمة بي "تقليد الرجع" و "النتماء الوطن" ‪ ،‬و فعل فقد خلقت "ولية‬
‫الفقيه" هذه النظرية اليرانية خلل ف تركيبة الفرد و الماعة الشيعية داخل و خارج إيران ‪ ،‬و ل تكن‬
‫هذه الزدواج ية ف النتماء موجودة عند ما كا نت إيران دولة "علمان ية" ‪ ،‬لكن ها خر جت إل ال سطح‬
‫بعد "الثورة" و ماولت تصديرها و كأنا بضاعة معلّبة‪.‬‬
‫ل بـد مـن فـك و تليـل هذه التناقضات و إزالة عقدة الشعور بالنقـص لدى "الشيعـي" التـ تعله‬
‫صاحب ردود أفعال أكثر من كونه "مثال و نوذجا يتذى به" ‪ ،‬لذلك ند أن أكثر ما تنتجه الوزات‬
‫هو ردود أفعال أكثر من كونا فهما شيعيا للقرآن و السلم‪.‬‬
‫السلم و الرهاب ‪ ..‬إل أين؟!‬

‫‪66‬‬

‫تعتب العلقة بي السلم "كدين" و أعمال العنف ‪ ،‬من ذبح و تفخيخ و قتل ‪ ،‬أحد أهم الواضيع الت‬
‫تظـى باهتمام الغرب و مؤسـساته الضاريـة ‪ ،‬العاهـد و الامعات و مراكـز الدراسـات ‪ ،‬و كواجـب‬
‫أخلقي فإن على السلمي قبل غيهم اللتفات إل خطورة الستغلل الذي يتعرض له الدين للوصول إل‬
‫أهداف سياسية أو مادية‪.‬‬
‫و من الهم ها هنا الستفادة من الصادر العقائدية و التاريية لفك العلقة بي السلم "كدين و فكرة" و‬
‫ب ي الت طبيق التاري ي البشري لل سلم ‪ ،‬و مشكلة ال سلمي الن تك من ف الز يج الع قد ب ي ال سلم‬
‫"التقليدي العنصري" و نظريات السلفية الاهزة "سنية كانت أم شيعية" و تسخي النّص القدس لتطبيق‬
‫هذه الرؤيا الرجعية على أرض الواقع و من ث ج ّر الواقع بيث يلءم الفهم الطروح حول النص بدل من‬
‫ملئمة النص للواقع ‪ ،‬من هنا كان من الطبيعي أن يُعب الكاتب المريكي "توماس فريدمان" عن استغرابه‬
‫من العال السلمي الذي خرج ف مظاهرات مليونية "من أجل رسومات كرتونية" نالت من النب ممد ‪،‬‬
‫بينما تابع هؤلء السلمون أنفسهم جرائم البادة الطائفية ـ استشهد الكاتب هنا بالسيارة الفخخة الت‬
‫أوقعت عشرات الطلب ف الامعة الستنصرية و تفجي انتحاري سنّي استهدف مسجدا شيعيا ـ "و قد‬
‫سبق ل أن ق مت بقار نة كهذه ف مقال كاريكات ي العال ال سلمي" و هذا م ا يع ن أن وزن العقل ية‬
‫السلمية ف القرن الـ ‪ 21‬هو ‪ %0‬و إفلسا حضاريا‪.‬‬
‫و للخروج من هذه الز مة الخلق ية ال ت ي سببها ال سلمون لنف سهم و لغي هم ‪ ،‬و لتغي ي ن ط التفك ي‬
‫ال سلمي القا بع ف عبادة الذّات الاو ية أو العدي ة القي مة ‪ ،‬ل بد من توف ي الدوات اللز مة لراج عة‬
‫الذاكرة السلمية التاريية و النظر إل التجربة السلمية بعي النقد و التمحيص‪.‬‬
‫فإحقيقة‪،‬ية تفسي السلم و ماهيته هي من أصعب الواضيع الت قد يقوم با أي باحث ‪ ،‬خصوصا ف‬
‫ظل متمعات و أنظ مة ل تف هم شيئا من تعدد الرأي و حر ية الت عبي ‪ ،‬فالغرب ن ح ف ف تح كل أجواء‬
‫البحث و ل يترك أي مساحة فكرية أو موضوعا خارج البحث ‪ ،‬بالتال وفـر الفرصة الكافية للصلح‬
‫الدين ‪ ،‬و كانت بداية الصلح الدين هي نفسها الطوة الول لتعايش الدين مع تعدد الراء‪.‬‬
‫و حقيقة ‪ ،‬فإن السلم يعان الن من جانبه التشريعي ‪ ،‬إذ ليس هناك جانب عقائدي فقط من السلم ‪،‬‬
‫كما هو حال السيحية الت تكيفت بسرعة مع الدولة العلمانية ‪ ،‬بينما بقي السؤال السلمي الحي ‪ :‬ماذا‬
‫نفعل ب كل هذا الكم من التشريعات ‪..‬؟ ف هل الن من وا جب السلمي ت طبيق أحكام الرجم و اللد و‬
‫القطع‪ ،‬فضل عن قتل الرتد كما هو ف السلم التقليدي ـ خصوصا الدرسة السنية ـ الرثوذكسية‬
‫السلمية ؟!‬

‫‪67‬‬

‫و حقي قة فإن الطالب ي بت طبيق الشري عة ف الو سط ال سن هم أخ طر على الديقراط ية ـ هذا إن وجدت‬
‫هذه الديقراطيـة ــ مـن ذلك الطرف الشيعـي ‪ ،‬و كمثال على ذلك ‪ ،‬ندـ أن موجـة الطالبـة بتطـبيق‬
‫الشري عة ـ و هي لي ست شري عة واض حة ف قد شوه ها الفقهاء و الواعظون و صحاح البخاري و م سلم‬
‫توي من التناقضات ما ل ي صى ـ ابتداء من إندوني سيا و مرورا بالي من و م صر و ال سودان و انتهاء‬
‫بوريتانيا و نيجييا ‪ ،‬و هذا البلد الخي ذو غالبية مسيحية و رغم ذلك يعاند السلمون ف الطالبة بتطبيق‬
‫الشريعة ـ حسب التفاسي السنية طبعا ـ بينما رفضها السيحيون و رفضها الشيخ إبراهيم الزقزقي الذي‬
‫يثل الشيعة موضحا ‪" :‬أن السلم ليس قانون عقوبات فقط"‪.‬‬
‫ك ما أن حّى الطال بة بت طبيق الشري عة تنا مت أك ثر من أي و قت م ضى م نذ ظهور حر كة "الخوان‬
‫السلمي" ف مصر ‪ ،‬ث انتقلت هذه المّى إل البلدان الخرى ‪ ،‬و لقت هذه الطالبات هوى ف نفس‬
‫الكام ف السودان ـ خصوصا أيام النميي ـ و كانت النتيجة أن ارتكبت أفظع الرائم ‪ ،‬و بالتأكيد‬
‫فإن من يعترض يناله القتل بتهمة الردة عن الدين ‪ ،‬و هو الكم الشرعي الذي ابتدعه الليفة الول أبو‬
‫بكر لتصفية الصوم و القضاء على عليهم‪.‬‬
‫و كان إعدام الفكر السلمي "الصلحي" ممود ممد طه ف السودان و بتهمة الردة أحد هذه الرائم‬
‫يقول الكاتب السودان أحد زكي عثمان ف مقاله بعنوان "ف ذكرى إعدام ممد ممود طه ‪ ،‬البحث عن‬
‫بديل للتصفية السدية للمختلف"‪:‬‬
‫‪ ،‬ف سابقة تاريية هى الول من نوعها ف التاريخ العرب الديث‪ ،‬حيث ل يدث أن ارتقى مفكر عرب‬
‫القصلة بسبب "آرائه" الفكرية و الت اعتبتا "الدولة العربية" ارتدادا عن السلم‪ .‬نعم لقد شهد التاريخ‬
‫العر ب قبل و بعد ‪– 1985‬تار يخ إعدام الف كر ممود م مد طه‪-‬حالت متعددة صدرت في ها قرارت‬
‫الت صفية ال سدية لفكر ين و نقاد وأ صحاب رؤى‪ ،‬ل كن ل ت قم "الدولة العرب ية الدي ثة" من ق بل بنع‬
‫حياة أحد من الكتاب أو الفكرين أو الباحثي بسبب آرائه السياسية او الفكرية و الت يتوهم أنا تمل ف‬
‫طياتا ردة عن السلم‪ .‬فمثل عندما ت إعدام الفكر السلمى سيد قطب ف أغسطس من عام ‪1966‬‬
‫كان السـبب هـو خلفيـة إنتمائه لماعـة الخوان السـلمي وإتامـه بحاولة قلب نظام الكـم فـ مصـر‬
‫الناصرية‪ .‬و ف أبريل من عام ‪ 1980‬قام صدام حسي بإعدام الفكر الشيعى البارز ممد باقر الصدر‬
‫وكان ال سبب هو خلف ية إنتمائة لزب الدعوة ال سلمى‪ .‬و ف يون يو من عام ‪ 1992‬ت اغتيال الف كر‬
‫الصرى فرج فوده‪ ،‬و كان السبب ان القوى صاحبة التخطيط الفكرى و اليدان لغتياله ل تر مانعا من‬
‫إستخدام آداة التصفية السدية كآداة سياسية‪ ،‬و هو نفس السيناريو الذى تكرر لحقا مع الديب الكبي‬
‫نيب مفوظ ف عام ‪ 1993‬على خلفية روايته "أولد حارتنا"‪ ،‬و لكن قدر ال أل يرحل الرجل ف هذه‬

‫‪68‬‬

‫الؤامرة الدنيئة لكنه ظل لدة الـ ‪ 13‬عاما اللحقة للحادثة يشكو من التوابع الصحية و النفسية لحاولة‬
‫الغتيال هذه‪ .‬كذلك ل يكـن أن ننسـى جرائم الطـف و الختفاء والتـ كانـت أبرزهـا حادثـة‬
‫خ طف(وق تل) العارض الي سارى الغر ب الهدى بن بر كة و ذلك ف العا صمة الفرن سية بار يس ف عام‬
‫‪ .1965‬ناية القتباس‪.‬‬
‫نود أن نضيف ملحظة أخرى إل رأي هذا الكاتب العزيز بأن نقول ‪ ،‬أن عدم استعمال فكرة استخدام‬
‫تمة "حدّ الردة ف قتل ممد با قر الصدر أو سيد قطب ل يكن مسألة تتعلق بإياد البدائل للقضاء على‬
‫الصوم السياسيي ‪ ،‬فالسألة تعلقت آن ذاك بنظامي يدعيان العلمانية و التقدم ية "نظام العسكر و عبد‬
‫الناصــر ف مصر و نظام البعث ف العراق" بالتال ل يكن يروق لم ـ ف تلك الفترة على القل ـ‬
‫أن يستخدموا تمة "الردة ـ و هو مصطلح دين يشبه تمة الرطقة ف العال السيحي القدي و مصطلح‬
‫زندقة ف العصور الوسطى السلمية" ‪ ،‬فقد استغل النظام العرب فرصة وجود ماوف الغرب من السلم‬
‫السياسي للقضاء على الصوم بجة أنم ضد التطور و التقدمية ‪ ،‬لكن هذه النظمة الن تاول استخدام‬
‫السلميي كـ"فزاعة" لنع الغرب من نشر و فرض الديقراطية ‪ ،‬بعن أن ظروف عبد الناصر و صدام و‬
‫نظامهما منعتهما من استخدام حجة "الرتداد" و ليس لرفضهما الفكرة من أصلها‪.‬‬
‫و النظمة العربية و السلمية تاول الن توفي أجواء مناسبة لتنامي ظاهرة "الطالبة بتطبيق الشريعة" و‬
‫ال ت ل ا جذور ف هذه النط قة خلل الم سي سنة الاض ية ‪ ،‬بديل عن الطال بة بالديقراط ية و الريات‬
‫الدن ية الفرد ية و الجتماع ية إذ ل يش كل ت طبيق الشعائر و القوان ي الدين ية خطرا داه ا على الكومات‬
‫الرجعية ف العال السلم بينما الديقراطية هي النقيض و الضّد لذه النظمة القروسطية و القائمة على نواة‬
‫النظام العشائري و نقاء الدّم‪.‬‬
‫إن الطالبي بتطبيق الشريعة ف الوسط السن يقومون بذلك دون دراسة أو بث أو تدقيق ف الواقع ‪ ،‬و‬
‫الوا قع و الداثة ينعان من تطبيق شريعة هي ف الغالب "نتاجات فقهاء" و بدع متراكمة صاغها الزمن‬
‫ب صيغة "القدس" و هي أ صل مناق ضة لكث ي من آيات القرآن نف سه ‪ ،‬ك ما أن تنا قض الراء ف الذ هب‬
‫الواحد ‪" ،‬الشافعي له ف كل مسألة رأيان و مالك بن أنس و أتباعه يكفرون النفية ـ أتباع أبو حنيفة‬
‫النعمان بن ثابت ـ و أحد بن حنبل له ف كل مسألة ثلث آراء أو أربعة ‪ ،‬يضاف إل كل هذا أن الفقه‬
‫السن قد توقف عن النتاج منذ تسعة قرون أو أكثر حينما سد العباسيون باب الجتهاد و قصروا العمل‬
‫بالذاهب السنية الربعة ‪ ،‬هذه التناقضات الت تظهر بوضوح مدى تناقض هذه الشريعة هي سببٌ كا فٍ‬
‫لتعطيل تطبيقها و التوجه نو قانون مدن يساوي بي الكل‪.‬‬

‫‪69‬‬

‫و للسف ‪ ،‬فإن الشيعة ف الاضي كانوا أكثر تلئما ‪ ،‬عقائديا ‪ ،‬مع الدولة العلمانية و الداثة ‪ ،‬حينما‬
‫كا نت النظر ية ال سائدة هي أ نه ل يوز إقا مة الدولة ال سلمية "الدين ية" ما دام الع صوم غائ با ـ بالتال‬
‫كان من الم كن تأج يل أطرو حة "الشري عة" إل ح ي ظهور المام الع صوم ‪ ،‬ل كن ظهور نظر ية "ول ية‬
‫الفقيه" طرح و بدة تناقض السلم مع العلمانية و مفهوم الدولة الديثة‪.‬‬
‫إن إشكال ية "الد ين" و "الدولة" ل زالت ال سؤال ال كب الذي يُطرح ف عال نا ال سلمي دون أن يكون‬
‫هناك إجابة قطعية أو واضحة لذا الشكال الطي ‪ ،‬طبعا باستثناء ـ المهورية التركية ـ الت ألغت‬
‫هيمنة رجال الدين و استغللم الفاضح لقدسية الدين خدمة لرغبات السلطان و صدره العظم‪.‬‬
‫لقد كانت خطوة مصطفى كمال ف تركيا ‪ ،‬و البيب برقيبة ف تونس ‪ ،‬خطوتي هامتي ف تاريخ العال‬
‫ال سلمي ‪ ،‬إنطلق النموذج التر كي ف خطوات مت سارعة ن و الديقراط ية م نذ ‪ ، 1979‬بين ما ل تزال‬
‫التجر بة التون سية تراوح ف مكان ا ‪ ،‬و ل أ ستبعد أن تتخلى تونس عن منجزات ا ف العل قة ب ي الد ين و‬
‫الدولة ف سبيل م نع إناء الديقراط ية و غال با ما تكون نتي جة الدكتاتور ية و تتا بع ال ستبدين ف ا ستلم‬
‫الكم سببا ف خلق السلميي "الهاديي" الّذين يسعون لفرض تطبيق الشريعة بالكراه و القوة‪.‬‬
‫إن ال سلم التقليدي ــ و هو ضـد ال سلم العقل ن الواق عي ـ أ صبح أكـب عائق فـ سبيل تنم ية‬
‫الجتمعات و النظم السلمية ‪ ،‬بالتال نشأت ف عالنا السلمي ما يشبه ‪ ،‬ماكم تفتيش غي معلنة ‪ ،‬و‬
‫الجتمع نفسه يقوم بذا الدور ‪ ،‬و التناقض الضحك هو أن الحزاب و التنظيمات "السلمية" على نط‬
‫"الخوان السلمي" و "الركات السلفية" الت تعلن عدائها للنظمة الدكتاتورية ‪ ،‬هي ذاتا الت تبقي‬
‫على هذه النظمة الفاسدة و تميها عب منع الجتمع من تفجي طاقاته بجة التكفي تارة و بجة احترام‬
‫القدس تارة أخرى و بالتال يفرض على هذه الجتمعات الصمت و المود‪.‬‬
‫و هناك جانب ل بد من اللتفات إليه ‪ ،‬فاللف الول الذي ظهر ف السلم و خلق كل ما تله من‬
‫خلفات مذهبية و عقائدية ‪ ،‬كان مبدأه خلفا سياسيا ‪ ،‬و حروب أب بكر الت سيّت "حروب الردة" ل‬
‫ت كن سوى خل فا سياسيا "اجتهاد يا" ‪ ،‬إذ رأى اؤلئك ال سلمون "الرتدون" أن خل فة أ ب ب كر لي ست‬
‫شرعية أو غي قانونية بتعبي هذا الزمان و لو ل يقُم أبو بكر بشنّ تلك الرب ‪ ،‬كان من المكن أن يتغيّر‬
‫مسار التاريخ السلمي نو إناء الوار و احترام اللف ‪ ،‬لكن أب بكر بدأها برب و أناها بدكتاتوريّة‬
‫السـ القومـي إل العرب‬
‫ّ‬
‫حينمـا سـلّم المور و بدون رضـى الشّعـب إل عمـر بـن الطاب الّذي أعاد‬
‫ليتحول السلم إل دين قومي بت و يصبح أداة بيد العرب لستغلل الشّعوب الُخرى و استعمارها‪.‬‬
‫القيقة الت يب أن يتوخاها الباحث هنا ‪ ،‬هي أن شعوب الشرق السلمي ـ بعكس الغرب السيحي‬
‫ـ ل تتلك جذورا ديقراطية ف الشرق الذي سبق السلم ‪ ،‬فحضارات "سومر" و "أكد" و "بابل" و‬

‫‪70‬‬

‫"م صر الفرعون ية" و "مالك إيران القدي ة ‪ ،‬إيلم ‪ ،‬الخينيون ‪ ،‬البارثيون ‪ ،‬ال ساسانيون" و ف ترك يا‬
‫"اليثيّون" ‪ ،‬كل هذه الضارات كانت تقوم على حكم الفرد الواحد ‪ ،‬بعكس التجارب الديقراطية ف‬
‫أثينا و روما ‪ ،‬و إن كانت تلك الديقراطيات تتلف كثيا عن الديقراطية الديثة إل أنا أوحت و عب‬
‫القرون بفكرة "الشاركة الشعبيّة ف إصدار القرارات" و حق الحتجاج ضد الكومة و رفض قراراتا ‪،‬‬
‫كما أن السيحيّة الديثة استطاعت أن تنتزع نفسها من إستغلل السلطة أو إستغلل السلطة للدين‪.‬‬
‫إن تاريخ صدر السلم ‪ ،‬ابتداءا من النب ممد و مرورا باللفاء الوائل ‪ ،‬مثلت ـ قياسا إل ذلك الزمن‬
‫ـ حكومة شعبية أو سلطة تاول أن تعكس رضا الغالبية من الحكومي ‪ ،‬فتجد ممدا و هو النب يلس‬
‫بي الفقراء و ينظر ف مشاكلهم بل و كان يتعرض لنتقادات لذعة من العامّة دون أن يرد عليهم بأوامر‬
‫العتقال أو التّع سّف ‪ ،‬و كان الخرون ‪ ،‬أبو بكر و عمر و علي ـ استثنينا عثمان لقيامه بتصرفات هي‬
‫أقرب للحاكم الطلق ‪ ،‬يسيون على هذا النهج ‪ ،‬ملحظة أن عليا هو الوحيد الذي أظهر الانب الكثر‬
‫إن سانية من ال سلم و كان حري صا على عدم التفر قة الدين ية أو العن صرية تاه مواطن يه ‪ ،‬م ا ألّب عل يه‬
‫العرب لساواته بينهم و بي الوال "أي غي العرب" و ألّب عليه قريشا لساواته بينهم و بي سائر العرب‬
‫( أنظر‪ :‬وعاظ السلطي ـ للدكتور الرحوم علي الوردي) ‪ ،‬كما أن النعة الستعلئية العربية كانت ف‬
‫طريقها للذوبان و النصهار لو ل أن عمر "الليفة الثان" أنشأ ديوان "النساب" فراح العرب يبحثون و‬
‫يدققون ف أنسابم (أنظر‪ :‬تأريخ العرب قبل السلم ج ‪ 1‬ـ تأليف الدكتور جواد علي) لربا كانت‬
‫النعة القومية تكاد أن تكون شيئا من الاضي ف العال السلمي‪.‬‬
‫إن الن صوص ال سلمية القد سة "القرآن تديدا" ش به صامتة عن إياد نوذج وا ضح للح كم ‪ ،‬و ح ت‬
‫الشيعة الذين يقولون بأن النب عيّن عليا خليفة و حاكما و إماما من بعده ‪ ،‬يستعينون بأحاديث نبوية لن‬
‫القرآن ها هنا ـ كما يصفه علي بن أب طالب ـ هو "حّـال أوجُه"!! بعن أن يتمل أكثر من تأويل‬
‫و معن و تفسي ‪. explanation‬‬
‫و لذا السـبب ندـ أن التاريـخ السـلمي ــ السـن تديدا ــ شرع النقلبات الدمويـة و أن الاكـم‬
‫الشر عي هو من غلب ‪ ،‬و ف الو قت الذي ح كم ف الفقهاء بعدم جواز التمرد على الا كم الظال ‪ ،‬إل‬
‫أنه من الواجب إطاعة التغلب "أنظر ‪ :‬شرح العقيدة الطحاوية لبن أب العز و أيضا العواصم من القواصم‬
‫لبن العرب الفقيه الالكي" ‪ ،‬و أعتقد أن هناك أمل ضئيل ف نشوء إصلح فكري و عقائدي ف داخل‬
‫هذه الدرسة "السنية" ‪ ،‬خصوصا و أن النماذج السائدة من الركات السلمية "الخوان السلمون ـ‬
‫ف مصر" ‪ ،‬علينا أن ل ننسى أن حركات التطرف السلمي كتنظيم القاعدة و الجرة و التكفي وجدت‬

‫‪71‬‬

‫لنف سها دع ما و تأييدا من ق بل قاعدة الخوان و ال صريي من هم على و جه ال صوص ‪ ،‬و "حاس ـ‬
‫الراضي الفلسطينية" و "جبهة العمل السلمي ـ الردن"‪.‬‬
‫‪............................................................‬‬
‫آفاق الصــلح ف السلم السياسي‬
‫يعان السلم السياسي ‪ ،‬حاله حال كل حركة سياسية قائمة على أساس آيديولوجي ‪ ،‬من ضيق آفاق‬
‫الصـلح السـياسي ‪ ،‬و نتيجـة لنغلق العال السـلمي منـذ القرن الامـس و بعـد هيمنـة "السـلم‬
‫الرثوذكسـي ــ التقليدي" مـن تفاسـي ضيقـة و غيـ متسـامة مـع الخـر ‪ ،‬و اللحـظ أن الركات‬
‫ال سلمية ‪" ،‬الخوان ال سلمون ـ تأ سسوا ف م صر ‪ 1928‬على يد ح سن الب نا" ‪" ،‬الخوان ف‬
‫سوريا" ‪" ،‬جب هة النقاذ ف الزائر" ‪ ،‬كل ها أحزاب قائ مة على فكرة "ال صراع مع ال خر" ـ ر غم أن‬
‫الثقافة الشيعية و حركات السلم السياسي الشيعي ها هنا لا اختلفاتا الذرية مع الركات السلمية‬
‫ف الوسط السن و أظن أن هناك كثيا من الساحات الل مكتشفة ف الفكر السياسي الشيعي ‪ ،‬إل أن‬
‫الركات السلمية الشيعية ل تنجو من هذه النمطية الرجعية ف التفكي‪.‬‬
‫و لن العال السلمي قد وأد "مدرسة العقل" ف فترة مبكرة من تاريخ السلم ‪ ،‬فإن التراث السلمي‬
‫ل يفل بالكثي من التوازن ف التسامح مع اليان و غي اليان ‪ ،‬و رغم أن الوسط الشيعي كان أكثر‬
‫تاو با مع تنوع و تعدد الفكار ‪ ،‬ل كن نظر ية "ول ية الفق يه" أدخلت الف كر الشي عي ف ع مق الز مة‬
‫السائدة و بدل من خلق تربة جديدة أو متلفة ف "إيران" ـ و هي دولة ذات أغلبية شيعية إل جانب‬
‫العراق و البحر ين ـ إل أن ثورة إيران ‪ 1979‬خل قت تر بة تطرف ماثلة لالة الركات ال سلمية‬
‫السنية ‪ ،‬و ل ننسى تأثي فترة ما يسمى بركات التحرر من الستعمار الغرب ‪ ،‬القرن ‪ 19‬و ‪ 20‬و ما‬
‫تلها من قيام أنظمة قومية هي خليط من اليدولوجيات "السلمية ـ القومية ـ الوطنية ـ الشيوعية"‪.‬‬
‫إن تراث الفكر السلمي مليء بفكرة رفض الخر ‪ ،‬فعندما جاء الغزال توف ‪ 505‬هـ ‪ 1111‬م و‬
‫أنكر قيمة العقل و أحكامه من جهة ربط ما يورده البحث النطقي ف كتابه "تافت الفلسفة" ‪ ،‬جاء إبن‬
‫رشد توف ‪ 595‬هـ ليفند الفكرة الغزالية و باتاه معاكس تاما إذ جعل "العقل" أحد القدسات ف‬
‫كتا به "تا فت التها فت" ‪ ،‬و ر غم تطرف كل الطرف ي ف رأ يه ‪ ،‬إل أن الن طق الرشدي "ن سبة إل ا بن‬
‫رشـد" كان ليتطور لو قدّر له البقاء ‪ ،‬بينمـا كانـت نتيجـة منهـج الغزال هـو الدخول فـ عصـر هيمنـة‬
‫"الدولة" على الدين و العقل ف الوقت نفسه ‪ ،‬و هكذا كان الغزال بق هو فيلسوف عصر الظلمات و‬
‫النطاط الثقاف‪.‬‬

‫‪72‬‬

‫و لنعد إل الركات السلمية و الفكر السلمي ‪ ،‬الذي اختلط للسف بالنظرية القومية و ل يعد فكّ‬
‫الرتباط بينهما مكنا ‪ ،‬فنجد السلم إل جانب النظريات القومية "العربية" ‪" ،‬التركية ـ إل حي ظهور‬
‫مصطفى كمال و فصله بي الدين و الدولة" ‪ ..‬إل‪.‬‬
‫و حت عندما ظهر جال الدين الفغان الذي ظهر بشخصيته الباغماتية كداعية للصلح ‪ ،‬إل أن الرجل‬
‫ل يكن مصلحا حقيقيا بسبب ضبابية آرائه و مواقفه التناقضة مع الكام ‪ ،‬تاما كما فعل مع السلطان‬
‫عبد الميد الثان حيث ل يكن موقفه واضحا أو لنقل على نسق واحد تاه الشروطة "الدستور العثمان"‬
‫و مكافحة الدكتاتورية ‪ ،‬و كان "عبد الرحن الكواكب ـ مؤلف طباع الستبداد" ينشد الرية بعن أن‬
‫ل ي كم "تر كي أو عج مي" على "العرب" م ا يع ن أن ال سلطان العثما ن التر كي لو كان "عرب يا" لكان‬
‫مقبول‪.‬‬
‫إن تلبّس ما يُسمّى بركات التحرر ف "العراق" ‪" ،‬مصر" ‪" ،‬سوريا" ‪" ،‬ليبيا" ‪" ،‬الغرب" ‪" ،‬السودان" ‪،‬‬
‫"إيران" ‪ ،‬إندوني سيا ‪ ،‬بلباس الد ين و ا ستخدام الد ين ك سلح بو جه من أ ساهم أ هل هذه البلد‬
‫ب ـ"ال ستعمرين الكفار" ‪ ،‬هذا ال مر ج عل البن ية ال ساسية لذه الدول ال ت ح صلت على ا ستقللا أو‬
‫سـيادتا الواحدة تلو الُخرى ‪ ،‬بنيانـا هشّا و على أسـاس غيـ واضـح ‪ ،‬فل هـي مبنيـة على أي نظريـة‬
‫إسلمية "دينية" واضحة ‪ ،‬بعن أن الوية الدينية للبلد ضبابية و مطاطة قابلة لتفسي الاكم الهيمن على‬
‫البلد ‪ ،‬و ي ستفد أ هل هذه البلد من اؤلئك الذ ين ا ستعمروهم أو انتدبو هم أو لنق ـــل أداروا هذه‬
‫البلد ‪ ،‬كالبيطاني ي و الفرن سيي ف بلدان الشرق الو سط ‪ ،‬فالعراق مثل كان أف ضل حال من ح يث‬
‫الريات و تنظيـم شؤون الدولة فـ فترة اليمنـة البيطانيـة ‪ ،‬بينمـا تدهور العراق حينمـا تقوى الكـم‬
‫الحلي‪.‬‬
‫يقول الدكتور جال البنا ف ماضرة ألقاها ف منتدى "السلم و الصلح ‪ "2005‬و الذي أقامه مركز‬
‫ابن خلدون‪:‬‬
‫"و قد جر بت هذه البلد الديقراط ية خلل الرحلة الليبال ية من تار يخ م صر ال ت بدأت بد ستور ‪1923‬‬
‫ح ت قيام النقلب الع سكرى سنة ‪ .52‬وكا نت هذه الفترة هى أف ضل فترة ف تار يخ م صر الد يث‬
‫وحققت مصر فيها معظم إنازاتا‪ ،‬وتقبلها ول تعترض عليها الؤسسة الدينية " الزهر " كما أن المام‬
‫حسن البنا الرشد الؤسس للخوان السلمي أثن على دستور ‪ 23‬وقال ‪ :‬إنه ل يعارض السلم‪ .‬وليس‬
‫أدل على ذلك من أ نه ف ظل هذا الد ستور أقام الخوان ال سلمي دون أى معار ضة أو مضاي قة" ـ‬
‫السلم و الصلح ج ‪ 2‬ص ‪64‬‬

‫‪73‬‬

‫كذلك الال بالن سبة للحركات ال سلمية ال ت غايت ها "تك يم الشري عة" ‪ ،‬دون أن ت عل غايت ها تر ير‬
‫الواطن و النسان من كل استغلل ‪ ،‬حت من ذلك الذي يتم تت ستار الدين أو الشعارات الوطنية ‪،‬‬
‫كما أن تركيز السلميي على النماذج التاريية الضبابية و إغراق الثقفي ف جدال بيزنطي فارغ حول‬
‫التراث و النصوص ‪ ،‬أغرق الجتمع ف أزمة تعريف العلقة بي الدين و الدولة و الواطن‪.‬‬
‫و مـن هذا الرجوع التشدد إل الاضـي النابـع أصـل مـن فلسـفة ماضويـة ‪ ،‬فإن الركات السـلمية و‬
‫تنظيماتمـ الزبيـة و الجتماع ية و القتصـادية ل تتلك مار سات ديقراطيـة حقيقيـة ‪ ،‬باسـتثناء مظاهـر‬
‫مدودة ما اصطلحوا عليه بـ"الشورى" ـ و هي عملية ليس لا أسس و آليات واضحة و ل تتعدى أن‬
‫تكون إل صورة أُخرى لجالس شيوخ عشائر و قبائل ف الزيرة العرب ية ـ و من ال ستغرب أن يتّ خذ‬
‫ال سلميون الشي عة هذا الن مط من الشورى خ صوصا و أن م عقائد يا يرفضون النظام أو هرم ية النظام‬
‫الطبق منذ ‪ 1400‬عام ‪ ،‬باستثناء فترة حكم علي بن أب طالب "المام العصوم الول حسب العقيدة‬
‫الشيعية" ‪ ،‬و ما دام المام العصوم ـ حسب النظرية الشيعية ـ غائبا و الفقهاء و الراجع غي معصومي‬
‫و عرضة للغلط ‪ ،‬فإن الول هو تطوير مفهوم "الشورى" نو الديقراطية الشاملة‪.‬‬
‫إن الركات ال سلمية تع يش حالة من الرض و المود كجزء م ا يعان ية الشرق ال سلمي من تلف و‬
‫جود ‪ ،‬و إصـلح البنيـة الفكريـة و الجتماعيـة سـيؤثر بالتأكيـد على هذه الركات ‪ ،‬كمـا أن العال‬
‫السلمي ل زال يرزح تت ني العقلية الت سادت بعد عصر الأمون ‪ ،‬هذه الثقافة الت تعتب الفلسفة و‬
‫النطق و طرح أسئلة عقائدية حول حقيقة السلم و ماهيته ضربا من الكفر و الزندقة‪.‬‬
‫الانب الخر من إصلح العال السلمي يتعلق بـ"حقوق النسان" و "حقوق الرأة" و قواني العقوبات‬
‫العمول با ف الدول العربية و السلمية ‪ ،‬و ف الملكة العربية السعودية تديدا ‪ ،‬هذه الدولة الت تُعتب‬
‫ف ذيل القائمة العالية من حيث الريات و حقوق النسان و حقوق الرأة على وجه التحديد‪.‬‬
‫يقول تقرير حقوق النسان للعام ‪ 2004‬الذي أصدره "مركز إبن خلدون للدراسات‪:‬‬
‫تعهد ول العهد السعودي المي عبد ال بن عبد العزيز بالضي قدمًا ف تديث النظام بإجراء الصلحات‬
‫اللزمة وقيادة البلد دون الدخول ف "مغامرة طائشة"ف كلمة ألقاها المي عبد ال على التلفزيون بناسبة‬
‫فعاليات اللتقى الثا ن للحوار الوط ن الذي ع قد ب كة الكر مة ف ال سبوع الخ ي من دي سمب ‪.2003‬‬
‫و قد ش جع هذا الت صريح قيام مئات الشخ صيات ال سعودية بالطال بة ف بيان و جه ال ال سرة ال سعودية‬
‫بوضع "جدول زمن" لتسريع "الصلحات" ف الملكة‪ ،‬وكان رد المي عبد ال بن عبد العزيز عليه بأن‬
‫الكومة السعودية ماضية ف طريق الصلح ولكن "بشكل تدريي"‪ .‬ص ‪132‬‬

‫‪74‬‬

‫و حقيقة فإن عبارة "بشكل تدريي" الت وضعها التقرير بي هللي ‪ ،‬تثي نوعا من الشك و الريبة ف نية‬
‫الكومة السعودية القيام بإصلحات حقيقية ‪ ،‬و هناك فعل خشية من أن يكون "الصلح التدريي" هو‬
‫فقط للستهلك العلمي ليس إل‪.‬‬
‫و هكذا فإن التقرير نفسه يقول‪:‬‬
‫و ف خطوة مناق ضة للشارات الياب ية ال ت حاولت المل كة ار سالا بدا ية العام ف قد اعتقلت ال سلطات‬
‫السعودية ف ‪ 16/3/2004‬خس شخصيات من الكادييي معتبة أن دعوتم ف عريضة الصلح الت‬
‫طالبوا في ها بتحول ال سعودية إل اللك ية الد ستورية " مس بوحدة البلد"‪.‬و قد أفرج عن اثن ي منه ما ب عد‬
‫يومي إثر تعهدهم الكف عن الطالبة جهرًا بإصلحات‪.‬وبقى الثلثة الخرون رهن الحاكمة حت ناية‬
‫العام ‪ .‬كمـا توعدت الكومـة السـعودية فـ ‪4/10/2004‬بعاقبـة أي موظـف فـ مؤسـساتا الدنيـة‬
‫والع سكرية ينا هض سياسات الدولة أو برام ها بش كل مبا شر أو غ ي مبا شر سواء كان ذلك عن طر يق‬
‫إعداد أي بيان أو مذكرة أو خطاب أو التوق يع على أي من ذلك أو الشار كة ف أي حوار عب و سائل‬
‫العلم والتصـال الداخليـة أو الارجيـة بدعوى أن هذا يعتـب "إخللا بواجـب الياد والولء للوظيفـة‬
‫العامة"‪ .‬ص ‪ 131‬و ‪. 132‬‬
‫و هو ما يو ضح أن الكو مة ال سعودية و ال ت ت سببت ب كل موجات الرهاب و الفخخات ف الشرق‬
‫الوسط و العال ‪ ،‬ل تصنـف معارضيها أبدا بي "معتدل" و "متطرف" ‪ ،‬بل تتعامل مع الميع بنطق‬
‫اليمنة و الرادة البوية الت ل تقبل أي نوع من العارضة ‪ ،‬و مشكلة النظام السعودي الذي تصفه بعض‬
‫الو ساط المريك ية ب ـ"الل يف ال بيث"!! فإن النظام ف شعاره "الرب على التطرف و التطرف ي" ل‬
‫يقصد به إل أؤلئك الذين يهددون العرش السعودي و مصال السرة الاكمة‪.‬‬
‫ففي الوقت الذي يتمتع فيه المي السعودي اللياردير "الوليد بن طلل" بكل ملذات الرية و من خلل‬
‫ثروة جناها من شعب "الزيرة العربية" ‪ ،‬يعان الواطنون السعوديون ليس من الفقر و الرمان فقط ‪ ،‬بل‬
‫من امتهان كرامتهم كبشر و مواطني ‪ ،‬و الواطنون من الشيعة الثن عشرية و الشيعة الساعيليي يعانون‬
‫يوميا حربا حقيقية من أجل البقاء‪.‬‬
‫الخوان السلمـــون "الرهابيون و الضعفــــــــاء"‬
‫تأسست حركة الخوان السلمي عام ‪ 1928‬ف مصر على يد "حسن البنا" ‪ ،‬يقول الدكتور سعد الدين‬
‫إبراه يم مد ير مؤ سسة ا بن خلدون للدرا سات ف مقد مة كتاب "التار يخ ال سري للخوان ال سلمي ‪:‬‬
‫مذكرات علي العشماوي آخر أعضاء التنظيم السري الاص‪:‬‬

‫‪75‬‬

‫"‬

‫الخوان السلمي هم أهم حركة إسلمية ـ سياسية ف القرني الخيين‪ .‬فمنذ الركة الوهابية‬

‫ال ت ظهرت ف الزيرة العرب ية ف منت صف القرن الثا من ع شر‪ ،‬على يد الداع ية التشدد م مد بن ع بد‬
‫الوهاب‪ ،‬ل تظهر حركة دينية سياسية تدانيها تنظيميا وقوة وتأثيا ًـ ل ف الزيرة العربية‪ ،‬ول خارجها‬
‫ـ إل أن ظهرت حر كة الخوان ال سلمي ف م صر‪ ،‬على يد الداع ية ح سن ع بد الرح ن الب نا‪ ،‬عام‬
‫‪ .1928‬صحيح‪ ،‬ظهرت بي الركة الوهابية وحركة الخوان السلمي حركات إسلمية أخرى ـ مثل‬
‫الهد ية ف ال سودان‪ ،‬وال سنوسية ف الغرب العر ب ـ ولكن ها ظلت م صورة النطاق جغرافيا‪ ،‬ومدودة‬
‫التأثيـ سـياسيا وزمانيا‪ .‬كذلك ظهرت حركات أخرى عديدة تمـل شعارات إسـلمية خلل القرنيـ‬
‫الخيين‪ ،‬ل يكن لا مثيل بي أيً من الركات الذكورة ف تأثيها الستمر‪.‬‬
‫الوهابيون والخوان ال سلمون ـ إذن من ه ا ال هم والك ثر تأثيا وا ستمرارا‪ .‬وك ما ضُر بت‬
‫الر كة الوهاب ية أك ثر من مرة و سقطت‪ ،‬وأفا قت ون ضت من جد يد‪ ،‬كذلك حدث لر كة الخوان‬
‫السلمي‪ .‬ول تظهر بعد‪ ،‬على حد علم هذا الكاتب‪ ،‬دراسات علمية موثقة عن العلقة بي الركتي ف‬
‫القرن العشر ين‪ .‬ول كن من الثا بت أ نه حين ما ضُر بت حر كة الخوان ال سلمي بوا سطة الرئ يس ال صري‬

‫ج ـال ع بد الناصـر فـ الم سينيات وفـ ال ستينيات‪ ،‬ف ّر عدد كبي مـن الخوان إل المل كة العرب ية‬

‫ال سعودية‪ ،‬الع قل ال صي للوهاب ية‪ ،‬ح يث أح سنت وفادت م وحايت هم‪ .‬ك ما أن عددا كبيا من هم قد‬
‫شاركوا ف بناء الدولة السعودية الثالثة‪ ،‬واستفادوا أيضا بقدر ما أفادوا أدبيا وماديا‪ ،‬ودخلوا ف شركات‬
‫متعددة ومتشعبة معا‪ ،‬ظل تأثيها قائما إل الوقت الاضر " ص ‪. 3 – 2‬‬
‫و فعل ‪ ،‬فإن هذه الركة تتلك جهورا عريضا ف أوساط الشعب الفقي ‪ ،‬لكن الشكلة الساسية تبقى‬
‫كونم متطرفي نو أحد الانبي ‪ ،‬إما أن تنكفيء نو العمل السلمي "إل حد التبعية" لحزاب السلطة ‪،‬‬
‫أو تنحو نو العنف و الرهاب و خلق تنظيمات تؤمن بالعنف و الوصول إل الدف عب استعمال القوة‪.‬‬
‫و لد الن ل تستطع هذه الركة أن تتجه إل الواجهة السلمية و مارسة الديقراطية بشكل حقيقي ‪ ،‬بل‬
‫إن ثقافة هذه الجمو عة ل تت سم بأي طا بع حواري ‪ ،‬م ا يعن حقا أنم ل يتلئمون ـ على القل لد‬
‫الن ـ مع الديقراطية و النظام التعددي العلمان ‪ ،‬و منذ نشأة هذا الزب أو الماعة ‪ ،‬تظهر أدبياته أنه‬
‫ل يردد إل خطاب "القاومة ـ مصر و الراضي الفلسطينية و العراق" و الواجهة مع الغي‪.‬‬
‫يقول علي العشماوي ف مذكراته‪:‬‬

‫‪76‬‬

‫" هل هم ـ يعن جاعة الخوان ـ مستعدون للقبول بالدستور الدن واحترام بنوده أم أن نبذ العنف‬
‫بأشكاله و صوره مرد شعارات للمرحلة الال ية‪ ،‬ث تعود المور إل ما كا نت عل يه‪ ،‬هل يدركون أن ف‬
‫مصر عددا ليس بقليل من القباط‪ ،‬أنه ينبغى طمأنتهم على أحوالم خاصة ان أحد قادة الخوان السابقي‬
‫كان قد ألعن كلما ضد القباط‪ ،‬ث اضطر أن يعتذر عنه وهو الرشد السبق مصطفى مشهور‪ ،‬كل هذه‬
‫المور ينبغـى أن تدرس بديـة وأن يتضـح الوقـف مـن كـل أمـر بوضوح‪ ،‬ولعلهـم يدركون الن أنمـ‬
‫يتحركون وحد هم بعيدا عن با قة القوى الوطن ية ال ت ابتعدت عن هم الواحدة تلو الخرى لن ال سلوب‬
‫التبع غي مقنع والوقف ل يتمل الغامرات" ص ‪. 12 – 11‬‬
‫إن هذا السؤال أو مموعة السئلة الت يطرحها العشماوي ل تقتصر على الجتمعات العربية و السلمية‬
‫ـ رغم أنه ل يوجد نظام ديقراطي عرب أو إسلمي ياستثناء العراق ما بعد ‪ 2003‬و لبنان حيث يعود‬
‫الفضل للمسيحيي ف خلق هذه الديقراطية ـ فهذا السؤال الهم ‪ :‬هل من المكن أن يُشارك إسلميون‬
‫ف التغي ي الديقرا طي و تديدا الخوان "؟ يطرح و بش كل أك ثر إلا حا من ق بل الؤ سسات و ال باء‬
‫المريكيي ‪ ،‬خصوصا و أن طيفا إسلميا كبيا طرأ ف العراق "بعد أن أطاح المريكيون بنظامه البعثي"‬
‫و انتخابات الراضي الفلسطينية حيث فازت حاس و اكتسحت الساحة السياسية‪.‬‬
‫يقول جيمي شارب الحلل السياسي بالشرق الوسط قسم الشئون الارجية والدفاع والتجارة ف بثه "‬
‫سياسية الوليات التحدة المريكية لتعزيز الديقراطية ف الشرق الوسط‬
‫العضلة السلمية" ـ و هو بث قدمه إل الكونغرس المريكي ف ‪ 15‬يونيو ‪:2005‬‬
‫" وردا على هذه العضلة ‪ :‬ت سائل ب عض الباحث ي هل سوف تقوم الوليات التحدة المريك ية بال د من‬
‫ضغوطها على الكومات العربية حت تفتح مال لنظمتها السياسية واحترام حقوق النسان مع العلم بأن‬
‫م ثل هذه الطوات‪ -‬ف حال ناح ها‪ -‬قد ت صبح ذا فائدة كبية للجماعات ال سلمية‪ .‬إن تقد ي قوة‬
‫سياسية شعب ية ومبو بة ف العال العر ب اليوم‪ ,‬إن العد يد من الماعات والؤ سسات ال سلمية ال سياسية‬
‫تع تب على ال قل ف م ستوى الطاب معار ضة بش كل كبي كا فة مظا هر ال سياسة الارج ية للوليات‬
‫التحدة المريكية ف الشرق الوسط وعلى سبيل الثال دعمها لسرائيل واحتلل العراق وحشد الوجود‬
‫العسكري ف الليج العرب‪ .‬والق أن النتخابات الت تت بتأييد الوليات التحدة المريكية ف كل من‬
‫العراق وم صر وال سلطة الفل سطينية قد عملت على تقوية الو ضع ال سياسي للمؤ سسات ال سلمية ب ا ف‬
‫ذلك ما يتعلق بركة حاس وهي الماعة السلحة الت رفضت نبذ السلح‪ ".‬ص ‪2 – 1‬‬

‫‪77‬‬

‫إن النقطة الخرى الت ينبغي على الباحث المريكي جيمي شارب اللتفات إليها ها هنا ‪ ،‬هو أن أكثر ‪،‬‬
‫هذا إن ل نقل جيع ‪ ،‬الركات السلمية و تنظيماتم ل يقتصر عداءها على الوليات التحدة ‪ ،‬بل هم‬
‫يعيشون حالة من كراه ية "الدا ثة" و يكرهون الن مط الديقرا طي ف ال كم ‪ ،‬و ل كن هذا العداء يظ هر‬
‫جليا تاه أمريكا كونا أبرز و أقوى مدافع عن النمط الديث ف الديقراطية‪.‬‬
‫هذا التردد من ق بل الجت مع الدول حول إشراك ال سلميي ف النظام التعددي الديقرا طي ‪ ،‬الذي يُراد‬
‫خلقه ف الشرق الوسط و شال أفريقيا ‪ ،‬ف جزء منه يعود إل السلطات ف البلدان العربية و السلمية ‪،‬‬
‫هذه النظمة تستخدم ماوف الغرب من تكرار التجربة اليرانية الشؤومة و تنع حصول أي تطور على‬
‫أرض الواقع بفضل هذه الشكالية ‪ ،‬لكن أيضا تبقى ثقافة "الرب" و لغة النتقام و الؤامرة و العارك ‪،‬‬
‫كجزء أ ساس من ثقا فة ال سلميي ـ ح ت اؤلئك النشق ي عن هم ـ و ال ت عززت بدور ها ماوف‬
‫الغربيي من التغيي مع رغبتهم فيه‪.‬‬
‫مع ملح ظة أن هذه الركات تتفاوت ف التعا مل مع هذه القِيَم ككُل و ت صنيفها إل مقبول و غ ي‬
‫مقبول ‪ ،‬فمثل يوا فق أغلب أو كُل الركات ال سلمية "الشيع ية" النتخابات كو سيلة لدارة ال كم ‪،‬‬
‫بين ما هناك قطاع إ سلمي "الوهاب ية ال سلفية" و ممو عة من "علماء الز هر" يع تبون النتخاب "كفرا‬
‫م ضا" و الديقراط ية على أن ا "بد عة م سيحية" ‪ ،‬و هذه الركات لي ست با جة إل تبيرات لعدائ ها‬
‫للغرب و مظا هر الدا ثة ‪ ،‬فالتار يخ مل يء بال تبيرات للد فع باتاه "الع نف" أو "الواج هة ال سلحة" مع‬
‫الخر‪.‬‬
‫و الخوان السلمون كونم امتدادا للحركة الوهابية "رغم تظهرها ف البداية بظهر الصوفية" فهي قابلة‬
‫أن تكون جزءا من حركات الع نف ‪ ،‬و ح ت اؤلئك النشق ـون عن هم يتعاطفون مع هم ‪ ،‬هم متأثرون‬
‫بالنهج الوهاب و ابن تيمية ‪ ،‬يقول علي العشماوي ف مذكراته ص ‪: 21‬‬
‫"‪ ،‬ولكنها ل توجب تكفي الجتمع‪ ،‬ول تكفي الاكم أو الروج عليه‪ ،‬والصب على الاكم الائر أول‬
‫من الروج عليه‪ ،‬المر بالعروف والنهى عن النكر من واجبات الاكم حسب نص فتوى ابن تيمية‪،‬‬
‫والذى بلبل الفرق السلمية الديثة والت تنجو منحى الوارج ف فقه ابن تيمية" ا ه ‪.‬‬
‫و اللحظ أن الخوان رغم كل ما تعرضوا له من تضييق و منع و إيذاء ‪ ،‬إل أن ثقافتهم و الت تتمحور‬
‫حول "العنصرية السلمية" أو كما يصفها الرئيس المريكي جورج بوش بـ"الفاشية السلمية" ‪ ،‬هذه‬
‫الثقافة نفسها هي الت تُبقي على النظمة الدكتاتورية و تنع الجتمع من التغيي ‪ ،‬فهذه الركات و من‬
‫ضمنهـا الخوان ‪ ،‬ل تتعامـل مـع الديـن كوسـيلة ثقافيـة للتغييـ نوـ متمـع ينعـم بالتسـامح و العدل و‬
‫الساواة ‪ ،‬بل تتعامل مع الدين كغاية و طقوس الدين تكون هي الدف ‪ ،‬فأي متمع "يرجم الزانية" و‬

‫‪78‬‬

‫"يقطع يد السارق" و "يفرض الجاب" ‪ ،‬هو متمع سعيد أو مثال ‪ ،‬حت لو كان هذا الجتمع يعيش‬
‫كارثـة حقيقيـة ‪ ،‬كتطـبيق الدود و القوانيـ على الطبقـة السـحوقة فقـط ‪ ،‬و كمـا قلنـا ‪ ،‬فالخوان‬
‫يتأرجحون بي "الستسلم البان للحاكم أو الدكتاتور" أو اليار الخر "العنف و التفخيخ و الذبح ف‬
‫سبيل التغيي"‪.‬‬
‫يقول علي العشماوي ف مذكّراته ص ‪: 22‬‬
‫" وينبغى أن نذكر هنا أن أتباع الشيخ ـ يعن ابن تيمية النبلي الكردي ـ ل يقوموا بعقاب أحد يفعل‬
‫العصية‪ ،‬ولكنهم كانوا يقبضون عليه ويسلمونه للشرطة أو للقاضى‪ ،‬وهو الذى يقيم يق له عقاب أهل‬
‫النايات وق هر الناس على إلزام الادة‪ ،‬إتباع ح كم الشري عة وأن ال أو جب ال مر بالعروف والن هى عن‬
‫النكر‪ ،‬ول يتم ذلك إل بقوة وإمارة‪ ،‬وكذلك سائر ما أوجبه ال من الهاد والعدل‪ ،‬وإقامة الج والمع‬
‫والعياد ونصـر الظلوم وإقامـة الدود‪ ،‬ل تتـم إل بالقوة والمارة‪ ،‬لذا روى "أن السـلطان ظـل ال فـ‬
‫أرض" ويقال "ستون سنة من إمام جائر أصلح من ليلة واحدة بل سلطان" وهذا كان السلف كالفضيل‬
‫بن عياض وأحد بن حنبل وغيها يقولون ‪" :‬لو كانت لنا دعوة مابة لدعونا با للسلطان "وهو يعن‬
‫السلطان برأ كان أو فاجرا"‪.‬‬
‫اللحظ ف هذه العبارات أنا تعكس ثقافة أو "عقلية" مريضة بق ‪ ،‬و من الطبيعي أن هذه العقلية حينما‬
‫تصل إل أعلى هرم السلطة فإنا تتحول إل "الاكم الواجب طاعته" و أي مالفة له تعن الصطدام مع‬
‫"ظلّ ال ف الرض" ‪ ،‬بالتال ل أجد نفسي متفائل ف أن يكون لؤلء الخوان دور إياب ف التغيي‬
‫القادم ‪ ،‬إن كان هناك تغيي أصل‪.‬‬
‫يقول العشماوي أيضا ف مذكّراته ص ‪: 22‬‬
‫" وكذلك قرر ابن تيمية أن الصب على طاعة الائر أول من الروج عليه‪ ،‬لا ف ذلك من منع للفتنة الت‬
‫تنتج من الروج عليه‪ ،‬وتلك للبرياء وكل المرين مكروه‪ ،‬ولكن أقوى الكروهي ـ أى الفتنة والقتل‬
‫ـ أول بالترك‪ ،‬وقد كان الشيخ حريصا على علقات جيدة مع أول المر مع عدم التفريط ف جانب‬
‫ال أو حقوق الناس‪ ،‬وقد أفادته كثيا من تلك العلقات الطيبة مع أول المر ف إسداء النصح لم فهذا‬
‫أمر شرعي"‪.‬‬
‫من هنا ند أن من ال صّعب ـ هذا إن ل يكن من الستحيل ـ أن ينضم عقل بذه الضحالة و التبعية ف‬
‫النطـق و التفكيـ إل الجتمـع الدنـ الديقراطـي ‪ ،‬و كأنـه ل يوجـد خيار ثالث ‪ ،‬فإمـا الطاعـة العمياء‬
‫للحاكم أو تكفي الاكم و الجتمع على حدّ سواء‪.‬‬

‫‪79‬‬

‫و ل أعرف حقيقـة لاذا ل يتجـه هؤلء إل خيار ثالث (و هذا اليار يتناقـض بالتأكيـد مـع الفاشيـة‬
‫ال سلمية) و هو أن الد ين شأن شخ صي للحا كم و أن إ سلم الا كم أو من هو على رأس ال سلطة ل‬
‫يزيـد أو ينقـص فـ "عدالتـه" و أهليتـه لدارة الكـم ‪ ،‬و يكفـي دليل على ذلك أن النـب ممـد مدح‬
‫"النجاشي" ملك البشة و قال عنه‪ :‬إنه ملك ل يُظلم عنده أحد ‪ !!"..‬و هي عبارة قطعية على أن الدين‬
‫هو "أمر شخصي"‪.‬‬
‫إن حركة الخوان كانت أقرب إل العمل السلمي ف بدايات إنشاءها بسبب تأثيات الزهر آنذاك ـ‬
‫ح ي كان نوع من الت صوف يهيمن على هذه الام عة العري قة ـ ل كن برور الزمن و عب تغل غل الف كر‬
‫الوهاب ف منظومة التنظيم و إل الزهر نفسه ‪ ،‬توجه الخوان نو العنف و هي إحدى أعراض الصابة‬
‫بالفيوس الوها ب ـ و ل زالت المل كة ال سعودية الوهاب ية تفت خر ب صورة ال سيف على علم ها ـ م ا‬
‫أبعد ها شيئا فشيئا عن المار سة الواقع ية لل سياسية و جعل ها ذات تبع ية غ ي وطن ية ‪ ،‬بع ن أن ا أ صبحت‬
‫حركة تابعة لدولة إقليمية لا مصالها الختلفة و التناقضة أحيانا أخرى مع مصلحة مصر كدولة‪.‬‬
‫إن الخوان ال سلمي ـ حاله حال أغلب التنظيمات ال سياسية ال سلمية و ال سنّي من ها خ صوصا ـ ل‬
‫تستطيع العيش ف ظل القواني العلمانية و الدنية ‪ ،‬يقول الدكتور طلعت رضوان و هو أحد الشاركي ف‬
‫منتدى "السلم و الصلح" الصدر السابق ج ‪ 2‬ص ‪76‬‬
‫" أما أ‪ .‬ممد حبيب نائب الرشد الال ـ يعن الخوان ـ فقال "نن جاعة الخوان السلمون نرفض‬
‫أي د ستور يقوم على القواني الدن ية العلمان ية ‪ ،‬وعل يه فإ نه ل ي كن للقباط (يقصد ال سيحيي لن كل‬
‫الصريي أقباط) أن يُشكلوا كيانا سياسيا ف هذه البلد‪ .‬وحي تتسلم الماعة مقاليد السلطة والكم ف‬
‫م صر فإن ا سوف تُبدل الد ستور الال بد ستور إ سلمي يرم بوج به كا فة غ ي ال سلمي من تقلد أي‬
‫مناصب عليا ف الدولة أو ف القوات السلحة‪ ،‬وأنه من الضروري أن نوضح أن هذه القوق إنا ستكون‬

‫قاصرة على السلمي وحدهم دون سواهم" وما ذكره أ‪ .‬ممد حبيب هو ترديد والتزام با ورد ف كتيب‬

‫باسم (نوذج الدستور السلمي)‪ ،‬صدر ف لندن عام ‪ 1984‬نص فيه على أن "مواطنة الدولة حق لكل‬
‫م سلم ف قط" بل إن الش طط ال صول و صل إل در جة أن يعلن أ‪ .‬م مد مهدي عا كف مر شد الخوان‬
‫الال أن "الكم العثمان لصر ل يكن احتللً‪ ،‬ولو أن خليفة من ماليزيا حكم مصر ل يكون متلً"‪.‬‬
‫من ه نا فإن من حق الم يع أن يُش كك ف م صداقية ال سلميي ـ الخوان تديدا ـ تاه المار سة‬
‫الديقراطية و العيش مع مفهوم الواطنة بالصطلح الديث ‪ ،‬و أن الساواة الت يدثنا السلميون عنها ‪،‬‬
‫ل تعدوا أن تكون مساواة شكلية و غي حقيقية ‪ ،‬كما أن تعريفهم و مصطلحهم السياسي ضباب على‬
‫الغلب‪.‬‬

‫‪80‬‬

‫إن الخوان ف الوا قع يزجون ب ي نقيض ي ‪ ،‬فتارة يتقربون من الدا ثة و إن كان بذر ‪ ،‬و تارة أُخرى‬
‫يلقون ف فضاء التنظي الثال لدولة "اللفة" الزعومة ‪ ،‬ما يعن تنظيا شبيها لطروحة طالبان و تنظيم‬
‫القاعدة ‪ ،‬و هذا الزج هو أمر غي مقبول ف العرف السياسي و هو أشبه بقبول الحتكام إل القانون و‬
‫رف ضه ف آن وا حد ‪ ،‬ك ما أن تعا طف الر كة مع النظ مة ال ستبدادية "تعاطفوا مع صدام ح سي و‬
‫اعتبوه رمزا لا يُسمى بالقاومة كما هو واضح ما هو منشور على موقع الخوان ف مصر على النترنت‬
‫‪ " www.ikhwanonline.org‬يعلنا نشكّك مع الشككي ف نواياهم القيقية‪.‬‬
‫و لكـن هذا ل يعنـ أيضـا أن التغييـ غيـ مكـن ‪ ،‬بالتال فإن الوليات التحدة و معهـا البيطانيون و‬
‫الوربيون ياولون د فع الخوان ن و هذا التغي ي عن طر يق الوار مع هم و مع حزب ال اللبنا ن ‪ ،‬ل كن‬
‫مو قع الخوان على الشب كة العال ية ين في و بش كل متكرر أ نه أقام أي حوار مع الوليات التحدة أو أي‬
‫جهة حكومية غربية ‪ ،‬بالقابل يُصرّ "علي العشماوي" ف مذكراته على أن الخوان هم "عملء أمريكا و‬
‫الغرب" ‪ ،‬و هي ماولة واضحة لكسب رأي الطبقة الشعبية للخوان الّت تؤمن بنظرية "الؤامرة" ‪ ،‬يقول‬
‫العشماوي‪:‬‬
‫"ولقد ورد على لسان أحد منصور ف مقال السبوع الاضى الب الت (نح اليستر كروك ف عقد لقاء‬
‫غي مسبوق ف بيوت يومى ‪ 22 ،21‬مارس الاضى بي شخصيات أمريكية مقربة من دوائر صنع القرار‬
‫ف الوليات التحدة‪ ،‬وقادة أو مثلي لبعض الركات السلمية ف النطقة‪ ،‬وكان من أبرز الشخصيات‬
‫مـن الانـب المريكـى مليـك بين مديـر عمليات وكالة السـتخبارات الركزيـة المريكيـة السـابق فـ‬
‫أفغان ستان‪ ،‬وجراهام فولر هو مسئول سابق عن مر كز درا سات الشرق الو سط ف الـ (سى أي أيه)‬
‫والفر يد وهوف م ساعد وز ير الارج ية المري كي ال سبق ومد ير هيئة ميت شل ال ت قادت الفاوضات ف‬
‫أيرلندا‪ ،‬وجورج كرايل النتج التنفيذي لبنامج "ستون دقيقة" أشهر برنامج للتحقيق الوثائقي التليفزيون‬
‫ف الوليات التحدة‪ ،‬وبوب مولر رئيس جعية الحاربي القدامى ف فيتنام وأحد الشخصيات البارزة ف‬
‫الزب الديقراطى المريكى وهو صديق مقرب من مرشح الرياسة السابق جون كيى والسيدة هيلري‬
‫كلينتون‪ ،‬أما عن الانب البيطان بلف كروك فقد حضر سفي بريطانيا السابق عن سوريا والدكتورة‬
‫بيفرل مليتون إدوارز الحاضرة بام عة كوي ن ف بيلفا ست بأيرلندا‪ ،‬وح ضر مندوبون من مط ت الزيرة‬
‫الفضائية والب ب سى مثلة الركات السلمية‪ ،‬فقد حضر مثلون لربعة تنظيمات إسلمية هى حزب‬
‫ال اللبنان ومثله نواف الوسوى السئول السياسى ف الزب‪ ،‬ومن الماعات السلمية ف لبنان ومثلها‬
‫إبراه يم ال صرى وأح د هرموش‪ ،‬وحر كة القاو مة ال سلمية "حاس" ومثل ها مو سى أ بو حدان وترددت‬
‫حركة الخوان ف مصر عن الضور ولكن حضر مندوب الماعة السلمية ف لبنان الذى يعتب امتدادا‬

‫‪81‬‬

‫طبيعيا للخوان‪ ،‬وقبل ها عبدالغفار عز يز وم مد إبراه يم خالد وعا طف لقمان قا ضى" – التار يخ ال سري‬
‫للخوان ص ‪ 28‬ـ ‪29‬‬
‫إنن ها هنا لست ف موقع الدافع عن الخوان ‪ ،‬فعدم عمالتهم للغرب ليس تنيها لذا التيار التطرف و‬
‫بالتال فأنا ل أنظر إليه على أنه تيار وطن ‪ ،‬الخوان السلمون كانوا دوما سببا ف استمرار الدكتاتورية و‬
‫تميد الجتمع و نشر ثقافة الرهاب ‪ ،‬بل على العكس ‪ ،‬أعتقد أن الخوان يدمون النظمة الدكتاتورية‬
‫ف العال العرب و السلمي من خلل وقوفهم بوجه التحديث ‪ ،‬و العشماوي نفسه ف مذكراته يظهر‬
‫هذا المر بالقول‪:‬‬
‫" الجوم على مركز التجارة العالى بنيويورك ومعه مبن البنتاجون بواشنطن ث الجوم الكبي الذى حدث‬
‫ف مدريد‪ ،‬وانتهى المر بتفج ي قطارات لندن‪ ،‬ويعلم ال هل هذا ستكون النهاية‪ ،‬أم أن هناك عمليات‬
‫أخرى فـ الغيـب؟ عمليا جعلت مـن السـلمي والسـلم أمرا ميفا مرعبا للناس فـ جيـع أناء العال‪،‬‬
‫ووض عت ال سلمي ف مو ضع الدفاع والترا جع ال ستمر‪ ،‬خ سارة كل يوم‪ ،‬وهجوم على ال سلمي يوميا‬
‫حت صار السلمون إرهابيي وقتلة وسفاكى دماء‪ ،‬هذه صورة السلمي الن‪ ،‬حت الجوم على السلم‬
‫مو ضة شائ عة ف الغرب‪ .‬قد أعل نت باك ستان أن ا سوف ترا قب الدارس ال سلمية‪ ،‬و سوف تغلق أ ية‬
‫مدرسة تدرس الهاد‪ ،‬أين الخوان من كل ذلك‪ ،‬فلم أسع منهم أى دفاع عن السلم أو تبير وشرح‬
‫للجهاد الذى هو أحد الركان الساسية ف سياسة الخوان العلنة‪ ،‬والقيقة أن الدفاع الذى أرقأه منهم‬
‫كل يوم أن سياسة أمريكا وبريطانيا هى الت تدفع الناس إل هذه الفعال قول مردود‪ ،‬فل ينبغى أن يكون‬
‫هذا هو استعمال الدين‪ ،‬فإن السكوت على الطأ أورث المة السلمية الكثي من التراجع والنسار"‬
‫الصدر السابق ص ‪.31‬‬
‫فلو كان الخوان عملء للغرب كمـا يزعـم البعـض و العشماوي أحدهـم ‪ ،‬فلماذا يقوم الخوان‬
‫بالتـبير و الدفاع عـن الرهابييـ و النتحارييـ و إطلق صـفة "القاومـة" على هذه الرائم ؟! لكـي‬
‫نستطيع أن نلل أي ظاهرة أو منهج سياسي يتوجب علينا أن نللها بدون نظريات خيالية أو غي واقعية‬
‫و من ضمنها "نظرية الؤامرة" الت كانت و ل زال السبب ف هيمنة أنظمة دكتاتورية مستبدة‪.‬‬
‫فأين كانت هذه المة يا ترى؟! هل كانت نائمة ف قمقم "علء الدين" و تظن هذه المة أنا ل‬
‫تزال ف العصر العباسي ؟! إن السألة ليست كما يفسرها السلميون بقدر ما يتعلق حقيقة بالصراع بي‬
‫أُ مة إ سلمية تقف مع الرجع ية و التخلف و الناط القدي ة للح كم أو النضمام إل الع سكر الديقرا طي‬
‫ال ر ‪ ،‬لكن ن أعت قد أي ضا أن بقاء النظ مة الدكتاتور ية هو أ حد أ هم أ سباب تر سّخ نظريات الؤامرة‬
‫الارجية‪.‬‬

‫‪82‬‬

‫يقول علي العشماوي ف مذكراته ص ‪: 41‬‬
‫" وف النهاية ف مرحلتنا هذه فإن تلك الديقراطية الت يتكلمون عنها الن هى وافدة من أمريكا‪ ،‬بل‬
‫أن يكون لم فيها مأرب كثية ومنافع شت وإل ما حاولوا فرضها على العال‪ ،‬لقد وصل بنا الشك ف‬
‫كل ما يأتى من هناك إل هذا الدى لن التجربة مريرة فيما ياولون فرضه على الدول النامية منذ زمن‬
‫بعيد‪ .‬والقيقة هنا ف كل الحوال نسي خلفا يطلب منا مفقودى الرادة‪ ،‬مسلوب الفكر والعزم‪ ،‬حت‬
‫ولو أدى بنا هذا إل الوقوع ف الهالك‪ ،‬نم يططون ونن ننفذ‪ ،‬والغريب أن البعض يتصور أنه يناقش‬
‫ويضغط وأنه يغي ما هو موضوع ‪ ..‬ولكن القيقة أنا لعبة ونن أدواتا ولسنا لعبي أصليي فيها‪ ،‬بل‬
‫ول نلك أدوات الدخول ف اللعب كلعبي‪ ،‬هل أدرك الخوان ذلك حي ينتقلون من مطب ويقعون ف‬
‫حفرة أعمق وهكذا‪ ،‬فالسية ليس فيها منهاج إسلمى ولكن كلها أفكار مستوردة ونن نتعامل معها‬
‫بنفس السلوب الذى نيده ‪ ..‬وهكذا فقد فقدنا الرؤية وضلنا الطريق حيث الوسيلة غي إسلمية وسوف‬
‫تؤدى إل نتائج غيـ إسـلمية فالناهـج السـلمية لبـد أن يؤدى بالضرورة إل نتائج إسـلمية والعكـس‬
‫صحيح"‪.‬‬
‫إن العشماوي و إن كتـب ضـد الخوان فهـو إبـن البيئة الخوانيـة القائمـة على فكرة الصـراع و‬
‫الكراهية و التشكيك باستمرار بالخر و نيته ‪ ،‬و هو يشبه إل ح ّد ما عقلية و منطق "صبحي الطفيلي ـ‬
‫المي العام السابق لزب ال اللبنان" ‪ ،‬فكلها اتذ موقف العارضة بجة أن "الخوان" و "حزب ال"‬
‫ل يدخل ف مواجهة حقيقية مع إسرائيل و الغرب ‪ ،‬و هذه حقا ظاهرة خطية أن يدث انشقاق داخل‬
‫هذه التيارات ‪ ،‬ليس من أجل الصلح و التغيي ‪ ،‬بل من أجل اتاذ الزيد من مواقف التطرف و سبل‬
‫الع نف و الرهاب ‪ ،‬بل إن هؤلء ر يعرفون ح ت أب سط أ ساليب "الواج هة ال سلمية" مع النظ مة و مع‬
‫الغرب‪.‬‬
‫ل قد كان " سيد ق طب" هو الطوة الواض حة الول ف الع صر الد يث باتاه د فع ال سلميي ن و‬
‫"التطرف" و "الرهاب" و ق مع ال خر ‪ ،‬بالتال كان ضح ية الق مع " سيد ق طب" هو صانع الق مع و‬
‫العنف ‪ ،‬و هو أيضا الب الروحي لرهابيي القاعدة و يقوم فكره العنفي على نقطتي أساسيتي‪:‬‬
‫" أو ًل ‪ :‬إن الاكيمة ل‪ ،‬وهو بذا يلغى أى ولء آخر لكام الرض‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬إن الشعوب السلمية الالية تعيش ف جاهلية ينبغى دعوتم مرة أخرى ليجدوا إسلمهم ويتبعوا‬
‫الخوان ال سلمي‪ ،‬و من ه نا جاء ا ستحلل أرواح الناس وأموال م" التار يخ ال سري لللخوان ص‬
‫‪45‬‬

‫‪83‬‬

‫من ه نا ن د أن الخوان و ف صراعهم الفكري مع الوا قع و الح يط البيئي انتهوا إل الفلس فكان أن‬
‫اتموا الخر بالفلس ‪ ،‬يقول سيد قطب ف كتابه معال ف الطريق‪:‬‬
‫"‬

‫ت قف البشر ية اليوم على حا فة الاو ية ‪ ..‬ل ب سبب التهد يد بالفناء العلق على رأ سها ‪ ..‬فهذا‬

‫َعرَ ضٌ للمرض وليس هو الرض ‪ ..‬ولكن سبب إفلسها ف عال " القيم " الت يكن أن تنمو الياة‬
‫الن سانية ف ظلل ا نوًا سليمًا وتتر قى ترقيًا صحيحًا ‪ .‬وهذا وا ضح كل الوضوح ف العال الغر ب ‪،‬‬
‫الذي ل يعد لد يه ما يعط يه للبشر ية من " الق يم " ‪ ،‬بل الذي ل يعد لديه ما يُق نع ضميه با ستحقاقه‬
‫للوجود ‪ ،‬بعدما انتهت الديقراطية فيه إل ما يشبه الفلس ‪ ،‬حيث بدأت تستعي‪ -‬ببطء ‪ -‬وتقتبس‬
‫من أنظمة العسكر الشرقي وباصة ف النظمة القتصادية ! تت إسم الشتراكية !" ص ‪1‬‬
‫إن هذا النطق التكلم بضمي "النا" الحتكر لكل معايي الذات الكاملة و الهيمنة و الت تتكر اسم ال و‬
‫الق و القيقة ‪ ،‬من الطبيعي أن تنتج لنا فكرا يريد "هداية العال" عب النتحار و التفخيخ ! و ذلك ليس‬
‫بغريب أن يصدر عن مفكّر "هذا إن جاز أن نسمّيه بالفكّر" هو وليد الذهب السن الذي عرف عنه أنه‬
‫قام على أكتاف ال سلطان "الطاغ ية" و إرهاب الوارج ‪ ،‬ك ما أن ف كر سيد ق طب هو نتاج نظريات ل‬
‫عل قة ل ا بالوا قع أو لن قل أن فكره "مثال" أقرب إل اليال و هو ل ي ثل حل إل لنو نه الشخ صي و‬
‫نفسه الريضة‪.‬‬
‫ف من ج هة نرى أ نه يقول عن التاد ال سوفيت أ نه قد ف شل ‪ ،‬و هذا ما ل نتلف م عه بشأ نه ‪ ،‬و لك نه‬
‫يتحدث عن الغرب بالقول أنه ل يعد يصلُح لقيادة العال ‪ ،‬و تبيره ها هنا يثي الستغراب حقا إذ يقول‪:‬‬
‫" إن قيادة الرجـل الغربـ للبشريـة قـد أوشكـت على الزوال ‪ ..‬ل لن الضارة الغربيـة قـد‬
‫أفلست ماديًا أو ضعفت من ناحية القوة القتصادية والعسكرية ‪ ..‬ولكن لن النظام الغرب قد انتهى‬
‫دوره لنه ل يعد يلك رصيداً من " القيم " يسمح له بالقيادة ‪.‬‬
‫لبد من قيادة تلك إبقاء وتنمية الضارة الادية الت وصلت إليها البشرية ‪ ،‬عن طريق العبقرية‬
‫الوروبية ف البداع الادي ‪ ،‬وتزود البشرية بقيم جديدة جدّة كاملة ‪ -‬بالقياس إل ما عرفته البشرية‬
‫– وبنهج أصيل وإياب وواقعي ف الوقت ذاته"‪ .‬معال على الطريق ص ‪.2‬‬

‫‪84‬‬

‫إن هذا الكلم يُنا قض نف سه بنف سه ‪ ،‬ف ـ" سيد ق طب" كش خص يك في وحده كي ي كم على‬
‫"الغرب" بالفشل ‪ ،‬و هو كما ترى منطق يناقض و ينهش ف نفسه ‪ ،‬إن أي فكرة لكي تطرح نفسها‬
‫كبديـل عـن فكرة أُخرى ‪ ،‬عليهـا أن تلك رصـيدا واقعيـا مـن حريات و كرامـة إنسـانية و إنازات ‪،‬‬
‫فالــ"البديـل السـلمي" الزعوم ليـس لديـه أي إناز ملموس على أرض الواقـع ‪ ،‬كمـا أن "العال‬
‫السلمي"! هو من أفقر و أسوأ الدول سجل ف كافة مناحي الياة ‪ ،‬كما أن زعمه بأن الغرب ل يعد‬
‫يلك "القيم" غريب جدا ‪ ،‬فأكب قيمة يلكها الغرب و منذ القرون الثلث الخية هي "الرية" و "كرامة‬
‫النسـان" ‪ ،‬و أثبـت الغربيّون ‪ ،‬و ل زالوا ‪ ،‬أنمـ حققوا مـا كان يومـا مـن اليام يُعتـب حلمـا أو قصـة‬
‫خراف ية ‪ ،‬ف من الت صالت ‪ ،‬النتر نت ‪ ،‬التلفزيون ‪ ،‬ال سيارات ‪ ،‬الركبات الفضائ ية ‪ ،‬إختراعات ال طب‬
‫الديث ‪ ،‬إختصار الزمن و انتهاءا بالتسامح الدين و نظم الكم الديثة ‪ ،‬كلها "ِقيَم" ل أعتقد أن فائدتا‬
‫ستنفذ ما دام النسان على هذه الرض ‪ ،‬بل ما دام موجودا ‪ ،‬ترى ما "القِيَم العظيمة"! الت يدثنا عنها‬
‫سيد قطب ؟! أعتقد أنا الدينة الفاضلة الت كتب عنها أفلطون و الفاراب ؟! و هو حلم يراود الميع‪.‬‬
‫يقول سيد قطب‪:‬‬
‫" ول قد جاء دور " ال سلم " ودور " ال مة " ف أ شد ال ساعات حرجاً وحية واضطرابًا ‪..‬‬
‫جاء دور السلم الذي ل يتنكّر للبداع الادي ف الرض ‪ ،‬لنه يعدّه من وظيفة النسان الول منذ‬
‫أن عهـد ال إليـه باللفـة فـ الرض ‪ ،‬ويعتـبه ‪ -‬تتـ شروط خاصـة ‪ -‬عبادة ل ‪ ،‬وتقيقًا لغايـة‬
‫الوجود النسان" معال ص ‪.3‬‬
‫هذه "الشروط الاصة" لا تفصيل و يتاج سيد قطب إل أن يؤلف ملدات كاملة عنها ‪ ،‬فأول ما‬
‫سيطبّق من هذه الشروط هو "منوع التّب سّم" ‪" ،‬ال سعادة منو عة" ‪" ،‬تك سي قنا ن ال مر و م صانعها" ‪،‬‬
‫"كسر آلت الطرب و الوسيقى" ‪" ،‬إتلف جيع اللوحات العالية لنا كفر بال و منافسة له على اللق"‬
‫‪" ،‬إسقاط جيع القمار الصناعية لكي ل تبث اللعة و الجون" ‪" ،‬قتل كل من يتحدث ضد النبياء و‬

‫‪85‬‬

‫ال صحابة ح ت أؤلئك النذال من هم" ‪ ،‬و أخيا يُخيّر الغربيون ب ي "ال سلم" أو "الز ية ـ الضري بة" أو‬
‫"نب و سلب و إبادة"‪.‬‬
‫هذه هي ِقيَم الشيخ سيد قطب ‪ ،‬و هي قيم ل تسد إل عقلية القرون الوسطى و الظلمة و تسيد‬
‫للعقل الوهاب ‪ ،‬و كان على الغربيي منذ عقود أن يتوقعوا من "السعودية ـ الداعم الول للوهابية" أن‬
‫تتسبب ف موجات إرهابية تطال العال كله ‪ ،‬لكنن أعتقد أن الغرب أيضا كان غافل أو يتغافل عن الد‬
‫الوهاب لصال جيو سياسية ف النطقة و كان لبيطانيا حينها دور سلب ف ظهور الوهابية و ف هيمنة آل‬
‫سعود على شبه الزيرة العربية و انتشار مذ هب الذّبح ‪ ،‬و سيّد ق طب يع طي لنفسه ـ و لن هُم على‬
‫شاكلته ـ الشرعيّة اللزمة عب الستشهاد ببعض اليات القرآنيّة ‪ ،‬و الّت يكن لي طرف أن يستشهد‬
‫با و كأنا نزلت فيه ‪ ،‬و طبعا فإن النّص الدّين القابل للتأويل من ال سّهل أن يُستخدم لقناع البعض ‪،‬‬
‫خصوصا من ذوي الثّقافة البسيطة أو من الطبقة الاهلة ‪ ،‬فهذه الطبقة أو العيّنة من النّاس ل تطرح الكثي‬
‫من ال سئلة ‪ ،‬و لذا ال سبب ن د أن القتنع ي بنظر ية "الوهّابيّة القُطب ية" ينتشرون ب ي الشعوب الاهلة‬
‫السحوقة ‪ ،‬أفغانستان ‪ ،‬ال صّومال ‪ ،‬اليمن ‪ ،‬شال باكستان ‪ ،‬غرب الند ‪ ،‬مناطق الصحارى السعوديّة ‪،‬‬
‫صعيد مصر ‪ ،‬و مناطق غرب العراق حيث البدو الرّحّل‪.‬‬
‫يقول سيد قطب‪:‬‬
‫" ولكـن السـلم ل يلك أن يؤدي دوره إل أن يتمثـل فـ متمـع ‪ ،‬أي أن يتمثـل فـ أمـة ‪..‬‬
‫فالبشرية ل تستمع ‪ -‬وباصة ف هذا الزمان ‪ -‬إل عقيدة مردة ‪ ،‬ل ترى مصداقها الواقعي ف حياة‬
‫مشهودة ‪ ..‬و " وجود " ال مة ال سلمة يع تب قد انق طع م نذ قرون كثية ‪ ..‬فال مة ال سلمة لي ست "‬
‫أرضًا " كـان يعـيش فيها السـلم ‪ .‬وليست " قومًا " كان أجدادهم ف عصر من عصور التاريخ‬
‫يعيشون بالنظام السـلمي ‪ ..‬إناـ " المـة السـلمة " جاعـة مـن البشـر تنبثـق حياتمـ وتصـوراتم‬
‫وأوضاعهـم وأنظمتهـم وقيمهـم وموازينهـم كلهـا مـن النهـج السـلمي ‪ ...‬وهذه المـة ‪ -‬بذه‬

‫‪86‬‬

‫الواصفات ! قد انقطع وجودها منذ انقطاع الكم بشريعة ال من فوق ظهر الرض جيعًا" معال ص‬
‫‪.4 – 3‬‬
‫إنّه يطرح كمقدمة للحرب الشّاملة الت سيشنّها "خلفاء ال على الرض" ضد "البشريّة الضّالة" ‪،‬‬
‫أن هناك واجـب فـ خلق "أُمّة"! تكون مثال للشعوب الخرى ‪ ،‬بعنـ أن نعـل شعـب "أفغانسـتان" ‪،‬‬
‫مثل ‪ ،‬أفضل من النروجيي أو الدناركيي! و يبدو أن الطوة الول لعل أفغانستان أجل من النروج هو‬
‫"تطبيق الشريعة"! و هو ال ّل السحري ف نظر "سيّد قطب" للق دولة أفضل من تلك المثلة الغربية الّت‬
‫طرحناها ‪ ،‬لقد كانت الشريعة مطبّقة أيّام الليفة الثّالث عثمان بن عفّان ‪ ،‬و هي نفسها كتطبيق ل تنع‬
‫النّاس "السلمي" من رفض خلفته ‪ ،‬و رفض هو بدوره أن يتنحّى عن الُكم ‪ ،‬فانتهى المر إل قتله و‬
‫دفنه ف مقبة اليهود "أُنظر ـ القيقة الغائبة للكاتب فرج فودة و فسئلوا أهل الذّكر لحمّد التيجان" ‪،‬‬
‫فتطبيق ما يُسمّى بالشريعة ليس سببا كافيا ف دفع أيّ ُأمّة إل المام ‪ ،‬هذا إن ل يكن سببا ف تّلفِها‬
‫س عاشوا قبل ألف عام من الن‪.‬‬
‫أصل ‪ ،‬فما يُسمّى بالشريعة ليس إل "آراء" و "قناعات" لُنا ٍ‬
‫إن الشّعوب ل تتطور بالقدر الّذي تتع صّب فيه لعقائدها الوروثة ‪ ،‬بقدر ما تتطور عب "التّسامح"‬
‫مع الخر و توفي "حُريّة التفكي" للجميع ‪ ،‬فهل سيكون "قطع يد السارق" ‪" ،‬رجم الزان" ‪" ،‬فرض‬
‫الجاب" هو ما سيُميّز "الُمّة ال سلميّة"! عن با قي الُ مم و الديان؟! و إذا كان الّواب هو ن عم فإن‬
‫الكار ثة ستكون فعل قد حلّت ‪ ،‬لنّه سيكون من الف ضل "ح سب هؤلء التطرف ي" أن يكون الشّ عب‬
‫ُأمّيّا تا ما حتّى ي ستوعب "مفاه يم الشري عة الزعو مة"! من أفواه الوعاظ و التفيقه ي دون تشو يش من‬
‫أحد‪.‬‬
‫و هذه الطروحة "القطبية" ل تتلف قط عن أُطروحة "البعث القومي" حيث يقول سيّد قطب‪:‬‬

‫‪87‬‬

‫" ل بـد مـن " بعـث " لتلك المـة التـ واراهـا ركام الجيال وركام التصـورات ‪ ،‬وركام‬
‫الوضاع ‪ ،‬وركام النظم ـة ‪ ،‬ال ت ل صلة ل ا بال سلم ‪ ،‬ول بالن هج ال سلمي ‪ ..‬وإن كا نت ما‬
‫تزال تزعم أنا قائمة فيما يسمى " العال السلمي " !!!" معال ص ‪.4‬‬
‫تذكرت و أنا أقرأ هذه العبارات ‪ ،‬النصيحة الّت قدمها "فتحي يكن ـ و هو زعيم إسلمي سُنّي‬
‫لبنان" ـ و هو أحد العجبي بقطب" إل القوميي البعثيي و السلميي أن يزاوجوا بي اليدولوجيتي‬
‫"القومية" و "السلمية" لكي يُنشئوا حزبا جديدا تت عنوان "حزب البعث العرب السلمي" ‪ ،‬و هي‬
‫فكرة و نصيحة توضح مدى أواصِر الشّبه بي فكرين إرهابييّن‪.‬‬
‫إن سيد ق طب يُدرِك تا ما أ نه ير يد البدء من ال صفر ‪ ،‬بع ن أن كُ ّل ما هو موجود على أرض‬
‫ال سلمي يتلف كُلّيّا عن ذلك الوجود ف ذ هن سيد ق طب ‪ ،‬ل كن الشكال الّذي يب قى مطرو حا على‬
‫سيد قطب ‪ ،‬و هو إشكال سلب ‪ ،‬هو اعتباره أن كُ ّل ما هو موجود على الرض هو إناز "غي إسلمي"‬
‫‪ ،‬و كأن الفكرة هي أصل "نزيهة"! بينما التطبيق و الفهم ها الاطئان ‪ ،‬و كأن أي إناز كان ‪ ،‬حت لو‬
‫خدم النسانية ‪ ،‬هو إمّا أن يكون "إسلميا" أو "كافرا" ‪ ،‬من هنا نستطيع الكم على هذه النّظريّة على‬
‫أنا "نظريّة صراع" ل مال فيها للتسويات أو اللول الوسطى ‪ ،‬بل هو ح ّل سيفرض على البشريّة قسرا و‬
‫بالرهاب‪.‬‬
‫و الُثي للهتمام هنا ‪ ،‬هو أن سيّد ُقطُب نفسه يُدرك أن ل مال لا يسمّيه بالمّة السلميّة الّت‬
‫ينتظر بعثها ‪ ،‬لن تتفوق "مادّيّا" على الضارة الغربيّة الديثة ‪ ،‬إذا عن أيّ نوع من التفوق يتحدث سيّد‬
‫قطب؟! إنّه ل يستطيع أن يُنكر أ ّن للمادّة دورا مهمّا ف إنشاء الضارات و من هنا نده يقول‪:‬‬
‫" إن هذا ل يعن أن نمل البداع الادي ‪ .‬فمن واجبنا أن ناول فيه جهدنا ‪ .‬ولكن ل بوصفه‬
‫" الؤ هل " الذي نتقدم به لقيادة البشر ية ف الرحلة الراه نة ‪ .‬إن ا بو صفه ضرورة ذات ية لوجود نا ‪.‬‬

‫‪88‬‬

‫كذلك بوصـفه واجباً يفرضـه علينـا " التصـور السـلمي " الذي ينوط بالنسـان خلفـة الرض ‪،‬‬
‫ويعلها ‪ -‬تت شروط خاصة ‪ -‬عبادة ل ‪ ،‬وتقيقًا لغاية الوجود النسان" معال ص ‪.5‬‬
‫إن الؤهّلـ الضاري الّذي يدثنـا عنـه هنـا و الّذي يسـمّيه "عبادة ال" ل يعنـ إل "نظريـة هذه‬
‫الجموعة و فهمها الاص للسلم"! إن قطب يُذ ّكرُنا بشخصيّة ممّد بن عبد الوهاب "مؤ سّس الذهب‬
‫الوها ب" الّذي رآى آن ذاك أن ال سلمي انقط عت صلتهم بال سلم كد ين ‪ ،‬و كان يع ن و بكُل مع ن‬
‫الكلمة أن السلمي " ُكفّار مشركون يعبدون الصنام و هم يستحقون القتل" ‪ ،‬لقد أكمل قطب و ر سّخَ‬
‫هذه النظرية الرهابية و صاغها ف قالب منطقي شاعري كئيب ‪ ،‬نده يقول‪:‬‬
‫" ل بد إذن من مؤ هل آ خر لقيادة البشر ية ‪ -‬غ ي البداع الادي ‪ -‬ولن يكون هذا الؤ هل‬
‫سوى " العقيدة " و " الن هج " الذي ي سمح للبشر ية أن تت فظ بنتاج العبقر ية الاد ية ‪ ،‬ت ت إشراف‬
‫تصور آخر يلبّي حاجة الفطرة كما يلبيِّها البداع الادي ‪ ،‬وأن تتمثل العقيدة والنهج ف تمع إنسان‬
‫‪ .‬أي ف متمع مسلم" معال ص ‪.5‬‬
‫إ نّ ماولة إلغاء الواقع بفعل "تصوّر" يُشي بالفعل إل أ نّ هذا الجتمع الّذي يُزمع قطب و منظّروا‬
‫القاعدة ـ فت حي ي كن ـ أُ سامة بن لدن ـ أيَن الظواهري ـ تقيق هُ على الرض ليس سوى فه ما‬
‫خا صّا بم ل يتّ لي تربة بأي صلة ‪ ،‬و الثي للهتمام أيضا هنا هو أن هؤلء ن صّبوا أنفُسهم وكلء‬
‫عن النبياء و البشرية ليقرّروا ما هو الطريق النسب لذه البشريّة ‪ ،‬و الخطر ف المر هو أن هذا التيار‬
‫الوهّاب يبدو و كأنّه جاء فقط ليهدم الضارة و الداثة و التطور ‪ ،‬و أن العال ُكلّه مُسخّر فقط لجموعة‬
‫صغية تتكر فهم السلم و الديان و العال‪:‬‬
‫" هذه الاهل ية تقوم على أ ساس العتداء على سلطان ال ف الرض وعلى أ خص خ صائص‬
‫اللوه ية ‪ ..‬و هي الاكم ية ‪ ..‬إن ا ت سند الاكم ية إل الب شر ‪ ،‬فتج عل بعض هم لب عض أربابا ‪ ،‬ل ف‬
‫الصورة البدائية الساذجة الت عرفتها الاهلية الول ‪ ،‬ولكن ف صورة ادعاء حق وضع التصورات‬

‫‪89‬‬

‫والق يم ‪ ،‬والشرائع والقوان ي ‪ ،‬والنظ مة والوضاع ‪ ،‬بعزل عن منهج ال للحياة ‪ ،‬وفيما ل يأذن به‬
‫ال ‪ ..‬فينشأ عن هذا العتداء على سلطان ال اعتداء على عباده ‪ ..‬وما مهانة " النسان " عامة ف‬
‫النظمـة الماعيـة ‪ ،‬ومـا ظلم " الفراد " والشعوب بسـيطرة رأس الال والسـتعمار فـ النظـم "‬
‫الرأ سالية " إل أثرًا من آثار العتداء على سلطان ال ‪ ،‬وإنكار الكرا مة ال ت قرر ها ال للن سان !"‬
‫معال ص ‪.6 – 5‬‬
‫إن الاكمية اللية و حسب تعبي قطب تنحصر ف فهم فئة من السلمي لصطلح "الاكمية" ‪ ،‬و‬
‫هي بالحرى م ستوحاة من عقل ية "الوارج" الّذ ين كانوا يرفعون شعار "ل حُ كم إ ّل ل" و ل يعتقدون‬
‫إل بإ سقاط الدولة و الا كم و أن من الم كن خلق مت مع جد يد من خلل الرهاب أوّل و الفو ضى‬
‫ثانيا ‪ ،‬و فرض هذا الفهم على الخر "السلمي الّذين ل يؤمنون بذه النظرية – السيحي – اليهودي –‬
‫الل حد" هو بدّ ذا ته مؤشّ ر على الفلس الخل قي و الثقا ف و ح ت العقلي ‪ ،‬ف عن أي كرا مة إن سانيّة‬
‫يتحدث قطب و هو ينوي و منذ الصفحات الول لنظريّته ال سوداويّة أن يُدمّر كل مُنجَزات البشرية و‬
‫ماذا سيكون ب قي للن سان إذا دمّ ر آلف العوام من التّقدم و الع قل و الك مة مقابِل حياة يقضي ها ف‬
‫طقوس و حركات بلهاء وسط أكوام اللم و الدّموع ‪ ،‬إ نّ هؤلء و بقدر ما يكرهون الضارة ـ كونا‬
‫مادّيّة ـ يكرهون ال لنّه خلق الن سان شهوانيّا مادّيّا ‪ ،‬إن شعار "الكرا مة الن سانيّة" الذي يلوّح به‬
‫ق طب ه نا ل يس إل كلمات جوفاء ل مع ن ل ا و ل تتلف عن شعار "الريّة" الّذي رف عه البعثيّون ـ و‬
‫كذلك يفعل كل القوميّي ـ و كان نتيجته أنم قتلوا الريّة و أعطوا الطاغية الريّة الكامِلة ف تصريف‬
‫المور ‪ ،‬و ل أعتقد أ ّن هذا التّفسي و الفهم القبيح للسلم سيستمر طويل‪.‬‬
‫إن ما أساه قطب بـ"حق وضع التصورات و القيم" الّت يسندها إل ال وحده ‪ ،‬هو فهم مبسط‬
‫للمور و الك ثر سذاجة ‪ ،‬فالنّص الدّي ن نف سه "القرآن و الد يث" يملن معا ن متعددة و متناق ضة و‬
‫حت متضاربة ‪ ،‬و إذا ما تعّنّا ف هذا فمن سيكون "الشخص أو الهة" الّت ستقرر أن هذا العن أو ذاك‬
‫هو الق صود ف الكلمات الليّة! و بجرد أن يفعلوا ذلك ‪ ،‬كأن ي صر حقّ التف سي و الشرح ف "آل‬

‫‪90‬‬

‫سعود" أو "آل لدن" أو "آل الظواهري"! فإن نا سنعود إل الر بع الول ‪ ،‬بع ن إ سناد إ سقاط الكلمات‬
‫على العان من ِقبَل جهة بشرية ‪ ،‬و إذا كان النّب ممد إستطاع أن ل يَظلم أحدا بفضل الوحي! فمن أين‬
‫لم بوحي ماثل؟! و ل أستبعد أن يفعلوا شيئا ماثل ف مستقبل اليام لتجاوز هذا الشكال‪.‬‬
‫يقول قطب‪:‬‬
‫" وف هذا يتفرد النهج السلمي ‪ ..‬فالناس ف كل نظام غي النظام السلمي ‪ ،‬يعبد بعضهم‬
‫بعضًا – ف صورة من ال صور ‪ -‬و ف الن هج ال سلمي وحده يتحرر الناس جيعًا من عبادة بعض هم‬
‫لبعض ‪ ،‬بعبادة ال وحده ‪ ،‬والتلقي من ال وحده ‪ ،‬والضوع ل وحده ‪.‬‬
‫وهذا هو مفترق الطريق ‪ ..‬وهذا كذلك هو التصور الديد الذي نلك إعطاءه للبشرية ‪ -‬هو‬
‫وسائر ما يترتب عليه من آثار عميقة ف الياة البشرية الواقعية ‪ -‬وهذا هو الرصيد الذي ل تلكه‬
‫البشر ية ‪ ،‬ل نه ل يس من " منتجات " الض ـارة الغرب ية ‪ ،‬ول يس من منتجات العبقر ية الوروب ية !‬
‫شرقية كانت أو غربية" معال ص ‪.6‬‬
‫إ نّ هذا التبسيط لنظرية "ستحكم البشريّة"!! حسب هذا العقل الريض ‪ ،‬هو خلق عبودية بشعة‬
‫تتـ شعار "العبوديـة ل" ‪ ،‬و كمـا أسـلفنا ‪ ،‬فإن حياة الغربييـ و مواطنـ النظمـة الديقراطيـة ليسـت‬
‫مصورة ف شهوات النس و الطعام كما يظن قطب و أمثاله ‪ ،‬و قد فعلوا ذلك و بفعل حياة الكبت و‬
‫المنوعات الّتـ عاشوهـا ‪ ،‬فالغربيون ــ المريكيون خصـوصا ــ يهتمون بالياة الرّوحيـة و الدمـة‬
‫الدّينيّة ‪ ،‬لكن هذا يت مّ طبعا ف إيطار الرية البشرية ‪ ،‬إن البحث عن قِيَم بديلة لتلك السائدة ف الغرب‬
‫هو بث ف الفراغ و العدم ‪ ،‬و مكوم على هذه الحاولة بالفشل الذّريع ‪ ،‬إن ر فع شعار "الريّة" الّذي‬
‫يروّج له ق طب و أمثاله كبد يل لفهوم الريّة ال سائد ف الغرب و جنوب شرق آ سيا ‪ ،‬ليس سوى شعار‬
‫فارغ يفي تته ذلك الكُفر القيقي ـ إحتكار تفسي النّص ـ و هو المر الّذي سيجعل من قطب ‪،‬‬
‫بن لدن ‪ ،‬الظواهري و القرضاوي كبدلء عن ال ‪ ،‬ف ما دام التف سي جاهزا لتوج يه النّص القدس فذلك‬

‫‪91‬‬

‫يعنـ ــ حسـب نظريـة قطـب و القاعدة ــ أن ال بعزّتِه و جلله ل يعدو كونـه جنديّا فـ صـفوف‬
‫النتحاريي و الفجّرين‪.‬‬
‫و من الطبيعي ها هنا أن قطب و جاعته لن يدوا "نوذجا" واقعيا لا يسمّونه الثال أو النموذج إل‬
‫ف العودة إل سية "الصحابة" ‪ ،‬و هي كما ترى عزيزي القاريء مرد إعادة تقليد مرّة أُخرى لا يعيشه‬
‫العال السلمي من إستغراق ف الاضويّة ‪ ،‬إن جيل الصحابة هو أكثر الجيال إنطاطا و إثارة للجدل ‪،‬‬
‫و لكن ماذا نفعل مع من ين ظر إل الشياء بعي واحدة !! فال صحابة لعنوا بعضهم البعض "فقد كفّرت‬
‫عائشةُ عثمانا و لعن معاويةُ عل يَ بن أب طالب على النابر ـ أنظر‪ :‬عائشة أم الؤمني لرتضى العسكري‬
‫و القيقة الغائبة لفرج فودة" ث قتلوا بعضهم بعضا ـ قُتل عثمان ث حرب المل و صفّي و قتل السي‬
‫و آله ذبا و حرق الكعبة و استباحة الدينة من قِبَل جيش يزيد و اعتداءه و اغتصاب جنوده لبنات الدينة‬
‫ـ و هذا اختصار سريع جدا لخلق جيل الصحابة الذي يستشهدون به دوما‪.‬‬
‫أنظر إل نط هذا التفكي ‪ ،‬يقول قطب‪:‬‬
‫" كان القرآن وحده إذن هو الن بع الذي ي ستقون م نه ‪ ،‬ويتكيفون به ‪ ،‬ويتخرجون عل يه ‪ ،‬ول‬
‫يكـن ذلك كذلك لنـه ل يكـن للبشريـة يومهـا حضارة ‪ ،‬ول ثقافـة ‪ ،‬ول علم ‪ ،‬ول مؤلفات ‪ ،‬ول‬
‫درا سات ‪ ..‬كل ! ف قد كا نت هناك حضارة الرومان وثقافت ها وكتب ها وقانون ا الذي ما تزال أورو با‬
‫تعيش عل يه ‪ ،‬أو على امتداده ‪ .‬وكانت هناك ملفات الضارة الغريقية ومنطقها وفلسفتها وفنها ‪،‬‬
‫وهـو مـا يزال ينبوع التفكيـ الغربـ حتـ اليوم ‪ .‬وكانـت هناك حضارة الفرس وفنهـا وشعرهـا‬
‫وأسـاطيها وعقائدهـا ونظـم حكمهـا كذلك ‪ .‬وحضارات أخــرى قاصـية ودانيـة ‪ :‬حضارة النـد‬
‫وحضارة الصي إل‪ "..‬معال ص ‪.10‬‬
‫إن حصر العقل البشري ف منهج معيّن هو أول الطوات نو عبودية النّاس لغي ال ‪ ،‬و استخفاف‬
‫الرّجل ـ أي قطب ـ بنجزات الضارات هو إشارات واضحة إل أن هذا النهج أو النطق يريد القضاء‬

‫‪92‬‬

‫على أ يّ تعايش بشري قائم على الرض ‪ ،‬و أنم يعادون "الضارة" ما دامت ليست ف صالهم ‪ ،‬كما‬
‫أن الطاعة العمياء هو الساس لذه النظرية الديدة القدية ـ فهي تستمد كل دعائمها من الوهابية ـ‬
‫بعن أنا ل تتلف ف دكتاتوريتها عن النظمة القومية ‪ ،‬و أعتقد أن عبد الناصر لو ل يُعدم سيّد قطب‬
‫لرأينا قطب يعدم الخرين بتهمة "ال ّردّة" أو "الكُفر" أو "الرطقة" ‪ ،‬يقول قطب‪:‬‬
‫" إن منهج التلقي للتنفيذ والعمل هو الذي صنع اليل الول ـ يقصِد ال صّحابة ـ ‪ .‬ومنهج‬
‫التل قي للدرا سة والتاع هو الذي خرّج الجيال ال ت تل يه ‪ .‬و ما من شك أن هذا العا مل الثا ن كان‬
‫عاملً أساسيًا كذلك ف اختلف الجيال كلها عن ذلك اليل الميز الفريد" معال ص ‪.13‬‬
‫فالطاعة العمياء و التّقليد و العزلة هي الّت تلق "اليل الثال" حسب ما يراه قطب ‪ ،‬و أن عصور‬
‫الترجة و مدارس العقل من شيعة و معتزلة و حت سنّة ‪ ،‬ل تساوي ف نظره يوما من أيام "الفتوحات" و‬
‫الستعمار السلمي للبلدان ‪ ،‬و لكن هنا يدر بنا أيضا ملحظة هؤلء بشكل ساذج تاما مع أطروحة‬
‫الدين ‪ ،‬فالدين هو أحد مكوّنات الشخصيّة و ليس الكوّن الوحيد ‪ ،‬كما أنّ للدّين حدودا يقف عندها ‪،‬‬
‫و من ضمنها مالت البداع العلمي و الفنّي ‪ ،‬فالدّين لديه حدود ل يستطيع أن يتخطّاها ‪ ،‬بل إن قطب‬
‫يعل من السلم أقرب إل السّحر حيث يقول‪:‬‬
‫" لق ـد كان الر جل ح ي يد خل ف ال سلم يلع على عتب ته كل ماض يه ف الاهل ية ‪ .‬كان‬
‫ل كل النفصال عن حياته‬
‫يشعر ف اللحظة الت ييء فيها إل السلم أنه يبدأ عهداً جديدًا ‪ ،‬منفص ً‬
‫ال ت عاش ها ف الاهل ية ‪ .‬وكان ي قف من كل ما عهده ف جاهلي ته مو قف ال ستريب الشاك الذر‬
‫التخوف ‪ ،‬الذي ي س أن كل هذا ر جس ل ي صلح لل سلم ! وبذا الح ساس كان يتل قى هَدْي‬
‫السلم الديد ‪ ،‬فإذا غلبته نفسه مرة ‪ ،‬وإذا اجتذبته عاداته مرة ‪ ،‬وإذا ضعف عن تكاليف السلم‬
‫مرة ‪ ..‬شعر ف الال بالث والطيئة ‪ ،‬وأدرك ف قرارة نفسه أنه ف حاجة إل التطهر ما وقع فيه ‪،‬‬
‫وعاد ياول من جديد أن يكون على وفق الَدْي القرآن" معال ص ‪.14‬‬

‫‪93‬‬

‫و هذا يُناقض الحاديث و الواقع ‪ ،‬فكم من أُناس كانوا جيدين و مثاليي مع السلم أو بدونه ‪،‬‬
‫يقول ال نب م مد‪ :‬خيار كم ف الّاهليّة خيار كم ف ال سلم"! إ ما الفكرة ال ت يُحدّث نا عن ها ق طب ف هي‬
‫تذكّرنا بالدراما الصرية الت تصور الصحابة على أنّهم "ملئكة"!‪ .‬و معلوم أن النسان هو مركّب مُعقّد‬
‫أيـ ماولة فوقيـة لتحويله إل "ملك" هـي ماولة فاشلة و غيـ‬
‫مـن الرغبات و النوات و الدّوافـع ‪ ،‬و ّ‬
‫مد ية ‪ ،‬الن سان يتكا مل حين ما ي صل على شروط التكا مل ‪ ،‬را تب جيّ د ‪ ،‬سكن مضمون ‪ ،‬زو جة أو‬
‫زوج مناسب ‪ ،‬حريّة ‪ ،‬و إحترام كرامته كإنسان ‪ ،‬إن السلم يعيش الن ف أزمة حقيقية ‪ ،‬فقد أصبح‬
‫أداة قمـع و غيـ قابـل للحوار ‪ ،‬فضل عـن تويله إل "عقيدة غزو و حرب" ل تنتهـي ‪ ،‬كمـا أن العال‬
‫سنّي ل يلك مؤسسة شبيهة بالفاتيكان أو الرجعية الشيعية الّت تتعاطى بالشأن العا ّم ‪ ،‬بالتال فإن العال‬
‫ال ّ‬
‫السنّي يترنح الن بسبب فوضى "الفتاوى" ‪ ،‬كما أن الفقيه السنّي عرف عنه تأرييا أنه "فقيه السلطان"‬
‫أو الاكم ‪ ،‬حتّى أن الفقيه السنّي كان يبحث عن حلّ فقهي لكي يامع "أمي الؤمني"! غلمه و هو‬
‫مرتاح الضّمي ‪ ،‬بل إن ماولت القاعدة ‪ ،‬و قطب واحد من هؤلء ‪ ،‬لتخطّي هذه الصورة النمطية باءت‬
‫بالفشل ‪ ،‬و القاعدة هي التّابع الشاغب لل سعود ‪ ،‬ففي الوقت الّذي كان فيه بن لدن يُصدِر فتاوى‬
‫"التكفي" بق آل سعود ‪ ،‬كان ال سّعوديون يدعمون نظام طالبان دبلوماسيا و سياسيا و كانت الملكة‬
‫العربية السعودية إحدى ثلث دول إعترفت بنظام طالِبان التابع لبن لدن‪.‬‬
‫إن ق طب ينت قد كثيا ما ي سمّيه "تقال يد الجت مع الاهلي" بين ما تظهِر لغ ته هذه بأنّه ير فض كل‬
‫"تقل يد غ ي إ سلمي"! أ ما التقل يد ال سلمي و الغباء ال سلمي و الظلم ال سلمي ‪ ،‬فكله مقبول ل نه‬
‫مصور ف كلمة "إسلم ـ حسب الفهم الوهّاب طبعا" ‪ ،‬إن سيد قطب يؤمن فقط بسيد قطب و كأن‬
‫هناك عالا خاصّا بسيد قطب ‪ ،‬يقول قطب‪:‬‬
‫" ن ن اليوم ف جاهل ية كالاهل ية ال ت عا صرها ال سلم أو أظلم ‪ .‬كل ما حول نا جاهل ية ‪..‬‬
‫تصـورات الناس وعقائدهـم ‪ ،‬عاداتمـ وتقاليدهـم ‪ ،‬موارد ثقافتهـم ‪ ،‬فنونمـ وآدابمـ ‪ ،‬شرائعهـم‬

‫‪94‬‬

‫وقوانين هم ‪ .‬ح ت الكث ي م ا ن سبه ثقا فة إ سلمية ‪ ،‬ومرا جع إ سلمية ‪ ،‬وفل سفة إ سلمية ‪ ،‬وتفكيًا‬
‫إسلميًا ‪ ..‬هو كذلك من صنع هذه الاهلية !!" معال ص ‪.15‬‬
‫أو بالحرى يا سيد قطب فإن "الياة" كلها "جاهلية" ‪ ،‬و النتيجة الطبيعية لذا الفكر الريض هو‬
‫"النتحار بالقنابل" و توزيع الوت ‪ ،‬إن الب الروحي لطالبان و القاعدة ليس "أُسامة بن لدن" ‪ ،‬بل هو‬
‫قطب الريض بوس خلق متمع يناسب ذوقه الريض ‪ ،‬إنه بصراحة يرفض أيّ نوع من التّسوية أو اللول‬
‫الوسطى ‪ ،‬بل ل بد من اليمنة على الجتمعات و إلغائها ‪ ،‬إ نّ فكرته الّت استمدّها هنا من قراءاته الدّينية‬
‫جيدة ف أصل فكرته القائلة ‪" :‬بأنّ ل فرق بي طاغوت فارسي أو رومان أو عرب"! لكن الشكال يعود‬
‫ثانية حينما نسأل ‪ :‬ما هو "الطاغوت"!! و طبعا تكون الجابة الدّائمة ‪ :‬أنّه كُل قانون ل يكون مصدره‬
‫الشريعـة"! بالتال فكلمـة "طاغوت" ل علقـة لاـ بالطغاة أو السـتبدّين ‪ ،‬بـل إنمـ ــ أي الوهابيـة و‬
‫الصوليون التطرّفون ـ يف سّرونا بأنّها‪ :‬كُل قانون ل يُستمَ ّد من الشريعة"! بعن أن الاكم مهما كان‬
‫مستبدا غشوما هو "حاكم شرعي" ما دام يُطبق مظاهِر الشريعة و حدودها ‪ ،‬سواء كان هذا الاكِم هو‬
‫"بن سعود" ‪" ،‬بن لدن" أو "بن العاهرة" ـ مع إحترامنا و تقديرنا لكل العاهرات فهُنّ أشرف من هؤلء‬
‫الطغاة ـ بالتال بدل من ال ستفادة من أمثال هذه اليات ف د فع الظلم و تق يق العدالة و ال ساواة ‪،‬‬
‫تول النّص الدّين إل عائق حقيقي أمام تديث العال السلمي‪.‬‬
‫من هنا نلحظ مدى الدور السلب الّذي يلعبه قطب و أمثاله ف نشر المود الفكري و العقلي ‪،‬‬
‫بعن أن النّص الّذي هو من الُفترض أنّه يصلُح لكُل زمان و مكان ‪ ،‬ل يعُد يصلح إل لياة القرن السّابع‬
‫اليلدي ‪ ،‬دون ماولة إياد معان جديدة كامنة ف ما وراء النّص‪.‬‬
‫ياول قطب ف أن يصف ف كتابه بعض العلقات النسية بي الرجل و الرأة ف العصر الاهلي‬
‫ف حديث نقله عن عائشة بنت أب بكر ‪ ،‬ليُظهر لنا مثل على مدى النطاط اللقي الّذي كان سائدا‬
‫آنذاك "معال ص ‪ ."24 – 23‬لكـن هذه الحاولة باءت بالفشـل ‪ ،‬لن حقيقـة الزواج ل تتحقـق فـ‬
‫الجتمعات ال سلمية ‪ ،‬و الزواج ك ما يشتر طه الفقهاء هو "ر ضا الطرف ي" ‪ ،‬بع ن أ نه يُنا سب الزواج‬

‫‪95‬‬

‫الدن الديث ‪ ،‬لكن الزواج "السلمي" الرائج الن هو اغتصاب مُغلّف بشرعيّة كاذبة ‪ ،‬فغالبا ما ترضخ‬
‫الرأة لزوجها بكم المر الواقع‪.‬‬
‫يقول قطب عن زمن النب ممد‪:‬‬
‫" وتطهرت النفوس والخلق ‪ ،‬وزكت القلوب والرواح ‪ ،‬دون أن يتاج المر حت للحدود‬
‫والتعازير الت شرعها ال ‪ -‬إل ف الندرة النادرة ‪ -‬لأن الرقابة قامت هناك ف الضمائر ‪ ،‬ولأن الطمع‬
‫ف ر ضى ال وثوا به ‪ ،‬والياء والوف من غض به وعقا به ‪ ،‬قد قا ما مقام الرقا بة ومكان العقوبات"‬
‫معال ص ‪.25‬‬
‫ألَم أ قل ل كم أن الر جل يلُم! إن كل فترة التار يخ ال سلمي الثال ل تز يد على عام ي ‪ ،‬هذا لو‬
‫أخذ نا ال سألة بدءا ب كم النّب م مد و إل ح ي وفا ته ‪ ،‬فطوال حك مه أو إدار ته ل ي كن له ش يء من‬
‫السـلطة الدنيويـة ‪ ،‬كالشرطـة و السـجون و جنـ الضرائب ‪ ،‬بـل إن حكـم النـب ممـد كان أقرب إل‬
‫ك ف أ نه أقام أيّا من هذه الدود الشرع ية‬
‫"الطري قة ال سويسرية" م نه بلفاءه ‪ ،‬ح ت أن ق طب نف سه ش ّ‬
‫حينما قال ‪ ، ":‬دون أن يتاج المر حت للحدود والتعازير الت شرعها ال ‪ -‬إل ف الندرة النادرة" و‬
‫هذه الندرة النادرة ربّما كانت من الحاديث الّت يُشك با ‪ ،‬و لنّ السلم أصبح يتدخل ف كُل صغية‬
‫و كبية ف حياة الناس "معال ص ‪ "27‬فإنّه تول إل ثِقل حقيقي على كاهل الجتمعات الّت تؤمن به‪.‬‬
‫يتهكم قطب على الوليات التحدة لنا ل تستطع منع المر ‪ ،‬بينما نح السلم ف منعها بعد أن‬
‫نزلت فيها ثلث آيات متتالية ‪ ،‬إنا واحدة أُخرى من الحاولت البائسة الّت يطرحها ف كتابه ‪ ،‬فمقارنة‬
‫مت مع متعدد الديان و الحزاب و النتماءات ف منت صف القرن العشر ين بجت مع آ خر ي سبقه ب ـ ‪14‬‬
‫قرنا و يعان من الهل و العزلة ‪ ،‬هي حقّا مقارنة غي ناجحة أو موفـقة ‪ ،‬كما أننا ل نلك تعدادا أو‬
‫إحصاءات لجتمع النب حت نعرف أ نّ هذا المر تقق أم ل !! بل إن عمر بن الطاب كان يذهب إل‬
‫الصلة و هو سكران‪.‬‬

‫‪96‬‬

‫إذا كان قطب يريد حقا أن يكم الرض "شرع ال"!! و من دون أن يتحكم إنسان ف البشر ‪،‬‬
‫ب يُف سّر لم ما يشكل من نصوص ‪ ،‬و بدون ذلك نعود إل‬
‫فعليه و على الؤمني بنهجه أن يبحثوا عن ن ّ‬
‫الشكال الول و هو "تكّم البشر بالبشر" ‪ ،‬إذ سنعود إل حيث بدأنا و هو ‪ :‬من يِلك صلحية التفسي‬
‫و الفتوى"! و قراءة ب سيطة و متأنيّة لدونات ق طب و جا عة القاعدة تظ هر بوضوح أن النبوة و الع صمة‬
‫لدى هؤلء تتص بقطب و بن لدن و من على منهجهم الرهاب و الجرامي ‪ ،‬و أ نّ متمعهم "الثال"!‬
‫الزعوم كان منهج "طالبان" الّذي يكره الياة و البشر‪.‬‬
‫إن ق طب يُل غي دور الع قل تاما ‪ ،‬و يل غي المال أيضا ‪ ،‬فعلى الم يع أن يط يع اليان مه ما كان‬
‫هذا اليان قبيحا أو قاسيا و غي واقعي ‪ ،‬يقول قطب‪:‬‬
‫" إن نظام ال خ ي ف ذا ته ‪ ،‬ل نه من شرع ال ‪ ..‬ولن يكون شرع العب يد يوما كشرع ال ‪..‬‬
‫ول كن هذه لي ست قاعدة الدعوة ‪ .‬إن قاعدة الدعوة أن قبول شرع ال وحده أيّا كان ‪ ،‬ور فض كل‬
‫شرع غيه أيّا كان ‪ ،‬هو ذاته السلم ‪ ،‬وليس للسلم مدلول سواه ‪ ،‬فمن رغب ف السلم ابتداء‬
‫فقـد فصـل ف القضيـة ‪ ،‬ول يعـد باجـة إل ترغيبـه بمال النظام وأفضليتـه ‪ ..‬فهذه إحدى بديهيات‬
‫اليان !" معال ص ‪.34‬‬
‫فل حاجة للناس ـ حسب عقله الريض ـ ف نظام دقيق يساوي بي مواطنيه و يوفر لم كل كلّ‬
‫الاجات النسانية ‪ ،‬فالهم هو اللد و القطع و الذّبح و تميش الرأة و الحتفاظ با ف البيت كحيوان‬
‫مف يد جن سيا و ط بخ الطعام و توف ي الستقرار للمواطن ي "الحاربي" الذ ين سينشرون رعب ال سلم و‬
‫سياراته الفخ خة ف العال أج ع! الك يد أي ضا أن ق طب هو عن صري من الطراز الول ‪ ،‬ف هو جا ّد ف‬
‫التهجم على النظمة الديقراطية و حت الشوعية ‪ ،‬لكنه صامت صمت القبور عن انتقاد أي نظام عرب‬
‫أو إ سلمي ‪ ،‬ال سعودية على و جه التحد يد ‪ ،‬و هذا يع ن أن الشرقي ي و العرب هم ملئ كة فوق الن قد‬
‫مهما أخطأوا ‪ ،‬أمّا الغربيون فهم ـ حسب قطب ـ أعداء يب احتقارهم و حربم مهما أبدعوا‪.‬‬
‫إن صلحية السلم لكل زمان و مكان ـ حسب نظرية قطب ـ تكمن ف البقاء على الجتمع‬
‫جاهل و متخلفـا و تصـاغ هذه الهالة و التخلف تتـ عنوان "الفطرة" ‪ ،‬بالتال ل يصـلح السـلم‬

‫‪97‬‬

‫للمجتمعات العقل ية و الثق فة و اّل ت ل تترك موضو عا دون أن تشب عه جدل ‪ ،‬إ نّ هذا ال سلم "البدوي"‬
‫القا سي ل ي عد ي صلح ح ت لل صحراء العرب ية نف سها ‪ ،‬ف قد امتلت ال صحراء بعلئم الضارة من أبن ية و‬
‫خدمات و اتّصالت ‪ ،‬و أعتقد أن قطب هو ملهم أبشع نظرية دينية ف التاريخ "تنظيم القاعدة" حيث‬
‫يقول‪:‬‬
‫" وإ نه ل ن الضروري ل صحاب الدعوة ال سلمية أن يدركوا طبي عة هذا الد ين ومنه جه ف‬
‫الركة على هذا النحو الذي بينَّاه ‪ .‬ذلك ليعلموا أن مرحلة بناء العقيدة الت طالت ف العهد الكي‬
‫على هذا الن حو ‪ ،‬ل ت كن منعزلة عن مرحلة التكو ين العملي للحرك ـة ال سلمية ‪ ،‬والبناء الواق عي‬
‫للجماعـة السـلمة ‪ .‬ل تكــن مرحلة تلقّيـ " النظريـة " ودراسـتها ! ولكنهـا كانـت مرحلة البناء‬
‫القاعدي للعقيدة وللجماعـة وللحركـة وللوجود الفعلي معا ‪ ..‬وهكذا ينبغـي أن تكون كلمـا أريـد‬
‫إعادة هذا البناء مرة أخرى" معال ص ‪.34‬‬
‫ف ما سّاه ه نا ب ـ"البناء القاعدي" هو الّذي ج عل شخ صا ك ـ" بن لدن" يتار ا سم "القاعدة"‬
‫لتنظيمه ‪ ،‬إن النهاية و النتيجة الّت انتهى إليها قطب و من س ّن سنّته ال سّيئة ‪ ،‬هي ناية أو نتيجة مغلوطة‬
‫أو لن قل غ ي مفيدة ‪ ،‬بع ن ـ و أ نا ه نا ل أنا قش ال سلم كو نه حقّا أو باطل ـ أن هذه النظر ية تبدأ‬
‫كمن هج دعوي شف هي و تنت هي بالع نف و الكراه و الجرام ‪ ،‬و بالتال ل يكون هذا دي نا بقدر ما هو‬
‫نوع آخر من الطغيان و الدكتاتورية و اليمنة بسم ال و القدسات ‪ ،‬بل يبدو لنا قطب و هو ينظّر ها‬
‫هنا و كأنه بصدد بناء عصابة إجرامية و ليس "جاعة دينية"! و كأن النب ممد كان يتعامل مع السلم‬
‫كـ"تكتيك" مرحلي لكي يقوم بعدها ـ حي يصبح قويا ـ بالنقلب على الواقع و بالقوة ‪ ،‬و ممد‬
‫النب ـ حسب نظرية قطب ـ يشبه ه نا أدولف هتلر الّذي استغل النظام الدّيقراطي ليُهيّء للنقلب‬
‫النازي أو القوميي الّذين يقومون بانقلبات عسكرية هنا و هناك ‪ ،‬كما أن هذه النظرية هي الّت جعلت‬
‫خباء الغرب و السياسيي ف الوليات التحدة يتردّدون ف القيام بأيّ تغيي جذري ف النطقة السلمة ‪ ،‬إذ‬
‫يبدو قبول السلميي للليّات الديقراطية و كأنه مرّد "تكتيك" مرحلي و بجرد أن تصبح لديهم القوة‬

‫‪98‬‬

‫فإنم سيطيحون بالديقراطية "الكافرة ـ حسب تعبيهم"! و يولون هذه البلدان إل قواعد "لداية البشر‬
‫إل الذبح و سيارات التفخيخ"‪.‬‬
‫إن أبغض شيء إل قطب و القاعدة هو "العقل" و استخدام النطق و إعمال الذّهن ‪ ،‬يقول قطب‪:‬‬
‫" وخطـأ أي خطـأ ‪ -‬بالقياس إل السـلم ‪ -‬أن تتبلور العقيدة فـ صـورة " نظريـة " مردة‬
‫للدراسة الذهنية ‪ ..‬العرفية الثقافية ‪ ..‬بل خطر أي خطر كذلك ‪.‬‬
‫إن القرآن ل يقض ثلثة عشر عاما كاملة ف بناء العقيدة بسبب أنه كان يتنل للمرة الول ‪..‬‬
‫كل ! فلو أراد ال لنزل هذا القرآن جلة واحدة ‪ ،‬ث ترك أ صحابه يدر سونه ثل ثة ع شر عاما ‪ ،‬أو‬
‫أكثر أو أقل ‪ ،‬حت يستوعبوا " النظرية السلمية " ‪.‬‬
‫ول كن ال ‪ -‬سبحانه ‪ -‬كان ير يد أمرا آ خر ‪ ،‬كان ير يد منهجا معينا متفردا ‪ .‬كان ير يد بناء‬
‫جاعة وبناء حركة وبناء عقيدة ف وقت واحد" معال ص ‪.34‬‬
‫و من الواضح أنّ قطب يعتب حديث القرآن و النب ممد عن "العقل" و "أول اللباب ـ العقول"‬
‫هو م ض هراء و أكاذ يب ل صلة ل ا بالوا قع ‪ ،‬و تذكّرت و أ نا أقرأ عبارات ق طب شعارا من شعارات‬
‫"حزب البعث الدكتاتوري" الّذي كان يُردّد‪ :‬نفّذ و ل تناقش"! فالطاعة العمياء هي الساس الول لذا‬
‫الن هج التفجيي ‪ ،‬و ن ن نطرح ه نا سؤال‪ :‬إذا ل ي كن ال سلم خاض عا للذ هن و الع قل و الن طق ؟!‬
‫فكيف تسنّى ليل النب ممد و لقطب و جاعته أن يعرفوا أ نّ السلم ح قّ أو باطل ؟! الكيد أنم ل‬
‫يلكون هذا الواب لنم بجرد أن يعترفوا و لو بدور بسيط للعقل فإن نظريّتهم تنهار ف الال ‪ ،‬و لنم‬
‫يؤمنون فقط بـ"العقيدة الهيمنة" فمن الطبيعي أن يرفضوا أي دور للعقل أو الوار ‪ ،‬حت مع السلمي ‪،‬‬
‫فالشي عة و العتزلة و الوارج و الحد ية القاديان ية هم ممو عة "كفّار"! ينتظرون ف طابور الختيار ب ي‬
‫"الذّبح أو السلم"! هذا فضل عن اليهود و السيحيي و البوذيي و ‪ ..‬إل ‪ ،‬بعن أن بضعة مليي فقط‬
‫من البشرية ستتمكن من الياة ف ظل النظرية ‪ ،‬بينما يُرسل ‪ 6‬مليار إنسان إل الوت!‪.‬‬

‫‪99‬‬

‫إن كلمات "الواقعية" ‪" ،‬الياة" ‪" ،‬الركة" و "الراك الجتماعي" الّت يرددها قطب ‪ ،‬ليست إل‬
‫كلمات ل عل قة ل ا بالعا ن ‪ ،‬فبمجرد أن ر فض "الذ هن" و "الع قل" أل غى أي فارق حقي قي ب ي دي نه و‬
‫أديان الخر ين ‪ ،‬و تكون النتي جة أن البشر ية ستفن لو ف كر اليهود و ال سيحيون و البوذيون ف صياغة‬
‫أديان م على ن ط هذه النظر ية الّ ت تؤ من بدون الرّجوع إل أي ُأ سس عقلن ية و فرض قناعات ا بالقوة ل‬
‫بالع قل و الك مة ‪ ،‬بل ستحل ال صيبة بال سلمي لن الشرق و الغرب يلكان مئات القنا بل النوو ية الّ ت‬
‫ستمحو هذه الشعوب ف غضون ساعات ‪ ،‬يقول قطب‪:‬‬
‫" إن الت صور الٍ سلمي لللوه ية ‪ ،‬وللوجود الكو ن ‪ ،‬وللحياة ‪ ،‬وللن سان ‪ ..‬ت صور شا مل‬
‫كامل ‪ .‬ولكنه كذلك تصور واقعي إياب ‪ .‬وهو يكره ‪ -‬بطبيعته ‪ -‬أن يتمثل ف مرد تصور ذهن‬
‫معر ف ‪ ،‬لن هذا يالف طبيعته وغاي ته ‪ .‬وي ب أن يتم ثل ف أنا سى ‪ ،‬و ف تنظ يم حي ‪ ،‬و ف حر كة‬
‫واقع ية ‪ ..‬وطريق ته ف التكون أن ين مو من خلل النا سى والتنظ يم ال ي والر كة الواقع ية ‪ ،‬ح ت‬
‫يكتمل نظريا ف نفس الوقت الذي يكتمل فيه واقعيا ‪ -‬ول ينفصل ف صورة " النظرية " بل يظل‬
‫مثلً ف صورة " الواقع " الركي ‪ "..‬معال ص ‪.36‬‬
‫هرب قطب من "العقل" و "النطق" إل "عقل و منطق" آخر هو بالتال نقيض النقيض ‪ ،‬إذ وجد‬
‫أيـ حيوان ‪ ،‬فلجـأ مرة أُخرى إل "تصـوّر" ‪ ،‬و طبعـا ل‬
‫أن الل عقليـة سـتعن أنـه ل فارق بينـه و بيـ ّ‬
‫ي ستخدم كل مة "من طق" الّ ت يكره ها ‪ ،‬و هذا الت صور ل يُفهَم إل على أ نه " ضد الع قل" أو "من طق الل‬
‫منطق" ‪ ،‬كما أن إسلمه هو ضد كل ما يترم "الخر" ‪ ،‬و كأن قطب و أتباعه أرادوا أن يقوموا بدور‬
‫"ال" فيزيلوا الخرين ـ مع أن ال تاور مع الشيطان حسب القرآن و أعطاه مهلة للف السني ـ و‬
‫بالتال ينعكـس "توحيـد الُلوهيـة" على "توحيـد الكومـة و العقيدة" ‪ ،‬و مـن الطـبيعي أن تنقسـم هذه‬
‫التنظيمات السلموية و تقتل بعضها البعض ـ أفغانستان مثال ـ لن كل أحد منهم يعتب نفسه وكيل‬
‫ل و ميطا بالقيقة الكاملة‪.‬‬

‫‪100‬‬

‫ل كن لغة قطب ل تنجو من صيغة التّشكيك ‪ ،‬و هو ل يشعر با ‪ ،‬فكلمة "تصوّر" هي أضعف‬
‫مدلول من كلمة "نظرية" أو "منطق" ‪ ،‬فالتّصوّر هو نوع من الظن بعن أنه "جزئي" ‪ ،‬و يدث التّناقض‬
‫حينما يصف قطب هذا "التّصوّر السلمي"! بأنه‪ :‬شامل كامل‪ "..‬و هذا يُناقض مفهوم و مدلول كلمة‬
‫"تصوّر" ‪ ،‬إنا و بشكل أوضح كلمات "شاعر" خيال ‪ ،‬يريد أن يوّل أوهامه إل واقع ‪ ،‬و قطب يضع‬
‫نفسه ف ضمن هذه "النخبة ال ّربّانيّة" الّت تفكر بالنهج اللي الشّامل و الكامل ‪ ،‬يقول‪:‬‬
‫" إن وظيفة النهج الربان أن يعطينا ‪ -‬نن أصحاب الدعوة السلمية ‪ -‬منهجا خاصا للتفكي‬
‫‪ ،‬نبأ به من روا سب منا هج التفك ي الاهل ية ال سائدة ف الرض ‪ ،‬وال ت تض غط على عقول نا ‪،‬‬
‫وتترسب ف ثقافتنا ‪ ..‬فإذا نن أردنا أن نتناول هذا الدين بنهج تفكي غريب عن طبيعته ‪ ،‬من مناهج‬
‫التفك ي الاهل ية الغال بة ‪ ،‬ك نا قد أبطل نا وظيف ته ال ت جاء ليؤدي ها للبشر ية ‪ ،‬وحرم نا أنف سنا فر صة‬
‫اللص مـن ضغـط النهـج الاهلي السـائد فـ عصـرنا ‪ ،‬وفرصـة اللص مـن رواسـبه فـ عقولنـا‬
‫وتكويننا" معال ص ‪.38‬‬
‫فق طب و من على شاكل ته ‪ ،‬هم وحد هم الهيمنون و الوكلء و الف سّرون لد ين ال و لل نب و ل‬
‫يق لحدٍ أن يعترض حينها ‪ ،‬ل ّن كل ما هو غي هذا النهج هو باطل و واجب القتل و البادة و السحق‬
‫‪ ،‬إنّ فكر اليمنة و السّيطرة هو ُلبّ و خُلصة هذه النظريّة ‪ ،‬من هنا فل مال أبدا للحوار أو التّفاهُم مع‬
‫هذا ال ط الّذي ل يف هم إل أمرا واحدا و أُ سلوبا واحدا هو "الع نف و ال صراع" إل أن يُدمّ ر العال أو‬
‫يُ َدمّر هُ العال ‪ ،‬و قُطب يريد من النّاس أن يُج سّدوا "العقيدة" حتّى قبل أن يعرفوها ‪ ،‬و هذا نقيض الواقع‬
‫و الن طق و كُلّ النظريات الفكر ية ‪ ،‬بل إن إ ستدلله بنول القرآن على فترات ين في نظريّ ته و ل يُثبت ها ‪،‬‬
‫بعن أن هذا القرآن الّذي نزل على فترات‪:‬‬
‫ل } [ السراء ‪] 106 :‬‬
‫ث وََنزّْلنَاهُ تَ ْنزِي ً‬
‫{ َو ُقرْآنًا َف َرقْنَاهُ لَِت ْقرَأَهُ َعلَى النّاسِ َعلَى مُكْ ٍ‬

‫‪101‬‬

‫‪And )it is) a Quran which We have divided )into parts), in order‬‬
‫‪that you might recite it to men at intervals. And We have revealed‬‬
‫‪.it by stages. sorah of Israe 106‬‬
‫هو لغرض "الستيعاب العقلي" و ليس العكس‪.‬‬
‫إن أول كلمات تراثيّة يستشهد با قطب ف كتابه ‪ ،‬هي كلمات "إبن قيّم الوزيّة" أحد مؤسسي‬
‫الف كر الرها ب ال سلفي ‪ ،‬و ذلك ف ف صل كت به عن "الِهاد" معال ص ‪ 50‬و من خلل هذا الف صل‬
‫يتضح أ نّ غاية النظرية و نايتها تتلخص ف كلمتي "السلم أو القتال"! بالتّال و كما قلنا سابقا أن ل‬
‫فائدة من الوار مع هؤلء ‪ ،‬بل على العال التحضر حربم بالفكر و السّلح إل أن يتم القضاء عليهم‪.‬‬
‫نعود إل مسألة إياد إصلح داخل هذه الركات السلمية ‪ ،‬فهناك جلة شروط ل بُد و أن تتوفر لكي‬
‫ينضموا إل الراك السياسي ‪ ،‬و القتباس هنا يتعلق بإخوان مصر ‪ ،‬و قد طرحها الخوانيون أنفسهم‪:‬‬
‫"‪-1 :‬إعلن الماعة أن الدستور هو الرجعية العليا للنظام السياسي‪ -2 ،‬أن نعلن الماعة عن رغبتها أن‬
‫تكون حزبا سياسيا شرعيا وليس جاعة دينية‪ -3 ،‬أن البلان هو الهة الوحيدة للتشريع ف البلد‪-4 ،‬‬
‫أنا مثل أى حزب شرعي تؤمن بأن الوصول إل السلطة والكم يتم عن طريق الصندوق النتخاب وليس‬
‫عن طريق أى أسلوب آخر‪ -5 ،‬أنا لو فرضنا و وصلت للحكم فإنا تلتزم بعدم الخلل بقواعد الكم‬
‫الديقراطى القائم على تداول السلطة لن يلك الغلبية و استحقها من خلل الصندوق النتخاب و كافة‬
‫الو سائل الديقراط ية التعارف علي ها‪ -6 .‬أن ا تلتزم بكا فة الواث يق و العاهدات و التفاقات القليم ية و‬
‫الدولية الت وقعتها الكومات الصرية متعاقبة" التاريخ السري ص ‪50‬‬
‫هذه النقاط ستشكل فعل ـ لو حدث ذلك طب عا ـ خطوة أ ساسية أول تف تح البواب ن و التغي ي ف‬
‫أناط الفكر السائد و القائم على اليمنة و رفض الخر ‪ ،‬إذ ليس هناك من هو ف حاجة إل الرية كما‬
‫هم "أي ال سلميون" ف حا جة لر ية الت عبي ‪ ،‬ل كن الشكلة مرة أخرى هو ف سيادة الن هج ال سلمي‬
‫التقليدي التطرف و الذي يع تب الرب و الواج هة أ ساسا و ال سلم و التفا هم ا ستثناءا ‪ ،‬و اعتناق سيد‬
‫ق طب للمذ هب الوها ب هو الذي ر سخ عقيدة التكف ي و الكراه ية لدى ال سلميي و جعل هم ف حرب‬
‫دائمة ضد التغيي و ضد الداخل و الارج ‪ ،‬كما أن إعدام سيد قطب من قِبل نظام عبد الناصر ‪ ،‬جعله‬
‫شهيدا ف أعي أنصاره من الرهابيي و التطرفي ‪ ،‬و لو ل يُعدم لات كأي منون أو معتوه متطرف‪.‬‬

‫‪102‬‬

‫يقول الفكر متار قاسم و هو أحد الشاركي ف منتدى (السلم و الصلح ‪: )2005‬‬
‫" وح ت هذه اللح ظة ل يُعلن الخوان صراحة‪ ،‬ما إذا كا نت فتوى مف ت الما عة قد نُ سِخَت أو ح ت‬
‫ُنقّحَت أم مازالت سارية الفعول‪ ،‬علوة أن ال جج ال ت يذكر ها أن صار التيار الدي ن ال سياسي من وا قع‬
‫الن صوص‪ .‬تتجا هل حقي قة أن الب شر هم الذ ين يطبقون الن صوص ويف سرونا ح سب مقتضيات الحوال‬
‫وأن مكتـب الرشاد (أعلى سـلطة فـ الماعـة) ل يعتمـد هذه الرؤى التقدمـة كموقـف اسـتراتيجي‬
‫للجماعة‪ ،‬فهناك نصوص مغايرة يقول با بعض مناظريهم وتثي البلبلة حول وجهات نظرهم القيقية مع‬
‫السـلم‪ ،‬فل نعتقـد أن أحدا لديـه مشكلة وإنا الشكلة مـع بعـض اجتهادات وقناعات مثلي اللـ‬
‫ال سلمي‪ .‬فالشكال ية ك يف نؤ صل حقوق القباط على أرض ية الواط نة تارييا وقانونيا؟ إن هذه عمل ية‬
‫معقدة تتاج إل مبادرات خل قة من كل الطراف‪ .‬وإعادة هند سة البن ية التشريع ية والقانون ية لتخل يق‬
‫انتخابات سياسية تعل القتراع العام على أسس الكفاءة والوهبة والبامج‪ .‬وساعتها يكن أن يعزز العمل‬
‫ال سياسي والد ن قيادات جديدة بعيدة عن سيطرة الؤ سسات الدين ية ورجال الكهنوت‪ .‬أ ما النك تة ال ت‬
‫أضحكتنا فهي أن السيد ممود غزلن ربا ل يدري أن السيحية ترم شرب المر وأكل النير‪ ،‬وعلى‬
‫هذا فإن تنازل ته بالن سبة للقباط ف هذا الجال ستذهب أدراج الرياح‪ .‬على ممود غزلن أن يقرأ قليلً‬
‫ف العهد القدي‪ .‬إذا أراد أن يتحدث عن حقوق السيحيي‪ ،‬أو ييب عن العضلة الت تتناقض مع رؤيته‬
‫ال ستنية‪ .‬لاذا ل ير شح الخوان عدد من القباط على قوائم هم ف انتخابات ‪2005‬؟ أو يدعموا عدد‬
‫من الشخ صيات القبط ية البارزة كم ن مكرم عب يد أو من ي فخري ع بد النور؟ مرد سؤال نطر حه ق بل‬
‫انتخابات ‪ 2010‬أو ربا قبلها بكثي"‪ .‬ص ‪ 97‬و ‪98‬‬
‫إن تعامل السلميي مع القليات غي السلمية ل زال ين ّم عن "تسامح مصطنع" أو بعبارة أوضح يبدو‬
‫لنا أن هذا التسامح "و هو لدّ الن تسامح إعلمي فقط" يُقدّم و كأنه هبة أو منّة ينّها السلمون على‬
‫الخرين ‪ ،‬كما أن صيغة الطالبة بـ"حاكم مسلم"!! هو أحد أخطر مظاهر الفاشية السلمية ‪ ،‬و مؤخرا‬
‫ف العراق و عند ما عب الر جع الشي عي العلى ال سيد ال سيستان عن قبوله برئ يس "م سيحي" للعراق ‪،‬‬
‫خرجت تظاهرات سنية مطالبة بإدراج "أن الاكم يب أن يكون مسلما"‪.‬‬
‫لربا ل يكن من الغريب ‪ ،‬قبل خسة قرون من الن ‪ ،‬أن تدفع أقلية أو مموعة دينية أو عرقية جزية أو‬
‫ضريبة للدولة أو السلطة ‪ ،‬لكن ف عصر ل يعد فيه أحد يستطيع العيش منعزل دون التعامل مع الغي و‬
‫خلق مساواة حقيقية بي الواطني لتطوير مفهوم الدولة و أن مسألة النة و النار و يوم الساب هي من‬
‫حق ال وحده و ليس لحد أن يعل من نفسه وكيل ل ‪ ،‬ل بد من تغيي هذه العقلية ‪ ،‬فمن جهة يُصرّ‬
‫السلميون على ما يُسمّى بالكم السلمي بجة "أن السلمي أكثرية" دون اللتفات إل أن السلمي‬

‫‪103‬‬

‫هـم أقليـة فـ العال ‪ ،‬فالكاثوليـك وحدهـم يعادلون العال السـلمي ‪ ،‬هذا فضل عـن البوتسـتانت و‬
‫الرثودوكس و الديان الخري كالبوذيي و الندوس و اليهود ‪ ،‬بالضافة إل الل دينيي و اللحدين‪.‬‬
‫السلميون ف العراق‬
‫يشكل العراق أحد أهم دول النطقة الشرق أوسطية ‪ ،‬من هنا فطنت الوليات التحدة إل أهية بدأ التغيي‬
‫ف النطقة من خلل العراق ‪ ،‬و مشكلة عراق ما بعد صدام تكمن ف هيمنة تيارين إسلميي متعاديي‬
‫"الشيعي ـ السن" و ظهور معادلة أخرى ف الساحة العراقية ‪ ،‬و أعتقد أن الساحة الكردية أيضا ستشهد‬
‫انسارا للتيار العلمان ـ أو الذي يدّعي العلمانية ـ و طغيان التطرف السلمي بسبب إخفاق العلمانية‬
‫و اللبال ية ف تق يق رفاه ية للمواطني ‪ ،‬ك ما أن كلّ التجارب ال ستبدادية الفاش ية الطائف ية قامت ت ت‬
‫شعار "العلمان ية" أو الفهوم الوط ن للدولة العراق ية و هذا ما شوّه كل مة "علمان ية" ف الع قل العرا قي و‬
‫جعله يُنظر بعي الرّيبة و الشّك إل كلّ من يدعوا إل فصل الدّين عن النظام السّياسي‪.‬‬
‫من هنا كان ردّ الفعل الشعب باتاه احتضان السلميي "الشيعة منهم خصوصا" ‪ ،‬لكنن أعتقد أن التيار‬
‫السـلمي الشيعـي "حزب الدعوة السـلمية" تديدا ‪ ،‬قـد خطـى خطوات جبارة باتاه الديقراطيـة فـ‬
‫العراق ‪ ،‬صحيح أن هذا التيار ال سلمي الشي عي يوي متطرف ي ‪ ،‬ل كن ال ط العام من سجم مع مفاه يم‬
‫الدولة الديقراطيـة "النتخاب" ‪" ،‬حريـة العقيدة و التعـبي" ‪" ،‬حريـة التظاهـر السـلمي" و أيضـا "حريـة‬
‫التجارة" ‪ ،‬ك ما أن اعتراف "الجلس العلى للثورة السلمية ف العراق" الّذي تول إل "الجلس العلى‬
‫ال سلمي العرا قي" بتداول ال سّلطة سلميا و عب الدّيقراط ية و حذف كل مة "ثورة" من شعار الزب و‬
‫اتّخاذه الرجعية النجفيّة العراقيّة كقدوة ‪ ،‬كل هذا كان خطوات جيّدة بالرغم أنّي كنت أُفضّل لو كان تّ‬
‫تغي ي ف قمّة الرم للمجلس أ سوة بزب الدّعوة الّذي انت خب نوري الال كي أمي نا عا ما للحزب خل فا‬
‫لبراهيم العفري ترسيخا للديقراطية ‪ ،‬بينما التيار السلمي السن "العرب و الكردي" يعتب الديقراطية‬
‫نوعا من الكفر و الروج عن السلم ‪ ،‬باستثناء تول طفيف ف الزب السلمي العراقي باتاه النظومة‬
‫الديقراطية‪.‬‬
‫الشكلة الت يعيش ها العراق الن هو كيف نفض الشتباك الدين و القومي ‪ ،‬فالصراع ليس حصرا بي‬
‫سنة و شيعة كما يظن كثيون ‪ ،‬فحت الصراع القومي ف العراق يرتدي زيّا دينيا و يسخّر "الدين" لصال‬
‫العصابات القومية و الليشيات العنصرية الت تريد "استعادة"!! مناطق متلة من قبل قومية أخرى كانت‬
‫نظريتها العنصرية تكم العراق ذات يوم ‪ ،‬لقد أخطأ الجتمع الدول خطأ كبيا حينما منع "شيعة العراق"‬
‫من تشكيل حكومة ـ فهم الغلبية و الغلبية هي الت تكم مع مراعاة حقوق القليات ـ لكن عندما‬
‫حُ شر الخرون حشرا ف الكو مة ت ت شعار "حكو مة الوحدة الوطن ية" ‪ ،‬شاع مفهوم خاط يء لدى‬

‫‪104‬‬

‫الطراف السـياسية ‪ ،‬و هـو أن العراق "كعكـة" يبـ أن يقتسـمها الميـع ‪ ،‬و كان هذا نقطـة لصـال‬
‫القاعدة و حركات الرهاب الخرى ‪ ،‬إذ أوجد هذا شرخا كبيا ف كيان الدولة العراقية و كأن الشيعة‬
‫"مشكوك ف ولئهم الوطن"!! حسب الفهوم الديد السائد‪.‬‬
‫تتسم الركات السلمية الشيعية بيولا الوطنية ‪ ،‬لكنها تتفاوت ف ذلك بسبب قوّة الِس الدّين (و قد‬
‫أشارت السـيدة ‪ Phebe Marr‬إل هذه النقطـة عـب تقريـر خاص أصـدرته لصـال معهـد السـلم‬
‫المري كي و التقر ير متو فر على الو قع ‪ ، ) www.usip.org‬فحزب الدعوة ال سلمية معروف ع نه‬
‫أ نه أك ثر تركيزا على الا نب الوط ن "النتماء إل العراق" من سائر الركات ك ـ"الجلس العلى" و‬
‫"التيار الصـدري" ‪ ،‬بالرغـم مـن وجود بقايـا لفكار الاضـي الميـة و رغـم أن حزب الدعوة خطـى‬
‫خطوات مه مة ف الن سجام مع آليات الديقراط ية ف عراق ما ب عد الطا حة بصدام ‪ ،‬ل كن هذا الزب‬
‫يتاج إل الزيد من التطوير و أعتقد أن هذا ما سيحدث تراكميا عب المارسة السياسية‪.‬‬
‫و ما يُهمن هنا الن هو مراجعة سريعة لطروحات الصدر الول ‪ ،‬و أنا لن أنطلق ف النقد إل و أنا أعلم‬
‫اليقي أن السيد الشهيد الصدر الول لو كان حيا لرحب بكل نقد ‪ ،‬إنطلقا من فهم الط الشيعي العام‬
‫ل سألة تطو ير الفكار كنوع من مار سة الجتهاد العقلي و حر صا منّي على أن أُف يد الخوة ف "حزب‬
‫الدعوة السلمية" باتاه تنشيط المارسة الديقراطية ف داخله و دفعا لسيادة "التقليد" و المود ‪ ،‬و نن‬
‫نعلم أن العل مة اللّي " ال سن بن يو سف الط هر (ت ‪ 726‬قام بن قد أفكار و اجتهادات العل مة ن صي‬
‫الدين الطوسي رغم عظمته الفقهية لكي ل يسود "التقليد" و بفضل عمله هذا استمرت ظاهرة الجتهاد‬
‫ف الو سط الشي عي ‪ ،‬ف ح ي تو قف ال سنيون ف إعمال عقول م و فضّلوا التقل يد ‪ ،‬ف في كتا به القيّم‬
‫"فلسـفتنا" يطرح الصـدر نقدا سـريعا للرأسـالية الغربيـة ‪ ،‬بينمـا كان نقده يكاد يكون مفصـّل للنظاميـ‬
‫"الشتراكي" و "الشيوعي" ‪ ،‬و هي إشارة واضحة إل أن سلبيات "النظم الغربية الديقراطية الرأسالية" ل‬
‫تكاد تُقارن بالنظم "الشتراكية الشيوعية الدكتاتورية" ‪ ،‬و انصر نقد الصدر الول للحضارة الغربية ف‬
‫جزئية هي "دور الدين ف الدولة"!! ‪ ،‬لكن يبدو ل أنه هو نفسه ـ أي الصدر الول ـ ل يكن مقتنعا‬
‫بنقده للغرب‪.‬‬
‫يقول ممد باقر الصدر ف كتابه "فلسفتنا" عن النظام الرأسال الديقراطي ‪:‬‬
‫" هذا النظام الذي أطاح بلون مـــــــــــــــــــــــــــن‬
‫الظلم ف الياة القت صادية‪ ,‬وبال كم الدكتاتوري ف الياة ال سياسية‪ .‬وبمود الكني سة و ما إلي ها ف‬
‫الياة الفكريــــة‪ ,‬وهيــــأ مقاليــــد الكــــم والنفوذ لفئة حاكمــــة‬

‫‪105‬‬

‫جديدة حلت ملــ الســابقي‪ ,‬وقامــت بنفــس دورهــم الجتماعــي فــ أســلوب‬
‫جديد‪.‬‬
‫و قد قا مت الديقراط ية الرأ سالية على اليان بالفرد إيا نا ل حد له‪ .‬وبان م صاله الا صة بنف سها‬
‫تكفـــل ــــ بصـــورة طبيعيـــة ــــ مصـــلحة الجتمـــع فـــ متلف‬
‫اليادين" ص ‪.13‬‬
‫فال سيد ال صدر ها ه نا يكاد يزم أن النظام الغر ب يكاد يكون القرب إل ذات الن سان بف ضل توفيه‬
‫للحريات ال ساسية و ال ت تكاد تتحرك ف إطار ها ال طبيعي "الفِطري" و الذي ي نع احتكار فئة معي نة من‬
‫الناس أن تتكر ال و الدين و القيقة لنفسها ‪ ،‬و أن مفهوم "الظلم" و "العدل" يبقى مسألة نسبية ـ ما‬
‫ل ترج عن الد الطبيعي ـ فالعدام لبعض مرتكب الرائم الكبى ‪ ،‬هو أمر طبيعي و ل غبار عليه ف‬
‫ب عض الجتمعات ‪ ،‬بين ما تع تب متمعات أُخرى أن العدام عقو بة جديرة باللغاء و أن إلغاء الياة أف ظع‬
‫من الرية الرتكبة ‪ ،‬كما أن الجتمعات السلمية نفسها تتفاوت ف هذا الشأن ‪ ،‬ففي بعض البلدان ند‬
‫أن "الزواج الؤ قت" أو "الت عة" مقبولة اجتماع يا و تع تب حل لكث ي من الشا كل الخلق ية ‪ ،‬بين ما ن د‬
‫متم عا إ سلميا آ خر يعتب ها أمرا مشي نا و ظال ا ‪ ،‬و ل ست ه نا ب صدد مناق شة الوضوع من ح يث الدلة‬
‫الفقهية الشرعية ‪ ،‬لكننا نناقش الوضوع من حيث نسبية الخلق‪.‬‬

‫و يل خص ال صدر أهداف النظام الديقرا طي ف حا ية الُ سس الرب عة " ال سياسية‪ ,‬والقت صادية‪,‬‬

‫والفكرية‪ ,‬والشخصية" فلسفتنا ص ‪. 14‬‬
‫و هي ك ما ترى من أ ساسيات أو الثوا بت النطق ية و الواقع ية ال ت يقوم علي ها أي مت مع ‪ ،‬فالر ية‬
‫السياسية تكفل حق العمل السياسي و الزب للجميع ‪ ،‬و الرية القتصادية تنع أي طرف من احتكار‬
‫السـوق و بالتال تتحكـم الريات الخرى بالسـوق مـن حيـث الوضوح و كشـف الفسـاد أو جوانـب‬
‫الق صور ‪ ،‬بين ما تقوم الر ية الفكر ية على أ ساس أن من حق كل الفكار أن تتنا فس ما ل تل جأ إل‬
‫الو سائل غ ي الفكر ية ك ـ"الع نف" أو "الكراه" أو أي نوع من التهد يد ‪ ،‬و هو ال مر الذي ل ت ستطع‬
‫القيام به أي دولة دين ية "إ سلمية أو م سيحية أو أي د ين آ خر" ‪ ،‬من ه نا كان من الت مي أن تكون‬
‫الرأسالية الديقراطية ـ رغم عيوبا ـ أفضل نظام عرفه التاريخ‪.‬‬
‫يقول الصدر ـ الصدر السابق ص ‪:14‬‬
‫" فالرية السياسية ـ يعن ف النظام الديقراطي ـ تعل لكل فرد كلما مسموعا ورأيا مترما‬

‫فــــــــــــــــــــ تقريــــــــــــــــــــر‬

‫‪106‬‬

‫الياة العا مة لل مة‪ :‬و ضع خطط ها‪ ,‬ور سم قوانين ها‪ ,‬وتعي ي ال سلطات القائ مة لمايت ها‪ .‬وذلك لن‬
‫ــــألة‬
‫ــــا‪ ,‬مسـ‬
‫ــــم فيهـ‬
‫ــــة‪ ,‬والهاز الاكـ‬
‫ــــي للمـ‬
‫النظام الجتماعـ‬
‫ـعادته‬
‫ـا ف ـ سـ‬
‫ـر تأثيا حاسـ‬
‫ـا‪ ,‬وتؤثـ‬
‫ـن أفرادهـ‬
‫ـل فرد مـ‬
‫ـا ًل مباشرا بياة كـ‬
‫ـل اتصـ‬
‫تتصـ‬
‫أو شقائه‪ ,‬فمــن الطــبيعي حينئذ أن يكون لكــل فرد حــق الشاركــة فــ بناء النظام‬
‫والكم‪.‬‬
‫وإذا كانــت الســألة الجتماعيــة ـــ كمــا قلنــا مســألة حياة أو موت‪ ,‬ومســألة‬
‫سعادة أو شقاء للمواطني‪ ,‬الذين تسري عليهم القواني والنظمة العامة‪...‬‬
‫فمـــن الطـــبيعي‪ ,‬أيضا أن ل يباح الضطلع بســـؤوليتها لفرد‪ ,‬أو لجموعـــة‬
‫خاصـة مـن الفراد ــ مهمـا كانـت الظروف ــ مـا دام ل يوجـد الفرد الذي يرتفـع فـ‬
‫نزاهة قصده ورجاحة عقله‪ ,‬على الهواء والخطاء‪.‬‬
‫فل بــد إذن مــن إعلن الســاواة التامــة فــ القوق الســياسية بيــ الواطنيــ‬
‫كا فة‪ ,‬لن م يت ساوون ف ت مل نتائج ال سألة الجتماع ية‪ ,‬والضوع لقتضيات ال سلطات التشريع ية‬
‫والتنفيذيـــــة‪ .‬وعلى هذا الســـــاس قام حـــــق التصـــــويت ومبدأ‬
‫ـن‬
‫ـه ـ ـ عـ‬
‫ـلطاته وشعبـ‬
‫ـل سـ‬
‫ـم ـ ـ بكـ‬
‫ـن انبثاق الهاز الاكـ‬
‫النتخاب العام‪ ,‬الذي يضمـ‬
‫أكثرية الواطني‪".‬‬
‫إذا كنا نبحث ها هنا ‪ ،‬كما فعل السيد الصدر ‪ ،‬عن الفرد الذي يرتفع "ف نزاهته" فوق الهواء و‬
‫الخطاء ؟!! فإن هذا الش خص أو النوع من الفرد ل يو جد إل ف مت مع "الدي نة الفاضلة" الثال ية ال ت‬
‫خلقها أفلطون و الفاراب و أربابما من الفلسفة الالي ‪ ،‬و لكن النسان الواقعي يبقى صاحب هوى‬
‫و شهوة و رغبات ‪ ،‬بل إن ال سيد ال صدر نف سه ف كتا به اقت صادنا يو ضح أن مر كز حر كة التار يخ هو‬
‫"حُبّ الذّات" قبل أن يكون النس ـ حسب نظرية فرويد ـ أو القتصاد ـ حسب كارل ماركس ـ‬
‫‪ ،‬بالتال فإن أفضل ما يكن للنسان أن يقوم به هنا هو إياد آليات لتنظيم العلقة بي "الفراد" و إياد‬
‫نوع من الرقابة الجتماعية و الشعبية على الفراد التنفذين ف القرار و من هنا ند أن العلقة بي الاكم‬
‫و الحكوم ف النظام الديقرا طي ل تعدو كون ا عل قة أخرى ب ي فرد ين ‪ ،‬بل إن الفرد ال سئول أك ثر‬
‫عرضة للهانة و النقد من الواطن العادي ‪ ،‬كون السئولية تعن إلغاء أي نوع من الصانة‪.‬‬
‫يقول الصدر "الصدر السابق ص ‪:"15 – 14‬‬

‫‪107‬‬

‫" والر ية القت صادية ترت كز على اليان بالقت صاد ال ر‪ ,‬وتقرر ف تح ج يع البواب‪ ,‬وتيئة كل‬
‫ـــــادي‪ .‬فيباح‬
‫ـــــ الجال القتصـ‬
‫ـــــن فـ‬
‫ـــــن ‪ ...‬أمام الواطـ‬
‫الياديـ‬
‫التملك للســتهلك وللنتاج معا‪ ,‬وتباح هذه اللكيــة النتاجيــة التــ يتكون منهــا‬
‫رأس الال مــن غيــ حــد وتقييــد‪ ,‬وللجميــع على حــد ســواء‪ .‬فلكــل فرد مطلق‬
‫الريــة فــ إنتاج أي أســلوب وســلوك أي طريــق‪ ,‬لكســب الثروة وتضخيمهــا‪,‬‬
‫ومضاعفاتا‪ ,‬على ضوء مصاله ومنافعه الشخصية‪.‬‬
‫وف زعم بعض الدافعي عن هذه الرية القتصادية أن قواني القتصاد السياسي‪ ,‬الت تري على‬
‫أصــــول عامــــة بصــــورة طبيعيــــة‪ ,‬كفيلة بســــعادة الجتمــــع‬
‫وحفظ التوازن القتصادي فيه‪ ...‬وإن الصلحة الشخصية‪ ,‬الت هي الافز‬
‫القوي والدف القيقي للفرد ف عمله ونشاطه‪ ,‬هي خي ضمان للمصلحة الجتماعية العامة وإن‬
‫ــــاوي‬
‫ــــة لتسـ‬
‫ــــوق الرة‪ ,‬نتيجـ‬
‫ــــ السـ‬
‫ــــس الذي يقوم فـ‬
‫التنافـ‬
‫ـق روح‬
‫ـي وحده لتحقيـ‬
‫ـادية‪ ,‬يكفـ‬
‫ـة القتصـ‬
‫ـن الريـ‬
‫ـم مـ‬
‫ـن ف ـ حقهـ‬
‫النتجي ـ والتجريـ‬
‫العدل والنصــاف‪ ,‬فــ شتــ التفاقات والعاملت‪ .‬فالقوانيــ الطبيعيــة للقتصــاد‬
‫ل ــ فـ حفـظ السـتوى الطـبيعي للثمـن‪ ,‬بصـورة تكاد أن تكون آليـة‪,‬‬
‫تتدخـل ــ مث ً‬
‫وذلك أن الثمـــن إذا ارتفـــع عـــن حدوده الطبيعيـــة العادلة‪ ,‬انفـــض الطلب‬
‫بكـــم القانون الطـــبيعي الذي يكـــم بأن ارتفاع الثمـــن يؤثـــر فـــ انفاض‬
‫الطلب‪ ,‬وانفاض الطـــب بدوره يقوم بتخفيـــض الثمـــن‪ ,‬تقيقا لقانون طـــبيعي‬
‫آخر‪ ,‬ول يتركه حت ينخفض به إل مستواه السابق ويزول الشذوذ بذلك"‪.‬‬
‫نود هـا هنـا أن نعقّــب على كلم الشهيـد الصـدر الول بالقول أن هذا النقـد النظري يقوم على‬
‫افتراض هو ناتج عن مقارنة خاطئة بي الشيوعية كـ"آيدولوجيا" تدعي و تزعم الكمال الطلق و تتعامل‬
‫مع الواقع و الجتمع بشمولية ل تتلف كثيا عن النظم الدينية و اليانية الت تنظر إل الجتمع و علقاته‬
‫القتصادية و السياسية بفوقية واضحة ‪ ،‬بينما الرأسالية كنظام ديقراطي ل تدّعي أن القواني و العلقات‬
‫الرأسالية كاملة و ل عيب فيها ‪ ،‬لكن النظام الرأسال الغرب الذي يرتكز على الرية و حقوق النسان ‪،‬‬
‫يقوم بإزالة كل ما هو قبيح و شائن ف العلقة الرأسالية من خلل حاية الستهلك و الطبقة الفقية عب‬
‫فرض ضرائب كبية على الرساميل الضخمة لتتحول إل نفقات للرعاية الجتماعية و الضمانات التعددة‬
‫"كضمان ال سكن و ال صحة و توف ي مقومات الياة ال ساسية" ‪ ،‬فالرأ سالية التطر فة ف القي قة لي ست‬

‫‪108‬‬

‫موجودة ف ما هو مطبق ف النظمة الديقراطية ‪ ،‬فكثي من الدول الرأسالية ‪ ،‬كالملكة التحدة البيطانية‬
‫و السويد و النروج و غيها ‪ ،‬أضافت إل قوانينها تعديلت عدة للق توازن بي حرية التجارة و التبادل‬
‫القتصادي و بي حقوق الفراد و مكونات الجتمع ‪ ،‬مع ملحظة أن الطبقية ـ خصوصا ف مظاهرها‬
‫البشعة ـ تكاد أو أنا فعل اختفت ف الدول الغربية ‪ ،‬بينما الطبقية موجودة و بشكل سافر ف النظمة‬
‫الفوضوية و الشرقية السلمية و الشتراكية‪.‬‬
‫و يضيف الصدر قائل‪:‬‬
‫" والتنافس يقتضي ـ بصورة طبيعية ـ تديد أثان البضائع وأجور العمال والستخدمي بشكل‬
‫عادل‪ ,‬ل ظلم فيـــــــه ول إجحاف‪ .‬لن كـــــــل بائع أو منتـــــــج‬
‫ــة‬
‫ــبب منافسـ‬
‫ــض أجور عماله‪ ,‬بسـ‬
‫ــه‪ ,‬أو تفيـ‬
‫ــع أثان بضائعـ‬
‫ــن رفـ‬
‫ــى مـ‬
‫يشـ‬
‫الخرين له من البائعي والنتجي‪ ".‬الصدر السابق ص ‪.15‬‬
‫إن التنافـس القتصـادي ل يري هكذا فـ الدول الغربيـة ‪ ،‬إذ ل يكفـي أن نطلع على النظريات‬
‫القتصـادية الكتوبـة و السـطرة فـ كتـب ‪ ،‬و نكـم عليهـا كمـا فعـل الفلسـفة القدماء الذيـن كانوا‬
‫يستعملون "النظر و الستنتاج العقلي" دون متاب عة الفكرة ف أجواء تطبيقها على أرض الواقع و ف ظل‬
‫الحيط القانون للتطبيق ‪ ،‬من هنا ن د أن هناك ا سنتاجا متلفا عن أي قضية إذا كانت نتيجة عن ن ظر‬
‫مض ‪ ،‬بينما تكون نتيجة الستنتاج متلفة ف ظل التجربة و التطبيق الواقعي ‪ ،‬من هنا تتلف الديقراطية‬
‫الرأسالية عن الجتمعات و النظمة الشمولية ف كونا تطرح كل الواضيع و الشاكل على بساط البحث‬
‫و النقد و عب كافة وسائل العلم الرة ‪ ،‬و مهما قيل عن تبعية وسائل العلم هذه لهات رأسالية ‪،‬‬
‫يبقى هناك إعلم آخر تابع للدولة و لصال أخرى منافسة تعطي الجال الفسيح للتعبي‪.‬‬
‫إن اللئ مة ب ي النظام الرأ سال الديقرا طي القائم على ح فظ حقوق الفرد و ب ي ال سلم كحر ية‬
‫اختيار فردية ‪ ،‬سيشكل التحدي الرئيسي و الواقعي لستقبل العلقة بي إشكالية الدين و الدولة ف العال‬
‫السلمي و العراق على وجه التحديد ‪ ،‬و من خلل رؤيتنا إل أن رؤية الصدر ـ و هو مؤسس حزب‬
‫الدعوة ـ للرأسالية الديقراطية ل تكن تنم عن مواجهة ‪ ،‬فيما يبدو كونه اختلفا جذريا عن الرؤية الت‬
‫طرحها المينيون تاه الغرب و الوليات التحدة تديدا ‪ ،‬و يبدو من هنا لاذا استطاع حزب الدعوة أن‬
‫يُكيّف الصال العراقية مع مصال الوليات التحدة و الغرب الذي قاد عملية التغيي‪.‬‬
‫يقول الصدر بعد انتهائه من سرد السس الت قام عليها النظام الرأسال الغرب‪:‬‬

‫‪109‬‬

‫" هذه هــي الديقراطيــة الرأســالية فــ ركائزهــا الســاسية‪ ,‬التــ قامــت مــن‬
‫ـل‬
‫ـم‪ .‬فـ ظـ‬
‫ـن الشعوب والمـ‬
‫ـبيلها كثيـ مـ‬
‫ـد فـ سـ‬
‫ـن الثورات‪ ,‬وجاهـ‬
‫ـا جلة مـ‬
‫اجلهـ‬
‫قادة كانوا حيــ يعــبون عــن هذا النظام الديــد ويعدونمــ بحاســنه‪ ,‬يصــفون‬
‫النة ف نعيمها وسعادتا‪ ,‬وما تفل به من انطلق وهناء وكرامة وثراء‪ .‬وقد أجريت عليها بعد ذلك‬
‫عدة مـــــن التعديلت‪ ,‬غيـــــ أناـــــ ل تســـــ جوهرهـــــا‬
‫بالصميم‪ ,‬بل بقيت متفظة بأهم ركائزها وأسسها‪ ".‬فلسفتنا ص ‪.16‬‬
‫إن هذه العبارات و أن بدى من خلل ا ب عض "التحا مل" أو عدم الر ضا ‪ ،‬إل أن ا ل ت نم عن ر فض‬
‫قطعي و كلي ‪ ،‬بل يُظهر أن السيد الصدر الول يتلف مع النظومة الغربية الديقراطية الرأسالية ف بعض‬
‫الوارد ‪ ،‬فالسلم يؤمن بالسوق الرة و إن فرض عليها بعض القيود الانعة للحتكار ‪ ،‬و إن كنت أعتقد‬
‫أنه ل توجد صيغة أو نظرية متكاملة لا يكن تسميته "إقتصادا إسلمية"؟ فهذا يتوقف على ما يرج به‬
‫الباحث من آراء قد يتقبلها البعض و يرفضها آخرون ‪ ،‬بل إن السلمي ـ حالم حال كل التديني ‪،‬‬
‫وجدوا ف ظل النظام الديقراطي الرأسال حرية و كرامة أكثر من الدول "السلمية" نفسها‪.‬‬
‫و لكـن يبقـى السـيد الصـدر الول يطرح موضوع "اللّ السـلمي" كبحـث عـن هويـة أو إنتماء‬
‫للمنطقة ‪ ،‬دون أن يُطرح السؤال الهم و هو‪ :‬لاذا يطرح السلميون دينهم كـ"بديل" لكل شيء ‪ ،‬و‬
‫لاذا نعل "القتصاد السلمي" كندّ و خصم للقتصاد الرأسال ‪ ،‬بينما الرأسالية ل تدّعي أو تزعم أنا‬
‫"رأسالية مسيحية" أو "يهودية"!! فلماذا ل يقُم السلميون ‪ ،‬من ضمنهم السيد الصدر الول ‪ ،‬بلق‬
‫ظروف إقتصادية و بنفس النسق و الطوط العامة لذه النظرية "السلمية" دون صبغها بالصبغة الدينية ‪،‬‬
‫و قد أوقع نا هؤلء الباحثون ف إشكال كبي آ خر ‪ ،‬فعند ما طرح كل الفكر ين ال سلميي م مد با قر‬
‫ال صدر و سيد قُطُب ـ ر غم أ ن أش كك ف أن يكون سيد ق طب مفكرا ـ نظر ية "ف شل الضارة‬
‫الغربيـة"! فهـم بالتال ل يضعوا بديل حقيقيـا لذا الفشـل الفترض ‪ ،‬ماـ سـيعن أخيا أننـا سـنرى أهـل‬
‫واشنطن أو لندن ـ و هم مسيحيون يفخرون بدينهم و غي مستعدين للتخلي عنه ـ يلجأون إل الفقهاء‬
‫و اللية لتسيي حياتم الديدة "السعيدة"!!‬
‫من الوا ضح أي ضا ‪ ،‬أ نه ل يك في ‪ ،‬ل كي ن ضع أُ سس دولة متكاملة ‪ ،‬أن نُ ـنظــر لطروحات‬
‫"إقتصادية" دون أن يكون هناك وضوح ف تركيبة العمل العملية السياسية أو آليات تبادل السلطة بالطرق‬
‫السلمية ‪ ،‬الهم ها هنا هو أن أي دولة دينية لن تنجح مهما كان اقتصادها قويا ‪ ،‬طبعا من ناحية التنظي‬
‫ف كل نظر ية هي قو ية إل أن يُث بت الوا قع ناح ها أو فشل ها ‪ ،‬من هذا الا نب ن د أن هج ي الد ين ‪+‬‬

‫‪110‬‬

‫الديقراطية أو بعبارة أُخرى ما نستطيع تسميته بنظرية "الديقراطية الدينية" ل حظ لا من النجاح ‪ ،‬مثاله‬
‫الدولة الدينية ف إيران ‪ ،‬فالدولة بطبعها ل بُد و أن تنحاز إل أحد الطرفي ‪ ،‬إما الدين أو الديقراطية ‪،‬‬
‫لن آليات الديقراطيـة لن تعمـل مـا دامـت مصـبوغة بالديـن ‪ ،‬فالديـن ل بـد أن يبدي الدولة ببعـض‬
‫مظاهره ‪ ،‬كبعض الظاهر السيحية ف الغرب ‪ ،‬لكن ل يكنه أن يطغى على الدولة و مثل الدولة ها هنا‬
‫مثل "السيارة" الت تتاج إل "بعض" الزيت لتعمل ‪ ،‬لكن ما أن يتم إغراقها بالزيت حت تتوقف كليا‪.‬‬
‫من ه نا كا نت الدولة "العلمان ية" هي حلّ و سط ب ي اختلف الديان و الذا هب و ح ت اليان و‬
‫اللاد ‪ ،‬فالنظام العلما ن العتدل ـ من أمثلة النظ مة العلمان ية العتدلة الوليات التحدة و بريطان يا ـ‬
‫قادر على ا ستيعاب الم يع و الع مل على جلب النف عة ل م ‪ ،‬بين ما ن د النظ مة الدين ية و اليدولوج ية‬
‫الشموليـة "أمثلة‪ :‬إيران ‪ ،‬أفغانسـتان طالبان ‪ ،‬عراق البعـث و غيهـا" ل تنتـج إل الزيـد مـن الفرقـة و‬
‫النقسام‪.‬‬
‫يقول السيد الصّدر ‪:‬‬
‫" وكان مــن جراء هذه الاديــة التــ زخــر النظام بروحهــا أن أقصــيت الخلق‬
‫مـــن الســـاب‪ ,‬ول يلحـــظ لاـــ وجود فـــ ذلك النظام‪ ,‬أو بالحرى تبدلت‬
‫مفاهيمهـــا ومقاييســـها‪ ,‬وأعلنـــت الصـــلحة الشخصـــية كهدف أعلى‪ ,‬والريات‬
‫ـه العال‬
‫ـج بـ‬
‫ـا ضـ‬
‫ـر مـ‬
‫ـن ذلك أكثـ‬
‫ـأ عـ‬
‫ـلحة‪ .‬فنشـ‬
‫ـق تلك الصـ‬
‫ـيلة لتحقيـ‬
‫ـا كوسـ‬
‫جيعـ‬
‫الديث من من وكوارث‪ ,‬ومآسي ومصائب‪.‬‬
‫وقــد يدافــع أنصــار الديقراطيــة الرأســالية‪ ,‬عــن وجهــة نظرهــا فــ الفرد‬
‫ومصــاله الشخصــية قائليــ أن الدف الشخصــي بنفســه يقــق الصــلحة‬
‫الجتماعية‪ ,‬وأن النتائج الت تققها الخلق بقيمها الروحية تقق ف الجتمع الديقراطي الرأسال‪,‬‬
‫ـــع‬
‫ـــق الدوافـ‬
‫ـــن طريـ‬
‫ـــل عـ‬
‫ـــق الخلق بـ‬
‫ـــن طريـ‬
‫ـــن ل عـ‬
‫لكـ‬
‫الاصــة وخدمتهــا‪ .‬فإن النســان حيــ يقوم بدمــة اجتماعيــة يقــق بذلك‬
‫مصــلحة شخصــية أيضا‪ ,‬باعتباره جزءا للمجتمــع الذي ســعى فــ ســبيله‪ ,‬وحيــ‬
‫ينقــذ حياة شخــص تعرضــت للخطــر فقــد أفاد نفســه أيضا‪ ,‬لن حياة الشخــص‬
‫سوف تقوم بدمة للهيئة الجتماعية فيعود عليه نصيب منها‪ ,‬وإذن فالدافع الشخصي والس النفعي‬
‫يكفيان لتأميـــــ الصـــــال الجتماعيـــــة وضماناـــــ‪ ,‬مـــــا‬
‫دامت ترجع بالتحليل إل مصال خاصة ومنافع فردية" ـ فلسفتنا ص ‪.19‬‬

‫‪111‬‬

‫ما يعني ن ف هذا ال نص الذي اقتب سناه ‪ ،‬هو أن ال سيد ال صدر يب قى ‪ ،‬كو نه إ سلميا ‪ ،‬يب حث عن‬
‫"الثال" ف عال الواقع ‪ ،‬فالنظام الديقراطي عب ترسيخه لفاهيم "الرية" على كافة الستويات ‪ ،‬يترك‬
‫الباب مفتو حا ف سبيل رق يّ الجت مع روح يا و ماد يا ‪ ،‬بعبارة أخرى فإ نه ل ي كن أن ترت قي الخلق و‬
‫الروحانيات دون سدّ رغبات الن سان و حاج ته الاد ية ‪ ،‬فعند ما يقوم الجت مع ‪ ،‬أي مت مع ‪ ،‬بلّ كلّ‬
‫الشاكل الادية و النفسية عب القضاء على مسبّباتا من طغيان الكم أو الغنياء ‪ ،‬عندها ستجد أن الفراد‬
‫و الماعات سيبحثون و بلء إرادتم و حريتهم عن الراحة النفسية سواء عب الدين و طقوسه أو العمل‬
‫اليي‪.‬‬
‫إن الدا فع الشخ صي و الفردي يش كل لُ بّ و أ ساس كل نتاج إن سان ‪ ،‬الد ين ‪ ،‬الن ظم ال سياسية و‬
‫الجتماعية و الفردية ‪ ،‬و بالقابل ‪ ،‬فحينما انتقد السيد الصدر هيمنة فكرة إلغاء الفرد ف سبيل الماعة‬
‫ـ كما هو معروف ف الفلسفة الاركسية و الشتراكية الشعبية ‪ ،‬إل أنه عاد لينتقد جعل "الفرد" كغاية‬
‫ل كل النظام الرأ سال الديقرا طي ‪ ،‬إذ يب قى الشكال هو ‪ " :‬هل من حل و سط"؟! و الواب الوا ضح ‪،‬‬
‫الظا هر لدّ الن من كل التجارب ال سياسية ‪ ،‬أ نه ل ح ّل و سط ‪ ،‬ف قد رأي نا بشا عة الن ظم الشمول ية‬
‫ك ـ"نظام الب عث" ‪" ،‬الشيوع ية ف التاد ال سوفيت" ‪" ،‬نظا ما إيران و طالبان أفغان ستان" ‪ ،‬بين ما تتو فر‬
‫الر ية التا مة ف كل النظ مة الديقراط ية الرأ سالية ‪ ،‬طب عا با ستثناء ب عض القوان ي الديدة ال ت حدّت ‪،‬‬
‫كحدّ أدن ‪ ،‬من بعض الريات بعد ظهور النعة النتحارية ف السلم السياسي ‪ ،‬خصوصا بعد أحداث‬
‫‪ 11‬سبتمب أيلول‪.‬‬
‫إن كل نظام سياسي ‪ ،‬ب ا ف يه الديقرا طي الرأ سال ‪ ،‬ل يلو من عيوب و مفا سد و ضُ عف إدارة‬
‫أحيا نا ‪ ،‬و ك ما قال رئ يس وزراء بريطان يا ال سيد تشر شل‪ :‬الديقراط ية هي أف ضل أ سوأ الن ظم ال سياسية‬
‫‪ ."..‬و هذا يعن أن هذه النُظُم حالا حال صانعها النسان ‪ ،‬مليئة بالعيوب و النواقص ‪ ،‬و لكنها تتطور‬
‫عب التاريخ نو الفضل و الحسن‪.‬‬
‫ياول ال سيد ال صدر بعد ها أن يلّل "نظر يا" ليخرج ل نا با ستنتاج يُظ هر عي با ـ رب ا يبدو ف نظره‬
‫أساسيا ف صميم النظام الديقراطي الرأسال حيث يقول‪:‬‬
‫ــائلها‬
‫ــالها ومسـ‬
‫" فأول تلك اللقات‪ :‬تكــم الكثريــة فــ القليــة ومصـ‬
‫اليويــة‪ .‬فإن الريــة الســياسية كانــت تعنــ أن وضــع النظام والقوانيــ وتشيتهــا‬
‫ـت زمام‬
‫ـة ملكـ‬
‫ـة ف ـ المـ‬
‫ـل الكثريـ‬
‫ـور أن الفئة الت ـ تثـ‬
‫ـة‪ ,‬ولنتصـ‬
‫ـق الكثريـ‬
‫ـن حـ‬
‫مـ‬
‫الكــم والتشريــع‪ ,‬وهــي تمــل العقليــة الديقراطيــة الرأســالية‪ ,‬وهــي عقليــة‬

‫‪112‬‬

‫مادية خالصة ف اتاهها‪ ,‬ونزعاتا وأهدافها وأهوائها فماذا يكون مصي الفئة الخرى؟ أو ماذا ترتقب‬
‫للقليــــة مــــن حياة فــــ ظــــل قوانيــــ تشرع لســــاب‬
‫الكثريــة ولفــظ مصــالها؟!‪ ,‬وهــل يكون مــن الغريــب حينئذ إذا شرعــت‬
‫الكثريــة القوانيــ على ضوء مصــالها خاصــة‪ ,‬وأهلت مصــال القليــة واتهــت‬
‫ال تقيــق رغباتاــ اتاهــا محفــا بقوق الخريــن؟ فمــن الذي يفــظ لذه القليــة‬
‫كياناــ اليوي ويذب عــن وجههــا الظلم‪ ,‬مــا دامــت الصــلحة الشخصــية هــي‬
‫مسألة كل فرد وما دامت الكثرية ل تعرف للقيم الروحية والعنوية مفهوما ف عقليتها الجتماعية ؟؟‬
‫وبطبيعــــة الال‪ ,‬إن التحكــــم ســــوف يبقــــى فــــ ظــــل النظام‬
‫كما كان ف السابق وأن مظاهر الستغلل والستهتار بقوق الخرين ومصالهم‪ ...‬ستحفظ ف الو‬
‫الجتما عي لذا النظام كحال ا ف الجواء الجتماع ية القدي ة‪ .‬وغا ية ما ف الوضوع من فرق‪ :‬ان‬
‫الســــــــــــــــــتهتار بالكرامــــــــــــــــــة‬
‫النســانية كان مــن قبــل أفراد بأمــة‪ ,‬وأصــبح فــ هذا النظام مــن الفئات التــ‬
‫ل مــن‬
‫تثــل الكثريات بالنســبة إل القليات‪ ,‬التــ تشكــل بجموعهــا عددا هائ ً‬
‫البشر‪ ".‬فلسفتنا ص ‪.21 – 20‬‬
‫و ن ن ها ه نا سنحاول أن نرج بن قد موضو عي لذا الرأي ‪ ،‬و أجزم بأن ال سيد ال صدر لو كان‬
‫حاضرا بيننا الن و قرأ هذا النقد التوا ضع لفكاره لرحب به و برحابة صدر ‪ ،‬فغاية كل فكرة هي أن‬
‫تلق أفكارا أُخرى‪.‬‬
‫لو تابعنا تطبيقات النظمة الديقراطية و أكثرها قائم على أساس أن الغلبية هي الت تكم ‪ ،‬إل أن‬
‫هذا ل يع ن قط أن القل ية تبتلع من ق بل الكثر ية ‪ ،‬سواء كا نت هذه القليات دين ية أو عرق ية ‪ ،‬إل أن‬
‫حقوق القليات تبقى مثبّتة ف دساتي هذه الدول و خصوصا أن حقوق القليات تصبح جزءا من حقوق‬
‫الشعب ب كل أفراده ‪ ،‬فقد انت قل ب نا ال سيد ال صدر من نقد مفهوم "الفرد" إل مفهوم آ خر كان عل يه أن‬
‫يُفرِد له بابا أو فصل خاصا مستقل به و هو موضوع الكثرية و القلية‪.‬‬
‫و الانب الخر الهم الذي يظهر بوضوح ف كل النظمة الديقراطية الرأسالية و الت هي الن من‬
‫أقوى أنظمـة العال و فـ كافـة الجالت ‪ ،‬أن كـل النظمـة السـياسيّة غيـ الديقراطيـة ‪ ،‬تعيـش مشكلة‬
‫الكثر ية و القل ية ‪ ،‬و ح ت التاد ال سوفيت تف تت ب سبب شعور القليات القوم ية بالظلم و الضظهاد ‪،‬‬
‫بينما دولة ديقراطية متعددة القوميات كـ"سويسرا" راسخة على الرض منذ ‪ 500‬عام ‪ ،‬عموما فإن‬

‫‪113‬‬

‫النظام الديقرا طي و ل نه يُل غي كل الفوارق الطبق ية و الدين ية و القوم ية ف هو يُل غي الشعور بالضطهاد و‬
‫بأك ثر الو سائل سلميّة ‪ ،‬فمثل لو نظر نا إل مشكلة التفر قة العن صرية ال ت كا نت موجودة ف الوليات‬
‫التحدة إل ناية الستّينيّات ‪ ،‬لو كنت هذه الشكلة موجودة ف أي دولة أخرى لكانت كفيلة بإنيارها و‬
‫تقسيمها‪.‬‬
‫و من الهم هنا أيضا أن نوضح نقطة مهمة ‪ ،‬ل توجد هناك و ف كل العال نظام ديقراطي قومي أو‬
‫دين ‪ ،‬و عندما يدخل الشعور الدين أو القومي ف صلب أي نظام فإنه يبدأ بتفكيكه ‪ ،‬مثاله "يوغسلفيا‬
‫التادية سابقا" ‪" ،‬الدولة اللبنانية" ‪ ،‬و الهم هنا هو الثال العراقي الذي امتل دستوره بالشاعر الدينية و‬
‫القوم ية ‪ ،‬و لذا ال سبب ت د العراق و هو الذي خرج من أب شع نظام عر فه التار يخ ‪ ،‬أ نه غ ي م ستقر و‬
‫منظم بسبب صراع الويات‪.‬‬
‫و السيد الصدر ف عباراته هذه يبدو و كأنه يعل من كلّ حكومة منتخبة ديقراطيا ‪ ،‬و هذا يتم ُكلّ‬
‫أربعـة سـنوات أو خسـة ‪ ،‬و كأناـ سـتأت بدسـتور جديـد ‪ ،‬مـع أن دسـاتي هذه الدول الديقراطيـة‬
‫ك ـ"الد ستور المري كي الذي يز يد عمره عن مائ ت عام" ل يتغ ي إل قليل جدا و ب عد أن يطلع علي ها‬
‫أغلبية الشعب و تصل على موافقة ف استفتاء عام ‪ ،‬ملحظة أخرى مهمة ‪ :‬هي أن العسكر الديقراطي‬
‫قد رسم لنفسه خطوطا عامة من خلل قرارات الُمم التحدة و منظمات حقوق النسان ‪ ،‬بالتال فمهما‬
‫تغيّرت هذه الدساتي فمن المنوع عليها خرق حقوق الفراد أو الريات و القليات و يبدو ل أن السيد‬
‫ال صدر و هو ي صف ل نا م ساويء النظام الرأ سال الديقرا طي و كأ نه يع ن بدايات ظهور هذا النظام ف‬
‫القرون ‪ 17‬و ‪ 18‬و ‪ 19‬و ليس ما تخض عنه العال بعد الرب العالية الثانية ‪ ،‬و مقصدُنا هذا يتجلّى‬
‫ف استطراده التال‪:‬‬
‫"ول يت ال مر و قف ع ند هذا ال د‪ ,‬إذا لكا نت الأ ساة هي نة‪ ,‬ولكان ال سرح يت فل بالضحكات‬
‫أكثـــر ماـــ يعرض مـــن دموع‪ ,‬بـــل أن المـــر تفاقـــم واشتـــد حيـــ‬
‫برزت الســألة القتصــادية مــن هذا النظام بعــد ذلك‪ ,‬فقررت الريــة القتصــادية‬
‫على هذا النحـــو الذي عرضناه ســـابقا‪ ,‬وأجازت متلف أســـاليب الثراء وألوانـــه‬
‫مهمــا كان فاحشا‪ ,‬ومهمــا كان شاذا فــ طريقتــه وأســبابه‪ ,‬وضمنــت تقيــق مــا‬
‫أعلنت عنه‪ .‬ف الوقت الذي كان العال يتفل بانقلب صناعي كبي‪ ,‬والعلم يتمحض عن ولدة اللة‬
‫الت قلبت وجه الصناعة وكسحت الصناعات اليدوية ونوها" فلسفتنا ـ ص ‪.21‬‬

‫‪114‬‬

‫فطبيعي أن يكون النظام الرأسال قبيحا و سيئا ‪ ،‬و هذا الوصف أطلقه الشيوعيون بشكل أكثر تطرفا‬
‫‪ ،‬و ل كن الرأ سالية ال ت نتحدث عن ها ه نا تتحرك ف ظل الديقراط ية و حقوق الن سان ‪ ،‬و فعل ‪ ،‬فإن‬
‫الرأ سالية "القبي حة" تّ تميل ها بف عل الديقراط ية و حقوق الن سان و حا ية ال ستهلك من ا ستغلل غ ي‬
‫أخلقي ‪ ،‬و كم من مواطني ف هذه الدول حصلوا على مليي الدولرات على سبيل التعويض من قِبل‬
‫شركات أنتجت بضاعة كان فيها نوع من الضرر للفرد أو الجتمع‪.‬‬
‫يقول السيد الصدر‪:‬‬
‫"‪ ,‬فانكشــف اليدان عــن ثراء فاحــش مــن جانــب القليــة مــن أفراد المــة‪,‬‬
‫منــ أتاحــت لمــ الفرص وســائل النتاج الديــث وزودتمــ الريات الرأســالية‬
‫غيــ الحدودة بضمانات كافيــة لســتثمارها واســتغللا إل أبعــد حــد‪ ,‬والقضاء باــ‬
‫على كثيــ مــن فئات المــة التــ اكتســحت اللة البخاريــة صــناعتها‪ ,‬وزعزعــت‬
‫ل للصــمود فــ وجــه التيار‪ ,‬مــا دام أرباب الصــناعات‬
‫حياتاــ‪ ,‬ول تدــ ســبي ً‬
‫الديثــة مســلحي بالريــة القتصــادية وبقوق الريات القدســة كلهــا‪ ,‬وهكذا‬
‫خل اليدان إل من تلك الصفوة من أرباب الصناعة والنتاج‪ ,‬وتضاءلت الفئة الوسطى واقتربت إل‬
‫الســــتوى العام النخفــــض‪ ,‬وصــــارت هذه الكثريــــة الحطمــــة‬
‫ت ت رح ة تلك ال صفوة‪ ,‬ال ت ل تف كر ول ت سب إل على الطري قة الديقراط ية الرأ سالية‪ .‬و من‬
‫الطــــبيعي حينئذ ان ل تدــــ يــــد العطــــف والعونــــة إل هؤلء‪,‬‬
‫لتنشلهــم مــن الوة وتشركهــم فــ مغانهــا الضخمــة‪ .‬ولاذا تفعــل ذلك؟! مــا دام‬
‫القياس اللقــي هــو النفعــة واللذة‪ ,‬ومــا دامــت الدولة تضمــن لاــ مطلق الريــة‬
‫فيمــا تعمــل‪ ,‬ومــا دام النظام الديقراطــي الرأســال يضيــق بالفلســفة العنويــة‬
‫للحياة ومفاهيمها الاصة؟!" فلسفتنا ص ‪.21‬‬
‫مقارنة بسيطة بي حقوق الطبقة العمالية و الهن البسيطة و بي الطبقة العمالية ف ظل الديقراطية‬
‫الرأسالية ‪ ،‬تُظهر با ل يقبل أدن شك ‪ ،‬الفارق الشاسع و الكبي بي الالتي ‪ ،‬فالضمانات الجتماعية و‬
‫ال صحية و دور الرعا ية ف بلدان أمري كا ‪ ،‬اليابان ‪ ،‬بريطان يا ‪ ،‬الدول ال سكندنافية ‪ ،‬تظ هر أ نه ل ي عد‬
‫النتمون إل الطب قة الو سطى و الفقية "إن كان يوز أن ن سميها بالفقية" ل تعُد تأ به بالغنياء و در جة‬
‫غناهم ما دام النظام العام يكفل لم حياة مضمونة ‪ ،‬و إل فلماذا تتجه كل أو أك ثر خطوط اللجوء نو‬
‫هذه البلدان ؟! أليس ذلك عائدا للمستوى العيشي المتاز الذي يصل عليه مواطنوا تلك الدول‪.‬‬

‫‪115‬‬

‫فمن جهة ينتقد السيد الصدر تلك القلية الت تتحكم و "تسيّر" القتصاد ‪ ،‬و قبلها بقليل كان ينتقد‬
‫"تكّم" الكثرية بالقلية ‪ ،‬و هذا تناقض كما أظن ‪ ،‬إذ يبقى أكثرية الشعب قادرين على تسليم مقاليد‬
‫ال كم إل من ي ثل م صالهم ‪ ،‬و من ال هم ه نا ملح ظة أن ال ساسية ال ت قام علي ها الجت مع الغر ب‬
‫"الصلحة" أو "النفعة" الت انتقدها الصدر ‪ ،‬هي إحدى أهم ركائز الفقه و الدين السلمي و معروفة‬
‫تلك القاعدة الفقه ية ال ت ات فق علي ها أرباب ج يع الذا هب و القائلة‪ :‬أن هدف الشري عة ال ساسي هو‬
‫جلب النفعة و درء الفسدة"!! مع ملحظة أن هذه العبارة است ِغلّت من قبل فقهاء السلطان بشكل بشع‪.‬‬
‫من جُملة تلك النتقادات ال ت وجه ها ال سيد ال صدر هو ت كم القل ية "الرأ سالية" ب سياسية الدولة‬
‫لتمكّن ها ماد يا ‪ ،‬و يبدو ل أ نه ا ستعار هذه النتقادات من جلة النقاط ال ت وجه ها "كارل مار كس" و‬
‫"إنلز" إل النظام الرأسال الغرب ‪ ،‬يقول السيد الصدر‪:‬‬
‫ـاواة ف ـ‬
‫ـر‪ .‬فالسـ‬
‫ـل آخـ‬
‫ـد بشكـ‬
‫ـن جديـ‬
‫ـة مـ‬
‫ـياسي للمـ‬
‫ـا يتبلور الق ـ السـ‬
‫" وهنـ‬
‫القوق الســياسية بيــ أفراد الواطنيــ‪ ,‬وإن ل تحــ مــن ســجل النظام‪ ,‬غيــ أناــ‬
‫ل تعـــد بعـــد هذه الزعازع إل خيالً وتفكيا خالصـــا‪ .‬فإن الريـــة القتصـــادية‬
‫حيــ تســجل مــا عرضناه مــن نتائج‪ ,‬تنتهــي إل النقســام الفظيــع الذي مــر فــ‬
‫العرض‪ ,‬وتكون هي السيطرة على الواقف والاسكة بالزمام‪ ,‬وتقهر الرية السياسية أمامها‪ .‬فإن الفئة‬
‫الرأســــالية بكــــم مركزهــــا القتصــــادي مــــن الجتمــــع‪,‬‬
‫وقدرتاــ على اســتعمال جيــع وســائل الدعايــة‪ ,‬وتكنهــا مــن شراء النصــار‬
‫والعوان ‪ ...‬تيمن على تقاليد الكم ف المة‪ ,‬وتتسلم السلطة لتسخيها ف مصالها والسهر على‬
‫مآرباــــــ‪ ,‬ويصــــــبح التشريــــــع والنظام الجتماعــــــي خاضعا‬
‫لســيطرة رأس الال‪ ,‬بعــد أن كان الفروض فــ الفاهيــم الديقراطيــة أنــه مــن حــق‬
‫المــة جعاء‪ .‬وهكذا تعود الديقراطيــة الرأســالية فــ نايــة الطاف حكما تســتاثر‬
‫بــه القليــة‪ ,‬وســلطانا يمــي بــه عدة مــن الفراد كيانمــ على حســاب الخريــن‪,‬‬
‫بالعقلية النفعية الت يستوحونا من الثقافة الديقراطية الرأسالية" فلسفتنا ص ‪.22‬‬
‫و الواقع الغرب يعكس صورة متلفة لتصورات كانت نتاج تفكي مض غي متّصل بالواقع التجريب ‪،‬‬
‫فالتاد الورو ب و أمري كا هي دول أو تكتلت أك ثر تا سكا من تلك ال ت ت سيّر نف سها بن ظم أُخرى ‪،‬‬
‫كمـا أننـا ل نسـمع حتـ الن أن تمعات سـياسية لاـ وزناـ كانـت تعارض هذه النظمـة الديقراطيـة‬
‫الرأ سالية من خارج أراضي ها ‪ ،‬بع ن أن أ كب دل يل على أن هذه النظ مة منبث قة عن شعوب ا هو أن ا‬

‫‪116‬‬

‫استوعبت كل أنواع العارضة ‪ ،‬ما دامت تعتمد على الرأي و النقاش الر ‪ ،‬ما يعن أن توقعاتنا عن إنيار‬
‫أو "إضمحلل" الضارة الغربية متجسدة ف الديقراطية الرأسالية ليست بصحيحة ‪ ،‬كما أن تول الغرب‬
‫ـ ‪ ،‬بـل تنظيمـا عقلنيـا حياديـا‬
‫إل كونـه الطرف القوى حضاريـا ل يكـن نتاج صـدفة أو شأن إعتباطي ا‬
‫"علمانيا ‪ +‬إنسانيا" للحياة و الواقع‪.‬‬
‫ك ما أن فكرة ر فض القتداء بال خر "الغرب = ال سيحي ‪ +‬اليهودي" جعلت من الف كر ال سلمي‬
‫يدور حول الذات أو ال نا الغل قة ال ت تر يد إبداع جد يد مقا بل ال خر و تفرض قيمومت ها على ال خر ‪،‬‬
‫يقول السيد الصدر‪:‬‬
‫ـن‬
‫ـ ويذعـ‬
‫ـان الوروبـ‬
‫ـح على حياة النسـ‬
‫ـلمي ينفتـ‬
‫ـذ العال السـ‬
‫ـا أخـ‬
‫" حينمـ‬
‫لمامتــه الفكريــة وقيادتــه لوكــب الضارة بد ًل عــن إيانــه برســالته الصــيلة‬
‫وقيمومتهـــا على الياة البشريـــة بدأ يدرك دوره فـــ الياة ضمـــن إطار التقســـيم‬
‫ــم العال على‬
‫ــ قسـ‬
‫ــ حيـ‬
‫ــان الوروبـ‬
‫ــه النسـ‬
‫التقاليدي لبلد العال الذي درج عليـ‬
‫أســاس الســتوي القتصــادي للبلد وقدرتــه النتجــة إل بلد راقيــة اقتصــاديا وبلد‬
‫فقية أو متخلفــة اقتصــاديا وكانــت بلد العال الســلمي كلهــا مــن القســم الثانــ‬
‫الذي كان يبــ عليــه فــ منطــق النســان الوروبــ أن يعترف بإمامــة البلد‬
‫الراقية ويفسح الجال لا لكي تنفث روحها فيه وتطط له طريق الرتفاع‪.‬‬
‫وهكذا دشــن العال الســلمي حياتــه مــع الضارة الغريــب بوصــفه مموعــة‬
‫مــن البلد الفقية اقتصــاديا ووعــى مشكلتــه على أســاس أناــ هــي التخلف‬
‫القتصــادي عــن مســتوي البلد التقدمــة الذي أتاح لاــ تقدمهــا القتصــادي‬
‫زعامـة العال ولقنتـه تلك البلد القتدمـة أن السـلوب الوحيـد للتغلب على هذه الشكلة واللتحاق‬
‫ــــ‬
‫ــــان الوروبـ‬
‫ــــو اتاذ حياة النسـ‬
‫ــــة هـ‬
‫ــــب البلد التقدمـ‬
‫بركـ‬
‫تربــة رائدة وقائدة وترســّم خطوات هذه التجربــة لبناء اقتصــاد كامــل شامــل‬
‫قادر على الرتفاع بالبلد الســـلمية التخلفـــة إل مســـتوي الشعوب الوروبيـــة‬

‫‪117‬‬

‫الديثة" إقتصادنا ص ‪.4 – 3‬‬
‫إن م سألة كون الشرق ال سلمي "متخلّ ـفا" ل يقت صر على الا نب القت صادي و النتا جي ‪ ،‬بل‬
‫تتعدى القت صاد ن و ال هم و هو التخلف القي مي و الخل قي الثقا ف ‪ ،‬و لل سف فإن مرد ا ستخدامنا‬
‫كشرقي ي لكل مة "أخلق" ت عل الع قل الوا عي و الل وا عي تف سرها و تتزل ا من كل مة شاملة إل شأن‬
‫جنسي بت ‪ ،‬كما أن النظم الذهبية و الفقهية هي الت خلقت الاكم الستبد ‪ ،‬كما أن الاكم الستبد‬
‫بدوره خلق فقهاء البلط ‪ ،‬و هنـا يُطرح السـؤال الطيـ ‪ :‬إذا مـا الذي أغفـل "العال السـلمي" الذي‬
‫أفضّل أن أسيه بـ"العال الظلمي" ‪ ،‬عن اتباع منهجه الاص و رسالته النسانية ؟! إن الرسالة السلمية‬
‫إن كان لا أن توجد ‪ ،‬فإنا لن توجد إل بعد أن تلق متمعا مبا للحرية ل ككلمة بل كتطبيق ‪ ،‬كما أن‬
‫بعـض أُطروحات الفكّريـن السـلميي ‪ ،‬باـ فيهـم الشهيـد الصـدر ‪ ،‬تتسـم بنوع مـن الثاليـة ‪ ،‬و كأن‬
‫الطلوب من الناس أن يكونوا ملئكة أو أنبياء و يتخلّوا عن رغباتم و طبيعتهم كبشر‪.‬‬
‫يقول السيد الصدر‪:‬‬
‫" إن شدة حركـــة النتاج وقوتاـــ‪ ,‬بدافـــع مـــن الرص على كثرة الربـــح‬
‫مــن ناحيــة‪ ,‬ومــن ناحيــة أخرى انفاض الســتوى العيشــي لكثيــ مــن الواطنيــ‪,‬‬
‫بدافـــع مـــن الشره الادي للفئة الرأســـالية‪ ,‬ومغالبتهـــا للعامـــة على حقوقهـــا‬
‫ــ تعـــل الواطنيـــ عاجزيـــن عـــن شراء النتجات‬
‫بأســـاليبها النفعيـــة‪ ,‬التـ‬
‫ـواق جديدة‬
‫ـة إل أسـ‬
‫ـة ماسـ‬
‫ـل كبار النتجي ـ ف ـ حاجـ‬
‫ـل ذلك يعـ‬
‫ـتهلكها ـ ـ كـ‬
‫واسـ‬
‫لبيــع النتجات الفائضــة فيهــا‪ ,‬وإياد تلك الســواق يعنــ التفكيــ فــ بلد‬
‫جديدة‪ ".‬فلسفتنا ص ‪.23‬‬
‫و هكذا فإن ما اصطلح عليه بالديث عن "انفاض الستوى العيشي" ل يكن قط السبب الوحيد ف‬
‫صراع الدول الصناعية الغربية على الستعمرات ‪ ،‬كنماذج على ذلك ل تكن الملكة السبانية و البتغالية‬

‫‪118‬‬

‫و ألانيا أو روسيا القيصرية دول ديقراطية ‪ ،‬ففترة الصراع على الستعمرات ل تكن قد شهدت اكتمال‬
‫و نضوج الديقراطية ‪ ،‬و ف عصرنا الال فإن الغرب يستفيد من ثروات الخرين ليس عب الغزو أو ما‬
‫كان يُسمّى "الستعمار" ‪ ،‬بل عب الاجة الطبيعية ‪ ،‬بعن أن الخرين هم دوما ف حاجة لتسويق ثرواتم‬
‫الطبيعية و الصناعية ‪ ،‬ما سيخلق اكتمال اقتصاديا دون أن تُطلق رصاصة واحدة ‪ ،‬كما أن دخول الغرب‬
‫إل دول العال الثالث الفقي ل يكن كل ما فيه سلبيا ـ اللهم إل ف نظر السلميي ـ فلو ل التحول‬
‫ال صناعي و الديقرا طي ما كان للشرق ال سلمي أن يُف كر و لو ح ت مرد تفك ي ف مراج عة اللل ف‬
‫أنظمته السياسية ‪ ،‬بل و حت الفقهية‪.‬‬
‫بل إن أكب نظام رأسال ف العال "الوليات التحدة المريكية" ل يُعرف عنها أنا كانت أو أصبحت‬
‫دولة "إسـتعمارية" و كانـت على الكثـر دولة شبـه منعزلة حتـ بدايـة الرب العاليـة الثانيـة ‪ ،‬و هذا‬
‫الستنتاج ـ أن ُكلّ دولة رأسالية ل بُدّ أن تكون استعمارية ـ يصل للمفكر حينما يدرس السائل و‬
‫يكم عليها من الانب الادّي فقط ‪ ،‬بل إن هناك دورا كبيا للدين ف هذه الدول ‪ ،‬و هذا مال يتناهى‬
‫إل عقولنا إذا حكمنا على الغرب من خلل نتاجاته القتصادية فقط أو عب إنتاجه السينمائي و الدرامي‪.‬‬
‫كما أن هناك نظرية سائدة بي الفكرين السلميي مفادها أن الغرب توسع و استعمر البلدان بفعل‬
‫سيادة "الن ظم الديقراط ية الرأ سالية" ‪ ،‬بين ما الوا قع معكوس تا ما ‪ ،‬إذ كان تعا مل الغرب مع ال خر من‬
‫خلل مـا سـّي بــ"الروب الصـليبية" أو اسـتعمار البلدان خلل القرون الوسـطى ‪ ،‬هذه الحتكاكات‬
‫جعلت الغرب يدرس هذه الشعوب و يفهم و يستوعب ثقافاتا و أديانا ما خلق تطورا على مراحل نتج‬
‫منها ظهور العلمانية أو مفهوم "الكومة الحايدة" الت ل تتحيّز باتاه أي دين أو قومية‪.‬‬
‫يقول السيد الصدر‪:‬‬
‫ـل هذه‬
‫ـبيعي لثـ‬
‫ـن الطـ‬
‫ـة‪ .‬ومـ‬
‫ـة خالصـ‬
‫ـة ماديـ‬
‫ـألة بذهنيـ‬
‫" وهكذا تدرس السـ‬
‫الذهن ية ال ت ل يرت كز نظام ها على الق يم الروح ية واللق ية‪ ,‬ول يتعرف مذهب ها الجتما عي بغا ية إل‬
‫إسعاد هذه الياة الحدودة بختلف التع والشهوات‪...‬‬

‫‪119‬‬

‫ان ترى ف هذ ين ال سببي مبرا وم سوغا منطقيا للعتداء على البلد الم نة‪ ,‬وانتهاك كرامت ها‬
‫والسيطرة على مقدراتا ومواردها الطبيعية الكبى واستغلل ثرواتا لترويج البضائع الفائضة‪ .‬فكل‬
‫ذلك أمـــــــــــــــر معقول وجائز فـــــــــــــــ عرف‬
‫الصال الفردية الت يقوم على أساسها النظام الرأسال والقتصاد الر‪.‬‬
‫وينطلق من هنا عملق الادة يغزو ويارب‪ ,‬ويقيد ويكبل‪ ,‬ويستعمر ويستثمر‪ ,‬إرضاء للشهوات‬
‫وإشباعا للرغبات‪.‬‬
‫فانظـــر ماذا قاســـت النســـانية مـــن ويلت هذا النظام‪ ,‬باعتباره ماديا فـــ‬
‫روحــه وصــياغته وأســاليبه وأهدافــه‪ ,‬وإن ل يكــن مركزا على فلســفة مددة تتفــق‬
‫مع تلك الروح والصياغة‪ ,‬وتنسجم مع هذه الساليب والهداف كما العنا إليه؟!!" فلسفتنا ص ‪.23‬‬
‫القيقة أن الدول الديقراطية هي آخر الدول الت تشنّ الروب ضد الخرين و هي ل تفعل ذلك إل‬
‫إذا كان هناك تديـد مدق ‪ ،‬فالوليات التحدة المريكيـة ل تدخـل الرب العاليـة الثانيـة إل جانـب‬
‫بريطانيا ضد ألانيا و اليابان إل عندما تعرضت لتهديد دولتي دكتاتوريتي ‪ ،‬المباطورية اليابانية و ألانيا‬
‫الناز ية اللتان أعلن تا عن نيّته ما على كل مقومات النظ مة الديقراط ية ‪ ،‬و ل أعرف ما الذي يق صده‬

‫العلمة الصدر بعبارة "البلد المنة" هل كان يقصد "المباطورية العثمانية" الت ل يكن لا همّ سوى‬

‫جع الضرائب من الشعب الائع و بناء التكايا و الوامع !! أم كان يعن بلدا أخرى ل نسمع عنها ربّما‬
‫!! و إذا كان طرف ما ير يد أن ي ستشهد با ستعمار بريطان يا لله ند و يعزو تلف النود إل البيطاني ي ‪،‬‬
‫ف هو ا ستشهاد غ ي نا جح لن هناك أ سبابا أخرى إضاف ية لتخلف ال ند من ب عض النوا حي و أ نا ها ه نا‬
‫لست بصدد تبئة البيطانيي كليا ‪ ،‬إذ ل تلو سياسة من أخطاء ‪ ،‬لكن الديانتي "الندوس ـ الؤمنون‬
‫بالطبق ية" و "ال سلمون الذ ين يتعاطون بالع نف" ه ا أ حد أ هم أ سباب التخلف الندي ‪ ،‬و لو ل ت كن‬
‫بريطان يا هي ال ت ت كم ش به القارة الند ية ‪ ،‬ل ا كا نت ال ند لتصبح ديقراطية و هي ذلك البلد العروف‬
‫بتعدده الثن و الدين‪.‬‬
‫إن هذا هو غا ية النتقاد الذي قدم له ال سيد ال صدر تاه الديقراط ية الرأ سالية و هي ل تكاد تُقارن‬
‫بالقسم الكب من الكتاب "فلسفتنا" و الذي دحض فيه الشيوعية و ركيزتا الشتراكية ‪ ،‬و نعم ما فعل‬
‫ف هذا الانب ‪ ،‬و لكن هناك نقاط أُخرى أوردها ف كتابه "اقتصادنا" حول نوع العلقة بي ما يُسمّى‬
‫"العال السلمي" و "الدول الصناعية الوربية" حدّدها ف النقاط التّالية‪:‬‬
‫ـة‬
‫ـة الراقيـ‬
‫ـة الشعوب الوروبيـ‬
‫ـياسية الت ـ تثلت ف ـ مارسـ‬
‫ـة السـ‬
‫" الول‪ :‬التبعيـ‬

‫‪120‬‬

‫اقتصاديا حكم الشعوب التخلفة بصورة مباشرة‪.‬‬
‫الثانــ‪ :‬التبعيــة القتصــادية التــ رافقــت قيام كيانات حكوميــة مســتقلة‬
‫ـ فســح الجال‬
‫ـها فـ‬
‫ـن نفسـ‬
‫ـة الســياسية فــ البلد التخلفــة وعــبت عـ‬
‫ـن الناحيـ‬
‫مـ‬
‫للقتصــاد الوروبــ لكــي يلعــب على مســرح تلك البلد بأشكال متلفــة ويســتثمر‬
‫موادهــا الوليــة ويل فراغاتاــ برؤوس أموال أجنبيــة و يتكــر عددا مــن مرافــق‬
‫ــل أعباء‬
‫ــ على تمـ‬
‫ــن أبناء البلد التخلفيـ‬
‫ــة تريـ‬
‫ــا بجـ‬
‫ــادية فيهـ‬
‫الياة القتصـ‬
‫التطوير القتصادي لبلدهم‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬التبعيــة فــ النهــج التــ مارســتها تارب عديدة فــ داخــل العال‬
‫الســلمي حاولت أن تســتقل ســياسيا وتتخلص مــن ســيطرة القتصــاد الوروبــ‬
‫اقتصــاديا وأخذت تفكــر فــ العتماد على قدرتاــ الذاتيــة فــ تطويــر اقتصــادها‬
‫والتغلب على تلفهــا غيــ أناــ ل تســتطع أن ترج فــ فهمهــا لطبيعــة الشكلة التــ‬
‫يســدها تلفهــا القتصــادي عــن إطار الفهــم الوروبــ لاــ فوجدت نفســها‬
‫مدعوة لختيار نفــس النهــج الذي ســلكه النســان الوروبــ فــ بنائه الشامــخ‬
‫لقتصاده الديث" ـ إقتصادنا ص ‪.4‬‬
‫من العروف أن القتصاد و التبادل التجاري ل يعرفان شيئا من م سئلة مراعاة الفوارق بي دول ذات‬
‫اقتصاديّات ضخمة و أسواعريضة و دول أُخرى بالكاد لديها شيء إ سه إقتصاد أو لنقل‪ :‬أنا تعيش ف‬
‫عصر "ما قبل القتصاد"!! بالتال فهي ستكون تابعة ‪ ،‬سواء تعمد القوياء ذلك أم ل ! فقبل أن تصل‬
‫أي دولة على اقتصاد قوي حقي قي ‪ ،‬علي ها أن ت سارع ف إ صلح أنظمتها ال سياسية و الثقاف ية ‪ ،‬فاليابان‬
‫أيام المباطورية غيّر كثيا من آلياته الجتماعية و التربوية ليصبح ف مصاف الدول الكبى ‪ ،‬لكنه كان‬
‫إمباطورية دكتاتورية فسارع الراب إليها‪.‬‬

‫‪121‬‬

‫من ه نا ن د أن لوم الغرب و تميله أ سباب تلف العال ال سلمي ل يس موضوع يا ‪ ،‬خ صوصا و أن‬
‫الهم ‪ ،‬لفهم أسباب التخلف ‪ ،‬هو مراجعة التركيبة اليو سياسية و النظومة الفقهية الت عاشها السلمون‬
‫و حول ا إل تقل يد أع مى غ ي قا بل للن قد أو التغي ي "أن روح التحري كا نت ع صب الياة ف ع صر‬
‫ال سلم الذ هب ب ي حوال ‪ 750‬و ‪ 1250‬ميلد ية‪ .‬و ف العراق ‪ ،‬قلب المباطور ية ال سلمية ‪،‬‬
‫كان السيحيون يعملون جنبا ال جنب مع السلمي لترجة الفلسفة الغريقية واحيائها‪ .‬وف اسبانيا ‪،‬‬
‫الطرف الغرب لشارف السلم ‪ ،‬قام السلمون بتطوير ما يسميه مؤرخ من جامعة يال "ثقافة تسامح"‬
‫مع اليهود" اللل ف السلم ـ إرشاد منجي ص ‪ .54‬و لو استمرت تلك الناهج العقلنية لرأينا علقة‬
‫متلفة بي الشرق السلمي التطور و الغرب التطور ‪ ،‬لكن ما حدث هو العكس‪.‬‬
‫أ ما النق طة الُخرى حول التبع ية القت صادية ال ت نشأت ف ظل الدول ال سلمية ال ت تكو نت خلل‬
‫القرن العشر ين ‪ ،‬ف هي تبع ية منطق ية ‪ ،‬بل إن تبع ية إ سبانيا إل العال ال سلمي كا نت أقرب شب ها ب ا‬
‫يُصطلح عليه بالستعمار لنّ الفاتي الدد فرضوا حت لغتهم على الحكومي ‪ ،‬فلماذا ل يستطع الشرق‬
‫ال سلمي التخلص من هذه التبع ية؟! و هل كان بقدور هم أن يفعلوا شيئا من هذا القب يل ‪ ،‬و ال سألة‬
‫الطروحة ها هنا تشبه وضع العربة أمام الصان ‪ ،‬فالسلمون كانوا أصل متخلفي و ل يكن لديهم أصل‬
‫ش يء إ سه "إقت صاد" ‪ ،‬بالتال ل ي كن الغرب با جة إل أن يعل هم تابع ي له ‪ ،‬بل هم ساروا ف طر يق‬
‫التبعية لعدم امتلكهم أيا من أسباب التطور‪.‬‬
‫إن سبيل التطور و القتصاد الناجح ليس مسألة أمور فنية فقط ‪ ،‬كامتلك أدوات التوزيع و النتاج ‪،‬‬
‫بل هو يعتمد أساسا على "النسان" و وزنه القِيَمي و حريّته ‪ ،‬فل إقتصاد ناجح بدون أفراد أحرار ‪ ،‬و‬
‫لذا ال سبب كا نت نتي جة كل القت صاديات ال صناعية غ ي الديقراط ية "التاد ال سوفيت ‪ ،‬المباطور ية‬
‫اليابانية و ألانيا النازية" هو النيار و الفشل ‪ ،‬و لو كان السيد الصدر أرهق عقله العبقري البّار ف خلق‬
‫ديقراطيـة فـ عمـق الفكـر السـلمي ‪ ،‬لكان باسـتطاعته حينهـا أن يتحدث عـن إقتصـاد قوي فـ بلد‬

‫‪122‬‬

‫السلمي‪.‬‬
‫ف النقطة الثالثة و الت تتعلق بحاولت ذاتية لهل البلد السلمية ف تطبيق ذات النهج الوروب و‬
‫ماولة منافسته فيما بعد و هذه الحاولت الت انتهت على ما يبدو بالفشل ـ و للسف ل يضرب لنا‬
‫الشه يد ال صدر أي مثال واق عي ـ و يعزو ال سبب إل اتاذ هم ذات الن هج الغر ب الرأ سال ‪ ،‬غ ي أن‬
‫الصورة ل تكتمل ‪ ،‬و كما قلنا ‪ ،‬فالسألة ليست "افتقار إل أدوات أو آليات القتصاد الناجح" بقدر ما‬
‫هو مشكلة "الستعمار الداخلي" و حكومات القليات الستبدة الت ترص على إبقاء الشعب فقيا لكي‬
‫ل يتمرد على الطبقة الاكمة ‪ ،‬و كان الصدر نفسه ضحية لحد أناط الكم الطائفية الستبدادية ‪ ،‬و أنا‬
‫حقا حائر ف ترك السيد الصدر إشكال خطيا كهذا دون أن يبحثه و بعمق‪.‬‬
‫و السيد الصدر يشي إل أن العلقة "السيئة" بي الشعوب السلمة و الدول الوروبية الستعمارية ل‬
‫ت ستطع ال سي باتاه التكا مل بسبب الش كّ من نيات الخر الذي كان م ستعمرا ذات يوم ‪ ،‬يقول السيد‬
‫الصدر‪:‬‬
‫ــلمي‬
‫ــ العال السـ‬
‫ــة فـ‬
‫ــه المـ‬
‫ــي الاص الذي تعيشـ‬
‫" فهناك مثلً الشعور النفسـ‬
‫تاه الســتعمار الذي يتســم بالشــك والتام والوف نتيجــة لتاريــخ مريــر طويــل‬
‫ـــن النكماش لدى‬
‫ـــراع‪ ،‬فإن هذا الشعور خلق نوعا مـ‬
‫ـــتغلل والصـ‬
‫ـــن السـ‬
‫مـ‬
‫المــة عــن العطيات التنظيميــة للنســان الوروبــ وشيئا مــن القلق تاه النظمــة‬
‫الســتمدة مــن الوضاع الجتماعيــة فــ بلد الســتعمرين وحســاسية شديدة ضدهــا‬
‫وهذه السـاسية تعـل تلك النظمـة حتـ لو كانـت صـالة ومسـتقلة عـن السـتعمار‬
‫مــن الناحيــة الســياسية غيــ قادرة على تفجيــ طاقات المــة وقيادتاــ فــ معركــة‬
‫البناء فل بــد للمــة إذن بكــم ظروفهــا النفســية التــ خلقهــا عصــر الســتعمار‬
‫ـي‬
‫ـاس نظام اجتماعـ‬
‫ـة على أسـ‬
‫ـا الديثـ‬
‫ـم نضتهـ‬
‫ـه أن تقيـ‬
‫ـل بـ‬
‫ـا يتصـ‬
‫ـا تاه مـ‬
‫وانكماشهـ‬

‫‪123‬‬

‫ومعال حضارية ل تت إل بلد الستعمرين بنسب" اقتصادنا ص ‪.9‬‬
‫إن هذا الكلم يوي جزءا من القيقة ‪ ،‬و لكن تبقى جوانب أُخرى غي مستكشفة ‪ ،‬فرفض الشرق‬
‫ال سلمي للغرب "ال ستعماري"!! كان رف ضا عاطف يا أك ثر من كو نه "فكر يا" ‪ ،‬ك ما أن هناك تارب‬
‫لشعوب "هونج كونج ـ إيران ما قبل الثورة ـ مثال" سارت ف طريق تطوير إقتصادياتا و أنظمتها‬
‫ال سياسية و الجتماع ية ‪ ،‬و الشكلة أي ضا ‪ ،‬أن النظ مة الاك مة ف عال نا ال سلمي ـ ب ا في ها إيران‬
‫ال سلمية ـ تنت هج دائ ما سياسات "عاطف ية" قائ مة على شعارات "تر ير فل سطي" ‪" ،‬ر مي اليهود ف‬
‫البحر" ‪" ،‬الوت لمريكا"!! و غيها من الشعارات العبثية الت حولت إقتصاديات هذه الدول تعيش كل‬
‫يوم أزمة جديدة مع القتصاديات البارة ‪ ،‬كما أن ما يُسمّى بالقتصاد السلمي يعان من عقبات كبية‬
‫‪ ،‬خصوصا و أنه ل يتلف كثيا عن القتصاديات الشتراكية و الت توجّه من السلطة العليا ف الدولة ‪ ،‬و‬
‫هي غالبا ما تتمع خيوطها ف يد "الول الفقيه" أو الجموعة العممة الت تتحكم بشؤون النظام‪.‬‬
‫نعود إل السيد الصدر حيث يقول‪:‬‬
‫"عملية التنمية‬

‫‪124‬‬

‫ـب وإناـ هـي‬
‫ـا وتشرّع لاـ فحسـ‬
‫ـها الدولة وتتبناهـ‬
‫ـة تارسـ‬
‫ـت عمليـ‬
‫ـادية ليسـ‬
‫القتصـ‬
‫عمليــة يبــ أن تشترك فيهــا وتســاهم بلون وآخــر المــة كلهــا‪ .‬فإذا كانــت‬
‫المــة تســ بتناقــض بيــ الطار الفروض للتنميــة وبيــ عقيدة ل تزال تعتــز‬
‫باــ وتافــظ على بعــض وجهات نظرهــا فــ الياة فســوف تجــم بدرجــة تفاعلهــا‬
‫مع تلك العقيدة عن العطاء لعملية التنمية والندماج ف إطارها الفروض" إقتصادنا ص ‪.12 – 11‬‬
‫إن مصطلح "المة" ها هنا ل يبدو ل أنه يوافق كلمة "شعب" ‪ ،‬لننا إذا ترجناها إل "الشعب" فإن‬
‫ذلك لن يتلف عن النظام الديقرا طي الرأ سال الذي ي صيغ ف يه الش عب ب عض القوان ي ال ت ت نع ملّك‬
‫رؤوس الموال مـن إناز بعـض الصـفقات التجاريـة و الصـناعيّة إذا مـا كانـت سـتض ّر بصـال الدولة و‬
‫الشعـب ‪ ،‬و خيـ مثال على ذلك أن حكومـة الوليات التحدة المريكيـة و هـي رأس الرم الديقراطـي‬
‫الرأ سال ت ستطيع أن ت نع ب عض أضخـم الشركات مـن إناز ب عض الصـفقات مع دول ت سبب الضرر‬
‫للوليات التحدة ‪ ،‬من ه نا ـ و نعود إل تعر يف كل مة "أُمّة" الواردة ف القتباس ـ و أ ظن أن ال سيد‬
‫ال صدر يع ن ب ا قيمو مة "رجال الد ين" الّذ ين يُمثلون "المّة" ح سب تنظيه للقت صاد ال سلمي ‪ ،‬و قد‬
‫ا ستنتجت ذلك من خلل عبارا ته التال ية ال ت وضّح في ها أن القت صاد ي ب أن ل يُنا قض أو ي صطدم‬
‫بـ"العقيدة"!! و هذا ل يتم بدون رجل الدّين‪.‬‬
‫إن القتصاد "الؤدل" ‪ ،‬سواء كان قوميا أو ماركسيا أو إسلميا ‪ ،‬فإنه ل يستطيع مارات التطورات‬
‫ف السواق الرة ‪ ،‬لن التاجر أو مدير الشركة ل يستطيع إمضاء أي صفقة مهمة خوفا من أن تناقض‬
‫"الفتوى الشرع ية" أو "ال ط الدّي ن للدولة" ‪ ،‬ك ما أن التنظ ي و ال سياسة اليدولوج ية للنظ مة "القو مي‬
‫الشترا كي و ال سلمي" يعرقله ما سلسلة الزمات ال ت يت سبب ب ا الطاب اليدولو جي ‪ ،‬أمثلة ذلك‬
‫واضحة ف فشل إيران "السلمية" ف تسويق بضاعتها ف السواق العالية بسبب الزمات الت يسببها‬
‫قادة النظام ‪ ،‬فتارة هناك أزمـة "سـلمان رشدي" و تارة أخرى اتامات بــ"دعـم الرهاب" و تصـدير‬

‫‪125‬‬

‫أ سلحة إل حزب ال و حر كة حاس الرهاب ية ‪ ،‬و أخيا الز مة ال ت تتعلق ببنامج إيران النووي ‪ ،‬فلم‬
‫يعد العال يصدق تصريات التهدئة اليرانية بعد كل التصريات النارية للمرشد "علي الامنئي" و رئيس‬
‫جهوريّته "ناد"‪.‬‬
‫ـ لترسـيخ أيّـ إقتصـاد ‪ ،‬يقول السـيد‬
‫ك ما أن تكيـم "الشريعـة" و "الحكام ال سلمية" ليـس كافي ا‬
‫الصدر‪:‬‬
‫وخلفا لذلك ل يواجـــه النظام الســـلمي هذا التعقيـــد ول ينـــ بتناقـــض‬
‫مـن ذلك القبيـل بـل إنـه إذا وضـع موضـع التطـبيق سـوف يدـ فـ العقيدة الدينيـة‬
‫ــ إطاره لن‬
‫ــة فـ‬
‫ــة الوضوعـ‬
‫ــاعدا على إناح التنميـ‬
‫ــبيا له وعاملً مسـ‬
‫ــندا كـ‬
‫سـ‬
‫أســاس النظام الســلمي أحكام الشريعــة الســلمية وهــي أحكام يؤمــن الســلمون‬
‫عادة بقدســيتها وحرمتهــا ووجوب تنفيذهــا يفــ عقيدتمــ الســلمية وإيانمــ‬
‫بأن السلم دين نزل من الشماء على خات النبيي (ص)‪.‬‬
‫ـم‬
‫ـذ لتنظيـ‬
‫ـج التـ تتخـ‬
‫ـل فـ ناح الناهـ‬
‫ـم العوامـ‬
‫ـن أهـ‬
‫ـب فـ أن مـ‬
‫ـن ريـ‬
‫ـا مـ‬
‫ومـ‬
‫الياة الجتماعية احترام الناس لا وإيانم بقها ف التنفيذ والتطبيق" إقتصادنا ص ‪.12‬‬
‫فما دامت التنمية "مؤطّرة" و "مقولبة" وفق قواني معينة ‪ ،‬فذلك ليس إل عصيّ أُخرى موضوعة ف‬
‫الدواليب القتصادية ‪ ،‬فما يُسمّى بـ"الشريعة" هي غالبا آراء شخصية تعود إل الفقيه أو رجل الدّين و‬
‫بالتال فهي مليئة بالراء التعددة و الت تناقض بعضها بعضا و ل تتفق إل نادرا جدا ‪ ،‬و أعتقد أن مايُطلق‬
‫عليه السيد الصدر تعبي "القتصاد السلمي" يعن با دائرة أوسع من الذهب الشيعي ‪ ،‬و الذاهب السّنّيّة‬
‫وحدها تتناقض بي بعضها البعض و يُكف ـِر أحدُها الخر ‪ ،‬فكيف لذه الذاهب أن تتفق مع النظرية‬
‫الشيع ية و هي ل تت سامح بين ها فضل عن غي ها ‪ ،‬الشكلة ها ه نا أ نه من ال طأ أن نعا مل ال سوق و‬
‫القتصاد و قوانينه و كأننا نتعامل مع آلة مدّدة التاهات و العمل ‪ ،‬دون أن نربط هذه الثقافة بعوامل‬

‫‪126‬‬

‫الجتمع الثقافة و الدينية و السياسية ‪ ،‬فإذا مان دين أو مذهب من الذاهب يتعامل مع التجارة و القتصاد‬
‫نظرة مليئة بالذر و الوف ماـ يسـمّيه البعـض "الختراق أو الغزو الثقافـ"!! أو الوف و الرص على‬
‫"هوية ا ُلمّة و أخلقها" ‪ ،‬فإن هذه القتصاد مكوم عليه بالفشل مقدّما و ل يكن له إل أن ينتهي بالفشل‬
‫الذريع و العودة إل نقطة الصفر‪.‬‬
‫و ال مر ال هم ال خر ‪ ،‬هو إغفال حقوق القليات الّ ت ل تؤ من ب ـ"القت صاد ال سلمي" من غ ي‬
‫ال سلمي و اللحد ين ‪ ،‬إذ يؤ من الوا طن ال سيحي و اليهودي أن ل مشكلة ـ مثل ـ ف ب يع ال مر و‬
‫ال سكرات ‪ ،‬بين ما ال سلميون ينعون ا ‪ ،‬بل و يُعاقبون علي ها ‪ ،‬و هناك سبب آ خر للح كم على أن أي‬
‫إقتصـاد "إسـلمي" بالفشـل ‪ ،‬هـو عدم تثيله لكـل قطاعات الجتمـع ‪ ،‬فهناك فـ بلداننـا السـلمية‬
‫مسيحيون ‪ ،‬يهود ‪ ،‬صابئة ‪ ،‬و حت ملحدون ل يؤمنون بأي دين فضل عن السلم ‪ ،‬و علينا أن ل نغفل‬
‫أي ضا أن نا سنخسر ا ستثمارا كبيا ل ستثمرين من دول بعيدة قد يدون ف قوانين نا "الفقه ية" سدا أمام‬
‫استثمار أموالم ‪ ،‬بينما القتصاد الرّ يوف ـِر حت للمتدين أن يتعامل مع الخرين وفق شريعته و دينه ‪،‬‬
‫كأن يتعا مل مع بنوك ل تتعا مل بالر با ‪ ،‬و هو ما أقر ته بنوك عال ية جذ با لر ساميل التدين ي ‪ ،‬م ا أف قد‬
‫"البنوك السلمية" أي ميزة على تلك الرأسالية‪.‬‬
‫يقول السيد الصدر‪:‬‬
‫" وهــب أن تربــة للتنميــة القتصــادية على أســاس مناهــج القتصــاد الوروبــ‬
‫اســتطاعت أن تقضــي على العقيدة الدينيــة وقوتاــ الســلبية تاه تلك الناهــج فإن‬
‫هذا ل يكفــــي للقضاء على كــــل البناء العلوي الذي قام على أســــاس تلك العقيدة‬
‫عـب تاريـخ طويـل امتـد أكثـر مـن أربعـة عشـر قرنا وسـاهم على درجـة كـبية فـ‬
‫ــا أن‬
‫ــلمي‪ .‬كمـ‬
‫ــل العال السـ‬
‫ــان داخـ‬
‫ــي والفكري للنسـ‬
‫ــن الطار النفسـ‬
‫تكويـ‬
‫القضاء على العقيدة الدينيــة ل يعنــ إياد الرضيــة الوروبيــة لتلك الناهــج التــ‬

‫‪127‬‬

‫نحــت على يــد النســان الوروبــ لناــ وجدت الرضيــة الصــالة لاــ والقادرة‬
‫على التفاعل معها" إقتصادنا ص ‪.12‬‬
‫ل يكن لنا أن نستخدم هذه النظرة العقائدية ف تليلنا للنظام القتصادي الرأسال ‪ ،‬لسبب بسيط ‪ ،‬و‬
‫هو أن الرأ سالية ل تتب ن أي آيدولوج ية أ صل ‪ ،‬ف هي لي ست "م سيحية" أو "يهود ية" ‪ ،‬و قد تعدّى هذا‬
‫النظام الغرب كمركـز و انتشـر فـ دول جنوب شرق آسـيا "اليابان" ‪" ،‬كوريـا النوبيـة" ‪" ،‬تايوان" و‬
‫"ماليزيا" ‪ ،‬و حت "جهورية الصي الشعبية" الّت تتبنّى "الشتراكية" هي "رأسالية مُقنّعة" ‪ ،‬فلماذا يدخل‬
‫الميع و بنجاح ف هذه التجربة و نكون نن الستثناء؟!‪.‬‬
‫و لاذا ل ن قل أن الرض ية الناج حة تتو فر لناح التجر بة ف بلد نا إذا أضف نا إل "الرأ سالية" نظا ما‬
‫ديقراطيا كامل يقوم على التعددية الزبية و الفكرية و العقائدية‪.‬‬
‫و كإضا فة توضيح ية حول اختلف الرض ية البشر ية و النف سية ف التعا مل مع القت صاد ب ي "العال‬
‫السلمي" و "الغرب" يقول‪:‬‬
‫" فهناك فــ الواقــع أخلقيــة إســلمية تعيــش بدرجــة وأخرى داخــل العال‬
‫السلمي وهناك أخلقية القتصاد الوروب الت واكبت الضارة الغربية الديثة ونسجت لا روحها‬
‫العامة ومهدت لنجاحها على الصعيد القتصادي‪.‬‬
‫والخلقيتان تتلفان اختلفا جوهريا فــــــ التاه والنظرة والتقييــــــم وبقدر‬
‫مــا تصــلح أخلقيــة النســان الغربــ الديــث لناهــج القتصــاد الوروبــ تتعارض‬
‫أخلقيــة إنســان العال الســلمي معهــا وهــي أخلقيــة راســخة ل يكــن اســتئصال‬
‫جذورها بجرد تييع العقيدة الدينية" إقتصادنا ص ‪ 12‬ـ ‪.13‬‬
‫أود أن أضيف إل ما قاله السيد الشهيد نقطة أهم تتعلق بالفوارق بيننا و بي الغرب ‪ ،‬إن الفارق بي‬
‫الرضيتي ليست مرد اختلف دين و عقائدي ‪ ،‬فالختلف الكثر تذّرا هنا هو أن متمعاتنا ل تؤمن‬

‫‪128‬‬

‫بالرية و كل مواطن يعل من نفسه "ضابط مابرات" يتجسس على الخرين ‪ ،‬رغم أن السيد الصدر‬
‫وضع نصاب عينيه هذا الختلف ‪ ،‬ليس لنه يرفض التجربة القتصادية لجرد العاطفة ‪ ،‬بل لنه يعتقد‬
‫أن نا لن ن ستطيع النجاح ف ما أساه "العركة ضد التخلف" ما ل نستجب للشروط الوضوع ية و مراعاة‬
‫النطق السائد ف متمعاتنا ‪ ،‬لكنن أعتقد أنّ هذا ما سيزيد الشكلة تعقيدا و سيعن هروبا للمام ‪ ،‬لننا ما‬
‫ل نعلم متمعات نا و مواطني نا ثقا فة "الر ية" و "احترام الرأي ال خر" ‪ ،‬فإن كل مشروع إقت صادي مكوم‬
‫عل يه بالف شل ‪ ،‬ك ما أن نا إذا تعامل نا مع عقل ية متمع نا بال ستجابة لشرو طه الضي قة ‪ ،‬فإن ذلك يع ن أن نا‬
‫نشجّع متمعنا على أن يوغل ف تع صّبه و انغلقه و سنخسر الوقت أكثر من أي شيء ‪ ،‬فل بأس من أن‬
‫يتعرض نا متمع نا "ال سلمي" لضر بة ثقاف ية ‪ ،‬يف يق من ها قو يا و واع يا ‪ ،‬فذلك أف ضل من النعزال على‬
‫طريقة النود المر الذين انقرضوا أو كادوا بجرد رؤيتهم للنسان البيض‪.‬‬
‫يقول السيد الصدر‪:‬‬
‫" إن النســـان الوروبـــ ينظـــر إل الرض دائما ل إل الســـماء وحتـــ‬
‫الســيحية بوصــفها الديــن الذي آمــن بــه هذا النســان مئات الســني ل تســتطع أن‬
‫تتغلب على النعــة الرضيــة فــ النســان الوروبــ بــل بد ًل عــن أن ترفــع‬
‫نظره إل الســماء اســتطاع هــو أن يســتنل إله الســيحية مــن الســماء إل الرض‬
‫ويسده ف كائن أرضي" إقتصادنا ص ‪.13‬‬
‫سيّد الصّدر من خللا أن يعل "أوروبا" مكانا له‬
‫أود ها هنا أن أعلق على هذه العبارات الت حاول ال ّ‬
‫ظرو فه و عقلي ته الا صة التلئ مة مع "الرأ سالية" كنظام ‪ ،‬بالتال و ل ّن الن سان الورو ب ذو من طق‬
‫"أرضي ـ مادّي" ‪ ،‬فقد حول السيحية من دين ساوي إل دين أرضي ‪ ،‬و حقيقة أنن مستغرب من هذا‬
‫الستنتاج ‪ ،‬فالديان الّت كانت قائمة على "التثليث" و "نزول إبن الله إل الرض و موته فداءا للبشرية"‬
‫‪ ،‬هذه العقائد و الثقافات الّتـ سـبقت السـيحيّة ‪ ،‬كانـت سـائدة فـ الشّرق الوسـط ‪" ،‬الكنعانيّون" ‪،‬‬

‫‪129‬‬

‫"الفراعنة" ‪" ،‬البابليون" ‪ ..‬و "عودة إيزيس إل الياة" ف الساطي الفرعونية كانت أشهر من أي أُسطورة‬
‫أُخرى ‪ ،‬بالتال فإن فرض نط معي من التفكي على بقعة أرضية ما ليس بالستنتاج السليم ‪ ،‬خذ مثل‬
‫أديان الشرق القدية كعبادة "عشتار" ‪" ،‬رع" ‪" ،‬بعل" و غيها من اللة ‪ ،‬كانت تتسم بفلت جنسيّة‬
‫جاع ية يُشارك في ها آلف الن ساء و الرجال من غ ي حرج ‪ ،‬بل إن الحتفال بالتحول ال صّيفي ف "با بل‬
‫القدي ة" كان ي صاحبه احتفالت تتخلل ها علقات جن سية و بش كل عل ن ‪ ،‬ل كن طبي عة شعوب النط قة‬
‫تغيت منذ ظهور ال ّد الدّين الول "اليهودية" ثّ "السيحية و السلم" ليتحول الشرقي إل شخص متلف‬
‫تا ما ‪ ،‬بين ما حدث ف الغرب ع كس ذلك تا ما ح يث أن "ال نس" و الياة الاد ية هي من أك ثر المور‬
‫الطبيعية ف الياة‪.‬‬
‫إذا لاذا حدث ذلك؟ أعت قد أن لل مر عل قة ب ـ"ردود الف عل" ‪ ،‬فالشرق و حين ما كان يتعا مل مع‬
‫موضوعة "النس" على أنا "متعة" ل أكثر ‪ ،‬أصابه و من خلل أجيال من الوعظ و التقريع ردّ فعل غي‬
‫متناسب ‪ ،‬بعن أنه بدل من تنظيم هذه العلقة النسية للستفادة من ميزاتا و دفع أضرارها ‪ ،‬حولا إل‬
‫"حرام" و "منوع" و ت تضييقها ف أضيق الدود ‪ ،‬ما جعل شخصية الشرقي "السلم تديدا" شخصية‬
‫إنطوائ ية و "مكبو تة"‪ .‬أ ما ف الغرب ف قد حدث الع كس ‪ ،‬ف قد كان الورو ب القد ي يع يش ف مت مع‬
‫تسـوده القِيَم العشائريـة و القبليـة ‪ ،‬ثـ انتقـل مـن العشية التـ تضيّق على السـائل الخلقيـة إل نظام‬
‫"الكنيسة" و "البابوية" الت تعاملت بصرامة مع مسألة العفة و كانت النتيجة أن حصلت ردّة فعل قوية و‬
‫معاكسة باتاه الرية الطلقة‪.‬‬
‫و أخشى ‪ ،‬بل هذا ما نرجوه ‪ ،‬أن الشرق السلمي ـ و هم ليسوا استثناء ف القواني البشرية ـ‬
‫سيحدث له ردّ فعل ماثل باتاه التخلص من كل تقليد و إعادة دور العقل ف صياغة الفاهيم الدينية و‬
‫الجتماعية‪.‬‬
‫سيّد الصدر‪:‬‬
‫يقول ال ّ‬
‫" كمــا أن انقطاع الصــلة القيقــة للنســان الوروبــ بال تعال ونظرتــه إل‬

‫‪130‬‬

‫ــن‬
‫ــة عـ‬
‫ــه أي فكرة حقيقيـ‬
‫ــن ذهنـ‬
‫ــماء انتزع مـ‬
‫ــن النظرة إل السـ‬
‫الرض بد ًل عـ‬
‫قيمومــة رفيعــة مــن جهــة أعلى أو تديدات تفرض عليــه مــن خارج نطاق ذاتــه‬
‫وهيأه ذلك نفســيا وفكريا لليان بقــه فــ الريــة وغمره بفيــض مــن الشعور‬
‫بالســتقلل والفرديــة المــر الذي اســتطاعت بعــد هذا أن تترجهــ إل اللغــة‬
‫ـفي فلســفة كــبى فــ تاريــخ أوروبــا‬
‫الفلســفية أو تعــب عنــه على الصــعيد الفلسـ‬
‫الديثــة وهــي الوجوديــة إذ توجــت تلك الشاعــر التــ غمرت النســان الوروبــ‬
‫الديث بالصيغة الفلسفية فوجد فيها إنسان أوروبا الديث أماله وأحاسيسه‪ ".‬إقتصادنا ص ‪.14‬‬
‫إن مسألة اللاد ف الغرب و تول التيار الثقاف و العقائدي الغرب نو رفض "الدّين" ف تفسيه الذي‬
‫حاول اليمنة باتاه تعليل كل شيء ‪ ،‬ليس مسألة تتعلق بينات أو مورّثات النسان الوروب و الغرب ‪،‬‬
‫بل هي تتعلق بالدور ال سّلب الذي لعبه الدين ف القرون الوسطى و خصوصا هيمنة "البابوية" ف روما و‬
‫استغلل رجال الدين لسم السيح و الكرسي الرسول ف روما للحصول على الزيد من السلطة و النفوذ‬
‫و وقف أي نوع من العقلنية يصطدم مع مصال الكليوس و الجامع الكنسية ‪ ،‬و كان من الطبيعي أن‬
‫تظهر حركة الصلح الدّين (‪ )Religion Reformation‬خلل القرن ‪ 16‬اليلدي ‪ ،‬إنقلب‬
‫على إثره العال الورو ب إل مع سكرين ‪ ،‬كاثولي كي و بروتي ستانت ‪ ،‬و ن تج عن صراع الفكرت ي "نزع‬
‫السلطة عن البابوية مقا بل هيمنتها الشاملة" سقوط ملي ي القتلى و الرحى ‪ ،‬بل إن ر بع سكان ألانيا‬
‫كانوا قد قتلوا بفعل هذه الرب ف بداية القرن ‪ 17‬و بالتال كان من الطبيعي أن يتوصل العقل الوروب‬
‫إل صياغة جديدة لدور الدين ف الياة ‪ ،‬صحيح أن التعامل مع الدين كان يتحول ف فترة من الفترات‬
‫إل تعامل متطرف ضد الدين بسبب التراكم ال سّيء الذي تركه الدين ف تاريخ العقل الوروب ‪ ،‬و ل‬
‫يع ن هذا أن الغرب أو أورو با تديدا ل تاول الب حث عن نظر ية بديلة ‪ ،‬فكا نت أن تناز عت القوم ية‬
‫ـ أيضـا كا نت‬
‫الشوفين ية "الناز ية و البلشف ية" على ال سيطرة و اليم نة على الع قل الوروبـ ‪ ،‬و مقابله ا‬

‫‪131‬‬

‫"الشيوعية الاركسية" تاول تقدي نفسها كبديل للفراغ الذي تركه الدين ‪ ،‬أثبتت القومية فشلها خلل‬
‫الرب العال ية الثّان ية و اندحار الناز ية التلر ية ‪ ،‬ث تل ها التاد ال سوفيت و الع سكر الشر قي ف نايات‬
‫القرن العشرين ‪ ،‬و استقر المر أخيا ‪ ،‬ف التنظي الوروب لفهوم "الدولة" ‪ ،‬على أن تكون الدولة جهازا‬
‫ل سن حظ الاليات العرب ية و السلمة ف‬
‫مايدا للح كم و ل يش ِعرَ أي موا طن بأن هناك تييزا ضده ‪ ،‬و ُ‬
‫أوروبـا و الغرب أن السـلطة هناك ل تقيـس المور بقاييـس دينيّة ‪ ،‬و إل لكانوا ُطرِدوا مـن هناك منـذ‬
‫أحداث ‪ 11‬سبتمب ‪ 2001‬و تفجيات لندن و مدريد‪.‬‬
‫إذا فالع قل الورو ب ‪ ،‬حاله كحال كل مت مع إن سان ‪ ،‬يع كس طوال تاري ه ردود فِ عل معي نة على‬
‫مواضيع خارجية معينة ‪ ،‬فل يكن لنا أن ناري النازية فنقول أن لكل عرق أو شعب تركيبة جينية مُعيّنة‬
‫تعله يف كر بطري قة ما "يبدو ال مر كحتم ية عقائد ية" م ا يو صلنا إل القرار بنظر ية "نيت شة" ال ت انت هت‬
‫بالف كر اللا ن إل الزب القو مي الشترا كي "النازي" ليقود هم هتلر ن و الوت الشا مل‪ .‬بل إن ردود‬
‫الف عل البشر ية ف الر فض الف يف أو الر فض العن يف و التطرف يب قى نتي جة لتراكمات معيّ نة و يتو قف‬
‫أيضا على نوع و درجة التجربة الت ت خوضها‪.‬‬
‫لكن السّيد الصدر بالقابل و حينما يدثنا عن تركيبة الفرد "السلم" ف متمعه ل يبدو لنا إن كان يذمّ‬
‫الفهم السيء للدين إل حدّ أن الكسل كان يقنع بلباس التقوى و الزهد ‪ ،‬بالتال يبدو لنا السلم الشرقي‬
‫كائنا أقرب إل عال الموات و ل يلك رغبة حقيقية ف الياة و هو بانتظار الوت على ك ّل حال ‪ ،‬و ل‬
‫يَهمّ بعد ذلك ما إذا كان الكم الذي يعيش ف ظله هذا السلم ‪ ،‬ديقراطيا أم دكتاتوريا إستبداديا! لنه‬
‫فقد الرغبة ف الياة على كُ ّل حال‪.‬‬
‫سيّد الصدر‪:‬‬
‫يقول ال ّ‬
‫ــن قوة أغراء‬
‫ــلم حددت مـ‬
‫ــان السـ‬
‫ــ مزاج النسـ‬
‫ــة فـ‬
‫ــة العميقـ‬
‫" وهذه الغيبيـ‬
‫الادة للنســان الســلم وقابليتهــا لثارتــه المــر الذي يتجــه بالنســان فــ العال‬
‫الســلمي حيــ يتجرد عــن دوافــع معنويــة للتفاعــل مــع الادة وإغرائه باســتثمارها‬

‫‪132‬‬

‫إل موقف سلب تاهها يتخذ شكل الزهد تارة والقناعة أخرى والكسل ثالثة‪.‬‬
‫وقــد روّضتــه هذه الغيبيــة على الشعور برقابــة غيــ منظورة قــد تعــب فــ وعــي‬
‫ـد تعـب فـ ذهـن مسـلم‬
‫ـؤولية صـرية بيـ يدي ال تعال وقـ‬
‫السـلم التقـي عـن مسـ‬
‫آخــر عــن ضميــ مدّد وموجّـه وهــي على أي حال تبتعــد بإنســان العال الســلمي‬
‫عــن الحســاس بالريــة الشخصــية والريــة الخلقيــة بالطريقــة التــ أحــس باــ‬
‫النسان الوروب"‪ .‬إقتصادنا ص ‪.16‬‬
‫هذه العبارات ذات الغزى ‪ ،‬تو ضح ل نا و إل أبعـد الدود ‪ ،‬مدى ذوبان "الفرد" كذات إنسـانية فـ‬
‫نقيضهـا "الماعـة" ‪ ،‬بالتال فالشبـه بيـ متمعاتنـا السـلمة و متمعات اليوان "النحـل" ‪" ،‬الزنابيـ" ‪،‬‬
‫"النمل" و غيها ‪ ،‬شبها كبيا ‪ ،‬هذا إن ل تكن متمعاتنا أكثر جودا ‪ ،‬فالنحل و منذ آلف السني ينفذ‬
‫مهامه بشكل آل متكرّر و دون أن يطرأ عليها أي تغيي يُذكر ‪ ،‬بالتال فل أمل من تغيي أو تطوير هكذا‬
‫متمع ‪ ،‬و ل داعي أيضا أن يرهق الفكّرون أنفسهم ف خلق "فلسفات إقتصادية" ‪ ،‬بينما ثنائيا الفرد و‬
‫الجتمع ل يلكان الرغبة ف الياة ‪ ،‬و هي الرغبة الساس لي إقتصاد ‪ ،‬و كما قال الصدر حرفيا "و هي‬
‫ـ يق صد ضم ي و ع قل ال سلم ـ على أي حال تبت عد بإن سان العال ال سلمي عن الح ساس بالر ية‬
‫الشخصية و الرية الخلقية بالطريقة الت أحس با النسان الوروب"!! إنا كلمات كبية و مؤلة و‬
‫ت سّ القي قة ‪ ،‬و بين ما كان من النت ظر أن تتحول إ صهارات ثقا فة ر فض الظلم و الطغيان ال ت زرع ها‬
‫السي بن علي و روّاها بدمائه و أبناءه ف عمق عالنا السلمي إل ثورة "عقلية" و أساسا لرية تعل‬
‫من الن سان إن سانا ي ب الياة لنف سه و لغيه ‪ ،‬إل أن الؤمن ي بالثورة رضخوا للعقل ية القائ مة و خلقوا‬
‫لجتمعات م "ثوا بت" و "هويات" و "تقال يد" ي ب الدفاع عن ها ك ما دا فع أ بو سفيان عن ِق يم العشية و‬
‫القبيلة ‪" ،‬هُبل" ‪" ،‬اللت" ‪" ،‬ال ُعزّى"‪.‬‬
‫القتصاد الطروح من قبل السيد الصدر كبنامج متكامل ‪ ،‬ل يكن تطبيقه إل ف ظل شعب فيلسوف‬

‫‪133‬‬

‫يكون أفراده نسخا أخرى تشبه عبقرية الصدر و هذا غي مكن طبعا ‪ ،‬و قبل أن نتحدث عن أي إقتصاد‬
‫ل يلك حرية ليبدي رأيه ف أبسط مشاكله الياتية فضل عن السياسيّة و القتصاديّة ‪ ،‬لذلك كان الول‬
‫لو كا نت صيغة الب حث الذي صاغه الشه يد ال صدر ت ت عنوان "حريّت نا" ق بل أن تكون "فل سفتنا" أو‬
‫"إقتصادنا" ‪ ،‬إذ أن التعايش مع الطغاة من قبل هذه المة "السلمية"! هو أكب دليل على فشل هذه المة‬
‫‪ ،‬و بالطبـع فإن الصـدر ل يسـتطع أن يكون مثلهـم و فض ّل الوت حرّا على أن يعيـش ذليل لطاغيـة‬
‫سفـاح‪.‬‬
‫يقول السيد الصدر‪:‬‬
‫" وقـــد عزز فكرة الماعـــة لدى النســـان الســـلم الطار‬

‫‪134‬‬

‫العاليــ لرســالة الســلم الذي ينيــط بملة هذه الرســالة مســؤولية وجودهــا عاليا‬
‫وامتدادهــا مــع الزمان والكان فإن تفاعــل إنســان العال الســلمي على مــر التاريــخ‬
‫ـة‬
‫ـه الشعور بالعاليـ‬
‫ـخ ف ـ نفسـ‬
‫ـة يرسـ‬
‫ـة البشريـ‬
‫ـة على الماعـ‬
‫ـة منفتحـ‬
‫ـالة عاليـ‬
‫ـع رسـ‬
‫مـ‬
‫والرتباط بالماعــة‪ .‬وهذه الخلقيــة التــ يعيشهــا إنســان العال الســلمي إذا‬
‫ـة‬
‫ـا ف ـ النهجـ‬
‫ـتفادة منهـ‬
‫ـن السـ‬
‫ـة يكـ‬
‫ـة مائلة ف ـ كيان المـ‬
‫ـفها حقيقـ‬
‫ـا بوصـ‬
‫لحظناهـ‬
‫للقتصــاد داخــل العال الســلمي ووضعــه فــ إطار يواكــب تلك الخلقيــة‬
‫ـاد الوروب ـ‬
‫ـج القتصـ‬
‫ـة مناهـ‬
‫ـت أخلقيـ‬
‫ـا كانـ‬
‫ـك كمـ‬
‫ـع وتريـ‬
‫ـبح قوة دفـ‬
‫ـي تصـ‬
‫لكـ‬
‫الديث عاملً كبيا ف إناح تلك الناهج لا بينهما من انسجام" إقتصادنا ص ‪.17 – 16‬‬
‫فليعذر ن ال سلميون و حزب الدعوة خ صوصا إن أبد يت تفّظا ت على ت عبي "أُمّة" ‪ ،‬ف هي تبدو ل‬
‫كلمة ضبابية و غي واضحة ‪ ،‬كما أن الواقع ينفيها ‪ ،‬فامتدادا من إندونيسيا و حت موريتانيا و مال ‪ ،‬ل‬
‫تو جد دولة إ سلمية تع يش نو عا حقيق يا من ال ستقرار و الن سجام ‪ ،‬و إن و جد ش يء من ذلك ف هو‬
‫ظاهري و ي في ت ته كثيا من الق سر و الكراه ‪ ،‬بع ن أ نه إتاد يتجاوز ح ت الجبار إل "الرهاب" ‪،‬‬
‫بينما العراق الديد الذي يتم صياغته بعد الطاحة بالطاغية صدّام ‪ ،‬فهو ياول خلق أول تربة من نوعها‬
‫‪ ،‬و ل كن ها ه نا ل بد من إتاد إجباري "ب صيغ قانون ية" و ل يس التاد الجباري على طري قة الدول‬
‫العربية الطائفية‪.‬‬
‫فمنطقت نا تفت قد "النسجام القائم على الرية" ‪ ،‬و ل إن سجام بدون الديقراطية و حرية الختيار ‪ ،‬و‬
‫أي إن سجام يظ هر إل ال سطح ت ت حراب الدكتاتور ية و أنظ مة البول يس هو إن سجام كاذب و ينفرط‬
‫عقده بجرد ض عف الدكتاتور أو مو ته ‪ ،‬من ه نا كان اللزم لتوف ي بيئة إقت صادية التهيئة ل ا عب توف ي‬
‫الرية و اختيار "صيغة تعايش" بي الشعوب يكون التفكي الرّ أساسها ‪ ،‬أما النسجام الدين و الذهب‬
‫أو القومي فهو إنسجام "صوري" ل "جوهري" ناتج عن إختيار حرّ للفراد الذين يشكلون الجموع‪.‬‬

‫‪135‬‬

‫إن العلقة بي النسان و البيئة يربطها معتقده و أُلوب فهمه للبيئة و الجتمع ‪ ،‬فاللحد الادّي الّذي ل‬
‫يؤمن بأي شيء عدا القواني الادية ‪ ،‬ينتهي الال به إل أن يكون هو الخر جزءا من الحيط الامد و‬
‫الغي إنسان ‪ ،‬و النسان الوغل ف التدين أيضا يثل الانب السلب القابل للملحد ‪ ،‬إذ غالبا ما يكون‬
‫هؤلء التديّنون إنطوائي ي و منغلق ي و ك سال "ت ت شعار التّو كل على ال" ‪ ،‬ل كن يب قى هذا الوضوع‬
‫شأنا شخصيا ‪ ،‬إذ ل يكن ليّ أحد أن يفرض هذه القناعة أو تلك على الرأسال "صاحب رأس الال" ‪،‬‬
‫ل كن ف الضارة الغرب ية ـ و تديدا ف النموذج المري كي ـ ن د اللّك و الغنياء ي تبعون بلي ي‬
‫الدولرات لصـال الكنائس ‪ ،‬و حتـ السـاجد ‪ ،‬و العمال اليي ّة كالنفاق على الشرديـن و الذيـن‬
‫يتاجون الساعدة ‪ ،‬و هذا ما يؤكد أن النظام الديقراطي الرأسال قد تطى تدّي "الغراق ف الا ّديّة" و‬
‫استطاع خلق علقة بي أصحاب الموال و العمل اليي‪.‬‬
‫يقول السيد الصدر‪:‬‬
‫ــن أن تؤدي إل‬
‫ــل الرض يكـ‬
‫ــماء قبـ‬
‫ــلمي إل السـ‬
‫ــان العال السـ‬
‫" فنظرة إنسـ‬
‫موقــف ســلب تاه الرض ومــا فــ الرض مــن ثروات وخيات يتمثــل فــ‬
‫الزهــد أو القناعــة أو الكســل إذا فصــلت الرض عــن الســماء وأمــا إذا ألبســت‬
‫الرض إطار الســماء وأعطــي العمــل مــع الطبيعــة صــفة الواجــب ومفهوم العبادة‬
‫فســوف تتحول تلك النظرة الغيبيــة لدى النســان الســلم إل طاقــة مركــة وقوة‬
‫دفــع نوــ الســاهة بأكــب قدر مكــن فــ رفــع الســتوى القتصــادي‪ .‬وبدلً عمــا‬
‫يســه اليوم الســلم الســلب مــن برود تاه الرض أو مــا يســه الســلم النشيــط‬
‫الذي يتحرك وفــق أســاليب القتصــاد الرــ أو الشتراكــي مــن قلق نفســي فــ‬
‫أكثــر الحيان ولو كان مســلما متميعا ســوف يولد انســجام كامــل بيــ نفســية‬
‫إنسان العال السلمي ودوره الياب الرتقب ف عملية التنمية" إقتصادنا ـ ص ‪.17‬‬

‫‪136‬‬

‫إ نّ كلم ال سيد ال صدر ها ه نا يبدو ل و كأ نه ا ستشراف لقي قة العل قة الوا جب إياد ها ب ي القِيَم‬
‫الدينيّة و القتصاديّة الدنيويّة ‪ ،‬المر الذي سيحقق للمجتمع هدفي أساسيي ها‪ :‬أول‪ :‬تنشيط التجارة و‬
‫حركتها السريعة ف تبادل رؤوس الموال و الرباح‪ .‬ثانيا‪ :‬توفي الال للعمل اليي و الدمات الساسيّة‬
‫من طعام و مأوى للمسحوقي أو الذين ل ينجحوا ف الياة‪ .‬لكن يبقى المر ها هنا هو م سألة تنظيم‬
‫قواني ل تتغلف بغلف الدين ‪ ،‬بعن أن أي قواني يُصاحبها خطاب دين أو وعظ ‪ ،‬تُقابَل عادة بالرفض‬
‫و التهرب ‪ ،‬و لنه ل يوجد إنسان كامل ‪ ،‬و حت أؤلئك الّذين رافقوا النبياء كانوا بشرا لم رغبات و‬
‫شهوات و حتـ أن كثيا منهـم أطاع الشيطان ‪ ،‬إذا ل يكـن لنـا أن نتّهـم إقتصـادا مـن القتصـادات ‪،‬‬
‫كالرأساليّة هنا ‪ ،‬بأنا فاشلة ل نّ بعض الغنياء و الترفي ترّبوا من دفع الضّريبة للدولة ‪ ،‬و حت ف إيام‬
‫النب ممد عُرف أحد السلمي و هو "ثعلبة" بأنه بل و ل يدفع الزكاة و بالتال تركه النب ممد و قرر‬
‫أن ل يكلّمه إل أن مات ثعلبة و كان عقابه الوحيد هو أن النب ممدا ل يُكلّمه‪.‬‬
‫إن الصدر ف ماولته خلق علقة ماثلة بي الرأسال "السلم" و القواني الطبيعية و البيئيّة ‪ ،‬قد نح إل‬
‫حدّ كبي ف فهم العلقة بي القتصاد و خدمة الجتمع ‪ ،‬لكن يبقى الشكال ها هنا هو ‪ :‬هل من المكن‬
‫وضع رقابة فوقية "دينية" على القتصاد؟ القيقة أن الجتمع الشيعي اليران كان أقوى حينما كان يُدير‬
‫تار ته و تعامل ته ف ظل نظام الشاه الذي كان قد ف تح أبواب القت صاديّات ال كبى أمام اليراني ي ‪ ،‬و‬
‫كانت الدارس الدينية ف إيران تصل على مليي الدولرات من التبعات و ال صّدَقات ‪ ،‬لكن منذ ثورة‬
‫‪ 1979‬و هيمنة النظام الدين ‪ ،‬تراجعت مداخيل الدّولة اليرانية و راحت بعض مدارس الدولة "الدّينية"‬
‫تتلقى أموال حكومية ل تستحقها بالفهوم الدّين ‪ ،‬بعن أنه ل يوز لم أصل التّصرف بذه الموال لنا‬
‫تعود للقطاع العام‪.‬‬
‫إن الظّن بأن إقتصادا "إسلميا" قائما على الباديء الخلقية سيكون ناجحا ‪ ،‬هو ظنّ خاطيء ‪ ،‬فما‬
‫أسهل على تاجر أو رأسال أنان أن يُطيل اللّحية و يمل مسبحة و يتم سّح بالكعبة و القرآن و يذرف‬
‫دموع "التقوى و الورع" ‪ ،‬ل كن ف ال سّوق و التعا مل البا شر ل تده يتلف عن عن أ سوأ الراب ي و‬

‫‪137‬‬

‫الحتالي ‪ ،‬يقول السيد الصدر‪:‬‬
‫"ومفهوم إنســان العال الســلمي عــن التحديــد الداخلي والرقابــة الغيبيــة الذي‬
‫يعله ل يعيــش فكرة الريــة بالطريقــة الوروبيــة يكــن أن يســاعد إل درجــة‬
‫كــبية فــ تفادي الصــعاب التــ تنجــم عــن القتصــاد الرــ والشاكــل التــ‬
‫ـن‬
‫ـه ف ـ ذهـ‬
‫ـتمد مشروعيتـ‬
‫ـط عام يسـ‬
‫ـن تطيـ‬
‫ـادية ف ـ ظله عـ‬
‫ـة القتصـ‬
‫ـا التنميـ‬
‫تواجههـ‬
‫إنســان العال الســلمي مــن مفهومــه عــن التحديــد الداخلي و الرقابــة غيــ النظورة‬
‫أي يستند إل مبرات أخلقية" إقتصادنا ـ ص ‪.17‬‬
‫و ال برات الخلق ية ه نا ل فائدة من ها ‪ ،‬على صعيد اللموس ‪ ،‬ل ّن ال سألة الخلقيّة تب قى م سألة‬
‫شخصيّة و ذاتية ‪ ،‬و لكن يُمكن فرض قواني ـ و هذا مكن ف كلّ الجتمعات و القتصاد المريكي‬
‫معروف بضرائ به الباه ظة و عقوبا ته الشّديدة على الخالف ي ـ و بو جب هذه القوان ي الشدّدة ‪ ،‬اّل ت‬
‫ع مصلحة الجتمع ‪ ،‬من المكن أن يتردّد التاجر و الرأسال و الستثمر ألف مرّة قبل أن يُقدم ـ مثل‬
‫ترا ِ‬
‫ـ على التهرب من الضّريبة‪.‬‬
‫أردنا من هذا النقد البسيط لبعض أفكار الشهيد ال صّدر الول أن نوضح أن حزب الدعوة ـ و من‬
‫خلل مؤسّسه ـ هو أقرب إل الديقراطية من الركات السلمية الُخرى ‪ ،‬و كأن هناك خطوة واحدة‬
‫بقيت للسيد الصدر ليكون ف وسط العسكر الديقراطي ‪ ،‬إذ أنه ل ينتقد النظام الديقراطي الرأسال إل‬
‫على م ستوى ب سيط إذا ما قورن بواجه ته للنظام ي الشترا كي ‪ ،‬الشيو عي ‪ ،‬و القو مي ‪ ..‬إذ كان نقده‬
‫لذه النظريات نقدا على م ستوى "ال صراع" و إيقاف امتداد هذه النظريات الشّموليّة ‪ ،‬و الل حظ أ نه ل‬
‫ينت قد "النظام الرأ سال المري كي" ‪ ،‬ربّ ما ل نه أعت قد أ ّن عل يه الطلع أك ثر على مزا يا هذا النظام أو‬
‫لقناعته أنه أفضل نظام موجود‪.‬‬
‫إن حزب الدعوة و من خلل متابع ت لت صريات الدكتور ين العفري و الال كي ‪ ،‬معجبان بالتجر بة‬

‫‪138‬‬

‫الترك ية الال ية و ال ت ضم نت مشار كة "إ سلميّي" ف ال سلطة مقا بل الفاظ على "علمانيّة" و حياديّة‬
‫الدولة ‪ ،‬و فعل فم نذ خروج الزب من العراق ف نا ية ال سبعينيات و لوءه إل إيران و الغرب ‪ ،‬فإ نّ‬
‫الدعوة دخل ف خلفات مع "النظام الدّين ف إيران" حول استقلليته السياسية و ت سّكه باليار الوطن‬
‫العراقي ‪ ،‬لكنن أستثن و أتفظ على "الصدريي ـ جاعة مُقتدى الصدر" الّذين شوهوا حزب الدّعوة‬
‫عـب تبنيهـم الطاب التطرف ‪ ،‬و مهمـا حاول "البعثيون" و آخرون يريدون إزاحـة هذا الزب مـن‬
‫الشار كة ‪ ،‬و ر غم تف ـظات على كث ي موا قف و آراء حزب الدعوة ‪ ،‬إ ّل أ نه و للحقي قة أك ثر ت سّكا‬
‫بالبامج الوطنية من كثي من الحزاب الت ترفع "شعار" الوطنية و العلمانية و هي ليست إل عصابات‬
‫وراثية‪.‬‬
‫العراق الذي تشكّل ب عد تريره من نظام الب عث و ح كم صدام ف ‪ 2003‬هو بيئة خ صبة لن شر‬
‫الديقراط ية ‪ ،‬ر غم ك ّل ما يري من أعمال إرهاب ية يشن ها بعثيون من أن صار النظام القد ي و سلفيي‬
‫تكفييي "الركة الوهابية" و أحزاب قومية و طائفية ل تتمكن بعد من فهم الديقراطية ‪ ،‬و الصح أنا‬
‫ل تريد التعامل بالديقراطية كونا تؤمن بالـ"قوميّة" على نسق "حزب البعث" إل أنا قد تكون منتمية‬
‫إل قوميّة أُخرى غ ي عربيّة ‪ ،‬و الشكلة ال ت يعيش ها العراقيون الن ‪ ،‬بالضا فة إل الفلتان الم ن ‪ ،‬هو‬
‫د ستورهم الل يء بالثغرات و الذي سيتسبب م ستقبل ـ و أر جو أن أكون مطئا ـ ف إفشال العمل ية‬
‫السياسية برمّتها و بالتال دخول العراق ف نفق مظلم ‪ ،‬فالعراق ‪ ،‬كما وصف البعض دستوره الديد ‪،‬‬
‫خلطة مثية للعجب و للشئزاز ف آن واحد ‪ ،‬فل هو دولة علمانية و ل إسلمية دينية ‪ ،‬و ل هو فدرالية‬
‫أو مركز ية أو حت مؤلّف منه ما ‪ ،‬إ نه باختصار د ستور موزّع على هيئات سياسية معيّنة ‪ ،‬و إضا فة إل‬
‫التشوهات الينيـة التـ أضافهـا القوميون "العرب و غيـ العرب" إل هذا الدسـتور حول هويـة العراق‬
‫"القومية" ‪ ،‬عمل السلميون إيضا ـ سنّيّهم و شيعيّهم ـ على تشويه الدستور بإضافة نصوص دينية‬
‫يتلف ف تفسيها حت أصحاب الذهب الواحد‪.‬‬
‫من ال صعب ‪ ،‬إن ل ي كن من ال ستحيل ‪ ،‬إقا مة نظام ديقرا طي را سخ و قوي ‪ ،‬ف ظل سلطة مركز ية‬

‫‪139‬‬

‫هزيلة و صوريّة و ل تلك سلطة فعل ية ‪ ،‬و أيّ مراج عة للنظ مة الفدرال ية العاليّة ‪ ،‬تظهر ل نا و بوضوح‬
‫أهية تقوية الركز للحفاظ على التناسق بي القاليم و الحافظات ‪ ،‬و لكن هذه الدولة تسي بصعوبة لنّ‬
‫كـل طرف كوّن لنفسـه نظريّة كاملة و شاملة عـن مفهوم الدّولة فـ العراق و لكـي تتناسـق الدولة مـع‬
‫"مفهوم ها" لدى كل حزب ‪ ،‬ل ُبدّ من البدء من الصفر ‪ ،‬فال سلمي يدعو إل الديقراط ية و الر ية‬
‫مضافا إليها عبارة "و ‪ ..‬لكن" ‪ ،‬فمن إحترام "السلم" مرورا بـ"ثوابت السلم" ثّ "شخصيات التاريخ‬
‫السلمي"! ‪ ،‬تصبح الديقراطية و الرية مرد كلمات رنّانة ‪ ،‬و نفس الشيء يدث مع الحزاب الؤمنة‬
‫بالصـراع القومـي و بناء دولة داخـل الدولة ‪ ،‬إذ ل يوز التطاول على "الُويّة القوميّة" و واجـب هـو‬
‫"إحترام الناضلي" الوجودين ف السلطة و أن الوطن العراقي نفسه حافل بالعداء !!‪ ..‬إن الديقراطية‬
‫ليسـت مرّد انتخابات ــ رغـم أهيّة النتخابات الرّة و النيهـة ــ إل أن هناك حريّات تعتـب مـن‬
‫أساسيّات حقوق النسان و الواطنة و ل تستطيع أي أكثريّة أو أقلية أن تُلغي هذه القوق كونا قائمة‬
‫بذاتا‪.‬‬
‫و سـنواصل نقـد جوانـب أخرى مـن أُطروحات الصـّدر الفكريـة و سـنركز الن على ماهيّة الفرد فـ‬
‫الجتمعات السلمة‪.‬‬
‫الفــــــــــرد و الدّولـــــــــــــــــــة‬
‫""المجي" هو أيضا متمدن بعن هام من معان الدنية‪ ،‬لنه يُعن بنقل تراث القبيلة إل أبنائه‪ -‬وما‬
‫تراث القبيلة إل مموعة النظمة والعادات القتصادية والسياسية والعقلية واللقية‪ ،‬الت هذبتها أثناء‬
‫جهادها ف سبيل الحتفاظ بيات ا على هذه الرض والستمتاع بتلك الياة‪ ،‬ومن الستحيل ف هذا‬
‫الصدد أن نلتزم حدود العلم‪ ،‬لننا حي نطلق على غينا من الناس اسم "المج" أو "التوحشي" فقد‬
‫ل نعب ب ثل هذه اللفاظ عن حقيقة موضوعية قائمة‪ ،‬بل نعب با عن حب نا العارم لنفسنا ل أك ثر؛‬
‫وعن انقباض نفوسنا وانكماشها إذا ما ألقينا أنفسنا إزاء ضروب من السلوك تتلف عما ألفناه؛ فل‬
‫شك أن نا نب خس من قي مة هات يك الشعوب ال ساذجة ال ت ت ستطيع أن تعلم نا كثيا جدا من الود‬

‫‪140‬‬

‫وحسن اللق؛ فلو أننا أحصينا أسس الدنية ومقوماتا لوجدنا أن المم العُريانة قد أنشأتا أو أدركتها‬
‫جيعا إل شيئا واحدا‪ ،‬ول تترك ل نا شيئا نضي فه سوى تذ يب تلك ال سس والقومات لو ا ستثنينا فن‬
‫الكتا بة‪ ،‬و من يدري فلعل هم كذلك كانوا يوما متحضر ين ث نفضوا عن أنف سهم تلك الضارة ل ا‬
‫لسوه فيها من شقاء النفس؛ وعلى ذلك فينبغي أن نكون على حذر حي‬
‫تستعمل ألفاظا مثل "هجي" و "متوحش" ف إشارتنا إل "أسلفنا الذين يعاصروننا اليوم"؛ ولقد آثرنا‬
‫أن ن ستعمل كل مة "بدائي" لندل على كل القبائل ال ت ل تت خذ الي طة‪ ،‬أو ل تكاد تتخذ ها‪ ،‬ب يث‬
‫تدخـر القوت لليام العجاف‪ ،‬والتـ ل تسـتخدم الكتابـة أو ل تكاد تسـتخدمها؛ وفـ مقابـل ذلك‪،‬‬
‫سنطلق لفظ التمدن على القوام الت ف وسعها أن تكتب‪ ،‬وأن تدخر ف أيام يسرها ليام عسرها" ـ‬
‫قصة الضارة للكاتبي الكبيين ول و آرييل ديورانت‪ .‬ج ‪ 1‬ص ‪ 18‬ـ ‪.19‬‬
‫يُمثّل الفرد قمّة الوجود الن سان ‪ ،‬فالما عة هي تعدد الفراد ‪ ،‬و الن سان كمخلوق ي مل ف داخله‬
‫تصـوره الاص للحياة و الجتمـع و كـل النتـج البشري ‪ ،‬و مهمـا تشابتـ قناعـة جاعـة أو ديـن مـن‬
‫الديان ‪ ،‬يبقى الفرد ف داخله ـ ذاته ـ ُحرّا ف أن يؤمن أو ل يؤمن ‪ ،‬يُصدّق أو ل يصدّق ‪ ،‬فهو مالك‬
‫نفسه ‪ ،‬و أرى "سارتر" مقا فعل حينما يؤكد أن النسان هو الّذي يلق ما يؤمن به ‪ ،‬فشخص ما قد‬
‫يكون مؤمنا بدين من الديان إل حدّ أنه مستعد أن يوت ف سبيله ‪ ،‬ث تث تولت فكرية لديه فيصبح‬
‫هذا التديّن "ماركسيا" مثل و يصف الدّين الّذي كان يؤمن به بالمس أش ّد اليان بأنه‪ :‬أفيون الشّعوب‬
‫‪ !"..‬ث نراه مستعدا أيضا أن يوت ف سبيل "الاركسية" كما كان مستعدا بالمس أن يوت ف سبيل ل‬
‫‪ !!..‬و ف كل الالتي فإنه كان يعتقد أنه قد توصّل إل القيقة الكاملة‪.‬‬
‫إ ّن النسان ف جوهره هو "مموعة ردود أفعال" و هو ف الوقت نفسه ل يقوم بردّ الفعل اعتباطيا أو آليا!‬
‫بل إن النسان ـ كل إنسان ـ لديهِ رغبة ما نو شيء ما ‪ ،‬سواء تعلق ذلك الشّيء بذاته أو بحيطه ‪ ،‬و‬
‫هو لكي يصل إل كمال الذّات "النا الباقة" فإنه يبحث عن وسائل للوصول إل هذا الكمال الّذي يراه‬
‫الفرد كمال ‪ ،‬و هو ما قد ل يكون كذلك ف نظر آخر ‪ ،‬فالصول على مرتبة دينية أو القيام بفرض دين‬
‫أو قتل أحدهم ف سبيل ال !! يبدو ف عي التدين "كمال" و بريقا لذاته العطشة للفضل ‪ ،‬بينما يتقر‬
‫الاركسي "مثل" كلّ ذلك و يعتب الكمال ف أن يصبح "رفيقا" ف حزب يساري أو يقتل عدوا من أعداء‬
‫الثورة و الطبقة الكادحة!!‪.‬‬
‫إن الن سان هو ذا ته سواء كان فردا من قبيلة تع يش ف أك ثر الجتمعات رجعية أو بروفي سورا ف أر قى‬
‫جامعات العال ‪ ،‬يب قى يتلك الرغبات و الطموح و أن يكون أف ضل من غيه متازا ع ما سواه ‪ ،‬و يت فق‬

‫‪141‬‬

‫معي السيد الصدر ف كتابه "اقتصادنا" إذ يعل "حُبّ الذّات" مركا للتاريخ ‪ ،‬فالنسان و لنه يب ذاته‬
‫و هو شعور مغروس ف نفسه ‪ ،‬فإنه ينافس الخرين ف هذه الياة و كأنه لن يوت ‪ ،‬و حت عندما يؤمن‬
‫بالدّين فذلك لنه يبحث لنفسه ـ ذاته ـ عن اللود و النبعاث من الوت الّذي سيعتريه حتما ‪ ،‬بعد‬
‫ك ّل هذا الوضوح ف مركزية "الفرد" و كونه أساس كلّ متمع ‪ ،‬ل بُ ّد من أن نقوم بترسيخ هذا الحرك‬
‫التاريي الضخم‪.‬‬
‫***‬
‫تتّ سم متمعات نا الشرق ية ال سلمية بكون ا تتلك غريزة أك ثر من امتلك ها الع قل ‪ ،‬و الغريزة قد ت صيب‬
‫أحيانا ‪ ،‬لكنها تطيء أكثر منها حي تصيب ‪ ،‬و الغريزة غالبا ما تعجب بالبة الوروثة من الاضي و‬
‫ترى ف عملهم ‪ ،‬حتّى و إن كان "منطقا عقليا" ‪ ،‬غريزة مقدسة ل يوز التجاوز أو التحاور حولا بنطق‬
‫"النقد" الباحث عن مواطن الصابة و الطأ ‪ ،‬بالتال يسر الفكر ـ الذي أبدع الفكرة ـ ل ّن ما كان‬
‫ينتظره الفكّر من تطوير لفكرته ل يتحقق بل تّ إضافة إنازه الفكري إل قائمة "القدّسات" الّت ل تقبل‬
‫النقاش أو الن قد ‪ ،‬من ه نا كان من وا جب الفكّر ين الع مل على ن قد أفكار البدع ي ‪ ،‬خ صوصا لؤلئك‬
‫الّذين تتعلق منجزاتم بجتمعاتنا الّت تعان المرّين من التخلف و الهل و التقليد‪.‬‬
‫مشكلت نا مع القدّس ـ كشرقي ي ـ تك من ف أنّه غ ي قا بل للمناق شة و الوار ‪ ،‬و القائ مة الشرق ية‬
‫للممنوع عن الناقشة تتمحور ف ثلث كما يصنفها بعض الفكّرين "الدّين" ‪" ،‬ال سّياسة" و "النس" ‪،‬‬
‫لذلك ن د الشر قي يب قى يدور ف دائرة مفر غة و هو ياول أن يكون "مفكّرا" دون ال س بالقد سات ‪،‬‬
‫بينما الغرب يفكر بصوت عال دون أن يشى من ماكم التفتيش أو تمة الرطقة و الكفر فتكون الصيلة‬
‫سلسلة من النازات الفكرية و الجتماعية ‪ ،‬كما أن أغلب الكُتّاب و الباحثي الشرقيي يقومون بإنشاء‬
‫أباث ـ هذا إذا جاز أن نسميها أباثا ـ تقوم على تجيد و تعظيم الفكر و فكرته أو العكس ف أن‬
‫يقوم الباحث بتسفيهه و تسخيفه و الط من شأن فكرته ‪ ،‬فليس هناك موقف متوازن للغريزة ‪ ،‬بل هي‬
‫تبقى مسألة شهوة و ذوق ‪ ،‬فيصوّر العال على ما هو يريده و يشتهيه ل على حقيقته و واقعه‪.‬‬
‫عندما قرأت كتاب "فلسفتنا" أول مرة تأثرتُ كثيا و أدركت أن مؤلفه "الشهيد الصدر الول" حل ف‬
‫نفسه علما و فكرا جّا ‪ ،‬لكنن و بعد سنوات من البحث و الدّراسة وجدت أن هناك خلل هائل ف نط‬
‫التفكي السائد ‪ ،‬حت على مستوى القمم الفكرية من مرتبة الشهيد الصدر ‪ ،‬و القيقة أن تميش "الفرد"‬
‫كقيمة حقيقية و موضوعية يعل النجَز الفكري يبقى شبيها بأناط الفلسفات الشتراكية و الشّيوعيّة و‬
‫القوميّة ‪ ،‬بل إن عنوان كتابيه الشهورين "فلسفتنا" و "اقتصادنا" ينطلق من منطق التحدّث بلسان الماعة‬
‫أو الدّيانة و ا ُلمّة ‪ ،‬ما يعطي انطباعا بأنّ ماهيّتنا و هُويّتنا هي "جاعيّة" ل علقة لا بضامي "الفرد" لن‬

‫‪142‬‬

‫لسان التفكي و العقل النظري "فلسفتنا" ل يقوم إل على "روح الماعة" و تعريفه هو الماعة نفسها ‪،‬‬
‫و كذلك المر بالنّسبة للعقل التطبيقي "اقتصادنا" الّذي ل يوجد ف حيّز الواقع إل عب الماعة‪.‬‬
‫إن أ ساس الديان و الن طق الفل سفي ـ ح ت اللادي من ها ـ إن ا هو الن سان كفرد أول ‪ ،‬بين ما تأ ت‬
‫الما عة ف تعريفات ا كح صيلة لقناعات الفراد ‪ ،‬فإبراه يم و نوح و مو سى و عي سى و م مد هم أفراد‬
‫روّجوا و دعوا لفكار معينة و بنشوء أفراد كُثُر يؤمنون بذه الفكار نتجت المم كمجاميع أفراد يتفقون‬
‫على إيان مُعيّن ‪ ،‬و المر يتكرر ف الدول و النظمة السياسيّة الّت تتفق شعوبا على "عقد اجتماعي" ما‬
‫يتنازل بوجبه الفراد عن جزء من حريّتهم لفظ هذه الريّة‪.‬‬
‫و ح يث يكون "الفرد" ت ت الق مع و حي ثُ يُم نع من إبداء رأ يه دون خوف ‪ ،‬ل يكون للجما عة أيّ‬
‫ل ّر عن الفكار و العتقدات ‪ ،‬تكون الماعة مرد‬
‫قيمة ‪ ،‬لنه و نتيجة لقمع الفراد و منعهم من التعبي ا ُ‬
‫كتلة بشريّة ل قي مة ل ا ‪ ،‬أو بت عبي آ خر "ج سدا بل روح" ‪ ،‬إن حقوق الفرد ل تع ن بال من الحوال‬
‫إلغاء الماعة البشرية ‪ ،‬لكن حاجات و حقوق الماعة ل تتلك السبقية على حقوق الفرد ‪ ،‬ل ّن الفرد‬
‫ي جاعة ‪ ،‬و التركيز على‬
‫و إن ت صّن بالماعة و الدولة ‪ ،‬إل أن الفرد هو الليّة و العنصر الساسي ل ّ‬
‫الفرد لن يعن مُطلقا إثارة ما قد يسمّيه البعض "أنانيّة شخصية" لنّ التركيز على الماعة هو أخطر كونه‬
‫سيحول الكتلة البشريّة إل طا عة أفراد معدود ين و من ثُ مّ طا عة الفرد الوا حد "النانيّة العظ مى" الّ ت‬
‫تتج سّد ف الاكم الُستَب ّد ‪ ،‬سواء حكم بالق اللي كما ف الدّولة الدّينيّة أو فلسفة قائمة على اللاد‬
‫"النموذج الشّيوعي" أو النظرية القومية العنصريّة "نوذج هتلر و صدام" ‪ ،‬إن الانع من هيمنة النانيّة ف‬
‫الجت مع الديقرا طي القائم على أ ساس الفرد و حقو قه كو نه الغا ية من كل "فكرة" كالد ين و الدولة و‬
‫الوطنيـة ‪ ،‬هـو وجود مموع أنانيّات تتحـد و تتنازل عـن هيمنتهـا بفعـل التعامـل اليومـي و التداخـل‬
‫الوظي في ‪ ،‬ك ما أن هذه النظ مة الديقراطيّة تت يح للدّ ين ‪ ،‬ر غم فصله عن ال سّياسة ‪ ،‬بأن يقوم بتهذ يب‬
‫النسان و جعله كائنا حرّا و فعال و النموذج المريكي أصدق مثال على ذلك‪.‬‬
‫**********‬
‫من خلل هذه الُقدّمة أود أن أشي إل أن تعاملنا مع ميطنا كبشر ل بُدّ أن يقوم على أساس أنّ الفرد هو‬
‫الساس و النطلق للفكرة و لليان الدّين أيضا ‪ ،‬و لو فرضنا جدل أ ّن الدّين هو مسألة "وراثة" ـ كما‬
‫يريد الشايخ و النغلقون فكريّا ـ إذا لكان لزاما على الخرين رفض دعوة النب ممد مُقدّما كون هذه‬
‫أنـ‬
‫الدعوة كانـت تتعارض و تناق ِض عقائد و موروثات و تقاليـد العرب و الشّعوب الُخرى ‪ ،‬كمـا ّ‬
‫سهُم لن يعود ف إمكانم دعوة الخر ين إل دينهم ‪ ،‬فالر ية الفكرية الشخصية و الماعيّة‬
‫السلمي أنفُ ُ‬
‫تشكل العنصر الساس لي متمع ناجح‪.‬‬

‫‪143‬‬

‫و أنا هنا عندما أقوم بنقد "فلسفتنا" و "اقتصادنا" ل أريد من الخرين أن ينظروا إل الوضوع بنظار قدي‬
‫حينما كانوا يعتبون النقد مسألة "مشاعر" تتعلق بالكراهية أو الحبّة ‪ ،‬فعندما تبّ شخصا ـ حسب‬
‫العقلية القدية ـ ل يكنك أن تنتقده ‪ ،‬و هذا مكن ف السائل الجتماعيّة و الشخصيّة ‪ ،‬لكنه مرفوض‬
‫حين ما يتعلق الوضوع بنظر ية فل سفية أو اجتماع ية و غي ها من ال سائل الّ ت تتدا خل مع الن ظم العا مة و‬
‫اليكلية السياسيّة ‪ ،‬و "كلمة حق عند سلطان جائر" تثّل قمّة الكمال النسان بتشجيع الناس و الفراد‬
‫على إبداء الرأي ضد من يرفض تعدد الرأي "الاكم الائر" ‪ ،‬و سواء كان الحتكر للسلطة "شخصا" ‪،‬‬
‫"جا عة" ‪ ،‬أو "فكرة" ! فأ نّ الن قد يثّل الغا ية و الحرك الّذي سوف يتب عه سلسلة من عمليات الن قد‬
‫التوا صلة و الّ ت سيُقضى بوجب ها على "احتكار" ال سلطة من أي طرف ‪ ،‬و كثيا ما يُتحف نا الُفكّرون‬
‫ال سلميّون بالد يث عن "الحتكار القت صادي" و لكنّ هم يتجاهلون "الحتكار ال سّياسي" رّب ما لنّ هم‬
‫يُدركون مسبقا أنّهم أيضا يدّعون احتكار القيقة‪.‬‬
‫ُصـرّ الفكرون‬
‫إن أزمـة عالنـا الشّرقـي السـلمي ليسـت أزمـة "هويـة" أو بثـ عـن "الذّات" كمـا ي ِ‬
‫ال سلميّون ‪ ،‬و الصدر وا حد منهم ‪ ،‬بقدر ما هي مشكلة ترت بط بالكينو نة و ال صّيورة ف آن وا حد ‪،‬‬
‫فن حن نطرح الكث ي من "العظ مة" و "الدور ال ساسي" لضارت نا الزعو مة و لكن نا ل ن د أمثلة لنجزات‬
‫ت ستحق الذّ كر ل ف الا ضي و ل ف الا ضر ‪ ،‬بالتال فإن ال ستقبل هو مرد فراغ ‪ ،‬إ نّ أز مة حضارت نا‬
‫تتمحور حول نق طة أ ساسيّة تتعلق ب ا كل الوضوعات و الشكاليات اللح قة و هي "حُريّة الفرد" ‪ ،‬و‬
‫هذه الكلمة طالا بقيت دون جواب فإن "حضارتنا ـ لحظ العقل المعي" ستبقى تدور ف فلك من‬
‫السئلة الفارغة الّت ل جواب لا ‪ ،‬لن أفراد هذه الماعة تدور ف أفلكها بشكل قلق و مسيّر ف أغلب‬
‫الحيان و النتيجة هي عجز ف كُلّ الجالت‪.‬‬
‫يعيش "أفراد" متمعنا حالة من التناقض النطقي التواصل ‪ ،‬فبينما ينشأ الفرد على ثقافة تُلقّنه أن "السلم"‬
‫هو دين التكامل و أنه الل ال سّحري لكل الشكالت و ينع الظلم ‪ ،‬يد ف الواقع نقيضا لكل ذلك ‪،‬‬
‫فبدءا بال ستبداد ال سياسي و مرورا با ستبداد الباء و هيم نة الرّجال على النّ ساء و التفاوت الطب قي من‬
‫حيث الثّراء الفاحش و الفقر الدقع و أخيا الظلم الجتماعي و فقدان الريّة ‪ ،‬هذه ال صّورة الل منطقيّة‬
‫جعلت الفرد السلم و الشّرقي تديدا يعيش منطق "الل منطق"‪.‬‬
‫ذات مرّة سألن صديق‪ :‬هل السلمون قابلون لن يصبحوا ديقراطيي ؟؟ فأجبته‪ :‬لقد كان السلمون قبل‬
‫‪ 1000‬عام أكثر قابليّة للديقراطية ‪ !!"..‬و بقدر ما كان هو مذهول للجواب كنت مطمئنا لذا الواب‬
‫‪ ،‬فقبل ألف عام كانت حضارتنا تتيح "للفرد" أن يكوّن نط حياته و تفكيه ‪ ،‬و كنا ند ـ كما نقرأ ف‬
‫التاريخ ـ مالس يتناظر فيها الفكّرون ‪ ،‬اللحد و التدين و السنّي و الشيعي و السلم و غي السلم ‪ ،‬بل‬

‫‪144‬‬

‫كان من الطبيعي أن يسأل أحدهم و ف ملس عام عن مسائل خطية أعتقد أنا لو طُرحت الن لكان‬
‫كفيل أن ت صدر بقّه فتوى ق تل ‪ ،‬و كا نت مواض يع العلقات ب ي الرّجال و الن ساء رائ جة ف الجالس‬
‫العامّة‪.‬‬
‫و ل كي نف هم مكا نة "الفرد" ف م مل النظر ية ال سلمية ك ما وضع ها ال صّدر الول ‪ ،‬ل بد ل نا من أن‬
‫ندرس و نتابع ما طرحه ف كتابيه "فلسفتنا" و "اقتصادنا" ‪ ،‬و أول إشكال يواجهنا ف تعامله مع قضية‬
‫"الفرد" و "الما عة" تك من ف أ نه صنّف الفرد ـ و هو جزء من كلّ ـ إل فرد ينت مي إل مت مع‬
‫"شرقي" ‪" ،‬إسلمي" ‪ ،‬و آخر "غرب" ‪" ،‬مسيحي" ‪" ،‬يهودي" و "ملحد" ‪ ،‬و من ثُ مّ انتقل إل جعل‬
‫الشرقي حالة خاصّة تتلف عن الخر الغرب ‪ ،‬و اعتب النسان السلم الشرقي "متدينا" بالفطرة أو بالطبع‬
‫‪ ،‬ما يع ن أن النموذج الديقراطي اللبال ل يكن أن ينسجم مع "الفرد" و "الجتمع" الشّرقيي ‪ ،‬و هو‬
‫ك ف صحته ‪ ،‬فالنسان هو النسان ل يتلف إل باختلف الظروف الوضوعيّة‪.‬‬
‫ش ّ‬
‫استنتاج ن ُ‬
‫يقول الشهيد الصّدر ف معرض حديثه عن النظام الرأسال الديقراطي‪:‬‬
‫ــــــــــــــــــــــــــن‬
‫"‪ .‬هذا النظام الذي أطاح بلون مـ‬
‫الظلم ف الياة القت صادية‪ ,‬وبال كم الدكتاتوري ف الياة ال سياسية‪ .‬وبمود الكني سة و ما إلي ها ف‬
‫الياة الفكريــــة‪ ,‬وهيــــأ مقاليــــد الكــــم والنفوذ لفئة حاكمــــة‬
‫جديدة حلت ملــ الســابقي‪ ,‬وقامــت بنفــس دورهــم الجتماعــي فــ أســلوب‬
‫جديد‪.‬‬
‫وقد قامت الديقراطية الرأسالية على اليان بالفرد إيانا ل حد له‪ .‬وبان مصاله الاصة بنفسها‬
‫تكفـــل ــــ بصـــورة طبيعيـــة ــــ مصـــلحة الجتمـــع فـــ متلف‬
‫الياديــن ‪ ...‬وان فكرة الدولة إناــ تســتهدف حايــة الفراد ومصــالهم الاصــة‪,‬‬
‫فل يوز أن تتعدى حدود هذا الدف ف نشاطها ومالت عملها" فلسفتنا‪.‬‬
‫حقيق هنا بأن نطرح السؤال‪ :‬إذا كان النجز الغرب فيما يتعلق بالياة القتصاديّة و إلغاء الدّكتاتورية‬
‫و م نع ا ستغلل الد ين ل صال فئة من النّاس ‪ ،‬كلّ هذه النجزات إذا ل ت كن كاف ية و ب قي ل نا ش يء من‬
‫"حبّ النقد" لجرد النقد ! فل معن لي برامج سياسية ‪ ،‬خصوصا و أنه ل يوجد ف باطن التاريخ و ل‬
‫ي ع يب ‪ ،‬و ك ما سبق و قل نا قي‬
‫ف الا ضر الّذي نعي شه دولة أو نظام سياسي "مثال" ل يو جد ف يه أ ّ‬
‫أباث أخرى ‪ ،‬فإن الع قل الفلسـفي ال سلمي يف كر دو ما ف الثاليّات ‪ ،‬و يب قى اهتمامـه من صبّا على‬
‫البحث عن "التقى" و "النقى" و "الكثر عدالة و ورعا" ‪ ،‬بينما الواقع بلف ذلك ‪ ،‬و حتّى لو وافق‬

‫‪145‬‬

‫الجادل بأن النّب "مثل موسى و ممد" الّذي يقف على رأس هرم السلطة هو "مثال"! فإن الحيطي به ل‬
‫يكونوا كذلك ‪ ،‬فكـم مـن مالفات و تعديات على حقوق خاصـة أو عامـة ‪ ،‬كذلك المـر بالنسـبة إل‬
‫الئ مة ‪ ،‬بل إن إ بن عباس " و هو أخلص خلصاء المام علي ‪ ،‬ارت كب مالفات مال ية أغض بت الن سان‬
‫الثال علي بن أ ب طالب ‪ ،‬و ربّ ما يكون من الث ي أي ضا لو قل نا أن عليّا ل ي كم حقي قة لن متم عه و‬
‫الّذي كان يع يش حالة إنيار إخلق ية ف تعر يف العل قة ب ي الا كم و الحكوم ‪ ،‬ل ي ستطع ا ستيعاب‬
‫عظمة شخصيّة عل ّي بل و أصرّ على اضطهاد رجل نزيه وجد نفسه ف قمّة السلطة ‪ ،‬و المر الخر ها‬
‫هنا هو أ نّ البحث الّذي طرحه الصّدر ليس بثا حول "تاريخ أنظمة الكم" ‪ ،‬بل ماولة فكريّة للوصول‬
‫إل أف ضل صيغة ح كم أو نظام ح كم أو ع قد اجتما عي ينا سب ظروف الشّعوب الشرقيّة ال سلمية ‪،‬‬
‫خصوصا و أنّه مهّد لكتابه "فلسفتنا" بالديث عن أهيّة النظام الجتماعي ‪ ،‬يقول السّيّد الصّدر‪:‬‬
‫" ويتقا سم العال اليوم ـ كلم ال سيد ال صدر يع ن أوا سط القرن العشر ين و ل يس القرن الال ـ‬
‫إثنان مــــــن هذه النظمــــــة الربعــــــة‪ .‬فالنظام الديقراطــــــي‬
‫ـو‬
‫ـي هـ‬
‫ـن الرض‪ ,‬والنظام الشتراكـ‬
‫ـبية مـ‬
‫ـة كـ‬
‫ـم ف ـ بقعـ‬
‫ـاس الكـ‬
‫ـو أسـ‬
‫ـال هـ‬
‫الرأسـ‬
‫الســائد فــ بقعــة كــبية أخرى‪ .‬وكــل مــن النظاميــ يلك كيانا ســياسيا عظيما‪,‬‬
‫يميـه فـ صـراعه مـع الخـر‪ ،‬ويسـلحه فـ معركتـه البارة التـ يوضهـا أبطاله فـ‬
‫سبيل الصول على قيادة العال‪ ,‬وتوحيد النظام الجتماعي فيه"‪.‬‬
‫إن غالب ية مضام ي كتاب يه "فل سفتنا" و "اقت صادنا" تتمحور حول فكرة "خلق مع سكر آ خر لل صّراع مع‬
‫العسكرين الشّيوعي و الديقراطي" و هو أمر ل يعُد ف المكان الديث عنه منذ إنيار العسكر الشّيوعي‬
‫الشتراكي عام ‪ 1991‬م و تول العال ليس نو "القطب المريكي الوحد" كما قد يُطلق عليه البعض!‬
‫لكننا نفضل أن نسمّيه القطب الديقراطي القائم على "حريّات الفرد" و إن كانت الوليات التحدة أبرز‬
‫الدافعي عن هذه الباديء‪.‬‬
‫و هنا يقف السلميّون على مفترق طرق ‪ ،‬فإمّا أن يبذلوا ك ّل الهود باتاه ترسيخ العلقة بي الدّين و‬
‫الريات الفرديّة و الماعية و التصال مع الديقراطية و تعدد الراء ! أو البقاء ف ظل النطق القدي الّذي‬
‫يؤمن بيمنة الدّين على الياة و تديد الرية و تقييدها بقيود ‪ ،‬بالتال هيمنة "نط واحد" من التفكي على‬
‫ال سّاحة الفكريّة ‪ ،‬و الِثال اليرا ن خ ي نوذج ‪ ،‬ف في ظل هذا النظام يتردّد شعار "العدالة" و "الر ية"‬
‫بكثرة ‪ ،‬لكن لكل الصطلحي تعريف مُحدّد و مُقيّد ما يعن "حريّة" شكليّة صورية و غي حقيقية‪.‬‬
‫سيّد الصّدر‪:‬‬
‫يقول ال ّ‬

‫‪146‬‬

‫" وأمــا النظام الشيوعــي والســلمي فوجودهاــ بالفعــل فكري خالص‪ ,‬غيــ أن‬
‫النظام الســلمي مــر بتجربــة مــن أروع النظــم الجتماعيــة وانحهــا‪ ,‬ثــ‬
‫عصــفت بــه العواصــف بعــد إن خل اليدان مــن القادة البدئييــ أو كاد‪ ,‬وبقيــت‬
‫التجربة ف رحة أناس ل ينضج السلم ف نفوسهم‪ ,‬ول يل أرواحهم بروحه وجوهرة فعجزت عن‬
‫الصـــــــمود والبقاء‪ ,‬فتقوض الكيان الســـــــلمي‪ ,‬وبقـــــــي نظام‬
‫الســلم فكرة فــ ذهــن المــة الســلمية‪ ،‬وعقيدة فــ قلوب الســلمي‪ ,‬وأملً‬
‫يســعى إل تقيقــه أبناؤه الجاهدون‪ .‬وأمــا النظام الشيوعــي فهــو فكرة غيــ مربــة‬
‫ح ت الن تر بة كاملة‪ ,‬وإن ا تت جه قيادة الع سكر الشترا كي اليوم إل تيئة جو اجتما عي له ب عد أن‬
‫عجزت عــــن تطــــبيقه حيــــ ملكــــت زمام الكــــم فأعلنــــت‬
‫النظام الشتراكي وطبقته كخطوة إل الشيوعية القيقة" فلسفتنا‪.‬‬
‫إ نّ النظامي "الشيوعي ـ الشتراكي" و "الشتراكي ـ السلمي" ليسا إ ّل حلما مثاليا غي قابل‬
‫للتطبيق ‪ ،‬و نن هنا سنطلق على "السلميّة" صفة "الشتراكية" لنا بالفعل تتكون من متمع "اللئكة"‬
‫و هو ما ل ينط بق إ ّل على تارب صغية مدودة بدود الصادر التاريية ‪ ،‬و الّت قد تتلف ف وصف‬
‫أي تربة بأنا خيّرة أو شريرة ‪ ،‬فما يراه السلمون مثل "مثاليا" و خيا كامل ‪ ،‬ينظر إليه غي السلمي ـ‬
‫قطاع ل بأس به على القل ـ على أنه تربة شريرة و قمعية ‪ ،‬فمجتمعات النبياء ‪ ،‬موسى ‪ ،‬السيح و‬
‫ممد ‪ ،‬هي تارب ف قيد الاضي و ليست تارب واقعيّة معاشة الن ‪ ،‬خصوصا و أننا نعيش الن ف‬
‫ل نس البشري ‪،‬‬
‫ع صر العول ة و تعدد و سائل الت صال و طب عا من ال ستحيل فرض نظريّة بعين ها على ا ّ‬
‫باستثناء الديقراطية الّت تنظر بنظرة "نسبيّة" إل كل القضايا‪.‬‬
‫إن الترابط بي الفرد كذات مهمة ف الجتمع و العلمانية كنظام حكم هو ترابط حيوي ضروري ‪،‬‬
‫لنّ الفرد ملوق على أنه ح ّر ف تفكيه و معتقده و أقوى النظمة و أكثرها بوليسية ل تستطيع أن تقهره‬
‫وعيهـ الذّاتـ ‪ ،‬فالفرد موّل مـن ال أن يكون حرّا ‪ ،‬و قهـر حريّتـه هـو أمـر‬
‫قناعات الفرد الوجودة فـ ِ‬
‫طاريء اخترعه البشر عب مراحل تكون الدولة بفهومها العاصر ‪ ،‬من هنا تثّل العلمانية العتدلة جوهر‬
‫ك ّل اللول الو سطى ب ي كلّ الديان و العتقدات و ح ت اليديولوجيّات القوميّة ‪ ،‬فل بدّ إذا من خلق‬
‫ظروف موضوع ية لياد أرض ية ل كم علما ن ي مي حقوق الفراد و بالتال يتم تع كل فرد بري ته ف‬
‫إيطار قانون يمي السلم الهلي‪.‬‬

‫‪147‬‬

‫و لن عد إل الفكار العامّة ال ت طرح ها الشّه يد ال صّدر ‪ ،‬ح يث أ نه و ب عد أن ي سرد وج هة ن ظر‬
‫الديقراطيي الرأساليي ف الديث عن دور الفرد ف الريات الساسية السياسيّة ‪ ،‬الجتماعية ‪ ،‬الفكريّة‬
‫و القتصادية ‪ ،‬فإنه ياول إياد مساحة اضطراب "ثغرة" ليستطيع من خللا أن ينتقد قوام هذه الريّة‪:‬‬
‫" ومـــن الواضـــح أن هذا النظام الجتماعـــي نظام مادي خالص‪ ,‬أخـــذ فيـــه‬
‫ل عــن مبدئه‪ ,‬وآخرتــه‪ ,‬مدودا بالانــب النفعــي مــن حياتــه‬
‫النســان منفصــ ً‬
‫الاديــة‪ ,‬وافترض على هذا الشكــل‪ .‬ولكــن هذا النظام فــ نفــس الوقــت الذي‬
‫كان مشبعا بالروح الاديـــة الطاغيـــة‪ ...‬ل يبـــ على فلســـفة ماديـــة للحياة وعلى‬
‫دراســة مفصــلة لاــ‪ .‬فالياة فــ الوــ الجتماعــي لذا النظام‪ ,‬فصــلت عــن كــل‬
‫علقــة خارجــة عــن حدود الادة والنفعــة‪ ,‬ولكــن ل يهيــأ لقامــة هذا النظام فهــم‬
‫فلســفي كامــل لعمليــة الفصــل هذه‪ .‬ول أعنــ بذلك أن العال ل يكــن فيــه‬
‫مدارس للفلسفة الادية وأنصار لا‪ ,‬بل كان فيه إقبال على النعة الادية‪ :‬تأثرا بالعقلية التجريبية الت‬
‫شاعت منذ بداية النقلب الصناعي وبروح الشك والتبلبل الفكري الذي أحدثه انقلب الرأي‪ ,‬ف‬
‫طائفــــــــة مــــــــن الفكار كانــــــــت تعــــــــد‬
‫ــن‬
‫ــخط على الديـ‬
‫ــحة وبروح التمرد والسـ‬
‫ــا صـ‬
‫ــح القائق وأكثرهـ‬
‫ــن أوضـ‬
‫مـ‬
‫الزعوم‪ ,‬الذي كان يمــــد الفكار والعقول‪ ,‬ويتملق للظلم والبــــوت‪ ,‬وينتصــــر‬
‫للف ساد الجتما عي ف كل معر كة يوضها مع الضعفاء والضطهد ين فهذه العوا مل الثل ثة ساعدت‬
‫على بعث الادية‪ ,‬ف كثي من العقليات الغربية‪ "...‬فلسفتنا‪.‬‬
‫و بعد أن ينتهي من طرحه هذا فإنه يلص إل أن النظام الغرب عب مادّيّته هذه قد فصل بي القصد‬
‫من خلق النسان و الكمة من خلقه و أن يكون للدين دور ف بناء النسان و متمعه بالتال فهو متمع‬
‫مضطرب لتخليه عن ضرورة وجود الدين ‪ ،‬لكن السؤال الطي الّذي سيطرح نفسه ف حال اتّفقنا مع‬
‫ـّمنا بأن يكون للدّيـن دور فـ رسـم معال النظام السـّياسي و‬
‫ـّد الصـدر فـ أطروحتـه و هـو‪ :‬لو س ل‬
‫السّي‬
‫القتصادي؟ فإل أي ح ّد سنسمح للدين بالعمل و مت نستطيع القول أن رجل الدين أو حتّى فكرة الدين‬
‫تطّت حدودها؟ و من يضمن أن ل يقوم البعض باستغلل الدين لهداف شخصيّة أنانيّة ‪ ،‬و ل يكفي‬
‫أن نتلك بضع أفراد من ذوي النية الصادقة و الطيبة من أمثال ال سّيّد ال صّدر لنضمن عدم حصول ذلك ‪،‬‬
‫و استغلل النظامي السعودي و اليران للدين ل يتاج إل برهان‪.‬‬

‫‪148‬‬

‫فأن نفصل الدين عن النظومة السّياسيّة ل يعن فصل الدين عن الياة! بل هو منع و فصل بي الدين‬
‫و من يريد احتكاره و نن ل نستطيع أن نلوم رأي السّيّد الصدر حينما يقول‪:‬‬
‫"وإذن فمســالة اليان بال وانبثاق الياة عنــه‪ ,‬ليســت مســألة فكريــة خالصــة‬
‫ل علقــة لاــ بالياة‪ ,‬لتفصــل عــن مالت الياة ويشرع لاــ طرائقهــا ودســاتيها‪,‬‬
‫مــع اغفال تلك الســالة وفصــلها‪ ,‬بــل هــي مســألة تتصــل بالعقــل والقلب والياة‬
‫جيعا" فلسفتنا‪.‬‬
‫فالسألة هنا ليست إن كنا نؤمن بال عن عدمه ‪ ،‬هذا الوقف العلمان جاء كنتيجة طبيعية لتجارب‬
‫ُمرّة و مؤل ة ف ت سخي الد ين من قِبَل أقل ية للهيم نة عاشت ها و ل تزال شعوب تعا ن من ها ف آ سيا و‬
‫أفريقيا ‪ ،‬و سبق لوربا أن عانت قبل الصلح الدين و قبل وضع الدين ف مكانه الصحيح ‪ ،‬إن الفرق‬
‫ب ي ال سلم و ال سيحية وا ضح ف هذا الجال ‪ ،‬فال سيحية كا نت دو ما فكرة مب سطة و من ال سهل‬
‫إصلحها ‪ ،‬أما السلم فقد ارتبط دوما بشمولية تستوعب كل تفاصيل الياة ‪ ،‬خصوصا و أن التراكم‬
‫الفقهي ‪ ،‬أجيال الصحابة و الذاهب الربعة عند السنة ‪ ،‬و الكم الائل من الروايات عن النب و الئمة‬
‫الثن عشر ف التراث الفقهي الشيعي الّت تتدخل ف كل مالت الياة ‪ ،‬كُ ّل هذا كان له تأثي سلب ف‬
‫عل قة الدّ ين بالدّولة ‪ ،‬غ ي أن هناك نق طة أ مل وحيدة ف الو سط الشي عي و هو ف صل تقد يس الئ مة‬
‫الع صومي عن أؤلئك الفقهاء "الجتهد ين" الذ ين هم غ ي مع صومي مع مُلح ظة أ ّن عامّة الش عب و‬
‫الفئات غي الُثقّفة ف الوسط الشّيعي تُقدّس "ال سّيّد ـ و هو سليل النّب ممّد من أبناء فاطمة" تقديسا‬
‫مبالغا في ِه ‪ ،‬من هنا كان الصلح يد نفسه أمام ك مّ هائل من النصوص القدّسة الت ل تقبل التأويل و‬
‫من ثّ كان "الجتهاد" ‪ ،‬ح ت ف الدر سة الشيع ية يدور ف فلك الثوا بت و ل ي كن لرا جع الشّي عة من‬
‫الروج عن هذه الُ ُطرْ التّقليديّة و الّت أصبحت ُسنّة ُتتّبع نتيجة التّراكم‪.‬‬
‫إن هناك فرقا كبيا بي أن نؤمن بال و بي أن نستغل اسم ال لفرض هيمنتنا و تفسينا الاص على‬
‫الخرين ‪ ،‬و من ثّ نفرض الماعة على الفرد و نلغي فهمه و دوره الصيل ف رفض أو قبول الدين ‪ ،‬و‬
‫من ه نا فل يس تغ ن ال سلميي بالر ية ل يس إل أغن ية يغنون ا و ي كن أن نضيف ها إل الغا ن التاري ية‬
‫كـ"طلع البدر علينا" فهي مض وهم ‪ ،‬إن الرية ف الفكر السلم الوجود الن ل تعن إل أن يكون‬
‫الرء حرّا ف دائرة ضيقة ‪ ،‬و هذا يشبه ربط القط ببلٍ قصي ث تركه حرا ف تلك البقعة الضيقة ‪ ،‬فأي‬
‫حرية تلك الت تقتل بتهمة "الرتداد" أو "الكفر البواح" أو "رجم الزان" و "قطع اليدي و الرجل" من‬
‫لرّيّات الفرديّة و الجتماع ية و‬
‫خلف‪ !.‬و القي قة أ نّ ال سيحيّة كا نت أي ضا عائ قا ف و جه التّطور و ا ُ‬

‫‪149‬‬

‫كا نت الكني سة الكاثوليك ية تُعاقِب الخالف ي و الهرطق ي بأق سى العقوبات كالرق أو النّ في أو التّو بة‬
‫ت ت التّعذ يب ‪ ،‬ل كن م نذ ظهور ال صلح الدّي ن على أيدي مار تن لو ثر و كال فن و تر سيخ مدر سة‬
‫العقلنيّة ‪ Rationalism‬تولت أوربا و الغرب إل متمعات متوازنة ‪ ،‬يعيش فيها الؤمن التديّن إل‬
‫جانب اللحد الّذي ل يلتزم بشيء سوى القانون ‪ ،‬و من هنا ندرك أهيّة بدء عملية الصلح من خلل‬
‫إصلح الفكر الدّين و تميش التطرفي الّذين يريدون علوّا ف الرض‪.‬‬
‫إ ّن الفكرة الت ل تنهض بنفسها و ل تستغن عن "القيادات الؤمنة" لكي تنجح! ليست إل نظريات‬
‫طوباوية غي قابلة للتطبيق ‪ ،‬لنا ببساطة مفروضة من أعلى ‪ ،‬و السلم حينما ينظر للعلى يد "الاكم"‬
‫و "السلطان" و "الرئيس" أول ‪ ،‬ث يأت ال بالرتبة الثانية ‪ ،‬إن فرض منهج يؤمن بأسلوب مدد للحياة‬
‫هو ـ عدى كو نه دكتاتور ية ـ تد خل ف حياة الناس ال ت ي ب أن ت سي بشكل ها ال طبيعي ‪ ،‬ك ما أن‬
‫الديقراطية ل تنظر إل الجتمع من أعلى و من منطلق "البوة" بل من منطلق "الخوة" و "الساواة" بي‬
‫كل الواطني على اختلف أديانم و جنسهم "الذكر و النثى" أو قومياتم‪.‬‬
‫من الوا ضح أن ال سيد الشه يد ال صدر غ ي راض عن هذه العادلة ح ت عند ما ياول الد يث عن ها‬
‫بشكل حيادي‪:‬‬
‫" والرية الفكرية تعن أن يعيش الناس أحرارا ف عقائدهم وأفكارهم‪.‬‬
‫يفكرون حسب ما يتراءى لم ويلو لعقولم‪ ,‬ويعتقدون ما يصل إليه‬
‫اجتهادهم أو ما توحيه إليهم مشتهياتم وأهواؤهم بدون عائق من السلطة‪.‬‬
‫والعلن عن أفكاره ومعتقداته‪ ,‬والدفاع عن وجهات نظره واجتهاده‪.‬‬
‫والرية الشخصية تعب عن ترر النسان ف سلوكه الاص من متلف‬
‫ألوان الضغط والتحديد‪ .‬فهو يلك إرادته وتطويرها وفقا لرغباته الاصة‪ ,‬مهما‬
‫نم عن استعماله لسيطرته هذه على سلوكه الاص من مضاعفات ونتائج‪,‬‬
‫ما ل تصطدم بسيطرة الخرين على سلوكهم‪ .‬فالد النهائي الذي تقف عنده‬

‫‪150‬‬

‫الرية الشخصية لكل فرد‪ :‬حرية الخرين‪ .‬فما ل يسها الفرد بسوء فل جناح‬
‫عليه أن يكيف حياته باللون الذي يلو له ويتبع متلف العادات والتقاليد" الصدر فلسفتنا‪.‬‬
‫ك فيها ‪ ،‬إذ ل يوجد متمع ف‬
‫فما يظنه السيد الصدر ضررا يترتب من سلوك "الفرد" مسألة ل ش ّ‬
‫العال و التار يخ ُكلّه ل يت سبب أفراده أو مكونا ته بأيذاء بع ضه الب عض با ستثناء أن الجتمعات تتلف ف‬
‫درجـة و حجـم الشاكـل و نوعهـا ‪ ،‬لكـن الفلسـفة الغربيـة ل تنظـر إل الوضوع و الشكال مـن هذه‬
‫الزاو ية ‪ ،‬لن الُشرّعي الغربيي وجدوا أن الفرد ف حريته الا صة ل يتسبب بف ساد و إشكالت بالقدر‬
‫الذي يتر تب عن التد خل ف حيا ته الشخصية ‪ ،‬ث من قال أن الن ظم الغرب ية و الديقراط ية ل تتدخل ف‬
‫سلوك الفراد حينما يُخشى وقوع الضرر ‪ ،‬فمن العروف أن من حق الدولة أن تتدخل إذا كان فرد من‬
‫الفراد يتسـبب بأيذاء أفراد آخريـن ‪ ،‬و كنماذج على ذلك يتعرض الباء الذيـن يسـيئون لبنائهـم أو‬
‫أيـ كان إل عقوبات و غرامات زاجرة ‪ ،‬و كذلك يدخـل هؤلء فـ علج نفسـي لتغييـ‬
‫زوجاتمـ أو ّ‬
‫السلوك العنيف و القضاء على أسبابه‪.‬‬
‫ترى ما القبيح أو الشي ف أن يعتقد الرء ما يشاء ؟ أم أن عقلنا "السلمي" يأب إل أن يعيش ف‬
‫ن ط وا حد من التفك ي ! هذا على ال قل ما يبدو ل و إل فلماذا يهرب الم يع طالب ي اللجوء إل الدول‬
‫الديقراطية الرأسالية ؟ مشكلة العقل السلمي أنه يقيس المور و يكم عليها من خلل "العقل النظري"‬
‫فقط ‪ ،‬و التعامل مع البحوث و النظريات كأنا قرآن مطبّق حرفيا ‪ ،‬مع أن هذه البحوث عليها إضافات‬
‫و تطبيقات أخرى يضفي الجتمع عليها نظريته و قناعته ف النهاية ‪ ،‬ففي ظل الرية يتعايش الفكر الادّي‬
‫و الدّي ن ‪ ،‬بين ما ينت هي تد خل الد ين ف تفا صيل ال كم بفقدان الر ية ‪ ،‬من الؤ سف ح قا أن الع قل‬
‫السلمي ل يستوعب الرية و الديقراطية إل من خلل إطار ضيق جدا‪.‬‬
‫و لكي يكون العقل حرّا ف حكمه على الوضوعات و القضايا ‪ ،‬عليه النظر إل الوضوع من خارج‬
‫ل من دا خل الذات ‪ ،‬فال كم من الداخل هو تصيل حاصل و إعادة إنتاج لفكار م سبقة ‪ ،‬و معروف‬
‫ـّة" بإجاع‬
‫لدى السـلميي أن الدّور فلسـفيا باطـل ‪ ،‬مثال على ذلك نسـتعي مسـألة أخـذ الفقهاء "السّن‬
‫الفقهاء كمصدر للتشريع و حي يستدلون بنصوص شرعية يأتون بأحاديث آحاد و عندما يُطرح السؤال‬
‫حول "حجّيّة أحاديث الحاد" يعودون إل الستدلل بالجاع الذي يعتمد أصل ف ضمن ما يعتمد عليه‬
‫على أحاد يث الحاد ‪ ،‬و كذلك ال مر بالن سبة إل اليان بال سلم أو ال سيحية أو أي دي ٍن آ خر ‪ ،‬إذ ل‬
‫ي كن للمؤ من بال سلم أن يفرض رأ يه على الخر ين إ ستنادا إل آ ية قرآن ية أو حد يث لن هناك من ل‬
‫يؤمن بقدسيّة هذه النصوص أصل‪.‬‬

‫‪151‬‬

‫من الهم هنا أن يفترض السلمي لنفسه موقفا نسبيا من كل القضايا ‪ ،‬صحيح أن من حقّه أن يدافع‬
‫عن امتلكه القيقة الطل قة ـ و هي مطلقة حسب رأ يه هو ـ و لكن حين ما يفرض نظريّته هو عن‬
‫الد ين فإ نه يع طي الخر ين ال ق ف أن يفرضوا عل يه ما يرو نه صوابا و ح قا ‪ ،‬مشكلة الر ية أن ا غ ي‬
‫واضحة الدود على الغلب رغم أن الفرد يشعر با ‪ ،‬فالرية ليست أمرا مادّيّا يكن التعامل معه حسب‬
‫الكيف و الكم و الدود ‪ ،‬بل هي أمر نظري يتوقف على الثقافة و الدين و أمور أخرى ‪ ،‬فقد يضيّقها‬
‫دين ما بينما يرحب با دين آخر بشكل أكثر تساما‪.‬‬
‫ففي ظل رفض "الفكر السلمي" ف أغلبه لفاهيم الرية الديثة و حظ السلمي على قتل "الرتد"‬
‫أو الذي ين كر ثاب تا دين يا و م نع ال سلمة من الزواج بغ ي ال سلم و ثقا فة الع نف ‪ ،‬كل هذه المور ت عل‬
‫الدين يقف موقفا سلبيا من مفاهيم الريّة النسانية و من كرامة الفرد الّت ل تعن ف الماعة إل تشابه‬
‫الصورة بينما هي متج سّدة ف الفرد و ل حقيقة لا بدون الفرد ‪ ،‬و ما دام الفرد ل يتلكها فالماعة ل‬
‫تلك أي كرامة إذ ل قيمة لكونا أل و هو الفرد‪.‬‬
‫فلننظر إل بعض آراء الشهيد الصدر‪:‬‬
‫" والدف القيقي للفرد ـ يتحدث هنا عن النظام الرأسال الديقراطي ـ ف عمله ونشاطه‪ ,‬هي خي‬
‫ضمان للمصلحة الجتماعية العامة‬
‫وإن التنافس الذي يقوم ف السوق الرة‪ ,‬نتيجة لتساوي‬
‫النتجي والتجرين ف حقهم من الرية القتصادية‪ ,‬يكفي وحده لتحقيق روح‬
‫العدل والنصاف‪ ,‬ف شت التفاقات والعاملت‪ .‬فالقواني الطبيعية للقتصاد‬
‫تتدخل ـ مثلً ـ ف حفظ الستوى الطبيعي للثمن‪ ,‬بصورة تكاد أن تكون آلية‪,‬‬
‫وذلك أن الثمن إذا ارتفع عن حدوده الطبيعية العادلة‪ ,‬انفض الطلب‬
‫بكم القانون الطبيعي الذي يكم بأن ارتفاع الثمن يؤثر ف انفاض‬
‫الطلب‪ ,‬وانفاض الطب بدوره يقوم بتخفيض الثمن‪ ,‬تقيقا لقانون طبيعي‬

‫‪152‬‬

‫آخر‪ ,‬ول يتركه حت ينخفض به إل مستواه السابق ويزول الشذوذ بذلك‪.‬‬
‫والصلحة الشخصية تفرض على الفرد دائما التفكي ف كيفية ازادة النتاج وتسينه‪,‬‬
‫مع تقليل مصاريفه ونفقاته‪ .‬وذلك يقق مصلحة الجتمع‪ ,‬ف نفس‬
‫الوقت الذي يعتب مسالة خاصة بالفرد أيضا‪.‬‬
‫والتنافس يقتضي ـ بصورة طبيعية ـ تديد أثان البضائع وأجور العمال والستخدمي‬
‫بشكل عادل‪ ,‬ل ظلم فيه ول إجحاف‪ .‬لن كل بائع أو منتج‬
‫يشى من رفع أثان بضائعه‪ ,‬أو تفيض أجور عماله‪ ,‬بسبب منافسة‬
‫الخرين له من البائعي والنتجي" فلسفتنا ‪.‬‬
‫من اللحظ أنّ النظام الديقراطي الرأسال الّذي يورد السيد الصدر نظرياته بصيغة التّشكيك ‪ ،‬كما فعل‬
‫مع النظر ية الارك سيّة و إن كان نقده للمارك سيّة أقوى و أك ثر صرامة ‪ ،‬قد ن حت هذه الديقراطيّات‬
‫فعل و على أرض الوا قع ف خلق متمعات تت سم بالر ية و رخص ال سعار و خ فض م ستويات الفقر و‬
‫الالة هذه فإن النظرية الرأسالية الديقراطيّة لن تعان من أي نكسة "دوغماتية" عقائدية كونا ل تاول‬
‫تف سي كل ش يء ‪ ،‬ك ما فعلت النظريّة الشّيوعيّة أو ال سلميّة ‪ ،‬فالديقراط ية و لن ا ن سبيّة ت ضع أمام ها‬
‫احتمالت الطأ و الشطط لنا أصل قائمة على عقليّة نقديّة ل تستبعد أي احتمال أو نظريّة من البحث‬
‫و التحقيق و هي ليست نظريّة قائمة على "مقدّس" تتقوم بنجاحه أو فشله فالنظرية السلميّة و الاركسيّة‬
‫كلها تويان "مقدسات" إذا ما ش كّ فيها العقل البشري تاوت النظرية من الساس ‪ ،‬بينما الديقراطية‬
‫لدي ها مقد سات ب سيطة تتلئم حتّى مع جو هر الديان كقد سيّة الن سان "و ن صوص تكر ي ب ن آدم ل‬
‫حصر لا ف الكتب القدّسة" و قدسيّة الريّة و حق التعبي عن الرأي بدون خوف‪.‬‬
‫" ‪ ...‬والرية الفكرية تعن أن يعيش الناس أحرارا ف عقائدهم وأفكارهم‪.‬‬
‫يفكرون حسب ما يتراءى لم ويلو لعقولم‪ ,‬ويعتقدون ما يصل إليه‬

‫‪153‬‬

‫اجتهادهم أو ما توحيه إليهم مشتهياتم وأهواؤهم بدون عائق من السلطة‪.‬‬
‫والعلن عن أفكاره ومعتقداته‪ ,‬والدفاع عن وجهات نظره واجتهاده‪.‬‬
‫والرية الشخصية تعب عن ترر النسان ف سلوكه الاص من متلف‬
‫ألوان الضغط والتحديد‪ .‬فهو يلك إرادته وتطويرها وفقا لرغباته الاصة‪ ,‬مهما‬
‫نم عن استعماله لسيطرته هذه على سلوكه الاص من مضاعفات ونتائج‪,‬‬
‫ما ل تصطدم بسيطرة الخرين على سلوكهم‪ .‬فالد النهائي الذي تقف عنده‬
‫الرية الشخصية لكل فرد‪ :‬حرية الخرين‪ .‬فما ل يسها الفرد بسوء فل جناح‬
‫عليه أن يكيف حياته باللون الذي يلو له ويتبع متلف العادات والتقاليد‬
‫والشعائر والطقوس الت يستذوقها‪ ,‬لن ذلك مسالة خاصة تتصل بكيانه‬
‫وحاضره ومستقبله‪ ,‬وما دام يلك هذا الكيان فهو قادر على التصرف فيه كما‬
‫يشاء‪ ".‬فلسفتنا‬
‫سبق ل نا و أن ناقش نا موضوع الفرد ف ال سلم و مقارن ته بالفرد ف النظام الرأ سال الديقرا طي ‪ ،‬ل كن‬
‫الشكال الّذي يطرحه الصدر اتاه "حرية الفرد" ف النظام الغرب ليس إشكال قويا أصيل ‪ ،‬بقدر ما يثل‬
‫ف جوهره اختل فا ف نظرة الد ين إل الفرد ‪ ،‬فالريّة الفرديّة الغربيّة هي أي ضا نتاج دي ن ‪ ،‬بع ن أن‬
‫ال سيحيّة ا ستوعبت هذه ال ساحة الائلة من الريّة الفرديّة كون ا ل تتلك شري عة مف صّلة بين ما ال سلم‬
‫يُمثّل ف شريعته الفصّلة و الّت أُضيف إليها تراكم تراثي هائل ‪ ،‬ل يسمح بوجود حريّة كبية للفرد ‪ ،‬من‬
‫هنا فإ نّ هذه النمطيّة الغربيّة ليست ضدّ الدين بقدر ما هي تسيد لساحات فراغ كبية تركتها السيحيّة‬
‫للعقل لكي يله ‪ ،‬يضيف السيد الصدر‪:‬‬
‫" ‪ ..‬وليست الرية الدينية ـ ف رأي الرأسالية الت تنادي با ـ إل تعبيا عن الرية‬

‫‪154‬‬

‫الفكرية ف جانبها العقائدي‪ ,‬وعن الرية الشخصية ف الانب‬
‫العملي‪ ,‬الذي يتصل بالشعائر والسلوك‪.‬‬
‫ويتلخص من هذا العرض أن الط الفكري العريض لذا النظام ـ كما‬
‫الحنا إليه ـ هو‪ :‬أن مصال الجتمع بصال الفراد‪ .‬فالفرد هو القاعدة الت‬
‫يب أن يرتكز عليها النظام الجتماعي‪ ,‬والدولة الصالة هي الهاز الذي‬
‫يسخر لدمة الفرد وحسابه‪ ,‬والدارة القوية لفظ مصاله وحايتها‪.‬‬
‫هذه هي الديقراطية الرأسالية ف ركائزها الساسية‪ ,‬الت قامت من‬
‫اجلها جلة من الثورات‪ ,‬وجاهد ف سبيلها كثي من الشعوب والمم‪ .‬ف ظل‬
‫قادة كانوا حي يعبون عن هذا النظام الديد ويعدونم بحاسنه‪ ,‬يصفون‬
‫النة ف نعيمها وسعادتا‪ ,‬وما تفل به من انطلق وهناء وكرامة وثراء‪ .‬وقد أجريت‬
‫عليها بعد ذلك عدة من التعديلت‪ ,‬غي أنا ل تس جوهرها‬
‫بالصميم‪ ,‬بل بقيت متفظة بأهم ركائزها وأسسها"‪ .‬فلسفتنا‪.‬‬
‫حت آخر كلمة بقي نقد ال سّيّد الصدر للحرية الفرديّة الغربيّة نقدا "نظريا" ل ينطبق على التطبيق الواقعي‬
‫الوجود على الرض ‪ ،‬و كان من الفضل ـ و ليته فعل ـ لو أنه قام ببحث فلسفي نقدي عن "الفرد و‬
‫الرية ف السلم" حيث أ نّ إشكاليّة الفرد مقابل الدولة هي أحد ركائز الفوضى العقلية و السياسية الّت‬
‫يعيش ها العال ال سلم الن ‪ ،‬فمقا بل الدولة ي ضع الفرد ال سلم نف سه كبد يل ل ا ‪ ،‬و الفار قة هي أن هذا‬
‫يدث ف الوقت عينه حي تقوم الدولة بإلغاء الفرد كوجود فعّال و مهم ‪ ،‬و الطي ف الوضوع هو أ نّ‬
‫الفرد "ال سلم" ين ظر دو ما إل الدولة على أن ا "شرّ" و "عدو" ي ب الذر م نه ‪ ،‬و هذا ير جع إل طبي عة‬
‫تكو ين الفرد "ال سلم" ف الشرق الو سط تديدا ب سبب البيئة و الثقا فة البدو ية ‪ ،‬و هي نق يض الدولة و‬

‫‪155‬‬

‫تنتمي إل عقلية "ما قبل الدّولة" ‪ ،‬خصوصا و أن هذه الدّولة الّت تشكلت فيما بعد عهد الستعمار أو‬
‫هيمنة الغرب رفعت شعار "الدّولة العلمانيّة" و ف الوقت نفسه أبقت الفراد يعانون من الكثي من القيود‬
‫الخلق ية و ال سّياسيّة ‪ ،‬مّا ت سبّب ف خلق قطي عة ب ي هذا الفرد الّذي أ خذ يعا ن اغترا با ف وط نه و‬
‫انفصاما نكدا بينه و بي الدولة الت تكمه‪.‬‬
‫إشكال ية الفرد و الجت مع و الدولة ف شرق نا "ال سلم" تك من ف أنّه قد تّ تكي يف كُ ّل ش يء ليتلئم مع‬
‫عقليت نا "البدو ية" ‪" ،‬العشائر ية و القبل ية" ‪ ،‬و مراج عة ب سيطة لباث الدكتور الرحوم "علي الوردي" و‬
‫أباث "ممد عابد الابري" ف نقده "العقل العرب" تظهر ذلك بوضوح ‪ ،‬مع ملحظة أن السألة تتعدى‬
‫العرب لتشمل "الكراد" و "التركمان" و "الفرس" و غيهم ‪ ،‬بل إن الدّين نفسه تكيّف أو ُكيّ فَ ليصبح‬
‫ملئما لثقافة "التّنازع" الّت ت سّد قمة البداوة القائمة على صراع البقاء ‪ ،‬و من الطبيعي ف بيئة كهذه أن‬
‫تسود النظمة القوميّة العنصرية الّت ل تفكّر إل بنطق الصراع و إبادة الخر ‪ ،‬من هنا كان من الهم أن‬
‫ن ّل هذه الشكالية الطية و الّت تثّل العضلة الساسية لتخلفنا‪.‬‬
‫إن ثنائية "الدّين" و "القومية" تثل ال سّرطاني الّذين ينهشان عقل الشرقي "السلم" ‪ ،‬فالدّين بدل من أن‬
‫يُنبّه الفرد إل أن يكون حذرا فـ أن ل يقبـل بيمنـة أحـد على حريّتـه الفكريّة و القتصـادية و حتـ‬
‫الجتماعية ‪ ،‬حال إل سبب آخر من السباب الكثية الّت ألغت طابع "الفردانيّة" ف السلم ‪ ،‬و بالتّال‬
‫أ صبح لز ما على الفرد "ال سلم" أن يُل غي ذا ته ف سبيل الخر ين ‪ ،‬و حين ما يُل غي كلّ فرد نف سه تكون‬
‫النتي جة أنّ نا نل غي الجت مع الّذي يقوم أ ساسا على الفراد ‪ ،‬ك ما أ نّ الن عة القوم ية "و هو ال مر الّذي ل‬
‫يتوقف على العرب وحدهم" تلغي كل القضايا الفردية و الجتماعية ف سبيل القضايا الّت ت ّم الاكم‬
‫"الطاغية" و حثالته ‪ ،‬فالنعة القومية هي نزعة "حيوانية" قدية تعود إل أيام كان النسان يتصارع مع‬
‫الطبيعة و الناس الخرين من أجل البقاء ‪ ،‬بعن آخر أنا تثّل إحدى طرق التفكي الّت تعود إل عصر‬
‫"ما قبل الدّولة"! و لكنها خلقت من نفسها مظهرا حداثيّا ‪ ،‬كما ف التجربتي النازيّة ف ألانيا و البعثيّة ف‬
‫العراق ‪ ،‬فمن خلل منطق تفكيكي بسيط نستطيع أن نستنتج أ ّن "القومية" هي نزعة تقف بالضّد من‬
‫مفهوم "الواطنة" ف الدّولة الديثة‪.‬‬
‫إ نّ منطق السلميي ف نقدهم للمفهوم الغرب لقوق الفرد يضعهم ف مأزق حقيقي ‪ ،‬فمن جهة حي‬
‫يرفض الفكّرون السلميون ـ و التقاطع هنا يقع بشكل مباشر على السلميي الّذين ل يفصلون بي‬
‫الدّين و السّياسة و السّيّد الصدر واحد منهم ـ الفهوم الغرب للحريّة ‪ ،‬يقعون ف مواجهة حقيقيّة أخرى‬

‫‪156‬‬

‫إنـ الفرد فـ‬
‫مـع الفهوم الاركسـي الشّيوعـي للفرد و الجتمـع و الّذي يُلغـي بدوره الفرد كلّيّا ‪ ،‬بـل ّ‬
‫الاركسيّة هو "عدو" الطبقة العمّاليّة و الفردانيّة هي نزعة تدم أعداء الطبقة الكادحة ‪ ،‬و هذا المر اضطر‬
‫سيّد الصّدر‪:‬‬
‫السلميي ‪ ،‬كما فعل الصدر ‪ ،‬إل أن ينتقدوا موقف الاركسية من الفرد ‪ ،‬يقول ال ّ‬
‫" وأما من الناحية السياسية‪ ,‬فالشيوعية تستهدف ف ناية شوطها الطويل‬
‫إل مو الدولة من الجتمع‪ ,‬حي تتحقق العجزة وتعم العقلية الماعية كل‬
‫البشر‪ ,‬فل يفكر الميع إل ف الصلحة الادية للمجموع وأما قبل ذلك‪ ,‬ما‬
‫دامت العجزة غي مققة‪ ,‬وما دام البشر غي موحدين ف طبقة‪ ,‬والجتمع‬
‫ينقسم إل قوى رأسالية وعمالية‪ ...‬فاللزم أن يكون الكم عماليا‬
‫خالصا‪ ,‬فهو حكم ديقراطي ف حدود دائرة العمال‪ ,‬وديكتاتوري بالنسبة إل العموم‪ .‬وقد‬
‫عللوا ذلك بأن الديكتاتورية العمالية ف الكم ضرورية ف كل الراحل‪ ,‬الت تطويها‬
‫النسانية بالعقلية الفردية‪ ,‬وذلك حاية لصال الطبقة‬
‫العاملة‪ ,‬وخنقا لنفاس الرأسالية‪ ,‬ومنعا لا عن البوز إل اليدان من‬
‫جديد" فلسفتنا‪.‬‬
‫فهذه "العقلية الماعية" الّت طرحها الاركسيّون ل تتلف إل قليل و من النّاحية "الطّوباويّة" فقط عمّا‬
‫يطرحه السلميّون عن "الفرد الدجّن" و الّذي ل يُفكر ف ذاته ‪ ،‬و هذا المر واضح ما طرحه ال سّيّد‬
‫الصدر ف كتابه "اقتصادنا" ‪ ،‬حيث يقول‪:‬‬
‫" ومــن مظاهــر النقصــان البارزة فــ الفرضيــة الاركســية‪ ،‬تناســي العوامــل‬
‫الفيزيولوجيــة والســيكولوجية والفيزيائيــة‪ ،‬وإهال دورهــا فــ التاريــخ‪ ،‬مــع‬
‫أناــ قــد تكون فــ بعــض الحاييــ ذات تأثيــ كــبي فــ حياة الجتمــع وكيانــه‬

‫‪157‬‬

‫ــه‬
‫ــه وكفاءاتـ‬
‫ــة‪ ،‬وعواطفـ‬
‫ــه العلميـ‬
‫ــ تدد للفرد اتاهاتـ‬
‫ــي التـ‬
‫ــ هـ‬
‫العام‪ ،‬لناـ‬
‫الاصـــة‪ ،‬تبعا لاـــ تتحفـــه بـــه مـــن تركيـــب عضوي خاص‪ ،‬وهذه التاهات‬
‫والعواطـــف والكفاءات‪ ،‬التـــ تتلف فـــ الفراد وفقا لتلك العوامـــل‪ ،‬وتســـاهم‬
‫ف صنع التاريخ‪ ،‬وتقوم بأدوار إيابية متفاوتة ف حياة الجتمع" ـ اقتصادنا‪.‬‬
‫فإذا كانت "الاركسيّة" قد ترنّحت كفلسفة شوليّة بفعل هذا اللل الفلسفي و لكننا أيضا سنُعقّب‬
‫على أُطروحات السّيّد الصّدر لحقا فيما يتعلق بأمثِلته على ما أساه "دور الفرد" ف نقده المتاز للشيوعية‬
‫‪ ،‬فحينما نعترف كمفكّرين بدور الفرد ف الجتمع ل يعود لنا حينها و بعد أن نسفنا النظرية الاركسيّة‬
‫أن نضـع خطوطـا حراء أمام حريّة الفرد دون أن تكون هذه الطوط قائمـة على أُسـس منطقيـة تثـل‬
‫ضرورات عقليّة ‪ ،‬و حينما نسمح بوضع قيود مددا على الريّة الفرديّة ‪ ،‬نكون قد فتحنا الباب لنظريّة‬
‫شوليّة أُخرى لتحِل مل الاركسيّة و القوميّة ‪ ،‬من هنا نتفق مع الغرب ف أن مساويء الريات الفردية‬
‫هي أقلّ بكثي من مساويء خنق الريّات و تقييدها بقيود دينية أو قومية أو نظريّة أُخرى‪.‬‬
‫ث يُضيف السيد الصدر‪:‬‬
‫" فكلنـــا نعلم بالدور التارييـــ‪ ،‬الذي لعبتـــه مواهـــب نابليون العســـكرية‪،‬‬
‫وشجاعته الفريدة‪ ،‬ف حياة أوروبا‪.‬‬
‫وكلنــا نعلم بيوعــة لويــس الامــس عشــر‪ ،‬وآثارهــا التارييــة خلل حرب‬
‫ـتطاعت امرأة‬
‫ـد اسـ‬
‫ـا‪ .‬فقـ‬
‫ـب النمسـ‬
‫ـا إل جانـ‬
‫ـا فرنسـ‬
‫ـ خاضتهـ‬
‫ـبع‪ ،‬التـ‬
‫ـنوات السـ‬
‫السـ‬
‫ـــــــــــــــع‬
‫واحدة‪ ،‬كمدام(بومبادور)‪ ،‬أن تلك إرادة اللك‪ ،‬وبالتال أن تدفـ‬
‫ـفرت‬
‫ـة الت ـ أسـ‬
‫ـب الوخيمـ‬
‫ـ‪ ،‬وتمّـل العواقـ‬
‫ـا ف ـ حرباـ‬
‫ـع النمسـ‬
‫ـا للشتراك مـ‬
‫فرنسـ‬
‫عنها‪.‬‬
‫ــ‬
‫ــة‪ ،‬فـ‬
‫ــة غرام خاصـ‬
‫ــن حادثـ‬
‫ــ عـ‬
‫ــ‪ ،‬الذي نمـ‬
‫ــا نعلم بالدور التارييـ‬
‫وكلنـ‬

‫‪158‬‬

‫حياة ملك انليزي كهنري‪ ،‬إذ أدت تلك الادثــــة إل انفصــــال العائلة الالكــــة‪،‬‬
‫وبالتال انكلترا كلها‪ ،‬عن الذهب الكاثوليكي‪.‬‬
‫وكلنــا نعلم مــا فعلتــه عاطفــة البوة‪ ،‬التــ دفعــت بعاويــة بــن أبــ ســفيان‪،‬‬
‫إل اتاذ كــل الســاليب المكنــة‪ ،‬لخــذ البيعــة لبنــه يزيــد‪ ،‬المــر الذي عبّر‬
‫ف وقته عن توّل حاسم‪ ،‬ف الجرى السياسي العام‪.‬‬
‫فهــل كان التاريــخ ســيتم بنفــس الصــورة التــ وجدت فعلً‪ ،‬لو ل يكــن‬
‫ل عســـكريا حديديا‪ ،‬ول يكـــن لويـــس ذائبا مســـتسلما لحظياتـــه‪،‬‬
‫نابليون رج ً‬
‫ول يعشــق هنري(آن بوليــ)‪ ،‬ول تســيطر عاطفــة خاصــة على معاويــة بــن أبــ‬
‫سفيان‪ ".‬اقتصادنا‪.‬‬
‫المثلة الّت طرحها ال سّيّد ال صّدر هنا صحيحة و تتفق مع ما ذهب إليه من أهّيّة "الفرد" ف حركة‬
‫التاريخ ‪ ،‬لكنها كلّها ذات سة واحدة و هي أ نّ كل هؤلء الّذين استشهد بم هم "حُكّام" و ليسوا من‬
‫تنط بق علي هم صفتهم "الشعبيّة" خ صوصا و أن أفراد الجت مع هم أ هم من أفراد الطبقات الاك مة أو‬
‫الزبيّة ‪ ،‬ل قد كان الا كم الفرد مه ما و مور يا ف الغرب إل أن بز غت الديقراط ية و طر حت نف سها‬
‫كبديل عن الطغيان و أصبح صوت الواطن "الفرد" مهما ف نظام يقوم أساسا على أهية الصوت الواحد‬
‫ف أي انتخاب‪.‬‬
‫لكن الفرد الستبد ل يزال مهيمنا ف شرقنا السلم ‪ ،‬و نتج عن السلم السياسي تارب سيئة و فاشلة‬
‫كالتجربة اليرانية و طالبان أفغانستان و النظام الوراثي السعودي ‪ ،‬و لكن الهم ف أي بث هو أن ننظر‬
‫إل قي مة الفرد ف التجر بة اليران ية "السلمية"! دون تلك ال سّعودية ‪ ،‬لن ال سعودية ليس ل ا أي نظريّة‬
‫فلسفية للحكم اللهم إل "حكم العائلة" و هيمنة العرف القبلي ‪ ،‬بينما النظام اليران يطرح نفسه على أنه‬
‫مشروع "ديقراطيـة إسـلمية" قائمـة على "فقـه" دينـ كعذر للق تربـة تتلك لنفسـها جذورا فـ هذا‬
‫الجت مع الّذي يض طر دائ ما أن يكون متديّ نا ‪ ،‬و ل أدري من أي نظر ية ي ستمد ال سلميون هذا الطرح‬
‫بأن "الشرقي" متدين أصل ‪ ،‬و ليت شِعري هل أن "الشرقي" يرِ ثُ التديّن مع مورّات الباء و الجداد!‬

‫‪159‬‬

‫أم أنّه يرثها وراثة بيئية عب التقاليد و العادات و التّلقي الجباري‪.‬‬
‫من هنا فنحن ل ند الشرقي متلفا كثيا عن أخيه الغرب أو المريكي النوب أو إبن شرق آسيا ‪ ،‬و‬
‫لو سنحت له الظروف الناسبة فإنه سينتج من البداع و النظم الديقراطية و الجتماعية ما ل يقل عن‬
‫أي نظام متطور آخر ‪ ،‬بالتال فإننا كباحثي لو قبلنا بنظرية السلميي بـأن "الشّرقي السلم" هو متديّن‬
‫اضطرارا و حتما فسنحصل مرة أُخرى على فلسفة "عنصرية" تق سّم الشعوب إل طبائع و أخلق تستمدّ‬
‫نفسها من الورثات الينية و روابط الدّم ‪ ،‬و هذا ما سيفضه السلميون قبل غيهم لن هناك نصوصا‬
‫دينيّة صرية ضد العنصرية و التفاضل على أساس الدّم و الّلون أو العرق ‪ ،‬كما أن هذا العذر نفسه سبب‬
‫كاف ف أن نقول أن الديقراطية ستناسبنا أكثر من الغربيي لن التدين ف شرقنا سيكون متدينا ف ظل‬
‫نظام ديقراطي ‪ ،‬أم ربا تعن كلمة "متدين" معن آخر! كأن نقول ‪ :‬أن الشّرقي "دكتاتور متدين"! فهذا‬
‫أمر آخر‪.‬‬
‫سيّد ال صّدر يدافع عن نظريته ف حكم "الدّين" و البدء بتحقيق‬
‫من هنا فليس من الغريب أن ند ال ّ‬
‫ذلك عـب نقـد أنظمـة الكـم الاركسـيّة و الشتراكيـة و الديقراطيّة الرّأسـاليّة ‪ ،‬و حسـنا فعـل بنقده‬
‫الارك سيّة كون ا فل سفة ت قف بالضّد من الن سانيّة و الُريّة ‪ ،‬لك نه كان محفا ف نقده التجر بة الغرب ية‬
‫"ذات الطابع السيحي" عب مفاهيم و مصطلحات "إسلمية" ل علقة لا بالفهوم السيحي للعلقة بي‬
‫الفرد و الجتمع و الدولة ‪ ،‬فبينما تفصل كلمات السيح بي ال سّلطة الدّينيّة و الدّنيوية بعبارات صرية ‪:‬‬
‫ما ل ل و ما لقيصر لقيصر"! و هي عبارات طالا سخر منها السلميون ‪ ،‬تقوم الفكرة السلمية على‬
‫دمج الدّين و الكومة أو الدّولة ف نسيج واحد ‪ ،‬كتجربة اللفة عند "السلميي السّنّة" و ولية الفقيه‬
‫عند "السلميي الشّيعة" ‪ ،‬فهي دمج للدّين و الدولة ‪ ،‬و يبدو ل أن هذه الجتمعات التخلفة لن تتخلى‬
‫عن هاتي النظريتي إل بعد أن تذوق منها الويلت‪.‬‬
‫إن العل قة ب ي العلمانيّة و ال سلم هي التّحدّي القي قي الّذي يشهده العال ال سلم الن ‪ ،‬و الشكلة‬
‫كما أرى و أعتقد هي أن السلمي عموما و السلميي خصوصا ينظرون إل ماهيّة العلمانيّة و جوهرها‬
‫من خلل رؤيت هم لعلمان ية أوا سط القرن العشر ين و بال خص التجربت ي التّركيّة و التّون سيّة ‪ ،‬و ه ا‬
‫تربتان وقفتا بالضّد من الرّيّة الدّينيّة ‪ ،‬ما يعن أن السلميي هم أوّل من سيفقد هالتهم القدسة‪ .‬لكنّن‬
‫أيضا أتفهم أسباب التطرف العلمان الّذي وجِد ف الدّولتي و التجربة التركية على وجه الصوص ‪ ،‬فلو‬

‫‪160‬‬

‫ل تربة ترك يا العلمان ية خلل السبعي سنة الاضية ‪ ،‬ما كنّا لنشهد تربة حزب التنمية و العدالة الّذي‬
‫وائم بي التديّن كقناعة شخصيّة و المارسة العلمانية ف الُكُم‪.‬‬
‫من ال هم ه نا أن نلق ما أ ستطيع ت سميته بالفرد العلما ن الّذي ل يتنا قض عب علماني ته مع مت مع‬
‫"متدين" مثل ‪ ،‬إن العلمان هو روح كُلّ الفلسفات و الديان لذلك فهو وحده القادر على جلب "ثقافة‬
‫السلم" إل الجتمع ‪ ،‬فالعلمان و إن بدا متشككا ف نظر التديني إلّ إنّه و من خلل شكّه على الطريقة‬
‫"الدّيكارت ية" يك نه أ نّ ي صل إل القي قة ‪ ،‬و أ نا أعت قد أن ال سلم نف سه كد ين ي سمح بنوع من هذه‬
‫التّشكيكية كخطوة أول للوصول إل العن الجل ف النّص القدّس ‪ ،‬لذلك ند ف عُرف الفقهاء و ف‬
‫كافّة مذاهبهم عبارات مثل "و ال أعلم"! أو "و ال أعلم براده"! و غيها من العبارات الّت تضع تساؤل‬
‫ديكارتيّا كنوع من عدم اليقي تاه القاصد القيقة للنص تاه كلّ مسألة فقهيّة أو عقليّة‪.‬‬
‫إنطلقا من هذه النقطة العميقة و الشك كوسيلة لليقي ‪ ،‬تكمن علمانية السلم الّت يكن للمسلمي‬
‫البناء عليها ‪ ،‬فالعلمان السلم يستطيع أ نّ يُشكّك ف إي رأي فقهي ‪ ،‬خصوصا تلك الراء القائمة على‬
‫أيـ ت ّل عـن إيانـه الاص ‪ ،‬و بجموع الفراد العلمانييـ يكون‬
‫الدلة الظني ّة ‪ ،‬دون أن يكون هناك ّ‬
‫الجت مع "ال سلم الشّر قي" قد حقّق الطوة الول ف إقا مة النظام الدّيقرا طي ف و سط عال إ سلمي ل‬
‫ي سبق له أن اخ تب الديقراطيّة بفهوم ها الد يث و القي قة اّل ت ي ب أن نعترف ب ا أ ّن م صطفى كمال‬
‫"مؤسس تركيا الديثة" قدّم للسلم أجل هدية حينما حرّره من ملل الكهنوت و من تلعب السلطة‬
‫الزّمنيّة و الدّنيويّة به ‪ ،‬بالتال كان الفرد ال سلم ف ترك يا حرّا ف تأمّ ل النّص القدّس دون هيم نة طب قة‬
‫رجال الدين الفاسدين‪.‬‬
‫يقول السيد الصدر ف "لحة فقهية تهدية لدستور المهورية السلمية ف إيران"‪:‬‬
‫" إن الدولة ظاهرة اجتماع ية أ صيلة ف حياة الن سان‪ .‬و قد نشأت هذه الظاهرة على يد ال نبياء‬
‫ور سالت ال سماء‪ ،‬واتذت صيغتها ال سوية‪ ،‬ومار ست دور ها ال سليم ف قيادة الجت مع الن سان‬
‫وتوجيهه من خلل ما حققه النبياء ف هذا الجال من تنظيم اجتماعي قائم على أساس الق والعدل‬

‫‪161‬‬

‫يستهدف الفاظ على وحدة البشرية وتطوير نوها ف مسارها الصحيح"‪ .‬ترى هل حقا نشأت الدولة‬
‫بفعل رجالت الدين أي النبياء و القديسي!! أم أن الدولة هي ظاهرة بشرية نتجت من حاجة النسان‬

‫إل الما ية و الفاظ على متلكا ته و شخ صه! و ا ستشهاه بال ية ‪{ :‬كان الناس أ مة واحدة فب عث ال‬
‫النبيي مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالق ليحكم بي الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف‬
‫ف يه إل الذ ين أوتوه من ب عد ما جاءت م البينات بغيا بين هم فهدى ال الذ ين آمنوا ل ا اختلفوا ف يه من‬
‫الق بإذنه وال يهدي من يشاء إل صراط مستقيم} [البقرة‪ .]213 :‬ل يقوم دليل بد ذاته على أن‬
‫ال نبياء هم من أ سس الدولة ‪ ،‬بل قد يكون الع كس هو ال صحيح ‪ ،‬بع ن أن ال نبياء ظهروا ليدوا عن‬
‫الناس ظلم الدولة و تيزها ضد مواطنيها ‪ ،‬و أحسب أن الدّولة ككائن وجِ َد ف لظة تاريية معينة دون‬
‫أن يدركها مواطنوها ككائن ‪ ،‬بل ولِدت كقبيلة كبية استطاعت استيعاب مموعة من القبائل ‪ ،‬و أن‬
‫اللك ية الشخ صية و الرب ال ت جل بت الز يد من الملك كا نا أ حد أ هم أ سباب نشوء الدولة كتنظ يم‬
‫إنسان ـ أنظر (قصة الضارة ـ ول ديورانت ـ الزء الول)‪.‬‬
‫و الب حث ال هم و الّذي ل ي ستطيع ال سلميون إثبا ته هو ‪ :‬ما هي الدلة التاري ية ال ت تث بت أن‬
‫"النبياء" و الدّوافع الرّوحية هي الت كانت الساس الوّل لنشاء الدّولة إذ ل يكفي استدللم باليات‬
‫و الحاد يث و هي القابلة أ صل أن يكون ل ا أك ثر من تأو يل و مع ن دون أن ي صلوا على ألة تاري ية‬
‫ملموسة كالخطوطات أو أي شيء يصلح للستدلل التاريي ‪ ،‬و معلوم أن الدولة ل تكون ضرورة إل‬
‫حينما يصل الجتمع البشري إل درجة معينة من الكمال و تشابك الرّغبات و الصال و تناقضها و حاجة‬
‫الما عة إل تذل يل العقبات أو د فع الخطار ‪ ،‬و الدولة ككائن حين ما وُجِدَت كا نت نقي ضا للفرد ف‬
‫جا نب من جوانب ها الت سلطية هذا الفرد الّذي كان أك ثر حُريّة ف متمعات ما ق بل الدولة ‪ ،‬ل كن الفرد‬
‫استعاد الانب الياب من علقته بالدّولة الكائن المثل للجماعة حيث أصبحت الدّولة تقوم على الفرد‬
‫الذي ينـح بركتـه للدولة مـن خلل تصـويته لاـ ‪ ،‬بالتال فإن الدولة الليبالي ّة الديثـة تقوم على كل‬
‫الطرفي ‪ ،‬صوت الفرد و الفراد الّذين يُكوّنون كتل و أحزابا لتوجيه مسارها السياسي و الجتماعي و‬
‫السياسي‪.‬‬
‫إ نّ الفرد يبدع و يُت قن عمله و يكون إيابيّة أك ثر م نه سلبيّة حين ما يُدرك قي مة ذا ته و أ نه ل يس مرد‬
‫صِفر من الصفار الّت يستوعبها رقم ما ‪ ،‬و مهما كان هيجل و ماركس قادرين على إلغاء أهيّة الفرد‬
‫عب الستدلل الفلسفي ‪ ،‬و كذلك يفعل السلميّون و لكن عب طريقة أُخرى ‪ ،‬إلّ أن اللبالية الغربية و‬
‫عب ناحاتا كونا نظاما طبيعيا أثبتت عب جانبها التطبيقي أن الفرد هو الساس الّذي تقوم عليه الدّولة و‬

‫‪162‬‬

‫مهما كان الفرد ذاتيّا ف تفكيه فإنه يلجأ إل الدّولة شاء أم أب لنا إحدى حاجاته الساسيّة حالا حال‬
‫الاء و الواء و الطعام ‪ ،‬و هو ر غم ضرورة هذه الا جة إل أ نه قادر على أن يُعطي ها حجمها و نوع ها و‬
‫ضعفها و قوتا ‪ ،‬فالدّولة الّت يكوّنا أفراد أقوياء الرادة ـ بعن أنّهم يعشقون حريّتهم القيدة بقانون ـ‬
‫فإنّـ هذه الدّولة تكون خفيفـة تاه مواطنيهـا و ثقيلة و مُهمّة تاه غيهـا مـن الدّول ‪ ،‬فالفرد و الفرديـة‬
‫ك صفة عامّة هي الّ ت ت ستطيع أن تكون نواة دولة حقيقيّة ‪ ،‬و نا ية التار يخ ـ النظريّة الّ ت خرج ب ا‬
‫فوكوياما ـ تأ ت من هذا الانب ‪ ،‬بع ن أ ّن دولة "الفرد" يكاد يكون الثال الخي للدولة التكاملة ‪ ،‬و‬
‫نن هنا أضفنا عبارة التّشكيك للمانة العلمية ‪ ،‬فقد يرج علينا العلم بنظريات أفضل و أكثر تطورا ما‬
‫نن عليه الن‪.‬‬
‫سيّد ال صّدر ف ماولة فكريّة م نه إل إياد حل أو توازن للنعت ي الادّيّة و الرّوحيّة اللت ي‬
‫يقول ال ّ‬
‫تتصارعان ف النسان‪:‬‬
‫" السلوب الول‪ :‬هو تركيز التفسي الواقعي للحياة‪ ,‬وإشاعة فهمها ف‬
‫لونا الصحيح‪ ,‬كمقدمة تهيدية إل حياة أخروية‪ ,‬يكسب النسان فيها من السعادة على‬
‫مقدار ما يسعى ف حياته الحدودة هذه‪ .‬ف سبيل تصيل رضا‬
‫ال‪ .‬فالقياس اللقي ـ أو رضا ال تعال ـ يضمن الصلحة الشخصية‪ ,‬ف‬
‫نفس الوقت الذي يقق فيه أهدافه الجتماعية الكبى‪ .‬فالدين يأخذ بيد‬
‫النسان إل الشاركة ف إقامة الجتمع السعيد والحافظة على قضايا العدالة‬
‫فيه‪ ,‬الت تقق رضا ال تعال‪ ,‬لن ذلك يدخل ف حساب ربه الشخصي‪,‬‬
‫ما دام كل عمل ونشاط ف هذا اليدان يعوض عنه بأعظم العوض وأجله‪.‬‬
‫فمسألة الجتمع هي مسالة الفرد أيضا‪ ,‬ف مفاهيم الدين عن الياة‬
‫وتفسيها‪ "..‬فلسفتنا‪.‬‬

‫‪163‬‬

‫سيّد ال صّدر تنبثق منه جلة إشكالت حقيقيّة ‪ ،‬ذلك أنّه أسلوب‬
‫هذا الُسلوب الول الّذي طرحه ال ّ‬
‫"إ سلمي" ب ت و ل يس له نظرة تتجاوز الدّ ين ال سلمي ‪ ،‬مع ملح ظة أ نّ ل كل د ين مفاهي مه و‬
‫دينـ بعينـه دون الخـر ‪ ،‬فاليان و الضّلل و الكفـر هـي‬
‫مصـطلحاته الاصـة الّتـ يتداولاـ أفراد كُلّ ٍ‬
‫مصطلحات تتداولا الديان الثلث ‪ ،‬اليهودية ‪ ،‬السيحيّة و السلم ‪ ،‬و لكن لكل منها تعريفه الاص ‪،‬‬
‫ي درجة من النجاح لرأينا دينا ما يستوعب الخرين ف جناته ‪ ،‬فاليهود ل يدعون‬
‫فلو كان لذا النهج أ ّ‬
‫ص بم ‪ ،‬أما السيحيون فرغم‬
‫أحدا إل جنتهم و ل يُحذّرون أحدا من جحيمهم لن دينهم هو شيء خا ّ‬
‫ت سامهم و ا ستيعابم للخر ين ف حيات نا الدّنيو ية إل أن الخر ين الّذ ين ل يؤمنون بال سيح كمخلص‬
‫سوف يدخلون جهنم مهما قاموا بأعمال جليلة ‪ ،‬و السلم أخطر من هذا الانب ‪ ،‬فهو يرفض الخرين‬
‫فـ الدّنيـا و الخرة و ل مال لي يهودي أو نصـران أو أي ديـن آخـر فـ اللود مـن دون أن يدخـل‬
‫السلم ‪ ،‬و ل يرج على هذا إل قلّة قليلة كالرحوم علي الشّريعت الّذي كان يؤمن بأنه سيلتقي ف الّنّة‬
‫بأستاذه السيحي‪.‬‬
‫و ال هم ه نا ‪ ،‬و هو خط ي بنظري ‪ ،‬أ نّ هذا ال سلوب إحالة خطية ل سألة اللص الشّخ صي إل‬
‫السّلطة أو الدّولة ‪ ،‬مع أن الدّين هو شأن شخصي بت ل يستطيع أي سلطان زمن أو أرضي ‪ ،‬و ل يق‬
‫لذا ال سلطان أ صل ‪ ،‬أن يت صرف ف م سألة تتعلق بال وحده و م سألة اليان لي ست بضا عة تُباع ف‬
‫سوبرماركت أو م ل للبقالة و ل ي كن ل يّ ميزان أر ضي أن يزن ا ‪ ،‬و ف رأ يي أ نّ هذه العبارات هي‬
‫دعوة مُقنّعة إل ولية الفقيه ‪ ،‬و هي النّظريّة الّت تكاد تدم البيت اليران على رؤوس ساكنيه‪.‬‬
‫و يُضيف السّيّد الصّدر‪:‬‬
‫" ول يكن أن يصل هذا السلوب من التوفيق ف ظل فهم مادي‬
‫للحياة‪ ,‬فان الفهم الادي للحياة يعل النسان بطبيعته ل ينظر إل إل ميدانه‬
‫الاضر وحياته الحدودة‪ ,‬على عكس التفسي الواقعي للحياة الذي يقدمه‬
‫السلم‪ ,‬فانه يوسع من ميدان النسان‪ ,‬ويفرض عليه نظرة أعمق إل‬
‫مصاله ومنافعه‪ ,‬ويعل من السارة العاجلة ربا حقيقيا ف هذه النظرة‬
‫العميقة‪ ,‬ومن الرباح العاجلة خسارة حقيقية ف ناية الطاف‪:‬‬

‫‪164‬‬

‫سهِ َومَنْ أَسَاء فَ َعلَ ْيهَا)‪ ".‬الصدر نفسه‪.‬‬
‫(مَنْ عَمِ َل صَالِحًا َفلِنَفْ ِ‬
‫و حت هذه الية الّت أوردها ها هنا على سبيل الستدلل ل تصلح إل إثبات العكس و هو أن اليان‬
‫لنّة و النّار و أن هذه المور‬
‫سهِ" بعن أن الذّات وحدها تقرر الذّهاب إل طريق ا ّ‬
‫هو شأن شخصي "فلِنَف ِ‬
‫ليست قط شأنا من شؤون الدّولة و النظام ال سّياسي ‪ ،‬فمن حق الفرد أن يتار أن يكون مؤمنا أو كافرا‬
‫بشرط أن ل يتدخل ف خيارات الخرين و حيواتم‪.‬‬
‫ث يدثنا عن السلوب الثان قائل‪:‬‬
‫" وأما السلوب الثان الذي يتخذه الدين‪ ,‬للتوفيق بي الدافع الذات‬
‫والقيم أو الصال الجتماعية فهو التعهد بتربية اخلقية خاصة‪ ,‬تعن بتغذية‬
‫النسان روحيا‪ ,‬وتنمية العواطف النسانية والشاعر اللقية فيه‪ .‬فان ف طبيعة‬
‫النسان ـ كما العنا سابقا ـ طاقات واستعدادات ليول متنوعة‪ ,‬بعضها ميول مادية‬
‫تتفتح شهواتا بصورة طبيعية كشهوات الطعام والشراب والنس‪,‬‬
‫وبعضها ميول معنوية تتفتح وتنمو بالتربية والتعاهد‪ ,‬ولجل ذلك كان من‬
‫الطبيعي للنسان ـ إذا ترك لنفسه ـ أن تسيطر عليه اليول الادية لنا تتفتح بصورة‬
‫طبيعية‪ ,‬وتظل اليول العنوية واستعداداتا الكامنة ف النفس مستترة‪.‬‬
‫والدين باعتباره يؤمن بقيادة معصومة مسددة من ال‪ ,‬فهو يوكل أمر تربية النسانية‬
‫وتنمية اليول العنوية فيها إل هذه القيادة وفروعها‪ ,‬فتنشا بسبب‬
‫ذلك مموعة من العواطف والشاعر النبيلة‪ .‬ويصبح النسان يب القيم‬
‫اللقية والثل الت يربيه الدين على احترامها ويستبسل ف سبيلها‪ ,‬ويزيح عن‬

‫‪165‬‬

‫طريقها ما يقف أمامها من مصاله ومنافعه" فلسفتنا‪.‬‬
‫سيّد ال صّدر خلل درا ستيه "فل سفتنا" و "اقت صادنا" بالز مة القيقيّة الّ ت‬
‫لل سف الشد يد ل يع ن ال ّ‬
‫يعيش ها الشّرق ال سلم ـ با ستثناء ترك يا الدي ثة ـ و هو أن شباب نا و إن ساننا عمو ما يعا ن من ض غط‬
‫الروحانيات و هيمنت ها على كل تفا صيل الياة بأدق ما في ها ‪ ،‬و أن ر جل الد ين ال سلم حوّل نف سه إل‬
‫"مهندس" ‪" ،‬طبيب" ‪" ،‬فيزيائي" و خبيا حت ف الطبخ ‪ ،‬و اللذائذ الادية ـ حت اللل منها كالزواج‬
‫و الغن ـ ل تكاد توجد ف شرقنا ‪ ،‬بل إن السلم ينظر إل الياة و كأنا عدو لدود يب إما الرب منه‬
‫أو قتله ‪ ،‬إن اليول العنو ية ل وجود ل ا بش كل حقي قي و واق عي إل ب عد أن ي د الن سان نف سه حرا و‬
‫مرتاحا و ينعم بالياة الت تتيح له مال للتفكي ‪ ،‬و العصمة الّت حدّثنا عنها ال سّيّد ال صّدر ل تتوفر الن‬
‫حت ف الذهب الشّيعي ‪ ،‬كون المام الثان عشر العصوم غائبا و ليس له مُمثّل مباشِر يُمكن أن يوصل‬
‫إلينا ردوده حول الشكالت الطروحة ف السّاحة‪.‬‬
‫الرّوح هي تربة تنبع من أعماق النسان و ليست الدولة كائنا مرحبا به ليمكن له التّدخّل ف هذا‬
‫الشّأن ‪ ،‬و ما التجارب السلمية ا ُلرّة إلّ دليل على أن الدين يفُسد حينما تتلعب به أيدي ذوي السلطة‬
‫‪ ،‬قـد يكون معقول أن تقوم الدولة و الجتمـع بمايـة حُريّة الفكـر ! لكـن إضفاء أي صـبغة دينيّة على‬
‫سيّد ال صدر ف القتباس ال سابق من‬
‫ال سلطة ب ّد ذاتِه أ مر خط ي ‪ ،‬و الترب ية الا صة الّ ت حدّث نا عن ها ال ّ‬
‫المكن توفيه ف ظل دولة علمانيّة ديقراطيّة رأسالية ‪ ،‬بالتّال فليس شرطا أن نبن دولة "ثيوقراطية" دينيّة‬
‫لكي نستطيع تربية الفرد و تنشأته روحيّا ‪ ،‬بعن أن ل ارتباط بي السألتي ل منطقيّا نظريا و ل واقعيا‬
‫تطبيقيّا ‪ ،‬يقول ممد باقر الصّدر‪:‬‬
‫" وكل نظام اجتماعي ل ينبثق عن ذلك الفهم والحساس فهو إما نظام‬
‫يري مع الفرد ف نزعته الذاتية‪ ,‬فتتعرض الياة الجتماعية لقسى‬
‫الضاعفات وأشد الخطار‪ ,‬وأما نظام يبس ف الفرد نزعته ويشل فيه طبيعته‬
‫لوقاية الجتمع ومصاله‪ .‬فينشأ الكفاح الرير الدائم بي النظام وتشريعاته‬
‫والفراد ونزعاتم‪ ,‬بل يتعرض الوجود الجتماعي للنظام دائما للنتكاس على‬
‫يد منشئه ما دام هؤلء ذوي نزعات فردية أيضا‪ ,‬وما دامت هذه النعات تد‬

‫‪166‬‬

‫لا ـ بكبت النعات الفردية الخرى وتسلم القيادة الاسة ـ ما ًل واسعا وميدانا‬
‫ل نظي له للنطلق والستغلل"‪ .‬فلسفتنا‪.‬‬
‫إ ّن حقوق الفرد ل تتعارض مع حقوق الجت مع ‪ ،‬فل يس من حق الفرد ‪ ،‬عقل ‪ ،‬أن يروّج بضا عة تؤذي‬
‫صحة الجتمع أو تدد أمنه و استقراره ‪ ،‬لكن مسألة صحة الجتمع يب أن ل تتناول الخلقيات إل‬
‫بشكل مدود و مُقنّن لن الخلقيّات أيضا مرتبطة بالريّات العقليّة و الدّينيّة ‪ ،‬لكن القيود على السائل‬
‫الخلقية يب أن يتم حي يتعلق المر بفرد "قاصِر" أو غي مؤهّل عقل لكي ل يتم استغلله ‪ ،‬و كمثال‬
‫على ذلك شرّعت كثي من الدّول الغربيّة قواني تنع استغلل الطفال أو غي الؤهّلي عقل ‪ ،‬إ ّن العقل‬
‫ـ الّذي هو أ حد أُ سُس الديان الثّلث با ستثناء الذ هب الوهّا ب ـ هو معيار ال كم القانو ن الّذي‬
‫يُقرّر أن الفرد الفلن يتلك حقّ الُريّة أم أ ّن من واجب السّلطة كممثّل للعقل المعي أن تتدخّل لمايته‬

‫‪ ،‬و ن ن ل ن سمع و ل نرى أو نقرأ عن أي دولة أو نظام سقط و انار ب سبب اعتماده مبدأ "الريّة" ‪،‬‬
‫باستثناء المباطورية الرومانية و الّت ل يكن قد تبلور فيها عقل جعي من خلل أفراد يُدركون ماهية‬
‫الُريّة الّ ت يتلكون ا أو وظي فة النظام ‪ ،‬ك ما أن الُريّة الفر طة أي ضا ل ت كن ال سّبب الوح يد ف سقوط‬
‫المباطورية الرومانية ‪ ،‬بل كانت أسباب أُخرى كالصراعات الدّينيّة و موجات الشعوب الببرية كالون‬
‫و الوندال و القوط الّت غزت المباطوريّة و دمّرتا ‪ ،‬إضافة إل الفساد الّذي نر ف الدولة‪.‬‬
‫سيّد الصّدر‪:‬‬
‫ث يضيف ال ّ‬

‫" وكل فهم معنوي للحياة وإحساس خلقي با ل ينبثق عنهما نظام كامل‬
‫للحياة يسب فيه لكل جزء من الجتمع حسابه‪ ,‬وتعطى لكل فرد حريته الت‬
‫هذبا ذلك الفهم والحساس‪ ,‬والت تقوم الدولة بتحديدها ف ظروف الشذوذ عنهما ‪...‬‬
‫أقول أن كل عقيدة ل تلد للنسانية هذا النظام فهي ل ترج عن‬
‫كونا تلطيفا للجو وتفيفا من الويلت وليست علجا مدودا وقضاءً حاسا‬
‫على أمراض الجتمع ومساوئه‪ .‬وإنا يشاد البناء الجتماعي التماسك على فهم معنوي‬

‫‪167‬‬

‫للحياة وإحساس خلقي با ينبثق عنهما‪ ,‬يل الياة بروح هذا‬
‫الحساس وجوهر ذلك الفهم" فلسفتنا‪.‬‬
‫من اللحظ أن تدخّل الدّولة ف حريّة الفرد واضحة كُل الوضوح ف هذه العبارات ‪ ،‬فمن يا ترى يُقرّر‬
‫أن هذه الدود أو تلك تعن خروجا على النظام الطّبيعي ‪ ،‬ل بُ ّد ها هنا أيضا من فقيه أو مُعمّم يُقرر تلك‬
‫الدود ‪ ،‬و من جديد نن أمام تربة أُخرى شبيهة بتجربة الكنيسة الكاثوليكية حينما فرضت نفسها على‬
‫الدولة و النظام ‪ ،‬و لو ل أن السـيح ل يأتـ إل بشريعـة خفيفـة لكانـت الكاثوليكيـة نسـخة غربيّة مـن‬
‫السلم الذي يسود ف بلدنا الن ‪ ،‬بل إن كلمة "الروح" الّت يُردّدها السلميون و من ضمنهم ال سّيّد‬
‫الصّدر هي مصطلح مُلغز و يصلُح أن يكون لهُ ألف تفسي و تفسي ‪ ،‬بل إن شخصا ما قد يرى ف المر‬
‫أو الكحول علجا أو مرجا لشاكله الرّوحيّة و هي نفسها الّت حرّمها السلم ‪ ،‬و المر نفسه يتكرر مع‬
‫سائر السائل الخلقية ‪ ،‬و أجزم أن السلم كان سيكون أخف وطئا على الديقراطية لو أنه امتلك تراثا‬
‫فقهيا أخف ‪ ،‬و لربا يصدق الديث النبوي القائل‪:‬‬
‫"اختلف أمّ ت رح ة"! بع ن أن تعدد الراء قد يف تح م ستقبل لقبول التعدّديّة ال سّياسيّة و الجتماعيّة ‪،‬‬
‫ل كن تب قى الشكلة أن كل طرف من هذه الطراف الختل فة يعت قد أ نه يت كر القي قة و أن الباق ي إل‬
‫جحيم‪.‬‬
‫سيّد الصّدر‪:‬‬
‫يقول ال ّ‬
‫" وهذا هو السلم ف أخصر عبارة وأروعها‪ .‬فهو عقيدة معنوية وخلقية‪,‬‬
‫ينبثق عنها نظام كامل للنسانية‪ ,‬يرسم لا شوطها الواضح الحدد‪ ,‬ويضع لا‬
‫هدفا أعلى ف ذلك الشوط‪ ,‬ويعرفها على مكاسبها منه‪.‬‬
‫وأما أن يقضي على الفهم العنوي للحياة‪ ,‬ويرد النسان عن إحساسه‬
‫اللقي با‪ ,‬وتعتب الفاهيم اللقية أوهاما خالصة خلقتها الصال الادية‪,‬‬

‫‪168‬‬

‫والعامل القتصادي هو اللق لكل القيم والعنويات وترجى بعد ذلك سعادة للنسانية‪,‬‬
‫واسقرار اجتماعي لا‪ ,‬فهذا هو الرجاء الذي ل يتحقق إل إذا‬
‫تبدل البشر ال أجهزة ميكانيكية يقوم على تنظيمها عدة من الهندسي الفنيي"‪ .‬فلسفتنا‪.‬‬
‫إن ال سألة ك ما يشرح ها ال صّدر الول ها ه نا تتعلق بال سلم وحده و أن هذا النظام "النظري" ل كي‬
‫يتحقق له النجاح ـ و النجاح بقياس العقل هو أن تظى النظرية برضا الغلبيّة ـ يب أن يؤمن به كُ ّل‬
‫النّاس و البشريّة أجع و هذا غي مكن عقل ‪ ،‬فهو حي طرح هذه النظريّة السلمية فقد طرحها باتاه‬
‫إصلح "النسانيّة" و إنقاذها ‪ ،‬لكن التناقض الّذي يطرح نفسه ذاتيا هنا هو "ما معن أن يتزعم دين من‬
‫الديان إصـلح البشريـة"!! و لاذا ل تكون هناك نظريـة فوق دينيـة أو عرقيـة قوميّة لكـي تصـل على‬

‫النجاح ‪ ،‬و النتي جة و كردّ ف عل للح كم الدّي ن أن النعات الدّينيّة "التطر فة" ستطرح نف سها و نكون‬
‫كب شر معرض ي لرب عاليّة "دين ية" تكون أخ طر من كل الروب الّ ت مرّت بالبشريّة لن ا هذه الرة‬
‫"حرب عاليّة مُقدّسة" و ليس من شيء أقدس عند النسان من يقتُل نفسه ليصل إل اللود‪.‬‬
‫و ليس بِدَعا من القول أنّ النّزعات الدّينيّة تنامت بشكل خطي منذ الثّورة اليرانية ‪ ، 1979‬و ربّما كان‬
‫الغرب مظوظـا حينهـا فقـد هيأت ثورة اللل فرصـة كُبى لسـقاط الشّيوعيّة ‪ ،‬لكـن هذه النظريـة‬
‫"ال سلموية" قد خل قت دف عا هائل باتاه ال صراع الدّي ن ‪ ،‬بل إ نّ الوليات التحدة نف سها مهددة الن‬
‫بالتحول إل دولة مسيحية كردود فعل من الرهاب السلمي‪.‬‬
‫إ ّن النظرية السلمية ل تعدو أن تكون نظية خصميها الكبيين "الشّيوعيّة" و "القوميّة" ‪ ،‬فهي تدّعي‬
‫أناـ تفسـي كامـل و شامـل لكـل تفاصـيل الياة ‪ ،‬بدءا بالكـم و انتهاءا بأصـغر و أدق تفاصـيل الياة‬
‫الشّخصيّة ‪ ،‬و لو أنّ مطالب السلميي اقتصرت على طلب "حاية" من نوع ما لطقوس و شعائِر دينيّة و‬
‫لريّة العتقاد الدّين !! لكان أمرا معقول و مقبول ‪ ،‬لكنهم هنا يُطالبون بلق "دولة شوليّة" تتدخّل ف‬
‫لرّيّة لكنها تقمعها من جهة أُخرى ‪ ،‬يقول السّيّد الصدر مُعقّبا على القتباس السابق‪:‬‬
‫كُ ّل شيء ‪ ،‬تتغن با ُ‬
‫" وقد حل السلم الشعل التفجر بالنور‪ ,‬بعد أن بلغ البشر درجة خاصة‬
‫من الوعي‪ ,‬فبشر بالقاعدة العنوية واللقية على أوسع نطاق وأبعد مدى‪,‬‬

‫‪169‬‬

‫ورفع على أساسها راية إنسانية‪ ,‬وأقام دولة فكرية‪ ,‬أخذت بزمام العال ربع‬
‫قرن‪ ,‬واستهدفت إل توحيد البشر كله‪ ,‬وجعه على قاعدة فكرية واحدة ترسم أسلوب‬
‫الياة ونظامها‪ .‬فالدولة السلمية لا وظيفتان‪ :‬إحداها تربية النسان‬
‫على القاعدة الفكرية‪ ,‬وطبعه ف اتاهه وأحاسيسه بطابعها‪ ,‬والخرى مراقبته‬
‫من خارج‪ ,‬وإرجاعه إل القاعدة إذا انرف عنها عمليا‪.‬‬
‫ولذلك فليس الوعي السياسي للسلم وعيا للناحية الشكلية من الياة الجتماعية‬
‫فحسب‪ ,‬بل هو وعي سياسي عميق‪ ,‬مرده إل نظرة كلية كاملة نو الياة والكون والجتماع‬
‫والسياسة والقتصاد والخلق فهذه‬
‫النظرة الشاملة هي الوعي السلمي الكامل"‪ .‬فلسفتنا‪.‬‬
‫ف كلمات سابقة شبّه الن سان ف التجر بة الغرب ية بالجهزة أو اللة ‪ ،‬بع ن أن الادّيّة ستطبع الجت مع‬
‫بطابع واحد و تعل الميع يفقدون أحاسيسهم و علقاتم كبشر ‪ ،‬لكن ها هنا نن مع إعلن صريح‬

‫بأ ّن على الجت مع أن يتحوّل إل جا عة من الرّوحانيّ ي و الغرق ف "الشعائر و الطّقوس" الدّينيّة و الّ ت‬
‫ستنتهي حتما بنمط واحد من التفكي و يكون الفرد أو الفراد مرّد تكرار مُمِلّ للعقل الدّين السّائد ‪ ،‬بل‬
‫إن عباراته واضحة ل تتمل التّأويل ف جعل السلم دينا و نظريّة شُموليّة ل أمل معها ف أي تعدّديّة‬
‫فكريّة ‪ ،‬و أ يّ م سّ بذه النهجيّة "الشّموليّة" سُي َردّ عليها بنظرية تآمر أكيدة ‪ ،‬لن أ يّ نقد للمُعتقدات‬
‫ال سّائدة سيكون مواجهة مع الدّولة و مع ال ‪ ،‬و هذان خصمان كفيلن بإفشال أي عملية نقد ‪ ،‬إ نّ ج ّر‬
‫الُقدّس إل سـاحة الدّولة و النظام السـياسي كفيـل بالقضاء على الطرفيـ ‪ ،‬فالدّيـن سـيتحول حينهـا إل‬

‫"كهنوت" يول حياة الجتمع إل سجن تت الرّقابة ‪ ،‬و الدّولة إل أداة بيدِ هذا "الكهنوت"‪.‬‬

‫و مهما نظّروا و نظّرنا للمسألة الدينية و ربطناها بعوامل اقتصاديّة و اجتماعية ‪ ،‬فلن نرج إل بيمنة فريق‬
‫صغي "نبة من العمامات" شبيهة بن خب الشيوعيّة و النظريّات القوميّة الّ ت تن ظر للخر دو ما على أ نه‬

‫‪170‬‬

‫سيّد ال صّدر يقول عن الدّيقراطيّة الرأ سالية‬
‫خائن و خط ي ي ب احتواؤه أو القضاء عل يه ‪ ،‬بين ما ن د ال ّ‬
‫بأسطر قليلة من كلمه الّذي اقتبسناه آنفا‪:‬‬
‫" والنظام الرأسال الديقراطي ليس منبثقا من عقيدة معينة عن الياة‬
‫والكون ول مرتكزا على فهم كامل لقيمها الت تتصل بالياة الجتماعية وتؤثر فيها‪.‬‬
‫وهو لذا ليس مبدأ بالعن الدقيق للفظ البدأ‪ ,‬لن البدأ عقيدة ف‬
‫الياة ينبثق عنها نظام للحياة"‪ .‬فلسفتنا‪.‬‬
‫فهذه الكلمات عبارات صرية واض حة ل ل بس في ها ف أن الدّيقراطيّة القائ مة على الريات الفرديّة و‬
‫الجتماعيّة ليست نظرية "شوليّة" و هي بذا العن ل تفرض نفسها على أحد و ل تقوم بوضع تفاصيل‬
‫حياة الخرين و حياة الجتمع لنا "شخصيّة مايدة" و هي بذا العن ل تفرض دينا أو معتقدا على أحد‬
‫‪ ،‬اللهـم إلّ أن تفرض على الّميـع مفهوم واحدا هـو "حريّة العتقـد و حريّة الرادة" ‪ ،‬و حتـ تلك‬
‫القرارات التشدّدة تاه الدّين كانت ردّ فعل طبيعي من العلمانيي تاه اليمنة "باسم ال و الدّين" بعن‬
‫أوضح أن العلمانيّة القيقيّة ليست ضدّ الدّين بقدر ما هي ض ّد استغلل طرف ما للقداسة الدّينيّة للهيمنة‬
‫على السّلطة و الجتمع ‪ ،‬ففي تركيا العثمانيّة كان شيخ السلم ـ و هو أعلى سلطة فقهيّة ف الدّولة ـ‬
‫يُفت حسب هوى ال سّلطان العُثمان و حاشيته و حريه ‪ ،‬فكان ي ّل للسلطان مثل أن يقتُل كلّ إخوته و‬
‫حسب "فتوى شرعيّة" لكي يصل انتقال سليم للسلطة ‪ ،‬بل إ نّ أحد سلطي آل عثمان قتل ‪ 19‬من‬
‫إخوته ف يوم واحد لكي ل ينافسه أحد على السلطة و بفتوى شرعيّة (أنظر كتاب‪ :‬شرفنامة ج ‪ ، )1‬و‬
‫ند أن كاتبا "إسلمويّا" مثل زياد ممود أبو غنيمة ل يد أي عيب ف أن يكتب مقال مطول ف تبير‬
‫كل هذه الرائم‪.‬‬
‫و لكن يا ترى هل تتاج "الدّولة" بفهوم ها العام إل فلسفة شاملة تلك كل الجوبة لكل السئلة!! و‬
‫سهُ يُقرّ بذلك ـ ضعي فا و حقيا ضئيل ف هذا‬
‫لاذا يكون هذا ضرور يا ما دام الن سان ـ و الدّ ين نف ُ‬
‫الكون الل متناهي!! و ما علقة بناء الدّولة كشبكة علقات ضخمة بفاهيم و صياغات دينيّة متلفة من‬
‫دين إل آخر و من شخص إل شخص! و لاذا ل تكون الدّولة كائنا غي مقدس بالشكل الّذي تكون فيه‬
‫أقرب إل شر كة علقات عامّة من ها ب ـ"وك يل ل على الرض" ‪ ،‬و ياول ال سيد ال صّدر حين ما يبدأ‬

‫‪171‬‬

‫بناقشة الفكر الفلسفي للماركسيّة أن يبدأ من حيث بدأ كل الفلسفة الديثون الّذين يبنون الفلسفة على‬
‫م صادر الدراك البشري للمعر فة ‪ ،‬ل كن ال طأ ُكلّ ال طأ هو أن ال سّيّد ال صّدر و ب عد أن ن قض النظريّة‬
‫الاركسيّة "الشّموليّة" طرح مكانا نظريّة شوليّة أخطر ‪ ،‬فالشّيوعيّة نظرية مادّيّة و من السهل هدمها لنا‬
‫ل ت ستند إ ّل على ز عم تاري ي بأ ّن الن سان الول كان "شيوع يا" و ل يتلك أفراده إل ما يتا جه ‪ ،‬أ ما‬
‫النظرية السلميّة فهي "مقدّسة" و من الطر العبث معها‪.‬‬
‫سيّد الصّدر‪:‬‬
‫يقول ال ّ‬
‫" تدور حول العرفة النسانية مناقشات فلسفية حادة تتل مركز رئيسيا ف الفلسفة‬
‫وخاصة الفلسفة الديثة‪ ,‬فهي نقطة النطلق الفلسفي لقامة فلسفة متماسكة عن الكون‬
‫والعال‪ ,‬فما ل تدد مصادر الفكر البشري ومقاييسه وقيمه‬
‫ل يكن القيام بأية دراسة مهما كان لونا‪.‬‬
‫وإحدى تلك الناقشات الضخمة هي الناقشة الت تتناول مصادر العرفة ومنابعها‬
‫الساسية بالبحث والدرس‪ ,‬وتاول أن تستكشف الركائز الولية‬
‫للكيان الفكري البار الذي تلكه البشرية فتجيب بذلك على هذا السؤال‪:‬‬
‫كيف نشأت العرفة عند النسان‪ ,‬وكيف تكونت حياته العقلية بكل ما تزخر به من أفكار‬
‫ومفاهيم‪ ,‬وما هو الصدر الذي يد النسان بذلك السيل من‬
‫الفكر والدراك؟؟‬
‫إن النسان ـ كل إنسان ـ يعلم أشياء عديدة ف حياته وتتعدد ف نفسه الوان من‬
‫التفكي والدراك‪ ,‬ول شك ف أن كثيا من العارف النسانية ينشأ‬

‫‪172‬‬

‫بعضها عن بعض‪ ,‬فيستعي النسان بعرفة سابقة على تكوين معرفة جديدة‪.‬‬
‫والسألة هي أن نضع يدنا على اليوط الولية للتفكي‪ ,‬على الينبوع العام للدراك‬
‫بصورة عامة"‪ .‬فلسفتنا‪.‬‬
‫إ نّ الب حث عن فل سفة متكاملة متما سكة ل غموض في ها و ل تنا قض و ت يب على كُ ّل سؤال!! هو‬

‫ضرب من اليال ‪ ،‬بل إنّه ل يقلّ خيال عن أي نظرية مادّيّة ـ ف مفهوم مادّيّة القرن العشرين ـ الّت‬
‫آمنت أنّ النسان حلّ ملّ ال ‪ ،‬فالنسان ليس إنسانا طالا ل يكن هذا الكائن الليء بالخطاء و العيوب‬
‫و الهل "كلّما زاد علمي ‪ ،‬زاد علمي بهلي" ‪ ،‬من هنا فإن أي ماولة للق تكامل من نوع ما هو بد‬
‫ذاته نقص ‪ ،‬فالنظريات العلمية و الفلسفية ف تغيّر مُستمر يواكب اطلع النسان و تو سّع ثقافته ‪ ،‬فقد‬
‫شكّ حينما اتّسعت معرفته و مداركه ‪ ،‬ث عاد إل‬
‫سارع النسان إل الدّين ف عصور الظلم ‪ ،‬ث بدأ ي ُ‬
‫الشّ كّ ف ثقافته و نظريّاته العلمية منذ ظهور نسبية أينشتاين ف منتصف القرن العشرين و عادت نزعة‬
‫التّديّن بقوة ‪ ،‬لكن هل أن هذا سيستمر و كأنا التميّة النهائيّة للتاريخ؟ أم أن ثّة تارب بشرية ستعيد‬
‫ردّات الفعل القويّة ضد الدّين ‪ ،‬هذا يتوقف على أسلوب تعاملنا و ملئمتنا بي الدّين كمُقدّس متكامل و‬
‫النسان ككائن جاهل قد يُسيء إل نفسه عب الستخدام الاطيء للدّين و النظام السّياسي ‪ ،‬النسان ف‬
‫طبعه كائن مبّ للحريّة و النطلق ‪ ،‬حتّى الُتديّن الّذي يطمع ف الّنّة هو طامع ف حُريّة جنسيّة و تلّل‬
‫من الخلق سيحصل عليهِ حينما يصل على اللود‪.‬‬
‫إ ّن الدراك هو أن ال نا تدرك نف سها و ميط ها عب حوا سها و ذات ا اّل ت تث بت ب ا ل يق بل أي برهان‬

‫خارجي أن الذّات موجودة "أنا أُفكر إذا أنا موجود" ٍو هذه العبارة الشهورة للفيلسوف الفرنسي الكبي‬
‫رين يه ديكارت ت ضع الرّكيزة الول لذا التفك ي النط قي ‪ ،‬غ ي أ ّن الذّات ما أن تبدأ ف التفك ي ب ا هو‬
‫ك الفلسفي ما كنا هنا لنتكلم‬
‫خارجها حت تبدأ صيغ الشّ كّ تطغى أحيانا على اليقينيات ‪ ،‬و لو ل الشّ ّ‬
‫عن ضرورة أن تكون الدّولة كائ نا عقليّا مُحايدا ل ي سمح لي طرف بأن يط غى على الخر ين خارج‬
‫لرّة عذرا أو‬
‫أساليب القناع و النقاش الوضوعي و العمل الجتماعي ‪ ،‬و ل يكن أن نعل من ذواتنا ا ُ‬
‫مُبّرا لن نسجن أنفُسنا ‪ ،‬فإسلم المس ليس كإسلم اليوم أو الغد ‪ ،‬و كذلك هي الديان الُخرى ف‬
‫مساراتا ‪ ،‬تد أ ّن الدّين ليس له وجود خارجي عن معتنقيه ‪ ،‬فالؤمنون بأي دين من الديان كأفراد هم‬

‫‪173‬‬

‫من يُج سّد هذا ال ّد ين أو ذاك ‪ ،‬فال سلم مثل ل يس ل هُ وجود خار جي عن ال سلمي و با ستطاعة هؤلء‬
‫إظهاره جيل أو قبيحا ‪ ،‬متساما أو عنيفا‪.‬‬
‫هناك حالة تنافُر بي الطّرح العام ف كتاب "فلسفتنا" الّذي يبدأ بنقد الفرديّة ف الذهب الدّيقراطي الغرب‬
‫و العقليّة المعيّة التطر فة ف الارك سيّة ‪ ،‬إذ ينقُض ال سّيّد الصدر النظريّة الارك سيّة من الساس حين ما‬
‫يُشي إل أنا كمذهب ألغت الفرد و طموحاته و النسان بدون طموح و حب الذّات ل معن ل ُه ‪ ،‬لكنه‬
‫عاد و انتقد دور الفرد ف النظمة الغربيّة ف ماولة للق متمع يُزعَ مُ أنّه متوازن بي التطرفي ‪ ،‬لكن هذا‬
‫ل عن تطبيقاتا ‪ ،‬من هنا فإننا ندرك أ ّن التوازن الفقود ف‬
‫التّوازن غي موجود ف النّظريّة السلميّة فض ً‬
‫النظام ال سلمي الزعوم يعود إل سببٍ ب سيط و هو أن للدّولة دورا ف تنشأة الفرد نشأةً دينيّة و الدّولة‬
‫غالبا ما تلجأ إل تبن نظريّة دينيّة بعينها أو تكييف الدّين بيث يُلئم ذوق و مصلحة الطبقة الاكمة و‬
‫امتيازاتا ‪ ،‬لذلك تُمثّل العلمانيّة الل النع لكل هذه التعقيدات و الفوضى الدّينيّة و ال سّياسيّة ‪ ،‬و لو أن‬
‫ال سلميي ل يُفكّروا عب نظريّة "ال صّراع" لربّ ما كان بإمكان م حين ها إخراج نظريات تتلئم و حا جة‬
‫حرّيّة بفهومها الغرب و إظهارها بظهر‬
‫النّاس للحريّة ‪ ،‬و الطأ الّذي وقع فيه ال سّيّد ال صّدر هو انتقاده لل ُ‬
‫ل ‪ ،‬هذا الطأ كرره ال صّدر الثان أيضا حينما كان‬
‫ل ّريّة أص ً‬
‫سيّء" لجتمعاتنا الّت ل تعرف أو تذُق ا ُ‬
‫"ال ّ‬
‫ينت قد الفهوم الغر ب للحريّة ف خط بة الم عة ف ظلّ نظام الب عث الّذي كان ل يعرف إلّ لُ غة الق هر و‬
‫تدمي أ يّ بوادر تفكي تعدّدي أو مؤمن بالُريّة ‪ ،‬و لو كان بديل القهر و الطّغيان هو قيام نظام ُحرّ على‬
‫النّمط الغرب لكان ذلك جديرا بالتّضحية و لكن ما العمل مع عقليّة تؤمن بالصّراع‪.‬‬
‫إ نّ ماولة إياد حلول لجتمع يئن تت وطأة الكبت و القهر و تعطيل عضلت التفكي ل يتمّ عب إياد‬

‫ث ديقراطي أو متسامح ‪ ،‬ل يكن أن‬
‫ل ّريّة و ليس لم ترا ٌ‬
‫"نظام شول" ‪ ،‬لن متمعات ل يتب أفرادها ا ُ‬

‫لرّيّات الكاملة ‪ ،‬إن قضيّة التّوازن بي الفرد و الجتمع و الدّولة هي مسألة أساسيّة‬
‫تنجح بدون إطلق ا ُ‬
‫ل ّل أيّ إشكال ف واقعنا ‪ ،‬لكن التّوازن ف السائل العتباريّة ـ غي الادّيّة الحسوسة ـ هو أمر أقرب‬
‫إل ال ستحيل ‪ ،‬فالوضوع ل يس ب سيطا كأن تشتري وز نا معي نا من مادّة مأكولة أو مشرو بة !! بل هو‬
‫توازن قائم على فهـم فلسـفي ياول كشـف العلقات الخبوءة وراء مـا هـو موجود على أرض الواقـع ‪،‬‬
‫لكنّن أميل إل أُحَطّم هذا التّوازن لصال الفرد "فردنا" كردّ على مفهوم "فلسفتنا" ‪ ،‬ل نّ الجتمع و إن‬
‫خ سِر ف الظّاهِر بعضا من تفّظاته لصال الفرد! إل أ نّ الجتمع نفسه كـ"مموع أفراد" سيستفيد من‬

‫‪174‬‬

‫ح ّريّة أفراده ‪ ،‬و هذا يُشبه كمثال و تشبيه إعطاء دواء يُقويّ خليا السم فتكون النتيجة أ ّن السم كُلّه‬
‫ينشط بفعل نشاط خلياه‪.‬‬
‫طوال عِدّة صفحات مُتتالية ‪ ،‬يُناقِش ال سّيّد ال صّدر النظريات الفلسفيّة حول منابع العقل و الحساس من‬
‫ح يث ه َي م صادِر للعلم الن سان بحي طه بغ ية ال صول على ح كم واق عي على الشياء ‪ ،‬بدًأ من نظريّة‬
‫ا ُلثُل لـ"أفلطون" و مرورا بنظريات "ديكارت" و "كانت" حول إياد مبّرات فطريّة لبعض الفكار ‪،‬‬
‫و انتهاءا ب ـ"النظريّة الِ سّيّة" اّل ت روّج ل ا "باركلي" ‪" ،‬هيوم" و نا صرها الشّيوعيّون و الارك سيّون ‪،‬‬
‫ل كن ال سّيّد ال صّدر ل يطرح سؤال أه ّم ‪ ،‬و هو ذات هُ المرُ الّذي فعله الارك سيون ‪ ،‬و ال سؤال هو‪ :‬أّن نا‬
‫نطرح كلّ هذه النظريات جان با و ل شأن ل نا بقيمت ها أو بن صيبها من ال ق و البا طل ‪ ،‬ل كن أل يس هناك‬
‫جواب منط قي يقول أ نّ كلّ هذه تارب "شخ صيّة" و أ نّ ك ّل وا حد من هؤلء الفل سفة ‪ ،‬و ال صّدر‬
‫وا حد من هم ‪ ،‬قد رأى جان با ـ جزءا ـ قط عة ـ من القي قة و الوا قع الح يط ب نا كأفراد !! من غ ي‬
‫سبَ النطق و الديان‬
‫الُمكن إذا إياد العقل الفلسفي الكّلّي و النّظام الّذي ل عيب فيه!! فالنسان و حَ َ‬
‫و التّار يخ ‪ ،‬حيثُ ما كان تكون الشاكِل ‪ ،‬و حيثُ ما تكون الشا كل يكون الن سان هناك ‪ ،‬بل إ ّن كل مة‬

‫"مُشكلة" ل وجود لا بِدون النسان ‪ ،‬و من الستحيل خلق متمع "الفلسفة" على نط نظريّة أفلطون‬
‫و الفاراب ف "جهوريّة الفلسفة" أو "أخلق الدينة الفاضِلة" لنّ هكذا مُدُن ل توجد إل ف عال خيال‬
‫ف رؤوس الالي فقط‪.‬‬

‫إذا كانت دولة من الدّول أو نظام من النظمة ال سّياسيّة و الجتماعيّة ل يلو من الشاكِل و شيء من‬
‫الفوضى ‪ ،‬فإن النظام الدّيقراطي اللبال الرّأسال هو أخفّ النظمة ضررا ‪ ،‬لنّه و ببساطة يترك للنسان‬
‫لرّيّة الّت رسخت ف شخصيّتهِ و يكون حينها‬
‫أن يُعوّض عن مشاكله و يُعال أخطاء الدّولة و الجتمع با ُ‬
‫مرتاحا على القل و رغم كُلّ مشا ِكلِ هِ لنّ هُ يُفكّر ف إياد حلول لا من دون خوف أو رقابة ‪ ،‬و نب‬
‫هنا أ نّ نطرح سؤال ملحا لن يؤمنون بنهج موجّه كما هو حال القوميي و الاركسيي و السلميي‪:‬‬
‫فلماذا نفترض أ نّ الفرد ـ و هو ُج ْزءٌ من كُ ّل ـ سوف يكون خطرا على الجت مع و يدمّره !! بين ما‬
‫نتجاهل الاكنة أو اللة الضخمة "الدّولة" و الّت هي تسيد للمجتمع ‪ ،‬حينما تسحق الشّعب كُلّه عب‬

‫سح ِق أفراده و تدميهم لذابتهم ف الكُل ‪ ،‬إ نّ النسان ـ ككائن مُجرد ـ ل وجود له إل ف ميّلتنا ‪،‬‬
‫فمنذ الطّفولة و من خلل رؤيتنا التكرّرة للبشر و الفراد ‪ ،‬نكون تصوّرا اسه "النسان" ‪ ،‬و هذا التصور‬
‫كت صورنا لنوع البقر و ال صان و النبات ‪ ،‬هي مرّد عموميات أو تشابه الفراد ف صفات معينة ‪ ،‬كل‬

‫‪175‬‬

‫البشر يشتركون ف صفات كالوجه و النف و الذرُع و ما إل ذلك من صفات ‪ ،‬لكن ليس كّلهُم بيضا‬
‫أو سودا أو سُمرا ‪ ،‬و من هنا نكون فكرة مفادها أن الصفات بي الوجودات هي أشبه بالرم ‪ ،‬فالنسان‬
‫و الكلب و البلوط و البل هي أساء موجودات ‪ ،‬لكن بجرد أن نبدأ تصنيفا آخر فنتحدث عن الحياء‬
‫و المادات ‪ ،‬نكون قد حذف نا ال بل من الوضوع ليقت صر على الثل ثة الول ‪ ،‬و حين ما نتحدث عن‬
‫اليوان الوح يد الّذي يؤلف الك تب ‪ ،‬نكون قد أبقي نا على الن سان ف قط ‪ ،‬و من ال صعب على الفراد‬
‫إدراك هذه القارنات من دون قابليات عقلية و تربية اجتماعية ‪ ،‬فكان لزاما أن ننح ُكلّ فرد إمكانيّة إن‬
‫يوض تربته الذاتية لستكشاف الحيط أو أن يتجاهل ميطه باختياره الشخصي‪.‬‬
‫سيّد ال صّدر ما خل صته أن "الذ هب العقلي" هو ما ي ستند عل يه الفل سفة ال سلميون و أن‬
‫يقول ال ّ‬
‫"الذهب الِ سّي" هو ما استند عليه الاركسيون و فلسفة مادّيّون آخرون ‪ ،‬و كأ نّ كُ ّل الفلسفات غي‬
‫السلمية هي "ل عقليّة" أو تقف بالضّدّ من النطق العقلن ‪ ،‬و هذا خطأ بالتأكيد ‪ ،‬لنّه ل يوجد مُنظّر‬
‫فلسفي ل يزعم أنّه ياول أن يكون منطقه "عقلنيّا" و واقعيّا ‪ ،‬لكن العتراض يكمُن ف كيفيّة نظر هذا‬
‫الع قل إل الكون و الياة ‪ ،‬و حتّى النّازيّة الّ ت أرادت القضاء على كل ما ل ينت مي إل العرق الري و‬
‫البيض ‪ ،‬كان ي ْزعُم أنّه منطقي و عقلن تاما ‪ ،‬و لو كان السلميّون عقلنيي حقّا لكان عليهم إتاحة‬
‫لرّ و بدون رقا بة ‪ ،‬لكنّ هم لل سف ـ حال م حال الارك سيي ـ ينظرون إل‬
‫لرّيّة الطل قة للتفك ي ا ُ‬
‫اُ‬
‫المور من أعلى و من فوق ‪ ،‬و ل ي كن أن يكون الرء عقلنيّا و منطقيّا مه ما ب ث ف الفل سفة لنّه‬
‫ببساطة ينظر إل العقل من فوق و من علياء‪.‬‬
‫سيّد الصدر حينما يتحدّث عن الاركسية و نقده لحاولتها فرض مفهوم واحد عام عن الادّة و‬
‫نن مع ال ّ‬
‫إنكارها أيّ دور للعقل بعزل عن التجربة الادّيّة ‪ ،‬فهناك مساحات و طاقات مبوءة و مكنونة ف النسان‬
‫ل تستكشف بعد ‪ ،‬لكن هناك خطأ يوقع السلميّون أنفُسَهم في ِه و هو أنّهم يعزلون عال "الروحانيّات"‬
‫عن عالنا الواقعي ‪ ،‬مع أ نّ هناك أحاديث تروى عن النّب ممّد تعل من الرؤيا ال صّادقة ـ الحلم الّت‬
‫تستكشف الاضي أو الستقبل أو الاضر البعيد ـ جزءا من اثني و سبعي جزءا من النّبوة ‪ ،‬و هذا يبدوا‬
‫لول وهلة و كأ ّن النبوة هي أيضا عبقريّة خارقة تفوق الدّ الطّبيعي للعقل ‪ ،‬و مُن ُذ ظهور نسبيّة أينشتي‬
‫‪ Einstein‬تغيت نظرة العلماء إل الادّة و أ صبحت هناك شعرة رفي عة ب ي الادّة و الرّوح ‪ ،‬ف من كان‬
‫ي صدق أن هذا الكون ب كل ضخام ته كان ف ح جم ال ّذرّة ث تو سّع ح سب نظريّة النفجار ال كبي ‪ ،‬إن‬

‫ثنائيّة "الادّة" و "الرّوح" يب أن تُلغى أو تُطوّر إل نظريّة أكثر ثوريّة و أقدر على اللئمة بي كِلمَتي‬

‫‪176‬‬

‫لطالا كانت سبب خلف و تناقُ ضٍ بي البشر ‪ ،‬فل الاركسيّة البالية استطاعت بفاهيمها الرّجعيّة عن‬
‫الادّة و الكون و النسان أن تلق متمعا يلئم النسان الطبيعي ‪ ،‬و ل السلم الُسيّس الُوجّه بقادر على‬
‫ذلك ‪ ،‬فكله ا و ضع قانو نا عامّا و فرضَ هُ على الخر ين ‪ ،‬الارك سيّون مار سوا الدّكتاتوريّة ت ت شعار‬
‫"القانون الطّبيعي الادّي" و "ال صّراع الطب قي" ‪ ،‬بين ما يارس ال سلميّون هيمنت هم و سيطرتم ت ت‬
‫شعار "النّظام اللي" و "الولية الليّة" ‪ ،‬و لو تأملت قليل فلن تد فرقا حقيقيّا بي "مادّة ماركس" و‬
‫ب رفسنجان "ا ُلعَمّم" بالتجربة "الصّينيّة الشّيوعيّة"!!‪.‬‬
‫ج َ‬
‫"إله السلميي" ‪ ،‬من هنا ل نستغرب أن ُيعْ َ‬
‫سيّد ال صّدر ف جلة من الباد يء الفل سفيّة كمحاول ته إياد توازن ب ي "التجر بة"‬
‫قد ل نتلف مع ال ّ‬
‫كمقياس للحقائق و الباد يء العقليّة ال ساسيّة ـ بع ن أن للع قل مباد يء ثاب تة يق يس المور علي ها ـ‬

‫لكن نا نتلف م عه ف أن عددا من هذه الباد يء الفل سفيّة "العقليّة" من الم كن أن يُب ن علي ها إل ما ل‬

‫ناية ‪ ،‬و لو كانت هذه الباديء راسخة ف العقل البشري و لو كان العقل بنجاة من خداع الواس أو‬
‫الرّغبات لكان لزا ما أن ي صِلَ كُلّ العقلء إل ال ستنتاجات نفْ سِها ‪ ،‬و من جلة تلك الباد يء العقليّة ‪،‬‬
‫مبدأ عدم التنا قض ‪ ،‬هذا البدأ يع مل بشك ٍل مُحْكَم ف ال سائل الادّيّة اللمو سة أو ح ي تن ظر الذات إل‬
‫نفسها ‪ ،‬لكن ما أن يبدأ تعامل النسان مع ما هو غائب أو غيب ‪ ،‬حت يتعطّل هذا البدأ ‪ ،‬مثل حينما‬
‫ند السيحي يؤمن بأنّ ال واح ٌد ف ثَلثة أقانيم و ل يد ف نفسه مانعا أن يؤمن با هو متناقض لعقلنا ‪،‬‬
‫أو حينما يؤمن السلم بأن نب السلم هو "رح ٌة للعالي" ثّ يُعلن أن غي السلمي كلّهم ف جهنّم مهما‬
‫كانوا صالي! ‪ ،‬إذا ل يكن أن نعترض بالرفض أو القبول للمسائل العقائدية عب الفلسفة ‪ ،‬فحي ثُ يبدأ‬
‫سنّي التّقليدي" ـ تاما كما توماس أكويناس فيما بعد ـ‬
‫اليان تتوقف الفلسفة ‪ ،‬لذلك ند الغزال "ال ّ‬
‫ط من شأن الفلسفة لنه رآها خطرا على إيانه التقليدي (نقد الطاب الدّين ‪ :‬نصر حامد أبو زيد‬
‫أن يُ ّ‬
‫ص ‪.)86‬‬
‫منطق يا ‪ ،‬كل إن سان فا ٍن و النتي جة النطقيّة أن ممدا أو غيه سيموت ‪ ،‬لك نّ ال سّيّد ال صّدر يؤ من بأن‬
‫المام الثّا ن ع شر المام الهدي ح يّ طوال ‪ 1100‬عام م ضت و هذا أم ٌر م كن إيانيّا لك نه م ستحيل‬
‫بنطقنا العلمي البشري ‪ ،‬و مهما حاول الفلسفة السلميّون فإنم لن يدوا مناصا من إياد مال متلف‬
‫سيّد ال صّدر أو جد عب فل سفته دورا للدّ ين ف الدّولة ’‬
‫للفل سفة عن مال اليان الدّي ن ‪ ،‬و بجرّد أ ّن ال ّ‬
‫يكون قد أدخل الهندس إل الستشفى ليعمل كطبيب هناك بعد دراسته الندسة طوال أعوام ’ و العكس‬
‫أيضا صحيح‪.‬‬

‫‪177‬‬

‫ط ف عالنا هذا‬
‫إنّ العقل ل يكن له أن يُبهن على المور الدّينيّة الغيبيّة لسببٍ وجيه و هو أن العقل مُحا ٌ‬
‫بظا هر الادّة و تشكّلت ا و بالتّال ف هو ‪ ،‬على الغلب ‪ ،‬غ ي قادر على ا ستكشاف ما وراء هذه الادّة ‪،‬‬
‫صحيح أن رينيه ديكارت و من خِلل كتابه "‪ "Meditations‬برهن على القيقة الفكريّة الساسية‬
‫"أنا أُفكّر إذا أنا موجود ‪ " I 'm thinking so I 'm exist‬لكن حت هذه القيقة ل يكن أن نبن‬
‫عليها نظاما فلسفيا ينتهي بإلغاء هذه القيقة و هي أن من ح قّ النسان أن يُفكّر برّيّة و دون خوف ‪،‬‬
‫من ال هم فل سفيا أن نن ظر إل هذا ال ساس الفل سفي الدّيكار ت بعقلن ية دون أن ن سحب علي ها صفات‬
‫الثيولوجيا و الدّين إذ يُصنّف الُمور إل مُقدّس و غي مُقدّس فإنه غالبا ما ُي ّر "عباءة التّقديس" لتغطي ف‬
‫النهاية أشياء ل علقة لا بالدّين ‪ ،‬و كنموذج على ذلك ند أن "أهل ال سّنّة" ـ عبيد الكّام ـ انتقلوا‬
‫من تقديس النّب و القرآن إل تقديس ال صّحابة و البخاري و مسلم و أخيا قدّسوا بن ُأمَيّة و آل العبّاس‬
‫و آل عُثمان و آل سُعودْ و كُلّ الطغاة الاليي ‪ ،‬و الشّيعة انتقلوا من تقديس النّب و آل البيت إل تقديس‬
‫كُ ّل الراجع بل و كُل لبس عمامة‪.‬‬
‫إن الُ سُس النطقيّة الّ ت وضع ها ديكارت ث ب ن علي ها كا نت و جان بول سارتر و نظريّت هِ الوجود ية ‪،‬‬
‫ليست استنتاجات حتميّة ‪ ،‬و كلّما أضفنا إل "الكوجيتو" الدّيكارت استنتاجا فإنّ الستنتاج أو النتيجة ل‬
‫يرقى بالتأكيد إل درجة اليقي الذّات "أنا ُأفَكّر"! بل سيبقى النسان إبنا لبيئته و ميطِ ِه و سيبقى السلم‬
‫و السيحي و اليهودي كُلّ واحد يستند ف عقيدته على البدأ ذاته "أنا أُفكّر" ‪ ،‬لكن الفلسفة الناجحة و‬
‫الّت أرى أنا ستسود ف الستقبل هي أن القائق نسبيّة با فيها القيقة الدّينيّة ‪ ،‬هذا إذا كان الدّين قائما‬
‫فعل على حقي قة !! فال ّد ين ضروري بش كل عام ‪ ،‬ل كن ما أن توض ف تفا صيل الديان ح ت يعتور ها‬
‫التناقض و التّضاد و تصبح سبب خلف مع أ نّ الفروض "منطقيا" أن يكون العكس ‪ ،‬و لكي ينتصر أيّ‬
‫دين فإ ّن عليه أن ينتظر ظهور ملص مؤيّد بالعجزات يعلن صراحة أ نّ أحدا من هذه الديان حقيقي ‪ ،‬أو‬
‫لربّما يعلن أن كُلّ الديان هي من منبعٍ واحد و أ ّن هذا اللف ظاهري فقط‪.‬‬
‫إ نّ ن قد ال ّد ين ل يع ن بالتأك يد أن ال ّد ين ل يس ضرور يا للب شر ضرورة الاء ‪ ،‬لكن نا ب صدد ن قد ا ستخدام‬
‫الدّين لتسخي العقل الماعي و إلغاء التنوع الّذي هو أجل ما ف الجتمع البشري ‪ ،‬و ماركس مطيء‬
‫حتما حينما ينكر وجود ال ـ و أنا أشُكّ أ ّن ماركس كان يعتقد حقا بأ نّ ال غي موجود و أرجح أ نّ‬
‫موقفه كان رد فعل أكثر منه قناعة ـ ث يضفي صفاته على الادّة و بالتال وضع قانونا حي ثُ ل يصلح‬
‫أن يكون و كيف يكون قانون بل مُقنّن ‪ ،‬كما أن البدأ العقلي القائل‪ :‬أنّ هُ ل بُ ّد من عِلّةٍ أُول لكل العِلل‬

‫‪178‬‬

‫الكونيّة ‪ !ّ"..‬ل يك في دليل لقا مة دولة دينيّة بقدر ما هو سبب فل سفي كا فٍ لعادة ال مل إل حياة‬
‫الناس ‪ ،‬و مـن خلل هذه القدمات الفلسـفيّة البسـيطة نعيـد اليان إل النّاس و فـ الوقـت نفسـه تعود‬
‫لنّة و النّار‪.‬‬
‫الفلسفة لتكون علما حياديّا حينما تبدأ خلفات النّاس الذهبيّة و الدّينيّة و توزيع النّاس بي ا ّ‬
‫إ ّن الفرد يُمثّل َحجَر الزّواية ف كُ ّل فلسفة ‪ ،‬فبدون التجربة الذاتيّة الشّخصيّة ل يكن للفلسفة أن توجد ‪،‬‬
‫الل هم إلّ إذا ا ستفاد الفيل سوف الفرد من خبات و أباث الخر ين و هم أفرا ٌد طبعا ‪ ،‬و كُلمّا كا نت‬
‫نزعة التّشكيك تتنامى!! كان فردٌ كسقراط أو ديكارت يستفيد من تربته الذّاتيّة ليُثبِ تْ أ نّ التّشكيك له‬

‫سهُ" و قي مة الوجودات كحقي قة‬
‫نا ية ‪ ،‬و القي قة الثّابِ تة الوحيدة "فل سفيّا" هي أنّ "النْ سان َيعْقِ ُل َنفْ َ‬
‫تتضائل بقدار ما تبتعد عن هذه القيقة ‪ ،‬فالنسان مُدرِ كٌ لذاته منذ وجوده ف هذا الكون ‪ ،‬بينما علمه‬
‫بالشياء ‪ ،‬ال و اللة و الرض و التربة و الزّراعة و التناسل و تربية البناء ‪ ..‬إل ‪ ،‬علمه بذه المور ف‬
‫تغيّر مستمر و سيبقى المر على هذا النوال إل أمدٍ بعيد‪.‬‬

‫و النسان هو كائن التحدّي ‪ ،‬فمنذ اللحظة الول لوجوده ف هذا العال و حت قبل أن يكون له إدرا ٌك‬
‫يُميّ ز به ب ي الشياء ‪ ،‬فإنّ هُ يع يش حالة التّحدي تاه الوت ـ إذ يُحاوِل البقاء ـ و تاه الُ سرة ـ إذ‬
‫غال با ما تُفرض على الن سان كر ها عقيدة أو ثقا فة أو منه ٌج قد ل يروق له أصل ـ و تاه الك بت ـ‬
‫كثيا ما تُفرض أخلقيات معيّ نة على الن سان لتجعله إنطوائ يا و سلبيا ـ و تاه رغبا ته ـ أحيا نا على‬
‫النسان أن يُضحي ببعض رغباته ف سبيل الخرين‪.‬‬
‫التحدي الهم و الخطر هو أن ياول النسان العثور على نفسه ‪ ،‬أين مكان أنا كفرد ف هذا العال ‪ ،‬و‬
‫ح ت الارك سية حلت سقوطها بنف سها ل نّ إ سم مار كس ـ و هو فرد ـ ط غى على ال مم الشيوع ية‬
‫لتصبح "ماركسية" و هذا دليل كاف ف أهية و جوهرية الفرد‪.‬‬
‫إ نّ الن سان هو مور الكون ـ على ال قل ل يث بت ع كس هذا إل الن ـ ف هو أث ن ش يء على هذا‬
‫الكوكب و هذا الكون ‪ ،‬لكن الشكال الدّائم القدي التجدد و التحدّي الساسي الذي يواجهه النسان‬
‫يبقى هو النسان نفسه ‪ ،‬و هذه الشكالية بدأت تواجه النسان بوضوح و شكل صارخ حينما دخلت‬
‫البشرية ف العقل المعي مثل ف "الدّولة" ‪ ،‬الفرد هو كائن عدي القيمة ف صلب فلسفة الدولة ‪ ،‬فمن‬
‫الطبيعي أن ترّ البشريّة بذا بذا الطور ‪ ،‬فإنا نشأت الدولة لسببي أساسيي‪ :‬أول ـ الفاظ على اللكية‪.‬‬

‫‪179‬‬

‫ثانيا ـ الرب الّت تمي اللكية و تلب الزيد من هذه الملك‪ .‬بقي إضافة أمرٍ آخر ‪ ،‬فقد كان الفرد‬
‫شرّ و‬
‫س زعمٍ أُخِ َذ على أنّه بديهة عقلية و هو أن النسان بطبعه ينع إل ال ّ‬
‫مطما ف ظل الدّولة على أسا ِ‬
‫الضرار بالخرين ‪ ،‬بالتال كانت الدّولة تثّل الطبيب و الب الكيم الّذي يدرك مصلحة أبناءه "الرّعيّة"‬
‫أك ثر من هم ‪ ،‬ل كن الف ساد و الظلم التر تب على هذا الف هم و الذي كان سائدا و مهيم نا إل نا ية القرن‬
‫العشرين ‪ ،‬و أخذ يضعُف منذ أحداث ‪ 11‬سبتمب و تداعياتا ‪ ،‬أظهر أن ماطر إفساد الفراد و خرقهم‬
‫لرّيّة هو أفضل من أن تقوم الدولة الستبدة الّت تتمثل ف هيمنة "فرد" أو "أفراد" بكل‬
‫القانون ف ظل ا ُ‬
‫ج شعوب كاملة ف أتون حروب و صراعات ل طائل منها ‪ ،‬من هنا كان الدراك بأن‬
‫شيء و من ثّ ز ّ‬

‫الدولة "كوسيلة" لدارة العدل و اللكية و الدّفاع عن الماعة قد فقدت مشروعيتها لنا أفسدت اللكية‬
‫و حولت الرب إل أ مر مفروض بالكراه ‪ ،‬مع أن الرب ي ب أن ل تتجاوز الضرورة الق صوى و إل‬
‫فقدت مشروعيتها‪.‬‬
‫كذلك ال مر بالن سبة للد ين "ال سلم تديدا" ‪ ،‬إذ تول من و سيلة إل غا ية يُذ بح ف سبيلها اللف ‪،‬‬
‫فالدّين و بجة أنه جاء لفرض العدل و الساواة و حريّة العتقد ‪ ،‬أصبح سببا للفساد و النهب و التفرقة‬
‫العنصرية و تبيرا قذرا لبقاء السلطة الفاسدة‪ .‬من هنا تثل ثُنائية "الدّولة الُستبدّة" و "الدّين التطرّف"‬

‫عجلتي تديران ماكنة التخلف ف العال السلمي ‪ ،‬و ما دام الدين ل يوفر التسامح و ال ّريّة فإنه أصبح‬
‫عالة ل علجا ‪ ،‬و لكن من أ يّ الطرفي نبدأ التغيي؟! من الدّولة تاه الدين ؟ كما ف التجربة التركيّة و‬
‫التّون سيّة‪ .‬أم من الد ين إل الدولة ؟ و هذه التجر بة ل تتح قق ف العال ال سلم ل د الن ‪ ،‬بل إن الد ين‬
‫ال سلمي لدّ الن ُي ساهم ف هيم نة و طغيان الدولة على الفرد ‪ ،‬و ال سلميون ـ سُنّة و شي عة ـ‬
‫يُساهون ف إفشاء هذه النظرية الدّونية للفرد ‪ ،‬و استشهاداتنا بفقرات من مؤلفات السّيّد الصدر هي خي‬
‫مثال على ذلك‪.‬‬
‫إ نّ ماولت ال سّيّد الصدر ف نقده للنظرية التجريبية و الّت تنظر إل الثيولوجيا و علم اللهوت كأباث‬
‫يغلب عليها طابع "الجهول" أو الغيب الّذي يغلب عليه احتمال الصّدق و الكذب و أنّ السألة الغيبية ما‬
‫دا مت ل ت ضع للتجر بة و ال س فل يكن نا التعا مل مع ها على أن ا اليق ي الكا مل ‪ ،‬يأ ت ال سيد ال صدر‬
‫ماول تفن يد النظر ية التجريب ية عب توض يح أ سلوب عل مي صاغه التجر يبيون على أ ّن هذا ال سلوب أو‬
‫النّهج "التجريب" يناقض النهج التجريب نفسه ‪ ،‬و أ ّن النهج التجريب نفسه يستخلص حقائق ذهنية معيّنة‬
‫سيّد الصّدر مثال علميا على ذلك بالقول‪:‬‬
‫حت قبل تعريضها للتجربة ‪ ،‬و ساق ال ّ‬

‫‪180‬‬

‫" ول أدري ماذا يقول الستاذ آير وأمثاله من الوضعيي عن القضايا الت‬
‫تتصل بعال الطبيعة‪ ,‬ول يلك النسان القدرة على التثبت من صوابا أو‬
‫خطئها بالتجربة‪ ,‬كما إذا قلنا (إن الوجه الخر للقمر الذي ل يقابل الرض‬
‫زاخر بالبال والوديان) فاننا ل نلك وقد ل يتاح لنا ف الستقبل أن نلك‬
‫المكانات التجريبية لستكشاف صدق هذه القضية أو كذبا بالرغم من أنا تتحدث عن‬
‫الطبيعة‪ ,‬فهل يكن أن نعتب هذه القضية خاوية ل معن لا مع‬
‫أننا نعلم جيعا أن العلم كثيا ما يطرح قضايا من هذا القبيل على صعيد‬
‫البحث قبل أن يلك التجربة الاسة بصددها ويظل يبحث عن ضوء ليسلطه‬
‫عليها حت يده ف ناية الطاف أو يعجز عن الظفر به‪ ,‬فلماذا كل هذا الهد العلمي‬
‫لو كانت كل قضية ل تمل بيدها دليل صدقها أو كذبا من التجربة‬
‫خواء ولغوا من القول؟" فلسفتنا‪.‬‬
‫هذه القضية ل يثبت صوابا خارجا عن منهج التجربة و الس ‪ ،‬كما أ ّن الفرق شاسع و كبي بي القضيّة‬
‫العلمية ـ الّت ل يترتب عليها أثر اجتماعي سياسي اقتصادي غالبا ـ و بي القضيّة الدّينيّة الّت يكن أن‬
‫تت سبب برب عال ية يدّ عي كُلّ طر فٍ ف يه أ نه "وك يل ال على الرض"! فقض ية أن يكون الو جه الظلم‬
‫للقمر متلفا عن الانب الخر أو ل !! ل يترتب عليه ما يترتب على القضية الدّينيّة الّت تقول مثل‪ :‬أن‬
‫كُل تشريع ل ُيتّ إل الشريعة الليّة هو شرك و باطل" فمسألة كهذه يترتب عليها رفض القواني الدنيّة‬
‫‪ ،‬التنظيم السياسي الديث ‪ ،‬النتخاب الديقراطي و غيها من الباديء الديثة ‪ ،‬كما أن ادعاء العلماء‬
‫بأن الوجه الخر للقمر بأنه ل يتلف عن الوجه الخر يعود إل العطيات العلمية "التجريبية" السابقة ‪،‬‬
‫بع ن أن معلومات نا عن البيئة و الواء و التر بة و المتداد الغرا ف أنت جت ل نا معر فة بالا نب ال خر من‬
‫القمر‪.‬‬

‫‪181‬‬

‫إن ال سألة الدّينيّة ـ حين ما يع جز الع قل عن إثبات ا ـ ل تد خل ض من "الكذب" أو "الل حقي قة" لن‬
‫السألة الدينية تتخطى القاييس التجريبية العلمية الحسوسة إل اليتافيزيقي الذي يغلب عليه احتمال تعدد‬
‫الستنتاجات ‪ ،‬و للسبب نفسه وقع الغزال ف مأزق حقيقي حينما وجد أنه بي احتمالي ل ثالث لما ‪،‬‬
‫فإمّا أن يكون متديّنا مؤمنا!! أو منطقيا عقليا!! بعن أنه وجد أن العقل ـ رغم مدوديته ـ يصطدم‬
‫بالدين على أنه غي قابل للتصديق ‪ ،‬فانتهى به المر أن ألغى دور العقل عب تشكيكه بالحاسيس و كونا‬
‫ال صادر الوحيدة إل الع قل ‪ ،‬و هذا ل يس ب صحيح بدل يل أ نه نا قض نف سه عب ا ستدلله "منطقيّا"! على‬
‫بطلن "الن طق" و "الفل سفة" و هذه اللح ظة ال ساسية خرج ب ا الفيل سوف العظ يم "ا بن ر شد" ف ردّه‬
‫"تافت التهافت" ‪ ،‬إن السألة الدّينية تدخل دوما ف تعدد الحتمالت و احتمال أن يكون هناك أكثر من‬
‫نتيجة للقضيّة الدّينية الواحدة ‪ ،‬كما أ نّ الدّين لكونه تربة "شخصيّة" ل تتعدّى الفرد ل يكن للمجتمع‬
‫أن يتبنّى وج هة ن ظر واحدة و بالتّال تتو قف التجر بة الدّينيّة عن أن تكون عقل ية روحيّة لت صبح لت صبح‬
‫تقليدا اجتماعيـا مقيدة بتجربـة واحدة أو قليلة ‪ ،‬مـن هنـا تعود الدّولة كخصـمٍ للفرد لتهيمـن على كُلّ‬
‫تفاصيل حياتِه حت الشّخص ّي منها‪.‬‬
‫سيّد الصّدر بالقول‪:‬‬
‫يستدرك ال ّ‬
‫" وتاول الوضعية ف هذا الجال أن تستدرك‪ ,‬فهي تقول أن الهم هو‬
‫المكان النطقي ل المكان الفعلي‪ ,‬فكل قضية كان مكنا من الوجهة النظرية الصول‬
‫على تربة هادية بشأنا‪ ,‬فهي ذات معن وجديرة بالبحث وإن ل‬
‫نلك هذه التجربة فعل‪.‬‬
‫ونن نرى ف هذه الحاولة‪ ,‬أن الوضعية قد استعارت مفهوما ميتافيزيقيا لتكميل بنائها‬
‫الذهب الذي شادته لنسف اليتافيزيقا‪ ,‬وذلك الفهوم هو‬
‫المكان النطقي الذي ميزته عن المكان الفعلي‪ ,‬وإل فما هو العطى السي للمكان‬
‫النطقي؟ تقول الوضعية أن التجربة ما دامت غي مكنة ف الواقع‪,‬‬

‫‪182‬‬

‫فماذا يبقى للمكان النظري من معن غي مفهومه اليتافيزيقي الذي ل أثر له‬
‫على صورة الواقع الارجي ول تتلف العطيات السية تبعا له‪ ,‬أفلم يصبح‬
‫مقياس الوضعية للكلم الفهوم ميتافيزيقيا ف ناية الشوط‪ ,‬وبالتال كلما غي‬
‫مفهوم ف رأيها؟" فلسفتنا‪.‬‬
‫إ ّن النظرية السطحية لعن كلمة "تربة" هو الّذي أدّى إل هذا الشكل من النقد الوجه إل ظاهر كلمة‬
‫"تربة"! إذ أن التجربة ل تعن ذلك النطق القدي القائل بأن التجربة ـ و هي أكب برهان ـ هي نتاج‬
‫الخ تبات ف قط ! ذلك أن هناك علو ما تريب ية خار جة عن نطاق "الخ تب" كغر فة ضي قة في ها ب عض‬
‫اليوانات أو الواد الكيميائيّة للح صول على نتائج ‪ ،‬و التار يخ خ ي مثال على ذلك ‪ ،‬صحيح أن التار يخ‬
‫أي ضا ـ و الدّ ين في ما ب عد ـ قد ان ضم ف ب عض جوان به إل الخ تب ‪ ،‬فأ صبح بالمكان إجراء اختبار‬
‫للحمض النووي ال ستخرج من القابر القدية بل و حت درجة القرا بة بي اليا كل العظمية و عمرها و‬
‫حالت ها ال صّحيّة ‪ ،‬ل كن هناك حقائق تاري ية ل ي كن أخضاع ها للتجر بة "كمخ تب" إنّ ما هي خاض عة‬
‫للمنهج التجريب "العقلي" ‪ ،‬فالتجربة هي منهج و منطق متكامل يكن التوصل إل حقيقته عب شروط و‬
‫ظروف معينة ‪ ،‬لكن الدّين و هو ذو بعدين أحدها أفقي تأريي و الخر عمودي "غيب" ل يكن التعامل‬
‫معه بواسطة الختب ‪ ،‬اللهم إل ف حالت نادرة كما عندما تّ فحص مطوطات دينيّة ف متبات متصة‬
‫لعر فة حيثيات ا ‪ ،‬ز من و مكان كتابت ها!! من ه نا ل ي كن للع قل الد يث أن يق بل أن ي صبح ال ّد ين أداة‬
‫احتكار للحقيقة مع أن القيقة الدّينيّة نسبية كأي حقيقة أخرى‪.‬‬
‫إ ّن الفلسفات الديثة ‪ ،‬سواء عمانوئيل كانظ أو سارتر و غيهم من الواقعيي إنا يستبعدون الدّين من‬
‫اليقينيات على الستوى الجتماعي و على مستوى الدّولة ‪ ،‬أمّا على مستوى الفرد و قناعة الشخص فهذا‬
‫ما ل يستطيع أحد إنكاره لنّ القناعة الشخصيّة ل يكن لحد أن يتحكم فيها باستثناء صاحبها فقط ‪ ،‬و‬
‫أعتقد أن الباث الرّوحيّة الّت قام با الفلسفة و الكماء الشّيعة و الشّيعة الساعيلية و التصوفون من‬
‫نط "إبن عرب" ف القرون الوسطى هي خي هدي ف هذا الجال (أنظر‪ :‬تاريخ الفلسفة السلميّة ـ‬
‫هنري كوربان ـ أنظر أيضا‪ :‬فلسفة التأويل عند إبن عرب لنصر حامد أبو زيد)‪.‬‬
‫يقول السّيد ممد باقر الصّدر‪:‬‬

‫‪183‬‬

‫" فيه التجربة‪ ,‬فهل نستطيع أن نكم على القضية الفلسفية بأنا غي ذات‬
‫معن؟ كل طبعا‪ ,‬فإن العن هو ما يعكسه اللفظ ف الذهن من صور‪,‬‬
‫والقضية الفلسفية تعكس ف أذهان أنصارها وخصومها على السواء صورا من‬
‫هذا القبيل‪ .‬وما دامت هناك صورة تقذفها القضية الفلسفية ال أفكارنا فهناك‬
‫مال للصدق والكذب وبالتال هناك قضية كاملة جديرة بذا السم ف العرف النطقي‪,‬‬
‫فان الصورة الت تقذفها القضية الفلسفية ال ذهننا إن كانت تطابق‬
‫شيئا موضوعيا خارج حدود الذهن واللفظ فالقضية صادقة وإل فهي كاذبة‪.‬‬
‫فالصدق والكذب ـ وبالتال الطابع النطقي للقضية ـ ليسا من معطيات التجربة لنقول عن‬
‫القضية الت ل تضع للتجربة أنا ل توصف بصدق أو كذب‪,‬‬
‫وإنا ها تعبيان بشكل إياب أو سلب عن التطابق بي صورة القضية ف‬
‫الذهن وبي أي شيء موضوعي ثابت خارج حدود الذهن واللفظ" فلسفتنا‪.‬‬
‫إن القض ية اّل ت ل تضع للتجر بة ل ي كن تصديقها بع ن من العان ‪ ،‬ذلك أن الدين و لكونه موضو عا‬
‫روحيا يفوق القواني الدنيويّة و لننا ل نستطيع أن نتذوق ـ إذا جاز ل استخدام هذا التعبي الصّوف ـ‬
‫تارب الخرين إل من خلل اللفاظ الداعة ـ حسب تعبي ابن عرب ـ لذلك تبقى مسألة التذوق ‪،‬‬
‫و هي روحية ل جسمانية ‪ ،‬مدودة ف ذات الشخص ‪ ،‬فبينما فهم الشّيعة و ال صّوفيّة عبارات و كلمات‬
‫"اللج" و "ابن الرّومي" و "ابن عرب" على أنا تنبع من عمق التقوى و الصلح بل و أنا تل ٍق من الل‬
‫العلى!! ن ظر آخرون ـ من سلفيي من أمثال ا بن تيميّة و إ بن ق يم الوز ية و سيّد ق طب ـ إل هذه‬
‫العبارات الصوفية على أنا كفر و زندقة يستوجب حت قطع الرقاب!! و إذا كانت القيقة الدّينيّة ظاهرة‬
‫للعيان العقلي إل هذا الدـ!! فلماذا انقسـم "التديّنون" ‪ ،‬ليـس فقـط فـ تفاصـيل التطـبيق بـل حتـ فـ‬
‫العقيدة ‪ ،‬إل حدّ جعل التاريخ السلمي ـ و السيحي و اليهودي أيضا ـ سلسلة من التصفيات كان‬

‫‪184‬‬

‫الدّ ين دو ما ي ستخدم بذريعت ها ‪ ،‬و ال ق يقال فإن الشّي عة و الت صوفون في ما ب عد سقطوا ضحا يا شعار‬
‫"حاية بيضة السلم"!! بالتّال كان على ال سّيّد الصدر التّنبه لذه القيقة التاريية الّت تثّل من تكرارها‬
‫"تربة" ملموسة كان من الفروض الستفادة منها!‪.‬‬
‫إن القضيّة الدّينية ‪ ،‬كالعودة إل الياة بعد الوت ‪ ،‬ل يكن إثباتا عب النطق الفلسفي التجريب و الوضعي‬
‫‪ ،‬و لكن لو أقمنا تعدادا ف أي مكان من العال لوجدنا أ نّ الكثريّة هي مؤمنة دوما بالياة الخرة! لكن‬
‫مع ذلك ند أنم لن يتفقوا على نوعيّة و تفاصيل هذه الياة ‪ ،‬بل حت داخل الدّين الواحد ـ السلم‬
‫سنّة يؤمنون بعذاب ال قب و لدي هم تفا صيل "مرع بة" بذا‬
‫مثل ـ ستجد فر قا جوهريّا ‪ ،‬فمثل ن د أ ّن ال ّ‬
‫الشأن ‪ ،‬بين ما يع تب الشّي عة و العتزلة أن هذا هو عذاب رو حي ل يت مل كل هذه التفا صيل ‪ ،‬و كذلك‬
‫المر ف وصف الياة الخرة ‪ ،‬فبينما يفرط السّنيّون ف اللذات النسيّة للخرة!! ند أ نّ السيحيي و‬
‫السـلمي الشّيعـة يضيفون قائليـ أن لذات الياة الخرة ليسـت مـن الصـّنف الدّنيوي ‪ ،‬أمـا الوسـويّون‬
‫"اليهود" فيلتزمون الصمت بذا الشأن‪.‬‬
‫إذا فإن القضيّة الدّينيّة مدودة بدود الرّوح و ل يس ف إمكان الل غة و هي نتاج و ضع مادّي ملموس ‪،‬‬
‫ليس ف إمكان هذه اللغة أن توصل إلينا التجربة الرّوحيّة دون أن تكون هناك أفهام متعددة و حت متلفة‬
‫تاه القضيّة الدّينيّة ‪ ،‬و ما حصل للمسلمي مع القرآن و لليهود مع التوراة و السفار و للمسيحيي مع‬
‫العهد الديد هو خي دليل على أ نّ الفهام و الذواق تتلف ف إستيعاب النص الواحد مع ملحظة أن‬
‫حدود الختلف تزداد كُلّما تو سّعت مساحة النصوص ‪ ،‬و أود أن أضيف ملحظة سريعة ها هنا حول‬
‫اختلف الف هم ال سّنّي الشّي عي للن صّ القدّس ‪ ،‬فال سّنّة لدي هم تو سّع أُف قي ف ف هم ال نص ‪ ،‬و هذا الف هم‬
‫الُفقي متوقف على عصرٍ بعينه ‪ ،‬بعن أنّه فهم مقصور على القرني السادس و السابع اليلديي ‪ ،‬الول‬
‫و الثّان الجريي ‪ ،‬بزيد من التوضيح نقول أنه توسع أفقي غي مفيد لنّه يوسع نظرتنا إل الفهم الفقهي‬
‫الدّين مق صورا على ذلك العصر أي قبل ‪ 14‬قرنا مضت ‪ ،‬أما الفهم الشّيعي العــامودي فهو فهم‬
‫ضيق من ح يث امتداده العامودي لك نه واسع من ح يث أنه يتدّ إل ثلث قرون لحقة مع ملح ظة أن‬
‫العامود الشّي عي الساعيلي يتد إل الاضر ‪ ،‬كما أن تضي يق التقديس ف الئمة الثن عشر أفضل من‬
‫تقديس عصور تاريية بأكملها‪.‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful