‫تفسير الشعراوي‬

‫ضلّ اللّ ُه َومَنْ ُيضِْللِ‬
‫سهُمْ ِبمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ َتهْدُوا مَنْ َأ َ‬
‫ن وَاللّهُ أَ ْركَ َ‬
‫َفمَا َلكُمْ فِي ا ْلمُنَا ِفقِينَ فِئَتَيْ ِ‬
‫جدَ لَهُ سَبِيلًا (‪)88‬‬
‫اللّهُ فَلَنْ تَ ِ‬

‫كل جملة سبقتها " فاء " فمن اللزم أن يكون هناك سبب ومسبب‪ ،‬علة ومعلول‪ ،‬مقدمة ونتيجة‪،‬‬
‫وكل الشياء التي تكلم الحق عنها سبحانه وتعالى فيما يتعلق بمشروعية القتال للمؤمنين ليحملوا‬
‫المنهج إلى الناس‪ ،‬ويكون الناس ‪ -‬بعد سماعهم المنهج ‪ -‬أحرارا فيما يختارون‪ .‬إذن فالقتال لم‬
‫يشرع لفرض منهج‪ ،‬إنما شُرع ليفرض حرية اختيار المنهج‪ ،‬بدليل قول الحق‪ {:‬لَ ِإكْرَاهَ فِي الدّينِ‬
‫قَد تّبَيّنَ الرّشْدُ مِنَ ا ْل َغيّ }[البقرة‪.]256 :‬‬
‫وعلى ذلك فالسلم ل يفرض الدين‪ ،‬ولكنه جاء ليفرض حرية الختيار في الدين‪ ،‬فال ُقوَى التي‬
‫تعوق اختيار الفرد لدينه‪ ،‬يقف السلم أمامها لترفع تسلطها عن الذين تبسط سلطانها عليهم ثم‬
‫يترك الناس أحرارا يعتنقون ما يشاءون‪ ،‬بدليل أن البلد التي فتحها السلم بالسيف‪ ،‬ظل فيها‬
‫بعض القوم على دياناتهم‪ .‬فلو أن القتال شُرع لفرض دين لما وجدنا في بلد مفتوح بالسيف واحدا‬
‫على غير دين السلم‪.‬‬
‫وبعد أن تكلم الحق عن القتال في مواقع متعددة من سورة النساء‪ ،‬وقال للنبي صلى ال عليه‬
‫عسَى اللّهُ أَن َي ُكفّ بَأْسَ الّذِينَ‬
‫سكَ وَحَ ّرضِ ا ْل ُم ْؤمِنِينَ َ‬
‫وسلم‪َ {:‬فقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لَ ُتكَّلفُ ِإلّ َنفْ َ‬
‫َكفَرُو ْا وَاللّهُ َأشَدّ بَأْسا وَأَشَدّ تَنكِيلً }[النساء‪.]84 :‬‬
‫شرع الحق سبحانه وتعالى قضية استفهامية هنا‪ ،‬فيها معنى النكار وفيها معنى التوبيخ وذلك‬
‫شائع في كل الساليب التي تتفق معها في القرآن الكريم‪ .‬فإذا سمعت كلمة " فمالك ل تفعل كذا " ‪،‬‬
‫فكأن قياس العقل يقتضي أن تفعل‪ ،‬والعجيب أل تفعل‪ .‬ول يمكن أن يأتي هذا السلوب إل إذا كان‬
‫يستنكر أنك فعلت شيئا كان ينبغي أل تفعله أو أنك تركت شيئا كان عليك أن تأتي به‪.‬‬
‫فالب يقول للبن مثلً‪ " :‬مالك ل تذاكر وقد قرب المتحان؟ " كأن منطق العقل يفرض على‬
‫البن إن كان قد أهمل فيما مضى من العام‪ ،‬فما كان يصح للبن أن يهمل قبل المتحان‪ ،‬وهذا‬
‫أمر بدهي بالقياس العقلي‪ ،‬فكأن التشريع والقرآن يخاطبان المؤمنين أل يقبلوا على أي فعل إل بعد‬
‫ترجيح الختيار فيه بالحجة القائمة عليه‪ ،‬فل يصح أن يقدم المؤمن على أي عمل بدون تفكير‪،‬‬
‫ول يصح أن يترك المؤمن أي عمل دون أن يعرف لماذا لم يعمله‪ ،‬فكأن أسلوب " فما لكم " ‪ ،‬و "‬
‫سفَ }[يوسف‪.]11 :‬‬
‫ك لَ تَ ْأمَنّا عَلَىا يُو ُ‬
‫فما لك " مثل قول أولد سيدنا يعقوب‪ {:‬مَا َل َ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ما معنى قولهم هذا؟ معناه‪ :‬أي حجة لك يا أبانا في أن تحرمنا من أن نكون مؤتمنين على يوسف‬
‫نستصحبه في خروجنا‪ .‬فكأن القياس عندهم أنهم إخوة‪ ،‬وأنهم عصبة‪ ،‬ول يصح أن يخاف أبوهم‬
‫على يوسف ل منهم ول من شيء آخر يهدد يوسف؛ لنهم جماعة كثيرة قوية‪.‬‬
‫وكذلك قول الحق‪َ {:‬فمَا َلهُ ْم لَ ُي ْؤمِنُونَ }[النشقاق‪.]20 :‬‬
‫حمُرٌ‬
‫أي أن القياس يقتضي أن يؤمنوا‪ .‬وقوله الحق‪َ {:‬فمَا َلهُمْ عَنِ التّ ْذكِ َرةِ ُمعْ ِرضِينَ * كَأَ ّنهُمْ ُ‬
‫سوَ َرةٍ }[المدثر‪.]51-49 :‬‬
‫مّسْتَنفِ َرةٌ * فَ ّرتْ مِن َق ْ‬
‫كان القياس أل يعرضوا عن التذكرة‪ ،‬إذن فأسلوب " فماله " ‪ ،‬و " فمالك " و " فمالهم " ‪ ،‬و "‬
‫فمالكم " كله يدل على أن عمل المؤمن يجب أن يُستقبل أولً بترجيح ما يصنع أو بترجيح ما ل‬
‫يصنع‪ .‬أما أن يفعل الفعال جزافا بدون تفكير في حيثيات فعلها‪ ،‬أو في حيثيات عدم فعلها فهذا‬
‫ليس عمل العاقلين‪.‬‬
‫إذن فعمل العاقل أنه قبل أن يُقبل على الفعل ينظر البديلت التي يختار منها الفعل؛ فالتلميذ إن‬
‫كان أمامه اللعب وأمامه الستذكار‪ ،‬ويعرف أنه بعد اللعب إلى رسوب‪ ،‬وبعد الرسوب إلى‬
‫مستقبل غير كريم‪ ،‬فإذا اختار الجتهاد فهو يعرف أن بعد الجتهاد نجاح‪ ،‬وبعد النجاح مستقبل‬
‫كريم‪ .‬فواجب التلميذ ‪ -‬إذن ‪ -‬أن يبذل قدرا من الجهد ليتفوق‪ .‬وكل عمل من العمال يجب أن‬
‫يقارنه النسان بالنتيجة التي يأتي بها وبترجيح الفعل الذي له فائدة على الفعال التي ل تحقق‬
‫الهدف المرجو‪.‬‬
‫والية هنا تقول‪َ } :‬فمَا َل ُكمْ فِي ا ْلمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ { كأن القياس يقتضي أل نكون في نظرتنا إلى‬
‫المنافقين فئتين‪ ،‬بل يجب أن نكون فئة واحدة‪ .‬وكلمة " فئة " تعني جماعة‪ ،‬والجماعة تعني أفرادا‬
‫قد انضم بعضهم إلى بعض على رغم اختلف الهواء بين هؤلء الفراد وعلى رغم اختلف‬
‫الراء‪ ،‬إل أنهم في اليمان يجمعهم هوى واحد‪ ،‬هو هوى الدين‪ ،‬ولذلك قال الرسول‪:‬‬
‫" ل يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به "‪.‬‬
‫فالمسبب للختلف هو أن كل واحد له هوى مختلف ول يجمعهم هوى الدين والعتصام بحبل ال‬
‫المتين‪ .‬وما حكاية المنافقين وكيف انقسم المؤمنون في شأنهم ليكونوا فئتين؟‬
‫والفئة ‪ -‬كما عرفنا ‪ -‬هي الجماعة‪ ،‬ولكن ليس مطلق جماعة‪ ،‬فل نقول عن جماعة يسيرون في‬
‫الطريق ل يجمعهم هدف ول غاية‪ :‬إنهم فئة؛ فالفئة أو الطائفة هم جماعة من البشر تجتمع لهدف؛‬
‫لن معنى " فئة " أنه يرجع ويفيء بعضهم إلى بعض في المر الواحد الذي يجمعهم‪ ،‬وكذلك‬
‫معنى " الطائفة " فهم يطوفون حول شيء واحد‪ .‬والحق يقول‪َ } :‬فمَا َلكُمْ فِي ا ْلمُنَا ِفقِينَ فِئَتَيْنِ {‪ .‬هذا‬
‫لفت وتنبيه من الحق بأن ننزه عقولنا أن نكون في المر الواحد منقسمين إلى رأيين‪ ،‬وخصوصا‬
‫إذا ما كنا مجتمعين على إيمان بإله واحد ومنهج واحد‪ .‬والمنافقون ‪ -‬كما نعرف ‪ -‬هم الذين‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يظهرون اليمان ويبطنون الكفر‪.‬‬
‫إننا نعرف أن كل المعنويات يؤخذ لها أسماء من الحسيات؛ لن الدراك الحسي هو أول وسيلة‬
‫لدراك القلب‪ ،‬وبعد ذلك تأتي المعاني‪.‬‬
‫وعندما نأتي لكلمة " منافقين " نجد أنها مأخوذة من أمر حسي كان يشهده العرب في بيئتهم‪ ،‬حيث‬
‫يعيش حيوان اسمه " اليربوع " مثله مثل الفأر والضب‪ .‬واليربوع مشهور بالمكر والخداع‪ ،‬ولكي‬
‫يأمن الحيوانات التي تهاجمه فإنه يبني لنفسه جحرين‪ ،‬أو جحورا متعددة‪ ،‬ويفر من الحيوان‬
‫المهاجم إلى جحر ما‪ ،‬ويحاول الحيوان المهاجم أن ينتظره عند فوهة هذا الجحر‪ ،‬فيتركه اليربوع‬
‫إلى فتحة أخرى‪ ،‬كأن اليربوع قد خطط وأعد لنفسه منافذ حتى يخادع‪ ،‬فهو يصنع فوهة يدخل‬
‫فيها في الجحر‪ ،‬وفوهة ثانية وثالثة‪ ،‬وذلك حتى يخرج من أي فتحة منها‪ ،‬وكذلك المنافق‪.‬‬
‫ونعرف أن المسائل اليمانية أو العقدية على ثلثة أشكال‪ :‬فهناك المؤمن وهو الذي يقول بلسانه‬
‫ويعتقد بقلبه وهو يحيا بملكات منسجمة تماما‪ .‬وهناك الكافر وهو الذي ل يعتقد ول يدين بالسلم‬
‫ول يقول لسانه غير ما يعتقد‪ ،‬وملكاته منسجمة أيضا‪ ،‬وإن كان ينتظره جزاء كفره في الخرة؛‬
‫فملكاته منسجمة ‪ -‬لكن ‪ -‬إلى غاية ضارة‪ ،‬وهي غاية الكفر‪ .‬أما " المنافق " فهو الذي يعتقد الكفر‬
‫وينعقد عليه قلبه لكن لسانه يقول عكس ذلك‪ ،‬وملكاته غير منسجمة؛ فلسانه قد قال عكس ما في‬
‫قلبه؛ لذلك يحيا موزعا وقلقا‪ ،‬يريد أن يأخذ خير اليمان وخير الكفر‪ ،‬هذا هو المنافق‪.‬‬
‫وهناك جماعة ‪ -‬في تاريخ السلم ‪ -‬حينما رأوا انتصار المسلمين في غزوة بدر‪ ،‬قالوا لنفسهم‪:‬‬
‫" الريح في جانب المسلمين‪ ،‬ول نأمن أنهم بعد انتصار بدر وقتل صناديد قريش وحصولهم على‬
‫كل هذه الغنائم أن يأتوا إلينا " ‪ ،‬هذه الجماعة حاولت النفاق وادعت السلم وهم بمكة‪ ،‬حتى إذا‬
‫دخل المسلمون مكة يكونون قد حصنوا أنفسهم‪ .‬أو هم جماعة ذهبوا إلى المدينة مهاجرين‪ ،‬ولم‬
‫يصبروا على مرارة الهجرة والحياة بعيدا عن الوطن والهل والمال‪ ،‬فكروا في هذه المور‪،‬‬
‫وأرادوا العودة عن الدين والرجوع إلى مكة‪ ،‬وقالوا للمؤمنين في المدينة‪ " :‬نحن لنا أموال في مكة‬
‫وسنذهب لستردادها ونعود "‪.‬‬
‫وبلغ المسلمون الخبر وانقسم المسلمون إلى قسمين‪ :‬قسم يقول‪ :‬نقاتلهم‪ ،‬وقسم يقول‪ :‬ل نقاتلهم‪.‬‬
‫الذين يقولون‪ " :‬نقاتلهم " دفعهم إلى ذلك حمية اليمان‪ .‬والذين يقولون‪ " :‬ل نقاتلهم " قالوا‪ :‬هذه‬
‫الجماعة أظهرت اليمان‪ ،‬ولم نشق عن قلوبهم‪ ،‬وربما قالوا ذلك عطفا عليهم لصلت أو أواصر‪.‬‬
‫فجاء القرآن ليحسم مسألة انقسام المسلمين إلى قسمين‪ ،‬ويحسم أمر الختلف‪.‬‬
‫وعندما يأتي القرآن ليحسم فهذا معناه أن رب القرآن صنع جمهور اليمان على عينه‪ ،‬وساعة‬
‫يرى أي خلل فيهم فسبحانه يحسم المسألة‪ ،‬فقال‪َ } :‬فمَا َلكُمْ فِي ا ْلمُنَا ِفقِينَ فِئَتَيْنِ {‪.‬‬
‫والخطاب موجه للجماعة المسلمة‪ ،‬فقوله‪ " :‬فمالكم " يعني أنهم متوحدون على هدف واحد‪ ،‬وقوله‪:‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫" فئتين " تفيد أنهم مختلفون‪.‬‬
‫إذن فـ " فئتين " تناقض الخطاب الذي بدأه الحق بـ " فمالكم " ‪ ،‬كأن المطلوب من المتلقي‬
‫للقرآن أن يقدر المعنى كالتي‪ :‬فما لكم افترقتم في المنافقين إلى فئتين؟ إذن فهذا أسلوب توبيخي‬
‫وتهديدي ول يصح أن يحدث مثل هذا المر‪ ،‬فهل ينصب هذا الكلم على كل المخاطبين؟ ننظر‪،‬‬
‫هل القرآن مع من قال‪ " :‬نقتل المنافقين " أو مع من قال بغير ذلك؟ فإن كان مع الفئة الولى فهو‬
‫ل يؤنب هذه الفئة بل يكرمها‪ ،‬إن القرآن مع هذه الفئة التي تدعو إلى قتال المنافقين وليس مع‬
‫الفئة الثانية؛ لذلك فهو يؤنبها‪ ،‬ويوبخها‪ .‬والسلوب حين يكون توبيخا لمن يرى رأيا‪ ،‬فهو تكريم‬
‫لمن يرى الرأي المقابل‪ ،‬ويكون صاحب الرأي المكرم غير داخل في التوبيخ‪ ،‬لنّ الحق أعطاه‬
‫الحيثية التي ترفع رأسه‪.‬‬
‫والحق يقول‪َ } :‬فمَا َلكُمْ فِي ا ْلمُنَا ِفقِينَ { أي إن الحق يقول‪ :‬أي حجة لكم في أن تفترقوا في أمر‬
‫المنافقين إلى فئتين‪ ،‬والقياس يقتضي أن تدرسوا المسألة دراسة عقلية‪ ،‬دراسة إيمانية لتنتهوا إلى‬
‫أنه يجب أن تكونوا على رأي واحد‪ ،‬ومعنى النكار هو‪ :‬ل حجة لكم أيها المؤمنون في أن‬
‫تنقسموا إلى فئتين‪.‬‬
‫سهُمْ ِبمَا كَسَبُواْ { وساعة تسمع كلمة " أركسهم " ماذا نستفيد منها حتى‬
‫ويقول الحق‪ } :‬وَاللّهُ أَ ْركَ َ‬
‫ولو لم نعرف معنى الكلمة؟ نستفيد أن الحق قد وضعهم في منزلة غير لئقة‪ .‬ونشعر أن السلوب‬
‫دل على نكسهم وجعل مقدمهم مؤخرهم أي أنهم انقلبوا حتى ولو لم نفهم المادة المأخوذة منها‬
‫الكلمة‪ ،‬وهذا من إيحاءات السلوب القرآني‪ ،‬إيحاءات اللفظ‪ ،‬وانسجامات حروفه‪.‬‬
‫سهُمْ { مأخوذة من " ركسهم " ومعناها " ردهم "‪ .‬كأنهم كانوا‬
‫سهُمْ ِبمَا َكسَبُواْ { و } أَ ْركَ َ‬
‫} وَاللّهُ أَ ْركَ َ‬
‫على شيء ثم تركوه ثم ردهم ال إلى الشيء الول‪ ،‬وهم كانوا كفارا أولً‪ ،‬ثم آمنوا‪ ،‬ثم أركسهم‪،‬‬
‫لكن هل ال أركسهم تعنتا عليهم أو قهرا؟ ل؛ فهذا حدث } ِبمَا َكسَبُواْ { ‪ ،‬وذلك حتى ل يدخل أحد‬
‫بنا في متاهة السؤال ولماذا يعاقبهم ال ويوبخهم ما دام هو سبحانه الذي فعل فيهم هذا؛ لذلك قال‬
‫س ُهمْ { مادته مأخوذة من شيء اسمه " الركس " ‪-‬‬
‫سهُمْ ِبمَا كَسَبُواْ {‪ .‬و } أَ ْركَ َ‬
‫لنا الحق‪ :‬إنه } أَ ْر َك َ‬
‫بفتح الراء ‪ -‬وهو رد الشيء مقلوبا ومنه " الرّكس " بكسر الراء وهو الرجيع الذي يرجع من‬
‫معدة النسان قبل أن يتمثل الطعام‪ .‬مثلما نقول‪ " :‬إن فلنا غمت نفسه عليه " أو " فلن يرجع ما‬
‫في بطنه "‪.‬‬
‫وعندما ننظر إلى هذه العملية نجد أن الطعام الذي يشتهيه النسان ويحبه ويقبل عليه ويأكله بلذة‪،‬‬
‫وتنظر عيونه إليه باشتهاء‪ ،‬ويده تقطع الطعام بلذة ويمضغ الطعام بلذة‪ ،‬هذا الطعام بمجرد مضغة‬
‫مع بعضه ينزل في المعدة وتضاف إليه العصارات المهضمه‪ ،‬فإذا رجع فإنه في هذه الحالة يكون‬
‫غير مقبول الرائحة‪ ،‬بل إن النسان لو هضم الطعام وأخذ منه المفيد وأخرج البافي بعد ذلك‪،‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فرائحة الفضلت الطبيعية ليست أسوأ من رائحة الطعام لو رجع بدون تمثيل‪.‬‬
‫فلو رأيت إنسانا يقضي حاجة وآخر يتقيأ الطعام‪ ،‬فالنفس تتقزز من الذي يتقيأ أكثر مما تتقزز من‬
‫الذي يقضي حاجته؛ لن " الترجيع " يخرج طعاما خرج من شهوة المضغ والستمتاع‪ .‬ولم يصل‬
‫إلى مسألة التمثيل‪.‬‬
‫ولذلك نسمع المثل " كل ما فات اللسان صار نتان "‪ .‬و " الرّكس " هو الرجيع الذي يرجعه‬
‫النسان بعد الطعام قبل أن يتمثله‪ .‬فالطعام بعد أن يتمثل ويخرج من المكان المخصص له يصبح‬
‫سهُمْ { أي‬
‫روثا‪ ،‬وغائطا وبرازا‪ .‬والحق سبحانه وتعالى قد جاء بالكلمة التي تصفهم‪ } :‬وَاللّهُ أَ ْركَ َ‬
‫أنهم ارتدوا من قبل أن ينتفعوا بأي شيء من اليمان‪.‬‬
‫هذا هو التعبير القرآني الذي جاء بالعبارة التي تؤدي هذا المعنى‪ ،‬وتؤدي إلى نفرتنا منهم‪ ،‬فيكون‬
‫الركاس هو الرد‪ ،‬وهل هو مطلق الرد‪ ،‬أو رد له كيفية؟ هو رد بإهانة أيضا‪ ،‬كيف؟ لن الشيء‬
‫إن كان قوامه أن يقف رأسيا‪ ،‬يكون الركس أن تجعل رأسه في مكان قدمه وقدمه في مكان رأسه‪.‬‬
‫وعلى ذلك فالرد ليس ردا عاديا بل إنّه رد جعل المردود هُزُوا‪ .‬وإن كانت استقامة المر على‬
‫المتداد الطولي‪ ،‬يكون الركس بأن تأتي بما في الخلف إلى المام‪ ،‬وبما في المام إلى الخلف‪،‬‬
‫فتقلب له كيانه‪ ،‬وتعكس حاله‪.‬‬
‫سهِمْ }[النبياء‪.]65 :‬‬
‫علَىا رُءُو ِ‬
‫والقرآن يصف الكافرين والمنافقين‪ {:‬ثُمّ ُن ِكسُواْ َ‬
‫لماذا‪ ،‬لن الرأس مبنيٌ على القامة والهامة والرتفاع‪ .‬هذا الرأس يُجْعلُ مكان القدم‪ ،‬والقدم يكون‬
‫سهُمْ { أي لم يردهم مطلق الرد‪ ،‬بل ردّهم ردا مهينا‪ ،‬ردّا‬
‫محل الرأس‪ .‬إذن فقوله‪ } :‬وَاللّهُ أَ ْركَ َ‬
‫يقلب أوضاعهم‪.‬‬
‫سهُمْ ِبمَا َكسَبُواْ { إذن فل يقولن أحد‪ :‬ما دام ال قد أركسهم فما ذنبهم؟ إن ال قد‬
‫} وَاللّهُ أَ ْركَ َ‬
‫أركسهم } ِبمَا كَسَبُواْ { ‪ ،‬فهم كانوا فاعلين ل منفعلين‪.‬‬
‫وإليكم هذا المثل ‪ -‬ول المثل العلى ‪ -‬حين تضع المدرسة أو الجامعة درجات للنجاح في كل‬
‫مادة‪ .‬تجد مادة يجب أن يحصل الطالب فيها على نسبة ستين في المائة‪ .‬وأخرى على سبعين في‬
‫المائة‪ ،‬ويدخل التلميذ المتحان‪ ،‬وعندما يرسب أحدهم ل يقال‪ :‬إن المدرسة قد جعلته يرسب‪،‬‬
‫صحيح هي أرسبته ولكن وفق القوانين التي وضعتها المدرسة أو الجامعة من قبل أن يدخل التلميذ‬
‫المتحان‪ ،‬ولنه لم يبذل الجهد الكافي للنجاح‪ ،‬فقد أرسب نفسه‪.‬‬
‫إذن‪ ،‬فال لم يأت بالرّكس ورماه عليهم‪ .‬بل هم الذين كسبوا كسبا جعل قضية السنة الكونية هي‬
‫التي تؤدي بهم إلى الركس‪ ،‬مثلهم مثل التلميذ الذي لم يستذكر فلم يُجب في المتحان‪ ،‬فل يقال عن‬
‫هذا التلميذ‪ :‬إن المدرسة أرسبته‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ولكنه هو الذي أرسب نفسه‪.‬‬
‫ولذلك عندما يقال‪ :‬ال هو الذي أضلهم‪ ،‬فما ذنبهم؟ هذه هي القضية التي يقول بها المسرفون على‬
‫س ُهمْ ِبمَا كَسَبُواْ { وكذلك أضل ال الضالين بفعلهم‪،‬‬
‫أنفسهم‪ .‬ولهؤلء نقول هذه الية‪ } :‬وَاللّهُ أَ ْركَ َ‬
‫كيف؟‪.‬‬
‫نحن عرفنا أن الهداية تأتي بمعنيين‪ ،‬هداية الدللة وهداية المعونة‪ ،‬ويأتي المسرفون على أنفسهم‬
‫الذين يودون أن تكون قضية الدين كاذبة ‪ -‬والعياذ بال ‪ -‬لن قضية الدين عندما تكون صدقا فإن‬
‫الذين أسرفوا على أنفسهم يتيقنون أنهم ذاهبون إلى داهية وأمر منكر شاق عليهم؛ لذلك نجد الواحد‬
‫منهم يتمحك في محاولة عدم التصديق‪ ،‬والدخول إلى متاهات يصنعها الفهم السطحي للدين‪ .‬ولذلك‬
‫نجد المناقشات التي يناقشونها تدل على أنها مناقشات المسرف على نفسه‪ ،‬فيقول الواحد منهم‪ :‬ما‬
‫دام ال هو الذي كتب عليّ كل شيء فلماذا يعذبني وهو الذي كتب عليّ المعاصي؟‬
‫نقول له‪ :‬ولماذا آمنت في هذا الموقف بالذات أن ال هو الذي كتب؟ وما دمت قد آمنت بأن ال‬
‫هو الذي كتب فلماذا ل تؤمن به وترتضي أحكام منهجه؟‪ .‬ولكن الواحد منهم يحاول أن يقف وقفة‬
‫ليست عقلية‪ ،‬فالوقفة العقلية الصحيحة تقتضي أن تأتي بالقضية المقابلة وهي أن ال إذا كان قد‬
‫كتب على العبد الطاعة فلماذا يثيبه؟‪ .‬لماذا تناسي قضية الطاعة والثواب عليها؟؛ لنه يعرف أنها‬
‫القضية التي تجلب الخير‪ ،‬ووقف في القضية المقابلة التي تأتي بالشرّ‪ ،‬ول يقول هذا القول إل‬
‫مسرف على نفسه‪ .‬ول نرى ملتزما بمنهج اليمان يقول مثل هذه القضية‪ ،‬فالمؤمن يحب أن تسير‬
‫المور على ضوء منهج ال‪ ،‬ولذلك أنا إلى الن ‪ -‬وليسامِحْني ال وليغفر لي ‪ -‬أتعجب من أن‬
‫العلماء الذين سبقونا جعلوا من هذه المسألة محل خلف‪ .‬وقالوا‪ :‬معتزلة وأهل سنة (!!)‪.‬‬
‫المسألة كلها يجب أن تفهم على أساس أن السلم دين فطرة؛ ولم يأت للفلسفة فقط‪ ،‬إنّه جاء‬
‫للعقل الفطري‪ ،‬ورَاعى الشاة في السلم كالفيلسوف‪ ،‬ومن يكنس الشارع أو يمسح الحذية مساوٍ‬
‫لمن درس الفلسفة أو الحقوق؛ لن اليمان لم يأت لطائفة خاصة‪ ،‬ولكن المنهج قد جاء للجميع‪،‬‬
‫ول بد أن تكون أدلته واضحة للجميع‪ ،‬فعندما يقال لنا‪ :‬إن ال يعلم كل شيء فيك‪ ،‬ل يدخل معك‬
‫في متاهة‪ ،‬هو ‪ -‬سبحانه ‪ -‬يقول لك‪َ {:‬ألَ َيعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَ ُهوَ اللّطِيفُ ا ْلخَبِيرُ }[الملك‪.]14 :‬‬
‫فالذي صنع الكرسي ‪ -‬ول المثل العلى ‪ -‬أل يعرف أن الكرسي مصنوع من الخشب‪ ،‬ونوع‬
‫الخشب " زان " أو " أرو " أو " مجنة " ‪ ،‬وأن المسمار الذي يربط الجزء بالجزء إما مسمار‬
‫صلب وإما من معدن آخر‪ ،‬وكذلك يعلم صانع الكرسي أي صنف من الغراء استعمل في لصق‬
‫أجزاء الكرسي‪ ،‬وكذلك مواد الدهان التي تم دهن الكرسي بها‪.‬‬
‫ق وَ ُهوَ اللّطِيفُ ا ْلخَبِيرُ { ل يحتاج إلى جدال ولذلك نجد النّجار‬
‫إذن فقول الحق‪َ } :‬ألَ َيعْلَمُ مَنْ خََل َ‬
‫الذي يرغب أن تكون صنعته مكشوفة واضحة يقول للمشتري‪:‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫سوف أصنع الكرسي من خشب الزان وعليك أن تمر يوميا لترى مراحل فعله‪.‬‬
‫ويبدأ صناعة الكرسي مرحلة مرحلة تحت إشراف الزّبون‪ .‬وكذلك يعرف البدوي كيف يتكون‬
‫الرحل‪ .‬وهو ما يوضع على ظهر البعير للركوب‪ ،‬العربي يعرف كيف يتكون الفسطاط وهو بيت‬
‫شعْرِ‪ .‬وقد جاء سبحانه بما يدحض أي جدل‪ ،‬وبدون الدخول في أية مهاترات أو‬
‫يتخذ من ال ّ‬
‫مناقشات لها مقدمات ونتائج ومقدم وتال‪ .‬جاء الحق بهذا القول الفصل‪َ {:‬ألَ َيعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَ ُهوَ‬
‫اللّطِيفُ ا ْلخَبِيرُ }[الملك‪.]14 :‬‬
‫هو يعلم وهذا أمر سهل عليه‪ ،‬ولذلك أتعجب كيف أدخل هؤلء العلماء هذه المسألة في متاهة‬
‫فلسفية‪ ،‬فالسلم دين الفطرة‪.‬‬
‫ولذلك نجد العلماء الذين ناقشوا هذه المسألة ‪ -‬جزاهم ال خيرا ‪ -‬جاءوا في آخر مطافهم‪،‬‬
‫وقالوا‪:‬نهاية إقدام العقول عِقال وأكثر سعي العالمين ضللولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى‬
‫أن جمعنا فيه قِيلَ وقالواوأنا أريد أن أعرف ماذا قدمت الفلسفة النظرية للدنيا من خير؟‪ .‬لقد‬
‫انفصلت عنها الفسلفة المادية ودخلت المعمل وأخرجوا لنا البتكارات التي انتفع بها الخلق‪ ،‬فماذا‬
‫فعلت الفلسفة النظرية؟‪ .‬ل شيء‪ .‬ونقول‪ :‬جاء السلم بالعقيدة الفطرية‪ ،‬ومعنى العقيدة الفطرية أن‬
‫الناس فيها سواء‪ ،‬فالدلة العقلية تقتضي الوضوح لمن َتعَلّم ولمن لم يتعلم‪.‬‬
‫والفلسفة هم الذين قالوا‪ :‬بأدلة الغاية وأدلة العناية وأدلة القصد‪ .‬لكن البدوي الذي سار في‬
‫الصحراء وجد بعر البعير ووجد الرمل وعليه أثر قدم‪ ،‬فقال‪ :‬إذا كانت البعرة تدل على البعير‬
‫والقدم تدل على المسير أفل يدل كل ذلك على اللطيف الخبير؟‪ .‬هو لم يدخل في فلسفة أو متاهة‬
‫مثلما دخل الفلسفة مع بعضهم في متاهات عقلية وحلها البدوي في جملة واحدة‪ .‬وكذلك نجد‬
‫واحدا من الناس يسأل واحدا من أهل الشراق‪ :‬أل تشتاق إلى ال؟‪ .‬فيقول له‪ :‬إنّما يُشتاق إلى‬
‫غائب‪ ،‬ومتى غاب ال حتى يشتاق إليه؟!‬
‫لذلك نقول لمن اختلفوا في أمر رد ال لهؤلء‪ :‬نريد أن نكرم عقولكم وننظر لماذا اختلفتم في هذه‬
‫سهُمْ ِبمَا كَسَبُواْ {‪.‬‬
‫الحكاية } أَ ْر َك َ‬
‫نقول مع حسن الظن بهم‪ ،‬إن كل واحد منهم تعصب لصفة من صفات الحق‪ ،‬فواحد منهم يقول‪} :‬‬
‫شيْءٍ { فنقول له‪ :‬أنت قد تعصبت لصفة القدرة وطلقتها في الحق‪.‬‬
‫اللّهُ خَاِلقُ ُكلّ َ‬
‫وجاء ثانٍ وقال‪ :‬ولكن ال عادل‪ .‬ول يمكن أن يخلق في الكافر كفره ثم يعذبه عليه‪ .‬إنّه متعصب‬
‫لصفة العدل‪ .‬وكل منهما ذاهب إلى صفة واحدة من صفات الحق‪ .‬وتناسي الثنان أن هذه الصفات‬
‫إنما هي لذاته ‪ -‬تعالى ‪ -‬فسبحانه قادر وعادل معا‪.‬‬
‫فل هذه تفلت منه ول تلك‪.‬‬
‫ونقول لمن يقول‪ :‬إنه ال خالق كل شيء وخالق كل فعل‪ .‬ما الفعل؟‪ .‬الفعل هو توجيه جارحة‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لحداث حدث‪ ،‬فالذي يمسح وجهه بيديه يوجه يديه لوجهه حتى يمسحه‪ ،‬وهذ الفعل ل يفعله‬
‫صاحب الفعل‪ ،‬ودليلنا على ذلك النسان اللي نضغط على أكثر من زر ليتحقق هذا الفعل‪ ،‬هذا‬
‫النسان اللي حتى يتحرك حركة واحدة ل بد من ضغط وتحريك عدد آخر من القوى‪ ،‬لكن‬
‫النسان حتى يمسح وجهه بيديه اكتفى بأنه بمجرد أن أراد مسح الوجه باليد مسح الوجه‪ .‬فهل‬
‫أمسك من يمسح وجهه بشيء وضغط عليه ليمسح وجهه؟‬
‫إنه بمجرد أن أراد فعَل‪ .‬وسائق جرافة التراب يحرك عددا من الذرع الحديدية حتى يحرك‬
‫الجرافة إلى أسفل‪ ،‬ثم حركة أخرى ليفتح كباشة التراب‪ ،‬وحركة تقبض أسنان الكباشة وحركة‬
‫أخرى ترفع التراب‪ ،‬كل ذلك من أجل أن يرفع التراب من مكان ما إلى مكان آخر‪ ،‬والواحد منا‬
‫بمجرد أن يريد أن يمسح وجهه فهو يمسح وجه ول يعرف أي عضلت تحركت‪ ،‬فمن الذي فعل‬
‫كل ذلك؟‪ .‬إنه ال‪.‬‬
‫فيا من تتعصب لصفة القدرة‪ .‬فال هو الذي فعل والعبد هو الذي وجه الطاقة التي تنفعل بال‪ .‬فإذا‬
‫كانت إلى غير مراد ال يصير العبد عاصيا‪ ،‬وإن وجهها إلى مراد ال فيكون طائعا‪ ،‬ويكون له‬
‫ل " فيكون قتيلً‪ ،‬ولكن القاتل‬
‫الكسب فقط‪ ،‬فالذي يقتل واحدا‪ ،‬هو لم يقتله؛ لنه لم يقل له‪ " :‬كن قتي ً‬
‫يأتي بسكين أو سيف أو مسدس ويرتكب فعل القتل‪ .‬فأداة القتل هي التي قامت بالفعل‪ ،‬والقاتل إنما‬
‫أخذ اللة الصالحة لفعل ما ولغيره‪ ،‬فوجهها لذلك الفعل‪ .‬فيا من تريد العدل‪ ،‬إن ال يعذب على‬
‫المعصية؛ لن النسان استعمل أداة مخلوقة للفعل ولعدمه‪ ،‬فجعلها تؤدي فعلً غير مرادٍ ل أي ل‬
‫يرضى عنه ال ول يحبه‪ ،‬ومع ذلك فال هو الفاعل لكل شيء‪.‬‬
‫سهُمْ ِبمَا‬
‫ن وَاللّهُ أَ ْركَ َ‬
‫ونعود إلى الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها‪َ } :‬فمَا َل ُكمْ فِي ا ْلمُنَافِقِينَ فِئَتَيْ ِ‬
‫كَسَبُواًْ { وما دام هو سبحانه الذي أركسهم بما كسبوا‪ ،‬وأنتم مؤمنون بال فل بد أن يكون الرأي‬
‫ضلّ اللّهُ {؟ وسبحانه ل يريد أن يقدم‬
‫فيهم واحدا؛ لذلك يتساءل الحق‪ } :‬أَتُرِيدُونَ أَن َت ْهدُواْ مَنْ َأ َ‬
‫لهم العذر‪ ،‬إنما يريد أن يظهر لهم هدايته سبحانه وهي هداية ل تتأتى لهم؛ لنه قد أضلهم فأنّى‬
‫لهم الهداية‪ .‬فلماذا يقف جانب من المؤمنين في صفهم؟‪.‬‬
‫لن ال حين يهدي فهو يهدي من يشاء ويضل من يشاء بوضع القوانين الموضحة للهداية أو‬
‫الضلل‪ .‬ونحن إن سمعنا " أن ال هدى " نفهمها على معنيين؛ المعنى الول أنه " دل " ‪ ،‬والمعنى‬
‫الثاني أنه " أعان ومكّن "‪.‬‬
‫فـ " هدى " تكون بمعنى " دل " ‪ ،‬وهدى تكون بمعنى " أعان "‪ .‬وسبق أن قلنا‪ :‬إذا كان هناك‬
‫إنسان يمشي في الطريق ويريد التجاه إلى السكندرية وهو ل يعرف الطريق الموصل‪ .‬فيسأل‬
‫شرطي المرور فيشير الشرطي‪ :‬هذا هو الطريق الموصل إلى السكندرية‪ .‬إنّ الشرطي هدى هذا‬
‫النسان ودله على الطريق‪ ،‬لكنه لم يحمل النسان على أن يسير في الطريق‪ ،‬فإذا ما صدّق‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫المسافر قول الشرطي وقال له‪ :‬إنني أشكرك وأكثر ال من خيرك والحمد ل أنني وجدتك‪ ،‬فلول‬
‫وجودك لتعبت‪ ،‬هنا يقول الشرطي‪ :‬أنت رجل طيب والطريق إلى السكندرية به " مطب "‬
‫وعقبه‪ ،‬سأركب معك حتى أدلك على مكان هذه العقبة‪ .‬وبذلك يتجاوز الشرطي مرحلة " الدللة "‬
‫إلى مرحلة " المعونة " وسبحانه أوضح‪ :‬سأهدي الناس جميعا وأرشدهم وأدلهم‪ ،‬فالذي يقبل على‬
‫اليمان بي سأعاونه على ذلك‪.‬‬
‫ولذلك يقول‪ {:‬وََأمّا َثمُودُ َفهَدَيْنَاهُمْ فَاسْ َتحَبّواْ ا ْل َعمَىا عَلَى ا ْلهُدَىا }[فصلت‪.]17 :‬‬
‫و " هديناهم " هنا بمعن " دللناهم " فقط‪ ،‬أما أن يسلكوا سبل الهداية أو ل فالمر متروك لهم‪.‬‬
‫والهداية ‪ -‬إذن ‪ -‬ترد بمعنى الدللة‪ ،‬وترد بمعنى العانة‪ .‬والحق يعين من؟‪ .‬يعين من آمن به‬
‫ولكن من يكفر به ل يعينه‪ {:‬وَاللّ ُه لَ َيهْدِي ا ْل َقوْمَ ا ْلكَافِرِينَ }[التوبة‪.]37 :‬‬
‫وكذلك‪ {:‬وَاللّ ُه لَ َيهْدِي ا ْلقَوْمَ ا ْلفَاسِقِينَ }[التوبة‪.]24 :‬‬
‫إذن فلله هدايتان‪ :‬هداية عم الناس بها جميعا وهي هداية الدللة‪ ،‬وأخرى خص بها من جاءه مؤمنا‬
‫به‪ ،‬وهي هداية " المعونة "‪ .‬ولذلك قال الحق للرسول صلى ال عليه وسلم‪ {:‬إِ ّنكَ لَ َت ْهدِي مَنْ‬
‫أَحْبَ ْبتَ }[القصص‪.]56 :‬‬
‫وهذا القول فيه نفي الهداية عن الرسول‪ ،‬وهو سبحانه القائل أيضا‪ {:‬وَإِ ّنكَ لَ َتهْدِي إِلَىا صِرَاطٍ‬
‫مّسْ َتقِيمٍ }[الشورى‪.]52 :‬‬
‫وليس من المعقول أن ينفي الحق الهداية عن الرسول ثم يثبتها له‪ .‬ونفهم من ذلك‪ :‬إنك يا رسول‬
‫ال تدل على الحق‪ ،‬ولكنك ل تعين عليه‪ .‬فال هدى الناس جميعا فدلهم على طريق الخير‪ .‬فمن‬
‫آمن به وأقبل عليه يسر له المر‪.‬‬
‫سهُمْ ِبمَا َكسَبُواْ أَتُرِيدُونَ أَن َتهْدُواْ مَنْ‬
‫وبذلك نكون قد عرفنا تماما معنى قوله الحق‪ } :‬وَاللّهُ أَ ْركَ َ‬
‫ضلّ اللّ ُه َومَن ُيضِْللِ اللّهُ فَلَن َتجِدَ لَهُ سَبِيلً {‪ .‬فالذي يضله ال هو من اكتسب ما يوجب أن يضله‬
‫َأ َ‬
‫فل تجد له سبيلً‪ .‬وكان من الممكن أن يقول ال‪ :‬أتريدون أن تهدوا من أضل ال ومن يضلل ال‬
‫فل تستطيعون أن تهدوه‪ ،‬ولكن البلغ هو ما يوضحه سبحانه لنا‪ :‬أنتم ل تستطيعون هداية هذا‬
‫المكتسب للضلل؛ ذلك أنه ل يوجد سبيل حتى تهدوه إليه‪ .‬فالسبيل هو الممتنع وليس الهداية فقط‪.‬‬
‫والسبيل هو الطريق الذي يعطيك حقا في الهداية‪ ،‬فإذا ما امتنع السبيل فماذا تفعل؟ ومن يضلل ال‬
‫فلن تجد له سبيلً في أن ينقض هذا القرار‪ ،‬أي ل حجة له على الطلق‪.‬‬
‫ولذلك أخذنا المعنيين هنا‪ ،‬فالذين ينافقون يظهرون اليمان مرة وينقلبون إلى الكفر مرة‪ ،‬هم‬
‫ينكرون اليمان بقلوبهم والذي يقولون بألسنتهم هو السلم‪ ،‬أمّا اليمان فلمّا يدخل في قلوبهم‪.‬‬
‫وما هو العز على النفس البشرية؟ مكنونات القلب أم مقولة اللسان؟‬
‫العز هو مكنونات القلب‪ .‬وما داموا هم ل يؤمنون بقلوبهم ويقولون فقط بألسنتهم‪ ،‬فالعقيدة داخلهم‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫معقودة على الكفر‪ ،‬وما دامت العقيدة معقودة على الكفر فهم ل يريدون أن يأتوا إلى صف‬
‫اليمان‪ ،‬ولكنهم يريدون جر المؤمنين إلى معسكر الكفر؛ لذلك يقول الحق بعد ذلك‪ } :‬وَدّواْ َلوْ‬
‫َت ْكفُرُونَ َكمَا َكفَرُواْ فَ َتكُونُونَ‪.{ ...‬‬

‫(‪)369 /‬‬
‫خذُوا مِ ْنهُمْ َأوْلِيَاءَ حَتّى ُيهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَإِنْ‬
‫سوَاءً فَلَا تَتّ ِ‬
‫وَدّوا َلوْ َتكْفُرُونَ َكمَا كَفَرُوا فَ َتكُونُونَ َ‬
‫جدْ ُتمُوهُ ْم وَلَا تَتّخِذُوا مِ ْنهُ ْم وَلِيّا وَلَا َنصِيرًا (‪)89‬‬
‫ث وَ َ‬
‫َتوَّلوْا َفخُذُو ُه ْم وَاقْتُلُوهُمْ حَ ْي ُ‬

‫و { وَدّواْ } ضميرها يعود على المنافقين الذين اختلف فيهم المسلمون إلى فئتين‪ ،‬وحكم ال في‬
‫صالح الفئة التي أرادت أن تقف منهم موقف القوة والبطش والجبروت‪ ،‬فقال سبحانه وتعالى تعليلً‬
‫لنفاقهم‪ { :‬وَدّواْ َلوْ َت ْكفُرُونَ َكمَا َكفَرُواْ } ثم إن تفاقهم معناه قلق يصيبهم من مستوى حالهم مع‬
‫مستقبل السلم أو حاضره؛ لنهم كافرون بقلوبهم‪ ،‬ولكنهم يخافون أن يظهر السلم فيعاملهم‬
‫معاملة الكافرين به‪ ،‬فيحاولون أن يظهروا أنهم مسلمون ليحتاطوا لنصرة السلم وذيوعه‪ ،‬فهم في‬
‫كرب وتعب‪ ،‬وهذا التعب يجعلهم يديرون كثيرا من الفكار في رءوسهم‪ :‬يقولون نعلن أمام‬
‫المسلمين أننا مسلمون‪ ،‬ونعلن أمام الكافرين أننا كافرون‪.‬‬
‫وما الذي ألجأهم إلى هذا الحال‪ ،‬وقد كانوا قديما على وتيرة واحدة‪ ،‬ألسنتهم مع قلوبهم قبل أن‬
‫يجيء السلم؟ إذن فالذي يعيدهم إلى حالة الستقرار النفسي وينزعهم من القلق والضطراب‬
‫والخوف على حاضرهم ومستقبلهم هو أن تنتهي قضية السلم‪ ،‬فل يكون هناك مسلمون‬
‫وكافرون ومنافقون‪ .‬بل يصير الكل كافرا‪.‬‬
‫{ وَدّواْ َلوْ َت ْكفُرُونَ َكمَا َكفَرُواْ } والودادة عمل القلب‪ ،‬وعمل القلب تخضع له جميع الجوارح إن‬
‫قدرت‪ ،‬فما داموا يودون أن يكون المسلمون كافرين‪ ،‬إذن سيقفون في سبيل انتصار المسلمين‪،‬‬
‫وسيضعون العقبات التي تحقق مطلوبات قلوبهم‪ .‬لذلك فاحذروهم‪ ،‬سأفضح لكم أمرهم لتكونوا‬
‫على بينة من كل تصرفاتهم وخائنات أعينهم وخائنات ألسنتهم‪.‬‬
‫{ وَدّواْ َلوْ َت ْكفُرُونَ } ونعرف أن كلمة " الكفر " تعني " الستر " ‪ ،‬فالفعل " كفر " معناه " ستر "‪.‬‬
‫ومن عظمة اليمان بالسلم وعظمة الحق في ذاته هو أنه ل يمكن أبدا أن يطمسه خصومه‪،‬‬
‫فاللفظ الذي جاء ليحدد المضاد ل هو عينه دليل على اليمان بال‪ .‬فعندما نقول‪ " :‬كفر بال " أي "‬
‫ستر وجوده " ‪ ،‬كأنه قبل أن يستر الوجود فالوجود موجود‪ ،‬ولذلك نجد أن لفظ " الكفر " نفسه‬
‫دليل على اليمان‪ ،‬فلفظ " الكفر " في ذاته تعني إيمانا موجودا يجاهد صاحبه نفسه أن يغطيه‬
‫ويستره‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫{ وَدّواْ َلوْ َت ْكفُرُونَ َكمَا َكفَرُواْ }‪ .‬وهذا القول جاء بعد أن قال الحق‪َ {:‬فمَا َلكُمْ فِي ا ْلمُنَا ِفقِينَ فِئَتَيْنِ }‬
‫[النساء‪.]88 :‬‬
‫ويدل على أنهم يوصفون مرة بالمنافقين ويوصفون مرة بالكافرين‪ .‬وسماهم ال في آية بـ "‬
‫المنافقين " ويصفهم الحق في هذه الية بأنهم كفروا { وَدّواْ َلوْ َت ْكفُرُونَ َكمَا َكفَرُواْ } والكفر الذي‬
‫يجيء وصفه هنا يدل على مكنون القلب‪ ،‬فالنفاق لم يعطهم إل ظاهريات السلم‪ ،‬لكن الباطنيات‬
‫لم يأخذوها‪ ،‬ولذلك سيكونون في الدرك السفل من النار في الخرة؛ وإن كانوا في الدنيا يعاملون‬
‫معاملة المسلمين احتراما لكلمة " ل إله إل ال محمد رسول ال "‪.‬‬
‫لكن ال يعاملهم في الخرة معاملة الكافرين‪ ،‬ويزيد عليها أنهم في الدرك السفل من النار‪.‬‬
‫إذن فأصحاب الباطل إن كانت لهم قوة يجعلون لسانهم مع قلوبهم في الجهر بالباطل‪ ،‬وإن كان‬
‫عندهم ضعف يجعلون قلوبهم للباطل ولسانهم للحق‪ .‬وهذه العملية ليست مريحة في كل الموقعين‪.‬‬
‫ل توجد للحق طائفة‪ .‬لذلك يقول سبحانه وصفا لحقيقة مشاعرهم‪ } :‬وَدّواْ َلوْ َت ْكفُرُونَ‬
‫فالمريح لهم أ ّ‬
‫سوَآءً {‪ .‬فهم يتمنون إزالة طائفة الحق حتى ل يكون هناك أحد أفضل من‬
‫َكمَا كَفَرُواْ فَ َتكُونُونَ َ‬
‫أحد‪ ،‬مثلما نقول‪ :‬مفيش حد أحسن من حد‪.‬‬
‫مثال ذلك‪ :‬نجد مجموعة من الموظفين في مصلحة حكومية‪ ،‬ويكون في بينهم واحد مختلس أو ل‬
‫يؤدي عمله على الشكل الراقي المطلوب‪ ،‬لذلك فهو ل يحب أن يؤدي الخرون أعمالهم بمنتهى‬
‫التقان‪ ،‬ويريدهم فاسدين‪ ،‬ويحاول أن يغريهم بالفساد حتى يكونوا مثله؛ كي ل يظهره أمام نفسه‬
‫بمظهر النقيصة‪ .‬وحتى ل يكون مكسور العين أمامهم‪.‬‬
‫ومن العجيب أننا نجد الذي يسرق يحترم المين‪ ،‬وكثيرا ما نسمع عن لص من فور ما يعلم أن‬
‫هناك كمينا ينتظره ليقبض عليه فهو يبحث عن رجل أمين يضع عنده المسروقات كأمانة‪.‬‬
‫سوَآءً {‪.‬‬
‫وقول الحق عن أمنية المنافقين الكافرين بقلوبهم هو أن يكون المؤمنون مثلهم } فَ َتكُونُونَ َ‬
‫وهذه شهادة في أن صاحب الباطل يحب من صاحب الحق أن يكون معه؛ لنه حين يجده في‬
‫الحق‪ ،‬فصاحب الباطل يحتقر نفسه‪ ،‬وقد حدثت العجائب مع رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬لقد‬
‫كفروا به وعذبوا صحابته‪ ،‬ولكنه هو المين باعترافهم جميعا‪ .‬فها هوذا الرسول صلى ال عليه‬
‫وسلم يهاجر من مكة وخلف " عليا " كرم ال وجهه ليرد الودائع والمانات التي عنده‪.‬‬
‫هم كذبوه في الرسالة‪ ،‬ولكنه المين باعترافهم جميعا؛ لذلك أودعوا عنده المانات‪ .‬إذن فصاحب‬
‫الفضيلة محترم حتى عند صاحب الرذيلة‪ .‬وحتى نتعرف تماما على هذا المعنى‪ ،‬فلنفترض أن‬
‫إنسانا وقع في مشكلة‪ ،‬سبّ أحدا من الناس ورفع المعتدي عليه دعوى فضائية على هذا المعتدي‬
‫الذي سبّه‪ ،‬ولهذا المعتدي صديق عزيز‪ ،‬استشهد به المعتدي عليه‪ ،‬فيقول المعتدي‪ :‬أتشهد عليّ؟‬
‫ويذهب الصديق إلى المحكمة ليقول‪ " :‬ل يقول صديقي مثل هذا السباب "‪ .‬وهنا شهد الصديق‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لصديقه شهادة زور‪ .‬ولنفترض أن هذا المعتدي قد تاب وأناب وصار من التقياء‪ ،‬وجعله الناس‬
‫حكما بينهم‪ ،‬وجاء له الصديق الذي شهد الزور من أجله ليشهد أمامه‪ ،‬فهل يقبل شهادته؟ طبعا ل‪.‬‬
‫إذن صاحب الفضيلة محترم حتى عند صاحب الرذيلة‪ ،‬فإذا ما حاول أحد من أصحاب الرذيلة أن‬
‫يشد صاحب الفضيلة إلى خطأ‪ ،‬فهو يسعى إلى إضلله‪ ،‬وينطبق على ذلك قول الحق‪ } :‬وَدّواْ َلوْ‬
‫سوَآءً { وما دام هذا هو هدفهم وفكرتهم أل يتركوا المؤمنين على‬
‫َت ْكفُرُونَ َكمَا َكفَرُواْ فَ َتكُونُونَ َ‬
‫إيمانهم‪ ،‬لجل أن يأخذوهم إلى صف الكفر‪.‬‬
‫وهم بذلك كمنافقين كفار قلوب غير مخلصين لصف اليمان‪ .‬وهم ل يقفون من اليمان موقف‬
‫سوَآءً‬
‫الحياد‪ ،‬ولكنهم يقفون منه موقف العناد والعداوة‪ } .‬وَدّواْ َلوْ َت ْكفُرُونَ َكمَا َكفَرُواْ فَ َتكُونُونَ َ‬
‫{ وفي هذا تحذير واضح للمؤمنين هو‪ :‬إياكم أن تأمنوهم على شيء يتعلق بمصالحكم وإيمانكم‪.‬‬
‫خذُواْ مِ ْنهُمْ َأوْلِيَآءَ { أي إياكم أن‬
‫ويصدر الحق الحكم في هذه القضية بمنتهى الوضوح‪ } :‬فَلَ تَتّ ِ‬
‫تتخذوا من المنافقين نصراء لكم أو أهل مشورة؛ لن ال سبحانه فضح لكم دخائل نفوسهم‪ ،‬وهذه‬
‫المسألة ليست ضربة لزب‪ ،‬فإن آب الواحد منهم وأناب ورجع إلى حظيرة اليمان فلن يرده ال‪،‬‬
‫فسبحانه وتعالى ل يضطهد أحدا لمجرد أنه ارتكب الذنب؛ لنه الحق غفور ورحيم‪ ،‬فما دام قد‬
‫عاد النسان إلى الصواب و َبعُد عن الخطأ‪ ،‬فعلى المؤمنين أن يقبلوا من يعود إليهم بإخلص‪،‬‬
‫فالكراهية ل تنعقد ضد أحد لنه أخطأ؛ لن الكراهية تكون للعمل الخطأ‪ ،‬وليست موجهة ضد‬
‫النسان المخلوق ل‪ ،‬فإن أقلعوا عن الخطأ؛ فهم مقبولون من المؤمنين‪.‬‬
‫وها هوذا قاتل زيد بن الخطاب يمر أمام عمر بن الخطاب ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬وقال له بعض‬
‫الناس ها هوذا قاتل أخيك زيد‪ .‬فيقول عمر بن الخطاب‪ :‬وماذا أفعل به وقد هداه ال للسلم؟!‬
‫وهكذا نرى أن الكراهية لم تتعد إلى ذات القاتل‪ ،‬ولكن الكره يكون للفعل‪ ،‬فإن أقلعت الذات عن‬
‫الفعل فالذات لها مكانتها‪ .‬وهكذا يصدر الحكم الرباني‪ } :‬فَلَ تَتّخِذُواْ مِ ْنهُمْ َأوْلِيَآءَ حَتّىا ُيهَاجِرُواْ‬
‫فِي سَبِيلِ اللّهِ {‪.‬‬
‫والهجرة في سبيل ال كانت تكلف النسان أن يخرج من ماله ومن وطنه ومن أهله‪ ،‬ويذهب إلى‬
‫حياة التقشف والتعب والمشقة‪ ،‬وفي هذا ما يكفر عنه‪ ،‬ويتعرف المؤمنون هنا أنه قد تاب إلى ال‬
‫فتاب ال عليه وآن له الوان أن يدخل في حوزة اليمان‪ .‬فإن فعل ذلك فقد عاد إلى اليمان‪.‬‬
‫ولذلك يجب على الناس أن يفصْلوا الذوات عن الفعال‪ .‬لماذا؟ لن الذوات في ذاتها ل تستحق أن‬
‫تكره‪ ،‬وإنما يكره فعل الذات إن كان قبيحا سيئا‪.‬‬
‫وحين نقرأ القرآن نجده يعرض مثل هذه المسألة‪ ،‬فسيدنا نوح عليه السلم عندما تلقى وحي ال‬
‫بأن يصنع السفينة‪ ،‬وجلس يصنعها ويمر عليه الناس فيسخرون منه فيقول لهم سيدنا نوح‪ :‬سنسخر‬
‫منكم غدا كما تسخرون منا‪ .‬ويأتي له ابن ليس على منهجه‪ ،‬فيدعوه نوح إلى المنهج فيقول البن‪:‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫" ل "‪ .‬ويركب نوح السفينة ويقول ل‪ :‬لقد وعدتني أن تنجيني أنا وأهلي‪.‬‬
‫وهنا يوضح الحق‪ :‬صحيح أنا أنجيك أنت وأهلك‪ ،‬ولكن ما الذي جعلك تعتبر ابنك من أهلك‪ ،‬إن‬
‫ع َملٌ غَيْ ُر صَالِحٍ }[هود‪.]46 :‬‬
‫الذوات عند النبياء ل نسب لها‪ ،‬إنما نسب النبياء العمال‪ {:‬إِنّهُ َ‬
‫خذُواْ مِ ْنهُمْ َأوْلِيَآءَ حَتّىا ُيهَاجِرُواْ فِي‬
‫إن العمل هو الذي يتم تقييمه‪ .‬ولذلك يقول الحق‪ } :‬فَلَ تَتّ ِ‬
‫سَبِيلِ اللّهِ { والهجرة من " هجر " ‪ ،‬و " هجر " يعني أن النسان قد عدل من مكان إلى مكان‪ ،‬أو‬
‫عن ود إلى ود‪ ،‬أو عن خصلة إلى خصلة‪ ،‬والذي يَهجر عادة يتجنى على من " هُجر " ‪ ،‬لنلحظ‬
‫أن ال سبحانه وتعالى في كتابه عندما يأتي بالحدث‪ .‬يأتي بـ " هاجر " ‪ ،‬ولم يأت بالحادث "‬
‫هجر " ‪ ،‬فالنبي صلى ال عليه وسلم لم يهجر مكة‪ .‬ولكنه هاجر منها‪ ،‬ويقول صلى ال عليه‬
‫وسلم‪:‬‬
‫" وال إنك لحب أرض ال إليّ وإنك لحب أرض ال إلى ال ولول أن أهلك أخرجوني منك ما‬
‫خرجت "‪.‬‬
‫فالهجرة جاءت؛ لن أهل مكة هجروه أولً‪ ،‬فاضطر أن يهاجر‪ .‬و " هاجر " على وزن " فاعل "‪.‬‬
‫والمتنبي يقول‪:‬إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا أل تفارقهم فالراحلون هموولذلك جاء الحق بالهجرة‬
‫على صيغة المفاعلة‪ .‬لقد كرهوا دعوته‪ .‬واستجاب الرسول للكراهية فهاجر‪.‬‬
‫ويوضح سبحانه أن الذي يخلص هؤلء المنافقين من حكمنا عليهم‪ ،‬أل يتخذ المؤمنون منهم أولياء‬
‫هو‪ :‬أن يهاجروا في سبيل ال؛ لن ذلك هو حيثية صدق اليمان‪ .‬فالمهاجر يحيا عيشة صعبة‪.‬‬
‫وقد عاش المهاجرون على فيض ال من خير النصار‪ ،‬ولم يؤسسوا حياتهم بشكل لئق‪ .‬إذن فمن‬
‫ينضم إلى ذلك الموكب هو مؤمن اشترى اليمان وقدر على أن يكفّر عما بدر منه‪ .‬فليست الهجرة‬
‫مجرد هجرة‪ ،‬ولكنها هجرة في سبيل ال‪.‬‬
‫ولذلك نرى القاعدة اليمانية في الحديث النبوي‪ " :‬إنما العمال بالنيات وإنما لكل أمريء ما نوى‪،‬‬
‫فمن كانت هجرته إلى ال ورسوله‪ ..‬فهجرته إلى ال ورسوله‪ ،‬ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها‬
‫أو امرة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه "‪.‬‬
‫وهكذا يعامل المؤمنون المنافق إن عاد من كفره ونفاقه إلى اليمان‪ .‬لكن ماذا لو تولّى المنافقون؟‪.‬‬
‫ث وَجَدّتمُوهُ ْم َولَ تَتّخِذُواْ مِ ْنهُ ْم وَلِيّا َولَ َنصِيرا { والخذ إذا جاء‬
‫خذُوهُ ْم وَاقْتُلُوهُمْ حَ ْي ُ‬
‫} فَإِنْ َتوَّلوْاْ فَ ُ‬
‫في مقام النزاع فمعناه السر‪ .‬وقتلهم في ساحة أمر واجب‪ ،‬ول يصح أن يتخذهم المؤمنون أولياء‬
‫أو نصراء؛ لن الواحد من المنافقين يكون دسيسة على المؤمنين‪ ،‬ويحاول أن يعرف أمور‬
‫وأحوال المسلمين‪ ،‬ويطلع خصوم السلم على ما يمكن أن ينفذ منه العدو إلى المسلمين‪.‬‬
‫ويستميت ليعرف ما يبيت المسلمون للكافرين‪.‬‬
‫واتخاذ الولي أو النصير ممن نعلم أنه ل يحب اليمان وليس على مبدأ السلم وعقيدته أمر‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يشكك في صدق بصيرة النسان الذي يتولى ويود غير المسلمين المخلصين‪ .‬فحين يرى الواحد‬
‫منا إنسانا آخر ل يحبه ويكيد المكائد‪ ،‬وعندما يراك تثق فيه وتحسن إليه‪ ،‬يقول هذا الكاره‪ :‬هذا‬
‫إنسان فاقد البصيرة فلو عرف ما في قلبي لما فعل ذلك‪.‬‬
‫فإذا اتخذ المؤمنون من المنافقين أولياء أو نصراء والمنافقون على ما هم عليه من نفاق لقال‬
‫المنافقون‪ :‬إن المسلمين فاقدوا البصيرة وهم ل يعلمون ما في قلوبنا‪ ،‬لذلك ينير الحق بصيرة‬
‫المؤمنين حتى ل نأخذ رأيا من المنافقين ينال منا‪.‬‬
‫وقد يقول المنافقون‪ :‬إن هؤلء المسلمين ليس لهم ربّ يبصرهم‪ ،‬فلماذا يدعون أن لهم إلها؟ لو‬
‫سهِمْ‬
‫كان لهم إله لبصرهم بما في نفوسنا‪ .‬ونجد هذا الفضح لهم عندما يقول الحق‪ {:‬وَيَقُولُونَ فِي أَنفُ ِ‬
‫َل ْولَ ُيعَذّبُنَا اللّهُ ِبمَا َنقُولُ }[المجادلة‪.]8 :‬‬
‫وعدم تعذيب الحق له وقت كفرهم له فائدة ورحمة سديركونها فيما بعد‪ .‬فمِن هؤلء مَن سيكون‬
‫سيفا للسلم بعد أن كان سيفا على السلم؛ فقد ادخرهم ال ليكون بعض منهم سيفا للسلم‪ ،‬فها‬
‫هو ذا ابن الوليد يهتدي‪ ،‬وها هو ذا عمرو بن العاص‪ ،‬وها هو ذا عكرمة بن أبي جهل‪ ،‬هؤلء‬
‫سهِمْ‬
‫سيكونون سيوفا للسلم‪ ،‬ول يظنن منهم أحد أنه ست َر مكنونَ نفِسه عن ال‪ {:‬وَ َيقُولُونَ فِي أَنفُ ِ‬
‫َل ْولَ ُيعَذّبُنَا اللّهُ ِبمَا َنقُولُ }[المجادلة‪.]8 :‬‬
‫هذا القول قد أدى أمرين‪:‬‬
‫المر الول‪ :‬وضح أن هناك ربا مطلعا على خائنة العين وخفايا الصدور‪ .‬والمر الثاني‪:‬‬
‫أوضح أن ال لم يعذبهم لن منهم من سيمس اليمان قلوبهم وسيكونون سيوفا للسلم وسيخرج‬
‫من ذريتهم قادة يحملون الدعوة ل‪ .‬ولذلك نجد النبي صلى ال عليه وسلم وقد جاء جبريل وقال‬
‫له‪ " :‬إن ال قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمرهُ بما شئت‬
‫فيهم فناداني ملك الجبال فسلم عليّ ثم قال يا محمد‪ :‬إن ال قد سمع قول قومك وأنا ملك الجبال‬
‫وقد بعثني ربّك إليك ليأمرني بأمرك مما شئت؟ إن شئت أن أطبق عليهم الخشبين‪ .‬فقال الرسول‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ :‬بل أرجو أن يخرج ال من أصلبهم مَن يعبد ال وحده ل يشرك به شيئا "‪.‬‬
‫وقد حدث ذلك‪ .‬إن أسلوب معاملة المنافقين يحدده ال في هذه الية بما يلي‪ :‬هم قو ٌم الكفر يسكن‬
‫القلب منهم ومظهرهم َيدّعي السلم ويتمنون أن يكون المؤمنون على شاكلتهم‪ ،‬فلذلك ل يتخذ‬
‫المسلم وليا من المنافقين ول نصيرا‪.‬‬
‫ولكن إن هاجر المنافق فرحابة اليمان تتسع له‪ ،‬أما إن تولّى المنافق وأعرض عن ذلك‪ .‬فأسلوب‬
‫ث وَجَدّتمُوهُ ْم َولَ تَتّخِذُواْ مِ ْنهُمْ وَلِيّا‬
‫المعاملة يكون كما يحدده ال‪ } :‬فَإِنْ َتوَلّوْاْ َفخُذُوهُمْ وَاقْتُلُو ُهمْ حَ ْي ُ‬
‫وَلَ َنصِيرا { لكن بعد أن يُطلق هذا المر توجد عقبة في تنفيذه‪ ،‬إنها عقبة الحلف والعهود‬
‫والمواثيق التي كان يعطيها رسول ال لبعض القبائل‪ ،‬وكانت هذه العهود تتلخص في أن الرسول‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يعاهد بعض القبائل بعدم الغارة على المسلمين وعدم إغارة المسلمين عليهم‪ .‬ولذلك يحترم الحق‬
‫هذه المواثيق والحلف‪.‬‬
‫إن الحق يوضح لنا‪ :‬ل تأخذوا هذا المر أيها المسلمون على إطلقه؛ لن السلم دين الوفاء‬
‫بالعهود‪ ،‬وقد أعطيتم بعض القبائل عهودا بأن من لجأ إليهم يؤمنونه ويدخل في حمايتهم‪ ،‬وكذلك‬
‫الذي يصل ويلجأ إلى المسلمين فعليهم حفظه ومنع التسلط عليه‪.‬‬
‫لذلك قال الحق في هذا الستثناء‪ِ } :‬إلّ الّذِينَ َيصِلُونَ إِلَىا َقوْمٍ بَيْ َنكُمْ‪.{ ...‬‬

‫(‪)370 /‬‬
‫صدُورُهُمْ أَنْ ُيقَاتِلُوكُمْ َأوْ ُيقَاتِلُوا‬
‫حصِ َرتْ ُ‬
‫إِلّا الّذِينَ َيصِلُونَ إِلَى َقوْمٍ بَيْ َنكُ ْم وَبَيْ َنهُمْ مِيثَاقٌ َأوْ جَاءُوكُمْ َ‬
‫ج َعلَ‬
‫طهُمْ عَلَ ْيكُمْ فََلقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَ َزلُوكُمْ فَلَمْ ُيقَاتِلُوكُ ْم وَأَ ْلقَوْا إِلَ ْي ُكمُ السَّلمَ َفمَا َ‬
‫َق ْومَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللّهُ لَسَلّ َ‬
‫اللّهُ َلكُمْ عَلَ ْيهِمْ سَبِيلًا (‪)90‬‬

‫ل لغضاب من كان للسلم تعاهد معهم وتعاقد‪ ،‬فالذين‬
‫والية تبدأ باستدراك حتى ل تفتح مجا ً‬
‫يصلون ويلجأون إلى قوم بينهم وبين المسلمين تحالف أو ميثاق ل ينطبق عليهم ما جاء في الية‬
‫السابقة وهو الخذ والقتل‪.‬‬
‫مثال ذلك ما حدث من عهد بين المسلمين وهلل بن عويمر السلمي على ألّ يعينوه ول يعينوا‬
‫عليه وعلى أن من وصل إلى هلل ولجأ إليه فله الجوار مثل الذي لهلل‪ .‬والستثناء يشمل أيضا‬
‫من جاءوا إلى المسلمين‪ ،‬فمن ذهب من المنافقين إلى من عاهده المسلمون فهو يحصل على‬
‫المان‪ ،‬وكذلك ُي َؤمّنُ الرسول من جاءه من المنافقين وقال من السباب ما يجعله يطلب حماية‬
‫الرسول والسلم‪ :‬فعلى الرغم من نفاقة يؤمنه السلم‪.‬‬
‫حصِ َرتْ صُدُورُ ُهمْ أَن ُيقَاتِلُوكُمْ َأوْ ُيقَاتِلُواْ َق ْو َمهُمْ } كأن يقول الواحد منهم‪ :‬أنا ل أقدر‬
‫{ َأوْ جَآءُوكُمْ َ‬
‫أن أقاتلكم‪ ،‬ول أقدر أن أقاتل قومي فاغفر لي هذا واقبلني معكم‪ .‬هؤلء يقبلهم الرسول لنهم‬
‫أقروا بما هم فيه من ضيق‪ ،‬فهم ل يستطيعون التصرف ل أمام المسلمين فيعلنون اليمان‪ ،‬ول‬
‫أمام الكافرين فيعملون في معسكر الكفر‪ .‬ول يستطيعون أن يتخذوا موقفا حاسما حازما بين‬
‫المسلمين والكافرين‪ ،‬فهم يقرّون بضعفهم‪ ،‬ويعترفون به‪.‬‬
‫ط ُهمْ عَلَ ْيكُمْ }‪ .‬فما الذي يجعلهم يلوذون إلى قوم يتحالفون مع المسلمين بميثاق‬
‫{ وََلوْ شَآءَ اللّهُ لَسَلّ َ‬
‫حتى يحتموا فيهم؟ أو يقرون أن صدورهم ضيقة وأنهم غير قادرين على التصرف‪ ،‬ويعلنون‪ :‬ل‬
‫نستطيع أن نقاتلكم ول أن نقاتل قومنا‪ .‬ويوضح الحق‪ :‬أنا فعلت هذا وألقيت الرعب في نفوسهم‪،‬‬
‫ولو شئت لسلطتهم وجرأتهم عليكم‪ ،‬وقاتلوكم‪ ،‬إذن فسبحانه ينصرنا بالرعب ويمنع قتالهم لنا‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ج َعلَ اللّهُ َلكُمْ عَلَ ْي ِهمْ سَبِيلً }‪.‬‬
‫{ فَإِنِ اعْتَ َزلُوكُمْ فَلَمْ ُيقَاتِلُوكُ ْم وَأَ ْلقَوْاْ إِلَ ْي ُكمُ السَّلمَ َفمَا َ‬
‫إن اعتزلوكم ولم يقاتلوكم وألقو السلم واعترفوا بأنهم ل يملكون طاقة اختيار بين قتال المسلمين أو‬
‫قتال قومهم‪ ،‬فليس لكم أيها المسلمون حجة أن تعتدوا عليهم؛ فالعتداء عليهم في مثل هذه الحالة‬
‫ينهَى ال عنه وعين الحق ل تقتصر على ما نعرف‪ ،‬ولكنها تتعدى إلى أدق التفاصيل؛ فهي عين‬
‫جدُونَ آخَرِينَ‬
‫ل ترى ما عرفناه فقط ولكنها تكشف لنا الحجب التي ل نعرفها‪ ،‬فيقول سبحانه‪ { :‬سَتَ ِ‬
‫يُرِيدُونَ أَن يَ ْأمَنُوكُمْ‪.} ...‬‬

‫(‪)371 /‬‬
‫سَ َتجِدُونَ َآخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَ ْأمَنُوكُ ْم وَيَ ْأمَنُوا َق ْومَهُمْ ُكلّ مَا ُردّوا إِلَى ا ْلفِتْنَةِ أُ ْركِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ‬
‫جعَلْنَا َل ُكمْ‬
‫َيعْتَزِلُوكُ ْم وَيُلْقُوا إِلَ ْيكُمُ السّلَمَ وَ َيكُفّوا أَيْدِ َيهُمْ َفخُذُو ُه ْم وَاقْتُلُوهُمْ حَ ْيثُ َث ِقفْ ُتمُو ُه ْم وَأُولَ ِئكُمْ َ‬
‫عَلَ ْيهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (‪)91‬‬

‫جدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَ ْأمَنُوكُ ْم وَيَ ْأمَنُواْ َقوْ َمهُمْ }‪.‬‬
‫تبدأ هذه الية بفعل يتحدث عن المستقبل‪ { :‬سَتَ ِ‬
‫معنى ذلك أن المسلمين لحظة نزول هذه الية لم يكونوا قد وجدوا مثل هؤلء القوم الذين يتحدث‬
‫عنهم الحق‪ ،‬ولو لم يحدث للمعاصرين لنزول القرآن أن وجدوا مثل هؤلء ماذا كانوا يقولون عن‬
‫هذا الخبر؟‪ .‬لو لم يجدوا مثل هؤلء القوم لتشككوا في القرآن‪ .‬وسبحانه يوضح أني عين معكم‪،‬‬
‫وعين لكم‪ ،‬أخبرتكم بما حدث واختلفتم فيه‪ ،‬وأخبركم بما لم يصل إلى أذهانكم وعلمكم فل تختلفوا‬
‫فيه‪ ،‬وهذا دليل على أنكم في رعايتي وفي عنايتي‪.‬‬
‫جدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَ ْأمَنُوكُمْ } وهؤلء القوم هم قوم من بني أسد وعطفان‪ ،‬وكانوا على‬
‫{ سَتَ ِ‬
‫مشارف المدينة‪ ،‬وكانوا يقابلون المسلمين فيقولون‪ " :‬نحن معكم " ‪ ،‬والحقيقة أنهم عاجزون عن‬
‫مواجهة أي معسكر‪ .‬ولذلك يصفهم القرآن‪ { :‬سَ َتجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَ ْأمَنُوكُ ْم وَيَ ْأمَنُواْ َق ْو َمهُمْ‬
‫ُكلّ مَا ُردّواْ إِلَى ا ْلفِتْنِةِ أُ ْركِسُواْ فِ ِيهَا }‪ .‬وهؤلء كلما جاءهم الختبار { أُ ْركِسُواْ فِ ِيهَا }‪ .‬أي فشلوا‬
‫في الختبار‪ ،‬فعناصرهم اليمانية لم تقو بعد‪ ،‬ومازالوا في حيرة من أمرهم‪ .‬وعندما جاءتهم الفتنة‬
‫لتصهرهم وتكشف ما في أعماقهم ازدادت حيرتهم‪ ،‬فالفتنة هي اختبار‪ ،‬وليست الفتنة شيئا مذموما‪،‬‬
‫وعندما يقال‪ :‬إن فلنا في فتنة فعلى المؤمن أن يدعو بالنجاح فيها‪ ،‬فالفتنة ليست مصيبة تقع‪،‬‬
‫ولكن المصيبة تقع إذا رسب النسان في الفتنة‪.‬‬
‫ونعلم أن الفتنة مأخوذة من المر الحسي‪ ،‬فتنة الذهب وكذلك الحديد‪ :‬فتنة الذهب هي صهر الذهب‬
‫في البوتقة حتى ينصهر؛ فتطفو كالزبد كلّ العناصر الشائبة المختلطة بالذهب‪ ،‬وكذلك الحديد‪ ،‬يتم‬
‫صهره حتى تنفصل الذرات المتماسكة بعضها عن بعض‪ .‬ويطفو الخبث‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ونعرف أن الحديد أنواع‪ :‬فالحديد الزهر شوائبه ظاهرة فيه وسهل الكسر‪ .‬بينما نجد الحديد‬
‫الصلب بل خبث فهو صلب‪ .‬وفتنة الذهب والحديد تكشف عن المعادن الغريبة المختلطة به‪.‬‬
‫ونقلت كلمة " الفتنة " من المحسات إلى المعاني‪ ،‬وصارت الفتنة هي الختبار الذي ينجح فيه‬
‫النسان أو يرسب‪ ،‬فهي ليست ضارة في ذاتها‪ ،‬ولكنها ضارة لمن يرسب فيها‪.‬‬
‫وهكذا كان تنبؤ القرآن الذي يخبر المسلمين بأمر قوم على حدودهم‪ ،‬تجعلهم الفتنة ل يقوون على‬
‫اليمان‪ ،‬أي فكلما دعاهم قومهم إلى الشرك وقتال المسلمين رُدّوا على أعقابهم وانقلبوا على‬
‫رءوسهم أقبح قلب وأشنعه وكانوا شرّا من كل عدو عليكم‪ ،‬ويشرح القرآن كيفية سلوك المؤمنين‬
‫تجاه هؤلء المرتكسين والمنقلبين في الفتنة‪ { :‬فَإِن لّمْ َيعْتَزِلُوكُ ْم وَيُ ْلقُواْ إِلَ ْي ُكمُ السَّل َم وَ َي ُكفّواْ أَيْدِ َي ُهمْ‬
‫جعَلْنَا َل ُكمْ عَلَ ْيهِمْ سُلْطَانا مّبِينا } ونلحظ أن الحق أمر‬
‫خذُوهُ ْم وَاقْتُلُوهُمْ حَ ْيثُ َثقِفْ ُتمُوهُ ْم وَُأوْلَـا ِئكُمْ َ‬
‫فَ ُ‬
‫بتأمين من لجأوا بضعفهم على الرغم من نفاقهم إما إلى المسلمين وإما إلى حلفاء المسلمين حين‬
‫قال في الية السابقة‪:‬‬
‫ج َعلَ اللّهُ َلكُمْ عَلَ ْيهِمْ سَبِيلً }[النساء‪.]90 :‬‬
‫{ َفمَا َ‬
‫وهذا إنصاف وتنبيه إلهي من الحق أل يسمع أحد صوت حفيظته ويفترس قوما ضعفاء‪ .‬أما الذين‬
‫يحاولون التمرد والستسلم لصوت الكفر وإيقاع الذى بالمسلمين‪ ،‬ولم يلقوا بالسلم للمسلمين‬
‫ويكفوا أيديهم عنهم‪ ،‬هؤلء يأتي فيهم المر اللهي‪:‬‬
‫خذوهم واقتلوهم‪ .‬وجعل ال للمسلمين على هؤلء السلطانَ المبين‪ .‬والسلطان ‪ -‬كما نعرف ‪ -‬هو‬
‫القوة‪ ،‬والقوة تأخذ لونين‪ :‬هناك قوة تقهر النسان على الفعل كأن يأتي واحد ويأمر إنسانا بالوقوف‬
‫ي الضعيفَ بالسجود فيسجد‪ .‬وهذا سلطان القوة الذي يقهر القالب‪ ،‬لكنه ل‬
‫فيقف‪ ،‬وكأنْ يأمر القو ّ‬
‫يقدر على قهر القلب أبدا‪ .‬والسلطان الثاني هو سلطان الحجة‪ ،‬وقوة المنطق وقوة الداء والدلة‬
‫التي تقنع النسان أن يفعل‪.‬‬
‫والفارق بين سلطان القوة وسلطان الحجة أن سلطان القوة قد يقهر النسان على السجود‪ ،‬لكن‬
‫سلطان الحجة يجعل النسان يسجد بالقتناع‪ .‬والسلطان المبين الذي جعله ال للمؤمنين على‬
‫المنافقين الذين يقاتلون المؤمنين‪ ،‬هذا السلطان يمكن لكم أيها المسلمون قوة تفعلون بها ما تريدون‬
‫من هؤلء ما داموا حاولوا القتال وإلحاق الذى بالمسلمين‪ ،‬فالحزم والعدل هو أخذهم بالعنف‪.‬‬
‫وحتى نفهم معنى السلطان جيدا فلنتذكر الجدل الذي سيحدث في الخرة بين الشيطان والذين اتبعوا‬
‫الشيطان‪ ،‬سنجد الشيطان يقول‪ :‬لقد أغويتكم‪ ،‬هذا صحيح‪ ،‬وأنتم اتبعتموني‪ ،‬فأنتم المسئولون عن‬
‫ذلك‪ ،‬فلم يكن لي عليكم من سلطان قوة أو سلطان إقناع‪َ {:‬ومَا كَانَ ِليَ عَلَ ْي ُكمْ مّن سُ ْلطَانٍ ِإلّ أَن‬
‫عوْ ُتكُمْ فَاسْ َتجَبْتُمْ لِي }[إبراهيم‪.]22 :‬‬
‫دَ َ‬
‫وبعد أن تكلم الحق عن القتال ومشروعيته‪ ،‬وقتال المنافقين‪ ،‬وقتال الخرين‪ .‬نجد الكلم يصل إلى‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫موضوع القتل‪ .‬فأوضح لهم‪ :‬المسألة أنني أنا الذي عملت البنيان الدمي‪ ،‬والحياة أنا الذي أهبها‪،‬‬
‫وليس من السهل لباني البنيان أن يحرض على هدمه‪ ،‬إنما أنا أحرض على هدم هؤلء الذين‬
‫يقاتلونكم؛ لكي يسلم باقي البنيان لكم‪ ،‬وإياكم أن تجترئوا على بنيانات الناس‪ ،‬فملعون من يهدم‬
‫بنيان ال؛ لنه سبحانه هو الذي خلق الحياة وهو الذي يأخذ الحياة‪ ،‬وحياة الناس ليست ملكا لهم؛‬
‫فحياة النسان نفسه ليست ملكا لنفسه‪ ،‬ولذلك فمن يقتل واحدا‪ ،‬عُدْوانا دون حق نقتص منه‪ ،‬وأما‬
‫إن كان ذلك قد قتل خطأ فنأخذ منه الدية‪ ،‬وتنتهي المسألة‪ .‬لكن قاتل نفسه تحرم عليه الجنة‪.‬‬
‫إذن فقبل أن يقول لي‪ :‬ل تقتل غيرك قال لي‪ :‬إياك وأن تقتل نفسك‪ .‬إذن فسبحانه ليس بغيور فقط‬
‫على الناس منك‪ ،‬بل يغار عليك أيضا من نفسك‪ ،‬ولذلك فحين شرع سبحانه القصاص في القتل‬
‫شرعة ليحميك ل ليجرئك على أن تقتل‪ ،‬أما عندما يأمر سبحانه‪ :‬أن من قَ َتلَ يُقتل‪ .‬فهو يقسط‬
‫ويعدل‪ ،‬والقصد من هذا الحفاظ على حياتين؛ لنك إن علمت أنك إن قَتَلْتَهُ قُتِلْت ل تقتل‪.‬‬
‫وما دمت ل تقتل فقد حميت حياتين حياة من كنت ستقتله وحياتك من أن يُقتص منك وهذا هو‬
‫معنى قوله‪ {:‬وََلكُمْ فِي ا ْلقِصَاصِ حَيَاةٌ ياأُولِي الَلْبَابِ }[البقرة‪.]179 :‬‬
‫إذن فالذي يتفلسف ويقول‪ :‬هذه بشاعة وكذا وكذا نقول له‪ :‬الذي يشرع القصاص أيريد أن يَقتل؟‬
‫ل‪ ،‬بل يريد أن يحمي حياتك؛ لن القاتل عندما يعلم أنه إن قَ َتلَ يُقتل فل يقتل‪ ،‬وما دام ل يقتل‬
‫نكون قد حافظنا على حياته وحياة الخر‪ .‬إذن فقوله‪ } :‬وََلكُمْ فِي ا ْل ِقصَاصِ حَيَاةٌ { قول صدق‪.‬‬
‫وعندما تكلم الحق عن القتال والقتل ينبهنا‪ :‬إياكم وأن تجترئوا بسبب هذه المسائل على دماء الناس‬
‫ول على حياتهم؛ لذلك يتكلم سبحانه عن القتل المحظور في اليمان والسلم ويقول‪َ } :‬ومَا كَانَ‬
‫ِل ُم ْؤمِنٍ أَن َيقْتُلَ ُم ْؤمِنا ِإلّ خَطَئا‪.{ ...‬‬

‫(‪)372 /‬‬
‫َومَا كَانَ ِل ُم ْؤمِنٍ أَنْ َيقْ ُتلَ ُمؤْمِنًا إِلّا خَطَأً َومَنْ قَ َتلَ ُم ْؤمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ َرقَبَةٍ ُمؤْمِنَ ٍة َودِيَةٌ مُسَّلمَةٌ إِلَى‬
‫ع ُدوّ َلكُ ْم وَ ُهوَ ُم ْؤمِنٌ فَ َتحْرِيرُ َرقَبَةٍ ُم ْؤمِنَ ٍة وَإِنْ كَانَ مِنْ َقوْمٍ‬
‫أَهْلِهِ إِلّا أَنْ َيصّ ّدقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ َقوْمٍ َ‬
‫شهْرَيْنِ مُتَتَا ِبعَيْنِ‬
‫بَيْ َنكُ ْم وَبَيْ َنهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَّلمَةٌ إِلَى أَهِْل ِه وَتَحْرِيرُ َرقَ َبةٍ ُم ْؤمِنَةٍ َفمَنْ لَمْ َيجِدْ َفصِيَامُ َ‬
‫حكِيمًا (‪)92‬‬
‫َتوْبَةً مِنَ اللّهِ َوكَانَ اللّهُ عَلِيمًا َ‬

‫جاء هذا القول بعد أن تكلم سبحانه عن القتال لتثبيت أمر الدعوة‪ ،‬ولما كان القتال يتطلب قتل نفس‬
‫مؤمنة َنفْسا كافرة‪ ،‬ناسب ذلك أن يتكلم الحق سبحانه عن القتل‪.‬‬
‫والقتل ‪ -‬كما نعلم ‪ -‬محاولة إزهاق روح الحي بنقض بنيته‪ .‬والحي وإن لم ننقض بنيته حين يأتي‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أجله يموت‪ .‬إذن فنقض البنية من النسان الذي يريد أن يقضي على إنسان عملٌ غايتُه إنهاء‬
‫الحياة‪ ،‬فل يظنن ظان أن القاتل الذي أراد أن ينقض بنية شخص يملك أن ينهي حياته‪ ،‬ولكنه‬
‫يصادف انقضاء الحياة‪ ،‬فالذي ينهي الحياة هو الحق سبحانه وتعالى‪ .‬ولذلك قلنا‪ :‬إن الجزاء إنما‬
‫وقع على القاتل ل لنه أمات القتيل ولكن لن القاتل تعجل في أمر استأثر ال وحده به‪ ،‬والقتيل‬
‫ميت بأجله‪ ،‬فالحق سبحانه وتعالى هو الذي استخلف النسان في الكون‪ ،‬والستخلف شرحه‬
‫الحق في قوله‪ {:‬وَاسْ َت ْعمَ َركُمْ فِيهَا }[هود‪.]61 :‬‬
‫فال هو الذي جعل النسان خليفة في الكون ليعمر هذا الكون‪ ،‬وعمارة الكون تنشأ بالتفكير في‬
‫الرتقاء والصالح في الكون‪ ،‬فالصالح نتركه صالحا‪ ،‬وإن استطعنا أن نزيد في صلحه فلنفعل‪.‬‬
‫الرض ‪ -‬على سبيل المثال ‪ -‬تنبت الزرع‪ ،‬وإن لم يزرعها النسان فهو يجد زرعا خارجا منها‪،‬‬
‫والحق يريد من النسان أن ينمي في الرض هذه الخاصية فيأتي النسان بالبذور ويحرث‬
‫الرض ويزرعها‪ .‬فهذا يزيد المر الصالح صلحا‪ .‬وهذا كله فرع وجود الحياة‪.‬‬
‫إذن فالستخلف في الرض لعمارها يتطلب حياة واستبقاء حياة للخليفة‪ .‬وما دام استبقاء الحياة‬
‫أمرا ضروريا فل تأتي أيها الخليفة لخليفة آخر مثلك لتنهي حياته فتعطل إحياءه للرض‬
‫واستعماره لها‪ .‬فالقتال إنما شُرع للمؤمنين ضد الكافرين؛ لن حركة الكافرين في الحياة حركات‬
‫مفسدة‪ ،‬ودرء المفسدة دائما مقدم على جلب المصلحة‪ .‬فالذي يفسد الحياة يقاتله المؤمنون كي ننهي‬
‫الحياة فيه‪ ،‬ونُخَلّص الحياة من معوق فيها‪.‬‬
‫إذن فيريد الحق أن تكون الحياة لمن تصلح الرض بحياته‪ .‬والكافرون يعيثون في الرض فسادا‪،‬‬
‫ويعيشون على غير منهج‪ ،‬ويأخذون خير الضعيف ليصيروا هم به أقوياء‪ ،‬فشرع ال القتال إما‬
‫ليؤمنوا فيخضعوا للمنهج‪ ،‬وإما ليخلص الحياة من شرهم‪ .‬فإذا ما وجه النسان القتل لمؤمن ‪-‬‬
‫وهو في ذاته صالح للستعمار في الحياة ‪ -‬يكون قد جنى على الحياة‪ ،‬وأيضا لو قتل النسان‬
‫نفسه يكون قد جنى على الحياة كذلك‪ ،‬لماذا؟ لنه أفقد الحياة واحدا كان من الممكن أن يعمر‬
‫بحركته الرض‪.‬‬
‫فإن اجترأ على حياته أو على حياة سواه فل بد أن نؤدبه‪ .‬كيف؟ قال سبحانه‪ {:‬وَالّذِينَ كَسَبُواْ‬
‫السّيّئَاتِ جَزَآءُ سَيّئَةٍ ِبمِثِْلهَا }[يونس‪.]27 :‬‬
‫والتشريع السلمي وضع للقاتل عن سبق إصرار وترصد عقابا هو القتل‪ .‬وبذلك يحمي التشريع‬
‫الحياة ول ينمي القتل‪ ،‬بل يمنع القتل‪.‬‬
‫إذن‪ ،‬فالحدود والقصاصات إنما وضعت لتعطي الحياة سعة في مقوماتها ل تضييقا في هذه‬
‫المقومات‪ ،‬والحق سبحانه وتعالى حينما تكلم عن القتال المشروع أراد أن يوضح لنا‪ :‬إياكم أن‬
‫تتعدوا بهذه المسألة‪ ،‬وتستعملوا القتال في غير المر المشروع‪ ،‬فإذا ما اجترأ إنسان على إنسان‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لينهي حياته في غير حرب إيمانية شرعية فماذا يكون الموقف؟‬
‫يقول التشريع‪ :‬إنه يقتل‪ ،‬وكان يجب أن يكون في بالك أل تجترئ على إزهاق حياة أحد إل أن‬
‫يكون ذلك خطأ منك‪ ،‬ولكن إن أنت فعلت خطأ نتج عنه الثر وهو القتل‪ .‬فماذا يكون المر؟ هناك‬
‫منفعل لك وهو القتيل وأنت القاتل ولكن لم تكن تقصده‪ ،‬هما ‪ -‬إذن ‪ -‬أمران‪ :‬عدم القصد في‬
‫ارتكاب القتل الخطأ‪ ،‬والمر الثاني هو حدوث القتل‪.‬‬
‫يقول التشريع في هذه المسألة‪ :‬إن القاتل بدون قصد قد أزهق حياة إنسان‪ ،‬وحياة هذا النسان لها‬
‫ارتباطات شتى في بيئته اليمانية العامة‪ ،‬وله ارتباطاته ببيئته الهلية الخاصة كعائلته‪ ،‬العائلة له‬
‫أو العائل لها أو السرة أو القرب من السرة وهو الصل والفرع‪ ،‬فكم دائرة إذن؟ دائرة إيمانية‬
‫عامة‪ ،‬ودائرة الهل في عمومها الواسع‪ ،‬ودائرة السرة‪ ،‬ودائرة خصوصية السرة في الصل‬
‫والفرع‪ .‬وحين تنهي حياة إنسان في البيئة اليمانية العامة فسوف تتأثر هذه البيئة بنقصان واحد‬
‫مؤمن خاضع لمنهج ال ومفيد في حركته؛ لن الدائرة اليمانية فيها نفع عام‪.‬‬
‫لكن دائرة الهلية يكون فيها نفع خاص قليلً والدائرة السرية نجد أن نفعه فيها كان خاصا بشكل‬
‫ما‪ ،‬وفي الصل والفرع نجده نفعا ُم ِهمّا وخاصا جدا‪ .‬إذن فهذا القتل يشمل تفزيعا لبيئة عامة‬
‫ولبيئة أسرة ولبيئة أصل وفرع‪.‬‬
‫ولذلك أريد أن تلحظوا في أحداث الحياة شيئا يمر علينا جميعا‪ ،‬ولعل كثيرا منا ل يلتفت إليه‪ ،‬مع‬
‫أنه كثير الحدوث‪ ،‬مثلً‪ :‬إذا كنا جالسين في مجتمع وجاء واحد وقال‪ " :‬فلن مات " ‪ ،‬وفي هذا‬
‫المجتمع أناس يعرفونه معرفة عامة‪ .‬وآخرون يعرفونه معرفة خاصة ولهم به صلة‪ ،‬وأناس من‬
‫أهله‪ ،‬وفيه والد الميت أو ابنه‪ ،‬انظروا إلى أثر النعي أو الخبر في وجوه القوم‪ ،‬فكل واحد سينفعل‬
‫بالقدر الذي يصله ويربطه بمن مات‪ .‬فواحد يقول‪ " :‬يرحمه ال " وثانٍ يتساءل بفزع‪ " :‬كيف‬
‫حدث ذلك "؟ وثالث يبكي بكاء مرا‪ ،‬ورابع يبكي جاريا ليرى الميت‪ .‬والخبر واحد فلماذا يتعدد‬
‫أثر وصدى النفعالت‪ ،‬ولماذا لم يكن النفعال واحدا؟‬
‫نقول‪ :‬إن النفعال إنما نشأ قهرا بعملية ل شعورية على مقدار نفع الفقيد لمن ينفعل لموته؛ فالذي‬
‫كان يلتقي به ِلمَاما ويسيرا في أحايين متباعدة يقول‪ " :‬رحمه ال "‪ .‬والذي كان يجالسه كل عيد‬
‫يفكر في ذكرياته معه‪ ،‬وحتى نصل إلى أولده فنجد أن المتخرج الموظف وله أسرة يختلف‬
‫انفعاله عن الخريج حديثا أو الذي يدرس‪ ،‬أو البنت الصغيرة التي مازالت تتلقى التعليم‪ ،‬هؤلء‬
‫الولد يختلف تلقيهم للخبر بانفعالت شتى‪ ،‬فالبن الذي له أسرة وله سكن يتلقى الخبر بانفعال‬
‫مختلف عن البن الذي مازال في الدراسة‪ ،‬وانفعال البنة التي تزوجت ولها أسرة يختلف عن‬
‫انفعال البنة التي مازالت لم تجهز بعد‪.‬‬
‫إذن فالنفعال يحدث على مقدار النفعية‪ ،‬ولذلك قد نجدها على صديق أكثر مما نجدها على شقيق‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وقالوا‪ :‬من أحب إليك‪ ،‬أخوك أم صديقك؟‪ .‬قال‪ :‬النافع‪ .‬إذن تلقى خبر انتهاء الحياة يكون مختلفا‪،‬‬
‫فالحزن عليه والسف لفراقه إنما يكون على قدر إشاعة نفعه في المجتمع‪.‬‬
‫وهناك واحد يكون وطنه أسرته يعمل على قدر نفعها‪ ،‬وواحد يكون وطنه عائلته وقريته‪ ،‬وواحد‬
‫وطنه أمته‪ .‬وواحد وطنه العالم كله‪ .‬إذن فعندما يفجع المجتمع في واحد فالهِزة تأتي على قدر‬
‫وطنه‪ ،‬وعندما يفاجأ الناس بواحد يُقتل عن طريق الخطأ فالفاعل معذور‪ .‬ولكن عذره لم يمنع أن‬
‫تعدى فعله وأن الخر قد قتل؟‪ .‬فالثر قد حصل‪ ،‬وتحدث الهزة للقرب له في النتفاع‪ ،‬ولن‬
‫القتل خطأ فلن يتم القصاص من القاتل‪ ،‬ولكن عليه أن يدفع دية‪ ،‬وهذه الدية توزع على الناس‬
‫الذين تأثروا بفقدان حياته؛ لن هناك قاعدة تقول‪ " :‬بسط النفع وقبض الضر "‪.‬‬
‫إنك ساعة ترى شيئا سينفعك فإن النفس تنبسط‪ ،‬وعندما ترى شيئا سيضرك فإن النفس تنقبض‪.‬‬
‫وعندما يأتي للنسان خبر موت عزيز عليه فإن نفسه تنقبض‪ ،‬وساعة يأتيه من بعد ذلك خير وهو‬
‫حصوله على جزء من دية القتيل فالنفس تنبسط‪ ،‬وبذلك يتم علج الثر الحادث عن القتل الخطأ‪.‬‬
‫والدية بحكم الشرع تأتي من العاقلة‪ ،‬وبشرط أل تؤخذ من الصول والفروع‪ ،‬فل تجتمع عليهم‬
‫مصيبة فقد إنسان على يد أحد من أصولهم أو فروعهم وهم بذلك يفزّعون فل يجمع عليهم هذا‬
‫المر مع المشاركة في الدية‪ .‬كأن التشريع أراد أن يعالج الهزة التي صنعها انحراف بعلج هو‬
‫وقاية من رد الفعل فيحقق التوازن في المجتمع‪ .‬فمن يقتل خطأ ل يقتص منه المجتمع ولكن هناك‬
‫الدية‪ .‬ومن أجل إشاعة المسئولية فالقاتل ل يدفعها‪ ،‬ولكن تدفعها العاقلة؛ لن العاقلة إذا ما علمت‬
‫أن من يجني من أهلها جناية وأنّها ستتحمل معه فإنها تعلّم أفرادها في صيانة حقوق غيرهم؛ لن‬
‫كل واحد منها سيدفع‪ ،‬وبذلك يحدث التوازن في المجتمع‪.‬‬
‫والحق سبحانه وتعالى يعلمنا أن نستبعد أن يقتل مؤمن مؤمنا إل عن خطأ‪ ،‬فل يستقيم أن يحدث‬
‫ذلك عمدا فيقول‪َ } :‬ومَا كَانَ ِل ُم ْؤمِنٍ أَن َيقْتُلَ ُم ْؤمِنا ِإلّ خَطَئا { ومعنى هذا أن مثل هذا القتل ل‬
‫يصح أن يحدث عن قصد؛ لن اللّحمة ‪ -‬بضم اللم ‪ -‬اليمانية تمنع هذا‪.‬‬
‫لكن إن حدث هذا فما العلج؟‪َ } .‬ومَا كَانَ ِل ُم ْؤمِنٍ أَن َيقْتُلَ ُم ْؤمِنا ِإلّ خَطَئا َومَن قَ َتلَ ُم ْؤمِنا خَطَئا‬
‫فَتَحْرِيرُ َرقَ َبةٍ ّم ْؤمِنَةٍ وَدِيَةٌ مّسَّل َمةٌ إِلَىا أَهِْلهِ {‪.‬‬
‫ول يذكر سبحانه هنا القصاص‪ ،‬فالقصاص قد تقدم في سورة البقرة في قوله تعالى‪ {:‬كُ ِتبَ عَلَ ْيكُمُ‬
‫ا ْل ِقصَاصُ فِي ا ْلقَتْلَى ا ْلحُرّ بِا ْلحُ ّر وَا ْلعَبْدُ بِا ْلعَبْدِ وَالُنثَىا بِالُنْثَىا }[البقرة‪.]178 :‬‬
‫والقصاص حق الولي فله أن يعفو أو أن يأخذ الدية‪ ،‬كأن يقول‪ :‬عفوت عن القصاص إلى الدّية‪.‬‬
‫ويجب أن نفرق بين الحد وبين القصاص‪ .‬فالقصاص حق الولي‪ ،‬والحد حق ال‪ .‬وللولي أن‬
‫يتنازل في القصاص‪ ،‬أما الحدود فل يقدر أحد أن يتنازل عنها‪ ،‬لنها ليست حقا لحد ولكنها حق‬
‫ال‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إذن فالقتل الخطأ قال فيه‪ } :‬فَتَحْرِيرُ َرقَ َبةٍ ّم ْؤمِنَةٍ { وهنا قد نسأل‪ :‬وماذا يستفيد أهل المجنى عليه‬
‫بالقتل من تحرير رقبة مؤمنة؟‪ .‬هل يعود ذلك على أهل القتيل ببسط في النفعية؟‪ .‬قد ل تفيدهم في‬
‫شيء‪ ،‬لكنها تفيد المجتمع؛ لن مملوك الرقبة وهو العبد أو المة هو مملوك لسيده‪ ،‬والسيد يملك‬
‫حركة العبد‪ ،‬ولكن عندما يكون العبد حرّا فهو حر الحركة؛ فحركة العبد مع السيد محدودة‪ ،‬وفي‬
‫حريته حركة مفيدة للمجتمع‪.‬‬
‫إذن فالقبض الذي حدث من قتل نفس مؤمنة يقابلها بسط في حرية واحد كان محكوما في حركته‬
‫فنقول له‪ :‬انطلق في حركتك لتخدم كل مجتمعك‪ .‬ويريد الحق بذلك أن يفتح مصرفا لحرية الرقاء‬
‫ضمن المصارف الكثيرة التي جعلها السلم لذلك‪.‬‬
‫وبعد هذا القول } َودِيَةٌ مّسَّلمَةٌ إِلَىا أَهِْلهِ { لكي تصنع البسط في نفوس أهله ليعقب القبض نتيجة‬
‫خبر القتل‪ .‬ولذلك نجد أسرة قد فجعت في أحد أفرادها بحادثة وعاشوا الحزن أياما ثم يأخذون‬
‫الوراق ويصرفون بها الدية أو التعويض‪ ،‬مما يدل على أن في ذلك شيئا من السلوى وشيئا من‬
‫التعزية وشيئا من التعويض‪ ،‬ولو كانت المسألة مزهودا فيها لقالوا‪ " :‬نحن ل نريد ذلك " ‪ ،‬ولكن‬
‫ذلك ل يحدث‪.‬‬
‫وبعد ذلك نجد الذي فقد حياة حبيب ل يظل في حالة حزن ليفقد حياة نفسه‪ ،‬ففي الواقع يكون‬
‫الحزن من الحزبين على نفسه بمقدار ما فات عليه من نفع عندما قُتل له القتيل‪ ،‬والحزين إنما‬
‫حزن لن القتيل كان يثري حياته‪ ،‬فلما مات صارت حياة النفع منه بل إثراء‪.‬‬
‫ولو رأينا إنسانا يحزن لفقد واحد وقلنا له‪ :‬احتفظ بجثمانه لمدة أسبوع لترتوي من أشواقك إليه‪،‬‬
‫وبعد ذلك نأخذه منك لندفنه أيرضى؟‪ .‬لن يرضى أبدا بذلك‪ .‬أو نقول للحزين‪ " :‬لن نقدم لك طعاما‬
‫لمدة أسبوع لنك في حالة حزن هنا لن يوافق الحزين‪ ،‬وزوجة الفقيد تذرف عيناها الدمع وتبكي‬
‫عليه لكنها تأكل وتشرب‪.‬‬
‫إذن فالمسألة يجب أن تكون واضحة لستقبال أقضية الحق وهي أقضية ل تنقض نواميس ال في‬
‫الكون‪.‬‬
‫وبعد ذلك يريد الحق أن يشيع التعاطف بين الناس‪ ،‬فإذا قال أهل القتيل لهل القاتل‪ :‬نحن ل نريد‬
‫دية‪ ،‬لن مصيبتكم في القتيل مثل مصيبتنا فيه‪ ،‬وكلنا إخوة فما الذي يجري في المجتمع؟‪ .‬الذي‬
‫يحدث من النفع هو أضعاف أضعاف ما تؤدية الدية‪ ،‬إذن فهذا تربيب للدية‪ ،‬فساعة يعرف الطفل‬
‫في العائلة أنه كان مطلوبا منهم دية لن أباه قد قَتَل‪ ،‬وعفا أهل القتيل فلم يأخذوا الدّية‪ ،‬هذا الطفل‬
‫ب ويعقل المور أن كل خير عند أسرته ناتج من هذا العفو وهذه العفّة‪ ،‬فيحدث‬
‫ش ّ‬
‫سيعرف عندما يَ ِ‬
‫الود‪.‬‬
‫إذن فالحق سبحانه وتعالى يريد أن يربب إشاعة المودة والصفاء والنفعية‪ .‬فإذا ما حزن واحد‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لفقدان إنسان بالقتل الخطأ قد يأخذ الدية فينتفع‪ ،‬وإن لم يأخذها فهو ينتفع أكثر؛ لذلك يقول الحق‪} :‬‬
‫سّلمَةٌ إِلَىا أَهِْلهِ ِإلّ أَن َيصّ ّدقُواْ {‪.‬‬
‫وَدِيَةٌ مّ َ‬
‫وهذا ما يحدث إذا ما قتل مؤمن مؤمنا خطأ في بيئة إيمانية‪ ،‬ولكن ما الذي يحدث عندما يتم قتل‬
‫مؤمن لواحد من قوم أعداء والمقتول مؤمن ويعيش بين الكفار؟‪ .‬ها نحن أولء نرى عدالة‬
‫التشريع اللهي‪ ،‬وحتى نزداد يقينا بأن ال هو رب الجميع؛ لذلك قال الحق‪ } :‬فَإِن كَانَ مِن َقوْمٍ‬
‫عَ ُدوّ ّلكُ ْم وَ ُهوَ ُم ْؤمِنٌ { أي كان المقتول من قوم في حالة عداء مع المسلمين فهو ل يستحق الدية؛‬
‫لنه يحيا في قوم كافرين‪.‬‬
‫هكذا نجد التشريع هنا قد شرع لثلث حالت‪ :‬شرع لواحد في البيئة اليمانية‪ ،‬وشرع لواحد مؤمن‬
‫في قوم هم أعداء للمؤمنين‪ ،‬وشرع لواحد قد قُتل وهو من قوم متحالفين مع المسلمين‪ .‬وكل واحدة‬
‫لها حكم‪ ،‬والحكم في حالة أن يكون القتيل من قوم بينهم وبين المسلمين عداء وهو مؤمن‪ ،‬فتحرير‬
‫رقبة مؤمنة‪ ،‬وذلك للتعويض اليماني فينطلق عبد كان محدود الحركة لنّ هناك مَن مات وانتهت‬
‫حركته‪ ،‬وفي هذا تعويض للمجتمع عندما تشيع حركة العبد‪ .‬وماذا نفعل في الدية؟ ل يأخذون‬
‫الدية؛ لن الدية موروثة‪ ،‬وهم من الكفار وليس بين الكفار والمسلمين توارث أي فليس هنا دية‪.‬‬
‫وعندما ننظر إلى قول الحق‪ } :‬فَإِن كَانَ مِن َقوْمٍ عَ ُدوّ ّلكُمْ { نجد أن كلمة " عدو " مفردة في ذاتها‪،‬‬
‫ولكنها تشمل كل القوم‪ ،‬وفي اللغة نقول‪ " :‬هو عدو " و " هما عدو " و " هم عدو " وإن تنوعت‬
‫عداوتهم فهم أعداء‪ ،‬ولكن عندما يتحد مصدر العداء فهم عدو واحد‪ .‬والحق يقول‪ } :‬فَإِن كَانَ مِن‬
‫َقوْمٍ عَ ُدوّ ّلكُمْ وَ ُهوَ ُم ْؤمِنٌ فَتَحْرِيرُ َرقَ َبةٍ ّم ْؤمِنَةٍ { ولم يورد سبحانه هنا الدية لن القوم على عداء‬
‫للسلم فل دية لهم؛ لنه ل توارث‪.‬‬
‫ويقول الحق‪ } :‬وَإِن كَانَ مِن َقوْمٍ بَيْ َن ُك ْم وَبَيْ َنهُمْ مّيثَاقٌ َفدِيَةٌ مّسَّل َمةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ َرقَبَةٍ ّم ْؤمِنَةٍ‬
‫{ فإذا أعطى المسلمون قوما عهدا من العهود فل بد من الوفاء‪.‬‬
‫هذا الوفاء يقتضي تسليم دية لهله؛ لن هذا احترام للعهد‪ ،‬وإل فما الفارق بيننا وبينهم‪ ...‬والدية‬
‫ كما نعلم ‪ -‬تدفعها العاقلة‪ ،‬ويقول الحق في بيان حق ال في أمر القتل الخطأ‪ } :‬وَتَحْرِيرُ َرقَ َبةٍ‬‫شهْرَيْنِ مُتَتَا ِبعَيْنِ َتوْبَةً مّنَ اللّهِ { أي فمن لم يجد الرقبة أو لم يتسع ماله‬
‫ّم ْؤمِنَةٍ َفمَن لّمْ َيجِدْ َفصِيَامُ َ‬
‫لشرائها فصيام الشهرين بكل أيامهما‪ ،‬فل يفصل بينهما إل فاصل معذر كأن يكون القاتل ‪ -‬دون‬
‫قصد ‪ -‬على مرض أو على سفر‪ .‬وبمجرد أن ينتهي المرض أو السفر فعليه استكمال الصوم‪.‬‬
‫ولماذا هذا التتابع الحكمي؟‪ .‬لن ال سبحانه وتعالى يريد أن يجعل هذه المسألة شاغلة لذهن‬
‫القاتل‪ ،‬وما دامت تشغل ذهنه فالصيام ل بد أن يكون متتابعا‪ ،‬فلو لم يكن الصيام متتابعا لصابت‬
‫شهْرَيْنِ مُتَتَا ِبعَيْنِ َتوْبَةً مّنَ اللّهِ {‪.‬‬
‫القاتل غفلة‪َ } .‬فمَن لّمْ َيجِدْ َفصِيَامُ َ‬
‫ولماذا قال الحق‪َ } :‬توْبَةً مّنَ اللّهِ {؟‪ .‬والتوبة ‪ -‬كما نعرف ‪ -‬قد تكون من العبد فنقول‪ " :‬تاب‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫العبد "‪.‬‬
‫وقد تسند التوبة إلى الحق فيقال‪ " :‬تاب ال عليه " ومراحل التوبة ثلث‪ :‬حين يشرع ال التوبة‬
‫نقول‪ :‬تاب ال على العباد فشرع لهم التوبة فل أحد يتوب إل من باطن أن ال شرع التوبة؛ لنه‬
‫لو لم يشرع ال التوبة لتراكمت على العباد الذنوب والخطايا‪.‬‬
‫وتشريع التوبة هو تضييق شديد لنوازع الشر‪ ،‬فلو لم يشرع ال التوبة لكان كل من ارتكب ذنبا‬
‫يعيث في الرض بالفساد‪ ،‬فحين شرع ال التوبة عصم المجتمع من الشرار‪ .‬فلنه شرّع التوبة‪،‬‬
‫فهو ‪ -‬سبحانه ‪ -‬يتوب‪ ،‬هذه هي المرحلة الولى‪ .‬وما دام ال قد شرع التوبة فالمذنب يتوب‪ ،‬هذه‬
‫هي المرحلة الثانية‪ ،‬وساعة شرع ال التوبة ويتوب المذنب فال يقبل التوبة‪ ،‬هذه هي المرحلة‬
‫الثالثة‪.‬‬
‫وهكذا نرى دقة القرآن حين قال‪ {:‬ثُمّ تَابَ عَلَ ْي ِهمْ لِيَتُوبُواْ إِنّ اللّهَ ُهوَ ال ّتوّابُ الرّحِيمُ }[التوبة‪:‬‬
‫‪.]118‬‬
‫وبعد أن يتوبوا فإن ال يقبل التوبة عن عباده‪.‬‬
‫إذن فالتوبة الولى من ال تشريع‪ .‬والتوبة الثانية من ال قبول‪ ،‬والوسط بينهما هي توبة النسان‪.‬‬
‫حكِيما { فسبحانه يشرع التشريع الذي يجعل‬
‫ويذيل الحق الية‪َ } :‬توْبَةً مّنَ اللّهِ َوكَانَ اللّهُ عَلِيما َ‬
‫النفوس تحيا في مُناخ طبيعي وفي تكوينها الطبيعي‪ ،‬فلو تصورنا أن إنسانا قد قُتل خطأ وتركنا‬
‫أهل المقتول بل ترضية فلن يستفيد المجتمع اليماني من قتله‪.‬‬
‫إذن فالعلم من ال بالنفس البشرية جعل من قتل خطا يُفيد المجتمع اليماني بتحرير رقبة‪ ،‬فيزيد‬
‫المجتمع إنسانا حرا يتحرك حركة إيمانية؛ لذلك اشترط الحق أن تكون الرقبة مؤمنة‪ ،‬حتى نضمن‬
‫أن تكون الحركة في الخير‪ ،‬فنحن ل نحرر رقبة كافرة؛ لن الرقبة الكافرة عندما تكون مملوكة‬
‫لسيد فشرها محصور‪ ،‬لكن لو أطلقناها لكان شرها عاما‪.‬‬
‫وبعد تحرير الرقبة هناك الدية لننثرها على كل مفزع في منفعته فيمن قُتل‪ ،‬ول نأخذها من أصول‬
‫القاتل وفروعه‪ ،‬فل نجمع عليهم مصيبتين القتل الذي قام به أصلهم أو فرعهم؛ لن ذلك ‪ -‬ل شك‬
‫ سيصيبهم بالفزع والخوف عن والشفاق على مَن جنى منهم‪ .‬وأن يشتركوا في تحمل الدية‪.‬‬‫وذلك العمل ناشيء عن حكمه‪ .‬فإذا كان الذي يضع الشياء في موضعها هو خالقها‪ ،‬فلن يوجد‬
‫أفضل من ذلك لتستقيم المور‪.‬‬
‫وفي المجال البشرى نجد أن أي آلة من اللت ‪ -‬على سبيل المثال ‪ -‬مكونة من خمسين قطعة‪،‬‬
‫وكل قطعة ترتبط بالخرى بمسامير أو غير ذلك‪ ،‬وما دامت كل قطعة في مكانها فاللة تسير‬
‫سيرا حسنا‪ ،‬أما إذا توقفت اللة فإننا نستدعي المهندس ليضع كل قطعة في مكانها‪ ،‬وكل شيء‬
‫حين يكون في موضعه فاللة تمشي باستقامة‪ ،‬وكل حركة في الوجود مبنية على الحكمة ل ينشأ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فيها فساد؛ فالفساد إنما ينشأ من حركات تحدث بدون أن تكون على حكمة‪ .‬والحكمة مقولة‬
‫بالتشكيك‪ ،‬فهناك حكيم وهناك‪.‬‬
‫أحكم‪ .‬وقديما ‪ -‬على سبيل المثال ‪ -‬كنا نرى السلك الكهربائية دون عوازل فكان يحدث منها "‬
‫ماس " كهربائي‪ .‬وعندما اكتشفنا العوازل استخدمناها وعدلنا من تصنيعنا للشياء‪ .‬وكنا نجد‬
‫السلك في السيارة ‪ -‬مثلً ‪ -‬ذات لون وحجم واحد‪ ،‬فكان يحدث الرتباك عند الصلح‪ ،‬لكن‬
‫عندما تمت صناعة كل سلك بلون معين‪ ،‬فسهل هذا عملية الصلح‪.‬‬
‫فالحكمة هي وضع الشيء في موضعه‪ ،‬فما بالنا حين يكون من يضع الشيء في موضعه هو‬
‫خالقنا؟ لن نجد أفضل ول أحسن من ذلك‪.‬‬
‫فإذا ما رأينا خللً في المجتمع فلنعلم أن هناك شيئا قد ناقض حكمة ال‪ .‬وعندما نبحث عن العطب‬
‫سوف نجده‪ ،‬تماما مثلما تبحث عن العطب في أي آلة وتأتي لها بالمهندس الذي يصلحها‪ .‬ويجب‬
‫أن نرده إلى من خلق المجتمع‪ ،‬ونبحث عن علج الخلل بحكم من أحكام ال‪ .‬ولذلك أرشدنا الحق‬
‫إلى أننا إن اختلفنا في شيء فلنرده إلى ال وإلى الرسول حتى ل نظل في تعب‪.‬‬
‫وبعد ذلك يتكلم الحق عن القتل العمد‪ ،‬وقد يقول قائل‪ :‬أما كان يجب أن يحدثنا ال عن القتل العمد‬
‫أولً؟ ونقول‪ :‬الحق لو تكلم عن القتل العمد أولً لكان ذلك موحيا أنه يحدث أولً‪ ،‬ولكن الحق‬
‫يوضح‪ :‬ل يصح أن تأتي هذه على خيال المؤمن‪.‬‬
‫ويسأل سائل‪ :‬لماذا لم يقل الحق‪ " :‬وما كان لمسلم "‪ .‬ونقول‪ :‬يجب أن ننتبه إلى أن الحق نادى‬
‫المؤمن لن اليمان عمل قلبي‪ ،‬ولهذا كان النداء للمؤمنين ولم يكن النداء للمسلمين؛ لن السلم‬
‫أمر ظاهري‪ ،‬فقد يقتل إنسان يتظاهر بالسلم إنسانا مؤمنا‪ .‬لهذا نادى الحق بالنداء الذي يشمل‬
‫المظهر والجوهر وهو اليمان‪.‬‬
‫وحين يشرع الحق فل بد أن يأتي بالجزاء والعقاب للذي يقتل عمدا‪ .‬وهو يقول‪َ } :‬ومَن َيقْ ُتلْ‬
‫ُم ْؤمِنا مّ َت َعمّدا‪.{ ...‬‬

‫(‪)373 /‬‬
‫عذَابًا عَظِيمًا (‬
‫عدّ لَهُ َ‬
‫غضِبَ اللّهُ عَلَيْ ِه وََلعَنَ ُه وَأَ َ‬
‫جهَنّمُ خَاِلدًا فِيهَا وَ َ‬
‫َومَنْ َيقْ ُتلْ ُم ْؤمِنًا مُ َت َعمّدًا َفجَزَا ُؤهُ َ‬
‫‪)93‬‬

‫والقتل هنا لمؤمن بعمد‪ ،‬فالمر إذن مختلف عن القتل الخطأ الذي ل يدري به القاتل إل بعد أن‬
‫يقع‪ .‬وجزاء القاتل عمدا لمؤمن هو جهنم‪ ،‬وليس له كفارة أبدا‪ .‬هكذا يبشع الحق لنا جريمة القتل‬
‫العمد‪ .‬لن التعمد يعني أن القاتل قد عاش في فكرة أن يقتل‪ ،‬ولذلك يقال في القانون‪ " :‬قتل عمد‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫مع سبق الصرار "‪ .‬أي أن القاتل قد عاش القتل في تخيله ثم فعله‪ ،‬وكان المفروض في الفترة‬
‫التي يرتب فيها القتل أن يراجعه وازعه الديني‪ ،‬وهذا يعني أن ال قد غاب عن باله مدة التحضير‬
‫للجريمة‪ ،‬وما دام قد عاش ذلك فهو قد غاب عن ال‪ ،‬فلو جاء ال في باله لتراجع‪ ،‬وما دام‬
‫النسان قد غاب باله عن ال فال يغيبه عن رحمته‪.‬‬
‫جهَنّمُ خَالِدا فِيهَا } وقالوا في سبب هذه الية‪ :‬إن واحدا اسمه‬
‫{ َومَن َيقْ ُتلْ ُم ْؤمِنا مّ َت َعمّدا فَجَزَآ ُؤهُ َ‬
‫ِمقْيَسْ بن ضبابة كان له أخ اسمه هشام‪ ،‬فوجد أخاه مقتولً في بني النجار‪ ،‬وهم قوم من النصار‬
‫بالمدينة‪ .‬فلما وجد هشاما قتيلً ذهب ِمقْيَس إلى سيدنا رسول ال صلى ال عليه وسلم وأخبره‬
‫ل من بني فهر وكتب إليهم أن يدفعوا إلى ِمقْيَس قاتل أخيه‪ ،‬فقال بنو‬
‫بالخبر‪ ،‬فأرسل معه رج ً‬
‫النجار وال ما نعلم له قاتل‪ ،‬ولكننا نؤدي الدية فأعطوه مائة من البل ثم انصرفا راجعين إلى‬
‫المدينة فعدا ِمقْيَس على الفِهري فقتله بأخيه وأخذ البل وانصرف إلى مكة مرتدّا وجعل ينشد‪:‬قتلت‬
‫به فِهرا وحملت عقله سراة بني النجار أرباب فارعحللت به وترى وأدركت ثورتي وكنت إلى‬
‫الوثان أول راجعفلما بلغ سيدنا رسول ال صلى ال عليه وسلم ذلك أهدر دمه‪ .‬ومعنى " أهدر‬
‫دمه " أباح دمه‪ ،‬أي أن مَن يقتله ل عقاب عليه‪ ،‬إلى أن جاء يوم الفتح َفوُجد " مقيس " متعلقا‬
‫بأستار الكعبة ليحتمي بها‪ ،‬فأمر رسول ال صلى ال عليه وسلم بقتله‪َ { ،‬ومَن َيقْتُلْ ُم ْؤمِنا مّ َت َعمّدا‬
‫ضبَ اللّهُ عَلَ ْي ِه وََلعَنَ ُه وَأَعَدّ َلهُ عَذَابا عَظِيما }‪.‬‬
‫غ ِ‬
‫جهَنّمُ خَالِدا فِيهَا وَ َ‬
‫فَجَزَآ ُؤهُ َ‬
‫وهنا نجد أكثر من مرحلة في العذاب‪ :‬جزاء جهنم‪ ،‬خُلود في النار‪ ،‬غَضب من ال‪ ،‬لعنة من ال‪،‬‬
‫إعداد من ال لعذاب عظيم‪ .‬فكأن جهنم ليست كل العذاب؛ ففيه عذاب وفيه خلود في النار وفيه‬
‫غضب وفيه لعنة ثم إعداد لعذاب عظيم‪ .‬وهذا ما نستعيذ بال منه‪ .‬فبعضنا يتصور أن العذاب هو‬
‫جهنم فحسب‪ ،‬وقد يغفل بعض عن أن هناك ألوانا متعددة من العذاب‪ .‬وفي الحياة نرى إنسانا يتم‬
‫حبسه فنظن أن الحبس هو كل شيء‪ ،‬ولكن عندما وصل إلى علمنا ما يحدث في الحبس عرفنا أن‬
‫فيه ما هو أشر من الحبس‪.‬‬
‫وهنا وقفة وقف العلماء فيها‪ :‬هل لهذا القاتل توبة؟ واختلف العلماء في ذلك‪ ،‬فعالم يقول‪ :‬ل توبة‬
‫لمثل هذا القاتل‪ .‬وعالم آخر قال‪ :‬ل‪ ،‬هناك توبة‪ .‬وجاء سيدنا ابن العباس وجلس في جماعة وجاء‬
‫واحد وسأله‪ :‬أللقاتل عمدا توبة؟ قال ابن العباس‪ :‬ل‪ .‬وبعد ذلك بمدة جاء واحد وسأل ابن العباس‪:‬‬
‫أللقاتل عمدا توبة؟ فقال ابن العباس‪ :‬نعم‪ .‬فقال جلساؤه‪ :‬كيف تقول ذلك وقد سبق أن قلت ل‪،‬‬
‫واليوم تقول نعم‪.‬‬
‫قال ابن العباس‪ :‬سائلي أولً كان يريد أن يقتل عمدا‪ ،‬أما سائلي ثانيا فقد قتل بالفعل‪ ،‬فالول‬
‫أرهبته والثاني لم أقَنّطه من رحمة ال‪.‬‬
‫وكيف فرق ابن العباس بين الحالتين؟ إنها الفطنة اليمانية والبصيرة التي يبسطها ال على المفتي‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فساعة يوجد النبي صلى ال عليه وسلم في صحابته يسأله واحد قائلً‪ " :‬أي السلم خير "؟ فيقول‬
‫صلوات ال عليه‪ " :‬تطعم الطعام وتقرأ السلم على من عرفت ومن لم تعرف " ويسأله آخر‬
‫فيجيبه بقوله‪ " :‬من سلم المسلمون من لسانه ويده " وهكذا كان عليه الصلة والسلم يجيب كل‬
‫سائل بما يراه أصلح لحاله أو حال المستمع‪ ،‬ويجيب كل جماعة بما هو أنفع لهم‪ ..‬ويسأله عبد ال‬
‫ابن مسعود رضي ال عنه‪ " :‬أي العمال أفضل؟ فيقول صلوات ال وسلمه عليه‪ " :‬الصلة على‬
‫ميقاتها‪ .‬قلت‪ :‬ثم ماذا يا رسول ال؟ قال‪ :‬أن يسلم الناس من لسانك " "‪.‬‬
‫ونعرف أن آية القتل العمد تتطلب المزيد من التفكر حول نصها " فجزاءه جهنم خالدا فيها "‪ .‬وهل‬
‫الخلود هو المكث طويلً أو على طريقة التأبيد‪ ..‬بمعنى أن زمن الخلود ل ينتهي؟ ولو أن زمن‬
‫الخلود ل ينتهي لما وصف الحق المكث في النار مرة بقوله‪ {:‬خَالِدِينَ فِيهَا }[آل عمران‪.]88 :‬‬
‫ومرة أخرى بقوله‪ {:‬خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَدا }[النساء‪.]169 :‬‬
‫هذا القول يدل على أن لفظ التأبيد في " أبدا " فيه ملحظ يزيد على معنى الخلود دون تأبيد‪ .‬وإذا‬
‫اتحد القولن في أن الخلود على إطلقه يفيد التأبيد‪ ،‬وأن } خَاِلدِينَ فِيهَآ أَبَدا { تفيد التأبيد أيضا‪،‬‬
‫فمعنى ذلك أن اللفظ " أبدا " لم يأت بشيء زائد‪ .‬والقرآن كلم ال‪ ،‬وكلم ال منزه عن العبث أو‬
‫التكرار‪ .‬إذن ل بد من وقفة تفيدنا أن الخلود هو المكث طويلً‪ ،‬وأن الخلود أبدا هو المكث طويلً‬
‫طولً ل ينتهي‪ ،‬وعلى ذلك يكون لنا فهم‪ .‬فكل لفظ من القرآن محكم وله معنى‪ .‬ثم إن كلمة "‬
‫ت لَ‬
‫خالدين " حين وردت في القرآن فإننا نجد الحق سبحانه وتعالى يقول في خلود النار‪َ {:‬يوْمَ يَ ْأ ِ‬
‫شهِيقٌ *‬
‫شقُواْ فَفِي النّارِ َلهُمْ فِيهَا َزفِيرٌ وَ َ‬
‫سعِيدٌ * فََأمّا الّذِينَ َ‬
‫ي وَ َ‬
‫ش ِق ّ‬
‫َتكَلّمُ َنفْسٌ ِإلّ بِإِذْ ِنهِ َفمِ ْنهُمْ َ‬
‫ت وَالَرْضُ ِإلّ مَا شَآءَ رَ ّبكَ إِنّ رَ ّبكَ َفعّالٌ ّلمَا يُرِيدُ }‬
‫سمَاوَا ُ‬
‫خَاِلدِينَ فِيهَا مَا دَا َمتِ ال ّ‬
‫[هود‪.]107-105 :‬‬
‫فكأن الحق سبحانه وتعالى استثنى من الخلود‪ِ } :‬إلّ مَا شَآءَ رَ ّبكَ { تفيد أن الخلود عندهم تنتهي‪.‬‬
‫ما دام هناك استثناء؛ فالستثناء ل بد له من زمن‪ ،‬والزمن مستثنى من الخلود وعلى ذلك ل يكون‬
‫الخولد تأبيديا‪.‬‬
‫وعلينا أن نتناول اليات بهذه الروح‪ ،‬وفي هذه المسألة نجد وقفة لعالم من أعلم العقائد في‬
‫العصر العباسي هو عمرو بن عبيد‪ ،‬وكان عمرو من العلماء الذين اشتهروا بالمحافظة على‬
‫كرامة العلم وعزة العلماء لدرجة أن خليفة ذلك الزمان قال عنه وسط بعض المنتسبين إلى العلم‪" :‬‬
‫كلهم طالب صيد إل عمرو بن عبيد " وقد كانت منزلته العلمية عالية ونفسه ذات عزة إيمانية تعلو‬
‫على صغائر الحياة‪ .‬وكان عمرو بن عبيد دقيق الرأي‪ ،‬ويحكى عنه قيس بن أنس هذه الحكاية‪:‬‬
‫كنت في مجلس عمرو بن عبيد فإذا بعمرو بن عبيد يقول‪ " :‬يؤتى بي يوم القيامة فيقال لي‪ :‬لم‬
‫جهَنّمُ خَالِدا فِيهَا { وكان يجب أن‬
‫قلت بأن قاتل العمد ل توبة له‪ .‬قال‪ :‬فقرأت الية‪ } :‬فَجَزَآ ُؤهُ َ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يلتفت عمرو بن عبيد إلى أن اللهام الذي جاءه أو الرؤيا التي أراها له ال بأنه سوف يؤتي به‬
‫يوم القيامة ليسأل لماذا أفتى بأل توبة لقاتل العمد‪ ،‬كان يجب أن يلتفت إلى أن ذلك يتضمن أن‬
‫لقاتل العمد توبة؛ لن سؤاله عن ذلك يوم القيامة يشير إلى عتاب في ذلك‪.‬‬
‫نقول ذلك لنعرف أنّ الحق سبحانه وتعالى جعل فوق كل ذي علم عليما‪ ..‬ولكنّ عمرا ذكر ما جاء‬
‫جهَنّمُ خَالِدا فِيهَا {‪ .‬وقال قيس بن أنس‪ :‬وكنت أصغر الجالسين سنا‪،‬‬
‫في قول الحق‪ } :‬فَجَزَآ ُؤهُ َ‬
‫جهَنّمُ خَالِدا فِيهَا { وقلت أيضا‪ {:‬إِنّ اللّهَ لَ َي ْغفِرُ‬
‫فقلت له‪ :‬لو كنت معك لقلت كما قلت‪َ } :‬فجَزَآ ُؤهُ َ‬
‫أَن يُشْ َركَ ِب ِه وَ َيغْفِرُ مَا دُونَ ذَِلكَ ِلمَن يَشَآءُ }[النساء‪.]48 :‬‬
‫قال قيس‪ :‬فوال ما رد على عمرو بن عبيد ما قلت‪ :‬ومعنى ذلك موافقة عمرو بن عبيد‪.‬‬
‫ماذا تفيد هذه؟‪ .‬تفيد أل نأخذ كلمة } خَالِدا فِيهَا { بمعنى التأبيد الذي ل نهاية له؛ لن ال قد استثنى‬
‫من الخلود في آية أخرى‪.‬‬
‫والحق سبحانه وتعالى بعد أن شرح حكم القتل العمد والقتل الخطأ‪ ،‬بحث العلماء ووجدوا أن هناك‬
‫قتلً اسمه " شبه العمد " أي أنه ل عمد ول خطأً‪ ،‬كأن يأتي إنسان إنسانا آخر ويضربه بآلة ل‬
‫تقتل عادة فيموت مقتولً‪ ،‬وهنا يكون العمد موجودا‪ ،‬فالضارب يضرب‪ ،‬ويمسك بآلة ويضرب‬
‫بها‪ ،‬وصادف أن تقتل اللة التي ل تقتل غالبا‪ ،‬وقال العلماء‪ :‬القتل معه ل به‪ ،‬فل قصاص‪ ،‬ولكن‬
‫فيه دية‪.‬‬
‫وأراد الحق سبحانه وتعالى أن يوضح‪ :‬بعد ما حدث وحدثتكم عن القتل بكل صوره وألوانه سواء‬
‫أكان القتل مباحا كقتل المسلمين الكافرين في الحرب بينهما‪ ،‬أم القتل العمد‪ ،‬أم القتل الخطأ‪ ،‬أم‬
‫القتل شبه العمد‪ ،‬لذلك ينبهنا‪ :‬يجب أن تحتاطوا في هذه المسألة احتياطا لتتبينوا أين تقع سيوفكم‬
‫من رقاب إخوانكم‪ ،‬فيقول‪ } :‬يَا أَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْ ُتمْ‪.{ ...‬‬

‫(‪)374 /‬‬
‫ستَ ُم ْؤمِنًا‬
‫يَا أَ ّيهَا الّذِينَ َآمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيّنُوا وَلَا َتقُولُوا ِلمَنْ أَ ْلقَى إِلَ ْيكُمُ السّلَامَ لَ ْ‬
‫تَبْ َتغُونَ عَ َرضَ ا ْلحَيَاةِ الدّنْيَا َفعِنْدَ اللّهِ َمغَانِمُ كَثِي َرةٌ كَذَِلكَ كُنْ ُتمْ مِنْ قَ ْبلُ َفمَنّ اللّهُ عَلَ ْي ُكمْ فَتَبَيّنُوا إِنّ اللّهَ‬
‫كَانَ ِبمَا َت ْعمَلُونَ خَبِيرًا (‪)94‬‬

‫فيأيها المؤمنون حين تضربون في سبيل ال فتبينوا وتثبتوا فل تعمل سيوفكم أو رماحكم أو‬
‫ستَ ُم ْؤمِنا تَبْ َتغُونَ عَ َرضَ ا ْلحَيَاةِ‬
‫لمَ لَ ْ‬
‫سهامكم إل بعد أن تتثبتوا‪َ { :‬ولَ َتقُولُواْ ِلمَنْ أَ ْلقَى إِلَ ْي ُكمُ السّ َ‬
‫الدّنْيَا َفعِ ْندَ اللّهِ َمغَانِمُ كَثِي َرةٌ كَذاِلكَ كُنْتُمْ مّن قَ ْبلُ َفمَنّ اللّهُ عَلَ ْيكُمْ فَتَبَيّنُواْ إِنّ اللّهَ كَانَ ِبمَا َت ْعمَلُونَ‬
‫خَبِيرا }‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إذن فهذه آية تجمع بين كل المعاني‪ ،‬ففيها الحكم وحيثيته والمراد منه‪ ،‬وسبحانه يبدأها بقوله‪ { :‬يَا‬
‫أَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ } ‪ ،‬والخطاب اليماني حيثية اللتزام بالحكم‪ ،‬فلم يقل‪ " :‬يا أيها الناس إذا ضربتم‬
‫فتبينوا " ‪ ،‬ولكنه قال‪ { :‬يَا أَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ ِإذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيّنُواْ } ‪ ،‬فهو يطلب‬
‫المؤمنين به بحكم لنهم آمنوا به إلها‪ ،‬وما داموا قد آمنوا فعليهم اتباع ما يطلبه ال‪ .‬فحيثية كل‬
‫حكم من الحكام أن المؤمن قد آمن بمن أصدر الحكم‪ ،‬فإياك أيها المؤمن أن تقول‪ " :‬ما العلة " أو‬
‫" ما الحكمة " وذلك حتى ل تدخل نفسك في متاهة‪ .‬ول نزال نكرر هذه المسألة‪ ،‬لن هذه المسألة‬
‫تطفو في أذهان الناس كثيرا‪ ،‬ويسأل بعضهم عن حكمة كل شيء‪ ،‬ولذلك نقول‪ :‬الشيء إذا عرفت‬
‫حكمته صرت إلى الحكمة ل إلى المر بالحكم‪.‬‬
‫ونرىالن المسرفين على أنفسهم الذين ل يؤمنون بإله‪ ،‬أو يؤمنون بال ولكنهم ارتكبوا الكبائر من‬
‫شهادة زور‪ ،‬إلى ربا‪ ،‬إلى شرب خمر‪ ،‬وعندما يحلل الطباء للكشف عن كبد شارب الخمر ‪-‬‬
‫على سبيل المثال ‪ -‬نجده قد تليف‪ ،‬وأن أي جرعة خمر ستسبب الوفاة‪ .‬هنا يمتنع عن شرب‬
‫الخمر‪ .‬لماذا امتنع؟‪ .‬لنه عرف الحكمة‪ .‬وقد يكون قائلها له مجوسيا‪ ،‬فهل كان امتناعه عن الحكم‬
‫تنفيذا لمر إلهي؟‪ .‬ل‪ ،‬ولكن المؤمن يمتنع عن الخمر لنها حرمت بحكم من ال والمؤمن ينفذ كل‬
‫الحكام حتى في الشياء غير الضارة‪ ،‬فمن الذي قال‪ :‬إن ال ل يحرم إل الشيء الضار؟ إنه قد‬
‫يحرم أمرا تأديبا للنسان‪ .‬ونضرب هذا المثل ‪ -‬ول المثل العلى ‪ -‬نجد الزوج يقول لزوجه‪:‬‬
‫إياك أن تعطي ابننا بعضا من الحلوى التي أحضرتها‪ .‬هو يحرم على ابنه الحلوى ل لنها ضارة‪،‬‬
‫ولكنه يريد تأديب البن والتزامه‪.‬‬
‫ظلْمٍ مّنَ الّذِينَ هَادُواْ حَ ّرمْنَا عَلَ ْيهِمْ طَيّبَاتٍ أُحِّلتْ َل ُهمْ }[النساء‪.]160 :‬‬
‫والحق يقول‪ {:‬فَبِ ُ‬
‫فالذي يذهب إلى تنفيذ حكم ال إنما يذهب إليه لن ال قد قاله‪ ،‬ل لن حكمة الحكم مفيدة له‪ ،‬فلو‬
‫ذهب إنسان إلى الحكم من أجل فائدته أو ضرره فإن اليمان يكون ناقصا‪ ،‬وال يدير في كثير من‬
‫الوقات حكمته في الحكام حتى يرى النسان وجها من الوجوه الل نهائية لحكمة ال التي خفيت‬
‫عليه‪ ،‬فيقول النسان‪ :‬أنا كنت أقف في حكمة كذا‪ ،‬ثم بينت لي الحداث واليام صدق ال فيما‬
‫قال‪.‬‬
‫وهذا يشجع النسان أن يأخذ أحكام ال وهو مسلّم بها‪.‬‬
‫والحق يقول‪ } :‬يَا أَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ { واليمان هو الحيثية‪ ،‬يا من آمنت بي إلها قادرا حكيما‪..‬‬
‫اسمع مني ما أريده منك‪ } :‬يَا أَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ ِإذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ { والضرب ‪ -‬كما نعرف‬
‫ هو انفعال الجارحة على شيء آخر بعنف وقوة‪ .‬وقوله‪ {:‬وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الَ ْرضِ }[النساء‪:‬‬‫‪.]101‬‬
‫معناها أن الحياة كلها حركة وانفعال‪ ،‬ولماذا الضرب في الرض؟‪ .‬لن ال أودع فيها كل أقوات‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الخلق‪ ،‬فحين يحبون أن يُخرجوا خيراتها؛ يقومون بحرثها حتى يهيجوها‪ ،‬ويرموا البذور‪ ،‬وبعد‬
‫ذلك الرّي‪ .‬ومن بعد ذلك تخرج الثمار‪ ،‬وهذه هي عملية إثارة الرض‪ .‬إذن كل حركة تحتاج إلى‬
‫ضلِ اللّهِ }[المزمل‪:‬‬
‫شدة ومكافحة‪ ،‬والحق يقول‪ {:‬وَآخَرُونَ َيضْرِبُونَ فِي الَ ْرضِ يَبْ َتغُونَ مِن َف ْ‬
‫‪.]20‬‬
‫وما دامت المسألة ضربا في الرض فهي تحتاج إلى عزم من النسان وإلى قوة‪.‬‬
‫ولذلك يقال‪ :‬الرض تحب من يهينها بالعزق والحرث‪ .‬وكلما اشتدت حركة النسان في الرض‬
‫أخرجت له خيرا‪ .‬والضرب في سبيل ال هو الجهاد‪ ،‬أو لعداد مقومات الجهاد‪ .‬والحق سبحانه‬
‫طعْتُمْ مّن ُق ّوةٍ }[النفال‪.]60 :‬‬
‫يقول لنا‪ {:‬وَأَعِدّواْ َل ُهمْ مّا اسْ َت َ‬
‫فالعداد هو أمر يسبق المعارك‪ ،‬وكيف يتم العداد؟‬
‫أن نقوم بإعداد الجسام‪ ،‬والجسام تحتاج إلى مقومات الحياة‪ .‬وأن نقوم بإعداد ال ُعدُد‪ .‬والعدد‬
‫تحتاج إلى بحث في عناصر الرض‪ ،‬وبحث في الصناعات المختلفة لنختار الفضل منها‪ .‬وكل‬
‫عمليات العداد تطلب من النسان البحث والصنعة‪ .‬ولذلك يقال في الثر الصالح‪:‬‬
‫" إن السهم الواحد في سبيل ال يغفر ال به لربعة "‪.‬‬
‫لماذا؟‪ .‬لن هناك إنسانا قام بقطع الخشب الذي يتم منه صناعة السهم وصقله‪ ،‬وهناك إنسان وضع‬
‫للسهم الريش حتى يطيره إلى المام‪ ،‬وهناك واضع النّبْل‪ ،‬وهناك من يرمي السهم بالقوس‪.‬‬
‫والحق يريد منا أن نكون أقوياء حتى يكون الضرب منا قويا‪ ،‬فيقول‪ِ } :‬إذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ‬
‫فَتَبَيّنُواْ { ونعرف أن الضرب في سبيل ال ل يكون في ساعة الجهاد فقط‪ ،‬ولكن في كل أحوال‬
‫الحياة؛ لن كل ما ل يتم الواجب إل به فهو واجب‪ .‬و " تبينوا " تعني أل تأخذوا المور‬
‫بظواهرها فل تمضوا أمرا أو تعملوا عملً إل إذا تثبتم وتأكدتم حتى ل يصيب المؤمنون قوما‬
‫بظلم‪.‬‬
‫ولهذا المر قصة‪ " ،‬كان هناك رجل اسمه " محلّم بن جَثّامة " ‪ ،‬وكان بينه وبين آخر اسمه "‬
‫عامر بن الضبط الشجعي " إحن ‪ -‬أي شيء من البغضاء ‪ -‬وبعد ذلك كان " محلم " في سرية‪،‬‬
‫وهي بعض من الجند المحدود العدد وصادف " عامرا الشجعي " ‪ ،‬وكان " عامر " قد أسلم‪ ،‬لذلك‬
‫ألقى السلم إلى " محلّم " فقال " محلم "‪ :‬إن عامرا قد أسلم ليهرب مني‪ .‬وقتل محلم عامرا‪ .‬وذهب‬
‫إلى رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وسأله الرسول‪ :‬ولماذا لم تتبين؟‪ .‬ألم يلق إليك السلم‪ ،‬فكيف‬
‫تقول إنه يقول‪ " :‬السلم عليكم " لينقذ نفسه من القتل؟‬
‫فقال‪ " :‬محلّم "‪ :‬استغفر لي يا رسول ال‪.‬‬
‫وإذا ما قال أحد لرسول ال‪ :‬استغفر لي يا رسول ال‪ ..‬فرسول ال ببصيرته اليمانية يعرف على‬
‫الفور حالَ طالبِ الستغفار‪ ،‬فإن قال رسول ال‪ " :‬غفر ال لك " فهو يعلم أنه كان معذورا‪ ،‬وإن‬
‫لم يقل رسول ال ذلك‪ ،‬فيعرف طالب الستغفار أنه مذنب‪ .‬ولن بين " محلم " و " عامر " إحنا‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وعداوات قال رسول ال صلى ال عليه وسلم لمحلم‪ " :‬ل غفر ال لك "؛ لن الرسول صلى ال‬
‫عليه وسلم علم أن الحَنَ والبغضاء هي التي جعلته ل يدقق في أمر " عامر "‪.‬‬
‫وقال الرواة‪ :‬ومات محلّم بعد سبعة أيام من هذه الحادثة‪ ،‬ودفنوه فلفظته الرض‪ .‬فجاءوا إلى النبي‬
‫صلى ال عليه وسلم فذكروا ذلك له فقال‪ " :‬إن الرض تقبل مَن هِو شر من صاحبكم ولكن ال‬
‫أراد أن يعظكم‪ ،‬ثم طرحوه بين صدفي جبل وألقوا عليه الحجارة " "‪.‬‬

‫وعندما كانت تأتي آية مخالفة لنواميس الدنيا المفهومة للناس فالنبي يريد أل يفتتن الناس في هذه‬
‫اليات‪ ،‬ومثال ذلك عندما مات إبراهيم ابن النبي‪ ..‬انكسفت الشمس‪ ..‬وقال الناس‪ :‬انكسفت‬
‫الشمس من أجل ابن رسول ال‪ .‬ولكن لن المسألة مسألة عقائد فقد وضحها رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم كما جاء في الحديث الشريف‪:‬‬
‫عن المغيرة بن شعبة قال‪ :‬كسفت الشمس على عهد رسول ال صلى ال عليه وسلم يوم مات‬
‫إبراهيم‪ ،‬فقال الناس‪ :‬كسفت الشمس لموت إبراهيم‪ ،‬فقال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ " :‬إن‬
‫الشمس والقمر ل ينكسفان لموت أحد ول لحياته فإذا رأيتم فصلوا وادعوا ال "‪.‬‬
‫لقد قالوا ذلك تكريما لرسول ال وابنه إبراهيم‪ ،‬ولكن الرسول يريد أن يصحح للناس مفاهيمهم‬
‫وعقائدهم‪ .‬وكذلك عندما لفظت الرض " محلم " حتى ل يفتتن أحد ول يقولن أحد‪ .‬إن كل من ل‬
‫تلفظه الرض هو حسن العمل‪ ،‬فهناك كفار كثيرون قد دفنوا ولم يلفظوا‪ .‬لذلك قال رسول ال‪ :‬إن‬
‫الرض قبلت من هو شر من " محلم " ولكن ال أراد أن يعظ الناس حتى ل يعودوا لمثلها‪ ،‬ولو لم‬
‫يقل ذلك‪ ،‬فماذا كان يحدث؟‪ .‬قد تحدث هِزة قليلة في جزئية ولظن الناس وقالوا‪ :‬إن كل من لم‬
‫تلفظه الرض فهو حسن العمل‪ ،‬ولكان أبو جهل في حال ل بأس به‪ ،‬وكذلك الوليد بن المغيرة‪.‬‬
‫لكن الرسول صلى ال عليه وسلم يضع مثل هذه المور في وضعها الصحيح؛ لذلك قال‪ :‬إن‬
‫الرض تقبل من هو شر من " محلم " ‪ ،‬ولكن ال أراد أن يعظ القوم ألّ يعودوا‪.‬‬
‫ستَ ُم ْؤمِنا‬
‫} يَا أَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيّنُو ْا َولَ َتقُولُواْ ِلمَنْ أَ ْلقَى إِلَ ْيكُمُ السّلَمَ لَ ْ‬
‫{‪.‬‬
‫وعلى ذكر ذلك قال لي أخ كريم‪ :‬كنت أسمع إحدى الذاعات وأخطأوا وقالوا (فتثبتوا) بدل من‬
‫(فتبينوا) في قوله الحق‪ {:‬إِن جَآ َءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيّنُواْ }[الحجرات‪.]6 :‬‬
‫وأقول‪ :‬هذه قراءة من القراءات‪ ،‬والمعاني دائما ملتقية‪ ،‬فـ " تبين " معناها " طلب البيان ليَثبت "‪.‬‬
‫ونعرف أن القرآن قد نزل على سبعة أحرف‪ ،‬وكتابة القرآن كانت بغير نقط وبغير شكل‪ ،‬وهذا‬
‫حال غير حالنا؛ حيث نجد الحروف قد تم تشكيلها بالفتحة والضمة والكسرة‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ونحن نعرف أن هناك حروفا مشتبهة الصورة‪ .‬فـ " الباء " تتشابه مع كل من " الياء " ‪ ،‬والـ "‬
‫نون " والـ " تاء " والـ " ثاء " ‪ ،‬ولم تكن هذه النقط موجودة‪ ،‬ولم تكن هذه العلمات موجودة‬
‫قبل الحجاج الثقفي‪ ،‬وكانوا يقرأون من ملكة العربية ومن تلقين واتباع للوحي‪ ،‬ولذلك‪ " :‬فتبينوا "‬
‫ممن تتكون؟ تتكون من‪ " :‬الـ " فاء " ولم يحدث فيها خلف‪ ،‬والـ " تاء " وبقية الحروف هي‬
‫الـ " باء " والـ " ياء " والـ " نون "‪.‬‬
‫وكل واحدة من هذه الحرف تصلح أن تجعلها " تثبتوا " بوضع النقاط أو تجعلها " تبينوا " ‪ ،‬إنه‬
‫خلف في النقط‪ .‬ولو حذفنا النقط لقرآناها على أكثر من صورة‪ ،‬والذي نتبعه في ذلك هو ما ورد‬
‫عن الوحي الذي نزل على رسول ال صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫ولذلك عندما جاءوا بشخص لم يكن يحفظ القرآن وأحضروا له مصحفا ليقرأ ما فيه فقال‪( :‬صنعة‬
‫ال ومن أحسن من ال صنعة)‪.‬‬
‫ولم يحدث خلف في الـ " صاد " ولكن حدث خلف في الـ " باء " فهي صالحة لتكون باءً أو‬
‫نونا‪ ،‬وكذلك " الغين " يمكن أن تكون " عيْنا " وقراءة هذه الية في قراءة " حفص "‪ {.‬صِ ْبغَةَ اللّهِ‬
‫َومَنْ َأحْسَنُ مِنَ اللّ ِه صِ ْبغَةً }[البقرة‪.]138 :‬‬
‫وعندما قرأها النسان الذي ل يجيد حفظ القرآن قال‪( :‬صنعة ال ومن أحسن من ال صنعة)‪.‬‬
‫والمعنى واحد‪.‬‬
‫ولكن قراءة القرآن توقيفية‪ ،‬واتباع للوحي الذي نزل به جبريل ‪ -‬عليه السلم ‪ -‬من عند ال على‬
‫رسوله ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬ول يصح لحد أن يقرأ القرآن حسب ما يراه وإن كانت صورة‬
‫الكلمة تقبل ذلك وتتسع له ول تمنعه‪ ،‬ولذا قالوا‪ :‬أن للقراءة الصحيحة أركانا هي‪:‬‬
‫‪ - 1‬أن تكون موافقة لوجه من وجوه اللغة العربية‪.‬‬
‫‪ - 2‬أن تكون موافقة لرسم أحد المصاحف العثمانية‪.‬‬
‫‪ - 3‬أن يصح إسنادها إلى رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬بطريق يقيني متواتر ل يحتمل‬
‫الشك‪.‬‬
‫وهذه الضوابط نظمها صاحب طيبة النشر فقال‪:‬وكل ما وافق وجه نحو وكان للرسم احتمال‬
‫يحويوصح إسنادا هو القرآن فهذه الثلثة الركانوقوله تعالى‪ {:‬قَالَ عَذَابِي ُأصِيبُ بِهِ مَنْ َأشَآءُ }‬
‫[العراف‪.]156 :‬‬
‫هذه هي قراءة " حفص " وقرأ الحسن‪( :‬قال عذابي أصيب به من أساء)‪.‬‬
‫صحيح أن كلمة " أساء " وهي من الساءة فيها ملحظ آخر للمعنى‪ ،‬لكن القراءة الخرى لم تبعد‬
‫بالمعنى‪ ،‬وعلى ذلك فكلمة " فتبينوا " ُتقْرَأُ مرة " فتثبتوا " ومرة تقرأ " فتبينوا " ‪ ،‬سواء في هذه‬
‫سقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيّنُواْ }‬
‫الية التي نحن بصددها‪ ،‬أو في الية التي يقول فيها الحق‪ {:‬إِن جَآ َءكُمْ فَا ِ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫[الحجرات‪.]6 :‬‬
‫و " التبين " القصد منه التثبت‪ ،‬والتبين يقتضي الذكاء والفطنة فيرى ملمح إيمان من ألقى إليه‬
‫بالسلم‪َ {:‬ولَ َتقُولُواْ ِلمَنْ أَ ْلقَى إِلَ ْيكُمُ السّلَمَ }[النساء‪.]94 :‬‬
‫فالمسلم يجب أن يفطن كيل يأخذ إنسانا بالشبهات‪ ،‬ولذلك نجد النبي يحزم المر مع أسامة بن زيد‬
‫الذي قتل واحدا بعد أن أعلن هذا الواحد إسلمه‪ ،‬فقال له النبي صلى ال عليه وسلم‪ " :‬فكيف بل‬
‫إله إل ال‪ .‬هل شققت عن قلبه "‪.‬‬
‫ويقول إسامة للرسول‪ :‬لقد قال الشهادة ليحمي نفسه من الموت‪ .‬وتكون الجابة‪ :‬هل شققت قلبه‬
‫فعرفت‪ ،‬فكيف بل إله إل ال؟! فلقول‪ " :‬ل إله إل ال " حرمة‪.‬‬
‫وقد روى أن الذي نزلت فيه هذه الية هو محلم بن جثامة‪ ،‬وقال بعضهم‪ :‬أسامة بن زيد‪ ،‬وقيل‬
‫ستَ ُم ْؤمِنا { وقال‪:‬‬
‫لمَ لَ ْ‬
‫غير ذلك‪ .‬عن ابن عباس رضي ال عنهما } َولَ َتقُولُواْ ِلمَنْ أَ ْلقَى إِلَ ْي ُكمُ السّ َ‬
‫كان رجل في غنيمة له فلحقه المسلمون فقال‪ :‬السلم عليكم فقتلوه وأخذوا غنيمته‪ ،‬فأنزل ال في‬
‫ستَ ُمؤْمِنا {‪.‬‬
‫ذلك‪ } :‬وَلَ َتقُولُواْ ِلمَنْ َأ ْلقَى إِلَ ْيكُمُ السّلَمَ َل ْ‬
‫وأهل العلم بال يقولون‪ :‬نجاة ألف كافر خير من قتل مؤمن واحد بغير حق‪.‬‬
‫وجاء في بعض الروايات الخرى أنه المقداد‪ ،‬وذلك فيما رواه البزار بسنده عن ابن عباس رضي‬
‫ال عنهما قال‪ :‬بعث رسول ال صلى ال عليه وسلم سرية فيها المقداد بن السود فلما أتوا القوم‬
‫وجدوهم قد تفرقوا وبقي رجل له مال كثير لم يبرح‪ ،‬فقال أشهد أن ل إله إل ال‪ ،‬وأهوى إليه‬
‫المقداد فقتله فقال له رجل من أصحابه‪ :‬أقتلت رجل شهد أن ل إله إل ال‪ ،‬وال لذكرن ذلك للنبي‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فلما قدموا على رسول ال صلى ال عليه وسلم قالوا يا رسول ال‪ :‬إن‬
‫رجل شهد أن ل إله إل ال فقتله المقداد فقال‪ :‬ادعوا لي المقداد‪.‬‬
‫يا مقداد أقتلت رجل يقول‪ :‬ل إله إل ال؟ فكيف لك بل إله إلا ال غدا؟ قال‪ :‬فأنزل ال } يَا أَ ّيهَا‬
‫الّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْ ُتمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ {‪.‬‬
‫ستَ ُم ْؤمِنا‬
‫} يَا أَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيّنُو ْا َولَ َتقُولُواْ ِلمَنْ أَ ْلقَى إِلَ ْيكُمُ السّلَمَ لَ ْ‬
‫تَبْ َتغُونَ عَ َرضَ ا ْلحَيَاةِ الدّنْيَا { و " ألقي إليكم السلم " يعني جاءكم مستسلما‪ ،‬أو قال تحية‬
‫المسلمين‪ ،‬وليس من حق أن يلقي التهام بعدم اليمان على من جاء مسلما‪ ،‬أو يقول بتحية‬
‫السلم‪.‬‬
‫وكلمة " عرض " إذا ما سمعناها‪ ،‬فلنعلم أنها في المعنى اللغوي‪ :‬كل ما يعرض ويزول وليس له‬
‫دوام أو استقرار أو ثبات‪ .‬ونحن البشر أعراض؛ لنه ليس لنا دوام أبدا‪ ،‬ويقال‪ :‬إن النسان‬
‫عرض إذا ما قاس الواحد منا نفسه بالنسبة للكون؛ لن الكون ل يتم بناؤه على النسان؛ فالكون‬
‫كله الذي نراه هو عرض وسيأتي يوم ويزول‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والعرض بالنسبة للنسان أن الواحد منا قد يرى نفسه صحيحا أو سقيماَ‪ ،‬هنا تكون الصحة عرضا‬
‫وكذلك المرض‪ ،‬وكذلك السمنة والنحافة‪ ،‬ولون البشرة إذا ما لوحته الشمس قد يتغير أبيض إلى‬
‫أسمر‪ ،‬وكذلك الغنى والفقر‪ .‬وكل شيء يمكن أن يذهب في النسان ويجيء هو عرض بالنسبة‬
‫للنسان‪ ،‬ويكون النسان جوهرا بالنسبة له‪ .‬فإذا قسنا النسان بالنسبة إلى ثابت عنه‪ ،‬فالنسان‬
‫للِ‬
‫عرض‪ ،‬فهذا أمر نسبي‪ ،‬وإلّ فكل شيء عرض‪ ،‬وكل شيء زائل } وَيَبْقَىا وَجْهُ رَ ّبكَ ذُو الْجَ َ‬
‫وَالِكْرَامِ {‪.‬‬
‫ستَ ُم ْؤمِنا تَبْ َتغُونَ عَ َرضَ ا ْلحَيَاةِ الدّنْيَا {‪ .‬وعرض الحياة الدنيا‬
‫لمَ لَ ْ‬
‫} َولَ َتقُولُواْ ِلمَنْ أَ ْلقَى ِإلَ ْيكُمُ السّ َ‬
‫هنا هو أن يطمع القاتل فيما يملكه الذي يلقي السلم‪ ،‬وقد يكون عرض الحياة الدنيا ‪ -‬هنا ‪ -‬هو‬
‫كبرياء نفس النسان عندما ينتقم من إنسان بينه وبينه إحن أو بغضاء‪.‬‬
‫وعندما نجد كلمة " عرض " وهذا العرض في " الحياة الدنيا " نفهم ‪ -‬إذن ‪ -‬أنه عرض فيما ل‬
‫قيمة له‪ .‬ولذلك نجد الشاعر يعبر عن مشاعر النسان حينما يحزن لفقدان شيء كان عنده‪ ،‬وينسى‬
‫النسان أنه هو شخصيا معرض للموت‪ ،‬أي للذهاب عن الدنيا فيقول‪:‬نفسي التي تملك الشياء‬
‫ذاهبة فكيف آسي على شيء لها ذهباوكذلك عرض الحياة الدنيا‪ .‬ونفهم كلمة " دنيا " على أساس‬
‫الشتقاق‪ ،‬فهي من " الدنو " ومقابله " العلو " ومقابل " الدنيا " هو " العليا "‪ .‬ومن ُيقَوّم عرض‬
‫الحياة الدنيا التقويم الصحيح فهو يملك الذكاء والحكمة والفطنة؛ لذلك ل يأخذ هذا العرض ممن‬
‫سيقتله عندما يلقي إليه بالسلم؛ لنه يستخدم البصيرة اليمانية ويأخذ الحياة الدنيا ممن خلقها‪.‬‬
‫والعاقل حتى لو أراد الحياة الدنيا فهو يطلبها من صاحب الحياة كلها‪ ،‬ول يأخذها من إنسان مثله‪،‬‬
‫فالحياة الدنيا ل تنفعه؛ بدليل أنه معرض للقتل‪.‬‬
‫} تَبْ َتغُونَ عَ َرضَ ا ْلحَيَاةِ الدّنْيَا َفعِ ْندَ اللّهِ َمغَا ِنمُ كَثِي َرةٌ { والحق سبحانه وتعالى ساعة يخاطب النفس‬
‫البشرية التي خلقها‪ ،‬ويعلم تعلقها بالشياء التي تنفعها أو تطيل نفعها‪ ،‬مثال ذلك‪ :‬أنّ النسان يكون‬
‫سعيدا إذا ما ملك غداءه‪ ،‬وتكون سعادته أكثر إذا امتلك الغداء والعشاء‪ ،‬ويكون أكثر سعادة‬
‫واطمئنانا عندما يملك في مخزن طعامه ما يقيت شهرا أو عاما‪ ،‬ويكون أكثر إشراقا عندما يمتلك‬
‫أرضا يأخذ منها الرزق‪ ،‬ويمتلكها أولده من بعده‪.‬‬
‫إذن فالنسان يحب الحياة لنفسه‪ ،‬ويحب امتداد حياته في غيره‪ ،‬ولذلك يحزن النسان عندما ل‬
‫يكون له أولد؛ فهو يعرف أنه ميت ل محالة‪ ،‬لذلك فهو يتمنى أن تكون حياته موصولة في ابنه‪،‬‬
‫وإن جاء لبنه ابن وصار للنسان حفيد فهو يسعد أكثر؛ لن ذكره يوجد في جيلين‪ .‬ونقول لمثل‬
‫هذا النسان‪ :‬لنفرض أنك ستحيا ألف جيل‪ ،‬لكن ماذا عن حالتك في الخرة‪َ ،‬ألَ تُ َنشّئ ولدك على‬
‫الصلح حتى يدعو لك؟‬
‫ولذلك يفاجئ الحق النفس البشرية التي تهفو إلى المغانم‪ ،‬ويكشفها أمام صاحبها‪ ،‬فيأتي بالحكم‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الذي يُظهر الخواطر التي تجول في النفس ساعة سماع الحكم‪ .‬وعندما أراد سبحانه أن يُحرم‬
‫دخول المشركين البيت الحرام‪ ،‬وسبحانه يعلم خفايا النفوس؛ لن المشركين حين يدخلون البيت‬
‫الحرام بتجاراتهم وأموالهم إنما يدخلون مكة من أجل موسم اقتصادي يبيعون فيه البضائع التي‬
‫يعيشون من ريعها وربحها طوال العام‪ .‬وساعة يحرم سبحانه دخول المشركين إلى البيت الحرام‪،‬‬
‫يعلم أن أهل الحرم ساعة يسمعون هذا الحكم سيتذكرون مكاسبهم من التجارة‪ ،‬فقال‪ {:‬إِ ّنمَا‬
‫سجِدَ الْحَرَامَ َبعْدَ عَا ِمهِمْ هَـاذَا }[التوبة‪.]28 :‬‬
‫ا ْلمُشْ ِركُونَ نَجَسٌ فَلَ َيقْرَبُواْ ا ْلمَ ْ‬
‫خفْتُمْ‬
‫وقبل أن يقول أهل الحرم في أنفسهم‪ :‬وكيف نعيش ونصرف بضائعنا؟‪ ،‬يتابع سبحانه‪ {:‬وَإِنْ ِ‬
‫سوْفَ ُيغْنِيكُمُ اللّهُ مِن َفضْلِهِ }[التوبة‪.]28 :‬‬
‫عَيْلَةً َف َ‬
‫وبذلك يكشف الحق أمام النفوس خواطرها الدفينة؛ فهو العليم بأن الحكم ساعة ينزل ما الذي‬
‫سيحدث في أذهان سامعيه؛ فهو خالقهم‪ ،‬ولذلك فل أحد له من بعد ذلك تعليق!‬
‫وقوله الحق‪ } :‬تَبْ َتغُونَ عَ َرضَ ا ْلحَيَاةِ الدّنْيَا { ينطبق في كل عصر وفي كل زمان‪ .‬ويقول الحق‬
‫بعد ذلك‪َ } :‬فعِنْدَ اللّهِ َمغَانِمُ كَثِي َرةٌ {‪ .‬فسبحانه الرزّاق الوهاب‪ .‬ولذلك أنا أحب أن يزين الناس‬
‫س ْوفَ ُيغْنِيكُمُ اللّهُ مِن َفضْلِهِ }‬
‫خفْتُمْ عَيْلَةً فَ َ‬
‫أماكنهم ومساكنهم بلوحات فنية مكتوب عليها‪ {:‬وَإِنْ ِ‬
‫[التوبة‪.]28 :‬‬
‫وكذلك قول الحق‪ {:‬تَبْ َتغُونَ عَ َرضَ الْحَيَاةِ الدّنْيَا َفعِنْدَ اللّهِ َمغَانِمُ كَثِي َرةٌ }[النساء‪.]94 :‬‬
‫لعل ذلك يمس قلوب من بيدهم المر‪ ،‬فيلتفتوا إلى ال‪ .‬وبعد ذلك يقول الحق‪ } :‬كَذاِلكَ كُنْتُمْ مّن‬
‫قَ ْبلُ َفمَنّ اللّهُ عَلَ ْيكُمْ فَتَبَيّنُواْ إِنّ اللّهَ كَانَ ِبمَا َت ْعمَلُونَ خَبِيرا {‪.‬‬
‫وفي هذا دعوة لن يمر من نزل فيهم القرآن بتاريخهم القريب ويسترجعوا ماضيهم‪ ،‬فلماذا يتهم‬
‫المسلم أخاه الذي يلقي السلم بأنه مازال كافرا ول يفكر أن الذي ألقى إليه السلم هو إنسان يستر‬
‫إسلمه بين أهله لنهم كفار؟ وكان المسلم يمر بهذه الحالة عند بداية السلم؛ كان المسلم يستر‬
‫إسلمه عن أهله الذين كانوا كافرين‪.‬‬
‫وكان المسلمون الوائل قلة مستذلة تداري إيمانها‪ ،‬فهل سلط ال عليهم أحدا يجترئ على التفتيش‬
‫على النوايا؟ إذن فمثلما حدث لكم قدروه لخوانكم‪.‬‬
‫} كَذاِلكَ كُنْتُمْ مّن قَ ْبلُ َفمَنّ اللّهُ عَلَ ْيكُمْ { والحق يمن عليهم بأنهم صاروا أهل رفعة بكلمة السلم‪،‬‬
‫وصار المسلم منهم يمشي عزيز الجانب ول يجرؤ واحد أن يوجه إليه أي شيء‪ .‬ويأتي سبحانه‬
‫هنا بكلمة " فتبينوا " مرة أخرى بعد أن قالها في صدر الية‪ .‬وكان مقصودا بها أل يقتل مسلم‬
‫إنسانا ألقى السلم لمجرد أن المسلم يفكر في المسألة القتصادية‪ ،‬وها هوذا يعيد سبحانه كلمة "‬
‫تبينوا " ‪ ،‬لقد جاءت أولً كتمهيد للحيثية‪ ،‬وهي قوله‪ } :‬تَبْ َتغُونَ عَ َرضَ ا ْلحَيَاةِ الدّنْيَا { وتأتي هاهنا‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫نتيجة للحيثية } فَتَبَيّنُواْ إِنّ اللّهَ كَانَ ِبمَا َت ْعمَلُونَ خَبِيرا {‪.‬‬
‫وسبحانه حين يشرع ل يشرع عن خلء‪ ،‬لكنه خبير بكل ما يصلح النفس النسانية‪ ،‬ول يعتقدن‬
‫أحد أنه خلقنا ثم هدانا إلى اليمان ليخذلنا في نظام الحياة‪ ،‬بل خلقنا وأعطانا المنهج لنكون‬
‫نموذجا‪ ،‬وليرى الناس جميعا أن الذي يحيا في رحاب المنهج تدين له الدنيا‪.‬‬
‫} إِنّ اللّهَ كَانَ ِبمَا َت ْعمَلُونَ خَبِيرا {‪ .‬كأن الحق يقول‪ :‬إياك أن تستر بلباقتك شيئا وتخلع عليه أمرا‬
‫غير حقيقي؛ لن الذي تطلب جزاءه هو الرقيب عليك والحسب‪ ،‬ويعلم المسألة من أولها إلى‬
‫آخرها‪ .‬فالذي قتل إنسانا ألقى إليه السلم‪ ،‬لم يقتله لنه لم يُسلم‪ ،‬ولكن لن بينهما إحنا وبغضاء‪،‬‬
‫وعليه أن يعرف أن ال عليم بما في النفوس‪.‬‬
‫ويريد الحق أن يتثبت المؤمن من نفسه حين يوجهها إلى قتل أحد يشك في إسلمه أو في إيمانه‪،‬‬
‫وحسبه من التيقن أن يبدأه صاحبه بالسلم‪ ،‬ويُ َذكّر الحق سبحانه المؤمنين بأنهم كانوا قبل ذلك‬
‫يستخفون من الناس باليمان وكانوا مستترين‪.‬‬
‫فإذا كنتم أيها المؤمنون قد حدث لكم ذلك فاحترموا من غيركم أن يحصل منه ذلك‪ ،‬وثقوا تمام‬
‫الثقة أن ال عليم خبير‪ ،‬ل يجوز عليه ‪ -‬سبحانه ‪ -‬ول يخفي عليه أن يدس أحدكم الحن النفسية‬
‫ليُبرر قتل إنسان مسلم كانت بينه وبين ذلك المسلم عداوة‪.‬‬
‫وبعد أن تكلم الحق عن قتال المؤمنين للكافرين‪ ،‬وبعد أن تكلم عن تحريم قتل المؤمن للمؤمن حتى‬
‫ل يفقد المؤمنون خلية اليمان‪ ،‬بل تكون حياة كل مؤمن خيرا للحركة اليمانية في الرض‪ ،‬لذلك‬
‫علينا أن نحافظ على حياة كل فرد مؤمن لنه سيساعدنا في اتساع الحركة اليمانية‪ ،‬فإن حدث أن‬
‫قتل مؤمن مؤمنا خطأ‪ ،‬فقد بين سبحانه وتعالى الحكم في الية رقم ‪ 92‬من سورة النساء‪.‬‬
‫وبعد ذلك أراد الحق سبحانه وتعالى أن يبين الفارق بين من قعد عن الجهاد في سبيل ال ومن‬
‫جاهد فقال سبحانه‪ } :‬لّ يَسْ َتوِي ا ْلقَاعِدُونَ مِنَ ا ْل ُم ْؤمِنِينَ‪.{ ...‬‬

‫(‪)375 /‬‬
‫س ِهمْ‬
‫لَا يَسْ َتوِي ا ْلقَاعِدُونَ مِنَ ا ْل ُم ْؤمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضّرَ ِر وَا ْل ُمجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بَِأ ْموَاِلهِ ْم وَأَنْفُ ِ‬
‫ضلَ اللّهُ‬
‫حسْنَى َو َف ّ‬
‫ج ًة َوكُلّا وَعَدَ اللّهُ الْ ُ‬
‫سهِمْ عَلَى ا ْلقَاعِدِينَ دَرَ َ‬
‫ضلَ اللّهُ ا ْلمُجَاهِدِينَ بَِأ ْموَاِلهِ ْم وَأَ ْنفُ ِ‬
‫َف ّ‬
‫ا ْلمُجَا ِهدِينَ عَلَى ا ْلقَاعِدِينَ َأجْرًا عَظِيمًا (‪)95‬‬

‫ولهذه الية قصة‪ ..‬واقتناص الخواطر من هذه القصة يتطلب يقظة تعلمنا كيف يخاطب الحق‬
‫خلقه‪ .‬فقد حدثنا سيدنا زيد بن ثابت وهو المأمون على كتابه وحي رسول ال‪ .‬وهو المأمون على‬
‫جمع كتاب ال من اللخاف ومن العظام ومن صدور الصحابة‪ ،‬حدثنا فقال‪:‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ كنت إلى جنب رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فغشيته السكينة ‪ -‬وهذه كانت دائما تسبق نزول‬‫الوحي على رسول ال ‪ -‬فوقعت فخذه على فخذي حتى خشيت أن تَ ُرضّها‪.‬‬
‫أي أن فخذ رسول ال كانت ثقيلة‪.‬‬
‫والوحي ساعة كان يأتي رسول ال صلى ال عليه وسلم ربّما كان يصنع في كيماوية رسول ال‬
‫تأثيرا ماديا بحيث إذا كان على دابة عرف الناس أنه يوحي إليه؛ لن الدابة كانت تئط تحته فإذا‬
‫كانت فخذ رسول ال صلى ال عليه وسلم على فخذ زيد بن ثابت‪ ،‬فل بد أن يشعر سيدنا زيد بثقل‬
‫فخذ رسول ال وقد جاءه الوحي‪ .‬قال زيد‪ :‬خشيت أن ترضّ فخذه فخذي ‪ -‬أي تصيبها بالدّق‬
‫ن وَا ْلمُجَاهِدُونَ " ‪،‬‬
‫الشديد أو الكسر‪ .‬فلما سُري عنه قال اكتب‪ " :‬لّ يَسْ َتوِي ا ْلقَاعِدُونَ مِنَ ا ْل ُمؤْمِنِي َ‬
‫فقال سيدنا ابن أم مكتوم‪ ،‬وكان ‪ -‬كما نعلم ‪ -‬ضريرا مكفوف البصر قال‪ :‬فكيف بمن ل يستطيع‬
‫الجهاد من المؤمنين يا رسول ال؟‬
‫إنها اليقظة اليمانية من ابن أم مكتوم‪ ،‬لنه فهم موقفه من هذا القول‪ ،‬ومن أنه ل يستطيع الجهاد‪،‬‬
‫وعلم أنه إن كانت الية ستظل على هذا فلن يكون مستويا مع من جاهد‪ ،‬ولهذا قال قولته اليقظة‪:‬‬
‫فكيف بمن ل يستطيع ذلك يا رسول ال؟‬
‫فأخذت رسول ال السكينة ثانيةً‪ ،‬ثم سرى عنه‪ ،‬فقال لزيد بن ثابت‪ :‬اكتب‪:‬‬
‫{ لّ يَسْ َتوِي ا ْلقَاعِدُونَ مِنَ ا ْل ُم ْؤمِنِينَ غَيْرُ ُأوْلِي الضّرَرِ وَا ْل ُمجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ }‪.‬‬
‫فكأنها نزلت جوابا مطمئنا لمن ل يستطيع القتال مثل ابن أم مكتوم‪ .،‬ولقائل أن يقول‪ :‬وهل كانت‬
‫الية تنتظر أن يستدرك ابن أم مكتوم ليقول هذا؟‪.‬‬
‫ونقول‪ :‬إن الحق سبحانه وتعالى أراد أن ينبه كل مؤمن أنه حين يتلقى كلمة من ال أن يتدبر‬
‫ويتبيّن موقعه من هذه الكلمة؛ فإذا كان ذلك حال سيدنا ابن أم مكتوم فيما سمع رسول ال عن ربه‬
‫فهو يعلمنا كيف نستحضر دورنا من أية قضية نسمعها‪ .‬وحينما سمع ابن أم مكتوم الية رأي‬
‫موقفه من هذه الية‪ ،‬وهذا ما يريده الحق من خلقه‪.‬‬
‫وقال زيد بن ثابت‪ :‬فكتبتها‪.‬‬
‫إنها الدقة في أداء زيد بن ثابت لتدلنا على صدق الرواية‪ ،‬فحين يكتب أولً { لّ يَسْ َتوِي ا ْلقَاعِدُونَ‬
‫مِنَ ا ْل ُم ْؤمِنِينَ غَيْرُ ُأوْلِي الضّرَ ِر وَا ْلمُجَاهِدُونَ } أل تلتصق كلمة " والمجاهدون " بكلمة " المؤمنين‬
‫" فإذا زاد الحق سبحانه وتعالى { غَيْرُ ُأوْلِي الضّرَرِ } فأين تكتب؟‬
‫كأن زيد بن ثابت كان عليه أن يقوم بتصغير الكتابة ليكتب { غَيْرُ ُأوْلِي الضّرَرِ } بين كلمة { مِنَ‬
‫ا ْل ُم ْؤمِنِينَ } وكلمة { وَا ْل ُمجَاهِدُونَ }‪.‬‬
‫قال سيدنا زيد بن ثابت‪ :‬لقد نزلت } غَيْرُ ُأوْلِي الضّرَرِ { وحدها وكأني أنظر إلى ملحقها عند‬
‫صدع الكتف ‪ -‬فقد كانوا يكتبون على أكتاف العظم ‪ -‬والكتف التي كتب عليها سيدنا زيد بن ثابت‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫كانت مشروخة وكانت هذه علمة بها‪.‬‬
‫ويريد الحق بذلك أن ينبه المؤمنين إلى أنهم حين يتلقون كتاب ال يجب أن يتلقوه بيقظة إيمانية‬
‫بحيث ل تسمع آذانهم إل ما يمر على عقولهم أولً ليفهم كل مؤمن موقفه منها‪ ،‬وتمر الية على‬
‫قلوبهم ثانية لتستقر في ذاتهم عقيدة‪.‬‬
‫كذلك كانت قصة زيد بن ثابت وابن أم مكتوم والوحي في هذه الية‪:‬‬
‫} لّ يَسْ َتوِي ا ْلقَاعِدُونَ مِنَ ا ْل ُم ْؤمِنِينَ غَيْرُ ُأوْلِي الضّرَرِ وَا ْل ُمجَاهِدُونَ {‪.‬‬
‫وهناك حالت يأتي الفعل فل يصلح له فاعل واحد بل ل بد له من اثنين‪ ..‬مثال ذلك عندما نقول‪:‬‬
‫تشارك زيد وعمرو‪ .‬وعندما نصف لعبي الكرة‪ ،‬نجد من يتلقف الكرة واحدا بعد الخر‪ ،‬فنقول‪:‬‬
‫تلقف اللعبون الكرة رجلً بعد رجل‪.‬‬
‫وعندما يقول الحق‪ } :‬لّ َيسْ َتوِي { فهذا يدل على أن هناك شيئين ل يتساويان‪ ،‬فأيهما غير‬
‫المساوي للخر؟‪ .‬كلهما ل يتساوى مع الخر‪ ،‬ولذلك يكون الثنان في العراب " فاعل " ‪ ،‬فل‬
‫يساوي المجاهدون القاعدين ول يساوي القاعدون المجاهدين؛ لن كل منهما فاعل ومفعول‪.‬‬
‫وعندما يقول‪ } :‬لّ يَسْ َتوِي ا ْلقَاعِدُونَ مِنَ ا ْل ُم ْؤمِنِينَ { فما هو مقابل " القاعدين " في الية الكريمة؟‬
‫إنه " المجاهدون " ‪ ،‬لكن المقابل في الحياة العادية للـ " القاعدين " هو " القائمون " ‪ ،‬ومقابل "‬
‫المجاهدين " هو " غير المجاهدين "‪ .‬وبذلك كان من الممكن القول‪ .‬ل يستوي القاعدون والقائمون‪،‬‬
‫أو أن يقال‪ :‬ل يستوي المجاهدون وغير المجاهدون‪ .‬فما الحكمة في مجيء القاعدين والمجاهدين؟‬
‫إن الحق يريد أن يبين أنه في بداية السلم كان كلمؤمن حين يدخل السلم يعتبر نفسه جنديا في‬
‫حالة تأهب‪ ،‬وكانوا دائما على درجة استعداد قصوى ليلبوا النداء فورا؛ فالمسلم لم يكن في حالة‬
‫استرخاء‪ ،‬بل في تأهب وكأنه واقف دائما ليلبي النداء‪ ،‬وكأن القاعد هو الذي ليس من صفوف‬
‫المؤمنين ويبين لنا ذلك قول الرسول عليه الصلة والسلم‪ " :‬من خير معاش الناس لهم رجل‬
‫ممسك عنان فرسه في سبيل ال يطير على متنه‪ ،‬كلما سمع هَ ْيعَةً أو فزعه طار إليها يبتغي القتل‬
‫والموت مَظَانّه‪ ،‬أو رجل في غنيمة في رأس شعفة من هذه الشعف‪ ،‬أو بطن واد من هذه الوْدية‬
‫يقيم الصلة ويؤتي الزكاة ويعبد ربه حتى يأتيه اليقين‪ ،‬ليس من الناس إل في خير "‪.‬‬

‫فإن لم يكن المؤمن متأهبا فهو قاعد‪ ،‬والقاعد ‪ -‬كما نعرف ‪ -‬هو ضد القائم‪.‬‬
‫والحق يقول‪ {:‬فَا ْذكُرُواْ اللّهَ قِيَاما َو ُقعُودا }[النساء‪.]103 :‬‬
‫من هذا القول نعرف أن المقابل للقيام هو القعود‪.‬‬
‫وعلينا أن نعرف أن لكل لفظ معنىً محددا‪ ،‬فبعضنا يتصور أن القعود كالجلوس‪ ،‬ولكن الدقة‬
‫تقتضي أن نعرف أن القعود يكون عن قيام‪ ،‬وأن الجلوس يكون عن الضطجاع‪ ،‬فيقال‪ :‬كان‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫مضطجعا فجلس‪ ،‬وكان قائما فقعد‪.‬‬
‫وعندما يقول الحق هنا‪ } :‬لّ يَسْ َتوِي ا ْلقَاعِدُونَ مِنَ ا ْل ُم ْؤمِنِينَ غَيْرُ ُأوْلِي الضّرَرِ { فالقعود مقابل‬
‫القيام‪ ،‬فكأن المجاهد حالته القيام دائما‪ ،‬وهو ل ينتظر إلى أن يقوم‪ ،‬لكنه في انتباه واستعداد‪.‬‬
‫ويوسع الحديث الشريف الدائرة في مسئوليات المجاهد فيرسم صورة للمقاتل أنه على أتم استعداد‬
‫وعلى صهوة الفرس وممسك باللجام حتى ل تدهمه أية مفاجأة‪.‬‬
‫وهل كانت هناك مظنة أن يستوي القاعد والمجاهد؟‪ .‬ل‪ ،‬ولكن يريد ال أن يبين قضية إيمانية‬
‫مستورة‪ ،‬فيظهرها بشكل واضح لكل الفهام‪.‬‬
‫ونحن نقول للطالب‪ " :‬إن من يستذكر ينجح ومن ل يستذكر يرسب " وهذه مسألة بديهية‪ ،‬لكننا‬
‫نقولها حتى نجعلها واضحة في بؤرة شعور التلميذ فيلتفت لمسئولياته‪.‬‬
‫وعندما يقول الحق‪ } :‬لّ َيسْ َتوِي ا ْلقَاعِدُونَ مِنَ ا ْل ُم ْؤمِنِينَ غَيْرُ ُأوْلِي الضّرَ ِر وَا ْلمُجَا ِهدُونَ فِي سَبِيلِ‬
‫ل واحدا في زمن رسول ال كان يظن المساواة بين القاعد والمجاهد؟‬
‫اللّهِ { هل معنى ذلك أن عق ً‬
‫ل‪ ،‬ولكن الحق يريدها قضية إيمانية في بلغ إيماني من ال‪ .‬وبعد ذلك يلفت النظار إلى صفة‬
‫القاعدين الذين ل يستوون مع المجاهدين فيقول‪ } :‬غَيْرُ ُأوْلِي الضّرَرِ {‪ .‬والضرر هو الذي يفسد‬
‫ض َعفَآءِ وَلَ عَلَىا ا ْلمَ ْرضَىا َولَ‬
‫الشيء مثل المرض‪ ،‬وهذا ما يوضحه قوله الحق‪ {:‬لّيْسَ عَلَى ال ّ‬
‫ل وَاللّهُ‬
‫حسِنِينَ مِن سَبِي ٍ‬
‫ن لَ َيجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ ِإذَا َنصَحُواْ للّ ِه وَرَسُولِهِ مَا عَلَى ا ْلمُ ْ‬
‫عَلَى الّذِي َ‬
‫حمُِلكُمْ عَلَ ْيهِ َتوَّلوْا وّأَعْيُ ُنهُمْ‬
‫حمَِل ُهمْ قُ ْلتَ لَ َأجِدُ مَآ أَ ْ‬
‫غفُورٌ رّحِيمٌ * َولَ عَلَى الّذِينَ ِإذَا مَآ أَ َت ْوكَ لِتَ ْ‬
‫َ‬
‫َتفِيضُ مِنَ ال ّدمْعِ حَزَنا َألّ َيجِدُواْ مَا يُ ْن ِفقُونَ }[التوبة‪.]92-91 :‬‬
‫فالضعف ضرر أخرج النسان عن مقومات الصحة والعافية‪ ،‬والمرض ضرر‪ ،‬والذين ل يجدون‬
‫مالً ينفقون منه‪ ،‬ول الذين يجيئون لرسول ال فل يكون بحوزة الرسول دواب تحملهم‪،‬‬
‫فينصرفون وأعينهم تفيض من الدمع حزنا لنهم ل يجدون ما ينفقون‪ .‬وكان المؤمن من هؤلء‬
‫يحزن لن رسول ال لم يجد له فرسا أو دابة تنقله إلى موقع القتال‪َ {:‬ولَ عَلَى الّذِينَ ِإذَا مَآ أَ َت ْوكَ‬
‫حمُِلكُمْ عَلَ ْيهِ َتوَّلوْا وّأَعْيُ ُنهُمْ َتفِيضُ مِنَ ال ّدمْعِ حَزَنا َألّ َيجِدُواْ مَا يُ ْن ِفقُونَ }‬
‫حمَِلهُمْ قُ ْلتَ لَ َأجِدُ مَآ َأ ْ‬
‫لِتَ ْ‬
‫[التوبة‪.]92 :‬‬
‫لقد تولوا وأعينهم تفيض من الدمع‪ .‬وكلمة " تولوا " هنا لها معنى كبير‪ ،‬فلم يقل الحق‪ :‬إن أعينهم‬
‫تفيض من الدمع من غير التولي‪ ،‬هم ل يدمعون أمام النبي‪ ،‬ولكنهم يدمعون في حالة توليهم‪ ،‬وهذا‬
‫انفعال نفسي من فرط التأثر؛ لنهم ل يشتركون في القتال‪.‬‬
‫وكلمة " تفيض " تدل على أن الدمع قد غلب على العين كلها‪ ،‬فهم ل يصطنعون ذلك‪ ،‬لكن‬
‫النفعال يغمرهم؛ لن الذي يتصنع ذلك يقوم بتعصير عينيه ويبذل جهدا للمُراءاة‪ ،‬ولكن انفعال‬
‫المؤمنين الذين ل يقاتلون يغلبهم فتفيض أعينهم من الدمع‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫عمَىا‬
‫وهناك آية أخرى حدد فيها الحق الحالت التي ل يطالب فيها المؤمن بالقتال‪ {:‬لّ ْيسَ عَلَى الَ ْ‬
‫خلْهُ جَنّاتٍ َتجْرِي‬
‫ج َومَن يُطِعِ اللّ َه وَرَسُولَهُ يُدْ ِ‬
‫ج َولَ عَلَى ا ْلمَرِيضِ حَرَ ٌ‬
‫ج َولَ عَلَى الَعْرَجِ حَرَ ٌ‬
‫حَرَ ٌ‬
‫مِن تَحْ ِتهَا الَ ْنهَارُ }[الفتح‪.]17 :‬‬
‫هؤلء ‪ -‬إذن ‪ -‬هم أولو الضرر‪.‬‬
‫سهِمْ‬
‫} لّ يَسْ َتوِي ا ْلقَاعِدُونَ مِنَ ا ْل ُم ْؤمِنِينَ غَيْرُ ُأوْلِي الضّرَرِ وَا ْل ُمجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بَِأ ْموَاِلهِ ْم وَأَ ْنفُ ِ‬
‫{ وما داموا ل يستوون فمن الذي فيهم يكون هو الفضل؟‪.‬‬
‫ضلَ اللّهُ ا ْل ُمجَاهِدِينَ بَِأ ْموَاِلهِمْ‬
‫ذلك ما توضحه بقية الية التي تحمل المقولة اليمانية الواضحة‪َ } :‬ف ّ‬
‫حسْنَىا {‪ .‬وسبحانه وعد الثنين بالحسنى‬
‫ل وَعَدَ اللّهُ الْ ُ‬
‫س ِهمْ عَلَى ا ْلقَاعِدِينَ دَ َرجَ ًة َوكُـ ّ‬
‫وَأَنْفُ ِ‬
‫ل منهما مؤمن‪ ،‬ولكن للمجاهد درجة على القاعد‪ .‬وإن تساءل أحد‪ :‬ولماذا وعد‬
‫اليمانية؛ لن كُ ّ‬
‫ال القاعد من أولى الضرر بالحسنى؟ وهنا أقول‪ :‬علينا أن ننتبه وأن نحسن الفهم والتدبر عندما‬
‫نقرأ القرآن؛ لن الذي أصابته آفة فناله منها ضرر‪ ،‬فصبر لحكم ال في نفسه‪ ،‬أل يأخذ ثوابا على‬
‫هذه؟‪.‬‬
‫لقد أخذ الثواب ول بد ‪ -‬إذن ‪ -‬أن يعطي الحق من لم يأخذ ثوابا مثله فرصة ليأخذ ثوابا آخر‬
‫حتى يكون الجميع في الستطراق اليماني سواء‪ .‬لذلك يقول سبحانه‪:‬‬
‫حسْنَىا {‪.‬‬
‫ل وَعَدَ اللّهُ الْ ُ‬
‫} َوكُـ ّ‬
‫والحسنى في أولى الضرر أنه أخذ جزاء الصبر على المصيبة التي أصابته‪ ،‬والذي لم يصب‬
‫بضرر سيأخذ ثواب الجهاد‪ ،‬وبذلك يكون الجميع قد نالوا الحسنى من ال‪.‬‬
‫حسْنَىا َو َفضّلَ اللّهُ ا ْلمُجَا ِهدِينَ عَلَى ا ْلقَاعِدِينَ َأجْرا عَظِيما {‪.‬‬
‫ل وَعَدَ اللّهُ الْ ُ‬
‫} َوكُـ ّ‬
‫وسبحانه يضع أجرا جديدا للقائم مجاهدا على القاعد‪ ،‬ففي صدر الية جاء بـ " درجة " أعلى‬
‫للقائم مجاهدا‪ ،‬وهنا } أَجْرا عَظِيما {‪ .‬ما تفسير هذا الجر العظيم؟‪ .‬التفسير يجيء في قوله‪} :‬‬
‫حمَةً‪.{ ...‬‬
‫دَ َرجَاتٍ مّ ْن ُه َو َمغْفِ َر ًة وَرَ ْ‬

‫(‪)376 /‬‬
‫غفُورًا َرحِيمًا (‪)96‬‬
‫حمَ ًة َوكَانَ اللّهُ َ‬
‫دَ َرجَاتٍ مِ ْن ُه َو َمغْفِ َر ًة وَرَ ْ‬

‫فسبحانه قد أعطى لولي الضرر درجة‪ ،‬وفضّل المجاهد في سبيل ال على القاعد من غير أولي‬
‫الضرر درجات عدة‪ .‬وساعة نسمع كلمة " درجة " فهي المنزلة‪ ،‬والمنزلة ل تكفي فقط لليضاح‬
‫الشامل للمعنى‪ ،‬ولكن هي المنزلة الرتقائية‪ .‬أما إن كان التغير إلى منازل أخرى أقل وأدنى‪،‬‬
‫فنحن نقول‪ " :‬دركات " ول نقول‪:‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫" درجات "‪.‬‬
‫ولكن هل الدرجات هي لكل المجاهدين؟‪ .‬ل؛ لننا ل بد أن نلحظ الفرق بين الخروج من الوطن‬
‫وترك الهل للجهاد؛ وعملية الجهاد في ذاتها؛ فعملية الجهاد في ذاتها تحتاج إلى همة إيمانية‪،‬‬
‫حوَْلهُمْ مّنَ الَعْرَابِ أَن‬
‫ولذلك جاء الحق بنص في سورة التوبة‪ {:‬مَا كَانَ لَ ْهلِ ا ْل َمدِينَ ِة َومَنْ َ‬
‫ب َولَ‬
‫ص ٌ‬
‫ظمٌَأ َولَ َن َ‬
‫سهِمْ عَن ّنفْسِهِ ذاِلكَ بِأَ ّنهُمْ لَ ُيصِي ُبهُمْ َ‬
‫يَتَخَّلفُواْ عَن رّسُولِ اللّ ِه َولَ يَرْغَبُواْ بِأَ ْنفُ ِ‬
‫ع ُدوّ نّيْلً ِإلّ كُ ِتبَ َلهُمْ ِبهِ‬
‫خ َمصَةٌ فِي سَبِيلِ اللّ ِه وَلَ َيطَأُونَ َموْطِئا َيغِيظُ ا ْل ُكفّا َر َولَ يَنَالُونَ مِنْ َ‬
‫مَ ْ‬
‫طعُونَ‬
‫صغِي َرةً وَلَ كَبِي َر ًة َولَ َيقْ َ‬
‫ع َملٌ صَالِحٌ إِنّ اللّ َه لَ ُيضِيعُ َأجْرَ ا ْل ُمحْسِنِينَ * َولَ يُنفِقُونَ َن َفقَ ًة َ‬
‫َ‬
‫حسَنَ مَا كَانُواْ َي ْعمَلُونَ }[التوبة‪.]121-120 :‬‬
‫وَادِيا ِإلّ كُ ِتبَ َلهُمْ لِ َيجْزِ َيهُمُ اللّهُ أَ ْ‬
‫هنا يوضح الحق أنه ل يصح لهل المدينة والعراب الذين حولهم أن يتخلفوا عن الجهاد مع‬
‫رسول ال‪ ،‬ول يرضوا لنفسهم بالسعة والدعة والراحة ورسول ال صلى ال عليه وسلم في‬
‫الشدة والمشقة‪ ،‬فكما ذهب إلى القتال يجب أن يذهبوا؛ لن الثواب كبير‪ ،‬فل يصيبهم تعب إل ولهم‬
‫عليه أجر العمل الصالح‪ ،‬ول يعانون من جوع إل ولهم أجر العمل الصالح‪ ،‬ول يسيرون في‬
‫مكان يغيط الكفار إل ولهم أجر العمل الصالح‪ .‬ول ينالون من عدو نَيل إل ويكتبه ال لهم عملً‬
‫صالحا‪ ،‬فسبحانه يجزي بأحسن ما كانوا يعملون‪.‬‬
‫وقام العلماء بحصر تلك العطاءات الربانية بسبع درجات‪ ،‬فواحد ينال الدرجات جميعا‪ .‬وآخر‬
‫أصابه ظمأ فقط فنال درجة الظمأ‪ ،‬فأخذ درجة النصب أي التعب‪ ،‬وثالث أصابته مخمصة‪ ،‬ورابع‬
‫جمع ثلث درجات‪ ،‬وخامس جمع كل الدرجات‪.‬‬
‫وعندما نقوم بحساب هذه الدرجات نجدها‪ :‬الصابة بالظمأ‪ ،‬ال ّنصَب ‪ -‬أي التعب ‪ -‬الجوع‪ ،‬ول‬
‫يطأون موطئا يغيط الكفار أي ل ينزلون في مكان يتمكن فيه المسلمون منهم ويبسطون سلطانهم‬
‫عليهم‪ ،‬والمقصود الحصن الحصين عند الكافر‪ ،‬النّيْل‪ :‬التنكيل بالعدو‪ ،‬النفقة الصغيرة أو الكبيرة‪،‬‬
‫وقطع أي واد في سبيل ال‪ ،‬وهذه هي الدرجات السبع التي يجزي ال عنها بأحسن مما عمل‬
‫أصحابها‪ ،‬كما فسرها العلماء‪ ،‬فمن نال الدرجات السبع فقد نال منزلة عظيمة‪ ،‬وكل مجاهد على‬
‫حسب ما بذل من جهد‪ .‬فمن المجاهدين من ينال درجة أو اثنتين أو ثلث أو أربع أو خمس أو‬
‫ست أو سبع درجات‪.‬‬
‫وعندما نقرأ اليتين معا‪:‬‬
‫سهِمْ‬
‫} لّ يَسْ َتوِي ا ْلقَاعِدُونَ مِنَ ا ْل ُم ْؤمِنِينَ غَيْرُ ُأوْلِي الضّرَرِ وَا ْل ُمجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بَِأ ْموَاِلهِ ْم وَأَ ْنفُ ِ‬
‫ضلَ اللّهُ‬
‫ج ًة َوكُـلّ وَعَدَ اللّهُ ا ْلحُسْنَىا َو َف ّ‬
‫سهِمْ عَلَى ا ْلقَاعِدِينَ دَرَ َ‬
‫ضلَ اللّهُ ا ْلمُجَاهِدِينَ بَِأ ْموَاِلهِ ْم وَأَ ْنفُ ِ‬
‫َف ّ‬
‫غفُورا رّحِيما‬
‫حمَ ًة َوكَانَ اللّهُ َ‬
‫ا ْلمُجَا ِهدِينَ عَلَى ا ْلقَاعِدِينَ َأجْرا عَظِيما * دَ َرجَاتٍ مّ ْن ُه َو َمغْفِ َرةً وَرَ ْ‬
‫{ [النساء‪.]96-95 :‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫نجد أن ال يُرغّب المؤمنين في أن يكونوا مجاهدين‪ ،‬وأن يبذلوا الجهد لتكون كلمة ال هي العليا‪.‬‬
‫فإذا ما آمن النسان فليس له أن يتخلف عن الصف اليماني؛ لنه ما دام قد تقع نفسه باليمان فلمَ‬
‫س اليمان قلبه‪ ،‬وحتى‬
‫ل ينضم إلى ركب من ينفع سواه باليمان؟‪ .‬ويريد ال أن يعبئ كل مَنْ م ّ‬
‫ولو كان موجودا في مكان يسيطر عليه الكفار‪ ،‬فيدعوه لن يتخلص من التفاف الكفار حوله‬
‫وليخرج منضما إلى إخوانه المؤمنين‪ .‬وليشيع اليمان لسواه ويعبر عمليا عن حبه للناس مما أحبه‬
‫لنفسه‪ .‬ولكن هناك من قالوا‪ :‬نحن ضعاف غير قادرين على الهجرة أو القتال في سبيل ال‪ .‬فيأتي‬
‫القرآن بقطع العذر لي إنسان يتخلف عن ركب الجهاد في سبيل ال وسبيل نصرة دين ال فيقول‬
‫الحق‪ } :‬إِنّ الّذِينَ َت َوفّاهُمُ ا ْلمَل ِئكَةُ‪.{ ...‬‬

‫(‪)377 /‬‬
‫ض َعفِينَ فِي الْأَ ْرضِ قَالُوا أَلَمْ‬
‫سهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْ ُتمْ قَالُوا كُنّا مُسْ َت ْ‬
‫إِنّ الّذِينَ َت َوفّاهُمُ ا ْلمَلَا ِئكَةُ ظَاِلمِي أَ ْنفُ ِ‬
‫جهَنّ ُم وَسَا َءتْ َمصِيرًا (‪)97‬‬
‫سعَةً فَ ُتهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَ ِئكَ مَ ْأوَاهُمْ َ‬
‫َتكُنْ أَ ْرضُ اللّ ِه وَا ِ‬

‫هؤلء هم الذين يظلمون أنفسهم بعدم المشاركة في الجهاد وهذا ما يحدث لهم عندما تقبض‬
‫الملئكة أرواحهم‪ .‬و " التوفي " معناه " القبض "؛ فيقال‪ " :‬توفيت دَيْني " أي قبضته مستوفيا‪.‬‬
‫ويقال‪ " :‬توفي ال النسان " أي قبضه إليه مستوفيا‪ .‬والقبض له أمر أعلى‪ ،‬وهو الحق‪ .‬ومن بعد‬
‫ذلك هناك موكل عام هو " عزرائيل " ملك الموت‪ ،‬وهناك معاونون لعزرائيل وهم الملئكة‪ .‬فإذا‬
‫نسبت الوفاة فهي تنسب مرة ل‪ ،‬فال يتوفى‪ :‬لنه المر العلى‪ ،‬وتنسب الوفاة للملئكة في قوله‪{:‬‬
‫حَتّىا ِإذَا جَآءَ َأحَ َدكُمُ ا ْل َموْتُ َت َوفّتْهُ رُسُلُنَا }[النعام‪.]61 :‬‬
‫وتنسب الوفاة إلى عزرائيل‪ُ {.‬قلْ يَ َت َوفّاكُم مَّلكُ ا ْل َم ْوتِ الّذِي ُو ّكلَ ِبكُمْ }[السجدة‪.]11 :‬‬
‫وإذا ما أطلق الحق هذه الساليب الثلثة في وصف عملية الوفاة فهل هذا اختلف وتناقض‬
‫وتضارب في أساليب القرآن؟ ل‪ ،‬بل هو إيضاح لمراحل الولية التي صنعها ال‪ ،‬فهو المر‬
‫العلى يصدر المر إلى عزرائيل‪ ،‬وعزرائيل يطلق المر لجنوده‪ .‬وفي حياتنا ما يشرح لنا هذا‬
‫المثل ‪ -‬ول المثل العلى ‪ -‬فالتلميذ قد يذهب إلى المدرسة بعد امتحان آخر العام ويعود إلى بيته‬
‫قائلً‪ :‬لقد وجدت نفسي راسبا‪ ،‬والسبب في ذلك هم المدرسون الذين قصدوا عدم إنجاحي‪.‬‬
‫ويرد عليه والده‪ :‬المدرسون لم يفعلوا ذلك‪ ،‬ولكن اللوائح التي وضعتها الوزارة لتصحيح‬
‫المتحانات هي التي جعلتك راسبا‪ .‬فيرد التلميذ‪ :‬لقد جعلني الناظر راسبا‪ .‬وهذا قول صحيح؛ لن‬
‫الناظر يطبق القوانين التي يحكم بمقتضاها على الطالب أن يكون ناجحا أو راسبا‪ .‬وقد يقول‬
‫التلميذ‪ :‬إن وزير التربية والتعليم هو من جعلني راسبا‪ .‬وهذا أيضا صحيح؛ لن الوزير يرسم مع‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫معاونية الخطوط الساسية التي يتم حساب درجات كل تلميذ عليها‪ ،‬فإذا قال التلميذ‪ :‬لقد جعلتني‬
‫الدولة راسبا‪ ،‬فهو قول صحيح؛ لنه فهم تسلسل التقنين إلى مراحل العلو المختلفة‪ ،‬وأي حلقة من‬
‫هذه الحلقات تصلح أن تكون فاعلً‪ .‬ومن هنا نفهم أن الحق سبحانه حين يقول‪ {:‬اللّهُ يَ َت َوفّى الَنفُسَ‬
‫حِينَ َموْتِـهَا }[الزمر‪.]42 :‬‬
‫فهذا قول صحيح‪ ،‬مثل قوله سبحانه‪ُ {:‬قلْ يَ َت َوفّاكُم مَّلكُ ا ْل َم ْوتِ الّذِي ُو ّكلَ ِب ُكمْ }[السجدة‪.]11 :‬‬
‫ومثل قوله سبحانه‪َ {:‬ت َوفّتْهُ رُسُلُنَا }[النعام‪.]61 :‬‬
‫كل هذه القوال صحيحة؛ لنها تتعلق بمدارج المر‪.‬‬
‫سهِمْ } والظلم هو أن تأتي لغير ذي الحق وتعطيه ما تأخذ‬
‫{ إِنّ الّذِينَ َت َوفّا ُهمُ ا ْلمَل ِئكَةُ ظَاِلمِي أَ ْنفُ ِ‬
‫من ذي الحق‪ ،‬والظلم يقتضي ظالما ومظلوما وأمرا وقع الظلم فيه‪ .‬فكيف يكون النسان ظالما‬
‫لنفسه وتتوفاه الملئكة على ذلك؟‪ .‬ل بد أنهم فعلوا ما يستحق ذلك‪ .‬فساعة تأتي للنسان الشخصية‬
‫المعنوية اليمانية بعد أن آمن بال وآمن بالمنهج‪ ،‬ثم تحدثه نفسه بالمخالفة‪ ،‬هنا يواجه صراعا بين‬
‫أمرين‪ :‬مسئولية الشخصية اليمانية التي َتقَبّل بها المنهج من ال‪ ،‬ووازع النفس التي تلح عليه‬
‫بالنحراف‪.‬‬
‫ويدور ما هو أشبه بالجوار بين المسئولية اليمانية ووزاع النفس الملح بالنحراف‪ .‬وعندما تتغلب‬
‫النفس اليمانية يعرف النسان أن نفسه صارت مطمئنة وسعيدة‪ ،‬ويقول لنفسه‪ :‬إنك إن طاوعت‬
‫وازع النحراف تكن قد حققت شهوة عاجلة ستكْوى بها في آخر المر‪ ،‬وأنت برفضك للشهوة‬
‫تكون قد أنصفت نفسك‪ .‬ولو طاوعت شهوتك العاجلة تكون قد ظلمت نفسك‪.‬‬
‫ومثل ذلك يحدث في حياتنا العادية‪ :‬عندما تدلل الم ابنها بينما يطلب منه والده الستذكار ويحاول‬
‫أن يردعه ليقوم بمسئوليته الدراسية‪ ،‬إن هذه الم تظلم ابنها‪ ،‬وكذلك يعطينا الحق فكرة عن‬
‫الصراع بين الشخصية اليمانية والنفس النحرافية التي تريد الهوى فقط فيقول‪ {:‬وَا ْتلُ عَلَ ْي ِهمْ نَبَأَ‬
‫لقْتُلَ ّنكَ قَالَ إِ ّنمَا يَ َتقَبّلُ‬
‫ابْ َنيْ ءَا َدمَ بِا ْلحَقّ ِإذْ قَرّبَا قُرْبَانا فَ ُتقُ ّبلَ مِن َأحَ ِد ِهمَا وَلَمْ يُ َتقَ ّبلْ مِنَ الخَرِ قَالَ َ‬
‫اللّهُ مِنَ ا ْلمُتّقِينَ }[المائدة‪.]27 :‬‬
‫هنا يقول هابيل لقابيل‪:‬‬
‫ ولماذا تقتلني؟‪ .‬إنني لست أنا الذي تقبل القربان ولكن الذي تقبله هو ال فما ذنبي؟‪.‬‬‫لقْتَُلكَ إِنّي أَخَافُ اللّهَ‬
‫ك َ‬
‫سطٍ يَ ِديَ إِلَ ْي َ‬
‫ويأتي بعد ذلك الحوار‪ {:‬لَئِن َبسَطتَ إَِليّ يَ َدكَ لِ َتقْتُلَنِي مَآ أَنَاْ بِبَا ِ‬
‫َربّ ا ْلعَاَلمِينَ }[المائدة‪.]28 :‬‬
‫عتْ َلهُ َنفْسُهُ قَ ْتلَ أَخِيهِ }[المائدة‪.]30 :‬‬
‫طوّ َ‬
‫ولنلتفت إلى هذا القول الحكيم‪َ {:‬ف َ‬
‫كأن هناك صراعا في نفس قابيل بين أمرين " اقتل " و " ل تقتل " ‪ ،‬النفس اليمانية تقول‪ " :‬ل‬
‫تقتل " والنفس الشهوانية تقول‪ " :‬بل عليك أن تقتل "‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وتغلبت النفس الشهوانية عندما طوعت له قتل أخيه‪ ،‬ومهدت له ذلك‪ .‬وبعد أن قتل أخاه‪ ،‬وضاعت‬
‫شِرّة الغضب صار من النادمين‪ ،‬ثم بدأت الحيثيات تظهر وتتضح‪ .‬ويبعث ال غرابا يبحث ويحفر‬
‫عجَ ْزتُ أَنْ َأكُونَ مِ ْثلَ هَـاذَا ا ْلغُرَابِ‬
‫في الرض ليواري جثة غراب آخر‪ .‬هنا قال قابيل‪ {:‬أَ َ‬
‫سوْ َءةَ أَخِي }[المائدة‪.]31 :‬‬
‫فَُأوَا ِريَ َ‬
‫وهكذا نرى أن ظلم النفس هو أن نخالف ما شرع ال للنفس لينفعها نفعا أبديا مستوفيا‪ ،‬ولكن‬
‫النفس قد تندفع وراء حبها للشهوات وتمنيها للنفع العاجل الذي ل خلود له‪ ،‬وعندما يحقق النسان‬
‫هذا النفع العاجل لنفسه فهو يظلم نفسه‪.‬‬
‫سهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ { إذن فالملئكة تسأل ظالمي أنفسهم‪} :‬‬
‫} إِنّ الّذِينَ َت َوفّا ُهمُ ا ْلمَل ِئكَةُ ظَاِلمِي أَ ْنفُ ِ‬
‫فِيمَ كُنتُمْ { أي في أي شيء كنتم من أمر دينكم؟ والستفهام هنا للتوبيخ والتقريع أي لماذا ظلمتم‬
‫أنفسكم؟ ولماذا لم تفعلوا مثلما فعل إخوانكم وهاجرتم وانضممتم لموكب اليمان وموكب الجهاد؟‪،.‬‬
‫ولماذا ظللتم في أماكنكم محجوزين ومحاصرين ول تستطيعون الحركة ول تستيطعون الفِكاك؟‬
‫ض َعفِينَ فِي الَ ْرضِ {‪ .‬وبال عندما يحكي لنا ال‬
‫وتكون إجابة الذين ظلموا أنفسهم‪ } :‬قَالُواْ كُنّا مُسْ َت ْ‬
‫هذه الصورة التي تحدث يوم القيامة فهل سيكون عندنا وقت للستفادة منها؟‪ .‬طبعا ل؛ لنه لن‬
‫يكون لنا قدرة الستدراك لنصحح الخطأ‪.‬‬
‫والحق حين يقص علينا هذا المشهد فذلك من لطفه بنا‪ ،‬وتنبيه لكل منا‪ :‬احذروا أن يأتي موقف‬
‫ويحدث فيه ما أوضحته لكم ولن يستطيع أحد أن يستدرك الحياة ليصنع العمل الطيب‪.‬‬
‫وعلى كل منكم أن يبحث أمر نفسه الن‪.‬‬
‫ض َعفِينَ فِي الَ ْرضِ‬
‫سهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنّا مُسْ َت ْ‬
‫} إِنّ الّذِينَ َت َوفّا ُهمُ ا ْلمَل ِئكَةُ ظَاِلمِي أَ ْنفُ ِ‬
‫ض َعفِينَ فِي الَ ْرضِ { تفيد أن قوما استضعفوهم‪ ،‬أي أنهم لم يكونوا قادرين على‬
‫{ وكلمة } كُنّا مُسْ َت ْ‬
‫الخروج والهجرة ول يعرفون السبيل إليها‪ ،‬وخافوا على أموالهم وديارهم‪ ،‬والقوم الذين‬
‫استضعفوهم قالوا لهم‪ :‬إن خرجتم ل تأخذوا شيئا من أموالكم‪ .‬هذه هي بعض مظاهر‬
‫الستضعاف‪ .‬وهنا تقول الملئكة ما يفيد أن هذا الكلم ل يليق ول ينفع‪ ،‬تقول الملئكة‪ } :‬أَلَمْ َتكُنْ‬
‫سعَةً فَ ُتهَاجِرُواْ فِيهَا {‪.‬‬
‫أَ ْرضُ اللّ ِه وَا ِ‬
‫وكأن هذا تنبيه آخر‪ ،‬وإعلن أن مثل هذا القول ومثل تلك الحجة ل قيمة لها؛ لن الذي يمسكه‬
‫مكانه وماله دون ال إنما هو من وضع وربط يقينه بالسباب‪ .‬أما الذي يضع منهج ال فوق مكانه‬
‫وولده وكل شيء فهذا هو الذي وثق بال لنه هو المسبب وهو مانح ومعطي السباب‪.‬‬
‫سعَةً فَ ُتهَاجِرُواْ فِيهَا { وهذا القول على لسان الملئكة قادم من القانون‬
‫} أََلمْ َتكُنْ أَ ْرضُ اللّ ِه وَا ِ‬
‫العلى‪ ،‬فقد خلق الحق الخلق جميعا واسكنهم في الرض‪ ،‬وهذه الرض ليست لحد دون أحد‪،‬‬
‫فمن يضق به مكان فليذهب إلى مكان آخر‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وإذا كان النسان من ظلمه وجبروته وعتوه قد صنع تحديدا للمكان‪ ،‬فل ينتقل إنسان من مكان إلى‬
‫مكان إل بعد سلسلة طويلة من التعقيدات التي تحول دون النتقال من مكان إلى مكان‪ ،‬فذلك‬
‫مناقضة لقضية الخلفة في الرض؛ لن الخلفة لم توزع كل جماعة على أرض ما‪ .‬ولكن‬
‫ض َعهَا‬
‫النسان‪ ،‬كل إنسان خليفة في الرض كل الرض‪ ،‬مصداقا لقول الحق‪ {:‬وَالَ ْرضَ َو َ‬
‫لِلَنَامِ }[الرحمن‪.]10 :‬‬
‫فقد جعل ال الرض متضعة مسخرة مذللة للنسان‪ ،‬والرض هي أي أرض‪ ،‬والنام هم كل‬
‫النام‪ .‬وإن لم ينتبه العالم إلى هذه القضية ويجعلها قضية كونية اجتماعية‪ ،‬سيظل العالم في فساد‬
‫وشقاء‪ .‬فالذي يجعل الحياة في الرض فاسدة هو خروج بعض الراء التي تقول‪ :‬إن الكثافة‬
‫السكانية تمنع أن نجد الطعام لسكان بلد ما‪ .‬يقولون ذلك في حين أن أرضا أخرى تحتاج إلى أيد‬
‫عاملة‪ ،‬ولذلك نجد أن البشرية أمام وضع مقلوب‪ ،‬فأرض في بلد تحتاج إلى أناس‪ ،‬وأناس من‬
‫بلد يحتاجون إلى الرض‪.‬‬
‫ومن الواجب أن تسيح المسألة فتأخذ الرض التي بل رجال ما تحتاجه من الرجال من البلد التي‬
‫ل أرض فيها‪ .‬وهذا الضجيج الذي يعلو في الكون سببه أنه يوجد في كون ال أرض بل رجال‬
‫ورجال بل أرض‪ ،‬فإذا ما ضاق مكان بإنسان فله أن يذهب إلى مكان آخر‪ ،‬ولو كان المر كذلك‬
‫لسعدت البشرية‪ ،‬ومن ينقض هذه القضية فعلية أن يعرف أنه ياخذ الخلفة في الرض بغير‬
‫شروطها‪ ،‬فالذي يفسد المر في الرض أن النسان الخليفة في الرض نسي أنه خليفة واعتبر‬
‫نفسه أصيلً في الكون‪.‬‬
‫وما دام قد اعتبر نفسه أصيلً في الكون فهذا هو الفساد‪.‬‬
‫ض َعفِينَ فِي الَ ْرضِ قَالْواْ أَلَمْ‬
‫سهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنّا مُسْ َت ْ‬
‫} إِنّ الّذِينَ َت َوفّا ُهمُ ا ْلمَل ِئكَةُ ظَاِلمِي أَ ْنفُ ِ‬
‫جهَنّ ُم وَسَآ َءتْ َمصِيرا { [النساء‪.]97 :‬‬
‫سعَةً فَ ُتهَاجِرُواْ فِيهَا فَُأوْلَـا ِئكَ مَ ْأوَا ُهمْ َ‬
‫َتكُنْ أَ ْرضُ اللّ ِه وَا ِ‬
‫إذن‪ ،‬فإن أقام النسان على ضيم ولم يعمل فكره وعقله ولم يطرح قضية الكون أمامه ليرى‬
‫الرض التي تسعه فيهاجر فيها فعلية أن يعرف أنه مهدد بسوء المصير؛ لن ال قد جعل له‬
‫الكون كله ليكون فيه خليفة‪ ،‬أمّا الذين سوف ينجون من هذا العقاب ومن تعنيف الملئكة لهم ساعة‬
‫ضعَفِينَ مِنَ الرّجَالِ‪.{ ...‬‬
‫الوفاة فهم مَن يقول عنهم الحق في الية التالية‪ِ } :‬إلّ ا ْلمُسْ َت ْ‬

‫(‪)378 /‬‬
‫ل وَالنّسَا ِء وَا ْلوِلْدَانِ لَا َيسْتَطِيعُونَ حِيَل ًة وَلَا َيهْتَدُونَ سَبِيلًا (‪)98‬‬
‫ض َعفِينَ مِنَ الرّجَا ِ‬
‫إِلّا ا ْلمُسْ َت ْ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وعلينا أن نعرف أن هناك فرقا بين " مستضعف دعوى ومستضعف حقيقي " ‪ ،‬فهناك مستضعف‬
‫قد قبل استضعاف غيره له وجعل من نفسه ضعيفا‪ .‬هذا هو " مستضعف دعوى "‪.‬‬
‫أما " المستضعف الحقيقي " فهو مِن هؤلء الذين يحددهم الحق‪:‬‬
‫ن لَ يَسْ َتطِيعُونَ حِيلَ ًة َولَ َيهْتَدُونَ سَبِيلً }‪ .‬هؤلء هم‬
‫ل وَالنّسَآ ِء وَا ْلوِلْدَا ِ‬
‫ض َعفِينَ مِنَ الرّجَا ِ‬
‫{ ِإلّ ا ْلمُسْ َت ْ‬
‫المستضعفون فعلً حسب طبيعة عجزهم من الرجال والنساء والولدان‪.‬‬
‫هل الولد من الولدان يكون مستضعفا؟ نعم؛ لن الستضعاف إما أن يكون طارئا وإما أن يكون‬
‫ذاتيا؛ فبعض من الرجال يكون مملوكا لغيره ول يقدر على التصرف أو الذهاب‪ ،‬وكذلك النساء؛‬
‫فالمرأة ل تستطيع أن تمشي وحدها وتحمي نفسها‪ ،‬بل ل بد أن يوجد معها من يحميها من زوج‬
‫أن محرم لها‪ ،‬وكذلك الولدان؛ لنهم بطيعتهم غير مكلفين وهم بذلك يخرجون عن نطاق التعنيف‬
‫من الملئكة لنهم ل يستطيعون حيلة ول يهتدون سبيلً‪.‬‬
‫وهذه دقة في الداء القرآني‪ ،‬فالنسان مكلف بالخروج عن ظلم غيره له ولو بالحتيال‪ ،‬والحتيال‬
‫هو إعمال الفكر إعمالً يعطي للنسان فرصة أكثر مما هو متاح له بالفعل‪ .‬فقد تكون القوة‬
‫ضعيفة‪ .‬ولكن بالحتيال قد يوسع النسان من فرص القوة‪ .‬ومثال ذلك‪ :‬النسان حين يريد أن‬
‫يحمل صخرة‪ ،‬قد ل يستطيع ذلك بيديه‪ ،‬لكنه يأتي بقضيب من الحديد ويصنع منه عتلة ويضع‬
‫تحت العتلة عجلة‪ ،‬ليدحرج الصخرة‪ ،‬هذه هي حيلة من الحيل‪ ،‬وكذلك السّقالت التي نبني عليها‪،‬‬
‫إنها حيلة‪.‬‬
‫والذي قام ببناء الهرم‪ ،‬كيف وضع الحجر الخير على القمة؟ لقد فعل ذلك بالحيلة‪ ،‬والذي جلس‬
‫لينحت مسلة من الجرانيت طولها يزيد على العشرة المتار‪ ،‬ثم نقلها وأقامها إنّه فعل ذلك بالحيلة‪.‬‬
‫فالحيلة هو فكر يعطي النسان قدرة فوق قدرته على المقدور عليه‪ ،‬كذلك معرفة السبيل إلى‬
‫الهجرة‪ .‬وكانت معرفة الطرق إلى الهجرة من مكة إلى المدينة في زمن رسول ال تحتاج إلى‬
‫خبرة حتى يتجنب الواحد منهم المفازات والمتاهات‪ ،‬وحينما قال الرسول بالهجرة أحضر دليلً‬
‫للطريق‪ ،‬وكان دليله كافرا‪ ،‬فل يتأتى السير في مثل هذه الرض بل دليل‪.‬‬
‫ولننظر إلى قول الحق سبحانه‪ { :‬فَُأوْلَـائِكَ عَسَى‪.} ...‬‬

‫(‪)379 /‬‬
‫غفُورًا (‪)99‬‬
‫ع ُفوّا َ‬
‫عسَى اللّهُ أَنْ َي ْع ُفوَ عَ ْنهُ ْم َوكَانَ اللّهُ َ‬
‫فَأُولَ ِئكَ َ‬

‫ض َعفِينَ مِنَ الرّجَالِ‬
‫{ فَُأوْلَـا ِئكَ } إشارة إلى من جاء ذكرهم في الية السابقة لهذه الية‪ِ {:‬إلّ ا ْلمُسْ َت ْ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وَالنّسَآ ِء وَا ْلوِلْدَانِ لَ َيسْتَطِيعُونَ حِيَل ًة َولَ َيهْ َتدُونَ سَبِيلً }[النساء‪.]98 :‬‬
‫ومع ذلك فإن ال حين أشار إلى هؤلء المستضعفين بحق قال‪:‬‬
‫{ فَُأوْلَـا ِئكَ عَسَى اللّهُ أَن َي ْعفُوَ عَ ْنهُمْ } [النساء‪.]99 :‬‬
‫وكان مقتضي الكلم أن يقول الحق‪ " :‬فأولئك عفا ال عنهم " ‪ ،‬لكن الحق جاء بـ " عسى "‬
‫ليحثهم على رجاء أن يعفو ال عنهم‪ ،‬والرجاء من الممكن أن يحدث َأوْ ل يحدث‪ .‬ونعرف أن "‬
‫عسى " للرجاء‪ ،‬وأنها تستخدم حين يأتي بعدها أمر محجوب نحب أن يقع‪.‬‬
‫فقد ترجو شيئا من غيرك وتقول‪ :‬عساك أن تفعل كذا‪ .‬وقد يقول النسان‪ :‬عساي أن أفعل كذا‪،‬‬
‫وهنا يكون القائل هو الذي يملك الفعل وهذا أقوى قليلً‪ ،‬ولكن النسان قد تخونه قوته؛ لذلك فعليه‬
‫أن يقول‪ :‬عسى ال أن يفعل كذا‪ ،‬وفي هذا العتماد على مطلق القوة‪ .‬وإذا كان ال هو الذي‬
‫عسَى اللّهُ أَن َي ْع ُفوَ عَ ْن ُهمْ } ‪ ،‬فهذا إطماع من كريم قادر‪.‬‬
‫يقول‪َ { :‬‬
‫وبعد أن يذكر لنا القصة التي تحدث لكل من مات وتوفته الملئكة ظالما نفسه بأن ظل في أرض‬
‫ومكث فيها‪ ،‬وكان من الممكن أن يهاجر إلى أرض إيمانية إسلمية سواها؛ ومع ذلك فالذي يضع‬
‫في نفسه شيئا يريد أن يحقق به قضية إيمانية فهو معان عليها لن ال سبحانه وتعالى يقول‪:‬‬
‫{ َومَن ُيهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ‪.} ...‬‬

‫(‪)380 /‬‬
‫سعَةً َومَنْ َيخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ ُمهَاجِرًا إِلَى‬
‫غمًا كَثِيرًا وَ َ‬
‫َومَنْ ُيهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ َيجِدْ فِي الْأَ ْرضِ مُرَا َ‬
‫غفُورًا رَحِيمًا (‪)100‬‬
‫اللّ ِه وَرَسُوِلهِ ثُمّ ُيدْ ِركْهُ ا ْل َم ْوتُ فَقَدْ َوقَعَ أَجْ ُرهُ عَلَى اللّ ِه َوكَانَ اللّهُ َ‬

‫الذي يهاجر في سبيل ال سيجد السعة إن كان قد وضع في نفسه العملية اليمانية‪ .‬وفي البداية‬
‫كان المسلمون يهاجرون إلى الحبشة؛ لنهم لم يكونوا آمنين في مكة على دينهم‪.‬‬
‫ولذلك قيل‪ :‬إن رسول ال صلى ال عليه وسلم بسط ال له كونه واستعرض قضية العدالة في‬
‫الكون‪ ،‬فلم يقبل النبي إل أن يذهب المهاجرون إلى الحبشة‪ ،‬ول بد أن الحق قد أعلمه أن الحبشة‬
‫في ذلك الزمان هي أرض بل فتنة‪.‬‬
‫وقد يقول قائل‪ :‬ولماذا لم يختر النبي أن يهاجر المهاجرون الوائل إلى قبيلة عربية في الجنوب أو‬
‫في الشمال؟‬
‫لقد كانت لقريش السيادة على كل الجزيرة العربية بقبائلها‪ ،‬فكل القبائل تحج عند قريش ولم تكن‬
‫هناك أي بيئة عربية قادرة على أن تقف أمام هوى قريش‪ .‬ولذلك استعرض سيدنا رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم البلد جميعا إلى أن أمرهم بالهجرة إلى الحبشة‪ ،‬والعلة في الذهاب إلى‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الحبشة أن هناك ملكا ل يظلم عنده أحد‪ .‬وكان العدل في ذاته وساما لذلك الملك وسماها المؤمنون‬
‫دار أمن‪ ،‬وإن لم تكن دار إيمان‪ .‬وأما الهجرة إلى المدينة فقد كانت إلى دار اليمان‪ .‬وعلينا أن‬
‫نعرف نحن الذين نعيش في هذا الزمان أنه ل هجرة بعد الفتح‪ ،‬إل إن كانت هجرة يقصد بها‬
‫صاحبها المعونة على طاعة ال‪ .‬وهو ما يوضحه قوله صلى ال عليه وسلم‪ " :‬المسلم من سلم‬
‫المسلمون من لسانه ويده‪ ،‬والمهاجر من هجر ما نهى ال عنه "‪.‬‬
‫وهناك هجرة باقية لنا وهي الحج‪ ،‬أو الهجرة إلى طلب العلم‪ ،‬أو الهجرة لن هناك مجالً للطاعة‬
‫أكثر‪ ،‬فلنفترض أن هناك مكانا يضيق الحكام فيه على الذهاب إلى المسجد‪ ،‬فيترك أهل اليمان‬
‫هذا المكان إلى مكان فيه مجال يأخذ فيه النسان حرية أداء الفروض الدينية‪ ،‬كل هذه هجرات إلى‬
‫ال‪ .‬والنية في هذه الهجرات ل يمكن أن تكون محصورة فقط في طلب سعة العيش‪ .‬ولذلك ل‬
‫يصح أن يكون الشغل الشاغل للناس ما يشغلهم في هذا الزمان هو سعة العيش‪.‬‬
‫ضمِن ‪ -‬بالبناء‬
‫س َعوْنَ فيما ُ‬
‫وها هو ذا المام على ‪ -‬كرم ال وجهه ‪ -‬يقول‪ :‬عجبت للقوم يَ ْ‬
‫للمفعول ‪ -‬لهم ويتركون ما طلب منهم‪ .‬فكل سعى الناس إنما هو للرزق والعيش وهو أمر‬
‫مضمون لهم من خالقهم جل وعل‪َ {:‬ومَن ُيهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ َيجِدْ فِي الَ ْرضِ مُرَاغَما كَثِيرا‬
‫سعَ ًة َومَن يَخْرُجْ مِن بَيْ ِتهِ ُمهَاجِرا إِلَى اللّ ِه وَرَسُولِهِ ُثمّ يُدْ ِركْهُ ا ْل َموْتُ َفقَ ْد َوقَعَ َأجْ ُرهُ عَلىَ اللّهِ‬
‫وَ َ‬
‫غفُورا رّحِيما }[النساء‪.]100 :‬‬
‫َوكَانَ اللّهُ َ‬
‫ولن يجد المهاجر إل السعة من ال‪ ،‬والشاعر يقول‪:‬لعمرك ما ضاقت بلد بأهلها ولكن أخلق‬
‫الرجال تضيق‬
‫وقد يقول النسان‪ :‬إنني أطلب سعة الرزق بالهجرة‪ ،‬ونقول‪ :‬أنت تبحث عن وظيفة لها شكل‬
‫العمل وباطنها هو الكسل لنك في مجال حياتك تجد أعمالً كثيرة‪.‬‬
‫ونجد بعضا ممن يطلبون سعة الرزق يريد الواحد منهم أن يجلس على مكتب ويقبض مرتبا‪ ،‬بينما‬
‫يبحث المجتمع عن العامل الفني بصعوبة‪ ،‬كأن الذين يبحثون عن سعة الرزق يريدون هذه السعة‬
‫مع الكسل‪ ،‬ل مع بذل الجهد‪.‬‬
‫} َومَن ُيهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ َيجِدْ فِي الَ ْرضِ مُرَاغَما كَثِيرا { وساعة تقرأ كلمة " مراغم " تعرف‬
‫أنها تفتح المجال أمام المستضعفين الذين يستذلهم الجبارون‪ .‬ومادة " مراغم " هي " الراء والغين‬
‫والميم " والصل فيها " الرّغام " أي " التراب "‪ .‬ويقال‪ :‬سوف أفعل كذا وأنف فلن راغم‪ ،‬أي‬
‫أنف فلن يذهب إلى التراب وسأفعل ما أنا مصمم عليه‪ .‬وما دام هناك إنسان سيفعل شيئا برغم‬
‫أنف إنسان آخر‪ ،‬فمعناه أن الثاني كان يريد أن يستذله وأراد أن يرغمه على شيء‪ ،‬لكنه رفض‬
‫وفعل ما يريد‪.‬‬
‫وعندما يرى النسان جبارا يشمخ بأنفه ويتكبر‪ ،‬فهو يحاول أن يعانده ويصنع غير ما يريد ويجعل‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫مكانه هذا النف في التراب‪ ،‬ويقال في المثل الشعبي‪ :‬أريد أن أكسر أنف فلن‪.‬‬
‫وعندما يهاجر من كان مستعضفا ويعاني من الذلة في بلده‪ ،‬سيجد أرضا يعثر فيها على ما يرغم‬
‫أنف عدوه‪ .‬فيقول العدو‪ :‬برغم أنن ضيقت عليه راح إلى أحسن مما كنت أتوقع‪ .‬ويرغم النسان‬
‫بهجرته أنف الجبارين‪.‬‬
‫وكلمة " مراغم " هي اسم مفعول‪ ،‬وتعني مكانا إذا ما وصلت إليه ترغم أنف خصمك الذي كان‬
‫يستضعفك‪ ،‬فهل هناك أفضل من هذا؟‪.‬‬
‫} َومَن ُيهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ َيجِدْ فِي الَ ْرضِ مُرَاغَما كَثِيرا { أي أنه سبحانه يعطي المهاجر أشياء‬
‫تجعل من كان يستضعفه ويستذلّه يشعر بالخزي إلى درجة أن تكون أنفه في الرّغام‪.‬‬
‫والمستضعف في أرضٍ ما يجد من يضيق عليه حركته‪ ،‬لكنه عندما يهاجر في سبيل ال سيجد‬
‫سعة ورزقا‪.‬‬
‫ويتابع الحق الية‪َ } :‬ومَن َيخْرُجْ مِن بَيْتِهِ ُمهَاجِرا إِلَى اللّ ِه وَرَسُولِهِ ثُمّ يُدْ ِركْهُ ا ْل َم ْوتُ َفقَ ْد َوقَعَ أَجْ ُرهُ‬
‫غفُورا رّحِيما { ول أحد يعرف ميعاد الموت‪ .‬فإن هاجر إنسان في سبيل ال‬
‫عَلىَ اللّ ِه َوكَانَ اللّهُ َ‬
‫فقد ل يصل إلى المراغم؛ لن الموت قد يأتيه‪ ،‬وهنا يقع أجره على ال‪ .‬فإذا كان سبحانه قد وعد‬
‫المهاجر في سبيله بالمكان الذي يرغم أنف خصمه وذلك سبب‪ ،‬ومن مات قبل أن يصل إلى ذلك‬
‫السبب فهو قد ذهب إلى رب السبب‪ ،‬ومن المؤكد أن الذهاب إلى رب السبب أكثر عطاءً‪ .‬وهكذا‬
‫نجد أن المهاجر رابح حيا أو ميتا‪.‬‬
‫} َومَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ ُمهَاجِرا إِلَى اللّ ِه وَرَسُولِهِ ُثمّ يُدْ ِر ْكهُ ا ْل َم ْوتُ َفقَ ْد َوقَعَ َأجْ ُرهُ عَلىَ اللّهِ َوكَانَ اللّهُ‬
‫غفُورا رّحِيما { وكلمة } َوقَعَ أَجْ ُرهُ عَلىَ اللّهِ { أي سقط أجره على ال‪.‬‬
‫َ‬
‫كأن الحق سبحانه وتعالى يقول للعبد‪ :‬أنت عندما تهاجر إلى أرض ال الواسعة‪ ،‬إن أدركك الموت‬
‫قبل أن تصل إلى السعة والمراغم‪ ،‬فأنت تذهب إلى رحابي‪ .‬والمراغم سبب من أسبابي وأنا‬
‫المسبب‪.‬‬
‫وحتى نفهم معنى‪َ } :‬وقَعَ أَجْ ُرهُ عَلىَ اللّهِ { علينا أن نقرأ قوله الحق‪ {:‬وَِإذَا َوقَعَ ا ْل َقوْلُ عَلَ ْيهِم }‬
‫[النمل‪]82 :‬‬
‫والوقوع هنا هو سقوط‪ ،‬ولكنه ليس كالسقوط الذي نعرفه‪ ،‬بل هو الذهاب إلى ال‪ .‬ولماذا يستخدم‬
‫الحق هنا " وقع " بمعنى " سقط "؟‬
‫هو سبحانه يلفتنا إلى ملحظ هام‪ :‬حيث يكون الجزاء أحرص على العبد من حرص العبد عليه‪،‬‬
‫فإذا ما أدرك العبد الموت فالجزاء يسعى إليه وهو عند ال‪ ،‬ويعرف الجزاء مَن يذهب إليه معرفة‬
‫كاملة‪.‬‬
‫سعَةً‬
‫وهكذا يجب أن نفهم قوله الحق‪َ {:‬ومَن ُيهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ َيجِدْ فِي الَ ْرضِ مُرَاغَما كَثِيرا وَ َ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫َومَن َيخْرُجْ مِن بَيْتِهِ ُمهَاجِرا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمّ ُيدْ ِركْهُ ا ْل َم ْوتُ َفقَ ْد َوقَعَ أَجْ ُرهُ عَلىَ اللّ ِه َوكَانَ اللّهُ‬
‫غفُورا رّحِيما }[النساء‪]100 :‬‬
‫َ‬
‫وال غفور رحيم حتى لمن توانى قليلً‪ ،‬وذلك حتى يلحق بالركب اليماني ويتدارك ما فاته؛ لن‬
‫ال يغفر ما فات إن حاول العبد تداركه‪ .‬والهجرة تقتضي ضربا في الرض‪ ،‬وتقتضي الجهاد‪.‬‬
‫وبعد أن جعل ال السلم أركانا‪ ،‬جاء فحمل المسلم ما يمكن أن يؤديه من هذه الركان‪ ،‬فأركان‬
‫السلم هي‪ :‬الشهادة؛ والصلة؛ والصوم؛ والزكاة؛ والحج لمن استطاع إلى ذلك سبيلً‪ ،‬والمسلم‬
‫ينطق بالشهادة ويؤدي الصلة‪ ،‬ولكنه قد ل يملك مالً؛ لذلك يعفيه الحق من الزكاة‪ .‬وقد يكون‬
‫صاحب مرض دائم فل يستطيع الصوم‪ ،‬فيعفيه ال من الصوم‪ .‬وقد ل تكون عنده القدرة على‬
‫الحج فيعفيه الحق من الحج‪ .‬أما شهادة " ل إله إل ال وأن محمدا رسول ال " فقد ل يقولها المسلم‬
‫في العمر إل مرة واحدة‪ .‬ولم يبق إل ركن الصلة وهو ل يسقط عن النسان أبدا ما دامت فيه‬
‫الصلحية لدائها‪ ،‬ولذلك قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫" رأس المر كله السلم وعموده الصلة "‬
‫ولن الصلة هي الركن الذي ل يسقط أبدا فقد جمع ال فيها كل الركان‪ ،‬فعند إقامة الصلة يشهد‬
‫المسلم أل إله إل ال وأن محمدا رسول ال‪ ،‬وخلل الصلة يصوم النسان عن الطعام والشراب‪،‬‬
‫وإضافة إلى ذلك يصوم ويمتنع عن الكلم أيضا‪ ،‬وهكذا نجد الصلة أوسع في المساك عن ركن‬
‫الصيام‪ .‬فالنسان وهو يقيم الصلة يحبس نفسه عن أشياء كثيرة قد يفعلها وهو صائم‪ ،‬فالصوم ‪-‬‬
‫مثلً ‪ -‬ل يمنع النسان من الحركة إلى أي مكان لكن الصلة تمنع النسان إل من الوقوف بين‬
‫يدي ال‪.‬‬
‫إذن فالصلة تأخذ إمساكا من نوع أوسع من إمساك المؤمن في الصيام‪ .‬والزكاة هي إخراج جزء‬
‫من المال‪ ،‬والمال يأتي به النسان من الحركة والعمل‪ .‬والحركة والعمل تأخذ من الوقت‪ .‬وحين‬
‫يصلي المسلم فهو يزكي بالصل‪ ،‬إنه يزكي ببذل الوقت الذي هو وعاء الحركة‪ ،‬إذن ففي الصلة‬
‫زكاة واسعة‪.‬‬
‫والحج إلى البيت الحرام موجود في الصلة؛ لن المسلم يتحرى التجاه إلى البيت الحرام كقبلة‬
‫في كل صلة‪ ،‬وهكذا‪.‬‬
‫ولذلك اختلفت الصلة عن بقية الركان‪ .‬فلم تشرع بواسطة الوحي‪ ،‬وإنما شرعت بالمباشرة بين‬
‫رب محمد ومحمد صلى ال عليه وسلم‪ .‬ولن هذه هي منزلة الصلة نجد الحق يحذرنا من أن‬
‫يشغلنا الضرب في الرض عنها‪ ،‬بل شرع سبحانه صلة مخصوصة اسمها " صلة الحرب‬
‫وصلة الخوف " حتى ل يقولن أحد إن الحرب تمنعنا من الصلة‪ ،‬ففي الحرب يكون من الولى‬
‫بالمسلم أن يلتحم بمنهج ربه‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫كذلك في السفر يشرع الحق قصر الصلوات‪ } :‬وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الَ ْرضِ‪{ ...‬‬

‫(‪)381 /‬‬
‫خفْتُمْ أَنْ َيفْتِ َنكُمُ الّذِينَ َكفَرُوا‬
‫وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَ ْرضِ فَلَيْسَ عَلَ ْيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ َت ْقصُرُوا مِنَ الصّلَاةِ إِنْ ِ‬
‫ع ُدوّا مُبِينًا (‪)101‬‬
‫إِنّ ا ْلكَافِرِينَ كَانُوا َلكُمْ َ‬

‫والضرب في الرض مقصود به أن يمشي المؤمن في الرض بصلبة وعزم وقوة‪ .‬والقصر في‬
‫الصلة هو اختزال الكمية العددية لركعاتها‪ .‬وفي اللغة " اختصار " و " اقتصار "‪ " .‬القتصار "‬
‫أن تأخذ بعضا وتترك بعضا‪ ،‬و " الختصار " هو أخذ الكل بصفة موجزة‪ .‬مثال ذلك عندما‬
‫نختصر كتابا ما فنحن نوجز كل المعاني التي فيه في عدد أقل من الكلمات‪.‬‬
‫وقد يفكر إنسان في أن يكتب خطابا‪ ،‬ثم يقول لنفسه‪ :‬سأرسل برقية في الموضوع نفسه‪ .‬وهنا ل‬
‫بد أن يختزل الكلمات لتحمل معاني كثيرة في ألفاظ موجزة‪.‬‬
‫والسهاب ‪ -‬كما نعلم ‪ -‬ل يأخذ من الوقت مثلما يأخذ اليجاز؛ فعندما يريد النسان اليجاز فهو‬
‫يقدح ذهنه ‪ -‬في وقت أطول ‪ -‬ليصل إلى المعاني في كلمات أقل‪.‬‬
‫ويحكى عن سعد زغلول ‪ -‬زعيم ثورة ‪ 1919‬المصرية ‪ -‬أنه كتب رسالة لصديق فأطال‪ ،‬وأنهى‬
‫رسالته بهذه الكلمات‪:‬‬
‫وإني أعتذر إليك عن التطويل فليس عندي الوقت الكافي لليجاز‪ .‬ويحكي التاريخ عن الخليفة‬
‫المسلم الذي أراد أن يهدد قائد الروم‪ ..‬فكتب إليه؛ أما بعد‪ :‬فسآتيك بجيش أوله عندك وآخره‬
‫عندي‪ .‬وهكذا أوجز الخليفة حجم الخطر الداهم الذي سيواجه ملك الروم من جيش عرمرم سيمل‬
‫الرض إلخ‪.‬‬
‫وينقل التاريخ عن أحد قادة العرب وموقفه القتالى الذي كان صعبا في " دومة الجندل " أنه كتب‬
‫إلى خالد بن الوليد كلمتين ل غيرهما " إياك أريد " ولم يقل أكثر من ذلك ليتضح من هذا اليجاز‬
‫حجم المعاناة التي يعانيها‪ .‬وقد أوردنا هذا الكلم ونحن بصدد الحديث عن القصر واليجاز‪.‬‬
‫والقصر في الصلة هو أن يؤدي المؤمن كُلّ من صلة الظهر والعصر والعشاء ركعتين بدلً من‬
‫أربع ركعات‪ ،‬أما الصبح والمغرب فكلهما على حاله‪ ،‬الصبح ركعتان‪ ،‬والمغرب ثلث ركعات‪.‬‬
‫وحكمة مشروعية ذلك أن الصلة في وقت الحرب تقتضي أل ينشغل المقاتلون عن العدو‪ ،‬ول‬
‫لةَ كَا َنتْ عَلَى ا ْل ُم ْؤمِنِينَ كِتَابا ّم ْوقُوتا }[النساء‪]103 :‬‬
‫ينشغلوا أيضا عن قول الحق‪ {:‬إِنّ الصّ َ‬
‫فإذا شرع ال للخوف صلة‪ ،‬وللحرب صلة فمعنى ذلك أنه ل سبيل أبدا لن ينسى العبد المؤمن‬
‫إقامة الصلة‪ .‬وإذا كانت الصلة واجبة في الحرب فلن تكون هناك مشاغل في الحياة أكثر من‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫مشاغل الحرب والسيف‪ .‬وصلة الحرب ‪ -‬أي صلة الخوف ‪ -‬جاء بها القرآن‪ ،‬أما صلة السفر‬
‫فقد جاءت بها السنة أيضا‪ ،‬وفيها يقصر المؤمن صلواته أيضا‪ {:‬وَِإذَا ضَرَبْتُمْ فِي الَ ْرضِ فَلَ ْيسَ‬
‫خفْتُمْ أَن َيفْتِ َنكُمُ الّذِينَ َكفَرُواْ إِنّ ا ْلكَافِرِينَ كَانُواْ َل ُكمْ عَ ُدوّا‬
‫لةِ إِنْ ِ‬
‫عَلَ ْيكُمْ جُنَاحٌ أَن َت ْقصُرُواْ مِنَ الصّ َ‬
‫مّبِينا }[النساء‪]101 :‬‬
‫ولو رأى الكافرون المؤمنين مصفوفين جميعا في الصلة فقد يهجمون عليهم هجمة واحدة‪ .‬ولذلك‬
‫شرع الحق قصر الصلة‪.‬‬
‫ويكون الخطاب من بعد ذلك موجها للرسول صلى ال عليه وسلم‪ { :‬وَِإذَا كُنتَ فِي ِهمْ فََأ َق ْمتَ َل ُهمُ‬
‫لةَ‪} ...‬‬
‫الصّ َ‬

‫(‪)382 /‬‬
‫جدُوا فَلْ َيكُونُوا مِنْ‬
‫ك وَلْيَأْخُذُوا َأسْلِحَ َت ُهمْ فَإِذَا سَ َ‬
‫وَإِذَا كُ ْنتَ فِيهِمْ فََأ َق ْمتَ َلهُمُ الصّلَاةَ فَلْ َتقُمْ طَا ِئفَةٌ مِ ْنهُمْ َم َع َ‬
‫حذْرَ ُه ْم وَأَسْلِحَ َت ُه ْم وَدّ الّذِينَ َكفَرُوا َلوْ‬
‫وَرَا ِئكُ ْم وَلْتَ ْأتِ طَا ِئفَةٌ ُأخْرَى لَمْ ُيصَلّوا فَلْ ُيصَلّوا َم َعكَ وَلْيَ ْأخُذُوا ِ‬
‫ح َد ًة وَلَا جُنَاحَ عَلَ ْي ُكمْ إِنْ كَانَ ِبكُمْ أَذًى مِنْ‬
‫َت ْغفُلُونَ عَنْ َأسْلِحَ ِتكُمْ وََأمْتِعَ ِتكُمْ فَ َيمِيلُونَ عَلَ ْيكُمْ مَيْلَ ًة وَا ِ‬
‫خذُوا حِذْ َر ُكمْ إِنّ اللّهَ أَعَدّ لِ ْلكَافِرِينَ عَذَابًا ُمهِينًا (‪)102‬‬
‫ضعُوا أَسِْلحَ َتكُ ْم وَ ُ‬
‫مَطَرٍ َأوْ كُنْتُمْ مَ ْرضَى أَنْ َت َ‬

‫وحين يقول الحق‪ { :‬فَلْ َتقُمْ طَآ ِئفَةٌ مّ ْن ُهمْ } نفهم أن ينقسم المؤمنون إلى طائفتين‪ :‬طائفة تصلي مع‬
‫رسول ال‪ ،‬وأخرى ترقب العدو وتحمي المؤمنين‪.‬‬
‫ولكن كيف تصلي طائفة خلف رسول ال ول تصلي أخرى وكلهم مؤمنون يطلبون شرف الصلة‬
‫مع رسول ال؟ ويأمر الحق أن يقسم النبي صلى ال عليه وسلم الصلة ليصلي بكل طائفة مرة‪،‬‬
‫ليشرف كل مقاتل بالصلة خلف رسول ال صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫وقصر الصلة ‪ -‬كما عرفنا ‪ -‬ينطبق على الصلة الرباعية وهي الظهر والعصر والعشاء أما‬
‫صلة الفجر وصلة المغرب فل قصر فيهما‪ ،‬فليس من المتصور أن يصلي أحد ركعة ونصف‬
‫ركعة‪ ،‬وفي علم الحساب نحن نجبر الكسور إلى الرقم الكبر‪.‬‬
‫وقد صلى رسول ال صلى ال عليه وسلم صلة الخوف بهيئات متعددة‪ ،‬ول مانع من أن نلم بها‬
‫إلماما عاجلً؛ لن تعليم هذه الصلة عادة يكون واجبا على الئمة والعلماء الذين يصلون بالجيوش‬
‫في حالة الحرب‪ .‬ولصلة الخوف طرق وكيفيات‪ :‬كان الرسول صلى ال عليه وسلم ُيقَسّم الجيش‬
‫إلى قسمين؛ قسم يصلي معه وقسم يرقب العدو‪ ،‬ويصلي بكل فرقة ركعتين‪.‬‬
‫وهناك طريقة أخرى وهي أن يصلي بطائفة وفرقة ركعة واحدة‪ ،‬ثم ينصرفون وتأتي الطائفة التي‬
‫حمت الطائفة الولى في أثناء الصلة لتصلي هذه الطائفة الثانية ركعة مع رسول ال صلى ال‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫عليه وسلم‪ ،‬وهنا يسلم رسول ال لنه أنهى الصلة‪.‬‬
‫وبعد ذلك تصلي الطائفة الولى الركعة الثانية التي عليها في القصر وتسلم‪ ،‬ثم تصلي الطائفة‬
‫الثانية التي عليها في القصر وتسلم‪.‬‬
‫وهناك كيفية ثالثة وهي أن تأتي الطائفة الولى تصلي مع النبي صلى ال عليه وسلم ركعة‪ ،‬ول‬
‫يصلي النبي صلى ال عليه وسلم معها الركعة الثانية بل يظل واقفا قائما إلى أن تخرج من‬
‫صلتها بالتسليم لتنادي الطائفة التي تقف في مواجهة العدو لتصلي خلف النبي صلى ال عليه‬
‫وسلم الركعة الثانية بالنسبة للنبي صلى ال عليه وسلم بينما هي الركعة بركعتها الثانية ويسلم‬
‫النبي صلى ال عليه وسلم بها وتنال الطائفة الولى بشرف بدء الصلة مع الرسول صلى ال عليه‬
‫وسلم وتحظى الطائفة الثانية بشرف السلم معه صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫وهنا نسأل‪ :‬هل هذه الصلة بهذا السلوب مقصورة على عهد النبي صلى ال عليه وسلم وإتماما‬
‫به لن الصلة معه هي الشرف؟ فكيف يصلي المقاتلون الخوف بعده صلى ال عليه وسلم؟ قال‬
‫العلماء‪ :‬إذا كنت تعتبر القائمين بأمر القيادة هم خلفاء لرسول ال صلى ال عليه وسلم في الولية‬
‫فتقام صلة الخوف على صورتها التي جاءت في القرآن‪ ،‬ولكن إذا كان لكل جماعة إمام فلتصل‬
‫كل جماعة صلة القصر كاملة خلف المام‪.‬‬
‫خذُواْ أَسِْلحَ َتهُمْ { وهذه السلحة‬
‫ك وَلْيَأْ ُ‬
‫لةَ فَلْ َتقُمْ طَآ ِئفَةٌ مّ ْنهُمْ ّم َع َ‬
‫} وَإِذَا كُنتَ فِي ِهمْ فََأ َق ْمتَ َل ُهمُ الصّ َ‬
‫المقصود بها السلحة الحقيقية مثل السيف أو الرمح أو النبلة أو البندقية فيأخذها المقاتل معه‪ ،‬أما‬
‫من معه سلح ثقيل فلن يأخذه بطبيعة الحال إلى الصلة‪.‬‬
‫سجَدُواْ فَلْ َيكُونُواْ مِن وَرَآ ِئكُ ْم وَلْتَ ْأتِ طَآ ِئفَةٌ ُأخْرَىا لَمْ ُيصَلّواْ فَلْ ُيصَلّواْ َم َعكَ وَلْيَ ْأخُذُواْ حِذْرَ ُهمْ‬
‫} فَِإذَا َ‬
‫وَأَسْلِحَ َت ُهمْ { والقول القرآني هنا ليس مجرد ألفاظ تقال ولكنها ألفاظ لها مدلولت من رب العالمين‪،‬‬
‫فمن قدموا إلى الصلة أولً‪ :‬تركوا خلفهم من يحميهم‪.‬‬
‫ولكن الطائفة الثانية التي سوف تترك المواقع من أجل الركعة الثانية خلف رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم فبالهم مشغول بذواتهم وبحماية من يصلون‪ ،‬فلعلهم حين يذهبون إلى الصلة مع رسول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم تلهيهم المسألة؛ لذلك قال ال‪ } :‬وَلْيَأْخُذُواْ حِذْ َرهُ ْم وَأَسِْلحَ َتهُمْ { وهكذا نجد‬
‫أن الطائفة الولى ملزمة بأخذ السلح‪ ،‬والطائفة الثانية ملزمة بأخذ الحذر والسلح‪.‬‬
‫وقد يقول قائل‪ :‬صحيح إن السلحة تؤخذ‪ ،‬ولكن كيف يؤخذ الحذر وهو عملية معنوية؟‬
‫ونقول‪ :‬إنه سبحانه يصور المعنويات ويجسمها تجسيم الماديات حتى ل يغفل النسان عنها‪ ،‬فكأن‬
‫الحذر آلة من آلت القتال‪ ،‬وإياك أيها المقاتل أن تغفل عنها‪.‬‬
‫وهذا أمر يشيع في أساليب القرآن الكريم‪ ،‬فالحق سبحانه يقول‪ {:‬وَالّذِينَ تَ َبوّءُوا الدّا َر وَالِيمَانَ مِن‬
‫قَبِْلهِمْ }[الحشر‪]9 :‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والدار هي مكان باستطاعة النسان أن يتبوأه ويقيم به‪ ،‬فما معنى أن يتبوأ النسان اليمان وهو‬
‫أمر معنوي؟‪ .‬إنه سبحانه في هذا القول يصف النصار الذين أكرموا وفادة المهاجرين‪ ،‬والدار ‪-‬‬
‫كما نعرف ‪ -‬هي المكان الذي يرجع إليه النسان‪ ،‬واليمان هو مرجع كل أمر من المور‪.‬‬
‫إذن فقد جعل الحق سبحانه اليمان كأنه يُتبوأ‪ ،‬أي جعله شيئا ينزل النسان فيه‪ ،‬واليمان كذلك‬
‫حقا‪ ،‬والدار في هذا القول مقصود بها هنا المدينة المنورة‪ ،‬حيث استقبل النصار المهاجرين‪{.‬‬
‫جدُونَ فِي صُدُورِ ِهمْ حَاجَةً ّممّآ‬
‫وَالّذِينَ تَ َبوّءُوا الدّا َر وَالِيمَانَ مِن قَبِْلهِمْ يُحِبّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَ ْيهِ ْم َولَ يَ ِ‬
‫خصَاصَ ٌة َومَن يُوقَ شُحّ َنفْسِهِ فَُأوْلَـا ِئكَ هُمُ ا ْل ُمفْلِحُونَ }‬
‫سهِ ْم وََلوْ كَانَ ِبهِمْ َ‬
‫أُوتُواْ وَ ُيؤْثِرُونَ عَلَىا أَنفُ ِ‬
‫[الحشر‪]9 :‬‬
‫وهكذا يجسم الحق المعنويات لنفهم منها المر وكأنه أمر حسّي‪ ،‬تماما كما قال الحق‪ } :‬فَلْ ُيصَلّواْ‬
‫حذْرَ ُه ْم وَأَسْلِحَ َت ُه ْم وَدّ الّذِينَ َكفَرُواْ َلوْ َت ْغفُلُونَ عَنْ َأسْلِحَ ِت ُك ْم وََأمْ ِتعَ ِتكُمْ فَ َيمِيلُونَ عَلَ ْي ُكمْ‬
‫َم َعكَ وَلْيَ ْأخُذُواْ ِ‬
‫ح َدةً {‪.‬‬
‫مّيْلَ ًة وَا ِ‬
‫وهذا ما يوضح لنا لماذا أمر ال أن يأخذ المسلمون الحذر والسلحة؛ لن المقاتل يجب أن يخاف‬
‫على سلحه ومتاعه‪ .‬فلو فقدها المقاتل لفقد أداة القتال ولصارت أدوات قتاله لعدوه‪ .‬فحين يأخذ‬
‫المقاتل السلح من عدوه‪ ،‬يتحول السلح إلى قوة ضد العدو‪.‬‬
‫لذلك كان التحذير من فقد السلحة والمتعة حتى ل تضاف قوة السلح والمتاع إلى قوة العدو؛‬
‫لن في ذلك إضعافا للمؤمن وقوة لخصمه‪.‬‬
‫وعدو السلم يود أن يغفل المسلمون عن السلحة والمتاع‪ ،‬والمؤمن ساعة الصلة يستغرق‬
‫بيقظته مع ال‪ ،‬ولكن على النسان أل يفقد يقظته إن كان يصلي أثناء الحرب‪ ،‬فل يصح أن ينسى‬
‫النسان سلحه أثناء القتال حتى وهو يصلي‪ ،‬فالقتال موقف ل‪ ،‬فل تفصل القتال في سبيل ال عن‬
‫الصلة ل‪.‬‬
‫} وَدّ الّذِينَ َكفَرُواْ َلوْ َت ْغفُلُونَ عَنْ أَسِْلحَ ِتكُ ْم وََأمْ ِتعَ ِتكُمْ { والغفلة هي نسيان طارئ على ما ل يصح‬
‫أن يُنسى‪ ،‬وفي هذا نحذير واضح؛ لن الغفلة أثناء القتال هي حلم للكافرين حتى يحققوا هدفهم‬
‫المتمثل في قول ال‪ } :‬فَ َيمِيلُونَ عَلَ ْيكُمْ مّيْلَةً وَاحِ َدةً {‪ .‬فمعسكر الكفر يتمنى أن يهجم على المؤمنين‬
‫ح َدةً {‪.‬‬
‫في لحظة واحدة‪ ،‬هذا هو المقصود بقوله‪ } :‬فَ َيمِيلُونَ عَلَ ْيكُمْ مّيْلَ ًة وَا ِ‬
‫ولكن لنر من بعد ذلك قول الحق‪ {:‬وَلَ جُنَاحَ عَلَ ْيكُمْ إِن كَانَ ِبكُمْ أَذًى مّن مّطَرٍ َأوْ كُنتُمْ مّ ْرضَى أَن‬
‫عذَابا ّمهِينا }[النساء‪]102 :‬‬
‫ضعُواْ َأسْلِحَ َتكُمْ وَخُذُواْ حِذْ َركُمْ إِنّ اللّهَ أَعَدّ لِ ْلكَافِرِينَ َ‬
‫َت َ‬
‫ونجد هنا أن كلمة " الحذر " تكررت‪ ،‬وسبحانه بجلل جبروته أعد للكافرين عذابا مهينا‪ ،‬وفي ذلك‬
‫بشارة منه أن الكافرين لن ينالوا من المؤمنين شيئا‪ ،‬فلماذا جاء المر هنا بأخذ الحذر؟‪ .‬إن أخذ‬
‫الحذر ل يعني أن ال تخلى عن المؤمنين‪ ،‬ولكن لتنبيه المؤمنين أن يأخذوا بالسباب‪ ،‬ول يغفلوا‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫عدّ لِ ْلكَافِرِينَ عَذَابا ّمهِينا {‪.‬‬
‫عن المسبب لنه سبحانه هيأ وأعد العذاب المهين للكافرين‪ } .‬إِنّ اللّهَ أَ َ‬
‫وهذا ما يجب أن نفهمه حتى ل يتوهم أحد أن ال عندما نبه كثيرا بضرورة الخذ بالحذر ثم أنه‬
‫يتخلى عنا‪ ،‬ل‪ .‬إنّه سبحانه يوضح لنا أن نأخذ بالسباب ول نهملها وهو القائل } إِنّ اللّهَ أَعَدّ‬
‫لِ ْلكَافِرِينَ عَذَابا ّمهِينا {‪.‬‬
‫لةَ‪{ ...‬‬
‫ومن بعد ذلك قال الحق‪ } :‬فَإِذَا َقضَيْ ُتمُ الصّ َ‬

‫(‪)383 /‬‬
‫طمَأْنَنْ ُتمْ فََأقِيمُوا الصّلَاةَ إِنّ الصّلَاةَ‬
‫فَإِذَا َقضَيْتُمُ الصّلَاةَ فَا ْذكُرُوا اللّهَ قِيَامًا َو ُقعُودًا وَعَلَى جُنُو ِبكُمْ فَِإذَا ا ْ‬
‫كَا َنتْ عَلَى ا ْل ُم ْؤمِنِينَ كِتَابًا َم ْوقُوتًا (‪)103‬‬

‫كأن المؤمن مطالب بأل يسوّف و ُيؤَخّر الصلة عن وقتها‪ ،‬وأن يذكر ال قائما وقاعدا وعلى جنبه‪،‬‬
‫وذلك لتكون الصلة دائما في بؤرة شعور النسان‪ ،‬بل إن المؤمن مطالب بذكر ال حتى وهو‬
‫يسايف عدوه وينازله‪ ،‬فهو يحمل السيف ولسانه رطب بذكر ال ويقول‪ " :‬سبحان ال والحمد ل‬
‫ول إله إل ال وال أكبر ول حول ول قوة إل بال العلي العظيم "‪.‬‬
‫والنسان حين يسبح ال حتى وهو في حالة الشتباك مع العدو ل ينساه ال‪ .‬والمؤمن قد يؤخر‬
‫الصلة في حالة الشتباك مع العدو واللتحام به‪ ،‬ولكن عليه أن يدفع قلبه ونفسه إلى ذكر ال‪،‬‬
‫ففي وقت الصلة يكون مع ربه فليذكره قائما وقاعدا وفي كل حال‪ ،‬وبعد أن يطمئن المسلم لموقفه‬
‫القتالي فليقض الصلة‪ .‬وأنه ل يترك ربه أبدا بل وهو في الحرب يكون ذلك منه أولى؛ لنه في‬
‫حالة الحتياج إليه سبحانه‪ ،‬والقتال يدفع المؤمن إلى الستعانة بربه‪ ،‬وإذا كان المسلم يعرف أن ل‬
‫في أوقاته تجليات‪ ،‬فل يحرمن واحد نفسه من هذه التجليات في أي وقت‪ ،‬وذكر ال يقرّب العبد‬
‫من موله ‪ -‬فسبحانه ‪ -‬مع عبده إذا ذكره‪ ،‬فإن كان النسان مشبعا بالطمئنان وقت الخوف‬
‫والقتال فليذكر ال ليدعم موقفه بالقوة العليا‪.‬‬
‫لةَ } أي إذا انتهى الشتباك القتالي فعلى المؤمن أن ينتقل‬
‫طمَأْنَنتُمْ فََأقِيمُواْ الصّ َ‬
‫وقوله الحق‪ { :‬فَِإذَا ا ْ‬
‫من ذكر ال أثناء الشتباك إلى الصلة التي حان ميقاتها أثناء القتال‪ .‬فقد كان ذكر ال وقت‬
‫الشتباك من أجل أل يضيع وقت الصلة بل كرامة لهذا الوقت‪ ،‬وبل كرامة للقاء العبد مع الرب‪.‬‬
‫لةَ كَا َنتْ عَلَى ا ْل ُم ْؤمِنِينَ كِتَابا ّم ْوقُوتا }‪.‬‬
‫ولماذا كل ذلك؟ ويأتي القول الفصل‪ { :‬إِنّ الصّ َ‬
‫وقد أوضح لنا الحق صلة الخوف‪ ،‬وشرع سبحانه لنا ذكره إذا ما جاء وقت الصلة في أثناء‬
‫الشتباك القتالي‪ ،‬وإذا ما اتفق توقيته مع وقت الصلة‪ ،‬وشرحت لنا سنة النبي صلى ال عليه‬
‫وسلم كيفية قصر الصلة في أثناء السفر‪ ،‬لماذا كل ذلك؟ لن الصلة فرض ل غنى عنه على‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لةَ كَا َنتْ عَلَى ا ْل ُم ْؤمِنِينَ كِتَابا ّم ْوقُوتا }‪ .‬أي أن الصلة لها وقت‪.‬‬
‫الطلق { إِنّ الصّ َ‬
‫ول يصح أن يفهم أحد هذا المعنى ‪ -‬كما يفهمه البعض ‪ -‬بأن صلة الظهر ‪ -‬على سبيل المثال‬
‫ وقتها ممتد من الظهر إلى العصر‪ ،‬وصحيح أن النسان إذا عاش حتى يصلي الظهر قبيل‬‫العصر فإنها تسقط عنه‪ ،‬ولكن ماذا يحدث لو مات العبد وقد فات عليه وقت يسعها؟ إذن فقد أثم‬
‫العبد‪ ،‬ومن يضمن حياته حتى يؤدي الصلة مؤجلة عن موعد أدائها؟‪.‬‬
‫وقد يقول قائل‪ :‬أحيانا أسمع أذان الصلة وأكون في عمل ل أستطيع أن أتركه؛ فقد أكون في‬
‫إجراء جراحة‪.‬‬
‫أو راكبا طائرة‪ .‬ونقول‪ :‬أسألك بال إذا كنت في هذا العمل الذي تتخيل أنك غير قادر على تركه‬
‫وأردت أن تقضي حاجة‪ ،‬فماذا تصنع؟ إنك تذهب لقضاء حاجتك‪ ،‬فلماذا استقطعت جزءا من وقتك‬
‫من أجل أن تقضي حاجتك؟ وقد تجد قوما كافرين يسهلون لك سؤالك عن دورة المياه لتقضي‬
‫حاجتك‪.‬‬
‫وساعة يراك هؤلء وأنت تصلي فأنت ترى على وجوههم سمة الستبشار؛ لن فيهم العبودية‬
‫الفطرية ل‪ ،‬وتجد منهم من يسهل ذلك ويحضر لك مُلءة لتصلي فوقها‪ ،‬ويقف في ارتعاش سببه‬
‫العبودية الفطرية ل‪ ،‬فل تقل أبدا‪ :‬إن الوقت ل يتسع للصلة؛ لن ال ل يكلف أبدا عبده شيئا ليس‬
‫في سعته‪ ،‬والحق كلف العبد بالصلة ومعها الوقت الذي يسعها‪.‬‬
‫ول المثل العلى‪ ،‬نحن نرى رئيس العمال في موقع ما يوزع العمل على عماله بما يسع وقت كل‬
‫جعَل لّهُ مَخْرَجا * وَيَرْ ُزقْهُ مِنْ‬
‫منهم‪ ،‬فما بالنا بالرب الخالق‪ ،‬ولذلك يقول الحق‪َ {:‬ومَن يَتّقِ اللّهَ َي ْ‬
‫سبُ }[الطلق‪]3-2 :‬‬
‫ث لَ يَحْ َت ِ‬
‫حَ ْي ُ‬
‫والصلة رزق عبودي يحررك من أي خوف‪ ،‬وفضلها ل حدود له لن فارضها هو الخالق‬
‫المربي‪ ،‬فكيف تبخل على نفسك أن تكون موصول بربك؟‬
‫ويقول الحق من بعد ذلك‪َ } :‬ولَ َتهِنُواْ فِي ابْ ِتغَآءِ ا ْلقَوْمِ‪{ ...‬‬

‫(‪)384 /‬‬
‫وَلَا َتهِنُوا فِي ابْ ِتغَاءِ ا ْلقَوْمِ إِنْ َتكُونُوا تَأَْلمُونَ فَإِ ّنهُمْ يَأَْلمُونَ َكمَا تَأَْلمُونَ وَتَ ْرجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لَا‬
‫حكِيمًا (‪)104‬‬
‫علِيمًا َ‬
‫ن َوكَانَ اللّهُ َ‬
‫يَرْجُو َ‬

‫وهذه الية تذكرة لنا بكيفية الرد على من يدعون التحرر ويحاولون إظهار السلم بأنه يصلح‬
‫للعصر الذي نحياه عندما نؤوله ونطوّعه لمرادات العصر‪ ،‬ناسين مرادات السلم؛ فهم يقولون‪:‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لقد شرع الحق الحرب في السلم لرد العدوان‪ .‬ونقول لهم‪ :‬صحيح أن الحرب في السلم لرد‬
‫العدوان‪ ،‬والحرب في السلم أيضا هي لتوسيع المجال لحرية العتقاد للنسان‪.‬‬
‫إن الذي يخيف هؤلء أن يكون القتال في السلم فريضة‪ ،‬فيقاوم المسلمون الطغيان في أي مكان‪.‬‬
‫وهذه محاولة من أعداء السلم لصرف المسلمين حتى ل يقاوموا قهر الناس والطغيان عليهم؛‬
‫لن أعداء السلم يعرفون تماما قوة السلم الكامنة والتي يهبها لمن يؤمن به دينا‪ ،‬وينخدع‬
‫بعض المسلمين بدعاوى أعداء السلم الذين يقولون‪ :‬إن السلم لم يشرع الحرب إل لرد‬
‫العدوان‪.‬‬
‫ولذلك نقول لهؤلء وأولئك‪ :‬ل؛ إن السلم جاء بالقتال ليحرر حق النسان في العتقاد‪ .‬والمسلم‬
‫مطلوب منه أن يعلن كلمة ال‪ ،‬وأن يقف في وجه من يقاوم إعلنها‪ ،‬ولكن السلم ل يفرض‬
‫العقيدة بالسيف‪ ،‬إنما يحمى بالسيف حرية المعتقد‪ ،‬فالحق يقول‪ { :‬وَلَ َتهِنُواْ فِي ابْ ِتغَآءِ ا ْل َقوْمِ } أي‬
‫ل تضعفوا في طلب القوم الذين يحاربون السلم‪ ،‬والبتغاء هو أن يجعل النسان شيئا بغية له‪،‬‬
‫أي هدفا وغاية‪ ،‬ويجند لها كل تخطيطات الفكر ومتعلقات الطاقة‪ ،‬كأن النسان ل يرد القوم‬
‫الكافرين فقط ساعة يهاجمون دار السلم‪ ،‬ولكن على المسلم أن يبتغيهم أيضا امتثالً لقول ال‪:‬‬
‫{ َولَ َتهِنُواْ فِي ابْ ِتغَآءِ ا ْلقَوْمِ }‪ .‬فعلى المسلمين أن ُيعْلُوا كلمة ال‪ ،‬ويدعوا الناس كافة إلى اليمان‬
‫بال‪ .‬وهم في هذه الدعوة ل يفرضون كلمة ال‪ ،‬لكنهم يرفعون السيف في وجه الجبروت الذي‬
‫يمنع النسان من حرية العتقاد‪ .‬إن على المسلمين رفع الجبروت عن البشر حتى ولو كان في‬
‫ل وَ ُهوَ كُ ْرهٌ ّل ُكمْ }[البقرة‪]216 :‬‬
‫ذلك مشقة عليهم لن الحق قال‪ {:‬كُ ِتبَ عَلَ ْيكُمُ ا ْلقِتَا ُ‬
‫وقد خلق ال في المؤمن القدرة على أن يبتغي عدو السلم ليرفع الجبروت عن غيره من البشر‪،‬‬
‫صحيح أن الحرب مسألة مكروهة من البشر وليست رحلة سهلة‪ ،‬ولكنها أحيانا تكون واجبة‪،‬‬
‫والذين أدركوا الحرب العالمية الثانية عرفوا أن " تشرشل " جاء رئيسا لوزراء بريطانيا بعد "‬
‫تشمبرلن " الذي عرف عنه أنه رجل سلم‪ ،‬وحاول " تشمبرلن " أن يماطل ويلوح بالسلم مع‬
‫ألمانيا حتى تستعد انجلترا بالحرب‪ ،‬وعندما استعدت انجلترا أعلن " تشمبرلن " أن سياسته غير‬
‫نافعة‪ ،‬وجاء " تشرشل " وقاد دفة الحرب‪ ،‬وقال للنجليز‪:‬‬
‫ انتظروا أياما سوداء وانتظروا الجوع‪.‬‬‫لقد قال تشرشل ذلك للنجليز‪ ،‬حتى إذا ما جاء الواقع بأقل من قوله‪ ،‬فهم يستبشرون ويفرحون‪.‬‬
‫والحق سبحانه يقول‪ { :‬وَلَ َتهِنُواْ فِي ابْ ِتغَآءِ ا ْل َقوْمِ إِن َتكُونُواْ تَأَْلمُونَ فَإِ ّنهُمْ يَ ْأَلمُونَ َكمَا تَأْلَمونَ }‪.‬‬
‫إن الحرب ترهقهم أيضا كما ترهقكم‪ ،‬لكنكم أيها المؤمنون تمتازون على الكافرين بما يلي‪} :‬‬
‫حكِيما {‪ .‬فأنتم وهم في اللم سواء‪ ،‬ولكن‬
‫وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لَ يَ ْرجُونَ َوكَانَ اللّهُ عَلِيما َ‬
‫الختلف هو أن المؤمنين يرجون ما ل يرجوه الكافرون‪ ،‬إن المؤمنين يعلمون لحظة دخولهم‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الحرب أن ال معهم وهو الذي ينصرهم ومن يمت منهم يذهب إلى جنة عرضها السماوات‬
‫والرض‪ ،‬وهذا ما ل يرجوه الكفرة‪.‬‬
‫والحق سبحانه وتعالى يطالب الفئة المؤمنة التي انتهت قضية عقيدتها إلى اليمان بإله واحد؛ هو‬
‫ سبحانه ‪ -‬أنشأهم وخلقهم وإليه يعودون‪ ،‬وهذه القضية تحكم حركات حياتهم؛ إنه ‪ -‬سبحانه ‪-‬‬‫يطالبهم أن يؤدوا مطلوبات هذه القضية‪ ،‬وأن يدافعوا عن هذه العقيدة التي تثبت للناس جميعا أنه‬
‫ل معبود ‪ -‬أي ل مطاع ‪ -‬في أمر إل الحق سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫وحين تحكم هذه القضية أناسا فهي توحد اتجاهاتهم ول تتضارب مع حركاتهم‪ ،‬ويصبحون جميعا‬
‫متعاونين متساندين متعاضدين؛ لذلك جعل ال الطائفة المؤمنة خير أمة أخرجت للناس؛ لن‬
‫رسولها صلى ال عليه وسلم خير رسول أرسل للناس‪ ،‬وطلب الحق من أهل اليمان أن يجاهدوا‬
‫الكافرين والمنافقين لتصفو رقعة اليمان مما يكدر صفو حركة الحياة‪.‬‬
‫والحق يعامل خلقه كبشر‪ ،‬إنّه خلقهم ويعلم طبائعهم وغرائزهم ول يخاطبهم على أنهم ملئكة‪،‬‬
‫وإنما يخاطبهم على أنهم بشر‪ ،‬وهم أغيار‪ ،‬ومن الغيار أن يصفو لهم أمر العقيدة مرة‪ ،‬وأن تعكر‬
‫عليهم شهواتهم صفو العقيدة مرة أخرى؛ لذلك يؤكد لهم أن طريق العقيدة ليس مفروشا بالرياحين‬
‫والورود‪ ،‬وإنما هو مفروش بالشواك حتى ل يتحمل رسالة الحق في الرض إل من صبر على‬
‫هذه البليا وهذه المحن‪ .‬فلو كانت القضية على طرف الثمام أي سهلة التناول ل مشقة في‬
‫الحصول عليها وتدرك بدون آلم وبدون متاعب فسيدعيها كل إنسان ويصبح غير مأمون على‬
‫حمل العقيدة‪.‬‬
‫من أجل ذلك لم ينصر ال السلم أولً‪ ،‬إنما جعل السلم في أول أمره ضعيفا مضطهدا‪ ،‬ل‬
‫يستطيع أهله أن يحموا أنفسهم‪ ،‬حتى ل يصبر على هذا اليذاء إل من ذاق حلوة اليمان مما‬
‫يجعله ل يشعر بمرارة الضطهاد ووطأة التعذيب ومشقته‪ .‬فقال الحق سبحانه وتعالى‪ } :‬وَلَ َتهِنُواْ‬
‫فِي ابْ ِتغَآءِ ا ْل َقوْمِ { أي ل تضعفوا في طلب القوم‪.‬‬
‫وكلمة } َولَ َتهِنُواْ فِي ابْ ِتغَآءِ ا ْلقَوْمِ { أي في طلبهم تدل على أن المة السلمية ليس مطلوبا منها‬
‫فقط أن تدفع عن نفسها عدوانا‪ ،‬بل عليها أن تطلب هؤلء الذين يقفون في وجه الدعوة لتؤدبهم‬
‫حتى يتركوا الناس أحرارا في أن يختاروا العقيدة‪.‬‬
‫ل تهنوا ول تضعفوا في طلب القوم الذين يقفون في وجه الدعوة‪ .‬ثم‬
‫إذن فالطلب منه سبحانه‪ :‬أ ّ‬
‫قال سبحانه‪ } :‬إِن َتكُونُواْ تَأَْلمُونَ فَإِ ّنهُمْ يَأَْلمُونَ َكمَا تَأْلَمونَ وَتَ ْرجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لَ يَرْجُونَ { أي إنه‬
‫إذا كان يصيبكم ألم الحرب والعداد لها‪ ،‬فأنتم أيضا تحاربون قوما يصيبهم ألم المواقع والحروب‬
‫والعداد لها؛ فأنتم وهم متساوون في إدراك اللم والمشقة والتعب‪ ،‬ولكن يجب أل تغفلوا عن تقييم‬
‫القوة فل تهملوها؛ لنها هي القوة المرجحة‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فأنتم تزيدون عليهم أنكم ترجون من ال ما ل يرجون‪ .‬والشياء يجب أن ُتقَوّم بغاياتها والثواب‬
‫عليها‪ .‬ل يقولن أحد أبدا " هذا يساوي ذلك "‪ ..‬فل يهمل أحد قضية الثواب على العمل‪ .‬ولذلك‬
‫يقول الحق سبحانه وتعالى في شرح هذه المعادلة حتى تكون الذهان على بينة منها إعدادا‬
‫حسْنَيَيْنِ }[التوبة‪]52 :‬‬
‫حدَى الْ ُ‬
‫ل للمها‪ُ {:‬قلْ َهلْ تَرَ ّبصُونَ بِنَآ ِإلّ إِ ْ‬
‫وخوضا للحرب واحتما ً‬
‫عليكم أيها الكافرون أن تعلموا أن الذي ينتظرنا هو إحدى الحسنيين‪ ..‬إما أن ننتصر ونقهركم‪،‬‬
‫وإما أن نستشهد فنظفر بالحياة الخرى‪ .‬وماذا عن تربص المؤمنين بالكافرين‪ {:‬وَنَحْنُ نَتَرَ ّبصُ‬
‫ِبكُمْ أَن ُيصِي َبكُمُ اللّهُ ِب َعذَابٍ مّنْ عِن ِدهِ َأوْ بِأَيْدِينَا }[التوبة‪]52 :‬‬
‫كفة مَن ‪ -‬إذن ‪ -‬هي الراجحة في المعادلة؟ إنها كفة المؤمنين؛ لذلك قال الحق‪َ } :‬ولَ َتهِنُواْ فِي‬
‫ن وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لَ يَرْجُونَ { فل‬
‫ابْ ِتغَآءِ ا ْل َقوْمِ إِن َتكُونُواْ تَأَْلمُونَ فَإِ ّن ُهمْ يَأَْلمُونَ َكمَا تَأْلَمو َ‬
‫تضعفوا أيها المؤمنون في طلب القوم لنهم يألمون كما تألمون‪ ،‬ولكن لكم مرجّحا أعلى وهو أنكم‬
‫ترجون من ال ما ل يرجون‪.‬‬
‫ويذيل الحق قضية حث المؤمنين على طلب الكافرين وكيف يزيد المؤمنون على الكافرين بأنهم‬
‫حكِيما { إنه عليم بكل ما يصيب‬
‫يرجون من ال ما ل يرجوه الكافرون فيقول‪َ } :‬وكَانَ اللّهُ عَلِيما َ‬
‫المؤمن من ألم‪ ،‬فل تعتقد أيها المؤمن أن لك أجرا سيضيع منك؛ فالشوكة التي تشاك بها في القتال‬
‫محسوبة لك‪ ،‬وهو سبحانه وتعالى حين يتركك تألم أمام الكافر كما يألم‪ .‬فذلك لحكمة هي أن تسير‬
‫إلى القتال وأنت واثق من قدرة إيمانك على تحمل تبعات هذا الدين‪.‬‬
‫عن عائشة رضي ال عنها قالت‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪( :‬ما يُصيب المؤمنَ مِنْ‬
‫شوكة فما فوقها إل رفعه ال بها درجة أو حط عنه بها خطيئة)‪.‬‬
‫وبعد أن تكلم الحق عن القتال في سبيل نصرة دينه لم يحرم المؤمنين من توجيه يصفي أيضا‬
‫حركة الحياة‪ ،‬لماذا؟ لنه علم أن قوما يؤمنون به وينضوون تحت لوائه صلى ال عليه وسلم‪،‬‬
‫فيوضح‪ :‬أن انضواءكم أيها المؤمنون تحت لواء السلم له تبعات‪ ،‬فأنتم أول من يُطبق عليه حكم‬
‫ال‪ ،‬وإياكم أن تظنوا أنكم بإيمانكم وإعلن إسلمكم ل واتباعكم لرسول ال قد أخذتم شيئا يميزكم‬
‫عن بقية خلق ال‪ ،‬فكما قلنا لكم دافعوا الكفار ودافعوا المنافقين نقول لكم أيضا‪ :‬دافعوا أنفسكم؛‬
‫لن واحدا قد ينضم إلى السلم وبعد ذلك يظن أن السلم سيعطيه فرصة ليكون له تميز على‬
‫غيره‪ ،‬ولمثل هذا النسان‪ :‬نقول ل‪ .‬ولذلك يخاطب رسوله صلى ال عليه وسلم ويقول له‪ } :‬إِنّآ‬
‫أَنْزَلْنَا إِلَ ْيكَ ا ْلكِتَابَ بِا ْلحَقّ‪{ ..‬‬

‫(‪)385 /‬‬
‫خصِيمًا (‪)105‬‬
‫حكُمَ بَيْنَ النّاسِ ِبمَا أَرَاكَ اللّ ُه وَلَا َتكُنْ لِ ْلخَائِنِينَ َ‬
‫إِنّا أَنْزَلْنَا إِلَ ْيكَ ا ْلكِتَابَ بِا ْلحَقّ لِتَ ْ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والحق سبحانه وتعالى حين يتكلم عن نفسه؛ يتكلم فيما يتعلق بالفعل بصفة التعظيم والجمع‪ .‬مثال‬
‫ذلك قوله‪ { :‬إِنّآ أَنْزَلْنَا }‪ .‬وهذه " نون الجماعة " حيث يتطلب إنزال القرآن قوى متعددة ل تتوافر‬
‫إل لمن له الملك في كل الكون‪ .‬ولنضرب لذلك مثل ول المثل العلى‪ ..‬إننا نجد أن رئيس الدولة‬
‫أو الملك في أي بلد يصدر قرارا فيقول‪ " :‬نحن فلنا أصدرنا القرار "‪ .‬والملك أو الرئيس يعرف‬
‫أنه ليس وحده الذي يصدر القرار‪ ،‬ولكن يصدره معه كل المتعاونين معه وكل العاملين تحت‬
‫رئاسته‪ ،‬فما بالنا بالحق العلى سبحانه وتعالى؟ لذلك فحين يتكلم سبحانه فيما يتعلق بالذات يكون‬
‫لةَ ِل ِذكْرِي }[طه‪:‬‬
‫الحديث بواسطة ضمير الفراد‪ {:‬إِنّنِي أَنَا اللّهُ ل إِلَـاهَ إِل أَنَاْ فَاعْبُدْنِي وََأقِمِ الصّ َ‬
‫‪]14‬‬
‫ول يأتي هنا ضمير الجمع أبدا‪ ،‬ول تأتي " نون التعظيم "‪ .‬ولكن في هذه الية نجد الحق يقول‪:‬‬
‫حقّ }‪ ..‬ونرى " نون التعظيم " واضحة‪ ،‬فالقرآن كلم ال‪ ،‬ونزول‬
‫{ إِنّآ أَنْزَلْنَا إِلَ ْيكَ ا ْلكِتَابَ بِالْ َ‬
‫القرآن يتطلب صفات متعاضدة‪ .‬فسبحانه مرة يقول‪ {:‬أَنزَلْنَآ إِلَ ْيكَ ا ْلكِتَابَ }[العنكبوت‪]47 :‬‬
‫ومرة يقول‪ {:‬أَنزَلْنَا عَلَ ْيكَ ا ْلكِتَابَ يُتْلَىا عَلَ ْيهِمْ }[العنكبوت‪]51 :‬‬
‫ومرة ثالثة يقول‪َ {:‬لقَدْ أَن َزلْنَآ إِلَ ْيكُمْ كِتَابا فِيهِ ِذكْ ُركُمْ َأفَلَ َت ْعقِلُونَ }[النبياء‪]10 :‬‬
‫ما الغاية من النزال؟ الغاية من النزال أن يوجد على الرض منهج يحكم حركة الحياة‪ .‬والقرآن‬
‫علَ ْيكَ } فمعنى ذلك نزول‬
‫قد أنزل إلى الرسول وإلى من آمن بالرسالة‪ .‬وحين يقول الحق‪ { :‬أَنزَلْنَا َ‬
‫التكليف‪ .‬وساعة نسمع كلمة { أَن َزلْنَا } فعلينا أن نعرف أن كل شيء يجيء من الحق فهو ينزل‬
‫إلينا منه سبحانه‪ ،‬وكلمة " أنزل " تشعر السامع أو القارئ لها أن الجهة التي أنزلت هي جهة‬
‫أعلى‪ ،‬وليست مساوية لمن أُنْ ِزلَ إليه‪ ،‬وليست أدنى منه أيضا‪.‬‬
‫وكلمة { أَنزَلْنَا } تدل على أن جهة أنزلت‪ ،‬وجهة أُنزل إليها‪ ،‬وشيء أنزلته الجهة إلى المُنَ ّزلِ إليه‪.‬‬
‫والكتاب هو المنزل‪ .‬والذي أنزله هو ال‪ .‬والمُنَ ّزلِ إليه هو رسول ال وأمته‪ .‬وهل أنزل الحق‬
‫سبحانه الكتاب فقط أو أنزل قبل ذلك كل ما يتعلق بمقومات الحياة؟‬
‫سوْءَا ِتكُ ْم وَرِيشا وَلِبَاسُ‬
‫وعندما نقرأ هذا القول الكريم‪ {:‬يَابَنِي ءَا َدمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَ ْيكُمْ لِبَاسا ُيوَارِي َ‬
‫ال ّت ْقوَىا ذاِلكَ خَيْرٌ }[العراف‪]26 :‬‬
‫إنه لباس جاء من أعلى؛ لذلك استخدم الحق كلمة { أَنزَلْنَا } وهو ليس لباسا فقط ولكنه أيضا‬
‫يزينكم مأخوذ من ريش الطائر لنه لباسه وزينته‪ ،‬فهو ل يواري العورة فحسب ولكنه جميل‬
‫أيضا‪ ،‬والجمل منه أنّه لباس التقوى‪.‬‬
‫لقد جاء الحق بالمقوم للحياة سترا ورفاهية‪ ،‬وبعد ذلك أنزل الحق لباس التقوى وهو الخير‪.‬‬
‫فاللباس الول يواري عورة مادية‪ ،‬ولباس التقوى يواري العورات القيمية والمعنوية‪ ،‬وكل ذلك‬
‫إنزال من أعلى‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ب وَا ْلمِيزَانَ لِ َيقُومَ‬
‫ت وَأَنزَلْنَا َم َعهُمُ ا ْلكِتَا َ‬
‫وفي آية أخرى يقول الحق سبحانه‪َ {:‬لقَدْ أَرْسَلْنَا ُرسُلَنَا بِالْبَيّنَا ِ‬
‫حدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ }[الحديد‪]25 :‬‬
‫ط وَأَنزَلْنَا الْ َ‬
‫سِ‬
‫النّاسُ بِا ْلقِ ْ‬
‫إذن فكلمة " النزال " تدل على أن كل ما جاء من قِ َبلِ الحق العلى إلينا‪ ،‬فهو نازل إلينا بشيء‬
‫يعالج مادتنا وقوامنا‪ ،‬وبشيء يعالج معنوياتنا وقيمنا‪.‬‬
‫ويقول الحق في الية التي نحن بصدد تناولها الن‪ } :‬إِنّآ أَنْزَلْنَا إِلَ ْيكَ ا ْلكِتَابَ { وحين يُطلق الكتاب‬
‫فالمعنى ينصرف إلى الكتاب الجامع المانع المهيمن على سائر الكتب وهو القرآن‪ ،‬وإن كان }‬
‫ا ْلكِتَابَ { يطلق على المكتوب الذي نزل على أي رسول من ال سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫حقّ { والحق هو الشيء الثابت الذي ل يأتي واقع آخر لينقضه‪ .‬وعلى‬
‫} إِنّآ أَنْزَلْنَا إِلَ ْيكَ ا ْلكِتَابَ بِالْ َ‬
‫سبيل المثال‪ :‬أنت في حياتك العادية حين تقول قضية صدق تحكي بها واقعا حدث مهما تكررت‬
‫روايتك لهذه التفاصيل مدة عشرين سنة فهي ل تتغير؛ لنها مطابقة للواقع‪ .‬وأنت حين تقولها‬
‫تستحضر الواقع الذي حدث أمامك‪ .‬ولكن إذا حَ ّدثَ إنسان بقضية كذب ل واقع له‪ .‬فماذا يكون‬
‫موقفه؟ سيحكي القضية مرة بأسلوب‪ ،‬وإن مر عليه أسبوع فهو ينسى بعضا مما قاله في أول مرة‬
‫فيحكي وقائع أخرى‪ ،‬ذلك أن ما يرويه ليس له واقع؛ لذلك يقول كلما مغايرا لما قاله في المرة‬
‫الولى‪ ،‬وهنا يعرف السامع أن هذه المسألة كاذبة‪.‬‬
‫إذن فالحق هو الشيء الثابت الذي ل ينقضه واقع أبدا‪ .‬وأنزل ال الكتاب بالحق أي أنزله بالقضايا‬
‫الثابتة التي ل يأتيها الباطل من بين يديها‪ ،‬فهو ثابت ل ينقضه واقع‪.‬‬
‫ويقال في حياتنا للتلميذ الناجح من أساتذته‪ :‬لقد أعطيناك المرتبة الولى على زملئك بالحق‪ .‬أي‬
‫أن هذا التلميذ قد أخذ حقه لنه يستحق هذه المكانة‪ .‬وقوله الحق سبحانه‪ } :‬إِنّآ أَنْزَلْنَا إِلَ ْيكَ ا ْلكِتَابَ‬
‫حقّ { أي إن إنزال الكتاب على سيدنا رسول ال ليبلغه جاء ملتبسا ومرتبطا بالحق ول ينفك‬
‫بِالْ َ‬
‫عنه وأن رسول ال صلى ال عليه وسلم أهل لن ينزل عليه الكلمات‪ .‬ووجود معنى بجانب معنى‬
‫في القرآن هو من أسرار إشعاعات الكلمات القرآنية‪ ،‬فهي ل تتناقض ولكنها توضع بحكمة الخالق‬
‫لتجلو لنا المعاني‪.‬‬
‫حكُمَ بَيْنَ النّاسِ { وهذا يوضح لنا أن حكومة الدين السلمي‬
‫حقّ لِ َت ْ‬
‫} إِنّآ أَنْزَلْنَا إِلَ ْيكَ ا ْلكِتَابَ بِالْ َ‬
‫وعلى رأسها الحاكم الول رسول ال صلى ال عليه وسلم إنما جاء ل ليحكم بين المؤمنين به‬
‫فقط‪ ،‬بل ليحكم بين الناس‪ .‬ومن شرط الحكم بين الناس القيام بالعدل فيما يختصمون فيه‪ ،‬فل‬
‫يقولن واحد‪ :‬هذا مسلم‪ ،‬وذاك كافر‪ ،‬فإذا كان الحق مع الكافر فل بد أن تعطيه له‪ ،‬وإذا كان الحق‬
‫مع المسلم فيجب أن تعطيه له؛ لنك ل تحكم بين المؤمنين فقط ولكنك تحكم بين الناس‪.‬‬
‫وأنت إن حكمت بين الناس حكما يتفق مع منطق الواقع والحق‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫تجعل الذي حُكم له يشهد أن دينك حق‪ ،‬فعندما يكون الحق مع الكافر‪ ،‬وتحكم على المؤمن بالحكم‬
‫الحق الذي ل حيف فيه حتى وإن كان عقابا‪ ،‬فالكافر يقرع نفسه على أنه لم يكن من أهل هذا‬
‫الدين الذي يعترف بالحق ويحكم به ولو كان على مسلم‪ .‬وأيضا يعرف المسلم ساعة يُحكم عليه‬
‫لصالح واحد غير مسلم أن المسألة ليست نسبة شكلية إلى السلم‪ ،‬ولكنها نسبة موضوعية‪ ،‬فل‬
‫يظنن أحد أن السلم قد جاء ليحابي مسلما على أي إنسان آخر‪ ،‬ولكن السلم قد جاء ليأخذ‬
‫الجميع بمنطق الحق‪ ،‬ويطبق على الجميع منهج الحق‪ ،‬وليكون المسلم دائما في جانب الحق‪.‬‬
‫وسبحانه وتعالى يعطي هذه القضية لواقعة حدثت معاصرة لرسول ال‪ .‬والوقائع التي حدثت‬
‫معاصرة لرسول ال بمثابة إستدرار السماء للحكام‪ ،‬فالقضية تحدث وينزل فيها الحكم‪ ،‬ولو‬
‫جاءت الحكام مبوبة وسقطت ونزلت مرة واحدة‪ ،‬فقد تحدث الحادثة ويكون لدى المؤمنين الحكم‬
‫ويحاولون البحث عنه في الكتاب‪ .‬لكن إذا ما جاء الحكم ساعة وقوع الحادثة فهو ينصب عليها‪،‬‬
‫ويكون المر أدعى للذعان له؛ لنه ثبت وأُيّد ووثّق بواقعة تطبيقية‪.‬‬
‫حكُمَ بَيْنَ النّاسِ ِبمَآ أَرَاكَ اللّ ُه َولَ َتكُنْ‬
‫والحكم الذي نزل هو‪ } :‬إِنّآ أَنْزَلْنَا إِلَ ْيكَ ا ْلكِتَابَ بِا ْلحَقّ لِ َت ْ‬
‫خصِيما {‪ .‬وعندما يقول سبحانه " أراك " أو " علّمك " فلتعلم أن تعليم ال هو أكثر‬
‫لّلْخَآئِنِينَ َ‬
‫تصديقا من رؤيتك النسانية‪ ،‬وكأنك تتمثل الشيء الذي يعلمه لك ال وكأنه مجسد أمامك‪ ،‬وليس‬
‫مع العين أين‪.‬‬
‫والواقعة التي حدثت هي‪ :‬كان في " بني ظفر " واحد اسمه " طعمة بن أبيرق " وسرق " طعمة "‬
‫درعا‪ ،‬وهذا الدرع كان " لقتادة بن النعمان "‪ .‬وخاف " طعمة " أن يحتفظ بالدرع في بيته فيعرف‬
‫الناس أنه سرق الدرع‪ .‬وكان " طعمة " فيما يبدو مشهورا بأنه لص‪ ،‬فذهب إلى يهودي وأودع‬
‫عنده الدرع‪ ،‬وكان الدرع في جراب دقيق‪ .‬وحينما خرج به " طعمة " وحمله صار الدقيق ينتثر‬
‫من خرق في الجراب وتَكوَنّ من الدقيق أثرا في الرض إلى بيت اليهودي وكان اسمه " زيد بن‬
‫السمين " وعندما تتبعوا أثر الدقيق وجدوه إلى بيت طعمة‪ ،‬ولكنه حلف ما أخذها وما له بها علم‬
‫فتركوه واتبعوا أثر الدقيق حتى انتهى إلى منزل اليهودي فأخذوها وقالوا‪ " :‬لقد سرق ابن السمين‬
‫"‪ .‬وهنا قال ابن السمين‪ " :‬أنا لم أسرق الدرع ولكن أودعه عندي " طعمة بن أبيرق "‪ .‬وذهبوا إلى‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم وجاء " بنو ظفر " وهم مسلمون " وطعمة بن أبيرق " منهم وقالوا‬
‫لرسول ال صلى ال عليه وسلم‪ :‬لو حكمت على المسلم ضد اليهودي فستكون المسألة ضد‬
‫المسلمين وسيوجد العار بين المسلمين‪.‬‬
‫ونعلم أن الحق سبحانه وتعالى أرسل رسوله لِ ُيعَدّل منهج الغرائز البشرية‪ .‬والغريزة البشرية‬
‫بحسب اندفاعها وقصر نظرتها قد تتصور أن الحكم على المسلم وتبرئة اليهودي هو إضعاف‬
‫للمسلمين‪ .‬ويريد الحق سبحانه وتعالى أن يقيم المر بالقسط فينزل على رسوله‪ {:‬إِنّآ أَنْزَلْنَا إِلَ ْيكَ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫خصِيما }[النساء‪]105 :‬‬
‫ح ُكمَ بَيْنَ النّاسِ ِبمَآ أَرَاكَ اللّ ُه َولَ َتكُنْ لّلْخَآئِنِينَ َ‬
‫حقّ لِتَ ْ‬
‫ا ْلكِتَابَ بِالْ َ‬
‫أي إياك أن تقول‪ :‬إن هذا مسلم ول يصح أن نلصق به الجريمة التي ارتكبها حتى ل تكون سُبة‬
‫عليه‪ ،‬وإياك أن تخشى ارتفاع رأس اليهودي؛ لن هناك لصا قد ظهر من بين المسلمين‪ .‬ومن‬
‫الشرف للسلم أن يعاقب أي إنسان ارتكب خطأ لنه مادام قد انتسب للسلم فعليه أن يصون‬
‫هذا النتساب‪ .‬وعقاب المسلم على خطأ هو شهادة للسلم على أنه لم يأت ليجامل مسلما‪ .‬وعلى‬
‫كل مسلم أن يعرف أنه دخل السلمَ بحق السلم‪.‬‬
‫خصِيما { قائلين‪ :‬إن كان هناك لص‬
‫لقد نظر بعض السطحيين إلى قوله الحق‪َ } :‬ولَ َتكُنْ لّ ْلخَآئِنِينَ َ‬
‫أو خائن أو مستغل لقوته فاتركه ول تنظر إليه ول تلتفت حتى ل يسبب لك تعبا‪ .‬ولهؤلء نقول‪:‬‬
‫خصِيما { و " اللم " التي في أول " الخائنين " هي‬
‫ل‪ ،‬فسبحانه وتعالى يقول‪َ } :‬ولَ َتكُنْ لّ ْلخَآئِنِينَ َ‬
‫للملكية أي أن الحق يأمر النبي صلى ال عليه وسلم أل يقف موقفا لصالح الخائن‪ ،‬بل عليه أن‬
‫يخاصم لمصلحة الحق‪.‬‬
‫وقد حاول العلماء أن يقربوا المسافة فقالوا‪ :‬ربما ل يتنبه أحد لمسألة اللم وأنها هنا للنفعية‪،‬‬
‫فيكون المنهي عنه أن يقف مسلم موقفا ينفع خائنا‪ ،‬بل ل بد أن يكون على الخائن وليس معه‪.‬‬
‫خصِيما {‪ .‬أي ل تكن يا‬
‫فاللم هنا تكون بمعنى " عن "‪ .‬كأن الحق يقول‪ } :‬وَلَ َتكُنْ لّ ْلخَآئِنِينَ َ‬
‫محمد مدافعا عن الخائنين‪.‬‬
‫ولماذا لم يقل الحق " عن " بدلً من " اللم "؟ نقول‪ :‬إن الغاية من الدفاع عن الخصم أن ترجح‬
‫أمره وتكون له ل عليه‪ ،‬لذلك جاء الحق بـ " اللم " هنا من أجل أن نعرف الغاية من " عن "‬
‫واضحة‪ .‬فاللم تفيد أل ينفع المسلم خائنا‪ ،‬فل تكون المسالة له‪ ،‬ولذلك جاء الحق بها إيضاحا‬
‫واختصارا لنعرف أن رسوله لن يقف في جانب الخائن ولن يأتي له بما ينفعه‪ .‬ولذلك قال العلماء‪:‬‬
‫إن اللم هنا بمعنى " عن "‪ .‬والقرآن فيه الكثير من مثل هذا‪.‬‬
‫وبعض الناس يقول‪ :‬لماذا ل يأتي باللفظ الواضح الذي يجعلنا نعرف المعنى مباشرة؟ ونقول‪ :‬إن‬
‫الملحظية هنا مفيدة لنعرف في أي صف يقف القرآن والرسول المبلغ عن ربه‪ ,‬مثال ذلك قوله‬
‫عمّا كَانَ َيعْبُدُ‬
‫ص ّدكُمْ َ‬
‫جلٌ يُرِيدُ أَن َي ُ‬
‫الحق‪ {:‬وَِإذَا تُتْلَىا عَلَ ْيهِمْ آيَاتُنَا بَيّنَاتٍ قَالُواْ مَا هَـاذَا ِإلّ َر ُ‬
‫سحْرٌ‬
‫حقّ َلمّا جَآءَهُمْ إِنْ هَـاذَآ ِإلّ ِ‬
‫آبَآ ُؤكُ ْم َوقَالُواْ مَا هَـاذَآ ِإلّ ِإ ْفكٌ ّمفْتَرًى َوقَالَ الّذِينَ َكفَرُواْ لِلْ َ‬
‫مّبِينٌ }‬
‫[سبأ‪]43 :‬‬
‫القائل هم الذين كفروا‪ ،‬والمقول له هو الحق‪ .‬وبعض الناس كان يفترض أن المنطق يقتضي أن‬
‫يقول الكفار‪ :‬إنك سحر مبين‪ .‬وكأن الية هي‪ :‬وإذ تتلى آياتنا بينات قال الذين كفروا للحق لما‬
‫جاءهم أنت سحر مبين‪ .‬ولنلحظ أنهم لم يقولوا للحق‪ ،‬ولكنهم قالوا عن الحق‪ .‬ولم يقولوا للحق‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ح ّدثٌ عنه وليس مخاطبا‪ .‬فقالوا عنه‪ :‬إنه سحر‬
‫ذلك‪ ،‬بل قال بعضهم لبعض‪ .‬و " الحق " هنا مُ َ‬
‫مبين‪.‬‬
‫وهناك آية أخرى يقول الحق فيها‪َ {:‬وقَالَ الّذِينَ َكفَرُواْ لِلّذِينَ آمَنُواْ َلوْ كَانَ خَيْرا مّا سَ َبقُونَآ ِإلَيْهِ }‬
‫[الحقاف‪]11 :‬‬
‫والقائل هنا هم الذين كفروا‪ .‬والمقول لهم هم الذين آمنوا‪ .‬والمقصود هو‪ :‬أن الذين كفروا قالوا‬
‫للذين آمنوا لو كان السلم خيرا ما سبقتمونا إليه‪.‬‬
‫ولكن الحق سبحانه أوردها‪َ " :‬لوْ كَانَ خَيْرا مّا سَ َبقُونَآ إِلَيْهِ " وذلك ليدلنا على أنهم قالوا ذلك في‬
‫غير محضر المؤمنين‪ ،‬بل هم يتبادلون هذا القول فيما بينهم‪ .‬وإل لو أن القول من الكافرين‬
‫للمؤمنين لكان السياق يقتضي أن يكون‪ :‬لو كان خيرا ما سبقتمونا إليه‪.‬‬
‫ومن بعد ذلك يقول الحق‪ } :‬وَاسْ َت ْغفِرِ اللّهَ‪{ ..‬‬

‫(‪)386 /‬‬
‫غفُورًا َرحِيمًا (‪)106‬‬
‫وَاسْ َت ْغفِرِ اللّهَ إِنّ اللّهَ كَانَ َ‬

‫والمر بالستغفار يجيء على مجرد وجود خاطر التردد بين نصرة المسلم أو نصرة اليهودي‪ ،‬فلم‬
‫يكن الرسول قد نصر أحدا على أحد بعد‪ ،‬ولكن مجرد هذا الخاطر يتطلب الستغفار‪ .‬والذي‬
‫يصدر المر بذلك هو الحق سبحانه لرسوله‪ ،‬ول اعتراض ول غضاضة أن يعدل لنا ربنا أمرا‬
‫ما‪.‬‬
‫أو أن كل خطاب من هذا اللون موجه لمن جعل المسألة موضع مساومة عند رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم‪ ،‬كقول " بني ظفر " عندما أرادوا ألّ يحكم الرسول على اللص الذي من بينهم‪،‬‬
‫وتمحكوا في السلم‪ .‬لذلك يأمر الحق الذين حدثوا رسول ال عن هذا الموضوع بالستغفار‪ ،‬أو‬
‫أن يستغفر الرسول لهم ال؛ لنهم لم يقولوا ذلك إل رغبة في أل ينفضح أمر المسلمين‪.‬‬
‫سهُمْ‪} ..‬‬
‫وبعد ذلك يقول الحق‪َ { :‬ولَ تُجَا ِدلْ عَنِ الّذِينَ َيخْتَانُونَ أَ ْنفُ َ‬

‫(‪)387 /‬‬
‫خوّانًا أَثِيمًا (‪)107‬‬
‫حبّ مَنْ كَانَ َ‬
‫سهُمْ إِنّ اللّهَ لَا ُي ِ‬
‫وَلَا تُجَا ِدلْ عَنِ الّذِينَ َيخْتَانُونَ أَ ْنفُ َ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وسبحانه يريد أن يشبع هذه القضية بحثا‪ ،‬فقد كان يكفي أن يقول لنا ما سبق‪ .‬لكنه يريد أن يحسم‬
‫مثل هذه المور؛ فل مجادلة في الذين يختانون أنفسهم‪ .‬والجدل كما نعرف هو الفتل‪ .‬وحين يفتل‬
‫النسان شيئا‪ ،‬مثل أن يحضر بعضا من الشعر أو الصوف أو الليف ويجدلها ليصنع حبلً‪ ،‬فهو‬
‫يفتل هذا الغزل ليقويه ويجعله غير هش وقابلً للشد والجذب‪ ،‬ولذلك يقال عن مثل هذه العملية‪:‬‬
‫إننا نجدل الحبل حتى نعطيه القوة‪ .‬وكذلك شأن الخصمين؛ كل واحد منهما يريد تقوية حجته‪،‬‬
‫فيحاول جاهدا أن يقويها بما يشاء من أساليب ليّ القول ولحنه أو الفصاحة في السلوب‪ .‬لذلك‬
‫يأتي المر إلى الرسول‪ :‬ل تقو مركز أي إنسان يختان نفسه‪.‬‬
‫والقرآن حين يعدل عن يخونون أنفسهم إلى " يختانون أنفسهم " ‪ ،‬فل بد أن لهذا معنى كبيرا؛ لن‬
‫الخيانة هي أن تأخذ غير الحق‪ .‬ومن المحتمل أن يخون النسان غيره‪ ،‬لكن َأمِنَ المعقول أن‬
‫يخون النسان نفسه؟ إن مثل هذه العملية تحتاج إلى افتعال كبير‪ ،‬فقد يخون النسان نفسه غيره‬
‫من أجل مصلحة نفسه‪ ،‬أو ليعطي نفسه شهوة ومعصية عليها عقوبة‪ ،‬وهذه خيانة للنفس؛ لن‬
‫النسان في مثل هذه الحالة يغفل عن العقوبة الجلة بالشهوة العابرة العاجلة‪.‬‬
‫وهكذا نرى أن الذي يخون الناس إنما يخون ـ ضمنا ـ مصلحة نفسه‪ .‬وإذا ما خان النسان‬
‫سهُمْ‬
‫نفسه فهذا ليس سهلً ويتطلب افتعالً‪ ،‬ولذلك يقول الحق‪َ { :‬ولَ ُتجَا ِدلْ عَنِ الّذِينَ يَخْتَانُونَ أَ ْنفُ َ‬
‫خوّانا أَثِيما }‪.‬‬
‫حبّ مَن كَانَ َ‬
‫إِنّ اللّ َه لَ ُي ِ‬
‫والية التي تحدثت من قبل ذلك عن هذا الموقف لم تأت بكلمة " خوانين " ولكن جاءت بالخائنين‪،‬‬
‫وهنا يأتي الحق بكلمة خوّان‪ .‬وفيه فرق بين " خائن " ‪ ،‬و " خوّان " ‪ ،‬فالخائن تصدر منه الخيانة‬
‫مرة واحدة‪ ،‬أما الخوّان فتصدر منه الخيانة مرارا‪ .‬أو يكون المعنى هو‪ :‬أن الخائن تصدر منه‬
‫الخيانة في أمر يسير صغير‪ ،‬أما الخوّان فتصدر منه الخيانة في أمر كبير‪ .‬إذن‪ .‬فمرة تأتي‬
‫المبالغة في تكرير الفعل‪ ،‬وأخرى في تضخيم الفعل‪.‬‬
‫ومن لطف ال أنه لم يقل " خائن "؛ لن الخائن هو من خان لمرة عابرة وانتهى المر‪ ،‬ولم‬
‫يخرجه ال عن دائرة الستر إلّ إذا أخذ الخيانة طبعا وعادة وحرفة‪ .‬وقد جاءت لسيدنا عمر ‪-‬‬
‫رضي ال عنه ‪ -‬امرأة أخذ ولدها بسرقة‪ ،‬وأراد عمر ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬أن يقيم على ذلك الولد‬
‫الحد‪ ،‬فبكت الم قائلة‪ :‬يا أمير المؤمنين وال ما فعل هذا إل هذه المرة‪ .‬قال عمر‪ :‬كذبت‪ .‬وال ما‬
‫كان ال ليأخذ عبدا بأول مرة‪.‬‬
‫ولذلك يقولون‪ :‬إذا عرفت في رجل سيئة انكشفت وصارت واضحة‪ .‬فلتعلم أن لها أخوات؛ فال ل‬
‫يمكن أن يفضح أول سيئة؛ لنه سبحانه يحب أن يستر عباده‪ ،‬لذلك يستر العبد مرة وثانية‪ ،‬ثم‬
‫خوّانا أَثِيما { ‪ ،‬والثم أفظع‬
‫حبّ مَن كَانَ َ‬
‫يستمر العبد في السيئة فيفضحها ال‪ } :‬إِنّ اللّهَ لَ ُي ِ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫المعاصي‪ .‬والقوم الذين ذهبوا إلى رسول ال صلى ال علسه وسلم ليستشفعوا عنده لبن أبيرق‬
‫لكي يحكم له الرسول ضد اليهودي‪ ،‬لماذا صنعوا ذلك؟‪ .‬لنهم استفظعوا أن يفضح أمر مسلم‬
‫ويبرأ يهودي‪ ،‬استحيوا أن يحدث هذا‪ ،‬وعالج القرآن هذه القضية وذلك ليأتي بالحيثية التي دعتهم‬
‫س َولَ‬
‫خفُونَ مِنَ النّا ِ‬
‫إلى أن يفعلوا هذا ويقضي على مثل هذا الفعل من أساسه‪ ،‬فقال‪َ } :‬يسْتَ ْ‬
‫خفُونَ مِنَ اللّهِ‪{ ..‬‬
‫يَسْ َت ْ‬

‫(‪)388 /‬‬
‫خفُونَ مِنَ اللّ ِه وَ ُهوَ َم َعهُمْ ِإذْ يُبَيّتُونَ مَا لَا يَ ْرضَى مِنَ ا ْل َق ْولِ َوكَانَ اللّهُ‬
‫س وَلَا َيسْتَ ْ‬
‫خفُونَ مِنَ النّا ِ‬
‫يَسْ َت ْ‬
‫ِبمَا َي ْعمَلُونَ ُمحِيطًا (‪)108‬‬

‫إنهم يطلبون البراءة أمام الناس في أن " طعمة " لم يفعل السرقة‪ ،‬ولكن هل يملك الناس ما يملكه‬
‫ال عنهم؟‪ .‬إنه سبحانه أحق بذلك من الناس‪ .‬فإذا كنتم تريدون التعمية في قضاء الرض فلن‬
‫تعموا على قضاء السماء‪ .‬وهذه القضية يجب أن تحكم حركة المؤمن‪ ،‬فإذا ما فكر إنسان منسوب‬
‫إلى السلم أن يفعل شيئا يغضب ال فعليه أن يفكر‪ :‬أنا لو فعلت ذلك لفضحت نفسي أو فضحت‬
‫ولدي أو فضحت أسرتي أو فضحت المسلمين‪ ،‬وعلى النسان المسلم أل يخشى الناس إن فعل أخ‬
‫له شيئا يشين المسلمين‪ ،‬بل عليه أن يأخذ على يديه ويردُه عن فعله‪ .‬ونقول لمن يستتر عن الناس‪:‬‬
‫أنت استخفيت من الناس‪ ،‬ولم تستخف من ال؛ لذلك فأنت غير مأمون على ولية‪.‬‬
‫خفُونَ مِنَ اللّ ِه وَ ُهوَ َم َعهُمْ ِإذْ يُبَيّتُونَ مَا لَ يَ ْرضَىا مِنَ ا ْل َق ْولِ } و "‬
‫س َولَ َيسْتَ ْ‬
‫خفُونَ مِنَ النّا ِ‬
‫{ َيسْتَ ْ‬
‫يبيت " أي أنه يفعل أمره في الليل؛ لن الناس كانت تلجأ إلى بيوتهم في الليل‪ ،‬ومعنى " يبيت " أن‬
‫يصنع مكيدة في البيت ليل‪ ،‬وكل تدبير بخفاء اسمه " تبييت " حتى ولو كان في وضح النهار‪ ،‬ول‬
‫يبيت إنسان في خفاء إل رغبة منه في أن ينفض عنه عيون الرائين‪ .‬فنقول له‪ :‬أنت تنفض العيون‬
‫س َولَ‬
‫خفُونَ مِنَ النّا ِ‬
‫التي مثلك‪ ،‬لكن العيون الزلية وهي عيون الحق فلن تقدر عليها‪ {.‬يَسْ َت ْ‬
‫خفُونَ مِنَ اللّهِ وَ ُهوَ َم َعهُمْ إِذْ يُبَيّتُونَ مَا لَ يَ ْرضَىا مِنَ ا ْلقَ ْولِ َوكَانَ اللّهُ ِبمَا َي ْعمَلُونَ مُحِيطا }‬
‫يَسْ َت ْ‬
‫[النساء‪]108 :‬‬
‫حين نسمع كلمة " محيط " فلنعلم أن الحاطة هي تطويق المحيط للمحاط‪ ،‬بحيث ل يستطيع أن‬
‫يفلت منه علما بحاله التي هو عليها ول قدرة على أن يفلت مِنْه مآل وعاقبة‪ ،‬فهو سبحانه محيط‬
‫علما لنه هو الذي ل تخفى عليه خافية‪ ،‬ومحيط قدرة فل يستطيع أن يفلت أحد منه إلى الخارج‪.‬‬
‫وسبحانه محيط علما بكل جزئيات الكون وتفاصيله وهو القادر فوق كل شيء‪ .‬فإذا ما سمعنا كلمة‬
‫" محيط " فمعناها أن الحق سبحانه وتعالى يحيط ما يحيط به علما بكل جزئياته فل تستطيع جزئيه‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أن تهرب من علم الحق‪ .‬وسبحانه محيط بكل شيء قدرة فل يستطيع أن يفلت من مآله شيء من‬
‫الجزاء الحق‪.‬‬
‫وبعد ذلك يقول الحق جل وعل‪ { :‬هَا أَنْتُمْ هَـاؤُلءِ جَادَلْ ُتمْ عَ ْنهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا‪} ..‬‬

‫(‪)389 /‬‬
‫هَا أَنْ ُتمْ َهؤُلَاءِ جَادَلْ ُتمْ عَ ْنهُمْ فِي ا ْلحَيَاةِ الدّنْيَا َفمَنْ ُيجَا ِدلُ اللّهَ عَ ْنهُمْ َيوْمَ ا ْلقِيَامَةِ أَمْ مَنْ َيكُونُ عَلَ ْيهِمْ‬
‫َوكِيلًا (‪)109‬‬

‫فالذي جادل عن ابن ابيرق كان يريد أن يبرئ ساحته أمام الناس ويدين اليهودي‪ ،‬وفي أنه قد‬
‫جادل أمام بشر عن بشر‪ ،‬فهل تنتهي المسألة بهذا اليسر؟ ل؛ لن الدنيا ليست دار جزاء‪ .‬وهب‬
‫أنه أفلت من العقوبة البشرية‪ ،‬أيفلت من عقوبة ال في الخرة؟ ل‪ ،‬إذن فالذي يجادل يريد أن‬
‫يعمى على قضاء الرض‪ ،‬ولن يستطيع أن يعمى على قضاء الحق‪ ،‬ولم يجد من يجادل عن مثل‬
‫علَ ْيهِ ْم َوكِيلً } أي‬
‫هذا الخطأ يوم القيامة‪ .‬وليس هذا فقط‪ ،‬ولكن الحق يذيل الية‪َ { :‬أمْ مّن َيكُونُ َ‬
‫فمن إذن يستطيع أن يكون وكيلً عن هؤلء يوم القيامة؟‪ .‬ونعرف أن الوكيل هو الشخص اللبق‬
‫الذي يختاره بعض الناس ليكون قادرا على إقناع من أمامه‪ .‬فمن يستطيع أن يقوم بذلك العمل أمام‬
‫ال؟ ل أحد‪.‬‬
‫ويقول الحق من بعد ذلك‪َ { :‬ومَن َي ْع َملْ سُوءا َأوْ يَظِْلمْ َنفْسَهُ ُثمّ يَسْ َت ْغفِرِ‪} ..‬‬

‫(‪)390 /‬‬
‫غفُورًا َرحِيمًا (‪)110‬‬
‫َومَنْ َي ْع َملْ سُوءًا َأوْ َيظْلِمْ َنفْسَهُ ثُمّ َيسْ َت ْغفِرِ اللّهَ َيجِدِ اللّهَ َ‬

‫وسبحانه وتعالى حينما خلق الخلق جعلهم أهل أغيار؛ لذلك لم يشأ أن يُخرج مذنبا بذنب عن دائرة‬
‫قدرته ورحمته‪ ،‬بل إنه ‪ -‬سبحانه ‪ -‬شرع التوبة للمذنب حماية للمجتمع من استشراء شره‪ .‬فلو‬
‫خرج كل من ارتكب ذنبا من رحمة ال‪ ،‬فسوف يعاني المجتمع من شرور مثل هذا النسان‪،‬‬
‫ويصبح كل عمله نقمة مستطيرة الشر على المجتمع‪ .‬إذن فالتوبة من ال‪ ،‬مشروعية وقبولً‪ ،‬إنما‬
‫هي حماية للبشر من شراسة من يصنع أول ذنب‪ .‬وهكذا جاءت التوبة لتحمي الناس من شراسة‬
‫أهل المعصية الذين بدأوا بمعصية واحدة‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إن الذين وقفوا في محاولة تبرئة " ابن أبيرق " انقسموا إلى قسمين‪ :‬قسم في باله أن يبرئ " ابن‬
‫أبيرق " ‪ ،‬وقسم في باله أل يفضح مسلما‪ .‬وكل من القسمين قد أذنب‪ .‬ولكن هل يخرجهم هذا‬
‫غفُورا رّحِيما } والحق يعفو عن تلك المسألة‪.‬‬
‫الذنب من رحمة ال؟‪ .‬ل‪ ،‬فسبحانه يقول‪َ { :‬يجِدِ اللّهَ َ‬
‫إن القسمين جميعا أصبحوا مطالبين بعمل طيب بعد أن أوضح لهم الرسول‪ ،‬وفهموا مراد الحق‪.‬‬
‫وسبحانه يبقيهم في الصف اليماني‪ ،‬وقد حكم رسول ال على " ابن أبيرق " لصالح اليهودي‪،‬‬
‫وبعد ذلك ارتد " ابن أبيرق " ‪ ،‬وذهب إلى مكة مصاحبا لِعادة الخيانة‪ ،‬فنقب حائطا على رجل‬
‫ليسرق متاعه فوقع الحائط عليه فمات‪.‬‬
‫والحق سبحانه يضع المعايير‪ ،‬فمن يرتكب ذنبا أو يظلم نفسه بخطيئة ثم يستغفر ال يجد ال‬
‫غفورا رحيما‪ .‬ونلحظ أن بعض السطحيين ل يفهمون جيدا قول الحق‪َ { :‬ومَن َي ْع َملْ سُوءا َأوْ‬
‫غفُورا رّحِيما } فيتساءلون‪ :‬أليس الذي ارتكب العمل السيئ قد‬
‫يَظِْلمْ َنفْسَهُ ُثمّ يَسْ َت ْغفِرِ اللّهَ َيجِدِ اللّهَ َ‬
‫ظلم نفسه؟‬
‫ونقول‪ :‬إن دقة القرآن توضح لنا المعنى؛ فمعنى عمل سوءًا أضرّ بهذا العمل آخرين‪ ،‬إنّه غير‬
‫الذي ارتكب شيئا يضرّ به نفسه فقط؛ فالذي سرق أو قتل أو اعتدى على آخر قذفا أو ضربا أو‬
‫إهانة‪ ،‬مثل هذه العمال هي ارتكاب للسوء؛ فالسوء هو عمل يكرهه الناس‪ ،‬ويقال‪ :‬فلن رجل‬
‫سوء‪ ،‬أي يلقى الناس بما يكرهون‪.‬‬
‫لكن الذي يشرب الخمر قد يكون في عزلة عن الناس لم يرتكب إساءة إلى أحد‪ ،‬لكنه ظلم نفسه؛‬
‫لن النسان المسلم مطلوب منه الولية على نفسه أيضا‪ ،‬والمنهج يحمي المسلم حتى من نفسه‪،‬‬
‫ويحمي النفس من صاحبها‪ ،‬بدليل أننا نأخذ من يقتل غيره بالعقوبة‪ ،‬وكذلك يحرم ال من الجنة من‬
‫قتل نفسه انتحارا‪.‬‬
‫وهكذا نرى حماية المنهج للنسان وكيف تحيطه من كل الجهات؛ لن النسان فرد من كون ال‪،‬‬
‫والحق يطلب من كل فرد أن يحمي نفسه‪ .‬فإن صنع سوءا أي أضر بغيره‪ ،‬فهذا اسمه " سوء "‪.‬‬
‫سهُمْ َذكَرُواْ‬
‫شةً َأوْ ظََلمُواْ أَ ْنفُ َ‬
‫أما حين يصنع فعلً يضر نفسه فهذا ظلم النفس‪ {:‬وَالّذِينَ ِإذَا َفعَلُواْ فَاحِ َ‬
‫اللّهَ فَاسْ َت ْغفَرُواْ لِذُنُو ِبهِمْ َومَن َي ْغفِرُ الذّنُوبَ ِإلّ اللّ ُه وََلمْ ُيصِرّواْ عَلَىا مَا َفعَلُو ْا وَ ُهمْ َيعَْلمُونَ }[سورة‬
‫آل عمران‪]135 :‬‬
‫وهل فعل الفاحشة مخالف لظلم النفس؟‪ .‬إنه إساءة لغيره أيضا‪ ،‬لكن ظلم النفس هو الفعل الذي‬
‫يسئ إلى النفس وحدها‪ .‬أو أن النسان يصنع سيئة ويمتع نفسه بها لحظة من اللحظات ول‬
‫يستحضر عقوبتها الشديدة في الخرة‪ .‬وقد تجد إنسانا يرتكب المعصية ليحقق لغيره متعة‪ ،‬مثال‬
‫ذلك شاهد الزور الذي يعطي حق إنسان لنسان آخر ولم يأخذ شيئا لنفسه‪ ،‬بل باع دينه بدنيا‬
‫غيره‪ ،‬وينطبق عليه قول الرسول صلى ال عليه وسلم‪:‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫" بادروا بالعمال ستكون فتنة كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنا ويُمسي كافرا‪ ،‬أو يمسي‬
‫مؤمنا ويصبح كافرا يبيع دينه بعرض الدنيا "‪.‬‬
‫غفُورا رّحِيما { وال غفور ورحيم أزلً‬
‫جدِ اللّهَ َ‬
‫ظلِمْ َنفْسَهُ ُثمّ يَسْ َت ْغفِرِ اللّهَ يَ ِ‬
‫} َومَن َي ْع َملْ سُوءا َأوْ يَ ْ‬
‫ودائما‪ ،‬والعبد التائب يرى مغفرة ال ورحمته‪.‬‬
‫سبْ إِثْما فَإِ ّنمَا َيكْسِبُهُ‪{ ..‬‬
‫ويقول الحق من بعد ذلك‪َ } :‬ومَن َيكْ ِ‬

‫(‪)391 /‬‬
‫حكِيمًا (‪)111‬‬
‫سبْ إِ ْثمًا فَإِ ّنمَا َي ْكسِبُهُ عَلَى َنفْسِ ِه َوكَانَ اللّهُ عَلِيمًا َ‬
‫َومَنْ َي ْك ِ‬

‫ويورد الحق كلمة " كسب " عندما يتناول أمرا خَيّرًا فعله النسان‪ ،‬ويصف ارتكاب الفعل السيئ‬
‫بـ " اكتسب " ‪ ،‬لماذا؟ لن فعل الخير عملية فطرية في النسان ل يستحيي منه‪ ،‬لكن الشر دائما‬
‫هو عملية يستحيي منها النسان؛ لذلك يحب أن يقوم بها في خفية‪ ،‬وتحتاج إلى افتعال من‬
‫النسان‪.‬‬
‫ولنضرب هذا المثل لليضاح ‪ -‬ول المثل العلى ‪ -‬نحن نجد الرجل ينظر إلى وسامة زوجته‬
‫بكل ملكاته‪ ،‬لكنه لو نظر إلى واحدة أخرى من غير محارمه فهو يقوم بعملية لخداع ملكات النفس‬
‫حتى يتلصص ليرى هذه المرأة‪ .‬ويحاول التحايل والفتعال ليتلصص على ما ليس له‪ .‬ولذلك يقال‬
‫عن الحلل‪ :‬إنه " كسب " ويقال عن الحرام‪ :‬إنه " اكتساب "‪..‬‬
‫فإذا ما جاء القرآن للسيئة وقال " كسب سيئة " فهذا أمر يستحق اللتفات‪ ،‬فالنسان قد يعمل السيئة‬
‫ويندم عليها بمجرد النتهاء منها إن كان من أهل الخير‪ ،‬ونجده يويخ نفسه ويلومها ويعزم على أل‬
‫يعود إليها‪ .‬لكن لو ارتكب واحد سيئة وسعد بذلك وكأنها حققت له كسبا ويفخر بها متناسيا الخطر‬
‫الجسيم الذي سوف يواجهه يوم القيامة والمصير السود‪ ،‬وهو حين يفخر بالمعصية ففي ذلك‬
‫إعلن عن فساد الفطرة‪ ،‬وسيادة الفجور في أعماقه‪ ،‬وهو يختلف عن ذلك الذي تقع عليه المعصية‬
‫ولحظة ما يتذكرها يقشعر بدنه ويستغفر ال‪.‬‬
‫سبْ إِثْما فَإِ ّنمَا َيكْسِبُهُ عَلَىا َنفْسِهِ } فإياك أيها النسان أن تظن أنك حين تظلم أحدا بعمل‬
‫{ َومَن َيكْ ِ‬
‫سوء قد كسبت الدنيا؛ فوال لو علم الظالم ماذا أعد ال للمظلوم لضن على عدوه أن يظلمه‪.‬‬
‫وأضرب هذا المثل لليضاح ‪ -‬ول المثل العلى دائما ‪ -‬هب أن رجلً له ولدان‪ .‬وجاء ولد‬
‫منهما وضرب أخاه أو خطف منه شيئا يملكه‪ ،‬ورأى الب هذا الحادث‪ ،‬فأين يكون قلب الب ومع‬
‫من يكون؟‬
‫إن الب يقف مع المظلوم‪ ،‬ويحاول أن يرضيه‪ ،‬فإن كان الخ الظالم قد أخذ منه شيئا يساوي‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫عشرة قروش‪ ،‬فالب يعوض البن المظلوم بشيء يساوي مائة قرش‪ .‬ويعيش الظالم في حسرة‪،‬‬
‫ولو علم أن والده سيكرم أخاه المظلوم لما ظلمه أبدا‪ .‬إذن فالظلم قمة من قمم الغباء‪.‬‬
‫ومن ضمن المفارقات التي تروى مفارقة تقول‪ :‬إن كنت ول بد مغتابا فاغتب أبويك‪ .‬ول بد أن‬
‫يقول السامع لذلك‪ :‬وكيف أغتاب أبي وأمي؟ فيقول صاحب المفارقة‪ :‬إن والديك أولى بحسناتك‪،‬‬
‫فبدلً من أن تعطي حسناتك لعدوك‪ ،‬ابحث عمن تحبهم وأعطهم حسناتك‪ .‬وحيثية ذلك هي‪ :‬ل تكن‬
‫أيها المغتاب أحمق لنك ل تغتاب إل عن عداوة‪ ،‬وكيف تعطي لعدوك حسناتك وهي نتيجة‬
‫أعمالك؟‬
‫ونعرف ما فعله سيدنا الحسن البصري‪ ،‬عندما بلغه أن واحدا قد اغتابه‪.‬‬
‫فأرسل إلى المغتاب طبقا من البلح الرطب مع رسول‪ ،‬وقال للرسول‪ :‬اذهب بهذا الطبق إلى فلن‬
‫وقل له‪ :‬بلغ سيدي أنك اغتبته بالمس فأهديت له حسناتك‪ ،‬وحسناتك بلشك أثمن من هذا‬
‫الرطب‪ .‬وفي هذا إيضاح كاف لذم الغيبة‪.‬‬
‫حكِيما { ونعلم أنه إذا جاءت أي صفة‬
‫علِيما َ‬
‫سبْ إِثْما فَإِ ّنمَا َيكْسِبُهُ عَلَىا َنفْسِ ِه َوكَانَ اللّهُ َ‬
‫} َومَن َيكْ ِ‬
‫من صفات الحق داخلة في صورة كينونة أي مسبوقة بـ " كان " فإياكم أن تأخذوا " كان " على‬
‫أنها وصف لما حدث في زمن ماضٍ‪ ،‬ولكن لنقل " كان ومازال "‪ .‬لماذا؟ لن ال كان أزلً‪ ،‬فهو‬
‫غفور رحيم قبل أن يوجد مغفور له أو مرحوم؛ فال ليس من اهل الغيار‪ ،‬والصفات ثابتة له؛‬
‫لن الزمن في الحداث يتغير بالنسبة للغيار فقط‪ ،‬وعلى سبيل المثال نجد الواحد من البشر‬
‫صحيحا في زمن ومريضا في زمن آخر‪.‬‬
‫ولذلك ل يخرج الزمن المستقبل عن الزمن الماضي إل أصحاب الغيار‪ .‬وكذلك ل يخرج الزمن‬
‫المستقبل عن الزمن الحاضر إل في أصحاب الغيار‪ .‬ومادام ال هو الذي يغير ول يتغير فلن‬
‫يغيره زمن ما‪ ،‬بل كان في الزل غفورا رحيما‪ ،‬وليزال أيضا غفورا رحيما‪ .‬وكذلك كان علم‬
‫ال أزليا وحكمته ل حدود لها‪.‬‬
‫خطِيئَةً َأوْ إِثْما‪{ ..‬‬
‫سبْ َ‬
‫وبعد ذلك يقول الحق‪َ } :‬ومَن َيكْ ِ‬

‫(‪)392 /‬‬
‫سبْ خَطِي َئةً َأوْ إِ ْثمًا ثُمّ يَ ْرمِ بِهِ بَرِيئًا َفقَدِ احْ َت َملَ ُبهْتَانًا وَإِ ْثمًا مُبِينًا (‪)112‬‬
‫َومَنْ َي ْك ِ‬

‫قالوا‪ :‬إن الخطيئة هي الشيء غير المتعمّد‪ ،‬مثال ذلك حين نعلّم التلميذ قاعدة من قواعد النحو‪ ،‬ثم‬
‫نطلب منه أن يطالع نصا من النصوص‪ ،‬ونلتفت لنجد التلميذ قد نصب الفاعل ورفع المفعول‪،‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ونصحح له الخطأ‪ ،‬إنّه لم يتعمده‪ ،‬بل نسي القاعدة ولم يستحضرها‪ .‬ونظل نصحح له الخطأ إلى‬
‫أن يتذكر القاعدة النحوية‪ ،‬وبالتدريب يصبح العراب ملكة عند التلميذ فل يخطئ‪.‬‬
‫والخطيئة ‪ -‬إذن ‪ -‬هي الخطأ غير المتعمد‪ .‬اما الثم فهو المر المتعمّد‪ .‬فكيف إذا رمى واحد‬
‫سبْ خَطِي َئةً َأوْ إِثْما ثُمّ يَ ْرمِ‬
‫غيره بإثم ارتكبه أو خطيئة ارتكبها هو‪ ..‬ما حكم ال في ذلك؟{ َومَن َيكْ ِ‬
‫بِهِ بَرِيئا َفقَدِ احْ َت َملَ ُبهْتَانا وَإِثْما مّبِينا }[النساء‪]112 :‬‬
‫لقد ارتكب الخطيئة أو الثم‪ ،‬ويا ليته اكتفى بهذا‪ ،‬ل‪ ،‬بل يريد أن يصعد الجريمة بارتكاب جريمة‬
‫ثانية وذلك بأن يرمي بالخطيئة أو الثم بريئا‪ ،‬إنّ إثمه مركب‪ ،‬ولذلك قال الحق‪َ { :‬فقَدِ احْ َت َملَ‬
‫ُبهْتَانا وَإِثْما مّبِينا } واستخدام الحق هنا لكلمة " احتمل " وليس " حمل " تؤكد لنا أن هناك علجا‬
‫ومكابدة وشدة ليحمل النسان هذا الشيء الثقيل؛ فالجريمة جريمتان وليست واحدة‪ ،‬لقد فعل‬
‫الخطيئة ورمى بها بريئا‪ ،‬وفاعل الخطيئة يندم على فعلها مرة‪ ،‬ويندم أيضا على إلصاقها ببريء‪.‬‬
‫إذن فهي حمل على أكتافه‪ .‬ونعلم أن النسان ساعة يقع أسير سُعار العداوة؛ يهون عليه أن يصنع‬
‫المعصية‪ ،‬ولكن بعد أن يهدأ سعار العداوة فالندم يأتيه‪ .‬قال الحق‪ {:‬وَا ْتلُ عَلَ ْيهِمْ نَبَأَ ابْ َنيْ ءَادَمَ‬
‫لقْتُلَ ّنكَ قَالَ إِ ّنمَا يَ َتقَ ّبلُ اللّهُ مِنَ‬
‫ل َ‬
‫حقّ إِذْ قَرّبَا قُرْبَانا فَ ُتقُبّلَ مِن َأحَدِ ِهمَا وَلَمْ يُ َتقَبّلْ مِنَ الخَرِ قَا َ‬
‫بِالْ َ‬
‫ا ْلمُ ّتقِينَ }[المائدة‪]27 :‬‬
‫هابيل ‪ -‬إذن ‪ -‬يسأل قابيل‪ :‬وما ذنبي أنا في ذلك‪ ،‬إن ال هو الذي يتقبل القربان وليس أنا فلماذا‬
‫تقلتني؟‬
‫لقْتَُلكَ إِنّي َأخَافُ اللّهَ‬
‫ك َ‬
‫ويستمر القول الحكيم‪ {:‬لَئِن بَسَطتَ إَِليّ َي َدكَ لِ َتقْتُلَنِي مَآ أَنَاْ بِبَاسِطٍ َي ِديَ إِلَ ْي َ‬
‫َربّ ا ْلعَاَلمِينَ }[المائدة‪]28 :‬‬
‫عتْ َلهُ َنفْسُهُ قَ ْتلَ َأخِيهِ َفقَتَلَهُ فََأصْبَحَ مِنَ ا ْلخَاسِرِينَ }[المائدة‪:‬‬
‫طوّ َ‬
‫وماذا يقول الحق من بعد ذلك‪َ {:‬ف َ‬
‫‪]30‬‬
‫كأن مسألة القتل كانت عملية شاقة وليست سهلة‪ ،‬وأخذت مغالبة‪ .‬وعلى سبيل المثال‪ :‬لن يقول‬
‫أحد‪ " :‬لقد طوعت الحبل " ولكن هناك من يقول‪ " :‬أنا طوعت الحديد "‪ .‬وسعار الغضب جعل‬
‫قابيل ينسى كل شيء وقت الجريمة‪ ،‬وبعد أن وقعت‪ ،‬وهدأ سعار الغضب الذي ستر موازين القيم‪،‬‬
‫هنا ظهرت موازين القيم ناصعة في النفس‪.‬‬
‫ولذلك نجد من يرتكب جريمة ما‪ ،‬ويتجه بعد ذلك لتسليم نفسه إلى الشرطة‪ ،‬وهو يفعل ذلك لن‬
‫سعار الجريمة انتهى وظهر ضوء موازين القيم ساطعا‪ .‬وعلى ذلك نفهم قول الحق‪َ { :‬فقَدِ احْ َت َملَ‬
‫ُبهْتَانا وَإِثْما مّبِينا }‪.‬‬
‫وهذا يدل على أن من يصنع جريمة ثم يرمي البريء بالثم إنما يرتكب عملً يتطلب مشقة‬
‫وتتنازعه نفسه مرة بالندم؛ لنه فعل الجريمة‪ ،‬وتنازعه نفسه مرة ثانية لنه رمى بريئا بالجريمة؛‬
‫لذلك قال الحق‪َ { :‬فقَدِ احْ َت َملَ ُبهْتَانا وَإِثْما مّبِينا } وساعة نسمع كلمة " بهتان " فهي مأخوذة من‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫مادة " بهت "‪.‬‬
‫والبهتان هو المر الذي يتعجب من صدوره من فاعله‪ .‬مثال ذلك قوله الحق في شرح قضية‬
‫شمْسِ‬
‫سيدنا إبراهيم مع النمرود‪ ،‬حيث يقول سبحانه على لسان سيدنا إبراهيم‪ {:‬فَإِنّ اللّهَ يَأْتِي بِال ّ‬
‫مِنَ ا ْلمَشْ ِرقِ فَ ْأتِ ِبهَا مِنَ ا ْل َمغْرِبِ }[البقرة‪]258 :‬‬
‫فماذا كان موقف الرجل؟{ فَ ُب ِهتَ الّذِي َكفَرَ }[البقرة‪]258 :‬‬
‫أي أنه سمع شيئا عجيبا يخرسه عن أن يتكلم؛ فقد جاء له سيدنا إبراهيم بأمر عجيب ل يخطر‬
‫على باله‪ ،‬ول يستطيع أن يجد منه مفرا‪ ،‬فكأن المور المخالفة لمنطق الحق ولمطلوب القيم أمور‬
‫غريبة عن الناس إنّها هي البهتان‪ ،‬والدليل على ذلك أنها أمور يستتر فاعلها عن الناس‪.‬‬
‫وإذا ما نظرنا إلى القضية التي نزلت الية بسببها‪ .‬وجدنا أن سارقا سرق وأراد أن يبرئ نفسه‬
‫وأن يُدخل في الجريمة بريئا‪ .‬ويلصقها به‪ ،‬وأن يرتكب المجرم الجريمة فهذا يحمّلُه إثما‪ .‬أما أن‬
‫ينقل الجريمة إلى سواه فهذا يدل على وجود طاقة أخرى حتى يحتمل ما فعله‪ ،‬وهذا صعب على‬
‫النفس‪ ،‬ول يتعجب أحد لسماع شيء إل إذا كان هذا الشيء مخالفا لما هو مألوف ومعروف‪ .‬وإنّ‬
‫في الحوار بين سيدنا إبراهيم والنمرود لدليلً واضحا وناصعا؛ فعندما قال النمرود‪ {:‬أَنَا أُحْيِـي‬
‫وَُأمِيتُ }[البقرة‪]258 :‬‬
‫قصد بذلك قدرته على أن يقتل إنسانا‪ ،‬ويترك إنسانا آخر لمسعاه‪ .‬وهنا عاجله سيدنا إبراهيم‬
‫شمْسِ مِنَ ا ْلمَشْ ِرقِ‬
‫بالقضية التي تبهته ول يدخل فيها هذا التماحك اللفظي‪ .‬فقال‪ {:‬فَإِنّ اللّهَ يَأْتِي بِال ّ‬
‫فَ ْأتِ ِبهَا مِنَ ا ْل َمغْرِبِ فَ ُب ِهتَ الّذِي َكفَرَ }[البقرة‪]258 :‬‬
‫أي أن النمرود سمع قولً عجيبا وليس عنده من الذكاء ما يحتاط به إلى دفعه‪ ،‬وكذلك الرجل الذي‬
‫صنع الجريمة ثم رمى بها غيره احتاج إلى طاقة تتحمل هذا‪ ،‬مما يدل على أن الفطرة السليمة‬
‫كارهة لفعل القبيح‪ .‬فإذا ما فعل النسان ذنبا فقد حمل بهتانا‪ ،‬وإذا ما عَدّى ذلك إلى أن يحمله إلى‬
‫بريء‪ ،‬فذلك يعني أن المر يحتاج إلى طاقة أخرى‪.‬‬
‫إذن فقوله الحق‪َ } :‬فقَدِ احْ َت َملَ ُبهْتَانا وَإِثْما مّبِينا { أي أنه احتمل أمرا عجيبا يبهت السامع ويتعجب‬
‫كيف حدث ذلك‪ .‬ويحتمل من يفعل ذلك الثمَ أيضا‪.‬‬
‫والثم ‪ -‬كما عرفنا ‪ -‬هو السيئة المتعمّدة‪ .‬ويوضح الحق سبحانه وتعالى هذه القضية‪ :‬إن ال‬
‫سبحانه وتعالى يحوطك يا محمد بعنايته وبرعايته وبفضله‪ ،‬وإن حاول بعض من قليلي اليمان أن‬
‫يخرجوك عن هذه المسألة‪ ،‬وأن يزينوا لك أن تبرئ مذنبا لتجرم آخر بريئا وإن كان المذنب‬
‫مسلما وإن كان البريئ غير مسلم‪ ،‬وال لم يرسل محمدا ليحكم بين المؤمنين فقط‪ ،‬ولكن صدر هذه‬
‫الية يوضح لنا أن ال أرسل محمدا ليحكم بين المؤمنين فقط‪ ،‬ولكن صدر هذه الية يوضح لنا أن‬
‫ال أرسل رسوله ليحكم بالحق‪ " :‬لتحكم بين الناس " أي ليحكم بين الناس على إطلقهم‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فإياك حين تحكم أن تقول‪ :‬هذا مسلم وذلك كافر‪ .‬أو تقول‪ :‬هذا مسلم وذلك من أهل الكتاب‪ ،‬بل‬
‫كل الناس أمام قضايا الحق سواء‪.‬‬
‫ولذلك أخذ الرسول صلى ال عليه وسلم تلك الجرعة اليمانية التي جاءت بها حادثة من الحوادث‬
‫ليقول بعد ذلك في قصة المخزومية حينما سرقت وأراد أن يقيم عليها الحد‪ ،‬وكلّمه حبيبه أسامة بن‬
‫زيد في أن يرفع عنها الحد‪ ،‬فقال رسول ال‪:‬‬
‫" عن عائشة رضي ال عنها أن قريشا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا‪ :‬مَنْ يكلم‬
‫فيها رسول ال صلى ال عليه وسلم؟ فقالوا‪ :‬ومن يجرؤ عليه إل أسامة حب رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم‪ ،‬فكلمه أسامة‪ ،‬فقال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ :‬أتشفع في حد من حدود ال؟! ثم‬
‫قام فاختطب فقال‪ " :‬أيها الناس‪ :‬إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف‬
‫تركوه‪ ،‬وإن سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد‪ ،‬وأيم ال لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع‬
‫محمد يدها "‪.‬‬
‫ضلُ اللّهِ عَلَ ْيكَ‬
‫هذا القول مستخلص من القضية السابقة‪ .‬ويقول سبحانه وتعالى‪ } :‬وََلوْلَ َف ْ‬
‫حمَتُهُ‪{ ..‬‬
‫وَرَ ْ‬

‫(‪)599 /‬‬
‫سهُ ْم َومَا َيضُرّو َنكَ‬
‫حمَتُهُ َل َه ّمتْ طَا ِئفَةٌ مِ ْنهُمْ أَنْ ُيضِلّوكَ َومَا ُيضِلّونَ إِلّا أَ ْنفُ َ‬
‫ك وَرَ ْ‬
‫ضلُ اللّهِ عَلَ ْي َ‬
‫وََلوْلَا َف ْ‬
‫ضلُ اللّهِ عَلَ ْيكَ عَظِيمًا (‬
‫ح ْكمَ َة وَعَّل َمكَ مَا لَمْ َتكُنْ َتعْلَمُ َوكَانَ َف ْ‬
‫علَ ْيكَ ا ْلكِتَابَ وَا ْل ِ‬
‫شيْ ٍء وَأَنْ َزلَ اللّهُ َ‬
‫مِنْ َ‬
‫‪)113‬‬

‫وهنا نتساءل‪ :‬هل هَمّ أحد بإضلل رسول ال؟ علينا أن نفهم أن " الهمّ " نوعان‪ :‬هم إنفاذ‪ ،‬وهم‬
‫تزيين‪ .‬وقد رفض رسول ال هم النفاذ‪ ،‬ودفعه ال عنه لنه سبحانه وتعالى يحوط رسوله بفضله‬
‫ورحمته ويأتي بالحداث ليعلمه حكما جديدا‪ .‬وفضل ال على رسوله ورحمته جعل الهم منهم هم‬
‫تزيين فقط وحفظ ال رسوله منه أيضا‪ .‬وعندما تعلم الرسول هذا الحكم الجديد‪ ،‬صار يقضي به‬
‫من بعد ذلك في كل قضايا الناس‪ .‬فإذا ما جاء حدث من الحداث وجاء له حكم من السماء لم يكن‬
‫يعلمه رسول ال صلى ال عليه وسلم فالفضل ل لنه يزيد رسوله تعليما‪ {.‬وَعَّل َمكَ مَا لَمْ َتكُنْ َتعْلَمُ‬
‫}[النساء‪]113 :‬‬
‫وكان قصد الذين دافعوا عن " ابن أبيرق " أن يزينوا لرسول ال‪ ،‬وهذا هو هم التزيين ل هم‬
‫النفاذ‪ .‬وكان الهدف من التزيين أن يضروا الرسول ويضلوه والعياذ بال‪ ،‬ليأخذوه إلى غير‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫طريق الحق وغير طريق الهدى‪ ،‬وهذا أمر يضر رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فلو أن رسول‬
‫ال برأ المذنب الذي يعلم أنه مذنب لسْتقرّ في ذهن المذنب أن قضايا الدين ليست جادة‪ ،‬أما‬
‫البريء الذي كان مطلوبا أن يدينه رسول ال ماذا يكون موقفه؟ ل بد أن يقول لنفسه‪ :‬إن دين‬
‫محمد ل صدق فيه لنه يعاقب بريئا‪ .‬إذن َفهَمّ التزيين يضر بالرسول عند المبرأ وعند من يراد‬
‫إلصاق الجريمة به‪ .‬لكن ال صان رسوله بالفضل وبالرحمة عن هذا أيضا‪َ {.‬ل َهمّتْ طّآ ِئفَةٌ مّ ْنهُمْ أَن‬
‫ح ْكمَةَ }‬
‫شيْ ٍء وَأَن َزلَ اللّهُ عَلَ ْيكَ ا ْلكِتَابَ وَا ْل ِ‬
‫س ُه ْم َومَا َيضُرّو َنكَ مِن َ‬
‫ُيضِلّوكَ َومَا ُيضِلّونَ ِإلّ أَ ْنفُ َ‬
‫[النساء‪]113 :‬‬
‫لقد أنزل الحق كتابا ليفصل في القضية‪ ,‬ونزول الحكم بعد وقوع تلك الحادثة إنما جاء ليبين ضمن‬
‫ما يبين سر نزول القرآن منجما؛ لن القرآن يعالج أحداثا واقعية‪ ،‬فيترك المر إلى أن يقع الحدث‬
‫ثم يصب على الحدث حكم ال الذي ينزل من السماء وقت حدوث الحدث‪ ،‬وإل كيف يعالج القرآن‬
‫الحداث لو نزل مرة واحدة بينما الحداث لم تقع؟ لذلك أراد ال أن تنزل الحداث أولً ثم يأتي‬
‫ح َدةً }[الفرقان‪]32 :‬‬
‫جمْلَ ًة وَا ِ‬
‫الحكم‪ .‬وقد سبق أن قال الكفار‪َ {:‬ل ْولَ نُ ّزلَ عَلَ ْيهِ ا ْلقُرْآنُ ُ‬
‫ل؛ فقد أراد ال القرآن منجما ومتفرقا ومُقَسّطا لماذا؟{ كَذَِلكَ لِنُثَ ّبتَ بِهِ ُفؤَا َدكَ وَرَتّلْنَاهُ تَرْتِيلً }‬
‫[الفرقان‪]32 :‬‬
‫فكلما حدثت هزة للفؤاد من اللّدَد والخصومة الشديدة ومن العناد الذي كان عليه الكفار وردّهم‬
‫للحق ‪ -‬وهم يعرفونه كما يعرفون أبنائهم ‪ -‬ينزل نجم من القرآن‪ ،‬وفي شغب البشر مع الرسول‬
‫تنزل رحمة السماء تُثَبّت الفؤاد؛ فإن تعب الفؤاد من شغب الناس؛ فآيات اتصال الرسول بالسماء‬
‫وبالوحي تنفي عنه هذه المتاعب‪.‬‬
‫ورسول ال صلى ال عليه وسلم في أمر الدعوة كانت تحدث له كل يوم هزات؛ لذلك كان في كل‬
‫لحظة يحتاج إلى تثبيت‪ .‬وعندما ينزل النجم القرآني بعد العراك مع الخصوم فإن حلوة النجم‬
‫القرآني ُت َهوّنُ عليه المر‪ ،‬وإذا ما جاء للرسول صلى ال عليه وسلم أمر آخر يعكر صفوه‪ ،‬فهو‬
‫ينتظر حلوة الوحي لتنزل عليه‪ ،‬وهذا معنى قوله تعالى‪ {:‬كَ َذِلكَ لِنُثَ ّبتَ ِبهِ ُفؤَا َدكَ }[الفرقان‪]32 :‬‬
‫أي أنزلناه منجما لنثبت به فؤادك‪ .‬ولو نزل القرآن جملة واحدة لقلل من مرات اتصال السماء‬
‫بمحمد صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وهو يريد مداومة اتصال السماء به‪ .‬بدليل أن الوحي عندما فتر‬
‫جلس الرسول يتطلع إلى السماء ويتشوق‪ .‬لماذا؟ ففي بداية النزول أرهقه الوحي‪ ،‬لذلك قال‬
‫الرسول‪ " :‬فضمني إليه حتى بلغ مني الجهد "‪.‬‬
‫ورأته خديجة ‪ -‬رضي ال عنها ‪ " -‬وإن جبينه ليتفصد عرقا " فاتصال جبريل بملكيته ونورانيته‬
‫برسول ال صلى ال عليه وسلم في بشريته ل بد أن يحدث تغييرا كيميائيا في نفس رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫" عن عائشة أم المؤمنين رضي ال عنها أن الحارث بن هشام رضي ال عنه سأل رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم فقال‪ :‬يا رسول ال كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫" أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشد عليّ فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال‪ ،‬وأحيانا‬
‫ل فيكلمني فأعي ما يقول‪ .‬قال عائشة رضي ال عنها‪ :‬ولقد رأيته ينزل عليه‬
‫يتمثل لي الملك رج ً‬
‫الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا "‪.‬‬
‫إن الرسول صلى ال عليه وسلم كان يواجه المتاعب وأراد ال بفترة الوحي أن يحس محمد‬
‫حلوة الوحي الذي نزل إليه‪ ،‬وأن يشتاق إليه‪ ،‬فالشوق يعين الرسول على تحمل متاعب الوحي‬
‫عندما يجيء‪ ،‬ولذلك نجد أن عملية تفصد العرق لم تستمر كثيرا؛ لن الحق قال‪ {:‬وَلَلخِ َرةُ خَيْرٌ‬
‫ن الُولَىا }[الضحى‪]4 :‬‬
‫ّلكَ مِ َ‬
‫أي أن الحق أوضح لرسوله‪ :‬إنك ستجد شوقا وحلوة ولذة في أن تستقبل هذه الشياء‪َ {.‬كذَِلكَ‬
‫ك وَرَتّلْنَاهُ تَرْتِيلً }[الفرقان‪]32 :‬‬
‫لِنُثَ ّبتَ بِهِ ُفؤَا َد َ‬
‫وهكذا كان القرآن ينزل منجما‪ ،‬على فترات‪ ،‬ويسمع الصحابة عددا من آيات القرآن‪ .‬ويحفظونها‬
‫ويكتبها كُتّابُ الوحي‪ ,‬وبعد ذلك تأتي معجزة أخرى من معجزات القرآن مع رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم‪ ،‬فتنزل سورة كاملة على رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وبعد أن يُسرى عنه يقول‬
‫للكتبة‪ :‬اكتبوا هذه‪ .‬ويرتب رسول ال اليات بمواقعها من السورة‪ .‬ثم يقرأ رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم السورة في الصلة ويسمع المصلون الترتيل الذي تكون فيه كل آية في موقعها‪ ،‬وهذا‬
‫دليل على أن المسألة مدروسة دراسة دقيقة‪ ،‬وأن رسول ال صلى ال عليه وسلم حين يحكي إنما‬
‫يحكي صدقا‪.‬‬
‫وإل َفقُولُوا لي‪ :‬كيف ينزل الوحي على رسول ال بسورة بأكملها ويميلها للكتبة‪ ،‬ثم يقرؤها في‬
‫الصلة كما نزلت وكما كتبها أصحابه‪ ،‬كيف يحدث ذلك إن لم يكن ما نزل عليه صدقا كاملً من‬
‫عند ال؟ ونحن قد نجد إنسانا يتكلم لمدة ربع ساعة‪ ،‬لكن لو قلنا له‪ :‬أعد ما تكلمت به فلن يعيد أبدا‬
‫الكلمات نفسها‪ ،‬لكن رسول ال صلى ال عليه وسلم يعيد اليات كما نزلت‪ .‬مما يدل على أنه يقرأ‬
‫كتاب ال المحفوظ الذي ل يأتيه الباطل من بين يديه ول من خلفه إنه تنزيل من حكيم حميد‪.‬‬
‫حسَنَ َتفْسِيرا }[الفرقان‪]33 :‬‬
‫ق وَأَ ْ‬
‫حّ‬
‫ولذلك يقول الحق‪ {:‬وَلَ يَأْتُو َنكَ ِبمَ َثلٍ ِإلّ جِئْنَاكَ بِالْ َ‬
‫أي ل يأتونك بحادثة تحدث إل جئناك بالحق فيها‪.‬‬
‫إذن لم يكن للقرآن أن ينزل منجما إل ليثبت فؤاد رسول ال صلى ال عليه وسلم من تتابع الهزات‬
‫التي يتعرض لها‪ ،‬وأراد ال أن ينشر اتصال السماء برسول ال صلى ال عليه وسلم على الثلثة‬
‫والعشرين عاما التي استغرقتها الرسالة‪.‬‬
‫والترتيل هو التنجيم والتفريق الذي ينزل به القرآن فيقرأه الرسول في الصلة مثلما نزل عليه قبل‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ذلك دون تحريف أو تبديل‪ ،‬والحق يقول‪ {:‬سَ ُنقْرِ ُئكَ فَلَ تَنسَىا }[العلى‪]6 :‬‬
‫وكل حادثة تحدث ينزل لها ما يناسبها من القرآن‪ .‬كما حدثت حادثة سرقة ابن أبيرق فنزل فيها‬
‫عظِيما {‪.‬‬
‫ضلُ اللّهِ عَلَ ْيكَ َ‬
‫الحكم والحق يقول‪ } :‬وَعَّل َمكَ مَا لَمْ َتكُنْ َتعْلَ ُم َوكَانَ َف ْ‬
‫فإذا ما علمك ال ‪ -‬يا رسول ال ‪ -‬ما لم تكن تعلم بنزول الكتاب‪ ،‬فهل أنت يا سيدي يا رسول ال‬
‫مشرع فقط بما نزل من الكتاب؟ ل؛ فالكتاب معجزة وفيه أصول المنهج اليماني‪ ،‬ولكن ال مع‬
‫ذلك فوض رسوله صلى ال عليه وسلم أن يشرّع؛ وتلك ميزة لم تكن لرسول قبله‪ ،‬بدليل قوله‬
‫خذُوهُ َومَا َنهَاكُمْ عَ ْنهُ فَان َتهُواْ }[الحشر‪]7 :‬‬
‫الحق‪َ {:‬ومَآ آتَا ُكمُ الرّسُولُ فَ ُ‬
‫فالرسل من قبل الرسول صلى ال عليه وسلم يتناولون ما أخذوه عن ال‪ ،‬وميز سبحانه محمدا‬
‫صلى ال عليه وسلم بتفويض التشريع‪ .‬وأوضح الحق أنه عَلّمَ رسوله الكتاب والحكمة‪ .‬والحكمة‬
‫حكْـمَةِ }‬
‫مقصود بها السنة‪ ،‬فسبحانه القائل‪ {:‬وَا ْذكُـرْنَ مَا يُتْـلَىا فِي بُيُو ِتكُـنّ مِنْ آيَاتِ اللّ ِه وَالْ ِ‬
‫[الحزاب‪]34 :‬‬
‫وسبحانه صاحب الفضل على كل الخلق وصاحب الفضل على رسوله‪ } :‬وَأَن َزلَ اللّهُ عَلَ ْيكَ ا ْلكِتَابَ‬
‫ضلُ اللّهِ‬
‫ح ْكمَ َة وَعَّل َمكَ مَا لَمْ َتكُنْ َتعَْل ُم َوكَانَ َفضْلُ اللّهِ عَلَ ْيكَ عَظِيما { ولنا أن نلحظ أن } َف ْ‬
‫وَالْ ِ‬
‫{ تكرر في هذه الية مرتين‪ .‬ففضل ال الول في هذه الية أنه عصمه من أن تضله طائفة وتنأى‬
‫به عن الحق‪ ،‬ثم كان فضل ال عليه ثانيا أنه أنزل عليه الكتاب بكل أحكامه وأعطاه الحكمة وهي‬
‫التفويض من ال لرسوله أن يشرّع‪.‬‬
‫إذن فالحق سبحانه وتعالى جعل من سنة الرسول صلى ال عليه وسلم امتدادا لوحيه‪ .‬ولذلك إذا‬
‫قيل من قوم يحاولون التشكيك في حديث رسول ال‪ :‬إن الصلة لم تأت في القرآن‪.‬‬
‫نقول سائلين الواحد منهم‪ :‬هل تؤدي الصلة أم ل‪.‬؟‬
‫فيقول‪ :‬إنني أصلي‪..‬‬
‫فنقول له‪ :‬كم فرضا تصلي؟‪.‬‬
‫فيقول‪ :‬خمسة فروض‪.‬‬
‫فنقول‪ :‬هات هذه الفروض الخمسة من القرآن‪ .‬ولسوف يصيبه البهت‪ ،‬وسيلتبس عليه أمر تحديد‬
‫الصبح بركعتين والظهر بأربع ركعات‪ ،‬والعصر بمثلها‪ ،‬والمغرب بثلث‪ ،‬والعشاء بأربع ركعات‪.‬‬
‫وسيعترف أخيرا أنه يصلي على ضوء قول الرسول‪ " :‬صلوا كما رأيتموني أصلي " وهذه من‬
‫سنة رسول ال صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫عظِيما { وقد نجد واحدا من اهل السطحية‬
‫ضلُ اللّهِ عَلَ ْيكَ َ‬
‫} وَعَّل َمكَ مَا لَمْ َتكُنْ َتعْلَ ُم َوكَانَ َف ْ‬
‫واللجاجة يقول‪ :‬القرآن يكرر الكلمات في أكثر من موقع‪ ،‬ولماذا يذكر فضل ال في صدر هذه‬
‫الية‪ ،‬ويذكره مرة أخرى في ذيل نفس الية؟‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫نقول‪ :‬أنت لم تلحظ فضل ال في الجزئية الولى لنه أنقذ رسوله من همّ التزيين بالحكم على‬
‫واحد من أهل الكتاب ظلما‪ ،‬وفي الجزئية الثانية هو فضل في التمام بأنه علم رسوله الكتاب‬
‫والحكمة وكان هذا الفضل عظيما حقا‪.‬‬
‫وساعة يذهب هؤلء الناس ليحدثوا الرسول في أمر طعمة ابن أبيرق‪ ،‬ألم يجلسوا معا ليتدارسوا‬
‫كيف يفلت طعمة بن أبيرق من الجريمة؟‪.‬‬
‫لقد قاموا بالتداول فيما بينهم لمر طعمة واتفقوا على أن يذهبوا للرسول؛ فكانت الصلة قريبة من‬
‫النجوى‪ .‬ولذلك حرص أدب السلم على أن يحترم كرامة أي جليس ثالث مع اثنين فل يتناجى‬
‫اثنان دون صاحبهما؛ لن ذلك يحزنه‪.‬‬
‫وقد يكون المر جائزا لو كان الجلوس أربعة‪ ،‬فواحد يتحدث مع آخر‪ ،‬وهناك يستطيع اثنان أن‬
‫يتناجيا‪ .‬إذن فالنجوى معناها المسارّة‪ ،‬والمسارّة ل تكون إل عن أمر ل يحبون أن يشيع‪ ،‬وقد فعل‬
‫القوم ذلك قبل أن يذهبوا إلى الرسول ليتكلموا عن حادثة طعمة بن أبيرق‪ ،‬ولذلك يفضح الحق أمر‬
‫جوَاهُمْ‪{ ..‬‬
‫هذه النجوى‪ ،‬فينزل القول الحق‪ } :‬لّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مّن نّ ْ‬

‫(‪)600 /‬‬
‫س َومَنْ َي ْفعَلْ ذَِلكَ‬
‫جوَاهُمْ ِإلّا مَنْ َأمَرَ ِبصَ َدقَةٍ َأوْ َمعْرُوفٍ َأوْ ِإصْلَاحٍ بَيْنَ النّا ِ‬
‫لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ َن ْ‬
‫عظِيمًا (‪)114‬‬
‫س ْوفَ ُنؤْتِيهِ َأجْرًا َ‬
‫ابْ ِتغَاءَ مَ ْرضَاةِ اللّهِ فَ َ‬

‫وسبحانه يوضح أمر هذه النجوى التي تحمل التبييت للضلل‪ ،‬ولكن ماذا إن كانت النجوى لتعين‬
‫على حق؟ إنه سبحانه يستثنيها هنا؛ لذلك لم يصدر حكما جازما ضد كل نجوى‪ ،‬واستثنى منها‬
‫نجوى مَن أمر بصدقة أو معروف أو إصلح بين الناس‪ ،‬بل ويجزى عليها حسن الثواب‪ .‬لذلك‬
‫س ْوفَ ُنؤْتِيهِ أَجْرا عَظِيما }‪ .‬ويستخدم الحق هنا كلمة‬
‫قال‪َ { :‬ومَن َيفْ َعلْ ذاِلكَ ابْ ِتغَآءَ مَ ْرضَاتِ اللّهِ فَ َ‬
‫" سوف " ‪ ،‬وكان من الممكن أن يأتي القول { فسنؤتيه أجرا عظيما " لكن لدقة الداء القرآني‬
‫البالغة جاءت بأبعد المسافات وهي " سوف "‪.‬‬
‫ونعرف أن جواب شرط الفعل إذا ما جاء على مسافة قريبة فنحن نستخدم " السين " ‪ ،‬وإذا ما جاء‬
‫جواب الشرط على مسافة بعيدة فنحن نستخدم " سوف "‪ .‬وجاء الحق هنا بـ " سوف " لن مناط‬
‫الجزاء هو الخرة‪ ،‬فإياك أيها العبد المؤمن أن تقول‪ :‬لماذا لم يعطني ال الجزاء على الطيب في‬
‫عظِيما }‬
‫س ْوفَ ُنؤْتِيهِ أَجْرا َ‬
‫الدنيا؟؛ لن الحق سبحانه وتعالى لم يقل‪ " :‬فسنؤتيه " ولكنه قال‪ { :‬فَ َ‬
‫مما يدل على أن الفضل والكرام من ال؛ وإن كان عاجلً ليس هو الجزاء على هذا العمل؛ لن‬
‫جزاء الحق لعبادة المؤمنين سيكون كبيرا‪ ،‬ول يدل على هذا الجزاء في الخرة إلّ " فسوف "‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ونعرف أن الرسول صلى ال عليه وسلم حين يمني أمته اليمانية بشيء فهو يمنيها بالخرة‪،‬‬
‫ولننظر إلى بيعة العقبة عندما جاء النصار من المدينة لمبايعة رسول ال‪:‬‬
‫فقال لهم رسول ال صلى ال عليه وسلم وحوله عصابة من أصحابه‪ " :‬بايعوني على أل تشركوا‬
‫بال شيئا ول تسرقوا ول تزنوا ول تقتلوا أولدكم ول تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم‬
‫ول تعصوا في معروف‪ ،‬فمن وفّى منكم فأجره على ال‪ ،‬ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في‬
‫الدنيا فهو كفارة له‪ ،‬ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره ال إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه "‪.‬‬
‫لقد أخذت لنفسك يا رسول ال ونحن نريد أن نأخذ لنفسنا‪ ،‬ماذا لنا إن نحن وفّينا بهذا؟ ولنر‬
‫عظمة الجواب وإلهامية الرد‪ ،‬قال الرسول صلى ال عليه وسلم‪ " :‬لكم الجنة "‬
‫كان في استطاعة رسول ال أن يقول لهم‪ :‬إنكم ستنتصرون وإنكم ستأخذون مشارق الرض‬
‫ومغاربها وسيأتي لكم خير البلد السلمية كلها‪ .‬لكنه بحكمته لم يقل ذلك أبدا فقد يستشهد واحد‬
‫منهم في قتال من أجل نصرة دين ال‪ ،‬فماذا سيأخذ في الدنيا؟‪ .‬إنه لن يأخذ حظه من التكريم في‬
‫الدنيا‪ ،‬ولكنه سينال الجزاء في الخرة‪.‬‬
‫لذلك جاء بالجزاء الذي سيشمل الكل‪ ،‬وهو الجنة ليدلهم على أن الدنيا أتفه من أن يكون جزاء ال‬
‫محصورا فيها‪ ،‬ويحض كل المؤمنين على أن يطلبوا جزاء الخرة؛ ونعلم جميعا هذه الحكاية‪،‬‬
‫ل يقول لصاحبه‪ :‬أتحبني؟ فأجاب الصاحب‪ :‬نعم أحبك‪ .‬فسأل السائل‪ :‬على أي قدر‬
‫ونجد رج ً‬
‫تحبني؟ قال الصاحب‪ :‬قدر الدنيا‪ .‬أجاب الرجل‪ :‬ما أتفهني عندك!!‪.‬‬
‫عظِيما { ومن صاحب "‬
‫س ْوفَ ُنؤْتِيهِ َأجْرا َ‬
‫يقول الحق‪َ } :‬ومَن َي ْف َعلْ ذاِلكَ ابْ ِتغَآءَ مَ ْرضَاتِ اللّهِ فَ َ‬
‫نؤتيه " والفاعل لهذا العطاء؟ إنه الحق سبحانه وتعالى الذي وصف الجر بأنه أجر عظيم‪ .‬وكأن‬
‫الحق يبلغنا‪:‬‬
‫ يا معشر المة اليمانية التحموا بمنهج رسول ال وامتزجوا به لتكونوا معه شيئا واحدا‪ .‬وإياكم‬‫أن يكون لكم رأي منفصل عن المنهج؛ فهو مبلغ عن ال‪ ،‬فمن آمن به فليلتحم به‪ .‬ولذلك نجد‬
‫سيدنا أبا بكر الصديق ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬ساعة حدثوه في حكاية السراء والمعراج نجده يسأل‬
‫محدثه‪ :‬أقال رسول ال ما قلتموه‪..‬؟ فيقولون‪ :‬بلى‪ ،‬لقد قال‪ .‬فيرد عليهم الصديق‪ :‬إن كان قال فقد‬
‫صدق؛ فالصديق أبو بكر ل يحتاج إلى دليل على صدق ما قال رسول ال‪.‬‬
‫ويأتي الحق بالمقابل فيقول‪َ } :‬ومَن يُشَا ِققِ الرّسُولَ مِن َبعْدِ‪{ ...‬‬

‫(‪)601 /‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫َومَنْ ُيشَاقِقِ الرّسُولَ مِنْ َب ْعدِ مَا تَبَيّنَ لَهُ ا ْلهُدَى وَيَتّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ا ْل ُم ْؤمِنِينَ ُنوَلّهِ مَا َتوَلّى وَ ُنصْلِهِ‬
‫جهَنّمَ وَسَا َءتْ َمصِيرًا (‪)115‬‬
‫َ‬

‫وكلمة " يشاقق " تدل على أن شقا قد حدث في أمر كان ملتحما‪ ،‬مثلما نشق قطعة الخشب فنجعلها‬
‫جزئين بعد أن كانت كتلة واحدة‪ .‬وأنتم أيها المؤمنون قد التحمتم بمنهج رسول ال إيمانا‪ ،‬واعترفتم‬
‫به رسول ومبلغ صدقٍ عن ال‪ ،‬فإياكم أن تشرخوا هذا اللتحام‪ .‬فإن جاء حكم وحاول أحد‬
‫المؤمنين أن يخرج عنه‪ ،‬فهذا شقاق للرسول والعياذ بال‪ .‬أو المعنى ومن سلك غير الطريقة التي‬
‫جاء بها الرسول بأن صار في شق وشرع ال في شق آخر‪.‬‬
‫{ َومَن يُشَا ِققِ الرّسُولَ مِن َبعْدِ مَا تَبَيّنَ لَهُ ا ْلهُدَىا } نعم فقد تبين الهدى للمسلم حينما آمن بال خالقا‬
‫وربا‪ .‬وآمن بالرسول مبلغا وهو بذلك قد أسلم زمامه إلى ال‪ .‬ولذلك قلنا‪ :‬إن عمل العقل هو أن‬
‫ينظر في أدلة الوجود العلى ل‪ ،‬فإذا ما آمن النسان بالوجود العلى ل‪ ،‬بقيت مرتبة‪ ،‬وهي أن‬
‫يؤمن النسان بالرسول المبلغ عن ال؛ لن قصارى ما يطلبه العقل من الدليل اليماني على وجود‬
‫ال أن وراء النسان ووراء الكون قوة قادرة حكيمة عالمة فيها كل صفات الكمال‪.‬‬
‫إن العقل ل يستطيع معرفة اسم هذه القوة‪ .‬ول يستطيع العقل أن يتعرف على مطلوباتها؛ لذلك‬
‫لبد من البلغ عن هذه القوة‪ ،‬وإذا تبين للنسان الهدى في الوجود العلى وفي البلغ عن ال فل‬
‫بد للنسان أن يلتحم بالمنهج الذي جاء به المبلغ عن ال‪ .‬ويفعل النسان مطلوب القوة العليا؛ لن‬
‫ال قد أمر به؛ ولن رسول ال قد بلغ المر أو فعله أو أقرّه‪ .‬أما إذا دخل النسان في مماحكات‬
‫فإننا نقول له‪َ {:‬ومَن ُيشَاقِقِ الرّسُولَ مِن َب ْعدِ مَا تَبَيّنَ لَهُ ا ْلهُدَىا وَيَتّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ا ْل ُم ْؤمِنِينَ ُنوَلّهِ مَا‬
‫جهَنّ َم وَسَآ َءتْ َمصِيرا }[النساء‪]115 :‬‬
‫َتوَلّىا وَ ُنصْلِهِ َ‬
‫والهدى ‪ -‬كما نعرف ‪ -‬هو الطريق الموصل إلى الغاية‪ .‬فكل فعل من أفعال الخلق ل بد له من‬
‫هدف‪ .‬ومن فعل فعلً بل هدف يعتبره المجتمع فاقدا للتمييز‪ .‬أما إذا كان النسان صاحب هدف‬
‫فهو يعترف على جدّية هدفه وأهميته‪ .‬ويبحث له عن أقصر طريق‪ ،‬هذا الطريق هو ما نسميه‬
‫الهدى‪ .‬ومن يعرف الطريق الموصل إلى الهدى ثم يتبع غير سبيل المؤمنين فهو يشاقق الرسول‪،‬‬
‫ول يلتحم بمنهج اليمان ول يلتزم به‪ ،‬ومن يشاقق إنما يرجع عن إيمانه‪.‬‬
‫وهكذا نعرف أن هناك سبيل وطريقا للرسول‪ ،‬ومؤمنين اتبعوا الرسول بالتحام بالمنهج‪ ،‬ومن‬
‫يشاقق الرسول يخالف المنهج الذي جاء به الرسول‪ ،‬ويخالف المؤمنين أيضا‪.‬‬
‫والحق هو القائل‪ {:‬وَأَنّ هَـاذَا صِرَاطِي ُمسْ َتقِيما فَاتّ ِبعُوهُ وَلَ تَتّ ِبعُواْ السّ ُبلَ }[النعام‪]153 :‬‬
‫فليس للحق إل سبيل واحد‪ .‬ومن يخرج عن هذا السبيل فما الذي يحدث له؟‪.‬‬
‫جهَنّ َم وَسَآ َءتْ َمصِيرا {‪ .‬وقد يأتي لفظ من‬
‫ها هي ذي إجابة الحق‪ُ } :‬نوَلّهِ مَا َتوَلّىا وَ ُنصْلِهِ َ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫المحتمل أن يكون أداة شرط ويحتمل أن يكون اسما موصولً مثل قولنا‪ :‬مَن يذاكرُ ينجحُ‪ .‬بالضم‬
‫فيهما‪ ،‬و " من " هنا هي اسم موصول؛ فالذي يذاكر هو مَن ينجح‪ .‬وقد نقول‪ :‬مَن يذاكرْ ينجحْ‪.‬‬
‫بالسكون وهنا " مَن " شرطية‪.‬‬
‫وفي السم الموصول نجد الجملة تسير على ما هي‪ ،‬أما إذا كانت شرطية‪ ،‬فهناك الجزم الذي‬
‫يقتضي سكون الفعل؛ ويقتضي ‪ -‬أيضا ‪ -‬جوابا للشرط‪ .‬و " من " تصلح أن تكون اسما‬
‫موصولً‪ ،‬وتصلح أن تكون أداة شرط‪ ،‬ونتعرف ‪ -‬عادة ‪ -‬على وضعها مما يأتي بعدها‪ .‬مثال‬
‫ذلك قوله الحق‪َ } :‬ومَن يُشَا ِققِ الرّسُولَ مِن َبعْدِ مَا تَبَيّنَ َلهُ ا ْلهُدَىا وَيَتّبِعْ { ونجد " يتبع " هنا عليها‬
‫سكون الجزم‪ ،‬وهذا يدل على أن " مَنْ " شرطية‪.‬‬
‫وتختلف القراءة لو اعتبرنا " مَن " اسم موصول؛ لن هذا يستدعي ترك الفعل " يشاقق " في‬
‫وضعه كفعل مضارع مرفوع بالضمة‪ ،‬وكذلك يكون " يتبعْ " فعلً مضارعا مرفوعا بالضمة؛ عند‬
‫ذلك نقول‪ " :‬نوليه ما تولى ونصليه "‪ .‬ولكن إن اعتبرنا " مَن " أداة شرط ‪ -‬وهي في هذه الية‬
‫شرطية ‪ -‬فل بد من جزم الفعل فنقرأها " ومن يشاققْ الرسول من بعد ما تبين له الهدى "‪ .‬وكذلك‬
‫نجزم الفعل المعطوف وهو قوله‪( :‬ويتبعْ) ويجزم جواب الشرط وما عطف عليه وهو قوله‪:‬‬
‫(نولّهِ) (ونصْلِه) والجواب وما عطف عليه مجزومان بحذف حرف العلة وهي الياء من آخره }‬
‫جهَنّ َم وَسَآ َءتْ َمصِيرا {‪ .‬ومعنى " َتوَلّى " أي‬
‫وَيَتّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ا ْل ُم ْؤمِنِينَ ُنوَلّهِ مَا َتوَلّىا وَ ُنصْلِهِ َ‬
‫قرب‪ ،‬ويقال‪ :‬فلن وَلِي فلن؛ أي صار قريبا له‪ .‬ومن يتبع غير سبيل المؤمنين‪ ،‬فالحق ل يريده‬
‫بل ويقربه من غير المؤمنين ويكله إلى اصحاب الكفر‪ .‬وها هو ذا الحق سبحانه يقول‪ " :‬أنا أغنى‬
‫الشركاء عن الشرك من عمل عملً أشرك معي فيه غيري تركته وشِركه "‪.‬‬
‫فالذي يحتاج إلى الشرك هو من زاوية من ضعف‪ ،‬ويريد شريكا ليقويه فيها‪ .‬وعلى سبيل المثال‬
‫ ول المثل العلى ‪ -‬ل نجد أحدا يشارك واحدا على تجارة إل إذا كان يملك المال الكافي لدارة‬‫التجارة أو ل يستطيع أن يقوم على شأنها‪ .‬وسبحانه حين يعلمنا‪ " :‬أنا أغنى الشركاء عن الشرك‪.‬‬
‫من عمل عملً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه "‪.‬‬
‫أي أن له مطلق القوة الفاعلة التي ل تحتاج إلى معونة‪ ،‬ول تحتاج إلى شريك؛ لن الشركة أول‬
‫ما تشهد فإنها تشهد ضعفا من شريك واحتياجا لغريب‪ .‬ولذلك فمن يشاقق الرسول في أمر إيماني‬
‫فالحق يوليه مع الذي كفر ويقربه من مراده‪.‬‬
‫وسبحانه يعلم أن النسان لن ينتفع بالشيء المشاقق لرسول ال‪ ،‬بل يكون جزاء المشاقق لرسول‬
‫ال والمتبع لغير سبيل المؤمنين أن يقربه ال ويدينه من أهل الكفر والمعاصي‪ ،‬ويلحقه بهم‬
‫ويحشره في زمرتهم‪ .‬ول يعني هذا أن ال يمنع عن العبد الرزق‪ ،‬ل‪ ،‬فالرزق للمؤمن وللكافر‪،‬‬
‫وقد أمر ال السباب أن تخدم العبد إن فعلها‪ .‬ومن رحمة ال وفضله أنه ل يقبض النعمة عن مثل‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫هذا العبد‪ ،‬فالشمس تعطيه الضوء والحرارة‪ ،‬والهواء يهب عليه‪ ،‬والرض تعطيه من عناصرها‬
‫الخير‪ {:‬مَن كَانَ يُرِيدُ حَ ْرثَ الخِ َرةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْ ِث ِه َومَن كَانَ يُرِيدُ حَ ْرثَ الدّنْيَا ُنؤْتِهِ مِ ْنهَا َومَا لَهُ‬
‫فِي الخِ َرةِ مِن ّنصِيبٍ }[الشورى‪]20 :‬‬
‫عطَآءُ رَ ّبكَ َمحْظُورا }‬
‫ك َومَا كَانَ َ‬
‫ويقول سبحانه‪ {:‬كُلّ ّنمِدّ هَـاؤُل ِء وَهَـاؤُلءِ مِنْ عَطَآءِ رَ ّب َ‬
‫[السراء‪]20 :‬‬
‫وهكذا نجد العطاء الرباني غير مقصور على المؤمنين فقط ولكنه للمؤمن وللكافر‪ ،‬ولو لم يكن ل‬
‫إل هذه المسألة لكانت كافية في أن نلتحم بمنهجه ونحبه‪.‬‬
‫جهَنّ َم وَسَآ َءتْ َمصِيرا { ول بد أن يكون‬
‫} وَيَتّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ا ْل ُم ْؤمِنِينَ ُنوَلّهِ مَا َتوَلّىا وَ ُنصْلِهِ َ‬
‫المصير المؤدي إلى جهنم غاية في السوء‪ .‬وبعد ذلك تأتي سيرة الخيانة العظمى لليمان‪ ،‬إنها‬
‫قول الحق سبحانه‪ } :‬إِنّ اللّ َه لَ َي ْغفِرُ أَن يُشْ َركَ بِهِ‪{ ..‬‬

‫(‪)602 /‬‬
‫ل ضَلَالًا َبعِيدًا (‬
‫ضّ‬
‫إِنّ اللّهَ لَا َي ْغفِرُ أَنْ يُشْ َركَ بِهِ وَ َيغْفِرُ مَا دُونَ ذَِلكَ ِلمَنْ يَشَا ُء َومَنْ يُشْ ِركْ بِاللّهِ َفقَ ْد َ‬
‫‪)116‬‬

‫جبّ ما قبله أي‬
‫والحق هنا يتكلم عن إنسان لم تحدث له توبة عن الشرك فيؤمن؛ لن اليمان َي ُ‬
‫يقطع ما كان قبله من الكفر والذنوب التي ل تتعلق بحقوق الخرين كظلم العباد بعضهم بعضا‪.‬‬
‫ومن عظمة اليمان أن النسان حين يؤمن بال وتخلص النية بهذا اليمان‪ ،‬وبعد ذلك جاءه قدر‬
‫ال بالموت‪ ،‬فقد يعطيه سبحانه نعيما يفوق من عاش مؤمنا لفترة طويلة قد يكون مرتكبا فيها‬
‫لبعض السيئات فينال عقابها‪.‬‬
‫مثال ذلك " مخيريق " فحينما خرج النبي صلى ال عليه وسلم إلى أحد قال مخيريق لليهود‪ :‬أل‬
‫تنصرون محمدا وال إنكم لتعلمون أن نصرته حق عليكم فقالوا‪ :‬اليوم يوم سبت فقال‪ :‬ل سبت‪.‬‬
‫وأخذ سيفه ومضى إلى رسول ال صلى ال عليه وسلم فقاتل حتى أثبتته الجراحة (أي ل يستطيع‬
‫أن يقوم معها) فلما حضره الموت قال‪ :‬أموالي إلى محمد يضعها حيث شاء‪ .‬فلم يصل في حياته‬
‫ركعة واحدة ومع ذلك نال مرتبة الشهيد‪ ،‬وقال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ " :‬مخيريق سائق‬
‫يهود وسلمان سائق فارس وبلل سائق الحبشة "‪.‬‬
‫وسبحانه يبلغنا هنا‪ { :‬إِنّ اللّ َه لَ َي ْغفِرُ أَن ُيشْ َركَ بِ ِه وَ َي ْغفِرُ مَا دُونَ ذاِلكَ ِلمَن يَشَآءُ } ول المثل‬
‫العلى نرى في حياتنا مجتمعا قد تقوم فيه ثورة أو انقلب‪ ،‬ونجد قادة الثورة أو النقلب يرون‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫واحدا يفعل ما شاء له فل يقتربون منه إلى أن يتعرض للثورة بالنقد أو يحاول أن يصنع انقلبا‪،‬‬
‫هنا تتم محاكمته بتهمة الخيانة العظمى‪ ،‬فما بالنا بالذي يخرج عن نطاق اليمان كلية ويشرك‬
‫بال؟ سبحانه ل يغفر ذلك أبدا‪ ،‬ولكنه يغفر ما دون ذلك‪ ،‬ومن رحمة ال بالخلق أن احتفظ هو‬
‫بإرادة الغفران حتى ل يصير الناس إلى ارتكاب كل المعاصي‪ .‬ولكن ل بد من توبة العبد عن‬
‫الذنب‪ .‬ونعلم أن العبد ل يتم طرده من رحمة ال لمجرد ارتكاب الذنب‪ .‬ونعلم أن هناك فرقا بين‬
‫من يأتي الذنب ويفعله ويقترفه وهو يعلم أنه مذنب وأن حكم ال صحيح وصادق‪ ،‬لكن نفسه‬
‫ضعفت‪ ،‬والذي يرد الحكم على ال‪ .‬وقد نجد عبدا يريد أن يرتكب الذنب فيلتمس له وجه حل‪،‬‬
‫كقول بعضهم‪ :‬إن الربا ليس حراما‪ .‬هذا هو رد الحكم على ال‪ .‬أما العبد الذي يقول‪ :‬إنني أعرف‬
‫أن الربا حرام ولكن ظروفي قاسية وضروراتي ملحة‪ .‬فهو عبد عاصٍ فقط ل يرد الحكم على‬
‫ال‪ ،‬ومن يرد الحكم على ال هو ‪ -‬والعياذ بال ‪ -‬كافر‪.‬‬
‫{ إِنّ اللّ َه لَ َي ْغفِرُ أَن يُشْ َركَ بِهِ وَ َيغْفِرُ مَا دُونَ ذاِلكَ ِلمَن يَشَآءُ } ولننتبه إلى أن بعض المستشرقين‬
‫الذين يريدون أن يعيثوا في الرض فسادا‪.‬‬
‫ولكنهم بدون أن يدروا ينشرون فضيلة السلم‪ ،‬وهم كما يقول الشاعر‪:‬وإذا أراد ال نشر فضيلة‬
‫طويت أتاح لها لسان حسودوحين يتكلمون في مثل هذه المور يدفعون أهل اليمان لتلمس وجه‬
‫العجاز القرآني وبلغته‪.‬‬
‫إنهم يقولون‪ :‬بَلّغ محمد قومه } إِنّ اللّ َه لَ َي ْغفِرُ أَن ُيشْ َركَ بِ ِه وَ َي ْغفِرُ مَا دُونَ ذاِلكَ ِلمَن َيشَآءُ { لكن‬
‫سهِ ْم لَ َتقْنَطُواْ مِن‬
‫يبدو أن السهو قد غلبه فقال في آية أخرى‪ُ {:‬قلْ ياعِبَا ِديَ الّذِينَ َأسْ َرفُواْ عَلَىا أَنفُ ِ‬
‫جمِيعا }[الزمر‪]53 :‬‬
‫حمَةِ اللّهِ إِنّ اللّهَ َي ْغفِرُ الذّنُوبَ َ‬
‫رّ ْ‬
‫هم يحاولون نسبة القرآن إلى محمد ل إلى ال‪ .‬ويحاولون إيجاد تضارب بين اليتين الكريمتين‪.‬‬
‫ونقول ردا عليهم‪ :‬إن الواحد منكم أمي ويجهل ملكة اللغة‪ ،‬فلو كانت اللغة عندكم ملكة وسليقة‬
‫حمَةِ‬
‫سهِ ْم لَ َتقْنَطُواْ مِن رّ ْ‬
‫علَىا أَنفُ ِ‬
‫وطبيعة لفهم الواحد منكم قوله الحق‪ُ {:‬قلْ ياعِبَا ِديَ الّذِينَ َأسْ َرفُواْ َ‬
‫جمِيعا }[الزمر‪]53 :‬‬
‫اللّهِ إِنّ اللّهَ َي ْغفِرُ الذّنُوبَ َ‬
‫وكان الواجب أن يفهم الواحد منكم أن الشرك مسألة أكبر من الذنب؛ فالذنب هو أن يعرف‬
‫النسان قضية إيمانية ثم يخالفها‪ ،‬ولكن المشرك ل يدخل في هذا المر كله؛ لنه كافر في القمة‪.‬‬
‫ولذلك فل تناقض ول تعارض ول تخالف بين اليتين الكريمتين‪ .‬والمستشرقون إنما هم قوم ل‬
‫يفقهون حقيقة المعاني القرآنية‪.‬‬
‫للً‬
‫ل ضَ َ‬
‫ضّ‬
‫} إِنّ اللّ َه لَ َي ْغفِرُ أَن يُشْ َركَ بِهِ وَ َيغْفِرُ مَا دُونَ ذاِلكَ ِلمَن يَشَآءُ َومَن ُيشْ ِركْ بِاللّهِ َفقَ ْد َ‬
‫َبعِيدا {‪ .‬والمشرك مهما أخذ من متع لحياته فحياته محدودة‪ ،‬فإن بقيت له المتع فلسوف يتركها‪،‬‬
‫وإن لم تبق له المتع فهي تخرج منه‪ .‬إذن‪ ،‬هو إما تارك للمتع بالموت‪ ،‬أو المتع تاركة له بحكم‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الغيار‪ ،‬فهو بين أمرين‪ :‬إمّا أن يفوتها وإمّا أن تفوته‪ .‬وهو راجع إلى ال‪ ،‬فإذا ما ذهب إلى ال‬
‫في الخرة والحساب‪ ،‬فالخرة ل زمن لها ولذلك ما أطول شقاءه بجريمته‪ ،‬وهذا ضلل بعيد جدا‪.‬‬
‫ل فهو يعود مرة أخرى إلى رشده‪ .‬ومن المشركين بال هؤلء الذين ل يجادلون‬
‫أما الذي يضل قلي ً‬
‫في ألوهية الحق ولكنهم يجعلون ل شركاء‪ .‬وهناك بعض المشركين ينكرون اللوهية كلها وهذا‬
‫هو الكفر‪ .‬فهناك إذن مشرك يؤمن بال ولكن يجعل له شركاء‪.‬‬
‫ولذلك نجد أن المشركين على عهد رسول ال يقولون عن الصنام‪ {:‬مَا َنعْ ُبدُهُمْ ِإلّ لِ ُيقَرّبُونَآ إِلَى‬
‫اللّهِ ُز ْلفَى }[سورة الزمر‪]3 :‬‬
‫ولو قالوا‪ :‬ل نذبح لهم إل ليقربونا إلى ال زلفى‪ ،‬مثل‪ ،‬لكان من الجائز أن يدخلوا في عبادة ال‪،‬‬
‫ولكنهم يثبتون العبادة للصنام؛ لذلك ل مفر من دخولهم في الشرك‪ .‬ويقول سيدنا إبراهيم عن‬
‫ع ُدوّ لِي ِإلّ َربّ ا ْلعَاَلمِينَ }[الشعراء‪]77 :‬‬
‫الصنام‪ {:‬فَإِ ّنهُمْ َ‬
‫إنه يضع الستثناء ليحدد بوضوح قاطع ويقول لقومه‪:‬‬
‫إن ما تعبدونه من الصنام‪ ،‬كلهم عدو لي‪ ،‬إل رب العالمين‪ .‬كأن قوم إبراهيم كانوا يؤمنون بال‬
‫ولكن وضعوا معه بعض الشركاء‪ .‬ولذلك قال إبراهيم عليه السلم عن ال‪ {:‬الّذِي خََلقَنِي َف ُهوَ‬
‫سقِينِ }[الشعراء‪]79-78 :‬‬
‫ط ِعمُنِي وَيَ ْ‬
‫َيهْدِينِ * وَالّذِي ُهوَ يُ ْ‬
‫إذن الشرك ليس فقط إنكار الوجود ل بل قد يكون إشراكا لغير ال مع ال‪ .‬ولنر من يعبدونه‬
‫ويدعونه في مصائبهم‪ } :‬إِن َيدْعُونَ مِن دُونِهِ ِإلّ إِنَاثا‪{ ...‬‬

‫(‪)603 /‬‬
‫إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلّا إِنَاثًا وَإِنْ َيدْعُونَ إِلّا شَ ْيطَانًا مَرِيدًا (‪)117‬‬

‫و " إن " هنا بمعنى ما‪ ،‬فـ " إن " مرة تكون شرطية‪ ،‬ومرة تكون نافية‪ .‬مثل قوله في موقع‬
‫آخر‪ {:‬إِنْ ُأ ّمهَا ُتهُمْ ِإلّ اللّئِي وَلَدْ َن ُهمْ }[المجادلة‪]2 :‬‬
‫أي إن الحق يقول‪ { :‬إِنْ ُأ ّمهَا ُتهُمْ ِإلّ اللّئِي وَلَدْ َنهُمْ }‪ .‬وكذلك " إنْ " في قوله‪ { :‬إِن يَدْعُونَ مِن‬
‫دُونِهِ ِإلّ إِنَاثا } ‪ ،‬وكان العرب ينسبون إلى المرأة كل ما هو هيّن وضعيف ولذلك قال الحق‪{:‬‬
‫خصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ }[الزخرف‪]18 :‬‬
‫َأ َومَن يُ َنشّأُ فِي الْحِلْ َي ِة وَ ُهوَ فِي ا ْل ِ‬
‫فالناث في عرف العرب ل تستطيع النصر أو الدفاع‪ ،‬ولذلك يقول الشاعر‪:‬وما أدرى ولست أخال‬
‫أدرى أقوم آل حصن أم نساءوالقوم هنا مقصود بهم الرجال لنهم يقومون لمواجهة المشكلت‬
‫فلماذا تدعون مع ال إناثا؟‪ .‬هل تفعلون ذلك لنها ضعيفة‪ ،‬أو لنكم تقولون‪ :‬إن الملئكة بنات‬
‫ال؟‪ .‬وكانوا يعبدون الملئكة‪ .‬وعندما تريدون القسمة لماذا تجعلون ل بنات؟‪ .‬على الرغم من أنه‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫سبحانه خلق البنين والبنات‪.‬‬
‫س َم ٌة ضِيزَىا }[النجم‪]22 :‬‬
‫ولذلك قال الحق‪ {:‬تِ ْلكَ إِذا قِ ْ‬
‫أي قسمة جائرة لم يراع فيها العدل‪.‬‬
‫لتَ وَا ْلعُزّىا * َومَنَاةَ‬
‫وعندما ننظر إلى الصنام كلها نجد أن أسماءها أسماء مؤنثة‪َ {:‬أفَرَأَيْتُمُ ال ّ‬
‫لخْرَىا }[النجم‪]20-19 :‬‬
‫الثّالِثَ َة ا ُ‬
‫وكذلك كان هناك صنم اسمه " إساف " و " نائلة " ‪ ،‬فهل هذه الصنام إناث؟ وكيف تدعون النساء‬
‫والنساء ل ينصرن ول ينفعن؟‪ .‬وهل ما تعبدون من دون ال أصنام بأسماء إناث‪ ،‬أو هي نساء‪،‬‬
‫أو هي ملئكة؟‬
‫والحق يقول‪ { :‬إِن َيدْعُونَ مِن دُونِهِ ِإلّ إِنَاثا } والسلوب هنا أسلوب قطع‪ .‬أي ما يدعون إل إناثا‪،‬‬
‫تماما مثلما نقول " ما أكرم إل زيدا " وهذا نفي الكرام لغير زيد‪ ،‬وإثبات للكرام لزيد‪ .‬فساعة‬
‫يقول الحق‪ { :‬إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ِإلّ إِنَاثا } فغير الناث ل يدعونهم‪ ،‬ولذلك يعطف عليها الحق‪:‬‬
‫{ وَإِن َيدْعُونَ ِإلّ شَيْطَانا مّرِيدا }‪.‬‬
‫واستخدم الحق في صدر الية أسلوب القصر‪ ،‬وأسلوب القصر معناه أن يقصر الفعل على‬
‫المقصور عليه ل يتعداه إلى غيره؛ فهم يعبدون الناث‪ ،‬هذا اقصر أول‪ ،‬ثم قصر ثانٍ هو قوله‬
‫الحق‪ { :‬وَإِن َيدْعُونَ ِإلّ شَيْطَانا مّرِيدا }‪.‬‬
‫وكان خدم الصنام يدعون أن في جوف كل صنم شيئا يتكلم إليهم؛ لذلك كان ل بد أن يكون في‬
‫جوف كل صنم شيطان يكلمهم‪ ..‬وكان ذلك لونا من الخداع‪ ،‬فالشياطين ليست جنّا فقط ولكن من‬
‫النس أيضا‪.‬‬
‫فهناك سدنة وخدم يقومون على خدمة اللهة ويريدون أن يجعلوا لللهة سلطانا ونفوذا حتى يأتي‬
‫الخير لللهة كالقرابين والنذور ويسعد السدنة بذلك؛ لذلك كانوا يستأجرون واحدا له صوت أجش‬
‫يتكلم من وراء الصنم ويقول‪ :‬اذبحوا لي كذا‪ .‬أو هاتوا لي كذا‪ .‬تماما كما يحدث من الدجالين حتى‬
‫يثبتوا لنفسهم سلطانا‪.‬‬
‫وهكذا كان الذي يتكلم في جوف هذه الصنام إما شيطان من الجن‪ ،‬وإمّا شيطان من النس‪.‬‬
‫والشيطان من " الشطن " وهو " البعد "‪.‬‬
‫ووصف الشيطان بأنه مريد يتطلب منا أن نعرف أن هناك كلمة " مارد " وكلمة " مريد "‪ .‬وكل‬
‫المور التي تغيب عن الحس مأخوذة من المور الحسية‪ .‬وعندما نمسك مادة " الميم والراء والدال‬
‫" نجد كلمات مثل " أمرد " و " امرأة مرداء " و " شجرة مرداء " ‪ ،‬و " صرح ممرد "‪.‬‬
‫إن المادة كلها تدور حول الملمس الملس‪ .‬فأمرد تعني أملس؛ أي أن منابت الشعر فيه ناعمة‪.‬‬
‫وصرح ممرد كصرح بلقيس أي صرح مصقول صقلً ناعما لدرجة أنها اشتبهت في أنه ماء‪،‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ولذلك كشفت عن ساقيها خوفا أن يبتل ثوبها‪ .‬والشجرة المرداء هي التي ل يمكن الصعود عليها‬
‫من فرط نعومة ساقها تماما كالنخلة فإنه ل تبقى عليها الفروع‪ ،‬ولذلك يدقون في ساق هذه النخلة‬
‫بعض المسامير الكبيرة حتى يصعدوا عليها‪.‬‬
‫والشيطان المريد هو المتمرد الذي ل تستطيع المساك به‪ .‬إذن‪ .‬فـ " مارد " و " مريد " و "‬
‫ممرد " و " مرداء " و " أمرد " ‪ ،‬كلها من نعومة الملمس‪.‬‬
‫} وَإِن َيدْعُونَ ِإلّ شَيْطَانا مّرِيدا {‪.‬‬
‫وعندما يحاول العصاة المساك بالشيطان في الخرة يقول لهم‪َ {:‬ومَا كَانَ ِليَ عَلَ ْيكُمْ مّن سُلْطَانٍ ِإلّ‬
‫عوْ ُتكُمْ فَاسْتَجَبْ ُتمْ لِي }[إبراهيم‪]22 :‬‬
‫أَن دَ َ‬
‫وهو بذلك يتملص من الذين اتبعوه؛ لنه لم يكن يملك قوة إقناع أو قوة قهر‪ ،‬فقط نادى بعضا من‬
‫الخلق فزاغت أبصارهم واتبعوه من فرط غبائهم‪.‬‬
‫والشيطان موصوف بأن ال طرده من رحمته‪ .‬فالحق يقول‪ّ } :‬لعَنَهُ اللّ ُه َوقَالَ لَتّخِذَنّ‪{ ...‬‬

‫(‪)604 /‬‬
‫َلعَنَهُ اللّ ُه َوقَالَ لَأَتّخِذَنّ مِنْ عِبَا ِدكَ َنصِيبًا َمفْرُوضًا (‪)118‬‬

‫لماذا هذا اللعن؟ لقد أذنب الشيطان وعصى ال‪ .‬وآدم أذنب أيضا وعصى ال‪.‬‬
‫فلماذا لعن ال الشيطان‪ ،‬ولماذا عفا ال عن آدم؟ نجد الجابة في القرآن‪ {:‬فَتََلقّىا ءَا َدمُ مِن رّبّهِ‬
‫كَِلمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنّهُ ُهوَ ال ّتوّابُ الرّحِيمُ }[البقرة‪]37 :‬‬
‫ونعرف بهذا القول‪ :‬أنّ هناك فرقا بين أن يرد المخلوق على ال حكما‪ ،‬وفعل المعصية للغفلة‪.‬‬
‫فحين أمر الحق إبليس بالسجود لدم قال إبليس‪ {:‬قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ خََلقْتَنِي مِن نّارٍ وَخََلقْتَهُ مِن طِينٍ‬
‫}[العراف‪]12 :‬‬
‫وهذا رد للحكم على ال‪ ،‬ويختلف هذا القول عن قول آدم وحواء‪ ،‬قال‪ {:‬رَبّنَا ظََلمْنَآ أَنفُسَنَا }‬
‫[العراف‪]23 :‬‬
‫وهكذا نجد أن آدم قد اعترف بحكم ال واعترف بأنه لم يقدر على نفسه‪ .‬ولذلك فليحذر كل واحد‬
‫أن يأتي إلى ما حرّم ال ويقول‪ :‬ل‪ ،‬ليس هذا المر حراما لكن إن كان ل يقدر على نفسه‬
‫فليعترف ويقول‪ :‬إن ما حرم ال حرام‪ .‬لكني غير قادر على نفسي‪ .‬وبذلك يستبعد الكفر عن‬
‫نفسه‪ ،‬ويكون عاصيا فقط ولعل التوبة أو الستغفار يذهبان عنه سيئات فعله‪ .‬أما من يحلل ما حرّم‬
‫ال فهو يصر على الكفر‪ ،‬وطمس ال على بصيرته نتيجة لذلك‪.‬‬
‫وسبحانه وتعالى يصف الشيطان بقوله ‪ -‬سبحانه ‪ " :-‬لعنة ال " أي طرده من رحمته‪ .‬وليتيقظ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ابن آدم لحبائل الشيطان وليحذره؛ لنه مطرود من رحمة ال‪.‬‬
‫ولو أن سيدنا آدم أعمل فكره لفند قول الشيطان وكيده‪ ،‬ذلك أن كيد الشيطان ضعيف‪ .‬ولكن آدم‬
‫س َم ُهمَآ إِنّي َل ُكمَا َلمِنَ‬
‫عليه السلم لم يتصور أن هناك من يقسم بال كذبا‪ .‬فقد أقسم الشيطان‪َ {:‬وقَا َ‬
‫النّاصِحِينَ }[العراف‪]21 :‬‬
‫وكانت غفلة آدم ‪ -‬عليه السلم ‪ -‬لمر أراده ال وهو أن يكون آدم خليفة في هذه الدنيا؛ لذلك‬
‫سوَسَ َل ُهمَا الشّيْطَانُ لِيُبْ ِديَ َل ُهمَا مَا وُو ِريَ‬
‫كان من السهل أن يوسوس الشيطان لدم ولزوجه‪َ {:‬فوَ ْ‬
‫سوْءَا ِت ِهمَا َوقَالَ مَا َنهَا ُكمَا رَ ّب ُكمَا عَنْ هَـا ِذهِ الشّجَ َرةِ ِإلّ أَن َتكُونَا مََلكَيْنِ َأوْ َتكُونَا مِنَ‬
‫عَ ْن ُهمَا مِن َ‬
‫الْخَاِلدِينَ }[العراف‪]20 :‬‬
‫وأغوى الشيطان آدم وحواء بأن ال قد نهاهما عن الكل من تلك الشجرة حتى ل يكونا ملكين‪،‬‬
‫وحتى ل يستمرا في الخلود‪ .‬ولو أن آدم أعمل فكره في المسألة لقال للشيطان‪ :‬كل أنت من‬
‫الشجرة لتكون ملكا وتكون من الخالدين‪ ،‬فأنت أيها الشيطان الذي قلت بخوف شديد ل‪ {:‬قَالَ َربّ‬
‫فَأَنظِرْنِي إِلَىا َيوْمِ يُ ْبعَثُونَ }[الحجر‪]36 :‬‬
‫والحق يريد لنا أن نتعلم من غفلة آدم؛ لذلك ل بد للمؤمن أن يكون يقظا‪.‬‬
‫خذَنّ مِنْ عِبَا ِدكَ َنصِيبا ّمفْرُوضا }‪.‬‬
‫فسبحانه يقول عن الشيطان‪ّ { :‬لعَنَهُ اللّ ُه َوقَالَ لَتّ ِ‬
‫والقرآن الكريم حين يعالج قضية ما فهذه القضية تحتاج إلى تدبر‪ .‬ونلحظ أن إبليس قد تكلم بذلك‬
‫ولم يكن موجودا من البشر إل آدم وحواء‪ ،‬فكيف علم ما يكون في المستقبل من أنه سيكون له‬
‫أتباع من البشر؟ وكيف قال‪ { :‬لَتّخِذَنّ مِنْ عِبَا ِدكَ َنصِيبا مّفْرُوضا }؟‪.‬‬
‫لقد عرف أنه مادام قد قدر على أبيهم آدم وأمهم حواء فلسوف يقدر على أولدهما ويأخذ بعضا‬
‫من هؤلء الولد إلى جانبه‪ ،‬قال ذلك ظنا من واقع أنه قدر على آدم وعلى حواء‪ .‬والذين اتبعوا‬
‫إبليس من البشر صدقوا إبليس في ظنه‪ .‬وكان هذا الظن ساعة قال‪ } :‬لَتّخِذَنّ مِنْ عِبَا ِدكَ َنصِيبا‬
‫ّمفْرُوضا {‪.‬‬
‫وأخذ إبليس هذا الظن لنه قدر على آدم وحواء مع أن آدم وحواء قد أخذا التكليف من ال‬
‫مباشرة‪ ،‬فما بالك بالولد الذين لم يأخذوا التكليف مباشرة بل عن طريق الرسل‪ .‬إذن كان ظن‬
‫إبليس مبنيا على الدليل فالظن ‪ -‬كما نعلم ‪ -‬هو نسبة راجحة وغير متيقنة‪ ،‬ويقابلها الوهم وهو‬
‫نسبة مرجوحة‪ {:‬وََلقَ ْد صَدّقَ عَلَ ْيهِمْ إِبْلِيسُ ظَنّهُ }[سبأ‪]20 :‬‬
‫ولذلك قال إبليس أيضا‪ {:‬لَئِنْ أَخّرْتَنِ إِلَىا َيوْمِ ا ْلقِيَامَ ِة لَحْتَ ِنكَنّ ذُرّيّ َتهُ ِإلّ قَلِيلً }[السراء‪]62 :‬‬
‫ج َمعِينَ }[ص‪]82 :‬‬
‫غوِيَ ّنهُمْ َأ ْ‬
‫وقال كذلك‪ {:‬قَالَ فَ ِبعِزّ ِتكَ لُ ْ‬
‫مادام إبليس قد قال‪ } :‬لَتّخِذَنّ مِنْ عِبَا ِدكَ َنصِيبا ّمفْرُوضا {‪.‬‬
‫فهذا اعتراف بأنه لن يستطيع أن يأخذ كل أولد آدم‪ .‬والفرض ‪ -‬كما نعلم ‪ -‬هو القطع‪ .‬ويقال‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫عن الشيء المفروض‪ :‬إنه المقطوع الذي ل كلم فيه أبدا‪.‬‬
‫وما وسيلة إبليس ‪ -‬إذن ‪ -‬لخذ نصيب مفروض من بني آدم؟‬
‫لمُرَ ّنهُمْ فَلَيُبَ ّتكُنّ‪{ ...‬‬
‫لمَنّيَ ّنهُ ْم َو َ‬
‫لضِلّ ّنهُ ْم وَ ُ‬
‫ويوضح الحق لنا وسائل إبليس‪ ،‬على لسان إبليس‪َ } :‬و ُ‬

‫(‪)605 /‬‬
‫وَلَُأضِلّ ّنهُ ْم وَلَُأمَنّيَ ّنهُ ْم وَلََآمُرَ ّنهُمْ فَلَيُبَ ّتكُنّ َآذَانَ الْأَ ْنعَا ِم وَلََآمُرَ ّنهُمْ فَلَ ُيغَيّرُنّ خَلْقَ اللّ ِه َومَنْ يَتّخِذِ الشّيْطَانَ‬
‫وَلِيّا مِنْ دُونِ اللّهِ َفقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (‪)119‬‬

‫في هذه الية تفصيل لطرق أخذ إبليس لنصيب مفروض من بني آدم‪ .‬فإبليس هو القائل كما يحكى‬
‫طكَ ا ْلمُسْ َتقِيمَ }[العراف‪]16 :‬‬
‫ل ْقعُدَنّ َل ُه ْم صِرَا َ‬
‫القرآن‪َ {:‬‬
‫وعرفنا من قبل أنه لن يقعد إل على الطريق الطيب؛ لن طريق من اختار السلوك السيئ ل‬
‫يحتاج إلى شيطان؛ لنه هو نفسه شيطان؛ لذلك ل يذهب إبليس إلى الخمارة‪ ،‬ولكنه يقف على باب‬
‫المسجد ليرى الناس وهي تفعل الخير فيوسوس لهم‪ ،‬وفي هذا إجابة لمن يقولون‪ :‬إن الوساوس‬
‫تأتيني لحظة الصلة‪ .‬والصلة ‪ -‬كما نعلم ‪ -‬هي أشرف موقف للعبد؛ لنه يقف بين يدي الرب؛‬
‫لذلك يحاول الشيطان أن يلهي النسان عنها حتى يحبس عنه الثواب‪ .‬وهذه الوساوس ظاهرة‬
‫صحية في اليمان‪ ،‬ولكنها تحتاج إلى اليقظة‪ ،‬فساعة ينزع الشيطان النسان نزغة فليتذكر قول‬
‫الحق‪ {:‬وَإِماّ يَنَزَغَ ّنكَ مِنَ الشّيْطَانِ نَ ْزغٌ فَاسْ َت ِعذْ بِاللّهِ }[العراف‪]200 :‬‬
‫وعندما نستعيذ بال فورأً يعرف الشيطان أنك منتبه له‪ ،‬حتى ولو كنت تقرأ القرآن في أثناء‬
‫الصلة ووسوس لك الشيطان‪ ،‬اقطع القراءة واستعذ بال‪ ،‬ثم واصل القراءة والصلة‪ ،‬وحين‬
‫يعرف الشيطان أنك منتبه له مرة واثنتين وثلثا فهو يبتعد عنك فل يأتي لك من بعد ذلك إلّ إذا‬
‫أحسّ منك غفلة‪.‬‬
‫ويبين لنا الحق طريقة الشيطان في أخذ النصيب المفروض من عباد ال فقال عن إبليس‪" :‬‬
‫ولضلنهم "‪ .‬والضلل معناه ان يسلك الشيطان بالنسان سبيلً غير مؤدٍ للغاية الحميدة؛ لنه حين‬
‫يسلك الشخص أقصر الطرق الموصلة إلى الغاية المنصوبة‪ ،‬فمعنى ذلك أنه اهتدى‪ ،‬وأما إذا ذهب‬
‫بعيدا عن الغاية‪ ،‬فهذا هو الضلل‪ .‬والحق سبحانه وتعالى بوضعه منهج الهداية أعطانا أقصر‬
‫طريق مستقيم إلى الغاية فإذا ما انحرفنا هنا أو هناك‪ ،‬فالنحراف في البداية يتسع حتى ننتهي إلى‬
‫غير غاية‪.‬‬
‫وضربنا قديما هذا المثل وقلنا‪ :‬إن هناك نقطة في منتصف كل دائرة تسمى مركز الدائرة‪ ،‬فإذا ما‬
‫انحرف المتجه إليها بنسبة واحد على اللف من الملليمتر فتتسع مسافة ابتعاده عنها كلما سار على‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫نسبة النحراف نفسها‪ ،‬برغم أنه يفترض في أن كل خطوة يخطوها تهيئ له القرب إلى الغاية‪.‬‬
‫لقد ضربنا مثلً توضيحيا بـ " الكشك " الذي يوجد قبل محطات السكك الحديدية‪ ،‬حيث ينظم‬
‫عامل " الكشك " اتجاهات القطارات على القضبان المختلفة ويتيح لكل قطار أن يتوقف عند‬
‫رصيف معين حتى ل تتصادم القطارات‪ ،‬ومن أجل إنجاح تلك المهمة نجد عامل التحويلت في‬
‫هذا " الكشك " يحرك قضيبا يكون سمكه في بعض الحيان عددا من الملليمترات‪ ،‬ليلتصق هذا‬
‫القضيب بقضيب آخر وبذلك يسمح لعجلت القطار أن تنتقل من قضيب إلى آخر‪.‬‬
‫الضلل ‪ -‬إذن ‪ -‬أن يسلك النسان سبيلً غير موصل للغاية‪ ،‬وكلما خطا السنان خطوة في هذا‬
‫السبيل ابتعد عنها‪ ،‬وهذا البتعاد عن الغاية هو الضلل البعيد‪ ،‬والضلل من الشيطان يكون‬
‫بتزيينه الشر والقبح للنسان ليبعده عن مسالك الخير والفضيلة‪.‬‬
‫ومن بعد ذلك يأتي على لسان الشيطان ما قاله الحق في هذه الية‪ " :‬ولمنينهم " وألماني هي أن‬
‫ينصب النسان في خياله شيئا يستمتع به من غير أن يخطو له خطوة عمل تقربه من ذلك‪ ،‬ومثال‬
‫ذلك النسان الذي نراه جالسا ويمني نفسه قائلً‪ :‬سيكون عندي كذا‪ ..‬وكذا وكذا ول يتقدم خطوة‬
‫واحدة لتحقيق ذلك‪.‬‬
‫ولذلك يقول الشاعر تسلية لنفسه‪:‬مُنًى‪ ..‬إن تكن حقا‪ ..‬تكن أحسن المنى وإل فقد عشنا بها زمنا‬
‫رغداأي أنه استمتع بهذه الماني في أحلم اليقظة سواء أكانت هذه الحلم امتلك قصر أم سيارة‬
‫أم غير ذلك‪ .‬وكل أمنية ل تحفز النسان إلى عمل يقربه منها هي أمنية كاذبة‪ ،‬ولذلك يقال‪ " :‬إن‬
‫الماني بضاعة الحمقى " والشيطان يمني النسان بأنه ل يوجد بعث ول جزاء‪.‬‬
‫لمُرَنّهُمْ فَلَيُبَ ّتكُنّ آذَانَ الَ ْنعَامِ { والبتك هو‪ :‬القطع‪ .‬والنعام‪ :‬هي‬
‫ومن بعد ذلك يقول الشيطان‪َ } :‬و َ‬
‫البل والبقر والغنم‪ ،‬أي قطع آذان النعام‪ .‬والقرآن قال في النعام‪َ {:‬ثمَانِيَةَ أَ ْزوَاجٍ مّنَ الضّأْنِ‬
‫ن َومِنَ ا ْل َمعْزِ اثْنَيْنِ ُقلْ ءَآل ّذكَرَيْنِ حَرّمَ أَمِ الُنثَيَيْنِ َأمّا اشْ َتمََلتْ عَلَيْهِ أَ ْرحَا ُم الُنثَيَيْنِ نَبّئُونِي ِبعِلْمٍ‬
‫اثْنَيْ ِ‬
‫ن َومِنَ الْ َبقَرِ اثْنَيْنِ ُقلْ ءَآل ّذكَرَيْنِ حَرّمَ َأ ِم الُنْثَيَيْنِ َأمّا اشْ َتمََلتْ‬
‫إِن كُنتُ ْم صَا ِدقِينَ * َومِنَ الِ ْبلِ اثْنَيْ ِ‬
‫عَلَيْهِ أَ ْرحَا ُم الُنْثَيَيْنِ }[النعام‪]144-143 :‬‬
‫لو كان الزوج يطلق على " الثنين " لكان العدد أربعة فقط‪ ،‬ويعلمنا التعبير القرآني ويوضح لنا‬
‫ان نفرق جيدا لنفهم أن معنى كلمة " زوج " ليس أبدا " اثنين " ‪ ،‬ولكن معناها‪ :‬واحد معه غيره‬
‫من نوعه أو جنسه‪ .‬فيقال عن فردة الحذاء " زوج " لن معها فردة أخرى‪ ،‬ومثال آخر أيضا‪:‬‬
‫كلمة " توأم " التي نظن أنها تعني " اثنين " ‪ ،‬لكن المعنى الحقيقي أن التوأم هو واحد له توأم آخر‪،‬‬
‫فإذا ماأردنا التعبير عن الثنين قلنا‪ " :‬توأمان "‪.‬‬
‫ن الَ ْنعَامِ { فلهذا قصة‪ .‬ونحن نعرف أن‬
‫وحين أورد من خطط الشيطان } َولَمُرَ ّنهُمْ فَلَيُبَ ّتكُنّ آذَا َ‬
‫المنتفعين بالضللت يصنعون لهم سلطة زمنية حتى يربطوا الناس بأشخاصهم هم‪ .‬وكان‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫المشرفون على الصنام يقومون على خدمتها‪ ،‬ولم يلحظ أحد أنه من الغباء َتقَبّلُ فكرة أن يخدم‬
‫البشر اللهة‪ ،‬فالله هو القيوم على خلقة يرعاهم ويقوم بأسبابهم‪ ،‬وكان هؤلء الناس هم المنتفعين‬
‫بخيبة الغفلة عند البشر‪ ،‬وكانوا يعيشون سدنة ليأخذوا الخير‪ ،‬وبطبيعة الحال فالشيطان من البشر‬
‫أو الجن يجدها وسيلة‪ ،‬فيجلس في جوف الصنم ويتكلم فيأخذ السدنة والخدم هذه المسألة لترويج‬
‫الدعايات للصنم‪ ،‬فيأتي الغبياء له بالنعام من البل والبقر والغنم فيذبحونها ويأكلونها‪.‬‬
‫ولذلك كان السدنة دائما وفي أغلب الحالت أهل سمنة لنهم أهل بطنة‪ ،‬والنبي صلى ال عليه‬
‫وسلم قال‪ " :‬إن ال يبغض الحَبْرَ السمين "‪.‬‬
‫فمثل هذا الحْبَرْ يستسهل أكل خير الناس والنتفاع به‪ ،‬فهو ينتفع بضللت الناس‪ ،‬ومن ينتفع‬
‫بالضللة يرى أن حظه في أن تستمر الضللة‪ ،‬مثله في ذلك مثل المنتفع من تجارة المخدرات إنّه‬
‫يتمنى أن يتعاطى الناس جميعهم المخدرات‪ ..‬وعندما تقوم حملت لمقاومة المخدرات يغضب‬
‫ويحزن‪.‬‬
‫ومثل ذلك أيضا تاجر السوق السوداء الذي يصيبه الغمّ عندما تأتي البضائع على قدر حاجات‬
‫الناس وتكفيهم‪ .‬فكل فساد مستتر وراءه أناس ينتفعون به‪ .‬وعندما يرى المنتفع بالفساد هبّة إصلح‬
‫يغضب ويحاول أن يجد وسيلة لستمرار الفساد‪ ،‬ولهذا كان السدنة ينفخون في الصنام لتصدر‬
‫أصواتا ليطلبوا من وراء ذلك مطالب من الغبياء المصدقين لهم‪ ،‬مثلهم مثل الدجالين الذين نسمع‬
‫عنهم حيث يقول الواحد منهم لهل المريض‪ :‬إن على المريض عفريتا‪ ،‬والعفريت يطلب ناقة أو‬
‫ذبيحة أو دما‪.‬‬
‫هكذا كان يفعل السدنة‪ ،‬ويحاولون بشتى الطرق من الحيل والخدع حتى يأخذوا من الغافلين السذج‬
‫البل والبقر والغنم‪ .‬وعندما يقطع صاحب البل أو البقر أو الغنم أذن أي واحدة منها‪ ،‬فهذا يعني‬
‫أنها منذورة للصنام‪ ،‬والصنام بطبيعتها ل تأكل ولكن السدنة يأكلون‪.‬‬
‫للً }‬
‫جعَلْتُمْ مّ ْنهُ حَرَاما وَحَ َ‬
‫وفي آية أخرى يقول فيها الحق‪ُ {:‬قلْ أَرَأَيْتُمْ مّآ أَن َزلَ اللّهُ َل ُكمْ مّن رّزْقٍ َف َ‬
‫[يونس‪]59 :‬‬
‫ن َومِنَ ا ْل َمعْزِ اثْنَيْنِ ُقلْ ءَآل ّذكَرَيْنِ‬
‫ويورد الحق أيضا في هذا المر‪َ {:‬ثمَانِيَةَ أَ ْزوَاجٍ مّنَ الضّأْنِ اثْنَيْ ِ‬
‫ن الِ ْبلِ اثْنَيْنِ‬
‫حَرّمَ أَ ِم الُنثَيَيْنِ َأمّا اشْ َتمََلتْ عَلَيْهِ أَ ْرحَا ُم الُنثَيَيْنِ نَبّئُونِي ِبعِلْمٍ إِن كُن ُت ْم صَا ِدقِينَ * َومِ َ‬
‫ش َهدَآءَ إِذْ‬
‫َومِنَ الْ َبقَرِ اثْنَيْنِ ُقلْ ءَآل ّذكَرَيْنِ حَرّمَ أَ ِم الُنْثَيَيْنِ َأمّا اشْ َتمََلتْ عَلَ ْيهِ أَرْحَا ُم الُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنتُمْ ُ‬
‫ضلّ النّاسَ ِبغَيْرِ عِلْمٍ إِنّ اللّ َه لَ َيهْدِي‬
‫َوصّاكُمُ اللّهُ ِبهَـاذَا َفمَنْ أَظَْلمُ ِممّنِ افْتَرَىا عَلَى اللّهِ كَذِبا لِ ُي ِ‬
‫ا ْل َقوْمَ الظّاِلمِينَ }[النعام‪]144-143 :‬‬
‫فهل المحرم هو " الذكران " أو النثيان أو الذي اشتملت عليه أرحام النثيين؟‪.‬‬
‫ل شيء من هذه كلها محرّم؛ فقد خلقها ال كلها رزقا حللً‪ .‬والنعمة نفسها تعرف وظيفتها‪،‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ونلحظ في الريف المصري عندما تُختنق جاموسة أو بقرة أو خروف بالحبل‪ .‬أو يصاب بأذى أو‬
‫مرض فإنه ينام ويمد عنقه فيقال‪ " :‬لقد طلب الحلل " ‪ ،‬كأن البهيمة تقول لصاحبها‪ :‬الحقني‬
‫ل ل يفعل ذلك؛ لن لحمه غير محلل‪ .‬لكن‬
‫بالذبح لتستفيد من لحمي ونتعجب لن الحمار مث ً‬
‫البهيمة تعرف فائدتها بالنسبة للنسان فتمد رقبتها طالبة الذبح‪ ،‬كما نعرف أنها في أثناء حياتها‬
‫تخدم النسان إما في أن تحمل الثقال‪ ،‬وإمّا أن يأخذ منها اللبان أو الوبر أو الصوف أو الشعر‪،‬‬
‫ولحظة ما يدهمها ويغشاها ويصيبها خطر فهي تمد رقبتها كأنها تطلب الذبح ليستفيد النسان من‬
‫لحمها‪ ،‬فهي مسخرة للنسان وتعرف ذلك إلهاما وتسخيرا‪.‬‬
‫ومادام ال قد جعل لنا كل هذا‪ ..‬فلم نقبل تحريم غير المحرّم وتحليل غير الحلل؟ لكن السدنة‬
‫كانوا يفعلون العاجيب للسيطرة على الناس‪ ،‬فإذا ما ولدت الناقة أربعة أبطن وجاءت بالمولود‬
‫الخامس ذكرا يقول السدنة‪ :‬يكفي أنها جاءت بأربعة بطون وأتت بالخامس فحلً ذكرا ويشقون أذن‬
‫الناقة ويتركونها؛ وعندما يراها أحد ويجد أذنها مشقوقة فالعرف يقضي بأل تستخدم في أي شيء‪،‬‬
‫ل في الرضاعة‪ ،‬ول في الحمل ول يحلب لبنها ول تمنع من المياه أو الكل وتسمى " البحيرة "‬
‫ويأخذها السدنة في أي وقت؛ لنهم ل يرديون تخزين اللحوم‪ ،‬يريدونها حية ليذبحوها في الوقت‬
‫ل َوصِيلَ ٍة َولَ حَامٍ }‬
‫ج َعلَ اللّهُ مِن بَحِي َر ٍة َولَ سَآئِبَةٍ وَ َ‬
‫الذي يتراءى لهم‪ ،‬ولذلك قال الحق‪ {:‬مَا َ‬
‫[المائدة‪]103 :‬‬
‫والبحيرة ‪ -‬إذن ‪ -‬هي الناقة التي تبحر آذاتها ‪ -‬أي تشق ‪ -‬فذلك يعني أنها جاءت بأربعة أبطن‬
‫تباعا ثم جاءت بالذكر في البطن الخامسة ويهبها صاحبها للصنام‪ .‬والبحيرة سائبة مع وجود‬
‫سائبة أخرى‪ ،‬وهي وإن لم تأت بأربعة أبطن ول بالذكر في البطن الخامسة ولكن صاحبها يقدمها‬
‫نذرا أو هدية لحد الصنام‪ .‬وتسمى " سائبة " لن أحدا ل يقوم على شأنها‪ ،‬ولكنها ترعى في أي‬
‫أرض وتشرب من أي ماء ول أحد يأخذ من لبنها أو يركبها‪ ،‬ويأخذها السدنة وقت احتياجهم للحم‬
‫الطازج الغضّ‪ .‬وإذا ولدت الشاة أنثى جعلوها لهم‪ ،‬وإن ولدت ذكرا جعلوه للهتهم‪ ،‬وإن ولدت‬
‫ذكرا وأنثى لم يذبحوا الذكر للهتهم وقالوا عن الشاة‪ :‬وصلت أخاها فهذه هي الزصيلة؛ لن الناس‬
‫كانت تحتفظ بالناث من البهائم فهي وعاء النسل؛ لذلك فهبة الفحل للسدنة كان أمرا مقدورا عليه‪.‬‬
‫ويقول الشاعر‪:‬وإنما أمهات القوم أوعية مستحدثات وللحساب آباءونرى في المزارع أن إناث‬
‫المواشي تحتاج إلى فحل واحد؛ وقد يكون في البلدة كلها فحل واحد أو اثنان لناث الماشية من‬
‫النوع نفسه‪ ،‬ويفرح الطفال في الريف حين تلد الماشية ذكرا؛ لنه سيتغذى قليلً ثم يتم ذبحه‬
‫ويأكلون منه‪ .‬ويغضب الطفال حين تلد الماشية أنثى لنه سيتم تربيتها‪ ،‬ولن يأكلوا منها‪.‬‬
‫أي أنهم قديما عندما كانت الماشية تلد في بطن واحد أنثى وذكرا ل يذبحون الذكر ويقولون‪:‬‬
‫النثى وصلت أخاها ويضمن الذكر حياته ويستخدم كفحل ليلقح بقية الناث‪ ،‬ويقال عنها‪:‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الوصيلة‪.‬‬
‫هكذا نجد البحيرة هي الناقة التي أنجبت خمسة أبطن آخرها ذكر‪ ،‬والسائبة وهي النذر من أول‬
‫المر‪ ،‬والوصيلة وهي التي ولدت أنثى ومعها ذكر‪ ،‬فيقال وصلت النثى أخاها‪ ،‬أي قدمت له‬
‫الحماية‪ .‬والحام هو الذكر الذي نتجت من صلبه عشرة أبطن فل يركب ول يحمل عليه‪ ،‬ول يمنع‬
‫من ماء ول مرعى وقالوا‪ :‬حمى ظهره‪.‬‬
‫وهناك من يتحذلق في عصرنا قائلً‪ :‬أنا نباتي‪ ،‬ل آكل اللحم‪ ،‬على الرغم من أن الواحد منهم قد‬
‫يذبح إنسانا ويدعي الحزن عند ذبح دجاجة‪ ،‬ونقول لهؤلء‪ :‬انتبهوا؛ إن ال قد سخر لنا هذه النعام‬
‫وهي نفسها تحب أن ينتفع بها‪.‬‬
‫لمُرَنّهُمْ فَلَيُبَ ّتكُنّ آذَانَ الَ ْنعَامِ { وعرفنا أنهم كانوا يفعلون‬
‫ومن وسائل الشيطان ما يقوله الحق‪َ } :‬و َ‬
‫ذلك من اجل إرضاء سدنة الصنام‪ ،‬هؤلء السدنة الذين أحبوا أن تظل هذه الصنام وهذه النعام‬
‫المرصودة من أجلها‪ .‬ولذلك أقول دائما‪ :‬آه من أن يرتبط رجل دين بمسائل دنيا؛ فهذا مصدر‬
‫للخوف من أن يزيف الدين لمصلحة الهواء‪.‬‬
‫لمُرَ ّنهُمْ فَلَ ُيغَيّرُنّ خَلْقَ اللّهِ {‪ .‬وكشف‬
‫ومن وسائل الشيطان ما يقوله الحق على لسان الشيطان‪ } :‬وَ َ‬
‫لنا الحق كيف صار للشيطان أمر على هؤلء الناس‪ ،‬مع ان المر يجب أن يكون ل وحده‪،‬‬
‫ونتساءل‪ :‬كيف يغيرون من خلق ال؟ وكل شيء هو من خلق ال‪.‬‬
‫والخلق ‪ -‬كما نعلم ‪ -‬إيجاد من عَدم‪ ،‬وسبحانه خلق كل شيء وجعل لكل كائن وظيفة ما‪ ،‬فهو‬
‫خلق عن حكمه لغاية‪ ،‬وهذه الغاية موجودة في علم الخالق أزلً ‪ -‬ول المثل العلى ‪ -‬نجد‬
‫المستحدَث الصناعي في السواق كغسالة الملبس مثل ونعرف أن الذي صممها إنما صممها من‬
‫أجل راحة الناس‪ ،‬وقد فكر في هذا الهدف قبل أن يصنع ويصمم اللة التي تؤدي هذا العمل لتريح‬
‫الناس من تعب غسل الملبس بأيديهم‪ ،‬وكذلك من صمم " الميكروفون " أراد في البداية هدفا هو‬
‫أن يصل الصوت لمن هو بعيد‪ ،‬ثم بدأ البحوث والتطبيقات من أجل أن يصل إلى الغاية والقصد‪.‬‬
‫والحق سبحانه وتعالى خلق كل خلق من خلقه لغاية‪ ،‬فإن استعملنا مخلوقه لغايته فلن نقع في‬
‫محظور تغيير خلق ال‪ ،‬ولكن لو استعملنا المخلوق لغير الغاية فهذا هو التغيير لخلق ال‪ ،‬وساعة‬
‫نريد فهم لفظ من اللفاظ فلنبحث في القرآن عن نظائره‪ ،‬وقد نجد في القرآن نفسه ما يفسر القرآن‬
‫لمْرُ }‬
‫ق وَا َ‬
‫نفسه‪ ،‬فالحق يقول هنا‪ } :‬فَلَ ُيغَيّرُنّ خَلْقَ اللّهِ { ‪ ،‬وفي موقع آخر يقول‪َ {:‬ألَ َلهُ الْخَ ْل ُ‬
‫[العراف‪]54 :‬‬
‫والخلق المعروف نراه في الكائنات‪ ،‬وهناك ما ل نراه أيضا‪ ،‬والمر مقصود به قوله الحق‪ {:‬كُن‬
‫فَ َيكُونُ }[يس‪]82 :‬‬
‫وآية أخرى تقربنا أكثر من هذا الموضوع‪ {:‬فِطْ َرتَ اللّهِ الّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَ ْيهَا لَ تَبْدِيلَ لِخَ ْلقِ اللّهِ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫}[الروم‪]30 :‬‬
‫وهذا يعني أن الخلق كله على أصل الفطرة‪ .‬فإذا ما حاول أحد أن يغير الفطرة فهذا تغيير لخلق‬
‫ال‪ .‬ما الفطرة إذن؟‪ .‬إنها الصفاء الوليّ في النفس والطبيعة‪ .‬ومثال ذلك حين يوجد النسان في‬
‫بيئة ل تكذب فلن يعرف في حياته الكذب‪ .‬وعندما يوجد النسان في بيئة ل تسرق فلن يعرف ما‬
‫السرقة؛ فالنسان إنما يتعرف على الموبقات من النقص المجتمعي‪ ،‬بدليل أن البلدان التي طبقت‬
‫الشريعة السلمية وتم قطع عدد قليل من اليدي عقوبة وحدا في السرقة انتهت فيها السرقة‪.‬‬
‫ونشأ جيل لم ير سارقا‪ .‬ومن يترك شيئا في مكان ما يظل في مكانه إلى أن يعود صاحبه ليجده‪،‬‬
‫هذه هي الفطرة السليمة‪ ،‬ودليلنا على أن الفطرة سليمة بطبيعتها هو أننا نجد أن الذي يحاول صنع‬
‫أمر ما يخالف الفطرة إنما يتلصص ويستتر؛ لنه يعرف أن هذا المر غير سليم‪.‬‬
‫لقد ضربت المثل على ذلك بالرجل حين ينظر إلى زوجته‪ ،‬إنّه ينظر بكل ملكاته‪ ،‬أما إن نظر ‪-‬‬
‫والعياذ بال ‪ -‬إلى محارم غيره فهو يتلصص ليختلس النظر بعيدا عن الخرين‪ .‬فالنسان حين‬
‫يرتكب إثما يتكلف شيئا متنافرا ومغايرا لطبيعته‪ .‬والتكلف هو التيان بشيء خارج عن الفطرة‬
‫النسانية‪ .‬وتغيير كل ما يتعلق بالفطرة هو تغيير لخلق ال‪.‬‬
‫وصور الفساد ل تأتي إل من هذه الناحية‪.‬‬
‫كيف؟‪.‬‬
‫إننا نرى الحق قد خلق الزوجين الذكر والنثى‪ .‬ونجد من الرجال من يستأنث ‪ -‬أي أنه يحاول أن‬
‫يكون أنثى ‪ -‬وقد يتصرف كما تسلك المرأة وتتصرف ويتزين بزينتها ويتخنث‪ ،‬هذا إنسان يريد‬
‫أن يغير خلق ال‪ .‬وكذلك قد نجد امرأة تريد أن تسترجل‪ ،‬فهي تريد أن تغير خلق ال‪.‬‬
‫ولذلك فإننا نرى أستاذا عالما هو الدكتور حسن جاد ‪ -‬أمده ال بالعافية ‪ -‬وهو شاعر وزميل لي‬
‫ونشأنا معا‪ ،‬رأى هذه الظاهرة‪ ،‬ظاهرة محاولة البعض تغيير خلق ال فقال قصيدة مشهورة جاء‬
‫فيها‪:‬من حيرتي من الذين اللتي حرت بين الفتى وبين الفتاةالشاعر يعلن حيرته؛ لنه ل يتعرف‬
‫على الفارق بين الفتى والفتاة‪ ،‬ففي بعض الحيان صارا من " الذين واللتي معا " لن الفتى يتشبّه‬
‫بالفتاة‪ ،‬والفتاة تتشبّه بالفتى‪ .‬على الرغم من احتفاظ كل منهما بخصائص نوعه‪ ،‬وبما يميزه عن‬
‫النوع الخر‪ .‬وبعض النساء يقمن بإجراءات لتغيير الخلقة‪ ،‬كنزع شعر الحواجب من منابته‬
‫وإعادة رسم مكانه بوضع خط بالقلم الملون‪ ،‬ويفضح ذلك نبتُ الشعر من جديد‪ ،‬فتتحول إلى شكل‬
‫قبيح وتنسى أن الجمال إبداع تقاسيم‪ ،‬فقد يكون سرّ جمال واحدة أن يكون شعر الحاجبين كثيفا‪،‬‬
‫وقد يكون سرّ الجمال للمرأة اتساع الفم‪ ،‬أو طول النف‪.‬‬
‫لقد سمعنا أن أنف كليوباترا لو كان قصيرا بعض الشيء لتغير وجه التاريخ‪ .‬والحق سبحانه‬
‫وتعالى كما وزع المزجة على العباد وزع أيضا أسلوب الخلق بما يغطي هذه المزجة‪ .‬أل ترى‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫في الحياة اليومية شابا يتقدم لخطبة فتاة ل تعجبه‪ ،‬أو ل يعجبها‪ ،‬ويأتي آخر فيعجب بالفتاه وتعجب‬
‫الفتاة به‪ .‬هو سبحانه الذي أنشأ السيال العاطفي ليتواءم الخلق بهذا السيال‪ .‬وقد تحاول فتاة أن‬
‫تغير من خلق ال فتسبب بذلك فسادا للسيال العاطفي‪.‬‬
‫وقد تريد المرأة أن تجعل حمرة خديها في لون الورد فتضع عليهما بعضا من المساحيق‪ ،‬أل تعلم‬
‫هذه المرأة أن زوجها وأقاربها يعرفون أنها قد صنعت ذلك بمواد خارجية‪ ،‬وماذا يكون موقفها‬
‫عندما يراها زوجها في الصباح وقد أفسدت اللوان بشرتها‪ ،‬وماذا يكون موقفها عندما تتقدم بها‬
‫السن وتكون مساحيق قد خنقت مسام جلدها ومنعت الجلد من التنفس‪ ،‬ويتحول شكلها باستمرار‬
‫سوء فعلها إلى كائن أقرب إلى وجه القرد والعياذ بال؟ لقد غيرت بسوء الفعل خلق ال‪.‬‬
‫وكذلك الظافر التي يتم خنقها بطبقات من " البلستيك " الملون‪ .‬هل تظن واحدة أن هناك رجلً‬
‫قد يتصور أن هذا هو لون أظافرها الطبيعي؟‪ .‬إن الظافر ذات لون أراده ال بحكمه‪ ،‬لها نظام‪،‬‬
‫فلماذا تحرم المرأة أظافرها من الحياة الطبيعية ومن نعمة تنفس الهواء‪ ،‬فالظافر تتنفس أيضا‪.‬‬
‫وقد يفتي واحد بأنه يصح للمرأة أن تتوضأ بعد أن تضع هذا الطلء‪ ،‬وأقول‪ :‬اتق ال؛ فهذه ليست‬
‫أصباغا؛ لن الصباغ تتخلل الجلد أو الظفر ول يذهب لون الصبغة إل بذهاب الجلد أو الظفر ‪-‬‬
‫مثل الحنة ‪ -‬وفي هذه الحالة يصل الماء في الطهارة إلى الجلد‪ ،‬أما طبقة البلستيك التي على‬
‫الظفر فل تُزال إل بمادة كيماوية ويمكن إزالتها وهي لون من الطلء وليست صبغة ول يصل‬
‫الماء معها في الغسل أو الوضوء إلى البشرة‪.‬‬
‫ومن تفعل ذلك إنما تخدع نفسها ومن يُعجب بها‪ .‬ولنا أن نعرف أن الحق سبحانه وتعالى يريد أن‬
‫يعدل من مزاج الكون فيعطي للنسان سكنا ومتعة ولكن بتوازن عاطفي وعقلي‪ ،‬فلو أراد ال لخدّ‬
‫المرأة التوهج لتثير غرائز الرجل لخلق ال الخدين على هذا السلوب‪ ،‬لكنه أراد للخدود أن تكون‬
‫بألوانها الطبيعية حتى تهيج الغرائز على قدر القوة التي في الرجل‪ ،‬وعندما تكبر المرأة نجد‬
‫جمالها قد ذبل قليلً على قدر نسبة ذبول قدرة الرجل‪ ،‬فسبحانه يعطي على قدر الطاقة حتى ل‬
‫تتحول المسألة إلى إهاجة للغرائز فقط‪.‬‬
‫إن هناك فرقا بين تصريف الغرائز وإهاجة الغرائز وإلهابها‪ ،‬وما يحدث من وسائل التجميل هو‬
‫تغيير لخلق ال‪ .‬وكذلك المرأة التي تحدث وشما‪ ،‬أو الرجل الذي يفعل ذلك إنما يغيران من خلق‬
‫ال‪ ،‬ولو كان الحق يرى أن مثل هذه العمال تزيد من الجمال لفعلها } فَلَ ُيغَيّرُنّ خَ ْلقَ اللّهِ {‪.‬‬
‫خسْرَانا مّبِينا { والولي‬
‫خسِرَ ُ‬
‫ن وَلِيّا مّن دُونِ اللّهِ َفقَدْ َ‬
‫خذِ الشّ ْيطَا َ‬
‫ويقول الحق من بعد ذلك‪َ } :‬ومَن يَتّ ِ‬
‫للشيطان هو الذي يليه ويقرب منه‪ .‬ومن فعل ذلك فقد ترك الفضل وذهب إلى الضعف الذي‬
‫يورده مهاوي وموارد الهلك‪ ،‬ويخسر الخسران الواضح والمحيط من كل الجهات‪ ،‬ول انفلت‬
‫من مثل هذا الخسران‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ويقول الحق من بعد ذلك‪َ } :‬يعِ ُدهُ ْم وَ ُيمَنّيهِمْ‪{ ...‬‬

‫(‪)606 /‬‬
‫َيعِدُ ُه ْم وَ ُيمَنّيهِ ْم َومَا َي ِعدُهُمُ الشّيْطَانُ إِلّا غُرُورًا (‪)120‬‬

‫وهذا يعني أن الشيطان يقدم الوعود الكاذبة لمواليه ويخبرهم بشيء يسرهم‪ ،‬فالوعد هو أن يخبر‬
‫أحد آخر بشيء يسرّه أن يوجد‪.‬‬
‫والمثال على ذلك نراه في الحياة العادية فالنسان منا يحب ماله الذي قد جاء بالتعب‪ ،‬والصدقة في‬
‫ظاهر المر تنقص المال‪ ،‬فيقول الحق‪ {:‬الشّيْطَانُ َيعِ ُد ُكمُ ا ْل َفقْرَ }[البقرة‪]268 :‬‬
‫لماذا؟‪.‬‬
‫لن الشيطان يوسوس في صدر صاحب المال قائلً‪ :‬إنك عندما تتصدق ببعض المال فمالك‬
‫ينقص‪ .‬وويل لمن يرضخ لوساوس الشيطان؛ لنه يورده موارد التهلكة‪ ،‬والشيطان أيضا يقدم‬
‫الماني الكاذبة في الوساوس‪ " :‬ويمنيهم "‪ .‬ومثال ذلك ما جاء على لسان المتفاخر على أخيه بلون‬
‫من الستهزاء والعياذ بال‪َ {:‬ومَآ َأظُنّ السّاعَةَ قَا ِئمَ ًة وَلَئِن رّدِدتّ إِلَىا رَبّي لَجِدَنّ خَيْرا مّ ْنهَا مُ ْنقَلَبا‬
‫}[الكهف‪]36 :‬‬
‫المتفاخر يقول‪ :‬مادام ال قد أعطاني في الدنيا‪ ،‬وما دامت مهمة ال هي العطاء الدائم فل بد أن‬
‫يعطيني ربي في الخرة أضعاف ما في الدنيا؛ ذلك أن سعيد الدنيا هو سعيد في الخرة‪ ،‬فماذا كان‬
‫جزاؤه؟‪.‬‬
‫لقد رأى انهيار زراعته وعرف سوء مصير الغرور؛ لنه استجاب لوعود الشيطان‪ ،‬ووعود‬
‫الشيطان ليست إل غرورا { َومَا َيعِ ُدهُمُ الشّيْطَانُ ِإلّ غُرُورا }‪.‬‬
‫فما هو الغرور؟‪ .‬هناك " غُرور " ‪ -‬بضم الغين ‪ ،-‬و " غَرور " ‪ -‬بفتح الغين ‪ .-‬والغُرور ‪-‬‬
‫بضم الغين ‪ -‬هو الشيء يُصوّر لك على أنّه حقيقة وهو في الواقع وَهْم‪ .‬والغَرور ‪ -‬بفتح الغين ‪-‬‬
‫هو من يفعل هذه العملية‪ ،‬ولذلك فالغَرور ‪ -‬بفتح الغين ‪ -‬هو الشيطان؛ لنه يزين للنسان المر‬
‫الوهمي‪ ،‬ويؤثر مثلما يؤثر السراب؛ فالنسان حين يرى انكسار الشعة يخيل إليه أنه يرى ماء‪،‬‬
‫ج ْدهُ شَيْئا }[النور‪:‬‬
‫ظمْآنُ مَآءً حَتّىا إِذَا جَآ َءهُ َلمْ يَ ِ‬
‫ويقول الحق عن ذلك‪ {:‬كَسَرَابٍ ِبقِيعَةٍ يَحْسَ ُبهُ ال ّ‬
‫‪]39‬‬
‫وكذلك الغُرور‪ ،‬حيث يزين الشيطان شيئا للنسان ويوهمه أنه سيستمع به‪ .‬فإذا ما ذهب النسان‬
‫إليه فلن يجد له حقيقة‪ ،‬بل العكس‪ ،‬ولذلك يفصل لنا الحق أعمال الكفار فيقول عنها‪ {:‬وَالّذِينَ‬
‫ظمْآنُ مَآءً حَتّىا ِإذَا جَآ َءهُ لَمْ َيجِ ْدهُ شَيْئا َووَجَدَ اللّهَ عِن َدهُ َف َوفّاهُ‬
‫عمَاُلهُمْ َكسَرَابٍ ِبقِيعَةٍ َيحْسَبُهُ ال ّ‬
‫َكفَرُواْ أَ ْ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫حسَابَ ُه وَاللّهُ سَرِيعُ ا ْلحِسَابِ }[النور‪]39 :‬‬
‫ِ‬
‫ويفاجأ الكافر بوجود ال الذي كان كافرا به‪ ،‬ويصير أمام نكبتين‪ :‬نكبة أنه كان ذاهبا إلى ماء فل‬
‫يجده فيخيب أمله‪ ،‬والنكبة الثانية أن يجد ال الذي يحاسبه على النكار والكفر‪.‬‬
‫جعَلْنَاهُ هَبَآءً مّنثُورا }[الفرقان‪]23 :‬‬
‫ع َملٍ فَ َ‬
‫عمِلُواْ مِنْ َ‬
‫ويقول الحق‪َ {:‬وقَ ِدمْنَآ إِلَىا مَا َ‬
‫وقد يأتي واحد ويدعي لنفسه النسانية ويظن أنه يتكلم بالمنطق فيقول‪:‬‬
‫ هل هؤلء الناس الذين قدموا للبشرية كل هذه المخترعات التي أفادت الناس كالمواصلت‬‫وغيرها‪ ،‬أيصيرون إلى عذاب؟‪ .‬ونقول‪ :‬هؤلء سيأخذون جزاء الكفر؛ لن الواحد منهم قد عمل‬
‫أعماله وليس في باله ال‪.‬‬
‫بل قام بتلك العمال وفي باله عبقرية البتكار والنسانية وهو يأخذ من النسانية التكريم‪ ،‬وعليه‬
‫أن يطلب أجره ممن عمل له وليس ممن لم يعمل به‪ ،‬وينطبق عليه قول الرسول‪:‬‬
‫عن أبي هريرة قال‪ :‬سمعت رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم يقول‪ " :‬إن أول الناس يقضي يوم‬
‫القيامة عليه رجل استشهد فأتى به فعرّفه نعمه فعرفها قال‪ :‬فما عملت فيها؟ قال‪ :‬قاتلت فيك حتى‬
‫استشهدت‪ .‬قال‪ :‬كذبت ولكنّك قاتلت لن يقال جريء فقد قيل‪ ،‬ثم أمر به فسحب على وجهه حتى‬
‫ألقي في النار‪ ،‬ورجل تعلم العلم وعلمه‪ ،‬وقرأ القرآن فأتى به َفعّرفه نعمه فعرفها قال‪ :‬فما عملت‬
‫فيها؟ قال‪ :‬تعلمت العلم وعَلّمته‪ ،‬وقرأت فيك القرآن‪ .‬قال‪ :‬كذبت‪ ،‬ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم‪،‬‬
‫وقرأت القرآن ليقال هو قارئ فقد قيل‪ ،‬ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار‪ ،‬ورجل‬
‫وسع ال عليه وأعطاه من أصناف المال كله فأتى به فعّرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها؟ قال‪:‬‬
‫ل أنفقت فيها لك‪ .‬قال‪ :‬كذبت ولكنك فعلت ليقال هو جواد‬
‫ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إ ّ‬
‫فقد قيل‪ ،‬ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقى في النار "‬
‫ولم يغمطهم ال جزاء أعمالهم في الدنيا‪ .‬فقد أخذوا من الدنيا كل التكريم‪.‬‬
‫ووزع سبحانه فضل هذه المواهب على الناس الذين في بالهم ال؛ لذلك ترى المسلم غير المتعلم‬
‫يركب الطائرة ليحج بيت ال ويُسجل أحاديث اليمان على شرائط ليسمعها من لم يحضر ويشاهد‬
‫هذه الشعيرة‪ ،‬إذن فهؤلء الكافرون مسخرون للمؤمنين لنهم أتاحوا لهم النتفاع بعلمهم‬
‫واكتشافاتهم‪ ،‬والمؤمنون أيضا مطالبون بأن يأخذوا بأسباب ال لينالوا كرم ال في عطاء العلم‪ ،‬بل‬
‫إن ذلك واجب عليهم يأثمون إذا لم يقوموا به حتى ل يكونوا عالة على سواهم‪ ،‬فل يستذلون‪.‬‬
‫} َومَا َيعِدُ ُهمُ الشّيْطَانُ ِإلّ غُرُورا { وماذا يكون نصيب هؤلء في الخرة؟ يقول سبحانه‪} :‬‬
‫جهَنّمُ‪{ ...‬‬
‫ُأوْلَـا ِئكَ مَ ْأوَا ُهمْ َ‬

‫(‪)607 /‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫جدُونَ عَ ْنهَا مَحِيصًا (‪)121‬‬
‫جهَنّ ُم وَلَا يَ ِ‬
‫أُولَ ِئكَ مَ ْأوَاهُمْ َ‬

‫وكلمة " مأوى " معناها المكان الذي يضطر النسان إلى أن يأوى إليه‪ ،‬فهل هذا الضطرار يكون‬
‫اندفاعا أو جذبا؟ سبحانه يقول عن النار إنها ستنطق قائلة‪َ {:‬هلْ مِن مّزِيدٍ }[ق‪]30 :‬‬
‫كأن النار ستجذب أصحابها‪ .‬وهم لن يجدوا عنها محيصا‪ ،‬أي ل مهرب ول مفر ول معدى‪ ،‬وكان‬
‫باستطاعة الواحد منهم أن يفر من مخلوق مثله في دنيا الغيار‪ ،‬ولكن حين يكون المر ل وحده‬
‫حدِ ا ْل َقهّارِ }[غافر‪]16 :‬‬
‫فل مفر‪ّ {.‬لمَنِ ا ْلمُ ْلكُ الْ َيوْمَ لِلّهِ ا ْلوَا ِ‬
‫عمِلُواْ الصّالِحَاتِ‪} ...‬‬
‫والمقابل لذلك يورده الحق‪ { :‬وَالّذِينَ آمَنُو ْا وَ َ‬

‫(‪)608 /‬‬
‫عمِلُوا الصّالِحَاتِ سَ ُندْخُِل ُهمْ جَنّاتٍ َتجْرِي مِنْ تَحْ ِتهَا الْأَ ْنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللّهِ‬
‫وَالّذِينَ َآمَنُوا وَ َ‬
‫حقّا َومَنْ َأصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلًا (‪)122‬‬
‫َ‬

‫وحين يأتي سبحانه بأمر يتعلق بالكفار وعقابهم فالنفوس مهيأة ومستعدة لتسمع عن المقابل‪ ،‬فإذا‬
‫كان جزاء الكفار ينفر النسان من أن يكون منهم‪ ،‬فالنفس السامعة تنجذب إلى المقابل وهو‬
‫سوْفَ ُنؤْتِيهِ َأجْرا‬
‫الحديث عن جزاء المؤمنين أصحاب العمل الصالح‪ .‬وسبحانه قال من قبل‪َ {:‬ف َ‬
‫عَظِيما }[النساء‪]114 :‬‬
‫وهنا يقول‪ { :‬سَنُ ْدخُِلهُمْ جَنّاتٍ َتجْرِي مِن تَحْ ِتهَا الَ ْنهَارُ }‪ .‬والمتيقن من ال والواثق به يعلم أنه ل‬
‫توجد مسافة تبعده عن عطاء ال‪ ،‬مثال ذلك " حينما سأل النبيّ أحد الصحابة وكان اسمه الحارث‬
‫بن مالك النصاري‪( :‬كيف أصبحت يا حارث؟)‪.‬‬
‫قال‪ :‬أصبحت مؤمنا حقا‪ .‬لقد أجاب الصحابي بكلمة كبيرة المعاني وهي اليمان حقا؛ لذلك قال‬
‫الرسول‪ :‬انظر ما تقول فإن لكل شيء حقيقة فما حقيقة إيمانك "؟‬
‫أجاب الصحابي‪ :‬عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت لذلك ليلي وأظمأت نهاري‪ ،‬وكأني أنظر إلى‬
‫عرش ربيّ بارزا وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاغون‬
‫فيها (يتصايحون فيها)‪.‬‬
‫فقال‪ " :‬يا حارث‪ :‬عرفت فالزم ثلثا "‪.‬‬
‫والحق ساعة يقول‪ " :‬سـ " وساعة يقول‪ " :‬سوف " فلكل حرف من الحروف الداخلة على الفعل‬
‫عمِلُواْ الصّاِلحَاتِ سَنُ ْدخُِلهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي‬
‫ملحظ ومغزى وكل عطاء من ال جميل‪ { .‬وَالّذِينَ آمَنُو ْا وَ َ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫مِن تَحْ ِتهَا الَ ْنهَارُ }‪.‬‬
‫والجنة ‪ -‬كما قلنا من قبل ‪ -‬على إطلقها تنصرف إلى جنة الخرة فهي الجنة بحق‪ ،‬أما جنة‬
‫الدنيا فمن الممكن أن يتصوّحَ نباتها وشجرها وييبس ويتناثر‪ ،‬أو يصيبها الجدب‪ ،‬أمّا جنة الخرة‬
‫فهي ذات الكل الدائم‪ ،‬وإن لم تطلق كلمة " الجنة " من أي قيد أو وصف بل قيدت‪ ،‬فالقصد منها‬
‫سمُواْ لَ َيصْ ِرمُ ّنهَا ُمصْبِحِينَ }‬
‫صحَابَ الْجَنّةِ إِذْ َأ ْق َ‬
‫معنى آخرح كقول الحق‪ {:‬إِنّا بََلوْنَاهُمْ َكمَا بََلوْنَآ َأ ْ‬
‫[القلم‪]17 :‬‬
‫ضعْفَيْنِ فَإِن لّمْ ُيصِ ْبهَا وَا ِبلٌ }[البقرة‪:‬‬
‫وقوله سبحانه‪َ {:‬كمَ َثلِ جَنّةٍ بِرَ ْب َوةٍ َأصَا َبهَا وَا ِبلٌ فَآ َتتْ ُأكَُلهَا ِ‬
‫‪]265‬‬
‫والجنة بربوة هي البستان على مكان عال‪ ،‬وهي ذات مواصفات أعلى مما وصل إليه العلم‬
‫الحديث؛ لن الرض إذا كانت عالية ل تستطيع المياه الجوفية أن تفسد جذور النبات المزروع في‬
‫ضعْفَيْنِ }‬
‫هذه الرض‪ ،‬فيظل النبات أخضر اللون‪ ،‬ويقول الحق عن مثل هذه الجنة‪ {:‬فَآ َتتْ ُأكَُلهَا ِ‬
‫[البقرة‪]265 :‬‬
‫ويزيد على ذلك أنها بربوة‪ ،‬وأنها تروى بالمطر من أعلى‪ ،‬ومن الطل‪ ،‬فتأخذ الرّي من المطر‬
‫للجذور‪ ،‬والطل لغسل الوراق‪ .‬كل ذلك يطلق على الجنة‪.‬‬
‫وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى‪ { :‬جَنّاتٍ تَجْرِي مِن َتحْ ِتهَا الَ ْنهَارُ } ويطمئننا سبحانه على‬
‫احتفاظها بنضرتها وخضرتها‪ ،‬وأول شيء يمنع الخضرة هو أن يقل الماء فتذبل الخضرة‪.‬‬
‫ونجد القرآن مرة يقول‪ { :‬جَنّاتٍ َتجْرِي تَحْ ِتهَا الَ ْنهَارُ } وهذا يعني أن منبع المياه بعيد‪ .‬ومرة‬
‫أخرى يقول‪ { :‬جَنّاتٍ َتجْرِي مِن تَحْ ِتهَا الَ ْنهَارُ } ويعني أن منبع المياه لن يحجزه أحد؛ لن‬
‫النهار تجري وتنبع من تحتها‪.‬‬
‫ويعد الحق المؤمنين أصحاب العمل الصالح بالخلود في الجنة‪ ،‬والخلود هو المكث طويلً‪ ،‬فإذا‬
‫ل إلى المكث الدائم‪.‬‬
‫قال الحق‪ } :‬خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَدا { أي أن المكث في الجنة ينتقل من المكث طوي ً‬
‫حقّا َومَنْ َأصْ َدقُ مِنَ اللّهِ قِيلً {‪ .‬وحين يعدك من ل يخرجه شيء عن‬
‫وهذا وعد مَن؟ } وَعْدَ اللّهِ َ‬
‫إنفاذ وعده‪ ،‬فهذا هو وعد الحق ‪ -‬سبحانه ‪ .-‬أما وعد المساوي لك في البشرية فقد ل يتحقق‪،‬‬
‫لعله ساعة إنفاذ الوعد يغير رأيه‪ ،‬أو ل يجد الوُجد واليسار والسّعة والغنى فل يستطيع أن يوفي‬
‫بما وعد به‪ ،‬أو قد يتغير قلبه من ناحيتك‪ ،‬لكن ال سبحانه وتعالى ل تتناوله الغيار‪ ،‬ول يعجزه‬
‫شيء‪ ،‬وليس معه إله آخر يقول له ل‪ .‬إن وعده سبحانه ل رجوع فيه ول محيص عن تحقيقه‪.‬‬
‫حقّا َومَنْ َأصْ َدقُ مِنَ اللّهِ قِيلً { هو كلم منه ليوضح لكل واحد منا‪ :‬أنا ل‬
‫قول ال هنا } وَعْدَ اللّهِ َ‬
‫أريد أن أستفهم منك‪ ،‬لكنه جاء على صورة الستفهام لتكون الجابة من الخلق إقرارا منهم بصدق‬
‫ما يقوله ال‪ ،‬أيوجد أصدق من ال؟‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وتكون الجابة‪ :‬ل يمكن‪ ،‬حاشا ل؛ لن الكذب إنما يأتي من الكذاب ليحقق لنفسه أمرا لم يكن‬
‫ل فهو صدق‪.‬‬
‫الصدق ليحققه‪ ،‬أو لخوف ممن يكذب عنده‪ ،‬وال منزه عن ذلك‪ ،‬فإذا قال قو ً‬
‫ومن بعد ذلك يقول الحق‪ } :‬لّيْسَ بَِأمَانِ ّيكُ ْم وَل َأمَا ِنيّ‪{ ...‬‬

‫(‪)609 /‬‬
‫لَيْسَ بَِأمَانِ ّيكُ ْم وَلَا َأمَا ِنيّ أَ ْهلِ ا ْلكِتَابِ مَنْ َي ْع َملْ سُوءًا ُيجْزَ بِ ِه وَلَا َيجِدْ َلهُ مِنْ دُونِ اللّ ِه وَلِيّا وَلَا‬
‫َنصِيرًا (‪)123‬‬

‫والمنية ‪ -‬كما عرفنا ‪ -‬هي أن يطمح النسان إلى شيء ممتع مسعد بدون رصيد من عمل‪ ،‬إنّ‬
‫الحق سبحانه وتعالى حينما استخلف النسان في الرض طلب منه أن يستقبل كل شيء صالح في‬
‫الوجود استقبال المحافظ عليه‪ ،‬فل يفسد الصالح بالفعل‪ ،‬وإن أراد النسان طموحا إلى ما يسعد‪،‬‬
‫فعليه أن يزيد الصالح صلحا‪.‬‬
‫والمثل الذي نضربه لذلك‪ ،‬عندما يوجد بئر يشرب منها الناس‪ ،‬فهذه البئر لها حواف وجوانب‬
‫وأطراف‪ ،‬وتفسد البئر إذا جاء أحد لهذه الحوافي وأزاح ما فيها من التربة ليطمر البئر‪.‬‬
‫ومن يرد استمرار صلح البئر فهو يتركها كما هي وبذلك يترك الصالح على صلحه‪ .‬وإن شاء‬
‫إنسان أن يطمح إلى عمل مسعد ممتع له ولغيره فهو يعمل ليزيد الصالح صلحا‪ ..‬كأن يأتي إلى‬
‫جوانب البئر ويبني حولها جدارا من الطوب كي ل يتسلل التراب إلى الماء أو على القل يصنع‬
‫غطاءً للبئر‪ ،‬فإن طمح النسان اكثر فهو يفكر في راحة الناس ويحاول أن يوفر عليهم الذهاب إلى‬
‫البئر ليملوا جِرارهم وقِرَبهم فيفكر في رفع المياه بمضخة ماصة كابسة إلى صهريج عال‪ ،‬ثم‬
‫يخرج من هذا الصهريج النابيب لتصل إلى البيوت‪ ،‬فيأخذ كل واحد المياه وهو مرتاح‪ ،‬إنه بذلك‬
‫يزيد الصالح صلحا‪.‬‬
‫أما إن أراد النسان أن يطمح إلى ممتع دون عمل‪ ..‬فهذه هي الماني الكاذبة‪ .‬ولو ظل إنسان‬
‫يحلم بالمنيات ول ينفذها بخطة من عمل‪ ..‬فهذه هي الماني التي ل ثمرة لها سوى الخيبة‬
‫والتخلف‪.‬‬
‫إذن فالمنية هي أن يطمح إنسان إلى أمر ممتع مسعد بدون رصيد من عمل‪ .‬ونعلم أن الحق‬
‫سبحانه وتعالى أعطانا من كل شيء سببا‪ ،‬ولنلحظ أن الحق قد قال‪ {:‬فَأَتْبَعَ سَبَبا }[الكهف‪]85 :‬‬
‫أي أن النسان مطالب بأن يصنع أشياء تً َرقّي أساليب الحياة في الرض‪ ،‬فال ضمن للنسان‬
‫الخليفة مقومات الحياة الضرورية‪ ،‬وعندما يريد النسان الترف والتنعم فل بد أن يكدح‪ .‬ومثال‬
‫ذلك‪ :‬لقد أعطى الحق النسان المطر فينزل الماء من السماء‪ ،‬وينزل ماء المطر في مجارٍ محددة‪،‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫حفرها المطر لنفسه‪ ،‬وقد يكون في كل مجرى تراب من صخور أو طمي؛ لذلك يقوم النسان‬
‫بترويق المياه‪ ،‬ويرفعها في صهاريج لتأتيه إلى المنزل‪،‬وبدلً من أن يشربها بيده من النهر‬
‫ن الكوبَ في البداية من الفخار‪ ،‬ثم من مواد مختلفة‬
‫مباشرة‪ ،‬يصنع كوبا جميلً‪ .‬وصنع النسا ُ‬
‫كالنحاس ثم البللور‪ .‬وهكذا نجد أن كل ترف يحتاج إلى عمل يوصل إليه‪ ،‬فليست المسألة‬
‫بالماني‪.‬‬
‫وكذلك النتساب إلى الدين‪ ،‬ليست المسألة أن يمتثل النسان وينتسب إلى الدين شكلً‪ ،‬فالرسول‬
‫صلى ال عليه وسلم جاء ليحكم بين الناس جميعا‪ ،‬ول يمكن لواحد أن ينتسب شكلً إلى السلم‬
‫ليأخذ المميزات ويتميز بها عن بقية خلق ال من الديانات الخرى‪ ،‬ل؛ فالنسان محكوم بما يدين‬
‫به‪.‬‬
‫والمسلم أول محكوم بما دان به‪.‬‬
‫كذلك قال الحق‪ } :‬لّيْسَ بَِأمَانِ ّيكُمْ { والخطاب هنا لمن؟‪ .‬إن كان الخطاب للمؤمنين فالحق يوضح‬
‫لهم‪ :‬يا أيها المؤمنون ليست المسألة مسألة أماني‪ ،‬ولكنها مسألة عمل؛ لن انتسابكم للسلم ل‬
‫يعفيكم من العمل؛ فكم من أناس يعبرون الدنيا وتنقضي حياتهم فيها ول يصنعون حسنة‪ ،‬فإذا قيل‬
‫لهم‪ :‬ولماذا تعيشون الحياة بل عمل؟ يقولون‪ :‬أحسنّا الظن بال‪ .‬ونسمع الحسن البصري يقول‬
‫لهؤلء‪ :‬ليس اليمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل‪ ،‬إن قوما ألهتهم أمانيّ المغفرة‬
‫حتى خرجوا من الدنيا ول حسنة لهم وقالوا‪ :‬نحسن الظن بال وكذبوا‪ ،‬لو أحسنوا الظن بال‬
‫لحسنوا العمل به‪.‬‬
‫وسبحانه يقول لهؤلء‪ } :‬لّيْسَ بَِأمَانِ ّيكُمْ {‪ .‬أما إن كان الخطاب موجها لغير المؤمنين؛ فالحق لم‬
‫يمنع عطاء الدنيا لمن أخذ بالسباب حتى ولو لم يؤمن‪ .‬أما جزاء الخرة فهو وعد منه سبحانه‬
‫للمؤمنين الذين عملوا صالحا‪ ،‬وهو الوعد الحق بالجنة‪ ،‬هذا الوعد الحق ليس بالماني بل إن‬
‫الوصول إلى هذا الوعد يكون بالعمل‪.‬‬
‫ل أيضا الكفار والمنافقين وأهل الكتاب‪.‬‬
‫إذن فقد يصح أن يكون الخطاب بـ } لّيْسَ بَِأمَانِ ّيكُمْ { شام ً‬
‫وكان للكفار بعض من الماني كقول المنكر للبعث‪َ {:‬ومَآ أَظُنّ السّاعَةَ قَا ِئ َم ًة وَلَئِن رّدِدتّ إِلَىا رَبّي‬
‫لَجِدَنّ خَيْرا مّ ْنهَا مُ ْنقَلَبا }[الكهف‪]36 :‬‬
‫هذه هي أماني الكفار‪ .‬ولن يتحقق هذا الوعد بالجنة لهل الكتاب‪ ،‬فقد قال الحق عن أمانيهم‪ {:‬لَن‬
‫خلَ الْجَنّةَ ِإلّ مَن كَانَ هُودا َأوْ َنصَارَىا }[البقرة‪]111 :‬‬
‫يَ ْد ُ‬
‫وقالوا‪ {:‬لَن َتمَسّنَا النّارُ ِإلّ أَيّاما ّم ْعدُو َدةً }[البقرة‪]80 :‬‬
‫كل هذه أماني خادعة؛ لن منهج ال واحد على الناس أجمعين‪ ،‬من انتسب للسلم الذي جاء‬
‫خاتما فليعمل؛ لن القضية الواضحة التي يحكم بها خلقه هي قوله سبحانه‪ } :‬مَن َي ْع َملْ سُوءًا ُيجْزَ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫جدْ لَهُ مِن دُونِ اللّ ِه وَلِيّا َولَ َنصِيرا {‪.‬‬
‫بِ ِه َولَ يَ ِ‬
‫وأبو هريرة رضي ال عنه يقول‪ :‬لما نزلت هذه الية شق ذلك على المسلمين فقال لهم رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ " :‬سدّدوا وقاربوا فإن في كل ما يصاب به المسلم كفارة حتى الشوكة يشاكها‬
‫والنكبة ينكبها "‪.‬‬
‫وقال بعض العلماء‪ :‬المراد بالسوء في هذه الية هو الشرك بال؛ لن ال وعد أن يغفر بعض‬
‫الذنوب‪ .‬واستند في ذلك إلى قوله الحق‪َ {:‬كذَِلكَ نَجْزِي ُكلّ َكفُورٍ }[فاطر‪]36 :‬‬
‫كأن الجزاء المؤلم يكون للكفار‪ ،‬أما الذين آمنوا فاليمان يرفعهم إلى شرف المنزلة ليقبل ال‬
‫توبتهم ويغفر لهم‪ ،‬فسبحانه الحق جعل الصلة إلى الصلة كفارة لما بينهما‪ ،‬وجعل صلة الجمعة‬
‫إلى صلة الجمعة كفارة لما بينهما‪ ،‬وجعل الحج كفارة لما سبقه‪ ،‬وكل ذلك امتيازات إيمانية‪ .‬أما‬
‫جدْ لَهُ مِن دُونِ اللّ ِه وَلِيّا َولَ َنصِيرا {‪.‬‬
‫جزاء الكفار فهو‪ " :‬مَن َي ْع َملْ سُوءًا ُيجْزَ بِ ِه َولَ يَ ِ‬
‫ول يقال فلن ل يجد إل إذا بحث هذا الشخص عن شيء فلم يجده‪ ،‬فالنسان بذاته ل يستغنى‪،‬‬
‫ولكن من يعمل سوءا فليبحث لنفسه عن ولي أو نصير ولن يجد‪.‬‬
‫والولي هو الذي يلي النسان‪ ،‬أي يقرب منه‪ ،‬ومثلها النصير والمعاون‪ ،‬ول يلي النسان ول‬
‫يقرب منه إل من أحبه‪ .‬ومادام قد أحب قويّ ضعيفا‪ ،‬فهو قادر على الدفاع عنه ومعاونته‪.‬‬
‫ولماذا أورد الحق هنا " الولي " ‪ ،‬و " النصير "؟‪ .‬والولي ‪ -‬كما عرفنا ‪ -‬هو القريب الذي يلي‬
‫النسان‪ ،‬أما كلمة " نصير " فتوحي أن هناك معارك وخصومة بين المؤمن وغيره‪ ،‬وهناك قوة‬
‫كبرى قد يظهر للنسان أنها ل تسأل عنه لنه في سلم ورخاء‪ ،‬إن هذه القوة عندما تعلم أن هناك‬
‫خصوما للمؤمن تأتي لنصرته‪ ،‬بينما ل يجد الكافر وليا ول نصيرا‪ ،‬ولن يجد من يقرب منه ولن‬
‫يجد من ينصره إن عضته الحداث‪ ،‬وعض الحداث هو الذي يجعل الناس تتعاطف مع المصاب‬
‫حتى إن البعيد عن النسان يفزع إليه لينصره‪ ،‬لكن أحدا ل ينصر على ال‪.‬‬
‫ومن بعد ذلك يقول الحق‪َ } :‬ومَن َي ْع َملْ مِنَ الصّاِلحَاتِ‪{ ...‬‬

‫(‪)610 /‬‬
‫َومَنْ َي ْع َملْ مِنَ الصّالِحَاتِ مِنْ َذكَرٍ َأوْ أُنْثَى وَ ُهوَ ُم ْؤمِنٌ فَأُولَ ِئكَ َيدْخُلُونَ ا ْلجَنّ َة وَلَا ُيظَْلمُونَ َنقِيرًا (‬
‫‪)124‬‬

‫وجاءت كلمتا " ذكر " و " أنثى " هنا حتى ل يفهم أحد أن مجيء الفعل بصيغة التذكير في قوله‬
‫(يعمل) أن المرأة معفية منه؛ لن المرأة في كثير من الحكام نجد حكمها مطمورا في مسألة‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الرجل‪ ،‬وفي ذلك إيحاء بأن امرها مبني على الستر‪.‬‬
‫لكن الشياء التي تحتاج إلى النص فيها فسبحانه ينص عليها‪َ { .‬ومَن َي ْع َملْ مِنَ الصّالِحَاتِ مِن َذكَرٍ‬
‫َأوْ أُنْثَىا }‪ .‬وجاء سبحانه هنا بلفظة (مِن) التي تدل على التبعيض‪ ..‬أي على جز ٍء من كلّ فيقول‪:‬‬
‫{ َومَن َي ْع َملْ مِنَ الصّالِحَاتِ } ولم يقل‪ " :‬ومن يعمل الصالحات " لنه يعلم خلقه‪ .‬فل يوجد إنسان‬
‫يعمل كل الصالحات‪ ،‬هناك من يحاول عمل بعضٍ من الصالحات حسب قدرته‪ .‬والمطلوب من‬
‫المؤمن أن يعمل من الصالحات على قدر إمكاناته ومواهبه‪.‬‬
‫وتبدأ العمال الصالحة من أن يترك النسان المور الصالحة على صلحها‪ ،‬فإبقاء الصالح على‬
‫صلحه معناه أن المؤمن لن يعمل الفساد‪ ،‬هذه هي أول مرتبة‪ ،‬ومن بعد ذلك يترقى النسان في‬
‫العمال الصالحة التي تتفق مع خلفته في الرض‪ ،‬وكل عمل تصلح به خلفة النسان في‬
‫الرض هو عمل صالح؛ فالذي يرصف طريقا حتى يستريح الناس من التعب عمل صالح‪ ،‬وتهيئة‬
‫المواصلت للبشر حتى يصلوا إلى غايتهم عمل صالح‪ ،‬ومن يعمل على ألّ ينشغل بال البشر‬
‫بأشياء من ضروريات الحياة فهذا عمل صالح‪.‬‬
‫كل ما يعين على حركة الحياة هو عمل صالح‪ .‬وقد يصنع النسان العمال الصالحة وليس في‬
‫باله إله كعلماء الدول المتقدمة غير المؤمنة بإله واحد‪ .‬كذلك العلماء الملحدة قد يصنعون أعمالً‬
‫صالحة للنسان‪ ،‬كرصف طرق وصناعة بعض اللت التي ينتفع بها الناس‪ ،‬وقاموا بها للطموح‬
‫الكشفي‪ ،‬والواحد من تلك الفئة يريد أن يثبت أنه اخترع واكتشف وخدم النسانية ونطبق عليه أنه‬
‫عمل صالحا‪ ،‬لكنه غير مؤمن؛ لذلك سيأخذ هؤلء العلماء جزاءهم من النسانية التي عملوا لها‪،‬‬
‫وليس لهم جزاء عند ال‪.‬‬
‫أما من يعمل الصالحات وهو مؤمن فله جزاء واضح هو‪َ {:‬ومَن َي ْع َملْ مِنَ الصّالِحَاتِ مِن َذكَرٍ َأوْ‬
‫ظَلمُونَ َنقِيرا }[النساء‪]124 :‬‬
‫خلُونَ الْجَنّةَ وَلَ يُ ْ‬
‫أُنْثَىا وَ ُهوَ ُمؤْمِنٌ فَُأوْلَـا ِئكَ يَدْ ُ‬
‫قد يقول البعض‪ :‬إن عدم الظلم يشمل من عمل صالحا أو سوءا ونجد من يقول‪ :‬من يعمل السوء‬
‫هو الذي يجب أن يتلقى العقاب‪ ،‬وتلقيه العقاب أمر ليس فيه ظلم‪،‬والحق هو القائل‪ {:‬جَزَآءُ سَيّئَةٍ‬
‫ِبمِثِْلهَا }[يونس‪]27 :‬‬
‫ومن يصنع الحسنة يأخذ عشرة أمثالها‪ .‬وقد يكون الجزاء سبعمائة ضعف ويأتيه ذلك فضل من‬
‫ال‪ ،‬والفضل من ال غير مقيد وهو فضل بل حدود‪ ،‬فكيف يأتي في هذا المقام قوله تعالى‪َ { :‬ولَ‬
‫يُظَْلمُونَ َنقِيرا } وهم قد أعطوا أضعافا مضاعفة من الجزاء الحسن‪ ،‬ونقول‪ :‬إن الفضل من الخلق‬
‫غير ملزم لهم‪ ،‬مثل من يستأجر عاملً ويعطيه مائة جنيه كأجر شهري‪ ،‬وفي آخر الشهر يعطيه‬
‫فوق الجر خمسين جنيها أو مائة‪ ،‬وفي شهر آخر ل يعطيه سوى أجره‪ ،‬وهذه الزيادة إعطاؤها‬
‫ومنحها فضل من صاحب العمل‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أما الفضل بالنسبة ل فأمره مختلف‪ .‬إنه غير محدود ول رجوع فيه‪ .‬وهذا هو معنى } َولَ‬
‫يُظَْلمُونَ َنقِيرا { ‪ ،‬فسبحانه ل يكتفي بجزاء صاحب الحسنة بحسنة‪ ،‬بل يعطي جزاء الحسنة عشر‬
‫أمثالها وإلى سبعمائة ضعف‪ ،‬ول يتراجع عن الفضل؛ فالتراجع في الفضل ‪ -‬بالنسبة ل ‪ -‬هو‬
‫ظلم للعبد‪ .‬ول يقارن الفضل من ال بالفضل من البشر‪ .‬فالبشر يمكن أن يتراجعوا في الفضل أما‬
‫ال فل رجوع عنده عن الفضل‪.‬‬
‫ج َمعُونَ }[يونس‪]58 :‬‬
‫حمَتِهِ فَ ِبذَِلكَ فَلْ َيفْرَحُواْ ُهوَ خَيْرٌ ّممّا َي ْ‬
‫وهو القائل‪ُ {:‬قلْ ِب َفضْلِ اللّ ِه وَبِرَ ْ‬
‫وأصحاب العمل الصالح مع اليمان يدخلون الجنة مصداقا لقوله تعالى‪ } :‬فَُأوْلَـا ِئكَ يَ ْدخُلُونَ الْجَنّةَ‬
‫وَلَ ُيظَْلمُونَ َنقِيرا { والنقير هو‪ :‬النقرة في ظهره النواة‪ ،‬وهي أمر ضئيل للغاية‪ .‬وهناك شيء‬
‫آخر يسمى " الفتيل " وهو المادة التي تشبه الخيط في بطن نواة التمر‪ ،‬وشيء ثالث يشبه الورقة‬
‫ويغلف النواة واسمه " القطمير "‪.‬‬
‫وضرب ال المثال بهذه الشياء القليلة لنعرف مدى فضله سبحانه وتعالى في عطائه للمؤمنين‪.‬‬
‫حسَنُ دِينا ِممّنْ‪{ ...‬‬
‫ومن بعد ذلك يقول الحق‪َ } :‬ومَنْ أَ ْ‬

‫(‪)611 /‬‬
‫ن وَاتّبَعَ مِلّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا‬
‫حسِ ٌ‬
‫جهَهُ لِلّ ِه وَ ُهوَ مُ ْ‬
‫َومَنْ َأحْسَنُ دِينًا ِممّنْ أَسَْل َم وَ ْ‬
‫(‪)125‬‬

‫جهَهُ ل } فحسن الستنباط‬
‫حسَنُ دِينا ِممّنْ َأسْلَ َم َو ْ‬
‫وساعة نسمع استفهاما مثل قوله الحق‪َ { :‬ومَنْ أَ ْ‬
‫يقتضي أن نفهم أن الذي أسلم وجهه ل هو الحسن دينا‪ ،‬وفي حديثنا اليومي نقول‪ :‬ومن أكرم من‬
‫زيد؟‪ .‬معنى ذلك أن القائل ل يريد أن يصرح بأن زيدا هو أكرم الناس لكنه يترك ذلك للستنباط‬
‫الحسن‪ .‬ول يقال مثل هذا على صورة الستفهام إل إذا كان المخبر عنه محددا ومعينا‪ ،‬والقائل‬
‫مطمئن إلى أنّ من يسمع سؤاله لن يجد جوابا إل المر المحدد المعين لمسئول عنه‪ .‬وكأن الناس‬
‫ساعة تدير رأسها بحثا عن جوابٍ للسؤال لن تجد إل ماحدده السائل‪.‬‬
‫جهَهُ ل } والجابة على مثل هذا التساؤل‪ :‬ل أحد أحسن دينا ممن‬
‫{ َومَنْ َأحْسَنُ دِينا ِممّنْ أَسْلَمَ وَ ْ‬
‫أسلم وجهه ل‪ .‬وهكذا نرى أن ال يلقى خبرا مؤكدا في صيغة تساؤل مع أنه لو تكلم بالخبر لكان‬
‫هو الصدق كله‪َ {:‬ومَنْ َأصْ َدقُ مِنَ اللّهِ قِيلً }[لنساء‪]122 :‬‬
‫وسبحانه يلقي إلينا بالسؤال ليترك لنا حرية الجواب في الكلم‪ ،‬كأنه سبحانه يقول‪:‬‬
‫ أنا أطرح السؤال عليك أيها النسان وأترك لك الجابة في إطار ذمتك وحكمك فقل لي من‬‫أحسن دينا ممن أسلم وجهه ل؟ وتبحث أنت عن الجواب فل تجد أحسن ممن أسلم وجهه ل‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فتقول‪:‬‬
‫ ل أحد أحسن ممن أسلم وجهه ل‪ .‬وبذلك تكون الجابة من المخاطب إقرارا‪ ،‬فالقرار ‪ -‬كما‬‫نعلم ‪ -‬سيد الدلة‪.‬‬
‫جهَهُ ل } ونعلم أن الكلمة إذا أطلقت في عدة مواضع فهي ل تأخذ‬
‫{ َومَنْ َأحْسَنُ دِينا ِممّنْ أَسْلَمَ وَ ْ‬
‫معنى واحدا‪ .‬بل يتطلب كل موضع معنى يفرضه سياق الكلم‪ ،‬فإذا قال ال تعالى‪َ {:‬يوْمَ تَبْ َيضّ‬
‫سوَ ّد وُجُوهٌ }[آل عمران‪]106 :‬‬
‫وُجُوهٌ وَتَ ْ‬
‫فذلك لن الوجه هو العضو المواجه الذي توجد به تميزات تبيّن وتوضح ملمح الشخاص‪ .‬لننا‬
‫لن نتعرف على واحد من كتفه أو من رجله‪ ،‬بل تعرف الشخاص من سمات الوجوه‪.‬‬
‫جهَهُ }[القصص‪]88 :‬‬
‫ل وَ ْ‬
‫شيْءٍ هَاِلكٌ ِإ ّ‬
‫وعندما نسمع قول الحق‪ُ {:‬كلّ َ‬
‫فإننا نتساءل‪ :‬ماالمراد بالوجه هنا؟‬
‫إن أردنا الوجه الذي يشبه وجوهنا فهذا وقوع في المحظور‪ ،‬لن كل شيء متعلق بال سبحانه‬
‫وتعلى نأخذه على ضوء " ليس كمثله شيء " نقول ذلك حتى ل يقولن قائل‪ :‬مادام وجه ال هو‬
‫شيْءٍ هَاِلكٌ ِإلّ‬
‫الذي لن يهلك يوم القيامة فهل تهلك يده أو غير ذلك؟‪ .‬ل؛ إن الحق حين قال‪ُ { :‬كلّ َ‬
‫جهَهُ } فالمقصود بذلك ذاته فهو سبحانه وتعالى منزه عن التشبيه وسبحانه القائل‪ {:‬فَأَيْ َنمَا ُتوَلّواْ‬
‫وَ ْ‬
‫جهُ اللّهِ }[البقرة‪]115 :‬‬
‫فَثَ ّم وَ ْ‬
‫إذن فوجه ال ‪ -‬هنا‪ -‬هو الجهة التي يرتضيها‪ ،‬والنسان يتجه بوجهه إلى الكعبة في أثناء‬
‫الصلة‪ .‬وإياك أن تظن أنك حينما تولي وجهك صوب الكعبة أنها وجه ال؛ لن ال موجود في‬
‫كل الوجود‪ ،‬فأي متجه للنسان سيجد فيه ال‪ ،‬بدليل أننا نصلي حول الكعبة‪ ،‬وتكون شرق واحد‬
‫وغرب آخر‪ ،‬وشمال ثالث‪ ،‬وجنوب رابع‪ ،‬فكل الجهات موجودة في أثناء الطواف حول الكعبة‬
‫وفي أثناء الصلة‪ ،‬والكعبة موجودة هكذا لنطوف حولها‪ ،‬ولتكون متّجَهنا إلى ال في جميع‬
‫التجاهات‪.‬‬
‫{ فَأَيْ َنمَا ُتوَلّواْ فَثَ ّم َوجْهُ اللّهِ }[البقرة‪]115 :‬‬
‫أي الجهة التي ارتضاها سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫ج َههُ ل {‪ .‬وأسلم وجهه أي‬
‫حسَنُ دِينا ِممّنْ َأسْلَ َم وَ ْ‬
‫ونحن هنا في هذه الية نرى قول ال‪َ } :‬ومَنْ أَ ْ‬
‫أسلم اتجاهه؛ لن النسان حين يكون ذاهبا إلى قصد أو هدف أو غرض‪ ،‬فيكون وجهه هو‬
‫المتجه؛ لن النسان ل يسير بظهره‪ .‬والوجه هنا ‪ -‬إذن ‪ -‬هو التجاه‪.‬‬
‫ولماذا جاء الحق بالوجه فقط‪ ،‬برغم أن المؤمن يسلم مع الوجه كل الجوارح؟؛ لن الوجه أشرف‬
‫العضاء‪ ،‬ولذلك جعل سبحانه السجود أضرف موقع للعبد؛ لن القامة العالية والوجه الذي‬
‫يحرص النسان على نظافته يسجد ل‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إذن أسلم وجهه ل‪ ،‬أي أسلم وجهته واتجاهه للهن ومعنى " أسلم " من السلم‪ ،‬فـ " أسلم " تعني‪:‬‬
‫سلّم زمام أموره لواحد‪ .‬حين يسلم النسان زمامه إلى مساو له فهذه شهادة لهذا المساوي أنه‬
‫يعرف في هذا المر أفضل منه‪ .‬ول يسلم لمساو إل إن شهد له قبل أن يلقي إليه بزمامه أنّه‬
‫صاحب حكمة وعلم ودراية عنه‪ .‬فإن لم يلمس النسان ذلك فلن يسلم له‪ .‬وما أجدر النسان أن‬
‫يسلم نفسه لمن خلقه‪ ،‬أليس هذا هو أفضل المور؟‪.‬‬
‫إن النسان قد يسلم زمامه لنسان آخر لنه يظن فيه الحكمة‪ ،‬ولكن أيضمن أن يبقى هذا النسان‬
‫حكيما؟ إنّه كإنسان هو ابن أغيار‪ ،‬وقد يتغير قلبه أو أن المسألة المسلم له لها تكون مستعصية‬
‫عليه‪ ،‬لكن عندما أسلم زمامي لمن خلقني فهذا منتهى الحكمة‪ .‬ولذلك قلنا‪ :‬إن السلم هو أن تسلم‬
‫زمامك لمن آمنت به إلها قويا وقادرا وحكيما وعليما وله القيومية في كل زمان ومكان‪ .‬وحين‬
‫حسَنُ دِينا ِممّنْ َأسْلَمَ‬
‫يسلم النسان وجهه ل فلن يصنع عملً إل كانت وجهته إلى ال‪َ {.‬ومَنْ أَ ْ‬
‫حسِنٌ }[النساء‪]125 :‬‬
‫جهَ ُه ل وَ ُهوَ مُ ْ‬
‫وَ ْ‬
‫ولماذا جاءت كلمة " محسن " هنا؟ وقد تكلم صلى ال عليه وسلم عن الحسان‪ ،‬ونعرف أننا آمنا‬
‫بال غيبا‪ ،‬لكن عندما ندخل باليمان إلى مقام الحسان‪ ،‬فإننا نعبد ال كأننا نراه فإن لم نكن نراه‬
‫فهو يرانا‪ " .‬والحوار الذي دار بين رسول ال صلى ال عليه وسلم وأحد صحابته وكان اسمه‬
‫الحارث فقال له‪ " :‬كيف أصبحت يا حارث؟ فقال‪ :‬أصبحت مؤمنا حقا‪ .‬فقال رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم‪ " :‬انظر ما تقول؛ فإن لكل شيء حقيقة فما حقيقة إيمانك؟ " قال‪ :‬عزفت نفسي عن‬
‫الدنيا فأسهرت لذلك ليلي وأظمأت نهاري‪ ،‬وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا‪ ،‬وكأني أنظر إلى‬
‫أهل الجنة يتزاورون فيها وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاغون فيها (يتصايحون فيها) فقال‪ " :‬يا‬
‫حارث عرفت فالتزم ثلثا "‪.‬‬

‫ويعرف النسان من أهل الصلح أنّه في لقاء دائم مع ال‪ ،‬لذلك يضع برنامجا لنفسه موجزة أنه‬
‫يعلم أنه ل يخلو من نظر ال إليه (وهو معكم أينما كنتم) إنه يستحضر أنه ل يغيب عن ال طرفة‬
‫عين فيستحيي أن يعصيه‪.‬‬
‫ويوضح الحديث ما رواه سيدنا عمر بن الخطاب ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬عندما سأل حبريل ‪ -‬عليه‬
‫السلم ‪ -‬رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وقال له‪ :‬فأخبرني عن الحسان؟ قال‪ " :‬أن تعبد‬
‫ال كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك "‪.‬‬
‫وعندما تتيقن أن ال ينظر إليك فكيف تعصيه؟ أنت ل تجرؤ أن تفعل ذلك مع عبدٍ مساوٍ لك‪..‬‬
‫فكيف تفعله مع ال؟!!‬
‫جهَ ُه ل وَ ُهوَ مُحْسِنٌ واتّبَعَ مِلّةَ‬
‫حسَنُ دِينا ِممّنْ َأسْلَ َم َو ْ‬
‫وتتجلى العظمة في قوله الحق‪َ } :‬ومَنْ أَ ْ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إِبْرَاهِيمَ حَنِيفا { لماذا إذن " ملة إبراهيم "؟ لن القرآن يقول عن إبراهيم‪ {:‬إِنّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ ُأمّةً قَانِتا‬
‫لِلّهِ حَنِيفا }[النحل‪]120 :‬‬
‫ومعنى كونه " ُأمّةً "‪ :‬أنّه الجامع لكل خصال الخير التي ل تكاد تجتمع في فرد إل إن وزعنا‬
‫الخصال في امة بأكملها؛ فهذا شجاع وذلك حليم والثالث عالم والرابع قوي‪ ،‬وهذه الصفات الخيّرة‬
‫كلها ل تجتمع في فرد واحد إل إذا جمعناها من أمة‪ .‬وأراد الحق سبحانه لبراهيم عليه السلم أن‬
‫يكون جامعا لخير كثير فوصفه بقوله‪ {:‬إِنّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ ُأمّةً }[النحل‪]120 :‬‬
‫ويقول هنا عن ملة إبراهيم‪ } :‬واتّبَعَ مِلّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفا {‪ .‬والملة هي الديانة و " حنيفا " أي " مائل‬
‫عن الباطل إلى الحق "‪ .‬والمعنى اللغوي لكلمة " حنيف " أنّه هو " المائل "‪ .‬وكان إبراهيم حنيفا‬
‫عن الباطل‪ .‬ومتى تُرسل الرسل إلى القوام نعرف أن الرسل تأتي إذا طمّ الفساد وعمّ‪ ،‬وحين‬
‫تكون المجتمعات قادرة على إصلح الفساد الذي فيها‪ ..‬فالحق سبحانه يمهل الناس وينظرهم‪ ،‬لكن‬
‫إذا ما بلغ الفساد َأوْجَهُ‪ ،‬فالحق يرسل رسولً‪ .‬وحين يأتي الرسول إلى قوم ينتشر فيهم الفساد‪،‬‬
‫فالرسول يميل عن الفساد‪ ،‬بهذا يكون الميل عن العوجاج اعتدال‪ } .‬واتّبَعَ مِلّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفا {‪.‬‬
‫خذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلً { فما هي حيثيات الخُلّة؟ لنه‬
‫ويأتي الحق من بعد ذلك بالغاية الواضحة } وَاتّ َ‬
‫يتبع أفضل دين‪ ،‬ويسلم ل وجهه‪ ،‬وكان محسنا‪ ،‬واتبع الملة‪ ،‬وكان حنيفا‪ ،‬هذه هي حيثيات الخُلّة‪.‬‬
‫وكلها كانت صفات سيدنا إبراهيم عليه السلم‪.‬‬
‫لقد حدثونا أن جبريل عليه السلم قد جاء لسيدنا إبراهيم عندما ألقاه أهله في النار‪ ،‬فقال جبريل يا‬
‫إبراهيمم‪ :‬ألك حاجة؟‪.‬‬
‫فقال إبراهيم "‪ " :‬أما إليك فل " ‪ ،‬فقال جبريل فاسأل اربك فقال‪ " :‬حسبي من سؤالي علمه بحالي "‬
‫فقال ال‪ " :‬يا نار كوني بردا وسلما على إبراهيم " أي أنه ل يطلب من جبريل بذاته شيئا‪ .‬وتلك‬
‫قمة السلم ل‪ .‬كما أننا نعرف مدى أنس الناس بأبنائها؛ ونعلم إن إسماعيل قد جاءه ولدا في آخر‬
‫حياته‪ ،‬وأوضح له الحق أنه مبتليه‪ ،‬وكان البتلء غاية في الصعوبة؛ فالبن ل يموت؛ ول يقتله‬
‫أحد ولكن يقوم الب بذبحه‪ ،‬فكم درجة من البتلء مر بها إبراهيم عليه السلم؟!‬
‫وسار إبراهيم لتنفيذ أمر ربه‪ ،‬ولذلك نقرأ على لسان إبراهيم عليه السلم‪ {:‬يابُ َنيّ إِنّي أَرَىا فِي‬
‫حكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىا }[الصافات‪]102 :‬‬
‫ا ْلمَنَامِ أَنّي َأذْبَ ُ‬
‫ويجعل الحق ذلك برؤيا في المنام ل بالوحي المباشر‪ .‬ولننظر إلى ما قاله إسماعيل عليه السلم‪.‬‬
‫جدُنِي إِن شَآءَ اللّهُ مِنَ‬
‫لم يقل‪ " :‬افعل ما بدا لك يا أبي " ولكنه قال‪ {:‬ياأَ َبتِ ا ْف َعلْ مَا تُؤمَرُ سَتَ ِ‬
‫الصّابِرِينَ }[الصافات‪]102 :‬‬
‫أي أن إسماعيل وإبراهيم أسلما معا لمر ال‪.‬‬
‫فماذا فعل ال؟‪ {:‬وَنَادَيْنَاهُ أَن ياإِبْرَاهِيمُ * قَ ْد صَ ّد ْقتَ ال ّرؤْيَآ إِنّا َكذَِلكَ نَجْزِي ا ْل ُمحْسِنِينَ إِنّ هَـاذَا‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫عظِيمٍ * وَتَ َركْنَا عَلَيْهِ فِي الخِرِينَ * سَلَمٌ عَلَىا إِبْرَاهِيمَ * كَذَِلكَ‬
‫َل ُهوَ الْبَلَءُ ا ْلمُبِينُ * َوفَدَيْنَاهُ ِبذِبْحٍ َ‬
‫نَجْزِي ا ْل ُمحْسِنِينَ * إِنّهُ مِنْ عِبَادِنَا ا ْل ُم ْؤمِنِينَ * وَبَشّرْنَاهُ بِِإسْحَاقَ نَبِيّا مّنَ الصّاِلحِينَ }[الصافات‪:‬‬
‫‪]112-104‬‬
‫ول يكتفي الحق بإعطاء إبراهيم إسماعيل ابنا‪ ،‬وله فداء‪ ،‬ولكن رزق ال إبراهيم بابن آخر هو‬
‫إسحاق‪ } .‬وَاتّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلً {‪.‬‬
‫وجلس العلماء ليبحثوا معنى كلمة " خليلً " ‪ ،‬ويبحثوا ما فيها من صفات‪ ،‬وكل الساليب التي‬
‫وردت فيها‪ .‬والكلمة مأخوذة من " الخاء ولم ولم "‪ .‬و " الخَل " ‪ -‬بفتح الخاء ‪ -‬هو الطريق في‬
‫الرمل‪ ،‬وهو ما نسميه في عرفنا " مدقا " ‪ ،‬وعادة يكون ضيقا‪ .‬وحينما يسير فيه اثنان فهما‬
‫يتكاتفان إن كان بينهما ودّ عالٍ‪ ،‬وإن لم يكن بينهما و ّد فواحد يمشي خلف الخر‪ .‬ولذلك سموا‬
‫الثنين الذين يسيران متكاتفين " خليل " فكلهما متخلل في الخر أي متداخل فيه‪ .‬والخليل أيضا‬
‫هو من يسد خلل صاحبه‪ .‬والخليل هو الذي يتحد ويتوافق مع صديقه في الخلل والصفات‬
‫والخلق‪ .‬أو هو من يتخلل إليه النسان في مساتره‪ ،‬ويتخلل هو أيضا في مساتر النسان‪.‬‬
‫والنسان قد يستقبل واحدا من أصحابه في أي مكان سواء في الصالون أو في غرفة المكتب أو‬
‫في غرفة النوم‪ .‬لكن هناك من ل يستقبله إل في الصالون أو في غرفة المكتب‪.‬‬
‫} وَاتّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلً { أي اصطفاه الحق اصطفاءً خاصا‪ ،‬والحب قد يُشارَك فيه‪ ،‬فهو‬
‫سبحانه يحب واحدا وآخر وثالثا ورابعا وكل المؤمنين‪ ،‬فهو القائل‪:‬‬
‫حبّ ال ّتوّابِينَ }[البقرة‪]222 :‬‬
‫{ إِنّ اللّهَ ُي ِ‬
‫حبّ ا ْلمُ ّتقِينَ }[آل عمران‪]76 :‬‬
‫وسبحانه القائل‪ {:‬فَإِنّ اللّهَ ُي ِ‬
‫حبّ الصّابِرِينَ }[آل عمران‪]146 :‬‬
‫وهو يعلمنا‪ {:‬وَاللّهُ ُي ِ‬
‫حسِنِينَ }[آل عمران‪]148 :‬‬
‫حبّ ا ْلمُ ْ‬
‫ويقول لنا‪ {:‬وَاللّهُ ُي ِ‬
‫حبّ ا ْل ُمقْسِطِينَ }[الممتحنة‪]8 :‬‬
‫ويقول أيضا‪ {:‬إِنّ اللّهَ يُ ِ‬
‫لكنه اصطفى إبراهيم خليلً‪ ،‬أي ل مشاركة لحد في مكانته‪ ،‬أما الحب فيعم‪ ،‬ولكن الخلّة ل‬
‫مشاركة فيها‪ .‬ولذلك نرى رسول ال صلى ال عليه وسلم يخرج إلى قومه قائلً‪ " :‬أما بعد أيها‬
‫الناس فلو كنت متخذا من أهل الرض خليل لتخذت أبا بكر بن أبي قحافة خليل وإن صاحبكم‬
‫خليل ال تعالى) يعني نفسه "‪.‬‬
‫وإسماعيل صبري الشاعر المصري الذي كان أسبق من أحمد شوقي وكان شيخا للقضاة‪ .‬التقط‬
‫هذا المعنى من القرآن ومن اللفاظ التي دارت عليه في القرآن‪ ،‬ويقول‪:‬ولما التقينا قرب الشوق‬
‫جهده خليلين زادا لوعة وعتاباكأن خليلً في خلل خليله تسرب أثناء العناق وغاباوشاعر آخر‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يقول‪:‬فضمنا ضمة نبقى بها واحدا ولكن إسماعيل صبري قال ما يفوق هذا المعنى‪ :‬لقد تخللنا كأن‬
‫بعضنا قد غاب في البعض الخر‪.‬‬
‫سمَاوَاتِ‪{ ...‬‬
‫ويقول الحق بعد ذلك‪ } :‬وَللّهِ مَا فِي ال ّ‬

‫(‪)612 /‬‬
‫شيْءٍ مُحِيطًا (‪)126‬‬
‫ض َوكَانَ اللّهُ ِب ُكلّ َ‬
‫سمَاوَاتِ َومَا فِي الْأَ ْر ِ‬
‫وَلِلّهِ مَا فِي ال ّ‬

‫وسبحانه أوضح في آية سابقة أنه ل ولي ول نصير للكافرين أو للمنافقين‪.‬‬
‫ويؤكد لنا المعنى هنا‪ :‬إياكم أن تظنوا أن هناك َمهْرَبا أو محيصا أو معزلً أو مفرا؛ فلله ما في‬
‫السموات وما في الرض‪ ،‬فل السموات ُتؤِوي هاربا منه‪ ،‬ول مَن في السموات يعاون هاربا منه‪،‬‬
‫وسبحانه المحيط علما بكل شيء والقادر على كل شيء‪.‬‬
‫ويقول الحق بعد ذلك‪ { :‬وَيَسْ َتفْتُو َنكَ فِي النّسَآءِ ُقلِ اللّهُ‪} ...‬‬

‫(‪)613 /‬‬
‫ن َومَا يُتْلَى عَلَ ْي ُكمْ فِي ا ْلكِتَابِ فِي يَتَامَى النّسَاءِ اللّاتِي لَا‬
‫وَيَسْ َتفْتُو َنكَ فِي النّسَاءِ ُقلِ اللّهُ ُيفْتِيكُمْ فِيهِ ّ‬
‫ن وَأَنْ َتقُومُوا لِلْيَتَامَى‬
‫ض َعفِينَ مِنَ ا ْلوِ ْلدَا ِ‬
‫ن وَا ْلمُسْ َت ْ‬
‫ن وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَ ْنكِحُوهُ ّ‬
‫ُتؤْتُونَهُنّ مَا كُ ِتبَ َلهُ ّ‬
‫ط َومَا َت ْفعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنّ اللّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (‪)127‬‬
‫بِا ْلقِسْ ِ‬

‫" ويستفتونك " أي يطلبون الفتيا‪ ،‬ونعرف أن الدين قد مرّ بمراحل منها قول الحق‪( :‬يسألونك)‪.‬‬
‫وهي تعبير عن سؤال المؤمنين في مواضع كثيرة‪ .‬ومرحلة ثانية هي‪ " :‬ويستفتونك "‪ .‬وما الفارق‬
‫بين الثنين؟‬
‫لقد سألوا عن الخمر والهلّة والمحيض والنفاق‪ .‬والسؤال هو لرسول ال صلى ال عليه وسلم مع‬
‫أنه قال‪:‬‬
‫" ذروني ما تركتكم فإنما هلك من قبلكم بكثرة سؤالهم واختلفهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بشيء‬
‫فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه "‪.‬‬
‫أي أنه طلب منهم ألّ ينبشوا وألّ يُفتشوا في أشياء قد يجلبون بها على أنفسهم تكاليف جديدة‪ ،‬ومع‬
‫ذلك سألوه عن رغبة في معرفة أي حكم يحدد حركة النسان في الحياة‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ولو كانوا ل يريدون تحديد حركة حياتهم فلماذا يسألونه؟‪ .‬كان السؤال دليلً على أن السائل قد‬
‫عشق منهج ال فأحب أن يجعل منهج ال مسيطرا على كل أفعاله‪ ،‬فالشيء الذي أجمله وأوجزه‬
‫ال يحب أن يسأل عنه‪.‬‬
‫وأيضا فالسلم جاء ليجد عاداتٍ للجاهلية وللعرب ولهم أحكام يسيرون عليها صنعوها لنفسهم‬
‫فلم يغير السلم فيها شيئا‪ ،‬فما أحبوا أن يستمروا في ذلك لمجرد أنه من عمل آبائهم‪ ،‬ولكن أحبوا‬
‫أن يكون كل سلوك لهم من صميم أمر السلم؛ لذلك سألوه في أشياء كثيرة‪.‬‬
‫أما الستفتاء فهو عن أمر قد يوجد فيه حكم ملتبس‪ ،‬ولذلك يقول الواحد في أمر ما‪ :‬فلنستفت عالما‬
‫في هذا المر؛ لن معنى الستفتاء عدم قدرة واحد من الناس أو جماعة منهم في استنباط حكم أو‬
‫معرفة هذا الحكم‪ ،‬ولذلك يردون هذا المر إلى أهله‪.‬‬
‫لمْرِ مِ ْنهُمْ َلعَِلمَهُ الّذِينَ يَسْتَنْ ِبطُونَهُ مِ ْنهُمْ }[سورة‬
‫ل وَإِلَىا ُأوْلِي ا َ‬
‫والحق يقول‪ {:‬وََلوْ رَدّوهُ إِلَى الرّسُو ِ‬
‫النساء‪]83 :‬‬
‫الستفتاء ‪ -‬إذن ‪ -‬يكون لحكم موجود‪ ،‬ولكن المستفتي ل يملك القدرة على استنباطه‪ .‬ولذلك نجد‬
‫المجتمعات السلمية تخصص دارا للفتاء؛ لن المؤمن قد ل يعلم كل الجزئيات في الدين‪ .‬وقد‬
‫يعيش حياته ول تمر به هذه الجزئيات‪ ،‬مثل أبواب الوقف أو المضاربة أو الميراث‪ ،‬فإن حدثت له‬
‫مسألة فهو يستفتي فيها أهل الذكر‪ .‬فالسؤال يكون محل العمل الرتيب‪ ،‬أما الفتوى فهي أمر ليس‬
‫المطلوب أن تكون المعرفة به عامة‪ .‬ولذلك يتجه المستفتي إلى أهل الذكر طالبا الفتيا‪.‬‬
‫والحق يقول‪ { :‬وَيَسْ َتفْتُو َنكَ فِي النّسَآءِ } كأنهم قالوا للرسول‪ :‬نريد حكم ال فيما يتعلق بالنساء حلً‬
‫وحرمة وتصرفا‪ .‬فكيف يكون الجواب؟‪ُ { :‬قلِ اللّهُ ُيفْتِيكُمْ فِيهِنّ } ولم يؤجل ال الفتوى لستفتائهم‬
‫بل سبق أن قاله‪ ،‬وعلى الرغم من ذلك فإنه ‪ -‬سبحانه ‪ -‬يفتيهم من جديد‪.‬‬
‫فلعل الحكم الذي نزل أولً ليس على بالهم أو ليسوا على ذكر منه‪.‬‬
‫ن َومَا يُ ْتلَىا عَلَ ْيكُمْ فِي ا ْلكِتَابِ فِي يَتَامَى‬
‫فقال الحق‪ {:‬وَيَسْ َتفْتُو َنكَ فِي النّسَآءِ ُقلِ اللّهُ ُيفْتِيكُمْ فِيهِ ّ‬
‫النّسَآءِ }[النساء‪]127 :‬‬
‫أي أن الحق يفتيكم في أمرهن‪ ،‬وسبق أن نزل في الكتاب‪ ،‬آية من سورة النساء‪ .‬قال الحق فيها‪{:‬‬
‫لثَ وَرُبَاعَ }[النساء‪:‬‬
‫خفْتُمْ َألّ ُتقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَىا فَانكِحُواْ مَا طَابَ َلكُمْ مّنَ النّسَآءِ مَثْنَىا وَثُ َ‬
‫وَإِنْ ِ‬
‫‪]3‬‬
‫وتوالت آيات من بعد ذلك في أمر النساء‪.‬‬
‫ن َومَا يُتْلَىا عَلَ ْي ُكمْ فِي ا ْلكِتَابِ {‪.‬‬
‫فقوله الحق‪ُ } :‬قلِ اللّهُ ُيفْتِيكُمْ فِيهِ ّ‬
‫إنما يعلمنا أن النسان ل يصح أن يتعجل الستفتاء في شيء إل إذا استعرض قبل ذلك ما عنده‬
‫من علم لعله يجد فيه الجواب الذي يغنيه عن أن يستفتي‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ومع أن الستفتاء في أمر النساء جملة‪ :‬صغيرات وكبيرات‪ ،‬يتيمات وغير يتيمات فلماذا جاء‬
‫الجواب في يتامى النساء؛ لن النساء الكبيرات لهن القدرة على أن يبحثن أمورهن‪ ،‬ولسن‬
‫ضعيفات‪ ،‬أمّا اليتيمة فهي ضعيفة الضعيفات‪ ،‬وعرفنا معنى اليتيم‪ ،‬واليتيم حيث ل يبلغ النسان‬
‫حدّ البلوغ سواء أكان رجلً أم امرأة أنه يتيم؛‬
‫المبلغ الذي يصبح فيه مستقلً‪ ،‬فل يقال لمن بلغ َ‬
‫لذلك جاء الجواب خاصا بيتامى النساء؛ لن يتامى النساء هُنّ دائما تحت أولياء‪ ،‬هؤلء الولياء‬
‫الذين نسميهم في عصرنا بـ " الوصياء " حالتان‪ :‬فإن كانت البنت جميلة وذات مالٍ فالوصي‬
‫يحب أن ينكحها ليستمتع بجمالها ويستولي على مالها‪ .‬وإن كانت دميمة فالوصي ل يرغب في‬
‫زواجها لذلك يعضلها‪ ،‬أي يمنعها من أن تتزوج؛ لنها إن تزوجت فسيكون الزوج هو الولى‬
‫بالمال‪.‬‬
‫فاحتاجت هذه المسألة إلى تشريع واضح‪ .‬وها نحن أولء نجد سيدنا عمر ‪ -‬رضي ال عنه ‪-‬‬
‫وكانت له الفراسات التي تُسمى الفراسات الفاروقية جاءه واحد يسأله عن أمر يتيمة تحت‬
‫وصايته‪ ،‬فقال سيدنا عمر‪:‬‬
‫ إن كانت جميلة فدعها تأخذ خيرا منك‪ ،‬وإن كانت دميمة فخذها زوجة وليكن مالها شفيعا‬‫لدمامتها‪.‬‬
‫ويقول الحق‪َ {:‬ومَا يُتْلَىا عَلَ ْيكُمْ فِي ا ْلكِتَابِ فِي يَتَامَى النّسَآءِ الّلتِي لَ ُتؤْتُو َنهُنّ مَا كُ ِتبَ َلهُنّ }‬
‫[النساء‪]127 :‬‬
‫والذي كتب لهن إما أن يكون مهورا‪ .‬وإمّا أن يكون تركة‪ ،‬وجاء القول الحكيم ليرفع عن المرأة‬
‫عسف الولي‪ .‬وجاء المر بهذا السلوب العالي الذي ل يمكن أن يقوله غير رب كريم‪ ،‬ونجد مادة‬
‫" رغب " تعني " أحب "‪ .‬فإذا ما كان الحال " أحب أن يكون " يقال‪ " :‬رغب فيه " ‪ ،‬وإذا " أحب‬
‫غبُ عَن مّلّةِ إِبْرَاهِيمَ }[البقرة‪]130 :‬‬
‫ألّ يكون " فيقال‪ " :‬رغب عنه "‪ .‬ولذلك قال الحق‪َ {:‬ومَن يَرْ َ‬
‫ومادامت " عن " جاءت كما في الية فما بعدها هو المتروك‪ .‬لكن لو كان القول " رغب في " فهو‬
‫لمر محبوب‪ .‬وكلمة " ترغبون " في هذه الية نجدها محذوفة الحرف الذي يقوم بالتعدية حبا أو‬
‫كرها؛ لنها تقصد المعنيين‪.‬‬
‫فإن كانت الرغبة في المرأة‪ ..‬تصير " ترغبون في " وإن كانت المرأة دميمة وزهد فيها القول‬
‫يكون‪ " :‬ترغبون عن " ول يقدر أحد غير ال على أن يأتي بأسلوب يجمع بين الموقفين‬
‫المتناقضين‪ .‬وجاء الحق ليقنن للمرين معا‪.‬‬
‫ض َعفِينَ مِنَ ا ْلوِ ْلدَانِ { بجانب اليتيمات وهو الصنف‬
‫ويأتي الحق من بعد ذلك بالقول‪ } :‬وَا ْلمُسْ َت ْ‬
‫المستضعف الخر‪ ،‬أي اليتيم الذي لم يبلغ مبلغ الرجال وحينما يتكلم سبحانه عن الولية والوصاية‬
‫على مثل هؤلء فهو يتكلم بأسلوبين اثنين‪ ،‬وإن لم يكن للنسان ملكة استقبال السلوب البليغ فقد‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يقول‪ :‬هذا كلم متناقض‪ ،‬لكن لو تمتع النسان بملكة استقبال السلوب البليغ فقد يقول‪ :‬إن عظمة‬
‫س َفهَآءَ َأ ْموَاَلكُمُ }[النساء‪:‬‬
‫هذا السلوب ل يمكن أن يأتي به إل رب كريم‪ .‬فالحق قال‪ {:‬وَلَ ُتؤْتُواْ ال ّ‬
‫‪]5‬‬
‫قال ال ذلك على الرغم من أن الموال هي في الصل ملك للسفهاء؛ فالمال ليس ماله إلى أن‬
‫يعود إليه رشده‪ ،‬وقد جعل السلم الخوة اليمانية للتكاتف والتكافل‪ ،‬وساعة يرى المسلمون‬
‫واحدا من السفهاء فهم يحجرون على سلوكه حماية لماله من سفهه‪ ،‬والمال يصان ويحفظ‬
‫ومطلوب من الوصيّ والولي أن يحميه‪ ،‬هذا ما قاله الحق في السفهاء‪.‬‬
‫والحق يتكلم في اليتامى‪ .‬فيقول سبحانه‪ {:‬وَابْتَلُواْ الْيَتَامَىا حَتّىا ِإذَا بََلغُواْ ال ّنكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مّ ْنهُمْ‬
‫رُشْدا فَا ْد َفعُواْ إِلَ ْيهِمْ َأ ْموَاَلهُمْ }[النساء‪]6 :‬‬
‫لن السفيه أو المبذر ليس لي منهما سلطة التصرف في المال بل سلطة التصرف تكون للوصي‪،‬‬
‫وينتسب المال في هذه الحالة للوصي لنه القائم عليه والحافظ له‪ ،‬لكن ما إن يبلغ القاصر الرشد‬
‫فعلى الوصي أن يرد له المال‪.‬‬
‫ونحن أمام آية تضع القواعد لليتامى من النساء والمستضعفين من الولدان‪َ {:‬ومَا يُتْلَىا عَلَ ْي ُكمْ فِي‬
‫ضعَفِينَ مِنَ‬
‫ن وَا ْلمُسْ َت ْ‬
‫ن وَتَرْغَبُونَ أَن تَن ِكحُوهُ ّ‬
‫ا ْلكِتَابِ فِي يَتَامَى النّسَآءِ الّلتِي لَ ُتؤْتُو َنهُنّ مَا كُ ِتبَ َلهُ ّ‬
‫ط َومَا َت ْفعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنّ اللّهَ كَانَ ِبهِ عَلِيما }[النساء‪]127 :‬‬
‫سِ‬
‫ن وَأَن َتقُومُواْ لِلْيَتَامَىا بِا ْلقِ ْ‬
‫ا ْلوِلْدَا ِ‬
‫ما معنى القيامة لليتامى بالقسط؟ والقسط ‪ -‬بالكسر ‪ -‬تعني العدل‪ .‬وتختلف عن " القَسط " ‪ -‬بفتح‬
‫القاف ‪ -‬وهو يعني الجور‪ ،‬قَسَط ‪ -‬يقْسِط أي عدل‪ ،‬وقسط َيقْسُط‪ ،‬أي جار‪ ،‬فالعدل مصدره "‬
‫القِسط " بالكسر للقاف‪ ،‬والجور مصدره " القَسط " بالفتح للقاف‪.‬‬
‫وبعض من الذين يريدون الستدراك على كلم ال سفها بغير علم ‪ -‬قالوا‪:‬‬
‫ يأتي القرآن بالقسط بمعنى العدل في آيات متعددة‪ ،‬ثم يأتي في موقع آخر ليقول‪ {:‬وََأمّا‬‫حطَبا }[الجن‪]15 :‬‬
‫جهَنّمَ َ‬
‫ا ْلقَاسِطُونَ َفكَانُواْ لِ َ‬
‫و " القاسطون " هي اسم فاعل من قسط‪ ،‬ونقول‪ :‬ومن قال لكم‪ :‬إن " قسط " تستخدم فقط في معنى‬
‫" عدل " ‪ ،‬إنها تستعمل في " عدل " وفي " جار "‪.‬‬
‫سطِينَ }[المائدة‪]42 :‬‬
‫حبّ ا ْل ُمقْ ِ‬
‫وسبحانه يقول عن العادلين‪ {:‬إِنّ اللّهَ يُ ِ‬
‫القاسط يذهب إلى النار‪ ،‬وهي مأخوذة من " قَسَط يقسٌُط "‪ .‬والمقسط يذهب إلى الجنة‪ ،‬ومقسط‬
‫مأخوذة من أقسط‪.‬‬
‫وعندما نرى " أقسط " نراها تبدأ بهمزة الزالة‪ ،‬أي كان هناك جور فأزلناه‪ .‬أما القِسط ‪ -‬بالكسر‬
‫ فهو العدل من البداية هو " يقسِط "‪ .‬بكسر السين في المضارع‪ ،‬أما يقسُط ‪ -‬بضم السين في‬‫المضارع ‪ -‬تعني " يجور ويظلم "‪ .‬ومن محاسن اللغة نجد اللفظ الواحد يُستعمل لكثر من معنى؛‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ليتعلم النسان لباقة الستقبال‪،‬وليفهم الكلمات في ضوء السياق‪.‬‬
‫وقديما كانت اللغة ملكة ل صناعة كما هي الن في عصرنا‪ .‬كانت اللغة ملكة إلى درجة أنهم إذا‬
‫شكلوا الكتاب إلى المرسل إليه يغضب‪ ،‬ويرد الكتاب إلى مرسله ويقول لمن أرسله‪ :‬أتشك في‬
‫قدرتي على قراءة كتابك دون تشكيل؟‪ .‬فتشكيل الكتاب سوء ظن بالمكتوب إليه‪ ،‬وفي عصرنا نجد‬
‫من يلقي خطابا يطلب تشكيل الخطاب حتى ينطق النطق السليم‪.‬‬
‫والحق سبحانه وتعالى يقول‪ } :‬وَأَن َتقُومُواْ لِلْيَتَامَىا بِا ْلقِسْطِ { وجاء الحكم في قوله الحق‪ {:‬وَآتُواْ‬
‫الْيَتَامَىا َأ ْموَاَلهُمْ }[النساء‪ ]2 :‬وسبحانه يتكلم في المهور والموال ويرتفع بالمر إلى مرتبة اعتبار‬
‫حسن التصرف في أمور اليتامى من المسئولية اليمانية؛ فقد تكون اليتيمة ل مال لها وليست‬
‫جميلة حتى يُطمع فيها أو في مالها‪ ،‬وفي هذه الحالة يجب على الولي أن يرعاها ويرعى حق ال‬
‫فيها‪.‬‬
‫سطِ { هو أمر بأن يقوم المؤمن على أمر اليتامى بالعدل؛‬
‫وقوله الحق‪ } :‬وَأَن َتقُومُواْ لِلْيَتَامَىا بِا ْلقِ ْ‬
‫لن اليتيمة قد تكون مع الولي ومع أهله‪ ،‬وقد يكون لليتيمة شيء من الوسامة‪ ،‬فيسرع إليها الولي‬
‫بعطف وحنان زائد عن أولده‪ ،‬وينبه الحق أن رعاية اليتيمة يجب أن تتسم بالعدل‪ ،‬ول تزيد‪.‬‬
‫ويقول سبحانه‪:‬‬
‫} َومَا َت ْفعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنّ اللّهَ كَانَ بِهِ عَلِيما { ليدلنا على أن أمر الفعل والقيام به ليس مناط‬
‫الجزاء‪ ،‬ولكن أمر النية في الفعل هو مناط الجزاء‪ ،‬فإياك أيها المؤمن أن تقول‪ :‬فعلت‪ ،‬ولكن قل‪:‬‬
‫فعلت بنيّة كذا‪.‬‬
‫إن الذي يمسح على رأس اليتيم يكون صاحب حظ عظيم في الثواب‪ ،‬ومن يكفل اليتيم فهو مع‬
‫النبي صلى ال عليه وسلم في الجنة‪ .‬والذي يقدر ذلك هو ال ‪ -‬سبحانه ‪ -‬العليم بالخفايا حسب‬
‫نية الشخص الذي يقوم بهذا العمل؛ فقد يتقرب واحد من يتيم ويتكلف العطف والحنان بينما يقصد‬
‫التقرب إلى أم اليتيم؛ لذلك فمناط الجزاء ومناط الثواب هو في النيّة الدافعة والباعثة على العمل‪.‬‬
‫ول يكفي أن يقول النسان‪ :‬إن نيّتي طيبة‪ ،‬ول يعمل؛ فالحديث الشريف يقول‪:‬‬
‫" إنما العمال بالنيّات وإنما لكل امرئ ما نوى‪ ،‬فمن كانت هجرته إلى ال ورسوله فهجرته إلى‬
‫ال ورسوله‪ ،‬ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه "‬

‫أي ل بد من ارتباط واقتران النيّة بالعمل؛ لن ال يريد منا أن نعمل الخير وبذلك يعدي النسان‬
‫الخير من نفسه إلى غيره وهذا هو المطلوب‪ ،‬فوجود النيّة للخير وحدها ل يكفي‪ ،‬وإن افتقد‬
‫النسان النيّة وأدّى العمل فغيره يأخذ خيره ول يأخذ هو شيئا سوى التعب‪ .‬فإن أراد النسان أن‬
‫يكون له ثواب فل بد من وجود نيّة طيبة‪ ،‬وعمل صالح‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ولم يقل الحق‪ " :‬وما تفعلوا من خير فإن ال به عليم "؛ لنه سبحانه عليم ل بعد أن نصنع العمل‬
‫بل بكمال قدرته يعلم قبل أن نصنع الخير‪ ،‬وكل شيء كان معلوما ل قبل أن يخلق الوجود‪ ،‬ول‬
‫ينتظر سبحانه إلى أن يقوم النسان بالعمل حتى يحصل ويحدث منه العلم‪ .‬بل إنه ‪ -‬جل شأنه ‪-‬‬
‫يعلم كل شيء علما أزليّا؛ لذلك قال‪ } :‬فَإِنّ اللّهَ كَانَ ِبهِ عَلِيما {؛ لن كل أمر برز في الوجود إنما‬
‫كان على وفق ما علمه ال أزلً قبل أن يوجد الوجود‪.‬‬
‫وفي المجال البشري نرى المهندس يتلقى التعليمات من صاحب الرض الخلء ويقول له‪ :‬صمم‬
‫لي قصرا صغيرا على مساحة كذا ومكونا من كذا حجرة‪ .‬وعدد محدود من دورات المياه‪ ،‬وبعد‬
‫ذلك يصمم المهندس الرسم الهندسي على الورق حسب أوامر صاحب الرض‪ .‬وقد يكون صاحب‬
‫الرض دقيقا فطنا غايةً في الدقة فيقول للمهندس‪ :‬إنني أريد أن تصنع لي نموذجا صغيرا قبل‬
‫البناء بحيث أرى تطبيقا واقعيا بمقياس هندسي مصغر‪ ،‬وأن تبنى الحجرات بقطاعات واضحة‬
‫حتى أرى ألوانها وكيفيتها‪.‬‬
‫هكذا العالَم قبل أن يوجد‪ ،‬كان معلوما علما تفصيليا بكل دقائقه وأبعاده عند خالقه‪ ،‬والنماذج‬
‫المصغرة التي يصنعها البشر قد يقصر البشر فيها عن صناعة شيء لعدم توافر المواد‪ ،‬كالنجار‬
‫الذي يقصر في صنع حجرة نوم من خشب الورد لندرته‪ ،‬فيستعيض بخشب من نوع آخر‪ ،‬وذلك‬
‫خلل في علم وقدرة المنفذ‪ .‬أما خلق ال فهو يبلغ تمام الدقة؛ لنه ‪ -‬سبحانه ‪ -‬هو الصانع الول‪.‬‬
‫هذا ما يجب أن نفهمه عندما نقرأ‪ } :‬فَإِنّ اللّهَ كَانَ ِبهِ عَلِيما {‪.‬‬
‫وبعد ذلك يتكلم الحق عما يتعلق بالنساء فيقول‪ } :‬وَإِنِ امْرََأةٌ خَا َفتْ مِن َبعِْلهَا ُنشُوزا‪{ ...‬‬

‫(‪)614 /‬‬
‫وَإِنِ امْرََأةٌ خَا َفتْ مِنْ َبعِْلهَا نُشُوزًا َأوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَ ْي ِهمَا أَنْ ُيصْلِحَا بَيْ َن ُهمَا صُ ْلحًا وَالصّلْحُ‬
‫حسِنُوا وَتَتّقُوا فَإِنّ اللّهَ كَانَ ِبمَا َت ْعمَلُونَ خَبِيرًا (‪)128‬‬
‫ح وَإِنْ تُ ْ‬
‫حضِ َرتِ الْأَ ْنفُسُ الشّ ّ‬
‫خَيْ ٌر وَُأ ْ‬

‫حدٌ مّنَ ا ْلمُشْ ِركِينَ اسْتَجَا َركَ فََأجِ ْرهُ }‬
‫وساعة نرى " إن " وبعدها اسم مرفوع كما في قوله‪ {:‬وَإِنْ أَ َ‬
‫[التوبة‪]6 :‬‬
‫فلنعرف أن " إنْ " هذه داخلة على فعل‪ ،‬أي أن ترتيبها الساسي هو‪ :‬وإن استجارك أحد من‬
‫المشركين فأجره‪ .‬وهنا في هذه الية‪ :‬يكون التقدير‪ :‬وإن خافت إمرأة من بعلها نشوزا‪ ،‬وما‬
‫الخوف؟‪ .‬هو توقع أمر محزن أو مسيء؛ لم يحدث بعد ولكن النسان ينتظره‪ ،‬وحين يخاف‬
‫النسان فهو يتوقع حدوث المر السيء‪ .‬وهكذا نجد أنّ الخوف هو توقع ما يمكن أن يكون متعبا‪.‬‬
‫وقوله الحق‪ { :‬وَإِنِ امْرََأةٌ خَا َفتْ مِن َبعِْلهَا نُشُوزا َأوْ إِعْرَاضا } أي أن النشوز لم يحدث ولكن‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫المرأة تخاف أن يحدث‪ .‬ورتب الحق الحكم على مجرد الخوف من النشوز ل حدوث النشوز‬
‫بالفعل‪ ،‬وهذه لفتة لكل منا أل يترك المسائل حتى تقع‪ ،‬بل عليه أن يتلفى أسبابها قبل أن تقع؛‬
‫لنها إن وقعت ربما استعصى عليه تداركها وإن رأت المرأة بعضا من ملمح نشوز الزوج‬
‫فعليها أن تعالج المر‪.‬‬
‫ونلحظ أن الحق يتكلم هنا عن نشوز الرجل‪ ،‬وسبق أن تكلم سبحانه عن نشوز المرأة‪ {:‬وَاللّتِي‬
‫تَخَافُونَ نُشُوزَهُنّ }[النساء‪]34 :‬‬
‫ما النشوز؟ عندما نسمع عن الموسيقى نجد من يقول‪ " :‬هذه نغمة نشاز " أي أنها نغمة خرجت‬
‫عن تسلسل النغم وإيقاعه‪ .‬والصل فيها مأخوذ من النشز‪ ،‬وهو ما ارتفع وظهر من الرض‪،‬‬
‫والمفروض في الرض أن تكون مبسوطة‪ ،‬فإن وجدنا فيها نتوءا فهذا اسمه نشوز‪.‬‬
‫والصل في علقة الرجل بزوجته‪ ،‬أن الرجل قد أخذ المرأة سكنا له ومودة ورحمة وأفضى إليها‬
‫وأفضت إليه‪ ،‬واشترط الفقهاء في الزواج التكافؤ أي أن يكون الزوجان متقاربين؛ ولذلك قال‬
‫ن وَالطّيّبُونَ لِلْطّيّبَاتِ }[النور‪]26 :‬‬
‫ن وَالْخَبِيثُونَ لِ ْلخَبِيثَاتِ وَالطّيّبَاتُ لِلطّيّبِي َ‬
‫الحق‪ {:‬الْخَبِيثَاتُ لِ ْلخَبِيثِي َ‬
‫حتى الكفاءة تكون في الطيبة أوالخبث‪ ،‬فل يأتي واحد بامرأة خبيثة ويزوجها لرجل طيب كي ل‬
‫تتعبه‪ ،‬ول يأتي واحد برجل خبيث ويزوجه بامرأة طيبة كي ل يتعبها؛ لن الطيب عندما يتزوج‬
‫طيبة تريحه وتقدره‪.‬‬
‫وكذلك الخبيث عندما يتزوج خبيثة فإنهما يتوافقان في الطباع والسلوك‪ ،‬وفي هذا توازن‪ ،‬والخبيث‬
‫إن لم يخجل من الفضيحة‪ ،‬فالخبيثة ل تخجل منها أيضا‪ ،‬أما الطيب والطيبة فكلهما يخشى على‬
‫مشاعر الخر ويحافظ على كرامته‪ ،‬فإن خافت امرأة من بعلها نشوزا أي ارتفاعا عن المستوى‬
‫المفترض في المعاملة‪ ،‬في السكن والمودة والرحمة التي ينبغي أن تكون موجودة بين الزوجين‪،‬‬
‫وهي قد أفضت إليه وأفضى إليها‪ ،‬فإن خافت أن يستعلي عليها بنفسه أو بالنفقة أو ينالها‬
‫بالحتقار‪ ،‬أو ضاعت منه مودته أو رحمته‪ ،‬هذا كله نشوز‪ .‬وبل حدوث ذلك على الزوجة الذكية‬
‫أن تنتبه لنفسها وترى ملمح ذلك النشوز في الزوج قبل أن يقع‪ ،‬فإن كانت السباب من جهتها‬
‫فعليها أن تعالج هذه السباب‪ ،‬وترجع إلى نفسها وتصلح من المر‪.‬‬
‫وإن كانت منه تحاول كسب مودته مرة أخرى‪.‬‬
‫} وَإِنِ امْرََأةٌ خَا َفتْ مِن َبعِْلهَا ُنشُوزا َأوْ إِعْرَاضا { والعراض يعني أنه لم ينشزبعد ولكنه ل‬
‫يؤانس الزوجة ول يحدثها ول يلطفها على الرغم من أنه يعطيها كل حقوقها‪ .‬وعلى المرأة أن‬
‫تعالج هذه المسألة أيضا‪ .‬والقضية التي بين اثنين ‪ -‬كما قلنا ‪ -‬وقال ال عنهما‪َ {:‬وقَدْ َأ ْفضَىا‬
‫ضكُمْ إِلَىا َب ْعضٍ }[النساء‪]21 :‬‬
‫َب ْع ُ‬
‫وقال في ذلك أيضا‪ {:‬هُنّ لِبَاسٌ ّلكُ ْم وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ ّلهُنّ }[البقرة‪]187 :‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أي أن يغطي الرجل المرأة وتغطي المرأة الرجل فهي ستر له وهو ستر لها وحماية‪ .‬ونعرف أن‬
‫المرأة إن دخل عليها أبوها أو أخوها فهي تداري أي جزء ظاهر من جسمها‪ ،‬أما عندما يدخل‬
‫عليها زوجها فل تستر ول تخفي شيئا‪.‬‬
‫ويعرف كل زوج متزوج وكل امرأة متزوجة أن بينهما إفضاءً متبادلً‪ ،‬فقد أباح ال للرجل من‬
‫زوجته ما ل يبيحه لحد‪ ،‬وكذلك المرأة‪ ،‬فل يقول الرجل أي نعت أو وصف جارح للمرأة‪ ،‬وعلى‬
‫المرأة أن تحافظ كذلك على زوجها‪ .‬ولها أن تتذكر أنها اطلعت على عورته بحق ال‪ ،‬واطلع على‬
‫عورتها بحق ال‪.‬‬
‫والحق سبحانه وتعالى يريد أن ينهي هذا الخلف قبل أن يقع؛ لذلك أوجب على المرأة أن تبحث‬
‫عن سبب النشوز وسبب العراض فقد تكون قد كبرت في العمر أو نزلت بها علة ومرض وما‬
‫زال في الرجل بقية من فتوة‪ .‬وقد يصح أن امرأة أخرى قد استمالته أو يرغب في الزواج بأخرى‬
‫لي سبب من السباب‪ ،‬هنا على المرأة أن تعالج المسألة علج العقلء وتتنازل عن قَسْمها‪ ،‬فقد‬
‫تكون غير مليحة وأراد هو الزّواج فلتسمح له بذلك‪ ،‬أو تتنازل له عن شيء من المهر‪ ،‬المهم أن‬
‫يدور الصلح بين الرجل وزوجته‪ ،‬وهي مهمة الرجل كما أنها مهمة المرأة‪.‬‬
‫} فَلَ جُنَاْحَ عَلَ ْي ِهمَآ أَن ُيصْلِحَا بَيْ َن ُهمَا صُلْحا { والصلح هنا مهمة الثنين معا؛ لن كل مشكلة ل‬
‫تتعدى الرجل والمرأة يكون حلها يسيرا‪ ،‬والذي يجعل المشكلت صعبة هم هؤلء الذين يتدخلون‬
‫في العلقة بين الرجل والمرأة‪ ،‬وليس بينهما ما بين الرجل والمرأة‪ ،‬والرجل قد يختلف مع المرأة‬
‫ويخرج من المنزل ويهدأ ويعود‪ ،‬فتقول له الزوجة كلمة تنهي الخلف لكن إن تدخل أحد القارب‬
‫فالمشكلة قد تتعقد مِن تدخل من ل يملك سببا أو دافعا لحل المشكلة‪.‬‬
‫لذلك يجب أن ننتبه إلى قول الحق هنا‪ } :‬فَلَ جُنَاْحَ عَلَ ْي ِهمَآ أَن ُيصْلِحَا بَيْ َن ُهمَا {‪.‬‬
‫وأولى درجات الصلح بين الرجل والمرأة هو أن يقوم كل منهما بمسئوليته وليتذكر الثنان قول‬
‫الحق‪ {:‬وَعَسَىا أَن َتكْرَهُواْ شَيْئا وَ ُهوَ خَيْرٌ ّلكُمْ }[البقرة‪]216 :‬‬
‫وكذلك قول الحق سبحانه‪:‬‬
‫ج َعلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرا كَثِيرا }[النساء‪]19 :‬‬
‫{ فَإِن كَرِهْ ُتمُوهُنّ َفعَسَىا أَن َتكْرَهُواْ شَيْئا وَيَ ْ‬
‫وليظنن رجل أن هناك امرأة هي مجمع كل الجمال والخيرات؛ لن كل خصال الخير التي‬
‫تتطلبها الحياة‪ ،‬قد ل تتوافر في المرأة الجميلة‪ .‬بل قد توجد في المرأة التي ليست على حظ من‬
‫الحسن؛ لن ذات الحسن قد تستند إلى رصيد حسنها‪ .‬أما التي ليس لها حظ من الحسن فهي‬
‫تحاول أن تكون أمينة ومطيعة ومدبرة وحسنة التصرف مع أهل زوجها؛ لنها تريد أن تستبقي‬
‫لنفسها رصيد استبقاء‪.‬‬
‫ولذلك نجد اللتي ليس لهن حظ من الحسن هن الغالبية الكبيرة في حمل أعباء تكوين السرة‪ ،‬فل‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يصح أن يأخذ الرجل الزاوية الوحيدة للجمال الحسيّ‪ ،‬بل عليه أن يأخذ الجمال بكل جوانبه‬
‫وزواياه؛ لن الجمال الحسيّ قد يأخذ بعقل الرجال‪ ،‬لكن عمره قصير‪ .‬وهناك زوايا من الجمال ل‬
‫نهاية إل بنهاية العمر‪.‬‬
‫وقد حدّثونا عن واحد من الصالحين كانت له امرأة شديدة المراس والتسلط عليه‪ ،‬وهو رجل طيب‬
‫فقال لها‪ :‬آه لو رأيتني وأنا في دروس العلم والناس يستشرفون إلى سماعي‪ .‬لقد ظن أنها عندما‬
‫تراه في مجلس العلم سترتدع‪ ،‬وتكون حنونة عليه‪.‬‬
‫وذهبت لحضور درس العلم‪ ،‬ورآها‪ ،‬وظن أن ذلك سيزرع هيبة له في قلبها‪ ،‬وعاد إليها آخر‬
‫النهار وقال لها‪ :‬لقد رأيتني اليوم‪ .‬فقالت‪ :‬رأيتك ويا حسرة ما رأيت‪ ،‬رأيت كل الناس تجلس‬
‫باتزان إل أنت فقد كنت تصرخ‪.‬‬
‫وحدثونا عن هذا الرجل أن ال كان يكرمه بالمدد جزاء صبره على امرأته‪ ،‬وكان المريدون يرون‬
‫إشراقات ال في تصرفاته‪ ،‬وماتت امرأته‪ .‬وذهب المريدون ولم يجدوا عنده الشراقات التي كانت‬
‫عنده من قبل‪ .‬فسألوه‪ :‬لماذا؟ فقال‪ :‬ماتت التي كان يكرمني ال من أجلها‪.‬‬
‫فكما أن المطلوب من المرأة أن تصبر على الرجل‪ ،‬فالرجل مطلوب منه أن يصبر علىالمرأة‪.‬‬
‫والذي يصبر عليها يؤتيه ال خيرها؛ ولذلك قالوا‪ " :‬إن عمران بن حطان كان من الخوارج وكان‬
‫له امرأة جميلة وكان هو دميم الملمح‪ ،‬فنظرت إليه زوجته مرة وقالت‪ :‬الحمد ل فقال لها‪ :‬على‬
‫أي شيء تحمدين ال؟ قالت‪ :‬على أني وأنك في الجنة‪ .‬قال‪ :‬لم؟‪ .‬قالت‪ :‬لنك رزقت بي فشكرت‪،‬‬
‫ورزقت بك فصبرت‪ ،‬والشاكر والصابر كلهما في الجنة‪.‬‬
‫ول يظنن واحد أنه سيجد امرأة هي مجمع الجمال والحسن في كل شيء‪ ،‬فإن كانت متدنية‬
‫المستوى في جانب فهي متميزة في جانب آخر‪ ،‬فل تضيع المتياز الذي فيها من أجل قصورها‬
‫في جانب ما‪ .‬وزوايا الحياة كثيرة‪ .‬وقلنا سابقا‪ :‬إنه ل يوجد أحد ابنا ل‪ ،‬بل كلنا بالنسبة ل عبيد‪.‬‬
‫ومادمنا جميعا بالنسبة ل عبيدا وليس فينا ابن له‪ .‬وسبحانه أعطانا أسباب الفضل على سواء‪،‬‬
‫فهناك فرد قد أخذ المتياز في جانب‪ ،‬والخر قد نال المتياز في جانب آخر ‪ -‬هذا النقص في‬
‫زاوية ما‪ ،‬والمتياز في زاوية أخرى‪ ،‬أراد به ال أن يجعل مجموع صفات ومزايا أي إنسان‬
‫يساوي مجموع إنسان آخر حتى يتوازن العالم‪.‬‬
‫فإن وجد النسان شيئاَ ل يعجبه في المرأة‪ ،‬ووجدت المرأة شيئا ل يعجبها في الرجل‪ ،‬فعلى‬
‫الرجل أن يضم الزوايا كلها ليرى الصورة المكتملة للمرأة‪ ،‬وأن تضم المرأة كل الزوايا حتى ترى‬
‫الصورة المكتملة للرجل‪.‬‬
‫والرجل الذي ينظر إلى كل الزوايا يحيا مرتاح البال؛ لنه يرى من الزوايا الحسنة أضعاف‬
‫الزوايا التي ليست كذلك‪ ،‬والذي يرضى هو من ينظر إلى المحاسن‪ .‬والذي يغضب هو من ينظر‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إلى المقابح‪ .‬والعادل في الغضب والرضا هو مَن ينظر إلى مجموع هذا ومجموع هذا‪ ،‬إنّ الحق‬
‫سبحانه وتعالى يريد أن تُبنى السرة على السلمة فيوضح لنا‪:‬‬
‫ ل تنتظر أيها الرجل ول تنتظري أيتها المرأة إلى أن يقع الخلف‪ ،‬فما أن تبدو البوادر فعليكما‬‫بحل المشكلت‪ ،‬فليس هناك أحد قادر على حل المشكلت مثلكما؛ لنه ل يوجد أحد بينه وبين‬
‫غيره من الروابط والوشائج مثل ما بين الرجل وزوجته؛ لذلك قال سبحانه‪ } :‬فَلَ جُنَاْحَ عَلَ ْي ِهمَآ أَن‬
‫ُيصْلِحَا بَيْ َن ُهمَا صُلْحا {‪.‬‬
‫إننا في بعض الحيان نجد الصلح يأخذ شكلية الصلح‪ ،‬أما موضوع الصلح وهو إنهاء الجفوة‬
‫والمواجيد النفسية فقد ل يوجد‪ ،‬والذي يعرقل الصلح هو أننا نقوم بالشكلية ول نعالج السباب‬
‫الحقيقية المدفونة في النفوس‪ ،‬والتي تتسرب إلى موضوعات اخرى؛ لذلك يجب أن يكون الصلح‪،‬‬
‫ويتم بحقيقته كقول ال تعالى‪ } :‬أَن ُيصِْلحَا بَيْ َن ُهمَا صُلْحا وَالصّلْحُ خَيْرٌ { وعندما تتراضى النفوس‬
‫يعم الخير على الزوجين وعلى المجتمع‪.‬‬
‫حضِ َرتِ ال ْنفُسُ الشّحّ وَإِن ُتحْسِنُو ْا وَتَ ّتقُواْ فَإِنّ اللّهَ كَانَ ِبمَا َت ْعمَلُونَ‬
‫وبعد ذلك يتابع الحق‪ } :‬وَأُ ْ‬
‫خَبِيرا {‪ .‬يوضح لنا سبحانه‪ :‬أنا خالقكم وأعلم طبائعكم وسجاياكم وأعلم أنني عندما أطلب من‬
‫المرأة أن تتنازل عن شيء من نفقتها كمهرها أو هدية الخطبة الولى " الشبكة " ‪ ،‬أو أن تتنازل‬
‫له عن ليلتها لينام عند الزوجة الخرى‪ .‬وأعلم أن هذا قد يصعب على النفس‪ ،‬وكذلك يصعب على‬
‫الرجل أن يتنازل عن مقاييسه‪ ،‬إياكم أن يستولي الشح على تصرفاتكم بالنسبة لبعضكم البعض‪.‬‬
‫خذْنَ مِنكُم مّيثَاقا‬
‫ض وَأَ َ‬
‫ضكُمْ إِلَىا َب ْع ٍ‬
‫وجاء الحق في آية وقال‪َ {:‬وكَ ْيفَ تَ ْأخُذُونَ ُه َوقَدْ َأ ْفضَىا َب ْع ُ‬
‫غَلِيظا }[النساء‪]21 :‬‬
‫ح وَإِن ُتحْسِنُو ْا وَتَ ّتقُواْ فَإِنّ اللّهَ كَانَ ِبمَا َت ْعمَلُونَ خَبِيرا { وهناك‬
‫حضِرَتِ ال ْنفُسُ الشّ ّ‬
‫وهنا يقول‪ } :‬وَُأ ْ‬
‫فرق بين الحقوق التي قد يتمسك بها أحد الزوجين‪ ،‬والحسان الذي يَتطوع به‪ .‬ونعرف ما فعله‬
‫قاضٍ فاضل عندما قال لخصمين‪ :‬أأحكم بينكما بالعدل أو بما هو خير من العدل؟‬
‫فسأل واحد‪ :‬وهل هناك خير من العدل؟ فقال القاضي‪ :‬نعم إنه الفضل‪ .‬فالعدل إعطاء الحق فقط‪،‬‬
‫والفضل ان يتنازل النسان عن حقه بالتراضي لخيه‪.‬‬
‫ويذيل الحق الية‪ } :‬وَإِن تُحْسِنُو ْا وَتَ ّتقُواْ فَإِنّ اللّهَ كَانَ ِبمَا َت ْعمَلُونَ خَبِيرا { وسبحانه وتعالى يريد‬
‫أن يحل مشكلة نفسية قد تتعرض لها السر التي ل توجد فيها خميرة عقدية إيمانية‪ ،‬ل عند الرجل‬
‫ول عند المرأة‪ ،‬ولو كانت هذه السر تملك الخميرة اليمانية المسبقة وأخذت أحكام ال بحقها لما‬
‫وجدت هذه المشكلة‪ ،‬إنها مشكلة التعدد‪.‬‬
‫ظاهر المر أن الرجل حين يعدد زوجاته يكون محظوظا؛ لنه غير مقيد بواحدة بل له إلى أربع‪،‬‬
‫والمغبون هي المرأة؛ لنها مقيدة بزوج واحد‪ ،‬فليست كل امرأة مهضومة‪ ،‬لن الزوجة الجديدة‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫تشعر بالسعادة‪ .‬وقد نجد امرأة قال لها زوجها‪ :‬سأتزوج بثانية‪ ،‬ورضيت هي بذلك‪ ،‬بعد أن‬
‫وازنت بين أمورها فاختارت خير المور‪.‬‬
‫روى أن امرأة أراد زوجها أن يطلقها لرغبته عنها‪ ،‬وكان لها منه ولد فقالت ل تطلقني ودعني‬
‫أقوم على ولدي وتقسم لي فقال‪ :‬إن كان هذا يصلح فهو أحب إليّ فأقرها‪ .‬إذن فالغمة في زواج‬
‫الرجل من زوجة أخرى ل تعم كل النساء‪ ،‬فإن أحدث الزواج الغم والحزن عند الزوجة الولى‬
‫فهو يحدث سرورا عند الزوجة الثانية‪ .‬والمرأة معذورة في ذلك لن الرجل أخذ حكم ال في أن‬
‫يعدد ولم يأخذ مع هذا الحكم أن يعدل‪ .‬والرجل يظلم المرأة حين يأخذ الحكم الذي في صالحه وهو‬
‫إباحة التعدد ول يأخذ من مبيح التعدد وهو المشرع العلى ‪ -‬وهو ال ‪ -‬المر بأن يعدل بين‬
‫زوجاته‪.‬‬
‫لقد جنحت المجتمعات لنهم رأوا الرجل حين يتزوج بأخرى ل يلتفت إل للزوجة الجديدة‪ ،‬ويهمل‬
‫القديمة وأولده منها؛ لذلك فالنساء معذورات في أن يغضبن من هذه المسألة‪ .‬ولو أن الرجل أخذ‬
‫حكم ال بالعدل كما أخذ إباحة ال في التعدد لحدث التوازن‪ .‬وحين تعرف المرأة الولى أن حقها‬
‫لن يضيع ل في نفسها ول في بيتها ول في رعاية أولدها‪ .‬فهي تقول‪ " :‬من الفضل أن يكون‬
‫متزوجا أمام عيني بدلً من أن يدس نفسه في أعراض الناس "‪.‬‬
‫إذن فالذي يثير المسألة كإشكال أن الرجل يأخذ بعض الكتاب فيعمل به ويترك بعضه فل يطبقه‬
‫ول يعمل به‪ .‬والذين يأخذون إباحة ال في التعدد ل بد أن يأخذوه بأصوله التي وضعها ال في‬
‫إطار العدالة‪ .‬وحين يكون للرجل امرأتان مثل سيدنا معاذ بن جبل‪ ،‬فكل امرأة لها حق في‬
‫البيتوتة‪ ،‬ليلة لزوجة وليلة لخرى مثل‪ ،‬وكان ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬ل يتوضأ عند واحدة في ليلة‬
‫الخرى مع أن الوضوء قربة ل‪ .‬والعجب من ذلك عندما ماتت الزوجتان في الطاعون‪ ،‬أمر‬
‫بدفن الثنتين في قبر واحد‪.‬‬
‫والحق سبحانه وتعالى هو الذي خلق الخلق وأمر بالعدالة في المستطاع‪ ،‬وعلى الرجل أن يعدل‬
‫َزمَنا‪ ،‬ويعدل نفقة‪ ،‬ويعدل ابتسامة‪ ،‬ويعدل مؤانسة ومواساة‪ ،‬والرجل في كل ذلك يستطيع‪ ،‬لكنه ل‬
‫يستطيع أن يعدل في ميل القلب‪ ،‬وهو أمر مكتوم؛ لذلك قال الحق‪ } :‬وَلَن تَسْ َتطِيعُواْ أَن َتعْدِلُواْ‪{ ...‬‬

‫(‪)615 /‬‬
‫وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ َت ْعدِلُوا بَيْنَ النّسَا ِء وََلوْ حَ َرصْتُمْ فَلَا َتمِيلُوا ُكلّ ا ْلمَ ْيلِ فَتَذَرُوهَا كَا ْل ُمعَّلقَ ِة وَإِنْ‬
‫غفُورًا َرحِيمًا (‪)129‬‬
‫ُتصْلِحُوا وَتَ ّتقُوا فَإِنّ اللّهَ كَانَ َ‬

‫سمِي فيما أملك فل‬
‫أي أن العدل الحبّي مستحيل‪ .‬وقال النبي عليه الصلة والسلم‪( :‬اللهم هذا قَ ْ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫تلمني فيما تملك ول أملك) ‪ -‬يعني القلب ‪.-‬‬
‫إذن ففيه فرق بين ميل القلب وهو مواجيد نفسية والنزوع النفسي‪ .‬والعملية الوجدانية ل يقدر‬
‫عليها أحد‪ ،‬ول يوجد تقنين يقول للرجل‪ " :‬أحب فلنة "‪ ..‬إل إذا أراد الحب العقلي‪ ،‬أما الحب‬
‫العاطفي فل‪ .‬والذي يأمر به الشرع هو أن يحب النسان بالعقل‪ ،‬أما حب العاطفة فل تقنين له‬
‫أبدا‪.‬‬
‫وقد يحب النسان الدواء المر بعقله ل بعاطفته ويسرّ النسان من صديق جاء بهذا الدواء من‬
‫الخارج؛ لن الدواء سيشفيه بإذن ال‪.‬‬
‫إذن { وَلَن تَسْ َتطِيعُواْ أَن َتعْدِلُواْ بَيْنَ النّسَآ ِء وََلوْ حَ َرصْتُمْ فَلَ َتمِيلُواْ ُكلّ ا ْلمَ ْيلِ } ‪ ،‬ما هو كل الميل؟‬
‫ويوضحه ‪ -‬سبحانه ‪ -‬بقوله‪ { :‬فَتَذَرُوهَا كَا ْل ُمعَّلقَةِ } وهي المرأة التي ل هي أيّم أي ل زوج لها‬
‫فتطلب الزواج‪ ،‬ول هي متزوجة فتستمتع بوجود زوج‪ ،‬ويحجزها الرجل دون أن يمارس‬
‫مسئوليته عنها‪ ،‬فيوضح الحق‪ :‬أنا ل أطلب منك أن تميل بقلبك هنا‪ ،‬أو هناك؛ لن هذه المسألة‬
‫ليست ملكا لك‪ ،‬ولكني أريد العدالة في الموضوعات الخرى؛ كأن تسوّي في البيتوتة والنفقة‪،‬‬
‫ومطلوبات أولدك‪ ،‬وأن تعدل بين أزواجك في المؤانسة‪ .‬أما المعنى الخر وهو ميل القلب فأنا ل‬
‫أكلف به‪.‬‬
‫وسبحانه حين يشرّع لخلقه أعلم بمن خلق‪ ،‬وقد جعل لكل مخلوق منا عواطف ينشأ عنها ميل‪،‬‬
‫وجعل له غرائز‪ ،‬وخيارات في النفعالت ولو أراد سبحانه أن يحجر على الميل لما خلقه‪ ،‬ولكنه‬
‫ جل وعل ‪ -‬يطلق الميول لتتم بالميول مصالح الكون مجتمعة‪ ،‬فحين يمنح القلب أن يحب‪ ،‬يعلم‬‫سبحانه أن عمارة الكون تنشأ بالحب‪ .‬فلو لم يحب العالم أن يكتشف أسرار ال في خلقه لما حمّل‬
‫نفسه متاعب البحث والطلع والتجربة‪ ،‬وكل ما يترتب على ذلك من مشقات‪.‬‬
‫ولو لم يحب النسان إتقان عمله لما رأيت عملً مجوّدا‪ .‬ولو لم يحب النسان أولده لما تحمل‬
‫المشقة في تبعات تربيتهم‪ .‬إذن فالحب له مهمة‪ .‬وال ل يريد منا أن نمنع الحب‪ .‬لكنه يريد منا أن‬
‫نعلي مطالب الحب‪ ،‬فنجعل للحب مجالته المشروعة ل أن ينطلق الحب في الكون ليعربد في‬
‫أعراض الناس‪.‬‬
‫إنك حين تجعل الحب موجها إلى خير ل يأتيك منه أو للناس شرّ‪ .‬وعندما ننظر ‪ -‬مثل ‪ -‬إلى‬
‫دافع وغريزة حب الستطلع نجد أن ال قد خلقها في النسان ليصعد ابتكاراته المسعدة في‬
‫الحياة‪ .‬ولو لم توجد غرائز حب الستطلع لما تعب المكتشف في أن يبتكر شيئا أو يخترعه‬
‫ويكتشفه حتى يريحنا نحن البشر‪ ،‬ولما فكر النسان في أن يستعمل البخار ليحمل عن الناس‬
‫مشقات السفر ومشقات حمل الثقيل‪.‬‬
‫إن هذا الكتشاف أراحنا باختراع الباخرة أو القطار‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ولكن ال سبحانه وتعالى يريد أن يعلي غريزة حب الستطلع فينبغي أن نجعلها في مجالها‬
‫المشروع فل نجعلها تجسسا على عورات الناس مثلً‪ ،‬وكذلك جعل ال غريزة المال في النسان؛‬
‫لن حب المال يدفع النسان إلى أن يعمل‪ ،‬ويستفيد الناس من عمله أراد أو لم يرد‪ .‬كذلك غريزة‬
‫الجنس جعلها ال في النسان ولها سعار ليحفظ بها النوع النساني‪ .‬إنّه سبحانه ل يريد منها أن‬
‫تنطلق انطلقا يلغ في أعراض الناس‪ .‬إذن فالغرائز خلقها ال لمهمة‪ .‬والشرائع جاءت لتحفظ‬
‫الغرائز في مجال مهمتها وتمنع عنها انطلقاتها المسعورة في غير المجالت التي حددها لها‬
‫المنهج‪.‬‬
‫إذن فالميل أمر فطري في النفس البشرية وقد أوضح الحق سبحانه‪ :‬أنا خلقت الميل ليخدم في‬
‫عمارة الكون‪ ،‬ولكن أريد منكم أن تصعدوا الهوى وتعلوه في هذا الميل‪ ،‬وحين تعددون الزوجات‪.‬‬
‫ل أطلب منكم البعد عن كل الميل؛ لن ذلك أمر ل يحكمه منطق عقلي‪ ،‬ولكن أحب أن تحددوا‬
‫الميل وتجعلوه في مجاله القلبي فقط‪ ،‬ول يصح أن يتعدى الميل عند أحدكم إلى ميله القالبي‪.‬‬
‫أحب أيها العبد المؤمن من شئت وأبغض من شئت‪ ،‬لكن ل تجعل هذا الحب يقود قالبك لتعطي من‬
‫تحب خير غيره ظلما‪ ،‬وأبغض أيها العبد من شئت‪ ،‬فل يستطيع مقنن أن يقنن للقلب أن يبغض أو‬
‫يحب‪ ،‬لكن بغضك ل تعديه عن قلبك إلى جوارحك لتظلم من تبغض‪.‬‬
‫ولنا السوة في سيدنا عمر بن الخطاب ‪ -‬رضوان ال عليه ‪ -‬حينما مرّ عليه قاتل أخيه‪ ،‬ولفت‬
‫نظره جليس له‪ :‬هذا قاتل أخيك‪.‬‬
‫هنا قال عمر ‪ -‬رضي ال عنه ‪ :-‬وماذا أفعل به وقد هداه ال للسلم؟ كأن إسلم هذا القاتل قد‬
‫أنهى المسألة عند عمر ‪ -‬رضي ال عنه‪ .‬وعندما جاء هذا القاتل لمجلس عمر‪ ،‬قال له سيدنا‬
‫ي إلوِ وجهك عني‪ ،‬لن قلبي ل يرتاح لك‪ .‬فسأل الرجل‪ :‬أو عدم حبك لي‬
‫عمر‪ :‬إذا أقبلت عل ّ‬
‫يمنعني حقا من حقوقي؟‪ .‬قال عمر‪ :‬ل‪.‬‬
‫قال الرجل‪ :‬إنما يبكي على الحب النساء‪ .‬هذا عمر وهو الخليفة‪ ،‬والرجل من الرعية‪ .‬لكن عمر‬
‫الخليفة يخاف من الظلم‪ ،‬ويملك هذا الشخص وهو تحت إمرة وحكم الخليفة عمر ‪ -‬رضي ال‬
‫عنه ‪ -‬قدرة الرفض لمشاعر الحب أو الكراهية ما دامت ل تمنع حقوقه كمواطن‪.‬‬
‫إن الحق سبحانه وتعالى حينما يخلق ميول القلوب يضع أيضا القاعدة‪ :‬إياك أيها المؤمن أن تعدي‬
‫ميل القلب إلى القالب‪ ،‬وليكن ميل القلب كما تحب‪ .‬كذلك إن أنت أيها المؤمن تزوجت وبعد ذلك‬
‫تزوجت امرأة أخرى فالمنهج ل يطلب منك أن تعدل العدل المطلق الذي ينصب على شيء ل‬
‫تملكه وهو ميل قلبك‪.‬‬
‫ولكن المنهج يضع لك القواعد التي يسير عليها سلوك قالبك‪ .‬وعليك أن تعدل في قسمة الزمن‬
‫والنفقة والكسوة وبشاشة الوجه وحسن الحديث‪ .‬ول تخضع ذلك لميل القلب‪ ،‬وبعد ذلك أنت وقلبك‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أحرار‪.‬‬
‫ونرى بعضا من الذين يحبون أن يظهروا بين الناس كفاهمين للقرآن أو دعاة تجديد‪ ،‬يركبون‬
‫الموجة ضد التعدد‪ .‬ونقول‪ :‬قبل أن يركب الواحد منكم الموجة ضد التعدد‪ ،‬ويقف منه موقف‬
‫الرافض له مدعيا أنه يفهم النص القرآني‪ ،‬إنّنا نقول له‪ :‬عليك أن تبحث عن أسباب السخط على‬
‫التعدد‪ ،‬هي ليست من التعدد في ذاته‪ ،‬ولكنها تأتي من أن المسلم يأخذ إباحة ال للتعدد‪ .‬ول يأخذ‬
‫حكم ال في العدالة‪ .‬فلو أن المسلم أخذ بالعدالة مع التعدد لما وجدنا مثل هذه الزمة‪ .‬ولذلك يقول‬
‫الواحد من هؤلء‪ :‬إن الحق سبحانه وتعالى أمر بلزوم واحدة والقتصار عليها عند خوف ترك‬
‫ح َدةً }[النساء‪]3 :‬‬
‫خفْتُمْ َألّ َتعْدِلُواْ َفوَا ِ‬
‫العدل في التعدد فقال‪ {:‬فَإِنْ ِ‬
‫ثم جاء في آية أخرى وقال‪ } :‬وَلَن َتسْتَطِيعُواْ أَن َتعْدِلُواْ بَيْنَ النّسَآءِ وَلَوْ حَ َرصْتُمْ {‪.‬‬
‫ونقول‪ :‬إن الواحد منكم إن أراد أن يفهم القرآن‪ ،‬فعليه أن يعلم أن الحق سبحانه لم يقف في هذه‬
‫الية عند قوله‪( :‬ولو حرصتم) إنما فرع على عدم الستطاعة في العدل فقال‪ } :‬فَلَ َتمِيلُواْ ُكلّ‬
‫ا ْلمَ ْيلِ { إنه ‪ -‬سبحانه ‪ -‬فرع على عدم الستطاعة في العدل فأمر بعدم الميل كل الميل‪ .‬وتلك‬
‫حكمة المشرع الول الذي يعلم مَن خلق وكيف خلق‪ .‬ولو أن الحق لم يفرّع على " ولن تستطيعوا‬
‫" لجاز لهؤلء الذين يركبون الموجة المطالبة بعدم التعدد أن يقولوا ما يقولون؛ لذلك نقول لهم‪:‬‬
‫انتبهوا إلى أن الحق سبحانه أوضح‪ :‬عدم استطاعتكم للعدل هو أمر أنا أعلمه‪ ،‬ولذلك أطلب منكم‬
‫أل تميلوا كل الميل وذلك باستطاعتكم‪ .‬ومعنى هذا أنه سبحانه قد أبقى الحكم ولم يسلبه‪.‬‬
‫} فَلَ َتمِيلُواْ ُكلّ ا ْلمَ ْيلِ فَتَذَرُوهَا كَا ْل ُمعَّلقَةِ {‪ .‬وفي هذا القول أمر بأل يترك الرجل زوجته الولى‬
‫كالمعلقة وهي المرأة التي لم يتحدد مصيرها ومسارها في الحياة‪ ،‬فل هي بغير زوج فتتزوج‪ ،‬ول‬
‫هي متزوجة فتأخذ قسمها وحظها من زوجها‪ ،‬بل عليه أن يعطيها حظها في البيتوتة والنفقة‬
‫والملبس وحسن الستقبال والبشاشة والمؤانسة والمواساة‪.‬‬
‫غفُورا رّحِيما {‪.‬‬
‫ويقول الحق من بعد ذلك‪ } :‬وَإِن ُتصْلِحُو ْا وَتَ ّتقُواْ فَإِنّ اللّهَ كَانَ َ‬
‫وقوله‪ " :‬تصلحوا " دليل على أنه كان هناك إفساد موجود والمطلوب أن نقوم بالبحث عن السباب‬
‫التي جعلت الرجل يفسد في علقته الزوجية ليقضي عليها‪ .‬وبعد ذلك على المسلم أن يستأنف‬
‫تقوى جديدة في المعاملة على ضوء ما شرع ال‪ .‬وحين يصلح المسلم ما أفسد من جعل الزوجة‬
‫الولى كالمعلقة ويعطيها حقها في البيتوتة والنفقة ورعاية أولدها والقبال عليها وعلى الولد‬
‫بصورة طيبة فال سبحانه يغفر ويرحم‪ ،‬ول يصلح المسلم ما أفسد إل وهو ينوي أل يستأنف عملً‬
‫إل إذا كان على منهج التقى‪ ،‬ويجد الحق غفورا لما سبق ورحيما به‪.‬‬
‫وإن لم يستطع الرجل هذا‪ ،‬ول قبلت المرأة أن تتنازل عن شيء من قسمها ترضية له تكن التفرقة‬
‫‪ -‬هنا ‪ -‬أمرا واجبا‪ .‬فليس من المعقول أن نحكم الحياة الزوجية والحياة السرية بسلسل من‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫حديد‪ ،‬ول يمكن أن نربط الزوجين بعدم الفتراق إن كانت القلوب متنافرة وكذلك ل نأمن على‬
‫المرأة أن تعيش هكذا‪.‬‬
‫إن الذي يقول‪ :‬ل يصح أن نفرق بين الزوجين‪ ،‬نقول له‪ :‬كيف تريد أن تحكم الحياة الزوجية‬
‫بالسلسل؟ والزواج صلة مبناها السكن والمودة والرحمة‪ ،‬فإن انعدمت هذه العناصر فكيف يستمر‬
‫الزواج وكيف ترغم زوجا على أن يعايش زوجة ل يحبها ول يقبلها وترغم زوجة أن تعيش مع‬
‫زوج ل تحبه؟ إن التفريق بينهما في مثل هذه الحالة قد يكون وسيلة أرادها ال سبحانه وتعالى‬
‫ليرزق الزوج خيرا منها ويرزق الزوجة خيرا منه‪.‬‬
‫وكثيرا ما شهدنا هذا في واقع الحياة‪ ،‬وعاش الزوج مع الزوجة الجديدة سعيدا‪ ،‬وعاشت الزوجة‬
‫مع الزوج الجديد سعيدة‪ ،‬أما الذين تشدقوا بمسألة عدم التفريق مع استحالة الحياة الزوجية‬
‫وهاجموا السلم في هذا المجال‪ .‬فهم يرددون ما كان عند أهل الغرب‪ :‬من أن الزواج ل انفصال‬
‫فيه‪.‬‬
‫إننا نرى العالم كله الن بكل النصارى واليهود وغيرهم من الملل والنّحَل يلجأون إلى الطلق؛‬
‫لن الحداث اضطرتهم إلى أن يشرعوا الطلق‪ ،‬فكأنهم ذهبوا إلى السلم ل على أنه إسلم‪،‬‬
‫ولكن على أنه الحل الوحيد لمشكلتهم‪ .‬فإذا ثبت أن الذين يهاجمون جزئية من جزئيات الذين‬
‫يضطرون إلهيا تحت ضغط الحداث فيجب أن ننبههم إلى عدم التسرع والعجلة والحكم على‬
‫قضايا الدين السلمي بأنها غير صالحة؛ لن الحق أرغم من لم يكن مسلما على أن ينفذ قضية‬
‫إسلمية‪ .‬فهو القائل‪ } :‬وَإِن يَ َتفَ ّرقَا‪{ ...‬‬

‫(‪)616 /‬‬
‫حكِيمًا (‪)130‬‬
‫سعًا َ‬
‫سعَ ِت ِه َوكَانَ اللّ ُه وَا ِ‬
‫وَإِنْ يَ َتفَ ّرقَا ُيغْنِ اللّهُ كُلّا مِنْ َ‬

‫وسبحانه عنده الفضل الواسع‪ ،‬وهو القادر أن يرزق الزوج زوجة صالحة تشبع كل مطالبه‪،‬‬
‫ويرزق الزوجة زوجا آخر يشبع كل احتياجاتها ويقبل دمامتها لو كانت دميمة‪ ،‬ويجعله ال‬
‫صاحب عيون ترى نواحي الخير والجمال فيها‪ .‬وقد نجد رجلً قد عضته الحداث بجمال امرأة‬
‫كان متزوجا بها وخبلته وجعلت أفكاره مشوشة مضطربة وبعد ذلك يرزقه ال بمن تشتاق إليه‪،‬‬
‫بامرأة أمينة عليه‪ ،‬ويطمئن عندما يغترب عنها في عمله‪ .‬ول تمل الهواجس صدره؛ لن قلبه قد‬
‫امتل ثقة بها وإن كانت قليلة الحظ من الجمال‪.‬‬
‫حكِيما } فإياك أن تظن بأن ال ليس عنده ما‬
‫سعَتِ ِه َوكَانَ اللّهُ وَاسِعا َ‬
‫{ وَإِن يَ َتفَ ّرقَا ُيغْنِ اللّهُ كُلّ مّن َ‬
‫يريح كل إنسان‪ .‬فسبحانه عنده كل ما يريح كل الناس‪ .‬وصيدلية منهج ال مليئة بالدوية‪ ،‬وبعض‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الخلق ل يفقهون في استخدام هذه الدوية لعلج أمراضهم‪.‬‬
‫ومن الحكمة أنه سبحانه ل يرغم اثنين على أن يعيشا معا وهما كارهان؛ لنهما افتقدا المودة‬
‫والرحمة فيما بينهما‪.‬‬
‫سمَاوَاتِ‪} ...‬‬
‫ومن بعد ذلك يعقب الحق بآية‪ { :‬وَللّهِ مَا فِي ال ّ‬

‫(‪)617 /‬‬
‫ض وََلقَ ْد َوصّيْنَا الّذِينَ أُوتُوا ا ْلكِتَابَ مِنْ قَبِْلكُ ْم وَإِيّاكُمْ أَنِ ا ّتقُوا اللّهَ‬
‫سمَاوَاتِ َومَا فِي الْأَ ْر ِ‬
‫وَلِلّهِ مَا فِي ال ّ‬
‫حمِيدًا (‪)131‬‬
‫سمَاوَاتِ َومَا فِي الْأَ ْرضِ َوكَانَ اللّهُ غَنِيّا َ‬
‫وَإِنْ َتكْفُرُوا فَإِنّ لِلّهِ مَا فِي ال ّ‬

‫وسبحانه هو الذي يُرضي الزوج إن افترق عن زوجته‪ ،‬ويرضي الزوجة إذا افترقت عن زوجها؛‬
‫لنه ‪ -‬جل وعل ‪ -‬خلق الدنيا التي لن تضيق بمطلوب الرجل أو المرأة بعد النفصال بالطلق‪،‬‬
‫فله ملك السموات والرض وهو القادر على أن يرزق الرجل امرأة هي خير ممن فارق‪،‬ويرزق‬
‫المرأة رجل هو خير ممن فارقت‪ ،‬فل شيء خرج عن ملك ال وهو الواسع العطاء‪.‬‬
‫إننا كثيرا ما نجد رجلً كان يتزوج امرأة ول تلد ويشاع عنها أنها عقيم‪ ،‬ويذهب الثنان إلى‬
‫معامل التحليل‪ ،‬ويقال أحيانا‪ :‬المرأة هي السبب في عدم النسل‪ ،‬أو‪ :‬الرجل هو السبب في عدم‬
‫النسل‪ ،‬ويفترق الثنان ويتزوج كل منهما بآخر‪ ،‬فتلد المرأة من الزوج الجديد‪ ،‬ويولد للرجل من‬
‫الزوجة الجديدة؛ لن المسألة كلها مرادات ال‪ ،‬وليست أمور الحياة مجرد اكتمال أسباب تُفرض‬
‫ت وَالَ ْرضِ َيخْلُقُ مَا يَشَآءُ َي َهبُ ِلمَن‬
‫سمَاوَا ِ‬
‫على ال بل هو المسبب دائما فهو القائل‪ {:‬لِلّهِ مُ ْلكُ ال ّ‬
‫عقِيما إِنّهُ عَلِيمٌ‬
‫ج َعلُ مَن َيشَآءُ َ‬
‫جهُمْ ُذكْرَانا وَإِنَاثا وَ َي ْ‬
‫يَشَآءُ إِنَاثا وَ َيهَبُ ِلمَن َيشَآءُ ال ّذكُورَ * َأوْ يُ َزوّ ُ‬
‫قَدِيرٌ }[الشورى‪]50-49 :‬‬
‫كم صورة إذن عندنا لمثل هذا الموقف؟‪ .‬يهب لمن يشاء إناثا‪ ،‬ويهب لمن يشاء الذكور‪ ،‬أو‬
‫يزوجهم ذكرانا وإناثا‪ ،‬ويجعل من يشاء عقيما‪ ،‬هي بأربعة مقادير تجري على الرجل والمرأة‪.‬‬
‫ث يكون سعيدا‪ .‬وكذلك عندما يهبه الذكور‪ ،‬وعندما يهب ال لسرة‬
‫وعندما يهب ال المؤمنَ النا َ‬
‫أبناء من الذكور فقط‪ .‬فالزوجة تحن أن يكون لها ابنة‪ .‬وإن وهب الحق لسرة ذرّية مِن الناث‬
‫فقط‪ ،‬فالمرأة والرجل يتمنيان البن‪ ،‬وإن أعطاهما ال الذكور والناث نجدهما قد وصل إلى الحالة‬
‫التي تقر بها العيون عادة‪ .‬والحالة التي تقر به العيون عادة مؤخرة‪.‬‬
‫إن الحالة التي تزهد النفس فيها فالحق يقربها إلى أوليات الهبة‪ ،‬فقال أولً‪ { :‬يَخُْلقُ مَا يَشَآءُ } ‪،‬‬
‫وبعد ذلك‪َ { :‬ي َهبُ ِلمَن يَشَآءُ إِنَاثا } ثم ذكر عطاء الذكور‪ ،‬ثم يأتي بالحالة التي يكون العطاء فيها‬
‫جهُمْ ُذكْرَانا وَإِنَاثا }‪.‬‬
‫في القمة‪َ { :‬أوْ يُ َزوّ ُ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫عقِيما }‪.‬‬
‫ج َعلُ مَن يَشَآءُ َ‬
‫وأخيرا يأتي بالقَدَر الرابع الذي يجريه على بعض خلقه وهو‪ { :‬وَيَ ْ‬
‫ولماذا يُسر النسان بقدرِ ال حينما يهبه ال الناث أو الذكور‪ ،‬ويزداد السرور بقدر ال حينما يهبه‬
‫ سبحانه ‪ -‬الذكور والناث‪ .‬ولماذا ل تُسر إذن أيها النسان بقدر ال حينما يجعلك عقيما؟ أتعتقد‬‫أنك تأخذ القدر الذي تهواه‪ ،‬وترد القدر الذي ليس على هواك؟ إن المواقف الربعة هي َقدَر من‬
‫ال‪.‬‬
‫ولو نظر النسان إلى كل أمر من المور الربعة لرضي بها‪.‬‬
‫أنّه سبحانه يخلق ما يشاء عقيما‪ ،‬إن قالها النسان باستقبال مطمئن لقدر ال فال قد يقر عينه كما‬
‫أقر عيون الخرين بالناث أو بالذكور‪ ،‬أو بالذكور والناث معا‪.‬‬
‫وأقسم لكم لو أن إنسانا ‪ -‬أو زوجين ‪ -‬أخذا قدر ال في العقم كما أخذاه في غيره من المواقف‬
‫السابقة برضا إل رزقهم بأناس يخدمونهم‪ ،‬وقد ربّاهم غيرهم‪ ،‬والذي يجعل الزواج المفتقدين‬
‫للنجاب يعيشون في ضيق‪ ،‬هو أنهم في حياتهم ساخطون على قدر ال ‪ -‬والعياذ بال ‪ -‬فيجعل‬
‫ال حياتهم سخطا‪ .‬فهو القائل في حديثه القدسي‪:‬‬
‫عن أبي هريرة ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬قال‪ :‬قال النبيّ ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ :-‬يقول ال تعالى‪" :‬‬
‫أنا عند ظن عبدي بي‪ ،‬وأنا معه إذا ذكرني‪ ،‬فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي‪ ،‬وإن ذكرني‬
‫في مل‪ ،‬ذكرته في مل خير منهم‪ ،‬وإن تقرّب إليّ بشبر تقربت إليه ذراعا‪ ،‬وإن تقرّب إليّ ذراعا‪،‬‬
‫تقربت إليه باعا وإن أتاني يمشي‪ ،‬أتيته هرولة "‬
‫سمَاوَاتِ َومَا فِي الَ ْرضِ { فإياك أن تقول كون‬
‫إذن فالحق سبحانه وتعالى يقول‪ } :‬وَللّهِ مَا فِي ال ّ‬
‫ال سيضيق عن رزق الرجل المفارق لزوجته أو المرأة المفارقة لزوجها من عطاء ال لهما فما‬
‫دام سبحانه قد قرر الفراق كحل لعدم توافق في حياتهما معا‪ ..‬فهو سبحانه سيعطي عن سعة‬
‫للزوج وعن سعة للزوجة‪ .‬وعليك أيها المسلم أن تطيع منهج الحق كما أطاع كل ما في السموات‬
‫وكل ما في الرض‪ ،‬ثم اسأل نفسك هذا السؤال‪ :‬مَن يقضي مصالحك كلها؟‪.‬‬
‫إنه الحق سبحانه الذي سخر أشياء ليست في طوق قدرتك‪ ،‬أأرغمت الشمس أن تشرق لك بالضوء‬
‫والحرارة؟‪ .‬أأرغمت الماء أن يتبخر وينزل مطرا نقيّا؟‬
‫أأرغمت الريح أن تهب؟ أضربت الرض لتقول لها‪ :‬غذّي ما أضعه فيك من بذر بالعناصر‬
‫اللزمة له والمحتاج إليها لينتج النبات؟‪ .‬كل هذا ليس في طوق إرادتك بل هو مسخر لك بأمر‬
‫ال‪ .‬وإن أردت الستقامة في أمرك‪ ،‬لكنت كالمسخر فيما جعل ال لك فيه اختيار ولقلت ل‪ :‬أنا‬
‫أحب منهجك يا رب وما يطلبه مني سأنفذه قدر استطاعتي‪ .‬فتكون بقلبك وقالبك مع أوامر المنهج‬
‫ونواهيه‪ ،‬فينسجم ويتوافق الكون معك كما انسجم الكون المسخر المقهور المسير‪.‬‬
‫سمَاوَاتِ َومَا فِي الَرْضِ { ‪ ،‬وهذا تذكير بأن كل شيء مملوك ل وفي طاعته‪ ،‬فل‬
‫} وَللّهِ مَا فِي ال ّ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫تشذ أيها الخليفة ل عن الكون‪ ،‬فكل ما فيه يخدمك‪ .‬ولتسأل نفسك‪ :‬أتعيش في ضوء منهج ال أم‬
‫ل؟ لن الكون قد انسجم وهو مسخر ل‪ ،‬ولم يحدث أي خلل في القوانين الكلية‪ ،‬وسبحانه القائل‪{:‬‬
‫ط َولَ ُتخْسِرُواْ‬
‫ط َغوْاْ فِي ا ْلمِيزَانِ * وََأقِيمُواْ ا ْلوَزْنَ بِا ْلقِسْ ِ‬
‫سمَآءَ َر َف َعهَا َو َوضَعَ ا ْلمِيزَانَ * َألّ تَ ْ‬
‫وَال ّ‬
‫ا ْلمِيزَانَ }[الرحمن‪]9-7 :‬‬
‫وهذا إيضاح من الحق تبارك وتعالى‪ :‬إن أردتم أن تستقيم لكم أموركم الختيارية فانظروا إلى‬
‫الكون‪ ،‬فالشياء المسخرة ل يحدث منها خلل على الطلق‪ ،‬ولكن الخلل إنما يأتي من اختيارات‬
‫النسان لِغير منهج ال‪.‬‬
‫} وََلقَ ْد َوصّيْنَا الّذِينَ أُوتُواْ ا ْلكِتَابَ مِن قَبِْلكُ ْم وَإِيّاكُمْ أَنِ ا ّتقُواْ اللّهَ { يوضح سبحانه‪ :‬لقد وصينا الذين‬
‫أنزلنا إليهم المنهج من قبلكم‪ ،‬ووصيناكم أنتم أهل المة الخاتمة أن التزموا المنهج بالوامر‬
‫والنواهي؛ لتجعلوا اختياراتكم خاضعة لمرادات ال منكم حتى تكونوا منسجمين كالكون الذي‬
‫تعيشون فيه‪ ،‬ويصبح كل شيء يسير منتظما في حياتكم‪ ،‬ولم يقل الحق هذه القضية للمسلمين فقط‬
‫لكنها قضية كونية عامة جاء بها كل رسول‪ } :‬وََلقَ ْد َوصّيْنَا الّذِينَ أُوتُواْ ا ْلكِتَابَ مِن قَبِْلكُمْ {‪.‬‬
‫ولم يقل‪ :‬شرعنا للذين أوتوا الكتاب من قبلكم‪ ،‬ولم يقل‪ :‬فرضنا‪ ،‬إنما قال‪ " :‬ولقد وصينا "‪ .‬وكلمة‬
‫" وصية " تشعر المتلقي لها بحب الموصي للموصَى‪ } .‬وَلَقَ ْد َوصّيْنَا الّذِينَ أُوتُواْ ا ْلكِتَابَ مِن قَبِْلكُمْ‬
‫وَإِيّاكُمْ أَنِ ا ّتقُواْ اللّهَ { وتقوى ال تعني أن نفعل أوامر ال وأن نتجنب نواهيه؛ لنحكم حركة‬
‫اختياراتنا بمنهج ربنا‪ ،‬فإن حكمنا حركة اختياراتنا بمنهج ال صرنا مع الكون كأننا مسخرون‬
‫لقضايا المصلحة والخير‪.‬‬
‫سمَاوَاتِ َومَا فِي الَ ْرضِ َوكَانَ اللّهُ غَنِيّا‬
‫ومن بعد ذلك يقول الحق‪ } :‬وَإِن َت ْكفُرُواْ فَإِنّ للّهِ مَا فِي ال ّ‬
‫حمِيدا { ومقابل الكفر هو اليمان‪ ،‬ومن يخرج عن اليمان فال غني عنه‪ ،‬فل تعتقدوا أيها‬
‫َ‬
‫المخاطبون بمنهج ال أنني أستميلكم إلى اليمان لني في حاجة إلى إيمانكم‪ ،‬ل‪ ،‬لكني أريد منكم‬
‫فقط أن تكونوا مجتمعا سليما‪ ،‬مجتمعا سعيدا‪ ،‬وإن تكفروا فسيظل الملك كله ل‪ ،‬وستظل حتى ‪-‬‬
‫ولو كنت متمردا ‪ -‬في قبضة مرادات ربك‪ .‬فلن تتحكم في مولد أو في ممات أو في مقدورات‪.‬‬
‫سمَآءِ‬
‫فالكون ثابت وسليم‪ .‬وجاء القرآن باللفت إلى انتظام الكون يقول الحق‪َ {:‬أفَلَمْ يَنظُرُواْ إِلَى ال ّ‬
‫ي وَأَنبَتْنَا فِيهَا‬
‫سَ‬
‫َف ْو َقهُمْ كَ ْيفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيّنّاهَا َومَا َلهَا مِن فُرُوجٍ * وَالَ ْرضَ مَدَدْنَاهَا وَأَ ْلقَيْنَا فِيهَا َروَا ِ‬
‫سمَآءِ مَآءً مّبَارَكا فَأَنبَتْنَا ِبهِ‬
‫مِن ُكلّ َزوْجٍ َبهِيجٍ * تَ ْبصِ َر ًة وَ ِذكْرَىا ِل ُكلّ عَبْدٍ مّنِيبٍ * وَنَزّلْنَا مِنَ ال ّ‬
‫سقَاتٍ ّلهَا طَلْعٌ ّنضِيدٌ * رّزْقا لّ ْلعِبَا ِد وََأحْيَيْنَا بِهِ بَ ْل َدةً مّيْتا كَذَِلكَ‬
‫خلَ بَا ِ‬
‫حصِيدِ * وَالنّ ْ‬
‫حبّ ا ْل َ‬
‫ت وَ َ‬
‫جَنّا ٍ‬
‫الْخُرُوجُ }[ق‪]11-6 :‬‬
‫وفي لحظة من اللحظات يأمر الحق كونا من كونه فيختل نظامه فترى الرض المستقرة وقد‬
‫سيَ أَن َتمِيدَ ِبكُمْ }[النحل‪]15 :‬‬
‫تزلزلت‪ ،‬والتي قال عنها سبحانه‪ {:‬وَأَلْقَىا فِي الَ ْرضِ َروَا ِ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وسبحانه هو الذي يملكها فيجعلها تضطرب ويُحدث في موقع منها زلزالً‪ ،‬فتندثر المباني التي‬
‫عليه حتى تفهم أن الدنيا ليست محكومة حكما أليا‪ ،‬بل محكومة بالسباب‪ ،‬وزمامها مازال في‬
‫قيومية المسبب‪ ،‬ونلتفت مرة إلى بعض من الزوابع من التراب وهي تغلق المجال الجوي كله‬
‫بحيث ل يستطيع واحد أن ينظر من خلله‪ ،‬وهذا لفت من ال لنا يوضح‪ :‬لقد صنعت هذه القوانين‬
‫بقدرتي‪ ،‬ولن تخرج هذه القوانين عن طلقة قدرتي‪.‬‬
‫ونرى بلدا تحيا على أمطار دائمة تغذي الرض‪ ،‬فنجد الخضرة تكسو الجبال ول نجد شبرا‬
‫واحدا دون خصوبة أو خضرة أو شجر‪ ،‬وقد يظن ظان أن هذه المسألة أمر آلي‪ ،‬ويأتي الحق‬
‫ليجري على هذه المنطقة قدر الجفاف فيمنع المطر وتصير الرض الخصبة إلى جدب‪ ،‬وتنفق‬
‫وتهلك الماشية ويموت البشر عطشا‪ ،‬وذلك ليلفتنا الحق إلى أن المسألة غير آلية ولكنها مرادات‬
‫مُريد‪.‬‬
‫وفي موقع آخر من الكرة الرضية نجد أرضا منبسطة هادئة يعلوها جبل جميل‪ ،‬وفجأة تتحول‬
‫قمة الجبل إلى فوهة بركان تلقي الحمم وتقذف بالنّار وتجري الناس لتنقذ نفسها‪ ،‬ولذلك علينا أن‬
‫نعرف أن عقل العاقل إنما يتجلى في أن يختار مراداته بما يتفق مع مرادات ال‪ ،‬وعلى سبيل‬
‫المثال‪ ..‬لم يؤت العقل البشري القدرة الذاتية على التنبؤ بالزلزل‪ ،‬لكن الحمار يملك هذه القدرة‪.‬‬
‫حمِيدا { وصدر الية‬
‫ض َوكَانَ اللّهُ غَنِيّا َ‬
‫ت َومَا فِي الَ ْر ِ‬
‫سمَاوَا ِ‬
‫} وَإِن َت ْكفُرُواْ فَإِنّ للّهِ مَا فِي ال ّ‬
‫سمَاوَاتِ َومَا فِي الَ ْرضِ { وذلك لتثبيت وتأكيد ضرورة الطاعة‬
‫بالمقولة نفسها‪ } :‬وَللّهِ مَا فِي ال ّ‬
‫لمنهج ال حتى ينسجم النسان مع الكون‪ .‬وتجيء المقولة مرة ثانية في الية نفسها ليثبت الحق‬
‫أنه غنيّ‪ ،‬ول تقل إن المقولة تكررت أكثر من مرة في الية الواحدة‪ ،‬ولكن قل‪ :‬إن الحق جاء بها‬
‫في صدر الية لتثبت المعنى‪ ،‬وجاءت في ذيل الية لتثبت معنى آخر‪ ،‬فسبحانه هو الغني عن‬
‫العباد‪َ {:‬وقُلِ ا ْلحَقّ مِن رّ ّب ُكمْ َفمَن شَآءَ فَلْ ُي ْؤمِن َومَن شَآءَ فَلْ َي ْكفُرْ }[الكهف‪]29 :‬‬
‫سمَاوَاتِ َومَا فِي الَ ْرضِ { لثبات حيثية أن يطيع العبد خالقه‪ .‬ومجيء }‬
‫ومجيء } وَللّهِ مَا فِي ال ّ‬
‫سمَاوَاتِ َومَا فِي الَ ْرضِ { في ذيل الية لثبات حيثية غنى ال عن كل العباد‪.‬‬
‫وَللّهِ مَا فِي ال ّ‬
‫سمَاوَاتِ‪{ ...‬‬
‫والمقولة نفسها تأتي في الية التالية حيث يقول سبحانه‪ } :‬وَللّهِ مَا فِي ال ّ‬

‫(‪)618 /‬‬
‫ض َو َكفَى بِاللّ ِه َوكِيلًا (‪)132‬‬
‫سمَاوَاتِ َومَا فِي الْأَ ْر ِ‬
‫وَلِلّهِ مَا فِي ال ّ‬

‫ومجيء المقولة لثالث مرة لطمأنة النسان أن ال يضمن ويحفظ مقومات الحياة‪ .‬فلن تتمردالشمس‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يوما ول تشرق‪ .‬أو يتمرد الهواء ول يهب‪ .‬أو تضن الرض عليك عناصرها؛ لن كل هذه‬
‫المور مسخّرة بأمر ال الذي خلقك وقد خلقها وقدّر فيها قوتك‪.‬‬
‫ولذلك يوضح ربنا‪ :‬أنا الوكيل الذي أكلفكم وأكفيكم وأغنيكم عن كل وكيل‪.‬‬
‫والوكيل هو الذي يقوم لك بمهامك وتجلس أنت مرتاح البال‪ .‬والنسان منا عندما يوكل عنه وكيلً‬
‫ليقوم ببعض العمال يحسّ بالسعادة على الرغم من أن هذا الوكيل الذي من البشر قد يُخطئ أو‬
‫يضطرب أو يخون أو يفقد حكمته أو يرتشي‪ ،‬لكن الحق بكامل قدرته يطمئن العبد أنه الوكيل‬
‫القادر‪ ،‬فلتطمئن إلى أن مقومات وجودك ثابتة؛ فسبحانه مالك الشمس فلن تخرج عن تسخيرها‪،‬‬
‫ومالك المياه ومالك الريح ومالك عناصر الرض كلها‪ .‬ومادام ال هو المليك فهو الحفيظ على كل‬
‫هذه الشياء‪ .‬وهو نعم الوكيل؛ لنه وكيل قادر وليس له مصلحة‪.‬‬
‫وتعالوا نقرأ هذا الحديث‪:‬‬
‫فقد ورد أن أعرابيا جاء فأناخ راحلته ثم عقلها ثم صلى خلف رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم‬
‫ فلما صلى رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ -‬أتى راحلته فأطلق عقالها ثم ركبها ثم نادى اللّهم‬‫ارحمني ومحمدا ول تشرك في رحمتنا أحدا‪ .‬فقال رسول ال ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪" :-‬‬
‫أتقولون هذا أضل أم بعيره ألم تسمعوا ما قال؟ " قالوا‪ :‬بلى‪ ،‬قال‪ " :‬لقد حَظرت رحمة واسعة‪ .‬إن‬
‫ال ‪ -‬عز وجل ‪ -‬خلق مائة رحمة فأنزل رحمة يتعاطف بها الخلق جِنّها وإِنْسها وبهائمها وأَخّر‬
‫عنده تسعا وتسعين رحمة أتقولون هو أضل أم بعيره "‪.‬‬
‫هو إذن كفى بال وكيلً وهو نعم الوكيل‪ ،‬وهو يطمئن عباده ويببن أنه ‪ -‬سبحانه ‪ -‬هو القيوم‪،‬‬
‫وتعني المبالغة في القيام‪ ،‬إذن كل شيء في الكون يحتاج إلى قائم؛ لذلك فهو قيوم‪ .‬ويوضح الحق‬
‫لكل إنسان‪ :‬أَنِ اجتهد في العمل وبعد أن تتعب نم ملء جفونك؛ لني أنا الحق ل تأخذني سنة ول‬
‫نوم‪ .‬فهل هناك وكيل أفضل من هذا؟‪.‬‬
‫{ َو َكفَىا بِاللّ ِه َوكِيلً }‪.‬‬
‫ثم يأتي الحق بحيثية أخرى تؤكد لنا أنه غني عن العالمين‪ ،‬فل يكفي أن يقول‪ :‬إنه غني وإنه خلق‬
‫كل ما في السموات وما في الرض‪ ،‬وإن كفرت أيها النسان فالذنب عليك‪ ،‬وإن آمنت فاليمان‬
‫أمان لك‪ ،‬وأوضح‪ :‬إياكم أيها البشر أن تعتقدوا أنكم خُِلقْتُم وشردتم وأصبحتم ل سلطان ل عليكم‪.‬‬
‫ل‪ .‬فال سبحانه يقول‪ { :‬إِن َيشَأْ يُ ْذهِ ْبكُمْ‪} ...‬‬

‫(‪)619 /‬‬
‫ن َوكَانَ اللّهُ عَلَى ذَِلكَ قَدِيرًا (‪)133‬‬
‫س وَيَ ْأتِ بِآَخَرِي َ‬
‫إِنْ يَشَأْ ُيذْهِ ْبكُمْ أَ ّيهَا النّا ُ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وبعض الفاقدين للبصيرة من الفلسفة قالوا‪ :‬صحيح أن ال قد خلقنا ولكنا خرجنا من دائرة نفوذه‪.‬‬
‫ل‪ ،‬بل سبحانه إن شاء لذهب بكم جميعا وأتى بآخرين‪ ،‬وما ذلك على ال بعزيز‪ ،‬وهو القائل‪:‬‬
‫{ َوكَانَ اللّهُ عَلَىا ذاِلكَ َقدِيرا }‪.‬‬
‫حين نقرأ " كان " بجانب كلمة " ال " فهي ل تحمل معنى الزمن؛ فال قدير حتى قبل أن يوجد‬
‫مقدور عليه‪ ،‬فلم يكن قديرا فقط عندما خلق النسان‪ ،‬بل بصفة القدرة خلق النسان؛ لن ال‬
‫سبحانه وتعالى ليس أغيار؛ لذلك يظل قديرا وموجودا في كل لحظة‪ ،‬وهو كان ول يزال‪.‬‬
‫ومن بعد ذلك يقول الحق‪ { :‬إِن َيشَأْ يُ ْذهِ ْبكُمْ‪} ...‬‬

‫(‪)620 /‬‬
‫سمِيعًا َبصِيرًا (‪)134‬‬
‫مَنْ كَانَ يُرِيدُ َثوَابَ الدّنْيَا َفعِنْدَ اللّهِ َثوَابُ الدّنْيَا وَالْآَخِ َر ِة َوكَانَ اللّهُ َ‬

‫ومادام الرسل قد أبلغوا النسان أن عند ال ثواب الدنيا والخرة فلمَ الغفلة؟ ولمَ ل تأخذ الزيادة؟‪،‬‬
‫ولماذا نذهب إلى صفقة الدنيا فقط مادام الحق يملك ثواب الدنيا من صحة ومال وكل شيء‪ ،‬وإن‬
‫اجتهد النسان في السباب يأخذ نتيجة أسبابه‪ .‬فالحق يقول‪ {:‬مَن كَانَ يُرِيدُ حَ ْرثَ الخِ َرةِ نَزِدْ لَهُ‬
‫فِي حَرْثِ ِه َومَن كَانَ يُرِيدُ حَ ْرثَ الدّنْيَا ُنؤْتِهِ مِ ْنهَا َومَا َلهُ فِي الخِ َرةِ مِن ّنصِيبٍ }[الشورى‪]20 :‬‬
‫ولم يقل الحق‪ :‬إن " الخرة " في مقابلة للدنيا؛ وأن من يأخذ الدنيا لن يأخذ الخرة أو العكس‪ ،‬بل‬
‫يريد ‪ -‬سبحانه للنسان أن يأخذ الدنيا والخرة معا‪ ،‬فيا من تريد ثواب الدنيا ل تحرم نفسك‬
‫بالحمق من ثواب الخرة‪ .‬وكلمة " ثواب " فيها ملحظ؛ فهناك أشياء تفعل لك وإن لم تطلب منها‬
‫أن تفعل‪ ،‬وتنتفع بعملها وإن لم تطلب من الشياء أن تفعل‪ .‬وهناك أشياء أخرى تنفعل بحركتك‪،‬‬
‫فإن تحركت وسعيت وعملت فيها تعطك‪.‬‬
‫مثال ذلك الرض‪ ،‬فإن بذرت فيها تخرج الزرع‪ ،‬واختلفات الناس في الدنيا تقدما وتأخرا‬
‫وحضارة وبداوة وقوة وضعفا إنما تأتي من القسم الذي ينفعل للنسان‪ ،‬ل من القسم الذي ُي ْفعَل‬
‫للنسان‪ .‬ويسخر له‪ ،‬وتقدم بعض البشر في الحضارة إنما جاء لنهم بحثوا في المادة والعناصر‪،‬‬
‫وأنجزوا إنجازات علمية هائلة في المعامل‪ ،‬فإن أردت أن تكون متقدما فعليك أن تتعامل مع‬
‫العناصر التي تنفعل لك‪ ،‬والمم كلها إنما تأخذ حضارتها من قسم ما ينفعل لها‪ ،‬وهم والمتأخرون‬
‫شركاء فقط فيما يُفعل لهم ويسخّر لصالحهم‪.‬‬
‫وإن أردنا الرتقاء أكثر في التحضر‪ ..‬فعلينا أن نذهب إلى ما ُيفْعل ويسخّر لنا ونتعامل نعه حتى‬
‫ينفعل لنا‪ ..‬كيف؟‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الشمس تمدنا بالضوء والحرارة‪ ،‬ونستطيع أن نتعامل مع الشمس تعاملً آخر يجعلها تنفعل لنا‪،‬‬
‫مثلما جئنا بعدسة اسمها " العدسة اللّمة " التي تستقبل أشعة الشمس وتتجمع الشعة في بؤرة‬
‫العدسة؛ فتحدث حرارة تشعل النار‪ ،‬أي أننا جعلنا ما ُي ْفعَل لنا يتحول إلى منفعل لنا أيضا‪.‬‬
‫ويسمون ذلك الطموح النبعاثي‪ .‬والمطر يفعل للنسان عندما ينزل من السماء في وديان‪،‬‬
‫ويستطيع النسان أن يحوله إلى منفعل عندما يضع توربينات ضخمة في مسارات نزوله فينتج‬
‫الكهرباء‪.‬‬
‫إذن فحضارات المم إنما تنشأ من مراحل‪ .‬المرحلة الولى‪ :‬تستخدم ما ينفعل لها‪ ،‬والمرحلة‬
‫الثانية‪ :‬ترتقي فتستخدم ما ينفعل معها‪ .‬والمرحلة الثالثة‪ :‬تستخدم ما يفعل لها كمنفعل لها؛ مثال‬
‫ذلك استخدام الطاقة الشمسية بوساطة أجهزة تجمع هذه الطاقة ارتقاءً مع استخدام ما يفعل للنسان‬
‫لينفعل مع النسان‪.‬‬
‫وأسمى شيء في الحضارة الن هو أشعة الليزر التي تصنع شبه المعجزات في دنيا الطب‪ .‬وكلمة‬
‫" ليزر " مأخوذة كحروف من كلمات تؤدي معنى تضخيم الطاقة بواسطة النبعاث الستحثائي‪،‬‬
‫فكلمة " ليزر " ‪ -‬إذن ‪ -‬مثلها كلمة " ليمتد " فاللم من كلمة‪.‬‬
‫والياء من كلمة‪ ،‬والتاء من كلمة‪ ،‬والدال من كلمة‪ ،‬وذلك لتدل على مسمّى‪.‬‬
‫وترجمة مسمّى " ليزر " هو تضخيم الطاقة عن طريق النبعاث الستحثائي‪ .‬ففيه انبعاث تلقائي‬
‫هو مصدر الطاقة الذي يُفعل للنسان وإن لم يطلبه‪ ،‬أما النبعاث الستحثائي فينتج عندما يحث‬
‫النسان الطاقة لتفعل له شيئا آخر‪ .‬والنبعاث التلقائي متمثل في الشمس فتعطي ضوءا وحرارة‪.‬‬
‫وعندما جلس العلماء في المعامل وصمموا العدسة التي تنتج هذه الشعة أهاجوها وأثاروها‬
‫وأخذوا ليصنعوا منها طاقة كبيرة‪ .‬وهكذا أنتجوا أشعة الليزر التي هي تضخيم للطاقة عن طريق‬
‫النبعاث الستحثائي‪ ،‬ولن العنوان طويل فقد أخذوا من كل كلمة حرفا وكوّنوا كلمة " ليزر "‪.‬‬
‫إذن فالرتقاءات الحضارية تأتي عن طريق تعامل النسان مع القسم الذي ينفعل للنسان‪،‬‬
‫واستحثاث واستخدام ما يُفعل له بطريقته التلقائية لينفعل معه كأشعة الشمس مثل‪.‬‬
‫وجئنا بذكر كل ذلك من أجل أن نستوضح آفاق قول الحق‪ } :‬مّن كَانَ يُرِيدُ َثوَابَ الدّنْيَا {‪ .‬وكلمة "‬
‫ثواب " إذن توحي بأن هناك عملً‪ ،‬فالثواب جزاء على عمل‪ .‬فإن أردت ثواب الدنيا‪ ،‬فل بد أن‬
‫تعمل من أجل ذلك‪ .‬فل أحد يأخذ ثواب الدنيا بدون عمل‪.‬‬
‫ومن عظمة الحق ولطفه وفضله ورحمته أن جعل ثواب الدنيا جائزة لمن يعمل‪ ،‬سواء آمن أم‬
‫كفر‪ ،‬ولكنه خص المؤمنين بثواب باق في الخرة‪.‬‬
‫ولذلك يقال‪ " :‬الدنيا متاع "‪ .‬ويزيد الحق على ذلك‪َ } :‬فعِندَ اللّهِ َثوَابُ الدّنْيَا وَالخِ َر ِة َوكَانَ اللّهُ‬
‫سمِيعا َبصِيرا {‪ .‬ومن الحمق أن يوجد طريق يعطي النسان جزاءين ثم يقصر همته على جزاء‬
‫َ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫واحد‪.‬‬
‫وهنا ملحظ آخر؛ فحينما تكلم الحق عن ثواب الدنيا‪ ،‬دل على أنه ل بد من العمل لنأخذ الدنيا‪ ،‬ولم‬
‫يذكر الحق ثوابا للخرة‪ ،‬بل جعل سبحانه الثواب للثنين‪ ..‬الدنيا والخرة‪ ،‬إذن فالذي يعمل للدنيا‬
‫من المؤمنين إنما يأخذ الخرة أيضا؛ لن الخرة هي دار جزاء‪ ،‬والدنيا هي مطية وطريق‬
‫وسبيل‪ .‬فكأن كل عمل يفعله المسلم ويجعل ال في باله‪ ..‬فال يعطيه ثوابا في الدنيا‪ ،‬ويعطيه ثوابا‬
‫في الخرة‪.‬‬
‫سمِيعا َبصِيرا { ‪ -‬إذن ‪ -‬فثواب الدنيا والخرة ل يتأتى إل‬
‫ويذيل الحق الية‪َ } :‬وكَانَ اللّهُ َ‬
‫بالعمل‪ ،‬والعمل هو كل حدث يحدث من جوارح النسان‪ ،‬القول ‪ -‬مثلً ‪ -‬حدث من اللسان‪ ،‬وهو‬
‫عمل أيضا‪ ،‬والمقابل للقول هو الفعل‪ .‬فالعمال تنقسم إلى قسمين‪ :‬إلى القوال وإلى الفعال‪.‬‬
‫طعَامِ‬
‫ولتوضيح هذا المر نقرأ قول الحق‪ {:‬كَلّ بَل لّ ُتكْ ِرمُونَ الْيَتِيمَ * َولَ تَحَآضّونَ عَلَىا َ‬
‫سكِينِ * وَتَ ْأكُلُونَ التّرَاثَ َأكْلً ّلمّا }[الفجر‪]19-17 :‬‬
‫ا ْلمِ ْ‬
‫وعندما سمع الغنياء هذا القول عرفوا سلوكهم‪ ،‬ولما سمع الفقراء هذا القول‪ ،‬كأنهم قالوا‪ :‬نحن ل‬
‫سكِينِ { ما يوضح‬
‫طعَامِ ا ْلمِ ْ‬
‫نملك ما نطعم به المسكين‪ ،‬فكان في قوله تعالى‪َ } :‬ولَ تَحَآضّونَ عَلَىا َ‬
‫لهم الطريق إلى العطاء‪ :‬أي حضوا غيركم على العطاء‪.‬‬
‫أي أن الذي ل يملك يمكنه أن يكلم الغني ليعطي المسكين‪ ،‬والحضّ هو كلم‪ .‬والكلم من العمل‪.‬‬
‫ض َعفَآ ِء وَلَ عَلَىا‬
‫والحق سبحانه وتعالى يستنفر المؤمنين لينصروا دين ال فيقول‪ {:‬لّيْسَ عَلَى ال ّ‬
‫ن لَ َيجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا َنصَحُواْ للّ ِه وَرَسُولِهِ مَا عَلَى ا ْل ُمحْسِنِينَ مِن‬
‫ا ْلمَ ْرضَىا َولَ عَلَى الّذِي َ‬
‫غفُورٌ رّحِيمٌ }[التوبة‪]91 :‬‬
‫ل وَاللّهُ َ‬
‫سَبِي ٍ‬
‫هو سبحانه أعفى الضعفاء والمرضى والذين ل يجدون ما ينفقون في القتال وأسقطه عنهم ولم‬
‫يحاسبهم عليه‪ ،‬ولكن في الية نفسها ما يُحدد المطلوب من هؤلء‪ ،‬وهو أن ينصحوا ل ورسوله‪.‬‬
‫إذن فغير القادر يمكنه أن يتكلم بفعل الخير ويذكّر به الخرين وينصح به‪ ،‬هذا هو معنى قول‬
‫سمِيعا َبصِيرا { فسبحانه يسمع قول مّن ل يستطيع ول يملك القدرة على سلوك‬
‫الحق‪َ } :‬وكَانَ اللّهُ َ‬
‫ما‪ ،‬وسبحانه بصير يرى صاحب كل سلوك‪.‬‬
‫إذن فثواب الدنيا يحتاج إلى عمل‪ ،‬والعمل هو انفعال كل جارحة بمطلوبها‪ ،‬فاللسان جارحة تتكلم‪،‬‬
‫واليد تعمل‪ ،‬وكل جوارح النسان تعمل‪ ،‬لكن ما عمل القلوب؟ عمل القلوب ل يُسمع ول يُرى‪،‬‬
‫ولذلك قال الحق عن إخلص القلب في حديث قدسي‪:‬‬
‫" الخلص سرّ من أسراري استودعته قلب من أحببت من عبادي "‬
‫وهكذا نعرف أن نية القلوب خاصة بال مباشرة ول تدخل في اختصاص رقيب وعتيد وهما‬
‫الملكان المختصان برقابة وكتابة سلوك وعمل النسان‪ ،‬ولذلك نجد الحق يصف ذاته في مواقع‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫كثيرة من القرآن بأنه لطيف خبير‪ ،‬لطيف بعلم ما يدخل ويتغلغل في الشياء‪ ،‬وخبير بكل شيء‬
‫وقدير على كل شيء‪ .‬ونجد الحديث الشريف يقول لنا‪:‬‬
‫" إنما العمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى‪ .‬فمن كانت هجرته إلى ال ورسوله فهجرته إلى‬
‫ال ورسوله‪ ،‬ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه "‪.‬‬
‫فالعمل يكون بالجوارح‪ ،‬ومن الجوارح اللسان‪ ،‬وحتى نضبط هذه المسألة لنفرق ما بين الفعل‬
‫والعمل‪ .‬نقرأ ونفهم هذه الية‪ {:‬ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ لِمَ َتقُولُونَ مَا لَ َت ْفعَلُونَ }[الصف‪]2 :‬‬
‫ونجد المقابل للقول هو الفعل‪ .‬والكل عمل‪ .‬ويأتي نوع آخر من العمال‪ ،‬ل هو قول ول هو فعل‪،‬‬
‫وهو " النية القلبية "‪ .‬وعندما يقول الحق‪ :‬إنه كان سميعا بصيرا‪ ،‬فالمعنى سميع للقول‪ ،‬وبصير‬
‫بالفعل‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه بعد ذلك‪ } :‬يَا أَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ‪{ ...‬‬

‫(‪)621 /‬‬
‫سكُمْ َأوِ ا ْلوَالِدَيْنِ وَالَْأقْرَبِينَ إِنْ َيكُنْ‬
‫شهَدَاءَ لِلّ ِه وََلوْ عَلَى أَ ْنفُ ِ‬
‫يَا أَ ّيهَا الّذِينَ َآمَنُوا كُونُوا َقوّامِينَ بِا ْلقِسْطِ ُ‬
‫غَنِيّا َأوْ َفقِيرًا فَاللّهُ َأوْلَى ِب ِهمَا فَلَا تَتّ ِبعُوا ا ْل َهوَى أَنْ َت ْعدِلُوا وَإِنْ َت ْلوُوا َأوْ ُتعْ ِرضُوا فَإِنّ اللّهَ كَانَ ِبمَا‬
‫َت ْعمَلُونَ خَبِيرًا (‪)135‬‬

‫وساعة ينادي الحق عباده المؤمنين قائلً‪ :‬يا أيها الذين آمنوا‪ ،‬فكأنه يقدم حيثية الحكم الذي يأتي‬
‫بعده‪ ،‬ونحن نرى القضاء البشري قبل أن ينطق بمنطوق الحكم‪ ،‬يورد حيثيته‪ ،‬فيقول‪ " :‬بما أن‬
‫المادة القانونية رقم كذا تنص على كذا‪ ،‬حكمنا بكذا "‪ .‬إذن‪ :‬فالحيثيات تتقدم الحكم‪ .‬وحيثيات الحكم‬
‫الذي يحكم به ال هي اليمان به‪ ،‬مثل قول الحق‪ {:‬ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ كُ ِتبَ عَلَ ْي ُكمُ الصّيَامُ }[البقرة‪:‬‬
‫‪]183‬‬
‫حيثية الكتابة هنا وفي أي حكم آخر هي إيمان العبد بال ربا‪ ،‬فليسمع العبد من ربه‪ .‬وسبحانه ل‬
‫يكلف كل الناس بالتكاليف اليمانية‪ ،‬ولكنه يكلف المؤمنين فقط‪ .‬وهو يقول‪ { :‬يَا أَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ‬
‫كُونُواْ َقوّامِينَ بِا ْلقِسْطِ } فالمؤمن يدخل على اليمان بقمة القِسط‪ ،‬فالقسط هو العدل‪ ،‬والعدل أن‬
‫يعطي العادل كل ذي حق حقه‪ .‬وحق الله الواحد أن يؤمن به النسان ويعترف أنه إله واحد‪.‬‬
‫إن قمة القِسط ‪ -‬إذن ‪ -‬هي اليمان‪ .‬ومادام المؤمن قد بدأ إيمانه بقمة القِسط وهو اليمان‪ ،‬فليجعل‬
‫القِسط سائدا في كل تصرفاته‪ .‬وإياك أن تجعل القسط أمرا أو حدثا يقع مرة وينتهي‪ ،‬وإل لما قال‬
‫الحق مع إخوانك المؤمنين‪ { :‬يَا أَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ َقوّامِينَ بِا ْلقِسْطِ }‪.‬‬
‫ولم يقل الحق لك مع إخوانك المؤمنين‪ :‬كونوا قائمين بالقسط‪ ،‬بل قال { كُونُواْ َقوّامِينَ بِا ْلقِسْطِ }‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أي أن المطلوب هو الستمرارية للسلوك العادل‪ .‬فنحن نقول‪ " :‬فلن قائم " و " فلن َقوّام "‪.‬‬
‫ونعرف أن كلمة " َقوّام " هي صيغة مبالغة‪ .‬وعلى ذلك يكون المر اللهي لكل مؤمن‪ :‬ل تقم‬
‫بالقسط مرة واحدة فقط‪ ،‬بل اجعله خصلة لزمة فيك‪ ،‬ولتفعل القسط في كل أمور حياتك‪ .‬والقِسط‬
‫كما علمنا من قبل في ظاهر أمره هو العدل‪،‬وأيضا القساط هي العدل‪.‬‬
‫وقد احدثت كلمة " القسط " ضجة عند العلماء‪ ،‬وقلنا تعليقا على ذلك‪ :‬إن المسألة بسيرة‪ ..‬فقسط‬
‫يقسُط قسوطا أي جار وظلم‪ ،‬فإذا أذهب النسان الجور والظلم يقال‪ " :‬أقسط فلن " أي أذهب‬
‫الجور‪ .‬إذن‪ " :‬القِسط ‪ -‬بكسر القاف ‪ -‬هو العدل البتدائي‪ ،‬لكن القساط هو عدل أزال جورا‬
‫كان قد وقع‪.‬‬
‫وهب أن أناسا جاءوا لقاضٍ فحكم بينهم بالعدل‪ ،‬فهذا هو القِسط‪ ،‬وقد يستأنف أحد الطرفين حكم‬
‫المحكمة البتدائية ووجدت محكمة الستئناف خطأ في التطبيق فأصدرت حكما بإزالة الجور‪،‬‬
‫وهذا الحكم الذي من الدرجة الثانية اسمه إقساط‪ .‬وهكذا ينتهي جدل العلماء حول هذه المسألة‪،‬‬
‫فالقِسط عدل من أول درجة‪ ،‬والقساط يعني أنه كان هناك جور ف ُرفِع‪ ،‬لنه مسبوق بهمزة اسمها‬
‫" همزة الزالة " ‪ ،‬فيقال‪ :‬أعجم الكتاب‪ .‬أي أن الكتاب كان فيه عجمة‪ ،‬أي كان بالكتاب شيء‬
‫مستتر وخفيّ أي يعطي معاني اللفاظ فيزيل خفاءها‪.‬‬
‫وكذلك معنى " أقسط " أي أزال الجور‪.‬‬
‫والحق يقول‪ } :‬يَا أَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ َقوّامِينَ بِا ْلقِسْطِ { فأنت أيها المؤمن قد فعلت بالعقل أول‬
‫مرتبة في القسط؛ ورددت اليمان إلى الرب فهو المستحق له فقط‪ ،‬بل لبد أن تكون الشهادة ل‪.‬‬
‫لماذا؟‪.‬‬
‫هب أن رجلً كافرا بال ‪ -‬والعياذ بال ‪ -‬ويقيم العدل بين الناس لكنه ل يدخل بذلك في حيثية‬
‫اليمان‪ ،‬فالذي يدخل في حيثية اليمان يكون قائما بالقسط وفي باله ال وبذلك تكون الشهادة‬
‫وإقامة حقوق ال ل لمنفعةٍ ول لغاي ٍة ول لهوى ول لغرضٍ‪ ،‬وإنما ليستقيم كون ال كما أراد ال‪،‬‬
‫سمَاوَاتُ‬
‫حقّ أَ ْهوَآءَ ُهمْ َلفَسَ َدتِ ال ّ‬
‫وإل لو حكم أحد بهوى لفسدت الرض‪ ،‬والحق يقول‪ {:‬وََلوِ اتّ َبعَ الْ َ‬
‫ض َومَن فِيهِنّ }[المؤمنون‪]71 :‬‬
‫وَالَرْ ُ‬
‫لذك ل بد أن يكون المؤمن قوّاما بالقسط وفي باله ال‪ ،‬ولذلك فالقيام بالقسط وحده ل يكفي‪ ،‬ونحن‬
‫نسمع‪ :‬فلن عادل ولو أنه من ديانة أخرى غير السلم أو كان ملحدا‪ .‬ونقول‪ :‬هذا العادل من أي‬
‫دين أو عقيدة غير السلم يأخذ ثناء البشر لكنه ل يأخذ ثناء ال ول ثوابه‪ ،‬ولذلك فالقوّام بالقسط‬
‫يجب أن يفعل بقصد امتثال أمر ال لينال الثواب من ال‪.‬‬
‫سكُمْ { والشاهد في العادة هو من يشهد لمصلحة‬
‫ش َهدَآءَ للّ ِه وََلوْ عَلَى أَ ْنفُ ِ‬
‫سطِ ُ‬
‫} كُونُواْ َقوّامِينَ بِا ْلقِ ْ‬
‫واحد ضد آخر‪ ،‬وعندما يقر الشاهد بذنب فهو قد شهد على نفسه‪ ،‬والشاهد لمصلحة واحد إنما‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يفعل ذلك ليرجح الحكم‪ ،‬والشاهد على نفسه يقر بما فعل‪ ،‬والقرار سيد الدلة‪ .‬وشهادة الشاهد‬
‫تقدم للقاضي الدليل الذي يرتب عليه الحكم‪ .‬وهكذا يشهد المؤمن على نفسه‪.‬‬
‫وهناك معنى آخر‪ :‬أنه يشهد على نفسه ولو كانت الشهادة تجر وبال عليه‪ ،‬وهذه المعاني من‬
‫معطيات الشعاعات القرآنية؛ فالمؤمن يشهد على نفسه للقرار‪ ،‬وقد ل تكون الشهادة على النفس‬
‫بل قد تكون الشهادة واجبة عليه يؤديها لمصلحة غيره ول يخاف فيها الشاهد من السلطان حتى‬
‫وإن جار السلطان على المؤمن وأصابه بوبال في نفسه أو ماله‪ ،‬ومن الناس من أصابه وبال في‬
‫نفسه أو أهله من السلطان لمجرد كلمة حق قيلت‪ .‬فالسلطان قد ل يأخذ النسان بذنبه‪ ،‬بل قد يأخذ‬
‫أهل النسان بهذا الذنب‪ .‬والحق يوضح للعبد‪ :‬ل تهتم بذلك ول تقولن سيعذبون العيال أو‬
‫سيأخذون كل شيء‪ ،‬إنني أنا الموجود المتكفل بعبادي‪.‬‬
‫سكُمْ َأوِ ا ْلوَالِدَيْنِ‬
‫ش َهدَآءَ للّ ِه وََلوْ عَلَى أَ ْنفُ ِ‬
‫سطِ ُ‬
‫ويطلب الحق من المؤمنين‪ } :‬كُونُواْ َقوّامِينَ بِا ْلقِ ْ‬
‫وَالَقْرَبِينَ {‪ .‬وحين يشهد النسان على نفسه فلن يكون أبوه أو أمه أو أحد أقاربه أعز منه‪.‬‬
‫ثم يدخل بنا الحق إلى أن استحثاثات مخالفة العدالة تدخل فيها الهواء‪ ،‬وحين يرجح إنسان الباطل‬
‫غير الواقع على حق واقع‪ ،‬فالمرجح هو هوى النفس‪ ،‬ومنشأ الهوى أن يكون المشهود عليه غنيا‬
‫فيخاف النسان أن يشهد عليه‪ ،‬فيمنعه من خير ما‪.‬‬
‫ولذلك حدد الحق قوامة المؤمنين بالقسط والشهادة ل ولو على النفس أو الب أو الم أو القارب‪،‬‬
‫ول يصح أن يضع أحد من المؤمنين ثراء أو فقر المشهود له أو عليه في البال‪ ،‬بل يجب أن يكون‬
‫البال مع ال فقط؛ لذلك قال‪ } :‬إِن َيكُنْ غَنِيّا َأوْ َفقِيرا فَاللّهُ َأوْلَىا ِب ِهمَا فَلَ تَتّ ِبعُواْ ا ْل َهوَىا أَن َتعْدِلُواْ‬
‫{‪.‬‬
‫وقد يقول قائل‪ :‬إن الهوى قد ينحاز إلى الغنيّ طمعا في ثرائه؛ فلماذا يذكر ال الفقير أيضا؟‬
‫ونقول‪ :‬قد ينحاز الهوى إلى الفقير رحم ًة بالفقير فيحدّث الشاهد نفسه " أنه فقير ويستحق الرحمة‬
‫"؛ لذلك يحذرنا الحق من النحياز إلى الغني أو إلى الفقير‪.‬‬
‫ول دخل للشهادة بثراء الثري أو بفقر الفقير؛ لن العبد المؤمن ليس أولى او أحق برعاية مصالح‬
‫الناس من خالقهم ‪ -‬جل شأنه ‪ -‬ولذلك جاء بالحيثية الملجمة } فَاللّهُ َأوْلَىا ِب ِهمَا فَلَ تَتّ ِبعُواْ ا ْل َهوَىا‬
‫أَن َتعْدِلُواْ { أي أنك أيها العبد لم تخلق أحدا منهما ولكن ال خالق الثنين وهو أولى بهما فليس لك‬
‫أن تقيم شهادتك على الثراء أو على الفقر لنك لست القَيّم على الوجود‪.‬‬
‫والذي يفسد ويشوش على العدل هو الهوى‪ ،‬والمثل العربي يقول‪ " :‬آفة الرأي الهوى "‪ .‬وإياكم‬
‫أيها المؤمنون واتباع الهوى حتى ل تفسد قدرتكم على العدل وتجنحوا بعيدا عنه‪ .‬والتاريخ العربي‬
‫يحتفظ لنا في ذاكرته حكاية رجل فاضل ذهب إلى الخليفة وقال له‪ :‬أعفني من القضاء! فقال‬
‫الخليفة‪ :‬فمن يكون للقضاء إذن وأنت العادل الذي شهد له كل الناس بذلك؟‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فقال القاضي‪ :‬وال يا أمير المؤمنين لقد عرف الناس عني أني أحب الرّطب ‪ -‬أي البلح ‪ -‬وبينما‬
‫أنا في بيتي وإذا بالخادم قد دخل ومعه طبق من رطب وكنا في بواكير الرطب‪ ،‬ومن الطبيعي أن‬
‫تكون النفس في لهفة عليه مادامت تحبه‪ ،‬ويتابع القاضي حكايته للخليفة‪ :‬فقلت للخدام من جاء به؟‬
‫فأجاب الخادم‪ :‬إنه واحد صفته كذا وكذا فتذكرت أن مَن أرسل الرطب هو واحد من المتقاضين‬
‫أمامي‪ ،‬فرددت عليه الرطب‪ ،‬ولما كان يوم الفصل في قضية صاحب الرطب‪ ،‬دخل الرجل عليّ‬
‫فعرفته فوال يا أمير المؤمنين ما استويا في نظري هو وخصمه على الرغم من أني رددت‬
‫الطبق‪ .‬وهكذا استقال القاضي العربي المسلم من منصب القضاء‪.‬‬
‫ويتابع الحق سبحانه‪ } :‬وَإِن تَ ْلوُواْ َأوْ ُتعْ ِرضُواْ فَإِنّ اللّهَ كَانَ ِبمَا َت ْعمَلُونَ خَبِيرا {‪ .‬أن تلووا في‬
‫الشهادة والليّ هو التحريف‪ ..‬أي تحرفوا الشهادة وتغيروها‪ ،‬فإن ال بما تعملون خبير‪ ،‬أو أن‬
‫ُيعْرِض الشخص عن أداء الشهادة لنه يخاف من المشهود عليه؛ لذلك يقال‪ :‬إنه خائف من‬
‫المشهود عليه؛ لن الشهادة ترجح حكم المشهود له؛ لهذا فهو يعرض عن الشهادة‪ ،‬وإن جاء‬
‫للشهادة فهو يلف الكلمات ويلوي لسانه بها؛ لذلك يقول الحق‪ } :‬وَإِن تَ ْلوُواْ َأوْ ُتعْ ِرضُواْ فَإِنّ اللّهَ‬
‫كَانَ ِبمَا َت ْعمَلُونَ خَبِيرا {‪.‬‬
‫إذن فالذي يفسد العدل هو الهوى‪ ،‬والهوى عمل القلب؛ لذلك نحتاج إلى خبرة الخبير اللطيف‪.‬‬
‫فعلينا أن نعلم أن النيات عمل القلوب‪ ،‬وبذلك صار العمل ينقسم الن أمامنا إلى ثلثة أقسام‪ :‬قول‬
‫لسان‪ ،‬وفعل بجوارح غير اللسان‪ ،‬ونيات قلوب وهوى‪.‬‬
‫ومن بعد ذلك يقول الحق سبحانه‪ } :‬يَا أَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ‪{ ...‬‬

‫(‪)622 /‬‬
‫يَا أَ ّيهَا الّذِينَ َآمَنُوا َآمِنُوا بِاللّ ِه وَرَسُولِ ِه وَا ْلكِتَابِ الّذِي نَ ّزلَ عَلَى رَسُولِ ِه وَا ْلكِتَابِ الّذِي أَنْ َزلَ مِنْ قَ ْبلُ‬
‫ل ضَلَالًا َبعِيدًا (‪)136‬‬
‫ضّ‬
‫سلِ ِه وَالْ َيوْمِ الَْآخِرِ َفقَ ْد َ‬
‫َومَنْ َي ْكفُرْ بِاللّهِ َومَلَائِكَتِ ِه َوكُتُبِ ِه وَرُ ُ‬

‫وقد يقول إنسان ما‪ :‬كيف يقول الحق في صدر هذه الية مناديا المؤمنين باليمان فقال‪ :‬أمَنُوا‪،‬‬
‫وبعد ذلك يطالبهم بأن يؤمنوا؟ ونقول‪ :‬نرى في بعض الحيان رجلً يجري كلمة اليمان على‬
‫لسانه ويعلم ال أن قلبه غير مصدق لما يقول‪ ،‬فتكون كلمة اليمان هي حق صحيح‪ ،‬ولكن بالنسبة‬
‫شهَدُ إِ ّنكَ‬
‫لمطابقتها لقلبه ليست حقا‪ .‬وتعرضنا من قبل لقول الحق‪ِ {:‬إذَا جَآ َءكَ ا ْلمُنَا ِفقُونَ قَالُواْ نَ ْ‬
‫شهَدُ إِنّ ا ْلمُنَافِقِينَ َلكَاذِبُونَ }[المنافقون‪]1 :‬‬
‫لَرَسُولُ اللّ ِه وَاللّهُ َيعْلَمُ إِ ّنكَ لَ َرسُولُ ُه وَاللّهُ َي ْ‬
‫لقد شهد المنافقون أن رسول ال مرسل من عند ال‪ ،‬هذه قضية صدق‪ ،‬لكن ال العليم بما في‬
‫شهَدُ إِنّ ا ْلمُنَا ِفقِينَ َلكَاذِبُونَ }[المنافقون‪]1 :‬‬
‫القلوب يكشف أمرهم إلى الرسول فيقول‪ {:‬وَاللّهُ َي ْ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لقد وافقت شهادتهم بألسنتهم ما علمه ال‪ .‬لكن القول منهم يخالف ما في قلوبهم‪ ،‬فشهد الحق إنهم‬
‫لكاذبون‪ .‬ويعلم سبحانه كذبهم في شهادتهم؛ لن المنافق منهم لم يشهد صحيح الشهادة؛ لن‬
‫ن القلبَ‪ .‬وبعض من الغبياء الذين يحاولون الستدراك على‬
‫الشهادة الحقة هي أن يواطئ اللسا ُ‬
‫القرآن قد عميت بصيرتهم عن الحساس باللغة والفهم لسرارها؛ لذلك يتخبطون في الفهم‪ .‬فهم ل‬
‫يعرفون صفاء التلقي عن ال‪ .‬وقالوا‪ :‬إن بالقرآن تضاربا‪ ،‬ولم يعرفوا أن كذب المنافقين لم يكن‬
‫في مقولة‪ :‬إن محمدا رسول ال‪ ،‬ولكن في شهادتهم بذلك‪ ،‬وكذبهم ال في قولهم‪ " :‬نشهد " فقط‪،‬‬
‫فقد أعلنوا اليمان بألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم‪.‬‬
‫وإن أردنا أن نفهم أن الخطاب للمؤمنين عامة‪ ،‬بأن يؤمنوا‪ ،‬فهذا طلب للرتقاء بمزيد من اليمان‪،‬‬
‫طعِ‬
‫ولنا في قول الحق المثل الواضح في حديثه للنبي؛ قال الحق‪ {:‬يَاأَ ّيهَا النّ ِبيّ اتّقِ اللّهَ وَلَ تُ ِ‬
‫حكِيما }[الحزاب‪]1 :‬‬
‫ن وَا ْلمُنَافِقِينَ إِنّ اللّهَ كَانَ عَلِيما َ‬
‫ا ْلكَافِرِي َ‬
‫الحق هنا يقول للمتقي الول محمد رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ " :‬اتق ال " ‪ ،‬أي يأمره بالقيام‬
‫دائما على التقوى‪.‬‬
‫إذن فمعنى قول الحق‪ { :‬يَا أَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ } أن الحق يخاطبكم بلفظ اليمان‪ .‬ويريد أن‬
‫يتصل إيمانكم بعد كلمه الحق مع إيمانكم قبل كلمه‪ ،‬فل ينقطع ول ينفصم خيط اليمان أبدا‪ .‬بل‬
‫ل بد من المداومة على اليمان‪ ،‬وأل يترك مؤمن هذا الشرف‪ .‬فإن رأى واحد منكم منادًى‬
‫بوصف طُلبِ منه الوصفُ بعده فليعلم أن المراد هو المداومة‪.‬‬
‫ونعلم أن الحق هنا يخاطب مؤمنين ومنافقين وأهل كتاب؛ لذلك فل بد أن تشملهم الية‪ { :‬يَا أَ ّيهَا‬
‫الّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّ ِه وَرَسُوِلهِ } لن النسان إن آمن بال فقط‪ ،‬فهذا يقتضي أن يبحث المؤمن‬
‫بال عن مطلوب ال‪ ،‬ومطلوب ال إنما جاء به رسول؛ لذلك فاليمان بال يقتضي أن يؤمن‬
‫النسان برسول‪ ،‬لن قصارى ما يعطيك العقل أيها النسان أن تؤمن بأن وراء الكون إلها خلقه‬
‫ويدبره‪.‬‬
‫ولكن ما اسم هذا الله؟ ل يعرف النسان ذلك إل عن طريق الرسول‪.‬‬
‫إن هذه أمور ل تعرف بالعقل ولكن ل بد من الخبار بها‪ ،‬وكذلك مطلوبات ال‪ ،‬وكذلك جزاء‬
‫المؤمنين على حسن إيمانهم‪ ،‬ولذلك ل بد من مجيء رسول للبلغ‪.‬‬
‫إذن فل بد مع اليمان بال أن تؤمن بالرسول‪ .‬ومادمت أيها المؤمن قد آمنت برسوله فل بد أن‬
‫تؤمن بالكتب التي جاءت على لسان الرسول‪ .‬وهذه الكتب تقول لك‪ :‬إن هناك خلقا ل ل تراهم‬
‫وهم الملئكة‪ ،‬والمََلكُ يأتي بالوحي وينزل به على الرسول‪ ،‬على الرغم من أنك لم تر الملك فأنت‬
‫تؤمن بوجوده‪.‬‬
‫إذن فالقمة اليمانية هي أن تؤمن بال‪ ،‬ولزمها أن تؤمن برسول ال‪ ،‬وأن تؤمن بكتاب مع‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الرسول‪ ،‬وأن تؤمن بما يقوله ال عن خلق ل تستطيع أن تدركهم كالملئكة‪ .‬وهذا المر باليمان‬
‫هو مطلوب من أهل الكتاب لنهم آمنوا برسلهم‪ ،‬ويطلب منهم أن يؤمنوا برسول ال وبما أُنزل‬
‫عليه‪.‬‬
‫ويترك الحق سبحانه وتعالى لخلقه أن يكتشفوا وجودا لكائنات لم تكن معلومة لنهم حُدّثوا بأن في‬
‫الكون كائنات أبلغنا ال بوجودها ول ندركها وهم الملئكة‪ - .‬إذن ‪ -‬فالدليل عندهم يحثهم‬
‫ويدفعهم إلى الكشف والبحث‪.‬‬
‫والمثال على ذلك الميكروب الذي لم تعرفه البشرية إل في القرن السابع عشر الميلدي‪ ،‬وكان‬
‫الميكروب موجودا من البداية‪ ،‬لكننا لم نكن ندركه‪ ،‬وبعد أن توصلت البشرية إلى صناعة المجاهر‬
‫أدركناه وعرفنا خصائصه وفصائله وأنواعه‪ ،‬ومازالت الكتشافات تسعى إلى معرفة الجديد فيه‪،‬‬
‫هو جديد بالنسبة لنا‪ ،‬لكنه قديم في وجوده‪.‬‬
‫ومعنى ذلك أن ال يوضح لنا‪ :‬إذا حُدثَت أيها النسان من صادق على أن في الكون خلقا ل تدركه‬
‫أنت الن فعليك بالتصديق؛ فقبل اكتشاف الميكروب لو حدث الناسَ أحدٌ بوجود الميكروب في‬
‫أثناء ظلم العصور الوسطى لما صدقوا ذلك‪ ،‬على الرغم من أن الميكروب مادة من مادة النسان‬
‫نفسها لكنه صغير الحجم بحيث ل توجد آلة إدراك تدركه‪ .‬وعندما اخترعنا واكتشفنا الشياء التي‬
‫تضاعف صورة الشيء مئات المرات استطعنا رؤيته‪ ،‬فعدم رؤية الشيء ل يعني أنه غير‬
‫موجود‪.‬‬
‫فإذا ما حدثنا ال عن خلق الملئكة والجن والشيطان الذي يجري في النسان مجرى الدم‪ ،‬فهنا‬
‫يجب أن يُصدق ويؤمن الكافر والملحد بذلك‪ ،‬لنه يُصدق أن الميكروب يدخل الجسم دون أن‬
‫يشعر النسان‪ ،‬وبعد ذلك يتفاعل مع الدم ثم تظهر أعراض المرض من بعد ذلك‪ ،‬وقد علم ذلك‬
‫بعد أن تهيأت أسباب الرؤية والعلم‪ .‬فإذا كان ال قد خلق أجناسا من غير جنس مادة النسان‬
‫فلنصدق الحق‪ {:‬يَا أَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّ ِه وَرَسُولِ ِه وَا ْلكِتَابِ الّذِي نَ ّزلَ عَلَىا َرسُولِ ِه وَا ْلكِتَابِ‬
‫الّذِي أَن َزلَ مِن قَ ْبلُ }‬
‫[النساء‪]136 :‬‬
‫والمعروف أن الكتاب هو القرآن وهو عَلَمٌ عليه‪ ،‬أما الكتاب الذي أنزل من قبل فلنعرف أن المراد‬
‫به هو جنس الكتاب‪ ..‬أي كل الكتب التي نزلت على الرسل السابقين على رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم‪ ،‬ولذلك يقال على " الـ " السابقة لكلمة الكتاب الثانية‪ " :‬هي " " الـ " الجنسية‪.‬‬
‫والجنس كما نعلم ‪ -‬تحته أفراد كثيرة بدليل أن الحق سبحانه وتعالى يأتي بالمفرد ويدخل عليه‬
‫ن الِنسَانَ َلفِى خُسْرٍ * ِإلّ الّذِينَ آمَنُواْ‬
‫اللف واللم ويستثنى منه جماعة‪ ،‬مثال ذلك‪ {:‬وَا ْل َعصْرِ * إِ ّ‬
‫عمِلُواْ الصّاِلحَاتِ }[العصر‪]3-1 :‬‬
‫وَ َ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫نجد " النسان " هنا مفرد‪ ،‬ودخلت عليه " الـ " ‪ ،‬واستثنى من النسان جماعة هم الذين آمنوا‪،‬‬
‫وهذا دليل على أن " النسان " أكثر من جماعة‪ .‬ولذلك يقولون‪ :‬إن الستثناء معيار العموم‪ ..‬أي‬
‫أن اللفظ الذي استثنينا وأخذنا وأخرجنا منه لفظ عام‪.‬‬
‫ويطالبنا الحق باليمان بالكتاب أي القرآن؛ فإذا أطلقت كلمة " الكتاب " انصرفت إلى القرآن؛ لن‬
‫" الـ " هنا (للغلبة)‪ ،‬مثال ذلك‪ :‬يقال‪ " :‬هو الرجل " ‪ ،‬وهذا يعني أنه رجل متفرد بمزايا الرجولة‬
‫وشهامتها وقوتها‪ ،‬فإذا أطلقنا الكتاب فهي تعني القرآن؛ لن كلمة الكتاب غلب إطلقها على‬
‫القرآن فل تنصرف إلّ إليه‪ ،‬أو أنه هو الكتاب الكامل الذي ل نسخ ول تبديل له‪ ،‬فـ " الـ " هنا‬
‫للكمال أما الكتاب الذي أُنزل من قبل فهو يشمل التوراة والنجيل وسائر الكتب‪ ،‬والصحف المنزلة‬
‫على النبياء السابقين‪.‬‬
‫للً َبعِيدا { أي إن آمن بال‬
‫ضلّ ضَ َ‬
‫} َومَن َي ْكفُرْ بِاللّ ِه َومَل ِئكَتِ ِه َوكُتُبِ ِه وَرُسُلِ ِه وَالْ َيوْمِ الخِرِ َفقَ ْد َ‬
‫وكفر ببقية ما ذكر في الية فهو كافر أيضا‪.‬‬
‫وكان بعض اليهود كعبدال بن سلم‪ ،‬وسلم بن أخته‪ ،‬وسلمة بن أخيه‪ ،‬وأسد وأسيد ابني كعب‪،‬‬
‫وثعلبة بن قيس‪ ،‬ويامين بن يامين قد ذهبوا إلى رسول ال صلى ال عليه وسلم وقالوا‪ " :‬نحن‬
‫نؤمن بك وبكتابك وموسى والتوراة وعزير‪ ،‬ونكفر بما سواه من الكتب والرسل‪ ،‬فقال عليه‬
‫الصلة والسلم‪ " :‬بل آمنوا بال ورسوله محمد وكتابه القرآن وبكل كتاب كان قبله " فقالوا‪ :‬ل‬
‫نفعل "‪ .‬فنزلت فآمنوا كلهم‬
‫‪ .‬والخطاب والنداء يشمل أيضا المنافقين‪ .‬أي يأيها الذين آمنوا في الظاهر نفاقا‪ ،‬أخلصوا ل‬
‫واجعلوا قلوبكم مطابقة للسنتكم‪ ،‬فالنداء ‪ -‬إذن ‪ -‬يشمل المؤمنين ليستديموا ويستمروا‬
‫علىإيمانهم‪ ،‬ويضن الكافرين من أهل الكتاب ليؤمنوا بكل رسول وبكل كتاب‪ ،‬هو أيضا للمنافقين‬
‫ليخلصوا في إيمانهم حتى تطابق وتوافق قلوبهم ألسنتهم‪.‬‬
‫إذن فمن يكفر بأي شيء ذكره ال في هذه الية فقد كفر بال‪.‬‬
‫للً َبعِيدا { و " ضل " أي سار‬
‫ضلّ ضَ َ‬
‫} َومَن َي ْكفُرْ بِاللّ ِه َومَل ِئكَتِ ِه َوكُتُبِ ِه وَرُسُلِ ِه وَالْ َيوْمِ الخِرِ َفقَ ْد َ‬
‫للً‬
‫ل ضَ َ‬
‫ضّ‬
‫على غير هدى‪ ،‬فعندما يتوه النسان عن هدفه المقصود يقال‪ :‬ضل الطريق‪ ،‬والذي " َ‬
‫َبعِيدا " هو من يذهب إلى متاهة بعيدة‪ ،‬والمقصود بها متاهة الكفر‪.‬‬
‫وهناك ضَلل عن الهدى يمكن استدراكه‪ ،‬أما الضلل البعيد والغرق في متاهة الكفر فمن الصعب‬
‫للُ متحدون في نقطة البداية‪ ،‬لكنهم فريقان يختلفان‪ ،‬فأحدهما يسير في طريق‬
‫استدراكه‪ ،‬والضُ ّ‬
‫اليمان وهو منتبه دائما إلى غايته وهي رضاء ال بتطبيق مطلوباته‪ ،‬ويحذر أن يخالف عن أمره‪،‬‬
‫والخر انحرف من البداية فوصل إلى متاهة الكفر‪.‬‬
‫ويقول الحق بعد ذلك‪ } :‬إِنّ الّذِينَ آمَنُواْ‪{ ...‬‬

‫(‪)623 /‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إِنّ الّذِينَ َآمَنُوا ثُمّ َكفَرُوا ثُمّ َآمَنُوا ُثمّ َكفَرُوا ُثمّ ازْدَادُوا ُكفْرًا َلمْ َيكُنِ اللّهُ لِ َي ْغفِرَ َل ُه ْم وَلَا لِ َيهْدِ َيهُمْ سَبِيلًا‬
‫(‪)137‬‬

‫وهؤلء هم المنافقون الذين أعلنوا اليمان وأبطنوا الكفر وقال ال عنهم{ َوقَاَلتْ طّآ ِئفَةٌ مّنْ أَ ْهلِ‬
‫جعُونَ }[آل عمران‪:‬‬
‫ا ْلكِتَابِ آمِنُواْ بِالّذِي أُنْ ِزلَ عَلَى الّذِينَ آمَنُو ْا وَجْهَ ال ّنهَا ِر وَاكْفُرُواْ آخِ َرهُ َلعَّلهُمْ يَ ْر ِ‬
‫‪]72‬‬
‫إذن‪ ،‬هم حولوا اليمان من عقيدة إلى مجرد كلمة تقال‪ ،‬وكانوا في غاية الحرص على تأدية‬
‫مطلوبات السلم بالعمال الظاهرية حتى يدفعوا عن إسلمهم الريبة‪ .‬أما قلوبهم فهي مع الكفر؛‬
‫ت الَعْرَابُ آمَنّا قُل لّمْ ُت ْؤمِنُو ْا وَلَـاكِن قُولُواْ‬
‫لذلك أرادوا أن يُلَبّسوا في المنطق ويُدَلسُوا فيه‪ {.‬قَاَل ِ‬
‫ل الِيمَانُ فِي قُلُو ِبكُمْ }[الحجرات‪]14 :‬‬
‫خِ‬
‫أَسَْلمْنَا وََلمّا يَ ْد ُ‬
‫ويفضحهم الحق أمام أنفسهم‪ .‬وبال عندما يعرفون أنهم مجرد مسلمين باللسان ولكن قلوبهم لم‬
‫تؤمن ويخبرهم الرسول بذلك ويقول لهم بلغا عن ال‪ { :‬قُل لّمْ ُت ْؤمِنُو ْا وَلَـاكِن قُولُواْ أَسَْلمْنَا وََلمّا‬
‫خلِ الِيمَانُ فِي قُلُو ِبكُمْ }‪ .‬وكانوا أسبق الناس إلى صفوف الصلة‪ ،‬وعندما فضحهم الرسول‬
‫يَ ْد ُ‬
‫وأوضح لهم‪ :‬أنتم لو تؤمنوا ولكنكم أسلمتم فقط‪ .‬هنا عرفوا أن محمدا قد عرف خبايا قلوبهم بلغا‬
‫عن ال‪.‬‬
‫ولو قالوا‪ :‬إن محمدا هو الذي عرف هذه الخبايا لما اقتصر اعترافهم به كرسول‪َ ،‬بلْ رُبّما تمادوا‬
‫في الغيّ وأرادوا أن يجعلوه إلها‪ .‬ولكن رسول ال يحسم المر‪ :‬ويبيّن لهم أن ال هو الذي أبلغني‪،‬‬
‫بدليل أنه ُأمِر أن يقول لهم‪ { :‬قُل لّمْ ُت ْؤمِنُواْ }‪.‬‬
‫ورسول ال صلى ال عليه وسلم يقر بأن هذا المر ليس فيه شيء من عنده بل هو مأمور بالبلغ‬
‫عن ال ربّه‪ .‬وفي عصرنا قال برناردشو‪ :‬إن الذين يكذبون أن محمدا رسول من عند ال يريدون‬
‫أن يجعلوه إلها‪ ،‬فمن أين أتى بهذه الشياء التي لم تكن معلومة في عصره؟‪..‬‬
‫إن الناس جميعا مطالبون بالتصديق بمحمد رسولً من عند ال؛ لنه قال عن أشياء ل يمكن أن‬
‫يقولها واحد من البشر‪ .‬والرسول صلى ال عليه وسلم بذاته يوضح بحسم هذا الكلم ويبيّن أن هذا‬
‫ليس من عندي‪ ،‬لكنه من عند ال‪.‬‬
‫ل الِيمَانُ فِي قُلُو ِبكُمْ‪ .‬وهذا‬
‫خِ‬
‫ت الَعْرَابُ آمَنّا قُل لّمْ ُت ْؤمِنُو ْا وَلَـاكِن قُولُواْ َأسَْلمْنَا وََلمّا َيدْ ُ‬
‫{ قَاَل ِ‬
‫كشف محرج ومنطقي لما في قلوبهم؛ لهذا قال السامعون للية‪ :‬الحمد ل أن هناك أملً في أن‬
‫يدخل اليمان قلوبنا‪ .‬وقد دخل اليمان في قلوبهم بالفعل لن كلمة (لمّا) تفيد نفي اليمان عنهم في‬
‫الزمن الماضي ولكنها تفيد أيضا توقع وحصول اليمان منهم وقد حصل‪.‬‬
‫{ إِنّ الّذِينَ آمَنُواْ ُثمّ َكفَرُواْ ُثمّ آمَنُواْ ثُمّ كَفَرُواْ ثُمّ ازْدَادُواْ ُكفْرا } أي ماتوا على الكفر‪ ،‬أو آمنوا‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫بموسى‪ ،‬ثم كفروا بعيسى‪ ،‬وجاء أناس آخرون آمنوا بعيسى‪ ،‬وازدادوا كفرا بعدم اليمان بمحمد‪،‬‬
‫فليس من بعد محمد صلى ال عليه وسلم استدراك‪.‬‬
‫ويخبرنا سبحانه بمصيرهم‪ { :‬لّمْ َيكُنِ اللّهُ لِ َي ْغفِرَ َل ُه ْم َولَ لِ َي ْهدِ َيهُمْ سَبِيلً } لنهم دخلوا في اليمان‬
‫مرة ثم خرجوا من اليمان‪.‬‬
‫ومعنى سلوكهم أنهم قصدوا الفتنة لن الخرين سيشاهدونهم وقد آمنوا‪ ،‬وسيشاهدونهم وهم‬
‫يكفرون‪ ،‬وسيعللون ذلك بأنهم عندما تعمقوا في المسائل العقدية كفروا وهم يفعلون ذلك ليهوّنوا‬
‫من شأن السلم‪ ،‬ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى‪َ {:‬وقَاَلتْ طّآ ِئفَةٌ مّنْ َأ ْهلِ ا ْلكِتَابِ آمِنُواْ بِالّذِي‬
‫جعُونَ }[آل عمران‪]72 :‬‬
‫أُنْ ِزلَ عَلَى الّذِينَ آمَنُو ْا َوجْهَ ال ّنهَا ِر وَا ْكفُرُواْ آخِ َرهُ َلعَّلهُمْ يَرْ ِ‬
‫هم إذن يقصدون الفتنة بإظهار اليمان ثم أعلنهم الكفر وفي ذلك تشكيك للمسلمين‪ ،‬ويكون مصير‬
‫ن اليمان والكفر‪ ،‬وكان عاقبة أمرهم أنهم ازدادوا كفرا يكون مصيرهم ما جاء في‬
‫مَن تر ّددَ بَيْ َ‬
‫قوله‪ } :‬لّمْ َيكُنِ اللّهُ لِ َي ْغفِرَ َل ُه ْم َولَ لِ َي ْهدِ َيهُمْ سَبِيلً { فهم قد دخلوا في الخيانة العظمى اليمانية التي‬
‫يحكمها قوله الحق‪ {:‬إِنّ اللّ َه لَ َي ْغفِرُ أَن ُيشْ َركَ بِ ِه وَ َي ْغفِرُ مَا دُونَ ذَِلكَ ِلمَن يَشَآءُ }[النساء‪]48 :‬‬
‫ويقول الحق عنهم هنا‪ } :‬لّمْ َيكُنِ اللّهُ لِ َيغْفِرَ َلهُمْ وَلَ لِ َيهْدِ َي ُهمْ سَبِيلً {‪ .‬والهداية ‪ -‬كما نعلم ‪ -‬ترد‬
‫بمعانٍ متعددة‪ ..‬فقد يكون المقصود منها الدللة‪ ،‬فإن شئت تدخل اليمان وإن شئت ل‪ ،‬ول شأن‬
‫لحد بك‪ .‬والمعنى الثاني هو المعونة‪ ،‬أي يقدم لك ال ما يهديك بالفعل‪ .‬وعندما تعرض القرآن‬
‫عقَةُ ا ْلعَذَابِ‬
‫خذَ ْتهُ ْم صَا ِ‬
‫علَى ا ْل ُهدَىا فَأَ َ‬
‫لهذه المسألة قال‪ {:‬وََأمّا َثمُودُ َفهَدَيْنَا ُهمْ فَاسْ َتحَبّواْ ا ْل َعمَىا َ‬
‫ا ْلهُونِ ِبمَا كَانُواْ َيكْسِبُونَ }[فصلت‪]17 :‬‬
‫فسبحانه هنا قد دلهم على الهداية‪ ،‬ولم يقدم لهم الهداية الفعلية لنهم استحبوا العمى على الهدى‪،‬‬
‫فكأن ال قد دل على المنهج الذي يوصل الخير والبر لكل الناس‪ ،‬فمن أقبل بإيمان فالحق يمده‬
‫بهداية المعونة ويعاونه على ازدياد الهدى‪ ،‬مصداقا لقوله‪ {:‬إِ ّنهُمْ فِتْ َيةٌ آمَنُواْ بِرَ ّبهِ ْم وَزِدْنَاهُمْ ُهدًى }‬
‫[الكهف‪]13 :‬‬
‫ول نريد لهذا المثل أن يغيب عن الذهان؛ لذلك أؤكده دائما‪ :‬شرطي المرور الواقف في بداية‬
‫الطريق الصحراوي‪ .‬يسأله سائل‪ :‬ذاهب إلى السكندرية عن الطريق؛ فيدله على الطريق‬
‫الموصل للسكندرية‪ ،‬هنا قام الشرطي بالدللة‪ ،‬ثم شكر الرجلُ الشرطيّ وحمد ال على حسن‬
‫شرح الشرطي؛ ويحس ويشعر رجل المرور بالسعادة‪ ،‬ويحذر الرجل المسافر من عقبات‬
‫الطريق‪ ،‬ويركب معه ليشير له على تلك العقبات حتى يتفاداها‪ .‬أي أنه من بعد الدللة قد حدثت‬
‫المعونة‪ .‬كذلك الحق يدل الناس على اليمان وعلى المنهج‪ ،‬فالذي يؤمن به يساعده ويخفف عليه‬
‫شعِينَ }[البقرة‪]45 :‬‬
‫الطاعة‪ ،‬قال الحق سبحانه في شأن الصلة‪ {:‬وَإِ ّنهَا َلكَبِي َرةٌ ِإلّ عَلَى ا ْلخَا ِ‬
‫إذن نحن نجد الهداية على مرحلتين‪ :‬هداية الدللة‪ ،‬وهداية المعونة‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ويريد الحق لقضية اليمان أن تكون قضية ثابتة متأصلة بحيث ل تطفو إلى العقل لتناقش من‬
‫جديد‪ .‬فمبدأ اليمان ل يتغير في مواكب الرسالت من سيدنا آدم إلى أن ختمها بسيدنا محمد صلى‬
‫ال عليه وسلم‪.‬‬
‫وقال سبحانه‪ {:‬يَا أَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّ ِه وَرَسُولِ ِه وَا ْلكِتَابِ الّذِي نَ ّزلَ عَلَىا رَسُولِهِ وَا ْلكِتَابِ‬
‫للً َبعِيدا }‬
‫ل ضَ َ‬
‫ل َومَن َيكْفُرْ بِاللّ ِه َومَل ِئكَتِهِ َوكُتُبِهِ وَرُسُلِ ِه وَالْ َيوْمِ الخِرِ فَقَدْ ضَ ّ‬
‫الّذِي أَن َزلَ مِن قَ ْب ُ‬
‫[النساء‪]136 :‬‬
‫إذن سبحانه يريد من المؤمن أن يؤمن بالقمة العليا‪ ،‬وهي اليمان بال واجب الوجود العلى‪ ،‬وأن‬
‫يؤمن بالبلغ عنه كتابا‪ ،‬وأن يؤمن بالبلغ عنه رسالة على لسان أي رسول‪ .‬والذين يؤمنون مرة‬
‫برسول ثم يكفرون برسول آخر‪ ،‬أو الذين يؤمنون برسول ثم يكفرون بنسبة الصاحبة أو الولد ل‬
‫ثم يزدادون كفرا بالخاتم وهو رسول ال صلى ال عليه وسلم ليس لهم مجال مع الهداية إلى ال؛‬
‫لن السلم جاء بالنهاية الخاتمة وليس للسماء من بعد ذلك استدراك‪ ،‬وليس لحد من بعد ذلك‬
‫استدراك‪ ،‬ولذلك قال في أول الية‪ } :‬آمَنُواْ ثُمّ َكفَرُواْ ُثمّ آمَنُواْ ُثمّ َكفَرُواْ {‪ .‬وقال في آخر الية‪} :‬‬
‫ثُمّ ا ْزدَادُواْ ُكفْرا { أي أنهم لم يؤمنوا بمحمد صلى ال عليه وسلم وليس هناك مجال أن ينتظروا‬
‫رسولً آخر لينسخوا كفرهم بمحمد ويؤمنوا بالرسول الجديد‪.‬‬
‫ويوضح سبحانه‪ :‬لم يكن ال ليهديهم لنهم هم الذين صرفوا أنفسهم عنه‪ ،‬فال ل يمنع الهداية عمن‬
‫قدم يده ومدّها إليه‪ ،‬بل يعاونه في هدايته‪ ،‬أما من ينفض يده من يد ال فل يبايعه على اليمان فال‬
‫غني عنه‪ ،‬ومادام ال غنيا عنه فسيظل في ضلله؛ لن الهداية ل تكون إل من ال‪ .‬ولم يكن ال‬
‫ليهديهم سبيلً إلى هداية أخرى ول هادي إل هو‪ .‬ولم يكن ال ليهديهم سبيلً إلى الجنة؛ لنهم لم‬
‫يقدموا السباب التي تؤهلهم للدخول إلى الجنة‪.‬‬
‫جهَنّمَ‬
‫ولذلك يشرحها ال في آية أخرى‪َ {:‬لمْ َيكُنِ اللّهُ لِ َي ْغفِرَ َل ُه ْم َولَ لِ َي ْهدِ َيهُمْ طَرِيقا * ِإلّ طَرِيقَ َ‬
‫خَاِلدِينَ فِيهَآ أَبَدا }[النساء‪]169-168 :‬‬
‫وهكذا نجد طريق جهنم معبدا مُذَلّلً بالنسبة لهم‪.‬‬
‫وبعد ذلك يقول الحق سبحانه‪َ } :‬بشّرِ ا ْلمُنَا ِفقِينَ‪{ ...‬‬

‫(‪)624 /‬‬
‫عذَابًا أَلِيمًا (‪)138‬‬
‫بَشّرِ ا ْلمُنَا ِفقِينَ بِأَنّ َلهُمْ َ‬

‫سمة التردد والتذبذب بين اليمان والكفر ل تأتي من أصيل في اليمان‪ ،‬بل تأتي من متلون في‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫اليمان‪ ،‬تبدو له أسباب فيؤمن‪ ،‬وبعد هذا تبدو له أغيار فيكفر‪ .‬وذلك شأن المنافقين المذبذبين بين‬
‫هؤلء وهؤلء‪ .‬فيقول الحق‪ { :‬بَشّرِ ا ْلمُنَافِقِينَ بِأَنّ َل ُهمْ عَذَابا أَلِيما }‪.‬‬
‫ونحن نعلم أن المنافق هو الذي جمع بين أمرين‪ :‬إعلن إسلم‪ ،‬وإبطان كفر‪ .‬والنفاق مأخوذ من‬
‫نافقاء اليربوع‪ ،‬وهي إحدى جحوره التي يستتر ويختفي فيها‪ ،‬واليربوع حيوان صحراوي يخادع‬
‫من يريد به شرا فيفتح لنفسه بابين؛ يدخل أمام الرجل من باب ثم يخرج من باب آخر‪ .‬فإن‬
‫انتظره الرجل على باب فاليربوع يخرج من الخر‪.‬‬
‫{ َبشّرِ ا ْلمُنَا ِفقِينَ } والبشارة هي الخبار بشيء يسر سيأتي زمنه بعد‪ .‬وهل المنافقون يبشرون؟ ل‪.‬‬
‫إن البشارة تكون بخير؛ لذلك نتوقع أن ينذر المنافقون ول يبشرون‪ ،‬ولكن ل في أساليبه البلغية‬
‫تعبيرات لتصعيد العذاب‪ .‬فلو قال‪ :‬أنذرهم بعذاب أليم‪ ،‬لكان الكلم محتملً‪ ،‬فهم ‪ -‬كمنافقين ‪-‬‬
‫مستعدون لسماع الشر‪ .‬ولكن الحق يقول‪ { :‬بَشّرِ ا ْلمُنَا ِفقِينَ بِأَنّ َل ُهمْ عَذَابا أَلِيما } وذلك هو التهكم‬
‫والستهزاء والسخرية‪ ،‬وهي من معينات البليغ على أداء مهمته البلغية‪ .‬ونسمع المفارقات أحيانا‬
‫لتعطينا صورة أصدق من الحقيقة‪ .‬فإذا جئت إلى بخيل مثلً‪ ،‬وقلت له‪ :‬مرحبا بك يا حاتم‪ .‬ماذا‬
‫يكون موقف من يحضر هذا اللقاء؟‬
‫أنت تنقله من واقع البخيل إلى تصور حاتم الطائي أصل الكرم‪ .‬وبذلك نقلت البخيل نقلتين‪ :‬نقلة‬
‫من وضعه كبخيل؛ ثم السخرية منه؛ لن قولك لبخيل ما‪ :‬يا حاتم هو تقريع وتهكم وسخرية‬
‫واستهزاء‪ ،‬لنك نقلته من وصف خسيس وحقير إلى وصف مقابل هو سَام ورفيعٍ وعظيم تحقيرا‬
‫له واستهزاء به‪ ،‬ومن المقارنة يبدو الفارق الكبير‪ .‬وإذا ما جئت مثلً لرجل طويل جدا‪ ،‬وقلت‪:‬‬
‫مرحبا بك يا قزم‪ .‬هذه هي المفارقة‪ ،‬كما تقول لقصير‪ :‬مرحبا يا مارد‪ .‬أو إذا جئت لطويل‬
‫لتصافحه‪ ،‬فيجلس على الرض ليُسلم عليك‪ ..‬هذه أيضا مفارقة‪ .‬وإن جئت لرجل قصير لتصافحه‬
‫فتجلس على الرض لتسلم عليه فهذه هي السخرية والتهكم‪.‬‬
‫وهذه المفارقات إنما تأتي للداء البلغي للمعنى الذي يريده المتكلم‪ ،‬فقول الحق‪ { :‬بَشّرِ‬
‫ا ْلمُنَا ِفقِينَ } معناه‪ :‬أنكم أيها المنافقون قد صنعتم لنفسكم بالنفاق ما كنتم تحبون‪ ،‬وكأنكم نافقتم‬
‫لنكم تحبون العذاب‪ .‬ومادمتم قد نافقتم لنكم تحبون العذاب‪ ،‬فأنا أبشركم بأنكم ستتعذبون‪ .‬والذي‬
‫ينافق أل يريد من ذلك غاية؟ لذلك يصور له الحق أن غايته هي العذاب‪ ،‬فقال الحق‪ { :‬بَشّرِ‬
‫ا ْلمُنَا ِفقِينَ بِأَنّ َلهُمْ عَذَابا أَلِيما }‪.‬‬
‫إنك حين تريد تصعيد أمر ما‪ ،‬فأنت تنقل مخاطبك من شيء إلى الشيء المقابل وهو النقيض‪،‬‬
‫مثال ذلك‪ :‬إنسان عطشان لنه محجوز أو مسجون وأراد أن يشرب شربة ماء‪ ،‬من الممكن أن‬
‫يقول له الحارس‪ :‬ل‪.‬‬
‫ويجعله ييأس من أن يَأتي له بكوب ماء‪ ،‬أما إذا أراد الحارس تصعيد العذاب له فهو يذهب ويأتي‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫بكوب ماء ويقربه منه‪ ،‬فإذا مد السجين يده ليأخذ كوب الماء فيسكب الحارس كوب الماء على‬
‫الرض هذا هو تصيعد العذاب‪ .‬وحين يقال‪َ " :‬بشّر " فالمستمع يفهم أن هناك شيئا يسر‪ ،‬فإذا قال‬
‫عذَابا أَلِيما { فمعنى ذلك أن الغم يأتي مركبا‪ .‬فقد بسط الحق أنفسهم بالبشارة‬
‫الحق‪ } :‬بِأَنّ َلهُمْ َ‬
‫أولً‪ ،‬ثم أنهاها بالنذارة‪.‬‬
‫وعلى سبيل المثال ‪ -‬ول المثل العلى ‪ -‬يقول الب لبنه‪ :‬استذكر يا بني حتى ل ترسب‪ ،‬لكن‬
‫البن يستمر في اللعب ثم يقول الب‪ :‬يا بني لقد اقترب المتحان ول بد أن تذاكر‪ .‬ول يأبه البن‬
‫لكلم الب‪ ،‬ثم يأتي المتحان ويذهب الب يوم اعلن النتيجة‪ ،‬فيكون البن راسبا؛ فيقول الب‬
‫لبنه‪ :‬أهنئك لقد رسبت في المتحان! فقوله أهنئك تبسط نفس البن؛ لنه يتوقع سماع خبر سار‪،‬‬
‫ويسمع بعدها لقد رسبت تعطيه الشعور بالقبض‪.‬‬
‫والحق سبحانه وتعالى يبلغ رسوله‪ } :‬بَشّرِ ا ْلمُنَافِقِينَ بِأَنّ َل ُهمْ عَذَابا َألِيما { " بشر " لها علقة‬
‫بالمدلول الشتقاقي؛ لن النفعالت يظهر أثرها على بشرة وجهه؛ فإن كان النفعال حزنا فالوجه‬
‫يظهر عليه الحزن بالنقباض‪ ،‬وإن كان النفعال سرورا فالوجه يظهر عليه السرور بالنبساط‪.‬‬
‫وتعكس البشرة انفعالت النفس البشرية من سرور وبشاشة وإشراق أو عبوس وتجهم‪ ،‬فالبشارة‬
‫تصلح للخبار بخبر يسر‪ ،‬أو بخبر يحزن ويسيء‪ ،‬ولكنها غلبت على الخبر السار‪ ،‬وخصت‬
‫النذارة بالخبر الذي يحزن وتنقبض النفس له‪.‬‬
‫} َبشّرِ ا ْلمُنَا ِفقِينَ بِأَنّ َلهُمْ عَذَابا أَلِيما {‪ .‬والبشارة ‪ -‬كما قلنا ‪ -‬توحي بأن هناك خبرا سارا‪ ،‬فيأتي‬
‫الخبر غير سار‪ .‬وكما يقول الحق في آية أخرى يصور بها عذاب الكافرين يوم القيامة وكيف أنّه‬
‫يصعد العذاب معهم‪ {:‬وَإِن يَسْ َتغِيثُواْ ُيغَاثُواْ }[الكهف‪]29 :‬‬
‫ساعة نسمع } وَإِن يَسْ َتغِيثُواْ ُيغَاثُواْ ِبمَآءٍ { نفهم أن بردا يأتي لهم أو رحمة تهب عليهم‪ ،‬ولكن‬
‫الغاثة التي تأتي لهم هي‪ {:‬كَا ْل ُم ْهلِ }[الكهف‪]29 :‬‬
‫ويتساءل السامع أو القارئ‪ :‬هل هذه إغاثة أو تعذيب؟ وهذا تصوير لتصعيد العذاب؛ فالماء الذي‬
‫يعطى لهم كالمهل يصعّد اللم في نفوسهم‪.‬‬
‫والعذاب ‪ -‬كما نعلم ‪ -‬يأخذ قوته من المعذّب‪ ،‬فإن كان المعذّب ذا قوة محدودة‪ ،‬كان العذاب‬
‫محدودا‪ .‬وإن كان المعذّب غير محدود القوة فالعذاب غير محدود‪ ،‬فإذا ما نسب العذاب إلى قوة‬
‫القوى وهو ال فكيف يكون؟ والعذاب يوصف مرة بأنه أليم‪ ،‬ومرة بأنه مهين‪ ،‬ومرة بأنه عظيم‪،‬‬
‫هذه الوصاف كلها تتجمع ولكل وصف منها جهة؛ فاللم هو إحساس النفس بما يتبعها‪ ،‬والعذاب‬
‫العظيم هو العذاب الذي يبلغ القمة‪ ،‬وقد يبلغ العذاب القمة ولكن المعذّب يتجلد‪ ،‬وعذاب الحق يفوق‬
‫قدرة متلقي العذاب فل يقدر أن يكتم اللم؛ لن درجة تحمل أي إنسان مهما تجلد ل تستطيع أن‬
‫تدفع اللم‪ ،‬ومع العذاب العظيم‪ ،‬نجده أليما أيضا‪ ،‬فيكون العذاب الليم العظيم مؤلما للمادة‪ ،‬لكن‬
‫النفس قد تكون متجلدة متأبية‪ ،‬ثم تنهار‪ ،‬حينئذ يكون العذاب مهينا‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ولن المنافقين والكفار غارقون في المادية آثر ال وصف العذاب بأنه أليم لن اليلم يكون‬
‫للمادة‪ ،‬ثم يذكر الحق سبحانه وتعالى بعض الوصاف للمنافقين فيقول‪ } :‬الّذِينَ يَتّخِذُونَ‬
‫ا ْلكَافِرِينَ‪{ ...‬‬

‫(‪)625 /‬‬
‫جمِيعًا (‪)139‬‬
‫الّذِينَ يَتّخِذُونَ ا ْلكَافِرِينَ َأوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ ا ْل ُم ْؤمِنِينَ أَيَبْ َتغُونَ عِ ْندَهُمُ ا ْلعِ ّزةَ فَإِنّ ا ْلعِ ّزةَ لِلّهِ َ‬

‫وأول مظهر من مظاهر النفاق أن يتخذ المنافقُ الكافرَ وليا له؛ يقرب منه ويوده‪ ،‬ويستمد منه‬
‫النصرة والمعونة‪ ،‬والمؤانسة؛ والمجالسة‪ ،‬ويترك المؤمنين‪ .‬وعرفنا أن كل فعل من الفعال‬
‫البشرية ل بد أن يحدث لغاية ُتطْلَب منه‪ ،‬ول يتجرد الفعل عن الغاية إل في المجنون الذي يفعل‬
‫الفعال بدون أي غاية‪ ،‬لكن العاقل يفعل الفعل لغاية‪ ،‬ولهذف يرجوه‪ .‬والمنافقون يتخذون الكافرين‬
‫أولياء من دون المؤمنين لي غاية ولي هدف؟‬
‫ويكشف الحق هذه المسألة فيوضح‪ :‬أنهم يبتغون العزة من الكافرين‪ ،‬ولذلك اتخذوهم أولياء من‬
‫دون المؤمنين‪ .‬ويلفتهم ‪ -‬جل شأنه ‪ -‬إلى جهلهم؛ لنهم أخذوا طريقا يوصلهم إلى ما هو ضد‬
‫الغاية‪.‬‬
‫فماداموا يبتغون العزة فليعرفوا أولً‪ :‬ما العزّة؟‪ .‬العزة مأخوذة من معنى مادي وهو الصلبة‬
‫والشدة‪ .‬فالرض العَزَاز أي الصلبة التي ل ينال منها المعول‪ ،‬ثم نقلت إلى كل شديد‪ ،‬فكل شيء‬
‫شديد فيه عِزّة‪ .‬والمراد بها هنا‪ :‬الغلبة والنصر‪ ،‬وكل هذه المعاني تتضمنها العزة‪.‬‬
‫فإذا قيل‪ :‬ال عزيز‪ ..‬أي أنه سبحانه وتعالى غالب على أمره شديد ل يمكن أن يقدر على مِحاله‬
‫أو مكره أو قوته أو عقابه أحد‪ .‬وإذا قيل‪ :‬فلن عزيز أي ل يُغلب‪ ،‬وإذا قيل‪ :‬هذا الشيء عزيز‬
‫أي نادر‪ ،‬ومادام الشيء نادرًأ فهو نفيس‪ ،‬والمعادن النفيسة كلها أخذت حظها من ندرتها وقلتها‪.‬‬
‫وما دمتم أيها المنافقون تطلبون العزة‪ ،‬أل تطلبونها ممن عنده؟‪ .‬أتطلبونها من نظائركم؟‪ .‬وعندما‬
‫تطلبون العزة فذلك لنكم ل تملكون عزة ذاتية‪ ،‬فلو كانت عندكم عزة ذاتية لما طلبتم العزة من‬
‫عند الكافرين‪ .‬وهذا دليل على فقدانهم العزة لنهم طلبوها من مساوٍ لهم من الغيار‪ ،‬فالمنافقون‬
‫بشر‪ ،‬والكفار بشر‪ ،‬وبما أن كل البشر أغيار‪ ،‬فمن الممكن أن يكونوا أعزاء اليوم وأذلء غدا؛ لن‬
‫ى أو قوة أو جاه‪ ،‬وكل هذه من الغيار‪.‬‬
‫أسباب العزة هي غن ً‬
‫فأنتم أيها المنافقون قد طلبتم العزة ممن لم يزد عليكم‪ ،‬وهو من الغيار مثلكم‪ ،‬ولم تطلبوها من‬
‫صاحب العزة الذاتية الزلية البدية وهو الحق سبحانه وتعالى‪ ،‬ولو أردتم العزة الحقيقية التي‬
‫تغنيكم عن الطلب من الغيار مثلكم فلتذهبوا إلى مصدر العزة الذي ل تناله الغيار وهو الحق‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫لذلك أوضح لهم الحق‪ :‬إن أردتم أن تتعلموا طلب العزة فعليكم أن تغيروا من أسلوبكم في طلبها‪،‬‬
‫فأنتم تتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين وتبتغون عندهم العزة وهم من أهل الغيار‪،‬‬
‫والغيار تتبدل من يوم إلى يوم‪ ،‬فإن كان الكفار أغنياء اليوم‪ ،‬فغدا لن يكونوا كذلك‪ ،‬ولقد رأيتم‬
‫كبشر ان الغَنّي يفتقر‪ ،‬ورأيتم قويا قد ضعف‪ ،‬وطلب العزة من الغيار يعني أنكم غير أعزاء‪،‬‬
‫ومع ذلك فأنتم تطلبون العزة من غير موصعها‪.‬‬
‫فإن أردتم عزة حقيقية فاطلبوها ممن ل تتغير عزته وهو الحق سبحانه وتعالى‪ } :‬فَإِنّ العِ ّزةَ للّهِ‬
‫جمِيعا {‪.‬‬
‫َ‬
‫وفي هذا القول تصويب لطلب العزة‪ .‬وليطلب كل إنسان العزة إيمانا بال؛ فسبحانه الذي يهب‬
‫جمِيعا {‪ .‬وكلمة " جميعا " هذه دلت على أن العزة لها‬
‫العزة ول تتغير عزته‪ } :‬فَإِنّ العِ ّزةَ للّهِ َ‬
‫أفراد شتى‪ :‬عزة غني‪ ،‬عزة سلطان‪ ،‬عزة جاه‪ ،‬فإن أراد واحد أن يعرفها ويعلمها فهي ‪ -‬جميعا‬
‫ في الحق سبحانه وتعالى‪.‬‬‫والمؤمنون في عبوديتهم ل عبيد لله واحد؛ وقد أغنانا ال بالعبودبة له عن أن نذل لناس‬
‫كثيرين‪ .‬وسبحانه قد أنقذ المؤمن باليمان من أن يذل نفسه لي مصدر من مصادر القوة‪ ،‬أنقذ‬
‫الضعيف من أن يذل نفسه لقوي‪ ،‬وأنقذ الفقير من أن يذل نفسه لغني‪ ،‬وأنقذ المريض من أن يذل‬
‫نفسه لصحيح‪.‬‬
‫جمِيعا { فمعناها‪ :‬إن أردت أيها النسان عزا ينتظم ويفوق‬
‫إذن ساعة يَقول الحق‪ } :‬فَإِنّ العِ ّزةَ للّهِ َ‬
‫كل عز فاذهب إلى ال؛ لنه سبحانه أعزنا فنحن خلقه‪ ،‬وعلى سبيل المثال نجد أن الحق لم يجعل‬
‫الفقير يقترض‪ ،‬بل قال‪ {:‬مّن ذَا الّذِي ُيقْرِضُ اللّهَ قَرْضا حَسَنا فَ ُيضَاعِفَهُ َلهُ }[البقرة‪]245 :‬‬
‫وهنا يرفع ال عبده الفقير إلى أعلى درجات العزة‪ .‬العبد الفقير ل يقترض‪ ،‬ولكن القرض مطلوب‬
‫ل‪ ،‬ولذلك قال أحدهم لحد الضعفاء‪ :‬إنك تسأل الناس‪ ،‬أل تعف ول تسأل؟‪ .‬فقال‪ :‬أنا سألت الناس‬
‫بأمر ال‪ ،‬فالسائل يسأل بال‪ ،‬أي أن يتخذ ال شفيعا ويسأل به‪ .‬وعندما يطلب النسان العزة من‬
‫مثيل له‪ ،‬فهو يعتز بقوة هذا الكائن وهي قوة ممنوحة له من ال وقد يستردها ‪ -‬سبحانه ‪ -‬منه‪.‬‬
‫فما بالنا بالقوة اللنهائية ل‪ ،‬وكل قوة في الدنيا موهوبة من ال‪ ،‬المال موهوب منه‪ ،‬والجاه‬
‫موهوب منه‪ ،‬وكل عزة هي ل‪.‬‬
‫ويقول سبحانه من بعد ذلك‪َ } :‬وقَدْ نَ ّزلَ عَلَ ْيكُمْ فِي ا ْلكِتَابِ‪{ ...‬‬

‫(‪)626 /‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫س ِمعْتُمْ آَيَاتِ اللّهِ ُي ْكفَرُ ِبهَا وَيُسْ َتهْزَأُ ِبهَا فَلَا َت ْقعُدُوا َم َعهُمْ حَتّى‬
‫َوقَدْ نَ ّزلَ عَلَ ْيكُمْ فِي ا ْلكِتَابِ أَنْ إِذَا َ‬
‫جمِيعًا (‪)140‬‬
‫جهَنّمَ َ‬
‫ن وَا ْلكَافِرِينَ فِي َ‬
‫يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْ ِرهِ إِ ّنكُمْ إِذًا مِثُْلهُمْ إِنّ اللّهَ جَامِعُ ا ْلمُنَافِقِي َ‬

‫يأمر الحق المؤمنين أنهم إذا سمعوا بعضا من الكافرين يهزأ بآيات ال أو يكفر بها فل يقعدوا‬
‫معهم إل أن يتحولوا إلى حديث آخر‪ ،‬وذلك حتى ل يكونوا مثل الكافرين لنه سبحانه سيجمع‬
‫المنافقين والكافرين في جهنم‪ ،‬وبذلك يحمي ال وحدهُ أهل اليمان‪ ،‬ويصونهم من أي تهجم عليهم‪،‬‬
‫فالذين يغارون على اليمان هم الذين آمنوا‪ ،‬فمادمت قد آمنت وارتضيت لنفسك السلم فإياك أن‬
‫تهادن من يتهجم على الدين؛ لنك إن هادنته كان أعز في نفسك من اليمان‪ ،‬ومادمت أيها المؤمن‬
‫قد ارتضيت اليمان طريقا لك وعقيدة فلتحم هذا اليمان من أن يَ َت َهجّم عليه أحد‪ ،‬فإن اجترأ أحد‬
‫على اليمان بشيء من النقد أو السخرية أو الرمي بالباطل‪ ..‬فالغيرة اليمانية للمسلم تحتم عليه أن‬
‫يرفض هذا المجلس‪.‬‬
‫وكان المؤمنون في البداية قلة مستضعفة ل تستطيع الوقوف في وجه الكافرين أو المنافقين‪،‬‬
‫فساعةً يترك المؤمنون الكافرين أو المنافقين لحظة اللغو في آيات ال‪ ،‬فالكافرون والمنافقون‬
‫يعلمون بذلك السلوك أن عِرض اليمان أعز على المسلمين من مجالسة هؤلء‪ .‬أما إذا جالسهم‬
‫مسلم وهم يخوضون في اليمان‪ ..‬فهذا يعني أنهم أعز من اليمان‪ ،‬والكافرون قد يجعلونها حديثا‬
‫مستمرا لسبر غور اليمان في قلوب المسلمين‪ .‬أما حين يرى الكافر مؤمنا يهب وينفر من أي‬
‫حديث فيه سخرية من السلم‪ ،‬هنا يعرف الكافر أن إيمان المسلم عزيز عليه‪.‬‬
‫وهذه الية ليست آية ابتدائية إنما هي إشارة إلى حكم سبق‪ ،‬ونعرف أنها نزلت في المدينة؛ فالحق‬
‫س ِمعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ ُي ْكفَرُ ِبهَا } ومعنى هذا أن هناك آية قد‬
‫يقول‪َ { :‬وقَدْ نَ ّزلَ عَلَ ْي ُكمْ فِي ا ْلكِتَابِ أَنْ إِذَا َ‬
‫نزلت من قبل في مكة؛ ويقول فيها الحق‪ {:‬وَِإذَا رَأَ ْيتَ الّذِينَ َيخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْ ِرضْ عَ ْن ُهمْ‬
‫حدِيثٍ غَيْ ِرهِ وَِإمّا يُنسِيَ ّنكَ الشّ ْيطَانُ فَلَ َت ْقعُدْ َبعْدَ ال ّذكْرَىا مَعَ ا ْل َقوْمِ الظّاِلمِينَ }‬
‫حَتّىا َيخُوضُواْ فِي َ‬
‫[النعام‪]68 :‬‬
‫ويشير الحق هنا إلى أنه قد أنزل حكما في البداية‪ ،‬وهو الحكم الذي نزل مع الكافرين في مكة؛‬
‫حيث استضعف الكافرون المؤمنين‪ ،‬ولم يكن المنهج اليماني قد جاء بمنع المؤمنين أن يجالسوا‬
‫الكافرين‪ ،‬فقد كان بعض المؤمنين عبيدا للكافرين‪ ،‬وبعض المسلمين الوائل كان لهم مصالح‬
‫مشتركة قائمة مع الكافرين وجاء الحكم‪ :‬إن ولغ هؤلء الكافرون في الدين بالباطل فاتركوا لهم‬
‫المكان‪.‬‬
‫وسبحانه هنا في سورة النساء يذكر المؤمنين بأن حكم ترك الكافرين لحظة اللغو في اليمان هو‬
‫حكم ممتد منقول للمؤمنين من البيئة الولى حيث كنتم أيها المؤمنون مع المشركين عبدة الصنام‪،‬‬
‫والحكم مستمر أيضا في المدينة حيث يوجد بعض أهل الكتاب‪ .‬والتكليف من ال‪ ،‬هو تكليف بما‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يطيقه الجنس البشري؛ فالنسان عرضة لن ينسى‪ ،‬وعليه بمجرد ان يتذكر فليقم تاركا هؤلء‬
‫الذين يخوضون في آيات ال‪.‬‬
‫وقد نزل في القرآن أن إذا سمع المؤمنون من يكفر بآيات ل ويستهزئ بها فليغادروا المكان‪،‬‬
‫ونلحظ أن الذي نزل في الية الولى ليس سماعا بل رؤية‪ {:‬وَِإذَا رَأَ ْيتَ الّذِينَ َيخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا‬
‫فَأَعْ ِرضْ عَ ْنهُمْ }[النعام‪]68 :‬‬
‫س ِمعْتُمْ‬
‫ويأتي السماع في الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها‪َ } :‬وقَدْ نَ ّزلَ عَلَ ْيكُمْ فِي ا ْلكِتَابِ أَنْ ِإذَا َ‬
‫آيَاتِ اللّهِ ُي ْكفَرُ ِبهَا { والمهم هو مجرد العلم سواء كان رؤية أو سماعا بأنهم يخوضون في دين‬
‫ال؛ فقد يخوض أهل الشرك أو غيرهم من أعداء السلم بما يُرى‪ ،‬وقد يخوضون بما يسمع‪ ،‬وقد‬
‫يخوض بعض المشركين بالغمز أو اللمز من فور رؤيتهم لمسلم‪.‬‬
‫وقوله الحق‪ } :‬فَلَ َت ْقعُدُواْ َم َعهُمْ حَتّىا يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْ ِرهِ { يوحي أنهم إذا ما خاضوا في‬
‫حديث غير الخوض في آيات ال فليقعد المؤمنون معهم‪ .‬وكان ذلك في صدر السلم‪ ،‬والمؤمنون‬
‫لهم مصالح مشتركة مع المشركين وأهل الكتاب‪ ،‬ول يستطيع المجتمع السلمي آنئذ أن يتميز‬
‫بوحدته‪ ،‬فلو قال لهم الحق على لسان رسوله‪ :‬ل تقعدوا مع الكافرين أو المشركين فورا‪ .‬لكان في‬
‫ذلك قطع لمصالح المؤمنين‪.‬‬
‫وكلمة " يخوضون " تعطي معنى واضحا مجسما؛ لن الصل في الخوض أن تدخل في مائع‪..‬‬
‫أي سائل‪ ،‬مثل الخوض في المياه أو الطين‪ ،‬والقصد في الدخول في سائل أو مائع هو إيجاد منفذ‬
‫إلى غاية‪.‬‬
‫وساعة تخوض في مائع فالمائع ل ينفصل حتى يصير جزءا هنا وجزءا هناك ويفسح لك طريقا‪،‬‬
‫بل مجرد أن يمشي النسان ويترك المائع يختلط المائع مرة أخرى‪ ،‬ولذلك يستحيل أن تصنع في‬
‫المائع طريقا لك‪ .‬أما إذا دخل النسان في طريق رمليّ فهو يزيح الرمال أولً ويفسح لنفسه‬
‫سدّ الطريق إل بفعل فاعل‪ ،‬وأخذوا من هذا المعنى وصفَ المر‬
‫طريقا‪ .‬ول تعود الرمال إلى َ‬
‫الباطل بأنه خوض؛ ذلك أن الباطل ل هدف له وهو مختلط ومرتبك‪ ،‬والجدال في الباطل ل ينتهي‬
‫إلى نتيجة‪.‬‬
‫إذن " الخوض " هو الدخول في باطل‪ ،‬أو الدخول إلى ما ل ينتهي الكلم فيه إلى غاية‪ .‬ويقرر‬
‫العلماء‪ :‬ل تخوضوا في مسألة الصفات العلية؛ لنه ل يصح الخوض فيها‪ ،‬والكلم فيها لن ينتهي‬
‫حقّ قَدْ ِرهِ إِذْ قَالُواْ مَآ‬
‫إلى غاية‪ .‬ولذلك يقول الحق في موقع آخر بالقرآن الكريم‪َ {:‬ومَا قَدَرُواْ اللّهَ َ‬
‫شيْءٍ ُقلْ مَنْ أَن َزلَ ا ْلكِتَابَ الّذِي جَآءَ ِبهِ مُوسَىا نُورا وَهُدًى لّلنّاسِ‬
‫أَن َزلَ اللّهُ عَلَىا َبشَرٍ مّن َ‬
‫خفُونَ كَثِيرا وَعُّلمْتُمْ مّا لَمْ َتعَْلمُواْ أَن ُت ْم َولَ آبَا ُؤكُمْ ُقلِ اللّهُ ُثمّ ذَ ْرهُمْ فِي‬
‫جعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُ ْبدُو َنهَا وَتُ ْ‬
‫تَ ْ‬
‫ضهِمْ يَ ْلعَبُونَ }[النعام‪]91 :‬‬
‫خ ْو ِ‬
‫َ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لقد أبلغتهم يا محمد أن الذي أنزل الكتاب عليك هو الحق سبحانه وتعالى الذي أنزل من قبلُ‬
‫التوراةَ فأخفيتم بعضها وأظهرتم البعض الخر‪ ،‬ثم بعد البلغ اتركهم يخوضون في باطلهم‪.‬‬
‫وفي موقع آخر يتكلم الحق من الخوض‪َ {:‬يحْذَرُ ا ْلمُنَافِقُونَ أَن تُنَ ّزلَ عَلَ ْيهِمْ سُو َرةٌ تُنَبّ ُئ ُهمْ ِبمَا فِي‬
‫ض وَنَ ْل َعبُ ُقلْ‬
‫قُلُو ِبهِم ُقلِ اسْ َتهْزِءُواْ إِنّ اللّهَ مُخْرِجٌ مّا تَحْذَرُونَ * وَلَئِن سَأَلْ َتهُمْ لَ َيقُولُنّ إِ ّنمَا كُنّا نَخُو ُ‬
‫أَبِاللّ ِه وَآيَاتِ ِه وَرَسُولِهِ كُن ُتمْ تَسْ َتهْزِءُونَ }[التوبة‪]65-64 :‬‬
‫إذن الخوض هو الدخول في مائع‪ ،‬ومادمت قد دخلت في مائع فلن تجد فيه طريقا محددا بل‬
‫يختلط المدخول عليه فل تتميز الشياء‪ ،‬وأخذ منه الخوض بالباطل أو الخوض باللعب الذي ليس‬
‫فيه غاية‪.‬‬
‫س ِمعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ ُي ْكفَرُ ِبهَا وَيُسْ َتهْزَأُ ِبهَا فَلَ َت ْقعُدُواْ َم َعهُمْ حَتّىا‬
‫} َوقَدْ نَ ّزلَ عَلَ ْي ُكمْ فِي ا ْلكِتَابِ أَنْ إِذَا َ‬
‫يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْ ِرهِ {‪.‬‬
‫وتأتي الكلمة التي ترهب المؤمن وترعبه‪ } :‬إِ ّنكُمْ إِذا مّثُْلهُمْ { أي إنكم إذا قعدتم معهم وهو‬
‫يخوضون في آيات ال تكفرون مثلهم؛ لنكم تسمعون الخوض في الدين بالباطل‪ ،‬ومن يرض‬
‫بالكفر يكفر‪.‬‬
‫لقد أغطتنا الية مرحلية أولية‪ ،‬فإذا ما كانت البيئة اليمانية مجتمعا ذاتيا متكافلً فليس لحد من‬
‫المؤمنين أن يجالس الكافرين‪ ،‬ول نواليهم إل إذا والونا؛ لن الجلوس معهم في أثناء الخوض في‬
‫الدين يجرئهم على مناهج ال‪ ،‬وعلى المؤمن أن ينهر أي ساخر من الدين‪ .‬وعلى المؤمنين أن‬
‫يعرضوا عمّن ينحرف عن منهج ال أو يتعرض له‪ .‬ولكن المجتمعات المعاصرة تكرم من‬
‫يخوض بالباطل؛ وفي ذلك إغراء للناس على أن يخوضوا في الدين بالباطل‪.‬‬
‫وقوله الحق‪ } :‬فَلَ َت ْقعُدُواْ َم َعهُمْ { هو إيذان بالمقاطعة؛ فلو أن إنسانا بهذا الشكل يسكن في منزل‪،‬‬
‫ويذهب إلى البقال ليشتري منه شيئا ليأكله فيرفض البيع له‪ ،‬وكذلك الجزار‪ ،‬وكذلك أي إنسان في‬
‫يده مصلحة لمثل هذا الخارج عن المنهج‪ ،‬وبذلك تكون المقاطعة حتى يتأدب‪ ،‬ويعلم كل إنسان أن‬
‫المجتمع غيور على دينه الذي آمن به‪ ،‬وأن ال أعز عليهم من كل تكريم يرونه في مجتمعهم‪ ،‬ولو‬
‫أن كل واحد من هؤلء المنحرفين والموغلين في الباطل لو رأوا المجتمع وقد قاطعهم ووضع لهم‬
‫حدودا لذهبوا إلى الصواب ولبحثوا عن شيء آخر ومجال آخر يأكلون العيش منه ويطعمون‬
‫أولدهم اللقمة الحلل من هذا العمل المشروع‪.‬‬
‫جمِيعا { ول تستبطئوا هذه الحياة؛ لن‬
‫جهَنّمَ َ‬
‫ويقول الحق‪ } :‬إِنّ اللّهَ جَامِعُ ا ْلمُنَا ِفقِينَ وَا ْلكَافِرِينَ فِي َ‬
‫المسلم ل يأخذ المور بعمر الدنيا كقرن أو اثنين أو حتى عشرة قرون‪ ،‬بل عليه أن يعرف أن‬
‫الدنيا بالنسبة له هي عمره فيها‪ ،‬والعمر يمكن أن ينتهي فجأة‪ ،‬ويعمل المسلم ل من أجل الدنيا‬
‫فقط‪ ،‬ولكن من أجل أن يلقى ال مسلما في الخرة‪ ،‬والمؤمن يخشى أن يحشره ال مع المنافقين‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والكافرين في جهنم‪ ،‬وهذا مصير من يقبل السخرية أو الستهزاء بدينه‪.‬‬
‫وبعد ذلك يقول الحق‪ } :‬الّذِينَ يَتَرَ ّبصُونَ ِب ُكمْ‪{ ...‬‬

‫(‪)627 /‬‬
‫الّذِينَ يَتَرَ ّبصُونَ ِبكُمْ فَإِنْ كَانَ َلكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللّهِ قَالُوا أَلَمْ َنكُنْ َم َعكُمْ وَإِنْ كَانَ لِ ْلكَافِرِينَ َنصِيبٌ قَالُوا‬
‫ج َعلَ اللّهُ لِ ْلكَافِرِينَ عَلَى‬
‫حكُمُ بَيْ َنكُمْ َيوْمَ ا ْلقِيَامَةِ وَلَنْ يَ ْ‬
‫حوِذْ عَلَ ْيكُ ْم وَ َنمْ َن ْعكُمْ مِنَ ا ْل ُم ْؤمِنِينَ فَاللّهُ َي ْ‬
‫أَلَمْ َنسْتَ ْ‬
‫ا ْل ُم ْؤمِنِينَ سَبِيلًا (‪)141‬‬

‫وقوله الحق‪ { :‬الّذِينَ يَتَرَ ّبصُونَ ِبكُمْ } وصف للمنافقين‪ ،‬ويتربص فلن بفلن‪ .‬اي أن واحدا يتحفز‬
‫ليتحسس أخبار آخر‪ ،‬ويرتب حاجته منه على قدر ما يرى من أخبار‪ ،‬وعرفنا هذا المعنى من قوله‬
‫حسْنَيَيْنِ }[التوبة‪]52 :‬‬
‫حدَى الْ ُ‬
‫الحق‪ُ {:‬قلْ َهلْ تَرَ ّبصُونَ بِنَآ ِإلّ إِ ْ‬
‫ويتربص المنافقون بالمؤمنين لنهم إن وجدوا خيرا قد أتى لهم فهم يريدون الستفادة منه‪ ،‬وإن‬
‫جاء شر فالمنافقون يتجهون للستفادة من الخصوم‪ ،‬فظاهرا هم يعلنون اليمان وهم في باطنهم‬
‫كفار‪ .‬وهم يتربصون بالمؤمنين انتظارا لما يحدث وليرتبوا أمورهم على ما يجيء‪.‬‬
‫{ الّذِينَ يَتَرَ ّبصُونَ ِبكُمْ فَإِن كَانَ َلكُمْ فَتْحٌ مّنَ اللّهِ قَالُواْ َألَمْ َنكُنْ ّم َعكُمْ } فإن فتح ال بنصره على‬
‫المؤمنين في معركة وأخذوا مغانم قال المنافقون‪َ { :‬ألَمْ َنكُنْ ّم َعكُمْ } ‪ ،‬فلبد لنا من سهم في هذه‬
‫الغنيمة‪ .‬وإذا انتصر الكفار يذهبون إلى الكافرين مصداقا لقول الحق‪ { :‬وَإِن كَانَ لِ ْلكَافِرِينَ َنصِيبٌ‬
‫علَ ْيكُ ْم وَ َنمْ َن ْعكُمْ مّنَ ا ْل ُم ْؤمِنِينَ }‪.‬‬
‫حوِذْ َ‬
‫قَالُواْ أَلَمْ َنسْتَ ْ‬
‫هم يحاولون إذن الستفادة من الكفار بقولهم‪ :‬لقد تربصنا بالمؤمنين وانتظرنا ما يحدث لهم‪ ،‬ول بد‬
‫حوِذْ عَلَ ْيكُ ْم وَ َنمْ َن ْعكُمْ مّنَ ا ْل ُم ْؤمِنِينَ }‬
‫لنا من نصيب‪ ,‬ويقول الحق على ألسنتهم‪ { :‬قَالُواْ أََلمْ نَسْ َت ْ‬
‫حوَذَ‬
‫واستحوذ على الشيء أي حازه وجعله في حيزه وملكه وسلطانه‪ .‬والحق هو القائل‪ {:‬اسْتَ ْ‬
‫عَلَ ْيهِمُ الشّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ِذكْرَ اللّهِ }[المجادلة‪]19 :‬‬
‫حوِذْ عَلَ ْيكُمْ } يكشف موقفهم‬
‫أي جعلهم الشيطان في حيزه‪ ،‬وقول المنافقين للكافرين‪ { :‬أََلمْ نَسْ َت ْ‬
‫عندما تقوم معركة بين معسكري الكفر واليمان فيحاول المنافقون معرفة تفاصيل ما ينويه‬
‫المؤمنون‪ ،‬ولحظة أن يدخل المنافقون أرض المعركة فهم يمثلون دور من يأسر الكافرين حماية‬
‫لهم من سيوف المؤمنين‪ .‬ثم يقولون للكافرين‪ :‬نحن استحوذنا عليكم أي منعناكم أن يقتلكم‬
‫المؤمنون‪ ،‬ويطلبون منهم الثمن‪.‬‬
‫ولنر الداء البياني للقرآن حين يقول عن انتصار المؤمنين‪ { :‬فَإِن كَانَ َلكُمْ فَتْحٌ } أما تعبير القرآن‬
‫عن انتصار الكافرين فيأتي بكلمة " نصيب " أي مجرد شيء من الغلبة المؤقتة‪ .‬ثم يأتي القول‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ج َعلَ اللّهُ لِ ْلكَافِرِينَ عَلَى ا ْل ُم ْؤمِنِينَ سَبِيلً }‪.‬‬
‫حكُمُ بَيْ َن ُكمْ َيوْمَ ا ْلقِيَامَ ِة وَلَن يَ ْ‬
‫الفصل من الحق‪ { :‬فَاللّهُ َي ْ‬
‫وحين يرد ال أمر الكافرين والمؤمنين ل يرده دائما إلى أمد قد ل يطول أجل السامع وعمره ليراه‬
‫في الدنيا‪ ،‬فيأتي له بالمسألة المقطوع بها؛ لذلك ل يقول للمؤمن‪ :‬إنك سوف تنتصر‪ .‬فالمؤمن قد‬
‫يموت قبل أن يرى النتصار‪ .‬ولذلك يأتي بالمر المقطوع وهو يوم القيامة حين تكون الجنة‬
‫مصيرا مؤكدا لكل مؤمن؛ لن الحياة أتفه من أن تكون ثمنا لليمان‪.‬‬
‫ويعلمنا الرسول صلى ال عليه وسلم أل نطلب الثمن في الدنيا؛ لن الغايات تأتي لها الغيار في‬
‫هذه الدنيا‪ ،‬فنعيم الحياة إما أن يفوت النسان وإما أن يفوته النسان‪ .‬وثمن اليمان باقٍ ببقاء من‬
‫آمنت به‪.‬‬
‫إن القاعدة اليمانية تقول‪ :‬من يعمل صالحا يدخل الجنة‪ ،‬والحق يقول عن هؤلء الصالحين‪َ {:‬ففِي‬
‫حمَةِ اللّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }[آل عمران‪]107 :‬‬
‫رَ ْ‬
‫أي أن الجنة باقية بإبقاء ال لها‪ ،‬وهو قادر على إفنائها‪ ،‬أما رحمة ال فل فناء لها لنها صفة من‬
‫حكُمُ بَيْ َن ُكمْ َيوْمَ ا ْلقِيَامَةِ { أي لن‬
‫صفاته وهو الدائم أبدا‪ .‬وحين يقول الحق سبحانه وتعالى‪ } :‬فَاللّهُ يَ ْ‬
‫يوجد نقض لهذا الحكم؛ لنه ل إله إل هو وتكون المسألة منتهية‪ .‬وقد حكم الحق سبحانه وتعالى‬
‫على قوم من أقارب محمد صلى ال عليه وسلم‪ ،‬لقد حكم ال على عم الرسول‪ ،‬فقال فيه‪ {:‬تَ ّبتْ‬
‫حمّالَةَ‬
‫سبَ * سَ َيصْلَىا نَارا ذَاتَ َل َهبٍ * وَامْرَأَتُهُ َ‬
‫يَدَآ أَبِي َل َهبٍ وَ َتبّ * مَآ أَغْنَىا عَنْهُ مَالُ ُه َومَا كَ َ‬
‫سدٍ }[المسد‪]5-1 :‬‬
‫طبِ * فِي جِي ِدهَا حَ ْبلٌ مّن مّ َ‬
‫حَ‬
‫الْ َ‬
‫قول الحق سبحانه‪ } :‬سَ َيصْلَىا نَارا ذَاتَ َل َهبٍ { يدل على أن أبا لهب سيموت على الكفر ولن‬
‫يهديه ال لليمان‪ ،‬مع أن كثيرا من الذين وقفوا من رسول ال مواقف العداء آمنوا برسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ويشهد معسكر الكفر فقدان عددٍ من صناديده‪ ،‬ذهبوا إلى معسكر اليمان‪،‬‬
‫فها هوذا عمر بن الخطاب‪ ،‬وخالد بن الوليد‪ ،‬وعكرمة بن أبي جهل وغيرهم كل هؤلء آمنوا‪ .‬فما‬
‫الذي كان يدري محمدا صلى ال عليه وسلم أن أبا لهب لن يكون من هؤلء؟ ولماذا لم يقل أبو‬
‫لهب‪ :‬قال ابن أخي‪ :‬إنني سأصلى نارا ذات لهب‪ ،‬وأنا أشهد أن ل إله إل ال وأن محمدا رسول‬
‫ال وقلت كلمة اليمان‪ .‬لكنه لم يقل ذلك وعلم ال الذي حكم عليه أنه لن يقول كلمة اليمان‪.‬‬
‫ألم يكن باستطاعة أبي لهب وزوجه أن يقول في جمع‪ :‬نشهد أن ل إله إل ال وأن محمدا رسول‬
‫ال‪ ،‬ويتم انتهاء المسألة؟ ولكن ال الذي ل معقب لحكمه قد قضى بكفرهم‪ ،‬وبعد أن ينزل الحق‬
‫هذا القول الفصل في أبي لهب وزوجه يأتي قول الحق في ترتيبه المصحفي ليقول ما يوضح‪:‬‬
‫إياكم أن تفهموا أن هذه القضية تنقض‪ ،‬فسيصلى أبو لهب نارا ذات لهب وامرأته حمالة الحطب‪،‬‬
‫صمَدُ }[الخلص‪]2-1 :‬‬
‫وقال الحق بعدها مباشرة‪ُ {:‬قلْ ُهوَ اللّهُ َأحَدٌ * اللّهُ ال ّ‬
‫فل أحد سيغير حكم ال‪..‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫حكُمُ بَيْ َن ُكمْ َيوْمَ ا ْلقِيَامَةِ { أي ل معقب لحكم ال‪ ،‬فل إله غيره يعقب عليه‪.‬‬
‫إذن فقوله الحق‪ } :‬فَاللّهُ َي ْ‬
‫ج َعلَ اللّهُ لِ ْلكَافِرِينَ عَلَى ا ْل ُم ْؤمِنِينَ سَبِيلً { وهذه نتيجة لحكم ال‪ ،‬فل يمكن أن يحكم ال‬
‫} وَلَن َي ْ‬
‫للكافرين على المؤمنين‪ .‬ولن يكون للكافرين حجة أو قوة أو طريق على المؤمنين‪ .‬وهل هذه‬
‫القضية تتحقق في الدنيا أو في الخرة؟ ونعلم أن الحق يحكم في الخرة التي تعطلت فيها‬
‫السباب‪ ،‬ولكنه جعل السباب في الدنيا‪ ،‬فمن أخذ بالسباب فنتائج السباب تعطيه؛ لن مناط‬
‫الربوبية يعطي المؤمن والكافر‪ ،‬فإن أخذ الكافرون بالسباب ولم يأخذ المؤمنون بها‪ ،‬فال يجعل‬
‫لهم على المؤمنين سبيلً‪ ،‬وقد ينهزم المؤمنون أمام الكافرين‪.‬‬
‫والحكمة العربية تعلمنا‪ :‬إياك أن تعتبر أنّ الخطأ ليس من جند الصواب‪ .‬لن النسان عندما‬
‫صحّحُ له الخطأ‪ ،‬فعندما يعلم المدرس تلميذه أن الفاعل مرفوع‪ ،‬وأخطأ التلميذ مرة ونصب‬
‫يخطئ ُي َ‬
‫الفاعل؛ فهذا يعني أنه أخذ القاعدة أولً ثم سها عنها‪ ،‬والمدرس يصحح له الخطأ‪ ،‬فتلتصق القاعدة‬
‫في رأس التلميذ بأن الفاعل مرفوع‪ .‬وهكذا يكون الخطأ من جنود الصواب‪ .‬والباطل أيضا من‬
‫جنود الحق‪.‬‬
‫فعندما يستشرى الباطل في الناس يبرز بينهم هاتف الحق‪ .‬وهكذا نرى الباطل نفسه من جند‬
‫الحق‪ ،‬فالباطل هو الذي يظهر اللذعة من استشراء الفساد‪ ،‬ويجعل البشر تصرخ‪ ،‬وكذلك اللم‬
‫الذي يصيب النسان هو من جنود الشفاء؛ لن اللم يقول للنسان‪ :‬يا هذا هناك شيء غير طبيعي‬
‫في هذا المكان‪ .‬ولول اللم لما ذهب النسان إلى الطبيب‪.‬‬
‫علينا ‪ -‬إذن ‪ -‬أن نعرف ذلك كقاعدة‪ :‬الخطأ من حنود الصواب‪ ،‬والباطل من جنود الحق‪ ،‬واللم‬
‫من جنود الشفاء‪ ،‬وكل خطأ يقود إلى صواب‪ ،‬ولكن بلذعة‪ ،‬وذلك حتى ل ينساه النسان‪ .‬وتاريخ‬
‫اللغة العربية يحكي عن العلمة سيبويه‪ ،‬وهو من نذكره عندما يلحن أحد بخطأ في اللغة؛ فنقول‪" :‬‬
‫أغضب المخطئ سيبويه "؛ لن سيبويه هو الذي وضع النحو والقواعد حتى إننا إذا أطلقنا كلمة‬
‫الكتاب في عرف اللغة فالمعنى ينصرف إلى كتاب سيبويه؛ فهو مؤلف الكتاب‪.‬‬
‫وسيبوبه لم يكن أصلً عالم نحو‪ ،‬بل كان عالم قراءات للقرآن‪ ،‬حدث له أن كان جالسا وعيبت‬
‫عليه لحنة في مجلس‪ ،‬أي أنه أخطأ في النحو وعاب عليه من حوله ذلك‪ ،‬فغضب من نفسه‬
‫وحزن‪ ،‬وقال‪ :‬وال لجيدن العربية حتى ل ألحن فيها‪ .‬وأصبح مؤلفا في النحو‪.‬‬
‫ومثال آخر‪ :‬المام الشاطبي ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬لم يكن عالم قراءات بل كان عالما في النحو‪،‬‬
‫وبعد ذلك جاءت له مشكلة في القراءات فلم يتعرف عليها‪ ،‬فأقسم أن يجلس للقراءات ويدرسها‬
‫جيدا‪ .‬وصار من بعد ذلك شيخا للقراء‪ .‬فلحنة ‪ -‬أي غلطة ‪ -‬هي التي صنعت من سيبويه عالما‬
‫في النحو‪ ،‬ومشكلة وعدم اهتداء في القراءات جعل من المام الشاطبي شيخا للقراء؛ على الرغم‬
‫من أن سيبويه كان عالم قراءات‪ ،‬والشاطبي كان رجل نحو‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ولذلك أكررها حتى نفهمها جيدا‪ :‬الخطأ من جنود الصواب‪ ،‬والباطل من جنود الحق‪ ،‬واللم من‬
‫جنود الشفاء والعافية‪.‬‬
‫وقد نجد الكافرين قد انتصروا في ظاهر المر على المؤمنين في بعض المواقع مثل أُحد‪ ،‬وكان‬
‫ذلك للتربية؛ ففي " أحد " خالف بعض المقاتلين من المؤمنين رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫وكانت الهزيمة مقدمة للتصويب‪ ،‬وكذلك كانت موقعة حنين حينما أعجبتهم الكثرة‪:‬‬
‫علَ ْيكُ ُم الَ ْرضُ ِبمَا رَحُ َبتْ ثُ ّم وَلّيْتُم‬
‫{ وَ َيوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَ ْتكُمْ كَثْرَ ُتكُمْ فَلَمْ ُتغْنِ عَن ُكمْ شَيْئا َوضَا َقتْ َ‬
‫مّدْبِرِينَ }[التوبة‪]25 :‬‬
‫والشاعر العربي الذي تعرض لهذه المسألة قال‪:‬إن الهزيمة ل تكون هزيمة إل إذا لم تقتلع‬
‫أسبابهالكن إذا جهدت لتطرد شائبا فالحمق كل الحمق فيمن عابهافعندما يقتلع النسان أسباب‬
‫الهزيمة تصبح نصرا‪ ،‬وقد حدث ذلك في أحد‪ ،‬هم خالفوا في البداية فغلبهم العداء‪ ،‬ثم كانت‬
‫درسا مستفادا أفسح الطريق للنصر‪.‬‬
‫فإن رأيت أيها المسلم للكافرين سبيلً على المؤمنين فلتعلم أن اليمان قد تخلخل في نفوس‬
‫المسلمين فل نتيجة دون أسباب‪ ،‬وإن أخذ المؤمنون بالسباب أعطاهم النتائج‪ .‬فهو القائل‪ {:‬وَأَعِدّواْ‬
‫طعْتُمْ مّن ُق ّوةٍ }[النفال‪]60 :‬‬
‫َلهُمْ مّا اسْتَ َ‬
‫فإن لم يع ّد المؤمنون ما استطاعوا‪ ،‬أو غرّتهم الكثرة فالنتيجة هي الهزيمة عن استحقاق‪ ،‬وعلى‬
‫جدَ لِسُ ّنتِ‬
‫لوّلِينَ فَلَن تَ ِ‬
‫تاَ‬
‫كل مؤمن أن يضع في يقينه هذا القول الرباني‪َ {:‬ف َهلْ يَنظُرُونَ ِإلّ سُ ّن َ‬
‫حوِيلً }[فاطر‪]43 :‬‬
‫جدَ لِسُ ّنتِ اللّهِ تَ ْ‬
‫ل وَلَن تَ ِ‬
‫اللّهِ تَ ْبدِي ً‬
‫إن إعلن اليمان بال ليس هو نهاية أي شيء بل هو البداية‪ ،‬والمؤمن بال يأخذ جزاءه على قدر‬
‫عمله‪ .‬ويغار ال على عبده المؤمن عندما يخطئ‪ ،‬لذلك يؤدبه ويربيه ‪ -‬ول المثل العلى ‪ -‬نجد‬
‫أن النسان منا قد ل يصبر على مراجعة الدروس مع أولده فيأتي بمدرس ليفعل ذلك؛ لن حب‬
‫الب لولده يدفع الب للنفعال إذا ما أخطأ الولد‪ ،‬وقد يضربه‪ .‬أما المدرس الخارجي فل ينفعل؛‬
‫بل يأخذ المور بحجمها العادي‪ .‬إذن فكلما أحب النسان فهو يتدخل بمقياس الود ويقسو أحيانا‬
‫على من يرحم‪.‬‬
‫والشاعر العربي يقول‪:‬فقسى ليزدجروا ومن يكُ حازما فليقس أحيانا على من يرحمُومثال آخر ‪-‬‬
‫ول المثل العلى ‪ -‬النسان إذا ما دخل منزله ووجد في صحن المنزل أطفالً يلعبون الميسر‬
‫منهم ابنه وابن الجار‪ ،‬وطفل آخر ل يعرفه‪،‬فيتجه فورا إلى ابنه ليصفعه‪ ،‬ويأمره بالعودة فورا إلى‬
‫الشقة‪ ،‬أما الولد الخرون فلن يأخذ ابن الجار إل كلمة تأنيب‪ ،‬أما الطفل الذي ل يعرفه فلن يتكلم‬
‫معه‪.‬‬
‫وهكذا نجد العقاب على قدر المحبة والود‪ ،‬والتأديب على قدر المنزلة في النفس‪ .‬ومن ل نهتم‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫بأمره ل نعطي لسلوكه السيئ بالً‪ .‬وساعة نرى لن للكافرين سبيلً على المؤمنين فلنعلم أن‬
‫قضية من قضايا اليمان قد اختلت في نفوسهم‪ ،‬ول يريد ال أن يظلوا هكذا بل يصفيهم الحق من‬
‫هذه الخطاء بأن تعضهم الحداث‪ .‬فينتبهوا إلى أنهم ل يأخذون بأسباب ال‪.‬‬
‫ويقول الحق بعد ذلك‪ } :‬إِنّ ا ْلمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ‪{ ...‬‬

‫(‪)628 /‬‬
‫عهُ ْم وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النّاسَ وَلَا‬
‫إِنّ ا ْلمُنَا ِفقِينَ يُخَادِعُونَ اللّ َه وَ ُهوَ خَادِ ُ‬
‫يَ ْذكُرُونَ اللّهَ إِلّا قَلِيلًا (‪)142‬‬

‫نعرف واقع المنافقين أنهم يظهرون اليمان ويبطنون الكفر؛ ويوضح الحق‪ :‬إياكم أن تظنوا أن في‬
‫قدرة مخلوق أن يفعل شيئا بدون علم ال‪ ،‬وقد يمكر إنسان بك‪ ،‬وهو يعلم أنك تعلم بمكره‪ ،‬فهل‬
‫هذا مكر؟ ل؛ لن المكر هو المر الذي يتم خفية بتدبير ل تعلمه‪ ،‬والصول في المكر أل يعلم‬
‫الممكور به شيئا‪ .‬والمنافقون حين يظهرون اليمان ويبطنون الكفر يخادعون من يعلم خافية‬
‫الصدور‪ .‬وكان يجب أن يأخذوا درسا من معاملة ال بوساطة المؤمنين لهم‪ ،‬فقد صان المؤمنون‬
‫دم المنافقين ومالهم‪ .‬وأجرى المسلمون على المنافقين أحكام السلم‪ ،‬لكن ما الذي يبيته ال لهؤلء‬
‫المنافقين؟ لقد بيت لهم الدرك السفل من النار‪ .‬فمن القدر ‪ -‬إذن ‪ -‬على الخداع؟‬
‫إن الذكي حقا هو من ل يخدع من يعلم أنه قادر على كشف الخداع‪ .‬وكلمة " خدع " تعني مكر به‬
‫ل وفعلً ويخفى سواهما حتى يثق فيه‪ .‬وبعد ذلك ينفذ المكر‪ .‬وهناك كلمة " خدع‬
‫مكرا فيبدي له قو ً‬
‫" وكلمة " خادع "‪ .‬والحق في هذه الية لم يقل إن ال يخدعهم‪ ،‬بل قال‪ُ { :‬يخَادِعُونَ اللّ َه وَ ُهوَ‬
‫عهُمْ }‪.‬‬
‫خَادِ ُ‬
‫و " خادع " تعني حدوث عمليتين‪ ،‬مثل قولنا‪ :‬قاتل فلن فلنا‪ .‬فالقتال يحدث بين طرفين‪ ,‬وكذلك‬
‫نقول‪ :‬شارك فلن فلنا؛ لن مادة " فاعل " تحتاج إلى طرفين‪ .‬لكن عندما نقول " قتل " ‪ ،‬فالفعل‬
‫يحدث من جانب واحد‪ .‬والخداع يبدأ من واحد‪ ،‬وعندما يرى الشخص الذي يُراد خداعه أن‬
‫خصمه أقوى منه فإنه يبيت له خداعا آخر‪ ،‬وتسمى العملية كلها " مخادعة " ‪ ،‬ويقال‪ :‬خادعه‬
‫فخدعه إذا غلبه وكان أخدع منه‪ .‬ومن إذن الذي غلب؟ إن الذي بيّت الخداع ردا على خداع‬
‫خصمه هو الغالب‪.‬‬
‫ولن الخداع يحدث أولً‪ ،‬وبعد ذلك يتلقى " المخدوع " المر بتبييت أكبر؛ فهو " خادع " ‪ ،‬والذي‬
‫يغلب نقول عنه‪ " :‬أخدعه " أي أزال خداعه‪ .‬وال سبحانه وتعالى عاملهم بمثل ما أرادوا أن‬
‫ل وأضمروا الكفر‪ ،‬وأعطاهم ال في ظاهر‬
‫يعاملوا به المؤمنين‪ ،‬فالمنافقون أظهروا اليمان أو ً‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫المر أحكام المسلمين‪ ،‬وفي الباطن قرر أن يعذبهم عذاب الكافرين بل وأشد من ذلك؛ لنهم‬
‫سيكونون في الدرك السفل من النار‪.‬‬
‫ع ُهمْ } وإياك أيها المسلم أن تشتق من هذه العملية اسما ل‬
‫{ إِنّ ا ْلمُنَافِقِينَ ُيخَادِعُونَ اللّهَ وَ ُهوَ خَادِ ُ‬
‫وتقول " المخادع "؛ لن أسماء ال توقيفية أي ل نسمي ال إل بالسماء التي سمّى بها نفسه‪.‬‬
‫وسبحانه يفعل الفعل‪ ،‬لكن ل تأخذ من هذا الفعل اسما‪ ،‬والحق يعطينا هنا " مشاكلة " ليوضح لنا‬
‫أن المنافقين يمكرون ويبيتون شرا للمؤمنين‪ ،‬وأنت أيها المسلم تعرف أن النسان إنما يبيت الشر‬
‫على قدر طاقته التي مهما كبرت فهي محدودة بجانب طلقة قدرة ال‪.‬‬
‫ولذلك يفضح ال هذا الشر المبيت من هؤلء المنافقين‪ ،‬وهم حين يمكرون فال بطلقة قدرته يمكر‬
‫بهم أي يبطل مكرهم ويجازيهم على سوء فعلتهم‪ ،‬ول نقول‪ " :‬ال ماكر "‪ .‬ول أن يقول في الفعل‬
‫المشاكل ما يشاء‪.‬‬
‫لةِ قَامُواْ كُسَالَىا {‪.‬‬
‫ع ُه ْم وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصّ َ‬
‫} إِنّ ا ْلمُنَافِقِينَ ُيخَادِعُونَ اللّهَ وَ ُهوَ خَادِ ُ‬
‫إن الغايات من الحداث هي التي تضفي على الجوارح القبال على الحداث‪ ،‬فإذا كنت تحب‬
‫الحدث الذي تقبل عليه فأنت تقبل عليه بكل اشتياق ولهفة‪ .‬ويقيسون لهفة اللقاء لنها تحدد درجة‬
‫المحبة‪ .‬والشاعر العربي يصف لقاء حبيب بحبيبته‪:‬لقاء الثنين يبين حَ ّدهْ تلهف كَ ْيفٍ واستطالة‬
‫مًدّهْفلحظة اللقاء تبين ما بين الحبيبين من مودة‪ ،‬فإن كانت المسألة بينهما عشر خطوات فهما‬
‫يسرعان باللهفة فيقطعان العشر خطوات في ثلث خطوات‪ ،‬وهذا معناه تقصير زمن البتعاد‪،‬‬
‫وكذلك تظهر الكيفية التي يتم بها السلم درجة المودة‪ ،‬فقد يسلم أحدهما على الخر ببرود أو‬
‫بنصف ود‪ ،‬أو بود كبير‪ ،‬أو بود مصحوب بلهفة وأخذ متبادل بالحضان؛ وكذلك المدة التي‬
‫يحتضن كلهما الخر‪ ،‬هل هي دقيقة أو دقيقتان أو ثلث؟‬
‫إذن فالذي يبين قيمة الود‪ :‬التلهف‪ ،‬الكيفية‪ ،‬المدة‪ .‬وهذه العناصر الثلثة أخذها الشعراء للتعبير‬
‫عن المودة والحب بين البشر‪ ،‬وقديما كان الذين يُتَيّمون بالنساء يسترون في السلم مودتهم‪ .‬وفي‬
‫الحصارة الغربية التي سقطت فيها قيم الديان نجد أن الرجل يتلقى المرأة بالقبلت‪.‬‬
‫وفي بعض البلد نجد الرجل يصافح المرأة‪ ،‬فهل يصافحها بتلهف‪ ،‬وهل تبادله هذه اللهفة؟ فإن‬
‫وجدت الكف مفردة ومبسوطة للمصافحة فقط فهذا سلم عادي‪ .‬أما إذا ثنى أحدهما إصبعه‬
‫البنصر على كف الخر فعليم أن ترى أي طرف هو الذي قام بثني أصبعه ليحتضن اليد كلها في‬
‫يده‪ ،‬فإن كان ذلك من الرجل فاللهفة منه‪ ،‬وإن كان من المرأة فاللهفة منها‪ ،‬وإن كان من الثنين‬
‫فاللهفة منهما معا‪ ،‬ثم ما المدة التي يستغرقها بقاء اليد في اليد؟‬
‫وقد يحلو لكليهما معا ‪ -‬رجل وامرأة ‪ -‬وكأن الكلم قد أخذهما فنسي كل منهما يده في يد‬
‫ح ّدهْ تلهف كيف واستطالة مُدّهْهكذا يقابل النسان الحداث‪ ،‬فإن كان‬
‫الخر‪.‬سلم نوعين يبين َ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الحدث سارا فالنسان يقبل عليه بلهفة‪ .‬وإن كان غير ذلك فالنسان يقوم إليه متثاقلً‪ .‬وكان‬
‫لةِ قَامُواْ كُسَالَىا { كأنهم‬
‫المنافقون يقومون إلى الصلة بتثاقل وتكاسل‪ } :‬وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصّ َ‬
‫يؤدون الصلة كستار يخفون به نفاقهم‪ ،‬ويستترون بها عن أعين المسلمين‪ .‬ولم يكن قيامهم‬
‫للصلة شوقا إلى لقاء ال مثلما كان يقول رسول ال صلى ال عليه وسلم لبلل ‪ -‬رضي ال عنه‬
‫‪ -‬طالبا منه أن يؤذن للصلة‪:‬‬

‫" يا بلل أرحنا بالصلة "‪.‬‬
‫لن المؤمن يرتاح عندما يؤدي الصلة‪ ،‬أما المنافق فهي عملية شاقة بالنسبة إليه لنه يؤديها‬
‫لةِ قَامُواْ ُكسَالَىا‬
‫ليستتر بها عن أعين المسلمين ولذلك يقوم إليها بتكاسل‪ } .‬وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصّ َ‬
‫س َولَ َي ْذكُرُونَ اللّهَ ِإلّ قَلِيلً {‪.‬‬
‫يُرَآءُونَ النّا َ‬
‫هم يقيمون الصلة ظاهريا أمام الناس ليخدعوا المسلمين وليشاهدهم غيرهم وهم يصلون‪ .‬وفي‬
‫الصلة التي يراءون بها الناس ل يقولون كل المطلوب منهم لتمامها‪ ،‬يقولون فقط المطلوب قوله‬
‫جهرا‪ .‬كأن يقرأوا الفاتحة وبعض القرآن ولكنهم في أثناء الركوع ل يسبحون باسم ال العظيم‬
‫وكذلك في السجود ليسبحون باسم ال العلى‪.‬‬
‫ففي داخل كل منافق تياران متعارضان‪ ..‬تيار يظهر به مع المؤمنين وآخر مع الكافرين‪ .‬والتيار‬
‫الذي مع المؤمنين يجبر المنافق على أن يقوم إلى الصلة ويذكر ال قليلً‪ ،‬والتيار الذي مع‬
‫الكافرين يجعله كسولً عن ذلك‪ ،‬ول يذكر ال كثيرا‪.‬‬
‫وإذا ما حسبنا كم شيئا يجهر به المصلي وكم شيئا يجريه سرا فسنجد أن ما يجريه المصلي سرا‬
‫في أثناء الصلة أكثر من الجهر‪ .‬ففي الركوع يقول‪ :‬سبحان ربي العظيم ثلث مرات‪ ،‬ويقول‪:‬‬
‫سبحان ربي العلى‪ ،‬في كل سجود ثلث مرات‪ ،‬أما المنافق فل يذكر ال إل جهرا‪ ،‬وهو ذكر‬
‫قليل‪ .‬ونجد المنافق ل يفعل فعلً إل إذا كان مَرْئيا ومسموعا من غيره‪ ،‬هذا هو معنى المراءاة‪.‬‬
‫أما العمال والقوال التي ل تُرَى من الناس ول تُسمع فل يؤديها‪.‬‬
‫ول يهز المجتمعات ول يزلزلها ويهدّها إل هذه المراءاة؛ لن الحق سبحانه يحب أن يؤدي المسلم‬
‫كل عمل جاعلً ال في باله‪ ،‬وهو الذي ل تخفى عليه خافية‪ .‬ويلفتنا إلى هذه القضية سيدنا محمد‬
‫صلى ال عليه وسلم حيث يقول عن الحسان‪:‬‬
‫" أن تعبد ال كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك "‪.‬‬
‫وإذا كان النسان يخجل من أن يغش واحدا مثله من البشر غشا ظاهريا فما بالنا بالذي يحاول‬
‫غش ال وهو يعلم أن ال يراه؟ ولماذا يجعل ذلك العبد ربه أهون الناظرين إليه؟‬
‫وعندما يغش واحدا آخر واكتشف الخر غشه فهو يعاقبه فما بالنا بغش ال؟! ولذلك تجد الرسول‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫صلى ال عليه وسلم ينقل لنا حال المرائي للناس فيقول‪ " :‬إنّ أخوف ما أخاف عليكم الشرك‬
‫الصغر‪ ،‬قالوا وما الشرك الصغر يا رسول ال؟ قال‪ :‬الرياء‪ ،‬يقول ال ‪ -‬عز وجل ‪ -‬يوم‬
‫القيامة إذا جازى العباد بأعمالهم اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا فانظروا هل تجدون‬
‫عندهم الجزاء؟ "‪.‬‬
‫وقال صلى ال عليه وسلم‪ " :‬إن المرائي ينادى عليه يوم القيامة " يا فاجر " " يا غادر " " يا‬
‫مرائي " ضل عملك وحبط أجرك فخذ أجرك ممن كنت تعمل له "‪.‬‬

‫إذن فالمنافق إنما يخدع نفسه‪ ،‬هو يتظاهر بالصلة ليراه الناس‪ .‬ويزكي ليراه الناس‪ ،‬ويحج ليراه‬
‫عمَاُلهُمْ‬
‫الناس‪ ،‬هو يعمل ما أمر ال به‪ ،‬لكنه ل يعلمه ال‪ ،‬ولذلك قال القرآن‪ {:‬وَالّذِينَ َكفَرُواْ أَ ْ‬
‫جدَ اللّهَ عِن َدهُ َف َوفّاهُ حِسَا َب ُه وَاللّهُ‬
‫ج ْدهُ شَيْئا َووَ َ‬
‫ظمْآنُ مَآءً حَتّىا إِذَا جَآ َءهُ َلمْ يَ ِ‬
‫كَسَرَابٍ ِبقِيعَةٍ يَحْسَ ُبهُ ال ّ‬
‫سَرِيعُ الْحِسَابِ }[النور‪]39 :‬‬
‫س َولَ ُي ْؤمِنُ بِاللّ ِه وَالْ َيوْمِ الخِرِ َفمَثَلُهُ‬
‫وقال عن لون ثان من نفاقهم‪ {:‬كَالّذِي يُ ْنفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ النّا ِ‬
‫شيْءٍ ّممّا كَسَبُو ْا وَاللّ ُه لَ‬
‫ص ْفوَانٍ عَلَ ْيهِ تُرَابٌ فََأصَابَ ُه وَا ِبلٌ فَتَ َركَ ُه صَلْدا لّ َيقْدِرُونَ عَلَىا َ‬
‫َكمَ َثلِ َ‬
‫َيهْدِي ا ْل َقوْمَ ا ْلكَافِرِينَ }[البقرة‪]264 :‬‬
‫والصفوان هو الحجر الملس تماما وهو الذي ليس فيه خشونة‪ ،‬لن الحجر إن كان به جزء من‬
‫خشونة وعليه تراب ثم سقط عليه المطر‪ ،‬فالتراب يتخلل الخشونة‪ .‬أما الحجر الملس فمن فور‬
‫نزول المطر ينزلق من عليه التراب‪ .‬ومن يرائي المؤمنين عليه أن يأخذ أجره ممن عمل له‪.‬‬
‫ويستكمل الحق وصف الحالة النفسية للمنافقين فيقول‪ } :‬مّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذاِلكَ‪{ ...‬‬

‫(‪)629 /‬‬
‫مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَِلكَ لَا إِلَى َهؤُلَا ِء وَلَا إِلَى َهؤُلَا ِء َومَنْ ُيضِْللِ اللّهُ فَلَنْ َتجِدَ لَهُ سَبِيلًا (‪)143‬‬

‫والشيء المذبذب مثل المعلق في خيط فيأخذه الريح إلى ناحية ليقذفه في ناحية أخرى لنه غير‬
‫ثابت‪ ،‬مأخوذ من " المذبة " ومنه جاءت تسمية " الذباب‪ :‬الذي يذبه النسان فيعود مرة أخرى‪،‬‬
‫فمن سلوك الذباب أنه إذا ُذبّ عن مكان ل بد أن يعود إليه‪.‬‬
‫ك لَ إِلَىا هَـاؤُلءِ وَلَ إِلَى هَـاؤُلءِ } فهل هم الذين ذبذبوا أنفسهم أم تلك هي‬
‫{ مّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذاِل َ‬
‫طبيعتهم؟ ولنتأمل عظمة الحق الذي سوى النفس البشرية؛ ففي الذات الواحدة آمر ومأمور‪ ،‬والحق‬
‫سكُ ْم وَأَهْلِي ُكمْ نَارا }[التحريم‪]6 :‬‬
‫يقول‪ {:‬ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ قُواْ أَنفُ َ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أي أن النسان يقي نفسه بأن يجعل المر يوجه المر للمأمور‪ ،‬ويجعل المأمور يطيع المر‪،‬‬
‫طوّعَتْ َلهُ َنفْسُهُ قَ ْتلَ أَخِيهِ }[المائدة‪]30 :‬‬
‫ودليل ذلك قول الحق عن قابيل‪َ {:‬ف َ‬
‫أي أن جزءًا من الذات هو الذي طوّع بقية ذات قابيل لتقتل هابيل‪ .‬فقد خلق ال النفس البشرية‬
‫كملكات متعددة‪ ،‬ملكة تحب الريحية وأخرى تحب الشح‪ ،‬والملكة التي تحب الريحية إنما تطلب‬
‫ثناء الناس‪ ،‬والتي تحب الشح إنما تفعل ذلك ليطمئن صاحبها أنه يملك ما يغنيه‪ .‬وكلتا الملكتين‬
‫سكُمْ } فالنفس تقي النفس؛ لن الملكات فيها‬
‫تتصارع في النفس الواحدة؛ لذلك يقول الحق‪ { :‬قُواْ أَنفُ َ‬
‫متعددة‪ .‬وبعض الملكات تحب تحقيق المتعة والشهوة‪ ،‬لكن هناك ملكة إيمانية تقول‪ :‬تذكر أن هذه‬
‫الشهوات عاجلة ولكنها عظيمة المتاعب فيما بعد‪.‬‬
‫عتْ لَهُ‬
‫طوّ َ‬
‫إذن فهناك صراع داخل ملكات النسان‪ ،‬ويوضح لنا الحق هذا الصراع في قوله‪ { :‬فَ َ‬
‫َنفْسُهُ قَ ْتلَ أَخِيهِ }‪.‬‬
‫لن قابيل أراد أن يقتل هابيل بغريزة الستعلء‪ ،‬ونازعته نفسه بالخوف من الثم‪ .‬لقد دارت‬
‫المراودة في نفس قابيل إلى أن سيطرت غريزة الستعلء فأمرت بالقتل وطوعت بقية النفس‪.‬‬
‫وهذا يكشف لنا أن النفس البشرية فيها ملكات متعددة‪ ،‬كل ملكة لها مطلوب‪ .‬والدين هو الذي يقيم‬
‫التعايش السلمي بين الملكات‪.‬‬
‫مثال آخر‪ :‬الغريزة الجنسية تقيم السعار في النفس‪ ،‬فيقوم الوعي اليماني بردع ذلك بأن تقول‬
‫النفس اليمانية‪ :‬إياك أن تلغ في أعراض الناس حتى ل تلغ الناس في أعراضك‪ ،‬ولماذا ل تذهب‬
‫وتتزوج كما شرع ال‪ ،‬ول ترم أبنائك في فراش غيرك؛ لن الغريزة مخلوقة ل فل تجعل سلطان‬
‫الغريزة يأمر وينهى‪.‬‬
‫وهكذا نرى أن النفس تضم وتشمل الملكات والغرائز‪ ،‬ول يصح أن يعدي النسان غريزة إلى أمر‬
‫آخر؛ لنه إن عدى الشهوات فسدت الدنيا‪.‬‬
‫وعلى سبيل المثال نحن نستخدم الكهرباء التي تعطي لنا النور في حدود ما يرسم لنا مهندس‬
‫الكهرباء‪ ،‬الذي وضع القطب الموجب في مجاله وكذلك القطب السالب‪ ،‬بحيث نأخذ الضوء الذي‬
‫نريده أو تعطينا شرارة لنستخدمها كقوة لدارة آلة‪ ،‬لكن لو التقى القطب الموجب بالقطب السالب‬
‫على غير ما صنع المهندس لحدثت قفلة كهربائية تسبب حريقا أو فسادا‪.‬‬
‫وكذلك النفس البشرية‪ ،‬إن التقى الذكر مع النثى كما شرع ال فإن البشرية تسعد‪ ،‬وإن حدث غير‬
‫ذلك فالذي يحدث في المجتمع يصير حريقا نفسيا واجتماعيا ل حدود لثاره الضارة‪ ،‬وهكذا نرى‬
‫أن النفس ليس فيها دافع واحد بل فيها دوافع متعددة‪.‬‬
‫ونجد غريزة الجوع تحرك النفس إلى الطعام‪ ،‬ويستجيب الدين لذلك لكنه يوصي أن يأكل النسان‬
‫بشرط أل يتحول تناول الطعام إلى شره‪ ،‬كما جاء في الحديث‪ " :‬بحسب ابن آدم لقيمات يقمن‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫صلبه "‪.‬‬
‫فالطعام لبقاء النوع‪ .‬والنسان محب للستطلع‪ ،‬فيأمر السلم النسان بأن يستطلع أسباب ال في‬
‫الكون ليزيد من صلح الكون‪ ،‬وينهى السلم عن استخدام حب الستطلع في التجسس على‬
‫الناس‪ ،‬وهكذا تتوازن الملكات بمنهج السلم‪ ،‬وعلى المسلم أن يعايش ملكاته في ضوء منهج ال‬
‫معايشة سليمة حتى تكون النفس النسانية متساندة ل متعاندة‪ ،‬لتعيش كل الملكات في سلم‪،‬‬
‫ويؤدي كل جهاز مهمته كما أراد ال‪.‬‬
‫لكن المنافق يحيا مذبذبا وقد صنع بنفسه‪ ،‬فقد أرخى لبعض ملكاته العِنان على حساب ملكات‬
‫ك لَ إِلَىا هَـاؤُل ِء َولَ إِلَى هَـاؤُلءِ { إن الكافر يمتاز عن المنافق ‪-‬‬
‫أخرى } مّذَ ْبذَبِينَ بَيْنَ ذاِل َ‬
‫ظاهرا ‪ -‬بأنه منسجم مع نفسه‪ ،‬هو غير مؤمن بالسلم ويعلن ذلك ولكنه في حقيقة المر‬
‫يتصارع مع فطرته التي تدعوه إلى اليمان‪.‬‬
‫قد يقول قائل‪ :‬وكيف يتساوى الذي أظهر اليمان وأبطن الكفر مع الذي أعلن الكفر؟ ونقول‪:‬‬
‫الكافر لم يخدع الطائفة المؤمنة ولم يقل كالمنافق إنه مع الفئة المؤمنة وهو ليس معها؛ بل يعلن‬
‫الكافر كفره منسجما مع نفسه‪ ،‬لكن المنافق مذبذب خسيس في وضعه النساني والرجولي‪.‬‬
‫ك لَ إِلَىا هَـاؤُلءِ وَلَ إِلَى هَـاؤُل ِء َومَن ُيضِْللِ اللّهُ فَلَن َتجِدَ َلهُ سَبِيلً {‪.‬‬
‫} مّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذاِل َ‬
‫وال ل يضل عبدا بشكل مباشر؛ فسبحانه يُعلم خلقه أولً بالرسل والمنهج‪ ،‬لكنه يضل من يصر‬
‫على عدم اليمان‪ ،‬لذلك يتركه على ضللة وعماه‪ .‬صحيح أن في قدرة ال أن يأخذه إلى اليمان‬
‫قهرا‪ ،‬لكنه سبحانه يترك النسان لختياره‪.‬‬
‫فإن أقبل النسان على ال فسبحانه يعينه على الهداية‪ ،‬أما إن لم يقبل فليذهب إلى تيه الضلل‪.‬‬
‫ويزين له الدنيا ويعطيه منها لكنه لن يجد سبيلً؛ فسبيل ال واحد‪ .‬وليس هناك سبيلن‪.‬‬
‫ونذكر هذه الحكاية؛ لنعرف قيمة سبيل ال‪ .‬كان الصمعي ‪ -‬وهو مؤلف عربي له قيمة كبيرة ‪-‬‬
‫يملك أذنا أدبية تميل إلى الساليب الجميلة من الشعر والنثر‪ ،‬ووجد الصمعي إنسانا يقف أمام‬
‫باب الملتزم بالكعبة المشرفة‪ ،‬وكان الرجل يدعو ال دعاء حارا " يا رب‪ :‬أنا عاصيك‪ ،‬ولول أنني‬
‫عاصيك لما جئت أطلب منك المغفرة‪ ،‬فل إله إل أنت‪ ،‬كان يجب أن أخجل من معصيتك ولكن‬
‫ماذا أفعل "‪ .‬وأعجب الصمعي بالدعاء‪ ،‬فقال‪ :‬يا هذا إن ال يغفر لك لحسن مسألتك‪.‬‬
‫ومن بعد ذلك يقول الحق‪ } :‬يَا أَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ‪{ ...‬‬

‫(‪)630 /‬‬
‫جعَلُوا لِلّهِ عَلَ ْيكُمْ‬
‫يَا أَ ّيهَا الّذِينَ َآمَنُوا لَا تَتّخِذُوا ا ْلكَافِرِينَ َأوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ ا ْل ُم ْؤمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَ ْ‬
‫سُ ْلطَانًا مُبِينًا (‪)144‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لقد أخذ الحق على المنافقين أنهم يتخذون الكافرين أولياء من دون ال؛ وكذلك أخذ المؤمنون على‬
‫المنافقين أنهم اتخذوا من معسكر الكفر وليا لهم من دون ال ومن دون المؤمنين‪ ،‬ولهذا فأولى‬
‫بالمؤمنين أل يصنعوا ذلك‪ ،‬ويوضح سبحانه‪ :‬لقد أخذنا على المنافقين أنهم اتخذوا الكافرين أولياء‬
‫من دون ال‪ ،‬فإياكم أن تفعلوا مثلهم‪.‬‬
‫جعَلُواْ للّهِ عَلَ ْيكُمْ‬
‫{ يَا أَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ لَ تَتّخِذُواْ ا ْلكَافِرِينَ َأوْلِيَآءَ مِن دُونِ ا ْل ُم ْؤمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَ ْ‬
‫سُ ْلطَانا مّبِينا }‪.‬‬
‫وهذا أمر منطقي يستقيم مع منهج اليمان؛ لنكم إن فعلتم ذلك‪ .‬فإنما تقدمون الحجة ليعذبكم ال‪،‬‬
‫وتعلمون أن المنافق يعلن اليمان بلسانه ويخفي الكفر في قلبه‪ ،‬فكيف يكون وضع المؤمن مع‬
‫الكافر مثل وضع المنافق مع الكافر؟ ذلك أمر ل يستقيم‪ .‬ومن يفعل ذلك إنما يقدم حجة ل ليعذبه‪.‬‬
‫الحق سبحانه في إرساله للرسل وفي تأييد الرسل بالمعجزات وفي إرساله المناهج المستوفية‬
‫لتنظيم حركة النسان في الحياة‪ ،‬كل ذلك ليقطع الحجة على الناس حتى ل يقولن واحد‪ :‬أنت لم‬
‫تقل لنا يارب كيف نسير على منهج ما؛ لذلك لم يترك ‪ -‬سبحانه ‪ -‬النسان ليفكر بعقله ليصل‬
‫بفكره إلى وجود ال‪ ،‬ويكتشف أن هناك خالقا للكون‪ .‬لم يتركنا سبحانه لهذه الظنون‪ ،‬ولكنه أرسل‬
‫لنا الرسل بمنهج واضح‪ ،‬من أجل أل يكون للناس على ال حجة من بعد الرسل‪ ،‬فل يقولن واحد‪:‬‬
‫أنت لم تنبهني يارب‪ ،‬والجهل بالقانون في الشرع البشري ل يعفي النسان من العقوبة إن ارتكب‬
‫جرما‪ ،‬لكن ال ل يفعل ذلك؛ فهو أكرم على عباده من أنفسهم‪ ،‬لذلك يرسل الرسول ليحمل المنهج‬
‫حيّ عَن بَيّنَةٍ }[النفال‪]42 :‬‬
‫الذي يبين الحلل من الحرام‪ {:‬لّ َيهِْلكَ مَنْ هََلكَ عَن بَيّنَةٍ وَيَحْيَىا مَنْ َ‬
‫فل يقولن واحد‪ :‬لقد أخذنا ال على غرّة‪ .‬وأنتم أيها المؤمنون إن اتخذتم الكافرين أولياء من دون‬
‫المؤمنين وتقربتم إليهم ونصرتموهم فأنتم أكثر شرا من المنافقين؛ لن المنافق له أسبابه‪ ،‬وفي‬
‫أعماقه خيط من الكفر وخيط من اليمان‪ ،‬والحجة واضحة عليكم أيها المؤمنون؛ فقد أبلغكم الحق‬
‫المنهج وأعلنتم اليمان به‪ .‬فإن صنعتم غير ذلك تعطون الحق الحجة في أن يعذبكم‪.‬‬
‫جعَلُواْ للّهِ عَلَ ْيكُمْ سُلْطَانا مّبِينا } والسلطان المبين هو السلطان الواضح المحيط الذي‬
‫{ أَتُرِيدُونَ أَن تَ ْ‬
‫ل يستطيع أن يدفعه أحد‪ ،‬فإذا ما كانت هناك حجة‪ ،‬قد يستطيع النسان أن ينقضها‪ ،‬كالمحامي‬
‫أمام المحاكم‪ .‬لكن حجة ال هي سلطان مبين‪ .‬أي ل تنقض أبدا‪.‬‬
‫ومن بعد ذلك يقول الحق‪ { :‬إِنّ ا ْلمُنَافِقِينَ فِي‪} ...‬‬

‫(‪)631 /‬‬
‫جدَ َلهُمْ َنصِيرًا (‪)145‬‬
‫س َفلِ مِنَ النّا ِر وَلَنْ تَ ِ‬
‫إِنّ ا ْلمُنَا ِفقِينَ فِي الدّ ْركِ الْأَ ْ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ولنر دقة التربية اليمانية‪ .‬فلم يأت الحق بفصل في كتابه عن المنافقين يورد فيه كل ما يتعلق‬
‫بالمنافقين‪ ،‬ل‪ ،‬بل يأتي بلمحة عن المنافقين ثم يأتي بلقطة أخرى عن المؤمنين‪ ،‬حتى ينفّر السامع‬
‫سفَلِ مِنَ‬
‫ك الَ ْ‬
‫من وضع المنافق ويحببَه في صفات المؤمن‪ ،‬وهنا يقول‪ { :‬إِنّ ا ْلمُنَا ِفقِينَ فِي الدّ ْر ِ‬
‫جدَ َلهُمْ َنصِيرا }‪ .‬والدرك دائما في نزول‪ .‬والثر الصالح يميز لنا ذلك بالقول‪:‬‬
‫النّا ِر وَلَن تَ ِ‬
‫" النار دركات كما أن الجنة درجات "‪.‬‬
‫فالنزول إلى أسفل هو الدرك‪ ،‬والصعود إلى أعلى هو صعود الدرج‪ .‬وفي عصرنا نضع مستوى‬
‫سطح البحر كمقياس؛ لن اليابسة متعرجة‪ ،‬أما البحر فهو مستطرق‪.‬‬
‫ونستخدم في المر الدقيق ‪ -‬أيضا ‪ -‬ميزان المياه‪ ،‬وعندما تسقط المطار على الطرق تكشف لنا‬
‫عمل المقاول الذي رصف الطرق‪ ،‬هل أتقن هذا العمل أو ل؟ ونحن نلقي دلوا من المياه في‬
‫الحمام بعد تبليطه حتى ينكشف جودة أو رداءة عمل العامل‪ ،‬إذن هناك شيء يفضح شيئا آخر‪.‬‬
‫والقول المصري الشائع‪ " :‬إن الذي يقوم بعمل المحارة هو الذي يكشف عامل البناء "‪ .‬فلو أن‬
‫الحائط غير مستو؛ فعامل المحارة مضطر أن يسد الفجوات والميول حتى يستوي سطح الحائط‪..‬‬
‫والذي يكشف جودة عامل المحارة هو عامل طلء الحائط؛ لنه إما أن يستخدم المعجون بكثرة‬
‫ليمل المناطق غير المستوية في الحائط‪ ،‬وإما أن يجد المر سهل‪ .‬والذي يكشف جودة أو رداءة‬
‫عمل عامل الطلء هي أشياء طبيعية مثل الغبار‪ .‬والعامل الذي يريد أن يغش هو الذي يسرع‬
‫بتسليم البناء؛ لن الغبار الذي يوجد في الجو يمشي في خط مستقيم‪ ،‬وعندما يوجد جدار تم طلؤه‬
‫بمادة غير جيدة فالغبار يلتصق به وكأن ال قد أراد بذلك أن يفضح من ل يتقن عمله‪ ،‬وكل شيء‬
‫مرده إلى ال حتى يصل الخلق جميعا إلى الحق سبحانه مفضوحين‪ ،‬إل المؤمنين الذين يعملون‬
‫صالحا‪ ،‬فهؤلء يسترهم بعملهم الصالح‪.‬‬
‫جدَ َلهُمْ َنصِيرا }‪ .‬وسبحانه وتعالى سبق أن‬
‫س َفلِ مِنَ النّا ِر وَلَن تَ ِ‬
‫ك الَ ْ‬
‫{ إِنّ ا ْلمُنَافِقِينَ فِي الدّ ْر ِ‬
‫عرض لنا صورة المنافقين المهزوزة التي ل ثبات لها على رأي‪ ،‬ول وجود لها على لون يحترمه‬
‫ك لَ إِلَىا هَـاؤُل ِء َولَ إِلَى هَـاؤُلءِ }‬
‫المجتمع الذي يعيشون فيه فقال عنهم‪ {:‬مّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذاِل َ‬
‫[النساء‪]143 :‬‬
‫والذبذبة لون من أرجحة الشخصية التي ل يوجد لها مقوم ذاتي‪ .‬وسبحانه وتعالى حين عرضهم‬
‫هذا العرض المشوه‪ ،‬يوضح‪ :‬أن جزائي لهم حق يناسب ما فعلوه‪.‬‬
‫وقد هيأ الحق الذهان ليجعلها مستعدة لقبول الحكم الذي أنزله عليهم حتى ل تأخذ الناس شفقة‬
‫عليهم أو رحمة بهم‪،‬وسبحانه حين يحكم حكما فهو يضمن بقيوميته ووحدانيته أل يوجد منازع له‬
‫في الحكم‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وكان من الممكن أن يقول سأجعله في الدرك السفل من النار‪ .‬ولن توجد قوة أخرى تنتشل‬
‫جدَ َلهُمْ َنصِيرا { أي أنه حكم مشمول بالنفاذ‪ ،‬ولن‬
‫المنافق؛ لذلك أتبع الحق الحكم بقوله‪ } :‬وَلَن تَ ِ‬
‫يعدله أحد من خلق ال‪ ،‬فسبحانه له الملك وحده‪ ،‬وقد جعل سبحانه الملك في الدنيا لسباب الناس‬
‫حدِ ا ْل َقهّارِ }[غافر‪:‬‬
‫أيضا‪ ،‬أما في الخرة فل مِلك لحد ول مُلك لحد‪ّ {.‬لمَنِ ا ْلمُ ْلكُ الْ َيوْمَ لِلّهِ ا ْلوَا ِ‬
‫‪]16‬‬
‫وبعد ذلك يتيح الحق لقوام من المنافقين أن يعدلوا رأيهم في المسألة وأن يعلنوا إيمانهم وأن‬
‫يتوبوا عما فعلوه ‪ -‬أتاح لهم أن يراجعوا أنفسهم ويحاسبوها فلم يغلق الباب دونهم بل قال‪ِ } :‬إلّ‬
‫الّذِينَ تَابُواْ‪{ ...‬‬

‫(‪)632 /‬‬
‫سوْفَ ُي ْؤتِ اللّهُ‬
‫ن وَ َ‬
‫صمُوا بِاللّهِ وَأَخَْلصُوا دِي َنهُمْ لِلّهِ فَأُولَ ِئكَ مَعَ ا ْل ُم ْؤمِنِي َ‬
‫إِلّا الّذِينَ تَابُوا وََأصْلَحُوا وَاعْ َت َ‬
‫عظِيمًا (‪)146‬‬
‫ا ْل ُم ْؤمِنِينَ َأجْرًا َ‬

‫إذن فمن الممكن أن توجد فتحة خير قد تدفع النسان إلى التوبة‪ ،‬وحتى ل يظن أحد أن الحكم هنا‬
‫نهائي‪ ،‬وذلك حتى ل يفقد النسان نفسه ويتورط في مزيد من الشرور؛ لذلك قال‪ِ { :‬إلّ الّذِينَ تَابُواْ‬
‫} أي تاب عن نفاقه الول‪ ،‬وإذا ما كان قد ترتب على نفاقه السابق إفساد فل بد أن يصلح ما‬
‫أفسده ويعتصم بال و ُيخْلِص ل نيّ ًة وعملً‪ِ { .‬إلّ الّذِينَ تَابُواْ وََأصْلَحُواْ وَاعْ َتصَمُواْ بِاللّهِ وَأَخَْلصُواْ‬
‫دِي َنهُمْ للّهِ }‪ .‬إذن فشروط النجاة من الدرك السفل من النار هي التوبة‪ ،‬وإصلح ما أفسد‪،‬‬
‫والعتصام بال‪ ،‬وإخلص دينه ل‪.‬‬
‫والتوبة هنا إقلع عن النفاق‪ ،‬وأل يترك المنافق الفساد الذي صنعه نفاقه بل عليه أن يحاول جاهدا‬
‫أن يصلح ما أفسده بهذا النفاق‪ .‬والعتصام بال كيف يكون؟‬
‫لقد عرفنا من قبل أنهم كانوا يفعلون ذلك لبتغاء العزة عند الكافرين‪ ..‬أي أن نفس المنافق تطمئن‬
‫إلى هؤلء الكافرين فيفزع إليهم ويعتز بشدتهم وبصلبتهم؛ لذلك يوضح ال‪ :‬تنزعوا هذه الفكرة‬
‫من رءوسكم وليكن اعتصامكم بال وحده لنه ل يُجِير أحد على ال‪ ،‬واجعلوا العزة والمرجع إليه‬
‫وحده‪.‬‬
‫والملحظ أن الذي يتوب ويصلح ويعتصم بال يكون قد استوفى أركان اليقين اليماني بال‪ ،‬لكن‬
‫الحق يقول‪ { :‬وَأَخَْلصُواْ دِي َنهُمْ للّهِ } فلماذا أكد على الخلص هنا؟ لن تدبير النفاق كان ينبع من‬
‫قلوبهم أول‪ .‬ونعلم أن القلب قد يذنب‪ ،‬فذنب الجارحة أن تعتدي‪ ،‬مثال ذلك العين تذنب حين تعتدي‬
‫على محارم الخرين‪ ،‬واللسان يذنب إن تعرض بالسب أو الشتم للناس‪ .‬إذن‪ .‬فكل جارحة لها‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫مجال معصية‪ ،‬وهنا مجال معصية القلب هو النفاق وهو المر المستور‪ .‬إذن فقوله الحق‪:‬‬
‫{ وََأخَْلصُواْ دِي َنهُمْ للّهِ } جاء ليؤكد ضرورة الخلص في التوبة عن النفاق‪ ،‬والخلص محله‬
‫القلب‪.‬‬
‫فكأن توبة القلوب غير توبة الجوارح‪ ،‬فتوبة الجوارح تكون بأن تكف الجوارح عن مجال‬
‫معاصيها‪ .‬أما توبة القلب فهو أن يكف عن مجال نفاقه بأن يخلص‪ .‬وبذلك أثبت الحق مزية‬
‫المؤمنين الذين لم ينغمسوا في النفاق‪ .‬وجعل التائبين من المنافقين مع المؤمنين‪ ،‬فكأن الصل في‬
‫س ْوفَ ُي ْؤتِ‬
‫التنعيم وفي نيل الجزاء العظيم هو الوجود مع المؤمنين‪ { .‬فَُأوْلَـا ِئكَ مَعَ ا ْل ُم ْؤمِنِينَ وَ َ‬
‫اللّهُ ا ْل ُمؤْمِنِينَ َأجْرا عَظِيما }‪.‬‬
‫ومن هنا نعلم أن الجر العظيم يكون للمؤمنين‪ .‬ومن يوجد مع المؤمنين ينال الجر نفسه‪ .‬وقد‬
‫جعل الحق الجزاء من جنس العمل‪ .‬وكان المنافقون ينافقون ليأخذوا من المؤمنين ظواهر السلم‬
‫كصون المال والدماء وليعتبرهم الجميع ظاهريا وشكليا من المسلمين‪ ،‬وهم حين نافقوا المسلمين‬
‫أعطاهم المسلمون ما عندهم‪ .‬وعندما تابوا وأصلحوا واعتصموا بال وأخلصوا الدين ل جعلهم ال‬
‫مع المؤمنين‪ ،‬ويعطي سبحانه لهل اليمان أجرا عظيما‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ { :‬مّا َي ْف َعلُ اللّهُ‪} ...‬‬

‫(‪)633 /‬‬
‫شكَرْتُ ْم وَ َآمَنْ ُت ْم َوكَانَ اللّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (‪)147‬‬
‫مَا َي ْفعَلُ اللّهُ ِبعَذَا ِبكُمْ إِنْ َ‬

‫وسبحانه قد أوضح من قبل أن المنافقين في الدرك السفل من النار‪ ،‬واستثنى منهم من تاب‬
‫وأصلح واعتصم بال وأخلص‪ ،‬ويتحدث هنا عن فكرة العذاب نفسها‪ ،‬ليجليها فيقول‪ { :‬مّا َي ْفعَلُ‬
‫اللّهُ ِب َعذَا ِبكُمْ } وهذا استفهام‪ ،‬والستفهام أصلً سؤال من سائل يتطلب جوابا من مجيب‪ .‬وسبحانه‬
‫وتعالى يريد أن يعرض قضية موثوقا بها فهو ل يأتي بها خبرا‪ ،‬فهو القادر على أن يقول‪ :‬أنا ل‬
‫أفعل بعذابي لكم ول أحقق لذاتي من ورائه شيئا‪ ،‬فل استجلب به لي نفعا ول أدفع به عني ضرا‪.‬‬
‫لكنه هنا ل يأتي بهذه القضية كخبر من عنده‪ ،‬بل يجعل المنافقين يقولونها‪ .‬مثال ذلك ‪ -‬ول المثل‬
‫العلى ‪ -‬يقول واحد لخر‪ :‬أنت أهنتني‪ .‬ومن الجائز أن يرد الخر‪ :‬أنا لم أهنك‪ .‬وأقسم لك أنني‬
‫ما أهنتك‪ .‬وقد يضيف‪ :‬ابغني شاهدا‪ .‬وهنا نجد مراحل المسألة تبدأ بالبلغ عن عدم الهانة‪ ،‬ثم‬
‫القسم بأن الهانة لم تحدث‪ ،‬ومن بعد ذلك طلب شاهدا على أن الهانة المزعومة قد حدثت‪.‬‬
‫وقد يقول النسان ردا على من يتهمه بالهانة‪ :‬أنا أترك لك هذه المسألة‪ ،‬فماذا قلت لك حتى‬
‫تعتبره إهانة؟ ومن يقول ذلك واثق أن من شعر بالهانة لو أدار رأسه وفكره فلن يجد كلمة واحدة‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫تحمل في طياتها شبهة الهانة‪.‬‬
‫ولو كان النسان واثقا من أنه أهان الخر‪ ،‬فهو يخاف أن يقيم الخر دليل على صحة اتهامه له‪،‬‬
‫ولكن حين يقول له‪ :‬وماذا قلت لك حتى تعتبر ذلك إهانة؟‪ .‬فعليه أن يبحث ولن يجد‪ .‬وبذلك يكون‬
‫الحكم قد صدر منه هو‪.‬‬
‫وإذا كان ال يقول‪ { :‬مّا َي ْفعَلُ اللّهُ ِبعَذَا ِبكُمْ } فهذا خطاب لجماعة كانت ستتعذب‪ .‬وكانت فيهم‬
‫محادة ل‪ .‬ورضي ال شهادتهم‪ ،‬فكأن هذه لفتة على أن العاصي يستحق العذاب بنص الية‪ { :‬مّا‬
‫َي ْفعَلُ اللّهُ ِبعَذَا ِبكُمْ } ‪ ،‬ومستعد لهذا العذاب لنه محاد ل‪ .‬ولكن ال يقبل منه ومن أمثاله أن‬
‫يشهدوا‪ .‬وهذا دليل على أن اليمان الفطري في النفس البشرية‪ ،‬فإذا ما حزبها واشتد عليها المر‬
‫لم تجد إل منطق اليمان‪.‬‬
‫ويوضح الحق للمنافقين‪ :‬ماذا أفعل أنا بعذابكم؟ فلن يجدوا سببا خاصا بال ليعذبهم‪ ،‬فكأن الفطرة‬
‫الطبيعية قد استيقظت فيهم؛ لنهم سيديرون المسألة في نفوسهم‪.‬‬
‫وعلى مستوانا نحن البشر نرى أن الذي يدفع النسان ليعذب إنسانا آخر إنما يحدث ذلك ليشفي‬
‫غيظ قلبه‪ ،‬أو ليثأر منه؛ لنه قد آلمه فيريد أن يرد هذا اليلم‪ .‬أو ليمنع ضرره عنه‪ .‬وال سبحانه‬
‫وتعالى ل يمكن أن يكون في أي موقع من هذه المواقع‪ .‬فإذا أدار المنافقون هذه المسألة فطريا‬
‫بدون إيمان فلن يكون جوابهم إل التي‪ :‬لن يفعل ال بعذابنا شيئا‪ ،‬إن شكرنا وآمنا‪.‬‬
‫ونستخلص من ذلك أن الحق سبحانه وتعالى حين يريد عرض قضية يثبت فيها الحكم من الخصم‬
‫نفسه‪ ،‬يلقيها على هيئة سؤال‪ .‬وكان من الممكن أن يجري هذه المسألة خبرا‪ ،‬إل أن الخبر هو‬
‫شهادة من ال لنفسه‪ ،‬أما السؤال فستكون إجابته اقرارا من المقابل‪ .‬وهذا يعمي أنهم كانوا عاصين‬
‫ومخالفين‪ .‬وكأنه سبحانه قد ائتمنهم على هذا الجواب؛ لن الجواب أمر فطري ل مندوحة عنه‪.‬‬
‫وحين يدير الكافر رأسه ليظن بال ما ل يليق‪ ،‬فلن يجد مثل هذا الظن أبدا‪.‬‬
‫شكَرْتُ ْم وَآمَنْتُ ْم َوكَانَ اللّهُ شَاكِرا عَلِيما {‪ .‬وإن لم يشكروا ولم يؤمنوا فما‬
‫} مّا َي ْف َعلُ اللّهُ ِبعَذَا ِبكُمْ إِن َ‬
‫الذي يناله الحق من عذابهم؟ ونعلم أن عظمة الحق أنه ل يوجد شي من طاعة يعود إلى ال بنفع‪،‬‬
‫ول يوجد شيء من معصية يعود إلى ال بالضرر‪ .‬ولكنه يعتبر النفع والضرر عائدين على خلق‬
‫ال ل على ال ‪ -‬سبحانه ‪.-‬‬
‫وسبحانه يريدنا طائعين حتى نحقق السلمة في المجتمع‪ ،‬سلمة البشر بعضهم من بعض‪ .‬إذن‬
‫فالمسألة التي يريدها الحق‪ ،‬ل يريدها لنفسه‪ ،‬فهو قبل أن يخلق الخلق موجود وبكل صفات الكمال‬
‫له‪ ،‬وبصفات الكمال أوجد الخلق‪ .‬وإيجاد الخلق لن يزيد معه شيئا‪ ،‬ولذلك قال في الحديث القدسي‪:‬‬
‫" يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وانسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك‬
‫في ملكي شيئا‪ ،‬يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وانسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا‪ ،‬يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وانسكم وجنكم قاموا في صعيد‬
‫واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي شيئا إل كما يُنقص المخيط إذا‬
‫أدخل البحر‪." ..‬‬
‫إذن فالطاعة بالنسبة ل والمعصية بالنسبة ل‪ ،‬إنما لشيء يعود على خلق ال‪ .‬ولننظر إلى الرحمة‬
‫من الحق سبحانه وتعالى الذي خلق خلقا ثم حمى الخلق من الخلق‪ ،‬واعتبر سبحانه أن من يحسن‬
‫معاملة المخلوق مثله فهو طائع ل‪ ،‬ويحبه ال لنه أحسن إلى صنعة ال‪.‬‬
‫شكَرْتُ ْم وَآمَنْتُمْ { فإن تشكروا وتؤمنوا فلن يفعل ال بعذابكم شيئا‪ ..‬أي‬
‫} مّا َي ْف َعلُ اللّهُ ِبعَذَا ِبكُمْ إِن َ‬
‫فقد أبعدتم أنفسكم عن استحقاق العذاب‪.‬‬
‫وسبحانه يريد أن يعدل مزاج المجتمع وتفاعلت أفراده مع بعضهم بعضا‪ ،‬وذلك حتى يكون‬
‫المجتمع ذا بقاء ونماء وتعايش‪ .‬ونعلم أن لكل إنسان سمة وموهبة‪ ،‬وهذه الموهبة يريدها المجتمع‪.‬‬
‫فمن الجائز أن يكون لنسان ما أرض ويريد أن يقيم عليها بناء‪ ،‬وصاحب الرض ليس مفترضا‬
‫فيه أن يدرس الهندسة أولً حتى يصمم البناء ورسومه‪ ،‬وليس مفترضا فيه أن يتقن حرفة البناء‬
‫ليبني البيت‪ ،‬وكذلك ليس مفروضا فيه أن يتعلم حرفة الطلء والكهرباء وغيرهما‪.‬‬
‫وكذلك ليس من المفروض فيمن يريد ارتداء جلباب أن يتعلم جز الصوف من الغنم أو غزل‬
‫القطن وكيف ينسجه وكيف يقوم بتفصيله وحياكته من بعد ذلك‪ ،‬ل‪ ،‬ل بد أن يكون لكل إنسان‬
‫عمل ما ينفع الناس‪ .‬إذن فلكل إنسان عمل ينفع الناس به حتى يتحقق الستطراق النفعي‪ ،‬ولن‬
‫كلّ منا يحتاج إلى الخر فل بد من إطار التعايش السلمي في الحياة‪ .‬ل أن يكون العراك هو‬
‫أساس كل شيء؛ لن العراك يضعف القوة ويذهب بها سدى‪ ،‬وسبحانه يريد كل قوى المجتمع‬
‫شكَرْتُ ْم وَآمَنْ ُتمْ {‪ .‬أما إن لم تشكروا‬
‫متساندة ل متعاندة‪ ،‬ولذلك قال‪ } :‬مّا َي ْفعَلُ اللّهُ ِبعَذَا ِبكُمْ إِن َ‬
‫وتؤمنوا‪ ،‬فعذابكم تأديب لكم‪ ،‬ل يعود على ال بشيء‪.‬‬
‫ولماذا وضع الحق الشكر مع اليمان؟ لنعرف أولً ما الشكر؟ الشكر‪ :‬هو إسداء ثناء إلى المنعم‬
‫ممن نالته نعمتهُ‪ ،‬فتوجيه الشكر يعني أن تقول لمن أسدى لك معروفا‪ " :‬كثر خيرك " ‪ ،‬وما‬
‫اليمان؟ إنه اليقين بأن ال واحد‪.‬‬
‫لكن ما الذي يسبق الخر‪ .‬الشكر أو اليمان؟ إن اليمان بالذات جاء بعد النتفاع بالنعمة‪ ،‬فعندما‬
‫جاء النسان إلى الكون وجد الكون منظما‪ ،‬ولم يقل له أحد أي شيء عن أي دين أو خالق‪ .‬أل‬
‫تهفو نفس هذا النسان إلى الستشراف إلى معرفة من صنع له هذا الكون؟‬
‫وعندما يأتي رسول‪ ،‬فالرسول يقول للنسان‪ :‬أنت تبحث عن القوة التي صنعت لك كل هذا الكون‬
‫الذي يحيط بك‪ ،‬إن اسمها ال‪ ،‬ومطلوبها أن تسير على هذا المنهج‪ .‬هنا يكون اليمان قد وقع‬
‫موقعه من النعمة‪ .‬فالشكر يكون أولً‪ ،‬وبعد ذلك يوجد اليمان‪ ،‬فالشكر عرفان إجمالي‪ ،‬واليمان‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫عرفان تفصيلي‪ .‬والشكر متعلق بالنعمة‪ .‬واليمان متعلق بالذات التي وهبت النعمة‪.‬‬
‫شكَرْتُ ْم وَآمَنْتُ ْم َوكَانَ اللّهُ شَاكِرا عَلِيما { والحق سبحانه يوضح لنا‪ :‬أنا‬
‫} مّا َي ْف َعلُ اللّهُ ِبعَذَا ِبكُمْ إِن َ‬
‫الله واهب النعمة أشكركم‪ .‬كيف يكون ذلك؟‬
‫لنضرب هذا المثل ‪ -‬ول المثل العلى ‪ -‬أنت اشتريت لبنك بعضا من اللعب‪ ،‬ولم تفعل ذلك إل‬
‫بعد ان استوفيت ضرورات الحياة‪ ،‬فل أحد يأتي باللعب لبنه وهو لم يأت له بطعام أو ملبس‪.‬‬
‫إذن فأنت تأتي لبنك باللعب بعد الطعام والملبس ليمل وقت فراغه‪ ،‬وهذا يعني أن الضرورات قد‬
‫اكتملت‪ .‬وحين تقول لبنك‪ :‬إن هذه اللعبة للعب فقط‪ ،‬ستأخذها ساعة تحب أن تلعب‪ ،‬وتضعها في‬
‫مكانها وقت أن تذاكر‪ ،‬فكل شيء هنا في هذا المنزل له مهمة يجب أن يؤديها‪ .‬وهذا يعني إنك‬
‫كوالد تريد أن تؤدب ابنك حتى يلعب بلعبته وقت اللعب ول يلعب بأي شيء غيرها في المنزل؛‬
‫لنه لو لعب بكل شيء في المنزل فل بد من أن يكسر شيئا‪ ،‬فل مجال للعب في التليفزيون أو في‬
‫الساعة أو الثلجة أو الغسالة حتى ل تتعطل تلك الجهزة‪.‬‬
‫وأنت كوالد تريد أن تفرق بين شيء يلعب به وشيء يُجد به‪ .‬وأشياء الجد ل توجد إل عند طلبها‬
‫فقط؛ فالغسّالة ل تستخدم إل ساعة غسل الملبس‪ ،‬والساعة ل نستخدمها إل لحظة أن نرغب في‬
‫معرفة الوقت‪ .‬والثلجة ل تفتحها إل ساعة تريد أن تستخرج شيئا تأكله أو تشربه‪ ،‬والوالد يأتي‬
‫للبن بقليل اللعب ليضع له حدا بين الشياء التي يمكنه أن يلعب بعا وبين الشياء التي ل يصح‬
‫أن يلعب بها‪ ،‬فأشياء المنزل يجب أل يقرب منها البن إل وقت استعمالها‪ .‬لكن بالنسبة للعبة‬
‫فالبن يلعب بها عندما يحين وقت اللعب‪ ،‬لكن عليه أن يحافظ عليها‪ .‬وعندما يرقب الوالد ابنه‪،‬‬
‫ويجده منفذا للتعليمات‪ ،‬ويحافظ على حاجات المنزل‪ ،‬ويلعب بلعبه محافظا عليها‪ .‬وإن لم ُيعَلّم‬
‫الب ابنه ذلك فقد يفسد البن لعبه‪.‬‬
‫وحين يقوم البن بتنفيذ تعليمات أبيه فالب يرضى عنه ويسعد به‪ .‬وعندما تخرج لعبة جديدة في‬
‫السوق فالب الراضي عن ابنه يشتري له هذه اللعبة الجديدة؛ لن الولد صار مأمونا؛ لنه يعرف‬
‫قواعد اللعب مع المحافظة على أداة اللعب‪ .‬ويعرف أيضا كيف يحافظ على حاجات المنزل‪.‬‬
‫ويزداد رضاء الب عن تصرفات البن‪ .‬وينشأ عن هذا الرضاء أن يشتري الب لعبا جديدة‪ .‬فإذا‬
‫كان ذلك هو ما يحدث في العلقة ما بين الب والبن‪ ،‬وهما مخلوقان ل‪ ،‬فما بالنا بالخالق العلى‬
‫سبحانه وتعالى الذي أوجد كل المخلوقات؟‬
‫إن النسان حين يضع كل المسائل في ضوء منهج ال‪ ،‬فال شاكر وعليم؛ لن ال يرضى عن‬
‫العبد الذي يسير على منهجه‪ ،‬وعندما يرضى الرب عن العبد فهو يعطي له زيادة‪ .‬فال شاكر‬
‫بمعنى أن البشر إن أحسنوا استقبال النعمة بوضع كل نعمة في مجالها فل تتعدى نعمة جادة‪ ،‬على‬
‫نعمة هازلة ول نعمة هازلة على نعمة جادة‪ ،‬فال يرضى عن العباد‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ومعنى رضاء ال أن يعطي البشر أشياء ليست من الضرورات فقط ولكن ما فوق ذلك‪ .‬فسبحانه‬
‫يعطي الضرورات للكل حتى الكافر‪ .‬ويعطي سبحانه ما فوق الضرورات وهي أشياء تسعد‬
‫البشر‪.‬‬
‫إذن فمعنى أن ال شاكر‪ ..‬أي أن سبحانه وتعالى راض‪ .‬ويثيب نتيجة لذلك ويعطي النسان من‬
‫شكَرْتُمْ لَزِيدَ ّنكُمْ }[إبراهيم‪]7 :‬‬
‫جنس الشياء ويسمو عطاؤه‪ ،‬مصداقا لقوله الحق‪ {:‬لَئِن َ‬
‫فالشكر هنا موجه من العبد للرب‪ ،‬والزيادة من الرب إلى العبد‪ .‬وإياك أيها النسان أن تصنع‬
‫الشياء شكليا‪ ،‬مثل الطفل الذي يصون لعبته لحظة أن يرى الب‪ .‬ومن فور أن يختفي الب أمام‬
‫عيني الطفل فهو يفسد اللعبة‪ ،‬وال ليس كالب أبدا‪ ،‬فالب قدراته محدودة‪ ،‬ولكن ال هو الخالق‬
‫العلى الذي ل تخفى عليه خافية أبدا وسبحانه شاكر‪ ،‬وهو أيضا عليم‪.‬‬
‫جهْرَ‪{ ...‬‬
‫حبّ اللّهُ ا ْل َ‬
‫ومن بعد ذلك يقول الحق سبحانه‪ } :‬لّ ُي ِ‬

‫(‪)634 /‬‬
‫سمِيعًا عَلِيمًا (‪)148‬‬
‫جهْرَ بِالسّوءِ مِنَ ا ْل َق ْولِ إِلّا مَنْ ظُِل َم َوكَانَ اللّهُ َ‬
‫حبّ اللّهُ ا ْل َ‬
‫لَا يُ ِ‬

‫إنه سبحانه وتعالى يريد أن يحمي آذان المجتمع اليماني من " قالت السوء "‪ ..‬أي من اللفاظ‬
‫الرديئة؛ لننا نعلم أن الناس إنما تتكلم بما تسمع‪ ،‬فاللفظ الذي ل تسمعه الذن ل تجد لسانا يتكلم‬
‫به‪ ،‬ونجد الطفل الذي نشأ في بيت مهذب ل ينطق ألفاظا قبيحة‪ ،‬وبعد ذلك تجيء على لسانه ألفاظ‬
‫قبيحة وحينئذ نتساءل‪ :‬من أين جاءت هذه اللفاظ على لسان هذا البن؟ ونعرف أنها جاءت من‬
‫الشارع؛ لن البيئة الدائمة للطفل ليس بها ألفاظ رديئة‪ ،‬وعندما يتقصى النسان عن مصدر هذه‬
‫اللفاظ‪ ،‬يعرف أن الطفل المهذب قضى بعضا من الوقت في بيئة أخرى تسربت إليه منها بعض‬
‫اللفاظ الرديئة‪.‬‬
‫إذن فاللغة هي بنت المحاكاة‪ .‬وما تسمعه الذن يحكيه اللسان‪ .‬ونعلم أن اللغة ليست جنسا وليست‬
‫دما‪ ،‬بمعنى أن الطفل النجليزي لو نشأ في بيئة عربية‪ ،‬فهو يتحدث العربية‪ .‬ولو أخذنا طفل‬
‫عربيا ووضعناه في بيئة إنجليزية فسيتكلم النجليزية‪.‬‬
‫واللغة الواحدة فيها ألفاظ ل يتكلم بها لسان إل إن سمعها‪ ،‬وإن لم يسمعها النسان فلن ينطق بها‪.‬‬
‫والحق سبحانه وتعالى يريد أن يحمي المجتمع اليماني من قالت السوء التي تطرق آذان الناس‬
‫لنها ستعطيهم لغة رديئة؛ لن الناس إن تكلمت بقالت السوء‪ ،‬فسيكون شكل المجتمع غريبا‪،‬‬
‫وتتردد فيه قالت سوء في آذان السوء‪ ،‬فكأن الحق سبحانه يوضح‪ :‬إياكم أن تنطق ألسنتكم بأشياء‬
‫ل يحبها ال‪ ،‬فليست المسألة أن يريد النسان نفسه فقط بنطق كلمة‪ ،‬ولكن نطق هذه الكلمة‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫سيرهق أجيالً؛ لن من يسمع الكلمة الرديئة سيرددها‪ ،‬وسيسمعها غيره فيرددها‪ ،‬وتتوالى القدوة‬
‫السيئة‪ .‬ويتحمل الوزر النسان الذي نطق بكلمة السوء أولً‪.‬‬
‫وقالت السوء هذه قد تكون بالحق وقد تكون بالباطل‪ ،‬فإن كانت في الحق مثل فلن نستطيع أن‬
‫نقول‪ :‬إن كل الناس أهل سوء‪ .‬وقد يبتدئ إنسان آخر بسباب‪ ،‬ويجوز أن يدعي إنسان على آخر‬
‫سبابا‪ .‬إذن فالحق سبحانه وتعالى يريد أن يحمي الذان اليمانية من ألسنة السوء‪ ،‬لذلك يقول‪ { :‬لّ‬
‫جهْرَ بِالسّوءِ مِنَ ا ْل َقوْل } ومقابلها بالطبع هو‪ :‬أن ال يحب الجهر بالحسن من القول‪.‬‬
‫حبّ اللّهُ الْ َ‬
‫يُ ِ‬
‫وساعة يحبك الحق المجتمع هذه الحبكة اليمانية‪ ،‬أيعالج ملكة على حساب ملكة أخرى؟‪ .‬ل‪.‬‬
‫ونعلم أن النفس فيها حب النتقام وحب الدفاع عن النفس وحب الثأر وما يروح به عن نفسه‬
‫ويخفف ما يجده من الغيظ‪ .‬والمثل العربي يقول‪ " :‬من اسْ ُت ْغضِب ولم يغضب فهو حمار "؛ لن‬
‫الذي يُستغضب ول يغضب يكون ناقص التكوين‪ ،‬فهل معنى ذلك أن ال يمتع الناس من قول كلمة‬
‫سوء ينفث بها النسان عن صدره ويريح بها نفسه؟ ل‪ ،‬لكنه ‪ -‬سبحانه ‪ -‬يضع شرطا لكلمة‬
‫السوء هو‪ِ { :‬إلّ مَن ظُِلمَ }؛ لن الظلم هو أخذ حق من إنسان لغيره‪.‬‬
‫وكل إنسان حريص على نفسه وعلى حقوقه‪ .‬فإن وقع ظلم على إنسان فملكات نفسه تغضب‬
‫وتفور‪ ،‬فإما أن ينفث بما يقول عن نفسه‪ ،‬وإما أن يكبت ويكتم ذلك‪.‬‬
‫جهْرَ بِالسّوءِ مِنَ ا ْل َق ْولِ { واكتفى بذلك‪ ،‬لكان كبتا للنفس البشرية‪.‬‬
‫حبّ اللّهُ ا ْل َ‬
‫فإن قال ال‪ } :‬لّ يُ ِ‬
‫وعملية الكبت هذه وإن كانت طاعة لمر ال لنه ل يحب الجهر بالسوء من القول‪ ،‬ولكن قد‬
‫ينفلت الكبت عند النفعال‪ ،‬وينفجر؛ لذلك يضع الحق الشرط وهو وقوع ظلم‪ .‬فيوضح سبحانه‪ :‬أنا‬
‫ل أحب الجهر بالسوء من القول‪ ،‬وأسمح به في حدوده المنفثة عن غيظ القلوب؛ لني ل أحب أن‬
‫أصلح ملكة على حساب ملكة أخرى‪ .‬ولذلك كان رسول ال صلى ال عليه وسلم يقول‪:‬‬
‫" إن الغضب جمرة توقد في القلب ألم تروا إلى انتفاخ أوداجه وحمرة عينيه فإذا وجد أحدكم من‬
‫ذلك شيئا فإن كان قائما فليجلس‪ ،‬وإن كان جالسا فلينم فإن لم يزُل ذلك فليتوضأ بالماء البارد أو‬
‫يغتسل فإن النار ل يطفئها إل الماء "‪.‬‬
‫أي أن يتحرك النسان من فور إحساسه بالغضب؛ فيغير من وضعه أو يقوم إلى الصلة بعد أن‬
‫يتوضأ أو يغتسل؛ لنه بذلك ينفث تنفيثا حركيا ليخفف من ضغط المواجيد على النفس الفاعلة؛‬
‫تماما كما يفك إنسان صماما عن آلة بها بخار ليخرج بعض البخار‪.‬‬
‫إذن فمن وقع عليه ظلم له أن يجهر بالسوء‪ .‬والجهر له فائدتان‪ :‬الولى‪ :‬أن ينفث النسان عن‬
‫نفسه فل يكبت‪ ،‬وثانيا‪ :‬أنه أشاع وأعلن أن‪ :‬هذا إنسان ظالم‪ ،‬وبذلك يحتاط الناس في تعاملهم‬
‫معه‪ .‬وحتى ل يخدع إنسان نفسه ويظن بمنجاة عن سيئاته‪ ،‬فلو ستر كل إنسان الظلم الذي وقع‬
‫عليه لستشرى الظلم في عمل السيئات‪ .‬ولكن إياك أن تتوسع أيها العبد في فهم معنى كلمة " ظلم‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫" هذه؛ لن الذي ينالك ممن ظلمك إما فعل وإما قول‪ .‬وعليك أيها المسلم أن تقيس المر بمقياس‬
‫دقيق على قدر ما وقع عليك من ظلم‪َ {.‬فمَنِ اعْتَدَىا عَلَ ْيكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ ِبمِ ْثلِ مَا اعْ َتدَىا عَلَ ْيكُمْ }‬
‫[البقرة‪]194 :‬‬
‫إذن فالحق سبحانه وتعالى ل يعطينا في الستثناء إل على قدر الضرورة‪ .‬ويوضح‪ :‬إياكم أن‬
‫تزيدوا على هذه الضرورة‪ ،‬فإن كان ظلمكم بقول فأنا السميع‪ .‬وإنْ كان ظلمكم بفعل فأنا العليم‪،‬‬
‫فل يتزيد واحد عن حدود اللياقة‪.‬‬
‫وبذلك يضع الحق الضوابط اليمانية والنفسية فأزاح الكبت وفي الوقت نفسه لم يقفل باب الطموح‬
‫اليماني‪ .‬لقد سمح للعبد أن يجهر إن وقع عليه ظلم‪ .‬لكن إن امتلك النسانُ الطموحَ اليماني‬
‫فيمكنه أل يجهر وأن يعفو‪ .‬إذن فهناك فارق بين أمر يضعه الحق في يد النسان‪ ،‬وأمر يلزمه به‬
‫قسرا وإكراها عليه؛ فمن ناحية الجهر‪ ،‬جعل سبحانه المسألة في يد النسان‪ ،‬ويحب سبحانه أن‬
‫يعفو النسان؛ لن المبادئ القرآنية يتساند بعضها مع بعض‪.‬‬
‫حمِيمٌ }[فصلت‪]34 :‬‬
‫عدَا َوةٌ كَأَنّ ُه وَِليّ َ‬
‫ك وَبَيْنَهُ َ‬
‫حسَنُ فَإِذَا الّذِي بَيْ َن َ‬
‫وسبحانه يقول‪ {:‬ا ْدفَعْ بِالّتِي ِهيَ أَ ْ‬
‫فإن أباح ال لك أن تجهر بالسوء من القول إذا ظلمك أحدٌ‪ ،‬فقد جعل لك ألّ تجهر بل تعفو عنه‪،‬‬
‫وغالب الظن أن صاحب السوء يستخزى ويعرف أن هناك أناسا أكرم منه في الخلق‪ ،‬ول يتعب‬
‫إنسانٌ إل أن يرى إنسانا خيرا منه في شيء‪ .‬وعندما يرى الظَالمُ أن المظلوم قد عفا فقد تنفجر في‬
‫نفسه الرغبة أن يكون أفضل منه‪.‬‬
‫إذن فالمبدأ اليماني‪ } :‬ا ْدفَعْ بِالّتِي ِهيَ َأحْسَنُ { جعله ال مجالً محبوبا ولم يجعله قسرا؛ لنك إن‬
‫أعطيت النسان حقه‪ ،‬ثم جعلت لريحيته أن يتنازل عن الحق فهذا إرضاء للكل‪ .‬وهكذا ينمي‬
‫الحق الريحية اليمانية في النفس البشرية؛ لنه لو جعلها قسرا لصلح ملكة على حساب ملكة‬
‫أخرى‪ .‬ولذلك إذا رأيت إنسانا قد اعتدى على إنسان آخر‪ ،‬فدفع النسان المعتدى عليه بالتي هي‬
‫أحسن وعفا وأصلح فقد ينصلح حال المعتدي‪ ،‬وسبحانه القائل‪ } :‬ا ْدفَعْ بِالّتِي ِهيَ َأحْسَنُ فَإِذَا الّذِي‬
‫حمِيمٌ {‪.‬‬
‫ك وَبَيْنَهُ عَدَا َوةٌ كَأَنّ ُه وَِليّ َ‬
‫بَيْ َن َ‬
‫فإذا تمادى من بعد ذلك فعلى النسان أن يعرف أن ال ل يكذب أبدا‪ ،‬ول بد أن الخلل في سلوكك‬
‫يا من تظن أنك دفعت بالتي هي أحسن‪.‬‬
‫قد يكون الذي دفع بالتي هي أحسن قد قال بلهجة من التعالي‪ :‬سأعفو عنك‪ ،‬ومثل هذا السلوك‬
‫المتكبر ل يجعل أحدا وليّا حميمًا‪ .‬لكن إن دفع حقيقة بالتي هي أحسن تواضعا وسماحة‪ ،‬فل بد أن‬
‫حمِيمٌ {‪ .‬والتفاعلت النفسية‬
‫ك وَبَيْنَهُ عَدَا َوةٌ كَأَنّ ُه وَِليّ َ‬
‫يصير المر إلى ما قاله ال‪ } :‬فَِإذَا الّذِي بَيْ َن َ‬
‫المتقابلة يضعها ال في إطارات واضحة وسبحانه القائل‪َ {:‬فمَنِ اعْتَدَىا عَلَ ْي ُكمْ فَاعْتَدُواْ عَلَ ْيهِ ِبمِ ْثلِ‬
‫مَا اعْتَدَىا عَلَ ْي ُكمْ }[البقرة‪]194 :‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وذلك حتى ل يستشرى المعتدي أيضا‪ ،‬فهناك إنسان إذا تركناه مرة ومرة‪ .‬يستشرى‪ ،‬لكن إذا ما‬
‫أوقفناه عند حده فهو يسكت‪ ،‬وبذلك نرحم المجتمع من استشراء الفساد‪ .‬ويُصعب الحق المسألة في‬
‫رد العتداء‪.‬‬
‫ويثور سؤال‪ :‬من القادر على تحقيق المثلية بعدالة؟‪ .‬ونجد على سبيل المثال إنسانا ضرب إنسانا‬
‫آخر صفعة على الوجه‪ ،‬فبأية قوة دفعٍ قد ضرب؟ وفي أي مكان ضرب؟ ولذلك نجد أن رد‬
‫العدوان على درجة المثلية المتساوية أمر صعب‪ .‬ومادام المأمور به أن أعتدى بمثل ما اعتدى به‬
‫علي؛ ولن أستطيع تحقيق المثلية‪ ،‬ولربما زاد المر على المثلية؛ وبعد أن كنت المعتدَى عليه‬
‫صرت المعتدِي‪ ،‬بذلك يكون العفو أقرب وأسلم‪.‬‬
‫والعمليات الشعورية التي تنتاب النسان في التفاعلت المتقابلة يكون لها مواجيد في النفس تدفع‬
‫إلى النزوع‪.‬‬
‫والعملية النزوعية هي رد الفعل لما تدركه‪ ،‬فإن آذاك إنسان وأتعبك واعتدى عليك فأنت تبذل‬
‫جهدًا لتكظم الغيظ‪ ،‬أي أن تحبس الغيظ على شدة‪ .‬فالغيظ يكون موجودا‪ ،‬ولكن المطلوب أن يمنع‬
‫النسان الحركة النزوعية فقط‪ .‬وعلى المغتاظ أن يمنع نفسه من النزوع‪ ،‬وإن بقي الغيظ في‬
‫ظمِينَ ا ْلغَيْظَ }[آل عمران‪]134 :‬‬
‫القلب‪ {.‬وَا ْلكَا ِ‬
‫هذه مرحلة أولى تتبعها مرحلة ثانية هي‪ {:‬وَا ْلعَافِينَ عَنِ النّاسِ }[آل عمران‪]134 :‬‬
‫فإذا كان المطلوب في المرحلة الولى منع العمل النزوعي‪ ،‬فالرقى من ذلك أن تعفو‪ ،‬والعفو هو‬
‫أن تخرج المسألة التي تغيظك من قلبك‪ .‬وإن كنت تطلب مرحلة أرقى في كظم الغيظ والعفو‬
‫فأحسن إليه؛ لن من يرتكب العمال المخالفة هو المريض إيمانيا‪ .‬وعندما ترى مريضا في بدنه‬
‫فأنت تعاونه وتساعده وإن كان عدوا لك‪ .‬وتتناسى عدواته؛ فما بالنا بالمصاب في قيمه؟ إنه يحتاج‬
‫منا إلى كظم الغيظ‪ ،‬أو العفو كدرجة أرقى‪ ،‬أو الحسان إليه كمرحلة أكثر علوا في الرتقاء‪.‬‬
‫إذن فالحق سبحانه وتعالى يبيح أن تعتدي بالمثل‪ ،‬ثم يفسح المجال لنكظم الغيظ فل نعتدي ولكن‬
‫يظل السبب في القلب‪ ،‬ثم يرتقي بنا مرحلة أخرى إلى العفو وأن نخرج المسألة من قلوبنا‪ ،‬ثم‬
‫حسِنِينَ { ‪ ،‬ومن فينا غير راغب في حب ال؟‬
‫حبّ ا ْلمُ ْ‬
‫يترقى ارتقاء آخر‪ ،‬فيقول سبحانه‪ } :‬وَاللّهُ يُ ِ‬
‫وهكذا نرى أن الدين السلمي يأمر بأن يحسن المؤمن إلى من أساء إليه‪.‬‬
‫وقد يتساءل إنسان‪ :‬كيف تطلب مني أن أحسن إلى من أساء إلي؟ والرد‪ :‬أنت وهو لستما بمعزل‬
‫عن القيوم؛ فهو قيوم ول تأخذه سنة ول نوم‪ ،‬وكل شيء مرئي له وكلكما صنعة ال‪ ،‬وعندما‬
‫يرى ال واحدا من صنعته يعتدي عليك أو يسيء إليك فسبحانه يكون معك ويجيرك‪ ،‬ويقف إلى‬
‫جانبك لنك المعتدَى عليه‪ .‬إذن فالساءة من الخر تجعل الحق سبحانه في جانبك‪ ،‬وتكون تلك‬
‫الساءة في جوهرها هدية لك‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وعندما نفلسف كل المسائل نجد أن الذي عفا قد أخذ مما لو كان قد انتقم وثأر لنفسه؛ لنه إن انتقم‬
‫سيفعل ذلك بقدرته المحدودة‪ ،‬وحين يعفو فهو يجعل المسألة ل وقدرته سبحانه غير محدودة‪ ،‬إن‬
‫أراد أن يرد عليه‪ ،‬وبعطاء غير محدود إن أراد أن يرضى المعتدي عليه‪ .‬هذا هو الحق سبحانه‬
‫وتعالى عندما يلجأ إليه المظلوم العافي المحسن‪ .‬وهو السميع العليم بكل شيء‪ .‬ويقول الحق من‬
‫بعد ذلك‪ } :‬إِن تُ ْبدُواْ خَيْرا‪{ ...‬‬

‫(‪)635 /‬‬
‫ع ُفوّا قَدِيرًا (‪)149‬‬
‫خفُوهُ َأوْ َتعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنّ اللّهَ كَانَ َ‬
‫إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا َأوْ تُ ْ‬

‫لقد عرفنا أن الحق ل يسمح لك بالجهر بالسوء من القول إل إذا كنت مظلوما‪ .‬وهذا يعني أن‬
‫المسألة تحتمل الجهر وتحتمل الخفاء‪ ،‬فقال‪ { :‬إِن تُ ْبدُواْ خَيْرا } أي إن تظهر الخير‪ ،‬أو تخفي‬
‫ذلك‪ ،‬أو تعفو عن السوء‪ .‬وكل هذه المور من ظاهر وخفي من الغيار البشرية‪ ،‬لكن شيئا ل‬
‫يخفى على ال‪ .‬ول يمكن أن يكون للعفو مزية إيمانية إل إذا كان مصحوبا بقدرة‪ ،‬فإن كان عاجزا‬
‫لما قال‪ :‬عفوت‪ .‬وسبحانه يعفو مع القدرة‪ .‬فإن أردت أن تعفو فلتتخلق بأخلق منهج ال‪ ،‬فيكون‬
‫لك العفو مع القدرة‪ .‬ولنا أن نعلم أن الحق ل يريد منا أن نستخزي أو نستذل ولكن يريد منا أن‬
‫نكون قادرين‪ ،‬ومادمنا قادرين فالعفو يكون عن قدرة وهذه هي المزية اليمانية؛ لن عفو العاجز‬
‫ل يعتبر عفوا‪.‬‬
‫والناس تنظر إلى العاجز الذي يقول‪ :‬إنه عفا ‪ -‬وهو على غير قدرة ‪ -‬تراه أنه استخزى‪ .‬أما من‬
‫أراد أن يتخلق بأخلق منهج ال فليأخذ من عطاءات ال في الكون‪ ،‬ليكون قادرا وعزيزا بحيث‬
‫عفُوّا قَدِيرا }‪.‬‬
‫إن ناله سوء‪ ،‬فهو يعفو عن قدرة { فَإِنّ اللّهَ كَانَ َ‬
‫وقلنا من قبل‪ :‬إنك إذا لمحت كلمة " كان " على نسبة ل سبحانه وتعالى كنسبة الغفران له أو‬
‫الرحمة‪ ،‬فعلينا أن نقول‪ :‬كان ول يزال؛ لن الفعل مع ال ينحل عن الزمان الماضي وعن‬
‫الحاضر وعن المستقبل؛ فهو سبحانه مادام قد كان‪ ،‬وهو ل تناله الغيار‪ ،‬فهو يظل إلى البد‪.‬‬
‫ويقول الحق بعد ذلك‪ { :‬إِنّ الّذِينَ َي ْكفُرُونَ‪} ...‬‬

‫(‪)636 /‬‬
‫إِنّ الّذِينَ َي ْكفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِ ِه وَيُرِيدُونَ أَنْ ُيفَ ّرقُوا بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِ ِه وَ َيقُولُونَ ُن ْؤمِنُ بِ َب ْعضٍ وَ َن ْكفُرُ‬
‫خذُوا بَيْنَ ذَِلكَ سَبِيلًا (‪)150‬‬
‫بِ َب ْعضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتّ ِ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وسبحانه يريد أن يجعل من قضية اليمان قضية كلية واحدة ل أبعاض فيها‪ ،‬فليس إعلن اليمان‬
‫بال وحده كافيا لن يكون النسان مؤمنا؛ لن مقتضى أن تؤمن بال يحتاج إلى رسول يعرفك أن‬
‫الخالق هو الذي سخر لك قوى الكون واسمه ال‪ .‬وأنت ل تهتدي إلى معرفة اسم القوة الخالقة لك‬
‫إل بوساطة رسول منزل من عند ال‪.‬‬
‫ونعرف أن عمل العقل في الستنباط العقدي عاجز عن معرفة اسم خالق الكون؛ لن النسان قد‬
‫طرأ على كون منظم‪ ،‬وكان من الواجب عليه أن يلتفت لفتة ليعلم القوة التي سبقت هذا الوجود‬
‫وخلقته وأن النسان قد طرأ على وجود متكامل‪ .‬وقد يسمع النسان من أبيه ‪ -‬مثلً ‪ -‬أن هذا‬
‫البيت بناه الب أو الجد‪ ،‬وذلك الشيء فعله فلن ابن فلن‪ .‬لكن لم يسمع أحدا يقول له‪ " :‬ومن‬
‫بنى السماء؟ " ولم يسمع أحدا يقول‪ " :‬ومن خلق الشمس؟ " ‪ ،‬مع أن الناس تدعي ما ليس لها‪،‬‬
‫فكيف يُترك أعظم ما في كون ال بدون أن نعرف من أوجده؟‪.‬‬
‫إننا نجد الناس تؤرخ للشيء التافه أو المهم نسبيا في حياتهم‪ ،‬نجد دراسات عن تاريخ أحجار‪،‬‬
‫ودراسات عن تاريخ صناعة الشياء؛ تاريخ المصباح الكهربي الذي اخترعه اديسون وقام بتوليد‬
‫الكهرباء من مصادر ضئيلة ويسيره‪ ،‬باختصار‪ ،‬نجد أن كل شيء في هذا الوجود له تاريخ‪ ،‬وهذا‬
‫التاريخ يرجع بالشيء إلى أصل وجوده‪ .‬وأنت إن نسبت أي صنعة مهما كانت مهمة أو تافهة‬
‫نكتشف أن واحدا تلقاها عن واحد‪ ،‬ولم يبتكرها هو دفعة واحدة‪.‬‬
‫إن كل مبتكر أخذ ما انتهى إليه سابقه وبدأ عملً جديدا إلى أن وصلت المخترعات بميلدها‪ ،‬ومن‬
‫يصدق أن مصباحا يُضيء وينطفئ ويحترق يضنعه إنسان ونعرف له تاريخا‪ ،‬وبعد ذلك ننظر‬
‫إلى الشمس التي لم تخفت ولم تضعف ولم تنطفئ ولم تحترق‪ ،‬والمصباح ينير حيزا قليل يسيرا‪،‬‬
‫والشمس تنير كونا ووجودا‪ ،‬أل تحتاج الشمس إلى من يفكر في تاريخها؟‬
‫لقد سبق لنا أن قلنا‪ :‬إن النسان حينما ينظر إلى الكون نظرة بعيدة عن فكرة الدين وبعيدا عن‬
‫بلغ الرسل عن الخالق وكيفية الخلق ومنهج الهداية‪ ،‬فهو يقول لنفسه‪ :‬تختلف مقادير الناس‬
‫باختلف مراكزها وقوتها فيما يفعلون‪ ،‬هناك من يجلس على كرسي من شجر الجميز‪ .‬وآخر على‬
‫كرسي مصنوع من شجر الورد‪ ،‬وثالث يجلس على حصيرة‪.‬‬
‫إن النسان يعيش بصناعات غيره من البشر حسب قدره ومكانته؛ فالريفي أو البدوي يشعل النار‬
‫بصك حديدة بحجر الصوان ويحتفظ بالنار لمدة يستخدمها لكثر من مرة‪ ،‬وعندما يرتقي في‬
‫استخدام النار يستخدم " مسرجة " ‪ ،‬ولمّا ازداد تحضرا استخدم " مصباح جاز " بزجاج ولها أرقام‬
‫تدل على قدرتها على الضاءة‪.‬‬
‫فهناك مصباح رقم خمسة‪ ،‬ورقمها دليل على قوتها الخافتة‪ ،‬وتتضاعف قوة " المصباح " من بعد‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ذلك حسب المساحة المطلوب إنارتها‪ .‬ولمّا ارتقى النسان أكثر استخدم " الكلوب "‪ .‬ولمّا ارتقى‬
‫أكثر استخدم الكهرباء أو النيون أو الطاقة الشمسية‪ ،‬فإذا ما أشرقت الشمس فكل إنسان يطفئ‬
‫الضوء الذي يستخدمه‪ ،‬فنورها يغني عن أي نور‪ .‬وفي الليل يحاول النسان أن تكون حالة‬
‫الكهرباء في منزله جيدة خشية أن ينقطع سلك ما فيظلم المكان‪ .‬فما بالنا بالشمس التي ل يحدث‬
‫لها مثل ذلك‪.‬‬
‫إننا نجد النسان على مر التاريخ يحاول أن يرقى إلى فهم طلقة قدرة الحق‪ ،‬وإن لم يأت رسول‪،‬‬
‫أما أسماء القدرة الخالقة فل يعرفها أحد بالعقل بل بوساطة الرسل‪ .‬فاسم " ال " اسم توقيفي‪.‬‬
‫فكيف يتأتى ‪ -‬إذن ‪ -‬مثل قول هؤلء‪ :‬سنؤمن بال ونكفر برسله؟ كيف عرفوا ‪ -‬إذن ‪ -‬أن القوة‬
‫التي سيؤمنون بها اسمها ال؟ ل بد أنهم قد عرفوا ذلك من خلل رسول؛ لن اليمان بال إنما‬
‫يأتي بعد بلغ عن ال لرسول ليقول اسمه لمن يؤمن به‪.‬‬
‫وهل اليمان بال كقوة خفية قوية مبهمة وعظيمة يكفي؟ أو أن النسان ل بد له أن يفكر فيما‬
‫تطلبه منه هذه القوة؟ وإذا كانت هذه القوة تطلب من النسان أن يسير على منهج معين‪ ،‬فمن الذي‬
‫يبلغ هذا المنهج؟‬
‫ل بد إذن من الرسول يبلغنا اسم القوة الخالقة ومطلوبها من النسان للسير على المنهج‪ ،‬ويشرح‬
‫لنا كيفية طاعة هذه القوة‪ .‬فل أحد ‪ -‬إذن ‪ -‬يستطيع أن يفصل اليمان بال عن الرسول‪ ،‬وإل كان‬
‫إيمانا بقوة مبهمة‪ .‬ول يجترئ صاحب هذا اللون من اليمان أن يقول‪ :‬إن اسم هذه القوة " ال "؛‬
‫لن هذا السم يحتاج إلى بلغ من رسول‪.‬‬
‫إذن فعندما يسمع أحدنا إنسانا يقول‪ :‬أنا أؤمن بال ولكن ل أؤمن بالرسل‪ :‬علينا أن نقول له‪ :‬هذا‬
‫أول الزلل العقلي؛ لن اليمان بال يقتضي اليمان ببلغ جاء به رسول؛ لن اليمان بال ل‬
‫ينفصل عن اليمان بالرسول‪.‬‬
‫والحق سبحانه وتعالى خلق آدم بعد أن خلق الكون وبقية المخلوقات‪ ،‬ول نجد من يدعي أن آدم‬
‫هو أول من عمر هذا الوجود‪.‬وما آدم في منطق العقل واحد ولكنه عند القياس أوادمومن الممكن‬
‫أن نقول‪ :‬إن هناك خلقا كثيرا قد سبقوا آدم في الوجود‪ ،‬ولكن آدم هو أول الجنس البشري‪.‬‬
‫وعندما خلقه ال علمه السماء كلها حتى يستطيع أن يسير في الوجود‪ ،‬فلو لم يكن قد تعلم السماء‬
‫لما استطاع أن يتحدث مع ولد من أولده‪ ،‬ولما استطاع ‪ -‬على سبيل المثال ‪ -‬أن يقول لبن من‬
‫أبنائه‪ :‬انظر أاشرقت الشمس أم ل؟‬
‫إذن كان ل بد لدم من معرفة السماء كلها من خلل معلم؛ لن اللغة بنت المحاكاة؛ لن أحدا ل‬
‫يستطيع أن يتكلم كلمة إل بعد أن يكون قد سمعها‪.‬‬
‫والواحد منا سمع من أبيه‪ ،‬والباء سمعوا من الجداد‪ ،‬وتتوالى المسألة إلى أن تصل إلى آدم‪،‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فممن سمع آدم حتى يتكلم أول كلمة؟ ل بد أنه ال‪ ،‬وهذه مسألة يجب أن يعترف بها كل إنسان‬
‫سمَآءَ كُّلهَا }[البقرة‪]31 :‬‬
‫عاقل‪ .‬إذن قول الحق في قرآنه‪ {:‬وَعَلّمَ ءَادَ َم الَ ْ‬
‫هو كلم منطقي بالحصاء الستقرائي‪ ،‬وهو قول يتميز بمنتهى الصدق‪.‬‬
‫والنسان منا عندما يعلم ابنه الكلم يعلمه السماء‪ .‬أما الفعال فل أحد يعرف كيف تعلمها‪.‬‬
‫النسان يقول لبنه‪ :‬هذا كوب‪ ،‬وهذه منضدة‪ ،‬وذلك طبق‪ ،‬وهذا طعام‪ ،‬لكن ل أحد يقول لبنه‪" :‬‬
‫شرب " معناها كذا‪ ،‬و " أكل " معناها كذا‪ .‬إذن فالخميرة الولى للكلم هي السماء‪ ،‬وبعد ذلك‬
‫تأتي المزاولت والممارسات ليتعلم النسان الفعال‪.‬‬
‫لقد ترك الحق لنا في كونه أدلة عظيمة تناسب عظمته كخالق لهذا الكون‪ .‬والرسول هو الذي يأتي‬
‫بالبلغ عنه سبحانه‪ ،‬فيقول لنا اسم القوة‪ " :‬ال " ‪ ،‬وصفاتها هي " كذا " ‪ ،‬ومن يطعها يدخل‬
‫الجنة‪ ،‬ومن يعصها يدخل النار‪ ،‬ولو لم يوجد رسول نظل تائهين ول نعرف اسم القوة الخالقة ول‬
‫نعرف مطلوبها‪ ،‬وهذا ما يرد به على الجماعة التي تعبد الشمس أو تعبد القمر أو النجوم ونقول‬
‫لهم‪ :‬هل أنتم تعبدون الشمس؟ لعلكم فعلتم ذلك لنها أكبر قوة في نظركم‪.‬‬
‫لكن هناك سؤال هو‪ " :‬ما العبادة "؟ الجابة هي‪ :‬العبادة طاعة عابد لمعبود‪ ،‬فماذا طلبت منكم‬
‫الشمس أن تفعلوه وماذا نهتكم ومنعتكم الشمس أل تفعلوه؟ ويعترف عبدة الشمس‪ :‬لم تطلب‬
‫الشمس منا شيئا‪ .‬وعلى ذلك فعبادتهم للشمس ل أساس لها؛ لنها لم تحدد منهجا لعبادتها‪ ،‬ول‬
‫تستطيع أن تعد شيئا لمن عبدها‪ ،‬فإله بل منهج ل قيمة له‪ .‬وهكذا نرى أن عبادة أي قوة غير ال‬
‫هي عبادة تحمل تكذيبها‪ ،‬واليمان بال ل ينفصل أبدا عن اليمان بالقوة المبلغة عن ال إنها‬
‫الرسل‪.‬‬
‫ويشرح الرسول لنا كيف يتصل بهذه القوة اللهية‪ ،‬وتشرح القوة اللهية لنا كيفية اتصاله بالرسول‬
‫البشري بوساطة خلق آخر خلقته هذه القوة المطلقة؛ لن الرسول من البشر‪ ،‬والبشر ل يستطيع أن‬
‫يتلقى عن القوة الفاعلة الكبرى‪ .‬ونحن نفعل مثل هذه الشياء في صناعتنا‪ .‬ونعلم أن النسان‬
‫عندما يريد أن ينام ل يرغب في وجود ضوء في أثناء نومه‪ ،‬فيتخذ الليل سكنا ويتمتع بالظلمة‪،‬‬
‫لكن إن استيقظ في الليل فهو يخاف أن يسير في منزله بدون ضوء حتى ل يصطدم بشيء‪ ،‬لذلك‬
‫يوقد مصباحا صغيرا في قوة الشمعة الصغيرة ليعطي نفسه الضوء‪ ،‬ونسميها " الوناسة "‪.‬‬
‫ول نستطيع توصيل هذا المصباح الصغير بالكهرباء مباشرة‪ ،‬وإنما نقوم بتركيب محول صغير‬
‫يأخذ من القوة الكهربية العالية ويعطى للمصباح الصغير‪ ،‬فما بالنا بقوة القوى؟‬
‫إن ال جعل خلقا آخر هم الملئكة ليكونوا واسطة بينه وبين رسله‪ .‬وهؤلء الرسل أعدهم سبحانه‬
‫إعدادا خاصا لتلقي هذه المهمة‪ .‬إذن فالذين يريدون أن يؤمنوا بال ثم يكفروا برسله نقول لهم‪ :‬ل‪،‬‬
‫هذا إيمان ناقص‪ .‬ووضع الحق سبحانه وتعالى اليمان بالرسل كلهم في صيغة جمع حتى ل تفهم‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫كل أمة أن رسولها فقط هو الرسول المنزل من عند ال‪ ،‬بل ل بد أن تؤمن كل أمة بالرسل كلهم؛‬
‫لن كل رسول إنما جاء على ميعاده من متطلبات المجتمع الذي يعاصره‪ ،‬وكلهم جاءوا بعقائد‬
‫واحدة‪ ،‬فلم يأت رسول بعقيدة مخالفة لعقيدة الرسول الخر؛ وإن اختلفوا في الوسائل والمسائل‬
‫التي تترتب عليها الرتقاءات الحياتية‪ .‬وقد خلق الحق أولً سيدنا آدم وخلق منه زوجته حواء‪،‬‬
‫اثنين فقط ثم قال سبحانه‪ {:‬وَ َبثّ مِ ْن ُهمَا ِرجَالً كَثِيرا وَنِسَآءً }[النساء‪]1 :‬‬
‫كان الثنان يعيشان معا وأنجبا عددا من البناء‪ ،‬وتناسل البناء فصار مطلوبا لكل أسرة من‬
‫البناء بيتا‪ ،‬وكل بيت فيه أسرة يحتاج إلى رقعة من الرض ليستخرج منها أفراد السرة خيرات‬
‫تكفي الطعام‪ .‬وكل فرد يحتاج على القل إلى نصف فدان ليستخرج منه حاجته للطعام‪ .‬وكلما كثر‬
‫النسل اتسعت رقعة الوجود بالمواصلت البدائية‪ ،‬فهذا إنسان ضاقت به منطقته فرحل إلى منطقة‬
‫أخرى فيها مطر أكثر ليستفيد منه أو خير أكثر يستخرجه‪ .‬وتنتشر الجماعات وتنعزل‪ .‬وصارت‬
‫لكل جماعة عادات وتقاليد وأمراض ومعايب غير موجودة في الجماعة الخرى‪ .‬ولذلك ينزل‬
‫الحق سبحانه وتعالى رسولً إلى كل جماعة ليعالج الداءات في كل بيئة على حدة‪ .‬وسخر الحق‬
‫سبحانه وتعالى بعض العقول لكتشافات الكون‪ ،‬وبعد ذلك يصبح الكون قطعة واحدة‪ ،‬فالحدث‬
‫يحدث في أمريكا لنراه في اللحظة نفسها في مصر‪ .‬وزادت الرتقاءات‪ .‬ولذلك كادت العادات‬
‫السيئة تكون واحدة في المجتمع النساني كله‪ ،‬فتظهر السيئة في أمريكا أو ألمانيا لنجدها في‬
‫مجتمعنا‪ .‬إذن فالرتقاءات الطموحية جعلت العالم وحدة واحدة‪ :‬آفاته واحدة‪ ،‬وعاداته واحدة‪.‬‬
‫وعندما يأتي الرسول الواحد يشملهم كلهم‪.‬‬
‫ولذلك كان ل بد أن يأتي الرسول الخاتم الجامع صلى ال عليه وسلم؛ لن العالم لم يعد منعزلً‪،‬‬
‫ليخاطب الجمع كله‪ ،‬وهو خير الرسل‪ ،‬وأمته خير المم إن اتبعت تعاليمه‪ .‬ومن ضرورة إيمان‬
‫رسول ال والذين معه أن يؤمنوا بمن سبق من الرسل‪ .‬والذين يحاولون أن يفرقوا بين الرسل هم‬
‫قوم ل يفقهون‪ .،‬فاليهود آمنوا بموسى عليه السلم وأرهقوه وكفروا بعيسى‪ .‬وعندما جاء عيسى‬
‫عليه السلم آمن به بعض‪ ،‬وعندما جاء محمد صلى ال عليه وسلم آمن به بعض وكفر به بعض‪.‬‬
‫ولذلك سمى الحق كفرهم بالنبي الخاتم‪( :‬ثم ازدادوا كفرا)‪ .‬أي أنه كفر في القمة‪ ،‬فلن يأتي نبي‬
‫من بعد ذلك‪ .‬واكتمل به صلى ال عليه وسلم موكب الرسالت‪.‬‬
‫إذن فالمراد من الية أن اليمان فيه إيمان قمة‪ ،‬تؤمن بقوة لكنك ل تعرف اسم هذه القوة ول‬
‫مطلوبات هذه القوة ول ما ادته القوة من ثواب للمطيع ول من عقاب للعاصي‪ .‬ولذلك كان ول بد‬
‫أن يوجد رسول؛ لن العقل يقود إلى ضرورة اليمان بال والرسل‪ .‬وجاء الرسل في موكب واحد‬
‫لتصفية العقيدة اليمانية للله واحد‪ ،‬فل يقولن واحد‪ :‬لقد آمنت بهذا الرسول وكفرت ببقية الرسل‪.‬‬
‫والية التي نحن بصددها الن تتعرض لذلك فتقول‪ {:‬إِنّ الّذِينَ َيكْفُرُونَ بِاللّ ِه وَرُسُِل ِه وَيُرِيدُونَ أَن‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫خذُواْ بَيْنَ ذاِلكَ سَبِيلً }‬
‫ض وَ َنكْفُرُ بِ َب ْعضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتّ ِ‬
‫ُيفَ ّرقُواْ بَيْنَ اللّ ِه وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ ُن ْؤمِنُ بِ َب ْع ٍ‬
‫[النساء‪]150 :‬‬
‫ونحن نعلم أن " كفر " معناها " ستر "‪ .‬والستر ‪ -‬كما نعلم ‪ -‬يقتضي شيئا تستره‪ ،‬والشيء الذي‬
‫يتم ستره موجود قبل الستر ل بعد الستر‪ .‬والذي يكفر بوجود ال هو من يستر وجود ال؛ فكأن‬
‫وجود ال قد سبق الكفر به‪ .‬إذن فكلمة الكفر بال دليل على وجود ال‪ .‬ونقول للكافر‪ :‬ماذا سترت‬
‫بكفرك؟ وستكون إجابته هي‪ " :‬ال "‪ .‬أي أنه آمن بال أولً‪.‬‬
‫} إِنّ الّذِينَ َي ْكفُرُونَ بِاللّ ِه وَرُسُِل ِه وَيُرِيدُونَ أَن ُيفَ ّرقُواْ بَيْنَ اللّ ِه وَرُسُِلهِ { هم الحمقى؛ لن هذا أمر‬
‫غير ممكن‪ ،‬وكل رسول إنما جاء ليصل المرسل إليهم بمن أرسله‪ .‬ولذلك نجد قوله الحق‪َ {:‬ومَا‬
‫َن َقمُواْ ِإلّ أَنْ أَغْنَا ُهمُ اللّ ُه وَرَسُولُهُ مِن َفضْلِهِ }[التوبة‪]74 :‬‬
‫إنه حدث واحد من ال ورسوله‪ .‬لذلك نجد أن الحمقى هم من يريدون أن يفرقوا بين ال ورسله‪} :‬‬
‫ض وَ َنكْفُرُ بِ َب ْعضٍ { لهؤلء نقول‪ :‬إن اليمان قضية كلية‪ ،‬فموكب الرسالة من‬
‫وَيقُولُونَ ُن ْؤمِنُ بِ َب ْع ٍ‬
‫الحق سبحانه وتعالى يتضمن عقائد واحدة ثابتة ل تتغير‪ .‬والحق يقول‪ {:‬إِنّآ َأوْحَيْنَآ إِلَ ْيكَ َكمَآ َأوْحَيْنَآ‬
‫إِلَىا نُوحٍ }[النساء‪]163 :‬‬
‫وهذا يؤكد أن قضايا العقائد إنما جاءت من نبع واحد لعقيدة واحدة‪ .‬فماذا ‪ -‬إذن ‪ -‬يريدون بمسألة‬
‫اليمان ببعض الرسل والكفر بالبعض الخر؟ يريدون السلطة الزمنية‪ .‬وكان القائمون على أمر‬
‫الدين قديما هم الذين يتصرفون في كل أمر‪ ،‬في القضاء وفي الهندسة وفي كل شيء‪ ،‬لذلك وثق‬
‫فيهم الناس على أساس أنهم المبلغون عن ال الذين ورثوا النبوات وعرفوا العلم عن ال‪ .‬ونجد‬
‫العلوم الرتقائية في الحضارات القديمة كحضارة قدماء المصريين كالتحنيط وغيرها تلك التي‬
‫مازالت إلى الن لغزا‪ ،‬إنما قام بأمرها الكهنة‪ ،‬وهم ‪ -‬كما نعلم ‪ -‬المنسوبون إلى الدين‪ .‬كأن‬
‫الصل في كل معلومات الرض هي من هبة السماء‪.‬‬
‫لماذا إذن أخرج البشر وسنّوا قوانين من وضعهم؟ لقد فعل البشر ذلك لن السلطة الزمنية استولى‬
‫عليها رجال الدين‪.‬‬
‫ما معنى كلمة " سلطة زمنية "‪ .‬كان الناس يلجأون إلى رجل الدين في كل أمورهم‪ ،‬ويفاجأ رجل‬
‫الدين بأنه المقصود من كل البشر‪ ،‬ويغمره الناس بأفضالهم ويعطونه مثل القرابين التي كانت‬
‫تعطى لللهة‪ ،‬فيعيش في وضع مرفّه هو وأهله ويزداد سمنة من كثرة الطعام والمتعة‪ .‬وعندما‬
‫يأتي إليه أحد في مسألة فهو يحاول أن يقول الرأي الذي يؤكد به سلطته الزمنية‪ ،‬فإذا ما جاء‬
‫رسول ليلغي هذه المتيازات‪ ،‬يسرع بتكذيبه؛ ليظل ‪ -‬كرجل كهنوت ‪ -‬على قمة السلطة‪ .‬ولذلك‬
‫قال فيهم الحق‪ {:‬اشْتَ َروْاْ بِآيَاتِ اللّهِ َثمَنا قَلِيلً }[التوبة‪]9 :‬‬
‫أي استبدلوا بآيات ال ثمنا قليل من متاع الدنيا‪ .‬فأخذوا الشيء الحقير من متاع الدنيا وتركوا آيات‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ال دون أن يعملوا بها‪.‬‬
‫وعندما نبحث في تاريخ القانون‪ .‬نجد قانونا إنجليزيا وآخر فرنسيا أو رومانيا‪ ،‬ونجد أن المصادر‬
‫الولى لهذه القوانين هي ما كان يحكم به الكهنة‪ .‬والذي جعل الناس تنعزل عن الكهنة هو‬
‫استغللهم للسلطة الزمنية‪ .‬والتفت البشر الذين عاصروا هؤلء الكهنة أن الواحد منهم يقضي في‬
‫قضية بحكم‪ ،‬ثم يقضي في مثيلتها بحكم مخالف‪ ،‬ويغير من حكمه لقاء ما يأخذ من أجر‪ ،‬فتشكك‬
‫فيهم الناس‪ ،‬وعرفوا أنهم يلوون الحكام حسب أهوائهم؛ لذلك ترك الناس حكم الكهنة‪ ،‬ووضعوا‬
‫هم القوانين المناسبة لهم‪.‬‬
‫إذن فالسلطة الزمنية هي التي جعلت من أتباع بعض الرسل يتعصبون لرسلهم‪ .‬فإذا ما جاء‬
‫رسول آخر‪ ،‬فإن أصحاب السلطة الزمنية يقاومون اليمان برسالته حتى ل يأخذ منهم السلطة‬
‫الزمنية‪ .‬ولذلك يعادونه؛ لن الصل في كل رسول أن يبلغ أتباعه والذين آمنوا به‪ ،‬أنه إذا جاء‬
‫رسول من عند ال فعليكم أن تسارعوا أنتم إلى اليمان به‪ {.‬وَإِذْ َأخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النّبِيّيْنَ َلمَآ آتَيْ ُتكُم‬
‫خذْتُمْ‬
‫ح ْكمَةٍ ثُمّ جَآ َءكُمْ رَسُولٌ ّمصَدّقٌ ّلمَا َم َعكُمْ لَ ُت ْؤمِنُنّ بِ ِه وَلَتَنصُرُنّهُ قَالَ أََأقْرَرْ ُت ْم وَأَ َ‬
‫مّن كِتَابٍ َو ِ‬
‫شهَدُو ْا وَأَنَاْ َم َعكُمْ مّنَ الشّاهِدِينَ }[آل عمران‪]81 :‬‬
‫عَلَىا ذاِل ُكمْ ِإصْرِي قَالُواْ َأقْرَرْنَا قَالَ فَا ْ‬
‫وهكذا أخذ ال الميثاق من النبيين بضرورة البلغ عن موكب الرسالة حتى النبي الخاتم‪ {.‬إِنّ الّذِينَ‬
‫َي ْكفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِ ِه وَيُرِيدُونَ أَن ُيفَ ّرقُواْ بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِ ِه وَيقُولُونَ ُن ْؤمِنُ بِ َب ْعضٍ وَ َن ْكفُرُ بِ َب ْعضٍ‬
‫خذُواْ بَيْنَ ذاِلكَ سَبِيلً }[النساء‪]150 :‬‬
‫وَيُرِيدُونَ أَن يَتّ ِ‬
‫أي أنهم يحاولون أن يفرقوا بين ال ورسله بأحكامهم التي كانوا يتبعون فيها أهواءهم للبقاء على‬
‫السلطة الزمنية‪ ،‬من أجل أن يقيموا أمرا هو بين بين‪ ،‬وليس في اليمان " بين بين "؛ فإما اليمان‬
‫وإما الكفر‪ .‬والنظرة إلى كل هذه الية نجدها في معظمها معطوفات‪ ،‬ولم يتم فيها الكلم وهي في‬
‫كليتها مبتدأ‪ ،‬ل بد لها من خبر‪ ،‬ويأتي الخبر في الية التالية‪ُ } :‬أوْلَـا ِئكَ ُهمُ‪{ ...‬‬

‫(‪)637 /‬‬
‫حقّا وَأَعْتَدْنَا لِ ْلكَافِرِينَ عَذَابًا ُمهِينًا (‪)151‬‬
‫أُولَ ِئكَ هُمُ ا ْلكَافِرُونَ َ‬

‫و " الكافرون حقا " مقصود بها أن حقيقة الكفر موجودة فيهم؛ لننا قد نجد من يقول‪ :‬وهل هناك‬
‫كافر حق‪ ،‬وكافر غير ذلك؟ نعم‪ .‬فالذي ل يؤمن بكل رسالت السماء قد يملك بعضا من العذر‪،‬‬
‫لنه لم يجد الرسول الذي يبلغه‪ .‬أما الذي جاءه رسول وله صلة إيمانية به؛ وهذه الصلة اليمانية‬
‫لحمته بالسماء بوساطة الوحي‪ ،‬فإن كفر هذا النسان فكفره فظيع مؤكد‪ُ { .‬أوْلَـا ِئكَ هُمُ ا ْلكَافِرُونَ‬
‫حقّا }‪.‬‬
‫َ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ونلحظ أن الحق ساعة يتكلم عن الكافرين ل يعزلهم عن الحكم والجزاء الذي ينتظرهم‪ ،‬بل يوجد‬
‫حقّا‬
‫الحكم معهم في النص الواحد‪ .‬ول يحيل الحق الحكم إلى آية أخرى‪ُ { :‬أوْلَـا ِئكَ هُمُ ا ْلكَافِرُونَ َ‬
‫عذَابا ّمهِينا } وقد جاء هنا بالجزاء على الكفر ملتصقا بالكفر‪ ،‬فسبحانه قد جهز‬
‫وَأَعْتَدْنَا لِ ْلكَافِرِينَ َ‬
‫بالفعل العذاب المهين وأعَدّه للكافرين ولم يؤجل أمرهم أو يسوفه‪ .‬ويقول رسول ال صلى ال‬
‫ي ولو شئت أن آتيكم بقطاف منها لفعلت "‬
‫عليه وسلم‪ " :‬إن الجنّة عرضت عل ّ‬
‫ل وعرضها على الرسول صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ولو شاء الرسول أن‬
‫لقد أعد الحق الجنة والنار فع ً‬
‫يأتي المؤمنين بقطاف من ثمار الجنة لفعل‪ .‬فإياكم أن تعتقدوا أن ال سيظل إلى أن تقوم الساعة‪،‬‬
‫ثم يرى كم واحدا قد كفر فيعد لهم عذابا على حسب عددهم‪ ،‬ـو كم واحدا قد آمن فيعد لهم جنة‬
‫ونعيما على قدر عددهم‪ ،‬بل أعد الحق الجنة على أن كل الناس مؤمنون ولهم مكان في الجنة‪،‬‬
‫وأعد النار على أن كل الناس كافرون ولهم أماكن في النار‪ .‬فيأتي المؤمن للخرة ويأخذ المكان‬
‫المعد له‪ ،‬ويأخذ أيضا بعضا من الماكن في الجنة التي سبق إعدادها لمن كفر‪ .‬مصداقا لقوله‬
‫الحق‪ُ {:‬أوْلَـا ِئكَ ُهمُ ا ْلوَارِثُونَ * الّذِينَ يَرِثُونَ ا ْلفِرْ َدوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }[المؤمنون‪]11-10 :‬‬
‫فسبحانه لم ينتظر ولم يؤجل المسألة إلى حد عمل الحصائية ليسأل من الذي آمن ومن الذي كفر‪،‬‬
‫ليعد لكل جماعة حسب تعدادها نارا أو جنة‪ ،‬بل عامل خلقه على أساس أن كل الذي يأتي إليه من‬
‫البشر قد يكون مؤمنا‪ ،‬لذلك أعد لكل منهم مكانا في الجنة‪ ،‬أو أن يكون كافرا‪ ،‬فأعد لكل منهم‬
‫ت وَ َتقُولُ َهلْ مِن‬
‫ل ِ‬
‫جهَنّمَ َهلِ امْتَ َ‬
‫مكانا في النار‪ .‬ونجد السؤال في الخرة للنار‪َ {:‬يوْمَ َنقُولُ ِل َ‬
‫مّزِيدٍ }[ق‪]30 :‬‬
‫فالنار تطلب المزيد للماكن التي كانت معدة لمن لم يدخلها أنه آمن بال‪ .‬ويرث الذين آمنوا‬
‫الماكن التي كانت معدة لمن لم يدخل الجنة لنه كفر بال وبرسله وفرق بين ال ورسله وقال‬
‫نؤمن ببعض ونكفر ببعض‪ .‬ويأتي من بعد ذلك المقابل للذين كفروا بال ورسله وهم المؤمنون‪،‬‬
‫هذا هو المقابل المنطقي‪.‬‬
‫والمجيء بالمقابلت أدعى لرسوخها في الذهن‪ .‬مثال ذلك عندما ينظر مدير المدرسة إلى شابين‪،‬‬
‫كل منهما في الثانوية العامة‪ ،‬فيقول‪ :‬فلن قد نجح لنه اجتهد‪ ،‬والثاني قد خاب وفشل‪ .‬هذه‬
‫المفارقة تحدث لدى السامع لها المقارنة بين سلوك الثنين‪.‬‬
‫وهاهو ذا الحق يأتي بالمقابل للكافرين بال ورسله‪ { :‬وَالّذِينَ آمَنُواْ‪} ...‬‬

‫(‪)638 /‬‬
‫غفُورًا‬
‫س ْوفَ ُيؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ َوكَانَ اللّهُ َ‬
‫وَالّذِينَ َآمَنُوا بِاللّ ِه وَرُسُلِهِ وَلَمْ ُيفَ ّرقُوا بَيْنَ َأحَدٍ مِ ْنهُمْ أُولَ ِئكَ َ‬
‫رَحِيمًا (‪)152‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ويؤكد الحق هنا على أمر واضح‪ :‬هو‪ { :‬وَلَمْ ُيفَ ّرقُواْ بَيْنَ َأحَدٍ مّ ْنهُمْ } وكلمة " أحد " في اللغة تطلق‬
‫مرة ويراد بها المفرد‪ ،‬ومرة يراد بها المفردة‪ ،‬ومرة يراد بها المثنى مذكرا أو المثنى مؤنثا أو‬
‫جمع الناث وجمع التذكير‪ .‬وهكذا تكون " أحد " في هذه الية تشمل كل الرسل‪ ،‬بدليل قول الحق‬
‫حدٍ مّنَ النّسَآءِ }[الحزاب‪]32 :‬‬
‫سبحانه وتعالى‪ {:‬يانِسَآءَ النّ ِبيّ لَسْتُنّ كَأَ َ‬
‫فكلمة أحد يستوي فيها المذكر والمؤنث والمثنى والمفرد والجمع‪ .‬وكما قال الحق عن الذين‬
‫عذَابا‬
‫حقّا وَأَعْتَدْنَا ِل ْلكَافِرِينَ َ‬
‫يكفرون بال ورسله أو يفرقون بين الرسل‪ُ { :‬أوْلَـا ِئكَ هُمُ ا ْلكَافِرُونَ َ‬
‫ّمهِينا }‪ .‬يقول الحق في هذه الية عن الذين آمنوا بال ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم‪:‬‬
‫ح ْكمُه‪ .‬ومن‬
‫غفُورا رّحِيما } فكل مقابل قد جاء معه ُ‬
‫س ْوفَ ُيؤْتِيهِمْ أُجُورَ ُه ْم َوكَانَ اللّهُ َ‬
‫{ ُأوْلَـا ِئكَ َ‬
‫بعد ذلك يقول الحق‪َ { :‬يسْأَُلكَ أَ ْهلُ ا ْلكِتَابِ‪} ...‬‬

‫(‪)639 /‬‬
‫سمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى َأكْبَرَ مِنْ ذَِلكَ َفقَالُوا أَرِنَا اللّهَ‬
‫يَسْأَُلكَ أَ ْهلُ ا ْلكِتَابِ أَنْ تُنَ ّزلَ عَلَ ْي ِهمْ كِتَابًا مِنَ ال ّ‬
‫ك وَآَتَيْنَا‬
‫جلَ مِنْ َبعْدِ مَا جَاءَ ْتهُمُ الْبَيّنَاتُ َفعَ َفوْنَا عَنْ ذَِل َ‬
‫خذُوا ا ْلعِ ْ‬
‫جهْ َرةً فََأخَذَ ْتهُمُ الصّاعِقَةُ ِبظُ ْل ِمهِمْ ُثمّ اتّ َ‬
‫َ‬
‫مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا (‪)153‬‬

‫هذا خطأ منهم في السؤال‪ ،‬وكان المفروض أن يكون‪ :‬يسألك أهل الكتاب أن تسأل ال أن ينزل‬
‫عليهم كتابا‪ .‬وقد حاول المشركون في مكة أن يجدوا في القرآن ثغرة فلم يجدوا وهم أمة فصاحة‬
‫وبلغة ولسان‪ ،‬واعترفوا بأن القرآن عظيم ولكن الفة بالنسبة إليهم أنه نزل على محمد صلى ال‬
‫عظِيمٍ }[الزخرف‪]31 :‬‬
‫جلٍ مّنَ ا ْلقَرْيَتَيْنِ َ‬
‫عليه وسلم‪َ {:‬وقَالُواْ َل ْولَ نُ ّزلَ هَـاذَا ا ْلقُرْآنُ عَلَىا َر ُ‬
‫هم اعترفوا بعظمة القرآن‪ ،‬واعترافهم بعظمة القرآن مع غيظهم من نزوله على رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم جعلهم مضطربين فكريا‪ ،‬لقد اعترفوا بعظمة القرآن بعد أن نظروا إليه‪ ..‬فمرة‬
‫قالوا‪ :‬إنه سحر‪ ،‬ومرة قالوا‪ :‬إنه من تلقين بعض البشر‪ ،‬وقالوا‪ :‬إنه شعر‪ ،‬وقالوا‪ :‬إنه من أساطير‬
‫جلٍ‬
‫علَىا رَ ُ‬
‫الولين‪ .‬وكل ذلك رهبة أمام عظمة القرآن‪ .‬ثم أخيرا قالوا‪َ { :‬ل ْولَ نُ ّزلَ هَـاذَا ا ْلقُرْآنُ َ‬
‫مّنَ ا ْلقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ }‪.‬‬
‫ولكن ألم يكن هو القرآن نفسه الذي نزل؟ إذن‪ .‬فالفة ‪ -‬عندهم ‪ -‬أنه نزل على محمد صلى ال‬
‫سدُونَ النّاسَ عَلَىا مَآ آتَاهُمُ اللّهُ مِن َفضْلِهِ }[النساء‪]54 :‬‬
‫عليه وسلم‪ ،‬وذلك من الحسد‪ {:‬أَمْ يَحْ ُ‬
‫لن قولهم ل يتسم أبدا بالموضوعية‪ ،‬بل كل كلمهم ُبعْدٌ عن الحق وتخبط‪ .‬لقد قالوا مرة عن‬
‫القرآن‪ :‬إنه سحر‪ ،‬وعندما سألهم الناس‪ :‬لماذا لم يسحركم القرآن إذن؟ فليس للمسحور إرادة مع‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الساحر‪ .‬ولم يجدوا إجابة‪ .‬وقالوا مرة عن القرآن‪ :‬إنه شعر‪ ،‬فتعجب منهم القوم لنهم أمة الشعر‪،‬‬
‫وقد سبق لهم أن علقوا المعلقات على جدار الكعبة‪ ،‬لكنه كلم التخبط‪.‬‬
‫إذن فالمسألة كلها تنحصر في رفضهم اليمان‪ ،‬فإذا أمسكتهم الحجة من تلبيبهم في شيء‪ ،‬انتقلوا‬
‫إلى شيء آخر‪.‬‬
‫ويوضح سبحانه‪ :‬إن كانوا يطلبون كتابا فالكتاب قد نزل‪ ،‬تماما كما نزل كتاب من قبل على‬
‫موسى‪ .‬وماداموا قد صدقوا نزول الكتاب على موسى‪ ،‬فلماذا ل يصدقون نزول الكتاب على‬
‫علَ ْيهِمْ كِتَابا‬
‫محمد؟ ول بد أن هناك معنى خاصا وراء قوله الحق‪ { :‬يَسْأَُلكَ َأ ْهلُ ا ْلكِتَابِ أَن تُنَ ّزلَ َ‬
‫سمَآءِ }‪ .‬ونعلم أن الكتاب نزل على موسى مكتوبا جملة واحدة‪ ،‬وهم كأهل كتاب يطلبون‬
‫مّنَ ال ّ‬
‫نزول القرآن بالطريقة نفسها‪ ،‬وعندما ندقق في الية نجدهم يسألون أن ينزل عليهم الكتاب من‬
‫السماء؛ وكأنهم يريدون أن يعزلوا رسول ال وأن يكون الكلم مباشرة من ال لهم؛ لذلك يقول‬
‫سمْنَا بَيْ َن ُهمْ ّمعِيشَ َتهُمْ فِي ا ْلحَيَاةِ الدّنْيَا وَ َر َفعْنَا‬
‫ح َمتَ رَ ّبكَ نَحْنُ قَ َ‬
‫سمُونَ َر ْ‬
‫الحق في موقع آخر‪ {:‬أَ ُهمْ َيقْ ِ‬
‫ضهُمْ َفوْقَ َب ْعضٍ دَ َرجَاتٍ }[الزخرف‪]32 :‬‬
‫َب ْع َ‬
‫الحق ‪ -‬إذن ‪ -‬قسم المور في الحياة الدنيا‪ ،‬فكيف يتدخلون في مسألة الوحي وهو من رحمة ال‪:‬‬
‫سمَآءِ }‪ .‬وهم قد نسبوا التنزيل إلى رسول ال‪،‬‬
‫{ َيسْأَُلكَ أَ ْهلُ ا ْلكِتَابِ أَن تُنَ ّزلَ عَلَ ْيهِمْ كِتَابا مّنَ ال ّ‬
‫ورسول ال ما قال إني نزّلْت‪ ،‬بل قال‪ " :‬أنزل علي "‪.‬‬
‫ويقال في رواية من الروايات أن كعب بن الشرف والجماعة الذين كانوا حوله أرادوا أن ينزل‬
‫الوحي على كل واحد منهم بكتاب‪ ،‬فيقول الوحي لكعب‪ " :‬يا كعب آمن بمحمد "‪.‬‬
‫ويًنَ ّزلُ إلى كل واحد كتابا بهذا الشكل الخصوصي‪ .‬أو أن ينزل ال لهم كتابا مخصوصا مع‬
‫القرآن‪ .‬وكيف يطلبون ذلك وعندهم التوراة‪ ،‬ويوضح ال تسلية لرسوله صلى ال عليه وسلم‪ :‬ل‬
‫تستكثر منهم يا محمد أن يسألوك كتابا ينزل عليهم لنهم سألوا موسى أكبر من ذلك‪ ،‬وطلبهم‬
‫تنزيل الكتاب‪ ،‬هو طلب لفعل من ال‪ ،‬وقد سبق لهم الغلو أكثر من ذلك عندما قالوا لموسى‪} :‬‬
‫جهْ َرةً {‪ .‬وهم بمثل هذا القول تعدوا من فعل ال إلى ذات الحق سبحانه وتعالى‪ ،‬لذلك ل‬
‫أَرِنَا اللّهَ َ‬
‫تستكثر عليهم مسألة طلبهم لنزول كتاب إليهم‪ ،‬فقد سألوا موسى وهو رسولهم رؤية ال جهرة‪} :‬‬
‫سمَآءِ فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَىا َأكْبَرَ مِن ذاِلكَ َفقَالُواْ أَرِنَا اللّهَ‬
‫يَسْأَُلكَ أَ ْهلُ ا ْلكِتَابِ أَن تُنَ ّزلَ عَلَ ْي ِهمْ كِتَابا مّنَ ال ّ‬
‫جهْ َرةً فََأخَذَ ْتهُمُ الصّاعِقَةُ ِبظُ ْل ِمهِمْ {‪.‬‬
‫َ‬
‫ولحظة أن ترى كلمة " الصاعقة " تفهم أنها شيء يأتي من أعلى‪ ،‬يبدأ بصوت مزعج‪ .‬وقلنا من‬
‫صوَاعِقِ }‬
‫جعَلُونَ َأصَا ِب َعهُمْ فِي آذَا ِنهِم مّنَ ال ّ‬
‫قبل أثناء خواطرنا حول آية في سورة البقرة‪ {:‬يَ ْ‬
‫[البقرة‪]19 :‬‬
‫أي أنهم يضعون أصابعهم في آذانهم من الصواعق‪ ،‬وهذا دليل على أن صوت الصاعقة مزعج قد‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يخرق طبلة الذن‪ ،‬ودليل على أن ازعاج الصاعقة فوق طاقة النسداد بأصبع واحدة؛ لن النسان‬
‫ساعة يسد أذنيه يسدها بطرف الصبع ل بكل الصابع‪ .‬وبلغ من شدة ازعاج الصوت أنهم كلما‬
‫وضعوا أناملهم في آذانهم لم يمتنع الصوت المزعج‪.‬‬
‫إذن فالصاعفة صوت مزعج يأتي من أعلى‪ ،‬وبعد ذلك ينزل قضاء ال إما بأمر مهلك وإمّا بنار‬
‫ظ ْل ِمهِمْ { والظلم هو أن تجعل حقا لغير صاحبه؛ ول‬
‫عقَةُ بِ ُ‬
‫خذَ ْتهُمُ الصّا ِ‬
‫تحرق وإما بريح تدمر } فَأَ َ‬
‫تجعل حقا لغير صاحبه إل أن تكون قد أخذت حقا من صاحبه‪ .‬وسؤالهم هذا لون من الظلم؛ لن‬
‫الدراك للشياء هو إحاطة المُدْرِك بالمُدْرَك‪.‬‬
‫وحين تدرك شيئا بعينك فمعنى ذلك أن عينك أحاطت بالشيء المدَرَك وحيّزته بالتفصيل‪ ،‬وكذلك‬
‫اللمس لمعرفة النعومة أو الخشونة‪ ،‬وكذلك الذوق ليحس النسان الطعم‪ .‬إذن فمعنى الدراك‬
‫بوسيلة من الوسائل أن تحيط بالشيء ال ُمدْرَك إحاطة شاملة جامعة‪.‬‬
‫فإذا كانوا قد طلبوا أن يروا ال جهرة‪ ،‬فمعنى ذلك أنهم طلبوا أن تكون آلة الدراك وهي العين‬
‫محيطة بال‪ .‬وحين يحيط المُدْرِك بالمُدْرَك‪ ،‬يقال قدر عليه‪ .‬وهل ينقلب القادر العلى مقدورا‬
‫عليه؟ حاشا ل‪ .‬وذلك مطلق الظلم ونهايته‪ ،‬فمن الجائز أن يرى النسان إنسانا‪ ،‬ولكن ل يستقيم‬
‫أبدا ول يصح أن ينقل النسان هذه المسألة إلى ال‪ ،‬لماذا؟ لنه سبحانه القائل‪:‬‬
‫{ لّ تُدْ ِر ُك ُه الَ ْبصَارُ وَ ُهوَ ُيدْ ِركُ الَبْصَارَ }[النعام‪]103 :‬‬
‫ومادام ال إلها قادرا فلن ينقلب إلى مقدور‪.‬‬
‫ونحن إن أعطينا لواحد مسألة ليحلها‪ ،‬فهذا معناه أن فكرة قد قدر عليها‪ .‬وأما إذا أعطيناه مسألة‬
‫ولم يقدر على حلها ففكره لم يقدر عليها‪ .‬إذن فكل شيء يقع تحت دائرة الدراك‪ ،‬يقول لنا‪ :‬إن‬
‫اللة المدرِكة قد قدرت عليه‪.‬‬
‫عقَةُ بِظُ ْل ِمهِمْ ُثمّ اتّخَذُواْ‬
‫والحق سبحانه وتعالى قادر أعلى ل ينقلب مقدورا لما خلق‪ } .‬فََأخَذَ ْت ُهمُ الصّا ِ‬
‫جلَ مِن َبعْدِ مَا جَآءَ ْت ُهمُ الْبَيّنَاتُ {‪ .‬وكان يكفي بعد أن أخذتهم الصاعقة أن يتأدبوا ول يجترئوا‬
‫ا ْلعِ ْ‬
‫على ال‪ ،‬ولكنهم اتخذوا العجل من بعد أن جاوز الحق بهم البحر وعَبره بهم تيسيرا عليهم وتأييدا‬
‫لهم وأراهم معجزة حقيقية‪ ،‬بعد أن قالوا‪ {:‬إِنّا َل ُمدْ َركُونَ }[الشعراء‪]61 :‬‬
‫فقد كان البحر أمامهم وفرعون من خلفهم ول مفر من هلكهم؛ لن المنطق الطبيعي أن يدركهم‬
‫فرعون‪ ،‬وآتى ال سيدنا موسى إلهامات الوحي‪ ،‬فقال‪ {:‬قَالَ كَلّ إِنّ َم ِعيَ رَبّي سَ َي ْهدِينِ }[الشعراء‪:‬‬
‫‪]62‬‬
‫لقد لجأ موسى إلى القانون العلى‪ ،‬قانون ال‪ ،‬فأمره ال أن يضرب بعصاه البحر‪ ،‬ويتفرق البحر‬
‫وتصير كل فرقة كالطود والجبل العظيم‪ ،‬وبعد أن ساروا في البحر‪ ،‬وأغرق فرعون أمامهم‪،‬‬
‫وأنجاهم سبحانه‪ ،‬لكنهم من بعد ذلك كله يتخذون العجل إلها!!‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫جلَ مِن َبعْدِ مَا جَآءَ ْتهُمُ الْبَيّنَاتُ َف َع َفوْنَا عَن‬
‫هكذا قابلوا جميل ال بالنكران والكفران‪ } .‬ثُمّ اتّخَذُواْ ا ْل ِع ْ‬
‫ك وَآتَيْنَا مُوسَىا سُلْطَانا مّبِينا { والسلطان المبين الذي آتاه ال لموسى عليه السلم هو التسلط‬
‫ذاِل َ‬
‫والستيلء الظاهر عليهم حين أمرهم بأن يقتلوا أنفسهم‪ ،‬وجاءوا بالسيوف لن ال قد أعطى سيدنا‬
‫موسى قوة فل يخرج أحد عن أمره‪ ،‬والقوة سلطان قاهر‪.‬‬
‫ومن بعد ذلك يقول الحق‪ } :‬وَ َر َفعْنَا َف ْو َقهُمُ الطّورَ‪{ ...‬‬

‫(‪)640 /‬‬
‫وَ َر َفعْنَا َف ْو َقهُمُ الطّورَ ِبمِيثَا ِقهِ ْم َوقُلْنَا َلهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجّدًا َوقُلْنَا َلهُمْ لَا َت ْعدُوا فِي السّ ْبتِ وََأخَذْنَا‬
‫مِ ْنهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (‪)154‬‬

‫إذن اجتراؤهم في البداية كان في طلب رؤية ال جهرة‪ ،‬ثم العملية الثانية وهي اتخاذهم العجل‬
‫إلها‪ .‬ويعالج ال هؤلء بالوامر الحسية‪ ،‬لذللك نتق الجبل فوقهم‪ {:‬وَإِذ نَ َتقْنَا الْجَ َبلَ َف ْو َقهُمْ كَأَنّهُ ظُلّةٌ‬
‫وَظَنّواْ أَنّ ُه وَاقِعٌ ِب ِهمْ }[العراف‪]171 :‬‬
‫مثل هؤلء ل يرضخون إل باليات المادية‪ ،‬لذلك رفع ال فوقهم الجبل‪ ،‬فإما ان يأخذوا ما آتاهم‬
‫ال بقوة وينفذوا المطلوب منهم‪ ،‬وإما أن ينطبق عليهم الجبل‪ ،‬وهكذا نرى أن كل اقتناعاتهم نتيجة‬
‫للمر المادي‪ ،‬فجاءت كل المور إليهم من جهة المادة‪َ { .‬وقُلْنَا َلهُمُ ادْخُلُواْ الْبَابَ سُجّدا }‪ .‬أي أن‬
‫يدخلوا ساجدين‪ ،‬وهذا إخضاع مادي أيضا‪ .‬وكان هذا الباب الذي أمرهم موسى أن يدخلوه‬
‫ساجدين هو باب قرية أريحا في الشام‪َ { .‬وقُلْنَا َل ُه ْم لَ َتعْدُواْ فِي السّ ْبتِ } وسبحانه قال عنهم‪ {:‬إِذْ‬
‫تَأْتِيهِمْ حِيتَا ُنهُمْ َيوْمَ سَبْ ِتهِمْ شُرّعا وَيَوْ َم لَ َيسْبِتُونَ لَ تَأْتِيهِمْ }[العراف‪]163 :‬‬
‫وكلمة " السبت " لها اشتقاق لغوي من " سبت " و " يسبت " أي سكن وهدأ‪ .‬ويقول الحق سبحانه‪{:‬‬
‫ج َعلَ َل ُكمُ اللّ ْيلَ لِبَاسا وَال ّنوْمَ سُبَاتا }[الفرقان‪]47 :‬‬
‫وَ ُهوَ الّذِي َ‬
‫أي جعل النوم سكنا لكم وقطعا لعمالكم وراحة لبدانكم‪َ { .‬وقُلْنَا َلهُ ْم لَ َتعْدُواْ فِي السّ ْبتِ } أي‬
‫نهاهم ال أن يصطادوا في يوم السبت‪ .‬ويأتي يوم السبت فتأتيهم الحيتان مغرية تخرج أشرعتها‬
‫من زعانفها وهي تعوم فوق الماء‪ ،‬أو تظهر على وجه الماء من كل ناحية‪ ،‬وهذا من البتلءات‪.‬‬
‫ن لَ تَأْتِيهِمْ } أي أن اليام التي يكون مسموحا لهم فيها بالصيد ل تأتي لهم‬
‫{ وَ َيوْ َم لَ يَسْبِتُو َ‬
‫السماك‪ ،‬ولذلك يحتالون ويصنعون الحظائر الثابتة من السلك ليدخلها السمك يوم السبت ول‬
‫يستطيع الخروج منها‪.‬‬
‫لقد احتالوا على أمر ال‪ .‬هكذا يبين الحق سبحانه وتعالى مراوغة بني إسرائيل‪ .‬وفعل ال بهم كل‬
‫ذلك ولكنهم احتالوا وتمردوا ورّدوه‪ ،‬وحين يهادن الحق القوم الذين يدعوهم إلى اليمان فسبحانه‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ُيقَدر أنه خلقهم ويُقدر الغريزة البشرية التي قد يكون من الصعب أن تلين لول داع‪ ،‬فهو يدعوها‬
‫مرة فل تستقبل‪ ،‬فيعفو‪ .‬ثم يدعوها مرة فل تستقبل فيعفو‪ ،‬ثم يدعوها مرة فل تستقبل فيعفو‪ .‬وأخذ‬
‫ال عليهم العهد الوثيق المؤكد بأن يطيعوه ولكنهم عصوا ونقضوا العهد‪ ،‬وبعد ذلك يقول لنا الخبر‬
‫ضهِم مّيثَا َقهُمْ‪} ...‬‬
‫لنتعلم أن ال ل يمل حتى تملوا أيها البشر‪ .‬فسبحانه يقول من بعد ذلك‪ { :‬فَ ِبمَا َن ْق ِ‬

‫(‪)641 /‬‬
‫ق َو َقوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُ ْلفٌ َبلْ طَبَعَ اللّهُ‬
‫حّ‬
‫ضهِمْ مِيثَا َقهُ ْم َو ُكفْرِهِمْ بِآَيَاتِ اللّ ِه َوقَتِْلهِمُ الْأَنْبِيَاءَ ِبغَيْرِ َ‬
‫فَ ِبمَا َنقْ ِ‬
‫عَلَ ْيهَا ِب ُكفْرِهِمْ فَلَا ُي ْؤمِنُونَ إِلّا قَلِيلًا (‪)155‬‬

‫لقد نقضوا كل المواثيق والشياء التي تقدمت‪ .‬ومعنى الميثاق هو العهد المؤكد الموثق‪ .‬ونقض‬
‫الميثاق هو حله‪ ،‬وهذا ما يستوجب ما يهددهم ال به‪ ،‬وكفروا بآيات ال التي أنزلها لتؤيد موسى‬
‫عليه السلم‪ ،‬وقتلوا أنبياء ال بغير حق‪ .‬وادعوا ‪ -‬تعليلً لذلك ‪ -‬أن قلوبهم غلف ل تسمع‬
‫للدعوى اليمانية‪ ،‬أي أن قلوبهم مغلفة مغطاة أي جُعل عليها غلفٌ‪ ،‬بحيث ل يخرج منها ما فيها‬
‫ول يدخل فيها ما هو خارج عنها‪ .‬وأرادوا بذلك الستدراك على ال‪ ،‬فقالوا‪ :‬قلوبنا ل يخرج منها‬
‫سوَآءٌ عَلَ ْي ِهمْ‬
‫ضلل ول يدخل فيها إيمان‪ .‬وسبق أن تقدم مثل هذا في قول الحق‪ {:‬إِنّ الّذِينَ َكفَرُواْ َ‬
‫س ْم ِعهِ ْم وَعَلَىا أَ ْبصَارِهِمْ غِشَا َوةٌ‬
‫أَأَنذَرْ َت ُهمْ أَمْ َلمْ تُنْذِ ْرهُ ْم لَ ُي ْؤمِنُونَ * خَتَمَ اللّهُ عَلَىا قُلُوبِهمْ وَعَلَىا َ‬
‫وََلهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ }[البقرة‪]7-6 :‬‬
‫ونقول‪ :‬أهي القلوب خُلقت غلفا‪ ..‬أي أن القلوب خلقت مختوما عليها بحيث ل يدخلها هدى ول‬
‫يخرج منها ضلل‪ ،‬أم أنتم الذين فعلتم الختم وأنتم الذين صنعتم الغلف؟‬
‫وسبحانه أوضح في آيتي سورة البقرة أنه جل وعل الذي ختم على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى‬
‫أبصارهم غشاوة‪ .‬فالختم على القلب حتى ل يتعرفوا إلى الدليل؛ لن القلب محل الدلة واليقين‬
‫والعقائد‪ .‬والختم على السماع والبصار هو الختم على آلت إدراك الدلئل البينات على وجود‬
‫الحق العلى؛ فمقر العقائد مختوم عليه وهو القلب‪ ،‬ومضروب على الذان وعلى البصر غشاوة‪،‬‬
‫فهل هذا كائن بطبيعة تكوين هؤلء؟ ل؛ لنه إذا كان هذا بطبيعة التكوين فلماذا خصّهم ال بذلك‬
‫التكوين؟ ولماذا لم يكن الذين اهتدوا مختوما ل على قلوبهم ول على أسماعهم ول على أبصارهم؟‬
‫غير أن الواحد منهم يبرر لنفسه وللخرين انحرافه وإسرافه على نفسه بالقول‪ " :‬خلقني ال هكذا "‬
‫وهذا قول مزيف وكاذب؛ لن صاحبه إنما يكفر أولً‪ ،‬فلما كفر وانصرف عن الحق تركه ال‬
‫على حاله؛ لن ال أغنى الشركاء عن الشرك‪ ،‬فمن اتخذ مع ال شريكا فهو للشريك وليس ل‪.‬‬
‫إذن فالختم جاء كنتيجة للكفر‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وقدمت آيات سورة البقرة الحيثية‪ :‬أن الكفر يحدث أولً‪ ،‬ثم يأتي الختم على القلب والسمع والبصر‬
‫نتيجة لذلك‪ .‬وهنا في آية سورة النساء‪َ { :‬و َقوِْلهِمْ قُلُوبُنَا غُ ْلفٌ َبلْ طَبَعَ اللّهُ عَلَ ْيهَا ِب ُكفْرِهِمْ فَلَ‬
‫ُي ْؤمِنُونَ ِإلّ قَلِيلً }‪ .‬فالكفر جاء أولً‪ ،‬وفي ذلك رد على أي إنسان يقول‪ " :‬إن ال ل يهديني "‪ .‬ول‬
‫يلتفت إلى أن ال ل يهدي من كفر به‪ ،‬وكذلك الفاسق أو الظالم‪ ،‬والمثال الكبر على ذلك إبليس‬
‫الذي كفر أولً‪ .‬وبعد ذلك تركه ال لنفسه واستغنى عنه‪.‬‬
‫ضهِم } لن الفهم السطحي لصول السلوب قد‬
‫ولنا هنا وقفة لفظية مع قوله الحق‪ { :‬فَ ِبمَا َن ْق ِ‬
‫يتساءل‪ :‬لماذا جاءت " ما " هنا؟ وبعضهم قال‪ :‬إن " ما " هنا زائدة‪.‬‬
‫ونقول‪ :‬إياك أن تقول إن في كلم ال حرفا زائدا؛ لن معنى ذلك أن المعنى يتم بغير وجوده‬
‫ويكون فضولً وزائدا على الحاجة ول فائدة فيه‪ ،‬ولكن عليك أن تقول‪ " :‬أنا ل أفهم لماذا جاء هذا‬
‫الحرف " ‪ ،‬خصوصا ونحن في هذا العصر نعيش كأمة بلغتها مصنوعة‪ ،‬ول نملك اللسان‬
‫العربي المطبوع‪ .‬ولول أننا تعلمنا العربية لما استطعنا أن نتكلمها‪ .‬أما العربي الفصيح الذي نزل‬
‫عليه القرآن فقد كان يتكلم اللغة العربية دون أن يجلس إلى معلم‪ ،‬ولم يتلق العلم بأن الفاعل‬
‫مرفوع والمفعول منصوب بل تكلم اللغة بطبيعته وملكته‪.‬‬
‫أما نحن فنعيش في زمن مختلف‪ .‬وطغت علينا العجمة وامتلت آذاننا باللحن‪ ،‬وصرنا نُعلّم أنفسنا‬
‫قواعد اللغة العربية حتى نتكلم بأسلوب صحيح‪.‬‬
‫وقد جاءت القواعد في النحو من الستنباط من السليقة العربية الولى التي كانت بغير تعليم‪.‬‬
‫واستقرأ العلماء الساليب العربية فوجدوا أن الفاعل مرفوع والمثنى يُرفع باللف‪ ،‬وجمع المذكر‬
‫السالم يُرفع بـ " الواو "؛ وهكذا أخذنا القواعد من الذين ل قواعد لهم بل كانوا يتكلمون بالسليقة‬
‫وبالطبيعة والملكة‪.‬‬
‫ضهِم { ولم ينتبه واحد منهم إلى أن‬
‫لقد سمع العربي قديما ساعة نزل القرآن قوله الحق‪ } :‬فَ ِبمَا َن ْق ِ‬
‫شيئا قد خرج عن السلوب الصحيح‪ ،‬ونعلم أن بعضا من العرب كانوا كافرين برسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم‪ ،‬ول يصدقون القرآن‪ ،‬ولو كانت هناك واحدة تخرج عن المألوف في اللغة‬
‫لصرخوا بها وأعلنوها‪ .‬ولكن القرآن جاء بالكلم المعجز على لسان محمد صلى ال عليه وسلم‬
‫ليبلغهم به‪ ،‬موضحا‪ :‬جئت بالقرآن معجزة تعجزون عن محاكاته؛ مع أنكم عرب وفصحاء‪.‬‬
‫والمتحدّى يحاول دائما أن يتصيد خطأ ما‪ ،‬ولم يقل واحد من العرب إن في القرآن لحنا‪ ،‬وهذا‬
‫دليل على أن السلوب القرآني يتفق مع الملكة العربية‪.‬‬
‫ضهِم { هي في الصل‪ :‬بنقضهم الميثاق فعلنا بهم ما صاروا إليه‪ ،‬و " ما "‬
‫وقوله الحق‪ } :‬فَ ِبمَا َن ْق ِ‬
‫جاءت هنا لماذا؟ قال بعض العلماء‪ :‬إنها " ما " زائدة‪ ،‬وهي زائدة للتأكيد‪ .‬ونكرر‪ :‬إياك أن تقول‬
‫إن في كلم ال حرفا زائدا‪ ،‬لقد جاءت " ما " هنا لمعنى واضح‪ .‬والحق في موقع آخر من القرآن‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يقول‪ {:‬مَا جَآءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلَ نَذِيرٍ }[المائدة‪]19 :‬‬
‫وقالوا‪ :‬إن أصل العبارة " ما جاءنا بشير " ‪ ،‬وإن " مِن " جاءت زائدة حتى يتسق اللفظ‪ .‬ونقول‪:‬‬
‫لو أن العبارة جاءت كما قالوا لما استقام المعنى‪ ،‬وليضاح ذلك أضرب هذا المثل ‪ -‬ول المثل‬
‫العلى ‪ -‬عندما يقول واحد‪ " :‬ما عندي مال " فهذا نفى أن يكون عند القائل مال‪ ،‬ولعل لديه قدرا‬
‫من المال القليل الذي ل يستأهل أن يسميه مالً‪.‬‬
‫ولكن إذا قال واحد‪ " :‬ما عندي من مال " فالمعنى أنه ل يملك المال على إطلقه أي أنه مفلس‬
‫تماما‪ ،‬ول يملك أي شيء من بداية ما يقال إنه مال‪ .‬إذن " ما جاءنا بشير " ليست مثل قوله‪ " :‬ما‬
‫جاءنا من بشير "‪ .‬فالمعنى أنه لم يأتهم أي رسول بشير أو نذير من بداية ما يقال إنه رسول‪.‬‬
‫إذن فقوله الحق‪ } :‬فَ ِبمَا َن ْقضِهِم مّيثَا َقهُمْ { أي بسبب نقض الميثاق فعلنا بهم كذا‪ .‬لماذا إذن أثار‬
‫العلماء هذه الضجة؟ السبب في ذلك هو وجود ما بعد " الباء " وقبل المصدر‪ ،‬أي أنهم نقضوا‬
‫العهد بكل صورة من صوره‪ ،‬فنقض العهد والميثاق له صور متعددة فـ (ما) هنا استفهامية‬
‫جاءت للتعجيب أي على أيّة صورة من صور نقض ونكث العهد لعناهم؟ لعناهم لكثرة ما نقضوا‬
‫ضهِم مّيثَا َقهُ ْم َو ُكفْرِهِم بَآيَاتِ اللّهِ َوقَتِْلهِمُ الَنْبِيَآءَ ِبغَيْرِ‬
‫من العهود والمواثيق‪ .‬والحق قد قال‪ {:‬فَ ِبمَا َن ْق ِ‬
‫غ ْلفٌ َبلْ طَبَعَ اللّهُ عَلَ ْيهَا ِب ُكفْرِهِمْ فَلَ ُي ْؤمِنُونَ ِإلّ قَلِيلً }[النساء‪]155 :‬‬
‫ق َو َقوِْلهِمْ قُلُوبُنَا ُ‬
‫حّ‬
‫َ‬
‫ولم يقل‪ :‬فبما نقضتم ميثاقهم وكفرهم بآيات ال وقتلهم النبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف‪ ،‬طبع‬
‫ال على قلوبهم‪ .‬فوجود " بل " يدلنا على أن هناك أمرا أضربنا عنه‪ .‬فنحن نقول‪ :‬جاءني زيد بل‬
‫عمرو‪ .‬أي أن القائل قد أخطأ‪ ،‬فقال‪ " :‬جاءني زيد " واستدرك لنفسه فقال‪ " :‬بل عمرو "‪ .‬وبذلك‬
‫نفى مجيء زيد وأكد مجيء عمرو‪.‬‬
‫علَ ْيهَا ِبكُفْرِ ِهمْ فَلَ ُي ْؤمِنُونَ ِإلّ قَلِيلً {‪ .‬كان المقتضي في السلوب‬
‫والحق قال‪َ } :‬بلْ طَ َبعَ اللّهُ َ‬
‫العادي أن يقول‪ " :‬بكفرهم وبقتلهم النبياء طبع ال على قلوبهم "‪ .‬ولكن سبحانه لم يقل ذلك لحكمة‬
‫بالغة‪ .‬وحتى نعرف تلك الحكمة فلنبحث عن المقابل لـ " طبع ال على قلوبهم " ‪ ،‬المقابل هو "‬
‫فتح ال على قلوبهم بالهدى "‪.‬‬
‫ضهِم مّيثَا َقهُ ْم َو ُكفْرِهِم بَآيَاتِ اللّ ِه َوقَتِْلهِمُ‬
‫وجاء قول الحق معبرا تمام التعبير عن موقفهم‪ } :‬فَ ِبمَا َنقْ ِ‬
‫ق َو َقوِْلهِمْ قُلُوبُنَا غُ ْلفٌ َبلْ طَبَعَ اللّهُ عَلَ ْيهَا {‪.‬‬
‫حّ‬
‫الَنْبِيَآءَ ِبغَيْرِ َ‬
‫وهكذا نرى عظمة القرآن الذي يأتي بالمعنى الدقيق ويجب أن نفكر فيه ونتدبر كل كلمة منه‪.‬‬
‫الحق ‪ -‬إذن ‪ -‬يقدم السباب لما صنعه بهم بالحيثيات‪ ،‬من نقضهم للميثاق‪ ،‬وكفرهم بآيات ال‪،‬‬
‫وبقتلهم للنبياء بغير حق؛ لذلك لم يفتح ال عليهم بالهدى‪ ،‬بل طبع ال على قلوبهم بالكفر‪ .‬فوجود‬
‫" بل " دليل على أن هناك أمرا قد نفي وأمرا قد تأكد‪ .‬والمر الذي نفاه ال عنهم أنه لم يفتح عليهم‬
‫بالهدى واليمان‪ ،‬والمر الذي تأكد أنه سبحانه قد طبع على قلوبهم بالكفر‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫غ ْلفٌ بَل ّلعَ َنهُمُ اللّهُ ِب ُكفْرِهِمْ َفقَلِيلً مّا ُي ْؤمِنُونَ }[البقرة‪:‬‬
‫وفي آية أخرى قال عنهم‪َ {:‬وقَالُواْ قُلُوبُنَا ُ‬
‫‪]88‬‬
‫فقلوبهم ليست غلفا‪ ،‬ولكن هي لعنة ال لهم وإبعاده لهم وطردهم واستغناؤه عنهم؛ لذلك تركهم‬
‫لنفسهم فغلبت عليهم الشهوات‪ .‬ولماذا ذيل الحق الية بقوله‪ } :‬فَلَ ُي ْؤمِنُونَ ِإلّ قَلِيلً {؟ لن‬
‫المقصود به عدم إغلق باب اليمان على إطلقه أمام هؤلء الناس‪ ،‬وهو ‪ -‬كما عرفنا من قبل ‪-‬‬
‫" صيانة الحتمال "‪ .‬فقد يعلن واحد من هؤلء إيمانه الذي خبأه في نفسه‪ ،‬فكيف يجد الفرصة‬
‫لذلك إن كان ال قد قال عنهم جميعا } وَطَ َبعَ اللّهُ عَلَىا قُلُو ِبهِمْ {؟‬
‫غبُ في إعلن اليمان منهم ل يجد الباب مفتوحا‪ ،‬ولكن عندما يجد الحق قد قال‪ } :‬فَلَ‬
‫إن الذي يَرْ َ‬
‫ُي ْؤمِنُونَ ِإلّ قَلِيلً { فهو يعلم أن باب اليمان مفتوح للجميع‪ .‬وبعد ذلك يقول الحق‪ } :‬وَ ِبكُفْرِهِمْ‬
‫َوقَوِْلهِمْ‪{ ...‬‬

‫(‪)642 /‬‬
‫وَ ِبكُفْرِهِمْ َوقَوِْلهِمْ عَلَى مَرْيَمَ ُبهْتَانًا عَظِيمًا (‪)156‬‬

‫ويقول قائل‪ :‬ألم يقل الحق من قبل إن " كفرهم " هو سبب من أسباب طبع ال على قلوبهم؟ إياك‬
‫أن تقول إن هناك كلمة في القرآن مكررة لن الذي يتكلم هو ال سبحانه وتعالى الذي ل ينسى‬
‫شيئا‪ ،‬ول يكرر من غير داع‪ ،‬والكفر أيضا على درجات‪ ،‬مرة يكون الكفر بال‪ ،‬ومرة يكون‬
‫الكفر بآيات ال‪ ،‬وثالثة يكون الكفر بالرسل‪ ،‬ورابعة يكون الكفر ببعض النبيين‪ ،‬وخامسة يكون‬
‫الكفر ببعض الكتب السماوية‪.‬‬
‫إذن فألوان الكفر شتى‪ .‬والكفر في الية السابقة كان كفرا بآيات ال‪ ،‬أما كفرهم في هذه الية‬
‫فالحق يشرحه‪ { :‬وَ ِبكُفْرِهِمْ َوقَوِْلهِمْ عَلَىا مَرْ َيمَ ُبهْتَانا عَظِيما }‪ .‬لقد كفروا بعيسى عليه السلم‪،‬‬
‫وقالوا البهتان العظيم على مريم‪ ،‬هذا كفر بآيات ال وبرسول من عند ال‪.‬‬
‫وقوله الحق‪ " :‬وبكفرهم " هو عطف على " نقضهم " وعلى " كفرهم بآيات ال " وعلى " قتلهم‬
‫النبياء " وعلى " قولهم قلوبنا غلف "‪ .‬ونلحظ هنا أن الحق لم يذكر الباء التي جاءت في أول‬
‫ضهِم مّيثَا َقهُمْ }‪.‬‬
‫الية السابقة حين قال‪ { :‬فَ ِبمَا َن ْق ِ‬
‫وهذا يدل على أننا أمام مناط الرحمة من ربنا سبحانه وتعالى‪ .‬فقد كان يكفي ارتكابهم لي واحدة‬
‫من هذه العمال المذكورة لكي يطبع ال على قلوبهم‪ ،‬ولكنهم ارتكبوا كل العمال المذكورة‬
‫ل واحدا منها‪ .‬وهذا دليل على أن ال ل يتصيد ويحتال ليوقعهم في الكفر‬
‫مجتمعة‪ ،‬ولم يرتكبوا فع ً‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ولكن يحنن العباد إلى اليمان‪.‬‬
‫لقد ارتكبوا أربعة أفعال جسيمة‪ :‬نقضوا الميثاق‪ ،‬وكفروا بآيات ال‪ ،‬وقتلوا النبياء بغير حق‪،‬‬
‫وادعوا أن ال طبع على قلوبهم‪.‬‬
‫وحين جعل هذا الفعال الربعة جريمة واحدة فهذا فضل ورحمة منه‪.‬‬
‫عظِيما } وهنا نجد أنه‬
‫وبعد ذلك يذكر لهم جريمة أخرى‪ { :‬وَ ِب ُكفْرِهِ ْم َو َقوِْلهِمْ عَلَىا مَرْيَمَ ُبهْتَانا َ‬
‫سبحانه قد ساوى بين قولهم البهتان على مريم وبين كل الفعال السابقة؛ لنهم اعترضوا على‬
‫رسالة ونبوة عيسى عليه السلم وهو نبي من أولي العزم من الرسل بأشياء قد تكون ضمن‬
‫السباب التي فتنت بعض الناس فيه‪ ،‬لقد خلقه ال خلقا خاصا‪ .‬فسبحانه خلق الناس جميعا من آدم‬
‫عليه السلم الذي صوره ال من طين ثم نفخ فيه الروح‪ ،‬وجاء الخلق من التزاوج‪.‬‬
‫أما عيسى عليه السلم فقد خلقه ال بطريقة خاصة‪ ،‬فكيف كفروا به وكيف يتهمون أمه مريم‬
‫عليها السلم وهي البتول؟‪.‬‬
‫ومن الجائز أن تُتهم المرأة وترمى وتوصف بكل شيء‪ :‬كاذبة‪ ،‬سارقة‪ ،‬أو دميمة‪ ،‬لكن التهام في‬
‫العرض‪ :‬ل‪ .‬والحق هنا يحدد موضوعين للكفر‪ :‬قولهم البهتان على مريم وهو كفر بال‪ ،‬وكفرهم‬
‫بعيسى الذي جاء بميلد على غير طريقة الميلد العادية على الرغم من أن هذا تكريم له ولذع‬
‫لليهود الذين غرقوا في المادية حتى إنهم قالوا‪( :‬أرنا ال جهرة)‪.‬‬
‫بل إن الحق رزقهم برزق غيبي ل يعرفون أسبابه‪ :‬في التيه رزقهم بالمن والسلوى‪ ،‬والمن في‬
‫لون القشدة وطعم العسل البيض وهو شيء يقع على أوراق الشجر في بعض البيئات‪ ،‬والسلوى‬
‫طائر يشبه السّماني‪ ،‬وكانوا يأخذون المن من الشجار ويجعلونه رزقا يأتيهم ول يزرعونه ول‬
‫يتعبون فيه‪ .‬لكنهم قالوا‪ :‬ل‪ ،‬نحن نريد أن نزرع نباتا ينمو من الرض ول ننتظر الغيب‪ ،‬لن‬
‫الغيب قد يضن علينا‪ {.‬فَا ْدعُ لَنَا رَ ّبكَ يُخْرِجْ لَنَا ِممّا تُنْ ِبتُ الَ ْرضُ مِن َبقِْلهَا }[البقرة‪]61 :‬‬
‫هم ‪ -‬إذن ‪ -‬ل يثقون بما في يد ال‪ ،‬ويريدون المر المادي‪ ،‬ولذلك يلفتهم الحق سبحانه وتعالى‬
‫لفتة قسرية‪ ،‬ويأتي بأمر يناقض قانون المادة من أساسه؛ وهو ميلد عيسى عليه السلم بأسلوب‬
‫غير تقليدي‪ ،‬والنسان يأتي إلى الدنيا من أب وأم‪ ،‬ويأتي الحق بعيسى مخلوقا من أم دون أب‪،‬‬
‫ل ّولِ َبلْ ُهمْ فِي لَبْسٍ مّنْ‬
‫قاَ‬
‫خلْ ِ‬
‫فانتقضت المادية‪ ،‬وهم كماديين غفلوا عن الخلق الول‪َ {:‬أ َفعَيِينَا بِالْ َ‬
‫جدِيدٍ }[ق‪]15 :‬‬
‫خَ ْلقٍ َ‬
‫إذن فلماذا الفتنة في عيسى عليه السلم؟‪ .‬لقد نقض أمامهم الساس التقليدي المادي لمجيء‬
‫النسان إلى الدنيا من ذكر وأنثى‪ ،‬وجاء عيسى عليه السلم من أم دون أب‪ .‬ليثبت سبحانه طلقة‬
‫القدرة وأنه جعل السباب للبشر‪ ،‬فإن أراد البشر مُسَبّبا فعليهم أن يأخذوا السباب‪ ،‬أما سبحانه‬
‫وتعالى فهو مس ّببُ السباب وخالقها وهو القادر ‪ -‬وحده ‪ -‬على إيجاد الشيء بتنحية كل السباب‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ونعلم أن قضية الخلق دارت على اربعة أنحاء‪ ،‬إما أن ينشأ الشيء من وجود الشيئين‪ ،‬هذه هي‬
‫الصورة الولى‪ .‬وإما أن ينشأ الشيء من عدم وجود الشيئين وهذه هي الصورة الثانية‪ .‬وإما أن‬
‫ينشأ الشيء من وجود الشيء الول وعدم وجود الشيء الثاني‪ ،‬وهذه هي الصورة الثالثة‪ ،‬وإما أن‬
‫ينشأ الشيء من وجود الشيء الثاني مع عدم وجود الشيء الول‪ ،‬وهذه هي الصورة الرابعة‪.‬‬
‫تلك هي الصور الربع لوجود شيء ما‪ .‬ولم يشأ ال أن يجعل الخلق ‪ -‬وهو النسان المكرم الذي‬
‫سخر له الحق كل ما في الكون ‪ -‬على نحو واحد؛ حتى ل يقولن أحد‪ :‬إن السببية مشروطة‬
‫للوجود‪.‬‬
‫بل المسبّب هو المشروط في الوجود بدليل أنه سبحانه خلق آدم عليه السلم من غير أب ول أم‪،‬‬
‫وخلقنا جميعا نحن من أب وأم‪ ،‬وخلق عيسى عليه السلم من أم دون أب‪ ،‬وخلق حواء من أب‬
‫دون أم‪.‬‬
‫هذه هي القسمة العقلية الواضحة‪ ،‬فليست المسألة عنصرية موجودة‪ ،‬ولكن قيمة واقتدار واجد‪.‬‬
‫وقدرة الحق تتجلى أيضا أمامنا حينما تكون السباب موجودة كالب والم‪ .‬لكن يشاء سبحانه أن‬
‫سمَاوَاتِ وَالَ ْرضِ يَخُْلقُ مَا يَشَآءُ َي َهبُ ِلمَن يَشَآءُ إِنَاثا‬
‫يكون الثنان عقيمين فهو القائل‪ {:‬لِلّهِ مُ ْلكُ ال ّ‬
‫عقِيما }‬
‫ج َعلُ مَن يَشَآءُ َ‬
‫ج ُهمْ ُذكْرَانا وَإِنَاثا وَيَ ْ‬
‫وَ َيهَبُ ِلمَن يَشَآءُ ال ّذكُورَ * َأوْ يُ َزوّ ُ‬
‫[الشورى‪]50-49 :‬‬
‫إذن فليست المسألة مدار أسباب تُوجَد‪ ،‬بل مسَ ّببِ يريد أن يُوجِد‪ ،‬وأراد الحق أن يكون مجيء‬
‫عيسى عليه السلم بهذه الصورة ليلفت بني إسرائيل لعلهم يخرجون من ضللت المادية‪ ،‬فأوجده‬
‫من أم دون أب‪ ،‬فكان هذا آية على طلقة قدرته‪ ،‬ولكن اليهود استقبلوا هذه المسألة استقبالً على‬
‫غير مراد ال‪ ،‬فكذبوا عيسى‪ ،‬وقد حدث التكذيب من قبل أن يتكلم عيسى بالنجيل‪ .‬ووقفوا أمام‬
‫رسالته بعنف‪ ،‬والذي يدلنا على أنهم قوم كذابون‪ ،‬هو رغبتهم في استمرار السيطرة الدينية لهم‪،‬‬
‫وكان عندهم شريعة تقتضي الرجم للزانية‪ ،‬فلماذا إذن لم يتهموا مريم بالزنا عندما ولدت عيسى؟‬
‫ولماذا لم يعاقبوها حسب سريعة التوراة؟ ولماذا انتظروا إلى أن يجيء عيسى عليه السلم‬
‫بالنجيل ليقولوا‪ :‬يا فاعل يا ابن الفاعلة‪ .‬كان انتظارهم دليلً على أن ميلد عيسى عليه السلم‬
‫كان آية بينة صدعتهم وصدتهم عن ذلك‪ ،‬فقد نطق عيسى عليه السلم بعد ميلده ولم تتكلم مريم‬
‫قطّ؛ لن ما حدث أمر فوق منطقها‪ ،‬وجهزها ال لهذا الموقف؟‪ ،‬وأمرها بالصمت عندما يسألونها‪،‬‬
‫وأن تشير إلى المولود الذي في المهد‪ {:‬فَأَشَا َرتْ إِلَ ْيهِ قَالُواْ كَ ْيفَ ُنكَلّمُ مَن كَانَ فِي ا ْل َمهْ ِد صَبِيّا *‬
‫لةِ‬
‫جعَلَنِي مُبَارَكا أَيْنَ مَا كُنتُ وََأ ْوصَانِي بِالصّ َ‬
‫جعَلَنِي نَبِيّا * وَ َ‬
‫قَالَ إِنّي عَ ْبدُ اللّهِ آتَا ِنيَ ا ْلكِتَابَ وَ َ‬
‫وَال ّزكَاةِ مَا ُد ْمتُ حَيّا }[مريم‪]31-29 :‬‬
‫وانبهروا انبهارا فتت فيهم القوى‪ ،‬فقوى الخصومة ساعة ترى هذا ل تجد إل النهيار‪ ،‬فألحق‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أبلج‪ ،‬والباطل لجلج‪ .‬إذن كان المر بيدهم وفي توراتهم أن من يزن يرجم‪ ،‬فلماذا لم يرجموا أم‬
‫عيسى إذن؟‪ .‬ل بد أنهم صدموا بقوة جعلت موازين حقدهم تختل‪ ،‬المعجزة الباهرة هي كلم‬
‫جعَلَنِي نَبِيّا { وجعلت المفاجأة أقوى‬
‫عيسى ابن مريم في المهد‪ } :‬إِنّي عَبْدُ اللّهِ آتَا ِنيَ ا ْلكِتَابَ وَ َ‬
‫القوياء فيهم ينهار‪ ،‬وتخور قواه‪.‬‬
‫وعندما نقول هذا الكلم فليس الهدف منه تصحيح عقائد أحد‪ ،‬ولكننا فقط نريد أن يتضح منطق‬
‫اليمان في عقول المسلمين‪ ،‬أما أبناء الديانات الخرى فهم أحرار فيما يعتقدون‪ ،‬والمهم بالنسبة لنا‬
‫أن يكون ديننا وقرآننا متضحا أمام أعيننا‪ ،‬ول يجرؤ أحد أن يميل به‪.‬‬
‫عظِيما { ونحن كمسلمين نستنكف أن نقول ما قالوه من بهتان‬
‫} وَ ِب ُكفْرِهِ ْم َو َقوِْلهِمْ عَلَىا مَرْيَمَ ُبهْتَانا َ‬
‫على مريم البتول‪ ،‬والبهتان هو الكذب الشرس‪ .‬فهناك لون من الكذب قد يكون مقبولً‪ ،‬ولون من‬
‫الكذب غير مقبول‪ :‬فأن يقول قائل عن رجل ورع‪ :‬إنه شرب الخمر‪ ،‬والقائل يعلم أنه كاذب‪ ،‬فهذا‬
‫كذب ثقيل شرس‪ ،‬يتحير ويتعجب من يسمعه؛ وهذا هو البهتان‪ .‬ولم يستح ويمتنع اليهود حينما‬
‫رموا مريم ‪ -‬الطاهرة بأمر ال ‪ -‬بالبهتان مع أنهم علموا أن لمريم سابقة خير واستقامة‪.‬‬
‫لقد كان ماضي مريم ناصعا؛ لنه جرح مريم في عرضها‪ ،‬ولو رجعوا إلى تاريخهم قبل ميلد‬
‫عيسى من مريم لوجدوا أن كل واحدة من بنات بني إسرائيل كانت تستشرف أن يكون النبي‬
‫المولود بعد موسى من بطنها‪ .‬وكانوا يعرفون أن النبي القادم من بعد موسى ستلده عذراء‪ ،‬وأبلغ‬
‫بنو إسرائيل بناتهم بكيفية مجيء النبي القادم عيسى ابن مريم‪ ،‬تماما مثل قضية البشارة برسول‬
‫ال محمد صلى ال عليه وسلم‪ {:‬فََلمّا جَآءَهُمْ مّا عَ َرفُواْ َكفَرُواْ بِهِ فََلعْنَةُ اللّهِ عَلَى ا ْلكَافِرِينَ }[البقرة‪:‬‬
‫‪]89‬‬
‫ومن رحمة ال بمريم نفسها أن ال جعل لها التمهيدات التي تثبت لها أمام نفسها أنها بريئة‪ ،‬وأن‬
‫العملية كلها قد تمت بـ " كن " من ال‪ ،‬ولم يجعل ال المسألة سرّا عن مريم فتحمل بأمر قوله‪" :‬‬
‫كن " دون أن تدري‪ ،‬ل‪ .‬بل أراد سبحانه أن تكون عملية مادية‪ .‬وجاء الملك لمريم ونفخ فيها‬
‫بالحمل‪ .‬وعرفت هي السبب ماديا بالملك والنفخ حتى ل تتهم أو تشك بأن شيئا قد حدث لها وهي‬
‫نائمة أو غير ذلك‪.‬‬
‫لقد أراد ال المسألة على تلك الصورة ليجعلها أمرا يقطع الشك لديها‪ ،‬وهي التي بُشرت به ‪-‬‬
‫إيناسا لها ‪ -‬عندما كانت صغيرة قبل البلوغ وجاءها زكريا وهو الكفيل لها والذي يأتيها بالطعام‬
‫ودخل عليها المحراب فوجد عندها الرزق وسألها‪ } :‬أَنّىا َلكِ هَـاذَا { أجابت‪ُ {:‬هوَ مِنْ عِندِ اللّهِ‬
‫إِنّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن َيشَآءُ ِبغَيْرِ حِسَابٍ }[آل عمران‪]37 :‬‬
‫لقد نطقت مريم البتول من قبل‪ } :‬إِنّ اللّهَ يَرْ ُزقُ مَن يَشَآءُ ِبغَيْرِ حِسَابٍ { ومن الحساب أن يكون‬
‫للمرأة زوج لترزق بالولد‪ ،‬ولكن ال يرزق من يشاء بغير حساب‪ .‬ومن العجيب أنها في هذا القول‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫نبهت زكريا إلى قضية كانت في بؤرة شعوره؛ ولذلك يقول الحق‪ {:‬هُنَاِلكَ دَعَا َزكَرِيّا رَبّهُ قَالَ‬
‫سمِيعُ الدّعَآءِ * فَنَادَتْهُ ا ْلمَل ِئكَ ُة وَ ُهوَ قَائِمٌ ُيصَلّي فِي‬
‫َربّ َهبْ لِي مِن لّدُ ْنكَ ذُرّيّةً طَيّ َبةً إِ ّنكَ َ‬
‫حصُورا وَنَبِيّا مّنَ الصّاِلحِينَ *‬
‫ا ْلمِحْرَابِ أَنّ اللّهَ يُبَشّ ُركَ بِ َيحْيَـىا ُمصَدّقا ِبكَِلمَةٍ مّنَ اللّ ِه وَسَيّدا وَ َ‬
‫قَالَ َربّ أَنّىا َيكُونُ لِي غُلَ ٌم َوقَدْ بََلغَنِي ا ْلكِبَ ُر وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَِلكَ اللّهُ َي ْفعَلُ مَا يَشَآءُ }[آل‬
‫عمران‪]40-38 :‬‬
‫إذن فقد شجعت مريم زكريا على أن يدعو ربه‪ ،‬وتلك سلسلة تمهيدية ليطمئن إحساس مريم أن‬
‫ولدتها لعيسى عليه السلم إنما جاءت بـ " كن " وجاء لها الحق بفاكهة الصيف في الشتاء‪،‬‬
‫وعندما قالت لسيدنا زكريا‪ } :‬إِنّ اللّهَ يَرْ ُزقُ مَن يَشَآءُ ِبغَيْرِ حِسَابٍ { تنبه ودخل من هذا الباب‪،‬‬
‫فدعا ربه على الرغم من علمه أن امرأته عاقر‪ ،‬وأنه بلغ من الكبر عتيا‪ ،‬ومفهوم لنا معنى قول‬
‫الرجل عن نفسه إنه بلغ من الكبر عتيا؛ أي أنه لم يعد يملك القدرة على النجاب‪.‬‬
‫وهذه القضية تعطينا سبقا قرآنيا لكثير من قضايا العلم‪ {:‬قَالَ َربّ إِنّي وَهَنَ ا ْلعَظْمُ مِنّي وَاشْ َت َعلَ‬
‫الرّأْسُ شَيْبا }[مريم‪]4 :‬‬
‫هذا القول هو أشبه بمذكرة تفسيرية لبلوغه من الكبر عتيا‪ .‬ويثبت العلم الحديث أن العظام هي‬
‫آخر وعاء لتغذية النسان‪ ،‬فإن امتنع النسان عن الطعام فالدهون التي في جسده تغذية‪ .‬وإن امتنع‬
‫الماء عن النسان وهو المكوّن لتسعين في المائة من وزنه يمتص النسان الماء من خليا الجسم‬
‫والعضلت واللحم‪ .‬ولذلك يقال في المثل العربي‪ :‬سنة اذابت الشحم‪ ،‬وسنة أفنت اللحم‪ ،‬وسنة‬
‫محت العظم‪.‬‬
‫فكأن البداية تكون التغذية من الشحم ومن بعد ذلك من اللحم ومن بعد الشحم واللحم يأخذ الجسم‬
‫ظمُ مِنّي‬
‫غذاءه من العظم‪ .‬وهذه هي التي جاءت على لسان سيدنا زكريا‪ } :‬قَالَ َربّ إِنّي وَهَنَ ا ْلعَ ْ‬
‫{‪ .‬فآخر مخزن للتغذية لم يعد به ما يمكن أن يستمد منه زكريا طاقة النجاب‪.‬‬
‫وما الذي يغذيه العظم من الجسم؟ إنه يغذي المخ‪ ،‬وهو السيد العلى الذي يدير كل جارحة في‬
‫الجسم‪ ،‬وتعمل كل جارحة في خدمته‪ ،‬ويعيش المخ بطبيعة الحال كل عمره في خدمة الجوارح‪،‬‬
‫يرتب لها قدرات العمل والتفكير والحساس والسلوك‪ ،‬وما دام المخ موجودا‪ ،‬فكل شيء يتم‬
‫تعويضه‪.‬‬
‫ولذلك يحاولون ‪ -‬الن ‪ -‬تعريف الموت طبيا‪ ،‬فيقولون‪ :‬ل يحدث الموت مادامت خليا المخ‬
‫حية؛ فإذا ماتت خليا المخ فهذا هو الموت‪ .‬ومن عجيب المر أن سيد النسان له مكان في أعلى‬
‫الجسم إنه هو المخ‪ ،‬داخل الجمجمة‪ ،‬أما النبات فسيده في الجذور‪ .‬وإن لم تجد الجذور مياها تذيب‬
‫بها العناصر في الرض فالنبات يأخذ غذاءه من الورق‪ ،‬وبعد أن يذبل الورق يأخذ النبات غذاءه‬
‫من الفروع الصغيرة‪ .‬وعندما تذبل تلك القروع وتجف ول ينقذ النبات إل مجيء بعض الماء‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫للجذور‪ .‬وكذلك المخ بالنسبة للنسان‪.‬‬
‫حسَابٍ { فدعا‬
‫فكأن مريم شجعت سيدنا زكريا عندما قالت أمامه‪ } :‬إِنّ اللّهَ يَرْ ُزقُ مَن يَشَآءُ ِبغَيْرِ ِ‬
‫سيدنا زكريا ال أن يرزقه بالولد‪ ،‬فجاءه الولد‪ .‬وهذه القضية نطقت بها مريم وتمت تجربتها في‬
‫سيدنا زكريا‪ .‬وبعد ذلك جاءها البشير بميلد المسيح عيسى ابن مريم‪ {:‬إِذْ قَاَلتِ ا ْلمَل ِئكَةُ يامَرْيَمُ‬
‫سمُهُ ا ْلمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيها فِي الدّنْيَا وَالخِ َر ِة َومِنَ ا ْل ُمقَرّبِينَ *‬
‫إِنّ اللّهَ يُبَشّ ُركِ ِبكَِلمَةٍ مّنْهُ ا ْ‬
‫ل َومِنَ الصّالِحِينَ }[آل عمران‪]46-45 :‬‬
‫وَ ُيكَلّمُ النّاسَ فِي ا ْل َمهْ ِد َو َكهْ ً‬
‫سسْنِي‬
‫كيف يصوغ القرآن هذه الصياغة‪ ،‬وكيف تقول هي‪ {:‬قَاَلتْ َربّ أَنّىا َيكُونُ لِي وَلَ ٌد وَلَمْ َيمْ َ‬
‫بَشَرٌ }[آل عمران‪]47 :‬‬
‫لقد كانت سيدتنا مريم البتول تحسن الستقبال عن ال‪ ،‬فساعة سمعت أن اسمه المسيح عيسى ابن‬
‫مريم‪ ،‬عرفت أن نسبه لها يعني أنه بل أب‪ .‬وعرفت أن الحق سبحانه ما نسبه إليها إل لنه ل أب‬
‫له‪.‬‬
‫ويقول الحق بعد ذلك‪َ } :‬و َقوِْلهِمْ إِنّا قَتَلْنَا ا ْل َمسِيحَ‪{ ...‬‬

‫(‪)643 /‬‬
‫َوقَوِْلهِمْ إِنّا قَتَلْنَا ا ْلمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّ ِه َومَا قَتَلُو ُه َومَا صَلَبُوهُ وََلكِنْ شُبّهَ َلهُ ْم وَإِنّ الّذِينَ‬
‫ن َومَا قَتَلُوهُ َيقِينًا (‪)157‬‬
‫شكّ مِنْهُ مَا َل ُهمْ بِهِ مِنْ عِ ْلمٍ إِلّا اتّبَاعَ الظّ ّ‬
‫اخْتََلفُوا فِيهِ َلفِي َ‬

‫ضهِم مّيثَا َقهُ ْم َو ُكفْرِهِم‬
‫ونلحظ أن الية تبدأ بواو العطف على ما قبلها‪ ،‬وهو قوله الحق‪ {:‬فَ ِبمَا َنقْ ِ‬
‫ق َوقَوِْلهِمْ قُلُوبُنَا غُ ْلفٌ َبلْ طَ َبعَ اللّهُ عَلَ ْيهَا ِب ُكفْرِهِمْ فَلَ ُي ْؤمِنُونَ ِإلّ‬
‫حّ‬
‫بَآيَاتِ اللّ ِه َوقَتِْلهِ ُم الَنْبِيَآءَ ِبغَيْرِ َ‬
‫عظِيما }[النساء‪]156-155 :‬‬
‫قَلِيلً * وَ ِبكُفْرِ ِه ْم َو َقوْلِهِمْ عَلَىا مَرْيَمَ ُبهْتَانا َ‬
‫ويعطف سبحانه على جرائمهم هذه الجريمة الجديدة‪َ { :‬و َقوِْلهِمْ إِنّا قَتَلْنَا ا ْلمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْ َيمَ‬
‫رَسُولَ اللّهِ } وأكثر ما يدهش في هذا القول هو كلمة { َرسُولَ اللّهِ } ‪ ،‬فهل هي هنا من قولهم؟ إن‬
‫كانوا قد قالوها فهذا دليل اللجاجة المطلقة‪ ،‬ولو قالوا‪ :‬إنهم قتلوه فقط لكان الجرم أقل وطأة‪ ،‬ولكن‬
‫إن كانوا قد عرفوا أنه رسول ال وقتلوه فهذا جرم صعب للغاية‪ .‬أو أن كلمة { َرسُولَ اللّهِ } هنا‬
‫في هذه الية ليست من مقولهم الحقيقي وإنما من مقولهم التهكمي‪.‬‬
‫وأضرب المثل لوضح هذا المر‪ ..‬كأن يأتي شخص ذو قوة هائلة ومشهور بقوته ويأتي له‬
‫شخص آخر ويضربه ويهزمه ويقول لجماعته‪ :‬لقد ضربت الفتى القوي فيكم‪ .‬إذن قد يكون قولهم‪:‬‬
‫{ َرسُولَ اللّهِ } هو من قبيل التهكم‪ ،‬أو أن كلمة { رَسُولَ اللّهِ } هنا هي من قول الحق سبحانه‬
‫وتعالى مضافا إلى قولهم ليبشع عملهم‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫" وقولهم‪ { :‬إِنّا قَتَلْنَا ا ْلمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ } فكأن الحق لم يشأ أن يذكر عيسى ابن‬
‫مريم إل مرتبطا أو موصوفا بقوله‪ { :‬رَسُولَ اللّهِ } لنعلم بشاعة ما فعلوه‪ ،‬فعيسى ابن مريم رسول‬
‫ال على رغم أنوفهم‪ ،‬وخاصة أن الكلم في مجال انكارهم وجحودهم لنعم ال‪ ،‬وكفرهم بآيات ال‪،‬‬
‫وكأن الحق يسخر منهم؛ لنه ما كان ال ليرسل رسولً ليبين منهجه للناس ثم يسلط الناس على‬
‫قتله قبل أن يؤدي مهمته‪ .‬وجاء بكلمة { رَسُولَ اللّهِ } هنا كمقدمة ليلتفت الذهن إلى أن ما قالوه‬
‫هو الكذب‪.‬‬
‫وبعد ذلك يقول لنا سبحانه‪َ { :‬ومَا قَتَلُو ُه َومَا صَلَبُوهُ }‪ .‬وكلمة " وما صلبوه " هنا هي لتوضيح أن‬
‫مجرد ظنهم أنهم قتلوا المسيح جعلهم يشيعون ذلك ويعلنونه للناس‪ ،‬وهم قد فعلوا ذلك قبل أن‬
‫يتوجهوا إلى فكرة الصلب‪ ،‬فقد قتلوا شخصا شبهه ال لهم ولم يكن هو المسيح وصلبوه من بعد‬
‫ذلك‪ ،‬وبمجرد قتل هذا الشخص طاروا بخبر القتل قبل أن تبدأ فكرة الصلب‪ .‬ويقطع ال عليهم هذا‬
‫المر‪ ،‬فيقول‪َ { :‬ومَا قَتَلُو ُه َومَا صَلَبُوهُ وَلَـاكِن شُبّهَ َلهُمْ }‪.‬‬
‫وقد لفتنا سبحانه من قبل إلى أن عملية ميلد المسيح تم استقبالها من بني إسرائيل بضجة‪ ،‬فعلى‬
‫رغم علمهم خبر مجيء المسيح بالميلد من غير أب‪ ،‬وعلى رغم أنهم علموا بناتهم الستشراف‬
‫أن يكون لية واحدة منهن شرف حمل المسيح‪ ،‬وعلى رغم ذلك قالوا البهتان في مريم التي‬
‫اصطفاها ال‪.‬‬
‫وكذلك كان لمسألة الوفاة ضجة‪.‬‬
‫واقتران الضجتين‪ :‬ضجة الميلد وضجة الوفاة معا في رسالة السيد المسيح يدلنا على أن العقل‬
‫يجب أن تكون له وحدة تفسيرية‪ ،‬فساعة يتكلم العقل عن قضية الميلد بالنسبة لعيسى ابن مريم ل‬
‫بد أن يستشعر النسان أن المر قد جاء على غير سنة موجودة‪ ،‬وساعة يبلغنا الحق أن بني‬
‫إسرائيل بيتوا النية لقتل عيسى ابن مريم‪ ،‬وأن ال رفعه إليه تكون المسألة قد جاءت أيضا بقضية‬
‫مخالفة‪ ،‬ول بد أن نصدق ما بلغنا ال به‪ ،‬وأن يتذكر العقل أن الميلد كان مخالفا‪ ،‬فلماذا ل تكون‬
‫النهاية مخالفة أيضا؟‬
‫وكما صدقنا أن عيسى ابن مريم جاء من غير أب‪ ،‬ل بد أن نصدق أن الحق قد رفعه في النهاية‬
‫وأخذه‪ ،‬فلم يكن الميلد في حدود بلغ الحق لنا‪ .‬والميلد والنهاية بالنسبة لعيسى ابن مريم كل‬
‫منهما عجيبة‪ .‬وإن فهمنا العجيبة الولى في الميلد فنحن نعتبرها تمهيدا إلى أن عيسى ابن مريم‬
‫دخل الوجود ودخل الحياة بأمر عجيب‪ ،‬فلماذا ل يخرج منها بأمر عجيب؟ وإن حدثنا الحق أن‬
‫عيسى ابن مريم خرج من الحياة بأمر عجيب فنحن ل نستعجب ذلك؛ لن من بدأ بعجيب ل عجب‬
‫أن ينتهي بعجيب‪.‬‬
‫وسبحانه وتعالى حكم وقال‪َ } :‬ومَا قَتَلُوهُ َومَا صَلَبُوهُ وَلَـاكِن شُبّهَ َلهُمْ { وكلمة } شُبّهَ َل ُهمْ { هذه‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫هي دليل على هوج المحاولة للقتل‪ ،‬فقد ألقى شبهه على شخص آخر‪ .‬وذلك دليل على أن المسألة‬
‫كانت غير طبيعية‪ ،‬ليس فيها حزم التبيّن من المتربصين القتلة‪ .‬ونعلم أن الحواريين وأتباع سيدنا‬
‫عيسى كانوا يلفون رءوسهم ويدارون سماتهم‪ ،‬ولذلك قال الحق لنا‪ } :‬وَلَـاكِن شُبّهَ َلهُمْ { أي أنهم‬
‫قد شبه لهم أنهم قتلوه‪.‬‬
‫واختلفت الروايات في كلمة " شبه لهم " ‪ ،‬فمن قائل‪ :‬إنهم حينما طلبوا عيسى ابن مريم ليقتلوه‬
‫دخل خوخة‪ ،‬والخوخة هي باب في باب‪ ،‬وفي البيوت القديمة كان يوجد للبيت باب كبير لدخال‬
‫الشياء الكبيرة‪ ،‬وفي هذا الباب الكبير يوجد باب صغير يسمح بمرور الفراد‪ ،‬وفي سقف يسمح‬
‫بمرور الفراد‪ ،‬وفي سقف البيت توجد فتحة وكوّة اسمها (روزنة) أو (ناروظة)‪.‬‬
‫فلما طلبوا عيسى دخل الخوخة‪ ،‬ودخل خلفه رجل اسمه " تطيانوس " وعندما رأى سيدنا عيسى‬
‫هذا المر ألهمه ال أن ينظر إلى أعلى فوجد شيئا يرفعه‪ ،‬فلما استبطأ القومُ " تطيانوس " خرج‬
‫عليهم فتساءلوا‪ :‬إن كان هذا تطيانوس فأين عيسى؟ وإن كان هذا عيسى فأين تطيانوس؟‬
‫إذن فقد اختلط عليهم الشبه بين " تطيانوس " وعيسى‪ ،‬وألقى ال شبه عيسى على " تطيانوس "‬
‫فقتلوه‪ .‬أو أن عيسى عليه السلم حينما دخلوا عليه كان معه الحواريون وقال لهم عيسى‪ :‬أيكم‬
‫يُلقي عليه شبهي وله الجنة؟ فماذا إذن يريد الحواري لنفسه أكثر من الجنة؟ وقدم عيسى عليه‬
‫السلم الجائزة الكبرى لي مؤمن‪ ،‬وقبل واحد من الحواريين هذه المهمة‪ ،‬ويقال له " سرخس "‪.‬‬
‫فألقى شبه المسيح عيسى عليه‪ ،‬فقتل اليهود " سرخس "‪.‬‬
‫وقالوا‪ :‬إنه حينما عرف بعض الذين ذهبوا لقتل عيسى أنه رُفع‪ ،‬خافوا أن تنتشر حكاية رفع‬
‫عيسى بين الناس فيؤمنوا برسالة عيسى‪ ،‬وقد ينتقم الناس من الذين أرادوا قتله‪ .‬ولذلك جاء القتلة‬
‫بشخص وقتلوه وألقى على هذا القتيل شبه عيسى وأعلن القتلة أنهم قتلوا المسيح عيسى ابن مريم‪.‬‬
‫أو أن القتيل هو واحد ممن باعوا نبي ال عيسى لليهود‪ ،‬ولما رأى المشهد ووجد المتربصين‬
‫بعيسى يدخلون على الحواريين وفيهم عيسى وسأل المتربصون الحواريين‪ :‬أيكم عيسى؟ فتيقظت‬
‫ملكة التوبة في نفس الذي وشى بعيسى وقادة تأنيب الضمير على خيانة الرسول إلى أن يقول‪" :‬‬
‫أنا عيسى "‪ .‬ولم يتصور المتربصون أن يجيب إنسان على قولهم‪ " :‬أيكم عيسى "‪ .‬إل وهو عيسى‬
‫بالفعل؛ لن مشهد المتربصين يوحي أنهم سيقتلون عيسى‪ .‬وقتلوا الذي اعترف على نفسه دون‬
‫تثبت‪ .‬أو أن واحدا باع عيسى لقاء ثلثين دينارأً وتشابه عليهم كبيرا بتلك الروايات‪ .‬فالمهم أنهم‬
‫قالوا قتلنا عيسى‪ .‬وصلبناه‪.‬‬
‫وقرآننا الذي نزل على رسولنا صلى ال عليه وسلم قال‪َ } :‬ومَا قَتَلُو ُه َومَا صَلَبُوهُ وَلَـاكِن شُبّهَ َلهُمْ‬
‫{‪ .‬وقال الحق لنا‪ :‬إنه رفع عيسى إليه‪ ،‬وانتهت المسألة بالنسبة لنا؛ لننا كمؤمنين ل نأخذ‬
‫الجزئيات الدينية أولً فإن صدقناها آمنا‪ ،‬ل‪ .‬نحن نؤمن أولً بمُنَزّل هذه الجزئيات ونصدق من‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫بعد ذلك كل ما جاء منه سبحانه‪ ،‬وهو قال ذلك فآمنا به وانتهت المسألة‪.‬‬
‫إن البحث في هذا المر ل يعنينا في شيء‪ ،‬ويكفينا أن الحق سبحانه وتعالى قال‪َ } :‬ومَا قَتَلُوهُ َومَا‬
‫صَلَبُوهُ وَلَـاكِن شُبّهَ َلهُمْ {‪ .‬ويدلنا هذا القول على عدم تثبت القتلة من شخصية القتيل‪ ،‬وهو أمر‬
‫متوقع في مسألة مثل هذه‪ ،‬حيث يمكن أن تختلط المور‪.‬‬
‫إننا نرى ذلك في أية حادثة تحدث مع وجود أعدادا كبيرة من البشر وأعينهم مفتوحة‪ ،‬وعلى‬
‫الرغم من ذلك تختلف فيها الروايات‪ .‬بل وقد تكون الحادثة مصورة ومسجلة ومع ذلك تختلف‬
‫الروايات‪ ،‬فما بالنا بوجود حادثة مثل هذه في زمن قديم ل توجد به كل الحتياطات التي نراها في‬
‫زماننا؟ إذن فاضطراب الراء والروايات في تلك الحادثة أمر وارد‪ ،‬ويكفينا أن الحق سبحانه‬
‫وتعالى قال‪َ } :‬ومَا قَتَلُو ُه َومَا صَلَبُوهُ {‪.‬‬
‫فعيسى باق؛ لن الحق لم يأت لنا بخبر موت عيسى‪ .‬ويبقى المر على أصل ما وردت به اليات‬
‫من أن ال سبحانه وتعالى رفع عيسى ابن مريم‪ .‬وكمسلمين ل نستبعد أن يكون الحق سبحانه‬
‫وتعالى قد رفعه إلى السماء؛ لن المبدأ ‪ -‬مبدأ وجود بشر في السماء ‪ -‬قد ثبت لرسولنا صلى ال‬
‫عليه وسلم‪ ،‬فقد حدثنا صلى ال عليه وسلم أنه عُرج به إلى السماء‪ ،‬وأنه صعد وقابل النبياء‬
‫ورأى الكثير من الرؤى‪ ،‬إذن فمبدأ صعود واحد من البشر من الرض وهو ل يزال على قيد‬
‫الحياة البشرية المادية إلى السماء أمر وارد‪.‬‬
‫والخلف يكون في المدة الزمنية‪ ،‬لكنه خلف ل ينقض مبدأً‪ ،‬سواء صعد وبقي في السماء دقائق‬
‫أو ساعات أو شهورا‪ .‬فإن حاول أحد أن يشكك في هذه المسألة نقول له‪ :‬كل أمر قد يقف العقل‬
‫فيه يتناوله الحق سبحانه وتعالى تناولً موسعا‪ .‬فسبحانه خالق رحيم ل يورد نصا بحيث يتوقف‬
‫العقل أمامه‪ ،‬فإن قبل العقل النص كان بها‪ ،‬وإن لم يقبله وجدت له مندوحة‪ ،‬لنه أمر ل يتعلق‬
‫بصلب العقيدة‪.‬‬
‫فهب أن إنسانا قال إن عيسى لم يرفع بل مات‪ ،‬فما الذي زاد من العقائد وما الذي نقص؟ ذلك أمر‬
‫ل يضر ول ينفع‪ .‬ومثل ذلك السراء‪ ،‬جاء فيه الحق بالقول القرآني‪ {:‬سُ ْبحَانَ الّذِي أَسْرَىا ِبعَبْ ِدهِ‬
‫سمِيعُ‬
‫حوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ إِنّهُ ُهوَ ال ّ‬
‫ل ْقصَى الّذِي بَا َركْنَا َ‬
‫سجِ ِد ا َ‬
‫سجِدِ ا ْلحَرَامِ إِلَىا ا ْلمَ ْ‬
‫لَيْلً مّنَ ا ْلمَ ْ‬
‫ال َبصِيرُ }[السراء‪]1 :‬‬
‫ولم يقل الحق أي قول في أمر المعراج‪ ،‬لن السراء آية أرضية‪ ،‬انتقل فيها الرسول صلى ال‬
‫عليه وسلم من مكة إلى بيت المقدس‪ .‬ونعلم أن رسول ال لم يذهب إلى بيت المقدس قبل السراء‪،‬‬
‫بدليل أن كفار مكة أرادوا إحراج الرسول فقالوا له‪ :‬صف لنا بيت المقدس‪ .‬وهم واثقون من عدم‬
‫ذهابه إليه من قبل‪ .‬وكان في الطريق قوافل لهم رآها صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ووصف صلى ال‬
‫عليه وسلم بيت المقدس وقال لهم عن أخبار قوافلهم‪ .‬وجاءت القوافل مثبتة لصدق محمد صلى ال‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫عليه وسلم‪.‬‬
‫إذن كان السراء برسول ال صلى ال عليه وسلم آية أرضية يمكن أن يقام عليها الدليل‪ .‬ولذلك‬
‫سجِدِ‬
‫سجِدِ الْحَرَامِ إِلَىا ا ْلمَ ْ‬
‫جاء بها الحق صريحة فقال‪ } :‬سُبْحَانَ الّذِي َأسْرَىا ِبعَبْ ِدهِ لَيْلً مّنَ ا ْلمَ ْ‬
‫ل ْقصَى {‪.‬‬
‫اَ‬
‫لكن المعراج لم يذكره الحق صراحة‪ ،‬فلم يكن من قريش ول من أهل الرض من رأي سدرة‬
‫المنتهى‪ ،‬ولم يكن لحد من أهل الرض القدرة على أن يصف طريق المعراج‪.‬‬
‫إذن فاليات التي يقف فيها العقل يتناولها القرآن تناولً موسعا رحمة بالعقول؛ لن النسان إن‬
‫اعتقد بها فهذا أمر جائز‪ ،‬وعدم العتقاد بها ل يؤثر في أصل العقيدة‪ ،‬ول في أصول التكليفات‪،‬‬
‫ومدارها التصديق‪ .‬ومادام الحق سبحانه وتعالى قد فوض رسوله أن يعطينا أحكاما‪ .‬إن عملنا بها‬
‫خذُوهُ َومَا َنهَاكُمْ عَ ْنهُ فَان َتهُواْ‬
‫جزانا ال الثواب‪ ،‬وإن لم نعمل بها نالنا العقاب } َومَآ آتَاكُمُ الرّسُولُ فَ ُ‬
‫{ ‪ ،‬فكيف ل يفوضه في أن يقول لنا بعضا من الخبار؟!‬
‫ورسول ال صلى ال عليه وسلم فيما روي عن أبي هريرة ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬وذكره البخاري‬
‫في صحيحه أنه قال‪:‬‬

‫" والذي نفسي بيده‪ ،‬ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلً‪ ،‬فيكسر الصليب‪ ،‬ويقتل الخنزير‪،‬‬
‫ويضع الجزية‪ ،‬ويفيض المال حتى ل يقبله أحد‪ ،‬وحتى تكون السجدة الواحدة خيرا من الدنيا وما‬
‫فيها "‪ .‬ثم يقول أبو هريرة‪ :‬اقرأوا إن شئتم " وإن من أهل الكتاب إل ليؤمنن به قبل موته ويوم‬
‫القيامة يكون عليهم شهيدا "‪.‬‬
‫هذه أخبار أخبرنا بها رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ .‬إذن ل توجد قضية عقدية تقف مستعصية‬
‫أمام عقول المسلمين خاصة‪ .‬أن البعض قد يقول‪ :‬إن الحق سبحانه قد قال‪ِ {:‬إذْ قَالَ اللّهُ ياعِيسَىا‬
‫طهّ ُركَ مِنَ الّذِينَ َكفَرُواْ }[آل عمران‪]55 :‬‬
‫ك وَرَا ِف ُعكَ إَِليّ َومُ َ‬
‫إِنّي مُ َتوَفّي َ‬
‫وقد شرحنا من قبل في خواطرنا عن سورة آل عمران كل الشرح لهذه المسألة‪ .‬قلنا‪ :‬إن علينا أن‬
‫ننتبه إلى " واو العطف " بين " متوفيك " و " رافعك "‪.‬‬
‫ومن قال إن " واو العطف " تقتضي الترتيب؟ إن " واو العطف " تقتضي الجمع فقط كقولنا‪" :‬‬
‫جاءني زيد وعمرو " ‪ ،‬هذا يعني أن زيدا جاء مع عمرو‪ .‬أو ان زيدا جاء أولً‪ ،‬أو أن عمرا جاء‬
‫أولً وتبعه زيد‪ ،‬فـ " الواو " ل تقتضي الترتيب‪ ،‬وإنما مقتضاها الجمع فقط‬
‫لكن إن قلنا " جاءني زيد فعمرو " فزيد هو الذي جاء أولً وتبعه عمرو؛ لن " الفاء " تقتضي‬
‫الترتيب‪ ،‬أما " الواو " فتأتي لمطلق الجمع ول تتعلق بكيفية الجمع‪ ،‬وسبحانه قال‪ } :‬إِنّي مُ َت َوفّيكَ‬
‫وَرَا ِف ُعكَ إَِليّ { هذا الضرب من الجمع ليدل على أن التوفي قد تم قبل الرفع‪ ،‬ودليلنا أن الحق‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫سبحانه أنزل في القرآن آيات تدل على مثل هذا‪ ،‬كقوله الحق‪ {:‬وَإِذْ َأخَذْنَا مِنَ النّبِيّيْنَ مِيثَا َقهُ ْم َومِ ْنكَ‬
‫ح وَإِبْرَاهِيمَ }[الحزاب‪]7 :‬‬
‫َومِن نّو ٍ‬
‫فسبحانه أخذ الميثاق من محمد صلى ال عليه وسلم وجمع معه سيدنا نوحا وإبراهيم‪ ،‬فهل هذا‬
‫الجمع كان قائما على الترتيب؟ ل؛ لن نوحا متقدم جدا في الموكب الرسالي وسبق سيدنا رسول‬
‫ال بسنوات طويلة ويفصل بينهما رسل كثيرون‪ .‬إذن فـ " الواو " ل تقتضي الترتيب في الجمع‪.‬‬
‫ولماذا جاء الحق بأمر الوفاة مع أمر الرفع؟ جاء الحق بذلك ليشعر عيسى أن الوفاة أمر مقطوع‬
‫به‪ ،‬لكن الرفع مجرد عملية مرحلية‪.‬‬
‫ك وَرَا ِف ُعكَ ِإَليّ {؛ لن النسان المخلوق ل مكون ومركب من مادة‬
‫أو جاء قوله الحق‪ } :‬إِنّي مُ َت َوفّي َ‬
‫وفي داخلها الروح‪ ،‬وعندما يريد الحق أن ينهي حياة إنسان ما‪ ،‬فهو يقبضه بدون سبب وبدون‬
‫نقض في البينة‪ ،‬ويموت حتف أنفه‪ ،‬أما إذا ما ضرب إنسان إنسانا ضربة عنيفة على رأسه‬
‫فالمضروب أيضا يموت‪ ،‬لن الروح ل تحل في جسم به عطب شديد‪.‬‬
‫ي نقض لبنيتك أو هدم لها‬
‫إذن فالحق أوضح لعيسى‪ :‬أنا آخذك إليّ وأرفعك متوفيا وليس بجسدك َأ ّ‬
‫أو لبعضها‪ ،‬بل آخذك كاملً‪ .‬فـ " متوفيك " تعني الخذ كاملً دون نقض للبنية بالقتل‪.‬‬
‫ونحن ‪ -‬كما عرفنا من قبل ‪ -‬نفرق بين القتل والموت‪ .‬فالموت هو أن تُقبض الروح حتف‬
‫النف‪ ،‬أما القتل فهو هدم للبنية فتزهق الروح‪ ،‬والدليل على ذلك أن الحق في كتابه الكريم قال‪{:‬‬
‫أَفإِنْ مّاتَ َأوْ قُ ِتلَ }[آل عمران‪]144 :‬‬
‫إذن فحين قال بنو إسرائيل‪ :‬إنهم قتلوا عيسى ابن مريم كذبهم الحق وقال‪َ } :‬ومَا قَتَلُوهُ َومَا صَلَبُوهُ‬
‫{‪ .‬ورفعه ال إليه كاملً‪ ،‬وسبحانه وتعالى يقول‪َ } :‬ومَا قَتَلُو ُه َومَا صَلَبُو ُه وَلَـاكِن شُبّهَ َلهُ ْم وَإِنّ‬
‫ن َومَا قَتَلُوهُ َيقِينا {‪ .‬ويوضح الحق‬
‫شكّ مّنْهُ مَا َلهُمْ ِبهِ مِنْ عِلْمٍ ِإلّ اتّبَاعَ الظّ ّ‬
‫الّذِينَ اخْتََلفُواْ فِيهِ َلفِي َ‬
‫سبحانه وتعالى‪ :‬لم يتيقنوا أنهم قتلوا عيسى ابن مريم‪ ،‬ولكنهم شكوا فيمن قُتل‪ ،‬فلم يعرف‬
‫المتربصون لقتله أقتلوا عيسى أو تطيانوس أو سرخس؟‬
‫والحق سبحانه جاء هنا بنسبتين متقابلتين‪ ،‬فبعد أن نفى سبحانه نبأ مقتل عيسى ابن مريم قال‪} :‬‬
‫شكّ مّنْهُ مَا َلهُمْ ِبهِ مِنْ عِلْمٍ ِإلّ اتّبَاعَ الظّنّ {‪ .‬والنسبة الولى المذكورة‬
‫وَإِنّ الّذِينَ اخْتََلفُواْ فِيهِ َلفِي َ‬
‫هنا هي الشك‪ ،‬وهو نسبة يتساوى فيها المران‪ .‬والنسبة الثانية هي اتباعهم للظن‪ ،‬وهو نسبة‬
‫راجحة‪ .‬لقد بدأ المر بالنسبة إليهم شكا ثم انقلب ظنا‪.‬‬
‫وينهي الحق ذلك بعلم يقيني } َومَا قَتَلُوهُ َيقِينا { وسبحانه ينفي بذلك انهم قتلوه يقينا‪ ،‬واليقين ‪ -‬كما‬
‫نعلم ‪ -‬هو المر الثابت المعقود في الواقع والعماق بحيث ل يطفو إلى الذهن ليناقش من جديد‬
‫أو يتغير‪ ،‬وله مراحل هي‪ :‬مرحلة العلم‪ ،‬واسمها علم اليقين‪ ،‬ومرحلة العين‪ ،‬واسمها عين اليقين‪،‬‬
‫ومرحلة الحقيقة‪ ،‬واسمها حق اليقين‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وعندما يخبرنا واحد من الناس أن جزءا من نيويورك اسمه " مانهاتن "‪ .‬وأن مانهاتن هذه هي‬
‫جزيرة يصل تعداد سكانها إلى عشرة مليين نسمة‪ ،‬وفيها ناطحات سحاب‪ ،‬وجاء هذا الخبر ممن‬
‫ل نعرف عنه الكذب فيسمعه من لم يَر نيويورك‪ ،‬فيصير مضمون الخبر عنده علما متيقنا؛ لن‬
‫الذي أخبر به موثوق به‪ .‬وإن جاء آخر ووجه للسامع عن نيويورك دعوة لزيارتها ولبى السامع‬
‫الدعوة وذهب إلى نيويورك‪ ،‬هنا تحول الخبر من " علم يقين " إلى " عين اليقين "‪ .‬وإن جاء ثالث‬
‫وصحب السامع إلى قلب نيويورك وطاف به في كل شوارعها ومبانيها‪ ،‬فهذا هو " حق اليقين "‬
‫وأسمى أنواع اليقين هو " حق اليقين " ‪ ،‬وقبلها " عين اليقين " ‪ ،‬وقبل " عين اليقين " " علم اليقين‬
‫"‪.‬‬
‫س ْوفَ َتعَْلمُونَ * كَلّ َلوْ َتعَْلمُونَ‬
‫س ْوفَ َتعَْلمُونَ * ثُمّ كَلّ َ‬
‫وحينما عرض سبحانه المسألة قال‪ {:‬كَلّ َ‬
‫عِلْمَ الْ َيقِينِ * لَتَ َروُنّ ا ْلجَحِيمَ * ُثمّ لَتَ َروُ ّنهَا عَيْنَ الْ َيقِينِ }[التكاثر‪]7-3 :‬‬
‫هو سبحانه يعطينا علم اليقين‪ ،‬ويصدقه المؤمنون بهذا العلم قبل أن يروه‪ ،‬وسيرى المؤمنون وهم‬
‫على الصراط النارَ وذلك عين اليقين‪ .‬أما مسألة دخول الذين يرون الجحيم إليها فأمر سكت عنه‬
‫الحق؛ لن هناك من يدخل الجنة ول يدخل النار‪ ،‬وهناك من يدخل النار ول يدخل الجنة‪.‬‬
‫والكافرون بال هم الذين سيرون الجحيم حق اليقين‪ .‬ويأتي " حق اليقين " في موضع آخر من‬
‫حمِيمٍ * وَ َتصْلِيَةُ جَحِيمٍ * إِنّ‬
‫القرآن الكريم‪ {:‬وََأمّآ إِن كَانَ مِنَ ا ْل ُمكَذّبِينَ الضّآلّينَ * فَنُ ُزلٌ مّنْ َ‬
‫هَـاذَا َل ُهوَ حَقّ الْ َيقِينِ }[الواقعة‪]95-92 :‬‬
‫فكل مكذب ضال سينزل إلى الحميم ويصلى الجحيم ويعاني من عذابها حق اليقين‪ .‬إذن فقوله‬
‫الحق عن مسألة قتل عيسى ابن مريم‪َ } :‬ومَا قَتَلُوهُ َيقِينا { يصدقه الذين لم يشاهدوا الحادث‪،‬‬
‫تصديق علم يقين لن ال هو القائل‪ .‬والذين رأوا الحادث عرفوا أنهم لم يقتلوه ولكنهم شكوا في‬
‫ذلك‪ .‬وأما من باشر عملية القتل لنسان غير عيسى عليه السلم فهو الذي عرف حقيقة اليقين‪.‬‬
‫والذي حدث هو ما يلي‪ } :‬بَل ّر َفعَهُ اللّهُ‪{ ...‬‬

‫(‪)644 /‬‬
‫حكِيمًا (‪)158‬‬
‫َبلْ َر َفعَهُ اللّهُ إِلَيْ ِه َوكَانَ اللّهُ عَزِيزًا َ‬

‫لقد رفعه العزيز الذي ل يغلبه أحد على الطلق‪ ،‬فهو القوي الشديد الذي ل ينال منه أحد‪ ،‬فإذا‬
‫كانوا قد أرادوا قتل رسوله عيسى ابن مريم‪ ،‬فال غالب على أمره‪ ،‬وهو العزيز بحكمة‪.‬‬
‫ويقول الحق من بعد ذلك‪ { :‬وَإِن مّنْ أَ ْهلِ ا ْلكِتَابِ‪} ...‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫(‪)645 /‬‬
‫شهِيدًا (‪)159‬‬
‫وَإِنْ مِنْ أَ ْهلِ ا ْلكِتَابِ إِلّا لَ ُي ْؤمِنَنّ بِهِ قَ ْبلَ َموْتِ ِه وَ َيوْمَ ا ْلقِيَامَةِ َيكُونُ عَلَ ْيهِمْ َ‬

‫و " إن " هنا هي " إن " النافية‪ ،‬وهي غير " إن " الشرطية‪ .‬وإليكم هذا المثال عن " إن " النافية‬
‫من موضع آخر من القرآن حين قال الحق‪ {:‬الّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُمْ مّن نّسَآ ِئهِمْ مّا هُنّ ُأ ّمهَا ِتهِمْ إِنْ‬
‫ُأ ّمهَا ُتهُمْ ِإلّ اللّئِي وَلَدْ َنهُمْ }[المجادلة‪]2 :‬‬
‫يصحح الحق هنا الخطأ الذي وقع فيه هؤلء الذين يظاهرون من نسائهم بقول الواحد منهم‬
‫لزوجته‪ " :‬أنت علي كظهر أمي " ‪ ،‬فيقول سبحانه‪ {:‬إِنْ ُأ ّمهَا ُتهُمْ ِإلّ اللّئِي وَلَدْ َنهُ ْم وَإِ ّنهُمْ لَ َيقُولُونَ‬
‫غفُورٌ }[المجادلة‪]2 :‬‬
‫ل وَزُورا وَإِنّ اللّهَ َل َع ُفوّ َ‬
‫مُنكَرا مّنَ ا ْلقَ ْو ِ‬
‫فيوضح سبحانه‪ :‬ما أمهاتهم إل اللئي ولدنهم‪ .‬و " إن " في هذه الية التي نحن بصدد خواطرنا‬
‫الن عنها هي " إن " النافية‪.‬‬
‫كأن الحق يقول‪ :‬ما من أهل الكتاب أحد إل ليؤمن به قبل موته‪ .‬وهذا شرح لمعنى " إن النافية "‪.‬‬
‫وقد يقول قائل‪ :‬ما حكاية الضمائر في هذه الية؟ فالية بها أكثر من ضمير‪ ،‬مثل قوله الحق‪:‬‬
‫{ وَإِن مّنْ َأ ْهلِ ا ْلكِتَابِ ِإلّ لَ ُي ْؤمِنَنّ بِهِ قَ ْبلَ َموْتِهِ } وعلى من تعود " به)؟ وعلى من تعود الهاء في‬
‫آخر قوله " موته "؟ هل هو موت عيسى أو موت أي واحد من أهل الكتاب‪ ،‬فالمذكور عيسى‪،‬‬
‫ومذكور أيضا أهل الكتاب‪ ،‬فيصح أن يكون القول كالتي‪:‬‬
‫لن يموت واحد من أهل الكتاب إل بعد أن يؤمن بعيسى‪ ،‬ويصح أيضا‪ :‬لن يموت عيسى إل بعد‬
‫أن يؤمن به كل واحد من أهل الكتاب‪ ،‬ولن الضمير ل يعرف إل بمرجعه‪ ،‬والمرجع يبين‬
‫الضمير‪ .‬فإن كانت هناك ألفاظ سبقت‪ ..‬فكل منها يصح أن يكون مرجعا‪ ،‬أو أن يعود الضمير‬
‫عمُ ِرهِ ِإلّ فِي كِتَابٍ }[فاطر‪:‬‬
‫على بعض مرجعه كقول الحق‪َ {:‬ومَا ُي َعمّرُ مِن ّم َعمّرٍ وَلَ يُن َقصُ مِنْ ُ‬
‫‪]11‬‬
‫والمعمّر هو النسان الذي طعن في السن‪ ،‬ول ينقص من عمر هذا المعمّر إل كما أراد ال‪،‬‬
‫والهاء في " عمره " تعود إلى بعض من المعمّر‪ .‬ذلك أن كلمة " معمّر " مكونة من عنصرين هما‬
‫" ذات الرجل " و " عمر الرجل " ‪ ،‬فلما عاد الضمير عاد على الذات دون التعمير‪ ،‬فيكون المعنى‬
‫هو‪ :‬وما يعمّر من معمّر ول ينقص من عمر ذات لم يثبت لها التعمير‪ .‬وماذا يكون الحال حين‬
‫ع َمدٍ تَ َروْ َنهَا }[الرعد‪]2 :‬‬
‫سمَاوَاتِ ِبغَيْرِ َ‬
‫يوجد مرجعان؟ مثل قوله الحق‪َ {:‬رفَعَ ال ّ‬
‫هنا نجد مرجعين‪ " :‬السماء " و " العمد " فعلى أي منهما تعود الهاء الموجودة في كلمة " ترونها "‬
‫‪ ،‬هل تعود " الهاء " إلى المرجع الول وهو السموات‪ ،‬أو للمرجع الثاني وهو " العمد "؟ يصح أن‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫تعود " الهاء " إلى السموات‪.‬‬
‫‪ .‬أي خلق السموات مرتفعة قائمة بقدرته ل تستند على شيء وأنتم تنظرون إليها وتشاهدونها بغير‬
‫دعائم‪ ،‬ويصح أيضا أن تعود إلى العمد‪ .‬أي بغير العمد التي نعرفها ولكن رفعها الحق بقوانين‬
‫عمَدٍ تَ َروْ َنهَا { أي أن العمد مختفية عن رؤية البشر‪ .‬وهكذا‬
‫الجاذبية‪ .‬أو رفع السموات } ِبغَيْرِ َ‬
‫يصح أن يًنسب الضمير ويعود إلى أحد المرجعين‪.‬‬
‫والية التي نحن بصددها‪ ،‬نجد أنه قد تقدم فيها شيئان هما المسيح وأهل الكتاب‪ ،‬وفيهما ضميران‬
‫اثنان‪ .‬فهل يعود الضميران على عيسى‪ ،‬أو يعودان على أهل الكتاب؟ أو يعود ضمير منهما على‬
‫عيسى والخر على أهل الكتاب؟ وأي منهما الذي يرجع على عيسى‪ ،‬وأي منهما الذي يرجع على‬
‫أهل الكتاب؟ أو أن هناك مرجعا ثالثا لم يُذكر ويعلم من السياق هو محمد صلى ال عليه وسلم‪،‬‬
‫ونجد أن الضميرين قد يرجعان إلى المرجع الثالث‪ ،‬أي إلى محمد صلى ال عليه وسلم الذي بشر‬
‫بمجيئه عيسى ابن مريم‪ ،‬وتواتر الحاديث عن أن عيسى يوشك أن ينزل فيكسر الصليب ويقتل‬
‫الخنزير‪ ،‬ولسوف يصلي عيسى ابن مريم خلف واحد من أمة رسول ال محمد صلى ال عليه‬
‫وسلم‪.‬‬
‫ولماذا التقى النصارى مع اليهود في مسألة القتل والصلب؟ هم معذورون في ذلك؛ لن الحق لم‬
‫يأت ببيان فيها آنئذ‪ .‬وقوله‪َ } :‬ومَا قَتَلُوهُ َومَا صَلَبُوهُ وَلَـاكِن شُبّهَ َلهُمْ { يدل على أنهم معذورون‬
‫إن قالوا ذلك‪ .‬ولكن كان الواجب أن يتمردوا على مسألة الصلب هذه‪ ،‬إن كان فيه ألوهية أو جزء‬
‫من ألوهية‪ ،‬وكان من الواجب أن يخفوا مسألة الصلب‪ .‬ويأتي السلم ليبرئ عيسى عليه السلم‬
‫من هذه المسألة ويعين أتباع عيسى على تبرءته منها‪.‬‬
‫ولكن لم يلتفت أتباع عيسى إلى قول السلم في هذه القضية } وَلَـاكِن شُبّهَ َلهُمْ { وكان يجب لن‬
‫يلتفت إليها أتباع المسيح‪ .‬وحين يقص الحق كل ذلك فهو يحكم من بعد ذلك حكما إلهيا‪ } :‬بَل‬
‫ّر َفعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ { النصارى يقولون بالرفع‪ ،‬ولكن بعد الصلب‪ .‬ونحن المسلمين نقول بالرفع ول‬
‫صلب‪ ،‬رفعه ال إليه وسينزل‪ .‬وحكمة ذلك أنه لم يوجد رسول من الرسل السابقين فُتن فيه قومه‬
‫فجعلوه بعضا من إله أو إلها فلم تسكت السماء عن ذلك‪ ،‬فرفعه سبحانه وسينزله ليسفه هذه‬
‫القضية‪ ،‬وبعد ذلك يجري عليه قدر ال في خلقه وهو الموت‪.‬‬
‫إن الذين يقفون في هذه المسألة يجب أل يقفوا‪ ،‬لن مسألة سيدنا عيسى عليه السلم بدأها ال‬
‫بعجيبة خرقت النواميس لنه وُلد من أم دون أب‪ .‬فإن كنتم قد صدقتم العجيبة في الميلد‪ ،‬فلماذا ل‬
‫تصدقون العجيبة في مسألة الرفع؟‬
‫وإن قال واحد منا‪ :‬لقد مات عيسى عليه السلم‪ .‬نقول‪ :‬ماذا تقولون في نبيكم محمد عليه الصلة‬
‫والسلم؟ أصعد إلى السماء معروجا به إليها؟ ألم يكن رسول ال حيا بقانون الحياء؟ نعم كان حيا‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫بقانون الحياء‪.‬‬
‫وظل رسول ال صلى ال عليه وسلم مدة وجيزة في السماء ثم نزل إلينا‪ ،‬إذن فالمسألة في أن‬
‫يذهب خلق من خلق ال بإرادة الحق وقدرته إلى السماء وهو حي ثم ينزل إلى الرض وهو حيّ‬
‫ليس عجيبة‪.‬‬
‫والخلف بين رفع عيسى وصعود محمد صلى ال عليه وسلم بالمعراج خلف في المدة‪ .‬وهذا ل‬
‫ينقض المبدأ؛ فالمهم أنه صعد بحياته ونزل بحياته‪ ،‬وظل فترة من الزمن بحياته‪ ،‬إذن فمسألة‬
‫الصعود إلى السماء والبقاء فيها لمدة أمر وارد في شريعتنا السلمية‪ .‬ولتأكيد هذه المسألة يقول‬
‫الحق‪ {:‬وَإِن مّنْ َأ ْهلِ ا ْلكِتَابِ ِإلّ لَ ُي ْؤمِنَنّ بِهِ قَ ْبلَ َموْتِهِْ }[النساء‪]159 :‬‬
‫السامع السطحي لهذه الية قد يقول‪ :‬إنهم أهل كتاب ول بد أن يكونوا قد آمنوا به‪ ،‬وأقول‪ :‬ل‪ ،‬لقد‬
‫آمنوا به إيمانا مرادا لنفسهم‪ ،‬وليس اليمان المراد ل‪ ،‬آمنوا به إلها أو جزءا من إله وهو ما‬
‫يسمى لديهم بالثالوث ‪ -‬الب والبن وروح القدس ‪ -‬ولكن ال يريد أن يؤمنوا به رسولً وبشرا‬
‫وعبدا‪.‬‬
‫شهِيدا‬
‫وإذ قال الحق‪ } :‬وَإِن مّنْ أَ ْهلِ ا ْلكِتَابِ ِإلّ لَ ُي ْؤمِنَنّ بِهِ قَ ْبلَ َموْتِ ِه وَ َيوْمَ ا ْلقِيَامَةِ َيكُونُ عَلَ ْيهِمْ َ‬
‫{ فمعنى هذا‪ :‬ما أحد من أهل الكتاب إل ويؤمن بعيسى عليه السلم رسولً وعبدا وبشرا قبل أن‬
‫يموت‪.‬‬
‫والضمير في قوله‪ِ } :‬إلّ لَ ُي ْؤمِنَنّ ِبهِ { يرجع إلى عيسى‪ .‬والضمير الخر الموجود في } قَ ْبلَ َموْتِهِ‬
‫{ قد يرجع إلى عيسى أي قبل موت عيسى ولن يموت عليه السلم الموتة الحقيقية التي تنهي أجله‬
‫في الحياة إل بعد أن يؤمنوا به عبدا ورسولً وبشرا‪ ،‬ولن يتحقق ذلك إل إذا جاء بشحمه ولحمه‬
‫ودمه ليقول لهم‪ :‬أنتم مخطئون في أنكم أنكرتم بشارتي بمحمد الخاتم‪ ،‬وأنتم مخطئون في اتهامكم‬
‫لمي‪ ،‬والدليل على خطئكم هو أنني جئت مبشرا برسول للناس كافة هو محمد بن عبدال‪ ،‬وهأنذا‬
‫أصلي خلف واحد من أمة ذلك الرسول‪ .‬فلن يأتي عيسى ‪ -‬عليه السلم ‪ -‬بتشريع جديد بل‬
‫ليصلي خلف واحد من المؤمنين بمحمد بن عبدال صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫وحين يصنع عيسى ابن مريم ذلك‪ ،‬ماذا سيقول الذين فُتِنوا فيه؟‪ .‬لشك أنهم سيعلنون اليمان‬
‫برسالة محمد صلى ال عليه وسلم‪ ،‬أو أن كل كتابي من الذين عاشوا في المسافة الزمنية من بعد‬
‫رفعه وحتى نزوله مرة أخرى سيعلن اليمان بعيسى كبشر ورسول وعبد قبل أن يموت ولو في‬
‫غيبوبة النهاية عندما تبلغ الروح الحلقوم وتترد في الحلق عند الموت‪ .‬فقد يصح أن تكون الية‬
‫عامة } وَإِن مّنْ أَ ْهلِ ا ْلكِتَابِ ِإلّ لَ ُي ْؤمِنَنّ بِهِ قَ ْبلَ َموْتِهِ { ويعود الضمير فيها إلى كل كتابي قبل أن‬
‫يموت‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إن النفس البشرية لها هوى قد يستر عنها الحقائق ويغلق دونها باب اليقين ويدفعها إلى ذلك غرور‬
‫الحياة‪ ،‬فإذا ما جاءت سكرة الموت بالحق‪ ،‬انتهى كل شيء يُبعد النسان عن منهج الحق واليقين؛‬
‫ول تبقى إل القضايا بحقها وصدقها ويقينها‪ ،‬وتستيقظ النفس البشرية لحظة تظن أنها ستلقى ال‬
‫فيها ويسقط غرور الحياة‪ ،‬ويراجع النسان منهم نفسه في هذه اللحظة‪ ،‬ويقول‪ :‬أنا اتبعت هوى‬
‫نفسي‪ .‬ولكن أينفع مثل هذا اللون من اليمان صاحبَه؟ ل؛ لن مثله في ذلك مثل إيمان فرعون‪،‬‬
‫فقد قال حين أدركه الغرق‪ {:‬حَتّىا إِذَآ أَدْ َركَهُ ا ْلغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنّهُ ل إِلِـاهَ ِإلّ الّذِي آمَ َنتْ بِهِ بَنواْ‬
‫ل وَأَنَاْ مِنَ ا ْلمُسِْلمِينَ }[يونس‪]90 :‬‬
‫إِسْرَائِي َ‬
‫عصَ ْيتَ قَ ْبلُ َوكُنتَ مِنَ ا ْل ُمفْسِدِينَ }[يونس‪]91 :‬‬
‫ن َوقَدْ َ‬
‫فيسمع صوتَ الحق في تلك اللحظة‪ {:‬آل َ‬
‫فلم ينتفع فرعون لحظة الغرق باليمان‪.‬‬
‫حضَرَ َأحَدَ ُهمُ ا ْل َم ْوتُ قَالَ إِنّي‬
‫ستِ ال ّتوْبَةُ لِلّذِينَ َي ْعمَلُونَ السّيّئَاتِ حَتّىا إِذَا َ‬
‫ويقول ‪ -‬سبحانه ‪ {:-‬وَلَيْ َ‬
‫ن وَهُمْ ُكفّارٌ ُأوْلَـا ِئكَ أَعْتَدْنَا َل ُهمْ عَذَابا َألِيما }[النساء‪]18 :‬‬
‫تُ ْبتُ النَ َولَ الّذِينَ َيمُوتُو َ‬
‫شهِيدا { وهذا يؤكد أن عيسى عليه السلم سيشهد‬
‫ويذيل الحق الية‪ } :‬وَيَوْمَ ا ْلقِيَامَةِ َيكُونُ عَلَ ْي ِهمْ َ‬
‫على من عاصروا نزوله في الدنيا‪ ،‬وسوف يشهد يوم القيامة على الذين ادعوا له باللوهية‪ {:‬وَإِذْ‬
‫قَالَ اللّهُ ياعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنّاسِ اتّخِذُونِي وَُأمّيَ إِلَـاهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَا َنكَ مَا‬
‫سكَ‬
‫علَمُ مَا فِي َنفْ ِ‬
‫َيكُونُ لِي أَنْ َأقُولَ مَا لَيْسَ لِي ِبحَقّ إِن كُنتُ قُلُْتهُ َفقَدْ عَِلمْتَهُ َتعَْلمُ مَا فِي َنفْسِي َولَ أَ ْ‬
‫إِ ّنكَ أَنتَ عَلّمُ ا ْلغُيُوبِ }[المائدة‪]116 :‬‬
‫ويعاود الحق سبحانه الكلم عن فظائع اليهود فيقول‪ } :‬فَ ِبظُلْمٍ مّنَ الّذِينَ‪{ ...‬‬

‫(‪)646 /‬‬
‫فَبِظُ ْلمٍ مِنَ الّذِينَ هَادُوا حَ ّرمْنَا عَلَ ْيهِمْ طَيّبَاتٍ أُحِّلتْ َلهُ ْم وَ ِبصَدّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ كَثِيرًا (‪)160‬‬

‫هو سبحانه يوضح أن تحريم بعض الطيبات على بني إسرائيل جاء نتيجة لمواقف يعددها ال‪ ،‬لقد‬
‫ارتكبوا ما ارتكبوا من ذنوب كبيرة وظلموا أنفسهم وظلموا غيرهم‪ ،‬وصدوا عن دين ال‪ ،‬بمعنى‬
‫أنهم لم يدخلوا في السلم‪.‬‬
‫خذِهِمُ الرّبَا‪} ...‬‬
‫وتستمر الحيثيات للتحريم لبعض الطيبات لتزيد على هذين الموقفين‪ { :‬وَأَ ْ‬

‫(‪)647 /‬‬
‫عذَابًا أَلِيمًا (‪)161‬‬
‫طلِ وَأَعْ َتدْنَا لِ ْلكَافِرِينَ مِ ْنهُمْ َ‬
‫وَأَخْ ِذهِمُ الرّبَا َوقَدْ ُنهُوا عَ ْن ُه وََأكِْلهِمْ َأ ْموَالَ النّاسِ بِالْبَا ِ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫علَ ْيهِمْ طَيّبَاتٍ ُأحِّلتْ َلهُمْ }؟‪.‬‬
‫وأي ظلم يتحدث عنه الحق في قوله‪ { :‬فَبِظُلْمٍ مّنَ الّذِينَ هَادُواْ حَ ّرمْنَا َ‬
‫الظلم معناه أن يحكم واحد لغير ذي الحق بحق‪ ،‬وقمة الظلم أن يحكم واحد بأن ال شريكا‪ ،‬ولذلك‬
‫عظِيمٌ }[لقمان‪]13 :‬‬
‫ظلْمٌ َ‬
‫قال سبحانه‪ {:‬إِنّ الشّ ْركَ لَ ُ‬
‫وحيثيات حكم ال بتحريم أشياء كانت حللً لبني إسرائيل متعددة‪ .‬وحين يحرم ال شيئا فمن‬
‫المؤكد أنه محدود بالنسبة للمحلّل؛ فالمحرم قليل‪ ،‬وبقية ما لم يذكره ال إنما يدخل في نطاق‬
‫الحلل‪.‬‬
‫مثال ذلك قوله الحق‪ُ {:‬قلْ َتعَاَلوْاْ أَ ْتلُ مَا حَرّمَ رَ ّب ُكمْ عَلَ ْيكُمْ َألّ تُشْ ِركُواْ بِهِ شَيْئا وَبِا ْلوَالِدَيْنِ ِإحْسَانا‬
‫ظهَرَ مِ ْنهَا َومَا بَطَنَ وَلَ‬
‫وَلَ َتقْتُلُواْ َأوْلَ َد ُكمْ مّنْ إمْلَقٍ نّحْنُ نَرْ ُز ُقكُ ْم وَإِيّا ُه ْم َولَ َتقْرَبُواْ ا ْل َفوَاحِشَ مَا َ‬
‫حقّ ذاِلكُ ْم َوصّاكُمْ بِهِ َلعَّل ُكمْ َت ْعقِلُونَ * َولَ َتقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ ِإلّ‬
‫َتقْتُلُواْ ال ّنفْسَ الّتِي حَرّمَ اللّهُ ِإلّ بِالْ َ‬
‫س َعهَا وَإِذَا قُلْتُمْ‬
‫ط لَ ُنكَّلفُ َنفْسا ِإلّ وُ ْ‬
‫بِالّتِي ِهيَ أَحْسَنُ حَتّىا يَبْلُغَ أَشُ ّدهُ وَأَ ْوفُواْ ا ْلكَ ْيلَ وَا ْلمِيزَانَ بِا ْلقِسْ ِ‬
‫فَاعْدِلُو ْا وََلوْ كَانَ ذَا قُرْبَىا وَ ِب َعهْدِ اللّهِ َأ ْوفُواْ ذاِلكُ ْم َوصّاكُمْ ِبهِ َلعَّلكُمْ َت َذكّرُونَ }[النعام‪]152-151 :‬‬
‫يورد الحق هنا المحرمات وهي أشياء محددة محدودة‪ ،‬أما النعم كلها فحلل‪ .‬ومن هذا المر نفهم‬
‫اتساع مدى رحمانية الحق بالخلق‪ ،‬فقد وهبنا الكثير والكثير من النعم التي ل تعد ول تحصى ولم‬
‫يحرم إل القليل‪ .‬وتحريم القليل جاء لتبقى كل نعمة في مجالها‪.‬‬
‫فإذا قال النسان‪ :‬حرم ال هذا الشيء لنه ضار نقول‪ :‬ما تقوله جائز‪ ،‬ولكن ليس الضرر هو‬
‫سبب الحكم لِكل المحرمات‪ ،‬فقد يحرم سبحانه أمرا لتأديب قوم ما‪ - .‬ول المثل العلى ‪ -‬نرى‬
‫المسئول عن تربية أسرة قد يحرم على ولد فيها لونا من الطعام أو جزءا من مصروف اليد‬
‫ويكون القصد من ذلك هو العقوبة‪.‬‬
‫ولماذا استحق بنو إسرائيل عقوبة التحريم؟‪ .‬لقد جاءوا من خلف منهج ال وأحلوا لنفسهم ما حرم‬
‫ال‪ .‬وماداموا قد زاغوا فأحلوا ما حرم ال فالحق يرد عليهم‪ :‬لقد اجترأتم على ما حرمت‬
‫فحللتموه‪ ،‬ومن حقي أن أحرم عليكم ما أحللت لكم من قبل ذلك‪ ،‬حتى ل يفهم النسان أنه بتحليله‬
‫لنفسه ما حرم ال قد أخذ شيئا من وراء ال فل أحد يمكنه أن يغلب ال‪ .‬ولذلك يحرم سبحانه عليه‬
‫شيئا من حلله‪.‬‬
‫والتحريم إما أن يكون تحريم تشريع‪ ،‬وإما تحريم طبع أو فطرة أو ضرورة‪ .‬نجد الرجل الذي‬
‫أسرف على نفسه في تناول محرمات كالخمر ‪ -‬مثلً ‪ -‬يحرم ال عليه أشياء كانت حللً له‪،‬‬
‫ويقول له الطبيب‪ :‬تهرأ كبدك وصار من الممنوع عليك أن تأكل صنوفا كثيرة من الطعام‬
‫والشراب‪ .‬وهكذا نرى ظلم النسان لنفسه‪ ،‬وكيف نتج عنه تحريم أشياء كانت حللً له‪.‬‬
‫ومن أسرف على نفسه في تناول صنف معين من الطعام كالسكر مثلً فأكَله فوق ما تدعو به‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الحاجة‪ ،‬نجد سنة ال الكونية تقول له‪ :‬لقد أخذت أكثر من حقك‪ .‬وعطلت في جسدك القدرة على‬
‫حسن استخدام السكر فصرت مريضا‪ ،‬إياك أن تتناول السكريات مرة أخرى‪ .‬ويشتهي المريض‬
‫السكر والحلوى ويملك القدرة على شرائهما‪ ،‬ولكنها محرمة عليه‪ ،‬وكأن الحق سبحانه وتعالى‬
‫يقول له‪ :‬بظلم منك لنفسك حرمت ما أحللته لك‪.‬‬
‫وآخر يملك الثروات والخدم والمزارع الشاسعة‪ ،‬ويقوم له الخرون بطحن الغلل‪ ،‬ويأمر بأن‬
‫يصنعوا له الخبز من أنقى أصناف الدقيق الخالي من أية قدر من " النخالة " ‪ ،‬ويصنعون له الخبز‬
‫البيض‪ ،‬ويأكله بينما التباع يصنعون لنفسهم الخبز من الدقيق القل نقاوة‪ ،‬فتقول له سنة ال‪:‬‬
‫ستأكل الخبز المصنوع من النخالة بأمر الطبيب علجا لمعائك لنك أسرفت على نفسك في أكل‬
‫الخبز المصنوع من أنقى أنواع الدقيق وليأكل رعاياك وعمالك الخبز المصنوع من أفخر ألوان‬
‫الدقيق‪ ،‬فبظلم منك حرمنا ما أحل لك‪.‬‬
‫وعندما نَرى إنسانا قد حُرمَ من نعمة من نعم ال التي هي حلل له‪ ،‬نعلم أنه قد حلل لنفسه شيئا‬
‫حرمه ال عليه‪ ،‬أو أسرف في استعمال حق أحله ال له‪ ،‬ول أحد منا يفلت من رقابة ال‪ .‬إذن‬
‫فالتحريم قد يكون بالتشريع‪ ،‬إذا كانت العقوبة التحريم من المشرع‪ ،‬وقد يكون تحريما بالطبع‬
‫والفطرة إن كان في المر إسراف من النفس‪.‬‬
‫حّلتْ َل ُه ْم وَ ِبصَدّهِمْ عَن سَبِيلِ‬
‫ولنقرأ دائما هذه الية‪ } :‬فَ ِبظُلْمٍ مّنَ الّذِينَ هَادُواْ حَ ّرمْنَا عَلَ ْيهِمْ طَيّبَاتٍ أُ ِ‬
‫اللّهِ كَثِيرا { وكذلك الذين يأخذون مالً بالربا‪ ،‬لقد أخذوا الربا ليزيد مالهم‪ ،‬لماذا تريدون المال؟‪.‬‬
‫أتريدون المال لذات المال؛ أم لهدف آخر؟‪ .‬صحيح أن المال رزق‪ ،‬لكنه رزق غير مباشر؛ لنه‬
‫يَشْتري به الشياء التي ينتفع بها النسان‪ ،‬وهي الرزق المباشر‪ .‬وقلنا قديما‪ :‬هب أن إنسانا في‬
‫صحراء ومعه جبل من ذهب لكن الطعام انقطع منه‪ ،‬وجبل الذهب في مثل هذه الحالة ل ينفع‪ ،‬بل‬
‫يصبح رغيف الخبز وكوب الماء في تلك الحالة أغلى من الذهب‪ .‬والذي يزيد ماله بالربا‪ ،‬أيريد‬
‫تلك الزيادة من أجل المتع؟‪ .‬سبحانه يمحق ذلك المال ويُذهبه في كوارث‪.‬‬
‫ومن أراد أن يبقي له ما أحل ال إلى أن يأتي أجله فعليه أل يبيح لنفسه أي شيء حرمه ال‪.‬‬
‫وبذلك يظل متمتعا بنعم ال عليه‪ .‬فالحق هو القائل‪َ } :‬ومَا رَ ّبكَ بِظَلّمٍ لّ ْلعَبِيدِ {‪.‬‬
‫النسان ‪ -‬إذن ‪ -‬هو الذي يظلم نفسه مصداقا لقوله الحق‪ {:‬إِنّ اللّ َه لَ َيظْلِمُ النّاسَ شَيْئا وَلَـاكِنّ‬
‫سهُمْ يَظِْلمُونَ }[يونس‪]44 :‬‬
‫النّاسَ أَنفُ َ‬
‫وهكذا ظلم اليهود أنفسهم فحرم ال عليهم طيبات أُحّلت لهم‪ .‬ومن الذي نقل المر الطيب إلى أمر‬
‫غير طيب؟‪.‬‬
‫إنه النسان‪ .‬ولكن هل نقل ذات الشيء أو حكم الشيء؟‪ .‬لقد نقل حكم الشيء‪ ،‬فجعل الشيء الحرام‬
‫شيئا حللً‪ } .‬فَبِظُ ْلمٍ مّنَ الّذِينَ هَادُواْ حَ ّرمْنَا عَلَ ْيهِمْ طَيّبَاتٍ أُحِّلتْ َلهُمْ وَ ِبصَدّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيرا‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫{‪.‬‬
‫كيف يكون باستطاعتهم الصد عن سبيل ال؟‪ .‬لقد ظلموا أنفسهم وأخذوا الربا وتلك أمور تجعلهم‬
‫في ناحية الضلل وفي جانب الباطل‪ ،‬وليت المر وقف عند هذا‪ .‬بل أرادوا أيضا إضلل غيرهم‪،‬‬
‫وهذا هو مضمون الصد عن سبيل ال‪ .‬وجعلهم هذا المر أصحابَ وزر آخر فوق أوزارهم‪ ،‬فلم‬
‫حمِلُواْ َأوْزَارَهُمْ كَامِلَةً َيوْمَ ا ْلقِيَامَةِ َومِنْ َأوْزَارِ‬
‫يكتفوا بضللهم بل تحملوا أوزار إضلل غيرهم‪ {.‬لِ َي ْ‬
‫الّذِينَ ُيضِلّو َنهُمْ ِبغَيْرِ عِ ْلمٍ َألَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ }[النحل‪]25 :‬‬
‫وقد يسمع متشكك هذا القول‪ .‬فيتساءل‪ :‬كيف يناقض القرآن بعضه فيقول‪َ {:‬ولَ تَزِ ُر وَازِ َر ٌة وِزْرَ‬
‫أُخْرَىا }[النعام‪]164 :‬‬
‫ونقول‪ :‬إن لكل وزر طريقا وحسابا‪ ،‬فالنسان يحمل وزر ضلله وحده إن لم يضل به أحدا غيره‪،‬‬
‫ولكن إن حاول إضلل غيره فهو يتحمل وزر هذا الضلل‪.‬‬
‫طلِ‬
‫ويقول الحق في تكملة ظلمهم لنفسهم‪ } :‬وَأَخْ ِذهِمُ الرّبَا َوقَدْ ُنهُواْ عَنْ ُه وََأكِْلهِمْ َأ ْموَالَ النّاسِ بِالْبَا ِ‬
‫عذَابا أَلِيما { ‪ ،‬وقد تعرضنا للربا من قبل‪ .‬وقد أخذوا الرشوة‪ ،‬وهو أكل‬
‫وَأَعْتَدْنَا لِ ْلكَافِرِينَ مِ ْنهُمْ َ‬
‫لمال الناس بالباطل؛ وكذلك السرقة‪ ،‬والغش في السلع‪ ،‬كل ذلك أخذ مال من الناس بغير حق‪ ،‬وما‬
‫أخذ بغير الحق فهو باطل‪ ،‬وأعد سبحانه لهم مسبقا عذابا اليما‪ .‬ولكل إنسان مقعدان‪ :‬مقعد من‬
‫الجنة إن قُدّر إيمانه‪ ،‬ومقعد من النار إن قُدّر كفره‪ ،‬ول مجال للظن بإمكان ازدحام الجنة أو‬
‫ازدحام النار‪ ،‬فقد خلق ال مقاعد الجنة على أساس أن كل الناس مؤمنون‪ ،‬وجعل مقاعد النار على‬
‫أساس أن كل الناس كافرون‪.‬‬
‫ولذلك يقول الحق‪ {:‬الّذِينَ يَرِثُونَ ا ْلفِرْ َدوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }[المؤمنون‪]11 :‬‬
‫وحين يتبوأ المؤمن مقعده في الجنة يورثه ال المقعد الخر الذي أعده للكافر؛ فقد كان للكافر قبل‬
‫أن يكفر مقعدٌ في الجنة لو اختار اليمان‪ .‬وقد أعد الحق العذاب الليم لهم أي الشديد إيلمه‪ ،‬وهو‬
‫مهين أيضا أي أن في قدرته قهر أي إنسان يتجلد للشدة‪ ،‬فل أحد يقدر على الجَلَد أمام عذاب ال‪.‬‬
‫وهل هذا هو كل ما كان من أهل الكتاب؟‪ .‬ألم يوجد في أهل الكتاب من كان يدير مسألة برسول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم في عقله‪ ،‬ويبحث في القضايا والسمات التي جاءت مبشرّة به صلى ال‬
‫عليه وسلم في التوراة والنجيل؟‪ .‬كان من بينهم من فعل ذلك‪ ،‬ويورد الحق سبحانه وتعالى‬
‫سخُونَ‪{ ...‬‬
‫التاريخ الصادق‪ ،‬فيستثنى من أهل الكتاب الراسخين في العلم فيقول‪ } :‬لّـاكِنِ الرّا ِ‬

‫(‪)648 /‬‬
‫ك وَا ْل ُمقِيمِينَ‬
‫ك َومَا أُنْ ِزلَ مِنْ قَبِْل َ‬
‫سخُونَ فِي ا ْلعِلْمِ مِ ْنهُ ْم وَا ْل ُم ْؤمِنُونَ ُي ْؤمِنُونَ ِبمَا أُنْ ِزلَ إِلَ ْي َ‬
‫َلكِنِ الرّا ِ‬
‫الصّلَا َة وَا ْل ُمؤْتُونَ ال ّزكَا َة وَا ْل ُم ْؤمِنُونَ بِاللّ ِه وَالْ َيوْمِ الْآَخِرِ أُولَ ِئكَ سَ ُنؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (‪)162‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إذن لم يعمم ال الحكم على أهل الكتاب‪ ،‬الذي سبق بكفرهم وظلمهم لنفسهم وأخذهم الربا وغير‬
‫ذلك‪ ،‬بل وضع الستثناء‪ ،‬ومثال لذلك " عبدال بن سلم " الذي أدار مسألة اليمان برسول ال في‬
‫رأسه وكان يعلم أن اليهود قوم بُهت‪.‬‬
‫فقال لرسول ال‪ :‬إني أومن بك رسولً‪ ،‬وال لقد عرفتك حين رأيتك كمعرفتي لبني ومعرفتي‬
‫لمحمد أشد‪.‬‬
‫ويقول الحق عن مثل هذا الموقف‪ { :‬الّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ا ْلكِتَابَ َيعْ ِرفُونَهُ َكمَا َيعْ ِرفُونَ أَبْنَاءَ ُهمْ }‪ .‬ول أحد‬
‫يتوه عن معرفة ابنه؛ كذلك الراسخون في العلم يعرفون محمدا رسولً من ال ومبلغا عنه‪،‬‬
‫والراسخ في العلم هو الثابت على إيمانه ل يتزحزح عنه ول تأخذه الهواء والنزوات‪ .‬بل هو‬
‫صاحب ارتقاء صفائي في اليقين ل تشوبه شائبة أو شبهة‪.‬‬
‫ك َومَآ أُن ِزلَ مِن قَبِْلكَ } ‪ ،‬وقوله‬
‫{ لّـاكِنِ الرّاسِخُونَ فِي ا ْلعِلْمِ مِ ْن ُه ْم وَا ْل ُمؤْمِنُونَ ُي ْؤمِنُونَ ِبمَآ أُن ِزلَ إِلَي َ‬
‫الحق‪ِ { :‬بمَآ أُن ِزلَ إِلَيكَ } هو القرآن‪ ،‬وهو أصل يُرد إليه كل كتاب سابق عليه‪ ،‬فحين يؤمنون بما‬
‫أنزل إلى سيدنا رسول ال‪ ،‬لبد أن يؤمنوا بما جاء من كتب سابقة‪.‬‬
‫لةَ }‬
‫والملحظ للنسق السلوبي سيجد أن هناك اختلفا فيما يأتي من قول الحق‪ { :‬وَا ْلمُقِيمِينَ الصّ َ‬
‫ك َومَآ أُن ِزلَ‬
‫فقد بدأ الحق الية‪ { :‬لّـاكِنِ الرّاسِخُونَ فِي ا ْلعِلْمِ مِ ْنهُ ْم وَا ْل ُمؤْمِنُونَ ُي ْؤمِنُونَ ِبمَآ أُن ِزلَ إِلَي َ‬
‫لةَ }‪.‬‬
‫ك وَا ْلمُقِيمِينَ الصّ َ‬
‫مِن قَبِْل َ‬
‫ونحن نعلم أن جمع المذكر السالم يُرفع بالواو وينصب ويُجر بالياء‪ ،‬ونجد هنا " المقيمين " جاءت‬
‫بالياء‪ ،‬على الرغم من أنها معطوفة على مرفوع‪ ،‬ويسمي علماء اللغة هذا المر بـ " كسر‬
‫العراب "؛ لن العراب يقتضي حكما‪ ،‬وهنا نلتفت لكسر الحكم‪ .‬والذن العربية التي نزل فيها‬
‫القرآن طُ ِب َعتْ على الفصاحة تنتبه لحظة كسر العراب‪.‬‬
‫لذلك فساعة يسمع العربي لحنا في اللغة فهو يفزع‪ .‬وكلنا يعرف قصة العربي الذي سمع خليفة‬
‫من الخلفاء يخطب‪ ،‬فلحن الخليفة لحنة فصرّ العرابي أذنيه‪ ،‬أي جعل أصابعه خلف أذنيه يديرهما‬
‫وينصبهما ليسمع جيدا ما يقول الخليفة‪ ،‬ثم لحن الخليفة لحنة أخرى‪ ،‬فهب العرابي واقفا‪ ،‬ثم لحن‬
‫الثالثة فقال العرابي‪ :‬أشهد أنك وُلّيت هذا المر بقضاء وقدر‪ .‬وكأنه يريد أن يقول‪ " :‬أنت ل‬
‫تستحق أن تكون في هذه المكانة "‪.‬‬
‫وعندما تأتي آية في الكتاب الذي يتحدى الفصحاء وفيها كسر في العراب‪ ،‬كان على أهل‬
‫الفصاحة أن يقولوا‪ :‬كيف يقول محمد إنه يتحدى بالفصاحة ولم يستقم له العراب؛ لكن أحدا لم‬
‫يقلها‪ ،‬مما يدل على أنهم تنبهوا إلى السرّ في كسر العراب الذي يلفت به الحق كل نفس إلى‬
‫لةَ }‪.‬‬
‫استحضار الوعي بهذه القضية التي يجب أن يقف الذهن عندها‪ { :‬وَا ْل ُمقِيمِينَ الصّ َ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لماذا؟ لن الصلة تضم وتشمل العماد الساسي في أركان السلم؛ لن كل ركن من الركان له‬
‫مدة وله زمن وله مناط تكليف‪ .‬فالشهادة بأن ل إله إل ال وأن محمدا رسول ال يكفي أن يقولها‬
‫المسلم مرة واحدة في العمر‪ ،‬والصوم شهر في العام وقد ل يصوم النسان ويأخذ برخص الفطار‬
‫إن كانت له من واقع حياته أسباب للخذ برخص الفطار‪ .‬والزكاة يؤديها المرء كل عام أو كل‬
‫زراعة إن كان لديه وعاء للزكاة‪ .‬والحج قد يستطيعه النسان وقد ل يستطيعه‪ .‬وتبقى الصلة‬
‫سقَرَ * قَالُواْ لَمْ َنكُ مِنَ ا ْل ُمصَلّينَ‬
‫كركن أساسي للدين‪ .‬ولذلك نجد هذا القول الكريم‪ {:‬مَا سََل َك ُكمْ فِي َ‬
‫}[المدثر‪]43-42 :‬‬
‫وأركان السلم ‪ -‬كما نعلم ‪ -‬خمسة وهي واضحة‪ ،‬ومن الجائز أل يستطيع المسلم إقامتها كلها‬
‫لةَ {‪.‬‬
‫بل يقيم فقط ركنين اثنين‪ ،‬كالشهادة وإقامة الصلة‪ .‬وحين يقول الحق‪ } :‬وَا ْل ُمقِيمِينَ الصّ َ‬
‫يلفت كل مؤمن إلى استمرارية الودادة مع ال؛ فهم قد يودّون ال شهرا في السنة بالصيام‪ ،‬أو‬
‫يؤدّون بإيتاء الزكاة كلما جاء لهم عطاء من أرض أو مال‪ ،‬أو يودون ال فقط إن استطاعوا‬
‫الذهاب إلى الحج‪ .‬وبالصلة يو ّد المؤمن ربّه كل يوم خمس مرات‪ ،‬هي ‪ -‬إذن ‪ -‬إعلن دائم‬
‫للولء لقد قلنا‪ :‬إن الصلة جمعت كل أركان الدين‪ ،‬ففيها نقول‪ " :‬أشهد أن لإله إل ال وأن محمدا‬
‫عبده ورسوله " ‪ ،‬ونعلم أننا نزكي بالمال‪ ،‬والمال فرع العمل‪ ،‬والعمل يحتاج إلى وقت؛ والنسان‬
‫حين يصلي يُزكي بالوقت‪ .‬والنسان حين يصلي يصوم عن كل المحللت له؛ ففي الصلة صيام‪،‬‬
‫ويستقبل المسلم البيت الحرام في كل صلة فكأنّه في حج‪.‬‬
‫لةَ { إنما جاء ليلفتنا إلى أهمية هذه‬
‫إذن فحين يكسر الحق العراب عند قوله‪ } :‬وَا ْل ُمقِيمِينَ الصّ َ‬
‫العبادة‪ .‬ولذلك يقولون‪ :‬هذا كسر إعراب بقصد المدح‪ - .‬فهي منصوبة على الختصاص ‪-‬‬
‫ويخص به الحق المقيمين الصلة؛ لن إقامة الصلة فيها دوام إعلن الولء ل‪ .‬ول ينقطع هذا‬
‫الولء في أي حال من أحوال المسلم ول في أي زمن من أزمان المسلم مادام فيه عقل‪.‬‬
‫ويقول الحق من بعد ذلك‪ } :‬وَا ْل ُمؤْتُونَ ال ّزكَا َة وَا ْل ُم ْؤمِنُونَ بِاللّ ِه وَالْ َيوْمِ الخِرِ { كأن كل العمال‬
‫العبادية من أجل أن يستديم إعلن الولء من العبد لليمان بال‪ .‬واليمان ‪ -‬كما نعلم ‪ -‬بين‬
‫قوسين‪ :‬القوس الول‪ :‬أن يؤمن النسان بقمة اليمان وهو اليمان بال‪ .‬والقوس الثاني‪ :‬أن يؤمن‬
‫النسان بالنهاية التي نصير إليها وهي اليوم الخر‪ .‬ويقول سبحانه جزاءً لهؤلء‪ُ } :‬أوْلَـ ِئكَ‬
‫سَ ُنؤْتِيهِمْ َأجْرا عَظِيما { هو أجر عظيم؛ لن كل واحد منهم قد شذ عن جماعته من بقية أهل‬
‫الكتاب ووقف الموقف المتأبي والرافض المتمرد على تدليس غيره‪ ،‬ولنه فعل ذلك ليُبيّن صدق‬
‫القرآن في أن العلم بالرسول قد سبق وجاء في التوراة‪.‬‬
‫ومن بعد ذلك يقول الحق‪ } :‬إِنّآ َأ ْوحَيْنَآ إِلَ ْيكَ َكمَآ َأوْحَيْنَآ‪{ ...‬‬

‫(‪)649 /‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫سمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ‬
‫إِنّا َأوْحَيْنَا ِإلَ ْيكَ َكمَا َأ ْوحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنّبِيّينَ مِنْ َبعْ ِد ِه وََأوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِي َم وَإِ ْ‬
‫سلَ ْيمَانَ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (‪)163‬‬
‫س وَهَارُونَ وَ ُ‬
‫ب وَيُونُ َ‬
‫ط وَعِيسَى وَأَيّو َ‬
‫وَ َيعْقُوبَ وَالْأَسْبَا ِ‬

‫ونعلم أن الحق حينما يتكلم‪ ،‬يأتي بضمير التكلم‪ .‬وضمير التكلم له ثلثة أوجه‪ ،‬فهو يقول مرة‪" :‬‬
‫إنا " ومرة ثانية‪ " :‬إنني " وثالثة يخاطب خلقه بقوله‪ " :‬نحن "‪ .‬وهنا يقول‪ { :‬إِنّآ َأوْحَيْنَآ إِلَ ْيكَ َكمَآ‬
‫َأوْحَيْنَآ }‪ .‬ونشاهد في موقع آخر من القرآن الكريم قوله الحق‪ {:‬إِنّنِي أَنَا اللّهُ ل إِلَـاهَ إِل أَنَاْ }[طه‪:‬‬
‫‪]14‬‬
‫وفي موضع ثالث يقول‪ {:‬إِنّا َنحْنُ نَزّلْنَا ال ّذكْ َر وَإِنّا لَهُ َلحَافِظُونَ }[الحجر‪]9 :‬‬
‫لن الذكر يحتاج إلى صفات كثيرة ومتنوعة تتكاتف لتنزيل الذكر وحفظه‪ .‬وحين يخاطب ال خلقه‬
‫يخاطبهم بما يُجلي مواقع الصفات من الكون الذي نعيش فيه‪ .‬والكون الذي نعيش فيه يمتلئ‬
‫بالكائنات التي تخدم النسان‪ ،‬وهذه الكائنات قد احتاجت إلى الكثير لتهيئ للنسان الكون قبل أن‬
‫يوجد النسان‪ ،‬وذلك حتى يأتي إلى الكون ليجد نعم ال له؛ فالنسان هو الذي طرأ على كون ال‪.‬‬
‫هذا الكون الذي صار إلى إبداع كبير احتاج إلى صفات كثيرة لعداده‪ ،‬احتاج إلى علم عن‬
‫الشياء‪ ،‬وإلى حكمة لوضع كل شيء في مكانه‪ ،‬ولقدرة تبرزه‪ ،‬وإلى غنى بخزائنه حتى يفيض‬
‫على هذا الموقع بخير يختلف عن خير الموقع الخر‪ ،‬وساعة يكون العمل مُتطلبا لمجالت صفات‬
‫متعددة من صفات الحق‪ ،‬يقول سبحانه‪ " :‬إنّ " أو " نحن "‪ .‬وعندما يأتي الحديث عن ذات الحق‬
‫سبحانه وتعالى يقول‪ " :‬إني أنا ال "‪ .‬ول تأتي في هذه الحالة " إنّا " ول تأتي " نحن "‪.‬‬
‫والحق هنا يقول‪ { :‬إِنّآ َأوْحَيْنَآ إِلَ ْيكَ } أي أنه أوحى بمنهج ليصير النسان سيدا في الكون‪ ،‬يصون‬
‫نفسه والكون معا‪ ،‬وصيانة الكائن والكون تقتضي علما وحكمة وقدرة ورحمة؛ لذلك فالوحي‬
‫ل فيقول‬
‫يحتاج إلى صفات كثيرة متآزرة صنعت الكون‪ .‬ورحمة من ال بخلقه أن جعل لهم مدخ ً‬
‫سمَآءِ مَآءً فَأَخْ َرجْنَا بِهِ َثمَرَاتٍ مّخْتَلِفا أَ ْلوَا ُنهَا }[فاطر‪:‬‬
‫على سبيل المثال‪ {:‬أَلَمْ تَرَ أَنّ اللّهَ أن َزلَ مِنَ ال ّ‬
‫‪]27‬‬
‫هو الذي أنزل من السماء ماء‪ ،‬وليس لحد من خلقه أي دخل في هذا؛ لن الماء إنما يتبخر دون‬
‫أن يدري النسان‪ ،‬ولم يعرف ذلك إل منذ قرون قليلة‪ .‬وعرفنا كيف يتكون السحاب من البخار‪،‬‬
‫ثم ينزل المطر من بعد ذلك‪ .‬إذن ل دخل للنسان بهذا المر؛ لذلك يقول الحق‪ { :‬أَلَمْ تَرَ أَنّ اللّهَ‬
‫سمَآءِ مَآءً }‪ .‬ويأتي من بعد ذلك إنصاف الحق للخلق‪ ،‬فيقول‪ { :‬فََأخْرَجْنَا ِبهِ َثمَرَاتٍ‬
‫أن َزلَ مِنَ ال ّ‬
‫مّخْتَلِفا أَ ْلوَا ُنهَا }‪ .‬ولم يقل‪ " :‬فأخرجت "‪ .‬بل أنصف الحق خلقه وهم المتحركون في نعمه بالعقول‬
‫التي خلقها لهم‪ ،‬فسبحانه يقدر عمل الخلق من حرث وبذر ورى وذلك حتى يخرج الثمر‪.‬‬
‫إذن السلوب القرآني حين يأتي بـ " إني " يشير إلى وحدة الذات‪ ،‬وحين يأتي بـ " إنّا " يشير‬
‫إلى تجمع صفات الكمال؛ لن كل فعل من أفعال ال يقتضي حشدا من الصفات علما وإرادة‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وقدرة وحكمة وقبضا وبسطا وإعزازا وإذللً وقهاريةً ورحمانيةً؛ لذلك ل بد من ضمير التعظيم‬
‫الذي يقول فيه النحويون‪ :‬إن " نحن " و " نا " للمعظم نفسه‪.‬‬
‫وقد عظم الحق نفسه؛ لن المر هنا حشد صفات يتطلبها إيجاد الكون والقيام على أمر الكون‪.‬‬
‫ولذلك نجد بعض العارفين الذي لمحوا جلل ال في ذاته وجماله في صفاته يقولون‪:‬فسبحان رب‬
‫فوق كل مظنة تعالى جللً أن يُحاط بذاتهإذا قال " إني " ذاك وحدة قدسه وإن قال " إنّا " ذاك‬
‫حشد صفاتهوعندما ننظر إلى هذه المسألة‪ ،‬نجد أن الحق سبحانه وتعالى أنصف خلقه لعلهم‬
‫يعرفونه‪ ،‬فجعل لهم إيجاد أشياء وخلق أشياء‪ .‬وحين يتعرض سبحانه لمر يكون له فيه فعل‬
‫ويكون لمن أقدره سبحانه من خلقه فيه فعل‪ ،‬فهو يأتي بنون التعظيم لنه ‪ -‬سبحانه ‪ -‬هو الذي‬
‫أمدهم بهذه القدرات‪.‬‬
‫وحين أوجد الحق خلقه من عدم‪ ،‬جعل لخلق من خلقه إيجادا؛ ولكنْ هناك فرق بين إيجاد المادة‪،‬‬
‫وإيجاد ما يتركب من المادة‪ .‬فقد خلق سبحانه كل شيء من عدم‪ ،‬ولكن جعل لخلقه أن يخلقوا‬
‫أشياء لكن ليست من عدم‪ .‬وما ضَنّ سبحانه وتعالى عليهم بأن يذكرهم بلفظ الخلق فقال‪ {:‬فَتَبَا َركَ‬
‫اللّهُ أَحْسَنُ الْخَاِلقِينَ }[المؤمنون‪]14 :‬‬
‫فكأنه سبحانه وتعالى جعل من خلقه خالقين‪ ،‬لكن الخالقين من خلقه لم يخلقوا من عدم محض‪،‬‬
‫وإنما كوّنوا مركّبا من موجود في مواده‪ .‬فأخذوا من مواد خلقها ال فركّبوا وأوجدوا‪ .‬والنسان‬
‫الذي صنع كوب الماء لم ينشئ الكوب من عدم محض وإن كانت " الكلية " في الكوب غير‬
‫موجودة فجزئيات إيجاد الكوب موجودة‪ ،‬فالرمل موجود في بيئات متعددة‪ ،‬وموجود أيضا ما‬
‫يصهر الرمل‪ ،‬والعقل الذي يأخذ تلك العناصر‪ ،‬والفكر الذي يصنع من الرمل عجينة‪ ،‬ومصمم‬
‫اللت التي تصنع هذا الكوب موجود‪ .‬إذن فقد أوجد النسان كوبا من جزئيات موجودة‪ .‬فالفارق‬
‫ إذن ‪ -‬بين خلق ال وخلق خلق ال؛ أن ال خلق من عدم محض‪ ،‬لذلك وصف ذاته بقوله‪} :‬‬‫فَتَبَا َركَ اللّهُ َأحْسَنُ الْخَاِلقِينَ {‪.‬‬
‫فأنتم أيها البشر إنما تخلقون من مخلوقات ال ولم تخلقوا من غير مخلوق ل؛ فهو سبحانه وتعالى‬
‫أحسن الخالقين‪ .‬وكما أنصف الحق خلقه بأن نسب لهم خلقا‪ ،‬فل ُبدّ من أن يصف نفسه بأنه أحسن‬
‫الخالقين‪ .‬وأيضا إن خلق الخلق ‪ -‬كما قلنا وأنا ل أزال أكررها لتستقر ثابتة في الذهان ‪ -‬يجمد‬
‫الشيء على ما أوجدوه عليه‪ ،‬فيخلقون الكوب ليظل كوبا في حجمه وشكله ولونه‪ ،‬ولكنهم لم‬
‫يخلقوا كوبا ذكرا وكوبا أنثى ليجتمعا معا وينشئا أكوابا صغيرة تنمو وتكبر‪ ،‬ولكن ال ينفخ بسرّ‬
‫الحياة في كل شيء فيوجده‪ ،‬لذلك هو أحسن الخالقين‪.‬‬
‫ولو نظرت إلى كل شيء في الوجود لوجدت فيه سر الذات الفاعلة‪ ،‬فلو نظرت إلى ذات نفسك‪،‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لوجدت لك وسائل إدراك‪ ،‬لوجدت لك سمعا‪ ،‬ولوجدت لك عينا‪ ،‬ولوجدت لك أنفا ولمسا وذوقا‬
‫ولكن لبعض اللت تحكم في اختيارك‪ ،‬فأنت حين تفتح عينيك ترى وإن لم يرد أن ترى تغمض‬
‫عينيك‪ .‬ولكن إذا أردت ال تسمع‪ ،‬أتستطيع أن تجعل في أذنك آلة تقول " ل أسمع "؟ وأنت تفتح‬
‫فمك لتأكل وتتذوق‪ ،‬ولكن أنت ل تفتح أنفك لتشم‪ .‬أنت تمد يدك لتلمس‪ .‬وقل لي بال أي انفعال لك‬
‫أن أردت أن تضحك؟ ما اللة التي في بدنك تحركها لتضحك؟ أنت ل تعرف شيئا إل سببا مثيرا‬
‫يضحك‪ ،‬لكنك ل تعرف ما هي اللت التي تعمل في جسمك لتضحك‪ .‬وكذلك حينما تبكي ما هي‬
‫اللت التي تعمل في ذاتك لتجعلك باكيا؟ أنت ل تعرف‪ .‬ولذلك جعل ال الضحاك والبكاء مع‬
‫ك وَأَ ْبكَىا * وَأَنّهُ ُهوَ‬
‫حَ‬
‫اليجاد بالحياة‪ ،‬والعدم بالموت جعل ذلك له سبحانه وتعالى‪ {.‬وَأَنّهُ ُهوَ َأضْ َ‬
‫َأمَاتَ وََأحْيَا }[النجم‪]44-43 :‬‬
‫جعل الحق في ذاتك النسانية أشياء تفعل ولكنك ل تعرف بأي شيء تفعل ول بأي شيء تنفعل‪.‬‬
‫والذن ليس لها ما يسدها عن السمع؛ لذلك ل يأمرك الحق بأل تسمع أي شيء‪ ،‬ولكن الثر‬
‫الصالح يأمر‪( :‬ل تتسمّع إلى القيلة)‪.‬‬
‫لم يقل الثر الصالح " ل تسمع إل قيلة " لن النسان ل يستطيع أن يصم أذنيه عما يدور حوله‪،‬‬
‫لكنه يستطيع أل يتسمّع بألّ يلقي بأذنيه إلى ما يقال‪ .‬إذن فقد جعل الحق التكليف في مقدور‬
‫اختيارات المسلم ولذلك قال‪ {:‬وَإِذَا رَأَ ْيتَ الّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْ ِرضْ عَ ْن ُهمْ حَتّىا َيخُوضُواْ‬
‫فِي حَدِيثٍ غَيْ ِرهِ }[النعام‪]68 :‬‬
‫واستخدم هنا كلمة " رأيت " لن المسلم ل يملك شيئا يسد به أذنيه حتى ل يسمع حديث الذين‬
‫يخوضون في آيات ال‪ ،‬لكن أمر ال الذين يسمعون ذلك أن يسيروا بعيدا معرضين عن هؤلء‬
‫الخائضين‪ .‬وسبحانه يوضح لنا ما خفي عنا‪ ،‬وكل شيء في الكون وإن كان ظاهره أنه " يفعل " ‪،‬‬
‫لكنه في الحقيقة هو مقهور لما ينفعل لمرادات ال بأمر ال‪ .‬ولذلك يقول العارفون بال‪ :‬من جميل‬
‫إحسانه إليك أن فعل ونسب إليك‪.‬‬
‫فسبحانه وتعالى الذي يفعل كل شيء‪ ،‬وليس على النسان إل توجيه اللة الفاعلة‪ .‬ومن عظمة‬
‫الحق سبحانه وتعالى أن النسان حين يكون قويا ل يمكنه أن يعطي قوته لضعيف‪ ،‬فل أحد منا‬
‫يقول لضعيف‪ :‬خذ قدرا من قوتي لتساعدك على التحمل‪ ،‬بينما يوضح ال للضعيف عمليا‪ :‬تعال‬
‫إلي أعطك من مطلق قدرتي قدرا من القوة لتفعل‪.‬‬
‫إذن القوة في المخلوق ل يعطيها أبدا لمثله‪ ،‬بل يعطي أثرها‪ .‬مثال ذلك عندما ل يستطيع شخص‬
‫أن يحمل شيئا ثقيلً‪ ،‬فيأتي آخر قَويّ ليحمله عنه‪ ،‬والقوي بفعله إنما يعدي أثر قوته للضعيف‪،‬‬
‫لكنه ل يستطيع أن ينقل قوته إلى ذات الضعيف ليحمل الشيء الثقيل‪.‬‬
‫وال ل يعدي أثر قوته فحسب ولكنه يمنح ويعطي قوة إلى كل ضعيف يلجأ إليه وإلى كل قوي‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أيضا‪ .‬وسبحانه يتفضل بالغنى والسعة لكل غني وفقير وبرحمته إلى كل رحيم‪ ،‬وبقدرته لكل‬
‫قادر‪ ،‬وبحكمته لكل حكيم‪ .‬إذن فكل هذه مستمدات من الحق سبحانه وتعالى‪ .‬هذا هو كلمنا في "‬
‫إنّا "‪.‬‬
‫وحين يتكلم الحق قائلً‪ " :‬أوحينا " فهو سبحانه يأتي بصيغة الجمع‪ .‬وما الوحي؟ قال العلماء‬
‫الوحي‪ :‬إعلم بخفاء؛ لن وسائل العلم شتى‪ ،‬وسائل العلم هي التي تنقل قولً يقوله المبلّغ‬
‫فيعلم السامع‪ ،‬أو هو إشارة يشير بها فيفهم معناها الرائي‪ .‬وهذه إعلمات ليست بخفاء‪ .‬بل‬
‫بوضوح‪ ،‬وعندما يقول‪ " :‬أوحينا " فهو يعني أنه قد أعلم‪ ،‬ولكن بطريق خفي‪ .‬وحين تطلق كلمة "‬
‫وحي " يكون لها معانٍ شتى‪ ،‬فكل إعلم بخفاء وحي‪ .‬لكن من الذي أوحى في خفاء؟ ومن الذي‬
‫أُوحي إليه في خفاء؟ وما الذي أُوحي به في خفاء؟ نجد أن الحق سبحانه وتعالى جاء في أجناس‬
‫ت الَ ْرضُ أَ ْثقَاَلهَا‬
‫ج ِ‬
‫ت الَ ْرضُ زِلْزَاَلهَا * وَأَخْ َر َ‬
‫الوجود‪ ،‬وقال عن الرض وهي الجماد‪ {:‬إِذَا زُلْزَِل ِ‬
‫ح ّدثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنّ رَ ّبكَ َأوْحَىا َلهَا }[الزلزلة‪]5-1 :‬‬
‫* َوقَالَ الِنسَانُ مَا َلهَا * َي ْومَئِذٍ تُ َ‬
‫أي أن الحق قد ضبط الرض على مسافة زمن قيام القيامة‪ ،‬فتتحدث عندئذ ‪ -‬ول المثل العلى ‪-‬‬
‫نحن نقدر العمر الفتراضي لما نصنع لينتهي في وقت محدد‪ .‬إذن فقد أوحى ال للجماد وهي‬
‫الرض‪.‬‬
‫ويترك لنا سبحانه في صناعة المخلوقين ما يقرب لنا صنعة الخالق‪ ،‬فعندما يريد النسان أن‬
‫يستيقظ في الثالثة صباحا‪ ،‬وهو وقت لم يعتد فيه هذا النسان على الستيقاظ‪ ،‬فهو يضبط المنبه‬
‫ليصدر عنه الجرس في الوقت المحدد‪ ،‬كأن النسان بهذا الفعل قد أوحى للمنبه‪ ،‬كذلك الحق صنع‬
‫الرض وأوحى لها‪ :‬في الوقت المحدد ستنفجرين بحكم تكويني لك‪ .‬ويوحي الحق إلى جنس‬
‫حلِ أَنِ اتّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتا َومِنَ الشّجَرِ َومِمّا َيعْرِشُونَ }‬
‫الحيوان‪ {:‬وََأوْحَىا رَ ّبكَ إِلَىا النّ ْ‬
‫[النحل‪]68 :‬‬
‫هذا إعلم بخفاء من ال للنحل‪ .‬فقد جعل ال في تكوينها الغرزي ما يؤدي إلى ذلك‪ .‬وهناك فرق‬
‫بين التكوين الغرزي والتكوين الختياري؛ فالتكوين الغرزي يسير بنظام آلي ل يعدل عنه‪ ،‬أما‬
‫التكوين الختياري فيصح أن يعدل عنه‪.‬‬
‫ومثال آخر علىاللية نجد الحاسب اللي المسمى العقلي اللكتروني ويقوم النسان بتخزين‬
‫المعلومات فيه‪ ،‬وهذا الحاسب اللي ل يستطيع أن يقول لواضع المعلومات فيه‪ :‬ل تقل هذه‬
‫الحقيقة‪ ،‬ول يستطيع أن يمتنع عن إعطاء ما فيه لمن يطلب هذه المعلومات إن كان يعرف كيفية‬
‫استدعائها‪.‬‬
‫فل اختيار للحاسب اللي‪.‬‬
‫ويختلف الوضع في العقل البشري الذي يتميز بالقدرة على انتقاء المعلومات ويعرف كيف يدلي‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫بهذه المعلومات حسب المواقف المختلفة‪ ،‬ويتحكم بوعي فيما يجب أن يُستر وفيما ل يجب ستره‪،‬‬
‫بل إن العقل البشري قد يكذب ويلون المعلومات‪ .‬وهو قادر على تغيير الحقائق والتحكم فيها‪،‬‬
‫بينما الحاسب اللي المسمى بعقل إليكتروني ل يقدر على ذلك؛ لنه يدلي بالمعلومات حسب ما تم‬
‫" برمجته " به وتخزينه ووضعه فيه‪ ،‬وهكذا يرتقي النسان في الفكر‪.‬‬
‫والحق سبحانه وتعالى حين خلق الخلق‪ ،‬أعطى لكل كائن الغرائز التكوينية التي تناسبه أعطى‬
‫النسان القدرة على الختيار بين البديلت‪ ،‬أما بقية الكائنات فقد أخذت حكم الغريزة‪ .‬والكائن‬
‫الذي يسير بحكم الغريزة ل اختيار له‪ ،‬ولذلك تسير كل أموره مستقيمة بناموس ثابت‪.‬‬
‫ونرى هذا المر بوضوح في حكم قهر السموات والرض والكواكب التي ل اختيار لها؛ فهي‬
‫تسير حسب القوانين التي وضعها ال لها‪ ،‬وكذلك النبات‪ .‬فالنسان قد يزرع شجرة فتنمو‬
‫بالتسخير الغرسي الذي وضعه ال فيها‪ ،‬وتمتد الشعيرات من الجذور في باطن الرض؛ لتمتص‬
‫ بتسخير ال لها ‪ -‬بعض العناصر المحددة في التربة‪ ،‬وينتفع نبات ما بمادة معينة قد ل تصلح‬‫لنبات آخر‪.‬‬
‫ويأتي علماء النبات ليعملوا في حقل دراسات نمو النباتات‪ ،‬وقد يكون بعضهم ضعيف اليمان‬
‫بال‪ ،‬أو أن قدرات الخالق ل توجد في بؤرة شعوره دائما‪ .‬فيقول‪ :‬إن النبات يتغذى حسب خاصية‬
‫النابيب الشعرية‪ .‬وخاصية النابيب الشعرية ‪ -‬كما نعرفها ‪ -‬هي صعود السائل إلى النابيب‬
‫التي تكون الواحدة منها ل يزيد قطرها واتساعها على قطر الشعرة‪ .‬ويصعد فيها السائل إلى ما‬
‫فوق سطح الناء‪ .‬وكل سائل في أي إناء إنما يأخذ استطراقَا واحدا‪ .‬وعندما نضع النابيب‬
‫الشعرية في قلب هذا الناء‪ ،‬فالسائل يصعد داخل هذه النابيب فوق مستوى الناء؛ لن الضغط‬
‫الجوي داخل النابيب يختلف بالنسبة لحجم المياه عنها في داخل الناء‪ .‬وظن العلماء أن النبات‬
‫يتغذى بهذه الطريقة‪.‬‬
‫ونقول لهؤلء‪ :‬كيف هذا والنبات يختار عناصر معينة من السائل؛ بينما النابيب الشعرية يصعد‬
‫فيها الماء بكل العناصر الموجودة في الماء؟‪ .‬إنك أيها العالم الذي غاب ال عن بؤرة شعورك قد‬
‫تدعي أن الطبيعة هي التي تفعل ذلك‪ ،‬ول تلتفت إلى حقيقة واضحة وهي أن النبات ينتقي‬
‫بالتسخير الرباني الخاص بعضا من العناصر الموجودة في التربة‪ ،‬ل بخاصية النابيب الشعرية‪.‬‬
‫سوّىا * وَالّذِي قَدّرَ َفهَدَىا }[العلى‪:‬‬
‫وصدق القول الحق‪ {:‬سَبّحِ اسْمَ رَ ّبكَ الَعْلَىا * الّذِي خَلَقَ َف َ‬
‫‪] 3 -1‬‬
‫فسبحانه الذي قدر فهدى كل شيء إلى احتياجاته‪ .‬ويقول الحق أيضا‪:‬‬
‫ك ليَاتٍ ّل َقوْمٍ َي ْعقِلُونَ }‬
‫ل ُكلِ إِنّ فِي ذاِل َ‬
‫ضهَا عَلَىا َب ْعضٍ فِي ا ُ‬
‫سقَىا ِبمَآ ٍء وَاحِ ٍد وَ ُن َفضّلُ َب ْع َ‬
‫{ ُي ْ‬
‫[الرعد‪]4 :‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إذن فسبحانه يوحي لكل نبات بخاصية تكوين غريزي تختلف عن النبات الخر؛ لذلك نجد الفلح‬
‫يضع شجرة الفلفل بجانب عود القصب‪ ،‬بجانب شجرة الرمان‪ ،‬فنجد الفلفل يخرج وله مذاق‬
‫حريف‪ ،‬والقصب له مذاق حلو‪ ،‬والرمان له مذاق فيه الحلوة والحموضة‪ ،‬إنه مختلف عن‬
‫القصب وعن الفلفل‪ ،‬وهذا الختلف لم يتم بخاصية النابيب الشعرية‪ .‬ويقول آخر‪ :‬هذا الختلف‬
‫إنما حدث بظاهرة النتخاب الطبيعي‪ .‬ونقول‪ :‬لماذا ل تقول النتخاب اللهي وتستريح؟‪.‬‬
‫إذن فالوحي هو إعلم بخفاء‪ ،‬وقد يكون مطمورا في تكوين الشيء بحيث إذا جاء وقته ينفعل‪،‬‬
‫تماما مثلما يدق جرس المنبه في الميعاد المحدد‪ .‬والوحي إلى الحيوان يتحدد في قوله الحق‪{:‬‬
‫خذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتا َومِنَ الشّجَ ِر َو ِممّا َيعْرِشُونَ }[النحل‪]68 :‬‬
‫حلِ أَنِ اتّ ِ‬
‫وََأوْحَىا رَ ّبكَ إِلَىا النّ ْ‬
‫ومن العجيب أن العالم المريكي الذي رصد حياته لدراسة النحل في أطواره وأصنافه وأجناسه‬
‫وبيئاته‪ ،‬قال‪ :‬أول إنتاج للنحل كان في الجبال وأقدم عسل وجده النسان للنحل كان في الخليا‬
‫التي عثر عليها من الجبال‪ .‬وبعد ذلك وجد النسان النحل وعسله في الشجر العالي الذي ل‬
‫يملكه‪ ،‬ثم استأنس النسان النحل وأقام له البساتين والبيوت والخليا ومما يعرشون‪ .‬ولم يقرأ هذا‬
‫العالم القرآن ليعرف المراحل الثلث التي جاءت به‪ ،‬لكنه درس بصدق البحث التجريبي‪ ،‬وخرج‬
‫بالنتيجة نفسها التي جاء بها القرآن‪ .‬وفي كل وقت وزمان نجد عالما من الكافرين يكتشف أشياء‬
‫تؤيد وتؤكد قضية اليمان عند المؤمنين‪ .‬أما الوحي بالنسبة للنسان فيأخذ أشكالً أخرى‪ ،‬يقول‬
‫خفْتِ عَلَيْهِ فَأَ ْلقِيهِ فِي ال َيمّ }[القصص‪]7 :‬‬
‫ضعِيهِ فَإِذَا ِ‬
‫الحق‪ {:‬وََأوْحَيْنَآ إِلَىا أُمّ مُوسَىا أَنْ أَ ْر ِ‬
‫ولم يأت إلى أم موسى رسول يُوحى إليها‪ .‬لكن المر قد استقر في ذهنها‪ ،‬وقد تعب العلماء كثيرا‬
‫ليقربوا معنى الوحي لذهاننا‪ ،‬فقالوا عنه‪ :‬إنه عرفان يجده النسان في نفسه ول يعرف مصدره‪،‬‬
‫ومع هذا العرفان دليل أنه من ال‪ .‬ولذلك ل يطلب العقل عليه دليلً‪ .‬والذي يصّدق على هذا هو‬
‫خفْتِ عَلَيْهِ فَأَ ْلقِيهِ فِي ال َيمّ {‪.‬‬
‫ضعِيهِ فَإِذَا ِ‬
‫أننا سمعنا قول الحق‪ } :‬وََأوْحَيْنَآ إِلَىا أُمّ مُوسَىا أَنْ أَ ْر ِ‬
‫وبال عليكم‪ ،‬اجمعوا الدنيا كلها وقولوا لمرأة‪ :‬إن خفت على ابنك فألقيه في البحر‪ ،‬هل تصدق‬
‫الم ذلك؟! ل يمكن‪ ،‬لكن أم موسى أخذت هذا المر كقضية مسلم بها‪ ،‬فساعة دخل اليحاء من ال‬
‫إلى قلبها‪ ،‬أو العلم بخفاء إلى وجدانها آمنت به‪ ،‬ومادام العلم من ال فل شيطان يزاحمه‪ ،‬بل‬
‫يدخل إلى النفس فتستقبله استقبال اليقين واليمان بل مناقشة‪ .‬وألقت أم موسى بابنها بعد أن‬
‫أرضعته‪ .‬وأراد ال أن يطمئنها‪ .‬فأوضح لها‪ :‬أَنَا أصدرت المر إلى البحر ليلقي الرضيع إلى‬
‫الساحل‪ .‬وأصدرت الوامر ليلتقطه العدو فرعون‪.‬‬
‫وأصدرت الوامر أن يقوم بيت فرعون بتربيته‪.‬‬
‫حوَارِيّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي‬
‫وبعد ذلك هناك وحي للحواريين‪ .‬يقول ال‪ {:‬وَِإذْ َأوْحَ ْيتُ إِلَى الْ َ‬
‫شهَدْ بِأَنّنَا مُسِْلمُونَ }[المائدة‪]111 :‬‬
‫قَالُواْ آمَنّا وَا ْ‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وهناك وحي للملئكة كقول الحق‪ِ {:‬إذْ يُوحِي رَ ّبكَ إِلَى ا ْلمَل ِئكَةِ أَنّي َم َعكُمْ فَثَبّتُواْ الّذِينَ آمَنُواْ سَأُ ْلقِي‬
‫عبَ }[النفال‪]12 :‬‬
‫فِي قُلُوبِ الّذِينَ كَفَرُواْ الرّ ْ‬
‫الوحي ينتظم ويشمل ‪ -‬إذن ‪ -‬كل أجناس الوجود بطريقة خفية عند عالم خفي عنا‪ ،‬وهم الملئكة‪،‬‬
‫وعالم ملحوظ لنا ولمثالنا مثل الحواريين‪ ،‬ومثل أم موسى‪.‬‬
‫وساعة يقول‪ " :‬أوحينا " ينبهنا إلى أن العلم بخفاء أمر غير مقصور على ال؛ ذلك أن الشياطين‬
‫طعْ ُتمُوهُمْ إِ ّن ُكمْ‬
‫يوحون إلى أوليائهم‪ {:‬وَإِنّ الشّيَاطِينَ لَيُوحُونَ ِإلَى َأوْلِيَآ ِئهِمْ لِيُجَادِلُوكُ ْم وَإِنْ أَ َ‬
‫َلمُشْ ِركُونَ }[النعام‪]121 :‬‬
‫ضهُمْ‬
‫س وَا ْلجِنّ يُوحِي َب ْع ُ‬
‫ن الِنْ ِ‬
‫ع ُدوّا شَيَاطِي َ‬
‫جعَلْنَا ِل ُكلّ نِ ِبيّ َ‬
‫ويقول أيضا عن الشياطين‪َ {:‬وكَذَِلكَ َ‬
‫إِلَىا َب ْعضٍ زُخْ ُرفَ ا ْل َقوْلِ غُرُورا وََلوْ شَآءَ رَ ّبكَ مَا َفعَلُوهُ فَذَ ْرهُ ْم َومَا َيفْتَرُونَ }[النعام‪]112 :‬‬
‫إذن الوحي هو إعلم بخفاء‪ ،‬وليس المر مقصورا على الحق سبحانه وتعالى‪ ،‬بل يصح أن يكون‬
‫الوحي من ال‪ ،‬أو من الشياطين‪ ،‬أو من جنود الشياطين‪.‬‬
‫وقد يكون الوحي إلى الجماد وإلى الحيوان وإلى الملئكة وإلى النسان‪.‬‬
‫وعندما نحدد معنى الوحي فإننا نقول‪:‬‬
‫الوحي في اللغة إعلم بخفاء من أيّ ‪ -‬سواء أكان من ال أم من الشياطين ‪ -‬ولي ما ‪ -‬سواء‬
‫للرض أو للحيوان أو للنسان ‪ -‬وفي أيّ ‪ -‬سواء في خير أو شر‪.-‬‬
‫وكلمة " وحي " تصلح لي معنى من هذه المعاني بحيث إذا أطلقت انصرفت إليه‪ .‬ولكن هي‬
‫بالمعنى الشرعي ل تطلق إلّ على العلم بخفاء من ال لرسوله‪ ،‬ومثل ذلك حدث لمعنى الصلة‪،‬‬
‫فالصلة معناها اللغوي الدعاء‪ ،‬وهناك الصلة على النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬والصلة المكتوبة‬
‫هي القوال والفعال‪ ،‬وأخذ الشرع معنى الصلة واصطلح على أن كلمة الصلة حين يطلقها‬
‫الفقيه تنصرف إلى القوال والفعال المخصوصة المبتدأة بالتكبير والمختتمة بالتسليم‪.‬‬
‫وفي هذا المعنى الشامل للصلة نجد سيدنا عمر ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬وقد دخل عليه حذيفة فسأله‪:‬‬
‫كيف أصبحت؟‪ .‬أجاب حذيفة‪ :‬أصبحت أحب الفتنة وأكره الحق وأصلي بغير وضوء ولي في‬
‫الرض ما ليس في السماء‪ .‬وغضب سيدنا عمر‪ ،‬ولول دخول سيدنا علي بن أبي طالب لكان‬
‫لسيدنا عمر شأن آخر مع حذيفة‪.‬‬
‫وسأل عليّ عمر‪ :‬ما يغضبك يا أمير المؤمنين؟‪ .‬قال عمر‪ :‬سألت حذيفة كيف أصبحت فقال كذا‬
‫وكذا‪ .‬فقال علي ‪ -‬كرم ال وجهه ‪ :-‬نعم يا أمير المؤمنين‪ ،‬أصبح يحب الفتنة‪ ،‬أي يحب ماله‬
‫وولده‪ ،‬فالحق قال‪ } :‬إِ ّنمَآ َأ ْموَاُلكُ ْم وََأ ْولَ ُدكُمْ فِتْنَةٌ { ‪ ،‬وهو يكره الموت والموت حق من فينا يحبه‬
‫يا أمير المؤمنين؟ وهو يصلي بغير وضوء على النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وله في الرض‬
‫زوجة وله ولد وهو ما ليس ل في السماء‪.‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إذن فقد أخذ حذيفة الفتنة على معنى مخصوص‪ ،‬وكذلك الموت‪ ،‬والصلة‪ .‬وضربت هذاالمثل‬
‫لفرق بين المعاني الشرعية والمعاني اللغوية‪.‬‬
‫ونوضح الفارق بين معنى الوحي الصطلحي والمعنى اللغوي‪ ،‬المعنى اللغوي للوحي هو‪ :‬إعلم‬
‫ي ليّ بأي‪ .‬والوحي بمعناه الشرعي‪ :‬إعلم بخفاء من ال لرسوله‪ .‬وكل اللوان‬
‫بخفاء من أ ّ‬
‫الخرى من الوحي نأخذها بالمعنى اللغوي‪.‬‬
‫وقوله الحق هنا في الية التي نحن بصددها‪ } :‬إِنّآ َأوْحَيْنَآ إِلَ ْيكَ َكمَآ َأوْحَيْنَآ إِلَىا نُوحٍ {‪ .‬و " أوحينا‬
‫" هنا قد جاءت للعلم بخفاء من ال لرسول من رسله‪ .‬ونعلم أن صفات الكمال للحق سبحانه‬
‫وتعالى هي صفات الكمال المطلق‪ .‬وكل الخلق مقدورون لقدرته سبحانه‪ .‬ول يمكن لحد أن‬
‫يتصل اتصالً مباشرا بالعلى المطلق‪ .‬ول يستطيع أحد أن يتحمل ذلك حتى الرسول‪ .‬ولذلك يأتي‬
‫الحق بنورانيّين من الملئكة ليأخذوا منه ليعطوا للرسول‪ .‬ويسبق ذلك إعداد الرسول لهذه المهمة‪.‬‬
‫إذن فالمسألة تمر بمراحل تصفية‪ ،‬العلى يعطى للملئكة‪ ،‬والملئكة يعطون للمصطفى من‬
‫الخلق‪ ،‬والمصطفى مصنوع على عين ال ليتلقى الوحي‪ ،‬ومن بعد ذلك يعطي الرسول لغيره من‬
‫البشر‪ .‬وكل ذلك لتقريب مسافات اللتقاء‪ .‬وعلى رغم تقريب مسافات اللتقاء تحصل الهزة من‬
‫آخر مرحلة حين يستقبل من أدنى مرحلة‪ ،‬فحين يستقبل الرسول الوحي من ملك تحدث له هِزّة‪.‬‬
‫والرسول صلى ال عليه وسلم يقول عن أول لقاء له مع الوحي‪:‬‬
‫(حتى جاءه الحق وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال‪ :‬اقرأ‪ .‬قال‪ :‬ما أنا بقارئ قال‪ :‬فأخذني‬
‫فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني‪ .‬فقال‪ :‬اقرأ فقلت‪ :‬ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثانية حتى‬
‫بلغ مني الجهد ثم أرسلني‪ .‬فقال‪ :‬اقرأ فقلت‪ :‬ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني‪ .‬فقال‪:‬‬
‫اقرأ باسم ربك الذي خلق‪ .‬خلق النسان من علق اقرأ وربّك الكرم)‪.‬‬
‫وكان جبينه يتصفد عرقا‪ ،‬ورجف فؤاده ودخل على زوجه خديجة بنت خويلد فقال‪ " :‬زملوني‬
‫زملوني " فزملوه حتى ذهب عنه ال ّروْع‪ .‬وكان ذلك أمرا طبيعيا؛ فهذا الملك جبريل متصل ببشر‬
‫هو محمد بن عبدال ول بد أن يحدث ذلك للرسول‪ ،‬وذلك حتى يتكيف ليستقبل من المَلَك‪.‬‬
‫لكن أتظل هذه الرجفة المتعبة؟‪ .‬ل‪ ،‬إن الوحي يَفتر لفترة وتذهب عنه متاعبه فيشتاق الرسول إليه‬
‫ويصير قادرا على تحمل متاعبه‪ ،‬مثل تصفد الجبين بالعرق‪ ،‬ومثل الثقل في الحركة حتى إذا‬
‫جاءه الوحي وهو على دابة فهي تئط وتئن‪ ،‬وإن جاءه الوحي وهو جالس وفخذه على فخذ واحد‬
‫من الصحابة‪ ،‬فيكاد ثقل الرسول يرض عظام الرجل ويكسرها‪ ،‬كل ذلك من المتاعب تحدث‬
‫للرسول في أثناء الوحي؛ لن تغييرا كيماويا يحدث في بدنه صلى ال عليه وسلم ليتأكد أن الكلم‬
‫الذي يتلقاه ليس كلما عاديا‪ ،‬لكنه كلم قد جاء بإعجاز‪ ،‬وأنه من عند ال‪.‬‬
‫لقد كان للوحي صلصلة كصلصلة الجرس‪ .‬وكأن هذا الصوت إعلن أن زمن وساعة الوحي قد‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫جاءت فاستعد لها يا رسول ال‪ .‬وعندما تعب رسول ال صلى ال عليه وسلم في البداية‪ ،‬كان من‬
‫رحمة ال به أن يجعل الوحي يفتر عنه‪ ،‬فيشتاق صلى ال عليه وسلم للوحي بسبب حلوة ما‬
‫أوحي إليه‪ ،‬ويجعله هذا الشوق مستشرفا للمتاعب‪ .‬وعندما فتر الوحي عن رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم قال خصومه‪ :‬رب محمد ودعه وجَفاه‪ .‬ولم يتذكروا أن لمحمد ربا إلّ في هذه المسألة‬
‫بعد أن اتهموه بالكذب ولم يمتلكوا الذكاء حتى يعبروا عن هذا المر بتعبير ل يتناقض مع موقفهم‬
‫السابق منه‪ .‬وحين رأى الحق الجهاد الحاصل لرسوله جعل الوحي يفتر حتى تبقى حلوة ما‬
‫يوحَى به ويذهب التعب ويشتاق رسول ال إلى ما يوحى إليه‪.‬‬
‫إن الشوق وتلك المحبة يجعلن رسول ال ل يشعر بوطأة اللم المادي البشري‪ ،‬والنسان منا‬
‫حين يذهب إلى حبيب له يسير في الشوك والوحل ول يبالي‪ .‬إذن ففتور الوحي كان لتربية الشوق‬
‫في نفسه صلى ال عليه وسلم ليستقبل الوحي‪ ،‬ولينتبه كل منا حين يقرأ قول ال سبحانه وتعالى‪{:‬‬
‫ن الُولَىا }[الضحى‪]4 :‬‬
‫وَلَلخِ َرةُ خَيْرٌ ّلكَ مِ َ‬
‫ضعْنَا‬
‫ك صَدْ َركَ * َو َو َ‬
‫أي أن ما سيأتي لك من بعد ذلك سيسرك‪ .‬ويقول الحق بعدها‪ {:‬أَلَمْ َنشْرَحْ َل َ‬
‫ظهْ َركَ * وَ َر َفعْنَا َلكَ ِذكْ َركَ }[الشرح‪]4-1 :‬‬
‫ك وِزْ َركَ * الّذِي أَن َقضَ َ‬
‫عَن َ‬
‫وحين عرض الحق هذه المسألة بهذه الكيفية أراد أن يبلغنا‪ :‬ل تظنوا أن رب محمد ‪ -‬كما يقولون‬
‫ قد جفاه‪ ،‬ل‪ ،‬بل يعده ليستقبل أكثر مما جاء من قبل‪ ،‬فسنن الكون أمامكم‪ ،‬لكن كفرهم أعمى‬‫ك َومَا‬
‫عكَ رَ ّب َ‬
‫أبصارهم وبصيرتهم‪ ،‬ويقول سبحانه‪ {:‬وَالضّحَىا * وَاللّ ْيلِ إِذَا سَجَىا * مَا وَدّ َ‬
‫قَلَىا }[الضحى‪]3-1 :‬‬
‫وسبحانه يقسم بما شاء على ما شاء‪ .‬والضحى هو ضحوة النهار وهي محل الحركة والكدح‬
‫والجهد والتعب‪ ،‬والليل محل الراحة والسكون‪.‬‬
‫كأن الحق يوضح‪ :‬إنكم إن نظرتم في آية الكون لوجدتم أن ال قد جعل الضحى للكدح والليل‬
‫لنسكن فيه وفتور الوحي هو سكون ليعاود محمد نشاطه في حركة الوحي الجديدة‪ ،‬هو الحق ‪-‬‬
‫ك َومَا قَلَىا { أمجيء الليل بعد‬
‫عكَ رَ ّب َ‬
‫سجَىا * مَا وَدّ َ‬
‫سبحانه ‪ -‬يقسم‪ } :‬وَالضّحَىا * وَاللّ ْيلِ ِإذَا َ‬
‫النهار ضن من ال على الناس بالنهار؟ ل‪ ،‬إنما الليل عطاء من ال ليسكنوا وليستقبلوا النهار‬
‫الجديد‪.‬‬
‫وأنزل سبحانه الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها حينما سأل اليهود النبي صلى ال عليه وسلم‬
‫سمَآءِ َفقَدْ سَأَلُواْ‬
‫أن ينزل عليهم كتابا من السماء‪ } :‬يَسْأَُلكَ أَ ْهلُ ا ْلكِتَابِ أَن تُنَ ّزلَ عَلَ ْيهِمْ كِتَابا مّنَ ال ّ‬
‫جهْ َرةً {‪.‬‬
‫مُوسَىا َأكْبَرَ مِن ذاِلكَ َفقَالُواْ أَرِنَا اللّهَ َ‬
‫فيأمره الحق أن يوضح‪ :‬أنا قد أوحى ال إليّ كما أوحى إلى الرسل السابقين‪ ،‬فهل أنتم شككتم في‬
‫وحي ال لموسى؟ أشككتم في وحي ال لمن سبق موسى؟ صحيح أنكم شككتم في مسألة عيسى‪،‬‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لكن لنضع المر الذي تكذبون فيه جانبا ولنأخذ ما أنتم مصدقون به‪ ،‬فيقول سبحانه‪ } :‬إِنّآ َأوْحَيْنَآ‬
‫ح وَالنّبِيّينَ مِن َبعْ ِدهِ {‪.‬‬
‫إِلَ ْيكَ َكمَآ َأوْحَيْنَآ إِلَىا نُو ٍ‬
‫ح وَالنّبِيّينَ مِن‬
‫إذن فأنت يا محمد لست بدعا في هذه المسألة‪ } :‬إِنّآ َأوْحَيْنَآ ِإلَ ْيكَ َكمَآ َأ ْوحَيْنَآ إِلَىا نُو ٍ‬
‫َبعْ ِدهِ { ويمر العلماء على هذه المسألة مرورا سريعا‪ ،‬لكننا نقف عندها ونقول‪ :‬قد يوحي هذا القول‬
‫أن أول وحي كان لنوح‪ .‬والحقيقة أن الوحي الول كان لدم من قبل‪ ،‬لكنْ هناك فارق بين الوحي‬
‫لدم والوحي للنبياء من بعده‪.‬‬
‫ومثال ذلك نوح‪ ،‬فنوح طرأ على أمته وكانت أمته موجودة ثم جاء هو إلى هذه المة مبشرا‬
‫ونذيرا‪ .‬أما آدم عليه السلم فقد طرأت عليه أمته؛ لذلك لم يرسله ال بمعجزة‪ ،‬فهو أب للجميع‪.‬‬
‫والبناء يقلدون الباء‪ ،‬بل حتى أبناء الملحدة يقلدون آباءهم‪ .‬وقد أوحى ال لدم وقال له‪ } :‬فَِإمّا‬
‫خ ْوفٌ عَلَ ْي ِه ْم َولَ هُمْ َيحْزَنُونَ { وإرسال الهدى لدم هو‬
‫يَأْتِيَ ّنكُم مّنّي هُدًى َفمَن تَ ِبعَ هُدَايَ فَلَ َ‬
‫مجيء الوحي إليه‪.‬‬
‫ولماذا جاء نوح في هذه الية أولً؟ لن نوحا عليه وعلى نبينا الصلة والسلم قد طرأ على أمته؛‬
‫لذلك احتاج إلى وحي وإلى معجزة‪ .‬وأرسل ال نوحا إلى الناس كافة؛ لعموم الموضوع‪ ،‬فلم يكن‬
‫هناك من البشر غيرهم‪ .‬لكنّ محمدا صلى ال عليه وسلم أرسله ال للناس كافة؛ لن السلم هو‬
‫الدين الخاتم‪ .‬وكان قوم محمد موجودين‪ .‬وكذلك كان غيرهم موجودا‪.‬‬
‫} إِنّآ َأوْحَيْنَآ إِلَ ْيكَ َكمَآ َأوْحَيْنَآ ِإلَىا نُوحٍ وَالنّبِيّينَ مِن َب ْع ِد ِه وََأوْحَيْنَآ إِلَىا إِبْرَاهِيمَ {‪ .‬لماذا قال الحق‪} :‬‬
‫وَالنّبِيّينَ مِن َبعْ ِدهِ { أي من بعد نوح؟‪ ،‬ولماذا قال‪ } :‬وََأوْحَيْنَآ ِإلَىا إِبْرَاهِيمَ { وذكر أسماء النبياء‬
‫من بعد إبراهيم؟‬
‫يقول العلماء‪ :‬هنا عطف خاص على عام لزيادة التنبيه على شرف هؤلء‪ } ،‬وََأوْحَيْنَآ إِلَىا إِبْرَاهِيمَ‬
‫ن وَآتَيْنَا دَاوُودَ‬
‫ن وَسُلَ ْيمَا َ‬
‫ب وَيُونُسَ وَهَارُو َ‬
‫ق وَ َيعْقُوبَ وَالَسْبَاطِ وَعِيسَىا وَأَيّو َ‬
‫سمَاعِيلَ وَإسْحَا َ‬
‫وَإِ ْ‬
‫زَبُورا { ‪ ،‬وكأن الحق يقول‪ :‬حين يسألك اليهود ‪ -‬يا محمد ‪ -‬أن تنزل عليهم كتابا من السماء قل‬
‫لهم‪ :‬إن ال أوحى إليّ كما أوحى إلى ألنبياء السابقين؛ فلست بدعا من الرسل‪ .‬وحتى لو أنزل‬
‫إليهم محمد كتابا في قرطاس ولمسوه بأيديهم لقالوا‪ :‬هذا سحر مبين‪ ،‬كما قال‪ {:‬وََلوْ نَزّلْنَا عَلَ ْيكَ‬
‫كِتَابا فِي قِ ْرطَاسٍ فََلمَسُوهُ بِأَيْدِي ِهمْ َلقَالَ الّذِينَ َكفَرُواْ إِنْ هَـاذَآ ِإلّ سِحْرٌ مّبِينٌ }[النعام‪]7 :‬‬
‫فالم ْنكِر يريد الصرار على النكار فقط‪ .‬وليست المسألة جدلً في حق وإنما هي َلجَاج في باطل‪.‬‬
‫سمَاعِيلَ‬
‫ويتابع سبحانه وتعالى أسماء النبياء الذين أوحى ال إليهم‪ } :‬وََأوْحَيْنَآ ِإلَىا إِبْرَاهِيمَ وَإِ ْ‬
‫سلَ ْيمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورا‬
‫س وَهَارُونَ وَ ُ‬
‫ب وَيُونُ َ‬
‫ط وَعِيسَىا وَأَيّو َ‬
‫ق وَ َيعْقُوبَ وَالَسْبَا ِ‬
‫وَإسْحَا َ‬
‫{ ونلحظ أنه جل وعل ذكر الوحي عاما؛ لكنه حينما جاء لداود ذكر اسمَ كتابِه " الزبور " ولم يأت‬
‫في الية بأسماء الكتب المنزلة على الرسل السابقين مثل نزول التوراة على موسى‪ ،‬والنجيل‬
‫على عيسى؛ لن ما جاء به داود في الزبور أمر تُجمع عليه كل الشرائع‪ ،‬وهو تحميد ال والثناء‬

‫‪http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫عليه قلم توجد في الزبور أية أحكام‪.‬‬
‫وقد يقول قائل‪ :‬إن عيسى أيضا لم تنزل عليه أحكام في النجيل‪ .‬ونقول‪ :‬لن النجيل يلتحم‬
‫بالتوراة؛ وجاء بالوجدانيات الدينية وكانت التوراة موجودة قبله وفيها الحكام‪ .‬ولذلك فمن عجيب‬
‫أمر أهل الكتاب من يهود ونصارى‪ ،‬أنهم على رغم اختلفهم في قمة المور وهي مسألة عيسى‬
‫وأم عيسى‪ ،‬جاءوا آخر المر ليلتقوا ويسموا الكتابين " العهد القديم والعهد الجديد " و َيعْتبروهما‬
‫كتابا واحدا يسمونه الكتاب المقدس‪.‬‬
‫وما معنى " الزبور "؟ المادة كلها مأخوذة من " زَبَرَ البئر " ‪ ،‬فعندما يقوم الناس بحفر بئر ليأخذوا‬
‫منها الماء‪ ،‬يخافون أن ينهال التراب من جوانبها عليه فتمطر البئر؛ لذلك يصنعون لجدران البئر‬
‫بطانة الحجارة‪ ،‬وفي الريف المصري نجد انهم يصنعون تلك البطانة من السمنت‪.‬‬
‫وكلمة " زَبَرَ البئر " تؤدي معنى كل عملية لصلح ا