‫تفسير الشعراوي‬

‫طغْيَا ِنهِمْ َي ْع َمهُونَ (‪)110‬‬
‫وَنُقَّلبُ َأفْئِدَ َتهُمْ وَأَ ْبصَارَهُمْ َكمَا لَمْ ُي ْؤمِنُوا بِهِ َأ ّولَ مَ ّر ٍة وَنَذَرُ ُهمْ فِي ُ‬

‫وحين تقول‪ :‬أنا أقلب السلعة فهذا يعني أنك تفحصها‪ .‬والحق يبلغنا هنا‪ :‬أنا قلبت قلوبهم على كل‬
‫لون ولن آخذ بظاهر الفؤاد‪ ،‬بل بلطفي وعظيم خبرتي أعلم الباطن منهم فاطمئنوا إلى أن حكمي‬
‫هو الحكم الحق الناتج من تقليب لطيف خبير‪.‬‬
‫وقد يكون هنا معنى آخر‪ ،‬أي أن يكون التقليب لونا من التغيير؛ فمن الجائز أنهم حينما أقسموا‬
‫بال جهد أيمانهم كانوا في هذا الوقت قد اقتربوا من اليمان ولكن قلوبهم ل تثبت على عقيدة‪ .‬بل‬
‫تتقلب دائما‪ .‬ومادامت قلوبهم ل تثبت فأنّى لنا بتصديقهم لحظة أن أقسموا بال جهد أيمانهم على‬
‫إعلن اليمان إن جاءت آية؟ وهل فيهم من يملك نفسه بعد مجيء الية أيظل أمره أم يتغير؟‪ .‬لن‬
‫ربنا مقلب القلوب وما كنت تستحسنه أول قد ل تستحسنه ثانيا‪ .‬حين { و ُنقَّلبُ َأفْ ِئدَ َتهُ ْم وَأَ ْبصَارَهُمْ }‬
‫أي أن الحكم قد جاء عن خبرة وإحاطة علم { وَ ُنقَلّبُ َأفْئِدَ َت ُه ْم وَأَ ْبصَارَهُمْ َكمَا لَمْ ُي ْؤمِنُواْ بِهِ َأوّلَ مَ ّرةٍ‬
‫}‪.‬‬
‫إن اليمان يحتاج إلى استقبال آيات كونية بالبصر‪ ،‬وبعد أن تستقبل اليات الدالة على عظمة الِله‬
‫تؤمن به ويستقر اليمان في فؤادك‪ .‬وسبحانه يوضح لنا أنه يقلب أفئدتهم وأبصارهم‪ ،‬هل‬
‫يبصرون باعتبار واقتناع؟ أو هي رؤية سطحية ل فهم لهم فيها ول قدرة منهم على الستنباط؟‬
‫وهل أفئدتهم قد استقرت على اليمان أو أن أبصارهم قاصرة وقلوبهم قاصرة؟‬
‫طغْيَا ِنهِمْ َي ْع َمهُونَ } [النعام‪:‬‬
‫{ وَ ُنقَّلبُ َأفْ ِئدَ َتهُ ْم وَأَ ْبصَارَهُمْ َكمَا َلمْ ُي ْؤمِنُواْ ِبهِ َأ ّولَ مَ ّرةٍ وَ َنذَرُهُمْ فِي ُ‬
‫‪]110‬‬
‫إذن فهم ل يؤمنون ويسيرون إلى ضللهم‪ .‬فإن جاءت آية فلن يؤمنوا‪ ،‬وفي هذا عذر للمؤمنين في‬
‫أنهم يرجون ويأملون أن تنزل آية تجعل من أقسموا جهد اليمان أن يؤمنوا‪.‬‬
‫لماذا؟ لن الحق قال‪َ { :‬كمَا َلمْ ُي ْؤمِنُواْ ِبهِ َأ ّولَ مَ ّرةٍ } ‪ ،‬أي أنهم لم يتغيروا ولذلك يصدر ضدهم‬
‫طغْيَا ِن ِهمْ َي ْع َمهُونَ } والطغيان هو تجاوز الحد‪ ،‬وهم قد تجاوزوا الحد هنا في‬
‫الحكم { وَنَذَ ُرهُمْ فِي ُ‬
‫استقبال اليات‪ ،‬فقد جاءتهم آيات القرآن وعجزوا عن أن يأتوا بمثلها‪ ،‬وعجزوا عن أن يأتوا‬
‫بعشر سور‪ ،‬وعجزوا عن أن يأتوا بسورة‪ ،‬وكان يجب أل يطغوا‪ ،‬وأل يتجاوزوا الحد في طلب‬
‫القتناع بصدق الرسول‪.‬‬
‫طغْيَا ِنهِمْ َي ْع َمهُونَ } و " العمه " هو التردد والحيرة‪ ،‬وهم في طغيانهم يترددون‪ ،‬لن‬
‫{ وَنَذَ ُرهُمْ فِي ُ‬
‫فيهم فطرة تستيقظ‪ ،‬وكفرا يلح؛ يقولون لنفسهم‪ :‬أنؤمن أو ل نؤمن؟ والفطرة التي تستيقظ فيهم‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫تلمع كومضات البرق‪ ،‬وكان يجب أل يترددوا‪ :‬أو { وَنُقَّلبُ َأفْئِدَ َتهُمْ وَأَ ْبصَارَهُمْ } في النار؛ لن‬
‫البصر لم يؤد مهمته في العتبار‪ ،‬والقلب لم يؤد في الفقه عن ال‪ ،‬فيجازيهم ال من جنس ما‬
‫عملوا بأن يقلب أبصارهم وقلوبهم في النار‪.‬‬
‫ويقول الحق بعد ذلك‪ { :‬وََلوْ أَنّنَا نَزّلْنَآ إِلَ ْي ِهمُ‪} ...‬‬

‫(‪)890 /‬‬
‫شيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِ ُي ْؤمِنُوا إِلّا أَنْ‬
‫حشَرْنَا عَلَ ْيهِمْ ُكلّ َ‬
‫وََلوْ أَنّنَا نَزّلْنَا إِلَ ْيهِمُ ا ْلمَلَا ِئكَ َة َوكَّل َمهُمُ ا ْل َموْتَى وَ َ‬
‫جهَلُونَ (‪)111‬‬
‫يَشَاءَ اللّ ُه وََلكِنّ َأكْثَرَ ُهمْ يَ ْ‬

‫هنا يوسع الحق المسألة‪ .‬فلم يقل‪ :‬إنهم سوف يؤمنون‪ ،‬بل قال‪ { :‬وََلوْ أَنّنَا نَزّلْنَآ إِلَ ْي ِهمُ ا ْلمَل ِئكَةَ }‬
‫مثلما اقترحوا‪ ،‬أو حتى لو كلمهم الموتى‪ ،‬كما قالوا من قبل‪ {:‬فَأْتُواْ بِآبَآئِنَا إِن كُنتُ ْم صَا ِدقِينَ }[سورة‬
‫الدخان‪]36 :‬‬
‫شيْءٍ } و " الحشر " يدل على سوق بضغط مثلما نضع بعضا‬
‫علَ ْيهِمْ ُكلّ َ‬
‫ويأتي القول‪ { :‬وَحَشَرْنَا َ‬
‫من الكتب في صندوق من الورق ونضطر إلى أن نحشر كتابا ل مكان له‪ ،‬إذن‪ :‬الحشر هو سوق‬
‫فيه ضغط‪ ،‬وهنا يوضح الحق‪ :‬لو أنني أحضرت لهم اليات يزاحم بعضها بعضا وقدرتي صالحة‬
‫أن آتي باليات التي طلبوها جميعا لوجدت قلوبهم مع هذا الحشر والحشد تضن باليمان‪.‬‬
‫شيْءٍ قُبُلً } و " قبل " هي جمع " قبيل " ‪ ،‬مثل سرير وسرر‪.‬‬
‫حشَرْنَا عَلَ ْيهِمْ ُكلّ َ‬
‫{ وَ َ‬
‫شيْءٍ قُبُلً }‪ .‬وهذا يعني أن الحق إن جاء لهم بكل ما طلبوا من آيات‪ ،‬وكأن‬
‫حشَرْنَا عَلَ ْيهِمْ ُكلّ َ‬
‫{ وَ َ‬
‫كل آية تمثل قبيلة والية الخرى تمثل قبيلة ثانية‪ ،‬وهكذا‪ .‬فلن يؤمنوا‪ ،‬أو " قبل " تعني معاينة أي‬
‫أنهم يرونها بأعينهم‪ ،‬لن في كل شيء دبرا وقبل؛ والقبل هو الذي أمام عينيك‪ ،‬والدبر هو من‬
‫خلفك‪ .‬فإن حشرنا عليهم كل شيء مقابل‪ .‬ومعاينا لهم فلن يؤمنوا‪ .‬وإن اخذتها على المعنى الول‬
‫أي أنه سبحانه إن حشد اليات حشدا وصار المعطي أكثر من المطلوب فلن يؤمنوا‪ .‬وإن أردت‬
‫أن تجعلها مواجهة‪ ،‬أي أنهم لو رأوا بعيونهم مواجهة من أمامهم فلن يؤمنوا‪.‬‬
‫شيْءٍ قُبُلً مّا كَانُواْ لِ ُي ْؤمِنُواْ ِإلّ‬
‫{ وََلوْ أَنّنَا نَزّلْنَآ ِإلَ ْيهِمُ ا ْلمَل ِئكَ َة َوكَّل َمهُمُ ا ْل َموْتَىا وَحَشَرْنَا عَلَ ْي ِهمْ ُكلّ َ‬
‫أَن يَشَآءَ اللّهُ } [النعام‪]111 :‬‬
‫وجاء الحق هنا بمشيئته لن له طلقة القدرة التي إن رغب أن يرغمهم على اليمان فلن‬
‫يستطيعوا رد ذلك‪ ،‬ولكن الرغام على اليمان ل يعطي الختيار في التكليف ولذلك قال سبحانه‪{:‬‬
‫سمَآءِ آيَةً َفظَّلتْ أَعْنَا ُقهُمْ َلهَا‬
‫سكَ َألّ َيكُونُواْ ُم ْؤمِنِينَ * إِن نّشَأْ نُنَ ّزلْ عَلَ ْيهِمْ مّنَ ال ّ‬
‫َلعَّلكَ بَاخِعٌ ّنفْ َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ضعِينَ }[الشعراء‪]4-3 :‬‬
‫خَا ِ‬
‫وال ل يريد أعناقا تخضع‪ ،‬وإنما يريد قلوبا تخشع‪ .‬لذلك يذيل الحق الية بقوله‪ { :‬وَلَـاكِنّ‬
‫جهَلُونَ }‪ .‬والجهل يختلف عن عدم العلم‪ ،‬بل الجهل هو علم المخالف‪ ،‬أي أن هناك قضية‬
‫َأكْثَرَهُمْ َي ْ‬
‫والجاهل يعلم ما يخالفها‪ ،‬أما إن كان ل يعلم القضية فهذه أمية ويكفي أن نقولها حتى يفهمها فورا‪.‬‬
‫لكن مع الجاهل هناك مسألتان‪ :‬الولى أن نزيل من ادراكه هذا الجهل الكاذب‪ ،‬والخرى أن نضع‬
‫في إدراكه القضية الصحيحة‪ ،‬وما دام أكثرهم يجهلون‪ .‬فهذا يعني أنهم قد اتبعوا الضلل‪.‬‬
‫ع ُدوّا شَيَاطِينَ‪} ...‬‬
‫جعَلْنَا ِل ُكلّ نِ ِبيّ َ‬
‫ويقول الحق بعد ذلك‪َ { :‬وكَذَِلكَ َ‬

‫(‪)891 /‬‬
‫ضهُمْ إِلَى َب ْعضٍ زُخْ ُرفَ ا ْل َقوْلِ غُرُورًا‬
‫جعَلْنَا ِل ُكلّ نَ ِبيّ عَ ُدوّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنّ يُوحِي َب ْع ُ‬
‫َوكَذَِلكَ َ‬
‫وََلوْ شَاءَ رَ ّبكَ مَا َفعَلُوهُ فَذَرْ ُه ْم َومَا َيفْتَرُونَ (‪)112‬‬

‫{ َوكَذَِلكَ } إشارة من الحق سبحانه وتعالى إلى الرسل والنبياء ليعطي السوة للرسول بإخوانه‬
‫السابقين له في موكب الرسالت‪ ،‬فلست بدعا ‪ -‬يا محمد ‪ -‬في أنك رسول يُواجَه بأعداء‪ ،‬فكل‬
‫رسول من الرسل ووجه وقوبل بهؤلء العداء‪.‬‬
‫وهل َفتّ أعداء الرسل في عضد مَن أرسل إليهم وأضعفوا قوتهم وأوهنوا عزائمهم وأثنوهم عن‬
‫دعوتهم؟ أو ظل الرسل أيضا صامدين؟‪ ..‬إنهم صمدوا وأيدهم ال ونصرهم وإذا كنت أنت خاتم‬
‫الرسل‪ ،‬وسيد المرسلين‪ ،‬والمعقب على رسالت سبقتك ول معقب على رسالتك فلبد أن يكون‬
‫العداء الذين يواجهونك مناسبين للمهمة التي تؤديها‪ .‬وإياك أن تظن أن المقصد في هذه العداوة‬
‫أننا تركناهم أعداء لمجرد العداء‪ ،‬ل‪ ،‬بل نحن قد أردنا هذه العداوة لصالح الدعوة؛ لن النسان إذا‬
‫ما كان في منهج خير وأهاجه الشر يتحمس لمزيد من الخير‪ .‬ولذلك ل تجد الصحوات اليمانية‬
‫إل حين يجد المؤمنون تحديا من خصومهم‪ ،‬هنا تجد الصحوة اليمانية قد استيقظت لن هناك‬
‫خصوما يتحدونها‪ ،‬ولو لم يكن هناك خصوم لبقيت الصحوة فاترة‪ .‬وهذا ما نراه حين يوجد من‬
‫خصوم السلم من أي لون من ألوانهم مَن يتحدى أي قضية من قضايا الدين‪ .‬في هذه الحالة نجد‬
‫حتى غير الملتزم بمنهج السلم يغار على الدين‪.‬‬
‫إذن فالعداوة لها فائدة‪ ،‬وإياك أن تظن أن في أي مظهر في الوجود يُغلب ال على مراداته في‬
‫كونه‪ ،‬والشر له رسالة لنه لول أن الشر موجود ويصاب الناس من أذاه لما تحمس الناس للخير‪،‬‬
‫فالذي يجعلنا نتحمس للخير هو وجود الشر‪ ،‬وأوضحنا من قبل أن الباطل جندي من جنود الحق‪:‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لن الباطل حين يعض ويعربد في الناس يتساءل الناس متى يأتي الحق لينقذنا‪ ،‬وأنك ساعة ترى‬
‫مريضا يتألم إياك أن تظن أن اللم قد جاءه دون سبب‪ ،‬بل اللم جندي من جند الشفاء‪ .‬وكأن اللم‬
‫يقول لمن يصيبه‪ :‬يا إنسان تنبه أن عطبا في هذا المكان فسارع إلى علجه‪ .‬ولذلك نجد أعنف‬
‫المراض وأشرسها وأخبثها‪ ،‬هي المراض التي تأتي بل ألم يسبقها‪ ،‬ول تظهر أعراضها إل أن‬
‫يستعصي شفاؤها‪ ،‬وهكذا نرى أن اللم جندي من جنود العافية‪.‬‬
‫وحين يكون لك عدو في الحارة أو في البلدة وعيونه مركزة عليك فأنت تخاف أن تقع منك هَنة‬
‫وعيب حتى ل يشنّع عليك؛ لذلك تسير على الصراط المستقيم لنك ل تريد أن تنصره على‬
‫نفسك‪.‬‬
‫والشاعر القديم‪ ،‬الذي أعجبه الشعر فشطره‪ .‬يقول لك‪:‬عداي لهم فضل عليّ ومنة فعندي لهم شكر‬
‫على نفعهم ليافهم كدواء والشفاء بمرّه فل أبعد الرحمن عني العادياهمُ بحثوا عن زلّتي فاجتنبتها‬
‫فأصبحت ِممّا دنس العرض خالياوهم أججوا جهدي ولكن ببغضهم وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا‬
‫لذلك لبد أن تنظر إلى كل شيء بحكمة إيجاد الحكيم له فقد شاء الحق أن يوجد العداء للدعوة‬
‫السلمية حتى تنتصر وتقوى‪.‬‬
‫ضهُمْ إِلَىا َب ْعضٍ ُزخْ ُرفَ ا ْل َق ْولِ‬
‫س وَالْجِنّ يُوحِي َب ْع ُ‬
‫ن الِنْ ِ‬
‫ع ُدوّا شَيَاطِي َ‬
‫جعَلْنَا ِل ُكلّ نِ ِبيّ َ‬
‫} َوكَذَِلكَ َ‬
‫غُرُورا وََلوْ شَآءَ رَ ّبكَ مَا َفعَلُوهُ فَذَرْ ُه ْم َومَا َيفْتَرُونَ { [النعام‪]112 :‬‬
‫وجعل الحق سبحانه وتعالى العداء للنبياء‪ ،‬مهيّجين ومثيرين للنبي ولتباعه؛ لن المر إذا‬
‫حصلت فيه معارضة من مخالف أججت في نفس المقابل قوة حتى ل يهزم أمامه ول يغلب أمام‬
‫جعَلْنَا { لي أنهم لم يتطوعوا بالعداوة إنما هو تسخير للعداوة }‬
‫منطقه‪ .‬ولذلك قال الحق‪َ } :‬وكَذَِلكَ َ‬
‫جعَلْنَا ِل ُكلّ نِ ِبيّ عَ ُدوّا {‪.‬‬
‫َوكَذَِلكَ َ‬
‫وكيف يجعل ال لكل نبي عدوا؟ إنه يفعل ذلك بما أودع في الناس من الختيار‪ ،‬وما داموا‬
‫مختارين فالذي اختار الهدى يكون نصيرا للنبي‪ ،‬والذي اختار الضلل يكون عدوا للنبي‪.‬‬
‫إذن فهم لم يكونوا أعداء بطبيعتهم‪ ،‬وإنما بما أودع ال فيهم من الختيار‪.‬‬
‫وإذا كان ال هو الذي أودع الختيار فقد أراد أن يحقق مشيئته في قوله‪ {:‬لّ َيهِْلكَ مَنْ هََلكَ عَن بَيّنَةٍ‬
‫حيّ عَن بَيّ َنةٍ‪[} ..‬النفال‪]42 :‬‬
‫وَيَحْيَىا مَنْ َ‬
‫ولو شاء ال ال يكون للنبوة أعداء لفعل ذلك؛ لن له طلقة القدرة‪ ،‬ولكن ذلك سيكون بالقهر‪،‬‬
‫وال ل يريد قهرا للعقلء‪ ،‬وإنما يريد أن يذهبوا إليه بمحض اختيارهم؛ اي وهم قادرون على ال‬
‫يذهبوا‪ .‬وكلمة " عدو " في ظاهرها أنها مفرد‪ ،‬ولكنها تطلق على الواحد‪ ،‬وتطلق على الثنين‪،‬‬
‫وتطلق على الجماعة‪ ،‬فتقول‪ " :‬هذا عدو لي "؛ و " هذه عدو لي "؛ ول تقل " عدوة " ‪ ،‬وتقول‪:‬‬
‫وهذان عدو لي‪ ،‬وهاتان عدو لي‪ ،‬لن كلمة " عدو " تطلق على الذكر والنثى وتقال للمفرد‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وللمثنى‪ ،‬وللجمع‪.‬‬
‫ع ُدوّ لِي ِإلّ َربّ ا ْلعَاَلمِينَ }[الشعراء‪]77 :‬‬
‫اقرأ قول الحق‪ {:‬فَإِ ّنهُمْ َ‬
‫ع ُدوّ فَِإمّا يَأْتِيَ ّنكُم مّنّي هُدًى َفمَنِ اتّبَعَ‬
‫ضكُمْ لِ َب ْعضٍ َ‬
‫جمِيعا َب ْع ُ‬
‫واقرأوا قول الحق‪ {:‬قَالَ اهْبِطَا مِ ْنهَا َ‬
‫شقَىا }[طه‪]123 :‬‬
‫ل َولَ َي ْ‬
‫ضّ‬
‫هُدَايَ فَلَ َي ِ‬
‫ولم يقل أعداء‪ ،‬إذن فكلمة " عدو " تطلق على المفرد والمفردة‪ ،‬والمثنى والمثناة‪ ،‬وعلى جمع‬
‫المذكر والجمع المؤنث‪ .‬لكن بعض الذين يحبون أن يكونوا مستدركين على كلم ال‪ .‬يقول الواحد‬
‫منهم‪ :‬كيف يقول‪ " :‬فإنهم عدو لي " ‪ ،‬أو " اهبطو بعضكم لبعض عدو "؟! ويقول سبحانه‬
‫وتعالى‪َ {:‬ألَمْ أَ ْن َه ُكمَا عَن تِ ْل ُكمَا الشّجَ َر ِة وََأقُل ّل ُكمَآ إِنّ الشّ ْيطَآنَ َل ُكمَا عَ ُدوٌ مّبِينٌ‪[} ..‬العراف‪]22 :‬‬
‫علَ ْيكُمْ إِذْ‬
‫والشيطان عدو‪ ،‬وهم عدو‪ .‬وبعد ذلك يقول الحق سبحانه وتعالى‪ {:‬وَا ْذكُرُواْ ِن ْع َمتَ اللّهِ َ‬
‫خوَانا‪[} ..‬آل عمران‪]103 :‬‬
‫عدَآءً فَأَّلفَ بَيْنَ قُلُو ِبكُمْ فََأصْبَحْتُمْ بِ ِن ْعمَتِهِ إِ ْ‬
‫كُنْتُمْ أَ ْ‬
‫ونقول له‪ :‬أنت قد فاتك أن الذي يتكلم هو الرب العلى‪ .‬والعداوة نوعان‪ ،‬فإذا تعدد العدو‪،‬‬
‫وجمعته مصلحة واحدة في معاداة المعادي يكونون وحدة في العداوة فهم عدو واحد لجتماعهم‬
‫على سبب واحد في العداوة‪.‬‬
‫لكن إذا تعددت أسباب العداوة فالمر يختلف‪ ،‬فقد يكون لك عدو لن مظهرك أحسن منه‪ ،‬وعدو‬
‫آخر لنك أذكى منه‪ ،‬وعدو ثالث لنك أغنى منه‪ .‬فلتعدد السباب صار كل واحد منهم عدوًا‬
‫س وَالْجِنّ‬
‫ن الِنْ ِ‬
‫جعَلْنَا ِل ُكلّ نِ ِبيّ عَ ُدوّا شَيَاطِي َ‬
‫برأسه وجمع على أعداء لتعدد سبب العداوة‪َ {.‬وكَذَِلكَ َ‬
‫ضهُمْ إِلَىا َب ْعضٍ‪[} ..‬سورة النعام‪]112 :‬‬
‫يُوحِي َب ْع ُ‬
‫وشياطين النس والجن كما يقول النجاة بدل من عدو و " شياطين " جمع شيطان وهو اللعين‬
‫المطرود‪ ،‬البغيض‪ ،‬سواء أكان من النس أم من الجن‪.‬‬
‫ضهُمْ إِلَىا َب ْعضٍ ُزخْ ُرفَ ا ْلقَ ْولِ غُرُورا { والوحي ‪ -‬كما نعرف ‪ -‬هم إعلم بخفاء‪،‬‬
‫} يُوحِي َب ْع ُ‬
‫ولماذا يوحي بعضهم إلى بعض؟ لن غلبة الحق ل تجعلهم قادرين على أن يتجاهروا؛ لذلك‬
‫يتآمرون مع بعضهم البعض‪ ،‬لكن الناس المحقين في قضية يتحركون في علنية‪ .‬ول يستخفون‬
‫من الناس‪.‬‬
‫ضهُمْ إِلَىا َب ْعضٍ { ومن الذي يوحي؟ ومن الذي يوحى إليه؟ ليس لنا دخل بهذا‬
‫} يُوحِي َب ْع ُ‬
‫الموضوع‪ ،‬إنما الوحي‪ :‬هو إعلم بخفاء‪ ،‬إن كان إلهاما في النفس‪ ،‬أو إن كان بالشارة أو بالدس‪،‬‬
‫أو إن كان بالوسوسة‪ ،‬أو إن كان بواسطة رسول نحن ل نراه‪ ،‬كل ذلك أساليب الوحي الشامل‬
‫للخير والشر‪.‬‬
‫وإذا كان الوحي من شياطين الجن فهل يوحون إل ِبشَرً؟ نعم‪ .‬وكذلك هناك شياطين من النس‬
‫ضهُمْ إِلَىا َب ْعضٍ زُخْ ُرفَ ا ْل َق ْولِ { وزخرف‬
‫يوحون أيضا بشرّ‪ .‬مصداقا لقوله الحق‪ } :‬يُوحِي َب ْع ُ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫القول‪ ،‬المقصود به أنهم يدخلون على المسائل بالتزيين‪ ،‬فيزينون للناس الشهوة‪ ،‬ولذلك سماها ربنا‬
‫" وسوسة " ‪ ،‬ونعلم أن المعاني حين يؤخذ لها ألفاظ تؤخذ من الشياء الحسيّة‪ ،‬والوسوسة هي‬
‫صوت الحلى‪ ،‬وقد اختار ال لما يفعله الشياطين من النس والجن للفظ الموحى بالمعنى المراد‬
‫لن وسوسة الحلى تغري بالنفاسة وعظم القيمة‪ ،‬والوسوسة طريقها هو الخفاء‪.‬‬
‫ضهُمْ إِلَىا َب ْعضٍ ُزخْ ُرفَ ا ْلقَ ْولِ { وهم شياطين من النس والجن‪ ،‬إنس يوحي لنس‬
‫} يُوحِي َب ْع ُ‬
‫بأن يزين له المعصية والشهوة‪ ،‬وكثيرا ما يقع ذلك‪.‬‬
‫وجنّي يوحي لجنّي؛ لن الجن مكلّف أيضا‪ .‬وكذلك يوحي الجن للنس‪.‬‬
‫ضهُمْ إِلَىا َب ْعضٍ ُزخْ ُرفَ ا ْلقَ ْولِ { الزخرف‪ .‬هو الشيء لمزين ظاهره لكن باطنه فاسد‪،‬‬
‫} يُوحِي َب ْع ُ‬
‫ولذلك قال عز وجل‪ {:‬وَزُخْرُفا وَإِن ُكلّ َذِلكَ َلمّا مَتَاعُ ا ْلحَيَاةِ الدّنْيَا‪[} ..‬الزخرف‪]35 :‬‬
‫أي أمورا مزخرفة ظاهرا‪ ،‬لكن ليس لها عمق أو عمر أو نفاسة‪.‬‬
‫ضهُمْ إِلَىا َب ْعضٍ ُزخْ ُرفَ ا ْلقَ ْولِ غُرُورا‪[ { ..‬النعام‪]112 :‬‬
‫} يوحِي َب ْع ُ‬
‫وذلك ليغروهم ويخدعوهم ليفعلوا ويقترفوا المعصية‪ ،‬وإن لم يأتوا للمعصية بكلمات تزخرفها‬
‫وتزينها فلن يستطيعوا أن يدخلوا بها على الناس؛ لذلك يعرضون ويبدون محاسن المعصية في‬
‫ظاهر المر‪ ،‬مثال ذلك أنك ل تجد من يقول لخر‪ :‬اشرب الخمر لتصاب بتليف الكبد مثل!!‬
‫ولكن هناك من يقول‪ :‬احتس الخمر ليذهب همك وتنشط نفسك ويكثر فرحك‪.‬‬
‫} ُزخْ ُرفَ ا ْلقَ ْولِ غُرُورا { أي ليغروهم؛ بإظهار فائدة موهومة فيه‪ ،‬ويسترون عن الناس مضرّة‬
‫هذا الشيء ومهالكه‪.‬‬
‫ويتابع سبحانه‪ } :‬وََلوْ شَآءَ رَ ّبكَ مَا َفعَلُوهُ { إنّ الحق سبحانه وتعالى هو الذي أعطى خلقه اختيارا‬
‫في أن يكونوا مؤمنين أو أن يكونوا كافرين‪ ،‬مهديين أو ضالين‪ ،‬في نور أو في ظلمة‪ .‬ويأتي‬
‫الوقت الذي يثيب فيه سبحانه أو يعاقب؛ لذلك فهو ‪ -‬جل شأنه ‪ -‬ل يرغمهم على فعل ثم يعاقبهم‬
‫عليه؛ لنه هو العدل‪ .‬ولذلك نجد من يقول‪ :‬لماذا العقاب ول شيء في الكون يقع على غير مشيئة‬
‫ال؟ ونقول‪ :‬نعم كل شيء من فعل ال؛ لن سبب الختيار من ال‪ .‬وسبحانه هو الذي خلق‬
‫الختيار‪ .‬فالكافر ل يقدر أن يؤمن إل أن شاء ال‪ ,‬لكن المطلوب منه أن يؤمن لن طبيعته‬
‫صالحة للكفر وصالحة لليمان‪.‬‬
‫إذن خلق ال النسان مختارا في أن يفعل أو ل يفعل في بعض المور‪ ،‬فالذي ينظر إلى أن كل‬
‫فعل من ال أي ليس بطاقة من عبد‪ ،‬نقول له‪ :‬صح رأيك‪ .‬ومن يقول‪ :‬إن هذا المر من العباد‬
‫نقول له أيضا‪ :‬صح موقفك؛ لن ربنا خلق النسان صالحا لن يحصل منه كذا‪ .‬فإن أردت‬
‫الحقيقة تجد كل فعل يأتي من ال‪ ،‬فأنت ‪ -‬على سبيل المثال ‪ -‬لم تخلق القوة التي لليد لترتفع‪ ،‬ول‬
‫خلقت القوة للصابع لتنقبض‪ .‬وإذا أردت أن تقبض يدك‪ .‬فما هي العضلت التي تتحرك لتفعل‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫النقباض؟ أنت ل تعرف‪ .‬إنّك تقبض يدك بمجرد إرادة منك أن تقبضها‪ ،‬والذي خلق لك هذه القوة‬
‫يأمرك أل تستعملها في قهر الخرين‪،‬ولكن عليك أن تستعملها فيما يفيد الناس‪ .‬واليد صالحة‬
‫للضرب وللعمل الطيب وأنت لم تخلق الطاقة التي في اليد‪ ،‬ول خلقت النفعال فيها لرادتك‪.‬‬
‫} وََلوْ شَآءَ رَ ّبكَ مَا َفعَلُوهُ { أي لو شاء عدم فعله لفعل؛ لن له طلقة القدرة فل يقدر أحد أن‬
‫يخرج عن مراده أبدا‪ .‬ونحن نرى السماء والرض وكل ما دون النسان مسخرا‪ ،‬ثم لماذا نأخذ‬
‫أمثلة من السماء والرض والنبات والجماد والحيوان؟ خذ المثال من نفسك‪ .‬أنت فيك أشياء ليس‬
‫لك سيطرة عليها‪ ،‬واختيار لك عليها‪ ،‬ألك اختيار أن تمرض؟‪ .‬ل‪.‬‬
‫ألك اختيار أن يقع عليك حجر وأنت تمشي؟‪ .‬ل‪.‬‬
‫ألك اختيار في أن يصيبك سائق سكران؟‪ .‬ل‪.‬‬
‫ألك اختيار في أن تموت او ل تموت؟‪ .‬ل‪ .‬لقد جعل ال فيك المرين الثنين‪:‬‬
‫قهرك في أمور‪ .‬والقهرية تثبت له ‪ -‬سبحانه ‪ -‬القدرة وطلقتها‪ ،‬وجعلك مختارا في أشياء‪،‬‬
‫والختيار يثبت صحة التكليف‪.‬‬
‫ويتابع الحق مذيلً الية‪ } :‬فَذَ ْرهُ ْم َومَا َيفْتَرُونَ { لن افتراءهم وكذبهم وزعمهم الباطل لن يغير‬
‫من حقيقة المر شيئا‪ ،‬وهم يرون أن افتراءهم يعوق الدعوة‪ ،‬ل‪ ،‬فقد صار افتراؤهم وكيدهم‬
‫وعداوتهم للنبي وقودا مهيّجا للدعوة؛ لن يخلص الدعوة من الشوائب ويصهر المؤمنين بها‬
‫ويخرج منهم خصال الشر ويملهم بخلل الخير‪.‬‬
‫جفَآ ًء وََأمّا مَا يَنفَعُ النّاسَ فَ َي ْم ُكثُ فِي الَ ْرضِ‪[} ..‬الرعد‪]17 :‬‬
‫{ فََأمّا الزّ َبدُ فَيَ ْذ َهبُ ُ‬
‫ولو لم يكن هناك مهيّجات لهذه المسائل لدخل الدعوة العاطل والباطل ولندس فينا من ل يعرف‬
‫قيمة اليمان؛ لذلك يمحص ال بالعداء وبالقوم الذين يقفون أمامها حتى ل يكون في حملة الدعوة‬
‫احد من ضعاف العقائد وضعاف اليمان‪ ،‬وهم الذين يخرجون هربا من مسئوليات اليمان ول‬
‫يبقى إل أصحاب الرسالة الذين يخلصون الصدق مع ال وينقيهم ال بواسطة العداء‪ .‬ولذلك‬
‫قال‪َ {:‬لوْ خَ َرجُواْ فِيكُم مّا زَادُوكُمْ ِإلّ خَبَالً }[التوبة‪]47 :‬‬
‫فمن الحكمة أنه ‪ -‬سبحانه ‪ -‬ثبط عزيمتهم وضعف رغبتهم في النبعاث والخروج معكم‪ {.‬وََلوْ‬
‫طهُ ْم َوقِيلَ ا ْقعُدُواْ مَعَ ا ْلقَاعِدِينَ }[التوبة‪:‬‬
‫ع ّد ًة وَلَـاكِن كَ ِرهَ اللّهُ ان ِبعَا َثهُمْ فَثَبّ َ‬
‫ج لَعَدّواْ لَهُ ُ‬
‫أَرَادُواْ ا ْلخُرُو َ‬
‫‪]46‬‬
‫وهنا يقول الحق‪ } :‬يُوحِي َب ْعضُهُمْ إِلَىا َب ْعضٍ ُزخْ ُرفَ ا ْل َقوْلِ { وزخرف القول هو لون من الداء‬
‫سمّاع‪ ،‬ومن يسمعونه قد ل يؤثر في قلوبهم ول في نفوسهم‪ ،‬ومرة أخرى يسمعونه ويكون‬
‫له ُ‬
‫عندهم ميل وليس عندهم عقيدة ثابتة راسخة إلى هذا القول‪.‬‬
‫ن لَ ُي ْؤمِنُونَ‪{ ..‬‬
‫صغَى إِلَيْهِ َأفْ ِئ َدةُ الّذِي َ‬
‫وكيف يسلك هؤلء الناس‪ } :‬وَلِ َت ْ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫(‪)892 /‬‬
‫ض ْوهُ وَلِ َيقْتَ ِرفُوا مَا هُمْ ُمقْتَ ِرفُونَ (‪)113‬‬
‫صغَى إِلَيْهِ َأفْئِ َدةُ الّذِينَ لَا ُي ْؤمِنُونَ بِالَْآخِ َر ِة وَلِيَ ْر َ‬
‫وَلِ َت ْ‬

‫كأن من يؤمن بالخرة ل يقرب منه الزخرف أبدا ول يميل إليه‪ .‬وإن زُينت له معصية فإنه‬
‫يتساءل‪ :‬كم ستدوم لذة هذه المعصية؟ دقيقتين‪ ،‬ساعة‪ ،‬شهرا؛ وماذا أفعل يوم القيامة الذي يكون‬
‫فيه النسان إمّا إلى دخول الجنة وإمّا إلى دخول النار‪ .‬إذن فمن يؤمن بالخرة ل تتقبل أذنه ول‬
‫فؤاده هذا الزخرف من القول‪ ،‬ول يتقبله إل من ل يؤمن بالخرة‪ ،‬وهو ل يعرف إل الدنيا‪ ،‬فيقول‬
‫لنفسه‪ :‬فلتتمتع في الدنيا فقط‪ ،‬ولذلك لو استحضرَ كل مؤمن العقوبة على المعصية ما فعلها‪ ،‬وهو‬
‫ل يفعلها‪ ،‬وهو ل يفعلها إل حين يغفل عن العقوبة‪ .‬وإذا كنا في هذه الدنيا نخاف من عقوبة‬
‫بعضنا بعضا‪ ،‬وقدراتنا في العقوبة محدودة‪ ،‬فما بالنا بقدرة الرب القاهرة في العقوبة؟! ولذلك نجد‬
‫الذين يجعلون الخرة على ذكر من أنفسهم وبالهم إذا عرضت لهم أي معصية‪ ،‬يقارنونها بالعقاب‪،‬‬
‫ن لَ ُي ْؤمِنُونَ بِالخِ َرةِ وَلِيَ ْرضَ ْو ُه وَلِ َيقْتَ ِرفُواْ مَا هُم‬
‫صغَى إِلَيْهِ َأفْ ِئ َدةُ الّذِي َ‬
‫فل يقتربون منها‪ { .‬وَلِ َت ْ‬
‫ّمقْتَرِفُونَ }‪.‬‬
‫والصغاء هو ميل الذن إلى المتكلم؛ لنك قد ل تسمع من يتكلم بغير إصغاء‪ ،‬وحين يسير‬
‫النسان منا في الطريق فهو يسمع الكثير‪ ،‬لكن أذنه ل تتوقف عند كل ما يسمع‪ ،‬بل قد تقف الذن‬
‫عندما يظن الِنسان أنه كلم مهم‪ .‬ولذلك يسمونه التسمع ل السمع‪ ،‬وهذا هو الصغاء‪ .‬ولذلك‬
‫يقول النبي عليه الصلة والسلم‪ :‬من تسمع غانية ‪ -‬أي امرأة تغني بخلعة ‪ -‬ولم يقل‪ " :‬من‬
‫سمع " ‪ ،‬والنسان منا قد يسير ويذهب إلى أي مكان والمذياع يذيع الغاني‪ ،‬ويسمعها النسان‪،‬‬
‫وآلة إدراك السمع منطقة وليست مفتوحة؛ فهو ل يتصنت‪ ،‬وآلة إدراك النطباقية أو النفتاحية‬
‫مثل العين؛ فالعين ل ترى وهي مغمضة‪ ،‬إنها ترى وهي مفتوحة‪ ،‬والعين تغمض بالجفون أما‬
‫الذن فليس لها جفون يقول لها‪ :‬ل تسمعي هذه‪ ،‬وهذه اسمعيها‪.‬‬
‫إذن فالسمع ليس للنسان فيه اختيار‪ ،‬لكن التسمع هو الذي له فيه اختيار‪.‬‬
‫ن لَ ُي ْؤمِنُونَ بِالخِ َرةِ وَلِيَ ْرضَ ْو ُه وَلِ َيقْتَرِفُواْ مَا هُم ّمقْتَرِفُونَ } [النعام‪:‬‬
‫صغَى ِإلَيْهِ َأفْئِ َدةُ الّذِي َ‬
‫{ وَلِ َت ْ‬
‫‪]113‬‬
‫كأن فيه شيئا ينبع طلب السمع فيه من الفؤاد‪ ،‬أي يوافق ما في العماق‪ ،‬وشيئا آخر يمر عليه‬
‫النسان مر الكرام غير ملتفت إليه‪ .‬والفئدة هي القلوب‪ ،‬صحيح أن الذان هي التي تصغي‪ ،‬لكن‬
‫القلوب قد تتسمع ما يقال‪ ،‬وكأن النفس مستعدة لهذه العملية؛ لنها ل تؤمن بأن هناك آخرة وعندما‬
‫استعداد لن تأخذ لذة الدنيا دون التفات للخرة‪ .‬ولذلك ينقل الحق سبحانه الصغاء من الذن إلى‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الفؤاد وهذا إدراك‪.‬‬
‫ن لَ ُي ْؤمِنُونَ بِالخِ َرةِ‪[ } ..‬النعام‪]113 :‬‬
‫صغَى ِإلَيْهِ َأفْئِ َدةُ الّذِي َ‬
‫{ وَلِ َت ْ‬
‫ثم تأتي المرحلة الثانية والمرحلة الثالثة‪:‬‬
‫ض ْوهُ وَلِيَقْتَ ِرفُواْ مَا هُم ّمقْتَ ِرفُونَ } [النعام‪]113 :‬‬
‫{ وَلِيَ ْر َ‬
‫وقد يصغي إنسان‪ ،‬ثم تتنبه نفسه اللوامة‪ ،‬ويمتنع عن الستجابة‪.‬‬
‫لكن هناك من يصغي ويرضى وجدانه ويستريح لما يسمع‪ ،‬ثم ينزع للعمل ليقترف الثم‪ .‬وهذه‬
‫ن لَ ُي ْؤمِنُونَ بِالخِ َرةِ {‪ .‬ثم المرحلة الثانية‪} :‬‬
‫صغَى ِإلَيْهِ َأفْئِ َدةُ الّذِي َ‬
‫ثلث مراحل‪ :‬الولى هي‪ } :‬وَلِ َت ْ‬
‫وَلِيَ ْرضَ ْوهُ { ‪ ،‬ثم المرحلة الخيرة‪ } :‬وَلِ َيقْتَ ِرفُواْ { أي يرتكبوا الثم‪ ،‬وهذه المسألة حددت لنا‬
‫المظاهر الشعورية التي درسها علماء النفس فالدراك؛ " لتصغى " ‪ ،‬والوجدان؛ " ليرضوه " ‪،‬‬
‫والنزوع؛ " ليقترفوا "‪.‬‬
‫وقبل أن يولد علم النفس جاء القرآن بوصف الطبيعة البشرية بمراحلها المختلفة من إدراك‬
‫ووجدان‪ ،‬ونزوع والشرع ل يتدخل عند أي مظهر من مظاهر شعور المرء إل عند النزوع إل‬
‫في حالة واحدة حيث ل يمكن فصل النزوع عن الوجدان وعن الدراك؛ لذلك يتدخل الشرع من‬
‫أول المر‪ ،‬وهو ما يكون في عملية نظر الرجل إلى المرأة؛ لنك حين تنظر تجد نفسك‪ :‬تحبها‬
‫وتعشقها تفتن بها‪ ،‬ومحرم عليك النزوع‪ ،‬فحين تتقدم ناحيتها يقول لك الشرع‪ :‬ل‪ .‬ولن هذا أمر‬
‫شاق على النفس البشرية‪ ،‬ول يمكن فصل هذه العمليات؛ لنه إن أدرك َوجِد‪ ،‬وإن وَجِد نزع‪،‬‬
‫فأمر الحق بالمتناع من أول المر‪ُ {:‬قلْ لّ ْل ُمؤْمِنِينَ َي ُغضّواْ مِنْ أَ ْبصَارِهِمْ‪[} ..‬النور‪َ {]30 :‬وقُل‬
‫ضضْنَ مِنْ أَ ْبصَارِهِنّ‪[} ..‬النور‪]31 :‬‬
‫لّ ْل ُم ْؤمِنَاتِ َي ْغ ُ‬
‫إذن فقد منع الدراك من بدايته ولم ينتظر حتى النزوع‪ ،‬لماذا؟ لن الدراك الجمالي في كل شيء‬
‫يختلف عن الدراك الجمالي في المرأة‪ .‬الدراك الجمالي في المرأة يُحدث عملية كيماوية في‬
‫ن لَ ُي ْؤمِنُونَ بِالخِ َرةِ‬
‫صغَى إِلَ ْيهِ َأفْئِ َدةُ الّذِي َ‬
‫الجسم تسبب النزوع‪ ،‬ول يمكن فصلها أبدا‪ } .‬وَلِ َت ْ‬
‫وَلِيَ ْرضَ ْو ُه وَلِ َيقْتَ ِرفُواْ مَا هُم ّمقْتَ ِرفُونَ {‪.‬‬
‫وساعة ما نقول‪ " :‬ما " ويأتي البهام فهذا دليل على أن هناك أمورا كثيرة جدًا‪.‬‬
‫ولذلك يقول الحق‪َ .. {:‬فغَشِ َيهُمْ مّنَ الْ َيمّ مَا غَشِ َيهُمْ }[طه‪]78 :‬‬
‫أي أنه أمر ل يمكن أن تحدده اللفاظ‪ ،‬مثله مثل قوله‪ } :‬وَلِ َيقْتَ ِرفُواْ مَا هُم ّمقْتَ ِرفُونَ {‪.‬‬
‫أي أن كل واحد يقترف ويكتسب ويعمل ويرتكب ما يميل إليه؛ فهناك من يغتاب أو يحسد أو‬
‫يسرق وغير ذلك من شهوات النفس التي ل تحدد؛ لذلك جاء لها باللفظ الذي يعطي على العموم‪.‬‬
‫وما دامت المسألة في نبوّة واتباع نبوّة‪ ،‬وفي أعداء شياطين من النس والجن ويوحي بعضهم إلى‬
‫بعض زخرف القول غرورا إذن فهذه معركة‪ ،‬وحتى يتم الفصل فيها لبد من حاكم يحكم‪ .‬فأوضح‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الحق‪ :‬يا محمد أنا أرسلتك‪ ،‬ولك أعداء وسيكيدون لك بكذا وكذا ويبذلون قصارى جهدهم في‬
‫إيذائك ومن اتبعك‪ ،‬فإياك أن تبتغي حكما غيري؛ لني أنا المشرع وأنا من أحكم‪ ،‬وأنا الذي سوف‬
‫أجازي‪.‬‬
‫لماذا؟ لن الخلف على ما شرع ال‪ ،‬ول يستقيم ول يصح أن يأتي من يقول مراد المقنن كذا‪ ،‬أو‬
‫المفسر الفرنسي قال كذا‪ ،‬والمفسر الِنجليزي قال كذا‪ ،‬ل‪ ،‬إن الذي يحكم هو من وضع القانون‪،‬‬
‫ومراداته هو أعلم بها‪ ،‬والحق الواضح هو أعلم به‪ ،‬وسبحانه هو من يحكم‪ ،‬والرسول صلى ال‬
‫عليه وسلم يقول‪:‬‬

‫" إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضى له على‬
‫نحو ما أسمع‪ ،‬فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو ليتركها‪" .‬‬
‫أي إياك أن يقول واحد‪ :‬إن النبي قد حكم؛ لن النبي صلى ال عليه وسلم قد حكم بظاهر الحجة‪،‬‬
‫وقد يكون واحد من المختصمين قوي الحجة‪ ،‬والخر ل يجيد التعبير عن نفسه‪ .‬إذن فالحكم هو‬
‫ال لنه هو الذي قنن‪ ،‬ومادام هو الذي قنن وهو الذي يحكم بينكم‪ ،‬فليطمئن كل إنسان يتخاصم مع‬
‫غيره؛ لن القضية يفصل فيها أعدل العادلين وأحكم الحاكمين‪.‬‬
‫ولذلك يقول الحق سبحانه‪َ } :‬أ َفغَيْرَ اللّهِ أَبْ َتغِي‪{ ...‬‬

‫(‪)893 /‬‬
‫ح َكمًا وَ ُهوَ الّذِي أَنْ َزلَ إِلَ ْيكُمُ ا ْلكِتَابَ ُم َفصّلًا وَالّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ ا ْلكِتَابَ َيعَْلمُونَ أَنّهُ مُنَ ّزلٌ‬
‫َأ َفغَيْرَ اللّهِ أَبْ َتغِي َ‬
‫حقّ فَلَا َتكُونَنّ مِنَ ا ْل ُممْتَرِينَ (‪)114‬‬
‫مِنْ رَ ّبكَ بِالْ َ‬

‫فسبحانه هو من يحكم وهو من قنن‪ ،‬وهو من يعلم القانون ويعلم من يتبع القانون‪ ،‬ومن يخالف‬
‫حكَما }‪ .‬فهذا دليل على أنك واثق أن مجيبك لن يقول‬
‫القانون‪ .‬وساعة تقول‪َ { :‬أ َفغَيْرَ اللّهِ أَبْ َتغِي َ‬
‫لك إل‪ :‬ل تبتغي حكما إل ال‪ ،‬ولذلك يطرح المسألة في صيغة استفهام‪ ،‬ويقول صلى ال عليه‬
‫وسلم‪ :‬مبلغا عن ربه‪ { :‬وَ ُهوَ الّذِي أَنَ َزلَ إِلَ ْيكُمُ ا ْلكِتَابَ ُم َفصّلً } ‪ ،‬ولم يقل رسول ال‪ :‬وهو الذي‬
‫أنزل عليّ الكتاب‪ ،‬بل قال مبلغاًَ عن رب العزة‪ { :‬و ُهوَ الّذِي أَنَ َزلَ إِلَ ْيكُمُ ا ْلكِتَابَ } كأن العداوة‬
‫ليست لمحمد وحده‪ ،‬لكنها العداوة لمة اليمان كلها‪ ،‬والحكم لمة اليمان كلها‪ .‬ومع أن القرآن‬
‫نزل على رسول ال صلى ال عليه وسلم أولً‪ ،‬ولكن مهمته البلغ إلى الناس والغاية منه‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫للمؤمنين كلهم‪ ،‬وهكذا تكون العداوة للنبي عداوة للمؤمنين كلهم‪ ،‬ولذلك أنزل عليه الحق هذا‬
‫جعَلْنَا ِل ُكلّ نِ ِبيّ‬
‫حكَما } كما أنزل عليه من قبل القول الحق‪َ {:‬وكَذَِلكَ َ‬
‫التساؤل‪َ { :‬أ َفغَيْرَ اللّهِ أَبْ َتغِي َ‬
‫س وَالْجِنّ }[النعام‪]112 :‬‬
‫ن الِنْ ِ‬
‫عَ ُدوّا شَيَاطِي َ‬
‫إذن فعدو النبي هو عدو المؤمنين به والمتبعين له‪ ،‬لكن قمة العداوة تكون للنبي المرسل من الحق‪:‬‬
‫حقّ فَلَ َتكُونَنّ مِنَ ا ْل ُممْتَرِينَ } [النعام‪:‬‬
‫{ وَالّذِينَ آتَيْنَا ُهمُ ا ْلكِتَابَ َيعَْلمُونَ أَنّهُ مُنَ ّزلٌ مّن رّ ّبكَ بِالْ َ‬
‫‪]114‬‬
‫وكلمة { مّن رّ ّبكَ بِا ْلحَقّ } فيها إغراء للمؤمنين بأن كل المر يعود عليكم أنتم بالفائدة؛ لن غاية‬
‫إنزال الكتاب لكم أنتم‪ ،‬والكتاب جاء بهذا المنهج لصالحكم ولن يزيد في صفات ال صفة‪ ،‬ولن‬
‫يزيد في ملك ال ملكا‪ .‬بل الغاية أنتم‪.‬‬
‫حكَما وَ ُهوَ الّذِي أَنَ َزلَ إِلَ ْي ُكمُ ا ْلكِتَابَ } [النعام‪]114 :‬‬
‫{ َأ َفغَيْرَ اللّهِ أَبْ َتغِي َ‬
‫وسبحانه لم ينزل الكتاب إل بتفصيل ل تلتبس فيه مسألة بأخرى‪:‬‬
‫حقّ فَلَ َتكُونَنّ مِنَ ا ْل ُممْتَرِينَ } [النعام‪:‬‬
‫{ وَالّذِينَ آتَيْنَا ُهمُ ا ْلكِتَابَ َيعَْلمُونَ أَنّهُ مُنَ ّزلٌ مّن رّ ّبكَ بِالْ َ‬
‫‪]114‬‬
‫والمقصود هنا بالذين آتيناهم الكتاب اليهود والنصارى؛ لنهم يعلمون صفاتك يا رسول ال‬
‫ويعلمون نعتك ويعلمون الكثير من كتابك فكل ما يتعلق بك موجود عندهم لكن الفة أنهم اعتنقوا‬
‫دينين‪ :‬دينا يعلن يبدونه ويظهرونه‪ ،‬ودينا يُسَرّ به‪ ،‬فما يسر به ل يعلنونه ويُحرّمون السؤال فيه‪،‬‬
‫ول يقبلون فيه نقاشا‪ ،‬وعندما تصل إلى الحقيقة وتعرضها عليهم ل يقبلونها‪ ،‬وما الذي جعلهم‬
‫يلتوون هكذا؟ لن لهم حالين اثنتين‪ :‬حال أيام أن كانوا يعاديهم من ل يؤمن بالسماء ومنهج السماء‬
‫كعبدة الوثان والمشركين‪ .‬وقال فيه الحق‪َ {:‬وكَانُواْ مِن قَ ْبلُ يَسْ َتفْتِحُونَ عَلَى الّذِينَ َكفَرُواْ }[البقرة‪:‬‬
‫‪]89‬‬
‫لقد كانوا من قبل أعداء للذين كفروا وأشركوا فكان همهم وشغلهم الشاغل أن ينتصروا على‬
‫هؤلء الكافرين‪ ،‬وقالوا‪:‬‬
‫(أظل زمان نبي نتبعه ونقتلكم معه قتل عاد وإرم)‬
‫وحينما جاءهم ما عرفوا كفروا به لنهم‪ {:‬اشْتَ َروْاْ بِآيَاتِ اللّهِ َثمَنا قَلِيلً‪} ...‬‬
‫[التوبة‪]9 :‬‬
‫وكان الثمن هو بقاء السلطة في أيديهم‪ ،‬وعندما تأتي النبوة تنزع منهم السلطة‪ ،‬فليس في الِسلم‬
‫سيطرة لرجال الدين ول كهنوت‪ .‬وكانوا يريدون أن تستمر سيادتهم‪ ،‬فاشتروا بآيات ال ثمنا قليل‪.‬‬
‫حقّ فَلَ َتكُونَنّ مِنَ ا ْل ُممْتَرِينَ { [النعام‪:‬‬
‫} وَالّذِينَ آتَيْنَا ُهمُ ا ْلكِتَابَ َيعَْلمُونَ أَنّهُ مُنَ ّزلٌ مّن رّ ّبكَ بِالْ َ‬
‫‪]114‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وهم يعلمون أنه منزل من ربك بالحق‪ ،‬وهم يعلمون أن الذي يشيعونه هو باطل‪ .‬إذن فهناك علم‬
‫بينهم وبين نفوسهم؛ وعلم آخر يقولونه للخرين‪ .‬وقوله الحق‪ } :‬فَلَ َتكُونَنّ مِنَ ا ْل ُممْتَرِينَ { أي‬
‫الشاكين في أن أهل الكتاب يعلمون أن القرآن منزل من عند ربك بالحق‪ .‬هذا خطاب للنبي صلى‬
‫ال عليه وسلم‪ ،‬ونعلم أنه إذا طلب المتكلم من المخاطب أمرا هو فيه فالمراد المداومة عليه‬
‫والزيادة؛ لن هناك أمورا قد تزلزل اليمان؛ لذلك يأتي المر بالثبات‪ ،‬أو هو إهاجة له‪ ،‬أو هو‬
‫تسلية للمؤمنين إذ قال لهم ل تمتروا ول تشكوا‪.‬‬
‫ك صِدْقا‪{ ..‬‬
‫ويقول الحق بعد ذلك‪ } :‬وَ َت ّمتْ كَِل َمتُ رَ ّب َ‬

‫(‪)894 /‬‬
‫سمِيعُ ا ْلعَلِيمُ (‪)115‬‬
‫ك صِ ْدقًا وَعَدْلًا لَا مُبَ ّدلَ ِلكَِلمَاتِهِ وَ ُهوَ ال ّ‬
‫وَ َتمّتْ كَِلمَةُ رَ ّب َ‬

‫وكلمة " تمت " تدل على أن المسألة لها بداية ولها خاتمة‪ ،‬فما المراد بالكلمة التي تمت؟‪ .‬أهي‬
‫كلمة ال العليا بنصر السلم وانتهاء المر إليه؟ أو هو تمام أمر الرسالة حيث قال الحق‪ {:‬الْ َيوْمَ‬
‫َأ ْكمَ ْلتُ َل ُكمْ دِي َن ُك ْم وَأَ ْت َممْتُ عَلَ ْيكُمْ ِن ْعمَتِي وَ َرضِيتُ َلكُمُ الِسْلمَ دِينا‪[} ..‬المائدة‪]3 :‬‬
‫أو " كلمة ربك " المقصود بها قرآنه؟‪ .‬ونرى أن معنى " تمت " استوعبت كل أقضية الحياة إلى‬
‫أن تقوم الساعة‪ ،‬فليس لحد أن يستدرك على ما جاء في كتاب ال حكما من الحكام؛ لن الحكام‬
‫غطت كل القضية‪ .‬ولفظ " كلمة " مفردة لكنها تعطي معنى الجمع‪ .‬وأنت تسمع في الحياة اليومية‬
‫من يقول‪ :‬وألقى فلن كلمة طيبة قوبلت بالستحسان والتصفيق‪ .‬هو قال كلمات لكن التعبير عنها‬
‫جاء بـ " كلمة " إذن { وَ َت ّمتْ كَِلمَتُ رَ ّبكَ } المقصود بها المنهج الذي يشمل كل الحياة‪ ،‬واقرأ‬
‫قوله الحق‪ {:‬كَبُ َرتْ كَِلمَةً َتخْرُجُ مِنْ َأ ْفوَا ِههِمْ‪[} ..‬الكهف‪]5 :‬‬
‫أهي كلمة أو كلمات؟ أنها كلمة ولكن فيها كلمات‪ .‬إذن لفظ " كلمة " تطلق ويراد بها اللفظ المفرد‪،‬‬
‫وتطلق ويراد بها الكلم‪ .‬والكلمة في الصل لفظ مفرد‪ ،‬أي ل يكون معها لفظ آخر‪ ،‬ولكنها تدل‬
‫على معنى‪ ،‬فإذا كان المعنى غير مستقل بالفهم؛ ويحتاج إلى ضميمة شيء إليه لنفهمه فهذا حرف‪،‬‬
‫وأنت تقول‪ " :‬في " وهو لفظ يدل على الظرفية‪ ،‬إل أنه غير مستقل بالفهم؛ لن الظرف يقتضي‬
‫مظروفا ومظروفا فيه‪ ،‬فتقول‪ " :‬الماء في الكوب " لتؤدي المعنى المستقل بالفهم‪ .‬وكذلك ساعة‬
‫تسمع كلمة " من " تفهم أن هناك ابتداء‪ ،‬وساعة تسمع كلمة " إلى " تعلم أن هناك انتهاء‪ .‬وإن كان‬
‫يدل على معنى في نفسه وهو غير مرتبط بزمن فهو السم‪ .‬وإن كان الزمن جزءا منه فهو "‬
‫الفعل "‪ .‬أما " الكلم " فهو اللفاظ المفيدة‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وحين تسمع " سماء " تفهم المعنى‪ ،‬وكذلك حين تسمع كلمة " أرض " وهو معنى مستقل بالفهم‪.‬‬
‫وحين تسمع كلمة " كتب " فهي تدل على معنى مستقل بالفهم‪ ،‬والزمن جزء من الفعل‪ ،‬فكتب تدل‬
‫على الزمن الماضي و " يكتب " تدل على الحاضر و " سيكتب " تدل على الكتابة في المستقبل‪.‬‬
‫إذن فـ " الكلمة " لفظ يدل على معنى فإن كان غير مستقل بالفهم فهو حرف‪ .‬و " الكلمة " قد‬
‫يقصد بها الكلم‪.‬‬
‫وقوله الحق‪ { :‬وَ َت ّمتْ كَِل َمتُ رَ ّبكَ } تعني الكثير‪ .‬فإن أردت بها القرآن فالمقصود هو كلمة ال‪.‬‬
‫وكلم ال نسميه " كلمة " لن مدلوله كلمة واحدة‪ .‬انتهت وليس فيها تضارب‪ ،‬هذا إن أردنا بها‬
‫القرآن‪ ،‬ولتفهم أن القرآن قد استوعب كل شيء‪ ،‬وكل قضية في الوجود وأيضا لم ينس أو بدّل فيه‬
‫حرف؛ بل بقى وسيبقى كما أنزل؛ لن الفة في الكتب التي نزلت أنهم كتموا بعضها ونسوا‬
‫بعضها‪ ،‬وحرفوا بعضها‪ ،‬وكان حفظها موكولً إلى المكلفين‪ ،‬ومن طبيعة المر التكليفي أنه يطاع‬
‫مرة‪ ،‬ويعصى مرة أخرى‪.‬‬
‫وإن أطاعوا حافظوا على الكتب‪ ،‬وإن عصوا حرفوها بدليل قوله تعالى الحق‪ {:‬إِنّآ أَنزَلْنَا ال ّتوْرَاةَ‬
‫حفِظُواْ مِن‬
‫ن وَالَحْبَارُ ِبمَا اسْ ُت ْ‬
‫ح ُكمُ ِبهَا النّبِيّونَ الّذِينَ أَسَْلمُواْ لِلّذِينَ هَادُو ْا وَالرّبّانِيّو َ‬
‫فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَ ْ‬
‫كِتَابِ اللّهِ‪[} ..‬المائدة‪]44 :‬‬
‫و " استحفظوا "‪ :‬أي طلب منهم أن يحافظوا عليه‪ ،‬وهذا أمر تكليفي عرضة أن يطاع‪ ،‬وعرضة‬
‫أن يعصى‪ ،‬لكن المر اختلف بالنسبة للقرآن فقد قال الحق‪ {:‬إِنّا َنحْنُ نَزّلْنَا ال ّذكْ َر وَإِنّا لَهُ َلحَافِظُونَ‬
‫}[الحجر‪]9 :‬‬
‫فسبحانه هو من يحافظ على القرآن‪ ،‬وليس ذلك للبشر لن القرآن معجزة‪ ،‬والمعجزة ل يكون‬
‫للمكلّف عمل فيها أبدا‪.‬‬
‫طمَئِن على أن القرآن الذي بين يديك إلى‬
‫إذن فقوله الحق‪ } :‬و َت ّمتْ كَِل َمتُ رَ ّبكَ { المقصود بها أن َت ْ‬
‫أن تقوم الساعة هو هو لن تتغير فيه كلمة‪ ،‬بدليل أنك تتعجب في بعض نصوص القرآن‪ ،‬فتجد‬
‫نصًا مساويا لنص‪ ،‬ثم يختلف السياق‪ ،‬فيقول الحق‪ {:‬كَلّ إِنّهُ تَ ْذكِ َرةٌ * َفمَن شَآءَ َذكَ َرهُ }[المدثر‪:‬‬
‫‪]55-54‬‬
‫ومرة أخرى يقول سبحانه‪ {:‬كَلّ إِ ّنهَا تَ ْذكِ َرةٌ * َفمَن شَآءَ َذكَ َرهُ }[عبس‪]12-11 :‬‬
‫ومرة أخرى يقول‪ {:‬إِنّ هَـا ِذهِ تَ ْذكِ َرةٌ َفمَن شَآءَ اتّخَذَ إِلَىا رَبّهِ سَبِيلً }[النسان‪]29 :‬‬
‫فهذا لون ونوع من المتشابه من اليات ليقول لنا الحق‪ {:‬فَِإذَا قَرَأْنَاهُ فَاتّبِعْ قُرْآنَهُ }[القيامة‪]18 :‬‬
‫شعُونَ * وَالّذِينَ هُمْ عَنِ الّل ْغوِ‬
‫والحق يقول‪ {:‬قَدْ َأفْلَحَ ا ْل ُم ْؤمِنُونَ * الّذِينَ ُهمْ فِي صَلَ ِتهِمْ خَا ِ‬
‫جهِمْ َأوْ‬
‫علَىا أَ ْزوَا ِ‬
‫ج ِهمْ حَا ِفظُونَ * ِإلّ َ‬
‫ّمعْ ِرضُونَ * وَالّذِينَ هُمْ لِل ّزكَـاةِ فَاعِلُونَ * وَالّذِينَ هُمْ ِلفُرُو ِ‬
‫مَا مََل َكتْ أَ ْيمَا ُنهُمْ فَإِ ّنهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * َفمَنِ ابْ َتغَىا وَرَآءَ ذاِلكَ فَُأوْلَـا ِئكَ هُمُ ا ْلعَادُونَ * وَالّذِينَ ُهمْ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫عهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالّذِينَ هُمْ عَلَىا صََلوَا ِتهِمْ يُحَا ِفظُونَ }[المؤمنون‪]9-1 :‬‬
‫لمَانَاتِهِمْ وَ َ‬
‫َ‬
‫وفي آية أخرى يقول‪ {:‬وَالّذِينَ هُمْ عَلَىا صَلَ ِتهِمْ ُيحَافِظُونَ }[المعارج‪]34 :‬‬
‫وكل ذلك يدلك على أن كل كلمة وصلتك كما أنزلت‪ ،‬وبذلك تكون كلمة ربك قد تمت‪ .‬أو قول‬
‫ال‪ } :‬و َت ّمتْ كَِل َمتُ رَ ّبكَ { ليدل على أن كلمة ال هي العليا‪ ،‬ولذلك تلحظ أن " كلمة ال هي العليا‬
‫سفْلَى‪} ..‬‬
‫ج َعلَ كَِلمَةَ الّذِينَ َكفَرُواْ ال ّ‬
‫" لم يجعلها الحق جعلً‪ ،‬وإنما جاءت ثبوتا‪ ،‬وسبحانه القائل‪َ {:‬و َ‬
‫[التوبة‪]40 :‬‬
‫هذا السياق العرابي حصل فيه كسر مقصود‪ ،‬والسياق في غير القرآن أن يقول‪ :‬وجعل كلمة ال‬
‫سفْلَىا َوكَِلمَةُ اللّهِ ِهيَ ا ْلعُلْيَا {‬
‫ج َعلَ كَِلمَةَ الّذِينَ كَفَرُواْ ال ّ‬
‫هي العليا‪ ،‬ولكنه سبحانه يقول‪ } :‬وَ َ‬
‫وسبحانه أراد بذلك أن نفهم أن كلمة ال هي العليا دائمَا وليست جعلً‪ .‬وهذا دليل على أن كلمته قد‬
‫تمت‪.‬‬
‫حكَما { ‪ ،‬واستقرىء‬
‫ونلحظ أن قول الحق‪ } :‬و َت ّمتْ كَِل َمتُ رَ ّبكَ { تأتي بعد } َأ َفغَيْرَ اللّهِ أَبْ َتغِي َ‬
‫موكب الرسالت من لدن آدم‪ ،‬وانظر إلى حكم ال بين المبطلين والمحقين‪ ،‬وبين المهتدين‬
‫والضالين‪ :‬إنه الحق القائل‪:‬‬
‫{ َفكُلّ َأخَذْنَا ِبذَنبِهِ َفمِ ْنهُم مّن أَ ْرسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبا }[العنكبوت‪]40 :‬‬
‫والحاصب هو الريح التي تهب محملة بالحصى وكانت عقوبة لقوم عاد‪َ {.‬ومِ ْنهُمْ مّنْ َأخَذَتْهُ‬
‫الصّيْحَةُ }[العنكبوت‪]40 :‬‬
‫وهم قوم ثمود‪ ،‬يسميها مرة الصيحة‪ ،‬وأخرى يسميها الطاغية‪ {:‬فََأمّا َثمُودُ فَأُهِْلكُواْ بِالطّاغِيَةِ }‬
‫[الحاقة‪]5 :‬‬
‫سفْنَا ِب ِه وَبِدَا ِر ِه الَ ْرضَ { وكذلك‪َ } :‬ومِ ْنهُمْ‬
‫خَ‬
‫ومرة يخسف بهم الرض مثلما فعل مع قارون‪ } :‬فَ َ‬
‫مّنْ أَغْ َرقْنَا {‪.‬‬
‫وقد أغرق ال قوم فرعون وكذلك أغرق ‪ -‬من قبلهم ‪ -‬المكذبين لنوح‪ .‬إذن كل قوم أخذوا حكم‬
‫ال عليهم‪ ،‬لكنك يا محمد مختلف عنهم وكذلك أمة محمد التي أصبحت مأمونة على الوصية‪،‬‬
‫وعلى المنهج‪ ،‬ولذلك قال الحق‪َ {:‬ومَا كُنّا ُم َعذّبِينَ حَتّىا نَ ْب َعثَ رَسُولً }[السراء‪ ]15 :‬وبعد أن‬
‫بعث الحق رسوله صلى ال عليه وسلم قال‪َ {:‬ومَا كَانَ اللّهُ لِ ُيعَذّ َبهُ ْم وَأَنتَ فِيهِمْ }[النفال‪]33 :‬‬
‫إذن } َت ّمتْ كَِل َمتُ رَ ّبكَ { ‪ ،‬وهي الفصل النهائي‪ {:‬وََلقَدْ سَ َب َقتْ كَِلمَتُنَا ِلعِبَادِنَا ا ْلمُرْسَلِينَ * إِ ّنهُمْ َلهُمُ‬
‫ا ْلمَنصُورُونَ * وَإِنّ جُندَنَا َلهُمُ ا ْلغَالِبُونَ }[الصافات‪]173-171 :‬‬
‫وأنتم المنصورون لنكم منسوبون إلى منهج غالب‪ ،‬والنصر للمنهج الغالب يقتضي الخلص‪،‬‬
‫سلِي‪} ..‬‬
‫فإن تنصروا المنهج باتباعه ينصركم من أنزل المنهج‪ ،‬فهو القائل‪ {:‬لَغْلِبَنّ أَنَ ْا وَرُ ُ‬
‫[المجادلة‪]21 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وما قاله كان هو الواقع وما جاء به الواقع كان مطابقا للكلم‪ } .‬وَ َتمّتْ كَِل َمتُ رَ ّبكَ صِدْقا وَعَ ْدلً‪..‬‬
‫{ [النعام‪]115 :‬‬
‫أي وافق الواقع الكوني ما قال ال به‪ ,‬وكيف كان الواقع صادقا وعادلً في آن واحد؟ لنفرض أنك‬
‫أحضرت مدرسا خصوصيّا لولدك‪ ،‬وصادف أنه هو الذي يدرس في المدرسة وهو الذي يدرس‬
‫لبنك ثم قلت له‪ :‬أريد أن ينجح الولد في المتحان‪ .‬ووعد المدرس بذلك ثم جاء المتحان ونجح‬
‫الولد‪ ،‬فتكون كلمة المدرس قد صدقت‪ .‬لكن هل هذا عدل؟ قد يكون المدرس هو واضع السئلة‬
‫ولّمح للولد بالسئلة‪ ،‬ويكون النجاح حينئذٍ غير عادل‪ ،‬لكن كلمة ال تجيء مطابقة لما قال‪ ،‬موقعها‬
‫ك صِدْقا‬
‫مطابق لما قال‪ ،‬وهي كذلك عدل؛ لنه سبحانه أوضح الثواب والعقاب‪ } :‬وَ َت ّمتْ كَِل َمتُ رَ ّب َ‬
‫وَعَ ْدلً {‪ .‬لنه ل مبدل لكلمات ال‪ ،‬ول يوجد إله آخر يعارضه فله سبحانه طلقة القدرة‪.‬‬
‫أما بالنسبة للبشر فقد علّم ال عباده احتياط الصدق في كلمهم؛ فأوصاهم‪َ {:‬ولَ َتقْولَنّ لِشَاْىءٍ إِنّي‬
‫علٌ ذاِلكَ غَدا * ِإلّ أَن يَشَآءَ اللّهُ‪[} ..‬الكهف‪]24-23 :‬‬
‫فَا ِ‬
‫لن فعل ذلك غدا والتيان به وإحداثه هو أمر يتعلق بالمستقبل الذي ل نتحكم فيه‪ ،‬فاحم نفسك‬
‫وقل‪ " :‬إن شاء ال " ‪ ،‬فإن لم يحدث يمكنك أن تقول‪ :‬لم يشأ ربنا حدوث ما وعدت به‪ ،‬وبذلك‬
‫يحمي النسان نفسه من أن يكون كاذباًَ ويجعل نفسه صادقا فل يتكلم إلّ على وفق ما عنده من‬
‫قوانين الفعل وعدم الفعل؛ لنه عندما تقول‪ " :‬أفعل ذلك غدا "‪ .‬ماذا ستفعل غدا وأنت ل تضمن‬
‫نفسك وحياتك وظروفك؟! لكن ال إذا قال‪ " :‬سأفعل " فله طلقة القدرة‪.‬‬
‫سمِيعُ ا ْلعَلِيمُ { [النعام‪]115 :‬‬
‫ع ْدلً لّ مُبَ ّدلِ ِلكَِلمَاتِ ِه وَ ُهوَ ال ّ‬
‫ك صِدْقا وَ َ‬
‫} وَ َت ّمتْ كَِل َمتُ رَ ّب َ‬
‫ومادامت الكلمات ستتحقق والحكم سيصدر فهذا دليل على أنه سبحانه سميع لما قالوه في‬
‫عدواتهم‪ ،‬وعليهم بما دبروه من مكائدهم‪ ،‬وهو القائل من قبل‪ {:‬وَإِنّ الشّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى‬
‫َأوْلِيَآ ِئهِمْ لِ ُيجَادِلُوكُمْ‪[} ..‬النعام‪]121 :‬‬
‫أي ليعلموهم بخفاء‪ ،‬فإن كان كلمهم ظاهرا فهو مسموع‪ ،‬وإن كان بخفاء فهو معلوم‪.‬‬
‫ويقول الحق بعد ذلك‪ } :‬وَإِن ُتطِعْ َأكْثَرَ مَن فِي الَ ْرضِ‪{ ...‬‬

‫(‪)895 /‬‬
‫ن وَإِنْ ُهمْ إِلّا َيخْ ُرصُونَ (‬
‫وَإِنْ تُطِعْ َأكْثَرَ مَنْ فِي الْأَ ْرضِ ُيضِلّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ إِنْ يَتّ ِبعُونَ إِلّا الظّ ّ‬
‫‪)116‬‬

‫و { مَن فِي الَ ْرضِ } المقصود بهم المكلفون؛ لنهم هم من يتميزون بالختيار ولهم أوامر ونواه‪،‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فما دون النسان ل أمر له‪ ،‬و " أكثر " ل يقابلها بالضرورة كلمة " قليل " أو " أقل " ‪ ،‬وما دام‬
‫القول هو‪ " :‬أكثر "‪ .‬فقد يكون الباقون كثيرا أيضا‪ ،‬وأمّا كثير فإنها‪ ،‬تعطي له كميته في ذاته‬
‫وليست منسوبة إلى غيره‪ ،‬ولذلك كنا نسمع من يقول‪ :‬مكتوب على محطة مصر أو على " المطار‬
‫" أو على " الميناء " ‪ ،‬يا داخل مصر منك كثير‪ ،‬أي إن كنت رجلً طيبا فستجد مثلك الكثير‪ ،‬وإن‬
‫كنت شريرا فستجد مثلك الكثير أيضا‪.‬‬
‫س وَا ْلقَمَ ُر وَالنّجُومُ‬
‫شمْ ُ‬
‫سمَاوَاتِ َومَن فِي الَ ْرضِ وَال ّ‬
‫سجُدُ َلهُ مَن فِي ال ّ‬
‫ويقول الحق‪ {:‬أََلمْ تَرَ أَنّ اللّهَ يَ ْ‬
‫حقّ عَلَيْهِ ا ْلعَذَابُ‪[} ..‬الحج‪]18 :‬‬
‫س َوكَثِيرٌ َ‬
‫ب َوكَثِيرٌ مّنَ النّا ِ‬
‫ل وَالشّجَ ُر وَال ّدوَآ ّ‬
‫وَالْجِبَا ُ‬
‫فكل الكائنات مقهورة مسخرة‪ ،‬وعند الناس انقسم المر؛ لن لهم اختيارا‪ ،‬فراح أناس للطاعة‬
‫وذهب أناس للمعصية‪ ،‬فلم يقل الحق‪ :‬والناس‪ .‬بل قال " وكثير من الناس " ‪ ،‬ولم يقل الحق‪ :‬وقليل‬
‫حق عليه العذاب‪ ،‬لكنه قال‪َ { :‬وكَثِيرٌ حَقّ عَلَ ْيهِ ا ْلعَذَاب } فهؤلء كثير وهؤلء كثير‪ ،‬وإن نظرت‬
‫إليهم في ذاتهم فهم كثير‪ ،‬والخرون أيضا إذا نظرت إليهم تجدهم كثيرا‪ .‬ولماذا يقول الحق‪ { :‬وَإِن‬
‫تُطِعْ َأكْثَرَ مَن فِي الَ ْرضِ ُيضِلّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ }؟‬
‫" الطاعة " ‪ -‬كما نعرف‪ -‬استجابة للمر في " افعل " ‪ ،‬والنهي في " ل تفعل " إذا قال الحق‬
‫للنسان افعل كذا؛ فالنسان صالح لن يفعل‪ ،‬وأن ل يفعل‪ ،‬وإن كان هناك شيء ل تقدر عليه فلن‬
‫يقول لك‪ :‬افعله‪ .‬والنسان عادة حين يؤمر أو يُنهي إنما يؤمر وينهي لمصلحته‪ ،‬فإن لم يوجد أمام‬
‫مصلحةٍ معارض من منهج إلهي فهذا من مصلحته أيضا؛ لن ال أجاز له حرية الفعل والتّرك‪.‬‬
‫ويوضح الحق‪ :‬من رحمتي أن جعلت لكم تشريعا؛ لننا لو تركنا الناس إلى أهوائهم فسيأمر كل‬
‫واحد من الذين لهم السيطرة على الناس بما يوافق هواه‪ ،‬وسينهي كل واحد من الناس بما يخالف‬
‫هواه؛ لذلك نعصم هذا المر بالمنهج‪ .‬حتى ل يتضارب الخلق ول يتعاكس هواك مع هوى أخيك‪.‬‬
‫ومن المصلحة أن يوجد مطاع واحد ل هوى له‪ ،‬ويوجد منهج يقول للجميع " افعلوا كذا " و " ل‬
‫طعْ َأكْثَرَ مَن فِي‬
‫تفعلوا كذا " وبذلك يأتي الستطراق لنفعهم جميعا‪ .‬ولذلك يقول الحق‪ { :‬وَإِن تُ ِ‬
‫الَ ْرضِ ُيضِلّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ‪[ } ..‬النعام‪]116 :‬‬
‫فهناك أناس مؤمنون وهم أصحاب الفطرة السليمة بطبيعتهم؛ لن الخير هو الفطرة في النسان‪،‬‬
‫وقد جاء التشريع لينمي في صاحب الفطرة السليمة فطرته أو يؤكدها له‪ ،‬ويعدل في صاحب‬
‫النزعة السيئة ليعود به إلى الفطرة الحسنة‪.‬‬
‫والذين يضلون عن سبيل ال ماذا يتبعون؟ يقول الحق‪ } :‬إِن يَتّ ِبعُونَ ِإلّ الظّنّ {‪.‬‬
‫كل واحد منهم يظن أن هذا الضلل ينفعه الن‪ ،‬ويغيب عنه ما يجر عليه من الوبال فيما بعد‬
‫ذلك‪.‬‬
‫و " الظن " ‪ -‬كما نعلم‪ -‬هو إدراك الطرف الراجح ويقابله الوهم وهو إدراك الطرف المرجوح‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ن وَإِنْ هُمْ ِإلّ َيخْ ُرصُونَْ { [النعام‪]116 :‬‬
‫والظن هنا‪ ،‬هو ما يرجحه الهوي‪ } :‬إِن يَتّ ِبعُونَ ِإلّ الظّ ّ‬
‫و " إن " ‪ -‬كما نعرف‪ -‬تأتي مرة جازمة‪ :‬إن تفعلْ كذا تجدْ كذا‪ ،‬وتأتي مرة نافية‪ ،‬مثل قوله‬
‫الحق‪ {:‬مّا هُنّ ُأ ّمهَا ِتهِمْ إِنْ ُأ ّمهَا ُتهُمْ ِإلّ اللّئِي وَلَدْ َنهُمْ‪[} ..‬المجادلة‪]2 :‬‬
‫أي‪ :‬ما أماتهم؛ فـ " إن " هنا نافية‪ .‬وقوله الحق‪ } :‬إِن يَتّ ِبعُونَ ِإلّ الظّنّ { أي ما يتبعون إل الظن‪.‬‬
‫هم إما أن يتبعوا الظن وإمّا أن يخرصوا‪( .‬فالخارص) هو من يتكلم بغير الحقيقة‪ ،‬بل يخمن‬
‫تخمينا‪ ،‬كأن ينظر إنسان إلى آخر في سوق الغلل ويسأله‪ :‬كم يبلغ مقدار هذا الكوم من القمح؟‪.‬‬
‫فيرد‪ :‬حوالي عشرة أرداب أو اثنى عشر أردبا‪ ،‬وهو يخمن تخمينا بل دليل يقيني أو بل مقاييس‬
‫ثابتة‪ ،‬أو يقول كلما ليس له معنى دقيق‪.‬‬
‫فإذا اتبعت الناس فسوف يضلونك‪ .‬لنهم ل يملكون دليلً علميا‪ ،‬ولحقًا يقينيًا‪ ،‬بل يتبعون الظن إن‬
‫كان المر راجحا‪ ،‬ويخرصون ويخمنون حتى ولو كان المر مرجوحا‪.‬‬
‫ضلّ عَن سَبِيِلهِ‪{ ..‬‬
‫ويقول سبحانه بعد ذلك‪ } :‬إِنّ رَ ّبكَ ُهوَ أَعْلَمُ مَن َي ِ‬

‫(‪)896 /‬‬
‫سمُ اللّهِ عَلَيْهِ إِنْ‬
‫ضلّ عَنْ سَبِيلِ ِه وَ ُهوَ أَعَْلمُ بِا ْل ُمهْتَدِينَ (‪َ )117‬فكُلُوا ِممّا ُذكِرَ ا ْ‬
‫إِنّ رَ ّبكَ ُهوَ أَعَْلمُ مَنْ َي ِ‬
‫صلَ َل ُكمْ مَا حَرّمَ عَلَ ْيكُمْ‬
‫كُنْتُمْ بِآَيَاتِهِ ُمؤْمِنِينَ (‪َ )118‬ومَا َلكُمْ أَلّا تَ ْأكُلُوا ِممّا ُذكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَ ْي ِه َوقَدْ َف ّ‬
‫إِلّا مَا اضْطُرِرْ ُتمْ إِلَيْهِ وَإِنّ كَثِيرًا لَ ُيضِلّونَ بَِأ ْهوَا ِئهِمْ ِبغَيْرِ عِلْمٍ إِنّ رَ ّبكَ ُهوَ أَعْلَمُ بِا ْل ُمعْتَدِينَ (‪)119‬‬

‫وساعة ترى " هو " هذه فاعرف أنها تَرُ ّد وتجيب على ما يمكن أن يقال‪ ،‬فهناك من يقول‪ :‬أنا‬
‫سوف أرى تصرفات فلن‪ ،‬ولنك من البشر فمهما علمت عنه فأنت محدود الداراك؛ لنك‬
‫سترى تصرفات فقط‪ ،‬ولن ترى انفعالت قلبه وتقلبات عقله‪ ،‬ولكن الحق سبحانه وتعالى هو‬
‫العلم؛ لن الميزان كله عنده‪ ،‬إنه يدرك الظاهر والباطن‪ ،‬وهو سبحانه يقول هنا‪ " :‬أعلم " وهناك‬
‫" عليم " ‪ ،‬و " العليم " هو من يرى ظاهر المر ويحيط به‪ ،‬ل الخافي منه‪ ،‬أما الذي يرى الظاهر‬
‫والخفي فهو أعلم‪.‬‬
‫ولذلك كان النبي صلى ال عليه وسلم في مسائل كثيرة يعامل الناس بعلنيتهم‪ ،‬ويترك سرائرهم‬
‫إلى ال‪ " .‬وعندما قتل مسلم رجلً أعلن السلم‪ ،‬سأله صلى ال عليه وسلم لماذا؟‪ ،‬قال‪ :‬لنه أعلن‬
‫السلم نفاقا‪ .‬فقال صلى ال عليه وسلم‪ :‬أشققت عن قلبه؟! "‬
‫وسبحانه وتعالى " أعلم "؛ لنه يعلم الظاهر والباطن‪ ،‬ويعلم خائنة العين وما تخفي الصدور‪.‬‬
‫ويقول الحق‪:‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫{ َفكُلُواْ ِممّا ُذكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ بِآيَا ِتهِ ُم ْؤمِنِينَ * َومَا َلكُمْ َألّ تَ ْأكُلُواْ ِممّا ُذكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَ ْيهِ‬
‫ضطُرِرْتُمْ إِلَ ْي ِه وَإِنّ كَثِيرا لّ ُيضِلّونَ بِأَ ْهوَا ِئهِم ِبغَيْرِ عِ ْلمٍ إِنّ رَ ّبكَ‬
‫صلَ َل ُكمْ مّا حَرّمَ عَلَ ْيكُمْ ِإلّ مَا ا ْ‬
‫َوقَدْ َف ّ‬
‫ُهوَ أَعْلَمُ بِا ْل ُمعْتَدِينَ }‬
‫ما الذي أدخل هذه المسألة في هذا السياق؟ لقد تكلم الحق عن أن هناك أعداء لكل نبي يلتمسون‬
‫ثغرة في منهجه ليتكلموا فيها‪ ،‬وهذه هي مهمتهم التي هيأها ال لهم‪ ،‬فحين يقولون العتراضات‬
‫نجد المنهج يرد عليهم وبذلك تنتفع الدعوة إلى أن تقوم الساعة‪.‬‬
‫مثال ذلك نجد الجماعة الذين عارضوا رسول ال صلى ال عليه وسلم في السراء والمعراج‪،‬‬
‫فحين قال لهم‪ :‬أنني أسرى بي إلى المسجد القصى وعرج بي إلى السماء في ليلة واحدة‪ ،‬التمسوا‬
‫له ثغرة لينفذوا منها ويضللوا غيرهم وقالوا له‪ :‬أتدّعي أنك أتيتنا في ليلة ونحن نضرب إليها أكباد‬
‫البل شهرا؟!! لكنْ أبو بكر الصديق قال‪ :‬إن كان قال فقد صدق‪ ،‬وهذا هو اليمان الذي يحسن‬
‫استقبال المر المخالف للنواميس‪ .‬ويجادلون أبا بكر‪ ،‬فيقول‪ :‬أنا صدقته في خبر السماء فكيف‬
‫أكذبه في ذلك‪ ،‬مادام قال فقد صدق‪ ،‬وهذا كلم منطقي‪.‬‬
‫ن المعارضين لرسول ال صلى ال عليه وسلم قالوا‪ :‬أتدّعي أنك أتيتها في ليلة‪ ،‬ونحن نضرب‬
‫لك ّ‬
‫إليها أكباد البل شهرا! فأعطى صلى ال عليه وسلم لهم المارات ووصف لهم العير التي في‬
‫الطريق‪ ،‬وغير ذلك من العلمات التي تجعل من المر حجة إلى يوم القيامة‪ ،‬ولو مرّت مسألة‬
‫السراء والمعراج من غير أن يعترض أحد من العداء‪ ،‬لما وجدنا الحرارة في تصديقها‪.‬‬
‫إننا نجد حاليا من يقول‪ :‬وهل من المعقول أنه صلى ال عليه وسلم راح إلى بيت المقدس وجاء‬
‫في ليلة؟ لبد أن ذلك كان حلما‪ .‬لو لم يقولوا هم هذا ما كنا عرفنا الرد؛ إنما هم قالوها حتى‬
‫نعرف الرد ويظل الرد رادعا إلى أن تقوم الساعة‪ ،‬وهذه هي المهمة التي جعلها ال للعداء؛ لنه‬
‫صلى ال عليه وسلم لو قال لهم‪ :‬إنني حلمت أني رحت بيت المقدس‪ .‬أكان هناك من يعترض‬
‫على أن يحلم النبي حتى ولو قال‪ :‬إنه ذهب إلى آخر المعمورة إنه ل يجرؤ واحد أن يكذبه‪ ،‬لكنهم‬
‫ما داموا قد كذبوه‪ ،‬ورفضوا تصديق السراء فهذا دليل على أنهم فهموا من الذهاب أنه ليس‬
‫ذهاب رؤيا وإنما ذهاب قالب‪ ،‬لقد فهموا عنه أنه انتقل بجسده من مكة إلى بيت المقدس‪ ،‬ولذلك‬
‫كذبوه‪ ،‬وهذا التكذيب منهم ينفعنا الن‪ ،‬لنردّ به على المكذبين المعاصرين‪.‬‬
‫إذن فوجد العداء يهيج القرائح التي يمكن أن نرد على أية شُبَهٍ يثيرها أي إنسان سواء أكان‬
‫ماضيا أم معاصرا‪.‬‬
‫والحق هنا يقول‪َ } :‬فكُلُواْ ِممّا ُذكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَ ْيهِ إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ ُم ْؤمِنِينَ { [النعام ‪]118‬‬
‫هذه الية لها قصة توضح كيف يحاول العداء اصطياد الثغرات لينفذوا منها‪ ،‬وقالوا‪ :‬يقول النبي‬
‫لكم‪ :‬إن الميتة ل يحل أن تأكلوا منها‪ ،‬وما تذبحونه بأيديكم كلوا منه‪ ،‬والذبح لون من الموت‪ ،‬هذه‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫هي الشبهة التي قالوها‪ ،‬وهي أولً مغالطة في الساليب؛ لن الميتة غير المذبوحة وغير المقتولة‪.‬‬
‫فالمذبوحة إنما ذبحناها لنطهرها من الدم؛ لذلك فالمناقشة الفقهية أو العلمية تهزم قولهم؛ لن هناك‬
‫فرقا بين الموت والقتل‪ .‬فالموت هو أخذ للحياة بدون سلب للبنية‪ ،‬إنما القتل هو سلب للبنية أولً‬
‫فتزهق الروح ويبقى الدم في الجسم‪ .‬ثم هل يأخذ المشرع وهو الرب العلى الحكمة منّا أو أن‬
‫الحكمة عنده هو وحده؟‪.‬‬
‫وقد تبين لنا في عصرنا أن غير المؤمنين بدأوا في الهتداء إلى أن الميتة فيها كل الفضلت‬
‫الضارة‪ ،‬واهتدوا إلى إزالة كل الفضلت الضارة من الحيوانات التي يريدون أكلها؛ لن تكوين‬
‫جسم الحيوان يتشابه مع تكوين جسم النسان‪ ،‬فهو يأكل ويهضم ويمتص العناصر الغذائية ليتكون‬
‫ل تصفّي الدم‬
‫الدم والطاقة‪ ،‬وفي الجسد أجهزة تصفي وتنقي الجسم من السموم الضارة‪ ،‬فَالكُلْية مث ً‬
‫من البولينا وغيرها‪ ،‬ويسير الدم ليمر على الرئة ليأخذ الوكسيجين‪ ،‬وكل ذلك لتخليص الجسد من‬
‫الفضلت الضارة‪ ،‬وأوعية الدم في النسان والحيوان فيها الدم الصالح والدم الفاسد‪ ،‬والدم الفاسد‬
‫هو الذي لم تتم تنقيته‪ ،‬وعندما نذبح الذبيحة ينزل منها الدم الفاسد وغيره‪ ،‬أي أننا ضحينا بالدم‬
‫الصالح في سبيل وقايتنا من الدم الفاسد‪ .‬لكنها إن ماتت دون ذبح؛ فآثار الدمين الثنين موجودة‪.‬‬
‫وكذلك آثار الفضلت التي كان يجب أن يتخلص منها‪ ،‬وهذا ما نفعله في هذا المر‪ ،‬لكن هل لنا‬
‫مع الحق سبحانه وتعالى تعقل في شيء إل في توثيق الحكم والطمئنان إلى مجيئه منه جلت‬
‫قدرته؟‬
‫كان جدلهم انهم قالوا‪ :‬أنتم تأكلون ما قتلتم ول تأكلون ما قتل ال‪ ،‬فأنتم تظنون أنفسكم أحسن من‬
‫ال‪ ،‬وهذا افتراء منهم‪.‬‬
‫ثم إن الحيوان حين يموت لم يذكر عليه اسم ال‪ ،‬لكن الذبيحة التي نذبحها نذكر عليها اسم ال‪،‬‬
‫فكأن الحق سبحانه وتعالى يوضح‪ :‬فكلوا مما ذكر اسم ال عليه‪ .‬أي غير الميتة وغير ما يذبح‬
‫للصنام‪َ } .‬فكُلُواْ ِممّا ُذكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَ ْيهِ إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ ُم ْؤمِنِينَ { [النعام ‪]118‬‬
‫ن تلقي أي حكم من الحق‪ ،‬ل يصح أبدا أن نبحث عن علته أولً ثم نؤمن به‪ ،‬بل علينا بعد أن‬
‫إّ‬
‫نثق بأنه من ال الذي آمنا به‪ .‬علينا إذن أن نأخذ الحكم الذي أمر به ال‪.‬‬
‫ضطُرِرْتُمْ إِلَ ْيهِ‬
‫صلَ َل ُكمْ مّا حَرّمَ عَلَ ْيكُمْ ِإلّ مَا ا ْ‬
‫} َومَا َلكُمْ َألّ تَ ْأكُلُواْ ِممّا ُذكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَ ْي ِه َوقَدْ َف ّ‬
‫وَإِنّ كَثِيرا لّ ُيضِلّونَ بَِأ ْهوَا ِئهِم ِبغَيْرِ عِلْمٍ إِنّ رَ ّبكَ ُهوَ أَعْلَمُ بِا ْل ُمعْتَدِينَ { [النعام‪]119 :‬‬
‫ولليتين‪ -‬كما علمنا‪ -‬سبب نزلتا من أجله وهو أن بعض المعارضين لرسول ال الذين يقفون من‬
‫الدعوة موقف التكذيب والعمل على إبطالها والقضاء عليها‪ ,‬كانوا يُشيعون عند المؤمنين إشاعات‬
‫قد تفت في عضدهم العقدي فعرضوا هذه المسألة وهي في ظاهرها تشكيك‪ .‬وهم قد عرضوا‬
‫القضية بهذا الشكل غير المتسق؛ لن من الذي قتل؟ لقد قالوا‪ :‬إن الميتة قتلها ال‪ ،‬فهل ال هو‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الذي قطع رقبتها؟ وهل ضربها ال على رأسها فأمات أصل إدارة الحياة وهو المخ؟ هل صوّب‬
‫شيئا إلى قلبها؟ سبحانه جل وعل منزه عن مثل هذه الفعال البشرية‪ ،‬فكيف يسمون الموت قتلً؟‬
‫إن تسمية الموت قتلَ هو الخطأ‪ ،‬فقولهم‪ :‬كيف تبيحون لنفسكم ما قتلتموه أي بالذبح‪ .‬ول تبيحون‬
‫ما قتله ال أي أماته‪ ،‬فيه مغالطة في عرض القضية‪ ،‬ويريد ال سبحانه وتعالى أن يضع عند‬
‫المؤمنين مناعة من هذه الهواجس التي يثيرونها؛ فقال‪َ } :‬فكُلُواْ ِممّا ُذكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ‬
‫بِآيَاتِهِ ُم ْؤمِنِينَ { [النعام ‪]118‬‬
‫وما معنى الذكر؟ إنّ عدم تحديد العلماء المعنى المقصود بالذكر‪ ،‬هو الذي أوجد بينهم خلفا‬
‫كبيرا‪ .‬فسيدنا المام مالك يرى أنك إذا ذبحت ولم تذكر اسم ال سواء أكنت ناسيا أم عامدا فل‬
‫يصح لك ان تأكل من الذبيحة‪ .‬ويرى المام أبو حنيفة‪ :‬إذا كنت لم تسم ناسيا فكل مما ذبحت‪ ،‬لكن‬
‫إن كنت عامدا فل تأكل‪ ،‬والمام الشافعي‪ -‬رضي ال عنه‪ -‬يرى‪ :‬ما دمت مؤمنا ومقبلً على‬
‫الذبح وأنت مؤمن َفكُلْ مما لم تذكر اسم ال ناسيا أو عامدا لن إيمانك ذكر ل‪.‬‬
‫ونقول‪ :‬ما هو الذكر؟ هل الذكر أن تقول باللسان؟ أو الذكر أن يمر الشيء بالخاطر؟ إن كنتم‬
‫تقولون إنّ الذكر باللسان فلنبحث في الحديث القدسي الذي قاله ال تعالى‪ " :‬أنا عند ظن عبدي‪،‬‬
‫وأنا معه إذا ذكرني‪ ،‬فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي‪ ،‬وإن ذكرني في مل ذكرته في مل‬
‫خير منهم‪" .‬‬
‫إذن فقد سمّي ربنا الخاطر في النفس ذكرا وبذلك يصبح من حق المام الشافعي أن يقول ما قال‪.‬‬
‫لذلك أقول‪ :‬يجب أن نحدد معنى الذكر أولً حتى ننهي الخلف حول هذه المسألة‪ ،‬فليس من‬
‫المقبول أن نقيم معركة حول معنى " الذكر "؛ لن الذكر وهو خطور المر على البال قد يصحبه‬
‫أن يخطر المر على اللسان مع الخطور على البال‪ ،‬وقد يظل خطورا على البال فقط‪ ،‬بدليل ما‬
‫جاء في الحديث السابق‪.‬‬
‫والمؤمن حين يجد أمامه أشياء كثيرة‪ ،‬قد يوجد شيء جميل وآخر ليس له من الجمال شيء؛‬
‫فالجاموسة أقل في الجمال من بعض الحيوانات التي حرم ال أكلها‪ ،‬وأقبل المؤمنون على ذبح‬
‫الجاموسة ليأكلوا منها‪ .‬ولم نسمع عن مسلم تقدم إلى حيوان حرم ال أكله ليذبحه‪ ،‬لماذا؟ لن‬
‫المؤمن يقبل على ما أحل ال‪ ،‬وهذا القبال دليل على أنه ذكر في نفسه المحلل والمحرم وهو ال‪،‬‬
‫إذن اختياره حيوانا للذبح دليل على أنه ذكر ال في النفس أو في القول‪ ،‬وبهذا نتفق على أن ذكر‬
‫المؤمن يكون في قلبه قال أو لم يقل‪ ،‬وينتهي الخلف في هذه المسألة‪ .‬إذن المام الشافعي أخذ‬
‫بهذه المسألة؛ لن النبي صلى ال عليه وسلم حينما سئل عن أكل المسلم من ذبيحة ل يعرف من‬
‫ذبحها وهل سمّى أو لم يسمّ‪ ،‬أوضح لمن سأله‪ :‬س ّم َو ُكلْ‪.‬‬
‫فالنسان منا ل يحضر وقت الذبح دائما‪ ،‬ويكفيه أن يستحضر المحلل والمحرم ساعة الكل‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والحق سبحانه وتعالى يوضح لنا‪ :‬اذكروا اسم ال‪ ،‬وسبحانه يعلم أنك تقبل على أشياء لتفعلها‪.‬‬
‫وهذه الشياء تنقسم إلى قسمين‪ :‬قسم يمر على بالك قبل أن تفعله‪ ،‬وقسم ل يمر على بالك‪ ،‬بل‬
‫تفعله تلقائيا بدون ما يمر على البال‪ ،‬ومثال ذلك الفعال العكسية كلها التي يفعلها النسان إنها ل‬
‫تمر على باله‪ .‬فلو حدث أن حاول واحد أن يضع إصبعه في عين آخر‪ ،‬فهذا الخر يغمض عينيه‬
‫تلقائيا‪ .‬ويختلف ذلك عن الفعل الذي تفكر فيه قبل أن تفعله‪ .‬فالذي يفعل الفعل بعد أن يمر بخاطره‬
‫هو فعل ذو بال‪ .‬ولذلك أراد الرسول عليه الصلة والسلم أل يكلفنا عناء أو مشقة؛ فقال‪ " :‬كل‬
‫أمر ذي بال ل يبدأ فيه ببسم ال الرحمن الرحيم أقطع‪" .‬‬
‫والمر ذو بال هو المر الذي يكون قد خطر على بالك أن تفعله أو ل تفعله‪.‬‬
‫إذن فال سبحانه وتعالى ل يكلفنا إل عند المر الذي يمر على الخاطر؛ لنك حين تقبل على أي‬
‫فعل فينفعل لك كما تريد‪ ،‬إن هذا من عطاء ال لك‪ ،‬وأنت حين تذبح عجلً‪ ،‬أو خروفا‪ ،‬وتتأمل‬
‫أنت كيف يُقدرك ال على هذا الكائن الحي‪ .‬وإنك لم تفعل ذلك إل لتسخير ال ٌكلّ الكائنات لك‪.‬‬
‫فباسم ال تذبحه‪.‬‬
‫إذن هناك أمور كثيرة وأفعال ذات بال تمر عليك ومن حسن الدب واليمان أن تقبل عليها باسم‬
‫ال‪ .‬ولذلك يخطئ بعض الناس حين يظنون أن النسان عندما يذبح حيوانا فهو يؤذيه‪ .‬ل‪ ،‬بل ذبح‬
‫هذا الحيوان هو تكملة لمهمته في الحياة؛ لنه مخلوق لهذا الهدف ومذلل له‪.‬‬
‫لقد قلنا سابقا‪ :‬إن هناك عجيبة من عجائب المزاولت الفعلية‪ ،‬هذه العجيبة أنك حين تأتي إلى‬
‫الحيوانات التي لم يحلها ال للِنسان‪ ،‬كالحمار مثل إذا ما تعرضت هذه الحيوانات إلى ما يميتها‪،‬‬
‫كأن التف حول عنقه حبل‪ ،‬واختنق فهو يموت دون أن يمد رقبته إلى المام‪ ،‬لكن الحيوان الذي‬
‫أحله ال للكل؛ مثل الجاموسة أو الخروف أو العجل‪ ،‬نجد الحيوان من هذه الحيوانات إن اختنق‬
‫يمد رأسه إلى المام‪ ،‬فيقول أهل الريف في مصر‪ :‬إنه يطلب الحلل‪ ،‬أي الذبح‪ .‬فل يسمى ذبح‬
‫الحيوان اعتداء عليه؛ لن الحيوان مخلوق لهذه المهمة‪.‬‬
‫إذن فمعنى كلمة " باسم ال " أي أنني لم أجترئ على هذا العمل إل في إطار اسم ال الذي أحل‬
‫لي هذا‪.‬‬
‫بعد ذلك يقول الحق للمؤمنين‪ :‬ل تسمعوا كلم الكافرين‪ ،‬ويأتي السؤال الستنكاري‪َ } :‬ومَا َلكُمْ َألّ‬
‫سمُ اللّهِ عَلَيْهِ { والمعنى‪ :‬أي سبب يمنعكم من أن تأكلوا مما ذكر اسم ال عليه؟‬
‫تَ ْأكُلُواْ ِممّا ُذكِرَ ا ْ‬
‫وقد فصل لكم ما حرم عليكم‪ ،‬فما ذكر اسم ال عليه ليس من ضمن المحرمات التي نص ال‬
‫عليها‪ ،‬فربنا سبحانه هو من حلل وحرم‪ .‬وإن قيل‪ :‬ما دام قد حرم علينا بعض الشياء فلماذا‬
‫خلقت هذه الشياء؟‬
‫ونقول‪ :‬إن من يفكر بمثل هذا السلوب يتناسى أن كل مخلوق من الحيوانات ليس مخلوقا للكل‪،‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫بل لكلٍ حيوان مهمة‪ .‬وإن ذبحت محرما‪ ،‬فقد يناقص هذا الفعل مهمته فالخنزير ‪ -‬مثلً ‪ -‬حرّمه‬
‫ربنا؛ إن ذبحته فستذهب به بعيدا عن مهمته؛ لنه مخلوق كي يلم جراثيم الشياء التي ل تراها‬
‫العين‪ ،‬فأنت حين تذبحه تخرجه عن مهمته‪ .‬والحق سبحانه وتعالى هو الذي خلق الِنسان‪ ،‬ويعلم‬
‫ما يناسبه من غذاء يولد الطاقة ول يهدر الصحة؛ لذلك حرم وحلل له‪ ،‬وإياك أن تقول‪ :‬إن ال‬
‫سبحانه وتعالى لم يحرم إل الشيء الضار؛ فقد حرم شيئا غير ضار لنه يريد بذلك الدب في‪" :‬‬
‫افعل هذا " و " ل تفعل هذا "‪.‬‬
‫ولذلك قال الحق سبحانه‪ {:‬فَبِظُ ْلمٍ مّنَ الّذِينَ هَادُواْ حَ ّرمْنَا عَلَ ْيهِمْ طَيّبَاتٍ أُحِّلتْ َلهُمْ }[النساء‪]160 :‬‬
‫وفي حياتنا اليومية هل تقول‪ :‬إن الذين يربون أبناءنا في الجيش بالشدة‪ ،‬يقسون على البناء؟ ل‪،‬‬
‫بل إنهم يعدّونهم لمواجهة المهام الشاقة‪ .‬وأن يتعوّدوا التزام الدب والطاعة والنضباط‪ ،‬فكذلك‬
‫حلل الحق ما أراد وحرم ما شاء ليجعل الكون منضبطا بقدرة الحكيم القادر‪ ،‬فسبحانه يحرم أشياء‬
‫مثل المخدرات‪ ،‬ونحن في بعض الحيان نتناولها لنداوي بها المراض‪ ،‬فلو أخذها الِنسان من‬
‫غير مرض أو داعٍ فإنّها تسرق الصحة من بنية الِنسان‪ ،‬وإن أخذها من بعد ذلك للعلج ل تأتي‬
‫بالمفعول المطلوب منها‪ .‬ولذلك نجد من الطباء من يسأل الِنسان قبل إجراء الجراحات الدقيقة‬
‫إن كان المريض قد تناول المخدرات أو ل‪ ،‬وذلك حتى يتعرف الطباء على حقيقة ما يصلح له‬
‫من ألوان التخدير‪.‬‬
‫وسبحانه وتعالى قد منع عنا تلك اللوان من مغيبات العقول‪ ،‬لعلنا نحتاج إليها في لحظة الشدة‬
‫والمرض‪.‬‬
‫إذن فالحق سبحانه وتعالى قد ربط كل حكم من الحكام التحليلية والتحريمية بـ " إن كنتم مؤمنين‬
‫" ‪ ،‬ومعنى " إن كنتم مؤمنين " أي يا من آمنتم بالِله الحكيم الذي ل يأمر إل بما فيه مصلحتكم‪،‬‬
‫امتنعوا عن مثل تلك الفعال‪ ،‬وإذا أقبلت على أي شيء مما أحله ال لك فأقبل عليه باسم ال‪،‬‬
‫وسبحانه وتعالى له أسماء علمها لنا‪ ،‬وأنزلها في كتابه‪ ،‬وأسماء علمها لحد من خلقه‪ ،‬وأسماء‬
‫استأثر بها في علم الغيب عنده‪ ،‬وهذه السماء هي صفات الكمال ل‪ ،‬التي ل توجد في غيره‪.‬‬
‫وحين نستحضر السم الجامع لكل صفات الكمال نقول‪ :‬باسم ال‪ .‬وتنهي المسألة‪ .‬وحين ناقش‬
‫العلماء مسألة التحريم والتحليل‪ ،‬قال بعضهم‪ :‬إن الحق سبحانه وتعالى قال في أول سورة المائدة‪{:‬‬
‫حُ ّر َمتْ عَلَ ْيكُمُ ا ْلمَيْتَةُ }[المائدة‪]3 :‬‬
‫صلَ َلكُمْ مّا حَرّمَ عَلَ ْي ُكمْ { [النعام‪]119 :‬‬
‫وهنا في سورة النعام يقول‪َ } :‬وقَدْ َف ّ‬
‫والمتنبهون من العلماء قالوا‪ :‬إن سورة المائدة مدنية‪ ،‬ومعنى كونها مدنية أنها نزلت بعد السورة‬
‫صلَ َلكُمْ مّا حَرّمَ عَلَ ْيكُمْ {‬
‫المكية‪ ،‬وسورة النعام مكية‪ ،‬وهل يقول الحق في السورة المكية } َوقَدْ َف ّ‬
‫في السورة المدنية؟ وبعض العلماء الذين أعطاهم ربنا نور بصيرة قال‪ :‬لقد فصل لكم في سورة‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫عمٍ‬
‫حيَ إَِليّ مُحَرّما عَلَىا طَا ِ‬
‫جدُ فِي مَآ ُأوْ ِ‬
‫المائدة وجاء أيضا في سورة النعام فقال‪ {:‬قُل لّ أَ ِ‬
‫جسٌ َأوْ فِسْقا أُ ِهلّ ِلغَيْرِ اللّهِ بِهِ َفمَنِ‬
‫حمَ خِنزِيرٍ فَإِنّهُ رِ ْ‬
‫سفُوحا َأوْ لَ ْ‬
‫ط َعمُهُ ِإلّ أَن َيكُونَ مَيْتَةً َأوْ دَما مّ ْ‬
‫يَ ْ‬
‫غفُورٌ رّحِيمٌ }[النعام‪]145 :‬‬
‫غ َولَ عَادٍ فَإِنّ رَ ّبكَ َ‬
‫اضْطُرّ غَيْرَ بَا ٍ‬
‫أي فصل لك في هذه السورة المكية‪ .‬وقد يأتي واحد من المولعين بالعتراض أو من خصوم‬
‫السلم ويقول‪ :‬لم تذكر الية كل الشياء المحرمة لماذا؟‬
‫ونقول‪ :‬القرآن هو الخطوط الساسية في المنهج‪ ،‬وتأتي السنة بالتفصيل في إطار‪:‬‬
‫خذُوهُ َومَا َنهَاكُمْ عَ ْنهُ فَان َتهُواْ‪[} ..‬الحشر‪]7 :‬‬
‫{ َومَآ آتَا ُكمُ الرّسُولُ فَ ُ‬
‫ضطُرِرْتُمْ إِلَ ْيهِ‪[ { ..‬النعام‪]119 :‬‬
‫صلَ َل ُكمْ مّا حَرّمَ عَلَ ْيكُمْ ِإلّ مَا ا ْ‬
‫والحق يقول هنا‪َ } :‬وقَدْ َف ّ‬
‫واضطرار هو أمر ملجئ إلى شيء غير السباب الكونية المشروعة‪ .‬ومعنى كونه مضطرا أنه‬
‫يلجأ إلى شيء فقد أسبابه المشروعة كالذي يريد أن يأكل ليستبقي الحياة‪ ،‬فإذا لم يجد من الحل ما‬
‫يستبقي به الحياة فهو مضطر‪ .‬ونقول له‪ :‬خذ من غير ما أحل ال بالقدر الذي يدفع عنك‬
‫الضرورة‪ ,‬فكل من الميتة بقدر الضرورة ول تشبع‪.‬‬
‫خ َمصَةٍ‪[} ..‬المائدة‪]3 :‬‬
‫والحق يقول‪َ {:‬فمَنِ اضْطُرّ فِي مَ ْ‬
‫والمخمصة هي المجاعة‪ .‬إذن فالضطرار هو شيء فوق السباب المشروعة للعمل‪ .‬وال سبحانه‬
‫وتعالى يعطي النسان الرخصة في أن يتناول ما حرمه إذا كان مضطرا‪ِ } .‬إلّ مَا اضْطُرِرْ ُتمْ إِلَيْهِ‬
‫وَإِنّ كَثِيرا لّ ُيضِلّونَ بَِأ ْهوَا ِئهِم ِبغَيْرِ عِلْمٍ‪[ { ..‬النعام‪]119 :‬‬
‫والذين يضلون بأهوائهم بغير علم هم من أرادوا زراعة الشك في نفوس المسلمين‪ ,‬ومعنى‬
‫الضلل بالهوى أي أن تكون عالما بالقضية‪ ،‬ولكن هواك يعدل بك عن مراد الحق من القضية‪.‬‬
‫ولذلك يصف الحق رسوله صلى ال عليه وسلم‪َ {:‬ومَا يَنطِقُ عَنِ ا ْل َهوَىا }[النجم‪]3 :‬‬
‫وحين يقول الحق‪ } :‬وَإِنّ كَثِيرا لّ ُيضِلّونَ بِأَ ْهوَائِهِ { فمعنى ذلك أنه يوجد ضلل بغير هوى‪ ،‬وهو‬
‫عدم وصول النسان إلى الحقيقة؛ لنه ل يعرف الطريق إليها‪ ،‬والضلل بالهوى أي أن تكون‬
‫علْمٍ‪..‬‬
‫عندك الحقيقة وأنت عارف بدورها ولكنك تعدل عنها‪ } :‬وَإِنّ كَثِيرا لّ ُيضِلّونَ بِأَ ْهوَا ِئهِم ِبغَيْرِ ِ‬
‫{ [النعام‪]119 :‬‬
‫وساعة ترى مجيء متعلق بعد " يضلون " وهو قوله‪ } :‬بِأَ ْهوَا ِئهِم { تقول كأن هناك ضللً بغير‬
‫علم‪ ،‬وهو غير مذموم؛ لن صاحبه ل يعرف الحكم في القضية‪ ،‬وهذا يختلف عن الذي يضل‬
‫وهو يعرف الحكم‪ ،‬فهذا ضلل بالهوى‪ ،‬وهذا الفهم يحل لنا إشكالت كثيرة أيضا‪ .‬و } ِبغَيْرِ عِلْمٍ {‬
‫أي ليس عندهم علم بالقضية وأحكامها‪.‬‬
‫علَمُ بِا ْل ُمعْتَدِينَ { [النعام‪]119 :‬‬
‫ويذيل الحق الية بقوله‪..} :‬إِنّ رَ ّبكَ ُهوَ أَ ْ‬
‫وقد أفسح ال في النص القرآني لبعض خلقه الذين يعرفون المهتدى من غير المهتدى‪ ،‬والكثير من‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الناس ل يعلمون المهتدى من غير المهتدى ولكن إن علموا فال أعلم‪.‬‬
‫ويقول الحق بعد ذلك‪ } :‬وَذَرُواْ ظَاهِ َر الِثْمِ‪{ ..‬‬

‫(‪)897 /‬‬
‫وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْ ِم وَبَاطِنَهُ إِنّ الّذِينَ َيكْسِبُونَ الْإِ ْثمَ سَ ُيجْ َزوْنَ ِبمَا كَانُوا َيقْتَ ِرفُونَ (‪)120‬‬

‫هذه تقنينات السماء التي تحمي المجتمع من بعضه وذلك في أل تقع عين أحد على مخالفة من‬
‫أحد‪ ،‬وإذا وقعت عينك على مخالفة من غيرك تكون المخالفة مما يدرك لكنها ليست كل الفساد في‬
‫المجتمع؛ ففساد المجتمع يأتي من أشياء كثيرة ل تقع تحت دائرة الِدراكات‪ .‬وهناك أشياء تكون‬
‫في منابع النفس البشرية التي تصدر عنها عوامل النزوع؛ فقبل أن يوجد إثم ظاهر يوجد إثم‬
‫باطن‪ ،‬والِِثم الباطن سابق على الِثم الظاهر‪ .‬والتقنينات البشرية كلها تحمينا من ظاهر الِثم‪،‬‬
‫ولكن منهج السماء يحمينا من فساد ظاهر الِثم وباطن الثِم‪.‬‬
‫ويوضح لنا الحق الفرق بين تقنين البشر للبشر وتقنين الِله‪ ،‬فسبحانه رقيب على مواجيدكم‬
‫ووجداناتكم وسرائركم‪ ،‬فإياكم أن تفعلوا باطن الِثم‪ ،‬ول يكفي أن تحمي نفسك من أن يراك‬
‫القانون؛ لن قصارى ما يعمل القانون أن يمنع الناس من أن يتظاهروا بالجريمة ويقترفوها‬
‫علنية‪ ،‬والفرق بين تشريع السماء وتشريع الرض أن تشريع الرض يحمي الناس من ظاهر‬
‫الِثم‪ ،‬ولكن تشريع السماء يحمي الناس من ظاهر الِثم وباطن الِثم‪ ،‬وباطن الِثم هو أعنف أنواع‬
‫الِثم في الرض‪.‬‬
‫وبعض أهل الكتساب في الشر برياضتهم على الشر يسهل عليهم فعل الشر وكأنهم يفعلون أمرا‬
‫قد تعودوا عليه بل افتعال‪.‬‬
‫و " كسب " ‪ -‬كما نعلم‪ -‬تأتي بالستعمال العام للخير‪ ،‬و " اكتسب " تأتي للشّر لن الخير يكون‬
‫فيه الفعل العملي رتيبا مع كل الملكات‪ ،‬ول افتعال فيها‪ ،‬فمن يريد‪ -‬مثلً‪ -‬أن يشتري من محل ما‬
‫فهو يذهب إلى المحل في وضح النهار ويشتري‪ .‬لكن من يريد أن يسرق فهو يرتب للسرقة ترتيبا‬
‫آخر‪ ،‬وهذا افتعال‪ ،‬لكن الفتعال قد يصبح بكثرة المران والدربة عليه ل يتطلب انفعالً‪ ،‬لنه قد‬
‫أضحى لونا من الكسب‪ .‬و " يكسبون " تدل على الربح؛ لن " كسب " تدل على أنك أخذت‬
‫الصل والزيادة على الصل‪ ،‬والنسان حين يصنع الخير إنما يعطي لنفسه مقومات الحياة ويأخذ‬
‫أجر الخرة زائدا‪ ،‬وهذا هو قمة الكسب‪.‬‬
‫ويريد الحق سبحانه وتعالى من العبد في حركته أن يحقق لذاته نفعا هو بصدد الحاجة إليه‪ ،‬ولكن‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫النسان قد يحقق ما ينفعه وهو بصدد الحاجة إليه‪ ،‬ثم ينشأ من ذلك الفعل ضرر بعد ذلك؛ لذلك‬
‫يحمي ال النسان المؤمن بالمنهج حتى يمييز بين ما يحقق له الغرض الحالي ويحقق نفعا ممتدا‬
‫ول يأتي له بالشر وما يحقق له نفعا عاجلً ولكن عاقبته وخيمة ونهايته أليمة‪ ،‬إننا نجد الذين‬
‫يصنعون السيئات ويميلون للشهوات ‪ -‬مثلً ‪ -‬يحققون لنفسهم نفعا مؤقتا‪ ،‬مثل التلميذ الذي ل‬
‫يلتقفت إلى دروسه‪ ،‬والذي ينام ول يستيقظ‪ ،‬والذي إن أيقظوه وأخرجوه من البيت ذهب ليتسكع‬
‫في الشوارع‪ ،‬هي في ظاهر المر يحقق لنفسه راحة‪ ،‬لكن مآله إلى الفشل‪.‬‬
‫بينما نجد أن من اجتهد وج ّد وتعب قد حقق لنفسه النفع المستمر الذي ل تعقبه ندامة‪ } .‬إِنّ الّذِينَ‬
‫ن الِثْمَ سَ ُيجْ َزوْنَ ِبمَا كَانُواْ َيقْتَ ِرفُونَ { [النعام‪]120 :‬‬
‫َيكْسِبُو َ‬
‫ففي الدنيا نجد أن الجزاء من بشر لبشر‪ ،‬ولكن ماذا عن لحظة العرض أمام ال وهو العليم بظاهر‬
‫الثم وباطن الثم؟‬
‫فالذي يصون المجتمع‪ -‬إذن‪ -‬هو التقنين السماوي‪ ،‬فالمنهج ل يحمي النسان ممن حوله فحسب‬
‫ولكنه يقنن لحركة النسان لتكون صحيحة‪.‬‬
‫ويعود الحق بعد ذلك إلى قضية الطعام فيقول‪َ } :‬ولَ تَ ْأكُلُواْ ِممّا َلمْ يُ ْذكَرِ اسْمُ اللّهِ‪{ ..‬‬

‫(‪)898 /‬‬
‫وَلَا تَ ْأكُلُوا ِممّا َلمْ يُ ْذكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَ ْي ِه وَإِنّهُ َلفِسْقٌ وَإِنّ الشّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى َأوْلِيَا ِئهِمْ لِيُجَادِلُوكُ ْم وَإِنْ‬
‫طعْ ُتمُوهُمْ إِ ّنكُمْ َلمُشْ ِركُونَ (‪)121‬‬
‫أَ َ‬

‫وهنا يسمى الحق ما لم يذكر اسم ال عليه بـ " الفسق " وهو ما تشرحه الية الخرى وتبرزه‬
‫ط َعمُهُ ِإلّ أَن َيكُونَ مَيْتَةً َأوْ‬
‫حيَ إَِليّ مُحَرّما عَلَىا طَاعِمٍ َي ْ‬
‫باسم مخصوص‪ {:‬قُل لّ َأجِدُ فِي مَآ ُأوْ ِ‬
‫غ َولَ عَادٍ فَإِنّ‬
‫ضطُرّ غَيْرَ بَا ٍ‬
‫سفُوحا َأوْ َلحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنّهُ ِرجْسٌ َأوْ فِسْقا أُ ِهلّ ِلغَيْرِ اللّهِ بِهِ َفمَنِ ا ْ‬
‫دَما مّ ْ‬
‫غفُورٌ رّحِيمٌ }[النعام‪]145 :‬‬
‫رَ ّبكَ َ‬
‫إذن فـ " فسقا " معطوفة على الميتة والدم المسفوح ولحم خنزير‪ ،‬لكنه سبحانه فصل بين‬
‫المعطوف وهو " فسقا "؛ والمعطوف عليه بحكم يختص بالمعطوف عليه‪ ،‬وهذا الحكم هو الرجس‬
‫وهكذا أخذت الثلثة المحرمات حكم الرجس‪ .‬وعطف عليها ما ذبح عليه اسم غير ال كالصنام‬
‫وهو قد جمع بين الرجس والفسق‪.‬‬
‫ويقول الحق‪ { :‬وإِنّ الشّيَاطِينَ لَيُوحُونَ ِإلَى َأوْلِيَآ ِئهِمْ } وسبحانه يريد أن يبين لنا أن الفطرة السليمة‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫التي ل يميلها هوى تصل إلى حقائق الخير‪ ،‬ولذلك نجد أن الذين يحثون ويحض بعضهم بعضا‬
‫على الشر ويعلم بعضهم بخفاء إنما يأخذون مقام الشيطان بالوسوسة والتحريض على العصيان‬
‫والكفر؛ لن المسألة الفطرية تأبى هذا‪ ،‬وحين يرتكب إنسان موبقة من الموبقات‪ ،‬إنما يلف لها‬
‫وبتحايل ليصل إلى ارتكاب الموبقة‪ ،‬وقد يوحي بذلك إلى غيره‪ ،‬فيدله على الفساد‪ .‬ويكون بذلك‬
‫في مقام الشياطين الذين يوحون إلى أوليائهم بإعلم خفي؛ لن الفطرة السليمة تأبى الشياء‬
‫الشريرة وتقف أيضا فيها‪ ،‬ول يجعلها تتقدم إلى الشر إلى الهوى‪ ،‬فإذا ما أراد شيطان من النس‬
‫ل فهو ل يعلن ذلك مباشرة‪ .‬إنما يلف ويدور بكلم ملفوف‬
‫أو شيطان من الجن أن يزيّن للناس فع ً‬
‫مزين‪.‬‬
‫طعْ ُتمُوهُمْ إِ ّنكُمْ َلمُشْ ِركُونَ } وفي ذلك إشارة‬
‫{ وَإِنّ الشّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى َأوْلِيَآ ِئهِمْ لِيُجَادِلُوكُ ْم وَإِنْ أَ َ‬
‫إلى قول المشركين‪ :‬تأكلون ما قتلتم أنتم ول تأكلون ما قتل ال وأنتم أولى أن تأكلوا مما قتل ال‪.‬‬
‫طعْ ُتمُوهُمْ إِ ّنكُمْ َلمُشْ ِركُونَ } [النعام‪]121 :‬‬
‫{‪..‬وَإِنْ أَ َ‬
‫وكأن مجرد الطاعة لهؤلء المشركين لون من الشرك؛ لن معنى العبادة امتثال وائتمار عابد‬
‫لمعبود أمرا ونهيا‪ ،‬فإذا أخذت أمرا من غير ال فإنه يخرج بك عن صلب وقلب منهجه سبحانه‬
‫وبذلك تكون قد أشركت به‪.‬‬
‫جعَلْنَا لَهُ‪} ..‬‬
‫ويقول الحق بعد ذلك‪َ { :‬أوَ مَن كَانَ مَيْتا فَأَحْيَيْنَاهُ وَ َ‬

‫(‪)899 /‬‬
‫جعَلْنَا َلهُ نُورًا َيمْشِي بِهِ فِي النّاسِ َكمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلمَاتِ لَيْسَ ِبخَارِجٍ‬
‫َأ َومَنْ كَانَ مَيْتًا فََأحْيَيْنَا ُه وَ َ‬
‫مِ ْنهَا كَذَِلكَ زُيّنَ لِ ْلكَافِرِينَ مَا كَانُوا َي ْعمَلُونَ (‪)122‬‬

‫والحق سبحانه وتعالى‪ -‬كما عرفنا‪ -‬يعرض بعض القضايا ل عرضا إخباريا منه‪ ،‬ولكن يعرضها‬
‫باستفهام؛ لنه‪ -‬جل وعل‪ -‬عليم بأنه حين يأتي لك الستفهام‪ ،‬ثم تدير ذهنك لتجيب فلن تجد إل‬
‫جوابا واحدا هو ما يريده الحق‪ .‬إذن فالسلوب أحيانا يكون أسلوبا خبريا أو يكون استفهاما‬
‫بالثبات أو استفهاما بالنفي‪ .‬وأقواها الستفهام بالنفي‪ .‬وحين يعرض سبحانه القضية التي نحن‬
‫بصددها يوضح وهو العليم أنك إن أحببت أن تجيب فلن تجد إل الجواب الذي يريده الحق‪.‬‬
‫إننا نجد في الية الكريمة موتا وحياة‪ ،‬وظلما ونورا‪.‬‬
‫وما هي الحياة؟‪ .‬الحياة هي وجود الكائن على حالة تمكنه من أداء مهمته المطلوبة منه‪ ،‬وما دام‬
‫الشيء يكون على حالة يؤدي بها مهمته ففيه حياة‪ ،‬وأرقى مستوى للحياة هو ما تجتمع فيه الحركة‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والحس والفكر‪ ،‬وهذه المور توجد كلها في النسان‪ .‬أمّا الحيوان ففيه حس وحركة وليس عنده‬
‫فكر‪ .‬غير أن الحيوان له غريزة أقوى من فكر النسان‪ ،‬فهو محكوم بالغريزة في أشياء‬
‫وبالختيار في أشياء‪ ،‬وليس لك في الغريزة عمل‪ .‬لكن في مجال الختيار لك عمل‪ ،‬تستطيع أن‬
‫تعمله وتستطيع أل تعمله‪.‬‬
‫إذن فالحياة هي أن يكون الكائن على حال يؤدي به مهمته المطلوبة منه‪ .‬وعلى هذا العتبار ففي‬
‫النسان حياة‪ ،‬وفي الحياة حياة‪ ،‬وفي النبات حياة‪ ،‬وفي الجماد حياة‪ ،‬وكلما تقدم العلم يثبت لنا‬
‫حيوات أشياء كثيرة جدا كنا نظن أل حياة فيها‪ ،‬وإن ظهر لنا في التفاعلت أن بعض الشياء‬
‫تتحول إلى أشياء أخرى‪ ،‬فعلى سبيل المثال الحيوان فيه حياة فإذا ذبحناه وأكلناه‪ ،‬ورمينا عظامه‪،‬‬
‫كانت فيها حياة من نوع ثم صارت أجزاؤه إلى جمادية لها حياة من نوعها‪ ،‬بدليل أنه حين يمر‬
‫بعض من الزمن يتفتت العظم‪.‬‬
‫وكنا قديما في الريف نحلب اللبن في أوعية من الفخار وتوضع في مراقد‪ ،‬ويستمر اللبن أسبوعا‬
‫في المرقد‪ ،‬ويكون أحلى في يومه عن أمسه‪ .‬ويزداد اللبن حلوة كل يوم‪ ،‬ثم تأخذ زوجة الفلح‬
‫قطعة القشطة الخيرة وتصنع منها الجبن الجميل الطعم‪ .‬أو الزّبد لكن بعد أن غلينا اللبن نجده‬
‫يفسد بعد عدة ساعات؛ لنك حين وضعته في المرقد‪ ،‬أخذته بالحياة فيه فظلت فيه حيوية حياته‪،‬‬
‫لكن حين غليته فقد قتلت ما فيه من الحياة‪ ،‬فإن لم تضعه في ثلجة لبد من أن يتعفن‪ ،‬ومعنى‬
‫التعفن أنه لم يعد يؤدي مهمته كلبن‪ ،‬وإنما انتقل إلى حياة أخرى بفعل البكتريا وغيرها‪ ،‬ول يُذهب‬
‫جهَهُ‪[} ..‬القصص‪]88 :‬‬
‫شيْءٍ هَاِلكٌ ِإلّ َو ْ‬
‫الحياة إل الهلك وهو ما قاله الحق‪ُ {:‬كلّ َ‬
‫إذن‪ ،‬ل تأخذ الميت على أنه شيء ليس فيه حياة‪ ،‬ولكنه انتقل إلى حياة ثانية‪.‬‬
‫جعَلْنَا لَهُ نُورا َيمْشِي ِبهِ فِي النّاسِ‪[ { ..‬النعام‪]122 :‬‬
‫} أ َومَن كَانَ مَيْتا فَأَحْيَيْنَاهُ وَ َ‬
‫كأن للنسان حياة في ذاته‪ ،‬ثم جعل الحق له نورا يمشي به‪ .‬كأن الحياة متنقلة في أشياء‪ ،‬ويحتاج‬
‫النسان إلى حياة‪ ،‬ويحتاج إلى نور تتضح به مرائي الشياء‪ .‬وكانوا قديما يعتقدون أن النسان‬
‫يرى حين ينتقل شعاع من عينه إلى المرئي فيراه‪ ،‬إلى أن جاء العربي المسلم ابن الهيثم‪ .‬وقال‬
‫هذا رأي جانبه الصواب في قانون الضوء‪ ،‬وقال‪ :‬إن النسان يرى؛ لن شعاعا من المرئي يصل‬
‫إلى عين الرائي‪ .‬بدليل أن المرئي إن كان في ضوء يدركه النسان‪ ،‬وإن كان في ظلمة ل يدركه‬
‫النسان‪ ،‬ولو كانت الشعة تخرج من عين النسان لرأى الشياء سواء أكانت في نور أم في‬
‫ظلمة‪ ،‬وتعدلت كل النظريات في الضوء على يد العالم المسلم‪ ،‬وجاءت من بعد ذلك الصور‬
‫الفوتوغرافية والسينما‪ .‬إذن فالنور وسيلة إلى المرئيات‪.‬‬
‫ويترك الحق سبحانه وتعالى في أقضية الكون الحسية أدلة على القضية المعنوية؛ فالنور الحسيب‬
‫الذي نراه إما ضوء الشمس وإما ضوء القمر‪ ،‬وإما ضوء المصباح‪ ،‬وإما غير ذلك‪ ،‬وهذا ما‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ل نفعيا غير‬
‫يجعل النسان يرى الشياء‪ ،‬ومعنى رؤية النسان للشياء أن يتعامل معها تعام ً‬
‫ضار‪ .‬ونحن نضيء المصباح بالكهرباء حين يغيب النور الطبيعي‪ -‬نور الشمس‪ -‬وعندما نضيء‬
‫مصابيحنا نرى الشياء ونتفاعل معها ول نحطمها ول تحطمنا‪ ،‬وكل واحد منا يأخذ من النور‬
‫على قدر إمكاناته‪ .‬إذن كل واحد يضيء المكان المظلم الذي اضطر إليه بغيبة المنير الطبيعي‬
‫على حسب استطاعته‪ ،‬فإذا ظهرت الشمس أطفأنا جميعا مصابيحنا؛ هذا دليل من أدلة الكون‬
‫الحسيّة الملموسة لنأخذ منها دليلً على أن ال إن فعل لقيمنا نورا فل نأتي بقيم من عندنا‪ ،‬مادامت‬
‫قيمُهُ موجودة‪.‬‬
‫ويوضح ال أن النسان بدون قيم هو ميت متحرك‪ ،‬ويأتيه المنهج ليحيا حياة راقية‪ .‬ويوضح‬
‫سبحانه لكل إنسان‪ :‬احرص على الحياة الثانية الخالدة التي ل تنتهي وذلك ل يتأتى ال اتباع‬
‫المنهج‪ ،‬وإياك أن تظن أن الحياة فقط هي ما تراه في هذا الوجود لنه إن كانت هذه هي غاية‬
‫الحياة لما أحس النسان بالسعادة؛ لنه لو كانت الدنيا هي غايتنا للزم أن يكون حظنا من الدنيا‬
‫جميعا واحدا وأعمارنا واحدة‪ ،‬وحالتنا واحدة‪ ،‬والختلف فيها طولً وقصرا وحالً دليل على أنها‬
‫ليست الغاية؛ لن غاية المتساوي ل بد أن تكون متساوية‪.‬‬
‫إذن فقول ال هو القول الفصل‪ {:‬وَإِنّ الدّارَ الخِ َرةَ َل ِهيَ ا ْلحَ َيوَانُ‪[} ..‬العنكبوت‪]64 :‬‬
‫فهذه هي الحياة التي ل تضيع منك ول تضيع منها‪ ،‬ول يفوتك خيرها ول تفوته‪ .‬إذن فالذي يحيا‬
‫الحياة الحسية الولى وهي الحركة بالنفخ في الروح هو ميت متحرك‪َ } .‬أوَ مَن كَانَ مَيْتا فَأَحْيَيْنَاهُ‬
‫جعَلْنَا لَهُ نُورا َي ْمشِي ِبهِ { [النعام‪]122 :‬‬
‫وَ َ‬
‫أي أنه سبحانه قد أعطى لمثل هذا العبد حياة خالدة ونورا يمشي به‪ ،‬ول يحطّم ول يتحطم‪.‬‬
‫أما من يقول‪ :‬إن الحياة بمعناها الدنيوي‪ ،‬ل تختلف عن الحياة في ضوء الِيمان‪ ،‬لمثل هذا نقول‪:‬‬
‫ل‪ ،‬ليس بينهما تسا ٍو فهما مختلفان بدليل ان الحق يقول‪ {:‬اسْ َتجِيبُواْ للّ ِه وَلِلرّسُولِ ِإذَا دَعَاكُم ِلمَا‬
‫يُحْيِيكُمْ }[النفال ‪]24‬‬
‫فسبحانه يخاطبهم‪ ،‬وما دام يخاطبهم فهم أحياء بالقانون العادي‪ ،‬لكنه سبحانه أنزل لرسوله المنهج‬
‫الذي يحيا به المؤمن حياة راقية‪ ،‬وافطنوا إلى أن الحق سبحانه وتعالى أعطى ومنح الروح الولى‬
‫التي ينفخها في المادة فتتحرك وتحس بالحياة الدنيا‪ ،‬إنّه أعطاها المؤمن والكافر‪ .‬ثم يأتي بروح‬
‫ثانية تعطي حياة أبدية‪ .‬ولذلك سمّي منهج ال لخلقه روحا‪َ {:‬وكَذَِلكَ َأوْحَيْنَآ إِلَ ْيكَ رُوحا مّنْ َأمْرِنَا }‬
‫[الشورى‪]52 :‬‬
‫فالمنهج يعطي حياة خالدة‪.‬‬
‫إذن فقوله الحق‪َ } :‬أوَ مَن كَانَ مَيْتا فَأَحْيَيْنَاهُ { أي َأوَ من كان ضالً فهديناه‪ ،‬أو من كان كافرا‬
‫فجعلناه مؤمنا‪ .‬ولنلحظ أن فيه " ميْتا " بالتخفيف‪ ،‬وفيه ميّت بالتشديد‪ .‬والميّت هو من يكون مآله‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الموت وإن كان حيّا‪ ،‬فكل منا ميّت وإن كان حيّا‪ .‬ولكن الميْت هو من مات بالفعل وسلبت‬
‫وأزهقت روحه‪ .‬ولذلك يخاطب الحق نبيه صلى ال عليه وسلم فيقول له‪( :‬إنك ميّت)‪.‬‬
‫أي تؤول إلى الموت وإن كنت حيّا الن‪ .‬لن كٌلّ من مستمر في الحياة إلى أن يتلبس بصفة‬
‫الفناء‪ ،‬ويقول الحق‪ " :‬فأحييناه " أي بالمنهج الذي يعطيه حياة ثانية‪ ،‬ولذلك سمّي القرآن روحا‪،‬‬
‫وسمّي من نزل بالقرآن روحا أيضا‪.‬‬
‫جعَلْنَا لَهُ نُورا َيمْشِي بِهِ فِي النّاسِ { ولماذا يمشي به في الناس فقط‪ ،‬وليس بين كل الشياء؟؛‬
‫}وَ‬
‫لن الشياء الخرى من الممكن أن تحتاط أنت منها‪ ،‬ولكن كلمة الناس تعبر عن التفاعل الصعب‬
‫لنهم أصحاب أغيار‪ .‬ويتابع الحق‪َ } :‬كمَن مّثَلُهُ فِي الظُّلمَاتِ لَ ْيسَ بِخَارِجٍ مّ ْنهَا { وهذا تساؤل‬
‫جوابه‪ :‬ل‪ ،‬أي ليس كل منهما مساويا للخر‪ ،‬مثلما نقول‪ :‬هل يستوي العمى والبصير؟‪ .‬والفطرة‬
‫هنا تقول‪ :‬ل‪ ،‬مثلما تؤكد الفطرة عدم استواء الظلمات والنور‪ ،‬أو الظل والحرور‪ ،‬وهنا يَ ْأمَنُنَا ال‬
‫على الجواب؛ لنه سبحانه ‪ -‬يعلم المر إذا طرح السؤال كسؤال وكاستفهام فلن نجد إل جوابا‬
‫واحدا هو ما يريد الحق أن يقوله خبرا‪.‬‬
‫ويذيل الحق الية‪ } :‬كَذَِلكَ زُيّنَ لِ ْلكَافِرِينَ مَا كَانُواْ َي ْعمَلُونَ { [النعام‪]122 :‬‬
‫والمعنى هنا أي تركناهم عرضة لن ينفعلوا للتزيين‪ ،‬ولم يحمهم الحق بالعصمة في اختيارهم؛‬
‫لنه سبحانه قد ترك الختيار حرّا للنسان‪َ {:‬فمَن شَآءَ فَلْ ُي ْؤمِن َومَن شَآءَ فَلْ َي ْكفُرْ }[الكهف‪]29 :‬‬
‫جعَلْنَا فِي‪{ ..‬‬
‫ويقول الحق من بعد ذلك‪َ } :‬وكَذاِلكَ َ‬

‫(‪)900 /‬‬
‫شعُرُونَ (‬
‫سهِمْ َومَا َي ْ‬
‫جعَلْنَا فِي ُكلّ قَرْيَةٍ َأكَابِرَ مُجْ ِرمِيهَا لِ َي ْمكُرُوا فِيهَا َومَا َي ْمكُرُونَ إِلّا بِأَ ْنفُ ِ‬
‫َوكَذَِلكَ َ‬
‫‪)123‬‬

‫وقول الحق سبحانه‪َ { :‬وكَذاِلكَ } تدل على أن شيئا شبّه بشيء‪ ،‬فكما وُجد في مكة من يناصبك‬
‫العداء ويناهضك ويقاومك في أمر الدعوة إلى ال‪ ،‬ويصدّ عن سبيل الحق؛ إن تلك قضية لست‬
‫فيها بدعا من الرسل؛ لن هذه المسألة قضية سائدة مع كل رسول في موكب اليمان‪ ،‬و " كذلك "‬
‫أي كما جعلنا في مكة مجرمين يمكرون جعلنا في كل قرية سبقت مع رسول سبق هذه المسألة‪،‬‬
‫فلم تكن بدعا من الرسل‪ .‬وحيث إنك لم تكن بدعا من الرسل فلتصبر على ذلك كما صبر أولو‬
‫العزم من الرسل‪ .‬وأنت أولى منهم بالصبر؛ لن مشقاتك على قدر مهمتك الرسالية في الكون كله‪،‬‬
‫فكل رسول إنما جاء لمة محدودة ليعالج داءً محدودا في زمان محدود‪ .‬وأنت قد جئت للمر العام‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫زمانا ومكانا إلى أن تقوم الساعة‪ ،‬فلبد أن تتناسب المشقات التي تواجهك مع عموم رسالتك التي‬
‫جعَلْنَا فِي ُكلّ قَرْيَةٍ َأكَابِرَ مُجَ ِرمِيهَا } [النعام‪]123 :‬‬
‫خصك ال بها‪َ { .‬وكَذاِلكَ َ‬
‫والجرام هو مأخوذ من مادة " الجيم " و " الراء " و " الميم " ‪ ،‬الجرْم والجُرْم والجريمة‪ .‬فيها‬
‫معنى القطع‪ .‬و " مجرميها " جمع مجرم‪ ،‬ومجرم من أجرم‪ ،‬وأجرم أي ارتكب الجُرم والجريمة‪،‬‬
‫ومعنى ذلك أنه قطع نفسه بالجريمة عن مجتمعه الذي يعايشه‪ ،‬فهو يعزل نفسه ل لمصلحة لحد‬
‫إل لمصلحته هو‪ ،‬فكأنه قام بعملية انعزال اجتماعي‪ ،‬وجعل كل شيء لنفسه‪ ،‬ولم يجعل نفسه‬
‫لحد؛ لنه يريد أن يحقق مرادات نفسه غير مهتم بالنتائج التي تترتب على ذلك‪.‬‬
‫إذن فالجرام هو القدام على القبائح اقداما يجعل النسان عازلً نفسه عن خير مجتمعه؛ لنه يريد‬
‫كل شيء لنفسه‪ .‬ومادام كل شيء لنفسه فعامل التسلط موجود فيه‪ ،‬ويرتكب الرذائل‪ .‬ولنه يرتكب‬
‫الرذائل فهو يريد من كل المجتمع أن تنتشر فيه مثل هذه الرذائل؛ لكي ل يشعر أن هناك واحدا‬
‫شعُرُونَ } [النعام‪]123 :‬‬
‫سهِ ْم َومَا يَ ْ‬
‫أحسن منه‪..{ .‬لِ َي ْمكُرُواْ فِيهَا َومَا َي ْمكُرُونَ ِإلّ بِأَ ْنفُ ِ‬
‫والمكر‪ -‬كما نعرف‪ -‬مأخوذ من التفاف الغصان بعضها على بعض التفافا بحيث ل تستطيع إذا‬
‫أمسكت ورقة من أعلى أن تقول هذه الورقة من هذا الفرع؛ لن الغصان والفروع ملفوفة‬
‫ومتشابكة ومجدولة بعضها مع بعض‪ .‬والماكر يصنع ذلك لنه يريد أن يلف تبييته حتى ل يُكشف‬
‫عنه‪ ،‬ومادام يفعل ذلك فاعلم من أول المر أنه ضعيف التكوين؛ لنه لو لم يعلم ضعف تكوينه لما‬
‫مكر لن القوي ل يمكر أبدا‪ ،‬بل يواجه‪ ،‬ولذلك يقول الشاعر‪:‬وضعيفة فإذا أصابت فرصة قتلت‬
‫كذلك قدرة الضعفاءوالضعيف عندما يملك فهو يحدث لنفسه بأن هذه الفرصة لن تتكرر‪ ،‬فيجهز‬
‫على خصمه خوفا من ال تأتي له فرصة أخرى‪ ،‬لكن القوي حين يأتي لخصمه فيمسكه ثم يحدث‬
‫نفسه بأن يتركه‪ ،‬وعندما يرتكب هذا الخصم حماقة جديدة فيعاقبه‪.‬‬
‫إذن فل يمكر ال الضعيف‪ .‬والحق سبحانه وتعالى في هذه المسألة يتكلم عن المجرمين من أكابر‬
‫الناس‪ ،‬أي الذين يتحكمون في مصائر الناس‪ ،‬ويفسدون فيها ول يقدر أحد أن يقف في مواجهتهم‪.‬‬
‫وهناك كثير من اليات تتعلق بهذه المسألة‪ ،‬وبعضها وقع فيه الجدل والخلف‪ ،‬ومن العجيب أن‬
‫الخلف لم يُصفّ‪ ،‬وكل جماعة من العلماء يتمسكون برأيهم‪ .‬وهذه الية التي نحن بصدد‬
‫حقّ‬
‫سقُواْ فِيهَا فَ َ‬
‫خواطرنا عنها تلتقي مع القول الحق‪ {:‬وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن ّنهِْلكَ قَرْيَةً َأمَرْنَا مُتْ َرفِيهَا َففَ َ‬
‫عَلَ ْيهَا ا ْل َقوْلُ فَ َدمّرْنَاهَا تَ ْدمِيرا }[السراء‪]16 :‬‬
‫وهذه الية فيها اشكال‪ ،‬وقامت بسببها معركة بين العلماء؛ فنجد منهم من يقول‪ :‬وكيف يأمر ال‬
‫أناسا بالفسق؟‪ .‬وحاولوا أن يجدوا تأويل لذلك فقالوا‪ :‬إن الحق قد قسر وأجبر أكابر هؤلء الناس‬
‫على الفسق‪ .‬والجانب الثاني من العلماء قالوا‪ :‬ل‪ ،‬إن الحق ل يقسر البشر على الفسق‪ ،‬بل على‬
‫النسان حين يقرأ كلمة أمر ال في المنهج فلبد أن يعرف أن هذا المر عرضة لن يطاع‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وعرضة لن يعصى؛ لن المأمور‪ -‬وهو المكلف‪ -‬صالح أن يفعل‪ ،‬وصالح ال يفعل‪ ،‬وأن المر‬
‫قد أمر بشيء‪ ،‬والمأمور له حق الختيار؛ وبذلك تجد أكابر القوم إنما استقبلوا أمر ال بالعصيان؛‬
‫لن الحق هو القائل‪َ {:‬ومَآ ُأمِرُواْ ِإلّ لِ َيعْبُدُواْ اللّهَ‪[} ..‬البينة‪]5:‬‬
‫والفسق‪ -‬إذن‪ -‬مترتب على اختيار المأمور‪.‬‬
‫وحين نتأمل نحن بالخواطر معنى‪ " :‬أمر ال " نجد أن أمر ال يتمثل في التكوينات الطبيعية‬
‫الكونية ول يوجد لحد قدرة على مخالفة ال في ذلك‪ ،‬فهو القائل‪ } :‬إِ ّنمَآ َأمْ ُرهُ ِإذَآ أَرَادَ شَيْئا أَن‬
‫َيقُولَ لَهُ كُن فَ َيكُونُ {‪.‬‬
‫ويتمثل أيضا أمر ال في التشريعات‪ ،‬وللبشر الذين نزلت لهم هذه التشريعات أن يختاروا بين‬
‫الطاعة أو العصيان‪ ،‬وسبحانه القائل عن المر بالتشريع‪َ } :‬ومَآ ُأمِرُواْ ِإلّ لِ َيعْبُدُواْ اللّهَ {‪.‬‬
‫وحين يقول الحق‪ } :‬وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن ّنهِْلكَ قَرْ َيةً َأمَرْنَا مُتْ َرفِيهَا َففَسَقُواْ فِيهَا {‪.‬‬
‫فسبحانه ل يهلك هذه القرية ظلما‪ ،‬وإنما يرسل إليها المنهج‪ ،‬فإن أطاعوا فأهلً وسهلً‪ ،‬وإن‬
‫عصوا فلبد لهم من العقاب بالدمار‪.‬‬
‫وهكذا نرى أن العلماء الذين ظنوا أن الفسق مترتب على المر من ال لم يلتفتوا إلى أن ورود‬
‫المر في القرآن الكريم جاء على لونين‪ :‬أول‪ :‬أمر التكوين بالقهريات فل يستطيع المأمور أن‬
‫يتخلف عنه‪ ،‬ويمثل المر القهري قوله الحق‪ {:‬إِ ّنمَآ َأمْ ُرهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئا أَن َيقُولَ لَهُ كُن فَ َيكُونُ }‬
‫[يس‪]82 :‬‬
‫فالمر جاهز في عالم الزل ليبرز حين يشاء الحق‪ .‬والمر الثاني‪ :‬هو المر التشريعي وهو‬
‫صالح لن يختار المكلف بين أن يطيع أو يعصي‪ ،‬وفي هذا الِطار نفهم قوله الحق‪ {:‬وَإِذَآ أَ َردْنَآ‬
‫سقُواْ فِيهَا َفحَقّ عَلَ ْيهَا ا ْلقَ ْولُ فَ َدمّرْنَاهَا َت ْدمِيرا }‬
‫أَن ّنهِْلكَ قَرْيَةً َأمَرْنَا مُتْ َرفِيهَا َففَ َ‬
‫[السراء‪]16 :‬‬
‫فل تقل‪ :‬إن ال يأمر بالفسق؛ فالحق قد أمر المؤمنين بالمنهج لنه سبحانه ل يأمر بالفحشاء‪ .‬بل‬
‫جاء المر لكل البشر أن يعبدوا ال مخلصين له الدين‪ ،‬لكن كبار أهل هذه القرية أخذوا البديل‬
‫للطاعة وهو الفسق والمعصية‪ ،‬فلما أمرهم ففسقوا ماذا يصنع بهم؟‪ ،‬هو سبحانه يدمرهم تدميرا‪,‬‬
‫فإن كان في الكونيات فل أحد من خلق ال مكلف في الكونيات‪ ،‬إنما أمره الثاني في اتباع المنهج‬
‫فلنا أن نفهم أنه الختيار‪.‬‬
‫وهكذا نعلم ونفهم معنى هذه الية لتلتقي مع الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها‪ :‬أي وإذا أردنا‬
‫أن نهلك قرية أنزلنا منهجا فأكابرها كانوا أسوة سيئة ففسقوا فيها بعدم إطاعة منهج ال فحق عليها‬
‫سهِ ْم َومَا‬
‫القول فدمرناها تدميرا‪ .‬وكذلك ‪ -‬أيضا ‪ -‬نفهم قوله الحق‪َ } :‬ومَا َي ْمكُرُونَ ِإلّ بِأَ ْنفُ ِ‬
‫شعُرُونَ { لن المكر إنما يريد به الماكر أن يحقق شيئا من طريق ملتوٍ لنه ضعيف ل يمكن أن‬
‫يَ ْ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يواجه الحقائق‪ ،‬وهذه الحقائق تستقبلها الفطرة السليمة‪ ،‬وهو يريد تزييف المسألة على هذه الفطرة‬
‫ل وشهوة موقوتة‪،‬‬
‫لذلك يلتوي‪ .‬ولمثل هذا الماكر نقول‪ :‬أنت تريد أن تحقق لنفسك خيرا عاج ً‬
‫ولكنك إن استحضرت العقوبة التي تنشأ من هذا المر بالنسبة لك‪ .‬وكذلك عقوبتك على أنك‬
‫شعُرُونَ { [النعام‪:‬‬
‫سهِمْ َومَا َي ْ‬
‫أضللت الخرين لرأيت كيف يأتي الشر‪َ } .‬ومَا َي ْمكُرُونَ ِإلّ بِأَ ْنفُ ِ‬
‫‪]123‬‬
‫أي ل يعلمون‪ ،‬لنهم ل يوازنون المور بدقة تؤدي إلى النفع الحقيقي‪.‬‬
‫ويقول الحق بعد ذلك‪ } :‬وَإِذَا جَآءَ ْت ُهمْ آ َيةٌ قَالُواْ‪{ ...‬‬

‫(‪)901 /‬‬
‫ج َعلُ رِسَالَ َتهُ‬
‫سلُ اللّهِ اللّهُ أَعْلَمُ حَ ْيثُ يَ ْ‬
‫وَإِذَا جَاءَ ْتهُمْ آَيَةٌ قَالُوا لَنْ ُن ْؤمِنَ حَتّى ُنؤْتَى مِ ْثلَ مَا أُوتِيَ رُ ُ‬
‫شدِيدٌ ِبمَا كَانُوا َي ْمكُرُونَ (‪)124‬‬
‫صغَارٌ عِ ْندَ اللّ ِه وَعَذَابٌ َ‬
‫سَ ُيصِيبُ الّذِينَ َأجْ َرمُوا َ‬

‫وكأن الية التي أرسلها ال مع رسوله وهي القرآن لتثبت لهم صدقه في البلغ عن ال لم تقنعهم‪،‬‬
‫ولم يكتفوا بها‪ ،‬بل طالبوا بآيات أخرى‪ ،‬فهم قد قالوا‪َ {:‬وقَالُواْ لَن ّن ْؤمِنَ َلكَ حَتّىا َتفْجُرَ لَنَا مِنَ‬
‫سقِطَ‬
‫ل وَعِ َنبٍ فَ ُتفَجّ َر الَ ْنهَارَ خِلَلهَا َتفْجِيرا * َأوْ ُت ْ‬
‫الَ ْرضِ يَنْبُوعا * َأوْ َتكُونَ َلكَ جَنّةٌ مّن نّخِي ٍ‬
‫ع ْمتَ عَلَيْنَا كِسَفا َأوْ تَأْ ِتيَ بِاللّ ِه وَا ْلمَل ِئكَةِ قَبِيلً }[السراء‪]92-90 :‬‬
‫سمَآءَ َكمَا زَ َ‬
‫ال ّ‬
‫هم ل يريدون أن يؤمنوا بل إنهم يدخلون في اللجاج‪ ،‬والتماس سبل الفرار من اليمان؛ لذلك تجد‬
‫أن كل الحجج التي وقفوا بها أمام دعوة الرسول هي أكاذيب؛ فقالوا إنه ساحر يفرق بين المرء‬
‫وزوجه‪ ،‬وبين الولد وأبيه‪ ،‬ويدخل بما جاء به‪ -‬ويزعم أنه من عند ال‪ -‬الفتنة في السرة الواحدة‪.‬‬
‫لكن لماذا لم يتساءلوا‪ :‬مادام قد سحر غيرنا فلماذا لم يسحرنا؟‪ .‬وهل تأبوا هم على السحر؟‪ .‬وهل‬
‫للمسحور رغبة أو خيار مع الساحر؟‪ .‬إنهم في ذلك كاذبون‪.‬‬
‫ثم قالوا‪ :‬إن الرسول صلى ال عليه وسلم شاعر‪ .‬ولو أن أحدا غيرهم قال مثل هذا الكلم لكان‬
‫مقبولً لنه يجهل رسول ال‪ ،‬ولنه ليس من قوم هم أهل فصاحة وأهل بلغة وأهل بيان‪ ،‬إنهم‬
‫يعرفون الشعر‪ ،‬والنثر‪ ،‬والخطابة والكتابة‪ .‬فلو كان هذا المر من غيرهم لكان القول مقبولً‪،‬‬
‫ولذلك نجد منهم من تصفو نفسه يقول‪ :‬وال ما هو بقول كاهن ول بقول شاعر‪ .‬ويطلب الحق‬
‫منهم أل يقولوا رأيا جماهيريا؛ ففي الرأي الجماهيري يختلط ويلتبس الحق بالباطل‪ .‬بل كان يطلب‬
‫ظكُمْ ِبوَاحِ َدةٍ‬
‫منهم أن يكون الكلم محددا بحيث تنسب كل كلمة إلى قائلها فيقول الحق‪ُ {:‬قلْ إِ ّنمَآ أَعِ ُ‬
‫أَن َتقُومُواْ لِلّهِ مَثْنَىا َوفُرَادَىا ُثمّ تَ َت َفكّرُواْ مَا ِبصَاحِ ِبكُمْ مّن جِنّةٍ‪[} ..‬سبأ‪]46 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أي ل تأتوا في أثناء هياج الناس وتتهموا الرسول صلى ال عليه وسلم بالجنون؛ لن قولكم في‬
‫الهياج الجماهيري غير محسوب على أحد لكن المطلوب أن تقوموا ل مثنى أي اثنين اثنين‪ ،‬وكل‬
‫اثنين يقولن‪ :‬هيا بنا نستعرض أمر هذا الرسول ونرى قضاياه‪ :‬أهو كاهن؟‪ .‬أهو ساحر؟‪.‬‬
‫ل منهما يناقش الخر‪ ،‬وحين يجلس اثنان‬
‫أهوشاعر؟ فبين الثنين ل يضيع الحق أبدا لن ك ّ‬
‫للنقاش‪ ،‬إذا انهزم منهما واحد أمام الخر ل يُفضح أمام الغير‪ ،‬لكن حين يتناقش ثلثة أو أربعة‬
‫فكل منهم يخاف أن ينهزم أمام غيره‪ ،‬ونجد كل واحد يدافع عن نفسه‪ .‬ولذلك حين يجلس اثنان‬
‫معا ليتناقشا‪ ،‬ويبحثا أي أمر ل يخشى أحدهما الهزيمة؛ لذلك يأتي المر من ال أن يقوموا ل‬
‫مثنى أو فرادى‪ ،‬ويتذكر كل واحد منهم أمر هذا الرسول‪ :‬أهو مجنون؟‪.‬‬
‫إن أفعال المجنون وأعماله تكون متقطعة غير مستقيمة‪.‬‬
‫ومحمد على خلق عظيم‪ ،‬وهل يقال للمجنون‪ :‬إنه على خلق عظيم؟؛ لن الِنسان منا ل يعرف‬
‫كيف سيقابله المجنون‪ ،‬أيضربه‪ ،‬أيشتمه‪ ،‬أيقطع له ملبسه؟‪ .‬أمّا الخلق العظيم فمعناه الخلق‬
‫المضبوط بالقيم‪ ،‬وخلق رسول ال صلى ال عليه وسلم مضبوط بالقيم حتى صار ملكة وليس أمرًا‬
‫افتعاليّا‪ .‬وحين يقول الناس عن إنسان إن خلقه الكرم أي تأصلت فيه صفة الكرم تأصلً بحيث‬
‫أصبحت تصدر عنه أفعال البذل بيسر وسهولة‪ ،‬وفي أعمال المعاني نسميها خلقا‪ ،‬وفي أعمال‬
‫المادة نسميها آلية‪.‬‬
‫وكلنا يعرف أن الِنسان إن أراد أن يتعلم قيادة سيارة فهو يتعلم قيادة الفعال التي تؤدي إلى سير‬
‫السيارة حتى يكتسب المهارة ويؤديها بيسر وبدون صعوبة‪ ،‬وكذلك الشأن في الخلق حين تصدر‬
‫وعنه الفعال بدُربة ومهارة‪ ،‬ونجد‪ -‬على سبيل المثال‪ -‬من يتعلم الفقه‪ ،‬فيسأله إنسان عن الحكم‬
‫في المر المعين‪ ،‬فيستعرض المر من أوجهه في وقت طويل‪ ،‬لكن من يتدرب يصبح الفقه‬
‫بالنسبة إليه ملكة‪ ،‬فل يتعب في استنباط الحكم‪ .‬كذلك الخلق‪.‬‬
‫ويوضح لهم الحق‪ :‬أنتم تقولون عن الرسول‪ :‬إنه مجنون‪ ،‬فاجلسوا مثنى مثنى أو فرادى وادرسوا‬
‫تصرفاته ستجدون أنها تصرفات منطقية مبنية على خلق كامل مكتمل‪ ،‬وهو سلوك يختلف بالتأكيد‬
‫عن سلوك المجنون؛ لن المجنون ل ضابط له في حركاته ول في سكناته ول فيما يدع‪ .‬وكذلك ل‬
‫يمكن أن يكون شاعرا؛ لنكم أنتم أهل شعر‪ ،‬وكذلك ليس بكاهن؛ فالكهنة قد يستبدلون بآيات ال‬
‫ثمنا قليل‪ ،‬وهو الذي أعلن لكم رفض الملك والثروة والجاه‪ .‬لكنهم قالوا‪ } :‬وَِإذَا جَآءَ ْتهُمْ آيَةٌ قَالُواْ‬
‫سلُ اللّهِ‪[ { ..‬النعام‪]124 :‬‬
‫لَن ّن ْؤمِنَ حَتّىا ُنؤْتَىا مِ ْثلَ مَآ أُوتِيَ رُ ُ‬
‫وقد حدث الوليد بن المغيرة نفسه بذلك‪ ،‬وكان من ناحية السن أسنّ من رسول ال‪ ،‬ومن ناحية‬
‫المال كان غنّيا‪ ،‬ومن ناحية الولد عنده العزوة والولد‪ ،‬وقال‪ :‬لو كانت الرسالة بكل هذه المور‬
‫لكنت أنا أولى بهذا لنني أسنّ ولنني أكثر مالً ولنني أكثر ولدا‪ .‬وهو قد قاسها بمقاييس البشر‪،‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وكأن الوليد لم يكن يعلم أن الرسالة ليست رئاسة‪ ،‬فإذا كنت أنت دون غيرك عندك المال وعندك‬
‫الولد وعندك الزروع وغير ذلك لكنك لست على خلق محمد صلى ال عليه وسلم‪ ،‬الذي فطره‬
‫ال عليه وأعده واصطفاه ليكون رسول‪ ،‬ولكن مع هذا قال بعضهم‪َ {:‬وقَالُواْ َل ْولَ نُ ّزلَ هَـاذَا‬
‫عظِيمٍ }[الزخرف‪]31 :‬‬
‫جلٍ مّنَ ا ْلقَرْيَتَيْنِ َ‬
‫ا ْلقُرْآنُ عَلَىا َر ُ‬
‫ح َمتَ رَ ّبكَ‪[} ..‬الزخرف‪]32 :‬‬
‫سمُونَ رَ ْ‬
‫ولنسمع رد القرآن‪َ {:‬أهُمْ َيقْ ِ‬
‫ويوضح لهم الحق‪ :‬نحن قسمنا بينهم المور الحياتية‪ ،‬لكنكم تريدون تقسيم رحمة ال‪ ،‬وفرق بين‬
‫الرحمة في الرسالت وبين امتداد الحياة بالقوات والمال؛ لن هذه عطاءات ربوبية‪ .‬لكن الرحمة‬
‫هي عطاءات ألوهية‪ ،‬انكم تميزتهم في دنياكم بالمال والبنين والبساتين ل لخصوصية فيكم ولكن‬
‫لن نظام الكون كله إنما يحتاج إلى مواهب متكاملة ل إلى مواهب متكررة‪ ،‬ولو امتلك كل الناس‬
‫مثل ما عندك يا وليد من أرض ومال لما وجدت من يفلح لك الرض‪ ،‬ولما كان عندك من يسرج‬
‫لك الفرس‪.‬‬
‫ولهذا جعل الحق مسألة الثروة دولً‪ ،‬أي يقلب سبحانه هذه المور لتكون متداولة بين الناس؛ تكون‬
‫لهذا في زمن ولخر في وقت وزمن آخر ول تدوم لحد‪.‬‬
‫وحين جاء الناس إلى أبي جهل يحدثونه في الرسالة قال‪ :‬زاحمنا بني عبد مناف في الشرف؛‬
‫أطعموا فأطعمنا‪ ،‬كسوا فكسونا‪ ،‬ذبحوا فذبحنا‪ .‬حتى صرنا كفرسي رهان‪ ،‬قالوا‪ :‬منا نبي يوحى‬
‫إليه وال ل نرضى به ول نتبعه أبدا ال أن يأتينا بوحي كما يأتيه‪ ،‬ومعنى كفرسي رهان‪ ،‬أي‬
‫فحين تنطلق الخيل في السباق في وقت واحد كانوا يدقون عودا في الرض عند نهاية السباق‬
‫ومن يجذبه من الرض يقال له‪ :‬حاز قصب السبق‪ ،‬وعود القصبة هو غاية المشوار‪ ،‬حتى ل‬
‫يقولن أحد لقد سبقني بخطوة أو غير ذلك‪.‬‬
‫وهنا يقول الحق‪ } :‬وَإِذَا جَآءَ ْتهُمْ آيَةٌ {‪.‬‬
‫وانظر إلى كلمة } جَآءَ ْتهُمْ آيَةٌ { ‪ ،‬فمرة يقول‪ {:‬قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مّن رّ ّبكَ }[طه‪ ،]47 :‬ومرة يقول‪} :‬‬
‫جَآءَ ْتهُمْ آ َيةٌ { ‪ ،‬فكأن الية بلغت من وضوحها ومن استقللها ومن ذاتيتها وخصوصيتها أنها‬
‫سلُ اللّهِ‪[ { ..‬النعام‪]124 :‬‬
‫تجيء‪ } .‬قَالُواْ لَن ّن ْؤمِنَ حَتّىا ُنؤْتَىا مِ ْثلَ مَآ أُوتِيَ رُ ُ‬
‫ج َعلُ ِرسَالَتَهُ {؛ لن‬
‫ويقول ال لهم ردا عليهم‪ :‬ل تقترحوا ذلك على ال؛ لن } اللّهُ أَعَْلمُ حَ ْيثُ َي ْ‬
‫الرسالة إنما تجيء لتنشر خيرا في الجميع‪ ،‬ولكنها تعف نفسها عن آثار النتفاع من ذلك الخير‪.‬‬
‫والغير يريد أن تأتي له الخير ثم يترك بعضا من الخير للناس‪ .‬والرسول قد جاء لينشر خيره‬
‫للخرين‪ ،‬وهو نفسه ل ينال من هذا الخير إل البلغ به‪ .‬ويأمر سيدنا رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم قبل أن يموت أل يأخذ أهله الزكاة‪ ،‬أمّا ما تركه فقد صار صدقة للناس‪ ،‬أي أنه لم ينتفع به‬
‫في الدنيا؛ لذلك هو مأمون على الرسالة‪ ،‬ولم يردُ أن يأخذ الدنيا ليرثها أهله من بعده‪ .‬وقد أراده‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ال كذلك ليكون خيره لكل الناس‪ .‬فالرسالة تكليف‪ ،‬والنبوة ليس جزاؤها هنا‪ ،‬بل من عظمة‬
‫الجزاء أنه في الخرة‪ " ،‬ولذلك حينما جاء الرسول صلى ال عليه وسلم في بيعة العقبة وقالوا‪:‬‬
‫اشترط لنفسك‪ .‬قال‪ :‬تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وتعملون كذا وتعملون كذا‪" .‬‬
‫قالوا له‪ :‬فما لنا؟ أنت اشترطت لنفسك‪ ،‬فما لنا إن نحن وفينا؟‪ .‬ماذا قال الرسول صلى ال عليه‬
‫وسلم؟‪ .‬قال‪ :‬لكم الجنة‪ .‬هذا هو الثمن الذي عنده‪ ،‬فمن يريد الجنة يأتي إلى اليمان‪ ،‬ومن يريد ما‬
‫هو دون الجنة فليس مكانه مع أهل اليمان‪ .‬مع أنه قال لهم فيما بعد ستركبون السفن وتفرشون‬
‫الزرابي والوسائد وتجلسون عليها‪ ،‬وبشرهم بالكثير‪ ،‬لكنه لم يقل لهم ذلك من البداية لن من‬
‫هؤلء من ل يدرك خيرا في الدنيا مع السلم؛ بل يموت والسلم ضعيف واتباعه في قلة‪ ،‬لذلك‬
‫أعطاهم الجزاء المضمون لهم جميعا حين قالوا له‪ :‬ماذا إن نحن َوفّيْنا؟‪.‬‬
‫قال‪ :‬لكم الجنة‪ .‬وكأنه صلى ال عليه وسلم يعلمهم أن الدنيا أهون من أن تكون جزا ًء على العمل‬
‫الصالح‪ ،‬فجزاء العمل الصالح خالد ل يفوتك ول تفوته‪ } .‬وَإِذَا جَآءَ ْتهُمْ آ َيةٌ قَالُواْ لَن ّن ْؤمِنَ‪..‬‬
‫{ [النعام‪]124 :‬‬
‫وحين نتأمل قولهم‪ } :‬لَن ّن ْؤمِنَ { نجد أن في هذا القول إصرارا على عدم اليمان‪ ،‬أي لن نؤمن‬
‫حتى في المستقبل إنهم تحكموا في المستقبل‪ .‬ثم يفضحهم ال فيموت بعضهم على الكفر‪ ،‬ومن بقي‬
‫منهم يأتون مؤمنين بعد الفتح‪ .‬ومن العجيب أن العبارة التي ينطقون بها هي عبارة مهزوزة ل‬
‫تستقيم مع منطق الكفر منهم‪ ،‬قالوا‪ :‬لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل ال‪ ،‬كأنهم قد عرفوا‬
‫أن هناك رسل من ال‪ ،‬والصل في الية أن يؤمنوا برسل ال ورسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫خاتم الرسل‪ ،‬وهذا القول يدل على مجرد المعارضة المقترنة بالغباء‪ ،‬فما دمتم تعرفون أن ل‬
‫رسلً يصطفيهم‪ ،‬فكيف تحاولون أنتم تحديد إرادة ال في الختيار؟‪.‬‬
‫إن رسل ال كانت لهم آيات كونية‪ ،‬حسية مرئية‪ ،‬وهي وإن كانت فيها قوة المشهد الملزم‪ ،‬إل إنه‬
‫ل ديمومة لها‪ ،‬فمن رأى سيدنا موسى وهو يضرب البحر فينفلق لن يكذب هذه الية الكونية‪ ،‬إل‬
‫أنها أصبحت خبرا والخبر مناسب لمحدودية رسالة موسى‪ ،‬كذلك رسالة عيسى عليه السلم حيث‬
‫أبرأ الكمة والبرص بإذن ال‪ .‬وهذه الرسالت لزمن محدود وفي قوم محدودين‪ ،‬لكن الرسول‬
‫صلى ال عليه وسلم جاء ومعه المنهج المعجزة الباقي إلى قيام الساعة‪ ،‬فإن كانت المعجزة حسيّة‬
‫فلن يراها إلى أن تقوم الساعة‪ .‬فل بد له من آية باقية إلى قيام الساعة؛ لذلك كانت الية في‬
‫المعنويات والعقليات التي ل تختلف فيها المم ول تختلف فيها الزمان‪ ،‬لكنهم أرادوا معجزة‬
‫حسية‪ ،‬وأخرى عقلية‪ ،‬حتى إذا جاءت واحدة فقط أنكروا الثانية‪ ،‬فحسم الحق المر وقال‪ } :‬اللّهُ‬
‫ج َعلُ رِسَالَتَه {‪.‬‬
‫أَعْلَمُ حَ ْيثُ يَ ْ‬
‫ج َعلُ ِرسَالَتَهُ { ‪ ،‬فكلمة } أَعْلَمُ { تدل على أنه قد يمكّن ال‬
‫ولو نظروا إلى كلمة } اللّهُ أَعَْلمُ حَ ْيثُ َي ْ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫بعضا من خلقه ليعلموا لماذا اختار ال محمدا صلى ال عليه وسلم؛ لن الذين واجههم صلى ال‬
‫عليه وسلم بأمر الدعوة‪ ،‬هل انتظروا منه أن تكون له آية أو معجزة‪ ،‬أو آمنوا به بمجرد‬
‫الخبار؟‪ .‬لقد آمنوا بمجرد الخبار؛ لن تجربتهم معه أكدت أنه صادق وأمين على خبر الرض‪،‬‬
‫ولبد أن يكون مأمونا على خبر السماء؛ لنه لم يكذب عليهم في أمر الرض‪ ،‬فكيف يكذب في‬
‫أمر السماء؟‬
‫إننا نجد أن سيدنا أبا بكر‪ ،‬بمجرد أن علم بأمر الرسالة قال‪ :‬صدقت‪ ،‬وسيدتنا خديجة صدقته من‬
‫فور أن قال‪ ،‬وأخذت صدق بلغه من مقدمات حياته‪ ،‬وقالت أول استنباط فقهي في السلم‪.‬‬
‫وكذا ذلك لسيدتنا أم المؤمنين خديجة قبل أن يعرف الفقه بمعناه الصطلحي الحديث‪ ،‬مما يدل‬
‫على أن الستنباطات للدلة هي استنباطات للعقل الفطري السليم البعيد عن الهواء‪ .‬إنه يقدر أن‬
‫يستقرئ المر ولبد أن يهتدي‪ ،‬فحين أعلن لها أنه خائف أن يكون الذي أصابه مرض أو مسٌ‬
‫من الجن رفضت ذلك لنه يصل الرحم‪ ،‬ويحمل الكلّ‪ ،‬ويعين على نوائب الدهر‪ ،‬وقال له‪ :‬وال ل‬
‫يخزيك ال أبدا‪.‬‬
‫إذن فقد جاءت بالمقدمات التي ترشح أن ربنا ل يمكن أن يخذله‪ ،‬وكل المقدمات مفاخر‪ ،‬كلها خلق‬
‫عظيم‪ ،‬وكلها التقاءات إنسانية قبل أن يأتي منهج السماء‪ ،‬التقاءات إنسانية بالفطرة دون تقدير أو‬
‫تدبير‪ ،‬وكان هذا أول استنباط فقهي في السلم‪ .‬ولذلك نعرف السر لماذا جعل ال لرسوله أم‬
‫المؤمنين خديجة أو زوجة له؟ لنه ستمر به فترة ل يحتاج فيها إلى زوجة فقط‪ .‬بل إلى ناضجة‪،‬‬
‫ذلك النضج الكامل الذي تستقبل به مسائل النبوة‪ ،‬ولذلك حين يخرج إلى الغار تأتي له حكمة‬
‫خديجة في الستنباط قبل أن يوجد فقه السلم؟‬
‫ج َعلُ ِرسَالَتَه {؟‪ ،‬وهم قد أصروا على أل يعلموا على الرغم من أنهم وجدوا منه‬
‫} اللّهُ أَعَْلمُ حَ ْيثُ َي ْ‬
‫صغَارٌ عِندَ اللّهِ‬
‫خصالً وأشياءً حكموا بوجودها فيه وأنها صفات رسول‪ } .‬سَ ُيصِيبُ الّذِينَ َأجْ َرمُواْ َ‬
‫{ [النعام‪]124 :‬‬
‫هنا نجد فجوة انتقالية في الداء‪ ،‬فمن قبل يتحدث سبحانه عمن يظنون أنهم كبار‪ ،‬فيأتي ليقول‪ :‬إن‬
‫الصّغار سيصيبهم‪ ،‬وليس معنى الصغار الذل والهوان لدى الناس‪ ،‬ل‪ ،‬بل صغار وذل وهوان عند‬
‫نفس كل منهم ذاتيّا‪ ،‬فكل منهم سيشعر بالذل أمام نفسه ويستصغر نفسه‪ .‬كأن الصغار منسوبا إلى‬
‫عندية ال فهو ل يزول أبدا؛ لنه ل توجد قوة ثانية تقول ل إن قدرك لن يتحقق‪ .‬فالصغار والذل‬
‫والهوان سينزل بهم هم مع كونهم أكابر المجرمين فلن يستطيعوا دفعه عن أنفسهم‪ ،‬وسيصيبهم مع‬
‫ذلك عذاب شديد‪.‬‬
‫لماذا العذاب الشديد؟‬
‫لقد قلنا من قبل‪ :‬إن العذاب يوصف مرة بأنه أليم‪ ،‬ويوصف مرة أخرى بأنه مهين‪ ،‬ويوصف هنا‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫بأنه شديد‪ .‬والعذاب المهين الذي تكون فيه ذلة النفس‪ .‬والعذاب الليم الذي يكون في البنية؛ لن‬
‫الِنسان له بنية وله معنويات قيمية‪ ،‬فمن ناحية البنية يصيبه العذاب‪ ،‬ومن ناحية المعاني النفسية‬
‫تصيبه الِهانة‪ ،‬فهناك من يتعذب لكنك ل تملك أن تهينه ويتحمل المشقة برجولة‪ ،‬ومهما تلقى من‬
‫الِهانة فل تزال نفسه كريمة عليه‪ ،‬مصدقا لقول الشاعر‪:‬‬
‫وتجلدي للشامتين أريهمو أني لريب الدهر ل أتضعضعُلذلك ينزل قدر ال بالعذاب على نوعين‪:‬‬
‫عذاب بنية وعذاب قيم‪ ،‬وهذا هو الصغار‪ ،‬والعذاب الشديد‪ ،‬وهو الذي ل يقوى الِنسان على‬
‫تحمله‪ ،‬ولم يُنزل الحق العذاب بهؤلء جزافا‪ ،‬لكنه بسبب ما كانوا يمكرون‪ ،‬فسبحانه هو القائل‪:‬‬
‫سهُمْ يَظِْلمُونَ }[النحل‪]118 :‬‬
‫ظَلمْنَاهُ ْم وَلَـاكِن كَانُواْ أَ ْنفُ َ‬
‫{ َومَا َ‬
‫والحق سبحانه وتعالى حينما عرض هذه القضية عرضها ليبين لنا أنه لم يرغم بقدره خلقا من‬
‫خلقه على مسائل الختيار في التكليف بل أوجد ذلك في إطار‪َ {:‬فمَن شَآءَ فَلْ ُي ْؤمِن َومَن شَآءَ‬
‫فَلْ َي ْكفُرْ‪[} ..‬الكهف‪]29 :‬‬
‫ولكن الرغام من الحق جاء للمور القهرية القدرية الكونية الخارجة عن نطاق التكليف‪ ،‬أما أمر‬
‫صغَارٌ عِندَ اللّهِ‬
‫التكليف فال سبحانه وتعالى قال فيمن يرفضون الطاعة‪ } :‬سَ ُيصِيبُ الّذِينَ أَجْ َرمُو ْا َ‬
‫وَعَذَابٌ شَدِيدٌ { وسبحانه قد أوضح لنا‪ :‬نحن لم نجعل ذلك قهرا منا لهم دون عمل عملوه باختياره‬
‫بل إن العذاب والصغار كانا جزاءً لمكرهم‪.‬‬
‫ثم يأتي الحق سبحانه وتعالى لنا بقضية يقع فيها الجدل التبريري لبعض الناس الذين أسرفوا على‬
‫أنفسهم‪ ،‬ويريدون أن يجعلوا إسرافهم على أنفسهم في الذنوب خاضعا لن ال أراد منهم ذلك؛‬
‫فيقول سبحانه‪َ } :‬فمَن يُ ِردِ اللّهُ أَن َيهْدِ َيهُ‪{ ..‬‬

‫(‪)902 /‬‬
‫ل صَدْ َر ُه ضَ ّيقًا حَ َرجًا كَأَ ّنمَا‬
‫ج َع ْ‬
‫صدْ َرهُ لِلْإِسْلَا ِم َومَنْ يُرِدْ أَنْ ُيضِلّهُ يَ ْ‬
‫ح َ‬
‫َفمَنْ يُرِدِ اللّهُ أَنْ يَهدِ َيهُ يَشْرَ ْ‬
‫ج َعلُ اللّهُ الرّجْسَ عَلَى الّذِينَ لَا ُي ْؤمِنُونَ (‪)125‬‬
‫سمَاءِ َكذَِلكَ يَ ْ‬
‫صعّدُ فِي ال ّ‬
‫َي ّ‬

‫نجد من يقول إن ربنا حين يريد لنسان أن يشرح صدره للسلم فذلك من إرادة ال وما ذنب‬
‫المكلف إذن؟‪.‬‬
‫وللرد على هذا نقول‪ :‬لقد عرفنا من قبل أن الهداية لها معنيان‪ :‬المعنى الول‪ :‬الدللة وهي أمر‬
‫وارد وواجب حتى للكافر‪ .‬فإن هُدى ال للكافر أن يدلّه إلى طريق الخير‪ ،‬ولكن هناك هداية من‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫نوع آخر وهي للذي آمن‪ ،‬ويصبح أهلً لمعونة ال بأن يخفف عنه أعباء التكاليف وييسرها له‬
‫ويجعله يعشق كل الوامر ويعشق البغض والتجافي عن كل النواهي‪.‬‬
‫يقول بعض الصالحين‪ " :‬اللهم إني أخاف أل تثيبني على طاعة‪ ،‬لني أصبحت أشتهيها " كأنه‬
‫عشق الطاعة بحيث لم يعد فيها مشقة أو تكليقا‪ ،‬لذلك فهو خائف‪ ،‬وكأنه قد فهم أنه لبد ان توجد‬
‫مشقة‪ ،‬ولمثل هذا لنسان الصالح نقول‪ :‬لقد فقدت الحساس بمشقة التكليف لنك عشقته فألفت‬
‫العبادة كما ألفتك وعشقتك‪ ،‬وحدث النجذاب بينك وبين الطاعة‪ ،‬وجعلت رسول ال مثلً لك‬
‫وقدوة‪ ،‬فقد كان صلى ال عليه وسلم يرى أنه إذا نودي إلى الصلة يقوم الناس إليها كسالى لكنه "‬
‫صلى ال عليه وسلم يقول لبلل حينما يأتي وقت الصلة‪:‬أرحنا بها يا بلل "‪.‬‬
‫وهذا غير ما يقوله بعض ممن يؤدون الصلة الن حيث يقول الواحد منهم‪ :‬هيا نصل لنزيحها من‬
‫على ظهورنا‪ ،‬وهؤلء يؤدونها بالتكليف ل بالمحبة والعشق‪ .‬أما الذين ألفوا الراحة بالصلة حينما‬
‫يحزبهم ويشتد عليهم أمر خارج عن نطاق أسبابهم‪ ،‬ويقول الواحد منهم‪ :‬مادامت الصلة تريح‬
‫القلب‪ ،‬فلذهب إليها وألقى ربي زائدا على أمر تكليفه لى متقربا إليه بالنوافل‪ ،‬ولذلك كان رسول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم إذا حزبه أمر قام إلى الصلة‪ .‬ومعنى حزبه أن السباب البشرية ل‬
‫تنهض به‪ .‬فيقوم إلى الصلة‪ ،‬وهذا أمر منطقي‪ ،‬ل المثل العلى‪.‬‬
‫كان النسان منا وهو طفل إذا ما ضايقه أمر يذهب إلى أبيه‪ ،‬فما بالنا إذا ما ضايقنا أمر فوق‬
‫السباب المعطاة لنا من ال فلمن نروح؟ إننا نلجأ لربنا ولقد كان صلى ال عليه وسلم إذا حزبه‬
‫أمر قام إلى الصلة‪.‬‬
‫إذن فعشق التكليف شيء يدل على أنك ذقت حلوة الطاعة‪ ،‬وقد يجوز أنه شاق عليك؛ لنه‬
‫يخرجك أولً عما ألفت من العتياد‪ .‬فعندما يأتيك أمر فيه مشقة تقول‪ :‬إن هذه المشقة إنما يريد‬
‫بها لي حسن الجزاء‪ ،‬فإذا ما عشقت الصلة صارت حبًا لك‪ ،‬وكان واحد من الصالحين ‪ -‬كما‬
‫قلت ‪ -‬يخاف أل يثاب على الصلة لنها أصبحت شهوة نفس‪،‬ـ والنسان مطالب بأن يحارب‬
‫نفسه في شهواتها لكن رسول ال صلى ال عليه وسلم وضع لنا المثل فقال‪:‬‬
‫" ل يؤمن أحدكم حتى يصبح هواه تبعا لما جئت به " أي يصبح ما يشتهيه موافقا لمنهج ال‪ ،‬فإذا‬
‫وصل وانتهى المؤمن إلى هذه المنزلة فهو نعم العبد السوي‪.‬‬
‫وهكذا عرفنا أن الهداية قسمان‪ :‬هداية بمعنى الدللة‪ ،‬وهداية بمعنى المعونة‪.‬‬
‫فإذا ما اقتعنت بهداية الدللة وآمنت بالحق فسبحانه يخفف عليك أمور التكليف ويجعلك عاشقا لها‪،‬‬
‫ولذلك يقول أهل الصلح‪ :‬ربنا قد فرض علينا خمس صلوات‪ ،‬وسبحانه يستحق منا الوقوف بين‬
‫يديه أكثر من خمس مرات‪ ،‬وفرض علينا ربنا نصاب الزكاة وهو اثنان ونصف بالمائة‪ ،‬وسبحانه‬
‫يستحق منا أكثر من ذلك لنه واهب كل شيء‪ ،‬وهذا عشق التكليف‪ ،‬وهذا هو معنى قوله‪َ } :‬فمَن‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يُرِدِ اللّهُ أَن َي ْهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْ َرهُ لِلِسْلَمِ {‪.‬‬
‫} َفمَن يُ ِردِ اللّهُ أَن َيهْدِيَهُ { أي يدلّه سبحانه كما دل كل العباد إلى المنهج‪ ،‬لكن الذي اقتنع بالدللة‬
‫وآمن يسهل عليه تبعات التكليف مصداقا لقوله الحق‪ {:‬وَيَزِيدُ اللّهُ الّذِينَ اهْتَدَواْ ُهدًى وَالْبَاقِيَاتُ‬
‫الصّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَ ّبكَ َثوَابا وَخَيْرٌ مّرَدّا }[مريم‪]76 :‬‬
‫فهذه هداية المعونة‪ ،‬وفيه فرق هنا بين الِسلم والِيمان لن الِيمان ل يحتاج فقط إلى العتقاد؛‬
‫إنما هو حمل النفس على مطلوبات الِيمان‪ .‬ولذلك نجد أن كبار رجال قريش رفضوا أن يقولوا‪" :‬‬
‫ل إله إل ال "؛ لنهم علموا أنها ليست مجرد كلمة تقال‪ ،‬ولكن لها مطلوبات تتعب في التكاليف‬
‫الناتجة عنها بـ " افعل " و " ل تفعل "‪ .‬فالتكليف يقول لك‪ " :‬افعل " لشيء هو صعب عليك‪،‬‬
‫ويقول لك‪ " :‬ل تفعل " في شيء من الصعب أن تتركه‪ ،‬لذلك يقول سبحانه‪َ } :‬فمَن يُرِدِ اللّهُ أَن‬
‫لسْلَمِ { [النعام‪]125 :‬‬
‫ح صَدْ َرهُ لِ ِ‬
‫َيهْدِيَهُ َيشْرَ ْ‬
‫وسبحانه يشرح صدره للِسلم بعد أن علم أنه قد اعتقد شريعة التوحيد ورضيها واطمأن بها‪،‬‬
‫فيأتي إلى فهم التكاليف؛ لن صحيح الِسلم يقتضي النقياد لمور التكاليف‪ ،‬فمن أخذ الهداية‬
‫الولى وآمن بربه‪ ،‬يوضح له سبحانه‪ :‬آمنت بي وجئتني؛ لذلك أخفف عنك تبعات العمل‪ ،‬ويشرح‬
‫ك صَدْ َركَ }‬
‫صدره للِسلم‪ ،‬وشرح الصدر قد يكون جزاءً‪ .‬فسبحانه هو القائل‪ {:‬أَلَمْ َنشْرَحْ َل َ‬
‫[الشرح‪]1 :‬‬
‫فقد جازاه ربنا بذلك؛ لنه أدّى ما عليه وصمد‪ .‬كأن ال يريد بالِيمان من المؤمن أن يقبل على‬
‫الحق‪ ،‬وحينما يقبل على الحق‪ ،‬يبحث العبد ليتعرف على المراد والمطلوب منه فيعلم أنها‬
‫التكاليف‪ ،‬فإذا رأى ال منك الستعداد المتميز لقبول التكاليف‪ ،‬فإنّه يخففها عنك ل بالتقليل منها‪،‬‬
‫ولكن بأن يجعلك تشتهيها‪ ،‬وقد تلزم نفسك بأشياء فوق ما كلفك ال؛ لتكون من أهل المودة ومن‬
‫أهل التجليات ومن الذين يدخلون مع ال في ود‪ ،‬وتلتفت لنفسك وأنت تقول‪ :‬لقد كلفني ال بالقليل‬
‫وسبحانه يستحق الكثير‪ .‬فتزيد من طاعتك وتجد أمامك دائما الحديث القدسي‪.‬‬
‫" من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب‪ ،‬وما تقرب إلى عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه‪،‬‬
‫ول يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه‪ ،‬فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به‪ ،‬وبصره‬
‫الذي يبصر به‪ ،‬ويده التي يبطش بها‪ ،‬ورجله التي يمشي بها‪" .‬‬
‫أي بالمور التي تزيد على ما كلفه في الصلة والزكاة والصيام والحج‪.‬‬
‫لسْلَمِ { أي يجعل المور التي يظن بعض من‬
‫ح صَدْ َرهُ لِ ِ‬
‫إذن فمعنى } َفمَن يُ ِردِ اللّهُ أَن َيهْدِيَهُ يَشْرَ ْ‬
‫الناس أنها متعبة فإنه بإقباله عليها وعشقه لها يجدها مريحة ويقبل عليها بشوق وخشوع‪ .‬ولذلك‬
‫فالحق سبحانه وتعالى يترك في خلقه مُثُلً للناس‪ .‬فنجد المال عزيزا على النفس حريصة عليه‬
‫لنه إن كان المال قد جاء بطريق شرعه ال وأحله فهو يأتي بتعب وبكدّ؛ لذلك يحرص عليه‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الِنسان‪ ،‬فيحنن ال العبد من أجل البذل والعطاء‪.‬‬
‫إننا نجد المؤمن يعطي للسائل لن السائل هو الجسر الذي يسير عليه المسلم إلى الثواب من ال‪،‬‬
‫فيقول العبد المؤمن للسائل‪ :‬مرحبا بمن جاء ليحمل زادي إلى الخرة بغير أجرة‪ ،‬ولذلك عندما‬
‫جاء مسلم إلى الِمام عليّ‪ -‬رضي ال عنه وكرّم ال وجهه‪ ،-‬قال المسلم‪ :‬أنا أريد أن أعرف أأنا‬
‫من أهل الدنيا أم من أهل الخرة؟ واختار المام عليّ مقياسا للِيمان في نفس كل مؤمن‪ ،‬وقال له‪:‬‬
‫إن جاءك من يطلب منك‪ ،‬وجاء من يعطيك‪ ،‬فإن كنت تهش لمن يعطيك فأنت من أهل الدنيا‪ ،‬وإن‬
‫كنت تهش لمن يأخذ منك فأنت من أهل الخرة؛ لن النسان يحب من يعمر له ما يحب‪.‬‬
‫إذن فـ " يشرح صدره للسلم " أي يخفف عنه متاعب التكليف بحيث ل توجد مشقة‪ ،‬ثم يرتقي‬
‫بعد ذلك ارتقاءًَ آخر بأن يعشقه في التكليف‪ .‬ويهديه ال إلى طريق الجنة‪ ،‬لن هناك هداية إلى‬
‫المنهج وهداية إلى الجزاء على المنهج‪ ،‬ولذلك نجد القرآن يقول؛ عمن ضلوا‪ {:‬إِنّ الّذِينَ َكفَرُواْ‬
‫جهَنّمَ خَاِلدِينَ فِيهَآ أَبَدا َوكَانَ ذاِلكَ‬
‫وَظََلمُواْ لَمْ َيكُنِ اللّهُ لِ َي ْغفِرَ َلهُ ْم َولَ لِ َيهْدِ َيهُمْ طَرِيقا * ِإلّ طَرِيقَ َ‬
‫عَلَى اللّهِ َيسِيرا }[النساء‪]169-168 :‬‬
‫كأن هناك هداية إلى العمل وهداية إلى الجزاء‪ ،‬ونجد الحق يقول‪ {:‬وَالّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَلَن‬
‫عمَاَل ُهمْ * سَ َيهْدِي ِه ْم وَ ُيصْلِحُ بَاَلهُمْ * وَيُ ْدخُِلهُمُ ا ْلجَنّةَ عَ ّر َفهَا َل ُهمْ }[محمد‪]6-4 :‬‬
‫ضلّ أَ ْ‬
‫ُي ِ‬
‫وقد يتساءل إنسان‪ :‬كيف يهدي ال من قتل‪ ،‬وهل هناك تكليف بعد القتل؟‪ .‬نقول‪ :‬انظر إلى‬
‫الهداية‪ ،‬إنها هداية الجزاء " سيهديهم ويصلح بالهم ويدخلهم الجنة عرفها لهم "‪.‬‬
‫وهكذا نعرف أن هناك هداية الجزاء‪ ،‬من يحسن العمل يُجزِه ال الجنة‪ ،‬أما من يسيء فله عذاب‬
‫سمَآءِ كَذاِلكَ‬
‫صعّدُ فِي ال ّ‬
‫ج َعلْ صَدْ َر ُه ضَيّقا حَرَجا كَأَ ّنمَا َي ّ‬
‫في الدنيا والخرة‪َ } .‬ومَن يُ ِردْ أَن ُيضِلّهُ َي ْ‬
‫ن لَ ُي ْؤمِنُونَ { [النعام‪]125 :‬‬
‫ج َعلُ اللّهُ الرّجْسَ عَلَى الّذِي َ‬
‫يَ ْ‬
‫وهل هذا تجن من ال على خلقه؟ ل‪ ،‬لنه مادام دعاهم لليمان فآمن بعضهم وصاروا أهلً‬
‫للتجليات‪ ،‬وكفر بعضهم فلم يؤمنوا‪ ،‬فصاروا أهلً للحرج وضيق الصدر‪.‬‬
‫ومعنى الضيق أن الشيء يكون حجمه أقل مما يؤدي به مهمته‪ ،‬فحين يقال‪ :‬ضاق البيت بي‬
‫وبعيالي‪ ،‬فهذا يعني أن الرجل وزوجه في البداية عاشا في غرفتين‪ ،‬وكان البيت متسعا‪ .‬ثم انجبا‬
‫عيالً كثيرة فضاق بهم البيت‪ .‬وهكذا نعلم أنه لم يطرأ شيء على الجدران ومساحة البيت‪ ،‬لكن‬
‫حين زاد عدد الفراد شعر رب السرة بضيق المنزل‪ .‬ويقال‪ :‬صدره ضيّق أوضيْق فقد ورد في‬
‫القرآن لفظ ضيق على لغتين‪ :‬فالحق يقول‪َ .. {:‬ولَ َتكُ فِي ضَيْقٍ ّممّا َي ْمكُرُونَ }[النحل‪]127 :‬‬
‫وهناك في الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها توجد كلمة ضَيّق‪ ،‬والحق يقول‪ {:‬فََلعَّلكَ تَا ِركٌ‬
‫صدْ ُركَ‪[} ..‬هود‪]12 :‬‬
‫ك َوضَآئِقٌ بِ ِه َ‬
‫َب ْعضَ مَا يُوحَىا إِلَ ْي َ‬
‫فما المراد من " ضائق " ‪ ،‬و " ضيَق " ‪ ،‬و " ضيْق "؟‪ .‬نعرف أن الصدر هو مكان الجارحتين‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الساسيتين في التكوين‪ :‬القلب والرئة‪ ،‬والرئة هي الجارحة التي ل تستمر الحياة ال بعملها؛ فقد‬
‫تبطئ المعاء مثل‪ ،‬أو تتوقف قليل عن عملها‪ ،‬ويتغذى النسان على خزينته من الدهن أو اللحم‬
‫ولذلك يصبر النسان على الجوع مدة طويلة‪ ،‬ويصبر على الماء مدة أقل‪ ،‬لكنه ل يصبر على‬
‫افتقاد الهواء لدقائق‪ ،‬ول صبر لحد على ترك الشهيق والزفير‪.‬‬
‫ك بعضا قوت بعض‪ .‬وأقل منه أن يملّك بعضا‬
‫ولقد قلنا من قبل‪ :‬إن الحق سبحانه وتعالى قد يمل ّ‬
‫ماء بعض‪ ،‬لكن أيملّك أحدا هواء أحد؟ ل؛ لن الرضا والغضب أغيار في النفس البشرية‪ .‬فإذا‬
‫غضب إنسان على إنسان‪ ،‬وكان يملك الهواء وحبسه عنه فالنسان يموت قبل أن يرضى عنه هذا‬
‫الخر‪ ،‬ولذلك لم يملّك ال الهواء لحد من خلقه أبدا‪.‬‬
‫ج َعلْ صَدْ َرهُ ضَيّقا حَرَجا { نعلم عنها أن الصدر هو محل‬
‫إذن كل المسألة المتعلقة بقوله‪َ } :‬ي ْ‬
‫التنفس‪ ،‬والرئة تأخذ الوكسجين وتطرد ثاني أوكسيد الكربون‪ ،‬وعندما يصاب النسان بنوبة برد‬
‫نراه وهو يجد صعوبة في التنفس‪ ،‬كأن حيّز الصدر صار ضيقا‪ ،‬فل يدخل الهواء الكافي لتشغيل‬
‫الرئتين‪ ،‬ويحاول النسان أن يعوض بالحركة ما فاته فينهج‪ .‬ويشخص الطباء ذلك بأن المريض‬
‫يريد أن يأخذ ما يحتاجه إليه من الهواء فينهج؛ لن الحيّز قد ضاق‪ ،‬وكذلك عندما يصعد النسان‬
‫سلما‪ ،‬ينهج أيضا؛ لن الصعود يحتاج إلى مجهود‪ ،‬لمعاندة جاذبية الرض‪ ،‬فالرض لها جاذبية‬
‫تشد النسان‪ ،‬ومن يصعد إنما يحتاج إلى قوة ليتحرك إلى أعلى ويقاوم الجاذبية‪.‬‬
‫إننا نجد نزول السلم مريحا؛ لن في النزول مساعدة للجاذبية‪ ،‬لكن الصعود يحتاج إلى جهد أكثر‪،‬‬
‫فإذا ضاق الصدر فمعنى ذلك أن حيز الصدر لم يعد قادرا على أن يأخذ الهواء بالتنفس بطريقة‬
‫تريح الجسم‪ ،‬ولذلك يقال‪ " :‬فلن صدره ضيق " أي أن التنفس يجهده إجهادا بحيث يحتاج إلى‬
‫هواء أكثر من الحجم الذي يسعه صدره‪.‬‬
‫ج َعلْ صَدْ َرهُ ضَيّقا حَرَجا { والحرج معناه الحجز عن الفعل‪ ،‬كأن نقول‬
‫} ومَن يُرِدْ أَن ُيضِلّهُ َي ْ‬
‫حرًّجت على فلن أن يفعل كذا‪ ،‬أي ضيقت عليه ومنعته من أن يؤدي هذا العمل‪ " .‬كأنما يصعّد‬
‫في السماء "‪.‬‬
‫وعلمنا أن الصعود لعلى هو امتداد لفعل الجسم إلى جهة من جهاته‪ .‬فالجهات التي تحيط بأي‬
‫شيء ست‪ :‬هي فوق وتحت‪ ،‬ويمين‪ ،‬شمال‪ ،‬وأمام‪ ،‬وخلف‪ ،‬وعرفنا أن الهبوط سهل؛ لن الجاذبية‬
‫تساعد عليه‪ ،‬والمشي ماذا يعني؟ المشي إلى يمين أو إلى شمال أو إلى أمام أو إلى خلف‪ ،‬فهو‬
‫فعل في الستواء العادي الظاهر‪ ،‬والذي يتعب هو أن يصعد النسان‪ ،‬لنه سيعاند الجاذبية‪ ،‬وهو‬
‫بذلك يحتاج إلى قوتين‪ :‬قوة للفعل في ذاته‪ ،‬والقوة الثانية لمعاندة الجاذبية‪.‬‬
‫سمَآءِ { وذلك بسبب مشقات‬
‫صعّدُ فِي ال ّ‬
‫ج َعلْ صَدْ َرهُ ضَيّقا حَرَجا كَأَ ّنمَا َي ّ‬
‫} َومَن يُرِدْ أَن ُيضِلّهُ َي ْ‬
‫التكليف؛ لنه لم يدخلها بعشق‪ ،‬فل يدخل إلى مشقات التكليف بعشق إل المؤمن فهو الذي يستقبل‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫هذه التكاليف بشرح صدر وانبساط نفس وتذكر بما يكون له من الجزاء على هذا العمل‪ ،‬والذي‬
‫يسهل مشقة العمال حلوة تصور الجزاء عليها؛ فالذي يجتهد في دروسه إنما يستحضر في ذهنه‬
‫ل وفي أهله‪ .‬أما الذي ل يستحضر نتائج ما يفعل‬
‫لذة النجاح وآثار هذا النجاح في نفسه مستقب ً‬
‫سمَآءِ‪..‬‬
‫صعّدُ فِي ال ّ‬
‫صدْ َر ُه ضَيّقا حَرَجا كَأَ ّنمَا َي ّ‬
‫ج َعلْ َ‬
‫فيكون العمل شاقا عليه‪ } .‬ومَن يُ ِردْ أَن ُيضِلّهُ َي ْ‬
‫{ [النعام‪]125 :‬‬
‫والسماء هي كل ما علك فأظلك‪ ،‬فالجو الذي يعلوك هو سماء‪ ،‬وكذلك السحابة‪ ،‬وأوضح لنا ربنا‬
‫أنه أقام السماوات السبع‪ ،‬وهنا أراد بعض العلماء الذين يحبون أن يظهروا آيات القرآن كمعجزات‬
‫كونية إلى أن تقوم الساعة‪ ،‬أرادوا أن يأخذوا من هذا القول دليلً جديدا على صدق القرآن‪،‬‬
‫وتساءلوا‪ :‬من الذي كان يدرك أن الذي يصعد في الجو يتعب ويحتاج إلى مجهودين‪ :‬الول للعمل‬
‫والثاني لمناهضة الجاذبية ولذلك يضيق صدره لنه ل يجد الهواء الكافي لمداده بطاقة تولد‬
‫وقودا‪.‬‬
‫ونقول لهؤلء العلماء‪ :‬ل يوجد ما يمنع استنباط ما يتفق في القضية الكونية مع القضية القرآنية‬
‫بصدق‪ ،‬ولكن لنحبس شهوتنا في أن نربط القرآن بكل أحداث الكون حتى ل نتهافت فنجعل من‬
‫تفسيرنا لية من آيات القرآن دليلً على تصديق نظرية قائمة‪ ،‬وقد نجد من بعد ذلك من يثبت خطأ‬
‫النظرية‪.‬‬
‫إنه يجب على المخلصين الذي يريدون أن يربطوا بين القرآن لما فيه من معجزات قرأنية مع‬
‫معجزات الكون أن يمتلكوا اليقظة فل يربطوا آيات القرآن إل بالحقائق العلمية‪ ،‬وهناك فرق بين‬
‫النظرية وبين الحقيقة؛ فالنظرية افتراضية وقد تخيب‪.‬‬
‫لذلك نقول‪ :‬أنبعد القرآن عن هذه حتى ل تعرضه للذبذبة‪ .‬ول تربطوا القرآن إل بالحقائق العلمية‬
‫التي أثبتت التجارب صدقها‪.‬‬
‫وقائل القرآن هو خالق الكون‪ ،‬لذلك ل تتناقض الحقيقة القرآنية مع الحقيقة الكونية؛ لذلك ل تحدد‬
‫أنت الحقيقة القرآنية وتحصرها في شيء وهي غير محصورة فيه‪ .‬وتنبه جيدا إلى أن تكون‬
‫سمَآءِ كَذاِلكَ‬
‫صعّدُ فِي ال ّ‬
‫الحقيقة القرآنية حقيقة قرآنية صافية‪ ،‬وكذلك الحقيقة الكونية‪..} .‬كَأَ ّنمَا َي ّ‬
‫ن لَ ُي ْؤمِنُونَ { [النعام‪]125 :‬‬
‫ج َعلُ اللّهُ الرّجْسَ عَلَى الّذِي َ‬
‫يَ ْ‬
‫والرجس وهو العذاب‪ ،‬إنما يأتيهم بسبب كفرهم وعدم إقبالهم على التكليف‪.‬‬
‫ويقول الحق بعد ذلك‪ } :‬وَهَـاذَا صِرَاطُ‪{ ..‬‬

‫(‪)903 /‬‬
‫وَهَذَا صِرَاطُ رَ ّبكَ مُسْ َتقِيمًا َقدْ َفصّلْنَا الْآَيَاتِ ِل َقوْمٍ يَ ّذكّرُونَ (‪)126‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫و " هذا " مقصود به ما تقدم من آيات‪ .‬من كتاب الِسلم وهو القرآن‪ ،‬وذلك ما يشرح الصدر‬
‫القابل للِيمان‪ ،‬والقرآن هو الحامل لمنهج الِسلم؛ فمرة تعود الِشارة إلى القرآن أو إلى الِسلم‪.‬‬
‫وليس هناك خلف بين القرآن والِسلم‪.‬‬
‫{ وَهَـاذَا صِرَاطُ رَ ّبكَ مُسْ َتقِيما }‪ .‬و " الصراط " هو الطريق السّوي‪ ،‬والطريق السّوي قد يكون‬
‫مع استوائه معوجا لكن هذا الطريق مستوٍ ومستقيم‪ ،‬ونعلم أن الطريق المستقيم هو أقصر الطرق‬
‫الموصلة للغاية‪ .‬وعلى هذا فصراط ل تغني عن مستقيم‪ ،‬ومستقيم ل يغني عن صراط‪ ،‬بل لبد‬
‫من صراط معبد ومستقيم ليكون أقصر طريق إلى الغاية وبل متاعب‪ ،‬إننا‪ -‬نحن البشر‪ -‬نرى‬
‫المهندسين وهم يقيسون البعاد والمسافات والغايات والبدايات والنهايات‪ ،‬وبعد ذلك يربطون‬
‫البدايات بالغايات‪.‬‬
‫إنهم يحضرون آلت معينة ليرصدوا استقامة الطريق وكيفية تمهيده‪ .‬وقد يعترض استقامة‬
‫الطريق عقبات صبعة شديدة كَأْدَاء كجبل مثلً‪ ،‬فيقوم المهندسون إما بنحت نفق في الجبل ليضمنوا‬
‫له الستقامة‪ ،‬وإما بأن يحني الطريق ليضمنوا جودة تعبيد الطريق‪ .‬فإن جاء المهندسون وقالوا‬
‫نمشي من هنا لنضمن استقامة الطريق فإننا نفعل ذلك‪ .‬وإلّ جعلوا الطريق متعرجا أو حلزونيّا؛‬
‫وذلك ليتفادى السائر العقبات التي ليس له قدرة عليها‪.‬‬
‫لكن إذا كان الصراط قد مهده رب‪ ،‬أتوجد له عقبة؟ طبعا ل‪ ،‬إذن فهو طريق مستقيم‪ .‬ولنلحظ أنه‬
‫سبحانه قال‪ " :‬صراط ربك " أي أنه جاء بها من ناحية الربوبية‪ ،‬والربوبية عطاء الرب‪ ،‬إنه سيد‪،‬‬
‫ومربٍ‪ ،‬وخالق الخلق ويضمن لهم ما يعينهم على مهمتهم في الوجود معونة ميسرة سهلةً‪ .‬وهكذا‬
‫نعرف أن طريق الحق هو الصراط المعبد المستقيم‪ ،‬أي الذي يصل بين البداية والنهاية‪ .‬فإن كان‬
‫الطريق الذي نتبعه مستقيما ومعبدا‪ ،‬وسهلً‪ ،‬فلماذا ل نتبعه؟‬
‫" هذا صراط ربك "‪ .‬ونلحظ أنه سبحانه قد أسند الرب لمحمد‪ ،‬أي من أجل خاطره جعل الصراط‬
‫مستقيما؛ لنه سبحانه هو المتولي لربوبيتك يا محمد‪ ،‬وسبحانه رب الكون كله‪ ،‬ورسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم عين أعيان الكون‪ { .‬وَهَـاذَا صِرَاطُ رَ ّبكَ مُسْ َتقِيما َقدْ َفصّلْنَا اليَاتِ ِل َقوْمٍ َي ّذكّرُونَ }‬
‫[النعام‪]126 :‬‬
‫" فصّلنا " أي أنّ كل شيء في هذا الكون مخلوق لما يناسبه‪ ،‬وكل قضية من قضايا الكون خلقها‬
‫ربنا لتحقق الفائدة منها بدون مشقة‪ ،‬وبدون عنت‪ .‬والمنهج الذي أنزله ال إنما يصلح الكون‬
‫ويجعل كل شيء فيه مناسبا لمهمته؛ لن ال إله كل الناس وهم بالنسبة إليه سواء لنه لم يتخذ ل‬
‫صاحبة ول ولدا‪ .‬ول يعطي سبحانه الحياة لمخلوق ويوجده في الكون‪ ،‬ثم يعرّيه من أسلحة‬
‫الحركة في الحياة‪ ،‬ولكل إنسان سلح من موهبة أو قدرة وبذلك تتعدد السلحة والمواهب‬
‫والقدرات‪ ،‬فمن يريد أن يبني بيتا‪ ،‬أنقول له‪ :‬اذهب إلى كلية الهندسة لتتعلم كيف ترسم البيت‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وتخططه؟ أنقول له‪ :‬تعلم كيف تكون فنيّا وكهربيّا ونقاشا؟ إن الفرد الواحد ل يمكن أن يتعلم كل‬
‫هذه التخصصات‪ ،‬لذلك وزّع ال المواهب على خلقه؛ هذا عنده موهبة ليعمل لنفسه‪ ،‬ويعمل‬
‫لغيره‪.‬‬
‫وبعد ذلك يأتي غيره ليؤدي له عملً ليس له فيه موهبة بحيث يتكامل المجتمع كله ول يتكرر‬
‫أفراده‪.‬‬
‫ولو كنا تخرجنا جميعا كأطباء أو مهندسين لما نفعت الدنيا‪ ،‬ومن نقول عليهم‪ :‬إنهم فشلوا في‬
‫التعليم يقومون بأعمال في الحياة ما كنا نستطيع الحياة بدونها؛ فقد خلقهم ال بقدرات عقلية‬
‫محدودة ليهبهم قدرات أخرى تصلح في مهمات أخرى‪ .‬وإن تعلم المجتمع كله تعليما عاليا لصار‬
‫الهرم مقلوبا‪ .‬وإن انقلب الهرم فمعنى هذا أن أجراءً منه ستكون بغير دعائم في الرض‪ .‬لذلك‬
‫نجد أن هناك إعدادا عقليا أراده الحق لكل واحد من الخلق‪ ،‬ول نستطيع أن نقول لكل إنسان‪ :‬تعلم‬
‫وتخرج في الجامعة ثم اكنس الشارع‪ .‬وكن في الغد حدادا‪ .‬لذلك ربط الحق كل عمل بالحاجة‬
‫إليه‪ ،‬ومن يحسن استقبال قدر ال في نفسه يُعطِ ال له من العمل كل الخير‪.‬‬
‫ونلحظ الن أن من يعمل موظفا في الدولة يحيا في راتب محدود‪ ،‬بينما تجد السباك يقدر عمله‬
‫بأجر يحدده هو‪ ،‬ويبقى الويل والتعب لمن كان تقدير عمله في يد غيره } وَهَـاذَا صِرَاطُ رَ ّبكَ‬
‫مُسْ َتقِيما َقدْ َفصّلْنَا اليَاتِ ِل َقوْمٍ َي ّذكّرُونَ {‪.‬‬
‫وانظر كل قضية في الكون‪ ،‬لم يُدخل ابن آدم فيها أنفه تجدها مستقيمة‪ ،‬ول يأتي الفساد إل في‬
‫القضايا التي أدخل ابن آدم أنفه فيها بدون منهج ال‪ .‬فإن دخلت في كل مسألة بمنهج ال يستقيم‬
‫الكون تماما‪ .‬ولذلك يلفتنا الحق سبحانه وتعالى إلى النظام العلى في كونه والذي ل تدخل لنا فيه‪.‬‬
‫ول سيطرة عليه؛ السموات‪ ،‬والكواكب‪ ،‬والشمس‪ ،‬والقمر‪ ،‬وحركة الرض‪ ،‬كل تلك الكائنات نجد‬
‫ط َغوْاْ‬
‫سمَآءَ َر َف َعهَا َو َوضَعَ ا ْلمِيزَانَ * َألّ تَ ْ‬
‫أمورها تسير بانتظام‪ ،‬ولذلك يقول لنا الحق سبحانه‪ {:‬وَال ّ‬
‫فِي ا ْلمِيزَانِ }[الرحمن‪]8-7 :‬‬
‫فإن أردتم أن تستقيم أموركم في شئونكم وأحوالكم الختيارية فادخلوا فيها بمنهج ال؛ لن الشياء‬
‫التي تدار بمنهج ال بدون أن يتدخل فيها البشر تؤدي مهمتها كما ينبغي‪.‬‬
‫فعلى الِنسان ‪ -‬إذن ‪ -‬أن يتذكر كيف يأخذ من المقدمات التي أمامه ما يوصل إلى النتائج‪ ،‬ولبد‬
‫أن يأخذ المقدمات السليمة ليصل إلى الغايات الفطرية‪ .‬وأقصر المور أن تسأل نفسك‪ :‬أنت صنعة‬
‫من؟ صنعة نفسك؟ ل‪ ،‬هل أنت من صنعة واحد مثلك؟ ل‪ .‬وهل ادّعى واحد في كون ال ‪ -‬وما‬
‫أكثر ما يُدّعى ‪ -‬أنه خلقك أو خلق نفسه؟ ل‪ .‬بل أنت وهو وكل الكون من صنعة ال‪ ،‬فدعوا ال‬
‫يقرر قانون صيانتكم‪ ،‬وسيظل الناس متعبين إلى أن يسلموا الصنعة إلى خالقها‪ } .‬وَهَـاذَا صِرَاطُ‬
‫رَ ّبكَ مُسْ َتقِيما َقدْ َفصّلْنَا اليَاتِ ِل َقوْمٍ َي ّذكّرُونَ {‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ولم يقل فصلنا اليات لواحد‪ ،‬بل قال " لقوم " حتى إذا ما مال أو غفل واحد في الفكر بعدله غيره‪.‬‬
‫وكلنا متكافلون في التذكير‪ ،‬وهذا التكافل في التذكير يعصم كل مؤمن من نفسه؛ فإن حصل عندي‬
‫قصور من سهو أو من غفلة أو من هوى يعدله غيري‪ .‬وهذه قضية كونية لو استقرأت الوجود‬
‫كله وجدتها ل تتخلف أبدا‪ ،‬ول بد من تذكر الغاية التي جاء بها قوله الحق‪َ } :‬ل ُهمْ دَارُ السّلَمِ‪{ ..‬‬

‫(‪)904 /‬‬
‫َلهُمْ دَارُ السّلَامِ عِنْدَ رَ ّبهِ ْم وَ ُه َو وَلِ ّيهُمْ ِبمَا كَانُوا َي ْعمَلُونَ (‪)127‬‬

‫أي أن لهؤلء المتقدمين الذين صبروا وصابروا ورابطوا‪ ،‬لهم دار السلم‪ ،‬وهو أسلوب مكون‪-‬‬
‫كما يقال‪ -‬من مبتدأ وخبر‪ ،‬ال أن المبتدأ أُخرّ هنا‪ ،‬والخبر تقدّم‪ ،‬وكان المنطق أن يقال‪ " :‬دار‬
‫السلم لهؤلء " ولكن السلوب القرآني جاء ليقدم الخبر المكون من الجار والمجرور ومتعلقه‪،‬‬
‫ويؤخر المبتدأ وذلك لخصوصية أرادها الحق‪ ،‬وهي أن هذه الدار لهم وحدهم دون غيرهم فهي‬
‫خالصة لهم يوم القيامة و " دار السلم " مكونة من كلمتين‪ " ،‬دار " ومعناها ما يستقر فيه النسان‪،‬‬
‫ويجمع هذا المكان كل ما تتطلبه حياة النسان‪ ،‬وهي أوسع قليلً من كلمة " بيت "؛ لن البيت‬
‫مكان يعد للبيتوتة‪ ،‬لكن كلمة " دار " تعد للحياة ولما يتعلق بالحياة من مقوماتها‪.‬‬
‫و " دار " هنا مضافة إلى السلم‪ ،‬وهو‪ -‬كما نعلم‪ -‬اسم من أسماء ال‪ ،‬إذن فالحق هنا يوضح‪:‬‬
‫لهم دار منسوبة للسلم وهو ال‪ ،‬وهم مستحقون لها جزاءً منه‪ ،‬فإذا كانت الدار التي وعدها ال‬
‫هي دار السلم وهو ال‪ ،‬فلبد أن فيها متعا وامكانات على قدر فضل المضاف إليه وهو ال‪،‬‬
‫ولماذا لم يقل ال‪ " :‬دار ال "؛ لن ال أراد أن يأتي بوصف آخر من أوصافه؛ ليعطيهم السلم‬
‫والمن والطمئنان‪.‬‬
‫وهناك فرق بين دور الدنيا‪ ،‬وهذه الدار؛ فدور الدنيا فيها متع‪ ،‬ولكنك فيها بين أمرين‪ :‬إما أن‬
‫تفوت أنت ما هي فيه‪ ،‬وإما أن يفوتك ما فيها‪ ،‬ولذلك ل يوجد في الدنيا أمن؛ لن غيرك قد يناوئك‬
‫فيها ويعاديك‪ ،‬وقد تأتي لك مكدرات المرض‪ ،‬وقد تأتي لك معكرات العداء‪ ،‬كل ذلك ينغص‬
‫عليك المن والسلم في الدنيا‪ .‬ولذلك أراد الحق ان تكون لك الخرة دار السلم مادمت قد آمنت‪،‬‬
‫لمِ عِندَ رَ ّبهِمْ } [النعام‪:‬‬
‫وأن تأمن فيها من كل الفات التي كانت في دار الدنيا‪َ { .‬لهُمْ دَارُ السّ َ‬
‫‪]127‬‬
‫وكأن دار السلم ليست وعدا من ال بأن تكون‪ ،‬ولكنها جاهزة معدة عند ال ومحفوظة لديه تنتظر‬
‫المؤمنين‪ ،‬وسبحانه قد خلق جنانا تتسع لكل خلقه على فرض أنهم آمنوا‪ ،‬وجعل من النار مثل ذلك‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫على قدر خلقه‪ ،‬على فرض وتقدير أنهم كفروا‪ .‬وسيأخذ المؤمنون ما أعد لهم من دور اليمان‬
‫ويرثون ما أعد للكافرين من دور اليمان على فرض أنهم آمنوا في الدنيا‪ُ {.‬أوْلَـا ِئكَ هُمُ ا ْلوَارِثُونَ‬
‫* الّذِينَ يَرِثُونَ ا ْلفِرْ َدوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }[المؤمنون‪]11-10 :‬‬
‫فلم يخلق الحق جنانا محدودة‪ ،‬ل‪ ،‬بل أعد وهيأ من الجنان ما يتسع لكل الخلق إن امنوا‪ ،‬ومن‬
‫النيران ما يتسع لكل الخلق إن كفروا‪ .‬ومادامت العندية منسوبة إلى ال فهي عندية مأمونة‪.‬‬
‫وبعد ذلك أيتخلّى ال عنهم ويكلهم إلى ما أعدّه لهم؟‪ .‬ل‪ ،‬بل قال‪ ..} :‬وَ ُهوَ وَلِ ّيهُمْ ِبمَا كَانُواْ َي ْعمَلُونَ‬
‫{ [النعام‪]127 :‬‬
‫فهناك إعداد‪ ،‬ثم قيومة ولية ال‪ ،‬وهذه القيومة ل‪ ،‬هي للمؤمنين في الدنيا‪ ،‬لكن فلنلحظ أن‬
‫الولية في الدنيا قد تكون فيها أسباب مخلوقة ل‪ ،‬لكن في الخرة هناك الجزاء الذي ل يكله ال‬
‫للسباب‪ ،‬فتكون الولية مباشرة له؛ لنه سيعطيك فورا‪ ،‬وإذا خطر أي شيء بباللك تجده حاضرا‪:‬‬
‫فهي متعة على غير ما ألف الناس؛ لن الناس يتمتعون في الدنيا بواسطة السباب المخلوقة ل‪.‬‬
‫ولكن في الخرة فل ملكية لحد حتى في السباب‪ ،‬لذلك يقول سبحانه‪ّ {:‬لمَنِ ا ْلمُ ْلكُ الْ َيوْمَ‪} ..‬‬
‫[غافر‪]16 :‬‬
‫وستجد الِجابة هي قوله ‪ -‬سبحانه ‪ {:-‬لِلّهِ ا ْلوَاحِدِ ا ْل َقهّارِ }[غافر‪]16 :‬‬
‫والحق هو الولي الذي يليك‪ ،‬قربا تنتفع به‪ ،‬فل تضطر حتى أن تنادي عليه ليأتي لك بالمنافع‬
‫ويدفع عنك المضار كما عمل لك في الدنيا ووفقك للعمل وهو وليك في الخرة بحسن الجزاء لك‬
‫بسبب ما كنت تعمل؛ فالعمل في الدنيا هو الزرع وهو الحرث لثمرة الخرة‪ .‬ولكن أيعطينا ال‬
‫على قدر أعمالنا؟ ل‪ ،‬بل يعطينا على قدر صبرنا؛ لنه إن كان العطاء على قدر العمال‪ ،‬إننا لو‬
‫حسبناها لما أدينا ثمن عشر معشار نعم ال علينا في الدنيا‪ .‬فكأننا نعمل في الدنيا لنؤدي شكر ما‬
‫أفاء علينا وأعطانا من النعم‪ ،‬فإذا جاء الحق سبحانه وتعالى وأعطانا بعد ذلك ثوابا فهو الفضل‬
‫منه‪ ،‬ولذلك يوضح الحق لنا‪ :‬إياكم حين توفقون في العمل أن تفتتنوا بأعمالكم‪ ،‬بل عليكم أن‬
‫ج َمعُونَ }‬
‫حمَتِهِ فَبِذَاِلكَ فَلْ َيفْرَحُواْ ُهوَ خَيْرٌ ّممّا يَ ْ‬
‫ضلِ اللّ ِه وَبِرَ ْ‬
‫تتذكروا ان ذلك فضل من ال‪ُ {:‬قلْ ِب َف ْ‬
‫[يونس‪]58 :‬‬
‫وقد شرح النبي عليه الصلة والسلم هذا المر وقال‪ " :‬لن يُ ْدخِل أحدا منكم عملُه الجنة‪ ،‬قالوا‪:‬‬
‫ول أنتَ يا رسول ال؟ قال‪ :‬ول أنا إل أن يتغمدني ال منه بفضل ورحمة‪" .‬‬
‫إذن المسألة كلها بالفضل من ال‪ ،‬ولكن فضل ال شرطه العمل الصالح؛ فأنت تعمل العمل‬
‫الصالح‪ ،‬ويعطيك ربنا أضعافه‪ ،‬وبطبيعة الحال فعملك لن ينفع جلله أو جماله أو كماله أو يزيده‬
‫صفة أو يزيده ملكا‪ ،‬لكنه يعطيك على ما عملته لنفعك ولنفع بني جنسك‪.‬‬
‫ولذلك نجد الِمام الرازي ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬يقول‪ :‬إن العمل في ذاته يورث الذات شيئا من‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الصفاء الذي ترتاح له وتسعد به‪ ،‬حتى تجد الجزاء في الراحة‪ ،‬والراحة النفسية هي المر‬
‫المعنوي الذي يوجد في بنية مادية هي قالبك‪ .‬فساعة يوجد شيء في النفس فهو يؤثر في القالب‬
‫أغيارا‪ ،‬فإذا غضب النسان فهذا الغضب يظهر أثره في البينة نفسها فيحمر الوجه‪ ،‬ويرتعش‬
‫الِنسان للنفعال بالغضب‪ ،‬والغضب أمر معنوي لكنه أثّر في البينة‪ ،‬وكذلك إذا ما حدث ما‬
‫يسرّك‪ ،‬يظهر ذلك في البينة أيضا؛ فتشرق وتهلل أساريرك‪ .‬إذن فالعمل يؤثر في البينة‪ ،‬والبينة‬
‫تؤثر في العمل‪.‬‬
‫جمِيعا يَا َمعْشَرَ‪{ ...‬‬
‫ويقول الحق بعد ذلك‪ } :‬وَ َيوْمَ ِيحْشُرُ ُهمْ َ‬

‫(‪)905 /‬‬
‫جمِيعًا يَا َمعْشَرَ ا ْلجِنّ قَدِ اسْ َتكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ َوقَالَ َأوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبّنَا اسْ َتمْ َتعَ‬
‫وَ َيوْمَ يَحْشُ ُرهُمْ َ‬
‫ض وَبََلغْنَا َأجَلَنَا الّذِي َأجّ ْلتَ لَنَا قَالَ النّارُ مَ ْثوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلّا مَا شَاءَ اللّهُ إِنّ رَ ّبكَ‬
‫َب ْعضُنَا بِ َب ْع ٍ‬
‫حكِيمٌ عَلِيمٌ (‪)128‬‬
‫َ‬

‫وساعة تسمع " يوم " اعرف أنها " ظرف زمان " ‪ ،‬أي أن هناك حدثا‪ ،‬وقوله الحق‪ " :‬ويوم‬
‫يحشرهم جميعا " أي اليوم الذي يقف فيه الجميع ويحشدون‪ ،‬وحين ننظر إلى ما بعدها نجد أن‬
‫الحدث لم يأت‪ ،‬ولكن جاء " يا معشر الجن " وهذا " نداء "‪ .‬فكأن الحدث هو النداء نفسه‪ ،‬والنداء‬
‫يقتضي مناديّا‪ ،‬وهو الحق سبحانه‪ ،‬ومنادى وهو معشر الجن والِنس‪ ،‬وقولً يبرز صورة النداء‪.‬‬
‫فكأن العبارة هي‪ :‬يوم يحشرهم جميعا فيقول يا معشر الجن والِنس‪ ،‬و " الحشر " هو الجمع‪ ،‬و "‬
‫المعشر " هم الجماعة المختلطة اختلط تعايش‪ ،‬بمعنى أن يكون فيهم كل عناصر ومقومات‬
‫الحياة‪ ،‬وقد يضاف المعشر إلى أهل حرفة بخصوصها؛ يا معشر التجار‪ ،‬يا معشر العلماء‪ ،‬يا‬
‫معشر الوزراء‪ .‬لكن إن قلت‪ :‬يا معشر المصريين فهي جماعة مختلطة اختلط تعايش ومعاشرة‪.‬‬
‫{ يَا َمعْشَرَ الْجِنّ َقدِ اسْ َتكْثَرْتُمْ مّنَ الِنْسِ[النعام‪]128 :‬‬
‫و " استكثر " أي أخذ منه كثيرا‪ ،‬كمن استكثر من جمع المال‪ ،‬أو استكثر من الصدقاء؛ فمادة "‬
‫استكثر " تدل على أنه أخذ كثرة‪ .‬وماذا يعني استكثارهم من النس؟‪ .‬نحن نعلم أن من الجن‬
‫طائعين‪ ،‬ومنهم عاصون‪ ،‬والصل في العصيان في الجن " إبليس " الذي أقسم‪ {:‬قَالَ فَ ِبعِزّ ِتكَ‬
‫ج َمعِينَ }[ص‪]82 :‬‬
‫لُغْوِيَ ّنهُمْ َأ ْ‬
‫فكأن الحق يوضح‪ :‬أنكم معشر الجن قد حاولتم جاهدين أن تأخذوا النس إلى جانبكم واستكثرتم‬
‫بهم‪ ،‬فبعد أن كان العاصون فقط من شياطين الجن وجد عصاة من النس أيضا‪ ،‬واستكثرتم منهم‪،‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫بأن ظننتم ان لكم غلبة وكثرة وعزا‪ ،‬لنهم إذا أطاعوكم في الوسوسة أصبحت لكم السيادة‪ ،‬وذلك‬
‫ما كان يحدث‪ ،‬فكان النسان إذا ما نزل واديا مثلً قال‪ :‬أعوذ بسيد هذا الوادي‪ -‬من الجن‪-‬‬
‫ويطلب أن يحفظه ويحفظ متاعه‪ ،‬وحينما يوسوس له شيء يسارع إلى تنفيذه‪ ،‬وهذا استكثار‪.‬‬
‫ن الِنْسِ رَبّنَا اسْ َتمْتَعَ َب ْعضُنَا بِ َب ْعضٍ } [النعام‪]128 :‬‬
‫{ َوقَالَ َأوْلِيَآؤُهُم مّ َ‬
‫وكذلك لم يستمتع الجن والنس فقط‪ ،‬بل استمتع أيضا بالجن‪ ،‬وهكذا نجد تبادل استمتاع من خلف‬
‫منهج ال‪ ،‬لهؤلء إغواءٍ وسيادة‪ ،‬يأمرونهم بعمل الشياء المخالفة لمنهج ال‪ ،‬وهؤلء يستمتعون‬
‫بهم يحققون لهم شهواتهم في صور تدين‪ ،‬فيقولون لهم‪ :‬اعبدوا الصنام‪ ،‬واعبدوا الشمس‪ ،‬واعبدوا‬
‫القمر‪ ،‬فيفعلون‪ .‬وذلك يرضي فيهم غريزة النقياد التديني؛ لن كل نفس مفطورة على أن ترتبط‬
‫بقوة أعلى منها؛ لن النسان إذا نظر لنفسه وإلى أقرنائه وجدهم أبناء أغيار؛ الواحد منهم يكون‬
‫اليوم صحيحا وغدا مريضا‪ ،‬ويكون اليوم غنيا وغدا فقيرا‪ ،‬فمال الذي يضمن للنفس البشرية‬
‫حماية من هذه الغيار؟‪.‬‬
‫إن النسان يحبّ أن يلجأ ويرتبط بقَويّ؛ حتى إذا جاءت هذه الغيار كانت سندا له‪.‬‬
‫إل أن هناك من يصعدهُا في التدين وهؤلء هم الذين يركنون إلى اليمانية ل ويعتمدون عليه‬
‫سبحانه ويقبلون على اليمان بال بمطلوبات هذا اليمان في " افعل " و " ول تفعل "‪ .‬لكن الشياء‬
‫التي يعبدونها من دون ال ليس لها مطلوبات أو تكاليف إل أن تكون موافقة لهواء النفس‪ ،‬وهذا‬
‫الِكذاب للنفس أي حمل النفس على الكذب ل يدوم طويلً؛ لن النسان ل يغش نفسه؛ فاليمان‬
‫يحمي النفس إذا جاء أمر فوق أسبابك‪ ،‬وليس هناك من يقول‪ :‬يا شمس أو يا قمر‪ ،‬يا شيطان أو يا‬
‫س الِنسَانَ الضّرّ‬
‫صخر! ل يمكن؛ لنك لن تكذب على نفسك أبدا‪ .‬ومثال ذلك قول الحق‪ {:‬وَإِذَا مَ ّ‬
‫شفْنَا عَنْ ُه ضُ ّرهُ مَرّ كَأَن لّمْ يَدْعُنَآ إِلَىا ضُرّ مّسّهُ‪[} ..‬يونس‪:‬‬
‫دَعَانَا ِلجَنبِهِ َأوْ قَاعِدا َأوْ قَآئِما فََلمّا كَ َ‬
‫‪]12‬‬
‫ض وَبََلغْنَآ أَجَلَنَا‬
‫وهنا يقول الحق عن النس‪َ } :‬وقَالَ َأوْلِيَآؤُهُم مّنَ الِنْسِ رَبّنَا اسْ َتمْتَعَ َب ْعضُنَا بِ َب ْع ٍ‬
‫الّذِي َأجّ ْلتَ لَنَا‪[ { ..‬النعام‪]128 :‬‬
‫أي أن هذا الستمتاع أمدا‪ ،‬هو أمد الجل أي ساعة تنقضي وتنتهي الحياة‪ ،‬ثم يبدأ الحساب‬
‫حكِيمٌ عَليمٌ‬
‫فيسمعون قول الحق‪ ..} :‬قَالَ النّارُ مَ ْثوَاكُمْ خَاِلدِينَ فِيهَآ ِإلّ مَا شَآءَ اللّهُ إِنّ رَ ّبكَ َ‬
‫{ [النعام‪]128 :‬‬
‫و " الثواء " هو القامة‪ ،‬و " مثواكم " أي إقامتكم‪ " ،‬إل ما شاء ال " وهذا الستثناء كان محل‬
‫نقاش بين العلماء‪ ،‬دار فيه كلم طويل؛ فهناك من قال‪ :‬إن الحق سبحانه وتعالى قال‪ " :‬إل ما شاء‬
‫ال " أي أن له طلقة القدرة والمشيئة؛ فيفعل ما يريد لكنه حسم المر وحدد هو " ما شاء " فقال‪{:‬‬
‫إِنّ اللّ َه لَ َي ْغفِرُ أَن ُيشْ َركَ بِ ِه وَ َي ْغفِرُ مَا دُونَ ذَِلكَ ِلمَن يَشَآءُ‪[} ..‬النساء‪]48 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وهنا حدد " ما شاء " ‪ ،‬أي أن ما شاء يكون في غير الشرك به فإن الشرك ل يكون محل غفران‬
‫منه سبحانه‪ .‬أو يجوز " إل ما شاء ال " أن بعضا يفهم أنه بمجرد البعث والحشر ستكون النار‬
‫مثواهم‪ ،‬ولكن المثوى في النار لن يكون إل بعد الحساب‪ ،‬وهذا استثناء من الزمن الخلودي‪ ،‬فلن‬
‫يحدث دخول للجنة أو للنار إل بعد الحساب‪ .‬فزمن الحساب والحشر مستثنى وخارج عن زمن‬
‫الخلود في الجنة أو النار‪.‬‬
‫شقُواْ َففِي النّارِ‬
‫ونحن نجد أيضا } ِإلّ مَا شَآءَ رَ ّبكَ { في سورة هود حيث يقول الحق‪ {:‬فََأمّا الّذِينَ َ‬
‫ت وَالَ ْرضُ ِإلّ مَا شَآءَ رَ ّبكَ إِنّ رَ ّبكَ َفعّالٌ‬
‫سمَاوَا ُ‬
‫شهِيقٌ * خَاِلدِينَ فِيهَا مَا دَا َمتِ ال ّ‬
‫َلهُمْ فِيهَا َزفِي ٌر وَ َ‬
‫ت وَالَ ْرضُ ِإلّ مَا شَآءَ رَ ّبكَ‬
‫سمَاوَا ُ‬
‫س ِعدُواْ فَفِي الْجَنّةِ خَاِلدِينَ فِيهَا مَا دَا َمتِ ال ّ‬
‫ّلمَا يُرِيدُ * وََأمّا الّذِينَ ُ‬
‫جذُوذٍ }[هود‪]108-106 :‬‬
‫عَطَآءً غَيْرَ مَ ْ‬
‫سمَاوَاتُ‬
‫إذن فهناك الستثناء في النار والستثناء في الجنة‪ ،‬فقول الحق‪ } :‬خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَا َمتِ ال ّ‬
‫وَالَرْضُ ِإلّ مَا شَآءَ رَ ّبكَ { فمجيء الستثناء بعد الوصف بالخلود‪ ،‬يدل على أن الخلود ينقطع مع‬
‫أنه قد ثبت خلود أهل الجنة في الجنة وخلود أهل النار في النار للبد من غير استثناء فكيف ذلك؟‬
‫والرد على هذا أن أهل النار ل يخلدون في عذاب النار‪ ،‬وحده بل يعذبون بالزمهرير وبأنواع من‬
‫العذاب سوى عذاب النار بما هو أغلظ منها كلها وهو سخط ال عليهم ولعنهم وطردهم وإهانته‬
‫إياهم‪.‬‬
‫وكذلك أهل الجنة لهم سوى الجنة ما أكبر منها واجل موقعا‪ ،‬وهو رضوان ال كما قال‪ } :‬وَعَدَ‬
‫ن وَا ْل ُم ْؤمِنَاتِ جَنّاتٍ َتجْرِي مِن تَحْ ِتهَا الَ ْنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا َومَسَاكِنَ طَيّبَةً فِي جَنّاتِ عَدْنٍ‬
‫اللّهُ ا ْل ُمؤْمِنِي َ‬
‫وَ ِرضْوَانٌ مّنَ اللّهِ َأكْبَرُ { فلهم ما يتفضل ال به عليهم سوى ثواب الجنة مما ل يعرف كنهه إل‬
‫هو‪ ،‬فهذا هو المراد بالستثناء‪ ،‬والدليل عليه قوله‪ " :‬عطاء غير مجذوذ " ومعنى قوله في‬
‫مقابلته } إِنّ رَ ّبكَ َفعّالٌ ّلمَا يُرِيدُ { أن ربك يفعل بأهل النار ما يريد من العذاب‪ ،‬كما يعطي اهل‬
‫الجنة الذي ل انقطاع له‪.‬‬
‫حكِيمٌ عَليمٌ {‪ .‬حكيم في أن يعذب‪ ،‬عليم بمن يستحق أن يعذّب‪،‬‬
‫ويذيل الحق الية بقوله‪ } :‬إِنّ رَ ّبكَ َ‬
‫ومقدار عذابه‪ ،‬وعليم بمن يستحق ان يثاب وينعم‪ ،‬وبمقدار ثوابه ونعيمه‪ ،‬وحكيم في أن يرحم‪.‬‬
‫ويقول الحق بعد ذلك‪َ } :‬وكَذاِلكَ ُنوَلّي َب ْعضَ‪{ ..‬‬

‫(‪)906 /‬‬
‫َوكَذَِلكَ ُنوَلّي َب ْعضَ الظّاِلمِينَ َب ْعضًا ِبمَا كَانُوا َيكْسِبُونَ (‪)129‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫و " كذلك تشير إلى ما حدث من الجن والنس من الجدل‪ ،‬فقال الحق على ألسنة النس‪ {:‬رَبّنَا‬
‫اسْ َتمْتَعَ َب ْعضُنَا بِ َب ْعضٍ‪[} ...‬النعام‪]128 :‬‬
‫ولم يأت بكلم الجن؛ لن كلمهم جاء في آيات أخرى؛ فالحق هو القائل‪َ {:‬وقَالَ الشّ ْيطَانُ َلمّا‬
‫خَلفْتُكُ ْم َومَا كَانَ ِليَ عَلَ ْيكُمْ مّن سُلْطَانٍ ِإلّ أَن‬
‫ق َووَعَدّتكُمْ فَأَ ْ‬
‫حّ‬
‫لمْرُ إِنّ اللّ َه وَعَ َدكُ ْم وَعْدَ الْ َ‬
‫ياَ‬
‫ُقضِ َ‬
‫خيّ‪[} ..‬إبراهيم‪:‬‬
‫خكُمْ َومَآ أَن ُتمْ ِب ُمصْرِ ِ‬
‫سكُمْ مّآ أَنَاْ ِب ُمصْرِ ِ‬
‫عوْ ُتكُمْ فَاسْ َتجَبْتُمْ لِي فَلَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُ َ‬
‫دَ َ‬
‫‪]22‬‬
‫وكذلك أورد ال ما يجيء عل لسان الشيطان في سورة أخرى‪َ {:‬كمَ َثلِ الشّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلِنسَانِ‬
‫ا ْكفُرْ فََلمّا َكفَرَ قَالَ إِنّي بَرِيءٌ مّنكَ‪[} ...‬الحشر‪]16 :‬‬
‫وكذلك جاء الحق في آيات أخرى بأقوال النس الذين ضلوا‪ { :‬رَبّنَآ أَرِنَا الّذَيْنِ َأضَلّنَا مِنَ ا ْلجِنّ‬
‫سفَلِينَ } [فصلت‪]29 :‬‬
‫ن الَ ْ‬
‫حتَ َأقْدَامِنَا لِ َيكُونَا مِ َ‬
‫جعَ ْل ُهمَا تَ ْ‬
‫وَالِنسِ َن ْ‬
‫وقوله الحق هنا في سورة النعام‪َ { :‬وكَذاِلكَ ُنوَلّي َب ْعضَ الظّاِلمِينَ َبعْضا } [النعام‪]129 :‬‬
‫أي كما صنعنا مع الجن والِنس‪ ،‬باستكثار الجن من الِنس واستمتاع بعضهم ببعض إضلل‬
‫وإغواء‪ ،‬وطاعة وانقيادا‪ ،‬نجعل من بينهم ولية ظالم على ظالم‪ ،‬ول نولى عليهم واحدا من أهل‬
‫الخير؛ لن أهل الخير قلوبهم مملوءة بالرحمة‪ ،‬ل يقوون على أن يؤدبوا الظالم؛ فهم قد ورثوا‬
‫النبوة المحمدية في قوله يوم فتح مكة‪ " :‬اذهبوا فأنتم الطلقاء " ‪ ،‬ولذلك إذا أراد ال أن يؤدب‬
‫ظالما ل يأتي له بواحد من أهل الخير ليؤدبه‪ ،‬إنه‪ -‬سبحانه‪ -‬بتكريمه لهل الخير لم يجعل منهم‬
‫من يكون في مقام من يؤدب الظالم‪ .‬إنه‪ -‬سبحانه‪ -‬يجعل أهل الخير في موقف المتفرج على‬
‫تأديب الظالمين بعضهم بعضا‪.‬‬
‫والتاريخ أرانا ذلك‪ .‬فقد صنع الظالمون بعضهم في بعض الكثير‪ ،‬بينما لو تمكن منهم أعداؤهم‬
‫الحقيقيون لرحموهم؛ لن قلوبهم مملوءة بالرحمة‪.‬‬
‫ولذلك بلغنا عن سيدنا مالك بن دينار وهو من أهل الخير‪ .‬يقول‪ :‬قرأت في بعض الثار حديثا‬
‫قدسيا يقول فيه الحق‪ " :‬أنا ملك الملوك قلوب الملوك بيدي‪" .,‬‬
‫فإياكم أن يظن الطاغية أو الحاكم أو المستبد أنه أخذ الحكم بذكائه أو بقوته‪ ،‬بل جاء به الحق‬
‫ليؤدب به الظلمة‪ ،‬بدليل أنه ساعة يريد ال أن تنتهي هذه المسألة فهو بجلله ينزع المهابة من‬
‫قلوب حرّاسه وبدلً من أن يدفع عنه البندقية‪ ،‬يصوّب البندقية إليه‪.‬‬
‫فإياكم أن تظنوا أن ملكا يأخذ الملك قهرا عن ال‪ ،‬ولكن إذا العباد ظلموا وطغوا يسلط الحق عليهم‬
‫من يظلمهم‪ ،‬ولذلك يقال‪ " :‬الظالم سيف ال في الرض ينتقم به وينتقم منه "‪َ { .‬وكَذاِلكَ ُنوَلّي‬
‫َب ْعضَ الظّاِلمِينَ َبعْضا ِبمَا كَانُواْ َيكْسِبُونَ } [النعام‪]129 :‬‬
‫فكأن ما سلّط على الناس من شرّ عاتٍ هو نتيجة لعمالهم؛ ولذلك كان أحد الصالحين يقول‪ :‬أنا‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫خلُق دابتي؛ إن جمحت بي أقول ماذا صَ َن ْعتُ حتى جمحت بي‬
‫اعرف منزلتي من ربي من ُ‬
‫الدابة؟! وكأن المسألة محسوبة‪.‬‬
‫وهذه معاملة للخيار‪ ،‬عندما يرتكب ذنبا يؤاخذ به على الفور حتى تصير صفحته نظيفة دائما‪.‬‬
‫قال عليه الصلة والسلم‪ " :‬ما من مصيبة تصيب المسلم إل َكفّر ال بها عنه‪ ،‬حتى الشوكة‬
‫يُشاكها‪" .‬‬
‫فإذا فعل العبد من أهل الخير بعضا من السيئات‪ ،‬يوفيّه الحق جزاءه من مرض في جسمه أو‬
‫خسارة في ماله‪ ،‬كذلك المسيء الذي ل يريد له ال النكال في الخرة‪ .‬يقول الرسول صلى ال‬
‫عليه وسلم‪ " :‬ما من مسلم يصيبه أذى شوكة فما فوقها إل حط ال تعالى به سيئاته كما تحط‬
‫الشجرة ورقها‪" .‬‬
‫} َوكَذاِلكَ ُنوَلّي َب ْعضَ الظّاِلمِينَ َبعْضا ِبمَا كَانُواْ َيكْسِبُونَ { هم اعتقدوا أنهم أخذوا شيئا من وراء‬
‫ال وخلصوا به‪ .‬نقول‪ :‬ل‪ ،‬فربك سيحاسبك ثوابا أو عقابا وذلك بما قدمت يداك من سيئات أو‬
‫حسنات‪.‬‬
‫ن وَالِنْسِ‪{ ..‬‬
‫ويقول الحق بعد ذلك‪ } :‬يَا َمعْشَرَ ا ْلجِ ّ‬

‫(‪)907 /‬‬
‫سلٌ مِ ْنكُمْ َيقُصّونَ عَلَ ْيكُمْ آَيَاتِي وَيُنْذِرُو َنكُمْ ِلقَاءَ َي ْومِكُمْ هَذَا قَالُوا‬
‫ن وَالْإِنْسِ أََلمْ يَأْ ِتكُمْ ُر ُ‬
‫يَا َمعْشَرَ ا ْلجِ ّ‬
‫سهِمْ أَ ّن ُهمْ كَانُوا كَافِرِينَ (‪)130‬‬
‫شهِدُوا عَلَى أَ ْنفُ ِ‬
‫علَى أَ ْنفُسِنَا وَغَرّ ْتهُمُ الْحَيَاةُ الدّنْيَا وَ َ‬
‫شهِدْنَا َ‬
‫َ‬

‫ن وَالِنْسِ } لنه يريد أن يقيم عليهم الحُجة بأنه سبحانه لم‬
‫ونلحظ أنه قال هنا‪ { :‬يَا َمعْشَرَ ا ْلجِ ّ‬
‫يجرم أعمالهم ولم يضع لهم العقوبات إل بعد بلغهم بواسطة الرسل؛ فقد أعطاهم بلغا بواسطة‬
‫الرسل عما يجب أن يفعل‪ ،‬وما يجب أن يترك‪ .‬فلم يأخذهم ‪ -‬سبحانه ‪ -‬ظلما‪.‬‬
‫سلٌ مّ ْنكُمْ } فقال بعض العلماء‪ :‬إن الجن لهم‬
‫وهنا وقفة؛ فالخطاب للجن والنس { أََلمْ يَأْ ِتكُمْ ُر ُ‬
‫رسل‪ ،‬والنس لهم رسل‪ ،‬وقال آخرون‪ :‬الرسل من النس خاصة؛ لن القرآن جاء فيه على‬
‫سىٰ }‪.‬‬
‫س ِمعْنَا كِتَابا أُن ِزلَ مِن َب ْعدِ مُو َ‬
‫لسانهم‪ { :‬إِنّا َ‬
‫إذن فقد احتج الجن بكتاب أنزل من بعد موسى عليه السلم وعندهم خبر عن الكتاب الذي جاء‬
‫بعده‪ ،‬كأن الجن يأخذون رسالتهم من النس؛ فكأن ال قد ارسل رسلً من النس فقط وبلغ الجن‬
‫سلٌ مّ ْنكُمْ‪[ } ..‬النعام‪:‬‬
‫ن وَالِنْسِ أَلَمْ يَأْ ِتكُمْ رُ ُ‬
‫ما قاله الرسول‪ ،‬وهو هنا يقول سبحانه‪ { :‬يَا َمعْشَرَ ا ْلجِ ّ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫‪]130‬‬
‫وأنت حين تأتي إلى اثنين‪ :‬أولهما معه مائه جنيه‪ ،‬والثاني يسير معه وليس معه شيء وتقول‪" :‬‬
‫سلٌ مّ ْن ُكمْ } أي من‬
‫هذان معهما مائه جنيه " فهذا قول صحيح‪ .‬فقوله سبحانه‪ { :‬أََلمْ يَأْ ِتكُمْ ُر ُ‬
‫مجموعكم‪ .‬أو أن الرسل تأتي للنس‪ ،‬وبعد ذلك من الجن من يأخذ عن الرسول ليكون رسولً‬
‫حضَرُوهُ قَالُواْ‬
‫مبلغا إلى أخوانه من الجن‪ {:‬وَإِ ْذ صَ َرفْنَآ إِلَ ْيكَ َنفَرا مّنَ الْجِنّ َيسْ َت ِمعُونَ ا ْلقُرْآنَ فََلمّا َ‬
‫ي وَّلوْاْ إِلَىا َق ْومِهِم مّنذِرِينَ }[الحقاف‪]29 :‬‬
‫ضَ‬
‫أَنصِتُواْ فََلمّا ُق ِ‬
‫فكأن المنذرين من الجن يأخذون من الرسل من النس وبعد ذلك يتوجهون إلى الجن‪ { .‬أَلَمْ يَأْ ِتكُمْ‬
‫سلٌ مّ ْنكُمْ َي ُقصّونَ عَلَ ْي ُكمْ آيَاتِي‪[ } ..‬النعام‪]130 :‬‬
‫رُ ُ‬
‫واليات تطلق على المعجزات التي تثبت صدق الرسل‪ ،‬وما يكون من شرح الدلة الكونية الدالة‬
‫على صدق الرسل‪ .‬وكلمة { َي ُقصّونَ عَلَ ْي ُكمْ آيَاتِي } أي يروون لهم الموكب الرسالي من أول " آدم‬
‫" إلى أن انتهى إلى " محمد " صلى ال عليه وسلم‪ .‬و { َي ُقصّونَ عَلَ ْيكُمْ آيَاتِي } قول يدل على دقة‬
‫الداء التاريخي؛ لن " قص " مأخوذ من قص الثر‪ ،‬ومعناها تتبع القدم بدون انحراف عن كذا‬
‫وكذا‪ ،‬وهكذا نجد أن المفروض في القصة أن تكون مستلهمة واقع التاريخ‪َ { .‬ي ُقصّونَ عَلَ ْيكُمْ آيَاتِي‬
‫وَيُنذِرُو َنكُمْ ِلقَآءَ َي ْو ِمكُمْ هَـاذَا‪[ } ..‬النعام‪]130 :‬‬
‫وهو اليوم المخزي حيث سيقفون أمام ال ويذكرهم الحق أنه قد نبههم وقد أعذر من أنذر‪...{ .‬‬
‫س ِهمْ أَ ّنهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ } [النعام‪:‬‬
‫شهِدُواْ عَلَىا أَ ْنفُ ِ‬
‫شهِدْنَا عَلَىا أَ ْنفُسِنَا وَغَرّ ْتهُمُ الْحَيَاةُ الدّنْيَا وَ َ‬
‫قَالُواْ َ‬
‫‪]130‬‬
‫ش ِهدْنَا عَلَىا أَ ْنفُسِنَا } إقرار منهم على أنفسهم؛ فقد شهدوا على أنفسهم‪ ،‬ولكن ما الذي‬
‫وقولهم‪َ { :‬‬
‫منعهم أن ينضموا إلى اليمان بمواكب النبوة؟‪ .‬تأتي الجابة من الحق‪ { :‬وَغَرّ ْتهُمُ الْحَيَاةُ الدّنْيَا }‪.‬‬
‫والذي يغرّ هو الشيء الذي يكون له تأثير‪ ،‬وهو موصوف بأنه " دنيا "!! لذلك فالغرور الذي يأتي‬
‫بالدنيا هو قلة تبصّر‪.‬‬
‫سهِمْ أَ ّنهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ {‪ .‬ومن يستقرئ آيات القرآن يجد آية تقول‪ {:‬وَاللّهِ رَبّنَا‬
‫علَىا أَ ْنفُ ِ‬
‫ش ِهدُواْ َ‬
‫} وَ َ‬
‫مَا كُنّا مُشْ ِركِينَ }[النعام‪]23 :‬‬
‫فمرة ينفون عن أنفسهم أنهم كفروا‪ ،‬ومرة يثبتون أنهم كافرون‪ ،‬وهذا لضظراب المواقف أو‬
‫سهِمْ {؛ بمعنى أن أبعاضهم شهدت عليهم؛ لن النسان في‬
‫شهِدُواْ عَلَىا أَ ْنفُ ِ‬
‫اختلفها‪ .‬أو أنهم } وَ َ‬
‫الدنيا له إرادة‪ ،‬وهذه الِرادة مسيطرة على ما له من جوارح وطاقات مخلوقة ل؛ لن ال جعل‬
‫للِرادة في الِنسان ولية على البعاض التي تقوم بالعمال الختيارية‪ .‬لكن العمال‬
‫الضطرارية القهرية ليس للِنسان إرادة فيها؛ فل أحد يملك أن يقول للقلب انبض كذا دقة في‬
‫الساعة‪ ،‬ول أن يقول للمعاء‪ :‬تحركي الحركة الدّودية هكذا‪ .‬لكنه يقدر أن يمشي برجليه إلى‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫المسجد‪ ،‬أو يمشي إلى الخّمارة‪ .‬ويستطيع أن يقرأ القرآن أو يقرأ في كتاب يضر ول يفيد‪.‬‬
‫إذن فإرادة الِنسان مسيطرة على البعاض لتحقق الختيار المصحح للتكليف‪ .‬لكن يوم القيامة‬
‫تسلب الِرداة التي للِنسان على أبعاضه‪ ،‬وتبقى البعاض كلها حُرّة‪ ،‬وحين تصير البعاض جُرّة‬
‫فالشياء التي كانت تقبلها في الدنيا بقانون تسخيرها لِرادتك قد زالت وانتهت‪ ،‬فهي في الخرة‬
‫طقَنَا‬
‫شهِدتّمْ عَلَيْنَا قَالُواْ أَن َ‬
‫تشهد على صاحبها؛ تشهد الجلود واليدي والرجل‪َ {:‬وقَالُواْ لِجُلُو ِدهِمْ ِلمَ َ‬
‫شيْءٍ‪[} ...‬فصلت‪]21 :‬‬
‫اللّهُ الّذِي أَنطَقَ ُكلّ َ‬
‫وحين يقولون لربنا‪ :‬ما كنا مشركين‪ ،‬فهذا كلمهم هم‪ ،‬لكن جوارحهم تقول لهم‪ :‬يا كذابون‪ ،‬أنتم‬
‫عملتم كذا‪.‬‬
‫ويقول الحق بعد ذلك‪ } :‬ذاِلكَ أَن لّمْ َيكُنْ رّ ّبكَ‪{ ...‬‬

‫(‪)908 /‬‬
‫ذَِلكَ أَنْ لَمْ َيكُنْ رَ ّبكَ ُمهِْلكَ ا ْلقُرَى بِظُ ْل ٍم وَأَهُْلهَا غَافِلُونَ (‪)131‬‬

‫{ ذاِلكَ } إشارة إلى ما تقدم‪ ،‬وهو إرسال الرسل مبلغين عن ال؛ حتى ل يكون لحد حُجة بعد‬
‫الرسل‪ ،‬وقد أقروا بأن ال أرسل إليهم رسلً‪ ،‬وشهدوا على أنفسهم‪ ،‬وماداموا قد أقرّوا على أنفسهم‬
‫بأن ال أرسل لهم رسلً وشهدوا على أنفسهم بذلك‪ ،‬إذن فهذا إقرار جديد بأن ال لم يكن مهلك‬
‫القرى بظلم وأهلها غافلون؛ لن الحق سبحانه وتعالى قبل أن يعاقب على جُُرم‪ ،‬وقبل أن يجرّم‬
‫ينزل النص بواسطة الرسل‪ .‬أي أن ال ل يهلكهم بسبب ظلم وقع منهم إل بعد ذلك البلغ‪.‬‬
‫{ وَأَهُْلهَا غَافِلُونَ } ‪ ،‬و " الغفلة " ضد اليقظة‪ ،‬فاليقظة‪ ،‬هي تنبّه الذهن الدائم‪ ،‬و " الغفلة " أن تغيب‬
‫بعض الحقائق عن الذهن‪ ،‬ومعنى أن ربنا ل يهلك القرى بظلم وأهلها غافلون أي غير يقظين؛ فلو‬
‫أنهم كانوا يقظين ومتنبهين لما احتاجوا إلى الرسل؛ لن ال عندما خلق الخلق أرسل آدم إلى‬
‫ذريته‪ ،‬وكان المفروض كما يلقن الباء البناء وسائل حياتهم أن يلقنوهم مع ذلك قيم دينهم‪ .‬فكما‬
‫أن الباء يعلمون ذريتهم وسائل حياتهم‪ ،‬ثم ينقلونها ويزيدون عليها بابتكاراتهم‪ ،‬كان من الواجب‬
‫على الباء أن يقوموا بهذا العمل بالنسبة للقيم فتعيش القيم في الناس كما عاشت وسائل حياتهم‪.‬‬
‫ولماذا ‪ -‬إذن ‪ -‬عاشت وسائل حياتهم وتوارثوها وزادوا عليها أشياء؟! لن زاوية الدين هي التي‬
‫يغفل الناس عنها‪ ،‬بسبب أنها تقيد حركتهم في " افعل " و " ل تفعل " ‪ ،‬ولكنهم يريدون الترف في‬
‫وسائل حياتهم‪ .‬لماذا إذن أيها الِنسان تحرص على الترقي في ترف الحياة ول تحرص على‬
‫الترقي في القيم؟‪ .‬لقد كنت‪ -‬على سبيل المثال‪ -‬تشرب من الماء أو النبع بيدك ثم صنعت كوبا‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لتشرب منه‪ ،‬ونقيت الماء من الشوائب ونقلته من المنابع في صهاريج‪ .‬أنت ترفه حياتك المادية‬
‫والمعيشية فأين إذن الهتمام بقيم الدين؟!!‬
‫ولو كانوا متيقظين لكان كل أب قد علم ابنه ما ورثه من آبائه من القيم‪ ،‬وعلى الرغم من ذلك‬
‫رحم الحق سبحانه وتعالى هذه الغفلة‪ ،‬وكرّر التنبيه بواسطة الرسل‪ .‬وكلما انطمست معالم القيم‬
‫التي يحملها المنهج فهو ‪ -‬جل وعل ‪ -‬يرسل رسولً رحمة منه وفضلً وعدالة‪ ،‬ولم يكن يهلك‬
‫القرى بظلم وأهلها غافلون‪ ،‬والغفلة ضد اليقظة‪.‬‬
‫إذن لو كانوا متيقظين لما كانت هناك ضرورة للرسل؛ لن الباء كانوا سينقلون لبنائهم القيم كما‬
‫ينقلون إليهم وسائل حياتهم‪ ،‬وهذا المر مستمر معنا حتى الن؛ إن الب‪ -‬مثلً‪ -‬إن غاب ابنه‬
‫عن المدرسة يوما يلوم البن‪ ،‬وإن أهمل في دروسه أو رسب فهو يعاقب البن‪ ،‬وهذه هي الغيرة‬
‫على المستقبل المادي للبن‪ ،‬ول غيرة على أدائه لفروض الدين‪ ،‬لماذا؟‪ .‬إن الناس لو عنوا‬
‫بمسائل قيمهم كما يعنون دائما بمسائل حياتهم لستقام منهج الخير في الناس وأصبح أمرا رتيبا‪.‬‬
‫وعرفنا أن الغفلة ضدها اليقظة‪ ،‬كما أن السهو ضده التذكر‪ ،‬والغروب ضده الشروق‪ ،‬والغياب‬
‫ضده الحضور‪.‬‬
‫عمِلُواْ‪} ..‬‬
‫ويقول الحق بعد ذلك‪ { :‬وَِل ُكلّ دَرَجَاتٌ ّممّا َ‬

‫(‪)909 /‬‬
‫عمّا َي ْعمَلُونَ (‪)132‬‬
‫عمِلُوا َومَا رَ ّبكَ ِبغَا ِفلٍ َ‬
‫وَِلكُلّ دَرَجَاتٌ ِممّا َ‬

‫{ وَِل ُكلّ } ‪ ،‬وجاءت بالتنوين أي لكلّ من الِنس والجن درجات مما عملوا‪ ،‬فكأن العمال تتفاوت؛‬
‫فقد تكون في ظاهرها قوالب متحدة‪ ،‬لكن التفاوت إنما ينشأ بكثرة العمل‪ ،‬أو بإخلص المقارف‬
‫للعمل والمكتسب والفاعل له‪ ،‬فهناك من يخلص بكل طاقته‪ ،‬وهناك من يؤدي عمله بنصف‬
‫إخلص‪ ،‬ومسألة الِخلص هذه ل تحددها لوائح ول قوانين إنما يحددها الحق سبحانه وتعالى‪،‬‬
‫ولذلك يقول محمد صلى ال عليه وسلم مبلغا عن رب العزة هذا الحديث القدسي‪ " :‬الِخلصُ سر‬
‫من سري استودعته قلب من أحببت من عبادي‪" .‬‬
‫إذن فمقاييس الِخلص ل يعرفها إل ربنا سبحانه وتعالى‪ ،‬وعلى مقدار ذلك تكون الدرجات‪.‬‬
‫وتكون الدرجات على مقدار ما يزيده العبد من جنس ما فرضه ال عليه؛ فالحق قد فرض صلوات‬
‫خمسا‪ ،‬فيزيد العبد عشر ركعات في الليلة مثلً‪ .‬وال قد فرض الصيام شهرا‪ ،‬فيصوم العبد يومي‬
‫الثنين والخميس‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والذي يقف عند ما فرض ال يجازيه ال على إخلصه في أداء ما عليه‪ ،‬وحينما سأل أعرابي‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم عن موقف الذي ل يؤدي إل الفروض فقط‪ ،‬قال له‪ " :‬أفلح إن‬
‫صدق‪ " ،‬فالذي يزيد عما فرض ال من جنس ما فرض ال أشد فلحا‪ .‬ول يصل الِنسان إلى‬
‫المرتبة التي هي أشد فلحا إل إذا كان في درجة أعلى‪ ،‬وكلمة { دَ َرجَاتٌ } تفيد العُلّو‪ ،‬وكلمة "‬
‫دركات " تفيد الهبوط‪ ،‬والحق ل يغفل عن ظاهر وباطن كل عمل لي عبد‪.‬‬
‫ح َمةِ‪} ..‬‬
‫ويقول سبحانه من بعد ذلك‪ { :‬وَرَ ّبكَ ا ْلغَ ِنيّ ذُو الرّ ْ‬

‫(‪)910 /‬‬
‫حمَةِ إِنْ يَشَأْ ُيذْهِ ْبكُ ْم وَيَسْ َتخِْلفْ مِنْ َبعْ ِدكُمْ مَا َيشَاءُ َكمَا أَنْشََأ ُكمْ مِنْ ذُرّيّةِ َقوْمٍ‬
‫وَرَ ّبكَ ا ْلغَنِيّ ذُو الرّ ْ‬
‫َآخَرِينَ (‪)133‬‬

‫وهنا يحنننا ال سبحانه وتعالى إلى عبادته‪ ،‬وإلى تكاليفه؛ يحنننا إلى فضيلة الطاعة‪ ،‬وكل ذلك‬
‫لمصلحتنا وهذا مطلق الربوبية الرحيمة‪ ،‬فيحسن لنا الجزاء‪ ،‬ويفخم لنا فيه لنعمل لصالحنا نحن؛‬
‫لن كل أعمالنا‪ -‬كما قلنا‪ -‬ل تزيد في ملك ال قدر جناح بعوضة‪ ،‬وكل معصياتنا ل تنتقص من‬
‫ملك ال قدر جناح بعوضة؛ لن ال بكل صفات الكمال خلقنا‪ ،‬ولم نزده نحن شيئا‪ .‬لقد أوجد الدنيا‬
‫من عدم‪ ،‬وفرق بين الصفة القائمة بذات ال‪ ،‬وإيجاد متعلق الصفة‪ .‬فال خالق؛ وال رحمن‪ ،‬وال‬
‫رحيم‪ ،‬وال قهار‪ ،‬وسبحانه رحمن ورحيم وقهار وخالق حتى قبل أن يبرز ويظهر ما يخلقه؛ لنه‬
‫بصفة الخالق فيه خلق‪ ،‬وهو رزاق قبل أن يخلق المرزوق‪ ،‬فالصفة موجودة فيه قائمة به‪ ،‬وبهذه‬
‫الصفة رزق‪ ،‬وبوجود هذه الصفات فيه يقول للشيء كن فيكون‪ ،‬وله هذا الكون كله‪ ،‬وهو غني‬
‫عن العباد وله كل الملك‪ ،‬وكذلك خلق التوبة‪ ،‬والرسول صلى ال عليه وسلم يقول‪َ " :‬للّهُ أفرح‬
‫حمَةِ إِن‬
‫بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره وقد أضله في أرض فلة‪ { " .‬وَرَ ّبكَ ا ْلغَنِيّ ذُو الرّ ْ‬
‫يَشَأْ ُيذْهِ ْبكُ ْم وَيَسْ َتخِْلفْ مِن َبعْ ِدكُمْ مّا َيشَآءُ َكمَآ أَنشََأ ُكمْ مّن ذُرّيّةِ َقوْمٍ آخَرِينَ } [النعام‪]133 :‬‬
‫إذن فالخلق مستمر اليجاد من العدميات وهو دليل على أن صفة الخالقية موجودة‪.‬وما آدم في‬
‫منطق العقل واحد ولكنه عند القياس أو ادمفالكون كله من أول آدم موجود‪ ،‬وكل الكون المسخر‬
‫لدم كخليفة في الرض خاضع ل‪ ،‬فإن شاء اذهب الخلق وأتى بخلق جديد‪ .‬ويقول الحق بعد‬
‫ن لتٍ‪} ..‬‬
‫ذلك‪ { :‬إِنّ مَا تُوعَدُو َ‬

‫(‪)911 /‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ت َومَا أَنْتُمْ ِب ُمعْجِزِينَ (‪)134‬‬
‫إِنّ مَا تُوعَدُونَ لََآ ٍ‬

‫والحق سبحانه وتعالى لنه ل إله إل هو‪ ،‬إذا وعد فلبد أن يتحقق وعده‪ ،‬وإذا أوعد فلبد أن يأتي‬
‫وعبده‪ .‬والوعد إذا أطلق فهو في الخير‪ ،‬والوعيد يكون في الشر‪ .‬والذي يخلف الوعد أو الوعيد‬
‫من الخلق فهذا أمر متوقع لنه من الغيار‪ ،‬فيتغير رأيه فلم يعد أهلً لهذا الوعد؛ لنه ربما يكون‬
‫قد وعد بشيء كان يظن أنه في مكنته‪ ،‬وبعد ذلك خرج عن مكنته‪ ،‬فليس له سيطرة على الشياء‪،‬‬
‫لكن إذا كان من وعد قادرا‪ ،‬ول يوجد إله آخر يناقضه فيما وعد أو أوعد به فلبد أن يتحقق‬
‫الوعد أو يأتي الوعيد‪ ..‬ولذلك حينما يحكم ال حكما فالمؤمن يأخذ هذا الحكم قضية مسلمة؛ لنه ل‬
‫ب وَ َتبّ *‬
‫إله مع ال سيغير الحكم‪ ،‬وسبحانه ليس من الغيار‪ ،‬والمثال أنه قال‪ {:‬تَ ّبتْ َيدَآ أَبِي َل َه ٍ‬
‫طبِ * فِي جِيدِهَا‬
‫حمّالَةَ ا ْلحَ َ‬
‫سبَ * سَ َيصْلَىا نَارا ذَاتَ َل َهبٍ * وَامْرَأَتُهُ َ‬
‫مَآ أَغْنَىا عَنْهُ مَاُل ُه َومَا َك َ‬
‫سدٍ }[المسد‪]5-1 :‬‬
‫حَ ْبلٌ مّن مّ َ‬
‫وهذا وعيد في أمر لهم فيه اختيار‪ ،‬ومع ذلك لم يسلموا‪ .‬وجاء بعدها ما يؤكد لكل مسلم‪ :‬إياك أن‬
‫تأخذ هذه القضية مأخذ الشك‪،‬وتقول‪ :‬قد يتوب أبو لهب هذا وزوجه ويسلمان‪ ،‬ألم تتب هند؟! ألم‬
‫يسلم أبو سفيان؟!‪ .‬لكنه سبحانه عالم بما يصير إليه اختيار أبي لهب واختيار زوجه‪ ،‬وإن كان كل‬
‫منهما مختارا‪ ،‬ول يوجد إله سواه ليغير المر عما قال‪ُ {.‬قلْ ُهوَ اللّهُ َأحَدٌ‪[} ...‬الخلص‪]1 :‬‬
‫ن لتٍ َومَآ أَنتُم ِب ُمعْجِزِينَ } [النعام‪]134 :‬‬
‫أي ل يوجد إله أخر ليعدل هذا المر‪ { .‬إِنّ مَا تُوعَدُو َ‬
‫قد يظن بعض الناس أن ال قد يأتي بما وعد به لكنهم قد يهربون منه‪ ،‬ولكن ليس المر كما‬
‫يظنون؛ فالوعد آت وأنتم ل تستطيعون الهرب منه‪ ،‬ول أحد بقادر على أن يمنع ال عن تحقيق ما‬
‫وعد أو أوعد‪ ،‬ولن تفروا من وعده أو وعيده‪ ،‬ولن تغلبوا ال أو تفوتوه وتعجزوه؛ فال غالب على‬
‫أمره‪.‬‬
‫عمَلُواْ عَلَىا‪} ..‬‬
‫ويقول سبحانه من بعد ذلك‪ُ { :‬قلْ يَا َقوْمِ ا ْ‬

‫(‪)912 /‬‬
‫س ْوفَ َتعَْلمُونَ مَنْ َتكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدّارِ إِنّهُ لَا ُيفْلِحُ‬
‫عمَلُوا عَلَى َمكَانَ ِتكُمْ إِنّي عَا ِملٌ فَ َ‬
‫ُقلْ يَا َقوْمِ ا ْ‬
‫الظّاِلمُونَ (‪)135‬‬

‫والقوم هم الجماعة‪ ،‬وعادة يطلق على الرجال لنهم أهل القيام للمهمات؛ لن الشأن والصل في‬
‫المرأة الستر والبيتوتة والستقرار في البيت للقيام على أمره ورعايته‪ .‬وحين تقرأ القرآن تجد‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫كلمة " قوم " وتفهم أن المقصود منها الجماعة التي تجمعهم رابطة‪ ،‬وأنها للرجال خاصة‪ ،‬والمثال‬
‫هو قول الحق‪ {:‬لَ يَسْخَرْ َقوْمٌ مّن َقوْمٍ عَسَىا أَن َيكُونُواْ خَيْرا مّ ْنهُ ْم َولَ ِنسَآءٌ مّن نّسَآءٍ عَسَىا أَن‬
‫َيكُنّ خَيْرا مّ ْنهُنّ‪[} ...‬الحجرات‪]11 :‬‬
‫وما دام قد جاء بمقابل { َقوْمٌ }‪َ { :‬ولَ ِنسَآءٌ } ‪ ،‬فـ { َقوْمٌ } هذه للرجال ومأخوذ منها " القيام‬
‫للمهمات " ‪ ،‬ومأخوذ منها " القيامة "‪ .‬ولذلك الشاعر يقول‪:‬ول أدري ولست أخال أدري أقوم آل‬
‫عمَلُواْ عَلَىا َمكَانَ ِتكُمْ } [النعام‪]135 :‬‬
‫حصن أم نساءيعني أرجال أم نساء‪ُ { .‬قلْ يَا َقوْمِ ا ْ‬
‫و " المكان " هو الحيز الذي يأخذه جسم الِنسان؛ فكل كائن له مكان‪ ،‬إن وقف له مكان‪ ،‬إن قعد له‬
‫مكان‪ ،‬والمكان هو المملوك والمخصص لك من الرض‪ ،‬فحين تقف في مكان ل يقدر آخر أن‬
‫يقف فيه وأنت واقف‪ ،‬بل يجب أن يزحزحك عنه‪ ،‬وحين تزحزح من هو واقف‪ ،‬فهو يروح إلى‬
‫مكان ثانٍ‪ ،‬ويمتنع التداخل بين اثنين في حيز ل يسع إل واحدا‪ ،‬وهذا أمر فطري؛ فتجد الولد‬
‫الصغير الذي لم يدرك أي شيء ويقدر أن يقف فقط‪ ،‬ثم يريد أن يقعد على الكرسي الذي تجلس‬
‫عليه أخته أو أخوه‪ ،‬فقبل أن يقعد على الكرسي يشد من يجلس عليه؛ لنه يعرف بالفطرة أن اثنين‬
‫ل يوجدان في حيز واحد‪.‬‬
‫وترى ذلك أيضا في غير الجرم المرئي‪ ،‬فأنت حين تأتي قارورة وتضعها في ماء لتمتلئ تسمع‬
‫صوت الهواء الخارج منها في بقبقة؛ لن الماء ل يمكن أن يدخل إل أن خرج الهواء‪ ،‬ولن المياه‬
‫أكثف فهي تضغط ليخرج الهواء‪ ،‬وهذا ما يؤكد عدم التداخل‪ .‬أي ل يوجد شيئان اثنان في حيز‬
‫واحد‪ .‬ومكانتك هي الموقع الذي تستولي عليه‪ ،‬ولذلك حتى في الجيوش وفي الحرب توضع‬
‫الخطط من أسلحة مختلفة‪ ،‬لتستولي على الماكن‪.‬‬
‫عمَلُواْ عَلَىا َمكَانَ ِتكُمْ } هو قول موجه إلى الجماعة الذين عارضوا النبوة ووقفوا منها هذه‬
‫و{اْ‬
‫المواقف‪ ،‬فيقول لهم الحق تهديدا لهم وتيئيسا من أنهم لن يصلوا إلى النيل من رسول ال‪ :‬اعملوا‬
‫على قدر استطاعتكم من التمكن‪ ،‬أو أثبتوا على ما أنتم عليه من الخلف والمناهضة‪ ،‬لماذا؟؛ لنه‬
‫صلى ال عليه وسلم عامل أيضا‪ :‬فلن يكون ثباتكم مانعا لي من العمل؛ أنتم تعملون وأنا أعمل‪،‬‬
‫أنتم تعملون على طاقاتكم‪ ،‬وأنا أعمل على طاقاتي الِيمانية ومدد ربي العلى من الطاقة‪ُ { .‬قلْ‬
‫سوْفَ َتعَْلمُونَ مَن َتكُونُ َلهُ عَاقِبَةُ الدّارِ إِنّ ُه لَ ُيفْلِحُ‬
‫عمَلُواْ عَلَىا َمكَانَ ِتكُمْ إِنّي عَا ِملٌ َف َ‬
‫يَا َقوْمِ ا ْ‬
‫الظّاِلمُونَ } [النعام‪]135 :‬‬
‫سوْفَ َتعَْلمُونَ مَن َتكُونُ َلهُ عَاقِبَةُ الدّارِ } و " له " تعطي دللة إلى أن الِيمان ستكون عاقبة‬
‫{ َف َ‬
‫الدار لصالحه؛ لن الخرين لن تكون لهم بل عليهم‪ ،‬وساعة ترى " اللم " اعرف أن المر لهم ل‬
‫عليهم‪ .‬فكأن الظالمين إن تنلهم عاقبة فهي ليست لهم‪ ،‬وإنما عاقبتهم عليهم‪ ،‬ولن يفلح الظالمون‪.‬‬
‫جعَلُواْ للّهِ ِممّا ذَرَأَ مِنَ ا ْلحَ ْرثِ‪} ..‬‬
‫ويقول سبحانه من بعد ذلك‪ { :‬وَ َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫(‪)913 /‬‬
‫ع ِمهِ ْم وَهَذَا ِلشُ َركَائِنَا َفمَا كَانَ‬
‫جعَلُوا لِلّهِ ِممّا ذَرَأَ مِنَ ا ْلحَ ْرثِ وَالْأَ ْنعَامِ َنصِيبًا فَقَالُوا َهذَا لِلّهِ بِزَ ْ‬
‫وَ َ‬
‫ح ُكمُونَ (‪)136‬‬
‫صلُ إِلَى شُ َركَا ِئهِمْ سَاءَ مَا يَ ْ‬
‫لِشُ َركَا ِئهِمْ فَلَا َيصِلُ إِلَى اللّ ِه َومَا كَانَ لِلّهِ َف ُهوَ َي ِ‬

‫وهنا رجوع إلى كلم عن الذين يناهضون منهج ال‪.‬‬
‫و " ذرأ " أي خلق‪ ،‬وبث‪ ،‬وبشر‪ ،‬والحرث يراد به الزرع‪ ،‬وسمى الزرع حرثا؛ لنه يأتي‬
‫بالحرث‪ ،‬و " النعام " وهي تتمثل في ثمانية أزواج في آية تأتي بعد ذلك‪ ،‬وهي البل‪ ،‬والبقر‪،‬‬
‫والضأن والمعز‪.‬‬
‫ث وَالَ ْنعَامِ َنصِيبا } أي مما خلق‪ ،‬وهم قد حرثوا فقط؛ لن الذي‬
‫جعَلُواْ للّهِ ِممّا ذَرَأَ مِنَ الْحَ ْر ِ‬
‫{ وَ َ‬
‫يزرع هو ال‪ ،‬فسبحانه الذي أعطى للبذرة قوتها لتربي لها جذرا‪ ،‬وتمتص عناصر الغذاء من‬
‫الرض‪ ،‬وهو الذي جاء بعناصر الرض كلها‪ ،‬وهو الذي جعل البذرة تتوجه إلى العناصر‬
‫سوّىا * وَالّذِي قَدّرَ َفهَدَىا }‪ .‬والذي صنعه‬
‫الصالحة لها‪ ،‬وتترك غير صالح بقانون { الّذِي خَلَقَ َف َ‬
‫ال الحرث وفي النعام تتخيلون أنكم تتصرفون فيه على رغم أنه هو الذي ذرأ وخلق‪ .‬إنه ‪-‬‬
‫سبحانه ‪ -‬هو المتصرف‪.‬‬
‫هم جعلوا ل مما ذرأ من الحرث والنعام نصيبا فقالوا‪ :‬هذا ل " بزعمهم " وهذا لشركائنا‪ ،‬أي‬
‫جاءوا بالحرث وقسموه قسمين‪ .‬وقالوا‪ :‬هذا ل‪ ،‬وهذا للصنام‪ .‬وكذلك قسموا النعام وجعلوا منها‬
‫قسما ل‪ ،‬وقسما لهم‪ ،‬ألم يكن من العدل أن يقسم الذي خلق بدلً من هذا الزعم منكم لنكم أخذتم‬
‫غير حقكم‪ ،‬وياليتكم أنصفتم فنرضى بقسمتكم فيذهب القسم الذي ل للصدقات على الفقراء‪ ،‬والذي‬
‫للشركاء يذهب للصنام وللسدنة الحجاب عليها والخادمين والذين يضربون لكم القداح‪ ،‬ويا ليتكم‬
‫عرفتم العدل في القسمة بل أن ما صنعتموه هي قسمة ضيزى جائرة وظالمة‪ ،‬لماذا؟‪ .‬تأتي الجابة‬
‫صلُ إِلَىا اللّهِ َومَا كَانَ للّهِ َف ُهوَ َيصِلُ إِلَىا شُ َركَآ ِئهِمْ‪} ..‬‬
‫من الحق‪َ { :‬فمَا كَانَ لِشُ َركَآ ِئهِمْ فَلَ َي ِ‬
‫[النعام‪]136 :‬‬
‫أنتم قسمتم وقلتم‪ :‬هذا ل وهذا لشركائنا‪ .‬فاصدقوا مع أنفسكم في هذه النسبة‪ ،‬لكنهم كانوا يسرقون‬
‫حق ال‪ ،‬وكان لهم في الهلك تقسيم معين‪ ،‬وفي الزيادة لهم تقسيم آخر‪ .‬فإذا ما جاءت آفة للزرع‬
‫وأهلكته أخذوا ما خصصوه ل وأعطوه للشركاء وقالوا‪ :‬إن ربنا غني! وبرغم أنكم قسمتم ولكنكم‬
‫لم توفوا بالقسمة التي فرضتموها ورضيتم بها‪.‬‬
‫وكذلك في النعام يقدرون عددا من النعام ويقولون‪ :‬هذه ل‪ ،‬وتلك للشركاء‪ ،‬فإن ماتت بهيمة من‬
‫ل منها من القسم‬
‫النذور ل لم يعوضوها‪ ،‬وإن ماتت بهيمة منذورة للصنام يعوضونها ويأخذوا بد ً‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الذي نذروه ل‪ .‬وأيضاًَ لنفترض أن عينا جارية ساحت فيها المياه لتروي الزرع المقسوم ل‪،‬‬
‫فيأخذوا منها للرض المزروعة للصنام‪ .‬إذن هي قسمة ضيزى من البداية‪ ،‬وليتهم وفوا بهذه‬
‫القسمة‪ ،‬وهكذا ساء حكمهم وفسد‪.‬‬
‫ويقول الحق بعد ذلك‪َ { :‬وكَذاِلكَ زَيّنَ ِلكَثِيرٍ‪} ..‬‬

‫(‪)914 /‬‬
‫َوكَذَِلكَ زَيّنَ ِلكَثِيرٍ مِنَ ا ْلمُشْ ِركِينَ قَ ْتلَ َأوْلَا ِدهِمْ شُ َركَاؤُ ُهمْ لِيُرْدُو ُه ْم وَلِيَلْبِسُوا عَلَ ْيهِمْ دِي َنهُ ْم وََلوْ شَاءَ اللّهُ‬
‫مَا َفعَلُوهُ َفذَرْهُ ْم َومَا َيفْتَرُونَ (‪)137‬‬

‫وأيضا نقلوا تلك القسمة الضيزى إلى ما يتعلق بذواتهم في النجاب والنسال؛ فشركاؤهم زينوا‬
‫لهم قتل أولدهم‪ ،‬و " التزيين " هو إدخال عنصر التحسين على التزيين أمرا عرضيا طارئا‪،‬‬
‫ووجه التزيين أنهم كانوا إما أغنياء‪ ،‬وإما فقراء‪ ،‬فإن كانوا فقراء يقل الواحد منهم لماذا أجلب‬
‫لنفسي هّما على همّ‪ ،‬وإن كانوا أغنياء يقل الواحد منهم‪ :‬إن البناء سيأخذون منك ويفقرونك‪ .‬إذن‬
‫ففيه أمران‪ :‬إما فقر موجود بالفعل‪ ،‬وإما فقر مخوّف منه‪ ،‬ولذلك تجد اليات التي تعرضت لهذا‬
‫المعنى‪ ،‬تأتي على أسلوبين اثنين؛ فال َعجُز مختلف باختلف الصدر‪ ،‬والذين يحبون أن يستدركوا‬
‫على أساليب القرآن لنه مرة يقول‪َ {:‬ولَ َتقْتُلُواْ َأوْل َدكُمْ خَشْ َيةَ ِإمْلقٍ نّحْنُ نَرْ ُز ُقهُ ْم وَإِيّاكُم‪} ...‬‬
‫[السراء‪]31 :‬‬
‫ومرة ثانية يقول‪ {:‬نّحْنُ نَرْ ُز ُقكُ ْم وَإِيّا ُهمْ‪[} ...‬النعام‪]151 :‬‬
‫فما الفرق بين العبارتين؟‬
‫ونقول لمثل هذا القائل‪ :‬أنت تقارن بين التذييل { نّحْنُ نَرْ ُز ُقكُ ْم وَإِيّا ُهمْ } ‪ ،‬و { نّحْنُ نَرْ ُز ُقهُمْ‬
‫وَإِيّاكُم }‪ .‬هذا تذييل لية‪ ،‬وهذه تذييل لية ثانية‪ .‬هات ذيل الية مع صدرها نجد أن ذيل كل آية‬
‫مناسب لصدرها‪ .‬ومادام قد اختلف في الصدر فلبد أن يختلف في الختام‪ ،‬ففي الية الولى يقول‬
‫خشْيَةَ ِإمْلقٍ } فالملق وهو الفقر واقع موجود‪ .‬إذن فشغل‬
‫الحق سبحانه‪َ { :‬ولَ َتقْتُلُواْ َأوْل َدكُمْ َ‬
‫النسان برزقه أولى من شغله برزق من يعوله من الولد‪ ،‬فيقول الحق لهؤلء‪َ {:‬ولَ َتقْتُلُواْ‬
‫َأ ْولَ َدكُمْ مّنْ إمْلَقٍ نّحْنُ نَرْ ُز ُقكُ ْم وَإِيّا ُهمْ‪[} ...‬النعام‪]151 :‬‬
‫فالملق موجود‪ ،‬وشغلهم برزق أنفسهم يمل نفوسهم‪ .‬لذلك يقول لهم‪ { :‬نَرْ ُز ُق ُك ْم وَإِيّاهُمْ }‬
‫فيطمئنهم سبحانه نحن نرزقكم ثم نرزقهم‪ .‬أما إن كان الملق غير موجود فالحق يقول‪َ {:‬ولَ‬
‫َتقْتُلُواْ َأوْل َدكُمْ خَشْ َيةَ ِإمْلقٍ نّحْنُ نَرْ ُز ُقهُ ْم وَإِيّاكُم‪[} ...‬السراء‪]31 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أي ل تقتلوا أولدكم خوفا من فقر‪ ،‬فأنتم تملكون رزقكم‪ ،‬وحين يأتي الولد نرزقهم ونرزقكم‬
‫معهم‪ .‬وهكذا نرى أن الصدر مختلف في اليتين‪ ،‬وكذلك العجز‪ ،‬والشركاء كانوا يزينون قتل‬
‫الولد‪ ،‬وهذه مسألة تحتاج إلى تزيين قاس؛ لن حب البناء غريزة في النفس البشرية‪ ،‬والنفس‬
‫تحب أن يكون لها ذرية؛ لن النسان يفهم أنه مهما طال عمره فسوف يموت فيحب أن يظل‬
‫اسمه في الجيال المتتابعة‪ .‬ونجد النسان وهو ممتلئ بالسعادة حين يأتيه حفيد‪ ،‬ويقول‪ :‬لقد‬
‫ضمنت ذكري لجيلين قادمين‪ ،‬وينسى أن الذكر الحقيقي هو الذي يقدمه النسان من عمل‪ ،‬ل‬
‫ذكرى البناء وحب امتداد الذات‪ .‬وقتل البناء يحتاج إلى تزيين شديد‪ ،‬كأن يقال‪ :‬إن أنجبت أبناء‬
‫فسيفقرونك ويذلونك‪ ،‬فأنتم أمة غارات وأمة حروب وكل يوم يدخلك أبناؤك في قتال ونزال فتكون‬
‫بين فقد لبنائك أو انتهاب لمالك‪ ،‬وإن كانوا بنات فسيتم سبيهن من بعدك‪ ،‬وهكذا تكون المبالغة في‬
‫الغراء لعملية تناقض الفطرة السليمة في امتداد النسل‪َ { .‬وكَذاِلكَ زَيّنَ ِلكَثِيرٍ مّنَ ا ْلمُشْ ِركِينَ قَ ْتلَ‬
‫َأ ْولَدِهِمْ شُ َركَآؤُهُمْ لِيُرْدُو ُهمْ‪.‬‬
‫‪[ { .‬النعام‪]137 :‬‬
‫و } ِلكَثِيرٍ مّنَ ا ْل ُمشْ ِركِينَ { تفيد أن بعضهم كان يرفض قتل الولد‪ ،‬و " يردوهم " من الردى‪،‬‬
‫وهو الهلك‪ ،‬والموت‪ } .‬ولِيَلْبِسُواْ عَلَ ْيهِمْ دِي َنهُمْ‪[ { ..‬النعام‪]137 :‬‬
‫أي يخلطوا عليهم الدين‪ ،‬فهل كان عندهم دين؟‪ ,‬لقد ورث هؤلء من أمر قيم الدين ما كان سابقا‬
‫وهو ما كانوا عليه من دين إسماعيل عليه السلم حتى مالوا وزالوا عنه إلى الشرك‪ ،‬إنهم زينوا‬
‫لهم أعمال ليوردوهم موارد الهلكة‪ .‬وحاولوا أن يخلطوا عليهم ما بقي لهم من دين‪ ...} .‬وََلوْ شَآءَ‬
‫اللّهُ مَا َفعَلُوهُ فَذَ ْرهُ ْم َومَا َيفْتَرُونَ { [النعام‪]137 :‬‬
‫لن وأد الولد وقتلهم إنما ينافي فكرة خلق ال‪ ،‬فهل يخلق ال لتقتل أنت؟!‬
‫كأنهم يصادمون إرادة الِيجاد من الحق سبحانه وتعالى‪ ،‬لكنّه‪ -‬سبحانه‪ -‬لو شاء ما فعلوا ذلك‪،‬‬
‫فهو قد أعطاهم الختيار‪ ،‬ومن باب الختيار ينفذون إلى كل مراد لهم‪ ،‬ولو لم يخلق ال فيهم‬
‫اختيارا ما فعلوا ذلك؛ لنه لو أراد أل يضلوا لما فعلوا‪ ،‬وقد أراد ال أن يوجد خلقا ل يعصون ال‬
‫ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون وهم الملئكة‪.‬‬
‫إذن فهذه المسألة ليست عزيزة على ال‪ ،‬وسبحانه ساعة يقهر على مراد له‪ ،‬إنما يكون ذلك‬
‫لمصلحة المخلوق‪ ،‬وساعة يتركه مختارا فمن إمداد الخالق له بالختيار ول يفعل المختار شيئا‬
‫غصبا عن ال؛ لن اللوهية تقتضي أمرين اثنين‪ :‬تقتضي قدرة تتجلى في الشياء القهرية التي ل‬
‫يستطيع العباد أن يقفوا أمامها‪ ،‬والِنسان هو الكائن الوحيد الذي له حق الختيار بين البديلت في‬
‫مراداته‪ ،‬أما بقية الكون فسائر بقانون التسخير وليس له اختيار‪.‬‬
‫والكائنات المسخرة أثبتت ل طلقة القدرة‪ ،‬ولكنها ل تثبت ل محبوبية المخلوق؛ لن المحبوبية‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫تنشأ من أنك تكون حرّا في أن تفعل‪ ،‬ولكنك تؤثر فعلً مراد ل على مرادك‪ } .‬وََلوْ شَآءَ اللّهُ مَا‬
‫َفعَلُوهُ َفذَرْهُ ْم َومَا َيفْتَرُونَ {‪.‬‬
‫و " الفتراء " هو الختلق والكذب المتعمد‪ ،‬وهم مفترون‪ ،‬لنهم أرادوا أن يغيروا صدق الواقع‬
‫في الِنجاب‪ ،‬فقد خلق ال الزوجين‪ -‬الذكر والنثى‪ -‬من أجل الِنجاب‪.‬‬
‫ويقول سبحانه من بعد ذلك‪َ } :‬وقَالُواْ هَـا ِذهِ أَ ْنعَامٌ‪{ ...‬‬

‫(‪)915 /‬‬
‫ظهُورُهَا وَأَ ْنعَامٌ لَا‬
‫ع ِمهِمْ وَأَ ْنعَامٌ حُ ّر َمتْ ُ‬
‫ط َع ُمهَا إِلّا مَنْ َنشَاءُ بِزَ ْ‬
‫حجْرٌ لَا يَ ْ‬
‫َوقَالُوا هَ ِذهِ أَ ْنعَامٌ وَحَ ْرثٌ ِ‬
‫سمَ اللّهِ عَلَ ْيهَا افْتِرَاءً عَلَ ْيهِ سَ َيجْزِيهِمْ ِبمَا كَانُوا َيفْتَرُونَ (‪)138‬‬
‫يَ ْذكُرُونَ ا ْ‬

‫وهذا تمادٍ في الشرك؛ لنهم قسموا الحيوانات والحرث وحجزوا قسما للصنام‪ ،‬وهذه النعام‬
‫المرصودة للصنام ل يتصرف فيها أحد‪ ،‬فل يؤخذ لبنها ول يستخدمها أحد كمطايا‪ ،‬ول يتعدى‬
‫نفعها للناس‪ .‬ولم يتنبهوا إلى أن هذه النعام نعمة من ال‪ ،‬ولبد من النتفاع بها‪ ،‬وليس من حسن‬
‫التعقل أن تترك حيوانا تستطيع أن تستفيد من تسخيره لك ول تفعل‪ ،‬هم قد فعلوا ذلك وحكى الحق‬
‫ع ِمهِمْ‪[ } ..‬النعام‪:‬‬
‫ط َع ُمهَآ ِإلّ مَن نّشَآءُ بِزَ ْ‬
‫حجْ ٌر لّ َي ْ‬
‫عنهم فقال‪َ { :‬وقَالُواْ هَـا ِذهِ أَ ْنعَامٌ وَحَ ْرثٌ ِ‬
‫‪]138‬‬
‫ظهُورُهَا‪[ } ..‬النعام‪:‬‬
‫أي هي أنعام محرم استخدامها‪ ،‬وحرموا أيضا ركوبها‪ { .‬وَأَ ْنعَامٌ حُ ّر َمتْ ُ‬
‫‪]138‬‬
‫وتمادوا في الكفر فذكروا أسماء الصنام عليها‪ { :‬وَأَ ْنعَا ٌم لّ َي ْذكُرُونَ اسْمَ اللّهِ عَلَ ْيهَا افْتِرَآءً‬
‫عَلَيْهِ‪[ } ..‬النعام‪]138 :‬‬
‫وهذا لون من الفتراءات قد فعلوه ونسبوه إلى أنه متلقّى من ال‪ ،‬ومأمور به منه‪ -‬سبحانه‪ -‬ولو‬
‫قالوا‪ :‬إن هذه المور من عندهم لكان وقع الفتراء أقل حدة‪ ،‬لكنه افتراء شديد لنهم جاءوا بهذه‬
‫الشياء ونسبوها إلى ال‪ ،‬وهم قد انحلوا عن الدين وقالوا على بعض من سلوكهم إنه من الدين‪،‬‬
‫ولذلك يجازيهم ال بما افتروا مصداقا لقوله‪ { :‬سَيَجْزِيهِم ِبمَا كَانُواْ َيفْتَرُونَ } [النعام‪]138 :‬‬
‫ويقول الحق بعد ذلك‪َ { :‬وقَالُواْ مَا فِي ُبطُونِ‪} ..‬‬

‫(‪)916 /‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫َوقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَ ِذهِ الْأَ ْنعَامِ خَاِلصَةٌ لِ ُذكُورِنَا َومُحَرّمٌ عَلَى أَ ْزوَاجِنَا وَإِنْ َيكُنْ مَيْ َتةً َفهُمْ فِيهِ‬
‫علِيمٌ (‪)139‬‬
‫حكِيمٌ َ‬
‫شُ َركَاءُ سَيَجْزِيهِمْ َوصْ َفهُمْ إِنّهُ َ‬

‫ويقودهم الباطل إلى باطل آخر فادعوا أن ما في بطون هذه النعام من اللبن ومن الجنة إذا نزلت‬
‫حيّة فهي للذكور منهم فقط‪ ،‬ول تأكل النساء من ذلك شيئا‪ ،‬وإن مات منها شيء أكله الرجال‬
‫والنساء وهذا يدل على التشقيق في القسمة‪.‬‬
‫حكِيمٌ عَلِيمٌ } [النعام‪]139 :‬‬
‫صفَهُمْ إِنّهُ ِ‬
‫ويذيل الحق الية بالقول الكريم‪..{ :‬سَ َيجْزِيهِ ْم َو ْ‬
‫أي سيجزيهم على كذبهم وافترائهم بما يليق عقابا للكاذبين؛ لنه‪ -‬سبحانه‪( -‬حكيم) في أفعاله‬
‫وأقواله وشرعه وقدره (عليم) بما يفعلونه من خير وشر‪ ،‬وإنه سيجازيهم على ما فعلوه أتم الجزاء‬
‫وأكمله‪.‬‬
‫ويقول الحق من بعد ذلك‪ { :‬قَدْ خَسِرَ الّذِينَ‪} ...‬‬

‫(‪)917 /‬‬
‫س َفهًا ِبغَيْرِ عِلْ ٍم َوحَ ّرمُوا مَا رَ َز َق ُهمُ اللّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللّهِ قَ ْد ضَلّوا َومَا‬
‫قَدْ خَسِرَ الّذِينَ قَتَلُوا َأوْلَادَ ُهمْ َ‬
‫كَانُوا ُمهْ َتدِينَ (‪)140‬‬

‫وجْه الخسران أنهم لم يلتفتوا إلى أن ال يرزقهم ويرزق أبناءهم أيضا‪ ،‬ولعلك أيها الب قتلت‬
‫ولدا‪ ،‬كنت ستعيش أنت في رحاب رزقه‪ ،‬وكثيرا ما يكون البعض من الولد صاحب رزق‬
‫وفير‪ ،‬ويقال عن مثل هذا البن‪ :‬إن وجهه وجه الخير والسعد والبركة‪ ،‬فمن يوم أن وُلد ولد معه‬
‫الخير‪ ،‬وذلك حتى ل يتأبى النسان على عطاء ال؛ لنك حين تتأبى على عطاء ال تحرم نفسك‬
‫العطاء فيما تظنه غير عطاء‪ ،‬وهذا خسران كبير‪.‬‬
‫إننا نلحظ أن العرب كانوا في بيئة تستجيب وتلبي الصريخ‪ ،‬فساعد يصرخ من في شدة نزلت به‬
‫واستنجد‪ ،‬يجد من ينقذه‪ ،‬والولى بالنجدة أهل الرجل وأولده‪ .‬والمثال على ذلك ما حدث من جد‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم حينما ذهب ليحفر البئر‪ ،‬وجاءت قريش ووقفت له حتى ل يحفر‪.‬‬
‫فقال‪ :‬لو أن لي عشرة أبناء سأضحي بواحد منهم‪ .‬إذن فكثرة الولد في هذه المسائل تعطي‬
‫العزوة وتكثر الصريخ‪ ،‬ول يفعل ذلك إل المفطور على النجدة‪.‬‬
‫وإن قتلت ابنا خوفا من الفقر فقد تخسر رزقا قد يكون في طي من تقتل من الذرية‪ ،‬وفوق ذلك‬
‫تفقد مباهج الشأن أو العزوة أو الل‪ .‬أو على القل أنهم قد خسروا ال أنهم عاكسوا مرادات ال‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫سفَها ِبغَيْرِ عِ ْلمٍ‪[ } ..‬النعام‪]140 :‬‬
‫في اليجاد بالنجاب‪ { .‬قَدْ خَسِرَ الّذِينَ قَتَلُواْ َأ ْولَدَهُمْ َ‬
‫سفَها } تعني طيشا‪ ،‬وحمقا‪ ،‬وجهلً‪..{ .‬وَحَ ّرمُواْ مَا رَ َز َقهُمُ اللّهُ افْتِرَآءً عَلَى اللّهِ َق ْد ضَلّواْ َومَا‬
‫و{ َ‬
‫كَانُواْ ُمهْ َتدِينَ } [النعام‪]140 :‬‬
‫وهم حين يحرمون على أنفسهم ما رزقهم ال من النعام‪ ،‬فهم أهل حمق وضلل وخسران فلو‬
‫تركوها لنتفعوا منها في حمل أثقالهم أو فيما تدره من لبن‪ ،‬أو في أكل لحمها‪ .‬إنهم بحمقهم‬
‫وجهلهم قد خسروا كثيرا‪ ،‬وهم مع ذلك فعلوا ما فعلوا بكذب متعمد على ال‪ ،‬وهم قد ضلوا ولم‬
‫يكونوا أهلً للهداية‪ ،‬وكان يكفي أن يصفهم بقوله‪َ { :‬ق ْد ضَلّواْ }؛ لكنه أضاف‪َ { :‬ومَا كَانُواْ ُمهْتَدِينَ‬
‫} لن الضلل هو عدم الذهاب إلى المقصد الموصل للغاية‪ ،‬وقد يكون ذلك عن جهل بالطريق‪،‬‬
‫لكن الحق سبحانه رسم لهم طريق الحق فآثروا الذهاب إلى الضلل مع وجود طريق الحق‪.‬‬
‫ويقول سبحانه بعد ذلك‪ { :‬وَ ُهوَ الّذِي أَنشَأَ‪} ..‬‬

‫(‪)918 /‬‬
‫ن وَال ّرمّانَ‬
‫ل وَالزّ ْرعَ مُخْتَِلفًا ُأكُلُ ُه وَالزّيْتُو َ‬
‫خَ‬
‫ت وَالنّ ْ‬
‫وَ ُهوَ الّذِي أَنْشَأَ جَنّاتٍ َمعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ َمعْرُوشَا ٍ‬
‫حبّ‬
‫حصَا ِد ِه وَلَا ُتسْ ِرفُوا إِنّهُ لَا ُي ِ‬
‫حقّهُ َي ْومَ َ‬
‫مُتَشَا ِبهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ َثمَ ِرهِ ِإذَا أَ ْثمَ َر وَآَتُوا َ‬
‫ا ْلمُسْ ِرفِينَ (‪)141‬‬

‫وقول الحق‪ { :‬أَنشَأَ } أي أوجد على إبداع لم يسبق له مثيل فلم يكن هناك نماذج توضيحية تدل ال‬
‫سبحانه‪ ،‬وإنما ابتدأها على غير مثال سابق؛ لنه ل يوجد خالق سواه‪ .‬والخالق إذا لم يكن هناك‬
‫سواه من شريك أو ندٍ فإنه حين يخلق إنما ينشىء خلقا على غير نظام أو مثالٍ كان قد سبقه‪.‬‬
‫وكلمة { جَنّاتٍ } تؤدي ما نعرفه من المكان المحدد الذي يجمع صنوف الزروع والثمار مما‬
‫نقتات‪ ،‬ومما نتفكه به‪ ،‬وتسمى جَنّة وتسمى جَنّات؛ لن المادة كلها تدل على الستر وعلى التغطية‪،‬‬
‫ومنه الجُنون لن فيه سترا للعقل‪ ،‬ومنها الجنّ لنهم مستورون عن رؤية العين‪ ،‬وكذلك " المِجَنّ "‬
‫لنه الذي يستر عن الِنسان طعنات الخصم‪.‬‬
‫والجَنّة هي المكان الممتلئ بالزرع والثمار وتعلو الشجار فيه وتكثف وتلتف أغصانها وفروعها‬
‫بحيث تستر من يكون بداخلها وتستره أيضا عن بقية المكنة؛ لنه ل حاجة له إلى المكنة‬
‫الخرى؛ ففي الجنة كل مقومات الحياة من غذاء وفاكهة ومرعى‪ ،‬وماء وخضرة ومتعة‪ ،‬وفيها‬
‫كل شيء‪ .‬كما تسمى البيت العظيم المكتمل الذي يضم ويشتمل على كل المرافق " قصرا " لنّه‬
‫َقصَرَك على أي مكان سواه؛ لن فيه الشياء التي تحتاج إليها كلها‪ ،‬فل تحتاج إلى شيء بعده‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫{ وَ ُهوَ الّذِي أَنشَأَ جَنّاتٍ ّمعْرُوشَاتٍ‪[ } ..‬النعام‪]141 :‬‬
‫ومادة العرش تدل على العلو‪ ،‬ومنه قيل للسقف " عرش " ويطلق العرش أيضاَ على السرير؛ مثل‬
‫قوله الحق " { وَ َرفَعَ أَ َبوَيْهِ عَلَى ا ْلعَرْشِ }‪.‬‬
‫ويطلق العرش على الملك مثل قوله الحق‪ { :‬وََلهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ }‪.‬‬
‫كل ذلك يدل على " العلو " وقوله الحق هنا‪ّ { :‬معْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ َمعْرُوشَاتٍ } ‪ ،‬أي أن الزرع من‬
‫نوع العنب‪ ،‬حين نعني به نجعل له القوائم والقواعد التي يقوم عليها؛ لن امتداد أغصانه اللينة ل‬
‫تنهض أن تقوم وحدها‪ ،‬ولكن هناك نوع أيضا يقوم وحده نسميه العنب الرضي‪ ،‬وكأن الكلم فيما‬
‫يختص بالكَرْم‪ .‬أي‪ :‬أنك إذا ما نظرت إلى الزرع الذي ل ساق له كالبطيخ‪ ،‬والشمام‪ ،‬وكالكوسة‪،‬‬
‫وكل الزروع التي ليس لها ساق تجدها مفروشة في الرض أي غير قائمة على قواعد وقوائم‬
‫وعروش‪ .‬وإن كنا الن نحاول أن نرفعها لنعطي لها قوة النتاج‪ .‬والكلم جاء على ما كان‬
‫موجودا عند العرب أيام بعثة النبي صلى ال عليه وسلم { وَ ُهوَ الّذِي أَنشَأَ جَنّاتٍ ّمعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ‬
‫خلَ وَالزّ ْرعَ }‪ .‬والزرع يطلق ويراد به ما نقتات به من الحبوب‪.‬‬
‫َمعْرُوشَاتٍ وَالنّ ْ‬
‫{ ُمخْتَلِفا ُأكُُل ُه وَالزّيْتُونَ وَال ّرمّانَ مُ َتشَابِها وَغَيْرَ مُ َتشَابِهٍ‪[ } ..‬النعام‪} 141 :‬‬
‫وحين ننظر إلى هذه الية نجد أنه قد سبقتها آية فيها كل هذه المعاني يقول سبحانه‪ {:‬وَ ُهوَ الّذِي‬
‫خضِرا نّخْرِجُ مِنْهُ حَبّا مّتَرَاكِبا َومِنَ‬
‫شيْءٍ فََأخْرَجْنَا مِ ْنهُ َ‬
‫سمَآءِ مَآءً فَأَخْ َرجْنَا بِهِ نَبَاتَ ُكلّ َ‬
‫أَن َزلَ مِنَ ال ّ‬
‫ن وَال ّرمّانَ مُشْتَبِها وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُواْ‬
‫خلِ مِن طَ ْل ِعهَا قِ ْنوَانٌ دَانِيَ ٌة َوجَنّاتٍ مّنْ أَعْنَابٍ وَالزّيْتُو َ‬
‫النّ ْ‬
‫إِلِىا َثمَ ِرهِ إِذَآ أَ ْثمَ َر وَيَ ْنعِهِ إِنّ فِي ذاِل ُك ْم ليَاتٍ ّل َقوْمٍ ُي ْؤمِنُونَ }‬
‫[النعام‪]99 :‬‬
‫وبعض الناس يحاولون نقد القرآن فيقولون‪ :‬إنه يكرر المعاني الواحدة؛ لنهم ل يمتلكون فطنة أن‬
‫المتكلم هو ال‪ ،‬وسبحانه يتكلم في كل شيء لمر حكيم‪ ،‬فهو هنا يتكلم عن هذه الشياء كدليل على‬
‫الخالق ووحدانيته بدليل أنه ذيل الية بقوله‪ } :‬إِنّ فِي ذاِلكُ ْم ليَاتٍ ّل َقوْمٍ ُي ْؤمِنُونَ { ‪ ،‬ولكن الكلم‬
‫في الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها قد جاء بقصد الحديث عن النتفاع بها فيقول‪ } :‬كُلُواْ مِن‬
‫حصَا ِدهِ‪[ { ...‬النعام‪]141 :‬‬
‫حقّهُ َيوْمَ َ‬
‫َثمَ ِرهِ إِذَآ أَ ْثمَ َر وَآتُواْ َ‬
‫ول شك أن استقامة العقيدة باليمان بالِله الواحد تحتاج إلى الدليل أولً؛ لن فائدتها أشمل‪ ،‬وأعم‪،‬‬
‫وأعمق‪ ،‬وأخلد من الكل‪ ،‬لن الكل قصارى ما فيه أنه يقوتنا هذه الحياة‪ ،‬ولكن الدلة الولى‬
‫تعطينا الثواب الباقي والنعيم المقيم؛ لذلك فالية الولى متعلقة بالدليل‪ ،‬وهذه الية متعلقة بالنتفاع‪،‬‬
‫وهنا نلحظ أنه قال‪ } :‬كُلُواْ مِن َثمَ ِرهِ إِذَآ أَ ْثمَرَ { ‪ ،‬وفي هذه إباحة لتناول الشياء منه قبل أن‬
‫تنضج دون أن يترتب على ذلك لون من الضرر وإل عالجناها بما يزيل وينفي عنا الضرر‪ ،‬فإذا‬
‫ما وجدت ثمارا لم تنضج لك أن تأكل منها‪ ،‬ولم يجعل الحق لنا حرجا فيما نحرث ونبذر ونروي‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ولكن ال سبحانه هو الذي يزرع ونحن نأكل منه‪ ،‬ونجد أهل الريف يشوون الذرة قبل أن تنضج‬
‫حصَا ِدهِ {‪.‬‬
‫حقّهُ َيوْمَ َ‬
‫ويقول سبحانه‪ } :‬وَآتُواْ َ‬
‫لقد قالوا إن الية مختصة بما يُحصَد وهي الزروع‪ ،‬أما الشياء التي ل يقال فيها‪ :‬حصد فهي‬
‫خارجة عن ذلك مثل الفواكه‪ ،‬لكن الِمام أبا حنيفة يرفض ذلك ويرى‪ :‬أن كل ما تنبته الرض‬
‫ينطبق عليه هذا النص؛ لنه ل يصح أن تأخذ معنى الحصاد على العرف‪ ،‬ولكن بفهم اللغة‪.‬‬
‫ما معنى الحصاد في اللغة؟‪ .‬الحصاد في اللغة القطع‪ ،‬فحينما تفصل الثمرة المطلوبة فهذا هو‬
‫الحصاد‪ .‬ولكن يوم الحصاد للحبوب؛ تكون الغلل في السنابل‪ ،‬ويرى الِمام أبو حنيفة أن تعطي‬
‫من البداية لمن حضر القسمة‪ ،‬وكذلك حينما تدرسه وتذريه تعطي‪ ،‬وعندما تغربل الحبوب أعط‬
‫أيضا‪ ،‬ويبتدئ الحصاد من ساعة أن تُكيل‪ ،‬وما تقدم غير محسوب‪ ،‬ما تأتيه من الحق يوم حصاده‬
‫هو غير المفروض؛ لنه لم يقل الحق المعلوم‪ ،‬وفي هذا اتساع لدائرة امتداد الخير إلى غير‬
‫حبّ ا ْلمُسْ ِرفِينَ { [النعام‪]141 :‬‬
‫الزارعين‪َ ...} .‬ولَ تُسْ ِرفُواْ إِنّهُ لَ ُي ِ‬
‫والسراف هو مجاوزة الحد‪ ،‬والبعض قد فسّر الِسراف بالزيادة فقط‪ ،‬ولكن الحقيقة أن أي تجاوز‬
‫للحد زيادة أو نقصا يسمى إسرافا؛ لنه مأخوذ من " سرف الماء " ‪ ،‬وهو أن يُطلق الماء ويذهب‬
‫في غير نفعٍ‪ ،‬وسيدنا مجاهد يقول‪ :‬لو أن للِنسان مثل جبل أبي قبيس ذهبا ثم أنفقه في حلّ ما عُدّ‬
‫سرفا‪ ،‬ولو صرف درهما واحدا في معصية يعد سرفا‪.‬‬
‫إذن فمعنى‪ " :‬ول تسرفوا " أمران اثنان بمعنى ل تتجاوزوا الحدود التي شرعها الحق فتستعملوا‬
‫هذا في معصية‪ ،‬أو ل تسوفوا في أن تعطوا للفقير أقل مما يستحق‪.‬‬
‫وكان حاتم الطائي كريما جدا‪ ،‬وقعدوا يلومونه على هذا الكرم‪ ،‬فقال واحد له‪ :‬ل خير في السرف‪.‬‬
‫رد عليه فقال له‪ :‬ول سرف في الخير‪ .‬أي أنه مادام في الخير فل يكون سرفا‪.‬‬
‫وإذا كنا سنأخذ المر على المعنيين الثنين‪ :‬النقص والزيادة‪ ،‬فما المانع أن نعطي للفقير أكثر؟‪.‬‬
‫ويحكي الثر أن أناسا قد تأخذهم الريحية والنشاط للبذل والعطاء ساعة يرون كثرة غلتهم‪ ،‬وما‬
‫أفاء ال عليهم من ريع أرضهم‪ .‬إنهم يعطون الكثير مثلما عمل ثابت بن قيس‪ ،‬وكان عنده خمسون‬
‫نخلة وجزها وأعطاها كلها للفقراء‪ ،‬ولم يترك لولده شيئا‪ .‬فلما ُرفِع المر إلى رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم قال له‪ :‬أعط ول تسرف‪ ،‬لماذا؟ مخافة أن تحتاج بعد ذلك إلى ما أعطيت فتندم‬
‫على أنك أعطيت‪.‬‬
‫حمُولَةً‪{ ..‬‬
‫ن الَ ْنعَامِ َ‬
‫ويقول الحق بعد ذلك‪َ } :‬ومِ َ‬

‫(‪)919 /‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫طوَاتِ الشّ ْيطَانِ إِنّهُ َل ُكمْ عَ ُدوّ مُبِينٌ (‬
‫حمُولَةً َوفَرْشًا كُلُوا ِممّا رَ َز َقكُمُ اللّ ُه وَلَا تَتّ ِبعُوا خُ ُ‬
‫َومِنَ الْأَ ْنعَامِ َ‬
‫‪)142‬‬

‫وبعد أن تكلم سبحانه عن نعمه علينا في الزراعة ونعمه علينا في الماشية قال‪َ { :‬ومِنَ الَ ْنعَامِ }‬
‫حمُولَةً } والحمولة هي التي تحمل‪ ،‬فيقال‪ " :‬فلن حَمول " أي يتحمل‬
‫وهي البل والبقر والغنم‪َ { ،‬‬
‫ق الَنفُسِ‪[} ...‬النحل‪]7 :‬‬
‫شّ‬
‫ح ِملُ أَ ْثقَاَلكُمْ إِلَىا بََلدٍ لّمْ َتكُونُواْ بَاِلغِيهِ ِإلّ بِ ِ‬
‫كثيرا‪ .‬والحق يقول‪ {:‬وَتَ ْ‬
‫حمُولة "‪ .‬ولذلك نقول عن السيارة التي تنتقل " حمولة كذا طن‬
‫والذي تحمله فوق ظهرها يسمى " ُ‬
‫"‪ " .‬ومن النعام حمولة وفرشا "‪.‬‬
‫والبل نحمل عليها الرحال‪ ،‬وكل متطلباتنا‪ ،‬و " فرشا " معناها‪ :‬مقابل الحمولة‪ .‬فالحمولة هي‬
‫المشتدة التي تقوى على أن تحمل‪ .‬وكل ما ل يستطيع الحمل لصغره‪ ،‬أو لنه لم يعد لذلك‪ ،‬إذا ما‬
‫نظرت إليه نظرة سطحية تجده وكأنه فارش للرض‪ .‬أو " ومن النعام حمولة "؛ وهي التي تحمل‬
‫متاعكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إل بشق النفس‪ " .‬وفرشا " أي ومن ما تتخذون منه فرشا بأن‬
‫حمُولَةً َوفَرْشا كُلُواْ ِممّا رَ َز َقكُمُ اللّ ُه َولَ‬
‫ن الَ ْنعَامِ َ‬
‫ننسج من وبره وصوفه وشعره ما نفرشه‪َ { .‬ومِ َ‬
‫ع ُدوّ مّبِينٌ } [النعام‪]142 :‬‬
‫طوَاتِ الشّيْطَانِ إِنّهُ َلكُمْ َ‬
‫تَتّ ِبعُواْ خُ ُ‬
‫وفي الحديث عن النعام‪ ،‬جاء بالحمولة والفرش ويأتي أيضا بسيرة الكل؛ لننا نأكل لحمها‬
‫وألبانها ومشتقات اللبان كلها‪ ،‬وهكذا تتعدد المنافع‪ ،‬فهي تحملنا ونأخذ من أصوافها وأوبارها‬
‫وشعورها الفرش‪ ،‬والوبر وهو شعر الجمال‪ ،‬والصوف وهو شعر الغنم‪ ،‬وشعر الماعز يتميز‬
‫بلمعة وانفصالية بين شعيراته‪.‬‬
‫ونلحظ أنه سبحانه قال في الية الولى‪ " :‬كلوا " وفي الثانية‪ " :‬كلوا "؛ لن ذلك جاء بعد الكلم‬
‫عما حرموه على أنفسهم من أرزاق ال في الرض‪ .‬فكان ولبد أن يؤكد هذا المعنى‪ ،‬ويوضح‪:‬‬
‫إن الذي خلق هو ال‪ ،‬والذي كلف هو ال‪ ،‬فل تأخذوا تحليلً لشيء ول تحريما لشيء إل ممن‬
‫خلق وممن كلف‪.‬‬
‫طوَاتِ الشّ ْيطَانِ إِنّهُ َل ُكمْ عَ ُدوّ مّبِينٌ }‪.‬‬
‫خُ‬
‫{‪ ...‬كُلُواْ ِممّا رَ َز َقكُمُ اللّ ُه َولَ تَتّ ِبعُواْ ُ‬
‫الشيطان هو الذي يوسوس لهم بالمخالفة لمنهج ال‪ ،‬وعداوة الشيطان ظاهرة‪ .‬فإذا ماكنت العداوة‬
‫سابقة‪ ،‬فقد أنزل آدم وحواء من رتبة الطاعة إلى رتبة المعصية وجرأهما على المخالفة فخرجا‬
‫ط في قبول هذه الوسوسة‪.‬‬
‫من الجنة‪ ،‬كان من الواجب أن نحتا ُ‬
‫ثم يفصل الحق لنا النعام التي نتخذها حمولة‪ ،‬أو نأخذ منها فرشا فقال‪َ { :‬ثمَانِيَةَ أَ ْزوَاجٍ مّنَ‬
‫الضّأْنِ‪} ..‬‬

‫(‪)920 /‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ن َومِنَ ا ْل َمعْزِ اثْنَيْنِ ُقلْ آَل ّذكَرَيْنِ حَرّمَ َأمِ الْأُنْثَيَيْنِ َأمّا اشْ َتمََلتْ عَلَ ْيهِ‬
‫َثمَانِيَةَ أَ ْزوَاجٍ مِنَ الضّأْنِ اثْنَيْ ِ‬
‫أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبّئُونِي ِبعِلْمٍ إِنْ كُنْ ُت ْم صَا ِدقِينَ (‪)143‬‬

‫وكلمة { أَ ْزوَاجٍ } ‪ ،‬جمع زوج‪ ،‬و " الزوج " يطلق على الشيء معه ما يقارنه مثل " زوج النعل‬
‫" ‪ ،‬ونحن في أعرافنا نأخذها على الثنين‪ ،‬لكنها في الصل تطلق على الواحد ومعه ما يقارنه‪،‬‬
‫إل أنه إذا لم يكن هناك فارق بين الثنين بحيث ل يتم النتفاع بأحدهما إل مع الخر ولكن ل‬
‫تميز لحدهما على الخر كالجورب مثل‪ ،‬ففي مثل هذا نستسمح اللغة في أن نسمي الثنين زوجا‪،‬‬
‫لكن إذا كان هناك خلف بين الثنين ل نقول على الثنين‪ :‬زوج‪.‬‬
‫والذكر والنثى من البشر‪ ،‬صحيح أنهما يقترنان في أن كل واحد منهما إنسان‪ ،‬لكن للذكر مهمة‬
‫وللنثى مهمة مختلفة‪ .‬أما الجوارب فكل " فردة " منها نضعها في أي قدم لنه فارق بينهما‪ ،‬إذن‬
‫سكُنْ أَ ْنتَ‬
‫كلمة " زوج " تطلق ويراد بها الشيء الواحد الذي معه ما يقارنه‪ .‬والحق يقول‪ {:‬ا ْ‬
‫جكَ الْجَنّةَ‪[} ...‬البقرة‪]35 :‬‬
‫وَ َزوْ ُ‬
‫وكلمة " زوج " هنا أطلقت على حواء؛ فآدم زوج وحواء زوج‪ ،‬والحق هو القائل‪ {:‬وَأَنّهُ خََلقَ‬
‫ال ّزوْجَيْنِ ال ّذكَ َر وَالُنثَىا }[النجم‪]45 :‬‬
‫ولم يقل عن الثنين‪ :‬إنهما " زوج " و إل لقال‪ :‬خلق الزوج الذكر والنثى‪ .‬إذن فكلمة " زوج "‬
‫تطلق على واحد معه ما يقارنه‪ ،‬مثلها كمثل كلمة " توأم " وهي ل تقال للثنين‪ ،‬بل تقال لواحد‬
‫ن َومِنَ ا ْل َمعْزِ اثْنَيْنِ }‬
‫معه آخر‪ .‬لكن الثنين يقال لهما‪ :‬توأمان‪َ { .‬ثمَانِيَةَ أَ ْزوَاجٍ مّنَ الضّأْنِ اثْنَيْ ِ‬
‫[النعام‪]143 :‬‬
‫و " من الضأن اثنين " أي ذكرها وأنثاها فتسمى الذكر كبشا والنثى " نعجة "‪ .‬ومن المعز اثنين‪،‬‬
‫والذكر نسميه " تيسا " ‪ ،‬والنثى نسميها " عنزة " ‪ ،‬وبذلك يكون معنا أربعة‪ ،‬ومن هنا نفهم أن‬
‫الزوج مدلوله فرد ومعه ما يقارنه‪.‬‬
‫{‪ُ ...‬قلْ ءَآل ّذكَرَيْنِ حَرّمَ َأ ِم الُنثَيَيْنِ َأمّا اشْ َتمََلتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الُنثَيَيْنِ نَبّئُونِي ِبعِلْمٍ إِن كُنتُ ْم صَا ِدقِينَ }‬
‫[النعام‪]143 :‬‬
‫ومادمتم أنتم تحرمون وتحللون‪ ،‬وتقولون‪ :‬إن هذا من عند ال فقولوا لنا أحرّم الذكرين أم حرّم‬
‫النثيين؟ ول يجدون جوابا؛ لنه سبحانه ل حرّم هذا ول حرّم ذاك‪ ،‬ولذلك أبرزت المسألة إبراز‬
‫الستفهام‪ ،‬والشيء إذا أبرز الستفهام فمعناه أنه أمر مقرر بحيث إذا سألت الخصم ل يقول إل ما‬
‫تتوقعه‪ ،‬واسمه السؤال أو الستفهام التقريري‪ .‬ويقول الحق‪ { :‬نَبّئُونِي ِبعِ ْلمٍ إِن كُنتُمْ صَا ِدقِينَ } أي‬
‫أخبروني بعلم ذلك في التحريم إن كنتم أهل صدق؛ لنكم لستم أهلً للتحريم‪ ،‬إنما يحرم ويحلل من‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫خلق وشرع‪ .‬فإن كان عندكم علم قولوا لنا هذا العلم‪.‬‬
‫ن الِ ْبلِ اثْنَيْنِ‪} ...‬‬
‫ثم يأتي الحق بخبر الربعة الباقية من النعام فيقول‪َ { :‬ومِ َ‬

‫(‪)921 /‬‬
‫َومِنَ الْإِ ِبلِ اثْنَيْنِ َومِنَ الْ َبقَرِ اثْنَيْنِ ُقلْ آَل ّذكَرَيْنِ حَرّمَ َأمِ الْأُنْثَيَيْنِ َأمّا اشْ َتمََلتْ عَلَ ْيهِ أَ ْرحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ‬
‫ضلّ النّاسَ ِبغَيْرِ عِ ْلمٍ إِنّ اللّهَ‬
‫ش َهدَاءَ ِإ ْذ َوصّاكُمُ اللّهُ ِبهَذَا َفمَنْ َأظْلَمُ ِممّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا لِ ُي ِ‬
‫كُنْتُمْ ُ‬
‫لَا َيهْدِي ا ْل َقوْمَ الظّاِلمِينَ (‪)144‬‬

‫ومن البقر اثنين‪ :‬ذكر وأنثى أيضا‪ ،‬والذكر من البقر نسميه ثورا‪ ،‬ويخطئ بعض الناس في تسمية‬
‫النثى من البقر " بقرة " ‪ ،‬إن البقرة اسم لكل واحد منهما‪ :‬للذكر والنثى‪ ،‬والتاء في بقرة للواحدة‪،‬‬
‫ن الِ ْبلِ اثْنَيْنِ َومِنَ الْ َبقَرِ اثْنَيْنِ ُقلْ ءَآل ّذكَرَيْنِ حَرّمَ َأ ِم الُنْثَيَيْنِ } أنتم‬
‫واسم النثى " ثورة " { َومِ َ‬
‫تقولون‪ :‬إنكم لم تتبعوا رسولً‪ ،‬وكنتم على فترةٍ من الرّسل‪ ،‬ولم يأت لكم رسول‪ ،‬إذن فل تحريم‬
‫إل من ال‪ ،‬ول يبلغكم تحريم ال إل عن طريق رسول‪ .‬بل أكنتم شهداء مسألة التحريم‪ ،‬أي‬
‫أشاهدتم ربكم ورأيتموه حين أمركم بهذا التحريم‪ ،‬أم أنتم النبياء؟‪ .‬إنكم تتعمدون الكذب على ال‬
‫لِضلل الناس‪ .‬إذن‪ ،‬فالحق ل يهدي من يظلم نفسه ويظلم الناس‪.‬‬
‫حيَ إَِليّ ُمحَرّما‪} ..‬‬
‫جدُ فِي مَآ ُأوْ ِ‬
‫ويقول سبحانه بعد ذلك‪ { :‬قُل لّ أَ ِ‬

‫(‪)922 /‬‬
‫سفُوحًا َأوْ َلحْمَ‬
‫ط َعمُهُ ِإلّا أَنْ َيكُونَ مَيْتَةً َأوْ َدمًا مَ ْ‬
‫عمٍ يَ ْ‬
‫حيَ إَِليّ ُمحَ ّرمًا عَلَى طَا ِ‬
‫جدُ فِي مَا أُو ِ‬
‫ُقلْ لَا أَ ِ‬
‫غفُورٌ َرحِيمٌ (‬
‫سقًا أُ ِهلّ ِلغَيْرِ اللّهِ ِبهِ َفمَنِ اضْطُرّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنّ رَ ّبكَ َ‬
‫خِنْزِيرٍ فَإِنّهُ رِجْسٌ َأوْ فِ ْ‬
‫‪)145‬‬

‫والحق سبحانه وتعالى قد تكلم عن التحريم في آيات كثيرة؛ فهناك الية التي قال فيها‪ {:‬حُ ّر َمتْ‬
‫حةُ‬
‫عَلَ ْيكُمُ ا ْلمَيْ َت ُة وَالْدّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِي ِر َومَآ أُ ِهلّ ِلغَيْرِ اللّهِ بِ ِه وَا ْلمُ ْنخَ ِنقَةُ وَا ْلمَ ْوقُو َذ ُة وَا ْلمُتَرَدّيَةُ وَالنّطِي َ‬
‫صبِ‪[} ...‬المائدة‪]3 :‬‬
‫َومَآ َأ َكلَ السّبُعُ ِإلّ مَا َذكّيْ ُت ْم َومَا ذُبِحَ عَلَى الّن ُ‬
‫وهنا في الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها نجد الحصر في أربعة فقط‪ ،‬فيقول سبحانه‪ { :‬قُل لّ‬
‫سفُوحا َأوْ َلحْمَ خِنزِيرٍ‬
‫ط َعمُهُ ِإلّ أَن َيكُونَ مَيْ َتةً َأوْ دَما مّ ْ‬
‫عمٍ يَ ْ‬
‫حيَ إَِليّ ُمحَرّما عَلَىا طَا ِ‬
‫جدُ فِي مَآ ُأوْ ِ‬
‫أَ ِ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فَإِنّهُ ِرجْسٌ َأوْ فِسْقا أُ ِهلّ ِلغَيْرِ اللّهِ بِهِ‪[ } ..‬النعام‪]145 :‬‬
‫فكيف يتفق هذا النص مع النص الخر؟!‬
‫من يقول ذلك نقول له‪ :‬أنت ل تفرق بين إيجاز وإطناب‪ ،‬ول تفرق بين إجمال وتفصيل؛ فالذي‬
‫تُرِك في هذه الية داخل في الميتة؛ لن المنخقة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع‪ ،‬والذي ذُبح‬
‫على النصب وما أهلّ به لغير ال موجود وداخل في كلمة " الميتة "‪.‬‬
‫ثم‪ :‬من قال‪ :‬إن القرآن هو المصدر الوحيد للتشريع؟ التشريع أيضا لرسول ال صلى ال عليه‬
‫خذُوهُ َومَا َنهَاكُمْ عَ ْنهُ فَان َتهُواْ‪} ...‬‬
‫وسلم‪ ،‬بتفويض من ال في قوله تعالى‪َ {:‬ومَآ آتَا ُكمُ الرّسُولُ فَ ُ‬
‫[الحشر‪]7 :‬‬
‫فل تقل إن المحرمات فقط محصورة في هذه الية لن فيه محرمات كثيرة‪ ،‬بدليل أن ال مرّة‬
‫يُجْملها‪ ،‬فيحرّم علينا الخبائث؛ فكل خبيث مُحرّم‪ .‬وقلنا من قبل‪ :‬إن الدم المسفوح مُحرّم‪ ،‬والدم‬
‫المسفوح هو السائل الذي ينهال ويجري وينصب ساعة الذبح‪ ،‬وهل هناك دم غير مسفوح؟ نعم‪،‬‬
‫وهو الدم الذي بلغ من قوة تماسكه أن كون عضوا في الجسم كالكبد أو الطحال‪ .‬ولذلك يقول‬
‫الرسول صلى ال عليه وسلم‪ " :‬أحلت لنا ميتتان ودمان‪ :‬فأما الميتتان فالحوت والجراد‪ ،‬وأما‬
‫الدمان فالكبد والطحال " وفي رواية أخرى‪ :‬السمك والجراد‪.‬‬
‫وعلى منطق التحريم للميتة والدم كان لبد أل نأكل الميتة من السمك‪ .‬ول الكبد والطحال‪ ،‬ولكن‬
‫ال أحل السمك والجراد والكبد والطحال لنها ل تضر الجسم‪ ،‬فالسمك والجراد ليس لهما نفسٌ‬
‫سائلة أي دم يجري؛ فإذا ما ذبحنا أحدهما ل يسيل له دم‪ ،‬أما الكبد والطحال فهما من دم وصل‬
‫من الصلحية أنه يكوّن عضوا في الجسم‪ ،‬ول يتكوّن عضو في الجسم يؤدي مهمة من دم فاسد‪،‬‬
‫بل ل بد أن يكون من دمٍ نقي‪.‬‬
‫والحق الذي شرّع يقدر الظروف المواتية للمكلّفين‪ ،‬وقد تمر بهم ظروف وحالت ل يجدون فيها‬
‫إل الميتة‪ ،‬وهنا يأكلون أكل ضرورة على قدر دفع الضر والجوع‪ .‬لكن على المسلم أل يمل بطنه‬
‫غفُورٌ رّحِيمٌ } [النعام‪]145 :‬‬
‫غ َولَ عَادٍ فَإِنّ رَ ّبكَ َ‬
‫من تلك الشياء‪َ ..{ .‬فمَنِ اضْطُرّ غَيْرَ بَا ٍ‬
‫وأنواع الضطرار‪ :‬أل تجد ما يؤكل من الحلل‪ ،‬أو أن يكون ما يؤكل من الحلل موجودا إل أن‬
‫هناك من يكرهك على أن تأكل هذا المحرم‪ ،‬فالكراه داخل في الضطرار‪ ،‬والضطرار يحملك‬
‫ويدفعك إلى أن تمنع عن نفسك الهلك؛ فتأخذ من طعام حتى تقتات فل تموت من الجوع‪ ،‬فإذا‬
‫كان ال قد أباح لك أن تأكل من الميتة في حال مظنة أن تموت من الجوع فمالك من الِكراه‬
‫بالموت العاجل؛ إنه أولى بذلك؛ لنه سبحانه هو الذي رخّص‪ ،‬وهو الذي شرع الرخصة‪ ،‬ومعنى‬
‫ذلك أنها دخلت التكليف؛ لن ال يحب أن تؤتى رخصة كما يحب أن تؤتى عزائمه‪ ،‬ومادامت قد‬
‫دخلت في دائرة التكليف فهنا يكون الغفران والرحمة‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ويقول الحق بعد ذلك‪ } :‬وَعَلَى الّذِينَ هَادُواْ‪{ ..‬‬

‫(‪)923 /‬‬
‫حمََلتْ‬
‫شحُو َم ُهمَا إِلّا مَا َ‬
‫ظفُرٍ َومِنَ الْ َبقَ ِر وَا ْلغَنَمِ حَ ّرمْنَا عَلَ ْيهِمْ ُ‬
‫وَعَلَى الّذِينَ هَادُوا حَ ّرمْنَا ُكلّ ذِي ُ‬
‫حوَايَا َأوْ مَا اخْتََلطَ ِبعَظْمٍ ذَِلكَ جَزَيْنَاهُمْ بِ َبغْ ِي ِه ْم وَإِنّا َلصَا ِدقُونَ (‪)146‬‬
‫ظهُورُ ُهمَا َأوِ ا ْل َ‬
‫ُ‬

‫هنا يأتي الحق بالتحريم الثاني‪ ،‬وهو التحريم للتهذيب والتأديب‪ ،‬مثلما قال من قبل‪ {:‬فَ ِبظُلْمٍ مّنَ‬
‫الّذِينَ هَادُواْ حَ ّرمْنَا عَلَ ْيهِمْ طَيّبَاتٍ ُأحِّلتْ َلهُمْ‪[} ...‬النساء‪]160 :‬‬
‫ظفُر " هو ما يظهر عندما ننظر إلى أقدام بعض الحيوانات أو الطيور‪ ،‬فهناك حيوانات نجد‬
‫فـ " ال ُ‬
‫تشقق إصبعها ظاهرا والصابع مفصلة ومنفرجة بعضها عن بعض‪ ،‬فهذه ليست حراما عليهم‪،‬‬
‫ونوع آخر نجد أصابعها غير مفصولة وغير منفرجة مثل البل‪ ،‬والنعام‪ ،‬والبط‪ ،‬والوز وهي ذو‬
‫ظفُر حرم على اليهود‪ ،‬وقد حرم عليهم ل لخبث وضرر في المأكول‪ ،‬ولكن تأديبا‬
‫الظفر‪ .‬فكل ذي ُ‬
‫لهم لنهم ظلموا في أخذ غير حقوقهم؛ لذلك يحرمهم ال من بعض ما كان حلل لهم؛ فالب‬
‫يعاقب ابنه الذي أخذ حاجة أخيه اعتداء؛ فيمنع عنه المصروف‪ ،‬والمصروف في ذاته ليس‬
‫ظلْمٍ مّنَ الّذِينَ هَادُواْ حَ ّرمْنَا عَلَ ْيهِمْ طَيّبَاتٍ‬
‫حراما‪ ،‬ولكن المنع هنا للتأديب‪ .‬والحق هو القائل‪ {:‬فَبِ ُ‬
‫أُحِّلتْ َل ُه ْم وَ ِبصَدّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيرا * وَأَخْ ِذهِمُ الرّبَا َوقَدْ ُنهُواْ عَ ْن ُه وََأكِْلهِمْ َأ ْموَالَ النّاسِ‬
‫طلِ‪[} ...‬النساء‪]161-160 :‬‬
‫بِالْبَا ِ‬
‫ظفُ ٍر َومِنَ‬
‫ولنهم فعلوا كل ذلك يأتي لهم التحريم عقابا وتأديبا { وَعَلَى الّذِينَ هَادُواْ حَ ّرمْنَا ُكلّ ذِي ُ‬
‫ظمٍ ذاِلكَ‬
‫حوَايَآ َأوْ مَا اخْتََلطَ ِبعَ ْ‬
‫ظهُورُ ُهمَا َأوِ ا ْل َ‬
‫حمََلتْ ُ‬
‫شحُومَ ُهمَآ ِإلّ مَا َ‬
‫الْ َبقَرِ وَا ْلغَنَمِ حَ ّرمْنَا عَلَ ْي ِهمْ ُ‬
‫جَزَيْنَاهُم بِ َبغْ ِيهِ ْم وِإِنّا َلصَا ِدقُونَ } [النعام‪]146 :‬‬
‫وأنت حينما تذبح الذبيحة تجد بعضا من الدهن على الكلى‪ ،‬ونجد في داخلها ما يسمونه " منديل‬
‫الدهن " وكذلك " ألية الخروف " ‪ ،‬وحين تقطع الرأس تجد فيها نوعا من الدهون‪ ،‬وقد حرّم الحق‬
‫ظفُرٍ } محرم كله‪ .‬وهناك استثناء في البقر‬
‫عليهم في البقر والغنم شحومهما‪ .‬وكذلك { ُكلّ ذِي ُ‬
‫حوَايَآ }‪.‬‬
‫ظهُورُ ُهمَا َأوِ الْ َ‬
‫حمََلتْ ُ‬
‫والغنم هو‪ِ { :‬إلّ مَا َ‬
‫أي أحل لهم ما هو فوق الظهر من الشحم‪ ،‬وأحل لهم ما حملته الحوايا من الشحوم و " الحوايا "‬
‫جمع حوية أو حاوية أو حاوياء أو حاوياء وهي ما تحوّي من المعاء أي تجمع واستدار‪ ،‬وفي‬
‫الريف تقول المرأة عن قطعة القماش التي تبرمها وتلفها وتصنع منها دائرة مستديرة تضعها على‬
‫رأسها لتحميه عندما تحمل فوقه الشياء؛ تقول‪ :‬صنعت " حواية " والحواية هنا هي المعاء‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الغليظة‪ ،‬وطولها كذا متر‪ ،‬ومن حكمة تكوينها الربانية نجدها تلتف على بعضها‪ ،‬ولذلك اسمها "‬
‫الحوايا " ‪ ،‬وهي ما نسميه " الممبار "‪ .‬وكذلك حلل لهم ما اختلط بعظم في القوائم والجنب والرأس‬
‫والعين‪ ،‬وكذلك أحل لهم شحما اختلط بعظم منه اللية‪ ،‬لن اللية تمسك بعَجْب الذنب‪ .‬أي أصله‪،‬‬
‫صعُص‪ .‬ولنه رحيم فهو ينزل عقوبة فيها الرحمة‬
‫وهو الجُ َزيْء في أصل الذّنب عند رأس ال ُع ْ‬
‫فيبيح له شيئا ويحرم شيئا آخر‪.‬‬
‫ويذيل الحق الية بقوله‪ } :‬ذاِلكَ جَزَيْنَاهُم بِ َبغْ ِيهِمْ وِإِنّا َلصَا ِدقُونَ {‪.‬‬
‫وليس هذا التحريم تعدّيا عليهم‪ ،‬أو تعنتا في معاملتهم‪ ،‬بل لنهم َب َغوْا‪ ،‬والباغي يجب أن يأخذ حظه‬
‫من الجزاء؛ حتى يفكر ماذا يحقق له البغي من النفع‪ ،‬وماذا يمنع عنه من النفع أيضا‪ ،‬وحين يقارن‬
‫بين الثنين قد يعدل عن بغيه‪ ،‬وهم قد صدّوا عن سبيل ال‪ ،‬وأخذوا ربا لينمّوا أموالهم وأكلوا‬
‫أموال الناس بالباطل‪ ،‬لذلك حرّم عليهم الحق بعض الحلل‪ .‬وسبحانه صادق في كل بلغ عنه‪،‬‬
‫ونعرف بذلك أن علة التحريم لبعض الحلل كانت بسبب ظلمهم وما بدر منهم من المعاصي فكان‬
‫التحريم عقوبة لهم‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه بعد ذلك‪ } :‬فَإِن كَذّبُوكَ َف ُقلْ رّ ّبكُمْ‪{ ...‬‬

‫(‪)924 /‬‬
‫سعَ ٍة وَلَا يُرَدّ بَ ْأسُهُ عَنِ ا ْلقَوْمِ ا ْل ُمجْ ِرمِينَ (‪)147‬‬
‫حمَ ٍة وَا ِ‬
‫فَإِنْ كَذّبُوكَ َفقُلْ رَ ّبكُمْ ذُو رَ ْ‬

‫وكان مقتضى أنهم يكذبونك فيما أخبرت به عن ال‪ ،‬أن يجعل ال لهم بالعذاب؛ لكن الحق لم‬
‫سعَةٍ } [النعام‪]147 :‬‬
‫حمَ ٍة وَا ِ‬
‫يعجل لهم بالعذاب لنه ذو رحمة واسعة‪َ { .‬فقُلْ رّ ّبكُمْ ذُو رَ ْ‬
‫ولكن إياكم أن تطمعوا في الرحمة الدائمة؛ إنها تأجيل فقط‪ .‬ولن يفوتكم عذابه‪ ،‬وهنا يحننهم ايضا‬
‫سعَةٍ } وكأنه يقول لهم‪ :‬راجعوا أنفسكم واستحوا من ال ول‬
‫حمَ ٍة وَا ِ‬
‫فيقول سبحانه‪ { :‬رّ ّب ُكمْ ذُو َر ْ‬
‫يغرنّكم انه ربّ‪ ،‬خلق من عَدَم وأمدّ من عُدْم‪ ،‬وتولّى التربية‪ ،‬لكنه لن يرد ويمنع بأسه وعذابه عن‬
‫القوم المجرمين منكم‪.‬‬
‫ويقول سبحانه من بعد ذلك‪ { :‬سَ َيقُولُ الّذِينَ َأشْ َركُواْ‪} ...‬‬

‫(‪)925 /‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫شيْءٍ كَذَِلكَ كَ ّذبَ الّذِينَ مِنْ‬
‫سَ َيقُولُ الّذِينَ أَشْ َركُوا َلوْ شَاءَ اللّهُ مَا أَشْ َركْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَ ّرمْنَا مِنْ َ‬
‫قَبِْلهِمْ حَتّى ذَاقُوا بَأْسَنَا ُقلْ َهلْ عِنْ َد ُكمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتّ ِبعُونَ ِإلّا الظّنّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلّا‬
‫تَخْ ُرصُونَ (‪)148‬‬

‫وكلمة تقرأ آية فيها " سيقول " فاعلم أنها تنطوي على سرّ إعجازي للقرآن‪ ،‬والذي يعطي هذا‬
‫السرّ هو الخصم حتى تعرف كيف يؤدي عدوّ ال الدليل على صدق ال‪ ،‬مما يدل على أنه في‬
‫س َفهَآءُ مِنَ النّاسِ }[البقرة‪]142 :‬‬
‫غفلة‪ .‬ومن قبل قال الحق سبحانه‪ {:‬سَ َيقُولُ ال ّ‬
‫و " سيقول " معناها أنهم لم يقولوا الن‪ ،‬ويخبر القرآن أنهم سيقولون‪ ،‬ولم يخبئ ويستر القرآن‬
‫هذه الية‪ ،‬بل قالها رسول ال صلى ال عليه وسلم قرآنا يُقرأ ويُصلى به‪ .‬ولو أن عندهم شيئا من‬
‫الفكر لكانوا يسترون القول حتى يُظهروا المتكلم بالقرآن بمظهر أنه ل يقول الكلم الصحيح‪ ،‬أو‬
‫على القل يقولون إنه يقول‪ " :‬سيقول السفهاء " ‪ ،‬ونحن لسنا بسفهاء فل نقول هذا القول‪ .‬لكنهم‬
‫يقولون القول السفيه برغم أن الية قد سبقتهم بالتنبؤ بما سوف يقولون؛ لن الذي أخبر هو ال‪،‬‬
‫ول يمكن أن يجيء احتياط من خلق ال ليستدرك به على صدق ال‪ .‬هم سمعوا الكلمة‪ ،‬ومع ذلك‬
‫لم يسكتوا بل سبقتهم ألسنتهم إليها ليؤيدوا القرآن‪.‬‬
‫وكل مسرف على نفسه في عدم اتباع منهج ال يقول‪ :‬إن ربنا هو الذي يهدي وهو الذي يضلّ‪،‬‬
‫ويقول ذلك بتبجح ووقاحة لتبرير ما يفعل من سفه‪ .‬وسيظل المسرفون على أنفسهم وكذلك‬
‫المشركون يقولون ذلك وسيحاولون تحليل ما حرّم ال‪ .‬وقد جاء المشركون بقضيتين‪ :‬قضية في‬
‫العقيدة‪ ،‬وقضية في التكليف؛ قالوا في قضية العقيدة‪َ { :‬لوْ شَآءَ اللّهُ مَآ أَشْ َركْنَا } ‪ ،‬وكأنهم أشركوا‬
‫بمشيئة ال‪ .‬وجاءوا إلى ما حرموا من حلل ال وقالوا إنهم قد فعلوا ذلك بمشيئة ال أيضا؛‬
‫ليوجدوا لنفسهم مبررا‪ ،‬وهذا القول ليس قضية عقلية؛ لنها لو كانت وقفة عقلية لكانت في‬
‫الملحظين‪ :‬الخير والشر‪ ،‬فالواحد منهم يقول‪ :‬كتب ربنا علينا‪ -‬والعياذ بال‪ -‬الشر‪ ،‬لماذا يعذبني‬
‫إذن؟! ول يقول هذ النسان " وكتب ال لي الخير "‪ .‬هذا ما كان يفرضه ويقتضيه المنطق لكنهم‬
‫تحدثوا عن الشر وسكتوا عمّا يعطى لهم من خير‪.‬‬
‫وقولهم { َلوْ شَآءَ اللّهُ مَآ أَشْ َركْنَا } صحيح المعنى؛ لنه سبحانه لو شاء أن يجعل الناس كلهم‬
‫مهديين لفعل‪ ،‬لكنه شاء أن يوجد لنا اختيارا‪ ،‬وفي إطار هذا الختيار ل يخرج أمر عن مشيئته‬
‫الكونية‪ .‬بل يخرج الكفر والشر عن مراده الشرعي‪ .‬وعلمنا من قبل أن هناك فرقا بين الكونية‬
‫والشرعية؛ فكفر الكافر ليس غصبا عن ال أو قهرا عنه سبحانه‪ ،‬إنما حصل وحدث بما أعطاه ال‬
‫لكل إنسان من اختيار‪ ،‬فالنسان صالح للختيار بين البديلت‪َ {:‬فمَن شَآءَ فَلْ ُي ْؤمِن َومَن شَآءَ‬
‫فَلْ َي ْكفُرْ‪[} ...‬الكهف‪]29 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فالنسان قادر على توجيه الطاقة الموهوبة له من ال الصالحة للخير أو الشر‪.‬‬
‫إذن فأختيار النسان إما ان يدخله إلى اليمان وإما أن يتجه به إلى الكفر‪ ،‬لذلك يقول الحق عن‬
‫الذين يدعون أن كفرهم كان بمشيئة ال‪ } :‬كَذاِلكَ كَ ّذبَ الّذِينَ مِن قَبِْلهِم حَتّىا ذَاقُواْ بَأْسَنَا‪..‬‬
‫{ [النعام‪]148 :‬‬
‫والسابقون لهم قالوا ذلك وفعلوا مثل ما يفعل هؤلء من التكذيب؛ وجاءهم بأس وعذاب من ال‬
‫شديد‪ ،‬ولذلك يأمر الحق محمدا صلى ال عليه وسلم‪ُ ...} :‬قلْ َهلْ عِن َدكُم مّنْ عِ ْلمٍ فَتُخْ ِرجُوهُ لَنَآ إِن‬
‫ن وَإِنْ أَنتُمْ َإلّ َتخْ ُرصُونَ { [ النعام‪]148 :‬‬
‫تَتّ ِبعُونَ ِإلّ الظّ ّ‬
‫ويسألهم محمدُ صلى ال عليه وسلم عن علم يؤكدون به صحة ما يدعونه‪ ..‬ويزعمونه أي هل‬
‫عندكم بلغ من ال‪ ،‬والحق أنهم ل علم لديهم ول دليل‪ ،‬إنهم يتبعون الظن‪ ،‬ويخرصون‪ ،‬أي ان‬
‫كلمهم غير واضح الدللة على المراد منه‪ ،‬إنه تخمين وظن وكذب‪.‬‬
‫حجّةُ‪{ ...‬‬
‫لذلك يقول سبحانه‪ُ } :‬قلْ فَلِلّهِ الْ ُ‬

‫(‪)926 /‬‬
‫ج َمعِينَ (‪)149‬‬
‫ُقلْ فَِللّهِ ا ْلحُجّةُ الْبَاِلغَةُ فََلوْ شَاءَ َلهَدَا ُكمْ أَ ْ‬

‫نعم فلو شاء سبحانه لقسرهم على الهداية وما استطاع واحد منهم أن يخرج عن الهداية‪ ،‬ولكنه لم‬
‫يشأ ذلك‪ ،‬بل أراد أن يكون القبال على اليمان به‪ ،‬واتباع التكاليف أمرا داخلً في اختيارهم‪ .‬ألم‬
‫يخلق سبحانه خلقا ل يعصون ال ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون؟ ألم يخلق الكون كله مؤتمرا‬
‫حجّةُ الْبَاِلغَةُ‪[ } ..‬النعام‪]149 :‬‬
‫بأمره؟! { ُقلْ فَلِلّهِ الْ ُ‬
‫و " الحجة " هي الدليل الذي تقيمه لتأييد قولك في الجدل‪ ،‬ولذلك نسمى عقودنا حجة على الملكية‪.‬‬
‫أو " الحجة البالغة " أي التي ل ينفذ منها شيء أبدا يعطل المراد منها‪.‬‬
‫شهَدَآ َءكُمُ‪} ...‬‬
‫ويقول الحق بعد ذلك‪ُ { :‬قلْ هَُلمّ ُ‬

‫(‪)927 /‬‬
‫شهَدْ َم َعهُمْ وَلَا تَتّ ِبعْ أَ ْهوَاءَ الّذِينَ‬
‫ش ِهدُوا فَلَا تَ ْ‬
‫شهَدُونَ أَنّ اللّهَ حَرّمَ َهذَا فَإِنْ َ‬
‫شهَدَا َء ُكمُ الّذِينَ يَ ْ‬
‫ُقلْ هَلُمّ ُ‬
‫كَذّبُوا بِآَيَاتِنَا وَالّذِينَ لَا ُي ْؤمِنُونَ بِالَْآخِ َر ِة وَهُمْ بِرَ ّبهِمْ َيعْدِلُونَ (‪)150‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ومادمتم ل تملكون العلم فمن المحتمل انكم تملكون شهودا على ما تقولون‪ .‬والخطاب‪ { :‬هَلُمّ‬
‫شهَدَآ َءكُمُ } هو خطاب للجماعة‪ ،‬و " هلم " يستوي فيها المفرد والمفردة والمثنى مذكرا كان أم‬
‫ُ‬
‫مؤنثا‪ .‬والجمع مذكرا أو مؤنثا‪ ،‬فتقول‪ :‬هلم يا زيد إليّ‪ ،‬وهلم يا هند إليّ‪ ،‬وهلم أيضا لجماعة‬
‫الذكور ولجماعة الناث‪ ،‬وهذه لغة الحجازيين‪ .‬وتختلف عن لغة بني تميم التي يزيدون علها‬
‫فيقال‪ " :‬هلم يا رجل " ‪ ،‬و " هلمي يا امرأة " ‪ ،‬و " هلما‪ ،‬وهلموا‪ ،‬وهلممن "‪ .‬والقرآن نزل بلغة‬
‫شهَدَآ َءكُمُ }‪ .‬أي هاتوا وأحضروا شهداءكم أن ال حرّم‬
‫قريش " الحجازيين " ‪ ،‬والحق يقول‪ { :‬هَُلمّ ُ‬
‫هذا‪ ،‬لنكم بل علم‪ ،‬وكذلك ل شهود عندكم على المدعي؛ فإن كان عندكم شهود هاتوا هؤلء‬
‫الشهود‪.‬‬
‫وماذا إن أحضروا شهود زور؟ إنه‪ -‬سبحانه‪ -‬يحذر رسوله ويوضح له أنهم حتى ولو أحضروا‬
‫شهداء إياك أن تصدقهم فهم كذابون‪:‬‬
‫وكأن ال يريد أن يفضح الشهود أيضا أمام المشهود أمامهم‪ ،‬ويعطي أيضا قضيتين اثنتين؛‬
‫فسبحانه يدحض ويبطل حجتهم‪ ،‬ويفضح الشهود الذين جاءوا بهم‪ .‬فكأنه قال‪ :‬هاتوا هؤلء الذين‬
‫قالوا لكم هذا الكلم‪ ،‬وفي ذلك فضيحة لمن لقنهم هذه الوامر‪.‬‬
‫ويأمر الحق رسوله أل يتبع الذين كذبوا بآياته سبحانه‪ .‬وكلمة " أهواء " ‪ ،‬جمع هوى‪ ،‬وهو ما‬
‫يختمر في الذهن ليلوي الِنسان عن الحق؛ فهو شهوة ترد على الذهن فتجعله يعدل عن الحق‪:‬‬
‫{ َولَ تَتّبِعْ أَ ْهوَآءَ الّذِينَ كَذّبُواْ بِآيَاتِنَا وَالّذِينَ لَ ُي ْؤمِنُونَ بِالخِ َرةِ } [النعام‪]150 :‬‬
‫وهم ل يكذبون بآيات ال فقط بل ل يؤمنون بالخرة أيضا؛ لنهم لو كانوا يؤمنون بالخرة لعلموا‬
‫أنهم مجازون على هذا جزاء يناسب جرائمهم‪ ،‬ولو أنهم قدروا هذه المسألة لمتنعوا عن اتباع‬
‫أهوائهم‪.‬‬
‫ويذيل الحق الية بقوله الكريم‪ ...{ :‬وَهُم بِرَ ّبهِمْ َيعْدِلُونَ } [النعام‪]150 :‬‬
‫ونفهم من كلمة " يعدل " أنها من العدل بمعنى القِسط؛ إذا قيل‪ :‬عدل في كذا‪ ،‬أو عدل بين فلن‬
‫وفلن؛ أو عدل في الحكم‪ ،‬أما عدل بكذا فيكون المراد منها أنه جعله عديل ومساويّا‪ .‬وجاءت‬
‫ج َعلَ‬
‫سمَاوَاتِ وَالَ ْرضَ وَ َ‬
‫ح ْمدُ للّهِ الّذِي خَلَقَ ال ّ‬
‫بهذا المعنى في آية أخرى هي قوله الحق‪ {:‬الْ َ‬
‫ت وَالنّورَ ثْمّ الّذِينَ َكفَرُواْ بِرَ ّب ِهمْ َيعْدِلُونَ }[النعام‪]1 :‬‬
‫الظُّلمَا ِ‬
‫أي يجعلون ما ل يصح أن يكون مساويّا ل؛ ومساويّا وعدل ل‪ .‬وهذا فعل من جعلوا ل شركاء‪،‬‬
‫وكذلك من ل يؤمنون بال؛ فالواحد منهم يعدل عن ربه عدولً ويميل ويعرض عنه ويشرك به‬
‫ويسوّي به غيره‪ .‬ويجب أن نلحظ عند النطق بكلمة " التوحيد " وهي‪( :‬ل إله إل ال) أل نقف عند‬
‫قول‪( :‬ل إله) لن ذلك يعني إنكار ونفي وجود إله وهذا والعياذ بال كفر‪ .‬إذن يجب علينا أن‬
‫نصلها بما بعدها فنقول‪( :‬ل إله إل ال) أو نكون عند نطقنا بلفظ (ل إله) قد انعقدت قلوبنا على‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وحدانيته وما يجب له‪ -‬تعالت عظمته‪ -‬من صفات الجلل والكمال‪ ،‬ومعنى (ل إله إل ال) أنه ل‬
‫معبود بحق إل ال‪ ،‬لن المعبودين بباطل كثيرون كالصنام والنجوم والجن وبعض الِنس‬
‫والملئكة وغير ذلك‪.‬‬
‫وكلمة { بِرَ ّبهِمْ َيعْدِلُونَ } تفيد أنهم أهل شرك‪ ،‬وكذلك من ينكر وجود ال إنه عن ربنا يعدل ويميل‬
‫ويحيد عن العتراف به إلها‪.‬‬
‫ويقول الحق بعد ذلك‪ُ { :‬قلْ َتعَاَلوْاْ أَ ْتلُ‪} ...‬‬

‫(‪)928 /‬‬
‫حسَانًا وَلَا َتقْتُلُوا َأوْلَا َدكُمْ مِنْ‬
‫ُقلْ َتعَاَلوْا أَ ْتلُ مَا حَرّمَ رَ ّب ُكمْ عَلَ ْيكُمْ أَلّا تُشْ ِركُوا بِهِ شَيْئًا وَبِا ْلوَالِدَيْنِ إِ ْ‬
‫ن وَلَا َتقْتُلُوا ال ّنفْسَ الّتِي حَرّمَ‬
‫ظهَرَ مِ ْنهَا َومَا بَطَ َ‬
‫ِإمْلَاقٍ َنحْنُ نَرْ ُز ُقكُ ْم وَإِيّا ُه ْم وَلَا َتقْرَبُوا ا ْل َفوَاحِشَ مَا َ‬
‫حقّ َذِلكُ ْم َوصّاكُمْ بِهِ َلعَّل ُكمْ َت ْعقِلُونَ (‪)151‬‬
‫اللّهُ إِلّا بِالْ َ‬

‫ننظر في هذه الية فل نجد شيئا من المحرمات من الطعمة التي بها قوام الحياة‪ ،‬ولكن نجد فيها‬
‫محرمات التي إن اتبعناها نهدر القيم المعنوية التي هي مقومات الحياة الروحية‪ ،‬إنها مقومات‬
‫الحياة من القيم { ُقلْ َتعَاَلوْاْ أَ ْتلُ مَا حَرّمَ رَ ّبكُمْ عَلَ ْي ُكمْ }‪.‬‬
‫والداء القرآني هنا يأخذ لفظ " تعال " بفهم أعمق من مجرد الِقبال‪ ،‬فكأن الحق يقول‪ :‬أقبل عليّ‬
‫إقبال من يريد التعالي في تلقي الوامر‪ .‬فأنت تقبل على أوامر ال لتعلوا وترتفع عن حضيض‬
‫تشريع البشرية؛ فل تأخذ قوانينك من حضيض تشريع البشر؛ لن الشرط الواجب في المشرع ألّ‬
‫يكون مساويّا لمن شرّع له‪ ،‬وألّ يكون منتفعا ببعض ما شرّع‪ ،‬وأن يكون مستوعبا فل تغيب عنه‬
‫قضية ول يغفل عن شيء والمشرع من الخلق ل يشرع إل بعد اكتمال عقله ونضجه‪ .‬ول يقدر‬
‫أن يمنع نفسه من النتفاع بالتشريع‪.‬‬
‫الرأسمالي ‪ -‬مثلً ‪ -‬يشرع ليستفيد‪ ،‬والماركسي يشرّع ليستفيد‪ .‬وكل واحد يشرع وفي نفسه‬
‫هوى‪ ،‬ومن بعد ذلك تعدّل التشريعات عندما نستبين أنها أصبحت ل تفي ول تغطي أمور الحياة‪،‬‬
‫فكأن المشرع الول لقصور علمه غابت عنه حقائق فضحها المجتمع حين برزت القضايا‪ ،‬فنظر‬
‫في قانونه فلم يجد شيئا يغطي هذه القضايا‪ ،‬فيقول‪ :‬نعدل القانون‪ ،‬ونستدرك‪ .‬ومعنى استدراك‬
‫القانون اي أن هناك ما جهله ساعة قنن‪.‬‬
‫إذن يشترط في المقنن ألّ يكون مساويّا لل ُمقَنن له‪ ،‬وألّ تغيب عنه قضية من القضايا حتى ل‬
‫يُسْتَدّرَك عليه‪ ،‬وألّ يكون منتفعا بالتشريع‪ ،‬ول يوجد ذلك في بشر أبدا‪ ،‬فأوضح الحق‪ :‬اتركوا‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫حضيض التشريع البشري وارتفعوا إلى السماء لتأخذوا تقنينكم منها؛ فحين ينادي ال " تعالوْا "‬
‫فمعناها ارتفعوا عن حضيض تقنين بشريتكم إلى العلى لتأخذوا منه تقنيانكم التي تحكم حركة‬
‫حياتكم‪ ،‬فهو ل ينتفع بما شرع‪ ،‬بل أنتم الذين تنتفعون‪ ،‬ولنه ل يغيب عنه شيء سبحانه‪ ،‬وهو‬
‫خالق‪ ،‬هو أولى ان يشرع لكم‪ُ { .‬قلْ َتعَاَلوْاْ أَ ْتلُ مَا حَرّمَ رَ ّب ُكمْ عَلَ ْيكُمْ } [النعام‪]151 :‬‬
‫" أتل " من التلوة وهي القراءة { مَا حَرّمَ رَ ّبكُمْ عَلَ ْي ُكمْ } اي ما جعله حراما‪ ..‬أي يمتنع عليهم‬
‫فعله‪ ،‬وسأقول لكم كل البلغات بلغا بعد بلغ‪َ { .‬ألّ تُشْ ِركُواْ بِهِ شَيْئا } [النعام‪]151 :‬‬
‫لقد جاء سبحانه بتحريم الشرك من خلل تركيب لغوي يؤكد علينا أل نشرك به؛ فأنت ساعة تأتي‬
‫لتلقى أوامر لمن ترأسه تقول له‪ :‬استمع إلى ما أمنعك منه فاتبعه‪ .‬ثم تبدأ في التفصيل‪ ،‬والحق هنا‬
‫جاء بأول بند من المحرمات والمحظورات هو أل نشرك به شيئا‪ .‬أي أتلو عليكم تحريم الشرك‪،‬‬
‫فأول المحرمات الشرك‪ ،‬وعلينا أن نوحد ال‪ ،‬فكل نهى عن شيء أمر بمقابله وكل أمر بشيء‬
‫نهى عن مقابله‪.‬‬
‫وعلى ذلك فكل أمر يستلزم نهيّا‪ ،‬وكل نهي يستلزم أمرا‪ .‬فل تلتبس عليكم الوامر والنواهي‪ .‬أو‬
‫تكون " عليكم " منطقعة عما قبلها‪ ،‬أي عليكم ترك الشرك‪ ،‬وعليكم إحسانا بالوالدين‪ ،‬وأل تقتلوا‬
‫أولدكم‪ ،‬وألّ تقربوا الفواحش‪ ..‬أي ألزموا ذلك‪.‬‬
‫ثم يقول سبحانه‪ } :‬وَبِا ْلوَالِدَيْنِ ِإحْسَانا { وسبحانه يأمر هنا بتأكيد الحسان إلى الوالدين؛ فهو أمر‬
‫بإيجاب ويستلزم نهيا عن مقابله وهو عقوق الوالدين‪ ،‬أي ل تعقوهم‪ .‬فعدم الحسان إلى الوالدين‬
‫يدخل فيما حرم ال‪ .‬ثم يقول سبحانه‪َ } :‬ولَ َتقْتُلُواْ َأ ْولَ َدكُمْ مّنْ إمْلَقٍ نّحْنُ نَرْ ُز ُقكُ ْم وَإِيّا ُهمْ‪..‬‬
‫{ [النعام‪]151 :‬‬
‫أي استبقوا حياة أولدكم‪ ،‬فإن أدرتها من قبيل النهي فقل هو نهي عن قتل الولد‪ ،‬وإن أردتها من‬
‫قبيل اليجاب فقل‪ :‬استبقوا الحياة‪ .‬وقول‪ } :‬مّنْ إمْلَقٍ { أي من فقر‪ ،‬فكأنهم كانوا فقراء‪ ،‬ومادام‬
‫الملق موجودا فشغل النسان برزق نفسه يسبق النشغال برزق من يأتي بعده؛ فيا أهل الملق‬
‫تذكروا أن ال يرزقكم ويرزق من سيأتي زيادة وهم الولد‪ .‬ويقول سبحانه‪َ } :‬ولَ َتقْرَبُواْ‬
‫ظهَرَ مِ ْنهَا َومَا بَطَنَ‪[ { ..‬النعام‪]151 :‬‬
‫ا ْل َفوَاحِشَ مَا َ‬
‫وهذا نهي عن القرب‪ ،‬أي نهي عن الملبسات التي قد تؤدي إلى الفعل ل نهي عن الفعل فقط؛‬
‫فحينما أراد ال يحرم على آدم وعلى زوجه الشجرة قال‪ {:‬وَلَ َتقْرَبَا هَـا ِذهِ الشّجَ َرةَ‪} ...‬‬
‫[العراف‪]19 :‬‬
‫لن القرب قد يغري بالكل‪ ،‬وكذلك‪َ } :‬ولَ َتقْرَبُواْ ا ْل َفوَاحِشَ { أي ل تأتي إلى مقدمات الفواحش‬
‫بأن تلقي نظرة أو تحدق النظر إلى محرمات غيرك‪ ،‬وكذلك المرأة التي تتبرج؛ إنها تقوم بالقبال‬
‫على مقدمات الفواحش‪ ،‬فإذا امتنعت عن المقدمات أمنت الفتنة والزلل؛ لن الرسول صلى ال‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫عليه وسلم يقول‪ " :‬الحلل بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات ل يعلمها كثير من الناس فمن‬
‫اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كراع يرعى حول‬
‫الحمى يوشك أن يواقعه‪ ،‬أل لكل ملك حمى‪ ،‬أل وإن حمى ال تعالى في أرضه‪ ،‬أل وإن في‬
‫الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله أل وهي القلب "‪.‬‬
‫ل تقرب‪ ،‬أي أبعد نفسك عن مظنة أن تستهويك الشياء‪ ،‬مثلها مثل " اجتنب "‬
‫ويمنعك الحق‪ :‬أ ّ‬
‫تماما‪ ،‬وسبحانه وتعالى يقول‪ } :‬فَاجْتَنِبُواْ الرّجْسَ مِنَ الَوْثَانِ‪[ { ..‬الحج‪ ]30 :‬ويقول‪... {:‬وَاجْتَنِبُواْ‬
‫ظهَرَ مِ ْنهَا َومَا َبطَنَ {‪.‬‬
‫َقوْلَ الزّورِ }[الحج‪ ]30 :‬وهنا يقول تعالى‪َ } :‬ولَ َتقْرَبُواْ ا ْل َفوَاحِشَ مَا َ‬
‫وكل ما ظهر من الفواحش هو من أفعال الجوارح التي ترتكب الموبقات و } َومَا بَطَنَ { هو من‬
‫أفعال السرائر مثل الحقد‪ ،‬والغل‪ ،‬والحسد‪.‬‬
‫ويتابع سبحانه‪ } :‬وَلَ َتقْتُلُواْ ال ّنفْسَ الّتِي حَرّمَ اللّهُ ِإلّ بِا ْلحَقّ‪[ { ..‬النعام‪]151 :‬‬
‫وكلمة " النفس " يختلف الناس في معناها‪ ،‬ول تطلق النفس إل على التقاء الروح بالمادة‪ ،‬والروح‬
‫في ذاتها خيّرة‪ ،‬والمادة في ذاتها خيرة مسبحة عابدة‪.‬‬
‫ح ْم ِدهِ‪[} ...‬السراء‪]44 :‬‬
‫شيْءٍ ِإلّ ُيسَبّحُ بِ َ‬
‫{ وَإِن مّن َ‬
‫وإذا التقت الروح بالمادة تقوم الحياة‪ ،‬فمعنى قتل النفس أن نفصل الروح عن المادة بهدم البنية‬
‫وهذا غير الموت؛ لن ال هو الذي يميت النفس‪ ،‬أما النسان به في الية فستجد التعقل يعطيك‬
‫التوازن في القرار‪ ،‬وقد ختم الحق الخمسة الشياء فهو يقتل النفس إن هدم بنيتها‪ .‬والذي وهب‬
‫الحياة هو ال‪ ،‬فل يسلب الحياة إل هو‪ .‬وبعد ذلك يشرع ال لنا أن نسلب الحياة قصاصا‪ ،‬أو للزنا‬
‫من الثيب المحصن رجل أو امرأة‪ ،‬أو للردّة‪ ،‬فهذا قتل بحق‪ ،‬لكن سبحانه وتعالى يلعن من يهدم‬
‫بنيان ال بغير الحق‪ ،‬والِنسان بنيان ال فل تعتدي عليه‪ .‬ولذلك أمرنا ال بالقصاص من إنسان‬
‫قتل إنسانا؛ حتى يحافظ كل واحد على حياة نفسه‪ ،‬وحين يحفظ الِنسان كل نفس‪ ،‬فإنّه ينجو بنفسه‬
‫ويسلم‪.‬‬
‫هكذا يأمر الحق بأن نقتل الثّيب‪ ،‬والثيب الزاني يطلق على الذكر والنثى وهو من تزوج ودخل‬
‫على زوجه وذاق كل منهما عسيلة الخر وأفضى إليه‪ ،‬وكذلك المرتد‪ ،‬فنحن نحرص عى حرية‬
‫العتقاد؛ بدليل أننا ل نقتل الكافر الصلي لكفره‪ ،‬ولكن يجب على الِنسان أن يفهم أن الدخول إلى‬
‫اليمان بالسلم يقتضي أن يدرسه دراسة مستوفية مقنعة‪ ،‬وأن يعلم أن حياته رهن بأن يرجع عن‬
‫هذا الدين فإذا علم أن حياته رهن بأن يرجع عن هذا الدين‪ ،‬فلن يدخله إل وهو مقتنع تمام‬
‫القتناع‪ .‬ونحن نحمي بالختيار‪ ،‬فنعلن لكل من يقبل على الِسلم ونحذره‪ :‬إياك أن تدخل بظاهر‬
‫القول دون فهم لمعنى الِسلم لنك لو دخلت ثم بعد ذلك ارتددت فسوف تقتل‪ ،‬ومادام الشيء ثمنه‬
‫الحياة‪ ،‬فالواجب أن يحتاط الِنسان الحتياط الشديد‪ .‬وفي ذلك أيضا ثقة من أن الِنسان إذا ما‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫بحث في الدلة فسيقتنع بأن له إلها حقا‪ ،‬ولكننا ل نقتل الكافر الصلي‪.‬‬
‫إذن فقتل المرتد حماية لحزم الختيار‪ ،‬فإِياك أن تدخل بدون روية؛ لنك لو دخلت ثم ارتددت‬
‫فسوف تقتل‪ ،‬وبذلك يصفي الحق المسألة تصفية لزمة بأن يعرض من يقبل على الِسلم جميع‬
‫الحجج على نفسه‪ ،‬ول يدخل إل بنية على هذا‪ ،‬ففي أي عقد يحاول الِنسان أن يعرف التزاماته‬
‫وأن تتضح أمامه هذه اللتزامات‪ .‬ول يدخل إلى الدين الدخول الهوج‪ ،‬أو الدخول الرعن‪ ،‬أو‬
‫الدخول المتعجل‪ .‬بل يلزمه أن يدخل بتؤدة وروية‪.‬‬
‫وفي الزواج يدخل الِنسان بكلمة ويخرج بكلمة أيضا هي‪ " :‬أنت طالق " ‪ ،‬ولذلك تحتاط المرأة‪،‬‬
‫فمادامت قد عرفت أن بقاء زواجها رهن بكلمة فعليها أن تحرص أل تضع هذا الحق إل في يد‬
‫أمينة عليه‪ .‬وساعة أن يقول لها أبوها‪ :‬اسمعي‪ ،‬إن لك أن تختاري الزوج الذي إن أحبك أكرمك‪،‬‬
‫وإن كرهك ل يظلمك؛ لن بكلمة منه تنتهي الحياة الزوجية‪.‬‬
‫إذن فعلى المرأة أن تفكر في الِنسان المين على هذه الكلمة‪.‬‬
‫ومع ذلك فهناك احتياط للغفلة؛ فالرجل يتزوج بكلمة واحدة‪ ،‬من مرة واحدة لكن في الطلق هناك‬
‫ثلث مراحل؛ كرصيد للغفلة‪ .‬فالرجل يتزوج المرأة بكلمة " زوّجتك نفسي أو يزوجها وليها‬
‫ويكون القبول من الزوج وبهذا يتم الزواج "‪ .‬لكن في الطلق أباح ال لغفلة الرجل ولرعونته أن‬
‫يطلق مرة‪ ،‬ثم يراجع هو من غير دخول أحد بينهما‪ ،‬ثم يطلق ثانية‪ ،‬ويراجعها‪ ،‬ولكن بعد الطلق‬
‫الثالث يجد التنبيه من الحق‪ :‬لقد احتطنا لك برصيد من غفلتك‪ .‬ولكن عندما تريدها زوجا لك فل‬
‫يتم ذلك إلّ أن تتزوج غيرك‪ ،‬وبعدها قد تعود أو تبقى مع من تزوجها‪ .‬فاحتط جيدا للمر الذي‬
‫تدخل عليه‪ ،‬وللتعاقد الذي التزمت به‪ .‬فإذا كان هذا هو الشأن في تعاقد الزواج‪ ،‬فما بالنا بالردّة؟‬
‫إنّنا نقتل المرتد‪ ،‬ول نفعل به ذلك قبل أن يؤمن وقبل أن يعلن إيمانه وقبل الدخول في حيز‬
‫المؤمنين‪ ،‬ليعلم أنه إن رجع عن الِسلم فسيقتل‪ ,‬وهكذا يصعّب الِسلم الدخول إليه‪ ،‬ويحمي‬
‫الختيار في الوقت نفسه‪.‬‬
‫ويتابع سبحانه‪ } :‬ذاِلكُمْ َوصّاكُمْ ِبهِ َلعَّلكُمْ َت ْعقِلُونَ { [النعام‪]151 :‬‬
‫و " الوصية " ل تكون إل للمور المهمة التي ل تستقيم كالحياة إل بالقيام بها‪ ،‬إنها في أمهات‬
‫المسائل التي ل يصح أن نغفلها‪ .‬ولذلك حين تنظر إلى النبي صلى ال عليه وسلم؛ لقد ظل ثلثة‬
‫وعشرين عاما يستقبل من السماء ويناول أهل الرض‪ ،‬ثم جاء في حجة الوداع وركّز كل مبادئ‬
‫الدين في قوله تعالى‪ } :‬ذاِلكُ ْم َوصّاكُمْ ِبهِ َلعَّلكُمْ َت ْعقِلُونَ {‪.‬‬
‫و " وصاكم " غير شرّع؛ فشرّع تأتي بكل التشريعات وما فيها من تفاصيل صغيرة‪ ،‬والوصية‬
‫تضم أمهات المسائل في التشريع‪ .‬والعقل يجب أن يسع المسألة من أولها إلى آخرها؛ فلو‬
‫استعملت عقلك في كل منهي عنه‪ ،‬أو في كل مأمور به في الية فستجد التعقيل يعطيك التوازن‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫في القرار‪ ،‬وقد ختم الحق الخمسة الشياء التي ذكرها في هذه الية بـ } ذاِلكُ ْم َوصّاكُمْ ِبهِ َلعَّلكُمْ‬
‫َت ْعقِلُونَ {‪ .‬وهذه الوامر متفق عليها في جميع الرسالت وفي جميع الديان‪ ،‬ويسمونها‪ " :‬الوصايا‬
‫العشر "‪.‬‬
‫والشياء الخمسة التي أوصى بها سبحانه هي‪:‬‬
‫* أل تشركوا به شيئا‪.‬‬
‫* وبالوالدين إحسانا‪.‬‬
‫* ول تقتلوا أولدكم من إملق‪.‬‬
‫* ول تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن‪.‬‬
‫* ول تقتلوا النفس التي حرّم ال إل بالحق‪.‬‬
‫فكان يجب أن يقول‪ :‬ذلكم وصاكم بها‪ ،‬لكنه قال‪َ } :‬وصّاكُمْ ِبهِ { ‪ ،‬فكأن أوامر ال ونواهيه أمر‬
‫واحد متلزم تتمثل كلها في‪ :‬التزام ما أمر ال به‪ ،‬واجتنب ما نهى ال عنه‪.‬‬
‫وقوله سبحانه‪َ } :‬لعَّل ُكمْ َت ْعقِلُونَ { فكأن العقل لو خُليّ ليبحث هذه الشياء بحثا مستقلً عن منهج‬
‫السماء لوجد أن ضرورة العيش على الرض تتطلب وجود هذه الشياء‪.‬‬
‫إذن‪ ،‬كيف ُنعْصم من أهوائنا المتضاربة بعضها مع بعض؟‪ .‬لبد أن يكون الله واحدا حتى ل‬
‫يتبع كل واحد منا هواه‪ .‬إننا نعرف أن الصل في النسان هو الب والم‪ .‬لذلك وصى بالصل‬
‫في } وَبِا ْلوَالِدَيْنِ ِإحْسَانا { ‪ ،‬ووصى أننا ل نقتل الولد خشية الفقر؛ لن الحياة تستمر بهم‪ ،‬وبعد‬
‫ذلك لبد أن تكون الحياة نظيفة‪ ،‬طاهرة لجميع الفراد‪ ،‬ول تشوبها شائبة الدنس أبدا‪ ،‬ول يتأتى‬
‫ذلك إل إذا تركنا الفواحش‪ :‬ما ظهر منها وما بطن؛ لننا نلحظ أن كل الولد غير الشرعيين‬
‫ُي ْهمَلون؛ فالحق سبحانه وتعالى يريد طهارة النسال في الحياة؛ حتى يتحمل كل واحد مسئولية‬
‫نسله‪ .‬ويكون محسوبا عليه أمام المجتمع‪ ،‬ويحذرنا سبحانه من أن نقتل النفس إل بالحق؛ لن‬
‫النفس أصل استبقاء الحياة‪.‬‬
‫ثم يجيء الحق بعد ذلك في الية التالية ليكمل الوصايا فيقول‪َ } :‬ولَ َتقْرَبُواْ مَالَ‪{ ...‬‬

‫(‪)929 /‬‬
‫سطِ لَا ُنكَّلفُ‬
‫حسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أَشُ ّد ُه وََأ ْوفُوا ا ْلكَ ْيلَ وَا ْلمِيزَانَ بِا ْلقِ ْ‬
‫وَلَا َتقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلّا بِالّتِي ِهيَ أَ ْ‬
‫س َعهَا وَإِذَا قُلْ ُتمْ فَاعْدِلُوا وََلوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَ ِب َعهْدِ اللّهِ َأ ْوفُوا ذَِلكُ ْم َوصّاكُمْ بِهِ َلعَّلكُمْ تَ َذكّرُونَ‬
‫َنفْسًا إِلّا وُ ْ‬
‫(‪)152‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ونعلم أن اليتيم هو من فقد أباه‪ ،‬ولم يبلغ مبلغ الرجال‪ ،‬هذا في النسان‪ ،‬أما اليتيم في الحيوان فهو‬
‫ش ّدهُ‪} ..‬‬
‫حسَنُ حَتّىا يَبُْلغَ أَ ُ‬
‫من فقد أمه‪ .‬وقوله الحق‪ { :‬وَلَ َتقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ ِإلّ بِالّتِي ِهيَ أَ ْ‬
‫[النعام‪]152 :‬‬
‫هنا يفرض سبحانه أن اليتيم له مال‪ ،‬فلم يقل‪ :‬ل تأكل مال اليتيم‪ .‬بل أمرك أل تقترب منه ولو‬
‫بالخاطر‪ ،‬ولو بالتفكير‪ ،‬وعليك أن تبتعد عن هذه المسألة‪ .‬وإذا كان قد قال‪َ { :‬ولَ َتقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ‬
‫حسَنُ } أي بأن‬
‫} فهل هذا المر على إطلقه؟‪ .‬ل؛ لنه اضاف وقال بعد ذلك‪ِ { :‬إلّ بِالّتِي ِهيَ أَ ْ‬
‫نُ َثمّرَ له ماله تثمرا يسع عيشه‪ ،‬ويبقى له الصل وزيادة‪ ،‬ولذلك قال في موضع آخر‪ {:‬وَارْ ُزقُوهُمْ‬
‫فِيهَا‪[} ...‬النساء‪]5 :‬‬
‫فل يأخذ أحد مال اليتيم ويدخره‪ ،‬ثم يعطيه منه كل شهر جزءا حتى إذا بلغ الرشد يجد المال قد‬
‫نقص أو ضاع‪ ،‬لذلك لم يقل‪ :‬ارزقوهم منها‪ ،‬بل قال‪ { :‬وَارْ ُزقُوهُمْ فِيهَا } أي ارزقوهم رزقا ناشئا‬
‫منها‪َ .‬فمَالُهم ظرفية للرزق‪ ،‬ول يتأتىّ هذا إل بأن نثموها لليتيم‪ ،‬ول نحرم الوصاية على اليتيم‬
‫لرعاية ماله من أصحاب الكفاءات في إدارة العمال والمناء‪ ،‬وقد يوجد الكفء في إدارة العمل‪،‬‬
‫والمين فيه لكن حاله ل ينهض بأن يتحمل تبعات ومؤنة حياته وقيامة بإدارة أموال اليتيم؛ فقال‪-‬‬
‫سبحانه‪ -‬في ذلك‪َ {:‬ومَن كَانَ غَنِيّا فَلْ َيسْ َت ْعفِفْ‪[} ...‬النساء‪]6 :‬‬
‫أي أن يهب الوصيّ تلك الرعاية ال‪ ،‬وحين يهب تلك الرعاية ل ول يأخذ نظير القيام بها أجرا؛‬
‫جدَ في ذريته إلى يوم القيامة يتيم فسيجد من يعوله حسبة ل وتطوعا منه مدخرا‬
‫يضمن أنه إن وُ ِ‬
‫ضعَافا خَافُواْ عَلَ ْي ِهمْ‬
‫أجره عند ال‪ .‬والحق هو القائل‪ {:‬وَلْيَخْشَ الّذِينَ َلوْ تَ َركُواْ مِنْ خَ ْل ِفهِمْ ذُرّيّ ًة ِ‬
‫سدِيدا }[النساء‪]9 :‬‬
‫فَلْيَ ّتقُواّ اللّ َه وَلْ َيقُولُواْ َقوْلً َ‬
‫وحينما يجد اليتيم من يرعاه‪ ،‬وحين يتعاطف المجتمع مع كل يتيم فيه‪ ،‬ويتولى أمور اليتامى أناس‬
‫أمناء قادرون على إدارة أمورهم فسوف يقل جزع النسان من أن يموت ويترك صغاره؛ لنه‬
‫سيجد كرامة ورعاية لليتيم‪ ،‬فالناس تخاف من الموت لن لهم عيالً صغارا‪ ،‬ويرون أن المجتمع‬
‫ل يقوم برعاية اليتامى‪ ،‬لكن النسان إن وجد اليتيم مكرما‪ ،‬ووجده آباء من المة السلمية‬
‫متعددين‪ ،‬فإن جاءه الموت فسوف يطمئن على أولده لنهم في رعاية المجتمع‪ ،‬ولكن ل تنتظر‬
‫حتى يصلح شأن المجتمع بل أصلح من نفسك وعملك تجاه أي يتيم‪ ،‬ويمكنك بذلك أن تطمئن على‬
‫أولدك فستجد من يرعاهم بعد مماتك‪ ،‬وحين يرعى المجتمع اليماني كل يتيم ستجد الناس ل‬
‫تضيق ذرعا بقدر ال في خلقه بأن يموت الواحد منهم ويترك أولدا‪ .‬والمثل واضح في سورة‬
‫الكهف بين العبد الصالح وسيدنا موسى حينما مرّا على قرية‪:‬‬
‫ط َعمَآ أَهَْلهَا‪[} ...‬الكهف‪]77 :‬‬
‫{ حَتّىا إِذَآ أَتَيَآ أَ ْهلَ قَرْ َيةٍ اسْ َت ْ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فلم طلبا نقودا ليدخراها‪ ،‬ولكنهما طلبا طعاما لسد الجوع‪ ،‬وهذه حاجة مُلحّة‪ .‬ومع أنهما استطعما‬
‫أهل القرية أبى أهل القرية أن يضيفوهما‪ .‬ومعنى ذلك أنها قرية لئيمة الهل‪ .‬وعلى الرغم من‬
‫العبد الصالح وجد ردّهم علية وامتناعهم عن إطعامهما‪ ،‬ولكنه عندما وجد جدار‪ ،‬وبفراسته علم أن‬
‫الجدار يريد أن ينقض‪ ،‬وكأن الجدار له إدارة‪ ،‬فأقام الجدار‪ ،‬ولمه سيدنا موسى عليه السلم‪،‬‬
‫وكان سيدنا موسى منطقيا مع نفسه‪ ،‬فقد طلب هو وشيخه من أهل القرية مجرد الطعام فرفضوا‪،‬‬
‫فكيف ترد عليهم بأن تبنى لهم الجدار‪ ،‬وكان يجب أن تأخذ على البناء أجرة‪ ،‬فهم قوم لئام‪ ،‬هذا‬
‫كلم موسى‪ .‬لكن العبد الصالح جازاهم بما يستحقون؛ لنه ببنائه الجدار قد حال بينهم وبين أخذ‬
‫الكنز‪ ،‬لنه لو ترك الجدار ينهار لظهر الكنز الذي تحته وهو ليتمين‪ ،‬وهكذا عرف العبد الصالح‬
‫كيف يربيهم‪ .‬وبعد ذلك أراد ال أن يشرح لنا أن الجدار لغلمين يتمين في المدينة‪ {.‬فَأَرَادَ رَ ّبكَ‬
‫شدّ ُهمَا وَيَسْ َتخْرِجَا كَنزَ ُهمَا‪[} ...‬الكهف‪]82 :‬‬
‫أَن يَبُْلغَآ أَ ُ‬
‫فكأن استخراج الكنز مقارن ببلوغ الرشد‪ ،‬وكأن العبد الصالح قد بنى الجدار بناء مؤقوتا‪ ،‬بحيث ل‬
‫ينهار إل حين يبلغ الغلمان مبلغ الرشد‪ ،‬لقد بنى العبد الصالح البناء وكأنه يضبط الميقات فل‬
‫يتماسك الجدار إل لساعة بلوغ الغلمين أشدهما‪ ،‬وعندئذ يستخرج الغلمان كنزهما‪ .‬وبعد ذلك‬
‫جاء لنا بالحثيثة لكل ذلك‪ ،‬فقال سبحانه‪َ {:‬وكَانَ أَبُو ُهمَا صَالِحا‪[} ...‬الكهف‪]82 :‬‬
‫فكأن صلح الب هو الذي أراد به الحق أن يظهر لنا كيف حمى كنز البناء‪ ،‬فيأتي العبد الصالح‬
‫وموسى لهل القرية اللئام‪ ،‬ويطلبان طعاما‪ ،‬فل يطعمونهما‪ ،‬فيبي العبد الصالح الجدار الموقوت‬
‫حسَنُ‪..‬‬
‫الذي يصون الكنز من اللئام‪ .‬والحق يقول هنا‪ } :‬وَلَ َتقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ ِإلّ بِالّتِي ِهيَ أَ ْ‬
‫{ [النعام‪]152 :‬‬
‫من ل يقدر على قرب مال اليتيم بالتي هي أحسن فليبتعد عنه‪.‬‬
‫وحتى ل يتحرز ويتوقى الناس من رعايتهم مال اليتيم‪ ،‬قال سبحانه‪َ {:‬ومَن كَانَ غَنِيّا فَلْيَسْ َت ْعفِفْ‬
‫َومَن كَانَ َفقِيرا فَلْيَ ْأ ُكلْ بِا ْل َمعْرُوفِ }[النساء‪]6 :‬‬
‫وكلمة } فَلْيَ ْأ ُكلْ بِا ْل َمعْرُوفِ { أي ل يكنز ول يدخر منه أبدا‪ ،‬بل يأكل بما يدفع الجوع فقط ويكتسي‬
‫ما يستر جسمه‪ .‬ونعرف أن اليتيم لم ينضج عقله بعد‪ ،‬وكذلك الكبير السفيه هو أيضا ل يقدر على‬
‫التصرف؛ لذلك قال الحق في أدائه البياني حيث يؤدي اللفظ ما يوحي بالمعاني الواسعة‪َ {:‬ولَ‬
‫س َفهَآءَ َأ ْموَاَلكُمُ }[النساء‪]5 :‬‬
‫ُتؤْتُواْ ال ّ‬
‫وجعل الحق مال السفيه في مرتبة مال الولي؛ لن السفيه ل يحترم ملكيته وقد يبددها‪ .‬ولكن المال‬
‫يعود لهذا الِنسان حين يذهب عنه السفه فيقول الحق‪ {:‬فَإِنْ آنَسْ ُتمْ مّ ْنهُمْ رُشْدا فَا ْد َفعُواْ إِلَ ْيهِمْ َأ ْموَاَلهُمْ‬
‫}[النساء‪]6 :‬‬
‫إنه أداء قرآني عجيب‪ ،‬يشجع الناس أل يتركوا السفيه يبدد ماله فتكون خسارة للمجتمع كله‪،‬‬
‫فمادام هو في سفه فانظر إلى المال كأنه مالك‪ ،‬ولتكن أمينا عليه أمانتك على مالك‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وعندما ترى وتجد رشده وتطمئن على ذلك‪ ،‬فإن الحق يأمرك أن تعيد له ماله‪ .‬ونعود إلى اليتيم‪،‬‬
‫حسَنُ {‪.‬‬
‫هنا يقول الحق‪َ } :‬ولَ َتقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ ِإلّ بِالّتِي ِهيَ أَ ْ‬
‫هذا إن كان له مال‪ ،‬فماذا عن اليتيم الذي ل مال له؟‪ .‬هنا تكون الوصية أقوى‪ ،‬عن سهل بن سعد‬
‫رضي ال عنه قال‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ " :‬أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا " "‬
‫وأشار بالسّبابة والوسطى وفرّج بينهما "‪.‬‬
‫وعن أبي هريرة رضي ال عنه قال‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ " :‬الساعي على الرملة‬
‫والمساكين كالمجاهد في سبيل ال وكالذي يصوم النهار ويقوم الليل "‪.‬‬
‫وخذوا بالكم واجعلوا مسح رأس اليتيم ل‪ ،‬فمن الجائز أن تكون لليتيم أم جميلة‪ ،‬ويريد الولي أن‬
‫يتقرب منها عن طريق الولد‪ ،‬احذروا ذلك‪ ،‬فإنه فضل على أنه يسخط ال ويغضبه فهو خسة‬
‫ش ّدهُ { [النعام‪]152 :‬‬
‫حسَنُ حَتّىا يَ ْبلُغَ أَ ُ‬
‫ولؤم ونذالة‪َ } .‬ولَ َتقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ ِإلّ بِالّتِي ِهيَ أَ ْ‬
‫حسَنُ { لتشديد الحرص على مال‬
‫لم يقل ال ‪ -‬سبحانه ‪ -‬بالتي هي حسنة ولكنه قال‪ } :‬بِالّتِي ِهيَ أَ ْ‬
‫اليتيم حتى يبلغ أشده لن بلوغ الشد‪ ،‬يعني أن اليتيم صارت له ذاتية مستقلة‪ ،‬وما المعيار في‬
‫الذاتية المستقلة؟؛ أن يصبح قادرا على إنجاب مثله‪ ،‬وهذا معيار النضج‪ ،‬مثله مثل الثمرة حين‬
‫تنضج؛ أي صارت البذرة التي فيها صالحة لن نضعها في الرض لتكون شجرة‪ .‬وأنت إن‬
‫قطفت الثمرة قبل أن تنضج ل تجد طعمها حلوا‪ ،‬ول تستسيغ مذاقها إل حين تستوي البذرة‬
‫وتنضج‪.‬‬
‫و " الشد " أي أن الِنسان يصير قادرا على إنجاب مثله وهو ما نسميه البلوغ‪ ،‬ويصبح أيضا‬
‫قادرا على حسن التصرف في المال وفي كل شيء‪ .‬ويتابع سبحانه‪ } :‬وَأَ ْوفُواْ ا ْلكَ ْيلَ وَا ْلمِيزَانَ‬
‫بِا ْلقِسْطِ { [النعام‪]152 :‬‬
‫والكيل هي المعايير لما يكال حجما‪ ،‬والموازين هي المعايير لما ُيقَدّر كثافة‪ ،‬فهناك معيار للحجم‬
‫ومعيار للكثافة‪ .‬معيار الحجم الكيل‪ ،‬ومعيار الكثافة هو الوزن‪ ،‬وهناك أيضا التقديرات العادلة في‬
‫القياس‪ ،‬للقمشة مثلً‪ ،‬المقياس فيها هو المتر‪ ،‬إذن كل شيء بحسبه‪ ،‬وإذا أردت الموزون فلبد‬
‫أن يكن بالقسط‪ ،‬أي بالعدل‪.‬‬
‫وهذه المسألة من الصعب تحقيقها‪ ،‬ولذلك تختلف الموازين باختلف نفاسة الشياء‪ ،‬فحين نزن‬
‫الفول أو العدس أو البطاطس أو القلقاس‪ ،‬فنحن نزنه بميزان كبير؛ لن فرق الميزان يكون حول‬
‫الكيلو جرام‪ ،‬فالمر حينئذ يكون مقبولً‪ .‬وحين نزن أشياء أثمن قليلً‪ ،‬نأتي بالميزان الدقيق‪ .‬فإن‬
‫كان الشيء الموزون ذهبا نحيط الميزان بجدران زجاجية لن لفحة الهواء قد تقلل أو تزيد الوزن‪.‬‬
‫إننا نحاول أن نمنع تأثير تيارات الهواء عليها‪ .‬وحين نزن المواد الكيماوية نأتي بميزان يعمل‬
‫بالذرة‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إذن موزون يأخذ درجة ميزانه بمقدار نفاسته وتأثيره؛ لن تحقيق العدالة في الميزان مسألة‬
‫صعبة‪ ،‬وكذلك المر في الكيل‪ .‬فحين يكيل النسان كيلً يمسك إناء الكيلة ويهزه؛ حتى يأتي‬
‫الميكال دقيقا محررا‪ ،‬وإن أراد أن يلغي ضميره ويأخذ أكثر من حقه فهو يمل المكيال بأكثر مما‬
‫ط ّففِينَ * الّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النّاسِ‬
‫يحتمل ويسند الزيادة بيده حتى لتقع‪ .‬وربنا يقول‪ {:‬وَ ْيلٌ لّ ْلمُ َ‬
‫يَسْ َت ْوفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ َأوْ وّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ }[المطففين‪]3-1 :‬‬
‫فحين يكتال يستوفى ويطفف أي يزيد ما سوف يأخذه شراء‪ ،‬وحين يبيع يقلل الكيل أو الوزن ليأخذ‬
‫ثمنا أكثر من ثمن ما يزن أو يكيل‪ .‬وأصل المبادلت غالبا بين طرفين‪ ،‬وبعض المتنطعين يقول‪:‬‬
‫ط ّففِينَ { والتطفيف في أي مسألة يكون بالزيادة‪ ،‬ل بالنقص‪ .‬ونقول‪:‬‬
‫كيف يقول الحق‪ } :‬وَ ْيلٌ لّ ْلمُ َ‬
‫انتبه إلى أن المتحدث هو ال‪ ،‬والتطفيف يزيد طرفا وينقص من طرف‪ ،‬وكل صفقة بين اثنين فيها‬
‫بيع وشراء‪ .‬فإن أراد واحد أن يجعل الخسران على طرف وأن يستوفي لنفسه فهو مطفف‪.‬‬
‫ط لَ ُنكَّلفُ َنفْسا ِإلّ‬
‫ل وَا ْلمِيزَانَ بِا ْلقِسْ ِ‬
‫ولذلك تأتي دقة الداء القرآني من ربنا‪ } :‬وََأ ْوفُواْ ا ْلكَ ْي َ‬
‫س َعهَا‪[ { ..‬النعام‪]152 :‬‬
‫وُ ْ‬
‫وقال الحق ذلك لنه يعلم أن الكيل والميزان بالعدل أمر متعذر؛ لن الحق سبحانه وتعالى لواسع‬
‫رحمته في التشريع لنا لم يجعل مجتال الستطاعة أمرا يمكن أن تتحكم فيه أشياء ل تدخل في‬
‫س َعهَا { لن المكيال والميزان‬
‫الستطاعة؛ ففي ضبط المكيال والميزان قال‪ } :‬لَ ُنكَّلفُ َنفْسا ِإلّ وُ ْ‬
‫أداتان تتحكم فيهما ظروف ل تدخل في نطاق النسان‪ .‬ولذلك قلنا‪ :‬إن وزن الشياء التي نعلمها‬
‫إن كانت من الشياء التي ليست فيها نفاسة فوزنها له آلة‪ .‬وإن كانت في المتوسط فوزنها له آلة‪،‬‬
‫وإن كان في الشياء النفيسة الدقيقة التي للقدر الصغير فيها قيمة مؤثرة‪ ،‬فإن لها آلة مضبوطة‬
‫س َعهَا‬
‫ل وُ ْ‬
‫مصونة من عوامل الجو حتى ل تتأثر بهبّة الهواء‪ ،‬فقول الحق‪ } :‬لَ ُنكَّلفُ َنفْسا ِإ ّ‬
‫{ إباحة للشياء الزائدة او الناقصة التي ل تدخل في الستطاعة‪ ،‬ثم قال سبحانه‪ } :‬وَِإذَا قُلْتُمْ‬
‫فَاعْدِلُو ْا وََلوْ كَانَ ذَا قُرْبَىا‪[ { ..‬النعام‪]152 :‬‬
‫نعلم أن القول نسبة كلمية ينطق بها المتكلم ليسمعها مخاطب‪ ،‬ينفعل للمطلوب فيها خبرا أو‬
‫إنشاءً‪ ،‬والقول مقابله الفعل‪ ،‬وكلهما عمل‪ ،‬فالقول عمل والفعل عمل؛ قل أو افعل‪ ،‬فافهم أن القول‬
‫متعلق بجارحة اللسان‪ ،‬والفعل متعلق بكل الجوارح ما عدا اللسان‪ ،‬فإذا رأيت‪ ،‬وإذا سمعت‪ ،‬وإذا‬
‫شممت‪ ،‬وإذا لمست كل ذلك يطلق عليه أنه فعل‪ ،‬ولكن إذا ما تحرك اللسان فذلك قول‪ } :‬وَإِذَا قُلْتُمْ‬
‫فَاعْدِلُو ْا وََلوْ كَانَ ذَا قُرْبَىا {‪.‬‬
‫وهل العدل مقصور على القول؟ أو العدل أيضا يكون في الفعل؟ إن العدل قد يكون في خلف بين‬
‫اثنين‪ ،‬وهذا ل يتأتى بفعلك‪ ،‬وإنما يتأتى الحكم والفصل فيه بقولك‪ ،‬وإذا ما تعودت العدل في‬
‫قولك‪ ،‬ألفته وأنست به وأحببته حتى في أعمالك الخاصة الخرى‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والقول منه القرار‪ ،‬وإن تقر على شيء في نفسك فقله بالعدل وبالحق‪ ،‬والشهادة‪ .‬قلها بالحق‪،‬‬
‫والحكم‪ .‬قله بالحق‪ .‬والوصية‪ .‬قلها بالحق‪ .‬والفتوى‪ .‬قلها بالحق‪ .‬إذن فالحق في القول أمر دائر‬
‫في كثير من التصرفات؛ لنك إذا قلت بالحق أمكنك أن تعدل ميزان حركة الحياة؛ فميزان حركة‬
‫الحياة ل يختل إل إن رجح باطل على حق؛ لنك إذا حكمت لواحد بشيء ل يستحقه فقد أعطيته‬
‫ما ليس له‪ ،‬وإنك بعملك هذا تجعل المتحرك في الحياة يزهد في الحركة‪ ,‬لكن إذا ما حافظت على‬
‫حركة كل متحرك‪ ،‬وأخذ كل واحد حظه من الحياة بقدر ما يعمل اتزنت كل المور‪ ،‬ولم يعد‬
‫هناك قوم يعيشون على جهد غيرهم وعرق سواهم‪ ،‬إذن فقول العدل هو مناط حركة الحياة الثابتة‬
‫المستقيمة الرتيبة الرشيدة‪ } :‬وَإِذَا قُلْ ُتمْ فَاعْدِلُو ْا وََلوْ كَانَ ذَا قُرْبَىا {‪.‬‬
‫والذي يؤثر في العدل هو الهوى‪ ،‬وحين يوجد الهوى فهو يحاول أن أن يميلك إلى ناحية ليس فيها‬
‫الحق‪ ،‬وأولى النواحي أن يكون المر متعلقا بك أو بقرابة لك‪ ،‬وقد تريد إن حكمت‪ -‬والعياذ بال‪-‬‬
‫باطلً‪ ،‬أن تسعد ذا قرباك‪ ،‬وأنت بذلك لم تؤد حق القرابة؛ لن حق القرابة كان يقتضي أن تمنع‬
‫عنه كل شيء محرّم وتحمي عرضه‪ ،‬وتحمي دينه قبل أن تحمي مصلحته في النفعية الزائلة‪.‬‬
‫ولذلك يأمرك الحق بأن تقول الكلمة بالعدل ولو كان المحكوم له أو عليه ذا قربى؛ لنك حين تحكم‬
‫بالباطل فأنت في الواقع حكمت عليه ل له‪ } .‬وَ ِب َعهْدِ اللّهِ َأ ْوفُواْ { [النعام‪]152 :‬‬
‫ونحن نعلم أن عهد ال هو ما عاهدنا ال عليه‪ ،‬وأول عهد وقمة العهود هو اليمان به سبحانه‪،‬‬
‫ل في‬
‫وترتب على ذلك أن نتلقى منه التكليف‪ ،‬فكل تكليف من تكاليف ال لخلقه يُعتبر عهدا داخ ً‬
‫إطار الِيمان؛ لن ال ل يحكم حكما أو يبينه لمكلّف إل بعد أن يقول‪ {:‬يَا أَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ‪} ...‬‬
‫[المائدة‪]1 :‬‬
‫أي يا من آمنت بالعهد الصيل في القيم وهو العقيدة‪ ،‬وآمنت بي إلها‪ :‬خذ التكليف مني؛ لنك قد‬
‫دخلت معي في عهد هو الِيمان‪.‬‬
‫ولذلك ل يكلف ال بالحكام كافرا به‪ ،‬إنما يقول‪ } :‬يَا أَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ { ولذلك يجب أن نأخذ كل‬
‫حكم بدليله من الِيمان بمن حكم به‪ ،‬فل تبحث عن في كل حكم‪ ،‬وإنما علة كل حكم أن تؤمن‬
‫بالذي أمرك ان تفعل كذا‪َ ،‬فعِلّة كل هي الحكم‪.‬‬
‫ويذيل الحق الية الكريمة بقوله تعالى‪ } :‬ذاِلكُ ْم َوصّاكُمْ ِبهِ َلعَّلكُمْ َت َذكّرُونَ { [النعام‪]152 :‬‬
‫و " ذلكم " إشارة إلى ما تقدم‪ ،‬من أول قوله سبحانه‪ُ {:‬قلْ َتعَاَلوْاْ أَ ْتلُ مَا حَرّمَ رَ ّب ُكمْ عَلَ ْيكُمْ }[النعام‪:‬‬
‫‪]151‬‬
‫إلى أن انتهينا إلى قوله سبحانه‪ } :‬وَ ِب َعهْدِ اللّهِ َأ ْوفُواْ { [النعام‪]152 :‬‬
‫والتوصية تخصيص للتشريع؛ لن التشريع يعم احكاما كثيرة جدّا‪ ،‬ولكن الوصية التي يوصي ال‬
‫بها تكون هي عيون التشريع‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ولذلك قال ابن عباس رضي ال عنه عن هذه اليات‪ " :‬إنها محكمات لم ينسخهن شيء من جميع‬
‫الكتب‪ ،‬وقيل إنهن أم الكتاب من عمل بهن دخل الجنة‪ ،‬ومن تركهن دخل النار "‪.‬‬
‫ولم يوجد شرع جاء لينسخ واحدة من هذه الوصايا‪ ،‬ولذلك يقول اليهودي الذي أسلم وهو كعب‬
‫الحبار‪ " :‬والذي نفس كعب بيده إنّ هذه اليات لول شيء في التوراة‪ُ } :‬قلْ َتعَاَلوْاْ أَ ْتلُ مَا حَرّمَ‬
‫رَ ّبكُمْ عَلَ ْيكُمْ {‪ .‬ثم نجد أن هذه الوصية الخيرة هي جامعة لكل شيء؛ نجد تسع وصايا قد مرّت؛‬
‫خمسا منها قال فيها‪َ } :‬لعَّلكُمْ َت ْعقِلُونَ { ‪ ،‬وأربعا قال فيها‪َ } :‬لعَّلكُمْ َت َذكّرُونَ { ‪ ،‬والعاشرة يقول‪} :‬‬
‫َلعَّلكُمْ تَ ّتقُونَ { ‪ ،‬وهذه الوصية العاشرة هي الجامعة لكل أنواع الفضائل التكليفية إنّها قوله الحق‪} :‬‬
‫وَأَنّ هَـاذَا صِرَاطِي‪{ ...‬‬

‫(‪)930 /‬‬
‫وَأَنّ هَذَا صِرَاطِي مُسْ َتقِيمًا فَاتّ ِبعُو ُه وَلَا تَتّ ِبعُوا السّ ُبلَ فَ َتفَرّقَ ِبكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَِلكُ ْم َوصّاكُمْ بِهِ َلعَّلكُمْ‬
‫تَ ّتقُونَ (‪)153‬‬

‫أي أنه ختم الوصايا التسع بهذا القول؛ لن الصراط المستقيم يشمل الوصايا التسع السابقة ويشمل‬
‫كل ما لم يذكر هنا‪ .‬وقلت‪ :‬إننا نلحظ أن الخمس الول ذيلها الحق بقوله‪َ { :‬لعَّلكُمْ َت ْعقِلُونَ } ‪،‬‬
‫والربع التي بعدها ذيلها الحق بقوله‪َ { :‬لعَّلكُمْ تَ َذكّرُونَ } والواحدة الجامعة لكل شيء قال تذييلً‬
‫لها‪َ { :‬لعَّل ُكمْ تَ ّتقُونَ }‪.‬‬
‫فما الفرق بين التعقل والتذكر والتقوى؟‬
‫إن الشياء الخمسة الولى التي قال الحق فيها‪ُ {:‬قلْ َتعَاَلوْاْ أَ ْتلُ مَا حَرّمَ رَ ّبكُمْ عَلَ ْي ُكمْ َألّ تُشْ ِركُواْ بِهِ‬
‫حشَ مَا‬
‫شَيْئا وَبِا ْلوَالِدَيْنِ ِإحْسَانا َولَ َتقْتُلُواْ َأ ْولَ َدكُمْ مّنْ إمْلَقٍ نّحْنُ نَرْ ُز ُقكُ ْم وَإِيّاهُمْ وَلَ َتقْرَبُواْ ا ْلفَوَا ِ‬
‫حقّ ذاِلكُ ْم َوصّاكُمْ بِهِ َلعَّلكُمْ َت ْعقِلُونَ }‬
‫ن َولَ َتقْتُلُواْ ال ّنفْسَ الّتِي حَرّمَ اللّهُ ِإلّ بِالْ َ‬
‫ظهَرَ مِ ْنهَا َومَا بَطَ َ‬
‫َ‬
‫[النعام‪]151 :‬‬
‫هذه الشياء كانت موجودة في بيئة نزول القرآن‪ ،‬إنهم كانوا يشركون بال ويعقون والديهم ويقتلون‬
‫الولد ويقارفون الفواحش ويقتلون النفس التي حرم ال قتلها إل بالحق‪ ،‬فأوضح لهم‪َ :‬ت َعقّلُوها‪،‬‬
‫فإذا ما تعقلتموها تجدون أن تكليف ال بمنعكم من هذه الفعال‪ ،‬إنه أمر يقتضيه العقل السليم الذي‬
‫يبحث عن الشياء بمقدمات سليمة ونتائج سليمة‪ ،‬لكن " الربع " الخرى‪ ،‬هم كانوا يفعلونها‬
‫ويتفاخرون بها‪ .‬ففي التي كانوا يعملونها من القيام على أمر مال اليتيم والوفاء في الكيل والميزان‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والعدل في القول والوفاء بالعهد قال‪َ { :‬لعَّلكُمْ َت َذكّرُونَ } أي إياكم أن تغفلوها؛ فإذا كنتم تفعلونها‬
‫وأنتم على جاهلية؛ فافعلوها من باب أولى وأنتم على إسلمية‪ .‬ثم جاء بالوصية الجامعة‪ { :‬وَأَنّ‬
‫هَـاذَا صِرَاطِي مُسْ َتقِيما فَاتّ ِبعُو ُه وَلَ تَتّ ِبعُواْ السّ ُبلَ فَ َتفَرّقَ ِب ُكمْ عَن سَبِيِلهِ ذاِل ُك ْم َوصّاكُمْ بِهِ َلعَّلكُمْ‬
‫تَ ّتقُونَ } [النعام‪]153 :‬‬
‫ونظرا لن هذه الوصية تستوعب كل الحكام إيجابّا وسلبّا‪ ،‬نهيّا وأمرا‪ ،‬فوضح لهم أنه يجب‬
‫عليكم أن تتبعوا الصراط المستقيم‪ :‬لتقوا أنفسكم آثار صفات القهر من الحق سبحانه وتعالى‪ ،‬وأول‬
‫جنودها النار‪.‬‬
‫والصراط‪ :‬هو الطريق المعبّد‪ ،‬ويأخذون منه صراط الخرة‪ ،‬وهو‪ -‬كما يقال‪ " -‬أدق من الشعرة‪،‬‬
‫وأحدّ من السيف " ‪ ،‬ما معنى هذا الكلم؟‪ .‬معناه أن يُمشى عليه بيقظة تامة واعتدال؛ لنه لو راح‬
‫يمنة يهوي في النار‪ ،‬ولو راح يسرة يسقط فيها‪ ،‬فهو صراط معمول بدقة وليس طريقا واسعا‪،‬‬
‫بل‪ -‬كما قلنا‪ " -‬أدقّ من الشعرة وأحدّ من السيف " فلتمش على صراط ال ومنهجه معتدلً‪ ،‬فل‬
‫تنحرف يمنة أو يسرة؛ لن الميل‪ -‬كما قلنا‪ -‬يبعدك عن الغاية‪ ،‬إنك إذا بدأت من مكان ثم اختل‬
‫توازنك فيه قدر ملليمتر فكلما سرت يتسع الخلل‪ ،‬وأي انحراف قليل في نقطة البداية يؤدي إلى‬
‫زيادة الهوة والمسافة‪.‬‬
‫كذلك الدين‪ ،‬كلما نلتقي فيه ويقرب بعضنا من بعض‪ ،‬نسير في الطريق المستقيم‪ ،‬وكلما ابتعدنا‬
‫عن التشريع تتفرق بنا السبل‪.‬‬
‫} وَأَنّ هَـاذَا صِرَاطِي مُسْ َتقِيما فَاتّ ِبعُوهُ َولَ تَتّ ِبعُواْ السّ ُبلَ فَ َتفَرّقَ ِبكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذاِلكُ ْم َوصّاكُمْ بِهِ‬
‫َلعَّلكُمْ تَ ّتقُونَ { [النعام‪]153 :‬‬
‫" ورسول ال صلى ال عليه وسلم؛ جلّي بالحركة الفعلية منطوق النسبة الكلمية‪ ،‬حينما جلس بين‬
‫أصحابه وخطّ خطّا‪ .‬وقال‪ :‬هذا سبيل ال‬
‫‪ .‬ثم خط خطوطا عن يمينه وخطوطا عن يساره‪ ،‬ثم قال‪ :‬هذه سبل وعلى كل سبيل منها شيطان؛‬
‫يدعو إليها‪ ،‬ثم قرأ هذه الية‪ } :‬وَأَنّ هَـاذَا صِرَاطِي مُسْ َتقِيما فَاتّ ِبعُو ُه َولَ تَتّ ِبعُواْ السّ ُبلَ فَ َتفَرّقَ ِبكُمْ‬
‫عَن سَبِيِلهِ‪" .{ ...‬‬
‫ولذلك فكل أهل الحق‪ ،‬وأهل الخير كلما اقتربوا من المركز كان اللتقاء‪ ،‬وهذا اللتقاء يظل يقرب‬
‫ويقرب إلى أن يتلشى ويصير الكل إلى نقطة واحدة‪.‬‬
‫وانظر إلى جلل الحق حينما يجعل الصراط المستقيم إليه في دينه‪ ،‬منسوبا إلى رسوله‪ } :‬وَأَنّ‬
‫هَـاذَا صِرَاطِي مُسْ َتقِيما { فالرسول يسير على هذا الصراط وهو ل يغش نفسه‪ ،‬والذي يفعله‬
‫ويمشي فيه يأمركم بأن تمشوا فيه‪ ،‬وهو لم يأمركم أمرا وهو بنجوة وبعدٍ عنه‪ ،‬ولو غشكم جميعا‬
‫ل يغش نفسه‪ ،‬وهذا هو صراطه الذي يسير فيه‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والسبيل هنا معروف أنّه إلى ال فكأن سبيل ال هو طريق محمد صلى ال عليه وسلم‪ .‬ونسب‬
‫الفعل والحدث ل وحده؛ ففي البداية قال‪ } :‬وَأَنّ هَـاذَا صِرَاطِي مُسْ َتقِيما { ‪ ،‬ثم قال‪ " :‬سبيله "‬
‫فالصراط لم يعمله محمد لنفسه‪ ،‬ولكن أراده ال للمؤمنين جميعا‪ ،‬ورسول ال هو الذي يأخذ‬
‫بأيديهم إليه‪.‬‬
‫وحين ننظر إلى كل الخلفات التي تأتي بين الديانات بعضها مع بعض‪ ،‬بين اليهودية والنصرانية‬
‫ستِ الْ َيهُودُ‬
‫شيْ ٍء َوقَاَلتِ ال ّنصَارَىا لَيْ َ‬
‫ستِ ال ّنصَارَىا عَلَىا َ‬
‫على سبيل المثال‪َ {:‬وقَاَلتِ الْ َيهُودُ لَيْ َ‬
‫شيْءٍ‪[} ...‬البقرة‪]113 :‬‬
‫عَلَىا َ‬
‫ن لَ َيعَْلمُونَ مِ ْثلَ‬
‫والمشركون قالوا‪ :‬ل هؤلء على شيء‪ ،‬ول هؤلء على شيء‪ {:‬كَذَِلكَ قَالَ الّذِي َ‬
‫َقوِْلهِمْ‪[} ...‬البقرة‪]113 :‬‬
‫أي أننا أمام ثلثة أقوال‪ :‬اليهود قالوا‪ :‬ليست النصارى على شيء‪ ،‬والنصارى قالوا‪ :‬ليست اليهود‬
‫على شيء‪ ،‬وقال الذين ل يعلمون‪ -‬وهم أهل مكة‪ -‬مثل قولهم‪ ،‬ثم نجد الدين الواحد منهما ينقسم‬
‫إلى طوائف متعددة‪ ،‬وكل طائفة لها شيء تتعصب له‪ ،‬وترى أن الذي تقول له هو الحق‪ ،‬والذي‬
‫يقول به غيرها هو الباطل‪ ،‬وكيف ينشأ هذا مع أن المصدر واحد‪ ،‬والتنزيلت اللهية على الرسل‬
‫واحدة؟! إن آفة كل هذا تنشأ من شهوة السلطة الزمنية‪ ،‬وكل إنسان يريد أن يكون له مكانة ونفوذ‬
‫وخلفة‪ .‬وهذا يريد أن يتزعم فريقا‪ ،‬وذاك يريد أن يتزعم فريقا‪ ،‬ولو أنهم جُمعوا على الطريق‬
‫الواحد لما كانوا فرقاء‪.‬‬
‫ونجده صلى ال عليه وسلم يقول‪ " :‬افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة‪ ،‬وتفرقت النصارى‬
‫على اثنتين وسبعين فرقة‪ ،‬وتفرقت أمتي على ثلث وسبعين فرقة "‪.‬‬
‫وفي رواية‪ " :‬كلها في النار إل واحدة وهي الجماعة "‬
‫والجماعة‪ :‬هم أهل السنة والجماعة‪ ،‬وفي رواية‪ " :‬ما أنا عليه وأصحابي "‪.‬‬
‫ونلحظ دقة هذا القول في عدد المذاهب والفرق‪ ،‬وإن كنتم ل تسمعون عن بعضها لنها ماتت‬
‫بموت الذين كانوا يتعصبون لها‪ ،‬والذين كانوا يريدون أن يعيشوا في جللها‪.‬‬
‫إذن الفة تأتي خير ننظر حين إلى حكم من الحكام‪ ،‬يرى فيه واحد رأيا‪ ،‬ويأتي الخر فيرى فيه‬
‫حكَم‪ ،‬وحكم تركه ال‬
‫رأيا آخر‪ ،‬ل لشيء إل للختلف‪ .‬ونقول لهم‪ :‬انتبهوا إلى الفرق بين حكم ُم ْ‬
‫مناطا للجتهاد فيه‪ ،‬فالحكم الذي أراده ال محكما جاء فيه بنص ل يحتمل الخلف‪ ،‬وهذا النص‬
‫يحسم كل خلف‪ .‬والحكم الذي يحبه ال من المكلّفين تخفيفا عنهم على وجه من الوجوه يأتي‬
‫بالنص فيه محتملً للجتهاد‪ ،‬ومجيء النص من المشرع في حكم محتمل للجتهاد‪ ،‬هو إذن‬
‫بالجتهاد فيه؛ لنه لو أراده حُكما ل نختلف فيه لجاء به محكما‪.‬‬
‫والمثال المستمر ما تركه لنا رسول ال صلى ال عليه وسلم في سنته الشريفة‪ ،‬فحينما أراد الحق‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫سبحانه وتعالى أل يضع السلح قبل أن يؤدب بني قريظة‪ ،‬وهم من شايعوا مشركي مكة في‬
‫الحرب‪ .‬فقال صلى ال عليه وسلم‪ " :‬ل ُيصَلّيَنّ أحد العصر إل في بني قريظة "‪.‬‬
‫فذهب الصحابة في طريقهم إلى بني قريظة‪ ،‬وآذنت الشمس بالمغيب وهم في الطريق فانقسم‬
‫صحابة رسول ال إلى قسمين‪ :‬قسم قال‪ :‬نصلي العصر قبل أن تغيب الشمس‪ ،‬وقال قسم آخر‪:‬‬
‫قال رسول ال ل نصلين العصر إل في بني قريظة‪ .‬فصلى قوم العصر قبل مغيب الشمس‪ ،‬ولم‬
‫يصل الخرون حتى وصلوا إلى بني قريظة‪ ،‬ورفعوا أمرهم إلى المشرع وهو رسول ال‪ ،‬فأقرّ‬
‫هذا‪ ،‬وأقرّ هذا‪ ،‬لن النص محتمل‪.‬‬
‫لماذا؟‪ .‬لن كل حدث من الحداث يتطلب ظرفا له زمان ومكان؛ فالذين قالوا إن الشمس كادت‬
‫ل في بني‬
‫تغرب ولبد أن نصلي العصر قبل مغيبها نظروا إلى الزمان‪ .‬والذين قالوا ل نصلي إ ّ‬
‫قريظة نظروا إلى المكان‪ .‬وحينما ُرفِعَ المر إلى المشرع العلم أقرّ هؤلء وأقرّ هؤلء‪.‬‬
‫إذن فالحكم إن كان فيه نص محكم فل احتمال للخلف فيه‪ ,‬وإن كان ال قد تركه موضعا للجتهاد‬
‫فيه فهو يأتي لنا بالنص غير المحكم‪ .‬ومَن ذهب إليه ل يصح أن نخطّئه‪ ،‬ولذلك بقي لنا من أدب‬
‫الئمة الذين بقيت مذاهبهم إلى الن بعضهم مع بعض‪ .‬نجد الواحد منهم يقول‪ :‬الذي ذهبت إليه‬
‫صواب يحتمل الخطأ‪ ،‬والذي ذهب إليه مقابلي خطأ يحتمل الصواب‪ ،‬وجميل أدبهم هو الذي أبقى‬
‫مذاهبهم إلى الن‪ ،‬وعدم أدب الخرين جعل مذاهبهم تندثر وتختفي ول تدرون بها‪ ،‬الحمد ل أنكم‬
‫ل تدرون بها‪.‬‬
‫ثم يقول الحق بعد ذلك‪ } :‬ثُمّ آتَيْنَا مُوسَى ا ْلكِتَابَ‪{ ...‬‬

‫(‪)931 /‬‬
‫ح َمةً َلعَّلهُمْ بِِلقَاءِ رَ ّب ِهمْ‬
‫شيْ ٍء وَهُدًى وَرَ ْ‬
‫ثُمّ آَتَيْنَا مُوسَى ا ْلكِتَابَ َتمَامًا عَلَى الّذِي أَحْسَنَ وَتَ ْفصِيلًا ِل ُكلّ َ‬
‫ُي ْؤمِنُونَ (‪)154‬‬

‫ونحن إذا سمعنا بكلمة " ثم " نعلم انها من حروف العطف‪ ،‬وحروف العطف كثيرة‪ ،‬وكل حرف‬
‫له معنى يؤديه‪ ،‬وهنا { ثُمّ آتَيْنَا مُوسَى ا ْلكِتَابَ } ‪ ،‬وإيتاء موسى الكتاب كان قبل أن يأتي قوله‪:‬‬
‫{ ُقلْ َتعَاَلوْاْ أَ ْتلُ مَا حَرّمَ رَ ّبكُمْ عَلَ ْي ُكمْ } فالتوارة جاءت ثم الِنجيل‪ ،‬ثم جاء القرآن ككتاب خاتم‪.‬‬
‫فكيف جاءت العبارة هنا بـ " ثم "؟‪ .‬مع أن إتيان موسى الكتاب جاء قبل مجيء قوله الحق‪ُ { :‬قلْ‬
‫َتعَاَلوْاْ أَ ْتلُ مَا حَرّمَ رَ ّبكُمْ عَلَ ْيكُمْ }؟‬
‫ونقول لصحاب هذا الفهم‪ :‬أنت أخذت " ثم " لترتيب أفعال وأحداث‪ ،‬ونسيت أن " ثم " قد تأتي‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لترتيب أخبار‪ .‬فقد يأتي مَن يقول لك‪ :‬لماذا ل تسأل عن فلن ول تؤدي الحق الواجب عليك له؛‬
‫كحق القرابة مثل‪ ،‬فتقول‪ :‬كيف‪ ،‬لقد فعلت معه كذا‪ ،‬ثم أنا فعلت مع أبيه كذا‪ ،‬ثم أنا فعلت مع جدّه‬
‫كذا‪.‬‬
‫إذن‪ ،‬فأنت تقوم بترتيب أخبار‪ .‬وتتصاعد فيها‪ ،‬وتترقى‪ ،‬ولذلك قال الشاعر العربي‪:‬إن من ساد ثم‬
‫ساد أبوه ثم قد ساد قبل ذلك جدّهفالسيادة جاءت أولً للجد‪ ،‬ثم جاءت للب‪ ،‬ثم انتقلت للبن‪ .‬و "‬
‫ثم " في هذه الحالة ليست لترتيب الحداث وإنما جاءت للترتيب الِخباري أي يكون وقوع‬
‫المعطوف بها بعد المعطوف عليه بحسب التحدث عنهما ل بحسب زمان وقوع الحدث على‬
‫أحدهما فالمراد الترقي في الِخبار بالحداث‪.‬‬
‫سجُدُو ْا لَ َدمَ‪} ...‬‬
‫صوّرْنَاكُمْ ثُمّ قُلْنَا لِ ْلمَل ِئكَةِ ا ْ‬
‫وانظر إلى القرآن بكمال أدائه يقول‪ {:‬وََلقَدْ خََلقْنَاكُمْ ثُ ّم َ‬
‫[العراف‪]11 :‬‬
‫ونعلم أن المر من ال للملئكة بالسجود لدم كان من البداية‪ .‬فسبحانه في هذا القول الكريم يريد‬
‫أن يرتب حالنا‪ ،‬إنه‪ -‬سبحانه‪ -‬خلقنا بعد أن صورنا‪ ،‬وصورنا‪ ،‬بعد أن قال للملئكة اسجدوا لدم‪.‬‬
‫ول المثل العلى‪ ،‬تجد من يقول لبنه‪ :‬لقد اعتنيت بك في التعليم العالي‪ ،‬ثم ل تنس أني قد‬
‫اعتنيت بك في التعليم العالي‪ ،‬ثم ل تنس أنني قد اعتنيت بك في التعليم الثانوي‪ ،‬ثم ل تنسى أنني‬
‫قد اعتنيت بك في التعليم العدادية؛ ثم ل تنسى أنني قد اعتنيت بك من قبل كل ذلك التعليم‬
‫البتدائي‪ .‬وأنت بذلك ترتقي إخباريا ل أحداثيا‪ .‬فقد يكون الحدث بعد ولكن ترتيب الخبر فيه يكون‬
‫قبل‪ { .‬ثُمّ آتَيْنَا مُوسَى ا ْلكِتَابَ‪[ } ...‬النعام‪]154 :‬‬
‫طبعا مادام جاء بسيرة موسى فالكتاب هو التوارة وإذا أطلق الكتاب من غير تحديد؛ فإنه ينصرف‬
‫إلى القرآن‪ ،‬لنه هو الكتاب الجامع لكل ما في الكتب‪ ،‬والمهيمن على كل ما في الكتب‪ .‬أما لو‬
‫قيل مثلً‪ :‬أنزلنا على موسى الكتاب‪ ،‬فيكون الكتاب هو التوارة‪ ،‬أو أنزلنا على عيسى الكتاب‪،‬‬
‫شيْءٍ‬
‫فيكون الكتاب هو النجيل‪ { .‬ثُمّ آتَيْنَا مُوسَى ا ْلكِتَابَ َتمَاما عَلَى الّذِي أَحْسَنَ وَتَ ْفصِيلً ّل ُكلّ َ‬
‫حمَةً ّلعَّلهُمْ بِِلقَآءِ رَ ّبهِمْ ُي ْؤمِنُونَ } [النعام‪]154 :‬‬
‫وَهُدًى وَرَ ْ‬
‫والتمام هو استيعاب صفات الخير‪ ،‬ولذلك يقول الحق‪:‬‬
‫{ الْ َي ْومَ َأ ْكمَ ْلتُ َل ُكمْ دِي َن ُك ْم وَأَ ْت َممْتُ عَلَ ْيكُمْ ِن ْعمَتِي‪[} ...‬المائدة‪]3 :‬‬
‫و " أكملت " فل نقصان‪ ،‬وأتممتها فل استدراك‪ .‬ولماذا جاء بالتمام على الذي أحسن في أمر‬
‫موسى عليه السلم؟‪ .‬جاء ذلك لن الذين تصدوا للجاج والجدل معه صلى ال عليه وسلم هم‬
‫اليهود‪.‬‬
‫وأنتم تعلمون أنهم صوروا في مصر هنا فيلما سينمائيا اسمه " الوصايا العشر " عن قصة سيدنا‬
‫موسى عليه السلم‪ .‬والوصايا العشر هي التي أقر " كعب الحبار " أنها موجودة في التوراة‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وجاءت في اليات السابقة التي تناولناها وشرحناها‪ .‬فمن المناسب أن يأتي هنا ذكر موسى عليه‬
‫السلم‪.‬‬
‫وحينما جاء موسى عليه السلم بالتوراة كما أنزلها ال عليه عاصره أناس آمنوا بما في التوراة‪،‬‬
‫وكانوا من الناجين‪ ،‬وقد ماتوا‪ .‬أما الذين استمرت حياتهم إلى أن جاء رسول ال‪ ،‬فكان من‬
‫المطلوب منهم أن يؤمنوا به؛ لن الحق أوضح لهم في التوراة أن هناك رسولً قادما‪ ،‬ولبد أن‬
‫تؤمنوا حتى تتم نعمة الحسان عليكم‪ ،‬لنكم وإن كنتم مؤمنين بموسى‪ ،‬وعاملين بمنهجيه فلبد من‬
‫اليمان بمحمد صلى ال عليه وسلم‪ .‬والسابقون لكم أحسنوا في زمن بعثة رسالة موسى عليه‬
‫السلم‪ ،‬وجاء محمد بالرسالة الخاتمة فإن أردتم أن يتم ال عليكم الحسن والكرامة والنعمة‪ ،‬فلبد‬
‫أن تعلنوا اليمان بمحمد صلى ال عليه وسلم‪ ،‬منكم من أحسن القتداء بموسى عليه السلم وآمنوا‬
‫حمَةً ّلعَّلهُمْ بِِلقَآءِ رَ ّبهِمْ ُي ْؤمِنُونَ {‪.‬‬
‫شيْ ٍء وَ ُهدًى وَرَ ْ‬
‫بمحمد فتم لهم الحسن‪ } :‬وَ َت ْفصِيلً ّل ُكلّ َ‬
‫شيْءٍ { أي أنّه مناسب لزمنه‪ ،‬ول المثل العلى‪ ،‬عندما يكون لك ولد صغير السن‬
‫} وَ َت ْفصِيلً ّل ُكلّ َ‬
‫فتقول‪ :‬أنا فصلت له ملبسه‪ ،‬أي فصلت له الملبس التي تناسبه‪ .‬وحين يكبر لن تظل ملبسه‬
‫شيْءٍ { أي القيم التي تناسب الوقت الذي يعيشونه‪،‬‬
‫القديمة صالحة لن يرتديها‪ } .‬وَتَ ْفصِيلً ّل ُكلّ َ‬
‫فإذا ما جئنا بتفصيل جديد في القرآن فهو مناسب لوقته‪ ،‬ولقائل أن يقول‪ :‬هنا تفصيل‪ ،‬وهنا‬
‫تفصيل‪ ،‬فما الفرق بين تفصيل وتفصيل؟‪ .‬نقول‪ :‬إن كل تفصيل مناسب لزمنه‪ ،‬وآيات القرآن‬
‫مفصلة جاهزة ومعدة لكل زمن وللناس جميعا إلى أن تقوم الساعة‪.‬‬
‫والفة‪ -‬دائما‪ -‬في القائمين على أمر التشريع‪ ،‬فحينما تأتيهم حالة لذي جاه وسلطان يحاولون‬
‫إعداد وتفصيل حكم يناسبه‪ ،‬فنقول لمثل هذا الرجل‪ :‬أنت تفصل الحكم برغم أن الحكام جاهزة‬
‫ومعدة ظاهرة‪ ،‬إننا نجد القوالب البدنية تختلف فيها التفصيلت للملبس بينما القوالب المعنوية نجد‬
‫فيها التساوي بين الناس كلها‪ ،‬فالصدق عند الطفل مثل الصدق عند اليافع‪ ،‬مثل الصدق عند‬
‫الرجل‪ ،‬مثل الصدق عند المرأة‪ ،‬مثل الصدق عند العالم‪ ،‬مثل الصدق عند التاجر‪ .‬وليس لكل منهم‬
‫صدق خاص‪ ،‬وكذلك المانة‪.‬‬
‫ورحمنا السلم بالقضية العقدية وكذلك بالقضية الحكيمة الجاهزة‪ .‬المناسبة لكل بشر‪ ،‬وليست‬
‫شيْ ٍء وَهُدًى‬
‫هناك آية على مقاس واحد تطبق عليه وحده‪ ،‬ل‪ ،‬فاليات تسع الجميع } وَتَ ْفصِيلً ّل ُكلّ َ‬
‫حمَةً‪[ { ...‬النعام‪.]154 :‬‬
‫وَرَ ْ‬
‫والهُدَى هو ما يدل على الغايات‪ ،‬لن دين الفطرة قد انطمس بعدم تبليغ الباء إلى الولد منهج‬
‫السماء في أمور الحياة ومتعلقاتها والقيم التي يجب أن تسود‪ .‬والفة أن الب يعلم ولده كيف يأكل‬
‫ويشرب‪ ،‬وينسى أن يعلمه أمور القيم‪ ،‬لكن الحق سبحانه وتعالى رحم غفلتنا‪ ،‬ورحم نسياننا؛‬
‫فشرع وأرسل لكل زمان رسولً جديدا‪ ،‬وهدْيا جديدا ليذكرنا‪ّ...} .‬لعَّل ُهمْ بِِلقَآءِ رَ ّبهِمْ ُي ْؤمِنُونَ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫{ [النعام‪]154 :‬‬
‫إن كل آفة تنبع من العزوف عن تشريعات ال‪ ،‬وهم ينسون أن يضعوا في أذهانهم لقاء ال‪ ،‬لكن‬
‫لو أن لقاء ال متضح في أذهانهم لستعدوا لذلك؛ لن الغايات هي التي تجعل النسان يقبل على‬
‫الوسائل‪ .‬والشاعر يقول‪:‬أل من يريني غايتي قبل مذهبي ومن أين والغايات هي بعد المذاهبونقول‬
‫لهذا الشاعر‪ :‬قولك‪ :‬أل من يريني غايتي قبل مذهبي كلم صحيح‪ ،‬أما قولك‪ :‬ومن أين والغايات‬
‫بعد المذاهب‪ ،‬هذا كلم غير دقيق‪ ،‬فالغاية هي التي تحدد المذهب‪ ،‬وكذلك شرع ال الغاية أولً‪،‬‬
‫بعد ذلك جعل لهذا السبيل‪ .‬وقد شرع ال لكل شيء ما تقضيه ظروف البشر الحياتية‪ ،‬ولذلك ل‬
‫استدراك عليه لن فيه تفصيل لكل شيء‪ .‬ويقول الحق بعد ذلك‪ } :‬وَهَـاذَا كِتَابٌ‪{ ...‬‬

‫(‪)932 /‬‬
‫حمُونَ (‪)155‬‬
‫وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَا َركٌ فَاتّ ِبعُوهُ وَاتّقُوا َلعَّلكُمْ تُ ْر َ‬

‫{ وَهَـاذَا } إشارة وعادة ما تأتي وترد على متقدم‪ ،‬ولكن إذا لم يكن لسم الشارة متقدم أو‬
‫حاضرة يشار إليه فهذا دليل على أنك إن أشرت ل ينصرف إل إليه لنه متعين ينصرف إليه‬
‫الذهن بدون تفكير لوضوحه‪ .‬وكلمة { كِتَابٌ } تدل على أنه بلغ من نفاسته أنه يجب أن يُكتَب‬
‫ويسجل؛ لن النسان ل يُسجل ول يكتب إل الشيء النافع‪ ،‬إنما اللغو ل يسأل عنه‪ ،‬وقال ربنا عن‬
‫القرآن‪ :‬إنه " كتاب " ‪ ،‬ومرة قال فيه‪ " :‬قرآن " فهو " قرآن " يتلى من الصدور‪ ،‬و " كتاب " يحفظ‬
‫في السطور‪ .‬ولذلك حينما جاءوا ليجمعوه اتوا بالمسطور ليطابقوه على ما في الصدور‪ { .‬وَهَـاذَا‬
‫كِتَابٌ أَن َزلْنَاهُ مُبَا َركٌ‪[ } ...‬النعام‪]155 :‬‬
‫و " أنزلناه " أي أمَرْنا بإنزاله‪ ،‬ونزل به الروح المين‪ ،‬وكلمة مبارك مأخوذة من " البركة‪ :‬أي أنه‬
‫يعطي من الخير والثمرة فوق ما يُظَنّ فيه‪ ،‬وقد تقول‪ :‬فلن راتبه مائتا جنيه‪ ،‬ويربي أولده جيدا‬
‫ويشعر بالرضا‪ ،‬وتجد من يقول لك‪ :‬هذه هي البركة‪ .‬كأن الراتب ل يؤدي هذه المسئوليات أبدا‪.‬‬
‫وكلمة " البركة " تدل على أن يد ال ممدودة في السباب‪ ،‬ونعلم أن الناس ينظرون دائما إلى‬
‫رزق اليجاب‪ ،‬ول ينظرون إلى الرزق الوسع من اليجاب وهو رزق السلب‪ ،‬فرزق اليجاب‬
‫يأتي لك بمائتي جنيه‪ ،‬ورزق السلب يسلب عنك مصارف ل تعرف قدرها‪ .‬فنجد من يبلغ مرتبه‬
‫ألفا من الجنيهات‪ ،‬لكن بعض والده يمرض‪ ،‬ويحتاج ولد آخر إلى دروس خصوصية فتتبدد اللف‬
‫جنيه ويحتاج إلى ما فوقها‪.‬‬
‫إذن فحين يسلب الحق المصارف وإنفاق المال في المعصية أو المرض فهذه هي بركة الرزق‪،‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ونجد الرجل الذي يأتي ماله من حلل ويعرق فيه يوفقه ال إلى شراء كل شيء يحتاج إليه‪،‬‬
‫ويخلع ال على المال القليل صفة القبول‪ ،‬ونجد آخر يأتي ماله حرام فيخلع ال على ماله صفة‬
‫الغضب فينفقه في المصائب والبليا ويحتاج إلى ما هو أكثر منه‪.‬‬
‫وأنت حين تقارن القرآن بالتوراة في الحجم تجده أصغر منها ولكن لو رأيت البركة التي فيه‬
‫فستجدها بركة ل تنتهي؛ فكل يوم يعطي القرآن عطاءه الجديد ول تنقضي عجائبه‪ ،‬ويقرأه واحد‬
‫فيفهم منه معنى‪ ،‬ويقرأه آخر فيفهم منه معنى جديدا‪ .‬وهذا دليل على أن قائله حكيم‪ ،‬وضع في‬
‫الشيء القليل الفائدة الكثيرة‪ ،‬وهذا هو معنى { كِتَابٌ أَن َزلْنَاهُ مُبَا َركٌ }؛ فكل كتاب له زمن محدود‬
‫وعصر محدود وأمة محدودة‪ ،‬أما القرآن فهو يواجه من يوم أن أنزله ال إلى أن تقوم الساعة‬
‫قضايا متجددة يضع لها حلولً‪ .‬والمهم أن القرآن قد جاء على ميعاد مع طموح البشريات‪،‬‬
‫وحضارتها وارتقاءاتها في العقول؛ لذلك كان لبد أن يواجه كل هذه المسائل مواجهة تجعل له‬
‫السبق دائما ول يكون ذلك إل إذا كانت فيه البركة‪.‬‬
‫وكلنا يعلم أن القرآن قد نزل على رجل أمّي‪ ،‬وفي أمة أميّة‪ ،‬ولذلك حكمة بالغة لن معنى " أمّي "‬
‫أي أنه لم يأخذ علما من البشر‪ ،‬بل هو كما والدته أمه‪ ،‬وجاءت ثقافته وعلمه من السماء‪.‬‬
‫إذن فالمية فيه شرف وارتقاء بمصادر العلم له‪ .‬ونزل القرآن في أمة أمية؛ لن هذا الدين وتلك‬
‫التشريعات‪ ،‬إنما نزلت في هذ المة المتبديّة المتنقلة من مكان إلى آخر وليس لها قانون بل يتحكم‬
‫فيها رب القبيلة فقط‪ ،‬وحين تنزل إليها هذه القيم الروحية والحكام التشريعية ففي ذلك الدليل على‬
‫أن الكتاب الذي يحمل هذه القيم والحكام قادم من السماء‪ .‬فلو نزل القرآن على أمة متحضرة لقيل‬
‫نقلة حضارية‪ ،‬لكنه نزل على أمة ل تملك قوانين مثل التي كانت تُحكم بها الفرس أو الروم‪.‬‬
‫ومادام الكتاب له هذه الوصاف التي تريح الخلق من عناء التشريع لنفسهم ويضم كل الخير‪،‬‬
‫حمُونَ { [النعام‪]155 :‬‬
‫لذلك يأتي المر من ال‪ } :‬فَاتّ ِبعُو ُه وَا ّتقُواْ َلعَّلكُمْ تُ ْر َ‬
‫وساعة تأتي بـ " لعل " فاعلم أن فيها رجاء‪ ،‬وقد ترجو أنت من واحد وتقول‪ :‬لعل فلنا يعطيك‬
‫كذا‪ ،‬والرجاء هنا من واحد‪ ،‬ومَن يفعل العمل المرجو إنسان آخر‪ ،‬وقد يفعل الخر هذا العمل‪،‬‬
‫وقد يغضب فل يفعله؛ لن النسان ابن أغيار‪ ،‬بل ومن يدري أنه ساعة يريد أن يفعل فل يقدر‪.‬‬
‫وإذا قلت‪ " :‬لعلي أفعل لك كذا " ‪ ،‬وهنا تكون أنت الراجي والمرجوّ في آن واحد‪ ،‬ولكنك أيضا‬
‫ابن للغيار‪ ،‬فأنت تتوقع قدرتك على الفعل وعند إرادتك الفعل قد ل تتيسر لك مثل هذه القدرة‪.‬‬
‫ولماذا أنزل الحق هذا الكتاب؟‪ .‬يأتي الحق هنا بالتمييز للمة التي أراد لها أن ينزل فيها القرآن‬
‫فيقول‪ } :‬أَن َتقُولُواْ إِ ّنمَآ‪{ ...‬‬

‫(‪)933 /‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أَنْ َتقُولُوا إِ ّنمَا أُنْ ِزلَ ا ْلكِتَابُ عَلَى طَا ِئفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنّا عَنْ دِرَاسَ ِتهِمْ َلغَافِلِينَ (‪)156‬‬

‫فالكتاب يصفي العقائد السابقة التي نزلت على الطائفتين من اليهود والنصارى‪ ،‬وإذا كنتم قد غفلتم‬
‫عن دراسة التوراة والِنجيل؛ لنكم أمة أمية ل تعرف القراءة والكتابة؛ لذلك أنزلنا إليكم الكتاب‬
‫الكامل مخافة أن تصطادوا عذرا وتقولوا‪ :‬إن أميتنا منعتنا من دراسة الكتاب الذي أنزل على‬
‫طائفتين من قبلنا من اليهود والنصارى‪ .‬وكأن ال أنزل ذلك الكتاب قطعا لعتذارهم‪.‬‬

‫(‪)934 /‬‬
‫حمَةٌ َفمَنْ‬
‫َأوْ َتقُولُوا َلوْ أَنّا أُنْ ِزلَ عَلَيْنَا ا ْلكِتَابُ َلكُنّا أَ ْهدَى مِ ْنهُمْ َفقَدْ جَا َءكُمْ بَيّ َنةٌ مِنْ رَ ّبكُ ْم وَ ُهدًى وَرَ ْ‬
‫أَظَْلمُ ِممّنْ كَ ّذبَ بِآَيَاتِ اللّ ِه َوصَ َدفَ عَ ْنهَا سَ َنجْزِي الّذِينَ َيصْ ِدفُونَ عَنْ آَيَاتِنَا سُوءَ ا ْلعَذَابِ ِبمَا كَانُوا‬
‫َيصْ ِدفُونَ (‪)157‬‬

‫قد يحتج المشركون من أن التوراة والِنجيل لو نزلت عليهم لكانوا أهدى من اليهود والنصارى‪،‬‬
‫وفي هذا القول ما يعني أن أذهانهم مستعدة لتقبل اليمان‪ ،‬وقد قطع ال عليهم كل عذر فجاء لهم‬
‫بالقرآن‪ ،‬ويقول الحق‪َ { :‬فمَنْ َأظْلَمُ ِممّن َك ّذبَ بِآيَاتِ اللّ ِه َوصَ َدفَ عَ ْنهَا‪[ } ...‬النعام‪]157 :‬‬
‫و " صدف " من الفعال التي تُستعمل متعدية وتُستعمل لزمة‪ ،‬ومعنى " لزمة " أنها تكتفي‬
‫بالفاعل ول تتطلب مفعولً‪ ،‬فمثلً إذا قيل لك‪ :‬جلس فلن‪ .‬تفهم أن فلنا قد جلس ويتم لك المعنى‬
‫ول تتطلب شيئا آخر‪ .‬لكنك إن قيل لك‪ :‬ضَربَ زيد‪ ،‬فل بد أنك تنتظر من محدثك أن يبين لك من‬
‫الذي ضُرَب‪ ،‬أي أنك جئت بفعل يطلب شئيا بعد الفاعل ليقع عليه الفعل‪ .‬وهذا اسمه فعل " متعد "‬
‫أي يتعدى به الفاعل إلى مفعول به‪.‬‬
‫و " صدف " فيها الخاصتان‪ .‬وجاء الحق بهذه الصيغة المحتملة لن تكون لزمة وأن تكون‬
‫متعدية ليصيب السلوب غرضين؛ الغرض الول‪ :‬أن تكون " صدف " بمعنى انصرف وأعرض‬
‫فكانت لزمة أي ضل في ذاته‪ ،‬والمر الثاني‪ :‬أن تكون صدف متعدية فهي تدل على أنه يصرف‬
‫غيره عن اليمان‪ ،‬أي يضل غيره‪ ،‬ويقع عليه الوزر؛ لضلل نفسه أولً ثم عليه وزر من أضل‬
‫ثانيا‪ ،‬ولذلك جاء سبحانه باللفظ الذي يصلح للثنتين " صدف عنها " أي انصرف‪ ،‬ضللً لنفسه‪،‬‬
‫وصدف غيره أي جعل غيره يصدف ويعرض فأضل غيره‪ ،‬وبذلك يعذبه ال عذابين‪ ،‬فيقول‬
‫سبحانه‪ ...{ :‬سَنَجْزِي الّذِينَ َيصْ ِدفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ ا ْلعَذَابِ ِبمَا كَانُواْ َيصْ ِدفُونَ } [النعام‪]157 :‬‬
‫فكأن المسألة يرتكبها‪ :‬الذين صدفوا أنفسهم‪ ،‬وصرفوها عن اليمان ويصدفون كل من يحاول أن‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يؤمن‪ .‬وهؤلء هم القوم الذين أعرضوا وانصرفوا عن منهج الهدى‪ ،‬أو تغالوا في ذلك فصرفوا‬
‫غيرهم عن منهج الهدى‪ ،‬ولو أنهم استقرأوا الوجود الذي يعايشونه لوجدوا الموت يختطف كل يوم‬
‫قوما على غير طريقة رتيبة‪ ،‬فل السن يحكم ويحدد وقت وزمن انقضاء الجل‪ ،‬ول السباب‬
‫تحكمه‪ ،‬ول المرض أو العافية تحكمه‪ ،‬فالموت أمر شائع في الوجود‪ ،‬ومعنى ذلك أن على كل‬
‫إنسان أن يترقب نهايته‪ ،‬فكأنه يتساءل‪ :‬لماذا إذن يصدفون؟‪ .‬وماذا ينتظرون من الكون؟‪ .‬أرأوا‬
‫خلودا في الكون لموجود معهم؟‪.‬‬
‫ويقول سبحانه من بعد ذلك‪َ { :‬هلْ يَنظُرُونَ ِإلّ‪} ...‬‬

‫(‪)935 /‬‬
‫َهلْ يَنْظُرُونَ إِلّا أَنْ تَأْتِ َيهُمُ ا ْلمَلَا ِئكَةُ َأوْ يَأْ ِتيَ رَ ّبكَ َأوْ يَأْ ِتيَ َب ْعضُ آَيَاتِ رَ ّبكَ َيوْمَ يَأْتِي َب ْعضُ آَيَاتِ‬
‫رَ ّبكَ لَا يَ ْنفَعُ َنفْسًا إِيمَا ُنهَا لَمْ َتكُنْ َآمَ َنتْ مِنْ قَ ْبلُ َأوْ كَسَ َبتْ فِي إِيمَا ِنهَا خَيْرًا ُقلِ انْ َتظِرُوا إِنّا مُنْتَظِرُونَ‬
‫(‪)158‬‬

‫فهل ينتظرون من عطاءات الوجود المحيط بهم إل أن تأتيهم الملئكة التي تقبض الروح؟‬
‫سهِمْ فَأَ ْل َقوُاْ‬
‫والملئكة تأتي هنا مجملة‪ .‬وفي آيات أخرى يقول‪ {:‬الّذِينَ تَ َت َوفّاهُمُ ا ْلمَل ِئكَةُ ظَاِلمِي أَ ْنفُ ِ‬
‫السَّلمَ‪[} ...‬النحل‪]28 :‬‬
‫ولن يتأبى أحد على الملئكة؛ لذلك يلقون لهم السلم وتنتهي المسألة‪.‬‬
‫ك لَ يَنفَعُ َنفْسا‬
‫ويتابع سبحانه‪َ { :‬أوْ يَأْ ِتيَ رَ ّبكَ َأوْ يَأْ ِتيَ َب ْعضُ آيَاتِ رَ ّبكَ َيوْمَ يَأْتِي َب ْعضُ آيَاتِ رَ ّب َ‬
‫إِيمَا ُنهَا لَمْ َتكُنْ آمَ َنتْ مِن قَ ْبلُ َأوْ كَسَ َبتْ فِي إِيمَا ِنهَا خَيْرا ُقلِ ان َتظِرُواْ إِنّا مُنتَظِرُونَ } [النعام‪]158 :‬‬
‫ووقف العلماء عند هذا القول الكريم لنهم أرادوا أن يفسروا التيان من الرب على ضوء التيان‬
‫منا‪ ،‬والتيان منا يقتضي انخلعا من مكان كان النسان فيه إلى مكان يكون فيه‪ ،‬وهذا المر ل‬
‫يصلح مع ال‪ ,‬ونقول‪ :‬أفسرت كل مجيء على ضوء المجيء بالنسبة لك؟ بال قل لي‪ :‬ما رأيك‬
‫حقّ‪[} ...‬ق‪]19 :‬‬
‫سكْ َرةُ ا ْل َم ْوتِ بِالْ َ‬
‫في قوله تعالى‪ {:‬وَجَا َءتْ َ‬
‫كيف جاءت سكرة الموت وهي المخلوقة ل؟ إننا ل نعرف كيف يجيء الموت وهو مخلوق؟‬
‫فكيف تريدون أن نعرف كيف يجيء ال؟‪ .‬عليكم أن تفسروا كل شيء بالنسبة ل بما يليق بذات‬
‫شيْءٌ } ولنتأذب ونعط العقول مقدارها من الفهم‪ ،‬ولنجعل كل شيء‬
‫ال في إطار { لَيْسَ َكمِثْلِهِ َ‬
‫منسوبا ل بما يناسب ذات ال؛ لن المجيء يختلف بأقدار الجائين‪ ،‬فمجيء الطفل غير مجيء‬
‫الشاب‪ ،‬غير مجيء الرجل العجوز‪ ،‬غير مجيء الفارس‪ ،‬فما بالنا بمجيء ال سبحانه؟!! إياك ‪-‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إذن ‪ -‬أن تفهم المجيء على ضوء مجيء البشر‪ .‬وأكررها دائما‪ :‬عليك أن تأخذ كل شيء بالنسبة‬
‫له سبحانه ل بقانونك أنت‪ ،‬ولكن بقانون الذات العلى‪ ،‬واجعل كل ما يخصه في إطار { لَيْسَ‬
‫شيْءٌ } ‪ ،‬ولذلك قل‪ :‬له سمْع ليس كسمعنا‪ ،‬وبصر ليس كبصرنا‪ ،‬ويد ليست كايدينا‪ ،‬في‬
‫َكمِثْلِهِ َ‬
‫شيْءٌ }‪ .‬وإياكم أن تسمعوا مناقشة في قوله‪ { :‬يَأْ ِتيَ رَ ّبكَ }‪ .‬وقل إن إتيان ال‬
‫إطار { لَيْسَ َكمِثِْلهِ َ‬
‫شيْءٌ } { َأوْ يَأْ ِتيَ رَ ّبكَ َأوْ يَأْ ِتيَ َب ْعضُ آيَاتِ‬
‫ومجيئه ليس كفعل البشر‪ ،‬بل سبحانه { لَيْسَ َكمِثْلِهِ َ‬
‫رَ ّبكَ َيوْمَ يَأْتِي َب ْعضُ آيَاتِ رَ ّبكَ }‪.‬‬
‫و { َب ْعضُ آيَاتِ رَ ّبكَ } ‪ ،‬هي العلمات‪ ،‬وقد قال صلى ال عليه وسلم‪ " :‬بَادِرُوا بالعمال سِتّا‪:‬‬
‫ح ِدكُ ْم وأمْرَ العامّة "‪.‬‬
‫خوَ ْيصَةً أ َ‬
‫طلوعَ الشمس من مغربها‪ ،‬والدّخَان‪ ،‬ودابّةَ الرض‪ ،‬والدّجّالَ‪ ،‬و ُ‬
‫و " خُو ْيصَةُ أحدكم " تصغير‪ :‬خاصة‪ ،‬والمراد حادثة الموت التي تخص النسان‪ ،‬وصغّرت‬
‫لستصغارها في جنب سائر العظائم من بعث وحساب وغيرهما وقيل‪ :‬هي ما يخص الِنسان من‬
‫الشواغل المقلقة من نفسه وماله وما يهتم به‪.‬‬
‫و " أمر العامّة "‪ :‬أي القيامة؛ لنها تعم الخلئق‪ ،‬أو الفتنة التي تعمي وتصم‪ ،‬أو المر الذي يستبد‬
‫به العوام ويكون من قبلهم دون الخواص‪.‬‬
‫} َأوْ يَأْ ِتيَ رَ ّبكَ َأوْ يَأْ ِتيَ َب ْعضُ آيَاتِ رَ ّبكَ َيوْمَ يَأْتِي َب ْعضُ آيَاتِ رَ ّبكَ لَ يَنفَعُ َنفْسا إِيمَا ُنهَا َلمْ َتكُنْ‬
‫آمَ َنتْ مِن قَ ْبلُ { [النعام‪]158 :‬‬
‫لن اليمان ل يكون إل بأمر غيبي؛ فكل أمر مشهدي مدرك بالحواس ل يسمى إيمانا؛ فأنت ل‬
‫تقول‪ :‬انا أؤمن بأني أقرأ الن في كتاب خواطر الشيخ الشعراوي حول آيات القرآن الكريم؛ لنك‬
‫بالفعل تقرأ هذه الخواطر الن‪ .‬وأنت ل تقول‪ :‬أنا أؤمن بأن النور يضيء الحجرة؛ لن هذا أمر‬
‫مشهدي‪ ،‬وليس أمرا غيبيّا‪ .‬والِيمان يكون دائما بأمر غيبي‪ ،‬ولكن إذا جاءت اليات فإننا ننتقل‬
‫من الِيمان بالمر الغيبي إلى الِيمان بالمر الحسي‪ ،‬وحينئذ ل ينفع الِيمان من الكافر‪ ،‬ول تقبل‬
‫الطاعة من صدقة أو غيرها من أنواع البر والخير بعد أن تبلغ الروح الحلقوم وتقول‪ :‬لفلن كذا‬
‫ولفلن كذا‪ ،‬وقد كان لفلن‪ .‬هذا ل ينفع؛ لن المال لم يعد مَالَك‪ ،‬بل صار مال الورثة‪ ،‬كذلك الذي‬
‫لم يؤمن وبعد ذلك رأى اليات الستة التي قال الشارع عنها‪ :‬إنها ستحدث بين يدي الساعة أو قبل‬
‫مجيء الساعة‪ .‬وساعة ترى هذه اليات لن يُقبل منك أن تقول‪ :‬آمنت؛ لن الِيمان إنما يكون‬
‫بالمر الغيبي‪ ،‬وظهور اليات هو أمر مشهدي فلن يُقبل بعده إعلن الِيمان‪ .‬والحق هو القائل‪} :‬‬
‫ك لَ يَنفَعُ َنفْسا إِيمَا ُنهَا لَمْ َتكُنْ‬
‫َأوْ يَأْ ِتيَ رَ ّبكَ َأوْ يَأْ ِتيَ َب ْعضُ آيَاتِ رَ ّبكَ َيوْمَ يَأْتِي َب ْعضُ آيَاتِ رَ ّب َ‬
‫آمَ َنتْ مِن قَ ْبلُ َأوْ َكسَ َبتْ فِي إِيمَا ِنهَا خَيْرا { [النعام‪]158 :‬‬
‫أي أن الِيمان يجب أن يكون سابقا لظهور هذه اليات‪ ،‬وأل يكون المانع له من العمل القصور‪،‬‬
‫كأن يكون الِنسان‪ -‬والعياذ بال‪ -‬مجنونا ولم يفق إل بعد مجيء العلمة‪ ،‬أو لم يَبْلُغ إل بعد وجود‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫العلمة فهذا هو من ينفعه الِيمان‪.‬‬
‫وقد عرض الحق لنا من هذه الصور ما حدث في التاريخ السابق‪ ،‬فهو القائل‪ {:‬وَجَاوَزْنَا بِبَنِي‬
‫ن وَجُنُو ُدهُ َبغْيا وَعَدْوا حَتّىا إِذَآ أَدْ َركَهُ ا ْلغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنّهُ ل ِإلِـاهَ‬
‫عوْ ُ‬
‫إِسْرَائِيلَ الْ َبحْرَ فَأَتْ َب َعهُمْ فِرْ َ‬
‫ل وَأَنَاْ مِنَ ا ْلمُسِْلمِينَ }[يونس‪]90 :‬‬
‫ِإلّ الّذِي آمَ َنتْ ِبهِ بَنواْ إِسْرَائِي َ‬
‫عصَ ْيتَ قَ ْبلُ‪[} ...‬يونس‪]91 :‬‬
‫ن َوقَدْ َ‬
‫وماذا كان رد ال عليه؟ لقد قال سبحانه‪ {:‬آل َ‬
‫إذن‪ :‬إذا بلغت الروح الحلقوم‪ ،‬وهذه مقدمات الموت فل ينفع حينئذ إعلنك اليمان‪.‬‬
‫ويذيل الحق الية بقوله‪...} :‬ان َتظِرُواْ إِنّا مُنتَظِرُونَ { [النعام‪]158 :‬‬
‫هم منتظرون الخيبة ونحن منتظرون الفلح‪.‬‬
‫ويقول الحق بعد ذلك‪ } :‬إِنّ الّذِينَ فَ ّرقُواْ‪{ ...‬‬

‫(‪)936 /‬‬
‫شيْءٍ إِ ّنمَا َأمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ ُثمّ يُنَبّ ُئهُمْ ِبمَا كَانُوا‬
‫ستَ مِ ْنهُمْ فِي َ‬
‫إِنّ الّذِينَ فَ ّرقُوا دِي َنهُ ْم َوكَانُوا شِ َيعًا لَ ْ‬
‫َي ْفعَلُونَ (‪)159‬‬

‫هذه الية تشرح الية التي سبقت خواطرنا عنها‪ ،‬وهي قوله الحق‪ {:‬وَأَنّ هَـاذَا صِرَاطِي مُسْ َتقِيما‬
‫فَاتّ ِبعُوهُ َولَ تَتّ ِبعُواْ السّ ُبلَ فَ َتفَرّقَ ِبكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذاِلكُ ْم َوصّاكُمْ بِهِ َلعَّلكُمْ تَ ّتقُونَ }[النعام‪]153 :‬‬
‫والذين فرقوا دينهم نسوا أن الدين إنما جاء ليجمع ل ليفرق‪ ،‬والدين جاء ليوحد مصدر المر‬
‫والنهي في الفعال الساسية فل يحدث بيننا وبين بعضنا أي خلف‪ ،‬بل الخلف يكون في‬
‫المباحات فقط؛ إن فعلتها فأهلً وسهلً‪ ،‬وإن لم تفعلها فأهلً وسهلً‪ ،‬ومالم يرد فيه أفعل ول تفعل؛‬
‫فهو مباح‪.‬‬
‫إذن الذين يفرقون في الدين إنما يناقضون منهج السماء الذي جاء ليجمع الناس على شيء واحد؛‬
‫لتتساند حركات الحياة في الناس ول تتعاند‪ ،‬وإذا كان لك هوى‪ ،‬وهذا له هوى‪ ،‬وذلك له هوى‬
‫فسوف تتعاند الطاقات‪ ،‬والمطلوب والمفروض أن الطاقات تتساند وتتعاضد‪.‬‬
‫والشيع هم الجماعة التي تتبع أمرا‪ ،‬هذا المر يجمعهم ولو كان ضلل‪.‬‬
‫وهناك تشيع لمعنى نافع وخير‪ ،‬وهناك تشيع لعكس ذلك‪ ،‬والتشيع على إطلقه هو أن تجنمع‬
‫ستَ‬
‫جماعة على أمر‪ ،‬سواء أكان هذا المر خيرا أم شرا‪ { .‬إِنّ الّذِينَ فَ ّرقُواْ دِي َن ُه ْم َوكَانُواْ شِيَعا لّ ْ‬
‫شيْءٍ‪[ } ...‬النعام‪]159 :‬‬
‫مِ ْنهُمْ فِي َ‬
‫إذن هم بعيدون عن منهجك يا محمد‪ ،‬ول يصح أن ينسبوا إلى دينك؛ لن السلم جاء لثبات‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫القيم للوجود مثل الماء لثبات حياة الوجود‪ .‬ونعرف أن الماء ل يأخذ لونا ول طعما ول رائحة‪،‬‬
‫فإن أخذ لونا أو طعما أو رائحة فهو يفقد قيمته كماء صاف‪ .‬وكذلك السلم إن أخذ لونا‪ ،‬وصار‬
‫المسلمون طوائف؛ فهذا أمر يضر الدين‪ ،‬وعلينا أن نعلم أن السلم لون واحد‪...{ .‬إِ ّنمَآ َأمْرُ ُهمْ‬
‫إِلَى اللّهِ ُثمّ يُنَبّ ُئهُم ِبمَا كَانُواْ َي ْفعَلُونَ } [النعام‪]159 :‬‬
‫إن شاء سبحانه عاجلهم بالهزيمة أو بالعذاب‪ ،‬وإن شاء آجلهم إلى يوم القيامة‪.‬‬
‫ويقول الحق بعد ذلك‪ { :‬مَن جَآءَ بِا ْلحَسَنَةِ‪} ...‬‬

‫(‪)937 /‬‬
‫حسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ َأمْثَاِلهَا َومَنْ جَاءَ بِالسّيّ َئةِ فَلَا يُجْزَى ِإلّا مِثَْلهَا وَهُمْ لَا ُيظَْلمُونَ (‪)160‬‬
‫مَنْ جَاءَ بِالْ َ‬

‫هناك " حسن " ‪ ،‬و " حسنة " ول تقل‪ :‬إن حسنة هي مؤنث حسن‪ ،‬لن فيها تاء‪ .‬كأنها تاء التأنيث‪،‬‬
‫ولكن اسمها " تاء المبالغة " تأتي على اللفظ الذي للذكر‪ ،‬مثلما تقول‪ " :‬فلن علّمة " ‪ " ،‬فلن‬
‫راوية للشعر " وفلن نسّابة‪ .‬هذه هي تاء المبالغة‪.‬‬
‫والحسنة هي الخير الذي يورث ثوابا‪ ،‬وكلما كان الثواب أخلد وأعمق كانت الحسنة كذلك‪ .‬وإذا‬
‫قال الحق سبحانه وتعالى‪ { :‬مَن جَآءَ بِا ْلحَسَنَةِ فََلهُ عَشْرُ َأمْثَاِلهَا }‪.‬‬
‫فـ " أمثالها " جمع " مثل " ‪ ،‬والمثل مذكر‪ ،‬والقاعدة تقول‪ :‬حين يكون المعدود مذكرا نأتي له‬
‫بالتاء‪ ،‬وحين يكون مؤنثا نحذف التاء لن أصل العداد مبني على التاء‪ ،‬لنك عندما تعد تقول‬
‫واحد‪ ،‬اثنان ثلثة إلى عشرة فأصل العداد مبنيّ على التاء‪ ،‬وإذا استعملته مع المؤنث تخالف‬
‫بحذف التاء فيه‪ ،‬وإن استعملت العدد مع الصل وهو المذكر‪ ،‬تستعمله على طبيعته فتقول‪ " :‬ثلثة‬
‫رجال "‪ .‬وإذا أردت أن تتكلم عن النثى‪ ،‬تقول‪ " :‬ثلثة نسوة " ‪ ،‬والحق هنا يقول‪ { :‬فََلهُ عَشْرُ‬
‫َأمْثَاِلهَا } ‪ ،‬و " مثل " ‪ -‬كما قلنا ‪ -‬مذكر‪ .‬والحق لم يجعل الصل في العطاء هو " المثل " ‪ ،‬بل‬
‫جعل الصل هو الحسنة‪ { :‬مَن جَآءَ بِا ْلحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ َأمْثَاِلهَا َومَن جَآءَ بِالسّيّئَةِ فَلَ ُيجْزَى ِإلّ‬
‫مِثَْلهَا‪[ } ...‬النعام‪]160 :‬‬
‫وهذا هو مطلق الرحمة والفضل‪ ،‬ولذلك ورد الحديث القدسي‪.‬‬
‫عن ابن عباس رضي ال عنهما أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال‪ -‬فيما يروى عن ربه‬
‫تبارك وتعالى‪ " -‬إن ربكم عز وجل رحيم‪ .‬من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة‪ ،‬فإن عملها‬
‫كتبت له عشرا إلى سبعمائة إلى أضعاف كثيرة‪ ،‬ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة‪ ،‬فإن‬
‫عملها كتبت له واحدة او يمحوها ال عز وجل ول يهلك على ال إل هالك "‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ونعرف أن الحق يجزي الحسنة بعشر أمثالها ويضاعف ذلك إلى سبعمائة ضعف‪ ،‬لن كل فعل‬
‫تلزمه طاقة من الِخلص في نفاذه‪ ،‬فكأن الحق قد وضع نظاما بأن الحسنة بعشر أمثالها‪ ،‬ثم‬
‫بالنية المخلصة تبلغ الضعاف إلى ما شاء ال‪ .‬وقد وضع الحق هذا النظام؛ لنه جل وعل يريد‬
‫للحسنة أن تُفعل‪ ،‬وينتفع الغير بها‪ ،‬فإن كان فاعلها حريصا على الجر الزائد فهو يقدمها بنية‬
‫عفَهُ لَ ُه وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ }‬
‫مخلصة‪ ،‬ويقول الحق لنا‪ {:‬مّن ذَا الّذِي ُيقْ ِرضُ اللّهَ قَرْضا حَسَنا فَ ُيضَا ِ‬
‫[الحديد‪]11 :‬‬
‫ضعَافا كَثِي َر ًة وَاللّهُ َيقْ ِبضُ‬
‫عفَهُ لَهُ َأ ْ‬
‫حسَنا فَ ُيضَا ِ‬
‫ويقول أيضا‪ {:‬مّن ذَا الّذِي ُيقْ ِرضُ اللّهَ قَرْضا َ‬
‫وَيَبْسُطُ‪[} ...‬البقرة‪]245 :‬‬
‫ويحدد هنا جزاء الحسنة بأن ثوابها عشر أمثالها‪ ،‬ونية معطي الحسنة هي التي يمكنها أن‬
‫تضاعفها إلى سبعمائة أو أزيد‪.‬‬
‫والحق سبحانه وتعالى يعطي مثلً لذلك في قوله تعالى‪ {:‬مّ َثلُ الّذِينَ يُ ْن ِفقُونَ َأ ْموَاَلهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ‬
‫َكمَ َثلِ حَبّةٍ أَنبَ َتتْ سَ ْبعَ سَنَا ِبلَ فِي ُكلّ سُنبُلَةٍ مّاْئَةُ حَبّةٍ‪[} ...‬البقرة‪ ]261:‬وإذا كانت الرض وهي‬
‫مخلوقة ل تعطيها أنت حبة فتعطيك سبعمائة فماذا يعطي خالق الرض؟ إن عطاءه غير محدود‬
‫عفُ ِلمَن يَشَآءُ }[البقرة‪]261 :‬‬
‫ول ينفد‪ ،‬ولذلك يقول سبحانه‪ {:‬وَاللّهُ ُيضَا ِ‬
‫ويتابع الحق سبحانه‪َ ...} :‬ومَن جَآءَ بِالسّيّئَةِ فَلَ ُيجْزَى ِإلّ مِثَْلهَا وَ ُه ْم لَ يُظَْلمُونَ { [النعام‪]160 :‬‬
‫مادام ل يجزي إل مثلها فهم ل يظلمون أبدا‪.‬‬
‫ويقول الحق بعد ذلك‪ُ } :‬قلْ إِنّنِي هَدَانِي رَبّي‪{ ...‬‬

‫(‪)938 /‬‬
‫ُقلْ إِنّنِي هَدَانِي رَبّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْ َتقِيمٍ دِينًا قِ َيمًا مِلّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا َومَا كَانَ مِنَ ا ْلمُشْ ِركِينَ (‪)161‬‬

‫و " دينا قيما " أي تقوم عليه مسائل الحياة‪ ،‬وهو قائم بها‪ ،‬و " قيما " مأخوذة من " القيمة " أو من "‬
‫القيام " على المر‪ ،‬وقام على المر أي باشره مباشرة من يصلحه‪ ،‬كذلك جاء الدين ليصلح للناس‬
‫حركة حياتهم بأن أعطاهم القيم‪ ،‬وهو قائم عليهم أيضا‪ { :‬دِينا قِيَما مّلّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفا }‪.‬‬
‫وفي كل أمر مهم له خطره ومنزلته يأتي لنا الحق بلمحة من سيرة سيدنا إبراهيم عليه السلم‪،‬‬
‫لنه صلوات ال وسلمه على نبينا وعليه فيه القدر المشترك الذي يجمع كفار مكة‪ ،‬وأهل الكتاب‬
‫الذين يتمحكون فيه‪ .‬فقالت اليهود‪ :‬إبراهيم كان يهوديّا‪ ،‬وقالت النصارى‪ :‬إن إبراهيم كان‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫نصرانيّا‪ ،‬وربنا يقول لهم ولنا‪ {:‬مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ َيهُودِيّا َولَ َنصْرَانِيّا وََلكِن كَانَ حَنِيفا مّسْلِما‪} ...‬‬
‫[آل عمران‪]67 :‬‬
‫واليهودية والنصرانية جاءتا من بعده‪ .‬أما بالنسبة للجماعة الخرى ففي بيئتهم‪ ،‬وكل حركات‬
‫حياتهم‪ ،‬وتجاربهم ونفعهم من آثار إبراهيم عليه السلم ما هو ظاهر وواضح‪ .‬يقول الحق‪ {:‬رّبّنَآ‬
‫ج َعلْ َأفْئِ َدةً مّنَ‬
‫لةَ فَا ْ‬
‫سكَنتُ مِن ذُرّيّتِي ِبوَادٍ غَيْرِ ذِي زَ ْرعٍ عِندَ بَيْ ِتكَ ا ْل ُمحَرّمِ رَبّنَا لِ ُيقِيمُواْ الصّ َ‬
‫إِنّي أَ ْ‬
‫النّاسِ َت ْهوِي إِلَ ْيهِمْ‪[} ...‬إبراهيم‪]37 :‬‬
‫فسيدنا إبراهيم هو الذي رفع القواعد من البيت الحرام‪ ،‬وهو الذي عمل لهم مهابة جعلت تجاربهم‬
‫تذهب إلى الشمال وإلى الجنوب ول يتعرض لها أحد‪ ،‬وجاءت لهم بالرزق الوفير‪ .‬وحين يقول‬
‫الحق‪ { :‬دِينا قِيَما مّلّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفا َومَا كَانَ مِنَ ا ْل ُمشْ ِركِينَ } [النعام‪]161 :‬‬
‫المقصود هو الدين الذي تعيشون في كنف خيرات آثاره‪ ،‬و " الحنف " هو اعوجاج في القدم‪.‬‬
‫وبطبيعة الحال لم يكن دين إبراهيم مائلً عن الحق والصواب بل هو مائل عن النحراف دائم‬
‫الستقامة‪ .‬ونعرف أن الرسل إنما يجيئون عند طغيان النحراف‪ ،‬فإذا جاء إبراهيم مائلً عن‬
‫المنحرف؛ فهو معتدل‪.‬‬
‫سكِي‪} ...‬‬
‫ن صَلَتِي وَنُ ُ‬
‫ويقول الحق بعد ذلك‪ُ { :‬قلْ إِ ّ‬

‫(‪)939 /‬‬
‫ي َو َممَاتِي لِلّهِ َربّ ا ْلعَاَلمِينَ (‪)162‬‬
‫سكِي َومَحْيَا َ‬
‫ن صَلَاتِي وَنُ ُ‬
‫ُقلْ إِ ّ‬

‫و " صلتي " مقصود بها العبادة والركن الثاني في الِسلم الذي يتكرر كل يوم خمس مرات‪،‬‬
‫وهي الركن الذي ل يسقط أبدا؛ لن شهادة أن ل إله إل ال وأن محمدا رسول ال‪ -‬كما قلنا‬
‫سابقا‪ -‬يكفي أن تقولها مرة في العمر‪ ،‬وقد يسقط عنك الصوم إن كنت ل تستطيع‪ ،‬وقد ل تزكي‬
‫لنه ليس لك مال‪ ،‬وقد ل تستطيع الحج‪ ،‬وتبقى الصلة التي ل تسقط أبدا عن العبد‪ .‬وهي‪ -‬كما‬
‫نعلم‪ -‬قد أخذت من التكليف حظها من الركينة‪.‬‬
‫إن كل تكليف من التكاليف جاء بواسطة الوحي إل الصلة فإنها جاءت بالمباشرة‪ ،‬وتلقاها رسول‬
‫ن صَلَتِي } ‪ ،‬فهو يذكر لنا‬
‫ال صلى ال عليه وسلم من ربه دون واسطة‪ .‬وحين يقول الحق‪ { :‬إِ ّ‬
‫عمدة الركان والتي اشتملت على كل الركان كما أوضحنا سابقا‪ .‬حتى إن الِنسان إذا كان راقدا‬
‫في مرض ول يستطيع القيام فعليه أن يحرك رأسه بالصلة أو يخطر أعمال الصلة على قلبه‪.‬‬
‫جعَلْنَا‬
‫سكِي }‪ .‬و " النسك " يطلق ويراد به كل عبادة‪ ،‬والحق يقول‪ّ {:‬ل ُكلّ ُأمّةٍ َ‬
‫ويقول الحق { وَنُ ُ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫سكُوهُ‪[} ...‬الحج‪]67 :‬‬
‫مَنسَكا ُهمْ نَا ِ‬
‫" النسك " إذن هو عبادة ويطلق بالخص على أفعال كثيرة في الحج‪ ،‬مثل نسك الطواف ونسك‬
‫السعي‪ ،‬ونسك الوقوف بعرفة‪ ،‬ونسك الرمي‪ ،‬ونسك الجمار‪ ،‬وكل هذه اسمها مناسك‪ ،‬والصل‬
‫فيها أنها مأخوذة من مادة " النسيكة " وهي السبيكة من الفضة التي تصهر صهرا يُخرج منها كل‬
‫المعادن المختلطة بها حتى تصير غاية في النقاء‪ .‬فسميت العبادة نسكا لهذا‪ ،‬أي يجب أن تصفى‬
‫سكِي‬
‫ن صَلَتِي وَنُ ُ‬
‫العبادة ل كما تصفى سبيكة الفضة من كل المعادن التي تخالطها‪ُ { :‬قلْ إِ ّ‬
‫ي َو َممَاتِي }‪.‬‬
‫َومَحْيَا َ‬
‫وهنا أمران اختياريان‪ ،‬وأمران ل اختيار للِِنسان فيهما‪ ،‬الصلة والمناسك كلهما داخل في قانون‬
‫الختيار‪ ،‬لكن المحيا والممات ل يدخل أي منهما في قانون الختيار؛ إنهما في يد ال‪ ،‬والصلة‬
‫والنسك أيضا ل‪ ،‬ولكن باختيارك‪ ،‬وأنت ل تصلي إل لنك آمنت بالمر بالصلة‪ ،‬أو أن الجوارح‬
‫ما فعلت كذا إل ل‪ .‬إذن فأنت لم تفعل شيئا من عندك أنت‪ ،‬بل وجهت الطاقات المخلوقة ل لتأدية‬
‫المنهج الذي أنزله ال إذن إن أردت نسبة كل فعل فانسبه إلى ال‪.‬‬
‫ولماذا جاء بالصلة والنسك وكلهما أمر اختياري؟؛ لنه إن كان في ظاهر المر لكم اختيار‪،‬‬
‫فكل هذا اختيار‪ ،‬فكل هذا الختيار نابع من إيجاد ال لكم مختارين‪ .‬وهو الذي وضع المنهج‬
‫فجعلكم تصلون‪ ،‬أو‪ :‬إن صلتي ل ونسكي ل‪ ،‬أي أن تخلص فيها‪ ،‬ول تشرك فيها‪ ،‬ول تصلي‬
‫مرائيا‪ ،‬ول تصنع نسكا مرائيا‪ ،‬ول تذهب إلى الحج من أجل أن يقولوا لك‪ " :‬الحاج فلن " أبدا‪،‬‬
‫بل اجعلها كلها ل؛ لنك إن جعلتها لغيره فليس لغيره من القدرة على الجزاء ما يجازيك ال به؛‬
‫إن جعلتها لغيره فقد اخترت الخيبة في الصفقة؛ لذلك اجعل الصلة والنسك للذي يعطيك الجر‪{ .‬‬
‫ي َو َممَاتِي للّهِ َربّ ا ْلعَاَلمِينَ } [النعام‪]162 :‬‬
‫سكِي َومَحْيَا َ‬
‫ن صَلَتِي وَنُ ُ‬
‫ُقلْ إِ ّ‬
‫والحياة هبة ال‪ ،‬وإياك أن تصرف قدرة الحياة ومظاهر الحياة في غير ما يرضي ال‪ .‬فينبغي أن‬
‫يكون حياتك ل ل لشهوتك‪ ،‬ومماتك ل ل لورثتك‪ ،‬وتذكر جيدا لن الحق يقول بعد ذلك‪ { :‬لَ‬
‫شَرِيكَ لَهُ وَبِذاِلكَ‪} ...‬‬

‫(‪)940 /‬‬
‫ت وَأَنَا َأ ّولُ ا ْل ُمسِْلمِينَ (‪)163‬‬
‫لَا شَرِيكَ َل ُه وَبِذَِلكَ ُأمِ ْر ُ‬

‫وهذا القول يدل على أن بعض الخلق قد يجعل ل شريكا في العبادة فيجعل صلته ظاهرية رياء‪،‬‬
‫ومناسكه ظاهرية رياء‪ ،‬وحياته يجعلها لغير واهب الحياة‪ .‬ويعمل حركاته لغير واهب الحياة‪،‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ت وَأَنَاْ‬
‫ويجعل مماته للورثة وللذرية؛ لذلك عليك أن تتذكر أن ال ل شريك له‪...{ .‬وَبِذاِلكَ ُأمِ ْر ُ‬
‫َأ ّولُ ا ْل ُمسِْلمِينَ } [النعام‪]163 :‬‬
‫وهذا أمر من ال لرسوله‪ ،‬وكل أمر للرسول هو أمر لكل مؤمن برسالته صلى ال عليه وسلم‪،‬‬
‫والوامر التي صدرت عن الرب هي لصالحك أنت‪ .‬فسبحانه أهل لن يُحب‪ ،‬وكل عبادة له فيها‬
‫الخير والنفع لنا‪ ،‬وأنا ل أدعيه لنفسي بل هو عطاء من ربكم وربي الذي أمر‪ .‬ولذلك فالحق‬
‫سبحانه وتعالى حينما رأى أن رسوله صلى ال عليه وسلم مشغول بأمر أمته أبلغنا‪ {:‬عَزِيزٌ عَلَ ْيهِ‬
‫مَا عَنِتّمْ حَرِيصٌ عَلَ ْيكُمْ بِا ْل ُم ْؤمِنِينَ رَءُوفٌ رّحِيمٌ }[التوبة‪]128 :‬‬
‫وفي كل شيء كان صلى ال عليه وسلم يقول‪ :‬أمّتي أمتي أمتي أمتي‪ ،‬وأراد الحق سبحانه وتعالى‬
‫أن يطمئن رسوله على محبوبية أمته فقال له‪ " :‬إنا سنرضيك في أمتك ول نسؤوك "‪.‬‬
‫والحديث بتمامه كالتي‪:‬‬
‫" عن عبدال بن عمرو بن العاص رضي ال عنهما أن النبي صلى ال عليه وسلم تل قول ال عز‬
‫وجل في إبراهيم‪َ { :‬ربّ إِ ّنهُنّ َأضْلَلْنَ كَثِيرا مّنَ النّاسِ َفمَن تَ ِبعَنِي فَإِنّهُ مِنّي‪ } ...‬الية‪.‬‬
‫حكِيمُ }‪.‬‬
‫ك وَإِن َت ْغفِرْ َل ُهمْ فَإِ ّنكَ أَنتَ ا ْلعَزِيزُ ا ْل َ‬
‫وقال عيسى عليه السلم‪ { :‬إِن ُتعَذّ ْبهُمْ فَإِ ّنهُمْ عِبَا ُد َ‬
‫فرفع يديه وقال‪ " :‬اللهم أمتي أمتي " وبكى‪ ،‬فقال ال عز وجل‪ :‬يا جبريل اذهب إلى محمد وربك‬
‫أعلم فسلْه ما يُبكيك؟ فأتاه جبريل عليه الصلة والسلم‪ ،‬فسأله وأخبره رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم بما قال وهو اعلم‪ ،‬فقال عز وجل‪ :‬يا جبريل اذهب إلى محمد فقل‪ :‬إنا سَنُرضيك في أمتك‬
‫ول نسوؤك "‪.‬‬
‫س ْوفَ ُيعْطِيكَ رَ ّبكَ فَتَ ْرضَىا }[الضحى‪]5 :‬‬
‫ونزل قوله الحق‪ {:‬وَلَ َ‬
‫روي عن علي رضي ال عنه قال‪ :‬قال صلى ال عليه وسلم‪ " :‬إذن ل أرضى وواحد من أمتي‬
‫في النار "‪.‬‬
‫ويذيل الحق الية بقوله‪ { :‬وَأَنَاْ َأ ّولُ ا ْلمُسِْلمِينَ }‬
‫وحين يقول صلى ال عليه وسلم‪ :‬وأنا أول المسلمين في أمته فهذا قول صحيح صادق لنه قبل أن‬
‫يأمر غيره بالسلم آمن هو بالسلم‪ ،‬وكل رسول أول المسلمين في أمته‪ ،‬لكن هناك أناس‬
‫يقولون‪ :‬لنأخذ العبارة هكذا‪ ،‬ونقول‪ :‬إن الرسول صلى ال عليه وسلم له منزلة بين رسل ال‬
‫أجمعين تتجلى في أنه أخذ العهد على غيره له‪ ،‬ولم يؤخذ العهد علية لحد‪ .‬فإن أول المسلمين في‬
‫أمته‪ ،‬فهو أول المسلمين بين الرسل أيضآ‪ ،‬وإن لم تأخذها حدثا خذها للمكانة‪ .‬وأضرب هذا المثل‪:‬‬
‫هب أن كلية الحقوق أنشئت مثل سنة كذا وعشرين‪ ،‬لكل سنة لها أول من التلميذ ثم جاء واحد‬
‫وحصل على ‪ %100‬هذا العام فنقول عنة‪ :‬إنة الول على كلية الحقوق من يوم أن أنشئت‪.‬‬
‫ويقول الحق بعد ذلك‪ُ { :‬قلْ أَغَيْرَ اللّهِ‪} ...‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫(‪)941 /‬‬
‫سبُ ُكلّ َنفْسٍ ِإلّا عَلَ ْيهَا وَلَا تَزِ ُر وَازِ َر ٌة وِزْرَ‬
‫شيْ ٍء وَلَا َتكْ ِ‬
‫ُقلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَ ْبغِي رَبّا وَ ُهوَ َربّ ُكلّ َ‬
‫ج ُعكُمْ فَيُنَبّ ُئكُمْ ِبمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْ َتِلفُونَ (‪)164‬‬
‫أُخْرَى ُثمّ إِلَى رَ ّبكُمْ مَ ْر ِ‬

‫معنى الرب هو الذي تولى التربية‪ ،‬وله السيادة‪ ،‬وكل شيء في الوجود مربوب ل‪ ،‬فكيف أخذ‬
‫شيئا من الشياء التي هو ربها ليكون شريكا له؟!! إن ذلك ل يصح أبدآ‪ُ { .‬قلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَ ْبغِي‬
‫رَبّا‪} ...‬‬
‫وهذا إنكار يأتي في صورة استفهام من كل سامع‪ .‬وكأن الحق يقول لكل منا‪ :‬أعرض هذا على‬
‫ذهنك عرضا غير متحيّز‪ ،‬وأنا سأئتمنك على الجواب‪ .‬ول تقال ذلك إل وقد تأكد أن الجواب‬
‫يكون‪ :‬ل‪ ،‬فلو كان الجواب يحتمل هذه أو تلك لما آمنك على الجواب‪ .‬وكأنه يقول‪ :‬إن أي عاقل‬
‫يجيب على هذا السؤال سيوافقني في أنه ل ينبغي أن يتخذ غير ال ربّا‪ُ { .‬قلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَ ْبغِي رَبّا‬
‫سبُ ُكلّ َنفْسٍ ِإلّ عَلَ ْيهَا‪[ } ...‬النعام‪]164 :‬‬
‫شيْ ٍء َولَ َتكْ ِ‬
‫وَ ُهوَ َربّ ُكلّ َ‬
‫و " أبغى " أي أطلب‪ ،‬و " تكسب " مأخوذة من مادة " كسب " و " اكتسب " ‪ ،‬و " كسب " دائما‬
‫تأتي في الخير‪ -‬كما علمنا من قبل‪ ،-‬و " اكتسب " تأتي في الشر‪ .‬لكنْ هناك أناس يعتادون على‬
‫فعل السيئات ولم تعد تكلفهم شيئا‪ ،‬فكأنها لسهولة ذلك عليهم تعتبر كسبا‪ .‬ومن الحمق أن تقول هذا‬
‫كسب‪ ،‬وهو عليك وليس لك؛ لنك حين تنظر إلى التسمية نفسها تفهم أنها ليست رصيدا لك بل‬
‫سبُ ُكلّ َنفْسٍ ِإلّ عَلَ ْيهَا َولَ تَزِ ُر وَازِ َرةٌ وِزْرَ ُأخْرَىا‪[ } ...‬النعام‪]164 :‬‬
‫عليك‪َ { .‬ولَ َتكْ ِ‬
‫والوزر هو الحمل الشاق‪ ،‬وإن اشتق منه شيء فإن المشقة والصعوبة تلزمه؛ ككلمة " وزير " ‪،‬‬
‫جعَل لّي وَزِيرا مّنْ َأهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي }[طه‪]31-29 :‬‬
‫والحق هو القائل‪ {:‬وَا ْ‬
‫كأن موسى عليه السلم عرف أن حمل الرسالة إلى اليهود عملية شاقة فقال ل‪ :‬أعطني أخي‬
‫يساعدني في هذه المشقة‪.‬‬
‫ظهْ َركَ }[الشرح‪:‬‬
‫ك وِزْ َركَ * الّذِي أَن َقضَ َ‬
‫ضعْنَا عَن َ‬
‫ك صَدْ َركَ * َو َو َ‬
‫والحق هو القائل‪ {:‬أَلَمْ َنشْرَحْ َل َ‬
‫‪] 3 -1‬‬
‫وكان النبي عليه الصلة والسلم في أول استقباله للوحي قد عانى من وقع هذه العملية وكان‬
‫أمرها شاقا عليه؛ لن المسألة تقتضي التقاءات مَلَكية ببشرية‪ ،‬ولبد أن يحدث تفاعل‪ ،‬وهذا‬
‫التفاعل الذي كان يظهر على رسول ال صلى ال عليه وسلم فيحمر وجهه‪ ،‬ويتصبب منه العرق‪،‬‬
‫وبعد ذلك يقول‪ :‬زملوني زملوني ودثروني‪ ،‬وإن كان قاعدا وركبته على ركبة أحد بجانبه فيشعر‬
‫جاره بالثقل‪ ،‬وإن كان على دابة تئط وتئن تعبا‪ ،‬لن التقاء الوحي برسول ال صلى ال عليه وسلم‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يحتاج إلى أمرين‪ :‬إما أن يتحول الوحي وهو حامل الرسالة إلى بشرية مماثلة لبشرية الرسول‪،‬‬
‫وإما أن الرسول ينتقل إلى ملئكية تتناسب مع استقباله للملك‪ .‬وهكذا كان التقاؤه بالملكية يتطلب‬
‫ل وتفاعلً‪.‬‬
‫انفعا ً‬
‫لكن لما أنس صلى ال عليه وسلم بالوحي عرف حلوة استقباله نسي المتاعب‪ ،‬ولذلك عندما فتر‬
‫الوحي عن رسول ال صلى ال عليه وسلم اشتاق إليه‪ .‬وكان الوحي من قبل ذلك يتعبه‪ ،‬ويجهده‪،‬‬
‫فأراد الحق سبحانه وتعالى أن يبقى في نفسه حلوة ما أوحي به إليه‪ ،‬وتهدأ نفسه وترتاح ويشتاق‬
‫سبُ ُكلّ َنفْسٍ ِإلّ عَلَ ْيهَا‬
‫إلى الوحي‪ ،‬فإذا ما استقبل الوحي بشوق فلن يتذكر المتاعب‪َ ...} .‬ولَ َتكْ ِ‬
‫ج ُعكُمْ فَيُنَبّ ُئكُمْ ِبمَا كُنْتُمْ فِيهِ َتخْتَِلفُونَ { [النعام‪]164 :‬‬
‫وَلَ تَزِ ُر وَازِ َر ٌة وِزْرَ ُأخْرَىا ثُمّ إِلَىا رَ ّب ُكمْ مّرْ ِ‬
‫إذن مادة الوزر هي الثقل بمشقة‪ ،‬أي ل يحمل إنسان مشقة ثقيلة عن آخر؛ فالمسئولية ل تتعدى إل‬
‫إذا تعدى الفعل‪ ،‬وعرفنا من قبل الفارق بين من ضل في ذاته‪ ،‬ومن أضل غيره ليحمل أوزاره مع‬
‫أوزارهم لتعديه بإضللهم‪ .‬وسنعود جميعا إلى ربنا لينبئنا بما كنا فيه نختلف‪.‬‬
‫جعََلكُمْ‪{ ...‬‬
‫ويقول جل وعل بعد ذلك‪ } :‬وَ ُهوَ الّذِي َ‬

‫(‪)942 /‬‬
‫ضكُمْ َفوْقَ َب ْعضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبُْل َوكُمْ فِي مَا آَتَا ُكمْ إِنّ رَ ّبكَ‬
‫ض وَ َرفَعَ َب ْع َ‬
‫جعََلكُمْ خَلَا ِئفَ الْأَ ْر ِ‬
‫وَ ُهوَ الّذِي َ‬
‫ب وَإِنّهُ َل َغفُورٌ َرحِيمٌ (‪)165‬‬
‫سَرِيعُ ا ْلعِقَا ِ‬

‫جعََلكُمْ خَلَ ِئفَ فِي الَ ْرضِ‪[} ...‬فاطر‪]39 :‬‬
‫وهناك قول كريم في آية أخرى‪ُ {:‬هوَ الّذِي َ‬
‫جعََلكُمْ خَلَ ِئفَ }‪.‬‬
‫وهنا يقول الحق‪َ { :‬‬
‫ومعنى " خليفة " أي الذي يخلف غيره؛ فإما أن يخلفه زمانا‪ ،‬وإما أن يخلفه مكانا‪ .‬وخلفه الزمان‬
‫أن يأتي عصره بعد عصره‪ ،‬ويومه بعد يومه‪ ،‬وخلفة المكان أي أن يكون جالسا ثم يرحل ليأتي‬
‫آخر ليستقر مكانه‪ ،‬وانظر إلى كل قواعد الحياة بالنسبة للِنسان تجده في شبابه قويّا‪ ،‬ثم يرحل‬
‫عنه الشباب ليأخذه آخره‪ ،‬ويذهب إلى الشيخوخة‪ .‬وكذلك نجد إنسانا يملك مكانا ثم يتركه ويأتي‬
‫واحد آخر يملكه‪ .‬أو أن الحق سبحانه وتعالى أراد من الخلفة‪ ،‬ل خلفة بعضنا لبعض ولكن‬
‫خلفة الِنسان لرب الِنسان في الرض؛ لن كل شيء منفعل ل قهرا‪ ،‬والحق سبحانه وتعالى‬
‫منح بسعة عطائه؛ فجعل بعض الشياء تنفعل لبعضها هبةً منه سبحانه‪ ،‬فإذا أوقدت النار‪ -‬على‬
‫سبيل المثال‪ -‬تنفعل لك‪ ،‬وإذا حرثت في الرض ووضعت فيها البذور تنفعل لك‪ ،‬وإذا شربت‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ترتوي‪ ،‬وإذا أكلت تشبع‪ .‬من أين أخذت كل ذلك؟‪.‬‬
‫إنك قد أخذته من أن الحق الذي سخّر لك ما في الكون‪ ،‬وجعل أسبابا ومسببات‪ ،‬فكأنك أنت خليفة‬
‫إرادات؛ لكي يثبت لنا سبحانه أنه يفعل ما يريد‪ ،‬فعلينا أن نأخذ هذه القضية قضية مسلمة‪ ،‬وإن‬
‫أردت أن تختبر ذلك فانظر إلى أي إنسان ولو كان كافرا ويريد أن يقوم من مكانه‪ ،‬وتنفعل له‬
‫جوارحه فيقوم‪ ،‬فأي جارحة أمرها أن تفعل ذلك؟‪ .‬إنه ل يعرف إل أنه بمجرد أنه أراد أن يقوم قد‬
‫قام‪ .‬وحتى ل تفهم أنك أخذت كل ذلك بشطارتك فهو يجعل بعضا من المور مشاعا عالميا‪ ،‬مثل‬
‫الموت والحياة إنهما أمران‪ ،‬ل يختلف فيهما النجليزي عن الفرنسي‪ ،‬عن العربي‪ ،‬وكذلك‬
‫الضحك والبكاء‪ ،‬وهل هناك فرق بين ضحكة إنجليزية‪ ،‬أو ضحكة شيوعية أو ضحكة رأسمالية؟‪.‬‬
‫ك وَأَ ْبكَىا }[النجم‪]43 :‬‬
‫حَ‬
‫طبعا ل‪ ،‬فكلها ضحك وهو لغة عالمية‪ ،‬ولذلك قال‪ {:‬وَأَنّهُ ُهوَ َأضْ َ‬
‫وسبحانه جاء بأمر مشترك موجود في الناس كلها‪ ،‬فأنت تتكلم وتعمل على الصورة والكيفية التي‬
‫تريدها‪ ،‬لكنك ساعة تضحك فهو سبحانه الذي يضحك‪ .‬وأنت حين تود مجاملة أحد وتضحك له‬
‫فتفاجأ بأن ضحكتك صناعية‪.‬‬
‫والحق يوضح لك‪ :‬إن زمام كوني في يدي‪ ،‬أجعل القوم مختارين في أشياء‪ ،‬وأجعلهم مرغمين‬
‫ومتحدين على رغم أنوفهم في أشياء؛ فأنا الذي أضحك وأبكي‪ .‬ول يوجد بكاء إنجليزي أو بكاء‬
‫جعََلكُمْ خَلَ ِئفَ‬
‫فرنساوي أو بكاء ألماني‪ ،‬وكل البشر شركاء في مثل هذه المور‪ { .‬وَ ُهوَ الّذِي َ‬
‫الَ ْرضِ‪[ } ...‬النعام‪]165 :‬‬
‫إن إرادتك على أبعاضك‪ ،‬وعلى جوارحك‪ -‬أيها النسان‪ -‬موهوبة لك من الواهب العلى والمريد‬
‫العلى‪ ،‬وسبحانه يسلب ذلك من بعض الفراد‪ ،‬فيأمر المخ‪ :‬إياك أن ترسل إشارة لتلك الجارحة‬
‫لتنفعل‪.‬‬
‫فيصاب هذا النسان بالشلل‪.‬‬
‫ولو كان المر شطارة من النسان لقاوم ذلك‪.‬‬
‫أنتم‪ -‬إذن‪ -‬خلئف الرض؛ تنفعل لكم الشياء بقدر ما أراد ال أن تنفعل لكم‪ ،‬فإذا سلب انفعلها‬
‫عنكم فلكي يثبت أنكم لم تسخروها بقدراتكم‪ ،‬بل به هو‪ ،‬إن شاء أطلق الخلفة‪ ،‬وإن شاء قيد‬
‫ضكُمْ َفوْقَ َب ْعضٍ دَ َرجَاتٍ {‬
‫الخلفة‪ ،‬وإن شاء قيد الخلفة‪َ } .‬ر َفعَ َب ْع َ‬
‫كأن من الخلفة أننا ل نكون متماثلين متطابقين‪ ،‬بل أراد سبحانه أن نكون متكاملين في المواهب‪،‬‬
‫وفي الكماليات؛ لن الناس لو كانوا صورة مكررة في المواهب‪ ،‬لفسدت الحياة‪ ،‬فلبد أن تختلف‬
‫مواهبنا‪ ،‬لن مطلوبات الحياة متعددة‪ ،‬فلو أصبحنا كلنا أطباء فالمر ل يصلح‪ ،‬ولو كنا قضاة لفسد‬
‫المر‪ ،‬وكذلك لو كنا مهندسين أو فلحين‪ .‬إذن فلبد من أن تتحقق إرادة ال في قوله سبحانه‪} :‬‬
‫ضكُمْ َفوْقَ َب ْعضٍ دَ َرجَاتٍ‪[ { ...‬النعام‪]165 :‬‬
‫وَ َرفَعَ َب ْع َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أي أن البعض قد ُر ِفعَ‪ ،‬والبعض الخر ُرفِعَ عليه‪ ،‬فمن هو البعض المرفوع؟‬
‫ومن هو البعض المرفوع عليه؟‪ .‬إن كل واحد فيكم مرفوع في جهة مواهبه‪ ،‬ومرفوع عليه فيما ل‬
‫مواهب له فيه؛ لن الحق يريد أن يتكاتف المخلوقون‪ ،‬ول ينشأ التكاتف تفضلً‪ ،‬وإنما ينشأ‬
‫لحاجة‪ ،‬فلبد أن تكون إدارة المصالح في الكون اضطرارا‪ ،‬وهذه هي هندسة المكون العلى‬
‫سبحانه التي تتجلى في أنك وضعت خريطة لمن دخلوا معك في مرحلة التعليم البتدائي‪ .‬ومن‬
‫ترك منهم الدراسة ومن استمر ليدخل الدراسة العدادية‪ .‬إنك تجدهم أقل‪ ،‬ومن درس في المرحلة‬
‫الثانوية أقل‪ ،‬ومن تعلم التعليم العالي أقل‪ ،‬ومن نال الدكتوراه أقل‪.‬‬
‫وهكذا نجد أن البعض يتساقط من التعليم لن هناك أكثر من مهمة في الكون ل تحتاج إل إلى‬
‫حامل البتدائية فقط‪ ،‬أو حامل العدادية‪ ،‬أو إلى حامل شهادة إتمام الدراسة الثانوية‪ ،‬ولو ظل كل‬
‫واحد منهم في التعليم العالي‪ ،‬فلن نجد لتلك المهام أحدا‪ .‬لذلك جعل ال التكاتف في الكون احتياجا‬
‫ل تفضلً‪.‬‬
‫والحظوا جيدا‪ :‬أن النسان إذا عضّه جوع بطنه أو جوع عياله فهو يقبل أي عمل‪ ،‬وإن رضي‬
‫بقدر ال فيما وضعه فيه‪ ،‬ولم يحقد على سواه فسيتقن هذا العمل‪ ،‬وسيتفوق فيه وسيرزقه ال‬
‫الرزق الحلل الطيب‪ .‬ولذلك قال المام علي‪ :‬قيمة كل امرئ ما يحسنه‪ ،‬فإن أحسن النسان‬
‫عمله‪ ،‬فهو إنسان ناجح في الوجود‪.‬‬
‫وهكذا أراد الحق سبحانه وتعالى أل يجلنا أشخاصا مكررين‪ ،‬ولكن جعلنا متفاضلين متفاوتين‪،‬‬
‫فرفع بعضا على بعض‪ ،‬وكل منا مرفوع فيما يجيد‪ ،‬ومرفوع عليه فيما ل يجيد‪ ،‬حتى يحتاج‬
‫النسان منا إلى غيره ليؤدي له العمل الذي ل يجيده وبذلك يرتبط العالم ارتباط مصلحة وحاجة ل‬
‫ضكُمْ َفوْقَ َب ْعضٍ دَ َرجَاتٍ لّيَبُْل َوكُمْ فِي مَآ آتَاكُمْ‪.‬‬
‫ارتباط تفضل‪ } .‬وَ َرفَعَ َب ْع َ‬
‫‪[ { ..‬النعام‪]165 :‬‬
‫كأن هذا الرفع هو اختبار للبشر فيما أعطاهم ال من الواهب‪ .‬ليعلم علم اللزام للعبد؛ فسبحانه‬
‫يعلم أزلً كل ما يصدر عن العبد‪ ،‬ولكنه يترك للعبد فرصة أن يؤدي العمل ليكون ملتزما بم فعل‪.‬‬
‫وتكون حجة على العبد‪ .‬وحينما يقول الحق‪ } :‬لّيَبُْل َوكُمْ { فالمقصود ليختبركم اختبار إقرار على‬
‫ب وَإِنّهُ َل َغفُورٌ رّحِيمٌ‬
‫نفوسكم‪ ،‬ل إخبارا له‪ ...} .‬لّيَبُْل َوكُمْ فِي مَآ آتَا ُكمْ إِنّ رَ ّبكَ سَرِيعُ ا ْل ِعقَا ِ‬
‫{ [النعام‪]165 :‬‬
‫وسبحانه " سريع العقاب " ‪ ،‬وإياك أن تستبطئ الخرة‪ ،‬فالثواب والعقاب سيأتي بعد أن ننتهي‬
‫ونموت‪ .‬وليس الموت سبب؛ فكل إنسان عرضة لن يموت‪ ،‬وبذلك تكون قيامته قد قامت‪ ،‬وإن‬
‫قامت قيامة النسان فلن يقوم بأي عمل آخر‪ .‬إذن فسبحانه سريع العقاب‪ .‬ولكن البعض من القوم‬
‫يغريهم حلم ال ويستبطئون الخرة‪ .‬لذلك يقول أحد العارفين‪ :‬اجعل شكرك لمن ل تنقطع نعمه‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫عنك‪ ،‬واجعل طاعتك لمن ل تستغني عنه‪ ،‬واجعل خضوعك لمن ل تخرج عن ملكه وسلطانه‪.‬‬
‫إذن فكل صفة من صفات الحق يتجلى ويظهر أثرها في المخلوق هبة من ال له‪ ،‬فأنت إذا أردت‬
‫أن تقف‪ ،‬مثلً‪ ،‬ل تعرف ما هي العضلت التي تحركها لتقف‪ ،‬ولكنك بمجرد إرادتك ان تقف‬
‫تقف‪ ،‬وذلك مظهر لرادة ال إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون‪.‬‬
‫وما دمنا خلئف فلبد أن نتكامل ول نتكرر‪ ،‬بمعنى أن كل واحد فيه موهبة تنقص من الخر‪،‬‬
‫وفي الخر موهبة تنقص في غيره‪ ،‬ليضطر كل مخلوق في الرض أن يتعاون مع آخر‪ ،‬ليأخذ‬
‫ثمرة مواهب غيره‪ ،‬ويعطي هو ثمرة مواهبه‪ .‬ول يريد الحق منا أن نعطي ثمرات المواهب‬
‫تفضلً‪ ،‬وإنما يريد أن يجعلها حاجة‪ .‬فأنت تحتاج إلى موهبة من ل موهبة لك فيه‪ ،‬إنك تحتاج إلى‬
‫الغير‪ ،‬وهو كذلك أيضا يحتاج إلى عملك‪.‬‬
‫وحين يستخلفنا ال تبارك وتعالى بهذه الصورة فبعضنا في ظاهر المر يكون أعلى من بعض‪،‬‬
‫لذلك يوضح سبحانه‪ :‬أنا فضلت بعضكم على بعض‪ ،‬لكني لم أفضل طائفة لجعل طائفة مفضولً‬
‫ل مفضل في شيء لن له فيه مواهب‪ ،‬ويكون مفضل عليه في شيء آخر ل‬
‫عليها‪ ،‬ولكن ك ْ‬
‫مواهب له فيه‪ ،‬وهكذا يتساوى الناس جميعا‪.‬‬
‫إننا جميعا عيال ال‪ ،‬وليس أحد منا أولى بال من أحد؛ لنه سبحانه لم يتخذ صاحبة ول ولدا؛‬
‫ولذلك إن حاولنا إحصاء المواهب في البشر وتوزيعها على الخلق جميعا لوجدنا أن مجموع كل‬
‫إنسان يساوي مجموع كل إنسان آخر‪ ،‬ولكن أنت تأخذ في موهبة ما تفوقا‪ ،‬وفي الموهبة الخرى‬
‫ل تجد نفسك قادرا عليها‪ ،‬وفي موهبة ثالثة قد تقدر عليها لكنك ل تحبها‪ ،‬واجمع الدرجات كلها‬
‫في جميع المواهب ستجد أن كل إنسان يساوي الخر‪ ،‬ول فضل لحد على أحد إل بالتقوى‪.‬‬
‫ضكُمْ َفوْقَ َب ْعضٍ دَرَجَاتٍ لّيَبُْل َوكُمْ فِي مَآ آتَا ُكمْ إِنّ رَ ّبكَ‬
‫جعََلكُمْ خَلَ ِئفَ الَ ْرضِ وَ َرفَعَ َب ْع َ‬
‫} وَ ُهوَ الّذِي َ‬
‫سَرِيعُ ا ْلعِقَابِ‪[ { ...‬النعام‪]165 :‬‬
‫إذن فكل واحد منا يقدر أن يقول‪ :‬أنا مرفوع‪ ،‬ولكن عليه ألّ يغتر؛ لنه مرفوع عليه أيضا‪.‬‬
‫والتوازن يأتي من هذه الناحية‪ ،‬فل غرور برفعتك في درجة‪ ،‬ول مذلة بانخفاضك في درجة؛ لن‬
‫هذا مراد ال وذلك مراد له ‪ -‬سبحانه ‪ -‬والذي يحترم قدر ال في توزيع مواهبه على الخلق‬
‫يعطيه ال خير موهبته‪ ،‬فل يتميز ذو موهبة أخرى عليه أبدا‪.‬‬
‫ولكن أينجح الناس جميعا في هذا؟‪ .‬ل‪ ،‬فهناك أناس يتساقطون‪ ،‬وهناك من يرى واحدا أغنى منه‬
‫وهو فقير‪ ،‬فيبدأ في الغل والحقد والحسد‪ ،‬ونقول له‪ :‬انظر إلى قوتك فقد تكون أقوى منه‪ ،‬وقد‬
‫تكون أسعد منه في أمور كثيرة‪ .‬خذ الموهبة التي أعطاها ال لك‪ ،‬والموهبة التي أعطاها لغيرك‬
‫وستجد مجموع كل إنسان يساوي مجموع كل إنسان‪ ،‬فالذي ينجح في هذه المعادلت التفاضلية‬
‫يكون له من ال ثواب‪ .‬فيتجاوز له سبحانه عن بعض سيئاته‪ ،‬ويغفر له‪ .‬والذي ل يحترم قدر ال‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫في خلق ال يعاقبه ال؛ لذلك أوضح سبحانه‪ :‬أنا أبلوكم وأختبركم‪ ،‬فمن ينجح فله غفران ورحمة‪،‬‬
‫ومن ل ينجح فله عقاب‪ ،‬ول تظنوا أن عقابي بعيد؛ لن ما بين النسان والعقاب أن يموت‪ ،‬وليس‬
‫هناك سبب معروف للموت؛ فمن الممكن أن يموت النسان لوقته‪ ،‬فيبدأ عقابه‪ ...} .‬إِنّ رَ ّبكَ‬
‫ب وَإِنّهُ َل َغفُورٌ رّحِيمٌ { [النعام‪]165 :‬‬
‫سَرِيعُ ا ْلعِقَا ِ‬
‫حمْدُ للّهِ {‪.‬‬
‫وبذلك ختمت سورة النعام‪ ،‬التي استهلها ال بقوله سبحانه‪ } :‬ا ْل َ‬
‫وختمها بقوله‪ } :‬وَإِنّهُ َل َغفُورٌ رّحِيمٌ {‪.‬‬
‫فالحمد ل في الولى‪.‬‬
‫والحمد ل في الخرة‪.‬‬

‫(‪)943 /‬‬
‫المص (‪)1‬‬

‫قبل أن نبدأ خواطرنا في سورة العراف لبد أن نلحظ ملحظة دقيقة في كتاب ال‪ ،‬ال يقول‪{:‬‬
‫ب وَإِنّهُ َل َغفُورٌ رّحِيمٌ }[النعام‪]165 :‬‬
‫إِنّ رَ ّبكَ سَرِيعُ ا ْل ِعقَا ِ‬
‫ونقرأ الكلمة الخيرة في سورة النعام { رّحيِمٌ } ‪ ،‬ونجدها مبنية على الوصل؛ لن آيات القرآن‬
‫غفُورٌ‬
‫كلها موصولة‪ ،‬وإن كانت توجد فواصل آيات‪ ،‬إل أنها مبنية على الوصل‪ ،‬ولذلك تجد { َ‬
‫رّحِيمٌ } وعليها الضمة وبجوارها ميم صغيرة؛ لن التنوين إذا جاء بعده باء‪ ،‬يقلب التنوين ميما‪،‬‬
‫فالميم الصغيرة موجودة على رحيم‪ ،‬قبل أن تقرأ { بسم ال الرّحْمانِ الرّحِيـمِ } ‪ ،‬وتصبح‬
‫القراءة‪ " :‬غفور رحيم " " بسم ال "‪.‬‬
‫وكل آيات القرآن تجدها مبنية على الوصل‪ ،‬فكأن القرآن ليس أبعاضا‪ .‬وكان من الممكن أن‬
‫يجعلها سكونا‪ ،‬وأن يجعل كل آية لها وقف‪ ،‬ل‪ ،‬إنّه سبحانه أراد القرآن موصولً‪ ،‬وإن كان في‬
‫بعض اليات إقلب‪ ،‬وفي بعضها إدغام‪ ،‬وهذا بغُنّة‪ ،‬وهذا بغير غُنّة‪ ،‬ويقول الحق‪:‬‬
‫بسم ال الرّحْمانِ الرّحِيـمِ‬
‫{ المص }‬
‫وفي هذه الية فصل بين كل حرف‪ ،‬فنقرأها‪ " :‬ألف " ثم نسكت لنقرأ " لم " ثم نسكت لنقرأ " ميم‬
‫" ثم نسكت لنقرأ " صاد "‪ .‬وهنا حروف خرقت القاعدة لحكمة؛ لن هذه حروف مقطعة‪ ،‬مثل "‬
‫الم‪ ،‬حم‪ ،‬طه‪ ،‬يس‪ ،‬ص‪ ،‬ق‪ ،‬وكلها مبنية على السكون مما يدل على أن هذه الحروف وإن‬
‫الحروف وإن خيل لك أنها كلمة واحدة‪ ،‬لكن لكل حرف منها معنى مستقل عند ال‪ ،‬وقال رسول‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ال صلى ال عليه وسلم‪ " :‬من قرأ حرفا من كتاب ال فله حسنةٌ‪ ،‬والحسنة بعشر أمثالها‪ ،‬ل أقول‬
‫ألم حرف‪ ،‬ولكن َأِلفٌ حرف‪ ،‬ولمٌ حرف‪َ ،‬ومِيمٌ حرف "‪.‬‬
‫والرسول صلى ال عليه وسلم أشار إلى أن هذه الحروف بها أمور استقللية‪ ،‬ول تكون كذلك إل‬
‫إذا كانت لها فائدة يحسن السكوت والوقوف عليها‪ ،‬فهمها من فهمها‪ ،‬وتعبد بها من تعبد بها‪ ،‬وكل‬
‫قارئ للقرآن يأخذ ثوابه بكل حرف‪ ،‬فلو أن قارئا قال‪ " :‬أعوذ بال من الشيطان الرجيم " ونطق‬
‫بعد ذلك بحرف أو بأكثر‪ ،‬فهو قد أخذ بكل حرف حسنة‪ ،‬وحين نقرأ بعضا من فواتح السور‪ ،‬نجد‬
‫أن سورة البقرة تبدأ بقوله الحق‪ {:‬الم }[البقرة‪]1 :‬‬
‫ونقرأ هنا في أول سورة العراف‪ { :‬المص } [العراف‪]1 :‬‬
‫وهي حروف مقطعة‪ .‬نطقت بالِسكان‪ ،‬وبالفصل بين كل حرف وحرف‪ .‬ويلحظ فيها أيضا أنها‬
‫لم تقرأ مسميات‪ ،‬وإنما قُرئت أسماء‪ ،‬ما معنى مسميات؟ وما معنى أسماء؟‪ .‬أنت حين تقول‪:‬‬
‫كتب‪ ،‬ل تقول " كاف " " تاء " " باء " ‪ ،‬بل تنطق مسمى الكاف كَ‪ ،‬واسمها كاف مفتوحة‪ ،‬أما‬
‫مسماها فهو " كَ "‪.‬‬
‫إذن فكل حرف له مسمى‪ ،‬أي الصوت الذي يقوله الِنسان‪ ،‬وله اسم‪ ،‬والمي ينطق المسميات‪،‬‬
‫وإن لم يعرف أسماءها‪ .‬أما المتعلم فهو وحده الذي يفهم أنه حين يقول‪ " :‬كتب " أنها مكونة من‬
‫كاف مفتوحة‪ ،‬وتاء مفتوحة‪ ،‬وباء مفتوحة‪ ،‬أما المي فهو ل يعرف هذا التفصيل‪.‬‬
‫وإذا كان رسول ال قد تلقى ذلك وقال‪ :‬ألف لم ميم‪ ،‬وهو أمي لم يتعلم‪ .‬فمن قال له انطق‬
‫مسميات الحروف بهذه السماء؟‪.‬‬
‫لبد أنه قد عُّل َمهَا وتلقاها‪ ،‬والحق هو القائل‪ {:‬فَِإذَا قَرَأْنَاهُ فَاتّبِعْ قُرْآنَهُ }[القيامة‪]18 :‬‬
‫فالذي سوف تسمعه يا محمد ستقرأه‪ ،‬ولذلك تجد عجائب؛ فأنت تجد " ألم " في أول البقرة‪ ،‬وفي‬
‫صحَابِ‬
‫أول سورة آل عمران‪ ،‬ولكنك تقرأ الية الولى من سورة الفيل‪ {:‬أََلمْ تَرَ كَ ْيفَ َف َعلَ رَ ّبكَ بَِأ ْ‬
‫ا ْلفِيلِ }[الفيل‪]1 :‬‬
‫ما الفرق بين اللف واللم والميم في أول سورة البقرة‪ ،‬وسورة آل عمران وغيرهما‪ ،‬والحروف‬
‫نفسها في أول سورة الفيل وغيرها كسورة الشّرْح؟ أنت تقرأها في أول سورة البقرة وآل عمران‬
‫أسماء‪ .‬وتقرأها في أول سورة الفيل مسميات‪ .‬والذي جعلك تفرق بين هذه وتلك أنك سمعتها تقرأ‬
‫في أول البقرة وآل عمران هكذا‪ ،‬وسمعتها تقرأ في أول سورة الفيل هكذا‪ .‬إذن فالقراءة توقيف‪،‬‬
‫وليس لحد أن يجترئ ليقرأ القرآن دون سماع من معلم‪ .‬ل‪ ،‬لبد أن يسمعه أولً حتى يعرف‬
‫كيف يقرأ‪.‬‬
‫ونقرأ } المص { في أول سورة العراف‪ ،‬وهي حروف مقطعة‪ ،‬ونعرف أن الحروف المقطعة‬
‫ثمانية وعشرون حرفا‪ ،‬ونجد نصفها أربعة عشر حرفا في فواتح السور‪ ،‬وقد يوجد منها في أول‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫السورة حرف واحد مثل‪ {:‬ق وَا ْلقُرْآنِ ا ْلمَجِيدِ }[ق‪]1 :‬‬
‫وكذلك قوله الحق‪ {:‬ص وَا ْلقُرْآنِ ذِي ال ّذكْرِ }[ص‪]1 :‬‬
‫وكذلك قوله الحق‪ {:‬ن وَا ْلقَلَ ِم َومَا َيسْطُرُونَ }[القلم‪]1 :‬‬
‫ومرة يأتي من الحروف المقطعة اثنان‪ ،‬مثل قوله الحق‪ {:‬حـم }[الحقاف‪]1 :‬‬
‫ومرة تأتي ثلثة حروف مقطعة مثل‪ {:‬الم }[البقرة‪]1 :‬‬
‫ومرة يأتي الحق بأربعة حروف مقطعة مثل قوله الحق‪ } :‬المص { [العراف‪]1 :‬‬
‫ومرة يأتي بخمسة حروف مقطعة مثل قوله الحق‪ {:‬كهيعص }[مريم‪]1 :‬‬
‫وإذا نظرت إلى الربعة عشر حرفا وجدتها تمثل نصف الحروف البجدية‪ ،‬وهذا النصف فيه‬
‫نصف أحكام الحروف‪ ،‬فبعضها منشور‪ ،‬أو مهموس‪ ،‬أو مخفي‪ ،‬أو مستعلٍ‪ ،‬ومن كل نوع تجد‬
‫النصف‪ ،‬مما يدل على أنها موضوعة بحساب دقيق‪ ،‬ومع أن توصيف الحروف‪ ،‬من مستعل‪ ،‬أو‬
‫مفخم‪ ،‬أو مرقق‪ ،‬أو منشور‪ ،‬أو مهموس‪ ،‬هذا التوصيف جاء متأخرا عن نزول القرآن‪ ،‬ولكن‬
‫الذي قاله يعلم ما ينتهي إليه خلقه في هذه الحروف المقطعة وله في ذلك حكمة‪ ،‬وكان رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم أميّا‪ ،‬ولم يجلس إلى معلم‪ ،‬فكيف نطق بأسماء الحروف‪ ،‬وأسماء الحروف ل‬
‫يعرفها إل من تعلم؟! فهو إذن قد تلقنها‪ ،‬وإننا نعلم أن القرآن جاء متحديّا العرب؛ ليكون معجزة‬
‫لسيد الخلق‪ ،‬ول يُ َتحَدّى إل من كان بارعا في هذه الصنعة‪.‬‬
‫وكان العرب مشهورين بالبلغة‪ ،‬والخطابة والشعر‪ ،‬والسجع وبالمثال؛ فهم أمة كلم‪ ،‬وفصاحة‪،‬‬
‫وبلغة‪ ،‬فجاء لهم القرآن من جنس نبوغهم‪ ،‬وحين يتحدى ال العرب بأنه أرسل قرآنا ل‬
‫يستطيعون أن يأتوا بمثله‪ ،‬فالمادة الخام‪ -‬وهي اللغة‪ -‬واحدة‪ ،‬ومن حروف اللغة نفسها التي برع‬
‫العرب فيها‪ .‬وبالكلمات نفسها التي يستعملونها‪ ،‬لكنهم عجزوا أن يأتوا بمثله؛ لنه جاء من رب‬
‫قادر‪ ،‬وكلم العرب وبلغتهم هي من صنعة النسان المخلوق العاجز‪.‬‬
‫وهكذا نعلم سر الحروف المقطعة التي جاءت لتثبت أن رسول ال صلى ال عليه وسلم تلقى‬
‫القرآن من المل العلى لنه أمي لم يتعلم شيئا‪ ،‬لكنه عرف أسماء الحروف‪ ،‬ومعرفة أسماء‬
‫الحروف ل يعرفها ‪ -‬كما قلت ‪ -‬إل المتعلم‪ ،‬وقد علمه الذي علم بالقلم وعلم النسان ما لم يعلم‪،‬‬
‫ويمكن للعقل البشري أن يحوم حول هذه اليات‪ ،‬وفي هذه الحروف معان كثيرة‪ ،‬ونجد أن الكثير‬
‫من المفكرين والمتدبرين لكلم ال وجدوا في مجال جلل وجمال القرآن الكثير‪ ،‬فتجد متصوفا‬
‫يقول إن " المص " جاءت هنا لحكمة‪ ،‬فأنت تنطق أو كلمة ألف وهي الهمزة من الحلق‪ ،‬واللم‬
‫تنطقها من اللسان‪ ،‬والميم تنطقها من الشفة‪ ،‬وبذلك تستوعب مخارج الحروف من الحلق واللسان‬
‫والشفة‪.‬‬
‫قال المتصوف ذلك ليدلك على أن هذه السورة تتكلم في أمور الحياة بدءا للخلق من آدم‪ .‬إشارة‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إلى أولية خلق النسان‪ ،‬ووسطا وهو المعاش‪ ،‬ونهاية وهو الموت والحساب ثم الحياة في الدار‬
‫الخرة‪ ،‬وجاءت " الصاد " لن في هذه السورة قصص أغلب النبياء‪.‬‬
‫هكذا جال هذا المتصوف جولة وطلع بها‪ ،‬أنردها عليه؟ ل نردها بطبيعة الحال‪ ،‬ولكن نقول له‪:‬‬
‫أذلك هو كل علم ال فيها؟‪ .‬ل؛ لن علينا أن نتعرف على المعاني التي فيها وأن نأخذها على قدر‬
‫بشريتنا‪ ،‬ولكن إذا قرأناها على قدر مراد ال فيها فلن نستوعب كل آفاق مرادات ال؛ لن أفهامنا‬
‫قاصرة‪.‬‬
‫ونحن البشر نضع كلمات ل معنى لها لكي تدل على أشياء تخدم الحياة‪ ،‬فمثل نجد في الجيوش‬
‫من يضع " كلمة سر " لكل معسكر فل يدخل إل من يعرف الكلمة‪ .‬من يعرف " كلمة السر "‬
‫يمكنه أن يدخل‪ .‬وكل كلمة سر لها معنى عند واضعها‪ ،‬وقد يكون ثمنها الحياة عند من يقترب من‬
‫معسكر الجيش ول يعرفها‪ } .‬المص { [العراف‪]1 :‬‬
‫ونجد بعد هذه الحروف المقطعة حديثا عن الكتاب‪ ،‬فيقول سبحانه‪ } :‬كِتَابٌ أُن ِزلَ ِإلَ ْيكَ‪{ ...‬‬

‫(‪)944 /‬‬
‫كِتَابٌ أُنْ ِزلَ إِلَ ْيكَ فَلَا َيكُنْ فِي صَدْ ِركَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَ ِذكْرَى لِ ْل ُم ْؤمِنِينَ (‪)2‬‬

‫وساعة تسمع " أنزل " فافهم أنه جاء من جهة العلو أي أن التشريع من أعلى‪ .‬وقال بعض العلماء‪:‬‬
‫وهل يوجد في صدر رسول ال حرج؟‪ .‬لننتبه أنه ساعة يأتي أمر من ربنا ويوضح فيه { فَلَ َيكُنْ‬
‫صدْ ِركَ حَرَجٌ } ‪ ،‬فالنهي ليس لرسول ال صلى ال عليه وسلم وإنما النهي للحرج أو الضيق‬
‫فِي َ‬
‫أن يدخل لرسول ال‪ ،‬وكأنه سبحانه يقول‪ :‬يا حرج ل تنزل قلب محمد‪.‬‬
‫صدْ ِركَ حَرَجٌ }؛ لن الحق‬
‫لكن بعض العلماء قال‪ :‬لقد جاء الحق بقوله سبحانه‪ { :‬فَلَ َيكُنْ فِي َ‬
‫يعلم أم محمدا قد يضيق صدره ببشريته‪ ،‬ويحزن؛ لنهم يقولون عليه ساحر‪ ،‬وكذاب‪ ،‬ومجنون‪,‬‬
‫وإذا ما جاء خصمك وقال فيك أوصافا أنت أعلم منه بعدم وجودها فيك فهو الكاذب؛ لنك لم‬
‫تكذب ولم تسحر‪ ،‬وتريد هداية القوم‪ ،‬وقوله سبحانه‪ { :‬فَلَ َيكُنْ فِي صَدْ ِركَ حَرَجٌ } قد جاء لمر‬
‫من اثنين‪ :‬إما أن يكون المر للحرج أل يسكن صدر رسول ال‪ ،‬وإما أن يكون المر للرسول‬
‫طمأنة له وتسكينا‪ ،‬أي ل تتضايق لنه أنزل إليك من إله‪ ،‬وهل ينزل ال عليك قرآنا ليصبح منهج‬
‫خلقه وصراطا مستقيما لهم‪ ،‬ثم يسلمك إلى سفاهة هؤلء؟ ل‪ ،‬ل يمكن‪ ،‬فاطمئن تماما‪...{ .‬فَلَ َيكُنْ‬
‫صدْ ِركَ حَرَجٌ مّنْهُ لِتُنذِرَ ِب ِه وَ ِذكْرَىا لِ ْل ُم ْؤمِنِينَ } [العراف‪]2 :‬‬
‫فِي َ‬
‫والِنذار ل يكون إل لمخالف؛ لن الِنذار يكون إخبارا بشر ينتظر من تخاطبه‪ .‬وهو أيضا تذكير‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫للمؤمنين مثلما قال من قبل في سورة البقرة‪...{ :‬هُدًى لّ ْلمُ ّتقِينَ }‬
‫ل أعلى وهو ال‪ ،‬ومُرَسَلً وهو الرسول‪ ،‬ومُرْسَلً إليه وهم‬
‫وهنا نلحظ ان الرسالت تقتضي مُرْسِ ً‬
‫المة‪ ،‬والمرسَل إليه إما أن يستمع ويهتدي وإما ل‪ ،‬وجاءت الية لتقول‪ { :‬كِتَابٌ أُن ِزلَ } من ال‬
‫وهو المرسِل‪ ،‬و " إليك " لنك رسول والمرسَل إليهم هم المة‪ ،‬إما أن تنذرهم إن خالفوا وإما أن‬
‫تذكرهم وتهديهم وتعينهم أو تبشرهم إن كانوا مؤمنين‪.‬‬
‫ويقول الحق بعد ذلك‪ { :‬اتّ ِبعُواْ مَآ أُن ِزلَ‪} ...‬‬

‫(‪)945 /‬‬
‫اتّ ِبعُوا مَا أُنْ ِزلَ إِلَ ْيكُمْ مِنْ رَ ّبكُ ْم وَلَا تَتّ ِبعُوا مِنْ دُونِهِ َأوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا َت َذكّرُونَ (‪)3‬‬

‫وما دام العباد سينقسمون أمام صاحب الرسالة والكتاب الذي جاء به إلى من يقبل الهداية‪ ،‬ومن‬
‫يحتاج إلى النذارة لذلك يقول لهم‪ { :‬اتّ ِبعُواْ مَآ أُن ِزلَ ِإلَ ْيكُمْ مّن رّ ّبكُمْ } [العراف‪]3 :‬‬
‫وينهاهم عن الشرك وعدم الستهداء أي طلب الهداية فيقول‪َ { :‬ولَ تَتّ ِبعُواْ مِن دُونِهِ َأوْلِيَآءَ قَلِيلً مّا‬
‫تَ َذكّرُونَ } [العراف‪]3 :‬‬
‫وحينما يأتي الحق سبحانه في مثل هذه اليات ويقول‪ " :‬وذكرى "‪ .‬أو " وذكّر " إنما يلفتنا إلى أن‬
‫الفطرة المطبوع عليها الِنسان مؤمنة‪ ،‬والرسالت كلها لم تأت لتنشئ إيمانا جديدا‪ ،‬وإنما جاءت‬
‫لتذكر بالعهد الذي أخذ علينا أيام كنا في عالم الذر‪ ،‬وقبل أن يكون لنا شهوة اختيار‪ {:‬وَإِذْ َأخَذَ رَ ّبكَ‬
‫شهِدْنَآ‪} ...‬‬
‫ستُ بِرَ ّب ُكمْ قَالُواْ بَلَىا َ‬
‫سهِمْ أََل ْ‬
‫شهَدَ ُهمْ عَلَىا أَنفُ ِ‬
‫ظهُورِ ِهمْ ذُرّيّ َتهُمْ وَأَ ْ‬
‫مِن بَنِي ءَا َدمَ مِن ُ‬
‫[العراف‪]172 :‬‬
‫هذا هو القرار في عالم الذر‪ ،‬إذن فحين يقول الحق‪ { :‬قَلِيلً مّا تَ َذكّرُونَ } فنحن نلتفت إلى ما‬
‫نسي الباء أن يبلغوه للبناء؛ فالباء يعلمون البناء متطلبات حياتهم‪ ،‬وكان من الواجب أن‬
‫يعلموهم مع ذلك قيم هذه الحياة التي تلقوها؛ لن آدم وحواء ما نزل إلى الرض قال لهما الحق‪{:‬‬
‫فَِإمّا يَأْتِيَ ّنكُم مّنّي هُدًى َفمَنِ اتّ َبعَ هُدَايَ‪[} ...‬طه‪]123 :‬‬
‫وهكذا نعلم أن هناك " هدى " قد نزل على آدم‪ ،‬وكان من الواجب على آدم أن يعلمه للبناء‪،‬‬
‫ويعلمه البناء للحفاد‪ ،‬وكان يجب أن يظل هذا " الهدى " منقولً في سلسلة الحياة كما وصلت كل‬
‫أقضية الحياة‪ .‬ويأتي سبحانه لنا بحيثيات التباع‪ { .‬اتّ ِبعُواْ مَآ أُن ِزلَ إِلَ ْيكُمْ مّن رّ ّبكُمْ‪[ } ...‬العراف‪:‬‬
‫‪]3‬‬
‫فالمنهج الذي يأتي من الرب العلى هو الذي يصلح الحياة‪ ،‬ول غضاضة على أحد منكم في أن‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يتبع ما أنزل إليه من الله المربي القادر‪ .‬الذي ربّى‪ ،‬وخلق من عدم‪ ،‬وأمد من عدم‪ ،‬وهو المتولي‬
‫للتربية‪ ،‬ول يمكن أن يربي أجسادنا بالطعام والشراب والهواء ول يربي قيمنا بالخلق‪َ { .‬ولَ‬
‫تَتّ ِبعُواْ مِن دُونِهِ َأوْلِيَآءَ }‪.‬‬
‫ومادام قد أوضح‪ :‬اتبعوا ما أنزل إليكم من أعلى‪ ،‬فل يصح أن تأتي لمن دونه وتأخذ منه‪ ،‬مثلما‬
‫يفعل العالم الن حين يأخذ قوانينه من دون ال ومن هوى البشر‪ .‬فها يحب الرأسمالية فيفرضها‬
‫بالسيف‪ ،‬وآخر يحب الشتراكية فيفرضها البشر‪ .‬بالسيف‪ .‬وكل واحد يفرض بسيفه القوانين التي‬
‫تلئمه‪ .‬وكلها دون منهج ال لنها أفكار بشر‪ ،‬وتتصادم بأفكار بشر‪ ،‬والولى من هذا وذاك أن‬
‫نأخذ مما ل نستنكف أن نكون عبيدا له‪.‬‬
‫{‪َ ...‬ولَ تَتّ ِبعُواْ مِن دُونِهِ َأوْلِيَآءَ قَلِيلً مّا تَ َذكّرُونَ } [العراف‪]3 :‬‬
‫وتذكر أيها المؤمن أن عزتك في اتباع منهج ال تتجلّى في أنك ل تخضع لمساوٍ لك‪ ،‬وهذه ميزة‬
‫الدين الذي يجعل النسان يحيا في الكون وكرامته محفوظةً‪ ،‬وإن جاءته مسألة فوق أسبابه يقابلها‬
‫بالمتاح له من السباب مؤمنا بأن رب السباب سيقدم له العون‪ ،‬ويقدم الحق له العون فعلً فيسجد‬
‫ل شاكرا‪ ،‬أما الذي ليس له رب فساعة أن تأتي له مسألة فوق أسبابه تضيق حياته عليه وقد‬
‫ينتحر‪.‬‬
‫ثم بعد ذلك يبين الحق أن موكب الرسالت سائر من لدن آدم‪ ،‬وكلما طرأت الغفلة على البشر‬
‫أرسل ال رسولً ينبههم‪ .‬ويوقظ القيم والمناعة الدينية التي توجد في الذات‪ ،‬بحيث إذا مالت الذات‬
‫إلى شيء انحرافي تنبه الذات نفسها وتقول‪ :‬لماذا فعلت هكذا؟‪ .‬وهذه هي النفس اللوامة‪ .‬فإذا ما‬
‫سكتت النفس اللوامة واستمرأ النسان الخطأ‪ ،‬وصارت نفسه أمارة بالسوء طوال الوقت؛ فالمجتمع‬
‫الذي حوله يعدله‪.‬‬
‫وهذه فائدة التواصي بالحق والصبر‪ ،‬فكل واحد يوصّى في ظرف‪ ،‬ويوصّي في ظرف آخر؛‬
‫فحين تضعف نفسه أمام شهوة يأتي شخص آخر لم يضعف في هذه الشهوة وينصح النسان‪،‬‬
‫ويتبادل النسان النصح مع غيره‪ ،‬هذا هو معنى التواصي؛ فالوصية ل تأتي من جماعة تحترف‬
‫توصية الناس‪ ،‬بل يكون كل إنسان موصيا فيما هو فيه قوي‪ ،‬ويوصي فيما هو فيه ضعيف‪ ،‬فإذا‬
‫فسد المجتمع‪ ،‬تتدخل السماء برسول جديد ومعجزة جديدة‪ ،‬ومنهج جديد‪ ،‬لكن ال أمن أمة محمد‬
‫على هذا المر فلم يجيء رسول بعده لننا خير أمة أخرجت للناس‪ .‬والخيرية تتجلى في أننا نأمر‬
‫جتْ لِلنّاسِ‬
‫بالمعروف وننهى عن المنكر‪ ،‬فالتواصي باقٍ إلى أن تقوم الساعة‪ {.‬كُنْ ُتمْ خَيْرَ ُأمّةٍ أُخْ ِر َ‬
‫تَ ْأمُرُونَ بِا ْل َمعْرُوفِ وَتَ ْنهَوْنَ عَنِ ا ْلمُ ْنكَرِ‪[} ...‬آل عمران‪]110 :‬‬
‫وهذه خاصية لن تنتهي أبدا‪ ،‬فإن رأيت منكرا فلبد من خلية خير تنكره وتقول‪ :‬ل‪ ،‬وإذا كان‬
‫الحق قد جعل محمدا خاتم الرسل‪ ،‬فذلك شهادة لمته أنها أصبحت مأمونة‪ ،‬وأن المناعة الذاتية‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فيها ل تمتنع وتنقطع‪ ،‬وكذلك ل تمتنع منها أبدا المناعة الجتماعية فلن يأتي رسول بعد سيد‬
‫الخلق محمد صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫ويقول الحق بعد ذلك‪َ } :‬وكَم مّن قَرْيَةٍ‪{ ...‬‬

‫(‪)946 /‬‬
‫َوكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ َأهَْلكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا َأوْ هُمْ قَائِلُونَ (‪)4‬‬

‫وساعة تسمع " كم " فاعرف أن المسألة خرجت عن العد بحيث تستوجب أن تستفهم عنها‪ ،‬وهذا‬
‫يدل على أمر كثير فوق العدد‪ ،‬لكن عندما يكون العدد قليلً فل يستفهم عنه‪ ،‬بل يعرف‪ .‬والقرية‬
‫اسم للمكان المعد إعدادا خاصا لمعيشة الناس فيه‪ .‬وهل القرى هي التي تهلك أم يهلك من فيها؟‪.‬‬
‫أوضح الحق أنها تأتي مرة ويراد منها المكان والمكين‪ :‬أو يكون المراد بالقرية أهلها‪ ،‬مثال ذلك‬
‫قوله الحق في سورة يوسف‪ {:‬وَسْ َئلِ ا ْلقَرْيَةَ الّتِي كُنّا فِيهَا وَاّلعِيْرَ‪[} ...‬يوسف‪]82 :‬‬
‫وبطبيعة الحال لن يسأل إنسان المكان أو المباني‪ ،‬بل يسأل أهل القرية‪ ،‬ولم يقل الحق‪ :‬اسأل أهل‬
‫القرية؛ لن المسئول عنه هو أمر بلغ من الصدق أن المكان يشهد مع المكين‪ ،‬ومرة أخرى يوضح‬
‫الحق أنه يدمر القرية بسكانها ومبانيها‪َ { .‬وكَم مّن قَرْ َيةٍ أَهَْلكْنَاهَا فَجَآ َءهَا بَأْسُنَا }‪.‬‬
‫ل فيهلك؟‪ .‬الذي يأتي أولً هو البأس فيهلك‪ ،‬فمظاهر‬
‫وأيهما يأتي أولً‪ :‬الهلك أم يأتي البأس أو ً‬
‫الكونيات في الحداث ل يأتي أمرها ارتجالً‪ ،‬وإنما أمرها مسبق أزلً‪ ،‬وكأن الحق يقول هنا‪ :‬وكم‬
‫من قرية حكمنا أن نهلكها فجاءها بأسنا ليتحقق ما قلناه أزلً‪ ،‬أي أن تأتي الحداث على وفق‬
‫المرادات؛ حتى ولو كان هناك اختيار للذي يتكلم عنه الحق‪.‬‬
‫ونعلم أن القرية هي المكان‪ ،‬وعلى ذلك فليس لها اختيار‪ .‬وإن كان لمن يتحدث عنه ال حق‬
‫الختيار‪ ،‬فسبحانه يعلم أزلً أنه سيفعل ما يتحدث عنه سبحانه‪ .‬ويأتي به في قرآن يتلى؛ ليأتي‬
‫السلوك موافقا ما أخبر به ال‪َ { .‬وكَم مّن قَرْيَةٍ أَهَْلكْنَاهَا َفجَآءَهَا بَ ْأسُنَا بَيَاتا َأوْ ُهمْ قَآئِلُونَ }‬
‫[العراف‪]4 :‬‬
‫والبأس هو القوة التي ترد ول تقهر‪ ،‬و " بيتا " أي بالليل‪َ { ،‬أوْ ُهمْ قَآئِلُونَ } أي في القيلولة‪ .‬ولماذا‬
‫يأتي البأس في البيات أو في القيلولة؟‪ .‬ونجد في خبر عمّن أَ ْهِلكُوا مثل قوم لوط أنّه حدث لهم‬
‫الهلك بالليل‪ ،‬وقوم شعيب حدث لهم الهلك في القيلولة‪ ،‬والبيات والقيلولة هما وقت السترخاء‬
‫ووقت الراحة وتفاجئهم الحداث فل يستطيعون أن يستعدوا‪ {.‬فَِإذَا نَ َزلَ بِسَاحَ ِت ِهمْ فَسَآءَ صَبَاحُ‬
‫ا ْلمُنْذَرِينَ }[الصافات‪]177 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أي يأتيهم الدمار في وقت هم نائمون فيه‪ ،‬ول قوة لهم لمواجهة البأس‪...{ .‬فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتا َأوْ‬
‫هُمْ قَآئِلُونَ } [العراف‪]4 :‬‬
‫وإذا قال سبحانه‪ { :‬بَيَاتا َأوْ هُمْ قَآئِلُونَ } فيصح أن لهذه القرية امتدادات‪ ،‬ووقت القيلولة عند‬
‫جماعة يختلف عن وقت من يسكن امتداد القرية‪ ،‬فيكون الوقت عندهم ليلً‪ ،‬والقيلولة هي الوقت‬
‫الذي ينامون فيه ظهرا للسترخاء والراحة‪ .‬ولكن كيف استقبلوا ساعة مجيء البأس الذي‬
‫سيهلكهم؟‪.‬‬
‫عوَاهُمْ إِذْ‪} ...‬‬
‫ويقول الحق سبحانه‪َ { :‬فمَا كَانَ دَ ْ‬

‫(‪)947 /‬‬
‫عوَاهُمْ إِذْ جَاءَ ُهمْ بَأْسُنَا إِلّا أَنْ قَالُوا إِنّا كُنّا ظَاِلمِينَ (‪)5‬‬
‫َفمَا كَانَ دَ ْ‬

‫عوَا ُهمْ } نفهم أن المسألة ادعاء‪ .‬ونحن نقول‪ :‬فلن‬
‫بهذا القول اتضحت المسألة‪ ،‬ومن قوله { دَ ْ‬
‫ادّعى دعوى على فلن‪ ،‬فإما أن يقيم بينة ليثبت دعواه‪ ،‬وإما ألّ يقيم‪.‬‬
‫حمْدُ للّهِ َربّ ا ْلعَاَلمِينَ }[يونس‪]10 :‬‬
‫عوَاهُمْ أَنِ ا ْل َ‬
‫والدعوى تطلق أيضا على الدعاء‪... {:‬وَآخِرُ دَ ْ‬
‫عوَاهُمْ ِإذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَآ ِإلّ أَن قَالُواْ إِنّا كُنّا ظَاِلمِينَ }‬
‫وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى‪َ { :‬فمَا كَانَ دَ ْ‬
‫[العراف‪]5 :‬‬
‫ويشرح ربنا هذا المر في آيات كثيرة‪ ،‬إنه اعتراف منهم باقترافهم الظلم وقيامهم عليه‪ ،‬فسبحانه‬
‫سحْقا‬
‫سعِيرِ * فَاعْتَ َرفُواْ بِذَن ِب ِهمْ فَ ُ‬
‫صحَابِ ال ّ‬
‫سمَعُ َأوْ َنعْ ِقلُ مَا كُنّا فِي َأ ْ‬
‫القائل‪َ {:‬وقَالُواْ َلوْ كُنّا نَ ْ‬
‫سعِيرِ }[الملك‪]11-10 :‬‬
‫لصْحَابِ ال ّ‬
‫َ‬
‫سلَ‪} ...‬‬
‫ويقول الحق بعد ذلك‪ { :‬فَلَنَسَْألَنّ الّذِينَ أُرْ ِ‬

‫(‪)948 /‬‬
‫سلَ إِلَ ْي ِه ْم وَلَنَسْأَلَنّ ا ْلمُ ْرسَلِينَ (‪)6‬‬
‫فَلَنَسْأَلَنّ الّذِينَ أُرْ ِ‬

‫والحق يسأل الرسل بعد أن يجمعهم عن مدى تصديق أقوامهم لهم‪ ،‬والسؤال إنما يأتي للِِقرار‪،‬‬
‫ومسألة السؤال وردت في القرآن بأساليب ظاهر أمرها أنها متعارضة‪ ،‬والحقيقة أن جهاتها منفكة‪،‬‬
‫وهذا ما جعل خصوم القرآن يدعون أن القرآن فيه تضارب‪ .‬فالحق سبحانه يقول‪ {:‬فَإِذَا ُنفِخَ فِي‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الصّورِ فَلَ أَنسَابَ بَيْ َنهُمْ َي ْومَئِ ٍذ َولَ يَتَسَآءَلُونَ }[المؤمنون‪]101 :‬‬
‫حمِيما }[المعارج‪]10 :‬‬
‫حمِيمٌ َ‬
‫ويقول سبحانه أيضا{ َولَ يَسَْألُ َ‬
‫ويقول جل وعل‪... {:‬وَلَ يُسَْألُ عَن ذُنُو ِبهِمُ ا ْلمُجْ ِرمُونَ }[القصص‪]78 :‬‬
‫س َولَ جَآنّ }[الرحمن‪]39 :‬‬
‫ويقول سبحانه وتعالى‪ {:‬فَ َي ْومَئِ ٍذ لّ يُسَْألُ عَن ذَنبِهِ إِن ٌ‬
‫سلَ إِلَ ْيهِ ْم وَلَنَسَْألَنّ ا ْلمُرْسَلِينَ } [العراف‪]6 :‬‬
‫ثم يقول هنا‪ { :‬فَلَ َنسْأَلَنّ الّذِينَ أُرْ ِ‬
‫وهذا ما يجعل بعض المستشرقين يندفعون إلى محاولة إظهار أن بالقرآن‪ -‬والعياذ بال‪-‬‬
‫متناقضات‪ .‬ونقول لكل منهم‪ :‬أنت تأخذ القرآن بغير ملكة البيان في اللغة‪ ،‬ولو أنك نظرت إلى أن‬
‫القرآن قد استقبله قوم لسانهم عربي‪ ،‬وهم باقون على كفرهم فل يمكن أن يقال إنهم كانوا‬
‫يجاملون‪ ،‬ولو أنهم وجدوا هذا التناقض‪ ،‬أما كانوا يستطيعون أن يردوا دعوى محمد فيقولوا‪:‬‬
‫أيكون القرآن معجزا وهو متعارض؟! لكن الكفار لم يقولوها‪ ،‬مما يدل على أن ملكاتهم استقبلت‬
‫القرآن بما يريده قائل القرآن‪ .‬وفي أعرافنا نورد السؤال مرتين؛ فمرة يسأل التلميذ أستاذه ليعلم‪،‬‬
‫ومرة يسأل الستاذ تلميذه ليقرر‪.‬‬
‫إذن فالسؤال يأتي لشيئين اثنين‪ :‬إما أن تسأل لتتعلم‪ ،‬وهذا هو الستفهام‪ ،‬وإما أن تسأل لتقرر حتى‬
‫تصبح الحجة ألزم للمسئول‪ ،‬فإذا كان ال سيسأله‪ ،‬أي يسأله سؤال إقرار ليكون أبلغ في الحتجاج‬
‫سعِيرِ * فَاعْتَ َرفُواْ‬
‫سمَعُ َأوْ َن ْع ِقلُ مَا كُنّا فِي َأصْحَابِ ال ّ‬
‫عليه‪ ،‬وبعد ذلك يقولون‪َ {:‬وقَالُواْ َلوْ كُنّا نَ ْ‬
‫سعِيرِ }[الملك‪]11-10 :‬‬
‫لصْحَابِ ال ّ‬
‫بِذَن ِبهِمْ فَسُحْقا َ‬
‫وهذا اعتراف وإقرار منهم وهما سيدا الدلة؛ لن كلم المقابل إنما يكون شهادة‪ ،‬ولكن كلم المقر‬
‫هو إقرار اعتراف‪.‬‬
‫إذن إذا ورد إثبات السؤال فإنه سؤال التقرير من ال لتكون شهادة منهم على أنفسهم‪ ،‬وهذا دليل‬
‫أبلغ للحجة وقطع للسبل على الِنكار‪ .‬فإما أن يقر الِنسان‪ ،‬وإن لم يقر فستقول أبعاضه؛ لن‬
‫شهِدتّمْ‬
‫الِرادة انفكت عنها‪ ،‬ولم يعد للِنسان قهر عليها‪ ،‬مصداقا لقوله الحق‪َ {:‬وقَالُواْ لِجُلُو ِدهِمْ ِلمَ َ‬
‫شيْءٍ‪[} ...‬فصلت‪]21 :‬‬
‫طقَ ُكلّ َ‬
‫طقَنَا اللّهُ الّذِي أَن َ‬
‫عَلَيْنَا قَالُواْ أَن َ‬
‫سلِينَ }‪.‬‬
‫سلَ إِلَ ْي ِه ْم وَلَنَسْأَلَنّ ا ْلمُرْ َ‬
‫والحق هنا يقول‪ { :‬فَلَنَسْأَلَنّ الّذِينَ أُرْ ِ‬
‫سلَ فَ َيقُولُ مَاذَآ ُأجِبْتُمْ‪[} ...‬المائدة‪]109 :‬‬
‫جمَعُ اللّهُ الرّ ُ‬
‫وهو سؤال للِقرار‪ .‬قال ال عنه‪َ {:‬يوْمَ َي ْ‬
‫وحين يسأل الحق المرسلين‪ ،‬وهم قد أدوا رسالتهم فيكون ذلك تقريعا للمرسَل إليهم‪.‬‬
‫ويقول الحق بعد ذلك‪ { :‬فَلَ َن ُقصّنّ عَلَ ْيهِم ِبعِلْمٍ‪} ...‬‬

‫(‪)949 /‬‬
‫فَلَ َنقُصّنّ عَلَ ْيهِمْ ِبعِلْ ٍم َومَا كُنّا غَائِبِينَ (‪)7‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أي سيخبرهم بكل ما عملوا في لحظة الحساب؛ لنه سبحانه لم يغب يوما عن أي من خلقه؛ لذلك‬
‫قال‪َ { :‬ومَا كُنّا غَآئِبِينَ } ‪ ،‬ونعلم أن الخلق متكرر الذوات‪ ،‬متكرر الحداث‪ ،‬متكرر المواقع‪ ،‬هم‬
‫ذوات كثيرة‪ ،‬وكل ذات لها حدث‪ ،‬وكل ذات لها مكان‪ .‬فإذا قال الحق للجميع‪َ { :‬ومَا كُنّا غَآئِبِينَ }‬
‫أي أنه مع الجميع‪ ،‬ومادام ليس بغائب عن حدث‪ ،‬ول عن فاعل حدث‪ ،‬ول عن مكان حدث‪،‬‬
‫وهؤلء متعددون‪ .‬إذن هو في كل زمان وفي كل مكان‪.‬‬
‫شيْءٌ } ‪ ،‬ومثل هذه‬
‫وإن قلت كيف يكون هنا وهناك؟ أقول‪ :‬خذ ذلك في إطار قوله‪ { :‬لَيْسَ َكمِثِْلهِ َ‬
‫المعاني في الغيبيات ل يمكن أن تحكمها هذه الصور‪ .‬والمر سبق أن قلناه حين تحدثنا عن‬
‫مجيء ال؛ فله طلقة القدرة وليس كمثله شيء‪ ،‬وما كان غائبا في حدث أو مكان‪.‬‬
‫ويقول الحق بعد ذلك‪ { :‬وَا ْلوَزْنُ َي ْومَئِذٍ‪} ...‬‬

‫(‪)950 /‬‬
‫حقّ َفمَنْ َثقُلَتْ َموَازِينُهُ فَأُولَ ِئكَ ُهمُ ا ْل ُمفْلِحُونَ (‪)8‬‬
‫وَا ْلوَزْنُ َي ْومَئِذٍ الْ َ‬

‫في هذه اليات نجد الحديث عن الوزن للعمال‪ ،‬وهذا كله تأكيد للحجة عليهم؛ فال ل يظلم أحدا‪،‬‬
‫وفي وزن العمال إبطال للحجة من الذين يخافون النار‪ ،‬ولم يؤدوا حقوق ال في الدنيا‪ ،‬وكل ذلك‬
‫ليؤكد الحجة‪ ،‬ويظهر النصاف ويقطع العذر‪ ،‬وهنا قول كريم يقول فيه الحق سبحانه‪ {:‬وَ َنضَعُ‬
‫ا ْل َموَازِينَ ا ْلقِسْطَ لِ َيوْمِ ا ْلقِيَامَةِ‪[} ...‬النبياء‪]47 :‬‬
‫هذه الموازين هي عين العدل‪ ،‬وليست مجرد موازين عادلة‪ ،‬بل تبلغ دقة موازين اليوم الخر أنها‬
‫حقّ }‪ .‬نعم‪ ،‬الميزان في هذا اليوم حق‬
‫هي عدل في ذاتها‪ .‬وهنا يقول الحق‪ { :‬وَا ْلوَزْنُ َي ْومَئِذٍ الْ َ‬
‫ودقيق‪ ،‬لنذكر انه قال من قبل‪ {:‬مَن جَآءَ بِا ْلحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ َأمْثَاِلهَا َومَن جَآءَ بِالسّيّئَةِ فَلَ ُيجْزَى ِإلّ‬
‫مِثَْلهَا وَهُ ْم لَ يُظَْلمُونَ }[النعام‪]160 :‬‬
‫والميزان الحق هو الذي قامت عليه عدالة الكون كله‪ ،‬وكل شيء فيه موزون‪ ،‬وسبحانه هو الذي‬
‫يضع المقادير على قدر الحكمة والِتقان والدقة التي يؤدي بها كل كائن المطلوبَ منه‪ ،‬ولذلك‬
‫سمَآءَ َر َف َعهَا َو َوضَعَ ا ْلمِيزَانَ }[الرحمن‪]7 :‬‬
‫يقوله سبحانه‪ {:‬وَال ّ‬
‫ولم نر السماء قذفت وألقت علينا أحداثا غير متوقعة منها‪ ،‬فالكون له نظام دقيق‪ .‬والوزن في يوم‬
‫القيامة هو مطلق الحق‪ ،‬ففي هذا اليوم تبطل موازين الرض التي كانت تعاني إما خللً في اللة‬
‫التي يوزن بها‪ ،‬وإمّا خللً في الوزن‪ ،‬وإمّا أن تتأثر بأحداث الكون‪ ،‬وما يجري فيه من تفاعلت‪،‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أما ميزان السماء فل دخل لحد به ول يتأثر إل بقيمة ما عمل الِنسان‪ ،‬وساعة يقول سبحانه‪:‬‬
‫{ وَا ْلوَزْنُ َي ْومَئِذٍ ا ْلحَقّ }‪.‬‬
‫فكأن الميزان في الدنيا يمكن أن يحصل فيه خلل‪ ،‬وكذلك المِلْك أيضا؛ لنه سبحانه أعطى أسبابا‬
‫للملك المناسب لكل إنسان‪ ،‬فهذا يملك كذا‪ ،‬والثاني يملك كذا‪ ،‬والثالث يملك كذا‪ ،‬وبعد ذلك‬
‫يتصرف كل إنسان في هذا الملك إن عدلً‪ ،‬وإن ظلما على ضوء الختيار‪ .‬لكن حين يأتي اليوم‬
‫حدِ ا ْل َقهّارِ }[غافر‪]16 :‬‬
‫الخر فل ملك لحد‪ّ... {:‬لمَنِ ا ْلمُ ْلكُ الْ َيوْمَ لِلّهِ ا ْلوَا ِ‬
‫فالمر حينئذ يكون كله ل وحده‪ ،‬فإن كان الملك في الدينا قد استخلف فيه الحق عباده‪ ،‬فهذه‬
‫الولية تنتهي في اليوم الخر‪َ { :‬فمَن َثقَُلتْ َموَازِينُهُ فَُأوْلَـائِكَ ُهمُ ا ْل ُمفْلِحُونَ }‪.‬‬
‫خ ّفتْ َموَازِينُهُ *‬
‫وسبحانه هو القائل‪ {:‬فََأمّا مَن َثقُلَتْ َموَازِينُهُ * َف ُهوَ فِي عِيشَةٍ رّاضِيَةٍ * وََأمّا مَنْ َ‬
‫فَُأمّهُ هَاوِيَةٌ * َومَآ َأدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِ َيةٌ }[القارعة‪]11-6 :‬‬
‫إذن فالميزان يثقل بالحسنات‪ ،‬ويخف بالسيئات‪ ،‬ونلحظ أن القسمة العقلية لِيجاد ميزان ووزان‬
‫وموزون تقتضي ثلثة أشياء‪ :‬أن تثقل كفة‪ ،‬وتخف الخرى‪ ،‬أو أن يتساويا‪ ،‬ولكن هذه الحال غير‬
‫خ ّفتْ‬
‫موجودة هنا‪ .‬ويتحدث الحق عن الذين تخف موازينهم فيقول سبحانه وتعالى‪َ { :‬ومَنْ َ‬
‫َموَازِينُهُ‪} ...‬‬

‫(‪)951 /‬‬
‫سهُمْ ِبمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَظِْلمُونَ (‪)9‬‬
‫خسِرُوا أَ ْنفُ َ‬
‫خ ّفتْ َموَازِينُهُ فَأُولَ ِئكَ الّذِينَ َ‬
‫َومَنْ َ‬

‫والسورة السابقة جاء فيها بالحالتين‪ ،‬وفي هذه السورة أيضا جاء بالحالتين‪ ،‬ومن العجيب أن هذا‬
‫الكلم عن الثقل والخفة وعدم وجود الحالة الثالثة وهي حالة تساوي الكفتين يأتي في أول سورة‬
‫العراف‪ ،‬ولكنه‪ -‬سبحانه يقول بعد ذلك في سورة العراف‪ { :‬وَعَلَى الَعْرَافِ ِرجَالٌ َيعْ ِرفُونَ‬
‫كُلّ بِسِيمَاهُمْ }‪.‬‬
‫وهؤلء هم الذين استوت حسناتهم وسيئاتهم‪ ،‬وقد جعل لهم ربنا مكانا يشبه عرف الفرس‪ ،‬وعرف‬
‫الفرس يعتبر أعلى شيء فيه‪ ،‬فحينا يأتي شعر الفرس يمينا‪ ،‬وحينا يأتي شعر الفرس يسارا‪ ،‬وليس‬
‫هناك جهة أولى بالشعر من الخرى‪ .‬وقد أعد الحق لصحاب العراف مكانا يسمعون فيه‬
‫أصحاب النار وهم ينادون أصحاب الجنة‪ ،‬وأصحاب الجنة وهم ينادون أصحاب النار‪ ،‬وأصحاب‬
‫العراف يجلسون؛ ل هم في الجنة ول هم في النار‪ ،‬فهم الذين تساوت حسناتهم وسيئاتهم‪ ،‬وبذلك‬
‫صحت القسمة العقلية في قول الحق سبحانه وتعالى‪ {:‬وَعَلَى الَعْرَافِ رِجَالٌ َيعْ ِرفُونَ كُلّ ِبسِيمَاهُمْ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫}[العراف‪]46 :‬‬
‫فل الحسنات ثقلت ليدخلوا الجنة‪ ،‬ول السيئات خفت ليدخلوا النار‪ ،‬فميزانهم تساوت فيه الكفتان‪.‬‬
‫وقال بعض العلماء عن الميزان؛ إن هناك ميزانا بالفعل‪ .‬وقال البعض إن المراد بالميزان هو‬
‫العدالة المطلقة التي أقامها العادل العلى‪ ،‬والعجب أن الحق قال‪ :‬إن هناك موازين‪ ،‬فهل لكل‬
‫واحد ميزان أو لكل عمل من أعمال التكليفات ميزان‪ :‬ميزان العقائد‪ ،‬وميزان الحكام‪ ..‬إلخ‪ ،‬وهل‬
‫سيحاسبنا ربنا تباعا‪ .‬أو أن هناك موازين متعددة‪ ،‬بدليل أن سيدنا الِمام عليّا عندما سألوه‪:‬‬
‫أيحاسب ال خلقه جميعا في وقت واحد؟ فقال‪ :‬وأي عجب في هذا؟ أليس هو رازقهم في وقت‬
‫خفّتْ‬
‫واحد؟ إذن فالميزان بالنسبة ل مسألة سهلة جدّا‪ .‬وهيّنة فسبحانه ل يتأبى عليه شيء‪َ { .‬ومَنْ َ‬
‫سهُم ِبمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا ِيظِْلمُونَ } [العراف‪]9 :‬‬
‫َموَازِينُهُ فَُأوْلَـ ِئكَ الّذِينَ خَسِرُواْ أَ ْنفُ َ‬
‫نعم هم قد خسروا أنفسهم فكل منهم كان يأخذ شهوات ويرتكب سيئات يمتع بها نفسه‪ ،‬ويأتي اليوم‬
‫الخر ليجد نفسه قد خسر كل شيء‪ ،‬وكما يقول المثل العام‪ :‬خسر الجلد والسقط‪ .‬لماذا؟ تأتي‬
‫الِجابة من الحق‪ِ ...{ :‬بمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظِْلمُونَ }‪.‬‬
‫ويقول سبحانه بعد ذلك‪ { :‬وََلقَدْ َمكّنّاكُمْ فِي‪} ...‬‬

‫(‪)952 /‬‬
‫شكُرُونَ (‪)10‬‬
‫جعَلْنَا َلكُمْ فِيهَا َمعَايِشَ قَلِيلًا مَا َت ْ‬
‫ض َو َ‬
‫وَلَقَدْ َمكّنّاكُمْ فِي الْأَ ْر ِ‬

‫ال ُم َمكّن هو الذي يحتل المكان بدون زحزحة؛ فيقال مكّنتك من كذا‪ .‬أي أعطيتك المكان ول‬
‫ينازعك أحد فيه‪ .‬وقد مكننا سبحانه في الرض وجعل لنا فيها وسائل استبقاء الحياة‪ ،‬وترف‬
‫الحياة‪ ،‬وزينة الحياة‪ ،‬ورياش الحياة‪ ،‬ولم تبخل الرض حين حرثناها‪ ،‬بل أخرجت لنا الزرع‪ ،‬ولم‬
‫تغب الشمس عنا بضوئها وإشعاعها وحراراتها‪ .‬ما في الدنيا يؤدي مهمته‪ ،‬ولم نُمكّن في الرض‬
‫بقدراتنا بل بقدرة ال‪ .‬وكان يجب أل يغيب ذلك عن أنظارنا أبدا‪ .‬فل أحد منا مسيطر على‬
‫الشمس أو القمر أو الريح أو الرض‪ ،‬ولكن الذي خلقها وجعلها مسخرة‪ ،‬هو ربك وربها؛ فأنت‬
‫جعَلْنَا َلكُمْ فِيهَا َمعَايِشَ‬
‫ض وَ َ‬
‫ُم َمكّن‪ ،‬وكل شيء مستجيب لك‪ .‬بتسخير ال له‪ { .‬وَلَقَدْ َمكّنّاكُمْ فِي الَ ْر ِ‬
‫شكُرُونَ } [العراف‪]10 :‬‬
‫قَلِيلً مّا تَ ْ‬
‫و " معايش " جمع معيشة‪ ،‬والمعيشة هي الحياة‪ ،‬فالعيش هو مقومات الحياة‪ ،‬ولذلك سموا الخبز‬
‫في القرى عيشا لن عندهم دقة بالغة؛ لنهم عرفوا أنه مقوّم أساسي في الحياة‪.‬‬
‫شكُرُونَ } دل على أن هناك من يشكر‪ ،‬ومن الناس من يشكر نعم ال‬
‫وقول الحق‪ { :‬قَلِيلً مّا تَ ْ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫شكرا عاما على مجموع النعم‪ ،‬أو يشكره شكرا خاصّا عند كل نعمة‪ ،‬ومنهم من يشكر شكرا‬
‫خاصّا ل عند كل نعمة‪ ،‬ولكن عند جزئيات النعمة الواحدة‪ ،‬فعندما يبدأ في الكل يقول‪ " :‬بسم ال‬
‫الرحمن الرحيم " ‪ ،‬ويقول بعد الكل‪ " :‬الحمد ل "؛ وهناك من يقول عند تناول لقمة واحدة‪ " :‬بسم‬
‫ال " وعندما يمضغها ويبلعها يقول‪ " :‬الحمد ل " لنها لم تقف في حلقه‪ ،‬وأيضا حين نشرب علينا‬
‫أن نشرب على ثلث دفعات‪ :‬أول دفعة نقول‪ " :‬بسم ال "‪ .‬وننتهي منها فنقول‪ " :‬الحمد ل "‬
‫وكذلك في الدفعة الثانية والدفعة الثالثة‪ .‬ومن يفعل ذلك فل تتأتّى منه معصية‪ ،‬مادامت آثار شربة‬
‫الماء هذه في جسمه؛ لنها كلها " بسم ال "‪ .‬فتحرسه من الخطيئة؛ لن النعمة الواحدة لو‬
‫استقصيتها لوجدت فيها نعما كثيرة‪.‬‬
‫وأنتم حين ل تشكرون إنما تضيقون عليكم أبواب النعم من ال؛ لنكم لو شكرتموه على النعم‬
‫شكَرْ ُت ْم لَزِيدَ ّنكُمْ } ومن الحمق أل نشكر‪.‬‬
‫لزادت النعم عليكم‪ { ،‬لَئِن َ‬
‫خَلقْنَاكُمْ ُثمّ‪} ...‬‬
‫ويقول الحق بعد ذلك‪ { :‬وََلقَدْ َ‬

‫(‪)953 /‬‬
‫سجَدُوا إِلّا إِ ْبلِيسَ لَمْ َيكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ (‬
‫سجُدُوا لِآَ َدمَ فَ َ‬
‫صوّرْنَاكُمْ ُثمّ قُلْنَا لِ ْلمَلَا ِئكَةِ ا ْ‬
‫وَلَقَدْ خََلقْنَاكُمْ ثُمّ َ‬
‫‪)11‬‬

‫ومسألة الخلق سبق أن تقدمت في سورة البقرة‪ :‬خلق آدم‪ ،‬والشيطان‪ ،‬والقضية تتوزع على سبع‬
‫سور‪ ،‬في سبعة مواضع موجودة في سورة البقرة‪ ،‬وسورة العراف‪ ،‬وسورة الحج‪ ،‬وسورة‬
‫السراء‪ ،‬وسورة الكهف‪ ،‬وسورة طه‪ ،‬وسورة ص‪ ،‬إل أن القصة في في كل موضع لها لقطات‬
‫متعددة‪ ،‬فهنا لقطة‪ ،‬وهناك لقطة ثانية‪ ،‬وتلك لقطة ثالثة‪ ،‬وهكذا؛ لن هذه نعمة لبد أن يكررها‬
‫ال؛ لتستقر في أذهان عباده‪ ،‬ولو أنه ذكرها مرة واحدة فقد تُنسى‪ ،‬لذلك يعيد ال التذكير بها أكثر‬
‫من مرة‪ .‬وإذا أراد ال استحضار النعم والتنبيه عليها في أشياء‪ ،‬فهو يكررها كما كررها في‬
‫استحضار النعم في سورة واحدة في قوله سبحانه‪ { :‬فَبَِأيّ آلءِ رَ ّب ُكمَا ُتكَذّبَانِ }‪.‬‬
‫ق الِنسَانَ مِن صَ ْلصَالٍ كَالْفَخّارِ * وَخََلقَ الْجَآنّ مِن‬
‫إنه يذكر هذه النعم من بدايتها‪ ،‬فيقول‪ {:‬خََل َ‬
‫ن وَ َربّ ا ْل َمغْرِبَيْنِ * فَبَِأيّ آلءِ رَ ّب ُكمَا‬
‫مّارِجٍ مّن نّارٍ * فَبَِأيّ آلءِ رَ ّب ُكمَا ُت َكذّبَانِ * َربّ ا ْلمَشْ ِرقَيْ ِ‬
‫خ لّ يَ ْبغِيَانِ * فَبَِأيّ آلءِ رَ ّب ُكمَا ُتكَذّبَانِ * يَخْرُجُ‬
‫ُتكَذّبَانِ * مَرَجَ الْ َبحْرَيْنِ يَلْ َتقِيَانِ * بَيْ َن ُهمَا بَرْزَ ٌ‬
‫جوَارِ ا ْلمُنشَئَاتُ فِي الْ َبحْرِ كَالَعْلَمِ *‬
‫مِ ْن ُهمَا الّلؤُْلؤُ وَالمَرْجَانُ * فَبَِأيّ آلَءِ رَ ّب ُكمَا ُتكَذّبَانِ * وَلَهُ الْ َ‬
‫لكْرَامِ * فَبَِأيّ‬
‫ل وَا ِ‬
‫لِ‬
‫فَبَِأيّ آلءِ رَ ّب ُكمَا ُتكَذّبَانِ * ُكلّ مَنْ عَلَ ْيهَا فَانٍ * وَيَبْقَىا وَجْهُ رَ ّبكَ ذُو الْجَ َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫آلءِ رَ ّب ُكمَا ُتكَذّبَانِ }[الرحمن‪]28-14 :‬‬
‫وكل نعمة يقول بعدها‪ { :‬فَبَِأيّ آلءِ رَ ّب ُكمَا ُتكَذّبَانِ }‬
‫وأراد سبحانه بذلك أن يكثر ويردد تكرارها على الذان لتستقر في القلوب حتى في الذان‬
‫شوَاظٌ مّن نّارٍ‬
‫سلُ عَلَ ْي ُكمَا ُ‬
‫الصماء؛ فمرة يأتي بها في شيء ظاهره أنه ليس نعمة‪ ،‬مثل قوله‪ {:‬يُرْ َ‬
‫وَنُحَاسٌ فَلَ تَن َتصِرَانِ * فَبَِأيّ آلءِ رَ ّب ُكمَا ُتكَذّبَانِ }[الرحمن‪]36-35 :‬‬
‫وجاء الحق بذكر كل ذلك؛ لنه ساعة يجلي لنا المور على حقائقها ونحن في دار التكليف فهذه‬
‫رحمة ونعمة منه علينا؛ لن ذلك يدعونا إلى اتقاء المحظورات والبعد والتنحي عن المخالفات‪.‬‬
‫ول المثل العلى من قبل ومن بعد‪ ،‬فحين يدخل البن إلى المدرسة نقول له‪ :‬إن قصرت في كذا‬
‫فسوف ترسب‪ ،‬وأنت بهذا القول ترحمه بالنصيحة‪ ،‬فلم تتركه دون أن تبصره بعواقب المور‪،‬‬
‫وأيضا ساعة ترى شرا يحيق بالكافرين‪ ،‬فإن هذا المر يسرك‪ ،‬لنه لو تساوى الكافرون مع‬
‫المؤمنين لما كان لليمان فضل أو ميزة‪ ،‬فالعذاب نقمة على الكافر‪ ،‬ونعمة على المقابل وهو‬
‫المؤمن‪.‬‬
‫وقد جاءت قصة خلق آدم بكل جوانبها في القرآن سبع مرات؛ لنها قصة بدء الخلق‪ ،‬وهي التي‬
‫تجيب عن السؤال الذي يبحث عن إجابته النسان؛ لنه تلفت ليجد نفسه في كون معد له على‬
‫أحسن ما يكون‪ .‬ولم يجيء الكون من بعد النسان‪ ،‬بل طرأ النسان على الكون‪ ،‬وظل السؤال‬
‫واردا عن كيفية الخلق‪ ،‬والسؤال مهم أهمية وجود النسان في الكون‪ ،‬فأنت تستقرئ أجناسا في‬
‫الكون‪ ،‬وكل جنس له مهمة‪ ،‬ومهمته متعلقة بك‪ ،‬جماد له مهمة‪ ،‬ونبات له مهمة‪ ،‬وحيوان له‬
‫مهمة‪ ،‬وكلها تصب في خدمتك أنت؛ لن الجماد ينفع النبات‪ ،‬ويتغذى منه لكي يغذي الحيوان‪،‬‬
‫والحيوان ينفعك ويغذيك‪ ،‬إذن فكل الجناس تصب في خدمتك‪.‬‬
‫أمّا أنت أيها الِنسان فما عملك في هذا الكون؟؛ لذلك كان لبد أن يتعرف الِنسان على مهمته‪.‬‬
‫وأراد الحق سبحانه أن يُعرّف الِنسان مهمته؛ لنه جل وعل هو الصانع‪،‬وحين يبحث الِنسان‬
‫عن صانعه تتجلى له قدرة ال في كل ما صنع‪ .‬وكان لبد أيضا أن يستقبل الِنسان خبرا من‬
‫الخالق‪ .‬إنه‪ -‬سبحانه‪ -‬يُنزل لنا المنهج من السماء ويصاحب هذا المنهج معجزة على يد رسول‪،‬‬
‫وأنزل الحق عليه المنهج وأوكل له مهمة البلغ‪ .‬فالرسول يخبر‪ ،‬ثم نستدل بالمعجزة على صدق‬
‫خبره‪ .‬فكان من اللزم أن نصدق الرسول‪ ،‬لنه قادم بآية ومعجزة من ال‪.‬‬
‫والرسول عليه الصلة والسلم جاء بالرسالة في سن الربعين ومعه المنهج المعجزة‪ ،‬وأبلغنا أنه‬
‫رسول من ال‪ .‬وكان لبد أن نبحث لنتثبت من صدق البلغ عن ال بالتعقل في دعواه؛ فهذا‬
‫الرسول جاء بعد أربعين سنة من ميلده ومعه معجزة من جنس ما نبغ فيه قومه‪ ،‬وليس من جنس‬
‫ما نبغ فيه هو‪ ،‬إن معجزته ليست من عنده‪ ،‬بل هي من عند ال؛ لن الرسول جاء بالمعجزة بعد‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أربعين سنة من ميلده‪ ،‬ومن غير المعقول أن تتفجر عبقرية بعد أربعين سنة من الميلد؛ لننا‬
‫نعلم أن العبقريات تأتي في آخر العقد الثاني وأوائل العقد الثالث من عمر الِنسان‪ ،‬ونلتفت فنجده‬
‫يتكلم كل الكلم البلغي المعجز‪ .‬وليس من المعقول ان يأتي بأخبار الكون وهو المي الذي مات‬
‫أبوه وهو في بطن أمه‪ ،‬ثم ماتت أمه وهو في السادسة‪ ،‬وكذلك مات جده‪ .‬ورأى الناس يتساقطون‬
‫من حوله‪ ،‬فمن الذي أدراه‪ -‬إذن‪ -‬انه سيمهل ويمد في أجله إلى أن يصل إلى الربعين ليبلغنا‬
‫بمعجزته؟‪.‬‬
‫ولذلك نجد القرآن يستدل على هذه‪ ،‬فيقول‪ {:‬وَإِذَا تُتْلَىا عَلَ ْيهِمْ آيَاتُنَا بَيّنَاتٍ قَالَ الّذِينَ لَ يَ ْرجُونَ‬
‫ِلقَآءَنَا ا ْئتِ ِبقُرْآنٍ غَيْرِ هَـاذَآ َأوْ بَدّ ْلهُ ُقلْ مَا َيكُونُ لِي أَنْ أُبَدّلَهُ مِن تِ ْلقَآءِ َنفْسِي إِنْ أَتّبِعُ ِإلّ مَا يُوحَى‬
‫عذَابَ َيوْمٍ عَظِيمٍ }[يونس‪]15 :‬‬
‫عصَ ْيتُ رَبّي َ‬
‫إَِليّ إِنّي أَخَافُ إِنْ َ‬
‫وهكذا تتجلى الحجة القوية من أنه صلى ال عليه وسلم مكلف بالبلغ بما يُوحَى إليه‪ ،‬ويتأكد ذلك‬
‫عمُرا مّن‬
‫مرة ثانية في قوله الحق‪ {:‬قُل ّلوْ شَآءَ اللّهُ مَا تََلوْتُهُ عَلَ ْيكُمْ وَلَ َأدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِ ْثتُ فِي ُكمْ ُ‬
‫قَبْلِهِ َأفَلَ َت ْعقِلُونَ }[يونس‪]16 :‬‬
‫وهنا نجد أن الرسول صلى ال عليه وسلم قد تلقى المر من ال بأن يبيّن لهم‪ :‬هل علمتم عني‬
‫خلل عمري أني قلت شعرا أو حكمة أو جئتكم بمثل؟ إذن إن نحن عقلنا المر وتبصرنا وتأملنا‬
‫دعواه لصدقنا أنه رسول ال‪ ،‬وأن المعجزة نزلت عليه من السماء‪.‬‬
‫سجَدُواْ ِإلّ إِبْلِيسَ َلمْ َيكُنْ مّنَ السّاجِدِينَ {‬
‫سجُدُو ْا لَ َدمَ فَ َ‬
‫صوّرْنَاكُمْ ثُمّ قُلْنَا لِ ْلمَل ِئكَةِ ا ْ‬
‫} وََلقَدْ خََلقْنَاكُمْ ثُ ّم َ‬
‫[العراف‪]11 :‬‬
‫وهكذا نرى أن مسألة الخلق والِيجاد‪ ،‬كان يجب على العقل البشري أن يبحث فيها‪ ،‬ليعلم مهمته‬
‫في الوجود‪ .‬وحين يبحث فيها ليعلم مهمته في الوجود‪ .‬يجب عليه أن يترك كل تخمين وظنٍ؛ لن‬
‫هذه المسألة ل يمكن أن تأتي فيها بمقدمات موجودة لتدلنا على كيفية خلقنا ول لي شيء ومهمة‬
‫خلقنا! فكيفية الخلق كانت أمرا غيبيّا وليس أمامنا ما نستقرئه لنصل إلى ذلك‪ .‬وقد حكم ال في‬
‫قضية الخلق‪ ،‬سواء أكان المر بالنسبة للسموات والرض وما بينهما أم للِنسان‪ ،‬وقد حكم‬
‫سبحانه في هاتين القضيتين‪ ،‬ول مصدر لعلم المر فيهما إل من ال سبحانه‪ ،‬وأغلق باب الجتهاد‬
‫فيها‪ ،‬وكذلك باب التخمين‪ ،‬وسمى القائمين بكل بحث بشري في هذا المجال بأنهم ضالون‬
‫مضللون‪ ،‬ولذلك قال ليحكم هذه القضية ويحسمها‪ ،‬ويريح العقول من أن تبحث فيها؛ قال‪ {:‬مّآ‬
‫عضُدا }[الكهف‪]51 :‬‬
‫سهِ ْم َومَا كُنتُ مُتّخِذَ ا ْل ُمضِلّينَ َ‬
‫ت وَالَ ْرضِ َولَ خَ ْلقَ أَ ْنفُ ِ‬
‫سمَاوَا ِ‬
‫شهَدّت ُهمْ خَ ْلقَ ال ّ‬
‫أَ ْ‬
‫فكأن الذي يقول‪ :‬كيف خلقت السموات والرض وكيف خلق الِنسان هو مضل؛ لن ال لم‬
‫يشهده‪ ،‬ولم يكن القائل عضدا ل ول سندا ول شريكا له‪.‬‬
‫وقص سبحانه علينا قصة خلق السموات والرض وخلق الِنسان‪ ،‬وهذه الية تتعرض لخلق‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الِنسان‪ .‬ومن يبحث بحثا استقرائيّا ويرجع إلى الوراء فلبد أن يجد أن المر منطقي؛ لن العالم‬
‫يتكاثر‪ ،‬وتكاثره أمر مرئي‪ ،‬وليس التكاثر في البشر فقط‪ ،‬بل فيمن يخدمون البشر من الجناس‬
‫الخرى‪ ،‬نجد فيهم ظاهرة التكاثر نباتا وحيوانا‪ ،‬وإذا ما نظرنا إلى التعداد من قرن وجدنا العدد‬
‫يقل عن التعداد الحالي وهو خمسة آلف مليون‪ ،‬وكلما عدنا ورجعنا إلى الزمن الماضي يقل‬
‫التعداد إلى أن نصل إلى اثنين؛ لن الخلق إنما يأتي من اثنين‪ ،‬وحلّ ال لنا اللغز فقال‪ {:‬الّذِي‬
‫جهَا‪[} ...‬النساء‪]1 :‬‬
‫ح َد ٍة وَخََلقَ مِ ْنهَا َزوْ َ‬
‫س وَا ِ‬
‫خََل َقكُمْ مّن ّنفْ ٍ‬
‫وهذا كلم صحيح يثبته الِحصاء وييقنه؛ لن العالم يتكاثر مع مرور الزمن مستقبل‪ {.‬وَ َبثّ مِ ْن ُهمَا‬
‫رِجَالً كَثِيرا وَنِسَآءً‪[} ...‬النساء‪]1 :‬‬
‫خَلقْنَا َزوْجَيْنِ‪[} ...‬الذاريات‪]49 :‬‬
‫شيْءٍ َ‬
‫وهذا كلم صادق‪ .‬وسبحانه القائل‪َ {:‬ومِن ُكلّ َ‬
‫وأبلغنا سبحانه بقصة خلق آدم‪ ،‬وكيفية خلق حوّاء فهل أخذ جزءًا من آدم وخلق منه حوّاء؟ قد‬
‫يصح ذلك‪ ،‬أو خلق منها زوجها ويكون المقصود به أنه خلقها من الجنس نفسه وبالطريقة نفسها؟‬
‫وذلك يصح أيضا‪ ،‬فسبحانه قد اكتفى بذكر خلق آدم عن ذكر خلق حوّاء‪ ،‬وأعطانا النموذج في‬
‫جهَا {‪.‬‬
‫واحد‪ ،‬وقال‪َ } :‬وخَلَقَ مِ ْنهَا َزوْ َ‬
‫و } مِ ْنهَا { في هذه الية يحتمل أن تكون غير تبعيضية‪ ،‬مثلها مثل قوله الحق‪ " :‬رسول من‬
‫أنفسكم "‪.‬‬
‫فسبحانه لم يأخذ قطعة من العرب وقال‪ :‬إنها " محمد " ‪ ،‬بل جعل محمدّا صلى ال عليه وسلم من‬
‫علٌ فِي الَ ْرضِ‬
‫الجنس نفسه خلقا وإيجادا‪ ،‬وسبحانه حين يتكلم هنا يقول للملئكة‪ {:‬إِنّي جَا ِ‬
‫خَلِيفَةً‪[} ...‬البقرة‪]30 :‬‬
‫ختُ فِيهِ مِن رّوحِي َف َقعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ }[الحجر‪]29 :‬‬
‫سوّيْتُ ُه وَ َنفَ ْ‬
‫وهذا أول بلغ‪ ،‬ثم اتبع ذلك‪ {:‬فَِإذَا َ‬
‫إذن فقبل النفخ في الروح ستوجد تسوية‪ ،‬فلمن تحدث التسوية‪ ،‬ومن هو " المسوّى منه "؟‪ .‬إن‬
‫التسوية لدم‪ .‬وجاء القول بأنه من صلصال‪ ،‬ومن حمأ مسنون‪ ،‬ومن تراب‪ ،‬ومن طين؛ إنّها‬
‫مراحل متعددة‪ ،‬فإن قال سبحانه عن آدم‪ :‬إنه تراب‪ ،‬نقول‪ :‬نعم‪ ،‬وإن قال‪ " :‬من ماء " نقول‪ :‬نعم‪،‬‬
‫وإن قال " من طين " فهذا قول حق؛ لن الماء حين يختلط بالتراب يصير طينا‪ .‬وإن قال‪ } :‬مّنْ‬
‫حمَإٍ مّسْنُونٍ { ‪ ،‬فهذا جائز؛ لن الحمأ طينٌ اختمر فتغيرت رائحته ثم جف وصار صلصالً‪ .‬إذن‬
‫َ‬
‫ختُ فِيهِ مِن رّوحِي {‪.‬‬
‫فهي مراحل متعددة للخلق‪ ،‬ثم قال الحق‪ } :‬وَنَفَ ْ‬
‫وهكذا تكتمل فصول الخلق‪ ،‬ثم قال‪َ } :‬ف َقعُواْ َلهُ سَاجِدِينَ {‪.‬‬
‫ويقول العلماء‪ :‬إن المراد من السجود هو الخضوع والتعظيم‪ ،‬وليس السجود كما نعرفه‪ ،‬وقال‬
‫البعض الخر‪ :‬المراد بالسجود هو السجود الذي نعرفه‪ ،‬وأن آدم كان كالقبلة مثل الكعبة التي نتجه‬
‫إليها عند الصلة‪ .‬ولكنْ لنا هنا ملحظة‪ ،‬ونقول‪ :‬إننا ل نسجد إل ال‪ ،‬ومادام ربنا قد قال‪ :‬اسجدوا‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فالسجود هنا هو امتثال لمر خالق آدم‪ .‬والنية إذن لم تكن عبادة لدم‪ ،‬ولكنها طاعة لمر ال‬
‫الول‪ .‬والمر بالسجود لدم قد أراده ال؛ لنه سبحانه سخر الكون كله لخدمة آدم‪ ،‬ومن الملئكة‬
‫مدبرات أمر‪ ،‬ومنهم حفظة‪ ،‬ومنهم من هو بين يدي ال‪ ،‬فلم يكن السجود للملئكة خضوعا من‬
‫الملئكة لدم‪ ،‬بل هو طاعة لمر ال‪ ،‬ولذلك سجد من الملئكة الموكلون بالرض وخدمة‬
‫ن الملئكة المقربون ل يدرون شيئاُ عن أمر آدم‪ ،‬ولذلك يقول الحق لِبليس‪{:‬‬
‫النسان‪ ،‬لك ْ‬
‫‪...‬أَسْ َتكْبَ ْرتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ا ْلعَالِينَ }[ص‪{ 75 :‬‬
‫والمقصود بالعالين الملئكة الذين لم يشهدوا أمر السجود لدم‪ ،‬فليس للملئكة العالين عمل مع‬
‫آدم؛ لن المر بالسجود قد صدر لمن لهم عمل مع آدم وذريته والذين يقول فيهم الحق سبحانه‪{:‬‬
‫حفَظُونَهُ مِنْ َأمْرِ اللّهِ‪[} ...‬الرعد‪]11 :‬‬
‫لَهُ ُم َعقّبَاتٌ مّن بَيْنِ َيدَيْ ِه َومِنْ خَ ْلفِهِ يَ ْ‬
‫وهناك الرقيب‪ ،‬والعتيد والقعيد‪ .‬وفي كل ظاهرة من ظواهر الكون هناك ملك مخصوص بها‪،‬‬
‫صوّرْنَاكُمْ ُثمّ قُلْنَا لِ ْلمَل ِئكَةِ اسْجُدُو ْا لَ َدمَ‬
‫ويبلغنا الحق بمسألة الخلق‪ ،‬والخطاب لنا } وََلقَدْ خََلقْنَاكُمْ ثُ ّم َ‬
‫{ وهذا ترتيب اخباري‪ ،‬وليس ترتيبا للحداث‪ .‬أو أن الحق سبحانه وتعالى طمر الخلق جميعا في‬
‫خلق آدم‪ ،‬والعلم الحديث يعطينا أيضا مؤشرات على ذلك‪ ،‬حين يأتون ببذرة ويكتشفون فيها كل‬
‫مقومات الثمرة‪ ،‬وكذلك الحيوان المنوي توجد فيه كل صفات النسان‪.‬‬
‫ولذلك نجدهم حين يدرسون قانون الوراثة يقولون‪ :‬إن حياة كل منا تتسلسل عن آخر‪ ،‬فأنت من‬
‫ميكروب أبيك‪ ،‬وقد نزل من والدك وهو حي‪ ،‬ولو أنه نزل ميتا لما اتصل الوجود‪ .‬ووالدك جاء‬
‫من ميكروب جده وهو حي‪ ،‬وعلى ذلك فكل مكائن الن فيه كائن الن فيه جزئ حي من لدن‬
‫آدم‪ ،‬لم يطرأ عليه موت في أي حلقة من الحلقات‪.‬‬
‫إذن فكلنا كنا مطمورين في جزيئات آدم‪ ،‬وقال ربنا سبحانه‪ {:‬وَإِذْ َأخَذَ رَ ّبكَ مِن بَنِي ءَادَمَ مِن‬
‫سهِمْ‪[} ...‬العراف‪]172 :‬‬
‫ش َهدَهُمْ عَلَىا أَنفُ ِ‬
‫ظهُورِهِمْ ذُرّيّ َتهُ ْم وَأَ ْ‬
‫ُ‬
‫ونقول‪ :‬صدق الحق فهو الخالق القادر على أن يخرجنا من ظهر آدم‪ ،‬وهكذا كان الخلق أولً‬
‫والتصوير أولً‪ ،‬وكل ذلك في ترتيب طبيعي‪ ،‬وهو سبحانه له أمور يبديها ول يبتديها‪ ،‬أي أنه‬
‫سبحانه يظهرها فقط‪ ،‬فإذا خاطب آدم وخاطب ذريته فكأنه يخاطبنا جميعا‪ } .‬وََلقَدْ خََلقْنَاكُمْ ثُمّ‬
‫جدِينَ { [العراف‪]11 :‬‬
‫جدُواْ ِإلّ إِبْلِيسَ لَمْ َيكُنْ مّنَ السّا ِ‬
‫جدُو ْا لَدَمَ َفسَ َ‬
‫صوّرْنَاكُمْ ثُمّ قُلْنَا لِ ْلمَل ِئكَةِ اسْ ُ‬
‫َ‬
‫جدِينَ‬
‫سجَدُواْ ِإلّ إِبْلِيسَ لَمْ َيكُنْ مّنَ السّا ِ‬
‫وعرفنا من هم الملئكة من قبل‪ ،‬وما هي علة السجود‪ } .‬فَ َ‬
‫{‪.‬‬
‫والحق سبحانه يستثنيه بأنه لم يكن من الساجدين‪ .‬وهذا دليل على أنه دخل في المر بالسجود‪،‬‬
‫ولكن هل إبليس من الملئكة؟ ل؛ لنك إذا جئت في القرآن ووجدت نصّا يدل باللتزام‪ ،‬ونصّا‬
‫يدل بالمطابقة والقطع فاحمل نص اللتزام على النص المحكم الذي يقطع بالحكم‪ .‬وقد قال الحق‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫سجَدُواْ ِإلّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ا ْلجِنّ َففَسَقَ عَنْ َأمْرِ رَبّهِ‪} ...‬‬
‫سجُدُو ْا لَ َدمَ فَ َ‬
‫في ذلك‪ {:‬وَإِذْ قُلْنَا لِ ْلمَل ِئكَةِ ا ْ‬
‫[الكهف‪]50 :‬‬
‫وفي هذا إخراج لبليس من جنس الملئكية‪ ،‬وتقرير أنه من الجن‪ ،‬والجن كالنس مخلوق على‬
‫الختيار‪ ،‬يمكنه أن يعصي يمكنه أن يطبع أو أن يعصي‪ ،‬إذن فقوله الحق‪َ } :‬ففَسَقَ عَنْ َأمْرِ رَبّهِ‬
‫{‪.‬‬
‫يعني أن هذا الفسوق أمر يجوز منه؛ لكن الملئكة ل يعصون ال ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون‪،‬‬
‫وإن تساءل أحد‪ :‬ولماذا جاء الحديث عن إبليس ضمن الحديث عن الملئكة؟‪ .‬نقول‪ :‬هب أن فردا‬
‫مختارا من الِنس أو من الجن التزم بمنهج ال كما يريده ال‪ ،‬فأطاع ال كما يجب ولم يعص‪..‬‬
‫أليست منزلته مثل الملك بل أكثر من الملك‪ ،‬لنه يملك الختيار‪ .‬ولذلك كانوا يسمون إبليس‬
‫طاووس الملئكة‪ ،‬أي الذي يزهو في محضر الملئكة لنه ألزم نفسه بمنهج ال‪ ،‬وترك اختياره‪،‬‬
‫وأخذ مرادات ال فنفذها‪ ،‬فصار ل يعصي ال ما أمره ويفعل ما يؤمر‪ ،‬وصار يزهو على‬
‫الملئكة لنهم مجبورون على الطاعة‪ ،‬لكنه كان صالحا لن يطيع‪ ،‬وصالحا‪ -‬أيضا‪ -‬لن يعصي‪،‬‬
‫ومع ذلك التزم‪ ،‬فأخذ منزلة متميزة من بين الملئكة‪ ،‬وبلغ من تميزه أنه يحضر حضور الملئكة‪.‬‬
‫فلما حضر مع الملئكة جاء البلغ الول عن آدم في أثناء حضوره‪ ،‬وقال ربنا للملئكة‪} :‬‬
‫سجُدُو ْا لَدَمَ {‪.‬‬
‫اْ‬
‫وكان أولى به أن يسارع بالمتثال للمر الطاعة‪ ،‬لكنه استنكف ذلك‪ .‬وهب أنه دون الملئكة‬
‫ومادام قد جاء المر للعلى منه وهم الملئكة‪ ،‬ألم يكن من الجدر به وهو الدنى أن يلتزم‬
‫بالمر؟ لكنه لم يفعل‪ .‬ولنه من الجن فقد غلبت عليه طبيعة الختيار‪.‬‬
‫جدَ إِذْ‪{ ...‬‬
‫ويقول الحق بعد ذلك‪ } :‬قَالَ مَا مَ َن َعكَ َألّ َتسْ ُ‬

‫(‪)954 /‬‬
‫جدَ إِذْ َأمَرْ ُتكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خََلقْتَنِي مِنْ نَا ٍر َوخََلقْتَهُ مِنْ طِينٍ (‪)12‬‬
‫قَالَ مَا مَ َن َعكَ أَلّا َتسْ ُ‬

‫جدُ ِلمَنْ خََل ْقتَ طِينا }[السراء‪]61 :‬‬
‫ثم قال كما يحكي القرآن الكريم‪ {:‬أََأسْ ُ‬
‫سجُدَ }[ص‪]75 :‬‬
‫وهكذا كان الموقف استكبارا واستلءً‪ .‬وقوله الحق‪ {:‬مَا مَ َن َعكَ أَن تَ ْ‬
‫ونحن حين نحلل هذا النص‪ ،‬نجد قوله‪ { :‬مَا مَ َن َعكَ } أي ما حجزك‪ ،‬وقد أورد القرآن هذه المسألة‬
‫جدَ }‪ .‬وهذا‬
‫جدَ }‪ .‬وقال مرة أخرى‪ { :‬مَا مَ َن َعكَ أَن تَسْ ُ‬
‫بأسلوبين‪ ،‬فقال الحق مرة‪ { :‬مَا مَ َن َعكَ َألّ َتسْ ُ‬
‫يعني أن السلوب الول جاء بـ " ل " النافية‪ ،‬والسلوب الثاني جاء على عدم وجود " ل "‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫جدَ } كلم سليم واضح؛ يعني‪ :‬ما حجزك عن السجود‪ .‬لكن { مَا‬
‫النافية‪ .‬وقوله { مَا مَ َن َعكَ أَن تَسْ ُ‬
‫حسَن الدب‬
‫مَ َن َعكَ َألّ َتسْجُدَ } هي التي تحتاج لوقفة‪ .‬لذلك قال العلماء‪ :‬إن " ل " هنا زائدة‪ ،‬ومَنْ أَ ْ‬
‫منهم قال‪ :‬إن " ل " صلة‪ .‬لكن كل القولين ل ينفع ول يناسب؛ لن من قال ذلك لم يفطن إلى مادة‬
‫" منع " ولي أمر تأتي‪ ،‬وأنت تقول‪ " :‬منعت فلنا أن يفعل " ‪ ،‬كأنه كان يهم أن يفعل فمنعته‪.‬‬
‫سجُدَ } كأنّه كان عنده تهيؤ للسجود‪ ،‬فجاءت قوة أقوى منه ومنعته وحجزته‬
‫إذن { مَا مَ َن َعكَ أَن تَ ْ‬
‫وحالت بينه وبين أن يسجد‪ .‬لكن ذلك لم يحدث‪ .‬وتأتي " منع " للمتناع بأن يمتنع هو عن الفعل‬
‫وذلك بأن يقنعه غيره بترك السجود فيقتنع ويمتنع‪ ،‬وهناك فرق بين ممنوع‪ ،‬وممتنع؛ فممنوع هي‬
‫سجُدَ } ‪ ،‬وممتنع تعني أنه امْتنع من نفسه ولم يمنعه أحد ولكنّه أقنعه‪ .‬وإن كان‬
‫في { مَ َن َعكَ أَن تَ ْ‬
‫المنع من المتناع فالسلوب قد جاء ليؤكد المعنى الفعلي وهو المنع عن السجود‪ .‬وهذا هو السبب‬
‫جدَ إِذْ َأمَرْ ُتكَ }‬
‫في وجود التكرار في القرآن‪ .‬ولذلك قال الحق سبحانه‪ { :‬قَالَ مَا مَ َن َعكَ َألّ َتسْ ُ‬
‫[العراف‪]12 :‬‬
‫وسبحانه قد أمر الملئكة وكان موجودا معهم إما بطريق العلو‪ ،‬لنه فاق الملئكة وأطاع ال وهو‬
‫مختار فكانت منزلته عالية‪ ،‬وإما بطريق الدنو؛ لن الملئكة أرفع من إبليس بأصل الخلقة‬
‫والجبلة‪ ،‬وعلى أي وضع من العلو والدنو كان على إبليس أن يسجد‪ ،‬ولكنه قال في الرد على‬
‫ربّه‪...{ :‬أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ خََلقْتَنِي مِن نّارٍ وَخََلقْتَهُ مِن طِينٍ } [العراف‪]12 :‬‬
‫وسبحانه لم يسأل إبليس عن المقارنة بينه وبين آدم‪ ،‬ولكن سأله وهو يعلم أزلً أنّ إبليس قد امتنع‬
‫باقتناع ل بقهر‪ ،‬ولذلك قال إبليس‪ :‬أنا خير منه‪ ،‬فكأن المسألة دارت في ذهنه ليوجد حيثية لعدم‬
‫السجود‪ .‬ول يصح في عرفه البليسي أن يسجد العلى للدنى‪ ،‬فما دام إبليس يعتقد أنه خير من‬
‫آدم ويظن أنه أعلى منه‪ ،‬فل يصح أن يسجد له‪ .‬وأعلى منه لماذا؟ لنه قال‪ { :‬خََلقْتَنِي مِن نّارٍ‬
‫وَخََلقْتَهُ مِن طِينٍ } فكأن النار لها علو‪ ،‬وهو في ذلك مخطئ تماما لن الجناس حين تختلف؛ فذلك‬
‫لن لكل جنس دوره‪ ،‬ول يوجد جنس أفضل من جنس‪ ،‬النار لها مهمة‪ ،‬والطين له مهمة‪ ،‬والنار‬
‫ل تقدر أن تؤدي مهمة الطين‪ ،‬قل يمكن أن نزرع في النار‪.‬‬
‫إذن فالخيرية تتأتى في المرين معا مادام كل منهما يؤدي مهمته‪ ،‬ولذلك ل تقل‪ :‬إن هذا خير من‬
‫هذا‪ ،‬إنما قل‪ :‬عمل هذا أحسن من عمل هذا‪ ،‬فكل شيء في الوجود حين يوضع في منزلته المرادة‬
‫منه يكون خيرا‪ ،‬ولذلك أقول‪ :‬ل تقل عن عود الحديد إنه عود مستقيم‪ ،‬وتقول عن الخطاف‪ :‬إن‬
‫هذا عود أعوج‪ ،‬لن مهمة الخطاف تقتضي أن يكون أعوج‪ ،‬وعوجه هو الذي جعله يؤدي مهمته‪،‬‬
‫لن الخيرية إنما تتأتى في متساوي المهمة‪ ،‬ولكن لبليس قال‪ } :‬أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ‪[ { ...‬العراف‪]12 :‬‬
‫قالها للمعاندة‪ ،‬للكبر‪ ،‬للكفر حين أعرض عن أمر ال وأراد أن يعدل مراد ال في أمره‪ ،‬وكأنه‬
‫يخطّئ الحق في أمره‪ ،‬ويردّ المر على المر‪ .‬فما كان جزاء الحق سبحانه وتعالى لبليس إل أن‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫قال له‪ } :‬قَالَ فَاهْ ِبطْ‪{ ...‬‬

‫(‪)955 /‬‬
‫قَالَ فَاهْبِطْ مِ ْنهَا َفمَا َيكُونُ َلكَ أَنْ تَ َتكَبّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِ ّنكَ مِنَ الصّاغِرِينَ (‪)13‬‬

‫والهبوط يستدعي النتقال من منزلة عالية إلى منزلة أقل‪ ،‬وهذا ما جعل العلماء يقولون إن الجنة‬
‫التي وصفها ال بأنها عالية في هي السماء‪ ،‬ونقول‪ :‬ل‪ ،‬فالهبوط ل يستدعي أن يكون هبوطا‬
‫مكانيا‪ ،‬بل قد يكون هبوط مكانة‪ ،‬وهناك فرق بين هبوط المكان‪ ،‬وهبوط المكانة‪ ،‬وقد قال الحق‬
‫ك وَعَلَىا ُأمَمٍ ّممّن ّم َعكَ‪[} ...‬هود‪:‬‬
‫لمٍ مّنّا وَبَركَاتٍ عَلَ ْي َ‬
‫لنوح عليه السلم‪ {:‬قِيلَ يانُوحُ اهْ ِبطْ بِسَ َ‬
‫‪]48‬‬
‫أي اهبط من السفينة‪ ،‬إذن مادة الهبوط ل تفيد النزول من مكان أعلى إلى مكان أدنى‪ ،‬إنما نقول‬
‫من مكان أو من مكانة‪ { .‬قَالَ فَاهْ ِبطْ مِ ْنهَا }‪.‬‬
‫ل لن يكون في محضر الملئكة؛ فقد كان في محضر‬
‫وهذا تنزيل من المكانة لنه لم يعد أه ً‬
‫الملئكة؛ لنه الزم نفسه بالطاعة‪ ،‬وهو مخلوق على أن يكون مختارا أن يطيع أو أن يعصي‪ ،‬فلما‬
‫ل لن يكون في هذا المقام‪ ،‬وذلك أن الملئكة ل يعصون ال ما‬
‫تخلت عنه هذه الصفة لم يعد أه ً‬
‫أمرهم ويفعلون ما يؤمرون‪ { .‬قَالَ فَاهْ ِبطْ مِ ْنهَا َفمَا َيكُونُ َلكَ أَن تَ َتكَبّرَ‪[ } ...‬العراف‪]13 :‬‬
‫أي ما ينبغي لك أن تتكبر فيها‪.‬‬
‫إن امتناعك عن أمر من المعبود وقد وجهه لك وأنت العابد هو لون من الكبرياء على المر‪،‬‬
‫والملئكة جماعة ل يعصون ال ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون‪ ،‬فما دامت أنت أهل استكبار‬
‫واستعلء على هذه المكانة فلست أهلً لها‪ ،‬فكأن العمل هو الذي أهله أن يكون في العلو‪ ،‬فلما‬
‫ل لن يكون في الدنو‪ ،‬وهكذا لم يكن المر متعلقا بالذاتية‪ ،‬وفي هذا هبوط‬
‫زايله وفارقه كان أه ً‬
‫لقيمة كلمه في أنه من نار وآدم من طين؛ لن المقياس الذي توزن به المور هو مقياس أداء‬
‫العمل‪ ،‬ومن حكمة الحق أن الجن يأخذ صورة القدرة على أشياء ل يقدر عليها النس‪ ،‬مثل‬
‫السرعة‪ ،‬واختراق الحواجز‪ ،‬والتغلب على بعض السباب‪ ،‬فقد ينفذ الجن من الجدار أو من‬
‫الجسم‪ ،‬وكما قال الرسول صلى ال عليه وسلم‪ " :‬إن الشيطان يجري من النسان مجرى الدم‪" .‬‬
‫وهو ذلك مثل الميكروب‪ ،‬لنه هذه طبيعة النار‪ ،‬وهي المادة التي خُلق منها‪ .‬وهي تتعدى‬
‫الحواجز‪ .‬والجن قد بلغ من اللطف والشفافية أنه يقدر على أن ينفذ من أي شيء‪ ،‬لكن الحق‬
‫سبحانه وتعالى أراد أن يوضح للجن ل تعتقد أن عنصريتك هي التي أعطتك هذا التمييز‪ ،‬وإنما‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫هي إرادة ال ُمعَنْصر‪ ،‬بدليل أنه جعلك أدنى من مكانة النسان‪ ،‬إنه‪ -‬سبحانه‪ -‬يجعل إنسيا مثل‬
‫سيدنا سليمان مخدوما لك أيها الجنى‪ ،‬إنه يسخرك ويجعلك تخدمه‪ .‬وأنه في مجلس سليمان‪ ،‬جعل‬
‫الذي عنده علم من الكتاب‪ ،‬يأتي بقوة أعلى من قوة " عفريت " من الجن‪.‬‬
‫عفْرِيتٌ مّن ا ْلجِنّ‪[} ...‬النمل‪]39 :‬‬
‫فالحق هو القائل‪ {:‬قَالَ ِ‬
‫وهذا يدل على أن هناك أذكياء وأغبياء في عالم الجن أيضا‪ .‬وجاء الذي عنده علم من الكتاب‬
‫فتسامى فوق عفريت الجن في الزمن‪ ،‬فقد قال هذا العفريت‪ {:‬أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَ ْبلَ أَن َتقُومَ مِن‬
‫ّمقَا ِمكَ‪[} ...‬النمل‪]39 :‬‬
‫والمقام هو الفترة الزمنية التي قد يقعدها سليمان في مجلسه‪ ،‬فماذا قال الذي عنده علم من الكتاب‪-‬‬
‫وهو إنسان‪-‬؟{ قَالَ الّذِي عِن َدهُ عِ ْلمٌ مّنَ ا ْلكِتَابِ أَنَاْ آتِيكَ ِبهِ قَ ْبلَ أَن يَرْتَدّ إِلَ ْيكَ طَ ْر ُفكَ‪[} ...‬النمل‪:‬‬
‫‪]40‬‬
‫كأنه سيأتي بعرش بلقيس قبل أن ينته سليمان من ردّ طرفه الذي أرسله ليبصر به شيئا‪ ،‬إن‬
‫سليمان رأى العرش بين يديه‪ ،‬ولذلك نجد عبارة القرآن معبرة‪ {:‬فََلمّا رَآهُ مُسْ َتقِرّا عِن َدهُ‪[} ...‬النمل‪:‬‬
‫‪]40‬‬
‫كأن المسألة ل تتحمل‪ .‬بل تم تنفيذها فورا‪ .‬إذن فالحق يوضح للمخلوقين من العناصر‪ :‬إياكم أن‬
‫تفهموا أن تميزكم بعناصركم‪ ،‬إنني أقدر بطلقة قدرتي أن اجعل الدنى يتحكم في العلى؛ لنها‬
‫إرادة من عَ ْنصَرَ العناصر‪ } .‬قَالَ فَاهْبِطْ مِ ْنهَا َفمَا َيكُونُ َلكَ أَن تَ َتكَبّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِ ّنكَ مِنَ‬
‫الصّاغِرِينَ { [العراف‪]13 :‬‬
‫وكلمة } فَاهْ ِبطْ { تشير على أن الهبوط أمر معنوي‪ ،‬أي أنك لست أهلً لهذه المنزلة ول لتلك‬
‫المكانة‪ .‬هذا ما تدل عليه كلمة } فَاهْبِطْ { ‪ ،‬ثم جاء المر بعد ذلك بالخروج من المكان‪.‬‬
‫صغَار هو الذل والهوان؛ لنه قََابَل المر باستكبار‪ ،‬فلبد أن يجازى بالصّغار‪ .‬وبذلك يكون قد‬
‫وال ّ‬
‫عومل بضد مقصده‪ ،‬والمعاملة بضد المقصد لون من التأديب والتهذيب والتعليم؛ مثلما يقرر‬
‫الشرع أن الذي يقتل قتيلً يحرم من ميراثه‪ ،‬لنه قد قتله ليجعل الرث منه‪ ،‬ولذلك شاء ال أن‬
‫يحرمه من الميراث؛ فبارتكابه القتل صار محجوبا عن الميراث‪.‬‬
‫ويقول الحق بعد ذلك‪ } :‬قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى‪{ ...‬‬

‫(‪)956 /‬‬
‫قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى َيوْمِ يُ ْبعَثُونَ (‪)14‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ومعنى { أَنظِرْنِي } أمهلني أي ل تمتني بسرعة‪ ،‬ول تجعل أجلي قريبا‪ ،‬بدليل قوله سبحانه‪ { :‬قَالَ‬
‫إِ ّنكَ مِنَ‪} ...‬‬

‫(‪)957 /‬‬
‫قَالَ إِ ّنكَ مِنَ ا ْلمُنْظَرِينَ (‪)15‬‬

‫فالِنظار طلب الِمهال‪ ،‬وعدم التعجيل بالموت‪ ،‬وقد طلبه إبليس لكي يشفي غليله من بني آدم‬
‫صغَار والذلة والطرد والهبوط‪ ،‬ولذلك أصر على أن يجتهد في أن يغري‬
‫وآدم؛ انه جاء له بال ّ‬
‫أولد آدم ليكونوا عاصين أيضا‪ .‬وكأن إبليس في هذا الطلب أراد أن يُنْقذ من الموت وأن يبقى حيّا‬
‫إلى يوم البعث الذي يبعث فيه كل من مات‪ .‬وكأنه يريد أن يقفز على قول الحق‪ُ {:‬كلّ َنفْسٍ ذَآ ِئقَةُ‬
‫ا ْل َم ْوتِ‪[} ...‬آل عمران‪]185 :‬‬
‫فأوضح الحق‪ :‬أن تأجيل موتك هو إلى يوم الوقت المعلوم لنا وغير المعلوم لك؛ لن الجل لو‬
‫عرف فقد يعصي من يعلمه مدة طويلة ثم يقوم بالعمل الصالح قبل ميعاد الجل‪ ،‬ولكن ال أراد‬
‫بإبهام زمان الموت أن يشيع زمانه في كل وقت‪ .‬وفي آية أخرى يقول الحق سبحانه‪ {:‬إِلَىا َيوْمِ‬
‫ا ْل َو ْقتِ ا ْل َمعْلُومِ }[الحجر‪]38 :‬‬
‫ت َومَن فِي الَ ْرضِ‬
‫سمَاوَا ِ‬
‫صعِقَ مَن فِي ال ّ‬
‫والوقت المعلوم هو النفخة الولى‪ {:‬وَ ُنفِخَ فِي الصّورِ َف َ‬
‫ِإلّ مَن شَآءَ اللّهُ ُثمّ ُنفِخَ فِيهِ أُخْرَىا فَِإذَا ُهمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ }[الزمر‪]68 :‬‬
‫وكأن إبليس كان يريد أن يفر من الموت ليصل إلى النفخة الثانية‪ ،‬لكن ربنا أوضح أنه باق إلى‬
‫وقت معلوم‪ ،‬وآخر الوقت المعلوم هذا لبد أن يكون قبل النفخة الولى‪.‬‬
‫غوَيْتَنِي‪} ...‬‬
‫ويقول الحق بعد ذلك‪ { :‬قَالَ فَ ِبمَآ أَ ْ‬

‫(‪)958 /‬‬
‫طكَ ا ْلمُسْ َتقِيمَ (‪)16‬‬
‫غوَيْتَنِي لََأ ْقعُدَنّ َل ُه ْم صِرَا َ‬
‫قَالَ فَ ِبمَا أَ ْ‬

‫والغواء‪ .‬إغراء بالمعصية‪ ،‬ومن الغواء اَلغّي وهو‪ :‬الهلك‪ ،‬ويقول الحق سبحانه وتعالى‪{:‬‬
‫سوْفَ يَ ْلقَونَ غَيّا }[مريم‪]59 :‬‬
‫‪...‬فَ َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫غوَيْتَنِي } أي فبإغوائك يا ال لي سأفعل كذا وكذا‪ ،‬وبذلك يكون قد نسب‬
‫وحين نقرأ { فَ ِبمَآ أَ ْ‬
‫الغواء ل‪ ,‬لكن هل يغوي ربنا أو يهدي؟‪ .‬إن ال يهدي دللة وتمكينا‪ ،‬وسبق أن تكلمنا كثيرا عن‬
‫هداية الدللة ودللة التمكين‪ ،‬وسبحانه خلق الشيطان مختارا‪ ،‬ولم يخلقه مرغما ومسخرا‬
‫كالملئكة‪ ،‬ولنه قد خلق مختارا فقد أعطاه فرصة أن يطيع وأن يعصي‪ ،‬وكأن الشيطان بقوله هذا‬
‫يتمنى لو أنه قد خلق مقهورا‪ .‬ويقول إن ال هو الذي أعطاه سبب العصيان‪ .‬ولم يلتفت إلى أن‬
‫الختيار إنما هو فرصة ل للغواية فقط‪ ،‬ولكنه فرصة للهداية أيضا‪ .‬وأنت أيها الشيطان الذي‬
‫اخترت الغواية‪.‬‬
‫غوَيْتَنِي } إنما يريد به الشيطان‪ :‬أن يدخل بمعصيته على ال‪ ،‬ونقول‬
‫إذن فقول الشيطان‪ { :‬فَ ِبمَآ أَ ْ‬
‫له‪ :‬ل‪ ،‬إن ربنا لم يغو؛ لن الحق سبحانه وتعالى ل يغوي وإنما يهدي؛ لن ال لو خلقه مرغما‬
‫مقهورا ما أعطاه فرصة أن يختار كذا أو يختار كذا؛ فقد خلقه على هيئة " افعل " و " ل تفعل " ‪،‬‬
‫طكَ ا ْلمُسْ َتقِيمَ } [العراف‪:‬‬
‫ل ْقعُدَنّ َلهُ ْم صِرَا َ‬
‫غوَيْتَنِي َ‬
‫ل يفعل إل المعصية‪ { .‬قَالَ فَ ِبمَآ أَ ْ‬
‫واختار هو أ ّ‬
‫‪]16‬‬
‫والمفهوم من العبارة أنهم بنو آدم‪ ،‬والقعود لون من ألوان حركة الجسم الفاعل؛ لن المتحرك إما‬
‫أن يكون قائما‪ ،‬وإما أن يكون قاعدا‪ ،‬وإما أن يكون مضجعا نائما‪ .‬وأريح الحالت أن يكون نائما‬
‫مضجعا؛ لن الجسم في هذه الحالة يكون مستريحا بفعل الجاذبية الرضية‪ ،‬وحين يكون النسان‬
‫قاعدا تقاومه الجاذبية قليلً‪ ،‬وحين يكون واقفا فهو يحمل جسمه على قدميه‪ ،‬ولذلك نقول لمن وقف‬
‫طويلً على قدميه‪ " :‬اقعد حتى ترتاح " ولو قعد وكان متعبا فيقال له‪ " :‬مضجع قليلً لترتاح "‪.‬‬
‫لقْعُدَنّ }؟ حتى يكون مطمئنا‪ ،‬فقد يتعب من الوقفة‪ ،‬أيضا وهو‬
‫ولماذا اختار الشيطان أن يقول‪َ { :‬‬
‫في حالة القعود يكون منتبها متيقظا‪ ،‬والحق يقول‪ {:‬وَا ْقعُدُواْ َلهُمْ ُكلّ مَ ْرصَدٍ‪[} ...‬التوبة‪]5 :‬‬
‫ولم يقل‪ " :‬قفوا " حتى ل يرهق الناس أنفسهم بالوقوف الطويل‪ ،‬ولكن ساعة يواجهون المر‬
‫فعليهم بالنهوض‪ .‬والقعود أقرب إلى الوقوف‪ ،‬لن الضجع أقرب إلى التراخي والنوم‪ ،‬وقد اختار‬
‫طكَ ا ْلمُسْ َتقِيمَ }‪.‬‬
‫ل ْقعُدَنّ َلهُ ْم صِرَا َ‬
‫الشيطان الموقف الذي يحفظ له قوته‪ ،‬ويبقى له انتباهه‪َ { :‬‬
‫ومادام الشيطان سيغوي‪ ،‬وسيضل الغير‪ ،‬فسيختار للغواية من يكون في طريق الهداية‪ .‬إنما من‬
‫غوى باختياره وضل بطبيعته فالشيطان قد استراح من ناحيته ول يريده‪ ،‬وتلك ظاهرة تحدث‬
‫للناس حينما يجدون ويجتهدون في الطاعة؛ فالشاب الطائع الملتزم يحاول الشيطان أن يخايله‬
‫ليصرفه عن الصلة والطاعة؛ لن الشيطان يتلصص على دين النسان‪ ،‬فهو كاللص‪ ،‬واللص ل‬
‫يحوم حول بيت خرب‪.‬‬
‫إنما يحوم اللص حول بيت عامر بالخير‪.‬‬
‫إننا نلحظ هذه المسألة في كل الناس حينما يأتون للصلة فيقول الواحد منهم‪ :‬حينما أصلي يأتي‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫له الوسواس‪ ،‬ويشككني في الصلة‪ ،‬نقول له‪ :‬نعم هذا صحيح‪ ،‬وحين يأتي لك هذا الوسواس‬
‫فاعتبره ظاهرة صحية في اليمان؛ لن معناه أن الشيطان عارف أن عملك مقبول‪ ،‬ولذلك يحاول‬
‫أن يفسد عليك الطاعة؛ لنك لو كنت فاسدا من البداية‪ ،‬ووقفت للصلة دون وضوء لما جاءك‬
‫الوسواس‪ .‬لكن الشيطان يريد أن يفسد عليك الطاعة ولذلك يقول ال‪ {:‬وَإِماّ يَنَزَغَ ّنكَ مِنَ الشّيْطَانِ‬
‫نَ ْزغٌ فَاسْ َتعِذْ بِاللّهِ‪[} ...‬العراف‪]200 :‬‬
‫لماذا؟‪ .‬لن ال خلقك وخلقه‪ ،‬وإن كنت ل تستطيع دفعه لنه يجري منك مجري الدم في العروق‬
‫وينفذ إليك بالخواطر والمواجيد التي ل تضبطها؛ ويأتي إليك بمهام الشياء في وقت الصلة؛‬
‫فتتذكر الشياء التي لم تكن تتذكرها‪ ،‬ويأتي لك بأعقد المسائل وأنت تصلي؛ وكل ذلك لنه قال‪} :‬‬
‫طكَ ا ْلمُسْ َتقِيمَ { ‪ ،‬ولم يقل إنه سيقعد على الطريق المنحرف‪ ،‬ولن يجلس الشيطان‬
‫ل ْقعُدَنّ َلهُ ْم صِرَا َ‬
‫َ‬
‫في مجلس خمر‪ ،‬لكنه يقعد على أبواب المساجد أو في المساجد ليفسد للناس أعمالهم الصالحة‪.‬‬
‫فماذا نفعل في هذه الحال؟‪ .‬يدلنا الحق سبحانه أن نستعيذ‪ } :‬وَإِماّ يَنَزَغَ ّنكَ مِنَ الشّ ْيطَانِ نَ ْزغٌ‬
‫فَاسْ َتعِذْ بِاللّهِ {‬
‫فمعنى } فَاسْ َتعِذْ { أي فالتجئ منه إلى ال؛ لن ال الذي أعطاه الخاصية في أن يتغلغل فيك‪ ،‬وفي‬
‫دمك‪ ،‬وفي خواطرك‪ ،‬هو القادرعلى منعه‪ ،‬وحين تقول‪ " :‬أعوذ بال من الشيطان الرجيم " بفزع‬
‫والتجاء إليه‪ -‬سبحانه‪ -‬فإنه‪ -‬جل شأنه‪ -‬ينقذك منه‪ .‬وإن كنت تقرأ القرآن ثم جاء لك الخاطر من‬
‫الشيطان فقل‪ " :‬أعوذ بال من الشيطان الرجيم " فإذا قلت هذا فكأنك نبهته إلى أنك أدركت من أين‬
‫جاءت هذه النزغة‪ :‬مرة واثنتين وثلثا‪ ،‬فيقول الشيطان لنفسه‪ :‬إن هذا المؤمن حاذق فطن وحذر‬
‫ل أستطيع غوايته‪ ،‬ولبحث عن غيره‪.‬‬
‫ولذلك رأينا المام أبا حنيفة‪ ،‬وقد شهرَ عنه الفتيا‪ ،‬وذهب إليه سائل يقول‪ :‬ضاع مني مال في‬
‫أرض كنت قد دفنته فيها‪ ،‬ول أعرف الن مكانه‪ .‬دلني عليه أيها الشيخ؟‪ .‬وبطبيعة الحال كان هذا‬
‫السؤال في غير العلم‪ ،‬فقال أبو حنيفة‪ :‬يا بني ليس في ذلك شيء من العلم‪ ،‬ولكني احتال لك؛ إذا‬
‫جاء الليل فقم بين يدي ربك مصليا هذه الليلة‪ ،‬لعل ال سبحانه وتعالى يبعث لك جندا من جنوده‬
‫يقول لك عن مكان مالك‪.‬‬
‫وبينما أبو حنيفة يؤدي صلة الفجر‪ ،‬وإذا بالرجل يقبل ضاحكا مبتسما قائل‪ :‬يا إمام لقد وجدت‬
‫المال‪ ،‬فضحك أبو حنيفة‪ ،‬وقال‪ :‬وال لقد علمت أن الشيطان ل يدعك تتم ليلتك مع ربك‪ ،‬وسيأتي‬
‫ليُخبرك‪ ،‬فهلّ أتممتها شكرا ل‪ ،‬هيا قم إلى الصلة‪.‬‬
‫غوِيَ ّنهُمْ‬
‫إذن فقد عرف الشيطان كيف يقعد‪ :‬وكيف يقسم‪ ،‬لنه في آية أخرى يقول‪ {:‬قَالَ فَ ِبعِزّ ِتكَ لُ ْ‬
‫ج َمعِينَ }[ص‪]82 :‬‬
‫أَ ْ‬
‫غوِيَ ّنهُمْ { أي بامتناعك عن‬
‫ك لُ ْ‬
‫لقد استطاع أن يأتي بالقسم الذي يعينه على مهمته؛ فقال‪ } :‬فَ ِبعِزّ ِت َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫خلقك وعدم حاجتك إليهم فأنت الغالب الذي ل يقهر؛ لنك إن أردتهم ما استطعتُ أن آخذهم‪ ،‬لكنك‬
‫شئت لكل إنسان أن يختار‪َ {:‬فمَن شَآءَ فَلْ ُي ْؤمِن َومَن شَآءَ فَلْ َي ْكفُرْ }[الكهف‪]29 :‬‬
‫ج َمعِينَ {‪.‬‬
‫غوِيَ ّنهُمْ أَ ْ‬
‫ك لُ ْ‬
‫فأقسم‪ ،‬ومن هذا الباب يدخل الشيطان على الِنسان‪ } :‬فَ ِبعِزّ ِت َ‬
‫واستدرك على نفسه أيضا وقال‪ِ {:‬إلّ عِبَا َدكَ مِ ْنهُمُ ا ْلمُخَْلصِينَ }[ص‪]83 :‬‬
‫لن الذي يريده ال مهديّا ل يستطيع الشيطان أن يغويه؛ لنه ل يناهض ربنا ول يقاومه‪ ،‬إنما‬
‫يناهض خلق ال‪ ،‬ول يدخل مع ربنا في معركة‪ ،‬إنما يدخل مع خلقه في معركة ليس له فيه حجة‬
‫ول قوة؛ لن الذي يغلب في المعارك إما أن يرغمك على الفعل‪ ،‬وإما أن يقنعك لتفعل أنت بدون‬
‫إرغام‪ .‬وهل يملك إبليس واحدة من هذه؟‪ .‬ل‪ ،‬ولذلك سيأتي في الخرة يقول‪َ {:‬ومَا كَانَ ِليَ عَلَ ْيكُمْ‬
‫عوْ ُتكُمْ فَاسْتَجَبْ ُتمْ لِي‪[} ...‬إبراهيم‪]22 :‬‬
‫مّن سُ ْلطَانٍ ِإلّ أَن دَ َ‬
‫والسلطان قسمان‪ :‬سلطان يقهر‪ ،‬وسلطان يقنع‪ .‬والشيطان يدخل على الِنسان من هذه البواب‪.‬‬
‫ويقول الحق بعد ذلك على لسان إبليس‪ } :‬ثُمّ لتِيَ ّنهُمْ مّن‪{ ...‬‬

‫(‪)959 /‬‬
‫جدُ َأكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (‪)17‬‬
‫شمَائِِل ِه ْم وَلَا تَ ِ‬
‫ثُمّ لَآَتِيَ ّن ُهمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِي ِه ْم َومِنْ خَ ْل ِفهِ ْم وَعَنْ أَ ْيمَا ِنهِ ْم وَعَنْ َ‬

‫فالذي بين اليد هو ما كان إلى المام‪َ { ،‬ومِنْ خَ ْل ِفهِمْ } أي من الوراء‪ { ،‬وعَنْ أَ ْيمَا ِنهِمْ } أي من‬
‫شمَآئِِل ِهمْ } أي من جهة اليسار‪ .‬والشيء الذي أمام العالم كله‪ ،‬ونسير إليه‬
‫جهة اليمين‪ { ،‬وعَن َ‬
‫جميعا هو { الدّارُ الخِ َرةُ } وحين يأتي الشيطان من المام فهو يشككهم في حكاية الخرة‬
‫ويشككهم في البعث‪ .‬ويحاول أن يجعل الِنسان غير مقبل على منهج ال‪ ،‬فيصير من الذين ل‬
‫يؤمنون بلقاء ال‪ ،‬ويشكّون في وجود دار أخرى س ُيجَازى فيها المحسن بإحسانه والمسيء‬
‫بإساءته‪ .‬وقد حدث ذلك ووجدنا من يقول القرآن بلسان حاله‪ {:‬أَإِذَا مِتْنَا َوكُنّا تُرَابا وَعِظَاما أَإِنّا‬
‫لوّلُونَ }[الصافات‪]17-16 :‬‬
‫َلمَ ْبعُوثُونَ * َأوَ آبَآؤُنَا ا َ‬
‫ولذلك يعرض الحق قضية البعث عرضا ل يجعل للشيطان منفذا فيها‪ ،‬فيوضح لنا أنه سبحانه لم‬
‫يعجز عن خلقنا أولً؛ لذلك لن يعجز عن إعادتنا‪ ،‬والِعادة بالتأكيد أهون من البداية؛ لنّه سيعيدهم‬
‫من موجود‪ ،‬لكن البداية كانت من عدم‪ ،‬إنه‪ -‬سبحانه‪ -‬عندما يبيّن للناس أن الِعادة أهون من‬
‫البداية فهو يخاطبهم بما ل يجدون سبيلً إلى إنكاره‪ ،‬وإلّ فال‪ -‬جل شأنه‪ -‬تستوي لدى طلقة‬
‫قدرته كل العمال فليس لديه شيء سهل وهيّن وآخر صعب وشاق ويبلغنا‪ -‬سبحانه‪ -‬بتمام‬
‫حفِيظٌ }[ق‪]4 :‬‬
‫ص الَ ْرضُ مِ ْنهُ ْم وَعِندَنَا كِتَابٌ َ‬
‫عِلمْنَا مَا تَنقُ ُ‬
‫إحاطة علمه فيقول‪ {:‬قَدْ َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أي أن لكل واحدٍ كتابا مكتوبا فيه كل عناصره وأجزائه‪.‬‬
‫والشيطان‪ -‬أيضا‪ -‬يأتي من الخلف‪ ،‬وخلف كل واحد منا ذريته‪ ،‬يخاف ضيعتهم‪ ،‬فيوسوس‬
‫الشيطان للبعض بالسرقة أو النهب أو الرشوة من أجل بقاء مستقبل البناء‪ ،‬وفساد أناس كثيرين‬
‫يأتي من هذه الناحية‪ ،‬ومثل هذا الفساد يأتي حين يبلغ بعض الناس منصبّا كبيرا‪ ،‬وقد كبرت سنّه‪،‬‬
‫ويقبل على ال بشرّ‪ ،‬ويظن أنه يترك عياله بخير‪ .‬لكن إن كنت تخاف عليهم حقّا فأمّن عليهم في‬
‫ضعَافا خَافُواْ‬
‫خ ْلفِهِمْ ذُرّيّ ًة ِ‬
‫يد ربهم‪ ،‬ول تؤمّن حياتهم في جهة ثانية‪ {.‬وَلْيَخْشَ الّذِينَ َلوْ تَ َركُواْ مِنْ َ‬
‫عَلَ ْيهِمْ فَلْيَ ّتقُواّ اللّ َه وَلْ َيقُولُواْ َق ْولً سَدِيدا }[النساء‪]9 :‬‬
‫ولماذا لم يأت الشيطان للِنسان من فوق ومن تحت لن الفوقية هي الجهة التي يلجأ إليها مستغيثا‬
‫ومستجيرا بربه‪ ،‬والتحتية هي جهة العبودية الخاصة‪ .‬فالعبد أقرب ما يكون من ربه وهو ساجد‪،‬‬
‫فهو في هاتين الحالتين محفوظ من تسلط الشيطان عليه؛ لن ال تعالى يقول‪ { :‬إِنّ عِبَادِي لَيْسَ َلكَ‬
‫عَلَ ْيهِمْ سُلْطَانٌ }‪.‬‬
‫شمَآئِِلهِ ْم َولَ َتجِدُ َأكْثَرَهُمْ‬
‫ويقول تعالى‪ { :‬ثُ ّم لتِيَ ّنهُمْ مّن بَيْنِ أَ ْيدِيهِ ْم َومِنْ خَ ْل ِفهِ ْم وَعَنْ أَ ْيمَا ِنهِمْ وَعَن َ‬
‫شَاكِرِينَ } [العراف‪]17 :‬‬
‫ويأتي الشيطان من اليمين ليزهد الناس ويصرفهم عن عمل الحسن والطاعة‪ .‬واليمين رمز العمل‬
‫الحسن؛ لن كاتب الحسنات على اليمين‪ ،‬وكاتب السيئات على الشمال‪ ،‬ويأتي عن شمائلهم‬
‫شمَآئِِلهِمْ } ولم‬
‫ليغريهم بشهوات المعصية‪ .‬ونلحظ أن الحق استخدم لفظ { عَنْ أَ ْيمَا ِنهِمْ } و { عَن َ‬
‫يأت بـ " على " لن " على " فيها استعلء‪ ،‬والشيطان ليس له استعلء أبدا؛ لنه ل يملك قوة‬
‫القهر فيمنع‪ ،‬ول قوة الحجة فيقنع‪ .‬ولن أكثر الناس ل تتذكر شكر المنعم عليهم‪ ،‬فيجيد الشيطان‬
‫جدُ َأكْثَرَ ُهمْ شَاكِرِينَ } [العراف‪]17 :‬‬
‫غوايتهم‪ .‬ولذلك يقول الحق تذييلً للية‪...{ :‬وَلَ تَ ِ‬
‫ويقول الحق بعد ذلك‪ { :‬قَالَ اخْرُجْ مِ ْنهَا‪} ...‬‬

‫(‪)960 /‬‬
‫ج َمعِينَ (‪)18‬‬
‫جهَنّمَ مِ ْنكُمْ أَ ْ‬
‫قَالَ اخْرُجْ مِ ْنهَا مَ ْذءُومًا َمدْحُورًا َلمَنْ تَ ِب َعكَ مِ ْنهُمْ لََأمْلَأَنّ َ‬

‫لقد بلغ الغرور بالشيطان أن تخيّل أنه ذكي‪ ،‬فشرح لنا خطته ومنهجه فدلل لنا على أن حكم ال‬
‫ضعِيفا }[النساء‪]76 :‬‬
‫ن َ‬
‫فيه قد نفذ بأن جعل كيده ضعيفا‪ ،‬فسبحانه القائل‪... {:‬إِنّ كَيْدَ الشّيْطَانِ كَا َ‬
‫لقد نبهنا الحق لكيد الشيطان وغروره‪ ،‬والناصح هو من يحتاط‪ ،‬ويأخذ المناعة ضد النزغ‬
‫الشيطاني‪ .‬وهنا يقول الحق‪ { :‬قَالَ اخْرُجْ مِ ْنهَا مَذْءُوما مّ ْدحُورا‪[ } ...‬العراف‪]18 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وقال له الحق من قبل‪ {:‬قَالَ فَاهْ ِبطْ مِ ْنهَا َفمَا َيكُونُ َلكَ أَن تَ َتكَبّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِ ّنكَ مِنَ الصّاغِرِينَ }‬
‫[العراف‪]13 :‬‬
‫إذن فهناك هبوط وخروج بصَغار ومجاوزة المكان‪ ،‬ثم هنا أيضا تأكيد بأنه في حالة الخروج‬
‫لمْلَنّ‬
‫سيكون مصاحبا للذم والصغار والطرد واللعن‪ .‬ويقول الحق سبحانه‪ّ...{ :‬لمَن تَ ِب َعكَ مِ ْنهُ ْم َ‬
‫ج َمعِينَ } [العراف‪]18 :‬‬
‫جهَنّمَ مِنكُمْ أَ ْ‬
‫َ‬
‫وفي هذا اخبار لمن يتبعون الشيطان بأنهم أهل لجهنم‪ ،‬ولم يعدّها سبحانه لتسع الكافرين فقط‪ ،‬لكنه‬
‫أعدّها على أساس أن كل الخلق قد يكفرون به سبحانه‪ ،‬كما أعدّ الجنة على أساس أن الخلق جميعا‬
‫يؤمنون به؛ فليس عنده ضيق مكان‪ ،‬وإن آمن الخلق جميعا؛ فإنه‪ -‬جل شأنه‪ -‬قد أعد الجنة‬
‫لستقبالهم جميعا‪ ،‬وإن كفروا جميعا فقد أعدّ النار لهم جميعا؛ تأكيدا لقوله الحق‪ُ {:‬أوْلَـا ِئكَ هُمُ‬
‫ا ْلوَارِثُونَ * الّذِينَ يَرِثُونَ ا ْلفِرْ َدوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }[المؤمنون‪]11-10 :‬‬
‫جهَنّمَ أَنتُمْ َلهَا وَارِدُونَ }[النبياء‪]98 :‬‬
‫صبُ َ‬
‫ح َ‬
‫وقوله الحق‪ {:‬إِ ّن ُك ْم َومَا َتعْ ُبدُونَ مِن دُونِ اللّهِ َ‬
‫وبهذا نكون قد شرحنا مسألة إبليس الذي امتنع عن طاعة أمر المر العلى بالسجود لدم‪.‬‬
‫سكُنْ‪} ...‬‬
‫ويقول الحق بعد ذلك‪ { :‬وَيَآءَادَمُ ا ْ‬

‫(‪)961 /‬‬
‫جكَ ا ْلجَنّةَ َفكُلَا مِنْ حَ ْيثُ شِئْ ُتمَا وَلَا َتقْرَبَا هَ ِذهِ الشّجَ َرةَ فَ َتكُونَا مِنَ الظّاِلمِينَ (‬
‫ت وَ َزوْ ُ‬
‫سكُنْ أَ ْن َ‬
‫وَيَا آَ َدمُ ا ْ‬
‫‪)19‬‬

‫جكَ ا ْلجَنّةَ‬
‫ت وَ َزوْ ُ‬
‫سكُنْ أَن َ‬
‫ويعاود القرآن الحديث عن آدم بعد تناول مسألة إبليس فيقول‪ { :‬وَيَآءَا َدمُ ا ْ‬
‫}‪.‬‬
‫كثير من العلماء تواتر نقل العلم عندهم إلى أن الجنة هي جنة الخرة والخلود‪ ،‬واعترض البعض‬
‫متسائلين‪ :‬كيف يدخل إبليس جنة الخلود؟‪ .‬وكيف يخرج منها؟‪ .‬وهل الذي يدخل الجنة يخرج‬
‫منها؟‪ .‬وهؤلء العلماء الذي قالوا‪ :‬إن الجنة هي جنة الخرة‪ ،‬لم يفطنوا إلى مدلول كلمة " جنة "؛‬
‫فساعة تطلق كلمة جنة‪ ،‬تأخذ ما يسمى في اللغة " غلبة الستعمال " ‪ ،‬أي تأخذ اللفظ من معانيه‬
‫المتعددة إلى معنى واحد يستقل به عرفا‪ ،‬بحيث إذا سُمع انصرف الذهن إليه‪ ،‬فأنت إذا سمعت يا‬
‫مؤمن كلمة الجنة ينصرف ذهنك إلى جنة الخرة؛ لنها هي التي تُعتبر جنة بحق‪ ،‬لكن حينما يأتي‬
‫اللفظ في القرآن والمتكلم هو ال‪ ،‬فلبد أولً أن ندرس اللفظ واستعمالته في اللغة؛ لن القرآن‬
‫جاء بلسان عربي مبين‪ ،‬فمن الجائز أن يوجد اللفظ في اللغة وله معانٍ متعددة‪ .‬وعندما يتعلق‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫المر بالدين والفقه فإننا نأخذ اللفظ من معناه اللغوي‪ ،‬ونجعله ينصرف إلى المعنى الشرعي‬
‫الصطلحي‪.‬‬
‫مثال ذلك كلمة " الحج " فأنت ساعة تسمع كلمة " الحج " تقول‪ :‬هو قصد بيت ال الحرام للنسك‬
‫والعبادة في أشهر معلومة‪ ،‬على الرغم من أن " الحج " في اللغة هو القصد‪ ،‬فإذا قصدت أي شيء‬
‫تقول‪ :‬حججت إليه‪ .‬فلما جاء الِسلم أخذ هذا اللفظ من اللغة واستعمله في الحج بالمعنى‬
‫الشرعي‪ ،‬وهو قصد البيت الحرام للنسك‪ ،‬وكذلك كلمة " الصلة " إنها في اللغة الدعاء‪ ،‬فقوله‬
‫تعالى‪ { :‬وصلّ عليهم } أي ادع لهم‪ ،‬ولما جاء الِسلم أخذ الكلمة من اللغة‪ ،‬وجعلها تطلق على‬
‫معنى اصطلحي جديد بحيث إذا أطلق انصرفت إليه‪ ،‬وهي القوال والفعال المخصوصة‪،‬‬
‫المبدوءة بالتكبير المختومة بالتسليم بشرائطها الخاصة‪.‬‬
‫ولكن هل معنى أننا أخذنا اللفظ من اللغة وجعل له الشرع معنىً اصطلحيّا أن هذا يكون تركا‬
‫لمعناه الصلي؟‪ .‬ل؛ لنك إن أردت أن تستعمله في معناه الصلي فلك ذلك‪ ،‬ولكنك تحتاج إلى‬
‫قرينة تدل على أنك ل تريد الصلة الشرعية لن كلمة " صلة " أصبحت هي الصلوات الخمس‬
‫المعروفة لنا‪ ،‬مع أن معناها الصلي كان الدعاء‪ ،‬وهذا هو ما جعل العلماء يذهبون إلى أن كلمة "‬
‫الجنة " ساعة تُطلق ينصرف الذهن إلى جنة الخلود‪ .‬ونقول‪ :‬المعنى اللغوي للجنة أنها المكان‬
‫الذي فيه أشجار غزيرة ومتنوعة‪ ،‬أما غزارتها وعلوها فتستر الِنسان وتُجِنّه عن كل ما حوله‪،‬‬
‫وأما ما فيها من الثمار والضروريات والكماليات فلنها تستر الِنسان عن خارجها ويكتفي بأن‬
‫يكون فيها‪ ،‬والقرآن لم يجيء بالجنة بمعنى جنة الخلد فقط‪ ،‬بل يقول أيضا‪:‬‬
‫ل وَأَعْنَابٍ }[البقرة‪]266 :‬‬
‫ح ُدكُمْ أَن َتكُونَ لَهُ جَنّةٌ مّن نّخِي ٍ‬
‫{ أَ َيوَدّ أَ َ‬
‫خلٍ‬
‫حفَفْنَا ُهمَا بِ َن ْ‬
‫ب وَ َ‬
‫لحَدِ ِهمَا جَنّتَيْنِ مِنْ أَعْنَا ٍ‬
‫جعَلْنَا َ‬
‫وكذلك يقول سبحانه‪ {:‬وَاضْ ِربْ لهُمْ مّثَلً رّجُلَيْنِ َ‬
‫جعَلْنَا بَيْ َن ُهمَا زَرْعا }[الكهف‪]32 :‬‬
‫وَ َ‬
‫شكُرُواْ‬
‫شمَالٍ كُلُواْ مِن رّ ْزقِ رَ ّبكُ ْم وَا ْ‬
‫ن وَ ِ‬
‫سكَ ِنهِمْ آ َيةٌ جَنّتَانِ عَن َيمِي ٍ‬
‫وقوله الحق‪َ {:‬لقَدْ كَانَ ِلسَبَإٍ فِي مَ ْ‬
‫غفُورٌ }[سبأ‪]15 :‬‬
‫لَهُ بَ ْل َدةٌ طَيّ َب ٌة وَ َربّ َ‬
‫وأقول‪ :‬إن علينا أن نبحث في آفاق مرادات ال حين ُيعْلمنا من لدنه ويقفنا على المعنى المراد‪،‬‬
‫إننا نعلم أن أول بلغ نزل من ال بخصوص آدم أخبرنا فيه أنه قد خلق آدم خليفة في الرض‪{:‬‬
‫علٌ فِي الَرْضِ خَلِيفَةً‪[} ...‬البقرة‪]30 :‬‬
‫إِنّي جَا ِ‬
‫إذن فآدم مخلوق للرض‪ ،‬ول تظلموا آدم وتقولوا إنه مخلوق للجنة‪ ،‬وكنا سنعيش فيها لكنه عصى‬
‫وأنزلنا إلى الرض‪ .‬لذلك نقول‪ :‬ل‪ ،‬وعلينا أن نتذكر أن أول بلغ من ال عن آدم أنه جعله في‬
‫الرض خليفة‪ .‬والذي كان يجب أن نسأل عنه‪ :‬ما دام قد جعله ال خلفية في الرض فما الذي‬
‫جاء بحكاية الجنة هذه؟!‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لقد خلق ال آدم ليكون خليفة في الرض‪ ،‬وكان عليه أن يتلقى من ال التكاليف محصورة في "‬
‫افعل " و " ل تفعل "؛ لنك إن لم تمتثل سيظهر الفساد في المجتمع‪ ،‬أما الذي ل يظهر منه فساد‬
‫فسبحانه يتركه مباحا؛ لذلك فكل ما لم يرد فيه " افعل " و " ل تفعل " ل يفسد به المجتمع‪ .‬إذن فـ‬
‫" افعل " و " ل تفعل " هي مقياس ضمان الصلح في الرض‪.‬‬
‫وهل خلق ال الِنسان هكذا بدون منغصات تفسد عليه منهج ال؟‪ .‬ل‪ ،‬فمادام الشيطان قد وقف هذا‬
‫الموقف مع آدم‪ ،‬وقال أنا سأغوي؛ فسيزين لك في " افعل " ‪ ،‬و " ل تفعل " ويأتيك المر بالصلة‬
‫فينزغك الشيطان حتى ل تصلي‪ .‬ويأتيك المر أل تشرب الخمر فيزين لك الشيطان أن تشربها‪،‬‬
‫ويحاول أن ينقل مجال " افعل " إلى مجال " ل تفعل " ‪ ،‬وكذلك يحاول أن يزين لك " أن تفعل " ما‬
‫هو في مجال " ل تفعل " فترتبك حركتك‪.‬‬
‫إن الحق سبحانه يريد منهجا يحكم حركة الحياة‪ ،‬ويضمن للخلفة في الرض أن تؤدي مهمتها‬
‫أداءً يسعد الِنسان فيها في الدنيا وينعم في الخرة؛ لذلك كان لبد أن يدرب الحق سبحانه خليفته‬
‫في الرض على المنهج؛ حتى ل يتلقى المنهج تلقيّا نظريّا‪ ،‬لذلك شاء الحق سبحانه وتعالى ألّ‬
‫يجعل آدم يباشر مهمة الخلفة إل بعد أن يعطيه تدريبا على المهمة في " افعل " و " ل تفعل "‪.‬‬
‫وحذره من العقبات التي تعترض " افعل "؛ حتى ل تجيء في منطقة " ل تفعل " ‪ ،‬وكذلك من‬
‫العقبات في منطقة " ل تفعل " حتى ل تجيء في منطقة " افعل " ‪ ،‬واختار له مكانا فيه كل‬
‫مقومات الحياة وترفها حتى ل يتعب في أي شيء أبدا في أثناء التدريب‪ ،‬وأوضح له أن هذه هي‬
‫الجنة وهي بستان جميل وفيه كل مقومات الحياة وترفها‪ ،‬وأمره‪ُ :‬كلْ من كل شيء فيها‪ ،‬ولكن ل‬
‫تقرب هذه الشجرة‪.‬‬
‫" كل " هذا هو المر‪ ،‬و " ل تقرب " هذا هو النهي‪ .‬وأوضح سبحانه لدم أن الذي سيعكر عليه‬
‫تطبيق منهج ال هو العدو الذي ثبتت عداوته إنّه " إبليس "؛ لنه حين امتنع عن السجود لدم تلقى‬
‫ج َمعِينَ }[ص‪]82 :‬‬
‫غوِيَ ّنهُمْ أَ ْ‬
‫ك لُ ْ‬
‫الطرد واللعنة فأقسم وقال‪ {:‬قَالَ فَ ِبعِزّ ِت َ‬
‫كأن الحق سبحانه وتعالى جعل الجنة كمكان فيه كل مقومات الحياة لدم بصنع ال‪ -‬سبحانه‪-‬‬
‫وإعداده‪ ،‬وأعطى له منها القدر الذي يعطي المقوم فل فضلت تتعبه‪ ،‬ول ينفخ ول يعاني من‬
‫متاعب في الصحة‪ ...‬إلخ؛ لنه سبحانه يعطي لدم القدر المقوم‪ .‬وسبحانه قادر على كل شيء‬
‫بدليل أنه يرعى الجنين في بطن أمه‪ ،‬والجنين ينمو‪ ،‬والنمو معناه أنه يتلقى الغذاء‪ ،‬ول يخرج منه‬
‫فضلت؛ لن الغذاء الذي يدخله ال له على قدر النمو فقط‪ ،‬وحين يكون ربنا هو الذي يمد جنة‬
‫التدريب بالغذاء‪ ،‬فهو قادر على كامل الِعداد‪.‬‬
‫إذن فالجنة التي وُجد فيها آدم بداية ليست هي جنة الجزاء؛ لن جنة الجزاء لبد أن تأتي بعد‬
‫التكليف‪ .‬ول يمكن أن يكون فيها تكليف‪ ،‬ومن يسكنها ل يخرج منها‪ .‬وآدم‪ -‬كما علمنا‪ -‬مخلوق‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫للرض‪ ،‬إذن وجود الجنة هنا يعني أنها مكان التدريب على المهمة في الخلفة أمرا متمثلً في }‬
‫َفكُلَ { ‪ ،‬ونهيا متمثلً في } َولَ َتقْرَبَا { ‪ ،‬لم يقل لهما‪ :‬ل تأكل‪ ،‬بل قال‪َ } :‬ولَ َتقْرَبَا { لن القِربان‬
‫مظنة أنه يؤدي إلى الغواية ويدفع إليها‪ .‬وهو قد أكل منها لنه جاء ناحيتها واقترب منها‪ ،‬ولو‬
‫كان قد استمع ولم يقرب لما أكل منها‪.‬‬
‫فكأن ال جعل لدم في جنة التدريب والتمرين رمزين‪ :‬الرمز الول‪ :‬لـ " افعل " ‪ ،‬والرمز‬
‫الثاني‪ :‬لـ " ل تفعل " ‪ ،‬ونجد أن الذي نهى ال عنه قليل بالنسبة لما أباحه وأمر به‪ .‬وهذا من‬
‫رحمة ال بالعباد‪ ،‬فيفعل المؤمن ما يؤمر به‪ ،‬ول يحوم حول ما حرمه ال؛ لنه ل يأمن حين‬
‫يرى ما حرم ال أن تميل نفسه إليه‪ ،‬ولذلك قال‪َ } :‬ولَ َتقْرَبَا { فلو أنهما لم يقربا ما كانت الشجرة‬
‫تغريهما بأي منظر‪ .‬ولذلك في كثير من الشياء التي يحرمها الحق سبحانه وتعالى وفي قمتها ما‬
‫يصون ويحفظ العقيدة الساسية‪ ،‬يقول بعدم القتراب أو الجتناب‪ ،‬فسبحانه هو القائل‪:‬‬
‫ن وَاجْتَنِبُواْ َق ْولَ الزّورِ }[الحج‪]30 :‬‬
‫لوْثَا ِ‬
‫ناَ‬
‫{ ‪...‬فَاجْتَنِبُواْ الرّجْسَ مِ َ‬
‫ولم يقل‪ " :‬ل تعبدوا الوثان " ‪ ،‬بل قال‪ " :‬فاجتنبوا " ‪ ،‬والشأن في " الخمر " أيضا جاء‬
‫بالجتناب‪ .‬لكنّ بعضا من السطحيين يقولون‪ :‬لم يرد في الخمر تحريم بل قال بالجتناب‪ ،‬ونقول‪:‬‬
‫الجتناب أقوى من المنع ومن التحريم‪ ،‬لن غاية التحريم أن يمنعك من شرب الخمر‪ .‬لكن‬
‫الجتناب يقتضي أل تذهب ناحيتها‪ ،‬ول تقعد في المكان الذي توجد فيه‪ ،‬ول تعصرها ول تحملها‪.‬‬
‫}‪َ ...‬ولَ َتقْرَبَا هَـا ِذهِ الشّجَ َرةَ فَ َتكُونَا مِنَ الظّاِلمِينَ { [العراف‪]19 :‬‬
‫والظلم هو تجاوز الحد أو إعطاء الشخص غير حقه‪ ،‬ويوضح سبحانه‪ :‬أنا لم أجعل لكما حقا في‬
‫أن تقربا ناحية هذه الشجرة‪ ،‬فإن قربها أي منكما‪ ،‬فهو قد خالف ما شرعته لكما‪ } ،‬فَ َتكُونَا مِنَ‬
‫الظّاِلمِينَ { اي ل تدخل في اطار من يظلمون أنفسهم لن ال ل يظلم أحدا‪ ،‬وأنت تظلم نفسك لنك‬
‫تعطي نفسك شهوة قليلة في زمن يسير‪ ،‬وبعد ذلك تأخذ عقابها عذابا أليما في زمن طويل وبشكل‬
‫أشد‪ .‬وهذا ظلم لنفسك‪ ،‬كما أنه دليل على أنك غير مأمون عليها‪.‬‬
‫سوَسَ َل ُهمَا الشّ ْيطَانُ‪{ ...‬‬
‫ويقول الحق بعد ذلك‪َ } :‬فوَ ْ‬

‫(‪)962 /‬‬
‫سوْآَ ِت ِهمَا َوقَالَ مَا َنهَا ُكمَا رَ ّب ُكمَا عَنْ هَ ِذهِ‬
‫سوَسَ َل ُهمَا الشّ ْيطَانُ لِيُبْ ِديَ َل ُهمَا مَا وُو ِريَ عَ ْن ُهمَا مِنْ َ‬
‫َفوَ ْ‬
‫الشّجَ َرةِ إِلّا أَنْ َتكُونَا مََلكَيْنِ َأوْ َتكُونَا مِنَ الْخَاِلدِينَ (‪)20‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫كلمة " وسوس " تدل على الهمس في الغواء‪ ،‬ونعرف أن الذي يتكلم في خير ل يهمه أن يسمعه‬
‫الناس‪ .‬لكن من يتكلم في شرّ فيهمس خوفا من أن يفضحه أحد‪ ،‬وكأن كل شر لبد أن يأتي همسا‪،‬‬
‫وصاحبه يعرف أن هذا الكلم ل يصح أن يحدث‪ ،‬ويستحي منه‪ ،‬ول يحب أن يعرف المجتمع عنه‬
‫هذا الشيء‪ ،‬و " وسوس " مأخوذة من الصوت المغري‪ ،‬لن الوسوسة هي صوت رنين الذهب‬
‫والحلي‪ ،‬إذن فما قاله الشيطان لدم وزوجه هو كلم مغرٍ ليلفتهما عن أوامر رب حكيم‪.‬‬
‫سوَسَ َل ُهمَا } يعطينا حيثيات البراءة لحواء؛ لن الشائع أن حواء هي التي ألحت‬
‫وقوله الحق‪َ { :‬فوَ ْ‬
‫على آدم ليأكل من الشجرة‪ ،‬وكثير منا يظلم حواء على الرغم من أن القرآن يؤكد أن الوسوسة‬
‫سوْءَا ِت ِهمَا }‪.‬‬
‫سوَسَ َل ُهمَا الشّ ْيطَانُ لِيُبْ ِديَ َل ُهمَا مَا وُو ِريَ عَ ْن ُهمَا مِن َ‬
‫كانت لدم وحواء معا‪َ { .‬فوَ ْ‬
‫[العراف‪]20 :‬‬
‫وهل وسوس الشيطان لهما ليبدي لهما ما ووري من سوءاتهما‪ ،‬أو وسوس ليعصيا ال؟‪ .‬لقد‬
‫وسوس ليعصيا ال‪ ،‬وكان يعلم أن هناك عقوبة على المعصية‪ ،‬ويعلم أنهما حين يأكلن من الشيء‬
‫الذي حرمه ربنا ستظهر سواءتهما‪ ،‬و " السوءة " هي ما يسوء النظر إليه‪ ،‬ونطلقها على العورة‪،‬‬
‫والفطرة تستنكف أن يرى الِنسان المكتمل الِنسانية السوءة‪ .‬وكأنهما في البداية لم ير أحدهما‬
‫سوْءَا ِت ِهمَا }‪.‬‬
‫سوءة الخر أو سوءة نفسه لن الحق يقول‪ { :‬لِيُبْ ِديَ َل ُهمَا مَا وُو ِريَ عَ ْن ُهمَا مِن َ‬
‫والسوءات أربع‪ :‬اثنتان للرجل واثنتان للمرأة‪ ،‬فكأن كل إنسان منهما ل يرى سوءتيه‪ ،‬وكذلك ل‬
‫يرى سوءتي الخر‪ ،‬لن السوءات كلها لها ما يخفيها عن الرؤية‪ ،‬وهذا كلم معقول جدا‪ .‬ألم تقل‬
‫سيدتنا أم المؤمنين عائشة‪ -‬رضي ال عنها‪ " :-‬ما رأيت ول أرى مني " ‪ ،‬وفي هذا القول تتجلّى‬
‫قمة الدب لنها لم تجيء حتى باللفظ‪ ،‬لن العضو مادام سوءة فهو مبني على الستر‪ .‬وذلك حين‬
‫حدّث رسول ال صلى ال عليه وسلم فقال‪ " " :‬يا أيها الناس إنكم تحشرون إلى ال حفاة عراة‬
‫غرل كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين " ‪ ،‬تعجبت السيدة عائشة فقال لها‪" :‬‬
‫سوْءَا ِت ِهمَا }‬
‫المر أخطر من أن ينظر أحد إلى أحد‪ { " .‬لِيُ ْب ِديَ َل ُهمَا مَا وُورِيَ عَ ْن ُهمَا مِن َ‬
‫[العراف‪]20 :‬‬
‫وبماذا ووري؟‪ .‬ل بد أن هناك لباسا كان على كل منهما‪ ،‬وقال العلماء الكثير عن هذا اللباس‪،‬‬
‫فمن قائل‪ :‬إن أظافر الِنسان هي بقية اللباس الذي كان موجودا عند آدم وحواء‪ ،‬وهو ما كان‬
‫يواري السوءات‪ ،‬ويقال‪ :‬إنّ أيّ إنسان يكون في غاية الضحك والنبساط‪ ،‬ويريد أن يكتم َنفْسه‪،‬‬
‫ويمنعها ويحول بينها وبين الضحك إنه يحدث له ذلك لو نظر إلى أظافره‪ ،‬عندئذ ل يمكنه أن‬
‫يضحك لنها بقية لحظة الندم على كشف السوءة‪.‬‬
‫وجرّبها في نفسك‪ ،‬تجد نفسك قد منعت من الضحك‪ ،‬وهذا من عمل الِله‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أو أن الستار الذي كان يواري السوءة هو النور الِلهي الذي كان يلفهما‪ ،‬والنور الساطع جدا حين‬
‫يلف ل يبين‪ ،‬صحيح أنك بالنور ترى الشياء‪ ،‬لكنه إن اشتد عمّى على الشياء فأخفاها فل تراها؛‬
‫لن أي أمر إذا زاد على حدّه انقلب إلى ضده‪ ،‬فإما أن يكون الثوب الظافر‪ ،‬وإما أن يكون النور‬
‫الِلهي الذي كان يغشاهما ويواري السوءة‪ ،‬وقد سميت " سوءة " و " عورة " ‪ ،‬لنها تسوء‪ ،‬فلماذا‬
‫تسوء؟ وما الفرق بين فتحتين‪ :‬فتحة في الفم‪ ،‬وفتحة في العورة؟‪.‬‬
‫إن فتحة العورة سوءة باعتبار ما يخرج منها‪ .‬وحينما كانا يأكلن من إعداد ربنا لم يكونا‪ -‬كما‬
‫قلنا‪ -‬في حاجة إلى إخراج فضلت؛ لن إعداد ال يعطي كُلّ منهما على القدر الكافي للحركة‬
‫والفعل‪ ،‬وكانت المسألة مجرد فتحات مثل بعضها‪ .‬لكن حينما يخرجان عن مرادات ال في‬
‫الطعام‪ ،‬ويأكلن غير ما أمر ال به‪ ،‬ويمارسان اختيار الطعام بدأت الفضلت في الخروج بما لها‬
‫من رائحة غير مقبولة‪ ،‬فهل ظهور السوءة لهما هو رمز إلى أن هناك مخالفة لمنهج ال سواء‬
‫أكان ذلك في القيم والمعنويات أم في المور المادية؟‬
‫نعم؛ لن كل شيء يُخَالَف فيه منهج ال لبد أن تبدو فيه العورة‪ ،‬وإن رأيت أي عورة في‬
‫المجتمع فاعلم أن منهجا من مناهج ال قد عطل‪ .‬وينقل القرآن ما قاله لهما الشيطان من‬
‫وسوسة‪ } :‬وقَالَ مَا َنهَا ُكمَا رَ ّب ُكمَا عَنْ هَـا ِذهِ الشّجَ َرةِ ِإلّ أَن َتكُونَا مََلكَيْنِ َأوْ َتكُونَا مِنَ الْخَاِلدِينَ‬
‫{ [العراف‪]20 :‬‬
‫لقد همس الشيطان وأوحى لهما بأن الحق‪ :‬أراد أل تقربا هذه الشجرة لن من يأكل منها يصير‬
‫مَلَكا‪ ،‬أو خالدا‪ .‬ولم يمحص أي منهما كلمات الشيطان ليعرف أن كيده كان ضعيفا واهيا وغبيا؛‬
‫لنه مادام قد عرف أن من يأكل من هذه الشجرة يصير ملكا أو يبقى من الخالدين فلماذا لم‬
‫يخطف منها ما يجعله مَلَكا أو خالدا؟ وفي هذا درس يبين لنا أن مَن يُزَيّن له ويتصدى له أحد‬
‫بالِغواء يجب عليه أن يمحص إلى أي غواية يسير‪ ،‬وأن يدقق في نتائج ما سوف يفعل‪.‬‬
‫وإذا كان الشيطان قد قال‪ {:‬قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى َيوْمِ يُ ْبعَثُونَ }[العراف‪]14 :‬‬
‫فلماذا لم ينقذ نفسه بالكل من هذه الشجرة وتنتهي المسألة؟‪ .‬إذن كان ما يقوله الشيطان كذبا‪.‬‬
‫س َم ُهمَآ إِنّي َل ُكمَا‪{ ...‬‬
‫ويقول الحق بعد ذلك‪َ } :‬وقَا َ‬

‫(‪)963 /‬‬
‫صحِينَ (‪)21‬‬
‫س َم ُهمَا إِنّي َل ُكمَا َلمِنَ النّا ِ‬
‫َوقَا َ‬

‫" قاسم " مادة فاعل‪ ،‬تأتي للمشاركة‪ ،‬أي أن هناك طرفين اثنين‪ ،‬كل منهما فاعل في ناحية ومفعول‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫في ناحية أخرى‪ ،‬مثل شارك زيد عمرا‪ ،‬وهي تعني أيضا أن عمرا شارك زيدا‪ ،‬وهكذا تكون مادة‬
‫فاعل وتفاعل‪ ،‬فكل منهما فاعل من جهة ومفعول من جهة‪ .‬وفي المعنى نجد الثنين فاعلً‬
‫ومفعول‪ ،‬إذن " قاسم " تحتاج إلى عمليتين اثنتين‪ ..‬فهل جلس إبليس يقسم لدم ولزوجته‪ ،‬وهما‬
‫يقسمان؟‪ .‬ونقول‪ :‬ل؛ لنها تأتي مرة لغير المفاعلة‪ ،‬أو للمفاعلة اللزومية‪ ،‬والمفاعلة اللزومية‬
‫تتضح في قوله الحق‪َ {:‬ووَاعَدْنَا مُوسَىا ثَلَثِينَ لَيَْل ًة وَأَ ْت َممْنَاهَا ِبعَشْرٍ‪[} ...‬العراف‪]142 :‬‬
‫وواعدنا‪ ،‬مثلها مثل فاعل‪ ،‬من الذي واعد؟‪ .‬إنه ال الذي وعد موسى عليه السلم‪ ،‬ودخل موسى‬
‫في الوعد بقبوله الوعد وتوفيته به‪.‬‬
‫س َمهُمَآ إِنّي َل ُكمَا َلمِنَ النّاصِحِينَ } [العراف‪]21 :‬‬
‫إذن " قاسمهما " أي قبل القسم ودخل فيه‪َ { .‬وقَا َ‬
‫و " قاسم " ‪ ،‬أي أقسم‪ ،‬ولذلك حينما عاتب ربنا سيدنا آدم أوضح سبحانه‪ :‬أنا قلت إنه عدو لك‬
‫ولزوجك‪ ،‬ولسوف يخرجنكما من الجنة لتتعب وتشقى‪ ،‬فقال آدم‪ :‬يا ربي ما كنت أعتقد أن خلقا‬
‫من خلقك يقسم بك على الباطل‪ .‬ولم يأتي على البال أن خلقا يقسم بال على الباطل‪ .‬وكانت هذه‬
‫أول خديعة في الخلق‪ .‬ولذلك نجد قتادة‪ -‬رضي ال عنه‪ -‬يقول‪ " :‬المؤمن بال يُخدع "‪.‬‬
‫" والنبي عليه الصلة والسلم عقد على امرأة ودخلت به‪ ،‬ومن كيد النساء وهن زوجات للنبي‬
‫صلى ال عليه وسلم وقد خفن أن يشغف بها حُبّا‪ ،‬فقلن لها‪ :‬إن رسول ال صلى ال عليه وسلم‪،‬‬
‫يحب هذه الكلمة‪ ،‬فإذا دخل عليك فقوليها!‪ ،‬قولي‪ " :‬أعوذ بال منك " ‪ ،‬ولحظة أن دخل عليها‬
‫سيدنا رسول ال‪ ،‬قالت له‪ " :‬أعوذ بال منك "‪ .‬فقال لها‪ :‬استعذت بمعاذ‪ .‬ولم يقربها الرسول " ‪،‬‬
‫وهذا ما يشرح لنا كيف يُخدع المؤمن بال‪ .‬وها هو ذا سيدنا عبد ال بن عمر كان يعتق من العبيد‬
‫من يحسن الصلة ويتقنها ويؤديها في مواعيدها‪ ،‬ويقف فيها خاشعا‪ ،‬وحين عرف العبيد ذلك‬
‫احترفوا إقامة الصلة أمام المكان الذي يجلس فيه وكانوا يؤدونها بخشوع‪ ،‬وكان رضي ال عنه‬
‫يعتقهم‪ ،‬وذهب له من يقول‪ :‬إن العبيد يخدعونك‪ ،‬فيقول‪ :‬من خدعنا بال‪ ،‬انخدعنا له‪.‬‬
‫والنصح هنا‪ :‬إغراء بمخالفة أمر ال‪ ،‬وكان يجب أل تكون هناك غفلة من آدم‪ ،‬وكان لبد أن‬
‫يقارن بين المرين‪ ،‬بين غواية الشيطان له بالكل‪ ،‬وبين أمر الحق سبحانه الذي قال له ولزوجه‪:‬‬
‫ل تقربا‪ .‬لكنه لم يفعل‪.‬‬
‫ويقول الحق بعد ذلك‪ { :‬فَ َدلّ ُهمَا ِبغُرُورٍ فََلمّا‪} ...‬‬

‫(‪)964 /‬‬
‫ن وَرَقِ الْجَنّةِ‬
‫صفَانِ عَلَ ْي ِهمَا مِ ْ‬
‫خ ِ‬
‫ط ِفقَا َي ْ‬
‫سوْآَ ُت ُهمَا وَ َ‬
‫فَدَلّا ُهمَا ِبغُرُورٍ فََلمّا ذَاقَا الشّجَ َرةَ بَ َدتْ َل ُهمَا َ‬
‫ع ُدوّ مُبِينٌ (‪)22‬‬
‫وَنَادَا ُهمَا رَ ّب ُهمَا أََلمْ أَ ْن َه ُكمَا عَنْ تِ ْل ُكمَا الشّجَ َرةِ وََأقُلْ َل ُكمَا إِنّ الشّيْطَانَ َل ُكمَا َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫{ َف َدلّ ُهمَا ِبغُرُورٍ } أي فأنزلهما من رتبة الطاعة إلى درك المعصية والذنب مما غرهما وخدعهما‬
‫من القسم‪ .‬و " دلّ " مأخوذة من دلّى رجليه في البئر كي يرى إن كان فيه ماء أم ل‪ ،‬أو دلّى جبل‬
‫الدلو لينزله في البئر‪ ،‬ومعناها‪ :‬أنه يفعل الشيء مرة فمرة‪ ،‬و " بغرور " أي بإغراء لكي يوقعهما‬
‫في المخالفة‪ ،‬فأظهر لهما النصح وأبطن لهما الغش‪.‬‬
‫وهنا وقفة تدل على الصطراع بين الحق والباطل في النفس‪ { ،‬فََلمّا ذَاقَا الشّجَ َرةَ } هذا يدل على‬
‫أنهما بمجرد المذاق تذكرا أن النزغ من إبليس جعلهما يذهبان إلى الشجرة‪ .‬وأن ما أخذاه فقط كان‬
‫طفِقَا‬
‫سوْءَا ُت ُهمَا َو َ‬
‫مجرد المذاق‪ ،‬فتنبه كلهما إلى جسامة المر‪ { .‬فََلمّا ذَاقَا الشّجَ َرةَ بَ َدتْ َل ُهمَا َ‬
‫صفَانِ عَلَ ْي ِهمَا مِن وَرَقِ ا ْلجَنّةِ } [العراف‪]22 :‬‬
‫خ ِ‬
‫يَ ْ‬
‫و " الخصف " أي تأتي بشيء وتلزقه على شيء لتداري شيئا‪ .‬وقديما حينما كان يبلى نعل الحذاء‪،‬‬
‫ويظهر به خرق فالِسكافي يضع عليه رقعة من الجلد تكون أوسع من الخرق حتى تتمكن منه‪.‬‬
‫وهكذا فعل آدم وحواء؛ أخذا من ورق الجنة ووضعا ورقة على ورقة ليداريا السوءة‪ .‬وقوله‬
‫طفِقَا } يعني وجعل من ورق الشجر غطاء للسوءات‪.‬‬
‫الحق‪ { :‬وَ َ‬
‫وهنا يقول الحق‪...{ :‬وَنَادَا ُهمَا رَ ّب ُهمَآ أَلَمْ أَ ْن َه ُكمَا عَن تِ ْل ُكمَا الشّجَ َر ِة وََأقُل ّل ُكمَآ إِنّ الشّ ْيطَآنَ َل ُكمَا عَ ُدوٌ‬
‫مّبِينٌ } [العراف‪]22 :‬‬
‫لقد كان التكليف هنا في أمر واحد‪ ،‬والِباحة في أمور متعددة‪ ،‬وسبحانه لم يكلفهما إل بأمر واحد‬
‫هو عدم القتراب من الشجرة‪ ،‬والمباح كان كثيرا؛ لذلك لم يكن من اللئق أن يتولى عن التكليف‪.‬‬
‫ولم يكن هذا التكليف بالواسطة ولكن كان بالمباشرة‪ ،‬ولذلك سينفعنا هذا الموقف في الفهم في لقطة‬
‫عصَىا ءَادَمُ رَبّهُ َف َغوَىا }[طه‪]121 :‬‬
‫للقصة في سورة غير هذه وهو قوله الحق‪... {:‬وَ َ‬
‫ولم يأت الحق هنا بسيرة المعصية‪ ،‬وقال لهما‪...{ :‬أَلَمْ أَ ْن َه ُكمَا عَن تِ ْل ُكمَا الشّجَ َر ِة وََأقُل ّل ُكمَآ إِنّ‬
‫الشّ ْيطَآنَ َل ُكمَا عَ ُدوٌ مّبِينٌ } [العراف‪]22 :‬‬
‫وسبحانه ل يجرم إل بنص‪ ،‬وسبق أن قال سبحانه‪ { :‬وَلَ َتقْرَبَا هَـا ِذهِ الشّجَ َرةَ } وأوضح‪ :‬أن‬
‫هناك عنصرا إغوائيا هو إبليس وعداوته مسبقة في أنه امتنع عن السجود‪ ،‬وقد طرده الحق لهذا‬
‫السبب‪ .‬إذن إنْ آخذهما وعاقبهما ال بهذا الذنب فهو العادل‪ ،‬وهما اللذان ظلما أنفسهما‪ .‬وكان لبد‬
‫أن يكون الجواب‪ :‬نعم يا رب نهيتنا‪ ،‬وقلت لنا ذلك‪ .‬وهذا إيراد للحكم بأقوى الدلة عليه؛ لن‬
‫الحكم قد يأتي بالِخبار‪ ،‬وقد يأتي بالستفهام بالِيجاب‪ ،‬ويكون أقوى لو جاء بالستفهام بالنفي‪.‬‬
‫ع ُدوٌ مّبِينٌ } [العراف‪]22 :‬‬
‫{‪...‬إِنّ الشّيْطَآنَ َل ُكمَا َ‬
‫ونحن نعلم أن العدو هو الخصم الذي يريد إلحاق الضرر واليذاء بك‪ ،‬و " مبين " أي محيط‪،‬‬
‫وهذا دليل يظهر عداوة الشيطان وإحاطتها؛ لنه قد سبق أن أوضح أنه سيأتي من بين أيديهم ومن‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم‪ .‬أو بيّن العداوة وشديد الخصومة‪.‬‬
‫ويأتي القرار بالذنب من آدم وحواء‪ { :‬قَالَ رَبّنَا ظََلمْنَآ‪} ...‬‬

‫(‪)965 /‬‬
‫حمْنَا لَ َنكُونَنّ مِنَ ا ْلخَاسِرِينَ (‪)23‬‬
‫قَالَا رَبّنَا ظََلمْنَا أَ ْنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ َت ْغفِرْ لَنَا وَتَرْ َ‬

‫وتلك هي الكلمات التي قال ال عنها في سياق آخر‪ {:‬فَتََلقّىا ءَا َدمُ مِن رّبّهِ كَِلمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنّهُ‬
‫ُهوَ ال ّتوّابُ الرّحِيمُ }[البقرة‪]37 :‬‬
‫فكأن الحق سبحانه وتعالى قدّر غفلة خلقه عن المنهج؛ فشرّع لهم وسائل التوبة إليه‪ ،‬ووسائل‬
‫التوبة ثلث مراحل‪ :‬تشريعها رحمة‪ ،‬ثم القبال عليها من المذنب اعترافا وإنابة‪ ،‬وقبولها منه‬
‫سبحانه رحمة‪ ،‬فالتشريع يطلب منك أن تفعل‪ ،‬وحين تتوب يتوب ال عليك‪.‬‬
‫تشريع التوبة‪ -‬إذن رحمة‪ ،‬ل بالمذنب فقط‪ ،‬بل وبغيره أيضا؛ لن ال لو لم يشرع التوبة‪ ،‬كان‬
‫الذي يعمل معصية‪ ،‬وليجد مغفرة‪ ،‬يستشري في المعاصي‪ ،‬وإذا استشرى في المعاصي تعب‬
‫حمْنَا لَ َنكُونَنّ مِنَ ا ْلخَاسِرِينَ } [العراف‪:‬‬
‫المجتمع كله‪ { .‬قَالَ رَبّنَا ظََلمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لّمْ َت ْغفِرْ لَنَا وَتَرْ َ‬
‫‪]23‬‬
‫وهذا هو الموقف بعد الذنب من آدم وزوجته‪ ،‬وهو يختلف عن موقف إبليس بعد الذنب؛ فإبليس‬
‫خَلقْتَ طِينا }[السراء‪]61 :‬‬
‫جدُ ِلمَنْ َ‬
‫أراد أن يبرر المخالفة‪... {:‬قَالَ أََأسْ ُ‬
‫حمْنَا لَ َنكُونَنّ مِنَ الْخَاسِرِينَ }‬
‫فماذا قال آدم وحواء؟‪...{ :‬رَبّنَا ظََلمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لّمْ َت ْغفِرْ لَنَا وَتَرْ َ‬
‫[العراف‪]23 :‬‬
‫ولذلك كان جزاء إبليس ‪ -‬وهو المتأبي على أوامر ال وحكمه ‪ -‬أن يطرد من رحمته‪ .‬وجزاء‬
‫المعترف بأنه أذنب‪ ،‬وأنه ظلم نفسه أن تُقبل توبته‪ .‬إذن ل يصح للناس الذين يقيمون على معصية‬
‫أن يقول الواحد منهم‪ " :‬هذه هي ظروفي " ‪ ،‬ويبرر ويحلل ما يفعله من المعاصي‪ ،‬بل على الواحد‬
‫منهم أل يطرد نفسه بنفسه من منطقة الرحمة‪ ،‬وعليه أن يقول‪ " :‬ما أفعله‪ ،‬حرام‪ ،‬لكن ل أقدر‬
‫على نفسي " وبذلك ل يكون قد ردّ الحكم‪ ،‬بل اتهم نفسه بالتقصير واعترف بالذنب‪ ،‬فصار أهلً‬
‫للمغفرة وأهلً للتوبة‪.‬‬
‫وهنا نسأل‪ :‬ما الفرق بين معصية إبليس ومعصية آدم؟‪ .‬نقول‪ :‬إبليس عصى وجاء بحيثية رفض‬
‫المر‪ ،‬لكن آدم عصى وأقر بالذنب وطلب المغفرة‪.‬‬
‫ظَلمْنَآ أَنفُسَنَا } معا وفي َنفَس واحد‪ ،‬ونغمة حزينة نادمة‪ ،‬أل‬
‫وحين قال آدم وزوجته حواء‪ { :‬رَبّنَا َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يدل ذلك على أنهما قد تعلماها؟‪ .‬إن كل منهما لو اعتذر ل بمفرده لختلفا في أسلوب العتذار‪.‬‬
‫وهذا دليل على أنها ملقنة‪ ،‬ولهذا قال ربنا‪ {.‬فَتََلقّىا ءَا َدمُ مِن رّبّهِ كَِلمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ‪[} ...‬البقرة‪:‬‬
‫‪]37‬‬
‫وهما قد قال‪ { :‬رَبّنَا ظََلمْنَآ أَنفُسَنَا } ‪ ،‬وأنفسنا جمع َنفْس‪ ،‬ولم يقول " نفسينا " ‪ ،‬بل قال { أَنفُسَنَا }‬
‫أي أن قلبيهما أيضا قد صفيا وخلصا من أثر تلك المعصية‪ ،‬وأن ذلك مطمور وداخل في نفوس‬
‫ذريتهما‪.‬‬
‫ضكُمْ‪} ...‬‬
‫ويقول الحق بعد ذلك‪ { :‬قَالَ اهْ ِبطُواْ َب ْع ُ‬

‫(‪)966 /‬‬
‫ضكُمْ لِ َب ْعضٍ عَ ُد ّو وََلكُمْ فِي الْأَ ْرضِ مُسْ َتقَ ّر َومَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (‪)24‬‬
‫قَالَ اهْبِطُوا َب ْع ُ‬

‫ونلتفت لنجد أن هناك أمرا قد يسبق لِبليس بالهبوط‪ ،‬وهنا أمر آخر بالهبوط‪ ،‬وبال لو كانت جنة‬
‫الخلود هي محل إقامتهما‪ ،‬وآدم مخلوق لها ثم عصى ثم تاب لما خرجا منها أبدا‪ .‬لكنه سبحانه أمر‬
‫آدم بأن يهبط إلى الرض التي جعله خليفة فيها‪ ،‬ليباشر مهمة الخلفة في إطار التجربة التي‬
‫وقعت له‪ ،‬وعليه أن يحترم أمر ال في كل تكليف‪ ،‬وأن يحترم نهي ال في كل تكليف‪ ،‬وليحذر‬
‫عداوة الشيطان فإنه سيوسوس له‪ .‬وقد جرب ذلك بنفسه‪ ،‬فلينزل مزودا بالتجربة‪ ،‬وليس له عذر‬
‫ع ُدوّ }‪.‬‬
‫ضكُمْ لِ َب ْعضٍ َ‬
‫من بعد ذلك‪ { .‬قَالَ اهْ ِبطُواْ َب ْع ُ‬
‫جمِيعا‪[} ...‬طه‪:‬‬
‫والمر هنا للجماعة؛ ولم يقل لهما اهبطا‪ .‬وفي آية ثانية قال‪ {:‬قَالَ اهْبِطَا مِ ْنهَا َ‬
‫‪]123‬‬
‫وذلك لنعرف أن ورود القصة في أماكن متعددة جاء لتعطي لقطات كثيرة‪ .‬والمر هنا جاء بقوله‪:‬‬
‫{ اهْبِطُواْ } لن الهبوط اشترك فيه الثلثة؛ آدم وحواء‪ ،‬وإبليس‪ ..‬والعداوة مسبقة ول ندعيها‪.‬‬
‫العداوة بين طرفين‪ :‬اثنان في طرف هما آدم وحواء‪ ،‬وواحد في طرف هو إبليس‪ .‬ويريد الحق لنا‬
‫بيان الحقائق وأن المتكلم إله‪ ،‬إنّ كل حرف عنده بميزان؛ ولذلك نجده سبحانه يقول لنا‪َ {:‬أفَلَ‬
‫يَتَدَبّرُونَ ا ْلقُرْآنَ‪[} ...‬النساء‪]82 :‬‬
‫أي إياك أن تأخذ واجهة النص‪ ،‬ولكن ابحث في خلفيات النص‪ ،‬ول تأخذ واجهة اللفظ‪ ،‬بل انظر‬
‫ضكُمْ لِ َب ْعضٍ عَ ُد ّو وََلكُمْ فِي الَ ْرضِ مُسْ َتقَ ّر َومَتَاعٌ ِإلَىا‬
‫إلى ما وراء اللفاظ‪ { .‬قَالَ اهْ ِبطُواْ َب ْع ُ‬
‫حِينٍ } [العراف‪]24 :‬‬
‫وكلمة " عدو " تعني وجود صراع‪ ،‬ومعارك سوف تقوم بين أولد آدم بعضهم مع بعض‪ ،‬أو تقع‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫العداوة بينهم وبين أعدائهم من سكان الرض من جن وغيرهم‪ ،‬لكنها لمدة محدودة‪ ،‬ولذلك قال‪:‬‬
‫{ وََلكُمْ فِي الَ ْرضِ مُسْ َتقَ ّر َومَتَاعٌ إِلَىا حِينٍ }‪.‬‬
‫أي أن لكم استقرارا في الرض ومتاعا إلى حين‪ .‬وصراع صاحب الحق في الحق يجب أن يأخذه‬
‫على أنه متاع في الدنيا ول يأخذه على أنه معركة بل جزاء‪ ،‬ل‪ ،‬فأنت تجاهد وتأخذ جزاء كبيرا‬
‫على الجهاد وهذا متاع‪.‬‬
‫ن َوفِيهَا‪} ...‬‬
‫ويقول الحق بعد ذلك‪ { :‬قَالَ فِيهَا تَحْ َيوْ َ‬

‫(‪)967 /‬‬
‫ن َوفِيهَا َتمُوتُونَ َومِنْهَا ُتخْرَجُونَ (‪)25‬‬
‫قَالَ فِيهَا َتحْ َيوْ َ‬

‫كأنه قال‪ { :‬وََلكُمْ فِي الَ ْرضِ مُسْ َتقَ ّر َومَتَاعٌ إِلَىا حِينٍ } فأحب أن يعطينا الصور لرحلة الحياة‪،‬‬
‫علٌ فِي الَ ْرضِ خَلِيفَةً‪[} ...‬البقرة‪]30 :‬‬
‫ويرسم لنا علقتنا بالرض التي قال فيها‪ {:‬إِنّي جَا ِ‬
‫فقد ربطنا بالرض‪ .‬إيجادا من طينها‪ ،‬ومتعة بما فيها من ميزات‪ ،‬وخيرات وثمرات‪ ،‬ثم نموت‬
‫لنعود لها ونبعث من بعد ذلك‪ .‬فالِنسان منا من الرض‪ ،‬منها يحيا وفيها يموت‪ ،‬ويذهب إلى‬
‫أصله ومرجعه‪ ،‬إلى الم الرض‪ ،‬فهي تكفته وتضمه وتأخذه في حضنها فهي الحانية عليه‬
‫وبخاصة في وقت ضعفه‪ .‬وساعة ما يكون الِنسان في حالته الطيبة‪ ،‬وله أخ حالته عكس ذلك فإن‬
‫قلب الم إنما يكون مع الضعيف‪ ،‬ومع المريض‪ ،‬ومع الصغير‪.‬‬
‫والرض هي التي تأخذ كل البشر‪ ،‬تأخذ الِنسان وتمص منه الذى‪ ،‬وتداري رائحته‪ ،‬أمّا أحبابه‬
‫في الدنيا وإخوانه‪ ،‬فقد سارعوا بمواراته التراب تفاديا لرحلة التحلل‪ .‬وبمجرد أن يموت النسان‪،‬‬
‫أول ما يُنْسىَ هو اسمه؛ فيقولون‪ " :‬أين الجثة " ‪ ،‬ول يقولون‪ " :‬أين فلن "‪ .‬وبعد الكفن يوضع‬
‫الجثمان في النعش‪ ،‬ليوارى في التراب ويدمدم اللحاد عليه برجليه‪.‬‬
‫وينتقل الحق بعد ذلك بالخطاب إلى أبناء آدم فيقول‪ { :‬يَابَنِي ءَادَمَ َقدْ أَنزَلْنَا‪} ...‬‬

‫(‪)968 /‬‬
‫سوْآَ ِتكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ ال ّت ْقوَى ذَِلكَ خَيْرٌ ذَِلكَ مِنْ آَيَاتِ اللّهِ‬
‫يَا بَنِي آَ َدمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَ ْيكُمْ لِبَاسًا ُيوَارِي َ‬
‫َلعَّلهُمْ َي ّذكّرُونَ (‪)26‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وكلمة { يَابَنِي ءَادَمَ } لفت إلى أن تتذكروا ماضي أبيكم مع عدوكم المبين‪ ،‬إبليس‪ ،‬أنتم أولد آدم‪،‬‬
‫والشيطان موجود‪ ،‬فانتبهوا‪ .‬لقد أنزل الحق عليكم لباسا يواري سوءاتكم؛ لن أول مخالفة حدثت‬
‫كشفت السوءة‪ ،‬والنزال يقتضي جهة علو لنفهم أن كل خير في الرض يهبط مدده من السماء‪،‬‬
‫وسبحانه هو من أنزل اللباس لنه هو الذي أنزل المطر‪ ،‬والمطر روى بذور النبات فخرجت‬
‫النباتات التي غزلناها فصارت ملبس‪ ،‬وكأنك لو نسبت كل خير لوجدته هابطا من السماء‪ .‬ولذلك‬
‫ن الَ ْنعَامِ َثمَانِ َيةَ أَ ْزوَاجٍ‪[} ...‬الزمر‪]6 :‬‬
‫يمتن الحق سبحانه وتعالى على عباده فيقول‪ {:‬وَأَن َزلَ َلكُمْ مّ َ‬
‫نعم هو الذي أنزل من النعام أيضا لن السببية في النبات من مرحلة أولى‪ ،‬والسببية في الحيوان‬
‫من مرحلة ثانية‪ ،‬فهو الذي جعل النبات يخرج من الرض ليتغذى عليه الحيوان‪ ،‬ويقول سبحانه‬
‫ط وَأَنزَلْنَا ا ْلحَدِيدَ‬
‫أيضا‪َ {:‬لقَدْ أَ ْرسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيّنَاتِ وَأَنزَلْنَا َم َعهُمُ ا ْلكِتَابَ وَا ْلمِيزَانَ لِ َيقُومَ النّاسُ بِا ْلقِسْ ِ‬
‫فِيهِ بَأْسٌ شَدِي ٌد َومَنَافِعُ لِلنّاسِ‪[} ...‬الحديد‪]25 :‬‬
‫نعم فسبحانه هو من أنزل الحديد أيضا؛ لننا نأخذه من الرض التي خلقها ال‪ ،‬وهذا دليل على أن‬
‫التنزيلت إنما أراد ال أن يحمي بها كل منهج‪ { .‬يَابَنِي ءَا َدمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَ ْيكُمْ لِبَاسا ُيوَارِي‬
‫سوْءَا ِتكُمْ‪[ } ...‬العراف‪]26 :‬‬
‫َ‬
‫فإذا كنا قد أنزلنا اللباس يواري سوءات الحس وسوءات المادة‪ ،‬كذلك أنزلنا اللباس الذي يواري‬
‫سوءات القيم‪ .‬فكلما أنكم تحسّون وتدركون أن اللباس المادي يداري ويواري السوءة المادية‬
‫الحسية فيجب أن تعلموا أيضا أن اللباس الذي ينزله ال من القيم إنما يواري ويستر به سواءتكم‬
‫المعنوية‪ .‬ولباس الحياة المادية لم يقف عند موارة السوءات فقط‪ ،‬بل تعدى ذلك إلى ترف الحياة‬
‫سوْءَا ِت ُك ْم وَرِيشا وَلِبَاسُ ال ّت ْقوَىا ذاِلكَ خَيْرٌ‬
‫أيضا‪ .‬لذلك قال الحق‪...{ :‬قَدْ أَنزَلْنَا عَلَ ْي ُكمْ لِبَاسا ُيوَارِي َ‬
‫ذاِلكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ َلعَّل ُهمْ يَ ّذكّرُونَ } [العراف‪]26 :‬‬
‫والريش كساء الطير‪ ،‬وقديما كانوا يأخذون ريش الطير ليزينوا به الملبس‪ .‬وكانوا يضعون‬
‫الريش على التيجان‪ ،‬وأخذ العوام هذه الكلمة وقالوا‪ :‬فلن مريش أي ل يملك مقومات الحياة فقط‪،‬‬
‫بل عنده ترف الحياة أيضا‪ ،‬فكأن هذا القول الكريم قد جاء بمشروعية الترف شريطة أن يكون‬
‫ذلك في حل‪ .‬وقيل أن يلفتنا الحق سبحانه وتعالى إلى مقومات الحياة لفتنا إلى الجمال في الحياة‪،‬‬
‫حمِيرَ لِتَ ْركَبُوهَا وَزِينَةً‪[} ...‬النحل‪]8 :‬‬
‫ل وَالْ ِبغَالَ وَا ْل َ‬
‫فقال سبحانه‪ {:‬وَالْخَ ْي َ‬
‫جمَال‪.‬‬
‫والركوب لتجنب المشقة‪ ،‬والزينة من أجل ال َ‬
‫وكذلك يقول الحق سبحانه‪ُ {:‬قلْ مَنْ حَرّمَ زِينَةَ اللّهِ الّتِي أَخْرَجَ ِلعِبَا ِد ِه وَالْطّيّبَاتِ مِنَ الرّ ْزقِ‪} ...‬‬
‫[العراف‪]32 :‬‬
‫سجِدٍ‪} ...‬‬
‫بل سبحانه طلب زينتنا في اللقاء له في بيته فيقول‪ {:‬يَابَنِي ءَادَمَ خُذُواْ زِينَ َت ُكمْ عِندَ ُكلّ مَ ْ‬
‫[العراف‪]31 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إذن فهذا أمر بالزينة‪ ،‬وهنا في الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول سبحانه‪ { :‬وَرِيشا‬
‫وَلِبَاسُ ال ّت ْقوَىا ذاِلكَ خَيْرٌ‪.‬‬
‫‪[ { ..‬العراف‪]26 :‬‬
‫نعم إن لباس التقوى خير من ذلك كله؛ لن اللباس المادي يستر العورة المادية‪ ،‬وقصاراه أن‬
‫يكون فيه مواراة وستر لفضوح الدنيا‪ ،‬لكن لباس التقوى يواري عنا فضوح الخرة‪.‬‬
‫أو لباس التقوى هو الذي تتقون به أهوال الحروب؛ إنّه خير من لباس الزينة والرياش لنكم‬
‫تحمون به أنفسكم من القتل‪ ،‬أو ذلك اللباس‪ -‬لباس التقوى‪ -‬خير من اللباس المادي وهو من آيات‬
‫ال‪ ،‬أي من عجائبه‪ ،‬وهو من الشياء اللفتة؛ فالِنسان منكم مكون من مادة لها احتياجات مادية‬
‫وعورات مادية‪ ،‬وهناك أمور قيمية ل تنتظم الحياة إل بها‪ ،‬وقد أعطاك الحق مقومات الحياة‬
‫المادية‪ ،‬وزينة الحياة المادية‪ ،‬وأعطاك ما تحيا به في السلم والحرب‪ ،‬ومنهج التقوى يحقق لك كل‬
‫هذه المزايا‪ .‬فخذ اليات مما تعلم ومما تحس لتستنبط منها ما يغيب عنك مما ل تحس‪.‬‬
‫ويقول الحق بعد ذلك‪ } :‬يَابَنِي ءَادَ َم لَ َيفْتِنَ ّنكُمُ‪{ ...‬‬

‫(‪)969 /‬‬
‫سوْآَ ِت ِهمَا إِنّهُ‬
‫س ُهمَا لِيُرِ َي ُهمَا َ‬
‫يَا بَنِي آَ َدمَ لَا َيفْتِنَ ّنكُمُ الشّيْطَانُ َكمَا َأخْرَجَ أَ َبوَ ْيكُمْ مِنَ ا ْلجَنّةِ يَنْ ِزعُ عَ ْن ُهمَا لِبَا َ‬
‫جعَلْنَا الشّيَاطِينَ َأوْلِيَاءَ لِلّذِينَ لَا ُي ْؤمِنُونَ (‪)27‬‬
‫يَرَاكُمْ ُه َو َوقَبِيلُهُ مِنْ حَ ْيثُ لَا تَ َروْ َنهُمْ إِنّا َ‬

‫قبل أن يطلب منا سبحانه أل نفتتن بالشيطان‪ ،‬أوضح أنه قد رتب لنا كل مقومات الحياة‪ ،‬وعلينا‬
‫أن نتذكر موقف الشيطان‪ ،‬من أبينا آدم وإِغواءه له‪.‬‬
‫والفتنة في الصل هي الختبار‪ ،‬وتُطلق ‪ -‬أحيانا ‪ -‬على الثر السيء حيث تكون أشد من القتل‪،‬‬
‫لكن هل يسقط الِنسان في كل فتنة؟ ل؛ لن الفتنة هي الختبار‪ ،‬وفي الختبار إما أن ينجح‬
‫الِنسان‪ ،‬وإمّا أن يرسب‪ ،‬فإن نجح أعطته الفتنة خيرا وإن رسب تعطه شرّا‪.‬‬
‫وبعد أن ذكر الحق سبحانه وتعالى قصة خلق آدم‪ ،‬وأعلمنا أنه خلقه للخلفة في الرض‪ ،‬وأن‬
‫موضوع الجنة هو حلقة مقدمة لتلقي الخلفة؛ لنه إذا ما أصبح خليفة في الرض؛ فلله منهج‬
‫يحكمه في كل حركاته‪ ،‬ومادام له منهج يحكمه في كل حركاته فرحمة به لم ينزل ال للرض‬
‫ابتداءً ليتلقى المنهج بدون تدريب واقعي على المنهج‪ ،‬فجعل الجنة مرحلة من مراحل ما قبل‬
‫الستخلف في الرض‪ ،‬وحذره من الشيطان الذي أبى أن يسجد له‪ ،‬وأراد منه أن يأخذ التجربة‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫في التكليف‪ .‬وكل تكليف محصور في " افعل كذا " و " ل تفعل كذا "؛ لذلك شاء ال أن يجعل له‬
‫في الجنة فترة تدريب على المهمة؛ لينزل إلى الرض مباشرا مهمة الخلفة بعد أن زود بالتجربة‬
‫الفعلية الواقعية‪ ،‬وأوضح له‪ :‬أَنْ ُكلْ مِنْ ُكلّ ما في الجنة‪ ،‬ولكن ل تقرب هذه الشجرة‪ .‬و " ُكلْ "‬
‫َأمْرٌ‪ ،‬و " ول تقرب " َن ْهيّ‪ .‬وكل تكليف شرعي هو بين " ل تفعل " وبين " افعل "‪.‬‬
‫وبعد ذلك حذره من الشيطان الذي يضع ويجعل له العقبات في تنفيذ منهج ال‪ ،‬فلما قرب آدم‬
‫وحواء وأكل منها؛ خالفا أمر ال في { َولَ َتقْرَبَا } ‪ ،‬وأراد ال أن يبين لهما بالتجربة الواقعية أن‬
‫مخالفة أمر ال لبد أن ينشأ عنها عورة تظهر في الحياة‪ ،‬فبدت له ولزوجته سواءتهما‪ ،‬فلما بدت‬
‫لهما سواءتهما علم كل منهما أن مخالفة أمر ال تُظهر عورات الرض وعورات المجتمع‪ ،‬فأمره‬
‫ال‪ :‬أن اهبط إلى الرض مزودا بهذه التجربة‪.‬‬
‫ولما هبط آدم وزوجه إلى الرض أرسل إليه منهج السماء بعد التجربة‪ ،‬وأراد أن يبين لنا أنه‬
‫عصى أمر ربه في قوله‪َ { :‬ولَ َتقْرَبَا } ‪ ،‬وتلقى من ربه كلمات فتاب عليه‪ ،‬وأراد سبحانه أن يبين‬
‫لنا أن آدم يتمثل فيه أنه بشر يصيب ويخطئ‪ ،‬وتدركه الغفلة‪ ،‬وقد يخالف منهج ال في شيء‪ ،‬ثم‬
‫يستيقظ من غفلته فيتوب‪ ،‬وبعد أن كلفه أن يبلغ رسالة ال وصار نبيّا؛ جاءت له العصمة فل يغفل‬
‫ول ينسى في تبليغ الرسالة‪.‬‬
‫ولذلك يجب أن نفطن إلى النص القرآني‪:‬‬
‫عصَىا ءَا َدمُ رَبّهُ َف َغوَىا }[طه‪]121 :‬‬
‫{ ‪...‬وَ َ‬
‫إنّ هذه طبيعة البشر أن يعصي ثم يتوب إذا أراد التوبة‪ ،‬ولبد أن نفطن أيضا إلى قوله الحق‪} :‬‬
‫ثُمّ اجْتَبَاهُ رَبّهُ {‬
‫إذن فالصطفاء جاء بعد المعصية؛ لن عصيانه كان أمرا طبيعيّا لنه بشر‪ ،‬يخطئ ويصيب‪،‬‬
‫ويسهو ويغفل‪ .‬ولكن بعد أن خرج من الجنة اجتباه ال ليكون نبيّا ورسولً‪ ،‬ومادام قد صار نبيّا‬
‫ورسولً فالعصمة تأتي له‪ {:‬ثُمّ اجْتَبَاهُ رَبّهُ فَتَابَ عَلَ ْي ِه وَهَدَىا }[طه‪]122 :‬‬
‫إذن ل يصح لنا أن نقول‪ :‬كيف يعصي آدم وهو نبي؟! نقول‪ :‬تنبه إلى أن النبوة لم تأته إل بعد أن‬
‫عصى وتاب؛ فهو يمثل مرحلة البشرية لنه أبو البشرية كلها‪ ،‬والبشرية منقسمة إلى قسمين‪ :‬بشر‬
‫مبلغون عن ال‪ ،‬وأنبياء يبلغون عن ال‪ ،‬فله في البشرية أنه عصى‪ ،‬وله في النبوة أن ربه قد‬
‫اجتباه فتاب عليه وهداه‪ .‬والذين يقولون‪ :‬إن آدم كان مخلوقا للجنة‪ ،‬نقول لهم‪ :‬ل‪ .‬افهموا عن ال‪،‬‬
‫علٌ فِي الَ ْرضِ خَلِيفَةً {‪.‬‬
‫لنه يقول‪ } :‬إِنّي جَا ِ‬
‫إن أمر الجنة كان مرحلة من المراحل التي سبقت الخلفة في الرض‪ .‬إنها كانت تدريبا على‬
‫المهمة التي سيقوم بها في الرض‪ ،‬وال فلو أن آدم قد خلقه ال للجنة وأن المعصية أخرجته‪ ،‬إل‬
‫أن ال قد قبل منه توبته‪ ،‬وما دام قبل توبته فكان يجب أن يبقيه في الجنة‪ ،‬ومن هنا نقول ونؤكد‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أن الجنة كانت مرحلة من المراحل التي سبقت الخلفة في الرض‪ .‬وبعد ذلك يريد الحق سبحانه‬
‫وتعالى أن يخلع علينا التجربة لدم حتى نتعظ بها‪ ،‬وأن نعرف عداوة الشيطان لنا‪ ،‬وأل نقع في‬
‫الفتنة كما وقع آدم‪ } .‬يَابَنِي ءَا َد َم لَ َيفْتِنَنّكُمُ الشّيْطَانُ َكمَآ أَخْرَجَ أَ َبوَ ْيكُمْ مّنَ الْجَنّةِ يَن ِزعُ عَ ْن ُهمَا‬
‫سوْءَا ِت ِهمَآ‪[ { ...‬العراف‪]27 :‬‬
‫س ُهمَا لِيُرِ َي ُهمَا َ‬
‫لِبَا َ‬
‫وهذا نهي لبني آدم وليس نهيا للشيطان‪ ،‬وهذا في مُكنة النسان أن يفعل أو ل يفعل‪ ،‬فسبحانه ل‬
‫ينهى النسان عن شيء ليس في مكنته‪ ،‬بل ينهاه عما في مكنته‪ ،‬والشيطان قد أقسم أن يفتنه‬
‫ج َمعِينَ {‪ .‬فإياكم أن تنخدعوا بفتنة الشيطان؛‬
‫غوِيَ ّنهُمْ أَ ْ‬
‫ك لُ ْ‬
‫وسيفعل ذلك لنه أقسم وقال‪ } :‬فَ ِبعِزّ ِت َ‬
‫لن أمره مع أبيكم واضح‪ ،‬ويجب أن تنسحب تجربته مع أبيكم عليكم فل يفتننكم كما أخرج أبويكم‬
‫من الجنة‪ ،‬ويتساءل البعض‪ :‬لماذا لم يقل ال‪ :‬ل يفتننكم الشيطان كما فتن أبويكم‪ ،‬وقال‪ } :‬لَ‬
‫َيفْتِنَ ّنكُمُ الشّ ْيطَانُ َكمَآ أَخْرَجَ أَ َبوَ ْيكُمْ مّنَ الْجَنّةِ {؟‪ .‬ونقول هذا هو السمو والفتنان الراقي في الداء‬
‫البياني للقرآن‪.‬‬
‫وإن هذا تحذير من فتنة الشيطان حتى ل يخرجنا من جنة التكليف‪ .‬كما فتن أبوينا فأخرجهما من‬
‫جنة التجربة‪ .‬ويقال عن هذا السلوب إنه أسلوب احتباك‪ ،‬وهو أن تجعل الكلم شطرين وتحذف‬
‫من كل منهما نظير ما أثبت في الخر قصد الختصار‪ .‬وهذا هو السلوب الذي يؤدي المعنى‬
‫بمنتهى اليجاز؛ لينبه ذهن السامع لكلم ال‪.‬‬
‫فيلتقط من الداء حكمة الداء وإيجاز الداء‪ ،‬وعدم الفضول في الساليب‪ } .‬لَ َيفْتِنَ ّنكُمُ الشّيْطَانُ‬
‫َكمَآ أَخْرَجَ أَ َبوَ ْيكُمْ مّنَ الْجَنّةِ‪[ { ...‬العراف‪]27 :‬‬
‫والفتنة‪ -‬كما علمنا‪ -‬هي في الصل الختبار حتى ننقي الشيء من الشوائب التي تختلط به‪ ،‬فإذا‬
‫كانت الشوائب في ذهب فنحن نعلم أن الذهب مخلوط بنحاس أو بمعدن آخر‪ ،‬وحين نريد أن نأخذ‬
‫الذهب خالصا نفتنه على النار حتى ينفض ويزيل عنه ما علق به‪ .‬كذلك الفتنة بالنسبة للناس‪ ،‬إنها‬
‫تأتي اختبارا للنسان لينقي نفسه من شوائب هذه المسألة‪ ،‬وليتذكر ما صنع إبليس بآدم وحواء‪.‬‬
‫فإذا ما جاء ليفتنك فإياك أن تفتن؛ لن الفتنة ستضرك كما سبق أن الحقت الضرر بأبيك آدم وأمك‬
‫حواء‪ .‬والشيطان هو المتمرد على منهج ال من الجن‪ ،‬والجن جنس منه المؤمن ومنه الكافر‪ .‬فقد‬
‫ن َومِنّا دُونَ ذَِلكَ‪[} ...‬الجن‪]11 :‬‬
‫قال الحق سبحانه‪ {:‬وَأَنّا مِنّا الصّالِحُو َ‬
‫والشيطان المتمرد من هذا الجنس على منهج ال ليس واحدا‪ ،‬واقرأ قول الحق سبحانه‪َ {:‬أفَتَتّخِذُونَهُ‬
‫ع ُدوّ‪[} ...‬الكهف‪]50 :‬‬
‫وَذُرّيّتَهُ َأوْلِيَآءَ مِن دُونِي وَ ُهمْ َلكُمْ َ‬
‫وهنا يقول الحق سبحانه‪ } :‬إِنّهُ يَرَاكُمْ ُه َو َوقَبِيلُهُ مِنْ حَ ْيثُ لَ تَ َروْ َنهُمْ‪[ { ...‬العراف‪]27 :‬‬
‫ج َمعِينَ‬
‫ك لُغْوِيَ ّنهُمْ َأ ْ‬
‫سمَه‪ {:‬قَالَ فَ ِبعِزّ ِت َ‬
‫و " قبيله " هم جنوده وذريته الذين ينشرهم في الكون ليحقق َق َ‬
‫}[ص‪]82 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إذن ففتنة الشيطان إنما جاءت لتخرج خلق ال عن منهج ال‪ ،‬وحينما عصى إبليس ربّه عزّ عليه‬
‫ذلك‪ ،‬فبعد أن كان في قمة الطاعة صار عاصيّا لمر ال معصية َأدّته وأوصلته إلى الكفر؛ لنه‬
‫ردّ الحكم على ال‪ .‬إن ذلك قد أوغر صدره وأحنقه‪ ،‬وجعله يوغل ويسرف في عداوة الِنسان لنه‬
‫ث لَ تَ َروْ َنهُمْ‪...‬‬
‫عرف أن طرده ولعنه كان بسبب آدم وذريته‪ } .‬إِنّهُ يَرَاكُمْ ُهوَ َوقَبِيلُهُ مِنْ حَ ْي ُ‬
‫{ [العراف‪]27 :‬‬
‫وهذا يدل على أن المراد ذرية الشيطان‪ ،‬فلو كان المراد شياطين الِنس معهم لما قال‪ } :‬إِنّهُ يَرَاكُمْ‬
‫ث لَ تَ َروْ َنهُمْ {‪.‬‬
‫ُه َو َوقَبِيلُهُ مِنْ حَ ْي ُ‬
‫وعلى ذلك فهذه الية خاصة بالذرية‪ ،‬ويعلمنا الحق سبحانه وتعالى أن نتنبه إلى أن الشيطان لن‬
‫يكتفي بنفسه ولن يكتفي بالذرية بل سيزين لقوم من البشر أن يكونوا شياطين الِنس كما وُجد‬
‫س وَالْجِنّ‬
‫ن الِنْ ِ‬
‫جعَلْنَا ِل ُكلّ نِ ِبيّ عَ ُدوّا شَيَاطِي َ‬
‫شياطين الجن‪ ،‬وهم من قال فيهم سبحانه‪َ {:‬وكَذَِلكَ َ‬
‫ضهُمْ إِلَىا َب ْعضٍ زُخْ ُرفَ ا ْل َقوْلِ غُرُورا‪[} ...‬النعام‪]112 :‬‬
‫يُوحِي َب ْع ُ‬
‫وكلمة } ُزخْ ُرفَ ا ْلقَ ْولِ { تعني الستمالة التي تجعل الِنسان يرتكب المعصية وينفعل لها‪ ،‬ويتأثر‬
‫بزخارف القول‪ .‬وكل معصية في الكون هكذا تبدأ من زخرف القول‪ ،‬فللباطل دعاته‪ ،‬ومروجوه‪،‬‬
‫ومعلنوه‪ ،‬إنهم يزينون للِنسان بعض شهواته التي تصرفه عن منهج ال‪ ،‬ونلحظ أن أعداء ال‪،‬‬
‫وأعداء منهج ال يترصدون مواسم الِيمان في البشر‪ ،‬فإذا ما جاء موسم الِيمان خاف أعداء ال‬
‫أن يمر الموسم تاركا هبة في نفوس الناس‪ ،‬فيحاولوا أن يكتلوا جهودهم حتى يحرموا الناس نفحة‬
‫الموسم‪ ،‬فإذا ما حرموا الناس من نفحة الموسم فقد حققوا غرضهم في العداوة للِسلم‪.‬‬
‫} إِنّهُ يَرَاكُمْ ُهوَ َوقَبِيلُهُ {‪.‬‬
‫إن الشيطان يراكم أيها المكلفون هو وقبيله‪ .‬والقبيل تدل على جماعة أقلها ثلثة من أجناس مختلفة‬
‫أو جماعة ينتسبون إلى أب وأم واحدة‪ .‬واختلف العلماء حول المراد من هذا القول الكريم؛ فقال‬
‫قوم‪ " :‬إنهم جنوده وذريته "‪ .‬ويقصدون جنوده من البشر‪ ،‬ولم يلتفتوا إلى قول الحق‪ } :‬مِنْ حَ ْيثُ‬
‫لَ تَ َروْ َنهُمْ { فل بد أن يكون المراد بالقبيل هنا الذرية؛ لننا نرى البشر‪ ،‬وفي قوله الحق تغليظ‬
‫لشدة الحذر والتنبه؛ لن العدو الذي تراه تستطيع أن تدفع ضرره‪ ،‬ولكن العدو الذي يراك ول تراه‬
‫عداوته شديدة وكيده أشد‪ ،‬والجن يرانا ول نراه‪ ،‬وبعض من العلماء علل ذلك لننا مخلوقون من‬
‫طين وهو كثيف‪ ،‬وهم مخلوقون من نار وهي شفيفة‪.‬‬
‫فالشفيف يستطيع أن يؤثر في الكثيف‪ ،‬بدليل أننا نحس حرارة النار وبيننا وبينها جدار‪ ،‬ولكن‬
‫الكثيف ل يستطيع أن يؤثر في الشفيف ول ينفذ منه‪ .‬إذن فنفوذ الجن وشفافيته أكثر من شفافية‬
‫الِنسان‪ ،‬ولذلك أخذ خفة حركته‪ .‬ونحن ل نراه‪.‬‬
‫إذن معنى ذلك أن الشيطان ل يُرى‪ ،‬ولكن إذا كان ثبت في الثار الصحيحة أن الشيطان قد رُئى‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وهو من نار‪ ،‬والملئكة من نور‪ ،‬والثنان كل منهما جنس خفي مستور‪ ،‬وقد تشكل المَلك بهيئة‬
‫إنسان‪ ،‬وجاء لرسول ال وقال لنا صلى ال عليه وسلم‪ " :‬هذا جبريل جاء ليعلم الناس دينهم "‪.‬‬
‫وعلى ذلك رأى السابقون المعاصرون لرسول ال صلى ال عليه وسلم جبريل ل على صورة‬
‫ملئكيّته‪ ،‬ولكن على صورة تتسق مع جنس البشر‪ ،‬فيتمثل لهم مادة‪ " .‬وقد ثبت أن رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم رأى الشيطان وقال‪ " :‬إن عفريتا من الجن جعل يفتك عليّ البارحة ليقطع‬
‫عليّ الصلة‪ ،‬وإن ال أمكنني منه َفذَعَتّهُ فلقد هممت أن أربطه إلى جنب سارية من سوراي‬
‫المسجد حتى تصبحوا تنظرون إليه أجمعون "‪.‬‬
‫وذلك من أدب النبوة‪ .‬إذن فالشيطان يتمثل وأنت ل تراه على حقيقته‪ ،‬فإذا ما أرادك أن تراه‪ ..‬فهو‬
‫يظهر على صورة مادية‪ .‬وقد ناقش العلماء هذا المر نقاشا يدل على حرصهم على فهم كتاب‬
‫ال‪ ،‬ويدل على حرصهم على تجلية مراداته وأسراره‪ ،‬فقال بعضهم‪ :‬حين يقول ال إن الشيطان‬
‫يراكم هو وقبيله من حيث ل ترونهم‪ ،‬لبد أن نقول‪ :‬إننا لن نراه‪.‬‬
‫وأقول‪ :‬إن النسان إن رأى الجني فلن يراه على صورته‪ ،‬بل على صورة مادية يتشكل بها‪ ،‬وهذه‬
‫الصورة تتسق وتتفق مع بشرية النسان؛ لن الجني لو تصور بصورة مادية كإنسان أو حيوان أو‬
‫شيء آخر يمكن أن يراه النسان‪ ،‬وحينئذ لفقدنا الوثوق بشخص من نراه‪ ،‬هل هو الشيء الذي‬
‫نعرفه أو هو شيطان قد تمثل به؟‬
‫إن الوثوق من معرفة الشخاص أمر ضروري لحركة الحياة‪ ،‬وحركة المجتمع؛ لنك ل تعطف‬
‫على ابنك إل لنك تعلم أنه ابنك ومحسوب عليك‪ ،‬ول تثق في صديقك إل إذا عرفت أنه صديقك‪.‬‬
‫ول تأخذ علما إل من عالم تثق به‪ .‬وهب أن الشيطان يتمثل بصورة شخص تعرفه‪ ،‬وهنا سيشكك‬
‫هذا الشيطان ويمنع عنك الوثوق بالشخص الذي يتمثل في صورته‪ .‬وأيضا أعدى أعداء الشيطان‬
‫هم الذين يبصرون بمنهج ال وهم العلماء‪ ،‬فما الذي يمنع أن يتشكل الشيطان بصورة عالم موثوق‬
‫في علمه‪ ،‬ثم يقول كلما مناقضا لمنهج ال؟‪.‬‬
‫إذن فالشيطان ل يتمثل‪ ،‬هكذا قال بعض العلماء‪ ،‬ونقول لهم‪ :‬أنتم فهمتم أن الشيطان حين يتمثل‪،‬‬
‫يتمثل تمثلً استمراريا‪ ،‬ل‪ .‬هو يتمثل تمثل الومضة؛ لن الشيطان يعلم أنه لو تشكل بصورة إنسان‬
‫أو لصورة مادية لحكمته الصورة التي انتقل إليها‪ ،‬وإذا حكمته الصورة التي انتقل إليها فقد يقتله‬
‫من يملك سلحا‪ ،‬إنه يخاف منا أكثر مما نخاف منه‪ ،‬ويخاف أن يظهر ظهورا استمراريا؛ لذلك‬
‫يختار التمثل كومضة‪ ،‬ثم يختفي‪ ،‬والنسان إذا تأمل الجني المشكل‪ .‬سيجد فيه شيئا مخالفا‪ ،‬كأن‬
‫يتمثل‪ -‬مثل‪ -‬في هيئة رجل له ساق عنزة لتلتفت إليه كومضة ويختفي؛ أنه يخاف أن تكون قد‬
‫عرفت أن الصورة التي يتشكل بها تحكمه‪ .‬وإذا عرفت ذلك أمكنك أن تصرعه‪.‬‬
‫جعَلْنَا الشّيَاطِينَ َأوْلِيَآءَ لِلّذِينَ لَ ُي ْؤمِنُونَ { [العراف‪]27 :‬‬
‫ويتابع الحق سبحانه‪...} :‬إِنّا َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫جعْل ال‪ ،‬وسبحانه خلّى بينهم وبين الذين يريدون أن يفتنوهم وال لو أراد ال‬
‫والشياطين من َ‬
‫منعهم من أن يفتنوهم‪ .‬لفعل‪ ..‬إذن فكل شيء في الوجود‪ ،‬أو كل حدث في الوجود يحتاج إلى‬
‫أمرين‪ :‬طاقة تفعل الفعل‪ ،‬وداع لفعل الفعل‪ .‬فإذا ما كانت عند النسان الطاقة للفعل‪ ،‬والداعي إلى‬
‫الفعل‪ ،‬فإبراز الفعل في الصورة النهائية نستمدها من عطاء ال من الطاقة التي منحها ال‬
‫للنسان‪ .‬فأنت تقول‪ :‬العامل النساج نسج قطعة من القماش في غاية الدقة‪ ،‬ونقول‪ :‬إن العامل لم‬
‫ينسج‪ ،‬وإنما اللة‪ ،‬واللة لم تنسج‪ ،‬لكن الصانع الذي صنعها أرادها كذلك‪ ،‬والصانع لم يصممها‬
‫ال بالعالم الذي ابتكر قانون الحركة بها‪.‬‬
‫إذن فالعامل قد وجّه الطاقة المخلوقة للمهندس في أن تعمل‪ ،‬واعتمد على طاقة المهندس الذي‬
‫صنعها في المصنع‪ ،‬والمهندس اعتمد على طاقة البتكار وعلى العالم الذي ابتكر قانون الحركة‪،‬‬
‫والعالم قد ابتكرها بعقل خلقه ال‪ ،‬وفي مادة خلقها ال‪.‬‬
‫إذن فكل شيء يعود إلى ال فعلً؛ لنه خالق الطاقة‪ ،‬وخالق من يستعمل الطاقة‪ ،‬والنسان يوجه‬
‫الطاقة فقط‪ ،‬فإذا قلت‪ :‬العامل نسج يصح قولك‪ ،‬وإذا قلت‪ :‬اللة نسجت‪ ،‬صح قولك‪ ،‬وإذا قلت‪ :‬إن‬
‫المصنع هو الذي نسج صح قولك‪.‬‬
‫إذن فالمسألة كلها مردها في الفعل إلى ال‪ ،‬وأنت وجهت الطاقة المخلوقة ل بالقدرة المخلوقة ل‬
‫جعَلْنَا الشّيَاطِينَ { أي خلّينا بينهم وبينهم المفتونين بهم‪،‬‬
‫في فعل أمر من المور‪ .‬فإذا قال ال } إِنّا َ‬
‫ج َمعِينَ * ِإلّ‬
‫غوِيَ ّنهُمْ أَ ْ‬
‫غير أننا لو أردنا ال يفتنوا أحدا لما فتنوه‪ .‬وهذا ما فهمه إبليس‪... {.‬لُ ْ‬
‫عِبَا َدكَ مِ ْنهُمُ ا ْلمُخَْلصِينَ }[ص‪]83-82 :‬‬
‫إذن من يريده ال معصوما ل يستطيع الشيطان أن يغويه‪ ،‬وتعلم الشياطين أن ال خلّى بينهم في‬
‫الختيار‪ ،‬هذه اسمها تخلية؛ ولذلك ل معركة بين العلماء‪ .‬فمنهجهم أن الطاقة مخلوقة ل‪ ،‬ونسب‬
‫كل فعل إلى ال‪ ،‬ومنهم من رأى أنّ موجّه الطاقة من البشر فينسب الفعل للبشر‪ ،‬ومنهم من رأى‬
‫طلقة قدرة ال في أنه الفاعل لكل شيء‪ ،‬ومنهم من قال‪ :‬إن النسان هو الذي فعل المعصية‪ ..‬أي‬
‫أنه وجه الطاقة إلى عمل والطاقة صالحة له‪ ،‬فربنا يعذبه على توجيه الطاقة للفعل الضار ول‬
‫ن لَ ُي ْؤمِنُونَ { [العراف‪]27 :‬‬
‫جعَلْنَا الشّيَاطِينَ َأوْلِيَآءَ لِلّذِي َ‬
‫خلف بينهم جميعا‪...} .‬إِنّا َ‬
‫إذن جعل ال الشياطين أولياء لمن لم يؤمن‪ ،‬ولكن الذي آمن ل يتخذه الشيطان وليًا‪.‬‬
‫شةً قَالُو ْا وَجَدْنَا‪{ ...‬‬
‫ويقول الحق سبحانه بعد ذلك‪ } :‬وَِإذَا َفعَلُواْ فَاحِ َ‬

‫(‪)970 /‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫حشَاءِ أَ َتقُولُونَ‬
‫جدْنَا عَلَ ْيهَا آَبَاءَنَا وَاللّهُ َأمَرَنَا ِبهَا ُقلْ إِنّ اللّهَ لَا يَ ْأمُرُ بِا ْلفَ ْ‬
‫حشَةً قَالُوا وَ َ‬
‫وَإِذَا َفعَلُوا فَا ِ‬
‫عَلَى اللّهِ مَا لَا َتعَْلمُونَ (‪)28‬‬

‫والفاحشة مأخوذة من التفحش أي التزايد في القبح‪ ،‬ولذلك صرفها بعض العلماء إلى لون خاص‬
‫من الذنوب‪ ،‬وهو الزنا‪ ،‬لن هذا تزيد في القبح‪ ،‬فكل معصية يرتكبها النسان تنتهي بأثرها‪ ،‬لكن‬
‫الزنا يخلف آثارا‪ ..‬فإمّا أن يوأد المولود‪ ،‬وإما أن تجهض المرأة‪ ،‬وإما أن تلد طفلها وتلقيه بعيدا‪،‬‬
‫ويعيش طريدا في المجتمع ل يجد مسئولً عنه‪ ،‬وهكذا تصبح المسألة ممتدة امتدادا أكثر من أي‬
‫معصية أخرى‪ .‬وتصنع هذه المعصية الشك في المجتمع‪ .‬ولنا أن نتصور إن إنسانا يشك في أن‬
‫من ينسبون إليه ويحملون اسمه ليسوا من صلبه‪ ،‬وهذه بلوى كبيرة للغاية‪ .‬والذين قالوا‪ :‬إن‬
‫ش ًة وَسَآءَ‬
‫الفاحشة المقصود بها الزنا نظروا إلى قول ال سبحانه‪َ {:‬ولَ َتقْرَبُواْ الزّنَىا إِنّهُ كَانَ فَاحِ َ‬
‫سَبِيلً }[السراء‪]32 :‬‬
‫أو الفاحشة هي ما فيه حد‪ ،‬أو الفاحشة هي الكبائر‪ ،‬ونحن نأخذها على أنها التزيد في القبح على‬
‫أي لون من اللوان‪.‬‬
‫ج َعلَ اللّهُ مِن َبحِي َر ٍة َولَ‬
‫فما هي الفاحشة المقصودة هنا؟‪ .‬إنها الفواحش التي تقدمت في قوله‪ {:‬مَا َ‬
‫سَآئِبَةٍ‪[} ...‬المائدة‪]103 :‬‬
‫وكذلك ما جاء في قوله تعالى‪َ {:‬وكَذاِلكَ زَيّنَ ِلكَثِيرٍ مّنَ ا ْلمُشْ ِركِينَ قَ ْتلَ َأ ْولَدِهِمْ شُ َركَآؤُهُمْ‪} ...‬‬
‫[النعام‪]137 :‬‬
‫ث وَالَ ْنعَامِ َنصِيبا َفقَالُواْ هَـاذَا للّهِ‬
‫جعَلُواْ للّهِ ِممّا ذَ َرأَ مِنَ الْحَ ْر ِ‬
‫وكذلك في قوله الحق سبحانه‪ {:‬وَ َ‬
‫ع ِمهِ ْم وَهَـاذَا ِلشُ َركَآئِنَا‪[} ...‬النعام‪]136 :‬‬
‫بِزَ ْ‬
‫أو أن المقصود أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة‪ ،‬فيطوف الرجال نهارا‪ ،‬والنساء يطفن ليلً‪،‬‬
‫عوْا الورع‪ .‬وقالوا‪ :‬نريد أن نطوف إلى بيت ربنا كما ولدتنا أمهاتنا‪ ،‬وأن نتجرد‬
‫لماذا؟‪ .‬لنهم ادّ َ‬
‫من متاع الدنيا‪ ،‬ول نطوف ببيت ال في ثياب عصينا ال فيها‪.‬‬
‫جدْنَا عَلَ ْيهَآ آبَاءَنَا } تقليد‪ ،‬والتقليد ل يعطي حكما تكليفيا‪ ،‬وإن أعطى علما تدريبيا‪ ،‬بأن‬
‫وقولهم‪ { :‬وَ َ‬
‫ندرب الولد على مطلوب ال من المكلف ليستطيعوا ويألفوا ما يكلفون به عندما يصلون إلى سن‬
‫التكليف‪ .‬ومما يدل على أن التقليد ل يعطي حقيقة‪ ،‬أنك تجد المذهبين المتناقضين‪ -‬الشيوعية‬
‫والرأسمالية مثلً‪ -‬مقلدين؛ لهذا المذهب مقلدون‪ ،‬ولهذا المذهب مقلدون‪ .‬فلو أن التقليد معترف به‬
‫حقيقة لكان التقليدان المتضادان حقيقة‪ ،‬والمتضادان ل يصبحان حقيقة؛ لنهم ‪ -‬كما يقولون ‪-‬‬
‫الضدان ل يجتمعان‪ ،‬هذا هو الدليل العقلي في إبطال التقليد‪ .‬ولذلك نلحظ في أسلوب الداء‬
‫علَ ْيهَآ آبَاءَنَا وَاللّهُ‬
‫شةً قَالُو ْا وَجَدْنَا َ‬
‫القرآني أنه أداء دقيق جدا؛ فالذي يتكلم إله‪ { .‬وَِإذَا َفعَلُواْ فَاحِ َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫َأمَرَنَا ِبهَا } [العراف‪]28 :‬‬
‫والرد من ال عليهم أنه سبحانه لم يأت في مسألة التقليد بردّ لنه بداهة ل يؤدي إلى حقيقة‪ ،‬بل‬
‫قال‪ُ ...{ :‬قلْ إِنّ اللّ َه لَ يَ ْأمُرُ بِا ْلفَحْشَآءِ أَ َتقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لَ َتعَْلمُونَ } [العراف‪]28 :‬‬
‫وهذا رد على قولهم‪ :‬وال أمرنا بها‪ .‬وأين الرد على قولهم‪ { :‬وَجَدْنَا عَلَ ْيهَآ آبَاءَنَا }؟‪.‬‬
‫نقول إنه أمر ل يحتاج إلى رد؛ لنه أمر يرفضه العقل الفطري‪ ،‬ولذلك ترك ال الرد عليه؛‬
‫لوضوح بطلنه عند العقل الفطري‪ ،‬وجاء بالرد على ادعائهم أن ال يأمر بالفحشاء‪ ،‬فال ل يأمر‬
‫بالفحشاء‪ .‬ثم كيف كان أمر ال لكم؟‪ .‬أهو أمر مباشر‪ ..‬بمعنى أنه قد أمر كل واحد منكم أن‬
‫ل وَحْيا َأوْ مِن‬
‫يرتكب فاحشة؟ ألم تنتبهوا إلى قول الحق سبحانه‪َ {:‬ومَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن ُيكَّلمَهُ اللّهُ ِإ ّ‬
‫سلَ َرسُولً‪[} ...‬الشورى‪]51 :‬‬
‫وَرَآءِ حِجَابٍ َأوْ يُرْ ِ‬
‫أم بلغكم المر بالفاحشة عن طريق نبي فكيف ذلك وأنتم تكذبون مجيء الرسول؟‪ .‬وهكذا يكون‬
‫قولكم مردودا من جهتين‪ :‬الجهة الولى‪ :‬إنه ل طريق إلى معرفة أمر ال إل بأن يخاطبكم مباشرة‬
‫أو يخاطبكم بواسطة رسل؛ لنكم لستم أهلً للخطاب المباشر‪ ،‬والجهة الثانية‪ :‬أنكم تنكرون مسألة‬
‫النبياء والرسل‪ .‬فأنتم لم يخاطبكم ال بالمباشرة أو بواسطة الرسل فلم يبق إل أن يقال لكم‪...} :‬‬
‫أَ َتقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لَ َتعَْلمُونَ { [العراف‪]28 :‬‬
‫ول جواب على السؤال إل بأمرين‪ :‬إما أن يقولوا‪ " :‬ل " فقد كذبوا أنفسهم‪ ،‬وإما أن يقولوا‪ " :‬نعم‬
‫"؛ فإذا قالوا‪ :‬نعم نقول على ال ما ل نعلم؛ فقد فضحوا أنفسهم وأقروا بأن ال لم يأمر بالفاحشة‪،‬‬
‫سطِ‪{ ...‬‬
‫بل أمر ال بالقسط‪ ،‬لذلك يقول سبحانه بعد ذلك‪ُ } :‬قلْ َأمَرَ رَبّي بِا ْلقِ ْ‬

‫(‪)971 /‬‬
‫سجِ ٍد وَادْعُوهُ ُمخِْلصِينَ لَهُ الدّينَ َكمَا بَدََأكُمْ َتعُودُونَ‬
‫ط وََأقِيمُوا وُجُو َه ُكمْ عِنْدَ ُكلّ مَ ْ‬
‫سِ‬
‫ُقلْ َأمَرَ رَبّي بِا ْلقِ ْ‬
‫(‪)29‬‬

‫والقسط هو العدل من قسط قِسطا‪ ،‬وأمّا قاسط فهي اسم فاعل من قسط قَسْطا وقَسُوطا أي جار‬
‫وعدل عن الحق‪ ،‬والقاسطون هم المنحرفون والمائلون عن الحق والظالمون‪ ،‬كلمة العدل هي‬
‫التسوية‪ ،‬فإن ملت إلى الحق‪ ،‬فذلك العدل المحبوب‪ .‬وإن ملت إلى الباطل‪ ،‬فذلك أكره مكروه { ُقلْ‬
‫َأمَرَ رَبّي بِا ْلقِسْطِ }‪.‬‬
‫جدٍ } [العراف‪]29 :‬‬
‫وهذه جملة خبرية‪ { .‬وََأقِيمُو ْا وُجُو َهكُمْ عِندَ ُكلّ مَسْ ِ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وهذا فعل أمر‪ ،‬وقد يتبادر إلى الذهن إن هذا من عطف المر على الخبر‪ ،‬ولكن لنلتفت أن الحق‬
‫يعطفها على " قل " ‪ ،‬فكأن المقصود هو أن يقول‪ُ { :‬قلْ َأمَرَ رَبّي بِا ْلقِسْطِ وََأقِيمُو ْا وُجُو َهكُمْ عِندَ‬
‫ُكلّ َمسْجِدٍ }‪.‬‬
‫والوجه هو السمة المعينة للشخص؛ لن النسان إن أخفى وجهه لن تعرفه إل أن كان له لباس‬
‫مميز ل يرتديه ال هو‪ .‬والوجه أشرف شيء في التكوين الجسمي‪ ،‬ولذلك كان السجود هو وضع‬
‫الوجه في الرض‪ ،‬وهذا منتهى الخضوع لمر ال بالسجود؛ لن السجود من الفاعل المختار وهو‬
‫النسان يكون بوضع الجبهة على الرض‪ .‬وكل شيء خاضع لحكم ال نقول عنه‪ :‬إنه ساجد‪ {.‬أََلمْ‬
‫ل وَالشّجَرُ‬
‫س وَا ْلقَمَ ُر وَالنّجُومُ وَالْجِبَا ُ‬
‫شمْ ُ‬
‫سمَاوَاتِ َومَن فِي الَ ْرضِ وَال ّ‬
‫سجُدُ َلهُ مَن فِي ال ّ‬
‫تَرَ أَنّ اللّهَ يَ ْ‬
‫وَال ّدوَآبّ‪[} ...‬الحج‪]18 :‬‬
‫والشجر يسجد وهو نبات‪ ،‬والدواب تسجد وهي من جنس الحيوان‪ ،‬والشمس والقمر والنجوم‬
‫والجبال من الجماد وهي أيضا ساجدة‪ ،‬لكن حين جاء الحديث عن النسان قسمها سبحانه وقال‪{:‬‬
‫حقّ عَلَيْهِ ا ْل َعذَابُ‪[} ...‬الحج‪]18 :‬‬
‫س َوكَثِيرٌ َ‬
‫َوكَثِيرٌ مّنَ النّا ِ‬
‫لن النسان له خاصية الختيار‪ ،‬وبقية الكائنات ليس له اختيار‪ .‬إذن فالسجود قد يكون لغير ذي‬
‫وجه‪ ،‬والمراد منه مجرد الخضوع‪ ،‬أما النسان فالسجود يكون بالوجه ليعرف أنه مستخلف وكل‬
‫الكائنات مسخرة لخدمته وطائعة وكلها تسبح ربنا‪ ،‬فإذا كان السيد الذي تخدمه كل هذه الجناس‬
‫حيوانا‪ ،‬ونباتا‪ ،‬وجمادا قد وضع وجهه على الرض فهو خاضع من أول المر حين نقول عنه إنه‬
‫جدٍ‪[ } ...‬العراف‪]29 :‬‬
‫ساجد‪ { .‬وََأقِيمُو ْا وُجُو َهكُمْ عِندَ ُكلّ مَسْ ِ‬
‫والقامة أن تضع الشيء فيما هيىء له وخُلق وطُلب منه‪ ،‬وإن وجهته لناحية ثانية تكون قد ثنيته‬
‫عوّجته‪ .‬إذن فإقامة الوجه تكون بالسجود؛ لن الذي سخر لك هذا الوجود‬
‫وأملته وحنيته‪ ،‬و َ‬
‫وحكمك بمنهج التكليف هو من جعلت وجهك في الرض من أجله‪ ،‬وإن لم تفعل فأنت تختار‬
‫العوجاج لوجهك‪ ،‬واعلم أن هذا الخضوع والخشوع والسجود ل لن يعطيك فقط السيادة على‬
‫الجناس الخرى التي تعطيك خير الدنيا‪ ،‬ولكن وضع جبهتك ووجهك على الرض يعطيك‬
‫البركة في العمل ويعطيك خير الخرة أيضا‪ .‬والعاقل هو من يعرف أنه أخذ السيادة على الجناس‬
‫فيتقن العبودية ل‪ ،‬فيأخذ خيري الدنيا والخرة حيث ل يفوته فيها النعيم ول يفوت هو النعيم‪ ،‬أما‬
‫في الدنيا فأنت تقبل عليها باستخلف وتعلم أنك قد يفوتك النعيم‪ ،‬أو تفوت أنت النعيم‪ ،‬وحين تتذكر‬
‫ال وتكون خاضعا ل فأنت تنال البركة في حركة الستخلف‪.‬‬
‫جدٍ‪[ { ...‬العراف‪]29 :‬‬
‫} وََأقِيمُو ْا وُجُو َهكُمْ عِندَ ُكلّ َمسْ ِ‬
‫والمسجد مكان السجود‪ ،‬وقال الرسول صلى ال عليه وسلم‪ " :‬فضلت على النبياء بست‪ :‬أعطيت‬
‫جوامع الكلم‪ ،‬ونُصرت بالرعب وأحلت لي الغنائم وجعلت لي الرض طهورا ومسجدا‪ ،‬وأرسلت‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إلى الخلق كافة وختم بي النبيون "‪.‬‬
‫إذن فكل موضع في الرض مسجد؛ فإن دخلت معبدا لتصلي فهذا مسجد‪ .‬والرض كلها مسجد‬
‫لك‪ .‬يصح أن تسجد وتصلي فيها‪ .‬وتزاول فيها عملك أيضا‪ ،‬ففي المصنع تزاول صنعتك فيه‪،‬‬
‫وحين يأتي وقت الصلة تصلي‪ ،‬وكذلك الحقل تصلي فيه‪ ،‬لكن المسجد الصطلحي هو المكان‬
‫الذي حُبس على المسجدية وقصر عليها‪ ،‬ول يزاول فيه شيء آخر‪ .‬فإن أخذت المسجد على أن‬
‫الرض مسجد كلها تكن } وََأقِيمُواْ ُوجُو َهكُمْ { في جميع أنحاء الرض‪ .‬وإن أخذتها على المسجد‪،‬‬
‫فالمقصود إقامة الصلة في المكان المخصوص‪ ،‬وله متجه وهو الكعبة‪ .‬وكذلك يكون اتجاهك‬
‫وأنت تصلي في أي مكان‪ .‬والمساجد نسميها بيوت ال ولكن باختيار خلق ال‪ ،‬فبعضنا يبني‬
‫مسجدا هنا أو هناك‪ .‬ويتجهون إلى بيت باختيار ال وهو الكعبة‪ .‬ولذلك كانت كعبة ومتوجها‬
‫لجميع بيوت ال‪.‬‬
‫وقصارى المر أن نجعل قبلة المسجد متجهة إلى الكعبة وأن نقيم الوجه عليها‪ ،‬أي على الوجه‬
‫الذي تستقيم فيه العبادة‪ .‬وهو أن تتجهوا وأنتم في صلتكم إلى الكعبة فهي بيت ال باختيار ال‪.‬‬
‫جدٍ { يقصد بها‬
‫وساعة ما تصادفك الصلة صل في أي مسجد‪ ،‬أو } َأقِيمُو ْا وُجُو َهكُمْ عِندَ ُكلّ مَسْ ِ‬
‫التوجه للصلة في المسجد‪ ،‬وهنا اختلف العلماء‪ ،‬هل أداء الصلة وإقامتها في المسجد ندبا أو‬
‫حتما؟‪ .‬والكثرية منهم قالوا ندبا‪ ،‬والقلية قالوا حتما‪ .‬ونقول‪ :‬الحتمية ل دليل عليها‪.‬‬
‫من قال بحتمية الصلة في المسجد استدل بقوله صلى ال عليه وسلم‪ " :‬والذي نفسِ بيده لقد‬
‫هممت أن آمر بحطب فيحتطب ثم آمر بالصلة فيؤذن لها ثم آمر رجل فيؤم الناس ثم أخالف إلى‬
‫رجال فأحرق عليهم بيوتهم "‪.‬‬
‫ونقول‪ :‬هل فعل رسول ال صلى ال عليه وسلم ذلك أو لم يفعل؟ لم يفعل رسول ال ذلك‪ ،‬إنما‬
‫أراد بالمر التغليظ ليشجعنا على الصلة في المساجد عند أي أذان للصلة‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه‪ } :‬وَادْعُوهُ ُمخِْلصِينَ لَهُ الدّينَ‪[ { ...‬العراف‪]29 :‬‬
‫والدعاء‪ :‬طلب من عاجز يتجه به لقادر في فعل يحبه الداعي‪ .‬وحين تدعو ربك ادعه مخلصا له‬
‫الدين بحيث ل يكون في بالك السباب؛ لن السباب إن كانت في بالك فأنت لم تخلص الدين‪ ،‬لن‬
‫معنى الِخلص هو تصفية أي شيء من الشوائب التي فيه‪ ،‬والشوائب في العقائد وفي العمال‬
‫تفسد الِتقان والِخلص‪ ،‬وإياكم أن تفهموا أن أحدا ل تأتي له هذه المسألة‪ ،‬فرسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم يقول‪:‬‬
‫" أنّي لَ ُيغَانُ على قلبي وإني لستغفر ال كل يوم مائة مرة "‪.‬‬
‫إذن فالِخلص عملية قلبية‪ ،‬وأنت حين تدعوا ال ادعه دائما عن اضطرار‪ ،‬ومعنى اضطرار‪ .‬أن‬
‫ينقطع رجاؤك وأملك بالسباب كلها‪ .‬فذهبت للمسبب‪ ،‬وما دمت مضطرا سيجيب ربنا دعوتك؛‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لنك استنفدت السباب‪ ،‬وبعض الناس يدعون ال عن ترف‪ ،‬فالِنسان قد يملك طعام يومه ويقول‪:‬‬
‫ارزقني‪ ،‬ويكون له سكن طيب ويقول‪ :‬أريد بيتا أملكه‪ .‬إذن فبعضنا يدعو بأشياء ل فيها أسباب‪،‬‬
‫فيجب أن نأخذ بها‪ ،‬وغالبية دعائنا عن غير اضطرار‪ .‬وأنا أتحدى أن يكون إنسان قد انتهى به‬
‫أمر إلى الضطرار ول يجيبه ال‪.‬‬
‫ويذيل الحق الية الكريمة بقوله‪َ ...} :‬كمَا َبدََأكُمْ َتعُودُونَ { [العراف‪]29 :‬‬
‫وال سبحانه يخاطب الِنسان‪ ،‬ويحننه‪ ،‬مذكرا إياه بـ " افعل كذا " و " ل تفعل كذا "‪ .‬وسبحانه‬
‫قادر أن يخلقه مرغما على أن يفعل‪ ،‬لكنه ‪ -‬جل وعل ‪ -‬شاء أن يجعل الِنسان سيدا وجعله‬
‫مختارا‪ ،‬وقهر الجناس كلها أن تكون مسخرة وفاعلة لما يريد‪ ،‬وأثبت لنفسه ‪ -‬سبحانه ‪ -‬صفة‬
‫القدرة‪ ،‬ول شيء يخرج عن قدرته؛ فأنت أيها العبد تكون قادرا على أن تعصي ولكنك تطيع‪،‬‬
‫وهذه هي عظمة الِيمان إنّها تثبت صفة المحبوبية ل‪ ،‬فإذا ما غُر الِنسان بالسباب وبخدمة‬
‫الكون كله‪ ،‬وبما فيه من عافية‪ ،‬وبما فيه من قوة‪ ،‬وبما فيه من مال‪ ،‬تجد الحق يلفته‪ :‬لحظ أنك‬
‫لن تنفلت مني‪ :‬أنا أعطيت لك الختيار في الدنيا‪ ،‬لكنك ترجع لي في الخرة ولن تكون هناك‬
‫أسباب‪ ،‬ولن تجد إل المسبب‪ ،‬ولذلك اقرأ‪ّ... {:‬لمَنِ ا ْلمُ ْلكُ الْ َيوْمَ لِلّهِ ا ْلوَاحِدِ ا ْل َقهّارِ }[غافر‪]16 :‬‬
‫كأن المُ ْلكَ‪ -‬قبل ذلك ‪ -‬أي في الدنيا ‪ -‬كان للبشر فيه شيء لمباشرتهم السباب هذا يملك‪ ،‬وذلك‬
‫يملك‪ ،‬وآخر يوظف‪ ،‬لكن في الخرة ل مالك‪ ،‬ول مَِلكٌ إل ال‪ ،‬فإياكم أن تغتروا بالسباب‪ ،‬وأنها‬
‫دانت لكم‪ ،‬وأنكم استطعتم أن تتحكموا فيها؛ لن مرجعكم إلى ال‪.‬‬
‫ويقول الحق بعد ذلك‪ } :‬فَرِيقا هَدَىا َوفَرِيقا‪{ ...‬‬

‫(‪)972 /‬‬
‫فَرِيقًا هَدَى َوفَرِيقًا حَقّ عَلَ ْي ِهمُ الضّلَالَةُ إِ ّنهُمُ اتّخَذُوا الشّيَاطِينَ َأوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللّ ِه وَ َيحْسَبُونَ أَ ّنهُمْ‬
‫ُمهْتَدُونَ (‪)30‬‬

‫اذكروا أننا قلنا من قبل‪ :‬إن ال هدى الكل‪ ..‬بمعنى أنه قد بلّغهم بمنهجه عبر موكب الرسل‪،‬‬
‫وحين يقول سبحانه‪ { :‬فَرِيقا هَدَىا َوفَرِيقا حَقّ عَلَ ْيهِمُ الضّلَلَةُ } فالمقصود هنا ليس هداية الدللة‪،‬‬
‫لكن دللة المعونة‪ .‬وقد فرقنا بين هداية الدللة وهداية المعونة‪.‬‬
‫وقوله الحق { فَرِيقا َهدَىا } أي هداية المعونة؛ لن هذا الفريق أقبل على ال بإِيمان فخفف ال‬
‫عليه مؤونة الطاعة‪ ،‬وبغّضه في المعصية‪ ،‬وأعانه على مهمته‪ .‬أما الذي تأبّى على ال‪ ،‬ولم‬
‫يستجب لهداية الدللة أيعينه ال؟ ل‪ .‬إنه يتركه في غيّه ويخلي بينه وبين الضللة‪ ،‬ولو أراده‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫مهديّا لما استطاع أحد أن يغير من ذلك‪ .‬وسبحانه منزه عن التجني على أحد من خلقه‪ ،‬ولكن‬
‫الذين حق عليهم الضللة حصل لهم ذلك بسبب ما فعلوا‪ ...{ .‬إِ ّنهُمُ اتّخَذُوا الشّيَاطِينَ َأوْلِيَآءَ مِن‬
‫دُونِ اللّ ِه وَيَحْسَبُونَ أَ ّنهُم ّمهْتَدُونَ } [العراف‪]30 :‬‬
‫إن من يرتكب المعصية ويعترف بمعصيته فهذه تكون معصية‪ ،‬أمّا من يقول إنها هداية فهذا تبجح‬
‫وكفر؛ لنه يرد الحكم على ال‪ .‬وخير للذين يرتكبون المعاصي أن يقولوا‪ :‬حكم ال صحيح ولكننا‬
‫لم نقدر على أنفسنا‪ ،‬أما أن يرد العاصي حكم ال ويقول‪ :‬إنه الهداية‪ ،‬فهذا أمره عسير؛ لنه ينتقل‬
‫من مرتبة عاصٍ إلى مرتبة كافر والعياذ بال‪...{ .‬وَيَحْسَبُونَ أَ ّنهُم ّمهْتَدُونَ } [العراف‪]30 :‬‬
‫لنهم يفعلون ما حرم ال‪ ،‬وليتهم فعلوه على أنه محرّم‪ ،‬وأنهم لم يقدروا على أنفسهم‪ ،‬ولكنهم‬
‫فعلوه وظنوا أن الهداية في الفعل‪ .‬وهذا المر يشيع في معاصٍ كثيرة مثل الربا‪ ،‬فنجد من يقول‪:‬‬
‫إنه حلل‪ ،‬ونقول‪ :‬قل هو حرام ولكن لم أقدر على نفسي‪ ،‬فتدخل في زمرة المعصية‪ ،‬ول تدخل‬
‫في زمرة الكفر والعياذ بال‪ ،‬ويمكنك أن تستغفر فيغفر لك ربنا‪ ،‬ويتوب عليك‪ ،‬ولكن أن ترد‬
‫الحكم على ال وتقول إنه حلل!! فهذا هو الخطر؛ لنك تبتعد وتخرج عن دائرة المعصية وتتردى‬
‫وتقع في الكفر‪ ،‬اربأ بنفسك عن أن تكون كذلك واعلم أن كل ابن آدم خطاء‪ ،‬وما شرع ال التوبة‬
‫لعباده إل لنه قدّر أن عبيده يخطئون ويصيبون‪ ،‬ومن رحمته أنه شرع التوبة‪ ،‬ومن رحمته كذلك‬
‫أنه يقبل هذه التوبة‪ ،‬فلماذا تخرج من حيز يمكن أن تخرج منه إلى حيز يضيق عليك ل تستطيع‬
‫أن تخرج منه؟‪.‬‬
‫خذُواْ زِينَ َت ُكمْ‪} ...‬‬
‫ويقول الحق سبحانه بعد ذلك‪ { :‬يَابَنِي ءَادَمَ ُ‬

‫(‪)973 /‬‬
‫حبّ ا ْلمُسْ ِرفِينَ (‪)31‬‬
‫ج ٍد َوكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا ُتسْ ِرفُوا إِنّهُ لَا ُي ِ‬
‫يَا بَنِي آَ َدمَ خُذُوا زِينَ َتكُمْ عِ ْندَ ُكلّ مَسْ ِ‬

‫والزينة إذا سمعتها تنصرف إلى تجميل فوق قوام الشيء‪ ،‬وقوله سبحانه وتعالى‪ { :‬خُذُواْ زِينَ َتكُمْ‬
‫سجِدٍ } [العراف‪]31 :‬‬
‫عِندَ ُكلّ مَ ْ‬
‫هذا يعني أن يذهب المسلم إلى المسجد بأفخر ما عنده من ملبس‪ ،‬وكذلك يمكن أن يكون المقصود‬
‫جدٍ } هو رد على حالة خاصة وهو أنهم كانوا يطوفون بالبيت‬
‫بـ { خُذُواْ زِينَ َتكُمْ عِندَ ُكلّ مَسْ ِ‬
‫عراة‪ ،‬وأن المراد بالزينة هنا هو ستر العورة‪ .‬أو المراد بالزينة ما فوق ضروريات الستر‪ ،‬أو إذا‬
‫كان المراد بها اللباس الطيب الجميل النظيف‪ ،‬فنحن نعلم أن المسجد هو مكان اجتماع عباد ال‪،‬‬
‫وهم متنوعون في مهمات حياتهم‪ ،‬وكل مهمة في الحياة لها زيها ولها هندامها؛ فالذي يجلس على‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫مكتب لمقابلة الناس له ملبس‪ ،‬ومن يعمل في " الحِدَادَة " له زي خاص مناسب للعمل‪ ،‬ولكن إذا‬
‫ذهبتم إلى المسجد لتجتمعوا جميعا في لقاء ال أيأتي كل واحد بلباس مهنته ليدخل المسجد؟ ل‪،‬‬
‫فليجعل للمسجد لباسا ل ُيضَايق غيره‪ ،‬فإن كانت ملبس العمل في مصنع أو غير ذلك ل تليق‪،‬‬
‫فاجعل للمسجد ملبس نظيفة حتى ل يُؤذَي أحد بالوجود بجانبك؛ لننا نذهب إلى المسجد لعمل‬
‫مشترك يحكم الجميع وهو لقاء ال في بيت ال‪ ،‬فلبد أن تحتفي بهذا اللقاء‪...{ .‬وكُلُو ْا وَاشْرَبُواْ‬
‫حبّ ا ْلمُسْ ِرفِينَ } [العراف‪]31 :‬‬
‫وَلَ تُسْ ِرفُواْ إِنّ ُه لَ يُ ِ‬
‫والمأكل والمشرب من المور المباحة لن فيها مقومات الحياة‪ ،‬وكل واشرب على قدر مقومات‬
‫الحياة ول تسرف‪ ،‬فقد أحل ال لك الكثر وحرّم عليك القل‪ ،‬فل تتجاوز الكثر الذي أُحلّ لك إلى‬
‫ما حرم ال؛ لن هذا إسراف على النفس‪ ،‬بدليل أنه لو لم تجد إل الميتة‪ ،‬فهي حلل لك بشرط أل‬
‫تُسرف‪ .‬ول يصح أن تنقل الشياء من تحليل إلى تحريم؛ لن ال جعل لك في الحلل ما يغنيك‬
‫عن الحرام‪ ،‬فإذا لم يوجد ما يغنيك‪ ،‬فالحق يحل لك أن تأخذ على قدر ما يحفظ عليك حياتك‪،‬‬
‫والمسرفون هم المتجاوزون الحدود‪ .‬ول سرف في حل‪ ،‬إنما السرف يكون في الشيء المحرم‪،‬‬
‫ولذلك جاء في الثر‪:‬‬
‫حلّ ما اعتبرت مسرفا‪ ،‬ولو أنفقت درهما واحدا في محرم لعتبرت‬
‫" لو أنفقت مثل أحد ذهبا في ِ‬
‫مسرفا "‪ " .‬ولذلك يطلب منك رسول ال صلى ال عليه وسلم أن تعطي كل نعمة حقها بشرط أل‬
‫يؤدي بك ذلك إلى البطر‪ ،‬وحينما ذهب إليه سيدنا عثمان بن مظعون‪ ،‬وقد أراد أن يترهب‪،‬‬
‫ويتنسك‪ ،‬ويسيح في الكون‪ ،‬وقال لرسول ال‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬إنني أردت أن اختصي؛ أي يقطع‬
‫خصيتيه؛ كي ل تبقى له غريزة جنسية‪ ،‬فقال صلى ال عليه وسلم‪ :‬يا عثمان خصاء أمتي الصوم‬
‫"‬
‫لذلك قال صلى ال عليه وسلم في شأن من لم يستطع الزواج‪ " " :‬يا معشر الشباب من استطاع‬
‫منك الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء‬
‫"‪.‬‬
‫" وقد روي أن رسول ال صلى ال عليه وسلم ذكر الناس وخوفهم فاجتمع عشرة من الصحابة‬
‫وهم‪ :‬أبو بكر وعمر وعلي وابن مسعود وأبو ذر وسالم مولى أبي حذيفة والمقداد وسليمان‬
‫وعبدال بن عمرو بن العاص ومعقل بن مقرن في بيت عثمان بن مظعون فاتفقوا على أن‬
‫يصوموا النهار ويقوموا الليل ول يناموا على الفراش ول يأكلوا اللحم ول يقربوا النساء ويجبّوا‬
‫مذاكيرهم "‪ .‬فكان التوجيه النبوي أن حمد الرسول صلى ال عليه وسلم ربه وأثنى عليه وقال‪" :‬‬
‫ما بال أقوام قالوا كذا وكذا ولكني أصلي وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء فمن رغب عن‬
‫سنتي فليس مني "‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ويتابع الحق سبحانه بعد ذلك‪ُ } :‬قلْ مَنْ حَرّمَ زِينَةَ اللّهِ‪{ ...‬‬

‫(‪)974 /‬‬
‫ُقلْ مَنْ حَرّمَ زِينَةَ اللّهِ الّتِي أَخْرَجَ ِلعِبَا ِد ِه وَالطّيّبَاتِ مِنَ الرّ ْزقِ ُقلْ ِهيَ لِلّذِينَ َآمَنُوا فِي ا ْلحَيَاةِ الدّنْيَا‬
‫صلُ الْآَيَاتِ ِل َقوْمٍ َيعَْلمُونَ (‪)32‬‬
‫خَاِلصَةً َيوْمَ ا ْلقِيَامَةِ كَذَِلكَ ُن َف ّ‬

‫وما دام أخرجها لعباده فهو قد أرادها لهم‪ ،‬وما ينفع منها للناث جعلتها السنة للِناث‪ ،‬وما يصح‬
‫منها للذكور أحلتها السنّة لهم‪ ،‬وكذلك الطيب من الرزق حلل للمؤمنين والمؤمنات‪ .‬ولنلحظ دقة‬
‫السلوب هنا في قوله تعالى‪ُ { :‬قلْ هِي لِلّذِينَ آمَنُواْ فِي ا ْلحَيَاةِ الدّنْيَا‪[ } ...‬العراف‪]32 :‬‬
‫ثم يتابع سبحانه‪ { :‬خَاِلصَةً َيوْمَ ا ْلقِيَامَةِ‪[ } ...‬العراف‪]32 :‬‬
‫فكأننا أمام حالتين اثنتين‪ :‬حالة في الدنيا‪ ،‬وأخرى في يوم القيامة‪ ،‬معنى ذلك أن الزينة في الحياة‬
‫الدنيا غير خالصة؛ لن الكفار يشاركونهم فيها‪ ،‬فهي من عطاء الربوبية‪ ،‬وعطاء الربوبية للمؤمن‬
‫وللكافر‪ ،‬وربما كان الكافر أكثر حظّا في الدنيا من المؤمن‪ ،‬ولكن في الخرة تكون الزينة خالصة‬
‫للمؤمنين ل يشاركهم فيها الكافرون‪.‬‬
‫وكذلك فإن الحق سبحانه وتعالى يعطي اليقظة الِيمانية في المؤمن بوجود الغيار فيه‪ ،‬ومعنى‬
‫وجود الغيار أنه قد يتعرض الِنسان لتقلبات بين الصحة والمرض والغنى والفقر والقوة‬
‫والضعف‪ .‬وهكذا يكون الٍنسان في الدنيا؛ فهي دار الغيار‪ ،‬ويصيب الِنسان فيها أشياء قد‬
‫يكرهها؛ لذلك فالدنيا ليست خالصة النعيم لما فيها من أغيار تأتيك فتسوؤك‪ .‬إنها تسوؤك عند غيبة‬
‫شحنة الِيمان منك؛ لنك إن استصحبت شحنة الِيمان عند كل حدث أجراه ال عليك لََلفَ َتكَ ال‬
‫إلى حكمته‪ُ { .‬قلْ هِي لِلّذِينَ آمَنُواْ فِي ا ْلحَيَاةِ الدّنْيَا خَاِلصَةً َي ْومَ ا ْلقِيَامَةِ‪[ } ...‬العراف‪]32 :‬‬
‫ويمكن أن نقرأ كلمة " خالصة " منصوبة على أنها حال‪ ،‬ويمكن أن نقرأها في قراءة أخرى‬
‫مرفوعة على أنها خبر بعد خبر‪ ،‬والمعنى‪ :‬أنها غير خالصة للمؤمنين في الدنيا لمشاركة الكفار‬
‫لهم فيها‪ ،‬وغير خالصة أيضا من شوائب الغيار ولكنها وفي الخرة خالصة للمؤمنين فل‬
‫يشاركهم الكفار ول تأتي لهم فيها الغيار‪.‬‬
‫صلُ اليَاتِ ِل َقوْمٍ َيعَْلمُونَ } [العراف‪]32 :‬‬
‫ويذيل الحق الية بقوله‪...{ :‬كَذَِلكَ ُن َف ّ‬
‫صلُ اليَاتِ } أي ل نأتي باليات مجملة بل نفصل اليات لكل مؤمن‪ ،‬فل نترك خللً‪،‬‬
‫معنى { ُنفَ ّ‬
‫ونأتي فيها بكل ما تتطلبه أقضية الحياة‪ ،‬بتفصيل يُفهمنا قضايانا فهما ل لبس فيه‪.‬‬
‫ويقول الحق بعد ذلك‪ُ { :‬قلْ إِ ّنمَا حَرّمَ رَ ّبيَ ا ْل َفوَاحِشَ‪} ...‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫(‪)975 /‬‬
‫ق وَأَنْ ُتشْ ِركُوا بِاللّهِ مَا‬
‫ن وَالْإِ ْث َم وَالْ َبغْيَ ِبغَيْرِ ا ْلحَ ّ‬
‫ظهَرَ مِ ْنهَا َومَا بَطَ َ‬
‫ُقلْ إِ ّنمَا حَرّمَ رَ ّبيَ ا ْلفَوَاحِشَ مَا َ‬
‫لَمْ يُنَ ّزلْ ِبهِ سُ ْلطَانًا وَأَنْ َتقُولُوا عَلَى اللّهِ مَا لَا َتعَْلمُونَ (‪)33‬‬

‫والحق سبحانه ‪ -‬قد بدأ الية بـ " إنما " التي هي للحصر‪ :‬أي ما حرم ربي إل هذه الشياء‪،‬‬
‫الفواحش ما ظهر منها وما بطن‪ ،‬والِثم‪ ،‬والبغي بغير الحق‪ ،‬والشرك بال‪ ،‬والقول على ال ما ل‬
‫نعلم‪ ،‬فل تدخلوا أشياء أخرى وتجعلوها حراما‪ ،‬لنها ل تدخل في هذه‪ ،‬وقول ال في الية‬
‫السابقة‪ُ { :‬قلْ مَنْ حَرّمَ زِينَةَ اللّهِ } هوعلى صيغة استفهام لكي يجيبوا هم‪ .‬ولن يجدوا سببا لتحريم‬
‫ظهَرَ مِ ْنهَا َومَا‬
‫زينة ال لن الحق قد وضح وبينّ ما حرم فقال‪ُ { :‬قلْ إِ ّنمَا حَرّمَ رَ ّبيَ ا ْل َفوَاحِشَ مَا َ‬
‫ق وَأَن تُشْ ِركُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَ ّزلْ ِبهِ سُ ْلطَانا وَأَن َتقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لَ‬
‫حّ‬
‫ن وَالِثْ َم وَالْ َب ْغيَ ِبغَيْرِ الْ َ‬
‫بَطَ َ‬
‫َتعَْلمُونَ } [العراف‪]33 :‬‬
‫ونتأمل الخمسة المحرمات التي جاءت بالية؛ فحين ننظر إلى مقومات حياة الخلفة في الرض‬
‫ليبقى الِنسان خليفة فيها نرى أنه لبد من صيانة أشياء ضرورية لسلمة هذه الخلفة وأداء‬
‫مهمتها‪ ،‬وأول شيء أن يسلم للمجتمع طهر أنسابه‪ .‬وسلمة طهر النساب أي الِنجاب والنسال‬
‫ضرورية للمجتمع؛ لن الِنسان حين يثق أن ابنه هذا منه فهو يحرص عليه لنه منسوب إليه‪،‬‬
‫ويرعاه ويربيه‪ .‬أما إذا تشكك في هذه المسألة فإنه يهمله ويلفظه‪ ،‬كذلك يهمله المجتمع‪ ،‬ول أحد‬
‫يربيه ول يلتفت إليه ول يعنى به‪.‬‬
‫إذن فسلمة النساب أمر مهم ليكون المجتمع مجتمعا سليما‪ ،‬بحيث ل يوجد فرد من الفراد إل‬
‫وهو محسوب على أبيه‪ ،‬بحيث يقوم له بكل تبعات حياته‪ ،‬ولذلك يجب أن تعلموا أن الطفال‬
‫المشردين مع وجود آبائهم حدث من أن شكا طرأ على الب في أن هذا ليس ابنه‪ .‬ولذلك ماتت‬
‫فيه غريزة الحنان عليه‪ ،‬فل يبالي إن رآه أم لم يره‪ ،‬ول يبالي أهو في البيت أم شرد‪ ،‬ل يبالي‬
‫أكل أم جاع‪ ،‬ل يبالي تعرى أم ل‪.‬‬
‫إذن فطهارة النساب ضمان لسلمة المجتمع؛ لن المجتمع سيكون بين مربّ يقوم على شأن‬
‫وصغير مرّبى‪ ،‬المربي قادر على أن يعمل‪ ،‬والمربّى صغير يحتاج إلى التربية‪ .‬ولذلك حرم ال‬
‫الفواحش‪ .‬والفحش‪ -‬كما قلنا‪ -‬ما زاد قبحه‪ ،‬وانتهوا على أنه هو الزنا؛ لن أثره ل يتوقف فقط‬
‫عند الذنب والستمتاع‪ .‬بل يتعدى إلى النسال‪ .‬وما تعدى إلى النسال فهو تعد إلى المجتمع‪،‬‬
‫ويصير مجتمعا مهملً ل راعي له‪.‬‬
‫والِثم‪ :‬أهو كل كبيرة أو ما يقام على فاعله حد؟‪ .‬لقد انتهى العلماء على أن الِثم هو الخمر‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والميسر؛ لن ال قال بالنص‪ {:‬وَإِ ْث ُمهُمَآ َأكْبَرُ مِن ّن ْف ِع ِهمَا‪[} ...‬البقرة‪]219 :‬‬
‫وأراد الحق بذلك أن يضمن مقوم تنظيم حركة الحياة في الِنسان وهو العقل وأن الخمر تغيب‬
‫العقل‪ ،‬والِنسان مطالب بأن يحفظ عقله ليواجه به أمور الحياة مواجهة تبقى الصالح على صلحه‬
‫أو تزيده صلحا ول تتعدى على الِنسان‪ ,‬فإذا ما ستر العقل بالخمر فسد واختل‪ ،‬ويختل بذلك‬
‫التخطيط لحركة الحياة‪.‬‬
‫والذين يأتون ويشربون ويقولون‪ :‬نريد أن ننسى همومنا نقول لهم‪ :‬ليس مراد الشارع أن ينسى‬
‫كل واحد ما أهمه؛ لنه إن نسي كل واحد ما أهمه فلن يحتاط أحد ولن يقوم على تقدير المور‬
‫التي تضمن السلمة‪.‬‬
‫إن الشارع يطلب منك أن تواجه الهموم التي تعاني منها مضاعف لتزيلها‪ .‬أما أن تستر العقل‬
‫فأنت قد هربت من المشكلة‪ ،‬إذن يجب عليك أن تواجه مشكلت الحياة بعقلك وبتفكيرك‪ .‬فإن‬
‫كانت المشكلة‪ ،‬قد نشأت من أنك أهملت في واجب سببي أي له أسباب وقد قصرت في الخذ بها‬
‫فأنت الملوم‪ .‬وإن كانت المشكلة جاءتك من أمر ليس في قدرتك‪ ،‬أي هبطت عليك قضاء وقدرا؛‬
‫فاعلم أن مجريها عليك له فيها حكمة‪.‬‬
‫وقد يكون البلء ليحيمك ال من عيون الناس فيحسدوك عليها‪ ،‬لن كل ذي نعمة محسود‪ ،‬وحتى‬
‫ل تتم النعمة عليك؛ لن تمام النعمة على النسان يؤذن بزوالها‪ ،‬وأنت ابن الغيار وفي دنيا‬
‫الغيار‪ ،‬وإن تمت لك فقد تتغير النعمة بالنقصان‪.‬‬
‫إذن فالتفكير في ملفاة السباب الضارة وتجنبها يأتي بالعقل الكامل‪ ،‬والتفكير في الشياء التي‬
‫ليس لها سبب يأتي من اليمان‪ ،‬واليمان يطلب منك أن ترد كل شيء إلى حكمة الحكيم‪ .‬إذن‬
‫فأنت تحتاج إلى العقل فل تستره بشرب الخمر؛ لن العقل يدير حركة الحياة‪.‬‬
‫البغي نعرف انه مجاوزة الحد ظلما أو أكبر‪ ،‬أو بخلً‪ .‬والظلم أن تأخذ حق غيرك وتحرمه من‬
‫ثمرة عمله فيزهد في العمل؛ لذلك يحرم الحق أن يبغي أحد على أحد‪ .‬ل في عرضه‪ ،‬ول في‬
‫نفسه‪ ،‬ول في ماله‪ .‬ويجب أن نصون العرض من الفواحش؛ لن كل فاحشة قد تأتي بأولد من‬
‫حرام‪ .‬وإن لم تأت فهي تهدر العرض‪ ،‬والمطلوب صيانته‪ ،‬كذلك ل يبغى أحد على محارم أحد‪،‬‬
‫وكذلك ل يبغى أحد على حياة إنسان بأن يهدمها بالقتل‪.‬‬
‫ويصمون الحق المال فيمنع عنه البغي فل يأخذ أحد ثمرة عمل آخر وكفاحه عدوانا وظلما‪،‬‬
‫ومظاهر البغي كثيرة‪ .‬ومن البغي أن تأخذ سلطة قسرا بغير حق ولكن هناك من يأخذ سلطة قسرا‬
‫وقهرا بحق‪ ،‬فإن كنت‪ -‬على سبيل المثال‪ -‬تركب سفينة‪ ،‬ثم قامت الرياح والزوابع‪ ،‬وأنت أمهر‬
‫في قيادتها أتترك الربان يقودها وربما غرفت بمن فيها أم تضرب على يده وتمسك بالدفة وتديرها‬
‫لتنقذها ومن فيها‪ ،‬إنك في هذه الحالة تكون قد أخذت القيادة بحق صيانة أرواح الناس‪ ،‬وهذا بغي‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫بحق‪ ،‬وهو يختلف عن البغي بغير الحق‪ .‬وحتى تفرق بين البغي البغي بحق والبغي بغير الحق‬
‫نقول‪ .‬إن هذا يظهر ويتضح عندما نأخذ مال السفيه منه للحفاظ عليه وصيانته وتثميره له‪ ،‬فنكون‬
‫قد أخذنا من صاحبه رعاية لهذا الحق‪ ،‬فهو وإن كان في ظاهره بغيا على صاحب الحق إل أنه‬
‫كان لصالحه وللصالح العام فهذا بغي بحق أو أنه سمي بغيا؛ لنه جاء على ذكر الشيء بلفظ‬
‫غيره لوقوعه في صحبة ذلك الغير‪ ،‬ونقرأ أيضا قول ال‪:‬‬
‫{ وَجَزَآءُ سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثُْلهَا‪[} ...‬الشورى‪]40 :‬‬
‫فهل جزاء السيئة يكون سيئة؟ ل‪ .‬وإنما هي سيئة بالنسبة لمن وقعت عليه؛ لنه لما عمل سيئة‬
‫واختلس مال‪ -‬مثل‪ -‬وضربت على يده وأخذت منه المال فقد أتعبته ولذلك فالحق يقول‪ {:‬وَإِنْ‬
‫عَاقَبْتُمْ َفعَاقِبُواْ ِبمِ ْثلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِ ِه وَلَئِن صَبَرْتُمْ َل ُهوَ خَيْرٌ لّلصّابِرينَ }[النحل‪]126 :‬‬
‫ومن بغى بغير حق علينا أن نذكره بأن هناك من هو أقوى منه‪ ،‬أن يتوقع أن يناله بغي ممن هو‬
‫أكثر قدرة منه‪.‬‬
‫سلْطَانا {‪.‬‬
‫وينبهنا الحق إلى العمل الذي ل غفران له‪ } :‬وَأَن ُتشْ ِركُواْ بِاللّهِ مَا َلمْ يُنَ ّزلْ بِهِ ُ‬
‫ومحال أن ينزل الحق الذي نعبده شريكا له ويؤيده بالبرهان والسلطان والحجة على أنه شريك‬
‫له‪ -‬تعالى ال عن ذلك علوّا كبيرا؛ لن من خصائص الِيمان أنه سبحانه ينفي هذا الشرك بأدلته‬
‫العقلية وأدلته النقلية‪.‬‬
‫ظهَرَ مِ ْنهَا َومَا بَطَنَ‬
‫وإذا كان الحق قد قال لنا في هذه الية‪ُ } :‬قلْ إِ ّنمَا حَرّمَ رَ ّبيَ ا ْل َفوَاحِشَ مَا َ‬
‫ق وَأَن ُتشْ ِركُواْ بِاللّهِ مَا َلمْ يُنَ ّزلْ بِهِ سُ ْلطَانا وَأَن َتقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لَ‬
‫وَالِثْمَ وَالْ َبغْيَ ِبغَيْرِ ا ْلحَ ّ‬
‫َتعَْلمُونَ { [العراف‪]33 :‬‬
‫فبعض من اليات الخرى جمعت هذه الشياء‪ ،‬في إطار إيجازي ومع المقابل أيضا‪ ،‬يقول‬
‫ن وَإِيتَآءِ ذِي ا ْلقُرْبَىا وَيَ ْنهَىا عَنِ ا ْلفَحْشَا ِء وَا ْلمُ ْنكَرِ‬
‫حسَا ِ‬
‫الحق‪ {:‬إِنّ اللّهَ يَ ْأمُرُ بِا ْل َع ْدلِ وَال ْ‬
‫وَالْ َبغْيِ‪[} ...‬النحل‪]90 :‬‬
‫لقد جاء بالفحشاء في هذه الية ليؤكد طهارة النسال‪ ،‬وجاء أيضا بتحريم المنكر والبغي‪ ،‬وزاد في‬
‫الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها الِثم فقط‪ .‬وكأن الثم في آية المر بالعدل والِحسان والنهي‬
‫عن الفحشاء والمنكر والبغي‪ ،‬مطمور في " المنكر " ‪ ،‬والمنكر ليس محرما بالشرع فقط‪ ،‬بل هو‬
‫ما ينكره الطبع السليم؛ وأيضا فصاحب الطبع غير السليم يحكم أنه منكر إذا كانت المعاصي تعود‬
‫عليه بالضرر‪ ،‬هنا يقول‪ :‬أعوذ بال منها‪ .‬وإن كان هو يوقعها على الغير فهو يعتقد أنها غير‬
‫منكر‪ ،‬وعلى سبيل المثال نجد رجلً يبيح لنفسه أن يفتح أعينه على عورات الناس ويتلذذ بهذه‬
‫المسألة‪ .‬لكنه ساعة يرى إنسانا آخر يفتح عينيه على عورته أو على ابنته مثل إنّه يرى في ذلك‬
‫أبشع المنكرات؛ لذلك لبد أن تجعل للمنكر حدّا يشملك ويشمل غيرك ول تنظر إلى المر الذي‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫تكلف به أنت وحدك‪ ،‬وإنما انظر إلى المر المكلف به الخرون‪ ..‬وإياك أن تقول‪ :‬إنه حدد‬
‫بصري من أن يتمتع بجسم يسير أمامي‪ ،‬إنه‪ -‬سبحانه‪ -‬كما حرم نظرك إلى ذلك‪ ،‬حرم أنظار‬
‫الناس جميعا أن ينظروا إلى محارمك؛ وفي هذا صيانة لك‪.‬‬
‫وبعد أن حلل هذه الطيبات والزينة‪ ،‬وحرم الفواحش والمنكر والبغي والِثم يقول سبحانه‪ } :‬وَِل ُكلّ‬
‫جلٌ فَإِذَا جَآءَ‪{ ...‬‬
‫ُأمّةٍ َأ َ‬

‫(‪)976 /‬‬
‫جلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَُلهُمْ لَا يَسْتَ ْأخِرُونَ سَاعَ ًة وَلَا َيسْ َتقْ ِدمُونَ (‪)34‬‬
‫وَِلكُلّ ُأمّةٍ أَ َ‬

‫نحن هنا أمام نص قرآني تثبته قضايا الوجود الواقعي؛ فالذين سفكوا‪ ،‬وظلموا‪ ،‬وانتهكوا‬
‫العراض‪ ،‬وأخذوا الموال‪ .‬لم يدم لهم ذلك‪ ،‬بل أمد ال لهم في طغيانهم‪ ،‬وأخذهم به أخذ عزيز‬
‫مقتدر‪ .‬ولو أراد خصومهم النتقام منهم لما وصلوا إلى أدنى درجات انتقام السماء‪ .‬ويجري الحق‬
‫هذا النتقام من الطغاة لصيانة سلمة المجتمع‪ .‬فإن رأيت فسادا أو طغيانا إياك أن تيأس؛ لن‬
‫الحق سبحانه قد أوضح أن لكل أمة أجلً‪ ،‬بداية ونهاية‪ ،‬ففي أعمارنا القصيرة رأينا أكثر من أمة‬
‫جلٌ فَِإذَا جَآءَ َأجَُلهُ ْم لَ‬
‫جاء أجلها‪ .‬إذن فكل طاغية يجب أن يتمثل هذه الية‪ { :‬وَِل ُكلّ ُأمّةٍ َأ َ‬
‫يَسْتَ ْأخِرُونَ سَاعَ ًة َولَ يَسْ َتقْ ِدمُونَ } [العراف‪]34 :‬‬
‫والجل لكل أمة معروف عند ال؛ لن الباطل والظلم إن لم يعض الناس عضة تجعلهم يصرخون‬
‫فهم ل يستشرفون إلى الحق ول يتطلعون إليه‪ ،‬واللم وسيلة العافية لنه يؤكد لك أن وضعك غير‬
‫طبيعي‪ ،‬وعلى ذلك فالمسائل التي تحدث في الكون وهذه المم التي تظلم‪ .‬وتضطهد‪ .‬ولها‬
‫جبروت وطغيان إنما تفعل ذلك إلى أجل معلوم‪ .‬فإياك أن تيأس‪ ،‬ولكن عليك أن تستشرف إلى‬
‫الحق‪ .‬وإلى جناب ال فتلوذ به وحده‪ ،‬ولذلك نجد أكثر الناس الذين حدثت لهم هذه الحداث لم‬
‫يجدوا إل واحة الِيمان بال؛ ففروا إلى بيته حجاجا وإلى مساجده عمارّا وإلى قراءة قرآنه ذكرا‪.‬‬
‫وننظر إلى هذه المور ونقول‪ :‬إن الطاغية الفاجر مهما فعل فلبد أن يسخره ال لخدمة دينه‪،‬‬
‫وهناك أناس لول أن الدهر عضهم وأخنى عليهم كأن سلط عليهم ظالما لما فروا إلى ال بحثا عن‬
‫نجاة‪ ،‬ولما التفتوا لربنا عبادة‪.‬‬
‫إن في واقع حياتنا يعرف كل منا أناسا‪ ،‬كان الواحد منهم ل يعبد ربه فل يصلي ول يصوم ول‬
‫يذكر ربه‪ ،‬ثم جاءت له عضة من ظالم فيلجأ الِنسان المعضوض إلى ال عائذا به ملتجئا إليه‪،‬‬
‫ولذلك نقول للظالم‪ :‬وال لوعرفت ماذا قدمت أنت لدين ال‪ ،‬ولم تأخذ عليه ثوابا لندمت‪ ،‬فأنت قد‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫قدمت لدين ال عصبة ممن كانوا من غير المتدينين به‪ .‬ولو أنك تعلم ما يأتي به طغيانك وظلمك‬
‫وجبروتك من نصر لدين ال لما صنعته أنت‪ ،‬إنّ لكل أمة أجلً‪ ،‬فإن كنت ظالما وعلى رأس‬
‫جماعة ظالمة فلذلك نهاية‪.‬‬
‫وانظر إلى التاريخ تجد بعض الدول أخذت في عنفوانها وشدتها سيادة على الشعوب‪ ،‬ثم بعد فترة‬
‫من الزمن تحل بها الخيبة وتأتي السيطرة عليها من الضعاف؛ لن هذا هو الجل‪ .‬إن الحق يعمي‬
‫بصائرهم في تصرف‪ ،‬يظنون أنه يضمن لهم التفوق فإذا به يجعل الضعيف يغلبهم ويسيطر‬
‫عليهم‪ .‬وإذا جاء الجل فل أحد يستطيع تأخيره؛ لن التوقيت في يد قيوم الكون‪ ،‬وهم أيضا ل‬
‫يستقدمون هذا الجل‪ ،‬ونلحظ هنا وجود كلمة " ساعة " ‪ ،‬والساعة لها اصطلح عصري الن من‬
‫حيث إنها معيار زمني لضبط المواقيت‪ ،‬ونعلم أن اليوم مقسم إلى أربع وعشرين ساعة‪ ،‬والقل‬
‫من الساعة الدقيقة‪ ،‬والقل من الدقيقة الثانية‪ ،‬والكبر من الساعة هو اليوم‪ .‬ومن يدري فقد يخترع‬
‫البشر آلتٍ لضبط الجزء من الثانية‪.‬‬
‫وكذلك تطلق الساعة على قيام القيامة‪.‬‬
‫سلٌ‪} ...‬‬
‫ويقول الحق بعد ذلك‪ { :‬يَابَنِي ءَادَمَ ِإمّا يَأْتِيَ ّن ُكمْ رُ ُ‬

‫(‪)977 /‬‬
‫خ ْوفٌ عَلَ ْيهِ ْم وَلَا ُهمْ‬
‫سلٌ مِ ْنكُمْ َي ُقصّونَ عَلَ ْيكُمْ آَيَاتِي َفمَنِ ا ّتقَى وََأصْلَحَ فَلَا َ‬
‫يَا بَنِي آَ َدمَ ِإمّا يَأْتِيَ ّنكُمْ رُ ُ‬
‫يَحْزَنُونَ (‪)35‬‬

‫هنا ينادي الحق أبناء آدم‪ ،‬بعد أن ذكرهم أنه أحل لهم الطيبات والزينة وحرم عليهم المسائل‬
‫الخمسة من الفاحشة والمنكر والبغي والِثم والشرك‪ ،‬ووضع لهم نظاما يضمن سلمة المجتمع‪،‬‬
‫وطمأنهم بأنه منتقم من أي أمة ظالمة بأن جعل للظلم نهاية وأجلً‪ .‬فعليكم يا بني آدم أن تأخذوا‬
‫سلٌ مّن ُكمْ َيقُصّونَ عَلَ ْيكُمْ آيَاتِي‪} ...‬‬
‫أمور حياتكم في إطار هذه المقدمات‪ { .‬يَابَنِي ءَا َدمَ ِإمّا يَأْتِيَ ّنكُمْ ُر ُ‬
‫[العراف‪]35 :‬‬
‫عليكم أن تستقبلوا رسل ال استقبال الملهوف المستشرق المتطلع إلى ما يحميه وإلى ما ينفعه؛ لن‬
‫الرسول هو من يعلن لكل واحد منكم ما أحله ال من طيبات الحياة وملذها‪ ،‬ويبين لكم ما حرم‬
‫ال ليحيا المجتمع سليما‪.‬‬
‫كان المظنون أن ساعة يأتي الرسول نجد المجتمع يحرص على ملزمته وعلى تلقي البلغ منه‪،‬‬
‫ل أن يظل الرسول يدعو باللين بينما المجتمع يتأبى عليه‪ .‬لكن من رحمة ال أن يتأبى المجتمع‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ويلح الرسول مبينا آيات ال وبيناته كي يأخذ كل إنسان ما يساعده على أمر حياته ويهتدي إلى‬
‫الصراط المستقيم‪ ،‬وأنت إذا ما أصبت في عافيتك تلح على الطبيب وتبحث عنه‪ ،‬فكان مقتضى‬
‫العقل أنه إذا جاء رسول ليبلغنا منهج ال في إدارة حركة الحياة أن نتشوق إليه ونتطلع‪ ،‬ل أن‬
‫نعاديه‪ ،‬وعادة ما يسعد بالرسول أهل الفطرة السليمة بمجرد أن يقول الرسول‪ :‬أنه رسول ومعه‬
‫آية صدقه‪ .‬ويقيس أهل الفطرة السليمة قول الرسول بماضيه معهم‪ ،‬فيعلمون أنه مخلص لم يرتكب‬
‫سكُمْ عَزِيزٌ عَلَ ْيهِ مَا عَنِتّمْ حَرِيصٌ عَلَ ْيكُمْ‬
‫الثم‪ .‬وهذه فائدة قوله الحق‪َ {:‬لقَدْ جَآ َءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُ ِ‬
‫بِا ْل ُم ْؤمِنِينَ َرءُوفٌ رّحِيمٌ }[التوبة‪]128 :‬‬
‫فلم يأت لكم إنسان ل تعرفونه بل لكم معه تاريخ واضح وجلي‪ ،‬لذلك نجد الذين آمنوا برسول ال‬
‫أول المر لم ينتظروا إلى أن يتلو عليهم القرآن‪ ،‬لكنهم آمنوا به بسوابق معرفتهم له؛ لنهم‬
‫عايشوه‪ ،‬وعرفوا كل تفاصيل أخلقه‪ .‬ومثال ذلك‪ :‬عندما أخبر محمد صلى ال عليه وسلم سيدتنا‬
‫خديجة ‪ -‬رضوان ال عليها ‪ -‬بنبأ رسالته وأسرّ لها بخوفه من أن يكون ما نزل إليه هو من‬
‫أمور الجن أو مسها‪ ،‬أسرعت إلى ورقة بن نوفل؛ لنه عنده علم بكتاب‪ ،‬وقبل ذلك قالت لرسول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم‪ " :‬إنك لتصل الرحم وتحمل ال َكلّ وتعين على نوائب الحق وتكسب‬
‫المعدوم "‪.‬‬
‫وكل هذه المقدمات تدل على أنك ‪ -‬يا رسول ال ‪ -‬في حفظ ال ورعايته؛ لنك كنت مستقيم‬
‫السلوك قبل أن تُنّبّأ‪ ،‬وقبل أن توجد كرسول من ال‪ .‬وهل معقول أن مَن يترك الكذب على الناس‬
‫يكذب على ال؟! وكذلك نجد سيدنا أبا بكر الصديق بمجرد ما أن قال رسول ال‪ :‬أنا رسول‪ ،‬قال‬
‫له‪ :‬صدقت‪.‬‬
‫وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على صدق الفطرة‪ ،‬وهذه هي فائدة } رسول من أنفسكم { أو من‬
‫جنسكم البشري حتى نجد فيه السوة الحسنة‪ .‬ولو جاء لنا رسول من الملئكة وقال لنا‪ :‬هذا هو‬
‫المنهج ولكم أسوة بي‪ ،‬كنا سنرد عليه الرد المقنع السهل اليسير‪ :‬وهل نقدر أن نفعل مثلك وأنت‬
‫مَلكٌ مفطور على الخير؟‪ .‬لكن حين يأتينا رسول من جنسنا البشري‪ ،‬وهو صالح أن يصدر منه‬
‫الخير‪ ،‬وصالح أن يصدر منه الشر فهو السوة الموجودة‪ ،‬ولذلك كان من غباء الكافرين أن قالوا‬
‫ما جاء به القرآن على ألسنتهم‪َ {:‬ومَا مَنَعَ النّاسَ أَن ُي ْؤمِنُواْ إِذْ جَآءَ ُهمُ ا ْلهُدَىا ِإلّ أَن قَالُواْ أَ َب َعثَ اللّهُ‬
‫بَشَرا رّسُولً }[السراء‪]94 :‬‬
‫إنه الغباء وقصر النظر والغضب؛ لن ال بعث محمدا وهو من البشر‪ ،‬فهل كانوا يريدون مَلَكا؟‬
‫ولو كان ملكا فكيف تكون به السوة وطبعه مختلف عن طبائع البشر؟‪ .‬ولذلك يرد الحق الرد‬
‫سمَآءِ مَلَكا رّسُولً }‬
‫علَ ْيهِم مّنَ ال ّ‬
‫طمَئِنّينَ لَنَزّلْنَا َ‬
‫المنطقي‪ {:‬قُل َلوْ كَانَ فِي الَ ْرضِ مَل ِئكَةٌ َيمْشُونَ مُ ْ‬
‫[السراء‪]95 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وذلك حتى تتحقق لنا السوة فيه؛ فسبحانه لم يقتحم وجودكم التكليفي‪ ،‬ولم يُدخلكم في أمر يشتد‬
‫ويشق عليكم لكنه جاء لكم بواحد منكم تعرفون تاريخه‪ .‬ولم يأت به من جنس آخر‪ } .‬يَابَنِي ءَادَمَ‬
‫سلٌ مّنكُمْ َيقُصّونَ عَلَ ْيكُمْ آيَاتِي‪[ { ...‬العراف‪]35 :‬‬
‫ِإمّا يَأْتِيَ ّنكُمْ ُر ُ‬
‫وانظر قوله‪َ } :‬ي ُقصّونَ عَلَ ْيكُمْ آيَاتِي { ‪ ،‬لقد جاء بكلمة " يقصّون " لن القصص مأخوذة من مادة "‬
‫القاف " و " الصاد المضعّفة "؛ وهذا مأخوذ من " قصّ الثر " ‪ ،‬وكان الرجل إذا ما سرقت جماله‬
‫أو أغنامه يسير ليرى أثر القدام‪ .‬إذن } َيقُصّونَ عَلَ ْيكُمْ آيَاتِي { أي أنهم ملتزمون بما جاء لهم‪ ،‬ل‬
‫ينحرفون عنه كما ل تنحرفون أنتم عن قص الثر حين تريدون المؤثّر في الثر‪َ ...} .‬فمَنِ ا ّتقَىا‬
‫خ ْوفٌ عَلَ ْي ِه ْم َولَ هُمْ َيحْزَنُونَ { [العراف‪]35 :‬‬
‫وََأصْلَحَ فَلَ َ‬
‫و " التقوى " هو أن تجعل بينك وبين شيء يضرك وقاية‪ .‬ولذلك يقول الحق‪ } :‬ا ّتقُواْ النّارَ { ‪،‬‬
‫لنرد عن أنفسنا بالعمل الصالح لهيب النار‪ .‬وإذا قيل‪ } :‬وَا ّتقُواْ اللّهَ { أي اتقوا متعلقات صفات‬
‫الجبروت من ال؛ لنكم لن تستطيعوا تحمل جبروت ربنا‪ ،‬وعليكم أن تلتزموا بفعل الوامر‬
‫وتلتزموا أيضا بترك النواهي‪ .‬والمر بالتقوى هنا يعني أل ننكر ونجحد رسالت الرسل؛ لنهم‬
‫إنما جاءوا لِنقاذ البشر‪ ،‬فالمجتمع حين يمرض‪ ،‬عليه أن يسرع ويبادر إلى الطبيب القادم بمنهج‬
‫ال ليرعاه‪ ،‬وهو الرسول؛ لذلك ل يصح الجحود برسالة عليها دليل ومعجزة‪َ } .‬فمَنِ ا ّتقَىا وََأصْلَحَ‬
‫خ ْوفٌ عَلَ ْيهِ ْم َولَ هُمْ َيحْزَنُونَ {‪.‬‬
‫فَلَ َ‬
‫و " أصلح " تدل على أن هناك شيئا غير صالح فجعله صالحا‪ ،‬أو حافظ على صلح الصالح‬
‫ورقّى صلحه إلى أعلى‪ ،‬مثل وجود بئر نشرب منه‪ ،‬فإن كانت البئر تؤدي مهمتها ل نردمها‪،‬‬
‫ول نلقي فيها قاذورات‪ ،‬وبذلك نبقي الصالح على صلحه‪ ،‬ويمكن أن نزيد من صلح البئر بأن‬
‫نبني حول فوهتها سورا‪ ،‬أو أن نقوم بتركيب مضخة تمتص الماء من البئر لضخه إلى البيوت‪.‬‬
‫وبذلك نزيد الصالح صلحا‪ ،‬والفة في الدنيا هم الذين يدعون الِصلح بينما هم مفسدون‪ ،‬يقول‬
‫حسَبُونَ أَ ّن ُهمْ‬
‫سعْ ُيهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَ ُهمْ يَ ْ‬
‫ضلّ َ‬
‫ن َ‬
‫عمَالً * الّذِي َ‬
‫ال فيهم‪ُ {:‬قلْ َهلْ نُنَبّ ُئكُم بِالَخْسَرِينَ أَ ْ‬
‫حسِنُونَ صُنْعا }[الكهف‪]104-103 :‬‬
‫يُ ْ‬
‫إذن فحين تقدم على أي عمل لبد أن تعرف مقدمات هذا العمل‪ ،‬وماذا ستعطيه تلك المقدمات‪،‬‬
‫وماذا سوف تأخذ منه‪ .‬وأبق الصالح في الكون على صلحه أو زده إصلحا‪ ،‬وهنا ل خوف‬
‫سوْاْ عَلَىا مَا فَا َتكُ ْم َولَ َتفْرَحُواْ ِبمَآ‬
‫عليك ولن تحزن على شيء فاتك ليتحقق قول الحق‪ّ {:‬لكَيْلَ تَ ْأ َ‬
‫آتَاكُمْ‪[} ...‬الحديد‪]23 :‬‬
‫وما المقابل لمن ل خوف عليهم ول هم يحزنون؛ أي هؤلء الذين أصلحوا واتقوا؟ المقابل هو ما‬
‫يأتي في قوله الحق‪ } :‬وَالّذِينَ كَذّبُواْ بِآيَاتِنَا‪{ ...‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫(‪)978 /‬‬
‫وَالّذِينَ كَذّبُوا بِآَيَاتِنَا وَاسْ َتكْبَرُوا عَ ْنهَا أُولَ ِئكَ َأصْحَابُ النّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (‪)36‬‬

‫ولماذا يكون مصير المكذبين باليات والمستكبرين عنها أن يكونوا أصحاب النار ويكونوا فيها‬
‫خالدين؟ لنهم وإن تيسرت لهم أسباب الحياة لم يضعوا في حسابهم أن يكون لهم نصيب في‬
‫الخرة ولم يلتفتوا إلى الغاية‪ ،‬وغاب عنهم الِيمان بقول الحق‪ {:‬مَن كَانَ يُرِيدُ حَ ْرثَ الخِ َرةِ نَزِدْ‬
‫لَهُ فِي حَرْ ِث ِه َومَن كَانَ يُرِيدُ حَ ْرثَ الدّنْيَا ُنؤْتِهِ مِ ْنهَا َومَا لَهُ فِي الخِ َرةِ مِن ّنصِيبٍ }[الشورى‪]20 :‬‬
‫وهب أن الواحد منهم قد أخذ ما أخذ في الدنيا‪ ،‬فلماذا نسي أنها موقوتة العمر؟ ولماذا لم يلتفت إلى‬
‫الزمن في الخرة؟‪ .‬عليك أن تعلم أنك في هذه الدنيا‪ ،‬خليفة في الرض‪ ،‬ومادمنا جميعا أبناء‬
‫جنس واحد ومخلوقين فيها والسيادة لنا على الجناس فلبد أن تكون لنا غاية متحدة؛ لن كل‬
‫شيء اختلفنا فيه ل يعتبر غاية‪ ،‬فالغاية الخيرة هي لقاء ال؛ لن النهاية المتساوية في الكون هي‬
‫الموت ليسلمنا لحياة ثانية‪ ،‬فالذي يستكبر عن آيات ال هو من دخل في صفقة خاسرة؛ لن من‬
‫يقارن هذه الدنيا بالحياة الخرى سيجد أن زمن الِنسان في الدنيا قليل‪ ،‬وزمن الخرة ل نهاية له‪.‬‬
‫وعمر الِنسان في الدنيا مظنون غير متيقن‪ ،‬والمتعة فيها على قدر أسباب الفرد وإمكاناته‪ ،‬لكن‬
‫صحَابُ النّارِ هُمْ فِيهَا‬
‫الخرة متيقنة‪ ،‬ونعيم المؤمن فيها على قدر طلقة قدرة ال‪ُ { .‬أوْلَـا ِئكَ َأ ْ‬
‫خَاِلدُونَ } [العراف‪]36 :‬‬
‫وأصحاب النار‪ .‬يعني أن يصاحب ويلزم المذنب النار كما يصاحب ويلزم الِنسان منا صاحبه؛‬
‫لن النار على إلف بالعاصين‪ ،‬وهي التي تتساءل‪َ { :‬هلْ مِن مّزِيدٍ }؟‪.‬‬
‫ويقول الحق بعد ذلك‪َ { :‬فمَنْ َأظْلَمُ ِممّنِ افْتَرَىا‪} ...‬‬

‫(‪)979 /‬‬
‫َفمَنْ أَظَْلمُ ِممّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ َكذِبًا َأوْ كَ ّذبَ بِآَيَاتِهِ أُولَ ِئكَ يَنَاُلهُمْ َنصِي ُبهُمْ مِنَ ا ْلكِتَابِ حَتّى إِذَا‬
‫سهِمْ‬
‫شهِدُوا عَلَى أَ ْنفُ ِ‬
‫جَاءَ ْتهُمْ رُسُلُنَا يَ َت َوفّوْ َنهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْ ُتمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ قَالُوا ضَلّوا عَنّا وَ َ‬
‫أَ ّنهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (‪)37‬‬

‫و { َفمَنْ َأظْلَمُ } تأتي على صيغة السؤال الذي لن تكون إجابته إل الِقرار‪ .‬ول أحد أظلم ممن‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫افترى على ال الكذب؛ لنه أولً ظلم نفسه‪ ،‬وظلم أمته‪ ،‬وأول ظلم النفس أن يرتضي حياة زائلة‬
‫وأن يترك حياة أبدية‪ ،‬وأما ظلمه للناس فلنه سيأخذ أوزار ما يفعلون؛ لنه قد افترى على ال‬
‫كذبا‪َ { .‬أوْ كَ ّذبَ بِآيَاتِهِ }‪.‬‬
‫أي قوّل ال ما لم يقله‪ ،‬أو كذّب ما قاله ال‪ ،‬وكل المرين مساوٍ للخر‪ .‬والية‪ -‬كما نعلم‪ -‬هي‬
‫المر العجيب‪ ،‬واليات أُطلقت في القرآن على معانٍ متعددة؛ فالحق يقول‪ {:‬كِتَابٌ ُفصَّلتْ آيَاتُهُ‪...‬‬
‫}[فصلت‪]3 :‬‬
‫سلَ بِاليَاتِ ِإلّ أَن‬
‫وكذلك أطلقت على المعجزات التي يرسلها ال تأييدا لرسله‪َ {.‬ومَا مَ َنعَنَآ أَن نّرْ ِ‬
‫لوّلُونَ‪[} ...‬السراء‪]59 :‬‬
‫كَ ّذبَ ِبهَا ا َ‬
‫فاليات هنا هي المعجزات أي المور العجيبة‪.‬‬
‫س وَا ْل َقمَرُ‪} ...‬‬
‫شمْ ُ‬
‫ل وَال ّنهَا ُر وَال ّ‬
‫وحدثنا القرآن عن اليات الكونية فقال سبحانه‪َ {:‬ومِنْ آيَاتِهِ الّ ْي ُ‬
‫[فصلت‪]37 :‬‬
‫فالية إذن هي الشيء العجيب وهي تشمل آيات القرآن؛ لنك حين تنظر إلى نظم آيات القرآن‪،‬‬
‫وإلى استيعابها إلى حقائق الوجود وإلى استيفائها لقضايا الكون كله تقول لنفسك‪ :‬هذا شيء‬
‫عجيب؛ لن الذي جاءت على لسانه هذه اليات نبي أمي‪ ،‬ما عرف عنه أنه زاول تعلما‪ ،‬وما‬
‫جربوا عليه أنه قال شعرا‪ ،‬أو نثرا أو له رياضة في كلم‪ ،‬وبعد ذلك ما جرب حكم أمم‪ ،‬وما‬
‫درس تاريخ المم حتى يستنبط القوانين التي أعجزت الحضارات المعاصرة عن مجاراتها‪.‬‬
‫إن المة البدوية حينما ذهب بمنهجها إلى الفرس‪ ،‬وكانت الفرس لها حضارة الشرق كلها‪ ،‬وعلى‬
‫الرغم من ذلك أخذت الفرس قوانينها من هذه المة البدوية‪ ،‬وكان كل نظام هذه المة المتبدية قبل‬
‫مجيء الرسالة مع سيدنا رسول ال صلى ال عليه وسلم يتخلص في نظام القبيلة وكل قبيلة لها‬
‫رئيس‪ ،‬وبعد أن جاءت رسالته صلى ال عليه وسلم جاء بنظام يجمع أمم العالم كلها‪ ،‬ثم ينجح في‬
‫أدراة الدنيا كلها‪ ،‬وهذه مسألة عجيبة‪ ،‬وكل آية من هذه اليات كانت معجزة وعجيبة‪.‬‬
‫وكذلك اليات الكونية التي نجدها تتميز بالدقة الهائلة؛ فالشمس والقمر بحسبان‪ ،‬وكل في فلك‬
‫يسبحون‪ ،‬إنه نظام عجيب‪.‬‬
‫إذن فالعجائب في اليات هي آيات القرآن‪ ،‬والمعجزات واليات الكونية‪ .‬وكيف يكذبون إذن‬
‫باليات؟‪ .‬أل ينظرون إلى الكون‪ .‬وما فيه من دقة صنع وهندسة بناء تكويني ل تضارب فيه؟‬
‫وهي آيات تنطق بدقة الخالق؛ فهو العالم‪ ،‬القادر‪ ،‬الحكيم‪ ،‬الحسيب‪ .‬وكذلك كيف يكذبون الرسول‬
‫القادم بالمعجزات‪ ،‬ويقولون‪ :‬إنه ساحر‪ ،‬وحين تتلى عليهم آيات يكذبونها‪ .‬إذن هم لم ينظروا في‬
‫آيات الكون ليستنبطوا منها عظمة الصانع وحكمته ودقته‪ ،‬ولم يلتفتوا إلى الِيمان به قمة عقيدية‪،‬‬
‫وكذلك كذبوا باليات المعجزات التي جاء بها الرسل فلم يصدقوا الرسل وآخرها وقمتها آيات‬
‫القرآن العظيم‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وحينما عرض الحق سبحانه وتعالى هذه القضية‪ ،‬تساءل‪ :‬كيف تقولون‪ .‬إنه سحر الناس فآمنوا‬
‫به‪ ،‬فلماذا لم يسحركم أنت؟‪ .‬وحينما قالوا‪ {:‬إِ ّنمَا ُيعَّلمُهُ بَشَرٌ‪[} ...‬النحل‪]103 :‬‬
‫ي وَهَـاذَا ِلسَانٌ عَرَ ِبيّ مّبِينٌ }[النحل‪]103 :‬‬
‫ج ِم ّ‬
‫قال الحق‪... {:‬لّسَانُ الّذِي يُ ْلحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْ َ‬
‫لوّلِينَ اكْتَتَ َبهَا َف ِهيَ ُتمْلَىا عَلَ ْيهِ ُبكْ َر ًة وََأصِيلً }[الفرقان‪]5 :‬‬
‫وقالوا‪َ {:‬وقَالُواْ َأسَاطِي ُر ا َ‬
‫عمُرا مّن قَبِْلهِ َأفَلَ َت ْعقِلُونَ }[يونس‪]16 :‬‬
‫فيعلم الحق رسله أن يقول‪َ ... {:‬فقَدْ لَبِ ْثتُ فِيكُمْ ُ‬
‫وهنا يأمر الحق رسوله أن يذكرهم بأنه عاش بينهم أربعين عاما فهل عرف عنه أنه يقول أو يتكلم‬
‫بشيء من هذا؟‬
‫فهل يترك الحق من كذبوا باليات؟ أنهم خلق ال‪ ،‬وال استدعاهم إلى الوجود‪ ،‬لذلك يضمن لهم‬
‫مقومات الحياة‪ ،‬وأمر أسباب الكون أن تكون خدمة هؤلء المكذبين الكافرين كما في خدمة‬
‫الطائعين المؤمنين‪ .‬ومن يحسن منهم السباب يأخذ نتائجها‪ ،‬وإن أهمل المؤمنون الخذ بالسباب‬
‫فلن يأخذوا نتائجها‪ ،‬وكل هذا لنه عطاء ربوبية ولنه خلق فلبد أن يرزق‪ ،‬والنواميس الكونية‬
‫تخدم الطائع وتخدم العاصي؛ لن ذلك من سنة ال ولن يجد أحد لسنة ال تبديل‪.‬‬
‫إذن فكفرهم لن يمنع عنهم نصيبهم من الكتاب الذي قَدّر لهم‪ ،‬من الرزق والحياة‪ ،‬ما هو مسطر‬
‫في الكتاب الذي أنزل عليهم؛ لذلك يقول الحق‪ُ } :‬أوْلَـا ِئكَ يَنَاُل ُهمْ َنصِي ُبهُم مّنَ ا ْلكِتَابِ‪...‬‬
‫{ [العراف‪]37 :‬‬
‫أو ينالهم‪ ،‬أي يصيبهم عذاب مما هو مبين في الكتاب الذي أرسلناه ليوضح أن الطائع له الثواب‪،‬‬
‫والعاصي له العقاب‪ ،‬فيقول الحق هنا‪...} :‬حَتّىا إِذَا جَآءَ ْتهُمْ رُسُلُنَا يَ َت َوفّوْ َنهُمْ قَالُواْ أَيْنَ مَا كُن ُتمْ‬
‫سهِمْ أَ ّن ُهمْ كَانُواْ كَافِرِينَ { [العراف‪]37 :‬‬
‫شهِدُواْ عَلَىا أَ ْنفُ ِ‬
‫تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ قَالُو ْا ضَلّواْ عَنّا وَ َ‬
‫وساعة تسمع } يَ َت َو ّفوْ َنهُمْ { تفهم أن الحياة تنتهي‪ ،‬وتنفصل الروح عن الجسد فهذا هو " التوفي " ‪،‬‬
‫فمرة ينسب إلى الحق العلى سبحانه وتعالى‪ ،‬ومرة ينسب إلى المَلَك‪ ،‬ومرة يراد منه أتباع المَلَك‬
‫ح َدكُمُ ا ْل َم ْوتُ َت َوفّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَ ُيفَرّطُونَ { ‪،‬‬
‫أي جنوده يقول‪ -‬سبحانه‪ } :-‬حَتّىا إِذَا جَآءَ أَ َ‬
‫والساليب الثلثة ملتقية؛ لن ملك الموت لم يأت بالموت من عنده‪ ،‬بل أخذ التلقي من ال‪ ،‬فالمر‬
‫العلى من ال‪ ،‬وأمر التوسط للملك‪ ،‬وأمر التنفيذ للرسل‪.‬‬
‫و " التوفي " على إطلقه هو استيفاء الجل‪ ،‬فإن كان أجل الحياة فهو ترفية بالموت‪ ،‬وإن كان‬
‫الجل البرزخ وهو المدة التي بين القبر والحساب‪ .‬إلى أن يجيء ميعاد دخولهم النار فهذا هو‬
‫توفي أجلهم الثاني؛ لن كل إنسان له أجلن‪ :‬أجل ينهي هذه الحياة‪ ،‬والجل الذي يأخذه في‬
‫البرزخ إلى أن يجيء الحساب‪ .‬وهذا ل يمنع أن يقال‪ :‬إن قيامة كل إنسان تأتي بموته؛ لن للقيامة‬
‫مراحل بدءا من القبر ونهاية بالخلود في الجنة أو في النار‪.‬‬
‫سهِمْ‬
‫شهِدُواْ عَلَىا أَ ْنفُ ِ‬
‫وحين تسألهم الملئكة‪...} :‬أَيْنَ مَا كُن ُتمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ قَالُو ْا ضَلّواْ عَنّا وَ َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أَ ّنهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ { [العراف‪]37 :‬‬
‫هم إذن يعترفون أن من كانوا يدعونهم من دون ال قد غابوا واختفوا ول يظهر لهم أثر‪.‬‬
‫جدِيدٍ‪[} ...‬السجدة‪]10 :‬‬
‫{ َوقَالُواْ أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الَ ْرضِ أَإِنّا َلفِي خَ ْلقٍ َ‬
‫وهم ‪ -‬إذن ‪ -‬يقرون غياب من كانوا يدعونهم من دون ال‪ ،‬والمراد أنه ل وجود لهم‪ ،‬وهم بذلك‬
‫قد شهدوا على أنفسهم بكفرهم‪ .‬ولكن هذه الشهادة ل تجدي لن زمن التكليف قد انتهى‪ ،‬وهم الن‬
‫ل يفعل‪ ،‬ولكن في‬
‫في دار قهر لكل ما يريده ال؛ ففي دار التكليف كان الِنسان حرّا أن يفعل أو أ ّ‬
‫الدار الخرة ل تنفع هذه الشهادة‪ .‬وذلك لتبين عدالة الجزاء الذي يصيبهم‪ ،‬ولن يتأبوا على‬
‫الجزاء؛ لذلك يقول الحق‪ } :‬قَالَ ادْخُلُواْ فِي ُأمَمٍ‪{ ...‬‬

‫(‪)980 /‬‬
‫ن وَالْإِنْسِ فِي النّارِ كُّلمَا َدخََلتْ ُأمّةٌ َلعَ َنتْ أُخْ َتهَا حَتّى‬
‫خلُوا فِي ُأمَمٍ قَدْ خََلتْ مِنْ قَبِْلكُمْ مِنَ ا ْلجِ ّ‬
‫قَالَ ادْ ُ‬
‫ض ْعفًا مِنَ النّارِ قَالَ‬
‫جمِيعًا قَاَلتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَا ُهمْ رَبّنَا َهؤُلَاءِ َأضَلّونَا فَآَ ِت ِهمْ عَذَابًا ِ‬
‫إِذَا ادّا َركُوا فِيهَا َ‬
‫ف وََلكِنْ لَا َتعَْلمُونَ (‪)38‬‬
‫ض ْع ٌ‬
‫ِل ُكلّ ِ‬

‫ويوضح لنا الحق أنه بأوامر " كن " سيدخلون كما دخلتها أمم قد خلت من قلبهم فليسوا بدعا‪،‬‬
‫وليدخلوا معهم إلى المصير الذي يذهبون إليه‪ ،‬وهم أمم خليط؛ لن الكفر سوف يلتقي كله في‬
‫الجزاء‪.‬‬
‫إن القتداء بالمم التي سبقت هو الذي قادهم إلى الكفر؛ فالمم التي سبقت كانت أسوة في الضلل‬
‫للمة التي لحقت‪ ،‬فإذا ما دخلوا لعنوهم‪.‬‬
‫وهب أن إنسانا دخل مرة السجن لجرم ارتكبه‪ ،‬وبعد ذلك دخل عليه من كان يغربه بالجرم‪ .‬ومن‬
‫كان يزين له‪ ،‬ومن اقتدى به‪ .‬بال ساعة يلتقيان في السجن أل يلعن الول الثاني؟ {‪...‬كُّلمَا دَخََلتْ‬
‫جمِيعا قَاَلتْ ُأخْرَاهُمْ لُولَهُمْ رَبّنَا هَـاؤُلءِ َأضَلّونَا فَآ ِتهِمْ‬
‫ُأمّةٌ ّلعَ َنتْ أُخْ َتهَا حَتّىا إِذَا ادّا َركُواْ فِيهَا َ‬
‫ف وَلَـاكِن لّ َتعَْلمُونَ } [العراف‪]38 :‬‬
‫ض ْع ٌ‬
‫ضعْفا مّنَ النّارِ قَالَ ِل ُكلّ ِ‬
‫عَذَابا ِ‬
‫وبعد أن يلحق بعضهم بعضا ويجتمعوا‪ ،‬يحدث بينهم هذا الحوار العجيب‪ { :‬قَاَلتْ ُأخْرَاهُمْ لُولَهُمْ‬
‫ضعْفا مّنَ النّارِ‪[ } ...‬العراف‪]38 :‬‬
‫رَبّنَا هَـاؤُلءِ َأضَلّونَا فَآ ِت ِهمْ عَذَابا ِ‬
‫فإن قلت الخرى أي التي دخلت النار متأخرة كانت الولى هي القدوة في الضلل وقد سبقتهم إلى‬
‫النار‪ { ،‬قَاَلتْ ُأخْرَا ُه ْم لُولَهُمْ } ‪ ،‬أي أن الولى هم القادة الذين أضلوا‪ ،‬والطائفة الخرى هم‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫التباع الذين قلدوا‪ { .‬قَاَلتْ أُخْرَا ُه ْم لُولَ ُهمْ رَبّنَا هَـاؤُلءِ َأضَلّونَا }‪ .‬وهم يتوجهون بالكلم إلى‬
‫ربنا‪ { :‬رَبّنَا هَـاؤُلءِ َأضَلّونَا }‪.‬‬
‫كيف يتأتى هذا؟‪ .‬وكان المقياس أن يقول‪ :‬قالت أخراهم لولهم أنتم أضللتمونا لكن جاء هذا‬
‫القول‪ ،‬لن الذين أضلوا غيرهم أهون من أن يخاطبوا؛ لن الموقف كله في يد ال‪ ،‬وإذا ما قالوا‬
‫ل المواجه للجميع‪ { :‬هَـاؤُلءِ َأضَلّونَا } فهؤلء‪ ،‬هذه رشارة إليهم‪ ،‬فكأن القول موجه ل شهادة‬
‫منهم إلى من كان وسيلة لضللهم وهم يقولون لربنا هذا حتى يأخذوا عذاب الضعف من النار‬
‫ضعْفا مّنَ النّارِ‪[ } ...‬العراف‪]38 :‬‬
‫مصداقا لقوله الحق‪ { :‬فَآ ِتهِمْ عَذَابا ِ‬
‫ف وَلَـاكِن لّ َتعَْلمُونَ }‪.‬‬
‫ضعْ ٌ‬
‫ل ِ‬
‫فقال لهم جميعا‪ِ...{ :‬ل ُك ّ‬
‫ضعْف معناه " شيء مساوٍ لمثله " ‪،‬‬
‫فلكل أمة منهم ضعف العذاب بما ضلت وأضلت‪ .‬ونفهم أن ال ّ‬
‫فأنتم أيها المقلدون غيركم قد أضللتم سواكم بالسوة أيضا؛ لنكم كثرتم عددهم وقويتم شوكتهم‬
‫وأغريتم الناس باتباعهم‪.‬‬
‫ويكون لكم ضعف العذاب بحكم أنكم أضللتم أيضا‪ ،‬وأنتم ل تعلمون أن من يحاسبكم دقيق في‬
‫الحساب‪ ،‬ويعطي كل إنسان حقه تماما‪.‬‬
‫وماذا تقول أولهم لخرهم؟ يقول الحق سبحانه‪َ { :‬وقَاَلتْ أُولَ ُه ْم لُخْرَا ُهمْ‪} ...‬‬

‫(‪)981 /‬‬
‫ضلٍ فَذُوقُوا ا ْلعَذَابَ ِبمَا كُنْتُمْ َتكْسِبُونَ (‪)39‬‬
‫َوقَاَلتْ أُولَا ُهمْ لِأُخْرَاهُمْ َفمَا كَانَ َل ُكمْ عَلَيْنَا مِنْ َف ْ‬

‫أي مادمتم ستأخذون ضعف العذاب مثلنا فقد تساوت الرءوس { َفذُوقُواْ ا ْلعَذَابَ ِبمَا كُن ُتمْ َتكْسِبُونَ }‬
‫كأن المجرم نفسه ساعة يلتقي ويستقبل مجرما مثله‪ ،‬يقول له‪ :‬اشرب من العذاب نفسه‪ ،‬وليس ذلك‬
‫تجنيا من ال‪ ،‬ول بسلطة القهر لعباده‪ ،‬ولكن بعدالة الحكم؛ لن ذلك إنما حدث بسبب ما كسبتم‪.‬‬
‫ومعلوم أن التذوق في الطعوم‪ ،‬فهل هم يأكلون العذاب؟‪ .‬ل‪ ،‬إنّ الحق قد جعل كل جارحة فيهم‬
‫تذوق العذاب‪ ،‬والحق حين يريد شمول العذاب للجسم يجعل لكل عضو في الجسم حساسية الذوق‬
‫كالتي في اللسان‪.‬‬
‫طمَئِنّةً يَأْتِيهَا رِ ْز ُقهَا رَغَدا مّن ُكلّ‬
‫ولذلك يقول الحق سبحانه‪َ {:‬وضَ َربَ اللّهُ مَثَلً قَرْيَةً كَا َنتْ آمِ َنةً مّ ْ‬
‫خوْفِ ِبمَا كَانُواْ َيصْ َنعُونَ }[النحل‪]112 :‬‬
‫َمكَانٍ َفكَفَ َرتْ بِأَ ْنعُمِ اللّهِ فَأَذَا َقهَا اللّهُ لِبَاسَ ا ْلجُوعِ وَا ْل َ‬
‫وهذه هي الذاقة‪ ،‬كأنها صارت لباسا من الجوع يشمل الجسد كله‪ ،‬والِذاقة أشد الِدراكات تاثيرا‪،‬‬
‫واللباس أشمل للجسد‪ { .‬فَذُوقُواْ ا ْلعَذَابَ ِبمَا كُن ُتمْ َتكْسِبُونَ }‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ولم يقل الحق‪ :‬بما كنتم تكتسبون؛ لن اكتسابهم للسيئات لم يعد فيه افتعال‪ ،‬بل صار أمرا طبيعيا‬
‫بالنسبة لهم‪ ،‬وعلى الرغم من أن المر الطبيعي في التكوين أن يصنع النسان الحسنة دون تكلف‬
‫ول تصنع‪ ،‬وفي السيئات يجاهد نفسه؛ لن ذلك يحدث على غير ما طبع عليه‪ ،‬ولكن هؤلء من‬
‫فرط إدمانهم للسيئات فسدت فطرتهم ولم تعد ملكاتهم تتضارب عند فعل السيئات‪ ،‬بل صاروا‬
‫يرتكبون الثم كأمر طبيعي‪ ،‬وهذا هو الخطر الذي يحيق بالمسرفين على أنفسهم؛ لن الواحد منهم‬
‫يفرح بعمل السيئات‪.‬‬
‫ويقول الحق بعد ذلك‪ { :‬إِنّ الّذِينَ كَذّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْ َتكْبَرُواْ‪} ...‬‬

‫(‪)982 /‬‬
‫ج َملُ‬
‫سمَا ِء وَلَا يَ ْدخُلُونَ الْجَنّةَ حَتّى يَلِجَ ا ْل َ‬
‫إِنّ الّذِينَ كَذّبُوا بِآَيَاتِنَا وَاسْ َتكْبَرُوا عَ ْنهَا لَا ُتفَتّحُ َلهُمْ أَ ْبوَابُ ال ّ‬
‫فِي سَمّ ا ْلخِيَاطِ َوكَذَِلكَ نَجْزِي ا ْل ُمجْ ِرمِينَ (‪)40‬‬

‫والحق يريد أن يعطي حكما جديدا ويحدد من هو المحكوم عليه ليعرف بجريمته‪ ،‬وهي جريمة‬
‫غير معطوفة على سابقة لها‪ ،‬وليعرف كل إنسان أن هذه جريمة‪ ،‬وأن من يرتكبها يلقى حكما‬
‫وعقابا‪ { .‬إِنّ الّذِينَ كَذّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْ َتكْبَرُواْ عَ ْنهَا }‪.‬‬
‫وقد عرفنا من قبل معنى اليات‪ .‬وأنها ايات القرآن المعجزة أو اليات الكونية‪ ،‬وأي إنسان يظن‬
‫نفسه أكبر من أن يكون تابعا لمنهج جاء به رسول عرف بين قومه بأمانته‪ ،‬وهذا النسان يستحق‬
‫العقاب الشديد‪ .‬فصحيح أن محمدا صلى ال عليه وسلم لم يكن له من الجاه ول سلطان ما ينافس‬
‫جلٍ مّنَ‬
‫به سادة وكبراء قريش‪ ،‬ولذلك وجدنا من يقول‪َ {:‬وقَالُواْ َل ْولَ نُ ّزلَ هَـاذَا ا ْلقُرْآنُ عَلَىا رَ ُ‬
‫ا ْلقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ }[الزخرف‪]31 :‬‬
‫إنهم يعترفون بعلو القرآن‪ ،‬لكنهم تمنوا لو أن القرآن قد نزل على إنسان غيره بشرط أن يكون من‬
‫العظماء بمعاييرهم وموازينهم المادية‪.‬‬
‫ومن يكذب اليات ويستكبر عن اتباع الرسول ل تفتح له أبواب السماء‪ { .‬إِنّ الّذِينَ كَذّبُواْ بِآيَاتِنَا‬
‫سمّ ا ْلخِيَاطِ‬
‫ج َملُ فِي َ‬
‫سمَآ ِء َولَ َيدْخُلُونَ ا ْلجَنّةَ حَتّىا يَلِجَ ا ْل َ‬
‫وَاسْ َتكْبَرُواْ عَ ْنهَا لَ ُتفَتّحُ َلهُمْ أَ ْبوَابُ ال ّ‬
‫َوكَذاِلكَ نَجْزِي ا ْل ُمجْ ِرمِينَ } [العراف‪]40 :‬‬
‫وبذلك نعرف من هم الذين ل تفتح لهم أبواب السماء‪ ،‬وبطبيعة الحال نعرف أن المقابلين لهم هم‬
‫الذين تفتح لهم أبواب السماء‪ ..‬إنهم المؤمنون‪ ،‬وحين تصعد أرواحهم إلى المل العلى تجد‬
‫أعمالهم الصالحة تصعد وترتفع بهم إلى أعلى‪ .‬أما المكذبون فهم ل يترقون بل يهبطون ول‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يدخلون الجنة‪ ،‬وقد علق سبحانه دخول الجنة بمستحيل عقلً وعادة وطبعا‪َ { :‬ولَ يَ ْدخُلُونَ الْجَنّةَ‬
‫ج َملُ فِي سَمّ الْخِيَاطِ }‪.‬‬
‫حَتّىا يَلِجَ الْ َ‬
‫سمّ ا ْلخِيَاطِ } هو ثقب البرة‪ ،‬أي الذي تدخل فيه فتلة الخيط‪ ،‬ول تدخل فتلة الخيط في الثقب‬
‫و{ َ‬
‫إل أن يكون قطر الفتلة أقل من قطر الثقب‪ ،‬وأن تكون الفتلة من الصلبة بحيث تنفذ‪ ،‬وأن تكون‬
‫الفتلة غير مستوية الطرف؛ لنها إن كانت مقصوصة وأطرافها مستوية فهي ل تدخل في الثقب؛‬
‫لذلك نجد الخياط يجعل للفتلة سنا ليدخلها في ثقب البرة‪.‬‬
‫وحين نأتي بالجمل ونقول له‪ :‬ادخل في سم الخياط‪ ،‬فهل يستطيع؟ طبعا ل؛ لذلك نجد الحق‬
‫سبحانه قد علق دخول هؤلء الجنة على مستحيل‪.‬‬
‫بعض الناس قالوا‪ :‬وما علقة الجمل بسم الخياط؟‬
‫نقول‪ :‬إن الجمل يطلق أيضا على الحبل الغليظ المفتول من حبال‪ ،‬مثل حبال المركب إننا نجده‬
‫سميكا مجدولً‪.‬‬
‫وأخذ الشعراء هذه المسألة؛ ونجد واحدا منهم يصف انشغاله بالحبيب وشوقه إليه وصبابته به حتى‬
‫يهزل ويستبد به الضعف فيقول‪:‬ولو أن ما بي من جوى وصبابةعلى جمل لم يدخل النار كافرلن‬
‫الجوى والصبابة التي يعاني منهما هذا الشاعر‪ ،‬لو أصيب بهما الجمل فلسوف ينحف وينحف‬
‫ويهزل‪ ،‬إلى أن يدخل في سم الخياط‪ ،‬وهنا يوضح ربنا‪ :‬إن دخل الجمل في سم الخياط فسوف‬
‫ط َوكَذاِلكَ نَجْزِي ا ْل ُمجْ ِرمِينَ } [العراف‪]40 :‬‬
‫ج َملُ فِي سَمّ ا ْلخِيَا ِ‬
‫أدخلهم الجنة‪...{ .‬حَتّىا يَلِجَ ا ْل َ‬
‫وهم يستحقون هذا الجزاء بما أجرموا‪.‬‬
‫جهَنّمَ ِمهَا ٌد َومِن َف ْو ِقهِمْ‪} ...‬‬
‫ويقول الحق بعد ذلك‪َ { :‬لهُمْ مّن َ‬

‫(‪)983 /‬‬
‫ش َوكَذَِلكَ َنجْزِي الظّاِلمِينَ (‪)41‬‬
‫غوَا ٍ‬
‫جهَنّمَ ِمهَا ٌد َومِنْ َف ْو ِقهِمْ َ‬
‫َلهُمْ مِنْ َ‬

‫المهاد هو الفراش‪ ،‬ومنه مهد الطفل‪ ،‬والغاشية هي الغطاء‪ ،‬أي أن فرش هذا المهاد وغطاءه‬
‫جهنم‪ .‬وفي آية أخرى يقول الحق سبحانه وتعالى‪َ {:‬لهُمْ مّن َف ْو ِقهِمْ ظَُللٌ مّنَ النّا ِر َومِن تَحْ ِتهِمْ‬
‫ظَُللٌ‪[} ...‬الزمر‪]16 :‬‬
‫إذن الظلل والغواشي تغطي جهتين في التكوين البعدي للِنسان‪ ،‬والبعاد ستة وهي‪ :‬المام‬
‫والخلف‪ ،‬واليمين والشمال‪ ،‬والفوق والتحت‪ ،‬والمهاد يشير إلى التحتية‪ ،‬والغواشي تشير إلى‬
‫الفوقية‪ ،‬وكذلك الظلل من النار‪ ،‬ولكن الحق شاء أن يجعل جهنم تحيط بأبعاد الكافر الستة فيقول‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫سبحانه‪ {:‬إِنّا أَعْتَدْنَا لِلظّاِلمِينَ نَارا َأحَاطَ ِبهِمْ سُرَا ِد ُقهَا‪[} ...‬الكهف‪]29 :‬‬
‫وهذا يعني شمول العذاب لجميع اتجاهات الظالمين‪.‬‬
‫وجهنم مأخوذة من الجهومة وهي الشيء المخوف العابس الكريه الوجه‪ ،‬ثم يأتي بالمقابل ليشحن‬
‫النفس بكراهية ذلك الموقف‪ ،‬ويحبب إلى النفس المقابل لمثل هذا الموقف‪ ،‬فيقول سبحانه‪ { :‬وَالّذِينَ‬
‫آمَنُواْ‪} ...‬‬

‫(‪)984 /‬‬
‫س َعهَا أُولَ ِئكَ َأصْحَابُ ا ْلجَنّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (‬
‫عمِلُوا الصّالِحَاتِ لَا ُنكَّلفُ َنفْسًا إِلّا وُ ْ‬
‫وَالّذِينَ َآمَنُوا وَ َ‬
‫‪)42‬‬

‫وبهذا يخبرنا الحق أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات هم أصحاب الجنة وهم فيها خالدون‪ ،‬ويضع‬
‫س َعهَا }؛ لنفهم أن المسرفين على‬
‫ل وُ ْ‬
‫لنا الحق تنبيها بين مقدمة الية وتذييلها { لَ ُنكَّلفُ َنفْسا ِإ ّ‬
‫أنفسهم بالكفر وتكذيب اليات لم يفهموا حقيقة الِيمان‪ ،‬وأن حبس النفس عن كثير من شهواتها هو‬
‫في مقدور النفس وليس فوق طاقتها؛ لذلك أوضح لنا سبحانه أنه كلف بـ " افعل ول تفعل " وذلك‬
‫في حدود وسع المكلّف‪.‬‬
‫وحين نستعرض الصورة إِجمالً للمقارنة والموازنة بين أهل النار وأهل الجنة نجد الحق قد قال‬
‫سمَآ ِء َولَ َيدْخُلُونَ ا ْلجَنّةَ‬
‫في أهل النار‪ {:‬إِنّ الّذِينَ كَذّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْ َتكْبَرُواْ عَ ْنهَا لَ ُتفَتّحُ َلهُمْ أَ ْبوَابُ ال ّ‬
‫ط َوكَذاِلكَ نَجْزِي ا ْل ُمجْ ِرمِينَ }[العراف‪]40 :‬‬
‫ج َملُ فِي سَمّ الْخِيَا ِ‬
‫حَتّىا يَلِجَ الْ َ‬
‫فهم لن يدخلوا الجنة‪ ،‬وعلى ذلك فقد سلب منهم نفعا‪ ،‬ول يتوقف المر على ذلك‪ ،‬ولكنهم يدخلون‬
‫النار‪ ،‬إذن فهنا أمران‪ :‬سلب النافع وهو دخولهم الجنة‪ ،‬إنه سبحانه حرمهم ومنعهم ذلك النعيم‪،‬‬
‫جهَنّمَ‬
‫وذلك جزاء إجرامهم‪ .‬وبعد ذلك كان إدخالهم النار‪ ،‬وهذا جزاء آخر؛ فقال الحق‪َ {:‬لهُمْ مّن َ‬
‫غوَاشٍ َوكَذاِلكَ نَجْزِي الظّاِلمِينَ }[العراف‪]41 :‬‬
‫ِمهَا ٌد َومِن َف ْوقِهِمْ َ‬
‫في الولى قال‪ - :‬سبحانه ‪َ { -‬وكَذاِلكَ نَجْزِي ا ْل ُمجْ ِرمِينَ }‪.‬‬
‫وفي الثانية قال‪َ { :‬وكَذاِلكَ َنجْزِي الظّاِلمِينَ }‪.‬‬
‫فكأن الجرام كان سببا في أل يدخلوا الجنة‪ ،‬والظلم كان سببا في أن يكون من فوقهم غواش‪ ،‬لهم‬
‫من جهنم مهاد‪ ،‬وهم في النار يحيطهم سرداقها‪.‬‬
‫ومن المناسب بعد تلك الشحنة التي تكرهنا في أصحاب النار وفي سوء تصرفهم فيما كلفوا به‬
‫عمِلُواْ‬
‫أولً‪ ،‬وسبب بشاعة جزائهم ثانيا؛ أن نتلهف على المقابل‪ .‬فقال سبحانه‪ { :‬وَالّذِينَ آمَنُواْ وَ َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫س َعهَا ُأوْلَـا ِئكَ َأصْحَابُ ا ْلجَنّةِ ُهمْ فِيهَا خَاِلدُونَ } [العراف‪]42 :‬‬
‫ت لَ ُنكَّلفُ َنفْسا ِإلّ وُ ْ‬
‫الصّالِحَا ِ‬
‫س َعهَا } جاء بين المبتدأ والخبر‪ ،‬ككلم‬
‫ل وُ ْ‬
‫وقول الحق سبحانه وتعالى‪ { :‬لَ ُنكَّلفُ َنفْسا ِإ ّ‬
‫اعتراضي؛ لن أسلوب يقتضي إبلغنا أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم الخلود في الجنة‪،‬‬
‫س َعهَا } بين العمدتين وهما المبتدأ والخبر؛ لننا حينما نسمع { وَالّذِينَ‬
‫ل وُ ْ‬
‫وجاءت { لَ ُنكَّلفُ َنفْسا ِإ ّ‬
‫عمِلُواْ الصّالِحَاتِ } وهذا عمل الجوارح‪ ،‬وبذلك أي بعمل‬
‫آمَنُواْ } فهذا عمل قلبي‪ ،‬ونسمع بعده { وَ َ‬
‫القلب مع عمل الجوارح يتحقق من السلوك ما يتفق مع العقيدة‪ .‬والعتقاد هو يسهل دائما السلوك‬
‫اليماني ويجعل مشاق التكاليف في العمال الصالحة مقبولة وهينة‪ ،‬ولذلك أوضح سبحانه‪ :‬إياكم‬
‫أن تظنوا أني قد كلفتكم فوق طاقتكم‪ ،‬ل؛ فأنا ل أكلف إل ما في الوسع‪ ،‬وإياكم أن تفهموا قولي‪{ :‬‬
‫عمِلُواْ الصّالِحَاتِ } هو رغبة في إرهاق نفوسكم‪ ،‬ولكن ذلك في قدرتكم لنني‬
‫وَالّذِينَ آمَنُو ْا وَ َ‬
‫المشرع‪ ،‬والمشرع إنما يضع التكليف في وسع المكلّف‪.‬‬
‫ونحن في حياتنا العملية نصنع ذلك؛ فنجد المهندس الذي يصمم آلة يخبرنا عن مدى قدرتها‪ ،‬فل‬
‫يحملها فوق طاقتها وإل تفسد‪.‬‬
‫وإذا كان الصانع من البشر ل يكلف اللة الصماء فوق ما تطيق‪ ،‬أيكلف الذي خلق البشر فوق ما‬
‫يطيقون؟ محال أن يكون ذلك‪.‬‬
‫إذن فيجب أن نوصد الباب أمام الذين يحاولون أن يتحللوا من التزامات التكليف عليهم‪ ،‬فل تعلق‬
‫الحكم على وسعك الخائر الجائر‪ ،‬ولكن غلق الوسع على تكليف ال‪ ،‬فإن كان قد كلف فأحكم لن‬
‫ذلك في الوسع؛ والدليل على كذب من يريد الفلت من الحكم هو محاولته إخضاع الحكم لوسعه‬
‫هو؛ أن غيره يفعل ما ل يريد أن يفعله‪ .‬فحين ينهى الحق عن شرب الخمر تجد غيرك ل يشرب‬
‫ل لمر ال‪ ،‬وكذلك تجد من يمتنع عن الزنا أو أكل الربا؛ فإذا كان مثيلك وهو فرد من‬
‫الخمر امتثا ً‬
‫نوعك قادرا على هذا العمل فمن ل يمتنع عن مثل هذه المحرمات هو المذنب ل لصعوبة‬
‫التكليف‪.‬‬
‫فالتكليف هو أمر الشارع الحكيم بـ " افعل " و " ل تفعل " وسبحانه ل يكلف النسان إل إذا كان‬
‫قادرا على أن يؤدي مطلوبات الشرع؛ لن ال ل يكلف إل على قدر الطاقة‪ ،‬واستبقاء الطاقة‬
‫يحتاج إلى قوت‪ ،‬طعام‪ ،‬شراب‪ ،‬لباس‪ ،‬وغير ذلك مما تحتاج إليه الحياة‪ ،‬لذلك أوضح سبحانه أنه‬
‫يوفر للِنسان كل ماديات الحياة الساسية‪ ،‬وإياكم أن تظنوا أن ال حين يكلف النسان يكلفه‬
‫شططا‪ ،‬ولكن النسان هو الذي يضع في موضع الشطط‪ .‬فقال‪َ {:‬ومَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِ ْزقُهُ‪} ...‬‬
‫[الطلق‪]7 :‬‬
‫علَيْهِ رِ ْزقُهُ { أي ضيق عليه قليلً‪.‬‬
‫} َومَن قُدِرَ َ‬
‫ويقول سبحانه‪ {:‬فَلْيُنفِقْ ِممّآ آتَاهُ اللّ ُه لَ ُيكَّلفُ اللّهُ َنفْسا ِإلّ مَآ آتَاهَا‪[} ...‬الطلق‪]7 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إذن ل تفترض وتقدر أنت تكاليف المعيشة ثم تحاول إخضاع وارداتك إلى هذا التصور‪ ،‬بل انظر‬
‫إلى الوارد أليك وعش في حيز وإطار هذا الوارد‪ ،‬فإن كان دخلك مائة جنيه فرتب حياتك على أن‬
‫يكون مصروفك يساوي دخلك؛ لن ال ل يكلفك إل ما آتاك‪.‬‬
‫ولننظر إلى ما آتانا ال؛ لذلك ل تدخل في حساب الرزق إل ما شرع ال‪ ،‬فل تسرق‪ .‬ول تنهب‬
‫ول تختلس ول ترتش ثم تقول‪ :‬هذا ما آتاني ال‪ ،‬ل‪ ،‬عليك ألَ تأخذ ول تنتفع إل بما أحل ال لك‪،‬‬
‫فإن عشت في نطاق ما أحل ال يعينك ال على كل أمرك وكل حاجاتك‪ ،‬لنك تحيا بمنهج ال‪،‬‬
‫فيصرف عنك الحق مهمات الحياة التي تتطلب أن تزيد على ما آتاك ال‪ ،‬فل تخطر على بالك أو‬
‫على بال أولدك‪ .‬وتجد نفسك ‪ -‬على سبيل المثال ‪ -‬وأنت تدخل السوق وآتاك ال قدرا محدودا‬
‫من المال‪ ،‬وترى الكثير من الخيرات‪ ،‬لكن الحق يجعلك ل تنظر إل في حدود ما في طاقتك‪،‬‬
‫وكذلك يُحسّن لك ال ما في طاقتك ويبعد عنك ما فوق طاقتك؛ لن ال ل يكلف نفسا إل ما آتاها‪،‬‬
‫ول يحرك شهوات النفس إل في حدود ذلك‪.‬‬
‫س َعهَا ُأوْلَـا ِئكَ َأصْحَابُ‬
‫ل وُ ْ‬
‫ت لَ ُنكَّلفُ َنفْسا ِإ ّ‬
‫عمِلُواْ الصّالِحَا ِ‬
‫ولذلك قال الحق‪ } :‬وَالّذِينَ آمَنُو ْا وَ َ‬
‫الْجَنّةِ ُهمْ فِيهَا خَاِلدُونَ { [العراف‪]42 :‬‬
‫وأصحاب الجنة هم الذين ل يفارقونها مثلما يحب الصاحب صاحبه؛ فالجنة تتطلبهم‪ ،‬وهم يتطلبون‬
‫الجنة‪ ،‬والحياة فيها بخلود وما فاتك من متع الدنيا لم يكن له خلود‪ ،‬وأنت في الدنيا تخاف أن‬
‫تموت وتفوت النعمة‪ ،‬وإن لم تمت تخاف أن تتركك النعمة؛ لن الدنيا أغيار‪ ،‬وفي ذلك لفت‬
‫لقضايا ال في كونه‪ ،‬تجد الصحيح قد صار مريضا‪ ،‬والغني قد صار فقيرا‪ ،‬فل شيء لذاتية‬
‫النسان‪ .‬وبهذا يعدل ال ميزان الناس فيأتي إلى الحالة القتصادية ويوزعها على الخلق‪ ،‬ونجد‬
‫الذي ل يتأبى على قدر ال في رزقه وفي عمله يجعل ال له بعد العسر يسرا‪ .‬وفي الجنة يُخلي‬
‫ال أهلها من الغيار‪.‬‬
‫ولذلك يقول الحق سبحانه‪ } :‬وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم‪{ ...‬‬

‫(‪)985 /‬‬
‫حمْدُ لِلّهِ الّذِي َهدَانَا ِلهَذَا َومَا كُنّا‬
‫غلّ تَجْرِي مِنْ َتحْ ِتهِمُ الْأَ ْنهَا ُر َوقَالُوا ا ْل َ‬
‫وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِ ِهمْ مِنْ ِ‬
‫ق وَنُودُوا أَنْ تِ ْل ُكمُ الْجَنّةُ أُورِثْ ُتمُوهَا ِبمَا كُنْتُمْ‬
‫سلُ رَبّنَا بِا ْلحَ ّ‬
‫لِ َنهْتَ ِديَ َلوْلَا أَنْ هَدَانَا اللّهُ َلقَدْ جَا َءتْ رُ ُ‬
‫َت ْعمَلُونَ (‪)43‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫غلّ } ينطبق‪ -‬أيضا‪ -‬على أهل الجتهاد الذين اجتهد‬
‫وقوله الحق‪ { :‬وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مّنْ ِ‬
‫كل منهم في الدنيا‪ ،‬واختلفوا‪ ،‬هؤلء يبعثون يوم القيامة وليس في صدر أحدهم غل ول حقد‪ .‬لذلك‬
‫تجد سيدنا الِمام عليّا ‪-‬كرم ال وجهه‪ -‬حين يقرأ هذه الية يقول‪ " :‬اللهم اجعلني أنا وعثمان‬
‫وطلحة والزبير من هؤلء "‪ .‬لن هؤلء هم الذين وقع بينهم الخلف في مسألة الخلفة‪ ،‬وكل‬
‫منهم صحابي ومبشر بالجنة‪ ،‬فإن كانت النفوس قد دخلت فيها أغيار‪ ،‬فإياكم أن تظنوا أن هذه‬
‫الغيار سوف تصحبكم في دار الجزاء في الخرة؛ لن ال يقول‪ { :‬وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مّنْ‬
‫غلّ }‪.‬‬
‫ِ‬
‫إن الخلف كان خلفا اجتهاديا بين المؤمنين وهم قد عملوا الصالحات وكل منهم أراد الحسن من‬
‫العمال‪ ،‬ونشأ عن ذلك في أغيار الدنيا شيء من عمل القلب‪ ،‬فأوضح سبحانه‪ :‬إياكم أن تفهموا‬
‫أن ذلك سوف يستمر معهم في الخرة؛ لنهم جميعا حينما اختلفوا كانوا يعيشون باجتهادات ال‪،‬‬
‫وفي الخرة ل اجتهاد لحد‪ .‬ويريد الحق أن يجعل هذا المر قضية كونية‪ ،‬ومثال ذلك تجد رجلً‬
‫قد تزوج امرأة بمقاييس غير مقاييس ال في الزواج؛ تزوجها لنها جميلة مثلً‪ ،‬أو لن والدها له‬
‫جاه أو غني‪ ،‬وبعد الزواج لم يعطه والدها الغني شيئا من ماله فيقول‪ :‬غشني وزوجني ابنته‪ ،‬أو‬
‫كانت جميلة‪ ،‬ثم لقى فيها خصال قبيحة كثيرة فكرهها‪ ،‬ونقول لمثل هذا الرجل‪ :‬مادمت لم تأخذها‬
‫بمقاييس ال فعليك أن تنال جزاء الختيار‪.‬‬
‫ولكن من تزوج امرأة على دين ال‪ ،‬ووجد منها قبحا‪ ،‬فلن يصحبه هذا القبح في الخرة‪ ،‬ولذلك‬
‫نجد الحق قد جاء بهذه القضية بالذات‪ ،‬ولم يأت بها في البناء أو في البنات‪ ،‬بل في الزوج‬
‫والزوجة لنهما عماد السرة‪ .‬فبيّن للرجل‪ :‬إياك أن تتخيل أن المرأة التي أغاظتك أو أتعبتك أو‬
‫كدرت عليك بخصلة سيئة فيها‪ ،‬إياك أن تظن أن هذه الخصلة السيئة ستصاحبها في الخرة‪،‬‬
‫طهّ َرةٌ‪[} ...‬آل عمران‪]15 :‬‬
‫ولذلك قال سبحانه‪ {:‬وَأَ ْزوَاجٌ مّ َ‬
‫وأزواج مطهرة من الشياء التي كنت تغضب منها وستكون مطهرة بتطهير ال لها‪ { .‬وَنَزَعْنَا مَا‬
‫غلّ تَجْرِي مِن َتحْ ِتهِ ُم الَ ْنهَارُ‪[ } ...‬العراف‪]43 :‬‬
‫صدُورِهِم مّنْ ِ‬
‫فِي ُ‬
‫ونجد الحق يقول مرة‪َ { :‬تجْرِي تَحْ َتهَا الَ ْنهَارُ } ومرة يقول‪ { :‬تَجْرِي مِن َتحْ ِتهِ ُم الَ ْنهَارُ } ‪ ،‬ونجد‬
‫" مِن " فارقا بين القولين‪ .‬إننا نرى من يستقر في قصر ونجد الماء منسابا حوله وتحته يسر‬
‫العيون‪ ،‬وماء الخرة هو ماء غير آسن‪ ،‬وليس فيه أكدار الدنيا‪ ،‬وكما أننا نسر بالماء في الدنيا‬
‫سنسر به أضعاف ذلك في الخرة‪ .‬وقد تجري المياه تحت القصر ولكن نبعها من مكان بعيد‬
‫فيخاف صاحب القصر أن يقطعها آخر عنه‪ ،‬ويطمئن الحق عباده الصالحين‪ :‬ستجري من تحت‬
‫جنانكم النهار وكل المياه ستكون ذاتيتها من موقع كل مكون أنت فيه ولن يتحكم فيك أحد‪ ،‬ولن‬
‫يسد أحد عنك منبع المياه وسترى أنهار الخرة بل شطآن؛ لن كل شيء ممسوك ل بالسباب كما‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫في الدنيا‪ ،‬ولكن بـ " كن " التي هي ل‪.‬‬
‫حمْدُ للّهِ الّذِي هَدَانَا ِلهَـاذَا َومَا كُنّا لِ َنهْ َت ِديَ َلوْل أَنْ هَدَانَا‬
‫ولذلك يقول العباد في جنة الخرة‪ } :‬ا ْل َ‬
‫اللّهُ‪[ { ...‬العراف‪]43 :‬‬
‫إنهم يقولون الحمد ل لنه جل وعل قد جمعهم ودلهم وأرشدهم إلى الثواب والنعيم دون منغصات‪،‬‬
‫والحمد ل هي عبادة يقولها المؤمنون في الخرة؛ لنهم أدوا حق ال في تكاليفه في الدنيا ويعطيهم‬
‫ال فوق ما يتوقعون في الخرة‪ .‬ونعيم الخرة ل قيد عليه‪ ،‬ولن يستطيع بشر مهما ارتقى‬
‫بالبتكار أن يصل إلى ما في الجنة؛ لن الشيء يتحقق لك من فور أن يخطر ببالك‪َ } .‬وقَالُواْ‬
‫ح ْمدُ للّهِ {‪.‬‬
‫الْ َ‬
‫وهذا الحمد ل كان في الدنيا عبادة تكليف‪ ،‬أمّا في الخرة فهو " عبادة غبطة وسرور وتلذذ‪} .‬‬
‫حمْدُ للّهِ الّذِي هَدَانَا ِلهَـاذَا َومَا كُنّا لِ َنهْتَ ِديَ َلوْل أَنْ هَدَانَا اللّهُ {‪.‬‬
‫َوقَالُواْ ا ْل َ‬
‫يقولها المؤمن؛ لن ال لو لم ينزل منهجا سماويا يحدد له حركة حياته استقامة وينذره ويخوفه من‬
‫المعاصي لما وصل إلى الجنة‪ .‬والهداية‪ -‬كما قلنا‪ -‬هي الدللة على الطريق الموصل للغاية‪ ،‬إذن‬
‫لبد أن تعرف الغاية أولً ثم تضع الطريق الموصل لها‪ ،‬بحيث ل يكون معوجا ول يعترضك فيه‬
‫ما يطيل عليك المسافة‪ ،‬وقوله الحق‪َ } :‬ومَا كُنّا لِ َنهْتَ ِديَ َلوْل أَنْ َهدَانَا اللّهُ { يمنع أن يضع البشر‬
‫للبشر قوانين تهديهم إلى الغاية؛ لن البشر أنفسهم ل يعرفون الغاية؛ لذلك يوضحها لهم خالقهم‬
‫بمنهجه المنزل على رسوله‪.‬‬
‫ومادامت الهداية من ال فسبحانه لن يخاطب كل إنسان مباشرة‪ ،‬لكنه سبحانه ينزل الرسل يتلون‬
‫علينا آيات ال ويوضحون لنا المنهج؛ لذلك يأتي الحق في الية نفسها يقوله الحكيم‪َ...} :‬لقَدْ جَآ َءتْ‬
‫ق وَنُودُواْ أَن تِ ْل ُكمُ الْجَنّةُ أُورِثْ ُتمُوهَا ِبمَا كُنتُمْ َت ْعمَلُونَ { [العراف‪]43 :‬‬
‫سلُ رَبّنَا بِا ْلحَ ّ‬
‫رُ ُ‬
‫أنت في الحياة الدنيا حين تجد من يقول لك‪ :‬إن أردت أن ترتاح فأنا أنصحك أن تمشي إلى المكان‬
‫الفلني واذهب إليه عن الطريق الفلني‪ ،‬وستجدك سعيدا مرتاح البال‪ ،‬ثم صدقته ونفذت ما قال‪،‬‬
‫ووجدت الرجل صادقا‪ .‬أل تشعر بالسعادة؟‪ .‬وإذا كان الحق قد أرسل الرسل بالبينات واليات‬
‫والمنهج الصحيح‪ ،‬وسار عليه المؤمنون ثم وجدوا الجنة والنعيم؛ لذلك كان لبد أن يشكروا ال‬
‫حقّ { ‪ ,‬لن الرسل لم يكذبوهم بل جاءوا بالخير لهم‪} .‬‬
‫سلُ رَبّنَا بِالْ َ‬
‫وأن يقولوا‪َ } :‬قدْ جَآ َءتْ ُر ُ‬
‫وَنُودُواْ أَن تِ ْلكُمُ ا ْلجَنّةُ أُورِثْ ُتمُوهَا ِبمَا كُنتُمْ َت ْعمَلُونَ {‪.‬‬
‫وكأن الحق يوضح لنا ونحن في دار التكليف أن نستقبل المنهج على هذا الساس‪ ،‬وعلى كل واحد‬
‫أن يحدد مكانه من الجنة؛ بقربه من منهج ال أو بعده عنه؛ لن دخول الجنة هو جزاء العمل طبقا‬
‫لمنهج الحق‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ووقف العلماء هنا‪ -‬جزاهم ال خيرا‪ -‬وقالوا‪ :‬كيف نوفق بين هذه الية‪ } :‬وَنُودُواْ أَن تِ ْلكُمُ ا ْلجَنّةُ‬
‫أُورِثْ ُتمُوهَا ِبمَا كُن ُتمْ َت ْعمَلُونَ { [لعراف‪]43 :‬‬
‫وبين قول الرسول صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫" لن يُدخل أحدا عمله الجنة‬
‫قالوا‪ :‬ول أنت يا رسول ال؟‬
‫قال‪ :‬ول أنا إل أن يتغمدني ال بفضل ورحمة "‪.‬‬
‫وأقول‪ :‬ليس هناك تناقض بين قول ال سبحانه وتعالى وقول الصادق المصدوق صلى ال عليه‬
‫وسلم الذي بلغ عن ال سبحانه‪ ،‬بل بينهما تأييد؛ فالحق ساعة ما شرع أوضح أن من يعمل العمل‬
‫الصالح سيدخل الجنة‪ ،‬وهذا التشريع لم يجبر أحد ال عليه‪ ،‬بل هو الذي يعطيه لنا فضل منه؛‬
‫فليس لحد حق على ال؛ لنه ل يوجد عمل يعود بفائدة على ال‪ ،‬واتباع المنهج إنما يعود على‬
‫العبد بالمنفعة والخير‪ ،‬فإن دخلت الجنة فهذا أيضا بالفضل من ال‪ .‬وينبهنا القرآن إلى الجمع بين‬
‫حمَتِهِ فَ ِبذَِلكَ‬
‫ضلِ اللّ ِه وَبِرَ ْ‬
‫هذه اليات وأنه ل تعارض بين نص حديثي ونص قرآني‪ .‬يقول‪ُ {:‬قلْ ِب َف ْ‬
‫ج َمعُونَ }[يونس‪]58 :‬‬
‫فَلْ َيفْرَحُواْ ُهوَ خَيْرٌ ّممّا َي ْ‬
‫فجزاء كل عمل عائد على النسان لنه يأخذ مكافأته على فعله‪ ،‬فإن كانت المكأفاة أكبر من جزاء‬
‫سبَ َرهَينٌ }[الطور‪]21 :‬‬
‫الفعل فهي من الفضل؛ لن الحق هو القائل‪... {:‬كُلّ امْرِىءٍ ِبمَا َك َ‬
‫سعَىا }[النجم‪]39 :‬‬
‫وسبحانه أيضا هو القائل‪ {:‬وَأَن لّيْسَ لِلِنسَانِ ِإلّ مَا َ‬
‫إن فهمت اللغة وكنت صاحب ملكة ناضجة نقول‪ :‬هذه " اللم " للملك‪ .‬وتفيد أنه لحق لك على‬
‫ضلِ‬
‫ال إل بسعيك على وفق منهج ال‪ ،‬وأن هذه الية قد حددت العدل ولم تحدد الفضل‪ُ {.‬قلْ ِبفَ ْ‬
‫حمَتِهِ فَبِذَِلكَ فَلْ َيفْرَحُواْ‪[} ...‬يونس‪]58 :‬‬
‫اللّ ِه وَبِ َر ْ‬
‫والمثال على ذلك أننا كمسلمين نصلى على الميت المسلم‪ ،‬وقد أمرنا التشريع بذلك‪ ،‬وأن ندعو ال‬
‫أن يتجاوز عن سيئاته‪ .‬فهل تضيف هذه الصلة إلى الميت شيئا زائدا عن عمله؟ لو لم تكن صلة‬
‫تضيف شيئا لما أمر التشريع بها‪ .‬فهي صلة على ميت مسلم‪ ،‬وأسلمه من عمله‪ ،‬ونجد الحق‬
‫يقول‪ {:‬وَالّذِينَ آمَنُواْ وَاتّ َبعَ ْتهُمْ ذُرّيّ ُتهُم بِإِيمَانٍ‪[} ...‬الطور‪]21 :‬‬
‫حقْنَا ِبهِمْ ذُرّيّ َت ُهمْ‪} ...‬‬
‫أي أن الباء والبناء يشتركون معا في اليمان وفي العمل‪ ،‬قوله تعالى‪ {:‬أَ ْل َ‬
‫[الطور‪]21 :‬‬
‫هذا اللحاق يفيد أن منزلة الذرية كانت أقل من منزلة الباء‪ ،‬لكن الحق يرفع من منزلتهم إكراما‬
‫للباء‪ .‬وهذا اللحاق جزاء للذرية‪ ،‬وقد يكون أيضا جزاء للباء؛ فيحضر لهم أولدهم معهم مادام‬
‫الكل قد اشتركوا في اليمان‪ ،‬وكان الباء يتحرون الحلل في إطعام البناء ول يربونهم إل على‬
‫منهج ال‪ .‬وقد يرى الب أبناء جار له يلبسون الملبس الفاخرة ويأكلون الكل الطيب‪ ،‬ويتحمل‬
‫البناء ويعيشون عيش الكفاف مع هذا الب الملتزم بالعمل الصالح والجر الحلل‪ ،‬وينال البناء‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الجنة مع الب لنهم تحملوا معه مشاق اللتزام بالحلل‪.‬‬
‫وهكذا نجد كل إنسان مؤمن قد أخذ نتيجة عمله وزيادة‪...} .‬وَنُودُواْ أَن تِ ْل ُكمُ الْجَنّةُ أُورِثْ ُتمُوهَا ِبمَا‬
‫كُنتُمْ َت ْعمَلُونَ { [لعراف‪]43 :‬‬
‫و } أُورِثْ ُتمُوهَا { من " الرث " وتدل على أن هناك شيئا آل إلى الغير‪ .‬ونعلم أن ال‪ ،‬علم أزل‬
‫كيف سيسلك كل مخلوق وما سيفعله من كفر وإيمان وطاعة ومعصية‪ ،‬وعلى رغم ذلك أعد‬
‫سبحانه لكل واحد من خلقه مكانه في الجنة على أنه مؤمن‪ ،‬وأعد لكل واحد من خلقه مكانا في‬
‫النار على أساس أنه سيكفر‪.‬‬
‫إذن فقد أعدّ سبحانه جنانا بعدد خلقه‪ ،‬وأع ّد أماكن في الجحيم بعددهم‪ ،‬فليست هناك أزمة أماكن‬
‫عند إله قادر مقتدر‪ .‬فإن آمنا كلنا فلن يضيق بنا واسع الجنة‪ ،‬و‪ -‬والعياذ بال ‪ -‬إن كفر الخلق‬
‫جميعا فلن تضيق بهم النار‪ .‬فإذا كانوا جماعة من خلق سيدخلون الجنة بالعمل‪ ،‬فأين تذهب أماكن‬
‫أهل النار؟ إن الحق بفضل منه يمنحها المؤمنين‪.‬‬
‫إذن فقد ورثوا الذين لم يستحقوا الجنة بسبب الكفر‪.‬‬
‫وبعد الكلم في الجنة والجزاء وفي حمد التلذذ والسرور والغبطة وفي عهد الجنة‪ ،‬بعد ذلك كان‬
‫من المناسب أن يتكلم الحق سبحانه وتعالى عن موقف أهل الجنة من أهل النار؛ فيقول سبحانه‪} :‬‬
‫وَنَادَى َأصْحَابُ ا ْلجَنّةِ‪{ ...‬‬

‫(‪)986 /‬‬
‫حقّا‬
‫عدَ رَ ّبكُمْ َ‬
‫جدْتُمْ مَا وَ َ‬
‫حقّا َف َهلْ وَ َ‬
‫وَنَادَى َأصْحَابُ ا ْلجَنّةِ َأصْحَابَ النّارِ أَنْ قَ ْد َوجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبّنَا َ‬
‫علَى الظّاِلمِينَ (‪)44‬‬
‫قَالُوا َنعَمْ فَأَذّنَ ُمؤَذّنٌ بَيْ َنهُمْ أَنْ َلعْ َنةُ اللّهِ َ‬

‫وهكذا نرى التبكيت‪ ،‬وتصور لنا الية كيف يرى أهل الجنة أهل النار‪ ،‬وهذا الترائي من ضمن‬
‫النعيم ومن ضمن العذاب الليم‪ ،‬فحين يرى المؤمن بمنهج ال من عاداه وقهره وآذاه وهو في‬
‫النار فهذا من تمام اللذة‪ .‬والخر حين يرى مخالفه في الجنة فهذا أيضا من تمام العذاب‪ .‬إذن لبد‬
‫أن يتراءوا‪ ،‬ولذلك يحدث الحوار‪ ،‬وينادي أصحاب الجنة أصحاب النار معترفين بأنهم وجدوا ما‬
‫وعدهم به ال حقا وصدقا‪ ،‬وأن الحق قد وهبهم هذه الجنة‪ .‬فهل ‪ -‬يا أهل النار ‪ -‬وجدتم ما وعد‬
‫ربكم حقا؟‬
‫ونلحظ أن هناك خلفا بين السلوبين مع أن السياق المنطقي واحد؛ فأهل الجنة يقولون‪ " :‬قد‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وجدنا ما وعدنا ربنا حقا " ‪ ،‬ولم يأت بالكاف في كلمة ما وعد (الثانية) بل قال‪ " :‬فهل وجدتم ما‬
‫وعد ربكم حقا "؟‬
‫إنه قال سبحانه‪ " :‬ما وعد " فقط‪ ،‬ولم يقل ما وعدكم كما قال‪( :‬ما وعدنا) لن المراد أن يلفتهم‬
‫إلى مطلق الوعد‪ ،‬وليس الخاص بهم فقط‪ ،‬بل وأيضا الخاص بالمقابل‪ ،‬وهكذا يتحقق الوعد‬
‫المطلق ل‪ .‬فأهل الجنة بإيمانهم وأعمالهم في الجنة فضلً من ال‪ ،‬وأهل النار بكفرهم وعصيانهم‬
‫عقابا من ال‪.‬‬
‫وهنا يجيب أهل النار‪( :‬قالوا نعم)‪.‬‬
‫وهذا إقرار منهم بالواقع الذي عاشوه واقعا بعد أن‪ ،‬كان وعيدا‪ ،‬وهم لم يكابروا لن المكابرة إنما‬
‫تحدث بين الخصمين في غير مشهد‪ ،‬وهم في الدنيا قبل أن يوجد المشهد كانوا يكذبون البلغ عن‬
‫ال‪ ،‬وصارت الدار الخرة واقعا‪ ،‬وتحقق وجودهم في النار‪...{ .‬فَأَذّنَ ُمؤَذّنٌ بَيْ َنهُمْ أَن ّلعْ َنةُ اللّهِ‬
‫عَلَى الظّاِلمِينَ } [العراف‪]44 :‬‬
‫أي فينادي مناد من الملئكة يُسمع أهلَ الجنّة وأهل النار بأن الطرد من رحمة ال على الظالمين‬
‫الذين ظلموا أنفسهم؛ بعدم الِيمان وبالتكذيب باليوم الخر‪.‬‬
‫ويقول الحق بعد ذلك‪ { :‬الّذِينَ َيصُدّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ‪} ...‬‬

‫(‪)987 /‬‬
‫عوَجًا وَهُمْ بِالْآَخِ َرةِ كَافِرُونَ (‪)45‬‬
‫صدّونَ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ وَيَ ْبغُو َنهَا ِ‬
‫الّذِينَ َي ُ‬

‫والذي يصد عن سبيل ال هو من امتنع عن سبيل ال‪ ،‬وصد غيره‪ ،‬أي ضلّ في ذاته ثم أضل‬
‫غيره‪ ،‬وهؤلء هم الذين يطلبون منهج ال معوجا‪ ،‬ويذمونه ول يؤمنون به فيعترضون على إقامة‬
‫الحدود والقصاص‪ ،‬وينفرون الناس عن منهج ال؛ لينصرف الناس عن الدين‪ .‬هم إذن قد صدوا‬
‫عن سبيل ال وطلبوا العوج فيما شرع ال لينفروا الناس عمّا شرع ال‪ ،‬ولم يقتصر المر على‬
‫ذلك‪ ،‬بل هم بالخرة كافرون‪ ،‬ولو كان الواحد منهم مؤمنا بالخرة ويعلم أن له مرجعا ومردا إلى‬
‫ال لما فعل ذلك‪.‬‬
‫حجَابٌ وَعَلَى الَعْرَافِ‪} ...‬‬
‫ويقول سبحانه من بعد ذلك‪ { :‬وَبَيْ َن ُهمَا ِ‬

‫(‪)988 /‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫سلَامٌ عَلَ ْيكُمْ لَمْ‬
‫ب وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ َيعْ ِرفُونَ كُلّا بِسِيمَاهُمْ وَنَا َدوْا َأصْحَابَ الْجَنّةِ أَنْ َ‬
‫وَبَيْ َن ُهمَا حِجَا ٌ‬
‫ط َمعُونَ (‪)46‬‬
‫يَ ْدخُلُوهَا وَهُمْ َي ْ‬

‫الحجاب موجود بين أصحاب الجنة وأصحاب النار‪ ،‬وهم يتراءون من خلله‪ ،‬وبيّنه الحق سبحانه‬
‫جعُو ْا وَرَآ َء ُكمْ‬
‫ن وَا ْلمُنَافِقَاتُ لِلّذِينَ آمَنُواْ انظُرُونَا َنقْتَبِسْ مِن نّو ِركُمْ قِيلَ ارْ ِ‬
‫فقال‪َ {:‬يوْمَ َيقُولُ ا ْلمُنَافِقُو َ‬
‫حمَةُ وَظَاهِ ُرهُ مِن قِبَلِهِ ا ْلعَذَابُ }[الحديد‪:‬‬
‫فَالْ َتمِسُواْ نُورا َفضُ ِربَ بَيْ َنهُم بِسُورٍ لّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرّ ْ‬
‫‪]13‬‬
‫باطن هذا الحجاب الرحمة من ناحية أهل الجنة‪ ،‬وظاهره المواجه لهل النار فيه العذاب‪ ،‬والحق‬
‫هو القادر على كل شيء؛ لذلك ل ينال أهل الجنة شيء من شقاء أهل النار‪ ،‬ول ينال أهل النار‬
‫شيء من نعيم أهل الجنة‪ ،‬ويسمع أهل النار ردا على طمعهم في أن ينالهم بعض من نور أهل‬
‫الجنة‪ ،‬إنكم تلتمسون الهدى في غير موطن الهدى؛ فزمن التكليف قد انتهى‪ ،‬ومن كان يرغب في‬
‫نور الخرة كان عليه أن يعمل من أجله في الدنيا‪ ،‬فهذا النور ليس هبة من خلق لخلق‪ ،‬وإنما هو‬
‫هبة من خالق لمخلوق آمن به‪ .‬وأنتم تقولون‪ :‬انظرونا نقتبس من نوركم‪ ،‬وليس في مقدور أهل‬
‫ب وَعَلَى الَعْرَافِ‬
‫حجَا ٌ‬
‫الجنة أن يعطوا شيئا من نور أهل الجنة فالعطاء حينئذ ل‪ { .‬وَبَيْ َن ُهمَا ِ‬
‫رِجَالٌ َيعْ ِرفُونَ كُلّ بِسِيمَاهُمْ‪[ } ...‬العراف‪]46 :‬‬
‫و { كُلّ } المعنيّ بها أصحاب الجنة وأصحاب النار‪ ،‬فقد تقدم عندنا فريقان؛ أصحاب الجنة‪،‬‬
‫وأصحاب النار وهناك فريق ثالث هم الذين على العراف‪ ،‬و " العراف " جمع " عُرف " مأخوذ‬
‫من عرف الديك وهو أعلى شيء فيه‪ ،‬وكذلك عرف الفرس‪ .‬كأن بين الجنة مكانا مرتفعا كالعرف‬
‫يقف عليه أناس يعرفون أصحاب النار بسيماهم فكأن من ضمن السمات والعلمات ما يميز أهل‬
‫النار عن أهل الجنة‪.‬‬
‫وكيف توجد هذه السمات؟ يقال إن النسان ساعة يؤمن يصير أهل لستقبال سمات اليمان‪ ،‬وكلما‬
‫دخل في منهج ال طاعة واستجابة أعطاه ال سمة جمالية تصير أصيلة فيه تلزمه ول تفارقه‪,‬‬
‫وبالعكس من ذلك أصحاب النار فتبتعد عنهم سمات الجلل والجمال وتحل محلها سمات القبح‬
‫والشناعة والبشاعة‪.‬‬
‫وإذا ما رأى أهل العراف أصحاب الجنة يقولون‪ :‬سلم عليكم؛ لن الدنى منزلة‪ -‬أصحاب‬
‫العراف‪ -‬يقول للعلى‪ -‬أصحاب الجنة‪ -‬سلم عليكم‪.‬‬
‫وجماعة العراف هم من تساوت سيئاتهم مع حسناتهم في ميزان العدل اللهي الذي ل يظلم أحدا‬
‫خ ّفتْ َموَازِينُهُ * فَُأمّهُ‬
‫مثقال ذرة‪ {.‬فََأمّا مَن َثقُلَتْ َموَازِينُهُ * َف ُهوَ فِي عِيشَةٍ رّاضِ َيةٍ * وََأمّا مَنْ َ‬
‫هَاوِيَةٌ }[القارعة‪]9-6 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ويا رب لقد ذكرت الميزان‪ ،‬وحين قدرت الموزون لهم لم تذكر لنا إل فريقين اثنين‪ ..‬فريق ثقلت‬
‫موازينه‪ ،‬وفريقا خفت موازينه‪ ،‬ومنتهى المنطق في القياس الموازيني أن يوجد فريق ثالث هم‬
‫الذين تتساوى سيئاتهم مع حسناتهم‪ ،‬فلم تثقل موازينهم فيدخلوا الجنة‪ ،‬ولم تجف موازينهم فيدخلوا‬
‫النار‪ ،‬وهؤلء هم من تعرض أعمالهم على " لجنة الرحمة " فيجلسون على العراف‪ .‬ومن‬
‫العجيب أنهم حين يشاهدون أهل الجنة يقولون لهم سلم عليكم على الرغم من أنهم لم يدخلوا‪،‬‬
‫لمٌ‬
‫لكنهم يطمعون في أن يدخلوا‪ ،‬لن رحمة ال سبقت غضبه‪...{ .‬ونَا َدوْاْ َأصْحَابَ الْجَنّةِ أَن سَ َ‬
‫ط َمعُونَ } [العراف‪]46 :‬‬
‫عَلَ ْيكُمْ َلمْ يَ ْدخُلُوهَا وَهُمْ َي ْ‬
‫وبطبيعة الحال ليس في هذا المكان غش ول خداع‪.‬‬
‫وماذا حين ينظرون إلى أهل النار؟‬

‫(‪)989 /‬‬
‫جعَلْنَا مَعَ ا ْل َقوْمِ الظّاِلمِينَ (‪)47‬‬
‫صحَابِ النّارِ قَالُوا رَبّنَا لَا َت ْ‬
‫وَإِذَا صُ ِر َفتْ أَ ْبصَارُهُمْ تِ ْلقَاءَ َأ ْ‬

‫انظر إلى التعبير القرآني { صُ ِر َفتْ أَ ْبصَارُهُمْ } أي لم يصرفوا أبصارهم لن المسألة ليست‬
‫اختيارية؛ لنهم يكرهون أن ينظروا لهم لنهم ملعونون‪ ،‬وكأن في { صُ ِر َفتْ أَ ْبصَارُ ُهمْ } لونا من‬
‫التوبيخ لهل النارُ‪.‬‬
‫جعَلْنَا مَعَ‬
‫وقوله الحق‪ { :‬وَِإذَا صُ ِر َفتْ أَ ْبصَارُ ُهمْ تِ ْلقَآءَ } أي جهة أصحاب النار يقولون‪ { :‬رَبّنَا لَ تَ ْ‬
‫ا ْل َقوْمِ الظّاِلمِينَ }‪.‬‬
‫هنا يدعو أهل العراف‪ :‬يا رب جنبنا أن نكون معهم‪ .‬إنهم حين يرون بشاعة العذاب يسألون ال‬
‫ويستعيذون به أل يدخلهم معهم‪.‬‬
‫ب الَعْرَافِ‪} ...‬‬
‫ويقول الحق سبحانه‪ { :‬وَنَادَىا َأصْحَا ُ‬

‫(‪)990 /‬‬
‫ج ْم ُعكُ ْم َومَا كُنْتُمْ َتسْ َتكْبِرُونَ‬
‫وَنَادَى َأصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا َيعْ ِرفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَ ْن ُكمْ َ‬
‫(‪)48‬‬

‫وكأن أصحاب العراف قد صرفت أنظارهم لصحاب النار ويرون فيهم طبقات من المعذبين‪،‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فهذا أبو جهل‪ ،‬وذاك الوليد‪ ،‬ومعه أمية بن خلف وغيرهم ممن كانوا يظنون أن قيادتهم لمجتمعهم‬
‫وسيادتهم على غيرهم تعطيهم كل سلطان وكيان‪ ،‬وكانوا يسخرون من السابقين إلى السلم كعمار‬
‫وبلل وصهيب وخباب‪ ،‬وغيرهم ممن عاشوا للحق مع الحق‪ ،‬فيقول أهل العراف لهؤلء‪ { :‬مَآ‬
‫ج ْم ُعكُ ْم َومَا كُنْ ُتمْ تَسْ َتكْبِرُونَ }‪.‬‬
‫أَغْنَىا عَنكُمْ َ‬
‫وكأنهم يقولون لهم‪ :‬إن اجتماعكم على الضلل في الدنيا لم ينفعكم بشيء‪ ..‬شياطينكم‪ ،‬والصنام‬
‫والسلطان لم ينفعوكم وكذلك استكباركم على الدعوة إلى اليمان هل أغنى عنكم شيئا؟ ل‪ .‬لم يغن‬
‫عنكم شيئا‪.‬‬
‫سمْتُمْ‪} ...‬‬
‫ويقول الحق بعد ذلك‪ { :‬أَهَـؤُلءِ الّذِينَ َأقْ َ‬

‫(‪)991 /‬‬
‫علَ ْيكُ ْم وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (‪)49‬‬
‫خ ْوفٌ َ‬
‫حمَةٍ ادْخُلُوا ا ْلجَنّةَ لَا َ‬
‫سمْ ُتمْ لَا يَنَاُلهُمُ اللّهُ بِ َر ْ‬
‫أَ َهؤُلَاءِ الّذِينَ َأقْ َ‬

‫ويشير أهل العراف إلى المؤمنين الصادقين من أمثال بلل وخباب ويقولون لهل النار من أمثال‬
‫أبي جهل والوليد بن المغيرة‪ :‬أهؤلء البرار من أهل الجنة الذين تقولون إنهم لن ينالوا رحمة‬
‫ال؟ هم إذن‪ -‬أهل العراف‪ -‬قد عقدوا المقارنة والموازنة بين أهل الجنة وأهل النار‪ ،‬وكأنهم‬
‫نسوا حالهم أن يقفوا في انتظار الفرج وفرحوا بأصحاب الجنة ووبخوا أهل النار‪ ،‬ولم يشغلهم‬
‫حالهم أن يقفوا موقف الفصل في هذه المسألة‪ ،‬وهنا يدخل الحق سبحانه أصحاب العراف جنته‬
‫خ ْوفٌ عَلَ ْي ُك ْم وَلَ أَن ُتمْ‬
‫لفرحهم بأصحاب الجنة‪ ،‬وتوبيخهم أهل النار ويقول لهم‪...{ :‬ادْخُلُواْ الْجَنّةَ لَ َ‬
‫تَحْزَنُونَ } [العراف‪]49 :‬‬
‫وهؤلء ‪ -‬كما قلنا ‪ -‬هم الذين تساوت حسناتهم وسيئاتهم؛ هي الطائفة التي جلست على‬
‫العراف‪ ،‬فلم تثقل حسناتهم لتدخلهم الجنة‪ ،‬لم تثقل سيئاتهم ليدخلوا النار‪.‬‬
‫صحَابُ النّارِ‪} ...‬‬
‫ويقول الحق بعد ذلك‪ { :‬وَنَادَىا َأ ْ‬

‫(‪)992 /‬‬
‫صحَابَ الْجَنّةِ أَنْ َأفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ ا ْلمَاءِ َأوْ ِممّا رَ َز َقكُمُ اللّهُ قَالُوا إِنّ اللّهَ‬
‫وَنَادَى َأصْحَابُ النّارِ َأ ْ‬
‫حَ ّر َم ُهمَا عَلَى ا ْلكَافِرِينَ (‪)50‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وينادي أصحاب النار أصحاب الجنة مستغيثين طالبين أن يعطوهم ويفيضوا عليهم من الماء أو‬
‫من رزق ال لهم في الجنة‪ ،‬فيقول أهل الجنة‪ :‬نحن مربوطون الن بـ " كن " ‪ ،‬ولم يعد لنا‬
‫الختيار‪ ،‬وقد حرم ال عليكم أي شيء من الجنة ومنعه عنكم‪ ،‬فأنتم يا أهل النار ممنوعون أو هذه‬
‫المتع ممنوعة عنكم‪ .‬وحين يطلب أهل النار الماء‪ ،‬فهم يطلبون أوليات الوجود‪ ،‬في نار أحاطت‬
‫بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه‪.‬‬
‫خذُواْ دِي َنهُمْ‪} ...‬‬
‫ولذلك يقول الحق بعد ذلك عن الكافرين الذين حرم عليهم خير الجنة‪ { :‬الّذِينَ اتّ َ‬

‫(‪)993 /‬‬
‫الّذِينَ اتّخَذُوا دِي َنهُمْ َل ْهوًا وََلعِبًا وَغَرّ ْتهُمُ ا ْلحَيَاةُ الدّنْيَا فَالْ َيوْمَ نَنْسَا ُهمْ َكمَا نَسُوا ِلقَاءَ َي ْو ِمهِمْ َهذَا َومَا‬
‫جحَدُونَ (‪)51‬‬
‫كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَ ْ‬

‫وهكذا يبين لنا الحق سبحانه وتعالى في هذه الية من هم الكافرون الذين حرّم عليهم الجنة؛ إنهم‬
‫من اتخذوا دينهم لهوا ولعبا‪ ،‬وأول مرحلة تمر على الِنسان هي اللعب ثم تأتي له مرحلة اللهو‪.‬‬
‫ونعلم أن كل فعل ُت َوجّه إليه طاقة فاعلة‪ ،‬وقبل أن تُوجّه إليه الطاقة الفاعلة يمر هذا الفعل على‬
‫الذهن كي يحدد الغاية من الجهد‪ .‬وهذا المقصود له حدود؛ إما أن يجلب له نفعا‪ ،‬وإما أن يدفع‬
‫عنه ضُرّا‪ .‬وكل مقصد ل يجلب نفعا ول يدفع ضرا‪ ،‬فهو لعب‪.‬‬
‫إذن فتعريف اللعب‪ :‬هو فعل لم يقصد صاحبه به قصدا صحيحا لدفع ضر أو جلب نفع‪ .‬كما يلعب‬
‫الطفال بلعبهم‪ ،‬فالطفل ساعة يمسك بالمدفع اللعبة أو السيارة اللعبة‪ ،‬هل له مقصد صحيح ليوجه‬
‫طاقته له؟‪ .‬ل؛ لنه لو كان المقصد صحيحا لما حطم الطفل ُلعَبَهُ‪ .‬والطفل غالبا ما يكسر لعبته بعد‬
‫قليل‪ ،‬وهذا دليل على أنه يوجه الطاقة إلى غير قصد صحيح ول يجلب لنفسه نفعا ول يدفع عنها‬
‫مضرة‪.‬‬
‫ولكن حين ُتوَجّه الطاقة إلى ما هو أدنى من المهم فهذا هو اللهو‪ ،‬كأن يكون المطلوب منك شيئا‬
‫وأنت توجه الطاقة إلى شيء آخر‪ .‬والذي يعاقب عليه ال هو اللهو‪ .‬أما اللعب فل‪.‬‬
‫ولذلك نجد النبي صلى ال عليه وسلم يطلب من الهل أن يدربّوا البناء على شيء قد يفيد المة‬
‫كالسباحة والرماية وركوب الخيل‪ ،‬ولكن خيبة البشر في زماننا أنهم جعلوا اللعب غاية لذاته‪ .‬ومن‬
‫العجيب أن اللعب صار له قانون الجد ول يمكن أن يخرقه أحد دون أن يُعاقَب؛ لن الحَكم يرقب‬
‫المباراة‪ ،‬وإذا ما تناسى الحكم أمرا أو أخطأ هاج الجمهور‪ .‬وأتساءل‪ :‬لقد نقلتم قانون الجد إلى‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫اللعب‪ ،‬فلماذا تركتم الجد بل قانون؟‬
‫وكذلك نجد أن خيبة اللهو ثقيلة؛ لن الِنسان اللهي يترك المر المهم ويذهب إلى المر غير‬
‫المهم‪ .‬فيجلس إلى لعبة النرد وهي طاولة ويترك الشغل الذي ينتج له الرزق‪ ،‬وليت هذا اللهو‬
‫مقصورٌ على اللهي‪ ،‬ولكنه يجذب أنظار غير اللهي ويأخذ وقته‪ ،‬هذا الوقت الذي كان يجب أن‬
‫يُستغل في طاقة نافعة‪ .‬وفساد المجتمعات كلها إنما يأتي من أن بعضا من أفرادها يستغلون‬
‫خذُواْ دِي َنهُمْ‬
‫طاقاتهم فيما ل يعود على ذواتهم ول على أمتهم بالخير‪ ,‬إذن فاللهو طاقة معطلة‪ { .‬اتّ َ‬
‫َلهْوا وََلعِبا وَغَرّ ْتهُمُ الْحَيَاةُ الدّنْيَا }‪.‬‬
‫وغرورهم بالحياة الدنيا إنما يأتي من السباب التي خلقها ال مستجيبة لهم فظن كل منهم أنه السيد‬
‫المسيطر‪ .‬وحين غرتهم الحياة الدنيا نسوا الجد الذي يوصلهم إلى الغاية النافعة الخالدة‪ ،‬ويكون‬
‫عقابهم هو قول ال سبحانه‪...{ :‬فَالْ َيوْمَ نَنسَا ُهمْ َكمَا نَسُواْ ِلقَآءَ َي ْو ِمهِمْ هَـاذَا َومَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا‬
‫جحَدُونَ } [العراف‪]51 :‬‬
‫يَ ْ‬
‫فهل يعني قوله عز وجل‪ { :‬نَنسَا ُهمْ } أنه يتركهم لما يفعلون؟‪.‬‬
‫ل‪ ،‬بل تأخذهم جهنم لتشويهم‪ ،‬ونسيانهم هنا هو أنه ‪ -‬سبحانه ‪ -‬ل يشملهم بمظاهر فضله ولطفه‬
‫ورحمته ويتركهم للنار تلفح وجوههم وتنضج جلودهم‪.‬‬
‫وهكذا يتأكد من جديد أن الدنيا هي المكان الذي يعد فيه الِنسان مكانه في الخرة‪ ،‬فإن أراد مكانا‬
‫في عليين فعليه أن يؤدي التكليف الذي يعطيه مكانه في عليين‪ .‬وإذا أراد مكانه أقل من ذلك فعليه‬
‫أن يؤدي العمل القل‪ .‬كأن الِنسان بعمله هو الذي يحدد مكانه في الخرة؛ لن الحق ل يجازي‬
‫الخلق استبدادا بهم وافتياتا أو ظلما‪ ،‬ولكنه يجازي الِنسان حسب العمل؛ لذلك فهناك أصحاب‬
‫الجنة‪ ،‬وهناك أصحاب النار‪ ،‬وهناك أصحاب العراف‪ .‬وهذا العلم الذي يُنزله لنا الحق قرآنا‬
‫ينذرنا ويبشرنا هو دليل لكل مسلم حتى نتنافس على أن تكون مواقعنا في الخرة مواقع مشرفة‪} .‬‬
‫الّذِينَ اتّخَذُواْ دِي َنهُمْ َلهْوا وََلعِبا وَغَرّ ْتهُمُ ا ْلحَيَاةُ الدّنْيَا فَالْ َيوْمَ نَنسَا ُهمْ َكمَا نَسُواْ ِلقَآءَ َي ْو ِمهِمْ هَـاذَا َومَا‬
‫جحَدُونَ { [العراف‪]51 :‬‬
‫كَانُواْ بِآيَاتِنَا يَ ْ‬
‫جحَدُونَ { فاليات إما آيات كونية‪َ {:‬ومِنْ آيَاتِهِ الّ ْيلُ‬
‫وحين يقول الحق سبحانه‪َ } :‬ومَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يَ ْ‬
‫س وَا ْل َقمَرُ‪[} ...‬فصلت‪]37 :‬‬
‫شمْ ُ‬
‫وَال ّنهَارُ وَال ّ‬
‫وإما آيات قرآنية كقوله سبحانه‪ {:‬كِتَابٌ ُفصَّلتْ آيَاُتهُ قُرْآنا عَرَبِيّا ّلقَوْمٍ َيعَْلمُونَ }[فصلت‪]3 :‬‬
‫سلَ بِاليَاتِ ِإلّ أَن‬
‫وإما أن تكون آيات معجزات لِثبات النبوة كقوله سبحانه‪َ {:‬ومَا مَ َنعَنَآ أَن نّرْ ِ‬
‫لوّلُونَ‪[} ...‬السراء‪]59 :‬‬
‫كَ ّذبَ ِبهَا ا َ‬
‫هم إذن جحدوا اليات كلها‪ ،‬وكان أول جحود هو جحود باليات الكونية التي شاهدوها قبل أن‬
‫يأتي التكليف‪ ،‬فهم عاشوا الليل والنهار‪ .‬وتنفسوا الهواء‪ ،‬واستمتعوا بدفء الشمس‪ ،‬وروى المطر‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أراضيهم ووجدوا الكون مرتبا منظما يعطي النسان قبل أن يكون للنسان إدراك أو طاقة‪ ،‬وكان‬
‫يجب أن تلفتهم هذه اليات إلى أن لهم خالقا هو الحق العلى‪ .‬وحين جاء لهم الموكب الرسالي‬
‫جحدوا آيات المعجزات التي تدل على صدق الرسل‪ .‬وحين جاء القرآن معجزا جحدوا اليات‬
‫التفصيلية التي تحمل المنهج‪ .‬إذن فل عذر لهم في شيء من ذلك أن الحق يقول‪ } :‬وََلقَدْ جِئْنَاهُمْ‬
‫ِبكِتَابٍ َفصّلْنَاهُ‪{ ...‬‬

‫(‪)994 /‬‬
‫حمَةً ِل َقوْمٍ ُي ْؤمِنُونَ (‪)52‬‬
‫وَلَقَدْ جِئْنَا ُهمْ ِبكِتَابٍ َفصّلْنَاهُ عَلَى عِ ْلمٍ ُهدًى وَرَ ْ‬

‫أي ل عذر لهم في شيء من هذا الجحود؛ لن الكتاب مفصل‪ ،‬وقد يقولون‪ :‬إن الكتاب الطارئ‬
‫علينا‪ ،‬وكذلك الرسول الذي جاء به‪ .‬إذن فما موقفهم من اليات الكونية الثابتة؟ لقد جحدوها أيضا‪.‬‬
‫{ وََلقَدْ جِئْنَاهُمْ ِبكِتَابٍ َفصّلْنَاهُ عَلَىا عِ ْلمٍ }‪.‬‬
‫ل أو مبهما‪ ،‬ل‪ ،‬بل فيه تفصيل العليم الحكيم‪ ،‬أنه‬
‫و { َفصّلْنَاهُ } أي أنه سبحانه لم ينزل كلما مجم ً‬
‫فصل أحكامه ومعانيه ومواعظه وقصصه حتى جاء قيما غير ذي عوج‪ ،‬وسبحانه هو القادر أن‬
‫ينزل المنهج المناسب لقياس ومقام كل إنسان‪.‬‬
‫إنه حينما يأتي إلينا من يستفتينا في أي أمر ويحاول أن يلوي في الكلم لنأتي له بفتوى تبرر له ما‬
‫يفعله‪ ،‬فنحن نقول له‪ :‬ليس لدينا فتوى مفصلة؛ لن الفتاوي التي عندنا كلها جاهزة‪ ،‬ولك أن تدخل‬
‫حمَةً ّل َقوْمٍ ُي ْؤمِنُونَ } [العراف‪]52 :‬‬
‫بمسألتك في أي فتوى‪َ ...{ .‬فصّلْنَاهُ عَلَىا عِ ْلمٍ ُهدًى وَرَ ْ‬
‫وهناك أناس سمعوا القرآن ورأوا اليات واهتدوا‪ ،‬فلماذا اهتدى هؤلء وضل هؤلء؟ لقد آمن من‬
‫ب لَ رَ ْيبَ فِيهِ هُدًى لّ ْلمُتّقِينَ }[البقرة‪:‬‬
‫صدق بالوجود العلى كما قلنا في سورة البقرة‪ {:‬ذَِلكَ ا ْلكِتَا ُ‬
‫‪]2‬‬
‫إذن فقد آمن بالقرآن من اهتدى إلى الحق‪ ،‬ومنهم من أوضح الحق عنهم‪ :‬أنهم حين يستمعون‬
‫القرآن تفيض أعينهم من الدمع‪ .‬وأيضا هناك من ل يلمس اليمان قلوبهم حين يستمعون إلى‬
‫القرآن‪َ {.‬ومِ ْنهُمْ مّن َيسْ َتمِعُ إِلَ ْيكَ حَتّىا إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِن ِدكَ قَالُواْ لِلّذِينَ أُوتُواْ ا ْلعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفا‪...‬‬
‫}[محمد‪]16 :‬‬
‫وهؤلء هم الذين غلظت قلوبهم فلم يتخللها أو يدخلها ويخالطها نور القرآن‪ ،‬لذلك تجد الحق يرد‬
‫علَىا قُلُو ِبهِمْ وَاتّ َبعُواْ أَ ْهوَآءَ ُهمْ }[محمد‪]16 :‬‬
‫عيلهم بقوله سبحانه‪ُ... {:‬أوْلَـائِكَ الّذِينَ طَ َبعَ اللّهُ َ‬
‫علَ ْيهِمْ‬
‫ن لَ ُي ْؤمِنُونَ فِي آذَا ِنهِ ْم َوقْ ٌر وَ ُهوَ َ‬
‫شفَآ ٌء وَالّذِي َ‬
‫ويقول سبحانه‪ُ {:‬قلْ ُهوَ لِلّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَ ِ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫عمًى‪[} ...‬فصلت‪]44 :‬‬
‫َ‬
‫سبق أن ضربنا المثل بأن الفعل في بعض الحالت واحد‪ ،‬لكن القابل للفعل مختلف‪ ،‬لذلك تكون‬
‫النتيجة مختلفة‪ .‬وعلى سبيل المثال‪ :‬إذا كنت في الشتاء‪ ،‬وخرجت ووجدت الجو باردا‪ ،‬وشعرت‬
‫أن أطراف أصابعك تكاد تتجمد من البرد‪ ،‬فتضم فبضتك معا وتنفخ فيهما‪ ،‬وقد تفعل ذلك بل إرادة‬
‫من كل تدفئ يديك‪ .‬وكذلك حين يأتي لك كوب من الشاي الساخن جدا‪ ،‬وتحب أن تشرب منه‪،‬‬
‫فأنت تنفخ فيه لتأتي له بالبرودة‪ .‬والنفخة من فمك واحدة؛ تأتي بحرارة ليديك‪ ،‬وتأتي بالبرودة‬
‫لكوب الشاي‪ ،‬وهكذا فالفعل واحد لكن القابل مختلف‪ .‬وكذلك القرآن فمن كان عنده استعداد‬
‫لليمان فهو يهتدي به‪ ،‬ومن ل يملك الستعداد فقلبه غلف عن اليمان‪.‬‬
‫وموقف هؤلء العاجزين عن استقبال الرحمة غير طبيعي‪ ،‬وماذا ينتظرون بعد هذا الكفر‪ ،‬وبعد‬
‫الفتئات وبعد الستكبار وبعد التأبي وبعد اتخاذ الدين لهوا ولعبا‪ ،‬ما ينتظرون؟‬
‫ها هو ذا الحق سبحانه يوضح لهم العاقبة‪َ { :‬هلْ يَنظُرُونَ ِإلّ تَ ْأوِيلَهُ َيوْمَ‪} ...‬‬

‫(‪)995 /‬‬
‫سلُ رَبّنَا بِا ْلحَقّ َف َهلْ‬
‫َهلْ يَنْظُرُونَ إِلّا تَ ْأوِيَلهُ َيوْمَ يَأْتِي تَ ْأوِيلُهُ َيقُولُ الّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَ ْبلُ قَدْ جَا َءتْ رُ ُ‬
‫سهُمْ َوضَلّ عَ ْنهُمْ مَا‬
‫ش َفعُوا لَنَا َأوْ نُرَدّ فَ َن ْع َملَ غَيْرَ الّذِي كُنّا َن ْعمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَ ْنفُ َ‬
‫ش َفعَاءَ فَيَ ْ‬
‫لَنَا مِنْ ُ‬
‫كَانُوا َيفْتَرُونَ (‪)53‬‬

‫وما معنى التأويل؟‪ ..‬التأويل هو ما يؤول إليه الشيء‪ ،‬هو العاقبة التي يعدها الحق‪ ،‬فالرحمة‬
‫والجنة لمن آمن‪ ،‬والنار لمن كفر‪ ،‬والحق هو من يقول ويملك قوله لن الكون كله بيده‪.‬‬
‫وهنا يقول سبحانه وتعالى‪َ { :‬هلْ يَنظُرُونَ ِإلّ تَ ْأوِيلَهُ }‪.‬‬
‫أي هل ينتظرون إل لمرجع الذي يؤول إليه عملهم؟ إن مرجعهم الخير هو العذاب بعد الحساب‬
‫يوم يأتي تأويل وغاية وعاقبة ما عملوا‪.‬‬
‫وحين يأتي يوم القيامة ويتضح الحق ويظهر صدق ما جاء به الرسول من الوعد والوعيد ماذا‬
‫سيكون قولهم؟‪ ..‬سيقولون ما أورده سبحانه على ألسنتهم‪َ { :‬يقُولُ الّذِينَ نَسُوهُ مِن قَ ْبلُ َقدْ جَآ َءتْ‬
‫سلُ رَبّنَا بِا ْلحَقّ }‪.‬‬
‫رُ ُ‬
‫أي أنهم سيعلنون التصديق حين ل ينفع هذا التصديق؛ لنهم لن يكونوا في دار التكليف‪ ،‬سيقرون‬
‫حقّ َفهَل لّنَا مِن‬
‫سلُ رَبّنَا بِالْ َ‬
‫بالِيمان لحظة ل ينفعهم ذلك‪َ { .‬يقُولُ الّذِينَ نَسُوهُ مِن قَ ْبلُ قَدْ جَآ َءتْ رُ ُ‬
‫ش َفعُواْ لَنَآ‪[ } ...‬العراف‪]53 :‬‬
‫ش َفعَآءَ فَيَ ْ‬
‫ُ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫هم إذن يقرون بأن الرسل حملت المنهج الحق ويتساءلون عن الشفيع‪ .‬ونعلم أن الشفيع لبد أن‬
‫يكون محبوبا عند من يشفع عنده‪ ،‬ونحن في الدنيا نجد من يبحث لنفسه عمن يشفع له عند صاحب‬
‫جاه يكون أثيرا وعزيزا لديه‪ ،‬أو يكون له كلمة وفضل عليه فل يرد عليه كلمته‪ .‬فمن يأتي يوم‬
‫القيامة بالشفاعة لهؤلء؟‪ ..‬ل أحد‪ ،‬وسنجدهم يتخذون الشفعاء من الذين اتخذوهم أندادا ل‪.‬‬
‫وسيعلن هؤلء أيضا الكراهية لهم‪ ،‬ولو مكنهم ال من الشفاعة ما أعطوها للكافرين المشركين؛‬
‫ففي الدنيا كان هؤلء مؤتمرين بأمر البشر وضللتهم‪ .‬أما يوم الحساب فل أحد خاضع لِرادة‬
‫أحد‪ ،‬حتى الجوارح ل تخضع لِرادة صاحبها‪ ،‬بل هي خاضعة للحق العلى‪ .‬وفي الخرة ل‬
‫مرادات لحد‪.‬‬
‫وقد ضربنا من قبل المثل وقلنا‪ :‬هب أن سرية في جيش ما وعليها قائد صغير برتبة ضابط‪،‬‬
‫ومفروض في جنود السرية أن ينفذوا كلمه‪ ،‬ثم راحوا لموقعة وأعطاهم الضابط الصغير أوامر‬
‫خاطئة بما له من فرض إرادة عليهم فنفذوا ما أمروا به‪ .‬ولحظة أن يعودوا ويحاسبهم القائد‬
‫العلى فسيقولون‪ :‬لقد فعلنا ما أمرنا به الضابط المكلف بقيادتنا‪ ،‬وكذلك ستأتي الجوارح في‬
‫الخرة‪ :‬تشهد عليهم أيديهم وأرجلهم وألسنتهم وجلودهم‪.‬‬
‫إذن فالبعاض سترفع شكواها إلى ال يوم أل يكون لحد من ملك سواه‪ ،‬ويومئذ سيقول المكذبون‬
‫سلُ رَبّنَا بِا ْلحَقّ‪[ } ...‬العراف‪]53 :‬‬
‫الصدق الذي لن ينفعهم‪ { .‬قَدْ جَآ َءتْ رُ ُ‬
‫وسوف يبحثون عن شفاعة‪ ،‬لكنهم لن يجدوا‪ ،‬بل إن أول من يسخر من الذين عبدوا غير ال هم‬
‫المعبودون أنفسهم‪.‬‬
‫جهَنّمَ أَنتُمْ َلهَا وَارِدُونَ }‬
‫صبُ َ‬
‫ح َ‬
‫ولذلك نجد قوله الحق سبحانه‪ {:‬إِ ّن ُك ْم َومَا َتعْ ُبدُونَ مِن دُونِ اللّهِ َ‬
‫[النبياء‪]98 :‬‬
‫وما ذنب المعبود؟‪ ..‬إن الصنام ل ذنب لها‪ ،‬بل كل منها يريد أن يشفي نفسه بأن يكون أداة‬
‫تعذيب لمن أعطوه غير حقه‪.‬‬
‫ولذلك نجد أن الحجار التي عُبدت تقول‪ :‬عبدونا ونحن أعبد ل من القائمين بالسحار؛ لن القائم‬
‫في السحار من الغيار قد يختار أمرا غير هذا‪ ،‬ولكنا كنا مقهورين على الطاعة‪ ،‬وقد اتخذوا‬
‫صمتنا علينا دليلً‪.‬‬
‫إن الحجار تعلن أنها لم تكن تملك قدرة رفض أن يعبدها أحد أو أن تعبده عنها وتعلن له غباءه‪.‬‬
‫والشاعر يقول‪:‬قد تجنوا جهل كما قد تجنوا على ابن مريم والحواريللمغالي جزاؤه والمغالي فيه‬
‫تنجيه رحمة الغفاروهكذا يأتيهم الحق واضحا يوم القيامة‪.‬‬
‫إنهم سيطلبون العودة إلى الدنيا‪ ،‬وهذا من الخيبة؛ لن مثل هذا الِقرار ليس من الِيمان‪ ،‬فالِيمان‬
‫يكون بالغيب ل في المشهد‪ .‬وحتى ولو عادوا‪ ،‬فلن يؤمنوا!‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والحق هو القائل‪ {:‬وََلوْ ُردّواْ َلعَادُواْ ِلمَا ُنهُواْ عَنْهُ‪[} ...‬النعام‪]28 :‬‬
‫وكأنهم نسوا لحظة إقرارهم أنهم من الغيار‪ ،‬وأتى فيهم القول الفصل من ال‪...} .‬قَدْ خَسِرُواْ‬
‫ضلّ عَ ْن ُهمْ مّا كَانُواْ َيفْتَرُونَ { [العراف‪]53 :‬‬
‫سهُ ْم َو َ‬
‫أَ ْنفُ َ‬
‫لقد جاء لهم الخسران بعد أن غاب عنهم ما كانوا يفترون على ال في الدنيا‪ ،‬إنهم رفضوا عبادته‪-‬‬
‫سبحانه‪ -‬وعبدوا غيره أصناما صارت وقودا للنار التي سيصلونها‪.‬‬
‫ويقول الحق بعد ذلك‪ } :‬إِنّ رَ ّب ُكمُ اللّهُ الّذِي خَلَقَ‪{ ...‬‬

‫(‪)996 /‬‬
‫علَى ا ْلعَرْشِ ُيغْشِي اللّ ْيلَ ال ّنهَارَ‬
‫ت وَالْأَ ْرضَ فِي سِتّةِ أَيّامٍ ثُمّ اسْ َتوَى َ‬
‫سمَاوَا ِ‬
‫إِنّ رَ ّبكُمُ اللّهُ الّذِي خََلقَ ال ّ‬
‫س وَا ْلقَمَ َر وَالنّجُومَ مُسَخّرَاتٍ بَِأمْ ِرهِ أَلَا لَهُ ا ْلخَلْقُ وَالَْأمْرُ تَبَا َركَ اللّهُ َربّ ا ْلعَاَلمِينَ‬
‫شمْ َ‬
‫يَطْلُ ُبهُ حَثِيثًا وَال ّ‬
‫(‪)54‬‬

‫هنا ربوبية‪ ،‬وهنا ألوهية‪ { :‬رَ ّب ُكمُ اللّهُ } ول أحد يختلف في مسألة الربوبية لن الحق يقول على‬
‫ت وَالَ ْرضَ لَ َيقُولُنّ اللّهُ‪[} ...‬الزمر‪:‬‬
‫سمَاوَا ِ‬
‫ألسنة الكافرين والمشركين‪ {:‬وَلَئِن سَأَلْ َت ُهمْ مّنْ خََلقَ ال ّ‬
‫‪ ]38‬وكذلك إن سألتهم من خلقهم؟ سيقولون‪ :‬ال‪ ،‬ولم يدّع أحد نفسه مسألة الربوبية‪ ،‬لن الربوبية‬
‫جاءت بنفع لهم‪ ،‬لكن اللوهية دخلت بمنهج هو‪ " :‬افعل ول تفعل "؛ لن التكليف من الله الرب‪،‬‬
‫والتكليف نعمة منه وهو لمصلحتكم أنتم‪ ،‬فل شيء في التكليف يعود على ال‪ .‬وفعلكم الحسن أو‬
‫السيء لن يعطي ل صفة لم تكن له؛ لن صفات الكمال أوجدكم‪ .‬وإن كنتم أنتم في شك في هذه‬
‫الربوبية فربكم هو ال ‪ -‬ول المثل العلى ‪ -‬منزه عن التشبيه‪ ،‬كأن تقول الم للولد‪ :‬قال لك‬
‫أبوك ل تسهر خارج المنزل ليلً‪ ،‬فيتأبى الولد‪ .‬وتنبه الم ولدها‪ :‬إن أباك هو الذي يأتي لك‬
‫بالكل والشرب‪ ،‬والملبس ويعطيك مصروف اليد‪ ..‬إلخ‪.‬‬
‫وقد ضربت هذا المثل لشرح كيف أن المكلف هو الرازق ول أحد سواه يرزق‪ ،‬لذلك كان يجب‬
‫أن تقبل تكاليفه لن سبق لك بالفضل بأن أعطى لك وسخر لك الدنيا‪.‬‬
‫ومن قبل فصل الحق سبحانه خلق النسان‪ ،‬ويفصل لنا هنا خلق السماء والرض لن ظرف‬
‫وجود النسان هو السماء والرض‪ ،‬وكل الخيرات تأتي له من السماء ومن الرض‪ ،‬وإذا كان ال‬
‫قد علمنا كيف خلقنا‪ ،‬فهو هنا يعلمنا كيف خلق السموات والرض‪ ،‬وخلق النسان وخلق السموات‬
‫والرض مسألتان ينشغل بهما العلم الحديث‪ ،‬فمن العلماء من قال‪ :‬إن الرض انفصلت عن‬
‫الشمس‪ ،‬ومنهم من افترض نظريا أن النسان أصله قرد‪ ،‬ولهؤلء نقول‪ :‬هذا حكم منكم ل يقبل؛‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لنكم لم تشهدوا الخلق‪ ،‬ولذلك فعليكم أن تسمعوا ممن خلق الخلق ليقول لكم كيف خلق الخلق‪.‬‬
‫ت وَالَرْضَ فِي سِتّةِ أَيّامٍ ُثمّ اسْ َتوَىا عَلَى‬
‫سمَاوَا ِ‬
‫هو سبحانه يقول‪ { :‬إِنّ رَ ّبكُمُ اللّهُ الّذِي خََلقَ ال َ‬
‫سخّرَاتٍ بَِأمْ ِرهِ َألَ لَهُ ا ْلخَلْقُ‬
‫س وَا ْل َقمَرَ وَالنّجُومَ مُ َ‬
‫شمْ َ‬
‫ا ْلعَرْشِ ُيغْشِي الّ ْيلَ ال ّنهَارَ َيطْلُبُهُ حَثِيثا وَال ّ‬
‫وَالَمْرُ تَبَا َركَ اللّهُ َربّ ا ْلعَاَلمِينَ } [العراف‪]54 :‬‬
‫والية تتعرض للخلق الول وهو السموات والرض ‪ -‬كما أوضحت ‪ -‬وهو الظرف الوجودي‬
‫للنسان الخليفة وطرأ النسان على هذا الكون بكل ما فيه من قوى ونواميس‪ ،‬فكأن ال أعد الكون‬
‫للخليفة قبل أن يُخلَق الخليفة ليجيء الخليفة فيجد كونا مسخرا له؛ ول يستطيع أي كائن منه أن‬
‫يخرج عن مراد ال في شيء { إِنّ رَ ّبكُمُ اللّهُ الّذِي خََلقَ }‪.‬‬
‫ومعنى " الخلق " أي أوجد شيئا كان معدوما وبرأه على غير مثال سبقه‪ .‬فربنا سبحانه قدر كل‬
‫شيء بنظام غير مسبوق‪ ،‬هذا هو معنى الخلق‪ ،‬وكلمة " الخلق " مادتها الفاعلة هي‪ :‬خالق‪،‬‬
‫وسبحانه وتعالى يجمعها مع أنه الخالق الوحيد فيقول‪:‬‬
‫حسَنُ الْخَاِلقِينَ }[المؤمنون‪]14 :‬‬
‫{ ‪...‬فَتَبَا َركَ اللّهُ أَ ْ‬
‫إذن فهناك الخالق العلى وهو ال‪ ،‬ولكنه سبحانه أيضا أشرك خالقا غيره معه فقال جل وعل‪} :‬‬
‫فَتَبَا َركَ اللّهُ َأحْسَنُ الْخَاِلقِينَ {‪ .‬كيف؟؛ لن الخلق إيجاد شيء معدوم‪ ،‬والذي صنع الميكروفون يقال‬
‫خلقه‪ ،‬والذي صنع الكوب يقال خلقه‪ ،‬والذي صنع المصباح يقال خلقه‪ ،‬لنه كان شيئا معدوما‬
‫بذاته‪ ،‬فأوجده‪ .‬لكن الفارق أن الخالق من البشر يوجد معدوما من موجود ول يأتي بمادة جديدة؛‬
‫فمن أخذ المواد الموجودة في الكون وصمم منها المصباح وصهر الرمل وفرغ الهواء داخل‬
‫الزجاج يقال له‪ :‬خلق المصباح وأوجد معدوما من موجود‪.‬‬
‫لكن الخالق هو خير الخالقين لنه يخلق من عدم ولم يحرم خلقه حين يوجدون شيئا معدوما من أن‬
‫يوصف الواحد منهم بأنه خالق‪ ،‬وسبحانه حين خلق خلق من ل شيء‪ ،‬وأيضا فإنكم حين تخلقون‬
‫أي صنعة تظل جامدة على هيئة صناعتها‪ ،‬فمن صنع الكوب من الرمل المصهور يظل الكوب‬
‫هكذا‪ ،‬ول نستطيع ‪ -‬كما سبق أن قلت قديما ‪ -‬أن نأتي بكوب ذكر‪ ،‬وكوب أنثى‪ ،‬ونضعهما معا‬
‫في مكان ونقول لهما‪ :‬أنجبا لنا أكوابا صغيرة‪.‬‬
‫لكن ما يخلقه ربنا يعطي له سر الحياة ويجعله بالقانون ينتج غيره وينمو ويكبر‪ .‬إذن فهو أحسن‬
‫الخالقين‪.‬‬
‫وال سبحانه وتعالى يعطينا خبر خلقه السموات والرض‪ .‬وأوضح سبحانه أن السموات سبع وقد‬
‫جاءت مجموعة‪ .‬أما الرض فجاء بها مفردة‪ .‬لكنه جل وعل قال في آية أخرى‪ {:‬اللّهُ الّذِي خَلَقَ‬
‫ن الَ ْرضِ مِثَْلهُنّ‪[} ...‬الطلق‪]12 :‬‬
‫سمَاوَاتٍ َومِ َ‬
‫سَبْعَ َ‬
‫فكما خلق سبع سماوات خلق سبع أراضين‪ ،‬ولماذا جاء بالسماء بالجمع وترك لفظ الرض‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫مفردا؟‪ ..‬لماذا لم يقل‪ :‬سبع أراضين؟؛ لن كلمة " أراضين " ثقيلة على اللسان فتركها لثقلها وأتى‬
‫بالسماوات مجموعة لخفتها ويسر نطقها‪.‬‬
‫والسماء هي كل ما علك فأظلك‪ ،‬هذا معنى السماء في اللغة‪ .‬لكن هل السماء التي يريدها ال هي‬
‫كل ما علك؟‪ ..‬إن النجم هو ما علك؛ وقد يقال‪ :‬إن الشمس علتك‪ ،‬والقمر علنا جميعا‪ .‬ونلفت‬
‫النتباه هنا ونقول للناس الذين أحبوا أن يجعلوا السموات هي الكواكب إنها ليست دائما ما علنا؛‬
‫فالشمس تعلو وقتا وتنخفض وقتا آخر‪ .‬وكذلك القمر‪.‬‬
‫إذن فالوصف منحسر عن الشمس أو القمر بعض الوقت‪ ،‬ول يصح أن يوصف أي منهما بأنه‬
‫سماء دائما‪ .‬وشيء آخر وهو أنهم حينما قالوا على الكواكب التي كانت معروفة بأنها كواكب‬
‫سبعة وقالوا‪ :‬إن هذه السماء‪ ،‬إنهم بقولهم هذا قد وقعوا في خطأ‪ .‬وأوضح الحق لنا بالعلم أن‬
‫للشمس توابع أخرى‪ .‬فمرة رأى العلماء ثمانية توابع‪ ،‬ومرة تسعة‪ ،‬وأخرى عشرة توابع‪ ،‬وهكذا‬
‫انهدمت فكرة أن التوابع هي السماء‪ ،‬وبقيت السماء هي ما فوق هذا كله‪ ،‬والحق هو القائل‪:‬‬
‫سمَآءَ الدّنْيَا بِزِي َنةٍ ا ْل َكوَا ِكبِ }[الصافات‪]6 :‬‬
‫{ إِنّا زَيّنّا ال ّ‬
‫هذه ‪ -‬إذن ‪ -‬زينة للسماء الدنيا‪ ،‬والسماء التي يقصدها ربنا ليست هي التي يقولون عليها‪ ،‬بل‬
‫السماء خلق آخر ل يمكن لحد أن يصل إليه‪ ،‬وكان الجن قديما يقعدون منها مقاعد للسمع } َفمَن‬
‫شهَابا ّرصَدا {‪ .‬وحدث هذا بعد بعثته صلى ال عليه وسلم والحق هو من قال‬
‫يَسْ َتمِعِ النَ َيجِدْ َلهُ ِ‬
‫لنا ذلك‪ .‬ولم يوضح الحق لنا حقيقة هذه السماء ونظامها‪ ،‬أي أن ربنا يريد لعقولنا أن تفهم هذا‬
‫القدر فحسب‪ ،‬وسبحانه خالق السماء التي فوقنا‪ ،‬وهو جل وعل خالق أراضين‪ .‬وأين هي هذه‬
‫الراضين؟‪ ..‬أهي أراضين مبعثرة؟‬
‫ولقد أثبت العلم أن كل مجرّة من المجرّات فيها مليون مجموعة شمسية‪ ،‬وكل مجموعة شمسية‬
‫فيها أرض‪ ،‬إذن فهناك أراضٍ عديدة‪ ،‬ونلحظ أن الحق سبحانه حين يتكلم عن الرض فكل‬
‫مخاطب بالرض التي هو فيها‪ ،‬ولذلك قال بعض العلماء‪ :‬إن في هذا العالم العالي توجد أراضٍ‪،‬‬
‫وكل أرض أرسل لهم الحق رسولً‪.‬‬
‫ج ْم ِعهِمْ‬
‫سمَاوَاتِ وَالَ ْرضِ َومَا َبثّ فِي ِهمَا مِن دَآبّ ٍة وَ ُهوَ عَلَىا َ‬
‫والحق هو القائل‪َ {:‬ومِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ ال ّ‬
‫إِذَا َيشَآءُ َقدِيرٌ‪[} .‬الشورى‪]29 :‬‬
‫ويعطينا العلم كل يوم مزيدا من الكتشافات‪ .‬وهكذا تكون السماء هي كل ما علك والرض كل‬
‫ما أقلك‪ .‬ومادامت سبع سموات والسماء الولى فراغ كبير وفضاء‪ ،‬وتأتي بعدها السماء الثانية‬
‫تُظل السماء الولى‪ ،‬وكل سماء فيها أرض وفيها سماء أخرى‪ .‬ونحن غير مكلفين بهذا‪ ،‬نحن‬
‫مكلفون بأن نعلم أن الرض التي نحن عليها مخلوقة ل‪.‬‬
‫سمَاوَاتِ وَالَ ْرضَ فِي سِتّةِ أَيّامٍ‪[ { ...‬العراف‪]54 :‬‬
‫والحق يقول‪ } :‬خَلَقَ ال َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وقوله‪ } :‬فِي سِتّةِ أَيّامٍ { هو ظرف للخلق‪ .‬واليوم نعرف أنه المدة من طلوع الشمس إلى الغروب‬
‫ثم إلى الشروق ومدته أربع وعشرون ساعة‪ .‬لكن لبد لنا أن نعرف بعضا من اصطلحات الحق‬
‫القرآنية‪.‬‬
‫ي وَأَيّاما آمِنِينَ }[سبأ‪]18 :‬‬
‫فهو يقول سبحانه وتعالى‪... {:‬سِيرُواْ فِيهَا لَيَاِل َ‬
‫أي هناك ليل وهناك يوم‪ ،‬إذن فاليوم عند الحق غير اليوم عندنا؛ لننا نطلق على المدة الزمنية من‬
‫طلوع الشمس إلى غروبها وشروقها من جديد‪ .‬هكذا يكون اليوم في العرف الفلكي‪ :‬من شروق‬
‫ي وَأَيّاما آمِنِينَ {‪.‬‬
‫إلى شروق‪ ،‬أو من غروب إلى غروب‪ ،‬وقول الحق‪ } :‬سِيرُواْ فِيهَا لَيَاِل َ‬
‫يعني أنه سبحانه قد جعل الليل قسما والنهار قسما‪ ،‬وهل كان هناك من عرف اليوم إل بعد أن‬
‫وجدت الشمس؟‪ ..‬وإذا كانت الشمس هي التي تحدد اليوم فكيف عرف اليوم قبلها وخصوصا أن‬
‫السماء والرض حينما خلقتا لم تكن هناك شمس أو كواكب؟‪ ..‬وعلينا هنا أن نعرف أن هذا هو‬
‫تقديره سبحانه وقد خاطبنا به بعد أن عرفنا مدة اليوم‪ .‬ألم تقرأ قول ال سبحانه‪... {:‬وََلهُمْ رِ ْز ُقهُمْ‬
‫فِيهَا ُبكْ َرةً وَعَشِيّا }[مريم‪]62 :‬‬
‫وليس في الخرة بكرة ول عشى‪ ،‬إذن سبحانه قد قدر البكرة وقدر العشي‪ ،‬وكذلك } فِي سِتّةِ أَيّامٍ‬
‫{ وتلك هي اليات المحكمات في القرآن بالنسبة لزمن الخلق؛ ستة أيام‪ ،‬ولكن آية التفصيل للخلق‪،‬‬
‫جاءت في ظاهر المر أنها ثمانية أيام‪.‬‬
‫جعَلُونَ لَهُ أَندَادا ذَِلكَ َربّ ا ْلعَاَلمِينَ‬
‫ن وَتَ ْ‬
‫ق الَ ْرضَ فِي َي ْومَيْ ِ‬
‫اقرأ معي‪ُ {:‬قلْ أَإِ ّنكُمْ لَ َت ْكفُرُونَ بِالّذِي خََل َ‬
‫سوَآءً لّلسّآئِلِينَ * ثُمّ‬
‫سيَ مِن َف ْو ِقهَا وَبَا َركَ فِيهَا َوقَدّرَ فِيهَآ َأ ْقوَا َتهَا فِي أَرْ َبعَةِ أَيّامٍ َ‬
‫ج َعلَ فِيهَا َروَا ِ‬
‫* وَ َ‬
‫طوْعا َأوْ كَرْها قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآ ِئعِينَ *‬
‫سمَآءِ وَ ِهيَ دُخَانٌ َفقَالَ َلهَا وَلِلَ ْرضِ ائْتِيَا َ‬
‫اسْ َتوَىا إِلَى ال ّ‬
‫سمَاوَاتٍ فِي َي ْومَيْنِ‪[} ...‬فصلت‪]12-9 :‬‬
‫َفقَضَاهُنّ سَبْعَ َ‬
‫والظاهر من آية التفصيل أنها ثمانية أيام‪ ،‬أما آيات الِجمال فكلها تقول‪ :‬إنها أيام‪ ،‬ومن النقطة‬
‫دخل المستشرقون‪ ،‬وادعوا زورا أن القرآن فيه اختلف‪ ،‬وحالوا أن يجعلوها ضجة عالية‪ .‬ونقول‪:‬‬
‫إنه ‪ -‬سبحانه ‪ -‬خلق الرض وما فيها في أربعة أيام كاملة بل زيادة ول نقصان‪ ،‬فالمراد أن ذلك‬
‫حصل وتم في تتمة أربعة أيام ويضم إليها خلق السماوات في يومين فيكون عدد اليام التي تم‬
‫فيها خلق السماوات والرض ستة أيام أو نحمل المفصل على المجمل‪ ،‬فحين يقول الحق‪ } :‬إِنّ‬
‫سمَاوَاتِ وَالَ ْرضَ فِي سِتّةِ أَيّامٍ‪[ { ...‬العراف‪]54 :‬‬
‫رَ ّبكُمُ اللّهُ الّذِي خََلقَ ال َ‬
‫فهل خلق ال يحتاج إلى علج حتى يتطلب الزمن الممتد؟‪ ..‬إن ربنا يخلق بـ " كن " ‪ ،‬ونحن‬
‫البشر على حسب قدرتنا لنخلق شيئا‪ ،‬وكل عملية نقوم بها تأخذ زمنا‪ ،‬لكن من يخلق بكلمة " كن "‬
‫فالمر بالنسبة له هين جدا ‪ -‬سبحانه وتعالى ‪ -‬لكن لماذا جاء الخلق في ستة أيام؟‬
‫نعلم أن هناك فرقا بين ميلد الشيء وبين تهيئته للميلد‪ .‬وكنا قد ضربنا المثل سابقا ‪ -‬ول المثل‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫العلى ‪ -‬بصانع الزبادي‪ ،‬الذي يأتي بأكواب اللبن الدافئ‪ ،‬ثم يضع في كل منها جزءا من خميرة‬
‫الزبادي‪ ،‬ويضع تلك الكواب في الجو المناسب‪ .‬فهل يؤدي هذا الرجل عملً لمدة أثنتي عشرة‬
‫ساعة في كل كوب‪ ،‬وهي المدة اللزمة لتخمر الكوب؟‪ ..‬طبعا ل‪ ،‬فقد اكتفى بأن في كل كوب‬
‫عناصر التخمر لتتفاعل بذاتها إلى أن تنضج‪.‬‬
‫ولنظر إلى خلق الجنين من تزاوج بويضة وحيوان منوي‪ .‬ويأخذ المر تسعة شهور وسبحانه جل‬
‫جلله ل يعمل في خلق الجنين تسعة شهور‪ ،‬لكنه يترك المر ليأخذ مراحل تفاعلته‪.‬‬
‫إذن فخلق ال السماوات والرض في ستة أيام ل يعني أن الستة أيام كلها كانت مشغولة بالخلق‪،‬‬
‫بل قال سبحانه‪ " :‬كن " وبعد ذلك ترك مكونات السموات والرض لتأخذ قدرها ومراحلها؛ لن‬
‫ميلدها سيكون بعد ستة أيام‪ .‬وفي القرآن آية من اليات أعطتنا لمحة عن هذه المسألة‪ ،‬فقال‬
‫سمَاوَاتِ وَالَ ْرضَ َومَا بَيْ َن ُهمَا فِي سِتّةِ أَيّا ٍم َومَا مَسّنَا مِن ّلغُوبٍ }‬
‫سبحانه‪ {:‬وََلقَدْ خََلقْنَا ال ّ‬
‫[ق‪]38 :‬‬
‫أي خلق سبحانه السموات والرض دون تعب؛ لنه ل يعالج مسألة الخلق‪ ،‬بل إنما يحدث ذلك‬
‫بأمر " كن " فكانت السموات والرض‪ .‬والية التي بعدها فورا تقول‪ } :‬فَاصْبِرْ عَلَىا مَا َيقُولُونَ {‬
‫وكأن قوله سبحانه هنا جاء لتسلية الرسول صلى ال عليه وسلم موضحا له‪ :‬إنهم يكذبونك وقد‬
‫ترغب في أن نأخذهم أخذ عزيز مقتدر‪ .‬لكن الحق جعل لكل مسألة كتابا‪ ،‬فهو قد خلق السماوات‬
‫والرض في ستة أيام‪ .‬ونحن في حياتنا نقول لمن يتعجل أمرا‪ :‬يا سيدي إن ربنا خلق السماء‬
‫والرض في ستة أيام‪ .‬فل تتعجل المور‪.‬‬
‫إذن كان ربنا هو القادر على أن ينجز خلق السماء والرض في لحظة‪ ،‬لكنه أمر " بكن " وترك‬
‫المواد تتفاعل لستة أيام‪ .‬ولماذا ل نقول‪ :‬جاء بكل ذلك ليعلمنا التأني‪ ،‬وأل نتعجل الشياء؟ لنه‬
‫وهو القادر على إبراز السموات والرض في لحظة‪ ،‬خلقها في ستة أيام‪ ،‬لذلك قال سبحانه‪{:‬‬
‫فَاصْبِرْ عَلَىا مَا َيقُولُونَ‪[} ...‬ق‪]39 :‬‬
‫أي ل ترهق نفسك لنه سبحانه خلق السماء والرض في ستة أيام‪ ،‬وسيأتي لهؤلء الجاحدين‬
‫يومهم الذي يؤاخذون فيه بسوء أعمالهم وسوف يأتي حتما‪.‬‬
‫وهناك من يتساءل‪ :‬كيف خلق الكون بما فيه من الرواسي والكائنات؟‪ ..‬ونقول‪ :‬إن النجاز الذي‬
‫أخبر به سبحانه مرة واحدة‪ ،‬وانفعلت الكائنات للقدرة مرة واحدة‪ ،‬وتعددت استدامة انفعالت‬
‫السامع بقدرة ال‪ ،‬في كل جزيئة من جزئيات الفعل‪ ،‬وأخذ المر ستة أيام‪ .‬واستقر المر بعد ذلك‬
‫واستتب‪ ،‬وسبحانه يقول‪ } :‬ثُمّ اسْ َتوَىا عَلَى ا ْلعَرْشِ‪[ { ...‬العراف‪]54 :‬‬
‫عظِيمٌ }[النمل‪]23 :‬‬
‫ولبد أن نعرف العرش ما هو‪ .‬وسبحانه يقول في ملكة سبأ‪... {:‬وََلهَا عَرْشٌ َ‬
‫فالعرش إذن هو سرير الملك؛ لن الملك ل يجلس على العرش إل بعد إن تستقر المور‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فكأن قوله‪ } :‬اسْ َتوَىا عَلَى ا ْلعَرْشِ { كناية عن تمام المور؛ وخلقها وانتهت المسألة‪ .‬لكن العلماء‬
‫حين جاءوا في } اسْ َتوَىا { ‪ ،‬اختلفوا في فهمها؛ لن العرش لو كان كرسيا يجلس عليه ال‪ ،‬لكان‬
‫في ذلك تحييز ل ووضعه وضمه في جرم ما‪ .‬وسبحانه منزه عن أن يحيزه شيء‪ .‬ولذلك أخذ‬
‫العلماء يتلمسون معاني لكلمة } اسْ َتوَىا { منهم من قال‪ :‬إن معناها هو قصد إليها بخلقه‬
‫واختراعه‪ ،‬ومنهم من قال‪ :‬المقصود بها أنه استعلى وارتفع أمره‪ ،‬ومنهم من قال‪ " :‬صعد " أمره‬
‫سمَآ ِء وَ ِهيَ ُدخَانٌ‪[} ...‬فصلت‪]11 :‬‬
‫إلى السماء واستند إلى قوله الحق‪ {:‬ثُمّ اسْ َتوَىا إِلَى ال ّ‬
‫وكلها معانٍ متقاربة‪ .‬وجماعة من العلماء أرادوا أن يخرجوا من التشبيهات؛ فقالوا‪ :‬المقصود بـ "‬
‫استوى " أنه استوى على الوجود‪ ،‬ولذلك رأوا أن وجود العرش والجلوس عليه هو سمة لستقرار‬
‫الملك‪ .‬وحتى ل ندخل في متاهات التشبيهات‪ ،‬أو متاهات التعطيل نقول‪ :‬علينا أن نأخذ كل شيء‬
‫شيْءٌ }[الشورى‪]11 :‬‬
‫منسوب إلى ال في إطار‪ {:‬لَيْسَ َكمِثْلِهِ َ‬
‫فحين يقول سبحانه‪:‬‬
‫{ َيدُ اللّهِ َفوْقَ أَيْدِي ِهمْ‪[} ...‬الفتح‪]10 :‬‬
‫ونحن نفهم أن لليد مدلولً‪ ،‬والقرآن لغة عربية يخاطبنا بها سبحانه‪ ،‬فالقول أن ل يدا فهذا دليل‬
‫على قدرته‪ .‬واستخدام الحق كلمة اليد هنا كناية عن القدرة‪ .‬والِنسان عليه أن يأخذ كل شيء‬
‫شيْءٌ { ‪ ،‬فنقول‪ :‬سبحانه له يد‬
‫منسوب إلى ال مما يوجد مثله في البشر‪ ،‬في إطار } لَيْسَ َكمِثْلِهِ َ‬
‫ليست كيد البشر‪ ،‬وله وجود لكنه ليس كوجود البشر‪ ،‬وله عين ليست كعيون البشر‪ .‬وله وجه ليس‬
‫كوجه أحد من البشر‪ .‬ولذلك حينما سئل سيدنا الِمام مالك عن هذه المسألة قال لمن سأله‪" :‬‬
‫سوْء! أخرجوه‪ .‬نعم السؤال‬
‫الستواء معلوم والكيف مجهول والسؤال عنه بدعة " وأراك رجل َ‬
‫عنه بدعة لنه يدخل بنا في متاهة التشبيه ومتاهة التعطيل‪ ،‬وهل سأل أحد من صحابة رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم عن معنى الستواء؟‪ ..‬ل؛ لنهم فهموا المعنى‪ ،‬ولم يعلق شيء من معناها في‬
‫أذهانهم حتى يسألوا عنها رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ .‬إنهم فهموها بفطرتهم التي فطرهم ال‬
‫عليها في إطار ما يليق بجلل ال وكماله‪.‬‬
‫وإن قال قائل‪ :‬أرسول ال كان يعلم المعنى أم ل يعلم؟‪ ..‬إن كان يعلم لخبرنا بها‪ ،‬وإن لم يخبرنا‬
‫فقد أراد أن يكتمها‪ .‬وإن لم يكن قد علم المر‪ ..‬فهل تطلب لنفسك أن نعلم ما لم يعلمه صلى ال‬
‫عليه وسلم؟‬
‫شيْءٌ‬
‫أو أنّه صلى ال عليه وسلم ترك لكل واحد أن يفهم ما يريد ولكن في إطار } لَيْسَ َكمِثْلِهِ َ‬
‫{ والذين يمنعون التأويل يقولون‪ :‬إياك أن تؤول اليد بالقدرة؛ لنه إن قال‪ :‬إن له يدا‪ ،‬فقل ليست‬
‫شيْءٌ {؛ لنه سبحانه له حياة‪ ،‬وأنت لك حياة‪ ،‬أحياته كحياتك؟‪ .‬ل‪،‬‬
‫كأيدينا في إطار } لَيْسَ َكمِثْلِهِ َ‬
‫فلماذا إذن تجعل يده مثل يدك؟‪ ..‬إذن لبد أن ندخل على كل صفة ل فننفي عنها التعطيل وننفي‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫عنها التشبيه‪ .‬ثم إن من يمنعون التأويل نقول لكل منهم‪ :‬أنت ستضطر أخيرا إلى أن تؤول؛ لن‬
‫جهَهُ‪[} ...‬القصص‪]88 :‬‬
‫ل وَ ْ‬
‫شيْءٍ هَاِلكٌ ِإ ّ‬
‫الحق يقول‪ُ {:‬كلّ َ‬
‫جهَهُ { فكل ما يطلق عليه شيء يهلك‪ ،‬ويبقى وجهه سبحانه فقط‪ ،‬فلو‬
‫ل وَ ْ‬
‫شيْءٍ هَاِلكٌ ِإ ّ‬
‫ومادام } ُكلّ َ‬
‫أنت قلت الوجه هو هذا الوجه‪ ،‬فكأن يده تهلك ورجله تهلك وصدره يهلك‪ ،‬وحاشا ل أن يحدث‬
‫ذلك‪ .‬وتكون قد دخلت في متاهة ما لها من آخر‪ .‬لذلك نقول‪ :‬لنأخذ النص وندخله في إطار } لَيْسَ‬
‫شيْءٌ {‪ .‬وآية الستواء على العرش هذه‪ ،‬مذكورة في سور كثيرة‪ ،‬وهي تحديدا في " سبعة‬
‫َكمِثْلِهِ َ‬
‫مواضع "؛ في سورة العراف التي نحن بصددها‪ ،‬وسورة يونس‪ ،‬وسورة الرعد‪ ،‬وسورة طه‪،‬‬
‫وسورة الفرقان‪ ،‬وسورة السجدة‪ ،‬وسورة الحديد‪.‬‬
‫وهنا يقول الحق بعد الحديث عن الستواء على العرش‪ُ } :‬يغْشِي الّيلَ ال ّنهَارَ {‪.‬‬
‫ال ‪ -‬سبحانه ‪ -‬قد خلق السماء والرض للخليفة في الرض وهيأ له فيها أصول الحياة‬
‫الضرورية ودلّه على ما يحتاج إليه‪ ،‬فماذا سيفعل هذا الخليفة؟‪.‬‬
‫‪ .‬ل بد أن يقوم بكل مقومات الحياة‪ ،‬وإذا ما عمل فسيبذل جهدا‪ ،‬والجهد يقتضي راحة‪ .‬ومن‬
‫يشتغل ساعة ل بد أن يرتاح ساعة‪ .‬وإن اشتغل ساعتين ولم يسترح ساعة غُلب على نفسه‪.‬‬
‫ونحن نرى في اللة التي تعمل ثلث ورديات يوميا أي التي تعمل لمدة الربع والعشرين ساعة‬
‫دون توقف أنها تُستهلك أكثر من اللة التي تعمل ورديتين‪ ،‬واللة التي تعمل وردية واحدة لمدة‬
‫ثماني ساعات يطول عمرها أكثر‪ .‬وكل إنسان يحتاج إلى الراحة‪ .‬فشاء الحق سبحانه وتعالى أن‬
‫ل وَال ّنهَارَ‬
‫ج َعلَ َلكُمُ الّ ْي َ‬
‫حمَتِهِ َ‬
‫يبين لنا أن الليل والنهار متعاقبان من أجل هذا الهدف‪َ {:‬ومِن رّ ْ‬
‫سكُنُواْ فِي ِه وَلِتَب َتغُواْ مِن َفضْلِهِ‪[} ...‬القصص‪]73 :‬‬
‫لِتَ ْ‬
‫أي لتسكنوا في الليل‪ ،‬وتبتغوا الفضل في النهار‪ ،‬فإن كنت لم تسترح بالليل فلن تقدر أن تعمل‬
‫بالنهار‪ ،‬فمن ضروريات حركة الخلفة في الرض أن يوجد وقت للراحة ووقت للعمل‪ .‬لذلك‬
‫أوضح سبحانه لنا‪ :‬أنا خلقت الليل والنهار‪ ،‬وجعلت الليل سكنا إلى للراحة والبعد عن الحركة‪،‬‬
‫والحق يقول هنا‪ُ } :‬يغْشِي الّ ْيلَ ال ّنهَارَ‪[ { ...‬العراف‪]54 :‬‬
‫ويكون المعنى هنا أن النهار يغشي الليل‪ ،‬ولذلك تحدثنا من قبل عن تتابع الليل والنهار لنستنبط‬
‫ج َعلَ الّ ْيلَ وَال ّنهَارَ خِ ْلفَةً ّلمَنْ أَرَادَ أَن يَ ّذكّرَ َأوْ أَرَادَ‬
‫منها الدليل على أن الرض كرة‪ {.‬وَ ُهوَ الّذِي َ‬
‫شكُورا }[الفرقان‪]62 :‬‬
‫ُ‬
‫والليل يخلف النهار‪ ،‬والنهار يخلف الليل‪ ،‬وفي مصر نكون في نهار مثل‪ ،‬ويكون هذا الوقت في‬
‫بلد آخر ليلً‪ ،‬وإذا سلسلتها إلى أول ليل وإلى أول نهار‪ ،‬وأيهما الذي كان خلفه للثاني؟ فلن تجد؛‬
‫لن كل الثنين خلقا معا‪ .‬ولو كانت الرض مخلوقة على هيئة التسطيح وكانت الشمس قد خلقت‬
‫مواجهة لسطح الرض لكان النهار قد خلق أولً ثم يعقبه الليل‪ ،‬ولو كانت الشمس قد خلقت غير‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫مواجهة للسطح كان الليل سيأتي أولً ثم تطلع الشمس على السطح ليوجد النهار‪ .‬والحق سبحانه‬
‫أراد من الليل والنهار أن يكون كلهما خلفة للخرة‪ ،‬ول يمكن أن يكون ذلك إل إذا كان ال‬
‫سبحانه خلق الليل والنهار دفعة واحدة‪ .‬كان لبد أن تكون الرض كرة؛ ليغشى النهار الجزء‬
‫المواجه للشمس‪ ،‬وليغشى الليل الجزء غير المواجه للشمس‪ ،‬وحين تدور الرض يأتي النهار خلفة‬
‫ج َعلَ الّ ْيلَ وَال ّنهَارَ خِ ْلفَةً ّلمَنْ أَرَادَ أَن َي ّذكّرَ َأوْ أَرَادَ‬
‫لليل‪ ،‬ويكون الليل خلفه للنهار‪ {.‬وَ ُهوَ الّذِي َ‬
‫شكُورا }[الفرقان‪]62 :‬‬
‫ُ‬
‫} ُيغْشِي الّ ْيلَ ال ّنهَارَ { ويغشى النهار الليل وحذفت للعتماد على اليات السابقة التي منها قوله‬
‫الحق سبحانه‪ {:‬وَلَ الّ ْيلُ سَا ِبقُ ال ّنهَارِ‪[} ...‬يس‪]40 :‬‬
‫أي أن الليل ل يسبق النهار وكذلك النهار ل يسبق الليل‪ ،‬وهذا دليل على أنهما خُلقا دفعة واحدة‪.‬‬
‫لمْرُ‪.‬‬
‫ق وَا َ‬
‫خلْ ُ‬
‫سخّرَاتٍ بَِأمْ ِرهِ َألَ َلهُ الْ َ‬
‫س وَا ْل َقمَرَ وَالنّجُومَ مُ َ‬
‫شمْ َ‬
‫والحق يقول هنا‪ } :‬وَال ّ‬
‫‪{ ..‬‬
‫فل أحد من هذه الكائنات له اختيار أن يعمل أو ل يعمل‪ ،‬بل كلها مسخرة‪ ،‬ولذلك تجد النواميس‬
‫الكونية التي ل دخل للنسان فيها ولختياراته دخل في أمورها تسير بنظام دقيق‪ ،‬ففي الوقت‬
‫الفلني ستأتي الرض بين الشمس والقمر‪ ،‬وفي الوقت الفلني سيقع القمر بين الرض والشمس‪،‬‬
‫وسيحدث للشمس خسوف‪ ،‬وكل أمر من هذا له حساب دقيق‪ُ } .‬ي ْغشِي الّ ْيلَ ال ّنهَارَ َيطْلُبُهُ حَثِيثا‬
‫لمْرُ‪[ { ...‬العراف‪]54 :‬‬
‫ق وَا َ‬
‫سخّرَاتٍ بَِأمْ ِرهِ َألَ َلهُ ا ْلخَلْ ُ‬
‫س وَا ْل َقمَرَ وَالنّجُومَ مُ َ‬
‫شمْ َ‬
‫وَال ّ‬
‫والخلق إيجاد الشياء من عدم‪ ،‬فبعد ان خلق ال الكون لم يترك شؤون الكون لحد‪ ،‬بل ‪ -‬سبحانه‬
‫ له المر بعد ذلك‪ .‬وقيوميته؛ لنه لم يزاول سلطانه في ملكه ساعة الخلق ثم ترك النواميس‬‫تعمل‪ ،‬ل‪ ،‬فبأمره يُعطل النواميس أحيانا‪ ،‬ولذلك شاء الحق أن تكون معجزات النبياء لتعطيل‬
‫لمْرُ {‪.‬‬
‫ق وَا َ‬
‫النواميس؛ لنفهم أن الكون ل يسير بالطبع أو بالعلة‪ .‬لذلك يقول‪َ } :‬ألَ َلهُ ا ْلخَلْ ُ‬
‫لمْرَ كُلّهُ للّهِ‪[} ...‬آل عمران‪]154 :‬‬
‫ناَ‬
‫وإذا نظرت إلى كلمة " المر " تجد الحق يقول‪ُ {:‬قلْ إِ ّ‬
‫والمقصود هو المر الكوني‪ ،‬أما المور الختيارية فلله فيها أمر يتمثل في المنهج‪ ،‬وأنت لك فيها‬
‫لمْرُ تَبَا َركَ اللّهُ َربّ ا ْلعَاَلمِينَ‬
‫ق وَا َ‬
‫أمر إما أن تطيع وإما أن تعصي‪ ،‬وأنت حر‪َ...} .‬ألَ لَهُ ا ْلخَلْ ُ‬
‫{ [العراف‪]54 :‬‬
‫حسَنُ ا ْلخَاِلقِينَ { ‪ ،‬فكل لفظ له معنى‪ ،‬ففي‬
‫وحين يقول سبحانه‪ } :‬تَبَا َركَ اللّهُ { وقال من قبل‪ } :‬أَ ْ‬
‫خلقه من البشر مواهب تَخْلق ولكن من موجود وأوضحنا ذلك‪.‬‬
‫وفي قول آخر يصف الحق نفسه‪ {:‬وَ ُهوَ أَسْ َرعُ ا ْلحَاسِبِينَ }[النعام‪]62 :‬‬
‫والناس تتعلم الحساب وخلقوا آلت حاسبة‪ ،‬وهي آلت تتم " برمجتها " وإعدادها وتهيئتها للجمع‬
‫والطرح والضرب والقسمة‪ ،‬وكل حدث من الحساب يأخذ مدة‪ .‬لكن الحق يحسب لكل البشر دفعة‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫واحدة‪ .‬لذلك فهو أسرع الحاسبين؛ لنه ليس هناك حساب واحد‪ ،‬فأنت لك حساب مع ال‪ ،‬والخر‬
‫له حساب مع ال‪ ،‬والحساب مع ال متعدد بتعدد أفراد المحاسبين‪ ،‬وحساب الحق للخلق ل يحتاج‬
‫إلى علج‪ ،‬بل ينطبق عليها ما ينطبق على الرزق‪ ،‬ولذلك حينما سئل عليّ كرم ال وجهه‪:‬‬
‫ أيحاسب ال خلقه في وقت واحد؟‬‫قال‪ :‬وما العجب في ذلك ألم يرزقهم في وقت واحد؟‬
‫حمِينَ‬
‫حسَنُ الْخَاِلقِينَ { ‪ ،‬و } أَ ْرحَمُ الرّا ِ‬
‫وانظر إلى القرآن تجد الحق } َأسْ َرعُ الْحَاسِبِينَ { و } أَ ْ‬
‫{ و } خَيْرُ ا ْلوَارِثِينَ {‪ .‬وهذه هي اللفاظ التي وردت‪ ،‬ول فيها مع خلقه صفة‪ ،‬لكن صفة ال دائما‬
‫شيْءٌ {‪ } .‬تَبَا َركَ اللّهُ َربّ ا ْلعَاَلمِينَ {‪.‬‬
‫في إطار } لَيْسَ َكمِثْلِهِ َ‬
‫و } تَبَا َركَ اللّهُ { أي أنه ‪ -‬تعالى ‪ -‬تنزّه؛ لن هناك فرقا بين القدرة المطلقة ‪ -‬وهي قدرة ال ‪-‬‬
‫والنفعال للقدرة المطلقة بالِرادة وبـ " كن " وهذا هو النفعال والنقياد وللِرادة والمر‪.‬‬
‫خفْيَةً‪{ ...‬‬
‫ويقول الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك‪ } :‬ادْعُواْ رَ ّبكُمْ َتضَرّعا وَ ُ‬

‫(‪)997 /‬‬
‫حبّ ا ْل ُمعْتَدِينَ (‪)55‬‬
‫خفْيَةً إِنّهُ لَا ُي ِ‬
‫ادْعُوا رَ ّبكُمْ َتضَرّعًا َو ُ‬

‫والدعاء إنما يكون من عاجز يدعو أو قادرا على إنجاز وتحقيق ما عجز عنه أو يعينه عليه‪.‬‬
‫وعندما تشعر أنك عاجز فأنت ترتكن إلى من له مطلق القدرة؛ لن قدرتك محدودة‪ .‬إذن فإن كنت‬
‫تطغى أو تتكبر فاعرف مكانتك ومنزلتك جيدا وتراجع عن ذلك لنك عرض زائل‪ ،‬والدعاء هو‬
‫تضرع‪ ،‬وذلة‪ ،‬وخشوع‪ ،‬وإقرار منك بأنك عاجز‪ ،‬وتطلب من ربك المدد والعون‪ .‬واستحضار‬
‫عجزك وقدرة ربك تمثل لك استدامة اليقين الِيماني‪ .‬وما جعل ربنا للناس حاجات إل من أجل‬
‫ذلك؛ لن الِنسان إذا ما رأى الشياء تنفعل له‪ ،‬ويبتكر ويخترع فقد يأخذه الغرور‪ ،‬فيأتي له‬
‫بحاجة تعز وتعجز فيها السباب‪ ،‬فيقف ليدعو‪ .‬ومن كان متكبرا وعنده صلف وغطرسة يذهب‬
‫إلى رجل " غلبان " زاهد تجرد من الجاه والسلطان منقطع لعبادة ال ويقول له‪ :‬أستحلفك برسول‬
‫ال أن تدعو لي لني في أزمة والذي يسأل الغلبان الزاهد هو رجل عزيز في قومه لكنه يظن أن‬
‫الغلبان الزاهد أقرب إلى ال منه‪.‬‬
‫إذن الدعاء هو الضراعة وإظهار الذلة والخشوع ل؛ لكي يستديم اليقين الِيماني‪ { .‬ادْعُواْ رَ ّب ُكمْ‬
‫خفْيَةً‪[ } ...‬العراف‪]55 :‬‬
‫َتضَرّعا وَ ُ‬
‫وإياك أن تدعو وفي بالك أن تقضي حاجتك بالدعاء‪ ،‬عليك بالدعاء فقط لقصد إظهار الضراعة‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والذلة والخشوع‪ ،‬ولنك لو لم تدع فستسير أمورك كما قُدر لها‪ ،‬والدعاء هو إظهار للخشوع‪،‬‬
‫وإياك أن تفهم أنك تدعو ال ليحقق لك مطالبك؛ لنه سبحانه منزه أن يكون موظفا عندك‪ ،‬وهناك‬
‫نظام وضعه سبحانه لتحقيق مطالب العباد‪ .‬ومن الناس من يطلب بالدعاء أشياء ضارة‪ {.‬وَيَ ْدعُ‬
‫ن الِنْسَانُ عَجُولً }[السراء‪]11 :‬‬
‫الِنْسَانُ بِالشّرّ دُعَآ َءهُ بِا ْلخَيْ ِر َوكَا َ‬
‫والِنسان قد يتعلق قلبه بأماني قد تضره؛ لذلك نقول‪ :‬ل تتعجل بالدعاء طلبا لمنيات قد تكون شرا‬
‫عليك‪ ،‬والحق العليم ينظم لنا أمورنا‪ ،‬وإياك أيضا أن تيأس حين ل تجاب دعوتك التي في بالك؛‬
‫لن ال يحقق الخير لعباده‪ .‬ولو حقق لك بعضا مما تدعو فقد يأتي منها الشر‪ ،‬ويترك ال‬
‫لقضيتك أمورا تبين لك هذا‪ ،‬وتقول‪ :‬إن الشيء الفلني الذي كنت أتمناه تحقق وجاء شرا عليّ‪.‬‬
‫مثال ذلك قد تحجز لطائرة لكنك ل تلحق بها فقد أقلعت قبل أن تصل إليها وحزنت لن بعضا من‬
‫مصالحك قد فاتك ولم يتحقق وتفاجأ بأن هذه الطائرة سقطت في البحر‪.‬‬
‫إذن‪ ،‬اجعل حظك من الدعاء هو الخشوع والتذلل والضراعة له سبحانه ل إجابتك إلى ما تدعو‬
‫إليه‪ ،‬إنك دعوت لتطلب الخير‪ ،‬فدع الحق بقيوميته وعلمه يحقق لك الخير‪ .‬واسمع قول ال‪{:‬‬
‫وَيَ ْدعُ الِنْسَانُ بِالشّرّ دُعَآ َءهُ بِا ْلخَيْ ِر َوكَانَ الِنْسَانُ عَجُولً }[الِسراء‪]11 :‬‬
‫خفْيَةً } فسبحانه يطلب منا أن ندعوه لننا سنواجه‬
‫إذن فحين يقول الحق‪ { :‬ادْعُواْ رَ ّبكُمْ َتضَرّعا وَ ُ‬
‫لحظات متعددة نعجز فيها عن أشياء‪ ،‬فبدلً من أن تظل مقهورا بصفة العجز عن الشيء اذكر أن‬
‫لك ربا قويا مقتدرا‪ ،‬وساعة تذكر ذلك لن تأخذك السباب من حظيرة الِيمان‪.‬‬
‫وقلنا من قبل‪ :‬من له أب ل يحمل هما للحياة‪ ،‬فإذا كان الذي له أب ل يحمل هما لمطلوبات الحياة‬
‫فمن له رب عليه أن يستحي ويعرف أن ربه سيوفر له الخير؛ لذلك يوضح سبحانه‪ :‬إذا أعجزتكم‬
‫السباب فاذكروا أن لكم ربا‪ .‬وقد طلب منكم أن تدعوه‪ ،‬ول تظن أن حظك من الدعاء أن تجاب‬
‫إلى ما طلبت‪ ،‬بل ليكن حظك من الدعاء إظهار التذلل والخشوع ل؛ فقد يكون ما حدث لك نتيجة‬
‫أنك قد اغتررت بنفسك‪ .‬وقد سبق " قارون " إلى الغرور‪ ،‬فماذا حدث له؟‪ ..‬لقد هزمه الحق وأنزل‬
‫به شر العقاب‪ .‬وقد يجعل الحق من تأبّى السباب وامتناعها عليك مغزى لتلتفت إلى ال‪ ،‬لكن‬
‫لفتتك ل ل يصح أن تكون بغرض أن يقضي حاجتك‪ ،‬بل اجعل أساس لفتتك ل أن تظهر العجز‬
‫خفْيَةً‪...‬‬
‫أمامه والخضوع والخشوع؛ ليعيط ما لم يكن في بالك حين تدعو‪ } .‬ادْعُواْ رَ ّب ُكمْ َتضَرّعا وَ ُ‬
‫{ [العراف‪]55 :‬‬
‫خفية لها معنى وهو أن يكون الدعاء دعاءً مستورا مختبئا‪ ،‬ولها معنى آخر وهو أن تكون من‬
‫الخوف أي أدعو ربكم خوفا من متعلقات صفات الجلل كالجبار والقهار أو خوفا من أن يردها‬
‫ال عليك فل يقبلها منك‪.‬‬
‫ادعوا ربكم تضرعا بذلة وانكسار وخضوع خفية بينك وبين ربك‪ ،‬فل تجهر بالدعاء وتجعله‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫عملك الوحيد لن النبي صلى ال عليه وسلم علمنا حينما كان في غزوة غزاها فنزل أصحابه‬
‫واديا‪ ،‬فلما نزلوا الوادي صاحوا بالتهليل والتكبير‪ ،‬فقال‪ " :‬أيها الناس اربعوا على أنفسكم‪ ،‬إنكم‬
‫ليس تدعون أص ّم ول غائبا‪ ،‬إنكم تدعون سميعا قريبا وهو معكم "‪.‬‬
‫والدعاء إلى ال خُفية يبتعد بك عن الرياء وهو أستر لك في مطلوباتك من ربك لنه حين يوضح‬
‫لك‪ :‬ادعني في سرّك لنني سميع عليم؛ فاعلم كل ما ظهر منك وما بطن‪ ،‬ادع بالخضوع‬
‫والخشوع والتذلل لتنكسر فيك شهوة الكبرياء‪ ،‬وشهوة الغطرسة‪ ،‬وشهوة الجبروت‪.‬‬
‫وإذا ما نظرت إلى هذا تجد أن كثيرا من العلماء يقولون‪:‬‬
‫ نعرف قوما يقرأون القرآن في محضرنا وما عرفنا لشفاههم حركة‪ ،‬وعرفنا قوما يستنبطون‬‫الحكام من كلم ال وما رأينا منهم انفعالً يصرفهم عنا‪.‬إذن فالمسألة تعبر عن شغل باطني‬
‫داخلي‪.‬‬
‫ويريد الحق سبحانه وتعالى أن يبعدنا عن الرياء ويريد أن يستر علينا مطلوباتنا؛ لن الِنسان قد‬
‫خفْيَةً‪...‬‬
‫يطلب من ال سبحانه وتعالى ما يستحي أن يسمعه آخر‪ } .‬ادْعُواْ رَ ّبكُمْ َتضَرّعا وَ ُ‬
‫{ [العراف‪]55 :‬‬
‫ولو نظرت إلى هذه الية لوجدت أن كثيرا من الناس يخالفونها مخالفات جماعية؛ في الليل مثلً‬
‫تجد من يصعدون على المآذن أو يصيحون في مكبرات الصوت التي أغنتهم عن صعود المآذن‪،‬‬
‫ويكون الواحد من هؤلء نائما طول النهار لن رفع الذان هو عمله ليس غير‪ ،‬وبعد ذلك يظل‬
‫يصرخ ويستغيث ويقول‪ " :‬أن هذه ابتهالت "‪.‬‬
‫بينما من الناس من هو نائم ليأخذ قسطه من الراحة ليؤدي عمله نهارا‪ ،‬ول أحد يطلب من هذا‬
‫النائم إل أنه وإذا جاء الفجر يستيقظ ويؤدي الصلة‪ .‬فلماذا نقلق الناس بهذا؟ إننا لبد أن ننبه‬
‫هؤلء الذين يظنون أنهم يذكرون الناس بدين ال‪ ،‬إنهم بعملهم هذا ل يسلكون الطريق الصحيح؛‬
‫لننا ل يمكن أن نذكر الناس بال ونصنع مخالفة أو نؤذي أحدا؛ فسبحانه يقول‪ } :‬ادْعُواْ رَ ّبكُمْ‬
‫خفْيَةً {‪.‬‬
‫َتضَرّعا وَ ُ‬
‫والتضرع والخُفية تقتضي أل أقلق الناس‪ ،‬أو أن أعلن المور التي أريدها لنفسي خاصة بصوت‬
‫عال مثل من يأتي في ختام الصلة ويقول دعاءه بصوت عال وهو رافع يديه‪ ،‬ولمثل هذا أقول‪:‬‬
‫إن ال سبحانه وتعالى جعل لنا القنوت لندعو فيه‪ ،‬وترك كل مسلم أن يدعو بما ينفعل له‪ .‬وأنت‬
‫حين تدعو في ختام الصلة قد يوجد مُصل مسبوق لحق الصلة بعد أن سبقه المام بركعة أو‬
‫باثنين أو بثلث ويريد أن يكمل صلته‪ ،‬وأنت حين ترفع صوتك بالدعاء حين تختم صلتك إنما‬
‫تفسد عليه إتمام صلته‪ .‬وتشغله بمنطوق من عندك وبكلم من عندك عن شيء واجب عليه‪ .‬ومن‬
‫بفعل ذلك إنما يفعله عن حسن نية‪ ،‬لكنه يسيء إلى عبادة آخر‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إذن فلبد أن ننتّبه إلى أن ال سبحانه وتعالى له مطلوبات‪ ،‬هذه المطلوبات قد تخالفها النفس‬
‫ضلّ‬
‫عمَالً * الّذِينَ َ‬
‫لخْسَرِينَ أَ ْ‬
‫لغرض ترى أنه حسن‪ ،‬لكن خذها في إطار‪ُ {:‬قلْ َهلْ نُنَبّ ُئكُم بِا َ‬
‫ن صُنْعا }[الكهف‪]401-103 :‬‬
‫حسَبُونَ أَ ّنهُمْ ُيحْسِنُو َ‬
‫سعْ ُيهُمْ فِي ا ْلحَيَاةِ الدّنْيَا وَ ُهمْ يَ ْ‬
‫َ‬
‫فلبد أن نتنبه إلى مثل هذه المسائل‪ ،‬وعلينا أن نوفر الراحة لمن ينام ليقوم ويصلي الصبح ويذهب‬
‫إلى عمله؛ لذلك ل داعي أن يفتح إنسان " الميكروفون " ويعلو صوته بالدعاء‪ ،‬ومن يفعل ذلك‬
‫يظن أنه يحرص على أمر مطلوب فيزعج النائم‪ ،‬بل ويزعج من يصلي بالليل أو " يشوش " على‬
‫من يقرأ القرآن أو يستذكر بعضا من العلم‪ .‬إن على من يفعل ذلك أن يترك كل إنسان لنفعالته‪،‬‬
‫وأن يكون ملك نفسه وملك اختياره‪.‬‬
‫خفِيّا * قَالَ َربّ إِنّي وَهَنَ‬
‫ويعطينا الحق سبحانه وتعالى صورا كهذه فيقول‪ {:‬إِذْ نَادَىا رَبّهُ نِدَآءً َ‬
‫شقِيّا }[مريم‪]4-3 :‬‬
‫ظمُ مِنّي وَاشْ َت َعلَ الرّ ْأسُ شَيْبا وَلَمْ َأكُنْ بِدُعَآ ِئكَ َربّ َ‬
‫ا ْلعَ ْ‬
‫إذن كلمة " خفي " موجودة في القرآن‪ ،‬ولبد أن نتنبه إلى الدعاء الخفي‪ } .‬ادْعُواْ رَ ّبكُمْ َتضَرّعا‬
‫حبّ ا ْل ُمعْتَدِينَ { [العراف‪]55 :‬‬
‫خفْيَةً إِنّ ُه لَ ُي ِ‬
‫وَ ُ‬
‫إذن إن لم يكن تضرعا وخفية فهو اعتداء في الدعاء؛ لنك مكلف وال هو المُكلَف‪ ،‬وهو يقول‬
‫لك‪ :‬ادعوني تضرعا وخفية‪.‬‬
‫فإن فعلت غير هذا تكن معتديا‪ ،‬وعلى كل هؤلء أن يفهموا أنهم معتدون فإما أن يكون العتداء‬
‫في أسلوب الطلب وإما ان يكون العتداء في المطلوب‪.‬‬
‫لن الحق حدد أسلوب الطلب فأوضح‪ :‬ادعوني بخفاء‪ ،‬فإن دعوت في غير الخفاء تكن معتديا‬
‫على منهج ال‪ .‬وكذلك قد يكون العتداء في المطلوب فل يصح مثلً أن تقول‪ :‬إنني أدعوك يا‬
‫رب أن تجعلني نبيا‪ .‬إن ذلك ل يصح وربنا سبحانه وتعالى علمنا فيما سرده عن نوح‪ .‬فقال‪{:‬‬
‫حكَمُ الْحَا ِكمِينَ * قَالَ يانُوحُ‬
‫ق وَأَنتَ َأ ْ‬
‫حّ‬
‫ن وَعْ َدكَ الْ َ‬
‫وَنَادَى نُوحٌ رّبّهُ َفقَالَ َربّ إِنّ ابْنِي مِنْ َأهْلِي وَإِ ّ‬
‫ظكَ أَن َتكُونَ مِنَ‬
‫ع َملٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَ تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ َلكَ بِهِ عِ ْلمٌ إِنّي أَعِ ُ‬
‫إِنّهُ لَ ْيسَ مِنْ أَهِْلكَ إِنّهُ َ‬
‫الْجَاهِلِينَ }[هود‪]46-45 :‬‬
‫وهنا نبه الحق نوحا إلى العتداء في المطلوب فقال الحق‪ {:‬فَلَ َتسْئَلْنِ مَا لَيْسَ َلكَ ِبهِ عِلْمٌ‪} ...‬‬
‫[هود‪]46 :‬‬
‫ولذلك نجد نوحا يستغفر لنه سأل ودعا ال هذا الدعاء عن غير علم‪ ،‬فلما عرف ذنبه استغفر ال‬
‫وقال‪ {:‬قَالَ َربّ إِنّي أَعُوذُ ِبكَ أَنْ أَسْأََلكَ مَا لَيْسَ لِي ِبهِ عِلْمٌ‪[} ...‬هود‪]47 :‬‬
‫ك وَعَلَىا ُأمَمٍ ّممّن ّم َعكَ‪[} ...‬هود‪]48 :‬‬
‫وقال له الحق سبحانه‪ {:‬اهْ ِبطْ بِسَلَمٍ مّنّا وَبَركَاتٍ عَلَ ْي َ‬
‫إذن فالذي ل يسمع منهج ال أو ل يطبقه في الدعاء يكون معتديا على الحق سبحانه وتعالى‪،‬‬
‫وسبحانه ل يحب المعتدين‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫حهَا‪{ ...‬‬
‫لِ‬
‫ويقول الحق بعد ذلك‪َ } :‬ولَ ُتفْسِدُواْ فِي الَ ْرضِ َبعْدَ ِإصْ َ‬

‫(‪)998 /‬‬
‫حمَةَ اللّهِ قَرِيبٌ مِنَ ا ْل ُمحْسِنِينَ (‪)56‬‬
‫ط َمعًا إِنّ رَ ْ‬
‫خ ْوفًا وَ َ‬
‫حهَا وَادْعُوهُ َ‬
‫وَلَا ُتفْسِدُوا فِي الْأَ ْرضِ َبعْدَ ِإصْلَا ِ‬

‫الرض هي مكان الخليفة وهو الِنسان‪ ،‬وفيها السباب الصيلة لستبقاء الحياة والسماء والرض‬
‫والشمس والهواء كلٌ مسخر لك‪ .‬ول تحتاج إلى تكليف فيه‪ ،‬فل أنت تقول‪ " :‬يا شمس أشرقي " أو‬
‫" يا هواء هب " فكل ذلك مسخر لك‪ .‬وأنت مطالب أل تفسد فيما لك فيه اختيار؛ لنك ل تستطيع‬
‫أن تفسد قوانين الكون العليا‪ ،‬ل تستطيع أن تغير مسار الشمس ول مسار القمر ول مسار الريح‪،‬‬
‫وأنت لن تستطيع إصلح ما ل يمكن أن تقترب من إفساده‪ ،‬لن أمره ليس بيدك لنه ل اختيار لك‬
‫فيه‪ .‬وإنما يأتي الِفساد من ملكات الختيار الموجودة فيك‪ ،‬ولم يتركنا ال أحرارا فيها‪ ،‬بل حددها‬
‫بمنهج يحمي حركة الحياة بـ " افعل " و " ل تفعل " ‪ ،‬فإذا كان سبحانه قد أنزل قرآنا‪ ،‬والقرآن‬
‫فيه منهج يحمي اختيارك إذن فقد أعطاك عناصر الِصلح ولذلك يقول لك‪َ { :‬ولَ ُتفْسِدُواْ فِي‬
‫طمَعا‪[ } ...‬العراف‪]56 :‬‬
‫خوْفا وَ َ‬
‫حهَا وَادْعُوهُ َ‬
‫الَ ْرضِ َب ْعدَ ِإصْلَ ِ‬
‫وهنا يعود الحق مرة أخرى للحديث عن الدعاء‪ ،‬فأولً جاء بالمر أن يكون الدعاء تضرعا‬
‫طمَعا }‪.‬‬
‫خوْفا وَ َ‬
‫وخفية‪ ،‬وهنا يوضح الحق سبيلً ثانيا للدعاء‪ { :‬وَادْعُوهُ َ‬
‫خوفا من صفات جبروته وقهره‪ ،‬وطمعا في صفات غفرانه ورحمته؛ لن ل صفات جمال‬
‫وصفات جلل‪ ،‬وادعوه خوفا من متعلقات صفات الجلل‪ ،‬وطمعا في متعلقات صفات الجمال‪ .‬أو‬
‫ح َمتَ اللّهِ قَرِيبٌ مّنَ‬
‫طمَعا إِنّ َر ْ‬
‫خوْفا وَ َ‬
‫خوفا من أن تُرد وطمعا فيما أنت ترجو‪...{ .‬وَادْعُوهُ َ‬
‫حسِنِينَ } [العراف‪]56 :‬‬
‫ا ْلمُ ْ‬
‫إذن من الذي يحدد قرب الرحمة منه؟ إنه الِنسان فإذا أحسن قربت منه الرحمة والزمام في يد‬
‫الِنسان؛ لن ال ل يفتئت ول يستبد بأحد‪ .‬فإن كنت تريد أن تقرب منك رحمة ال فعليك‬
‫حسِنِينَ }‪.‬‬
‫ح َمتَ اللّهِ قَرِيبٌ مّنَ ا ْلمُ ْ‬
‫بالِحسان‪ { .‬إِنّ َر ْ‬
‫ولذلك قلنا إن الحق سبحانه وتعالى يقول‪ " :‬ل أمل حتى تملّوا "‪[ .‬من حديث قدسي]‬
‫وأنت تدخل بيوت ال تصلى في أي وقت‪ ،‬وتقف في أي مكان لتؤدي الصلة‪ ،‬إذن فاستحضارك‬
‫أمام ربك في يدك أنت‪ ،‬وسبحانه حدد لك خمسة أوقات‪ ،‬ولكن بقية الوقات كلها في يدك‪،‬‬
‫وتستطيع أن تقف بين يدي ال في أي لحظة‪ .‬وسبحانه يقول‪ " :‬ومن جاءني يمشي أتيته هرولة "‬
‫[من حديث قدسي]‪ .‬وهو جل وعل يوضح لك‪ :‬استرح أنت وسآتي لك أنا؛ لن الجري قد يتعبك‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لكني ل يعتريني تعب ول عي ول عجز‪ .‬وكأن الحق ل يطلب من العبد إل أن يملك شعورا بأنه‬
‫يريد لقاء ربه‪ .‬إذن فالمسألة كلها في يدك‪ ،‬ويقول سبحانه‪ " :‬من ذكرني في نفسه ذكرته في‬
‫نفسي‪ ،‬ومن ذكرني في مل ذكرته في مل خير منه "‪.‬‬
‫[من حديث قدسي]‪.‬‬
‫وهكذا يؤكد لك سبحانه أن رحمته في يدك أنت وقد أعطاها لك‪ ،‬وعندما تسلسلها تجدها تفضلً‬
‫حسِنِينَ {‪.‬‬
‫ح َمتَ اللّهِ قَرِيبٌ مّنَ ا ْلمُ ْ‬
‫من ال‪ ،‬ولكن في يدك أنت‪ } .‬إِنّ َر ْ‬
‫ونعلم أن فيه صفات ل وفيه ذات‪ ،‬فالذات (ال) وهو واهب الوجود‪ ،‬وله كل صفات الكمال وكل‬
‫صفة لها متعلق؛ الرحمة لها متعلق والبعث له متعلق فمن أسمائه سبحانه " الباعث "؛ وإياك أن‬
‫تغيب عن الذات‪ ،‬اجعل نفسك مسبحا لذاته العلية دائما‪ .‬وقد تقول‪ :‬يا رب أريد أن ترحمني في‬
‫كذا‪ ،‬وقد ل ينفذ لك ما طلبت‪ ،‬لكن ذلك ل يجعلك تبتعد عن التسبيح للذات‪ ،‬لن عدم تحقيق ما‬
‫طلبت هو في مصلحتك وخير لك‪.‬‬
‫وقد وقف العلماء عند كلمة " قريب " هذه‪ ،‬وتساءل بعضهم عن سرّ عدم مجيء تاء التأنيث بعد‬
‫لفظ الجللة؟ ونعلم أن القرآن قد نزل بلغة العرب‪ ،‬وعند العرب ألفاظ يستوي فيها التذكير‬
‫والتأنيث‪ ،‬وما يقال للمذكر مثلما يقال للمؤنث‪ ،‬فنقول‪ " :‬رجل صبور " ‪ ،‬و " امرأة صبور " ‪ ،‬ول‬
‫نقول‪ :‬صبورة ونقول‪ " :‬رجل معطار " أي يكثر استخدام العطر‪ ،‬و " امرأة معطار " أي تكثر‬
‫استخدام العطر‪ .‬ونقول‪ :‬قريب مثلما نقول‪ :‬قتيل بمعنى مقتول‪ .‬فيقال‪ " :‬رجل قتيل " و " امرأة‬
‫قتيل " ‪ ،‬ول يقال‪ " :‬قتيلة " إل إذا لم يذكر معها كلمة امرأة أو ما يدل على التأنيث‪ ،‬لن القتيل‬
‫للذكر وللنثى‪.‬‬
‫هذه هي ألفاظ صحيح اللغة‪ .‬وقد صنعت اللغة ذلك بأسانيد‪ ،‬فأنت حين نقول‪ " :‬رجل صبور " أو "‬
‫امرأة صبور " فالصبر يقتضي الجلد والعزم والشدة؛ لذلك ل نقول‪ " :‬امرأة صبور " بل نأتي‬
‫بالوصف المناسب للجَلَد والشدة‪ .‬وإياك أن تضعفها بحكاية التأنيث‪ ،‬وكذلك " رجل معطار " و "‬
‫امرأة معطار " ‪ ،‬والرجل المعطار هو من تعرفه الناس من نفاذ رائحة عطره‪ ،‬والمرأة مبنية على‬
‫الستر‪ .‬فإن تعطرت فهي قد تشبهت بالرجل ويقال لها‪ " :‬امرأة معطار " ‪ ،‬وحين ننظر إلى كلمة "‬
‫قريب " فهي من صيغة " فعيل " التي يستوي فيها المذكر والمؤنث؛ بدليل أن ال قال‪... {:‬وَإِن‬
‫ظهِيرٌ }[التحريم‪]4 :‬‬
‫ن وَا ْلمَلَ ِئكَةُ َبعْدَ َذِلكَ َ‬
‫لهُ َوجِبْرِيلُ َوصَالِحُ ا ْل ُم ْؤمِنِي َ‬
‫تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنّ اللّهَ ُهوَ َم ْو َ‬
‫والملئكة لفظها لفظ مؤنث‪ ،‬ولم يقل الحق " ظهيرة " ‪ ،‬لن " ظهير " يعني مُعين‪ ،‬والمعونة‬
‫تتطلب القوة والعزم والمدد؛ لذلك جاء لها باللفظ المناسب الذي يدل على القوة وهو " ظهير "‪.‬‬
‫ح َمتَ اللّهِ قَرِيبٌ مّنَ ا ْل ُمحْسِنِينَ { [العراف‪]56 :‬‬
‫وكذلك قوله الحق‪...} :‬إِنّ رَ ْ‬
‫و " قريب " بوزن " فعيل " بمعنى مفعول‪ ،‬ولعل بعض الناس يفهم أن " قريب " بمعنى فاعل أي‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫قارب‪ .‬مثل رحيم وراحم‪ .‬أي أن رحمة ال هي التي تُقرب من المحسنين‪ ،‬والمر ليس كذلك‪ ،‬فإن‬
‫الرحمة هي المقروبة‪ ،‬والحسان هو الذي يقرب إليها فيكون فعيل هنا بمعنى مفعول الذي يستوي‬
‫فيه المذكر والمؤنث‪ ،‬أن يكون جاءت كذلك على تأويل الرحمة بالرحم أو الترحم‪ ،‬أو لنه صفة‬
‫لموصوف محذوف أي شيء قريب‪ ،‬أو لن تأنيث الرحمة غير حقيقي‪ ،‬أو أن الرحمة مصدر‪،‬‬
‫وحق المصدر التذكير‪.‬‬
‫سلُ‪{ ...‬‬
‫ويقول الحق بعد ذلك‪ } :‬وَ ُهوَ الّذِي يُ ْر ِ‬

‫(‪)999 /‬‬
‫سقْنَاهُ لِبََلدٍ مَ ّيتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ‬
‫حمَتِهِ حَتّى إِذَا َأقَّلتْ سَحَابًا ِثقَالًا ُ‬
‫سلُ الرّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ َي َديْ رَ ْ‬
‫وَ ُهوَ الّذِي يُرْ ِ‬
‫ا ْلمَاءَ فََأخْرَجْنَا ِبهِ مِنْ ُكلّ ال ّثمَرَاتِ َكذَِلكَ نُخْرِجُ ا ْل َموْتَى َلعَّلكُمْ َت َذكّرُونَ (‪)57‬‬

‫وتصريف الرياح إهاجة للهواء في الكون‪ ،‬والهاجة للهواء في الكون تأتي منها فوائد كثيرة‬
‫للغاية‪ ،‬ونحن حين نجلس في مكان مكتظ وممتلئ بالنفاس نقول لمن يجلس بجوار النافذة‪" :‬‬
‫لنهوي الغرفة قليلً‪ .‬وإن لم يكف هواء النافذة تأت بمروحة لتأخذ من طبقات الجو طبقة هواء‬
‫جديدة فيها أوكسجين كثير‪ .‬إذن فإرسال الرياح ضرورة حتى ل يظل الهواء راكدا‪ .‬ويتلوث الجو‬
‫بهذا الركود‪ ،‬ولو أن كل إنسان سيستقر في مكان مكتوم الهواء لمتل المكان بثاني أكسيد الكربون‬
‫الخارج من تنفسه‪ ،‬ثم ل يلبث أن يختنق‪ ،‬ولذلك أراد ال حركة الرياح رحمة عامة مستمرة في‬
‫كل شيء‪ ،‬وهي أيضا رحمة تتعلق بالقوت كما تعلقت بمقومات الحياة من نفس وماء وطعام‪،‬‬
‫وتصريف الرياح من أجل تجديد الهواء الذي تتنفسة‪ ،‬وكذلك تكوين الماء‪ .‬لن سبحانه القائل عن‬
‫سقْنَاهُ لِبََلدٍ مّ ّيتٍ‪[ } ...‬العراف‪]57 :‬‬
‫سحَابا ِثقَالً ُ‬
‫الرياح‪ { .‬حَتّىا ِإذَآ َأقَّلتْ َ‬
‫والرياح هي التي تساعد في تكوين المطار التي تنزل على الرض فتروي التربة التي نحرثها‪،‬‬
‫هكذا تكون الرياح بشرى في ثلثة أشياء‪ :‬الشيء الول تحريك طبقات الهواء وإل لفسد الجو في‬
‫الماء‪ ،‬لن الرياح هي التي تحمل السحاب وتحركه وتنزل به هناك فرقا بين بشرى‪ ،‬وبشرا؛‬
‫فالبشرى مفرد‪ ،‬وقد وردت في قوله الحق‪ {:‬وََلقَدْ جَآ َءتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بِالْبُـشْرَى‪[} ...‬هود‪]69 :‬‬
‫أي التبشير‪ .‬لكن بشرا جمع بشير وهي كلمة مخففة‪ ،‬والصل فيها بشر‪.‬‬
‫والحق يقول‪ { :‬فََلمّآ أَن جَآءَ الْبَشِيرُ }‪.‬‬
‫وجمع البشير " بُشُر " مثل‪ " :‬نذير " و " ُنذُر " بضم الشين فسكنت تخفيفا‪ ،‬فتنطق ُبشْرا وبُشُرا‪.‬‬
‫حمَتِهِ }‪.‬‬
‫{ ُبشْرا بَيْنَ يَ َديْ َر ْ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫هي بين يدي رحمته لنها ستأتي لنا بالماء‪ ،‬وهو الرحمة في ذاته‪ ،‬وبواسطته يعطينا ري الرض‪،‬‬
‫ونحن نرتوي منه مباشرة أيضا‪ .‬ونلحظ كلمة الرياح إذا أطلقت بالجمع فهي تأتي للخير‪ ،‬أما حين‬
‫ح صَ ْرصَرٍ عَاتِ َيةٍ }[الحاقة‪]6 :‬‬
‫يكون فيها شر فيأتي بكلمة " ريح " مفردة‪ ،‬مثل قوله‪... {:‬بِرِي ٍ‬
‫فإذن عندما ترى كلمة " رياح " فاعلم أنها خير‪ ،‬أما كلمة " ريح " فاعلم أنها شر لماذا؟ أنت إذا‬
‫كنت قاعدا في حجرة فيها فتحة نافذة يأتي منها الهواء‪ ،‬ويتسلط التيار على إنسان‪ ،‬فالِنسان‬
‫يصاب بالتعب؛ لن الهواء يأتي من مكان واحد‪ ،‬لكن حين تجلس في الخلء ويهب الهواء فأنت ل‬
‫تتعبَ‪ ،‬لن الرياح متعددة‪ .‬ولكن الرياح تأتي كالصاروخ‪.‬‬
‫الرياح إذن يرسلها الحق بين يدي رحمته؛ حتى إذا أقلت أي حملت يقال‪ " :‬أقل فلن الحمل " أي‬
‫رفعه من على الرض وحمله لنه أقل من طاقته‪ ،‬لنه لو كان أكثر من طاقته لما استطاع أن‬
‫يرفعه عن الرض‪ ،‬وما دام قد أقله فالحمل أقل بالنسبة لطاقته وبالنسبة لجهده‪ ،‬أقلت أي حملت‪،‬‬
‫وما دامت قد حملت فجهدها فوق ما حملته‪ ،‬وإذا كان الجهد أقل من الذي حملته لبد أن ينزل إلى‬
‫الرض‪.‬‬
‫وأقلت سحابا أي حملت سحابا‪ .‬نعرف أن السحاب هو البخرة الطالعة والصاعدة من الرض ثم‬
‫تتجمع وتصعد إلى طبقات الجو العليا‪ ،‬وتضربها الرياح إلى أن تصادف منطقة باردة فيحدث‬
‫تكثيف للسحاب؛ فينزل المطر؛ ونرى ذلك في الماء المقطر الذي يصنعونه في الصيدلية؛ فيأتي‬
‫الصيدلي بموقد وفوقه إناء فيه ماء ويغلي الماء فيخرج البخار ليسير في النابيب التي تمر في‬
‫سقْنَاهُ لِبََلدٍ مّ ّيتٍ {‪.‬‬
‫سحَابا ِثقَالً ُ‬
‫تيار بارد فيتكثف البخار ليصير ماء‪ } .‬حَتّىا ِإذَآ َأقَّلتْ َ‬
‫وقال الحق‪ " :‬سقناه " بضمير المذكر؛ لنه نظر إلى السحاب في اسم جنسه‪ ،‬أو نظر إلى لفظه‪،‬‬
‫وجاء بالوصف مجموعا فقال‪ " :‬ثقال " نظرا إلى أن السحاب جمع سحابة فرق بينه وبين واحدة‬
‫بالتاء‪ ،‬وما دامت السحب كلها داخلة في السّوق فليس لها تعددات فكأنها شيء واحد‪ } .‬حَتّىا إِذَآ‬
‫سقْنَاهُ لِبَلَدٍ مّ ّيتٍ { [العراف‪]57 :‬‬
‫َأقَّلتْ سَحَابا ِثقَالً ُ‬
‫السحاب ل يتجه إلى مكان واحد‪ ،‬بل يتجه لماكن متعددة‪ ،‬إذن فالحق يوجه السحاب الثقال لكثر‬
‫سقْنَاهُ لِبََلدٍ مّ ّيتٍ {‪.‬‬
‫من مكان‪ .‬لكن الحق سبحانه وتعالى يقول‪ُ } :‬‬
‫والميت هو الذي ل حراك فيه وانتهى اختياره في الحركة‪ ،‬كذلك الرض‪ ،‬فالماء ينزل من السماء‬
‫على الرض وهي هامدة ليس بها حركة حياة أي أن ال يرسل السحاب ويزجيه إلى البلد الميت‬
‫ت وَرَ َبتْ وَأَنبَ َتتْ مِن ُكلّ َزوْجٍ َبهِيجٍ }‬
‫في أي مكان من الرض‪... {.‬فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَ ْيهَا ا ْلمَآءَ اهْتَ ّز ْ‬
‫[الحج‪]5 :‬‬
‫سقْنَاهُ لِبَلَدٍ مّ ّيتٍ‬
‫إذن فالرض التي ل يأتيها الماء تظل هامدة أي ليس بها حركة حياة مثل الميت‪ُ } .‬‬
‫فَأَنْزَلْنَا بِهِ ا ْلمَآءَ فَأَخْ َرجْنَا بِهِ مِن ُكلّ ال ّثمَرَاتِ‪[ { ...‬العراف‪]57 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وأراد الحق سبحانه وتعالى أن يلفتنا وينبهنا إلى القضية اليويمية التي نراها دائما في صور شتى‪،‬‬
‫وهي أن الرض تكون في بعض الحيان جدبا‪ ،‬ثم يهبط عليها بعض المطر‪ ،‬وبمجرد أن ينزل‬
‫المطر على الجبل‪ ،‬وبعد يومين من نزول المطر نجد الجبل في اليوم الثالث وهو مخضر‪ ،‬فمن‬
‫الذي بذر البذرة للنبات هذا اليوم؟ إذن فالنبات كان ينتظر هذه المياه‪ ،‬وبمجرد أن تنزل المياه‬
‫يخرج النبات دون أن يبذر أحد بذورا‪ ،‬وهذا دليل على أن كل منطقة في الرض فيها مقومات‬
‫الحياة‪...} .‬فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن ُكلّ ال ّثمَرَاتِ كَذاِلكَ ُنخْرِجُ الْموْتَىا َلعَّلكُمْ تَ َذكّرُونَ { [العراف‪]57 :‬‬
‫فالماء الذي ينزل على الرض الميتة يحيي الرض؛ لنه سبحانه يخرج الحياة كل يوم‪ ،‬وحين‬
‫يوضح لنا سبحانه أن سيبعثنا من جديد فليس في هذا أمر عجيب‪ ،‬وهكذا جعل ال القضية الكونية‬
‫مرئية وواضحة لكل واحد ول يستطيع أحد أن يكابر ويعاند فيها؛ لنها أمر حسيّ مشاهد‪ ،‬ومنها‬
‫نستنبط صدق القضية وصدق الرب‪.‬‬
‫ويقول الحق بعد ذلك‪ } :‬وَالْبَلَدُ الطّ ّيبُ َيخْرُجُ‪{ ...‬‬

‫(‪)1000 /‬‬
‫وَالْبَلَدُ الطّ ّيبُ يَخْرُجُ نَبَاُتهُ بِإِذْنِ رَبّ ِه وَالّذِي خَ ُبثَ لَا يَخْرُجُ إِلّا َنكِدًا َكذَِلكَ ُنصَرّفُ الْآَيَاتِ ِل َقوْمٍ‬
‫شكُرُونَ (‪)58‬‬
‫يَ ْ‬

‫إذن الية السابقة عالجت قضية البعث بضرب المثل بالية الكونية الموجودة؛ فالرياح التي تحمل‬
‫السحاب‪ ،‬والسحاب يساق إلى بلد ميت وينزل منه الماء فيخرج به الزرع‪ .‬والرض كانت ميتة‬
‫ويحييها ال بالمطر وهكذا الِخراج بالبعث وهذه قضية دينية‪ ،‬ويأتي في هذه الية بقضية دينية‬
‫ث لَ يَخْرُجُ ِإلّ َنكِدا }‪.‬‬
‫أيضا‪ { :‬وَالْبََلدُ الطّ ّيبُ َيخْرُجُ نَبَاتُهُ بِِإذْنِ رَبّ ِه وَالّذِي خَ ُب َ‬
‫والبلد الطيب هو البلد الخصب الذي ل يحتاج إل لى المياه فيخرج منه الزرع‪ ،‬أما الذي خبث‪،‬‬
‫فمهما نزل عليه الماء فلن يخرج نباته إلّ بعد عناء ومشقة وهو مع ذلك قليل وعديم النفع‪ .‬وهنا‬
‫يخدم الحق قضية دينية مثلما خدم القضية الدينية في البعث أولً‪ .‬وقال النبي صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫" مثل ما بعثني ال به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا فكانت منها طائفة طيبة؛ قبلت‬
‫الماء وأنبتت الكل والعشب الكثير‪ ،‬وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع ال بها الناس‪ ،‬فشربوا‬
‫منها وسقوا وزرعوا‪ ،‬وأصاب طائفة أخرى منها‪ ،‬إنما هي قيعان ل تمسك ماء ول تنبت كل‪،‬‬
‫فذلك مثل فقه في دين ال تعالى‪ ،‬ونفعه ما بعثني ال به‪ ،‬فعلم وعلّم‪ ،‬ومثل من لم يرفع بذلك رأسا‬
‫ولم يقبل هدي ال الذي أرسلت به "‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إذن فالمنهج ينزل إلى الناس وهم ثلثة أقسام؛ قسم يسمع فينفع نفسه وينقل ما عنده إلى الغير‬
‫فينفع غيره مثل الرض الخصبة شربت الماء وقبلته‪ ،‬وأنبتت الزرع‪ ،‬وقسم يحملون المنهج‬
‫ويبلغونه للناس ول يعملون به وينطبق عليهم قوله الحق‪... {:‬لِمَ َتقُولُونَ مَا لَ َت ْفعَلُونَ }[الصف‪:‬‬
‫‪]2‬‬
‫صحيح سينتفع الناس من المنهج‪ ،‬ولذلك قال الشاعر‪:‬خذ بعلمي ول تركن إلى عملي واجن الثمار‬
‫وخل العود للنارويقول صلى ال عليه وسلم‪ " :‬من ستر مسلما ستره ال في الدنيا والخرة "‪.‬‬
‫فستر المؤمن على المؤمن مطلوب وستر المؤمن على العالم آكد وأشدّ طلبا؛ لن العالم غير‬
‫معصوم وله فلتات‪ ،‬وساعة ترى زلته وسقطته ل تُذِعْها لن الناس سينتفعون بعلمه‪ .‬فل تشككهم‬
‫فيه‪ ،‬والقسم الثالث هو من ل يشرب الماء ول يسقيه لغيره أي الذي ل ينتفع هو‪ ،‬ول ينفع غيره‪.‬‬
‫ث لَ يَخْرُجُ ِإلّ َنكِدا كَذاِلكَ ُنصَ ّرفُ اليَاتِ ِل َقوْمٍ‬
‫{ وَالْبََلدُ الطّ ّيبُ َيخْرُجُ نَبَاتُهُ بِِإذْنِ رَبّهِ وَالّذِي خَ ُب َ‬
‫شكُرُونَ } [العراف‪]58 :‬‬
‫يَ ْ‬
‫إذن منهج ال مثله مثل المطر تماما؛ فالمطر ينزل على الرض ليرويها وتخرج النبات وهناك‬
‫أرض أخرى ل تنتفع منه ولكنها تمسكه فينتفع غيره‪ ،‬وهناك من ل ينتفع ول ينفع‪ ،‬فكذلك العلم‬
‫ث لَ يَخْرُجُ ِإلّ َنكِدا كَذاِلكَ ُنصَ ّرفُ اليَاتِ }‪.‬‬
‫الذي ينزله ال على لسان رسوله‪ { .‬وَالّذِي خَ ُب َ‬
‫قلنا من قبل‪ :‬إن اليات تطلق على معانٍ ثلثة‪ :‬اليات الكونية التي نراها واقعة في الكون مثل‬
‫س وَا ْل َقمَرُ‪[} ...‬فصلت‪]37 :‬‬
‫شمْ ُ‬
‫ل وَال ّنهَا ُر وَال ّ‬
‫قوله الحق‪َ {:‬ومِنْ آيَاتِهِ الّ ْي ُ‬
‫وآيات هي آيات القرآن‪ ،‬واليات التي تكون هي المعجزات للنبياء‪ { .‬كَذاِلكَ ُنصَ ّرفُ اليَاتِ }‬
‫[العراف‪]58 :‬‬
‫اليات هنا في الكونية كالماء الذي ينزل‪ ،‬إنه مثل المنهج‪ ،‬من أخذ به فاز ونجا‪ ،‬ومن تركه‬
‫سلْنَا نُوحا إِلَىا‬
‫وغوى وكل آيات ال تقتضي أن نشكر ال عليها ويقول الحق بعد ذلك‪َ { :‬لقَدْ أَرْ َ‬
‫َق ْومِهِ َفقَالَ‪} ...‬‬

‫(‪)1001 /‬‬
‫عذَابَ َيوْمٍ‬
‫َلقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى َق ْومِهِ َفقَالَ يَا َقوْمِ اعْ ُبدُوا اللّهَ مَا َلكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْ ُرهُ إِنّي أَخَافُ عَلَ ْيكُمْ َ‬
‫عَظِيمٍ (‪)59‬‬

‫بعد أن تكلم الحق سبحانه وتعالى عن الطائعين وعن العاصين في الدنيا‪ ،‬وتكلم عن مواقف الخرة‬
‫الجزائية في أصحاب الجنة‪ ،‬وأصحاب النار والعراف أراد أن يبين بعد ذلك أن كل دعوة من‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫دعوات ال سبحانه أهل الرض لبد أن تلقي عنتا وتضييقا‪ ،‬وتلقى إعراضا‪ ،‬وتلقى إيذاء‪ ،‬إنه ‪-‬‬
‫سبحانه ‪ -‬يريد أن يعطي المناعة لرسوله صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فيوضح له‪ :‬لست أنت بادعا من‬
‫الرسل؛ لن كل رسول جاء إلى قومه قوبل بالضطهاد‪ ،‬وقوبل بالتكذيب‪ ،‬وقوبل بالنكرات‪ ،‬وقوبل‬
‫باليذاء‪ ،‬وإذا كان كان كل رسول قد أخذ من هذا على قدر مهمته الرسالية زمانا محدوأ‪ ،‬ومكانا‬
‫محصورا فأنت يا رسول ال أخذت الدنيا كلها زمانا ومكانا‪ ،‬فل بد أن تكون مواجها لمصاعب‬
‫تناسب مهمتك ورسالتك؛ فأنت في قمة الرسل‪ ،‬وستكون اليذاءات التي تنالك وتصيبك قمة في‬
‫اليذاء‪ ،‬فلست بدعا من الرسل‪ ،‬فوطّن نفسك على ذلك‪ .‬وحين توطن نفسك على ذلك ستلقى كل‬
‫إيذاء وكل اضطهاد بصبر واحتمال في ال‪ ،‬وقص الحق قصص الرسل على رسول ال‪ ،‬وعبر‬
‫سلِ مَا نُثَ ّبتُ بِهِ ُفؤَا َدكَ‪} ...‬‬
‫ال بالهدف من قص القصص بقول‪َ {:‬وكُـلّ ّن ُقصّ عَلَ ْيكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرّ ُ‬
‫[هود‪]120 :‬‬
‫فكأنا القصص تثبيت لفؤاده صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فكلما أهاجه نكران‪ ،‬أو كلما أهاجه جحود‪ ،‬قص‬
‫عليه الحق ‪ -‬سبحانه ‪ -‬قصة رسول قوبل بالنكران وقوبل بالجحود ليثبت به فؤاده صلى ال عليه‬
‫وسلم وفؤاد أتباعه لعلهم يعرفون كل شيء ويوطنون أنفسهم على هذا العنت؛ فلم يقل الحق لتباع‬
‫محمد‪ :‬إنكم مقبلون على أمر والرض مفروشة لكم بالورود‪ ،‬ل‪ .‬إنما هي متاعب لتجابهوا شر‬
‫الشيطان في الرض‪ .‬والقصص له أكثر من هدى يثبت به فؤاد الرسول صلى ال عليه وسلم‬
‫ويبين له أنه ليس بدعا من الرسل‪ ،‬ويقوي نفوس أتباعه‪ ،‬لنهم حينما يرون أن أهل الحق مع‬
‫النبياء انتصروا‪ ،‬وهزم الجميع ووليّ الدبر‪ ،‬وأنهم منصورون دائما فهذا يقوي يقين المؤمنين‪،‬‬
‫سمُهُ عَلَى‬
‫ويكسر من جهة أخرى نفوس الكافرين مثلما قال الحق عن واحد من أكابر قريش‪ { .‬سَنَ ِ‬
‫الْخُ ْرطُومِ }‪.‬‬
‫قال الحق لهم ذلك عن واحد من أكابر قريش وهم ل يقدرون حينئذ أن يدافعوا أو يذودوا عن‬
‫أنفسهم‪ ،‬وذهبوا وهاجروا إلى الحبشة حماية لنفسهم من بطش هؤلء الكابر‪ ،‬وكل مؤمن يبحث‬
‫س ُمهُ عَلَى الْخُ ْرطُومِ } ‪،‬‬
‫له عمن يحميه‪ ،‬وينزل قوله الحق بعد ذلك في الوليد بن المغيرة { سَنَ ِ‬
‫والوليد بن المغيرة سيد قومه‪ ،‬ويأتي يوم بدر فيوجد أنفه وقد ضرب وخطم ويتحقق قول ال‪{:‬‬
‫س ُمهُ عَلَى الْخُ ْرطُومِ }[القلم‪]16 :‬‬
‫سَنَ ِ‬
‫فمن ‪ -‬إذن ‪ -‬يحدد ضربة قتال بسيف في يد مقاتل قبل أن يبدأ القتال؟ لقد حددها العلم بما يكون‬
‫عليه المر‪.‬‬
‫وأيضا فقصص الرسل إنما جيء بها ليثبت للمعاصرين له أنه تلقى القرآن من ال؛ لنه رسول‬
‫أميّ؛ المة أمية‪ ،‬ولم يدّع أحد من خصومه أنه جلس إلى معلم‪ ،‬أو قرأ كتابا‪ ،‬فمن أين جاءته هذه‬
‫الخبار إذن؟‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫واسمع قول الحق سبحانه وتعالى في اليات التي يأتي فيها‪ " :‬ما كنت " مثل قوله الحق‪َ {:‬ومَا‬
‫لمْرَ‪[} ...‬القصص‪]44 :‬‬
‫كُنتَ ِبجَا ِنبِ ا ْلغَرْ ِبيّ إِذْ َقضَيْنَآ إِلَىا مُوسَى ا َ‬
‫خطّهُ بِ َيمِي ِنكَ إِذا لّرْتَابَ ا ْلمُ ْبطِلُونَ }‬
‫ومثل قوله الحق‪َ {:‬ومَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبِْلهِ مِن كِتَابٍ َولَ تَ ُ‬
‫[العنكبوت‪]48 :‬‬
‫ل َمهُمْ أَ ّيهُمْ َيكْ ُفلُ مَرْيَمَ‪[} ...‬آل عمران‪]44 :‬‬
‫ومثل قوله‪َ {:‬ومَا كُنتَ لَدَ ْي ِهمْ إِذْ ُي ْلقُون َأقْ َ‬
‫فمن أين جاءت هذه الخبار إلى رسول ال صلى ال عليه وسلم وهم يعلمون أنه لم يجلس إلى‬
‫معلم ولم يقرأ كتابا؟ لقد جاءت كلها من الحق سبحانه وتعالى‪ ،‬وهذا دليل آخر على صدق رسالته‪.‬‬
‫وقصة سيدنا نوح من القصص التي وردت كثيرا في القرآن الكريم مثل قصة موسى عليه السلم‪،‬‬
‫ومن العجيب أن لقطات القصة تنتشر في بعض السور‪ ،‬لكن السورة التي سميت بسورة نوح ليس‬
‫فيها من المواقف التي تعتبر من عيون القصة‪ ،‬إنها تعالج لقطات أخرى؛ تعالج إلحاحه في دعوة‬
‫قومه‪ ،‬وأنه ما قصّر في دعوتهم ليلً ونهارا‪ ،‬وسرّا وعلنية‪ ،‬كلما دعاهم ابتعدوا‪ ،‬ولم تأت قصة‬
‫المركب في سورة نوح‪ ،‬ول قصة الطوفان‪ ،‬وهذه لقطات من عيون القصة‪ ،‬وكذلك لم تأت فيها‬
‫قصته مع ابنه‪ ،‬بل جاء بها في سورة هود‪.‬‬
‫إذن كل لقطة جاءت لوضع مقصود‪ ،‬ولهذا رأينا قصة نوح في سورة " نوح " وقد خلت من‬
‫عناصر مهمة في القصة‪ ،‬وجاءت هذه العناصر في سورة " هود " أو في سورة " العراف " التي‬
‫نتناولها الن بالخواطر الِيمانية‪.‬‬
‫إذن‪ ،‬كل قصة من القصص القرآني تجدها قد جاءت تخدم فكرة‪ ،‬ومجموعها يعطي كل القصة؛‬
‫لن الحق حين يورد القصص فهو يأتي بلقطة في سورة لتخدم موقفا‪ ،‬ولقطة أخرى تخدم موقفا‬
‫آخر وهكذا‪ .‬وحين شاء أن يرسل لنا قصة محبوكة تماما‪ ،‬جاء بقصة " يوسف " في سورة يوسف‬
‫ولم يكررها في القرآن‪ ،‬لنها مستوفية في سورة يوسف‪ ،‬اللهم إل في آية واحدة‪ {:‬وَلَقَدْ جَآ َءكُـمْ‬
‫شكّ ّممّا جَآ َءكُـمْ بِهِ حَتّىا إِذَا هََلكَ قُلْتُمْ لَن يَ ْب َعثَ اللّهُ مِن‬
‫سفُ مِن قَ ْبلُ بِالْبَيّنَاتِ َفمَا زِلْ ُتمْ فِي َ‬
‫يُو ُ‬
‫َبعْ ِدهِ رَسُولً‪[} ...‬غافر‪]34 :‬‬
‫لقد وردت في سورة يوسف حياة يوسف منذ أن كان طفل حتى أصبح عزيز مصر‪ ،‬وهكذا نرى‬
‫أن الحق حين يشاء أن يأتي بالقصة كتاريخ يأتي بها محبوكة‪ ،‬وحين يريد أن يلفتنا إلى أمور فيها‬
‫مواقف وعظات‪ ،‬يوزع لقطات القصة على مواقع متعددة تتناسب وتتوافق مع تلك المواقع لتأكيد‬
‫وخدمة هدف‪َ } .‬لقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحا إِلَىا َق ْومِهِ َفقَالَ يَا َقوْمِ‪.‬‬
‫‪[ { ..‬العراف‪]59 :‬‬
‫وساعة ترى " اللم " و " قد " فاعرف أن هذا قسم‪ ،‬وكأن الحق يقول‪ :‬وعزتي وجللي لقد أرسلت‬
‫نوحا‪ .‬وهو بهذا يؤكد المقسم عليه‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والقوم هم الرجال خاصة من المعشر؛ لن القوم عادة هم المواجهون للرسالة‪ ،‬والمرأة محتجبة؛‬
‫تسمع من أبيها أو من أخيها أو من زوجها‪ ،‬ولذلك قالت النساء للنبي‪ :‬غلبنا عليك الرجال‪.‬‬
‫أي أننا ل نجد وسيلة لنقعد معك ونسألك‪ ،‬فاجعل لنا يوما من أيامك تعظنا فيه‪ ،‬فجعل لهن يوما؛‬
‫لن المفروض أن تكون المرأة في ستر‪ ،‬وبعد ذلك ينقل لها الزوج المنهج‪ .‬إن سمع من الرسول‬
‫شيئا‪ ،‬وكذلك الب يقول لبنته‪ ،‬والخ يقول لخته‪.‬‬
‫فإذا تكلم الرسول يقال‪ :‬إن الرسول واجه القوم‪ ،‬من قولهم هو قائم على كذا‪ .‬وقيم على كذا‪ .‬ولذلك‬
‫الشاعر العربي يقول‪:‬وما أدرى ولست أخال أدري أقوم آل حصن أم نساءوجاء هنا بالقوم‪،‬‬
‫عسَىا أَن َيكُونُواْ خَيْرا مّ ْنهُ ْم َولَ نِسَآءٌ‬
‫سخَرْ َقوْمٌ مّن َقوْمٍ َ‬
‫والمراد بهم الرجال‪ ،‬والقرآن يقول‪ {:‬لَ يَ ْ‬
‫مّن نّسَآءٍ عَسَىا أَن َيكُنّ خَيْرا مّ ْنهُنّ‪[} ...‬الحجرات‪]11 :‬‬
‫إذن النساء ل تدخل في القوم؛ فالقوم هم المواجهون للرسول ومنهم تأتي المتاعب والتصلب في‬
‫الرأي‪ ،‬ويكون الِنكار والجحود والحرب منهم‪.‬‬
‫وسيدنا نوح عليه السلم دعا قومه ونبههم إلى ثلثة أشياء‪ :‬عبادة ال‪ ،‬فقال‪ } :‬يَا َقوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ‬
‫{ ‪ ،‬وبين لهم أنه ليس هناك إله سواه فقال‪ } :‬مَا َلكُمْ مّنْ إِلَـاهٍ غَيْ ُرهُ { ‪ ،‬وأظهر لهم حرصه‬
‫عظِيمٍ {‪.‬‬
‫وإشفاقه عليهم إذا خالفوا وعصوا فقال‪ } :‬إِنّي أَخَافُ عَلَ ْي ُكمْ عَذَابَ َيوْمٍ َ‬
‫وهكذا تكلم عن العقيدة في الِله الواحد المستحق للعبادة‪ ،‬وليس آلهة متعددة‪ ،‬ونعبده أي نطيع أمره‬
‫ونهيه‪ ،‬ولنهم إن لم يفعلوا ذلك فهو يخاف عليهم من عذاب يوم عظيم‪ ،‬وهو عذاب يوم القيامة‪.‬‬
‫أو أنّ ال كان قد أوحى له بأنه سيأخذهم أخذ عزيز مقتدر‪ ،‬وعذاب يوم عظيم أي يوم الِغراق‪ ،‬و‬
‫" الخوف " مسألة تتعب تفكير من يستقبلها ويخاف أن يلقاها‪ .‬فمن الذي يفزع بهذا؟‬
‫إن الذي يفزع هم الطغاة والجبابرة والسادة والعيان ووجوه القوم‪ ،‬وكانوا قد جعلوا من أنفسهم‬
‫سادة‪ ،‬أما سائر الناس وعامتهم فهم العبيد والمستضعفون‪ .‬والذي يهاج بهذه الدعوة هم السادة لنه‬
‫ليس هناك إل إله واحد‪ ،‬والمر لواحد والنهي لواحد والعبادة والخضوع لواحد‪ ،‬ومن هنا فسوف‬
‫تذهب عنهم سلطتهم الزمنية‪ ،‬لذلك يوضح الحق لنا موقف هؤلء من الدعوة حين يقول‪ } :‬قَالَ‬
‫ا ْلمَلُ مِن َق ْومِهِ‪{ ...‬‬

‫(‪)1002 /‬‬
‫قَالَ ا ْلمَلَأُ مِنْ َق ْومِهِ إِنّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (‪)60‬‬

‫والمل هم سادة القوم وأعيانهم وأشرافهم‪ ،‬أو الذين " يملون " العين هيئة ويملون القلوب هيبة‪،‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ويملون صدور المجالس بنية‪.‬‬
‫إنهم خائفون أن تكون دعوة نوح هي الدعوة إلى الطريق المستقيم وكلمه هو الهداية؛ فيمنّوا‬
‫للٍ مّبِينٍ }‪.‬‬
‫أنفسهم بأن هذا ضلل وخروج عن المنهج الحق‪ { :‬إِنّا لَنَرَاكَ فِي ضَ َ‬
‫أي غيبة عن الحق‪ ،‬أو في تيه عن الحق‪ ،‬و " مبين " أي محيط بصورة ل يمكن النفاذ منها‪.‬‬
‫ويرد نوح عليه السلم‪ { :‬قَالَ يَا َقوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَلَةٌ‪} ...‬‬

‫(‪)1003 /‬‬
‫قَالَ يَا َقوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَ ٌة وََلكِنّي رَسُولٌ مِنْ َربّ ا ْلعَاَلمِينَ (‪)61‬‬

‫هم قالوا له‪ { :‬إِنّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَلٍ مّبِينٍ } ‪ ،‬المتبادر أن يكون الرد‪ :‬ليس في أمري ضلل‪ ،‬لكنه‬
‫قال هنا‪ { :‬لَ ْيسَ بِي ضَلَلَةٌ } ‪ ،‬أقول ذلك لنعرف أن كل حرف في القرآن موزون لموضعه‪ .‬هم‬
‫قالوا له‪ :‬إنا لنراك في " ضلل‪ ،‬فيرد عليهم ليس بي ضللة؛ لن الضلل جنس يشمل الضللت‬
‫الكثيرة‪ ،‬وقوله يؤكد أنه ليس عنده ضللة واحدة‪ .‬وعادة نفي القل يلزم منه نفي الكثر‪ ،‬مثلً‬
‫عندما يقول صديق‪ :‬عندك تمر من المدينة المنورة؟ تقول له‪ :‬ليس عندي ول تمرة واحدة‪ .‬أنت‬
‫بذلك نفيت القل‪ ،‬وهذا أيضا نفي للكثر‪ { .‬قَالَ يَا َقوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَلَةٌ }‪.‬‬
‫وحين ينفي نوح عن نفسه وجود أدنى ضللة فذلك لنه يعرف أنه لم يأت من عنده بذلك‪ ،‬ولو‬
‫كان المر كذلك لتّهم نفسه بأن هواه قد غلبه‪ ،‬لكنه مرسل من عند إله حق‪...{ .‬وََلكِنّي رَسُولٌ مّن‬
‫ّربّ ا ْلعَاَلمِينَ } [العراف‪]61 :‬‬
‫وقوله‪ " :‬ولكني " استدراك فل تقولوا‪ :‬أنا في ضلل؛ فليس فيّ ضللة واحدة‪ ،‬لكن أنا رسول يبلغ‬
‫عن ال‪ ،‬ال ل يعطي غير الهدى‪.‬‬
‫{ َرسُولٌ مّن ّربّ ا ْلعَاَلمِينَ } أي من سيد العالمين ومن متولى تربية العالمين‪ ،‬ومن يتولى التربية‬
‫ل يُنزل منهجا يضل به من يربيهم‪ ،‬بل ينزل منهجا ليصلح من يربيهم‪ ،‬وسبحانه قبل أن يأتي بهم‬
‫إلى الوجود سخر لهم كل هذا الكون‪ ،‬وأمدهم بالرزاق حتى الكافرين منهم‪ ،‬ومن يعمل كل ذلك‬
‫لن يرسل لهم من يضلهم‪.‬‬
‫ويستمر البلغ من نوح عليه السلم لقومه فيقول‪ { :‬أُبَّل ُغكُمْ ِرسَالَتِ رَبّي وَأَنصَحُ‪} ...‬‬

‫(‪)1004 /‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أُبَّل ُغكُمْ رِسَالَاتِ رَبّي وَأَ ْنصَحُ َلكُ ْم وَأَعَْلمُ مِنَ اللّهِ مَا لَا َتعَْلمُونَ (‪)62‬‬

‫والبلغ هو إنهاء المر إلى صاحبه؛ فيقال‪ :‬بلغت المكان الفلني‪ ..‬أي انتهيت إليه‪ .‬و " البلغة "‬
‫هي النهاية في أداء العبارة الجميلة‪ ،‬و " أبلغكم " أي أنهي إليكم ما حملنيه الحق من منهج هداية‬
‫لتِ رَبّي }‪.‬‬
‫لحركة حياتكم‪ { .‬أُبَّل ُغكُمْ ِرسَا َ‬
‫لتِ رَبّي } لن أي رسول يأتي بالمنهج‬
‫وكان يكفي أن يقول‪ " :‬رسالة ربي " إل أنّه قال‪ { :‬رِسَا َ‬
‫الثابت كما جاءت به الرسالت السابقة حتى ل يقول أحد‪ :‬إنه جاء ليناقض ما جاء به الرسل‬
‫السابقون‪ ،‬فما قاله به أي رسول سابق يقوله‪ ،‬ونعلم أنه كانت هناك صحف لشيت ولِدريس‪ .‬فقال‪:‬‬
‫إنه يبلغ رسالته المتضمنة للرسالت السابقة سواء رسالة إدريس وهو اخنوخ‪ ،‬وكذلك شيت وغيره‬
‫من الرسل‪.‬‬
‫أي أبلغكم كل ما جعله ال منهجا لهل الرض من المور المستقيمة الثابتة‪ ،‬مثلما قال سبحانه‪{:‬‬
‫شَ َرعَ َلكُم مّنَ الدّينِ مَا َوصّىا ِبهِ نُوحا وَالّذِي َأوْحَيْنَآ إِلَ ْيكَ‪[} ...‬الشورى‪]13 :‬‬
‫لتِ رَبّي } ‪ ،‬لنه‬
‫وهو المور المستقرة الثابتة‪ ،‬العقدية‪ ،‬والحكام التي ل تتغير‪ .‬أو { رِسَا َ‬
‫كرسول يتلقى كل يوم قسطا من الرسالة؛ فاليوم جاءت له رسالة يبلغها‪ ،‬وغدا تأتي له رسالة‬
‫يبلغها‪ ،‬ولو قال‪ " :‬الرسالة " لكان عليه أن ينتظر حتى تكتمل البلغات من ال له ثم يقولها‪ ،‬لكنْ‬
‫نوح كان يبلغ كل رسالة تأتيه في وقت إبلغه بها؛ لذلك فهي " رسالت "‪ .‬أو لن موضوع‬
‫الرسالت أمر متشعب تشعبا يماثل ما تحتاج إليه الحياة من مصالح؛ فهناك رسالة للوامر‪،‬‬
‫ورسالة للنواهي‪ ،‬ورسالة للوعظ‪ ،‬ورسالة للزجر‪ ،‬ورسالة للتبشير‪ ،‬ورسالة للِنذار‪ ،‬ورسالة‬
‫للقصص‪ ،‬وهكذا تكون رسالت‪.‬‬
‫أو أن كل نجم ‪ -‬أي جزء من القرآن وقسط منه ‪ -‬يعتبر رسالة‪ ،‬فما يرسله ال في يوم هو رسالة‬
‫للنبي‪ ،‬وغدا له رسالة أخرى وهكذا‪.‬‬
‫وقوله‪ { :‬وَأَنصَحُ َلكُمْ } لن البلغ يقتضي أن يقول لهم منهج ال‪ ،‬ثم يدعو القوم لتباع هذا المنهج‬
‫بان يرقق قلوبهم ويخاطبهم بالسلوب الهادئ وينصحهم‪ ،‬والنصح أمر خارج عن بلغ الرسالة‪.‬‬
‫ولنلتفت إلى فهم العبارة القرآنية‪ { .‬وَأَنصَحُ َلكُمْ }‪.‬‬
‫والنصح أن توضح للِنسان المصلحة في العمل‪ ،‬وتجرد نيتك مما يشوهه‪ .‬وهل أنت تنصح آخر‬
‫بأن يعود نفعه عليك؟ إنك إن فعلت ذلك تكون النصيحة متهمة‪ ،‬وإن نصحته بأمر يعود عليه‬
‫وعليك فهذه نصيحة لك وله‪ ،‬ولكن حينما تقول‪ " :‬نصحت لك " أي أن النصيحة ليس فيها مسألة‬
‫خاصة بك‪ ،‬بل كل ما فيها لصالح من تبلغه فقط‪ ،‬وبذلك يتضح الفارق بين " نصحته " و "‬
‫نصحت لك "‪ { .‬وَأَنصَحُ َلكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لَ َتعَْلمُونَ } [العراف‪]62 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وكأن سيدنا نوحا يخاطب قومه‪ :‬إياكم أن تظنوا أن ما أقوله لكم الن هو كل العلم من ال‪ ،‬ول كل‬
‫علم ال‪ ،‬ول كل ما علمني ال‪ ،‬بل أنا عندي مسائل أخرى سوف أقولها لكم إن اتقيتم ال وامتلكتم‬
‫الستعداد الِيماني‪ ،‬وهنا سأعطيكم منها جرعات‪.‬‬
‫أو قوله‪ } :‬وَأَعَْلمُ مِنَ اللّهِ مَا لَ َتعَْلمُونَ { يعني أنه سيحدث لكم أمر في الدنيا لم يحصل للمم‬
‫السابقة عليكم وهو أن من يُكذب الرسول يأخذه ال بذنبه‪ .‬وتلك التجربة لم تحدث مع قوم شيت أو‬
‫ح ُة َومِ ْنهُمْ مّنْ‬
‫خذَتْهُ الصّيْ َ‬
‫خذْنَا بِذَن ِبهِ َفمِ ْنهُم مّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبا َومِنْهُمْ مّنْ أَ َ‬
‫إِدريس‪َ {.‬فكُلّ أَ َ‬
‫سفْنَا ِب ِه الَ ْرضَ َومِ ْنهُمْ مّنْ أَغْ َرقْنَا‪[} ...‬العنكبوت‪]40 :‬‬
‫خَ‬
‫َ‬
‫ولم يحدث مثل هذا العقاب من قبل نوح‪ ،‬وقد بين لهم نوح‪ :‬أنا أعلم أن ربنا قد دبر لكم أن من‬
‫ُيكّ ّذبَ سيأخذه أخذ عزيز مقتدر‪.‬‬
‫أو } وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لَ َتعَْلمُونَ { ‪ ،‬أي أن ال أعلمني ل على قدر ما قلت لكم من الخير‪ ،‬لكنه‬
‫سبحانه قد علمني أن لكل إخبار بالخير ميلدا وميعادا‪.‬‬
‫عجِبْتُمْ أَن جَآ َءكُمْ ِذكْرٌ مّن رّ ّبكُمْ‪{ ...‬‬
‫ويقول سبحانه بعد ذلك‪َ } :‬أوَ َ‬

‫(‪)1005 /‬‬
‫حمُونَ (‪)63‬‬
‫جلٍ مِ ْنكُمْ لِيُ ْنذِ َركُ ْم وَلِتَ ّتقُوا وََلعَّلكُمْ تُ ْر َ‬
‫َأوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَا َءكُمْ ِذكْرٌ مِنْ رَ ّب ُكمْ عَلَى رَ ُ‬

‫عجِبْتُمْ } وكان من الممكن أن يقول‪ " :‬أعجبتم " ‪ ،‬لكن ساعة أن يجيء بهمزة الستفهام ويأتي‬
‫{ َأوَ َ‬
‫بعدها بحرف عطف‪ .‬فاعرف أن هناك عطفا على جملة؛ أي أنه يقول‪ :‬أكذّبْتُم بي‪ ،‬وعجبتم من أن‬
‫ال أرسل على لساني { ِذكْرٌ مّن رّ ّبكُمْ }‪ .‬والذكر ضد النسيان‪ ،‬وأن الشيء يكون على البال‪ ،‬ومرة‬
‫يتجاوز البال ويجري على اللسان‪.‬‬
‫وقد وردت معانٍ كثيرة للذكر في القرآن‪ ،‬وأول هذه المعاني وقمتها أن الذكر حين يطلق يراد به‬
‫حكِيمِ }[آل عمران‪]58 :‬‬
‫القرآن‪ {:‬ذاِلكَ نَتْلُوهُ عَلَ ْيكَ مِنَ اليَاتِ وَال ّذكْرِ الْ َ‬
‫وكذلك في قوله الحق‪ {:‬إِنّا َنحْنُ نَزّلْنَا ال ّذكْ َر وَإِنّا لَهُ لَحَافِظُونَ }[الحجر‪]9 :‬‬
‫إذن يطلق الذّكر ويراد به القرآن‪ ،‬ومرة يطلق الذكر ويراد به الصيت أي الشهرة الِعلمية‬
‫ك وَلِ َق ْو ِمكَ‪[} ...‬الزخرف‪]44 :‬‬
‫الواسعة‪ .‬وقد قال الحق لرسوله عن القرآن‪ {:‬وَإِنّهُ َل ِذكْرٌ ّل َ‬
‫أي أن القرآن شرف كبير لك ولمتك وسيجعل لكم به صيتا إلى يوم القيامة؛ لن الناس سترى في‬
‫القرآن على تعاقب العصور كل عجيبة من العجائب‪ ،‬وسيعلمون كيف أن الكون يصدق القرآن‪،‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إذن بفضل القرآن " العربي " ‪ ،‬سيظل اسم العرب ملتصقا ومرتبطا بالقرآن‪ ،‬وكل شرف للقرآن‬
‫ينال معه العرب شرفا جديدا‪.‬‬
‫أي أن القرآن شرف لكم‪ .‬ويقول سبحانه‪َ {:‬لقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَ ْيكُمْ كِتَابا فِيهِ ِذكْ ُركُمْ‪[} ...‬النبياء‪.]10 :‬‬
‫أي فيه شرفكم‪ ،‬وفيه صيتكم‪ ،‬وفيه تاريخكم‪ ،‬ويأتي الِسلم الذي ينسخ القوميات والجناس‪،‬‬
‫جعَلْنَاكُمْ‬
‫ويجعل الناس كلها سواسية كأسنان المشط‪ {.‬ياأَ ّيهَا النّاسُ إِنّا خََلقْنَاكُم مّن َذكَ ٍر وَأُنْثَىا وَ َ‬
‫شعُوبا َوقَبَآئِلَ لِ َتعَا َرفُواْ‪[} ...‬الحجرات‪]13 :‬‬
‫ُ‬
‫والرسول صلى ال عليه وسلم يقول‪ " :‬ل فضل لعربي على أعجمي إل بالتقوى "‪.‬‬
‫وسيظل القرآن عربيا‪ ،‬وهو معجزة في لغة العرب‪ ،‬وبه ستظل كلمة العرب موجودة في هذه‬
‫الدنيا‪ .‬إذن فشرف القوم يجيء من شرف القرآن‪ ،‬ومن صيت القرآن‪ .‬والحق يقول‪ {:‬ص وَا ْلقُرْآنِ‬
‫ذِي ال ّذكْرِ }[ص‪]1 :‬‬
‫أي أن شرفه دائم أبدا‪ .‬حين يأتي إلى الدنيا سبق علمي‪ ،‬نجد من يذهب إلى البحث عن أصول‬
‫السبق في القرآن‪ ،‬ونجد غير المسلمين يعتنون بالقرآن ويطبعونه في صفحة واحدة‪ ،‬وعلى ورق‬
‫فاخر قد ل يستعملونه في كتبهم‪ .‬هذا هو القرآن ذو الذكر على الرغم من أن بعض المسلمين‬
‫ينحرفون قليلً عن المنهج‪ ،‬وقد يتناساه بعضهم‪ ،‬لكن في مسألة القرآن نجد الكل يتنبه‪ .‬وكما قلت‬
‫من قبل‪ :‬قد تجد امرأة كاشفة للوجه وتضع مصحفا كبيرا على صدرها‪ ،‬وقد تجد من ل يصلي‬
‫ويركب سيارة يضع فيها المصحف‪ ،‬وكل هذا ذكر‪ .‬وتجد القرآن يُقرأ مرتلً‪ ،‬ويُقرأ مجودا‪،‬‬
‫ومجودا بالعشرة ثم يسجل بمسجلت يصنعها من ل يؤمنون بالقرآن‪ .‬وكل هذا ذكر وشرف كبير‪.‬‬
‫عرفنا أن " الذكر " قد ورد أول بمعنى القرآن‪ ،‬وورد باسم الصيت والشرف‪ :‬ويطلق الذكر ويراد‬
‫به ما نزل على جميع الرسل؛ فالحق سبحانه يقول‪:‬‬
‫ح َدثٍ ِإلّ اسْ َت َمعُوهُ‬
‫غفْلَةٍ ّمعْ ِرضُونَ * مَا يَأْتِيهِمْ مّن ِذكْرٍ مّن رّ ّب ِهمْ مّ ْ‬
‫{ اقْتَ َربَ لِلنّاسِ حِسَا ُب ُه ْم وَهُمْ فِي َ‬
‫وَهُمْ يَ ْلعَبُونَ }[النبياء‪]2-1 :‬‬
‫أي أن كل ما نزل على الرسل ذكر‪.‬‬
‫ن َوضِيَآ ًء وَ ِذكْرا لّ ْلمُ ّتقِينَ }[النبياء‪]48 :‬‬
‫ويقول سبحانه‪ {:‬وََلقَدْ آتَيْنَا مُوسَىا وَهَارُونَ ا ْلفُ ْرقَا َ‬
‫إذن فالمراد بالذكر ‪ -‬أيضا ‪ -‬كل ما نزل على الرسل من منهج ال‪.‬‬
‫خمْرُ‬
‫ومرة يُطلق الذكر ويراد به معنى العتبار‪ .‬والتذكير‪ ،‬والتذكر فيقول سبحانه‪ {:‬إِ ّنمَا ا ْل َ‬
‫ع َملِ الشّ ْيطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ َلعَّلكُمْ ُتفْلِحُونَ * إِ ّنمَا يُرِيدُ‬
‫ب وَالَزْلَمُ ِرجْسٌ مّنْ َ‬
‫وَا ْلمَيْسِ ُر وَالَنصَا ُ‬
‫خمْ ِر وَا ْلمَيْسِ ِر وَ َيصُ ّدكُمْ عَن ِذكْرِ اللّهِ‪[} ...‬المائدة‪:‬‬
‫الشّ ْيطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْ َنكُمُ ا ْلعَدَا َو َة وَالْ َب ْغضَآءَ فِي الْ َ‬
‫‪]91-90‬‬
‫والمراد هنا بالذكر‪ :‬العتبار والتذكر وأن تعيش كمسلم في منهج ال‪ .‬ومرة يراد بالذكر‪ :‬التسبيح‪،‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫سمُهُ‬
‫والتحميد‪ .‬انظر إلى قوله الحق سبحانه وتعالى‪ {:‬فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللّهُ أَن تُ ْر َف َع وَيُ ْذكَرَ فِيهَا ا ْ‬
‫لةِ وَإِيتَآءِ‬
‫ل لّ تُ ْلهِيهِمْ ِتجَا َر ٌة َولَ بَ ْيعٌ عَن ِذكْرِ اللّ ِه وَِإقَامِ الصّ َ‬
‫يُسَبّحُ َلهُ فِيهَا بِا ْلغُ ُد ّو وَالصَالِ * رِجَا ٌ‬
‫ال ّزكَـاةِ‪[} ...‬النور‪{ 37-36 :‬‬
‫وهو ذكر لن هناك من يسبح له فيها بالغدو والصال وهم رجال موصوفون بأنهم ل تلهيهم‬
‫تجارة ول بيع عن ذكر ال‪.‬‬
‫وقد يُطلق الذكر ويراد منه خير ال على عبادة ويراد به كذلك ذكر عبادتهم له بالطاعة؛ فسبحانه‬
‫يذكرهم بالخير وهم يذكرونه بالطاعة‪ .‬اقرأ إن شئت قول الحق سبحانه وتعالى‪... {:‬وَيَ ْنهَىا عَنِ‬
‫ظكُمْ َلعَّلكُمْ تَ َذكّرُونَ }[النحل‪]90 :‬‬
‫ا ْلفَحْشَا ِء وَا ْلمُ ْنكَرِ وَالْ َب ْغيِ َيعِ ُ‬
‫لةَ تَ ْنهَىا عَنِ ا ْلفَحْشَآ ِء وَا ْلمُ ْنكَرِ وََل ِذكْرُ اللّهِ َأكْبَ ُر وَاللّهُ َيعْلَمُ مَا‬
‫وفي آية أخرى‪... {:‬إِنّ الصّ َ‬
‫َتصْ َنعُونَ }[العنكبوت‪]45 :‬‬
‫وما دام قد قال جل وعل‪ } :‬وَلَ ِذكْرُ اللّهِ َأكْبَرُ { أي ذكر ال لهم بالنعم والخيرات‪ ،‬فذكره فضل‬
‫وإحسان وهو الكبير المتعال‪ .‬فهناك إذن ذكر ثان‪ ،‬ذكر أقل منه‪ ،‬وهو العبادة لربهم بالطاعة‪ ،‬هنا‬
‫جلٍ مّ ْنكُمْ لِيُنذِ َركُ ْم وَلِتَ ّتقُواْ وََلعَّلكُمْ‬
‫عجِبْتُمْ أَن جَآ َءكُمْ ِذكْرٌ مّن رّ ّب ُكمْ عَلَىا رَ ُ‬
‫يقول الحق‪َ } :‬أوَ َ‬
‫حمُونَ { [العراف‪]63 :‬‬
‫تُرْ َ‬
‫ما وجه العجب هنا؟ نعلم أن العجب هو إظهار الدهشة وانفعال النفس من حصول شيء علي غير‬
‫ما تقتضيه مواقع المور ومقدماتها‪ ،‬إذن تظهر الدهشة ونتساءل كيف حدث هذا؟ ولو كان المر‬
‫طبيعيا ورتيبا لما حدثت تلك الدهشة وذلك العجب‪.‬‬
‫وعجبتم لماذا؟ اقرأ ‪ -‬إذن ‪ -‬قول الحق سبحانه وتعالى‪ {:‬ق وَالْقُرْآنِ ا ْلمَجِيدِ * َبلْ عَجِبُواْ أَن‬
‫جَآءَهُمْ مّنذِرٌ مّ ْنهُمْ‪[} ...‬ق‪]2-1 :‬‬
‫موضع العجب هنا أن جاء لهم منذر ورسول من جنسهم؛ فمن أي جنس كانوا يريدون الرسول؟‬
‫عجِبُواْ أَن جَآءَهُمْ مّنذِرٌ مّ ْنهُمْ َفقَالَ ا ْلكَافِرُونَ هَـاذَا‬
‫كان من غبائهم أنهم أرادوا الرسول مَلَكا‪َ {.‬بلْ َ‬
‫عجِيبٌ }[ق‪]2 :‬‬
‫شيْءٌ َ‬
‫َ‬
‫وجاء العجب أيضا في البعث‪ .‬فتساءل الكافرون هل بعد أن ذهبنا وغبنا في الرض وصرنا ترابا‬
‫بعد الموت يجمعنا البعث مرة ثانية؟!‬
‫إذن فالعجب معناه إظهار الدهشة من أمر ل تدعو إليه المقدمات أو من أمر يخالف المقدمات‪.‬‬
‫العجب عندهم في الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها لن نوحا عليه السلم يريد منهم أن يبحثوا‬
‫في الِيمان بوجود إِله‪ .‬وكان المنطق يقتضي أنه إذا رأوا شيئا هندسته بديعة‪ ،‬وحكيمة‪ ،‬وطرأ‬
‫عليها هذا المخلوق وهو الِنسان ليجد الكون منسقا موجودا من قبله‪ ،‬كان المنطق أن يبحث هذا‬
‫الِنسان عمن خلق هذا الكون وأن يلحّ في أن يعرف مَن صنع الكون‪ ،‬وحين يأتي الرسول ليقول‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لكم من صنع هذا الكون‪ ،‬تتعجبون؟!‬
‫كان القياس أن تتلهفوا على من يخبركم بهذه الحقيقة؛ لن الكون وأجناسه من النبات والجماد‬
‫والحيوان في خدمتك أيها النسان‪ .‬ل بقوتك خلقت هذا الكون ول تلك الجناس‪ ،‬بل أنت طارئ‬
‫على الكون والجناس‪ ،‬ألم يدر بخلدك أن تتساءل من صنع لك ذلك؟‬
‫إذن فالكلم عن الِيمان كان يجب أن يكون عمل العقل‪ ،‬وقلت قديما‪ :‬هب أن إنسانا وقعت به‬
‫طائرة في مكان‪ ،‬وهذا المكان ليس به من وسائل الحياة شيء أبدا‪ ،‬ثم جاع‪ ،‬ولم يجد طعاما‪،‬‬
‫وقهره التعب‪ ،‬فنام‪ ،‬ثم أفاق من هذه الِغفاءة؛ وفوجئ بمائدة أمامه عليها أطايب الطعام والشراب‬
‫وهو ل يعرف أحدا في المكان‪ ،‬بال قبل أن يأكل أل يتساءل عمن أحضرها؟!! كان الواجب‬
‫يقتضي ذلك‪.‬‬
‫إذن أنتم تتعجبون من شيء تقتضي الفطرة أن نبحث عنه‪ ،‬وأن نؤمن به وهو الِله الذي ل ينتفع‬
‫بطاعاتنا أو بعبادتنا‪ ،‬ول تعود عليه العبادة بشيء‪ ،‬بل تعود علينا‪ ،‬والعبادة فيها مشقات لنها تلجم‬
‫الشهوات وتعقل وتمنع من المعاصي والمحرمات‪ ،‬ولكن يُقابِل ذلك الثوابُ في الخرة‪.‬‬
‫وهناك من قال‪ :‬ولماذا ل يعطينا الثواب بدون متاعب التكليف؟ مادام ل يستفيد‪ .‬إنّ العقل كاف‬
‫ليدلنا ‪ -‬دون منهج ‪ -‬إلى ما هو حسن فنفعله‪ ،‬وما نراه سيئا فل نفعله‪ ،‬والذي ل نعرفه أهو حسن‬
‫أم سيىء‪ .‬ونضطر له نفعله‪ ،‬وإن لم نكن في حاجة له ل نفعله‪.‬‬
‫ونقول لها القائل‪ :‬لكن من الذي أخبرك أن العقل كاف ليدلنا إلى المر الحسن‪ ،‬هل حسّن لك‬
‫وحدك أم لك وللخرين؟ فقد يكون الحسن بالنسبة لك هو السوء بالنسبة لغيرك لنك لست وحدك‬
‫في الكون‪ .‬ولنفترض أن هناك قطعة قماش واحدة‪ ،‬الحسن عندك أن تأخذها‪ ،‬والحسن عند غيرك‬
‫أن يأخذها‪ .‬لكن الحُسْن الحقيقي أن يفصل في مسألة ملكية هذه القطعة من القماش مَن يعدل بينك‬
‫وبين غيرك دون هوى‪ .‬وألّ يكون واحد أولى عنده من الخر‪ .‬إذن لبد أن يوجد إله يعصمنا من‬
‫أهوائنا بمنهج ينزله يبين لنا الحسن من السيء؛ لن الحسن بالمنطق البشري ستصدم فيها‬
‫أهواؤنا‪.‬‬
‫ومثال آخر‪ :‬افرض أننا دخلنا مدينة ما‪ ،‬ورأينا مسكنا جميل فاخرا وكل منا يريد أن يسكن فيه‬
‫وكل واحد يريد أن يأخذه؛ لن ذلك هو الحسن بالنسبة له‪ ،‬لكن ليس كذلك بالنسبة لغيره‪ ،‬إذن‬
‫فالحسن عندك قد يكون قبيحا عند الغير‪.‬‬
‫فالحسن عند بعض الرجال إذا رأى امرأة أن ينظر إليها ويتكلم معها‪ ،‬لكن هل هذا حسن عند‬
‫أهلها أو أبيها أو زوجها؟ ل‪.‬‬
‫إنّ الذي تعجبتم منه كان يجب أن تأخذوه على أنه هو المر الطبيعي الفطري الذي تستلزمه‬
‫المقدمات‪ .‬فقد جاءكم البلغ على لسان رجل منكم‪ .‬ولماذا لم يقل الحق‪ :‬لسان رجل؟ إننا نعلم أن‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫هناك آية ثانية يقول فيها الحق‪ {:‬رَبّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتّنَا عَلَىا رُسُِلكَ‪[} ...‬آل عمران‪]194 :‬‬
‫كأنه يقول لهم‪ :‬إن الوعد الذي وعده الحق لكم قد جاء لكم بالمنهج الذي نزل على الرسل‪ .‬ومهمة‬
‫الرسل صعبة؛ فليست مقصورة على التبليغ باللسان لن مشقاتها كلها على كاهل كل رسول‪ ،‬ول‬
‫تظنوا أن ربنا حين اختار رسولً قد اختاره ليدلـله على رقاب الناس‪ ،‬ل‪ .‬لقد اختاره وهو يعلم‬
‫أن المهمة صعبة‪ ،‬والرسول صلى ال عليه وسلم ‪ -‬كما تعلمون ‪ -‬لم يشبع من خبز شعير قط‪،‬‬
‫وأولده وأهله ‪ -‬على سبيل المثال ‪ -‬ل يأخذون من الزكاة‪ ،‬والرسل ل تورث فجميع ما تركوه‬
‫صدقة‪ ،‬وكل تبعات الدعوة على الرسول‪ ،‬وهذه هي الفائدة في أنه لم يقل على لسان رسول‪ ،‬لن‬
‫المر لو كان على لسان الرسول فقط لعطى البلغ فقط‪ ،‬إنما " على رجل منكم " تعطي البلغ‬
‫جلٍ مّ ْنكُمْ‪...‬‬
‫عجِبْتُمْ أَن جَآ َء ُكمْ ِذكْرٌ مّن رّ ّب ُكمْ عَلَىا رَ ُ‬
‫ومسئولية البلغ على هذا الرجل‪َ } .‬أوَ َ‬
‫{ [العراف‪]63 :‬‬
‫ما هو العجب؟ لقد كان العجب أن تردوا اللوهية والنبوة‪.‬‬
‫وبعضهم لم يرد اللوهية ورد فكرة النبوة على الِنسان‪ .‬وطالب أن يكون الرسول من الملئكة؛‬
‫لن الملئكة لم تعص ولها هيبة ول يُعرف عنها الكذب‪ ,‬لكن كيف يصبح الرسول ملكا؟ وهل أنت‬
‫ترى الملك؟ إن البلغ عن ال يقتضي المواجهة‪ ،‬ولبد أن يراه القوم ويكلموه‪ ،‬والملك أنت لن‬
‫تراه‪ .‬إذن فلسوف يتشكل على هيئة رجل كما تشكل جبريل بهيئة رجل‪ .‬إذن أنتم تستعجبون من‬
‫شيء كان المنطق يقتضي ألّ يكون‪َ {.‬ومَا مَنَعَ النّاسَ أَن ُي ْؤمِنُواْ ِإذْ جَآءَهُمُ ا ْلهُدَىا ِإلّ أَن قَالُواْ‬
‫أَ َب َعثَ اللّهُ َبشَرا رّسُولً }[السراء‪]94 :‬‬
‫وقولهم هذا في قمة الغباء‪ .‬فقد كان عليهم أن يتهافتوا ويقبلوا على الِيمان؛ لن الرسول منهم‪ .‬وقد‬
‫عرفوا ماضيه من قبل‪ ،‬وكذلك أنسوا به‪ ،‬ولو كانت له انحرافات قبل أن يكون رسولً لخزي‬
‫واستحيا أن يقول لهم‪ :‬استقيموا‪ .‬وما دام هو منكم وتعرفون تاريخه وسلوكه حين دعاكم للستقامة‬
‫كان من الواجب أن تقولوا لنفسكم‪ :‬إنه لم يكذب في أمور الدنيا فكيف في أمور الخرة‪ ،‬ولم‬
‫يسبق له أن كذب على خلق ال فكيف يكذب على ال؟ ولنه منكم فلبد أن يكون إنسانا ولذلك قال‬
‫الحق‪:‬‬
‫ل وَلَلَ َبسْنَا عَلَ ْيهِم مّا يَلْ ِبسُونَ }[النعام‪]9 :‬‬
‫جعَلْنَاهُ رَجُ ً‬
‫جعَلْنَاهُ مَلَكا لّ َ‬
‫{ وََلوْ َ‬
‫حمُونَ‬
‫جلٍ مّ ْن ُكمْ لِيُنذِ َركُمْ وَلِتَتّقُو ْا وََلعَّلكُمْ تُرْ َ‬
‫وهنا في الية التي نحن بصددها يقول الحق‪ } :‬عَلَىا َر ُ‬
‫{‪.‬‬
‫إذن فمهمته أن ينذر‪ ،‬والنذار لقصد التقوى‪ ،‬والتقوى غايتها الرحمة‪ ،‬وبذلك نجد هنا مراحل‪:‬‬
‫النذار وهو إخبار بما يسؤوك ولم يأت زمنه بعد وذلك لتستعد له‪ ،‬وتكف لنه سيتبعك ويضايقك‪.‬‬
‫والبشارة ضد النذار‪ ،‬لنها تخبر بشيء سار زمنه لم يأت‪ ،‬وفائدة ذلك أن يجند النسان كل قوته‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ليستقبل الخير القادم‪ .‬وأن يبتعد عن الشيء المخيف‪.‬‬
‫وهكذا يكون التبشير والنذار لتتقي الشرور وتأخذ الخير‪ ،‬وبذلك يحيا النسان في التقوى التي‬
‫تؤدي إلى الرحمة‪.‬‬
‫إذن فمواطن تعجبهم من أن يجيئهم رسول مردودة؛ لن مواطن التعجب هذه كان يجب أن يلح‬
‫عليها فطريا‪ ،‬وأن تنعطف النفس إليها ل أن يتعجب أحد لنها جاءت‪ ،‬فقد جاءت الرسالة موافقة‬
‫للمقدمات‪ ،‬وقد جاء الرسول ولم يأت ملكا ليكون قدوة‪.‬‬
‫وكذلك لم يرسله ال من أهل الجاه من العيان ومن صاحب التباع؛ حتى ل يقال إن الرسالة قد‬
‫انتشرت بقهر العزوة‪ ،‬إن التباع كانوا موافقين على الباطل بتسلط الكبراء والسادة‪ ،‬فمخافة أن‬
‫يقال‪ :‬إن كل تشريع من ال آزره المبطلون بأتباعهم جاءت الدعوة على أيدي الذين ليس لهم أتباع‬
‫ول هم من أصحاب الجاه والسلطان‪ .‬ولقد تمنى أهل الشرك ذلك ويقول القرآن على لسانهم‪{:‬‬
‫جلٍ مّنَ ا ْلقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ }[الزخرف‪]31 :‬‬
‫َوقَالُواْ َل ْولَ نُ ّزلَ هَـاذَا ا ْلقُرْآنُ عَلَىا رَ ُ‬
‫ولقد كان تمنيهم أن ينزل القرآن على رجل عظيم بمعاييرهم‪ ،‬وهذه شهادة منهم بان القرآن في‬
‫ذاته منهج ومعجزة‪ .‬ولم يتساءلوا‪ :‬وهل القرآن يشرف بمحمد أو محمد هو الذي يشرف بالقرآن؟‬
‫إن محمدا يشرف بالقرآن؛ لذلك يقول الحق‪ {:‬مَا نَرَاكَ ِإلّ بَشَرا مّثْلَنَا َومَا نَرَاكَ اتّ َب َعكَ ِإلّ الّذِينَ ُهمْ‬
‫أَرَاذِلُنَا بَا ِديَ الرّ ْأيِ‪[} ...‬هود‪]27 :‬‬
‫وهذه هي العظمة؛ لن اتباع محمد صلى ال عليه وسلم لم يكونوا من الذين يفرض عليهم الواقع‬
‫أن يحافظوا على جاههم ويعملوا بسطوتهم وبطشهم وبقوتهم‪ ،‬ويفرضوا الدين بقوة سلطانهم‪ ،‬ل‪،‬‬
‫بل يمر على أتباع رسول ال فترة ضعاف مضطهدون‪ ،‬ويؤذوْن ويهاجرون‪ ،‬فالمهمة في البلغ‬
‫عن ال تأتي لينذر الرسول‪ ،‬ويتقى التباع لتنالهم الرحمة نتيجة التقوى‪ ،‬والتقوى جاءت نتيجة‬
‫النذار‪.‬‬
‫ويقول الحق بعد ذلك‪َ } :‬فكَذّبُوهُ فَأَنجَيْنَاهُ وَالّذِينَ َمعَهُ‪{ ...‬‬

‫(‪)1006 /‬‬
‫عمِينَ (‪)64‬‬
‫ك وَأَغْ َرقْنَا الّذِينَ كَذّبُوا بِآَيَاتِنَا إِ ّنهُمْ كَانُوا َق ْومًا َ‬
‫َفكَذّبُوهُ فَأَنْجَيْنَا ُه وَالّذِينَ َمعَهُ فِي ا ْلفُلْ ِ‬

‫وهنا يتكلم الحق عن حكاية النجاء‪ ،‬ونعلم المقدمة الطويلة التي سبقت إعداد سيدنا نوح عليه‬
‫علَيْهِ مَلٌ مّن َق ْومِهِ‬
‫السلم للرسالة‪ ،‬فقد أراد ال أن يتعلم النجارة‪ ،‬وأن يصنع السفينة‪َ {.‬وكُّلمَا مَرّ َ‬
‫سخِرُواْ مِ ْنهُ‪[} ...‬هود‪]38 :‬‬
‫َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ولم يجيءالحق هنا بسيرة الطوفان التي قال فيها في موضع آخر من القرآن‪َ {:‬ففَتَحْنَآ أَ ْبوَابَ‬
‫سمَآءِ ِبمَاءٍ مّ ْن َهمِرٍ }[القمر‪]11 :‬‬
‫ال ّ‬
‫وجاء الحق هنا بالنتيجة وهي أنهم كذبوه‪َ { .‬فكَذّبُوهُ فَأَنجَيْنَا ُه وَالّذِينَ َمعَهُ فِي ا ْلفُ ْلكِ وَأَغْ َرقْنَا الّذِينَ‬
‫كَذّبُواْ بِآيَاتِنَآ‪[ } ...‬العراف‪]64 :‬‬
‫وكانت هذه أول حدث عقابي في تاريخ الديانات؛ لن رسالة نوح عليه السلم هي أول رسالة‬
‫تعرضت إلى مثل هذا التكذيب ومثل هذا العناد‪ ,‬وكان الرسل السابقون لنوح عليهم البلغ فقط‪،‬‬
‫ولم يكن عليهم أن يدخلوا في حرب أو صراع‪ ،‬والسماء هي التي تؤدب‪ ،‬فحينما علم الحق سبحانه‬
‫وتعالى أنه بإرسال رسوله صلى ال عليه وسلم ستبلغ الِنسانية رشدها صار أتباع محمد مأمونين‬
‫على أن يؤدبوا الكافرين‪.‬‬
‫وفي تكذيب نوح عليه السلم يأتينا الحق هنا بالنتيجة‪.‬‬
‫{ فَأَنجَيْنَا ُه وَالّذِينَ َمعَهُ } ولم يقل الحق‪ :‬كيف أنجاه ولم يأت بسيرة الفلك‪ ،‬بل أخبر بمصير من‬
‫عمِينَ }‬
‫كذبوه‪ ،‬ويأتي بالعقاب من جنس الطوفان‪...{ .‬وَأَغْ َرقْنَا الّذِينَ كَذّبُواْ بِآيَاتِنَآ إِ ّنهُمْ كَانُواْ َقوْما َ‬
‫[العراف‪]64 :‬‬
‫عمَهُ‪ ،‬وال َعمَهُ في‬
‫عمِه وأَ ْ‬
‫هناك " أعمى " لمن ذهب بصره كله من عينيه كلتيهما‪ ،‬وهناك أيضا َ‬
‫البصيرة كالعمى في البصر‪ ..‬أي ذهبت بصيرته ولم يهتد إلى خير‪.‬‬
‫ثم انتقل الحق إلى رسول آخر‪ .‬ليعطي رسول ال صلى ال عليه وسلم السوة فيه أيضا‪ .‬فبعد أن‬
‫جاء بنوح يأتي بهود‪.‬‬

‫(‪)1007 /‬‬
‫وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا َقوْمِ اعْبُدُوا اللّهَ مَا َلكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْ ُرهُ َأفَلَا تَ ّتقُونَ (‪)65‬‬

‫وساعة ما تسمع‪ { :‬وَإِلَىا عَادٍ أَخَاهُمْ هُودا } أي أرسلنا إلى عاد أخاهم هودا‪ ،‬و " أخاهم " موقعها‬
‫سلْنَا نُوحا } ‪ ،‬وكذلك أرسلنا‬
‫الِعرابي " مفعول به " ويدلنا على ذلك قوله في الية السابقة‪ { :‬أَرْ َ‬
‫إلى عاد أخاهم هودا‪ .‬وكلمة " أخاهم " ُتشْعرُ بأشياء كثيرة؛ إنه من جنسهم‪ ،‬ولغته لغتهم‪ ،‬وأنسهم‬
‫به‪ ،‬ويعرفون كل شيء وكل تاريخ عنه‪ ،‬وكل ذلك إشارات تعطى النس بالرسول؛ فلم يأت لهم‬
‫برسول أجنبي عاش بعيدا عنهم حتى ل يقولوا‪ :‬لقد جاء ليصنع لنفسه سيادة علينا‪ ,‬بل جاء لهم‬
‫بواحد منهم وأرسل إليهم " أخاهم " وهذا الكلم عن " هود "‪.‬‬
‫إذن كان هود من قوم عاد‪ ،‬ولكن هناك رأي يقول‪ :‬إن هودا لم يكن من قوم عاد‪ ،‬ولنّ الخوة‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫نوعان‪ :‬أخوّة في الب القريب‪ ،‬أو أخوّة في الب البعيد‪ ،‬أي من جنسكم‪ ،‬من آدم؛ فهو إما أخ من‬
‫الب القريب‪ ،‬وإمّا أخ من الب البعيد‪ .‬وقد قلنا من قبل‪ :‬إن سيدنا معاوية كان يجلس ثم دخل‬
‫عليه الحاجب فقال‪ :‬يا أمير المؤمنين‪ ،‬رجل بالباب يقول إنه أخوك‪ ،‬فتساءلت ملمح معاوية‬
‫وتعجب وكأنه يقول لحاجبه‪ :‬أل تعرف إخوة أمير المؤمنين؟ وقال له‪ :‬أدخله‪ ،‬فأدخله‪ .‬قال معاوية‬
‫للرجل‪ :‬أي إخوتي أنت؟!‬
‫قال له‪ :‬أخوك من آدم‪.‬‬
‫فقال معاوية‪ :‬رحم مقطوعة ‪ -‬أي أن الناس ل تتنبه إلى هذه الخوة ‪ -‬وال لكونن أول من‬
‫وصلها‪ { .‬وَإِلَىا عَادٍ َأخَاهُمْ هُودا قَالَ يَا َقوْمِ اعْ ُبدُواْ اللّهَ مَا َل ُكمْ مّنْ إِلَـاهٍ غَيْ ُرهُ َأفَلَ تَ ّتقُونَ }‬
‫[العراف‪]65 :‬‬
‫ونلحظ أن الحق قال على لسان سيدنا نوح لقومه‪َ ... {:‬فقَالَ يَا َقوْمِ اعْ ُبدُواْ اللّهَ مَا َل ُكمْ مّنْ إِلَـاهٍ‬
‫عظِيمٍ }[العراف‪]59 :‬‬
‫عذَابَ َيوْمٍ َ‬
‫غَيْ ُرهُ إِنّي أَخَافُ عَلَ ْيكُمْ َ‬
‫وأرسل الحق هودا إلى عاد‪ ،‬لكن قول هود لقوم عاد يأتي‪ { :‬قَالَ يَا َقوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا َلكُمْ مّنْ‬
‫إِلَـاهٍ غَيْ ُرهُ َأفَلَ تَ ّتقُونَ }‪.‬‬
‫وهنا " قال " فقط من غير الفاء؛ وجاء في قول نوح‪ " :‬فقال "‪ .‬وهذه دقة في الداء لننتبه؛ لن‬
‫الذي يتكلم إله ورب‪ ،‬فتأتي مرة بـ " فاء " وتأتي مرة بغير " فاء " رغم أن السياق واحد‪،‬‬
‫والمعنى واحد والرسول رسول‪ ،‬والجماعة هم قوم الرسول