‫تفسير الشعراوي‬

‫َلقَدْ َنصَ َركُمُ اللّهُ فِي َموَاطِنَ كَثِي َرةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ِإذْ أَعْجَبَ ْت ُكمْ كَثْرَ ُتكُمْ فََلمْ ُتغْنِ عَ ْنكُمْ شَيْئًا َوضَا َقتْ‬
‫عَلَ ْيكُمُ الْأَ ْرضُ ِبمَا َرحُ َبتْ ثُ ّم وَلّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (‪)25‬‬

‫وقوله‪َ { :‬لقَدْ َنصَ َركُمُ اللّهُ فِي َموَاطِنَ كَثِي َرةٍ } يلفتنا إلى أن النصر يكون من عند ال وحده‪ ،‬والدليل‬
‫على أن النصر من عند ال أنه سبحانه قد نصر رسوله والذين معه في مواطن كثيرة‪ ،‬و‬
‫{ َموَاطِنَ } جمع " موطن " والموطن هو ما استوطنت فيه‪ .‬وكل الناس مستوطنون في الرض‪،‬‬
‫وكل جماعة منا تُحيز مكانا من الرض ليكون وطنا لها‪ ،‬والوطن مكان محدد نعيش فيه من‬
‫الوطن العام الذي هو الرض؛ لن الرض موطن البشرية كلها‪ ،‬ولكن الناس موزعون عليها‪،‬‬
‫وكل جماعة منهم تحيا في حيز تروح عليه وتغدو إليه وتقيم فيه‪.‬‬
‫وال سبحانه هنا يقول‪َ { :‬لقَدْ َنصَ َركُمُ اللّهُ فِي َموَاطِنَ كَثِي َرةٍ } ‪ ،‬وما دام الحديث عن النصر‪ ،‬يكون‬
‫المعنى‪ :‬إن الحق سبحانه قد نصركم في مواطن الحرب أي مواقعها‪ ،‬مثل يوم بدر‪ ،‬ويوم‬
‫الحديبية‪ ،‬ويوم بني النضير‪ ،‬ويوم الحزاب‪ ،‬ويوم مكة‪ ،‬وكل هذه كانت مواقع نصر من ال‬
‫للمسلمين‪ ،‬ولكنه في هذه الية يخص يوما واحدا بالذكر بعد الكلم عن المواطن الكثيرة‪ ،‬فبعد أن‬
‫تحدث إجمالً عن المعارك الكثيرة يقول‪ { :‬وَ َيوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَ ْتكُمْ كَثْرَ ُت ُكمْ } إذن‪ :‬فكثرة عدد‬
‫المؤمنين في يوم حنين كان ظرفا خاصّا‪ ،‬أما المواطن الخرى‪ ،‬مثل يوم بدر فقد كانوا قلة‪ ،‬ويوم‬
‫فتح مكة كانوا كثرة‪ ،‬ولكنهم لم يعجبوا؛ وبذلك يكون يوم حنين له مزية‪ ،‬فهو يوم خاص بعد‬
‫الحديث العام‪.‬‬
‫{ وَ َيوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَ ْتكُمْ } هذا العجاب ظرف ممدود على اليوم نفسه‪ ،‬إذن فيوم حنين ليس‬
‫معطوفا على { َموَاطِنَ كَثِي َرةٍ } ولكنه جملة مستقلة بنفسها؛ لن الكثرة والعجاب بالكثرة لم تكن‬
‫في بقية المواطن‪ ،‬وهذه دقة في الداء اللغوي تتطلب بحثا لغويّا‪ .‬فكلمة { َموَاطِنَ } هي ظرف‬
‫مكان‪ ،‬و { َيوْمَ حُنَيْنٍ } هي ظرف زمان‪ ،‬فكيف جاز أن نعطف ظرف الزمان على ظرف‬
‫المكان؟‬
‫ونقول‪ :‬هذا هو ما يسميه العرب " احتباك "؛ لن كل حدث مثل " أكل " و " شرب " و " ضرب "‬
‫و " ذاكر "؛ كل حدث ل بد له من زمان ول بد له من مكان‪ ،‬فإذا قلت‪ :‬أكلت‪ ،‬نقول‪ :‬متى؟ في‬
‫الصبح‪ ،‬أو في الظهر‪ ،‬أو في العصر‪ ،‬أو في العشاء؟ وأين؟ في البيت‪ ،‬أو في الفندق‪ ،‬أو في‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫المطعم‪ ،‬أو في الشارع‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فل بد لكل حدث من ظرف زمان وظرف مكان‪ ،‬فإذا راعيت ذلك أخذت الظرفية المطلقة؛‬
‫ظرفية مكان حدوث الفعل‪ ،‬وظرفية زمان حدوث الفعل‪ .‬فإذا قلت‪ :‬أكلت الساعة الثالثة ولم أسألك‬
‫أين تم الكل؟ أو إذا قلت‪ :‬أكلت في البيت ولم أسألك عن موعد الكل ظهرا أو عصرا أو ليلً‪،‬‬
‫يكون الحدث غير كامل الظرفية‪.‬‬
‫ومعلوم أن الزمان والمكان يشتركان في الظرفية‪ ،‬ولكنهما يختلفان‪ ،‬فالمكان ظرف ثابت ل يتغير‪.‬‬
‫والزمان دائم التغير‪ ،‬فهناك الصبح والظهر والعصر والمغرب والعشاء‪ .‬والزمان يدور‪ ،‬هناك‬
‫ماض وحاضر ومستقبل‪ ،‬وهكذا يشترك الزمان والمكان في الظرفية‪ ،‬ولكن الزمان ظرف متغير‪،‬‬
‫أما المكان فهو ظرف ثابت‪.‬‬
‫وجاءت الية هنا بالثنين‪ ،‬فـ } وَ َيوْمَ حُنَيْنٍ { هو زمان ومكان لحدث عظيم‪ ،‬وأخذت الية ظرف‬
‫المكان في } َموَاطِنَ كَثِي َرةٍ { وظرف الزمان في } وَ َيوْمَ حُنَيْنٍ { فإذا قيل‪ :‬لم يحضر ظرف الزمان‬
‫والمكان في كل واحدة‪ ،‬نقول‪ :‬ل‪ ،‬لقد حضر ظرف المكان في ناحية وظرف الزمان في ناحية‬
‫ثاني‪ ،‬وهذا يسمونه ‪ -‬كما قلنا ‪ " -‬احتباك "‪ .‬وقد حذف المعنى‪ :‬لقد نصركم ال يوم مواطن كذا‬
‫وكذا وكذا‪ .‬فإذا عطفت عليها يوم حنين يكون المعنى " ومواطن يوم حنين " ‪ ،‬أي‪ :‬جاء بالثنين‬
‫هنا‪ .‬ولكن شاء ال سبحانه وتعالى أل يكون هناك تكرار‪ ،‬فأحضر واحدة هنا وواحدة هناك‪ ،‬وهذا‬
‫يظهر واضحا في قوله تعالى‪َ {:‬قدْ كَانَ َلكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْ َتقَتَا فِئَةٌ ُتقَا ِتلُ فِي سَبِيلِ اللّ ِه وَأُخْرَىا‬
‫كَافِ َرةٌ }[آل عمران‪.]13 :‬‬
‫فما دامت الخرى } كَافِ َرةٌ { تكون الولى " مؤمنة " ‪ ،‬ولكن حذفت " مؤمنة " لن } كَافِ َرةٌ { تدل‬
‫عليها‪ ،‬وما دامت الولى المؤمنة تقاتل في سبيل ال‪ ،‬فالفئة الكافرة تقاتل في سبيل الشيطان‪.‬‬
‫وحذفت تقاتل في سبيل الشيطان؛ لن } ُتقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ { دّلتْ عليها‪ .‬وذلك حتى ل يحدث‬
‫تكرار‪ .‬ونجد أن المؤمن الذي يستمع إلى كلم ال تعالى ل بد أن يكون عنده عمق فهم‪ ،‬وأن‬
‫يكون كله آذانا صاغية حتى يعرف ويتنبه إلى أنه حذف من واحدة ما يدل على الثانية‪ .‬إذن‪:‬‬
‫فيكون ظرف الزمان موجودا في واحدة‪ ،‬وظرف المكان موجودا في واحدة‪ ،‬وكلهما يدل على‬
‫الخر‪ .‬والمثال على ذلك أنه بعد أن انتهت هذه الغزوة‪ ،‬وعاد المسلمون إلى المدينة مجهدين لم‬
‫يخلعوا ملبس الحرب‪ ،‬قال لهم رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ " :‬ل يصلين أحد العصر إل في‬
‫بني قريظة "‪.‬‬
‫فانطلق المسلمون ‪ -‬دون أن يستريحوا ‪ -‬إلى أرض بني قريظة‪ ،‬وهم اليهود الذين كانوا يسكنون‬
‫المدينة‪ ،‬وخانوا عهد رسول ال صلى ال عليه وسلم وتحالفوا مع الكفار ضد المسلمين‪ ،‬وبينما‬
‫الصحابة في طريقهم إلى بني قريظة كادت الشمس تغيب‪ ،‬فقال بعض الصحابة‪ :‬إن الشمس‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ستغيب ول بد أن نصلي العصر‪ ،‬وصلوا‪ .‬وفرقة ثانية من الصحابة قالت‪ :‬إن رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم طلب منا أل نصلي العصر إل في بني قريظة ولم ُيصَلّوا حتى وصلوا إلى هناك‪.‬‬
‫ونقول‪ :‬إن الفريقين استخدما المنطق؛ لن الصلة تحتاج إلى ظرف زمان وظرف مكان‪ ،‬فالذي‬
‫نظر إلى ظرف الزمان قال‪ :‬الشمس ستغيب‪ ،‬وصلى‪ ،‬والذي نظر إلى ظرف المكان الذي حدده‬
‫صلّ‪.‬‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم؛ لم ُي َ‬
‫وأقر رسول ال صلى ال عليه وسلم الفريقين‪ ،‬واحترم اجتهادهما في‪ :‬ظرفية الزمان‪ ،‬وظرفية‬
‫المكان‪ .‬وفي هذا يروي نافع عن ابن عمر رضي ال عنهما أن النبي صلى ال عليه وسلم قال‬
‫يوم الحزاب‪ " :‬ل يصلين أحد العصر إل في بني قريظة " فأدرك بعضهم العصر في الطريق‬
‫فقال بعضهم‪ :‬ل نصلي حتى نأتيهم‪ ،‬وقال بعضهم‪ :‬بل نصلي‪ ،‬لم يُ َردْ منا ذلك‪ ،‬فذُكر ذلك للنبي‬
‫صلى ال عليه وسلم فلم يعنف واحدا منهم‪.‬‬
‫} وَ َيوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَ ْتكُمْ كَثْرَ ُتكُمْ فَلَمْ ُتغْنِ عَن ُكمْ شَيْئا { والغنى هو عدم الحاجة إلى الغير‪ ،‬وحنين‬
‫هو موضع في واد بين مكة والطائف‪ ،‬تجمّع فيه الكفار الذين ساءهم فتح المسلمين لمكة‪ ،‬فأرادوا‬
‫أن يقوموا بعملية مضادة تُضيّع قيمة هذا النصر‪ .‬فاجتمعت قبائل هوزان وثقيف‪ ،‬واختاروا مالك‬
‫بن عوف ليكون قائدهم في هذه المعركة‪ .‬واستطاع مالك بن عوف أن يجمع أربعة آلف مقاتل‪،‬‬
‫وانضم إليهم عدد من العراب المحيطين بهم‪ .‬ووضع مالك خطته على أساس أن يخرج الجيش‬
‫ومعه ثروات المشاركين في الجيش من مال‪ ،‬وبقر وإبل‪ .‬وأن يخرج مع الجيش النساء والطفال‪.‬‬
‫وذلك حتى يدافع كل واحد منهم عن عرضه وماله فل يفر من المعركة‪ ،‬ويستمر في القتال‬
‫بشجاعة وعنف؛ لنه يدافع عن نسائه وأمواله وأولده‪ .‬وبذلك وضع كل العوامل التي تضمن له‬
‫النصر‪ .‬بينما المؤمنون عندما تبدأ المعركة سيقاتلون مدافعين عن دين ال ومنهجه‪.‬‬
‫واجتمع الكفار ونزلوا بوادٍ اسمه " وادي أوطاس "‪ .‬وكان فيهم رجل كبير السن ضرير‪ .‬اسمه "‬
‫دريد بن الصّمة "‪ .‬وكان رئيسا لقبيلة " جشم "‪ .‬فلما وصل إلى مكان المعركة سأل‪ :‬بأي أرض‬
‫نحن؟ فقالوا‪ :‬نحن بوادي أوطاس‪ ..‬فابتسم وقال‪ :‬ل حزنا ضرس ول سهلً دهس‪ ،‬أي أنها أرض‬
‫مناسبة ليس فيها أحجار مدببة‪ ،‬تتعب الذي يسير عليها‪ ،‬وليست أرضا رخوة تغوص فيها أقدام من‬
‫يسير عليها‪ ،‬من " الحزن " فالحزن هو‪ :‬الخشونة والغلظة‪ ،‬و " ضرس " هو‪ :‬التعب أثناء السير‪،‬‬
‫وأيضا ليست أرضا سهلة منبسطة رملية تغوص فيها القدام‪.‬‬
‫وعندما سمع العجوز بكاء الطفال وثغاء الشاة‪ ،‬قال‪ :‬أسمع بكاء الصبيان وخوار البقر‪ .‬فقالوا له‪:‬‬
‫إن مالك بن عوف استصحب ذراريه واصطحب كل أمواله‪ ،‬فقال‪ :‬أما الموال فل بأس‪ ،‬وأما‬
‫النساء والذراري فهذا هو الرعن ‪ -‬أي‪ :‬ل يفهم في الحرب ‪ -‬أرسلوه لي‪ ،‬فأحضروه له‪ .‬فلما‬
‫حضر قال‪ :‬يا مالك ما حملك على هذا؟ قال‪ :‬وماذا تريد؟ قال‪ :‬ارجع بنسائك وذراريك إلى عُليّا‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫دارك‪ ،‬فإن كان المر ذلك؛ لحقك من وراءك‪ .‬وإن كان المر عليك لم تفضح أهلك وذراريك‪.‬‬
‫فقال له مالك‪ :‬لقد كبرت وذهب علمك وذهب عقلك‪ .‬وأصر على رأيه‪ .‬ثم بدأ مالك بن عوف‬
‫شعَابِ وتحت الشجار حتى ل يراهم المسلمون عند مجيئهم‪ .‬فيتقدمون غير‬
‫يرتب الجيش في ال ّ‬
‫متنبهين للخطر‪ ،‬وحينئذ يتم الهجوم عليهم من كل جهة ومن كل مكان‪.‬‬
‫وعندما جاء جيش المسلمين لم يتنبهوا إلى وجود الكفار المختفين عن العين‪ .‬وحينئذ أعطى مالك‬
‫بن عوف إشارة البدء بالهجوم‪ ،‬فخرج الكفار من كل مكان‪ .‬وفاجأوا المسلمين بهجوم شديد‪ ،‬قال‬
‫المتحدث‪ :‬فوال ما لبث المسلمون أمامهم إل زمن حلب شاة‪ ،‬حتى إنه من قسوة المعركة‬
‫وضراوتها وقوة المفاجأة انهزم جيش المسلمين في الساعات الولى للمعركة‪ ،‬ووصل بعض‬
‫الفارين من القتال إلى مكة ولم يبق مع رسول ال صلى ال عليه وسلم في ساحة المعركة إل‬
‫تسعة بينهم العباس عم رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ .‬وكان ممسكا بالدابة التي يركبها رسول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم‪ .‬وسيدنا علي بن أبي طالب وكان يحمل الراية‪ .‬وسيدنا الفضل‪ ،‬وكان‬
‫يقف على يمين رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ .‬وسيدنا أبو سفيان بن الحارث ابن عم رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم وكان يقف على يساره‪ .‬وكان معهم أيمن بن أم أيمن وعدد من الصحابة‪.‬‬
‫وهنا نتساءل‪ :‬لماذا حدثت هذه الهزيمة للمسلمين في بداية المعركة؟ لنهم عندما خرجوا إلى‬
‫الحرب قالوا‪ :‬نحن كثرة لن نهزم من قلة‪ ،‬وبذلك ذهبوا إلى السباب وتناسوا المسبب‪ ،‬فأراد ال‬
‫أن يعاقبهم عقابا يخزيهم و ُيعْلي من قدر رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ .‬ولما رأى رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم ما حدث‪ ،‬قال العباس ‪ -‬وكان العباس صاحب صوت عال‪ :‬أذن في الناس‪،‬‬
‫فقال العباس بصوت عال‪ :‬يا معشر النصار ‪ -‬يا أهل سورة البقرة‪ ،‬يا أهل بيعة الشجرة‪ .‬فلما‬
‫سمع الناس نداء العباس‪ ،‬قالوا‪ :‬لبيك لبيك‪ .‬وكان الذي يقول‪ " :‬لبيك " يسمعه من هم وراءه‬
‫ويقولون مثله‪ ،‬حتى عاد عدد كبير من المؤمنين إلى القتال‪ ،‬وحمى القتال واشتدت الحرب وصار‬
‫لها أوار‪ ،‬فضحك رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ :‬الن حمى الوطيس‪ ،‬أي اشتدت الحرب‪ ،‬ثم قال‬
‫عليه الصلة والسلم‪ " :‬أنا النبي ل كذب‪ ،‬أنا ابن عبد المطلب "‪.‬‬
‫ويروى هذا الحديث عن النبي صلى ال عليه وسلم البراء بن عازب‪ ،‬فقد جاء في الصحيحين عن‬
‫البراء بن عازب رضي ال عنه‪ " .‬أن رجلً قال له‪ :‬يا أبا عمارة أفررتم عن رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم يوم حنين؟ فقال‪ :‬لكن رسول ال صلى ال عليه وسلم لم يفر‪ ،‬إن هوزان كانوا قوما‬
‫ُرمَاةً‪ ،‬فلما لقيناهم وحملنا عليهم انهزموا‪ ،‬فأقبل الناس على الغنائم‪ ،‬فاستقبلونا بالسهام‪ ،‬فانهزم‬
‫الناس‪ ،‬فلقد رأيت رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وأبو سفيان بن الحارث آخذ بلجام بغلته‬
‫البيضاء وهو يقول‪ " :‬أنا النبي ل كذب‪ .‬أنا ابن عبد المطلب "‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أي‪ :‬أنه رسول ال‪ ،‬وال لن يتخلى عنه ولن يخذله‪ ،‬ولم يثبت أمام المؤمنين واحد من هوازن‬
‫وثقيف‪ ،‬وانتهت المعركة عن ستة آلف أسير من النساء‪ ،‬كما غنم المسلمون أموالً ل حصر لها‬
‫وعددا كبيرا من البل والبقر والغنم والحمير‪ .‬وأحضر رسول ال صلى ال عليه وسلم بديل بن‬
‫ورقاء وقال له‪ :‬أنت أمير على هاذ المغنم‪ .‬اذهب به وأنا سأتتبع الهاربين‪.‬‬
‫وانطلق جيش المسلمين إلى الطائف ليطارد الفارين‪ .‬واختبأ مالك بن عوف قائد العدو‪ .‬ثم عاد‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم بعد ذلك وقسم الغنائم‪ ،‬وكاد تقسيم الغنائم أن يحدث فتنة بين‬
‫المسلمين؛ لن الرسول صلى ال عليه وسلم أعطى الغنائم للمؤلفة قلوبهم‪ ،‬ولسائر العرب ولم يعط‬
‫منها النصار‪ ،‬لقد أراد رسول ال صلى ال عليه وسلم أن يقارن بين شيئين‪ ،‬بين سبايا هي أيضا‬
‫من متاع الدنيا فيعطي منها المؤلفة قلوبهم وبين حب ال ورسوله فيكون حظ النصار منه‪،‬‬
‫فالنصار الذين آووه صلى ال عليه وسلم في رأيه صلى ال عليه وسلم يستغنون بحبهم لرسول‬
‫ال وقوة إيمانهم بال عن مثل هذا المتاع الدنيوي‪ ،‬إل أنه على الرغم من ذلك شعر بعض من‬
‫النصار بال ُغصّة‪ ،‬وتأثر هذا البعض بذلك‪.‬‬
‫لما أعطى رسول ال صلى ال عليه وسلم ما أعطي من تلك العطايا في قريش وقبائل العرب ولم‬
‫يكن في النصار منها شيء‪ ،‬وجد هذا الحي من النصار في أنفسهم حتى كثرت فيهم القالة‪ ،‬حتى‬
‫قال قائلهم‪ :‬لقي رسول ال صلى ال عليه وسلم قومه فدخل عليه سعد بن عبادة فقال‪ :‬يا رسول‬
‫ال إن هذا الحي قد وجدوا عليك في أنفسهم لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت‪ ،‬قسمت في‬
‫قومك وأعطيت عطايا عظاما في قبائل العرب‪ ،‬ولم يكن في هذا الحي من النصار شيء‪ .‬قال‪:‬‬
‫فأين أنت من ذلك يا سعد؟ قال‪ :‬يا رسول ال ما أنا إل امرؤ من قومي وما أنا‪ .‬قال‪ :‬فاجمع لي‬
‫قومك في هذه الحظيرة‪ .‬قال‪ :‬فخرج سعد فجمع الناس في تلك الحظيرة‪ .‬قال‪ :‬فجاء رجال من‬
‫المهاجرين فتركهم فدخلوا وجاء آخرون فردهم‪ ،‬فلما اجتمعوا أتاه سعد فقال‪ :‬قد اجتمع لك هذا‬
‫الحي من النصار قال‪ :‬فأتاهم رسول ال صلى ال عليه وسلم فحمد ال وأثنى عليه بالذي هو له‬
‫أهل‪ .‬ثم قال‪ :‬يا معشر النصار ما قَالَةٌ بلغتني عنكم وج َد ٌة وجدتموها في أنفسكم‪ ،‬ألم آتكم ضللً‬
‫ن وأفضل‪.‬‬
‫فهداكم ال‪ ،‬وعالة فأغناكم ال‪ ،‬وأعداء فألف ال بين قلوبكم‪ .‬قالوا‪ :‬بل ال ورسوله أم ّ‬
‫قال‪ :‬أل تجيبوني يا معشر النصار؟ قالوا‪ :‬وبماذا نجيبك يا رسول ال ول ولرسوله المنّ‬
‫والفضل؟ قال‪ :‬أما وال لو شئتم لقلتم فلصدقتم وصدقتم‪ ،‬أتيتنا مكَذّبا فصدقناك‪ ،‬ومخذولً‬
‫فنصرناك‪ ،‬وطريدا فآويناك ‪ ،‬وعائلً فأغنيناك‬
‫أي‪ :‬أن رسول ال صلى ال عليه وسلم ذكر لهم ثلثة أشياء من فضل السلم عليهم‪ ،‬وهي أنه‬
‫نقلهم من الضلل إلى الهدى‪ ،‬ومن الفقر إلى الغنى‪ ،‬ومن العداوة إلى الخوة والمحبة‪.‬‬
‫وعندما تحدث رسول ال صلى ال عليه وسلم عن فضل النصار على الدعوة ذكر أربع فضائل‪،‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وهي أن أهل مكة كانوا قد حاولوا قتل الرسول صلى ال عليه وسلم فهاجر منها فآواه أهل‬
‫المدينة‪ ،‬وجاء الرسول والمؤمنون إلى المدينة ل يملكون شيئا‪ ،‬فأعطاهم النصار من أموالهم‬
‫وزوجاتهم‪ ،‬وكان الكفار يحاولون قتل رسول ال صلى ال عليه وسلم فأمّنه النصار‪ ،‬وكان‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم قد خذله قومه من قريش فنصره النصار‪.‬‬
‫عندما سمع النصار قول رسول ال صلى ال عليه وسلم في ذكر مفاخرهم‪ .‬قالوا‪ :‬المنة ل‬
‫والرسوله‪ ،‬أي‪ :‬إننا معشر النصار ل نقول هذا الكلم الذي قلته أبدا؛ لن حلوة اليمان وجزاء‬
‫اليمان أكبر من هذا بكثير‪ ،‬وبهذا ل يكونون هم الذين أعطوا‪ ،‬بل اليمان هو الذي أعطاهم‪.‬‬
‫ل َمكُمْ َبلِ اللّهُ َيمُنّ عَلَ ْي ُكمْ‬
‫فاليمان َن ْفعُه َنفْع أبدي‪ .‬والحق تبارك وتعالى يقول‪ {:‬قُل لّ َتمُنّواْ عََليّ ِإسْ َ‬
‫أَنْ هَداكُمْ لِلِيمَانِ }[الحجرات‪.]17 :‬‬
‫وعندما قال النصار لرسول ال صلى ال عليه وسلم‪ :‬بل المنة ل ولرسوله‪ ،‬قال لهم رسول ال‬
‫عليه الصلة والسلم‪:‬‬
‫ت بها قوما ليسلموا ووكلتكم إلى‬
‫" أوجدتم في أنفسكم يا معشر النصار في لعاعة من الدنيا تأّلفْ ُ‬
‫إسلمكم‪ ،‬أفل ترضون يا معشر النصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير‪ ،‬وترجعون برسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم في رحالكم‪ ،‬فوالذي نفس محمد بيده لول الهجرة لكنت امرءا من النصار‪،‬‬
‫ولو سلك الناس شعْبا وسلكت النصار شعبا لسلكت شعبْ النصار‪ ،‬اللهم ارحم النصار وأبناء‬
‫النصار وأبناء أبناء النصار " فلمَا سمعوا هذا القول من رسول ال صلى ال عليه وسلم َب َكوْا‬
‫حتى اخضّلتْ لحاهم وقالوا‪ :‬رضينا بال وبرسوله قسما وحظا‪ .‬وانتهت المسألة‪.‬‬
‫وهكذا نرى أنه حين تأتي مقارنة بين شيئين‪ ،‬ل بد أن نتفاخر بالشيء الدائم الباقي الذي حصلنا‬
‫عليه‪ ،‬أما الشيء الذي مآله إلى فناء فإنّ من ليس معه يعيش كمن عاش معه‪ ،‬وهو متاع الدنيا‪،‬‬
‫تعيش معه وتعيش بدونه‪ .‬ولكن ل أحد يستغني عن اليمان‪ ،‬نستغني عن الدنيا نعم‪ ،‬أما عن‬
‫اليمان وعن ال ورسوله فل‪ .‬وبعد أن قسم رسول ال صلى ال عليه وسلم الغنائم‪ ،‬جاء وفد‬
‫ن أصل‬
‫هوازن رسول ال صلى ال عليه وسلم وهو بالجعرانة وقد أسلموا‪ .‬فقالو‪ :‬يا رسول ال إ ّ‬
‫وعشيرة‪ ،‬وقد أصابنا من البلء ما ل يخفى عليك فامنن علينا منّ ال عليك‪.‬‬
‫فقال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ :‬أبناؤكم ونساؤكم أحب إليكم أم أموالكم؟ قالوا‪ :‬يا رسول ال‬
‫خيّرتنا بين أحسابنا وبين أموالنا بل تردّ علينا نساؤنا وأبناؤنا فهو أحب إلينا فقال لهم‪ :‬أما ما كان‬
‫لي ولبني عبد المطلب فهو لكم فإذا صليت للناس الظهر فقوموا فقولوا‪ :‬إنا نستشفع برسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم إلى المسلمين وبالمسلمين إلى رسول ال صلى ال عليه وسلم في أبنائنا‬
‫ونسائنا فسأعطيكم عند ذلك وأسأل لكم‪ .‬فلما صلى رسول ال صلى ال عليه وسلم بالناس الظهر‬
‫قاموا فتكلموا بالذي أمرهم به فقال رسول ال صلى ال عليه سولم‪ :‬أما ما كان لي ولبني عبد‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫المطلب فهو لكم‪ .‬قال المهاجرون‪ :‬وما كان لنا فهو لرسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وقالت‬
‫النصار‪ :‬وما كان لنا فهو لرسول ال صلى ال عليه وسلم‪ .‬قال القرع بن حابس‪ :‬أما أنا وبنو‬
‫تميم فل‪ .‬وقال عيَيْنة بن حصن بن حذيفة بن بدر‪ :‬أما أنا وبنو فزارة فل‪ .‬قال عباس بن مرداس‪:‬‬
‫أما أنا وبنو سليم فل‪ ،‬قالت بنو سليم‪ :‬ل‪ ،‬ما كان لنا فهو لرسول ال صلى ال عليه وسلم‪ .‬فقال‬
‫عباس‪ :‬يا بني سليم وهنتموني‪ .‬فقال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ :‬أما من تمسك منكم بحقه من‬
‫هذا السبي فله بكل إنسان ست فرائض من أول شيء نصيبه‪ ،‬فردوا على الناس أبناءهم‬
‫ونساءهم‪ ..‬ذلك هو ما يشير إليه قول الحق‪ ،‬تبارك وتعالى‪:‬‬
‫} َلقَدْ َنصَ َركُمُ اللّهُ فِي َموَاطِنَ كَثِي َر ٍة وَ َيوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَ ْتكُمْ كَثْرَ ُت ُكمْ فَلَمْ ُتغْنِ عَن ُكمْ شَيْئا َوضَا َقتْ‬
‫عَلَ ْيكُ ُم الَ ْرضُ ِبمَا رَحُ َبتْ ُث ّم وَلّيْتُم مّدْبِرِينَ { [التوبة‪.]25 :‬‬
‫أي‪ :‬أنكم بدأتم المعركة ولم يكن ال في حسبانكم‪ ،‬بل كنتم معتمدين على كثرتكم فلم تنفعكم ولم‬
‫تحقق لكم النصر؛ ولذلك فررتم خوفا من الهزيمة ووجدتم الرض ضيقة أمامكم‪ ،‬أي‪ :‬تبحثون هنا‬
‫وهناك عن مكان تختبئون فيه فل تجدون‪ ،‬مع أن الرض رحبة أي واسعة‪ ،‬ولكنها أصبحت ضيقة‬
‫في نظركم وأنتم تفرون من المعركة‪ .‬إل أن الحق سبحانه وتعالى لم يرد أن ينهي المعركة هذا‬
‫النهاء‪ .‬ولكنه أراد فقط أن ينزع من قلوب المسلمين المباهاة بكثرة العدد وظنهم أن اللجوء إلى‬
‫السباب الدنيوية هو الذي سيحقق لهم النصر‪ .‬أراد منهم سبحانه وتعالى أن يعلموا جيدا أنهم إنما‬
‫ينتصرون بال عز وجل‪ ،‬وأن كثرتهم دون العتماد عليه سبحانه ل تحقق لهم شيئا‪.‬‬
‫سكِينَ َتهُ عَلَىا رَسُولِ ِه وَعَلَى ا ْل ُم ْؤمِنِينَ‪{ ...‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه وتعالى‪ } :‬ثُمّ أَنَزلَ اللّهُ َ‬

‫(‪)1247 /‬‬
‫سكِينَتَهُ عَلَى َرسُولِ ِه وَعَلَى ا ْل ُم ْؤمِنِينَ وَأَنْ َزلَ جُنُودًا لَمْ تَ َروْهَا وَعَ ّذبَ الّذِينَ َكفَرُوا وَذَِلكَ‬
‫ثُمّ أَنْ َزلَ اللّهُ َ‬
‫جَزَاءُ ا ْلكَافِرِينَ (‪)26‬‬

‫أي‪ :‬أن ال تبارك وتعالى أنزل سكينته أولً على رسوله وعلى المؤمنين الذين ثبتوا معه‪ ،‬ثم‬
‫أنزلها على المؤمنين الذين فردوا من المعركة ثم عادوا إلى القتال مرة أخرى‪ ،‬وقوله تعالى‪:‬‬
‫{ وَأَن َزلَ جُنُودا لّمْ تَ َروْهَا وَع ّذبَ الّذِينَ َكفَرُواْ وَذاِلكَ جَزَآءُ ا ْلكَافِرِينَ } [التوبة‪.]26 :‬‬
‫وقد حدّثونا عن أن الملئكة نزلت وثبّتت المؤمنين‪ ،‬وألقت الرعب في قلوب الكافرين وأنزلت‬
‫العذاب بهم‪ .‬والذين آمنوا هم الذين شهدوا بذلك؛ لنهم وصفوا كائنات على جياد بُلْق ولم يكن‬
‫عندهم مثلها‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وإذا حدثنا القرآن الكريم بأن الملئكة قد نزلت وأن هناك من رآهم‪ ،‬فعلى النسان منا أن يقف‬
‫موقف المؤمن‪ ،‬وأن يثق في القائل وهو صادق فليؤمن بما قال ول يبحث عن الكيفية‪ .‬وإن كان‬
‫منكم من يقف أمام هذه المسألة فعليه أل يقف وقفة الرافض لوجودها‪ ،‬ولكن وقفة الجاهل لكيفيتها؛‬
‫لن وجود الشيء مختلف تماما عن إدراك كيفية وجوده‪.‬‬
‫وهناك أشياء كثيرة في الكون‪ ،‬موجودة وتزاول مهمتها‪ ،‬ونحن ل ندرك كيفية هذا الوجود‪ .‬وليس‬
‫معنى عدم إدراكنا لها أنه غير موجودة‪ .‬وكل الكتشافات التي قدمها لنا العلم المعاصر كانت‬
‫موجودة‪ .‬ولكننا لم نكن ندرك كيفية وجودها من قبل‪ .‬فالجاذبية الرضية كانت موجودة‪ .‬لكننا لم‬
‫ندرك وجودها ول كيفية عملها‪ ،‬وكذلك الكهرباء كانت موجودة في الكون منذ بداية الخلق‪ ،‬ولكننا‬
‫لم نكن ندرك وجودها حتى كشف ال تعالى لنا وجودها فاستخدمناها‪ ،‬والميكروبات كانت موجودة‬
‫في الكون تؤدي مهمتها ولم نعرفها‪ ،‬حتى كشف ال لنا عنها فعرفنا وجودها وكيفية هذا الوجود‪،‬‬
‫فكل هذه الشياء كانت موجودة في كون ال منذ خلق ال الكون‪ .‬ولكننا لم نكن ندرك وجودها‪.‬‬
‫وعدم معرفتنا لم ينقص من هذا الوجود شيئا؛ ولذلك إذا حُدّثْت بشيء ل يستطيع عقلك أن يفهمه‬
‫فل تنكر وجوده؛ لن هناك أشياء لم نكن نعرف عنها شيئا‪ ،‬ثم أعطانا ال تعالى العلم فوجدنا أنه‬
‫تعيش بقوانين مادية محددة‪ .‬إذن‪ :‬فوجود الشيء يختلف تماما عن إدراك هذا الوجود‪.‬‬
‫ن وَأَن َزلَ جُنُودا لّمْ‬
‫سكِينَتَهُ عَلَىا َرسُولِ ِه وَعَلَى ا ْل ُمؤْمِنِي َ‬
‫وقول الحق سبحانه وتعالى‪ُ { :‬ثمّ أَنَزلَ اللّهُ َ‬
‫تَ َروْهَا } كلمة { لّمْ تَ َروْهَا } تعطي العذر لكل من لم ير‪ ،‬ويكفي أن ال قال ليكون هذا حقيقة‬
‫واقعة‪ .‬والحق سبحانه وتعالى يقول‪َ {:‬ومَا َيعَْلمُ جُنُودَ رَ ّبكَ ِإلّ ُهوَ }[المدثر‪.]31 :‬‬
‫وحين كان يقال لنا‪ :‬إنّ ل خلقا هم الجن‪ ،‬كما أن له خلقا آخرين هم الملئكة‪ ،‬والجن يروننا ونحن‬
‫ل نراهم‪ .‬كان البعض يقف موقف الستنكار‪ .‬وكذلك قال لنا رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ " :‬إن‬
‫الشيطان يَجْرِي من ابن آدم مَجْرى الدم "‪.‬‬
‫وكان بعض الناس ينكرون هذا الكلم ويتساءلون‪ :‬كيف يدخل الشيطان عروق النسان ويجري‬
‫منها مجرى الدم؟! وعندما تقدمنا في العلم التجريبي واكتشفنا الميكروبات ورأينا من دراستها أنه‬
‫تخترق الجسم وتدخل إلى الدم في العروق‪ ،‬هل يحس أحد بالميكروب وهو يخترق جسمه؟ هل‬
‫علم أحد بالميكروب ساعة دخوله للجسم؟ طبعا ل‪ ،‬ولكن عندما يتوالد ويتكاثر ويبدأ تأثير يظهر‬
‫على أجسامنا نحس به‪ ،‬وهذا يدل على أن الميكروب بالغ الدقة مبلغا ل تحس به شعيرات‬
‫الحساس الموجود تحت الجلد‪.‬‬
‫ومن فرط دقته يخترق هذه الشعيرات أو يمر بينها ونحن ل ندري عنه شيئا‪ ،‬ويدخل إلى الدم‬
‫ويجري في العروق ونحن ل نحس بشيء من ذلك‪ ،‬والدم يجري في عروق يحكمها قانون هو‪ :‬أن‬
‫مربع نصف القطر يوزع على الكل‪ ،‬ومثال ذلك ما يحدث في توزيع المياه‪ ،‬فنحن نأتي بماسورة‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫رئيسية نصف قطرها ثماني بوصات وندخلها إلى قرية‪ ،‬تكون كمية الصب هي ‪ ..8 × 8‬أي ‪64‬‬
‫بوصة مربعة‪ ،‬حينما نأتي لنوزعها على مواسير أخرى فرعية نأخذ منها ماسورة نصف قطرها‬
‫أربع بوصات‪ ،‬ومنها نأخذ ماسورة نصف قطرها بوصتان‪ ،‬ومنها نأخذ ماسورة نصف قطرها‬
‫بوصة أو نصف بوصة‪ ،‬المهم أن مربع أنصاف أقطار المواسير الفرعية يساوي ما تصبه‬
‫الماسورة الكبيرة‪.‬‬
‫وهكذا عروق الدم‪ ،‬فالدم يجري في شرايين واسعة وأوردة وشعيرات دقيقة‪ ..‬ولكن دقة حجم‬
‫الميكروب تجعله يخترق هذه الشعيرات فل ينزل منها دم‪ ،‬وعندما تضيق هذه الشرايين تحدث‬
‫المراض التي نسمع عنها‪ ،‬من تراكم الكوليسترول أو حدوث جلطات‪ ،‬فيتدخل الطب ليوسع‬
‫الشرايين؛ لنها مواسير الدم‪ .‬وهناك جراحات تجري بأشعة الليزر أو غيرها من الكتشافات‬
‫الحديثة تخترق هذه الشعة الجلد بين الشعيرات؛ لنها أشعة دقيقة جدا فل تقطع أي شعيرة ول‬
‫تُسيل أي دماء‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فكل ما في داخل الجسم محسوب بإرادة ال تعالى‪ ،‬ولكل ميكروب فترة حضانة يقضيها‬
‫داخل الجسم دون أن نحس به‪ ،‬ثم بعد ذلك يبدأ تأثيره فيظهر المرض وتأخذ عمليات توالد‬
‫الميكروب في الدم ومقاومة كرات الدم البيضاء له فترة طويلة‪ ،‬بينما نحن ل نحس ول ندرك ما‬
‫يحدث‪.‬‬
‫فإذا كان " الميكروب " وهو من مادتك‪ ،‬أي‪ :‬شيء له كثافة وله حجم محدد ول تراه إل‬
‫بالميكروسكوب فتجد له شكلً مخفيا‪ ،‬وهو يتوالد ويتناسل وله دورة حياة‪ ،‬إذا كان هذا " الميكروب‬
‫" ل تحس به وهو في داخل جسمك؛ فما بالك بالشيطان الذي هو مخلوق من مادة أكثر شفافية من‬
‫مادة الميكروب‪ ،‬هل يمكن أن تحس به إذا دخل جسدك؟ ل‪ ،‬وإذا كان الشيء المادي قد دخل‬
‫جسدك ولم تحس به‪ ،‬فما بالك بالمخلوق الذي خلقه ال تعالى من مادة أشف وأخف من الطين؟ أل‬
‫يستطيع أن يدخل ويجري من ابن آدم مجرى الدم؟!‬
‫فإذا قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫" إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم " ‪ .‬فل تتعجب ول تُكذّب لنك ل تحس به‪ .‬فال‬
‫أعطاك في عالم الماديات ما هو أكثر كثافة في الخلق ويدخل في جسدك ول تحس به‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالعلم أثبت لنا أن هناك موجودات ل نراها‪ .‬ولو أننا باستخدام الميكروسكوبات اللكترونية‬
‫الحديثة فحصنا كل خلية في جسم النسان فإننا سنرى العجب‪ ،‬سنرى في جلد النسان الذي نحسبه‬
‫أملسَ آبارا يخرج منها العرق‪ ،‬وغير ذلك من تفاصيل بالغة الدقة ل تدركها العين‪ ،‬فإذا حدّثنا ال‬
‫سبحانه وتعالى لنا ما يطمئن بشريتنا فقال‪ } :‬جُنُودا لّمْ تَ َروْهَا { ‪ ،‬فإن قال واحد‪ :‬إنّه رآها‪ ،‬وقال‬
‫آخر‪ :‬لم أرَ شيئا‪ ،‬نقول‪ :‬إن قول الحق } لّمْ تَ َروْهَا { أي‪ :‬لم تروْها مجتمعين‪ ،‬فهناك من لمحها‪،‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وهناك من لم يرها‪.‬‬
‫وقول الحق سبحانه وتعالى‪ } :‬وَع ّذبَ الّذِينَ َكفَرُواْ { أي‪ :‬بالقتل أو بالسر أو بسلب أموالهم‪،‬‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬وَذاِلكَ جَزَآءُ ا ْلكَافِرِينَ { أي‪ :‬أن ما لحق بهم من هزيمة كان جزاءً لهم على‬
‫كفرهم‪ .‬ولكن البعض يتساءل‪ :‬لماذا لم ينزل الجزاء وتتم الهزيمة من أول لحظة‪ ،‬لكان ذلك أخف‬
‫على أنفسهم وأقل عذابا‪ ،‬ولكنه أعطاهم أولً فرحة النصر حتى تأتي الهزيمة أكثر قسوة وأكثر‬
‫غمَامةٌ فلمّا رأوْهَا أقشعتْ وتجلّتفحين تمر سحابة‬
‫عطَاشا َ‬
‫بشاعة‪ ،‬والشاعر يقول‪:‬كَما أدر َكتْ َقوْما ِ‬
‫على قوم يعانون من شدة العطش‪ ،‬هم يحلمون أن تمطر عليهم‪ ،‬لكن الحلم يتبدد تماما كالمسجون‬
‫الذي يعاني من عطش شديد‪ .‬فيطلب من السجان شربة ماء فيقول له السجان‪ :‬سأحضرها لك‪.‬‬
‫وفعلً يذهب السجان ويحضر له كوب ماء مثلج فيعطيه له ويمسك المسجون الكوب بيده ونفسه‬
‫تمتلئ فرحا‪ .‬وإذا بالسجان يضربه بشدة على يده فيسقط الكوب على الرض‪ ،‬فيصاب المسجون‬
‫بصدمة شديدة‪ .‬وهذه أبشع طرق التعذيب‪ .‬ولو أن السجان رفض إحضار كوب الماء من أول‬
‫المر لكان ذلك أقل إيلما للسجين‪ .‬لكن بعد أن يحضر كوب الماء للمسجون ويضعه في يده ثم‬
‫يحرمه منه فهذا أكثر عذابا‪ .‬وهكذا أراد ال أن يزيد من عذاب الكافرين فأعطاهم مقدمات النصر‬
‫وحلوته أولً‪ ،‬ثم جاءت من بعد ذلك مرارة الهزيمة لتسلبهم كل شيء‪ ،‬وبذلك تجتمع لهم‬
‫فجيعتان‪ :‬فجيعة اليجاب‪ ،‬وفجيعة السلب‪.‬‬
‫ثم تأتي لمحة الرحمة التي يغمر بها ال سبحانه وتعالى كونه كله‪ ،‬ويفتح الباب لكل عاص ليعود‬
‫إلى طريق اليمان فيتقبله ال‪ ،‬ويقول الحق تبارك وتعالى‪ُ } :‬ثمّ يَتُوبُ اللّهُ مِن َبعْدِ ذاِلكَ عَلَىا مَن‬
‫يَشَآءُ‪{ ...‬‬

‫(‪)1248 /‬‬
‫غفُورٌ رَحِيمٌ (‪)27‬‬
‫علَى مَنْ َيشَا ُء وَاللّهُ َ‬
‫ثُمّ يَتُوبُ اللّهُ مِنْ َبعْدِ ذَِلكَ َ‬

‫وهذه هي عظمة الخالق‪ ،‬الرحمن الرحيم‪ ،‬فهو يفتح الباب دائما لعباده؛ لنه هو خالق هذا الكون‪،‬‬
‫وكل من عصى يفتح ال أمامه باب التوبة‪ ،‬وهذه مسألة منطقية؛ لن الذي يكفر والذي يعصي ل‬
‫يضر ال شيئا‪ ،‬ولكنه يؤذي نفسه ويحاول أن يفتري على نواميس الحق‪ ،‬وحين يعلم العاصي أنه‬
‫ل ملجأ له إل ال‪ ،‬فال عز وجل يفتح له باب التوبة‪.‬‬
‫وبعد أن بيّن ال سبحانه وتعالى لنا في هذه السورة أن ال ورسوله بريء من المشركين‪ ،‬وكشف‬
‫عن طبيعتهم بأنهم ل عهد لهم ول ذمة‪ ،‬ويصفي هذه المسائل تصفية عقدية في { بَرَآ َءةٌ مّنَ اللّهِ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وَرَسُولِهِ } ‪ ،‬وطلب منا أن ننهي العقود التي بيننا وبينهم‪ ..‬فمن نقض العهد انتهى عهده‪ ،‬ومن‬
‫حافظ عليه حافظنا نحن على العهد إلى مدته‪ ،‬ثم طلب من المشركين أل يقربوا المسجد الحرام‪،‬‬
‫وصفّى أي ضغينة أو ذنب بفتح باب التوبة‪ .‬ومن بعد ذلك ينتقل سبحانه من المعاهدة التي انتهت‬
‫مع ذوات الكفار إلى ذوات الكفار بأنفسهم‪ ،‬فيقول تبارك وتعالى‪ { :‬ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ إِ ّنمَا‬
‫سجِدَ الْحَرَامَ َبعْدَ عَا ِمهِمْ هَـاذَا‪} ..‬‬
‫ا ْلمُشْ ِركُونَ نَجَسٌ فَلَ َيقْرَبُواْ ا ْلمَ ْ‬

‫(‪)1249 /‬‬
‫خفْتُمْ عَيَْلةً‬
‫جدَ الْحَرَامَ َبعْدَ عَا ِمهِمْ هَذَا وَإِنْ ِ‬
‫جسٌ فَلَا َيقْرَبُوا ا ْلمَسْ ِ‬
‫يَا أَ ّيهَا الّذِينَ َآمَنُوا إِ ّنمَا ا ْلمُشْ ِركُونَ نَ َ‬
‫حكِيمٌ (‪)28‬‬
‫س ْوفَ ُيغْنِيكُمُ اللّهُ مِنْ َفضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنّ اللّهَ عَلِيمٌ َ‬
‫فَ َ‬

‫أي‪ :‬أنه ل يكفي أن يقطع المؤمنون كل عهودهم مع المشركين‪ ،‬بل ل بد أن يبرأوا أيضا من‬
‫المشركين أنفسهم؛ لنهم نجس‪ ،‬والنجس هو الشيء المستقذر الذي تعافه النفس وتنفر منه‪ ،‬وقد‬
‫يكون المشرك من هؤلء مقبولً من ناحية الشكل والملبس‪ ،‬ولكن هذا هو القالب‪ ،‬والحق سبحانه‬
‫وتعالى حينما يتكلم إنما يتكلم عن المعاني وعن الخلق‪ .‬فال عز وجل ل ينظر إلى القوالب‪ ،‬بل‬
‫إلى القلوب‪ ،‬ويقول الرسول صلى ال عليه وسلم في الحديث الذي يرويه عنه أبو هريرة رضي‬
‫ال عنه‪ " :‬إن ال ل ينظر إلى أجسامكم ول إلى صوركم‪ ،‬ولكن ينظر إلى قلوبكم "‪.‬‬
‫فقد تكون الصورة مقبولة شكلً‪ ،‬لكن العقيدة التي توجد في قلوب تلك الجساد قذرة ونجسة‪،‬‬
‫وسبحانه ل يأخذ بالظواهر ول بالصور‪ ،‬بل بالقيم‪ .‬وأنت إذا ما نظرت إلى القيم وإلى العقائد‬
‫الحقة الصادقة‪ ،‬تجد كل عقيدة تنبئ عن تكوين مادتها‪ ،‬وعلى سبيل المثال‪ ،‬حينما تكون فرحا‪،‬‬
‫يتضح ذلك على أساريرك‪ ،‬ومن سيقابلك سيلحظ ذلك ويعرف أنك مبتهج‪ ،‬وإن كنت غاضبا أو‬
‫تعاني من ضيق‪ ،‬فهذا يتضح على أساريرك‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالمادة تنفعل بانفعال القيم‪ ،‬وما دامت القيم فاسدة فالمادة التي يتكون منها جسده تكون‬
‫متمردة على صاحبها؛ لن المادة بطبيعتها عابدة مسبحة ل‪ ،‬وكذلك الروح بطبيعتها عابدة مسبحة‬
‫ل تعالى‪ ،‬ول ينشأ الفساد إل بعد أن توضع الروح في المادة‪ ،‬ثم تتكون النفس من الثنين معا‪،‬‬
‫المادة والروح‪ ،‬فإن غلّبت النفس النفس منهج ال صارت مطمئنة‪ ،‬وإن تأرجحت النفس بين‬
‫الطاعة والمعصية‪ ،‬فإما أن تطيع فتكون نفسا لوامة‪ ،‬وإما أن تكفر وتتخذ طريق الشر فتكون نفسا‬
‫أمارة بالسوء‪ .‬أما قبل أن تنفخ الروح في المادة‪ ،‬فكل منها مسبح ل تعالى؛ لن كل شيء في‬
‫الوجود عابد مسبح‪ ،‬والنفس في كل سلوكها مقهورة لرادة صاحبها بتسخير من ال عز وجل‪،‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وحين يأتي الموت‪ ،‬تنتهي الرادة البشرية وتسقط سيطرة النسان على جسده‪ ،‬بل إن هذا الجسد‬
‫يشهد على صاحبه يوم القيامة‪ .‬والنسان في الحياة الدنيا يعيش وإرادته تسيطر على مادته بأمر‬
‫من ال‪ ،‬فاليد قد تضرب إنسانا‪ ،‬وقد تعين إنسانا آخر وقع في عسرة‪ ،‬ولسان المسلم يشهد أن ل‬
‫إله إل ال‪ ،‬ولسان الكافر يشرك مع ال آلهة أخرى‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فمادة النسان خاضعة لرادة صاحبها في دنيا الغيار‪ ،‬فإذا انتقل إلى الخرة فل تأثير له‬
‫على المادة‪ ،‬وتتحرر المادة من طاعة صاحبها في المعصية‪ ،‬وتتمرد عليه‪ ،‬وتشهد على صاحبها‬
‫ش ِهدَ عَلَ ْيهِمْ‬
‫بأنه كان يستخدمها في المعصية‪ .‬والحق سبحانه وتعالى يقول‪ {:‬حَتّىا إِذَا مَا جَآءُوهَا َ‬
‫طقَنَا اللّهُ‬
‫شهِدتّمْ عَلَيْنَا قَالُواْ أَن َ‬
‫س ْم ُعهُ ْم وَأَ ْبصَارُهُ ْم َوجُلُودُهُم ِبمَا كَانُواْ َي ْعمَلُونَ * َوقَالُواْ لِجُلُو ِدهِمْ ِلمَ َ‬
‫َ‬
‫جعُونَ }‬
‫شيْءٍ وَ ُهوَ خََل َقكُمْ َأ ّولَ مَ ّر ٍة وَإِلَ ْيهِ تُرْ َ‬
‫الّذِي أَنطَقَ ُكلّ َ‬
‫[فصلت‪.]21-20 :‬‬
‫فكأن جوارح النسان تقول له يوم القيامة‪ :‬لقد أتعبتني في الدنيا وأكرهتني على فعل أشياء لم أكن‬
‫لفعلها لنني عابدة مسبحة ل‪ ،‬وإن ما أمرتني به يخرج عن طاعة ال عز وجل‪ ،‬وسبق أن‬
‫ضربت المثل بقائد الكتيبة الذي يصدر أوامر خاطئة فيطيعه الجنود‪ ،‬فإذا ما عادوا إلى القائد‬
‫العلى شكوا له مما كان قائد الكتيبة يكرههم عليه‪ ،‬كذلك أبعاض الجسم تشهد عليه عند خالقها‬
‫يوم القيامة‪ .‬فإن كنت عابدا مُسبّحا كانت جوارحك معك‪ .‬وإن كنت غير ذلك كانت جوارحك‬
‫ضدك‪ ،‬فاللسان مثلً عابد مسبح في ذاته‪ ،‬فإذا أكرهته على أن يشرك بال فهو ُمكْ َرهٌ في الدنيا‪،‬‬
‫ويصير شاهدا عليك يوم القيامة‪ .‬والحق سبحانه وتعالى ينادي يومئذ قائلً‪ّ {:‬لمَنِ ا ْلمُ ْلكُ الْ َيوْمَ لِلّهِ‬
‫حدِ ا ْل َقهّارِ }[غافر‪.]16 :‬‬
‫ا ْلوَا ِ‬
‫جسٌ { أي‪ :‬أن عقيدتهم الفاسدة تنضح على‬
‫وهنا يقول الحق عز وجل‪ } :‬إِ ّنمَا ا ْلمُشْ ِركُونَ نَ َ‬
‫تصرفاتهم‪ ،‬وسبحانه وتعالى يربب المعاني اليمانية في النفوس أي يزيدها‪ ،‬ومثال ذلك‪ :‬نحن‬
‫نرجم إبليس كمنسك من مناسك الحج‪ ،‬نرجم قطعة من الحجر رمزنا إليها بالشيطان‪ ،‬ونحن ل‬
‫نرى الشيطان‪ ،‬وقد وضعنا له رمزا وأرسينا في أعماقنا أن الشيطان عدو لنا ويجب أن نرجمه‬
‫لنبتعد عن مراداته‪ ،‬وبذلك أبرزنا هذه المعاني في أمر حسي؛ لنوضح للنفس البشرية أن الشيطان‬
‫عدو لنا‪ ،‬وكلما وسوس الشيطان لنا بأمر نرجمه بأن نبين لنفسنا قضايا اليمان الناصعة فيهرب‬
‫منا‪ .‬وكل منا عليه أن يتذكر أن الشيطان سوف يضحك على العاصين والكافرين في يوم القيامة‪،‬‬
‫عوْ ُتكُمْ‬
‫ويقول ما أورده الحق سبحانه وتعالى على لسانه‪َ {:‬ومَا كَانَ ِليَ عَلَ ْي ُكمْ مّن سُ ْلطَانٍ ِإلّ أَن دَ َ‬
‫فَاسْتَجَبْ ُتمْ لِي }[إبراهيم‪.]22 :‬‬
‫وفي هذا القول سخرية ممن صدقوه؛ لن السلطان إما سلطان القهر بأن تأتي لنسان بما هو أكبر‬
‫منه وتقهره على فعل شيء بالقوة‪ ،‬وإما سلطان القناع بأن تقنع إنسانا بأن يفعل شيئا‪ .‬والشيطان‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ليس له سلطان القهر والحجة‪.‬‬
‫جدَ ا ْلحَرَامَ َب ْعدَ عَا ِمهِمْ‬
‫والحق سبحانه وتعالى عندما يقول‪ } :‬إِ ّنمَا ا ْلمُشْ ِركُونَ َنجَسٌ فَلَ َيقْرَبُواْ ا ْلمَسْ ِ‬
‫هَـاذَا { فإنه يوضح لنا أن نجسهم يحتم علينا أن نمنعهم من دخول الماكن التي ل يدخلها إل‬
‫النسان الطاهر‪ .‬وجعل الحق سبحانه وتعالى النجاسة المعنوية مثلها مثل النجاسة المادية‪ ،‬ولذلك‬
‫قال العلماء‪ :‬ما دام الحق قد وصفهم بأنهم نجس فل بد أن يكون فيهم نجس مادي‪ ،‬ولذلك إذا‬
‫اقتربت منهم تجد لهم رائحة غير طيبة‪ ،‬لنهم ل يتطهرون من حدث‪ ،‬ول يغتسلون من جنابة‪.‬‬
‫وعندما ذهبنا إلى الجزائر بعد تحريرها من فرنسا‪ ،‬لم نجد في البيوت حمامات؛ لن الواحد من‬
‫المستعمرين ل يذهب إلى الحمام إل كل عشرين يوما مثلً‪ ،‬لذلك جعلوا الحمامات بعيدا عن‬
‫المساكن‪ ،‬ولكن بعد أن تحررت الجزائر صار في البيوت حمامات؛ لن الثقافة السلمية مبنية‬
‫على الطهارة‪ ،‬ويتوجب على المسلم أنه كلما دخل النسان الحمام تطهر‪ ،‬وكلما كان جنبا اغتسل‪.‬‬
‫ولقد قال البعض‪ :‬لو أنني سلّمت على مشرك ويده رطبة‪ ..‬فل بد أن أغسل يدي‪ .‬فإذا كانت يده‬
‫جافة فيكفي أن أمسح على يدي‪ .‬وفي هذا احتياط وتأكيد على اجتناب هؤلء المشركين‪ .‬وإذا كنا‬
‫نجتنبهم أجسادا وقوالب‪ ،‬أل يجدر بنا أن نجتنبهم قلوبا؟‬
‫وقد أنزل الحق سبحانه وتعالى هذه الية الكريمة في العام التاسع من الهجرة وهو العام الذي‬
‫صدر فيه منع المشركين من القتراب من المسجد الحرام والبراءة من هؤلء المشركين‪ ،‬وتساءل‬
‫العلماء‪ :‬هل الممنوع والمحرم هو اقتراب المشرك من المسجد الحرام‪ ،‬أم من الحرم كله؟ وحدد‬
‫المام الشافعي التحريم على المشركين بالوجود في المسجد الحرام‪ .‬ومع احترامنا لجتهاد المام‬
‫الشافعي نقول‪ :‬إن الحق سبحانه وتعالى قال‪ } :‬فَلَ َيقْرَبُواْ { ولم يقل‪ :‬فل يدخلوا‪ .‬وتحريم‬
‫القتراب يعني أل يكونوا قريبين منه‪ ،‬وأقرب شيء للمسجد الحرام هو كل الحرم‪ ،‬ولو كان المراد‬
‫هو المسجد فقط لمنع الحق دخولهم إليه بالنص على ذلك‪.‬‬
‫وهكذا نرى كيف يمكن أن يجتهد النسان ويبحث في المعاني ليستخرج المضمون الحق‪ .‬ويتابع‬
‫س ْوفَ ُيغْنِيكُمُ اللّهُ مِن َفضْلِهِ إِن شَآءَ إِنّ اللّهَ عَلِيمٌ‬
‫خفْتُمْ عَيْلَةً فَ َ‬
‫المولى سبحانه وتعالى قوله‪ } :‬وَإِنْ ِ‬
‫حكِيمٌ {‪ .‬وفي هذا القول الكريم حديث عن الغيب‪ .‬والغيب ‪ -‬كما عرفنا ‪ -‬هو ما يغيب عنك وعن‬
‫َ‬
‫غيرك‪ ،‬أما الشيء الذي يغيب عنك ول يغيب عن غيرك فل يكون غيبا‪ ،‬فإذا سرق منك مال مثلً‬
‫فأنت ل تعرف من الذي سرق‪ ،‬والسارق في هذه الحالة غيب عنك‪ ،‬ولكنه ليس غيبا عن غيرك؛‬
‫فالسارق يعرف نفسه؛ والذي دبر له الجريمة يعرفه‪ ،‬ومن رآه وستر عليه يعرفه‪ .‬وأنت ‪ -‬أيضا‬
‫ ل تعرف مكان المسروقات‪ ،‬ولكن السارق يعرف المكان الذي خبأها فيه‪.‬‬‫إذن‪ :‬فهي غيب عنك وليست غيبا عن غيرك‪ .‬وهذه لعبة الفاقين والنصابين الذين يُسخّرون‬
‫الجن‪ ،‬فما دام الشيء معروفا ومعلوما لغيرك من الناس؛ فالكشف عنه مسألة سهلة‪ ،‬ولكنّ هناك‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫غيبا عنك وعن غيرك‪ ،‬وهذا هو ما ينفرد به الحق سبحانه وتعالى في قوله سبحانه‪ {:‬عَاِلمُ ا ْلغَ ْيبِ‬
‫ظهِرُ عَلَىا غَيْ ِبهِ أَحَدا * ِإلّ مَنِ ارْ َتضَىا مِن رّسُولٍ‪[} ...‬الجن‪.]27-26 :‬‬
‫فَلَ يُ ْ‬
‫ولكنْ هناك غيبٌ عن الناس جميعا‪ ،‬ولكنه لن يظل غيبا إلى آخر الزمان‪ ،‬فمثلً الكهرباء كانت‬
‫غيبا واكتشفناها‪ ،‬وتفتيت الذرة كان غيبا وعرفناه‪ ،‬وقوانين الجاذبية كانت غيبا ثم دخلت في علم‬
‫النسان فأصبحت معلومة له وليس هذا هو الغيب الذي يقصده ال سبحانه وتعالى في قوله‪} :‬‬
‫عَالِمِ ا ْلغَ ْيبِ { ‪ ،‬فهذا غيب يختص نفسه به‪ ،‬ل تقل‪ :‬إن فلنا يعلم الغيب‪ ،‬ولكن قل‪ :‬إنه مُعلّم غيب‪،‬‬
‫والمسائل الغيبية‪ :‬إما أن يحجبها الزمان أو يحجبها المكان‪ ،‬فالثار المطمورة مثلً‪ ،‬تعبّر عن‬
‫شيء ماض واندثر‪ ،‬وفيه أخبار المم السابقة‪ ،‬ول يعرفها أحد‪ ،‬وستره حجاب الزمن الماضي‪،‬‬
‫إلى أن يتم الكشف عنها ويهيّئ ال لها من يفكّ ألغازها‪.‬‬
‫أما إبلغ ال رسوله من أنباء المم السابقة مما جاء في القرآن الكريم فهو اختراق لحجاب الزمن‬
‫ل َمهُمْ أَ ّيهُمْ َيكْ ُفلُ مَرْيَ َم َومَا كُ ْنتَ لَدَ ْيهِمْ إِذْ‬
‫الماضي‪ ،‬نحو قوله تعالى‪َ {:‬ومَا كُنتَ لَدَ ْي ِهمْ إِذْ يُ ْلقُون َأقْ َ‬
‫صمُونَ }[آل عمران‪.]44 :‬‬
‫يَخْ َت ِ‬
‫لمْ َر َومَا كنتَ مِنَ‬
‫ويقول سبحانه وتعالى‪َ {:‬ومَا كُنتَ بِجَا ِنبِ ا ْلغَرْ ِبيّ إِذْ َقضَيْنَآ إِلَىا مُوسَى ا َ‬
‫الشّا ِهدِينَ * وََلكِنّآ أَنشَأْنَا قُرُونا فَ َتطَا َولَ عَلَ ْي ِهمُ ا ْل ُعمُ ُر َومَا كُنتَ ثَاوِيا فِي أَ ْهلِ مَدْيَنَ‪[} ..‬القصص‪:‬‬
‫‪.]45-44‬‬
‫وقوله سبحانه‪َ } :‬ومَا كُنتَ { في آيات أخرى دليل على أن ال سبحانه وتعالى أخبر رسوله صلى‬
‫ال عليه وسلم بما كان مستورا في الزمن الماضي‪ .‬أما الشيء الذي سوف يحدث في المستقبل‪،‬‬
‫فهو محجوب عنك بحجاب الزمن المستقبل‪ ،‬وقد اخترق القرآن الكريم حجاب المستقبل في آيات‬
‫كثيرة كلها تبدأ بحرف السين‪ ،‬وحرف السين دليل على أن الشيء لم يحدث بعد‪ ،‬وقوله تعالى‪{:‬‬
‫سهِمْ }[فصلت‪.]53 :‬‬
‫ق َوفِي أَنفُ ِ‬
‫سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الفَا ِ‬
‫دليل على أنه من الزمن المستقبل يكشف ال لنا عن آياته الموجودة في الرض‪ ،‬وقوله تعالى‪{:‬‬
‫غلِ َبتِ الرّومُ * فِي أَدْنَى الَ ْرضِ وَهُم مّن َبعْدِ غَلَ ِب ِهمْ سَ َيغْلِبُونَ }[الروم‪.]3-1 :‬‬
‫الـم * ُ‬
‫وهذا اختراق لحجاب المستقبل؛ لن النصر حدث بعد نزول هذه الية بتسع سنوات‪ .‬إذن‪ :‬فالذي‬
‫يحدث في المستقبل محجوب عنك بالزمن المستقبل‪ ،‬ولكن هناك شيئا يحدث في الحاضر ول‬
‫نعرفه وهو محجوب عنك بحجاب المكان‪ ،‬فما يحدث في مكان لست موجودا فيه ل تعرفه‪ ،‬فأنت‬
‫إن كنت جالسا في مكة مثلً‪ ،‬فأنت ل تعرف ما يحدث في المدينة المنورة لنه محجوب عنك‬
‫بحجاب المكان‪ ،‬وهناك أيضا حجاب النفس‪ ،‬أي‪ :‬أن ما يدور في نفسك ل يعرفه أحد غيرك؛ لنه‬
‫محجوب بحجاب النفس‪.‬‬
‫سجِدَ ا ْلحَرَامَ َبعْدَ عَا ِمهِمْ‬
‫وحين يقول الحق سبحانه وتعالى‪ } :‬إِ ّنمَا ا ْلمُشْ ِركُونَ نَجَسٌ فَلَ َيقْرَبُواْ ا ْلمَ ْ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫هَـاذَا { فسبحانه وتعالى يخاطب قوما يريد منهم أن ينفذوا هذا المر‪ ،‬ولكنه سبحانه يعلم السرائر‬
‫التي تستقبل النص‪ .‬مثلما يأتي إنسان ويخبرك أن المخبز القريب من منزلك سوف يغلق فأول ما‬
‫يتبادر إلى ذهنك السؤال‪ :‬ومن أين سنأتي بالخبز؟ أو أن يقال لك‪ " :‬إن الباخرة التي تحمل اللحم‬
‫والخضروات ضلت الطريق " فأول ما يخطر على بالك لحظتها‪ :‬ومن أين نأكل؟‬
‫وكان المشركون يأتون إلى الحج ومعهم أموالهم ويتاجرون وينفقون‪ ،‬هذه الفترة تمثل بالنسبة لمن‬
‫يعيشون حول بين ال الحرام فترة الرواج المادي الذي يعيشون عليه طوال العام‪.‬‬
‫جدَ ا ْلحَرَامَ َب ْعدَ‬
‫فإذا كان الحق سبحانه وتعالى يقول لهم‪ } :‬إِ ّنمَا ا ْلمُشْ ِركُونَ َنجَسٌ فَلَ َيقْرَبُواْ ا ْلمَسْ ِ‬
‫عَا ِمهِمْ هَـاذَا { فأي شيء يختلج في نفوس المسلمين؟ ل بد أن يدور في أعماقهم السؤال‪ :‬ومن‬
‫الذي سيشتري بضائعنا؟ لكن هل ترك ال عز وجل مثل هذا القول دون أن يرد عليه؟ ل‪ ،‬فقد رد‬
‫س ْوفَ ُيغْنِيكُمُ اللّهُ مِن َفضْلِهِ إِن شَآءَ {‪.‬‬
‫خفْتُمْ عَيْلَةً فَ َ‬
‫على التساؤل بقوله تعالى‪ } :‬وَإِنْ ِ‬
‫وهكذا كشف ال حجاب النفس‪ ،‬وردّ على ما سيدور في نفوس المؤمنين في نفس الية التي حرم‬
‫فيها على المشركين أن يقتربوا من المسجد الحرام‪ ،‬ولم ينتظر الحق سبحانه وتعالى حتى يعلن‬
‫المؤمنون ما في أنفسهم‪ ،‬بل رد على ما يجول بخواطرهم قبل أن يعلنوه‪.‬‬
‫وحين يكشف ال عز وجل حجاب النفس بهذا الشكل‪ ،‬فالمؤمن الذكي يقول‪ :‬هذا ما جاء في بالي‪.‬‬
‫ولطمئن لنه عرف ما بنفسي فسوف يرزقني‪ .‬ولو لم يأت ذلك في بالهم َلكَذّبوا النص‪ .‬ولو كذبوا‬
‫النص لما بقوا على اليمان‪ ،‬وما داموا قد َب َقوْا على اليمان فقد جاء النص معبرا عما يجول‬
‫بأنفسهم تماما‪.‬‬
‫وال سبحانه وتعالى كشف حجاب النفس في آيات كثيرة في القرآن الكريم‪ ،‬منها قوله تعالى عن‬
‫س ِهمْ َل ْولَ ُيعَذّبُنَا اللّهُ ِبمَا َنقُولُ }[المجادلة‪.]8 :‬‬
‫المنافقين والكفار‪ {:‬وَ َيقُولُونَ فِي أَنفُ ِ‬
‫وقول النفس ل يسمعه أحد‪ ،‬ولو أن هؤلء لم يقولوا هذا في أنفسهم لقالوا‪ :‬وال ما خطر ذلك في‬
‫نفوسنا‪ .‬ولنهم قالوه في أنفسهم فقد ُبهِتُوا لكشف القرآن الكريم لما يدور داخل أنفسهم‪ .‬ولقد رد‬
‫ال سبحانه وتعالى في الية الكريمة على ما سيدور في خواطر المؤمنين عندما يستمعون إليها‪،‬‬
‫فلم ينتظر الحق سبحانه وتعالى حتى يشكو المؤمنون لرسول ال صلى ال عليه وسلم خوفهم الفقر‬
‫وقلة الرزق‪ ،‬بل أجاب سبحانه وتعالى على ذلك قبل أن يخطر على بالهم‪ .‬فكأن الحق سبحانه‬
‫وتعالى يُشرّع حتى للخواطر قبل أن تخطر على البال‪ ،‬ول يترك المور حتى تقع ثم يُشرّع لها‪.‬‬
‫خفْتُمْ عَيْلَةً { والعيلة هي الفقر‪ ،‬ويتابع الحق جل وعل‪} :‬‬
‫وهنا يقول المولى سبحانه وتعالى‪ } :‬وَإِنْ ِ‬
‫س ْوفَ { وهي‬
‫س ْوفَ ُيغْنِيكُمُ اللّهُ مِن َفضْلِهِ إِن شَآءَ { ‪ ،‬ولم يقل الحق " سيغنيكم " بل قال‪ } :‬فَ َ‬
‫فَ َ‬
‫تقتضي زمنا سيمر ولكنه زمن قريب؛ لن الخير الذي سيأتي له أسباب كثيرة كفيلة بتحقيقه كأن‬
‫يعوضهم ال عما كان يأتي به الكفار بأن تمطر السماء مطرا فينبت النبات‪ ،‬وهذه تحتاج إلى‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫زمن‪ ،‬وأن يأخذوا بالسباب بأن يروج لهم تجارة على غير المشركين‪ ،‬أو يكشف لهم من كنوز‬
‫س ْوفَ {‪ .‬والسباب تحتاج إلى وقت‪ ،‬فنزلت المطار قرب جدة‬
‫الرض ما يغنيهم‪ .‬ولذلك قال‪ } :‬فَ َ‬
‫التي أسلمت ونبت الزرع في وادي خليط‪ ،‬وتبالي باليمن وجرش وصنعاء‪ ،‬وجاءت أحمال البعير‬
‫بالخير لهل مكة وحدثت الفتوحات السلمية‪ ،‬فجاء الخير من الجزية والخراج‪ .‬وهكذا نرى أن }‬
‫س ْوفَ { امتدت لمراحل كثيرة‪ ،‬وما زالت موجودة ممتدة حتى الن‪.‬‬
‫فَ َ‬
‫خفْتُمْ‬
‫إذن‪ :‬فقد أخذت المد الطويل‪ .‬على أننا ل بد نلتفت إلى قول الحق سبحانه وتعالى‪ } :‬وَإِنْ ِ‬
‫عَيْلَةً { هي حيثية بأن المؤمن عليه أل يتهاون في أمر دينه رغبة في تحقيق أمر من أمور الدنيا‪،‬‬
‫فكل من يرتكب معصية خوفا من أن تضيع منه فائدة مادية أو دنيوية‪ ،‬كأن يخشى قول الحق خوفا‬
‫من أن يضيع منع منصبه‪ ،‬أو يغضب عليه صاحب العمل فيطرده من وظيفته‪ ،‬نقول له‪ :‬ل عذر‬
‫س ْوفَ ُيغْنِيكُمُ اللّهُ مِن َفضْلِهِ {‪.‬‬
‫خفْتُمْ عَيْلَةً فَ َ‬
‫لك؛ لن ال سبحانه وتعالى قال‪ } :‬وَإِنْ ِ‬
‫وحيث إن الرزق من عند ال سبحانه وتعالى‪ ،‬وهذا هو كلم ال عز وجل‪ ،‬فل عذر لحد أن‬
‫يرتكب معصية بحجة المحافظة على رزقه‪ ،‬أو بحجة أنه يدفع الفقر عن نفسه وبيته وأولده‪.‬‬
‫على أن قوله تعالى‪ } :‬إِن شَآءَ { قد تجعل النسان يظن أن الزمن سوف يباعد بينه وبين الرزق؛‬
‫لنه سبحانه قد يشاء أو ل يشاء‪ ،‬فكيف يكون هذا المر وهو سبحانه أراد بالية طمأنة المسلمين‪.‬‬
‫س ْوفَ ُيغْنِيكُمُ اللّهُ مِن َفضْلِهِ {‬
‫خفْتُمْ عَ ْيلَةً فَ َ‬
‫وإذا كان ال قد قال‪ } :‬وَإِنْ ِ‬
‫فإننا نقول‪ :‬إن الحق سبحانه وتعالى يريد الصلة الدائمة بعبده وأل يفسد على العبد الرجاء الدائم‬
‫في ال تعالى‪ .‬وقوله عز وجل‪ } :‬إِن شَآءَ { هو إبقاء لهذا الرجاء؛ لن العبد سيظل في رجاء إلى‬
‫ال عز وجل فيظل ال تعالى في باله؛ ولنه سيطلب دائما رضا ال فإن هذا يجعله يبتعد عن‬
‫المعصية ويتمسك بالطاعة‪.‬‬
‫وفوق ذلك كله‪ ،‬فإن الحق تبارك وتعالى له طلقة القدرة في كونه‪ ،‬فقدر ال وقضاؤه ليسا حجة‬
‫على ال سبحانه وتعالى تقيد مشيئته سبحانه‪ ،‬فمشيئة ال مطلقة ل يقيدها حتى قدر ال‪ .‬فهو إن‬
‫شاء حدث القدر‪ .‬وإن شاء لم يحدث‪ .‬وهكذا تظل طلقة قدرة ال في كونه‪.‬‬
‫وبعض العارفين بال قد يكشف لهم ال لمحة من لمحات الغيب‪ ،‬فيخبر الواحد منهم الناس‪ ،‬فيخلف‬
‫ال سبحانه وتعالى ما كشفه؛ حتى يظل ال وحده عالم الغيب؛ فما دام ذلك اصطفاه ال بغيب أطلع‬
‫الناس عليه‪ .‬فسبحانه يُغيّر أحداث الغيب ول يعطي لذلك الشخص خبرا عن أي غيب آخر‪.‬‬
‫إذن فكلمة‪ } :‬إِن شَآءَ { هي إثبات لطلقة قدرة ال في كونه‪ ،‬فإن شاء أعطاكم‪ ،‬وإن شاء لم‬
‫ُيعْطِكم‪ ،‬فالعطاء له حكمة‪ ،‬والمنع له حكمة‪ ،‬فقد يفتري البعض بالنعمة فيحجبها الحق عنهم‪،‬‬
‫وهذا ما حدث في كثير من البلد التي طغت وكفرت بنعمة ال عليها؛ لنه سبحانه لو ترك النعمة‬
‫هكذا بدون ضوابط لستشرى في تلك البلد الفساد والمعاصي‪ ،‬إذن‪ :‬فالمشيئة تقتضي إعطاءً‪ ،‬أو‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫منعا‪ ،‬والعطاء له حكمة‪ ،‬والمنع له حكمة؛ لن الحق سبحانه وتعالى يعامل خلقه على أنهم من‬
‫الغيار القُلّب؛ منهم من يأتيه النعمة فتطغيه‪ ،‬ولذلك يقول سبحانه وتعالى‪:‬‬
‫لهُ َفقَدَرَ عَلَيْهِ‬
‫لهُ رَبّهُ فََأكْ َرمَ ُه وَ َن ّعمَهُ فَ َيقُولُ رَبّي َأكْ َرمَنِ * وََأمّآ ِإذَا مَا ابْتَ َ‬
‫{ فََأمّا الِنسَانُ ِإذَا مَا ابْتَ َ‬
‫رِ ْزقَهُ فَ َيقُولُ رَبّي أَهَانَنِ }[الفجر‪.]16-15 :‬‬
‫أي‪ :‬أن النسان إذا أنعم ال تعالى عليه‪ ،‬عدّ هذا كرما من ال عز وجل‪ ،‬وإذا ما ضيق ال عليه‬
‫الرزق اعتبر ذلك إهانة وعدم رضا من ال‪.‬‬
‫ويرد ال تبارك وتعالى ليصحح المفهوم فيقول‪:‬‬
‫} كَلّ { أي ل المال دليل على الكرام‪ ،‬ول قلة المال دليل على الهانة‪ {.‬كَلّ بَل لّ ُتكْ ِرمُونَ الْيَتِيمَ‬
‫جمّا }‬
‫سكِينِ * وَتَ ْأكُلُونَ التّرَاثَ َأكْلً ّلمّا * وَتُحِبّونَ ا ْلمَالَ حُبّا َ‬
‫طعَامِ ا ْلمِ ْ‬
‫* َولَ َتحَآضّونَ عَلَىا َ‬
‫[الفجر‪.]20-17 :‬‬
‫إذن‪ :‬فالمال إذا جاء ليطغيك يكون نقمة عليك وليس نعمة لك‪ ،‬وإذا كانت قلة المال تمنع طغيانك‬
‫طغَىا * أَن رّآهُ اسْ َتغْنَىا }‬
‫ن الِنسَانَ لَ َي ْ‬
‫فهي نعمة وليست نقمة‪ .‬ولذلك قال تبارك وتعالى‪ {:‬كَلّ إِ ّ‬
‫[العلق‪.]7-6 :‬‬
‫قد يمنع عنك المال الذي إن وصل إليك غرّك فتحسب أنك في غنى عن ال تعالى وتطغى‪ ،‬وهذا‬
‫سوْفَ ُيغْنِيكُمُ اللّهُ مِن َفضْلِهِ إِن شَآءَ { هو‬
‫المنع نعمة وليس نقمة‪ ،‬إذن فقوله تبارك وتعالى‪َ } :‬ف َ‬
‫إبقاء لطلقة القدرة في الكون حتى يكون الغناء ل بالمادة وحدها ول بالمال وحده‪ ،‬ولكن بالقيم‬
‫أيضا‪ ،‬فل يذهب المال قيم السماء ول يبعد عن منهج ال‪.‬‬
‫وقوله سبحانه وتعالى‪ } :‬إِن شَآءَ { يعني‪ :‬أنه سبحانه إن شاء أعطى‪ ،‬وإن شاء منع‪ ،‬فل مانع لنا‬
‫أعطى‪ ،‬ول معطي لما منع‪ ،‬وهي طلقة المشيئة‪ ،‬في حدود حكمة ال عز وجل‪ ،‬فل تقل حين‬
‫سوْفَ ُيغْنِيكُمُ اللّهُ مِن َفضْلِهِ { لن الغناء كما يكون بالمادة‪ ،‬يكون‬
‫يمنع‪ :‬إنه لم يحقق قوله‪َ } :‬ف َ‬
‫حكِيمٌ { أي‪ :‬عليم بالمر الذي‬
‫أيضا إغناء بالقيم‪ .‬ويؤكد هذا َقوْله سبحانه وتعالى‪ } :‬إِنّ اللّهَ عَلِيمٌ َ‬
‫يصلح لكم‪ ،‬حكيم في وضع العطاء في موضعه والمنع في موضعه‪.‬‬
‫ن لَ ُي ْؤمِنُونَ بِاللّ ِه َولَ بِالْ َيوْمِ الخِرِ وَلَ يُحَ ّرمُونَ مَا حَرّمَ اللّهُ‬
‫ثم يقول الحق بعد ذلك‪ } :‬قَاتِلُواْ الّذِي َ‬
‫وَرَسُولُ ُه َولَ َيدِينُونَ دِينَ ا ْلحَقّ‪{ ...‬‬

‫(‪)1250 /‬‬
‫قَاتِلُوا الّذِينَ لَا ُي ْؤمِنُونَ بِاللّهِ وَلَا بِالْ َيوْمِ الَْآخِ ِر وَلَا يُحَ ّرمُونَ مَا حَرّمَ اللّهُ وَرَسُولُ ُه وَلَا يَدِينُونَ دِينَ‬
‫حقّ مِنَ الّذِينَ أُوتُوا ا ْلكِتَابَ حَتّى ُيعْطُوا الْجِزْ َيةَ عَنْ َي ٍد وَهُ ْم صَاغِرُونَ (‪)29‬‬
‫الْ َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وهنا يعود الحق سبحانه وتعالى إلى التحدث عن القتال‪ ،‬ونعلم أن الذين تحدث عنهم المولى‬
‫سبحانه في هذه السورة‪ ،‬هم المشركون وأحوالهم‪ ،‬والمر بإلغاء المعاهدة معهم‪ ،‬وإبعاد ذواتهم عن‬
‫المسجد الحرام‪ ،‬وتقتيل من يحاول البقاء منهم ليحض على الشرك؛ حتى ل يجتمع في جزيرة‬
‫العرب دينان‪.‬‬
‫وعرفنا من قبل السبب‪ ،‬وأما الذين يتحدث عنهم ال في هذه الية فهم غيرهم‪ ...‬فرغم أن الحق‬
‫سبحانه وتعالى أرسل لمشركي العرب محمدا صلى ال عليه وسلم وهو رسول من أنفسهم‪ ،‬فهم‬
‫يعرفونه حق المعرفة‪ ،‬كما أن المعجزة التي جاء بها صلى ال عليه وسلم من جنس فصاحتهم‪،‬‬
‫فإذا كذبوه فهم مخطئون‪ ،‬ورغم هذا كذبوه ولم يؤمنوا به‪ ،‬أما خارج الجزيرة فالرسول ليس منهم‪،‬‬
‫والقرآن لم ينزل بلغتهم‪ ،‬وكان عليهم أن يأخذوا من المنهج التطبيق المناسب‪ .‬وهكذا نرى أن‬
‫مصادمة اليمان لم تكن من مشركي مكة فقط‪ ،‬بل كانت أيضا من بعض يهود المدينة وبعض من‬
‫نصارى نجران‪ ،‬وإذا كان الحق سبحانه وتعالى قد حدد في هذه السورة موقف اليمان من‬
‫المشركين به‪ ،‬فقد أراد أيضا أن يحدد موقف اليمان من أهل الكتاب‪.‬‬
‫ونحن نعرف أن هناك فرقا بين أهل الشرك وأهل الكتاب‪ ،‬فالمشركون لم يكونوا يؤمنون بال إلها‬
‫واحدا بل معه شركاء‪ ،‬ولكن أهل الكتاب يؤمنون بالله ويؤمنون برسول وكتاب سماوي‪ ،‬وهم‬
‫بذلك أقرب إلى اليمان‪ .‬ولذلك نجد القرآن الكريم يعرض لنا مثل هذه القضية كطبيعة فطرية‪،‬‬
‫فنجد أن النبي صلى ال عليه وسلم قد حزن هو وصحابته حين غُلِبتْ الروم في أدنى الرض‪.‬‬
‫لماذا حزن الرسول صلى ال عليه وسلم وهو يعلم أن الروم سيقفون أيضا ضده؟ لقد حزن صلى‬
‫ال عليه وسلم لنهم يؤمنون أن للكون خالقا واحدا وأن له رسلً يوحي إليهم وأن له كتبا منزلة‪،‬‬
‫لكن المر يختلف بالنسبة للمشركين‪ ،‬فهم يكفرون بال وهذا قمة الكفر‪ .‬صحيح أن بعضا من أهل‬
‫الكتاب وقفوا مع المشركين في موقف العداء لرسول ال‪ ،‬لكن قلبه صلى ال عليه وسلم معهم‬
‫لنهم أهل إيمان بالقمة‪ .‬ويُسَرّي الحق عن رسوله صلى ال عليه وسلم فيقول‪ {:‬الـم * غُلِ َبتِ‬
‫ض وَهُم مّن َب ْعدِ غَلَ ِبهِمْ سَ َيغْلِبُونَ }[الروم‪.]3 - 1 :‬‬
‫الرّومُ * فِي أَدْنَى الَ ْر ِ‬
‫وهنا يبرز سؤال يقول‪ :‬متى سيغلبون؟ تأتي الجابة من الحق تبارك وتعالى‪ {:‬فِي ِبضْعِ سِنِينَ }‬
‫[الروم‪.]4 :‬‬
‫والبضع بالنسبة للزمن هو فترة تتراوح من ثلث لتسع سنوات‪ ،‬ولم يحدد الحق سبحانه وتعالى‬
‫البضع هنا؛ لن المعارك لها أوليات ونهايات‪ ،‬لهذا جاء قول الحق تبارك وتعالى مراعيا لما‬
‫تستغرقه هذه المراحل كلها‪ ،‬وجاء القول بأن نصر الروم على الفرس سوف يأتي بعد بضع سنين‪.‬‬
‫وبال قولوا لي‪ :‬كيف يتحكم نبي أمي في جزيرة تسكنها أمة أمية‪ ،‬ول علم لهذا الرسول بأخبار‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫المم وكيف لهذا النبي أن يأتي بأخبار نصر أمة على أخرى؟ ويظل هذا الخبر في الكتاب الذي‬
‫يحمل منهج رسالته قرآنا يُتْلَى ويتعبد به إلى قيام الساعة؟ لقد قالها بثقة في حدوث ما جاء في‬
‫القرآن في المستقبل القريب؛ لنها جاءته عن ربه‪ ،‬وهو واثق أن قائل هذا الخبر قادر على إنفاذ‬
‫ما يقول‪.‬‬
‫وإل‪ ،‬فماذا كان يحدث لو أن الرسول صلى ال عليه وسلم قال ذلك ثم مر بضع سنين ولم يأت‬
‫نصر الروم؟ وماذا يكون موقف الذين آمنوا به كرسول من عند ال؟‬
‫إذن‪ :‬هو صلى ال عليه وسلم لم يكن ليجازف وينطقها إل بثقة في أن القائل هو الحق سبحانه‬
‫الذي شاء أن ينزل بالخبر في آية قرآنية تُتلى‪ ،‬وتُكتب‪ ،‬وتُحفظ‪ ،‬و ُيصَلّى بها في كل وقت إلى أن‬
‫تقوم الساعة‪ .‬وينزلها سبحانه على محمد صلى ال عليه وسلم وقت أن كان ضعيفا ل يعرف‬
‫ميزان القوي‪ ،‬ول يعلم هل ستستعد الروم لتنتصر أو ل؟‬
‫ثم ألم يكن من الممكن أن يتصالح الروم والفرس؟ كل ذلك لم يكن في حسبان محمد صلى ال‬
‫عليه وسلم؛ لن الخبر جاء من ال وسبحانه القادر على إنفاذ ما يقول‪.‬‬
‫ألم يكن هناك إخبار عن أمور خالفت النواميس؟ نعم كانت هناك أمور خارجة عن النواميس وجاء‬
‫بها الخبر من ال سبحانه وتعالى‪ ..‬ألم يقل زكريا عليه السلم حين ُبشّر بالولد‪ {:‬قَالَ َربّ أَنّىا‬
‫ل ٌم َوكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرا َوقَدْ بََل ْغتُ مِنَ ا ْلكِبَرِ عِتِيّا * قَالَ كَذاِلكَ قَالَ رَ ّبكَ ُهوَ عََليّ‬
‫َيكُونُ لِي غُ َ‬
‫ل وَلَمْ َتكُ شَيْئا }[مريم‪.]9-8 :‬‬
‫ن َوقَدْ خََلقْ ُتكَ مِن قَ ْب ُ‬
‫هَيّ ٌ‬
‫أي‪ :‬ما دام ال سبحانه وتعالى قد قال فقد تأكد الحدوث‪.‬‬
‫وكان المؤمنون أقرب إلى الروم لنهم أهل كتاب؛ ولن لهم صلة بالسماء‪ ،‬ومن له صلة بالسماء‬
‫يمتلئ بالحنين إلى أخبار السماء‪ ،‬ويتسمع أخبار المؤمنين في القمة العقدية‪ .‬ومن العجيب أن هذه‬
‫الية تصدق في الروم وفارس‪ ،‬فينتصر الروم على الفرس‪ ،‬وتصدق في محمد صلى ال عليه‬
‫وسلم وأصحابه‪ ،‬فينتصر رسول ال وأصحابه في بدر‪ .‬ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى‪ {:‬وَ َي ْومَئِذٍ‬
‫َيفْرَحُ ا ْل ُمؤْمِنُونَ * بِ َنصْرِ اللّهِ‪[} ..‬الروم‪.]5-4 :‬‬
‫وفي الية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق تبارك وتعالى‪:‬‬
‫ن لَ ُي ْؤمِنُونَ بِاللّ ِه وَلَ بِالْ َيوْ ِم الخِ ِر َولَ ُيحَ ّرمُونَ مَا حَرّمَ اللّ ُه وَرَسُولُ ُه َولَ يَدِينُونَ دِينَ‬
‫} قَاتِلُواْ الّذِي َ‬
‫حقّ مِنَ الّذِينَ أُوتُواْ ا ْلكِتَابَ حَتّىا ُيعْطُواْ ا ْلجِزْيَةَ عَن َي ٍد وَهُ ْم صَاغِرُونَ { [التوبة‪.]29 :‬‬
‫الْ َ‬
‫ونلحظ أن الحق سبحانه وتعالى قد وصفهم هنا بأنهم ل يؤمنون بال مع أنهم أهل إيمان‪ .‬والمعنى‬
‫أنهم ل يؤمنون بال اليمان الذي يعطي ال جلل الصفات وكمالها؛ لن بعضهم قال‪ :‬إن ال له‬
‫ابن اسمه عزير‪ ،‬وقال البعض الخر‪ :‬المسيح ابن ال‪ ،‬إذن فهم لم يؤمنوا بال حق اليمان تسبيحا‬
‫عمّا ل يليق بها‪ ،‬وكذلك يختلف إيمانهم باليوم الخر عن اليمان الحق به‪،‬‬
‫وتنزيها لذاته الكريمة َ‬
‫إنه إيمان ل يتفق مع مرادات ال تعالى؛ فهم يقولون مثلً‪ :‬إن النعيم في الخرة ليس ماديا ولكنه‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫نعيم روحي‪.‬‬
‫ونقول‪ :‬عندما يحدثنا ال عن نعيم الخرة فل بد أن نعرف هذا النعيم حتى نفهم المعنى‪ ،‬ونتساءل‪:‬‬
‫ما هو النعيم الروحي؟ هل النعيم الروحي هو خواطر في النفس فقط ل علقة لها بالحقيقة؟ أيكون‬
‫هذا هو نعيم الخرة؟‬
‫لقد أوضح المولى سبحانه وتعالى بما ل يدع مجالً للظن أو الشك أنه قد أعد جنة للمؤمنين وأعد‬
‫نارا للكافرين‪ ،‬وحكى لنا الحق سبحانه وتعالى عن هذه الحياة بما فيها من ثواب ومن عقاب؛ بما‬
‫يقنعنا أن فيها نعيمًا مثل الذي نعرفه‪ ،‬فإذا كان هذا النعيم روحيا ونحن ل نعرف النعيم الروحي‬
‫ول نعلم شيئا عنه‪ ،‬فكيف يغرينا ال عز وجل بشيء ل نعلمة؟ إذن‪ :‬فإيمان هؤلء الناس باليوم‬
‫الخر ليس إيمانا كما يريده ال‪.‬‬
‫فسبحانه حين يحدثنا عن الجنة إنما يحدثنا عن أشياء من جنس ما نعرف وليس من جنس ما ل‬
‫نعرف‪ .‬وصحيح أن ال سبحانه وتعالى قد بيّن لنا بعض صور النعيم في الجنة‪ ،‬وقال‪ :‬إنها مثل‬
‫كذا وكذا‪ .‬قال الحق جل جلله‪ {:‬مّ َثلُ الْجَنّةِ الّتِي وُعِدَ ا ْلمُ ّتقُونَ َتجْرِي مِن تَحْ ِتهَا الَ ْنهَارُ ُأكُُلهَا دَآئِمٌ‬
‫عقْبَىا الّذِينَ ا ّتقَو ْا وّعُقْبَى ا ْلكَافِرِينَ النّارُ }[الرعد‪.]35 :‬‬
‫وِظِّلهَا تِ ْلكَ ُ‬
‫إذن‪ :‬فال عز وجل يعطي مثلً فقط‪ .‬ومعلوم أن اللفظ في اللغة ل بد أن يوضع لمعنى معروف‪.‬‬
‫ولذلك فعندما يحدثنا ال عن نعيم الجنة ل بد أن يحدثنا بكلم نعرف معانيه‪ .‬ورسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم قال عن الجنة‪ " :‬فيها ما ل عين رأت‪ ،‬ول أذن سمعت‪ ،‬ول خطر على قلب بشر "‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فل توجد في اللغة ألفاظ تعبر عن نعيم الجنة؛ لن المعنى غير معروف لنا‪ ،‬ولكن ال أراد‬
‫أن يحببنا فيها فأعطانا صورة نفهمها عن النعيم‪ ،‬فيقول عز وجل‪ } :‬مّ َثلُ الْجَنّةِ { وهو يريدنا أن‬
‫نعرف أن فيها نعيما خاليا من كل المنغصات التي تكون في المثل‪ .‬فمثلً الخمر في الدنيا فيها‬
‫خصلتان؛ الولى أنها تغتال العقول والثانية‪ :‬أنها ل تشرب بقصد اللذة‪ ،‬والذي يشرب الخمر ل‬
‫يشربها مثلما يشرب كوب عصير المانجو أو عصير الليمون الذي يستطعمه ويشربه على مهل‪،‬‬
‫ولكنه يسكب الكأس في فمه دفعة واحدة؛ لن طعمها غير مستساغ وليقلل زمن مرور الخمر على‬
‫الحس الذائق‪ ،‬ومعنى هذا أن طعمها غير مستطاب‪ ،‬ثم إنها تذهب بوعي الشارب لها فيفقد‬
‫السيطرة على سلوكه‪ ،‬ويعتذر في الصباح عما فعل أثناء احتسائه للخمر ويقول خجلً‪ " :‬لم أدر‬
‫غوْل فيها‪.‬‬
‫موقع رأسي من موقع قدمي " هذه خمر الدنيا‪ ،‬ولكن الخمر في الجنة ل َ‬
‫‪ .‬أي‪ :‬ل تغتال العقول‪ ،‬حلوة المذاق‪ ،‬ولذلك يصفها ال سبحانه وتعالى بقوله‪ {:‬لّ ّذةٍ لّلشّارِبِينَ }‬
‫[محمد‪.]15 :‬‬
‫أي‪ :‬أنها مختلفة تماما عن تلك الخمر التي حرمها ال في الدنيا‪ .‬وتتجلى الحكمة في معنى‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الستطعام في قول رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ " :‬ثلث من كُنّ فيه وجد بهنّ طعم اليمان‪:‬‬
‫من كان ال ورسوله أحب إليه مما سواهما‪ ،‬ومن أحب عبدا ل يحبه إل ل‪ ،‬ومن يكره أن يعود‬
‫في الكفر بعد أن أنقذه ال منه كما يكره أن يُ ْلقَى في النار "‪.‬‬
‫ومن رحمة ال تعالى بخلقه أنه لم يجعل الطعام وقودا للطاقة فقط‪ ،‬بل يغري الناس على وقود‬
‫الطاقة لستبقاء الحياة بأن يستلذ النسان الطعام‪ ،‬ويطيل أمد اللذة ساعة تناوله‪ ،‬ل أن ينتظر النفع‬
‫بعد أن يهضم الطعام‪ .‬فكأن اليمان ل يستمر إل لمن يحب في ال ويكره في ال؛ فذلك يعطيه‬
‫الطاقة التي تستبقي إيمانه‪ ،‬كما تستبقي طاقة الطعام حياة النسان‪ .‬وشاء ال سبحانه وتعالى أن‬
‫يعطينا في تصوير الجنة المثل لما في الجنة‪ ،‬ل بتشخيص وتحديد لما في الجنة فعلً‪ ،‬ويقول‬
‫خفِيَ َلهُم مّن قُ ّرةِ أَعْيُنٍ جَزَآءً ِبمَا كَانُواْ َي ْعمَلُونَ }[السجدة‪.]17 :‬‬
‫سبحانه وتعالى‪ {:‬فَلَ َتعْلَمُ َنفْسٌ مّآ ُأ ْ‬
‫وإذا كانت النفس ل تعلم شيئا‪ ،‬فهي ل تملك ألفاظا تضع فيها ما ل تعلمه‪ ،‬فإذا خاطبها ال تعالى‬
‫بواقع الجنة فهي لن تفهم‪ ،‬لذلك شاء الحق تبارك وتعالى أن يخاطبها بواقع المثل‪ ،‬فيقول عز‬
‫عمِلُواْ الصّالِحَاتِ أَنّ َل ُهمْ جَنّاتٍ َتجْرِي مِن تَحْ ِتهَا الَ ْنهَارُ كُّلمَا رُ ِزقُواْ‬
‫وجل‪ {:‬وَبَشّرِ الّذِين آمَنُو ْا وَ َ‬
‫طهّ َرةٌ‬
‫مِ ْنهَا مِن َثمَ َرةٍ رّزْقا قَالُواْ هَـاذَا الّذِي رُ ِزقْنَا مِن قَ ْبلُ وَأُتُواْ ِبهِ مُتَشَابِها وََلهُمْ فِيهَآ أَ ْزوَاجٌ مّ َ‬
‫وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }[البقرة‪.]25 :‬‬
‫إذن‪ :‬فهو رزق يشبه الرزق الموجود في الدنيا ولكن ليس هو‪ ،‬أما أن يقال‪ :‬إن نعيم الجنة هو‬
‫النعيم الروحي أو نعيم الخواطر أو ما نسميه آمال النفس‪ ،‬كأن يتخيل إنسان جائع أنه أكل كمية‬
‫كبيرة من اللحم أو السمك؛ فتسعد روحه بذلك من غير واقع يحدث‪ ،‬فكل هذا غير حقيقي‪ ،‬ولكنهم‬
‫يقولون هذا الكلم؛ لنهم إذا ما تصوروا نعيم الجنة كالخواطر‪ ،‬فسوف يكون عذاب النار مقابلً‬
‫أيضا لنعيم الجنة‪ ،‬أي سيكون عذاب الخواطر‪ ،‬وفي هذا تصور لعذاب سهل؛ لنهم يخافون عذاب‬
‫النار فيريدونه عذابا روحيا‪.‬‬
‫ولكن الحساس بالنعيم والعذاب ل بد أن يكون له واقع يشبهه في الدنيا‪ ،‬وإل ما وُجِد في أنفسنا ما‬
‫يجعلنا نرغب في نعيم الجنة ونخاف من عذاب النار‪.‬‬
‫لذلك فإن نعيم الجنة حق‪ ،‬وعذاب النار حق‪ .‬وشاء ال سبحانه أن يصفي النعيم من كل الشوائب‪،‬‬
‫سلٍ ّمصَفّى }[محمد‪.]15 :‬‬
‫فقال عز وجل عن أنهار الجنة‪ {:‬وَأَ ْنهَارٌ مّنْ عَ َ‬
‫أي‪ :‬ليس فيه كل الشوائب الموجودة في عسل الدنيا‪ .‬وكذلك قال عن لبن الجنة‪ {:‬وَأَ ْنهَارٌ مّن لّبَنٍ‬
‫ط ْعمُهُ }[محمد‪.]15 :‬‬
‫لّمْ يَ َتغَيّرْ َ‬
‫ط ْعمُهُ { لها عند العرب أيام رسول ال صلى ال عليه وسلم معنى؛ لن العربي‬
‫وكلمة } لّمْ يَ َتغَيّرْ َ‬
‫كان يحلب الجمال ويضع ألبانها في الواني‪ ،‬وكان اللبن يتغير طعمه ويصير حامضا‪ ،‬لكنه كان‬
‫ط ْعمُهُ { فهو يعطيه المثل من‬
‫مضطرا أن يشربه؛ لذلك فحين يسمع } وَأَ ْنهَارٌ مّن لّبَنٍ لّمْ يَ َتغَيّرْ َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫حياته‪ ،‬بعد أن ينقيه من كل الشوا ِئبِ التي تفسد طعم اللبن في الحياة الدنيا‪.‬‬
‫ن لَ ُي ْؤمِنُونَ بِاللّهِ { أي اليمان الواجب بعظمة ال‬
‫وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى‪ } :‬قَاتِلُواْ الّذِي َ‬
‫وتنزيهه‪ .‬واليهود يؤمنون إيمانا إجماليا بال‪ ،‬ولكنهم يُجسّمونه ويقولون‪ :‬إنه جلس على صخرة‬
‫ومد قدميه في قصعة من الزمرد ثم استنكف ال أن يمده لبني إسرائيل‪ ،‬وهذا تصوير ل يليق‬
‫بكمال ال ول بذاته المقدسة‪ ،‬وهذا خطأ في التصوير‪ .‬وكذلك كان خطؤهم في تصور نعيم الجنة‬
‫وعذاب النار‪ ،‬وبذلك لم يؤمنوا إيمانا حقا باليوم الخر‪ ،‬ولهذا جاء قول الحق‪ } :‬وَلَ بِالْ َيوْمِ الخِرِ‬
‫{ وهم لم يقفوا فقط ضد السلم كمنهج‪ ،‬بل وقفوا أيضا من أديانهم مثل هذا الموقف‪ ،‬ويقول‬
‫المولى سبحانه وتعالى‪:‬‬
‫} َولَ يُحَ ّرمُونَ مَا حَرّمَ اللّ ُه وَرَسُولُهُ {‬
‫وهم كأهل كتاب حرفوا وبدلوا في دينهم فأحلوا ما حرم ال‪ .‬ولذلك يقول سبحانه‪َ } :‬ولَ يَدِينُونَ‬
‫دِينَ ا ْلحَقّ {‬
‫والحق ‪ -‬كما نعلم ‪ -‬هو الشيء الثابت الذي ل يتغير‪ .‬وإذا نظرنا إلى كل رسول في عصره؛‬
‫نجده قد جاء بالحق‪ ،‬وإذا جاء رسول من بعده فهو ل ينسخ العقائد‪ ،‬ولكنه ينسخ في الحكام‪،‬‬
‫وهكذا نعلم أن كل رسول جاء بالعقائد الثابتة وبالحكام التي تناسب الزمان إلى أن بعث ال محمدا‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فكان النبي الخاتم إلى أن تقوم الساعة‪ ،‬ول بد أن يكون الحق الذي جاء به‬
‫هو الحق الثابت الذي ل يتغير؛ لنه خاتم النبياء والمرسلين فل رسول بعده‪ ،‬إذن فقوله‪َ } :‬ولَ‬
‫حقّ مِنَ الّذِينَ أُوتُواْ ا ْلكِتَابَ { أي‪ :‬أنهم ل يؤمنون حتى بما جاء في كتبهم من بشارة‬
‫يَدِينُونَ دِينَ الْ َ‬
‫به صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وهذا حكم خاص بهم؛ لن المشكلة معهم أنهم لم يصدقوا بلغ رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم عن ال وأنه مرسل إليهم‪ ،‬وسَنّ رسول ال صلى ال عليه وسلم في معاملتهم‬
‫ما شرعه ال تعالى‪ ،‬وذلك أن يعاملوا معاملة مختلفة عن المشركين‪ ،‬فمعاملة المشركين كانت‬
‫براءة من العهد‪ ،‬وإبعادا عن المسجد الحرام وقتالً إن وجدناهم‪ ،‬أو أن يسلموا‪.‬‬
‫أما معاملة رسول ال صلى ال عليه وسلم مع أهل الكتاب فكانت‪ :‬إما أن يسلموا‪ ،‬وإما أن يعطوا‬
‫الجزية مع استبقاء الحياة‪ ،‬ولذلك قال الحق تبارك وتعالى‪:‬‬
‫} حَتّىا ُيعْطُواْ ا ْلجِزْيَةَ عَن َي ٍد وَهُ ْم صَاغِرُونَ {‬
‫أي‪ :‬حتى يؤدوا ما فُرِض عليهم دفعة من أموال مقابل حصولهم على المان والحماية‪ ،‬وفي هذا‬
‫صون لدمائهم‪ ،‬ولذلك نجد أن المسلمين قد فتحوا بلدا غير إسلمية وصاروا قادرين على رقابهم‬
‫ولم يقتلوهم‪ ،‬بل أبقوا عليهم‪ ،‬وإبقاء الحياة نعمة من نعم السلم عليهم‪ ،‬وهناك نعمة ثانية وهي أنه‬
‫لم يفرض عليهم دينا‪ ،‬وإنما حمى اختيارهم الدين الذي يرونه‪ ،‬وفي ذلك رد على من يقول‪ :‬إن‬
‫السلم انتشر بالسيف‪ ،‬ونقول‪ :‬إن البلد التي فتحت بالمسلمين أقرت أهل الديان على أديانهم‪،‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وحمت فقط حرية الختيار‪ ،‬بل وقف المسلمون بالسيف أمام القوم الذين يقفون أمام اختيار الناس‪،‬‬
‫وتركوا الناس أحرارا‪ .‬لكننا نجد المغالطات تمل كتابات الغرب حول مسألة السيف‪ .‬ونرد دائما‬
‫أن السلم لو انتشر بالسيف لما وجدنا في البلد التي فتحها أناسا باقين على دياناتهم‪ ،‬بل كان‬
‫السلم يأخذ الجزية ممن َب َقوْا على دياناتهم من أهل الكتاب‪ .‬وأخْذُ الجزية دليل على أنهم ظلوا‬
‫على دينهم وظلوا أحياء‪ ،‬وهاتان نعمتان من نعم السلم‪ ،‬وكان يجب أن يؤدوا جزاء على ذلك‪،‬‬
‫وكان الجزاء هو الجزية‪ .‬وهي مادة " جزى " و " يجزي "‪ .‬فكأن الجزية فعلة من " جزى " "‬
‫يجزي "؛ لن السلم قدم لهم عملً طيبا بأن أبقى على حياتهم وأبقاهم على دينهم من غير إكراه‪،‬‬
‫فوجب أن يُعطوا جزاء على هذه النعمة التي أنعم ال تعالى بها عليهم بالسلم‪.‬‬
‫وأيضا‪ ،‬فإنهم سيعيشون في مجتمع إيماني؛ الولية فيه للسلم‪ ،‬ويتكفل المسلمون بحمايتهم‬
‫وضمان سلمتهم في أنفسهم وأهلهم وفي أموالهم وفي كل شيء‪ ،‬فإذا كان المسلم يدفع لبيت المال‬
‫زكاة تقوم بمصالح الفقراء والمسلمين‪ ،‬فأهل الكتاب الموجودون في المجتمع السلمي ينتفعون ‪-‬‬
‫أيضا ‪ -‬بالخدمات التي يؤديها السلم لهم‪ ،‬ويجب عليهم أن يؤدوا شيئا من مالهم نظير تلك‬
‫الخدمات‪ ،‬والسلم مثلً ل يكلف أهل الكتاب أن يدخلوا جندا في حرب ضد أي عدو للمسلمين إل‬
‫إذا تطوعوا هم بذلك‪ ،‬إذن‪ :‬فالجزية ليست فرض قهر‪ ،‬وإنما هي مقابل منفعة أداها السلم لهم؛‬
‫إبقاءً على حياتهم وإبقاء على دينهم الذي اختاروه‪ ،‬وقرر الحق أن يعطوا الجزية } عَن َيدٍ { واليد‬
‫هي الجارحة التي تُؤدّي بها العمال‪ ،‬وأغلب العمال إنما تُزَا َولُ باليَد‪ ،‬ونجد القرآن الكريم‬
‫شكُرُونَ }[يس‪.]35 :‬‬
‫عمِلَتْهُ أَ ْيدِيهِمْ َأفَلَ يَ ْ‬
‫يقول‪َ {:‬ومَا َ‬
‫واللسان أيضا آلة الكلم‪ ،‬والحق تبارك وتعالى يجازي على القول الطيب أو السيىء‪ ،‬ولكن‬
‫الصل في العمل هو " اليد " ‪ ،‬وتطلق اليد ويراد بها القدرة التي تعمل‪ ،‬أو يراد بها النعمة‪ ،‬مثل‬
‫قولنا‪ :‬فلن له يد على فلن‪ ،‬وفلن له أياد بيضاء على الناس‪.‬‬
‫وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى‪ } :‬حَتّىا ُيعْطُواْ ا ْلجِزْيَةَ عَن َيدٍ {‪.‬‬
‫فهل المقصود بـ } عَن يَدٍ { أي من ُيعْطُونَ الجزية‪ ،‬أم أيدي الخرين الخذين للجزية؟‬
‫إن هذا القول‪ } :‬عَن يَدٍ { مثلما يقال‪ :‬فلن نفض يده من هذا المر‪ ،‬أي خرج عن المر ولم يعد‬
‫يعاون عليه‪ .‬إذن يكون معنى } عَن َيدٍ { أي غير رد للنعمة‪ .‬وعن يد منهم أي من المعطين‬
‫للجزية‪ ،‬أو } عَن َيدٍ { أي‪ :‬يدا بيده فل يجلس الواحد من أهل الكتاب في المة السلمية‬
‫المحكومة بالسلم في مكانه ويرسل رسولً من عنده ليسلم الجزية‪ ،‬ل‪ ،‬بل عليه أن يدفعها‬
‫ويحضرها بيده‪ .‬أو نقول‪ } :‬عَن يَدٍ { من معنى القدرة‪ ،‬فمن عنده قدرة‪ ،‬فتأخذ الجزية من القادر‬
‫ول نأخذها من العاجز‪.‬‬
‫إذن‪ :‬يشترط في اليد إن كانت منهم ثلثة ملحظ؛ الملحظ الول‪ :‬أن يكونوا موالين ل نافضين‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ليديهم منا ومن حكمنا‪ ،‬والملحظ الثاني‪ :‬أن يأتي بها بنفسه ل أن يرسل بها رسولً من عنده‪ ،‬وإن‬
‫جاء بها ل بد أن يأتي بها وهو ماش وأن يعطيها وهو واقف ومن يأخذ الجزية قاعد‪ ،‬وهذا هو‬
‫معنى } وَهُ ْم صَاغِرُونَ {‪ .‬ولماذا يعطونها عن صَغار؟ لن الحق عز وجل أراد للسلم أن يكون‬
‫جهة العلو‪ ،‬وقد صنع فيهم السلم أكثر من جميل‪ ،‬فلم يقتلهم ولم يرغمهم على الدخول إلى‬
‫السلم؛ لذلك فعليهم أن يتعاملوا مع المسلمين بل كبرياء ول غطرسة‪ ،‬وأن يخضعوا لحكام‬
‫السلم‪ ،‬وأن يكونوا موالين للمسلمين‪ ،‬ل ناقضين اليدي‪ ،‬وأن يؤدوا الجزية يدا بيد‪ ،‬وأما العاجز‬
‫وغير القادر فيعفى من دفع الجزية‪.‬‬
‫صغَار من مادة الصاد والغين والراء‪ ،‬وتدل‬
‫} حَتّىا ُيعْطُواْ ا ْلجِزْيَةَ عَن َي ٍد وَهُ ْم صَاغِرُونَ { وال ّ‬
‫صغُرُ " مثل قولنا‪ :‬فلن كبر يكبر‪ .‬وإن‬
‫صغُر " " َي ْ‬
‫على معنيين؛ إن أردتها عن السن يقال " َ‬
‫صغِر " " يصغَر " ‪ ،‬أي‪ :‬صغر مقاما أو حجما‪ ،‬ولذلك يقول‬
‫أردتها في الحجم والمقام نقول " َ‬
‫الحق تبارك وتعالى‪ {:‬كَبُ َرتْ كَِلمَةً تَخْرُجُ مِنْ َأ ْفوَا ِه ِهمْ }[الكهف‪.]5 :‬‬
‫وهنا في قوله‪ } :‬حَتّىا ُيعْطُواْ ا ْلجِزْيَةَ عَن َي ٍد وَهُ ْم صَاغِرُونَ { تعني أن يؤدوها عن انكسار ل عن‬
‫علو‪ ،‬حتى إنّ من يُعطي ل يظن أنه يعطي عن علو‪ ،‬ونقول له‪ :‬ل‪ ،‬إن اليد الخذة هنا هي اليد‬
‫العليا‪.‬‬
‫ثم أراد الحق سبحانه وتعالى أن يعطينا حيثيات قتال الذين ل يؤمنون بال ول باليوم الخر‪ ،‬فقال‬
‫بعد ذلك‪َ } :‬وقَاَلتِ الْ َيهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ‪{ ...‬‬

‫(‪)1251 /‬‬
‫َوقَاَلتِ الْ َيهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ َوقَالَتِ ال ّنصَارَى ا ْلمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَِلكَ َقوُْلهُمْ بَِأ ْفوَا ِههِمْ ُيضَاهِئُونَ َق ْولَ‬
‫الّذِينَ َكفَرُوا مِنْ قَ ْبلُ قَاتََل ُهمُ اللّهُ أَنّى ُي ْؤ َفكُونَ (‪)30‬‬

‫هذا الدعاء فيه مساس بجلل ال تعالى‪ ،‬فالنسان يتخذ ولدا لعدة أسباب؛ إمّا لنه يريد أن يبقى‬
‫ِذكْره في الدنيا بعد أن يرحل‪ ،‬وال سبحانه دائم الوجود؛ وإمّا لكي يعينه ابنه عندما يكبر‬
‫ويضعف‪ ،‬وال سبحانه وتعالى دائم القوة؛ وإما ليرث ماله وما يملك‪ ،‬وال تبارك وتعالى يرث‬
‫الرض ومن عليها‪ .‬وإما ليكون عزوةً له‪ ،‬وال جل جلله عزيز دائما‪ .‬وهكذا تنتفي كل السباب‬
‫التي يمكن أن تؤدي إلى هذا الدعاء‪ .‬ول يعقل أن يرسل ال سبحانه رسولً ليبين للناس منهج‬
‫الحق فإذا به يقول للناس‪ :‬إنّه ابن ال‪ .‬إذن فهم لم يؤمنوا اليمان الكامل بال‪.‬‬
‫ويسوق الحق تبارك وتعالى قول كل من اليهود والنصارى‪َ { :‬وقَاَلتِ الْ َيهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّ ِه َوقَاَلتْ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ال ّنصَارَى ا ْلمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ }‪.‬‬
‫وهكذا نجد أنهم لم ينزهوا ال وأخلّوا باليمان الحق‪ .‬ول بد أن نعلم أن من قالوا‪ :‬إن عُزَيْرا ابن‬
‫ال ليسوا هم كل اليهود‪ ،‬بل جماعة منهم فقط هي التي جعلت عُزَيْرا ابنا ل لما رأى أفرادها على‬
‫يديه نعمة أفاءها ال تعالى عليه‪ ،‬فقالوا‪ :‬هذه نعمة عظيمة جدا ل يمكن أن يعطيها ربنا لشخص‬
‫عادي‪ ،‬بل أعطاها لبنه‪ .‬ذلك أن اليهود بعد سيدنا موسى عليه السلم قتلوا النبياء‪ ،‬وعاقبهم ال‬
‫بأن رفع التوراة من صدور الحافظين لها‪ ،‬ولكن طفلً لم يعجبه مشهد قتل النبياء فخرج شاردا‬
‫في الصحراء مهاجرا وهاربا‪ ،‬فقابله شخص في الطريق فسأله‪ :‬لماذا أنت شارد؟ فقال‪ :‬خرجْت‬
‫أطلب العلم‪ .‬وكان هذا الشخص هو جبريل عليه السلم‪ ،‬فعلّمه أن ل توراة‪ ،‬فحفظها فصار واحدا‬
‫من أربعة‪ ،‬هم فقط من حفظوا التوراة‪ :‬موسى‪ ،‬وعيسى‪ ،‬وعزير‪ ،‬واليسع‪ ،‬ولن الكتب قديما لم‬
‫تكن تكتب على ورق رقيق مثل زماننا‪ ،‬بل كانت تكتب على الحجار وسعف النخيل‪ ،‬لذلك كان‬
‫حمْل بعير‪ ،‬وحين رجع عزير حافظا للتوراة‪ ،‬اندهش قومه وقالوا‪ :‬ل‬
‫وزن التوراة يقدر بسبعين ِ‬
‫بد أنه ابن ال؛ لن ال أعطاه التوراة وآثره على القوم جميعا‪ .‬ونشأت جماعة من اليهود تؤمن‬
‫بذلك‪ ،‬وكان منهم سلّم بن مشكم‪ ،‬وشاس بن قيس‪ ،‬ومالك ابن الصيف‪ ،‬ونعمان بن أوفى‪ .‬وحينما‬
‫أنزل ال قوله‪َ { :‬وقَاَلتِ الْ َيهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ } لم ينكر اليهود المعاصرون لهذا النزول تلك‬
‫المسألة ولم يكذبوها‪ ،‬فكأن هناك من اليهود الذين كانوا بالمدينة من كان يؤمن بذلك‪ ،‬وإل‬
‫لعترضوا على هذا القول‪ ،‬وهذا دليل على أن ما جاء بالية يصدق على بعضهم أو هم عالمون‬
‫بأن قوما منهم قد قالوا ذلك‪ .‬وكذلك قالت النصارى عن عيسى عليه السلم‪ ،‬فجاء قول الحق‬
‫تبارك وتعالى‪َ { :‬وقَالَتْ ال ّنصَارَى ا ْلمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ }‬
‫ويتابع الحق‪ { :‬ذاِلكَ َقوُْلهُم } فيوضح لنا سبحانه أن النبوة ل جاءت فيها مشبهة‪ ،‬كان يجب أن‬
‫يلتفتوا إليها وينزهوا ال عن ذلك؛ لن الحق سبحانه وتعالى يصف عباده بأنهم عباد ال‪ ،‬وأن‬
‫الخلق كلهم خلق ال تعالى‪.‬‬
‫فالمولى سبحانه وتعالى وهو الخالق والقادر على كل شيء خلق كل الخلق من عدم ولم يتخذ‬
‫صاحبة ول ولدا‪ .‬ولكن الشبهة عند بعض من أتباع المسيح جاءت من أنه أوجِدَ من دون أب‪،‬‬
‫ونقول لهم‪ :‬لو أن هذا المر جاء لكم من هذا الطريق‪ ،‬فكان من الوْلى أن تجيء ذات الشبهة في‬
‫خلق آدم؛ لن قصارى ما في المسيح أنه جاء من غير أب‪ ،‬ولكن آدم جاء من غير أب ومن غير‬
‫أم‪ ،‬فأيهما كان أوْلى أن يكون ابن إله؟‬
‫ولذلك يقول القرآن الكريم‪ } :‬إِنّ مَ َثلَ عِيسَىا عِندَ اللّهِ َكمَ َثلِ ءَا َدمَ {‪ .‬والحق سبحانه وتعالى يخلق‬
‫الشيء ‪ -‬أي شيء ‪ -‬بأسباب‪ ،‬وكل الَسباب مخلوقة له‪ ،‬والولد منا ‪ -‬في جمهرة الناس ‪ -‬ينشأ‬
‫من اجتماع الب والم‪ ،‬والشيء المردود بين شيئين له صور منطقية أربعة‪ :‬إما أن يوجد بوجود‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫شيئين ذكر وأنثى‪ ،‬وإما أن يوجد بانعدام الشيئين مثل آدم‪ ،‬وإما أن يوجد بوجود واحد من الشيئين‬
‫جهَا { ‪ ،‬وإما بوجود‬
‫وهو الذكر مثل حواء‪ ،‬فقد خلقها ال من آدم مصداقا لقوله‪َ } :‬وخَلَقَ مِ ْنهَا َزوْ َ‬
‫واحد من الشيئين وهي النثى وخلق عيسى عليه السلم منها بدون وجود الذكر‪ .‬وليعلمنا ال‬
‫سبحانه وتعالى جميعا أن السباب ل دخل لها في التكوين‪ ،‬وأن المسبّب هو القادر على أن يوجِد‬
‫من غير أب وأم كما أوجد آدم‪ ،‬وأن يوجد من أب وأم كما أوجد جمهرة الناس‪ ،‬وأن يوجد من أم‬
‫دون أب كما أوجد عيسى‪ ،‬وأن يوجد من دون أم كما أوجد حواء‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالقسمة دائرة بقدرة ال وإرادته‪ ،‬ول دخل لحد إل إرادة الحق سبحانه وتعالى‪ ،‬فالسباب‬
‫ليست هي الفاعلة في ذاتها‪ ،‬بل إرادة الخالق سبحانه هي الفاعلة‪ ،‬ولذلك يقول المولى سبحانه‬
‫ت وَالَرْضِ َيخْلُقُ مَا َيشَآءُ َي َهبُ ِلمَن يَشَآءُ إِنَاثا وَ َي َهبُ ِلمَن َيشَآءُ ال ّذكُورَ‬
‫سمَاوَا ِ‬
‫وتعالى‪ِ {:‬للّهِ مُ ْلكُ ال ّ‬
‫عقِيما إِنّهُ عَلِيمٌ َقدِيرٌ }[الشورى‪.]50-49 :‬‬
‫ج َعلُ مَن يَشَآءُ َ‬
‫جهُمْ ُذكْرَانا وَإِنَاثا وَيَ ْ‬
‫* َأوْ يُ َزوّ ُ‬
‫أي‪ :‬قد يوجد الذكر والنثى ول يعطي لهما الحق عز وجل أولدا‪ ،‬وهذه طلقة قدرة من ال‬
‫تعالى‪ ،‬فإياك أن تقول إنها بأسباب‪ ،‬بل سبحانه وتعالى َي َهبُ لمن يشاء إناثا‪ ،‬ويهب لمن يشاء‬
‫ذكورا‪ ،‬ويجمع لمن يشاء بين الذكور والناث‪ ،‬ويجعل من يشاء عقيما‪ ،‬وكان استقبال الناس‬
‫للمواليد يختلف؛ فالعرب كانوا يحبون إنجاب الذكر؛ لنه قوي ويحقق العزوة ويركب الخيل‪،‬‬
‫ويحارب العداء‪ .‬ولم يكونوا يحبون إنجاب الفتاة لنها قد تأتي منها الفضائح‪ ،‬ولذلك يقول الحق‬
‫سوَدّا وَ ُهوَ كَظِيمٌ * يَ َتوَارَىا مِنَ ا ْلقَوْمِ مِن‬
‫جهُهُ مُ ْ‬
‫ل وَ ْ‬
‫ظّ‬
‫تبارك وتعالى‪ {:‬وَِإذَا بُشّرَ َأحَ ُدهُمْ بِالُنْثَىا َ‬
‫سُوءِ مَا ُبشّرَ بِهِ‪} ..‬‬
‫[النحل‪.]59-58 :‬‬
‫وجاء السلم ليوضح‪ :‬أنه ما دام ل دخل لك في النجاب والنسال‪ ،‬فَدع المر لمن يهب البناء‪.‬‬
‫وقد سمى الحق تبارك وتعالى البناء " هبة " ليذكرك أن النجاب شيء أعطاه سبحانه لك بل‬
‫مقابل منك‪ ،‬فالذكور هبة‪ ،‬والناث أيضا هبة‪ .‬فل تفضل تلك الهبة عن هذه الهبة‪ .‬ودائما أقول‬
‫للذي ينجب بنات‪ ،‬ويذهب هو وزوجته إلى الطباء‪ :‬لو استقبلتم هبة ال في الناث كما تستقبلونها‬
‫في الذكور‪ ،‬فإن الحق سبحانه وتعالى يجزيكم جزاء ل يخطر لكم على البال‪ ،‬فيحسن ال كل ابنة‬
‫لكم في عين رجل صالح ويتزوجها‪ ،‬فإن كُن عشر بنات فهُنّ يأتين بعشرة رجال أزواج يعاملون‬
‫الب والم لكل زوجة معاملة الب والم‪ ،‬وهكذا يرزق ال من يرضى بقسمة ال في النجاب‪،‬‬
‫ويصبح أزواج البنات أطوع من البناء الذكور‪ ،‬فالذي يرضى بالهبة في الناث يوضح له ال‪:‬‬
‫رضيتَ بهبتي فيك ولم تكن على سنة العرب من كراهة الناث؛ لذلك أهبك من أزواج البنات‬
‫أبناء لم تتعب في تربيتهم ويكونون أكثر حنانا وولءً من أي أبناء تنجبهم أنت‪ .‬ولذلك إذا ما‬
‫وجدت إنسانا قد ُوفّقَ في زيجات بناته‪ ،‬من رجال يصونون أعراضهم ويحسنون معاملة أهل‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الزوجة‪ ،‬فاعلم أن الب قد استقبل ميلد النثى بالرضا؛ لنها هبة ال‪.‬‬
‫عقِيما }[الشورى‪.]50 :‬‬
‫ج َعلُ مَن يَشَآءُ َ‬
‫ويقول المولى سبحانه وتعالى‪ {:‬وَيَ ْ‬
‫إذن‪ :‬فالعقم أيضا هبة إلهية؛ لن النسان إذا ما استقبل العقم برضا ال؛ َلوَجَد في كل رجل يراه‬
‫ابنا له؛ لنه استقبل الهبة في المنع برضا‪ ،‬مثله مثل من استقبل الناث كاستقبال الذكور‪ .‬إذن‪ :‬ما‬
‫دامت المسألة هبة من ال فيجب أن تستقبل عطاء ال ومنعه بالرضا‪.‬‬
‫وعيسى عليه السلم جاء بنسبة طلقة القدرة من الخالق سبحانه وتعالى؛ لن القسمة العقدية‬
‫ج َد أولً‪ ،‬ومن وجدوا بعد آدم جاء كل منهم من‬
‫والعقلية ل تتم إل به‪ ،‬ولن تتكرر؛ لن آدم وُ ِ‬
‫جدَت من قبلهم‪ ،‬فهذه ثلث صور قد وجدت في الكون وبقيت صورة‬
‫أبوين‪ ،‬وكذلك حواء وُ ِ‬
‫ناقصة‪ ،‬هي أن يوجد إنسان من أم دون أب‪ ،‬فأتمها ال عز وجل بعيسى عليه السلم‪:‬‬
‫} َوقَاَلتْ ال ّنصَارَى ا ْلمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذاِلكَ َقوُْلهُم بَِأ ْفوَا ِههِمْ {‬
‫وقول الحق } ذاِلكَ { إشارة إلى القول بأن المسيح ابن ال أو عزير ابن ال‪ ،‬ويضيف الحق عز‬
‫وجل توضيحا } ذاِلكَ َقوُْلهُم بَِأ ْفوَا ِههِمْ {‪ .‬ونسأل‪ :‬وهل يوجد قول بغير أفواه؟ إن كل قول إنما‬
‫يكون بالفواه؛ حتى قول المؤمنين بأن ال واحد وأن محمدا رسول ال هو قول بالفواه‪ .‬ونقول‪:‬‬
‫هناك قول بالفم فقط دون أن يكون له معنى من المعاني‪ ،‬وهناك قول بالفم أيضا وله معنى‪ ،‬إل أنه‬
‫غير حقيقي‪ ،‬وكاذب‪.‬‬
‫ولنعرف أولً‪ :‬ما هو القول؟ إنه كلم يعبر به كل قوم عن أغراضهم؛ كأن تقول للطفل‪ :‬اجلس‪،‬‬
‫ول بد أن يكون الطفل فاهما لمعنى الجلوس‪ ،‬وإن قلتها بالعربية لطفل إنجليزي فلن يفهم معناها‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فاللغة ألفاظ يعبر بها كل قوم عن أغراضهم‪ ،‬والغرض هو معنى متفق عليه بين المتكلم‬
‫والسامع‪ ،‬ول بد أن يعرف الثنان ما يشير إليه اللفظ من موضوعات‪ .‬فإن لم يعرف السامع اللفظ‬
‫الذي يتكلم به المتكلم فهو ل يفهم شيئا‪.‬‬
‫وهكذا نعلم أن الفهم بين المتكلم والمخاطب يشترط فيه أن يكونا عليمين باللفظ‪ ،‬فإذا تكلم متكلم‬
‫بشيء ل علم للسامع به؛ فهو ل يفهم‪ .‬وكانوا يضربون لنا المثل قديما بعلقمة النحوي وكان‬
‫مشهورا في النحو واللفاظ واللغة‪ ،‬ويتقعر في استخدام الكلمات‪ ،‬ول يتكلم إل باللغة الفصيحة‬
‫الشاذة التي ل يعرفها الناس‪ ،‬وكان عند علقمة خادم‪ ،‬فمرض علقمة النحوي مرة وذهب إلى طبيب‬
‫اسمه " أعجز " ليشكو له علة عنده‪ ،‬وقال علقمة للطبيب‪ :‬قد أكلت من لحوم هذه الجوازىء‬
‫فقصأت منها قصأة أصابني منها وجع من الوابية إلى دأبة العنق‪ ،‬ولم يزل يمني حتى خالط الخلب‬
‫وأملت منه السراسيب‪ .‬ولم يكن الطبيب متخصصا في اللغة ول معاجم عنده‪ ،‬فوقف مستغربا من‬
‫كلمات علقمة وقال له‪ :‬أعدْ عليّ ما قلته فإني لم أفهم‪ ،‬فأعاد علقمة عليه ما قاله بغضب ولوم لنه‬
‫لم يفهم لغته‪ ،‬وعرف الطبيب تقعر علقمة فقال له‪ :‬هات القلم والورقة لكتب لك الدواء‪ ،‬وكتب له‪:‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫خذ حرقة وسلقة ورهرقة واغسله بماروس واشربه بماء ماء‪ .‬فقال علقمة‪ :‬أعِدْ عليّ فوال ما‬
‫فهمت شيئا‪ ،‬فقال الطبيب‪ :‬لعن ال أقلّنا إفهاما لصاحبه‪ .‬وعرف علقمة أنه متقعر في اللغة ويأتي‬
‫بألفاظ ليست من اللفاظ الدائرة على ألسن الناس‪ .‬وقال أساتذتنا لنا‪ :‬ولم يؤدبه عن هذا إل غلمه‬
‫أي خادمه‪ ،‬فقد استيقظ علقمة ذات ليلة وقال‪ :‬يا غلم أصعقت العتاريف‪ ،‬ولن الغلم لم يفهم فقد‬
‫رد قائلً‪ :‬زقفيل‪ ،‬وقال علقمة للغلم‪ :‬وما زقفيل؟ قال‪ :‬وأنت ما أصعقت العتاريف؟ فقال له‪ :‬يا‬
‫بني لقد أردت أصاحت الديكة؟ فقال‪ :‬وأنا أردت لم َتصِحْ‪.‬‬
‫وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى‪ } :‬ذاِلكَ َقوُْلهُم بَِأ ْفوَا ِههِمْ { إذن‪ :‬القول هو اللفظ الملفوظ من الفم‪،‬‬
‫وهذا القول إما أن يكون له معنى‪ ،‬وإما ليس له معنى‪ .‬مثل كلمة " زقفيل " التي قالها خادم علقمة‪،‬‬
‫هذه الكلمة ليس لها وجود في اللغة فهي قول باللسان ليس له معنى‪ .‬وقد يكون القول له معنى؛ إل‬
‫أنه كلم باللسان ل يؤيده واقع‪ ،‬فهو كذب‪.‬‬
‫وقول الحق سبحانه وتعالى‪ } :‬ذاِلكَ َقوُْلهُم بَِأ ْفوَا ِههِمْ { يحتمل المرين‪ .‬إما أنهم يقولون كلما ل‬
‫يقصدونه ول يعرفون معنى ما يقولون‪ ،‬والمثال‪ :‬أن نقول‪ " :‬كتب " ‪ ،‬وهي كلمة مكونة من الكاف‬
‫والتاء والباء‪ ،‬ويمكن أن نستخدم ذات الحروف فنقول‪ " :‬كبت " وهي نفس الحروف أيضا ولها‬
‫معنى‪.‬‬
‫أو نقول‪ " :‬تكب " وهو لفظ غير مستعمل‪ ،‬وهو كلم بالفم ول معنى له في اللغة‪ ،‬بل هو لفظ‬
‫مهمل‪ .‬فإذا قال إنسان كلما له معنى فهمناه مثل قول‪ " :‬زيد كان بالمس بالمكان الفلني " وهنا‬
‫زيد معلوم‪ ،‬والمكان معلوم‪ ،‬وأمس معلوم‪ .‬لكن زيدا لم يذهب إلى ذلك المكان‪ ،‬وبذلك يكون القول‬
‫في حقيقته كذبا لم يحدث‪ .‬ويكون كلما بالفم‪ ،‬ول واقع له في الحياة‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالقول بالفم إما أن يكون ل معنى له أبدا‪ ،‬فيستعمل كلفظ مهمل ل وجود له في اللغة‪ ،‬وإما‬
‫أن يكون له معنى في ذاته إل أنه ليس له واقع يؤيده‪.‬‬
‫ج ْوفِهِ‪[} ..‬الحزاب‪.]4 :‬‬
‫جلٍ مّن قَلْبَيْنِ فِي َ‬
‫ج َعلَ اللّهُ لِرَ ُ‬
‫والحق سبحانه وتعالى يقول‪ {:‬مّا َ‬
‫ج َعلَ أَدْعِيَآ َءكُمْ أَبْنَآ َءكُمْ‬
‫ج ُكمُ اللّئِي تُظَاهِرُونَ مِ ْنهُنّ ُأ ّمهَا ِتكُ ْم َومَا َ‬
‫ج َعلَ أَ ْزوَا َ‬
‫وال سبحانه يقول‪َ {:‬ومَا َ‬
‫ذَاِل ُكمْ َقوُْلكُم بَِأ ْفوَا ِهكُمْ‪[} ..‬الحزاب‪.]4 :‬‬
‫هذا إذن كلم ل وجود له في الواقع‪ ،‬فالزوجة ل تصير أمّا لزوجها والولد المتبني ل يكون ابنا‬
‫سطُ عِندَ اللّهِ }[الحزاب‪:‬‬
‫للرجل أو المرأة‪ ،‬لذلك يقول الحق تبارك وتعالى‪ {:‬ادْعُو ُه ْم لبَآ ِئهِمْ ُهوَ َأقْ َ‬
‫‪.]5‬‬
‫ع َوجَا * قَيّما‬
‫جعَل لّهُ ِ‬
‫ح ْمدُ لِلّهِ الّذِي أَنْ َزلَ عَلَىا عَبْ ِدهِ ا ْلكِتَابَ وََلمْ يَ ْ‬
‫والحق سبحانه وتعالى يقول‪ {:‬الْ َ‬
‫شدِيدا مّن لّدُنْ ُه وَيُبَشّرَ ا ْل ُمؤْمِنِينَ الّذِينَ َي ْعمَلُونَ الصّالِحَاتِ أَنّ َلهُمْ أَجْرا حَسَنا * مّاكِثِينَ‬
‫لّيُنْذِرَ بَأْسا َ‬
‫فِيهِ أَبَدا * وَيُنْذِرَ الّذِينَ قَالُواْ اتّخَذَ اللّ ُه وَلَدا }[الكهف‪.]4-1 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أي‪ :‬أن هذا القول منهم كلم له معنى في اعتقادهم‪ ،‬ولكن ليس له واقع‪ ،‬ولذلك قال المولى سبحانه‬
‫وتعالى‪ } :‬كَبُ َرتْ كَِلمَةً َتخْرُجُ مِنْ َأ ْفوَا ِههِمْ { أي‪ :‬ل واقع لهذا القول يسنده فهو كذب‪.‬‬
‫} ذاِلكَ َقوُْلهُم بَِأ ْفوَا ِههِمْ { وهل هذا القول بالفواه أهم ابتكروه أم ابتدعوه؟ إن الحق سبحانه يوضح‬
‫لنا‪ُ } :‬يضَاهِئُونَ َق ْولَ الّذِينَ َكفَرُواْ مِن قَ ْبلُ { أي‪ :‬أنهم لم يأتوا بهذا التصور من عندهم‪ ،‬بل من‬
‫جعَلُواْ ا ْلمَلَ ِئكَةَ الّذِينَ ُهمْ عِبَادُ‬
‫شيء له واقع‪ ،‬فقد قال المشركون ما أورده الحق على ألسنتهم‪ {:‬وَ َ‬
‫حمَـانِ إِنَاثا }[الزخرف‪.]19 :‬‬
‫الرّ ْ‬
‫فقد توهم المشركون أن ل تعالى بنات والعياذ بال ‪ -‬وسبحانه منزه عن ذلك‪ ،‬في ذلك يخاطبهم‬
‫المولى } أََلكُمُ ال ّذكَ ُر وَلَ ُه الُنْثَىا { ‪ -‬إذن‪ :‬فهذا كلم قديم؛ لذلك قال الحق عنهم‪ُ } :‬يضَاهِئُونَ‬
‫{ أي‪ :‬يشابهون ويماثلون الذين من قبلهم حينما قالوا مثل ذلك‪ ،‬كما أن البوذية في الصين واليابان‬
‫قالت ببنوة الله والحلول وقد حفظ بعضهم من هؤلء‪ ،‬ولم يطرأ جديد من ألسنتهم‪ ،‬وهم كما‬
‫وصفهم القرآن الكريم } ُيضَاهِئُونَ { أي‪ :‬يشابهون ويماثلون به قول الذين كفروا من قبل‪ ،‬و "‬
‫المضاهاة " هي المماثلة والمشابهة‪ ،‬وقالوا‪ :‬إن مادتها مأخوذة من امرأة " ضَهيْاء " وهي التي‬
‫ضاهت وشابهت الرجل‪ ،‬في عدم الحيض أو الحمل أو الولدة‪ ،‬وهي بذلك تكون شبيهة بالرجل‪.‬‬
‫} ُيضَاهِئُونَ َق ْولَ الّذِينَ َكفَرُواْ مِن قَ ْبلُ { والتعقيب هنا إنما يصدر من الحق تبارك وتعالى عليهم‪،‬‬
‫ولم يتركه الحق لنا‪ ،‬وساعة تسمع‪ } :‬اتّخَذَ اللّ ُه وَلَدا { فالفطرة النسانية تفرض أن يقول السامع‬
‫لهذا الكلم‪ :‬قاتلهم ال كيف يقولون هذا؟ وشاء الحق هنا أن يتحملها عنا جميعا؛ لننا إن قلنا نحن‪:‬‬
‫" قاتلهم ال أو لعنهم ال " فل أحد منا يضمن استجابة الدعاء عليهم‪ ،‬فالمر قد ل يتحقق‪ ،‬ولكن‬
‫حين يقولها الحق سبحانه وتعالى‪ .‬فتكون أمرا مقضيا‪ .‬لذلك يقول الحق‪ } :‬قَاتََلهُمُ اللّهُ أَنّىا ُي ْؤ َفكُونَ‬
‫{ ‪ ،‬وما معنى قاتلهم ال؟ أنت إذا رأيت فعلً قبيحا من فرد‪ ،‬تقول‪ :‬قاتله ال‪ .‬لن حياته تزيد‬
‫المنكرات‪ ،‬ومثال ذلك من يسب أباه‪ ،‬يقول من يسمعه " قاتله ال " بينما يقول النسان منا لنسان‬
‫يفعل الخير‪ " :‬فليعش هذا الرجل الطيب "؛ لنك ترى أن حياته فيها خير للناس‪.‬‬
‫وقول الحق‪ } :‬قَاتََلهُمُ اللّهُ { أي لعنهم وطردهم‪ ،‬ويقول سبحانه وتعالى‪ } :‬أَنّىا ُي ْؤ َفكُونَ { ‪،‬‬
‫وكلمة } أَنّىا { ترد بمعنيين‪ ،‬فمرة تعني " من أين؟ " ‪ ،‬ومرة أخرى تعني " كيف؟ " ‪ ،‬والمثال‬
‫على معناها الول قول الحق سبحانه وتعالى على لسان سيدنا زكريا لما دخل على مريم البتول‪{:‬‬
‫أَنّىا َلكِ هَـاذَا }[آل عمران‪.]37 :‬‬
‫قال ذلك لنه رأى عندها أشياء من الخيرات لم يأت بها إليها‪ ،‬مع أنه هو الذي يكفلها‪ ،‬والمفترض‬
‫فيه أن يأتي لها بمقومات حياتها‪ ،‬وعندما دخل عليها ووجد شيئا هو لم يأت به‪ ،‬سألها‪ } :‬أَنّىا َلكِ‬
‫هَـاذَا { أي‪ :‬من أين لك هذا؟ فأجابت مريم المصطفاة بما جاء في القرآن الكريم‪ {:‬قَاَلتْ ُهوَ مِنْ‬
‫عِندِ اللّهِ إِنّ اللّهَ يَرْ ُزقُ مَن يَشَآءُ ِبغَيْرِ حِسَابٍ }[آل عمران‪.]37 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وجاء الحق بهذه الكلمة لتخدم أمورا إيمانية كثيرة جدا‪ ،‬وجاء بها على لسان مريم المصطفاة؛ لن‬
‫المسألة ليست مجرد طعام يأتيها من مصدر ل يعلمه البشر حتى من هي في كفالته‪ .‬بل هي تقديم‬
‫لما سوف يحدث‪ .‬فل تظن أن المور تسير سير المسألة الحسابية بأسباب ومسببات‪ ،‬وعلل‬
‫ومعللت‪ ،‬ومقدمات ونتائج‪ ،‬بل هي بإرادة ال تعالى؛ لنها لو كانت من عند النسان لفعلها‬
‫بحساب‪ ،‬ولكن الحق سبحانه وتعالى يعطي بل حساب؛ لنه خالق السباب‪ ،‬وهو قادر على أن‬
‫يخلق المسبّب على الفور‪ {:‬يَرْزُقُ مَن َيشَآءُ ِبغَيْرِ حِسَابٍ }[آل عمران‪.]37 :‬‬
‫وحين أنطق الحق سبحانه وتعالى مريم بهذا إنما كان ليوضح لها ولزكريا في آن واحد‪ :‬إنك يا‬
‫زكريا تأتي لها بالرزق في حدود قدراتك وحساباتك البشرية‪ ،‬ولكن ال يأتيها بالرزق بغير‬
‫حساب‪ ،‬وهو ما تستطيع أن تأتي به قدرات البشر‪ ،‬فقد يكون الرزق الذي رآه سيدنا زكريا عند‬
‫سيدتنا مريم لونا من الطعمة ل يأتي إل في الصيف‪ ،‬بينما كان الوقت شتاء‪ ،‬أو العكس‪ ،‬وقد‬
‫يصح أن هذا الرزق ليس في بلدهم مثله‪ ،‬ولذلك قال‪ } :‬أَنّىا َلكِ هَـاذَا { وقول الحق تبارك‬
‫وتعالى‪ } :‬أَنّىا َلكِ هَـاذَا { هو قضية تربوية اجتماعية بمعنى أن الكفيل على قوم حينما يرى‬
‫عندهم أشياء لم يأتِ بها هو‪ ،‬وجب عليه أن يسأل عن مصدرها‪ ،‬فحينما ترى في يد ابنك قلم حبر‬
‫غالي الثمن وأنت لم تحضره له‪ ،‬ل بد أن تسأله‪ :‬من أين جئت به؟ وذلك لتعرف التأثيرات‬
‫الخارجية عليه‪ ،‬هل سرقه؟ أم أن أحدا أراد استدراجه إلى غرض سَيّئ فأغراه بهذا القلم؟‬
‫ل بد إذن أن تسأل ابنك‪ :‬من أين لك هذا؟ وكذلك إن رأيت ابنتك ترتدي ثوبا لم تأت لها به ول‬
‫أتت به أمها بعلمك‪ ،‬ل بد أن تسأل ابنتك‪ :‬من أين لك هذا؟ وهذه القضية إن سيطرت على كل‬
‫بيت من بيوتنا فلن يحدث في البيوت ما يشينها‪ ،‬لكننا للسف الشديد نرى في بعض البيوت طفلً‬
‫يدخل ومعه قطعة من الشيكولتة‪ ،‬ول تسأله الم‪ :‬من أين لك هذا؟ بل تربت عليه وتأخذ منه‬
‫قطعة من " الشيكولته " لتأكل معه‪.‬‬
‫لكن الم التي تجيد التربية تماما تسأل البن‪ :‬من أين أتيت بها؟ حتى تعرف هل ثمنها مناسب‬
‫لمصروف يده أم ل‪ ،‬فإن لم تجد أنه قد جاء بهذه " الشيكولتة " من مصدر معلوم لها وحلل فهي‬
‫تحذره وتضرب على يده‪.‬‬
‫ول بد لنا أن نعلم أن قانون‪ " :‬من أين لك هذا؟ " يحكم العالم كله؛ لنه يتحكم في التربية‬
‫الجتماعية كلها‪ .‬وقد سبق السلم العالم بأربعة عشر قرنا حين أنزل الحق تبارك وتعالى قوله‪} :‬‬
‫أَنّىا َلكِ هَـاذَا { ‪ ،‬وأجابت سيدتنا مريم اليجاب اليماني‪ ،‬وأوضحت لسيدنا زكريا عليه السلم‪:‬‬
‫أنت تتكلم بحسابك ولكني أتكلم بحساب ال تعالى؛ لن ال يرزق من يشاء بغير حساب‪ ،‬أنطقها‬
‫الحق ذلك لن هذا القول سوف يخدم قضايا عقدية متعددة في الكون‪:‬‬
‫القضية الولى‪ :‬أنها ساعة أن قالت‪ {:‬إِنّ اللّهَ يَرْ ُزقُ مَن يَشَآءُ ِبغَيْرِ حِسَابٍ }[آل عمران‪.]37 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫نبهت زكريا إلى قضية عقدية‪ ،‬وهي أن ال سبحانه وتعالى غير محكوم بالسباب‪ ،‬وسبحانه يعطي‬
‫بل حساب‪ ،‬ونظر زكريا إلى نفسه متسائلً‪ :‬ما دام ال عز وجل يعطي بغير حساب‪ ،‬وأنا قد بلغت‬
‫من الكبر عتيا‪ ،‬وامرأتي عاقر‪ ،‬فلماذا ل أطلب منه أن يعطيني الولد؟‬
‫إذن‪ :‬فقد نبهت مريم سيدنا زكريا عليه السلم ولفتت نظره إلى قضية عقدية‪ ،‬وهي أن ال يعطي‬
‫بل أسباب‪ ،‬وبل حساب‪ ،‬فدعا ال أن يرزقه غلما فلما بشره الحق بالغلم تساءل‪ :‬كيف يرزق‬
‫بالغلم وامرأته عاقر‪ ،‬وهو قد بلغ من الكبر عتيا؟ وجاءت الجابة من الحق سبحانه وتعالى‪:‬‬
‫{ قَالَ كَذاِلكَ قَالَ رَ ّبكَ ُهوَ عََليّ هَيّنٌ َوقَدْ خََلقْ ُتكَ مِن قَ ْبلُ وَلَمْ َتكُ شَيْئا }[مريم‪.]9 :‬‬
‫وهكذا انتفع زكريا بعطاء ال بالبن‪ ،‬ولم يكتَف الحق سبحانه وتعالى بذلك‪ ،‬بل تكفل عن زكريا‬
‫بتسميته‪ ،‬ول ملحظ في تسميته‪ ،‬ونحن نعلم أن الناس تسمي الوليد الصغير بأسماء تتيمن بها‪ ،‬مثل‬
‫أن يسمى رجل ابنه " سعدا " رجاء أن يكون سعيدا‪ ،‬وقد يسمونه " فارسا " ‪ ،‬رجاء أن يكون‬
‫فارسا‪ ،‬ويسمونه " فضلً " رجاء أن يكون كريما‪ ،‬ويسمون الفتاة " قمرا " لعلها تكون جميلة‪ .‬إذن‪:‬‬
‫فالتسمية باسم يحمل معنىً شريفا على أمل أن يكون الوليد هكذا‪ ،‬وهناك شاعر كان أولده يموتون‬
‫سمّيتُه يَحْيى‬
‫بعد الولدة‪ ،‬فجاءه ابن وسمّاه يحيى‪ ،‬فمات هذا البن أيضا فقال الشاعر متحسّرا‪َ :‬‬
‫لِيَحْيا فَلمْ يكُنْ لِرد قضاء الِ فيه سَبِيلُإذن‪ :‬فالتسمية بالسم الشريف‪ ،‬أو بالسم الذي يدل على‬
‫الشيء المؤمَل هو رجاء أن يكون الوليد هكذا‪ ،‬لكن المسمى ل يملك أن يكون سعيدا‪ ،‬ول أن‬
‫يكون فارسا‪ ،‬ول أن يعيش؛ لن الذي يملك كل ذلك هو ال سبحانه وتعالى‪ ،‬فإذا كان ال هو الذي‬
‫سمى يحيى‪ ،‬فل بد أن يكون المر مختلفا؛ لن الذي يملك هو الذي سمّى‪ ،‬فهل سيعيش يحيى بن‬
‫زكريا كالحياة التي نحياها وفيها الموت مُحتّم على الجميع؟ نعم؛ لذلك شاء له ال أن يموت لتبقى‬
‫حياته موصولة إلى أن تقوم الساعة‪ .‬وهكذا رأت سيدتنا مريم آثار ذلك منذ أن قال لها زكريا عليه‬
‫حسَابٍ }[آل عمران‪.]37 :‬‬
‫السلم } أَنّىا َلكِ هَـاذَا { وأجابت‪ {:‬إِنّ اللّهَ يَرْ ُزقُ مَن يَشَآءُ ِبغَيْرِ ِ‬
‫لقد رأت كل ذلك في سيدنا زكريا وفي ميلد يحيى‪ ،‬وجعل ال كل ذلك مقدمات لها؛ لنها‬
‫سَتُمتحن في عِرْضها فهي التي ستنجب ولدا من غير أب‪ ،‬وعليها أن تتذكر دائما قولها‪ {:‬إِنّ اللّهَ‬
‫يَرْزُقُ مَن َيشَآءُ ِبغَيْرِ حِسَابٍ }[آل عمران‪.]37 :‬‬
‫ولذلك تجد القرآن الكريم في قصصه العجيب يقول على لسان مريم‪ {:‬أَنّىا َيكُونُ لِي غُلَ ٌم وَلَمْ‬
‫َيمْسَسْنِي بَشَرٌ }[مريم‪.]20 :‬‬
‫سمُهُ‬
‫وقد بشرّها الحق تبارك وتعالى بذلك في سورة آل عمران‪ {:‬إِنّ اللّهَ يُ َبشّ ُركِ ِبكَِلمَةٍ مّنْهُ ا ْ‬
‫ا ْلمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَم }[آل عمران‪.]45 :‬‬
‫وما دام قد نسبه ال لها فلن يكون له أب‪ ،‬فتساءلت‪ :‬كيف يكون لي غلم من غير أب‪ .‬ويُذكّرها‬
‫حسَابٍ }[آل عمران‪.]37 :‬‬
‫الحق عز وجل بهذا القول‪ {:‬إِنّ اللّهَ يَرْ ُزقُ مَن يَشَآءُ ِبغَيْرِ ِ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وقال لها‪ {:‬كَذاِلكَ قَالَ رَ ّبكَ }[مريم‪.]21 :‬‬
‫مثلما قال لزكريا من قبل‪ ،‬إذن } أَنّىا { هذه هي مفتاح الموضوع العقدي كله‪ ،‬في زكريا ويحيى‪،‬‬
‫وفي مريم وعيسى‪ ،‬وهذا هو معنى } أَنّىا { وقلنا إن " أنّى " تأتي بمعنى كيف؟ مثل قول الحق‬
‫تبارك وتعالى على لسان إبراهيم عليه السلم‪َ {:‬ربّ أَرِنِي كَ ْيفَ تُحْيِـي ا ْل َموْتَىا }[البقرة‪.]260 :‬‬
‫وسيدنا إبراهيم ل يُكذب أن ال قادر على الحياء‪ ،‬ولكنه يسأل عن الكيفية‪ ،‬وهنا يقول الحق‪} :‬‬
‫قَاتََلهُمُ اللّهُ أَنّىا ُي ْؤ َفكُونَ { أي‪ :‬كيف يعدلون عن الحق؟ فالقضية منطقية‪ ،‬وما كان يصح أن تغيب‬
‫عنهم‪ ،‬فكيف يُصرَفون عن هذه الحقيقة التي توجبها الفطرة اليمانية؟ وكيف يضلون عن الحق‬
‫وهو ظاهر ويعدلون إلى الباطل؟‬
‫ويقول سبحانه بعد ذلك عن أهل الكتاب‪ } :‬اتّخَذُواْ َأحْبَارَهُمْ وَرُهْبَا َنهُمْ أَرْبَابا مّن دُونِ اللّ ِه وَا ْلمَسِيحَ‬
‫ابْنَ مَرْيَمَ‪{ ...‬‬

‫(‪)1252 /‬‬
‫خذُوا أَحْبَارَ ُه ْم وَرُهْبَا َنهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللّهِ وَا ْلمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَ َم َومَا ُأمِرُوا إِلّا لِ َيعْ ُبدُوا إَِلهًا وَاحِدًا‬
‫اتّ َ‬
‫عمّا ُيشْ ِركُونَ (‪)31‬‬
‫لَا إِلَهَ إِلّا ُهوَ سُ ْبحَانَهُ َ‬

‫و " الحَبْر " هو لقب عند اليهود‪ ،‬وهو العالم‪ .‬ويقال في اللغة " حِبر " أو " حَبْرُ " أي رجل يدقق‬
‫الكلم ويزنه بأسلوب عالم‪ .‬والرهبان عند النصارى والمقصود بهم المنقطعون للعبادة‪ ،‬فالحَبر‬
‫عالِم اليهود‪ ،‬والراهب عابد النصارى‪ ،‬أما عالم النصارى فيسمى " قسيس " ولذلك قال الحق‬
‫ن وَرُهْبَانا }[المائدة‪.]82 :‬‬
‫سبحانه وتعالى‪ {:‬قِسّيسِي َ‬
‫فإن قصدنا عالم الدين المسيحي قلنا‪ " :‬قسيس " ‪ ،‬وإن قصدنا رجل التطبيق أي العابد قلنا‪" :‬‬
‫الراهب " والراهب هو من يقول‪ :‬إنه انقطع لعبادة ال فوق ما طلب ال منه من جنس ما طلب‪،‬‬
‫ونعلم أنه ل رهبانية في السلم‪ ،‬ولكن النسان يستطيع أن يتقرب إلى ال كما يحلو له من جنس‬
‫ما طلب ال منه‪ ،‬فإن كان الحق عز وجل قد أمر بإقامة الصلة خمس مرات في اليوم‪ ،‬فالمسلم‬
‫الذي يرغب في زيادة التقرب إلى ال يمكنه أن يصلي ضعف عدد مرات الصلة‪ ،‬وإذا كان الحق‬
‫سبحانه قد فرض أن تكون الزكاة بمقدار اثنين ونصف في المائة‪ ،‬فالعبد الصالح قد يزيد ذلك‬
‫بضعفه أو أضعافه‪ .‬وهذه زيادة من جنس ما فرض ال تعالى وزيادة‪ ،‬وهذا يعني في السلم‬
‫الدخول إلى مقام الحسان‪ ،‬واقرأ إن شئت قول الحق تبارك وتعالى‪ {:‬إِنّ ا ْلمُ ّتقِينَ فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ‬
‫* آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَ ّبهُمْ إِ ّنهُمْ كَانُواْ قَ ْبلَ َذِلكَ مُحْسِنِينَ }[الذاريات‪.]16-15 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أي‪ :‬أنهم قد دخلوا إلى مقام الحسان أي ارتقوا فوق مقام اليمان‪ .‬ويزيدنا الحق علما بمقام‬
‫حقّ‬
‫سحَارِ ُهمْ يَسْ َت ْغفِرُونَ * َوفِي َأ ْموَاِلهِمْ َ‬
‫جعُونَ * وَبِالَ ْ‬
‫الحسان فيقول‪ {:‬كَانُواْ قَلِيلً مّن اللّ ْيلِ مَا َيهْ َ‬
‫ل وَا ْلمَحْرُومِ }[الذاريات‪.]19-17 :‬‬
‫لّلسّآ ِئ ِ‬
‫وسبحانه ل يطلب منا في فروض الدين أل نهجع إل قليل من الليل‪ ،‬بل نصلي العشاء وننام إلى‬
‫الفجر‪ .‬لكن إنْ قام النسان منّا وتهجد فذلك زيادة عما فرض ال ولكنه من جنس ما فرض ال‪.‬‬
‫وكذلك الستغفار فمن تطوع به فهو خير له‪ .‬وكذلك الصدقة على غير المحتاج‪ ،‬فهنا زيادة في‬
‫حدّ َدتْ من قبل في قول الحق تبارك وتعالى‪ {:‬وَالّذِينَ‬
‫العطاء على ما فرضه ال من الزكاة التي ُ‬
‫حقّ ّمعْلُومٌ }[المعارج‪.]24 :‬‬
‫فِي َأ ْموَاِلهِمْ َ‬
‫والرهبانية كانت رغبة من بعضهم في الدخول إلى مقام الحسان‪ ،‬ولكن الحق لم يفرضها عليهم؛‬
‫لنه هو الذي خلق وَعلم أزلً قدرات من خلق‪ ،‬لذلك قال الحق وتعالى‪ {:‬وَرَهْبَانِيّةً اب َتدَعُوهَا مَا‬
‫كَتَبْنَاهَا عَلَ ْيهِمْ }[الحديد‪.]27 :‬‬
‫هم إذن قد ابتدعوها ابتغاء رضوان ال وزيادة في العبادة‪ ،‬وليس في ذلك ملمة عليهم‪ ،‬ولكنها‬
‫ضد الطبيعة البشرية؛ لذلك لم يراعوا الرهبانية حق رعايتها‪ ،‬ويقول المولى سبحانه وتعالى هنا‬
‫في الية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها‪:‬‬
‫{ اتّخَذُواْ َأحْبَارَهُمْ وَرُهْبَا َنهُمْ أَرْبَابا } فهل معنى ذلك أنهم يقولون للحبر أو الراهب " رب "؟ ل‪،‬‬
‫ولكن كانت معاملتهم لهم كمن يعامل ربه؛ لن ال هو الذي يُحل ويحرم بـ " افعل " و " ل تفعل‬
‫" ‪ ،‬فإذا جاء هؤلء الحبار وأحلّوا شيئا حرمه ال أو حرّموا شيئا أحلّه ال‪ ،‬فهم إنما قد أخذوا‬
‫صفة اللوهية فوصفوهم بها؛ لن التحليل والتحريم هي سلطة ال‪ ،‬فلذلك‬
‫" عندما دخل عدي بن حاتم على سيدنا رسول ال صلى ال عليه وسلم ووجد الرسول صلى ال‬
‫عليه وسلم في عنق الرجل صليبا من الذهب أو من الفضة قال سيدنا رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم‪ " :‬اخلع هذا الوثن " ‪ ،‬ومن أدب الرجل مع الرسول خلع الصليب‪ .‬وقال صلى ال عليه‬
‫وسلم‪ " " :‬إنكم لتتخذون الحبار والرهبان أربابا "‪ .‬فقال الرجل‪ :‬نحن ل نعبدهم‪ ..‬قال له رسول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم‪ :‬أول تطيعونهم فيما حرموا وأحلوا؟ قال‪ :‬نعم‪ .‬قال‪ :‬تلك هي العبادة "‪.‬‬
‫} اتّخَذُواْ َأحْبَارَهُمْ وَرُهْبَا َنهُمْ أَرْبَابا مّن دُونِ اللّ ِه وَا ْلمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ { ولسائل أن يسأل‪ :‬وما معنى‬
‫عطف المسيح على الرباب‪ ،‬وعلى الحبار والرهبان؟ والجابة‪ :‬إن الذي يحلل ويحرم إن لم يكن‬
‫رسولً‪ ،‬فهو إنسان يطلب السلطة الزمنية‪ ،‬وذلك ل يتأتى من الرسول؛ لن الرسول صلى ال‬
‫عليه وسلم إنما جاء ليلفت الناس إلى عبادة ال بما شرعه ال‪ ،‬وعيسى عليه السلم هو رسول لم‬
‫يقم إل بالبلغ عن ال‪ ،‬ولكن البعض أخطأ التقدير وظن أنه ابن ال‪ ،‬ولذلك يتابع الحق قوله‪:‬‬
‫عمّا ُيشْ ِركُونَ { وهكذا يذكر الحق‬
‫} َومَآ ُأمِرُواْ ِإلّ لِ َيعْبُدُواْ إِلَـاها وَاحِدا لّ إِلَـاهَ ِإلّ ُهوَ سُ ْبحَانَهُ َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أن المر لم يصدر منه سبحانه وتعالى إل بأن يعبد من يؤمن بالرسالت الله الواحد‪ .‬ورسولنا‬
‫صلى ال عليه وسلم يقول‪ " :‬خير ما قلته أنا والنبيون‪ :‬ل إله إل ال "‪.‬‬
‫وأنت حين تنظر إلى " ل إله إل ال " تجد النفي في " ل " والستثناء من النفي والثبات في " إل‬
‫" ‪ ،‬وهذا نفي اللوهية عن غير ال وإثباتها له وحده‪ ،‬وحين نقول‪ " :‬ال واحدا " فهذا يتضمن‬
‫الثبات فقط‪ .‬ويأخذ الفلسفة الذين يملكون قوة الداة والبيان من هذه القضية " الثبات والنفي " ‪،‬‬
‫أو " الموجب والسالب " ‪ ،‬ويقولون‪ :‬كل التقاء بين موجب وسالب إنما يعطي طاقة‪ ،‬والطاقة يمكن‬
‫استخدامها في النارة أو تدار بها آلة‪ ،‬وكذلك الطاقة اليمانية تحتاج إلى " سالب وموجب " ‪،‬‬
‫ويقول الشاعر إقبال‪:‬إنما التوحيدُ إيجَابٌ وسَلبٌ فِيهِما للنفْسِ عز ٌم و َمضَاءويقول سبحانه وتعالى‬
‫عمّا يُشْ ِركُونَ { وحين تسمع كلمة } سُبْحَانَهُ { فاعرف أنها للتنزيه‪،‬‬
‫تذليلً للية الكريمة‪ } :‬سُبْحَا َنهُ َ‬
‫فل ذات مثل ذات ال‪ ،‬ول صفة مثل صفات ال‪ ،‬فال عني وأنت غني‪ ،‬فهل غناك الحادث مثل‬
‫غنى ال الزلي؟ وأنت حي وال حي‪ ،‬فهل حياتك الموقوتة مثل حياته؟ فحياته ذاتية وحياتك‬
‫موهوبة‪ ،‬فسبحانه حي بذاته‪ ،‬ولذلك يجب أن تفرق بين اسمه " الحي " واسمه " المحيي " ‪ ،‬فهو‬
‫حي في ذاته‪ ،‬ومُحْي لغيره‪ ،‬وإن كانت الصفة ل في الذات فهي ل تتعدى إلى الغير‪ ،‬إن ال‬
‫يوصف بها ول يوصف بنقيضها‪ ،‬فتقول " حي " ول تقول المقابل‪ ،‬ولكن إن قلت‪ " :‬محيي " فأنت‬
‫تأتي بالمقابل وتقول‪ " :‬مميت "‪.‬‬
‫وتقول‪ " :‬قابض وباسط " و " رحيم وقهار "‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فصفة الذات يتصف ال بها ول يتصف بمقابلها‪ ،‬وأما صفة الفعل فيتصف بها ويتصف‬
‫بمقابلها لنها في غيره‪ ،‬فسبحانه هو مُحي لغيره‪ ،‬ومميت لغيره‪ ،‬لكنه حي في ذاته‪ .‬إذن فكلمة }‬
‫سُ ْبحَانَهُ { تعني التنزيه ذاتا‪ ،‬وصفاتٍ‪ ،‬وأفعالً‪ ،‬وإذا جاء فعل من ال‪ ،‬ويأتي مثله فعل من البشر‪،‬‬
‫نقول‪ :‬إن فعل ال عز وجل غير فعل البشر لن فعل ال بل علج‪ ،‬ولكن فعل البشر بعلج‪،‬‬
‫بمعنى أن كل جزئية من الزمن تأخذ قدرا من الفعل‪ ،‬كأن تنقل شيئا من مكان إلى مكان‪ ،‬فأنت‬
‫تأخذ وقتا وزمنا على قدر قوتك‪ ،‬أما فعل ال عز وجل فل يحتاج إلى زمن‪ ،‬وقوته سبحانه وتعالى‬
‫ل نهائية‪.‬‬
‫ولذلك حين قال سيدنا رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ :‬لقد أسْ ِريَ بي إلى بيت المقدس‪ ،‬قال من‬
‫سمعوه‪ :‬أتدعي أنك أتيتها في ليلة ونحن نضرب إليها أكباد البل شهرا؟ لكن لم يلتفت أحد منهم‬
‫إلى أن محمدا صلى ال عليه وسلم لم يقل‪ :‬لقد ذهبت إليها بقوتي‪ ،‬بل قال‪ :‬لقد أس ِريَ بي من‬
‫المسجد الحرام إلى المسجد القصى‪ .‬إذن‪ :‬فالذي أسْرَى هو ال القوي القادر ول يحتاج ال إلى‬
‫زمن‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فـ } سُ ْبحَانَهُ { هي تنزيه ل سبحانه وتعالى عن أي شيء يوجد في البشر‪ .‬ول تقارن قدرة‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ال سبحانه وتعالى بقدرة البشر مهما كان‪ ،‬بل إن العمل ينسب لقدرة صاحبه‪ ،‬وكلما زادت القوة‬
‫عمّا يُشْ ِركُونَ { هو تنزيه ل‪ ،‬ول تجد بشرا‬
‫زادت القدرة وال هو القوي‪ .‬وقوله تعالى‪ } :‬سُبْحَانَهُ َ‬
‫يقول لبشر حتى من الكفار الذين يعاندون اليمان‪ ،‬ل يقول واحد منهم لخر " سبحانك " لن‬
‫التنزيه أمر يختص به ال عز وجل‪.‬‬
‫والناس تضع أسماء أولدها‪ ،‬فالسماء مقدور عليها من البشر‪ ،‬ولكنك ل تجد كافرا معاندا محاربا‬
‫لدين ال عز وجل يسمى ابنه " ال " فالمؤمن ل يجرؤ على هذه التسمية لنه يؤمن بال‪ ،‬والكافر‬
‫ل يجرؤ عليها أبدا بقدرة ال وقهره‪ .‬لذلك فكلمة } سُبْحَا َنهُ { ولفظ الجللة " ال " لفظان يختص‬
‫بهما ال وحده بالقدرة المطلقة ل سبحانه وتعالى‪ ،‬وسبحانه القائل‪:‬‬
‫سمِيّا }[مريم‪.]65 :‬‬
‫ت وَالَ ْرضِ َومَا بَيْ َن ُهمَا فَاعْبُ ْد ُه وَاصْطَبِرْ ِلعِبَادَتِهِ َهلْ َتعَْلمُ لَهُ َ‬
‫سمَاوَا ِ‬
‫{ ّربّ ال ّ‬
‫إذن‪ :‬فال سبحانه وتعالى ‪ -‬بالقدرة والقهر ‪ -‬حجز ألسنة البشر جميعا أن يقول أحدهم لحد‪" :‬‬
‫سبحانك " ‪ ،‬أو أن يسمى أحد ابنه " ال "‪.‬‬
‫عمّا يُشْ ِركُونَ { ‪ ،‬وموقف المشركين وأهل‬
‫وال عز وجل يقول هنا‪ } :‬لّ إِلَـاهَ ِإلّ ُهوَ سُبْحَانَهُ َ‬
‫عمّ الفساد وال سبحانه وتعالى يريد‬
‫الكتاب واقع تحت هذه الية؛ لن منهج السماء ل يأتي إل إذا َ‬
‫من النسان الخليفة في الرض أن يكون صالحا ومصلحا‪ ،‬وأقلّ درجات الصلح أن تترك‬
‫الصالح فل تفسده‪ ،‬فإن استطعت أن ترتقي به فهذا هو الفضل‪ .‬فإن كانت هناك بئر يشرب منها‬
‫الناس‪ ،‬فالصلح أن تترك هذه البئر ول تردمها‪ ،‬والصلح من ذلك أن تحمي جدرانها بالطوب‬
‫حتى ل تنهار التربة وتسُدّها‪ ،‬وأن تحاول أن تسهل حصول الناس على الماء من البئر‪ ،‬والصلح‬
‫منه أن تصنع خزانا عاليا‪ ،‬ومن هذا الخزان تمتد المواسير ليصل الماء إلى الناس في منازلهم‬
‫بدون تعب‪ ،‬هذا إصلح لنك بذلك إنما تأخذ بأسباب الحق القائل عن تميز الفكر؛ عند ذي‬
‫شيْءٍ سَبَبا * فَأَتْبَعَ سَبَبا }[الكهف‪]85-84 :‬‬
‫القرنين‪ {:‬وَآتَيْنَاهُ مِن ُكلّ َ‬
‫أي‪ :‬أن ال سبحانه وتعالى أعطى لذي القرنين السباب‪ ،‬وهو زَادَ باجتهاده أسبابا أخرى؛ إذن‪:‬‬
‫فالحق سبحانه يريد من النسان أن ُيصْلح في الرض حتى يسعد المجتمع بأي إصلح في‬
‫الرض ويستفيد منه الكل‪ ،‬ولذلك يعطي الحق سبحانه وتعالى اختيارات في أشياء ول يعطيها في‬
‫أشياء أخرى‪ ،‬فالنسان له اختيار في أن يصلي أو ل يصلي‪ ،‬يتصدق أو ل يتصدق‪ ،‬يعمل أو ل‬
‫يعمل إلى آخر ما نعلمه‪ ،‬ولكن الكون العلى محكوم بالقهر‪ ،‬فالشمس والقمر والنجوم والهواء‬
‫والماء وكل هذا له نظام دقيق‪ ،‬فل الشمس ول القمر ول النجوم‪ ،‬ول غيرها من الكون العلى‬
‫يخضع لختيار النسان‪ ،‬وإل لفسد الكون‪ .‬وكل شيء مقهور سليم بالفطرة ول يحدث فساد إل في‬
‫الشيء الذي فيه اختيار للنسان؛ لن الختيار قد يتبع الشهوة وهوى النفس‪ ،‬حتى المخلوقات‬
‫المقهورة كالحيوانات التي سخرها ال للنسان ل يأتي منها الشر‪ .‬بل إن مُخلّفاتها تُستخدم في‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫زيادة خصوبة الرض‪ .‬ولكن الشياء التي صنعها النسان ملت أجواء الدنيا بالسموم ولوثت‬
‫الجو؛ لن الولى مخلوقة بهندسة إلهية‪ ،‬والثانية بهندسة بشرية علم صانعها أشياء وغابت عنه‬
‫أشياء‪.‬‬
‫ت مشكلت الكون‪ ،‬ثم بعد ذلك وعندما تمر‬
‫وقد يعتقد الناس أن هناك بعضا من الكتشافات قد حّل ْ‬
‫السنوات يعرفون أنه جاءت بالشقاء للبشرية‪ ،‬ولعل تلوث البيئة الذي بدأ يؤثر على حياة الكون‬
‫أخيرا يلفتنا إلى ذلك‪ ،‬حتى إن النسان الذي قطع الشجار وأزال الغابات التي خلقها ال في هذا‬
‫الكون لتكون مصدرا للهواء النقي وأنشأ بدلً منها مصانع ومُدنا؛ بدأ الن يحاول أن يعيد زراعة‬
‫جوّه وماءه وأفسد لمنهج ال تعالى لستقام‬
‫هذه الشجار بعد أن علم أن تدخله في الكون قد أفسد َ‬
‫أمر الدنيا‪ ،‬كما استقام الكون العلى‪.‬‬
‫ق الِنسَانَ * عَّلمَهُ البَيَانَ *‬
‫حمَـانُ * عَلّمَ ا ْلقُرْآنَ * خَلَ َ‬
‫ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى‪ {:‬الرّ ْ‬
‫سمَآءَ َر َف َعهَا وَ َوضَعَ ا ْلمِيزَانَ }[الرحمن‪:‬‬
‫جدَانِ * وَال ّ‬
‫ج ُم وَالشّجَرُ يَسْ ُ‬
‫حسْبَانٍ * وَالنّ ْ‬
‫س وَا ْل َقمَرُ بِ ُ‬
‫شمْ ُ‬
‫ال ّ‬
‫‪.]7-1‬‬
‫إذن‪ :‬فالميزان للعلويات ل يختل أبدا‪ ،‬فإذا عرفتم ذلك فنّفذوا أمر الحق سبحانه وتعالى في قوله‪{:‬‬
‫ط َغوْاْ فِي ا ْلمِيزَانِ }[الرحمن‪.]8 :‬‬
‫َألّ تَ ْ‬
‫فإذا سرْتم على ضوء منهج ال تعالى‪ ،‬تستقيم أموركم الدنيا كما استقامت أموركم العليا‪ ،‬وها هو‬
‫ذا الكون أمامكم يسير منضبطا‪ ،‬وهذا شأن الشيء الذي فيه اختيار للنسان؛ إنْ لم يسِرْ على منهج‬
‫ال عز وجل تجدوه غير مستقيم‪ .‬وعلى هذا إذا رأيت عورة في الكون من أي لون‪ ،‬فاعلم أن‬
‫منهجا من مناهج ال قد عُطّل‪.‬‬
‫ولذلك نجد ‪ -‬أيضا ‪ -‬أن المفسدين ساعة يرون أن مصلحا قد جاء ليضرب على أيدي المفسدين‪،‬‬
‫تجدهم يحاولون إفساده وجذبه إليهم ليعيش فسادهم‪ ،‬وإذا لم يتحقق لهم ذلك فهم يقفون أمام هذا‬
‫المصلح لنهم إنما يعيشون بالفساد وعلى الفساد‪ ،‬ويصنعون لنفسهم السيادة والجبروت‬
‫ويستعبدون غيرهم‪ ،‬وحين يرى المفسدون رجلً يريد أن يعدل ميزان الكون فهم يحاربونه‪.‬‬
‫وأنت حين تشتري سلعة‪ ،‬فالبائع يزنُ لك بمقدار ما تدفع من ثمن‪ ،‬ويحتاج البائع إلى ميزان‬
‫منضبط ليزنَ لك به ما تشتريه‪ ،‬فإن كان بائعا مخادعا‪ ،‬فهو يعبث بالميزان ليبيع لك القل بالثمن‬
‫الكبر‪ ،‬وليبخسك حقك‪ .‬ومثل هذا البائع مثل المفسدين الذين يرهقهم أن يأتي مصلح يعيد ميزان‬
‫الكون لما أمر ال عز وجل من إقامة العدل وإصلح المعوج‪.‬‬
‫ومن قبل قلنا‪ :‬إنّ الحق ضرب المثل فجعل له سبحانه نورين‪ ..‬النور الول حسي وهو في‬
‫الماديات‪ ،‬والنور الثاني معنوي وهو في القيم‪ ،‬وكما أن النور الحسي يهدي النسان إلى طريقه‬
‫دون أن يصطدم بأي شيء؛ لن النسان إن اصطدم بشيء أقل منه‪ ،‬فإنه يحطمه‪ ،‬وإذا كان الشيء‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أكبر من النسان فهو يحطم النسان‪ ،‬وهكذا يلعب النور دورا في الحسيات‪ ،‬وكذلك جعل ال‬
‫للمعنويات نورا‪ ،‬لذلك قال الحق سبحانه وتعالى‪ {:‬نّورٌ عَلَىا نُورٍ َي ْهدِي اللّهُ لِنُو ِرهِ مَن يَشَآءُ }‬
‫[النور‪.]35 :‬‬
‫والمفسد يكره أن يوجد مثل هذا النور‪ ،‬بل يريد أن يطفئه‪ ،‬ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى بعد‬
‫طفِئُواْ نُورَ اللّهِ‪{ ...‬‬
‫ذلك‪ } :‬يُرِيدُونَ أَن ُي ْ‬

‫(‪)1253 /‬‬
‫طفِئُوا نُورَ اللّهِ بَِأ ْفوَا ِههِ ْم وَيَأْبَى اللّهُ إِلّا أَنْ يُتِمّ نُو َر ُه وََلوْ كَ ِرهَ ا ْلكَافِرُونَ (‪)32‬‬
‫يُرِيدُونَ أَنْ ُي ْ‬

‫لكن هل يستطيعون أن يطفئوا نور ال؟ ل؛ لن النسان في المر الحسّي ل يستطيع أن يطفئ‬
‫النور؛ لن هناك فَرقا بين مصدر النور وبين أداة التنوير‪ ،‬فالنسان يمكنه أن يحطم الدائرة‬
‫الزجاجية التي تحمل النور‪ ،‬لكن ل أحد بإمكانه أن يطفئ " المُنوّر " والمنوّرُ العلى هو ال‪ ،‬ول‬
‫طفِئُواْ نُورَ اللّهِ بَِأ ْفوَا ِههِ ْم وَيَأْبَىا اللّهُ } أي‪ :‬ل يريد ال شيئا‬
‫أحد يستطيع إطفاءه‪ { .‬يُرِيدُونَ أَن يُ ْ‬
‫{ ِإلّ أَن يُ ِتمّ نُو َرهُ } ‪ ،‬وسبحانه قد أرسل الرّسُل حاملة لمنهج النور ولم يرسل الرسل لينتصر‬
‫عليهم الكفر‪ ،‬ولذلك يقول لنا‪ { :‬وَيَأْبَىا اللّهُ } أي ل يريد { ِإلّ أَن يُتِمّ نُو َر ُه وََلوْ كَ ِرهَ ا ْلكَافِرُونَ }‪.‬‬
‫سلَ رَسُولَهُ بِا ْل ُهدَىا وَدِينِ ا ْلحَقّ‪} ...‬‬
‫ويتابع الحق جل وعل قوله‪ُ { :‬هوَ الّذِي أَرْ َ‬

‫(‪)1254 /‬‬
‫ظهِ َرهُ عَلَى الدّينِ كُلّهِ وََلوْ كَ ِرهَ ا ْلمُشْ ِركُونَ (‪)33‬‬
‫حقّ لِ ُي ْ‬
‫سلَ رَسُولَهُ بِا ْل ُهدَى وَدِينِ الْ َ‬
‫ُهوَ الّذِي أَ ْر َ‬

‫والرسول صلى ال عليه وسلم إنما جاء بالقيم التي تهدي إلى الطريق المستقيم‪ ،‬جاء بالدين الحق‪.‬‬
‫فكلمة " دين " أخ َذتْ واستعملت أيضا في الباطل‪ ،‬ألم يأمر الحق سبحانه وتعالى نبيه صلى ال‬
‫عليه وسلم أَن يقول لكفار ومشركي مكة‪َ {:‬لكُمْ دِي ُنكُ ْم وَِليَ دِينِ }[الكافرون‪.]6 :‬‬
‫فهل كان لهم دين؟ نعم كان لهم ما يدينون به مما ابتكروه واخترعوه من المعتقدات؛ لكن { وَدِينِ ا‬
‫} هو الذي جاء من السماء‪.‬‬
‫ظهِ َرهُ عَلَى الدّينِ كُلّهِ } ولنلحظ أن الحق سبحانه‬
‫حقّ لِيُ ْ‬
‫سلَ َرسُولَهُ بِا ْلهُدَىا وَدِينِ الْ َ‬
‫{ ُهوَ الّذِي أَرْ َ‬
‫وتعالى جاء بهذا القول ليؤكد أن السلم قد جاء ليظهر فوق أي ديانة فاسدة‪ ،‬ونحن نعلم أن هناك‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫سمَاوَاتُ‬
‫حقّ أَ ْهوَآءَ ُهمْ َلفَسَ َدتِ ال ّ‬
‫ديانات متعددة جاءت من الباطل‪ ،‬فسبحانه القائل‪ {:‬وََلوِ اتّ َبعَ الْ َ‬
‫وَالَرْضُ }[المؤمنون‪.]71 :‬‬
‫ونتوقف عند قول الحق سبحانه وتعالى‪ { :‬عَلَى الدّينِ كُلّهِ } ‪ ،‬فلو أن الفساد كان في الكون من‬
‫لون واحد‪ ،‬كان يقال ليظهره على الدين الموجود الفاسد‪ ،‬ولكنّ هناك أديانا متعددة؛ منها البوذية‬
‫وعقائد المشركين‪ ،‬وديانات أهل الكتاب والمجوس الذين يعبدون النار أو بعض أنواع من‬
‫الحيوانات‪ ،‬وكذلك الصابئة‪ .‬ولذلك فإن ال سبحانه وتعالى ل يريد أن يظهر دينه؛ الذي هو دين‬
‫الحق على دين واحد؛ من أديان الباطل الموجودة‪ ،‬ولكن يريد سبحانه أن يظهره على هذه الديان‬
‫ظهْر هذه الديان كلها‪ ،‬والشيء إذا جاء على‬
‫كلها‪ ،‬وأن يعليه حتى يكون دين ال واقفا فوق َ‬
‫ظهَرُوهُ }[الكهف‪:‬‬
‫ظهْر أصبح عاليا ظاهرا‪ .‬والحق سبحانه وتعالى يقول‪َ {:‬فمَا اسْطَاعُواْ أَن يَ ْ‬
‫ال ّ‬
‫‪.]97‬‬
‫أي‪ :‬أن يأتوا فوق ظهره‪ .‬وكل الديان هي في موقع أدنى بكثير من الدين السلمي‪ .‬بعض الناس‬
‫يتساءل‪ :‬إذن كيف يكون هناك كفار ومجوس وبوذيون وصابئون وأصحاب أديان أخرى كاليهودية‬
‫والنصرانية‪ ،‬فما زالت دياناتهم موجودة في الكون وأتباعها كثيرون‪ ،‬نقول‪ :‬لنفهم معنى كلمة‬
‫العلء‪ ،‬إن العلء هو إعلء براهين وسلمة تعاليم‪ ،‬بمعنى أن العالم المخالف للسلم سيصدم‬
‫بقضايا كونية واجتماعية‪ ،‬فل يجد لها مخرجا إل باتباع ما أمر به السلم ويأخذون تقنيناتهم من‬
‫السلم‪ ،‬وهم في هذه الحالة ل يأخذون تعاليم السلم كدين‪ ،‬ولكنهم يأخذونها كضرورة اجتماعية‬
‫ل تصلح الحياة بدونها‪ .‬وأنت كمسلم حين تتعصب لتعاليم دينك‪ ،‬فليس في هذا شهادة لك أنك‬
‫آمنت‪ ،‬بل دفعك وجدانك وعمق بصيرتك لنْ تؤمن بالدين الحق‪ ،‬ولكن الشهادة القوية تأتي حين‬
‫يضطر الخصم الذي يكره السلم ويعانده إلى أن يأخذ قضية من قضايا السلم ليحل بها‬
‫مشكلته‪ ،‬هنا تكون الشهادة القوية التي تأتي من خصم دينك أو عدوك‪ .‬ومعنى هذا أنه لم يجد في‬
‫أي فكر آخر في الكون حلً لهذه القضية فأخذها من السلم‪.‬‬
‫فإذا قلنا مثلً‪ :‬إن إيطاليا التي فيها الفاتيكان الذي يسيطر على العقائد المسيحية في العالم الغربي‬
‫كله‪ ،‬وكانت الكنيسة الكاثوليكية في الفاتيكان تحارب الطلق وتهاجم السلم لنه يبيح الطلق‪ ،‬ثم‬
‫اضطرتهم المشكلت الهائلة التي واجهت المجتمع اليطالي وغيره من المجتمعات الوروبية إلى‬
‫أن يبيحوا الطلق؛ لنهم لم يجدوا حلً للمشكلت الجتماعية الجسيمة إل بذلك‪.‬‬
‫ولكن هل أباحوه لن السلم أباحه‪ ،‬أم أباحوه لن مشاكلهم الجتماعية ل تُحلّ إل بإباحة الطلق؟‬
‫وساعة يأخذون حلً لقضية لهم من ديننا ويطبقون الحل كتشريع‪ ،‬فهذه شهادة قوية‪ ،‬يتأكد لهم بها‬
‫ظهِ َرهُ عَلَى الدّينِ كُلّهِ { [التوبة‪ {]33 :‬وَلَوْ‬
‫صحة دين ال ويتأكد بها قول الحق سبحانه وتعالى‪ } :‬لِ ُي ْ‬
‫كَ ِرهَ ا ْلكَافِرُونَ }[التوبة‪ ،]32 :‬وبال لو كان الظهار غلبة عقدية‪ ،‬بمعنى ألّ يوجد على الرض‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أديان أخرى‪ ،‬بل يوجد دين واحد هو السلم لما قال الحق هنا‪ } :‬وَلَوْ كَ ِرهَ ا ْلكَافِرُونَ { ولما قال‬
‫في موضع آخر من القرآن‪ } :‬وََلوْ كَ ِرهَ ا ْلمُشْ ِركُونَ { وهذا يعني أن الحق سبحانه وتعالى قد جعل‬
‫من المعارضين للسلم من يظهر السلم على غيره من الديان ل ظهور اقتناع وإيمان‪ ،‬ل‪ ،‬بل‬
‫يظلون على دينهم ولكن ظروفهم تضطرهم إلى أن يأخذوا حلولً لقضاياهم الصعبة من السلم‪.‬‬
‫ومثال آخر من قضية أخرى‪ ،‬هي قضية الرضاعة‪ ،‬يقول الحق سبحانه وتعالى‪ {:‬وَا ْلوَالِدَاتُ‬
‫حوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ِلمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمّ ال ّرضَاعَةَ }[البقرة‪.]233 :‬‬
‫ضعْنَ َأوْلَدَهُنّ َ‬
‫يُ ْر ِ‬
‫وقامت في أوروبا وأمريكا حملت كثيرة ضد الرضاعة الطبيعية‪ ،‬وطالبوا الناس باستخدام اللبن‬
‫المجفف والمصنوع كيميائيا بدلً من لبن الم‪ ،‬وكان ذلك في نظرهم نظاما أكمل لتغذية الطفل‪ ،‬ثم‬
‫بعد ذلك ظهرت أضرار هائلة على صحة الطفل ونفسيته من عدم رضاعته من أمه‪ .‬واضطر‬
‫العالم كله إلى أن يعود الطفل ونفسيته من عدم رضاعته من أمه‪ .‬واضطر العالم كله إلى أن يعود‬
‫إلى الرضاعة الطبيعية وبحماسة بالغة‪ .‬هل فعلوا ذلك تصديقا للقرآن الكريم أم لنهم وجدوا أنه ل‬
‫حلّ لمشكلتهم إل بالرجوع إلى الرضاعة الطبيعية؟‬
‫َ‬
‫وكذلك الخمر نجد الن حربا شعواء ضد الخمر في الدول التي أباحتها من قبل وتوسعت فيها‪،‬‬
‫ولكن شنّوا عليها هذه الحرب بعد أن اكتشف العلم أضرارها على الكبد والمخ والسلوك النساني‪،‬‬
‫ظهِ َرهُ عَلَى الدّينِ كُلّهِ { أي‪ :‬يجعله غالبا بالبرهان والحجة والحق والدليل على‬
‫هذا هو معنى } لِيُ ْ‬
‫ظهِ َرهُ عَلَى الدّينِ كُلّ ِه وََلوْ كَ ِرهَ ا ْلمُشْ ِركُونَ‬
‫كل ما عداه‪ .‬ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى‪ } :‬لِيُ ْ‬
‫{ فقد ظهر هذا الدين وغلب في مواجهة قضايا عديدة ظهرت في مجتمعات المشركين والكافرين‬
‫الذين يكرهون هذا الدين ويحاربونه‪ ،‬وهو ظهور غير إيماني ولكنه ظهور إقراري‪ ،‬أي رغما‬
‫عنهم‪.‬‬
‫وبعد أن بيّن ال سبحانه وتعالى أن الحبار والرهبان ل يؤمنون بال اليمان الصحيح‪ ،‬ول باليوم‬
‫الخر بالشكل السليم‪ ،‬ويحلون ما حرم ال‪ ،‬ويحرمون ما أحل ال‪ ،‬ويتخذهم أتباعهم أربابا من‬
‫ن الَحْبَارِ وَالرّهْبَانِ‬
‫دون ال‪ .‬هنا يقول الحق سبحانه وتعالى‪ } :‬ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ إِنّ كَثِيرا مّ َ‬
‫ل وَ َيصُدّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ‪{ ...‬‬
‫طِ‬
‫لَيَ ْأكُلُونَ َأ ْموَالَ النّاسِ بِالْبَا ِ‬

‫(‪)1255 /‬‬
‫طلِ وَيَصُدّونَ عَنْ‬
‫يَا أَ ّيهَا الّذِينَ َآمَنُوا إِنّ كَثِيرًا مِنَ الَْأحْبَا ِر وَالرّهْبَانِ لَيَ ْأكُلُونَ َأ ْموَالَ النّاسِ بِالْبَا ِ‬
‫سَبِيلِ اللّهِ وَالّذِينَ َيكْنِزُونَ الذّ َهبَ وَا ْل ِفضّ َة وَلَا يُ ْنفِقُو َنهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشّ ْرهُمْ ِبعَذَابٍ َألِيمٍ (‪)34‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وبعد أن شرح سبحانه لنا ما يدور في ذواتهم‪ ،‬وانحرافهم عن منهج ال تعالى‪ ،‬والغرق في حب‬
‫الدنيا وحب الشهوات‪ ،‬وهم قد اشتروا بآيات ال ثمنا قليلً‪ ،‬وحرّفوا تعاليم السماء حتى يأكلوا‬
‫أموال الناس بالباطل‪ ،‬ولكن هل الموال تؤكل؟ طبعا ل‪ ،‬بل نشتري بالمال الطعام الذي نأكله‪،‬‬
‫فلماذا استخدم الحق سبحانه عبارة { لَيَ ْأكُلُونَ َأ ْموَالَ النّاسِ }؟ أراد الحق سبحانه وتعالى بذلك أن‬
‫يلفتنا إلى أنهم ل يأخذون المال على قدر حاجتهم من الطعام والشراب‪ ،‬ولكنهم يأخذون أكثر من‬
‫حاجتهم ليكنزوه‪.‬‬
‫ولذلك يأتي قوله تعالى في ذات الية أنهم { وَ َيصُدّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَالّذِينَ َيكْنِزُونَ الذّ َهبَ‬
‫وَا ْلفِضّ َة َولَ يُنفِقُو َنهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشّرْ ُهمْ ِبعَذَابٍ أَلِيمٍ }‪ .‬هم إذن أكلوا أموال الناس بالباطل‪،‬‬
‫ل من أموال‬
‫طلِ } ومعنى ذلك أنّ هناك أكْ ً‬
‫مصداقا لقول الحق سبحانه { لَيَ ْأكُلُونَ َأ ْموَالَ النّاسِ بِالْبَا ِ‬
‫الناس بالحق في عمليات تبادل المنافع‪ ،‬فالتاجر يأخذ مالك ليعطيك بضاعة؛ ويذهب التاجر‬
‫ليشتري بها بضاعة وهكذا‪ ،‬وقانون الحتياط هنا في أن يكون هناك رهبان وأحبار محافظون على‬
‫تعاليم الدين‪ ،‬ول يأكلون أموال الناس بالباطل‪ ،‬وهذا ظاهر في قول الحق سبحانه وتعالى‪ { :‬إِنّ‬
‫طلِ } ولم يقل جل جلله‪ :‬كل الحبار‬
‫ن الَحْبَا ِر وَالرّهْبَانِ لَيَ ْأكُلُونَ َأ ْموَالَ النّاسِ بِالْبَا ِ‬
‫كَثِيرا مّ َ‬
‫والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل‪ ،‬بل قال { إِنّ كَثِيرا مّنَ الَحْبَا ِر وَالرّهْبَانِ }؛ لنه قد يوجد‬
‫عدد محدود من الحبار والرهبان ملتزمون‪ ،‬وال ل يظلم أحدا؛ لذلك جاء بالحتمال‪ .‬فلو أن ال‬
‫سبحانه وتعالى عمّم ووُجد منهم من هو ملتزم بالدين‪ .‬فمعنى ذلك أن يكون القرآن الكريم لم يُغطّ‬
‫كل الحتمالت‪ ،‬ومعاذ ال أن يكون المر كذلك؛ لن الحق سبحانه وتعالى في قرآنه يصون‬
‫الحتمالت كلها‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فاستيلء بعض من هؤلء الحبار والرهبان على أموال الناس ل يكون بالحق‪ ،‬لي ل‬
‫يحصلون فقط على ما يكفيهم‪ ،‬بل بالباطل أي بأكثر مما يحتاجون‪ .‬وهم يأخذون المال ليصدوا به‬
‫عن سبيل ال‪ ،‬وهم في سبيل الحصول على الموال الدنيوية؛ يُغيّرون منهج ال بما يتفق مع‬
‫شهوتهم للمال‪ ،‬وما يحقق لهم كثرة الموال التي يحصلون عليها‪ ،‬ولهذا تأتي العقوبة في ذات الية‬
‫فيقول المولى سبحانه وتعالى‪:‬‬
‫ب وَا ْل ِفضّةَ وَلَ يُن ِفقُو َنهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَ َبشّرْهُمْ ِب َعذَابٍ أَلِيمٍ } والكنز مأخوذ‬
‫{ وَالّذِينَ َيكْنِزُونَ الذّ َه َ‬
‫من المتلء والتجمع‪ ،‬ولذلك يقال‪ " :‬الشاة مكتنزة " ‪ ،‬أي مليئة باللحم وتجمّعَ فيها لحمٌ كثير‪.‬‬
‫ب وَا ْلفِضّةَ }؛ وهذان‬
‫إذن‪ :‬فيكنزون أي يجمعون‪ ،‬وقول الحق سبحانه وتعالى‪َ { :‬يكْنِزُونَ الذّ َه َ‬
‫المعدنان هما أساس القتصاد الدنيوي‪ ،‬فقد بدأ التعامل القتصادي بالتبادل‪ ،‬أي سلعة مقابل سلعة‪،‬‬
‫وهي ما يسمى عمليات عمليات المقايضة‪ ،‬وعندما ارتقى التعامل القتصادي اخترعت العملة التي‬
‫صارت أساسا للتعامل بين الناس والدول‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والعملة من بدايتها حتى الن ترتكز على الذهب والفضة‪ .‬وحتى عندما وجدت العملة الورقية‪،‬‬
‫كان ل بد أن يكون لها غطاء من الذهب لكي تصبح لها قيمة اقتصادية؛ لنّ العملة الورقية ل‬
‫يكون لها قيمة إل بما يغطيها من الذهب والفضة‪.‬‬
‫ومن إعجاز القرآن الكريم أن الحق سبحانه وتعالى حين يتكلم عن الذهب والفضة وهما معدنان‪،‬‬
‫يجعلهما الساس في النقد والتجارة‪ ،‬ولقد وجدت معادن أخرى أغلى من الذهب وأغلى من الفضة‬
‫كالماس مثلً‪ .‬لكن ل يزال الساس النقدي في العالم هو الذهب والفضة‪ .‬وعلى مقدار رصيد‬
‫الذهب الذي يغطي العملة الورقية ترتفع قيمة عملة أي بلد أو تنخفض‪ ..‬فمثلً في مصر في عهد‬
‫الحتلل البريطاني كان النقد المتداول ثمانية مليين جنيه‪ ،‬ورصيدنا من الذهب عشرة مليين‬
‫جنيه فيكون الفائض من الذهب مليوني جنيه‪ ،‬وبذلك كانت قيمة الجنيه المصري تساوي جنيها من‬
‫الذهب مضافا إليه قرشان ونصف القرش‪ .‬والذي يهبط بالنقد إلى الحضيض أن يكون رصيد‬
‫الذهب قليلً وكمية النقد المتداولة كثيرة‪ ،‬وهكذا يبقى الذهب هو الحجة والساس في القتصاد‬
‫العالمي‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالحق سبحانه وتعالى في هذه الية الكريمة أراد أن يلفتنا إلى أن الذهب والفضة هما أساس‬
‫التعامل في تسيير حركة العالم القتصادية‪ ،‬وأن هذا التعامل يقتضي الحركة الدائمة للمال؛ لن‬
‫وظيفة المال هي النتفاع به في عمارة الرض‪ ،‬ولو أنك لم تحرك مالك وكنت مؤمنا‪ ،‬فإنه ينقص‬
‫كل عام بنسبة ‪ %2,5‬وهي قيمة الزكاة‪ .‬ولذلك يفنى هذا المال في أربعين سنة‪ .‬فإن أراد المؤمن‬
‫أن يُبْقي على ماله؛ فيجب أن يديره في حركة الحياة ليستثمره وينميه ول يكنزه حتى ل تأكله‬
‫الزكاة؛ وهي نسبة قليلة تُدفَعُ من المال‪ .‬ولكن إذا أدار صاحب المال ما يملكه في حركة الحياة‪،‬‬
‫فسينتفع به الناس وإن لم يقصد أن ينفعهم به؛ لن الذي يستثمر أمواله مثلً في بناء عمارة ليس‬
‫في باله إل ما سيحققه من ربح لذاته‪ ،‬ولكن الناس ينتفعون بهذا المال ولو لم يقصد هو نفعهم؛ فمن‬
‫وضع الساس يأخذ أجرا‪ ،‬ومن جاء بالطوب يأخذ قدر ثمنه‪ ،‬ومن أحضر أسمنتا أخذ‪ ،‬ومن جاء‬
‫بالحديد أخذ‪ ،‬والمعامل التي صنعت مواد البناء أخذت‪ ،‬وأخذ العمال أجورهم؛ في مصانع الدوات‬
‫الصحية وأسلك الكهرباء وغيرها‪ ،‬والذين قاموا بتركيب هذه الشياء أخذوا‪ ،‬إذن‪ :‬فقد انتفع عدد‬
‫كبير في المجتمع من صاحب العمارة‪ ،‬وإن لم يقصد هو أن ينفعهم‪ .‬ولذلك فإن الذي يبني عمارة‬
‫يقدم للمجتمع خدمة اقتصادية ينتفع بها عدد من الناس‪ ،‬وكذلك كل من يقيم مشروعا استثماريا‪.‬‬
‫إذن‪ :‬سبحانه وتعالى ل يريد من المال أن يكون راكدا‪ ،‬ولكنه يريده متحركا ولو كان في أيدي‬
‫الكافرين؛ لنه إذا تحرك أفاد الناس جميعا فيحدث بيع وشراء وإنتاج للسلع وإنشاء للمصانع‪،‬‬
‫وتشغيل لليدي العاملة إلى غير ذلك‪ ،‬ولكن إن كنز كل واحد منا ماله فلم يستثمره في حركة‬
‫الحياة‪ ،‬فالسلع لن تستهلك‪ ،‬والمصانع ستتوقف‪ ،‬ويتعطل الناس عن العمل‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وكما يحث السلم على استثمار المال‪ ،‬يطالبنا أيضا بأل يذهب المال إلى الناس بغير عمل؛ حتى‬
‫ل يعتادوا على الكسب مع الكسل وعدم العمل‪ .‬ولذلك قيل‪ :‬إذا كثر المال ولم تكن هناك حاجة إلى‬
‫مشروعات جديدة‪ ،‬فل تترك الناس عاطلين؛ بل عليك أن تأمرهم ولو بحفر بئر ثم تأمرهم بطمّها‬
‫أي ردمها‪ ،‬في هذه الحالة سيأخذ العمال أجر الحفر والردم‪ ،‬فل تنتشر البطالة ويتعود الناس أن‬
‫يأكلوا بدون عمل؛ لن هذا أقصر طريق لفساد المجتمع‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالحق سبحانه وتعالى يريد للمال أن يتحرك ول يكنز؛ ولذلك قال المولى سبحانه وتعالى‪} :‬‬
‫وَالّذِينَ َيكْنِزُونَ الذّ َهبَ وَا ْل ِفضّ َة َولَ يُن ِفقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشّرْ ُهمْ ِبعَذَابٍ أَلِيمٍ { لنهم بكنزهم المال‬
‫إنما يُوقفُونَ حركة الحياة التي أرادها ال تعالى لكونه‪ .‬وأنت ترى العالم الن يعيش في غائلة‬
‫البطالة؛ لن المال ل يتحرك لعمارة الكون‪ ،‬بل هناك من يكتنزون فقط‪.‬‬
‫ولقائل أن يقول‪ :‬ولكن الناس الن يتعاملون بالنقد الورقي‪ ،‬بينما ذكر ال سبحانه وتعالى الذهب‬
‫والفضة؛ نقول‪ :‬إن العملة الورقية ليست نقدا بذاتها‪ ،‬ولكنها استخدمت لتعفي الناس من حمل‬
‫كميات كبيرة وثقيلة من الذهب والفضة‪ ،‬قد ل يقدرون على حملها‪ ،‬إذن فهي عملية للتسهيل‪ ،‬وهي‬
‫منسوبة إلى قيمتها ذهبا‪ ،‬إذن‪ :‬فالذين يكنزون العملة الورقية ول ينفقونها فيما يعمر بها الكون وتتم‬
‫عمارته تنطبق عليهم الية الكريمة‪.‬‬
‫ولكن الكنز في هذه الية ل يأتي فقط بمعنى الجمع؛ ولكنه أيضا بمعنى أنهم ل يؤدون حق ال‬
‫فيها‪ .‬ولذلك فإن المال الذي أخرجتَ زكاته ل يُعدّ كنزا‪ ،‬لنه يتناقص بالزكاة عاما بعد آخر؛ أما‬
‫ل مهما كانت قيمته ويؤدي حق ال‬
‫المال المكنوز فهو المال الذي ل تُؤدّى زكاته‪ .‬والذي يملك ما ً‬
‫فيه ل يعتبر كانزا للمال‪ .‬بل الكنز في هذه الحالة ما لم يؤد فيه حق ال‪.‬‬
‫ب وَا ْل ِفضّ َة َولَ يُن ِفقُو َنهَا { نتساءل‪ :‬لماذا‬
‫عدْنا إلى نص الية الكريمة‪ } :‬وَالّذِينَ َيكْنِزُونَ الذّ َه َ‬
‫وإذا ُ‬
‫لم يقل ال‪ :‬ول ينفقونهما مع أنهما معدنان؟ ونقول‪ :‬إن الحق سبحانه وتعالى استخدم أسلوب‬
‫الجمع؛ لن الذهب يطلق إطلقات كثيرة‪ ،‬فهناك من يملك ألف دينار من الذهب‪ ،‬وغيره يملك مائة‬
‫دينار من الذهب‪ ،‬وثالث ليس لديه إلّ دينار ذهبيّ واحد وكذلك الفضة‪ ،‬وما دام الجمع هنا موجودا‬
‫فل بد أن تستخدم } يُنفِقُو َنهَا {‪.‬‬
‫ولم تقل الية الكريمة‪ :‬والذي يكنز‪ .‬ولكنها قالت‪ } :‬وَالّذِينَ َيكْنِزُونَ { ‪ ،‬إذن‪ :‬فالمخاطبون‬
‫متعددون‪ ،‬فهذا عنده ذهب‪ ،‬وهذا عنده ذهب‪ ،‬وثالث عنده فضة‪ ،‬إذن فل بد من استخدام صيغة‬
‫الجمع‪ .‬ويلفتنا القرآن الكريم إلى هذه القضية في قوله تعالى‪:‬‬
‫{ وَإِن طَآ ِئفَتَانِ مِنَ ا ْل ُمؤْمِنِينَ اقْتَتَلُواْ }[الحجرات‪.]9 :‬‬
‫ولم يقل " اقتتل " لن الطائفة اسم لجماعة مكونة من أفراد كثيرين‪ ،‬فإذا جاء القتال ل تقوم طائفة‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وتمسك سيفا وتقاتل الثانية‪ ،‬وإنما كل فرد من الطائفة الولى يقاتل كل فرد من الطائفة الثانية‪ ،‬إذن‬
‫فهما طائفتان ساعة السلم‪ ،‬ولكن ساعة الحرب يتقاتل كل أفراد الطائفة الولى مع كل أفراد‬
‫الطائفة الثانية‪ .‬ولذلك قال الحق سبحانه وتعالى‪ } :‬اقْتَ َتلُواْ { ‪ ،‬ولم يقل " اقتتل "‪ .‬أما في حالة‬
‫الصلح فقد قال سبحانه وتعالى‪ {:‬فََأصْلِحُواْ بَيْ َن ُهمَا }[الحجرات‪.]9 :‬‬
‫واستخدم هنا " المثنى " لننا ساعة نصلح بين طائفتين‪ ،‬ل نأتي بكل فرد من الطائفة الولى‬
‫ونصلحه على كل فرد من الطائفة الثانية‪ ،‬ولكن نأتي بزعيم الطائفة الولى ونصالحة على زعيم‬
‫الطائفة الثانية فيتم الصلح‪ .‬ولذلك هنا تجب التثنية‪.‬‬
‫وكذلك في قوله تعالى‪ } :‬وَالّذِينَ َيكْنِزُونَ الذّ َهبَ وَا ْل ِفضّةَ { لم يقل ول ينفقونهما‪ ،‬ولكن قال سبحانه‬
‫وتعالى‪ } :‬وَلَ يُنفِقُو َنهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ { والنفاق في سبيل ال يشمل مجالت متعددة‪ ،‬ففي سبيل ال‬
‫تحدث حركة في المجتمع يستفيد منها الناس‪ ،‬فحين تُخْرجُ الزكاة يستفيد منها الناس‪ ،‬وحين تُجهّزُ‬
‫بها جيوش المسلمين يستفيد منها الناس‪ ،‬ونظرية عدم كنز المال ربما ظهرت حديثا في القتصاد‬
‫العالمي ولكنها موجودة منذ نزول القرآن الكريم‪.‬‬
‫فأنت إن أنفقت ولم تكنز حدث رواج في السوق‪ .‬والرواج معناه إيجاد العمل ووسائل الرزق‪.‬‬
‫وإيجاد الحافز الذي يؤدي إلى ارتقاء البشرية‪ ،‬وأنت حين تشتري لبيتك غسالة أو ثلجة أو بنيت‬
‫بيتا صغيرا فإنك تُوجِدُ رواجا اقتصاديا في المجتمع‪ .‬وفي نفس الوقت ارتقيت بوسائل‬
‫استخداماتك‪ .‬والرواج يدفع إلى اكتشاف الحسن الذي يفيد البشرية‪ ،‬ولكن إذا كنزت كل مالك ساد‬
‫الكساد القتصادي‪.‬‬
‫وليس معنى ذلك أن ينفق صاحب المال كل ماله وزيادة؛ لن الحق سبحانه وتعالى يريد الوسط‬
‫في كل الشياء‪ .‬ولذلك يقول سبحانه وتعالى‪ {:‬وَالّذِينَ ِإذَآ أَن َفقُواْ َلمْ يُسْ ِرفُو ْا وَلَمْ َيقْتُرُو ْا َوكَانَ بَيْنَ‬
‫ذَِلكَ َقوَاما }[الفرقان‪.]67 :‬‬
‫والحق سبحانه وتعالى في هذه الية يحذر من سفاهة النفاق‪ ،‬وعدم البقاء على جزء من المال‬
‫لمواجهة أي أزمة مفاجئة‪ .‬لكنك إن قترت حدث كساد في السوق وتوقف النتاج وتعطل العمال‪،‬‬
‫والسلم يريد نفقة معتدلة توجد الرواج السلعي‪ ،‬وادخارا تستخدمه في الرتقاء بحياتك ومواجهة‬
‫الزمات‪.‬‬
‫والنفاق أنواع‪ :‬إنفاق في المساوي لبقاء الحركة الدائمة بين المنتج والمستهلك‪ ،‬وإنفاق في غير‬
‫المساوي بإعطاء الزكاة للفقير والمحتاج والمعدم‪ ،‬والزكاة تنقي المجتمع من مفاسد كثيرة؛ فهي‬
‫تمنع الحقد بين الناس؛ لن الفقير إذا وجد من يعطيه فهو يتمنى له دوام النعمة حتى يستمر العطاء‬
‫فل يسخط الفقير على الغني‪ ،‬والغني والفقير متساويان في النتفاع؛ لن الفقير عندما يأخذ ل‬
‫يسخط على أنه فقير‪ ،‬ولكنه يحس بالعطاء حوله‪ ،‬والغني حين يعطي يحس أن هذا أمان له؛ لنه‬
‫إن ذهبت عنه النعمة فسوف يجد من يعطيه‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وهكذا يحدث توازن في المجتمع بين الناس‪ ،‬فل يوجد من ل يستطيع الحصول على ضروريات‬
‫الحياة‪ ،‬ول يوجد من لديه فائض يحبسه عن الناس‪ .‬ولهذا يدعونا اليمان إلى العمل بما يزيد عن‬
‫قدر الحاجة‪ ،‬ليكون هناك فائض للزكاة والصدقة‪ .‬والنسان إذا عمل فإنه ل يفيد نفسه فقط بل يفيد‬
‫المجتمع أيضا‪ .‬فسائق " التاكسي " مثلً إذا كسب مائة جنيه في اليوم قد يظن أنه نفع نفسه فقط‪،‬‬
‫ولكنه في الحقيقة نفع المجتمع كله بأن يسّر على العباد مصالحهم‪ ،‬فنقل هذا إلى عمله؛ ونقل ذلك‬
‫إلى المستشفى‪ ،‬ونقل غيرهما إلى السوق ليشتري ما يحتاج إليه‪ ،‬ونقل رابعا ليزور قريبا أو ليحقق‬
‫مصلحة وهكذا‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالذي يعمل يكون عمله خيرا لنفسه وخيرا للمجتمع‪ ،‬وإن عمل كل الناس على قدر حاجاتهم‬
‫فقط‪ ،‬فمن أين يعيش غير القادر على العمل؟ من أين يعيش المستحق للزكاة والصدقة؟ إنه ل‬
‫يعيش إل بفائض القادر على العمل‪ ،‬ولذلك ل بد للنسان المسلم أن يعمل على قدر طاقته‪ ،‬وليس‬
‫على قدر حاجته‪ .‬والعمل على قدر الحاجة يجعله يوفي بحاجات من يعولهم‪ ،‬ول يضطرهم إلى أن‬
‫يمدوا أيديهم للخرين؛ أي أنه يقيهم شر الحاجة‪ .‬أما العمل على قدر الطاقة فيجعله يأخذ حاجته‪،‬‬
‫ويعطي لغير القادر ما يقيم حياته‪ ،‬وبذلك يقدم الخير لنفسه ومن يعولهم وللخرين‪.‬‬
‫إن المجتمع الذي يجد فيه غير القادر حاجته‪ ،‬هو مجتمع يملؤه الطمئنان بالنسبة للقادر وغير‬
‫القادر‪ .‬ونحن نعلم أننا نعيش في دنيا أغيار‪ ،‬ول يوجد من يدوم غناه أو من يدوم فقره؛ لن دوام‬
‫الحال من المحال‪ ،‬إن عاش الغني في مجتمع متكافل يجد فيه الفقير حاجته فهو لن يخشى تقلبات‬
‫الزمن؛ لنه وهو الن يعطي الفقير‪ ،‬إن أصبح فقيرا فسوف يجد مقومات حياته‪ ،‬والفقير إذا أغناه‬
‫ال تعالى فسيذكر أنه كان يأخذ من الغنياء‪ ،‬فيبادر ليعين الفقراء كنوع من َردّ الجميل‪ .‬وبذلك‬
‫يعيش المجتمع كله حياة آمنة‪ ،‬كما أن الحياة في مثل هذا المجتمع إنما تهيىء الطمئنان للناس‬
‫على أولدهم وذريتهم‪ ،‬ذلك أن العمار بيد ال‪ ،‬وعندما يحس النسان بأنه إن مات وترك أولدا‬
‫صغارا ضعافا فسوف يتكفل المجتمع بهم‪ ،‬عندئذ يحس بالمان في حياته‪ ،‬ولكن إذا كان المجتمع‬
‫قاسيا يضيع في حق اليتيم‪ ،‬فالب يعيش غير مطمئن على أولده الصغار‪ ،‬ولهذا نجد أن الحق‬
‫س الب‬
‫تبارك وتعالى قد أمر بكفالة اليتيم؛ ليعوضه عن أب واحد بآباء متعددين يَرْعَونهُ‪ ،‬فَيُح ّ‬
‫خشَ‬
‫بالمان وتُحس الم بالمان ويحس الصغار بالمان‪ ،‬ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى‪ {:‬وَلْيَ ْ‬
‫ضعَافا خَافُواْ عَلَ ْيهِمْ فَلْيَ ّتقُواّ اللّ َه وَلْ َيقُولُواْ َق ْولً سَدِيدا }‬
‫الّذِينَ َلوْ تَ َركُواْ مِنْ خَ ْل ِفهِمْ ذُرّيّةً ِ‬
‫[النساء‪.]9 :‬‬
‫وتقوى ال تكون ضمانا في أن يكفل المجتمع اليتيم؛ فيدخل المن في قلب كل أب يخشى أن‬
‫يموت وأولده صغار‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إذن‪ :‬فساعة يكفل المجتمع اليتيم فالطفل لن يسخط على القدر الذي حرمه من أبيه لنه وجد آباء‬
‫يرعونه‪ ،‬وهناك قصة يرويها عدد من إخواننا العلماء‪ ،‬فقد مات زميل من زملئهم وأولده‬
‫صغار‪ ،‬وكانت الم تبكي على أطفالها لنهم تيتموا‪ ،‬ثم مرت السنوات وكبر الطفال فصار هذا‬
‫مهندسا وصار ذلك طبيبا‪ ،‬والثالث أصبح محاميا‪ ،‬بينما من ل يزال آباؤهم على قيد الحياة كانوا‬
‫متعثرين في دراستهم‪ ،‬فقال أحدهم للخر‪ :‬ليتنا نموت حتى يفتح ال باب الرزق على أولدنا‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فهناك آباء محابس رزق‪ ،‬إذا ذهبوا فاض ال بالرزق على أولدهم‪ ،‬وهذه صورة نراها في‬
‫الكون؛ فنعرف أن المسألة في يد ال سبحانه وتعالى القائل‪ {:‬إِنّ اللّهَ ُهوَ الرّزّاقُ ذُو ا ْل ُق ّوةِ ا ْلمَتِينُ }‬
‫[الذاريات‪.]58 :‬‬
‫إذن‪ :‬فالقتصاد السلمي مبني على وجود حركة في الكون‪ ،‬ول بد أن تكون هذه الحركة على‬
‫قدر طاقة المتحركين‪ ،‬وليس على قدر حاجاتهم؛ حتى يكون هناك فائض يأخذه غير القادر من‬
‫المتحرك القادر‪.‬‬
‫ثم يعطينا ال سبحانه وتعالى لمحة إيمانية‪ ،‬حينما نرى الفقير غير القادر وهو يتلقى العطاء من‬
‫أي إنسان غني يتعب في عمله‪ ،‬وكأن من هم أغنى منه يعملون ليعطوه‪ ،‬وسبحانه وتعالى حين‬
‫سلب القوة من هذا الرجل فقد عوّضه بأن أعطاه ثمرة من جهد وناتج عمل غيره فل يسخط على‬
‫اختبار ال تعالى له بالبتلء‪.‬‬
‫ب وَا ْل ِفضّةَ وَلَ يُن ِفقُو َنهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَ َبشّرْهُمْ ِب َعذَابٍ أَلِيمٍ {‬
‫} وَالّذِينَ َيكْنِزُونَ الذّ َه َ‬
‫وساعة تسمع كلمة } فَبَشّرْ ُهمْ { تعرف أن البشارة عادة تكون في خبر سار‪ ،‬وإن جاءت في خبر‬
‫محزن تكون تهكمًا‪ ،‬فالنسان الذي هو عزيز قومه ويجعل الناس له اعتبارا‪ ،‬إن ظلم وطغى‬
‫وخاف الناس أن يردوه؛ لنه ل يخشى ال فيهم‪ ،‬هذا الظالم يُؤتَى به يوم القيامة ويُعذّب أشد‬
‫العذاب‪ ،‬ويقال له‪ُ {:‬ذقْ إِ ّنكَ أَنتَ ا ْلعَزِيزُ ا ْلكَرِيمُ }[الدخان‪.]49 :‬‬
‫وبطبيعة الموقف في النار هو مهان بعذاب جهنم ول يمكن أن يكون عزيزا كريما‪ ،‬ولكن قول‬
‫ملئكة النار‪ُ } :‬ذقْ إِ ّنكَ أَنتَ ا ْلعَزِيزُ ا ْلكَرِيمُ { ‪ ،‬هو تهكم شديد‪ ،‬وهو في ذلك كقول الحق تبارك‬
‫شوِي الْوجُوهَ }[الكهف‪.]29 :‬‬
‫وتعالى‪ {:‬وَإِن َيسْ َتغِيثُواْ ُيغَاثُواْ ِبمَآءٍ كَا ْل ُم ْهلِ يَ ْ‬
‫وهم ساعةَ يسمعون كلمة } ُيغَاثُواْ { يفرحون؛ لن عطشهم شديد وهم قد استغاثوا فقيل لهم إنهم‬
‫سيغاثون‪ ،‬وهذا خبر سار بالنسبة لهم‪ ،‬ولكن الغاثة تأتيهم بماء يشوي وجوههم‪ ،‬فهل هذه إغاثة؟‬
‫إنه تهكم عليهم وزيادة في عذابهم‪ ،‬كذلك قول الحق سبحانه وتعالى هنا‪ } :‬فَ َبشّرْهُمْ ِب َعذَابٍ أَلِيمٍ‬
‫{ ويصف لنا الحق هذا العذاب الليم الذي سيتعرضون له‪ ،‬ويُبيّن لنا خبر المغيّب عنّا في الخرة‬
‫جهَنّمَ فَ ُت ْكوَىا ِبهَا جِبَا ُههُ ْم وَجُنو ُبهُمْ‬
‫حمَىا عَلَ ْيهَا فِي نَارِ َ‬
‫بصورة ُمحَسّة لنا فيقول‪َ } :‬يوْمَ ُي ْ‬
‫ظهُورُهُمْ‪{ ...‬‬
‫وَ ُ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫(‪)1256 /‬‬
‫سكُمْ فَذُوقُوا‬
‫ظهُورُهُمْ َهذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَ ْنفُ ِ‬
‫جهَنّمَ فَ ُت ْكوَى ِبهَا جِبَا ُههُ ْم َوجُنُو ُبهُ ْم وَ ُ‬
‫حمَى عَلَ ْيهَا فِي نَارِ َ‬
‫َيوْمَ يُ ْ‬
‫مَا كُنْتُمْ َتكْنِزُونَ (‪)35‬‬

‫نحن نعلم أن النار ل تُحمى إل للمعادن‪ ،‬فإن كان ما كنزوه أوراقَ نقد فكيف يُحمَى عليها؟ وإن‬
‫كان ما كنزوه معادن فهي صالحة لنْ ُت ْكوَى بها أجسادهم‪ ،‬أما الورق فكيف يتم ذلك؟ ونقول‪ :‬إن‬
‫حمَى عليه مُحمىً‪ ،‬أو يحولها إلى ذهب‬
‫القادر سبحانه وتعالى يستطيع أن يجعل من غير المُ ْ‬
‫وفضة؛ وتكوى بها نَواحٍ متعددة من أجسادهم‪ ،‬والكية هي أن تأتي بمعدن ساخن وتلصقه بالجلد‬
‫فيحرقه ويترك أثرا‪.‬‬
‫و " حين مات أحد الصحابة في عهد الرسول صلى ال عليه وسلم وبحثوا في ثيابه فوجدوا فيها‬
‫دينارا‪ ،‬قال الرسول صلى ال عليه وسلم‪ " :‬هذه كَيّة من النار " ؛ لن صاحبه كان حريصا على‬
‫أن يكنزه‪ ،‬كما " وجدوا مع صحابي آخر دينارين كنزهما‪ ،‬فقال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪" :‬‬
‫هاتان كَيّتانِ " "‪.‬‬
‫كان هذا قبل أن تشرع الزكاة‪ ،‬أما إذا كان صاحب المال قد أدى حق ال فيه فل ُيعَدّ كنزا‪ ،‬وإل لو‬
‫قلنا‪ :‬إنّ النسان إذا أبقى بعضا من المال لولده حتى ولو أدى زكاته فإن ذلك يعتبر كنزا‪ ،‬لو قلنا‬
‫ذلك لكنا قد أخرجنا آيات الميراث في القرآن الكريم عن معناها؛ لن آيات الميراث جاءت لتورث‬
‫ما عند المتوفي‪ .‬والمال المورّث المفترض فيه أنه قد أتى عن طريق حلل وأدى فيه صاحبه حق‬
‫ال‪ ،‬لذلك ل يعتبر كنزا‪.‬‬
‫خصّ ال‬
‫ظهُورُهُمْ } ‪ ،‬لماذا َ‬
‫وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى‪ { :‬فَ ُت ْكوَىا ِبهَا جِبَا ُه ُه ْم وَجُنو ُبهُ ْم وَ ُ‬
‫هذه الماكن بالعذاب؟ لن كل جارحة من هذه الجوارح لها مدخل في عدم إنفاق المال في سبيل‬
‫ال‪ .‬كيف؟ مثلً‪ :‬تجدون الوجه هو أداة المواجهة‪ ،‬وإذا رأيت إنسانا فقيرا متجها إليك ليطلب‬
‫صدقة‪ ،‬وأنت تعرف أنه فقير وقد جاءك لحاجته الشديدة‪ ،‬فإن كان أول ما تفعله حتى ل تؤدي حق‬
‫ال أن تشيح بوجهك عنه‪ ،‬أو تعبس ويظهر على وجهك الغضب‪ ،‬فإن هذا الفقير يحس بالمهانة‬
‫والذلة؛ لن الغني قد تركه وابتعد عنه‪ ،‬فإذا لم تنفع إشاحة الوجه واستمر الفقير في تقدمه من‬
‫الغني‪ ،‬فإنه يعرض عنه بأن يدير له جنبه ليحس بعدم الرضا‪ ،‬فإذا استمر الفقير واقفا بجانبه فإنه‬
‫يعطي له ظهره‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالجوارح الثلث قد تشترك في منع النفاق في سبيل ال‪ ،‬وهي الوجه الذي أداره بعيدا‪ ،‬ثم‬
‫أعطاه جانبه‪ ،‬ثم أعطاه ظهره‪ .‬هذه هي الجوارح الثلث التي تشترك في منع حق ال عن الفقير‪،‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ولذلك ل بد أن تُعذّب فَ ُتكْوى الجباه والجنوب والظهور‪.‬‬
‫سكُمْ } ‪ ،‬أي‪ :‬هذا ما منعتم فيه حق ال‪ ،‬فإن‬
‫ثم يقول الحق تبارك وتعالى‪ { :‬هَـاذَا مَا كَنَزْتُمْ لَنْفُ ِ‬
‫كنز النسان مالً كثيرا فسيكون عذابه أشد ممن كنز مالً قليلً؛ لن ال َكيّ سيكون بمساحة كبيرة‪،‬‬
‫أما إن كان الكنز صغيرا فتكون الكية صغيرة‪.‬‬
‫ولهذا ل يجب أن يغتر المكتنز بكمية ما كنز؛ لن حسابه سوف يكون على قدر ما كنز‪.‬‬
‫وقوله سبحانه وتعالى‪ } :‬فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ َتكْنِزُونَ { أي‪ :‬أن عذابكم في الخرة سيكون بسبب كنزكم‬
‫المال‪ ،‬فالمال الذي تفرحون بكنزه في الدنيا كان يجب أن يكون سببا في حزنكم؛ لنكم تكنزون‬
‫عذابا لنفسكم يوم القيامة‪ ،‬ومهما أعطاكم كنز المال من تفاخر وغرور في الحياة الدنيا‪ ،‬فسوف‬
‫يقابله في الخرة عذابٌ‪ُ ،‬كلّ على قدر ما كنز‪.‬‬
‫شهْرا فِي كِتَا بِ اللّهِ‬
‫عشَرَ َ‬
‫شهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا َ‬
‫ويقول الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك‪ } :‬إِنّ عِ ّدةَ ال ّ‬
‫ت وَالَ ْرضَ مِ ْنهَآ أَرْ َبعَةٌ حُ ُرمٌ‪{ ...‬‬
‫سمَاوَا ِ‬
‫خلَقَ ال ّ‬
‫َيوْمَ َ‬

‫(‪)1257 /‬‬
‫سمَاوَاتِ وَالْأَ ْرضَ مِ ْنهَا أَرْ َبعَةٌ‬
‫شهْرًا فِي كِتَابِ اللّهِ َيوْمَ خََلقَ ال ّ‬
‫عشَرَ َ‬
‫شهُورِ عِنْدَ اللّهِ اثْنَا َ‬
‫إِنّ عِ ّدةَ ال ّ‬
‫سكُ ْم َوقَاتِلُوا ا ْلمُشْ ِركِينَ كَافّةً َكمَا ُيقَاتِلُو َنكُمْ كَافّ ًة وَاعَْلمُوا أَنّ‬
‫حُ ُرمٌ ذَِلكَ الدّينُ ا ْلقَيّمُ فَلَا َتظِْلمُوا فِيهِنّ أَ ْنفُ َ‬
‫اللّهَ َمعَ ا ْلمُ ّتقِينَ (‪)36‬‬

‫والشهر‪ :‬هو دورة القمر كما هو معلوم‪ ،‬ونحن نعرف أن الكون فيه شمس وقمر وفيه نجوم‪ ،‬هذه‬
‫هي الشياء المرئية لنا‪ ،‬وهناك كواكب أخرى بعيدة عنا تستطيع أن تأخذ مليون شمس في جوفها‪،‬‬
‫كل هذا يعطيك فكرة عن مدى اتساع الكون‪ ،‬فل تعتقد أن الشمس هذه موجودة بذاتها‪ ،‬بل هي‬
‫تأخذ أشياء من كواكب أعلى منها كثيرة‪ ،‬ولكن ما نراه بأعيننا محدود‪ ،‬وهناك ما ل يمكننا أن‬
‫نراه؛ لنه غير منظور لنا‪ .‬وأنت إذا نظرت إلى مصباح كهربائي‪ ،‬فنور المصباح ليس ذاتيا‪ ،‬بل‬
‫إن وراءه أجهزة كثيرة تمده بالكهرباء من أسلك وكابلت وأكشاك‪ ،‬ثم محطة توليد الكهرباء التي‬
‫تولد التيار الكهربائي‪ ،‬ثم المصانع التي أنتجت اللت التي تعمل في محطة الكهرباء‪ ،‬إذن‪ :‬فوراء‬
‫هذا المصباح الصغير حجم هائل من العمل والجهزة المختلفة‪.‬‬
‫ونحن نرى الشمس فيها ضياء‪ ،‬والقمر فيه نور‪ ،‬فما الفرق بين الضياء والنور؟‬
‫الضياء‪ :‬فيه نور وفيه حرارة‪ .‬والنور‪ :‬فيه ضوء وليس فيه حرارة‪ .‬ولذلك يسمون ضوء القمر "‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الضوء الحليم " ‪ ،‬أي‪ :‬أنك عندما تجلس في ضوء القمر ل تحتاج إلى مظلة تحميك منه‪ ،‬ولكن إن‬
‫جلست تحت ضوء الشمس فأنت تحتاج إلى مظلة تحميك من حرارة الشمس الشديدة‪.‬‬
‫والحق سبحانه وتعالى يسمى الشمس سراجا وهّاجا‪ ،‬والسراج فيه حرارة وفيه ضوء‪ .‬أما القمر‬
‫فسماه منيرا؛ لن أشعة الشمس تنعكس عليه فينير‪ ،‬وهذان الكوكبان العلويان ‪ -‬الشمس والقمر ‪-‬‬
‫وضع ال فيهما موازين الزمن‪ .‬والزمن له حالت كثيرة تتطلب موازين وقياسات مختلفة‪ ،‬وأساس‬
‫الزمن هو اليوم والليلة‪ ،‬وأساس اليوم هو صباح وظهر وعصر ومغرب‪ ،‬وهناك الفجر الصادق‬
‫والفجر الكاذب والشروق‪ ،‬وهناك أوقات يتساوى فيها الشيء وظله‪ ،‬وأوقات يكون الظل مثَْليْ‬
‫الشيء‪ .‬والليل فيه الظلم‪ ،‬ويأتي بعد النهار والليل ‪ -‬في مقاييس الزمن ‪ -‬الشهورُ‪ ،‬وبعد الشهور‬
‫تأتي السنوات‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فمقاييس الزمن محتاجة للت تقاس بها‪ ،‬وأنت تعرف بداية اليوم بشروق الشمس‪ .‬إذن‬
‫فالشمس معيار اليوم‪ .‬وأنت تعرف بداية الليل بغروب الشمس‪ .‬وهكذا فالشمس تعطينا بداية ونهاية‬
‫الليل والنهار‪ ،‬ولكنها ل تعطينا شيئا عن الشهور‪ ،‬فإذا نظرت إلى الشمس فإنك ل تعرف هل أنت‬
‫في أول الشهر أو في منتصفه أو في آخره‪ .‬ولكنك إذا نظرت إلى القمر عرفت‪ ،‬ففي أول الشهر‬
‫يكون القمر هللً‪ ،‬وفي منتصفه يكون بدرا‪ ،‬وفي آخره المحاق‪ .‬والشهور عند ال اثنا عشر‬
‫شهرا‪.‬‬
‫وهكذا نرى أن الحق سبحانه وتعالى قبل أن يخلق النسان‪ ،‬ويجعله خليفة في الرض؛ خلق له‬
‫كونا ُمعَدّا إعدادا حكيما لستقباله‪ ،‬فقدّر في الرض القوات وجعل الشمس والقمر وأنزل المطر‪،‬‬
‫فكل ما يقيم حياة النسان كان موجودا في الكون قبل أن يأتي النسان إليه‪.‬‬
‫والنسان جعله ال خليفة في الرض وله حركة‪ ،‬وهي الحداث التي تقع منه أو تقع فيه أو تقع‬
‫عليه‪ ،‬والحداث تتطلب زمانا ومكانا‪ ،‬ولذلك خلق ال لها الزمان والمكان‪ .‬إذن‪ :‬فالحياة كلها‬
‫تفاعل بين حركة النسان الخليفة وبين الزمان والمكان‪.‬‬
‫وكما أعدّ ال سبحانه وتعالى للنسان في كونه مقومات حياته اليومية‪ ..‬أنزل له القيم التي تحفظ‬
‫له معنويات حياته‪ ،‬وأراد بها الحق سبحانه وتعالى أن تتساند حركة النسان ول تتعاند‪ ،‬ومعنى‬
‫التساند أنْ تتحد حركة الناس جميعا في إيجاد النافع لمزيد من الصلح في الرض‪ ،‬أما إن‬
‫تعاندت حركات البشر ضد بعضها البعض‪ ،‬فإن الفساد يظهر في الرض؛ لن كل واحد يريد أن‬
‫يهدم ما يفعله الخر‪.‬‬
‫ولكي تتساند حركات النسان في الكون؛ فل بد من مُشَرّع واحد ‪ -‬وهو المشرع العلى ‪ -‬يعطي‬
‫قوانين الحركة البشرية لكل الناس‪ .‬وإن ابتعد الناس عن تشريعات ال تعالى‪ ،‬وأخذوا يقنّنون‬
‫لنفسهم‪ ،‬نجد قوانين البشر تتبع أهواءهم‪ ،‬وكل واحد يحاول أن يحصل على مَيْزات لنفسه‪ ،‬ويأخذ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫حقوق الخرين؛ فتفسد الحياة‪ ،‬ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى‪ {:‬وََلوِ اتّبَعَ ا ْلحَقّ َأ ْهوَآءَ ُهمْ َلفَسَ َدتِ‬
‫سمَاوَاتُ وَالَ ْرضُ }[المؤمنون‪.]71 :‬‬
‫ال ّ‬
‫إن اتباع الحق لهوائهم سيُخضِعُ الكون لهواء البشر‪ ،‬هذا يريد وهذا ل يريد‪ ،‬والحق سبحانه‬
‫يريد في الكون حركة السلم والمن والطمئنان‪ ،‬وهذه ل تتم إل إذا التزم كل إنسان بمنهج ال؛‬
‫حينئذ يوجد سلم دائم ومستوعب شامل‪ ،‬مستوعب لسلم النسان مع نفسه‪ ،‬ولسلم النسان مع‬
‫الكون‪ ،‬ولسلم النسان مع ال‪ ،‬لكن النسان الذي خلقه ال مُخيّرا وأنزل له المنهج بالتكليف‪ ،‬في‬
‫إمكانه أن يطيع هذا المنهج أو أن يعصيه‪ .‬وإن عصى النسان المنهج فهو يفسد في الرض‬
‫وينشر فيها الظلم والفساد‪.‬‬
‫وأراد الحق سبحانه أن يضع للسلم ضمانا‪ ،‬وهو أن توجد قوة تقف أمام الفساد في الرض؛ لذلك‬
‫شاء الحق أن يكون للحرب وجود في هذا الكون؛ لتتصارع الرادات‪ ،‬فما دام للنسان اختيار‪،‬‬
‫وما دام هناك من يعصي ومن يطيع‪ ،‬فل بد أن يحدث الصراع‪ .‬أما المور التي ل اختيار‬
‫للنسان فيها فهي ل تعكر السلم في الكون‪ ،‬فلن تقوم ثورة ‪ -‬مثلً ‪ -‬لكي تشرق الشمس‪ ،‬أو‬
‫تشتعل حرب لنزال المطر؛ لن هذه المور تسير بقوانين القهر التي أرادها ال لها‪ ،‬وتعطي‬
‫نفعها للجميع‪ ،‬ولكن الفساد يأتي من انحراف الناس عن منهج ال‪ ،‬وما دام في الكون حراس‬
‫للمنهج من البشر‪ ،‬بحيث إذا انحرف إنسان ضربوا على يده حتى يعود إلى الطريق السليم؛ فإن‬
‫عمّ الفساد‪ ،‬ولم يوجد في المجتمع من يقف ضده تعاندت‬
‫الحياة المطمئنة المنة تبقى‪ .‬ولكن إن َ‬
‫حركات الحياة وتعب الناس في حياتهم وأرزاقهم‪.‬‬
‫ولكي يسود السلم في الكون؛ وضع الحق سبحانه في الزمن وفي المكان حواجز أمام طغيان‬
‫النفوس؛ عَلّها تفيق وتعود إلى الحق‪ ،‬فجعل في الزمان أشهرا حُرما يمتنع فيها القتال‪ ،‬ويسود فيها‬
‫السلم بأمر السماء‪ ،‬وأراد الحق أن يكون هذا السلم القسري فرصة تجعل هؤلء المتحاربين‬
‫يفيقون إلى رشدهم وينهون الخلف بينهم‪ ،‬كذلك خصّ ال بعض الماكن بتحريم القتال فيها‪ ،‬فإذا‬
‫التقى الناس في هذه الماكن كانت هناك فرصة لتصفية النفوس وإنهاء الخلف‪.‬‬
‫والنسان في حربه مع أخيه النسان يُنهك بنيران ونتائج الحرب‪ ،‬تنهكه دما‪ ،‬وتنهكه مالً‪ ،‬وتنهكه‬
‫عتادا‪ ،‬ويصيب الضعفُ النسان نتيجة هذه النهاكات منتصرا كان أم مهزوما‪ ،‬ولكنه أمام عزة‬
‫نفسه في مواجهة خصمه يريد أن يستمر في الحرب حتى ل يظهر أمام الخصم بأنه قد ُذلّ‪ .‬فيشاء‬
‫ال برحمته لخلقه أن يجعل في الزمان وفي المكان ما يحرم فيه القتال؛ حتى ل يقال‪ :‬إن قبيلة ما‬
‫أو جماعة ما قد أوقفت القتال خوفا من خصومها‪ ،‬أو لن خصومها هم القوى؛ ولكن ليقول‬
‫الناس‪ :‬إنهم أوقفوا الحرب بأمر ال‪.‬‬
‫وبهذا يحتفظ كل طرف من الطراف المتحاربة بكرامته؛ فيسهل الصلح وتسلم الرواح والنفوس‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وكذلك إن لجأ واحد من المتحاربين إلى المكان أو الماكن التي يحرم ال فيها القتال‪ ،‬أمن على‬
‫نفسه‪ ،‬وفي هذا منع للشر أن يستمر‪ ،‬وصون للنفوس من المهانة والذلة والنكسار أمام الغير؛‬
‫لذلك أراد ال أن يوضح لنا‪ :‬أنا خالقكم‪ ،‬وأنا الرحيم بكم‪ ،‬وسأجعل لكم من الزمان زمانا أحرم فيه‬
‫القتال‪ ،‬وأجعل مكانا مَنْ دخله كان آمنا‪ ،‬فاستتروا وراء ذلك وكُفّوا عن القتال‪.‬‬
‫وهذه هي بعض من رحمة ال‪ ،‬يعطي بها سبحانه للناس فرص الحياة‪ ،‬وهذا من عطاءات‬
‫الربوبية‪ ،‬وعطاء الربوبية من ال هو لخلقه جميعا‪ ،‬المؤمن منهم والكافر‪ ،‬والطائع والعاصي‪،‬‬
‫وكل نعم الكون من عطاءات ربوبية ال‪.‬‬
‫إن عطاءات ال سبحانه ل تفرق بين المؤمن والكافر‪ ،‬فالرض مثلً ل تعطي الزرع للطائع‬
‫وتمنعه عن العاصي‪ ،‬والشمس ل تضيء وتسقط دفئها وحرارتها للمؤمن دون الكافر؛ فَ ِنعَ ُم الكون‬
‫المادية كلها من عطاء ربوبية ال سبحانه وتعالى لخلقه‪.‬‬
‫السباب ‪ -‬إذن ‪ -‬هي للناس جميعا‪ ،‬ولهم أن يتخذوا الزمان المواتية لحركة الحياة كما يحبون‪،‬‬
‫فيسيرون الزراعات على أي تقويم‪ ،‬ويحددون المواسم على حسب ما يفيدهم‪ ،‬وهم يحددون بذلك‬
‫مصالحهم المادية التي هي من عطاء الربوبية‪ .‬ولكن ال رب قَيّم‪ ،‬ولذلك فهناك عطاء ألوهية ل‬
‫في المنهج الذي أرسل به الرسل للناس فأوضح‪ :‬أنا أختار الزمان الذي أجده مناسبا للقيم والمعاني‬
‫السامية‪ ،‬وأختار الماكن المناسبة للقيم والمعاني السامية‪.‬‬
‫وأراد الحق برسالة محمد صلى ال عليه وسلم أن يشيع اصطفاء المكان والزمان لكل الزمان‬
‫والمكان‪.‬‬
‫والشهور والزمان عند ال هي اثنا عشر شهرا‪ ،‬وما دام قد قال‪ } :‬عِندَ اللّهِ { ‪ ،‬فهناك " عند "‬
‫غير ال؛ وهناك " عند " الناس‪.‬‬
‫وأوضح سبحانه لخلقه‪ :‬قَدّروا أزمانكم بمصالحكم‪ ،‬وهذا ما يحدث في الواقع المعاش‪ ..‬إنك تجد‬
‫من يزرع حسب التقويم القبطي‪ ،‬حيث تكون شهور الصيف فيه ثابتة‪ ،‬وكذلك شهور الشتاء‬
‫والربيع والخريف؛ لن التقويم القبطي قائم على التقويم الشمسي‪.‬‬
‫شهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا‬
‫ع ّدةَ ال ّ‬
‫ولكن الحق سبحانه وتعالى يريد للقيم أزمانا مخصوصة؛ لذلك قال‪ } :‬إِنّ ِ‬
‫شهْرا { وأوضح سبحانه‪ :‬ل تجعلوا زمن القيم كالزمان التي تجعلونها لمصالحكم‪.‬‬
‫عَشَرَ َ‬
‫وأراد ال سبحانه أن تعم القِي َم كل الزمن‪ ،‬ول تكون مقصورة على أزمان معينة‪ ،‬ولذلك اختار‬
‫سبحانه أزمانا للصلة مثلً‪ ،‬فصلة الصبح لها قوت‪ ،‬وصلة الظهر لها وقت‪ ،‬والعصر لها وقت‪،‬‬
‫والمغرب لها وقت‪ ،‬والعشاء لها وقت‪ .‬ولكن أوقات الصلة رغم أنها محدودة فهي تشمل الزمن‬
‫كله؛ فالصلة تقام مثلً في أسوان‪ ،‬وبعد دقائق في القصر‪ ،‬وبعد دقائق في القاهرة‪ ،‬وبعد دقائق‬
‫في السكندرية‪ ،‬ثم تتدرج إلى دول أوربا‪ ،‬وهكذا‪ .‬فكأنها ل تتوقف عند فترة معينة‪ ،‬بل هي‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫مستمرة حسب اختلف الوقات في الدول المختلفة‪ ،‬فصلة الفجر ‪ -‬على سبيل المثال ‪ -‬قبل‬
‫شروق الشمس‪ .‬والشمس تشرق في كل دقيقة على بقعة مختلفة من الرض‪ .‬فكأن الصلة دائمة‬
‫على سطح الرض‪ .‬بل أكثر من ذلك نجد أننا في الوقت الذي نصلي فيه نحن الظهر‪ ،‬قد يصلي‬
‫غيرنا العصر في شمال أوربا‪ ،‬والمغرب في أمريكا‪ ،‬والعشاء في كندا مثلً‪ ،‬فكأن الصلة تقام في‬
‫كل وقت على ظهر الرض؛ ذلك لن الكون كله مُسبّح ل‪.‬‬
‫ونأتي بعد ذلك إلى اختيار ال ليوم وقفة عرفات‪ ،‬ولشهر الصوم وغير ذلك من الوقات‪ ،‬فشهر‬
‫رمضان يأتي مرة في الصيف‪ ،‬كما يأتي في الشتاء وفي الربيع‪ ،‬وفي الخريف‪ .‬كذلك الحج يأتي‬
‫في فصول السنة المختلفة‪ .‬وهكذا شاء عدل ال أن تكون اليام المفضلة عنده مُوزّعة على الزمن‬
‫كله‪ .‬وجعل الحق سبحانه وحدة الزمن هي اليوم‪ ،‬واليوم يتكون من الليل والنهار‪ ،‬واليام وحدتها‬
‫الشهر‪ ،‬والشهور وحدتها العام‪ ،‬وجعل من مهمة الشمس أن تحدد لنا اليوم‪ ،‬ومن مهمة القمر أن‬
‫يحدد لنا الشهر؛ فهو في أول الشهر هلل‪ ،‬ثم تربيع أول وتربيع ثانٍ فبدْر إلى آخره‪ .‬إذن فالقمر‬
‫هو الذي يحدد بداية الشهر ونهايته‪.‬‬
‫ولقد حدد الحق سبحانه شهور العام‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫شهْرا { وقال‪ } :‬مِ ْنهَآ أَرْ َبعَةٌ حُرُمٌ {‪.‬‬
‫شهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ َ‬
‫} إِنّ عِ ّدةَ ال ّ‬
‫ولكن لماذا لم يجعل الحق الشهر سلما؟ نقول‪ :‬إن الحق في تشريعه أراد أن يسود السلم‪ ،‬ولكن‬
‫الحرب أيضا قد تكون سببا لتحقيق السلم‪ ،‬فليس كل إنسان أو مجتمع يسير على الجادة‪ ،‬فمن‬
‫الممكن أن تخرج جماعة عن الجادة‪ ،‬ولهذا ل بد من قتال تلك الجماعة‪ ،‬ول بد كذلك من وقفة‬
‫للخير أمام الشر‪ ،‬وما دام النسان له اختيار؛ فقد يسير في اختياره إلى ناحية السوء؛ لذلك ل بد‬
‫أن يضرب المجتمع على يد المسيء‪ ،‬وإذا ما اختارت دولة قتال دولة أخرى اعتداءً‪ ،‬فالحرب‬
‫ضرورة للدفاع‪.‬‬
‫ل الكفار والمشركون المؤمنين؛ لن الكفار‬
‫وكذلك لو أن الحق قد جعل العام كله أياما حُرُما لذ ّ‬
‫والمشركين سيعصون ال ويحاربون‪ ،‬والمؤمنون ملتزمون بأمر ال‪ ،‬فكأن ال قد فرض العبودية‬
‫على المؤمن به‪ .‬وأعطى السيادة لغير المؤمن‪ .‬ثم إن قوى الخير والشر تتصارع في هذا الكون‪،‬‬
‫وقوى الحق والباطل تتقاتل‪ ،‬ول بد من وقفة للحق أمام الباطل‪ ،‬ولذلك أباح الحق في الشهر‬
‫حقّ‬
‫الحرم القتال‪ ،‬حتى إذا استشرى الباطل تصدى له الحق بالقوة‪ ،‬ولذلك قال شوقي‪:‬الح ْربُ في َ‬
‫سمُومِ النّا ِفعَاتِ َدوَاءُإذن‪ :‬فقد شاء ال أن يوجد من يقاوم الباطل‪ ،‬وضمن للحق‬
‫لَد ْيكَ شريع ٌة ومِنَ ال ّ‬
‫أن يحارب الباطل ويواجهه؛ لذلك لم يشرع تحريم القتال في العام كله‪ .‬ولكنه شرع هذا التحريم‬
‫فقط أربعة أشهر يذوق الناس فيها حلوة السلم ويتوقف فيها القتال وتتاح الفرصة للصلح‪.‬‬
‫ولقد أوجد سبحانه في الكون سُنّة‪ ،‬هي أنه إذا ما التقى حق وباطل في المعركة فالباطل ينهزم في‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وقت قصير‪ .‬وإن رأيت معركة تطول سنوات طويلة فاعرف أنه بين باطل وباطل‪ ،‬وإذا قامت‬
‫الحرب بين وباطل فإن السماء ل تتدخل‪ ،‬وأما إذا قامت المعركة بين حق وباطل فإن السماء‬
‫حقّيْن أبدا؛ لن الحق في الدنيا كلها واحد‪ ،‬فل‬
‫تنصر الحق على الباطل‪ .‬ول تقوم معركة بين َ‬
‫يوجد حقان‪ ،‬بل حق وباطل‪ ،‬وإن وجد الصراع فإنه ل يطول بينهما؛ لن الباطل زهوق بطبيعته‪،‬‬
‫وإن وجدت حرب بين باطلين‪ ،‬فالسماء توضح لنا أنه ل يوجد باطل منهما أولى بأن ينصره ال‬
‫على الخر؛ بل يترك سبحانه هذا الصراع لسبابهم؛ مما يطيل أمد الحرب‪.‬‬
‫وحين شرع ال الشهر الحرم‪ ،‬ضمن الناس مطلوبات السلم الدائم؛ لن الناس تنهكهم الحرب‬
‫ويحبون أن يرتاحوا منها‪ ،‬فإذا جاءت الشهر الحرم كانت فرصة للناس ليوقفوا الحرب‪ ،‬دون أن‬
‫يشعر أحدهم بالذل والهوان والهزيمة‪ .‬ونحن نلجأ إلى ذلك أحيانا‪ ،‬فإذا كنا في بيت يسكنه عدد من‬
‫الناس ‪ -‬كما يحدث في الريف ‪ -‬وسُرِق شيء ثمين من هذا البيت‪ ،‬والسارق من السكان ونريد‬
‫منه أن يعيده دون أن ينكشف أمره فهم يحددون مكانا معينا‪ ،‬وكل واحد من سكان البيت يأتي ليلً‬
‫ويضع حفنة من التراب في هذا المكان‪ ،‬لعل السارق يضع ما سرقه دون أن يعرفه أحد‪ ،‬وفي هذا‬
‫ستر له فل ينفضح أمام الناس‪.‬‬
‫والشهر الحرم فرصة للسلم دون أن ينفضح أحد من الطراف المتحاربة أمام الناس بأنه‬
‫ضعيف أو غير قادر على الستمرار في الحرب‪ ،‬وتتوقف خللها الحرب وقد ستر ال كل‬
‫أطرافها‪ ،‬وتقوى خللها فرص أكبر للسلم والصلح‪ ،‬وبذلك تكون فرص السلم أكبر من فرص‬
‫الحرب بكثير‪.‬‬
‫ولكن ماذا يحدث عندما يعتدي عصاة غير مطيعين ل على المؤمنين في الشهر الحرم التي حرم‬
‫ال القتال فيها؟ إن الحق سبحانه ل يعني بتشريعاته أبدا أن تكون مصدر إذلل للمؤمنين وإعزاز‬
‫للكافرين؛ ولذلك ينبهنا إلى أننا يجب أل نسمح لعداء ال بأن يستغلوا حرمة الشهر الحرم‬
‫ليتمادوا في العدوان على المؤمنين‪ ،‬فأباح للمؤمنين القتال في هذه الشهر إذا قاتلهم الكفار فيها‪،‬‬
‫شهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ُقلْ قِتَالٌ فِيهِ‬
‫وكذلك في الماكن المحرّم فيها القتال‪ ،‬فقال‪ {:‬يَسْأَلُو َنكَ عَنِ ال ّ‬
‫كَبِيرٌ‪[} ...‬البقرة‪.]217 :‬‬
‫وهكذا أباح ال القتال في الشهر الحرام ليدافع المؤمنون فيه عن أنفسهم إذا بدأهم الكفار بالقتال‪،‬‬
‫وأباح الحق سبحانه أيضا القتال في المسجد الحرام إذا قام الكفار بقتال المؤمنين فيه‪ ،‬رغم أننا‬
‫نعلم أن تحريم القتال في المسجد الحرام هو تحريم دائم‪ ،‬ولكن الحق سبحانه وضع استثناء فقال‪{:‬‬
‫سجِدِ ا ْلحَرَامِ حَتّىا ُيقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُو ُهمْ كَذَِلكَ جَزَآءُ ا ْلكَافِرِينَ }‬
‫وَلَ ُتقَاتِلُوهُمْ عِ ْندَ ا ْلمَ ْ‬
‫[البقرة‪.]191 :‬‬
‫وهكذا جاء التقنين اللهي ليحمي المؤمنين من طغيان الكافرين‪ ،‬فالمؤمنون يلتزمون بعدم القتال‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫في الشهر الحرم كما أمر ال؛ بشرط التزام الطرف الخر الذي يقاتلهم‪ ،‬فإن لم يلتزم الكفار بهذا‬
‫التحريم‪ ،‬فسبحانه ل يترك المؤمنين للهزيمة‪ ،‬وهكذا شاء الحق أن يضع التشريعات المناسبة لهذا‬
‫الموقف‪ .‬فإن احترمها الطرفان كان بها‪ ،‬أما إن خالفها الكفار فقد سمح ال للمؤمنين بالقتال‪.‬‬
‫وهنا يقول سبحانه‪:‬‬
‫شهْرا فِي كِتَابِ اللّهِ { والكتاب يطلق على الشيء المكتوب‬
‫شهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ َ‬
‫} إِنّ عِ ّدةَ ال ّ‬
‫المدوّن‪ ،‬ول يُدوّن الكلم إل إذا كانت له أهمية ما‪ ،‬أما الحاديث التي تتم بين الناس فهم ل‬
‫يكتبونها ول تُدوّن‪ .‬بينما الكلم المهم وحده هو الذي يُكتب حتى يكون حجة في الستشهاد به في‬
‫حالة وجود خلف‪.‬‬
‫ولكن أين } كِتَابِ اللّهِ { الذي كُ ِتبَ فيه هذا؟‬
‫إنه اللوح المحفوظ عند ال‪ ،‬والمهيمن على كل الكتب التي نزلت في مواكب الرسل‪ ،‬ويقصد‬
‫بالكتاب ‪ -‬أيضا ‪ -‬القرآن الكريم الذي نزلت فيه هذه الية‪ ،‬وقد جاء القرآن جامعا لمنهج ال بدءا‬
‫بآدم عليه السلم إلى أن تقوم الساعة‪ .‬وتغير في القرآن كثير من الحكام الموجودة في الرسالت‬
‫السابقة‪ ،‬أما العقائد فهي واحدة‪ .‬كما أن القرآن قد تضمن الحقائق الكونية التي لم تكن معروفة‬
‫س وَالْحَجّ‪} ...‬‬
‫ن الَهِلّةِ ُقلْ ِهيَ َموَاقِيتُ لِلنّا ِ‬
‫وقت نزوله‪ ،‬والمثال هو قوله الحق‪ {:‬يَسْأَلُو َنكَ عَ ِ‬
‫[البقرة‪.]189 :‬‬
‫س ضِيَآ ًء وَا ْل َقمَرَ نُورا َوقَدّ َرهُ مَنَا ِزلَ لِ َتعَْلمُواْ عَ َددَ‬
‫شمْ َ‬
‫ج َعلَ ال ّ‬
‫وأيضا يقول الحق سبحانه‪ُ {:‬هوَ الّذِي َ‬
‫ن وَا ْلحِسَابَ‪[} ...‬يونس‪.]5 :‬‬
‫السّنِي َ‬
‫فكأنه ربط السنين والحساب بالقمر‪ ،‬وهذا الحساب هو من ضمن إعجازات الداء البياني في‬
‫القرآن؛ لن العالم قد بحث عن أدق حساب للزمن‪ ،‬فلم يجد أدق من حساب القمر‪ ،‬وكل الحياء‬
‫المائية تعتمد في حسابها على الحساب القمري‪ ،‬وال سبحانه يريد منا حين نقرأ كتابا أن نتمعن في‬
‫وضع اللفاظ في موضعها‪.‬‬
‫فيقول سبحانه‪:‬‬
‫سمَاوَاتِ وَالَ ْرضَ { وبعد ذلك‬
‫شهْرا فِي كِتَابِ اللّهِ َيوْمَ خَلَقَ ال ّ‬
‫شهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ َ‬
‫} إِنّ عِ ّدةَ ال ّ‬
‫يأتي باستثناء هو‪ } :‬مِ ْنهَآ { أي من الثني عشر شهرا } أَرْ َب َعةٌ حُ ُرمٌ ذاِلكَ الدّينُ ا ْلقَيّمُ فَلَ َتظِْلمُواْ‬
‫سكُمْ { ‪ ،‬ولقائل أن يقول‪ :‬لماذا لم يقل ال‪ " :‬فيها " بدلً من } فِيهِنّ { ما دام قد قال من‬
‫فِيهِنّ أَ ْنفُ َ‬
‫قبل‪ } :‬مِ ْنهَآ أَرْ َبعَةٌ حُرُمٌ {؟‬
‫ونقول‪ :‬إن الحق ينهى عن الظلم العام في كل الشهور‪ ،‬وإن كان المقصود الشهر الحرم الربعة‪،‬‬
‫فالمقصود النهي عن ظلم الحرب‪ .‬وهنا قاعدة لغوية يجب أن نلتفت إليها؛ وعندنا في اللغة جمع‬
‫قلة وجمع كثرة؛ جمع القلة من ثلثة إلى عشرة‪ ،‬ويختلط المر على بعض الناس في مسألة جمع‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫القلة وجمع الكثرة‪ ،‬وجمع التكسير وجمع الصحيح‪ .‬فجمع القلة وجمع الكثرة‪ ،‬غير جمع التكسير‪،‬‬
‫والجمع الصحيح؛ لن التكسير هو أن تكسير بنية الكلمة‪ ،‬فمثلً بيت جمعها بيوت‪ ،‬ورسول جمعها‬
‫رسل؛ هنا كس ْرتَ بنية الكلمة أي‪ :‬غيّرتها‪.‬‬
‫أما إن قلت‪ " :‬مسلم " فجمعها " مسلمون " ‪ ،‬وهنا تضيف " واوا ونونا " ‪ ،‬ولكن كلمة " مسلم "‬
‫صحيحة‪ ،‬أي أننا لم نكسر المفرد‪ .‬ولكن إن قلت‪ " :‬سفينة " وجمعها " سفن " تكون قد كسرت‬
‫المفرد‪.‬‬
‫شهْرا فِي كِتَابِ اللّهِ { فما دام العدد هو اثنا‬
‫شهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ َ‬
‫ع ّدةَ ال ّ‬
‫وقول الحق هنا‪ } :‬إِنّ ِ‬
‫عشر شهرا تكون قد زادت عن جمع القلة؛ لن جمع القلة من ثلثة إلى عشرة‪ ،‬وجمع القلة‬
‫يعاملونه معاملة الجماعة‪ .‬وإن زاد على عشرة يعاملونه معاملة المفرد المؤنث‪ ،‬مثل وضع‬
‫سكُمْ { وجاء هنا بـ "‬
‫الشهور الربعة المحرمة في كتاب ال‪ ،‬ولذلك قال‪ } :‬فَلَ تَظِْلمُواْ فِيهِنّ أَ ْنفُ َ‬
‫نون النسوة " للجمع‪ .‬والقاعدة ‪ -‬كما قلنا ‪ -‬إن جمع القلة يعامل معاملة الجماعة‪ ،‬فإن كان جمع‬
‫كثرة عومل معاملة المفرد المؤنث؛ لن الفرد يكون معصوما بالجماعة‪ ،‬أي أنه بمفرده ضعيف‪.‬‬
‫فإن وجد جماعة ينتمي إليها فهو يُحِسّ بالقوة‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالفرد يعصم بالجماعة‪ ،‬وبهذا تعامل الحماعة كلها كهيئة واحدة‪ ،‬وهناك شاعر يستهزىء‬
‫جمْعٍ مُؤنّثٍإذن‪ :‬فكل جمع يكون مؤنثا‪،‬‬
‫جمْـ ـ ُعهُنّ ُكلّ َ‬
‫بقوة جماعة ما‪ ،‬فيقول‪:‬لَ أُبَالِي بِج ْم ِعهِنّ َف َ‬
‫سكُمْ {‪ .‬وأكرر‪ :‬إن أردت‬
‫وهذا ما ينطبق على قوله سبحانه وتعالى هنا‪ } :‬فَلَ َتظِْلمُواْ فِيهِنّ أَ ْنفُ َ‬
‫الظلم العام فإن ال قد حرم الظلم في كل شهور السنة؛ سواء ظلمك لنفسك أم ظلمك للناس‪ ،‬وإن‬
‫سكُمْ { قد‬
‫أردتَ من معنى الكلم تحريم الحرب في الشهر الحرم تكون‪ } :‬فَلَ تَظِْلمُواْ فِيهِنّ أَ ْنفُ َ‬
‫أتت بالمؤنث‪.‬‬
‫سكُمْ { أي‪ :‬إياكم أن تظنوا أن مخالفتكم لمنهج ال يحدث منها‬
‫ومعنى قوله‪ } :‬فَلَ َتظِْلمُواْ فِيهِنّ أَ ْنفُ َ‬
‫شيء يضر الحق سبحانه‪ ،‬فكل ما يحدث من ظلمكم لنفسكم هو أن تضروا أنفسكم أو غيركم‪،‬‬
‫عصَوا‪ .‬ولذلك فإن‬
‫لكن لن يضر أحدكم ال؛ لن صفات ال في الكون ل تتأثر أطاع الخلق أم َ‬
‫اتباع منهج ال هو أمر لصالح الناس‪ ،‬لصالحنا نحن‪ ،‬فانصرافنا عن المنهج ل يضر ال سبحانه‬
‫شيئا ولكن يضرنا نحن‪ ،‬فكل ما أنزله ال من قيم هو لصالحنا حربا وسلما‪ ،‬وتحريما وتحليلً‪.‬‬
‫ولكن لماذا خصّ الحق سبحانه الشمس بحساب اليوم‪ ،‬والقمر بحساب الشهر؟ وأقول‪ :‬لن ال‬
‫سبحانه يريد أن يوزع الفضل على كل الزمن‪ ،‬وأن ييسر على الناس أداء مناسكه وما يكلفهم به‪.‬‬
‫ل في‬
‫فلو حسبت الشهور بالشمس لكان ميعاد الحج كل عام في أشهر الصيف دائما‪ ،‬ومن يعيش مث ً‬
‫بلد باردة إن ذهب إلى الحج صيفا يتعرض لخطار شديدة‪ ،‬فكأنه ليس هناك عدل بين الذين‬
‫يعيشون في مناطق باردة‪ ،‬والذين يعيشون في مناطق حارة في أداء مناسك الحج‪ ،‬فلو كان ميعاد‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الحج هو الصيف دائما‪ ،‬فسوف يؤديه الذين يعيشون في المناطق الحارة بسهولة‪ ،‬بينما يؤديه من‬
‫يحيا في المناطق الباردة بصعوبة‪ ،‬ولتمام عدل ال بين خلقه نجده سبحانه قد أدار الشهر القمرية‬
‫في السنة الميلدية‪ ،‬فل يأتي الحج أبدا في طقس واحد‪ ،‬وبذلك تستوي كل البيئات وكل الناس في‬
‫أحكام ال‪.‬‬
‫وأيضا صوم رمضان لو كان يأتي في الصيف دائما‪ ،‬لوجدنا بعض الناس سيصومون ثماني أو‬
‫تسع ساعات‪ ،‬والذين يعيشون قرب القطب الشمالي يصومون عشرين ساعة في اليوم‪ ،‬ولكن‬
‫مجيء رمضان في فصول السنة كلها يجعل أولئك الذين يعيشون قرب القطب الشمالي يصومون‬
‫مرة تسع عشرة ساعة مثلً‪ ،‬ومرة ساعتين أو ثلثا‪ ،‬وهذه تعوض تلك‪ ،‬فيتم العدل‪ ،‬وإذا أخذنا‬
‫متوسط ساعات الصيام بالنسبة لهؤلء الناس على مدار السنة‪ ،‬نجد أن فترات صومهم فترة تسع‬
‫عشرة ساعة وفترات ثلث ساعات‪ ،‬وبذلك يتساوون في المتوسط مع أولئك الذين يصومون ثماني‬
‫أو تسع ساعات يوميا‪.‬‬
‫ونجد بالحساب أن تقويم الهلل ينقص عن تقويم الشمس بمقدار أحد عشر يوما وثلث يوم كل‬
‫عام‪ ،‬ويكون الفرق عاما كاملً كل ثلث وثلثين سنة وثلث العام‪ ،‬أي أن رمضان يأتي مرة في‬
‫يناير ومرة في فبراير ومرة في مارس‪ ،‬وكذلك الحج‪ ،‬وبذلك تتكافأ الفرص بين المؤمنين جميعا‪،‬‬
‫فالذين يصومون في الصيف المعروف بيومه الطويل‪ ،‬يصومون في الشتاء ويومه قصير‪ .‬والذين‬
‫يعانون من الصوم في حرارة الجو‪ ،‬يصومون أيضا في برد الشتاء‪ ،‬وهكذا يدور رمضان والحج‬
‫في شهور العام كله‪ ،‬وبذلك يتم عدل ال على الجميع بالتشريع الحق‪ ،‬ويدور التكليف مشقة ويُسْرا‬
‫وصعوبة وسهولة على جميع المؤمنين‪.‬‬
‫وإذا نظرنا إلى ربط اليوم بالشمس نجد أن الحق سبحانه وتعالى الذي ربط أوقات الصلة‬
‫بالشمس‪ ،‬كفل لها الدوام التكليفي‪ ،‬لماذا؟‬
‫لن القمر نراه أياما‪ ،‬ولكننا ل نراه في أيام المحاق‪ ،‬فلو ربطنا الصلة بالقمر لضاع منا الدوام‪،‬‬
‫مضافا إلى ذلك أن القمر يظهر لنا في أوقات غير متساوية؛ فعندما يكون هللً ل يظهر للعين في‬
‫الفق معدودة‪ ،‬ولكن الشمس تشرق كل يوم في وقت محدد‪ ،‬وتغيب كل يوم في وقت محدد‪ ،‬وهي‬
‫بضوئها ظاهرة للناس كل الناس من الشروق إلى الغروب‪ ،‬فل يجدون مشقة في رؤيتها‪ .‬ولذلك‬
‫فربْطُ الصلة بالشمس فيه ُيسْر التكليف ودوامه‪ ،‬وكما قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪" :‬‬
‫الصلة عماد الدين‪ ،‬من أقامها أقام الدين " وهي الركن الوحيد من أركان السلم الذي ل يسقط‬
‫أبدا؛ لن الفقير تسقط عنه الزكاة‪ ،‬والمريض يسقط عنه الصوم‪ ،‬وغير المستطيع يسقط عنه الحج‪،‬‬
‫وشهادة أن ل إله إل ال وأن محمدا رسول ال يكفي أن تقال مرة واحدة في العمر‪ ،‬ولكن إقامة‬
‫الصلة ل تسقط أبدا‪ .‬إذن فهي عماد الدين‪ ،‬ولذلك تتكرر خمس مرات يوميا لكل أهل الرض‪،‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فالصبح في دولة قد يكون ظهرا في دولة ثانية‪ ،‬وعصرا في دولة ثالثة ومغربا في دولة رابعة‬
‫وعشاء في دولة خامسة؛ وذلك بسبب فروق التوقيت بين دول العالم‪ ،‬وهكذا تكون في كل لحظة‬
‫من الزمن جميع أوقات الصلة قائمة على الرض‪ ،‬فيظل ال سبحانه وتعالى معبودا بالصلة في‬
‫كل الزمن في كل بقاع الرض‪ .‬وهكذا يرتفع الذان‪ :‬ال أكبر أشهد أن ل إله إل ال‪ .‬أشهد أن‬
‫محمدا رسول ال في كل لحظة على الرض‪.‬‬
‫قد نجد رجلً أميا ل يعرف القراءة أو الكتابة‪ ،‬لكن له إشراقات نورانية‪ ،‬أفاض ال عليه يقول‪ :‬يا‬
‫زمن وفيك كل الزمن‪ ،‬أي يا فجر وفيك كل أوقات الصلة على سطح الرض‪ .‬ولذلك فظاهر‬
‫المر أن الصلوات خمس‪ ،‬والحقيقة أن الصلة دائمة على وجه الرض في كل ثانية‪ ،‬ول يوجد‬
‫جزء من الزمن إل وال معبود فيه بعبادات كل الزمن‪ ،‬أي أنه في كل لحظة تمر نجد ال معبودا‬
‫بالصلوات الخمس على ظهر الرض‪ .‬وهذا سبب ربط الصلة بالشمس‪.‬‬
‫وإذا عرفنا هذه الحقيقة‪ ،‬وعلمنا أن الكون كله يصلي ل في كل لحظة من الزمن‪ ،‬فإننا نعلم أن‬
‫القرآن يتسع لشياء كثيرة‪ ،‬وأن كل جيل يأخذ من القرآن على قدر عقله‪ ،‬فإذا ارتقى العقل أعطى‬
‫القرآن عطاءً جديدا‪ .‬وهذا ما يؤكد أن آيات القرآن يتسع إدراكها في الذهن كلما مر الزمن‪ ،‬فنتنبه‬
‫إلى معان جديدة لم نكن ندركها‪.‬‬
‫وعندما يأتي المستشرقون ليقولوا‪ :‬إن في القرآن تناقضا في الكونيات‪.‬‬
‫نقول لهم‪ :‬مستحيل‪.‬‬
‫ب َومَا بَيْ َن ُهمَآ إِن كُنتُمْ َت ْعقِلُونَ }[الشعراء‪:‬‬
‫فيقولون‪ :‬لقد جاء في القرآن‪ {:‬قَالَ َربّ ا ْلمَشْرِقِ وَا ْل َمغْرِ ِ‬
‫‪.]28‬‬
‫ن وَ َربّ ا ْل َمغْرِبَيْنِ }[الرحمن‪.]17 :‬‬
‫ويقول‪َ {:‬ربّ ا ْلمَشْ ِرقَيْ ِ‬
‫ق وَا ْل َمغَا ِربِ‪[} ...‬المعارج‪.]40 :‬‬
‫ويقول‪ {:‬فَلَ ُأقْسِمُ بِ َربّ ا ْلمَشَارِ ِ‬
‫وبين هذه اليات تناقض ظاهر‪.‬‬
‫ونرد‪ :‬إن التقدم العلمي جعلنا نفهم بعمق معنى هذه اليات‪ ،‬فكل مكان على الرض له مشرق وله‬
‫ق وَا ْل َمغْ ِربِ { صحيح‪ ،‬ثم عرفنا‬
‫مغرب‪ ،‬هذه هي النظرة العامة‪ ،‬إذن فقوله تعالى‪َ } :‬ربّ ا ْل َمشْرِ ِ‬
‫أن الشمس حين تشرق عندي‪ ،‬تغرب عند قوم آخرين‪ ،‬وحين تغرب عندي تشرق عند قوم‬
‫آخرين‪ ،‬إذن فمع كل مشرق مغرب ومع كل مغرب مشرق‪ ،‬فيكون هناك مشرقان ومغربان‪ .‬ثم‬
‫عرفنا أن الشمس لها مشرق كل يوم ومغرب كل يوم يختلف عن الخر‪ .‬وفي كل ثانية هناك‬
‫ق وَا ْل َمغَا ِربِ {؛ لن المشارق والمغارب مختلفة‬
‫شروق وغروب‪ ،‬إذن فالقسم هنا } بِ َربّ ا ْلمَشَارِ ِ‬
‫على مدار السنة‪.‬‬
‫فإذا سأل أحدهم‪ :‬لماذا تخصون القمر لحساب الزمن وتخصون الشمس لحساب اليوم؟ نقول‪ :‬إن‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الشمس مرتبطة بعلمة يومية ظاهرة وهي النهار‪ ،‬واختفاؤها عنك مرتبط بعلمة يومية ظاهرة‬
‫وهي الليل‪ .‬ولكن القمر غير مرتبط بعلمة يومية‪ ،‬صحيح أن القمر موجود دائما‪ ،‬ولكن النسان‬
‫ل يستطيع أن يدركه أو يراه إل في أوقات محددة‪.‬‬
‫بعض الناس يقول‪ :‬إذا كان المقصود بهذه الية ‪ -‬التي نحن بصدد خواطرنا عنها ‪ -‬هو بيان‬
‫الشهر الربعة الحرم‪ ،‬فما فائدة باقي أشهر السنة؟‬
‫ونقول‪ :‬إنك لن تستطيع أن تحدد الشهر الحرم إل من خلل بيان وتوضيح أمر السنة ومعرفة‬
‫عدد أشهرها‪ ،‬وهذا أمر ضروري أيضا حتى تستطيع أن تحدد الشهر الربعة الحرم في العام‪.‬‬
‫وإل كيف يمكن أن نميز هذه الشهر وزمنها؟ ل بد لنا إذن من أن نعلم أن هناك عاما‪ ،‬وأن العام‬
‫فيه اثنا عشر شهرا لنستطيع أن نحدد الشهر الحرم‪ .‬والشهر الحرم منها ثلثة متتابعة وشهر‬
‫فرد‪ ،‬والشهر المتتابعة هي‪ :‬ذو القعدة وذو الحجة والمحرم‪ ،‬وشهر رجب هو الشهر الفرد‪.‬‬
‫وتحديد الحق لهذه الشهر الربعة يعني أنها تتميز بخصوصيات؛ لن الحق سبحانه وتعالى لو‬
‫أراد أن تكون هذه الشهور في أي وقت من السنة لتركها لنا لنحددها بمعرفتنا فنختار أي أربعة‬
‫أشهر على هوانا‪ ،‬لنمتنع فيها عن القتال‪ ،‬ولكن كون ال تبارك وتعالى حددها فذلك لخصوصيات‬
‫فيها‪ .‬جاء البعض وقال‪ :‬ما دام سبحانه وتعالى قد جعل الشهور اثني عشر شهرا وجعل منها‬
‫أربعة حرما‪ ،‬ونحن نريد أن نحارب في شهر المحرم فلنفعل ذلك ونمتنع عن القتال في شهر آخر‬
‫غيره‪ ،‬وبذلك نكون قد حافظنا على عدد الشهر الحرم وهي أربعة كما حددها ال‪.‬‬
‫ونقول‪ :‬إنكم حافظتم على العدد ولم تحافظوا على المعدود‪ .‬ولو أن رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم لم يبين الربعة الشهر المقصودة بالية الكريمة من الثني عشر شهرا‪ ،‬لصبح من حق كل‬
‫جماعة أن تختار ما تريده من أشهر السنة‪ ،‬ولكنه صلى ال عليه وسلم خصصها؛ لننا علمنا بذلك‬
‫كيف نحافظ على الفرق بين العدد والمعدود‪.‬‬
‫إن مسألة العدد والمعدود حَّلتْ لنا إشكالت كثيرة‪ ،‬منها إشكالت أثارها المستشرقون الذين‬
‫يريدون أن يسيئوا إلى رسول ال صلى ال عليه وسلم فقالوا‪ :‬إن الزواج كان مطلقا عند العرب‪،‬‬
‫ثم حدد ال سبحانه وتعالى عدد الزوجات بأربع‪ ،‬وأمر النبي عليه الصلة والسلم الذين كانوا قد‬
‫تزوجوا بأكثر من أربع زوجات أن يمسك الواحد منهم أربعا ويفارق الباقيات‪ ،‬وأضاف‬
‫المستشرقون تساؤلً‪ :‬إذا كان الرسول قد شرع للناس‪ ،‬فلماذا لم يطبق هذا المر على نفسه‪ ،‬ولماذا‬
‫اتخذ تسع زوجات؟‬
‫ونقول‪ :‬إننا إذا قمنا بعملية حسابية منصفة‪ ،‬لوجدنا أنه ليست توسعة لرسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم وإنما هي تضييق عليه‪ ،‬فأنت حين تأخذها من ناحية العدد فقط تقول‪ :‬إن رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم أخذ تسع زوجات وأمته أخذت أربعا‪ ،‬ولكنك لم تلحظ مع العدد المعدود‪ ،‬أي أنه‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إذا ماتت زوجاتك الربع أحلت لك أربع أخريات‪ ،‬وإن ماتت واحدة أحلت لك أخرى‪ ،‬إذن فأنت ‪-‬‬
‫ت واحدة أو اثنتين حلّت لك زوجة أو زوجتان‬
‫كمسلم ‪ -‬عندك عدد ل معدود‪ ،‬بحيث إذا طّلقْ َ‬
‫أخريان‪ ،‬فأنت مُقيّد بالعدد‪ ،‬ولكن المعدود أنت حُرّ فيه‪ .‬أما رسول ال صلى ال عليه وسلم فقد‬
‫عجَ َبكَ‬
‫ج وََلوْ أَ ْ‬
‫حلّ َلكَ النّسَآءُ مِن َب ْع ُد َولَ أَن تَ َب ّدلَ ِبهِنّ مِنْ أَ ْزوَا ٍ‬
‫نزلت هذه الية الكريمة‪ {:‬لّ يَ ِ‬
‫حسْ ُنهُنّ‪[} ...‬الحزاب‪.]52 :‬‬
‫ُ‬
‫وهكذا نجد أن التشريع ضَيّق على رسول ال صلى ال عليه وسلم في المعدود‪ .‬وكان استثناؤه‬
‫عليه الصلة والسلم في العدد للتشريع‪ ،‬فقد كان الرسول صلى ال عليه وسلم يتزوج بإرادة‬
‫التشريع التي يشاؤها ال‪.‬‬
‫شهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ‬
‫وسبحانه يقول في الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها‪ } :‬إِنّ عِ ّدةَ ال ّ‬
‫سمَاوَاتِ وَالَ ْرضَ { وعرفنا أن قوله سبحانه‪ } :‬فِي كِتَابِ اللّهِ‬
‫شهْرا فِي كِتَابِ اللّهِ َيوْمَ خََلقَ ال ّ‬
‫َ‬
‫سمَاوَاتِ وَالَ ْرضَ { معناه‪ :‬أنها‬
‫{ معناها اللوح المحفوظ أو القرآن‪ ،‬وقوله تعالى‪َ } :‬يوْمَ خَلَقَ ال ّ‬
‫مسألة لم تطرأ على الكون‪ ،‬ولكنها محسوبة من قبل أن يُخلقَ النسان‪ .‬فهي إذن مسألة من النظام‬
‫الكوني الذي خُلق عليه الكون‪ .‬وهو سبحانه قد خلق الكون بدقة وإحكام‪ ،‬فكأن الحق يريد أن يلفتنا‬
‫إلى أن من مهام الشمس والقمر أن يكونا حسابا للزمن؛ لليوم والشهر والعام‪ ،‬ولذلك يقول‬
‫س وَا ْل َقمَرُ ِبحُسْبَانٍ }[الرحمن‪.]5 :‬‬
‫شمْ ُ‬
‫سبحانه‪ {:‬ال ّ‬
‫شمْسَ وَالْ َقمَرَ‬
‫سكَنا وَال ّ‬
‫ج َعلَ الْلّ ْيلَ َ‬
‫ح وَ َ‬
‫لصْبَا ِ‬
‫قاِ‬
‫أي‪ :‬أنهما خُِلقَا بحساب دقيق‪ ،‬ويقول سبحانه‪ {:‬فَالِ ُ‬
‫حسْبَانا }[النعام‪.]96 :‬‬
‫ُ‬
‫أي‪ :‬أنه سبحانه يطالبنا بأن نستخدم الشمس والقمر حسابا لنا‪ .‬وهذا يتفق مع منطق المور‪،‬‬
‫فالشيء الذي تريد أن تتخذه حسابا لنا‪.‬‬
‫وهذا يتفق مع منطق المور‪ ،‬فالشيء الذي تريد أن تتخذه حسبا لك‪ ،‬ل بد أن يكون مصنوعا‬
‫بحساب دقيق‪ .‬ولذلك فإن الساعة مثلً إن لم تكن مصنوعة بدقة فإنها ل تصلح قياسا للوقت؛ لنها‬
‫تقدم أو تؤخر‪ .‬ولكن إن كانت مصنوعة بحساب دقيق فهي تعطيك الزمن الدقيق‪ .‬إذن‪ :‬فدقة قياس‬
‫الزمن تعتمد أساسا على دقة صناعة آلت القياس‪.‬‬
‫وقبل أن يُن ِزلَ الحق هذه الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها‪ ،‬كان العرب يعترفون بالشهر‬
‫الربعة الحرم‪ ،‬ولكنهم كانوا يغيّرون في مواعيدها‪ ،‬فكانت الجماعة منهم تقاتل الخرى‪ ،‬فإذا ما‬
‫أحسوا بقرب انتصارهم وجاءت الشهر الحرم قالوا‪ :‬نستبدل شهرا بشهر‪ ،‬أي نقاتل في الشهر‬
‫الحرام‪ ،‬ثم نأخذ شهرا آخر نمتنع عن القتال فيه‪ ،‬وحسبوا أنهم ما داموا قد حافظوا على العدد‬
‫يكونون بذلك قد أدوا مطلوبات ال‪ ،‬ولكنهم نسوا أنهم لم يحافظوا على المعدود‪ ،‬ونسوا أن الدين‬
‫مجموعة من القيم التي ل بد أن نؤمن بها ونطبقها‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫واليمان ‪ -‬كما نعلم ‪ -‬هو انقياد وتسليم ل سبحانه وتعالى‪ ،‬فإذا أمر ال بأمر من المور فل‬
‫اختيار لنا فيه؛ لنه سبحانه وتعالى يرى بحكمته وعلمه هدفا أو أهدافا أو حكمة‪ ،‬وهنا يجب أن‬
‫يقف الختيار البشري‪ ،‬بمعنى أنه ل أحد يملك تعديل مرادات ال بأي شكل من الشكال؛ لننا في‬
‫حياتنا اليومية حين نرى واحدا من البشر قد اشتهر بحكمته وعلمه في أمر من المور أكثر منا‪،‬‬
‫نقول له‪ :‬وكّلْناكَ في هذا المر‪ ،‬وسنسير وراءك فيما تقرره‪ .‬ومعنى هذا أننا سنسلم اختيارنا‬
‫لختيارات هذا الحكيم‪.‬‬
‫إننا ل نعطي أحدا هذه الصلحية إل إذا تأكدنا بالتجربة أنه عليم بهذه المسألة‪ ،‬وأنه حكيم في‬
‫تصرفه‪.‬‬
‫وإن سألك أحد من الناس‪ :‬لماذا تتصرف في ضوء ما يقوله لك فلن؟ فتقول‪ :‬إنه حكيم وخبير في‬
‫هذه المسائل‪ ،‬وهذا دليل منك على أنك واثق في علمه‪ ،‬وواثق في صدقه‪ ،‬وواثق في حكمته‪.‬‬
‫والمثال الحي المتجدد أمامنا هو سيدنا أبو بكر رضي ال عنه عندما قيل له‪ :‬إن رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم أعلن أنه نبي ال‪ ،‬قال أبو بكر رضي ال عنه‪ :‬إن كان قد قال فقد صدق‪ .‬قال أبو‬
‫بكر رضي ال عنه هذا القول؛ لنه عرف ولمس أن رسول ال صلى ال عليه وسلم لم يكذب قط‬
‫في كل الحداث السابقة‪ ،‬فإذا كان عليه الصلة والسلم ل يكذب على أهل الرض أيكذب على‬
‫السماء؟ طبعا هذا غير معقول‪.‬‬
‫وأنت ل تسلم زمام أمرك للمساوي لك إذا كانت هناك مقدمات أثبتت أنه أعلى منك في ناحية‬
‫معينة‪ ،‬صحيح أنه مساويك في الفردية وفي الذاتية‪ ،‬ولكنه أعلى منك علما في المجال الذي يتفوق‬
‫فيه‪.‬‬
‫فما يقوله تنفذه بل نقاش لنك وثقت في علمه‪ .‬وأنت إذا مرضت ‪ -‬ل قدر ال ‪ -‬وكان هناك‬
‫طبيب تثق في علمه وقال لك‪ :‬خذ هذا الدواء؛ أتناقشه أو تجادله؟ طبعا ل‪ ،‬بل تفعل ما يأمرك به‬
‫بل نقاش‪.‬‬
‫فإذا سألك أحدهم‪ :‬لماذا تتناول هذا الدواء؟ تقول‪ :‬لقد كتبه لي الطبيب الذي أثق فيه‪ .‬وهذا يكفي‬
‫كحيثية للتنفيذ‪.‬‬
‫فإذا جئنا إلى ال سبحانه الذي أعدّ لنا هذا الكون وأنزل إلينا منهجا وطالبنا أن نُسلِمَ له وجوهنا‪،‬‬
‫وأن نفعل ما يأمرنا به في كل أمور الحياة‪ ،‬فإن احتجنا إلى حكمة فهو الحكيم وحده‪ ،‬وإن احتجنا‬
‫إلى قدرة فهو القادر دائما‪ ،‬وإذا احتجنا إلى قهر فهو القاهر فوق عباده‪ ،‬وإن احتجنا إلى رزق فهو‬
‫الرازق‪ ،‬وعنده كنوز السماوات والرض‪ .‬أيوجد من هو أحق من الحق سبحانه لُنسْلمَ زمامنا له‬
‫ونفعل ما يأمرنا به؟ طبعا ل يوجد‪ ،‬وإذا سألنا أحد‪ :‬لماذا نتبع هذا المنهج؟ نقول‪ :‬إنه سبحانه قد‬
‫أمرنا باتباعه‪ .‬وهذا هو السلم الحقيقي؛ أن تسلم اختيارك في الحياة لمرادات الخالق العلى‪،‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فالدين معناه اللتزام والنقياد ل‪ ،‬ولذلك يقول سبحانه‪ } :‬ذاِلكَ الدّينُ ا ْلقَيّمُ { أي قَيّم على كل أمور‬
‫حياتنا‪ ،‬والدليل على ذلك قائم فيما تحدثنا عنه‪ ،‬فما دام ال سبحانه وتعالى قد قال‪ ،‬فنحن نفعل‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالدين قَيّم علينا‪ .‬والدين قَيّم أيضا على غيره من الرسالت السماوية‪ ،‬أي ُمهَ ْيمِنٌ عليها‪ ،‬وفي‬
‫هذا يقول الحق‪ {:‬وَأَنزَلْنَآ إِلَ ْيكَ ا ْلكِتَابَ بِا ْلحَقّ ُمصَدّقا ّلمَا بَيْنَ يَدَ ْيهِ مِنَ ا ْلكِتَابِ َومُهَ ْيمِنا عَلَيْهِ‪} ...‬‬
‫[المائدة‪.]48 :‬‬
‫حددت الية ‪ -‬التي نحن بصدد خواطرنا عنه ‪ -‬أشهرا حُرما يحرم فيها القتال وحذرت من الظلم‬
‫بالحرب أو غيرها‪ ،‬وقد يقال‪ :‬إن معنى هذا أن تضعف حمية الحرب عند من يريد الحرب ضد‬
‫الباطل‪ ،‬فنرى الباطل أمامنا خلل الشهر الحرم ول نحارب‪.‬‬
‫نقول‪ :‬إن هذا غير صحيح‪ ،‬ففترة السلم هذه تكون شَحْذا لِهمَمِ المقاتلين ضد الكفر والظلم؛ لنك‬
‫قد ترى الباطل أمامك لكنك تمتثل لمر ال في وقف القتال‪ ،‬فإن ذلك يزيد النفعال الذي يحدثه‬
‫الباطل في تحديه للنفس المؤمنة‪ ،‬فإذا انتهت الشهر الحرم كنت أكثر حماسة‪ .‬تماما كالنسان‬
‫الحليم الذي يرى إنسانا يضايقه باستمرار فيصبر عليه شهرا واثنين وثلثة‪ ،‬فإذا نفذ صبره كان‬
‫غضبه قويا شديدا‪ ،‬وقتاله شرسا‪ ،‬ولذلك قيل‪ " :‬اتقوا غضب الحليم "؛ لن غضبه أقوى من غضب‬
‫أي إنسان آخر‪ .‬وكذلك يكون حِلْم المؤمن على الكافر في الشهر الحرم؛ شحذا لهمته إذا استمر‬
‫الباطل في التحدي‪ ،‬وفي هذا تحذير للمسلمين من أن تضعف في نفوسهم فكرة القتال وعزيمتهم‬
‫فيه‪ ،‬ولذلك يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫} َوقَاتِلُواْ ا ْلمُشْ ِركِينَ كَآفّةً َكمَا ُيقَاتِلُو َنكُمْ كَآفّةً {‬
‫وكلمة } كَآفّةً { هنا سبقها أمران‪َ } :‬وقَاتِلُواْ { فإلي أي طرف ترجع } كَآفّةً { هنا؟ هل تُرجعها إلى‬
‫المؤمنين المقاتلين‪ ،‬أم إلى المقاتلين من الكفار؟ وهذا إثراء في الداء القرآني في إيجاد اللفظ الذي‬
‫يمكن أن نضعه هنا ونضعه هناك فيعطيك المعنى‪.‬‬
‫ولكن هل يريدنا الحق أن نقاتل المشركين حالة كوننا ‪ -‬نحن المؤمنين ‪ -‬كافة؟ أم نقاتل المشركين‬
‫حالة كونهم كافة؟‪ .‬إن } كَآفّةً { كما نعرف لفظ ل يُجمَعُ ول يُثنّى‪ ،‬فالرجل كافة‪ ،‬والرجلن كافة‪،‬‬
‫والقوم كافة‪ ،‬وهي مأخوذة من الكف‪ .‬وتطلق أيضا على حافة الشيء لنها منعت امتداده إلى حيز‬
‫غيره‪ .‬وفي لغة من يقومون بحياكة الملبس يقال‪ " :‬كافة الثوب " حين يكون الثوب حين يكون‬
‫الثوب قد تنسل‪ ،‬فيقول الحائك بمنع التنسيل بتكفيف الثوب‪.‬‬
‫والحق سبحانه هنا يقول‪َ } :‬وقَاتِلُواْ ا ْلمُشْ ِركِينَ كَآفّةً { أي‪ :‬ياأيها المؤمنون كونوا جميعا في قتال‬
‫المشركين‪ .‬وهي تصلح للفرد‪ ،‬أي‪ :‬للمقاتل الواحد‪ ،‬وللمقاتليْن‪ ،‬ولجماعة المقاتلين‪.‬‬
‫وقوله‪َ } :‬وقَاتِلُواْ ا ْلمُشْ ِركِينَ كَآفّةً َكمَا ُيقَاتِلُو َنكُمْ كَآفّةً { ذلك أن الباطل يتجمع مع الباطل دائما‪،‬‬
‫والمثال الواضح في السيرة أن يهود المدينة تحالفوا مع الكفار ضد المسلمين‪ ،‬فكما أن الباطل‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يجتمع مع بعضه البعض فاجمعوا أنتم أيها المؤمنون وأصحاب الحق قوتكم لتواجهوا باطل الكفر‬
‫والشرك‪.‬‬
‫ويقول المام علي كرم ال وجهه‪ " :‬أعجب كل العجب من تضافر الناس على باطلهم وفشلكم عن‬
‫حقكم " ويتعجب المام علي رضي ال عنه من أن أهل الحق يفرطون في حقهم رغم اجتماع أهل‬
‫الباطل على باطلهم‪ .‬ويعطينا القرآن صورة من تجمّع أهل الباطل في قول اليهود لكفار مكة‪{:‬‬
‫هَاؤُلءِ أَهْدَىا مِنَ الّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلً‪[} ...‬النساء‪.]51 :‬‬
‫أي أن اليهود قالوا‪ :‬إن عبدة الصنام أهدى من رسول ال صلى ال عليه وسلم وأتباعه‪ ،‬قالوا ذلك‬
‫رغم أن كتبهم قد ذكرت لهم أن رسول ال صلى ال عليه وسلم سيأتي بالدين الخاتم حتى إنهم‬
‫كانوا يقولون لهل المدينة من المشركين‪ :‬لقد أطل زمان نبي سنتبعه ونقتلكم به قتل عاد وإرم‪.‬‬
‫كذلك في كتب أهل الكتاب نبأ رسول ال وأوصافه وزمانه‪ .‬وعندما تحقق ما في كتبهم كفروا به‬
‫واجتمعوا مع أهل الباطل‪.‬‬
‫وهنا يوضح لنا الحق‪ :‬ما دام الباطل قد اجتمع عليكم وأنتم على الحق فل بد أن تجتمعوا على‬
‫دحض الباطل وإزهاقه؛ ولذلك يقول سبحانه وتعالى‪ } :‬وَاعَْلمُواْ أَنّ اللّهَ مَعَ ا ْلمُ ّتقِينَ { إذن‪ :‬فال‬
‫يأمر المؤمنين بأن يجتمعوا على قتال الكافرين‪ ،‬ولن ال مع الذين آمنوا؛ لذلك فهو ينصر‬
‫المؤمنين‪ ،‬وإذا وُجدَ ال مع قوم ولم يوجد مع آخرين‪ ،‬فأيّ الكفتين أرجح؟ ل بد من رجحان كفة‬
‫المؤمنين‪ } .‬وَاعَْلمُواْ أَنّ اللّهَ َمعَ ا ْلمُ ّتقِينَ {‬
‫والعلم ‪ -‬كما قلنا ‪ -‬حكم يقين عليه دليل‪ ،‬أي ل يحتاج إلى دليل؛ لن العلم هو أن تأتي بقضية‬
‫غير معلومة‪ ،‬م تقيم الدليل عليها لتصبح يقينا‪.‬‬
‫وإذا قال ال سبحانه وتعالى‪ } :‬وَاعَْلمُواْ { فالعلم هنا ينتقل من علم يقين إلى عين يقين‪ .‬والعلم ‪-‬‬
‫كما نعرف ‪ -‬قضية معلومة في النفس يؤيدها الواقع وتستطيع أن تقيم عليها الدليل‪ .‬فإذا علمت‬
‫بشيء أخبرت به‪ ،‬ويقينك بما علمت يكون على قدر ثقتك بمن أخبرك‪.‬‬
‫والمثال‪ :‬حين قيل لبي بكر رضي ال عنه‪ :‬إن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال‪ " :‬إنه ُأسْ ِريَ‬
‫به من المسجد الحرام إلى المسجد القصى وعُرِجَ به إلى السماء السابعة‪ ،‬هنا قال الصدّيق‪ :‬إن‬
‫كان قد قال فقد صدق " ‪ ،‬وكانت هذه هي ثقته في القائل‪ ،‬وهو يستمد منها الثقة فيما قال وروي‪.‬‬
‫وحينما أخبر رسول ال صلى ال عليه وسلم سيدتنا خديجة رضي ال عنها بخبر الوحي وأبدى‬
‫سبُ‬
‫صلُ الرحم‪ ،‬وتحمل ال َكلّ‪ ،‬و َتكْ ِ‬
‫خوفه مما يرى‪ ،‬قالت‪ " :‬كل وال ما يخزيك ال أبدا‪ ،‬إنك لت ِ‬
‫المعدوم‪ ،‬وتقري الضيف‪ ،‬وتعين على نوائب الحق " ‪ ،‬وهي بذلك قد أخذت من المقدمات حيثيات‬
‫الحكم وكانت أول مجتهدة في السلم عملت بالقياس‪ .‬فقد قاست الحاضر بالماضي‪.‬‬
‫وعندما يقول الحق‪ } :‬وَاعَْلمُواْ أَنّ اللّهَ مَعَ ا ْلمُتّقِينَ { فيكفينا أن يكون هذا كلم ال سبحانه ليكون‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يقينا في نفوسنا‪ ،‬وهناك علم يقين يأتيك ممن تثق في علمه وصدقه‪ ،‬وأنت إن رأيت الشيء الذي‬
‫أخبرت به وشاهدته يصبح عين يقين‪ ،‬فإذا اختبرته وعِشْت فيه يصبح حقّ يقين‪.‬‬
‫وحين قال الحق‪ } :‬وَاعَْلمُواْ أَنّ اللّهَ مَعَ ا ْلمُتّقِينَ { وجدنا بعض المؤمنين قد أخذوها على أنها علم‬
‫عين يقين‪ ،‬أو حق يقين؛ لنهم شاهدوا ذلك في المعارك حين كانوا قلة‪ ،‬فمن أخذ كلم ال دون‬
‫مناقشة عقلية ‪ -‬لن ال هو القائل ‪ -‬أخذه علم يقين‪ .‬والذي أخذ الكلم على أنه يصل إلى درجة‬
‫المشاهدة أخذه على أنه حق يقين‪ ،‬والذي أخذ الكلم كأنه عايشه فهذا عين يقين‪ ،‬ولكي نعرف هذه‬
‫س ْوفَ‬
‫المنازل نقرأ قول الحق سبحانه وتعالى‪ {:‬أَ ْلهَاكُمُ ال ّتكّاثُرُ * حَتّىا زُرْ ُتمُ ا ْل َمقَابِرَ * كَلّ َ‬
‫س ْوفَ َتعَْلمُونَ * كَلّ َلوْ َتعَْلمُونَ عِلْمَ الْ َيقِينِ }[التكاثر‪.]5-1 :‬‬
‫َتعَْلمُونَ * ُثمّ كَلّ َ‬
‫جحِيمَ * ثُمّ‬
‫وهذه أولى الدرجات‪ :‬علم يقين؛ لنه صادر عن الحق سبحانه وتعالى‪ {:‬لَتَ َروُنّ الْ َ‬
‫لَتَ َروُ ّنهَا عَيْنَ الْ َيقِينِ }[التكاثر‪.]7-6 :‬‬
‫أي‪ :‬أنكم في الخرة سوف ترونها بأعينكم بعد أن كنتم مؤمنين بها كعلم يقين‪ ،‬أما الن فقد‬
‫أصبحت عين يقين أي مشاهدة بالعين‪ .‬وفي هذه السورة أعطانا الحق مرحلتين من مراحل اليقين‬
‫هما‪ :‬علم اليقين وعين اليقين‪ ،‬ففي الخرة سوف يُضرب الصراط على جهنم‪ ،‬ويرى الناس ‪ -‬كل‬
‫الناس‪ ،‬المؤمن منهم والكافر ‪ -‬نار جهنم‪ ،‬وهم يمرون فوق الصراط‪ ،‬ويرونها مشتعلة متأججة‪،‬‬
‫وحين يمر المؤمن فوق الصراط ويرى جهنم وهولها‪ ،‬يعرف كيف نجاه اليمان من هذا العذاب‬
‫الرهيب فيفرح؛ فإذا دخل الجنة ورأى نعيمها يزداد فرحة؛ فله فرحة بأنه نجا من العذاب‪ ،‬وفرحة‬
‫بالنعم وبالمنعم‪ ،‬ويقول المؤمن‪ :‬الحمد ل الذي أنقذني من النار‪.‬‬
‫خلَ ا ْلجَنّةَ َفقَدْ‬
‫وهذه نعمة كبيرة وفوز عظيم‪ ،‬ولذلك يقول الحق‪َ {:‬فمَن ُزحْزِحَ عَنِ النّارِ وَأُدْ ِ‬
‫فَازَ‪[} ...‬آل عمران‪.]185 :‬‬
‫فالنجاة من النار وحدها فضل كبير‪ ،‬ودخول الجنة فضل أكبر‪ ،‬والحق هو القائل‪ {:‬وَإِن مّنكُمْ ِإلّ‬
‫وَارِدُهَا كَانَ عَلَىا رَ ّبكَ حَتْما ّمقْضِيّا }[مريم‪.]71 :‬‬
‫ويَرِدُ الشيء أي يصل إليه دون أن يدخل فيه‪ ،‬ويقال‪ :‬ورد الماء أي وصل إلى مكانه دون أن‬
‫يشرب منه‪ .‬إذن فكل منا سوف يرى جهنم‪ ،‬ويعرف المؤمن نعمة ال عليه؛ لنه أنجاه منها‪ ،‬ويندم‬
‫الكافر؛ لنه يُعذب فيها‪.‬‬
‫وقد ضربت من قبل مثلً ‪ -‬ول المثل العلى ‪ -‬بالقراءة عن مدينة نيويورك في الوليات المتحدة‬
‫المريكية‪ ،‬ويعرف القارىء أنه مبنية على عدة جزر‪ ،‬وفيها ناطحات سحاب وأنها مزدحمة‬
‫بالسكان‪ ،‬وهذه القراءة هي علم يقين‪ ،‬فإذا ركب النسان الطائرة ورآها من الجو يكون ذلك عين‬
‫يقين‪ ،‬فإذا ما نزل وعاش على أرضها بين ناطحاتها وعايش ازدحامها بالسكان يكون ذلك حق‬
‫اليقين‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وفي سورة التكاثر جاء ال سبحانه وتعالى بمرحلتين فقط من مراحل اليقين‪ ،‬وجاء بالمرحلة‬
‫ن وَجَ ّنتُ َنعِيمٍ * وََأمّآ‬
‫الثالثة في سورة الواقعة‪ ،‬فقال‪ {:‬فََأمّآ إِن كَانَ مِنَ ا ْل ُمقَرّبِينَ * فَ َروْحٌ وَرَيْحَا ٌ‬
‫صحَابِ الْ َيمِينِ * وََأمّآ إِن كَانَ مِنَ ا ْل ُمكَذّبِينَ الضّآلّينَ‬
‫إِن كَانَ مِنْ َأصْحَابِ الْ َيمِينِ * َفسَلَمٌ ّلكَ مِنْ َأ ْ‬
‫جحِيمٍ * إِنّ هَـاذَا َل ُهوَ حَقّ الْ َيقِينِ }[الواقعة‪.]95-88 :‬‬
‫حمِيمٍ * وَ َتصْلِيَةُ َ‬
‫* فَنُ ُزلٌ مّنْ َ‬
‫وحقّ اليقين هو آخر مراحل العلم‪ ،‬والنسان قد يكابر في حقيقة ما حين يقرؤها‪ ،‬وقد يجادل في‬
‫حقيقة يشاهدها‪ ،‬ولكنه ل يستطيع أن يكابر في واقع يعيشه‪ ،‬وقد حدث ذلك وحملته لنا سطور‬
‫الكتب عن سيدنا عمر وقد قال عن أحد المعارك‪ " :‬وحينما شهرت سيفي لقصف رأس فلن؛‬
‫وجدت شيئا سبقني إليه وقصف رأسه " أي‪ :‬هناك من شاهد ذلك بنفسه‪.‬‬
‫وبعد ذلك يعطي ال الحكم فيمن يُغيّر الشهر الحرم أو يُبدلها فيقدمها شهرا‪ ،‬أو يؤخرها شهرا‪،‬‬
‫ضلّ ِبهِ الّذِينَ َكفَرُواْ يُحِلّونَهُ عَاما وَ ُيحَ ّرمُونَهُ عَاما‪{ ...‬‬
‫فيقول‪ } :‬إِ ّنمَا النّسِيءُ زِيَا َدةٌ فِي ا ْل ُكفْرِ ُي َ‬

‫(‪)1258 /‬‬
‫ع ّدةَ مَا‬
‫ضلّ بِهِ الّذِينَ َكفَرُوا ُيحِلّونَهُ عَامًا وَيُحَ ّرمُونَهُ عَامًا لِ ُيوَاطِئُوا ِ‬
‫إِ ّنمَا النّسِيءُ زِيَا َدةٌ فِي ا ْل ُكفْرِ ُي َ‬
‫عمَاِلهِ ْم وَاللّهُ لَا َيهْدِي ا ْل َقوْمَ ا ْلكَافِرِينَ (‪)37‬‬
‫حَرّمَ اللّهُ فَيُحِلّوا مَا حَرّمَ اللّهُ زُيّنَ َلهُمْ سُوءُ أَ ْ‬

‫والنسيء هو التأخير‪ ،‬فكأنهم إذا ما دخلوا في قتال وجاء شهر حرام قالوا‪ :‬ننقله إلى شهر قادم‪،‬‬
‫واستمروا في قتالهم؛ وهم بذلك قد أحلّوا الشهر الذي كان محرما وجعلوا الشهر الذي لم تكن له‬
‫حرمة؛ شهرا حراما‪ ،‬وهنا يوضح الحق سبحانه أن هذا العمل زيادة في الكفر؛ لنه أدخل في‬
‫المحلل ما ليس منه‪ ،‬وأدخل في المحرم ما ليس منه؛ لن الكفر هو عدم اليمان فإذا بدّ ْلتَ وغيّ ْرتَ‬
‫في منهج اليمان‪ ،‬فهذا زيادة في الكفر‪.‬‬
‫ضلّ } هنا مبنية‬
‫ضلّ بِهِ الّذِينَ َكفَرُواْ ُيحِلّونَهُ عَاما وَيُحَ ّرمُونَهُ عَاما } و { ُي َ‬
‫ثم يقول سبحانه‪ُ { :‬ي َ‬
‫للمجهول؛ ومعنى ذلك أن هناك من يقوم بإضلل الذين كفروا‪ ،‬وهذه مهمة الشيطان؛ لن هناك‬
‫فرقا بين الضلل والضلل‪ ،‬فالضلل في الذات والنفس‪ ،‬أما الضلل فيتعدى إلى الغير‪ ،‬فهناك‬
‫ضال ل يكتفي بضلل نفسه‪ ،‬بل يأتي لغيره ويضله ويغويه على المعصية بأن يزينها له‪ .‬ولذلك‬
‫هناك جزاء على الضلل‪ ،‬وجزاء أشد على الضلل‪ ،‬فإذا كان هناك إنسان ضال فهو في نفسه‬
‫غير مؤمن‪ ،‬أي أن ضلله لم يتجاوز ذاته‪ ،‬ولم ينتقل إلى غيره‪ .‬ولكن إذا حاول أن يغري غيره‬
‫بالضلل والمعصية يكون بذلك قد ضلّ غيره‪ .‬ويتخذ بعض المستشرقين هذه القضية مطعنا في‬
‫القرآن ‪ -‬بل وعي منهم أو فهم ‪ -‬فيقولون‪ :‬إن القرآن يقول‪َ {:‬ولَ تَزِرُ وَازِ َرةٌ وِزْرَ ُأخْرَىا }‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫[فاطر‪.]18 :‬‬
‫حمِلُنّ أَ ْثقَاَلهُ ْم وَأَ ْثقَالً مّعَ أَ ْثقَاِلهِمْ‪[} ...‬العنكبوت‪.]13 :‬‬
‫ثم يأتي في آية أخرى فيقول‪ {:‬وَلَ َي ْ‬
‫فكيف يقول القرآن‪ :‬إن أحدا ل يتحمل إل وزره‪ ،‬ثم يقول‪ :‬إن هناك من سيتحمل وِزْره ووِزْر‬
‫غيره؟‬
‫ونقول لهم‪ :‬أنتم لم تفهموا المعنى‪ ،‬فالول‪ :‬هو الضّالّ الذي يرتكب المعاصي ولكنه لم ُيغْرِ بها‬
‫ل وأضل غيره‪ ..‬أي‪ :‬أنه لم‬
‫غيره‪ ،‬أي‪ :‬أنه عصى ال ولم يتجاوز المعصية‪ .‬أما الثاني‪ :‬فقد ض َ‬
‫يكتف بارتكاب المعصية بل أخذ يغري الناس على معصية ال‪ .‬وكلما أغرى واحدا على المعصية‬
‫كان عليه نفس وِزْر مرتكب المعصية‪.‬‬
‫ضلّ ِبهِ الّذِينَ َكفَرُواْ يُحِلّونَهُ عَاما وَ ُيحَ ّرمُونَهُ عَاما } وطبعا التحليل والتحريم‬
‫وهنا يقول الحق‪َ { :‬‬
‫هنا حدث منهم لظنهم أن هذه مصلحتهم‪ ،‬أي أنهم أخضعوا الشهر الحرم لشهواتهم الخاصة‪،‬‬
‫وخرجوا عن مرادات ال في كونه‪ ،‬يوم خلق السماوات والرض‪.‬‬
‫ع ّدةَ مَا حَرّمَ اللّهُ }‬
‫ولكن لماذا يُحلّونه عاما ويُحرّمونه عاما؟ تأتي الجابة من الحق‪ { :‬لّ ُيوَاطِئُواْ ِ‬
‫أي‪ :‬ليوافقوا عدة ما أحله ال حتى يبرروا ويقولوا لنفسهم‪ :‬نحن لسنا عاصين‪ ،‬فإن كان ال يريد‬
‫أربعة أشهر حرم‪ ،‬فنحن قد التزمنا بذلك! ولكن تشريع ال ليس في العدد فقط ولكن في المعدود‬
‫أيضا‪ ،‬وقد حدد لنا رسول ال صلى ال عليه وسلم الشهر الحرم‪.‬‬
‫وكان عمرو بن لحي أو نعيم بن ثعلبة هما أول من قاما بعملية النسيء هذه‪ ،‬فأحلّ شهر المحرم‪،‬‬
‫وحرّم غيره وهؤلء الذين قاموا بهذا العمل كانوا يعرفون أن هناك أربعة أشهر حرم بدليل أنهم‬
‫أحلوا وحرموا‪ .‬ولو لم يعرفوها ما أحلوا ول حرموا‪ ،‬ولكن هم أرادوا أن يُخضعُوا تشريع ال‬
‫لهوائهم‪ .‬وهذا هو المغزى من تحليل شهر المحرم وتحريم شهر آخر‪ ،‬وأرادوا بذلك إخضاع‬
‫مرادات ال لشهوات نفوسهم؛ لن المحرم ثابت فيه التحريم‪ ،‬وهو شهر حرام سواء قام النسان‬
‫بتأجيله أم لم يؤجله‪ ،‬فهو شهر حرام بمشيئة ال ل مشيئة الناس‪ .‬ولذلك حكم الحق سبحانه على‬
‫النسيء بأنه زيادة في الكفر؛ لنك حين تؤخر حرمة شهر المحرم إلى شهر غيره‪ ،‬تكون قد ُق ْمتَ‬
‫بعمليتين؛ أحللت شهرا حراما وهذا كفر‪ ،‬وحرمت شهرا حللً وهذا كفر آخر‪ ..‬أي‪ :‬زيادة في‬
‫ع ّدةَ مَا حَرّمَ اللّهُ فَيُحِلّواْ مَا حَرّمَ اللّهُ { وقد حكم ال‬
‫الكفر‪ .‬ثم يقول الحق سبحانه‪ } :‬لّ ُيوَاطِئُواْ ِ‬
‫عليهم بالكفر بأنهم أحلوا ما حرمه ال‪.‬‬
‫عمَاِل ِهمْ { والتزيين‪ :‬هو أمر طارئ أو زائد على حقيقة الذات مما‬
‫ثم يقول الحق‪ } :‬زُيّنَ َل ُهمْ سُوءُ أَ ْ‬
‫يجعله مقبولً عند الناس‪ ،‬فالمرأة مثلً لها جمال طبيعي‪ ،‬ولكنها تتزيين‪ .‬إذن‪ :‬فالتزيين تغيير في‬
‫المظهر وليس في الجوهر‪ .‬وهناك تزيين في أشياء كثيرة‪ ،‬تزيين في الفكر مثلً‪ ،‬بأن يكون هناك‬
‫استعداده للقتال فيأتي القائد فيزين للمقاتلين دخول المعركة‪ ،‬ويقول‪ :‬أنتم ستنتصرون في ساعات‪،‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ولن يصاب منكم أحد وسيفِرّ عدوكم؛ هذا تزيين محمود‪.‬‬
‫ولذلك أراد الحق أن يكشف لنا حقيقة التزيين الذي قاموا به حين حللوا حرمة الشهر الحرُم‪،‬‬
‫عمَاِلهِ ْم وَاللّ ُه لَ‬
‫وكشف لنا سبحانه أن هذا لون من التزيين غير المحمود فقال‪ } :‬زُيّنَ َلهُمْ سُوءُ أَ ْ‬
‫َيهْدِي ا ْل َقوْمَ ا ْلكَافِرِينَ { وما دام قد زُيّن لهم السوء فهذا العمل قد خرج عن منطقة الهداية‪ ،‬وخرج‬
‫عن نطاق التزيين المحمود إلى التزيين السيىء‪ .‬وما داموا قد خرجوا عن هداية ال فلن يعينهم‬
‫ال؛ لنه سبحانه ل يعين من كفر‪ ،‬ول يعين من ظلم‪ ،‬ول يعين من فسق‪.‬‬
‫ولذلك قال سبحانه‪ } :‬وَاللّ ُه لَ َيهْدِي ا ْل َقوْمَ ا ْلكَافِرِينَ { أي‪ :‬أنهم بكفرهم قد أخرجوا أنفسهم عن‬
‫هداية ال‪ ،‬فالحق سبحانه لم يمنع عنهم الهداية‪ ،‬بل هم الذين منعوها عن أنفسهم بأن كفروا‬
‫فأخرجوا أنفسهم عن مشيئة هداية ال لهم‪ ،‬وهذا ينطبق فقط على هداية المعونة‪ ،‬ونحن نعلم أن ل‬
‫سبحانه هداية دللة وهداية معونة؛ هداية الدللة هي للمؤمن وللكافر‪ ،‬ويدل ال الجميع على‬
‫المنهج‪ ،‬ويريهم آياته‪ ،‬وتبلغ الرسل منهج السماء الذي يوضح الطريق إلى رضاء ال والطريق‬
‫إلى سخطه وعذابه‪ .‬فمن آمن بال دخل في مشيئة هداية المعونة‪ ،‬فيعينه ال في الدنيا ويعطيه‬
‫الجنة في الخرة‪ .‬أما من يرفض هداية الدللة من ال‪ ،‬فال ل يعطيه هداية المعونة؛ لن الكفر قد‬
‫سبق من العبد‪.‬‬
‫وكذلك الظلم والفسق‪ ،‬فيكون قد منع عن نفسه هداية المعونة بارتكابه لتلك الثام‪.‬‬
‫ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى‪:‬‬
‫} وَاللّ ُه لَ َي ْهدِي ا ْل َقوْمَ ا ْلكَافِرِينَ { [التوبة‪ {.]37 :‬وَاللّ ُه لَ َيهْدِي ا ْل َقوْمَ الظّاِلمِينَ }[التوبة‪{.]19 :‬‬
‫سقِينَ }[التوبة‪.]24 :‬‬
‫وَاللّ ُه لَ َيهْدِي ا ْل َقوْمَ ا ْلفَا ِ‬
‫إذن‪ :‬هم الذين قدّموا الكفر والظلم والفسوق‪ ،‬فمنعوا عن أنفسهم هداية المعونة التي قال الحق‬
‫عنها‪ {:‬وَالّذِينَ اهْتَ َدوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَا ُهمْ َت ُقوَاهُمْ }[محمد‪.]17 :‬‬
‫وبعد أن طلب الحق سبحانه وتعالى من المؤمنين أن يواجهوا الباطل جميعا‪ ،‬كما يجتمع الباطل‬
‫عليهم ويقاتلهم جميعا‪ .‬يقول سبحانه‪ } :‬ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ مَا َلكُمْ إِذَا قِيلَ َلكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ‬
‫اثّاقَلْتُمْ‪{ ...‬‬

‫(‪)1259 /‬‬
‫يَا أَ ّيهَا الّذِينَ َآمَنُوا مَا َلكُمْ ِإذَا قِيلَ َلكُمُ ا ْنفِرُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ اثّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَ ْرضِ أَ َرضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدّنْيَا‬
‫مِنَ الْآَخِ َرةِ َفمَا مَتَاعُ ا ْلحَيَاةِ الدّنْيَا فِي الَْآخِ َرةِ إِلّا قَلِيلٌ (‪)38‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وساعةَ تسمع { ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ } فهذا نداء خاص بمن آمن بال؛ لن ال ل يكلف من لم يؤمن‬
‫به شيئا‪ ،‬ولكنه كلف الذين آمنوا‪ ،‬فل يوجد حكم من أحكام منهج ال فيه تكليف لكافر أو غير‬
‫مؤمن‪ .‬ولكن أحكام المنهج موجهة كلها للمؤمنين‪ .‬ولذلك ساعةَ تسمع‪ { :‬ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ }‬
‫تعرف أن ال يخاطب أو يأمر من آمن به؛ لنك أنت الذي آمنت باختيارك‪ ،‬ودخلتَ على اليمان‬
‫برغبتك‪ ،‬فالحق سبحانه لم يأخذك إلى اليمان قهرا‪ ،‬ولكنك جئت لليمان اختيارا‪ ،‬ولذلك يقول‬
‫سبحانه وتعالى لك‪ :‬ما ُد ْمتُ قد آمنت بي إلها قادرا قيّوما‪ ،‬له مطلق صفات الكمال‪ ،‬فاسمع مني ما‬
‫أريده لحركة حياتكَ‪.‬‬
‫ول يحسب أحد أنه قادر على أن يدخل في اليمان ول ينفذ المنهج‪ ،‬ول يحسب أحد أنه قادر أن‬
‫يضر ال شيئا‪ ،‬وسبق أن ضربنا المثل بالمريض الذي يختار أبرع الطباء‪ ،‬ولم يجبره أحد على‬
‫أن يذهب إليه‪ ،‬وأجرى الطبيب الكشف على المريض‪ ،‬وحدد الداء وكتب الدواء‪ ،‬ولكن المريض‬
‫بعد أن خرج من العيادة أمسك بتذكرة الدواء ومزقها‪ ،‬أو أنه اشترى الدواء ولم يتناوله‪ .‬أيكون‬
‫بذلك قد عاقب الطبيب أم عاقب نفسه؟‬
‫إن الطبيب لن يتأثر ولن يضره شيء مما فعله هذا المريض‪ ،‬ولكنه هو الذي سيزداد عليه‬
‫المرض ويقود نفسه إلى الهلك‪ ،‬وكذلك النسان إن لم يتبع منهج ال‪ ،‬فإنه يضيع نفسه ويُغرقها‬
‫في الشقاء؛ لن الحق سبحانه قد وضع هذا المنهج وفيه علج لكل أمراض النسان‪ ،‬فإن عمل به‬
‫النسان نجا من بلء الدنيا‪ ،‬وإذا عمل به مجتمع لن يظهر فيه الشقاء‪ .‬بل يمتلىء بالرخاء والمن‬
‫والطمأنينة‪ ،‬ومن لم يعمل به فلن يضر ال شيئا‪ ،‬بل يحصل على الشقاء ويهلك نفسه‪.‬‬
‫وحين يخاطب الحق سبحانه الذين آمنوا يوضح‪ :‬خذوا مني هذا التكليف ففيه سعادة النسان في‬
‫الدنيا والخرة‪ ،‬ولهذا نجد أن الحق سبحانه وتعالى ل يذكر أمرا من أوامره بأي تكليف أو نهيا من‬
‫نواهيه‪ ،‬إل مسبوقا بقوله سبحانه‪ { :‬ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ } مثل قوله تعالى‪ {:‬ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ كُ ِتبَ‬
‫عَلَ ْيكُمُ الصّيَامُ‪[} ...‬البقرة‪.]183 :‬‬
‫وقوله سبحانه‪ {:‬ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ كُ ِتبَ عَلَ ْيكُمُ ا ْلقِصَاصُ‪[} ...‬البقرة‪.]178 :‬‬
‫وهذه التكليفات لمَ تأتِ مبنية للمعلوم‪ ،‬فمن الذين يكتب؟ إنه الحق سبحانه‪ ،‬كما أنها صيغة مبنية‬
‫سمّ فاعله‪ ،‬أي‪ :‬أن الكتابة أتت من كثير‪ .‬ونقول‪ :‬صحيح أن ال سبحانه وتعالى هو‬
‫دائما لما لم يُ َ‬
‫الذي كتب‪ ،‬فلماذا لم يقل‪ :‬يأيها الذين آمنوا كتبتُ عليكم‪ .‬ولماذا يقول‪ { :‬ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ كُ ِتبَ‬
‫عَلَ ْيكُمُ الصّيَامُ }؟‪ .‬ونقول‪ :‬لن ال وإن كان قد كتب‪ ،‬إل أنه لم يكتبها على كل خلقه‪ ،‬بل كتبها‬
‫على الذين آمنوا به‪ ،‬وأنت بإيمانك أصبحت ملتزما بعناصر التكليف‪ ،‬فكأن الحق سبحانه لم يكتب‬
‫ثم يلزمك‪ ،‬ولكن التزامك تم في نفس اللحظة التي دخلت فيها باختيارك في اليمان‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وبذلك تكون كل هذه الحكام قد كُتِبتْ علينا باختيار كل منا‪ ،‬فمن لم يَخْتَرْ اليمان ليس مكتوبا‬
‫عليه أن ينفذ أحكام اليمان؛ لنها ل تُنفذ إل بالعقد اليماني بيننا وبين الحق سبحانه؛ وقد احترم‬
‫سبحانه دخولنا في هذا العقد‪ ،‬فلم ينسبه لذاته العلية فقط‪ ،‬بل شمل أيضا كل مَنْ دخل في اليمان‪.‬‬
‫ولذلك فإن سأل أحد عن حكمة التكليف من ال‪ ،‬نقول له‪ :‬إن الحكمة تنبع من أنه سبحانه هو الذي‬
‫كَلّف‪ .‬ثم إن معرفة الحكمة ل تكون إل من المساوي للمساوي‪ ،‬فإن ذهب المريض إلى الطبيب‬
‫وكتب له الدواء‪ ،‬وظل المريض يناقش الطبيب في الدواء وفوائده؛ فالطبيب يرفض المناقشة‪،‬‬
‫ويقول للمريض‪ :‬ادخل كلية الطب وا ْقضِ فيها سبع سنوات‪ ،‬واحصل على الدرجات العلمية‪ ،‬ثم‬
‫َتعَالَ وناقشني‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فأنت تربط علة التكليف بأمر المكلف‪ ،‬مع أن المكلف من البشر قد يخطئ‪ .‬أما إذا جئنا‬
‫بمجموعة من الطباء ليكشفوا على مريض احتار الطب فيه‪ ،‬ثم جلسوا بعد الكشف يتناقشون‪ ،‬فكل‬
‫منهم يقبل مناقشة الخر؛ لنه مُسَاوٍ له في الفكر والثقافة والعلم إلى آخره‪ ،‬لكن إنْ أردتَ أن تسأل‬
‫عن الحكمة في تكليف من ال فلن تجد مساويًا ل سبحانه وتعالى‪ ،‬وبذلك تكون المناقشة مرفوضة‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالمكلف ل بد أن تكون له منزلة سابقة على التكليف‪ ،‬ومنزلة الحق أنك آمنت به‪ ،‬ولهذا‬
‫أرى أن البحث عن أسباب التكليف هو أمر مرفوض إيمانيا‪ ،‬فإذا قيل‪ :‬إن ال فرض الصوم حتى‬
‫يشعر الغني بألم الجوع؛ ليعطف على الفقير‪ ،‬نقول‪ :‬ل‪ ،‬وإل سقط الصوم عن الفقير؛ لنه يعرف‬
‫ألم الجوع جيدا‪ .‬وإذا قيل لنا‪ :‬إن الصوم يعالج أمراض كذا وكذا وكذا‪ .‬نقول‪ :‬إن هذا غير‬
‫صحيح‪ ،‬وإل لما أسقط ال فريضة الصوم عن المريض في قوله تعالى‪َ {:‬ومَن كَانَ مَرِيضا َأوْ‬
‫سفَرٍ َفعِ ّدةٌ مّنْ أَيّامٍ أُخَرَ‪[} ...‬البقرة‪.]185 :‬‬
‫عَلَىا َ‬
‫فإذا كان ال قد أباح للمريض أن يفطر‪ ،‬فكيف يأتي إنسان ويقول‪ :‬إن علة فرض الصوم هي شفاء‬
‫سمَح معها بالصوم‪.‬‬
‫المراض؟ كما أن هناك بعض المراض ل ُي ْ‬
‫إذن‪ :‬فنحن نصوم لن ال فرض علينا الصوم‪ ،‬وما دام ال قد قال فسبب التنفيذ هو أن القول‬
‫صادر من ال سبحانه‪ ،‬ول شيء غير ذلك‪ ،‬فإذا ظهرت حكمة التكليف فإنها تزيدنا إيمانا‪ ،‬مثلما‬
‫ثبت ضرر لحم الخنزير بالنسبة للنسان؛ لن لحم الخنزير مليء بالميكروبات والجراثيم التي‬
‫يأكلها مع القمامة‪ ،‬ونحن ل نمتنع عن أكل لحم الخنزير لهذا السبب‪ ،‬بل نمتنع عن أكله لن ال قد‬
‫أمرنا بذلك‪ ،‬ولو أن هذه الحكمة لم يكشف عنها الطب ما قَّللَ هذا من اقتناعنا بعدم أكل لحم‬
‫الخنزير؛ لننا نأخذ التكليف من ال‪ ،‬وليس من أي مصدر آخر‪.‬‬
‫ونعود إلى خواطرنا حول الية الكريمة‪ } :‬ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ مَا َل ُكمْ إِذَا قِيلَ َل ُك ُم انفِرُواْ فِي سَبِيلِ‬
‫اللّهِ اثّاقَلْتُمْ إِلَى الَ ْرضِ { ‪ ،‬ونجد كلمة‪ } :‬مَا َلكُمْ { تأتي حين نتعجب من حال ل يتفق مع حال‪،‬‬
‫وكأن حرب المؤمنين للكفار أمر متوقع وتقتضيه الحال؛ لن المؤمنين حين يقاتلون الكفار إنما‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يدخلون شيئا من اليقين على أهل الستقامة‪ ،‬فأهل الستقامة إن لم يجدوا من يضرب على أيدي‬
‫الكافرين فقد ينحرف على أيدي الكفار‪ ،‬فإنه بفعله هذا يربب في المؤمن إيمانه؛ لنه يرى عدوه‬
‫وهو يتلقى النكال‪ .‬كأن تقول للتلميذ‪ :‬ما لك تهمل في مذاكرتك وقد قَ ُربَ المتحان؟ أي‪ :‬أن‬
‫المفروض أنه إذا قرب المتحان ل بد أن يجتهد الطالب في المذاكرة‪ .‬فإن أهمل التلميذ عمله‬
‫فنحن نتعجب من سلوكه؛ لنه ل يتفق مع ما كان يجب أن يحدث‪ .‬وبذلك نستنكر أن يحدث مثل‬
‫هذا الهمال‪ ،‬مثلما نستنكر ونتعجب من مريض يترك الدواء بينما هو يتألم‪.‬‬
‫ن إلى القتال؛ لن قوة اليمان تدعو دائما‬
‫عوْ َ‬
‫ويتعجب الحق سبحانه هنا من تثاقل المؤمنين حين يُدْ َ‬
‫إلى أن يكون هناك استعداد مستمر للقتال‪ ،‬وهذا الستعداد يخيف الكفار ويمنع عدوانهم‬
‫واستهتارهم بالمؤمنين أولً‪ ،‬كما أنه ثانيا يجعل المؤمنين قادرين على الرد والردع في أي وقت‪.‬‬
‫ويعطي ثالثا شيئا من اليقين للمجتمع المؤمن عندما يرى أن هناك من يضرب على يد الكافرين إذا‬
‫استهانوا بمجتمع اليمان وحاولوا أن يستذلوا المؤمنين‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فَِل َكيْ يبقى المجتمع المؤمن قويا وآمنا؛ ل بد أن يوجد استعداد دائم للقتال في سبيل ال‬
‫ورغبة في الشهادة‪ ،‬وهنا يقول الحق‪ } :‬مَا َل ُكمْ إِذَا قِيلَ َل ُك ُم انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ { فكأن الستعداد‬
‫ض ُعفَ هذا الستعداد أو َقلّ‬
‫المستمر للقتال في سبيل ال أمر ل بد أن يوجد بالفطرة وبالعقل‪ ،‬فإذا َ‬
‫صار هذا المر موطنا للتعجب؛ لن المؤمنين يعرفون أن مجتمع الكفر يتربص بهم دائما‪ ،‬وعليهم‬
‫أن يكونوا على استعداد دائم مستمر للمواجهة‪ ،‬ويستنكر الحق أن يتثاقل المؤمنون إذا دُعُوا للقتال‬
‫في سبيل ال أو أن يتكاسلوا‪.‬‬
‫وقوله سبحانه‪ } :‬انفِرُواْ { من " النفرة " وهي الخروج إلى أمر يهيج استقرار النسان‪ ،‬فحين يكون‬
‫النسان جالسا في مكانه‪ ،‬قد يأتي أمر يهيجه فيقوم ليفعل ما يتناسب مع المر المهيج‪ ،‬فأنت مثلً‬
‫إذا رأيت إنسانا سيسقط في بئر‪ ،‬فهذا المر يهيجك‪ ،‬فتنطلق من مكانك لتجذبه بعيدا‪ ،‬ومنه الّنفْره‬
‫التي تحدث بين الحباب الذين يعيشون في وُدّ دائم‪ ،‬وقد يحدث بينهم أمر يُحوّل هذا الود إلى‬
‫جفْوة‪.‬‬
‫َ‬
‫إذن‪ :‬فكلمة } انفِرُواْ { تدل على الخروج إلى أمر مهيج‪ ،‬وهو المنطق الطبيعي الذي يجب أن‬
‫يكون؛ لن عمل الكفار يهيج المؤمنين على مواجهتهم‪.‬‬
‫وقول الحق سبحانه‪ } :‬انفِرُواْ { يدل على الستفزاز المستمر من الكفار للمؤمنين‪ .‬ويقول الحق‬
‫تعالى‪ } :‬مَا َلكُمْ ِإذَا قِيلَ َلكُ ُم انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثّاقَلْتُمْ {‪.‬‬
‫والثقل معناه‪ :‬أن كتلة الشيء تكون زائدة على قدرة من يحمله‪ ،‬فإن قلت‪ :‬إن هذا الشيء ثقيل فهذا‬
‫يعني أن وزنه مثلً أكبر من قوة عضلتك فل تستطيع أن تحمله‪ .‬أما التثاقل فهو عدم موافقة‬
‫الشيء لطبيعة التكوين‪ .‬كأن تقول‪ :‬فلن ثقيل أي أن وزنه ضخم ول يستطيع أن يقوم من مكانه‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إل بصعوبة‪ ،‬ول أن يتحرك إل بمشقة‪.‬‬
‫ولكن التثاقل معناه تكلف المشقة‪ ،‬أي‪ :‬لك قدرة على الفعل‪ ،‬ولكنك تتصنع أنك غير قادر‪ ،‬كأن‬
‫يكون هناك ‪ -‬على سبيل المثال ‪ -‬شيء وزنه رطل‪ ،‬ثم تدّعي أنه ثقيل عليك ول تستطيع أن‬
‫تحمله‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فقوله تعالى‪ } :‬اثّاقَلْ ُتمْ إِلَى الَ ْرضِ { أي‪ :‬تكلفتم الثقل بدون حقيقة‪ ،‬فأنتم عندكم قدرة على‬
‫القتال ولكنكم تظاهرتم بأن ل قدرة لكم‪.‬‬
‫وهكذا نعرف أن الموقف يقتضي النفرة ليواجهوا الكفر؛ لن المنهج الذي ارتضوه لنفسهم‬
‫والتزموا به يحقق السلمة والمن والطمئنان لهم ولغيرهم‪ ،‬وكأن التثاقل إلى الرض له مقابل‪،‬‬
‫فالنفرة تكون في سبيل ال‪ ،‬والمقابل في سبيل الشيطان أو في سبيل شهوات النفس‪.‬‬
‫لقد تحدث العلماء في المسائل التي تجعل النسان يُق ِبلُ على المعصية‪ ،‬وهي النفس التي تُحدّث‬
‫النسان بشيء‪ ،‬فالنسان يقبل على المعصية بهذين العاملين فقط‪ .‬فما الفرق بين الثنين؟ وكيف‬
‫يتعرف النسان على ذلك؟ قال العلماء‪ :‬إذا كانت النفس تُلحّ عليك أن تفعل معصية بعينها بحيث‬
‫إذا صرفتها عنها عادت تُلِحّ عليك لقتراف نفس المعصية لتحقق متعة عاجلة‪ ،‬فهذا إلحاح من‬
‫النفس المّارة بالسوء‪.‬‬
‫ولكن الشيطان ل يريد منك ذلك‪ ،‬إنه يريدك مخالفا لمنهج ال على أي لون‪ ،‬فإذا استعصى عليه‬
‫أن يجذبك إلى المال الحرام‪ ،‬فهو يزين لك شهوة النساء‪ ،‬فإذا فشل جاء من ناحية الخمر‪ .‬إذن‪:‬‬
‫فهو يريدك عاصيا بأي معصية‪ ،‬ولكن النفس تريدك عاصيا بنفس المعصية التي تشتهيها‪ .‬وهذا‬
‫هو الفرق‪.‬‬
‫وهكذا نعرف أن هناك واقعين‪ ،‬واقعا يدعو المؤمنين إلى قتال الكفار الذين يفسدون منهج ال في‬
‫الرض‪ ،‬وواقعا يدعوهم إلى أن يتثاقلوا عن هذا القتال‪ ،‬وذلك إما بسبب حب الدنيا لتحقيق شهوة‬
‫النفس أو إغراء الشيطان‪ ،‬ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى‪ } :‬أَ َرضِيتُمْ بِالْحَيَاوةِ الدّنْيَا مِنَ الخِ َرةِ‬
‫{ والرضا هو حب القلب‪ ،‬فيقال‪ :‬فلن رَاضٍ لنه مسرور بالحال الذي هو فيه‪.‬‬
‫ومعنى تثاقل المؤمنين عن القتال في سبيل ال‪ ،‬أن هناك شيئا قد غلب شيئا آخر في داخل‬
‫نفوسهم‪ ،‬فالرضا بالحياة الدنيا قد تغّلبَ على حب الخرة‪ .‬ولكن المنطق اليماني يقول‪ :‬إنه إذا‬
‫كان هناك أمر آخر غير الدنيا‪ ،‬أو حياة أخرى غير حياتنا الدنيوية‪ ،‬فل بد أن نقارن بين ما تعطيه‬
‫الدنيا وبين ما تعطيه الخرة‪ ،‬فإذا رضينا بما تقدمه لنا هذه الحياة المادية‪ ،‬يكون المؤمن بل طموح‬
‫وبل ذكاء؛ لنه رضي بمتاع قليل زائل وترك متاعا أبديا ممتدا بقدرة ال‪.‬‬
‫وأنت لو نظرت إلى الدنيا نظرة فاحصة‪ ،‬تجد أنها متغيرة متبدلة‪ ،‬فالصحيح يصبح مريضا‪،‬‬
‫والغني يصبح فقيرا‪ ،‬والقوي يصبح ضعيفا‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إذن‪ :‬فمتاع الدنيا متغير ول عصمة لك فيه‪ ،‬وأنت ل تستطيع أن تعصم نفسك من المرض أو من‬
‫الضعف أو من الفقر؛ لن هذه كلها أغيار تحكمك ول تحكمها أنت؛ تقهرك ول تستطيع أنت أن‬
‫تقهرها‪ .‬فإن رضيت بمتاع الدنيا اليوم فأنت ل تضمن استمراره إلى غد‪.‬‬
‫ولهذا ينبغي أل تؤخر تنفيذ ما يكلفك به ال؛ لنك الن تستطيع أن تؤديه‪ ،‬لكن أنت ل تضمن إن‬
‫كنت قادرا غدا أم ل‪ .‬كذلك ل تأخذ التكليف على أنه قد يسلبك حريتك أو مالك‪ ،‬بل هو يسلبك‬
‫ويعطيك في نفس الوقت‪ .‬فإذا أمر ال سبحانه بأن تُخرِجَ الزكاة‪ ،‬قد تعتقد أن هذا يُنقصُ مالك‪ ،‬أو‬
‫تقول‪ :‬هذه غرامة‪ .‬نقول‪ :‬إن هذا في ظاهر المر قد يكون صحيحا‪ ،‬ولكنه سبحانه يأخذ منك هذا‬
‫المال فيزيده لك ويُنميه فإذا بالجنيه الواحد قد تضاعف إلى سبعمائة مِثْل‪ ،‬ثم تضاعف إلى ما شاء‬
‫ال‪ ،‬كما أن هذا الحكم الذي يأخذ منك الن وأنت غني‪ ،‬هو بذاته الذي سوف يعطيك إن افتقرتَ‬
‫ولجأت إلى الناس‪ .‬فإذا كان الحكم الذي سيأخذ هو الذي سيعطي تكون هذه عدالة وتأمينا ضد‬
‫الغيار‪ ،‬وعليك أن تقارن الصفقة النفعية بمقابلها‪ ،‬وساعةَ تعطي أنت الذي ل يملك‪ ،‬ل بد أن‬
‫تتذكر أنه قد يأتي عليك َيوْمٌ ل تملك فيه‪.‬‬
‫وكلمة دنيا بالنسبة لحياتنا أعطتنا الوصف الطبيعي الذي ينطبق عليها؛ لن " الدنيا " مقابلها "‬
‫العليا "‪ .‬والحياة العليا تكون في الخرة‪ .‬فإذا كانت هذه هي الحياة الدنيا‪ .‬فلماذا تربط نفسك‬
‫خوَرا في العزيمة؟‬
‫بالدنى إل أن يكون ذلك َ‬
‫والمثال للقوة اليمانية هو‪ :‬سيدنا عمر بن عبد العزيز رضي ال عنه‪ ،‬وكان قبل أن يصبح خليفة‬
‫المؤمنين يرتدي أفخر الثياب ويتعطر بأجمل العطور‪ ،‬وكان الناس يدفعون أموالً لمن يغسل ثياب‬
‫عمر بن عبد العزيز ليدخلوا ثيابهم مع ثيابه حتى تمتلئ عطرا‪ .‬وذلك من غزارة وجود العطر‬
‫الذي كان يضعه عمر بن عبد العزيز على ثيابه فتخرج كل الثياب مليئة بالعطر‪ .‬وعندما أصبح‬
‫عمر بن عبد العزيز خليفة‪ ،‬كانوا يأتونه بالثوب الخشن الذي كان يرفض ارتداءه قبل الخلفة‪،‬‬
‫فيرفضه ويقول‪ :‬هاتوا أخشن منه‪ ،‬وامتنع عن العطر‪ ،‬أي‪ :‬أن معاييره قد تغيرت وليس في هذا‬
‫أدنى تناقض‪ ،‬بل هو علو في الحياة‪ ،‬ولذلك قال‪ :‬اشتاقت نفسي إلى المارة فقلت لها‪ :‬اقعدي يا‬
‫نفْسُ‪ ،‬فلما نلْ ُتهَا اشتاقت نفسي إلى الخلفة فنهيتها عن ذلك‪ ،‬فلما نلْتُها؛ أي نال الخلَفة‪ ،‬اشتاقت‬
‫نفسي إلى الجنة فسلكتُ كل طريق يؤدي إليها‪.‬‬

‫(‪)1260 /‬‬
‫شيْءٍ َقدِيرٌ (‬
‫عذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْ ِدلْ َق ْومًا غَيْ َركُ ْم وَلَا َتضُرّوهُ شَيْئًا وَاللّهُ عَلَى ُكلّ َ‬
‫إِلّا تَ ْنفِرُوا ُي َعذّ ْبكُمْ َ‬
‫‪)39‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أي‪ :‬إن لم تذهبوا إلى القتال فإن ال ينذركم بالعذاب‪ .‬وإذا أنذر الحق فل بد أن يتحقق ما أنذر به‪،‬‬
‫فأنتم إن لم تنفروا مخافة العذاب المظنون‪ ،‬وهو الرهاق والتعب‪ ،‬فما بالكم بالعذاب المحقق إن لم‬
‫تنفذوا أمر ال بال ّنفْرة إلى القتال؟ وإذا كانت المقارنة بين مشقة السفر والقتال والحر الشديد‪ ،‬وبين‬
‫عذاب ال‪ ،‬فالمؤمن سوف يختار ‪ -‬بل شك ‪ -‬مشقة الحرب مهما كانت؛ لن كل فعل إنما يكون‬
‫بقياس فاعله‪ ،‬فمظنة العذاب بالحر‪ ،‬أو مشقة السفر‪ ،‬وقسوة القتال ل يمكن قياسها بعذاب ال؛ لن‬
‫العذاب الذي ينتظر مَنْ يتباطأ أو يفِرّ من الزحف أكبر من مشقة الستجابة للزحف مهما كانت‬
‫مرهقة‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ { :‬وَيَسْتَ ْب ِدلْ َقوْما غَيْ َر ُكمْ } إذن‪ :‬فل تظنوا أنكم بتباطئكم؛ وعدم رغبتكم في‬
‫القتال ستضرون ال شيئا؛ لن ال قادر على أن يأتي بخلق جديد‪ ،‬وهو على ذلك قدير‪ ،‬لذلك‬
‫شيْءٍ قَدِيرٌ }‪ .‬وفي آية أخرى يقول الحق سبحانه‪ {:‬هَا أَن ُتمْ هَـا ُؤلَءِ‬
‫يقول‪ { :‬وَاللّهُ عَلَىا ُكلّ َ‬
‫ي وَأَنتُمُ‬
‫س ِه وَاللّهُ ا ْلغَ ِن ّ‬
‫خلُ عَن ّنفْ ِ‬
‫خلْ فَإِ ّنمَا يَبْ َ‬
‫ل َومَن يَبْ َ‬
‫خُ‬
‫عوْنَ لِتُن ِفقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ َفمِنكُم مّن يَبْ َ‬
‫تُدْ َ‬
‫ا ْلفُقَرَآ ُء وَإِن تَ َتوَّلوْاْ َيسْتَبْ ِدلْ َقوْما غَيْ َركُمْ ثُمّ لَ َيكُونُواْ َأمْثَاَلكُم }[محمد‪.]38 :‬‬
‫فل تظنوا أنكم بما معكم من ثراء أو قوة قادرون على عرقلة منهج ال بالبخل أو التخاذل؛ لنه‬
‫سبحانه قادر على أن يستبدلكم بقوم غيركم‪ ،‬يملكون حمية القتال والتضحية في سبيل ال؛ لنه‬
‫القادر فوق كل الخلق‪.‬‬
‫شيْءٍ قَدِيرٌ } هو حيثية للحكام التي سبقتها من قوله‪ِ { :‬إلّ تَنفِرُواْ‬
‫وقوله سبحانه‪ { :‬وَاللّهُ عَلَىا ُكلّ َ‬
‫عذَابا أَلِيما وَيَسْتَ ْب ِدلْ َقوْما غَيْ َركُ ْم َولَ َتضُرّوهُ شَيْئا } وإن ظن واحد منهم أن هذا كلم‬
‫ُيعَذّ ْبكُمْ َ‬
‫نظري‪ ،‬فالحق سبحانه يضرب لهم المثل العملي من الواقع الذي شاهدوه وعاصروه حينما اجتمع‬
‫كفار قريش ليقتلوه فنصره ال عليهم‪ ،‬فقال جل جلله‪ِ { :‬إلّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ َنصَ َرهُ اللّهُ ِإذْ أَخْ َرجَهُ‬
‫الّذِينَ َكفَرُواْ ثَا ِنيَ اثْنَيْنِ إِذْ ُهمَا فِي ا ْلغَارِ إِذْ َيقُولُ ِلصَاحِ ِب ِه لَ تَحْزَنْ إِنّ اللّهَ َمعَنَا‪} ...‬‬

‫(‪)1261 /‬‬
‫إِلّا تَ ْنصُرُوهُ فَقَدْ َنصَ َرهُ اللّهُ ِإذْ أَخْ َرجَهُ الّذِينَ َكفَرُوا ثَا ِنيَ اثْنَيْنِ ِإذْ ُهمَا فِي ا ْلغَارِ ِإذْ َيقُولُ ِلصَاحِبِهِ لَا‬
‫سفْلَى‬
‫ج َعلَ كَِلمَةَ الّذِينَ كَفَرُوا ال ّ‬
‫سكِينَتَهُ عَلَ ْي ِه وَأَيّ َدهُ ِبجُنُودٍ لَمْ تَ َروْهَا وَ َ‬
‫تَحْزَنْ إِنّ اللّهَ َمعَنَا فَأَنْ َزلَ اللّهُ َ‬
‫حكِيمٌ (‪)40‬‬
‫َوكَِلمَةُ اللّهِ ِهيَ ا ْلعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ َ‬

‫ووقف المستشرقون عند قول الحق سبحانه‪ِ { :‬إلّ تَنصُرُوهُ َفقَدْ َنصَ َرهُ اللّهُ } وكعادتهم ‪ -‬كمشككين‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫في السلم ‪ -‬نجدهم يبذلون جهدا كبيرا في محاولة التصيد لخطاء يتوهمونها في القرآن الكريم‬
‫فيقولون‪ :‬إن مهابة القرآن وقدسيته عندكم أيها المسلمون ل تُمكّن أذهانكم من الجراءة اللزمة‬
‫للبحث في أساليبه؛ لتكتشفوا ما فيه من الخلل‪ .‬ولكن إن نظرتم إلى القرآن ككتاب عادي ل قداسة‬
‫له سوف تجدون فيه التضارب والختلف‪.‬‬
‫وخصص المستشرقون بابا كبيرا للبحث في مجال النحو بالقرآن الكريم‪ ،‬وجاءوا إلى مسألة‬
‫الشرط والجزاء‪ ،‬ومن يقرأ نقدهم يتعرف فورا على حقيقة واضحة هي جهلهم بعمق أسرار اللغة‬
‫العربية‪ ،‬ول يملكون فيها مَلَكة أو حُسْن فهم‪ ،‬وقالوا‪ :‬إن أساليب الشرط في اللغة العربية تقتضي‬
‫وجود جواب لكل شرط‪ ،‬فإن قلت‪ :‬إن جاءك زيد فأكرمه‪ ،‬تجد الكرام يأتي بعد مجيء زيد‪ ،‬وإن‬
‫قلت‪ :‬إن تذاكر تنجح‪ ،‬فالنجاح يأتي بعد المذاكرة‪ .‬إذن‪ :‬فزمن الجواب متأخر عن زمن الشرط‪.‬‬
‫وهم قدموا كل تلك المقدمات ليشككونا في القرآن‪ .‬ونقول لهم‪ :‬إن كلمكم عن الشرط وجوابه‬
‫صحيح‪ ،‬ولكن افهموا الزائد‪ ،‬فحين نحقق في المر نجد أن الجواب سبب في الشرط؛ لنك حين‬
‫تقول‪ :‬إن تذاكر تنجح‪ ،‬فالطالب إن لم يستحضر امتيازات النجاح فلن يذاكر‪ ،‬بل ل بد أن يتصور‬
‫الطالب في ذهنه امتيازات النجاح ليندفع إلى المذاكرة‪ ،‬إذن‪ :‬فالجواب سبب دافع في الشرط‪ ،‬ولكن‬
‫الشرط سبب في الجواب ولكنه سبب واقع‪ ،‬فتصّور النجاح أولً هو سبيل لبذل الجهد في تحقيق‬
‫النجاح‪ ،‬وهكذا تكون الجهة منفكة؛ لن هذا سبب دافع‪ ،‬وهذا سبب واقع‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪ِ { :‬إلّ تَنصُرُوهُ } فعل مضارع‪ ،‬زمنه هو الزمن الحالي‪ ،‬ولكن الحق يتبع المضارع‬
‫بفعل ماضٍ هو‪َ { :‬فقَدْ َنصَ َرهُ اللّهُ } فهل يكون الشرط حاضرا ومستقبلً‪ ،‬والجواب ماضيا؟ ونقول‪:‬‬
‫إن المعنى‪ :‬إل تنصروه فسينصره ال‪ .‬بدليل أنه قد نصره قبل ذلك‪ .‬وهذا ليس جواب شرط‪،‬‬
‫وإنما دليل الجواب‪ ،‬فحين يكون دليل الجواب ماضيا‪ ،‬فهو أدل على الوثوق من حدوث الجواب‪،‬‬
‫فحين دعاهم ال لينفروا فتثاقلوا‪ ،‬أوضح لهم سبحانه‪ :‬أتظنون أن جهادكم هو الذي سينصر محمدا‬
‫وينصر دعوته؟ ل؛ لنه سبحانه قادر على نصره‪ ،‬والدليل على ذلك أن ال قد نصره من قبل في‬
‫مواطن كثيرة‪ ،‬وأهم موطن هو النصر في الهجرة‪ ،‬وقد نصره برجل واحد هو أبو بكر على‬
‫قريش وكل كفار مكة‪ ،‬وكذلك نصره في بدر بجنود لم تروها‪ ،‬إذن‪ :‬فسابقة النصر من ال لرسوله‬
‫سابقة ماضية‪ ،‬وعلى ذلك فليست هي الجواب‪ ،‬بل هي دليل الجواب‪.‬‬
‫ونرى في قوله تعالى‪ِ { :‬إلّ تَنصُرُوهُ َفقَدْ َنصَ َرهُ اللّهُ } أن نصر ال له ثلثة أزمنة‪ ،‬فـ { إِذْ }‬
‫جهُ الّذِينَ كَفَرُواْ ثَا ِنيَ اثْنَيْنِ إِذْ ُهمَا فِي ا ْلغَارِ إِذْ َيقُولُ‬
‫تكررت ثلث مرات‪ ،‬فسبحانه يقول‪ { :‬إِذْ َأخْرَ َ‬
‫ِلصَاحِبِهِ لَ َتحْزَنْ إِنّ اللّهَ َمعَنَا } أي‪ :‬أننا أمام ثلثة أزمنة‪ :‬زمن الخراج‪ ،‬وزمن الغار‪ ،‬والزمن‬
‫الذي قال فيه رسول ال صلى ال عليه وسلم لبي بكر‪ { :‬لَ تَحْزَنْ إِنّ اللّهَ َمعَنَا } ‪ ،‬وقد جاء‬
‫النصر في هذه الزمنة الثلثة؛ ساعة الخراج من مكة‪ ،‬وساعة دخل سيدنا رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم مع أبي بكر إلى الغار‪ ،‬وساعة حديثه مع أبي بكر‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ولسائل أن يسأل‪ :‬هل أخرج الكفار رسول ال من مكة‪ ،‬أم أن ال هو الذي أخرجه؟ ونقول‪ :‬إن‬
‫عناد قومه وتآمرهم عليه وتعنّتهم أمام دعوته‪ ،‬كل ذلك اضطره إلى الخروج‪ ،‬ولكن الحق أراد‬
‫بهذا الخروج هدفا آخر غير الذي أراده الكفار‪ ،‬فهم أرادوا قتله‪ ،‬وحين خرج ظنوا أن دعوته‬
‫سوف تختنق بالعزل عن الناس‪ ،‬فأخرجه ال لتنساح الدعوة‪ ،‬وأوضح لهم سبحانه‪ :‬أنتم تريدون‬
‫إخراج محمد بتعنتكم معه‪ ،‬وأنا لن أمكنكم من أن تخرجوه مخذولً‪ ،‬وسأخرجه أنا مدعوما‬
‫بالنصار‪ .‬وقالوا‪ :‬إن الهجرة توأم البعثة‪ .‬أي‪ :‬أن البعثة المحمدية جاءت ومعها الهجرة‪ ،‬بدليل "‬
‫أن رسول ال صلى ال عليه وسلم حينما أخذته أم المؤمنين خديجة رضي ال عنها إلى ورقة بن‬
‫نوفل‪ ،‬بعد ما حدث له في غار حراء‪ ،‬قال له ورقة‪ :‬ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك‪ .‬قال ورقة‬
‫بن نوفل ذلك لرسول ال قبل أن يتثبت من النبوة‪ ،‬فقال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ :‬أ ُمخْرجيّ‬
‫هم؟ قال ورقة بن نوفل‪ :‬نعم‪ ،‬لم يأت رجل بمثل ما جئت به إل عُودِي "‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالهجرة كانت مقررة مع تكليف رسول ال صلى ال عليه وسلم بالرسالة‪ ،‬لماذا؟ لنه صلى‬
‫ال عليه وسلم كان أول من أعلن على مسامع سادة قريش رسالة الحق والتوحيد‪ .‬ففكرة الهجرة‬
‫مسبقة مع البعثة؛ ولن البعثة هي الصيحة التي دوّت في آذان سادة قريش وهم سادة الجزيرة‪.‬‬
‫ولو صاحها في آذان قوم ليسوا من سادة العرب لقالوا‪ :‬استضعف قوما فصاح فيهم‪ ،‬ولكن صيحة‬
‫البلغ جاءت في آذان سادة الجزيرة العربية كلها‪ ،‬فانطلقوا في تعذيب المسلمين ليقضوا على هذه‬
‫الدعوة‪ .‬وشاء ال سبحانه وتعالى أل ينصره بقريش في مكة؛ لن قريشا ألفَتْ السيادة على‬
‫سلَ فيهم‪ :‬لقد تعصبتْ له‬
‫العرب‪ ،‬فإذا جاء رسول لهداية الناس عامة إلى السلم‪ ،‬لقال من أر ِ‬
‫قريش لتسود الدنيا كما سادت الجزيرة العربية‪ .‬فأراد الحق سبحانه أن يوضح لنا‪ :‬ل‪ .‬لقد كانت‬
‫الصيحة الولى في آذان سادة العرب‪ ،‬ول بد أن يكون نصر السلم والنسياح الديني ل من هذه‬
‫البلدة بل من بلد آخر؛ حتى ل يقال‪ :‬إن العصبية لمحمد هي التي خلقت اليمان برسالة محمد‬
‫صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫ولكن اليمان برسالة محمد هو الذي خلق العصبية لمحمد صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫ويلحظ في أمر الهجرة أن فعلها " هاجر "‪ .‬وهذا يدلنا على أن رسول ال صلى ال عليه وسلم لم‬
‫يهجر مكة‪ ،‬وإنما هاجر‪ ،‬والمهاجرة مفاعلة من جانبين‪ ،‬فكأن قومه أعنتوه فخرج‪ ،‬والخراج نفسه‬
‫فيه نصر؛ لن رسول ال صلى ال عليه وسلم خرج وحده من بيته؛ الذي أحاط به شباب أقوياء‬
‫من كل قبائل العرب ليضربوه ضربة رجل واحد‪ ،‬وينثر عليهم التراب فتغشى أبصارهم‪ ،‬وكان‬
‫أبو بكر رضي ال عنه ينتظره في الخارج‪ ،‬وكأن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يثبت لهم أنهم لن‬
‫ينالوا من محمد؛ ل بتآمر خفي‪ ،‬ول بتساند علني‪ .‬وهذا نصر من ال‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ويتابع الحق سبحانه‪ } :‬إِذْ ُهمَا فِي ا ْلغَارِ { ‪ ،‬ويتأكد في الغار نصر آخر‪ .‬ذلك أن قصاص الثر‬
‫الذي استعانت به قريش واسمه كرز بن علقمة من خزاعة قد تتبع الثر حتى جاء عند الغار‪،‬‬
‫وقال‪ :‬هذه محمد وهو اشبه بالموجود في الكعبة‪ ،‬أي أشبه بأثر قدم إبراهيم عليه السلم‪ ،‬ثم قال‪:‬‬
‫هذه قدم أبي بكر أو قدم ابنه وما تجتوزا هذا المكان‪ .‬وكان قصاص الثر يتعرف على شكل القدم‬
‫وأثره على الرض‪ .‬وأضاف‪ :‬إنهما ما تجاوزا هذا المكان‪ ،‬إل أن يكونا قد صعدا إلى السماء أو‬
‫دخل في جوف الرض‪ .‬وبالرغم من هذا التأكيد فإنهم لم يدخلوا الغار‪ ،‬ولم يفكر أحدهم أن يقلب‬
‫الحجر أو يفتش عن محمد وصاحبه‪ ،‬مع أن هذا أول ما كان يجب أن يتبادر إلى الذهن‪ ،‬فما دامت‬
‫آثار القدام قد انتهت عند مدخل الغار كان يجب أن يفتشوا داخله‪ .‬لكن أحدا لم يلتفت إلى ذلك‪.‬‬
‫وجاء واحد منهم وأخذ يبول‪ ،‬فجاء بعورته قبالة الغار‪ ،‬وهذا هو السبب في قول أبي بكر لرسول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم‪ :‬لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لرآنا‪.‬‬
‫فقال رسول ال صلى ال عليه وسلم بفطنة النبوة‪ :‬لو رأونا ما استقبلونا بعوراتهم وهذا دليل على‬
‫أن العربي كان يأنف أن تظهر عورته‪ ،‬أو هي كرامة لمحمد صلى ال عليه وسلم أل يُريه عورة‬
‫غيره‪ ،‬وليأخذها القارىء كما يأخذها‪ ،‬وهي على كل حال فيض إلهامي لرسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم‪ ،‬كذلك جعل الحق سبحانه العنكبوت ينسج خيوطه على مدخل الغار‪ ،‬وجعل الحمام يبني‬
‫عُشّا فيه بيض‪ ،‬وجعل سراقة بن مالك يقول‪ :‬ل يمكن أن يكون محمد وصاحبه دخل الغار‪ ،‬وإل‬
‫لكانا قد حطّما عُشّ الحمام‪ ،‬وهتكا نسيج العنكبوت‪.‬‬
‫ونحن نعلم أن أوهى البيوت هو بيت العنكبوت‪ ،‬فالحق سبحانه وتعالى يقول‪ {:‬وَإِنّ َأوْهَنَ الْبُيُوتِ‬
‫لَبَ ْيتُ ا ْلعَنكَبُوتِ َلوْ كَانُواْ َيعَْلمُونَ }[العنكبوت‪.]41 :‬‬
‫ويظهر العجاز اللهي هنا في‪ :‬أن ال سبحانه قد صد مجموعة كبيرة من المقاتلين القوياء‬
‫بأوهى البيوت‪ ،‬وهو بيت العنكبوت‪ ،‬وقدرة ال تجّلتْ في أن يجعل خيط العنكبوت أقوى من‬
‫الفولذ‪ ،‬وكذلك شاء الحق أن يبيض الحمام وهو أودع الطيور‪ ،‬وإنْ أهيجَ هاج‪.‬‬
‫وهذا نصر‪ ،‬ثم هناك نصر ثالث نفسي وذاتي‪ " ،‬فحين قال أبو بكر رضي ال عنه لرسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ :‬لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا‪ ،‬نجد رسول ال صلى ال عليه وسلم يرد‬
‫في ثقة بربه‪ " :‬ما ظنك باثنين ال ثالثهما "‪.‬‬
‫هذا الرد ينسجم مع سؤال أبي بكر؛ لن أبا بكر كان يخشى أنهم لو نظروا تحت أقدامهم لرأوا مَنْ‬
‫في الغار‪ ،‬وكان الرد الطبيعي أن يقال‪ " :‬لن يرونا " ‪ ،‬ولكن رسول ال صلى ال عليه وسلم أراد‬
‫أن يلفتنا لفتة إيمانية إلى اللزم العلى‪ ،‬فقال‪ " :‬ما ظنك باثنين ال ثالثهما " ‪ ،‬لنه ما دام رسول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم وأبو بكر في معية ال‪ ،‬وال ل تدركه البصار؛ فمن في معيته ل تدركه‬
‫البصار‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وتكون كلمة رسول ال صلى ال عليه وسلم الذي تعوّد أبو بكر منه الصدق في كل ما يقول‪،‬‬
‫تكون هي الحجة على صدق ما قال‪ ،‬فعندما قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ :‬إنه أسْرى به‬
‫إلى بيت المقدس وعُرِج به إلى السماء‪ ،‬قال أبو بكر‪ :‬إن كان قد قال فقد صدق‪ .‬فحين يقول‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم لبي بكر فيما يحكيه سبحانه‪ } :‬لَ َتحْزَنْ إِنّ اللّهَ َمعَنَا { ‪ ،‬فل بد‬
‫أن يذهب الحزن عن أبي بكر‪ ،‬وقد خشي سيدنا أبو بكر حين دخل الغار ووجد ثقوبا‪ ،‬خشي أن‬
‫يكون فيها حيات‪ ،‬أو ثعابين‪ ،‬فأخذ يمزق ثوبه ويسد به تلك الثقوب؛ حتى لم يَ ْبقَ من الثوب إل ما‬
‫يستر العورة‪ ،‬فسدّ الثقوب الباقية بيده وكعبه‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فأبو بكر يريد أن يفدي رسول ال صلى ال عليه وسلم بنفسه؛ لنه إن حدث شيء لبي بكر‬
‫فهو صحابي‪ ،‬أما إن حدث مكروه لرسول ال صلى ال عليه وسلم فالدعوة كلها تُهدم‪ .‬إذن‪ :‬فأبو‬
‫بكر لم يحزن عن ضعف إيمان‪ ،‬ولكنه حزن خوفا على رسول ال صلى ال عليه وسلم أن ُيصَابَ‬
‫بمكروه‪.‬‬
‫سكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيّ َدهُ بِجُنُودٍ لّمْ‬
‫ويأتي الحق سبحانه وتعالى فيقول‪ } :‬لَ َتحْزَنْ إِنّ اللّهَ َمعَنَا فَأَن َزلَ اللّهُ َ‬
‫تَ َروْهَا { اختلف العلماء في قوله تعالى } عَلَ ْيهِ { ‪ ،‬هل المقصود بها رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم؟ أو أن المقصود بها أبو بكر؟ وما دامت السكينة قد نزلت؛ فل بد أنه نزلت على قلب أصابه‬
‫الحزن‪ .‬ولكن العلماء يقولون‪ :‬إى الضمائر في اليات تعود على رسول ال صلى ال عليه وسلم‪،‬‬
‫فالحق قال‪ِ } :‬إلّ تَنصُرُوهُ { أي محمدا عليه الصلة والسلم‪ ،‬وسبحانه يقول‪ } :‬فَقَدْ َنصَ َرهُ اللّهُ‬
‫{ أي محمدا صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ويقول أيضا‪ِ } :‬إذْ أَخْ َرجَه { أي محمدا صلى ال عليه وسلم‪،‬‬
‫فكل الضمائر في الية عائدة على رسول ال صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫سكِينَتَهُ عَلَيْهِ { إذن‪ :‬فل بد أن يعود الضمير هنا‬
‫ثم يأتي قول ال سبحانه وتعالى‪ } :‬فَأَن َزلَ اللّهُ َ‬
‫أيضا على رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وأقول‪ :‬ولكن لماذا ل نلتفت إلى قول الحق سبحانه‬
‫وتعالى‪ } :‬إِذْ َيقُولُ ِلصَاحِبِ ِه لَ تَحْزَنْ إِنّ اللّهَ َمعَنَا { وهذا قول رسول ال؛ ول بد أن قوله يجعل‬
‫السكينة تنزل على قلب أبي بكر‪ .‬إذن‪ :‬فالضمير هنا عائد على أبي بكر‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه وتعالى‪ } :‬وَأَيّ َدهُ ِبجُنُودٍ لّمْ تَ َروْهَا { والعنكبوت والحمام مرئيان‪ ،‬وأول الجنود‬
‫غير المرئية هو أنه لم يخطر على بال القوم ول فكرهم أن ينظروا في الغار‪ ،‬مع أن آثار القدام‬
‫انتهت إليه‪ .‬لكن ال طمس على قلوبهم وصرفهم عن هذه الفكرة بالذات‪ ،‬ولم تخطر على بالهم‪ .‬ثم‬
‫جاء حدث آخر حين استطاع سراقة بن مالك وهو من الكفار أن يلحق برسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم وأبي بكر‪ ،‬وهما في طريقهما إلى المدينة‪ ،‬وكلما حاول القتراب منهما ابتلعت الرض قوائم‬
‫فرسه في الرمال‪ ،‬وعلى أية حال ما دام الحق سبحانه وتعالى قال‪ } :‬بِجُنُودٍ لّمْ تَ َروْهَا { وقال في‬
‫آية أخرى‪َ {:‬ومَا َيعَْلمُ جُنُودَ رَ ّبكَ ِإلّ ُهوَ }[المدثر‪.]31 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إذن‪ :‬فالجنود الذين سخرهم ال لرسوله صلى ال عليه وسلم ليحفظوه خلل الهجرة ل يعلمهم إل‬
‫ال‪ .‬وكل شيء في هذا الكون من جنود ال؛ فهو سبحانه وتعالى الذي سخر الكافر لخدمة اليمان‪،‬‬
‫ألم يكن دليل رسول ال صلى ال عليه وسلم في هجرته من مكة إلى المدينة هو عبد ال بن‬
‫أريقط‪ ،‬وكان ما زال على الكفر‪ ،‬فكأن ال سبحانه وتعالى يسخر له الكافر ليكون دليله في رحلته‬
‫من مكة إلى المدينة‪ .‬وهكذا عمل الكافر في خدمة اليمان‪ ،‬وفي الوقت نفسه فكل ما رصدتْه‬
‫قريش من جُعل لمن يدلّها على مكان رسول ال صلى ال عليه وسلم لم ُيغْرِ الدليل الكافر‬
‫بالخيانة‪ ،‬بل أدخل ال على قلب الكافر ما يجعله أمينا على رسول ال صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫سفْلَىا { ‪ ،‬ولقد أراد الكفار‬
‫ج َعلَ كَِل َمةَ الّذِينَ َكفَرُواْ ال ّ‬
‫الحق سبحانه يقول‪ } :‬وَأَيّ َدهُ ِبجُنُودٍ لّمْ تَ َروْهَا وَ َ‬
‫القضاء على الدعوة بقتل رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬أو َنفْيه بإخراجه إلى مكان بعيد‪ ،‬أو‬
‫سجنه‪ ،‬وأراد ال سبحانه وتعالى أن يلفتنا إلى أن الباطل ل يمكن أن يعلو على الحق‪ ،‬وأن الحق‬
‫سفْلَىا { ول يجعل ال‬
‫ج َعلَ كَِلمَةَ الّذِينَ َكفَرُواْ ال ّ‬
‫دائما هو العلى‪ ،‬ولذلك قال سبحانه وتعالى‪ } :‬وَ َ‬
‫عُلوّ‪.‬‬
‫كلمة الكفار السفلى إل إذا كانت في وقت ما في ُ‬
‫وإن كان عُلوها هو علو الزّبَدِ على الماء الذي قال عنه الحق سبحانه وتعالى‪ {:‬فََأمّا الزّ َبدُ فَيَذْ َهبُ‬
‫جفَآ ًء وََأمّا مَا يَنفَعُ النّاسَ فَ َي ْم ُكثُ فِي الَ ْرضِ }[الرعد‪.]17 :‬‬
‫ُ‬
‫سمَآءِ مَآءً فَسَاَلتْ َأوْدِيَةٌ ِبقَدَ ِرهَا }[الرعد‪.]17 :‬‬
‫ولقد ضرب ال هذا المثل فقال‪ {:‬أَنَ َزلَ مِنَ ال ّ‬
‫أي‪ :‬أن كل وادِ أخذ ما قدره ال له من الماء‪ {.‬فَاحْ َت َملَ السّ ْيلُ زَبَدا رّابِيا }[الرعد‪.]17 :‬‬
‫وهذا نلحظه عندما يحدث سيل‪ ،‬ونجده يأخذ معه القَشّ والقاذورات التي لها كثافة قليلة؛ لتطفو‬
‫على سطح الماء‪ ،‬ولكن أتظل عليه؟‪ .‬ل‪ ،‬بل تُطرد إلى الجوانب بقوة التيار ويبقى الماء نظيفا‪ .‬ثم‬
‫جفَآ ًء وََأمّا مَا يَنفَعُ‬
‫طلَ فََأمّا الزّ َبدُ فَيَ ْذ َهبُ ُ‬
‫ق وَالْبَا ِ‬
‫حّ‬
‫يقول الحق سبحانه وتعالى‪ {:‬كَذاِلكَ َيضْ ِربُ اللّهُ الْ َ‬
‫النّاسَ فَ َي ْم ُكثُ فِي الَ ْرضِ }[الرعد‪.]17 :‬‬
‫إذن‪ :‬فالحق سبحانه وتعالى يخبرنا أن كلمة الكفار كانت في عُُلوّ كالزّبَد‪ ،‬ولكن‪ :‬لماذا أوجد ال‬
‫علوا ولو مؤقتا للكفر؟ أراد الحق ذلك حتى إذا جاء السلم وانتصر على الكفر يكون قد انتصر‬
‫ج َعلَ كَِلمَةَ الّذِينَ‬
‫على شيء عال فيجعله أسفل؛ ولذلك جاء ال سبحانه وتعالى بالمقابل وقال‪َ } :‬و َ‬
‫سفْلَىا َوكَِلمَةُ اللّهِ ِهيَ ا ْلعُلْيَا { ‪ ،‬فالنسق الدائي في القرآن كان ل بد أن يتم على أساس؛‬
‫َكفَرُواْ ال ّ‬
‫سفْلَىا َوكَِلمَةُ اللّهِ ِهيَ ا ْلعُلْيَا {؛ لن كلمة ال دائما‬
‫ج َعلَ كَِلمَةَ الّذِينَ َكفَرُواْ ال ّ‬
‫لذلك جاء القول‪ } :‬وَ َ‬
‫جعْلً‪ ،‬فهي لم تكن في أي وقت من الوقات إل وهي‬
‫وأبدا هي العليا‪ ،‬وليست كلمة ال عُلْيَا َ‬
‫العليا‪ .‬ولهذا لم يعطفها بالنصب؛ لن كلمة الحق سبحانه وتعالى هي العليا دائما وأبدا وأزلً‪.‬‬
‫وإن كان الكفار قد أرادوا قتل رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬أو أن يخرجوه إلى مكان بعيد ل‬
‫يستطيع فيه أن يمارس دعوته‪ ،‬أو يحبسوه‪ ،‬فإنهم لم يظفروا بشيء من هذا؛ لن ال عزيز ل‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يُغَلبُ‪ ،‬وعِزّته مبنية على الحكمة‪.‬‬
‫وهنا يريد الحق سبحانه وتعالى أن يلفت المؤمنين إلى أن تثاقلهم عن الجهاد في غزوة تبوك لن‬
‫يضر الدعوة شيئا؛ لن ال قد نصر رسوله وهو وحده‪ ،‬ونصره بجنود لم يَ َروْهَا‪ ،‬فإذا كان النصر‬
‫ل يحتاج إل لكلمة ال‪ ،‬ول يتم إل بإرادة ال‪ ،‬فلماذا إذن التثاقل؟‬
‫سكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ‪{ ...‬‬
‫خفَافا وَثِقَالً وَجَاهِدُواْ بَِأ ْموَاِلكُ ْم وَأَ ْنفُ ِ‬
‫ويقول سبحانه بعد ذلك‪ } :‬ا ْنفِرُواْ ِ‬

‫(‪)1262 /‬‬
‫سكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَِلكُمْ خَيْرٌ َلكُمْ إِنْ كُنْ ُتمْ َتعَْلمُونَ (‪)41‬‬
‫خفَافًا وَ ِثقَالًا وَجَا ِهدُوا بَِأ ْموَاِلكُمْ وَأَنْفُ ِ‬
‫ا ْنفِرُوا ِ‬

‫وهكذا يفتح الحق باب الوصول إليه؛ ليهبّوا إلى نصرة الرسول ويزيل الضباب من أذهانهم‪ ،‬ويفتح‬
‫لهم باب الوصول إليه لنهم خلق ال وعياله‪ ،‬فهو سبحانه يريد منهم أن يكونوا جميعا مهديين‪،‬‬
‫وأن يشاركوا في ُنصْرة الدعوة إليه‪.‬‬
‫والقتال في سبيل ال قد يكون مشقة في ظاهر المر‪ ،‬ولكنه َي َهبُ الدعوة انتشارا واستقرارا‪ .‬وحين‬
‫يقوم المسلمون بنصر الدعوة إلى ال‪ ،‬ففي هذا القيام مغفرة وتوبة‪ ،‬وهو رحمة من ال بهم‪.‬‬
‫ورسول ال صلى ال عليه وسلم هو القائل‪:‬‬
‫" ال أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره وقد أضله في أرض فلة "‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه وتعالى في حديث قدسي‪ " :‬قالت السماء‪ :‬يا ربي إئذن لي أن أسقط كِسَفا على‬
‫طعِمَ خيرك ومنع شكرك‪ ،‬وقالت البحار‪ :‬يا رب إئذن لي أن أغرِقَ ابن آدم لنه‬
‫ابن آدم؛ لنه َ‬
‫طعِم خيرك ومنع شكرك‪ ،‬وقالت الرض مثلهما "‪.‬‬
‫َ‬
‫فماذا قال الحق سبحانه وتعالى؟ قال‪ " :‬دعوني وعبادي‪ ،‬لو خلقتموهم لرحمتموهم‪ ،‬إنْ تابوا إليّ‬
‫فأنا حبيبهم‪ ،‬وإنْ لم يتوبوا فأنا طبيبهم "‪.‬‬
‫وهكذا نرى رحمة ال بخلقه‪.‬‬
‫وبعد أن لم الحق سبحانه المسلمين؛ لنهم لم يتحمسوا للجهاد‪ ،‬يفتح أمامهم باب التوبة فقال‪:‬‬
‫{ ا ْنفِرُواْ } أي‪ :‬اخرجوا للقتال‪ ،‬وهذا أمر من ال يوقظ به سبحانه اليمان في قلوب المسلمين‪،‬‬
‫وفي الوقت نفسه يفتح أمامهم باب التوبة لتباطئهم عن الخروج للقتال في غزوة تبوك‪ .‬ولذلك قال‪:‬‬
‫خفَافا وَ ِثقَالً } والنفرة‪ :‬هي الخروج إلى شيء بمهيج عليه‪ ،‬والمثال‪ :‬هو التباعد بين‬
‫{ ا ْنفِرُواْ ِ‬
‫إنسان وصديق له كان بينهما وُدّ‪ ،‬ثم حدث من هذا الصديق سلوك أو قول يُهيج على الخروج‬
‫عليه‪ ،‬فينفر منه النسان‪ .‬والحق سبحانه هنا يأمر‪ { :‬ا ْنفِرُواْ } والذي يهيج على النفور هو رفعة‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫خفَافا‬
‫دين ال وكلمته‪ ،‬وحين ترفعون كلمة ال إنما يفتح لكم باب الرتفاع بها فقال‪ { :‬ا ْنفِرُواْ ِ‬
‫وَثِقَالً }‪ .‬والخفيف‪ :‬هو الصحيح السليم القوي الذي ل تتبعه ول ترهقه الحركة‪ .‬والثقيل‪ :‬هو‬
‫المريض أو كبير السن‪.‬‬
‫وال يريد من الجميع أن يسارعوا إلى القتال؛ لينجوا من العذاب الليم‪ ،‬وينالوا توبته ورضاه‪.‬‬
‫ولكن الصحيح خفيف الحركة يمكنه أن يقاتل‪ ،‬فماذا يفعل المريض؟ يفعل مثلما فعل سيدنا سعيد‬
‫بن المسيّب وكان مريضا‪ ،‬إذ قالوا له‪ :‬إن ال أعفاك من الخروج إلى المعركة في قوله تعالى‪{:‬‬
‫ج َولَ عَلَى ا ْلمَرِيضِ حَرَجٌ }[الفتح‪.]17 :‬‬
‫ج َولَ عَلَى الَعْرَجِ حَرَ ٌ‬
‫عمَىا حَرَ ٌ‬
‫لّيْسَ عَلَى الَ ْ‬
‫فقال‪ :‬وال أكَثّرُ سواد المسلمين وأحرس متاعهم‪.‬‬
‫ومن الممكن أن يكون المريض متميزا بالذكاء وصحة العقل‪ ،‬ويمكن أن ُيسْتشار في مسألة ما‪.‬‬
‫وقد يكون المريض أسْوة في قومه‪ ،‬فإذا خرج للقتال هاج قومه وخرجوا معه‪ ،‬ويمكن أن يكون‬
‫المريض أو الضعيف حافزا للقوياء على القتال‪.‬‬
‫فحين يرى القوياء المريض وهو يخرج للقتال؛ فإنهم يخجلون أن يتخلفوا هم‪.‬‬
‫خفَافا وَثِقَالً { فبعضهم قال‪ :‬إن هذه إشارة إلى‬
‫واختلف العلماء في تفسير قوله تعالى‪ } :‬ا ْنفِرُواْ ِ‬
‫ذات النسان‪ ،‬فهناك ذات خفيفة وذات ثقيلة في الوزن ل تستطيع الحركة بسهولة‪ ،‬وقال آخرون‪:‬‬
‫خفَافا‬
‫إن الفرد الواد يمكن أن يكون فيه الوضعان‪ ،‬وقوله تعالى‪ } :‬ا ْنفِرُواْ { هو أمر للجماعة‪ ،‬و } ِ‬
‫{ جمع " خفيف " ‪ ،‬و } ِثقَالً { جمع " ثقيل " ‪ ،‬ومقابلة الجمع بالجمع تقتضي القسمة إلى آحاد‪.‬‬
‫والمعنى‪ :‬أن ينفر كل واحد من المسلمين سواء كان خفيفا أم ثقيلً‪ .‬وسبق أن ضربنا المثل حينما‬
‫يدخل الستاذ على الطلبة ويقول‪ :‬أخرجوا كتبكم‪ ،‬ومعنى هذا المر أن يُخرج كل تلميذ كتابه‪ ،‬وإن‬
‫قلت‪ :‬اركبوا سياراتكم‪ ،‬فمعنى ذلك أن يركب كل واحد منكم سيارته‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالية تعني‪ :‬لينفر كل واحد منكم سواء كان ثقيلً أم خفيفا‪.‬‬
‫ولكن‪ :‬كيف يكون النسان ثقيلً وخفيفا في وقت واحد؟ نقول‪ :‬يكون خفيفا أي‪ :‬ذا نشاط للجهاد‪،‬‬
‫وثقيلً أي‪ :‬أنه سيدخل في مشقّة تجعل المهمة ثقيلة على نفسه‪ .‬وال سبحانه وتعالى يقول‪ {:‬كُ ِتبَ‬
‫ل وَ ُهوَ كُ ْرهٌ ّل ُكمْ }[البقرة‪.]216 :‬‬
‫عَلَ ْيكُمُ ا ْلقِتَا ُ‬
‫والدخول فيما هو مكروه في سبيل ال أمر يرفع درجات اليمان‪ .‬إذن‪ :‬فالية تحتمل أكثر من‬
‫معنى‪ ،‬فهي تحمل المعنى العام‪ :‬أن يكون البعض خفيفا والبعض ثقيلً في ذاته‪ ،‬أو‪ :‬أن يجمع‬
‫القتال بين الخفة في الحركة والثقل في المشقة‪ ،‬أو‪ :‬أن يكون الذي يملك دابة هو الخفيف؛ لن‬
‫الدابة تزيل المشقة وأسرع في الطريق‪ ،‬والثقيل هو من يجاهد ماشيا؛ لنه سيتحمل طول المسافة‪.‬‬
‫وساعة يشحن الحق سبحانه وتعالى قلوب المؤمنين‪ ،‬فهو يطلب منهم ما يكلفهم به بقوة‪ ،‬ثم تتجلى‬
‫رحمته فيخفف التكليف‪ .‬ولو جاء الحكم خفيفا في أول التشريع‪ ،‬ثم يُصعّد؛ فإن هذا المر يكون‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫صعبا على النفس‪ ،‬ولكن عندما يأتي الحكم ثقيلً‪ ،‬ثم يخفف يكون أقرب إلى النفس‪ ،‬والمثال في‬
‫قول الحق سبحانه وتعالى لرسوله صلى ال عليه وسلم‪ {:‬ياأَ ّيهَا النّ ِبيّ حَ ّرضِ ا ْل ُمؤْمِنِينَ عَلَى ا ْلقِتَالِ‬
‫ن وَإِن َيكُنْ مّنكُمْ مّئَةٌ َيغْلِبُواْ أَلْفا مّنَ الّذِينَ َكفَرُواْ }‬
‫عشْرُونَ صَابِرُونَ َيغْلِبُواْ مِئَتَيْ ِ‬
‫إِن َيكُن مّنكُمْ ِ‬
‫[النفال‪.]65 :‬‬
‫وهنا يعطي الحق مقياسا لقدرة المؤمن بالنسبة للكافر‪ .‬فالعشرون يغلبون مائتين‪ ،‬أي‪ :‬أن النسبة‬
‫هي واحد من المؤمنين إلى عشرة من الكافرين‪ ،‬ولذلك فعندما نزلت هذه الية كان على المؤمن‬
‫الواحد أن يقتل عشرة من الكافرين‪ ،‬لكن الحق سبحانه وتعالى قد علم أن هذا المر شديد على‬
‫نفوس المؤمنين بأن يواجه المؤمن الواحد عشرة من الكفار‪ ،‬فإنه ل يقدر على ذلك إل أولو العزم‪،‬‬
‫ضعْفا }[النفال‪.]66 :‬‬
‫خ ّففَ اللّهُ عَنكُ ْم وَعَِلمَ أَنّ فِيكُ ْم َ‬
‫فقال سبحانه‪ {:‬النَ َ‬
‫وما دام هناك ضعف فل بد أن يُخفف المر بالنسبة للمؤمنين في مواجهة الكفار أثناء القتال‪ .‬ونقل‬
‫الحق سبحانه وتعالى النسبة من‪ :‬واحد إلى عشرة‪ ،‬إلى‪ :‬واحد إلى اثنين‪ ،‬فقال سبحانه وتعالى‪{:‬‬
‫ن وَإِن َيكُن مّنكُمْ‬
‫ضعْفا فَإِن َيكُنْ مّنكُمْ مّئَ ٌة صَابِ َرةٌ َيغْلِبُواْ مِئَتَيْ ِ‬
‫خ ّففَ اللّهُ عَنكُ ْم وَعَِلمَ أَنّ فِيكُ ْم َ‬
‫النَ َ‬
‫أَ ْلفٌ َيغْلِبُواْ أَ ْلفَيْنِ بِِإذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصّابِرِينَ }[النفال‪.]66 :‬‬
‫لذلك‪ :‬مَنْ فَرّ من قتال اثنين يكون قد فَرّ من الزحف‪ ،‬ولكن إن فرّ من مواجهة ثلثة ل يُحسب‬
‫فَارا؛ لنهم أكثر من النسبة التي قررها ال‪.‬‬
‫خفَافا وَ ِثقَالً { هو أمر يشمل الجميع‬
‫وقول الحق في الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها } ا ْنفِرُواْ ِ‬
‫على اختلف أشكالهم‪ ،‬أي‪ :‬أنها تحمل أمرا عاما لكافة المسلمين‪ .‬ولكن هناك قول آخر في سورة‬
‫التوبة‪ ،‬أعفى بعض حالت معينة من المؤمنين الذين أخلصوا قلوبهم ل‪ ،‬فيقول سبحانه‪ {:‬لّيْسَ‬
‫صحُواْ للّهِ‬
‫ضعَفَآ ِء َولَ عَلَىا ا ْلمَ ْرضَىا وَلَ عَلَى الّذِينَ لَ َيجِدُونَ مَا يُن ِفقُونَ حَرَجٌ إِذَا َن َ‬
‫عَلَى ال ّ‬
‫حمَِلهُمْ قُ ْلتَ‬
‫غفُورٌ رّحِيمٌ * َولَ عَلَى الّذِينَ إِذَا مَآ أَ َت ْوكَ لِتَ ْ‬
‫ل وَاللّهُ َ‬
‫حسِنِينَ مِن سَبِي ٍ‬
‫وَرَسُولِهِ مَا عَلَى ا ْلمُ ْ‬
‫جدُواْ مَا يُ ْنفِقُونَ }[التوبة‪-91 :‬‬
‫حمُِلكُمْ عَلَيْهِ َتوَّلوْا وّأَعْيُ ُنهُمْ َتفِيضُ مِنَ ال ّدمْعِ حَزَنا َألّ يَ ِ‬
‫لَ أَجِدُ مَآ أَ ْ‬
‫‪.]92‬‬
‫أي‪ :‬ليس على هؤلء الذين جاءت اليتان الكريمتان بذكرهم أيّ حرج في أن يقعدوا عن القتال‪.‬‬
‫وكان هذا هو الستثناء من القاعدة العامة التي فرضت على كل مؤمن أن يقاتل في سبيل ال‪،‬‬
‫وهو ما جاءت به الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها‪:‬‬
‫سكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ { والمال هو الذي يجعلك تُعدّ‬
‫ل وَجَا ِهدُواْ بَِأ ْموَاِلكُمْ وَأَنْفُ ِ‬
‫خفَافا وَ ِثقَا ً‬
‫} ا ْنفِرُواْ ِ‬
‫السلح للحرب‪ ،‬وحين يذهب الجيش إلى القتال ل بد أن يكون مُزوّدَا بالسلح‪ ،‬وبالمركبات وهي‬
‫مثل الخيل على زمن رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وأيضا ل بد من الزاد الذي يكفي ليام‬
‫القتال‪ ،‬لذلك جاء ال سبحانه وتعالى بذكر المال أولً‪ ،‬ثم بعذ ذلك ذكر النفس والرواح‪ ،‬ومن‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يملك القوة والمال فعليه أن يجاهد بهما‪ ،‬ومن يملك عنصرا من الثنين؛ القوة أو المال‪ ،‬فعليه أن‬
‫يجاهد به‪ .‬فإن كان ضعيفا فعليه أن يعين بماله القوي القادر على القتال بأن يوفر له السلحة‬
‫والخيول والدروع وغير ذلك من وسائل القتال‪.‬‬
‫وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى‪ } :‬وَجَاهِدُواْ { ‪ ،‬و " جاهد " و " قاتل " مبنية على المفاعلة‪،‬‬
‫بمعنى‪ :‬إن قاتلك واحد من الكفار‪ ،‬فل بد أن تبذل كل جهدك في قتاله‪ ،‬و " جاهد " مثل " شارك‬
‫عمْرا‪ ،‬وقاتل زيد عمرا؟ إذن‪ :‬فهناك‬
‫" ‪ ،‬فهل تقول‪ :‬شارك زيد ثم تسكت‪ ،‬أم تقول‪ :‬شارك زيد َ‬
‫مفاعلة‪.‬‬
‫ولكن الحق سبحانه وتعالى يقول في آية أخرى‪ {:‬يَا أَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُو ْا َوصَابِرُو ْا وَرَابِطُواْ‬
‫وَاتّقُواْ اللّهَ َلعَّلكُمْ ُتفْلِحُونَ }‬
‫[آل عمران‪.]200 :‬‬
‫وهذا القول هو أمر بالصبر على القتال‪ .‬ولكن َهبْ أن عدوك صبر مثلك‪ ،‬هنا يأتي أمر آخر من‬
‫الحق سبحانه وتعالى‪َ } :‬وصَابِرُواْ { أي‪ :‬اغلبه في الصبر بأن تصبر أكثر منه‪ .‬وكذلك } وَجَاهِدُواْ‬
‫{ أي‪ :‬اغلبوهم في الجهاد‪ ،‬بأن تجاهدوا أكثر منهم‪.‬‬
‫سكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ { وسبيل ال هو‪:‬‬
‫ونعود إلى قول الحق سبحانه وتعالى‪ } :‬وَجَاهِدُواْ بَِأ ْموَاِلكُ ْم وَأَ ْنفُ ِ‬
‫الطريق الموصل إلى الغاية التي هي رضا ال والجنة‪ .‬ثم يقول الحق سبحانه وتعالى‪ } :‬ذاِلكُمْ‬
‫خَيْرٌ ّل ُكمْ { ‪ ،‬و " ذا " اسم إشارة ويشير إلى المفرد المستفاد من قوله تعالى‪َ } :‬وجَاهِدُواْ بَِأ ْموَاِلكُمْ‬
‫س ُكمْ { إذن‪ :‬فـ " ذا " تشير إلى الجهاد بالمال والنفس‪ ،‬و } ّلكُمْ { تشير للخطاب؛ لن الحق‬
‫وَأَنْفُ ِ‬
‫سبحانه وتعالى يخاطب جماعة‪.‬‬
‫وبعض من ل يفهم اللغة يقول‪ } :‬ذاِل ُكمْ { كلمة واحدة خطابا أو إشارة‪ ،‬ونقول لهم‪ :‬ل‪ ،‬بل هي‬
‫كلمتان؛ إشارة وخطاب‪ .‬والشارة هنا لشيء واحد‪ ،‬والخطاب لجماعة‪ .‬ومثال هذا أيضا قول الحق‬
‫سبحانه على لسان امرأة العزيز في قصة يوسف عندما جمعت امرأة العزيز النسوة‪ ،‬وأخرجت‬
‫يوسف عليهن‪ ،‬وصارت هناك جماعة من النسوة‪ ،‬وهناك يوسف ‪ -‬أيضا ‪ {:-‬فَذاِلكُنّ الّذِي ُلمْتُنّنِي‬
‫فِيهِ }[يوسف‪.]32 :‬‬
‫و " ذا " المقصود بها يوسف‪ ،‬و " لكُنّ " هن‪ :‬النسوة المخَاطَبات‪.‬‬
‫عوْنَ َومَلَئِهِ }[القصص‪:‬‬
‫ومثال آخر أيضا هو قول الحق سبحانه‪ {:‬فَذَا ِنكَ بُرْهَانَانِ مِن رّ ّبكَ إِلَىا فِرْ َ‬
‫‪.]32‬‬
‫و " ذان " إشارة لثنين‪ ،‬وهما معجزتان من معجزات موسى عليه السلم؛ العصا واليد البيضاء‪،‬‬
‫وحرف الكاف للمخاطب وهو موسى عليه السلم‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فقول الحق‪ } :‬ذاِلكُمْ { في الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها مكون من كلمتين‪ :‬الشارة‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لواحد والخطاب لجماعة‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬ذاِل ُكمْ خَيْرٌ {‪ ..‬عن أي خير يتحدث سبحانه؟‬
‫إن نفرتم وجاهدتم بأموالكم وأنفسكم فهو خير‪ ،‬ول بد أن يكون خيرا من مقابل له‪ .‬والمقابل له هو‬
‫القعود عن الجهاد بأموالكم وأنفسكم‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالجهاد خير من القعود‪.‬‬
‫وكلمة } خَيْرٌ { تستعمل في اللغة استعمالين؛ الستعمال الول أن يراد بها الخير العام‪ ،‬كقوله‬
‫تعالى‪َ {:‬فمَن َي ْعمَلْ مِ ْثقَالَ ذَ ّرةٍ خَيْرا يَ َرهُ * َومَن َيعْـ َملْ مِ ْثقَالَ ذَ ّرةٍ شَرّا يَ َرهُ }[الزلزلة‪.]8-7 :‬‬
‫ويكون مقابلها في هذه الحالة هو الشر‪ .‬ومرة تأتي " خير " بمعنى " أفعل التفضيل " ‪ ،‬كأن تقول‪:‬‬
‫هذا خير من هذا‪ .‬وفي هذه الحالة يكون كل من المرين خيرا‪ ،‬ولكن أحدهما أفضل من الخر‪،‬‬
‫ب إلى ال من المؤمن‬
‫مثل قول رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ " :‬المؤمن القوي خَيْرٌ وأح ّ‬
‫الضعيف‪ ،‬وفي ُكلّ خير "‬
‫فإن جاءت " خير " دون أن تسبقها " من " فالمراد بها المقابل لها‪ ،‬وهو " الشر "‪.‬‬
‫ونجد بعضا من أساتذة اللغة العربية يقولون‪ :‬عندما تستخدم كلمة " خير " كأفعل تفضيل ل تقل‪" :‬‬
‫خير " ‪ ،‬بل قل‪ " :‬الخير " ‪ ،‬ولكن اللفظ المستخدم هنا هو " خير " ‪ ،‬فإن اس ُت ْعمِل في أفعل‬
‫التفضيل فهو يعطي الصفة الزائدة لواحد دون الثاني‪ ،‬والثنان مشتركان في الخيرية‪.‬‬
‫وعلى سبيل المثال " كان عند رسول ال صلى ال عليه وسلم عبد اسمه زيد بن حارثة اشترته‬
‫خديجة رضي ال عنها‪ ،‬وأهدته لرسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وعرف أبو زيد وعمه مكانه‬
‫فذهبا إلى مكة ليروه‪ ،‬فقال له رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ " :‬فأنت قد علمت ورأيت محبتي لك‬
‫فاخترني أو اخترهما "‪ .‬فقال زيد‪ :‬ما أنا بالذي أختار عليك أحدا‪ ،‬أي‪ :‬أنه اختار أن يبقى مع‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم ول يذهب مع أهله‪ ،‬فأراد رسول ال صلى ال عليه وسلم أن‬
‫يكافئه؛ فألحقه بنفسه وقال‪ " :‬يا من حضر اشهدوا أن زيدا ابني يرثني وأرثه " وكان التبني مباحا‬
‫عند العرب‪ ،‬وأراد الحق أن يُلغي التبني وأن يطبق رسول ال هذا اللغاء بنفسه‪ ،‬فجاء قول الحق‬
‫حدٍ مّن رّجَاِل ُك ْم وَلَـاكِن رّسُولَ اللّهِ }[الحزاب‪.]40 :‬‬
‫حمّدٌ أَبَآ أَ َ‬
‫سبحانه وتعالى‪ {:‬مّا كَانَ مُ َ‬
‫سطُ عِندَ اللّهِ‬
‫وهكذا أنهى الحق سبحانه وتعالى التبني‪ ،‬وقال سبحانه وتعالى‪ {:‬ادْعُوهُ ْم لبَآ ِئهِمْ ُهوَ َأقْ َ‬
‫}[الحزاب‪.]5 :‬‬
‫سطُ { يعني " أعدل " ‪ ،‬كأن الحق سبحانه وتعالى لم يَنْف عن رسوله صلى ال عليه وسلم‬
‫و } َأقْ َ‬
‫العدل‪ ،‬ولكنه أنزل ما هو أعدل‪ .‬إذن‪ :‬فساعة ترى أَفعل التفضيل؛ فاعلم أنه يعطي الصفة الزائدة‬
‫ويُبقي الصفة الصلية‪ .‬وفي الية التي نحن بصددها } ذاِلكُمْ خَيْرٌ { ومقابلها‪ :‬أن القعود عن الجهاد‬
‫بالمال والنفس شر‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يقول الحق سبحانه‪ } :‬ذاِل ُكمْ خَيْرٌ ّلكُمْ إِن كُن ُتمْ َتعَْلمُونَ { إذن‪ :‬فهناك موازين نعرف بها ما هو خير‬
‫وما هو شر‪ ..‬وحينما قال الحق‪ } :‬إِن كُنتُمْ َتعَْلمُونَ { فكأن هناك مقدمات للعلم‪ ،‬فإن لم يكونوا‬
‫يعلمون؛ فال يعلمهم‪ ،‬ذلك أن الذي يجاهد بماله ونفسه يكون قد اقتنع بيقين أنه سوف يحصل من‬
‫الجهاد على ما هو خير من المال والنفس‪ .‬وأيضا‪ :‬إن قُتل فهو باستشهاده صار أسوة حسنة لمن‬
‫يأتي بعده‪ .‬وحين أوضح سيدنا رسول ال صلى ال عليه وسلم أنه من يقاتل صابرا محتسبا يدخل‬
‫الجنة‪ ،‬جاء له صحابي في فمه تمرة يمضغها فيقول‪ :‬أليس بيني وبين أن أدخل الجنة إل أن أقاتل‬
‫فيقتلوني؟ فلما أجاب النبي صلى ال عليه وسلم‪ :‬نعم‪ .‬استبطأ الصحابي أن يضيع مضغ التمرة‬
‫وقتا‪ ،‬وأن يتأخر عن القتال بسببها‪ ،‬فرماها من فمه وقاتل حتى استشهد‪ .‬وكان هذا دليلً على أنه‬
‫واثق تمام الثقة أن الستشهاد يعطيه جزاءً أعلى بكثير مما ترك‪.‬‬
‫ثم بعد ذلك يعود الحق سبحانه وتعالى إلى الذين يتثاقلون عن الجهاد ليصفي المسائل كلها‪ ،‬فيقول‬
‫شقّةُ‪{ ...‬‬
‫سفَرا قَاصِدا لّتّبَعُوكَ وَلَـاكِن َبعُ َدتْ عَلَ ْي ِهمُ ال ّ‬
‫جل جلله‪َ } :‬لوْ كَانَ عَرَضا قَرِيبا وَ َ‬

‫(‪)1263 /‬‬
‫طعْنَا‬
‫شقّ ُة وَسَ َيحِْلفُونَ بِاللّهِ َلوِ اسْ َت َ‬
‫سفَرًا قَاصِدًا لَاتّ َبعُوكَ وََلكِنْ َبعُ َدتْ عَلَ ْيهِمُ ال ّ‬
‫َلوْ كَانَ عَ َرضًا قَرِيبًا وَ َ‬
‫سهُ ْم وَاللّهُ َيعَْلمُ إِ ّنهُمْ َلكَاذِبُونَ (‪)42‬‬
‫لَخَ َرجْنَا َم َعكُمْ ُيهِْلكُونَ أَ ْنفُ َ‬

‫والعَ َرضُ هو ما يقابل الجوهر‪ ،‬والجوهر هو ما ل تطرأ عليه أغيار‪ ،‬فالصحة عَرَض والمرض؛‬
‫لن كليهما ل يدوم‪ ،‬إذن فكل ما يتغير يسمى عَ َرضٌ حاضر يأكل منها البَرّ والفاجر‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فقول الحق سبحانه وتعالى‪َ { :‬لوْ كَانَ عَرَضا قَرِيبا } أي‪ :‬لو كان أمرا من متاع سهل‬
‫سفَرا‬
‫التناول‪ ،‬ومحببا للنفس؛ وليس فيه مشقة السفر والتضحية بالمال والنفس؛ لسرعوا إليه‪ { .‬وَ َ‬
‫قَاصِدا } ‪ ،‬والقاصد هو المقتصد الذي في الوسط؛ وبعض الناس يسرف في الكسل‪ ،‬فل يستنبط‬
‫الخير من السعي في الرض ومما خلق ال‪ ،‬وبعض الناس يسرف في حركة الدنيا ويركض‬
‫كركض الوحوش في البرية‪ ،‬ول يكون له إل ما قسمه ال‪ .‬وأمزجة الناس تتراوح ما بين‬
‫السراف والتقتير‪ ،‬أما المؤمن فعليه أن يكون من المة المقتصدة‪ .‬والحق هو القائل‪ {:‬مّ ْنهُمْ ُأمّةٌ‬
‫ّمقْتَصِ َدةٌ }[المائدة‪.]66 :‬‬
‫لن المؤمن ل يأخذه الكسل فيفقد خير الدنيا‪ ،‬ول يأخذه السراف فينسى اليمان‪ .‬إذن‪ :‬فالحق‬
‫سبحانه وتعالى يوضح لرسوله صلى ال عليه وسلم أنه لو كان هناك متاع من متاع الدنيا أو سفر‬
‫بل مشقة ول تعب لتبعوك‪ ،‬فهم لم يتبعوك؛ لنه ليست هناك مغانم دنيوية؛ لن هناك مشقة‪،‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فالرحلة إلى تبوك‪ ،‬ومقاتلة الروم‪ ،‬وهم أصحاب الدولة المتحضرة التي تضع رأسها برأس دولة‬
‫عسْر والحر شديد‪ ،‬ولو أن المر سهل مُيسّر لتبعوك‪.‬‬
‫الفرس‪ ،‬وهذه أيضا مشقة‪ ،‬والعام ُ‬
‫شقّةُ } أي‪ :‬أن المشقة طويلة‪ ،‬ثم يقول‪ { :‬وَسَ َيحِْلفُونَ بِاللّهِ‬
‫ويتابع سبحانه‪ { :‬وَلَـاكِن َبعُ َدتْ عَلَ ْي ِهمُ ال ّ‬
‫طعْنَا لَخَ َرجْنَا َم َعكُمْ } هم إذن لم يتبعوك؛ لن المسألة ليست عرضا قريبا ول سفرا سهلً‪،‬‬
‫َلوِ اسْ َت َ‬
‫بل هي رحلة فيها أهوال‪ ،‬وتضحيات بالمال والنفس‪ ،‬وحين تعود من القتال سوف يحلفون لك؛‬
‫أنهم لو استطاعوا لخرجوا معكم للقتال‪.‬‬
‫وقد قال الحق ذلك قبل أن تأتي أوان الحلف‪ ،‬وهذه من علمات النبوة؛ لكي يعرف رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم المنافقين مِنْ صادقي اليمان‪ .‬وسبحانه وتعالى يفضح غباء المنافقين؛ لذلك‬
‫حِلفُونَ بِاللّهِ } واستخدام حرف السين هنا يعني أنهم لم يكونوا قد قالوها بعد‪ ،‬ولكنهم‬
‫قال‪ { :‬وَسَيَ ْ‬
‫سيقولونها في المستقبل‪ ،‬ولو أنهم تنبهوا إلى لم يكونوا قد قالوها بعد‪ ،‬ولكنهم سيقولونها في‬
‫المستقبل‪ ،‬ولو أنهم تنبهوا إلى ذلك لمتنعوا عن الحلف‪ .‬ولقالوا‪ :‬إن القرآن قال سنحلف‪ ،‬ولكننا لن‬
‫نحلف‪ .‬ولكن ال أعماهم فحلفوا‪ ،‬وهكذا يأتي خصوم السلم ليشهدوا ‪ -‬رغم أنوفهم ‪ -‬للسلم‪.‬‬
‫حوّلت القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة الشريفة؛ قال الحق‬
‫ومثال آخر على نفس المر؛ عندما ُ‬
‫سفَهَآءُ مِنَ النّاسِ مَا َولّهُمْ عَن قِبْلَ ِتهِمُ الّتِي كَانُواْ عَلَ ْيهَا }[البقرة‪.]142 :‬‬
‫سبحانه وتعالى‪ {:‬سَ َيقُولُ ال ّ‬
‫وقوله هنا { سَ َيقُولُ } معناها أنهم لم يقولوا بعد‪ ،‬وإل ما استخدم فيها حرف السين‪.‬‬
‫وهذه الية نزلت في القرآن يتلى ول يتغير ول يتبدل إلى يوم القيامة‪ ..‬ورغم أنه كان في‬
‫استطاعتهم أل يقولوا ذلك القول‪ ،‬ولو فعلوا لساهموا في التشكيك بمصداقية القرآن‪ ،‬ولهدموا قضية‬
‫الدين التي يتمنون هدمها‪ ،‬ولكنهم مع ذلك قالوا‪ } :‬مَا وَلّ ُهمْ عَن قِبْلَ ِتهِمُ { وجاءوا مثبتين ومُصدّقين‬
‫للقرآن‪.‬‬
‫وفي هذه اليام نجد شيئا عجيبا؛ نجد من يقول‪ :‬أنا ل أتبع إل ما جاء في القرآن‪ ،‬أما السنة فلستُ‬
‫مطالبا باللتزام بها‪ .‬وتقول لمن يردد هذا الكلم‪ :‬كم عدد ركعات الصبح وركعات الظهر‬
‫والعصر والمغرب والعشاء؟ وسوف يرد قائلً‪ :‬صلة الصبح ركعتان‪ ،‬والظهر أربع‪ ،‬والعصر‬
‫أربع‪ ،‬والمغرب ثلث‪ ،‬والعشاء أربع‪ .‬ونقول‪ :‬من أين أتيت بهذا؟ يقول‪ :‬من السنة‪.‬‬
‫نقول‪ :‬إذن فل بد من اتباع السنة حتى تستطيع أن تصلي‪ ،‬ولن تفهم التطبيق العملي لكثير من‬
‫الحكام إل باتباع السنة‪.‬‬
‫ويجبر الحق سبحانه هذا الذي يحارب سنة رسول ال صلى ال عليه وسلم ويدعو إلى عدم‬
‫اللتزام بها؛ يجبره سبحانه على العتراف بضرورة اتباع السنة‪ ،‬وبهذا يصدق قول رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫" يوشك الرجل يتكىء على أريكته يُحدّث بحديثي‪ ،‬فيقول‪ :‬بيني وبينكم كتاب ال‪ ،‬فما وجدنا فيه‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫حللً استحللناه‪ ،‬وما كان فيه حراما ح ّرمْناه‪ ،‬وإن ما حرم رسول ال صلى ال عليه وسلم كما‬
‫حرم ال "‪.‬‬
‫طعْنا في الكتاب‪ ،‬ولكنهم من حيث ل يدرون أكدوا صدق رسول ال صلى ال‬
‫وقد قالوا ذلك القول َ‬
‫عليه وسلم‪ ،‬فهم لم يمتلكوا الذكاء؛ لن الذكاء الذي ل يهدي لليمان هو لون من الغباء وعَمى‬
‫البصيرة‪ ،‬وكذلك كان حال من حلفوا بعدم استطاعتهم الخروج للقتال؛ فقد سبقهم قول ال‪} :‬‬
‫طعْنَا َلخَرَجْنَا َم َعكُمْ { وجاءوا من بعد ذلك وحلفوا؛ ليؤكدوا صدق القرآن‪.‬‬
‫وَسَيَحِْلفُونَ بِاللّهِ َلوِ اسْتَ َ‬
‫وهم في حلفهم يدّعون عدم استطاعتهم للقتال‪ ،‬مع أن لديهم المال والقدرة‪.‬‬
‫سهُمْ وَاللّهُ َيعْلَمُ إِ ّنهُمْ َلكَاذِبُونَ { وما داموا قد حلفوا بال كذبا‪ ،‬فقد‬
‫ويقول الحق عنهم‪ُ } :‬يهِْلكُونَ أَ ْنفُ َ‬
‫أدخلوا أنفسهم في الهلك‪ ،‬فهم لم يكتفوا بعدم الجهاد؛ بل كذبوا وفضح ال كذبهم‪.‬‬
‫عفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ َأذِنتَ َلهُمْ حَتّىا يَتَبَيّنَ َلكَ‪{ ...‬‬
‫ويقول الحق بعد ذلك‪َ } :‬‬

‫(‪)1264 /‬‬
‫ن صَ َدقُوا وَ َتعْلَمَ ا ْلكَاذِبِينَ (‪)43‬‬
‫عفَا اللّهُ عَ ْنكَ ِلمَ أَذِ ْنتَ َلهُمْ حَتّى يَتَبَيّنَ َلكَ الّذِي َ‬
‫َ‬

‫عفَا } تدل على أن هناك أثرا قد مُحي؛ تماما كما يمشي إنسان في الرمال؛ ف ُتحْدِث أقدامه‬
‫وكلمة { َ‬
‫أثرا‪ ،‬ثم تأتي الريح فتمل مناطق هذا الثر بالرمال وتزيله‪ .‬وهي تُطلق في الدين على محو ال‬
‫سبحانه وتعالى لذنوب عباده فل يعاقبهم عليها‪ .‬وما دام النسان قد استغفر من ذنبه وقال‪ :‬أستغفر‬
‫ال الذي ل إله إل هو الحي القيوم وأتوب إليه‪ ،‬فل يجب أن يحرجه أحد بعد ذلك‪ ،‬ول أن يعايره‬
‫أحد‪ ،‬فقد استغفر عند من يملك الملك كله‪ ،‬وهو وحده سبحانه الذي يملك العفو والمغفرة‪ ،‬فل‬
‫ن يملك‬
‫يُ ْدخِلنّ أحدكم نفسه في هذه المسألة‪ ،‬ول يجب أن يحرج إنسان مذنبا ما دام قد استغفر مَ ْ‬
‫العفو‪ ،‬ومن يسمع مستغفرا عليه أن يقول‪ :‬عفا ال عنك‪ .‬ول أحد يعرف إن كان ال قد عفا عنه أم‬
‫ل‪ ،‬فَلْ ُتعِ ْنهُ بالدعاء له‪ ،‬ومن يعاير مذنبا نقول له‪ :‬تأدب؛ لنه لم يرتكب الذنب عندك‪ ،‬ولكنه ارتكبه‬
‫عند ربه‪ ،‬وإذا كان من يستغفر من ذنبه ل يُحرج به بين الناس‪ ،‬فما بالنا بعفو ال سبحانه القادر‬
‫وحده على العفو‪.‬‬
‫وهنا يقدم الحق سبحانه العفو عن رسول ال صلى ال عليه وسلم الذي أذن لهم بالقعود عن‬
‫القتال‪ ،‬ثم يأتي القرآن من بعد ذلك ليؤكد أن ما فعله رسول ال بالذن لهم بالقعود كان صوابا‪،‬‬
‫فيقول في موضع آخر من نفس السورة‪َ {:‬لوْ خَرَجُواْ فِيكُم مّا زَادُوكُمْ ِإلّ خَبَالً }[التوبة‪.]47 :‬‬
‫إذن‪ :‬فلو أنهم خرجوا لكانوا سببا في الهزيمة‪ ،‬ل من أسباب النصر‪ .‬وص ّوبَ الحق عمل الرسول‪،‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وهو صلى ال عليه وسلم له العصمة‪.‬‬
‫وهنا نحن أمام عفو من ال‪ ،‬على الرغم من عدم وجود ذنب يُعفى عنه‪ ،‬وهنا أيضا إذن من‬
‫الرسول لهم بالقعود‪ ،‬ونزل القرآن ليؤكد صوابه‪.‬‬
‫وهناك من فهم قول الحق‪ِ { :‬لمَ أَذِنتَ َل ُهمْ } على أنها استفهام استنكاري‪ ،‬وكأن الحق يقول‪ :‬كيف‬
‫أذِ ْنتَ لهم بالعفو؟‬
‫إذن‪ :‬فرسول ال بين أمرين‪ :‬بين عفو ل يُ ْذكَرُ بعده ذنب‪ ،‬واستفهام يفيد عند البعض النكار‪.‬‬
‫ونقول‪ :‬إن الحق سبحانه وتعالى أيّد رسوله صلى ال عليه وسلم بقوله‪َ {:‬لوْ خَ َرجُواْ فِيكُم مّا‬
‫زَادُوكُمْ ِإلّ خَبَالً }[التوبة‪.]47 :‬‬
‫ي إلى المر بفطرته اليمانية‪ ،‬وقد أشار القرآن إلى ذلك؛ ليوضح لنا أن‬
‫فكأن الرسول قد ُه ِد َ‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم معصوم وفطرته سليمة‪ ،‬وكان عليه أن يقدم البيان العقلي للناس؛‬
‫لنه السوة حتى ل يأتي من بعده واحد من عامة الناس ليفتي في مسألة دينية ويقول‪ :‬أنا رأيت‬
‫بفطرتي كذا‪ ،‬بل ل بد أن يتبين النسان ما جاء في القرآن والسنة قبل أن يفتي في أمر من أمور‬
‫الدين‪.‬‬

‫(‪)1265 /‬‬
‫سهِ ْم وَاللّهُ عَلِيمٌ بِا ْلمُ ّتقِينَ (‪)44‬‬
‫لَا يَسْتَ ْأذِ ُنكَ الّذِينَ ُي ْؤمِنُونَ بِاللّ ِه وَالْ َيوْمِ الْآَخِرِ أَنْ يُجَا ِهدُوا بَِأ ْموَاِلهِ ْم وَأَ ْنفُ ِ‬

‫ويلفتنا سبحانه‪ :‬أن الذين طلبوا ذلك الذن بالقعود فضحوا أنفسهم‪ ،‬فقد استأذنوا بعد مجيء المر‬
‫خفَافا وَ ِثقَالً } ‪ ،‬وكل مؤمن بال واليوم الخر ‪ -‬في تلك الظروف ‪ -‬ل يمكن أن‬
‫من ال { ا ْنفِرُواْ ِ‬
‫يتخلف عن الجهاد في سبيل ال‪ .‬والمؤمن الحق لن يقدم العذار ليتخلف‪ ،‬حتى وإن كانت عنده‬
‫أعذار حقيقية‪ ،‬بل سيحاول إخفاءها عن رسول ال صلى ال عليه وسلم ليخرج معه مجاهدا بل إنه‬
‫يسرع إلى الجهاد‪ ،‬حتى ولو كان ال قد أعطاه رخصة بعدم الجهاد‪.‬‬
‫عيَ‬
‫وهذه الية ‪ -‬إذن ‪ -‬تحمل التوبيخ للذين استأذنوا‪ ،‬بل وتحمل أكثر من ذلك‪ ،‬فالمؤمن إذا دُ ِ‬
‫للجهاد مع رسول ال صلى ال عليه وسلم وبأمر من ال ل يكون تفكيره كالشخص العادي؛ لن‬
‫النسان في المور العادية إذا طُِلبَ منه شيء أدار عقله وفكره؛ هل يفعله أو ل يفعله؟ ولكن‬
‫المؤمن إذا دُعِي للجهاد في سبيل ال‪ ،‬ومع رسول ال‪ ،‬وبأمر من ال؛ ل يدور في عقله الجواب‪،‬‬
‫ول تأتي كلمة " ل " على خاطره أبدا‪ ،‬بل ينطلق في طريقه إلى الجهاد‪.‬‬
‫وكيف يكون المر بالخروج إلى القتال صادرا من ال‪ ،‬ثم يتحجج هؤلء بالستئذان بعدم الخروج؟‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إذن‪ :‬فمجرد الستئذان دليل على اهتزاز اليمان في قلوبهم؛ لن الواحد منهم في هذه الحالة قد‬
‫أدار المسألة في عقله‪ ،‬يخرج للجهاد أو ل يخرج‪ ،‬ثم اتخذ قرارا بالتخلف‪ .‬والغريب أن هؤلء‬
‫استأذنوا رسول ال صلى ال عليه وسلم في عدم الخروج‪ ،‬مع أن أمر الجهاد صادر من ال‬
‫سبحانه وتعالى‪ ،‬ولم تكن المسألة تحتاج إلى أن يأذن لهم الرسول بالتخلف‪ .‬إل أنهم كانوا يبحثون‬
‫عن عذر يحتمون به‪.‬‬
‫والمثال من حياتنا اليومية أننا نجد أولد البلد يسخرون من البخيل الذي ل يكرم ضيفه ويدّعي أنه‬
‫سيكرمه‪ ،‬فتجده ينادي ابنه ويقول له أمام الضيف‪ :‬انزل إلى السوق وابحث لنا عن خروف نذبحه‬
‫للضيف ول تتأخر فنحن منتظرون عودتك‪ ..‬وما إن يقول الضيف أدبا منه‪ :‬ل‪ .‬تجد البخيل‬
‫يصرف ابنه‪ .‬ويتخذ من رفض الضيف أدبا منه‪ :‬ل‪ .‬تجد البخيل يصرف ابنه‪ .‬ويتخذ من رفض‬
‫الضيف حجة لعدم إكرامه‪ ،‬وكأنه يريد ذلك‪ ،‬ولكن الواقع يقول‪ :‬إنه ل يريده من أول المر‪.‬‬
‫ونعلم جميعا أن النسان ل يستأذن في إكرام ضيوفه‪ .‬والمثال‪ :‬هو إبراهيم عليه السلم عندما‬
‫جاءته الملئكة في هيئة رجال‪ ،‬وأراد أن يكرمهم فلم يستأذنهم في أن يذبح لهم عجلً‪ ،‬بل جاء به‬
‫إليهم مذبوحا ومشويا‪ ،‬هذا سلوك مَنْ أراد إكرام الضيف بذبيحة فعلً‪ ،‬أما مَنْ يريد أن يبحث عن‬
‫العذر‪ ،‬فهو يتخذ أساليب مختلفة يتظاهر فيها بالتنفيذ‪ ،‬بينما هو في حقيقته ل يريد أن يفعل‪ ،‬مثلما‬
‫يقال لضيف‪ :‬أتشرب القهوة أم أنت ل تحبها؟ أو يقال له‪ :‬هل تريد تناول العشاء أم تحب أن تنام‬
‫خفيفا؟ أو يقال‪ :‬هل تحب أن تنام عندنا أن تنام في الفندق‪ ،‬وهو أكثر راحةً لك؟‬
‫وما دام هناك من سأل الرسول‪ :‬أأخرج معك للقتال أم أقعد‪ ،‬فهذا السؤال يدل على التردد‪،‬‬
‫واليمان يفترض يقينا ثابتا؛ لن التردد يعني الشك‪ ،‬وهو الذهاب والرجوع على التوالي‪ ،‬وهو‬
‫يعني أن صاحب السؤال متردد؛ لن طرفي الحكم عنده سواء‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالمؤمنون بال ل يستأذنون رسول ال صلى ال عليه وسلم إذا دُعوا إلى الجهاد؛ لن مجرد‬
‫الستئذان في الخروج إلى الجهاد ل يليق بمؤمن‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬وَاللّهُ عَلِيمٌ بِا ْلمُ ّتقِينَ { أي‪ :‬أن ال يعلم ما في صدورهم من تقوى‪ ،‬فهم إنْ خدعوا‬
‫الناس‪ ،‬فلن يستطيعوا خداع ال؛ لنه مُطّلع على ما تُخفي الصدور‪.‬‬

‫(‪)1266 /‬‬
‫إِ ّنمَا يَسْتَ ْأذِ ُنكَ الّذِينَ لَا ُي ْؤمِنُونَ بِاللّهِ وَالْ َيوْمِ الْآَخِ ِر وَارْتَا َبتْ قُلُو ُبهُمْ َفهُمْ فِي رَيْ ِبهِمْ يَتَرَدّدُونَ (‪)45‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ثم يُنزِل ال حكمه في هؤلء فيقول‪:‬‬
‫ن لَ ُي ْؤمِنُونَ بِاللّهِ وَالْ َيوْمِ الخِ ِر وَارْتَا َبتْ قُلُو ُبهُمْ َفهُمْ فِي رَيْ ِبهِمْ يَتَ َردّدُونَ }‬
‫{ إِ ّنمَا َيسْتَأْذِ ُنكَ الّذِي َ‬
‫وهكذا أصدر ال حكمه فيمن أقدموا على الستئذان‪ ،‬فما دام النسان قد تردد بين أن يخرج للجهاد‬
‫أو ل يخرج‪ ،‬فهذا يكشف عن اهتزاز إيمانه‪ ،‬وهذا الهتزاز يعني وجود شك في نفسه‪ ،‬فيما أعد‬
‫ال له في الخرة؛ لنه إذا كان واثقا في داخله يقينا أنه سيدخل الجنة بل حساب إنْ استشهد‪ ،‬ما‬
‫تردد ثانية واحدة‪ ،‬ول أدار المر في رأسه هل يذهب أو ل يذهب؟ فما دامت الجن هي الغاية‪،‬‬
‫فأيّ طريق مُوصل إليها يكون هو الطريق الذي يتبعه مَنْ في قلبه يقين اليمان‪ ،‬وكلما كان‬
‫الطريق أقصر كان ذلك أدعى إلى فرح النسان المؤمن؛ لنه يريد أن ينتقل من شقاء الدنيا إلى‬
‫نعيم الخرة‪ ،‬وحتى لو كان يحيا في نعيم في الدنيا‪ ،‬فهو يعرف أنه نعيم زائل وهو ل يريد هذا‬
‫النعيم الزائل‪ ،‬بل يريد النعيم الباقي الذي ل يزول‪.‬‬
‫والتردد والستئذان هنا معناهما‪ :‬أن الشك قد دخل في قلب النسان‪ ،‬ومعنى الشك ‪ -‬كما نعلم ‪-‬‬
‫هو وجود أمرين متساويين في نفسك ل يرجح أحدهما حتى تتبعه‪ .‬والنسب الكلمية والقضايا‬
‫العقلية تدور بين أشياء متعددة‪ ،‬فأنت حين تجزم بحكم فل بد أن يكون له واقع يؤيده؛ لنك إن‬
‫جزمتَ بشيء ل واقع له فهذا جهل‪ ،‬والجهل ‪-‬كما نعلم‪ -‬أن نعتقد أن شيئا ما هو حقيقة‪ ،‬وهو‬
‫غير ذلك ول واقع له‪ .‬فإذا أنت على سبيل المثال قلت‪ :‬إن الرض مبسوطة‪ ،‬ثم جاءوا لك‬
‫بصورة الرض كروية وأصررت على أنها مبسوطة‪ ،‬فهذا جهل وإصرار عليه‪ .‬وفرق بين‬
‫الجاهل والمي‪ ،‬فالمي الذي لم يكن يعرف أن الرض كروية‪ ،‬ثم علم حقيقة العلم وصدقها فهو‬
‫مذ عرف الواقع صدقه وآمن به‪ .‬ولكن الجاهل يؤمن بما يخالف الواقع‪ .‬فإن جئت له بالحقيقة أخذ‬
‫يجادل فيها مُصرا على رأيه‪ .‬ولذلك نجد مصيبة الدنيا كلها ليست من الميين‪ ،‬ولكن من الجهلة‬
‫لن المي يحتاج إلى مجهود فكري واحد‪ ،‬أن تنقل له المعلومة فيصدقها‪ ،‬أما الجاهل فإقناعه‬
‫يقتضي مجهودين‪ :‬الجهد الول‪ :‬أن تخرج ما في عقله من معلومات خاطئة‪ ،‬وأوهام ليست‬
‫موجودة في الواقع‪ ،‬والجهد الثاني‪ :‬أن تقنعه بالحقيقة‪.‬‬
‫وإذا كان هناك واقع في الحياة تستطيع أن تدلل عليه فهذا هو العلم‪ .‬فإن لم تستطع التدليل عليه‬
‫فهذا هو التلقين‪ ،‬والمثال‪ :‬أننا حين نُلقن الطفل الصغير أن ال أحد‪ ،‬وهو لم يبلغ السن التي‬
‫تستطيع عقليا أن تدلل له فيها على ذلك‪ .‬ولكنك قلت له‪ :‬إن ال أحد‪ ،‬وجزم بها الطفل‪ ،‬وهذه‬
‫حقيقة واقعة‪ ،‬ولكنه ل يستطيع أن يدلل عليها‪.‬‬
‫وهو في هذه الحالة يُقلد أباه أو أمه أو مَنْ لقنه هذا الكلم حتى ينضج عقله ويستطيع أن يدلل على‬
‫ما اعتقده في صغره بالتلقين‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إذن‪ :‬فالعلم يقتضي أن تؤمن بقضية واقعية عليها دليل‪ ،‬ولكن إن كنت لم تصل إلى مرحلة الجزم؛‬
‫تكون في ذهنك نسبتان؛ وليست نسبة واحدة‪ .‬فإن لم ترجع نسبة على الخرى‪ ،‬فهذا هو الشك‪.‬‬
‫وإن ظننتَ أنت أن إحداهما راجحة فهذا هو الظن‪ ،‬فإن أخذت بالنسبة غير الراجحة فهذا هو‬
‫الوهم‪.‬‬
‫ن لَ ُي ْؤمِنُونَ بِاللّهِ وَالْ َيوْمِ الخِرِ { ولو استقر في‬
‫الحق سبحانه وتعالى يقول‪ } :‬إِ ّنمَا َيسْتَأْذِ ُنكَ الّذِي َ‬
‫قلوبهم اليمان اليقيني بال واليوم الخر‪ ،‬وأن مَردّهم إلى ال سبحانه وتعالى‪ ،‬وأنهم سوف‬
‫يحاسبون على ما قدموا‪ ،‬واعتبروا أن تضحيتهم بالمال والنفس عمل قليل بالنسبة للجزاء الكبير‬
‫الذي ينتظرهم في الخرة‪ ،‬لو كان المر كذلك لنا استأذنوا‪ ،‬ولكن ما دام الشك قد دخل قلوبهم‬
‫فمعنى هذا أن هناك ريبة في أمر ملقات ال في اليوم الخر‪ .‬وهل هذا المر حقيقة يقينية؟‬
‫ولنهم يرتابون في هذه المسألة فهل يضحون بأموالهم وأنفسهم من أجل ل شيء‪ ،‬ولذلك يقول‬
‫عنهم الحق سبحانه وتعالى‪ } :‬وَارْتَا َبتْ قُلُو ُبهُمْ {‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالرتياب محله القلب‪ ،‬والعلم أيضا محله القلب‪ ،‬ويمر كل من الرتياب والعلم علىالعقل؛‬
‫لن العقل هو الذي يُصفّى مثل تلك المسائل بعد أن يستقبل المحسّات ويناقش المقدمات والنتائج‪،‬‬
‫فإن صفّى العقل هذه المور واستقر على اليمان‪ ،‬هنا يصبح اليمان قضية يقينية ثابتة مستقرة‬
‫في القلب‪ ،‬ول تطفو مرة أخرى إلى العقل لتُناقَش من جديد‪ ،‬ولذلك س ّموْها عقيدة‪ ،‬أي عقدت‬
‫الشيء حتى يستقر في مكانه ول يتزحزح‪.‬‬
‫إن الطفل ‪ -‬مثلً ‪ -‬إنْ قرّب يده إلى شيء مشتعل فأحس بلسعة النار‪ .‬هنا يعرف أن النار محرقة‬
‫ول يحاول تكرار نفس التجربة‪ ،‬ول يناقشها في عقله ليقول‪ :‬لن تلسعني النار في هذه المرة‪ ،‬بل‬
‫تستقر في ذهنه المسألة‪ ،‬وتنتقل من قضية حسية إلى قضية عقدية ل تخضع للتجربة من جديد ول‬
‫يحتاج فيها إلى دليل‪.‬‬
‫وهنا يقول الحق سبحانه‪ } :‬وَارْتَا َبتْ قُلُو ُبهُمْ { ‪ ،‬وفي آية أخرى يقول سبحانه‪ } :‬خَ َتمَ اللّهُ عَلَىا‬
‫قُلُوبِهمْ { والقلب هو محل القضايا التي انتهت من مرحلة التفكير العقلي‪ ،‬وصارت قضايا ثابتة ل‬
‫يبحثها العقل من جديد‪.‬‬
‫وقوله هنا‪ } :‬وَارْتَا َبتْ قُلُو ُبهُمْ { معناه‪ :‬أن اليمان عندهم لم يصل إلى المرتبة التي ل يطفو فيها‬
‫مرة أخرى للتفكير العقلي‪ ..‬أيؤمن أو ل؟‪ ،‬أي‪ :‬لم يصل إلى مرتبة اليقين‪ ،‬بل ما زال في مرحلة‬
‫الشك الذي يعيد القضايا من القلب إلى العقل لمناقشتها من جديد‪ ،‬ولذلك يصفهم الحق سبحانه‬
‫وصفا دقيقا فيقول‪َ } :‬فهُمْ فِي رَيْ ِبهِمْ يَتَرَدّدُونَ { أي‪ :‬أن اليمان عندهم يتردد بين العقل والقلب‪،‬‬
‫فينزل إلى القلب ثم يطفو إلى العقل ليُناقَشَ من جديد‪ ،‬ثم ينزل إلى القلب مرة أخرى‪ ،‬وهكذا يتردد‬
‫المر بين العقل والقلب‪ ،‬ول يستقر في مكان‪ ،‬وهم بذلك على غير يقين من الخرة‪ ،‬وما أعدّ ال‬
‫لهم فيها من جزاء‪ .‬ويشكّون في لقاء ال في اليوم الخر‪ .‬ويدور كل ذلك في نفوسهم‪ ،‬ولكنه ل‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يصل إلى مرتبة اليقين‪.‬‬
‫ويريد ال سبحانه وتعالى أن يوضح لنا الصورة أكثر فيقول‪ } :‬وََلوْ أَرَادُواْ ا ْلخُرُوجَ لَعَدّواْ لَهُ‪{ ..‬‬

‫(‪)1267 /‬‬
‫طهُ ْم َوقِيلَ ا ْقعُدُوا مَعَ ا ْلقَاعِدِينَ (‪)46‬‬
‫ع ّد ًة وََلكِنْ كَ ِرهَ اللّهُ انْ ِبعَا َثهُمْ فَثَبّ َ‬
‫عدّوا لَهُ ُ‬
‫وََلوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَ َ‬

‫ففي ترددهم دللة على أنهم ل يريدون الخروج للجهاد؛ ولو كانوا عازمين بالفعل على ذلك‬
‫لعدوا ما يلزمهم للحرب من الزاد الراحلة والسلح‪ ،‬ولكنهم لم يفعلوا شيئا من هذا قط؛ لنهم‬
‫افتقدوا النية الصادقة للجهاد في سبيل ال بأموالهم وأنفسهم‪.‬‬
‫ولقائل أن يقول‪ :‬ألم يكن من الجائز أن يعدوا كل شيء للقتال في آخر لحظة؟ نقول‪ :‬ل‪ ،‬فالذاهب‬
‫إلى القتال ل يمكن أن يستعد في آخر لحظة‪ .‬بل ل بد أن يشغل نفسه بمقدمات الحرب من سلح‬
‫وزاد وراحلة وغير ذلك‪ ،‬ولو لم يشغل نفسه بهذه المسائل قبل الخروج بفترة وتأكد من صلحية‬
‫سلحه للقتال؛ ووجود الطعام الذي سيحمله معه؛ وغير ذلك‪ ،‬لما استطاع أن يخرج مقاتلً‪ .‬فليست‬
‫المسألة بنت اللحظة‪ .‬بل كان عدم استعدادهم للقتال ُي َعدّ كشفا للخميرة المبيّتة في أعماقهم بأل‬
‫يخرجوا‪ ،‬وسبحانه قد اطلع علة نواياهم‪ ،‬وما تُخْفى صدورهم‪ ،‬وقد جازاهم بما أخفوا في أنفسهم‪.‬‬
‫لذلك يقول‪:‬‬
‫ط ُه ْم َوقِيلَ ا ْقعُدُواْ مَعَ ا ْلقَاعِدِينَ } وسبحانه وتعالى ل يحتاج إلى أحد‬
‫{ وَلَـاكِن كَ ِرهَ اللّهُ ان ِبعَا َثهُمْ فَثَبّ َ‬
‫من خلقه‪ ،‬بل الخلق هم الذين في احتياج دائم إليه سبحانه؛ لذلك ثبط هؤلء عن الخروج‪ ،‬وكره‬
‫سبحانه خروجهم للقتال‪ ،‬و " ثبطهم " أي جعلهم في مكانهم‪ ،‬ولم يقبل منهم أن يعدوا العدة للقتال‬
‫كراهية منه سبحانه أن يخرجوا بنشاط إلى القتال‪ .‬والكره‪ :‬عملية وجدانية‪ .‬والتثبيط‪ :‬عملية‬
‫نزوعية‪.‬‬
‫وأضرب هذا المثل دائما ‪ -‬ول المثل العلى ‪ -‬أنت ترى الوردة‪ ،‬فتدرك بعينيك جمالها‪ ،‬فإنْ‬
‫مددتَ يدك إليها لتقطفها‪ ،‬هنا يتدخل الشرع ليقول لك‪ :‬ل؛ لن هذا نزوع إلى ما ل تملك‪ .‬وإن‬
‫أردت أن تحوز وردة مثلها‪ ،‬فإما أن تشتريها وإما أن تزرع مثلها‪ ،‬إذن‪ :‬فالمشرع يتدخل ‪ -‬فقط ‪-‬‬
‫في العمال النزوعية‪.‬‬
‫وكراهية ال لنزوعهم تجّلتْ في تثبيطهم وخذلهم وردّهم عن الفعل‪ ،‬وزيّن لهم في نفوسهم أل‬
‫يخرجوا للقتال مع رسول ال صلى ال عليه وسلم؛ وذلك لحكمة أرادها الحق سبحانه‪ ،‬فوافقت ما‬
‫أذن فيه رسول ال في التخلف‪ ،‬وهنا نلحظ أن الحق سبحانه وتعالى قال‪َ { :‬وقِيلَ ا ْقعُدُواْ مَعَ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ا ْلقَاعِدِينَ } وإذا كان التثبيط من ال‪ ،‬فكأنه أوضح لهم‪ :‬اقعدوا بإذن ال من الرادة اللهية‪ .‬أو أن‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم أذن لهم بالقعود والتخلف لمّا استشفّ تراخيهم‪ ،‬أو أن الشياطين‬
‫س وَالْجِنّ‬
‫ن الِنْ ِ‬
‫ع ُدوّا شَيَاطِي َ‬
‫جعَلْنَا ِل ُكلّ نِ ِبيّ َ‬
‫أوحتْ لهم بالقعود‪ ،‬فالحق هو القائل سبحانه‪َ {:‬وكَذَِلكَ َ‬
‫ضهُمْ إِلَىا َب ْعضٍ زُخْ ُرفَ ا ْل َقوْلِ غُرُورا }[النعام‪.]112 :‬‬
‫يُوحِي َب ْع ُ‬
‫سمّ فاعله لمكان أن يتعدد القائلون‪ ،‬فال بتثبيطه لهم‬
‫وهكذا نجد أن كلمة‪ { :‬قِيلَ } قد بُنيتْ لما يُ َ‬
‫كأنه قال لهم‪ :‬اقعدوا‪ ،‬والرسول صلى ال عليه وسلم قال لهم‪ :‬اقعدوا‪ ،‬والشياطين حينما زينوا لهم‬
‫القعود؛ كأنهم قالوا لهم‪ :‬اقعدوا‪.‬‬
‫وقولهم بعضهم لبعض زيّن لهم القعود‪ ،‬وهكذا أعطتنا كلمة واحدة عطاءات متعددة‪.‬‬
‫وهل ينفي عطاءٌ عطاءً؟‪ .‬ل‪ ،‬بل كلها عطاءات تتناسب مع الموقف‪.‬‬
‫ط ُه ْم َوقِيلَ ا ْقعُدُواْ مَعَ ا ْلقَاعِدِينَ { والمقصود بالقاعدين هنا‪ :‬هم الذين‬
‫} وَلَـاكِن كَ ِرهَ اللّهُ ان ِبعَا َثهُمْ فَثَبّ َ‬
‫ل يجب عليهم الجهاد من النساء والطفال والعجائز‪ .‬فكأنهم قد تخلوا بعدم خروجهم عن رجولتهم‬
‫التي تفرض عليهم الجهاد‪ .‬وهذه مسألة ما كان يصح أن يرتضوها لنفسهم‪ .‬وفي موقع آخر من‬
‫نفس السورة قال الحق سبحانه‪:‬‬
‫ف وَطُبِعَ عَلَىا قُلُو ِبهِمْ }[التوبة‪.]87 :‬‬
‫خوَاِل ِ‬
‫{ َرضُواْ بِأَن َيكُونُواْ مَعَ الْ َ‬
‫وقد كانت الرجولة تفترض فيهم أن يهبوا للقتال‪ ،‬لكنهم ارتضوا لنفسهم‪ ،‬ضعف النساء والطفال‪.‬‬
‫ونجد الشاعر العربي عندما أراد أن يستنفر أفراد قبيلته الذين تكاسلوا عن القتال معه‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫حصْنٍ أمْ ِنسَاءُوالقوم تُطَلقُ على الرجال دون النساء‪ .‬ثم‬
‫ستُ إخَالُ أدْري أقوْمٌ آلُ ِ‬
‫َومَا أدْرِي ول ْ‬
‫يبين لنا الحق حكمة التثبيط‪ ،‬فإن كان قعودهم من جانب الخير‪ ،‬فتثبيط ال لهم حكمة‪ ،‬وإذن‬
‫الرسول لهم بعدم الخروج حكمة‪ .‬وإن كانت مسألة قعودهم من وسوسة الشياطين لهم أو وسوسة‬
‫النفوس‪ ،‬فقد خدمت وسوسة الشياطين ووسوسة النفوس قضية اليمان‪ ،‬وأعانوا على مراد ال‪،‬‬
‫وهذا هو الغباء الكفرى‪ ،‬فزينت الوسوسة لهؤلء المنافقين عدم الخروج للجهاد في سبيل ال؛‬
‫لنهم لو خرجوا لحدث منهم ما قاله الحق سبحانه وتعالى فيهم‪َ } :‬لوْ خَ َرجُواْ فِيكُم مّا زَادُوكُمْ ِإلّ‬
‫خَبَالً‪{ ..‬‬

‫(‪)1268 /‬‬
‫سمّاعُونَ َلهُ ْم وَاللّهُ عَلِيمٌ‬
‫ضعُوا خِلَاَلكُمْ يَ ْبغُونَكُمُ ا ْلفِتْنَةَ َوفِيكُمْ َ‬
‫َلوْ خَ َرجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلّا خَبَالًا وَلَأَ ْو َ‬
‫بِالظّاِلمِينَ (‪)47‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والخبال مرض عقلي ينشأ معه اختلل موازين الفكر‪ ،‬فتقول‪ :‬فلن مخبول‪ ،‬أي‪ :‬أنه يحكم في‬
‫القضايا بدون عقل‪ ،‬إذن فقوله تعالى‪ { :‬مّا زَادُوكُمْ ِإلّ خَبَالً } أي‪ :‬أنهم لن يكونوا إل مصدرا‬
‫لبلبلة الفكار لو خرجوا معكم للقتال‪ ،‬فل تستطيعون اتخاذ القرار السليم‪ .‬فكأنهم عين عليكم‪،‬‬
‫وضدكم وليسوا معكم‪ ،‬وقد يكونون من عوامل الهزيمة التي لم يُرِدْهَا ال لكم‪ ،‬وليسوا من عوامل‬
‫النصر‪ ،‬فكأن عدم خروجهم هو دفع لشَر‪ ،‬كان سيقع لو أنهم خرجوا معكم‪ .‬وشاء الحق عدم‬
‫خروجهم حفاظا على قوة المؤمنين وقدرتهم على الجهاد‪.‬‬
‫ضعُواْ خِلََلكُمْ } أي‪ :‬أنهم كانوا س ُيحْدثون فُرْقة بين صفوف المؤمنين‬
‫ل ْو َ‬
‫وقوله تعالى‪ { :‬و َ‬
‫ويُفرّقونهم‪ ،‬وسيتغلغلون بينهم للفسَاد؛ لن الخلل هو الفُرْجة بين الشيئين أو الشخصين‪ ،‬فيدخل‬
‫واحد منهم بين فريق من المؤمنين فيفسد‪ ،‬وآخر يفسد فريقا آخر‪ ،‬وهكذا يمشون خلل المؤمنين‬
‫ليفرقوا بينهم‪.‬‬
‫ولكن التساؤل‪ :‬هل كانوا سيخرجون معهم أو فيهم؟ هم كانوا سيدخلون في الفُرج بين المؤمنين‬
‫ليبلبلوا أفكارهم‪ .‬ونقول‪ :‬إن حروف الجر ينوب بعضها عن بعض‪ ،‬وعندما تسمع كلمة " فيكُم "‬
‫اعلم أنها تغلغل ظرف ومظروف؛ ولذلك قال الحق سبحانه وتعالَى في موضع آخر من القرآن ما‬
‫خلِ }[طه‪.]71 :‬‬
‫يوضح لنا الظرف والمطروف‪ ،‬قال الحق‪َ {:‬ولُصَلّبَ ّنكُمْ فِي جُذُوعِ النّ ْ‬
‫هل كان فرعون سيصلب السحرة في داخل الجذوع أم على الجذوع؟ وإن كان أهل اللغة قد قالوا‪:‬‬
‫إن حروف الجر ينوب بعضها عن بعض‪ .‬فإننا ل نرضى هذا الجواب؛ لننا إن رضيناه في‬
‫أساليب البشر‪ ،‬ل يمكن أن نقبله في أساليب كلم ال؛ لن هناك معنى " في " الظرفية؛ ومعنى‬
‫خلِ }‬
‫لصَلّبَ ّنكُمْ فِي جُذُوعِ النّ ْ‬
‫آخر في استخدام حرف " على "‪ .‬ولو قال الحق سبحانه وتعالى‪َ { :‬و ُ‬
‫معناه‪ :‬أن عملية الصّلْب ستتم بقوة بحيث تدخل أجزاء من جسم المصلوب في المصلوب فيه‪ ،‬أي‪:‬‬
‫أن جنود فرعون كانوا سَيَدقّون على أجساد السحرة حتى تدخل في جذوع النخل‪ ،‬وتصبح هذه‬
‫الجساد وجذوع النخل وكأنها قطعو واحدة‪ ،‬هذه صورة لقسوة الصلب وقوته‪.‬‬
‫لكن إذا قلنا‪ :‬على جذوع النخل لكان المعنى أخفّ‪ ،‬ولكان الصّلْب أقل قسوة‪ ،‬فكأن القرآن الكريم‬
‫قد استعمل ما يعطينا دقة المعنى‪ .‬بحيث إذا تغيّر حرف اختل المعنى‪ .‬ونجد الحق سبحانه وتعالى‬
‫يقول في موضع آخر من القرآن الكريم‪ {:‬وَسَارِعُواْ إِلَىا َم ْغفِ َرةٍ مّن رّ ّبكُمْ }[آل عمران‪.]113 :‬‬
‫أي‪ :‬أن سرعتنا في العمل الصالح تنتهي بنا إلى المغفرة‪ ،‬إذن‪ :‬فنحن قبل أن نسرع إلى الصالح‬
‫من العمال لم نكن في المغفرة‪ ،‬وعندما نسارع نصل إليها‪.‬‬
‫ثم نجد قول الحق سبحانه وتعالى أيضا‪ {:‬إِ ّنهُمْ كَانُواْ ُيسَارِعُونَ فِي ا ْلخَيْرَاتِ }[النبياء‪]90 :‬‬
‫ولم يقل‪ :‬يسارعون إلى الخيرات؛ لن عملهم الن خير‪ ،‬وهم سيسارعون فيه؛ أي سيزيدونه؛‬
‫إذن‪ :‬إنْ سارعتَ إلى شيء كأنه لم يكن في بالك‪ ،‬ولكنك ستسرع إليه‪ ،‬ولكن سارعتَ في الخير‪،‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فكأنك في الخير أولً ثم تزيد في فعل الخير‪.‬‬
‫ضعُواْ خِلََلكُمْ { نجد أن " أوضع " تعنى‪ :‬أسرع بدرجة بين‬
‫لوْ َ‬
‫وإذا تدبرنا قول الحق سبحانه‪ } :‬و َ‬
‫البطاء والسرعة‪ ،‬فيقال‪ " :‬أوضعت الدابة؛ أي مشتْ بخُطىً غير بطيئة وغير سريعة في نفس‬
‫الوقت‪ ،‬ولو نظرتَ إلى حالة هؤلء المنافقين لو خرجوا مع المؤمنين للقتال‪ ،‬لرأيتهم وهو يزينون‬
‫لهم الفساد‪ ،‬ويعملون على أن تصاب عقول المقاتلين بالخبل‪ ،‬ولوجدتَ أن هذا المر يتطلب آخر‬
‫البطء وأول السرعة في الحركة‪ ،‬كانوا يحتاجون إلى البطء؛ لنهم كانوا سيهمسون في آذان‬
‫المؤمنين بتزيين الباطل وهذا يقتضى بُطئا‪ ،‬ثم ينتقل الواحد منهم إلى مؤمن ثان ليقوم معه بنفس‬
‫العملية‪ ،‬ول بد أن يسرع إلى التواجد بجانب المؤمن الخر‪ .‬إذن‪ :‬فالحركة هنا تحتاج إلى البطء‬
‫في الوسوسة؛ وسرعة في النتقال من مؤمن لخر‪ .‬وهذا أدقّ وصف ينطبق على ما كان‬
‫سيحدث‪.‬‬
‫ولكن ما هدف هؤلء المنافقين من أن يضعوا الخبل في عقول المؤمنين؟ ويُفرّقوهم جماعات؟‬
‫الهدف‪ :‬أن ينالوا من وحدتهم وقوتهم‪ ،‬ويقول الحق سبحانه وتعالى‪ } :‬يَ ْبغُو َنكُمُ ا ْلفِتْنَةَ { أي‪ :‬يطلبون‬
‫لكم الفتنة؛ لن النسان الشرير حين يرى خيرا يقوم به غيره‪ ،‬يجد الملكات اليمانية في أعماقه‬
‫تصيبه بنوع من احتقار النفس‪ ،‬فيحاول التقليل من شأن فاعل الخير بأن يسخر مما يفعله أو أن‬
‫يستهزئ به‪ ،‬وهذا أوضح ما يكون في مجالس الخمر‪ ،‬حين يحس الجالسون في هذه المجالس‬
‫بالذنب الشديد؛ إن وُجِدَ بينهم إنسان ل يشرب الخمر‪ ،‬فتجدهم يحاولون أن ُيغْروه بكل طريقه؛‬
‫لكي يرتكب نفس الثم‪ ،‬فإذا رفض أخذوا يُعيّرونه ويستهزئون به‪ ،‬ويسخرون منه‪ ،‬ويدّعون أنه لم‬
‫يبلغ مبلغ الرجال‪ ،‬وغير ذلك من أساليب السخرية‪ .‬وأيضا تجذ الكذاب يحاول دفع الناس إلى‬
‫الكذب‪ ،‬والسارق يغري الناس بالسرقة‪ ،‬والمرتشي يحاول نشرة الرشوة بين جميع زملئه‪ ،‬فإذا‬
‫وُجِدَ إنسان نزيه وسط هؤلء الذين يرتكبون هذه اللوان من السلوك السيء؛ فهم يضطهدونه‬
‫ويسخرون منه‪.‬‬
‫والمثال‪ :‬حين يقوم إنسان للصلة بين عدد من تاركي الصلة‪ ،‬تجدهم يحاولون السخرية منه‪ ،‬فهذا‬
‫يقول له‪ :‬خذني على جناحك‪ ،‬وهذا يقول له مستهزئا‪ :‬يجعلنا ال من بركاتك‪ .‬ويُبيّن لنا القرآن‬
‫الكريم هذه القضية ليعطينا المناعة اليمانية فيقول‪ {:‬إِنّ الّذِينَ َأجْ َرمُواْ كَانُواْ مِنَ الّذِينَ آمَنُواْ‬
‫حكُونَ * وَإِذَا مَرّواْ ِبهِمْ يَ َتغَامَزُونَ * وَإِذَا انقَلَبُواْ إِلَىا َأهِْلهِ ُم انقَلَبُواْ َف ِكهِينَ * وَإِذَا رََأوْهُمْ قَالُواْ‬
‫َيضْ َ‬
‫حكُونَ *‬
‫ضَ‬
‫إِنّ هَـا ُؤلَءِ َلضَالّونَ * َومَآ أُ ْرسِلُواْ عَلَ ْيهِمْ حَافِظِينَ * فَالْ َيوْمَ الّذِينَ آمَنُواْ مِنَ ا ْل ُكفّارِ َي ْ‬
‫عَلَى الَرَآ ِئكِ يَنظُرُونَ * َهلْ ُث ّوبَ ا ْل ُكفّارُ مَا كَانُواْ َي ْفعَلُونَ }[المطففين‪]36-29 :‬‬
‫وهذه اليات تعطينا صورة لما يحدث عندما يعمّ الفساد في الرض‪ ،‬فالذين سخروا من المؤمنين‬
‫يضحكون ضحكات ستزول حَتْما طال الوقت أو َقصُر يتبعها عذاب في الخرة‪ ،‬أما أهل اليمان‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فهم يخشون ال في الدنيا؛ فيثيبهم ال في الخرة‪ ،‬ويضحكون ضحكة خالدة مستمرة‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فقوله تعالى‪ } :‬يَ ْبغُو َنكُمُ ا ْلفِتْنَةَ { أي‪ :‬إنهم من فَرْط حقدهم عليكم وعلى أيمانكم‪ ،‬يحاولون أن‬
‫يفتنوكم في دينكم حتى تنزلوا إلى مستواهم‪ ،‬تماما كأنماط السلوك التي بيّناها من قبل‪.‬‬
‫ثم يبيّن الحق سبحانه وتعالى أن الصف اليماني لن يكون في مَنَعة مما كان سيفعله هؤلء‬
‫المنافقون‪ ،‬فصحيح أنهم لم يخرجوا مع المؤمنين‪ ،‬ولكن هناك بين المؤمنين من كان يستمع لهم‪،‬‬
‫علِيمٌ بِالظّاِلمِينَ { وسمعتُ لفلن‪ ،‬أي‪:‬‬
‫سمّاعُونَ َلهُ ْم وَاللّهُ َ‬
‫ويقول الحق تبارك وتعالى‪َ } :‬وفِيكُمْ َ‬
‫سمعتْ أذني ما قاله‪ ،‬وسمعت من فلن‪ ،‬أي‪ :‬لصالح شخص آخر‪ ،‬أي‪ :‬من يستمع منهم أو من‬
‫يستمع أخباركم فهو ينقلها إليهم‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فاللم تأتي بالمعنيين‪ ،‬فمن المؤمنين من كان سيسمع لهؤلء المنافقين إليهم أخبار المؤمنين‬
‫ويعملون لحسابهم‪ ،‬وهناك من المؤمنين مَنْ سيسمع لهم أولً‪ ،‬فإذا أصيبوا بالخبل بدأوا في نقل‬
‫أخبار المؤمنين إليهم‪ ،‬وهكذا جاءت " اللم " فاصلة بين " سمعت له " أو " سمعت من غيره‬
‫لصالحه " ويزيد ال سبحانه هذا المر إيضاحا في قول الحق تبارك وتعالى‪ {:‬إِنّآ أَنْزَلْنَا إِلَ ْيكَ‬
‫خصِيما }[النساء‪]105 :‬‬
‫ح ُكمَ بَيْنَ النّاسِ ِبمَآ أَرَاكَ اللّ ُه َولَ َتكُنْ لّلْخَآئِنِينَ َ‬
‫حقّ لِتَ ْ‬
‫ا ْلكِتَابَ بِالْ َ‬
‫فنجد السطحي التفكير يقول‪ :‬إن هذا تحذير من مخاصمة الخائنين؛ خوفا من ألّ يقدر عليهم‪ ،‬أو‬
‫أن يزدادوا في إثمهم بسبب هذه الخصومة‪ .‬ونقول‪ :‬إنك لم تفهم المعنى‪ ،‬فالمعنى الواضح هو‪ :‬ل‬
‫تكُنْ لصالح الخائنين خصيما‪ ،‬أي‪ :‬ل تترافع عن الخائنين أو تدافع عنهم‪.‬‬
‫وقوله تعالى } وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظّاِلمِينَ { لن الذي كان سيسمع‪ ،‬والذين سيسمع لصالحهم؛ كلهما‬
‫ظالم وال عليم بهم‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه وتعالى‪َ } :‬لقَدِ ابْ َت َغوُاْ ا ْلفِتْنَةَ‪{ ..‬‬

‫(‪)1269 /‬‬
‫ظهَرَ َأمْرُ اللّ ِه وَهُمْ كَارِهُونَ (‪)48‬‬
‫ق وَ َ‬
‫حّ‬
‫َلقَدِ ابْ َت َغوُا ا ْلفِتْنَةَ مِنْ قَ ْبلُ َوقَلّبُوا َلكَ الُْأمُورَ حَتّى جَاءَ الْ َ‬

‫والحق سبحانه وتعالى يريد أن يُذكّر المؤمنين بالوقائع السابقة التي ارتكبها المنافقون والكفار تجاه‬
‫السلم والمسلمين من‪ :‬مؤامرات على السلم‪ ،‬ومحاولت لليقاع بين المسلمين؛ والتآمر على‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪ { :‬ابْ َت َغوُاْ ا ْلفِتْنَةَ مِن قَ ْبلُ } له صلى ال عليه وسلم دليل على تلك الوقائع السابقة‪ .‬أما‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لمُورَ }‪ .‬فالتقليب‪ :‬هو جعل أسفل الشيء عاليه‪ ،‬وعاليه أسفله؛ حتى ل‬
‫كاُ‬
‫قوله تعالى { َوقَلّبُواْ َل َ‬
‫يستتر منه شيء‪ .‬وهذا مظهر الفاكهة مُنْتقىً بعناية‪ ،‬فإذا اشتريتَ منه مل لك الكيس من الصنف‬
‫الرديء الذي أخفاه أسفل القفص‪ .‬وهكذا يأتي لك بالسفل أو بالشيء الرديء المكشوف عورته‪.‬‬
‫والذي ل يمكن أن تشتريه لو رأيته ويضعه لك‪.‬‬
‫وهكذا يفعل المنافقون حين يُقلّبون المر على الوجوه المختلفة حتى يصادفوا ما يعطيهم أكبر الشر‬
‫للمؤمنين دون أن يصابوا هم بشيء‪ .‬والمثال الواضح‪ :‬عندما تآمرت قريش على رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم‪ ،‬وجاءوا من كل قبيلة بشاب ليضربوه ضرب رجل واحد ليضيع دمه بين القبائل‪.‬‬
‫لكن الحق سبحانه يأتي إلى كل هذه الفتن ويجعلها لصالح المؤمنين‪ ،‬ولذلك يقول جل جلله‪:‬‬
‫ظهَرَ َأمْرُ اللّ ِه وَهُمْ كَارِهُونَ } فالتآمر على رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫ق وَ َ‬
‫حّ‬
‫{ حَتّىا جَآءَ الْ َ‬
‫ومحاولة قتله جعل المور تؤدي إلى هجرته صلى ال عليه وسلم من مكة وخروجه منها مما‬
‫جعله ال سبحانه وتعالى سببا في إظهار الحق وانتشار السلم؛ لن ال ل يرسل رسولً ثم‬
‫يخذله‪ ،‬فما دام قد أرسل رسولً فل بد أن ينصره‪ ،‬فأريحوا أنفسكم‪ ،‬ول تبغوا الفتنة؛ لن السابق‬
‫من الفتن انقلب عليكم وأدّى إلى خير كثير للمؤمنين‪.‬‬
‫وفي هذا يقول الحق سبحانه وتعالى‪ {:‬وََلقَدْ سَ َب َقتْ كَِلمَتُنَا ِلعِبَادِنَا ا ْلمُ ْرسَلِينَ * إِ ّنهُمْ َلهُمُ ا ْلمَنصُورُونَ‬
‫* وَإِنّ جُندَنَا َلهُمُ ا ْلغَالِبُونَ }[الصافات‪]173-171 :‬‬
‫وقوله تعالى‪ { :‬وَإِنّ جُندَنَا َلهُمُ ا ْلغَالِبُونَ } وهو قضية كونية عقدية‪ ،‬فإذا رأيتَ قوما مؤمنين‬
‫التحموا بقتال قَوم كافرين وانهزموا‪ ،‬فاعلم أنهم ليسوا من جنود ال حقّا‪ ،‬وأن شرطا من شروط‬
‫الجندية ل قد اختل‪ .‬ولذلك علينا أن نحاسب أنفسنا أولً‪.‬‬
‫فمثلً في غزو أُحد‪ ،‬عندما طلب رسول ال صلى ال عليه وسلم من الرماة أل يتركوا أماكنهم‬
‫فخالفوه‪ ،‬هنا اختل شرط من شروط الجندية ل وهو طاعة الرسول صلى ال عليه وسلم؛ فماذا‬
‫ت أوامر‬
‫كان يحدث للسلم لو أن هؤلء الرماة خالفوا رسول ال وانتصروا؟ لو حدث ذلك لَها َن ْ‬
‫الرسول عليه الصلة والسلم على المؤمنين‪.‬‬
‫ويوم حنين‪ ،‬حين اعتقد المؤمنون أنهم سينتصرون بكثرتهم وليس بإيمانهم‪ ،‬وكانت النتيجة أن‬
‫أصيبوا بهزيمة قاسية أول المعركة؛ لتكون لهم درسا إيمانيا‪ .‬ولذلك رأيت إيمانا انهزم أمام كفر‪،‬‬
‫فاعلم أن شرطا من شروط الجندية اليمانية قد اختل‪.‬‬
‫واقرأ قول الحق سبحانه وتعالى‪َ {:‬وكَأَيّن مّن نّ ِبيّ قَا َتلَ َمعَهُ رِبّيّونَ كَثِيرٌ َفمَا وَهَنُواْ ِلمَآ َأصَا َبهُمْ فِي‬
‫غفِرْ‬
‫حبّ الصّابِرِينَ * َومَا كَانَ َقوَْلهُمْ ِإلّ أَن قَالُواْ ربّنَا ا ْ‬
‫ض ُعفُواْ َومَا اسْ َتكَانُو ْا وَاللّهُ يُ ِ‬
‫سَبِيلِ اللّهِ َومَا َ‬
‫لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي َأمْرِنَا وَثَ ّبتْ َأقْدَامَنَا وا ْنصُرْنَا عَلَى ا ْل َقوْمِ ا ْلكَافِرِينَ }[آل عمران‪]147-146 :‬‬
‫إذن‪ :‬فأول شيء فعله هؤلء المقاتلون؛ أنهم عرفوا أن الذنوب يمكن أن تأتي إليهم بالهزيمة‪،‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فاستغفروا ال وتابوا إليه وحاربوا فنصرهم ال‪ ،‬وإذا حدث لهم ولم ينتصر المؤمنون؛ فمعنى هذا‬
‫أن هناك خللً في إيمانهم؛ لن ال ل يترك قضية قرآنية لتأتي حادثة كونية فتكذبها‪.‬‬
‫يقول الحق سبحانه وتعالى‪َ } :‬ومِ ْنهُمْ مّن َيقُولُ ا ْئذَن لّي {‬

‫(‪)1270 /‬‬
‫طةٌ بِا ْلكَافِرِينَ (‪)49‬‬
‫جهَنّمَ َلمُحِي َ‬
‫سقَطُوا وَإِنّ َ‬
‫َومِ ْنهُمْ مَنْ َيقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا َتفْتِنّي أَلَا فِي ا ْلفِتْنَةِ َ‬

‫هؤلء هم الذين استأذنوا رسول ال في عدم الخروج للجهاد‪ ،‬ومنهم من قال هذه العبارة‪ :‬ل تفتنني‬
‫بعدم إعطاء الذن‪ ،‬ولكن ما موضوع الفتنة؟ هل هو عذاب‪ ،‬أم سوء‪ ،‬أم شرك وكفر ‪ -‬والعياذ‬
‫بال ‪-‬؟ إن كل ذلك ‪ -‬وغيره ‪ -‬تجوز فيه الفتنة‪ .‬والقول‪ { :‬ائْذَن لّي َولَ َتفْتِنّي } ظاهره أنه أمر‪،‬‬
‫ولكنه هنا ليس أمرا؛ لن المر إذا جاء من الدنى للعلى فل يقال إنه أمر‪ ،‬بل هو دعاة أو‬
‫رجاء‪ ،‬وإن جاء من المساوى يقال‪ " :‬مساو له " ‪ ،‬أما إن جاء من العلى إلى الدنى؛ فهذا هو ما‬
‫يقال له أمر‪ ،‬وكلها طلب للفعل‪.‬‬
‫وكان الجد بن قيس ‪ -‬وهو من النصار ‪ -‬قد جاء إلى رسول ال صلى ال عليه وسلم وقال‪:‬‬
‫ائذن لي ول تفتني؛ لن رسول ال إن لم يأذن له فسيقع في فتنة مخالفة أوامر رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم‪.‬‬
‫وقيل‪ :‬إن هذا النصاري لم يكن له جََلدٌ على الحرب وشدائدها‪ .‬وقيل‪ :‬إنه كان على وَلَع بحب‬
‫النساء وسمع عن جمال بنات الروم‪ ،‬وخشي أن يُفتنَ بِهنّ‪ ،‬خصوصا أن المعركة ستدور على‬
‫أرض الروم‪ .‬ومن المتوقع أن يحصل المقاتلون على سبايا من بنات الروم‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪ { :‬ائْذَن لّي َولَ َتفْتِنّي } أوقعه في الفتنة فعلً؛ لذاك جاء قول الحق‪ { :‬أَل فِي ا ْلفِتْنَةِ‬
‫سقَطُواْ }‪ .‬وكان هذا النصاري سمينا‪ ،‬وشكا من عدم قدرته على السفر الطويل والحر‪ ،‬فجاء‬
‫َ‬
‫الرد‪ :‬إن كنتم من الحر والبرد تفرّون فالنار أحقّ بالفرار منها؛ ولذلك قال الحق سبحانه وتعالى‪{ :‬‬
‫طةٌ بِا ْلكَافِرِينَ }‪.‬‬
‫جهَنّمَ َلمُحِي َ‬
‫وَإِنّ َ‬
‫شدّ حَرّا ّلوْ كَانُوا َي ْف َقهُونَ }إذن‪ :‬فجحيم النار أِد قسوة‬
‫جهَنّمَ أَ َ‬
‫وفي آية أخرى قال سبحانه‪ُ {:‬قلْ نَارُ َ‬
‫وحرارة من نار القتار‪ ،‬وحر الدنيا مهما اشتد أهون بكثير من نار الخرة وهي تحيط بالكافرين‪.‬‬
‫سؤْهُمْ‪} ...‬‬
‫ويقول الحق بعد ذلك‪ { :‬إِن ُتصِ ْبكَ حَسَنَةٌ َت ُ‬

‫(‪)1271 /‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫سؤْ ُه ْم وَإِنْ ُتصِ ْبكَ ُمصِيبَةٌ َيقُولُوا قَدْ َأخَذْنَا َأمْرَنَا مِنْ قَ ْبلُ وَيَ َتوَّلوْا وَهُمْ فَ ِرحُونَ (‬
‫حسَنَةٌ تَ ُ‬
‫إِنْ ُتصِ ْبكَ َ‬
‫‪)50‬‬

‫وما يزال الحديث عن المنافقين‪ ،‬فبعد أن بيّن الحق سبحانه وتعالى كيف حاول المنافقون الهروب‬
‫من الحرب لسباب وأعذار مختلقة‪ ،‬أراد سبحانه وتعالى أن يزيد الصورة توضيحيا في إظهار‬
‫الكراهية التي تخفيها قلوب المنافقين بالنسبة للمؤمنين‪ .‬وهنا يقول سبحانه‪:‬‬
‫{ إِن ُتصِ ْبكَ حَسَنَةٌ } والمقصود بالحسنة هنا هيك النتصار في الحرب‪ ،‬والنصر في الحرب هو‬
‫من وجهة نظر المنافقين ينحصر في حصول المؤمنين على الغنائم‪ ،‬وهذه مسألة تسوء المنافقين‬
‫وتحزنهم؛ لن الهمّ الول للمنافقين هو الدنيا‪ ،‬وهم يريدون الحصول على أكبر نصيب منها‪ .‬وبما‬
‫أنهم لم يخرجوا للجهاد والتمسوا العذار غير الصحيحة للهروب من الحرب؛ لذلك فهم يحزنون‬
‫إذا انتصر المؤمنون؛ لنهم حينئذ لن يكون لهم حق في الغنائم‪ .‬وفي هذه الحالة يقولون‪ :‬يا ليتنا‬
‫كنا معهم؛ إذن لصبْنَا الغنائم وأخذنا منها‪.‬‬
‫أما إذا كانت الدائرة قد دارت على المسلمين وهُزِموا في الحرب؛ فهذه سيئة بالنسبة لكل مؤمن‪،‬‬
‫ولكن المنافقون يعتبرون الهزيمة لهل اليمان حسنة‪ ،‬وسيقولون لنفسهم‪ :‬لقد كنا أكثر رجاجةً في‬
‫الفكر واحتطْنا للمر‪ ،‬ولم نخرج معهم ولذلك نجونا مما أصابهم‪ .‬والمصيبة في الحرب تكون في‪:‬‬
‫الرواح‪ ،‬والرجال والمال‪ ،‬والعتاد بالضافة إلى مرارة الهزيمة‪ .‬ولذلك يقول الحق سبحانه‬
‫وتعالى‪:‬‬
‫ل وَيَ َتوَلّو ْا وّ ُهمْ فَرِحُونَ }‬
‫خذْنَا َأمْرَنَا مِن قَ ْب ُ‬
‫سؤْهُ ْم وَإِن ُتصِ ْبكَ ُمصِيبَةٌ َيقُولُواْ َقدْ أَ َ‬
‫{ إِن ُتصِ ْبكَ حَسَنَةٌ تَ ُ‬
‫وكأنهم قد احتاطوا قبل أن يبدأ القتال فلم يخرجوا‪ ،‬وهم كمنافقين يمكن أن يفرحوا؟إنْ أصابت‬
‫المسلمين كارثة أو مصيبة‪ ،‬وهي هنا الهزيمة في الحرب‪ .‬وسيقولون‪َ { :‬قدْ َأخَذْنَا َأمْرَنَا مِن قَ ْبلُ }‬
‫أي‪ :‬قاموا بالحتياط فلم يخرجوا للقتال‪ ،‬بينما لم يح َتطْ محمد وصَحْبُه وجيشه‪ .‬ثم يديرون ظهورهم‬
‫خفُوا فرحتهم‪.‬‬
‫ليُ ْ‬
‫سؤْهُمْ } يوضح لنا أن أي نصر لليمان يحزن المنافقين في‬
‫حسَنَةٌ َت ُ‬
‫وحين يقول الحق‪ { :‬إِن ُتصِ ْبكَ َ‬
‫نفوسهم‪ ،‬ويصير هذا القول قرآنا يُتلى ويُتعبد به ويسمعونه بآذانهم‪ ،‬بال لو لم تُحزنهم الحسنة التي‬
‫ينالها المنافقين في نفوسهم‪ ،‬ويصير هذا القول قرآنا يُتلى ويُتعبد به ويسمعونه بآذانهم‪ ،‬بال لو لم‬
‫تُحزنهم الحسنة التي ينالها المؤمنون‪ ،‬ألم يكن ذلك دافعا لن يقولوا‪ :‬نحن لم نفرح ولم نحزن؟‬
‫بال حين يفاجئهم القرآن بالكشف عن خبايا نفوسهم بالقرآن؛ ألم يكن ذلك داعيا لهدايتهم؟‬
‫لقد عرف محمد صلى ال عليه وسلم الغيب الذي في قلوبهم وفضح ضمائرهم وسرائرهم بعد أن‬
‫أطلعه الحق على ذلك‪ .‬ومع هذا أضمروا النفاق في قلوبهم وانتظروا مَسَاءةً تَحل بمحمد صلى ال‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫عليه وسلم وصحبه‪.‬‬
‫ويرد الحق سبحانه وتعالى عليهم‪ { :‬قُل لّن ُيصِيبَنَآ ِإلّ‪} ...‬‬

‫(‪)1272 /‬‬
‫ُقلْ لَنْ ُيصِيبَنَا إِلّا مَا كَ َتبَ اللّهُ لَنَا ُهوَ َموْلَانَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَ َت َوكّلِ ا ْل ُم ْؤمِنُونَ (‪)51‬‬

‫{ قُل لّن ُيصِيبَنَآ ِإلّ مَا كَ َتبَ اللّهُ لَنَا } الحديث هنا عما يصيب النسان أو ما يحدث له‪ ،‬فإن حدث‬
‫للنسان شيء يأتي منه خير‪ ،‬يكون بالنسبة له حسنة؛ وإن أتى منه شر يكون من وجهة نظره‬
‫سيئة‪ ،‬إذن فالصابة هي التقاء هدف بغاية‪ ،‬إذا تحقق الهدف وجاء بخير فهو حسنة‪ ،‬وإن جاء ِبشَرّ‬
‫فهو سيئة‪ .‬والمصائب نوعان‪ :‬مصيبة للنفس فيها غريم‪ ،‬ومصيبة ليس فيهاغريم‪ ،‬فإن اعتدى عليّ‬
‫واحد بالضرب مثلً يصبح غريمي‪ ،‬وتتولد في قلبي حفيظة عليه‪ ،‬وغيظ منه‪ ،‬وأرغب في أن أرد‬
‫عليه وأثأر لنفسي منه‪ ،‬ولكن إن مرضت مثلً فمن هو غريمي في المرض؟ ل أحد‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالمصائب نوعان؛ نوع لي فيه غريم‪ ،‬ونوع ل يوجد لي غريم يمتلئ قلبي عليه بالحقد‪،‬‬
‫ظمِينَ ا ْلغَيْظَ‬
‫ويرغّبنا الحق سبحانه وتعالى في عدم الحقد والعفو عن مثل هذا الغريم‪ ،‬فيقول‪ {:‬وَا ْلكَا ِ‬
‫حسِنِينَ }[آل عمران‪]134 :‬‬
‫حبّ ا ْلمُ ْ‬
‫س وَاللّهُ يُ ِ‬
‫وَا ْلعَافِينَ عَنِ النّا ِ‬
‫وهنا ثلث مراحل‪ :‬الولى كظم الغيظ‪ ،‬والثانية هي العفو‪ ،‬والثالثة هي أن تحسن؛ فترتقي إلى‬
‫مقام من يحبهم ال وهم المحسنون‪.‬‬
‫لمُورِ }[الشورى‪]43 :‬‬
‫غفَرَ إِنّ ذَِلكَ َلمِنْ عَ ْز ِم ا ُ‬
‫وكذلك يقول الحق‪ {:‬وََلمَن صَبَ َر وَ َ‬
‫أي‪ :‬من صبر على ما أصابه‪ ،‬وغفر لغريمه وعدوه‪ ،‬فالصبر والمغفرة من المور التي تحتاج إلى‬
‫عزم وقوة حتى يطوّع النسان نفسه على العفو وعدم النتقام‪.‬‬
‫أما المصائب التي ليس للنسان فيها غريم فهي ل تحتاج إلى ذلك الجهد من النفس‪ ،‬وإنما تحتاج‬
‫إلى صبر فقط‪ ،‬إذ ل حيلة للنسان فيها‪ .‬ونجد الحق سبحانه وتعالى يقول في هذا اللون من‬
‫لمُورِ }[لقمان‪]17 :‬‬
‫المصائب‪ {:‬وَاصْبِرْ عَلَىا مَآ َأصَا َبكَ إِنّ ذَِلكَ مِنْ عَزْمِ ا ُ‬
‫لن العزم المطلوب هنا أقل‪ ،‬ولذلك لم تستخدم " لم التوكيد " التي جاءت في قوله تعالى‪ {:‬وََلمَن‬
‫لمُورِ }[الشورى‪]43 :‬‬
‫صَبَرَ وَغَفَرَ إِنّ ذَِلكَ َلمِنْ عَزْ ِم ا ُ‬
‫ظمِينَ ا ْلغَيْظَ‬
‫ول بد أن نلتفت إلى قول الحق سبحانه عن المشاعر البشرية حين قال‪ {:‬وَا ْلكَا ِ‬
‫حسِنِينَ }[آل عمران‪]134 :‬‬
‫حبّ ا ْلمُ ْ‬
‫س وَاللّهُ يُ ِ‬
‫وَا ْلعَافِينَ عَنِ النّا ِ‬
‫هذه الية الكريمة تمثل مراحل ما يحدث في النفس‪ ،‬فالمطلوب أولً أن يكظم النسان غيظه‪ ،‬أي‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أن الغيظ موجود في القلب‪ ،‬ويتجدد كلما رأى النسان غريمه أمامه‪ ،‬ويحتاج هذا من النسان أن‬
‫يكظم غيظه كلما رآه‪ ،‬ثم يرتقي المؤمن في انفعاله اليماني‪ ،‬فيأتي العفو‪ ،‬وهذه مرحلة ثانية وهي‬
‫ل منه العفو‪.‬‬
‫أن يُخرجَ الغيظ من قلبه‪ ،‬ويحل بد ً‬
‫حسِنِينَ }[آل عمران‪]134 :‬‬
‫حبّ ا ْلمُ ْ‬
‫ثم تأتي المرحلة الثالثة‪ {:‬وَاللّهُ يُ ِ‬
‫أي‪ :‬أن هذا إحسان يحبه ال ويجزي عليه‪ ،‬وهو أن تحسن لمن أساء إليك‪ ،‬فتنال حب ال‪ ،‬وهذا‬
‫من كمال اليمان؛ لن العبيد كلهم عيال ال‪ ،‬واضرب لنفسك المثل ‪ -‬ول المثل العلى ‪َ -‬هبْ‬
‫أنك دخلت البيت‪ ،‬ووجدت أحد أولدك قد ضرب الثاني‪ ،‬فمع من يكون قلبك وأنت رب البيت؟ ل‬
‫بد أن يكون قلبك مع المضروب‪ ،‬لذلك تُر ّبتُ على كتفه وتصالحه‪ ،‬وقد تعطيه مالً أو تشتري له‬
‫شيئا لترضيه‪ ،‬أي أنك تحسن إليه‪.‬‬

‫(‪)1273 /‬‬
‫ن وَنَحْنُ نَتَرَ ّبصُ ِبكُمْ أَنْ ُيصِي َبكُمُ اللّهُ ِبعَذَابٍ مِنْ عِنْ ِدهِ َأوْ‬
‫حسْنَيَيْ ِ‬
‫حدَى الْ ُ‬
‫ُقلْ َهلْ تَرَ ّبصُونَ بِنَا إِلّا إِ ْ‬
‫بِأَيْدِينَا فَتَرَ ّبصُوا إِنّا َم َعكُمْ مُتَرَ ّبصُونَ (‪)52‬‬

‫وسبحانه وتعالى بهذه الية إنما يرد على من يحزن إن أصابت الحسنة المؤمنين‪ ،‬ويفرح إن‬
‫أصابتهم مصيبة‪ ،‬فيأتي قول الحق سبحانه ليوضح‪ :‬إن كل ما يصيب المؤمنين هو لصالحهم‪.‬‬
‫ولذلك قال‪ { :‬لّن ُيصِيبَنَآ ِإلّ مَا كَ َتبَ اللّهُ لَنَا } فلم يكتب سبحانه المور علينا‪ ،‬بل لنا‪ ،‬و " لنا " تفيد‬
‫الملكية؛ إما‪ :‬تأديبا وإما تكفيرا عن ذنوب‪ ،‬وإما اتجاها إلى الحق بعد زيغ الباطل‪ ،‬وكل ذلك‬
‫لصالحنا‪.‬‬
‫وجاء سبحانه بعد ذلك بالقول { فَتَرَ ّبصُواْ } أي‪ :‬تمهلوا وانتظروا وترقبوا نهايتنا ونهايتكم‪ .‬أما‬
‫نهايتكم فاستدامة عذاب في الدنيا وفي الخرة‪ .‬وأسباب العذاب مجتمعة لكم في الدنيا‪ ،‬وأسباب‬
‫الخير ممتنعة عنكم في الخرة‪ ،‬ونتيجة تربصنا لكم أن نرى السوء يصيبكم‪ ،‬وتربصكم لنا يجعلكم‬
‫ترون الخير وهو يسعى إلينا‪ ،‬إذن فنتيجة المقارنة ستكون في صالحنا نحن‪.‬‬
‫وبعد أن بيّن ال ذلك يطرأ على خاطر المؤمن سؤال‪ :‬أل يصدر من هؤلء القوام فعل خير؟ وأل‬
‫يأتي إليهم أدنى خير؟ ونحن نعلم أن الحق سبحانه يجزي دائما على أدنى خير‪.‬‬
‫ونقول‪ :‬إن الحق شاء أن يبين لنا بجسم مسألة الخيانة العظمى وهي الكفر والعياذ بال‪ ،‬وبيّن أن‬
‫كل كافر بال ل يُقبل منه أي عمل طيب؛ لن الكفر يُحبطُ أيّ عمل‪ ،‬وإن كان لعملهم خير يفيد‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الناس‪ ،‬فالحق يجازيهم ماديا في الدنيا‪ ،‬ولكن ليس لهم في الخرة إل النار‪ ،‬ويقول‪ُ { :‬قلْ أَنفِقُواْ‬
‫طوْعا‪} ..‬‬
‫َ‬

‫(‪)1274 /‬‬
‫سقِينَ (‪)53‬‬
‫طوْعًا َأوْ كَرْهًا لَنْ يُ َتقَ ّبلَ مِ ْنكُمْ إِ ّنكُمْ كُنْ ُتمْ َق ْومًا فَا ِ‬
‫ُقلْ أَ ْنفِقُوا َ‬

‫إذن‪ :‬فشرط تقبّل ال لي عمل إنما يأتي بعد اليمان بال‪ ،‬أما أن تعمل وليس في بالك ال‪ ،‬فخذ‬
‫أجرك ممن كان في بالك وأنت تعمل‪.‬‬
‫عمَاُلهُمْ َكسَرَابٍ ِبقِيعَةٍ‬
‫لذلك ضرب ال مثلً بأعمال الذين كفروا في قوله تعالى‪ {:‬وَالّذِينَ َكفَرُواْ أَ ْ‬
‫جدَ اللّهَ عِن َدهُ َف َوفّاهُ حِسَا َب ُه وَاللّهُ سَرِيعُ‬
‫ج ْدهُ شَيْئا َووَ َ‬
‫ظمْآنُ مَآءً حَتّىا إِذَا جَآ َءهُ َلمْ يَ ِ‬
‫حسَبُهُ ال ّ‬
‫يَ ْ‬
‫حسَابِ }[النور‪]39 :‬‬
‫الْ ِ‬
‫عمَاُلهُمْ كَ َرمَادٍ اشْ َت ّدتْ بِهِ‬
‫ويعطينا ال سبحانه مثلً آخر في قوله تعالى‪ {:‬مّ َثلُ الّذِينَ كَفَرُواْ بِرَ ّبهِمْ أَ ْ‬
‫للُ الْ َبعِيدُ }[إبراهيم‪]18 :‬‬
‫شيْءٍ ذاِلكَ ُهوَ الضّ َ‬
‫صفٍ لّ َيقْدِرُونَ ِممّا كَسَبُواْ عَلَىا َ‬
‫الرّيحُ فِي َيوْمٍ عَا ِ‬
‫ويقول الحق سبحانه وتعالى‪ {:‬مَن كَانَ يُرِيدُ حَ ْرثَ الخِ َرةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْ ِث ِه َومَن كَانَ يُرِيدُ حَ ْرثَ‬
‫الدّنْيَا ُنؤْتِهِ مِ ْنهَا َومَا َلهُ فِي الخِ َرةِ مِن ّنصِيبٍ }[الشورى‪]20 :‬‬
‫وهذا ما يشرح لنا ما استغلق على بعض العلماء فهمه في قول الحق‪َ {:‬فمَن َي ْع َملْ مِ ْثقَالَ ذَ ّرةٍ خَيْرا‬
‫يَ َرهُ * َومَن َيعْـمَلْ مِ ْثقَالَ ذَ ّرةٍ شَرّا يَ َرهُ }[الزلزلة‪]8-7 :‬‬
‫فقد تساءل بعض من العلماء‪ :‬أيجزي الحق سبحانه هؤلء الكفار في الخرة أم في الدنيا؟ وقد‬
‫استغلق عليهم المر لن الية عامة‪ .‬ونقول‪ :‬إن الحق يعطي في الدنيا الجزاء لمن عمل للدنيا‪،‬‬
‫ويعطي في الخرة لمن عمل للدنيا والخرة وفي قلبه ال‪ .‬ولذلك فالذين يحسنون اتخاذ السباب‬
‫المخلوقة ل بمنح الربوبية ينجحون في حياتهم‪ .‬والذين يتقدمون دنيويا في زراعة الرض وانتقاء‬
‫البذور والعناية بما يعطيهم ال جزاء عملهم في الدنيا‪ ،‬ول يبخس منه شيئا؛ ولكن الحق سبحانه‬
‫جعَلْنَاهُ هَبَآءً مّنثُورا }[الفرقان‪]23 :‬‬
‫ع َملٍ فَ َ‬
‫عمِلُواْ مِنْ َ‬
‫يقول أيضا‪َ {:‬وقَ ِدمْنَآ إِلَىا مَا َ‬
‫هذا القول يوضح عطاء الخرة‪ ،‬ولذلك فالخير الذي يعمله غير المؤمن ل يُجزى عليه في الخرة؛‬
‫ع ِملَ وليس في باله ال‪ ،‬فكيف ينتظر جزاءه ممن لم يؤمن به؟‬
‫لنه َ‬
‫إن ال سبحانه يجزي مَنْ آمن به وعمل من أجله‪ .‬ولكن من كفر بال حبط كل عمله‪ .‬وهذا أمر‬
‫طبيعي؛ لنك ما ُد ْمتَ قد عملت الخير وليس في بالك ال‪ ،‬فل تنتظر جزاءً منه‪ .‬إن عملتَ‬
‫للنسانية أعطتْك النسانية‪ ،‬وإن عملتَ للمجتمع أعطاك المجتمع وصنعوا لك التماثيل وأطلقوا‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫اسمك على الميادين والشوارع‪ ،‬وأقيمت باسمك المؤسسات‪ ،‬وتحقق لك الخلود في الدنيا‪ ،‬وهذا هو‬
‫جزاؤك‪ .‬ولكن إن كنت مؤمنا بال‪ ،‬راجيا ثوابه تجيء يوم القيامة لتجد يد ال ممدودة لك بالخير‬
‫الذي قدمته‪.‬‬
‫طوْع‪ :‬هو الفعل الذي تُقبل عليه‬
‫طوْعا َأوْ كَرْها } وال ّ‬
‫والحق سبحانه وتعالى يقول هنا‪ُ { :‬قلْ أَن ِفقُواْ َ‬
‫بإرادتك دون أن تكون مكرها‪ ،‬فكيف ل تجازى على خير فعلته بإرادتك؟‬
‫ول بد لنا أن نفرق بين " طوع " و " طائع " ‪ ،‬وكذلك نفرق بين هذا وبين الفعل الذي تقوم به حين‬
‫يحملك غيرك ويُكرهك أن تفعله‪.‬‬
‫والفعال كلها إما أن تكون بالطواعية وبالرادة‪ ،‬وإما أن تكون بالكراه‪ .‬ولو كان الحق قد قال‪:‬‬
‫أنفقوا‪ ،‬طاعة لما قال‪ } :‬لّن يُ َتقَ ّبلَ مِنكُمْ {؛ لن الطاعة معناها انصياع عابد لرادة معبود‪ ،‬ولكن‬
‫طوْعا { يكشف أن ما ينفقونه هو أمر اختياري من عندهم‪ .‬وكانت أحوال المنافقين‬
‫قوله هنا‪َ } :‬‬
‫كذلك‪ ،‬فمنهم من قدم أولده للجهاد‪ ،‬ومنهم من قدم بعضا من ماله‪ ،‬وكانوا يفعلون ذلك طائعين‬
‫لنفسهم ويستترون بمثل هذه الفعال حتى ل يفتضح نفاقهم‪ ،‬وكان الواحد يتقدم إلى الصف الول‬
‫من صفوف الصلة في المسجد‪ ،‬ويفعل ذلك ط ْوعَ إرادته‪ ،‬خوفا من افتضاح نفاقه ل طاعة ل‪،‬‬
‫فطاعة ال هي طاعة عابد لمعبود‪ ،‬أما مثل تلك الفعال حين تنبع من طوع النفس فهي للمظهر‬
‫وليست للعبادة‪.‬‬
‫طوْعا َأوْ كَرْها { هل هذا أمر بالنفاق؟ أو هل يريد منهم أن ينفقوا فعلً‪ ،‬خاصة أنه‬
‫} ُقلْ أَن ِفقُواْ َ‬
‫سبحانه لن يتقبل منهم؟ ل ليس هذا أمرا بالنفاق بل هو تهديد ووعيد‪ .‬مثلما تقول لنسان‪ :‬اصبر‪،‬‬
‫فذلك ليس أمرا بالصبر ولكن تهديد بمعنى‪ :‬اصبر فَستَرى مني هولً كثيرا‪ .‬وهذا مثل قوله‬
‫تعالى‪ {:‬فَاصْبِرُواْ َأ ْو لَ َتصْبِرُواْ‪[} ..‬الطور‪]16 :‬‬
‫عمَلُواْ مَا شِئْتُمْ‪[} ..‬فصلت‪]40 :‬‬
‫وقوله تعالى‪ {:‬ا ْ‬
‫أي‪ :‬أنكم إن صبرتم أو لم تصبروا فإن ذلك لن يغير شيئا من الجزاء الذي سوف تلقونه‪ ،‬فالمر‬
‫ل في‬
‫عمَلُواْ مَا شِئْ ُتمْ { أمرا؛ لكان كل من عمل معصية داخ ً‬
‫سواء‪ .‬ولو كان قوله تعالى‪ } :‬ا ْ‬
‫الطاعة؛ لن ال أمره أن يفعل ما يشاء‪ .‬ولكن هذا أمر تمهيدي‪ ،‬أي‪ :‬افعلوا ما شئتم فأنتم عائدون‬
‫إلى ال وسيحاسبكم على ما عملتموه‪ .‬ولن تستطيعوا الفرار من ال سبحانه‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬أَنفِقُواْ { هو ‪ -‬إذن ‪ -‬أمر تمهيدي؛ لنه لن يجديكم أن تنفقوا طوعا أو كرها‪.‬‬
‫وكلمة } كَرْها { وردت في القرآن الكريم في أكثر من سورة‪ ،‬فهي في سورة آل عمران‪ ،‬وفي‬
‫سورة النساء‪ ،‬وفي سورة التوبة‪ ،‬وفي سورة الحقاف‪ ،‬وفي سورة الرعد‪ ،‬وفي سورة فصلت‪ ،‬قد‬
‫ذكرت } كَرْها { بفتح الكاف وقرأها بعضهم بضم الكاف‪ .‬وقال البعض‪ :‬إن " كَرْها " بفتح الكاف‬
‫ل قول الحق‬
‫و " كُرْها " بضم الكاف بمعنى واحد‪ .‬نقول لهم‪ :‬ل‪ ،‬إن المعنى ليس واحدا‪ ،‬فمث ً‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ضعَتْهُ كُرْها‪[} ...‬الحقاف‪]15 :‬‬
‫حمَلَتْهُ ُأمّهُ كُرْها َو َو َ‬
‫سبحانه وتعالى‪َ {:‬‬
‫فالكُره هنا ليس للحمل ول للوضع‪ ،‬ولكن للمشقة التي تعانيها الحامل أثناء حملها وعند الولدة‪ .‬فلم‬
‫يكرهها أحد على هذا الحمل‪ .‬ولكن البعض يقول‪ :‬إن الحمل يحدث وليس للمرأة علج في أن‬
‫تحمل ول أن تضع‪ ،‬فل توجد امرأة تقول لنفسها‪ " :‬سوف أحمل الليلة "؛ لن الحمل يحدث دون‬
‫أن تَعيَ هي حدوثه‪ ،‬فالحمل يحدث باللقاء بين الرجل والمرأة‪ .‬والمرأة ل تستطيع أن تختار ساعة‬
‫الحمل ول أن تختار ساعة الولدة‪ ،‬ول تستطيع أن تقول‪ :‬سألد اليوم أو لن ألد اليوم‪.‬‬
‫فكل هذا يحدث إكراها بغير اختيار منها‪ .‬ولذلك نقول لمن يقولون أن " كَرْها " بفتح الكاف و "‬
‫كَرْها " بضم الكاف بمعنى واحد‪ :‬ل؛ لن " الكُرْه " بضم الكاف هو ما ل يريده النسان لن فيه‬
‫مشقة‪ ،‬و " الكَره " بفتح الكاف هو ما فيه إكراه من الغير‪ .‬إذن فـ " كَرْها " بفتح الكاف تختلف‬
‫في معناها عن " كُرْهًا " بضم الكاف‪.‬‬
‫الحق سبحانه وتعالى يقول‪:‬‬
‫طوْعا َأوْ كَرْها لّن يُ َتقَبّلَ مِنكُمْ { أي‪ :‬لن يقبل ال منكم ما تنفقونه‪ .‬ولكن ما الفرق؟ لقد‬
‫} ُقلْ أَن ِفقُواْ َ‬
‫كان المنافقون يدفعون الزكاة ويقبلها الرسول منه ولم يرفضها أدبا منه صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فكل‬
‫عمل يؤدى ثم يذهب إلى الرقيب العلى وهو الحق سبحانه وتعالى‪ .‬ولكن حدث أن واحدا من‬
‫هؤلء هو ثعبلة طلب من رسول ال صلى ال عليه وسلم أن يدعو له بالغنى‪ ،‬فلما دعا له ورزقه‬
‫ال الرزق الوفير بَخِل عن الزكاة‪ ،‬وحاول أن يتهرب من دفعها؛ فنزل القول الكريم‪َ {:‬ومِنْهُمْ مّنْ‬
‫ن وَلَ َنكُونَنّ مِنَ الصّاِلحِينَ * فََلمّآ آتَاهُمْ مّن َفضْلِهِ َبخِلُواْ بِهِ‬
‫عَاهَدَ اللّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن َفضْلِهِ لَ َنصّ ّدقَ ّ‬
‫عقَ َبهُمْ ِنفَاقا فِي قُلُو ِبهِمْ إِلَىا َيوْمِ يَ ْلقَوْنَهُ ِبمَآ َأخَْلفُواْ اللّهَ مَا وَعَدُو ُه وَ ِبمَا‬
‫وَ َتوَلّو ْا وّهُمْ ّمعْرِضُونَ * فَأَ ْ‬
‫كَانُواْ َي ْكذِبُونَ }[التوبة‪]77-75 :‬‬
‫وعندما نزلت هذه اليات جاء ثعلبة ليدفع الزكاة لرسول ال صلى ال عليه وسلم فلم يقبلها منه‪.‬‬
‫وعندما توفي رسول ال صلى ال عليه وسلم جاء ثعلبة إلى أبي بكر رضي ال عنه فلم يقبل منه‬
‫الزكاة‪ .‬وبعد أبي جاء إلى عمر بن الخطاب رضي ال عنه فلم يقبلها منه‪ .‬ومات ثعبلة في عهد‬
‫عثمان‪ .‬هذا هو عدم القبول‪.‬‬
‫ولكن هناك في عهد الرسول صلى ال عليه وسلم من دفع الزكاة من المنافقين وقُبَلتْ منه‪ ،‬ولكن‬
‫ال لم يتقبلها منه‪ .‬إذن‪ :‬فكل عمل قد يُقبل من فاعله‪ ،‬ولكن ال سبحانه وتعالى قد يتقبله أو قد ل‬
‫يتقبله‪ .‬إذن فالية معناها‪ :‬أنه ال لن يتقبل من هؤلء المنافقين إنفاقهم في الخير ولو تقبله البشر‪.‬‬
‫ثم يعطينا الحق سبحانه وتعالى السبب في ذلك فيقول‪:‬‬
‫سقِينَ { وكما قلنا‪ :‬إن كلمة الفاسق مأخوذة من " فسقت الرّطَبَة " أي انفصلت‬
‫} إِ ّن ُكمْ كُنتُمْ َقوْما فَا ِ‬
‫القشرة عن الثمرة‪ .‬وقشرة البلح مخلوقة لتحفظ الثمر‪ .‬وعلمنا أن المعاني في التكليف الشرعي قد‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أُخذت من المور الحسّية؛ ولهذا تجد أن الدين سياج يمنع النسان من أن يخرج على حدود ال‬
‫ويحفظه من المعصية‪ ،‬والنسان حين ينفصل عن الدين إنما يصبح كالثمرة التي انفصلت عن‬
‫سياجها‪.‬‬
‫فالذي يشرب الخمر أو يرتكب الجرائم أو الزنا يُعاقب على معصيته‪ ،‬أما إن كان النسان منافقا‬
‫بعيدا عن اليمان بال فطاعته ل تقبل‪ .‬و َهبْ أن النسان مؤمن بال ولكنه ضعيف أمام معصية‬
‫ما‪ ،‬هنا نقول‪ :‬ل شيء يجور على شيء‪ ،‬إن له ثوابَ إيمانه وعليه عقاب معصيته‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالفسق في هذه الية الكريمة ليس هو الخروج عن مطلق الطاعة‪ .‬ولكنه فسق من نوع‬
‫خاص؛ لن هناك فسقا محدودا وهو أن يخرج النسان عن مجرد تكليف‪ .‬ولكن الفسق الكبير هو‬
‫أن يكفر النسان بال‪ .‬ولذلك جاءت الية الكريمة التالية } َومَا مَ َن َعهُمْ أَن ُتقْ َبلَ مِ ْنهُمْ َنفَقَا ُتهُمْ‪{ ..‬‬

‫(‪)1275 /‬‬
‫َومَا مَ َن َعهُمْ أَنْ ُتقْبَلَ مِ ْنهُمْ َن َفقَا ُتهُمْ إِلّا أَ ّنهُمْ كَفَرُوا بِاللّ ِه وَبِرَسُوِل ِه وَلَا يَأْتُونَ الصّلَاةَ إِلّا وَهُمْ ُكسَالَى وَلَا‬
‫يُ ْنفِقُونَ إِلّا وَهُمْ كَارِهُونَ (‪)54‬‬

‫إذن‪ :‬فالفسق نوعان‪ :‬فسق خاص‪ .‬وقد يقول البعض‪ :‬إنك إن ارتكبت معصية فصلتك وزكاتك‬
‫وكل عباداتك ل تنفعك‪.‬‬
‫ونقول‪ :‬ل فما دامت القمة سليمة؛ إيمانا بال وإيمانا بالرسول عليه الصلة والسلم وتصديقا‬
‫بالمنهج‪ ،‬فلكل عمل عبادي ثوابه‪ ،‬ولكل ذنب عقابه؛ لن الحق سبحانه مطلق العدالة والرحمة‪،‬‬
‫ول يمكن أن يضع كل الشرور في ميزان النسان‪ .‬فمن كان عنده خصلة من خير فسوف يأخذ‬
‫جائزتها وثوابها‪ ،‬ومن كان عنده خصلة من شر فسوف ينال عقابها‪.‬‬
‫وقوله الحق هنا { َومَا مَ َن َعهُمْ أَن ُتقْ َبلَ مِ ْنهُمْ َن َفقَا ُتهُمْ ِإلّ أَ ّنهُمْ َكفَرُواْ بِاللّ ِه وَبِرَسُولِهِ } ‪ ،‬هذا القول‬
‫الكريم هو حيثية للحكم بعدم قبول نفقاتهم‪ ،‬وفي هذا تحديد لعموم الفسق وهو الكفر‪ ،‬ل في‬
‫خصوص الفسق‪ ،‬وحدد الحق ثلث أشياء منعت التقبل منهم‪ :‬الكفر بال ورسوله وهو كفر القمة‪،‬‬
‫ثم قيامهم إلى الصلة وهم كسالى‪ ،‬ثم النفاق بكراهية‪.‬‬
‫ونفعهم المنع على أنه رَدّ الفعل إلى ما ينقض العمل أو ينافيه؛ كأن يريد إنسان القيام فتُعده‪ ،‬أي‬
‫أنك رددت إرادة القيام إلى القعود‪ ،‬وهو ما ينافيه‪ ،‬أو أن يحاول إنسان ضرب آخر فتمنع يده‪،‬‬
‫فتكون بذلك قد منعت غيره من أن يعتدى عليه‪ .‬إذن فالمنع مرة يأتي للفاعل ومرة للمفعول‪ .‬فأنت‬
‫حين تمنع زيدا من الضرب تكون قد منعت الفاعل‪ ،‬وحين تمنع عنه الضرب تكون قد منعت‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫المفعول‪ ،‬وكل فلسفة الحياة قائمة على المنع‪ ،‬الذي يوجزه الفعل ورد الفعل‪ ،‬تجد ذلك في النسان‬
‫وفي الزمان وفي المكان‪.‬‬
‫وإذا بحثت هذه المسألة في النسان تجد أن حياته تقوم على التنفس والطعام والشراب‪ ،‬والتنفس‬
‫هو المر الذي ل يصبر النسان على التوقف عنه‪ ،‬فإن لم تأخذ الشهيق انتهت حياتك‪ ،‬وإن كتمت‬
‫الزفير انتهت حياتك‪ .‬وإذا منعت الهواء من الدخول إلى الرئتين يموت النسان‪ ،‬وإذا منعت خروج‬
‫الهواء من الرئتين يموت النسان أيضا‪.‬‬
‫وحركة العالم كله مبنية على الفعل وما يناقضه‪ .‬فإذا حاول إنسان أن يضرب شخصا آخر‬
‫وأمسكتَ يده‪ ،‬وقلت له‪ :‬سيأتي أبناؤه أو إخوته أو عائلته ويضربونك‪ ،‬حينئذ يمتنع عن الفعل خوفا‬
‫من رد الفعل‪ .‬والعالم كله ل يمكن أن يعيش في سلم إل إذا كان هناك خوف من رد الفعل؛‬
‫القوى يواجه قويا‪ ،‬والكل خائف من َر ّد فعل اعتدائه على الخر‪ .‬ولكن إذا واجه قوى ضعيفا‪ ،‬تجد‬
‫القوى يفتك بالضعيف‪.‬‬
‫وهكذا العالم كله‪ ،‬فالكون إما ساكن وإما متحرك‪ .‬وتجد الكون المتحرك فيه قوى متوازية تعيش‬
‫في سلم خوفا من رد الفعل‪ .‬وكذلك تجد العالم الساكن؛ فالعمارة الشاهقة تستمد ثباتها وسكونها‬
‫من أن الهواء ل يأتي من جهة واحدة‪ ،‬ولكن من جهات متعددة تجعل الضغط متوازنا على كل‬
‫غتَ الهواء من ناحية وجعلته يهب من ناحية أخرى لتحطمت العمارة‪،‬‬
‫أجناب العمارة‪ ،‬ولكن لو فرّ ْ‬
‫تماما كما تُف ّزغُ الهواء من إناء مغلق فيتحطم‪.‬‬
‫وقول الحق سبحانه وتعالى‪:‬‬
‫} ِإلّ أَ ّنهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَبِرَسُولِهِ { ل يعني أن ألسنتهم لم تنطق بالشهادة‪ ،‬ل‪ ،‬فقد شهد المنافقون‬
‫قولً‪ ،‬ولكن هناك فرق بين قولة اللسان وتصديق الجنان؛ فاليمان محله القلب‪ ،‬والمنافقون جمعوا‬
‫بين لسان يشهد وقلب ينكر‪ ،‬فأعطاهم الرسول حق شهادة اللسان‪ ،‬فلم يتعرض لهم ولم يأسرهم ولم‬
‫يقتلهم‪ ،‬وأعطاهم نفس الحقوق المادية المساوية لحقوق المؤمنين‪ ،‬وكل ذلك احتراما لكلمة " ل إله‬
‫إل ال محمد رسول ال " التي نطقوا بها؛ ولن باطنهم قبيح‪ ،‬فالحق سبحانه يجازيهم بمثل ما في‬
‫باطنهم‪ ،‬ويعاقبهم‪ ،‬فل يأخذون ثوابا على ما يفعلونه ظاهرا وينكرونه باطنا‪ .‬وهكذا كان التعامل‬
‫معهم منطقيا ومناسبا‪ .‬فما داموا قد أعطوا ظاهرا‪ ،‬فقد أعطاهم ال حقوقا ظاهرة؛ ولنهم لم يعطوا‬
‫باطنا طيبا‪ ،‬فلم ُيعْطِهم ال غيبا من ثوابه وغيبا من جنته وعاقبهم بناره‪.‬‬
‫ل وَهُمْ ُكسَالَىا { والكسل‪ :‬هو‬
‫ونأتي إلى السبب الثاني في قوله تعالى‪َ } :‬ولَ يَأْتُونَ الصّلوةَ ِإ ّ‬
‫التراخي في أداء المهمة‪ .‬إذن فهم يصلون رياءً‪ ،‬فإن كانوا مع المؤمنين ونُودي للصلة قاموا‬
‫متثاقلين‪ .‬وإن كانوا حيث ل يراهم المؤمنون فهم ل يؤدون الصلة‪ .‬إذن فسلكوهم مليء بالزدواج‬
‫والتناقض‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والسبب الثالث‪َ } :‬ولَ يُنفِقُونَ ِإلّ وَ ُهمْ كَارِهُونَ { والنفقة هي بذل ما عندك من فضل ما أعطاه ال‬
‫لك؛ سواء أكان ذلك مالً أم علما أم جاها أم قوة‪ ،‬وهذا ما يحقق التوازن في المجتمع؛ لن كل‬
‫مجتمع به أعراض كثيرة‪ ،‬تجد القوي والضعيف‪ ،‬الغني والفقير‪ ،‬العالم والجاهل‪ ،‬الصحيح‬
‫والمريض‪ .‬ولو أن كل إنسان تحرك في حياته على قدر حاجته فقط لهلك الضعفاء والمرضى‬
‫والعاجزون والفقراء‪ .‬ولكن لبد أن يعمل كل إنسان على قدر طاقته‪ ،‬وليس على قدر حاجته‪،‬‬
‫ولبد أن يأخذ من ناتج عمله على قدر حاجته ومن يعول‪ ،‬فأنت تأخذ حاجتك من ثمرة طاقتك‪ ،‬ثم‬
‫تفيء على غيرك بفضل ال عليك‪ ،‬خصوصا على هؤلء الذين ل يقدرون على الحركة في‬
‫الحياة‪ ،‬فالصحيح يعطي المريض من قوته ما يعينه على الحياة‪ .‬والغني يعطي الفقير من ماله ما‬
‫يعينه على الحياة‪ .‬والقادر على الحركة يعطي من ل يقدر عليها‪ ،‬هذا هو المجتمع المتكافل‪.‬‬
‫ومثل هذا السلوك هو لصالح الجميع؛ لن الغني اليوم قد يكون فقيرا غدا‪ ،‬والقوى اليوم قد يكون‬
‫ضعيفا غدا‪ ،‬فلو أحس النسان بأنه يعيش في مجتمع متكافل فهو لن يخشى الحداث والغيار‪.‬‬
‫وهذا هو التأمين الصحيح للقادر والغني ويشعر فيه كل إنسان بالتضامن والتكافل‪ ،‬فل ينشغل‬
‫الفقير خوفا من الحداث المتغيرة‪ ،‬وإن مات فلن يجوع عياله‪ ،‬وإن افتقر الغني فسوف يجد‬
‫المساندة‪ ،‬وإن مرض الصحيح فسوف يجد العلج‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالنفقة أمر ضروري لسلمة المجتمع‪ ،‬ونجد أن السوق توصف بأنها نافقة‪ ،‬وهي التي يتم‬
‫فيها بيع كل من السلع وشراؤها‪ .‬فمن أراد أن يبيع باع‪ ،‬ومن أراد أن يشتري اشترى‪ ،‬إذن‬
‫فالحركة فيها متكافئة‪ .‬وأنت حين تذهب إلى السوق لتبيع أو تشتري‪ ،‬فإما أن تأخذ مالً نقديا مقابل‬
‫ما ِب ْعتَ‪ ،‬وإما أن تدفع مالً ثمنا لما اشتريت‪ .‬وقديما كان النسان يبادل السلعة بسلعة أخرى‪ .‬وبعد‬
‫اختراع النقود أصبح النسان يشتري السلع بثمن‪ ،‬ومن ينفق ماله ويقدمه عند ال‪ ،‬فالحق سبحانه‬
‫يأني له بكل خير‪.‬‬
‫وقد أراد الحق سبحانه للمنافقين العذاب الباطني في الدنيا‪ ،‬والعذاب الواقع أمام الكل في الخرة‪،‬‬
‫طوْعا أو كَرْها لن يأتي لهم بالخير‪.‬‬
‫وبيّن لهم أن إنفاقهم َ‬
‫ولكن من ينظر إلى المنافقين قد يجد أنهم يستمتعون بالمال والولد‪ .‬ول يلتفت النسان الناظر إليهم‬
‫إلى أن المال والولد هما أدوات عذابه‪ .‬وقد يقول إنسان‪ :‬إن ال قد قال‪ {:‬ا ْلمَالُ وَالْبَنُونَ زِي َنةُ‬
‫الْحَيَاوةِ الدّنْيَا‪[} ..‬الكهف‪]46 :‬‬
‫ونقول لمن يقول ذلك‪ :‬أكمل الية‪ {:‬وَالْبَاقِيَاتُ الصّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَ ّبكَ َثوَابا وَخَيْرٌ َأمَلً }[الكهف‪:‬‬
‫‪]46‬‬
‫والحق سبحانه وتعالى يقول‪ {:‬إِ ّنمَآ َأ ْموَاُلكُ ْم وََأوْلَ ُد ُكمْ فِتْنَةٌ‪[} ..‬التغابن‪]15 :‬‬
‫وال يخاطب رسوله صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وفي طي هذا الخطاب خطابٌ لجميع المسلمين‪ ،‬وهنا‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يقول الحق سبحانه‪ } :‬فَلَ ُتعْجِ ْبكَ َأ ْموَاُلهُ ْم َولَ َأ ْولَدُهُمْ‪{ ..‬‬

‫(‪)1276 /‬‬
‫سهُمْ وَهُمْ‬
‫فَلَا ُتعْجِ ْبكَ َأ ْموَاُلهُ ْم وَلَا َأوْلَادُهُمْ إِ ّنمَا يُرِيدُ اللّهُ لِ ُيعَذّ َبهُمْ ِبهَا فِي ا ْلحَيَاةِ الدّنْيَا وَتَزْهَقَ أَ ْنفُ ُ‬
‫كَافِرُونَ (‪)55‬‬

‫وإياكم أن تروا واحدا من هؤلء ممن رزقهم ال المال والولد ثم تقولون‪ :‬كيف يكون عذابهم في‬
‫الدنيا وهم يملكون المال والولد؟ ومثل هذا التعجب يعني استحسان المال والولد‪ ،‬والظن أن فيهما‬
‫الخير كله‪ ،‬لكنك إن نظرت بعمق إلى المال والولد وكل حطام الدنيا فستجده ل يستحق العجاب‪،‬‬
‫وإياك أن تغتر بشيء يمكن أن يتركك‪ ،‬ويمكن أن يكون سببا في عذابك‪ ،‬فالمال والولد قد يجعلن‬
‫النسان ملتفتا إلى النعمة ويلهيانه عن المنعم‪ .‬وإن لم يلتفت النسان إلى المنعم ل يذكره‪ .‬وإن لم‬
‫يذكر ال أهمل منهجه‪.‬‬
‫والمال والولد في الحياة الدنيا قد يكونان سببين في أن يخاف النسان ترك الدنيا‪ .‬فإن لم يكن لك‬
‫إيمان بما عند ال في الخرة‪ ،‬فقد تخاف أن يتركك المال أو الولد‪ .‬والذي ل يؤمن باليوم الخر؛‬
‫فالدنيا هي كل زمنه؛ وإن فاتها كان ذلك مصيبة له‪ ،‬وإن فاتته كان ذلك مصيبة عليه‪ .‬وإن آمن‬
‫النسان بال واليوم الخر لقال‪ :‬لئن فاتتني الدنيا فلي عند ال خير منها‪ .‬ويريد الحق سبحانه أن‬
‫يمنع عن المؤمنين به فتنة النعمة التي تُ ْلهِي عن المنعم‪ ،‬فيقول سبحانه‪:‬‬
‫{ فَلَ ُت ْعجِ ْبكَ َأ ْموَاُلهُ ْم َولَ َأ ْولَدُ ُهمْ } والية الكريمة تدلّنا على أن للمال وحده إعجابا‪ ،‬وللولد‬
‫وحدهم إعجابا‪ ،‬فمن عنده مال معجب بما عنده‪ .‬ومن ليس عنده مال وعنده أولد معجب بهم‬
‫أيضا‪ .‬فإذا اجتمع الثنان معا يكون العجاب أكبر وأشمل‪ .‬والحق سبحانه وتعالى يريدنا أن نفهم‬
‫أن اجتماع المال والولد يجب أل يثير العجاب في نفوسنا‪ ،‬بل إن سياق الية يحذرنا من أن‬
‫نعجب بمن عنده المال وحده‪ ،‬أو بمن عنده الولد وحدهم‪ ،‬لذلك كرر الحق سبحانه وتعالى كلمة‪:‬‬
‫{ ل } فقال‪ { :‬فَلَ ُت ْعجِ ْبكَ َأ ْموَاُلهُ ْم َولَ َأ ْولَدُ ُهمْ }‪.‬‬
‫وأفهمنا الحق سبحانه وتعالى أنه إذا أمد الكافر أو المنافق بالمال والولد؛ فلذلك ليس رفعة من‬
‫شأنه‪ ،‬وإنما ليعذبه بهما في الدنيا والخرة‪ .‬فقال‪ { :‬إِ ّنمَا يُرِيدُ اللّهُ لِ ُي َعذّ َبهُمْ ِبهَا } ‪ ،‬واللم هنا في "‬
‫لِ ُيعَذّ َبهُمْ " هي لم تدخل على الفعل واسمها " لم العاقبة "‪ .‬وهي تعني أننا ربما نقوم بالفعل لهدف‬
‫معين‪ ،‬ولكن قد تكون عاقبته شيئا آخر تماما غير الذي قصدناه‪ ،‬بل ربما تكون عكس الذي‬
‫قصدناه‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ع ُدوّا وَحَزَنا‪...‬‬
‫عوْنَ لِ َيكُونَ َلهُمْ َ‬
‫وعندما نقرأ القرآن نجد قول الحق سبحانه وتعالى‪ {:‬فَالْ َتقَطَهُ آلُ فِرْ َ‬
‫}[القصص‪]8 :‬‬
‫هل التقط آل فرعون موسى عليه السلم ليكون لهم عدوا؟ أم ليكون قرة عين لهم؟‬
‫هم قد التقطوه ليكون قرة عين لهم‪ ،‬ولكن الذي حدث كان عكس ما قصدوه ساعةَ قيامهم بفعل‬
‫اللتقاط‪ ،‬فبدلً من أن يصبح موسى قرة عين‪ ،‬أصبح عدوا لفرعونن بل كان سببا في زوال مُلْكه‪،‬‬
‫إذن هذه هي لم العاقبة‪.‬‬
‫وال سبحانه وتعالى أعطى لبعض الكفار أموالً وأولدا‪ ،‬وهذا في ظاهره رفعة في الدنيا‪ ،‬ولكنهم‬
‫بدلً من أن يستخدموا هذه النعمة في التقرب إلى ال ألهتهم عن اليمان بال‪ ،‬ووصل بهم المر‬
‫إلى أن يدخلهم الحق في العذاب‪ .‬ولم يُرِد الحق العذاب لهم‪ ،‬ولكنهم بحركتهم وفتنتهم بالمال والولد‬
‫استحقوا أن يدخلوا في العذاب‪ .‬والعمل غير الشرعي في تنمية المال أو إرضاء الولد هو الذي‬
‫أوصلهم إلى العذاب‪.‬‬
‫} إِ ّنمَا يُرِيدُ اللّهُ لِ ُيعَذّ َبهُمْ ِبهَا فِي ا ْلحَيَاوةِ الدّنْيَا { وأول ألوان العذاب‪ :‬أن تلهيهم تلك النعمة عن‬
‫المنعم‪ .‬وتبعدهم عن منهج ال فيصيرون في عداء مع المؤمنين بمنهج ال‪ ،‬ويخافون إعلن هذا‬
‫العداء؛ لذلك حينما كان يرسل الرسول صلى ال عليه وسلم في طلب واحد من المنافقين أو اليهود‬
‫كانوا يرتعدون ويتساءلون‪ :‬هل اكتشف الرسول أمرنا أم كشف ال لنا بعض خبايانا؟ وكانوا في‬
‫خوف أن يفتضح في خوف أن يفتضح أمرهم‪ ،‬فيعاملهم معاملة المشركين ويشردهم‪.‬‬
‫وثانيا‪ :‬كانوا يخافون من أن يدخل الرسول صلى ال عليه وسلم في حرب؛ لنهم ما داموا قد‬
‫أعلنوا اليمان فهم مطالبون ببذل المال‪ ،‬وأن يذهب أولدهم الذين بلغوا سن القتال مع جيش‬
‫المسلمين‪ ،‬وكانوا يقولون بينهم وبين أنفسهم‪ :‬ما لنا نبذل المال ونضحي بالولد في سبيل ما ل‬
‫نؤمن به‪ .‬وهم بمشاعرهم تلك يختلفون عن مشاعر المؤمنين الذين يُلبّون نداء رسول ال طمعا في‬
‫الجنة أو النصر‪ .‬وهذا لون من ألوان العذاب‪.‬‬
‫وهناك لون آخر من العذاب‪ :‬عندما يخرج هؤلء المنافقون إلى إحدى الغزوات‪ ،‬فهم يخافون على‬
‫أنفسهم من القتل أو الذى بالسر أو سبي النساء‪ ،‬فيكونون في عذاب نفسي طوال الرحلة إلى‬
‫الغزوة وفي أثناء الحرب‪.‬‬
‫ولون ثالث من ألوان العذاب‪ :‬أن عابد المال يجمع المال من حرام ومن حلل‪ ،‬ل يهمه من أين‬
‫ل يكون واضح الحركة في الحياة‪ ،‬والذي‬
‫جاء المال؟ ولكن يهمه أن يأتي‪ ،‬والذي يكسب حل ً‬
‫يكسب حراما هو لص يخاف أن ينكشف أمام الناس‪ ،‬ويعيش في عذاب أليم دائم من أن يأتي يوم‬
‫يكشف ال ستره فيعرف الناس أنه ارتشى‪ ،‬أو أنه اختلس‪ ،‬أو أنه َزوّرَ وَزيّف‪ .‬أو أنه فعل شيئا‬
‫يُحقّره في أعين الناس أو يُعرّضه للعقوبة؛ كأن يكون قد تاجر في المخدرات أو في العراض‪ .‬أو‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫في غير ذلك‪ ،‬وخوفه من انكشاف أمره يجعله يعيش في عذاب دائم وصراع مستمر‪.‬‬
‫وإذا أردنا أن نعرف الفرق بين الحلل والحرام نضرب هذا المثل‪ :‬أنت إن أعجبك شيء في بيت‬
‫جارك‪ ،‬وطلبته منه وأعطاك إياه‪ ،‬فأنت ل تخشى أن يعرف الناس ما حدث‪ .‬ولكن إذا أعجبك‬
‫شيء في بيت جارك وأردت أن تسرقه‪ ،‬فأنت ل تأتي في النهار ول أمام الناس‪ ،‬بل تأتي ليلً‬
‫وتحرص على أل يراك أحد‪.‬‬
‫ول تدخل من باب الشفقة‪ ،‬بل تظل تدور وتخطط لتجد منفذا تدخل منه دون أن يراك أحد‪ .‬وتضع‬
‫خطة للسرقة‪ .‬وتدخل المنزل على أطراف أصابعك وأنت ترتعد‪ .‬فإذا شعرت وأنت تنفذ الخطة‬
‫بصوت أقدام تنزعج وتجري لتختبئ وتأخذ الشيء وتكون حريصا على إخفائه وإن رآه أحد عندك‬
‫انزعجت‪ ،‬وكل هذا عذاب يمر به كل من يجمع المال الحرام‪ ،‬إذن فجمع المال الحرام عذاب‪.‬‬
‫وكل من يربي أولده من مال حرام ل يبارك ال لهم فيهم‪ ،‬فإما أن ينشأ الواحد منهم عذابا لبيه‬
‫في تربيته فيرسب في المتحانات‪ .‬ويُتلف المال في النفاق بل وعي‪ .‬فكلما أعطيته أكثر احتاج‬
‫إلى المزيد من المال أكثر‪ .‬ومثل هذا البن ل يطيع أباه‪ .‬ويكون العذاب الكبر حينما ينشأ أحد‬
‫أبناء هذا النسان ويكون البن مؤمنا إيمانا صادقا بال‪ ،‬فيرفض أن يأكل أو يلبس من مال أبيه‪،‬‬
‫أو أن يناقشه من أين جاء بهذا المال ويسمع منه ما يكره‪ ،‬ويتمرد دائما عليه‪.‬‬
‫وفي عهد رسول ال صلى ال عليه سلم كان أبو عامر عدوا ل ورسوله‪ .‬وكان ابنه حنظلة‬
‫مؤمنا‪ ،‬وكلما رأى أبو عامر ابنه كان قلبه يغلي بالغيظ‪ ،‬وعندما نودي للقتال‪ ،‬وسمع حنظلة نداء‬
‫الجهاد بعد أن فرغ من الستمتاع مع زوجته فلم يصبر إلى أن يغتسل من الجنابة‪ ،‬بل سارع إلى‬
‫الحرب مع رسول ال صلى ال عليه وسلم واستشهد في المعركة‪ ,‬ولكن كيف عرف الصحابة‬
‫قصة حنظلة‪ ،‬مع أن هذه المسألة تكون سرا بين الرجل وزوجته ل يعرفه أحد؟ لقد عرف‬
‫المؤمنون بخبر حنظلة حين رأى رسول ال صلى ال عليه وسلم بإشراقات ال أن الملئكة تنزل‬
‫غسْلً من‬
‫من السماء وتُغسّل حنظلة‪ .‬ولما كان الشهيد ل يُغسل‪ ،‬فقد عرف الرسول أن هذا ليس ُ‬
‫غسْل حتى ل ُيقْ ِبلَ الشهيد على ال وهو جُنُب‪ ،‬رأى الرسول صلى ال عليه‬
‫الشهادة‪ ،‬وإنما هو ُ‬
‫وسلم ما حدث لحنظلة‪ ،‬وعندما عاد إلى المدينة بعث إلى زوجة حنظلة وسألها‪ :‬ماذا حدث ساعة‬
‫غسْل‪ .‬وتأمل كيف‬
‫ساعة خروج حنظلة إلى المعركة؟ فقالت أنه سمع نداء القتال‪ ،‬خرج بدون ُ‬
‫نزلت الملئكة لتغسل شهيدا هو ابن عدو ال ورسوله‪ .‬وكيف يكون هذا غَيْظا في قلب الب‪.‬‬
‫وقصة أخرى‪ :‬سيدنا عبدال بن عبدال بي أبيّ؛ والده عبدال بن أبيّ كان زعيم المنافقين في‬
‫المدينة‪ ،‬وهو الذي انسحب يوم أحد ومعه ثلث المقاتلين من المعركة‪ .‬ويسمع عبدال أن صحابة‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬يطلبون منه الذن بقتل والده ابن أبيّ‪ ،‬انظروا إلى اليمان‪ .‬فها‬
‫هو البن يذهب إلى رسول ال عليه الصلة والسلم‪ ،‬ويقول له‪ :‬يا رسول ال إن كنتَ آمرا بقتل‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫غلّ عليه‪.‬‬
‫أبي فأمرني بقتله؛ حتى ل ألقي قاتله من المسلمين وفي قلبي ِ‬
‫وعندما يسمع الب أن ابنه يطلب أن يكون قاتله‪ ،‬أليس هذا عذابا في قلبه؟ وهكذا نرى أن الموال‬
‫والولد الذين كان من المفروض أن يكونوا نعمة يصبحون نقمة‪ ،‬أليس هذا عذابا في الدنيا؟‬
‫ولكن غير المؤمنين ل يلتفتون إلى واهب النعمة‪ ،‬ول إلى الجزاء الذي ينتظرهم في الخرة‪ ،‬ول‬
‫ينتبهون إلى حكمة الخلق التي تؤكد أن النسان خليفة ال في الرض‪ ،‬وأن ال قد أعدّ الرض‬
‫بكل ما فيها من إمكانات ومن خيرات لتكون في خدمة هذا الخليفة‪ ،‬أي‪ :‬أنه أقبل على عالم كامل‬
‫من كل شيء؛ معدا له إعدادا فوق قدراته وطاقاته‪.‬‬
‫ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى في حديث قدسي‪ " :‬خلقتُ الشياء من أجلك‪ ،‬وخلقتُك من أجلي‪،‬‬
‫فل تشتغل بما هو لك عما أنت له "‬
‫أي‪ :‬ل تشتغل بالنعمة عن المنعم‪ ،‬تماما كما يدخل النسان إلى وليمة كبيرة‪ ،‬فيجد المائدة مُعدّة‬
‫بكل ألوان الطعام‪ ،‬وصاحب المائدة واقف فل يحييه ول يسلم عيه ويذهب مباشرة إلى الطعام‪،‬‬
‫فيُحسّ الناس أن هذا النسان جاحد بكرم الضيافة‪ .‬بينما نجد رجلً آخر يدخل فيسلم على صاحب‬
‫الوليمة ويشكره على كرمه ويشيد به‪ ،‬الول‪ :‬انشغل بالنعمة‪ ،‬والثاني‪ :‬لم يُنْسه انشغاله بالنعمة أن‬
‫يشكر مَنْ أعدها له‪.‬‬
‫ومثال آخر‪ :‬إن الصحة هي من أثمن النعم‪ .‬أما المرض فإنه أقسى ما يمكن أن يصاب به‬
‫النسان؛ لن الصحة هي التي تجعل النسان يتمتع بنعم الحياة‪ ،‬أما المرض فيحرمه هذه النعمة‪.‬‬
‫ولذلك فعندما يمرض النسان يعوضه ال بأنه بدلً من أن يكون في معيّة النعمة‪ ،‬يكون في معيّة‬
‫المنعم وهو ال سبحانه‪ .‬ولذلك يقول في حديث قدسي‪:‬‬
‫" عبدي فلن مرض فلم َت ُعدْني‪ .‬فيقول له‪ :‬يا رب وكيف أعودك وأنت رب العالمين؟ فيقول له‪:‬‬
‫أما عل ْمتَ أنك لو عُدته لوجدتني عنده "‬
‫قولوا لي بال‪ :‬أيضيق أي مريض عندما يعرف أن الصحة كانت نعمة من ال وفارقته‪ ،‬ولكن‬
‫المرض جعله مع المنعم‪ ،‬وهو ال سبحانه وتعالى؟ ل‪ ،‬بل إن ذلك يخفف عنه وطأة المرض‪،‬‬
‫ويجعله يشعر أن النْسَ بال يخفف عنه اللم‪ .‬لكنك للسف تجد النسان غير منطقي مع نفسه‪،‬‬
‫فالعالم خُلق من أجل النسان‪ .‬والنسان خُلق ليعبد ال‪ .‬ولكنك تجده ل يلتفت لما خُلق من أجله‪،‬‬
‫بل يلتفت للشياء التي خُلقت له‪ .‬وقد كان من المنطقي أن ينشغل بما خُلق من أجله‪.‬‬
‫وإذا أخذنا مثلً منطق النسان مع الزمن‪ ،‬نجد أن الزمن إما أن يكون حاضرا أو ماضيا أو‬
‫مستقبلً‪ .‬فإذا أردنا أن نذهب إلى ما ل نهاية نقول‪ :‬إن الزمن حاضر وأزلي وأبدي‪.‬‬
‫والزلي‪ :‬هو القديم بل بداية‪ .‬والبد‪ :‬هو المستقبل بل نهاية‪ .‬والحاضر‪ :‬هو ما نعيش فيه‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والوجود الذي تراه أمامك خلقه الحق سبحانه واجبُ الوجود وبكلمة " كن " جاء كل " ممكن‬
‫الوجود "؛ لن كل وجود يحتاج إلى مُوجد هو وجزد ممكن‪ ،‬وسيأتي له عدم‪ .‬أما الوجود غير‬
‫المحتاج إلى موجد فهو وجود ل ينتهي‪ .‬أي‪ :‬أن واجب الوجود هو وجود ال وحده سبحانه‬
‫وتعالى‪ .‬ولذلك فهو وجود أزلي قديم بل نهاية‪ ،‬وأبد باقٍ بل نهاية‪ .‬وبذلك فهو يخرج عن الزمن‪.‬‬
‫نأتي بعد ذلك إلى المخلوقات الممكنة‪ ،‬أي التي لها مُوجدٌ‪ ،‬وهي كل ما في الكون ما عدا ال‬
‫سبحانه وتعالى‪ ،‬ومنها هذه الدنيا التي يعبدها بعض الناس من دون ال‪ ،‬هذه الدنيا ليس لها أزل‬
‫ول أبد‪ ،‬فالدنيا لم توجد إل عندما خلق ال السماوات والرض‪ ،‬أي ليس لها وجود بل نهاية‪.‬‬
‫ولكن كان وجودها ببداية‪ .‬إذن فهي ليست أزلً‪ ،‬وهي ليست أبدا لنها تنتهي بيوم القيامة‪.‬‬
‫ولذلك ل يجتمع في قلب المؤمن حب ال وحب الدنيا؛ لن ال أزل وأبد‪ ،‬والدنيا ل أزل ول أبد‪،‬‬
‫بل عمر الدنيا بالنسبة للنسان هي بمقدار عمره فيها‪ .‬وقبل ميلده ل علقة له بها‪ ،‬وبعد الموت‬
‫ل علقة له بها‪ .‬وحتى إذا أخذنا الدنيا غي عمومها فإن لها بداية ونهاية‪ ،‬فكيف يمكن أن يجتمع‬
‫في قلب المؤمن حب من ل بداية له ول نهاية‪ ،‬وحب من له بداية ونهاية؟ ل يجتمعان‪.‬‬
‫ولذلك قال شيخنا الزمخشري رضي ال عنه‪ :‬ما دام هذا الكون فيه وجود‪ ،‬يكون الوجود‪ :‬إما‬
‫واجبا‪ ،‬وإما ممكنا‪ .‬والوجود الواجب ل وحده‪ .‬والوجود الممكن هو كل ما عدا ال‪ ،‬ول يوجد أزل‬
‫ول أبد إل للحق سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫فإذا قلنا‪ :‬إن هناك وجودا فيه أزل وليس فيه أبد‪ ،‬نقول‪ :‬إن هذا ممتنع عقلً؛ لن الذي ل تكون له‬
‫بداية ل تكون له نهاية‪ .‬أي‪ :‬يكون دائم الوجود‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فيبقى أن يكون الوجود له أبد وليس له أزل‪ ،‬أي‪ :‬له بداية وليس له نهاية‪ .‬ونقول‪ :‬إن هذا‬
‫يجتمع في اثنتين؛ الخرة والنسان؛ النسان له بداية وهي تاريخ خَلْقه‪ ،‬وليس له نهاية؛ لنه بعد‬
‫أن يموت يُب َعثُ مرة أخرى‪ ،‬إما أن يخلد في النعيم‪ ،‬وإما أن يُع ّذبَ قليلً‪ ،‬ويدخل الجنة وإمّا يخلد‬
‫ والعياذ بال ‪ -‬في النار‪.‬‬‫وكذلك الخرة لم يأت زمنها بعد‪ .‬إذن فهي لم تبدأ بعد‪ ،‬ولكنها متى بدأت فليس لها نهاية؛ لن‬
‫هناك حياة أبدية في الجنة أو في النار‪ .‬إذن‪ :‬فالنسان والخرة اشتركا في شيء واحد‪ ،‬ول بد أن‬
‫يربط النسان نفسه بالخرة؛ فالذي يأخذ الدنيا إنما أخذ شيئا له بداية ونهاية‪ ،‬ولكن الذي يطبق‬
‫ن ل بداية له ول نهاية له‪.‬‬
‫منهج ال ويعبده عن حب واختيار أخذ مَ ْ‬
‫والذي عمل للخرة‪ ،‬عمل لما ل نهاية له أو للذي سيخلد فيه‪ ،‬وتكون فيه حياته الحقيقية‪.‬‬
‫ولذلك حين نقرأ قول الحق سبحانه وتعالى‪ {:‬وَإِنّ الدّارَ الخِ َرةَ َل ِهيَ الْحَ َيوَانُ َلوْ كَانُواْ َيعَْلمُونَ }‬
‫[العنكبوت‪.]64 :‬‬
‫نعرف أن الحياة الحقيقية هي في الخرة وليست الدنيا؛ لن الغايات في أي شيء يجب أن تكون‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫متساوية‪ ،‬فمثلً‪ :‬إذا أردنا أن نصنع كُرْسيا‪ .‬فالغرض من الكرسي أن نجلس عليه‪ .‬إذن‪ :‬فكل‬
‫الكراسي مهما اختلَفت أشكالها وألوانها لها غاية واحدة وهي أن نجلس عليها‪ .‬والنسان غايته لبد‬
‫أن تكون متساوية‪ .‬وما ُدمْنَا أفرادا لجنس واحد فل بد أن تكون لنا غاية واحدة‪ :‬ما هي؟ أهي‬
‫الصحة؟ بعضنا مريض‪ .‬أهي القدرة؟ بعضنا عاجز‪ .‬أهي طول العمر؟ بعضنا عمره في الدنيا‬
‫ساعات‪.‬‬
‫وإذا استعرضنا كل ما في الدنيا فل نجد شيئا نتفق فيه إل الموت‪ ،‬وفيما عدا ذلك فنحن نختلف‪.‬‬
‫إذن فل بد أن نلتفت في حياتنا الدنيا من أول يوم إلى أننا سوف نموت ونلقى ال‪ ،‬وعلينا أن نعد‬
‫العدة لذلك‪ ،‬وكلنا سائرون إلى هذه النهاية‪.‬‬
‫والحق سبحانه وتعالى يقول في الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها } فَلَ ُتعْجِ ْبكَ َأ ْموَاُلهُمْ وَلَ‬
‫َأ ْولَدُهُمْ إِ ّنمَا يُرِيدُ اللّهُ لِ ُيعَذّ َبهُمْ ِبهَا فِي ا ْلحَيَاوةِ الدّنْيَا { لم يقف عز وجل عند هذا الحد‪ ،‬بل قال‬
‫سهُ ْم وَ ُهمْ كَافِرُونَ {‬
‫سبحانه‪ } :‬وَتَزْهَقَ أَنفُ ُ‬
‫و } تَزْ َهقَ { أي تخرج بصعوبة‪ ،‬لماذا؟ لن عابد الدنيا عمل من أجلها فقط‪ .‬ولم يعمل شيئا من‬
‫أجل الخرة‪ ،‬فعندما يأتي له الموت‪ ،‬يجد أنه لم يقدم شيئا لخرته‪ ،‬وأن ما ينتظره هو العذاب‪،‬‬
‫ولذلك يكره أن يترك نعيم الدنيا إلى عذاب الخرة‪ .‬أما صاحب العمال الطيبة عندما يأتي له‬
‫الموت فهو يستبشر؛ لن الذي ينتظره خير يفوق كل الذي سيتركه‪ .‬كمثل إنسان يعيش في كوخ‬
‫صغير ثم ينتقل إلى قصر فاخر‪ ،‬أإل يكون سعيدا؟ وكذلك المؤمن عندما يأتيه الموت يصبح كالذي‬
‫ينتقل من كوخ صغير إلى قصر فاخر‪ .‬أما صاحب الدنيا فمثل الذي يؤخذ من قصر إلى نار‬
‫محرقة‪ ،‬ولذلك فهو يكره ساعة الموت‪.‬‬
‫والمؤمن يفرح حين ينتقل من الدنيا الفانية إلى الحياة الخالدة الباقية‪ ،‬ومن النعمة إلى المنعم‪ ،‬ومن‬
‫الحياة بالسباب إلى الحياة مع المسبّب‪ ،‬فنحن في الدنيا ل بد أن نأخذ بالسباب إلى الحياة مع‬
‫المسبّب‪ ،‬فنحن في الدنيا لبد أن نأخذ بالسباب لنصنع ما نريد‪ ،‬والمثال‪ :‬أنك إنْ أردت أن تأكل‬
‫فل بد من أن تطهو الطعام أو أن يُعدّه لك غيرك‪ ،‬وإنْ أردتَ أن تلبس فل بد لك ممن يصنع لك‬
‫القماش ويحيك الثوب‪ .‬ووراء كل نتيجة توجد سلسلة طويلة من السباب‪ .‬فهناك الذي يزرع‪،‬‬
‫والذي يحصد‪ ،‬والذي ينقل إلى المطحن أو إلى المصنع‪ ،‬والذي يطحن الدقيق أو ينسج القماش‪ ،‬أما‬
‫في الخرة فل توجد أسباب‪ ،‬بل بمجرد أن يخطر الشيء على بالك تجده أمامك‪ ،‬أليست هذه حياةَ‬
‫نعيمٍ؟‬
‫إذن‪ :‬فالذي تنفرج أساريره ساعة الموت هو المؤمن‪ ،‬والذي ينقبض وجهه ويتشنج عندما يأتيه‬
‫مََلكُ الموت هو الكافر والعاصي؛ لنه سينتقل من نعيم حتى ولو كان نسبيا إلى عذاب رهيب‪.‬‬
‫وقد قيل للمام علي رضي ال عنه‪ :‬يا إمام‪ ،‬أريد أن أعرف نفسي أأنا من أهل الدنيا أم من أهل‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الخرة؟ فقال المام عليّ‪ :‬ال أرحم من أن يجعل جواب هذا السؤال عندي وجعل السؤال عندك‬
‫أنت‪ ،‬إن كنت تحب من يدخل عليك وهو يريد أن يأخذ منك أكثر مما تحب من يدخل عليك وهو‬
‫يريد أن يعطيك هدية تكون من أهل الخرة‪.‬‬
‫أي‪ :‬إذا دخل عليك إنسان يطلب صدقة أو مالً فاستقبلته بترحاب وتحية وتعطيه وأنت مسرور‬
‫تكون من أهل الخرة؛ لنك تعرف أنه أخذ منك في الفانية ما يحمله لك أجرا في الخرة التي‬
‫تعمل من أجلها‪ ،‬ولذلك تحبه‪ .‬أما إن كنت تحب من جاء يعطيك هدية أكثر ممن جاء يسألك تكون‬
‫من أهل الدنيا؛ لنه معطي الهدية يزيدك في دنياك‪ .‬وما ُد ْمتَ تفرح بذلك أكثر من فرحك بالذي‬
‫يزيد آخرتك فأنت من أهل الدنيا‪.‬‬
‫ويقال‪ :‬إن فلنا أحسن ال خاتمته لنهم دخلوا عليه لحظة الموت فوجدوا وجهه أبيض وملمحه‬
‫سمحة مستريحة‪ .‬نقول‪ :‬إن هذا صحيح‪ ،‬فهذه لحظة ل يكذب النسان فيها على نفسه‪ .‬ونحن نعلم‬
‫أن النسان حين يشتد عليه المرض فهو يتشبث بالمل في أن ينال الشفاء على يد طبيب بارع‪.‬‬
‫لكن المر يختلف ساعة الحتضار حين يعلم النسان أن الموت يتخلله وأنه ميت ل محالة‪،‬‬
‫مصداقا لقول الحق سبحانه‪ {:‬فََل ْولَ ِإذَا بََل َغتِ ا ْلحُ ْلقُومَ }[الواقعة‪]83 :‬‬
‫ويرى ما كان محجوبا عنه في الدنيا‪ .‬حينئذ يستعرض أعماله‪ .‬فإنْ رأى شريط الحياة حُلْوا منيرا‪،‬‬
‫ابتسم وانفرجتْ أساريره فيُقبَضُ على هذا الوضع‪ .‬أما من امتلت حياته بالسوء والمعاصي‬
‫فوجهه يس َو ّد وتنقبض أساريره فيُقبض على هذا الوضع‪ .‬وهذا ما نسميه الخاتمة‪ ،‬فلحظة‬
‫الحتضار فيها يقين بالموت‪ ،‬تماما كساعة المتحان حيث تجد التلميذ الخائب مصفر الوجه‬
‫مرتعدا ومتشنجا‪ ،‬أما التلميذ المجتهد فيكون مُبتسما مُنْفرجَ السارير‪.‬‬
‫وفي ساعة الحتضار يخلو الذهن من أي شيء إل صحيفة عمله‪ ،‬فهي التي تبقى وفي بؤرة‬
‫شعوره‪ ،‬وبؤرة الشعور هي المكان الذي إن استقر فيه شيء فإنه ل يُنسَى أبدا‪ .‬فإذا عرف طالب‬
‫قبل المتحان بفترة قصيرة‪ ،‬أن هناك سؤالً سيأتي في جزء معين من الكتاب وأمسك هذا الجزء‬
‫وقرأه مرة واحدة تجد أنه وهو يقرؤه ل يفكر في شيء آخر غيره‪ ،‬ومجرد قراءته مرة تجعله‬
‫يجيب الجابة المتميزة؛ لن بؤرة الشعور مثل آلة التصوير‪ ،‬تأخذ صورة ما ترى مرة واحدة‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فساعة اللتقاط هذه حيث ل شيء يشغل الذهن‪ ،‬تجد أن الشعور ل يتسع إل لخاطر واحد‪،‬‬
‫فل يأتي خاطر إليها إل إذا تزحزح الخاطر الول عنها‪.‬‬
‫ولذلك إذا سمعتَ شيئا وحفظ َتهُ من أول مرة‪ ،‬فهذا دليل على أن بؤرة شعورك كانت خالية‬
‫ومستعدة ساعة التقاط هذا الشيء‪ .‬كذلك عند الموت ساعة الحتضار ل يجد الميت في بؤرة‬
‫شعوره خاطرا آخر يناقض أو يزاحم أمر الخرة‪ ،‬فإن كانت حياته خيّرة أشرق وجهه وانفرجت‬
‫أساريره‪ ،‬وإن كانت حياته سيئة انقبضت أساريره واسودّ وجهه والعياذ بال‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫سهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ { يعطينا معنيين‪ :‬المعنى الول‪ :‬أن النعمة تظل معهم‬
‫وقوله تعالى‪ } :‬وَتَزْهَقَ أَنفُ ُ‬
‫تلهيهم عن ال حتى تأتي ساعة الموت‪ .‬والمعنى الثاني‪ :‬أن ساعة الموت تكون شاقة وصعبة على‬
‫الكافر والمنافق؛ لنه يترك الموال والولد ويذهب إلى العذاب‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه وتعالى‪ } :‬وَيَحِْلفُونَ بِاللّهِ إِ ّنهُمْ‪{ ...‬‬

‫(‪)1277 /‬‬
‫وَيَحِْلفُونَ بِاللّهِ إِ ّنهُمْ َلمِ ْنكُ ْم َومَا هُمْ مِ ْنكُمْ وََلكِنّهُمْ َقوْمٌ َيفْ َرقُونَ (‪)56‬‬

‫ب بأموال المنافقين وأولدهم؟ لن هذه ليست‬
‫ج َ‬
‫لماذا أتى ال بهذه الية بعد أن حذرنا من أن نُع َ‬
‫نعمة لهم ولكنها نقمة عليهم‪ ،‬وأراد الحق سبحانه وتعالى أن يشحننا ضد المنافقين وأن يجعلنا‬
‫نحذر منهم كل الحذر‪ ،‬ويضرب لنا المثل باليمين‪ ،‬واليمين ل ينطق بها النسان عادة إل بعد شبهة‬
‫إنكار‪ .‬فإذا جئت لنسان بخبر وصدّقه فأنت ل تضطر لن تحلف له‪ .‬ولكن إذا أنكره فأنت تحلف‬
‫لتزيل شبهة النكار من نفسه‪ ،‬ولذلك فأنت حين تروي الخبر لول مرة ل تحلف‪ ،‬فإن أنكره‬
‫سامعك حل ْفتَ‪.‬‬
‫ولكن لماذا يحلف المنافقون دون سابق إنكار؟‬
‫إنهم يسمعون القرآن الذي ينزل من السماء مملوءا بالغضب عليهم‪ ،‬وهم يشعرون في داخل‬
‫صدورهم أن كل مسلم في قلبه شك من ناحية تصرفاتهم‪ ،‬فيبدأون كلمهم بالحلف حتى يصدّقهم‬
‫المؤمنون‪ ،‬والمؤمنون قد متّعهم ال بمناعة إيمانية‪ ،‬في صدورهم؛ فل يصدقون ما يقوله‬
‫حذْرهم ويكونوا بمنجاة مما يدبره هؤلء المنافقون من أذى‪ ،‬ولذلك حذر‬
‫المنافقون‪ ،‬حتى يأخذوا ِ‬
‫سبحانه وتعالى المؤمنين من تصديق كلم المنافقين حتى ولو حلفوا‪.‬‬
‫ولو لم يُعط ال المؤمنين هذه المناعة اليمانية لصدّقوا قول المنافقين بقداسة اليمين‪ .‬وبماذا حلف‬
‫المنافقون؟ لقد حلفوا بأنهم من المؤمنين والحقيقة أنهم في مظاهر التشريع يفعلون كما يفعل‬
‫المؤمنون‪ ،‬ولكن قلوبهم ليس فيها يقين أو صدق‪.‬‬
‫وما داموا على غير يقين وغير صدق‪ ،‬فلماذا يحلفون؟ نقول‪ :‬إن هذا هو تناقض الذات‪ ،‬وأنت تجد‬
‫المؤمن غيرَ متناقض مع نفسه؛ لنه مؤمن بقلبه ومؤمن بذاته‪ ،‬ومؤمن بجوارحه‪ ،‬ول توجد‬
‫مََلكَاتٌ تتناقض فيه‪ ،‬والكافر أيضا غير متناقض مع نفسه؛ لنه يعلن صراحة أنه ل يؤمن بال ول‬
‫برسوله‪ ،‬فليس هناك تناقض بين ظاهره وباطنه‪ ،‬صحيح أن فيه ملكة واحدة‪ ،‬ولكنها فاسدة‪ ،‬ولكن‬
‫ليس فيه تناقض بين ما يفعله ظاهرا وما في قلبه‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أما المنافق فتتناقض ملكاته‪ .‬فهو يقول بلسانه‪ " :‬أنا مؤمن وأشهد أن ل إله إل ال وأن محمدا‬
‫رسول ال "‪ .‬لكن قلبه يناقض ما يقوله‪ ،‬فل يشهد بوحدانية اللوهية ل‪ ،‬ول يصدق رسالة رسوله‬
‫صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫ش َهدُ إِ ّنكَ‬
‫ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى في سورة " المنافقون "‪ِ {:‬إذَا جَآ َءكَ ا ْلمُنَا ِفقُونَ قَالُواْ نَ ْ‬
‫شهَدُ إِنّ ا ْلمُنَافِقِينَ َلكَاذِبُونَ }[المنافقون‪]1 :‬‬
‫لَرَسُولُ اللّ ِه وَاللّهُ َيعْلَمُ إِ ّنكَ لَ َرسُولُ ُه وَاللّهُ َي ْ‬
‫كيف يقول الحق سبحانه وتعالى { إِنّ ا ْلمُنَا ِفقِينَ َلكَاذِبُونَ } ‪ ،‬مع أنهم شهدوا بما شهد به ال‪ ،‬وهو‬
‫أن محمدا صلى ال عليه وسلم رسول ال؟ نقول‪ :‬إن الحق أراد أن يفضحهم‪ ،‬فهم قد شهدوا‬
‫بألسنتهم فقط ولكن قلوبهم منكرة‪ .‬وفضح ال ما في قلوبهم وأوضح أن ألسنتهم تكذب؛ لنها ل‬
‫تنقل صدق ما في قلوبهم‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالمنافق يعيش في تناقض مع نفسه‪ ،‬وهو شر من الكافر؛ لن الكافر يعلن عداءه للدين فهو‬
‫عدو ظاهر لك فتأخذ حذرك منه‪ .‬أما المنافق فهو يتظاهر باليمان‪ ،‬فتأمن له ويكون إيذاؤه أكبر‪،‬‬
‫س َفلِ مِنَ‬
‫ك الَ ْ‬
‫وقدرته على الغَدْرِ أشد‪ .‬ولذلك قال الحق سبحانه وتعالى‪ {:‬إِنّ ا ْلمُنَا ِفقِينَ فِي الدّ ْر ِ‬
‫النّارِ‪[} ..‬النساء‪]145 :‬‬
‫ونحن نعلم أن تناقض الذات هو الذي يتعب الدنيا كلها‪ ،‬ويبين لنا المتنبي هذه القضية‪ ،‬ويشرح‬
‫كيف أنها أتعبُ شيء في الوجود‪ ،‬فيقول‪:‬‬
‫ن صَداقتِه بُدّهذا هو تناقض الملكَاتِ حين تجد‬
‫َومِنْ َن َكدِ الدّنْيا علَى الحرّ أنْ يَرَى عَدوّا له مَا مِ ْ‬
‫عدوا لك‪ ،‬وتحكم عليك الظروف أن تصادقه‪ .‬وفي ذلك يقول شاعر آخر‪:‬‬
‫جمِعين عَلىَ الحمْدِوشاعر ثالث يريد أن يصور‬
‫جمِعينَ وحالُنَا مِنَ الخ ْوفِ حَالُ الم ْ‬
‫عَلَى الذّمّ بِتْناَ مُ ْ‬
‫التناقض في المجتمع الذي يجعل الناس يمجدون هذا وهم كارهون له‪ ،‬فيقول‪:‬‬
‫خ ّوفِإذن‪ :‬فالمنافقون يحلفون بألسنتهم‬
‫صدُق القوالُ باللسُنِ ال ُ‬
‫َكفَانَا هَوانا مِنْ تنا ُقضِ ذَاتِنا متى َت ْ‬
‫بأنهم من المؤمنين‪ ،‬وهم كذلك في ظاهر التشريع‪ ،‬ولكنهم ليسوا منكم في حقيقتهم‪ ،‬فهم في قلوبهم‬
‫ليسوا منكم‪.‬‬
‫ويكمل الحق سبحانه وتعالى الصورة بقوله‪:‬‬
‫حِلفُونَ بِاللّهِ إِ ّنهُمْ َلمِنكُ ْم َومَا هُم مّنكُ ْم وَلَـاكِ ّنهُمْ َقوْمٌ َيفْ َرقُونَ { والفَرَق معناه‪ :‬الخوف‪ ،‬أي أنهم‬
‫} وَيَ ْ‬
‫في فزع دائم‪ ،‬ويخافون أن يُفتضَحَ أمرهم فيعزلهم مجتمع السلم ويحاربهم محاربته للكفار‪.‬‬
‫ويشرّدهم ويأخذ أموالهم ويَسْبي نساءهم وأولدهم‪ .‬إذن‪ :‬فالخوف هو الذي جعلهم يحلفون كذبا‬
‫وخوفا من افتضاح أمرهم؛ ولذلك قال الحق لرسوله صلى ال عليه وسلم عنهم‪ {:‬وََلوْ َنشَآءُ‬
‫لَرَيْنَاكَهُمْ فََلعَ َرفْ َتهُم بِسِيمَا ُه ْم وَلَ َتعْ ِرفَ ّنهُمْ فِي َلحْنِ ا ْل َق ْولِ‪[} ...‬محمد‪]30 :‬‬
‫وفي هذا القول دعوة لفحص ما يقوله أهل النفاق‪ ،‬حتى وإنْ بَدا القول على ألسنتهم جميلً‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ثم يقول الحق جل وعل‪َ } :‬لوْ َيجِدُونَ مَلْجَئا‪{ ..‬‬

‫(‪)1278 /‬‬
‫جمَحُونَ (‪)57‬‬
‫جدُونَ مَ ْلجَأً َأوْ َمغَارَاتٍ َأوْ ُمدّخَلًا َلوَّلوْا إِلَ ْي ِه وَهُمْ َي ْ‬
‫َلوْ يَ ِ‬

‫والملجأ‪ :‬هو ما نلجأ إليه ليحمينا من الذى مثل الحصون‪ ،‬وكذلك المغارة وهي الكهف في الجبل‪.‬‬
‫والمدّخَل‪ :‬هو شيء يشبه النفق تحت الرض تدخل فيه بمشقة والتواء‪ ،‬إذن‪ :‬فهناك ثلثة ملجئ‬
‫ن وُجدوا في المعركة؛ لنهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم‪ .‬وهم يتم ّنوْن الذهاب‬
‫يفِرّون إليها إ ْ‬
‫إلى مكان بعيد؛ ليسبّوا السلم على ما هم فيه من مشقة القتال‪ ،‬وهم ل يستطيعون أن يفعلوا ذلك‬
‫أمام المسلمين؛ لذلك تجدهم في حالة بحث عن مكان ل يسمعهم فيه أحد‪.‬‬
‫ج َمحُونَ } فالكلم إذن عن المنافقين الذين‬
‫{ َلوْ َيجِدُونَ مَلْجَئا َأوْ َمغَارَاتٍ َأوْ مُدّخَلً ّلوَّلوْاْ إِلَيْ ِه وَ ُهمْ يَ ْ‬
‫ذكر الحق أوصافهم‪ ،‬وعهودهم التي نقضوها‪ ،‬وحَلِفهم كذبا‪ ،‬وما يعيشه كل منهم من تناقض‬
‫ظهِرُ غير ما يبطن ويخاف من‬
‫مَلَكاته‪ ،‬ذلك التناقض الذي يورثه الشقاء؛ لن كل واحد منهم ُي ْ‬
‫انكشاف أمره‪ .‬فيظل مضطربا لن ما بداخله يتناقض مع واقع حياته‪.‬‬
‫إن هذه الحالة هي عكس حالة المؤمن الذي يعيش حياة منسجمة؛ لن ما في قلبه هو ما يحكيه‬
‫لسانه‪ ،‬فضلً عن انسجامه باليمان مع الكون الذي يعيش فيه‪ ،‬وكذلك فحالة المنافق تختلف عن‬
‫حالة الكفر‪ ،‬فالكافر قد أعلن الكفر الذي في قلبه بلسانه‪ .‬أما المنافق فله قلب يكفر ولسان ينطق‬
‫كذبا باليمان‪ .‬ولذلك فهو في تعب مستمر من أن ينكشف أمره‪ ،‬أو يعرف المؤمنون ما في قلبه؛‬
‫لنه ُيكِنّ الحقد لمنهج ال وإن كان يعلن الحب ظاهرا‪.‬‬
‫والنسان إذا اضطر أن يمدح من يعاديه وأن يتظاهر له بالحب‪ ،‬فإن هذا السلوك يمثل ثقلً نفسيا‬
‫رهيبا يحمله على ظهره‪ ،‬وهكذا نرى أن المنافقين يُتعبون أنفسهم قبل أن يُتعبوا المجتمع‪ ،‬تماما‬
‫كالرجل البخيل الذي يتظاهر بأنه كريم‪ ،‬وكلما أنفق قرشا ليؤكد هذا التظاهر فإن هذا القرش‬
‫يذبحه في نفسه ويسبب له آلما رهيبة‪ .‬وحتى يرتاح النسان مع الدنيا ل بد أن يرتاح مع نفسه‬
‫أولً ويتوافق مع نفسه‪.‬‬
‫ومن هنا نجد المنافقين حين يريدون أن يُنفّثوا عما في صدورهم‪ ،‬فهم يَختَلّون ببعضهم بعضا بعيدا‬
‫غلّ وكراهية لهذا الدين‪ ،‬ويبحثون‬
‫عن أعين وآذان المسلمين؛ ليُظهروا ما في نفوسهم من حقد و ِ‬
‫عن ملجأ يكونون آمنين فيه‪ ،‬أو مغارة في الجبل بعيدا عن الناس حتى ل يسمعهم أحد‪ ،‬أو مُدّخلً‬
‫وهو المكان الضيق الذي ل تستطيع أن تدخل فيه إل بصعوبة‪ .‬هم إذن يبحثون عن مكان يغيبون‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فيه عن سمع المؤمنين وأنظارهم ليُخرِجوا الكراهية المحبوسة في صدورهم‪ ،‬ولذلك يقول الحق‬
‫سبحانه وتعالى‪:‬‬
‫ج َمحُونَ } و { وَّلوْاْ } أي‪ :‬انطلقوا إليه‬
‫{ َلوْ َيجِدُونَ مَلْجَئا َأوْ َمغَارَاتٍ َأوْ مُدّخَلً ّلوَّلوْاْ إِلَيْ ِه وَ ُهمْ يَ ْ‬
‫ج َمحُونَ } والجماح هو أن تفقد‬
‫وقد شغلهم السراع للذهاب إلى المكان عن أي شيء آخر‪ { ،‬وَ ُهمْ يَ ْ‬
‫السيطرة على الفرس الذي تركبه‪ ،‬فل تقدر على كَبْح جماحه أو التحكم فيه‪ ،‬فينطلق بسرعة‪،‬‬
‫وحين يقال هذا عن النسان فهو يعني النطلق بسرعة إلى المكان الذي يقصد إليه ول يستطيع‬
‫أحدٌ منعه‪ ،‬وإنْ تعرض له أحد دفعه بعيدا لينطلق في طريقه بسرعة‪.‬‬
‫والية هنا تعطينا صورة دقيقة لحالة المنافقين في أي معركة‪ .‬فبمجرد بَدْءِ القتال تجدهم ل‬
‫يتجهون إلى الحرب‪ ،‬ول إلى منازلة العدو‪ ،‬ول يطلبون الستشهاد‪ ،‬ولكنهم في هذه اللحظة التي‬
‫يبدأ فيها القتال يبحثون عن مكان آمن يهربون إليه‪ ،‬أو مغارة يختبئون فيها‪ ،‬أو مُدّخل في الرض‬
‫ينحشرون فيه بصعوبة ليحميهم من القتال‪ .‬فإذا انتهت المعركة خرجوا لينضموا إلى صفوف‬
‫المسلمين‪ ،‬ذلك أنهم ل يؤمنون‪ .‬فكيف يقاتلون في سبيل دين ل يؤمنون به؟ ولذلك كنت تجدهم في‬
‫المدينة إذا نودي للجهاد فهم أول من يحاول الهروب ويذهبون للقاء النبي صلى ال عليه وسلم‬
‫طالبين التخلف عن المعركة‪ ،‬ويقول الواحد منهم‪ {:‬ائْذَن لّي َولَ َتفْتِنّي‪[} ...‬التوبة‪]49 :‬‬
‫وفي الصدقة يحاولون التشكيك في توزيع الصدقة وكيف يتم؛ فيقول الحق سبحانه وتعالى عنهم‪} :‬‬
‫َومِ ْنهُمْ مّن يَ ْلمِ ُزكَ فِي‪{ ...‬‬

‫(‪)1279 /‬‬
‫خطُونَ (‪)58‬‬
‫طوْا مِ ْنهَا ِإذَا هُمْ يَسْ َ‬
‫عطُوا مِ ْنهَا َرضُوا وَإِنْ َلمْ ُيعْ َ‬
‫َومِ ْنهُمْ مَنْ يَ ْلمِ ُزكَ فِي الصّ َدقَاتِ فَإِنْ أُ ْ‬

‫وإذا جلسوا مع بعضهم البعض تجدهم يحاولون النّيْل من رسول ال صلى ال عليه وسلم بغرض‬
‫ي وَ ِيقُولُونَ ُهوَ أُذُنٌ ُقلْ ُأذُنُ‬
‫إيذائه ولمزه‪ ،‬ويقول ال سبحانه وتعالى عنهم‪َ {:‬ومِنْهُمُ الّذِينَ ُيؤْذُونَ النّ ِب ّ‬
‫عذَابٌ‬
‫ح َمةٌ لّلّذِينَ آمَنُواْ مِنكُ ْم وَالّذِينَ ُيؤْذُونَ َرسُولَ اللّهِ َلهُمْ َ‬
‫خَيْرٍ ّل ُكمْ ُي ْؤمِنُ بِاللّ ِه وَ ُي ْؤمِنُ لِ ْل ُم ْؤمِنِينَ وَرَ ْ‬
‫أَلِيمٌ }[التوبة‪]61 :‬‬
‫هذه بعض صفات المنافقين التي يفضحهم ال بها بكشفها للمؤمنين‪ .‬وقد جاء الحق سبحانه لنا‬
‫بمزيد من الكشف لقبائحهم وفضائحهم‪ .‬فقال فيهم‪َ { :‬ومِ ْنهُمْ مّن يَ ْلمِ ُزكَ فِي الصّ َدقَاتِ فَإِنْ أُعْطُواْ‬
‫خطُونَ } [التوبة‪]58 :‬‬
‫طوْاْ مِنهَا إِذَا هُمْ َيسْ َ‬
‫مِ ْنهَا َرضُو ْا وَإِن لّمْ ُيعْ َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫كلنا أيضا نقرأ قول ال سبحانه‪ {:‬و ْيلٌ ّل ُكلّ ُهمَ َزةٍ ّلمَ َزةٍ }[الهمزة‪]1 :‬‬
‫فما هي ال ُهمَزة وما هي الّلمَزة؟‬
‫" الهمزة "‪ :‬هو من يعيب في الخرين عيبا خفيا ويسخر منهم خفية‪ ،‬ويكون ذلك بإشارة من عينه‬
‫أو بأي حركة من جوارحه‪ ،‬ومثال هذا‪ :‬حين تكون هناك مجموعة من الناس جالسين‪ ،‬ويحاول‬
‫أحدهم النّيْل من أحد الحضور خفية‪ ،‬فيغمز بطرف عينه لنسان آخر‪ ،‬أو يكون باللسان َهمْسا في‬
‫أذن إنسان أو بأي طريقة أخرى‪ ،‬المهم أن يُشَار إلى العيب بطريقة خفية ل يلحظها معظم‬
‫الحاضرين‪.‬‬
‫أما الّلمَزة العيّابون في غيرهم في حضورهم‪ .‬فهناك القوي الذي يكشف العيوبَ بشجاعة وصراحة‬
‫وهو اللّماز‪ ،‬أما الضعيف فهو يعيب خفية وهو الهمّاز‪ .‬واللمزة تطلق على من يعيب كثيرا في‬
‫الناس‪.‬‬
‫وهمزة لمزة‪ ،‬من صيغة المبالغة " ُفعَلَة " وتدل على كثرة فعل الشيء‪ .‬فتقول " فلن أكَلة " ‪-‬‬
‫بضمة على اللف ‪ -‬أي‪ :‬يأكل كثيرا‪ .‬وفلن ضُحَكة ‪ -‬بضمة على الضاد ‪ -‬أي‪ :‬كثير الضحك‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فاللّمزة هي كثرة العيب في الغير‪ ،‬وهي تدل على ضعف من يقول بها‪ ،‬ولو لم يكن ضعيفا‬
‫لقال ما يريد بصراحة‪.‬‬
‫والحق سبحانه وتعالى يقول‪َ { :‬ومِ ْنهُمْ مّن يَ ْلمِ ُزكَ فِي الصّ َدقَاتِ } واللمز كما عرفنا هو البحث عن‬
‫العيب‪ ،‬وهو هنا مظروف في شيء هو الصدقات‪ .‬وكان بعض من المنافقين يغتابون تشريع‬
‫الصدقة‪ ،‬وكانوا يعيبون أن يتعب الغني ويشقى في الحصول على المال ثم يأخذ الفقير المال بل‬
‫تعب‪ ،‬فهل يعيبون التشريع نفسه؟ أم يعيبون كمية الصدقات المفروضة عليهم ويرونها كثيرة؟ أم‬
‫يعيبون حثّ ال للناس على الصدقة؟ أم يعيبون الطريقة التي يتم بها صرف الصدقة للفقراء‪ ،‬وأن‬
‫بعضهم يُعطَى كثيرا وبعضهم ُيعْطى قليلً؟ لقد كانوا يعيبون في كل المور أو بعضها‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فاللمز إما أن يكون في التشريع‪ ،‬وإما أن يكون في كمية الصدقات أو في طريقة الصرف‪،‬‬
‫والحادثة التي وقعت ونزلت فيها هذه الية الكريمة كانت في مصارف الصدقة‪ ،‬فقد قام حرقوص‬
‫بن زهير‪ ،‬وهو رأس الخوارج‪ ،‬وهو ابن ذي الخويصرة‪ ،‬وقال‪ :‬اعدل يا محمد‪.‬‬

‫(‪)1280 /‬‬
‫وََلوْ أَ ّن ُهمْ َرضُوا مَا آَتَا ُهمُ اللّ ُه وَرَسُوُل ُه َوقَالُوا حَسْبُنَا اللّهُ سَ ُيؤْتِينَا اللّهُ مِنْ َفضْلِ ِه وَرَسُولُهُ إِنّا إِلَى اللّهِ‬
‫رَاغِبُونَ (‪)59‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫كيف يقول الحق سبحانه وتعالى‪ { :‬مَآ آتَا ُهمُ } مع أنهم لم يأخذوا شيئا‪ ،‬بل إنهم قد سخطوا؛ لنهم‬
‫لم يأخذوا شيئا‪.‬‬
‫نقول‪ :‬إن ال يريد أن يلفتهم إلى أن له عطاء في المنح وعطاء في المنع‪ .‬فعطاء الحق سبحانه‬
‫لمن أخذ‪ ،‬وحرمان الحق سبحانه للبعض‪ ،‬كل ذلك فيه عطاء من الحق جل وعل‪ ،‬ولكن الناس ل‬
‫يلتفتون إلى ذلك‪ .‬ورسول ال صلى ال عليه وسلم حين منع الغنائم عن النصار في حنين أخذوا‬
‫سمَى من الغنائم‪ ،‬وقال لهم رسول‬
‫المعية مع رسول ال عليه أفضل الصلة والسلم‪ ،‬وهذا أكبر وأ ْ‬
‫ال صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫شعْب‬
‫شعْبا لَسل ْكتُ ِ‬
‫شعْبا وسلك النصار ِ‬
‫" المحيا محياكم‪ ،‬والممات مماتكم‪ .‬لو سلك الناس ِ‬
‫النصار "‬
‫وبذلك أخذوا ما هو أكبر وأهم وأعظم من الغنائم‪ .‬إذن فقد يكون في المنع إيتاء‪.‬‬
‫الحق سبحانه وتعالى يقول‪ { :‬مَآ آتَاهُمُ اللّ ُه وَرَسُولُهُ } وهو عز وجل المشرّع‪ ،‬والرسول عليه‬
‫الصلة والسلم هو المبلّغ والمنفّذ‪ ،‬فإذا ما َرضُوا بقسمة ال‪ ،‬فالرّضاء عمل قلبي كان عليهم أن‬
‫حسْبُنَا اللّهُ } فكأن الرضا عمل القلب‪ ،‬والتعبير عن الرضا‬
‫يترجموه بكلم نزوعي هو‪َ { :‬وقَالُواْ َ‬
‫عمل اللسان‪ ،‬وما داموا قد احتسبوا المر عند ال‪ ،‬فال هو الذي يرعى‪ ،‬وفي عطائه خير وفي‬
‫منعه خير‪ .‬ولذلك نجد الطيبين من الناس إن غُلِبُوا على أمرهم يقولون‪ :‬إن لنا ربا‪ ،‬أي‪ :‬إياك أن‬
‫ن منعتني أو أخذت حقي بأن اعتديت عليّ ستمضي بهذا الفعل دون عقاب؛ لن لي‬
‫تفهم أنك حي َ‬
‫ربا يغار عليّ‪ ،‬وسبحانه سيعوّضني أكثر مما أخذت‪ ،‬ويجعل ما أخذته مني قَسْرا؛ نقمة عليك‪.‬‬
‫ولذلك فأهم ما يجب أن يحرص عليه المؤمن ليس هو الصلة بالنعمة ولكن الصلة بالمنعم‪ .‬وفي أن‬
‫ال هو القادر على أن يعوّض أي شيء يفوت‪.‬‬
‫ويوضح لنا سبحانه الصورة أكثر فيقول‪ { :‬سَ ُيؤْتِينَا اللّهُ مِن َفضْلِهِ } أي سيعوضنا عنها بخير‬
‫منها‪ .‬وعطاء ال دائما فضل؛ لنه يعطي النسان قبل أن يكون قادرا على عبادته‪ ،‬حتى وهو في‬
‫بطن أمه ل يقدر على شيء‪ ،‬فإذا كنت في الدنيا قد فكرت بالعقل الذي خلقك لك ال‪ ،‬وعملت‬
‫بالطاقة التي خلقها لك ال‪ ،‬وفي الرض التي خلقها ال‪ ،‬فإنك في بطن أمك لم تكن قادرا على أي‬
‫شيء‪ .‬وحين تخرج وتنمو وتكبر فأنت تحيا في كون مليء بنعم ال‪ ،‬لم تخلق فيه شيئا‪ ،‬ولم تُوجد‬
‫فيه خيرا‪ .‬وإنما جئت إلى الكون وهو كامل النعم‪ ،‬فل أنت أوجدت الرض ول صنعتَ الشمس‪،‬‬
‫بل إن نعمة واحدة من نعم ال‪ ،‬فل أنت أوجدت الرض ول صنعتَ الشمس‪ ،‬بل إن نعمة واحدة‬
‫من نعم ال‪ ،‬وهي المطر؛ إن توقفت هلك كل من في الرض‪.‬‬
‫ونلمس أثر ذلك حين تأتي مواسم الجفاف في أي منطقة من العالم‪ ،‬ونرى كيف يهلك كل شيء؛‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الزرع والنسان والحيوان‪.‬‬
‫والحق سبحانه وتعالى قد خلقنا في عالم أغيار‪ ،‬فالقادر اليوم قد يصبح غير قادر غدا‪ ،‬والصحيح‬
‫اليوم قد يصبح مريضا معلولً غدا‪ ،‬والقوي يضعف‪ ،‬حتى نعرف أن ما نملكه من قدرة وقوة‬
‫ليست أمورا ذاتية فينا‪ ،‬ولكنها منحة من ال؛ يأخذها وقتما يشاء‪ ،‬ونرى القوى الذي كان يفتك بيده‬
‫ويؤذي بها غيره ويُ ِذلّ اناس بها‪ .‬نراه وقد أصيبت يده‪ ،‬فل تصل إليها الوامر من المخ فتُشَل‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فقدرة أي إنسان ليست ذاتية فيه‪ ،‬بل هي من فضل ال سبحانه وتعالى‪ ،‬وكل شيء في الكون‬
‫هو من فضل ال‪.‬‬
‫والحق سبحانه وتعالى يقول‪:‬‬
‫} سَ ُيؤْتِينَا اللّهُ مِن َفضْلِ ِه وَرَسُوُلهُ إِنّآ إِلَى اللّهِ رَاغِبُونَ { ويقال‪ :‬رغب في كذا أي أراده‪ ،‬ويقال‪:‬‬
‫رغب عن كذا‪ ،‬أي ترك هذا المر‪ .‬ويقال‪ :‬رغب إلى كذا أي سار في الطريق نحوه‪ .‬وهنا قال‬
‫الحق‪ } :‬إِنّآ إِلَى اللّهِ رَاغِبُونَ { وما ُدمْنا إلى ال راغبين‪ ،‬كان يجب أل نعزل عطاء الدنيا عن‬
‫عطاء الخرة‪ ،‬فالدنيا ليست كل شيء عندك؛ ما ُدمْت راغبا إلى ال الذي سيعطيك نعيما ل حدود‬
‫له في الخرة‪ .‬ولذلك فرغبتنا في ال كان يجب أل تجعلنا نسخط على نعيم فاتنا في الدنيا؛ لن‬
‫هناك نعيما بل حدود ينتظرنا في الخرة‪.‬‬
‫وأراد الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك أن يبين مصارف الصدقة حتى يعرف هؤلء الراغبون في‬
‫متاع الدنيا هذه المصارف ويتعرفوا إلى حقيقة المر‪ ،‬وليتبينوا هل هم يستحقون الصدقة أم ل‪،‬‬
‫فقال جل جلله‪ } :‬إِ ّنمَا الصّ َدقَاتُ لِ ْل ُفقَرَآءِ‪{ ....‬‬

‫(‪)1281 /‬‬
‫ن َوفِي‬
‫ب وَا ْلغَا ِرمِي َ‬
‫إِ ّنمَا الصّ َدقَاتُ لِ ْل ُفقَرَاءِ وَا ْلمَسَاكِينِ وَا ْلعَامِلِينَ عَلَ ْيهَا وَا ْل ُمؤَّلفَةِ قُلُو ُبهُ ْم َوفِي ال ّرقَا ِ‬
‫حكِيمٌ (‪)60‬‬
‫سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللّ ِه وَاللّهُ عَلِيمٌ َ‬

‫وعندما تسمع كلمة { إِ ّنمَا } فافهم أنه يُرَادُ بها القصر‪ ،‬فإن قلتَ " إنما الرجل زيد‪ ،‬أي‪ :‬أنك‬
‫قصرت الرجولة على زيد‪ .‬وإن قلتَ‪ :‬إنما الكريم حاتم‪ ،‬تكون قد قصرت الكرم على حاتم‪ .‬وقول‬
‫الحق سبحانه وتعالى‪ { :‬إِ ّنمَا الصّ َدقَاتُ } معناها‪ :‬أن الصدقات محصورة في هؤلء ول تتعداهم‪.‬‬
‫فمن هم هؤلء الذين حصر الحق سبحانه وتعالى فيهم الصدقة؟ وما المراد هنا بالصدقة؟ هل هي‬
‫صدقة التطوع أو الزكاة؟‬
‫نقول‪ :‬ما دام الحق سبحانه وتعالى قد حدد لها مصارف فهي الزكاة‪ ،‬ولسائل أن يسأل‪ :‬لماذا لم‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫َيقُل الحق سبحانه وتعالى الزكاة وقال الصدقة؟‬
‫ن يكفرون في إنشاء‬
‫ونقول‪ :‬أل ترى ‪ -‬في المجتمعات غير اليمانية الملحدة ‪ -‬أن من الناس مَ ْ‬
‫مؤسسات اجتماعية لرعاية الفقراء؟ إن عطف النسان على أخيه النسان هو أمر غريزي خلقه‬
‫ال فينا جميعا‪ ،‬ولذلك كان يجب أن نفهم أن الزكاة صدقة‪ ،‬ولو لم يشرعها ال لكان يجب أن‬
‫يقدمها النسان لخيه النسان‪ .‬وحوادث الكون كلها تدل على صدق وصف الحق سبحانه وتعالى‬
‫للزكاة بأنها صدقة؛ لنها تأتي تطوعا من غير المؤمن وغير الملتزم بالتشريع‪ ،‬ويحس القادر‬
‫بالسعادة وهو يعطي لغير القادر‪ ،‬وعي غريزة وضعها ال في خلقه ليخفف من الشقاء في الكون‪.‬‬
‫وهنا يقول الحق‪ { :‬إِ ّنمَا الصّ َدقَاتُ لِ ْلفُقَرَآ ِء وَا ْلمَسَاكِينِ } وقد احتار العلماء في ذلك‪ ،‬فقال بعضهم‪:‬‬
‫إن الفقير هو الذي ل يجد شيئا فهو مُعدم‪ .‬والمسكين هو من يملك شيئا ولكنه ل يكفيه‪ ،‬وعلى هذا‬
‫ل من الفقير‪ ،‬واستندوا في ذلك إلى نص قرآني في قوله تعالى‪َ {:‬أمّا‬
‫يكون المسكين أحسن حا ً‬
‫سفِينَةُ َفكَا َنتْ ِلمَسَاكِينَ َي ْعمَلُونَ فِي الْ َبحْرِ‪[} ...‬الكهف‪]79 :‬‬
‫ال ّ‬
‫وما دام هؤلء المساكين يملكون سفينة إذن فعندهم شيء يملكونه‪ .‬ولكن العائد الذي تأتي به‬
‫السفينة ل يكفيهم‪.‬‬
‫ولكن بعض العلماء قالوا عكس ذلك‪ ،‬ورأوا أن المسكين هو مَنْ ل يملك شيئا مطلقا‪ ،‬والفقير هو‬
‫الذي يجد الكفاف‪ .‬وعلى هذا يكون الفقير أحسن حالً من المسكين‪ ،‬ول أعتقد أن الدخول في هذا‬
‫الجدل له فائدة؛ لن ال أعطى الثنين‪ ..‬الفقير والمسكين‪ .‬وكلمة " فقير " معناها الذي أتعبت‬
‫الحياة َفقَار ظهره أي فقرات ظهره‪ ،‬وحاله يغني للتعبير عنه‪ ،‬والمسكين هو الذي أذهلته المسكنة‪.‬‬
‫ثم يأتي بعد ذلك‪ { :‬وَا ْلعَامِلِينَ عَلَ ْيهَا } أي‪ :‬الذين يقومون بجمع الصدقات ويأخذونها ممن يعطيها‬
‫ويضعونها في بيت المال‪ ،‬ونلحظ هنا أن { وَا ْلعَامِلِينَ عَلَ ْيهَا } جاءت مطلقة؛ فلم تحدد هل يستحق‬
‫الصدقة مَنْ كان يجمعها وهو فقير‪ ،‬أو مَنْ كان يجمعها وهو غير محتاج‪ .‬ونقول‪ :‬إن جمع الصدقة‬
‫عمل‪ ،‬ولو قلنا‪ :‬إن غير المحتاج ويعمل في جمع الصدقة ل يجب أن يأخذ أجرا‪ ،‬هنا يصبح عمله‬
‫لونا من التفضل‪ ،‬وما دام العمل تفضّلً فلن يكون بنفس الكفاءة التي يعمل بها‪ ،‬إذا كان العمل‬
‫بالجر‪.‬‬
‫وأيضا حتى ل يُحرَم المجتمع من جامع صدقة ذكي نشيط؛ لنه غير محتاج‪ ،‬ولكن نعطيه أجرا‬
‫ليكون مسئولً عن عمله‪ ،‬والمسئولية ل تأتي إل إذا ارتبطت بالجر‪.‬‬
‫والعامل على جمع الصدقة إنما يعمل لصالح الدولة اليمانية‪ ،‬فهو يجمع الصدقات ويعطيها للحاكم‬
‫أو الوالي الذي يوزعها‪ .‬وفي هذا مصلحة لمجتمع المسلمين كله‪ .‬خصوصا إن كانت الصدقة‬
‫توزع من بيت المال فل يتعالى أحد على أحد‪ ،‬ول يذلك أحد أمام أحد‪ ،‬وفي هذا حفظ لكرتمة‬
‫سفْلى‪.‬‬
‫المؤمنين؛ لن من يأخذ من غير بيت المال سيعاني من انكساره يده ال ّ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ومن يعطي لغير بيت المال قد يكون في عطائه لون من تعالى صاحب اليد العليا‪ ،‬وكذلك فإن‬
‫أولد الفقير لن يروا أباهم وهو ذاهب إلى رجل غني ليأخذ منه الصدقة و ُيصَاب بالذلة والنكسار‪.‬‬
‫ول يرى أولد الغني هذا الفقير وهو يأتي إلى أبيهم ليأخذ منه الصدقة؛ فَيتعاَلوْنَ على أبناء الفقير‪.‬‬
‫فإن أخذ الفقراء الصدقة من بيت المال‪ ،‬كان ذلك صيانة لكرامة الجميع‪ ،‬وإن حدث خلل بين‬
‫غني وفقير فلن يقول الغني للفقير‪ :‬أنا أعطيك كذا وكذا‪ ،‬أو يقول أولد الغني لولد الفقير‪ :‬لول‬
‫أبونا َلمُتُمْ جوعا‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فقد أراد الحق سبحانه بهذا النظام أن يمنع طغيان المعطي‪ ،‬ويمنع ‪ -‬أيضا ‪ -‬ذلة السؤال‪،‬‬
‫فالكل يذهب إلى بيت المال ليأخذ أو يعطي‪ .‬وحين يذهب الفقير ليأخذ من بيت المال بأمر من‬
‫الوالي فل غضاضة؛ لن كل المحكومين تحت وليته مسؤولون منه‪.‬‬
‫ثم يأتي الحق إلى فئة أخرى فيقول‪ } :‬وَا ْل ُمؤَلّفَةِ قُلُو ُبهُمْ { وهم من يريد السلم أن يستميلهم‪ ،‬أو‬
‫على القل أن يكفوا آذاهم عن المسلمين‪ .‬وكان المسلمون في الزمن الول للسلم ضعافا ل‬
‫يقدرون على حماية أنفسهم‪ .‬وعندما أعز ال دولة المسلمين بالقوة والعزة والمكانة‪ ،‬منع الخليفة‬
‫عمر بن الخطاب إعطاء المؤلفة قلوبهم نصيبا من الزكاة؛ لنه لم يجد أن قوة السلم تحتاج أحدا‬
‫غير صحيحي اليمان؛ لذلك لم يدخلهم عمر بن الخطاب في فئات الزكاة‪.‬‬
‫وقول الحق سبحانه‪ } :‬وَا ْل ُمؤَلّفَةِ قُلُو ُبهُمْ { يثير سؤالً‪ :‬هل يُؤلّف القلب؟‪ .‬نقول‪ :‬نعم‪ ،‬فالحسان‬
‫يؤلف قلب النسان السّوي‪ ،‬وكذلك يؤلف جوارح النسان غير السوي‪ ،‬فل يعتدى على من أحسن‬
‫إليه باللسان أو باليد‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪َ } :‬وفِي ال ّرقَابِ { ومعناها العبيد الذين أُسروا في حرب مشروعة‪ .‬وكانت‬
‫تصفية الرق من أهداف السلم؛ لذلك جعل من مصارف الزكاة تحرير العبيد‪ .‬وبعض من الناس‬
‫يدّعون أن السلم جاء بالرق وأقره‪ .‬ونقول‪ :‬لم يأت السلم بالرق؛ لن الرق كان موجودا قبيل‬
‫البعثة المحمدية‪ ،‬وجاء السلم بالعتق ليصفى الرق‪ ،‬فجعل من َفكّ الرقبة كفارة لبعض الذنوب‪.‬‬
‫وجعل من مصارف الزكاة عتق العبيد‪ .‬وقد نزل القرآن وقت أن كانت منابع الرق متعددة‪.‬‬
‫وكان من المعتاد في تلك اليام أن المدين الذي يعجز عن سداد ما عليه من دَيْن‪ ،‬فالدائن يأخذه أو‬
‫يأخذ أحد أبنائه كعبد له‪.‬‬
‫وإذا فُعَلتْ جناية‪ ،‬فالجاني يأخذ العفو من المجني عليه مقابل أن يعطيه أحد أولده عبدا‪ .‬وإذا‬
‫سُرِق شيء فإن السارق ل يعاقب‪ ،‬بل يعطي أحد أولده عبدا للمسروق منه‪ .‬وكان القوياء‬
‫يستعبدون الضعفاء؛ فيخطفون نساءهم وأولدهم بالقوة ويبيعونهم في سوق الرقيق‪ ،‬وهكذا كانت‬
‫منابع الرق في العالم متعددة‪ ،‬ول يوجد إل مصرف واحد هو إرادة السيد؛ إن شاء حرر وإن شاء‬
‫لم يحرر‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وقد كان الرق موجودا في أوروبا وفي آسيا وفي أفريقيا ووُجِد أيضا في أمريكا‪ .‬إذن‪ :‬كانت هناك‬
‫منابع متعددة للرق؛ ومصرف واحد هو إرادة السيد‪ ،‬وقد كان الرق يتزايد‪ ،‬وجاء السلم والعالمُ‬
‫غارق في الرق‪ ،‬لماذا؟‬
‫لن الرق في ذلك الوقت كان يشبه حوضا تصب فيه صنابير متعددة‪ ،‬وليس له إل بالوعة واحدة‪.‬‬
‫ولم يعالج السلم المسألة طفرة واحدة‪ ،‬شأن معظم تشريعات ال‪ ،‬ولكنه عالجها على مراحل‪،‬‬
‫تماما كتحريم الخمر حين بدأ التحريم بالمنع عند الصلة‪ ،‬فقال الحق سبحانه وتعالى‪َ {:‬تقْرَبُواْ‬
‫سكَارَىا حَتّىا َتعَْلمُواْ مَا َتقُولُونَ‪[} ...‬النساء‪]43 :‬‬
‫لةَ وَأَنْتُمْ ُ‬
‫الصّ َ‬
‫ثم حرمها تحرميا قاطعا‪.‬‬
‫وحين جاء السلم ليعالج قضية الرق ويحرر النسان من العبودية‪ ،‬بدأ بإغلق مصادر الرق‪.‬‬
‫وجعل المصدر الوحيد هو الحرب اليمانية المشروعة من ولي المر‪ .‬أما كل الوسائل واللوان‬
‫الخرى من أبواب الرق‪ ،‬كأن يتم استعباد أحد كعقوبة جنائية أو لعجزه عن تسديد دَيْن أو غير‬
‫ذلك‪ ،‬فقد أغلقها السلم بالتحريم‪ .‬أما ناحية المصرف فلم يجعله مصرفا واحدا هو إرادة السيد‪،‬‬
‫بل جعله مصارف متعددة؛ فالذي يرتكب ذنبا يعرف أن ال لن يغفر له إل إذا أعتق رقبة‪ ،‬ومن‬
‫حلف يمينا ويريد أن يتحلل منها؛ يعتق رقبة‪ .‬فإذا لم يفعل هذا كله وأراد أن يحسن إحسانا يزيد‬
‫من أجره عند ال؛ أعتق رقبة‪.‬‬
‫حمَ ا ْل َعقَبَةَ * َومَآ أَدْرَاكَ مَا ا ْلعَقَبَةُ * َفكّ َرقَ َبةٍ }[البلد‪:‬‬
‫وفي ذلك يقول الحق سبحانه وتعالى‪ {:‬فَلَ اقتَ َ‬
‫‪]13-11‬‬
‫وهكذا جعل السلم مصارف كثيرة لتصفية الرق حتى ينتهي في سنوات قليلة‪ ،‬ثم وضع بعد ذلك‬
‫ما يُنْهي الرق فعلً‪ ،‬وإن لم يُ ْنهِه شكلً‪.‬‬
‫فإذا كان عند أي سيد لون من الصرار على أن يستبقى عبده‪ ،‬فل بد أن يُلبسه مما يلبس‪،‬‬
‫ويُطعمه مما يَطْعم‪ ،‬فإن كلّفه بعينه‪ .‬وهكذا أصبح الفارق متلشيا بين السيد وعبده‪.‬‬
‫ق بالقانون‪ ،‬ذهب الرقيق إلى أسيادهم وقالوا‪ :‬دعونا نعش‬
‫وحين ألغتْ بعض الدول السلمية الر ّ‬
‫معكم كما كنا‪ .‬وهم قد فعلوا ذلك لن حياتهم مع أسيادهم كانت طيبة‪ .‬وهكذا ألغى السلم فوارق‬
‫الرق كلها‪ ،‬وأصبحت مسألة شكلية ل تساوي شيئا‪.‬‬
‫ولكن بعض الناس يتساءل‪ :‬وماذا عن قول الحق سبحانه وتعالى‪َ {:‬ومَا مََل َكتْ أَ ْيمَا ُنكُمْ‪[} ...‬النساء‪:‬‬
‫‪]36‬‬
‫نقول‪ :‬افهم عن ال‪ ،‬فهذا أمر ل يسري إل إذا كانت المرأة المملوكة مشتركة في الحرب‪ ،‬أي‪:‬‬
‫كانت تحارب مع الرجل ثم وقعت في السْر‪ ،‬والذي يسري على الرجل في السر يسري عليها‪،‬‬
‫ثم من أي مصدر ستعيش وهي في بلد عدوة لها؛ إنّ تركها في المجتمع فيه خطورة على المجتمع‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وعليها‪ .‬كما أن لهذه المرأة عاطفة سوف ُتكْبتُ‪ ،‬فأوصى السلم السيد بأنه إذا أحب هذه المةَ‬
‫فلها أن تستمتع كما تستمتع زوجة السيد‪ ،‬وإن أنجبت أصبحت زوجة حرة وأولدها أحرارا‪ ،‬وفي‬
‫هذا تصفية للرق‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه وتعالى عن لون آخر من مستحقي الزكاة‪ } :‬وَا ْلغَا ِرمِينَ { والغارم‪ :‬هو من‬
‫استدان في غير معصية‪ ،‬ثم عجز عن الوفاء ِبدَيْنه‪ .‬ولم يمهله صاحب الدّيْن كما أمر ال في قوله‬
‫تعالى‪ {:‬فَنَظِ َرةٌ إِلَىا مَ ْيسَ َرةٍ‪[} ...‬البقرة‪]280 :‬‬
‫ولم يسامحه ولم يتنازل عن دَيْنه‪ ،‬وفي هذه الحالة يقوم بيت المال بسداد هذا الدّيْن‪ .‬لكن لماذا هذا‬
‫التشريع؟‬
‫لقد شاء الحق إعطاء الغارم الذي ل يجد ما يسد به دَيْنه حتى ل يجعل الناس ينقلبون عن الكرم‬
‫وعن أقراض الذي يمر بعسر‪ ،‬وبذلك يبقى اليُسْر في المجتمع‪ ،‬وتبقى نجدة الناس للناس في ساعة‬
‫العسرة‪ ،‬فل يمتنع أحد عن إعطاء إنسان في عسرة؛ لنه يعلم أنه إن لم يدفع فسيقوم بيت المال‬
‫بالسداد من الزكاة‪ .‬أو‪ :‬أن الغارم هو الذي أراد أن يصلح بين طرفين‪ ،‬كأن يكون هناك شخصان‬
‫مختلفان على مبلغ من المال‪ ،‬فيقوم هو بفضّ الخلف و َدفْع المبلغ‪ ،‬ثم تسوء حالته؛ لنه غرم هذا‬
‫المال بنخوة إيمانية‪ ،‬فنقول له‪ :‬خذ من بيت المال حتى يشيع في النفوس تصفية الخلفات وإشاعة‬
‫الحب بين الناس‪ .‬إذن‪ :‬فالغارم هو المستدين في غير معصية ول يقدر على سداد الدين‪ ،‬أو‬
‫المتحمّل لتكلفة إصلح ذات البَيْن بين طرفين‪ ،‬وهو مستحق لهذا اللون من المال‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه‪َ } :‬وفِي سَبِيلِ اللّهِ {‪ .‬يقول جمهور الفقهاء‪ :‬إنها تنطبق على الجهاد؛ لن الذي‬
‫يضحي بماله مجاهدا في سبيل ال‪ ،‬لو لم يعلم أن الجهاد باب يدخله الجنة لما ضَحّى بماله‪،‬‬
‫وعندما تضحي بالمال أو النفس في سبيل ال يكون هذا من يقين اليمان‪ .‬فلو لم تكن على ثقة أنك‬
‫إذا استشهدت دخلت الجنة ما حاربت‪ .‬ولو لم تكن على ثقة بأنك إذا أنفقتَ المال جهادا في سبيل‬
‫ال دخلتَ الجنة ما ما أنفقت‪.‬‬
‫والسلم يهدف إلى أمرين‪ :‬دين يبلّغ ومنهج يُحقّق‪ ،‬والمجاهد في سبيل ال أسوة لغيره من‬
‫المؤمنين‪ .‬والسوة في السلم هي التي تُقوّيه وتُثبّته في النفوس؛ لنها العلم الحقيقي بأن ما‬
‫تعطيه من نفسك أو مالك ل ستجازى عنه بأضعاف أضعاف ما أعطيت‪.‬‬

‫(‪)1282 /‬‬
‫حمَةٌ‬
‫ي وَ َيقُولُونَ ُهوَ ُأذُنٌ ُقلْ أُذُنُ خَيْرٍ َلكُمْ ُي ْؤمِنُ بِاللّهِ وَيُ ْؤمِنُ لِ ْل ُم ْؤمِنِينَ وَرَ ْ‬
‫َومِ ْنهُمُ الّذِينَ ُيؤْذُونَ النّ ِب ّ‬
‫عذَابٌ أَلِيمٌ (‪)61‬‬
‫لِلّذِينَ َآمَنُوا مِ ْنكُ ْم وَالّذِينَ ُيؤْذُونَ َرسُولَ اللّهِ َلهُمْ َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ونعلم أن اليذاء لرسول ال صلى ال جاء بعد النبوة‪ ،‬وكان بعض الكفار يقولون ما حكاه القرآن‬
‫سمَآءِ َأوِ ائْتِنَا‬
‫حجَا َرةً مّنَ ال ّ‬
‫حقّ مِنْ عِن ِدكَ فََأ ْمطِرْ عَلَيْنَا ِ‬
‫على ألسنتهم‪ {:‬الّلهُمّ إِن كَانَ هَـاذَا ُهوَ الْ َ‬
‫ِبعَذَابٍ أَلِيمٍ }[النفال‪]32 :‬‬
‫ن ل عقل له‪ ،‬ولو كانوا يعقلون لقالوا‪ :‬إن كان هذا الحق من عندك فَاهْدنا يا رب‬
‫وهذا دعاء مَ ْ‬
‫إليه‪ ،‬أو اجعلنا نؤمن به‪ .‬ولكنهم من فَرْط حقدهم وضللهم‪ ،‬تمنّوا العذاب على اليمان بالحق‪.‬‬
‫وهذا يكشف لنا تفاهة عقول الكفار‪.‬‬
‫وهنا يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ َومِ ْنهُمُ الّذِينَ ُيؤْذُونَ النّ ِبيّ } والذين يؤذون رسول ال صلى ال عليه وسلم هم السادة‪ ،‬وهم‬
‫أصحاب النفوذ الذين يخافون ان يذهب منهج هذا النبي بنفوذهم؛ وثرواتهم؛ وما أخذوه ظلما من‬
‫الضعفاء‪ .‬والضعفاء ‪ -‬كما نعلم ‪ -‬هم أول من دخل إلى دين السلم؛ لنهم أحسوا أن هذا الدين‬
‫يحميهم من بطش الغنياء واستغللهم ونفوذهم‪ .‬وشاء الحق أن يبدل خوف الضعفاء قوة وأمنا‪،‬‬
‫وشاء سبحانه أن يضم إلى اليمان عددا من الغنياء؛ ومن رجال القمة مثل‪ :‬أبي بكر الصديق‪،‬‬
‫وعثمان بن عفان‪ ،‬وعمر بن الخطاب وغيرهم رضي ال عنهم أجمعين‪ ،‬حتى ل يقول أقوياء‬
‫قريش مثلما قال قوم نوح لنبيهم‪َ {:‬ومَا نَرَاكَ اتّ َب َعكَ ِإلّ الّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا‪[} ...‬هود‪]27 :‬‬
‫وهكذا كان اليذاء له صلى ال عليه وسلم بعد الرسالة‪ ،‬أما قبل الرسالة فكان في نظر الجميع هو‪:‬‬
‫المين والصادق والمؤتمن‪.‬‬
‫ومن العجيب أنهم‪ ،‬بعد أن نزل الوحي‪ ،‬كانوا ل يستأمنون أحدا مثلما يستأمنون محمدا صلى ال‬
‫عليه وسلم‪ .‬فإذا كان هناك شيء ثمين عند الكافرين المعارضين‪ ،‬ذهبوا إلى رسول ال ليحفظوا‬
‫هذه الشياء الثمينة عنده‪ .‬وهذا التناقض ل يفسره إل وثوقهم في أخلقه صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫ورغم ذلك كانوا في غيظ وكَمَدٍ؛ لن القرآن قد نزل عليه‪ .‬والحق هو القائل ما جاء على‬
‫عظِيمٍ }[الزخرف‪]31 :‬‬
‫جلٍ مّنَ ا ْلقَرْيَتَيْنِ َ‬
‫ألسنتهم‪َ {:‬وقَالُواْ َلوْلَ نُ ّزلَ هَـاذَا ا ْلقُرْآنُ عَلَىا رَ ُ‬
‫وهم بذلك قد اعترفوا بألسنتهم بعظمة القرآن‪ ،‬بعد أن اعترفوا بسلوكهم بأمانة محمد صلى ال‬
‫عليه وسلم‪ ،‬ولكنهم اعترضوا على اختيار الحق سبحانه له‪ ،‬وتمنوا لو كان هذا القرآن قد نزل‬
‫سمْنَا بَيْ َن ُهمْ‬
‫ح َمتَ رَ ّبكَ َنحْنُ قَ َ‬
‫سمُونَ َر ْ‬
‫على أحدهم عظمائهم‪ .‬ورد الحق سبحانه عليهم‪ {:‬أَ ُهمْ َيقْ ِ‬
‫ّمعِيشَ َتهُمْ فِي الْحَيَاوةِ الدّنْيَا‪[} ...‬الزخرف‪]32 :‬‬
‫وفي هذا دعوة لن يتأدبوا مع ال سبحانه‪ ،‬فهو لم يوكلهم في اختيار من ينزل عليه رحمته‪،‬‬
‫ورسالته‪ ،‬ولكنه سبحانه هو الذي يختار‪ .‬وهو الذي قسم بين العباد معيشتهم في الحياة الدنيا وفي‬
‫الخرة‪ .‬وإذا كان لحد نعمة من مال أو جاه أو مجد‪ ،‬أو غير ذلك‪ ،‬فهذا ليس من قدرات البشر أو‬
‫من ذواتهم‪ ،‬ولكنه نعمة من ال‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وهنا يقول الحق سبحانه‪َ } :‬ومِ ْنهُمُ الّذِينَ ُيؤْذُونَ النّ ِبيّ { إذن‪ :‬فاليذاء سببه أنه صلى ال عليه وسلم‬
‫جاء بدعوة الخير‪ ،‬ول يجيء رسول بدعوة الخير إل إذا كان الشر قد عم المجتمع‪ .‬وحين يعم‬
‫الشر في المجتمع فهناك مستفيدون منه‪ ،‬فإذا أتى رسول ال بالخير أسرع جنود الشر ليؤذوا‬
‫صاحب رسالة الخير‪ ،‬إذن‪ :‬فمن الطبيعي أن يكون للنبي أعداء‪.‬‬
‫س وَالْجِنّ يُوحِي َب ْعضُهُمْ‬
‫ن الِنْ ِ‬
‫جعَلْنَا ِل ُكلّ نِ ِبيّ عَ ُدوّا شَيَاطِي َ‬
‫والحق سبحانه وتعالى يقول‪َ {:‬وكَذَِلكَ َ‬
‫إِلَىا َب ْعضٍ زُخْ ُرفَ ا ْل َقوْلِ غُرُورا‪[} ...‬النعام‪]112 :‬‬
‫بل إن كل من يحمل من العلماء رسالة رسول ال ليبلغها إلى الجيال التالية‪ ،‬إن لم يكن له أعداء‪،‬‬
‫أنقض ذلك من حظه في ميراث النبوة‪ ،‬وكل من له أعداء ويقوم بهداية الناس إلى منهج ال‪ ،‬نقول‬
‫له‪ :‬ل تنزعج‪ ،‬واطمئن؛ لن معنى وجود من يعاديك‪ ،‬أن فيك أثرا من آثار النبوة‪.‬‬
‫وتمثّل إيذاء المنافقين له صلى ال عليه وسلم في عدة صور؛ منها قولهم‪ } :‬وَ ِيقُولُونَ ُهوَ ُأذُنٌ {‪.‬‬
‫وللنسان ‪ -‬كما نعلم ‪ -‬وسائل إدراك متعددة‪ :‬فالذن وسيلة إدراك‪ ،‬والعين وسيلة إدراك‪،‬‬
‫والجوارح كلها وسائل إدراك‪ .‬وكل إنسان له ملكات متعددة‪ ،‬منها ملكات إدراكية وملكات نفسية‪،‬‬
‫ولملكات الدراكية هي التي يدرك بها الشياء مثل‪ :‬السمع والبصر والشم والذوق‪ .‬أما الملكات‬
‫النفسية فهذه يوصف بها الناس‪ .‬وعلى سبيل المثال‪ :‬نحن نسمي الجاسوس عينا؛ لنه يتجسس‬
‫وينقل ما يراه إلى غيره‪ .‬ونسمي الرجل الذي يسمع كل حدث " أُذُن " ‪ ،‬ونسمي اللص الذي يتعدّى‬
‫على ماله غيره صاحب اليد الطويلة وهكذا‪.‬‬
‫إذن‪ :‬كل جارحة لها حاسة‪ ،‬والنظر والسمع والشم واللمس والذوق كلها من وسائل الدراك‬
‫الحسية التي تتكون منهاالخمائر المعنوية‪ ،‬ثم تصبح عقائد‪ ،‬فوسائل الدراك هذه تتلقى من العالم‬
‫الحسي ما يعطيه لها من معلومات‪ ،‬وتخزنها لتتصرف بعد ذلك على أساسها‪ ،‬وتكون في‬
‫جكُم‬
‫مجموعها هي ما يعلمه النسان؛ ولذلك نجد الحق سبحانه يمتنّ على خَلقه‪ ،‬فيقول‪ {:‬وَاللّهُ أَخْ َر َ‬
‫شكُرُونَ }[النحل‪:‬‬
‫لفْئِ َدةَ َلعَّلكُمْ تَ ْ‬
‫سمْ َع وَالَ ْبصَارَ وَا َ‬
‫ج َعلَ َلكُمُ الْ ّ‬
‫مّن بُطُونِ ُأ ّمهَا ِتكُ ْم لَ َتعَْلمُونَ شَيْئا وَ َ‬
‫‪]78‬‬
‫والشكر ل يكون إل على النعمة‪ ،‬فكأن وسائل الدراك هذه مما تسمعه أو تراه ببصرك‪ ،‬أو تدركه‬
‫بفؤادك هي من نعم ال التي يجب أن نشكره عليها؛ لنها أعطتنا العلم الحسي بعد أن كنا ل نعلم‬
‫شيئا‪.‬‬
‫وإذا أطلقَ على النسان اسم جارحة من جوارحه‪ ،‬فاعلم أن هذه الجارحة هي العمدة فيه‪ ،‬فكأن‬
‫سبّ للرسول‪ ،‬وكان الواحد منهم يقول‪ :‬احذروا أن‬
‫قول المنافقين وصفا للرسول } ُهوَ أُذُنٌ { هو َ‬
‫يبلغ ذلك رسول ال صلى ال عليه وسلم فيكشف نفاقهم ويؤذيكم؛ لن محمدا عليه الصلة والسلم‬
‫في رأيهم يُصدّق كل شي‪ .‬أرادوا أن يتهموه صلى ال عليه وسلم أنه ل يمحص القول الذي يُنقل‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إليه ويصدق كل ما يقال له‪ ،‬كما نقول نحن في العامية " فلن وِدَني " أي‪ :‬يعطي أذنه لكل ما يقال‬
‫له‪.‬‬

‫(‪)1283 /‬‬
‫يَحِْلفُونَ بِاللّهِ َل ُكمْ لِيُ ْرضُوكُ ْم وَاللّ ُه وَرَسُولُهُ َأحَقّ أَنْ يُ ْرضُوهُ إِنْ كَانُوا ُم ْؤمِنِينَ (‪)62‬‬

‫(‪)1284 /‬‬
‫جهَنّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَِلكَ الْخِ ْزيُ ا ْل َعظِيمُ (‪)63‬‬
‫أَلَمْ َيعَْلمُوا أَنّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللّ َه وَرَسُولَهُ فَأَنّ َلهُ نَارَ َ‬

‫(‪)1285 /‬‬
‫حذَرُ ا ْلمُنَا ِفقُونَ أَنْ تُنَ ّزلَ عَلَ ْيهِمْ سُو َرةٌ تُنَبّ ُئهُمْ ِبمَا فِي قُلُو ِبهِمْ ُقلِ اسْ َتهْزِئُوا إِنّ اللّهَ مُخْرِجٌ مَا‬
‫يَ ْ‬
‫حذَرُونَ (‪)64‬‬
‫تَ ْ‬

‫(‪)1286 /‬‬
‫ض وَنَ ْل َعبُ ُقلْ أَبِاللّ ِه وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ َتسْ َتهْزِئُونَ (‪)65‬‬
‫وَلَئِنْ سَأَلْ َتهُمْ لَ َيقُولُنّ إِ ّنمَا كُنّا َنخُو ُ‬

‫(‪)1287 /‬‬
‫لَا َتعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ َبعْدَ إِيمَا ِنكُمْ إِنْ َنعْفُ عَنْ طَا ِئفَةٍ مِ ْنكُمْ ُنعَ ّذبْ طَا ِئفَةً بِأَ ّنهُمْ كَانُوا مُجْ ِرمِينَ (‪)66‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫(‪)1288 /‬‬
‫ف وَ َيقْبِضُونَ أَيْدِ َيهُمْ‬
‫ضهُمْ مِنْ َب ْعضٍ يَ ْأمُرُونَ بِا ْلمُ ْنكَ ِر وَيَ ْن َهوْنَ عَنِ ا ْل َمعْرُو ِ‬
‫ن وَا ْلمُنَا ِفقَاتُ َب ْع ُ‬
‫ا ْلمُنَا ِفقُو َ‬
‫سقُونَ (‪)67‬‬
‫نَسُوا اللّهَ فَنَسِ َيهُمْ إِنّ ا ْلمُنَا ِفقِينَ ُهمُ ا ْلفَا ِ‬

‫(‪)1289 /‬‬
‫حسْ ُبهُ ْم وََلعَ َنهُمُ اللّ ُه وََلهُمْ عَذَابٌ‬
‫جهَنّمَ خَاِلدِينَ فِيهَا ِهيَ َ‬
‫وَعَدَ اللّهُ ا ْلمُنَا ِفقِينَ وَا ْلمُنَا ِفقَاتِ وَا ْل ُكفّارَ نَارَ َ‬
‫ُمقِيمٌ (‪)68‬‬

‫(‪)1290 /‬‬
‫خلَا ِقهِمْ فَاسْ َتمْ َتعْتُمْ ِبخَلَا ِقكُمْ َكمَا‬
‫كَالّذِينَ مِنْ قَبِْلكُمْ كَانُوا َأشَدّ مِ ْنكُمْ ُق ّوةً وََأكْثَرَ َأ ْموَالًا وََأوْلَادًا فَاسْ َتمْ َتعُوا بِ َ‬
‫عمَاُلهُمْ فِي الدّنْيَا وَالْآَخِ َرةِ‬
‫طتْ أَ ْ‬
‫خضْتُمْ كَالّذِي خَاضُوا أُولَ ِئكَ حَبِ َ‬
‫اسْ َتمْتَعَ الّذِينَ مِنْ قَبِْلكُمْ بِخَلَا ِقهِ ْم َو ُ‬
‫وَأُولَ ِئكَ ُهمُ ا ْلخَاسِرُونَ (‪)69‬‬

‫(‪)1291 /‬‬
‫ن وَا ْل ُمؤْ َتفِكَاتِ أَتَ ْتهُمْ‬
‫ح وَعَا ٍد وَ َثمُو َد َو َقوْمِ إِبْرَاهِي َم وََأصْحَابِ مَدْيَ َ‬
‫أَلَمْ يَأْ ِت ِهمْ نَبَأُ الّذِينَ مِنْ قَبِْلهِمْ َقوْمِ نُو ٍ‬
‫سهُمْ يَظِْلمُونَ (‪)70‬‬
‫رُسُُلهُمْ بِالْبَيّنَاتِ َفمَا كَانَ اللّهُ لِ َيظِْل َمهُ ْم وََلكِنْ كَانُوا أَ ْنفُ َ‬

‫(‪)1292 /‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ضهُمْ َأوْلِيَاءُ َب ْعضٍ يَ ْأمُرُونَ بِا ْل َمعْرُوفِ وَيَ ْنهَوْنَ عَنِ ا ْلمُ ْنكَ ِر وَ ُيقِيمُونَ‬
‫ن وَا ْل ُمؤْمِنَاتُ َب ْع ُ‬
‫وَا ْل ُمؤْمِنُو َ‬
‫حكِيمٌ (‪)71‬‬
‫ح ُمهُمُ اللّهُ إِنّ اللّهَ عَزِيزٌ َ‬
‫الصّلَا َة وَ ُيؤْتُونَ ال ّزكَا َة وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُولَ ِئكَ سَيَ ْر َ‬

‫(‪)1293 /‬‬
‫وَعَدَ اللّهُ ا ْل ُم ْؤمِنِينَ وَا ْل ُم ْؤمِنَاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ َتحْ ِتهَا الْأَ ْنهَارُ خَاِلدِينَ فِيهَا َومَسَاكِنَ طَيّ َبةً فِي جَنّاتِ‬
‫ضوَانٌ مِنَ اللّهِ َأكْبَرُ ذَِلكَ ُهوَ ا ْل َفوْزُ ا ْلعَظِيمُ (‪)72‬‬
‫ن وَ ِر ْ‬
‫عَدْ ٍ‬

‫(‪)1294 /‬‬
‫جهَنّ ُم وَبِئْسَ ا ْل َمصِيرُ (‪)73‬‬
‫ن وَاغْلُظْ عَلَ ْيهِ ْم َومَ ْأوَاهُمْ َ‬
‫يَا أَ ّيهَا النّ ِبيّ جَاهِدِ ا ْل ُكفّا َر وَا ْلمُنَافِقِي َ‬

‫(‪)1295 /‬‬
‫يَحِْلفُونَ بِاللّهِ مَا قَالُوا وََلقَدْ قَالُوا كَِلمَةَ ا ْل ُكفْ ِر َوكَفَرُوا َبعْدَ ِإسْلَا ِمهِ ْم وَ َهمّوا ِبمَا لَمْ يَنَالُوا َومَا َن َقمُوا إِلّا‬
‫أَنْ أَغْنَا ُهمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ َفضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا َيكُ خَيْرًا َلهُ ْم وَإِنْ يَ َتوَّلوْا ُيعَذّ ْبهُمُ اللّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي‬
‫ن وَِليّ وَلَا َنصِيرٍ (‪)74‬‬
‫الدّنْيَا وَالَْآخِ َر ِة َومَا َلهُمْ فِي الْأَ ْرضِ مِ ْ‬

‫(‪)1296 /‬‬
‫ن وَلَ َنكُونَنّ مِنَ الصّاِلحِينَ (‪)75‬‬
‫َومِ ْنهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ َفضْلِهِ لَ َنصّ ّدقَ ّ‬

‫(‪)1297 /‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فََلمّا آَتَا ُهمْ مِنْ َفضْلِهِ َبخِلُوا بِ ِه وَ َتوَّلوْا وَهُمْ ُمعْ ِرضُونَ (‪)76‬‬

‫(‪)1298 /‬‬
‫عقَبَهُمْ ِنفَاقًا فِي قُلُو ِبهِمْ إِلَى َيوْمِ يَ ْل َقوْنَهُ ِبمَا أَخَْلفُوا اللّهَ مَا وَعَدُوهُ وَ ِبمَا كَانُوا َيكْذِبُونَ (‪)77‬‬
‫فَأَ ْ‬

‫(‪)1299 /‬‬
‫جوَاهُمْ وَأَنّ اللّهَ عَلّامُ ا ْلغُيُوبِ (‪)78‬‬
‫أَلَمْ َيعَْلمُوا أَنّ اللّهَ َيعْلَمُ سِرّ ُه ْم وَنَ ْ‬

‫(‪)1300 /‬‬
‫جهْ َدهُمْ فَ َيسْخَرُونَ مِ ْنهُمْ‬
‫جدُونَ ِإلّا ُ‬
‫ت وَالّذِينَ لَا يَ ِ‬
‫طوّعِينَ مِنَ ا ْل ُم ْؤمِنِينَ فِي الصّ َدقَا ِ‬
‫الّذِينَ َي ْلمِزُونَ ا ْل ُم ّ‬
‫سخِرَ اللّهُ مِ ْن ُه ْم وََلهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (‪)79‬‬
‫َ‬

‫(‪)1301 /‬‬
‫اسْ َت ْغفِرْ َلهُمْ َأوْ لَا َتسْ َتغْفِرْ َلهُمْ إِنْ تَسْ َت ْغفِرْ َلهُمْ سَ ْبعِينَ مَ ّرةً فَلَنْ َيغْفِرَ اللّهُ َلهُمْ ذَِلكَ بِأَ ّنهُمْ َكفَرُوا بِاللّهِ‬
‫سقِينَ (‪)80‬‬
‫وَرَسُولِ ِه وَاللّهُ لَا َيهْدِي ا ْل َقوْمَ ا ْلفَا ِ‬

‫(‪)1302 /‬‬
‫سهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ‬
‫فَرِحَ ا ْلمُخَّلفُونَ ِب َمقْعَ ِدهِمْ خِلَافَ َرسُولِ اللّ ِه َوكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بَِأ ْموَاِلهِ ْم وَأَ ْنفُ ِ‬
‫جهَنّمَ َأشَدّ حَرّا َلوْ كَانُوا َيفْ َقهُونَ (‪)81‬‬
‫َوقَالُوا لَا تَ ْنفِرُوا فِي الْحَرّ ُقلْ نَارُ َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫(‪)1303 /‬‬
‫حكُوا قَلِيلًا وَلْيَ ْبكُوا كَثِيرًا جَزَاءً ِبمَا كَانُوا َي ْكسِبُونَ (‪)82‬‬
‫فَلْ َيضْ َ‬

‫(‪)1304 /‬‬
‫ج َعكَ اللّهُ إِلَى طَا ِئفَةٍ مِ ْنهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِ ْلخُرُوجِ َف ُقلْ لَنْ تَخْ ُرجُوا َم ِعيَ أَ َبدًا وَلَنْ ُتقَاتِلُوا َم ِعيَ‬
‫فَإِنْ رَ َ‬
‫عَ ُدوّا إِ ّنكُمْ َرضِيتُمْ بِا ْل ُقعُودِ َأوّلَ مَ ّرةٍ فَا ْقعُدُوا مَعَ ا ْلخَاِلفِينَ (‪)83‬‬

‫(‪)1305 /‬‬
‫سقُونَ‬
‫صلّ عَلَى َأحَدٍ مِ ْنهُمْ مَاتَ أَ َبدًا وَلَا َتقُمْ عَلَى قَبْ ِرهِ إِ ّنهُمْ َكفَرُوا بِاللّ ِه وَرَسُولِ ِه َومَاتُوا وَهُمْ فَا ِ‬
‫وَلَا ُت َ‬
‫(‪)84‬‬

‫(‪)1306 /‬‬
‫سهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (‬
‫وَلَا ُتعْجِ ْبكَ َأ ْموَاُلهُ ْم وََأوْلَادُ ُهمْ إِ ّنمَا يُرِيدُ اللّهُ أَنْ ُيعَذّ َبهُمْ ِبهَا فِي الدّنْيَا وَتَزْهَقَ أَ ْنفُ ُ‬
‫‪)85‬‬

‫(‪)1307 /‬‬
‫ط ْولِ مِ ْنهُ ْم َوقَالُوا ذَرْنَا َنكُنْ‬
‫وَإِذَا أُنْزَِلتْ سُو َرةٌ أَنْ َآمِنُوا بِاللّ ِه وَجَاهِدُوا مَعَ َرسُولِهِ اسْتَ ْأذَ َنكَ أُولُو ال ّ‬
‫مَعَ ا ْلقَاعِدِينَ (‪)86‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫(‪)1308 /‬‬
‫خوَاِلفِ َوطُبِعَ عَلَى قُلُو ِبهِمْ َفهُمْ لَا َيفْ َقهُونَ (‪)87‬‬
‫َرضُوا بِأَنْ َيكُونُوا مَعَ ا ْل َ‬

‫(‪)1309 /‬‬
‫ت وَأُولَ ِئكَ هُمُ ا ْل ُمفْلِحُونَ‬
‫س ِه ْم وَأُولَ ِئكَ َل ُهمُ الْخَيْرَا ُ‬
‫ل وَالّذِينَ َآمَنُوا َمعَهُ جَا َهدُوا بَِأ ْموَاِلهِ ْم وَأَنْفُ ِ‬
‫َلكِنِ الرّسُو ُ‬
‫(‪)88‬‬

‫(‪)1310 /‬‬
‫أَعَدّ اللّهُ َلهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ َتحْ ِتهَا الْأَ ْنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَِلكَ ا ْل َفوْزُ ا ْل َعظِيمُ (‪)89‬‬

‫(‪)1311 /‬‬
‫وَجَاءَ ا ْل ُمعَذّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِ ُيؤْذَنَ َلهُ ْم َو َقعَدَ الّذِينَ كَذَبُوا اللّ َه وَرَسُولَهُ سَ ُيصِيبُ الّذِينَ َكفَرُوا مِ ْنهُمْ‬
‫عَذَابٌ أَلِيمٌ (‪)90‬‬

‫(‪)1312 /‬‬
‫جدُونَ مَا يُ ْن ِفقُونَ حَرَجٌ إِذَا َنصَحُوا لِلّهِ‬
‫ض َعفَا ِء وَلَا عَلَى ا ْلمَ ْرضَى وَلَا عَلَى الّذِينَ لَا يَ ِ‬
‫لَيْسَ عَلَى ال ّ‬
‫غفُورٌ رَحِيمٌ (‪)91‬‬
‫ل وَاللّهُ َ‬
‫حسِنِينَ مِنْ سَبِي ٍ‬
‫وَرَسُولِهِ مَا عَلَى ا ْلمُ ْ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫(‪)1313 /‬‬
‫حمُِل ُكمْ عَلَيْهِ َتوَّلوْا وَأَعْيُ ُنهُمْ َتفِيضُ مِنَ ال ّدمْعِ‬
‫جدُ مَا أَ ْ‬
‫حمَِلهُمْ قُ ْلتَ لَا أَ ِ‬
‫وَلَا عَلَى الّذِينَ ِإذَا مَا أَ َت ْوكَ لِتَ ْ‬
‫جدُوا مَا يُ ْنفِقُونَ (‪)92‬‬
‫حَزَنًا َألّا يَ ِ‬

‫(‪)1314 /‬‬
‫ف وَطَبَعَ اللّهُ عَلَى‬
‫خوَاِل ِ‬
‫ك وَهُمْ أَغْنِيَاءُ َرضُوا بِأَنْ َيكُونُوا َمعَ الْ َ‬
‫إِ ّنمَا السّبِيلُ عَلَى الّذِينَ يَسْتَأْذِنُو َن َ‬
‫قُلُو ِبهِمْ َفهُمْ لَا َيعَْلمُونَ (‪)93‬‬

‫(‪)1315 /‬‬
‫جعْتُمْ إِلَ ْيهِمْ ُقلْ لَا َتعْتَذِرُوا لَنْ ُن ْؤمِنَ َلكُمْ َقدْ نَبّأَنَا اللّهُ مِنْ أَخْبَا ِركُمْ وَسَيَرَى اللّهُ‬
‫َيعْتَذِرُونَ إِلَ ْيكُمْ ِإذَا َر َ‬
‫شهَا َدةِ فَيُنَبّ ُئكُمْ ِبمَا كُنْ ُتمْ َت ْعمَلُونَ (‪)94‬‬
‫عمََلكُ ْم وَرَسُولُهُ ُثمّ تُرَدّونَ إِلَى عَاِلمِ ا ْلغَ ْيبِ وَال ّ‬
‫َ‬

‫(‪)1316 /‬‬
‫جهَنّمُ جَزَاءً‬
‫س َومَ ْأوَاهُمْ َ‬
‫سَ َيحِْلفُونَ بِاللّهِ َلكُمْ ِإذَا ا ْنقَلَبْتُمْ إِلَ ْي ِهمْ لِ ُتعْ ِرضُوا عَ ْن ُهمْ فَأَعْ ِرضُوا عَ ْن ُهمْ إِ ّنهُمْ ِرجْ ٌ‬
‫ِبمَا كَانُوا َي ْكسِبُونَ (‪)95‬‬

‫(‪)1317 /‬‬
‫سقِينَ (‪)96‬‬
‫ضوْا عَ ْنهُمْ فَإِنّ اللّهَ لَا يَ ْرضَى عَنِ ا ْل َقوْمِ ا ْلفَا ِ‬
‫ضوْا عَ ْنهُمْ فَإِنْ تَ ْر َ‬
‫يَحِْلفُونَ َلكُمْ لِتَ ْر َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫(‪)1318 /‬‬
‫حكِيمٌ (‪)97‬‬
‫شدّ ُكفْرًا وَ ِنفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلّا َيعَْلمُوا حُدُودَ مَا أَنْ َزلَ اللّهُ عَلَى رَسُوِل ِه وَاللّهُ عَلِيمٌ َ‬
‫الْأَعْرَابُ أَ َ‬

‫(‪)1319 /‬‬
‫سمِيعٌ عَلِيمٌ (‬
‫سوْءِ وَاللّهُ َ‬
‫َومِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتّخِذُ مَا يُ ْنفِقُ َمغْ َرمًا وَيَتَرَ ّبصُ ِبكُمُ ال ّدوَائِرَ عَلَ ْيهِمْ دَائِ َرةُ ال ّ‬
‫‪)98‬‬

‫(‪)1320 /‬‬
‫َومِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ ُي ْؤمِنُ بِاللّ ِه وَالْ َيوْمِ الَْآخِ ِر وَيَتّخِذُ مَا يُ ْنفِقُ قُرُبَاتٍ عِ ْندَ اللّ ِه َوصَلَوَاتِ الرّسُولِ أَلَا‬
‫غفُورٌ َرحِيمٌ (‪)99‬‬
‫حمَ ِتهِ إِنّ اللّهَ َ‬
‫إِ ّنهَا قُرْبَةٌ َل ُهمْ سَيُ ْدخُِلهُمُ اللّهُ فِي رَ ْ‬

‫(‪)1321 /‬‬
‫ضيَ اللّهُ عَ ْن ُه ْم وَ َرضُوا عَنْهُ‬
‫ن وَالْأَ ْنصَا ِر وَالّذِينَ اتّ َبعُوهُمْ بِِإحْسَانٍ َر ِ‬
‫وَالسّا ِبقُونَ الَْأوّلُونَ مِنَ ا ْل ُمهَاجِرِي َ‬
‫وَأَعَدّ َلهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي َتحْ َتهَا الْأَ ْنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَ َبدًا ذَِلكَ ا ْلفَوْزُ ا ْلعَظِيمُ (‪)100‬‬

‫(‪)1322 /‬‬
‫ن َومِنْ أَ ْهلِ ا ْلمَدِي َنةِ مَرَدُوا عَلَى ال ّنفَاقِ لَا َتعَْل ُمهُمْ نَحْنُ َنعَْل ُمهُمْ‬
‫حوَْلكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَا ِفقُو َ‬
‫َو ِممّنْ َ‬
‫عذَابٍ عَظِيمٍ (‪)101‬‬
‫سَ ُنعَذّ ُب ُهمْ مَرّتَيْنِ ثُمّ يُ َردّونَ إِلَى َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫(‪)1323 /‬‬
‫غفُورٌ‬
‫عسَى اللّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَ ْيهِمْ إِنّ اللّهَ َ‬
‫عمَلًا صَالِحًا وَ َآخَرَ سَيّئًا َ‬
‫وَآَخَرُونَ اعْتَ َرفُوا بِذُنُو ِبهِمْ خََلطُوا َ‬
‫رَحِيمٌ (‪)102‬‬

‫(‪)1324 /‬‬
‫سمِيعٌ عَلِيمٌ (‬
‫سكَنٌ َلهُ ْم وَاللّهُ َ‬
‫طهّرُ ُه ْم وَتُ َزكّيهِمْ ِبهَا َوصَلّ عَلَ ْيهِمْ إِنّ صَلَا َتكَ َ‬
‫خذْ مِنْ َأ ْموَاِلهِ ْم صَ َدقَةً تُ َ‬
‫ُ‬
‫‪)103‬‬

‫(‪)1325 /‬‬
‫أَلَمْ َيعَْلمُوا أَنّ اللّهَ ُهوَ َيقْ َبلُ ال ّتوْبَةَ عَنْ عِبَا ِدهِ وَيَأْخُذُ الصّ َدقَاتِ وَأَنّ اللّهَ ُهوَ ال ّتوّابُ الرّحِيمُ (‪)104‬‬

‫(‪)1326 /‬‬
‫شهَا َدةِ فَيُنَبّ ُئكُمْ ِبمَا‬
‫عمََلكُ ْم وَرَسُولُهُ وَا ْلمُ ْؤمِنُونَ وَسَتُرَدّونَ إِلَى عَالِمِ ا ْلغَ ْيبِ وَال ّ‬
‫عمَلُوا فَسَيَرَى اللّهُ َ‬
‫َوقُلِ ا ْ‬
‫كُنْتُمْ َت ْعمَلُونَ (‪)105‬‬

‫(‪)1327 /‬‬
‫حكِيمٌ (‪)106‬‬
‫جوْنَ لَِأمْرِ اللّهِ ِإمّا ُيعَذّ ُب ُه ْم وَِإمّا يَتُوبُ عَلَ ْيهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ َ‬
‫وَآَخَرُونَ مُرْ َ‬

‫(‪)1328 /‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫سجِدًا ضِرَارًا َو ُكفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ ا ْل ُم ْؤمِنِينَ وَإِ ْرصَادًا ِلمَنْ حَا َربَ اللّ َه وَرَسُولَهُ مِنْ‬
‫وَالّذِينَ اتّخَذُوا مَ ْ‬
‫شهَدُ إِ ّنهُمْ َلكَاذِبُونَ (‪)107‬‬
‫حسْنَى وَاللّهُ يَ ْ‬
‫قَ ْبلُ وَلَ َيحِْلفُنّ إِنْ أَرَدْنَا ِإلّا الْ ُ‬

‫(‪)1329 /‬‬
‫سجِدٌ أُسّسَ عَلَى ال ّت ْقوَى مِنْ َأوّلِ َيوْمٍ َأحَقّ أَنْ َتقُومَ فِيهِ فِيهِ ِرجَالٌ يُحِبّونَ أَنْ‬
‫لَا َتقُمْ فِيهِ أَبَدًا َلمَ ْ‬
‫طهّرِينَ (‪)108‬‬
‫حبّ ا ْلمُ ّ‬
‫طهّرُوا وَاللّهُ ُي ِ‬
‫يَتَ َ‬

‫(‪)1330 /‬‬
‫شفَا جُ ُرفٍ هَارٍ فَا ْنهَارَ‬
‫َأ َفمَنْ أَسّسَ بُنْيَا َنهُ عَلَى َتقْوَى مِنَ اللّ ِه وَ ِرضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ َأسّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى َ‬
‫جهَنّ َم وَاللّهُ لَا َيهْدِي ا ْل َقوْمَ الظّاِلمِينَ (‪)109‬‬
‫بِهِ فِي نَارِ َ‬

‫(‪)1331 /‬‬
‫حكِيمٌ (‪)110‬‬
‫لَا يَزَالُ بُنْيَا ُنهُمُ الّذِي بَ َنوْا رِيبَةً فِي قُلُو ِبهِمْ إِلّا أَنْ َتقَطّعَ قُلُو ُبهُ ْم وَاللّهُ عَلِيمٌ َ‬

‫(‪)1332 /‬‬
‫ن وَ ُيقْتَلُونَ‬
‫سهُ ْم وََأ ْموَاَلهُمْ بِأَنّ َلهُمُ الْجَنّةَ ُيقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَ َيقْتُلُو َ‬
‫إِنّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ ا ْل ُم ْؤمِنِينَ أَ ْنفُ َ‬
‫حقّا فِي ال ّتوْرَاةِ وَالْإِ ْنجِيلِ وَالْقُرْآَنِ َومَنْ َأ ْوفَى ِب َعهْ ِدهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَ ْي ِعكُمُ الّذِي‬
‫وَعْدًا عَلَيْهِ َ‬
‫بَا َيعْتُمْ بِهِ وَذَِلكَ ُهوَ ا ْل َفوْزُ ا ْلعَظِيمُ (‪)111‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫بعد أن تكلم الحق عن الذين تخلفوا عن الغزو‪ ،‬وعن الذين اعتذروا بأعذار كاذبة‪ ،‬وعن الذين‬
‫أرجأ ال فيهم الحكم‪ ،‬أراد أن يبين سبحانه أن تخلفهم ليس له أي أهمية؛ لن ال سبحانه وتعالى‬
‫عوّض اليمان وعوّض السلم بخير منهم‪ ،‬فإياكم أن تطنوا أنهم بامتناعهم عن الغزو سوف‬
‫يُتعبون السلم‪ ،‬ل؛ لن الحق سبحانه ينصر دينه دائما‪.‬‬
‫فيقول ال سبحانه‪:‬‬
‫س ُه ْم وََأمْوَاَلهُمْ }‬
‫{ إِنّ اللّهَ اشْتَرَىا مِنَ ا ْل ُم ْؤمِنِينَ أَنفُ َ‬
‫يقول العلماء‪ :‬كيف يشتري ال من المؤمنين أنفسهم وأموالهم‪ ،‬وهو الذي خلق النفس وهو الذي‬
‫وهب المال؟ وقالوا‪ :‬ولكن هبة ال لهم ل يرجع فيها‪ ،‬بدليل أن المال مال ال‪ ،‬وحين أعطاه‬
‫لنسان نتيجة عمله أوضح له‪ :‬إنه مالك بحيث إذا احتاجه أخ لك في الدين‪ ،‬فأنا أقترضه منك‪ ،‬ولم‬
‫ضعَافا كَثِي َرةً‬
‫عفَهُ لَهُ َأ ْ‬
‫يقل‪ " :‬أسترده "‪ .‬فسبحانه القائل‪ {:‬مّن ذَا الّذِي ُيقْ ِرضُ اللّهَ قَرْضا حَسَنا فَ ُيضَا ِ‬
‫جعُونَ }[البقرة‪]245 :‬‬
‫ط وَإِلَيْهِ تُرْ َ‬
‫وَاللّهُ َيقْ ِبضُ وَيَبْسُ ُ‬
‫لقد احترم الحق الهبة للنسان‪ ،‬واحترم عرقه وسعيه‪ ،‬وكأنه سبحانه حينما وهب البشر الحياة‪،‬‬
‫ووهبهم النفس أعلن أنها ملكهم حقّا‪ ،‬ولكنه أعطاها لهم‪ ،‬وحين يريد أخذها منكم فل يقول‪ :‬إنه‬
‫يستردها بل هو يشتريها منكم بثمن؛ ولذلك يقول النبي عليه الصلة والسلم‪ " :‬إن سلعة ال غالية‪،‬‬
‫إن سلعة ال غالية‪ ،‬إن سلعة ال هي الجنة‪" .‬‬
‫أي‪ :‬اجعلوا ثمنها غاليا‪.‬‬
‫س ُه ْم وََأمْوَاَلهُمْ }‪ .‬وكلمة { اشْتَرَىا } تدل على أن هناك صفقة‪،‬‬
‫{ إِنّ اللّهَ اشْتَرَىا مِنَ ا ْل ُم ْؤمِنِينَ أَنفُ َ‬
‫عملية شراء وبيع‪ .‬وإن كان هذا ملكا ل‪ ،‬فال هو المشتري‪ ،‬وال هو البائع‪ ،‬فلبد أن لهذا المر‬
‫رمزية‪ ،‬وهذه الرمزية يلحظها النسان في الولي على اليتيم أو السفيه‪ ،‬فقد يصح أن يكون عندي‬
‫شيء وأنا ولي على يتيم‪ ،‬فأشتري هذا الشيء بصفتي‪ ،‬ثم أبيعه بصفتي الخرى‪ ،‬فالشخص الواحد‬
‫يكون هو الشاري وهو البائع‪ ،‬فكأن ال يضرب لنا بهذا المثل‪ " :‬إنكم بدون منهج ال سفهاء‪،‬‬
‫فدعوا ال يبيع ودعوا ال يشتري "‪.‬‬
‫وما الثمن؟ يأتي التحديد من الحق‪ { :‬بِأَنّ َلهُمُ الّجَنّةَ } هذا هو الثمن الذي ل يفنى‪ ،‬ول يبلى‪،‬‬
‫ونعيمك فيها على قدر إمكانيات ال التي ل نهاية لها‪ ،‬أما نعيمك في حياتك فهو على قدر‬
‫إمكانياتك أنت في أسباب ال‪ ،‬وهكذا يكون الثمن غاليا‪.‬‬
‫" وحينما جاء النصار في بيعة العقبة لرسول ال صلى ال عليه وسلم قال له عبدال بن رواحة‪:‬‬
‫اشترط لربك ولنفسك ما شئت‪.‬‬
‫قال‪ :‬أشترط لربي أن تعبدوه ول تشركوا به شيئا‪ ،‬وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه‬
‫أنفسكم وأموالكم "‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫قالوا‪ :‬فما لنا إذا فعلنا ذلك؟‬
‫ماذا قال رسول ال؟ أقال لهم ستفتحون قصور ُبصْرى والشام وتصيرون ملوكا‪ ،‬وينفتح لكم‬
‫المشرق والمغرب؟‬
‫لم يقل صلى ال عليه وسلم شيئا من هذا‪ ،‬بل قال‪ " :‬الجنة "؛ لن كل شيء في الدنيا تافه بالنسبة‬
‫لهذا الثمن‪ ،‬قالوا‪ " :‬ربح القليل ل نقيل ول نستقيل " وبمجرد عقد الصفقة العهدية بين رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم وبين النصار‪ ،‬كان من الممكن أن يموت واحد أو اثنان أو ثلثة قبل أن يبلغ‬
‫السلم حظه وذروته‪ ،‬وقد يقال‪ :‬فلن مات ولم يأخذ شيئا من ماديات الحياة‪.‬‬
‫لكنه صلى ال عليه وسلم حين قال‪ " :‬الجنة " ‪ ،‬فمن مات يدخلها‪.‬‬
‫} بِأَنّ َلهُمُ اّلجَنّةَ { هذا هو الثمن‪ ،‬وهو وعد بشيء يأتي من بعد‪ ،‬ولكنه وعد ممن يملك إنفاذه؛ لن‬
‫الذي يقدح في وعود الناس للناس‪ ،‬أنك قد تعدُ بشيء ولكن تظل حياتك ول تفي به‪ ،‬أو أن تقل‬
‫إمكاناتك عن التنفيذ‪.‬‬
‫إذن‪ :‬الوعد الحق هو ممن يملك ويقدر‪ ،‬وحيّ ل يموت‪ ،‬لذلك يقول في هذه الية‪:‬‬
‫س ُه ْم وََأمْوَاَلهُمْ بِأَنّ َلهُمُ اّلجَنّةَ {‬
‫} إِنّ اللّهَ اشْتَرَىا مِنَ ا ْل ُم ْؤمِنِينَ أَنفُ َ‬
‫ويقول في آخرها‪:‬‬
‫حقّا { و " وَعْد " مصدر‪ ،‬فأين الفعل‪ ،‬إننا نفهمها‪ :‬أي وعدهم ال بالجنة وعدا منه‬
‫} وَعْدا عَلَيْهِ َ‬
‫سبحانه وهو الذي يملك وهو وعد حق‪ .‬والقرآن حين يأتي بقضية كونية‪ ،‬فالمؤمن يستقبلها بأنها‬
‫سوف تحدث حتما‪ ،‬فإذا ما جاء زمنها وحدثت صارت حقّا ثابتا‪ ،‬مثلما يقول سبحانه‪ {:‬وَإِنّ جُندَنَا‬
‫َلهُمُ ا ْلغَالِبُونَ }[الصافات‪]173 :‬‬
‫هذه قضية قرآنية‪ ،‬حدثت من قبل وثبتت في الكون‪.‬‬
‫وماذا بعد أشتري ال من المؤمنين أموالهم وأنفسهم؟ هنا يحدد الحق المهمة أمامهم‪ُ } :‬يقَاتِلُونَ فِي‬
‫ن وَ ُيقْتَلُونَ { و " قَاتَل " ‪ ،‬و " قَ َتلَ " غير " قَا َتلَ "‪ .‬فالقتل عمل من جهة واحدة‪،‬‬
‫سَبِيلِ اللّهِ فَ َيقْتُلُو َ‬
‫علَ " توضح لنا‬
‫عمْرا "‪ .‬وكل مادة " فا َ‬
‫لكن " قَا َتلَ " تقتضي مفاعلة‪ ،‬مثلها مثل " شَا َركَ زيدٌ َ‬
‫الشركة في المر‪ ،‬فكل واحد منهم فاعل‪ ،‬وكل واحد منهم مفعول‪ .‬ولذلك تجد في أساليب العرب‬
‫ما يدلك على أن ملحظ الفاعلية في واحد هو الغالب‪ ،‬وملحظ المفعولية في الخر هو الغالب‪،‬‬
‫ولكن على التحقيق فإن كل واحد منهم فاعل من جهة‪ ،‬ومفعول من الجهة الخرى‪.‬‬
‫فمثلً‪ :‬الرجل الذي سار في الصحراء التي فيها حيّات وثعابين‪ ،‬ولم يُهج الرجل أثناء سيره الحيّات‬
‫ول الثعابين‪ ،‬بل تجنبها‪ ،‬والثعبان ما ُدمْت ل تهيجه فهو ل يفرز سمّا؛ لن سمّ الثعبان ل يفرز إل‬
‫دفاعا‪.‬‬
‫سمّه‪ ،‬فإذا كان الرجل سائرا وله قدرة المحافظة على‬
‫وساعة يرى الثعبان أنك ستواجهه يستعمل ُ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫عدم إهاجة الثعابين ول الحيات‪ ،‬فهو قد " سالمها " ‪ ،‬والشاعر يقول‪:‬قد سَاَلمَ الحيّاتُ منه القَدَما‬
‫جعَما‬
‫وال ْفعُوان والشّجَاعَ الشّ ْ‬
‫والفعوان هو الثعبان الفظيع‪ ،‬ونلحظ أن " الفعوان " منصوب‪ ،‬وأن " الحياتُ " مرفوعة‪ ،‬إذن‪:‬‬
‫فالقدم مفعول‪ ،‬والحيات فاعل وجاء بالقدم منصوبة‪ ،‬وكذلك الشجعم لما في الحيات من المفعولية؛‬
‫لن الحيّات إذا سالمت القدمَ فقد سالمها القدمُ‪ ،‬فكأنه قال‪ :‬سالم القدمُ الحيّاتِ‪ ،‬ثم جعل الفعوان بدلً‬
‫منها‪.‬‬
‫وهنا يقول الحق‪:‬‬
‫} بِأَنّ َلهُمُ اّلجَنّةَ ُيقَاتِلُونَ { فمن يقاتل‪ :‬إما أن َيقْتل وإما أن ُيقْتَل‪ ،‬وفي قراءة الحسن يقدم الثانية‬
‫على الولى‪ ،‬ويقول‪ " :‬ف ُيقْتَلُون ويَقْتُلوُنَ "؛ فالمسألة صفقة بمقتضى قوله‪ } :‬بِأَنّ َل ُهمُ الّجَنّةَ { لذلك‬
‫يُقدم قتلهم‪ ،‬وهو القرب لمعنى الصفقة‪ .‬وأيضا فإن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا؛‬
‫وإذا ما جاء المؤمنون في جانب؛ والكفار في جانب آخر فالمؤمنون بنيان‪ ،‬والحق هو القائل‪ {:‬إِنّ‬
‫حبّ الّذِينَ ُيقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّا كَأَ ّنهُم بُنْيَانٌ مّ ْرصُوصٌ }[الصف‪]4 :‬‬
‫اللّهَ ُي ِ‬
‫فإذا ما سبق قوم من المؤمنين بأن ُيقْتَلوا‪ ،‬فكأن الكل قُتل‪ .‬إذن‪ :‬فحين قتل بعض المؤمنين‪ ،‬يمكننا‬
‫ن وَيُقْتَلُونَ "‪.‬‬
‫أن نقرأ قول الحق على قراءة الحسن ونقول‪ " :‬فَ َيقْتُلُو َ‬
‫أو‪ :‬أنهم حينما دخلوا إلى القتال وضعوا في أنفسهم أن يقتلوا‪ ،‬ولم يغلبوا جانب السلمة‪.‬‬
‫وكلنا نعرف قصة الصحابي الذي قال لرسول ال صلى ال عليه وسلم‪ :‬أليس بيني وبين الجنة إل‬
‫أن ألقى هؤلء فيقتلوني؟ قال له‪ " :‬نعم " فأخرج الصحابي تمرة كانت في فمه‪ ،‬ودخل إلى القتال‬
‫وكأنه يستعجل الجنة‪.‬‬
‫ل وَا ْلقُرْآنِ { ‪ ،‬وهذا تأكيد بأن لهم الجنة‪ ،‬وهو وعد من الحق‬
‫حقّا فِي ال ّتوْرَا ِة وَالِنْجِي ِ‬
‫} وَعْدا عَلَيْهِ َ‬
‫في التوراة والنجيل والقرآن لمن يدخلون المعارك دفاعا عن اليمان‪.‬‬
‫وكل دين في وقته له مؤمنون به‪ ،‬ويدخلون المعارك دفاعا عنه‪ .‬إذن‪ :‬فالقتال في سبيل نصرة‬
‫الدين والدفاع عنه ليس مسألة مقصورة على المسلمين‪ ،‬لكنها لم تكن عامة عند الرسل‪ ،‬فقد كان‬
‫جبْ له‬
‫الحق سبحانه وتعالى هو الذي يتدخل لعقاب أهل الكفر‪ ،‬وكان الرجل يبلّغ‪ ،‬فإذا لم يست ِ‬
‫قومه؛ عاقبهم ال سبحانه‪ ،‬والقرآن يقول‪َ {:‬فمِ ْنهُم مّن أَرْسَلْنَا عَلَ ْيهِ حَاصِبا َومِ ْنهُمْ مّنْ َأخَذَ ْتهُ الصّيْحَةُ‬
‫سفْنَا بِهِ الَ ْرضَ َومِ ْنهُمْ مّنْ أَغْ َرقْنَا‪[} ...‬العنكبوت‪]40 :‬‬
‫َومِ ْنهُمْ مّنْ خَ َ‬
‫ولم تَ ْأتِ مسألة القتال في سبيل ال إل عندما طلب اليهود من بعد سيدنا موسى عليه السلم أن‬
‫يقاتلوا في سبيل ال‪ {:‬أَلَمْ تَرَ ِإلَى ا ْلمَلِ مِن بَنِي ِإسْرَائِيلَ مِن َب ْعدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَ ِبيّ ّلهُمُ ا ْب َعثْ لَنَا‬
‫مَلِكا ّنقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ‪[} ...‬البقرة‪]246 :‬‬
‫إذن‪ :‬فهذا وعد من ال في التوراة للذين آمنوا بموسى عليه السلم‪ ،‬وطالبوا بالقتال في سبيل ال‪،‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وكذلك في النجيل للذين آمنوا بعيسى عليه السلم‪ ،‬وأخيرا في القرآن للذين آمنوا بمحمد صلى‬
‫ال عليه وسلم‪.‬‬
‫أو‪ :‬أن هذا الوعد خاص بأمة محمد صلى ال عليه وسلم؛ لنها المة المأمونة للدفاع عن كلمة ال‬
‫بالمجهود البشري‪.‬‬
‫وبهذا يكون الوعد في التوراة والنجيل والقرآن هو وعد لمة محمد صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فكأن‬
‫التوراة قد ُبشّر فيها بهذا للمسلمين المؤمنين بمحمد صلى ال عليه وسلم وكذلك النجيل قد ُبشّر‬
‫فيه بهذا الوعد للمة المسلمة‪ .‬والدليل على ذلك هو قول الحق سبحانه في آخر سورة الفتح‪{:‬‬
‫حمَآءُ بَيْ َنهُمْ‪[} ...‬الفتح‪]29 :‬‬
‫حمّدٌ رّسُولُ اللّ ِه وَالّذِينَ َمعَهُ أَشِدّآءُ عَلَى ا ْل ُكفّارِ رُ َ‬
‫مّ َ‬
‫إذن‪ :‬فالدين ل يطبع المتدين ل على الشدة ول على الرحمة‪ ،‬إنما يطبعه انطباعا يصلح لموقف‬
‫الشدة فيكون شديدا‪ ،‬ولموقف الرحمة فيكون رحيما‪ .‬ولو أنه مطبوع على الشدة لكان شديدا طوال‬
‫الوقت‪ ،‬ولو طُبع على الرحمة فقط لكان رحيما كل الوقت‪ ،‬ولكن شاء الحق أن يطبع المؤمنين‬
‫ليكونوا أشداء على الكفار رحماء بينهم؛ ولذلك فالدين ل يطبع الناس على ذلة ول على عزة‪ ،‬إنما‬
‫يجعلهم أذلة على المؤمنين‪ ،‬وأعزة على الكفار‪.‬‬
‫وبذلك يُطوّع المؤمن نفسه‪ ،‬هو شديد ورحيم‪ ،‬عزيز وذليل‪ ،‬فهو طوع للمنهج‪ ،‬فحين يتطلب منه‬
‫منهج ال أن يكون شديدا يشتد‪ ،‬وحين يتطلب منهج ال منه أن يكون رحيما يرحم‪ ،‬وحين يتطلب‬
‫ال من أن يكون ذليلً بالنسبة لخوانه المؤمنين يذل‪ ،‬وحين يتطلب ال منه أن يكون عزيزا على‬
‫حمَآءُ بَيْ َنهُمْ‪[} ...‬الفتح‪]29 :‬‬
‫شدّآءُ عَلَى ا ْل ُكفّارِ ُر َ‬
‫حمّدٌ رّسُولُ اللّ ِه وَالّذِينَ َمعَهُ أَ ِ‬
‫الكافرين يعز‪ {.‬مّ َ‬
‫سجّدا‪[} ...‬الفتح‪]29 :‬‬
‫وتتابع صفات المؤمنين في قوله سبحانه‪ {:‬تَرَا ُهمْ ُركّعا ُ‬
‫وهم في ركوعهم وسجودهم إنما يعبرون عن قيم الولء ل‪.‬‬
‫ثم يصفهم سبحانه‪ {:‬يَبْ َتغُونَ َفضْلً مّنَ اللّ ِه وَ ِرضْوَانا سِيمَاهُمْ فِي وُجُو ِههِمْ مّنْ أَثَرِ السّجُودِ‪} ...‬‬
‫[الفتح‪]29 :‬‬
‫وهم ل يريدون إل رضاء ال وفضله‪ ،‬والنور يشع من وجوههم؛ لنهم أهل للقيم‪ ،‬ويضيف‬
‫سبحانه‪ {:‬ذَِلكَ مَثَُلهُمْ فِي ال ّتوْرَاةِ‪[} ...‬الفتح‪]29 :‬‬
‫أي‪ :‬أن التوراة جاءت فيها البشارة بأن محمدا سيجيء بأمة فيها الخصال اليمانية والقيمية التي ل‬
‫توجد في اليهود‪ ،‬هؤلء الذين تغلب عليهم المادية ول ترتقي أرواحهم بالقيم الدينية‪ ،‬فأنت إن‬
‫نظرت إلى التوراة المحرفة فلن تجد فيها أي شيء عن اليوم الخر‪ ،‬بل كلها أمور مادية‪.‬‬
‫أما في النجيل فقد جاءت المسيحية بالرهبنة‪ ،‬والماديات فيها ضعيفة؛ ولذلك جاء القرآن منهجا‬
‫متكاملً تنتظم به الحياة‪ ،‬قيما حارسة‪ ،‬ومادة محروسة؛ فالعالم يفسد حين تأتي المادة فتطغى‬
‫وتنحسر القيم‪ ،‬أو حين توجد قيم ليس لها قوة مادية تدافع عنها‪ ،‬فيأبى القوي الظالم إل أن يطغى‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫بقوته المادية على القيم الروحية فيكون الخلل في البناء الجتماعي‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فنحن في حاجة دائمة إلى قيم تحرسها مادة‪ ،‬ومادة تحرسها قيم‪ .‬وأخبر ال قوم موسى‪ :‬أنتم‬
‫ل تملكون القيم المعنوية‪ ،‬وتعتزون بالقيم المادية‪ ،‬لذلك ستأتي أمة محمد وهي تملك قيم الروح‬
‫ل من ال ورضوانا‪ ،‬وسيماهم في وجوههم من أثر السجود‪.‬‬
‫والمادة‪ ،‬فهم ُركّع‪ ،‬سُجّد‪ ،‬يبتغون فض ً‬
‫وأبلغ سبحانه قوم عيسى عليه السلم أنه سيأتي في أمة محمد بمنهج يعطيهم ما فقدتموه من‬
‫المادة؛ بسبب أنكم انعزلتم عن الحياة وابتدعتم رهبنة ما كتبها ال عليكم‪ ،‬بينما نحن نريد حركة‬
‫شطَْأهُ فَآزَ َرهُ فَاسْ َتغَْلظَ فَاسْ َتوَىا‬
‫في الحياة‪ {.‬ذَِلكَ مَثَُلهُمْ فِي ال ّتوْرَا ِة َومَثَُلهُمْ فِي الِنجِيلِ كَزَ ْرعٍ َأخْرَجَ َ‬
‫جبُ الزّرّاعَ لِ َيغِيظَ ِبهِمُ ا ْلكُفّارَ‪[} ...‬الفتح‪]29 :‬‬
‫عَلَىا سُوقِهِ ُي ْع ِ‬
‫ومن حق المسلمين أن يقولوا‪ :‬أيها الكافرون ليست لكم مادة تطغون بها علينا؛ لن السلم يريد‬
‫من حركة حياتنا على ضوء منهجه في الرض أن تتوازن المادة مع القيم؛ لن القيم هي التي‬
‫تحرس الحضارة‪ ،‬والمادة إنما تحرس القيم‪ ،‬وحين يمتلك المسلمون القوة المادية فسيرتدع أي‬
‫عدّواْ َلهُمْ مّا‬
‫إنسان عن أن يطمع في فتنة المسلمين في دينهم؛ ولذلك قال الحق سبحانه‪ {:‬وَأَ ِ‬
‫ع ْدوّ اللّ ِه وَعَ ُد ّوكُمْ‪[} ...‬النفال‪]60 :‬‬
‫طعْتُمْ مّن ُق ّو ٍة َومِن رّبَاطِ ا ْلخَ ْيلِ تُرْهِبُونَ بِهِ َ‬
‫اسْ َت َ‬
‫فالكفار إذا رأوك قد أعد ْدتَ لهم يتهيبون‪.‬‬
‫وفي الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها‪ ،‬يقول الحق‪:‬‬
‫ل وَا ْلقُرْآنِ {‬
‫حقّا فِي ال ّتوْرَا ِة وَالِنْجِي ِ‬
‫} وَعْدا عَلَيْهِ َ‬
‫وما دام الحق قد أعطى الوعد‪ ،‬فلن يوجد من هو أوفى منه؛ لذلك يقول‪َ } :‬ومَنْ َأ ْوفَىا ِب َعهْ ِدهِ مِنَ‬
‫اللّهِ { وبذلك يطمئننا سبحانه على أن وعده محقق؛ لن العهد ارتباط بين ُمعَاهَد و ُمعَاهِد‪ ،‬والذي‬
‫يخرج عن هذا الرتباط أمران‪:‬‬
‫الول‪ :‬أل يكون صادقا حين أعطى عهدا‪ ،‬بل كان في نيته أل يوفي‪ ،‬ولكنه أقام العهد خديعة حتى‬
‫يستنيم له المعَاهَد‪.‬‬
‫والمر الثاني‪ :‬أن يكون قد أعطى وعدا بما ل يستطيع تنفيذه‪ ،‬فهو كاذب‪.‬‬
‫وال ل يليق به ل الكذب ول الخديعة؛ فسبحانه مُنزّه عن كل ذلك‪ ،‬ول أحد أ ْوفَى بالعهد من ال‪.‬‬
‫فقد يُطعن في العهد والوفاء به عدم القدرة‪ ،‬لكن قدرة الحق مستوفية‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالعهد الحقيقي إنما يؤخذ من ال‪ ،‬وقد جاء الحق بهذه القضية بشكل استفهامي } َومَنْ َأ ْوفَىا‬
‫ِب َعهْ ِدهِ مِنَ اللّهِ {؟ فالجابة‪ :‬ل أحد؛ لن الذي يقدح في مسألة العهد الخُلف والكذب وغير ذلك‪.‬‬
‫وال سبحانه مُنزّه عن الكذب والخديعة؛ لن الخديعة ل تأتي إل من ماكر‪ ،‬وإذا سمع أي إنسان }‬
‫َومَنْ َأ ْوفَىا ِب َعهْ ِدهِ مِنَ اللّهِ { ثم أدار فكره في الكون ليبحث عن جواب‪ ،‬فل يجد إل أن يقول‪ " :‬ال‬
‫" ‪ ،‬ول أحد أوفى من ال بالعهد‪ .‬وما دام الوعد بالجنة‪ ،‬فالجنة ل يملكها إل هو سبحانه ووعده‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫حق‪ ،‬وكلها تأكيدات بأن المسألة واقعة وحادثة‪.‬‬
‫ولهذا يقول سبحانه‪ {:‬فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَ ْي ِعكُمُ الّذِي بَا َيعْتُمْ ِب ِه وَذَِلكَ ُهوَ ا ْل َفوْزُ ا ْلعَظِيمُ }[التوبة‪]111 :‬‬
‫فالنتيجة لهذه المسألة كلها من شراء ال من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة‪ ،‬ثم وعده‬
‫الحق المبيّن في التوراة والنجيل والقرآن‪ ،‬وكلها شهادات مسجلة هي الستبشار بما باعه المؤمن‬
‫ل‪ .‬فالنسان ‪ -‬ول المثل العلى ‪ -‬ل يسجل إل ما يكون في صالح قضيته‪ ،‬ول يسجل للخصم‪،‬‬
‫صكّ على فلن‪ ،‬فأنت الذي تحتفظ به وتحرص عليه؛ لنه يؤيد حقك‪.‬‬
‫فعندما يكون عندك َ‬
‫والحق سبحانه يقول‪ {:‬إِنّا نَحْنُ نَزّلْنَا ال ّذكْ َر وَإِنّا لَهُ لَحَا ِفظُونَ }[الحجر‪]9 :‬‬
‫والقرآن هو الحجة الكاملة الشاملة في كل أمور الدنيا والخرة‪ ،‬ومن فَرْط صدق القرآن أن البشر‬
‫قد يصلون إلى قضية كونية ما‪ ،‬ومن بعد ذلك ُتخَالَف‪ ،‬وحين تعود إلى القرآن تجد أن كلم القرآن‬
‫هو الذي صدق‪ ،‬وقد حفظ الحق سبحانه القرآن لن قضايا الكون الذي خلقه ال ل يمكن أن تخرج‬
‫عن قضايا القرآن؛ لن منزل القرآن وخالق الكون واحد‪ ،‬فل شيء يصادمه‪.‬‬
‫} فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَ ْي ِعكُمُ الّذِي بَا َيعْتُمْ بِهِ {‬
‫قوله الحق‪ } :‬فَاسْتَبْشِرُواْ { مأخوذ من " البشرة " ‪ ،‬وهي الجلد عامة‪ ،‬وإن كان الظاهر منه هو‬
‫الوجه‪.‬‬
‫سهُمْ وََأمْوَاَلهُمْ { فقد يفهم أحد أن‬
‫وحين يقول الحق سبحانه‪ } :‬إِنّ اللّهَ اشْتَرَىا مِنَ ا ْل ُم ْؤمِنِينَ أَنفُ َ‬
‫النفس سوف تضيع‪ ،‬وأن الموال سوف تنفق‪ ،‬وهذا قد يُق ِبضُ النفس فهذا فيه الموت‪ ،‬وخسارة‬
‫للمال‪ ،‬وكان من الطبيعي أن يشحب وجه النسان ويفزع ويخاف‪ .‬ولكن ساعة يقول الحق‬
‫سبحانه‪ } :‬إِنّ اللّهَ اشْتَرَىا { يجد بشرة المؤمن تطفح بالسرور‪ .‬والبشر‪ ،‬ويحدث له تهلل وإشراق‪،‬‬
‫مع أنه هنا سيأخذ نفسه‪ ،‬ولكن المؤمن يعرف أنه سبحانه سيأخذ نفسه ليعطيه الحياة الخالدة‪.‬‬
‫إذن‪ :‬قضايا اليمان كلها هكذا ل يجب أن تصيبنا بالخوف‪ ،‬بل علينا أن نستقبلها بالستبشار‪،‬‬
‫ولذلك يقول الحق‪ } :‬فَاسْتَبْشِرُواْ { أي‪ :‬فليظهر أثر ذلك على بشرتكم إشراقا وسرورا وانبساطا‪.‬‬
‫} فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَ ْي ِعكُمُ { وهل يستبشر النسان بالبيع؟ نعم؛ لن النسان ل يبيع إل ما يستغني عنه‬
‫عادة‪ ،‬ويشتري ما يحتاج إليه‪ ،‬فهنا الستبشار بالبيع وليس بالشراء‪ ،‬فالمؤمن هنا يبيع فانيا بباق‪.‬‬
‫} فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَ ْي ِعكُمُ الّذِي بَا َيعْتُمْ بِهِ وَذَِلكَ ُهوَ ا ْل َفوْزُ ا ْل َعظِيمُ { وأنت إذا ما نظرت إلى الذين يخالفون‬
‫العهد الذي أخذ عليهم‪ ،‬تجد الواحد منهم يحتاج للمخالفة لن وفاءه يتبعه‪ .‬لكن الحق سبحانه ليس‬
‫في حاجة لحد وهو غني عن الجميع‪ ،‬ول يوجد أدنى مبرر لخُلْف الوعد أبدا‪.‬‬
‫وتأتي } وَذَِلكَ { إشارة إلى الصفقة التي انعقدت بينكم وبين ربكم‪.‬‬
‫} وَذَِلكَ ُهوَ ا ْلفَوْزُ ا ْل َعظِيمُ { والفوز هو بلوغ الغاية المأمولة في عرف العقل الواعي‪ ،‬كما تقول‬
‫لبنك‪ " :‬ذاكر لتفوز بالنجاح " وتقول للتاجر‪ " :‬اجتهد في عملك بإخلص لتفوز بالربح "‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إذن‪ :‬فهناك " فوز " ‪ ،‬وهناك " فوز عظيم " والفوز في الدنيا أن يتمتع النسان بالصحة والمال‬
‫وراحة البال‪ .‬وهناك فوز أعظم من هذا؛ أن تضمن أن النعمة التي تفوز بها ل تفارقك ول أنت‬
‫تفارقها‪ ،‬فيكون هذا هو الفوز الذي ل فوز أعظم منه؟‬
‫ويقول الحق بعد ذلك‪ } :‬التّائِبُونَ ا ْلعَا ِبدُونَ‪{ ...‬‬

‫(‪)1333 /‬‬
‫جدُونَ الَْآمِرُونَ بِا ْل َمعْرُوفِ وَالنّاهُونَ عَنِ‬
‫التّائِبُونَ ا ْلعَابِدُونَ ا ْلحَامِدُونَ السّا ِئحُونَ الرّا ِكعُونَ السّا ِ‬
‫ا ْلمُ ْنكَ ِر وَالْحَافِظُونَ ِلحُدُودِ اللّ ِه وَبَشّرِ ا ْل ُمؤْمِنِينَ (‪)112‬‬

‫وبعد أن عرض الحق هذه الصفقة‪ ،‬فمن هم المقبلون عليها؟ إنهم التائبون‪ ،‬والتوبة‪ :‬هي الرجوع‬
‫عن أي باطل إلى حق‪.‬‬
‫وعمّ يتوب هؤلء التائبون؟‬
‫خذَ‬
‫نحن نعلم أن هناك إيمانا اسمه إيمان الفطرة‪ .‬نجد ذلك في قول الحق سبحانه وتعالى‪ {:‬وَِإذْ أَ َ‬
‫شهِدْنَآ أَن‬
‫ستُ بِرَ ّب ُكمْ قَالُواْ بَلَىا َ‬
‫سهِمْ أََل ْ‬
‫شهَدَ ُهمْ عَلَىا أَنفُ ِ‬
‫ظهُورِ ِهمْ ذُرّيّ َتهُمْ وَأَ ْ‬
‫رَ ّبكَ مِن بَنِي ءَا َدمَ مِن ُ‬
‫ل َوكُنّا ذُرّيّةً مّن‬
‫َتقُولُواْ َيوْمَ ا ْلقِيَامَةِ إِنّا كُنّا عَنْ هَـاذَا غَافِلِينَ * َأوْ َتقُولُواْ إِ ّنمَآ أَشْ َركَ آبَاؤُنَا مِن قَ ْب ُ‬
‫َبعْدِ ِهمْ َأفَ ُتهِْلكُنَا ِبمَا َف َعلَ ا ْلمُ ْبطِلُونَ }[العراف‪]173-172 :‬‬
‫إذن‪ :‬فاليمان أمر فطري‪ ،‬والكفر هو الذي طرأ عليه‪ ،‬وقلنا من قبل‪ :‬إن الكفر هو الدليل الول‬
‫على اليمان؛ لن الكفر هو الستر‪ ،‬فمن يكفر بال ‪ -‬والعياذ بال ‪ -‬إنما يستر وجوده‪ ،‬فكأن‬
‫وجوده هو الصل‪ ،‬ثم يطرأ الكفر فيسرته‪ ،‬ثم يأتي من ينبه في النسان مشاعر اليقين واليمان‬
‫فيرجع النسان إلى اليمان بال بعد أن يزيل الغشاوة التي طرأت على الفطرة‪.‬‬
‫و { التّائِبُونَ }‪ :‬منهم التائبون عن الكفر الطارئ على إيمان الفطرة‪ ،‬وأخذوا منهج ال الذي آمنوا‬
‫به‪ ،‬ومن هنا نشأت العبادة التي تقتضي وجود عابد ومعبود‪ ،‬والعبادة تعني النصياع من العابد‬
‫لوامر ونواهي المعبود‪.‬‬
‫{ التّائِبُونَ ا ْلعَا ِبدُونَ الْحَامِدُونَ } والعبادة كلها طاعة تتمثل في تطبيق ما جاء به المنهج من " افعل‬
‫" و " ل تفعل " ‪ ،‬وقد يتدخل المنهج في حريتك قليلً‪ ،‬وأنت بقوة اليمان تعتبر أن هذا التدخل في‬
‫هذه الحرية نعمة يجب أن تحمد ال عليها؛ لنه لو تركك على هواك‪ ،‬كما يترك ولي المر التلميذ‬
‫ابنه على هواه فهو يفشل‪ ،‬ولكن الب الذي يحث ابنه على المذاكرة وينهاه عن اللعب والعبث‪ ،‬فل‬
‫بد أن ينجح‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إذن‪ :‬الوامر والنواهي هنا نعمة‪ ،‬كان يجب أن نحمد ربنا عليها‪ ،‬وكل ما يجريه ال على العبد‬
‫المؤمن يجب أن يأخذه العبد على أساس أنه نعمة‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالذين تابوا عن الكفر الطارئ على إيمان الفطرة هم تائبون يأخذون منهج اليمان من‬
‫المعبود‪ ،‬ويصبحون بذلك عابدين ل‪ ،‬أي‪ :‬منفذين الوامر‪ ،‬ومبتعدين عن النواهي‪ ،‬وهم يعلمون‬
‫حفّتِ‬
‫أن الوامر تقيد حركة النفس وكذلك النواهي‪ ،‬ولكنهم يصدقون قوله صلى ال عليه وسلم‪ُ " :‬‬
‫حفّت النارُ بالشّهوات "‬
‫الجنةُ بالمكاره‪ ،‬و ُ‬
‫حين تعرف أن العبادة أوصلتك إلى أمر ثقيل على نفسك‪ ،‬فاعرف أن هذا لمصلحتك وعليك أن‬
‫تحمد ال عليه؛ وبذلك يدخل المؤمن في زمرة الحَامِدينَ‪.‬‬
‫وأنت حين تؤمن بال‪ ،‬يصبح في بالك‪ ،‬فل يشغلك كونه عنه سبحانه‪ ،‬وإياك أن تشغل بالنعمة عن‬
‫طغَىا * أَن رّآهُ‬
‫ن الِنسَانَ لَ َي ْ‬
‫المنعم‪ ،‬واجعل ال دائما في بالك‪ ،‬والحق سبحانه يقول‪ {:‬كَلّ إِ ّ‬
‫اسْ َتغْنَىا }‬
‫[العلق‪]7-6 :‬‬
‫لذلك يفكر المؤمن في ال دائما ويشكر المنعم على النعمة وآثارها من راحة في بيت وأولد‬
‫وعمل‪.‬‬
‫و } ا ْلحَامِدُونَ { أيضا ل بد أن يستقبلوا كل قدر ل عليهم بالرضا؛ لن الذي يُجري عليهم القدر ‪-‬‬
‫ما دام لم يأمرهم بما لم يقع في اختيارهم ‪ -‬فهو حكيم ول يُجري سبحانه عليهم إل ما كان في‬
‫صالحهم‪ .‬وبعد أن ترضى النفس بما أجرى عليها تعرف الحكمة؛ ولذلك يقول سبحانه‪ {:‬وَا ّتقُواْ‬
‫اللّ َه وَ ُيعَّل ُمكُمُ اللّهُ‪[} ...‬البقرة‪]282 :‬‬
‫ويتابع الحق صفات المقبلين على الصفقة اليمانية فيقول‪ } :‬السّا ِئحُونَ { ومعنى " سائح " هو من‬
‫ترك المكان الذي له موطن‪ ،‬فيه بيته وأهله وأولد وأنس بالناس‪ ،‬ثم يسيح إلى مكان ليس فيه‬
‫شيء ما‪ ،‬قد يتعرض فيه للمخاطر‪ ،‬والمؤمن إنما يفعل ذلك؛ لنه ل شيء يشغله في الكون عن‬
‫المكوّن‪ ،‬ويقول الحق سبحانه‪ُ {:‬قلْ سِيرُواْ فِي الَ ْرضِ ُثمّ انْظُرُواْ‪[} ...‬النعام‪]11 :‬‬
‫إذن‪ :‬فالسياحة هي السير المستوعب‪ ،‬والسير في الرض منه سير اعتبار لينظر في مكلوت‬
‫السموات والرض‪ ،‬وليستنبط من آيات ال ما يدل على تأكيد إيمانه بربه‪ ،‬ومنه سير استثمار بأن‬
‫يضرب في الرض ليبتغي من فضل ال‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالسياحة إما سياحة اعتبار‪ ،‬وإما سياحة استثمار‪ ،‬أما سياحة الستثمار فهي خاصة بالذين‬
‫يضربون في الرض‪ ،‬وهم الرجال‪.‬‬
‫أما سياحة العتبار؛ فهي أمر مشترك بين الرجل والمرأة‪ ،‬بدليل أن ال قال ذلك في وصف‬
‫النساء‪ {:‬عَسَىا رَبّهُ إِن طَّل َقكُنّ أَن يُ ْبدِلَهُ أَ ْزوَاجا خَيْرا مّنكُنّ مُسِْلمَاتٍ ّم ْؤمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫عَابِدَاتٍ سَا ِئحَاتٍ‪[} ...‬التحريم‪]5 :‬‬
‫إذن‪ } :‬سَا ِئحَاتٍ { هنا مقصود بها سياحة العتبار‪ ،‬أو السياحة التي تكون في صحبة الزوج الذي‬
‫يضرب في الرض‪.‬‬
‫وقيل أيضا‪ :‬إن السياحة أطلقت على " الصيام "؛ لن السياحة تخرجك عما أل ْفتَ من إقامة في‬
‫وطن ومال وأهل‪ ،‬والصيام يخرجك عما أل ْفتَ من طعام وشراب وشهوة‪.‬‬
‫إذن‪ :‬القَدْرُ المشترك بين الرجال والنساء هو في سياحة العتبار وسياحة الصوم‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫} الرّا ِكعُونَ السّاجِدونَ { أي‪ :‬المقيمون للصلة‪ ،‬وقد جاء بمظهرين فقط من مظاهر الصلة‪ ،‬مع‬
‫أن الصيام قيام وقعود وركوع وسجود؛ لن الركوع والسجود هما المران المختصان بالصلة‪،‬‬
‫وأما القيام فقد يكون في غير الصلة‪ ،‬وكذلك القعود‪ .‬إذن‪ :‬فالخاصيّتان هما ركوع وسجود؛‬
‫سجُدِي وَا ْر َكعِي َمعَ الرّا ِكعِينَ }[آل عمران‪]43 :‬‬
‫ك وَا ْ‬
‫والحق يقول‪ {:‬يامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَ ّب ِ‬
‫أي‪ :‬صلّي مع المصلّين‪ ،‬وهكذا نجد أن الركوع والسجود هما المران اللذان يختصان بالحركة في‬
‫الصلة‪.‬‬
‫ثم يقول سبحانه‪ } :‬المِرُونَ بِا ْل َمعْرُوفِ وَالنّاهُونَ عَنِ ا ْلمُنكَرِ { والمر بالمعروف والنهي عن‬
‫المنكر هو حيثية تخص المة المحمدية لتكون خير أمة أخرجت للناس‪ ،‬فالحق سبحانه يقول‪{:‬‬
‫جتْ لِلنّاسِ تَ ْأمُرُونَ بِا ْل َمعْرُوفِ وَتَ ْن َهوْنَ عَنِ ا ْلمُ ْنكَرِ‪[} ...‬آل عمران‪]110 :‬‬
‫كُنْتُمْ خَيْرَ ُأمّةٍ ُأخْرِ َ‬
‫فإذا أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر‪ ،‬فل بد أن تكون بمنأى عن هذا المنكر فليس معقولً أن‬
‫تنهى عن شيء أنت مزاول له‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالمر بالمعروف والنهي عن المنكر‪ ،‬صلح أو هدى مُتَعدّ من النفس إلى الغير‪ ،‬بعد أن‬
‫تكون النفس قد استو َفتْ حظها منه‪.‬‬
‫ويقتضي المر بالمعروف والنهي عن المنكر أن تعرف المعروف الذي تأمر به‪ ،‬وأن تعرف‬
‫المنكر الذي تنهى عنه؛ لذلك ل بد أن تكون من أهل الختصاص في معرفة أحكام ال‪ ،‬ومعرفة‬
‫حدود ال حِلّ وحُرْمة‪ ،‬أما أن يأتي أي إنسان ليُدخل نفسه في المر ويقول‪ :‬أنا آمر بمعروف وأنا‬
‫أنهى عن منكر‪ ،‬هنا نقول له‪ :‬ل تجعل الدين‪ ،‬ول تجعل التقوى في مرتبة أقل من المهن التي ل‬
‫بد أن يزاولها أهل فكر ومتخصصون فيها‪.‬‬
‫حدُودِ اللّهِ { و " الحدود " جمع " حد " وتأتي الحدود في القرآن‬
‫ثم يقول سبحانه‪ } :‬وَالْحَا ِفظُونَ لِ ُ‬
‫على معنيين‪ :‬المعنى الول هو المحافظة على الوامر‪ ،‬وتلك التي يردفها الحق بقوله‪ {:‬تِ ْلكَ حُدُودُ‬
‫اللّهِ فَلَ َتعْ َتدُوهَا‪[} ...‬البقرة‪]229 :‬‬
‫وكل أمر يقول فيه ذلك هو حد ال فل تتعدّ هذا الحد‪ ،‬أما المعنى الثاني‪ :‬فهو البعد عن المنهيات‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫حدُودُ اللّهِ فَلَ َتقْرَبُوهَا‪[} ...‬البقرة‪]187 :‬‬
‫فل يقول لك‪ :‬ل تتعداها‪ ،‬بل يقول سبحانه‪ {:‬تِ ْلكَ ُ‬
‫ويُنهى الحق سبحانه الية بقوله‪ } :‬وَبَشّرِ ا ْل ُم ْؤمِنِينَ { أي‪َ :‬بشّرْ هؤلء الذين يسلكون هذا السلوك‬
‫مطابقا لما اعتقدوه من اليقين واليمان‪ ،‬ل هؤلء المنافقين الذي قد يصلون أو يصومون ظاهرا‪.‬‬
‫وكلمة } وَبَشّرِ { و " استبشر " و " البشرى " و " البشير " كلها مادة تدل على الخبر السار الذي‬
‫يجعل في النفس انبساطا وسرورا؛ بحيث إذا رأيت وجه النسان وجدته وجها متهللً تفيض بشرته‬
‫بالسرور‪.‬‬
‫وبعد ذلك يتكلم الحق عن أمر شغل بال المؤمنين الذين كان لهم آباء على الكفر؛ ومن حقوق هذه‬
‫البوة على البناء أن يستغفروا لهم لعل ال يغفر‪ ،‬وأراد الحق سبحانه وتعالى أن يبين لنا أن‬
‫رعاية حدود ال وحقوقه أوْلَى من قرابة الدم‪ ،‬وأوْلى من عاطفة الحنوّ والرحمة؛ فالحق سبحانه‬
‫وتعالى أوْلى بأن يكون النسان بارا به من أن يكون بارّا بالب الكافر‪ ،‬وقد جعل الحق سبحانه‬
‫النسبَ في السلم نفسه‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ } :‬مَا كَانَ لِلنّ ِبيّ وَالّذِينَ‪{ ...‬‬

‫(‪)1334 /‬‬
‫ن وََلوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ َبعْدِ مَا تَبَيّنَ َلهُمْ أَ ّنهُمْ‬
‫ي وَالّذِينَ َآمَنُوا أَنْ َيسْ َت ْغفِرُوا لِ ْلمُشْ ِركِي َ‬
‫مَا كَانَ لِلنّ ِب ّ‬
‫َأصْحَابُ ا ْلجَحِيمِ (‪)113‬‬

‫قبل أن يحظر الحق سبحانه على المؤمنين الستغفار لبائهم المنافقين‪ ،‬بدأ برسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم‪ ،‬فقالك { مَا كَانَ لِلنّ ِبيّ } ‪ ،‬وإذا كان النبي ينهى‪ ،‬فالمؤمنون من باب أوْلى ليس بهم‬
‫الحق في ذلك؛ لن ال لو أراد أن يكرم أحدا من الباء لجل أحد‪ ،‬لكرم أباء النبي إن كانوا غير‬
‫مؤمنين‪.‬‬
‫وكلمة { مَا كَانَ } تختلف عن كلمة " ما ينبغي " فساعة تسمع " ما ينبغي لك أن تفعل ذلك " فهذا‬
‫يعني أن لك قدرة على أن تفعل‪ ،‬لكن ل يصح أن تفعل‪ ،‬ولكن حين يقال‪ " :‬ما كان لك أن تفعل‬
‫" ‪ ،‬أي‪ :‬أنك غير مؤهل لفعل هذا مطلقا‪.‬‬
‫ومثال ذلك أن يقال لفقير جدّا‪ " :‬ما كان لك أن تشتري فيديو "؛ لنه بحكم فقره غير مؤهل لشراء‬
‫مثل هذا الجهاز‪ ،‬لكن حين يقال لخر‪ :‬ما ينبغي لك أن تشتري فيديو " أي‪ :‬عنده القدرة على‬
‫الشراء‪ ،‬لكن القائل له يرى سببا غير الفقر هو الذي يجب أن يمنع الشراء‪ .‬إذن‪ :‬فهناك فَرْق بين‬
‫نفي المكان‪ ،‬ونفي النبغاء‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ي وَالّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْ َت ْغفِرُواْ لِ ْل ُمشْ ِركِينَ وََلوْ كَانُواْ ُأوْلِي‬
‫وهنا يقول الحق سبحانه‪ { :‬مَا كَانَ لِلنّ ِب ّ‬
‫جحِيمِ }‬
‫صحَابُ الْ َ‬
‫قُرْبَىا مِن َبعْدِ مَا تَبَيّنَ َل ُهمْ أَ ّنهُمْ َأ ْ‬
‫أي‪ :‬ما كان للنبي ول المؤمنين أن يستغفروا للذين ماتوا على الشرك والكفر‪ ،‬ولو كانوا أولي‬
‫قربى‪ .‬فهذا أمر ل يصح‪.‬‬
‫وحتى ل يحتج أحد من المؤمنين بأن سيدنا إبراهيم عليه السلم قد استغفر لبيه جاء الحق بالقول‬
‫الكريم‪َ { :‬ومَا كَانَ اسْ ِت ْغفَارُ إِبْرَاهِيمَ‪} ...‬‬

‫(‪)1335 /‬‬
‫ع ُدوّ لِلّهِ تَبَرّأَ مِنْهُ إِنّ‬
‫َومَا كَانَ اسْ ِت ْغفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلّا عَنْ َموْعِ َد ٍة وَعَ َدهَا إِيّاهُ فََلمّا تَبَيّنَ َلهُ أَنّهُ َ‬
‫إِبْرَاهِيمَ لََأوّاهٌ حَلِيمٌ (‪)114‬‬

‫فقد وعد سيدنا إبراهيم عليه السلم أباه ما ذكره القرآن‪ {:‬سَلَمٌ عَلَ ْيكَ سَأَسْ َت ْغفِرُ َلكَ رَبّي إِنّهُ كَانَ‬
‫حفِيّا }[مريم‪]47 :‬‬
‫بِي َ‬
‫حفِيّا } أي‪ :‬أن ربّ إبراهيم يحبه وسيكرمه في استغفاره لبيه‪.‬‬
‫{ َ‬
‫{ فََلمّا تَبَيّنَ لَهُ أَنّهُ عَ ُدوّ للّهِ تَبَرّأَ مِنْهُ } ويأتي الحق سبحانه بالحيثية الموحية‪ ،‬بأن إبراهيم له من‬
‫صفات الخير‪ ،‬الكثير جداّ‪ ،‬لدرجة أن ال خالقه يقول فيه‪ {:‬إِنّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ ُأمّةً‪[} ...‬النحل‪]120 :‬‬
‫أي‪ :‬أن خصال الخير في إبراهيم عليه السلم ل توجد مجتمعة في إنسان واحد‪ ،‬ول في اثنين ول‬
‫في ثلثة‪ ،‬بل خصال الخير موزعة على الناس كلها‪ ،‬فهذا فيه صفة المانة‪ ،‬وثان يتحلى بالصدق‪،‬‬
‫وثالث يتميز بالشهامة‪ ،‬ورابع موهوب في العلم‪ ،‬إذن‪ :‬فخصال الخير دائما ينشرها ال في خلقه‪،‬‬
‫حتى يوجد تكافؤ الفرص بين البشر‪ ،‬كالمهن‪ ،‬والحرف‪ ،‬والعبقريات‪ ،‬والمواهب‪ ،‬فل يوجد إنسان‬
‫تتكامل فيه المواهب كلها ليصبح مجمع مواهب‪.‬‬
‫لكن شاء الحق أن يجمع لسيدنا إبراهيم عليه السلم خصال خير كثيرة فقال‪ { :‬إِنّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ ُأمّةً‬
‫} أي‪ :‬فيه عليه السلم من خصال الخير التي تتفرق في المة‪ .‬وبعد ذلك يعطينا الحيثية التي‬
‫جعلت من سيدنا إبراهيم أمة‪ ،‬وجامعا لصفات الخير بهذا الشكل‪ ،‬فإن أعطاه ال أمرا فهو ينفذه‬
‫بعشق‪ ،‬ل مجرد تكليف يريد أن ينهيه ويلقيه من على ظهره‪ ،‬بل هو ينفذ التكليف بعشق‪ ،‬واقرأ‬
‫قول ال سبحانه‪ {:‬وَإِذِ ابْتَلَىا إِبْرَاهِيمَ رَبّهُ ِبكَِلمَاتٍ فَأَ َت ّمهُنّ‪[} ...‬البقرة‪]124 :‬‬
‫أي‪ :‬أتى بها على التمام‪ ،‬فلما أتمهن أراد ال أن يكافئه‪ ،‬فقال‪ {:‬إِنّي جَاعُِلكَ لِلنّاسِ ِإمَاما‪} ...‬‬
‫[البقرة‪]124 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فهو ‪ -‬إذن ‪ -‬مأمون على أن يكون إماما للناس لنه قدوة‪ ،‬أي أنه يشترك مع الناس في أنه بشر‪،‬‬
‫ولكنه جاء بخصال الخير الكاملة فصار أسوة للناس‪ ،‬حتى ل يقول أحد‪ :‬إنه فعل الخير لنه ملك‪،‬‬
‫عُلكَ لِلنّاسِ‬
‫وله طبيعة غير طبيعة البشر‪ ،‬ل‪ ..‬إنه واحد من البشر‪ ،‬قال فيه الحق سبحانه‪ {:‬إِنّي جَا ِ‬
‫ِإمَاما‪[} ...‬البقرة‪]124 :‬‬
‫أي‪ :‬أسوة وقدوة‪ ،‬والسوة والقدوة يشترط فيها أن تكون من الجنس نفسه فل تكون من جنس‬
‫مختلف‪ ،‬فل يجعل ال للبشر أسوة من الملئكة؛ حتى ل يقول أحد‪ :‬وهل أنا أستطيع أن أعمل مثل‬
‫عمله؟ ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى في عرض هذه القضية‪َ {:‬ومَا مَنَعَ النّاسَ أَن ُي ْؤمِنُواْ إِذْ‬
‫جَآءَهُمُ ا ْلهُدَىا ِإلّ أَن قَالُواْ أَ َب َعثَ اللّهُ َبشَرا رّسُولً }[السراء‪]94 :‬‬
‫فحين تعجّب بعض الناس من أن ربنا قد بعث من البشر رسولً أنزل الحق هذا القول وأضاف‬
‫سمَآءِ مَلَكا رّسُولً }‬
‫طمَئِنّينَ لَنَزّلْنَا عَلَ ْيهِم مّنَ ال ّ‬
‫سبحانه‪ {:‬قُل َلوْ كَانَ فِي الَ ْرضِ مَل ِئكَةٌ َي ْمشُونَ ُم ْ‬
‫[السراء‪]95 :‬‬
‫فما دُمتم أنتم بشر فل بد أن يرسل لكم رسولً منكم لتحقق السوة‪ ،‬لهذا يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫ل وَلَلَ َبسْنَا عَلَ ْيهِم مّا يَلْ ِبسُونَ }[النعام‪]9 :‬‬
‫جعَلْنَاهُ رَجُ ً‬
‫جعَلْنَاهُ مَلَكا لّ َ‬
‫{ وََلوْ َ‬
‫ولنَر كيف أتم سيدنا إبراهيم عليه السلم بعض التكاليف بعشق‪ ،‬فلننظر إلى قول الحق سبحانه‪{:‬‬
‫وَإِذْ يَ ْرفَعُ إِبْرَاهِيمُ ا ْلقَوَاعِدَ مِنَ الْبَ ْيتِ‪[} ...‬البقرة‪]127 :‬‬
‫ومعنى رفع القواعد أي إيجاد البعد الثالث‪ ،‬وهو الرتفاع؛ لن البيت الحرام له طول وهذا هو‬
‫البعد الول‪ ،‬وله عرض وهو البعد الثاني وبهما تتحدد المساحة‪ .‬أما الرتفاع فبضربه في البعدين‬
‫الخرين يعطينا الحجم‪ ،‬وقد أقام سيدنا إبراهيم عليه السلم البعد الثالث الذي يبرز الحجم‪ ،‬وقد قال‬
‫بعض السطحيين‪ :‬إن سيدنا إبراهيم عليه السلم هو الذي بنى الكعبة‪ ،‬ل لم يبن الكعبة‪ ،‬بل رفع‬
‫القواعد التي تبرز حجم الكعبة؛ بدليل أنه حينما جاء هو أمرأته هاجر ومعها الرضيع إسماعيل‬
‫سكَنتُ مِن ذُرّيّتِي ِبوَادٍ غَيْرِ ذِي زَ ْرعٍ عِندَ بَيْ ِتكَ ا ْلمُحَرّمِ‪[} ...‬إبراهيم‪:‬‬
‫عليه السلم قال‪ {:‬رّبّنَآ إِنّي َأ ْ‬
‫‪]37‬‬
‫وهذا دليل على أن البيت كان معروفا من قبل إبراهيم عليه السلم‪ ،‬وقد استقرت به هاجر وطفلها‬
‫إسماعيل إلى أن كبر واستطاع أن يرفع مع أبيه القواعد‪ ،‬ولذلك نقول‪ :‬إن هناك فرقا بين " المكان‬
‫" و " المكين " فالذي فعله إبراهيم هو إقامة " المكين " أي المبنى نفسه‪ ،‬أما المكان فقد كان‬
‫معروفا‪.‬‬
‫ولنفترض أنه جاء سيل على الكعبة وهدمها فإلى أي شيء سنصلي؟ إلى أن نقيم المكين‪ .‬إذن‪:‬‬
‫عملية البناء هذه للمكان‪ ،‬وليبست للمكين‪.‬‬
‫ويقول الحق عن البيت الحرام‪ {:‬فِيهِ آيَاتٌ بَيّـنَاتٌ‪[} ...‬آل عمران‪]97 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وآيات جمع‪ ،‬وبينات جمع‪ ،‬ولم يأت من اليات البينات إل " ّمقَامُ إِبْرَاهِيمَ "‪ {.‬فِيهِ آيَاتٌ بَيّـنَاتٌ‬
‫ّمقَامُ إِبْرَاهِيمَ‪[} ...‬آل عمران‪]97 :‬‬
‫أي‪ :‬أن " مقام إبراهيم " هو مجموع اليات البينات؛ لن ال قد أمره أن يرفع القواعد‪ ،‬وكان ل بد‬
‫أن يبحث عن المكانات التي تساعده في الرفع؛ لنه لو رفعها على قدر ما تطول يده لما بلغ‬
‫طول الكعبة فوق مستوى ما تطوله اليدان؛ لذلك فكر سيدنا سيدنا إبراهيم وتدبر وجاء بحجر ليقف‬
‫فوقه ليطيل في ارتفاع جدران الكعبة‪ ،‬وهذا من دلئل أنه ينفذ التكليف بعشق‪ ،‬وعلى أتم وجه؛‬
‫لذلك قال الحق‪:‬‬
‫} فِيهِ آيَاتٌ بَيّـنَاتٌ مّقَامُ إِبْرَاهِيمَ { وفي هذا آيات واضحة على أن النسان إذا كلف أمرا فعليه أل‬
‫ينفذ المر لينهى التكليف بأية طريقة‪ ،‬ولكن عليه أن يؤدي ما يكلف به بعشق‪ ،‬ويحاول أن يزيد‬
‫فيه‪ ،‬وبذلك يؤدي " الفرض " والزائد على الفرض وهو " النافلة "‪.‬‬
‫ونحن هنا في قضية الستغفار } َومَا كَانَ اسْ ِت ْغفَارُ إِبْرَاهِي َم لَبِيهِ ِإلّ عَن ّموْعِ َد ٍة وَعَدَهَآ إِيّاهُ فََلمّا‬
‫لوّاهٌ حَلِيمٌ {‬
‫تَبَيّنَ لَهُ أَنّهُ عَ ُدوّ للّهِ تَبَرّأَ مِنْهُ إِنّ إِبْرَاهِي َم َ‬
‫وهنا وقفة توضح لنا طبع سيدنا إبراهيم كأواه حليم‪ ،‬والواه هو الذي يكثر التوجع والتأوه على‬
‫نفسه مخافة من ال‪ ،‬وعلى الناس إن رأى منهم معصية‪ ،‬فيحدث نفسه بما سوف يقع عليهم من‬
‫عذاب‪ ،‬إنه يشعل نفسه بأمر غيره‪ ،‬فهذه فطرته‪ ،‬وهو أواه لن التأوه لون من السلوى يجعلها ال‬
‫في بعض عباده للتسرية عن عبادٍ له آخرين‪.‬‬
‫ولذلك يقول الشاعر‪:‬ول بد من شكوى إلى ذي مروءةٍ يواسيك أو يسلّيك أو يتوجعأي‪ :‬أنه إذا‬
‫إصابت النسان مصيبة فهو يشكو إلى صاحب المروءة‪ ،‬فإما أن يساعده في مواجهة المشكلة‪،‬‬
‫وإما أن يواسيه ليحمل عنه المصيبة‪ ،‬بأن يتأوه له ويشاركه في تعبه لمصيبته‪ ،‬وهذا التأوه علمة‬
‫رقة الرأفة وشفافية الرحمة في النفس البشرية‪.‬‬
‫فإبراهيم } َأوّاهٌ { ‪ ،‬وهذا طبع فيه يسلكه مع كل الناس‪ ،‬فما بالك إن كان لقريب له؟ ل بد إذن أن‬
‫يكثر من التأوه‪ ،‬وخصوصا إن كان المر يتعلق بأبيه‪ ،‬ومع ذلك أراد ال أن يضع طبع إبراهيم‬
‫عليه السلم في التأوه في موضعه الصحيح‪ ،‬ولكن ال أوضح له‪ :‬إياك أن تستغفر لبيك ول شأن‬
‫لك به‪ ،‬فالمسألة ليست في الطبع‪ ،‬ولكن في رب الطبع الذي أمر بذلك‪.‬‬
‫وهنا قضية هامة أحب أن تصفى بين مدارس العلم والعلماء في العالم كله؛ لنها مسألة تسبب‬
‫الكثير من المشاكل‪ ،‬وتثار فيها أقضية كثيرة‪.‬‬
‫لقد أمر الحق سبحانه إبراهيم عليه السلم أل يستغفر لبيه‪ ،‬بعد أن تبين له أنه عدو ل‪ ،‬وما دام‬
‫والد إبراهيم قد وصف بهذه الصفة وأنه عدو ال ومحمد صلى ال عليه وسلم من نسل إبراهيم‬
‫إذن‪ :‬فلماذا يقول الرسول‪ " :‬إنني خيار من خيار من خيار "‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫؟ ولو فهمنا قول الحق‪ :‬إن أبا إبراهيم عدو ل‪ ،‬ففي هذا نقض لحديث رسول ال‪ ،‬وما دام أبو‬
‫إبراهيم كان عدوا ل وتبرأ منه وقال له الحق‪ :‬ل تستغفر‪ .‬إذن‪ :‬ففي نسبه صلى ال عليه وسلم‬
‫أحد أعداء ال‪ ،‬وفي ذلك نقض لقوله صلى ال عليه وسلم‪ " :‬خيار من خيار خيار‪ ،‬ما زلت أنتقل‬
‫من أصلب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات "‬
‫ولهذا نريد أن نصفي هذه المسألة تصفية علماء‪ ،‬ل تصفية غوغاء‪ ،‬ولنسأل من هو الب؟ الب‬
‫هو من نَسََلكَ وأنجبك‪ ،‬أو نسل من نسلك‪ .‬إذن‪ :‬فهناك أب مباشر وأبوه يعتبر أبا لك أيضا إلى أن‬
‫تنتهي لدم‪ ،‬هذا هو معنى كلمة " الب " كما نعرفه‪ ،‬لكننا نجد ان القرآن قد تعرض لها بشكل‬
‫أعمق كثيرا من فهمنا التقليدي‪ ،‬وأغنى السور بالتعرض لهذه المادة " سورة يوسف "؛ لن مادة "‬
‫الب " جاءت ثماني وعشرين مرة خلل هذه السورة‪ ،‬فمثلً تجد في أوائل سورة يوسف‪ ،‬قول‬
‫عشَرَ َك ْوكَبا‪} ...‬‬
‫سفُ لَبِيهِ ياأَبتِ إِنّي رَأَ ْيتُ َأحَدَ َ‬
‫يوسف عليه السلم‪ِ {:‬إذْ قَالَ يُو ُ‬
‫[يوسف‪]4 :‬‬
‫وبعد ذلك جاءت السورة بأن ال سوف يجتبئ يوسف ويعلمه من تأويل الحاديث‪َ {:‬وكَذاِلكَ‬
‫ك وَعَلَىا آلِ َي ْعقُوبَ َكمَآ أَ َت ّمهَآ عَلَىا‬
‫ل الَحَادِيثِ وَيُتِمّ ِن ْعمَتَهُ عَلَ ْي َ‬
‫ك وَ ُيعَّل ُمكَ مِن تَ ْأوِي ِ‬
‫يَجْتَبِيكَ رَ ّب َ‬
‫أَ َبوَ ْيكَ مِن قَ ْبلُ‪[} ...‬يوسف‪]6 :‬‬
‫والبوان المقصودان هما إبراهيم وإسحاق عليهما السلم‪ ،‬ثم قال الحق من بعد ذلك‪ {:‬إِذْ قَالُواْ‬
‫حبّ إِلَىا أَبِينَا‪[} ...‬يوسف‪]8 :‬‬
‫سفُ وَأَخُوهُ أَ َ‬
‫لَيُو ُ‬
‫للٍ مّبِينٍ }[يوسف‪]8 :‬‬
‫عصْبَةٌ إِنّ أَبَانَا َلفِي ضَ َ‬
‫ثم جاء قوله الحق على لسان إخوة يوسف‪ {:‬وَنَحْنُ ُ‬
‫خلُ َلكُ ْم َوجْهُ‬
‫سفَ َأوِ اطْ َرحُوهُ أَرْضا يَ ْ‬
‫وفي نفس السورة يقول الحق عن إخوة يوسف‪ {:‬اقْتُلُواْ يُو ُ‬
‫أَبِيكُمْ‪[} ...‬يوسف‪]9 :‬‬
‫ثم يمهد إخوة يوسف للتخلص منه‪ ،‬فيبدأون بالحوار مع الب‪ {:‬قَالُواْ يَاأَبَانَا مَا َلكَ لَ تَ ْأمَنّا عَلَىا‬
‫سفَ وَإِنّا َلهُ لَنَاصِحُونَ * أَ ْرسِلْهُ َمعَنَا غَدا يَرْتَ ْع وَيَ ْل َعبْ وَإِنّا لَهُ َلحَافِظُونَ }[يوسف‪]12-11 :‬‬
‫يُو ُ‬
‫وبعد أن ألقوه في غيابة الجب‪ ،‬وعادوا إلى والدهم‪َ {:‬وجَآءُوا أَبَا ُهمْ عِشَآءً يَ ْبكُونَ }[يوسف‪]16 :‬‬
‫وكانت هذه هي المرة الثامنة في ذكر كلمة أب في سورة يوسف‪ ،‬ثم تأتي التاسعة‪ {:‬قَالُواْ يَاأَبَانَآ إِنّا‬
‫سفَ عِندَ مَتَاعِنَا‪[} ...‬يوسف‪]17 :‬‬
‫ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَ َركْنَا يُو ُ‬
‫ثم تدور أحداث القصة إلى أن دخل سيدنا يوسف السجن‪ ،‬وقابل هناك اثنين من المسجونين‬
‫وأخبراه أنهما يريانه من المحسنين‪ ،‬وأن عندهما رؤى يريدان منه أن يفسرها لهما فقال لهما‪ {:‬لَ‬
‫طعَامٌ تُرْ َزقَا ِنهِ ِإلّ نَبّأْ ُت ُكمَا بِتَ ْأوِيلِهِ‪[} ...‬يوسف‪]37 :‬‬
‫يَأْتِي ُكمَا َ‬
‫وينسب ذلك الفضل إلى الحق سبحانه فيقول‪ {:‬ذاِل ُكمَا ِممّا عَّلمَنِي رَبّي إِنّي تَ َر ْكتُ مِلّةَ َقوْ ٍم لّ‬
‫ق وَ َي ْعقُوبَ‪} ...‬‬
‫ُي ْؤمِنُونَ بِاللّ ِه وَهُمْ بِالخِ َرةِ هُمْ كَافِرُونَ * وَاتّ َب ْعتُ مِلّةَ آبَآئِـي إِبْرَاهِي َم وَإِسْحَا َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫[يوسف‪]38-37 :‬‬
‫وهكذا ذكر اسم ثلثة من آبائه‪ :‬إبراهيم وإسحق ويعقوب عليهم السلم‪.‬‬
‫ثم خرج يوسف من السجن وتولى أمر تنظيم اقتصاد مصر‪ ،‬وجاء إخوته للتجارة فعرفهم‪ ،‬ويحكى‬
‫جهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ ّلكُمْ مّنْ‬
‫جهّزَهُم ِب َ‬
‫للقرآن عن لقائه بهم دون أن يعرفوه‪ ،‬وقال‪ {:‬وََلمّا َ‬
‫أَبِيكُمْ‪[} ...‬يوسف‪]59 :‬‬
‫وقال أيضا‪ {:‬قَالُواْ سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ }[يوسف‪]61 :‬‬
‫ثم عادوا إلى أبيهم يرجونه أن يسمح لهم باصطحاب أخيهم الصغر معهم‪ ،‬وسمح لهم يعقوب‬
‫عليه السلم باصطحابه بعد أن آتوه موثقا من ال أن يأتوه به إل أن يحيط بهم أمر خارج عن‬
‫حلِ أَخِيهِ ثُمّ َأذّنَ‬
‫سقَايَةَ فِي َر ْ‬
‫ج َعلَ ال ّ‬
‫جهَازِ ِهمْ َ‬
‫جهّزَ ُهمْ بِ َ‬
‫إرادتهم‪ ،‬ونزلوا مصر وطلبوا الميرة‪ {.‬فََلمّا َ‬
‫ك وَِلمَن‬
‫صوَاعَ ا ْلمَِل ِ‬
‫علَ ْيهِمْ مّاذَا َت ْفقِدُونَ * قَالُواْ َنفْقِ ُد ُ‬
‫ُمؤَذّنٌ أَيّ ُتهَا ا ْلعِيرُ إِ ّنكُمْ لَسَا ِرقُونَ * قَالُو ْا وََأقْبَلُواْ َ‬
‫ح ْملُ َبعِي ٍر وَأَنَاْ ِبهِ زَعِيمٌ * قَالُواْ تَاللّهِ َلقَدْ عَِلمْ ُتمْ مّا جِئْنَا لِ ُنفْسِدَ فِي الَ ْرضِ َومَا كُنّا سَا ِرقِينَ‬
‫جَآءَ بِهِ ِ‬
‫جدَ فِي رَحِْلهِ َف ُهوَ جَزَا ُؤهُ‪[} ...‬يوسف‪:‬‬
‫* قَالُواْ َفمَا جَزَآ ُؤهُ إِن كُنتُمْ كَاذِبِينَ * قَالُواْ جَزَآ ُؤهُ مَن وُ ِ‬
‫‪]75-70‬‬
‫حسِنِينَ }[يوسف‪]78 :‬‬
‫قالوا‪ {:‬إِنّ َلهُ أَبا شَيْخا كَبِيرا َفخُذْ َأحَدَنَا َمكَانَهُ إِنّا نَرَاكَ مِنَ ا ْلمُ ْ‬
‫خذَ ِإلّ مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِن َدهُ‪} ...‬‬
‫قال يوسف‪َ {:‬معَاذَ اللّهِ أَن نّأْ ُ‬
‫[يوسف‪]79 :‬‬
‫ش ِهدْنَآ ِإلّ‬
‫ق َومَا َ‬
‫جعُواْ إِلَىا أَبِيكُمْ َفقُولُواْ ياأَبَانَا إِنّ ابْ َنكَ سَرَ َ‬
‫ويأمرهم سيدنا يوسف عليه السلم‪ {:‬ارْ ِ‬
‫ِبمَا عَِلمْنَا َومَا كُنّا لِ ْلغَ ْيبِ حَافِظِينَ }[يوسف‪]81 :‬‬
‫سكُمْ َأمْرا‪[} ...‬يوسف‪]83 :‬‬
‫سوَّلتْ َلكُمْ أَنفُ ُ‬
‫ويعودون إلى أبيهم الذي يعاتبهم‪َ {:‬بلْ َ‬
‫ف وَأَخِيهِ‪[} ...‬يوسف‪:‬‬
‫س َ‬
‫ثم يأمرهم أن يعودوا مرة أخرى قائلً‪ {:‬يابَ ِنيّ اذْهَبُواْ فَ َتحَسّسُواْ مِن يُو ُ‬
‫‪]87‬‬
‫وعندما عرفهم يوسف بنفسه وعلم منهم أن والدهم قد صار أعمى قال لهم‪ {:‬ا ْذهَبُواْ ِب َقمِيصِي‬
‫هَـاذَا فَأَ ْلقُوهُ عَلَىا وَجْهِ أَبِي يَ ْأتِ َبصِيرا }[يوسف‪]93 :‬‬
‫ثم يأمرهم يوسف عليه السلم بأن يأتوا بأهلهم أجمعين‪ {.‬وََلمّا َفصََلتِ ا ْلعِيرُ قَالَ أَبُو ُهمْ إِنّي لَجِدُ‬
‫سفَ َلوْلَ أَن ُتفَنّدُونِ }[يوسف‪]94 :‬‬
‫رِيحَ يُو ُ‬
‫ش وَخَرّواْ لَهُ سُجّدَا َوقَالَ ياأَ َبتِ هَـاذَا تَ ْأوِيلُ ُرؤْيَايَ‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ {:‬وَ َرفَعَ أَ َبوَيْهِ عَلَى ا ْلعَرْ ِ‬
‫مِن قَ ْبلُ‪[} ...‬يوسف‪]100 :‬‬
‫ك وَ ُيعَّل ُمكَ مِن‬
‫وما يهمنا في كل ذلك آيتان اثنتان‪ :‬الولى هي قوله سبحانه‪َ {:‬وكَذاِلكَ يَجْتَبِيكَ رَ ّب َ‬
‫ك وَعَلَىا آلِ َي ْعقُوبَ َكمَآ أَ َت ّمهَآ عَلَىا أَ َبوَ ْيكَ مِن قَ ْبلُ إِبْرَاهِيمَ‬
‫تَ ْأوِيلِ الَحَادِيثِ وَيُتِمّ ِن ْعمَتَهُ عَلَ ْي َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫حكِيمٌ }[يوسف‪]6 :‬‬
‫وَإِسْحَاقَ إِنّ رَ ّبكَ عَلِيمٌ َ‬
‫وإسحق هو أبو يعقوب‪ ،‬وإبراهيم هو الب الثالث‪ .‬وحين قال يوسف‪ {:‬وَاتّ َب ْعتُ مِلّةَ آبَآئِـي‪} ...‬‬
‫[يوسف‪.]38 :‬‬
‫ق وَ َيعْقُوبَ‪} ...‬‬
‫و " أبائي " جمع أب‪ .‬وعندما أراد أن يذكر العلم من آبائه قال‪ {:‬إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَا َ‬
‫[يوسف‪.]38 :‬‬
‫ويعقوب هو أبو يوسف‪ ،‬وإسحق أبو يعقوب‪ ،‬وإبراهيم أبو إسحق‪ ،‬إذن‪ :‬فإبراهيم أب‪ ،‬وإسحق‬
‫أب‪ ،‬ويعقوب أب‪ .‬وهكذا نرى أن كلمة " الب " تطلق على الجد‪ ،‬وآباء الجد إلى آدم‪ .‬وإذا نظرت‬
‫حضَرَ َي ْعقُوبَ ا ْل َم ْوتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا‬
‫شهَدَآءَ ِإذْ َ‬
‫في سورة البقرة تجد قول الحق سبحانه‪ {:‬أَمْ كُن ُتمْ ُ‬
‫سمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ‪[} ...‬البقرة‪]133 :‬‬
‫َتعْبُدُونَ مِن َبعْدِي قَالُواْ َنعْبُدُ ِإلَـا َهكَ وَإِلَـاهَ آبَا ِئكَ إِبْرَاهِي َم وَإِ ْ‬
‫ومقابلة الجمع بالجمع تقتضي القسمة آحادا‪ ،‬وهكذا يكون إبراهيم أبا‪ ،‬وإسماعيل أبا‪ ،‬وإسحق أبا‪،‬‬
‫ولكن إسماعيل أخ لسحق‪ ،‬إذن فقد أطلق الب هنا وأريد به العم‪ ،‬وهكذا ترى أنه إذا ألحق بكلمة‬
‫" أب " اسم معين هو المقصود بها‪ ،‬فالمعنى ينصرف إما إلى الجد وإما إلى العم‪ ،‬وإن جاءت من‬
‫غير تحديد السم‪ ،‬فهي تنصرف إلى الب المباشر فقط‪.‬‬
‫والحق يقول في شأن إبراهيم مع أبيه‪ {:‬وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِي ُم لَبِيهِ آزَرَ‪[} ...‬النعام‪]74 :‬‬
‫لقد ذكر الحق هنا اسم الب وحدده بـ " آزر " ولو أنه أبوه حقيقة لما قال آزر‪ ،‬مثلما يأتيك إنسان‬
‫ليسأل‪ :‬أين أبوك؟ هنا نفهم أن السؤال ينصرف إلى الب المباشر‪ ،‬لكن إذا قال‪ :‬هل أبوك محمد‬
‫هنا؟ فهذا التحديد قد ينصرف إلى العم‪.‬‬
‫إذن‪ :‬قول ال‪ } :‬وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِي ُم لَبِيهِ آزَرَ { يبين لنا أن آزر ليس هو الصّلب الذي انحدر منه‬
‫رسول ال‪ ،‬ولكنه عمه‪ ،‬وبذلك نحل الشكال واللغز الذي حير الكثيرين‪.‬‬
‫وهنا يقول الحق سبحانه‪َ } :‬ومَا كَانَ اسْ ِت ْغفَارُ إِبْرَاهِيمَ لَبِيهِ ِإلّ عَن ّموْعِ َدةٍ وَعَدَهَآ إِيّاهُ فََلمّا تَبَيّنَ لَهُ‬
‫لوّاهٌ حَلِيمٌ { [التوبة‪]114 :‬‬
‫ع ُدوّ للّهِ تَبَرّأَ مِ ْنهُ إِنّ إِبْرَاهِي َم َ‬
‫أَنّهُ َ‬
‫و " الحليم " هو خلق يجعل صاحبه صبورا على الذى صفوحا عن الذنب‪.‬‬
‫وقد شغل صحابة رسول ال صلى ال عليه وسلم بإخوانهم المؤمنين‪ ،‬الذين ماتوا قبل أن تكتمل‬
‫عندهم أحكام السلم؛ لن منهج السلم نزل في " ثلثة وعشرين عاما "‪ .‬وليس من المفروض‬
‫فيمن آمن أن يأتي بكل أحكام السلم عند بداية آياته‪ ،‬بل قد يكون قد آمن فقط بالشهادة‪ ،‬فاعتبر‬
‫مسلما‪ ،‬ومثال هذا مخيريق اليهودي الذي لم يصل ركعة واحدة في السلم؛ لن الحرب قامت بعد‬
‫إسلمه مباشرة‪ ،‬وقال‪ :‬مالي كله لمحمد وسأذهب لحارب معه‪ ،‬وحارب فقتل‪ ،‬وهكذا صار‬
‫شهيدا‪ .‬لنه لم يمكث زمنا ينفذ فيه ما جاء به السلم قبل ذلك‪.‬‬
‫ومن باب أولى أن الذي مات قبل أن تتم أحكام السلم يعتبر مسلما‪ ،‬والذي مات مثلً قبل أن‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫تحرم الخمر تحريما نهائيّا‪ ،‬أيقال‪ :‬إنه عاصٍ أو كافر؟ ل‪ ،‬إنه مسلم‪ ،‬والذي مات قبل أن يعلم أن‬
‫القبلة قد حولت من بيت المقدس إلى الكعبة يعتبر مسلما وشاء الحق أن يبين للمسلمين أل يحزنوا‬
‫ضلّ َقوْما َب ْعدَ إِذْ هَدَا ُهمْ حَتّىا يُبَيّنَ َلهُم مّا يَ ّتقُونَ إِنّ‬
‫على هؤلء‪ ،‬فنزل الوحي‪َ {:‬ومَا كَانَ اللّهُ لِ ُي ِ‬
‫شيْءٍ عَلِيمٌ }[التوبة‪]115 :‬‬
‫اللّهَ ِب ُكلّ َ‬
‫وهذا يوضح ما نعرفه في عرف التقنين البشري أنه ل جريمة إل بنص‪ ،‬ول عقوبة إل بتشريع‪،‬‬
‫فنحن ل نعاقب إل بعد تحديد الفعل الذي يعاقب عليه‪ ،‬وأن يكون النص المحدد للجريمة والعقوبة‬
‫سابقا على الفعل‪.‬‬
‫إذن‪ :‬ل عقوبة بتجريم‪ ،‬ول تجريم إل بنص‪ .‬والذي لم يبلغه النص؛ لنه مات قبل أن يوجد‬
‫النص؛ لنه ل رجعية في القانون السماوي‪ ،‬إنما الرجعية فقط عند البشر؛ ولذلك نجد الحق يقول‬
‫في كثير من اليات‪ِ {:‬إلّ مَا قَدْ سََلفَ‪[} ...‬النساء‪]22 :‬‬
‫إذن‪ :‬فل تحزنوا على من مات من إخوانكم قبل أن يستكمل السلم كل أحكامه‪ .‬فإسلمهم هو ما‬
‫بلغهم من هذه الحكام؛ فإن أدوها استووا بالذي يؤديها بعد أن تتم أركان السلم كلها؛ لذلك جاء‬
‫ضلّ‪{ ...‬‬
‫قوله الحق‪َ } :‬ومَا كَانَ اللّهُ لِ ُي ِ‬

‫(‪)1336 /‬‬
‫شيْءٍ عَلِيمٌ (‪)115‬‬
‫ضلّ َق ْومًا َب ْعدَ إِذْ هَدَا ُهمْ حَتّى يُبَيّنَ َلهُمْ مَا يَ ّتقُونَ إِنّ اللّهَ ِب ُكلّ َ‬
‫َومَا كَانَ اللّهُ لِ ُي ِ‬

‫ضلّ َقوْما } أي‪ :‬ما كان‬
‫وهنا الهداية هي هداية الدللة حتى يبين لهم ما يتقون؛ { َومَا كَانَ اللّهُ لِ ُي ِ‬
‫ال ليحكم بضللة قوم حتى يبين لهم ما يتقون‪ .‬والتقوى التزام أمر ال ونهيه‪ ،‬فإذا وافقوا البيان‬
‫هداهم هداية معونة‪ ،‬وإذا لم يوافقوا كانوا ضالين‪ ،‬وقد حكم ال بضللة عم إبراهيم وما حكم ال‬
‫بضللته إل بعد أن بين له منهج الهداية‪.‬‬
‫وقد بين إبراهيم لعمه منهج الهداية فلم يهتد‪ .‬ولذلك أمر ال سبحانه وتعالى إبراهيم أل يستغفر له‪.‬‬
‫ويقول الحق بعد ذلك‪ { :‬إِنّ اللّهَ َلهُ مُ ْلكُ‪} ...‬‬

‫(‪)1337 /‬‬
‫ي وَلَا َنصِيرٍ (‪)116‬‬
‫ت وَالْأَ ْرضِ يُحْيِي وَ ُيمِيتُ َومَا َلكُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ مِنْ وَلِ ّ‬
‫سمَاوَا ِ‬
‫إِنّ اللّهَ لَهُ مُ ْلكُ ال ّ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ومادة الـ (م‪ .‬ل‪ .‬ك) يأتي منها " مالك " ‪ ،‬و " مَلك " ‪ ،‬و " ملْك " ‪ ،‬ومنها " مُلْك " ‪ ،‬ومنها "‬
‫ملكوت " ‪ ،‬و " المِلْك " هو ما تملكه أنت في حيزك‪ ،‬فإن كان هناك أحد يملكك أنت ومن معك‬
‫ويملك غيرك‪ ،‬فهذا هو المَلِك‪ ،‬أما ما اتسع فيه مقدور النسان أي الذي يدخل في سياسته وتدبيره‪،‬‬
‫فاسمه مُلك‪ ،‬فشيخ القبيلة له ملك‪ ،‬وعمدة القرية له ملك‪ ،‬وحاكم المة له ملك‪ ،‬ويكون في المور‬
‫الظاهرة‪ ...‬واما الملكوت فهو ما ل في كونه من أسرار خفية‪.‬‬
‫ت وَالَرْضِ‪[} ...‬النعام‪]75 :‬‬
‫سمَاوَا ِ‬
‫مثل قوله تعالى‪َ {:‬وكَذَِلكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مََلكُوتَ ال ّ‬
‫وساعة ترى " تاء المبالغة " في مثل " رهبوت " ‪ ،‬و " عظموت " تدرك أنها رهبة عظيمة‪.‬‬
‫إذن‪ :‬إياك أن تفهم أن ال حين يمنعك أن تستغفر لبائك‪ ،‬وأنك إن قاطعتهم فذلك يخل بوجودك في‬
‫الحياة؛ لنهم هم ومن يؤازرهم داخلون في ملك ال‪ ،‬وما دام ال له ملك السموات والرض‪ ،‬فل‬
‫يضيرك أحد أو شيء ول يفوتك مع ال فائت‪ ،‬وما دام ال سبحانه موجودا فكل شيء سهل لمن‬
‫يأخذ بأسبابه مع اليمان به‪.‬‬
‫والحق سبحانه يبين لنا أنه سبحانه وحده الذي بيده الملك؛ فقال‪ُ {:‬قلِ الّلهُمّ مَاِلكَ ا ْلمُ ْلكِ ُتؤْتِي ا ْلمُ ْلكَ‬
‫مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ا ْلمُ ْلكَ ِممّنْ تَشَآ ُء وَ ُتعِزّ مَن َتشَآ ُء وَتُ ِذلّ مَن تَشَآءُ بِيَ ِدكَ الْخَيْرُ‪[} ...‬آل عمران‪]26 :‬‬
‫وفي هذا القول الكريم أربعة أشياء متقابلة‪ُ { :‬تؤْتِي ا ْلمُ ْلكَ } و { وَتَن ِزعُ ا ْلمُ ْلكَ } ‪ ،‬وإيتاء الملْك في‬
‫أعراف الناس خير‪ ،‬ونزعه في أعراف الناس شر‪ ،‬وإعزاز الناس خير‪ ،‬وإذللهم شر‪ ،‬ولم يقل ال‬
‫بيده‪ " :‬الخير والشر "‪ .‬وإنما قال في ُكلّ‪ { :‬بِيَ ِدكَ ا ْلخَيْرُ }‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فحين يؤتي ال إنسانا مُلْكا؛ نقول‪ :‬هذا خير وعليك أن تستغله في الخير‪ .‬وحينما ينزع ال‬
‫منه الملك نقول له‪ :‬لقد طغيت وخفف ال عنك جبروت الطغيان‪ ،‬فنزعه ال منك فهذا خير لك‪.‬‬
‫وإن أعزك ال‪ ،‬فقد يعذبك حقّا‪ ،‬وإن أذلهم ال‪ ،‬فالمقصود أل يطغوا أو يتجبروا‪ .‬إذن‪ :‬فكلها خير‪{.‬‬
‫ُتؤْتِي ا ْلمُ ْلكَ مَن َتشَآ ُء وَتَن ِزعُ ا ْلمُ ْلكَ ِممّنْ َتشَآ ُء وَ ُتعِزّ مَن تَشَآ ُء وَتُ ِذلّ مَن تَشَآءُ بِ َي ِدكَ ا ْلخَيْرُ‪[} ...‬آل‬
‫عمران‪]26 :‬‬
‫ساعة تجد ملكا عضوضا‪ ،‬إياك أن تظن أن هذا الملك العضوض قد أخذ ملكه دون إرادة ال‪ ،‬ل‪،‬‬
‫بل هو عطاء من ال‪ .‬ولو أن المملوك راعى ال في كل أموره لرقق عليه قلب مالكه‪ .‬ولذلك‬
‫يقول لنا في الحديث القدسي‪ " :‬أنا ال ملك الملوك‪ ،‬قلوب الملوك ونواصيها بيدي‪ ،‬فإن العباد‬
‫أطاعوني جعلتهم عليهم رحمة‪ ،‬وإن هم عصوني جعلتهم عليهم عقوبة‪ ،‬فل تشتغلوا بسب الملوك‪،‬‬
‫ولكن أطيعوني أعطفهم عليكم "‬

‫وما دام المر كذلك‪ ،‬فل بد أن نعرف أن كل حادثة له حكمة في الوجود‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وإن رأيت واحدا قد أخذ الملك وهو ظالم‪ ،‬فاعلم أن ال قد جاء به ليربى به المملوكين‪ ،‬وسبحانه‬
‫ل يربي الشرار بالخيار؛ لن الخيار ل يعرفون كيف يربون؛ وقلوبهم تمتلئ بالرحمة؛ ولذلك‬
‫يعلمنا سبحانه‪َ {:‬وكَذاِلكَ ُنوَلّي َب ْعضَ الظّاِلمِينَ َبعْضا‪[} ...‬النعام‪]129 :‬‬
‫والخيّر ل يدخل المعركة بل يشاهد الصراع من بعيد‪ ،‬ويجري كل شيء بعلم ال؛ لنه سبحانه لم‬
‫ملك السموات والرض وهو الذي يحيي ويميت‪ ،‬فإياك أن ُتفْتَن في غير خالقك أبدا؛ لن الخلق‬
‫مهما بلغ من قدرته وطغيانه‪ ،‬ل يستطيع أن يحمي نفسه من أغيار ال في كونه ولذلك فليأخذ‬
‫المؤمن من ال وليّا له ونصيرا‪.‬‬
‫سمَاوَاتِ وَالَ ْرضِ { يأتي لنا بالمر الذي يظهر فيه‬
‫وبعد أن قال لنا سبحانه‪ } :‬إِنّ اللّهَ لَهُ مُ ْلكُ ال ّ‬
‫أثر القدرة‪ ،‬ول يشاركه فيه غيره‪ ،‬فقال‪ُ } :‬يحْيِـي وَ ُيمِيتُ {‪ .‬وقال بعض العلماء في قوله‪} :‬‬
‫يُحْيِـي وَ ُيمِيتُ { أنه سبحانه " يحيي الجماد " ‪ ،‬و " يميت الحيوان "؛ لنهم ظنوا أن الحياة هي‬
‫الحس والحركة التي نراها أمامنا من حركة وكلم وذهاب وإياب‪ ،‬ونسوا أن الحياة هي ما أودعه‬
‫ال في كل ذرة في الكون‪ ،‬مما تؤدي به مهمتها‪ ،‬ففي ذرة الرمل حياة‪ ،‬والجبل فيه حياة‪ ،‬وكل‬
‫حيّ عَن بَيّ َنةٍ‪} ...‬‬
‫شيء فيه حياة‪ ،‬بنص القرآن حيث يقول‪ {:‬لّ َيهِْلكَ مَنْ هََلكَ عَن بَيّ َن ٍة وَيَحْيَىا مَنْ َ‬
‫[النفال‪]42 :‬‬
‫إذن‪ :‬فالحياة مقابلها الهلك‪ ،‬وفي آيات أخرى يقابل الحياة الموت‪ ،‬فالهلك هو الموت‪ .‬فإذا قال‬
‫جهَهُ‪[} ...‬القصص‪]88 :‬‬
‫ل وَ ْ‬
‫شيْءٍ هَاِلكٌ ِإ ّ‬
‫الحق سبحانه‪ُ {:‬كلّ َ‬
‫إذن‪ :‬فكل شيء قبل أن يكون هالكا كان حيّا‪ ،‬وهكذا نعرف أن الحياة ليست هي الحس والحركة‬
‫الظاهرتين‪ ،‬وبعد التقدم العلمي الهائل في المجاهر الدقيقة تكشفت لنا حركة وحس كائنات كنا ل‬
‫نراها‪ ،‬وإذا كان النسان قد توصل باللت التي ابتكرها إلى إدراك ألوان كثيرة من الحياة فيما‬
‫كان يعتقد أنه ل حياة فيها‪ ،‬إذن‪ :‬فكل شي في الوجود له حياة تناسبه فلو جئت بمعدن مثلً وتركته‬
‫ستجده تأكسد‪ ،‬أي حدث فيه تفاعل مع مواد أخرى‪ ..‬فهذه حياة‪.‬‬
‫بعد ذلك يقول الحق‪َ } :‬لقَدْ تَابَ ال عَلَىا النّ ِبيّ‪{ ...‬‬

‫(‪)1338 /‬‬
‫ن وَالْأَ ْنصَارِ الّذِينَ اتّ َبعُوهُ فِي سَاعَةِ ا ْلعُسْ َرةِ مِنْ َب ْعدِ مَا كَادَ يَزِيغُ‬
‫ي وَا ْل ُمهَاجِرِي َ‬
‫علَى النّ ِب ّ‬
‫َلقَدْ تَابَ اللّهُ َ‬
‫علَ ْيهِمْ إِنّهُ ِبهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (‪)117‬‬
‫قُلُوبُ فَرِيقٍ مِ ْنهُمْ ثُمّ تَابَ َ‬

‫قلنا‪ :‬إن التوبة لها مراحل‪ ،‬فهناك توبة شرعها ال‪ ،‬ومجرد مشروعية التوبة من ال رحمة‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫بالخلق‪ ،‬وهي أيضا رحمة بالمذنب؛ لن الحق سبحانه لو لم يشرع التوبة لستشرى النسان في‬
‫المعاصي بمجرد انحرافه مرة واحدة‪ ،‬وإذا استشرى في المعاصي فالمجتمع كله يشقى عليه‬
‫الذنب‪ ،‬فمشروعية التوبة نفسها رحمة بمن عمل الذنب‪ .‬وأنت إذا سمعت قوله الحق سبحانه‪ {:‬ثُمّ‬
‫تَابَ عَلَ ْيهِمْ لِيَتُوبُواْ‪[} ...‬التوبة‪]118 :‬‬
‫فافهم أن تشريع التوبة إنما جاء ليتوب العباد فعلً‪ ،‬وبعد أن يتوبوا‪ ،‬يقبل ال التوبة‪.‬‬
‫والحق هنا يقول‪َ { :‬لقَدْ تَابَ ال عَلَىا النّ ِبيّ } وعطف على النبي صلى ال عليه وسلم‬
‫ن وَالَنصَارِ } ‪ ،‬فأي شيء فعله رسول ال صلى ال عليه وسلم حتى يقول ال‪َ { :‬لقَدْ‬
‫{ ا ْل ُمهَاجِرِي َ‬
‫عفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ َلهُمْ‪[} ...‬التوبة‪:‬‬
‫تَابَ ال عَلَىا النّ ِبيّ }؟! ونقول ألم يقل الحق سبحانه له‪َ {:‬‬
‫‪]43‬‬
‫فحين جاء بعض المنافقين استأذنوا النبي صلى ال عليه وسلم في التخلف عن الغزوة‪ ،‬فأذن لهم‪،‬‬
‫مع أن ال سبحانه قال‪َ {:‬لوْ خَ َرجُواْ فِيكُم مّا زَادُوكُمْ ِإلّ خَبَالً‪[} ...‬التوبة‪]47 :‬‬
‫إذن‪ :‬فرسول ل صلى ال عليه وسلم كان بالفطرة السليمة قد اتخذ القرار الصائب‪ ،‬ولكن الحق‬
‫سبحانه ل يريد ان يتبعوا فطرتهم فقط‪ ،‬بل أراد أن يضع تشريعا محددا‪.‬‬
‫وشاء الحق سبحانه أن يخبرنا بأنه قدم العفو لرسول ال صلى ال عليه وسلم؛ لنه أذن لمن‬
‫استأذنه من المنافقين أل يخرجوا إلى القتال‪ ،‬وهناك أشياء يأخذها ال على عبده؛ لن العبد قام به‬
‫ضد صالح نفسه‪ ،‬ومثال هذا من حياتنا ول المثل العلى‪ :‬أنت إذا رأيت ولدك يذاكر عشرين‬
‫ساعة في اليوم؛ فإنك تدخل عليه حجرته لتأخذ منه الكتاب أو تطفئ مصباح الحجرة‪ ،‬وتقول له‪" :‬‬
‫قم لتنام "‪ .‬وأنت في هذه الحالة إنما تعنف عليه لنك تحبه‪ ،‬ل‪ ،‬لنه خالف منهجا‪ ،‬بل لنه أوغل‬
‫ج وأسلوب عملٍ يرهق به نفسه‪.‬‬
‫في منه ٍ‬
‫وحين سمح النبي صلى ال عليه وسلم لقوم أن يتخلفوا‪ ،‬فهل فعل ذلك ضد مصلحة الحرب أم مع‬
‫مصلحة الحرب؟ أنهم لو اشتركوا في الحرب لكثر ثوابهم حتى ولو حرسوا المتعة أو قاموا بأي‬
‫عمل‪ ،‬إذن‪ :‬فإذنه صلى ال عليه وسلم لهم بالتخلف هو تصعيب للمر على نفسه‪.‬‬
‫ولذلك نجد أن كل عتب على نبي ال‪ ،‬إنما كان عتبا لصالحه ل عليه فسبحانه يقول له‪ِ {:‬لمَ تُحَرّمُ‬
‫حلّ اللّهُ َلكَ‪[} ...‬التحريم‪]1 :‬‬
‫مَآ أَ َ‬
‫والنبي صلى ال عليه وسلم لم يحل ما حرم ال بل حرم على نفسه ما أحل ال له‪ ،‬وهذا ضد‬
‫مصلحته‪ ،‬وكأن الحق يسائله‪ :‬لماذا ترهق نفسك؟‪ .‬إذن‪ :‬فهذا عتب لمصلحة النبي صلى ال عليه‬
‫وسلم‪ ،‬وأيضا حين جاء ابن مكتوم العمى يسأل رسول ال في أمر من أمور الدين‪ ،‬وكان ذلك‬
‫في حضور صناديد قريش‪ ،‬فالتفت صلى ال عليه وسلم إلى الصناديد وهم كافرون‪ ،‬يريد أن يلين‬
‫قلوبهم‪ ،‬وترك ابن أم مكتوم؛ فنزل القول الحق‪:‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫عمَىا }[عبس‪]2-1 :‬‬
‫{ عَبَسَ وَتَوَلّىا * أَن جَآ َء ُه الَ ْ‬
‫وابن أم مكتوم جاء ليستفسر عن أمر إيماني‪ ،‬ولن يجادل مثلما يجادل صناديد قريش‪ ،‬فلماذا يختار‬
‫الرسول صلى ال عليه وسلم المر الصعب الذي يحتاج إلى جهد أكبر ليفعله؟‪ .‬إذن‪ :‬العتب هنا‬
‫عفَا اللّهُ عَنكَ ِلمَ َأذِنتَ َل ُهمْ‪[} ...‬التوبة‪:‬‬
‫لصالح محمد صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وحين يقول الحق له‪َ {:‬‬
‫‪]43‬‬
‫ثم جاء ها في الية بالمهاجرين والنصار معطوفين على رسول ال‪ ،‬وذلك حتى ل يتحرج واحد‬
‫من المهاجرين أو النصار من أن ال تاب عليه‪ ،‬بل التوبة تشمله وتشمل الرسول صلى ال عليه‬
‫وسلم نفسه؛ فل تحرّج‪.‬‬
‫وهذه المسائل التي حدثت كان لها مبررات‪ ،‬فقد قال الحق‪ } :‬مِن َب ْعدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ‬
‫مّ ْنهُمْ { ويزيغ‪ :‬يميل‪ ،‬أي‪ :‬يترك ميدان المعركة كله؛ لنها كانت معركة في ساعة العسرة‪ ،‬ومعنى‬
‫العسرة الضيق الشديد‪ ،‬فالمسافة طويلة‪ ،‬والجنود الذين سيواجهونهم هم جنود الروم‪ ،‬والجو حارّ‪،‬‬
‫وليس عندهم رواحل كافية‪ ،‬فكل عشرة كان معهم بعير واحد‪ ،‬يركبه واحد منهم ساعة ثم ينزل‬
‫ليركبه الثاني‪ ،‬ثم الثالث‪ ،‬وهكذا‪ ،‬ولم يجدوا من الطعام إل التمر الذي توالد فيه الدود‪.‬‬
‫وقد بلغ من العسرة أن الواحد منهم كان يمسك التمرة فيمصها بفيه يستحلبها قليلً‪ ،‬ثم يخرجها من‬
‫فيه ليعطيها إلى غيره ليستحلبها قليلً‪ ،‬وهكذا إلى أن تصير على النواة‪ ،‬وكان الشعير قد أصابه‬
‫السوس‪ ،‬وبلغ منه السوس أن تعفن‪ ،‬وقال من شهد المعركة‪ " :‬حتى إن الواحد منا كان إذا أخذ‬
‫حفنة من شعير ليأكلها يمسك أنفه حتى ل يتأذى من رائحة الشعير "‪ .‬كل هذه الصّعاب جعلت من‬
‫بعض الصحابة من يرغب في العودة‪ .‬ول يستكمل الطريق إلى الغزوة‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالتوبة كانت عن اقتراب زيغ قلوب فريق منهم‪ .‬وجاء الحق بتقدير ظرف العسرة‪ ،‬ولذلك‬
‫تنبأ بالخواطر التي كانت في نواياهم ومنهم أيضا من همّ أل يذهب‪ ،‬ثم حدجثته نفسه بأنه يذهب‬
‫مثل أبي خيثمة الذي بقي من بعد أن رحل رسول ال صلى ال عليه وسلم إلى الغزوة ومرت‬
‫ط َهتْ‬
‫عشرة أيام‪ ،‬ودخل الرجل بستانه فوجد العريشين‪ ،‬وعند كل عريش زوجةٌ له حسناء‪ ،‬وقد َ‬
‫كل منهما طعاما‪ ،‬وهكذا رأى أبو خيثمة الظلل الباردة‪ ،‬والثمر المدلّى‪ ،‬فمسّته نفحة من صفاء‬
‫النفس؛ فقال‪ " :‬رسول ال في الفيح ‪ -‬أي الحرارة الشديدة جدّا ‪ -‬والريح‪ ،‬والقُرّ والبرد‪ ،‬وأنا هنا‬
‫في ظل بارد‪ ،‬وطعام مطهوّ‪ ،‬وامرأتين حسناوين‪ ،‬وعريش وثير‪ ،‬وال ما ذلك بال ّنصَفة لك يا‬
‫رسول ال‪ ،‬وأخذ زمام راحلته وركبها فكلًّمته المرأتان‪ ،‬فلم يلتفت لواحدة منهما وذهب ليلحق‬
‫برسول ال صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫فقال صحابة رسول ال‪ :‬يا رسول ال إنّا نرى شبح رجل ُمقْبل‪ .‬فنظر رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم وقال‪ " :‬كن أبا خيثمة " ‪ ،‬ووجده أبا خيثمة‪ ،‬هذا معنى الحق‪:‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫عةِ ا ْلعُسْ َرةِ مِن َبعْدِ مَا كَادَ‬
‫} َلقَدْ تَابَ ال عَلَىا النّ ِبيّ وَا ْل ُمهَاجِرِينَ وَالَنصَارِ الّذِينَ اتّ َبعُوهُ فِي سَا َ‬
‫يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مّ ْنهُمْ ُثمّ تَابَ عَلَ ْيهِمْ إِنّهُ ِبهِمْ َرءُوفٌ رّحِيمٌ { [التوبة‪]117 :‬‬
‫وفي واقعة الصحابة الذين راودتهم أنفسهم أن يرجعوا وتاب ال عليهم أيضا على آخرين اعترفوا‬
‫ل صَالِحا وَآخَرَ سَيّئا‬
‫عمَ ً‬
‫بذنوبهم‪ ،‬فتاب الحق عليهم حين قال‪ {:‬وَآخَرُونَ اعْتَ َرفُواْ بِذُنُو ِبهِمْ خَلَطُواْ َ‬
‫غفُورٌ رّحِيمٌ }[التوبة‪]102 :‬‬
‫عَسَى اللّهُ أَن يَتُوبَ عَلَ ْي ِهمْ إِنّ اللّهَ َ‬
‫لمْرِ اللّهِ‪[} ...‬التوبة‪]106 :‬‬
‫ن َ‬
‫جوْ َ‬
‫وأرجـأ الحق أمر آخرين نزل فيهم قوله‪ {:‬وَآخَرُونَ مُرْ َ‬
‫لمْرِ اللّهِ { أي‪ :‬ما َبتّ ال سبحانه في أمرهم بشيء؛ فل بد من‬
‫جوْنَ َ‬
‫وما دام ال قد قال‪ } :‬مُ ْر َ‬
‫النتظار إلى أن يأتي أمر ال‪ ،‬ويجب أل نتعرض لهم حتى يأتي قول ال‪ .‬وتاب أيضا على الثلثة‬
‫الذين خلفوا‪ ،‬في قوله سبحانه‪ } :‬وَعَلَى الثّلَثَةِ الّذِينَ خُّلفُواْ‪{ ...‬‬

‫(‪)1339 /‬‬
‫سهُ ْم وَظَنّوا‬
‫ت َوضَا َقتْ عَلَ ْي ِهمْ أَ ْنفُ ُ‬
‫وَعَلَى الثّلَا َثةِ الّذِينَ خُّلفُوا حَتّى إِذَا ضَا َقتْ عَلَ ْي ِهمُ الْأَ ْرضُ ِبمَا رَحُ َب ْ‬
‫أَنْ لَا مَ ْلجَأَ مِنَ اللّهِ إِلّا إِلَيْهِ ثُمّ تَابَ عَلَ ْيهِمْ لِيَتُوبُوا إِنّ اللّهَ ُهوَ ال ّتوّابُ الرّحِيمُ (‪)118‬‬

‫قد يظن أحد أن (خُّلفُوا) هنا تدل على أن أحدا قال لهم‪ :‬اقعدوا عن الخروج مع رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم‪ ،‬ولكن لم يقل لهم أحد هذا‪ .‬إنما (خُّلفُوا) معناها‪ :‬لم يظهر أمر الشارع فيهم كما‬
‫جوْنَ لَمْرِ اللّهِ }[التوبة‪ ،]6 :‬وما دام‬
‫ظهر في غيرهم‪ ،‬بل قال الحق فيهم من قبل‪ {:‬وَآخَرُونَ مُ ْر َ‬
‫قد تأخر فيهم الحكم فل بد من النتظار‪.‬‬
‫سهُمْ‬
‫علَ ْيهِمْ أَنفُ ُ‬
‫ت َوضَا َقتْ َ‬
‫{ وَعَلَى الثّلَثَةِ الّذِينَ خُّلفُواْ حَتّىا إِذَا ضَا َقتْ عَلَ ْيهِ ُم الَ ْرضُ ِبمَا رَحُ َب ْ‬
‫وَظَنّواْ أَن لّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ ِإلّ إِلَيْهِ ثُمّ تَابَ عَلَ ْيهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنّ اللّهَ ُهوَ ال ّتوّابُ الرّحِيمُ } [التوبة‪]118 :‬‬
‫ونعلم أن النسان إذا شغله همّ يُحدّث نفسه بأن يترك المكان الذي يجلس فيه‪ ،‬ويسبب له الضيق‪،‬‬
‫لعل الضيق ينفك‪ .‬ولكن هؤلء الثلثة قابلوا الضيق في كل مكان ذهبوا إليه حتى ضاقت عليهم‬
‫الرض بسعتها‪ ،‬فلم يجد واحد منهم مكانا يذهب إليه‪ ،‬وهذا معناه أن الكرب الذي يحيطهم قد عَمّ‪،‬‬
‫والنسان قد تضيق عليه الرض بما رحبت ولكن نفسه تسعه‪.‬‬
‫سهُمْ } أي‪ :‬ضاقت عليهم الرض بما رحبت‪ ،‬وضاقت‬
‫والحق يقول عنهم‪َ { :‬وضَا َقتْ عَلَ ْيهِمْ أَنفُ ُ‬
‫عليهم أنفسهم أيضا‪ ،‬فقد تخلف الثلثة عن الغزوة‪ ،‬ل لعذر إل مجرد الكسل والتواني‪ ،‬وأمر‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم المسلمين بمقاطعتهم‪ ،‬فكان كعب بن مالك يخرج إلى السوق فل‬
‫يكلمه أحد‪ ،‬ويذهب إلى أقربائه فل يكلمه أحد‪ ،‬ويتسوّر عليهم الحيطان لعلهم ينظرون إليه‪ ،‬فل‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ينظرون إليه‪.‬‬
‫وبعد ذلك يتصاعد المر في عزل هؤلء‪ ،‬حتى تعدى إلى نسائهم‪ ،‬فأمرهم رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم بأل يقربوا نساءهم هكذا بلغ العزل مبلغا شديدا ودقيقا‪ ،‬فقد كان التحكم أولً في‬
‫المجتمع‪ ،‬ثم في القارب‪ ،‬ثم في خصوصيات السكن وهي المرأة‪ ،‬حتى إن امرأة هلل بن أمية‬
‫ذهبت إليه وقالت‪ :‬يا رسول ال إن هلل بن أمية‪ ،‬رجل مريض ضعيف‪ ،‬وأنا أستأذنك في أن‬
‫أصنع له ما يقيمه‪ ،‬قال لها‪ " :‬ولكن ل يقربنك "‪ .‬قالت وال يا رسول ال ما به حركة إلى شيء‪،‬‬
‫ووال ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا‪ .‬وذهب بعض المسلمين إلى كعب بن‬
‫مالك ليبلغوه أن رسول ال صرح لمرأة هلل أن تخدمه‪ ،‬وقالوا له‪ :‬اذهب إلى رسول ال‬
‫واستأذنه أن تخدمك امرأتك‪.‬‬
‫قال‪ :‬إن هللً رجل شيخ‪ ،‬فماذا أقول لرسول ال وأنا رجل شاب؟ وال ل أذهب له أبدا‪.‬‬
‫وظل الثلثة في حصار نفسي ومجتمعي لمدة خمسين يوما إلى أن جاء ال بالتوبة‪ ،‬وفي هذا‬
‫تمحيص لهم‪ ،‬فكعب بن مالك ‪ -‬على سبيل المثال ‪ -‬يقص عن حاله قبل الغزوة قائلً‪ :‬لم أكن قط‬
‫أقوى ول أيسر منّي حين تخلفت عنه في تلك الغزوة‪ ،‬وال ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى‬
‫جمعتهما في تلك الغزوة‪.‬‬
‫أي‪ :‬أنه لم يكن له عذر يمنعه‪.‬‬
‫بعد ذلك يجيء البشير بأن ال قد تاب عليه‪ ،‬فيأتي واحد من جيل سَلْع فيقول‪ :‬يا كعب أبشر بخير‬
‫يوم مرّ عليك‪ .‬فقد أنزل ال فيك قرآنا وأنه تاب عليك‪.‬‬
‫قال كعب‪ :‬فلم أجد عندي ما أهديه له لنه بشّرني إل ثوبيّ فخلعتهما وأعطيتهما له‪ ،‬ثم استعرت‬
‫ثوبين ذهبت بهما إلى مسجد رسول ال صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫وقال‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬إن من تمام توبتي أن أنخلع من مالي ‪ -‬الذي سبّب لي هذا العقاب ‪ -‬صدقة‬
‫إلى ال وإلى رسوله صلى ال عليه‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فتأخر الحكم كان المراد منه تمحيص هؤلء‪ ،‬وإعطاء السوة لغيرهم‪ .‬فحين يرون أن‬
‫الرض قد ضاقت عليهم بما رحبت‪ ،‬وكذلك ضاقت عليهم أنفسهم يتيقنون من قول الحق‪ } :‬وَظَنّواْ‬
‫أَن لّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ ِإلّ إِلَيْهِ { [التوبة‪]118 :‬‬
‫أي‪ :‬أن أحدا ل يجير إل ال‪ ،‬وسبحانه يجير من نفسه‪ .‬كيف؟ أنت تعلم أنك ساعة ل يجيرك إل‬
‫من يتعقبك‪ ،‬فاعلم أنه ل سلطان لحد أبدا؛ ولذلك نقول‪ :‬أنت تلجأ إلى ال ل من خلقه‪ ،‬ولكنك تلجأ‬
‫إلى ال ليحميك من ال‪ ،‬فسبحانه له صفات جلل وصفات جمال‪ ،‬وتتمثل صفات الجلل في أنه‪:‬‬
‫قهار‪ ،‬وجبار‪ ،‬ومنتقم‪ ،‬وشديد البطش‪ ،‬إلى آخر تلك الصفات‪ .‬وفي الحق سبحانه صفات جمال‬
‫مثل غفور‪ ،‬ورحيم‪ ،‬وغيرها‪ ،‬فإذا ما أذنب النسان ذنبا‪ ،‬فالمجال في هذه الحالة ان يُعاقب من‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫صفات الجلل‪ ،‬ول ينفع العبد وقاية من صفات الجلل إل صفات الجمال‪.‬‬
‫وكلنا يعلم أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قد دعا ال بقوله‪ " :‬أعوذ بك منك "‬
‫أي‪ :‬أعوذ بصفات الجمال فيك من صفات جللك‪ ،‬فلن يحميني من صفات جللك إل صفات‬
‫جمالك‪.‬‬
‫ولذلك حينما جاء في الحديث الشريف عن آخر ليلة من رمضان قوله صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫" فإذا ما كان آخر ليلة من رمضان تجلّى الجبّار بالمغفرة‪" .‬‬
‫يظن بعض الناس أن هذه المسألة غير منطقية‪ ،‬فكيف يتجلّى الجبّار بالمغفرة؟ ألم يكن من‬
‫المناسب أن يقال‪ " :‬يتجلّى الغفّار "؟ ونقول‪ :‬ل؛ فإن المغفرة تقتضي ذنبا‪ ،‬ويصبح المقام لصفة‬
‫الجبار‪ ،‬وهكذا تأخذ صفة الرحمة من صفة الجبار سُلْطتها‪ ،‬وكأننا نقول‪ :‬يا جبار أنت الحق‬
‫وحدك‪ ،‬لكننا نتشفع بصفات جمالك عند صفات جللك‪ .‬هذا هو معنى‪ " :‬يتجلى الجبار بالمغفرة "‪.‬‬
‫وقد سمع الصمعي ‪ -‬وهو يطوف ‪ -‬مسلما عند باب الملتزم‪ ،‬يقول‪ :‬اللهم إني أستحي أن أطلب‬
‫منك المغفرة؛ لني عصيتك‪ ،‬ولكني تطّل ْعتُ فلم أجد إلها سواك‪.‬‬
‫فقال له‪ :‬يا هذا‪ ،‬إن ال يغفر لك لحُسْن مسألتك‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ُ } :‬ثمّ تَابَ عَلَ ْيهِمْ لِيَتُوبُواْ { والتوبة أولً ‪ -‬كما عرفنا ‪ -‬هي تشريعها‪ ،‬ثم‬
‫تأتي التوبة بالقبول‪ ،‬وقوله‪ } :‬لِيَتُوبُواْ { أي‪ :‬أنها تصبح توبة رجوع وعودة إلى ما كانوا عليه قبل‬
‫المعصية‪.‬‬
‫ويُنهي الحق الية بقوله‪ } :‬إِنّ اللّهَ ُهوَ ال ّتوّابُ الرّحِيمُ { فل توّاب ول رحيم سواه سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫ويقول الحق بعد ذلك‪ } :‬يَـأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ‪{ ...‬‬

‫(‪)1340 /‬‬
‫يَا أَ ّيهَا الّذِينَ َآمَنُوا ا ّتقُوا اللّ َه َوكُونُوا مَعَ الصّا ِدقِينَ (‪)119‬‬

‫وساعة ينادي الحق عزّ وجلّ عباده المؤمنين‪ ،‬فهو سبحانه إما أن يناديهم بحكم يتعلق باليمان‪،‬‬
‫وإما أن يناديهم باليمان ويطلب منهم اليمان مثل قوله الحق‪ {:‬يَا أَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ‬
‫وَرَسُولِهِ‪[} ...‬النساء‪]136 :‬‬
‫والحق سبحانه يُبيّن للذين آمنوا به قبل أن يخاطبهم‪ ،‬أنه من الممكن أن يؤمن النسان ثم يتذبذب‬
‫في إيمانه‪ ،‬فيطلب منه الحق " دوام اليمان "‪ .‬فإذا طلب ال من عباده ما كان موجودا فيهم ساعة‬
‫الخطاب‪ ،‬فالمطلوب دوامه‪ ،‬وإن طلب منهم حكما يتعلق باليمان‪ ،‬فهو يوجّههم إلى الستماع‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وتطبيق ما يطلب منهم‪ ،‬ومثال هذا قول الحق سبحانه‪ { :‬ا ّتقُواْ اللّهَ } [التوبة‪]119 :‬‬
‫وكلمة { ا ّتقُواْ } تعني‪ :‬اجعلوا بينكم وبين ال وقاية‪ ،‬ويتساءل البعض‪ :‬هل يطلب أحد من النسان‬
‫أن يجعل بينه وبين وقاية؟ إن العبد المؤمن يطلب أن يكون في معيّة ال‪ .‬وهنا تأتي ضرورة فهم‬
‫صفات الجمال وصفات الجلل‪ .‬إن قوله سبحانه‪ { :‬ا ّتقُواْ اللّهَ } يعني‪ :‬اجعلوا بينكم وبين صفات‬
‫الجلل وقاية‪ ،‬مثلما قال سبحانه‪ { :‬ا ّتقُواْ اللّهَ } [البقرة‪]24 :‬‬
‫لن النار من جنود صفات الجلل‪ ،‬فاجعلوا بينكم وبين ال وقاية من صفات الجلل‪.‬‬
‫وهنا يقول الحق‪ { :‬ا ّتقُواْ اللّ َه َوكُونُواْ مَعَ الصّا ِدقِينَ } ‪ ،‬وفسر بعض العلماء قوله‪َ { :‬وكُونُواْ مَعَ‬
‫الصّا ِدقِينَ } بمعنى كونوا من الصادقين‪ ،‬أي‪ :‬أن " مع " هنا بمعنى " من " والمقصود أن يعطي‬
‫هذا القول معنى إجماليّا عامّا‪ .‬لكني أقول‪ :‬هنام فرق بين { َوكُونُواْ مَعَ الصّا ِدقِينَ } و " كونوا من‬
‫الصادقين " ‪ ،‬فقوله الحق‪َ { :‬وكُونُواْ مَعَ الصّا ِدقِينَ } أي‪ :‬التحموا بهم فتكونوا في معيّتهمـ وبعد‬
‫أن تلتحموا بهم يأتي الذين من بعدكم ويجدونكم مع الصادقين‪.‬‬
‫ويقتضي المر هنا أن نتذكر ما سبق أن قلناه عن النسبة الكلمية والنسبة الذهنية‪ ،‬فأيّ قضية تمر‬
‫على ذهنك قبل أن تقولها هي نسبة ذهنية‪ ،‬مثل قولك‪ " :‬محمد زارني " ‪ ،‬وأنت قبل أن تقول هذه‬
‫العبارة جاء في ذهنك أن تنطقها‪ ،‬وهذه " نسبة ذهنية "‪ .‬ومن يسمعك ل يدري بها‪ ،‬ولكونك المتكلم‬
‫فأنت وحدك الذي تدري بها‪ ،‬فإذا ما نطقتها وسمعها منك المخاطب؛ علم أن نسبة ذهنية جاءت في‬
‫ذهنك فترجمتها قولً بالنسبة الكلمية‪ .‬فحين قلت‪ " :‬محمد زارني بالمس "؛ جاءت في ذهنك قل‬
‫أن تقولها‪ ،‬فلما سمعها السامع عرف أن هناك نسبتين؛ نسبة سمعها عن نسبة عندك‪.‬‬
‫وحين يمحّص السامع هذا القول؛ يعلم أن هناك واحدا في الواقع اسمه محمد وعلم منك أنه قد‬
‫زارك‪ ،‬وخبرته معك أنه قد زارك‪ ،‬وخبرته معك دائما أنك صادق‪ ،‬إذن‪ :‬فالصدق هو أن تتطابق‬
‫النسبة الكلمية مع الواقع‪ .‬أما إذا قلت‪ :‬إن محمدا قد سافر إلى أمريكا‪ ،‬وهو لم يسافر‪ ،‬فهذا يعني‬
‫أن النسبة الكلمية لم تتطابق مع النسبة الواقعية وهذا هو الكذب‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فهناك " نسبة ذهنية " و " نسبة كلمية " و " نسبة واقعية "‪ .‬فإن تطابقت النسبة الكلمية مع‬
‫النسبة الواقعية‪ ،‬فذلك هو الصدق‪ ،‬وإن لم تتطابق يكون الكذب‪.‬‬
‫وكل نسبة تقولها تحتمل أن تكون صادقة أو كاذبة‪ ،‬والفيصل في هذا المر هو الواقع‪ ،‬هل يتطابق‬
‫ما تقول أم ل؟‪ .‬أما إن قلت لك‪ " :‬زُرْ فلنا " فهذه نسبة إنشاء؛ لن الواقع يأتي بعدها‪ ،‬ل قبلها‪.‬‬
‫وهنا يقول الحق سبحانه‪ } :‬ا ّتقُواْ اللّ َه َوكُونُواْ مَعَ الصّا ِدقِينَ { والصدق هو الخَلّة التي تجمع كل‬
‫اليمان‪ ،‬ولنر التطبيق لذلك في قصة الرجل البدوي الذي ذهب إلى رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم وقال‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬إن فيّ خللً ثلثة ل أقدر على التخلّي عنها أبدا‪ ،‬أما الولى فهي‬
‫النساء‪ ،‬وأما الثانية فهي الخمر‪ ،‬وأما الثالثة فهي الكذب‪ ،‬وقد جئتك يا رسول ال‪ ،‬لتختار لي‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫خصلة من الثلثة وتقوّيني عليها‪ ،‬وأعاهد ربنا عليها‪ .‬فاختار رسول ال للعرابي أن يتوب عن‬
‫الكذب‪ ،‬وأن يتحلّى بالصدق‪ ،‬فقال له‪ :‬كن صادقا وما عليك‪ .‬وحين أحب العرابي أن يشرب‬
‫كأس خمر؛ تساءل‪ :‬وماذا إن سألني النبي صلى ال عليه وسلم أشربت الخمر؟ وامتنع عن الخمر‬
‫حتى ل يكذب على الرسول‪ .‬وحين جاء ليختلس النظر إلى امرأة؛ قال لنفسه‪ " :‬وماذا إن سألني‬
‫صلى ال عليه وسلم وكيف أُخزي نفسي بصفة ل تليق بمسلم؛ فامتنع عن النظر إلى المحارم‪،‬‬
‫وهكذا سيطر الصدق على الرجل فهذّب سلوكه‪ .‬وحين سئل رسول ال صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫أيكون المؤمن جبانا؟ فقال‪ :‬نعم‪ .‬فقيل له‪ :‬أيكون المؤمن بخيلً؟ فقال‪ :‬نعم‪ .‬فقيل له‪ :‬أيكون المؤمن‬
‫كذابا؟ فقال‪ :‬ل‪ .‬لن مدخل اليمان هو التصديق بالقضية العقدية الجازمة‪ ،‬وهكذا تجد أن الصدق‬
‫هو " رأس المر كله "‪.‬‬
‫وقوله الحق‪َ } :‬وكُونُواْ َمعَ الصّا ِدقِينَ { أي‪ :‬ل تقولوا كلما ل يصادفه الواقع‪ ،‬وكذلك إياكم أن‬
‫تقولوا كلما تناقضه أفعالكم‪ ،‬لهذا يقول الحق سبحانه‪ {:‬ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ لِمَ َتقُولُونَ مَا لَ َت ْفعَلُونَ‬
‫* كَبُرَ َمقْتا عِندَ اللّهِ أَن َتقُولُواْ مَا لَ َت ْفعَلُونَ }[الصف‪]3-2 :‬‬
‫ق وَا ْل َمغْرِبِ‬
‫وفي سورة البقرة يقول الحق سبحانه‪ {:‬لّيْسَ الْبِرّ أَن ُتوَلّواْ وُجُو َهكُمْ قِ َبلَ ا ْلمَشْ ِر ِ‬
‫وَلَـاكِنّ الْبِرّ مَنْ آمَنَ بِاللّ ِه وَالْ َيوْمِ الخِ ِر وَا ْلمَل ِئكَ ِة وَا ْلكِتَابِ وَالنّبِيّينَ وَآتَى ا ْلمَالَ عَلَىا حُبّهِ َذوِي‬
‫ب وََأقَامَ الصّلو َة وَآتَى ال ّزكَاوةَ‪} ...‬‬
‫ن َوفِي ال ّرقَا ِ‬
‫ل وَالسّآ ِئلِي َ‬
‫ن وَابْنَ السّبِي ِ‬
‫ا ْلقُرْبَىا وَالْيَتَامَىا وَا ْلمَسَاكِي َ‬
‫[البقرة‪]177 :‬‬
‫ولننتبه إلى الملحظ الدقيقة في هذه الية‪ ،‬فقد قال الحق هنا‪ } :‬وَآتَى ا ْلمَالَ عَلَىا حُبّهِ َذوِي‬
‫ا ْلقُرْبَىا { [البقرة‪]177 :‬‬
‫ثم ذكر إقامة الصلة وإيتاء الزكاة‪ ،‬فلماذا إذن ذكر } وَآتَى ا ْلمَالَ {؟ أقول‪ :‬لقد ذكر الحق هنا المال‬
‫الذي ينفقه المؤمن دون أن يكون مفروضا عليه إخراجه مثل الزكاة‪ ،‬فالزكاة واجبة‪ ،‬أما إيتاء‬
‫المال تصدقا‪ ،‬فهذا فوق الواجب‪.‬‬
‫ثم يقول سبحانه‪ {:‬وَا ْلمُوفُونَ ِب َعهْدِ ِهمْ إِذَا عَاهَدُو ْا وَالصّابِرِينَ فِي الْبَأْسَآ ِء والضّرّا ِء وَحِينَ الْبَ ْأسِ‬
‫ن صَ َدقُو ْا وَأُولَـا ِئكَ هُمُ ا ْلمُ ّتقُونَ }[البقرة‪]177 :‬‬
‫أُولَـا ِئكَ الّذِي َ‬
‫هذه هي صفات من صدقوا‪ ،‬وهم هنا في الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها قد تصدقوا واتقوا‪.‬‬
‫} يَـأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ ا ّتقُواْ اللّ َه َوكُونُواْ مَعَ الصّا ِدقِينَ { [التوبة‪]119 :‬‬
‫وقد جاء الحق بصفة " الصدق " هنا؛ لن المجال هو الحديث عمن تخلّف عن الغزوات‪ ،‬وكذب‬
‫في العذار التي افتعلها؛ لذلك يأتي التوجيه السماوي أن ادخلوا من باب الصدق‪.‬‬
‫ن لَ ْهلِ ا ْل َمدِينَ ِة َومَنْ‪{ ...‬‬
‫يقول الحق بعد ذلك‪ } :‬مَا كَا َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫(‪)1341 /‬‬
‫سهِمْ عَنْ‬
‫حوَْلهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَ َتخَّلفُوا عَنْ رَسُولِ اللّ ِه وَلَا يَرْغَبُوا بِأَ ْنفُ ِ‬
‫مَا كَانَ لِأَ ْهلِ ا ْلمَدِي َن ِة َومَنْ َ‬
‫خ َمصَةٌ فِي سَبِيلِ اللّ ِه وَلَا َيطَئُونَ َموْطِئًا َيغِيظُ‬
‫صبٌ وَلَا َم ْ‬
‫ظمٌَأ وَلَا َن َ‬
‫َنفْسِهِ َذِلكَ بِأَ ّنهُمْ لَا ُيصِي ُبهُمْ َ‬
‫ع َملٌ صَالِحٌ إِنّ اللّهَ لَا ُيضِيعُ أَجْرَ ا ْلمُحْسِنِينَ (‪)120‬‬
‫ع ُدوّ نَ ْيلًا إِلّا كُ ِتبَ َلهُمْ ِبهِ َ‬
‫ا ْل ُكفّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ َ‬

‫والحديث هنا فيه رجوع إلى الذين تخلفوا عن الغزوة‪ ،‬وعرفنا من قبل أنك ساعة تقول‪ " :‬ما كان‬
‫لك أن تفعل كذا " أي‪ :‬أنك تنفي القدرة على الفعل‪ ،‬أما إن قلت‪ " :‬ما ينبغي " أي‪ :‬عندك قدرة على‬
‫الفعل‪ ،‬ول يجب أن تفعله‪.‬‬
‫حوَْلهُمْ مّنَ الَعْرَابِ أَن يَ َتخَّلفُواْ عَن رّسُولِ اللّهِ }‬
‫وهنا يقول الحق‪ { :‬مَا كَانَ لَ ْهلِ ا ْل َمدِينَ ِة َومَنْ َ‬
‫وبعضهم قد تخلف عن رسول ال صلى ال عليه وسلم في الغزو‪.‬‬
‫س ِهمْ عَن ّنفْسِهِ } وهنا حديث عن نوعين من النفس‪ :‬أنفس من‬
‫ثم يقول سبحانه‪َ { :‬ولَ يَرْغَبُواْ بِأَ ْنفُ ِ‬
‫قالوا بالتخلف‪ ،‬ونفس رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وأنت إذا قلت‪ " :‬رغبت " ‪ ،‬معناها‪ :‬أنك‬
‫ملتَ ميلً قلبيا‪ ،‬فإن قلت‪ " :‬رغبت في " كان الميل القلبي إلى ممارسة الفعل وفيها التغلغل‪ ،‬أما إن‬
‫قلت‪ " :‬رغبت عن " وفيها التجاوز‪ ،‬هذا يعني أن الميل القلبي يهدف إلى البتعاد عن الفعل‪ .‬إذن‪:‬‬
‫فحرف الجر هو الذي يحدّد لون الميل القلبي‪.‬‬
‫سهِمْ عَن ّنفْسِهِ } أي‪ :‬أنهم زهدوا في أمر صدر عن رسول ال‬
‫وقوله الحق‪َ { :‬ولَ يَرْغَبُواْ بِأَ ْنفُ ِ‬
‫صلى ال عليه وسلم وفضّلوا أمر نفوسهم على أمر رسول ال‪ ،‬فيبين الحق لهم أنهم ما كان لهم‬
‫أن يفعلوا ذلك؛ لنكم ما دمتم آمنتم بال‪ ،‬فإيمانكم ل يكمل حتى يكون رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم أحب إليكم من نفوسكم‪.‬‬
‫ولذلك نجد سيدنا عمر رضي ال عنه لما سمع أن النبي صلى ال عليه وسلم قال‪ " :‬ل يؤمن‬
‫أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه " ‪ ،‬فقال‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬أنا أحبك عن أهلي وعن مالي إنما‬
‫عن نفسي‪ ،‬فل‪" .‬‬
‫وهكذا كان صدق عمر رضي ال عنه‪ ،‬فكرر رسول ال صلى ال عليه وسلم القول‪ " :‬ل يؤمن‬
‫أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه " فعلم عمر أن رسول ال صلى ال عليه وسلم حازم في هذه‬
‫القضية اليمانية‪ ،‬وعلم أن الحب المطلوب ليس حب العاطفة‪ ،‬إنما هو حب العقل‪ ،‬وهناك فرق‬
‫بين حب العاطفة وحب العقل؛ فحب العاطفة ل تكليف فيه‪ ،‬لكن حب العقل يأتي بالتكليف‪.‬‬
‫وعلى سبيل المثال‪ :‬فأنت تحب ابنك بعاطفتك‪ ،‬حتى وإن لم يكن ذكيّا‪ ،‬لكنك تحب بعقلك ابن‬
‫عدوك إن كان ذكيّا وأمينا وناجحا‪ .‬وضربنا المثل من قبل وقلنا‪ :‬إن النسان قد يحب الدواء المرّ؛‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لن فيه الشفاء‪ ،‬والنسان ل يحب هذا الدواء بعواطفه‪ ،‬ول يتلذذ به وهو يشربه‪ ،‬بل يحبه بعقله؛‬
‫لن هذا الدواء قد يكون السبب في العافية‪ ،‬وإن لم يجده في الصيدليات يغضب ويشكو‪ ،‬ويسرّ بمن‬
‫يأتي له به من البلد الخرى‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالذين تخلفوا عن رسول ال من أهل المدينة أو ممن حولهم ما كان لهم أن يتخلفوا؛ لن هذا‬
‫يناقض إيمانهم في أن يكون رسول ال صلى ال عليه وسلم أحب إليهم من أنفسهم‪ ،‬وكان من‬
‫الواجب أن يرغبوا في رسول ال صلى ال عليه وسلم عن أنفسهم‪ ،‬أما أن يكون المر بالعكس‪،‬‬
‫فل‪ .‬لن اتباع رسول ال صلى ال عليه وسلم إنما يأتي لهم بالخير‪.‬‬
‫أما اتباع حبهم لنفسهم فهو حب ضيق البصيرة‪ ،‬سيأتي لهم بالشرور‪ ،‬وإن جاء لهم بخير فخيره‬
‫موقوت‪ ،‬وبحسب إمكاناتهم‪ ،‬ولكن حبهم لرسول ال صلى ال عليه وسلم عن أنفسهم يأتي لهم‬
‫بالخير الثابت الدائم الذي يتناسب مع قدرة ال سبحانه‪.‬‬
‫ظمَأٌ { و } ذاِلكَ { إشارة إلى حيثيات الترغيب التي‬
‫ثم يقول سبحانه‪ } :‬ذاِلكَ بِأَ ّنهُ ْم لَ ُيصِي ُبهُمْ َ‬
‫ظمَأٌ { ‪ ،‬ونعلم أن الظمأ قد أصابهم‬
‫يأخذون بها الجزاء الطيب من الحق سبحانه بأنهم } لَ ُيصِي ُبهُمْ َ‬
‫في جيش العسرة لدرجة أن المقاتل كان يذبح البعير‪ ،‬ويصفي الماء الذي في معدته لِي ُبلّ ريقه‪،‬‬
‫وريق زملئه‪.‬‬
‫صبٌ { وال ّنصَب‪ :‬هو التعب‪ ،‬وكانت الغزوة في جو حار مرهق‪.‬‬
‫} َولَ َن َ‬
‫خ َمصَةٌ { أي‪ :‬المجاعة‪ ،‬وقد كانوا يأكلون التمر الذي أصابه الدود‪ ،‬والشعير الذي انتشر‬
‫} َولَ مَ ْ‬
‫فيه السوس‪ .‬وإن كاناو قد عانوا من كل ذلك فهو في سبيل ال القادر على أن يمُنّ عليهم بكل خير‬
‫جزاء لما يقدمونه في سبيل نصرته‪.‬‬
‫} َولَ يَطَأُونَ َموْطِئا َيغِيظُ ا ْل ُكفّارَ { نعلم أن الكفار كان لهم رقعة من الرض يتمركزون فيها‪،‬‬
‫فحين يغير عليهم المؤمنون ويزحزحونهم عن هذا المكان‪ ،‬وينزلون إلى الوديان والبساتين التي‬
‫يملكها الكفار‪ ،‬فهذا أمر يغيظ أهل الكفر‪ ،‬إذن‪ :‬فهم حين يطأون موطئا‪ ،‬فهذا يغيظ الكفار‪.‬‬
‫} َولَ يَنَالُونَ مِنْ عَ ُدوّ نّيْلً { أي‪ :‬يأخذون من عدوّ منالً‪ ،‬والمعنى‪ :‬أن يقهروا العدو فيتراجع‬
‫ويشعر بالخسران‪ ،‬حينئذ يأخذون الجزاء الخيّر من ال‪ ،‬وكل ما حدث أن الظمأ والنصب‬
‫والمخمصة ووطء موطء يغيظ الكفار والنيل من عدوهم نيلً‪ .‬كل واحدة من هذه الحداث لها‬
‫ع َملٌ صَالِحٌ {‪.‬‬
‫جزاء يحدده الحق‪ِ } :‬إلّ كُ ِتبَ َلهُمْ بِهِ َ‬
‫إذن‪ :‬فالذين رغبوا عن رسول ال بأنفسهم ولم بخرجوا للغزوة قد خسروا كثيرا؛ خسروا ما كتبه‬
‫الحق سبحانه قابله مَنْ خرجوا مع الرسول صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫حسِنِينَ { فهؤلء الذين أحسنوا ل يضيع ال‬
‫ويُنهي الحق سبحانه الية‪ } :‬إِنّ اللّ َه لَ ُيضِيعُ َأجْرَ ا ْلمُ ْ‬
‫أجرهم أبدا‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ثم يأتي بأحداث أخرى غير الظمأ والنصب والمخمصة ووطء الموطئ الذي يغيظ الكفار‪ ،‬والنّيْل‬
‫صغِي َرةً َولَ‪{ ...‬‬
‫من عدو ال نيلً‪ ،‬فيقول سبحانه‪َ } :‬ولَ يُن ِفقُونَ َن َفقَةً َ‬

‫(‪)1342 /‬‬
‫حسَنَ مَا كَانُوا‬
‫ن وَادِيًا ِإلّا كُ ِتبَ َل ُهمْ لِيَجْزِ َي ُهمُ اللّهُ أَ ْ‬
‫طعُو َ‬
‫صغِي َرةً وَلَا كَبِي َرةً وَلَا َيقْ َ‬
‫وَلَا يُ ْنفِقُونَ َن َفقَ ًة َ‬
‫َي ْعمَلُونَ (‪)121‬‬

‫كل شيء ‪ -‬إذن ‪ -‬محسوب‪ ،‬فحتى هؤلء الذين أنفقوا‪ ،‬فال سبحانه يعلم ماذا أنفقوا وسيجازيهم‬
‫عليه‪ ،‬وهؤلء الذين ساروا الطريق الطويل وقطعوا الوديان ليلحقوا برسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم في غزواته‪ ،‬فال سبحانه يكتب لهم الخير‪ .‬وبعد ذلك تدفق المسلمون على تنفيذ أوامر رسول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬حتى كادت المدينة تفرغ من المسلمين؛ ليلحقوا بالسرايا التي يبعثها‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم لنشر الدعوة‪.‬‬
‫وجاء قول الحق‪َ { :‬ومَا كَانَ ا ْل ُم ْؤمِنُونَ لِيَنفِرُواْ‪} ...‬‬

‫(‪)1343 /‬‬
‫ن وَلِيُنْذِرُوا‬
‫َومَا كَانَ ا ْل ُمؤْمِنُونَ لِيَ ْنفِرُوا كَافّةً فََلوْلَا َنفَرَ مِنْ ُكلّ فِ ْرقَةٍ مِ ْنهُمْ طَا ِئفَةٌ لِيَ َتفَ ّقهُوا فِي الدّي ِ‬
‫جعُوا إِلَ ْيهِمْ َلعَّلهُمْ يَحْذَرُونَ (‪)122‬‬
‫َق ْومَهُمْ إِذَا َر َ‬

‫هذه الية جاءت عقب آيات المتخلفين عن الغزو مع رسول ال‪ ،‬وجاءت بعد أن بيّن ال سبحانه‬
‫ن لَ ْهلِ ا ْلمَدِي َن ِة َومَنْ‬
‫مزايا المجاهدين وما يثيبهم ال به جزاء هذا الجهاد في قوله سبحانه‪ {:‬مَا كَا َ‬
‫سهِمْ عَن ّنفْسِهِ ذاِلكَ بِأَ ّنهُ ْم لَ‬
‫ن الَعْرَابِ أَن يَ َتخَّلفُواْ عَن رّسُولِ اللّ ِه َولَ يَرْغَبُواْ بِأَ ْنفُ ِ‬
‫حوَْلهُمْ مّ َ‬
‫َ‬
‫خ َمصَةٌ فِي سَبِيلِ اللّ ِه َولَ َيطَأُونَ َموْطِئا َيغِيظُ ا ْل ُكفّا َر َولَ يَنَالُونَ مِنْ‬
‫صبٌ َولَ مَ ْ‬
‫ظمٌَأ َولَ َن َ‬
‫ُيصِي ُبهُمْ َ‬
‫صغِي َرةً‬
‫حسِنِينَ * َولَ يُن ِفقُونَ َن َفقَ ًة َ‬
‫ع َملٌ صَالِحٌ إِنّ اللّ َه لَ ُيضِيعُ َأجْرَ ا ْلمُ ْ‬
‫عَ ُدوّ نّيْلً ِإلّ كُ ِتبَ َلهُمْ بِهِ َ‬
‫ن وَادِيا ِإلّ كُ ِتبَ َلهُمْ لِيَجْزِ َيهُمُ اللّهُ َأحْسَنَ مَا كَانُواْ َي ْعمَلُونَ }[التوبة‪-120 :‬‬
‫طعُو َ‬
‫وَلَ كَبِي َر ًة َولَ َيقْ َ‬
‫‪]121‬‬
‫كانت تلك الحيثيات التي ترغّب الناس في الجهاد ترغيبا يخرجهم عما ألفوا من العيش في أوطانهم‬
‫وبين أهليهم وأموالهم؛ لن الثمن الذي يتلقونه مقابل ذلك ثمن كبير‪ ،‬ثم جاءت هذه الية‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وحينما استقبل العلماء هذه الية قالوا‪ :‬إنها تتمة ليات الجهاد‪ ،‬وما دام ال قد رغّب في الجهاد هذا‬
‫الترغيب‪ ،‬فإن الناس أقسموا بعده أل يتركوا غزوة من الغزوات ول سرية من السرايا إل ذهبوا‬
‫إليها‪ ،‬فنشأ عن ذلك أن المدينة كادت تخلو على رسول ال صلى ال عليه وسلم وحده‪ ،‬ورسول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم يسقبل وحي ال‪.‬‬
‫واستقبال وحي ال يقتضي وجود سامعين ليبلغوه‪ ،‬فلما انصرف الناس إلى مسألة الجهاد أراد ال‬
‫أن يعدل هذه الموجة من الرغبة في الجهاد‪ ،‬فبيّن أن السلم مُنزّل من ال على رسوله ليبلغه‬
‫للناس؛ لن دين ال يحتاج إلى أمرين‪ :‬أمر يحمله إلى الناس‪ ،‬وأمر يثبت صدقه في الناس‪ ،‬وحين‬
‫يرى الناس إنسانا يضحى بنفسه ويدخل معركة‪ ،‬وآخر يضحي بماله‪ ،‬حينئذ يعلم الناس أن من‬
‫يفعل ذلك ل بد أنه متيقن تمام التيقن من العقيدة التي يبذل في سبيلها الغالي والرخيص‪.‬‬
‫لكن يبقى أمر آخر‪ ،‬هو ضرورة وجود من يحملون العلم بالسلم‪ ،‬فإذا كان المناضلون‬
‫المضحّون بالنفس‪ ،‬والمنفقون المضحّون بالمال هم دليل صدق اليمان‪ ،‬فهذا ل يعني الستغناء‬
‫عن هؤلء الذين عليهم أن يسمعوا من رسول ال صلى ال عليه وسلم ما يوحي به ال‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فهناك منهج من ال‪ ،‬وهناك استقبال لهذا المنهج من رسول ال صلى ال عليه وسلم أولً‪،‬‬
‫ومن السامعين لرسول ال ثانيا؛ ليسيحوا به في البلد‪ ،‬سياحة إعلم بدين ال لنشر السلم‪ ،‬وهكذا‬
‫كانت القامة مع رسول ال هي استقبال لذلك العلم‪ ،‬وإل فماذا ُيعْلِمون؟‬
‫إذن‪ :‬فل بد أن يحافظ الملسمون على أمرين‪ :‬أمر بقاء الستقبال من السماء‪ ،‬وأمر العلم بما‬
‫استقبلوه إلى البلد‪ .‬فإن كنتم قد انصرفتم إلى الجهاد في سبيل ال فقد حقّقتم أمرا واحدا‪ ،‬ولكنكم لم‬
‫تحققوا المر الخر وهو أن تظلوا؛ لتستقبلوا من رسول ال‪.‬‬
‫فأراد ال سبحانه أن يقسم المرين بين مجاهدين يجاهدون للعلم‪ ،‬وباقين مع رسول ال ليستقبلوا‬
‫إرسال السماء لهذه الرض‪ ،‬فقال‪َ } :‬ومَا كَانَ ا ْل ُم ْؤمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفّةً {‪.‬‬
‫وساعة تسمع " كَانَ " منفيةً فاعلم أنها جحود لهذه المسألة‪ ،‬أي‪ :‬ما كان يصح أن ينفر المسلمون‬
‫كافة‪ ،‬أي‪ :‬جميعا‪ ،‬بدون أن يبقى منهم أحد‪.‬‬
‫و } كَآفّةً { مأخوذة من كف الشيء‪ ،‬وأنت تسمع خائط الثياب يقول‪ " :‬أريد أن أكفّف الثوب "‬
‫معنى هذا أن الخائط حين يقص القماش‪ ،‬فهناك بعض من الخيوط تخرج منه؛ فيكففها حتى ل‬
‫يتفكك نسيج الثوب‪ ،‬إذن‪ :‬فمعنى كلمة } كَآفّةً {‪ :‬جميعا‪.‬‬
‫ولنا أن نتساءل‪ :‬لماذا ل ينفر المسلمون إلى الجهاد جميعا‪ ،‬أليس الجهاد إعلما بمنهج ال؟‬
‫نقول‪ :‬نعم هو إعلم وسياحة بمنهج ال في الرض‪ ،‬ولكن الذي يسيح للعلم بمنهج ال ل بد أن‬
‫تكون عنده حصيلة ُيعْلم بها‪ ،‬وهذه الحصيلة كانت تأتي في زمن رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫من منهج السماء حين ينزل على رسول ال صلى ال عليه وسلم‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إذن‪ :‬فل بد من أناس يسمعون وحتى السماء ثم يعلمون به ويرسلونه لهل الرض جميعا‪ ،‬ولو‬
‫انصرف كل هؤلء المؤمنين إلى الجهاد لما تحقق أمر حمل الدعوة للسلم؛ لذلك قال الحق‪} :‬‬
‫َومَا كَانَ ا ْل ُمؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفّةً { وفي هذا نفي أمر فيه انبغاء أي‪ :‬لهم قدرة عليه‪ ،‬ويستطيعون‬
‫تنفيذ ما يطلبه رسول ال صلى ال عليه وسلم منهم‪.‬‬
‫ونحن نعلم أن رسول ال صلى ال عليه وسلم نشأ في أمة عربية لها فصاحة وبلغة‪ ،‬أمة بيان‬
‫وأداء قويّ يسحر‪ ،‬وكان في هذه المة كثيرون يتمتعون بموهبة الشعر والقول‪ ،‬لكن رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم لم يشتهر بهذا‪ ،‬وحاول بعضهم أن يقلل من فصاحة رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم‪ ،‬فقالوا‪ :‬إنها فصاحة دون من خطب‪ ،‬ودون من قال‪ ،‬ودون من شعر‪ ،‬فجاء الرد عليهم من‬
‫شعْرَ َومَا يَن َبغِي لَهُ‪[} ...‬يس‪]69 :‬‬
‫الحق‪َ {:‬ومَا عَّلمْنَاهُ ال ّ‬
‫أي‪ :‬أنه صلى ال عليه وسلم كان ل يستطيع أن يتفوق في ذلك‪ ،‬لكن الحق سبحانه لم يُعلّمه‬
‫الشعر؛ لنه ل ينبغي له أن يتعلّمه‪ ،‬لماذا؟ لن العرب يعلمون أن أعذب الشعر أكذبه‪ ،‬وما دام‬
‫أعذبه أكذبه‪ ،‬فالحق سبحانه ل يريد أن يعلم الناس أن محمدا صلى ال عليه وسلم مُرْتاض على‬
‫صناعة البيان أساليب الدب‪ ،‬وبعد ذلك يُفاجئ الدنيا بالبيان العلى في القرآن‪ ،‬ويعلن صلى ال‬
‫عليه وسلم أن هذا البيان ليس من عنده‪.‬‬
‫وقد عاش الرسول صلى ال عليه وسلم بينهم مدة طويلة‪ ،‬ولم يسمعوا منه شعرا‪ ،‬فكل ما جاء به‬
‫بلغا عن ال ل يُنسب لمحمد‪ ،‬ولكنه منسوب إلى رب محمد‪.‬‬
‫وقوله الحق‪َ {:‬ومَا يَن َبغِي لَهُ }[يس‪]69 :‬‬
‫أي‪ :‬ل يصح أن يكون المر‪ ،‬رغم استعداد محمد صلى ال عليه وسلم ذلك‪ ،‬وكان من الممكن أن‬
‫يعلّمه ربه الشعر وفنون القول؛ ولذلك حينما قال أناس‪ :‬إن القرآن من عند محمد‪ ،‬جاء القول الحق‬
‫عمُرا مّن قَبْلِهِ َأفَلَ َت ْعقِلُونَ }[يونس‪]16 :‬‬
‫مبلّغا محمدا‪َ {:‬فقَدْ لَبِ ْثتُ فِيكُمْ ُ‬
‫وقد عاش بينهم رسول ال صلى ال عليه وسلم أربعين عاما ولم يقل قصيدة أو مقالة‪.‬‬
‫ومن الذي يستطيع أن يؤخر عبقريته إلى الربعين؟ نحن نعلم أن ميعاد بَدْء العبقرية إنما يظهر‬
‫من قبل العشرين‪ ،‬أي‪ :‬في العقد الثاني من العمر‪ ،‬ول أحد يؤخر عبقريته‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فرسول ال صلى ال عليه وسلم حينما نزل عليه القرآن بالترغيب في الجهاد كادت المدينة‬
‫تخلو من المسلمين؛ فجاء قوله الحق‪:‬‬
‫ن وَلِيُنذِرُواْ‬
‫} َومَا كَانَ ا ْل ُم ْؤمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفّةً فََل ْولَ َنفَرَ مِن ُكلّ فِ ْرقَةٍ مّ ْنهُمْ طَآ ِئفَةٌ لّيَ َتفَ ّقهُواْ فِي الدّي ِ‬
‫جعُواْ إِلَ ْيهِمْ َلعَّلهُمْ يَحْذَرُونَ { [التوبة‪]122 :‬‬
‫َق ْومَهُمْ إِذَا َر َ‬
‫وفي هذا القول الكريم محافظة على أمرين؛ أمر استقبال وحي ال‪ ،‬وأمر العلم به‪ ،‬وبذلك يتنوع‬
‫الجهاد‪ ،‬طائفة تستقبل‪ ،‬وطائفة تعلّم وترسل؛ لنهم لو تركوا الرسول صلى ال عليه وسلم جميعا‪،‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فكيف يصل الوحي من الرسول صلى ال عليه وسلم إلى المؤمنين؟ ولو أنهم جلسوا جميعا في‬
‫المدينة فمن الذي يسيح في الرض معلّما الناس؟ أما إذا بقي الرسول صلى ال عليه وسلم‬
‫والمؤمنون معه‪ ،‬في فترة ل قتال فيها‪ ،‬فهذا أمر مختلف؛ لنها ستكون فترة استقبال فقط‪.‬‬
‫وكذلك إن خرج رسول ال صلى ال عليه وسلم إلى القتال فعلى المؤمنين القادرين على القتال أن‬
‫يصحبوه؛ لن الرسول القادر على استقبال الوحي من ال موجود معهم‪ ،‬وكذلك العلم بالرسالة‬
‫موجود‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالمشكلة كانت في حالة عدم وجود رسول ال صلى ال عليه وسلم مع الخارجين للجهاد‪،‬‬
‫فإذا ما خرج المقاتلون للجهاد‪ ،‬وظل رسول ال صلى ال عليه وسلم في المدينة‪ ،‬فعليهم أن‬
‫ينقسموا قسمين‪ :‬قسما يبقى مع رسول ال ليتعلم منهج ال‪ ،‬وقسما يخرج إلى القتال‪.‬‬
‫حين كان الرسول يخرج إلى اقلتال فالمهمة تسمى غزوة‪ ،‬وإذا لم يخرج رسول ال صلى ال عليه‬
‫سمّيت العملية بـ " السّرِية "‪.‬‬
‫وسلم‪ ،‬وأرسل جماعة للقتال ُ‬
‫سمّيت غزوة ولم يخرج فيها رسول ال‪ ،‬وكان‬
‫ولم يخرج عن التسمية بالسرية إل عملية واحدة ُ‬
‫المفروض أن تُسمى سرية ولكنها سميت غزوة‪.‬‬
‫وقد خرجت المهمة عن اصطلح السرية إلى اصطلح الغزوة‪ ،‬رغم أن رسول ال لم يحضرها؛‬
‫لن المعركة حدث فيها أشياء كالتي تحدث في الغزوات‪ ،‬فقد كانت معركة حاسمة وقُتل فيها عدد‬
‫من المسلمين‪ ،‬وحمل الراية مقاتل واستشهد فحملها غيره وقتل‪ ،‬فحملها ثالث‪ ،‬وكانت المعركة‬
‫حامية الوطيس فقالوا‪ :‬ل يمكن أن نسمي تلك المعركة بـ " السّرية " بل هي غزوة؛ لن فيها عنفا‬
‫شديدا‪.‬‬
‫لم يلحظوا شيئا واحدا وهو أن التسمية بالغزوة انطبقت تمام النطباق على مؤتة؛ لن رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم كان في المدينة والمسلمون خارجون للغزو وأرسل إلى القوات‪ :‬إن مات‬
‫فلن في القتال فيليه فلن‪ ،‬وإن مات فلن ففلن يخلفه‪ ،‬أي‪ :‬أنه صلى ال عليه وسلم قد سلسل‬
‫أمور الغزوة قبل أن تبدأ‪.‬‬
‫وهي الحملة القتالية الوحيدة التي خرجت بهذه التعليمات‪ ،‬من بين مثيلتها‪ ،‬من الحملت المحددة‬
‫التي لم يخرج فيها رسول ال صلى ال عليه وسلم مع المقاتلين‪ ،‬وكأنه صلى ال عليه وسلم كان‬
‫يعلم مُقدّما بمن سيموت من هؤلء الخارجين إلى القتال‪.‬‬
‫ثم وصلت الحملة إلى موقعها فسمعوا رسول ال صلى ال عليه وسلم يتكلم؛ قال‪ :‬أخذ الراية فلن‬
‫فقُتل‪ ،‬ثم أخذها بعده فلن فقُتِل‪ .‬ثم قال‪ :‬وأخذها بعده فلن‪ ،‬وكان صلى ال عليه وسلم يقصّ‬
‫المعركة وهو في المدينة فقالوا‪ :‬لم يقل ذلك إل لنه شهد‪.‬‬
‫وحينما عاد المقاتلون عرف الصحابة منهم أن المر قد دار كما رواه رسول ال صلى ال عليه‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وسلم وهو جالس في المدينة‪ ،‬وقد حدث مطابقا غاية التطابق‪ ،‬فقالوا‪ :‬شهدها رسول ال؛ وما دام‬
‫قد شهدها رسول ال صلى ال عليه وسلم فهي غزوة‪.‬‬
‫ونعود إلى الية التي يقول فيها الحق‪:‬‬
‫} فََل ْولَ َنفَرَ مِن ُكلّ فِ ْرقَةٍ مّ ْنهُمْ طَآ ِئفَةٌ لّيَ َت َف ّقهُواْ فِي الدّينِ‪[ { ...‬التوبة‪]122 :‬‬
‫وساعة تسمع كلمة " لول " فلك أن تعرف أن في اللغة ألفاظا قريبة من بعضها‪ ،‬فـ " لو " و "‬
‫لول " و " لوما " و " هلّ " ‪ ،‬هي ‪ -‬إذن ‪ -‬ألفاظ واردة في اللغة‪ ،‬وإذا سمعت كلمة " لو " فهذا‬
‫يعني أن هناك حكما بامتناع شيئين‪ .‬شيء امتنع لمتناع شيء‪ ،‬مثل قولك‪ " :‬لو كان عندك زيد‬
‫لجئتك " وهنا يمتنع مجيئك لمتناع مجيء زيد‪ ،‬فكلمة " لو " حرف امتناع لمتناع‪ ،‬وتقول‪ :‬لو‬
‫جئتني في بيتي لكرمتك‪ .‬إذن‪ :‬فأنا لم أكرمك لنك لم تأت‪.‬‬
‫وتقول‪ " :‬لول زيد عندك لجئتك " أي‪ :‬أنه قد امتنع مجيئي لك لوجود زيد‪ .‬إذن‪ :‬فـ " لول "‬
‫حرف امتناع لوجود‪ .‬ونلحظ أن " لول " هنا جاء بعدها اسم هو " زيد " ‪ ،‬فماذا إن جاء بعدها‬
‫ض على الفعل‪ ،‬مثل قوله الحق‪ّ {:‬لوْل‬
‫فعل‪ ،‬مثل قولك‪ " :‬لول فعلت كذا "؟ هنا يكون في القول ح ّ‬
‫سهِمْ خَيْرا‪[} ...‬النور‪]12 :‬‬
‫ن وَا ْل ُم ْؤمِنَاتُ بِأَ ْنفُ ِ‬
‫س ِمعْ ُتمُوهُ ظَنّ ا ْل ُم ْؤمِنُو َ‬
‫إِذْ َ‬
‫شهَدَآءَ‪[} ...‬النور‪]13 :‬‬
‫ومثل قوله‪ّ {:‬لوْلَ جَآءُوا عَلَيْهِ بِأَرْ َب َعةِ ُ‬
‫ومثلها أيضا " لوما " مثل قوله الحق‪:‬‬
‫{ ّلوْ مَا تَأْتِينَا بِا ْلمَل ِئكَةِ إِن كُنتَ مِنَ الصّا ِدقِينَ }[الحجر‪]7 :‬‬
‫وأيضا قولك‪َ " :‬هلّ "‪ .‬فهي أيضا تحضيض مثل قولنا‪ " :‬هل ذاكرت دروسك "؟ وأنت بذلك‬
‫تستفهم بـ (هل)‪ ،‬وجئت بالمد لتصبح (هلّ)؛ لتحثه على المذاكرة‪ .‬أو قولك‪ " :‬هل أكرمت فلنا؟‬
‫حثّ على أن تكرم فلنا‪.‬‬
‫" وفي هذا َ‬
‫والسلوب هنا في الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يجمع المؤمنين ويقول لهم‪َ } :‬ومَا كَانَ‬
‫ا ْل ُم ْؤمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفّةً { ثم يأتي الحث على أن ينقسموا إلى قسمين في قوله‪ } :‬فََل ْولَ َنفَرَ مِن ُكلّ‬
‫فِ ْرقَةٍ { ‪ ،‬والقسمان يذهب أحدهما للعلم وللجهاد‪ .‬والقسم الثاني يظل مع رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم وهو يستقبل منهج السماء‪.‬‬
‫وقوله الحق‪ } :‬فََل ْولَ َنفَرَ مِن ُكلّ فِ ْرقَةٍ { فيه كلمة } َنفَرَ { وهي من النفور‪ .‬لكنها استعملت دائما‬
‫في مسألة الخروج للحرب‪ ،‬مثل قول الحق‪ {:‬ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ مَا َلكُمْ ِإذَا قِيلَ َلكُ ُم انفِرُواْ فِي سَبِيلِ‬
‫اللّهِ اثّاقَلْتُمْ إِلَى الَ ْرضِ أَ َرضِيتُمْ بِا ْلحَيَاوةِ الدّنْيَا مِنَ الخِ َرةِ َفمَا مَتَاعُ ا ْلحَيَاوةِ الدّنْيَا فِي الخِ َرةِ ِإلّ‬
‫قَلِيلٌ * ِإلّ تَنفِرُواْ‪[} ...‬التوبة‪]39-38 :‬‬
‫ولماذا يجيء الحق بالنفرة في الجهاد؟ نقول‪ :‬لن الذي يعوق النسان عن الجهاد حبه لدَعَته‪،‬‬
‫ولراحته‪ ،‬ولسعادته بمكانه‪ ،‬وبأهله‪ ،‬وبماله‪ ،‬فإذا ما خرج للقتال شَق ذلك على نفسه‪ ،‬ولذلك يقول‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ل وَ ُهوَ كُ ْرهٌ ّلكُمْ‪[} ...‬البقرة‪]216 :‬‬
‫الحق‪ {:‬كُ ِتبَ عَلَ ْيكُمُ ا ْلقِتَا ُ‬
‫وفي ذكر أمر الكُرْه إنصاف لهم‪ ،‬فصحيح أن القتال أمر صعب ويكرهه النسان‪ ،‬لكن الحق قد‬
‫كتبه‪ ،‬والمسلم إذا استحضر الجزاء عليه فهو يحتقر ما يتركه؛ لنه قليل بالنسبة لعطاء ال؛ لذلك‬
‫ينفر المؤمن الحق من الذي يملكه‪ ،‬ويذهب للثواب العلى‪ ،‬وهذا هو معنى التحديد في أنهم سمّوا‬
‫الجهاد نفرة‪ ،‬فحين يقارن المؤمن بين حصيلة ما يأخذه من الجهاد وما يمسكه عن الجهاد لتساءل‪:‬‬
‫ما الذي يجعلني أتمسك بالقل ما دام هناك عطاء أكثر؟‬
‫فلما جاءت } فََل ْولَ َنفَرَ { فهموا أن هذه الية من تتمة الكلم عن الجهاد‪ ،‬ولتبقى طائفة من‬
‫المؤمنين؛ لتسمع من رسول ال الوحي‪ ،‬وقد يتساءل المسلم حين يقرأ الية ويجد قوله الحق‪} :‬‬
‫فََلوْلَ َنفَرَ مِن ُكلّ فِ ْر َقةٍ مّ ْنهُمْ طَآ ِئفَةٌ لّيَ َتفَ ّقهُواْ فِي الدّينِ { ‪ ،‬هنا يقول المسلم لنفسه‪ :‬وهل تنفر الطائفة‬
‫التي تتفقه في الدين‪ ،‬إنها الفرقة الباقية والمستقرة مع رسول ال في المدينة؟‬
‫ونجيب‪ :‬إن قول الحق‪َ } :‬ومَا كَانَ ا ْل ُم ْؤمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفّةً فََل ْولَ َنفَرَ مِن ُكلّ فِ ْرقَةٍ مّ ْنهُمْ طَآ ِئفَةٌ‬
‫{ نجد فيه كلمة } فِ ْرقَةٍ { وهي الجماعة‪ ،‬والجماعة إنما تنقسم إلى طوائف‪ .‬مثلما نسمي في‬
‫الجيوش " الفرقة الولى " و " الفرقة الثانية " و " الفرقة الثالثة " ‪ ،‬ثم تنقسم الفرقة الواحدة إلى‪" :‬‬
‫جماعة الستطلع " و " جماعة التموين " و " الشئون المعنوية " ‪ ،‬ونجد كلمة } طَآ ِئفَةٌ { وهي‬
‫تعني " بعض الكثرة "‪.‬‬
‫وما دام الحق قد قال‪ } :‬فََلوْلَ َنفَرَ مِن ُكلّ فِ ْرقَةٍ مّ ْنهُمْ طَآ ِئفَةٌ { فهذا يعني أنه سبحانه قسمهم إلى‬
‫طائفتين‪ ،‬إحداهما تنفر‪ ،‬والخرى تبقى لتتفقه في الدين‪ .‬إذن‪ :‬فكأن أسلوب القرآن أسلوب أدائي‬
‫كل ينفر لمهمته‪.‬‬
‫} فََل ْولَ َنفَرَ مِن ُكلّ فِ ْرقَةٍ مّ ْنهُمْ طَآ ِئفَةٌ { يبين أن طائفة منهم تكون قتالية والخرى إعلمية‬
‫جعُواْ إِلَ ْيهِمْ { فمن يجلس مع رسول ال صلى ال‬
‫ن وَلِيُنذِرُواْ َق ْو َمهُمْ إِذَا رَ َ‬
‫مهمتها } لّيَ َتفَ ّقهُواْ فِي الدّي ِ‬
‫عليه وسلم ليستمع إليه‪ ،‬فهو يجهز للمقاتل حيثيات ما يجاهد على مقتضاه‪ ،‬وحين يرجع المقاتلون‬
‫يُبلّغهم من جلس مع الرسول ما نزل عليه صلى ال عليه وسلم من وحي‪ ،‬ويتناوب المسلمون‬
‫الجلوس مع الرسول في المدينة‪ ،‬والقتال‪ ،‬وكل طائفة تؤدي مهمتها‪.‬‬
‫وهناك من العلماء من رأي رأيا آخر‪ ،‬وأخذ المسألة كلها مكتملة على بعضها‪ ،‬وقال‪ :‬إن من بقي‬
‫مع رسول ال له لون آخر من المجاهدة‪ ،‬ولنه يأخذ من الرسول صلى ال عليه وسلم علْما‬
‫جديدا‪ ،‬يتبادله مع المقاتلين في ساحة القتال بعد أن يعودوا‪ ،‬فالمقاتلون في ساحة الجهاد يعودون‬
‫بما يؤكد نصرة ال للقلة على الكثرة‪ ،‬وإمداد ال سبحانه للمؤمنين بالملئكة‪ ،‬وتهدم العدو‪،‬‬
‫والمعجزات التي رأوها من رسول ال صلى ال عليه وسلم كنبوع الماء من بين أصابعه في حال‬
‫قلة المياه عند العطش‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ثم إنهم يسمعون من المجاهدين الجالسين لتلقي العلم أخبار الوحي والفقه‪ ،‬وهكذا يتكافأ المؤمنون‬
‫في المهامن وكأنهم البنيان المرصوص يشدّ بعضه بعضا‪.‬‬
‫وما تقدم فهو فهم للية إذا كانت خاصة بالجهاد‪ ،‬فماذا إذا كان للية موضوع آخر غير الجهاد؟‬
‫نقول‪ :‬إن الجهاد إعلم بمنهج ال في الرض‪ ،‬والعلم بمنهج ال في الرض يقتضي المنهج‬
‫المعلوم من السماء الذي يوضح مصير المجاهدين‪ ،‬ومصير المتخلفين‪ .‬وهو هنا سبحانه يوضح‬
‫أمر استقبال ما نجاهد من أجله‪.‬‬
‫} فََل ْولَ َنفَرَ مِن ُكلّ فِ ْرقَةٍ { أي‪ :‬يذهب بعض المسلمين إلى البلد التي حول المدينة؛ ليقولوا للناس‬
‫حقيقة السلم‪ ،‬وأيضا أن يأتي آخرون من البلد الخرى لِ َيعَْلمُوا أمر الدين‪ ،‬ويعلموه لهاليهم‪.‬‬
‫ويكون قول الحق‪ } :‬فََل ْولَ َنفَرَ مِن ُكلّ فِ ْرقَةٍ مّ ْنهُمْ طَآ ِئفَةٌ { مقصود به هؤلء الذين يأتون من‬
‫الماكن البعيدة عن المدينة؛ليجلسوا إلى رسول ال صلى ال عليه وسلم ليسمعوا‪ ،‬ويتفقهوا في‬
‫الدين؛ ليرجعوا إلى مجتمعاتهم‪ ،‬ويعلموهم أمور اليمان‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالية إما أن تكون من تتمة آيات الجهاد‪ ،‬وإما أن تكون أمرا مستقلً للذين يبعد بهم المكان‬
‫عن منبع المنهج‪ ،‬وهو رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فهو صلى ال عليه وسلم يعلّم من يأتون‬
‫إليه من أي مجتمع؛ ليرجعوا بعد ذلك لقومهم‪ ،‬ويبلغوهم مطلوبات المنهج‪ ،‬وهذه مسألة بعيدة عن‬
‫القتال‪.‬‬
‫إذن‪ :‬تكون النفرة للتفقه في الدين على أي معنى‪ ،‬ليس هناك فرق بين الطائفة الباقية التي تتفقه؛‬
‫لتعلّم الطائفة التي تجاهد‪ ،‬أو الطائفة التي تجاهد تتفقه بالمعجزات وبالحداث التي حدثت أثناء‬
‫قتالهم وتعلمها للطائفة التي لم تخرج للقتال‪.‬‬
‫أو أن المعنى هو المر الثاني الذي ل قتال فيه‪ ،‬بل يتناول أمر استقبال الرسول صلى ال عليه‬
‫وسلم لطائفة من كل بلد ليسمعوا منه صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وقد سماها الحق " نفرة "؛ لنها جهاد‬
‫في البحث في المنهج وتعلمه‪ ،‬وهي نفرة النفرة؛ لن النفرة للجهاد بالقتال تتطلب فهما لحيثيات‬
‫الدفاع عن هذا المنهج المنزّل من ال‪.‬‬
‫وقوله الحق‪ } :‬فََل ْولَ َنفَرَ مِن ُكلّ فِ ْرقَةٍ { علمنا منه أن الفرقة هي الجماعة‪ ،‬والجماعة إما أن تنقسم‬
‫إلى أفراد وإما إلى طوائف‪ ،‬والفرقة أقلها ثلثة؛ لنها جمع‪ .‬وحينما يذهب اثنان من هذه الفرقة‬
‫للتعلم من رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ويعودان للبلغ عنه صلى ال عليه وسلم نكون أمام‬
‫خبر من شاهدين اثنين بأن النبي قال كذا وأبلغ بكذا‪ ،‬وكذلك قد يصح أن يكون المبلّغ عن الرسول‬
‫شاهدا واحدا‪ ،‬واختلف العلماء المسلمون فيما بينهم‪ ،‬هل يأخذون الخبر عن واحد فقط مبلّغ عن‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم أم ل بد من الخذ بالخبر من شاهدين اثنين؟‬
‫وقد جاءت الية صريحة في أنه } فََل ْولَ َنفَرَ مِن ُكلّ فِ ْرقَةٍ مّ ْنهُمْ طَآ ِئفَةٌ { والفرقة أقلها ثلثة‪،‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والطائفة إما أن تكون اثنين وإما أن تكون شخصا واحدا يرجع إلى قومه؛ ليفقههم في الدين‪،‬‬
‫ويؤدي البلغ عن رسول ال صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫وتحفّظ البعض على ذلك بأن قالوا‪ :‬إن الذي نفر ليس فردا من الفرقة‪ ،‬بل طائفة من الفرقة‪،‬‬
‫ومفردات الفرقة طوائف ول واحد‪ ،‬وكلمة طائفة مقصود بها الجماعة‪.‬‬
‫والنفرة لها علة محددة يذكرها الحق‪ } :‬لّيَ َتفَ ّقهُواْ فِي الدّينِ { فالتفقّه إذن هو سبب النفرة‪ ،‬مثلما‬
‫نبعث بعثة في أي بلد متقدم؛ لنأخذ بعلوم الحضارة‪ ،‬فإن خرج واحد عن حدود البعثة؛ ليلعب‪،‬‬
‫ويلهو‪ ،‬فهو لم يحقق النفرة‪ .‬ل بد إذن من ان يستوعب كل واحد في البعثة أنه قد جاء للتفقه‪.‬‬
‫والفقه في اللغة‪ :‬هو الفهم‪ ،‬ويقال عن أي أمر تفهمه‪ :‬فقهتُ المر الفلني‪ .‬فإن فهمت في الهندسة‬
‫فهذا فقه‪ ،‬وإن فهمت في العلوم فهذا فقه‪ ،‬ولكن المعنى الذي غلب هو الفقه لحكام ال؛ لن هذا‬
‫المر هو أهم أمور الحياة‪ ،‬فالفقيه في الدين هو من يبيّن للناس حدود المنهج بـ " افعل " و " ل‬
‫تفعل "‪.‬‬
‫إذن‪ :‬الفقه مطلقا هو الفهم‪ ،‬لكنه أصبح مصطلحا يعني فهم أحكام ال؛ لنه هو الذي يحدد الصواب‬
‫والخطأ‪ .‬ول يقال‪ " :‬الفقيه " إل لمن َفقُه‪ .‬وهناك فرق بين فَقه و َفقُه‪َ .‬فقُهَ في دين ال‪ ،‬أي‪ :‬أصبح‬
‫الفقه عنده ملكه‪ ،‬وساعة تسأله في أي موضوع ل يتردد‪ ،‬بل يجيب؛ لن الفقه صار ملكه عنده‪،‬‬
‫والملكة‪ :‬الصفة التي ترسخ في النفس من مزاولة أي عمل؛ فيسهل أداء هذا العمل‪.‬‬
‫وكذلك الفقه‪ .‬وهكذا نعرف أن معنى َفقِهَ‪ " :‬فهم شيئا "‪ .‬أما َفقُهَ فمعناها‪ :‬صار الفقه عند مََلكَة‪.‬‬
‫وقوله الحق‪ } :‬لّيَ َت َف ّقهُواْ { أي‪ :‬ليعلموا أحكام ال‪ ،‬ويصير هذا العلم‪ :‬من بعد ذلك مََلكَة عندهم‪.‬‬
‫ولكنْ ماذا إن نفروا لشيء آخر مثلما ينفر واحد من البدو ليسأل جماعته‪ :‬إلى أين تذهبون؟‬
‫فيجيبون‪ :‬نذهب إلى رسول ال لنسمع منه‪ ،‬فيذهب معهم‪ .‬لكنه ل يسمع بل يذهب هنا أو هناك‪،‬‬
‫ول يجلس لتفقّه العلم‪ ،‬على الرغم من أن علّة نفوره مع غيره هي التفقّه في الدين؛ وليعلم حقائق‬
‫هذا الدين؛ لينذر به قومه حين يعود إليهم‪ ،‬فالفقيه ل يطلب جاها‪ ،‬أو رئاسة‪ ،‬أو وظيفة‪ ،‬بل هو‬
‫حذَرُونَ { أي‪ :‬يتجنّبون ما‬
‫يبين للناس متطلبات الحركة على هذا المنهج الحق‪ ،‬ولينذرهم } َلعَّلهُمْ يَ ْ‬
‫يضرّهم‪.‬‬
‫وحين ندقق في هذا المر نجده عدة مراحل‪ } :‬فََلوْلَ َنفَرَ مِن ُكلّ فِ ْرقَةٍ مّ ْنهُمْ طَآ ِئفَةٌ { هذه هي‬
‫المرحلة الولى‪ ،‬ثم } لّيَ َت َفقّهُواْ فِي الدّينِ { هذه هي المرحلة الثانية وهي التفقه‪ ،‬أما الثالثة }‬
‫جعُواْ إِلَ ْيهِمْ { ‪ ،‬ومن تفقه لغير هذا؛ ليشار إليه بالبنان مثل؛ نقول له‪ :‬أنت من‬
‫وَلِيُنذِرُواْ َق ْو َمهُمْ إِذَا َر َ‬
‫سعْ ُيهُمْ فِي ا ْلحَيَاوةِ الدّنْيَا وَ ُهمْ‬
‫ضلّ َ‬
‫ن َ‬
‫عمَالً * الّذِي َ‬
‫خسَرِينَ أَ ْ‬
‫الذين قال ال فيهم‪ُ {:‬قلْ َهلْ نُنَبّ ُئكُم بِالَ ْ‬
‫حسِنُونَ صُنْعا }[الكهف‪]104-103 :‬‬
‫حسَبُونَ أَ ّن ُهمْ يُ ْ‬
‫يَ ْ‬
‫إذن‪ :‬فالتفقه يكون للدعوة تبشيرا وإنذارا؛ حتى يتجنب القوم ما يضرهم‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ويقول سبحانه بعد ذلك‪ } :‬ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ‪{ ...‬‬

‫(‪)1344 /‬‬
‫يَا أَ ّيهَا الّذِينَ َآمَنُوا قَاتِلُوا الّذِينَ يَلُو َنكُمْ مِنَ ا ْل ُكفّارِ وَلْ َيجِدُوا فِيكُمْ غِ ْلظَ ًة وَاعَْلمُوا أَنّ اللّهَ مَعَ ا ْلمُ ّتقِينَ (‬
‫‪)123‬‬

‫ينقلنا الحق هنا إلى الحديث عن الجهاد مرة أخرى‪ .‬ولنا أن نتساءل‪ :‬لماذا ‪ -‬إذن ‪ -‬جاء الحديث‬
‫عن النفرة والفقه كفاصل بين حديث متصل عن الجهاد؟ أجيب‪ :‬شاء سبحانه هنا أن يعلمنا أن كل‬
‫من ينفر؛ لتعلّم الفقه‪ ،‬وليعلّم غيره؛ هذا المسلم في حاجة إلى مرحلة التعلّم‪ ،‬ومعرفة السباب التي‬
‫يقاتل من أجلها المسلمون وحيثيات الجهاد في سبيل ال‪.‬‬
‫وقد قسّم الحق سبحانه الناس في آيات الجهاد إلى قسمين‪ :‬فرقة تنفر‪ ،‬وطائفة منها تبقى مع رسول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم‪ .‬فإذا استوى المر‪ ،‬فرقة تجاهد‪ ،‬وفرقة تَ َتعَلم وتعلّم‪ ،‬وتبادل الفرقتان‬
‫الخبرة اليمانية والقتالية‪ ،‬تصبح الملكات اليمانية متساندة غير متعاندة‪ ،‬ومن بعد ذلك يتجهون‬
‫إلى الكفار‪.‬‬
‫{ ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الّذِينَ يَلُو َنكُمْ } وهذا يعني أن هناك قوما قريبين منهم ما زالوا كافرين‪،‬‬
‫وهناك قوم أبعد منهم‪ ،‬والحق قد قال‪َ {:‬وقَاتِلُواْ ا ْلمُشْ ِركِينَ كَآفّةً َكمَا ُيقَاتِلُو َنكُمْ كَآفّةً‪[} ...‬التوبة‪]36 :‬‬
‫إذن‪ :‬فهناك أولويات في القتال‪ ،‬وقتال الكفار القريبين منك تأمين معسكر اليمان؛ لذلك جاء المر‬
‫بقتال القرب؛ لنه قتال لن يتطلب رواحل ول مؤونة للسفر البعيد‪ ،‬كما أن العدو القريب منك‬
‫أنت أعلم بحال الكفار البعيدين عنك؛ لذلك فأنت تعلم مواطن قوتهم وضعفهم‪ ،‬وكيفية تحصيناتهم‪.‬‬
‫فإذا تيسر أمر قتال العدو القرب كان ذلك طريقا لمجابهة العدو البعد‪ ،‬بدلً من أن تواجه العدو‬
‫البعيد؛ فيتفق مع العدو القريب‪ ،‬ويصنع الثنان حولك " كماشة " بلغة الحرب‪ ،‬فل بد أن تحمي‬
‫ظهرك أولً‪ ،‬من شر العدو القرب‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فل تعارض بين محاربة العدو البعيد والعدو القريب‪ .‬ول تَعارض بين قوله الحق‪ { :‬قَاتِلُواْ‬
‫الّذِينَ َيلُو َنكُمْ مّنَ ا ْل ُكفّارِ } وقوله سبحانه‪َ { :‬وقَاتِلُواْ ا ْلمُشْ ِركِينَ كَآفّةً }؛ لن معنى { كَآفّةً } أي‪:‬‬
‫جميعا‪ ،‬ولكن الجماعة لها أولوية‪ .‬فخذ القريب منك؛ لتضمه إليك‪ ،‬فإذا كان الخصم معه سيف‬
‫ومعك سيف‪ ،‬وبعد ذلك دخلت المعركة فأوقعت سيفه من يده؛ فأخذته؛ فبذلك يصبح معك سيفان‬
‫وهو ل سيف معه‪.‬‬
‫ولذلك يوضح الحق سبحانه وتعالى للكفار‪ :‬اعتبروا أيها الكفار‪ ،‬فأنتم ل ترون الرض كل يوم‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وهي تنقص من تحت أقدامكم‪ ،‬وما ينقص من أرض الكفار يزيد في أرض اليمان‪ .‬وما دام الحق‬
‫قد جاء بكلمة " قتال " فهذه الكلمة تحتاج إلى عزيمة‪ ،‬وجرأة ُتجَرّيء على القتال‪ ،‬وصبر عليه‪،‬‬
‫فقد تجد في مواجهتك من هو أقوى منك أو من هو أشجع منك‪ ،‬فإن رأى شجاعة منك تفوق‬
‫س منك قوة ومثابرة تفوق قوته ومثابرته‪ ،‬فهذا ينزع من قلبه المل في النتصار‬
‫شجاعتهن وأح ّ‬
‫عليك؛ ولذلك يقول الحق‪:‬‬
‫{ وَلْ َيجِدُواْ فِيكُمْ غِ ْلظَةً } والغلظة صفة‪ ،‬ويقال‪ :‬غِ ْلظَة‪ ،‬وغُلْظَة‪ ،‬وغَلْظَة‪ ،‬والمعروف أنها الشدة‪،‬‬
‫فحين تضرب عدوكَ اضربه بقوة‪ ،‬وبجرأة‪ ،‬وبشجاعة‪.‬‬
‫وحين يحاول عدوك أن يضربك استقبلْ الضربة بتحمّل‪ ،‬وهكذا نجد أن الغلظة مطلوبة في حالتين‬
‫اثنتين؛ في حالة الرسال منك‪ ،‬وفي حالة الستقبال منه‪ ،‬فل يكفي أن تضرب عدوك ضربة قوية‪،‬‬
‫وحين يردّ لك الضربة تخور وتضعف‪ .‬إن الحق يطلب منك غلظة تح ِملُ على عدوّك‪ ،‬وغلظة‬
‫تتحمّل من عدوّك‪.‬‬
‫ولذلك نجد آية آل عمران يقول فيه الحق‪ {:‬اصْبِرُواْ‪[} ...‬آل عمران‪]200 :‬‬
‫ولكن َهبْ أن عدوّك يصبر أيضا‪ ،‬فيأتي المر من الحق‪َ {:‬وصَابِرُواْ‪[} ...‬آل عمران‪]200 :‬‬
‫أي‪ :‬حاول أن تغلبه في الصبر‪ .‬وحذّر الحقّ من إلقاء السلح بعد انتهاء المعركة؛ لن العدو قد‬
‫يستنيم المؤمن؛ لذلك جاء المر من الحق‪ {:‬وَرَابِطُواْ‪[} ...‬آل عمران‪]200 :‬‬
‫أي‪ :‬استقر أيها المؤمن في الرض؛ ليعلم العدو أنك تنتظره إن حاول الكرّة من جديد أو حدّثته‬
‫نفسه بالقتال مرة أخرى‪ .‬إذن‪ :‬فالغلظة تطلب منك أن تهاجم‪ ،‬وتطلب منك أن تتحمّل‪ ،‬والتحمّل‬
‫يقتضي صبرا‪ ،‬والتحامل يقتضي شجاعة‪ ،‬فإذا ما كان في خصمك صبر وشجاعة؛ فعليك أن‬
‫تصابره أي‪ :‬تصبر أكثر منه‪ ،‬وهي مأخوذه في الصل من " نافس فلن فلنا‪ ..‬أي سابقه وحاول‬
‫أن يسبقه " ‪ ،‬والمنافسة من النفس‪ ،‬والحق يقول‪َ {:‬وفِي ذَِلكَ فَلْيَتَنَافَسِ ا ْلمُتَنَافِسُونَ }[المطففين‪]26 :‬‬
‫أي‪ :‬تنافسوا في الخير‪ ،‬ونحن نعلم أن تركيبة النفس النسانية تحتاج إلى شيء مرة أو مرتين في‬
‫اليوم‪ ،‬وتحتاج إلى شيء ثالث دائما‪ .‬فأنت في الكل تأكل ثلث وجبات‪ ،‬وفي الشراب تحتاج إلى‬
‫لترين أو أربعة من الماء أو أكثر‪ .‬أما التنفس فأنت ل تصبر على النقطاع عنه‪ ،‬وهو أهم‬
‫الضروريات لحياة النسان‪.‬‬
‫وقلنا قديما‪ :‬إن من رحمة ال سبحانه وتعالى أنه قد يملك إنسان طعامَ إنسان‪ ،‬وقد يستطيع النسان‬
‫الصبر عن الطعام لسابيع‪ ،‬ول يصبر النسان عن انقطاع الماء إل أياما تتراوح من ثلثة إلى‬
‫عشرة‪ ،‬حسب كمية المياه التي في جسمه؛ لذلك لم يُملّك الحق سبحانه الماء مثلما مَلّك الطعام‪،‬‬
‫وأما الهواء فأنت ل تصبر على افتقاده للحظات؛ ولذلك لم يملّك ال الهواء لحد أبدا‪ ،‬وكأنه‬
‫سمّي استنشاق الهواء وزفيره‬
‫سبحانه علم أن عباده غير مأمونين على بعضهم البعض‪ ،‬ولذلك ُ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫بالتنفس‪ ،‬وهو من النفس‪ ،‬وهو سبب وجود النفْس وهي مزيج من المادة والروح‪ ،‬والساس هو‬
‫َنفَس الهواء الذي يضمن استمرار النفس في الحياة‪.‬‬
‫وإذا ما نافست العدو فأنت تصطاد الشيء النفيس‪ ،‬وهو إعلء منهج ال‪ .‬وحين تصابر أهل‬
‫الباطل‪ ،‬فكل واحد من أهل الباطل قد يصابر لجاجة لمدة قصيرة ثم يتراجع؛ لن الباطل زهوق‪،‬‬
‫وهنا يقول سبحانه‪ } :‬وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً { يفيد أن الغلظة ليست صفة دائمة‪ ،‬بل تعني أنك تَطَّلبَ‬
‫المُر فيجب أن تتوافر فيك‪ ،‬وكذلك قلنا‪ :‬إن ال لم يطبع المؤمن على الغلظة‪ ،‬ولم يطبعه على‬
‫الشدة‪ ،‬ولم يطبعه على العزة‪ ،‬بل قال‪:‬‬
‫حمَآءُ بَيْ َن ُهمْ‪[} ...‬الفتح‪]29 :‬‬
‫{ َأشِدّآءُ عَلَى ا ْل ُكفّارِ رُ َ‬
‫وقال‪ {:‬أَذِلّةٍ عَلَى ا ْل ُمؤْمِنِينَ أَعِ ّزةٍ عَلَى ا ْلكَافِرِينَ‪[} ...‬المائدة‪]54 :‬‬
‫ويُنهي الحق الية‪:‬‬
‫} وَاعَْلمُواْ أَنّ اللّهَ مَعَ ا ْلمُ ّتقِينَ {‪ .‬إياك أن تفهم أنك تواجه أعداءك من الكفار بعددك وعُدّتك‪ ،‬ولكن‬
‫العدد والعدة أمران مطلوبان؛ لتدخل المعركة‪ ،‬وعندك شيء من الطمئنان‪ .‬ومثال هذا من يسلك‬
‫مفاوز أو صحاري مقفرة أو طريقا موحشا‪ ،‬ويحتمل أن يصادف ُقطّاع طريق‪ ،‬نجده يستعد بحمل‬
‫سلح؛ فهو يعطيه شيئا من الطمئنان فقط‪ ،‬وهكذا الحال مع العدد والعدة‪.‬‬
‫أما النصر فهو من المدد الرّبّاني من الحق سبحانه وتعالى‪ .‬وما دام ال مع المتقين‪ ،‬ول معيّة مع‬
‫المتقين فل بد أن يمدهم بمدده؛ لذلك جاء الحق هنا بقوله‪ } :‬أَنّ اللّهَ مَعَ ا ْلمُ ّتقِينَ { لننتبه إلى أن‬
‫الداخل في الحق هو من سيسلك سلوكا غليظا مع العداء‪ ،‬وقد يسلك بالغلظة طمعا في المغنم‪،‬‬
‫فيدخل على الكافرة بالقسوة‪ ،‬وقد يكون قلب هذا الكافر مستعدا لليمان‪ ،‬فيقول‪ :‬أسلمت‬
‫واستسلمت‪ ،‬لكن من دخل عليه تعجبه مطية هذا الكافر‪ ،‬ويعتبرها مغنما‪.‬‬
‫لذلك يأتي التحذير في قول الحق سبحانه‪ } :‬أَنّ اللّهَ مَعَ ا ْلمُ ّتقِينَ { فإن سلّم لك واستسلم؛ فاستأسره‪،‬‬
‫وإياك أن تؤذيه أو تأخذ معداته على أنها مغنم‪ ،‬فأنت لم تذهب للقتال من أجل الغنائم‪ ،‬أو لتكسب‬
‫مكانة في مجتمعك كمقاتل‪ ،‬بل أنت تقاتل حين يكون القتال مطلوبا‪ ،‬وتسلك بالخلق اليماني اللئق‬
‫في إطار أنك من المتقين ل‪ ،‬وتحارب لتكون كلمة ال هي العليا وهنا تكون معيه ال لك } أَنّ اللّهَ‬
‫مَعَ ا ْلمُ ّتقِينَ {‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالغلظة ل تعني أنها طبع أصبح فيك‪ ،‬ولكن عدوك يجد فيك غلظة إن احتاج المر إلى‬
‫غلظة‪ .‬فإن لم يحتج المر إلى غلظة؛ فل بد أن يوجد في طبعك اللين والموادعة‪.‬‬
‫ولذلك يقولون‪ :‬الرجل كل الرجل هو من كانت له في الحرب شجاعة‪ ،‬وفي السلم وداعة‪ ،‬وخيركم‬
‫ي وفي البيت صبيّا‪ ،‬فل يصطحب غلظته مع العدو إلى البيت والزوجة‬
‫من كان في الجيش كم ّ‬
‫والبناء؛ لن ذلك وضع للطاقة في غير مجالها‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫هكذا نفهم قوله الحق‪:‬‬
‫ظ ًة وَاعَْلمُواْ أَنّ اللّهَ مَعَ ا ْلمُ ّتقِينَ {‬
‫} ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الّذِينَ يَلُو َنكُمْ مّنَ ا ْل ُكفّا ِر وَلْيَجِدُواْ فِي ُكمْ غِلْ َ‬
‫[التوبة‪]123 :‬‬
‫أي‪ :‬كونوا في حربكم غلظا بما يناسب الموقف؛ لن الحرب تتطلب القسوة والشدة‪ ،‬ولكن إياك‬
‫أن تستعمل هذه المور لصالحك‪ ،‬ولكن استعملها ل؛ لتضمن أن تكون في معية ال‬
‫ويقول سبحانه بعد ذلك‪ } :‬وَإِذَا مَآ أُنزَِلتْ سُو َرةٌ َفمِ ْنهُمْ‪{ ...‬‬

‫(‪)1345 /‬‬
‫وَإِذَا مَا أُنْزَِلتْ سُو َرةٌ َفمِ ْنهُمْ مَنْ َيقُولُ أَ ّي ُكمْ زَادَ ْتهُ َه ِذهِ إِيمَانًا فََأمّا الّذِينَ َآمَنُوا فَزَادَ ْتهُمْ إِيمَانًا وَ ُهمْ‬
‫يَسْتَبْشِرُونَ (‪)124‬‬

‫قوله الحق‪ { :‬وَإِذَا مَآ أُنزَِلتْ } يعني‪ :‬إذا نزلت‪ ،‬ونعلم أن هناك " نَزَل " و " أَنْزلَ " و " نَزّل " فـ‬
‫" أنَزَل " للتعدية‪ ،‬فالقرآن نزل من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا‪ .‬ثم نزّله الحق نجوما‪ .‬فالتنزيل‬
‫معناه‪ :‬موالة النزول لبعاض القرآن‪ ،‬فالقرآن قد أنزل كله‪ ،‬ثم بعد ذلك نزله الحق‪ ،‬ونزل به‬
‫جبريل ‪ -‬عليه السلم ‪ -‬على سيدنا محمد صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫وقد جمعت الية تنزيل الحق للقرآن من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا‪ ،‬ثم نزول جبريل ‪-‬‬
‫حقّ‬
‫عليه السلم ‪ -‬بالقرآن على رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬والحق سبحانه يقول‪ {:‬وَبِالْ َ‬
‫حقّ نَ َزلَ‪[} ...‬السراء‪]105 :‬‬
‫أَنْزَلْنَا ُه وَبِالْ َ‬
‫لمِينُ }[الشعراء‪]193 :‬‬
‫وفي آية أخرى يقول سبحانه‪ {:‬نَ َزلَ بِهِ الرّوحُ ا َ‬
‫وهنا يقول الحق‪ { :‬وَإِذَا مَآ أُنزَِلتْ سُو َرةٌ } والسورة هي الطائفة من القرآن المسورة بسور خاص؛‬
‫أوله مثلً‪ { :‬بسم ال الرّحْمانِ الرّحِيـمِ } وآخره تأتي بعده سورة أخرى تبدأ بقوله الحق‪ { :‬بسم‬
‫ال الرّحْمانِ الرّحِيـمِ } ومأخوذة من السور الذي يحدد المكان‪ .‬وهل المقصود بقوله الحق هنا‬
‫نزول سورة كاملة من القرآن أم نزول بعض من القرآن؟ إن المقصود هو نزول بعض من‬
‫القرآن‪.‬‬
‫وتتابع الية‪َ { :‬فمِ ْنهُمْ مّن َيقُولُ أَ ّيكُمْ زَادَتْهُ هَـا ِذهِ إِيمَانا } والمقصود بهذا المنافقون الذين رجعوا‬
‫عن اليمان‪ .‬ونحن نعلم أن القرآن حق وأنه من عند ال‪ ،‬وله أسر وفاعلية إشراقية في صفاء‬
‫النفس‪ ،‬وقد سمعه الكفار من قبل‪ ،‬وشهدوا له‪ ،‬أما المؤمنون فحين سمعوه فقد أسرهم‪.‬‬
‫وهذا المر بسبب الستعداد لتلقيه؛ لن المسألة في كل الحداث ليست من الفاعل وحده‪ ،‬ولكن من‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الفاعل والقابل للفعل ‪ -‬ول المثل العلى ‪ -‬أنت تأتي بمطرقة مثلً‪ ،‬وتطرق قطعة حديد فترق‬
‫وتزيد مساحتها‪ ،‬أما إن طرقت بالمطرقة قطعة صلب أقوى من المطرقة؛ فلن تؤثر فيها‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالطرق شيء وقابلية الطرق شيء آخر‪ ،‬وهكذا ل بد للفاعل من قابل‪ ،‬والمطلوب من القابل‬
‫للشيء أن يستقبله بغير خصومة له نابعة من قلبه‪ .‬فإذا أراد أحد أن يسمع القرآن فعليه أن يخرج‬
‫ما في قلبه مما هو ضد القرآن‪ ،‬ويضع القرآن وضده خارج قلبه وليسمع هذا وهذا وما ينفذ إلى‬
‫قلبه بعد هذا فليصدقه‪ .‬لكن أن يستقبل القرآن بما في قلبه من كراهية القرآن؛ فلن يتأثر به‪ ،‬مثلما‬
‫قابل بعض المنافقين القرآن وقالوا‪ :‬لم نتأثر به‪.‬‬
‫وسبب هذا أن هناك ما يسمى بالحيز‪ ،‬وعدم التداخل في الحيز‪ ،‬فالقلب حيز ل يسع الشيء‬
‫ونقيضه‪ ،‬فل تمل قلبك ببغضك للدين‪ ،‬ثم تقول‪ :‬لقد سمعت القرآن ولم يؤثر فيّ‪ .‬هنا نقول لك‪:‬‬
‫أخرج من قلبك ما يكون ضد القرآن‪ ،‬واجعل القرآن أيضا خارج قلبك‪ ،‬ثم انظر في الثنين لترى‬
‫ما الذي يستريح له قلبك‪ ،‬لكن أن تكون مشحونا ضد القرآن ثم تقول‪ :‬إن القرآن لم يؤثر فيك‪،‬‬
‫فهذا يعني أنك لم تنتبه إلى الفرق بين الفاعل والقابل‪ ،‬ولم تنتبه إلى ما يسمى بالحيز‪ ،‬ومدى قدرته‬
‫على الستيعاب‪.‬‬
‫فالزجاجة ذات الفوهة الضيقة ل تستقبل بداخلها الماء إن أغرقتها فيه؛ لن ضيق الفوهة ل يساعد‬
‫الهواء الذي بداخلها على الخروج‪ ،‬ول يساعد الماء على الدخول؛ لن الماء لن يدخل إل إذا خرج‬
‫الهواء؛ لذلك ل بد أن تكون فوهة الزجاجة واسعة تسمح بخروج الهواء ودخول الماء‪ ،‬وعند ذلك‬
‫سترى فقاقيع الهواء وهي تعلو الفوهة‪ .‬وإذا كان المر كذلك في الحسيات‪ ،‬فما بالك في المور‬
‫المعنوية وهي مثل المور الحسية‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فأخْرج ما يناقض الحق من قَلْبك‪ ،‬واجعل الباطل والحق خارجا‪ ،‬ثم استقبل الثنين‪ .‬ل يمكن‬
‫لك في مثل هذه الحالة إل أن تستقبل الحق‪ .‬ويصف سبحانه المصرين على الكفر‪َ {:‬وطَبَعَ اللّهُ‬
‫عَلَىا قُلُو ِبهِمْ‪[} ...‬التوبة‪]93 :‬‬
‫أي‪ :‬أن ما هو خارج هذه القلوب ل يدخل إليها‪ ،‬وما في داخلها ل يخرج منها‪.‬‬
‫إذن‪ :‬ما دام الحق قد ختم على قلوبهم؛ فلن تفتح هذه القلوب لليمان‪ ،‬وستظل محتفظة بالكفر‪ .‬فإذا‬
‫كان من هؤلء الكافرين أو المنافقين من يسمع القرآن‪ ،‬ول يأسره بيانه؛ فذلك بسبب عجزهم عن‬
‫النظر إلى ما فيه من معان وقيم؛ لن النسان حينما يسمع القرآن‪ ،‬وتكون نفسه صافية ليس فيها‬
‫ما يشوش على ما في القرآن من جاذبية وبيان يؤثر فيه وتطمئن إليه نفسه‪.‬‬
‫ولذلك حين قرأ عمر بن الخطاب ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬القرآن‪ ،‬وكان من قبل ذلك شديدا على‬
‫السلم‪ ،‬ثم ذهب إلى أخته؛ ليتحقق من أمر إسلمها‪ ،‬وحين سال منها الدم رقت عاطفته لها‪ ،‬ثم‬
‫قرأ القرآن فاستقر في قلبه‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إذن‪ :‬ل بد أن تخرج ما في ذهنك أولً؛ لتستقبل القرآن‪ .‬فإذا ما أنزلت سورة يستقبلها المؤمن‬
‫بصفاء‪ .‬أما الكافرون والمنافقون‪ ،‬فمنهم من يقول‪ } :‬أَ ّيكُمْ زَادَتْهُ هَـا ِذهِ إِيمَانا { وتعطينا الية‬
‫معنى أننا أمام فريقين‪ :‬واحد يقرأ‪ ،‬والثاني يسمع‪ .‬ونفهم من سياق الية أن الذي يتساءل مثل هذا‬
‫السؤال إنما يوجه لفريقين‪ :‬أحدهما من ضعاف اليمان‪ ،‬أو حديثي السلم‪ ،‬أو المنافقين‪ ،‬وهؤلء‬
‫هم الذين لم يُخْرجوا الكفر أو بعضه من قلوبهم‪ ،‬وقابلية بعضهم لستقبال اليمان لم تتأَكد بعد‪،‬‬
‫ومنهم من قال فيهم الحق‪َ {:‬ومِ ْنهُمْ مّن َيسْ َتمِعُ إِلَ ْيكَ حَتّىا إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِن ِدكَ قَالُواْ لِلّذِينَ أُوتُواْ‬
‫ا ْلعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفا‪[} ...‬محمد‪]16 :‬‬
‫عمًى‪[} ...‬فصلت‪]44 :‬‬
‫ن لَ ُي ْؤمِنُونَ فِي آذَا ِنهِ ْم َوقْ ٌر وَ ُهوَ عَلَ ْيهِمْ َ‬
‫ويقول‪ {:‬وَالّذِي َ‬
‫إذن‪ :‬الفاعل شيء‪ ،‬والقابل شيء آخر‪ .‬هم سمعوا القرآن بدليل أن الحق يقول‪ } :‬وَإِذَا مَآ أُنزَِلتْ‬
‫سُو َرةٌ { وسياق الية يوحي لنا أن هناك همسا من بعضهم‪ } :‬أَ ّيكُمْ زَادَتْهُ هَـا ِذهِ إِيمَانا { وهذا‬
‫الهمس يأتي بلهجة المستهزئ‪ ،‬وقائل الهمس يعني أن سماعه للقرآن لم يزد شيئا عنده‪ ،‬ولم‬
‫ينقص‪ ،‬وهو يهمس لمنافق مثله‪ ،‬أو لضعيف اليمان } أَ ّي ُكمْ زَادَ ْتهُ هَـا ِذهِ إِيمَانا { فيرد ال على‬
‫القضية النفسية‪ ،‬ويعلمنا أنه سبحانه قد قسم الناس قسمين‪ :‬قسم كافر أو منافق‪ ،‬وهذا القسم يزيده‬
‫القرآن كفرا‪ ،‬أما القسم المؤمن؛ فاستقباله للقرآن يزيد من إيمانه‪.‬‬
‫إذن‪ :‬الفاعل شيء والقابل مختلف‪ .‬ووقف العلماء أمام هذه الية موقفا فيه اختلف بينهم } وَإِذَا مَآ‬
‫أُنزَِلتْ سُو َرةٌ َفمِ ْنهُمْ مّن َيقُولُ أَ ّيكُمْ زَادَتْهُ هَـا ِذهِ إِيمَانا { فقال بعضهم‪ :‬إن اليمان ينقص ويزيد‪،‬‬
‫وقال بعضهم‪ :‬إن اليمان ل ينقص ول يزيد‪ ،‬وقامت معركة بين علماء الكلم‪ ،‬ول تتسرب‬
‫معركة بين عقلء إل إذا كانت جهة الفهم في المر الذي يختلفون فيه منفكة‪ ،‬فمنهم من يذهب‬
‫فكره إلى ناحية‪ ،‬ومنهم من يتجه فكره إلى ناحية أخرى‪.‬‬
‫فالذين قالوا‪ :‬إن اليمان ل يزيد ول ينقص‪ ،‬فلحظة أن يتألق اليمان في القلب؛ يستقر فيه‪ ،‬وهو‬
‫اليمان بال‪ ،‬وأن ل إله إل ال ول معبود سواه‪ ،‬وأن محمدا رسوله المبلغ عنه؛ هذا اليمان ل‬
‫يزيد ول ينقص‪ .‬والمثال‪ :‬هو قول المام على كرم ال وجهه‪ :‬لو انكشف عني الحجاب ما‬
‫ازدادت يقينا‪.‬‬
‫أما العلماء الذين قالوا بأن اليمان يزيد ول ينقص‪ ،‬فقد قصدوا بذلك تطبيق مستلزمات اليمان من‬
‫اليات‪ ،‬فكل آية تحتاج ممن يصدقها أن يكون مؤمنا بال أولً‪ ،‬ثم ينفذ متطلبات الية‪.‬‬
‫وكل المسلمين مؤمنون بال‪ ،‬ولكن في جزئيات التطبيق نجد من يطبق عشرين جزئية وآخر يطبق‬
‫ثلثين‪ ،‬أما أصل اليمان الذي استقبل به النسان التكليف وهو التوحيد‪ ،‬فل يزيد أو ينقص‪.‬‬
‫وهؤلء المنافقون عندما قالوا‪ } :‬أَ ّيكُمْ زَادَ ْتهُ هَـا ِذهِ إِيمَانا { هل تداولوا ذلك سرّا أم قالوه علنا؟ ل‬
‫بد أنهم قالوا ذلك سرّا وفضحهم الحق سبحانه‪ ،‬وكان يكفي أن يعلموا أن ال يخبر رسوله صلى‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ال عليه وسلم بكل ما يكتمونه‪ ،‬ولكنهم احترفوا اللجاجة؛ لذلك قالوا‪ } :‬أَ ّيكُمْ زَادَتْهُ هَـا ِذهِ إِيمَانا {‪.‬‬
‫ويرد الحق سبحانه‪:‬‬
‫} فََأمّا الّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَ ْتهُمْ إِيمَانا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ { و " يستبشر " أي‪ :‬يمل السرور بشرته‪ ،‬فترى‬
‫البريق‪ ،‬والفرحة‪ ،‬والنبساط‪ .‬وكلها من علمات الستبشار‪ ،‬ومن يستبشر بآية من آيات الحق فهو‬
‫الذي يفهم من الية شيئا جديدا؛ يدخل على نفسه السرور؛ ولذلك فهو يرتاج لنزول تكليفات إيمانية‬
‫جديدة‪ ،‬ليعظم ويزداد ثوابه‪ ،‬وهو غير ذلك الذي يكره أن ينزل حكم جديدة من ال‪,‬‬
‫هذا هو معنى " يستبشر "‪.‬‬
‫أما الخرون فيقول الحق سبحانه عنهم‪ } :‬وََأمّا الّذِينَ فِي قُلُو ِبهِم‪{ ...‬‬

‫(‪)1346 /‬‬
‫س ِه ْم َومَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (‪)125‬‬
‫وََأمّا الّذِينَ فِي قُلُو ِبهِمْ مَ َرضٌ فَزَادَ ْتهُمْ رِجْسًا إِلَى ِرجْ ِ‬

‫والرجس‪ :‬هو الشيء المستقذر‪ ،‬وتكون القذارة حسية‪ ،‬ومرة تكون معنوية‪ .‬فالميتة مثلً قذارتها‬
‫حسية؛ لنها ماتت ودمها فيها‪ ،‬والدم ‪ -‬كما نعلم ‪ -‬له مجريان؛ مجرى للدم قبل أن يكرر‪،‬‬
‫ومجرى آخر للدم بعد أن يكرر‪ ،‬والدم قبل أن يكرر يمر على الرئة والكلى فتنفيه الرئة والكلى‬
‫من الشياء الضارة التي تصل إليه نتيجة تفاعلت أعضاء الجسم المختلفة‪ .‬وبعد أن تتم تنقية عن‬
‫طريق الرئتين والكلى يصير دما صالحا‪.‬‬
‫فإذا مات الحيوان بقي فيه دمه الصالح ودمه الفاسد؛ لذلك نحن نذبح الحيوان قبل أن نأكله‪،‬‬
‫ونضحي بدمه الصالح مع الفاسد؛ حتى ل يصيبنا الدم الفاسد بالمراض؛ ولذلك تعتبر الميتة‬
‫خمْرُ‬
‫رجسا‪ .‬والخمر أيضا نجاسة حسية ورجس‪ .‬وهناك رجس معنوي‪ ،‬ولذلك قال الحق‪ {:‬إِ ّنمَا الْ َ‬
‫ع َملِ الشّ ْيطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ‪[} ...‬المائدة‪]90 :‬‬
‫ب وَالَزْلَمُ ِرجْسٌ مّنْ َ‬
‫وَا ْلمَيْسِ ُر وَالَنصَا ُ‬
‫إذن‪ :‬فهناك رجس حسي‪ ،‬ورجس معنوي‪ ،‬ويطلق الرجس على الكفر أيضا‪ ،‬ومرة يطلق الرجس‬
‫على همسات الشيطان ووسوسته‪.‬‬
‫طهّ َركُمْ بِهِ‬
‫سمَآءِ مَآءً لّيُ َ‬
‫وفي ذلك يقول الحق‪ِ {:‬إذْ ُيغَشّيكُمُ الّنعَاسَ َأمَنَةً مّنْهُ وَيُنَزّلُ عَلَ ْيكُم مّن ال ّ‬
‫وَيُذْ ِهبَ عَنكُمْ ِرجْزَ الشّ ْيطَانِ‪[} ...‬النفال‪]11 :‬‬
‫س ِهمْ } ولنهم يكفرون‬
‫وهنا يقول الحق‪ { :‬وََأمّا الّذِينَ فِي قُلُو ِبهِم مّ َرضٌ فَزَادَ ْتهُمْ ِرجْسا إِلَىا رِجْ ِ‬
‫بال وبآياته؛ فهذا يزيدهم رجسا على رجسهم ويصبح كفرهم مركّبا‪ ،‬وهكذا نجد البشارة للمؤمنين‪،‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أما الكافرون فلهم النذارة؛ لن كفرهم يزيد‪ ،‬ويموتون على ذلك الكفر‪.‬‬
‫ويقول سبحانه بعد ذلك‪َ { :‬أ َولَ يَ َروْنَ أَ ّنهُمْ ُيفْتَنُونَ فِي‪} ...‬‬

‫(‪)1347 /‬‬
‫َأوَلَا يَ َروْنَ أَ ّنهُمْ ُيفْتَنُونَ فِي ُكلّ عَامٍ مَ ّرةً َأوْ مَرّتَيْنِ ُثمّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ َي ّذكّرُونَ (‪)126‬‬

‫وقوله الحق‪َ { :‬أ َولَ يَ َروْنَ } أي‪ :‬أل يستشهد المنافقون تاريخهم مع السلم‪ ،‬ويعلمون أنهم يفتنون‬
‫في كل عام مرة بالمصائب ومرة بالفضيحة‪ ،‬فتجد رسول ال حين يراهم يخرج بعضهم من بين‬
‫الصفوف ويقول لهم‪ " :‬اخرج يا فلن فإنك منافق "‪ .‬ثم بعد شهور يتكرر الموقف‪ ،‬وهنا يذكرهم‬
‫الحق سبحانه بأن رسول ال صلى ال عليه وسلم يصفيهم كل عام مرة أو مرتين‪.‬‬
‫الصل في الفتنة أنها امتحان واختبار‪ ،‬وهي ليست مذمومة في ذاتها‪ ،‬لكنها تذم بالنتيجة التي تأتي‬
‫منها‪ ،‬فالمتحان ‪ -‬أي امتحان ‪ -‬غير مذموم‪ ،‬لكن المذموم هو أن يرسب النسان في المتحان‪.‬‬
‫إذن‪ :‬البتلء أو الفتنة في ذاتها ليست مذمومة‪ ،‬إنما المذموم أن تأتي النتيجة على غير ما تشتهي‪،‬‬
‫وهم يفتنون حين يرون انتصار المسلمين وغم نفاقهم وكيدهم للمسلمين‪ ،‬وكان يجب أن يعلموا أنهم‬
‫لن يستطيعوا عرقلة سير السلم؛ لنه منتصر بال‪ .‬وكان يجب أن يعتبروا ويتوبوا لينالوا خير‬
‫السلم‪ ،‬فخيره ممدود رغم أنوفهم‪ ،‬والخسارة لن تكون على السلم‪ ،‬وإنما الخسارة على من‬
‫يكفر به‪.‬‬
‫ونحن نعلم أن السلم بدأ بين الضعفاء إلى أن سار القوياء إليه‪ ،‬وتلك سنة ال في الكون‪ ،‬بل إننا‬
‫نجد أن النبي صلى ال عليه وسلم في بدء الرسالة كان مطلوبا منه أن يؤمن بأنه رسول‪ .‬وكما‬
‫تقول أنت‪ :‬أشهد أن ل إله إل ال‪ ،‬وأشهد أن محمدا رسول ال‪ ،‬كان على النبي صلى ال عليه‬
‫وسلم أيضا أن يقول‪ :‬أشهد أن ل إله إل ال‪ ،‬وأشهد أن محمدا رسول ال‪ .‬وسبحانه جل شأنه‪،‬‬
‫شهِدَ اللّهُ أَنّهُ لَ إِلَـاهَ ِإلّ ُهوَ‪[} ...‬آل‬
‫الخالق الكرم‪ ،‬آمن بنفسه أولً‪ ،‬بدليل قوله سبحانه‪َ {:‬‬
‫عمران‪]18 :‬‬
‫فأول شاهد باللوهية الحقة هو ال‪ ،‬وقد شهد لنفسه‪ ،‬ومعنى ذكر شهادته لنفسه لنا أن نؤمن بأنه‬
‫سبحانه يزاول قيوميته وطلقة قدرته بكلمة " كن " وهو عالم أن مخلوقاته تستجيب قطعا‪ ،‬وكان ل‬
‫بد أن يعلمنا أنه آمن أولً بأنه الول‪ ،‬وأنه الله الحق‪ ،‬بحيث إذا أمر أي كائن أمرا تسخيريا فل‬
‫شهِدَ اللّهُ أَنّهُ لَ إِلَـاهَ ِإلّ‬
‫بد أن يحدث هذا المر‪ ،‬وسبحانه ل يتهيب أن يأمر؛ لذلك قال لنا‪َ { :‬‬
‫ُهوَ } شهادة الذات للذات‪ ،‬وشهدت الملئكة شهادة المشهد وشهد أولو العلم شهادة الستدلل‪،‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وحين يشهد محمد صلى ال عليه وسلم أنه رسول ال فهو يؤمن بأنه رسول‪ ،‬ولو لم يؤمن‬
‫برسالته لتهيب أن يبلغنا بالرسالة‪ ،‬وبعد أن آمن صلى ال عليه وسلم أنه رسول من ال جاءه‬
‫لقْرَبِينَ }[الشعراء‪]214 :‬‬
‫كاَ‬
‫التكليف من الحق‪ {:‬وَأَنذِرْ عَشِيرَ َت َ‬
‫وظل رسول ال صلى ال عليه وسلم يدعو إلى السلم‪ ،‬ويبلغ آيات الحق إلى أن جاءت آيات‬
‫الدفاع عن دين ال‪ ،‬وقال الحق‪:‬‬
‫{ قَاتِلُواْ الّذِينَ يَلُو َنكُمْ‪[} ...‬التوبة‪]123 :‬‬
‫إذن‪ :‬في البداية كان ل بد أن يؤمن أنه رسول‪ ،‬وأن يبلغ الدعوة إلى قريش وسائر الجزيرة‪،‬‬
‫وتعبر دعوته بعد ذلك من الجزيرة إلى الشام‪ ،‬وتتعدى الرسالة الشام بالعلم في كل بقاع‬
‫الرض‪ ،‬ولذلك كانت الرمزية في إرسال الكتب‪ :‬كتاب لفلن وكتاب لفلن؛ ليفهم العالم أن دعوة‬
‫النبي صلى ال باليمان والسلم دعوة متعدية؛ لنها خالفت دعوات الرسل عليهم السلم‪ ،‬فقد‬
‫كان رسول إنما يعلم أن حدود دعوته هي أمته‪.‬‬
‫أما محمد صلى ال عليه وسلم فقد كانت لرسالته مراحل‪ :‬آمن بذلك أولً‪ ،‬ثم دعا القربين‪ ،‬ثم من‬
‫بعد ذلك قريش‪ ،‬ثم أبلغ العرب‪ ،‬ثم الشام‪ ،‬وتعدت الدعوة بالكتب إلى جميع الملوك في العالم‪،‬‬
‫وصارت أمة محمد صلى ال عليه وسلم مؤتمنة على حمل الدعوة ونشرها في أي مكان ومعها‬
‫حجتها وهي القرآن‪.‬‬
‫وشاء ال أن يختم رسول ال الرسالت‪ ،‬وأرسله بالسلم الذي يغلب الحضارات‪ ،‬رغم أنه صلى‬
‫ال عليه وسلم من أمة أمية ل تعرف شيئا؛ حتى ل يقال عن السلم أنه مجرد وثبة حضارية‪،‬‬
‫وجاء لهم منهج غلب الحضارات المعاصرة له‪ :‬فارس والروم في وقت واحد‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالمسألة كانت مسألة قبيلة‪ ،‬يحكمهم واحد منهم هكذا‪ ،‬دون تمرس بالنظم الجتماعية‪ ،‬ولم‬
‫يعرفوا شيئا قبل السلم‪ ،‬بل هم أمة متبدية ل شأن لها بالنظم السياسية أو القتصادية‪ ،‬وطن‬
‫الواحد منهم جمله وخيمته وبضعة أدوات تعينه على الحياة‪ ،‬وتستقر كل جماعة في أي مكان‬
‫يظهر به العشب ويوجد به الماء‪ ،‬وبعد أن تأكل الغنام والنعام العشب‪ ،‬ينتقل العربي مع جماعته‬
‫إلى مكان آخر‪ ،‬بعد أن ينظر الواحد منهم إلى السماء؛ ليعرف مسار الغمام وأين ستمطر السحب‪،‬‬
‫ثم ينساح هؤلء بالدعوة بعد ذلك‪ ،‬فلو كان لهم انتماء إلى وطن أو بيت أو مكان لصار الرحيل‬
‫صعبا عليهم‪ ،‬لكنهم كانوا متمرسين بالسياحة في الرض‪.‬‬
‫والية التي نحن بصددها تكشف ضعف إيمان البعض‪ ،‬ونفاق البعض‪ ،‬فيقول الحق‪َ } :‬أ َولَ يَ َروْنَ‬
‫ن َولَ هُمْ َي ّذكّرُونَ { أي‪ :‬كان ل بد أن يتوبوا أو‬
‫أَ ّنهُمْ ُيفْتَنُونَ فِي ُكلّ عَامٍ مّ ّرةً َأوْ مَرّتَيْنِ ُث ّم لَ يَتُوبُو َ‬
‫يتعظوا ويعلموا أن وقوفهم ضد السلم لم ولن يحجب السلم وأنهم سينسحقون ويضيعون‪ ،‬فلماذا‬
‫ل يتذكر كل منهم تفسه‪ ،‬ويرى مصلحته في اليمان‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ضهُمْ إِلَىا‪{ ...‬‬
‫ويقول الحق بعد ذلك‪ } :‬وَإِذَا مَآ أُنزَِلتْ سُو َرةٌ نّظَرَ َب ْع ُ‬

‫(‪)1348 /‬‬
‫ضهُمْ إِلَى َب ْعضٍ َهلْ يَرَاكُمْ مِنْ َأحَدٍ ُثمّ ا ْنصَ َرفُوا صَرَفَ اللّهُ قُلُو َبهُمْ‬
‫وَإِذَا مَا أُنْزَِلتْ سُو َرةٌ َنظَرَ َب ْع ُ‬
‫بِأَ ّنهُمْ َقوْمٌ لَا َيفْ َقهُونَ (‪)127‬‬

‫ومن قبل جاء قول الحق‪ {:‬وَإِذَا مَآ أُنزَِلتْ سُو َرةٌ َفمِ ْنهُمْ مّن َيقُولُ أَ ّيكُمْ زَادَتْهُ هَـا ِذهِ إِيمَانا‪} ...‬‬
‫[التوبة‪]124 :‬‬
‫أي‪ :‬أن هؤلء المنافقين يشعرون بالضيق والحصار‪ ،‬ويخافون أن يتكلموا؛ لنهم موجودون مع‬
‫المسلمين‪ ،‬ولكنهم ل يعدمون وسيلة للتعبير عن كفرهم‪ ،‬فيغمز الواحد منهم بعينه‪ ،‬أو يشير إشارة‬
‫بيده‪ ،‬فإذا ما كانوا قد تساءلوا من قبل بـ { أَ ّيكُمْ زَادَتْهُ هَـا ِذهِ إِيمَانا } فقد كان هذا السؤال يتعلق‬
‫بالتكاليف‪ ،‬أما في الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها فليس فيها تكاليف جديدة‪.‬‬
‫لقد كانوا يريدون أن يقولوا شيئا‪ ،‬ولكنهم لم يستطيعوا أن يتكلموا بأفواههم‪ ،‬فتكلموا بأعينهم‬
‫ونظراتهم‪ ،‬فكأن النظر نفسه كان فيه هذه الكلمة‪َ { :‬هلْ يَرَاكُمْ مّنْ َأحَدٍ } ‪ ،‬وهذا قد تراه من واحد‬
‫يسمع خطبة الخطيب‪ ،‬ولكنه يرى بها أشياء ل تعجبه‪ ،‬فتجده يعبر بانفاعالت وجهه عن عدم‬
‫رضاه‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فهناك نظر‪ ،‬وهناك كلم‪ ،‬وهم قد تساءلوا‪ :‬هل يراكم من أحد؟ زمثلها مثل قولك‪ :‬ما عندي‬
‫من مال؟ أي أنك ل تملك بداية ما يقال عنه مال‪ ،‬والقول الكريم أبلغ بالقطع من أن تقول‪ :‬هل‬
‫يراكم أحد‪.‬‬
‫حدٍ } دليل على أنهم في خوف من أن يضبطهم أحد‪ ،‬ومن بعد‬
‫إن قوله الحق‪َ { :‬هلْ يَرَاكُمْ مّنْ أَ َ‬
‫ذلك تجدهم يتسللون خارج دائرة الستماع للقرآن أو للرسول؛ لنهم ل يطيقون الستمرار في‬
‫الستماع؛ لن منطق الحق يلجم الباطل‪ ،‬والواحد منهم غير قادر على أن يؤمن بالحق وغير قادر‬
‫على إعلن الكفر؛ فينسحبون‪ ،‬وينصرف كل واحد منهم؛ لذلك نجد أن بعضهم قد قال من قبل‪ {:‬لَ‬
‫ن وَا ْل َغوْاْ فِيهِ‪[} ...‬فصلت‪]26 :‬‬
‫س َمعُواْ ِلهَـاذَا ا ْلقُرْآ ِ‬
‫تَ ْ‬
‫وقد قالوا ذلك لن الكافر أو المنافق قد تأتيه لحظة غفلة عن الباطل‪ ،‬فيتسلل اليمان إلى قلبه‪ ،‬كما‬
‫أن المؤمن قد تأتيه لحظة غفلة عن الحق‪ ،‬لكنه يستغفر ال عنها‪.‬‬
‫وإذا ما أتت للمنافق أو الكافر لحظة غفلة عن كفره أو نفاقه؛ فتأتيه هجمة اليمان فيخافها‪ ،‬فيقول‬
‫لمن هم مثله‪ :‬من الفضل أن نقول لمن معنا ل تسمعوا هذا القرآن‪ .‬لماذا؟ حتى ل يصادف فترة‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫غفلة عن النفاق‪ ،‬فإذا صادف فترة غفلة عن النفاق فمن الممكن أن يدخل اليمان القلب‪ .‬ولذلك‬
‫س َمعُواْ ِلهَـاذَا ا ْلقُرْآنِ } ‪ ،‬ولم يقتصر المر على ذلك‪ ،‬بل طلبوا من التباع ان يلغوا‬
‫قالوا‪ { :‬لَ تَ ْ‬
‫فيه‪ ،‬أي‪ :‬أن يشوشوا عليه‪ {:‬وَا ْل َغوْاْ فِيهِ َلعَّلكُمْ َتغْلِبُونَ‪[} ...‬فصلت‪]26 :‬‬
‫إذن‪ :‬ل غلبة لهم مطلقا إل بعدم الستماع إلى القرآن‪ ،‬أو أن يشوشوا عند سماع القرآن؛ حتى ل‬
‫ينفذ القرآن إلى القلوب‪.‬‬
‫وهنا يقول الحق سبحانه عن هؤلء المنافقين‪:‬‬
‫ضهُمْ إِلَىا َب ْعضٍ َهلْ يَرَاكُمْ مّنْ َأحَدٍ } كانوا يقولون ذلك؛ لنهم‬
‫{ وَإِذَا مَآ أُنزَِلتْ سُو َرةٌ نّظَرَ َب ْع ُ‬
‫كمنافقين سبق لهم إعلن السلم‪ ،‬وكانوا يدعون أنهم متقدمون في تطبيق أحكام اليمان‪ ،‬وكانوا‬
‫يصرون على الوقوف أثناء الصلة في الصف الول؛ حتى يدفعوا عن أنفسهم تهمة النفاق‪ ،‬وكما‬
‫يقول المثل‪ :‬يكاد المريب أن يقول خذوني‪.‬‬
‫وينظر بعضهم إلى بعض متسائلين‪َ } :‬هلْ يَرَاكُمْ مّنْ َأحَدٍ ُثمّ انصَ َرفُواْ { لنهم ل يطيقون الجلوس‬
‫إلى الرسول صلى ال عليه وسلم أو إلى المؤمنين‪ .‬وينهي الحق الية‪:‬‬
‫} صَ َرفَ اللّهُ قُلُو َبهُم بِأَ ّنهُمْ َقوْ ٌم لّ َيفْ َقهُونَ { وذلك نتيجة لنصرافهم نفسيّا إلى النفاق؛ فيساعدهم‬
‫سبحانه على ذلك‪ ،‬فما داموا ل يعرفون قيمة اليمان؛ فليذهبوا بعيدا عنه‪ ،‬فالحق لهم يصرفهم إل‬
‫باختيارهم‪ ،‬حتى ل يقول أحد‪ :‬إن ال هو مصرف القلوب‪ ،‬فما ذنبهم؟ ل‪ ،‬لقد انصرفوا هم بما‬
‫خلقه ال فيهم من اختيار‪ ،‬فصرف ال قلوبهم‪ ،‬لماذا؟ لنهم } َقوْ ٌم لّ َيفْ َقهُونَ { أي‪ :‬ل يفهمون‪.‬‬
‫والفهم أول مرحلة من مراحل الذات النسانية‪ ،‬وهناك فرق بين الفهم والعلم‪ .‬فالفهم يعني أنك‬
‫تملك القدرة على َتفَهّم ذاتية الشياء بملكة فيك‪ ،‬لكن العلم يعني أنك قد ل تفهم أنت بذاتك‪ ،‬وإنما‬
‫يفهم غيرك ويعلمك‪ .‬فأنت قد تعلم جزئية ل من عندك وإنما من معلم لك‪ .‬ولكن قد يقول قائل‪ :‬ما‬
‫داموا ل يفقهون فما ذنبهم؟ ونقول‪ :‬الذي ل يفهم عليه أن يتقبل التعليم‪ ،‬لكن هؤلء لم يفهموا ولم‬
‫يتعلّموا‪ ،‬وأصروا على عدم قبول العلم‪.‬‬
‫وبعد ذلك يتأتى ختام سورة التوبة‪.‬‬
‫والسورة بدأت بالقطيعة‪ {:‬بَرَآ َءةٌ مّنَ اللّ ِه وَرَسُولِهِ إِلَى الّذِينَ عَا َهدْتُمْ مّنَ ا ْلمُشْ ِركِينَ }[التوبة‪]1 :‬‬
‫ووردت لنا أحوال الكفار والمنافقين وتكاليف الجهاد الشاقة‪ ،‬وأراد الحق أن يختم السورة بما يبرر‬
‫هذه المشقات المتقدمة‪ ،‬فبيّن لنا‪ :‬إياكم أن تنفضّوا عن الرسول أو تغضبوه؛ لنه وإن جاء لكم‬
‫ببلغ فيه أمور شاقة عليكم فخذوا هذه المور الشاقة على أنها من حبيب لكم‪ ،‬ل من عدو لكم‪.‬‬
‫إنك مثلً إن رأيت عدوّا ضرب ابنك وجرحه‪ ،‬يكون وقع هذا المر شديدا عليك؛ لنه عدو‪ .‬لكنك‬
‫إذا أخذت ابنك للطبيب وقرر الطبيب إجراء جراحة للبن‪ ،‬فأنت تقبل ذلك؛ لتزيل عن ابنك‬
‫خطرا‪ .‬إذن‪ :‬فهناك فارق بين جرح عدوك لبنك وجرح الطبيب له رغم أن اليلم قد يكون‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫واحدا‪.‬‬
‫إذن‪ :‬ل ترفض المور الشاقة عليك لمجرد ورود المشاق عليك‪ ،‬ولكن اعرف أولً من الذي‬
‫أجرى المشاق عليك‪ ،‬فإن كان ربك‪ ،‬فربك بك رحيم‪ .‬وإن كان الرسول فخذ أوامر الرسول‬
‫وطبيقها؛ لنها من حبيب يريد لك الخير‪.‬‬
‫سكُمْ عَزِيزٌ‪{ ...‬‬
‫وهنا يقول الحق‪َ } :‬لقَدْ جَآ َءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُ ِ‬

‫(‪)1349 /‬‬
‫علَيْهِ مَا عَنِتّمْ حَرِيصٌ عَلَ ْيكُمْ بِا ْل ُمؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (‪)128‬‬
‫سكُمْ عَزِيزٌ َ‬
‫َلقَدْ جَا َءكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَ ْنفُ ِ‬

‫ونلحظ هنا أن الحق قد نسب المجيء هنا للرسول صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ولم يقل‪ :‬جئتكم برسول‪.‬‬
‫وكلنا يعلم أن الرسول صلى ال عليه وسلم لم يأت من عند نفسه‪ ،‬ولم يدع هذا المر الجليل‬
‫لنفسه‪ ،‬ولكن الشحنة اليمانية تفيد أنه خلق بما يؤهله للرسالة‪ ،‬وبمجرد أن نزل عليه الوحي امتلك‬
‫اندفاعا ذاتيّا لداء الرسالة‪ ،‬ولم يحتج لمن يدفعه لداء الرسالة؛ لذلك أراد الحق سبحانه أن يثبت‬
‫للرسول صلى ال عليه وسلم المجيء ذاتيّا‪ ،‬ولكن هذا المجيء الذاتي ليس من عند محمد صلى‬
‫ال عليه وسلم في البداية‪ ،‬بل هو رسول من عند ال‪ ،‬فأتى الحق سبحانه هنا بكلمة " جاء "‪.‬‬
‫وكلمة { َرسُولٌ } تدل على أنه ليس من عنده‪ ،‬وكلمة " جاء " تدل على أن الشحنة اليمانية جعلت‬
‫لذاته عملً‪ ،‬فهو صلى ال عليه وسلم يعشق الجهاد من أجل الرسالة‪ ،‬ويعشق الكفاح من أجل‬
‫تحقيق هذه الرسالة‪.‬‬
‫إذن‪ :‬ل تنظروا إلى ما جاءكم به الرسول صلى ال عليه وسلم نظرتكم إلى المور الشاقة التي‬
‫تتعبكم‪ ،‬ولكن انظروا ممن جاءت‪ ،‬إن كانت من الصل الصيل في إرسال الرسل‪ ،‬فالرب رحيم‪،‬‬
‫خلقكم من عدم وأمدكم من عدم‪ ،‬ويوالي نعمة عليكم حتى وأنتم في معصيته‪ .‬فأنت تعصاه ويحب‬
‫ال سبحانه من يستر عليك‪ ،‬فل تشك ول تتشكك‪ .‬وعليك أن تأخذ التكاليف على أنها من حبيب‬
‫فل تقل‪ :‬إنها مشقة‪ .‬فأنت ‪ -‬ول المثل العلى ‪ -‬تطلب من ابنك أن يستذكر دروسه‪ ،‬وتراجعها‬
‫معه قهرا عنه في بعض الحيان‪ ،‬وأنت قد تمسك بيدي ابنك ليعطيع الطبيب حقنة من الدواء الذي‬
‫جعله ال سببا للشفاء‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فل تأخذ الحوال بوارداتها عليك‪ ،‬ولكن خذها بوارداتها ممن قدرها وقضاها؛ وهو الحق‬
‫سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫سكُمْ } أي‪ :‬أن الحق سبحانه لم يأت بإنسان‬
‫وهنا يقول الحق سبحانه‪َ { :‬لقَدْ جَآ َءكُمْ َرسُولٌ مّنْ أَنفُ ِ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫سكُمْ } معان‬
‫غريب عنكم‪ ،‬بل جاء بواحد منكم قادر على التفاهم معكم‪ .‬ولقوله الحق‪ { :‬مّنْ أَنفُ ِ‬
‫جهَا‪...‬‬
‫متعددة‪ ،‬فمرة يكون معناها بـ " من جنسكم " ‪ ،‬مثلما قال الحق عن حواء‪َ {:‬وخَلَقَ مِ ْنهَا َزوْ َ‬
‫}[النساء‪]1 :‬‬
‫أي‪ :‬خلق حواء من نفس جنس آدم البشري‪ ،‬فل يقولن أحد‪ :‬كيف بعث ال لنا بشرا رسولً؟ لن‬
‫الحق أراد الرسول من البشر رحمة بالناس؛ ولذلك يؤكد صلى ال عليه وسلم على بشريته أكثر‬
‫من مرة وفي مواقع كثيرة‪ .‬والقرآن يقول‪َ {:‬ومَا مَنَعَ النّاسَ أَن ُي ْؤمِنُواْ ِإذْ جَآءَهُمُ ا ْلهُدَىا ِإلّ أَن‬
‫قَالُواْ أَ َب َعثَ اللّهُ بَشَرا رّسُولً }[السراء‪]94 :‬‬
‫إذن‪ :‬فبشرية رسول ال صلى ال عليه وسلم ل تؤخذ على ال‪ ،‬ولكن تؤخذ ل؛ لنه أرسل واحدا‬
‫من نفس الجنس؛ ليكون قادرا على أن يتفاهم مع البشر‪ ،‬وتكون السوة به سهلة‪.‬‬
‫سمَآءِ مَلَكا‬
‫طمَئِنّينَ لَنَزّلْنَا عَلَ ْيهِم مّنَ ال ّ‬
‫ولذلك قال سبحانه‪ {:‬قُل َلوْ كَانَ فِي الَ ْرضِ مَل ِئكَةٌ َي ْمشُونَ ُم ْ‬
‫رّسُولً }[السراء‪]95 :‬‬
‫س ُكمْ { أي‪ :‬من جنس العرب‪ ،‬ولم يأت به من الروم أو من فارس‪ ،‬لكن‬
‫وقوله الحق‪ } :‬مّنْ أَنفُ ِ‬
‫سكُمْ { أي‪ :‬من نفس القبيلة التي تنتمون‬
‫اختار لكم من هو أعلم بطبائعكم‪ .‬أو أن معنى } مّنْ أَنفُ ِ‬
‫إليها معشر قريش‪.‬‬
‫سكُمْ { تعني‪ :‬أنكم تعلمون تاريخه‪ ،‬وتعرفون أنه أهل لتحمل أمانة السماء للرض‪،‬‬
‫أو أن } مّنْ أَنفُ ِ‬
‫كما تحمل أماناتكم من الرض للرض؛ ولن هذا هو سلوكه‪ ،‬فهو قادر على أن يتحمل أمانة‬
‫السماء للرض‪ .‬ولقد سميتموه الصادق المين‪ ،‬والوفي‪ ،‬وكلها مقدمات كانت توحي بضرورة‬
‫اليمان به كرسول من عند ال‪ .‬وإن كانت سلسلة أعماله معكم تثير فخركم‪ ،‬فمجيئة كرسول إنما‬
‫يرفع من ذكركم‪ ،‬ويعلي من شأنكم‪ .‬فأنتم أهل قريش ومكة ولكم السيادة في البيت الحرام‪ ،‬وقد‬
‫جاء محمد صلى ال عليه وسلم؛ ليزيد من رقعة السيادة لكم‪ ،‬فإذا كنتم قبل بعثته صلى ال عليه‬
‫وسلم سادة البيت‪ ،‬فأنتم بعد بعثته سوف تصيرون سادة العالم‪.‬‬
‫س ْوفَ ُتسْأَلُونَ }[الزخرف‪]44 :‬‬
‫ك وَ َ‬
‫ك وَِل َقوْ ِم َ‬
‫ويقول الحق سبحانه‪ {:‬وَإِنّهُ لَ ِذكْرٌ ّل َ‬
‫فهو نبي ال للعالم أجمع ومن العرب ومن قريش‪ ،‬وكان يجب أن يفرحوا برسالته وأن يؤيدوها‪،‬‬
‫لكن ال لم يشأ ذلك؛ لن قريشا قبيلة قد ألفت السيادة على العرب‪ ،‬وهذا جعل العرب يعملون لها‬
‫حسابا‪ ،‬وخافت منها كل قبائل العرب في أنحاء الجزيرة العربية‪ ،‬وكانت لها مهابة هائلة؛ لن كل‬
‫العرب مضطرون للحج إلى الكعبة‪ ،‬وأثناء الحج تكون القبائل كلها في أرض قريش؛ لذلك كانت‬
‫كل القبائل ترعى قوافل قريش‪ ،‬ول تتعرض أي قبيلة لقريش أبدا‪ ،‬فقوافلها تروح وتغدو‪ ،‬جنوبا‬
‫وشمالً‪ ،‬ول تقدر قبيلة أن تقف في مواجهة قريش‪ ،‬أو أن تتعرض لها‪.‬‬
‫وكل هذه المكانة وتلك المهابة أخذتها قريش من خدمتها لبيت ال الحرام؛ ولذلك شاء الحق أل‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يمكن أبرهة من هدم البيت لتظل السيادة لقريش‪ ،‬فلو انهدم البيت الحرام وانصرف الحج إلى اليمن‬
‫جعََلهُمْ‬
‫كما كان يريد أبرهة‪ ،‬فمن أين تأتي السيادة لقريش؟ لذلك قال الحق عن أبرهة وقومه‪َ {:‬ف َ‬
‫َك َعصْفٍ مّ ْأكُولٍ }[الفيل‪]5 :‬‬
‫ل ِفهِمْ ِرحْلَةَ الشّتَآ ِء وَالصّ ْيفِ }[قريش‪]2-1 :‬‬
‫لفِ قُرَيْشٍ * إِي َ‬
‫وأتبعها بقوله‪ {:‬لِي َ‬
‫وما دام الحق سبحانه قد شاء هذا فيأتي أمره في الية التالية‪ {:‬فَلْ َيعْبُدُواْ َربّ هَـاذَا الْبَ ْيتِ * الّذِي‬
‫خ ْوفٍ }[قريش‪]4-3 :‬‬
‫ط َع َمهُم مّن جُوعٍ وَآمَ َنهُم مّنْ َ‬
‫أَ ْ‬
‫وشاء الحق سبحانه أن يبعث بمحمد صلى ال عليه وسلم رسولً يدعو أولً الصناديد‪ ،‬والقبيلة ذات‬
‫المهابة والمكانة‪ ،‬وأن تكون الصيحة اليمانية في آذان سادة الجزيرة الذي تهابهم كل القبائل‪ ،‬حتى‬
‫ل يقال‪ :‬إن محمدا قد استضعف قلة من الناس وأعلن دعوته بينهم‪ ،‬ل‪ ،‬بل جاءت دعوته في آذان‬
‫الصناديد‪ ،‬والسادة‪ ،‬وسفه أحلمهم‪ ،‬وحين رفضوا دعوته هاجر‪ ،‬ثم جاءه الذن بقتالهم‪ ،‬ولم تأت‬
‫نصرة السلم من السادة‪ ،‬بل آمن به الضعاف أولً‪ ،‬ثم هاجر إلى المدينة؛ لتأتي منها النصرة‪.‬‬
‫فلو أن النصرة جاءت من السادة لقالوا‪ :‬جاءت نصرة السلم من قوم ألفوا السيادة‪ ،‬ولما ظهر‬
‫واحد منهم يقول‪ :‬إنه رسول؛ أرادوا أن يسودوا به‪ ،‬ل الجزيرة العربية‪ ،‬بل الدنيا كلها‪ ،‬فتكون‬
‫العصبية لمحمد هي التي خلقت اليمان بمحمد‪ ،‬وال يريد أن تكون النصرة من الضعيف؛ حتى‬
‫يفهم الجميع أن اليمان بمحمد صلى ال عليه وسلم هو السبب في العصبية لمحمد‪.‬‬
‫سكُمْ { بكل ما تعنيه مراحل‬
‫هكذا نفهم معنى‪َ } :‬لقَدْ جَآ َء ُكمْ رَسُولٌ { أي‪ :‬مرسل من ال و } مّنْ أَنفُ ِ‬
‫النفس‪ ،‬وهو مبلغ عن ال‪ ،‬فلم يأت بشيء من عنده‪ ،‬بل كل البلغ الذي جاء به من ربه‪ ،‬والرب‬
‫بإقراركم هو الذي خلق لكم ما تنتفعون به من السموات والرض‪ .‬وسبحانه يقول‪ {:‬وَلَئِن سَأَلْ َتهُم‬
‫مّنْ خََل َقهُمْ لَ َيقُولُنّ اللّهُ‪[} ...‬الزخرف‪]87 :‬‬
‫سمَاوَاتِ وَالَ ْرضَ لَ َيقُولُنّ اللّهُ‪[} ...‬لقمان‪]25 :‬‬
‫ويقول‪ {:‬وَلَئِن سَأَلْ َتهُمْ مّنْ خََلقَ ال ّ‬
‫إذن‪ :‬فالمخلوق هو الخليفة النسان‪ ،‬وما خلقه ال في الكون‪ ،‬إنما خلقه لخدمتكم كلكم‪ ،‬وأنتم تقرون‬
‫ذلك‪ ،‬فإذا كان الرب قد سبق لكم بهذه النعم‪ ،‬وجاء الرسول الذي جاء لكم من عنده بما يسعدكم‪،‬‬
‫وقد استقبلتم خيره قبل أن يأتي لكم بالتكاليف‪ ،‬واستقبلتم نعمته قبل أن تكونوا مخاطبين له‪ ،‬إذن‪:‬‬
‫فال الذي أرسل رسوله بالتكاليف والمنهج لكم‪ ،‬ل بد أن يكون قد كلف من هو مؤتمن عليكم‪ ،‬وهو‬
‫صلى ال عليه وسلم لم يأت من جنس الملئكة‪ ،‬بل هو بشر مثلكم‪ ،‬فإذا قال لكم‪ :‬افعلوا كذا وكذا‬
‫وأنا أسوة لكم في الفعل‪ ،‬فل تتعجبوا‪ ،‬لكن غبار الكافرين بال جعلهم يريدون أن يكون الرسول‬
‫ملكا‪ ،‬فقال الحق‪َ {:‬ومَا مَنَعَ النّاسَ أَن ُي ْؤمِنُواْ إِذْ جَآءَ ُهمُ ا ْلهُدَىا ِإلّ أَن قَالُواْ أَ َب َعثَ اللّهُ بَشَرا رّسُولً‬
‫سمَآءِ مَلَكا رّسُولً }[السراء‪:‬‬
‫طمَئِنّينَ لَنَزّلْنَا عَلَ ْيهِم مّنَ ال ّ‬
‫* قُل َلوْ كَانَ فِي الَ ْرضِ مَل ِئكَةٌ َيمْشُونَ مُ ْ‬
‫‪]95-94‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أي‪ :‬إن كنتم تريدون مَلَكا‪ ،‬فالملك له صورة ل ترونها‪ ،‬ول بد أن نجعله ملكا في صورة بشر؛‬
‫ليخاطبكم‪ ،‬إذنك فهل المشكلة مشكلة هيئة وشكل؟ ثم إن الملئكة بحكم الخلق‪ {:‬لّ َي ْعصُونَ اللّهَ مَآ‬
‫َأمَرَهُ ْم وَ َي ْفعَلُونَ مَا ُي ْؤمَرُونَ }[التحريم‪]6 :‬‬
‫فإذا قال لكم الرسول الملك‪ :‬أنا أسوة لكم في العمل الصالح‪ ،‬أكانت تصح السوة؟ من المؤكد أن‬
‫بعضنا سيقول‪ :‬ل‪ ،‬لن تنتفع السوة؛ لنك مَلَك مطبوع على الخير‪ ،‬وليس لك شهوة بطن‪ ،‬ول‬
‫شهوة فرج‪ ،‬إذن‪ :‬فأسوتنا بك ل تصلح‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فمن رحمته سبحانه بكم أن جعل لكم رسولً من أنفسكم‪ ،‬ومن قبيلتكم‪ ،‬ومن العرب‪ ،‬ل من‬
‫فارس والروم‪ ،‬وهو يخاطبكم بلغتكم؛ لنكم أنتم أول آذان تستقبل الدعوة؛ فل بد أن يأتي الرسول‬
‫بلسانكم‪ ،‬وجاءكم محمد صلى ال عليه وسلم بالنس واللفة؛ لن من قريش التي لها بطون في كل‬
‫الجزيرة ولها قرابات‪ ،‬وأنس وألفة بكل العرب‪ ،‬وأنس ثالث أنه من البشر‪ ،‬وجاء به الحق سبحانه‬
‫فردا من الفراد‪ ،‬محكوم له بالصدق والمانة قبل أن يبلغكم رسالته من ال‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فإذا جاءكم الرسول بتكليف قد يشق عليكم‪ ،‬فاستصحبوا كل هذه الشياء؛ لتردوا على‬
‫أنفسكم‪ :‬هو بشر وليس مَلَكا‪ .‬هو من العرب وليس من العجم‪ .‬هو من قبيلتكم التي نشأ بينكم فيها‪.‬‬
‫هو من تعرفون سلوكه قبل أن يبلغ عن ال‪ ،‬فما كذب على البشر في حق البشر‪ .‬أفيكذب على‬
‫البشر بحق ال؟‬
‫سكُمْ { أي‪ :‬أنه صلى ال عليه وسلم بالمقياس‬
‫وقرأ عبد ال بن قسيط المكي هذه الية‪ } :‬مّنْ أَنفُ ِ‬
‫البشري هو من أقدركم وأحسنكم‪ .‬ولذلك حينما جاء الرسول صلى ال عليه وسلم بالدعوة عن ال‪،‬‬
‫هل انتظرت سيدتنا خديجة رضي ال عنها أن يأتي لها بمعجزة؟ هل انتظر أبو بكر أن يأتي له‬
‫ل منهما أخذ المعجزة من ناحية تاريخه الماضي‪.‬‬
‫بمعجزة؟ ل‪ ،‬لم ينتظر أحدهما لن ك ّ‬
‫وحينما قال لخديجة‪ " :‬يأتيني ويأتيني ويأتيني " وكانت ناضجة التكوين والفكر والعقل‪ ،‬وعلمنا مما‬
‫قالت لماذا اختار ال له أن يتزوجها وعمره خمسة وعشرون عاما‪ ،‬وعمرها أربعون سنة‪ ،‬مع أن‬
‫المألوف أن يحب النسان الزواج ممن هي دونه في العمر‪.‬‬
‫لكن المسألة لم تكن زواجا بالمعنى المعروف‪ ،‬لكنه زواج لمهمة أسمى مما نعرف‪ ،‬ففي فترة هذا‬
‫الزواج ستكون الفترة النتقالية بين البشرية العادية إلى البشرية التي تتلقى من السماء‪ ،‬وهذه فترة‬
‫تحتاج إلى قلب أم‪ ،‬ووعاء أم تحتضنه وتُربّت عليه‪.‬‬
‫فلو كانت فتاة صغيرة وقال لها مثلما قال صلى ال عليه وسلم لخديجة لشكت في قواه العقلية‪ ،‬لكن‬
‫خديجة العاقلة استعرضت القضية استعراضا عقليّا بحتا‪ .‬فحين قال لها‪ :‬أنا أخاف أن يكون الذي‬
‫يأتيني رئي من الجن‪ .‬قالت له‪ " :‬إنك لتصل الرحم‪ ،‬وتكسب المعدوم وتعين على نوائب الحق‪،‬‬
‫وال ل يخزيك ال أبدا "‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إذن‪ :‬فقد أخذت من مقدمات حياته قبل البعثة ما يدل على صدقه بعد البعثة‪.‬‬
‫وكذلك أبو بكر رضي ال عنه‪ ،‬حينما قالوا له‪ :‬إن صاحبك يدعي أنه رسول‪ .‬قال‪ :‬أهو قالها؟‬
‫قالوا‪ :‬نعم‪ .‬قال‪ :‬إنه رسول من ال لنه لم يكذب طوال عمره‪.‬‬
‫وبعد ذلك يقول الحق‪ } :‬عَزِيزٌ عَلَ ْيهِ مَا عَنِتّمْ {‪ .‬وكلمة } عَزِيزٌ { أي‪ :‬ل يُنال ول يقدر عليه أحد‪،‬‬
‫والشيء العزيز أي نادر الوجود‪ .‬وقد تقول لنسان‪ " :‬قد تكن وزيرا "؛ فيصمت رجاء‪ ،‬لكن إن‬
‫قلت له‪ " :‬ستصبح رئيس وزراء " فيقول‪ :‬هذه مسألة مستعصية وكبيرة عليّ بعض الشيء‪.‬‬

‫(‪)1350 /‬‬
‫حسْ ِبيَ اللّهُ لَا إَِلهَ إِلّا ُهوَ عَلَ ْيهِ َت َوكّ ْلتُ وَ ُهوَ َربّ ا ْلعَرْشِ ا ْل َعظِيمِ (‪)129‬‬
‫فَإِنْ َتوَّلوْا َف ُقلْ َ‬

‫ولم يقل الحق لرسوله‪ " :‬إن تولوا وأعرضوا فاعتقد أن حسبك ال " ل‪ ،‬بل أعلنها للناس كافة؛‬
‫حتى يسمعوها‪ ،‬ولعل في إعلنك لها ما يلفتهم إلى الحقيقة؛ لنك إن قلتها؛ فلن تقولها إل وعندك‬
‫رصيد إيماني بها‪ ،‬وإن فعل أحدهم شيئا ضدك؛ فسوف يعاقبه ال‪.‬‬
‫حسْ ِبيَ اللّهُ }‬
‫وحين تعلن‪ { :‬حَسْ ِبيَ اللّهُ } بعد أن كذبوك‪ ،‬فالحداث التي سوف تأتي بعد إعلنك { َ‬
‫ستؤكد أن حسبك في مكانه الصحيح‪ ،‬ول المثل العلى ‪ -‬أنت تقول‪ " :‬حسبي نصرة فلن "؛‬
‫لنك تثق في قدرة فلن هذا‪ ،‬ولكن القوة في الحياة أغيار‪ ،‬وحين تقول‪ { :‬حَسْ ِبيَ اللّهُ } فل إله‬
‫غيره سبحانه‪ ،‬ول إله آخر يعارضه في هذا أو في غيره‪.‬‬
‫حسْ ِبيَ اللّهُ } برصيد { ل إِلَـاهَ ِإلّ ُهوَ } و { ل إِلَـاهَ } نفي‪ ،‬و { ِإلّ ُهوَ } إثبات‪ ،‬إذن‪:‬‬
‫وقل { َ‬
‫ففي هذا القول‪ { :‬ل إِلَـاهَ ِإلّ ُهوَ } نفي منطقي مع سلب‪ ،‬وإثبات منطقي مع اليجاب‪ ،‬وهنا نفي‬
‫أيّ ألوهية لغير ال‪ ،‬والستثناء من ذلك هو ال‪ ،‬ورحم ال شيخنا عبد الرحمن عزام حين ترجم‬
‫ب فيهما للنفسِ عزمٌ‬
‫عن محمد إقبال شاعر باكستان الكبير‪ ،‬فقال‪:‬إنّما التوحيد إيجابٌ وسل ٌ‬
‫ومضاءُإيجاب في { ِإلّ ُهوَ } ‪ ،‬وسلب في { ل إِلَـاهَ } ‪ ،‬فيهما للنفس عزم ومضاء‪ ،‬أي‪ :‬هما‬
‫للنفس قطبا الكهرباء‪ ،‬فاسلب اللوهية من غير ال وأثبتها ل‪.‬‬
‫والناس ‪ -‬كما نعلم ‪ -‬ثلثة أقسام‪ :‬قسم ينكر وجود إله للكون مطلقا‪ ،‬وهم الملحدة‪ ،‬وقسم ثان‬
‫يقول‪ :‬إن هناك ال الذي يوحده المسلمون؛ لكن له شركاء ينفعوننا عند ال‪ .‬وقسم ثالث يقول‬
‫بوحدانية ال‪.‬‬
‫وساعة نقول { ل إِلَـاهَ ِإلّ ُهوَ } نكون قد أثبتنا اللوهية ل‪ ،‬وأثبتنا أن ل شريك له‪ ،‬وأثبتنا أل إله‬
‫غيره‪ ،‬وسبحانه يقول‪:‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫{ فَإِن َتوَّلوْاْ َف ُقلْ حَسْ ِبيَ اللّهُ ل ِإلَـاهَ ِإلّ ُهوَ عَلَ ْيهِ َت َوكّ ْلتُ } وهذا أمر طبيعي‪ ،‬ويمكن أن نعرفه‬
‫بالحساب؛ ولذلك جاء بـ { حَسْ ِبيَ } من الحساب‪ .‬واحسبها فلن تجد إل ال‪ .‬وما دام حسبك ال‬
‫ول إله إل هو‪ ،‬فسبحانه يبسط عليك حمايته ونصرته لك‪ ،‬فمن العقل أن تضع نفسك بين يدي‬
‫رسولك‪ ،‬الذي أبلغك البلغ الكامل عن ال‪ ،‬وأن تتوكل عليه سبحانه‪.‬‬
‫وما دام سبحانه هو حسبك ول إله إل هو‪ ،‬والواجب يفرض عليك أن تظل في مَعيّته سبحانه‪،‬‬
‫ومعيّة ال مرحلتان‪ :‬الولى بأخذ السباب التي أمدّ بها خلقه‪ ،‬ومعية إيمانك المطلق بأن السباب‬
‫إن عجزت معك‪ ،‬فأنت تلجأ إلى مسبّب السباب الموجود وهو رب الوجود‪.‬‬
‫وترى ‪ -‬مثلً ‪ -‬الناس وهي تحتاج إلى المياه؛ لنها ضرورة للحياة؛ فيذهبون إلى البئر فل‬
‫يجدون الماء رغم وجود البئر؛ لن المياه التي تأتي من جوف الرض لم تعد تتسرب إليه‪،‬‬
‫ولماذا؟ لن المخزون من ماء المطر الذي كان يأتي من أعالي الجبال ويتسرب تحت الرض قد‬
‫نفد‪ ،‬ولهذا نحتاج إلى مدد من أمطار السماء؛ لتجري إلى المسارب تحت الرض وتعود المياه إلى‬
‫البئر‪.‬‬
‫وإذا جفّت البار المحيطة بنا‪ ،‬هل نيأس؟ ل؛ لن ربنا بيّن لنا‪ :‬ارفعوا أيديكم لربكم‪ .‬إذن‪ :‬فنحن‬
‫إذا استنفدنا السباب نطلب من المسبب‪ ،‬ولذلك أتحدى أن يستنفد واحد أسباب ال الممدودة إليه‪،‬‬
‫ويلجأ إلى ال فيرده‪.‬‬
‫إن يد ال ممدودة لنا بالسباب ول يصح أن يهمل إنسان ول يأخذ بالسباب‪ ،‬ويقول‪ :‬أنا متوكل‬
‫على ال‪ ،‬إن على النسان أن يأخذ أولً بالسباب وأن يستنفدها‪ ،‬وبعد ذلك يقول‪ :‬ليس لي ملجأ إل‬
‫ضطَرّ إِذَا دَعَاهُ }[النمل‪]62 :‬‬
‫أنت سبحانك‪ ،‬واقرأ إن شئت قول ال سبحانه‪َ {:‬أمّن يُجِيبُ ا ْل ُم ْ‬
‫والمضطّر‪ :‬هو من استنفد أسبابه‪ ،‬وليس له إل ال‪ .‬لكن أن يقول إنسان‪ :‬أنا أدعو ال ليل نهار‬
‫وأسبّحُه سبحانه وأقرأ سورة يس مثلً‪ ،‬ول يستجيب ال لدعائي‪ .‬ونقول لمثل هذا القائل‪ :‬أنت ل‬
‫تدعو عن اضطرار ولم تأخذ بالسباب‪ ،‬خذ بالسباب التي خلقها ال‪ ،‬أولً‪ ،‬ثم ا ْدعُ بعد ذلك‪ .‬ول‬
‫ت ْدعُ إل إذا استنفدت السباب؛ فيجيبك المسبّب‪ ،‬وبذلك ل تفتن بالسباب‪ ،‬فحين تمتنع السباب؛‬
‫تلجأ إلى ال‪ .‬ولو كانت السباب تعطي كلها لفُتِنَ النسان بالسباب‪ ،‬والحق سبحانه يقول‪ {:‬كَلّ إِنّ‬
‫طغَىا * أَن رّآهُ اسْ َتغْنَىا }[العلق‪]7-6 :‬‬
‫الِنسَانَ لَيَ ْ‬
‫لذلك نجد الحق يبيّن دائما أن كل السباب بيده‪ ،‬فنرى من يحرث ويبذر ويروي ويرعى‪ ،‬ثم‬
‫يقترب الزرع من النضج‪ ،‬وبعد ذلك تأتي موجة حارة تميته‪ ،‬أو ينزل سيل يجرفه‪ .‬إذن‪ :‬خذ‬
‫بالسباب واجعل المسبب دائما في بالك‪ ،‬وهنا يصح توكلك على ال‪.‬‬
‫وكثير من الناس يخطئ في فهم كلمة " التوكّل " ‪ ،‬وأقول‪ :‬إن التوكل يعني أن تأخذ‪ ،‬أولً‪ ،‬أسباب‬
‫ال التي خلقها سبحانه في كونه‪ ،‬فإن عَزّت السباب ولم تصل إلى نتيجة؛ فاتجه إلى ال‪ ،‬مصداقا‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لقوله‪َ } :‬أمّن ُيجِيبُ ا ْل ُمضْطَرّ إِذَا دَعَاهُ {‪.‬‬
‫ونحن ندعو أحيانا عن غير اضطرار ونهمل السباب‪ ،‬والمثال تجده في حياتنا حين يقول البن‬
‫لمه‪ " :‬ادعي لي حتى أنجح " وتجيب الم المية قائلة كلمة بسيطة هي‪ " :‬ساعد الدعاء بقليل من‬
‫المذاكرة " ‪ ،‬وهي بذلك تدل ابنها على ضرورة الخذ بالسباب‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فمعنى التوكل‪ ،‬أن تستنفد السباب التي مدّتها يد ال إليك‪ .‬فإذا استنفدتها؛ إياك أن تيأس؛ لن‬
‫لك ربّا‪ ،‬وهو سبحانه ركن شديد ترجع إليه‪.‬‬
‫ومثال آخر‪ :‬إذا كنت سائرا في الشارع ومعك جنيه واحد مثلً ثم وقع منك أو سُرق‪ ،‬ول تملك في‬
‫البيت أو في البنك مليما واحدا‪ ،‬هنا تغضب وتحزن‪ ،‬أما إن كان في البيت عشرة جنيهات؛ فنسبة‬
‫الغضب والحزن ستكون قليلة‪ ،‬وإذا كان في البيت عشرة جنيهات وفي البنك مائة جنيه؛ فلن‬
‫تحزن أو تغضب لضياع الجنيه الواحد‪.‬‬

‫(‪)1351 /‬‬
‫حكِيمِ (‪)1‬‬
‫الر تِ ْلكَ آَيَاتُ ا ْلكِتَابِ ا ْل َ‬

‫و { الر } ثلثة حروف‪ ،‬وقد سبقتها سورة البقرة بـ { الم } و { الم } في أول سورة آل عمران‪،‬‬
‫وفي أول سورة العراف { المص } وهنا { الر } في أول سورة يونس‪ .‬ونلحظ أن { الم } و‬
‫{ المص } و { الر } كلها أسماء حروف‪.‬‬
‫وكل شيء له اسم وله مسمى‪ ،‬أنا اسمي الشعراوي صحيح‪ ،‬والمسمّى هو صورتي‪ .‬فإذا أُطلق‬
‫السم جاءت صورة المسمّى في الذهن‪.‬‬
‫فساعة نقول‪ " :‬السماء " يأتي الذهن " ما علك "‪ .‬وساعة تقول‪ " :‬المسجد " يأتي إلى الذهن‬
‫المكان المحيّز للصلة‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فهناك فرق بين السم والمسمّى‪ .‬وكل إنسان أمّي‪ ،‬أو متعلم‪ ،‬له قدرة على الكلم‪ ،‬لكن ل‬
‫ينطبق بأسماء الحروف إل من تعلّم‪ .‬وفي النجليزية نطلب ممن يتعلمها أن يتهجّى أسماء‬
‫الحروف‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فال ُكلّ ‪ -‬كل متكلم ‪ -‬يعرف النطق بمسمّيات الحروف ولكن الذي يعرف المسميات ويعرف‬
‫السماء هو من جلس إلى معلّم‪ .‬وعرف أنك حين تقول‪ " :‬أكلت " ‪ ،‬فهذه الكلمة مكونة من (همزة‪،‬‬
‫وكاف‪ ،‬ولم‪ ،‬وتاء)‪.‬‬
‫فإن كانت بعض سور القرآن قد بَدأت بـ { الم } وهذه أسماء حروف‪ ،‬ل مسمّيات حروف‪،‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ومحمد صلى ال عليه وسلم أ ّميّ لم يتعلم‪ ،‬فمن الذي علّمه أسماء الحروف؟‬
‫هي‪ ،‬إذن‪ ،‬رمزية على أنه ‪ -‬بإقرار الجميع ‪ -‬أمي ولم يجلس إلى معلم‪ ،‬ولم يقل له أحد شيئا‪ ،‬ثم‬
‫نطق بعد ذلك بأسماء الحروف " ألف لم ميم " ولو نظرت إلى المنطوق بالسماء تجدها أربعة‬
‫عشر حرفا تكررت‪ ،‬وهي نصف حروف الهجاء‪.‬‬
‫ومن العجيب أن توصيف حروف الهجاء جاء بعد أن نزل القرآن‪ .‬وقسمناها نحن إلى حروف‬
‫مهجورة وحروف مهموسة وحروف رقيقة وحروف رخوة‪ .‬وقد حدث هذا التقسيم بعد أن نزل‬
‫القرآن‪ .‬وبالستقراء تجد الربعة عشر حرفا التي تأتي في فواتح السور تمثل كل أنواع الحروف‪.‬‬
‫من‪ :‬رقيق‪ ،‬ومفخم‪ ،‬ومجهور‪ ،‬ومهموس‪ ،‬ومستعلٍ‪ ،‬وبدأ ال بها على أشكال مختلفة‪ ،‬فمرة يبدأ‬
‫بحرف واحد‪ {:‬ص وَا ْلقُرْآنِ ذِي ال ّذكْرِ }[ص‪]1 :‬‬
‫ويقول سبحانه‪ {:‬ق وَا ْلقُرْآنِ ا ْلمَجِيدِ }[ق‪]1 :‬‬
‫سطُرُونَ }[القلم‪]1 :‬‬
‫ويقول سبحانه‪ {:‬ن وَا ْلقَلَ ِم َومَا يَ ْ‬
‫إذن‪ :‬فثلث سور ابتدأت بحرف واحد‪.‬‬
‫وهناك سور ابتدأت بحرفين اثنين مثل‪ { :‬طه }‪ { .‬يس }‪ { .‬طس } ‪ { ،‬حـم }‪.‬‬
‫وهناك سور بدئت بثلثة حروف‪ { :‬الم } مثلما بدأت سورة البقرة‪ ،‬وسورة آل عمران‪ ،‬وسورة‬
‫العنكبوت‪ ،‬وسورة الروم‪ ،‬وسورة السجدة‪.‬‬
‫وهناك سور قد بدئت بـ { الر }‪.‬‬
‫وثلث سور تتفق في اللف واللم‪ .‬وتختلف في " الميم والراء " ‪ ,‬و { الر } في أول سورة يونس‬
‫و { الر } في أول سورة يوسف‪ .‬و { الر } في أول سورة إبراهيم‪ ،‬و { الر } في أول سورة‬
‫الحجر‪.‬‬
‫وهناك سورة قد بدئت بأربعة حروف مثل‪ { :‬المص } في أول سورة العراف‪ ،‬وكذلك سورة‬
‫الرعد بدأت بـ { المر }‪.‬‬
‫وهناك سور قد بدأت بخمسة حروف مثل سورة مريم } كهيعص {‪ .‬وكذلك سورة الشورى بدأت‬
‫بـ } حـم * عسق {‪.‬‬
‫ومرة يطلق الحرف أو الحرفان في أول السورة ول تعتبر آية وحدها؛ بل جزءا من آية‪ ،‬وهناك‬
‫سورتان تبدآن بأحرف وتعتبر آية مثل } طه { ‪ ،‬و } يس {‪ .‬أما في سورة النمل فهي تبدأ بـ }‬
‫طس { ول تعتبر آية وحدها‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فمرة تنطق الحروف وحدها كآية مكتملة‪ ،‬ومرة تكون الحروف بعضا من آية‪ ،‬ومرة تأتي‬
‫خمسة حروف مثل } كهيعص { ‪ ،‬وكل هذا يدلك على أن القرآن توقيفي‪ .‬ولم تأت آياته على نسق‬
‫واحد؛ لننتبه إلى أن الحق سبحانه أنزل هذه الحروف هكذا‪ ،‬وكذلك نجد كلمة " اسم " في القرآن‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫في } بسم ال { وتكتب من غير ألف‪ ،‬وهي ألف وصل‪ ،‬أي‪ :‬تنطقها حين تقرأها لكن الحرف‬
‫سمِ رَ ّبكَ‬
‫يسقط عند الكتابة‪ ،‬ولكنها ل تسقط عندما نكتب الية الولى من سورة العلق‪ {:‬اقْرَأْ بِا ْ‬
‫الّذِي خَلَقَ }[العلق‪ ]1 :‬ومثال آخر لو استعرضت في القرآن الكريم كلمة " تبارك " ‪ ،‬ستجد فيها‬
‫ألفا بعد الباء‪ ،‬وتأتي مرة من غير ألف‪ ،‬وكلمة " البنات " نجدها مرة بألف ومرة من غير ألف‪،‬‬
‫كل ذلك؛ لنفهم أن المسألة ليس لها رتابة كتابة؛ لنها لو كانت رتابة كتابة؛ لجاءت على نظام‬
‫واحد‪.‬‬
‫وقد شاء الحق هذا المر؛ لتكون كتابة القرآن معجزة‪ ،‬كما كانت ألفاظه وتراكيبه معجزة‪ .‬وقد قال‬
‫البعض‪ :‬إن العرب المعاصرين لرسول ال صلى ال عليه وسلم لم يكونوا أهل إتقان للكتابة‪،‬‬
‫ونقول‪ :‬لو كانوا على غير دراية بالكتابة لما كتبوا " بسم " من غير ألف في موقعها‪ ،‬لقد علموا أن‬
‫القرآن يجب أن يكتب كما نزل به جبريل عليه السلم على رسول ال صلى ال عليه وسلم كتابة‬
‫توقيفية‪ ،‬أي‪ :‬كما أمر الحق سبحانه‪.‬‬
‫وعجيبة أخرى أن كل آيات القرآن مبنية على الوصل‪ ،‬فأنت ل تقرأ ختام السورة بالسكون‪ ،‬بل‬
‫تلتفت لتجد الكلمة التي في ختام أي سورة مشكلة بغير السكون‪.‬‬
‫والمثال هو‪ } :‬وَ ُهوَ َربّ ا ْلعَرْشِ ا ْلعَظِيمِ { وجاء الحرف الخير بالكسر ل بالسكون؛ لتقرأ‬
‫موصولة بما بعدها‪ ،‬فتقرأ كالتي‪ } :‬وَ ُهوَ َربّ ا ْلعَرْشِ ا ْل َعظِيمِ بسم ال الرّحْمانِ الرّحِيـمِ {‪.‬‬
‫عضِينَ‬
‫وهذه الحركة دلت على أن جميع آيات القرآن موصولة ببعضها‪ ،‬وإياك أن تجعل القرآن } ِ‬
‫{ فل تأخذ بعضا من آياته مفصولً عن غيرها‪ ،‬بل القرآن كله موصولة‪ ،‬فليس في القرآن من‬
‫وقف واجب‪ ،‬بل اليات كلها مبنية على الوصل‪ ،‬وإن كانت الكلمة الخيرة تنتهي بالفتحة فأنت‬
‫تقرأها منصوبة ومن بعدها } بسم ال الرّحْمانِ الرّحِيـمِ { فنحن ل نسكّن الحرف الخير في أي‬
‫سورة؛ لنها موصولة بما بعدها‪.‬‬
‫وحتى في الحكم التجويدي إن وجد إقلب ننطقه إقلبا‪ ،‬وإن وجد إظهاء ننطقه إظهارا؛ لن آيات‬
‫القرآن مبنية على الوصل‪.‬‬
‫ولقائل أن يقول‪ :‬إذا كان القرآن قد بني على الوصل‪ ،‬فكان المفروض أن آيات القرآن التي بدئت‬
‫بحروف المعجم تنبني على طريق المعجم‪ .‬فل نقول (ألف لم ميم) بل نقول " ألم "‪.‬‬
‫ونقول لمثل هذا القائل‪ :‬ل‪ ،‬إن حروف القرآن التي بدئت بها السور يجب أن ننطقها كما هي‪،‬‬
‫فننطق " ألف " ثم نقف‪ ،‬ونقرأ " ميم " ثم نقف‪ ،‬ونقرأ " لم " ثم نقف‪ ،‬ونقرأ " ميم " ثم نقف؛ لن‬
‫هذه الحروف جاءت هكذا‪ ،‬وعلّمها جبريل عليه السلم لرسول ال صلى ال عليه وسلم هكذا‪،‬‬
‫حتى ل نقول رتابة كلم‪ ،‬بل إن لذلك حكمة عند ال سواء فهمتها أنت الن أم لم تفهمها‪.‬‬
‫وقد نزل القرآن على أمة عربية وظل أناس على كفرهم‪ ،‬وكانوا يعاندون رسول ال‪ ،‬ويترصدون‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لي هفوة؛ ليدخلوا منها للتشييك في القرآن‪ ،‬ولكن أسمعتم رغم وجود الكافرين الصناديد أن واحدا‬
‫قال‪ :‬ما معنى } الم {؟‬
‫لم يقل أحد من الكافرين ذلك‪ ،‬رغم حرصهم على أن يأتوا بمطاعن في القرآن‪ ،‬بل اعترفوا‬
‫بمطلق بلغة القرآن الكريم‪ ،‬مما يدل على أنهم فهموا شيئا من } الم { بملكتهم العربية‪ ،‬ولو لم‬
‫يفهموا منها شيئا؛ لطعنوا في القرآن‪ .‬لكنهم لم يفعلوا‪.‬‬
‫وأيضا صحابة رسول ال صلى ال عليه وسلم وهم أهل حرص على الفهم‪ ،‬هل سمعت أن أحدا‬
‫سأل رسول ال عن معنى } الم {؟ لم يحدث‪ ،‬مما يدل على أنهم انفعلوا لقائلها بسرّ ال فيها‪ ،‬ل‬
‫بفهم عقولهم لها؛ لن الوارد من عند ال ل يوجد له معارض من النفس‪ ،‬وإن لم العقل فهو‬
‫يرفضه مع استراحة النفس له‪.‬‬
‫وضربنا من قبل مثلً‪ ،‬فقلنا‪ :‬إن آل فرعون حين استحيوا نساء بني إسرائيل وذبحوا الذكور‪ ،‬فماذا‬
‫ضعِيهِ‬
‫فعلت أم موسى؟ لقد أوحى لها ال ما جاء خبره في القرآن‪ {:‬وََأوْحَيْنَآ إِلَىا أُمّ مُوسَىا أَنْ أَ ْر ِ‬
‫خفْتِ عَلَ ْيهِ فَأَ ْلقِيهِ فِي اليَمّ‪[} ...‬القصص‪]7 :‬‬
‫فَإِذَا ِ‬
‫هاتِ أيّ أمّ وقُلْ لها‪ :‬حين تخافين على وليدك فارميه في البحر‪ ،‬طبعا لن تنفذ أي أم هذا القتراح‪.‬‬
‫كان من الممكن أن تحاول أم موسى إخفاء موسى بأي وسيلة‪.‬‬
‫أما أن تلقيه في البحر مظنّة أن تنجيه من الذبح‪ ،‬فهذا أمر غير متخيّل‪ ،‬ولكن هذا أمر وارد من‬
‫الرحمن باللهام والوحي‪ ،‬فل يأتي الشيطان؛ ليعارضه أبدا؛ ولذلك طمأنها الحق سبحانه؛ لن‬
‫خفْتِ عَلَيْهِ فَأَ ْلقِيهِ فِي ال َيمّ‪[} ...‬القصص‪]7 :‬‬
‫اليات وردت‪ {:‬فَِإذَا ِ‬
‫وكأن هناك تمهيدا يعلّمها الستعداد للمر قبل أن يقع‪ ،‬وحين جاء المر‪ {:‬إِذْ َأوْحَيْنَآ إِلَىا ُأ ّمكَ مَا‬
‫يُوحَىا * أَنِ ا ْق ِذفِيهِ فِي التّابُوتِ فَا ْق ِذفِيهِ فِي الْيَمّ‪[} ...‬طه‪]39-38 :‬‬
‫والكلم هنا كلم عَجَلَة؛ لن هذا وقت التنفيذ‪ ،‬وطمأنها سبحانه بأن أصدر أوامره للبحر أن يقذفه‬
‫إلى الشاطئ‪:‬‬
‫حلِ‪[} ...‬طه‪]39 :‬‬
‫{ فَلْيُ ْلقِهِ الْيَمّ بِالسّا ِ‬
‫ع ُدوّ لّهُ‪...‬‬
‫ع ُدوّ لّي وَ َ‬
‫حلِ يَ ْأخُ ْذهُ َ‬
‫وأصدر الحق أوامرع إلى العدوّ أن يأخذه؛ ليربيه‪ {:‬فَلْيُ ْلقِهِ الْيَمّ بِالسّا ِ‬
‫}[طه‪]39 :‬‬
‫إذن‪ :‬وارد الرحمن ل يأتي له رد أبدا‪.‬‬
‫وكذلك يستقبل المؤمن } الم { بسر ال فيها‪ ،‬ل بفهم عقله‪.‬‬
‫وأنا أنصح من يريد أن يقرأ القرآن تعبدا أل يشغل نفسه بالمعنى‪ ،‬على خلف من يقول‪ " :‬اقرأ‬
‫لتستنبط "؛ لن من يريد أن يستنبط هو الذي يقف عند اللفظ‪ ،‬ويطلب معناه‪ .‬فإذا قرأت القرآن‬
‫للتعبد؛ فلتقرأه بسر ال فيه؛ حتى ل تحدد القرآن بمعلوماتك؛ فتأخذه أخذا ناقصا بنقصك البشرى؛‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لذلك في قراءة التعبد نأخذ اللفظ بسر ال في اللفظ؛ فليس كل قارئ للقرآن متخصصا في اللغة؛‬
‫ليعرف أصل كل كلمة‪ ،‬والكثير منا أمي‪ ،‬يريد التعبد بالقرآن‪ ،‬إذن ‪ -‬فليأخذ القرآن بسر من لقنه‬
‫إياها‪.‬‬
‫وقد فهم العربي القديم عن الحروف التوقيفية في أوائل بعض السور أشياء‪ ،‬وللغته فيها نظائر؛‬
‫جهَلنْ‬
‫لنه مثلً حين يقرأ الشعر‪ ،‬ويلتفت إلى شاعر يقول‪:‬أل هُبّي بِصحْنكِ فَاصبِحينا ويقول‪:‬أل ل َي ْ‬
‫أحدٌ عليْنا فَنجهَل فوْقَ جَهل الجَاهِلينَاما معنى أل هنا‪ ،‬ولماذا جاءت؟ فالمعنى واضح بدونها‪ ،‬لكن‬
‫العربي القديم قد نطق هذا البيت‪ ،‬وعرف أن الكلم وسيلة إفهام وفهم بين المتكلم والسامع‪.‬‬
‫والمتكلم هو مالك الزمام في أن يتكلم‪ ،‬أو ل يتكلم‪ ،‬والسامع مفاجأ بالكلم‪ ،‬فإذا ما ألقيت الكلم إلى‬
‫السامع؛ قد يكون في ذهنه مشغولً‪ ،‬وإلى أن ينتبه لكلماتك‪ ،‬قد تفوته جزئية من جزئيات الكلم؛‬
‫فتنبه أنت إلى ما قلت؛ فيتنبه؛ ليستوعب كل ما قلت‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فما المانع أن يكون الحق سبحانه وتعالى يريد أن يهيئ الذهان بـ } الم {؛ حتى نسمع‪ ،‬ثم‬
‫تأتي اليات الحاملة للمنهج من بعد ذلك؟‬
‫وما المانع في أن نفهم أن النبي المي ل يعرف كيف ينطق بأسماء الحروف‪ ،‬فهو إن نطق فإنما‬
‫يصدر ذلك بعد تعليم ال له؟‬
‫ولماذا ل نفهم منها أيضا أن وسائل الفهم ل تنتهي إلى أن تقوم الساعة؟ وإل لو انتهت عند البشر؛‬
‫لكان كلم ال قد حددت صفته بفهم البشر‪ ،‬وسبحانه قد شاء أن نغترف من معاني كلماته الكثير‬
‫على مدى الزمان‪ ،‬والقرآن كلم ال‪ ،‬وكلم ال صفته‪ ،‬وصفته ل تتناهى في الكمال‪ ،‬فإن عرفت‬
‫كل مدلولتها‪ ،‬تكون قد حددت الكمال بعلم‪ ،‬لكن القرآن ل نهاية له‪.‬‬
‫ولماذا ل نفهم أن القرآن الذي بيّن الحق سبحانه وتعالى أنه معجزو محمد صلى ال عليه وسلم‬
‫هو من جنس ما نبغ فيه قومه؛ فتحداهم من جنس ما برعوا فيه‪ .‬ويقول لهم‪ :‬هاتوا مثيلً له‪ ،‬ولن‬
‫تستطيعوا‪ ،‬ولو أنه جاء بالقرآن على غير لغتهم في الكلم لقالوا‪ :‬ل نستطيع؛ لن حروف هذه‬
‫اللغة جديدة علينا‪.‬‬
‫وقد شاء الحق أن يكون القرآن من نفس الحروف التي يتحدثون بها‪ ،‬وبالكلمات التي يعرفونها في‬
‫لغتهم‪ ،‬وشاء سبحانه أن يجعل حروف وكلمات وآيات وأساليب القرآن غير قابلة للتقليد؛ لن‬
‫المتكلم مختلف‪ ،‬وبهذا جاءت عظمة القرآن ل من ناحية المادة الخام التي تبني منها الكلمات وهي‬
‫الحروف؛ بل المعاني والنسق الذي جاءت به الحروف‪ ،‬فالمادة الخام ‪ -‬وهي الحروف ‪ -‬واحدة‪.‬‬
‫وصار القرآن معجزة؛ لن المتكلم هو ال‪.‬‬
‫وضربنا من قبل المثل لنقرب ذلك إلى الذهان‪ :‬هب أننا نريد أن نقيس مهارة من ينسجون‬
‫القمشة‪ ،‬ونضع أمام كل منهم مجموعة من غزل الصوف وغزل القطن‪ ،‬وغزل الحرير‪ ،‬وهذه‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫مواد خام يختلف كل منها عن الخر‪ ،‬ونقول لهم‪ :‬كل واحد منكم عليه أن ينسج قطعة من كل‬
‫صنف لنعرف الفضل في النسج‪.‬‬
‫وسنسمع من يقول‪ :‬إن نتيجة نسج الصوف نسيج خشن‪ ،‬وناسج القطن سينسج قطعة تأخذ صفات‬
‫القطن‪ ،‬وناسج الحرير سينسج لنا نسيجا ناعما‪ ،‬أما إن أعطينا كلّ منهم نوعا واحدا من الغزل؛‬
‫صوفا أو قطنا أو حريرا‪ ،‬هنا سنعرف من القدر على النسج‪.‬‬
‫إذن‪ :‬لو أن القرآن جاء بغير حروف العرب‪ ،‬وبغير كلمات العرب؛ لقالوا‪ :‬لو كانت عندنا هذه‬
‫الحروف وهذه الكلمات؛ لتينا بأحسن منها‪.‬‬
‫لذلك شاء الحق أن يأتي القرآن من جنس الحروف والكلمات‪ .‬ولذلك تحوم العقول حول مقدمات‬
‫آيات السور؛ لتعرف شيئا من اليناسات بعد أن تواصلت الثقافات‪ ،‬ولم تعد اللغة العربية متوافرة‬
‫مثلما كان الحال أيام نزول القرآن‪ ،‬ومن كانوا يملكون هذه الملكة الصافية أيام الرسول صلى ال‬
‫عليه وسلم سمعوا الحروف التي في أوائل بعض السور وقبلوها‪ ،‬والحق سبحانه يقول‪ } :‬الر تِ ْلكَ‬
‫حكِيمِ { [يونس‪]1 :‬‬
‫آيَاتُ ا ْلكِتَابِ الْ َ‬
‫و } تِ ْلكَ {‪ :‬إشارة‪ ،‬ول بد أن نفرق بين الشارة والخطاب؛ لن البعض يخلط بينهما‪ ،‬فالشارة هي‬
‫التي تشير إلى شيء مثل قولنا‪ :‬هذا وذا‪ ،‬أو تلك‪ ،‬وهذا‪ :‬إشارة لمذكر‪ ،‬والمثال هو قولنا‪ :‬هذا القلم‬
‫جميل‪ ،‬أما قولنا‪ :‬تلك الدواة جميلة‪ ،‬فهذه إشارة لمذكر‪ ،‬والمثال هو قولنا‪ :‬هذا القلم جميل‪ ،‬أما‬
‫قولنا‪ :‬تلك الدواة جميلة‪ ،‬فهذه إشارة لمؤنثة‪ .‬أما " الكاف "‪ :‬فهي حرف للخطاب‪ ،‬فالتاء‪ :‬إشارة‬
‫لليات وهي مؤنثة‪ ،‬و " الكاف " في } تِ ْلكَ {‪ :‬للمخاطب‪ ،‬وهو محمد صلى ال عليه وسلم‪ .‬فال‬
‫يقول لرسوله‪ :‬تلك اليات يا محمد‪.‬‬
‫وعلى ضوء الفوارق بين الشارة والخطاب تختلف أساليب القرآن‪ ،‬مثل قوله الحق‪َ {:‬فذَا ِنكَ‬
‫بُرْهَانَانِ مِن رّ ّبكَ‪[} ...‬القصص‪]32 :‬‬
‫و } فَذَا ِنكَ {‪ :‬إشارة لشيئين اثنين‪ :‬للعصا‪.‬‬
‫خلْ َي َدكَ فِي جَيْ ِبكَ‪[} ...‬النمل‪]12 :‬‬
‫و{ وَأَ ْد ِ‬
‫ويقول الحق أيضا‪ {:‬ذاِل ُكمَا ِممّا عَّلمَنِي رَبّي‪[} ...‬يوسف‪]37 :‬‬
‫وهذا ما قاله سيدنا يوسف عليه السلم للسجينين اللذين كانا معه‪ .‬وتُظهر لنا العبارة أنه كان‬
‫يخاطب اثنين‪ ،‬ولكنه يشير إلى التأويل بـ " ذا "‪.‬‬
‫وحين دعت امرأة العزيز النسوة؛ ليشاهدن جمال سيدنا يوسف‪ ،‬وأعطت كل واحدة منهن سكينا؛‬
‫وقالت‪ :‬اخرج عليهن‪ ،‬ولنه مفرد مذكر‪ ،‬وهن جماعة إناث‪ ،‬فالعبارة تأتي بخطاب لجماعة‬
‫الناث‪ ،‬وإشارة إلى المفرد المذكر فقالت‪ {:‬فَذاِلكُنّ الّذِي ُلمْتُنّنِي‪[} ...‬يوسف‪]32 :‬‬
‫و " ذا " إشارة إلى سيدنا يوسف‪ ،‬و " كن " خطاب للنسوة‪ .‬والقرآن حين يخاطب جماعة يقول‪{:‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وَذَِلكُمْ ظَّنكُمُ الّذِي ظَنَنتُم بِرَ ّبكُمْ‪[} ...‬فصلت‪]23 :‬‬
‫إذن فهناك فرق بين الشارة واليات‪ ،‬فالـ " ت " إشارة لليات‪ ،‬واليات مؤنثة‪ ،‬والمخاطب‬
‫الول بالتكليف هو رسول ال صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫واليات ‪ -‬كما عرفنا من قبل ‪ -‬جمع آية‪ ،‬والية هي المر العجيب‪ ،‬وكل منا يسمع من يقول‪:‬‬
‫إنها آية في الحسن أو آية في الجمال‪ ،‬أو آية في الفن‪ ،‬أو آية في الروعة‪.‬‬
‫فالية إذن هي الشيء العجيب‪ ،‬أو الشيء الذي بلغ من الحسن ومن الجمال درجة هائلة‪ .‬وتطلق‬
‫اليات إطلقات متعددة‪ :‬فهي إما أن تكون المعجزات التي أمدّ ال بها رسله؛ ليثبت صدقهم‪{.‬‬
‫سحَرَنَا ِبهَا َفمَا نَحْنُ َلكَ ِب ُم ْؤمِنِينَ }[العراف‪]132 :‬‬
‫َم ْهمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آ َيةٍ لّتَ ْ‬
‫وإما أن تطلق اليات على الشياء العجيبة في الكون مثل قوله الحق‪ {:‬وَآيَةٌ ّل ُهمُ الّيلُ نَسْلَخُ مِ ْنهُ‬
‫ال ّنهَارَ‪[} ...‬يس‪]37 :‬‬
‫جعَلْنَا الّيلَ وَال ّنهَارَ آيَتَيْنِ‪[} ...‬السراء‪]12 :‬‬
‫وقوله سبحانه‪ {:‬وَ َ‬
‫جعَلْنَا ابْنَ مَرْيَ َم وَُأمّهُ آيَةً‪[} ...‬المؤمنون‪]50 :‬‬
‫وقوله الحق‪ {:‬وَ َ‬
‫إذن‪ :‬فالية إما أن تكون شيئا في الكون‪ ،‬وإما أن تطلق على المعجزة التي جاء بها الرسل؛ لتثبت‬
‫صدقهم في البلغ عن ال‪ ،‬وقد يكون المقصود بها آيات القرآن‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فاليات تطلق على ثلثة أمور‪ :‬اليات الكونية للنظر والعتبار‪ ،‬وآيات إعجازية لصدق‬
‫الرسول صلى ال عليه وسلم في البلغ عن ال‪ ،‬وآيات قرآنية تحمل الحكام والتحدي للمشركين‬
‫أن يأتوا بمثلها‪.‬‬
‫حكِيمِ { المراد بها‪ :‬اليات القرآنية‪ ،‬وما دام ال هو‬
‫وهنا في قوله الحق‪ } :‬الر تِ ْلكَ آيَاتُ ا ْلكِتَابِ ا ْل َ‬
‫خالق اليات الكونية الحسية‪ ،‬وخالق المعجزات؛ وهو منزَّل القرآن؛ فل تعارض بين اليات؛ لن‬
‫مصدرها واحد‪.‬‬
‫حكِيمِ { [يونس‪]1 :‬‬
‫وقوله‪ } :‬الر تِ ْلكَ آيَاتُ ا ْلكِتَابِ الْ َ‬
‫حكِيمِ { معناها‪ :‬الذي يضع الشيء في موضعه الدقيق بحكمة‪ ،‬فل ينظر إلى ظاهر‬
‫وكلمة } ا ْل َ‬
‫معطيات الشيء الن ويغفل ما قد يأتي به من مضرّة‪.‬‬
‫ول المثل العلى أقول‪ :‬إنك قد تصل إلى الشيء‪ ،‬وتظن أنه يخلصك من متاعب أخرى‪ ،‬لكنه قد‬
‫يؤدي إلى شيء أضر‪ ،‬وهذا هو السبب في اختلف ألوان ووظائف العقاقير المختلفة‪ ،‬ولذلك نجد‬
‫الطبيب الحاذق يكتب عددا من الدوية؛ ليستخلص المريض منها ما يشفيه‪ ،‬ويحاول بقدر المكان‬
‫أن يُجنبه الثار الجانبية لتلك الدوية‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فهذه حكمة؛ لن الطبيب ل يكتب الدواء الواحد الذي قد يأتي منه أثر ضار‪ ،‬بل يكتب معه‬
‫دواء يخفّف من ضرره‪ ،‬وهذه حكمة منه لنه يعمل احتياطات لما قد ينشأ من ضرر أو أثر‬
‫جانبي‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وفي أوائل الخمسينات‪ ،‬حاول العلماء أن يقللوا من أثر تهديد الحشرات للزروع‪ ،‬واخترعوا مادة‬
‫اسمها " د‪ .‬د‪ .‬ت " لمقاومة الحشرات‪ ،‬وافتخروا بهذا كل الفخر حتى عل كل صوت‪ ،‬وهذا لن‬
‫البشرية وصلت إلى مادة تقضي على الحشرات‪ ،‬ولكنهم اكتشفوا أن هذه المادة تضر الكائنات‬
‫الحية الخرى‪ ،‬والن تُوقع العقوبة على من يستخدم تلك المادة؛ لن ذلك عمل قد تم بغير حكمة‪.‬‬
‫قد نأخذ منه ظاهر النفع‪ ،‬لكن له جوانب متعددة من الضرر‪ ،‬فقد سمّم الحيوانات وسمّم الزروع‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالحكمة تعني‪ :‬أن تضع الشيء في موضعه؛ ليعطيك فائدة ل تحدث ضررا فيما بعد‪.‬‬
‫وقد أنزل ال المنهج في الكتاب ليقود حياتنا إلى كل صلح‪ .‬فإن طبقناه؛ فلسوف يأتي منه كل‬
‫نفع‪ ،‬ولن يأتي لنا أي ضرر‪ ،‬وضربنا المثل في المعطيات التي أعطاها الحق لنا في الكون‪،‬‬
‫فسبحانه خلق لنا الحيوانات؛ لنأخذ من لبنها‪ ،‬ونأخذ من أصوافها‪ ،‬ونأخذ من أصوافها‪ ،‬ونأخذ من‬
‫شقّ‬
‫ح ِملُ أَ ْثقَالَكُمْ إِلَىا بَلَدٍ لّمْ َتكُونُواْ بَاِلغِيهِ ِإلّ بِ ِ‬
‫جلودها‪ ،‬ونأكل من لحومها‪ .‬وهو القائل‪ {:‬وَتَ ْ‬
‫الَنفُسِ‪[} ...‬النحل‪]7 :‬‬
‫أي‪ :‬أنها ستعطينا درجة من الراحة‪ ،‬وإذا كان النسان قد اخترع أدوات أخرى تحمل عنا هذه‬
‫المشقات‪ ،‬وتبلغنا غاياتنا بدون تعب؛ فهذه اختراعات تحقق مصلحة البشرية ‪ -‬وقد كانت البشرية‬
‫تحمل أمتعتها فوق الحمار أو البغل ‪ -‬وقد صنع النسان هذه الختراعات؛ فصارت عندنا‬
‫السيارات الكبيرة التي تحمل أطنانا من المواد والمتاع‪ ،‬ولكن لم نلتفت إلى ما تحدثه من عوادم‬
‫تسبب فساد الهواء‪ ،‬وتلوثه على عكس فضلت الحمار أو البغل‪ ،‬التي تفيد في خصوبة الرض‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فصناعة السيارات إن لم تتخلص من عيوب عوادمها بأسلوب ما‪ ،‬فهي اختراع بل حكمة‪،‬‬
‫ويجب البحث عن وسائل لزالة أضرار احتراق الوقود‪ ،‬وبذلك نستفيد من سرعة السيارات‪،‬‬
‫وقدرتها على حمل البضائع‪ ،‬ونتخلص مما تسببه من ضرر‪ .‬وهكذا نعرف أن الحكمة هي‪ :‬وضع‬
‫الشيء في موضعه المفيد فائدة دائمة ل يأتي من بعدها ضرر‪.‬‬
‫حكِيمِ { هل الكتاب بمفرده له حكمة؟ أم أن‬
‫ولقائل أن يقول‪ :‬وما معنى قول الحق‪ } :‬ا ْلكِتَابِ ا ْل َ‬
‫حكِيمِ { أنه الكتاب الذي يمتلئ بالحكمة‬
‫الحكيم هو من أنزل الكتاب؟ ونقول‪ :‬إن معنى } ا ْلكِتَابِ ا ْل َ‬
‫الصادرة من ال‪ ،‬أو الكتاب الذي أنزله الرب الحكيم‪ .‬وكلمة " حكيم " على وزن " فعيل " ‪ ،‬ومثلها‬
‫مثل " كريم " و " رحيم " وتأتي مرة بصيغة فاعل‪ ،‬ومرة بصيغة فعيل‪ ،‬وموضعها هو الذي يبين‬
‫لنا ذلك‪.‬‬
‫حكِيمِ " يتضح لنا من سياقها‪ :‬فإن نسبت المر إلى الحكم فهو كتاب صادر من‬
‫ومعنى كلمة " ا ْل َ‬
‫الحق سبحانه‪ ،‬وإن أردت الوصف بمعنى فاعل فهو من حاكم؛ والحاكم هو الذي يحكم في قضايا؛‬
‫ليبين وجه الحق فيها‪ ،‬والقرآن يحكم في كل قضايا اليمان‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وقمة العقيدة التي يحكم فيها القرآن هي ل إله إل ال‪ .‬ومن يفعل عكس ذلك هو الظالم‪ ،‬وسبحانه‬
‫القائل‪ {:‬إِنّ الشّ ْركَ َلظُلْمٌ عَظِيمٌ }[لقمان‪]13 :‬‬
‫والقرآن يحسم هذه القضايا‪ ،‬وهو كحاكم فاصل فيها‪.‬‬
‫فإن قلت‪ " :‬محكم " تكون قد نسبته ل‪ ،‬وإن قلت‪ " :‬حاكم " فهو الفاعل وهو يحكم في قمة العقيدة "‬
‫ل إله إل ال " ‪ ،‬وهي شهادة ذات لذات‪ ،‬وشهادة مشهد من الملئكة‪ ،‬وشهادة أدلة من الخلق‪{:‬‬
‫شهِدَ اللّهُ أَنّ ُه لَ إِلَـاهَ ِإلّ ُهوَ وَا ْلمَلَئِكَ ُة وَُأوْلُواْ ا ْلعِلْمِ‪[} ...‬آل عمران‪]18 :‬‬
‫َ‬
‫وساعة يفصل القرآن في هذه القضية‪ ،‬فهو يحكم حكما عدلً يبين وجه الحق في قمة العقائد‪ .‬وهو‬
‫حاكم في الفعال؛ فيبين الحلل من الحرام ويضع حدّا فاصلً في الحكام بين الحلل والحرام‪.‬‬
‫وحاكم في الخلق‪.‬‬
‫إذن‪ " :‬حاكم " تعني ما بين وجه الحق فيما تتعارض فيه الراء والفكار والمعسكرات المتضاربة‪.‬‬
‫و " حكيم "‪ :‬إما أن تكون بمعنى " فاعل " وإما أن تكون بمعنى (مفعول) ووقعت الحكمة من قائله‬
‫عليه‪ ،‬فصار " محكما " ‪ ،‬وإن كانت كلمة الحكيم بمعنى فاعل تكون بمعنى " حاكم " وكلمة حاكم‬
‫تدل على أن هناك فريقين‪ :‬فريق يقول قضية‪ ،‬وفريق آخر يناقضه‪ ،‬فيأتي الحاكم؛ ليفصل بين‬
‫المرين‪ ،‬وليعدل وينصف‪.‬‬
‫وقد جاء القرآن هكذا‪ :‬حاكما في أمر القمة التي اختلف الخلق فيها؛ فمنهم من أنكر وجود إله وهم‬
‫الملحدة‪ .‬ومنهم من قال‪ :‬إن الله هو غير ال‪ ،‬ومنهم من قال‪ :‬الله شريك لغيره‪ ،‬فجاء القرآن؛‬
‫ليفصل في هذه المسألة‪ ،‬وحكم فيها حكما واضحا‪ ،‬وبيّن‪ :‬يا من تقولون‪ :‬ل إله؛ أنتم كذابون‪ ،‬ويا‬
‫من تقولون‪ :‬إن الله غير ال؛ أنتم كذابون‪ ،‬ويا من تقولون‪ :‬إن الله غير ال؛ أنتم كذابون‪ ،‬وبا‬
‫من تقولون‪ :‬إن الله له شركاء مع ال؛ أنتم كذابون‪ ،‬بل هو إله واحد‪ ،‬وهذا أول حكم في قضية‬
‫القمة‪.‬‬
‫وما دام الحكم في قضية القمة قد صح؛ إذن‪ :‬فالستقبال للمنهج سيكون واحدا‪ ،‬فل آلهة متعددة‬
‫يضارب هذا ذاك‪ ،‬أو يناقضه‪ ،‬بل هو إله واحد‪ ،‬يصدر عنه حكم واحد يحقق الوحدة في التكاليف‬
‫للناس جميعا‪ ،‬ويُخرج جميع الناس من أهوائهم إلى مراده هو سبحانه‪ ،‬ويكون القرآن حاكما أيضا‬
‫في الفعال‪ ،‬فقد يختلف الناس في تقييمهم لفعل واحد‪ .‬فهذا يقول فعل حسن‪ ،‬وآخر يقول‪ :‬فعل‬
‫قبيح‪ ،‬ويحسم القرآن المر ويحدد الفعل الحسن؛ فيأمر به؛ ويحدد الفعل القبيح؛ فينهي عنه‪ ،‬ويبين‬
‫القرآن لنا الحلل من الحرام‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالقرآن حكم في العقائد وفي الفعال وفي ذوات الشياء حلّ وحُرْمة‪ ،‬وهو يحكم أيضا في‬
‫قضية هامة تلي قضية الحكم في قمة العقيدة‪ ،‬وهي صدق البلغ عن ال‪ ،‬فهذا الرسول الذي يحمل‬
‫البلغ عن ال ل بد أن يكون صادقا‪ ،‬وقد جاء القرآن بالحكم في هذه القضية بمعنى أنه قد جاء‬
‫معجزا‪ ،‬فإن لم تكونوا قد صدقتم بأن هذا رسول؛ فأتوا بمثل ما جاء به هذا الرسول‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فإن عجزتم؛ فالرسول بنفسه يخبركم أن القرآن ليس من عنده‪ ،‬بل من عند خالقه وخالقكم‪.‬‬
‫وسواء أكانت " حكيم " بمعنى " فاعل " أم بمعنى " مفعول " فقد دلتنا على أنها تعني وضع الشياء‬
‫في نصابها وضعا يحقق النفع منها دائما‪ ،‬ول ينتج عنها ضارا أبدا‪.‬‬
‫ثم يقول الحق بعد ذلك‪َ } :‬أكَانَ لِلنّاسِ عَجَبا أَنْ َأوْحَيْنَآ‪{ ...‬‬

‫(‪)1352 /‬‬
‫جلٍ مِ ْنهُمْ أَنْ أَ ْنذِرِ النّاسَ وَبَشّرِ الّذِينَ َآمَنُوا أَنّ َلهُمْ َقدَ َم صِ ْدقٍ‬
‫عجَبًا أَنْ َأوْحَيْنَا إِلَى رَ ُ‬
‫َأكَانَ لِلنّاسِ َ‬
‫عِنْدَ رَ ّب ِهمْ قَالَ ا ْلكَافِرُونَ إِنّ هَذَا َلسَاحِرٌ مُبِينٌ (‪)2‬‬

‫ما هو العجيب ‪ -‬إذن ‪ -‬في أن ال أوحى إلى رجل منكم أن يبلغكم إنذار ال وبشارته؟ ما الذي‬
‫تعجبتم منه؟ وما موضع العجب فيه؟ وجاء تحديد العجب فيه ما ذكرته الحيثية في آخر السورة‬
‫سكُمْ‪[} ...‬التوبة‪]128 :‬‬
‫السابقة من أنه‪ {:‬رَسُولٌ مّنْ أَنفُ ِ‬
‫أي‪ :‬من البشر‪ ،‬ومن العرب‪ ،‬ومن قبائلكم‪ ،‬ومن أنفسكم ممن تعرفون كل خُلُقه‪ ،‬فما العجيب في‬
‫أن يرسله ال رسولً إليكم؟ إنكم قد ائتمنتموه على أموركم من قبل أن ينزل عليه الوحي من ال‪،‬‬
‫فكأنكم احترمتم طبعه الكريم‪ ،‬وأنكم في كثير من الشياء قبلتم منه ما يصل إليه من أحكام‪.‬‬
‫ودليل هذا أنكم حين اختلفتم في بناء الكعبة‪ ،‬وقالت كل قبيلة‪ :‬نحن أولى بأن نضع بأيدينا أقدس‬
‫حكّموا أول داخل؛ فشاء‬
‫شيء في الكعبة‪ ،‬وهو الحجر‪ ،‬حين ذلك اختلفت القبائل؛ فما كان إل أن َ‬
‫ال أن يكون أول داخل هو محمد بن عبد ال‪ ،‬فكيف يحل محمد بن عبد ال هذه المشكلة‪ ،‬ولم يكن‬
‫قد نزل عليه وحي بعد؟ إنها الفطرة التي جعلته أهلً لستقبال وحي ال فيما بعد‪ ،‬فماذا صنع؛‬
‫لينهي هذا الخلف؟‬
‫جاء برداء‪ ،‬ووضع الحجر على الرداء‪ ،‬ثم قال لكل قبيلة‪ :‬أمسكوا بطرف من الرداء‪ ،‬واحملوا‬
‫الحجر إلى مكانه‪ .‬وتلك هي الفطرة السليمة‪ .‬ورأينا أيضا سيدنا أبا بكر عندما قالوا له وهو راجع‬
‫من الرحلة التي كان يقوم بها‪ :‬لقد ادعى صاحبك النبوة‪ ،‬قال‪ " :‬إن كان قد قالها فقد صدق "‪.‬‬
‫من أي أحداث جاء حكم أبي بكر‪ .‬أهو سمع من رسول ال كلما معجزا؟ أسمع منه قرآنا؟ ل‪ ،‬بل‬
‫صدّقه بمجرد أن أعلن أنه رسول‪ .‬فقد جربه في كل شيء ووجده صادقا‪ ،‬وجربه في كل شيء‬
‫صدُقَ فيما بين البشر‪ ،‬ليكذب على ال‪.‬‬
‫ووجد أنه أمين‪ ،‬فما كان محمد لِي ْ‬
‫وكذلك خديجة بنت خويلد حينما قال لها رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ :‬يأتيني كذا وأخاف أن‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يكون كذا‪ ،‬فبينت له أن المقدمات التي في حياته ل توحي بأن ال يخذله ويفضحه ويسلط عليه‬
‫ل وتنصف المظلوم‪ ،‬ولن يخزيك ال أبدا " وبذلك كانت‬
‫الجن‪ " :‬إنك لتصل الرحم‪ ،‬وتحمل ال َك ّ‬
‫السيدة خديجة أول فقيه مستنبط في السلم‪.‬‬
‫وقوله سبحانه‪َ { :‬أكَانَ لِلنّاسِ عَجَبا } يعني‪ :‬التعجب من أن يصدر منهم العجب‪ ،‬والقرآن يتعجب‬
‫كيف يصدر منهم هذا العجب؟ وما دام يتعجب كيف يصدر منهم هذا العجب؟ فمن المنطقي أل‬
‫يكونوا قد تعجبوا؛ لنك حين تتعجب من شيء فإما أن تتعجب منه؛ لنه بلغ من الحسن مبلغا فوق‬
‫مستوى ما تعرف من البشر‪ ،‬مثلما ترى صنعة جميلة وتقول‪ :‬ما أحسن هذه الصنعة‪ ،‬ونتساءل‪ :‬ما‬
‫الذي جعل هذه الصنعة جميلة إلى هذا الحد غير المتصور؟‬
‫وأنت تقول ذلك؛ لن الصنعة قد بلغت من الجمال مبلغاص ل تصدق به أن أحدا من الموجودين‬
‫في إمكانه أن يصنعها‪.‬‬
‫والمثال على ذلك‪ :‬نجد من يقول‪ :‬ما أحسن السماء؛ وهو يتعجب من الشيء الذي يفوق تصوره‪.‬‬
‫وقد يتعجب من شيء قبيح‪ ،‬ما كان يجب أن يرد على الخاطر‪ ،‬ولذلك يقول القرآن‪ {:‬كَيْفَ‬
‫َت ْكفُرُونَ بِاللّهِ‪[} ...‬البقرة‪]28 :‬‬
‫أي‪ :‬قولوا لنا‪ :‬كيف قبلتم لنفسكم الكفر؟‬
‫لن الكفر مسألة عجيبة تتنافى مع الفطرة‪.‬‬
‫جلٍ مّ ْنهُمْ‪[ { ...‬يونس‪]2 :‬‬
‫عجَبا أَنْ َأوْحَيْنَآ إِلَىا رَ ُ‬
‫وهنا يقول الحق‪َ } :‬أكَانَ لِلنّاسِ َ‬
‫وهنا نتساءل‪ :‬كيف تتعجبون وقد جئناكم برسول من أنفسكم‪ {،‬عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتّمْ حَرِيصٌ عَلَ ْي ُكمْ‬
‫بِا ْل ُم ْؤمِنِينَ َرءُوفٌ رّحِيمٌ }[التوبة‪]128 :‬‬
‫أليس هذا هو المطلوب في الرائد‪ ،‬فكيف تعجبون؟‪.‬‬
‫إن عجبكم يدل على أن بصيرتكم غير قادرة على الحكم على الشياء‪ ،‬وما كان يصح أن يُستقبل‬
‫الرسول بالعجب‪ ،‬ونحن نتعجب من عجبكم هذا‪.‬‬
‫وحين تتعجب من العجب؛ فأنت تبطل التعجب‪.‬‬
‫} َأكَانَ لِلنّاسِ عَجَبا أَنْ َأوْحَيْنَآ‪[ { ...‬يونس‪]2 :‬‬
‫أي‪ :‬أن إيحاءنا لرجل منكم كان عجيبا عندكم‪ ،‬وما كان يصح أن يكون أمرا عجيبا؛ لنه أمر‬
‫منطقي وطبيعي‪.‬‬
‫ثم ما هو الوحي؟ لقد سبق أن أوضحنا أن الوحي هو العلم بخفاء‪ .‬وهناك إعلم واضح مثل‬
‫قولك لبنك‪ :‬يا بني اسمع كذا‪ ،‬وافعل كذا‪ .‬هذا إعلم واضح‪ .‬وهناك إعلم بخفاء‪ ،‬كأن يدخل‬
‫عندك ضيف؛ ثم يسهو خادمك ‪ -‬مثلً ‪ -‬عن تحيته‪ ،‬فتشير للخادم إشارة؛ تعني بها أن يُسرع‬
‫بتقديم التحية للضيف؛ من مرطبات‪ ،‬أو حلوى‪ ،‬وهكذا تكون قد أعلمت خادمك بخفاء‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫جتِ‬
‫والحق سبحانه وتعالى يوحي إلى الجماد‪ ،‬فسبحانه يقول‪ {:‬إِذَا زُلْزَِلتِ الَرْضُ زِلْزَاَلهَا * وَأَخْرَ َ‬
‫الَ ْرضُ أَ ْثقَاَلهَا * َوقَالَ الِنسَانُ مَا َلهَا * َي ْومَئِذٍ ُتحَ ّدثُ أَخْبَا َرهَا * بِأَنّ رَ ّبكَ َأوْحَىا َلهَا }[الزلزلة‪:‬‬
‫‪] 5 -1‬‬
‫أي‪ :‬أنه سبحانه وتعالى قد أعلمها إعلما خفيّا؛ وهي قد فهمت بطريقة ل نعرفها‪.‬‬
‫حلِ‪[} ...‬النحل‪]68 :‬‬
‫وسبحانه يوحي للحيوانات‪ ،‬فهو القائل‪ {:‬وََأوْحَىا رَ ّبكَ إِلَىا النّ ْ‬
‫أي‪ :‬أنها فهمت عن ال بما أودع فيها من الغرائز‪.‬‬
‫وسبحانه يوحي للملئكة وهو القائل‪ {:‬إِذْ يُوحِي رَ ّبكَ إِلَى ا ْلمَل ِئكَةِ‪[} ...‬النفال‪]12 :‬‬
‫ويوحي الحق سبحانه إلى غير الرسل؛ كما أوحى إلى أم موسى{ وََأوْحَيْنَآ إِلَىا أُمّ مُوسَىا أَنْ‬
‫خ ْفتِ عَلَ ْيهِ فَأَ ْلقِيهِ فِي اليَمّ‪[} ...‬القصص‪]7 :‬‬
‫ضعِيهِ فَإِذَا ِ‬
‫أَ ْر ِ‬
‫وأوحى سبحانه إلى الرسل جميعا‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فسبحانه يوحي للجماد‪ ،‬ويوحي للحيوان‪ ،‬ويوحي للملئكة ويوحي للصالحين من غير‬
‫النبياء‪ ،‬ويوحي للنبياء وللرسل‪.‬‬
‫والوحي ‪ -‬كإعلم بخفاء ‪ -‬يقتضي ُمعْلِما‪ ،‬وهو الحق سبحانه وتعالى‪ ،‬و ُمعْلَما؛ وهو إما‪ :‬الرض‪،‬‬
‫وإما النحل‪ ،‬وإما الملئكة‪ ،‬وإما إلى بعض الصالحين من غير النبياء‪ ،‬وإما إلى الرسل والنبياء‪.‬‬
‫وقد يأتي الوحي من غير ال‪ ،‬فسحبحانه يقول‪:‬‬
‫ضهُمْ إِلَىا َب ْعضٍ ُزخْ ُرفَ ا ْل َق ْولِ‬
‫س وَالْجِنّ يُوحِي َب ْع ُ‬
‫ن الِنْ ِ‬
‫ع ُدوّا شَيَاطِي َ‬
‫جعَلْنَا ِل ُكلّ نِ ِبيّ َ‬
‫{ َوكَذَِلكَ َ‬
‫غُرُورا‪[} ...‬النعام‪]112 :‬‬
‫إذن‪ :‬فالشياطين يُعلمون بعضهم البعض إعلما خفيا‪.‬‬
‫ويقول الحق‪ {:‬إِنّآ َأ ْوحَيْنَآ إِلَ ْيكَ‪[} ...‬النساء‪]163 :‬‬
‫والموحى إليه هو محمد صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وهو وحي خاص بالرسول‪ ،‬فل تقل‪ :‬أنا لم أسمع‬
‫ماذا أوحى إلى محمد‪ ،‬ول أعرف كيف نزل الوحي‪ ،‬فقد جاء جبريل إلى رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم‪ ،‬وبلغه أن يعلن ما أوحي إليه‪ ،‬ولو كنت أنت قادرا على سماع الوحي من جبريل‪ ،‬فما‬
‫ضرورة إرسال الرسول إذن؟‬
‫إن الطاقة والقدرة العالية المرسلة إلى الموحى إليه تحتاج إلى قوة تحمل‪ ،‬وضربنا المثل من قبل‬
‫بأن النسان حين ينقل طاقة من مصدر عال قوى إلى مصدر ضعيف فهو ل يُسرب الطاقة من‬
‫ي إلى الضعيف دفع ًة واحدة‪ ،‬وإل لما تحمّل الضعيف تلك الطاقة من القادمة إليه من القوى‪،‬‬
‫القو ّ‬
‫ولذلك نحن نأتي بمحوّل يتحمل طاقة قوى‪ ،‬ثم ينقل للضعيف ما يناسب قدرته‪ ،‬ومثال ذلك هو‬
‫شراؤنا لمحول كهربي حين ننقل الكهرباء من مصدر طاقة عالي الجهد إلى مصدر آخر ضعيف‬
‫قليل الجهد؛ مثل المصباح الصغير الذي تضيئه في المنزل ليلً لينير بالقدر المناسب كيل نرتطم‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫بالشياء‪ ،‬وهو ما نسميه بالعامية " ونّاسة "‪ .‬إذن‪ :‬فمهمة المحول أن يستقبل من مصدر الطاقة‬
‫القوي؛ ليضيء لمصدر الطاقة الضعيف‪.‬‬
‫فإذا كان ال سبحانه وتعالى هو الذي يوحي للرسول‪ ،‬والرسول من البشر ل يمكنه التلقي المباشر‬
‫عن ال؛ لذلك ل بد من واسطة تبلغ في الرتقاء بما يمسح لها بالتلقي عن ال‪ ،‬وتستطيع أن تلتقي‬
‫بالبشر؛ وهذه خاصية المَلَك‪.‬‬
‫ورغم أن أصاب الجهد والتعب سيدنا رسول صلى ال عليه وسلم في أول تلقيه للوحي‪ ،‬وكان‬
‫صلى ال عليه وسلم يعرف حتى يتفصد العرق من جبينه‪ ،‬وإذا انصرف عنه الوحي قال‪" :‬‬
‫زمّلوني‪ ..‬زملوني " ويرتعد‪.‬‬
‫وكان الصحابة يقولون‪ :‬كان إذا نزل الوحي على رسول على رسول ال‪ ،‬وهو قاعد؛ وقد تكون‬
‫ركبته على فخذ أحد الصحابة‪ ،‬فيجد الصحابي ثقلً على رجله من شدة وطأة ركبة الرسول صلى‬
‫ال عليه وسلم‪ ،‬وإذا نزل الوحي‪ ،‬والرسول يركب مطيه فهي تئط منه‪.‬‬
‫إذن‪ :‬كان الوحي يُتعب رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وبعد أن يُسرّي عنه التعب؛ تبقى له‬
‫حلوة ما أوحي إليه؛ فيتشوّق ثانية للوحي‪.‬‬
‫وقد شاء الحق أن يشوّق النبي صلى ال عليه وسلك‪ ،‬للوحي ففتر الوحي لمدة من الزمن‪ .‬وحين‬
‫اشتاق النبي للوحي؛ كان ذلك يعني أنه قد شحن نفسه بطاقة متقبلة لستقبال هذا الوحي؛ بما فيه‬
‫من تعب‪.‬‬
‫ول المثل العلى دائما‪ ،‬قسْ أنت الجهد المبذول في رحلة إلى من تحب‪ ،‬أثناء المطر‪ ،‬والرض‬
‫موحلة ومليئة بالشوك‪ ،‬ورغم ذلك أنت تقطع الرحلة دون أن تلتفت لما فيها من إرهاق وتعب‪.‬‬
‫وشاء سبحانه أن يرغّب رسوله شوقا إلى الوحي‪ ،‬رغم ما فيه من جهد؛ لن التقاء مَلَك ببشر‪،‬‬
‫وهذا اللقاء يكون على صورتين‪ :‬إما أن ينقلب الملَك إلى مرتبة بشرية؛ وهذه الصورة ليس فيها‬
‫إجهاد على رسول ال صلى ال عليه وسلم؛ لن عملية التحويل جاءت في العلى بينما يظل‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم كما هو‪ " ،‬مثلً دخل جبريل على رسول ال‪ ،‬وكان معه بعض من‬
‫الصحابة‪ ،‬وسأل النبي صلى ال عليه وسلم‪ :‬ما اليمان؟ وما السلم؟ وما الحسان؟ ثم اختفى‬
‫السائل‪ ،‬فسأل الصحابة رسول ال عن هذا السائل؛ فقال‪ " :‬هذا جبريل جاءكم يُعلّمكم أمور دينكم‪.‬‬
‫"‬
‫هذه هي الصورة الولى في الوحي‪ ،‬والتحول فيها كان من جهة الرسال فل مشقة فيها على النبي‬
‫صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫أما الصورة الثانية‪ ،‬فقد كان فيها مشقة على رسول ال صلى ال عليه وسلم؛ لن الملك يظل على‬
‫طبيعته‪ ،‬والتحول إنما يحدث لمحمد صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وكان التحول يقتضي عملية كيمياوية‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫تصيبه بالجهد؛ فيقول بعد أن يُسرى عنه‪ " :‬زمّلوني‪" .‬‬
‫وشاء الحق أن يتلطف برسوله‪ ،‬ففتر الوحي فترة من الزمن‪ .‬وقال الكافرون من العرب‪ :‬إن رب‬
‫محمد قد قله وهذا غباء منهم؛ لنهم اعترفوا أن لمحمد ربّا‪ .‬وما داموا قد اعترفوا‪ ،‬فعدم إيمانهم‬
‫صلف وغباء‪ ،‬وارادوا بذلك أن ينسبوا النقص لمحمد صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فقالوا‪ :‬إن ال قد قلى‬
‫محمدا‪.‬‬
‫وقد شاء الحق أن ينقطع الوحي عن محمد صلى ال عليه وسلم هذه المدة؛ ليكشفهم أمام أنفسهم‬
‫وأمام غيرهم‪ ،‬لتنكشف نواياهم‪ ،‬وتثبت قلّة بصيرتهم‪ ،‬وافتقادهم للمنطق السليم‪ ،‬فهم حين اعترفوا‬
‫أن لمحمد ربّا‪ ،‬كان عليهم أن يحتكموا إلى عقولهم؛ ليعرفوا أنهم قد أقروا باللوهية‪ ،‬لكنهم أرادوا‬
‫بهذا العتراف أن ينسبوا النقص لرسول ال صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫ولو قاضيناهم إلى عقولهم‪ ،‬وإلى الكون الذي عاشوا فيه‪ ،‬وإلى الظواهر المادية المحسوسة لهم‪،‬‬
‫لعرفوا أن الحداث ل بد لها من زمان ومكان؛ لن كل حديث يتطلب زمانا ومكانا‪ ،‬وإذا لم يوجد‬
‫حدث؛ ل يوجد زمان أو مكان‪.‬‬
‫ولذلك أقول دائما لمن يسأل‪ :‬أين كان ال؟ أقول له‪ :‬أنت جئت بالينية من الزمان‪ ،‬والمكانية من‬
‫المكان‪ ،‬وهذا ل يتأتى إل بوجود حدث‪ .‬وما دام ال غير حدث‪ ،‬فل زمان يحدده‪ ،‬ول مكان‬
‫يُجيّزه؛ لن الزمان كان به‪ ،‬والمكان كان فيه‪ .‬والحداث هي عند البشر‪ ،‬فهم من يستقون في‬
‫المكان‪ ،‬ويتوالى عليهم الزمان‪.‬‬
‫والزمان الذي يحدث فيه أي حدث اسمه " ظرف زمان " ‪ ،‬والمكان الذي يحدث فيه الحدث اسمه "‬
‫ظرف مكان "؛ وظرف المكان ظرف قارّ ثابت‪ ،‬بينما ظرف الزمان غير قارٍ‪ ،‬بل هو حال‪ ،‬وبعد‬
‫قليل يصبح الحال زمنا ماضيا؛ ويأتي المستقبل ليكون حاضرا‪ ،‬ثم يصبح ماضيا‪.‬‬
‫وهكذا نعلم أن زمنا يحدث فيه التناوب بين المستقبل والحال والماضي‪ ،‬والليل والنهار هما أوضح‬
‫صور ظرف الزمان وفيهما اختلف‪ ،‬فالليل يأتي والنهار خلفه؛ لن النهار جعله ال ضياء؛‬
‫للحركة والكدح والعمل‪ ،‬وجعل سبحانه الليل ظلما؛ للسكون والراحة‪ ،‬فإن لم ترتحْ بالليل؛ ل‬
‫تقوى علة العمل في الصباح‪ ،‬وهكذا يكون الليل مكملً للنهار ل مناقضا له‪.‬‬
‫وكذلك شاء الحق أن يكون الوحي بهذا الشكل‪ ،‬فحين جاء الوحي لول مرة أجهد رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم‪ ،‬ثم فتر الوحي ليستريح صلى ال عليه وسلم؛ وتتجدد قدرته على استقبال الوحي‬
‫من بعد ذلك‪.‬‬
‫وحين قال الكافرون‪ :‬إن ربّ محمد قد قله‪ ،‬ردّ عليهم الحق سبحانه وتعالى‪ } :‬وَالضّحَىا *‬
‫ك َومَا قَلَىا { والضحى ضحوة النهار وهي ‪ -‬كما قلنا ‪ -‬للعمل‬
‫عكَ رَ ّب َ‬
‫وَاللّ ْيلِ إِذَا سَجَىا * مَا وَدّ َ‬
‫والحركة‪ ،‬فإذا جاء الليل فهو يبدو وكأنه ضد النهار‪ ،‬لكنه غير ذلك‪ ،‬بل هو مكمل له ويساعده‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إذن‪ :‬ففتور الوحي لمدة من الزمن كان لمساعدة رسول ال صلى ال عليه وسلم لتجديد الحيوية‪.‬‬
‫وقد أقسم الحق سبحانه بالضحى والليل‪ ،‬وهو قسم بالظاهرة الكونية المشاهدة والتي يعترف بها‬
‫كل إنسان‪ ،‬مؤمنهم‪ ،‬وكافرهم!‬
‫أقسم الحق بالضحى أنه ما قلى رسوله‪ ،‬بل شاء بفتور الوحي أن يعطيه طاقة تزيد من حركته‪،‬‬
‫وتزيد من جهده ليشتاق صلى ال عليه وسلم لمر الوحي‪ .‬وبذلك أعانه الحق على مهمته‪ ،‬وفي‬
‫هذا أبلغ ردّ على من قالوا‪ :‬إن رب محمد قد قله‪ ،‬وإثبات أن الحق قد شاء لفترة فتور الوحي أن‬
‫تكون كالليل سكونا‪ ،‬ليهدأ صلى ال عليه وسلم بعد الضحى المجهد الذي استقبل به الوحي‪.‬‬
‫وبعد أن تتجدد حيويته صلى ال عليه وسلم يأتي الوحي من جديد؛ لذلك قال الحق‪ {:‬وَلَلخِ َرةُ خَيْرٌ‬
‫س ْوفَ ُيعْطِيكَ رَ ّبكَ فَتَ ْرضَىا }[الضحى‪]5-4 :‬‬
‫ن الُولَىا * وَلَ َ‬
‫ّلكَ مِ َ‬
‫سجَىا * مَا‬
‫وبعد هذه السورة يقول الحق سبحانه في سورة الشرح‪ {:‬وَالضّحَىا * وَاللّ ْيلِ ِإذَا َ‬
‫ك َومَا قَلَىا * وَلَلخِ َرةُ خَيْرٌ ّلكَ مِنَ الُولَىا }[الشرح‪]4-1 :‬‬
‫عكَ رَ ّب َ‬
‫وَدّ َ‬
‫وهكذا بيّن لنا الحق أن مسألة فتور الوحي وعودته هي عملية متكاملة‪ ،‬لكن الغبياء فقط هم من‬
‫يظنون أنها نتناقضة ويقولون‪( :‬ظلمة ‪ -‬وضوء)‪ ،‬و (ليلٌ ‪ -‬ونهارٌ) والحق أنها متكاملة‪.‬‬
‫ومثل هذا المر تجده أيضا فيمن يحاولون خَلْق عداوة بين الرجل والمرأة‪ ،‬ولم يتفهّموا أن الذكر‬
‫متمّم للنثى‪ ،‬وأن النثى متمّمة للذكر‪.‬‬
‫س وَبَشّرِ الّذِينَ‬
‫جلٍ مّ ْنهُمْ أَنْ أَنذِرِ النّا َ‬
‫عجَبا أَنْ َأوْحَيْنَآ إِلَىا رَ ُ‬
‫وهنا يقول الحق } َأكَانَ لِلنّاسِ َ‬
‫آمَنُواْ‪[ { ...‬يونس‪]2 :‬‬
‫والنذار ‪ -‬كما نعلم ‪ -‬هو الخبار بشيء يمكن أن تتلفاه‪.‬‬
‫أما البشارة فهي الخبار بخير يحثّك من يبشرك على أن تقتنيه‪ .‬وأنت تنذر من يهمل في دراسته‬
‫بأنه قد يرسب‪ ،‬وأنت حين تنذره إنما تطالبه بأن يجتهد‪ ،‬وفي المقابل فأنت تبشر المجتهد بالنجاح‬
‫وبالمستقبل الطيب‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالنذار يعني أن تحث النسان على أل يقبل أو ُيقْدِمَ على ما يضره‪ .‬والتبشير يعني أن تحث‬
‫سلْب وإيجاب‪.‬‬
‫النسان على أن يجتهد؛ لينال ما يحبه‪ .‬والمور في الحداث كلها تدور بين َ‬
‫ولسائل أن يقول‪ :‬ولماذا جاء سبحانه بالنذار قبل البشارة؟‬
‫فنقول‪ :‬إن كلمة " النذار " كلمة عامة لكل الناس‪ ،‬حتى يتجنبوا ما يقودهم إلى النار‪ ،‬لكن البشارة‬
‫تكون لمن آمن فقط‪ .‬أو أن النذار والبشارة للمؤمنين‪ ،‬ولكن شاء الحق أن يجعل المؤمنين في‬
‫صف البشارة دائما‪ ،‬وأن يكون النذار لونا من ضرورة التخلية من العيوب‪ ،‬قبل التحلية بالكمال‪.‬‬
‫فأنت تدفع عن نفسك المر الذي يأتي بالضُ ّر أولً‪ ،‬ثم تتجه إلى ما يجلب النفع من بعد ذلك؛ لن‬
‫دَرْء المفسدة مُقدّم على جلب المصلحة‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ونجد الحق سبحانه يحدد النذار بأنه للناس‪ ،‬والناس‪ :‬هم الجنس المنحدر من آدم إلى أن تقوم‬
‫الساعة‪ .‬وقد وقف بعض المستشرقين عند كلمة " الناس " ‪ ،‬وأرادوا أن يدخلونا من خللها إلى‬
‫متاهات التشكيك في القرآن‪ ،‬وقالوا‪ :‬إن القرآن فيه تكرار ل لزوم له‪.‬‬
‫وأهم سورة أخذها هؤلء المستشرقون هي سورة " الناس " حيث يقول الحق‪ُ {:‬قلْ أَعُوذُ بِ َربّ‬
‫سوِسُ فِي صُدُورِ‬
‫سوَاسِ الْخَنّاسِ * الّذِى ُيوَ ْ‬
‫النّاسِ * مَِلكِ النّاسِ * إِلَـاهِ النّاسِ * مِن شَرّ ا ْلوَ ْ‬
‫النّاسِ * مِنَ الْجِنّةِ وَالنّاسِ }[الناس‪]6-1 :‬‬
‫وهذا الجمع من المستشرقين فهموا أن المعنى لكلمة " الناس " في كل آية من آيات هذه السورة هو‬
‫معنى واحد‪ .‬ولنهم لم يتمتعوا بملكة اللغة؛ لم يلتفتوا إلى أن معنى كلمة " الناس " في كل موقع هو‬
‫معنى مختلف وضروري؛ لن الحق سبحانه أراد بكل كلمة في القرآن أن تكون جائبة لمعناها‪،‬‬
‫وأن يكون كل معنى جاذبا للكلمة المناسبة له‪.‬‬
‫حسُدُونَ النّاسَ عَلَىا مَآ آتَاهُمُ اللّهُ‬
‫والمثال أيضا في كلمة " الناس "؛ هو قول الحق سبحانه‪َ {:‬أمْ يَ ْ‬
‫مِن َفضْلِهِ‪[} ...‬النساء‪]54 :‬‬
‫فهل كل الناس تتلقى الحسد؟ لو كان المر كذلك فمن الحاسد؟ إذن‪ :‬فقوله الحق‪ {:‬أَمْ َيحْسُدُونَ‬
‫النّاسَ‪[} ...‬النساء‪]54 :‬‬
‫إنما يعني أن هناك أناسا حاسدين‪ ،‬وآخرين محسودين‪ ،‬ول تكون كلمة " الناس " عامة شاملة لكل‬
‫الفراد إل في حالة الحكم العام‪.‬‬
‫ت ُوضِعَ لِلنّاسِ‪[} ...‬آل عمران‪]96 :‬‬
‫والمثال هو قوله الحق‪ {:‬إِنّ َأ ّولَ بَ ْي ٍ‬
‫وهذا القول الحق يحل لنا إشكالً عاما‪ ،‬فالبيت الحرام موضوع لكل الناس‪ ،‬من َلدُن آدم‪ ،‬وآدم أبو‬
‫الناس‪.‬‬
‫ول بد ‪ -‬إذن ‪ -‬أن يكون البيت موضوعا قبل أن يكون آدم‪ ،‬وأن الذي وضعه هو من غير‬
‫الناس‪ ،‬فالذي وضعه هو بأمر من الحق سبحانه‪ ،‬فل يقولن أحد‪ :‬إن إبراهيم ‪ -‬عليه السلم ‪ -‬هو‬
‫الذي وضع البيت الحرام؛ لن مهمة إبراهيم ‪ -‬عليه السلم ‪ -‬كانت هي رفع القواعد من البيت؛‬
‫لننا لو قلنا‪ :‬إن إبراهيم ‪ -‬عليه السلم ‪ -‬هو الذي بنى البيت؛ فكيف ينسجم هذا مع قوله الحق‪:‬‬
‫سمَاعِيلُ‪[} ...‬البقرة‪]127 :‬‬
‫ت وَإِ ْ‬
‫{ وَإِذْ يَ ْرفَعُ إِبْرَاهِيمُ ا ْل َقوَاعِدَ مِنَ الْبَ ْي ِ‬
‫وهو قول نفهم منه أن إسماعيل كان شريكا لوالده في الرفع والبناء‪ ،‬ول بد أن يكون قد امتلك‬
‫درجة من القوة تجعله قادرا على مساعدة الب في العمل‪.‬‬
‫وهذا القول أيضا نفهم منه أن عملية رفع القواعد من البيت لم تتم وقت أن كان إسماعيل رضيعا؛‬
‫سكَنتُ مِن ذُرّيّتِي ِبوَادٍ غَيْرِ ذِي‬
‫لن الحق سبحانه قال على لسان إبراهيم عليه السلم‪ {:‬رّبّنَآ إِنّي َأ ْ‬
‫زَ ْرعٍ عِندَ بَيْ ِتكَ ا ْل ُمحَرّمِ‪[} ...‬إبراهيم‪]37 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وهذا يعني أن البيت كان موجودا قبل ذلك‪.‬‬
‫وقولنا هذا يرد على بعض العلماء الذين قالوا‪ :‬إن إبراهيم ‪ -‬عليه السلم ‪ -‬هو أول من بنى‬
‫الكعبة فنقول لهم‪ :‬وماذا عن الخلق البشري من قبل إبراهيم إلى َلدُنْ آدم‪ ،‬أليسوا ناسا؛ فلماذا لم‬
‫يكن لهؤلء الناس من قبل إبراهيم بيتٌ محرّمٌ؟‬
‫وهكذا شاء الحق سبحانه أن يكون البيت الحرام لكل الناس من لدن آدم‪ ،‬وأنه موضوع من قِ َبلِ‬
‫ال‪.‬‬
‫وكلمة الناس ‪ -‬إذن ‪ -‬عامة حين يتعلق المر بحكم عام‪ ،‬وتكون خاصة في مواقع أخرى‪ ،‬مثل‬
‫علَىا مَآ آتَا ُهمُ اللّهُ مِن َفضْلِهِ‪[} ...‬النساء‪]54 :‬‬
‫حسُدُونَ النّاسَ َ‬
‫قوله‪َ {:‬أمْ يَ ْ‬
‫وأما سورة " الناس " بالستقراء الدقيق في هذه السورة‪ ،‬نجد الحق سبحانه يقول‪ُ {:‬قلْ أَعُوذُ بِ َربّ‬
‫النّاسِ }[الناس‪]1 :‬‬
‫وهذا إعلن للربوبية لكل الخلق‪ ،‬فهو الرب الذي أوجد وأعطى الصفات لكل مخلوق‪.‬‬
‫ول تحسب أنك تستطيع أن تشرد منه؛ فهو سبحانه يقول‪ {:‬مَِلكِ النّاسِ }[الناس‪]2 :‬‬
‫أي‪ :‬أنه يملك كل الخلق‪ ،‬وجعل لهم الختيار في أشياء؛ ومنع عنهم الختيار في أشياء‪ ،‬ولم يقل‪" :‬‬
‫مليك النّاس "؛ لن هذا القول يعني أنهم مجبورون على اليمان‪ ،‬ول يسعهم غير هذا‪ ،‬ولكن ال‬
‫جعلهم مختارين في المور التي هي مَنَاط للتكليف‪ ،‬وغير مختارين في أمور هي ليست محلّ‬
‫لهذا‪.‬‬
‫وأقول لي واحد ممن تمرّدوا على اليمان؛ فكفروا بال؛ أقول‪ :‬أنت متمرّد على ال‪ ،‬وتكفر به‪،‬‬
‫وتنكر اللوهية‪ ،‬فلماذا ل تكون منطقيّا مع نفسك‪ ،‬وتتمرّد على كل الحداث التي تصيبك‪ ،‬فإن‬
‫أصابك مرض؛ قل له‪ :‬ل‪ ،‬لن أمرض‪.‬‬
‫فل أحد يستطيع أن يدفع عن نفسه قدرا شاءه ال؛ لن الحداث ستنال من كل إنسان من كل‬
‫إنسان ما قدره ال له‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فكل إنسان هو مملوك ل‪.‬‬
‫وهكذا نجد الفرق بين أن يقول سبحانه‪ُ {:‬قلْ أَعُوذُ بِ َربّ النّاسِ }[الناس‪]1 :‬‬
‫وان يقول‪ {:‬مَِلكِ النّاسِ }[الناس‪]2 :‬‬
‫و " الناس " في الية الولى هم المربون‪ ،‬والناس في الية الثانية هم " المملوكون ل " فل أحد‬
‫يخرج عن قدرة ال في المور القهرية‪.‬‬
‫وتأتي " الناس " في الية الثالثة‪ {:‬إِلَـاهِ النّاسِ }[الناس‪]3 :‬‬
‫لتؤكد أن الحق هو الله المعبود بحق‪ ،‬وهو الذي يقيك مما ستأتي به الية الرابعة‪ {:‬مِن شَرّ‬
‫سوَاسِ ا ْلخَنّاسِ }[الناس‪]4 :‬‬
‫ا ْلوَ ْ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫صدُورِ النّاسِ }[الناس‪]5 :‬‬
‫سوِسُ فِي ُ‬
‫والية الخامسة‪ {:‬الّذِى ُيوَ ْ‬
‫والوسواس الخناس‪ :‬هو الذي يزين لك أفعال الشر في أذنك‪ ،‬وهو خَنّاس؛ لنه يخنس ساعة يسمع‬
‫سوَسِ إليهم‪.‬‬
‫قولك‪ " :‬أعوذ بال من الشيطان الرجيم " وهو يوسوس في صدور الناس ال ُموَ ْ‬
‫وهكذا نجد أن كلمة " الناس " قد جاءت؛ لتعبر عن المربوبين‪ ،‬والمملوكين‪ ،‬والمأهولين‪،‬‬
‫والموسوس إليهم‪ ،‬وأن من يوسوِس قد يكون من الجن‪ ،‬وقد يكون من الناس‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فليس هناك تكرار بل جاءت الكلمة الواحدة بمعنى يناسب كل موضع جاءت فيه‪.‬‬
‫والمثال في حياتنا ‪ -‬ول المثل العلى ‪ -‬قد أكون معلّما متميزا واختارتني الكلية التي أقوم‬
‫بالتدريس فيها لكون رائدا للطلب‪ ،‬ورئيسا لجمعيتهم الصحفية‪ ،‬ومشرفا عليهم في الرحلت‪،‬‬
‫ومراجعا لتصحيح أوراق إجاباتهم‪ ،‬وهكذا تكون كلمة " الطلب " لها معنى مختلف في كل موقع‪.‬‬
‫س وَبَشّرِ الّذِينَ آمَنُواْ أَنّ َلهُمْ‬
‫والحق يقول في الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها‪ } :‬أَنْ أَنذِرِ النّا َ‬
‫قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَ ّبهِمْ‪[ { ...‬يونس‪]2 :‬‬
‫والحديث موجه لمحمد صلى ال عليه وسلم وهو الرسول الخاتم‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالمراد بإنذار الناس هنا؛ هم جميع الناس‪.‬‬
‫وما المقصود بقوله‪ } :‬أَنّ َل ُهمْ قَ َد َم صِدْقٍ عِندَ رَ ّبهِمْ { [يونس‪]2 :‬‬
‫إن القدم كما نعرفه‪ :‬هو آلة السعي إلى الحركة‪ ،‬كما أن اليد آلة العطاء؛ فتقول‪ :‬فلن له يد‬
‫عندي‪ ،‬أو تقول‪ :‬أنا ل أنسى أياديك عليّ حين يقدم لك صديق هدية ما‪ ،‬وهو قد سار على قدميه؛‬
‫ليحضر لك الهدية‪ ،‬ولكنه يناولك لها بيديه‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فكل جارحة لها ظاهر في الحركة؛ وفي العمال‪ .‬فالقدم تسعى إلى الشياء‪ ،‬واليد تتحرك في‬
‫العطاء‪ ،‬والذن في السمع‪ ،‬والعين في الرؤية‪ .‬وهكذا يكون معنى } قَدَمَ صِدْقٍ { هو سابقة فضل؛‬
‫لنهم حين استمعوا إلى منهج ال‪ ،‬وأ ّدوْا مطلوبات هذا المنهج كما يحب ال؛ فعليك يا محمد ان‬
‫تبشرهم بالجنة‪ .‬ذلك أن لهم سابق قدم‪ ،‬سعي إلى الخير‪ ،‬وهو قدم صدق‪.‬‬
‫لكن هل هناك ما يمكن أن نسميه " قدم كذب "؟‬
‫نعم‪ ،‬وهو ما يخلعه الفاقون على تواريخ الناس‪ ،‬فيصفونهم بما لم يكن فيهم‪ ،‬وهكذا نفرق بين قدم‬
‫الصدق وقدم الكذب‪.‬‬
‫قدم الصدق ‪ -‬إذن ‪ -‬هو سابقة في الفضل أهّلتهم لن يكونوا موضع البشارة‪ ،‬فهم قد صدقوا‬
‫المنهج‪ ،‬وأعطوا من واعد حق‪.‬‬
‫والصدق ‪ -‬كما نعلم ‪ -‬هو الخصلة التي ل يمكن لمؤمن أن يتنحى عنها؛ لنه لو تنّحى عنها‪ ،‬فهذا‬
‫يعني التنحّي عن اليمان‪ .‬وحينما سئل رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ :‬أيكون المؤمن جبانا؟‬
‫فقال‪ :‬نعم‪ ،‬فقيل له‪ :‬أيكون المؤمن بخيلً؟ فقال‪ :‬نعم‪ ،‬فقيل له‪ :‬أيكون المؤمن كذابا؟‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فقال‪ :‬ل‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالصدق هو جماع الخير‪ .‬وعلى الصدق تدور الحركة النافعة في الكون‪.‬‬
‫وحين يصدق التاجر في ثمن الشياء؛ ويصدق العامل في إخلصه للعمل؛ ويصدق الصحفي في‬
‫نقل الخبر‪ ،‬ويصدق كل فرد في المجتمع‪ ،‬هنا يتكامل المجتمع وينسجم؛ لن الفساد في الكون إنما‬
‫ينشأ من الكذب‪ ،‬والكذب هو الذي يخل بحركة الحياة‪.‬‬
‫لذلك أتى ال بكلمة الصدق في القرآن في أكثر من موضع‪ ،‬فهو القائل‪ {:‬وََلقَدْ َبوّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ‬
‫صدْقٍ‪[} ...‬يونس‪]93 :‬‬
‫مُ َبوّأَ ِ‬
‫طعَا ٍم وَاحِدٍ‪[} ...‬البقرة‪]61 :‬‬
‫فحين قالوا‪ {:‬لَن ّنصْبِرَ عَلَىا َ‬
‫أنزلهم ال بمكان يحقق لهم ما طلبوا من طعام‪ ،‬فلم يخدعهم سبحانه‪ ،‬ويأتي الحق مرة ثانية بكلمة‬
‫ن صِ ْدقٍ فِي الخِرِينَ }[الشعراء‪]84 :‬‬
‫جعَل لّي لِسَا َ‬
‫الصدق فيقول‪ {:‬وَا ْ‬
‫أي‪ :‬اجعل لي ذكْرا حسنا فيمن يأتون من بعدي‪ ،‬فل يقال في تاريخي كلم كذب‪ ،‬وأل يخلع عليّ‬
‫الناس ما ليسَ فيّ‪.‬‬
‫حمَلَتْهُ ُأمّهُ‬
‫وقد قال الحق سبحانه وتعالى حينما تكلم عن النسان‪َ {:‬و َوصّيْنَا الِنسَانَ ِبوَالِدَيْهِ إِحْسَانا َ‬
‫ش ّد ُه وَبَلَغَ أَرْ َبعِينَ سَنَةً قَالَ َربّ‬
‫شهْرا حَتّىا إِذَا بَلَغَ أَ ُ‬
‫حمْلُ ُه َو ِفصَالُهُ ثَلَثُونَ َ‬
‫كُرْها َو َوضَعَتْهُ كُرْها وَ َ‬
‫ع َملَ صَالِحا تَ ْرضَا ُه وََأصْلِحْ لِي فِي‬
‫ي وَأَنْ أَ ْ‬
‫ي وَعَلَىا وَالِ َد ّ‬
‫َأوْزِعْنِي أَنْ أَشكُرَ ِن ْعمَ َتكَ الّتِي أَ ْن َعمْتَ عََل ّ‬
‫ك وَإِنّي مِنَ ا ْل ُمسِْلمِينَ }[الحقاف‪]15 :‬‬
‫ذُرّيّتِي إِنّي تُ ْبتُ إِلَ ْي َ‬
‫عمِلُواْ وَنَ َتجَاوَزُ عَن سَيّئَا ِتهِمْ فِي‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ُ {:‬أوْلَـا ِئكَ الّذِينَ نَ َتقَبّلُ عَ ْنهُمْ أَحْسَنَ مَا َ‬
‫َأصْحَابِ ا ْلجَنّ ِة وَعْدَ الصّدْقِ الّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ }[الحقاف‪]16 :‬‬
‫ولماذا يصف الحق الوعد هنا بأنه وعد حق؟ لن هناك من يعد الوعد الكاذب‪ ،‬حين يعد أحدهم بما‬
‫ل يملك‪ ،‬أو أن تعد بما ل تقدر عليه‪ ،‬أو أن تعد بما ل تمهلك الحياة لنفاذه‪.‬‬
‫علٌ ذاِلكَ غَدا * ِإلّ أَن يَشَآءَ اللّهُ‪[} ...‬الكهف‪-23 :‬‬
‫شيْءٍ إِنّي فَا ِ‬
‫ولذلك قال الحق لنا‪ {:‬وَلَ َتقْولَنّ لِ َ‬
‫‪]24‬‬
‫إذن‪ :‬ل بد أن تسبق أي وعد بمشيئة ال؛ لنك حين تَعد؛ قد ل تملك إنفاذ ما وعدت به‪ ،‬فقد تعد‬
‫إنسانا بأن تلقاه في الغد في مكان ما لتتحدثا في أمرٍ ما‪.‬‬
‫ونقول‪ :‬أضمنت أن تستمر حياتك إلى الغد؟ ها هو أول عنصر قد يُفقد؛ أضمنت أن تستمر حياته؟‬
‫هذا هو العنصر الثاني الذي قد يُفقد‪ ،‬ثم أضمنت أل يتغير السبب الذي من أجله تلقاه؟ ثم أضمنت‬
‫إن اجتمعت كل هذه العناصر أل تُغير أنت رأيك في هذه المسألة؟‬
‫إذن‪ :‬ل تجازف بأن تعد بشيء ليس عندك عنصر من عناصر الوفاء له‪ ،‬وأسند كل عمل إلى من‬
‫يملك كل العناصر‪ ،‬وقل‪:‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫{ ِإلّ أَن َيشَآءَ اللّهُ‪[} ...‬الكهف‪]24 :‬‬
‫إذن‪ :‬فوعد الصدق معناه أن يكون الوعد ممن هو قادر على أن يحققه قطعا؛ ول تخرج الشياء‬
‫مهما كانت عن قدرته‪ ،‬ولم يترك الشياء؛ لنه باقٍ‪ .‬ولن يتغير رأيه؛ لنه ليس حدثا يتغير‪ .‬بل‬
‫بيده كل شي وهو على كل شيء قدير‪ .‬وسبحانه وتعالى يقول‪ {:‬إِنّ ا ْلمُ ّتقِينَ فِي جَنّاتٍ وَ َنهَرٍ * فِي‬
‫صدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ ّمقْتَدِرٍ }[القمر‪]55-54 :‬‬
‫َمقْعَ ِد ِ‬
‫هكذا وعد الحق عباده المتقين بأنهم سوف يقعدون في حضرته مقعد صدق وهو المليك المقتدر‪.‬‬
‫ج صِ ْدقٍ‪[} ...‬السراء‪]80 :‬‬
‫ق وََأخْرِجْنِي مُخْرَ َ‬
‫صدْ ٍ‬
‫خلَ ِ‬
‫وسبحانه يقول‪َ {:‬أدْخِلْنِي مُ ْد َ‬
‫أي‪ :‬أدخلني في هذه البلدة مدخل صدق للغاية التي ل أستحي من أن أقولها‪ ،‬ل أن أدخل بغرض‬
‫أمام الناس وأن أخفي غرضا آخر‪ ،‬وكذلك أخرجني منها مخرج صدق‪.‬‬
‫ل صِ ْدقٍ { و‬
‫خَ‬
‫إذن‪ :‬فكلمة الصدق دائرة } قَدَمَ صِدْقٍ { و } مُ َبوَّأ صِ ْدقٍ { و } َم ْقعَ ِد صِدْقٍ { و } مُدْ َ‬
‫ج صِدْقٍ { وكل هذا يُحببنا في الصدق؛ لن كل أمور الحياة؛ وفضائلها؛ وخيراتها‪ ،‬وما‬
‫} ُمخْرَ َ‬
‫ينتظر الناس من سعادة؛ كل ذلك قائم على كلمة الصدق‪.‬‬
‫وهنا في الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق سبحانه‪ } :‬وَبَشّرِ الّذِينَ آمَنُواْ أَنّ َل ُهمْ قَ َدمَ‬
‫صِدْقٍ { [يونس‪]2 :‬‬
‫ضلٍ عند ربهم يجازيهم بها؛ لنهم عملوا بمقتضى منهجه‪ ،‬أما موقف الكافرين‬
‫أي‪ :‬أن لهم سابقة َف ْ‬
‫فهو مختلف؛ لذلك يقول الحق سبحانه‪ } :‬قَالَ ا ْلكَافِرُونَ إِنّ هَـاذَا لَسَاحِرٌ مّبِينٌ { [يونس‪]2 :‬‬
‫ولماذا جاء سبحانه بخبر الكافرين هنا رغم أن الموقف هو إنذار وبشارة؟‬
‫ونقول إن الرسول صلى ال عليه وسلم حين أبلغ المنهج عن ال‪ ،‬استقبله أهل اليمان بالتصديق‪،‬‬
‫أما الكافرون فقد اختلف موقفهم‪ ،‬فَإِتّهمَ بعضهم رسول ال صلى ال عليه وسلم بأنه ساحر‪.‬‬
‫وجاء قول الحق على هذه الصورة المبينة بالية؛ لن القرآن يحذف أشياء أحيانا‪ ،‬لن لباقة‬
‫السامع ستنتهي إليها‪ ،‬فل يريد أن يكرر القول‪ .‬وانظر إلى قصة بلقيس‪ ،‬حيث نجد الهدهد يقول‬
‫لسيدنا سليمان‪ {:‬أَحَطتُ ِبمَا َلمْ ُتحِطْ ِبهِ‪[} ...‬النمل‪]22 :‬‬
‫هذا هو الهدهد وهو المخلوق القل من سليمان عليه السلم يقول له‪ :‬لقد عرفت ما لم تعرفه أنت‪،‬‬
‫وكأن هذا القول قد جاء؛ ليعلمنا حسن الدب مع من هو دوننا‪ ،‬فهو يهب لمن دوننا ما ُيعَّلمُه لنا‪،‬‬
‫حثُ فِي الَرْضِ‪[} ...‬المائدة‪]31 :‬‬
‫ألم يُعلّمنا الغراب كيف نواري سوأة الميت؟{ فَ َب َعثَ اللّهُ غُرَابا يَبْ َ‬
‫سوْ َءةَ َأخِي فََأصْبَحَ مِنَ‬
‫عجَ ْزتُ أَنْ َأكُونَ مِ ْثلَ هَـاذَا ا ْلغُرَابِ فَُأوَا ِريَ َ‬
‫ويقول قابيل‪ {:‬يَاوَيْلَتَىا أَ َ‬
‫النّا ِدمِينَ }[المائدة‪]31 :‬‬
‫وهكذا يتعلم النسان ممن هو دونه‪ ،‬وممن سخره ال له‪ .‬وانظر كيف أبرز لنا ال أن الدنى إن‬
‫رأى خبرا‪ ،‬ل بد أن يبلغه للعلى‪ ،‬فتتحقق سيولة المعلومات‪ ،‬التي يتخذ العلى على ضوئها‬
‫القرار المناسب؛ فالهدهد يقول لسيدنا سليمان‪:‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫حطْ بِهِ وَجِئْ ُتكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ َيقِينٍ }[النمل‪]22 :‬‬
‫{ َأحَطتُ ِبمَا َلمْ تُ ِ‬
‫ويتخذ سليمان قرارا ينفذه الهدهد‪ {:‬اذْهَب ّبكِتَابِي هَـاذَا فَأَ ْلقِهْ إِلَ ْيهِمْ ُثمّ َت َولّ عَ ْن ُهمْ فَانْظُرْ مَاذَا‬
‫جعُونَ }[النمل‪]28 :‬‬
‫يَرْ ِ‬
‫وتتتابع الحكاية من بعد ذلك فيقول الحق‪ {:‬قَاَلتْ ياأَ ّيهَا ا ْلمَلُ إِنّي أُ ْل ِقيَ إَِليّ كِتَابٌ كَرِيمٌ }[النمل‪]29 :‬‬
‫فكأن الهدهد أخذ الكتاب وألقاه إلى بلقيس فما قرأته؛ جمعت قومها؛ لتخبرهم‪ .‬وهكذا حذف القرآن‬
‫بعضا من التفاصيل التي إن رُويت تكون تكرارا؛ ولكن جاءت المسألة بهذه الصورة؛ ليدلنا الحق‬
‫على أن أوامر التلقي كانت سريعة بحيث ل يوجد فاصل بين المر وتنفيذ المر‪ ،‬فالتحم المران‬
‫معا‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فقوله الحق‪ } :‬قَالَ ا ْلكَافِرُونَ إِنّ هَـاذَا َلسَاحِرٌ مّبِينٌ { [يونس‪]2 :‬‬
‫جاء منسجما مع ما يُفهم من النص‪ ،‬فهم لم يقولوا ذلك التهام إل بعد أن بلغهم صلى ال عليه‬
‫وسلم أن ال قال له‪ :‬بَشّر وأنذر‪ ،‬فلما بشّر وأنذر‪ ،‬جاء قولهم بأن الرسول ساحر‪ ،‬وهكذا نفهم‬
‫كيف تكوّن موقفهم هذا من سياق الية؛ لنهم لم يقولوا ذلك إل بعد بلغ النذار‪ ،‬أو بلغ البشارة‪.‬‬
‫وهكذا نجد أن القرآن قد ل يذكر الشياء التي إذا سمع السامع السلوب أخذها من نفسه دون أن‬
‫يتطلبها كلم منطوق‪ ،‬ومثل هذا المر جاء في لقطة أخرى في قصة سبأ‪ ،‬فبعد أن ائتمر الهدهد‬
‫بأمر سليمان وذهب بالكتاب فألقاه إلى ملكة سبأ‪ ،‬وقرأته‪ ،‬وجمعت القوم؛ لتأخذ رأيهم فيما تفعله‬
‫مع سليمان‪ ،‬فكان من أمرها معهم ما ذكره القرآن ثم علم سيدنا سليمان بأمر مقدمها مع قومها‪،‬‬
‫شهَا قَ ْبلَ أَن يَأْتُونِي مُسِْلمِينَ }‬
‫فنجد سيدنا سليمان عليه السلم يسأل من حوله‪ {:‬أَ ّيكُمْ يَأْتِينِي ِبعَرْ ِ‬
‫[النمل‪]38 :‬‬
‫إذن‪ :‬فهو قد عَلِم أنهم مُقبلون عليه بالسلم‪ ،‬فأراد أن ينقل العرش من مملكتها إلى مملكته؛ قبل‬
‫أن يجيئوا‪ ،‬وما داموا قادمين في الطريق‪ ،‬فعلى من يذهب ليفك العرش وينقله‪ ،‬ل بد أن تكون له‬
‫طاقة تفوق قدرة النسان العادي‪ ،‬ولذلك لم يتكلم النس العادي‪ ،‬لكن الذي تكلم جني غير عادي‪،‬‬
‫ذكي‪ ،‬فمن الجن من يتميز بالذكاء‪ ،‬ومنهم غير ذلك‪.‬‬
‫ك وَإِنّي عَلَ ْيهِ‬
‫عفْرِيتٌ مّن ا ْلجِنّ أَنَاْ آتِيكَ ِبهِ قَ ْبلَ أَن َتقُومَ مِن مّقَا ِم َ‬
‫وجاء قول الحق سبحانه‪ {:‬قَالَ ِ‬
‫َلقَ ِويّ َأمِينٌ }[النمل‪]39 :‬‬
‫ومقام سليمان مع قومه قد يستمر ساعة أو ساعتين أو ثلث ساعات‪ .‬وسيدنا سليمان يريد التعجيل‬
‫علْمٌ مّنَ‬
‫بنقل عرش بلقيس‪ ،‬لذلك تجده يستمع إلى من عنده علم من الكتاب‪ {:‬قَالَ الّذِي عِن َدهُ ِ‬
‫ا ْلكِتَابِ أَنَاْ آتِيكَ ِبهِ قَ ْبلَ أَن يَرْتَدّ إِلَ ْيكَ طَ ْر ُفكَ‪[} ...‬النمل‪]40 :‬‬
‫ألم يكن مثل هذا القول يحتاج إلى إذن من سيدنا سليمان‪ ،‬وأن يقول سليمان اذهب فيذهب ويحل‬
‫العرش ويعود به؟ نعم‪ ،‬المر يحتاج كل ذلك‪ ،‬ولكن القرآن جاء بالقصة في تصوير متتابع‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫للسرعة‪ ،‬وجاء القرآن بخبر العرش‪ ،‬وقد جاء إلى حيث يجلس سليمان عليه السلم‪:‬‬
‫{ فََلمّا رَآهُ مُسْ َتقِرّا عِن َدهُ‪[} ...‬النمل‪]40 :‬‬
‫وهكذا حذف التفاصيل التي يسهل معرفتها‪ ،‬والتي وقعت بين قول مَنْ عنده علم من الكتاب‪ ،‬وبين‬
‫تنفيذ نقل عرش بلقيس‪.‬‬
‫وكذلك حذف القرآن قدرا من الحداث في الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها‪ ،‬فعندما بلّغهم‬
‫رسول ال النذار‪ ،‬هنا قال الكافرون‪ } :‬إِنّ هَـاذَا َلسَاحِرٌ مّبِينٌ { [يونس‪]2 :‬‬
‫وقد قال الكافرون هذا التهام أكثر من مرة‪ ،‬فمرة يقولون عن القرآن‪ :‬إنه سحر‪ ،‬ومرة يقولون‬
‫عن محمد‪ :‬إنه ساحر‪ .‬ولنسأل‪ :‬ما معنى كلمة ساحر؟ إن الساحر هو الذي يصنع أشياء‪ ،‬ويوهمك‬
‫أنها حقيقة؛ وهي ليست بحقيقة‪.‬‬
‫ولذلك يجب أن نفرق بين السحر وبين معجزة موسى‪ ،‬حتى ل يقال‪ :‬إن معجزة موسى عليه‬
‫السلم وهي العصا كانت من جنس ما برع فيه سحرة فرعون‪ ،‬صحيح أنها من جنس ما برع فيه‬
‫قوم فرعون‪ ،‬ولكنها ليست سحرا؛ لن الحق شاء أن يُغير من حقيقة العصا فجعلها أفعى‪ ،‬أما‬
‫سحر قوم فرعون فهو ل يغير حقيقة الشياء‪ ،‬بل يوهم مَنْ يراها بأنها تغيرت‪.‬‬
‫والسحر يقتضي ساحرا‪ ،‬ويقتضي مسحورا‪ ،‬ويقتضي عملية السحر ذاتها‪ .‬أما عن الساحر فهو‬
‫الذات التي تقوم بعملية السحر‪.‬‬
‫ويقول الحق عن السحرة‪ {:‬سَحَرُواْ أَعْيُنَ النّاسِ‪[} ...‬العراف‪]116 :‬‬
‫أي‪ :‬سحروا العين التي ترى المر المسحور على غير حقيقته‪ ،‬رغم بقاء الشيء المسحور على‬
‫حقيقته‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فهم قد أوهموا المسحورين بغير واقع‪ ،‬لكن المعجزة ‪ -‬معجزة موسى ‪ -‬ليست كذلك؛ لنها‬
‫ل تُغير من الرائي‪ ،‬بل تغير من حقيقة المرئي فعلً‪ .‬وقد دَلّنَا القرآن على حقيقة هذه المسألة‬
‫عصَايَ‬
‫بالتجربة العملية حين اختار ال موسى وقال له‪َ {:‬ومَا تِ ْلكَ بِ َيمِي ِنكَ يامُوسَىا * قَالَ ِهيَ َ‬
‫علَ ْيهَا وَأَهُشّ ِبهَا عَلَىا غَ َنمِي وَلِيَ فِيهَا مَآ ِربُ أُخْرَىا }[طه‪]18-17 :‬‬
‫أَ َت َوكّأُ َ‬
‫وحين أمر الحق سبحانه موسى بإلقاء العصا‪ ،‬رآها موسى عليه السلم حيّةً تسعى‪ {:‬قَالَ أَ ْل ِقهَا‬
‫سعَىا }[طه‪]20-19 :‬‬
‫يامُوسَىا * فَأَ ْلقَاهَا فَإِذَا ِهيَ حَيّةٌ َت ْ‬
‫فعندما رأى موسى عصاه‪ ،‬قد تحوّلتْ إلى حية تسعى على الرض‪ ،‬فرّ هاربا خائفا‪ ،‬ولكن ال‬
‫أراد أن يثبّت قلبه ويؤمنه إعدادا له للموقف الذي سيقفه فيما بعد أمام سحرة فرعون فقال له رب‬
‫خفْ سَ ُنعِيدُهَا سِيَر َتهَا الُولَىا }[طه‪]21 :‬‬
‫العزة‪ {:‬خُذْهَا َولَ تَ َ‬
‫إذن‪ :‬فلم يكن هناك سحر في عيني موسى‪ ،‬ولكن كان هناك تغيّر فعليّ في حقيقة العصا‪ .‬فلما‬
‫خاف طمأنه الحق سبحانه وأمره بأن يلتقط العصا؛ لنها ستعود ‪ -‬بإذن ال ‪ -‬إلى سيرتها الولى‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والدليل على ان التغير قد حدث في حقيقة العصا‪ ،‬أن السحرة الذين جمعهم فرعون من كل مكان‪،‬‬
‫ووقفوا في منافسة مع سيدنا موسى‪ ،‬وقالوا له‪ِ {:‬إمّآ أَن تُ ْل ِقيَ وَِإمّآ أَن ّنكُونَ َأ ّولَ مَنْ أَ ْلقَىا }[طه‪:‬‬
‫‪]65‬‬
‫وقبل موسى عليه السلم التحدي‪ ،‬وتجد القرآن يصور المسألة فيقول‪:‬‬
‫سعَىا }[طه‪]66 :‬‬
‫سحْرِهِمْ أَ ّنهَا تَ ْ‬
‫عصِ ّيهُمْ يُخَ ّيلُ إِلَ ْيهِ مِن ِ‬
‫{ قَالَ َبلْ أَ ْلقُواْ فَِإذَا حِبَاُلهُ ْم وَ ِ‬
‫وقوله‪ُ } :‬يخَ ّيلُ ِإلَيْهِ { يعني‪ :‬أن الحبال والعصى لم تتغير حقيقتها ولم تسعَ‪ .‬وما إن رمى موسى‬
‫عصاه حتى تحولت إلى حية فعْليّة تلقف ما صنعوا‪ ،‬وهذا ما جعل السحرة يسجدون ويعلنون‬
‫اليمان؛ لنهم رأوا حقيقة واضحة‪ ،‬وهي أن العصا قد تحولت بالفعل إلى حية‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالساحر يرى الشيء على حقيقته‪ ،‬والمسحور هو الذي تتغير رؤيته إلى الشيء‪ ،‬فيُخيّل إليه‬
‫أنه شيء آخر؛ ولذلك لم يقل أحد‪ :‬إن موسى تعلّم السحر‪ ،‬وإن من علّمه غلبهم‪ ،‬ل‪ ،‬بل عرفوا أنها‬
‫مسألة أكبر من طاقة البشر؛ لن حقيقة العصا نفسها قد تغيرت‪ ،‬فقالوا‪ {:‬آمَنّا بِ َربّ هَارُونَ‬
‫َومُوسَىا }[طه‪]70 :‬‬
‫ولم يقولوا‪ :‬آمنا بموسى‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالتخييل إنما يحدث في عيني المسحور‪ .‬أقول ذلك حتى نفهم غباء كفار قريش حين اتهموا‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم بأنه ساحر‪ ،‬يسحر الناس‪ ،‬فيخرج الولد على أبيه‪ ،‬وأهله‪ .‬ويجعل‬
‫العبيد يتمردون على سادتهم‪ .‬ولو كان رسول ال ساحرا‪ ،‬فلماذا لم يُسحَر من قالوا هذا التهام‪.‬‬
‫وبقاء من يقول بمثل هذا التهام دليل على أن مسألة اليمان بالمنهج وبالرسول ل علقة لها‬
‫بالسحر‪.‬‬

‫(‪)1353 /‬‬
‫علَى ا ْلعَرْشِ يُدَبّرُ الَْأمْرَ مَا مِنْ‬
‫ت وَالْأَ ْرضَ فِي سِتّةِ أَيّامٍ ثُمّ اسْ َتوَى َ‬
‫سمَاوَا ِ‬
‫إِنّ رَ ّبكُمُ اللّهُ الّذِي خََلقَ ال ّ‬
‫شفِيعٍ إِلّا مِنْ َب ْعدِ إِذْ ِنهِ ذَِلكُمُ اللّهُ رَ ّب ُكمْ فَاعْبُدُوهُ َأفَلَا َت َذكّرُونَ (‪)3‬‬
‫َ‬

‫ومن بعد ذلك يرد الحق على حكاية العجب من أن ال أوحى لرسوله‪ ،‬وكذلك مسألة اتهام الرسول‬
‫بالسحر‪ ،‬فيلفتهم إلى قضية فوق هذه القضية‪ ،‬وأنهم كان عليهم أن يروا العجب في غير مسألة‬
‫الوحي إلى الرسول صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫أي‪ :‬كان عليكم ان تروا هذه المسألة العجيبة‪ ،‬وهي خلق السموات والرض وتتأملوا صنعها‪،‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وكيف حدثت؟‬
‫وإذا كان ال هو الذي خلق السموات والرض‪ ،‬وجعلك أيها النسان تطرأ على عالم‪ ،‬وعلى كون‬
‫معدّ لك إعدادا دقيقا‪ ،‬فكان يجب أن تلتفت إلى هذه المسألة قبل أي شيء آخر‪.‬‬
‫وضربنا من قبل المثل‪ ،‬وقلنا‪َ :‬هبْ أن إنسانا ركب طائرة‪ ،‬ثم نفد وقودها وسقطت في الصحراء‪،‬‬
‫وكُتبت له النجاة وتلفّت حوله فلم يجد ماء أو طعاما أو أي دليل من أدلة الحياة‪ ،‬ثم غلبه النوم‪،‬‬
‫فلما استيقظ من نومه‪ ،‬وجد مائدة عليها من أطايب الطعام‪ ،‬وأطايب الشراب‪ ،‬أما كان يسأل نفسه‬
‫قبل أن يأكل ويشرب‪ :‬من الذي صنع وأحضر كل هذا الطعام‪ ،‬وكل هذا الشراب؟‬
‫وهذا الكون قد أعدّ لك أيها النسان‪ ،‬أما كان يصح أن تفكر فيمن أعدّ لك هذا الكون‪ ،‬وخلق لك‬
‫كل ما ليس في متناول قدرتك‪ ،‬وسخّر كل ذلك لك؟ وقد أبلغك الحق‪ :‬أنا خلقت السماء‪ ،‬وخلقت‬
‫الرض‪ ،‬والشمس‪ ،‬والنجوم‪ ،‬وحين وصلك هذا البلغ‪ ،‬فإما أن يكون صدقا‪ ،‬فلتنفذ ما أمر به‬
‫الخالق‪ .‬وإن لم يكن هذا الكلم صدقا‪ ،‬فمن الذي خلق إذن؟ إن كان هناك إله غيره قد خلق الكون‪،‬‬
‫وسمع مثل هذا البلغ‪ ،‬ولم يتحرك لبيان صدق المسألة‪ ،‬لما كان هذا الخر يستحق أن يكون إلها‪.‬‬
‫وما دام لم يظهر معارض له سبحانه‪ ،‬فهو الخالق؛ لن الدعوى إذا ما صدرت من واحد‪ ،‬ولم‬
‫يظهر لها معارض‪ ،‬فصاحبها هو من أصدرها إلى أن يوجد له معارض‪.‬‬
‫وقد ضربنا مثلً؛ فقلنا‪َ :‬هبْ أن جماعة من أصدقائك جاءوا لزيارتك‪ ،‬ثم خرجوا من عندك‪،‬‬
‫ووجدت أنت حافظة نقود‪ ،‬ولم تعرف لمن هي‪ ،‬ثم بعثت بخادمك؛ ليسأل من كانوا في زيارتك‪،‬‬
‫وقال كل واحد منهم‪ :‬إن حافظة نقوده لم تضع منه‪ ،‬إل واحدا قال‪ :‬نعم‪ ،‬هي حافظة نقودي‪.‬‬
‫وهكذا تثبت ملكية هذا القائل لحافظة النقود‪ ،‬إلى أن يثبت العكس‪.‬‬
‫والحال هنا هكذا‪ ،‬فحين أبلغنا الحق أنه خلق السماء والرض والشمس والقمر والنجوم وجعل في‬
‫الرض رزق البشر‪ ،‬ولم يعارضه أحد‪ ،‬إذن‪ :‬يجب أن نصدق أنه الخالق‪.‬‬
‫وإذا كان ال سبحانه وتعالى قد خلق لكم كل هذا الكون مُسخّرا أفل تتركون له حرية أن يختار‬
‫رسولً منكم إليكم؟ فما وجه العتراض إذن؟‬
‫يكشف الحق منطقهم حين قالوا‪:‬‬
‫جلٍ مّنَ ا ْلقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ }[الزخرف‪]31 :‬‬
‫{ َل ْولَ نُ ّزلَ هَـاذَا ا ْلقُرْآنُ عَلَىا رَ ُ‬
‫إذن‪ :‬هم قد اعترفوا أن القرآن ل غبار عليه‪ ،‬لكنهم ساخطون ويعيشون في ضيق؛ لن هذا القرآن‬
‫قد جاء على يد يتيم أبي طالب‪.‬‬
‫ويكشفهم الحق أيضا فيأتي بما جاء على ألسنتهم‪ {:‬الّلهُمّ إِن كَانَ هَـاذَا ُهوَ ا ْلحَقّ مِنْ عِن ِدكَ فََأمْطِرْ‬
‫سمَآءِ‪[} ...‬النفال‪]32 :‬‬
‫حجَا َرةً مّنَ ال ّ‬
‫عَلَيْنَا ِ‬
‫ولم يقولوا‪ :‬اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فالعداوة هي لرسول ال‪ ،‬وهي عداوة حاقدة غير منطقية؛ لن كل واحد منكم كان إذا ملك شيئا‬
‫نفيسا عزيزا عليه‪ ،‬فهو ل يجد أمينا عليه إل محمدا‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فلماذا ل تغشون أنفسكم في مسألة استئمان محمد على الشياء النفيسة‪ ،‬ولو كنتم غير مؤمنين‬
‫بصدقه‪ .‬فلماذا استأمنتموه على نفائسكم؟ أليس هو محمد بن عبد ال الذي هاجر وترك عليّ بن‬
‫أبي طالب؛ ليرد المانات لصحابها؟‬
‫إذن‪ :‬فل محمد دون مستوى الرسالة والمانة‪ ،‬ول القرآن دون المستوى‪ ،‬بشهادتكم أنتم؛ بشهادتي‬
‫القول والفعل‪.‬‬
‫ت وَالَرْضَ فِي سِتّةِ أَيّامٍ‪[ { ...‬يونس‪.]3 :‬‬
‫سمَاوَا ِ‬
‫وهنا يقول الحق‪ } :‬إِنّ رَ ّبكُمُ اللّهُ الّذِي خََلقَ ال ّ‬
‫س وَلَـاكِنّ‬
‫ت وَالَ ْرضِ َأكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ النّا ِ‬
‫سمَاوَا ِ‬
‫وفي موقع آخر بالقرآن يقول سبحانه‪ {:‬لَخَ ْلقُ ال ّ‬
‫س لَ َيعَْلمُونَ }[غافر‪]57 :‬‬
‫َأكْـثَرَ النّا ِ‬
‫وما دام هذا الخلق العجيب قد صدر منه‪ ،‬فالتصرفات التي دون ذلك ل بد أن تكون مقبولة منه‬
‫سبحانه وتعالى‪ ،‬وأن تكون لحكمة ما‪ .‬وتعالوا نتحاكم إلى أنفسكم‪ ،‬أنتم تقولون‪َ {:‬ل ْولَ نُ ّزلَ هَـاذَا‬
‫عظِيمٍ }[الزخرف‪]31 :‬‬
‫جلٍ مّنَ ا ْلقَرْيَتَيْنِ َ‬
‫ا ْلقُرْآنُ عَلَىا َر ُ‬
‫طعْنَ فيه‪ ،‬بل تطعنون في مسألة أنه جاء على يد محمد صلى‬
‫إذن‪ :‬ل شك عندكم في القرآن ل َ‬
‫ال عليه وسلم‪ ،‬وتمنيتم لو أن القرآن قد جاء على يد واحد آخر تقبلونه‪ .‬وأنتم في هذه المسألة غير‬
‫منطقيين؛ لنكم تريدون أن تتدخلوا في قسمة ال ورحمته في أن يُنزِل الوحي على من تشاءون‪،‬‬
‫ل من يشاء هو سبحانه‪.‬‬
‫وأنتم بذلك تريدون أن تتحكموا في الرحمة العليا من ال في أن يختار رسولً؛ ليبلغكم عنه‪.‬‬
‫ح َمتَ‬
‫سمُونَ َر ْ‬
‫وتتناسون أنكم في هذه الدنيا ل تقسمون الرزاق؛ لذلك يقول الحق‪ {:‬أَ ُهمْ َيقْ ِ‬
‫رَ ّبكَ‪[} ...‬الزخرف‪]32 :‬‬
‫سمْنَا بَيْ َنهُمْ ّمعِيشَ َتهُمْ فِي‬
‫فإذا كنتم تريدون أن تقسموا رحمة ال‪ ،‬فاعلموا هذا القول من ال‪ {:‬نَحْنُ قَ َ‬
‫الْحَيَاةِ الدّنْيَا‪[} ...‬الزخرف‪]32 :‬‬
‫وهذا المر السهل؛ تقسيم المعيشة في الحياة الدنيا تصرف فيه الحق سبحانه‪ ،‬فكيف لكم ‪ -‬إذن ‪-‬‬
‫أن تطمعوا في تقسيم المر العلوي وهو رحمة ال العليا في أن يرسل رسولً‪.‬‬
‫والحق سبحانه يقول في الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها‪ } :‬إِنّ رَ ّبكُمُ اللّهُ {‪.‬‬
‫وساعة تسمع كلمة " رب " ينصرف الذهن إلى الخلق وإلى التربية‪ ،‬ولذلك نحن نستعمل هذه‬
‫الكلمة ونقول‪ " :‬فلن رب هذه السرة " أي‪ :‬أنه المتولي تربيتها‪ ،‬وكلمة " الرب " بمعناها المطلق‬
‫عدْمٍ‪ ،‬وهو بهذا الوصف ربّ كل خلقه‪:‬‬
‫تنصرف إلى ال‪ ،‬فهو الخالق الذي خلق من عَدَم وأمدّ من ُ‬
‫المؤمن والكافر‪ ،‬والطائع والعاصي‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وما دام ال سبحانه ربّا لكل الخلق‪ ،‬فهو الرازق لكل خلقه‪ ،‬فهو الذي استدعى خلقه إلى هذه الدنيا‪،‬‬
‫وهو الذي يعطي كل مخلوق الرزق الذي كتبه ال له‪ ،‬وهو سبحانه يأمر نواميس الكون وأسبابه‬
‫أن تعطي له أو ل تعطي‪ ،‬فإن زرع الرض وأحسن زراعتها؛ أعطى سبحانه المر للرض أن‬
‫تعطي هذا المخلوق الرزق‪.‬‬
‫وكل مخلوق يأخذ بالسباب‪ ،‬ويوفر له الحق النجاح في السباب‪.‬‬
‫وأقول دائما لمن يرون تقدم الكفار في أمور الدنيا‪ ،‬ويتساءلون‪ :‬لماذا يتقدم الكفار في أمور الدنيا‬
‫ونتأخر نحن؟ أقول لهم‪ :‬لقد أخذوا من عطاء الربوبية في السباب‪ ،‬وأنتم لم تاخذوا من عطاء‬
‫الربوبية؛ حتى ل يسبقكم الكافرون إليها‪ ،‬ول تجلسوا في موقع المتفرج‪ ،‬بل المفروض فيكم أن‬
‫تسبقوا الكفار إلى عطاء الربوبية‪.‬‬
‫أما عطاء اللوهية‪ ،‬وهو أن ُيقِرّ النسان بأن ال هو المعبود بحق‪ ،‬وهو المطاع في " افعل " و "‬
‫ل تفعل " ‪ ،‬فهذا العطاء ل يناله إل مَنْ آمن به‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فال رب الجميع‪ ،‬ولكنه إله مَنْ آمكن به‪ .‬إذن‪ :‬هناك فارق بين عطاء الله‪ ،‬وهو المنهج‬
‫المتمثل في " افعل " و " ل تفعل " ‪ ،‬وعطاء الربوبية المتمثل في المور المادية وهي شركة بين‬
‫كل الناس‪ :‬المؤمن والكافر‪ ،‬والطائع والعاصي‪ .‬وحين يُحسن الكاف ُر الخذ بالسباب؛ فهو يأخذ‬
‫نتائجها‪.‬‬
‫والحق سبحانه هو القائل‪ {:‬مَن كَانَ يُرِيدُ حَ ْرثَ الخِ َرةِ نَ ِزدْ لَهُ فِي حَرْ ِث ِه َومَن كَانَ يُرِيدُ حَ ْرثَ‬
‫الدّنْيَا ُنؤْتِهِ مِ ْنهَا َومَا َلهُ فِي الخِ َرةِ مِن ّنصِيبٍ }[الشورى‪]20 :‬‬
‫إذن‪ :‬فواجب على المؤمنين أن يستقبلوا عطاء الربوبية بحسن الخذ بالسباب؛ ليأخذوا النتيجة‪،‬‬
‫ول يتقدم أهل الكفر عليهم؛ لن الكافر حين يسبقك في الخذ بالسباب‪ ،‬ربما استغل هذه المسألة‬
‫في ان يفرض عليك ما يخالف دينك‪.‬‬
‫وهنا يقول سبحانه‪ } :‬إِنّ رَ ّبكُمُ اللّهُ‪[ { ...‬يونس‪]3 :‬‬
‫أي‪ :‬أن الذي ربّي‪ ،‬هو الذي كلّف‪ ،‬ويجب أن تستمعواإلى منهجه‪.‬‬
‫ت وَالَرْضَ فِي سِتّةِ أَيّامٍ‪[ { ...‬يونس‪]3 :‬‬
‫سمَاوَا ِ‬
‫ثم يقول سبحانه‪ } :‬الّذِي خََلقَ ال ّ‬
‫وكلمة } سِتّةِ أَيّامٍ { هذه وردت في كل آيات القرآن التي تحدثت عن زمن مدة الخلق للرض‬
‫والسماوات‪ ،‬لكن هناك آية جاءت بتفصيل ويظهر من أسلوبها أن الخلق قد استغرق ثمانية أيام‪،‬‬
‫جعَلُونَ َلهُ أَندَادا ذَِلكَ‬
‫ق الَ ْرضَ فِي َي ْومَيْنِ وَتَ ْ‬
‫وهي في سورة فصلت‪ُ {:‬قلْ أَئِ ّنكُمْ لَ َت ْكفُرُونَ بِالّذِي خَلَ َ‬
‫سوَآءً‬
‫سيَ مِن َف ْو ِقهَا وَبَا َركَ فِيهَا َوقَدّرَ فِيهَآ َأ ْقوَا َتهَا فِي أَرْ َبعَةِ أَيّامٍ َ‬
‫ج َعلَ فِيهَا َروَا ِ‬
‫َربّ ا ْلعَاَلمِينَ * وَ َ‬
‫لّلسّآئِلِينَ }[فصلت‪]10-9 :‬‬
‫وهذه ستة أيام‪.‬‬
‫طوْعا َأوْ كَرْها قَالَتَآ‬
‫سمَآ ِء وَ ِهيَ ُدخَانٌ َفقَالَ َلهَا وَلِلَ ْرضِ ائْتِيَا َ‬
‫ثم يقول سبحانه‪ {:‬ثُمّ اسْ َتوَىا إِلَى ال ّ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫سمَآءَ الدّنْيَا‬
‫سمَآءٍ َأمْرَهَا وَزَيّنّا ال ّ‬
‫ن وََأوْحَىا فِي ُكلّ َ‬
‫سمَاوَاتٍ فِي َي ْومَيْ ِ‬
‫أَتَيْنَا طَآ ِئعِينَ * َفقَضَاهُنّ سَبْعَ َ‬
‫حفْظا ذَِلكَ َتقْدِيرُ ا ْلعَزِيزِ ا ْلعَلِيمِ }‬
‫ِب َمصَابِيحَ َو ِ‬
‫[فصلت‪]12-11 :‬‬
‫وهكذا يكون المجموع ثمانية أيام‪ ،‬وهذا هو الفهم السطحي؛ لن آيات الجمال جاءت كلها بخبر‬
‫الخلق في ستة أيام‪ .‬وتعلم أن كل مُجمل يفسره مُفصّلة إل العدد؛ فإن مفصّله محمول على مجمله‪،‬‬
‫فالرض خلقها ال في يومين‪ ،‬وجعل فيها رواسي‪ ،‬وبارك فيها‪ ،‬وكل مخلوق ثان هو تَتمّة للول‪،‬‬
‫فاليومان الولن إنما يدخلن في الربعة اليام‪ ،‬وأخذت بقية الخلق اليومين الخيرين‪ ،‬فصار‬
‫المجموع ستة أيام‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالزمن تتمة الزمن‪ ،‬ولذلك تجد أن اليوم على كوكب الزهرة أطول من عامها؛ لن عامها‬
‫بتوقيت الرض هو مائتان وخمسة وعشرون يوما‪ ،‬أما طول اليوم فيها فهو بتوقيت الرض‬
‫مائتان وأربعة وأربعون يوما‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فاليوم على كوكب الزهرة أطول من العام فيها‪ .‬والسر في ذلك أن كوكب الزهرة يخضع‬
‫لدورة تختلف في سرعتها عن سرعة الدورة التي تخضع لها الرض‪ ،‬فدورة كوكب الزهرة حول‬
‫نفسه بطيئة‪ ،‬ودورته حول الشمس سريعة‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فكل كائن له نظام‪.‬‬
‫وما هو اليوم إذن؟ اليوم في اعتبارنا هو دورة الرض حول نفسها دورة يتحقق فيها الليل‬
‫والنهار‪ .‬ولكننا نجد القرآن الكريم يطلق كلمة اليوم ويفصلها عن الليل‪ ،‬فيقول سبحانه‪ {:‬سِيرُواْ‬
‫فِيهَا لَيَاِليَ وَأَيّاما‪[} ...‬سبأ‪]18 :‬‬
‫وهنا جعل الحق اليوم للضوء والكدح‪ ،‬والليل للظّلمة والراحة‪ .‬والحساب الفلكي يسمى الليل‬
‫والنهار يوما‪.‬‬
‫ويبين القرآن لنا أن هناك يوما للدنيا‪ ،‬ويوما للخرة‪ ،‬ويوم الدنيا هو ما نحسبه نحن من شروق‬
‫إلى شروق آخر‪ ،‬وكذلك هناك يوم عند ال هو بحساب الدنيا يقدر بألف سنة مما يحسبه البشر‪{:‬‬
‫وَإِنّ َيوْما عِندَ رَ ّبكَ كَأَ ْلفِ سَنَةٍ ّممّا َتعُدّونَ }[الحج‪]47 :‬‬
‫خ ْمسِينَ أَ ْلفَ سَنَةٍ }‬
‫ويقول الحق في موضع آخر‪َ {:‬تعْرُجُ ا ْلمَلَ ِئكَ ُة وَالرّوحُ ِإلَيْهِ فِي َيوْمٍ كَانَ ِمقْدَا ُرهُ َ‬
‫[المعارج‪]4 :‬‬
‫إذن‪ :‬فالزمنة متعددة‪ ،‬ومنوعة‪ ،‬وتختلف من قياس إلى آخر‪ ،‬ومن كوكب إلى آخر‪ .‬وما أظهره‬
‫ال لنا في القرآن من الزمنة إنما يدل على اختلفها‪ ،‬ل على التعارض والتناقض‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه في الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها‪ } :‬ثُمّ اسْ َتوَىا عَلَى ا ْلعَرْشِ‬
‫{ ووقف العلماء عند كلمة " اسْ َتوَى " طويلً‪ ،‬واستعرضوا القرآن كله؛ ليحصروها في كتاب ال؛‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فوجدوها قد جاءت في اثنتي عشرة سورة‪ :‬البقرة والعراف ويونس والرعد وطه والفرقان‬
‫والقصص والسجدة وفصلت والفتح والنجم والحديد‪.‬‬
‫وأول سورة جاء فيها ذكر استواء ال على العرش هي " العراف " يقول الحق‪ {:‬الّذِي خَلَقَ‬
‫شمْسَ‬
‫طلُبُهُ حَثِيثا وَال ّ‬
‫سمَاوَاتِ وَالَ ْرضَ فِي سِتّةِ أَيّامٍ ثُمّ اسْ َتوَىا عَلَى ا ْلعَرْشِ ُيغْشِي الّيلَ ال ّنهَارَ يَ ْ‬
‫ال َ‬
‫لمْرُ تَبَا َركَ اللّهُ َربّ ا ْلعَاَلمِينَ }[العراف‪]54 :‬‬
‫ق وَا َ‬
‫وَا ْلقَمَ َر وَالنّجُومَ مُسَخّرَاتٍ بَِأمْ ِرهِ َألَ لَهُ الْخَ ْل ُ‬
‫وما دام ال سبحانه هو الذي خلق فل تعترض أن يكون المر له‪ ،‬وأن يبعث سبحانه من شاء؛‬
‫ليكون رسولً؛ لذلك فل عجب أن أرسل لكم رجلً منكم؛ لنه لو كان هناك غيره سبحانه هو الذي‬
‫خلق‪ ،‬ثم جاء ليفتئت فيأمر فيما خلق‪ ،‬لكان للخلق شأن آخر‪ ،‬لكن ال هو الذي خلق‪ ،‬وهو سبحانه‬
‫الذي أرسل الرسول صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫سمَاوَاتِ‬
‫والية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول فيها الحق‪ } :‬إِنّ رَ ّبكُمُ اللّهُ الّذِي خََلقَ ال ّ‬
‫وَالَرْضَ فِي سِتّةِ أَيّامٍ ُثمّ اسْ َتوَىا عَلَى ا ْلعَرْشِ { ‪ ،‬أي‪ :‬استتب له المر‪.‬‬
‫علَى ا ْلعَرْشِ‬
‫عمَدٍ تَ َروْ َنهَا ثُمّ اسْ َتوَىا َ‬
‫سمَاوَاتِ ِبغَيْرِ َ‬
‫ثم تأتي آية سورة الرعد‪ {:‬اللّهُ الّذِي َر َفعَ ال ّ‬
‫صلُ اليَاتِ َلعَّلكُمْ بِِلقَآءِ رَ ّب ُكمْ تُوقِنُونَ‬
‫لمْرَ ُي َف ّ‬
‫سمّـى يُدَبّرُ ا َ‬
‫جلٍ مّ َ‬
‫س وَا ْل َقمَرَ ُكلّ َيجْرِي لَ َ‬
‫شمْ َ‬
‫وَسَخّرَ ال ّ‬
‫}[الرعد‪]2 :‬‬
‫أما الصفات التي توجد في البشر‪ ،‬ووصف ال نفسه بها‪ ،‬هذه الصفات ل تؤخذ على مقتضى ما‬
‫هي في البشر‪ ،‬فكل إنسان هو ممكن الوجود‪ .‬ولكن الحق سبحانه وتعالى هو واجب الوجود؛ لذلك‬
‫شيْءٌ‪[} ...‬الشورى‪]11 :‬‬
‫تؤخذ تلك الصفات في إطار{ لَيْسَ َكمِثْلِهِ َ‬
‫ومثال هذا‪ :‬أن الحق سبحانه وتعالى له عِلْم بأنك تقرأ الن في التفسير‪ ،‬وفي أي مكان تقرأه‪،‬‬
‫والذين من حولك يعلمون ذلك‪ ،‬ولكنْ أع ْلمُ ال يساوي علمَك وعلمَ مَنْ حولك؟ ل‪ ،‬فعلمه سبحانه‬
‫وتعالى هو عِلْم أزليّ‪ ،‬عِلْم قبل أن توجد أنت أو يوجد غيرك؛ لذلك فأنت إذا عَلمت شيئا‪ ،‬وعَلمَ ال‬
‫شيئا‪ ،‬فعِلْم ال يناسبه‪ ،‬وعلْم البشر يناسبك‪ .‬وأيّ صفة من صفات ال مطلقة‪ ،‬وأيّ صفة من‬
‫صفاتك نسبية؛ لن الحق سبحانه هو واجب الوجود الزلي‪ ،‬وأنت في هذه الحياة مجرد حدثٍ‬
‫محدود العمر بين قوى الميلد والموت‪.‬‬
‫فال غني‪ ،‬وقد تكون أنت غنيّا‪ ،‬لكن غناك ل يمكن أن يتساوى مع غنى ال‪ .‬وأنت موجود وال‬
‫موجود‪ ،‬ولكن وجودك ل يمكن أن ُيقَاس بوجود ال‪ .‬فذاتُ ال ليست كذواتنا‪ ،‬وكذلك صفات ال‬
‫ليست كصفاتنا‪ ،‬وفعْله ليس كفعْلنا‪ ،‬واستواؤه سبحانه ليس كاستوائنا‪ ،‬بل في إطار } لَيْسَ َكمِثِْلهِ‬
‫شيْءٌ { لن الذي ُيفْسد الفهم أن يقال‪ " :‬استوى " بمعنى‪ :‬قعد‪ .‬أو فلنأخذ الستواء كتمثيل للسيطرة‪،‬‬
‫َ‬
‫ش ّدهُ‬
‫وسبحانه مسيطر على كل شيء‪ ،‬والستواء‪ :‬يعني التمكن‪ .‬وسبحانه القائل‪ {:‬وََلمّا بََلغَ أَ ُ‬
‫وَاسْ َتوَىا‪[} ...‬القصص‪]14 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إذن‪ :‬فاستوى‪ :‬تعني بلوغ تكوين الكمال في الذات‪ .‬والنسان منا وهو صغير ‪ -‬قبل البلوغ ‪ -‬إنما‬
‫تنقصه بعض من درجات النضج في الجهاز العصبي‪ ،‬وكذلك في الجهاز التناسلي‪ ،‬فإذا ما بلغ‬
‫اكتمل النضج‪ ،‬ويقال‪َ( :‬اسْ َتوَى) أي‪ :‬صار قادرا على إنجاب مثله‪ ،‬وتمت له رجولته‪ .‬ويقال عن‬
‫الثمرة‪ :‬إنها استوت{ فَاسْ َتوَىا عَلَىا سُوقِهِ }[الفتح‪]29 :‬‬
‫أي‪ :‬نضجت ُنضْجا يبلغها أن تعطي من ثمرتها مثل ذاتها‪ ،‬وبذلك تضمن بقاء نوعها‪.‬‬
‫وحين بلغ الطوفان تمامه استوت مركب سيدنا نوح ومعه المؤمنون من قومه‪ ،‬وقال الحق‪:‬‬
‫{ وَاسْ َت َوتْ عَلَى الْجُو ِديّ‪[} ...‬هود‪]44 :‬‬
‫أي‪ :‬استقرت على الجبل واستتب المر‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فكل استواء ل يجب أن يؤخذ على أنه استواء يليق بذاته‪ ،‬وصفاته‪ ،‬التي قد يوجد في البشر‬
‫شيْءٌ‪[} ...‬الشورى‪]11 :‬‬
‫مثلها‪ ،‬لكنها صفات مطلقة في إطار‪ {:‬لَيْسَ َكمِثْلِهِ َ‬
‫وفعْل ال ل يمكن أن يتساوى مع فعل البشر؛ ولذلك قلنا في حديث السرَاء‪ :‬إن الكفار‬
‫المعاصرين للسراء حينما كذّبوا النبي صلى ال عليه وسلم في أنه قد أسرى به‪ ،‬قالوا‪ :‬أتدّعي‬
‫أنك أتيتَ بيت المقدس في ليلة‪ ،‬ونحن نضرب إليها أكباد البل شهرا؟ وهذا القول المستنكر يؤكد‬
‫أنهم قد فهموا أن السراء قد حدث حقيقة‪.‬‬
‫ورغم ذلك تجد بعض المعاصرين ‪ -‬الذين يدعون المعاصرة والفهم ‪ -‬يتساءلون‪ :‬ولماذا ل‬
‫تقولون‪ :‬إن السراء قد تَمّ بالروح؟ ونقول لهم‪ :‬إن كفار قريش أنفسهم الذين عاصروا رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم لم يقولوا ذلك‪ ،‬وفهموا أن السراء قد تمّ بالجسد؛ لذلك قالوا‪ " :‬أنضرب إليها‬
‫أكباد البل شهرا‪ ،‬وتدّعي أنك أتيتها في ليلة؟ " بل‪ ،‬ولم يقولوا له‪ :‬إنه رأى بيت المقدس في رؤيا‬
‫أو حُلْم؛ لنه ل أحد يُكذّب رؤيا أو حُلْما‪ ،‬وهكذا كان تكذيبهم دليلً على التصديق للسراء إلى أن‬
‫تقوم الساعة‪.‬‬
‫ونقول لمن يدّعي أن السراء إنما تَمّ بالروح‪ :‬افهم جيّدا أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال‪" :‬‬
‫أسري بي "‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فعْل السراء منسوب ل‪ ،‬ل لمحمد صلى ال عليه وسلم‪ .‬والقرآن يقول‪ {:‬سُ ْبحَانَ الّذِي‬
‫أَسْرَىا ِبعَبْ ِدهِ لَيْلً‪[} ...‬السراء‪]1 :‬‬
‫عمّا في بال البشر من المسافات والقوة وغيرها‪.‬‬
‫وما دام الحق قد قال‪( :‬سُ ْبحَانَ) أي‪ :‬أن ال مُنَ ّزهٌ َ‬
‫ولقد ضربنا مثلً لهذا ‪ -‬ول المثل العلى ‪ -‬برجل يصعد بابنه الرضيع قمة جبل " إفرست " ‪،‬‬
‫فل يقال‪ :‬وهل يصعد الرضيع قمة الجبل؟ فالصعود منسوب هنا للرجل‪ ،‬ولقدرة الرجل وقوته‪ ،‬ل‬
‫إلى الطفل‪.‬‬
‫وهكذا ‪ -‬ول المثل العلى ‪ -‬فالزمن والقدرة على السراء منسوبان ل سبحانه‪ ،‬ل إلى محمد‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫ونحن في مجالنا البشرى تختلف قدراتنا في قطع المسافات وأزمانها‪ ،‬فمن يركب عربة يجرّها‬
‫حصان فقد يصل من القاهرة إلى السكندرية في أيام‪ ،‬ومَنْ يركب سيارة فقد يصلها في ساعتين‪.‬‬
‫ومَنْ يركب طائرة فقد يصلها في نصف ساعة‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فكلما زادت القوة تجد الزمن يقل‪ ،‬فما بالنا بقوة القويّ؛ أيكون معها زمن؟ طبعا ل‪.‬‬
‫وقال الحق سبحانه لسيدنا نوح‪ {:‬فَإِذَا اسْ َتوَ ْيتَ أَنتَ َومَن ّم َعكَ عَلَى ا ْلفُ ْلكِ‪[} ...‬المؤمنون‪]28 :‬‬
‫أي‪ :‬بعد أن ركب معك يا نوح مَنْ آمن من قومك‪ ،‬واطمأننت على نجاتهم‪ ،‬ستسير السفينة بإذن‬
‫ربها‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فقول الحق عن ذاته‪ } :‬اسْ َتوَىا عَلَى ا ْلعَرْشِ‪.‬‬
‫‪[ { ..‬يونس‪]3 :‬‬
‫يعني أن المور قد استتبت وتمت‪ .‬وهكذا نفهم أن كل شيء يتعلق بالحق سبحانه وتعالى نأخذه في‬
‫شيْءٌ‪[} ...‬الشورى‪]11 :‬‬
‫إطار‪ {:‬لَيْسَ َكمِثْلِهِ َ‬
‫وأن كل صفة من صفاته يأتي تمثيلها ليقرب المعنى فقط ول يعطي حقيقة المعنى؛ لنه سبحانه‬
‫ليس كمثله شيء‪ .‬وهكذا فسبحانه له استواء يليق بذاته‪ ،‬ل كاستواء البشر‪.‬‬
‫والشاعر أبو تمام حين جاء ليمدح الخليفة المعتصم‪ ،‬نظر إلى الصفات التي اشتهر بها بعض‬
‫القوم‪ " ،‬فحاتم " على سبيل المثال كان قمة الكرم‪ .‬و " عنترة " هو قمة الشجاعة‪ " ،‬والحنف بن‬
‫سمَاحةِ حاتمٍ في حِلْمِ أحْ َنفَ‬
‫عمْروٍ في َ‬
‫قيس " قمة الحكمة‪ ،‬فقال الشاعر أبو تمام عن الخليفة‪:‬إقْدَامُ َ‬
‫في ذكاء أيَاسِوهكذا صار الخليفة مَجْمع فضائل؛ لنه أخذ إقدام عمرو‪ ،‬وكرم حاتم‪ ،‬وحلم الحنف‪،‬‬
‫وذكاء إياس‪ .‬ولكن حاسد الشاعر قال‪ :‬إن المير فوق كل من َوصَ ْفتَ‪ ،‬فهؤلء جميعا بالنسبة‬
‫للخليفة صغار‪ .‬وقال أحد الشعراء‪:‬وشبهه المدّاح في البأس والنّدى بمَنْ لو رَآهُ كان أصغَر‬
‫خا ِدمِففي جَيْشِه خَمسُون ألْفا كَعنْت ٍر وَفي خَزَائِنه ألفِ حاتمِوحين سمع الشاعر الول ذلك‪ ،‬وكانت‬
‫قصيدته الولى " سينية " ‪ ،‬أي‪ :‬أن آخر حرف في كل أبياتها هو حرف السين‪ ،‬فجاء بأبيات‬
‫أخرى من نفس بحر القصيدة الولى‪ :‬وقال‪:‬ل تُ ْنكِروا ضَرْبي له مَنْ دُونهُ مَثلً شَرودا في النّدَى‬
‫شكَاةِ والنّبراسِإذن‪ :‬فهناك فَرْق بين تمثيل الشيء‪،‬‬
‫والباسِفال َق ْد ضَ َربَ ال َقلّ لنورهِ مثلً من المِ ْ‬
‫شكَاةٍ فِيهَا ِمصْبَاحٌ ا ْل ِمصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ‪} ...‬‬
‫وبين حقيقة الشيء‪ ،‬فحين قال الحق‪ {:‬مَ َثلُ نُو ِرهِ َكمِ ْ‬
‫[النور‪]35 :‬‬
‫فهذا مثل توضيحي للبشر‪ .‬وشاء الحق ذلك ليعطينا مجرد صورة؛ لنه يتكلم عن أشياء ل وجود‬
‫لها عندك‪ .‬ولذلك نجد الرسول صلى ال عليه وسلم يقول عن الجنة‪ " :‬فيها ما ل عَينٌ رأت‪ ،‬ول‬
‫خطَر على قلبِ َبشَر "‪.‬‬
‫أُذُنٌ سمعتْ‪ ،‬ول َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وأنت حين ترى؛ فللرؤية حدود‪ .‬وحين تسمع فأنت تسمع مرائي غيرك‪ ،‬وما ل يخطر على البال‬
‫هو القمة‪ ،‬فقد ارتقى الرسول في وصفه للجنة من حدود ما تراه العين إلى آفاق ما تسمعه الذن‪،‬‬
‫ثم ارتقى من حدود السمع إلى ما ل يخطر على البال؛ لنه صلى ال عليه وسلم علم أن اللغة هي‬
‫ألفاظ تعبر عن معان‪ ،‬والمعاني تزجد أولً ثم نأتي لها باللفاظ؛ ولذلك فالمثال لمجرد التوضيح‬
‫باللغة‪.‬‬
‫وهكذا نطون قد استوفينا فهم قوله الحق‪ُ } :‬ثمّ اسْ َتوَىا عَلَى ا ْلعَرْشِ { بما يليق بذات ال‪ ،‬فل نأخذ‬
‫الستواء على المعنى الذي يدل على مكان محيّز؛ لنه سبحانه مُنَزّه عن أن يكون متحيزا في‬
‫مكان؛ فذاته سبحانه ليست كالذوات‪ ،‬وفعله ليس كالفعال‪ ،‬وصفاته ليست كالصفات‪.‬‬
‫لمْرَ { أي‪ :‬أنه يرتب الوجود ترتيبا يجعل كل شيء موضوعا في مكانه‬
‫ثم يقول بعد ذلك‪ } :‬يُدَبّ ُر ا َ‬
‫بحكمة‪.‬‬
‫والحق سبحانه وتعالى له صفة علم‪ ،‬وصفة إرادة‪ ،‬وصفة قدرة‪ ،‬وصفة العلم هي التي تخضع كل‬
‫شيء في مكانه بحكمة‪ .‬وصفة الرادة هي التي تخصص الممكن ببعض ما يجوز عليه‪ .‬وصفة‬
‫القدرة تبرز المراد ل‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فهناك علم‪ ،‬وهناك إرادة‪ ،‬وهناك قدرة تبرز المراد على وفق العلم‪ .‬ومن المنطقي أن يدبر‬
‫ال كل أمر؛ لنه سبحانه هو الذي خلق السموات وخلق الرض‪ .‬واستوت له المور بحيث لم يعد‬
‫هناك خلق جديد إل ما يبرزه بـ " كن "‪ .‬وهو سبحانه بعد أن خلق السموات والرض وخلق‬
‫النسان وسخّر له السموات والرض؛ لذلك ل بد أن يدبر سبحانه للنسان أمور مادياته‪ ،‬وأمور‬
‫قيمه‪.‬‬
‫أما أمور الماديات فد ظهرت في خلق السموات والرض والشمس والقمر والنجوم والماء‬
‫والهواء‪ .‬وما في الرض من عناصر تنبت للنسان ما يحتاج إليه في قوام حياته‪ ،‬وهو سبحانه‬
‫الذي خلق كل ذلك قبل أن يخلق النسان‪ ،‬ثم جاء بالنسان ليكون الخليفة والسيد‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالنسان هو الذي طرأ على هذه المور المادية‪ ،‬وكان ل بد أن يُن ِزلَ الحق سبحانه قيما يحيا‬
‫بها النسان كخليفة في هذه المور المادية‪.‬‬
‫وهكذا خلق ال القيم المعنوية‪ ،‬فل تقولوا‪ :‬لماذا أرسل رسولً ل يُحسب في نظر بعض الناس من‬
‫عظماء أقوامهم‪ ،‬ول تقولوا لماذا أرسل محمدا بالتحديد؛ لن هذا الرسال هو من ضمن تدبير‬
‫ج َعلُ ِرسَالَتَهُ‪[} ...‬النعام‪]124 :‬‬
‫المور‪ ،‬و{ اللّهُ أَعَْلمُ حَ ْيثُ َي ْ‬
‫لمْرَ { جاء ليؤكد َنفْي التعجب من أن يكون الوحي لمحمد صلى ال عليه‬
‫إذن‪ :‬فقوله‪ُ } :‬يدَبّ ُر ا َ‬
‫عجَبا أَنْ َأوْحَيْنَآ‪[} ...‬يونس‪]2 :‬‬
‫وسلم‪َ {:‬أكَانَ لِلنّاسِ َ‬
‫وعلتها أن ال هو ربكم وهو الذي خلق‪ ،‬ول يجادل أحدٌ ال فيما خلق‪ ،‬وفيمن خلق‪ .‬وإذا كان هو‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫سبحانه الذي خلق النسان والكون‪ ،‬فل بد أن ينظم حركة الوجود بين النسان والكون؛ لذلك‬
‫اختار الرسول المناسب؛ ليحمل منهج القيم للنسان في " افعل كذا " و " ل تفعل كذا "‪ .‬ثم ترك‬
‫الحق للنسان أمورا ل يقول له فيها‪ :‬افعلها أو ل تفعلها‪ ،‬فهي من المباحات‪.‬‬
‫وإذا استقرأت الفعال والحداث‪ ،‬ستجد أن الذي قال ال فيه " افعل " قليل‪ ،‬والذي قال ال فيه " ل‬
‫تفعل " قليل‪ .‬وبذلك تجد المباحات أكثر من " افعل " وأكثر من " ل تفعل "‪.‬‬
‫ن الكثير من المور المباحة‪ ،‬فاترك القيم‬
‫وما دام سبحانه هو الذي شاء ذلك‪ ،‬وترك لك أيها النسا ُ‬
‫ل؛ لن الكون المادي المخلوق ل في غاية الدقة وفي غاية النظام‪ ،‬ولم تمتنع الشمس أن تشرق أو‬
‫تعطي ضوءها وحرارتها للناس‪ ،‬وما امتنع القمر أن يعطي نوره‪ ،‬وما امتنع السحاب أن يسقط‬
‫مطرا مدرارا‪ ،‬وما امتنعت الرض أن تتفاعل مع أي غَرْس تغرسه فتعطيك الغذاء‪ ،‬وكل شيء‬
‫داخل في نطاق القدرة في النواميس العليا؛ مُحكم؛ ول خلل فيه‪.‬‬