‫تفسير الشعراوي‬

‫ضلٍ َفضَْلهُ‬
‫سمّى وَ ُيؤْتِ ُكلّ ذِي َف ْ‬
‫جلٍ مُ َ‬
‫وَأَنِ اسْ َت ْغفِرُوا رَ ّب ُكمْ ثُمّ تُوبُوا إِلَيْهِ ُيمَ ّت ْعكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَ َ‬
‫وَإِنْ َتوَّلوْا فَإِنّي َأخَافُ عَلَ ْي ُكمْ عَذَابَ َيوْمٍ كَبِيرٍ (‪)3‬‬

‫وهكذا يبيّن الحق سبحانه أن على العبد أن يستغفر من ذنوبه السابقة التي وقع فيها‪ ،‬وأن يتوب من‬
‫الن‪ ،‬وأن يرجع إلى منهج ال تعالى‪ ،‬لينال الفضل من الحق سبحانه‪.‬‬
‫المطلوب ـ إذن ـ من العبد أن يستغفر ال تعالى‪ ،‬وأن يتوب إليه‪.‬‬
‫هذا هو مطلوب ال من العاصي؛ لن درء المفسدة مقدّم على جلب المصلحة‪ ،‬وحين يعجل العبد‬
‫بالتوبة إلى ال تعالى فهو يعلم أن ذنبا قد وقع وتحقق منه‪ ،‬وعليه أل يؤجل التوبة إلى زمنٍ قادم؛‬
‫لنه ل يعلم إن كان سيبقى حيا أم ل‪.‬‬
‫ولذلك يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫سمّى } [هود‪.]3 :‬‬
‫جلٍ مّ َ‬
‫{ وَأَنِ اسْ َتغْفِرُواْ رَ ّبكُمْ ُثمّ تُوبُواْ إِلَيْهِ ُيمَ ّت ْعكُمْ مّتَاعا حَسَنا إِلَىا َأ َ‬
‫والحق سبحانه يُجمل قضية اتباع منهجه في قوله تعالى‪:‬‬
‫شقَىا }[طه‪.]123 :‬‬
‫ل َولَ َي ْ‬
‫ضّ‬
‫{ َفمَنِ اتّ َبعَ هُدَايَ فَلَ َي ِ‬
‫وقال في موضع آخر‪:‬‬
‫ل صَالِحا مّن َذكَرٍ َأوْ أُنْثَىا وَ ُهوَ ُمؤْمِنٌ فَلَ ُنحْيِيَنّهُ حَيَاةً طَيّ َبةً }[النحل‪.]97 :‬‬
‫ع ِم َ‬
‫{ مَنْ َ‬
‫فالحياة الطيبة في الدنيا وعدم الضلل والشقاء متحققان لمن اتبع منهج ال تعالى‪.‬‬
‫وظن بعض العلماء أن هذا القول يناقض في ظاهره قول النبي صلى ال عليه وسلم بأن " الدنيا‬
‫سجن المؤمن وجنة الكافر " و " إن أشد الناس بلءً النبياء‪ ،‬ثم الصالحون‪ ،‬ثم المثل فالمثل "‪.‬‬
‫وقال بعض العلماء‪ :‬فكيف تقول‪ُ { :‬يمَ ّت ْعكُمْ مّتَاعا حَسَنا } [هود‪.]3 :‬‬
‫هنا نقول‪ :‬ما معنى المتاع؟‬
‫المتاع‪ :‬هو ما تستمتع به وتستقبله بسرور وانبساط‪.‬‬
‫ويعلم المؤمن أن كل مصيبة في الدنيا إنما يجزيه ال عليها حسن الجزاء‪ ،‬ويستقبل هذا المؤمن‬
‫قضاء ال تعالى بنفس راضية؛ لن ما يصيبه قد كتبه ال عليه‪ ،‬وسوف يوافيه بما هو خير منه‪.‬‬
‫وهناك بعض من المؤمنين قد يطلبون زيادة البتلء‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالمؤمن كل أمره خير؛ وإياك أن تنظر إلى من أصابته الحياة بأية مصيبة على أنه مصاب‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫حقا؛ لن المصاب حقا هو من حُرِم من الثواب‪.‬‬
‫ونحن نجد في القرآن قصة العبد الصالح الذي قتل غلما كان أبواه مؤمنين‪ ،‬فخشي العبد الصالح‬
‫أن يرهقهما طغيانا وكفرا‪ ،‬فهذا الولد كان فتنة‪ ،‬ولعله كان سيدفع أبويه إلى كل محرم‪ ،‬ويأتي لهما‬
‫بالشقاء‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالمؤمن الحق هو الذي يستحضر ثواب المصيبة لحظة وقوعها‪.‬‬
‫ومنّا من قرأ قصة المؤمن الصالح الذي سار في الطريق من المدينة إلى دمشق‪ ،‬فأصيبت ِرجْله‬
‫بجرح وتلوث هذا الجرح‪ ،‬وامتل بالصديد مما يقال عنه في الصطلح الحديث " غرغرينة "‬
‫وقرر الطباء أن تٌقطع رجله‪ ،‬وحاولوا أن يعطوه " مُ َرقّدا " أي‪ :‬مادة تُخدّره‪ ،‬وتغيب به عن‬
‫الوعي؛ ليتحمل ألم بتر الساق‪ ،‬فرفض العبد الصالح وقال‪:‬‬
‫إني ل أحب أن أغفل عن ربي طرفة عين‪.‬‬
‫ومثل هذا العبد يعطيه ال سبحانه وتعالى طاقة على تحمّل اللم‪ ،‬لنه يستحضر دائما وجوده في‬
‫معية ال‪ ،‬ومفاضٌ عليه من قدرة ال وقوته سبحانه‪.‬‬
‫وحينما قطع الطباء رجله‪ ،‬وأرادوا أن يكفنوها وأن يدفنوها‪ ،‬فطلب أن يراها قبل أن يفعلوا ذلك‪،‬‬
‫وأمسكها ليقول‪ :‬اللهم إن كنت قد ابتليت في عضو‪ ،‬فإني قد عوفيت في أعضاء‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فصاحب المصيبة حين يستحضر الجزاء عليها‪ ،‬إنما يحيا في متعة‪ ،‬ولذلك ل تتعجب حين‬
‫يحمد أناس خالقهم على المصائب؛ لن الحمد يكون على النعمة‪ ،‬والمصيبة قد تأتي للنسان بنعمة‬
‫أوسع مما أفقدته‪.‬‬
‫ولذلك نجد اثنين من العارفين بال وقد أراد أن يتعالم كل منهما على الخر؛ فقال واحد منهما‪:‬‬
‫كيف حالكم في بلدكم أيها الفقراء؟‬
‫ـ والمقصود بالفقراء هم العُبّاد الزاهدون ويعطون أغلب الوقت لعبادة ال تعالى ـ فقال العبد‬
‫الثاني‪:‬‬
‫حالنا في بلدنا إنْ أعطينا شكرنا‪ ،‬وإنْ حُرمنا صبرنا‪.‬‬
‫فضحك العبد الول وقال‪:‬‬
‫هذا حال الكلب في " بلخ‪ :‬أي‪ :‬أن الكلب إن أعطيته يهز ذيله‪ ،‬وإن منعه أحد فهو يصبر‪.‬‬
‫وسأل العبد الثاني العبد الول‪:‬‬
‫وكيف حالكم أنتم؟‬
‫فقال‪ :‬نحن إن أعطينا آثرنا‪ ،‬وإن حُرِمنا شركنا‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فكل مؤمن يعيش في منهج ال سبحانه وتعالى فهو يستحضر في كل أمر مؤلم وفي كل أمر‬
‫متعب‪ ،‬أن له جزاءً على ما ناله من التعب؛ ثوابا عظيما خالدا من ال سبحانه وتعالى‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ولذلك يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫} ُيمَ ّت ْعكُمْ مّتَاعا حَسَنا { [هود‪.]3 :‬‬
‫والحسن هنا له مقاييس‪ ،‬يُقاس بها اعتبار الغاية؛ فحين تضم الغاية إلى الفعل تعرف معنى الحسن‪.‬‬
‫ومثال ذلك‪ :‬هو التلميذ الذي ل يترك كتبه‪ ،‬بل حين ياتي وقت الطعام‪ ،‬فهو يأكل وعيناه ل تفارقان‬
‫الكتاب‪.‬‬
‫حسْنه ونعيم التفوق‪ ،‬وهو تلميذ يشعر بالغاية وقت أداء الفعل‪.‬‬
‫هذا التلميذ يستحضر متعة النجاح و ُ‬
‫ويقول الحق سبحانه في نفس الية‪:‬‬
‫} وَ ُي ْؤتِ ُكلّ ذِي َفضْلٍ َفضْلَهُ { [هود‪.]3 :‬‬
‫أي‪ :‬يؤتى كل ذي فضل مجزول لمن ل فضل له‪ ،‬فكأن الحق سبحانه يمنّي الفضل للعبد‪.‬‬
‫ومثال ذلك‪ :‬الفلح الذي يأخذ من مخزن غلله إردبا من القمح ليبذره في الرض؛ ليزيده ال‬
‫سبحانه وتعالى بزراعة هذا الردب‪ ،‬ويصبح الناتج خمسة عشر إردبا‪.‬‬
‫والفضل هو الجر الزائد عن مساويه‪ ،‬فمثلً هناك فضل المال قد يكون عندك‪ ،‬أي‪ :‬زائد عن‬
‫حاجتك‪ ،‬وغيرك ل يملك مالً يكفيه‪ ،‬فإن تفضلت ببعض من الزائد عندك‪ ،‬وأعطيته لمن ل مال‬
‫عنده فأنت تستثمر هذا العطاء عند ال سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫والحق سبحانه وتعالى قد يعطيك قوة‪ ،‬فتعطى ما يزيد منها لعبد ضعيف‪.‬‬
‫وقد يكون الحق سبحانه قد أسبغ عليك فضلً من الحلم‪ ،‬فتعطى منه لمن أصابه السفه وضيق‬
‫الخلق‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فكل ما يوجد عند النسان من خصلة طيبة ليست عند غيره من الناس‪ ،‬ويفيضها عليهم‪ ،‬فهي‬
‫تزيد عنده لنها تربو عند ال‪ ،‬وإن لم ُي ِفضْها على الغير فهي تنقص‪.‬‬
‫ولذلك يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫ن وَجْهَ اللّهِ‬
‫{ َومَآ آتَيْ ُتمْ مّن رّبا لّيَرْ ُبوَ فِي َأ ْموَالِ النّاسِ فَلَ يَرْبُو عِندَ اللّ ِه َومَآ آتَيْتُمْ مّن َزكَاةٍ تُرِيدُو َ‬
‫ض ِعفُونَ }[الروم‪.]39 :‬‬
‫فَُأوْلَـا ِئكَ ُهمُ ا ْل ُم ْ‬
‫ويقول الحق سبحانه وتعالى في الية التي نحن بصدد خوطرنا عنها‪:‬‬
‫} وَ ُي ْؤتِ ُكلّ ذِي َفضْلٍ َفضْلَهُ { [هود‪.]3 :‬‬
‫وبعض من أهل المعرفة يفهم هذا القول الكريم بأن النسان الذي يفيض على غيره مما آتاه ال‪،‬‬
‫يعطيه الحق سبحانه بالزيادة ما يعوضه عن الذي نقص‪ ،‬أو أنه سبحانه وتعالى يعطي كل صاحب‬
‫فضلٍ فضل ربه‪ ،‬وفضل ال تعالى فوق كل فضل‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫عذَابَ َيوْمٍ كَبِيرٍ { [هود‪.]3 :‬‬
‫} وَإِن َتوَّلوْاْ فَإِنّي أَخَافُ عَلَ ْيكُمْ َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فإن أعرضوا عنك فأبلغهم أنك تخاف عليهم من عذاب اليوم الخر‪ ،‬ويُوصف العذاب مرة بأنه‬
‫كبير‪ ،‬ويوصف مرة بأنه عظيم‪ ،‬ويوصف مرة بأنه مهين؛ لنه عذاب ل ينتهي ويتنوع حسب ما‬
‫يناسب المعذب‪ ،‬فضلً عن أن العذاب الذي يوجد في دنيا الغيار هو عذاب يجري في ظل‬
‫المظنة بأنه سينقضي‪ ،‬أما عذاب اليوم الخر فهو ل ينقضي بالنسبة للمشركين بال أبدا‪.‬‬
‫ج ُعكُمْ {‬
‫ويقول الحق من بعد ذلك‪ } :‬إِلَى اللّهِ مَرْ ِ‬

‫(‪)1463 /‬‬
‫شيْءٍ قَدِيرٌ (‪)4‬‬
‫ج ُعكُ ْم وَ ُهوَ عَلَى ُكلّ َ‬
‫إِلَى اللّهِ مَ ْر ِ‬

‫أي‪ :‬إلى ال مرجعكم في اليجاد والمداد‪ ،‬والبداية والنهاية‪ ،‬وبداية النهاية التي ل انتهاء معها‬
‫وهي الخرة‪ ،‬فيثيب المحسن على إحسانه‪ ،‬ويعاقب المسيء على إساءته‪ ،‬فيؤتي سبحانه لكل ذي‬
‫عمل صالح في الدنيا أجره‪ ،‬وثوابه في الخرة‪.‬‬
‫ومن كثرت حسناته على سيئاته دخل الجنة‪ ،‬ومن زادت سيئاته على حسناته دخل النار‪.‬‬
‫وفي الدنيا من زادت حسناته على سيئاته وعاش بين القبض والبسط‪.‬‬
‫والقبض والبسط هو إقبال على ال بتوبة وباعتراف بالذنب‪ ،‬والقرار بالذنب هو بداية التوبة‪.‬‬
‫ومن كثرت سيئاته على حسناته كان في ضنك العيش وقلق النفس‪.‬‬
‫ويؤتي الحق سبحانه كل ذي فضل فضله‪ ،‬فمن عمل ل عز وجل؛ وفقه ال فيما يستقبل على‬
‫طاعته‪ ،‬والذين أعرضوا يُخاف عليهم من عذاب يوم كبير‪.‬‬
‫شيْءٍ َقدِيرٌ } [هود‪.]4 :‬‬
‫{ وَ ُهوَ عَلَىا ُكلّ َ‬
‫لنه سبحانه القادر على اليجاد وعلى المداد‪ ،‬وعلى البداية والنهاية المحدودة‪ ،‬وبداية الخلود إما‬
‫إلى جنة وإما إلى نار‪ ،‬فهو القادر على كل شيء‪.‬‬
‫خفُواْ مِنْهُ }‬
‫ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك‪ { :‬أَل إِ ّن ُهمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِ َيسْتَ ْ‬

‫(‪)1464 /‬‬
‫ن َومَا ُيعْلِنُونَ إِنّهُ‬
‫خفُوا مِ ْنهُ أَلَا حِينَ يَسْ َتغْشُونَ ثِيَا َبهُمْ َيعَْلمُ مَا يُسِرّو َ‬
‫صدُورَهُمْ لِيَسْ َت ْ‬
‫أَلَا إِ ّنهُمْ يَثْنُونَ ُ‬
‫عَلِيمٌ ِبذَاتِ الصّدُورِ (‪)5‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وإذا وجد " أل " في أول الكلم فأنت تعلم أنها للتنبيه‪ ،‬ومعنى التنبيه أنه أمر يوقظ لك السامع إن‬
‫كان غافلً؛ لنك تحب أل تفوته كلمة من الكلم الذي تقوله‪.‬‬
‫وحين تنبهه بغير أداء السلوب الذي تريده منه‪ ،‬هنا يكون التنبيه قد أخذ حقه‪ ،‬ومن بعد ذلك‬
‫يجيء الكلم الذي تقوله‪ ،‬وقد تهيّأ ذهن السامع لستقبال ما تقول‪.‬‬
‫فـ " أل " ـ إذن ـ هي أداة تنبيه؛ لن الكلم ستار بين المتكلم والمخاطب‪ ،‬والمخاطب ل يعرف‬
‫الموضوع الذي ستكلمه فيه‪ ،‬والمتكلم هو الذي يملك زمام الموقف‪ ،‬وهو يهيىء ذهنه لترتيب ما‬
‫يقول من كلمات‪ ،‬أما المستمع فسوف يفاجأ بالموضوع؛ وحتى ل يفاجأ ول تضيع منه الفرصة‬
‫ليلتقط كلمات المتكلم من أولها‪ ،‬فهو ينبه بأداة تنبيه ليستمع‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه هنا‪:‬‬
‫خفُواْ مِ ْنهُ } [هود‪.]5 :‬‬
‫صدُورَهُمْ لِ َيسْتَ ْ‬
‫{ أَل إِ ّنهُمْ يَثْنُونَ ُ‬
‫ويقال‪ :‬ثنيت الشيء أي‪ :‬طويته‪ ،‬وجعلته جزئين متصلين فوق بعضهما البعض‪.‬‬
‫وحين يثني النسان صدره‪ ،‬فهو يثنيه إلى المام ناحية بطنه‪ ،‬ويداري بذلك وجهه‪ ،‬والغرض هنا‬
‫من مداراة الوجه هو إخفاء الملمح؛ لن انفعال مواجيد النفس البشرية ينضح على الوجوه؟‬
‫وهم كارهون للرسول صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وحاقدون عليه؛ ول يريدون أن يلحظ الرسول صلى‬
‫ال عليه وسلم ما على ملمحهم من انفعالت تفضح مواجيدهم الكارهة‪.‬‬
‫ومثل ذلك جاء من قوم نوح عليه السلم‪ ،‬حين قال الحق سبحانه على لسان نوح‪:‬‬
‫شوْاْ ثِيَا َبهُ ْم وََأصَرّو ْا وَاسْ َتكْبَرُواْ‬
‫جعَلُواْ َأصَا ِب َعهُمْ فِي آذَا ِن ِه ْم وَاسْ َتغْ َ‬
‫عوْ ُتهُمْ لِ َت ْغفِرَ َلهُمْ َ‬
‫{ وَإِنّي كُّلمَا دَ َ‬
‫اسْ ِتكْبَارا }[نوح‪.]7 :‬‬
‫ومن البداهة أن نعرف أن الصبع ل تدخل كلها إلى الذن‪ ،‬إنما النملة تسد فقط فتحة السمع‪،‬‬
‫وعدّل القرآن الكريم ذلك بمبالغة تكشف موقف نوح ـ عليه السلم ـ‪ ،‬فكل منهم أراد أن يُدخِل‬
‫إصبعه في أذنه حتى ل يسمع أي دعوة‪ ،‬وهذا دليل كراهية‪ ،‬وهذه شهادة ضدهم؛ لنهم يفهمون‬
‫أنهم لو سمعوا فقد تميل قلوبهم لما يقال‪.‬‬
‫ولذلك نجد أن القرآن الكريم وهو ينقل لنا ما قاله مشركو مكة لبعضهم البعض‪:‬‬
‫ن وَا ْل َغوْاْ فِيهِ }[فصلت‪.]26:‬‬
‫س َمعُواْ ِلهَـاذَا ا ْلقُرْآ ِ‬
‫{ َوقَالَ الّذِينَ َكفَرُو ْا لَ َت ْ‬
‫فكأنهم تواصوا بالتشويش على القرآن‪ ،‬ثقة منهم في أن القرآن لو تناهى إلى الذن فقد يؤثر في‬
‫نفسية السامع؛ لن النفس البشرية أغيار‪ ،‬و قد تأتي للنفس ما يجعلها تميل دون أن يشعر‬
‫صاحبها‪.‬‬
‫ولو كان هذا القرآن باطلً‪ ،‬فلماذا خافوا من سماعه؟‬
‫ولكنه الغباء في العناد والكفر‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى‪:‬‬
‫ن َومَا ُيعْلِنُونَ }‬
‫خفُواْ مِ ْنهُ أَل حِينَ َيسْ َتغْشُونَ ثِيَا َبهُمْ َيعْلَمُ مَا يُسِرّو َ‬
‫صدُورَهُمْ لِ َيسْتَ ْ‬
‫{ أَل إِ ّنهُمْ يَثْنُونَ ُ‬
‫[هود‪.]5 :‬‬
‫وهم قد استغشوا ثيابهم ليغطوا وجوههم؛ مداراة للنفعالت التي تحملها هذه الوجوه‪ ،‬وهي‬
‫انفعالت كراهية‪ ،‬أو أنها قد تكون انفعالت أخرى‪ ،‬فساعة يسمع واحد منهم القرآن قد ينفعل لما‬
‫يسمع‪ ،‬ول يريد أن يُظهر النفعال‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالنفعال قد يكون قسريا‪ ،‬وكان كفار قريش رغم كيدهم وحربهم لرسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم‪ ،‬يتسللون ناحية بيت النبي صلى ال عليه وسلم ليسمعوا القرآن‪ ،‬وكانوا يضبطون بعضهم‬
‫البعض هنالك‪ ،‬ويدّعي كل منهم أنه إنما مرّ على بيت النبي صلى ل عليه وسلم مصادفة‪.‬‬
‫سعَى لحجرةِ‬
‫سمّارِاختلسا ي ْ‬
‫وفي ذلك يقول الشاعر‪:‬اذكُرو ُهمْ وقد تسلّل كلّ بع َد ما انفضّ مجلسُ ال ّ‬
‫سحَارِعُذْرهم حُسْنُهُ فلمّا تَرا َءوْا عَلّلوها ببَارزِ العْذَارِوجاء الحق سبحانه‬
‫طهَ لسَماعِ التنزيلِ في ال ْ‬
‫َ‬
‫وتعالى هنا في نفس الية بـ " أل " في قوله‪:‬‬
‫ن َومَا ُيعْلِنُونَ إِنّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصّدُورِ { [هود‪.]5 :‬‬
‫} أَل حِينَ يَسْ َتغْشُونَ ثِيَا َبهُمْ َيعْلَمُ مَا يُسِرّو َ‬
‫فهم إن داروا على محمد صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فهل هم قادرون على المداراة على رب محمد؟‬
‫والذي ل يدركه بصر محمد فربّ محمد سيُعلمه به‪.‬‬
‫وما دام الحق سبحانه يعلم ما يسرون‪ ،‬فمن باب أولى أنه سبحانه وتعالى يعلم ما يعلنون‪.‬‬
‫والحق سبحانه وتعالى غيب‪ ،‬وربما ظن ظان أنه قد يفلت منه شيء‪ ،‬ولكن الحق سبحانه يُحصي‬
‫ول يُحصَى عليه‪ ،‬فإن ظن ظان أن الحق سبحانه يعلم الغيب فقط؛ لنه غيب‪ ،‬فهذا ظن خاطىء؛‬
‫لنه يعلم السر والعلن‪ ،‬فهو عليم بذات الصدور‪ ،‬وكلمة " عليم " صيغة مبالغة‪ ،‬وهي ذات في‬
‫كنهها العلم‪.‬‬
‫وقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫} عَلِيمٌ بِذَاتِ الصّدُورِ { [هود‪.]5 :‬‬
‫نجد فيه كلمة } ذَاتِ { وهي تفيد الصحبة‪ ،‬و(ذَاتِ الصّدُورِ) أي‪ :‬المور المصاحبة للصدور‪.‬‬
‫ونحن نعلم أن الصدر محل القلب‪ ،‬ومحل الرئة‪ ،‬والقلب محل المعتقدات التي انتُهي إليها‪،‬‬
‫وصارت حقائق ثابتة‪ ،‬وعليها تدور حركة الحياة‪.‬‬
‫ويُقصد بـ } بِذَاتِ الصّدُورِ { أي‪ :‬المعاني التي ل تفارق الصدور‪ ،‬فهي صاحبات دائمة الوجود‬
‫في تلك الصدور‪ ،‬سواء أكانت حقدا أو كراهية‪ ،‬أو هي الحاسيس التي ل تظهر في الحركة‬
‫العادية‪ ،‬سواء أكانت نية حسنة أو نية سيئة‪.‬‬
‫وكل المور التي يسمونها ذات الصدور‪ ،‬أي‪ :‬صاحبات الصدور‪ ،‬وهي القلوب‪ ،‬وكأن الجِرْم نفسه‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وهو القلب معلوم للحق سبحانه وتعالى‪ ،‬فخواطره من باب أولى معلومة‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه بعد ذلك‪َ } :‬ومَا مِن دَآبّةٍ فِي الَ ْرضِ {‬

‫(‪)1465 /‬‬
‫عهَا ُكلّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (‪)6‬‬
‫علَى اللّهِ رِ ْز ُقهَا وَ َيعْلَمُ مُسْ َتقَرّهَا َومُسْ َتوْدَ َ‬
‫َومَا مِنْ دَابّةٍ فِي الْأَ ْرضِ إِلّا َ‬

‫وحين يذكر القرآن الكريم لقطة توضح صفة ما‪ ،‬فهو يأتي بما يتعلق بهذه الصفة‪ ،‬وما دام الحق‬
‫سبحانه عليما بذات الصدور‪ ،‬فهذا علم بالمور السلبية غير الواضحة‪ ،‬والحق سبحانه يعلم‬
‫اليجابيات أيضا‪ ،‬فهو يعلم النية الحسنة أيضا‪ ،‬ولكن الكلم هنا يخص جماعة يثنون صدورهم‪.‬‬
‫وجاء في الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها‪ ،‬وبيّن أنه عليم بكل شيء‪.‬‬
‫وقال سبحانه‪:‬‬
‫عهَا } [هود‪.]6 :‬‬
‫{ َومَا مِن دَآبّةٍ فِي الَ ْرضِ ِإلّ عَلَى اللّهِ رِ ْز ُقهَا وَ َيعْلَمُ مُسْ َتقَرّهَا َومُسْ َتوْدَ َ‬
‫والدابة‪ :‬كا ما يدب على الرض‪ ،‬وتستخدم في العرف الخاص للدللة على أي كائن يدب على‬
‫الرض غير النسان‪.‬‬
‫وفي آية أخرى يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ َومَا مِن دَآبّةٍ فِي الَ ْرضِ وَلَ طَائِرٍ يَطِيرُ ِبجَنَاحَ ْيهِ ِإلّ ُأمَمٌ َأمْثَاُلكُمْ }[النعام‪.]38 :‬‬
‫شغِل ـ حينما كُلّف ـ بخواطر عن أهله‪،‬‬
‫وذكر الحق سبحانه وتعالى عن موسى عليه السلم أنه ُ‬
‫وتساءل‪ :‬كيف أذهب لداء الرسالة وأترك أهلي؟‬
‫فأوحى ال سبحانه أن يضرب حجرا فانفلق الحجر عن صخرة‪ ،‬فأمره الحق سبحانه أن يضرب‬
‫الصخرة‪ ،‬فضربها فانفلقت ليخرج له حجر‪ ،‬فضرب الحجر فانشق له عن دودة تلوك شيئا كأنما‬
‫تتغذى به‪ ،‬فقال‪ :‬إن الذي رزق هذه في ظلمات تلك الحجار كلها لن ينسى أهلي على ظهر‬
‫الرض‪ .‬ومضى موسى عليه السلم إلى رسالته‪.‬‬
‫وهذا أمر طبيعي؛ لن الحق سبحانه خالق كل الخلق‪ ،‬ول بد أن يضمن له استبقاء حياة واستبقاء‬
‫نوع؛ فاستبقاء الحياة بالقوت‪ ،‬واستبقاء النوع بالزواج والمصاهرة‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فمن ضمن ترتيبات الخلق أن يوفر الحق سبحانه وتعالى استبقاء الحياة بالقوت‪ ،‬واستبقاء‬
‫النوع بالتزاوج‪.‬‬
‫ولذلك نقول دائما‪ :‬يجب أن نفرق بين عطاء الله وعطاء الرب‪ ،‬فالله سبحانه هو رب الجميع‪،‬‬
‫لكنه إله من آمن به‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وما دام الحق سبحانه هو رب الجميع‪ ،‬فالجميع مسئولون منه؛ فالشمس تشرق على المؤمن وعلى‬
‫الكافر‪ ،‬وقد يستخرج الكافر من الشمس طاقة شمسية وينتفع بها‪ ،‬فلماذا ل يأخذ المؤمن بالسباب؟‬
‫والهواء موجود للمؤمن والكافر؛ لنه عطاء ربوبية‪ ،‬فإن استفاد الكافر من الهواء ودرسه‪،‬‬
‫واستخدم وخواصه أكثر من المؤمن؛ فعلى المؤمن أن يجدّ ويكدّ في الخذ بالسباب‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فهناك عطاء للربوبية يشترك فيه الجميع‪ ،‬لكن عطاء اللوهية إنما يكون في العبادة‪ ،‬وهو‬
‫يُخرجك من مراداتك إلى مرادات ربك‪ ،‬فحين تطلب منك شهواتك أن تفعل أمرا فيقول لك‬
‫المنهج‪ :‬ل‪.‬‬
‫وفي هذا تحكم منك في الشهوات‪ ،‬وارتقاء في الختبارات‪ ،‬أما في المور الحياتية الدنيا‪ ،‬فعطاء‬
‫الربوبية لكل كائن ليستبقي حياته‪.‬‬
‫وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى‪:‬‬
‫{ َومَا مِن دَآبّةٍ فِي الَ ْرضِ ِإلّ عَلَى اللّهِ رِ ْز ُقهَا } [هود‪.]6 :‬‬
‫وكلمة " على " تفيد أن الرزق حق للدابة‪ ،‬لكنها لم تفرضه هي على ال سبحانه وتعالى‪ ،‬ولكنه‬
‫سبحانه قد ألزم نفسه بهذا الحق‪.‬‬
‫ويقول سبحانه‪:‬‬
‫عهَا { [هود‪.]6 :‬‬
‫} وَ َيعْلَمُ ُمسْ َتقَرّهَا َومُسْ َتوْدَ َ‬
‫ولنه سبحانه هو الذي يرزق الدابة فهو يعلم مستقرها وأين تعيش؛ ليوصل إليها هذا الرزق‪.‬‬
‫والمستقر‪ :‬هو مكان الستقرار‪ ،‬والمستودع‪ :‬هو مكان الوديعة‪.‬‬
‫والحق سبحانه ُيعْلِمنا بذلك ليطمئن كل إنسان أن رزقه يعرف عنوانه‪ ،‬والنسان ل يعلم عنوان‬
‫الرزق‪.‬‬
‫فالرزق يأتي لك من حيث ل تحتسب‪ ،‬لكن السعي إلى الرزق شيء آخر؛ فقد تسعى إلى رزق‬
‫ليس لك‪ ،‬بل هو رزق لغيرك‪.‬‬
‫فمثلً‪ :‬أنت قد تزرع أرضك قمحا فيأتي لك سفر للخارج‪ ،‬وتترك قمحك؛ ليأكله غيرك‪ ،‬وتأكل‬
‫أنت من قمح غيرك‪.‬‬
‫ولذلك يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫عهَا ُكلّ فِي كِتَابٍ مّبِينٍ { [هود‪.]6 :‬‬
‫} وَ َيعْلَمُ ُمسْ َتقَرّهَا َومُسْ َتوْدَ َ‬
‫أي‪ :‬أن كل أمر مكتوب‪ ،‬وهناك فرق بين أن تفعل ما تريد‪ ،‬ولكن ل يحكم إرادتك مكتوب؛ فما‬
‫يأتي على بالك تفعله‪ ،‬وبين أن تفعل أمرا قد وضعت خطواته في خطة واضحة مكتوبة‪ ،‬ثم تأتي‬
‫أفعالك وفقا لما كتبته‪.‬‬
‫ومن عظمة الخالق سبحانه أن كتب كل شيء‪ ،‬ثم يأتي كل ما في الحياة وفق ما كتب‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والدليل على ذلك ـ على سبيل المثال ـ أن ال سبحانه كان يوحي إلى رسوله بالسورة من‬
‫القرآن الكريم‪ ،‬وبعد ذلك يُسرّي عن رسول ال صلى ال عليه وسلم الوحي‪ ،‬فيتلو السورة على‬
‫أصحابه‪ ،‬فمن يستطيع الكتابة فهو يكتب‪ ،‬ومن يحفظ فهو يحفظ‪.‬‬
‫ثم يأتي الرسول صلى ال عليه وسلم إلى الصلة‪ ،‬فيقرأ السورة كما كُتِ َبتْ‪ ،‬ويأتي كل نجم من‬
‫القرآن في مكانه الذي قاله النبي صلى ال عليه وسلم لصحابته‪ ،‬فكيف كان يحدث ذلك؟‬
‫لقد حدث ذلك بما جاء به الحق سبحانه‪ ،‬وأبلغه لرسوله صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫{ سَ ُنقْرِئُكَ فَلَ تَنسَىا }[العلى‪.]6 :‬‬
‫ت وَالَ ْرضَ {‬
‫سمَاوَا ِ‬
‫ويقول الحق سبحانه بعد ذلك‪ } :‬وَ ُهوَ الّذِي خَلَق ال ّ‬

‫(‪)1466 /‬‬
‫عمَلًا‬
‫حسَنُ َ‬
‫سمَاوَاتِ وَالْأَ ْرضَ فِي سِتّةِ أَيّا ٍم َوكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ا ْلمَاءِ لِيَبُْل َوكُمْ أَ ّي ُكمْ أَ ْ‬
‫وَ ُهوَ الّذِي خَلَقَ ال ّ‬
‫سحْرٌ مُبِينٌ (‪)7‬‬
‫وَلَئِنْ قُ ْلتَ إِ ّنكُمْ مَ ْبعُوثُونَ مِنْ َبعْدِ ا ْل َموْتِ لَ َيقُولَنّ الّذِينَ َكفَرُوا إِنْ هَذَا إِلّا ِ‬

‫وقد تعرض القرآن الكريم لمسألة خلق الرض والسماء أكثر من مرة‪.‬‬
‫وقلنا من قبل‪ :‬إن الحق سبحانه وتعالى قد شاء أن يخلق الرض والسموات في ستة أيام من أيام‬
‫الدنيا‪ ،‬وكان من الممكن أن يخلقها في أقل من طرفة عين بكلمة " كن " وعرفنا أن هناك فارقا بين‬
‫إيجاد الشيء‪ ،‬وطرح مكونات إيجاد الشيء‪.‬‬
‫ومثال ذلك ـ ول المثل العلى ـ حين يريد النسان صنع " الزبادي " ‪ ،‬فهو يضع جزءا من‬
‫مادة الزبادي ـ وتسمى " خميرة " ـ في كمية مناسبة من اللبن الدافىء‪ ،‬وهذه العملية ل تستغرق‬
‫من النسان إل دقائق‪ ،‬ثم يترك اللبن المخلوط بخميرة الزبادي‪ ،‬وبعد مضي أربع وعشرين ساعة‬
‫يتحول اللبن المخلوط بالخميرة إلى زبادي بالفعل‪.‬‬
‫وهذا يحدث بالنسبة لفعال البشر‪ ،‬فهي أفعال تحتاج إلى علج‪ ،‬ولكن أفعال الخالق سبحانه وتعالى‬
‫ل علج فيها؛ لنها كلها تأتي بكلمة " كن "‪.‬‬
‫أو كما قال بعض العلماء‪ :‬إن ال شاء أن يجعل خلق الرض والسموات في ستة أيام‪ ،‬وقد أخذ‬
‫بعض المستشرقين من هذه الية‪ ،‬ومن آيات أخرى مجالً لمحاولة النيل من القرآن الكريم‪ ،‬وأن‬
‫يدّعوا أن فيه تعارضا‪ ،‬فالحق سبحانه وتعالى هنا يقول‪:‬‬
‫ت وَالَرْضَ فِي سِتّةِ أَيّامٍ } [هود‪.]7 :‬‬
‫سمَاوَا ِ‬
‫{ وَ ُهوَ الّذِي خَلَق ال ّ‬
‫وجاءوا إلى آية التفصيل وجمعوا ما فيها من أيام‪ ،‬وقالوا‪ :‬إنها ثمانية أيام‪ ،‬وهي قول الحق‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫سبحانه‪:‬‬
‫ج َعلَ‬
‫جعَلُونَ لَهُ أَندَادا ذَِلكَ َربّ ا ْلعَاَلمِينَ * وَ َ‬
‫{ ُقلْ أَإِ ّنكُمْ لَ َت ْكفُرُونَ بِالّذِي خَلَقَ الَ ْرضَ فِي َي ْومَيْنِ وَتَ ْ‬
‫سوَآءً لّلسّآئِلِينَ * ثُمّ اسْ َتوَىا‬
‫سيَ مِن َف ْو ِقهَا وَبَا َركَ فِيهَا َوقَدّرَ فِيهَآ َأ ْقوَا َتهَا فِي أَرْ َبعَةِ أَيّامٍ َ‬
‫فِيهَا َروَا ِ‬
‫طوْعا َأوْ كَرْها قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآ ِئعِينَ * َف َقضَاهُنّ سَبْعَ‬
‫سمَآ ِء وَ ِهيَ دُخَانٌ َفقَالَ َلهَا وَلِلَرْضِ ائْتِيَا َ‬
‫إِلَى ال ّ‬
‫سمَاوَاتٍ فِي َي ْومَيْنِ }[فصلت‪9 :‬ـ ‪.]12‬‬
‫َ‬
‫وهنا قال بعض المستشرقين‪ :‬لو كانت هذه قصة الخلق للرض والسموات لطابقت آية الجمال‬
‫آية التفصيل‪.‬‬
‫وقال أحدهم‪ :‬لنفرض أن عندي عشرة أرادب من القمح‪ ،‬وأعطيت فلنا خمسة أرادب وفلنا ثلثة‬
‫أرادب‪ ،‬وفلنا أعطيته إردبين‪ ،‬وبذلك ينفد ما عندي؛ لن التفصيل مطابق للجمال‪.‬‬
‫وادّعي هذا البعض من المستشرقين أن التفصيل ل يتساوى مع الجمال‪ .‬ولم يفطنوا إلى أن‬
‫المتكلم هو ال سبحانه وتعالى‪ ،‬وهو يكلم أناسا لهم ملكة أداء وبيان وبلغة وفصاحة؛ وقد فهم‬
‫هؤلء ما لم يفهمه المستشرقون‪.‬‬
‫هم فهموا‪ ،‬كأهل فصاحة‪ ،‬أن الحق ـ سبحانه وتعالى ـ قد خلق الرض في يومين‪ ،‬ثم جعل فيها‬
‫رواسي وبارك فيها‪ ،‬إما في الرض أو في الجبال‪ ،‬وقدّر فيها أقواتها‪ ،‬وكل ذلك تتمة للحديث عن‬
‫الرض‪.‬‬
‫ل ـ وإلى‬
‫ومثال ذلك‪ :‬حين أسافر إلى السكندرية فأنا أصل إلى مدينة طنطا في ساعة ـ مث ً‬
‫السكندرية في ساعتين‪ ،‬أي‪ :‬أن ساعة السفر التي وصلت فيها إلى طنطا هي من ضمن ساعتي‬
‫السفر إلى السكندرية‪.‬‬
‫وكذلك خلق الرض والرواسي وتقدير القوت‪ ،‬كل ذلك في أربعة أيام متضمنة َي ْومَىْ خَلْق‬
‫الرض‪ ،‬ثم جاء خلق السماء في يومين‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫شهُ عَلَى ا ْلمَآءِ { [هود‪.]7 :‬‬
‫} َوكَانَ عَرْ ُ‬
‫كل هذه المسائل الغيبية لها حجة أساسية‪ ،‬وهي أن الذي أخبر بها هو الصادق‪ ،‬فل أحد يشك أن‬
‫الرض والسموات مخلوقة‪ ،‬ول أحد يشك في أن السموات والرض أكبر خلقا من خلق الناس‪،‬‬
‫وليس هناك أحد من البشر ادّعى أنه خلق الرض أو خلق السموات‪.‬‬
‫وكل المخترعات البشرية نعرف أصحابها‪ ،‬مثل‪ :‬المصباح الكهربي‪ ،‬والهاتف‪ ،‬والميكروفون‪،‬‬
‫والتليفزيون‪ ،‬والسيارة‪ ،‬وغيرها‪.‬‬
‫ولكن حين نجيء إلى السموات والرض ل نجد أحدا قد ادعى أنه قد خلقها‪.‬‬
‫وقد أبلغنا الحق سبحانه أنه هو الذي خلقها‪ ،‬وهي لمن ادّعاها إلى أن يظهر مُعارِض‪ ،‬ولن يظهر‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫هذا المعارض أبدا‪.‬‬
‫وكل هذا الخلق من أجل البلء‪:‬‬
‫عمَلً { [هود‪.]7 :‬‬
‫} لِيَبُْل َوكُمْ أَ ّيكُمْ َأحْسَنُ َ‬
‫أي‪ :‬ليختبركم أيكم أحسن عملً‪ ،‬ولكن من الذي يحدد العمل؟‬
‫إنه ال سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫وهل الحق سبحانه في حاجة إلى أن يختبر مخلوقاته؟‬
‫ل‪ ،‬فال سبحانه يعلم أزلً كل ما يأتي من الخلق‪ ،‬ولكنه سبحانه أراد بالختبار أن يطابق ما يأتي‬
‫منهم على ما عمله أزلً؛ حجة عليهم‪.‬‬
‫وهكذا فاختبار الحق سبحانه لنا اختبار الحجة علينا‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫} وَلَئِن قُ ْلتَ إِ ّنكُمْ مّ ْبعُوثُونَ مِن َبعْدِ ا ْل َم ْوتِ لَ َيقُولَنّ الّذِينَ َكفَرُواْ إِنْ هَـاذَآ ِإلّ سِحْرٌ مّبِينٌ { [هود‪:‬‬
‫‪.]7‬‬
‫وهنا يصور الحق ـ سبحانه وتعالى ـ تكذيب المعاندين لرسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فهم‬
‫يلقون باللفاظ على عواهنها من قبل أن تمر على تفكيرهم‪.‬‬
‫فلو أنهم قد مروا بهذه الكلمات على تفكيرهم؛ لستحال منطقيا أن يقولوها‪.‬‬
‫والرسول صلى ال عليه وسلم يخبرهم ببلغ الحق سبحانه وتعالى لهم بأنهم مبعوثون من بعد‬
‫الموت‪.‬‬
‫وهذا كلم إخباري بأنهم إن ماتوا ـ وهم سيموتون ل محالة ـ سيبعثهم ال سبحانه‪ ،‬فما كان‬
‫منهم إل أن قالوا‪:‬‬
‫} إِنْ هَـاذَآ ِإلّ سِحْرٌ مّبِينٌ { [هود‪.]7 :‬‬
‫والخبر الذي يقوله لهم هو خبر‪ ،‬فما موقع السحر منه؟ إنهم يعلمون أنه صلى ال عليه وسلم لم‬
‫يقل ذلك إل من نص القرآن الكريم‪ ،‬وهم يقولون عن القرآن الكريم إنه سحر‪ ،‬فكأن النص نفسه‬
‫من السحر الذي حكموا به على القرآن‪.‬‬
‫وأوضحنا من قبل أن إبطال قضية السحر في القرآن الكريم دليله منطقي مع القول؛ لنهم إن‬
‫كانوا قد ادعوا أن رسول ال صلى ال عليه وسلم أو أن محمدا ـ في عرفهم ـ قد سحر القوم‬
‫الذين اتبعوه‪.‬‬
‫فالساحر له تأثير على المسحور‪ ،‬والمسحور ل دخل له في عملية السحر‪ ،‬فإذا كان محمد قد سحر‬
‫القوم الذين اتبعوه‪ ،‬فلماذا لم يسحر هؤلء المنكرين لرسالته؛ بنفس الطريقة التي سحر بها غيرهم؟‬
‫وحيث إنهم قد بقوا على ما هم عليه من عناد لرسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فهذا دليل على أن‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫المسألة ليست سحرا‪ ،‬ولو كان المر كذلك لسحرهم جميعا‪.‬‬
‫سحْرٌ مّبِينٌ { [هود‪.]7 :‬‬
‫وقولهم‪ } :‬إِنْ هَـاذَآ ِإلّ ِ‬
‫سحْرٌ مّبِينٌ { تعني‪ :‬سحرا محيطا بكل‬
‫يدل على أنه سحر محيط‪ ،‬ل سحر لناس خاصين‪ ،‬فكلمة } ِ‬
‫من يريد سحره‪.‬‬
‫وبقاء واحد على الكفر دون إيمان برسول ال يدل على أن المسألة ليست سحرا‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه بعد ذلك‪ } :‬وَلَئِنْ َأخّرْنَا عَ ْنهُمُ ا ْلعَذَابَ إِلَىا ُأمّةٍ {‬

‫(‪)1467 /‬‬
‫وَلَئِنْ أَخّرْنَا عَ ْن ُهمُ ا ْلعَذَابَ إِلَى ُأمّةٍ َم ْعدُو َدةٍ لَ َيقُولُنّ مَا َيحْبِسُهُ أَلَا َيوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ َمصْرُوفًا عَ ْن ُهمْ‬
‫وَحَاقَ ِبهِمْ مَا كَانُوا بِهِ َيسْ َتهْزِئُونَ (‪)8‬‬

‫وساعة تجد { لَئِنْ } فافهم اللم الولى التي بعد " و " إنما جاءت؛ لتدل على أن الكلم فيه قسم‬
‫مؤكد‪ ،‬وإن كان محذوفا‪ ،‬واكتفى باللم عن القسم‪ ،‬وتقديره‪ " :‬وال لئن "‪.‬‬
‫والقسم يأتي لتأكيد المقسم عليه بالمقسم به‪ ،‬وتأكيد المقسم عليه إنما يأتي لن هناك من يشك فيه‪.‬‬
‫فأنت ل تٌقسم لنسان تلقاه وتقول له‪ :‬وال لقد كنت عند فلن بالمس‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالقسم يأتي لشك طرأ عند السامع‪ ،‬وأنت ل تقسم ابتداء‪.‬‬
‫ويأتي القسم على مقدار مراتب الشك‪ ،‬وتأكيدا بأدواته‪.‬‬
‫والقرآن الكريم يقول هنا‪:‬‬
‫{ وَلَئِنْ َأخّرْنَا عَ ْنهُمُ ا ْلعَذَابَ إِلَىا ُأمّةٍ ّمعْدُو َدةٍ } [هود‪.]8 :‬‬
‫فالواو هنا هي واو القسم‪ ،‬وهنا أيضا شرط‪ ،‬والقسم يحتاج لجواب‪ ،‬والشرط أيضا يحتاج إلى‬
‫جواب‪.‬‬
‫وإذا اجتمع الشرط والقسم فبلغة السلوب تكتفي بجواب واحد‪ ،‬مثلما نقول‪ " :‬وال إن فعلت كذا‬
‫لفعلن معك كذا "‪.‬‬
‫وهكذا ُيغْنِي جواب القسم عن جواب الشرط‪ ،‬والمتقدم سواء أكان قسما أو شرطا هو الذي يغني‬
‫جوابه عن الخر‪.‬‬
‫مثلما نقول‪ " :‬وال إن جاء فلن لكرمته " ‪ ،‬فالقسم هنا متقدم‪ ،‬وأغنى جوابه عن جواب الشرط‪.‬‬
‫وإن قلت‪ :‬إن جاءك فلن وال لتكرمه‪ ،‬فهنا الشرط هو المتقدم‪.‬‬
‫والثنان متحدان‪ ،‬لكن غاية ما هناك أن القسم تأكيد والشرط تأسيس‪ ،‬فإذا تقدم ذو خبر على‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الثنين ـ على الشرط وعلى القسم ـ نأتي بجواب الشرط فورا‪ ،‬مثلما نقول‪ " :‬زيد وال إن‬
‫جاءك أكرمه "؛ لن الشرط كما قلنا تأسيس‪ ،‬والقسم تأكيد‪ ،‬ويرجح هنا الشرط‪ ،‬لن التأسيس أولى‬
‫من التأكيد‪.‬‬
‫وهنا يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ وَلَئِنْ َأخّرْنَا عَ ْنهُمُ ا ْلعَذَابَ إِلَىا ُأمّةٍ ّمعْدُو َدةٍ لّ َيقُولُنّ مَا َيحْبِسُهُ } [هود‪.]8 :‬‬
‫والجواب هنا للقسم‪ ،‬وهو يغني عن جواب الشرط‪.‬‬
‫أي‪ :‬أن العذاب يُؤخّر‪.‬‬
‫وقد أوعد الحق ـ سبحانه ـ الكافرين بمحمد صلى ال عليه وسلم بأن يعذبهم‪ ،‬وكان العذاب‬
‫للمم السابقة هو عذاب استئصال‪ ،‬منهم من أرسل ال سبحانه عليه عاصفة‪ ،‬ومنهم من أخذته‬
‫الصيحة‪ ،‬ومنهم من أغرقه‪ ،‬ومنهم من خسف به الرض‪.‬‬
‫فكأن مهمة الرسل السابقين أن يبلغوا الدعوة‪ ،‬ثم تتلوى السماء تأديب الكافرين بالرسالت‪.‬‬
‫ولكن الحق سبحانه وتعالى قد شاء أن يفضّل أمة محمد صلى ال عليه وسلم على المم كلها‪ ،‬وأن‬
‫تعذّب الكافرين في المعارك‪.‬‬
‫وحين يتوعدهم الرسول صلى ال عليه وسلم بعذاب‪ ،‬فللعذاب ميلد‪ ،‬وقد يُؤخّر ليرى المحيطون‬
‫بالكافرين الضلل والفساد‪ ،‬فإذا ما وقع عذاب ال سبحانه على هؤلء الكافرين‪ ،‬فلن يحزن عليهم‬
‫أحد‪.‬‬
‫وهكذا أراد ال سبحانه المهال والملء ليكون لهما معنى واضح في الحياة‪ ،‬والملء للظالم؛‬
‫لتزداد مظالمه زيادة تجعل المة التي يعيش فيها تكره ظلمه‪ ،‬فإذا وقع عليه عذاب‪ ،‬ل يعطف‬
‫عليه أحد‪.‬‬
‫ونحن نعلم أن النفس البشرية بنت المشهد‪ ،‬فحين يُقتل واحد وتمر سنوات على قضيته‪ ،‬ثم يصدر‬
‫الحكم بإعدامه‪ ،‬فالناس تنسى لذعة القتل الول‪ ،‬وتعطف على القاتل حين يصدر الحكم بإعدامه‪.‬‬
‫ولذلك أقول دائما‪:‬‬
‫إن من دواعي استمرار الجرائم إبطاءات المحاكمة‪ ،‬تلك البطاءات التي تجعل عواطف الناس من‬
‫المجرم؛ لن مشهد المقتول أولً قد انتهى من ذاكرتهم‪.‬‬
‫ولكن لو استحضر الناس ـ وقت العقوبة ـ ظرف الجريمة؛ لَفرِحوا بالحكم على القاتل بالقتل‪.‬‬
‫ولذلك نجد الحق ـ سبحانه وتعالى ـ حينما يريد أن يعذب أحدا يقول‪:‬‬
‫ش َهدْ عَذَا َب ُهمَا طَآ ِئفَةٌ مّنَ ا ْل ُم ْؤمِنِينَ }[النور‪.]2 :‬‬
‫{ وَلْيَ ْ‬
‫وذلك ليتم التعذيب أمام المجتمع الذي شقى بإفسادهم وشقى بمظالمهم‪ ،‬فمن يُعتدَى على عرضه‪،‬‬
‫ويرى عذاب المعتدي فهو يُشْفى‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وهنا يبيّن الحق سبحانه وتعالى لرسوله صلى ال عليه وسلم‪ :‬لقد توعدتهم بالعذاب‪ .‬ونحن نبطن‬
‫العذاب بالمهال لهم‪ ،‬ولكنهم جعلوا من ذلك مناط السخرية والستهزاء والتهكم‪ ،‬وتساءلوا‪ :‬أين هو‬
‫العذاب؟‬
‫ونحن نجد القرآن يقول على ألسنتهم‪.‬‬
‫عجّل لّنَا قِطّنَا قَ ْبلَ َيوْمِ ا ْلحِسَابِ }[ص‪.]16 :‬‬
‫{ َوقَالُواْ رَبّنَا َ‬
‫والقط‪ :‬هو جزاء العمل‪ ،‬وهو مأخوذ من القط أي‪ :‬القطع‪.‬‬
‫والعذاب إنما يتناسب مع الجرم‪ ،‬فإن كانت الجريمة كبيرة فالعذاب كبير‪ ،‬وإن كانت الجريمة‬
‫صغير فالعذاب يكون محدودا‪ ،‬فكان العذاب موافقا للجريمة‪.‬‬
‫ومن العجيب أن منهم من قال‪:‬‬
‫سمَآءِ َأوِ ائْتِنَا ِبعَذَابٍ أَلِيمٍ }‬
‫{ الّلهُمّ إِن كَانَ هَـاذَا ُهوَ ا ْلحَقّ مِنْ عِن ِدكَ فََأمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَا َرةً مّنَ ال ّ‬
‫[النفال‪.]32 :‬‬
‫وجاء على ألسنتهم ما أورده القرآن الكريم في قولهم‪:‬‬
‫ع ْمتَ عَلَيْنَا كِسَفا }[السراء‪.]92 :‬‬
‫سمَآءَ َكمَا زَ َ‬
‫سقِطَ ال ّ‬
‫{ َأوْ ُت ْ‬
‫ول شك أن النسان ل يتمنى ول يرجو أن يقع عليه العذاب‪ ،‬ولكنهم قالوا ذلك تحديا وسخرية‬
‫واستهزاءً‪.‬‬
‫وشاء الحق سبحانه وتعالى أل يعذب الكافرين المعاصرين لرسول ال صلى ال عليه وسلم مثلما‬
‫عذب الكافرين الذين عاصروا الرسالت السابقة؛ لن الحق سبحانه وتعالى هو القائل‪:‬‬
‫{ َومَا كَانَ اللّهُ لِ ُيعَذّ َبهُ ْم وَأَنتَ فِيهِمْ }[النفال‪.]33 :‬‬
‫فضلً عن أن هناك أناسا منهم ستروا إيمانهم؛ لنهم ل يملكون القوة التي تمكنهم من مجابهة‬
‫الكافرين‪ ،‬ول يملكون القوة ليرحلوا إلى دار اليمان بالهجرة‪ ،‬وحتمت عليهم ظروفهم أن يعيشوا‬
‫مع الكافرين‪.‬‬
‫وهناك في سورة الفتح ما يوضح ذلك‪ ،‬حين قال الحق سبحانه وتعالى‪:‬‬
‫{ هُمُ الّذِينَ َكفَرُو ْا َوصَدّوكُمْ عَنِ ا ْل َمسْجِدِ الْحَرَا ِم وَا ْلهَ ْديَ َم ْعكُوفا أَن يَبْلُغَ مَحِلّ ُه وََلوْلَ ِرجَالٌ ّم ْؤمِنُونَ‬
‫حمَتِهِ مَن‬
‫خلَ اللّهُ فِي رَ ْ‬
‫وَنِسَآءٌ ّم ْؤمِنَاتٌ لّمْ َتعَْلمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَ ُتصِي َبكُمْ مّ ْنهُمْ ّمعَ ّرةٌ ِبغَيْرِ عِلْمٍ لّ ُيدْ ِ‬
‫عذَابا أَلِيما }[الفتح‪.]25 :‬‬
‫يَشَآءُ َلوْ تَزَيّلُواْ َلعَذّبْنَا الّذِينَ َكفَرُواْ مِ ْنهُمْ َ‬
‫أي‪ :‬لو تميّز الكافرون عن المؤمنين لسلّط الحق سبحانه العذاب الليم على الكافرين‪ ،‬لكن لو دخل‬
‫المسلمون بجيشهم الذي كان في الحديبية على مكة‪ ،‬ودرات هناك معركة‪ ،‬فهذه المعركة ستصيب‬
‫كل أهل مكة‪ ،‬وفيهم المؤمنون المنثورون بين الكافرين‪ ،‬وهم غير متحيزين في جهة بحيث يوجد‬
‫المسلمون الضربة للجانب الكافر‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إذن‪ :‬فلو ضرب المسلمون المقاتلون‪ ،‬لضربوا بعضا من المؤمنين‪ ،‬وهذا ما ل يريده الحق سبحانه‬
‫وتعالى‪.‬‬
‫وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى‪:‬‬
‫} وَلَئِنْ َأخّرْنَا عَ ْنهُمُ ا ْلعَذَابَ إِلَىا ُأمّةٍ ّمعْدُو َدةٍ { [هود‪.]8 :‬‬
‫والمة‪ :‬هي الطائفة أو الجماعة من جنس واحد‪ ،‬مثل أمة النس‪ ،‬وأمة الجن‪ ،‬وأمة النمل‪ ..‬وغير‬
‫ذلك من خلق ال‪.‬‬
‫والحق سبحانه هو القائل‪:‬‬
‫شيْءٍ‬
‫{ َومَا مِن دَآبّةٍ فِي الَ ْرضِ وَلَ طَائِرٍ يَطِيرُ ِبجَنَاحَ ْيهِ ِإلّ ُأمَمٌ َأمْثَاُلكُمْ مّا فَرّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن َ‬
‫حشَرُونَ }[النعام‪.]38 :‬‬
‫ثُمّ إِلَىا رَ ّب ِهمْ يُ ْ‬
‫والمة‪ :‬طائفة يجمعها نظام واحد وقانون واحد‪ ،‬وأفرادها مستاوون في كل شيء‪ ،‬فتكون كل‬
‫واحدة من هذه المم أمة‪ ،‬وهناك المة‪ :‬الطائفة من الزمن‪ .‬مثل قول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ َوقَالَ الّذِي َنجَا مِ ْن ُهمَا وَا ّدكَرَ َبعْدَ ُأمّةٍ }[يوسف‪.]45 :‬‬
‫أي‪ :‬أن هذا الذي تذكر بعد فترة من الزمن‪ ،‬وقد تكون الفترة المسماة " أمة " ‪ ،‬هي الزمن الذي‬
‫يتحمل جيلً من الجيال‪.‬‬
‫المة ـ إذن ـ هي جماعة وطائفة لها جنس يجمعها‪ ،‬ولها تميزات أفرادية‪ ،‬وهي تلتقي في معنى‬
‫عام‪.‬‬
‫فأمة النسان هي حيوان ناطق مفكر‪ ،‬وهناك قدر عام يجمع كل إنسان‪ ،‬ولكن هناك تفاوتات في‬
‫المواهب‪.‬‬
‫ول توجد نفس بشرية واحدة تملك موهبة الهندسة والطب والتجارة والصيدلة والمحاسبة؛ لن كل‬
‫حرفة من تلك الحرف تحتاج إلى دراسة‪.‬‬
‫ول يملك إنسان من العمر ما يتيح له التخصص في كل تلك المجالت؛ ولذلك يتخصص كل فرد‬
‫في مجال؛ ليخدم غيره فيه‪ ،‬وغيره يتخصص في مجال آخر ويخدم الباقين‪ ،‬وهكذا‪.‬‬
‫وفي هذا تكافل اجتماعي‪ ،‬يشعر فيه كل فرد بـأنه يحتاج للخرين‪ ،‬وأنه ل يستطيع أن يحيا‬
‫مستقلً بذاته عن كل الخلق‪.‬‬
‫ولو عرف واحد كل الحرف التي في الدنيا‪ ،‬من طب وهندسة وقضاء‪ ،‬وسباكة‪ ،‬ونجارة‪،‬‬
‫وزراعة‪ ،‬وغيرها فلن يسأل عن الباقين؟‬
‫لذلك شاء ال سبحانه وتعالى أن تلتحم المجتمعات ضرورة وقسرا‪ ،‬ل تفضّلً من أحد على أحد‪.‬‬
‫والذي يكنس الشارع أو يعمل في تنظيف الصرف الصحي ل يفعل ذلك تفضّلً‪ ،‬بل يفعل ذلك‬
‫احتياجا؛ لنه يحتاج إلى العمل والرزق؛ لن جسمه يحتاج إلى الطعام‪ ،‬وإلى الستر بالملبس‪،‬‬
‫وأولده يطلبون الطعام والمأوى والملبس‪ ،‬ولول ذلك لما عمل في تلك المهنة‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وإذا أخلص في عمله فال سبحانه يحببه فيها‪ ،‬وإن ارتقت أحواله‪ ،‬يظل في هذا العمل؛ لنه عشق‬
‫إتقان مهنته‪.‬‬
‫ولقد رأيت رجلً كان يعمل في هذه المهنة‪ ،‬ويحمل القذار على كتفه‪ ،‬وحين وسّع ال عليه‪،‬‬
‫اشترى عربة يجرها حمار ليحمل فيها ما ينزحه من تلك المجاري‪.‬‬
‫وحين وسّع ال عليه أكثر‪ ،‬اشترى سيارة فيها ماكينة شفط للقاذورات‪ ،‬وصار يجلس على‬
‫الكرسي‪ ،‬ويدير " موتور " نزح المجاري لداخل خزان السيارة المخصص لذلك‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فارتباطات المجتمع ل بد أن تنشأ عن حاجة‪ ،‬ل عن تفضّل؛ لن التفضل ليس فيه إلزام‬
‫بالعمل‪ ،‬لكن الحاجة هي التي فيها إلزام بالعمل؛ لتسير حركة الحياة‪.‬‬
‫ومن يعشق عمله على أي وضع كان‪ ،‬يوفقه ال تعالى فيه أكثر؛ لنه احترم قدر ال تعالى في‬
‫نفسه‪ ،‬ولم يستنكف‪ ،‬ويعطيه ال سبحانه كل الخير من هذا العمل‪ ،‬بقدر حبه للعمل وأخلصه فيه‪.‬‬
‫وإن نظرت إلى العظماء في كل مهنة مهما صغرت‪ ،‬فستجد أن تاريخهم بدأ بقبولهم لقدر ال‬
‫سبحانه وتعالى فيهم‪.‬‬
‫ونحن نعلم أن قيمة كل امرىء فيما يحسنه؛ ولذلك تجد المة مكونة من مواهب متكاملة ل‬
‫متكررة‪ ،‬حتى يحتاج كل إنسان إلى عمل غيره‪.‬‬
‫ولذلك قال الحق سبحانه وتعالى‪:‬‬
‫ضهُم َبعْضا سُخْرِيّا }[الزخرف‪.]32 :‬‬
‫خذَ َب ْع ُ‬
‫ضهُمْ َفوْقَ َب ْعضٍ دَ َرجَاتٍ لّيَتّ ِ‬
‫{ وَ َر َفعْنَا َب ْع َ‬
‫لن أحدا ل يسخّر الخر لعمل إل إذا كان المسخّر في حاجة إلى هذا العمل‪.‬‬
‫ولذلك تجد من يطرق بابك ويسأل‪ :‬أل تحتاج إلى سائق؟ أل تحتاج إلى خادم؟‬
‫وصاحب الحاجة هو الذي يعرض نفسه؛ لعله يجد العمل الذي يتقنه‪.‬‬
‫ولذلك يجب أل يتصور أهل أي إنسان أنه حين يخدم في أي حرفة من الحرف أنه يخدم المخدوم‪،‬‬
‫ل‪ ..‬إنه يخدم حاجة نفسه‪.‬‬
‫وهكذا تترابط المة ارتباط حاجات‪ ،‬ل ارتباط تفضل‪.‬‬
‫وقد قال الحق سبحانه وتعالى عن سيدنا إبراهيم عليه السلم‪:‬‬
‫{ إِنّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ ُأمّةً }[النحل‪.]120 :‬‬
‫لن هناك مواهب متعددة قد اجتمعت فيه‪ ،‬وهي مواهب ل تجتمع إل في أمة من الناس‪.‬‬
‫وكلمة " أمة " تطلق على الزمن‪ ،‬وتطلق على الجماعة من كل جنس‪ ،‬وتطلق على الرجل الجامع‬
‫لكل خصال الخير‪.‬‬
‫وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى‪:‬‬
‫} وَلَئِنْ َأخّرْنَا عَ ْنهُمُ ا ْلعَذَابَ إِلَىا ُأمّةٍ ّمعْدُو َدةٍ { [هود‪.]8 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وعادة ما تأتي كلمة } ّم ْعدُو َدةٍ { لتفيد القلة؛ مثل قول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ وَشَ َر ْوهُ بِ َثمَنٍ َبخْسٍ دَرَاهِمَ َمعْدُو َد ٍة َوكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ }[يوسف‪.]20 :‬‬
‫وما دام الثمن بَخْسا فل بد أن تكون الدراهم معدودة‪.‬‬
‫عدّ شيء إل مظنة أننا‬
‫والسبب في فهمنا لكلمة } ّمعْدُو َدةٍ { أنها تفيد القلة‪ ،‬هو أننا ل نُقبل على َ‬
‫قادرون على عَدّه؛ لنه قليل‪ ،‬لكن مال نُقبل على عدّه فهو الكثير‪.‬‬
‫ومثال ذلك‪ :‬أن أحدا لم يعد الرمل‪ ،‬أو النجوم‪.‬‬
‫ولذلك جاء قول الحق سبحانه‪:‬‬
‫حصُوهَا }[إبراهيم‪.]34 :‬‬
‫{ وَإِن َتعُدّواْ ِن ْع َمتَ اللّهِ لَ ُت ْ‬
‫و " إن " ـ كما نعلم ـ تأتي للشك‪ ،‬ونعم ال سبحانه ليست مظنة الحصر‪.‬‬
‫ورغم أن البشرية قد تقدمت في علوم الحصاء فهل تفرّغ أحد ليُحصي نعم ال؟‬
‫طبعا ل‪ ..‬وبطبيعة الحال يمكن إحصاء السكان والعاملين في أي مجال أو تخصص‪.‬‬
‫وقديما كان القائمون على فتح صناديق النذور ليحسبوا ما فيها‪ ،‬فيضعوا الورق من فئة المائة جنيه‬
‫معا‪ ،‬والورق من فئة العشرة جنيهات معا‪ ،‬وكذلك بقية الفئات من الوراق المالية‪ ،‬إلى أن يصلوا‬
‫إلى القروش‪ ،‬فيقوموا بوزن كليو جرام منها‪ ،‬ويحسبوا كم قرشا في الكيلو جرام‪ ،‬ويزنوا بعد ذلك‬
‫بقية القروش؛ ليحسبوا المجموع على حساب عدد القروش التي حصروها في الكليو جرام الول‪.‬‬
‫وقول الحق سبحانه هنا‪:‬‬
‫} وَلَئِنْ َأخّرْنَا عَ ْنهُمُ ا ْلعَذَابَ إِلَىا ُأمّةٍ ّمعْدُو َدةٍ لّ َيقُولُنّ مَا َيحْبِسُهُ { [هود‪.]8 :‬‬
‫كأنهم يتساءلون سخرية واستهزاء‪ :‬لماذا يتأخر العذاب الذي توعّدهم به رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم؛ لن النسان ل يتشوق إلى ما يؤلمه‪ ،‬ول يقال مثل هذا الكلم إل على سبيل التهكم‪.‬‬
‫ويأتي الرد عليهم بأداة التنبيه‪ ،‬وهي " أل " أي‪ :‬تَنبّهوا إلى هذا الرد‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه وتعالى‪:‬‬
‫} َيوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ َمصْرُوفا عَ ْنهُمْ { [هود‪.]8 :‬‬
‫وهذا تأكيد أن العذاب سيأتي‪ ،‬ولكن العباد دائما يعجلون‪.‬‬
‫وال سبحانه ل يعجل بعجلة العباد؛ حتى تبلغ المور ما أراد‪ ،‬وكل أمر له وقت وله ميلد‪،‬‬
‫وسيأتيهم ما كانوا يستعجلون؛ لن الحق سبحانه وتعالى يقول‪:‬‬
‫} وَحَاقَ ِبهِم مّا كَانُواْ ِبهِ يَسْ َتهْزِءُونَ { [هود‪.]8 :‬‬
‫وقد جاء تأكيد وصول العذاب إليهم بأشياء‪ :‬أولها‪ " :‬أل " وهي أداة تنبيه‪ ،‬وكذلك قوله سبحانه‬
‫وتعالى‪َ } :‬يوْمَ يَأْتِيهِمْ { ‪ ،‬وهذا خبر بأن العذاب آت ل محالة؛ لن الذي يخبر به هو ال سبحانه‬
‫وتعالى‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وأيضا فهذا العذاب‪ } :‬لَيْسَ َمصْرُوفا عَ ْن ُهمْ { [هود‪.]8 :‬‬
‫أي‪ :‬أنه عذاب مستمر‪.‬‬
‫وقول الحق سبحانه وتعالى‪:‬‬
‫} وَحَاقَ ِبهِم مّا كَانُواْ ِبهِ يَسْ َتهْزِءُونَ { [هود‪.]8 :‬‬
‫يعني‪ :‬أنه حل بهم ونزل عليهم‪ ،‬ووقع لهم العذاب الذي استهزأوا به من قبل‪.‬‬
‫ونحن نعلم أن كلمة (حاق) فعل ماضٍ‪ ،‬والكلم على أمر مستعجل‪ ،‬ويُعبّر عن المر المستعجل‬
‫بالمضارع؛ لن الفعل المضارع يدل على الحال أو الستقبال‪ ،‬فكيف يستعجلون أمرا‪ ،‬ويأتي‬
‫التعبير عنه بالفعل الماضي؟‬
‫ولكن القائل هنا هو ال الحق سبحانه وتعالى‪ ،‬والكلم مأخوذ بقانون المتكلم‪ ،‬وكل فعل يُنسَب إلى‬
‫قوة فاعله‪ ،‬وال سبحانه هو قوة القوى‪.‬‬
‫وقال الحق سبحانه وتعالى في موضع آخر من القرآن‪:‬‬
‫{ أَتَىا َأمْرُ اللّهِ فَلَ َتسْ َتعْجِلُوهُ }[النحل‪.]1 :‬‬
‫وكلمة " أتى " في عرفنا اللغوي فعل ماضٍ‪ ،‬أي‪ :‬أن الكلم جاء من المتكلم بعد وقوع النسبة‬
‫خارجا‪ ،‬مثلما نقول‪ " :‬نجح محمد " فهذا يعني أن النجاح قد حدث بالفعل‪.‬‬
‫وحين يقول ال سبحانه‪ } :‬أَتَىا َأمْرُ اللّهِ { نفهم أن } أَتَىا َأمْرُ اللّهِ { نسبة كلمية سبقتها نسبة‬
‫واقعية‪.‬‬
‫وقوله سبحانه بعد ذلك‪ } :‬فَلَ َتسْ َتعْجِلُوهُ { يدل على أن المر لم يقع‪ ،‬ولكن المتكلم هنا هو ال‬
‫سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫والمعنى أن المر واقع ل محالة؛ ذلك لن كل فعل إنما ينسب لقوة الفاعل‪.‬‬
‫ومثال ذلك من حياتنا ـ ول المثل العلى ـ أنك قد ترغب في أن تنقل حقيبة ضخمة وثقيلة‪،‬‬
‫فيقول ابنك الشاب‪ :‬دعني أحملها لك‪ ،‬وهو يقول ذلك لنه قادر على أن يحملها في زمن يناسب‬
‫قوته‪.‬‬
‫وإن جاءك ابنك الصغير وقال‪ :‬سأحملها أنا‪ .‬فهو لن يحمل الحقيبة إل في مقدار زمن يناسب‬
‫قوته‪ ،‬وهي قوة ضعيفة‪.‬‬
‫إذن‪ :‬ففي المجال البشري أنت تحكم على الماضي‪ ،‬وقد يكون الحكم صادقا أو كاذبا‪ ،‬ولكنك‬
‫بالنسبة لمر مستقبل‪ ،‬ل تستطيع أن حكم عليه؛ لنك ل تملك من المستقبل شيئا‪.‬‬
‫أما إذا كان قائل الكلم قادرا على إنفاذ ما يقوله الن في المستقبل‪ ،‬ول عائق يعوقه‪ ،‬فاعلم أن‬
‫المر قادم ل محالة‪.‬‬
‫وهنا نجد الخبار من ال سبحانه وتعالى‪ ،‬ول شيء في الكون يتأبّى على ال سبحانه‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وما دام الحق سبحانه قد قال إنه أمرٌ قد أتى‪ ،‬فهو آتٍ ل محالة‪.‬‬
‫ولذلك قال سبحانه‪:‬‬
‫} وَحَاقَ ِبهِم { [هود‪.]8 :‬‬
‫مع أن السياق في العرف البشري أن يقال‪ :‬وسيحيق بهم ما كانوا به يستهزئون؛ لنهم كانوا‬
‫يستعجلون العذاب‪.‬‬
‫وجاء قول الحق سبحانه وتعالى‪ } :‬وَحَاقَ { لن المر بالنسبة له سبحانه لن يحول بينه وبين‬
‫وقوعه أي عائق‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه بعد ذلك‪ } :‬وَلَئِنْ َأ َذقْنَا الِنْسَانَ {‬

‫(‪)1468 /‬‬
‫ح َمةً ثُمّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنّهُ لَيَئُوسٌ َكفُورٌ (‪)9‬‬
‫وَلَئِنْ أَ َذقْنَا الْإِ ْنسَانَ مِنّا رَ ْ‬

‫وهنا أيضا تبدأ الية الكريمة بقوله سبحانه‪ { :‬وَلَئِنْ } وهذا يعني أن اللم قد سبقت لتدل على‬
‫القسم‪ ،‬وكأنه يقول‪ :‬لئن أذقنا النسان رحمة‪ ،‬ثم نزعناها منه لوقع في الياس‪.‬‬
‫وهنا أيضا قسم وشرط‪ ،‬والقسم متقدم‪ ،‬فالجواب يكون للقسم‪.‬‬
‫وكلمة { َأ َذقْنَا } توضح أن الذاقة محلها الول الفم‪ ،‬ومعناها‪ :‬تناول الشيء لدراك طعمه‪ :‬حلو أو‬
‫مر‪ ،‬لذع أوغير لذع‪ ،‬قلوي أو حامض‪.‬‬
‫ومن العجيب في دقة التكوين النساني أن كل منطقة في اللسان لها طعم تنفعل له‪ ،‬فطرف اللسان‬
‫ينفعل لطعم معين‪ ،‬ووسط اللسان ينفعل لطعم آخر‪ ،‬وجوانب اللسان تنفعل لطعم ثالث‪ ،‬وهكذا‪.‬‬
‫كل ذلك في عضو واحد شاء له الحق سبحانه هذه الدقة في التركيب‪.‬‬
‫وكل " حلمة " من مكوّنات اللسان لها شيء تحس به؛ ولذلك نجد النسان يذوق الطعام‪ ،‬فيقول‪ :‬إن‬
‫هذا الطعام ينقصه الملح‪ ،‬أو يذوب الحلوى ـ مثل الكنافة ـ فيقول‪ :‬إن السكر المحلة به‬
‫مضبوط‪.‬‬
‫وكذلك حرارة الجسم‪ ،‬يقيس النسان حرارته‪ ،‬فإن وجدها سبعة وثلثين درجة ونصف الدرجة؛‬
‫فيقول‪ :‬إنها حرارة طبيعية‪ .‬وإن نقصت حرارة النسان عن ذلك يقال‪ :‬إنه مصاب بالهبوط‪ .‬وإن‬
‫ارتفعت يقال‪ :‬مصاب بالحمى‪.‬‬
‫وهذا قياس للحرارة بالجملة لجسم النسان‪ ،‬ولها المنافذ الخاصة بها‪ .‬ولكن كل عضو في الجسم‬
‫تلزمه درجة حرارة خاصة به ليؤدي عمله‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فالكبد إن قلّت درجة حرارته عن أربعين درجة ل يؤدي مهمته‪ .‬وجسم النسان فيه جوارح‬
‫متعددة؛ وحرارة العين مثلً تسع درجات؛ لنها لو زادت حرارتها عن ذلك لنفجرت العين‪،‬‬
‫وحرارة الذن ثماني درجات‪.‬‬
‫وأنت ل تستطيع أن تأتي بأشياء مختلفة الحرارة وتضعها مع بعضها‪ ،‬ولكن الحق سبحانه وتعالى‬
‫شاء ذلك بالنسبة للجسم النساني‪.‬‬
‫وهنا يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ وَلَئِنْ َأ َذقْنَا الِنْسَانَ } [هود‪.]9 :‬‬
‫والذوق هو للدراك‪ ،‬ل للكل‪ ،‬فأنت حين تشتري فاكهة يقول لك البائع‪ " :‬تفضّل ُذقْ " فتأخذ‬
‫واحدة منها لتستطيب طعمها‪.‬‬
‫فالذوق ـ إذن ـ هو تناول الشيء لدراك طعمه‪.‬‬
‫والنعمة حين يشاء الحق سبحانه وتعالى أن تصيب النسان‪ ،‬ثم تُنزَع منه‪ ،‬هنا يصاب النسان‬
‫بالقلق أو الحزن أو الهلع‪ ،‬أو اليأس‪.‬‬
‫والنعمة مهما قلّت فالنسان يستطيبها‪ ،‬وإن نُزعت منه فهو يئوس كفور‪.‬‬
‫واليأس‪ :‬هو قطع المل من حدوث شيء‪ ،‬ولن النسان ل يملك الفعل‪ ،‬ولو كان يقدر عليه لما‬
‫يئس‪.‬‬
‫والمؤمن ل ييأس أبدا؛ لن ال سبحانه هو القائل‪:‬‬
‫{ إِنّ ُه لَ يَيْأَسُ مِن ّروْحِ اللّهِ ِإلّ ا ْلقَوْمُ ا ْلكَافِرُونَ }[يوسف‪.]87 :‬‬
‫اليأس ـ إذن ـ هو أن تقطع المل من أمر مراد لك‪ ،‬ول تملك الوسائل لتحققه‪.‬‬
‫والذي ييأس هو الذي ليس له إله يركن إليه؛ لن ال تعالى هو الركن الرشيد الشديد‪ ،‬والمؤمن إن‬
‫فقد شيئا يقول‪ " :‬إن ال سيُعوّضني خيرا منه "‪.‬‬
‫أما الذي ل إيمان له بإله فهو يقول‪ " :‬إن هذه الصدفة قد ل تتكرر مرة أخرى "‪.‬‬
‫فالنسان الذي ُيسْرَق منه جنيه قد يحزن‪ ،‬ولكن إذا ما كان عنده في المنزل عشرة جنيهات فهو‬
‫يحزن قليلً على الجنيه المفقود‪.‬‬
‫والنسان ل ييأس إل عند عدم يقينه بمصدر يرد عليه ما يريده‪ ،‬ولكن حين يؤمن بمصدر يرد‬
‫عليه ما يريده فل تجده يائسا قانطا‪.‬‬
‫والمؤمن يعلم أن النعمة لها واهب‪ ،‬إن جاءت شكر ال عليها‪ ،‬وإن سُلبت منه‪ ،‬فهو يعلم أن الحق‬
‫سبحانه قد سلبها لحكمة‪.‬‬
‫والحق سبحانه وتعالى يقول هنا‪:‬‬
‫ح َمةً { [هود‪.]9 :‬‬
‫} وَلَئِنْ َأ َذقْنَا الِنْسَانَ مِنّا رَ ْ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ونحن نعلم أن النسان مقصود به كل أبناء آدم ـ عليه السلم ـ وهم كثيرون‪ ،‬منهم المؤمن‪،‬‬
‫ومنهم الكافر‪.‬‬
‫وهنا تأتي كلمة " النسان " على إطلقها‪ ،‬ولكن الحق سبحانه وتعالى يستثنى المؤمن في موضع‬
‫آخر حين يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫خسْرٍ * ِإلّ الّذِينَ آمَنُواْ }[العصر‪1 :‬ـ ‪.]3‬‬
‫ن الِنسَانَ َلفِى ُ‬
‫{ وَا ْل َعصْرِ * إِ ّ‬
‫و " النسان " مفرد يدل على النسان في كل مدلولته‪ ،‬ويستثنى من نوع النسان من آمن به‪.‬‬
‫فإن رأيت كلمة إنسان فاعلم أن المراد بالنسان أفراد النسان كلهم‪.‬‬
‫والنسان لو عزل نفسه عن منهج ال تعالى فهو في خسران إل إذا اتبع منهج ال‪ ،‬فالمنهج يحميه‬
‫من الزلل‪ ،‬وتسير غرائزه إلى ما أراد الحق سبحانه لها‪.‬‬
‫فقد خلق الحق سبحانه الغرائز لمهام أساسية‪ ،‬فغريزة الجوع تجعل النسان يطلب الطعام‪،‬‬
‫والعطش أراده ال سبحانه وتعالى لينتبه النسان إلى طلب الرتواء بالماء‪.‬‬
‫وغريزة بقاء النوع تدفع النسان للزواج‪ ،‬وغريزة حب الستطلع هي التي تدفع النسان إلى‬
‫كشف المخترعات‪.‬‬
‫والحق سبحانه وتعالى هو القائل عن الساهين عن استكشاف آيات ال تعالى‪:‬‬
‫سمَاوَاتِ وَالَ ْرضِ َيمُرّونَ عَلَ ْيهَا وَ ُهمْ عَ ْنهَا ُمعْ ِرضُونَ }[يوسف‪.]105 :‬‬
‫{ َوكَأَيّن مّن آ َيةٍ فِي ال ّ‬
‫والباحث العلمي التجريبي المعلمي ينظر في ظواهر الكون ليستطلع أسرار الكون‪.‬‬
‫وهناك فارق بين حب الستطلع لكتشاف أسرار الكون‪ ،‬وحب الستطلع لخبار الناس‪.‬‬
‫إن حب الستطلع عموما هو مدار التقاءات الكون‪ ،‬ولكن الدين والخلق هو الذي يوجه حب‬
‫الستطلع‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالقرائن لها مهمة يجب ألّ تنفلت إلى غيرها‪ ،‬والدين قد جاء ليعلي من الغرائز ويوجهها إلى‬
‫مهامها‪.‬‬
‫لذلك نجد الحق سبحانه وتعالى يقول‪:‬‬
‫جسّسُواْ }[الحجرات‪.]12 :‬‬
‫{ َولَ تَ َ‬
‫أي‪ :‬ل تتبعوا العورات؛ لننا لو أبحنا لواحد أن يتتبع عورات الناس؛ لبحنا لكل الخرين أن‬
‫يتتبعوا عوراته‪.‬‬
‫وحين منع الحق ـ سبحانه وتعالى ـ النسان من تتبّع عورات غيره‪ ،‬فهو قد حماه من تتبع‬
‫عوراته‪.‬‬
‫وهنا يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫ح َمةً ثُمّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ { [هود‪.]9 :‬‬
‫} وَلَئِنْ َأ َذقْنَا الِنْسَانَ مِنّا رَ ْ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫(‪)1469 /‬‬
‫وَلَئِنْ أَ َذقْنَاهُ َن ْعمَاءَ َب ْع َد ضَرّاءَ مَسّ ْتهُ لَ َيقُولَنّ ذَ َهبَ السّيّئَاتُ عَنّي إِنّهُ َلفَرِحٌ َفخُورٌ (‪)10‬‬

‫وهنا نجد الضراء هي الموجودة‪ ،‬والنعماء هي التي تطرأ‪ ،‬عكس الحالة الولى‪ ،‬حيث كانت‬
‫الرحمة‪ ،‬من خير ويسر ـ هي الموجودة‪.‬‬
‫فالنزع في الولى طرأ على رحمة موجودة‪ ،‬والنعماء طرأت على ضرّاء موجودة‪.‬‬
‫وهناك فرق بين نعماء ونعمة‪ ،‬وضراء وضر؛ فالضر هو الشيء الذي يؤلم النفس‪ ،‬والنعمة هي‬
‫الشيء الذي تتنعم به النفس‪.‬‬
‫لكن التنعّم واللم قد يكونان في النفس‪ ،‬ول ينضح أي منهما على النسان‪ ،‬فإن نضح على النسان‬
‫أثر النعمة يقال فيها " نعماء " ‪ ،‬وإن نضح عليه أثر من الضر يقال‪ " :‬ضراء "‪.‬‬
‫وهنا يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ وَلَئِنْ َأ َذقْنَاهُ َن ْعمَآءَ َبعْ َد ضَرّآءَ مَسّتْهُ لَ َيقُولَنّ ذَ َهبَ السّيّئَاتُ عَنّي } [هود‪.]10 :‬‬
‫ول يفطن من يقول ذلك إلى المُذْهِب الذي أذهبَ السيئات؛ لن السيئة ل تذهب وحدها‪.‬‬
‫ولو كان القائل مؤمنا لقال‪ :‬رفع ال عني السيئات‪.‬‬
‫لكنه غير مؤمن؛ ولذلك يغرق في فرح كاذب وفخر ل أساس له‪.‬‬
‫ويصفه الحق سبحانه وتعالى بقوله‪:‬‬
‫{ إِنّهُ َلفَرِحٌ فَخُورٌ } [هود‪.]10 :‬‬
‫وكأن الفرح بالنعمة أذهله عن المنعم‪ ،‬وعمن نزع منه السيئة‪.‬‬
‫وأما الفخر‪ ،‬فنحن نعلم أن الفخر هو العتداد بالمناقب‪ ،‬وقد تجد إنسانا يتفاخر على إنسان آخر‬
‫بأن يذكر له مناقب وأمجادا ل يملكها الخر‪.‬‬
‫ونحن نعلم أن التميز لفرد ما يوجد في المجتمع‪ ،‬ولكن أدب اليمان يفرض أل يفخر النسان‬
‫بالتميز‪.‬‬
‫ولذلك نجد النبي صلى ال عليه وسلم يقول‪ " :‬أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ول فخر "‪.‬‬
‫وفي أحدى المعارك نجده صلى ال عليه وسلم يقول‪:‬‬
‫" أنا النبي ل كذب‪ ،‬أنا ابن عبد المطلب "‪.‬‬
‫وقد اضطر رسول ال صلى ال عليه وسلم أن يقول ذلك؛ لن الكافرين في تلك المعركة ظنوا‬
‫أنهم حاصروه هو ومن معه وأنه سوف يهرب‪ ،‬لكنه صلى ال عليه وسلم بشجاعته أعلن‪:‬‬
‫" أنا النبي ل كذب‪ ،‬أنا ابن عبد المطلب " وكان أقرب المسلمين إلى مكان العداء الكافرين وفي‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫مواجهتهم‪.‬‬
‫ونحن نجد المتصارعين أو المتنافسين‪ ،‬واحدهم يدخل على الخر بصوت ضخم ليهز ثقة الطرف‬
‫الخر بنفسه‪.‬‬
‫والفخور إنسان غائب بحجاب الغفلة عن واهب المناقب التي يتفاخر بها‪ ،‬ولو كان مستحضرا‬
‫لجلل الواهب لتضاءل أمامه‪ ،‬ولو اتجهت بصيرة المتكبر والفخور إلى الحق سبحانه وتعالى‬
‫لتضاءل أمامه‪ ،‬ولردّ كل شيء إلى الواهب‪.‬‬
‫ومثال ذلك في القرآن الكريم هو قول الحق سبحانه على لسان صاحب موسى عليهما السلم‪:‬‬
‫{ َومَا َفعَلْتُهُ عَنْ َأمْرِي }[الكهف‪.]82 :‬‬
‫وهذا سلوك العابد المتواضع‪.‬‬
‫أما حال الفخورين اللهين عن الحق سبحانه وتعالى‪ ،‬فقد صوره القرآن في قول قارون‪:‬‬
‫{ إِ ّنمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىا عِلْمٍ عِندِي }[القصص‪.]78 :‬‬
‫وكان مصيره هو القول الحق‪:‬‬
‫سفْنَا بِ ِه وَبِدَا ِر ِه الَ ْرضَ }[القصص‪.]81 :‬‬
‫{ َفخَ َ‬
‫ولذلك قلنا‪ :‬إنك تحصّن كل نعمة عندك بقولك عند رؤيتها‪ " :‬بسم ال ما شاء ال "؛ لتتذكر أن هذه‬
‫النعمة لم تأت بجهدك فقط‪ ،‬ولكنها جاءت لك أولً بمشيئة ال سبحانه وتعالى‪ ،‬وذلك لتبقي عين‬
‫الواهب حارسة للنعمة التي عندك‪.‬‬
‫أما حين تنسى الواهب فلن يحفظ تلك النعمة لك‪.‬‬
‫ونحن نلحظ أن الحق سبحانه وتعالى لم يمنع الفرح المنبعث عن انشراح الصدر والسرور بنعمة‬
‫ال بل طلبه منا في قوله سبحانه‪:‬‬
‫حمَتِهِ فَ ِبذَِلكَ فَلْ َيفْرَحُواْ }[يونس‪.]58 :‬‬
‫{ ُقلْ ِب َفضْلِ اللّ ِه وَبِرَ ْ‬
‫ولكن الحق سبحانه يطلب من المؤمن أن ل يكون الفرح المنبعث لتفه السباب‪ ،‬والملزم له‪،‬‬
‫وإل كان من الفرحين الذين ذمهم ال تعالى‪.‬‬
‫عمِلُواْ الصّالِحَاتِ {‬
‫ن صَبَرُواْ وَ َ‬
‫يقول الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك‪ِ } :‬إلّ الّذِي َ‬

‫(‪)1470 /‬‬
‫عمِلُوا الصّالِحَاتِ أُولَ ِئكَ َلهُمْ َمغْفِ َر ٌة وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (‪)11‬‬
‫ن صَبَرُوا وَ َ‬
‫إِلّا الّذِي َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وكلمة { صَبَرُواْ } هنا موافقة للمرين الذين سبقا في اليتين السابقتين‪ ،‬فهناك نزع الرحمة‪،‬‬
‫وكذلك هناك " نعماء " من بعد " ضرّاء " ‪ ،‬وكل الموقفين يحتاج للصبر؛ لن كلّ منا مقدور‬
‫للحداث التي تمر به‪ ،‬وعليه أن يصبر لملحظية حكمة القادر سبحانه‪.‬‬
‫وبدأ الحق سبحانه وتعالى هذه الية بالستنثاء‪ ،‬فقال جل وعل‪:‬‬
‫ن صَبَرُواْ } [هود‪.]11 :‬‬
‫{ ِإلّ الّذِي َ‬
‫ولول هذا الستثناء لكان الكل ـ كل البشر ـ ينطبق عليهم الحكم الصادر في اليتين السابقتين‪،‬‬
‫حكم باليأس والكفر‪ ،‬أو الفرح والفخر دون تذكّر واهب النعم سبحانه‪.‬‬
‫ولكن هذا الستثناء قد جاء ليُطمئن الذين صبروا على ما قد يصيبهم في أمر الدعوة‪ ،‬أو ما‬
‫يصيبهم في ذواتهم؛ ل من الكافرين؛ لكن بتقدير العزيز العليم‪.‬‬
‫أو أنهم صبروا عن عمل إخوانهم المؤمنين‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالصبر معناه حدّ النفس بحيث ترضى عن أمر مكروه نزل بها‪ .‬والمر المكروه له مصادر‬
‫عدة‪ ،‬منها‪:‬‬
‫* أمر ل غريم لك فيه كالمرض مثلً‪.‬‬
‫* أو أن يكون لك غريم في المر؛ كأن يُسرق منك متاع‪ ،‬أو يُعتدى عليك‪ ،‬وفي هذه الحالة‬
‫تنشغل برغبة النتقام‪ ،‬وتتأج نفسك برغبة النيل من هذا الغريم‪ ،‬أكثر مما تتأجج في حالة عدم‬
‫وجود الغريم‪ ،‬فحين يمرض النسان فل غريم له‪.‬‬
‫وفي حالة الرغبة من النتقام فالصبر يختلف عن الصبر في حالة وجود الغريم‪.‬‬
‫ولذلك عرض الحق سبحانه وتعالى لتأتّي الصبر حسب هذه المراحل‪ ،‬فسيدنا لقمان يقول لبنه‪:‬‬
‫لمُورِ }[لقمان‪.]17 :‬‬
‫{ وَاصْبِرْ عَلَىا مَآ َأصَا َبكَ إِنّ ذَِلكَ مِنْ عَزْ ِم ا ُ‬
‫وفي موضع آخر يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫لمُورِ }[الشورى‪.]43 :‬‬
‫غفَرَ إِنّ ذَِلكَ َلمِنْ عَ ْز ِم ا ُ‬
‫{ وََلمَن صَبَ َر وَ َ‬
‫وفي هذه الية " لم " التوكيد لتؤكد أن هذا المر يحتاج إلى عزم قوي؛ لن لي فيها غريما يثير‬
‫غضبي‪.‬‬
‫فساعة أرى من ضربني أو أهانني أو سرقني أو أساء إليّ إساءة بالغة‪ ،‬فالمر هنا يحتاج صبرا‬
‫وقوة وعزيمة‪.‬‬
‫أما في الحالة الولى ـ حالة عدم وجود غريم ـ فالحق سبحانه يكتفي فقط بالقول الكريم‪:‬‬
‫{ وَاصْبِرْ عَلَىا مَآ َأصَا َبكَ }[لقمان‪.]17 :‬‬
‫ولكنه سبحانه أضاف في الية الخرى " اللم " لتأكيد العزم‪ ،‬وليضيف سبحانه في حالة وجود‬
‫غريم طلب الغفران‪ ،‬فيقول سبحانه‪:‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لمُورِ }[الشورى‪.]43 :‬‬
‫غفَرَ إِنّ ذَِلكَ َلمِنْ عَ ْز ِم ا ُ‬
‫{ وََلمَن صَبَ َر وَ َ‬
‫وهكذا نجد المستثنى‪ ،‬وهم الصابرون على ألوانهم المختلفة‪.‬‬
‫وهنا يقول سبحانه‪:‬‬
‫عمِلُواْ الصّاِلحَاتِ } [هود‪.]11 :‬‬
‫ن صَبَرُواْ وَ َ‬
‫{ ِإلّ الّذِي َ‬
‫وما دام هنا صبر‪ ،‬فالصبر ل يكون إل على إيذاء‪ .‬ولكن إياك أن يكون اليذاء من خصمك في‬
‫اليمان‪ ،‬أو من خصمك في ما دون اليمان‪ ،‬صارفا لك عن نشاطك في طاعة ال سبحانه؛ لن‬
‫الصبر ل يعني أن تكبت غضبك وتعذب نفسك بهذا الكبت بما يصرفك عن مهامك في الحياة‪ ،‬بل‬
‫يسمح لك الحق سبحانه أن تتخلص من غلّك وحقدك‪ ،‬بمعايشة اليمان الذي يُخفف من غَلْواء‬
‫الغضب‪.‬‬
‫ولكسر حدة الغل أباح لك الحق سبحانه وتعالى أن تعتدي على من اعتدى عليك بمثل ما اعتدى؛‬
‫لن سبحانه وتعالى ل يريد لك أن تظل في حالة غليان بالغضب أو القهر بما يمنعك من العمل‪،‬‬
‫بل يريد الحق سبحانه أن تتوجه بطاقاتك إلى أداء عملك‪.‬‬
‫ولذلك ل يلزمك الحق سبحانه إل بحكم العدل فيقول عز وجل‪:‬‬
‫علَيْهِ ِبمِ ْثلِ مَا اعْتَدَىا عَلَ ْي ُكمْ }[البقرة‪.]194 :‬‬
‫{ َفمَنِ اعْ َتدَىا عَلَ ْيكُمْ فَاعْ َتدُواْ َ‬
‫ولكن هناك القادر على التحكم في نفسه‪ ،‬ولذلك يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫ظمِينَ ا ْلغَيْظَ }[آل عمران‪.]134 :‬‬
‫{ وَا ْلكَا ِ‬
‫ومعنى كظم الغيظ‪ :‬أن الغيظ موجود‪ ،‬لكن صاحبه ل يتحرك بنزوع انتقامي‪ ،‬مثلما تقول‪" :‬‬
‫كظمت القِرْبة " لن حامل القربة لو لم يكظم الماء فيها‪ ،‬لتفلّت الماء منها‪ ،‬أي‪ :‬أنه يحبس الماء‬
‫فيها‪.‬‬
‫وكظم الغيظ درجة ومنزلة‪ ،‬قد ل تكون إيجابية؛ لن الغيظ مازال موجودا؛ ولذلك تأتي مرحلة‬
‫أرقى‪ ،‬وتتمثل في قول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ وَا ْلعَافِينَ عَنِ النّاسِ }[آل عمران‪.]134 :‬‬
‫أي‪ :‬أن تُخرج الغيظ من قلبك وتتسامح‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فأنت هنا أمام مراحل ثلث‪:‬‬
‫أن تردّ العتداء عليك بمثله‪ ،‬والمثليّة في رد العتداء أمر ل يمكن أن يتحقق‪ ،‬فمن صفعك‬
‫صفعة‪ ،‬كيف تستطيع أن تضبط كمية اللم في الصفعة التي ردها إليه؟‬
‫إن المتحكم في ردّ العتداء هو الغضب‪ ،‬والغضب ل يقيس العتداء بمثله‪ ،‬فل يتحقق العدل‬
‫المطلوب؛ لهذا يكون الصبر خيرا مصداقا لقوله تعالى‪:‬‬
‫{ وَلَئِن صَبَرْتُمْ َل ُهوَ خَيْرٌ لّلصّابِرينَ }[النحل‪.]126 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ت من قوة صفعتك تكون معتديا‪.‬‬
‫فإن أزد َ‬
‫ولعلنا نذكر مسرحية " تاجر البندقية " لشكسبير‪ ،‬وبطلها هذا التاجر اليهودي الذي أقرض رجلً‬
‫صكّ القرض يفرض أن يقتطع اليهودي رطلً من لحم المقترض إن تأخر في السداد‪.‬‬
‫مالً‪ ،‬وكان َ‬
‫وتأخّر المقترض في السداد‪ ،‬وأراد المرابي اليهودي أن يقتطع رطلً من لحم المقترض‪ ،‬وعُرِض‬
‫المر على القاضي‪ ،‬وكان القاضي رجلً حكيما‪ ،‬وأراد أن يصدر حكما يتلمس فيه العدالة‪ ،‬فقال‬
‫ل واحدا بل زيادة أو‬
‫القاضي‪ :‬ل مانع أن تأخذ رطلً من لحم الرجل؛ هات السكين‪ ،‬واقطع رط ً‬
‫نقصان؛ لننا سنأخذ مقابل تلك الزيادة من لحمك أنت بنفس السكين‪ ،‬وكذلك إن قطعت من اللحم‬
‫ما يقل عن الرطل‪ ،‬فسنقطع الناقص لك من لحمك أنت عقابا لك‪.‬‬
‫وتردّد المرابي اليهودي؛ لن الجزار ـ أيّ جزار ـ ل يمكن أن يضبط يده ليقطع رطلً مكتمل‬
‫الوزن‪ ،‬بل يقطع أحيانا ما يزيد عن الوزن المطلوب‪ ،‬ويقطع أحيانا ما يقل عن الوزن المطلوب‪،‬‬
‫ثم يكمل أو ينقص الوزن حسب كل حالة‪.‬‬
‫وانسحب المرابي اليهودي وتنازل عن دعواه‪ ،‬والذي دفعه إلى ذلك هو عدم قدرته على أخذ‬
‫المثل‪ ،‬فلو كان قد ارتقى قليلً في مشاعره لما وصل إلى هذا الحكم‪.‬‬
‫والحق سبحانه وتعالى يحضنا على أن نرد العدوان بمثله‪ ،‬وإن أردنا الرتقاء فلنكظم الغيظ‪ ،‬وإن‬
‫أردنا الرتقاء أكثر فلنخرج الغيظ من القلب ولنكن من العافين عن الناس؛ لننال محبة ال تعالى‪،‬‬
‫لنه سبحانه وتعالى يقول‪:‬‬
‫حبّ ا ْل ُمحْسِنِينَ }[آل عمران‪.]134 :‬‬
‫ظ وَا ْلعَافِينَ عَنِ النّاسِ وَاللّهُ يُ ِ‬
‫ظمِينَ ا ْلغَيْ َ‬
‫{ وَا ْلكَا ِ‬
‫وفي هذا يرتقي المؤمن بمنهج ال سبحانه‪ ،‬فيجعل المعتدَي عليه هو الذي يُحسن‪.‬‬
‫وحين تريد أن تفسر حب ال سبحانه للمحسنين فلسفيّا أو منطقيا أو اقتصاديا‪ ،‬ستجد القضية‬
‫صحيحة‪ ،‬وال سبحانه وتعالى يقول‪:‬‬
‫صفَحُواْ َألَ تُحِبّونَ أَن َي ْغفِرَ اللّهُ َل ُكمْ }[النور‪.]22 :‬‬
‫{ وَلْ َي ْعفُواْ وَلْ َي ْ‬
‫فإن أساء أخوك إليك سيئة‪ ،‬فإما أن ترد بالمثل‪ ،‬أو تكظم الغيظ أو ترقى إلى العفو‪ ،‬وبذلك تكون‬
‫من المحسنين؛ لنك إذا كنت قد ارتكبت سيئة‪ ،‬وعلمت أن ال سبحانه وتعالى يغفرها لك‪ ،‬أل‬
‫تشعر بالسرور؟‬
‫إذن‪ :‬فما ُدمْت تريد أن يغفر ال تعالى لك السيئة عنده‪ ،‬فلماذا ل تعفو عن سيئة أخيك في حقك؟‬
‫وقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ َألَ ُتحِبّونَ أَن َي ْغفِرَ اللّهُ َلكُمْ }[النور‪.]22 :‬‬
‫وقد جاء الحق سبحانه هنا من ناحية النفس‪ ،‬فجعل عفو العبد عن سيئة العبد بحسنة‪ ،‬فلعفو العبد‬
‫ثمن عند ال تعالى؛ لن العبد سيأخذ مغفرة ال تعالى‪ ،‬وفوق ذلك فأنت تترك عقاب المسيء‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والنتقام منه لربك‪ ،‬وعند التسليم له راحة‪.‬‬
‫ولو اقتصصتَ أنت ممن أساء إليك‪ ،‬فقصاصك على قدر قوتك‪ ،‬أما إن تركته إلى قدرة ال تعالى‪،‬‬
‫فهذا أصعب وأشق؛ لنك تركته إلى قوة القوي‪.‬‬
‫وهكذا ينال العافي عن المسيء مرتبة راقية؛ لنه جعل ال ـ سبحانه وتعالى ـ في جانبه‪.‬‬
‫وهناك من يقول‪ :‬كيف يأمر الدين الناس بأن يحسنوا لمن أساء إليهم؟ ويعلل ذلك بأنه أمر ضد‬
‫النفس‪.‬‬
‫ونقول‪ :‬إن الحسان إلى المسيء هو مرحلة ارتقاء‪ ،‬وليست تكليفا أصيلً؛ لن الحق سبحانه قد‬
‫أباح أن نرد العدوان بمثله‪ ،‬ثم حثّ المؤمن على أن يكظم غيظه‪ ،‬أو يرتقي إلى العفو وأن يصل‬
‫إلى الحسان‪ ،‬وكل هذه ارتقاءات اليقين بال سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫وانظر إلى نفسك ـ ول المثل العلى ومنزّه سبحانه عن كل مَثلٍ ـ إنْ أردت أن تطبق المر‬
‫على ذاتك حين تجد ولدا من أولدك قد اعتدى على أخيه‪ ،‬فقلبك وعواطفك وتلطفاتك تكون مع‬
‫المعتدَى عليه‪.‬‬
‫ومن يقول‪ :‬كيف يكلّفني الشرع بأن أحسن إلى من أساء إليّ؟‬
‫نقول له‪ :‬تذكّرْ قول الحسن البصري رضي ال عنه‪ " :‬أفل أحْسِنُ لمن جعل ال في جانبي "‪.‬‬
‫ولو طبّق العالم هذه القاعدة بيقينٍ وإخلصٍ لصارت الحياة على الرض جنة معجّلة‪ ،‬التسامح‪،‬‬
‫قوامها القرب‪ ،‬ومنهجها الحب‪.‬‬
‫وهنا في الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق سبحانه وتعالى‪:‬‬
‫عمِلُواْ الصّاِلحَاتِ ُأوْلَـا ِئكَ َلهُمْ ّمغْفِ َر ٌة وَأَجْرٌ كَبِيرٌ { [هود‪.]11 :‬‬
‫ن صَبَرُواْ وَ َ‬
‫} ِإلّ الّذِي َ‬
‫وإن تسأل أحد‪ :‬ولماذا ينالون المغفرة؟‬
‫نقول‪ :‬لنهم صبروا وغفروا؛ لذلك يهديهم ال تعالى مغفرة من عنده‪ ،‬لنه صبر على الساءة‪،‬‬
‫وغفر لمن أساء‪ ،‬فل بد أن يُثيبه ال تعالى‪ ،‬ل بالمغفرة فقط‪ ،‬ولكن بالجر الكبير أيضا‪.‬‬
‫ك َوضَآئِقٌ ِب ِه صَدْ ُركَ {‬
‫ويقول سبحانه بعد ذلك‪ } :‬فََلعَّلكَ تَا ِركٌ َب ْعضَ مَا يُوحَىا إِلَ ْي َ‬

‫(‪)1471 /‬‬
‫ك َوضَائِقٌ بِ ِه صَدْ ُركَ أَنْ َيقُولُوا َلوْلَا أُنْ ِزلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ َأوْ جَاءَ َمعَهُ‬
‫فََلعَّلكَ تَا ِركٌ َب ْعضَ مَا يُوحَى إِلَ ْي َ‬
‫شيْءٍ َوكِيلٌ (‪)12‬‬
‫مََلكٌ إِ ّنمَا أَ ْنتَ نَذِي ٌر وَاللّهُ عَلَى ُكلّ َ‬

‫وهنا نجد الحق سبحانه يأتي بصيغة الستفهام في قوله تعالى‪:‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫{ فََلعَّلكَ تَا ِركٌ َب ْعضَ مَا يُوحَىا إِلَ ْيكَ } [هود‪.]12 :‬‬
‫وهو استفهام في معرض النهي‪.‬‬
‫ول المثل العلى ـ أنت قد تقول لبنك لتحثّه على الجتهاد‪ " :‬لعلّك سُررت من فشل فلن "‬
‫حوَى هذا الخطاب‪ ،‬استفهام في معرض النهي‪ ،‬وهو استفهام يحمل الرجاء‪.‬‬
‫وفَ ْ‬
‫وهنا تجد أن الراجي هو ربك ـ سبحانه وتعالى ـ الذي أرسلك بالدعوة‪.‬‬
‫ولذلك يأتي قول الحق سبحانه مُبيّنا‪ :‬ل يضيق صدرك يا رسول ال من هؤلء المتعنتين‪ ،‬الذين‬
‫يريدون أن يخرجوك عن مقامك الذي تلحّ دائما في التأكيد عليه‪ ،‬فأنت تؤكد لهم دائما أنك بشرٌ‪،‬‬
‫وكان المفروض فيهم أن تكون مطلوباتهم منك على مقدار ما أقررت على نفسك‪ ،‬فأنت لم َتقُلْ أبدا‬
‫عن نفسك إنك إله‪ ،‬ليطلبوا منك آيات تُخالف النواميس‪ ،‬بل أنت مُبلّغ عن ال تعالى‪.‬‬
‫حجّة عليهم‪ ،‬فلو ضاق‬
‫وإياك أن يضيق صدرك فل تُبلغهم شيئا مما أن ِزلَ إليك؛ لن البلغَ هو ال ُ‬
‫ت البلغ الموكّل إليك؛ لنهم كلما أبلغوا بآية كذّبوها‪ ،‬فاعلمْ أن ال سبحانه‬
‫صدرُك منهم‪ ،‬وانقص َ‬
‫وتعالى سوف يزيد عقابهم بقدر ما كذّبوا‪.‬‬
‫وكلمة " ضائق " اسم فاعل‪ ،‬ويعني أن الموصوف به لن يظل محتفظا بهذه الصفة لتكون لزمة‬
‫له‪ ،‬ولكنها تعبّر عن مرحلة من المراحل‪ ،‬مثلما نقول‪ " :‬فلن نَاجِر " أي‪ :‬أنه قادر على القيام‬
‫ل ـ ول يحترف هذا العمل‪.‬‬
‫بأعمال النجارة مرّة واحدة ـ أو قلي ً‬
‫وكذلك كلمة " ضائق " وهي تعبّر في مرحلة ل أكثر مِنْ فَرْط ما قابلوا الرسول صلى ال عليه‬
‫وسلم من إنكار‪ ،‬وما طالبوا به من أشياء تخرج عن نطاق إنسانيته‪ ،‬فقد طالبوا هنا أن ينزل عليه‬
‫كَنْزٌ‪.‬‬
‫وقد جاء الحق سبحانه بذكر مسألة الكنز؛ ليدلنا على مدى ما عندهم من قيم الحياة‪ ،‬فقيمة القيم‬
‫عندهم ترك ّزتْ في المال؛ ولذلك تمنّوا لو أن هذا القرآن قد نزل على واحد من الثرياء‪ ،‬مصداقا‬
‫لقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫عظِيمٍ }[الزخرف‪.]31 :‬‬
‫جلٍ مّنَ ا ْلقَرْيَتَيْنِ َ‬
‫{ َوقَالُواْ َل ْولَ نُ ّزلَ هَـاذَا ا ْلقُرْآنُ عَلَىا َر ُ‬
‫إذن‪ :‬فلم يكن اعتراضهم على القرآن‪ ،‬بل على مَنْ نزل عليه القرآن‪ .‬وفي الية الكريمة التي نحن‬
‫بصدد خواطرنا عنها‪ ،‬طلبوا أن ينزل إليه كَنْزٌ‪ ،‬وقد ظنوا أن الثراء سيلهيه هو ومَنْ معه عن‬
‫الدعوة إلى ال تعالى ونسوا أنهم قد عرضوا الثروة عليه من قبل‪.‬‬
‫وهكذا وضح لمن عرض عليه هذا المر أن مسألة الكنز ل تشغله صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫والكَنْزُ ـ لغويّا ـ هو الشيء المجتمع‪ ،‬فإن كانت الماشية ـ مثلً ـ مليئة باللحم يقال لها‪" :‬‬
‫ُمكْتَنِ َزةٌ لحما " ولكن كلمة " الكنز " أطلقت على الشيء الذي هو ثمن لي شيءٍ‪ ،‬وهو الذهب‪.‬‬
‫ولذلك قال الحق سبحانه‪:‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ب وَا ْل ِفضّةَ وَلَ يُن ِفقُو َنهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَ َبشّرْهُمْ ِب َعذَابٍ أَلِيمٍ }[التوبة‪.]34 :‬‬
‫{ وَالّذِينَ َيكْنِزُونَ الذّ َه َ‬
‫ونحن نعلم أن هناك فارقا بين الرزق المباشر والرزق غير المباشر‪ ،‬فالرزق الغير مباشر هو ما‬
‫تنتفع به‪ ،‬طعاما أو شرابا‪ ،‬وهناك شيء يأتي لك بالرزق الغير مباشر؛ لكنه ل يُغني عن الرزق‬
‫المباشر المستمر‪.‬‬
‫فلو أن إنسانا في صحراء ومعه قناطير مقنطرة من الذهب‪ ،‬ول يجد طعاما ول شربة ماء‪ ،‬ماذا‬
‫يفعل له الذهب " ولو عرض عليه إنسانٌ آخر رغيف خبز وشربة ماء مقابل كل ما يملك من‬
‫ذهب لوافق على الفور‪ .‬وهنا ل يكون التقييم أن قنطار الذهب مقابل الرغيف وشربة الماء‪ ،‬ولكن‬
‫قنطار الذهب هنا مقابل استمرار الحياة وضرورة الحاجة‪.‬‬
‫إذن‪ :‬معنى كلمة " كنز " هو نقد من الذهب والفضة مجتمعا‪ ،‬ويقال عنه بالعامية عندنا في مصر‪:‬‬
‫" نقود تحت البلطة " ‪ ،‬ولكن إذا أدّى صاحب هذا النقد حقّ ال تعالى فيما ادّخره‪ ،‬ل يُعتبر كَنْزا؛‬
‫لن الشرط في الكَنْزِ أن يكون مَخفيّا‪ ،‬والزكاة التي تُخرَج من المال المدّخر توضح للمجتمع أن‬
‫صاحب المال ل يُخفى ما عنده‪.‬‬
‫ولذلك ل يُسمّى الكَنْ ُز إلّ للشيء المجتمع وممنوع منه حق ال تعالى‪ ،‬فإنْ أدّى حقّ ال سبحانه فقد‬
‫رُف َعتْ عنه الكَنزية؛ لن الحق سبحانه وتعالى يقول‪:‬‬
‫ب وَا ْل ِفضّةَ وَلَ يُن ِفقُو َنهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَ َبشّرْهُمْ ِب َعذَابٍ أَلِيمٍ }[التوبة‪.]34 :‬‬
‫{ وَالّذِينَ َيكْنِزُونَ الذّ َه َ‬
‫ن يملك مالً ويؤدّي حقّ ال فيه‪ ،‬ل يُعتبر كَنْزا‪ ،‬وحين تُنقِص‬
‫ومن هذا القول الكريم نفهم أن مَ ْ‬
‫الزكا ُة المالَ في ظاهر المر‪ ،‬فهي تدفع النسان إلى أن ُيحْسِن استثمار هذا المال؛ حتى ل يفقده‬
‫على مدار أربعين عاما‪ ،‬بحكم أن زكاة المال هي اثنان ونصف في المائة؛ ولذلك يحاول صاحب‬
‫المال أن يُثمّره‪ ،‬وهو بذلك يُهيّىء فرصة لغير واجدٍ وقاد ٍر لن يعمل‪ ،‬وبذلك تقلّ البطالة‪.‬‬
‫وقد تكون أنت صاحب المال؛ لكنك ل تفهم أسرار التجارة والصناعة‪ ،‬فتشارك مَنْ يفهم في‬
‫التجارة أو الصناعة‪ ،‬وبذلك تفتح أبواب فرص عمل لمن ل عمل له وقادر على إدارة العمل‪.‬‬
‫هذه هي إرادة الحق سبحانه وتعالى في أن يجعل من تكامل المواهب نماءً وزيادة‪ ،‬تكامل مواهب‬
‫جهْد‪ ،‬وبين الوجد والجهد تنشأ الحركة‪ ،‬ويتفق صاحب المال مع‬
‫الوَجْد ـ النقود ـ ومواهب ال َ‬
‫صاحب الجهد على نسب الربح حسب العرض والطلب؛ لن كل تبادل إنما يخضع لهذا المر ـ‬
‫العرض والطلب ـ لن مثل هذا التعاون بين الواجد والقادر ينتج سلعة‪ ،‬والسلعة ل َهوًى لها‪،‬‬
‫ولكن من يملك السلعة ومن يشتري السلعة لهما هوى‪ ،‬فمالكُ السلعة يرغب في البيع بأعلى سعر‪،‬‬
‫ومن يرغب في شراء السلعة يريدها بأقل سعر‪ ،‬لكن السلعة نفسها ل هوى لها‪.‬‬
‫وما دام العرض والطلب هو الذي يتحكّم في السلع‪ ،‬فهذا توازن في ميزان القتصاد‪.‬‬
‫وعلى سبيل المثال‪ :‬إن عُرضت اللحوم بسعر مرتفع‪ ،‬فكبرياء الذات في النفس البشرية تدفع غير‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫القادر لن يقول‪ :‬إن تناول اللحم يرهقني صحيّا‪ .‬ويتجه إلى الطعمة الخرى التي يقدر على‬
‫ثمنها؛ لن السلعة هي التي تتحكم‪ ،‬أما إذا تدخل أحدٌ في تسعير السلع‪ ،‬بأن اكتنز المال‪ ،‬ولم‬
‫يخرجه للسوق لستثماره‪ ،‬حينئذ تختفي قدرة الحركة لصاحب المال‪ ،‬ول يجد صاحب الموهبة‬
‫ل لتقان صنعته‪.‬‬
‫مجا ً‬
‫وقول الحق سبحانه وتعالى في هذه الية‪:‬‬
‫} َل ْولَ أُن ِزلَ عَلَيْهِ كَنزٌ َأوْ جَآءَ َمعَهُ مََلكٌ { [هود‪.]12 :‬‬
‫فكلمة " لول " ـ كما نعلم ـ للتمني‪ ،‬وهم تمنوا الكنز أولً‪ ،‬ثم طلبوا مجيء مَلَك‪ ،‬وكيف ينزل‬
‫المَلَك؟ أينزل على خِلقته أم على خِلْقته بأن يتجسد على هيئة رجل؟‬
‫والحق سبحانه وتعالى يقول‪:‬‬
‫جعَلْنَاهُ رَجُلً }[النعام‪.]9 :‬‬
‫جعَلْنَاهُ مَلَكا لّ َ‬
‫{ وََلوْ َ‬
‫وإن نزل المَلَك على هيئة رجل فكيف يتعرّفون إلى أصله كمَلَك؟ وهذا غباء في الطلب‪.‬‬
‫وأيضا قال الحق سبحانه وتعالى‪:‬‬
‫{ َومَا مَنَعَ النّاسَ أَن ُي ْؤمِنُواْ ِإذْ جَآءَ ُهمُ ا ْلهُدَىا ِإلّ أَن قَالُواْ أَ َب َعثَ اللّهُ بَشَرا رّسُولً * قُل َلوْ كَانَ فِي‬
‫سمَآءِ مَلَكا رّسُولً }[السراء‪94 :‬ـ ‪.]95‬‬
‫طمَئِنّينَ لَنَزّلْنَا عَلَ ْيهِم مّنَ ال ّ‬
‫الَ ْرضِ مَل ِئكَةٌ َي ْمشُونَ ُم ْ‬
‫ولو أنزله الحق سبحانه مَلَكا فسوف يكون من نفس طبيعتهم البشرية‪ ،‬وسوف يلتقي بهم ويتكلم‬
‫معهم‪ ،‬ولن يستطيعوا تمييزه عن بقية الناس وسوف يُكذّبونه أيضا‪.‬‬
‫وهنا في الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق سبحانه رَدّا له عن هذا الطلب‪ } :‬إِ ّنمَآ‬
‫أَنتَ نَذِيرٌ { [هود‪.]12 :‬‬
‫وهذا الكلم موجّه من ال سبحانه للرسول صلى ال عليه وسلم ليُلقّنه الحجة التي يرد بها عليهم‪،‬‬
‫وقد قال لهم الرسول صلى ال عليه وسلم عن نفسه إنه نذير وبشير‪ ،‬وقد طلب غيركم اليات‪،‬‬
‫وحين جاءت اليات التي طلبوها لم يؤمنوا‪ ،‬بل ظلّوا على تكذيبهم؛ فنكّل الحق سبحانه بهم‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالعناد بالكفر ل ينقلب إلى إيمان بمجرد نزول اليات‪ ،‬والحق سبحانه هو القائل‪:‬‬
‫لوّلُونَ }[السراء‪.]59 :‬‬
‫سلَ بِاليَاتِ ِإلّ أَن كَ ّذبَ ِبهَا ا َ‬
‫{ َومَا مَ َنعَنَآ أَن نّرْ ِ‬
‫أي‪ :‬أن اليات التي طلبها الكافرون لم يأت بها ال سبحانه؛ لن الولين قد كذّبوا بها؛ ولذلك يبلغ‬
‫الحق سبحانه رسوله صلى ال عليه وسلم هنا بقوله‪:‬‬
‫} إِ ّنمَآ أَنتَ َنذِيرٌ { [هود‪.]12 :‬‬
‫وهو صلى ال عليه وسلم قد نزل عليه القرآن بالنذارة والبشارة‪.‬‬
‫ويُنهي الحق سبحانه وتعالى الية بقوله‪:‬‬
‫شيْ ٍء َوكِيلٌ { [هود‪.]12 :‬‬
‫} وَاللّهُ عَلَىا ُكلّ َ‬
‫وأنت حين توكّل إنسانا في البيع والشراء والهِبَة والنّقل‪ ،‬وله حرية التصرف في كل ما خصك‪،‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وترقب سلوكه وتصرّفه‪ ،‬فإنْ أعجبك ظللتَ على تمسكك بتوكيله عنك‪ ،‬وإن لم يعجبك تصرّفه‬
‫فأنت ُتلْغي الوكالة‪ ،‬هذا في المجال البشري‪ ،‬أما وكالة ال سبحانه وتعالى على الخَلْق فهي باقية‬
‫أبدا‪ ،‬وإن أبى الكافرون منهم‪.‬‬
‫سوَرٍ {‬
‫يقول الحق سبحانه بعد ذلك‪ } :‬أَمْ َيقُولُونَ افْتَرَاهُ ُقلْ فَأْتُواْ ِبعَشْرِ ُ‬

‫(‪)1472 /‬‬
‫طعْ ُتمْ مِنْ دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ‬
‫سوَرٍ مِثْلِهِ ُمفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَ َ‬
‫أَمْ َيقُولُونَ افْتَرَاهُ ُقلْ فَأْتُوا ِبعَشْرِ ُ‬
‫صَا ِدقِينَ (‪)13‬‬

‫وفي قول الحق سبحانه وتعالى هنا بيان لَِلوْنٍ آخر من مصادمة الكافرين لمنهج رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم واليمان به‪ ،‬فقالوا‪ :‬إن محمدا قد افترى القرآن‪.‬‬
‫والفتراء‪ :‬هو الكذب المتعمّد‪ ،‬ومعنى الكذب المتعمد أنه كلم يخالف واقعا في الكون‪.‬‬
‫فإذا كان الواقع َنفْيا وأنت قلت قضيةَ إثبات؛ تكون قد خالفت الواقع‪ ،‬كأن يُوجد في الكون شرّ ما‬
‫ثم تقول أنت‪ :‬ل يوجد شرّ في هذا المكان‪ ،‬وهكذا يكون الواقع إيجابا والكلم نفْيا‪.‬‬
‫ي وفي الكلم إيجابٌ‪ ،‬فهذا أيضا كذبٌ؛ لن الصدق هو أن تتوافق‬
‫وكذلك أن يكون في الواقع َنفْ ّ‬
‫القضية الكلمية مع الواقع الكوني‪ ،‬فإن اختلفتْ مع الواقع الكوني صار الكلم كاذبا‪.‬‬
‫والكذب نوعان‪ :‬نوع متعمد‪ ،‬ونوع غير متعمد‪ .‬والكذب خرق واقع واختلق غير موجود‪ .‬ويقال‬
‫خرقت الشيء أي‪ :‬أنك أتيت لواقع وبدّلت فيه‪.‬‬
‫والحق سبحانه وتعالى يقول‪:‬‬
‫ن وَبَنَاتٍ ِبغَيْرِ عِلْمٍ }[النعام‪.]100 :‬‬
‫{ وَخَ َرقُواْ َلهُ بَنِي َ‬
‫ويقول أيضا الحق سبحانه‪:‬‬
‫خُلقُونَ ِإفْكا }[العنكبوت‪.]17 :‬‬
‫{ وَتَ ْ‬
‫أي‪ :‬تأتون بشيء من عدم‪ ،‬وهو من عندكم فقط‪.‬‬
‫ويقول ال سبحانه تعالى‪:‬‬
‫{ وَإِنْ ُهمْ ِإلّ يَخْ ُرصُونَ }[النعام‪.]116 :‬‬
‫وحين اتهموا محمدا صلى ال عليه وسلم بهتانا بأنه افترى القرآن جاء الرد من القرآن الكريم‬
‫بمنتهى البساطة‪ ،‬فأنتم ـ معشر العرب ـ أهل فصاحة وبلغة‪ ،‬وقد جاء القرآن الكريم من جنس‬
‫ونوع نُبوغكم‪ ،‬وما دمتم قد قُلْتم‪ :‬إن محمدا قد افترى القرآن‪ ،‬وأن آيات القرآن ليست من عند ال‪،‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فلماذا ل تفترون مثله؟‬
‫وما دام الفتراء أمرا سهلً بالنسبة لكم‪ ،‬فلماذا ل تأتون بمثل القرآن ولو بعشْر سور منه؟ وأنتم قد‬
‫صغَره‪ ،‬ولم يكن له شعْر‪ ،‬ول نثر‪ ،‬ول خطابة‪ ،‬ول علقة له برياضاتكم‬
‫عِشْتم مع محمد منذ ِ‬
‫اللغوية‪ ،‬ولم يزاول الشعر أو الخطابة‪ ،‬ولم يشترك في أسواق البلغة والشعر التي كانت تُعقد في‬
‫الجاهلية مثل سوق عكاظ‪.‬‬
‫وإذا كان مَنْ ل رياضة له على الكلم ول على البلغة‪ ،‬قد جاء بهذا القرآن؛ فَلْيكُنْ لديكم ـ وأنتم‬
‫أهل قُدْرة ودُرْبة ورياضة على البلغة أن تأتوا ببعض من مثله‪ ،‬وإن كان قد افترى القرآن فلماذا‬
‫ل تفترون مثله؟‬
‫وأنتم تعرفون المعارضات التي تُقام في أسواق البلغة عندكم‪ ،‬حين يقول شاعر قصيدة‪ ،‬فيدخل‬
‫معه شاعر أخر في مباراة ليلقي قصيدة أفضل من قصيدة الشاعر الول‪ ،‬ثم تُعقد لجان تحكيم تُبَيّن‬
‫مظاهر الحُسْن ومظاهر السوء في أي قصيدة‪.‬‬
‫ولو كان محمدٌ صلى ال عليه وسلم قد افترى القرآن ـ كما تقولون ـ فأين أنتم؟ ألم تعرفوه منذ‬
‫طفولته؟ ولذلك يأمر الحق سبحانه رسول ال صلى ال عليه وسلم أن يقول‪:‬‬
‫عمُرا مّن قَبْلِهِ َأفَلَ َت ْعقِلُونَ }‬
‫{ قُل ّلوْ شَآءَ اللّهُ مَا تََلوْتُهُ عَلَ ْيكُ ْم َولَ أَدْرَا ُكمْ بِهِ َفقَدْ لَبِ ْثتُ فِيكُمْ ُ‬
‫[يونس‪.]16 :‬‬
‫ظ أو‬
‫فهَل أثرَ عن محمد صلى ال عليه وسلم أنه قال شعرا أو ألقى خطبة أو تَبارَى في عكا َ‬
‫المربد أو ذي المجاز أو ال َمجَنّة‪ ،‬وتلك هي أسواق البلغة ومهرجاناتها في تلك اليام؟‬
‫هو لم يذهب إلى تلك الماكن منافسا أو قائلً‪.‬‬
‫إذن‪ :‬أفليسَ الذين تنافسوا هناك أقدر منه على الفتراء؟ ألم يكن امرؤ القيس شاعرا فَحْلً؟ لقد‬
‫كان‪ ،‬وكان له نظير يعارضه‪.‬‬
‫شكُري‪ ،‬كما جاء في عصور تالية آخرون‬
‫حلّزة الي ْ‬
‫وكذلك كان عمرو بن كلثوم‪ ،‬والحارث بن ِ‬
‫مثل‪ :‬جرير والفرزدق‪.‬‬
‫ن يقولون الشعر ومَنْ يعارضونهم من أمثالهم من الشعراء‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فأنتم تعرفون مَ ْ‬
‫إذن‪ :‬فهاتوا مَنْ يفتري مثل سور القرآن‪ ،‬فإنْ لم تفتروا‪ ،‬فمعنى ذلك أن القرآن ليس افتراء‪.‬‬
‫ولذلك يقول الحق سبحانه هنا‪:‬‬
‫سوَرٍ مّثِْلهِ ُمفْتَرَيَاتٍ { [هود‪.]13 :‬‬
‫} َأمْ َيقُولُونَ افْتَرَاهُ ُقلْ فَأْتُواْ ِبعَشْرِ ُ‬
‫سوَر من مثل القرآن الكريم في البيان السر‬
‫فهل كانوا قادرين على قبول التحدي‪ ،‬بأنْ يأتُوا بعشر ُ‬
‫وقوة الفصاحة وأسرار المعاني؟‬
‫لقد تحدّاهم بأن يأتوا ـ أولً ـ بمثل القرآن‪ ،‬فلم يستطيعوا‪ ،‬ثم تحدّاهم بأن يأتوا بعشر سور‪ ،‬فلم‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يستطيعوا‪ ،‬وتحدّاهم بأن يأتوا بسورة‪ ،‬ثم تحدّى أن يأتوا ولو بحديث مثله‪ ،‬فلم يستطيعوا‪.‬‬
‫وهنا جاء الحق سبحانه بالمرحلة الثانية من التحدي‪ ،‬وهو أنْ يأتوا ِبعَشْر سُور‪ ،‬ولم يكتف الحق‬
‫جمَعا من البَُلغَاء‪ ،‬فقال سبحانه‪:‬‬
‫سبحانه بذلك‪ ،‬بل طالبهم أن يَدْعُوا مَ ْ‬
‫طعْ ُتمْ مّن دُونِ اللّهِ { [هود‪.]13 :‬‬
‫} وَادْعُواْ مَنِ اسْتَ َ‬
‫أي‪ :‬هاتوا كلّ شركائكم وكل البُلغاء‪ ،‬من دون ال تعالى‪.‬‬
‫الحق سبحانه وتعالى هنا يقطع عليهم فرصة الدّعاء عليه سبحانه حتى ل يقولوا‪ :‬سوف ندعو‬
‫طعْتُمْ مّن دُونِ اللّهِ إِن كُن ُت ْم صَا ِدقِينَ {‬
‫ال؛ ولذلك طالبهم الحق سبحانه أن يُجنّبوه } وَادْعُواْ مَنِ اسْ َت َ‬
‫[هود‪.]13 :‬‬
‫أي‪ :‬إن كنتم صادقين في أن محمدا صلى ال عليه وسلم قد افترى القرآن‪ ،‬وبما أنكم أهل ريادة‬
‫سوَرٍ من مثل القرآن‪ ،‬أنتم ومَنْ تستطيعون دعوتهم من الشركاء‪.‬‬
‫عشْر ُ‬
‫في الفصاحة فَلْتفتروا َ‬
‫لذلك كان الرد الحكيم من ال في قول الحق سبحانه بعد ذلك‪ } :‬فَإِلّمْ يَسْ َتجِيبُواْ َلكُمْ فَاعَْلمُواْ {‬

‫(‪)1473 /‬‬
‫فَإِنْ لَمْ َيسْتَجِيبُوا َل ُكمْ فَاعَْلمُوا أَ ّنمَا أُنْ ِزلَ ِبعِ ْلمِ اللّ ِه وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلّا ُهوَ َف َهلْ أَنْتُمْ مُسِْلمُونَ (‪)14‬‬

‫والخطاب هنا موجّه إلى الذين ادّعوا أنّ رسول ال صلى ال عليه وسلم قد افترى القرآن‪ ،‬أو أن‬
‫الخطاب مُوجّه لرسول ال صلى ال عليه وسلم؛ لن الحق سبحانه وتعالى قال في الية السابقة‪:‬‬
‫طعْتُمْ مّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُ ْم صَا ِدقِينَ * فَإِلّمْ‬
‫ت وَادْعُواْ مَنِ اسْ َت َ‬
‫سوَرٍ مّثِْلهِ ُمفْتَرَيَا ٍ‬
‫{ ُقلْ فَأْتُواْ ِبعَشْرِ ُ‬
‫يَسْ َتجِيبُواْ َلكُمْ }[هود‪13 :‬ـ ‪.]14‬‬
‫أي‪ :‬إن لم يردّوا على التحدي‪ ،‬فليعلموا وليتيقّنوا أن هذا القرآن هو من عند ال تعالى‪ ،‬بشهادة‬
‫الخصوم منهم‪.‬‬
‫ولماذا عدّل الحق سبحانه هنا الخطاب‪ ،‬وقال‪:‬‬
‫{ فَإِلّمْ يَسْ َتجِيبُواْ َلكُمْ } [هود‪.]14 :‬‬
‫أي‪ :‬من تدعونهم‪ ،‬ثم قال سبحانه‪:‬‬
‫{ فَاعَْلمُواْ أَ ّنمَآ أُن ِزلَ ِبعِلْمِ اللّهِ } [هود‪.]14 :‬‬
‫وقد قال الحق سبحانه ذلك؛ لن الرسول صلى ال عليه وسلم مُطاَلبٌ بالبلغ وما بلغه الرسول‬
‫صلى ال عليه وسلم للمؤمنين مطلوب منه أن يُبلغوه‪ ،‬وإنْ لم يستجيبوا للرسول صلى ال عليه‬
‫وسلم أو للمؤمنين‪ ،‬ولم يأتِ أحد مع مَنْ يتهم القرآن بأنه مُفترًى مِن محمدٍ‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وقد يكون هؤلء الموهوبون خائفين من التحدي؛ لنهم عرفوا أن القرآن حق‪ ،‬وإن جاءوا ليفتروا‬
‫ن ل تؤمنون بالقرآن ـ أن القرآن‪ { :‬أَ ّنمَآ أُن ِزلَ ِبعِ ْلمِ‬
‫مثله فلن يستطيعوا‪ ،‬ولذلك فاعلموا ـ يا مَ ْ‬
‫اللّهِ } [هود‪.]14 :‬‬
‫إذن‪ :‬فالخطاب يكون مرّة ـ موجّها للنبي صلى ال عليه وسلم ولمته‪.‬‬
‫ولذلك عَ َدلَ الحق سبحانه عن ضمير الفراد إلى ضمير الجمع في قوله تعالى‪:‬‬
‫{ فَإِلّمْ يَسْ َتجِيبُواْ َلكُمْ فَاعَْلمُواْ أَ ّنمَآ أُن ِزلَ ِبعِلْمِ اللّهِ } [هود‪.]14 :‬‬
‫أي‪ :‬ازدادوا علما أيها المؤمنون بأن القرآن إنما نزل من عند ال‪.‬‬
‫والعِلْم ـ كما نعلم ـ مراحل ثلث‪ :‬علم يقين‪ ،‬وعين يقين‪ ،‬وحق يقين‪.‬‬
‫أو أن الخطاب مُوجّه للكافرين الذين طلب القرآن منهم أن َيدْعُوا من يستطيعون دعاءه ليعاونهم‬
‫في معارضة القرآن‪ { :‬فَاعَْلمُواْ أَ ّنمَآ أُن ِزلَ ِبعِلْمِ اللّهِ } [هود‪.]14 :‬‬
‫وأعلى مراتب العِلْم عند الحق سبحانه الذي يعلم كل العلم أزلً‪ ،‬وهو غير علمنا نحن‪ ،‬الذَي يتغير‬
‫حسب ما يتيح لنا ال سبحانه أن نعلم‪ ،‬فأنت قد تكون عالما بشيءٍ وتجهل أشياء‪ ،‬أوعلمتَ شيئا‬
‫وغابتْ عنك أشياء‪.‬‬
‫ولذلك تجد الطباء‪ ،‬وأصحاب الصناعات الدقيقة وغيرهم من الباحثين والعلماء يستدرك بعضهم‬
‫ل ويصف له دواءً ل يستجيب له‪ ،‬فيذهب المريض إلى‬
‫البعض‪ ،‬فحين يذهب مريض لطبيب مث ً‬
‫طبيب آخر‪ ،‬فيستدرك على الطبيب الول‪ ،‬فيصف دواء‪ ،‬وقد ل يستجيب له المريض مرة ثانية‪،‬‬
‫وهنا يجتمع الطباء على هيئة " مجمع طبي " يُقرّر ما يصلح أو ل يصلح للمريض‪.‬‬
‫ويستدرك كلّ منهم على الخر إلى أن يصلوا إلى قرار‪ ،‬والذي يستدرك هو العلم؛ لن الطبيب‬
‫الول كتب الدواء الذي أرهق المريض أو لم يَستجبْ له‪ ،‬وهو قد حكم بما عنده من عِلْم‪ ،‬كذلك‬
‫بقية الباحثين والعلماء‪.‬‬
‫وما دام فوق كل ذي علمٍ عليمٌ؛ فالطبيب الثاني يستدرك على الطبيب الول‪ ..‬وهكذا‪.‬‬
‫ولكن أيوجد أحدٌ يستدرك على ال سبحانه وتعالى؟ ل يوجد‪.‬‬
‫وما دام القرآن الكريم قد جاء بعلم ال تعالى‪ ،‬فل علم لبشر يمكن أن يأتي بمثل هذا القرآن‪.‬‬
‫} فَاعَْلمُواْ أَ ّنمَآ أُن ِزلَ ِبعِلْمِ اللّ ِه وَأَن لّ إِلَـاهَ ِإلّ ُهوَ { [هود‪.]14 :‬‬
‫وجاء الحق سبحانه هنا بأنه ل إله إل هو؛ حتى ل يدّعي أحدٌ أن هناك إلها آخر غير ال‪.‬‬
‫وذكر ال سبحانه هنا أن هذا القرآن قد نزل في دائرة‪:‬‬
‫} لّ إِلَـاهَ ِإلّ ُهوَ { [هود‪.]14 :‬‬
‫وما دام الحق سبحانه قد حكم بذلك فلنثق بهذا الحكم‪.‬‬
‫مثال ذلك‪ :‬هو حكم الحق سبحانه على أبي لهب وعلى امرأته بأنهما سيدخلن النار فهل كان من‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الممكن أن يعلن أبو لهب إسلمه‪ ،‬ولو نفاقا؟ طبعا ل؛ لن الذي خلقَه علم كيف يتصرف أبو لهب‪.‬‬
‫لذلك نجد بعد سورة المسد التي قررت دخول أبي لهب النار‪ ،‬قول الحق سبحانه‪:‬‬
‫حدٌ }[الخلص‪.]1 :‬‬
‫{ ُقلْ ُهوَ اللّهُ أَ َ‬
‫أي‪ :‬أن الحق سبحانه ما دام قد أصدر حكمه بأن أبا لهب سيدخل وزوجه النار‪ ،‬فلن يقدر أحد‬
‫على أن يُغيّر من حكمه سبحانه‪ ،‬فل إله إل هو‪.‬‬
‫ويُنهي الحق سبحانه الية الكريمة بقوله تعالى‪:‬‬
‫} َف َهلْ أَنتُمْ مّسِْلمُونَ { [هود‪.]14 :‬‬
‫وهذا استفهام‪ ،‬أي‪ :‬طلب للفهم‪ ،‬ولكن ليس كل استفهام طلبا للفهم‪ ،‬فهذا الستفهام هنا صادر عن‬
‫إرادة حقيقية قادرة على فرض السلم على من يستفهم منهم‪.‬‬
‫ولكنه سبحانه شاء أن يأتي هذا الستفهام على لسان رسوله ليقابله جواب‪ ،‬ولو لم يكن السائل واثقا‬
‫أنه ل يوجد إل السلم لما قالها‪ ،‬ولو لم يكن السائل واثقا أنه ل جواب إل أن يُسْلِم السامع‪ ،‬ما‬
‫جعل جواب السامع حجة على السامع‪.‬‬
‫وقائل هذا الكلم هو الخالق سبحانه‪ ،‬ول المثل العلى‪ ،‬وهو سبحانه مُنزّه عن كل مثل‪ ،‬تجد‬
‫إنسانا يحكي لك أمرا بتفاصيله‪ ،‬ثم يسألك‪ :‬هل أنا صادق فيما قلت لك؟‪ ..‬وهو يأتي بهذا‬
‫الستفهام؛ لنه واثق من أنك ستقول له‪ :‬نعم‪ ،‬أنت صادق‪.‬‬
‫وإذا نظرنا في آية تحريم الخمر والميسر ـ على سبيل المثال ـ نجد الحق سبحانه وتعالى يقول‪:‬‬
‫خمْ ِر وَا ْلمَيْسِ ِر وَ َيصُ ّد ُكمْ عَن ِذكْرِ اللّهِ‬
‫{ إِ ّنمَا يُرِيدُ الشّ ْيطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْ َن ُكمُ ا ْلعَدَا َو َة وَالْ َب ْغضَآءَ فِي الْ َ‬
‫لةِ َف َهلْ أَنْ ُتمْ مّن َتهُونَ }[المائدة‪.]91 :‬‬
‫وَعَنِ الصّ َ‬
‫وكأن هذا الستفهام يحمل صيغة المر بأن‪ :‬انتهوا من الخمر والميسر‪ ،‬واخجلوا مما تفعلون‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فقول الحق سبحانه في آخر الية الكريمة‪:‬‬
‫} َف َهلْ أَنتُمْ مّسِْلمُونَ { [هود‪ ]14 :‬يعني‪ :‬أسلموا‪ ،‬واتركوا اللجاجة بأن القرآن قد جاء من عند‬
‫محمد‪ ،‬أو أنه افتراه‪ ،‬بل هو من عند ال سبحانه الذي ل إله إل هو‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه بعد ذلك‪ } :‬مَن كَانَ يُرِيدُ ا ْلحَيَاةَ الدّنْيَا {‬

‫(‪)1474 /‬‬
‫عمَاَلهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُ ْبخَسُونَ (‪)15‬‬
‫مَنْ كَانَ يُرِيدُ ا ْلحَيَاةَ الدّنْيَا وَزِينَ َتهَا ُن َوفّ إِلَ ْيهِمْ أَ ْ‬

‫وكان الكافرون قد تكلموا بما أورده الحق سبحانه على ألسنتهم وقالوا‪:‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫{ َل ْولَ أُن ِزلَ عَلَيْهِ كَنزٌ }[هود‪.]12 :‬‬
‫فهم ـ إذن ـ مشغولون بنعيم الدنيا وزينتها‪.‬‬
‫والحياة تتطلب المقومات الطبيعية للوجود‪ ،‬من ستر عورة‪ ،‬وأكل لقمة وبيت يقي النسان ويؤويه‪.‬‬
‫أما الزينة فأمرها مختلف‪ ،‬فبدلً من أن يرتدي النسان ما يستر العورة‪ ،‬يطلب لنفسه الصوف‬
‫الناعم شتاء‪ ،‬والحرير الملس صيفا‪ ،‬وبدلً من أن يطلب حجرة متواضعة تقيه من البرد أو الحر‪،‬‬
‫يطلب لنفسه قصرا‪.‬‬
‫وفي ذلك يقول الحق سبحانه وتعالى‪:‬‬
‫ب وَا ْل ِفضّةِ وَالْخَ ْيلِ‬
‫ن وَا ْلقَنَاطِيرِ ا ْل ُمقَنْطَ َرةِ مِنَ الذّ َه ِ‬
‫ش َهوَاتِ مِنَ النّسَا ِء وَالْبَنِي َ‬
‫حبّ ال ّ‬
‫{ زُيّنَ لِلنّاسِ ُ‬
‫س ّومَ ِة وَالَ ْنعَا ِم وَالْحَ ْرثِ }[آل عمران‪.]14 :‬‬
‫ا ْلمُ َ‬
‫وكل هذه أشياء تدخل في متاع الحياة الدنيا‪ ،‬ويقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫حسْنُ ا ْلمَآبِ }[آل عمران‪.]14 :‬‬
‫{ ذاِلكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَاللّهُ عِ ْن َدهُ ُ‬
‫إذن‪ :‬ما معنى كلمة " زينة "؟‬
‫حسْنٌ أو تحسين طارىء على الذات‪ ،‬وهناك فرق بين الحسن الذاتي‬
‫معنى كلمة " زينة " أنها ُ‬
‫والحسن الطارىء من الغير‪.‬‬
‫والمرأة ـ على سبيل المثال ـ حين تتزين فهي تلبس الثياب الجميلة الملفتة‪ ،‬وتتحلّى بالذهب‬
‫البرّاق‪ ،‬فهو المعدن الذي يأخذ نفاسته من كثرة تللئه الذي يخطف البصار‪ ،‬ول تفعل ذلك‬
‫بمغالة إل التي تشك في جمالها‪.‬‬
‫أما المرأة الجميلة بطبيعتها‪ ،‬فهي ترفض أن تتزين؛ ولذلك يسمونها في اللغة‪ " :‬الغانية " ‪ ،‬أي‪:‬‬
‫التي استغنت بجمالها الطبيعي عن الزينة‪ ،‬ول تحتاج إلى مداراة كِبرَ أذنيها بقُرْط ضخم‪ ،‬ول‬
‫تحتاج إلى مداراة رقبتها بعقد ضخم‪ ،‬ول تحاول أن تداري معصمها الريان بسوار‪ ،‬وترفض أن‬
‫تُخفِي جمال أصابعها بالخواتم‪.‬‬
‫وحين تُبالغ المرأة في ذلك التزيّن فهي تعطي النطباع المقابل‪.‬‬
‫وقد يكون المثل الذي أضربه الن بعيدا عن هذا المجال‪ ،‬لكنه يوضح كيف يعطي الشيء المبالَغ‬
‫فيه المقابل له‪.‬‬
‫وفي ذلك يقول المتنبي‪:‬الطّيبُ أنت إذَا أصَابكَ طِيبهُ والماءُ أنتَ إذا اغتسلتَ الغاسلُوهو هنا يقول‪:‬‬
‫إن الطيب إذا ما أصاب ذلك النسان الموصوف‪ ،‬فالطيب هو الذي يتطيّب‪ ،‬كما أن الماء هو الذي‬
‫ُيغْسَل إذا ما لمس هذا النسان‪ ،‬وكذلك تأبى المرأة الجميلة أن تُزيّن َنحْرَها بقلدة؛ لن نحرها‬
‫بدون قلدة يكون أكثر جمالً‪.‬‬
‫ويقال عن مثل هذه المرأة " غانية "؛ لنها استغنتْ بجمالها‪.‬‬
‫ويقال عن جمال نساء الحضر‪ :‬إنه جمال مصنوع بمساحيق‪ ،‬وكأن تلك المساحيق مثبتة على‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الوجه بمعجون كمعجون دهانات الحوائط‪ ،‬وكأن كل واحدة تفعل ذلك قد جاءت بسكين من‬
‫سكاكين المعجون لتمل الشقوق المجعدة في وجهها‪.‬‬
‫ولحظة أن يسيح هذا المعجون ترتبك‪ ،‬ويختل مشهد وجهها بخليط اللوان؛ ولذلك يقال‪:‬حُسْنُ‬
‫حسْنٌ غيرُ مَجْلوبِ‬
‫الحضَارةِ ُمجْلُوبٌ بِ َتطْري ٍة وفي البدَاوةِ ُ‬
‫إذن‪ :‬فالزينة هي تحسين الشيء بغيره‪ ،‬والشيء الحسن يستعني عن الزينة‪.‬‬
‫وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى‪:‬‬
‫عمَاَلهُمْ فِيهَا وَ ُهمْ فِيهَا لَ يُبْخَسُونَ { [هود‪.]15 :‬‬
‫} مَن كَانَ يُرِيدُ ا ْلحَيَاةَ الدّنْيَا وَزِينَ َتهَا ُن َوفّ إِلَ ْيهِمْ أَ ْ‬
‫أي‪ :‬إن كفرتم بال فهو سبحانه ل يضن عليكم في أن يعطيكم مقومات الحياة وزينتها؛ لنه رب‪،‬‬
‫وهو الذي خلقكم واستدعاكم إلى الوجود‪ ،‬وقد ألزم الحق سبحانه نفسه أن يعطيكم ما تريدون من‬
‫مقومات الحياة وزينتها؛ لنه سبحانه هو القادر على أن يوفّي بما وعد‪.‬‬
‫وهو سبحانه يقول هنا‪:‬‬
‫عمَاَل ُهمْ { [هود‪.]15 :‬‬
‫} ُن َوفّ إِلَ ْيهِمْ أَ ْ‬
‫أي‪ :‬أنهم إن أخذوا بالسباب فالحق سبحانه يُلزم نفسه بإعطاء الشيء كاملً غير منقوص‪.‬‬
‫وهم في هذه الدار الدنيا ل يُبْخَسون في حقوقهم‪ ،‬فمن يتقن عمله يأخذ ثمرة عمله‪.‬‬
‫ن يقول‪ :‬إن هؤلء المسلمين الذين‬
‫حلّ لنا إشكالً كبيرا نعاني منه‪ ،‬فهناك مَ ْ‬
‫وهذا القول الكريم ي ُ‬
‫يقولون‪ :‬ل إله إل ال‪ ،‬محمد رسول ال‪ ،‬ويقيمون الصلة‪ ،‬ويبنون المساجد‪ ،‬بينما ُهمْ قومٌ‬
‫حضَارة‪.‬‬
‫متخلّفون ومتأخّرون عن َركْب الحضارة‪ ،‬بينما نجد الكافرين وهم يَ ْرفُلُون في نعيم ال َ‬
‫ونقول‪ :‬إن ل تعالى عطاءَ ربوبية للسباب‪ ،‬فمن أحسنَ السباب حتى لو كان كافرا‪ ،‬فالسباب‬
‫تعطيه‪ ،‬ولكن ليس له في الخرة من نصيب؛ لن الحق سبحانه يقول‪:‬‬
‫جعَلْنَاهُ هَبَآءً مّنثُورا }[الفرقان‪.]23 :‬‬
‫ع َملٍ فَ َ‬
‫عمِلُواْ مِنْ َ‬
‫{ َوقَ ِدمْنَآ إِلَىا مَا َ‬
‫والحق سبحانه يجزي الكافر الذي يعطي خيرا للناس بخيرٍ في الدنيا‪ ،‬ويجزي الصادق الذي ل‬
‫يكذب من الكفار بصدق الخرين معه في الدنيا‪ ،‬ويجزي من يمدّ يده بالمساعدة من الكفار‬
‫بمساعدة له في الدنيا‪.‬‬
‫وكلها أعمال مطلوبة في الدّين‪ ،‬ولكنّ الكافر قد يفعلها‪ ،‬فيردّ ال سبحانه وتعالى له ما فعل في‬
‫شهْما في كذا‪ ،‬فيُقال له‪" :‬‬
‫ع ِملَ كذا‪ ،‬أو فلنا كان َ‬
‫الدنيا‪ ،‬وإنْ كان قد فعل ذلك ل ُيقَال‪ :‬إن فلنا َ‬
‫علْمتَ لِيُقال وقد قِيل "‪.‬‬
‫وإذا كان الكافرون يأخذون بالسباب؛ فالحق سبحانه يعطيهم ثمرة ما أخذوا من السباب‪.‬‬
‫ويجب أن نقول لمن يتهم المسلمين بالتخلّف‪:‬‬
‫لقد كان المسلمون في أوائل عهدهم متقدمين‪ ،‬وكانوا سادة حين طبّقوا دينهم‪ ،‬ظاهرا وباطنا‪ ،‬شكلً‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ومضمونا‪.‬‬
‫وعلى ذلك فالتخلّف ليس لزما ول ملزما للسلم‪ ،‬وإنما جاء التخلّف لننا تركنا روح السلم‬
‫وتطبيقه‪.‬‬
‫وإنْ عقدنا مقارنة بين حال أوربا حينما كانت الكنيسة هي المسيطرة‪ ،‬كنا نجد طل صاحب نشاط‬
‫عقلي مُبْ ِدعٍ ينال القتل عقوبة على البداع‪ ،‬وكانت تسمى تلك اليام في أوربا " العصور المظلمة‬
‫"‪.‬‬
‫وحينما جاءت الحروب الصليبية وعرفت أوربا قوة السلم والمسلمين‪ ،‬ودحرهم المسلمون‪ ،‬بدأوا‬
‫في محاولة الخروج على سلطان البابا والكنيسة‪ ،‬وعندما فعلوا ذلك َتقَدّموا‪.‬‬
‫هم ـ إذن ـ عندما تركوا سلطان البابا تقدموا‪ ،‬ونحن حين تركنا العمل بتعاليم السلم تخلّفنا‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فأيّ الجَرْعَتيْن خير؟‬
‫إن واقع الحياة قد أثبت تقدّم المسلمين حين أخذوا بتعاليم السلم‪ ،‬وتخلفوا حين تركوها‪.‬‬
‫حسْن خير الدنيا‬
‫وهكذا‪ ..‬فمعيار التقدّم هو الخذْ بالسباب‪ ،‬فمن أخذ بالسباب وهو مؤمن نال ُ‬
‫وحُسْن ثواب الخرة‪ ،‬ومَنْ لم يؤمن وأخذ بالسباب نال خير الدنيا ولم يَ َنلْ ثواب الخرة‪.‬‬
‫والحق سبحانه وتعالى هو القائل‪:‬‬
‫ظمْآنُ مَآءً حَتّىا ِإذَا جَآ َءهُ لَمْ َيجِ ْدهُ شَيْئا َووَجَدَ اللّهَ‬
‫عمَاُلهُمْ َكسَرَابٍ ِبقِيعَةٍ َيحْسَبُهُ ال ّ‬
‫{ وَالّذِينَ َكفَرُواْ أَ ْ‬
‫عِن َدهُ }[النور‪.]39 :‬‬
‫وهكذا يُفاجأ بالله الذي كذّب به‪.‬‬
‫والحق سبحانه يقول‪:‬‬
‫ف لّ َيقْدِرُونَ ِممّا كَسَبُواْ‬
‫ص ٍ‬
‫عمَاُل ُهمْ كَ َرمَادٍ اشْ َت ّدتْ بِهِ الرّيحُ فِي َيوْمٍ عَا ِ‬
‫{ مّ َثلُ الّذِينَ َكفَرُواْ بِرَ ّبهِمْ أَ ْ‬
‫شيْءٍ }[إبراهيم‪.]18 :‬‬
‫عَلَىا َ‬
‫إذنْ‪ :‬فمن أراد الدنيا وزينتها‪ ،‬فالحق العلى سبحانه يوفّيه حسابه ول يبخسه من حقه شيئا‪ ،‬فحاتم‬
‫الطائي ـ على سبيل المثال ـ أخذ صفة الكرم‪ ،‬وعنترة أخذ صفة الشجاعة‪،‬ـ وكل إنسان أحسن‬
‫عملً أخذ أجره‪ ،‬ولكن عطاء الخرة هو لمن عمل عمله لوجه ال تعالى‪ ،‬وآمن به‪.‬‬
‫وحتى الذين دخلوا السلم نفاقا وحاربوا مع المسلمين‪ ،‬أخذوا نصيبهم من الغنائم‪ ،‬ولكن ليس لهم‬
‫في الخرة من نصيب‪.‬‬
‫عقْد‪ ،‬وما دام هناك عقد بين العامل والعمل‪ ،‬وأتقن العاملُ العملَ فل بد‬
‫إذن‪ :‬فالوفاء يعني وجود َ‬
‫أن يأخذ أجره دون بَخْس؛ لن البَخْسَ هو إنقاص الحق‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك‪ُ } :‬أوْلَـائِكَ الّذِينَ لَيْسَ َل ُهمْ فِي الخِ َرةِ {‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫(‪)1475 /‬‬
‫طلٌ مَا كَانُوا َي ْعمَلُونَ (‪)16‬‬
‫أُولَ ِئكَ الّذِينَ لَ ْيسَ َلهُمْ فِي الَْآخِ َرةِ إِلّا النّا ُر وَحَ ِبطَ مَا صَ َنعُوا فِيهَا وَبَا ِ‬

‫إذن‪ :‬فالنار مثوى هؤلء الذين عملوا من أجل الدنيا دون إيمان بال‪ ،‬فقد أخذوا حسابهم في الدنيا‪،‬‬
‫أما عملهم فقد حبط في الخرة‪ ،‬والحَبَط هو انتفاخ الماشية حين تأكل شيئا أخضر لم ينضح بعد‪،‬‬
‫ويقال في الريف عن ذلك‪ " :‬انتفخت البهيمة " أي‪ :‬أن هناك غازات في بطنها‪ ،‬وقد يظنها الجاهل‬
‫سمْنةً‪ ،‬لكن هذا النتفاخ يزول بزوال سببه‪.‬‬
‫ِ‬
‫وعمل الكافرين إنما يحبط في الخرة؛ لنه باطل‪.‬‬
‫علَىا بَيّنَةٍ مّن رّبّهِ وَيَتْلُوهُ }‬
‫ويقول الحق سبحانه بعد ذلك‪َ { :‬أ َفمَن كَانَ َ‬

‫(‪)1476 /‬‬
‫حمَةً أُولَ ِئكَ ُي ْؤمِنُونَ‬
‫َأ َفمَنْ كَانَ عَلَى بَيّنَةٍ مِنْ رَبّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ َومِنْ قَبِْلهِ كِتَابُ مُوسَى ِإمَامًا وَرَ ْ‬
‫ك وََلكِنّ َأكْثَرَ‬
‫حقّ مِنْ رَ ّب َ‬
‫بِ ِه َومَنْ َي ْكفُرْ ِبهِ مِنَ الَْأحْزَابِ فَالنّارُ َموْعِ ُدهُ فَلَا َتكُ فِي مِرْ َيةٍ مِنْهُ إِنّهُ الْ َ‬
‫النّاسِ لَا ُي ْؤمِنُونَ (‪)17‬‬

‫والبيّنة هي بصيرة الفطرة السليمة التي تُ ْلفِت النسان إلى وجود وجب الوجود‪ ،‬وتوضّح للنسان‬
‫أن هذا الكون الجميل البديع ل بُدّ له من واجد‪.‬‬
‫وهكذا تكون الهداية بالبصيرة والفطرة‪.‬‬
‫والعربي القديم حين سار في الصحراء ووجود َبعْرا مُ ْلقَى في الصحراء‪ ،‬ورأى أثر قدم‪ ،‬فقال‪" :‬‬
‫ال َبعْرة تدل على البعير‪ ،‬والثر يدل على المسير‪ ،‬وسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج وبحار‬
‫ذات امواج‪ ،‬أفل يدل ُكلّ ذلك على اللطيف الخبير؟ "‪.‬‬
‫وهكذا اهتدى الرجل بالفطرة‪ ،‬وهي بيّنة من ال‪.‬‬
‫وقد أودع ال سبحانه في كل إنسان فطرة‪ ،‬وبهذه الفطرة شهدنا في عالم الذّرّ‪.‬‬
‫وفي ذلك يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫ستُ بِرَ ّبكُمْ قَالُواْ بَلَىا‬
‫سهِمْ أََل ْ‬
‫شهَدَ ُهمْ عَلَىا أَنفُ ِ‬
‫ظهُورِ ِهمْ ذُرّيّ َتهُمْ وَأَ ْ‬
‫خذَ رَ ّبكَ مِن بَنِي ءَا َدمَ مِن ُ‬
‫{ وَإِذْ أَ َ‬
‫شهِدْنَآ }[العراف‪.]172 :‬‬
‫َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إذن‪ :‬فالبيّنة هي‪:‬إيمان الفطرة المركوز في ذرات الشياء‪.‬‬
‫وقد تُضبّب الشهوات هذا اليمان‪ ،‬فل يحمل نفسه على المنهج فيرسل الحق سبحانه رحمة منه‬
‫رسلً تذكّرنا بالبينات الولى‪ ،‬وتدلنا على العلل والحكام حتى تنضمّ البينة من الرسل على البينة‬
‫من الفطرية في الكائن‪.‬‬
‫وهكذا يبيّن الحق سبحانه وتعالى مناط القتناع بدين ال‪ ،‬فقد يكون هذا المر مجهولً للخلق‪،‬‬
‫فيريد سبحانه أن يبيّن لنا أن هذا الجهل هو جهل غير طبيعي؛ لن الفطرة السليمة تهتدي قبل أن‬
‫يجيء رسولٌ يُ ْلفِتنا إلى القوة العليا التي تدبّر حركة هذا الكون‪.‬‬
‫وقد ضربت من قبل مثلً لذلك بمن سقطتْ به طائرة في الصحراء‪ ،‬ل ماء فيها ول طعام ول‬
‫أنيس ول مأوى‪ ،‬ثم غلبه النوم فنام‪ ،‬وحين استيقظ وجد مائدة منصوبة عليها أطايب الطعام‬
‫وأطيب الشراب‪ ،‬ووجد صوانا منصوبا ليأوي إليه؛ فل بد لهذا النسان أن يدور بفكره سؤالٌ‪ :‬من‬
‫صنع هذا؟‬
‫وهو سيسأل نفسه هذا السؤال قبل أن يستمتع بشيء من هذا‪ ،‬خصوصا وأنه لم يجد أحدا يقول له‪:‬‬
‫أنت في ضيافتي‪.‬‬
‫إذنْ‪ :‬فل بد أن يفكر بعقله‪.‬‬
‫وكذلك النسان الذي طرأ على الوجود‪ ،‬وما ادّعى واحدٌ من خَلْق ال تعالى أنه خلق هذا الوجود‪،‬‬
‫ل ما في الكون لخدمة‬
‫وما ادّعى أحدٌ أنه خلق السموات والرض‪ ،‬وما ادّعى أحدٌ أنه سخّر ك ّ‬
‫النسان‪.‬‬
‫وكان من الواجب على النسان قبل أن ينعم بهذا‪ ،‬أن يفكر‪ :‬من الذي صنع له كل ذلك؟ فإذا جاء‬
‫رسول من جنس النسان ليقول له‪ :‬أنا جئت لحل لك اللغز المطلوب لك‪.‬‬
‫هنا كان على النسان أن يرهف سمعه لذلك الرسول؛ لنه قد جاء ليحلّ للنسان أمرا يشغل باله‪.‬‬
‫ومن لطف ال سبحانه بنا أنه يطلب منا مقدّما أن نفكر في ذلك‪ ،‬بل تركنا فترة طويلة بل تكليف‬
‫في هذه الدنيا‪ ،‬لينعم النسان بخير ربه‪ ،‬وبعد ذلك إذا ما جاء اكتمال الرشد ونضج‪ ،‬ولم يكن‬
‫مكرها؛ فالحق سبحانه وتعالى يكلفه بتكاليف اليمان‪.‬‬
‫ول بد للنسان أن يتساءل‪ :‬فكل شيء ـ مهما كان تافها ـ ل بد له من صانع‪ ،‬والمصباح الذي‬
‫يضيء دائرة قطرها ‪ 20‬مترا‪ ،‬عرفنا صانعه‪ ،‬ودرسنا المعامل التي أنجزته‪ ،‬والمكانات التي تم‬
‫استخدامها‪ ،‬والمواد التي صنع منها‪ ،‬أفل نعرف تاريخ هذه الشمس‪ ،‬ومن جعلها ل تحتاج إلى‬
‫صيانة ول إلى وقود ول إلى قطع غيار‪ ،‬وتنير نصف الكرة الرضية؟‬
‫هذه مسألة كان يجب أن نبحثها؛ لنرى آفاق تلك البينة‪ ،‬بينة نور وقوة وفطرة‪ ،‬يهبها ال للنسان‬
‫المفكر؛ ليهتدي إلى أن وراء هذه الكون خالقا مدبرا‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فإذا ما جاء إنسان مثله ليقول له‪ :‬إن خالق الدنيا هو ال تعالى‪ ،‬وهو سبحانه يطلب منك كذا وكذا‪،‬‬
‫كان أمرا منطقيا وطبيعيا أن نسمع لهذا النسان ونطابق ما يقول على إحساس الفطرة ورؤية‬
‫البينات‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فنحن نصل إلى المجهول أولً بالفطرة‪ ،‬وقد نصل بالبديهة التي ل تشوبها أدنى شبهة‪ ،‬فأنت‬
‫حين ترى دخانا تعتقد بالبديهة أن هناك نارا‪ ،‬وحين تسير في الصحراء وترى خضرة؛ أل تعتقد‬
‫أن هناك مياها ترويها؟‬
‫هذه ـ إذن ـ أمور تعرفها بالبديهة‪ ،‬ول تحتاج إلى بحث أو جهد‪.‬‬
‫وهناك أمور قد تتطلب منك جهدا عقليا تبحث به عما بعد المقدمات‪ ،‬مثل الجهد العقلي الذي‬
‫استدل به العربي على أن هناك إلها خالقا يُدير هذا الكون‪ ،‬فاستدل من البعرة على وجود البعير‪،‬‬
‫وأن أثر القدم يدل على المسير‪ ،‬واستنتج من ذلك أن الكواكب ذات البراج‪ ،‬والرض ذات‬
‫الفجاج‪ ،‬والبحار ذات المواج‪ ،‬كلها أمور تدل على وجود اللطيف الخبير‪.‬‬
‫كل هذه المور لم يقدر العقل إل على الحكم عليها جملة‪ ،‬وإن لم يعرف التفصيل‪.‬‬
‫لقد عرف العقل أن وراء هذا الكون خالقا‪ ،‬صانعا‪ ،‬حكيما‪ ،‬لكنه لم يعرف اسما له‪ ،‬وهذا أمر ل‬
‫يعرفه النسان بالعقل‪ ،‬ول يعرف أيضا ما هو المنهج المطلوب لهذا الخالق‪ ،‬وبماذا يجزي المطيع‬
‫له‪ ،‬ول بماذا يعاقب العاصي له‪.‬‬
‫إذن‪ :‬ل بد من بلغ عن ال تعالى يدل على القوة التي اقتنعت بها جملة‪.‬‬
‫والمفكرون بالعقل في الكون يعلمون أن وراء هذا الكون خالقا‪ ،‬لكن ل يعرفون اسمه‪ ،‬ول‬
‫مطلوبه‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فأنت ل تعرف اسم ال إل منه‪ ،‬عن طريق الوحي إلى رسوله‪ ،‬ول تعرف مطلوب ال إل‬
‫من الرسول الذي أنزل عليه البلغ‪.‬‬
‫ومن رحمة ال بالنسان أنه سبحانه قد أرسل رسولً‪ ،‬ومع هذا الرسول معجزة هي القرآن؛ لن‬
‫العقل حتى حين يهتدي إلى قوة القادر العلى سبحانه‪ ،‬فإنها ستظل بالنسبة له مبهمة‪ ،‬وحين أنزل‬
‫الحق سبحانه القرآن الكريم فقد أنزله رحمة بعباده وبينة لهم‪.‬‬
‫} َأ َفمَن كَانَ عَلَىا بَيّ َنةٍ مّن رّبّ ِه وَيَتْلُوهُ شَا ِهدٌ مّنْهُ { [هود‪.]17 :‬‬
‫فالقرآن حجة ونور‪ ،‬وهو يهدي البصيرة الفطرية والموجودة في النسان } وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مّ ْنهُ‬
‫{ [هود‪ ]17 :‬هو من أنزل عليه الوحي‪ ،‬ويخبرنا عن الحق سبحانه وتعالى ما يوضح لنا أن‬
‫الخالق العلى والقوة المطلقة هو ال سبحانه ويوضح لنا الشاهد مطلوب ال تعالى‪.‬‬
‫ونحن هنا أمام ثلثة شهود‪:‬‬
‫الشاهد الول‪ :‬هو الحجة والبينة‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والشاهد الثاني‪ :‬هو البرهان والبصيرة التي يهتدي إليها العقل‪ ،‬والرسول هو من يبين لنا المنهج‬
‫بعد الجمال‪.‬‬
‫وهذا الرسول جاء من قبله كتاب موسى‪:‬‬
‫حمَةً { [هود‪.]17 :‬‬
‫} َومِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىا ِإمَاما وَرَ ْ‬
‫وهذا هو الشاهد الثالث‪.‬‬
‫ومن ل يلتفت إلى المدلول بالدلة الثلثة مقصّر؛ فمن عنده تلك البينة‪ ،‬ومن سمع الشاهد من‬
‫الرسول‪ ،‬والشاهد الذي قبله‪ ،‬وهو كتاب موسى عليه السلم وشاهد بعده إلى نفس قوم موسى ل بد‬
‫أن يقوده ذلك إلى اليمان‪.‬‬
‫وقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫} ُأوْلَـا ِئكَ ُي ْؤمِنُونَ ِبهِ { [هود‪.]17 :‬‬
‫إشارة إلى من التفتوا إلى الدلة‪ :‬بينة‪ ،‬وشاهدا‪ ،‬وشاهدا من قبله‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫ن الَحْزَابِ فَالنّارُ َموْعِ ُدهُ { [هود‪.]17 :‬‬
‫} َومَن َي ْكفُرْ ِبهِ مِ َ‬
‫والكفر ـ كما علمنا ـ هو الستر‪ ،‬والكفر في ذاته دليل على اليمان‪ ،‬فل يفكر أحد بغير موجود‪.‬‬
‫فوجود المكفور به سابق على الكفر‪ ،‬والكفر طارىء عليه‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالكفر طارىء على اليمان؛ لن اليمان هو أصل الفطرة‪.‬‬
‫ن الَحْزَابِ فَالنّارُ َموْعِ ُدهُ { [هود‪.]17 :‬‬
‫} َومَن َي ْكفُرْ ِبهِ مِ َ‬
‫وكلمة " أحزاب " جمع حزب‪ .‬والحزب هو الجماعة الملتقية على مبدأ تتحمس لتنفيذه‪ ،‬مثل‬
‫الحزاب التي نراها في الحياة السياسية‪ ،‬وهي أحزاب بشرية تتصارع في المناهج والغايات‪ ،‬وهم‬
‫أحرار في ذلك؛ لنهم يتصارعون بفكر البشر‪.‬‬
‫أما في العقيدة الولى‪ ،‬فَمنَ المُخطّط العلى‪ ،‬وهو الحق سبحانه وتعالى‪ ،‬فالمنهج يأتي منه؛ لن‬
‫هذا المنهج يوصل إليه؛ لذلك قال ال سبحانه عمّن يتبعون منهجه‪:‬‬
‫{ ُأوْلَـا ِئكَ حِ ْزبُ اللّهِ }[المجادلة‪.]22 :‬‬
‫أي‪ :‬أنهم يدخلون في حزب يختلف عن أحزاب البشر التي تختلف أو تتفق في فكر البشر‪.‬‬
‫وهنا يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫ن الَحْزَابِ فَالنّارُ َموْعِ ُدهُ { [هود‪.]17 :‬‬
‫} َومَن َي ْكفُرْ ِبهِ مِ َ‬
‫والمقصود بهم كفار قريش عبدة الوثان‪ ،‬والصابئة واليهود والنصارى الذين لم يؤمنوا برسالة‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وكل منهم جماعة تمثل حزبا‪ ،‬ويقول عنهم الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ ُكلّ حِ ْزبٍ ِبمَا َلدَ ْيهِمْ فَ ِرحُونَ }[المؤمنون‪.]53 :‬‬
‫ومن يكفر من هؤلء برسالة رسول ال وبرسول ال فالجزاء هو النار‪ ،‬وبذلك بيّن لنا الحق‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫سبحانه أن هنالك حزبين‪ :‬حزب ال‪ ،‬والحزاب الخرى‪ ،‬وهما فريقان كلّ منهما مواجه للخر‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه لرسوله‪ ،‬والمراد أيضا أمة محمد صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫} فَلَ َتكُ فِي مِرْيَةٍ مّنْهُ { [هود‪.]17 :‬‬
‫أي‪ :‬ل تكن يا رسول ال في شك من ذلك؛ لن رسالتك وبعثتك تقوم على أدلة البينة والفطرة‬
‫والهدى والنور المطلوب من ال تعالى‪ ،‬والشاهد معك‪ ،‬كما شهد لك من جاء من قبلك أنك جئت‬
‫بالمنهج الحق‪:‬‬
‫} إِنّهُ ا ْلحَقّ مِن رّ ّبكَ { [هود‪.]17 :‬‬
‫والحق ـ كما علمنا من قبل ـ هو الشيء الثابت الذي ل يعتريه تغيير‪ ،‬وهذا الحق ل يمكن أن‬
‫يأتي إل من إله ل تتغير أفعاله‪.‬‬
‫ويُنهي الحق سبحانه الية بقوله‪:‬‬
‫س لَ ُي ْؤمِنُونَ { [هود‪.]17 :‬‬
‫} وَلَـاكِنّ َأكْثَرَ النّا ِ‬
‫وهؤلء ل يؤمنون عنادا؛ لن الدلة منصوبة بأقوى الحجج‪ ،‬ومَنْ يمتنع عليها هو مجرد معاند‪.‬‬
‫والحق سبحانه يقول في مثل هؤلء المعاندين‪:‬‬
‫سهُمْ ظُلْما وَعُُلوّا }[النمل‪.]14 :‬‬
‫جحَدُواْ ِبهَا وَاسْتَ ْيقَنَ ْتهَآ أَنفُ ُ‬
‫{ وَ َ‬
‫أي‪ :‬أنهم مع كفرهم يعلمون صدق الدلة على رسالة رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وعلى‬
‫صدق بعثته‪ ،‬فيكون كفرهم حنيئذ كفر عناد؛ لن الدلة منصوبة بأقوى الحجج‪ ،‬فيكون من يمتنع‬
‫على اليمان بهذه الدلة إنسانا معاندا‪.‬‬
‫ظلَمُ ِممّنِ افْتَرَىا عَلَى اللّهِ كَذِبا {‬
‫يقول الحق سبحانه وتعالى‪َ } :‬ومَنْ أَ ْ‬

‫(‪)1477 /‬‬
‫شهَادُ َهؤُلَاءِ الّذِينَ كَذَبُوا‬
‫علَى اللّهِ كَذِبًا أُولَ ِئكَ ُيعْ َرضُونَ عَلَى رَ ّبهِ ْم وَ َيقُولُ الْأَ ْ‬
‫َومَنْ َأظْلَمُ ِممّنِ افْتَرَى َ‬
‫علَى الظّاِلمِينَ (‪)18‬‬
‫عَلَى رَ ّبهِمْ أَلَا َلعْ َنةُ اللّهِ َ‬

‫هذه الية تبدأ بخبر مؤكد في صيغة استفهام‪ ،‬حتى يأتي القرار من هؤلء الذين افتروا على ال‬
‫كذبا‪ ،‬والقرار سيد الدلة‪.‬‬
‫الواحد من هؤلء المفترين إذا سمع السؤال وأدار ذهنه في الظالمين‪ ،‬فلن يجد ظلما أفدح ول أسوأ‬
‫من الذي يفتري على ال كذبا‪ ،‬ويقر بذلك‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وهكذا شاء الحق سبحانه أن يأتي هذا الخبر في صيغة استفهام‪ ،‬ليأتي القرار اعترافا بهذا الظلم‬
‫الفظيع‪.‬‬
‫وهؤلء المكذبون يُعرَضون على ال مصداقا لقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ ُأوْلَـا ِئكَ ُيعْ َرضُونَ عَلَىا رَ ّب ِهمْ } [هود‪.]18 :‬‬
‫والعرض إظهار الشيء الخفي لنقف على حاله‪.‬‬
‫ومثال ذلك في حياتنا‪ :‬هو الستعراض العسكري حتى يبيّن الجيش قوته أمام الخصوم‪ ،‬وحتى تُبلغ‬
‫الدولة غيرها من الدول بحجم قوتها‪.‬‬
‫وكذلك نجد الضابط يستعرض فرقته ليقف على حال أفرادها‪ ،‬ويقيس درجة انضباط كل فرد فيها‬
‫وحسن هندامه‪ ،‬وقدرة الجنود على طاعة الوامر‪.‬‬
‫ومثال آخر من حياتنا‪ :‬فنحن نجد مدير المدرسة يستعرض تلميذها لحظة إعلن نتائج المتحان‪،‬‬
‫ويرى المدير والتلميذ خزي المقصر منهم أو الذي لم يؤد واجبه بالتمام‪.‬‬
‫فما بالنا بالعرض على ال تعالى‪ ،‬حين يرى المكذبون حالهم من الخزي؟‬
‫ذلك أنهم سيفاجأون بوجود ال الذي أنكروه افتراءً؛ لن الحق سبحانه يقول‪:‬‬
‫ظمْآنُ مَآءً حَتّىا ِإذَا جَآ َءهُ لَمْ َيجِ ْدهُ شَيْئا َووَجَدَ اللّهَ‬
‫عمَاُلهُمْ َكسَرَابٍ ِبقِيعَةٍ َيحْسَبُهُ ال ّ‬
‫{ وَالّذِينَ َكفَرُواْ أَ ْ‬
‫عِن َدهُ }[النور‪.]39 :‬‬
‫فأيّ خزي ـ إذن ـ سيشعرون به؟!‬
‫ويُظهر الحق سبحانه وتعالى ما كان مخفيّا منهم حين يعرض الكل على ال تعالى مصداقا لقوله‬
‫سبحانه‪:‬‬
‫ك صَفّا }[الكهف‪.]48 :‬‬
‫{ وَعُ ِرضُواْ عَلَىا رَ ّب َ‬
‫وكذلك يُعرضون على النار؛ لن الحق سبحانه هو القائل‪:‬‬
‫غ ُدوّا وَعَشِيّا }[غافر‪.]46 :‬‬
‫{ النّارُ ُيعْ َرضُونَ عَلَ ْيهَا ُ‬
‫وهكذا يظهر الخزي والخجل والمهانة على هؤلء الذين افتروا على ال تعالى‪.‬‬
‫وهو سبحانه يعلم كل شيء أزلً‪ ،‬ولكنه سبحانه شاء بذلك أن يكشف الناس أمام بعضهم البعض‪،‬‬
‫وأمام أنفسهم‪ ،‬حتى إذا ما رأى إنسان في الجنة إنسانا في النار‪ ،‬فل يستثير هذا المشهد شفقة‬
‫المؤمن؛ لنه يعلم أن جزاء المفتري هو النار‪.‬‬
‫ويا ليت المر يقتصر على هذا الخزي‪ ،‬بل هناك شهادة الشهاد؛ لن الحق سبحانه وتعالى يقول‬
‫في نفس الية‪:‬‬
‫شهَادُ هَـاؤُلءِ الّذِينَ كَذَبُواْ عَلَىا رَ ّبهِمْ } [هود‪.]18 :‬‬
‫ل الَ ْ‬
‫{ وَ َيقُو ُ‬
‫والشهاد جمع له مفرد‪ ،‬هو مرة " شاهد " ‪ ،‬مثل " صاحب " و " أصحاب " ‪ ،‬ومرة يكون المفرد "‬
‫شهيد " مثل " شريف " و " أشراف "‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والشهاد منهم الملئكة؛ لن الحق سبحانه يقول‪:‬‬
‫{ مّا يَ ْلفِظُ مِن َقوْلٍ ِإلّ لَدَ ْيهِ َرقِيبٌ عَتِيدٌ }[ق‪.]18 :‬‬
‫وكذلك الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ وَإِنّ عَلَ ْي ُكمْ لَحَا ِفظِينَ * كِرَاما كَاتِبِينَ * َيعَْلمُونَ مَا َت ْفعَلُونَ }‬
‫[النفطار‪10 :‬ـ ‪.]12‬‬
‫أو شهود من النبياء الذين بلغوهم منهج ال؛ لن الحق سبحانه يقول‪:‬‬
‫شهِيدا }[النساء‪.]41 :‬‬
‫شهِي ٍد وَجِئْنَا ِبكَ عَلَىا هَـاؤُلءِ َ‬
‫{ َفكَ ْيفَ إِذَا جِئْنَا مِن ُكلّ ُأمّةٍ ِب َ‬
‫وأيضا الشهيد على هؤلء هو المؤمن من أمة محمد عليه الصلة والسلم‪ ،‬فيبلّغها إلى غيره‪،‬‬
‫مصداقا لقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫شهَدَآءَ عَلَى النّاسِ }[البقرة‪.]143 :‬‬
‫جعَلْنَاكُمْ ُأمّةً وَسَطا لّ َتكُونُواْ ُ‬
‫{ َوكَذَِلكَ َ‬
‫وكلمة " الشهادة " تعني‪ :‬تسجيل ما فعلوا‪ ،‬وتسجل أيضا أنهم بُلّغوا المنهج وعاندوه وخرجوا عليه‪،‬‬
‫فارتكبوا الجريمة التي تقتضي العقاب‪ ،‬لن العقوبة ل تكون إل بجريمة‪ ،‬ول تجريم إل بنص‪ ،‬ول‬
‫نص إل بإعلم‪.‬‬
‫ولذلك نجد القوانين التي تصدر من الدولة تحمل دائما عبارة " يُعمل بالقانون من تاريخ نشره في‬
‫الجريدة الرسمية "‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فعمل الشهاد أن يعلنوا أن الذين أنكروا الرسالة والرسول قد بُلّغوا المنهج‪ ،‬وبُلّغوا أن إنكار‬
‫هذا المنهج وإنكار هذا الرسول هو الجريمة الكبرى‪ ،‬وأن عقوبة هذا النكار هي الخلود في النار‪.‬‬
‫ولن الحق سبحانه وتعالى هو العدل نفسه؛ لذلك فل عقاب إل بالتأكيد من وقوع الجريمة‪ ،‬لذلك ل‬
‫بد من شهادات متعددة‪ ،‬ولذلك يأتي الشاهد من الملئكة‪ ،‬وهو من جنس غير جنس المعروضين‪،‬‬
‫ويأتي الشاهد من النبياء وهو من جنس البشر إل أنه معصوم‪.‬‬
‫وكذلك يأتي الشاهد من الخوة المؤمنين الذين يشهدون أنهم قد بُلّغوا منهج اليمان‪ ،‬ثم تأتي شهادة‬
‫هي سيدة الشهادات كلها‪ ،‬وهي شهادة البعاض على الكل‪.‬‬
‫يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫س ْم ُعهُمْ‬
‫شهِدَ عَلَ ْيهِمْ َ‬
‫عدَآءُ اللّهِ ِإلَى النّارِ َفهُمْ يُوزَعُونَ * حَتّىا ِإذَا مَا جَآءُوهَا َ‬
‫{ وَ َيوْمَ ُيحْشَرُ أَ ْ‬
‫طقَنَا اللّهُ الّذِي‬
‫شهِدتّمْ عَلَيْنَا قَالُواْ أَن َ‬
‫وَأَ ْبصَارُهُ ْم وَجُلُو ُدهُم ِبمَا كَانُواْ َي ْعمَلُونَ * َوقَالُواْ ِلجُلُودِ ِهمْ لِمَ َ‬
‫جعُونَ }[فصلت‪19 :‬ـ ‪.ٍ]21‬‬
‫شيْ ٍء وَ ُهوَ خََل َقكُمْ َأ ّولَ مَ ّر ٍة وَإِلَيْهِ تُ ْر َ‬
‫طقَ ُكلّ َ‬
‫أَن َ‬
‫فالجوارح تنطق لتقيم الحجة على أولئك المذنبين‪.‬‬
‫وسؤال المذنبين عن كيفية وقوع النطق ل لزوم له؛ لذلك نجد السؤال هنا " لمَ "؛ لن الجوارح‬
‫كانت هي أدوات المذنبين في ارتكاب الجرائم؛ لن اليد هي التي امتدت لتسرق‪ ،‬واللسان هو الذي‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫نطق قول الزور‪ ،‬والقلب هو الذي حقد‪ ،‬والساق هي التي مشت إلى المعصية‪.‬‬
‫والنسان ـ كما نعلم ـ مركّب من جوارح‪ ،‬وهذه الجوارح لها أجهزة تكوّن الكل النساني‪،‬‬
‫ومدير كل الجسم هو العقل‪ ،‬فهو الذي يأمر اليد لتمتد وتسرق‪ ،‬أو تمتد لتربت على اليتيم؛ والعين‬
‫تأخذ أوامرها من العقل‪ ،‬فإما أن يأمرها بأن تنظر إلى جمال الكون‪ ،‬وتعتبر بما تراه من أحداث‪،‬‬
‫أو يأمرها بأن تنظر إلى الحرام‪.‬‬
‫إذن‪ :‬الجوارح خادمة مطيعة مُسخّرة لذلك النسان وإرادته‪ ،‬لكن المر يختلف في الخرة‪ ،‬حيث‬
‫ل أمر لحد إل ال‪.‬‬
‫والحق سبحانه القائل‪:‬‬
‫{ ّلمَنِ ا ْلمُ ْلكُ الْ َيوْمَ لِلّهِ ا ْلوَاحِدِ ا ْل َقهّارِ }[غافر‪.]16 :‬‬
‫فالجوارح تقول يوم القيامة لصحابها‪ :‬كنا نفعل ما تأمروننا به من المعاصي رغما عنا؛ لننا كنا‬
‫مُسخّرين لكم في الدنيا‪ ،‬والن انحّلتْ إرادتكم عنا فقلنا ما أجبرتمونا على فعله‪.‬‬
‫وهكذا تعترف الشهاد‪ ،‬مصداقا لقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫شهَادُ هَـاؤُلءِ الّذِينَ كَذَبُواْ عَلَىا رَ ّبهِمْ َألَ َلعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظّاِلمِينَ { [هود‪.]18 :‬‬
‫ل الَ ْ‬
‫} وَ َيقُو ُ‬
‫وما داموا قد كذبوا على ربهم‪ ،‬فالمكذوب عليه هو ال‪ ،‬ول بد أن يطردهم من الرحمة‪ ،‬وهم قد‬
‫ارتكبوا قمة الظلم وهو الشرك به واللحاد وإنكار الرسول صلى ال عليه وسلم والرسالة‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه بعد ذلك‪ } :‬الّذِينَ َيصُدّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ {‬

‫(‪)1478 /‬‬
‫عوَجًا وَهُمْ بِالْآَخِ َرةِ ُهمْ كَافِرُونَ (‪)19‬‬
‫صدّونَ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ وَيَ ْبغُو َنهَا ِ‬
‫الّذِينَ َي ُ‬

‫وهنا يحدثنا القرآن عن هؤلء الذين كفروا بال وآياته ورسوله صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ولم يكتفوا‬
‫بكفرهم‪ ،‬بل تمادوا وأرادوا أن يصدوا غيرهم عن اليمان‪.‬‬
‫وبذلك تعدّوا في الجريمة‪ ،‬فبعد أن أجرموا في ذواتهم؛ أرادوا لغيرهم أن يُجرم‪.‬‬
‫وسبق أن أنزل الحق سبحانه خطابا خاصّا بأهل الكتاب‪ ،‬الذين سبق لهم اليمان برسول سابق‬
‫على رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ولكن أعماهم الطمع في السلطة الزمنية فطمسوا اليات‬
‫المبشرة برسول ال في كتبهم‪ ،‬وهم بذلك إنما صدّوا عن سبيل ال‪ ،‬وأرادوا أن تسير الحياة‬
‫معوجّة‪.‬‬
‫يقول الحق سبحانه‪:‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫شهَدَآ ُء َومَا اللّهُ ِبغَا ِفلٍ‬
‫عوَجا وَأَنْتُمْ ُ‬
‫{ ُقلْ ياأَ ْهلَ ا ْلكِتَابِ ِلمَ َتصُدّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ مَنْ آمَنَ تَ ْبغُو َنهَا ِ‬
‫عمّا َت ْعمَلُونَ }[آل عمران‪.]99 :‬‬
‫َ‬
‫ج من أمور المنهج‪ .‬والعوج هو‬
‫وقد أرسل الحق سبحانه رسوله صلى ال عليه وسلم ليعدل المُعو ّ‬
‫عدم الستقامة والسوائية‪ ،‬وقد يكون في القيم‪ ،‬وهي ما قد خفي من المعنويات‪ ،‬فتقول‪ :‬أخلق فلن‬
‫فيها عوج‪ ،‬وأمانة فلن فيها عوج‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫عوَجَا }[الكهف‪.]1 :‬‬
‫جعَل لّهُ ِ‬
‫ب وَلَمْ َي ْ‬
‫حمْدُ ِللّهِ الّذِي أَنْ َزلَ عَلَىا عَبْ ِدهِ ا ْلكِتَا َ‬
‫{ ا ْل َ‬
‫وهنا في الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول ال سبحانه‪:‬‬
‫عوَجا } [هود‪.]19 :‬‬
‫{ وَيَ ْبغُو َنهَا ِ‬
‫عوَج‪ ،‬فأنت إذا رأيت شيئا معوجا في‬
‫عوَج " ‪ ،‬بل يقال‪َ " :‬‬
‫أما في المور المحسة فل يقال‪ِ " :‬‬
‫عوَج‪.‬‬
‫المور المحسة تقَول‪َ :‬‬
‫لكننا نقرأ في القرآن قول الحق سبحانه‪:‬‬
‫عوَجا وَل‬
‫س ُفهَا رَبّي نَسْفا * فَيَذَرُهَا قَاعا صَ ْفصَفا * لّ تَرَىا فِيهَا ِ‬
‫{ وَيَسْأَلُو َنكَ عَنِ ا ْلجِبَالِ َفقُلْ يَن ِ‬
‫َأمْتا }[طه‪105 :‬ـ ‪.]107‬‬
‫وقد أوردها الحق سبحانه هنا بهذا الشكل لدقة الداء القرآني؛ لن هناك عوجا حسيا يحسه‬
‫النسان‪ ،‬مثلما يسير النسان في الصحراء؛ فيجد الطريق منبسطا ثم يرتفع إلى ربوة ثم ينبسط‬
‫مرة أخرى‪ ،‬ثم يقف في الطريق جبل‪ ،‬ثم ينزل إلى وادٍ‪ ،‬وأي إنسان يرى مثل هذا الطريق يجد‬
‫فيه عوجا‪.‬‬
‫أما إذا كنت ترى الرض مبسوطة مسطوحة كالرض الزراعية‪ ،‬فقد تظن أنها أرض مستوية‪،‬‬
‫ولكنها ليست كذلك؛ بدليل أن الفلح حين يغمر الرض بالمياه‪ ،‬يجد بقعة من الرض قد غرقت‬
‫بالماء‪ ،‬وقطعة أخرى من نفس الرض لهم تمسها المياه‪ ،‬وبذلك نعرف أن الرض فيها عوج‬
‫لحظة أن جاء الماء‪ ،‬والماء ـ كما نعلم ـ هو ميزان كل الشياء المسطوحة‪.‬‬
‫ولذلك حين نريد أن نحكم استواء جدار أو أرض‪ ،‬فنحن نأتي بميزان الماء؛ لنه يمنع حدوث أي‬
‫عوج مهما بلغ هذا العوج من اللطف والدقة التي قد ل تراها العين المجردة‪.‬‬
‫وفي يوم القيامة يأتي أصحاب العوج في العقيدة‪ ،‬ويصورهم الحق سبحانه في قوله‪:‬‬
‫سمَعُ ِإلّ َهمْسا }[طه‪:‬‬
‫حمَـانِ فَلَ َت ْ‬
‫لصْوَاتُ لِلرّ ْ‬
‫تاَ‬
‫ش َع ِ‬
‫عوَجَ لَهُ وَخَ َ‬
‫عيَ لَ ِ‬
‫{ َي ْومَئِذٍ يَتّ ِبعُونَ الدّا ِ‬
‫‪.]108‬‬
‫هم ـ إذن ـ يصطفّون بل اعوجاج‪ ،‬كما يصطف المجرمون تبعا لوامر من يقودهم إلى السجن‪،‬‬
‫صغَار ول ينطقون إل همسا‪.‬‬
‫في ذلة و َ‬
‫وهنا يقول الحق سبحانه‪:‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫عوَجا وَهُمْ بِالخِ َرةِ هُمْ كَافِرُونَ } [هود‪.]19 :‬‬
‫{ الّذِينَ َيصُدّونَ عَن سَبِيلِ اللّ ِه وَيَ ْبغُو َنهَا ِ‬
‫صدّهم عن سبيل ال أنهم يريدون الحال ُمعْوجا ومائلً‪ ،‬وأن يُنفّروا الناس من اليمان‬
‫والسبب في َ‬
‫ليضمنوا لنفسهم السلطة الزمنية ويفسدون في الرض؛ لن مجيء الصلح باليمان أمر‬
‫يزعجهم تماما‪ ،‬ويسلب منهم ما ينتفعون به بالفساد‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه بعد ذلك‪ { :‬أُولَـائِكَ َلمْ َيكُونُواْ ُمعْجِزِينَ فِي الَ ْرضِ }‬

‫(‪)1479 /‬‬
‫عفُ َلهُمُ ا ْل َعذَابُ مَا‬
‫ض َومَا كَانَ َل ُهمْ مِنْ دُونِ اللّهِ مِنْ َأوْلِيَاءَ ُيضَا َ‬
‫أُولَ ِئكَ لَمْ َيكُونُوا ُمعْجِزِينَ فِي الْأَ ْر ِ‬
‫س ْم َع َومَا كَانُوا يُ ْبصِرُونَ (‪)20‬‬
‫كَانُوا َيسْتَطِيعُونَ ال ّ‬

‫والعجاز هو المتناع‪ ،‬وأعجزت فلنا‪ ،‬أي‪ :‬برهنت على أنه ممتنع عن المر وغير قادر عليه‪.‬‬
‫وقد تجلّى العجاز ـ على سبيل المثال ـ في عجز هؤلء الذين أنكروا أن القرآن معجزة أن‬
‫يأتي بآية من مثله‪.‬‬
‫والمعجز في الرض هو من ل تقدر عليه‪.‬‬
‫ويبيّن لنا الحق سبحانه في هذه الية أن هؤلء الكافرين ل يُعجزون ال في الرض‪ ،‬بدليل أن‬
‫هناك نماذج من أمم قد سبقت وكفرت‪ ،‬فمنهم من أخذته الريح‪ ،‬ومنهم من خسف ال بهم الرض‪،‬‬
‫ومنهم من غرق‪ ،‬وإذا انتقلوا إلى الخرة فليس لهم ولي أو نصير من دون ال؛ لن الولي هو‬
‫القريب منك‪ ،‬ول يقرب منك إل من تحبه‪ ،‬ومن ترجو خيره‪.‬‬
‫فإذا قَرُب منك إنسان له مواهب فوق مواهبك‪ ،‬نضح عليك من مواهبه‪ ،‬وإذا كان من يقرب منك‬
‫قويا وأنت ضعيف‪ ،‬ففي قوته سياج لك‪ ،‬وإن كان غنيا‪ ،‬فغناه ينضح عليك‪ ،‬وإن كان عالما أفادك‬
‫بعلمه‪ ،‬إن كان حليما أفادك بحلمه لحظة غضبك‪ ،‬وكل صاحب موهبة تعلو موهبتك وأنت قريب‬
‫منه‪ ،‬فسوف يفيدك من موهبته‪.‬‬
‫والولي هو النصير أيضا؛ لنك أول ما تستصرخ سيأتي لك القريب منك‪.‬‬
‫وهؤلء الذين يصدّون عن سبيل ال لن يجدوا وليّا ول نصيرا في الخرة ـ وإن وجدوه في الدنيا‬
‫ـ لن كل إنسان في الخرة سيكون مشغولً بنفسه‪:‬‬
‫سكَارَىا‬
‫حمَْلهَا وَتَرَى النّاسَ ُ‬
‫ح ْملٍ َ‬
‫ت وَ َتضَعُ ُكلّ ذَاتِ َ‬
‫ض َع ْ‬
‫عمّآ أَ ْر َ‬
‫ضعَةٍ َ‬
‫{ َيوْمَ تَ َروْ َنهَا َتذْ َهلُ ُكلّ مُ ْر ِ‬
‫شدِيدٌ }[الحج‪.]2 :‬‬
‫سكَارَىا وَلَـاكِنّ عَذَابَ اللّهِ َ‬
‫َومَا هُم ِب ُ‬
‫ويقول الحق سبحانه‪:‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫شوْاْ َيوْما لّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَ ِد ِه َولَ َموْلُودٌ ُهوَ جَازٍ عَن وَالِ ِدهِ‬
‫{ ياأَ ّيهَا النّاسُ ا ّتقُواْ رَ ّب ُك ْم وَاخْ َ‬
‫شَيْئا }[لقمان‪.]33 :‬‬
‫وكذلك يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ َيوْمَ َيفِرّ ا ْلمَ ْرءُ مِنْ أَخِيهِ * وَُأمّ ِه وَأَبِيهِ * َوصَاحِبَ ِت ِه وَبَنِيهِ * ِل ُكلّ امْرِىءٍ مّ ْنهُمْ َي ْومَئِذٍ شَأْنٌ ُيغْنِيهِ }‬
‫[عبس‪34 :‬ـ ‪.]37‬‬
‫إذن‪ :‬فهؤلء الذين كفروا وصدوا عن سبيل ال ل يُعجزون ال في الرض‪ ،‬ول يجدون الولي أو‬
‫النصير في الخرة‪ ،‬بل‪:‬‬
‫عفُ َلهُمُ ا ْل َعذَابُ } [هود‪.]20 :‬‬
‫{ ُيضَا َ‬
‫ض ْعفَ على أنه الشيء يصير مرتين‪ ،‬ونظن أن في ذلك قوة‪ ،‬ونقول‪ :‬ل؛ لن الذي‬
‫ونحن نفهم ال ّ‬
‫يأتي ليسند الشيء الول ويشفع له‪ ،‬كان الول بالنسبة له ضعيف‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فال ُمضَاعفة هي التي تظهر ضعف الشيء الذي يحتاج إلى ما يدعمه‪.‬‬
‫ومُضَاعفة العذاب أمر منطقي لهؤلء الذين أرادوا المر عوجا‪ ،‬وصدوا عن سبيل ال تعالى‪،‬‬
‫وأرادوا بذلك إضلل غيرهم‪.‬‬
‫وقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫عفُ َلهُمُ ا ْل َعذَابُ } [هود‪.]20 :‬‬
‫{ ُيضَا َ‬
‫ل يتناقض مع قوله الحق‪:‬‬
‫{ َولَ تَزِ ُر وَازِ َر ٌة وِزْرَ أُخْرَىا }[النعام‪.]164 :‬‬
‫لن هؤلء الذين صدوا عن سبيل ال ليس لهم وزر واحد‪ ،‬بل لهم وِزْران‪ :‬ووزر الضلل في‬
‫ذواتهم‪ ،‬ووزر الضلل لغيرهم‪.‬‬
‫وهناك آية تقول‪:‬‬
‫ن َومَن‬
‫ق َولَ يَزْنُو َ‬
‫حّ‬
‫ن لَ َيدْعُونَ مَعَ اللّهِ إِلَـاهًا آخَ َر َولَ َيقْتُلُونَ ال ّنفْسَ الّتِي حَرّمَ اللّهُ ِإلّ بِالْ َ‬
‫{ وَالّذِي َ‬
‫عفْ لَهُ ا ْلعَذَابُ }[الفرقان‪68 :‬ـ ‪.]69‬‬
‫َي ْفعَلْ ذاِلكَ َيلْقَ أَثَاما * ُيضَا َ‬
‫ن يفعل ذلك يَلْقَ مضاعفة للعذاب‪ ..‬لماذا؟‬
‫أي‪ :‬أن مَ ْ‬
‫لنه كان أسوة لغيره في أن يرتكب نفس الجرم‪.‬‬
‫والحق سبحانه وتعالى ل يريد للذنوب أن تنتشر‪ ،‬ولذلك نجد الحق سبحانه وتعالى يحض على أن‬
‫يرى المؤمنون من ارتكب الجُرْم لحظةَ العقاب‪ ،‬مثلما يقول سبحانه في الزنا‪:‬‬
‫ش َهدْ عَذَا َب ُهمَا طَآ ِئفَةٌ مّنَ ا ْل ُم ْؤمِنِينَ }[النور‪.]2 :‬‬
‫{ وَلْيَ ْ‬
‫وحين يرى المؤمنون وقوع العقوبة على جريمة ما‪ ،‬ففي ذلك تحذير من ارتكاب الجُرْم‪ ،‬وحدّ من‬
‫وقوع الجرائم‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وهنا في الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يضاعف العذاب لولئك الذين صَدّوا عن سبيل ال‪،‬‬
‫وأرادوا إضلل غيرهم‪ ،‬فارتكبوا جريمتين‪:‬‬
‫أولهما‪ :‬ضللهم‪.‬‬
‫والثانية‪ :‬إضللهم لغيرهم‪.‬‬
‫ولذلك تجد بعضا من الذين أضلّوا يقولون يوم القيامة‪:‬‬
‫سفَلِينَ }[فصلت‪:‬‬
‫ن الَ ْ‬
‫حتَ َأقْدَامِنَا لِ َيكُونَا مِ َ‬
‫جعَ ْل ُهمَا َت ْ‬
‫ن وَالِنسِ نَ ْ‬
‫{ رَبّنَآ أَرِنَا الّذَيْنِ َأضَلّنَا مِنَ الْجِ ّ‬
‫‪.]29‬‬
‫ويقولون أيضا‪:‬‬
‫ض ْعفَيْنِ مِنَ ا ْل َعذَابِ وَا ْلعَ ْنهُمْ َلعْنا‬
‫طعْنَا سَادَتَنَا َوكُبَرَآءَنَا فََأضَلّونَا السّبِيلْ * رَبّنَآ آ ِتهِ ْم ِ‬
‫{ رَبّنَآ إِنّآ أَ َ‬
‫كَبِيرا }[الحزاب‪67 :‬ـ ‪.]68‬‬
‫إذن‪ :‬فالدعوة إلى النحراف إضلل‪ ،‬وعمل الشيء بالنحراف إضلل؛ لنه أسوة أمام الغير‪.‬‬
‫ومضاعفة العذاب ل تعني الحراق مرة واحدة في النار؛ لن الحق سبحانه لو تركنا للنار لتحرقنا‬
‫مرة واحدة لنتهى اليلم؛ ولذلك أراد الحق سبحانه أن يكون هناك عذاب بعد عذاب‪.‬‬
‫يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫جتْ جُلُودُ ُهمْ بَدّلْنَاهُمْ جُلُودا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ ا ْلعَذَابَ }[النساء‪.]56 :‬‬
‫{ كُّلمَا َنضِ َ‬
‫فهو عذاب على الدوام‪.‬‬
‫أو أن العذاب الذي يضاعف له لون آخر‪ ،‬فهناك عذاب للكفر‪ ،‬وهناك عذاب للفساد‪.‬‬
‫يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ ِزدْنَاهُمْ عَذَابا َفوْقَ ا ْلعَذَابِ ِبمَا كَانُواْ ُيفْسِدُونَ }[النحل‪.]88 :‬‬
‫فالعذاب على الكفر ل يلغي العذاب على المعاصي التي يرتكبها الكافر‪.‬‬
‫فإذا كانت الشاة القرناء يُقتصّ للشاة الجلحاء منها‪ ،‬أي‪ :‬أن الشاة التي لها قرون وتنطح الشاة التي‬
‫ل قرون لها‪ ،‬فيوم القيامة يتم القصاص منها‪ ،‬رغم أنه ل حساب للحيوانات؛ لنها ل تملك‬
‫الختيار‪ ،‬ولكنها سوف تُستخدم كوسيلة إيضاح لميزان العدالة‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫سمْعَ َومَا كَانُواْ يُ ْبصِرُونَ { [هود‪.]20 :‬‬
‫عفُ َلهُمُ ا ْل َعذَابُ مَا كَانُواْ َيسْتَطِيعُونَ ال ّ‬
‫} ُيضَا َ‬
‫أي‪ :‬ما كانوا يستطيعون الستفادة من السمع رغم وجود آلة السمع‪ ،‬فلم يستمعوا لبلغ الرسول‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ول استطاعوا الستفادة من أبصارهم ليروا آيات ال سبحانه وتعالى في‬
‫ع ْميٌ‪ ،‬أو يضاعف لهم العذاب مدة استطاعتهم السمع والبصار‪.‬‬
‫الكون‪ ،‬فكأنهم صُمّ ُ‬
‫وفي آية أخرى يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫سمِعْ ِبهِ ْم وَأَ ْبصِرْ }[مريم‪.]38 :‬‬
‫{ َأ ْ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أي‪ :‬أن سمعهم وأبصارهم ستكون سليمة وجيدة في الخرة‪.‬‬
‫سهُمْ {‬
‫خسِرُواْ أَ ْنفُ َ‬
‫ويقول الحق سبحانه بعد ذلك‪ُ } :‬أوْلَـائِكَ الّذِينَ َ‬

‫(‪)1480 /‬‬
‫ضلّ عَ ْنهُمْ مَا كَانُوا َيفْتَرُونَ (‪)21‬‬
‫سهُ ْم َو َ‬
‫أُولَ ِئكَ الّذِينَ خَسِرُوا أَ ْنفُ َ‬

‫إذن‪ :‬فهم خسروا أنفسهم؛ لنهم بظلم النفس وإعطائها شهوة عاجلة زمنها قليل‪ ،‬أخذوا عذابا آجلً‬
‫زمنه خالد‪.‬‬
‫وفي هذا ظلم للنفس‪ ،‬وهذه قمة الخيبة‪ ،‬وهذا يدل على اختلل الموازين‪،‬‬
‫وأنت قد تظلم غيرك فتأخذ من عنده بعضا من الخير لتستفيد به‪ ،‬وبذلك تظلم الغير لصالح نفسك‪.‬‬
‫وظلم النفس يعني أنك تعطيها متعة عاجلة وتغفل عنها عذابا آجلً‪ ،‬والمتعة العاجلة لها مدة‬
‫محدودة‪ ،‬أما العذاب فل مدة تحدده‪.‬‬
‫ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى‪:‬‬
‫ضلّ عَ ْنهُمْ مّا كَانُواْ َيفْتَرُونَ } [هود‪.]21 :‬‬
‫{ َو َ‬
‫أي‪ :‬لم يهتد إليهم ما كانوا يعبدونهم من دون ال‪ ،‬ولو كان لهؤلء الذين عبدوهم قوة يوم القيامة؛‬
‫لهرعوا إليهم ليستنقذوهم من العذاب‪ ،‬ولكنهم بل حول ول قوة؛ لن الحق سبحانه قد حكم على‬
‫هؤلء الكافرين‪ ،‬وقال‪:‬‬
‫{ َومَا َلهُمْ فِي الَ ْرضِ مِن وَِليّ َولَ َنصِيرٍ }[التوبة‪.]74 :‬‬
‫وكذلك هؤلء اللهة المعبودة من دون ال تعالى‪ ،‬أو شركاء مع ال‪ ،‬ل يهتدون إليهم‪ ،‬حتى بفرض‬
‫قدرتهم على النصرة‪ ،‬فتلك اللهة أو الشركاء ل يهتدون إليهم‪ ،‬ول يعرفون لهم مكانا‪.‬‬
‫ضلّ عَ ْنهُمْ } [هود‪.]21 :‬‬
‫وقول الحق سبحانه‪َ { :‬و َ‬
‫أي‪ :‬غاب وتاه عنهم‪.‬‬
‫وقوله سبحانه‪ { :‬مّا كَانُواْ َيفْتَرُونَ } [هود‪.]21 :‬‬
‫أي‪ :‬ما كانوا يدّعونه كذبا‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه بعد ذلك‪ { :‬لَ جَرَمَ أَ ّن ُهمْ فِي الخِ َرةِ }‬

‫(‪)1481 /‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫خسَرُونَ (‪)22‬‬
‫لَا جَ َرمَ أَ ّنهُمْ فِي الَْآخِ َرةِ ُهمُ الْأَ ْ‬

‫واختلف العلماء في معنى كلمة { لَ جَ َرمَ } ‪ ،‬والمعنى العام حين تسمع كلمة { لَ جَرَمَ } أي‪ :‬حق‬
‫وثابت‪ ،‬أو ل بد من حصول شيء محدد‪.‬‬
‫وحين يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ لَ جَرَمَ أَنّ َل ُهمُ الْنّارَ }[النحل‪.]62 :‬‬
‫حقّ وثبت أن لهم النار؛ نتيجة ما فعلوا من أعمال‪ ،‬وتلك العمال مقدمة بين يدي عذابهم‪،‬‬
‫أي‪َ :‬‬
‫فحين نسمع { لَ جَرَمَ } ومعها العمل الذي ارتكبوه‪ ،‬تثق في أنه يحق على ال ـ سبحانه ـ أن‬
‫يعذبهم‪.‬‬
‫وقال بعض العلماء‪ :‬إن معنى‪ { :‬لَ جَرَمَ } حق وثبت‪.‬‬
‫وقال آخرون‪ :‬إن معنى { لَ جَ َرمَ } هو ل بد ول مفر‪.‬‬
‫والمعنيان ملتقيان لن انتفاء البُدّية يدل على أنها ثابتة‪.‬‬
‫وكان يجب على العلماء أن يبحثوا في مادة الكلمة‪ ،‬ومادة الكلمة هي " الجرم " ‪ ،‬والجرم‪ :‬هو‬
‫القطع‪ ،‬ويقال‪ :‬جرم يده‪ ،‬أي‪ :‬قطع يده‪.‬‬
‫وقول الحق سبحانه هنا‪:‬‬
‫لخْسَرُونَ } [هود‪.]22 :‬‬
‫{ لَ جَرَمَ أَ ّنهُمْ فِي الخِ َرةِ هُ ُم ا َ‬
‫أي‪ :‬ل َقطْع لقول ال فيهم بأن لهم النار‪ ،‬ول شيء يحول دون ذلك أبدا‪ ،‬ول بد أن ينالوا هذا‬
‫الوعيد؛ وهكذا التقى المعنى بـ " ل بد "‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فساعة تسمع كلمة " ل جرم " ‪ ،‬أي‪ :‬ثبت‪ ،‬أو ل بد من حدوث الوعيد‪.‬‬
‫وأيضا تجد كلمة " الجريمة " مأخوذة من " الجرم " ‪ ،‬وهي قطع ناموس مستقيم‪ ،‬فحين نقرر أل‬
‫يسرق أحد من أحد شيئا‪ ،‬فهذا ناموس مستقيم‪ ،‬فإن سرق واحد من آخر‪ ،‬فهو قد قطع المن‬
‫والسلم للناس‪ ،‬وأيّ جريمة هي َقطْع للمألوف الذي يحيا عليه الناس‪.‬‬
‫وأيضا يقال‪ :‬جرم الشيء أي‪ :‬اكتسب شرّه‪ ،‬ومنه الجريمة‪ ،‬ولذلك يقال‪ :‬من الناس من هو " جارم‬
‫" وهي اسم فاعل من الفعل‪ " :‬جرم " ‪ ،‬مثل كلمة " كاتب " من الفعل " كتب " و " مجروم عليه "‬
‫وهي اسم مفعول‪ ،‬مثلها مثل " مكتوب "‪.‬‬
‫فإن أخذت الجريمة من قطع المر السائد في النظام‪ ،‬فهؤلء الذين افتروا على ال وظلموا وصدوا‬
‫عن سبيل ال‪ ،‬فل جريمة في أن يعذبهم ال بالنار‪.‬‬
‫ومثل هذه العقوبة ليست جريمة؛ لن العقوبة على الجريمة ليست جريمة‪ ،‬بل هي مَنْع للجريمة‪.‬‬
‫وهكذا تلتقي المعاني كلها‪ ،‬فحين نقول‪ { :‬لَ جَ َرمَ } فذلك يعني أنه ل جريمة في الجزاء؛ لن‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الجريمة هي الثام العظيمة التي ارتكبوها‪.‬‬
‫ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى‪:‬‬
‫{ وَجَزَآءُ سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثُْلهَا }[الشورى‪.]40 :‬‬
‫وقد سمّاها الحق سيئة؛ لنها تسيء إلى المجتمع أو تسيء إلى الفرد نفسه‪.‬‬
‫ولهذا يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ وَإِنْ عَاقَبْ ُتمْ َفعَاقِبُواْ ِبمِ ْثلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ }[النحل‪.]126 :‬‬
‫وهكذا نجد أن هناك معاني متعددة لتأويل قول الحق سبحانه‪ { :‬لَ جَ َرمَ } ‪ ،‬فهي تعني‪ :‬ل قطع‬
‫لقول ال في أن المشركين سيدخلون النار‪ ،‬أو ل بد أن يدخلوا النار‪ ،‬أو حق وثبت أن يدخلوا‬
‫النار‪ ،‬أو ل جريمة من الحق سبحانه عليهم أن يفعل بهم هكذا؛ لنهم هم الذين فعلوا ما يستحق‬
‫عقابهم‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫لخْسَرُونَ { [هود‪.]22 :‬‬
‫} لَ جَرَمَ أَ ّنهُمْ فِي الخِ َرةِ هُ ُم ا َ‬
‫وكلمة (الخسرون) جمع " أخسر " وهي أفعل تفضيل لخاسر‪ ،‬وخاسر اسم فاعل مأخوذ من‬
‫الخسارة‪.‬‬
‫والخسارة في أمور الدنيا أن تكون المبادلة إجحافا لواحد‪ ،‬كأن يشتري شيئا بخمسة قروش وكان‬
‫يجب أن يبيعها بأكثر من خمسة قروش‪ ،‬لكنه باعها بثلثة قروش فقط‪ ،‬فبعد أن كان يرغب في‬
‫الزيادة‪ ،‬باع الشيء بمنا ينقص عن قيمته الصلية‪.‬‬
‫ومن يفعل ذلك يسمى " خاسر " ‪ ،‬والخسارة في الدنيا موقوتة بالدنيا‪ ،‬ومن يخسر في صفقة قد‬
‫يربح في صفقة أخرى‪.‬‬
‫ولنفترض أنه قد خسر في كل صفقات الدنيا‪ ،‬فما أقصر وقت الدنيا! لن كل ما ينتهي فهو قصير‪،‬‬
‫لكن خسارة الخرة ل نهاية لها‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه وتعالى‪:‬‬
‫سعْ ُيهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَ ّن ُهمْ‬
‫ضلّ َ‬
‫ن َ‬
‫عمَالً * الّذِي َ‬
‫{ ُقلْ َهلْ نُنَبّ ُئكُم بِالَخْسَرِينَ أَ ْ‬
‫حسِنُونَ صُنْعا }[الكهف‪103 :‬ـ ‪.]104‬‬
‫يُ ْ‬
‫وهكذا وصفهم الحق سبحانه مرة بأنهم الخسرون‪ ،‬ومرة يقول سبحانه واصفا الحكم عليهم‪:‬‬
‫خسْرَانُ ا ْلمُبِينُ }[الزمر‪.]15 :‬‬
‫{ َألَ ذَِلكَ ُهوَ الْ ُ‬
‫وهو خسران محيط يستوعب كل المكنة‪.‬‬
‫وشاء الحق سبحانه بعد ذلك أن يأتي بالمقابل لهؤلء‪ ،‬وفي ذلك فيض من اليناسات المعنوية؛ لن‬
‫النفس حين ترى حكما على شيء تأنس أن تأخذ الحكم المقابل على الشيء المقابل‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فحين يسمع النسان قول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ إِنّ الَبْرَارَ َلفِي َنعِيمٍ }[النفطار‪.]13 :‬‬
‫فل بد أن يأتي إلى الذهن تساؤل عن مصير الفُجّار‪ ،‬فيقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫جحِيمٍ }[النفطار‪.]14 :‬‬
‫{ وَإِنّ ا ْلفُجّارَ َلفِي َ‬
‫وهذا التقابل يعطي بسطة النفس الولى وقبضة النفس الثانية‪ ،‬وبين البسطة والقبضة توجد‬
‫الموعظة‪ ،‬ويوجد العتبار‪.‬‬
‫ويأتي الحق سبحانه هنا بالمقابل للمشركين الذين صدوا عن سبيل ال‪ ،‬فصاروا إلى النار‪،‬‬
‫والمقابل هم المؤمنون أصحاب العمل الصالح‪.‬‬
‫عمِلُواْ الصّالِحَاتِ {‬
‫فيقول الحق سبحانه‪ } :‬إِنّ الّذِينَ آمَنُو ْا وَ َ‬

‫(‪)1482 /‬‬
‫ت وَأَخْبَتُوا إِلَى رَ ّبهِمْ أُولَ ِئكَ َأصْحَابُ ا ْلجَنّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (‪)23‬‬
‫عمِلُوا الصّالِحَا ِ‬
‫إِنّ الّذِينَ َآمَنُوا وَ َ‬

‫اليمان ـ كما نعلم ـ أمر عقدي‪ ،‬يعلن فيه النسان إيمانه بإله واحد موجود‪ ،‬ويلتزم بالمنهج الذي‬
‫أنزله ال سبحانه وتعالى على الرسول صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ومن آمن بال تعالى ولم يعمل العمل‬
‫الصالح يتلقّ العقاب؛ لن فائدة اليمان إنما تتحقق بالعمل الصالح‪.‬‬
‫لذلك نجد الحق سبحانه وتعالى يقول لنا‪:‬‬
‫ت الَعْرَابُ آمَنّا قُل لّمْ ُت ْؤمِنُو ْا وَلَـاكِن قُولُواْ َأسَْلمْنَا }[الحجرات‪.]14 :‬‬
‫{ قَاَل ِ‬
‫أي‪ :‬اتبعتم ظاهر السلم‪.‬‬
‫وهكذا نعرف أنه يوجد مُتيقّن بصحة واعتقاد بأن الله الواحد الحد موجود‪ ،‬وأن الرسول صلى‬
‫ال عليه وسلم مُبلّغ عن ال عز وجل؛ لكن العمل الذي يقوم به النسان هو الفيصل بين مرتبة‬
‫المؤمن‪ ،‬ومرتبة المعلم‪.‬‬
‫فالذي يُحسن العمل هو مؤمن‪ ،‬أما من يؤدي العمل بتكاسل واتّباع لظواهر الدين‪ ،‬فهو المسلم‪،‬‬
‫وكلهما يختلف عن المنافق الذي يدّعي الحماس إلى أداء العبادات‪ ،‬لكنه يمكر ويبّيت العداء‬
‫للسلم الذي ل يؤمن به‪.‬‬
‫وكان المنافقون على عهد رسول ال صلى ال عليه وسلم أسبق الناس إلى صفوف الصلة‪،‬‬
‫وكانوا مع هذا يكتمون الكيد ويدبرون المؤامرات ضد النبي صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى‪:‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ت وََأخْبَتُواْ إِلَىا رَ ّبهِمْ } [هود‪.]23 :‬‬
‫عمِلُواْ الصّالِحَا ِ‬
‫{ إِنّ الّذِينَ آمَنُواْ وَ َ‬
‫هذا القول يبيّن لنا أن معيار اليمان إنما يعتمد على التوحيد‪ ،‬وإتقان أداء ما يتطلبه منهج ال‬
‫ب معصية أورثت ذلً وانكسارا‪،‬‬
‫سبحانه‪ ،‬وأن يكون كل ذلك بإخبات وخضوع‪ ،‬ولذلك يقال‪ُ :‬ر ّ‬
‫خير من عبادة أورثت عزّا واستكبارا‪.‬‬
‫أي‪ :‬أن المؤمن عليه أل يأخذ العبادة وسيلة للستكبار‪.‬‬
‫وكلمة { وَأَخْبَتُواْ } أي‪ :‬خضعوا خشية ل تعالى‪ ،‬فهم ل يؤدون فروض اليمان لمجرد رغبتهم في‬
‫ألّ يعاقبهم ال‪ ،‬ل بل يؤدون فروض اليمان والعمل الصالح خشية ل‪.‬‬
‫وأصل الكلمة من " الخبت " وهي الرض السهلة المطمئنة المتواضعة‪ ،‬وكذلك الخبت في اليمان‪.‬‬
‫ويصف الحق سبحانه أهل اليمان المخبتين بأنهم‪:‬‬
‫{ ُأوْلَـا ِئكَ َأصْحَابُ الجَنّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } [هود‪.]23 :‬‬
‫أي‪ :‬الملزمون لها‪ ،‬وخلودهم في الجنة يعني أنهم يقيمون في النعيم أبدا‪ ،‬ونعيم الجنة مقيم ودائم‪،‬‬
‫على عكس نعيم الدنيا الذي قد يفوته النسان بالموت‪ ،‬أو يفوت النعيم النسان بالسلب؛ لن‬
‫النسان في الدنيا عرضة للغيار‪ ،‬أما في الخرة‪ ،‬فأهل اليمان أصحاب العمل الصالح المخبتون‬
‫لربهم‪ ،‬فهم أهل النعيم المقيم أبدا‪.‬‬
‫وهكذا عرض الحق سبحانه حال الفريقين‪ :‬الفريق الذي ظلم نفسه بافتراء الكذب وعلى ال‪،‬‬
‫وصدوا عن سبيل ال‪ ،‬وابتغوا المر عوجا‪ ،‬هؤلء لن يُعجزوا ال‪ ،‬وليس لهم أولياء يحمونهم من‬
‫العذاب المضاعف‪.‬‬
‫وهم الذين خسروا أنفسهم‪ ،‬ولن يجدوا عونا من اللهة التي عبدوها من دون ال‪ ،‬ول شيء بقادر‬
‫على أن يفصل بينهم وبين العذاب‪ ،‬وهم الخسرون‪.‬‬
‫أما الفريق الثاني فهم الذين آمنوا وعملوا الصالحة بخشوع وخشية ومحبة ل سبحانه وتعالى‪ ،‬وهم‬
‫أصحاب الجنة الخالدون فيها‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فلكل فريق مسلكه وغايته‪.‬‬
‫لصَمّ }‬
‫عمَىا وَا َ‬
‫لذلك يقول الحق سبحانه بعد ذلك‪ { :‬مَ َثلُ ا ْلفَرِيقَيْنِ كَالَ ْ‬

‫(‪)1483 /‬‬
‫سمِيعِ َهلْ يَسْ َتوِيَانِ مَثَلًا َأفَلَا َت َذكّرُونَ (‪)24‬‬
‫عمَى وَالَْأصَ ّم وَالْ َبصِي ِر وَال ّ‬
‫مَ َثلُ ا ْلفَرِيقَيْنِ كَالْأَ ْ‬

‫والفريقان هما من تحدثنا عنهما من قبل‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وكلمة " الفريق " تعني‪ :‬جماعة يلتقون عند غاية وهدف واحد‪ ،‬مثلما نقول‪ :‬فريق كرة القدم أو‬
‫غيره من الفرق‪ ،‬فهي جماعات‪ ،‬كل جماعة منها لها هدف يجمعها‪.‬‬
‫ونحن نجد الحق سبحانه وتعالى يقول‪:‬‬
‫سعِيرِ }[الشورى‪.]7 :‬‬
‫{ فَرِيقٌ فِي الْجَنّ ِة َوفَرِيقٌ فِي ال ّ‬
‫وكلمة { ا ْلفَرِيقَيْنِ } جاءت في الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها؛ لن كل فرقة تضم جماعة‬
‫مختلفة عن الجماعة الخرى‪ ،‬ولهؤلء متعصبون‪ ،‬وللخرين متعصبون‪.‬‬
‫ويضرب الحق سبحانه وتعالى في هذه الية المثل بسَيّدَي الحواس الداركية في النسان‪ ،‬وهما‬
‫السمع والبصر‪ ،‬فهما المصدران الساسيان عند النسان لخذ المعلومات‪ ،‬إما مسموعة‪ ،‬أو مرئية‪،‬‬
‫ثم تتكون لدى النسان قدرة الستنباط والتوليد مما سمعه بالذن ورآه بالعين‪.‬‬
‫ولذلك قال لنا الحق سبحانه‪:‬‬
‫لفْئِ َدةَ َلعَّلكُمْ‬
‫سمْعَ وَالَ ْبصَا َر وَا َ‬
‫ج َعلَ َل ُكمُ الْ ّ‬
‫جكُم مّن ُبطُونِ ُأ ّمهَا ِتكُ ْم لَ َتعَْلمُونَ شَيْئا وَ َ‬
‫{ وَاللّهُ أَخْ َر َ‬
‫شكُرُونَ }[النحل‪.]78 :‬‬
‫تَ ْ‬
‫إذن فما دام الحق سبحانه قد جعل السمع و البصار والفئدة مصادر تأتي منها ثمرة‪ ،‬هي‬
‫المعلومات وتمحيصها‪ ،‬فالحق سبحانه يستحق الشكر عليها‪.‬‬
‫ونحن نعلم أن الطفرات الحضارية وارتقاءات العلم‪ ،‬إنما تأتي بمن سمع ومن رأى‪ ،‬ثم جاءت من‬
‫الستنباط أفكار تطبيقية تفيد البشرية‪.‬‬
‫ومثال ذلك‪ :‬هو من رأى إناء طعام وله غطاء‪ ،‬وكان بالناء ماء يغلي‪ ،‬فارتفع الغطاء عن الناء‪.‬‬
‫هذا النسان اكتشف طاقة البخار‪ ،‬واستنبط أن البخار يحتاج حيّزا أكبر من حيز السائل الموجود‬
‫في الناء؛ لذلك ارتفع الغطاء عن الناء‪ ،‬وارتقى هذا الكتشاف ليطور كثيرا من أوجه الحياة‪.‬‬
‫ولو أن كل إنسان وقف عند ما يسمعه أو يراه ولم يستنبط منه شيئا لما تطورت الحياة بكل تلك‬
‫الرتقاءات الحضارية‪.‬‬
‫وهنا يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫سمِيعِ َهلْ َيسْ َتوِيَانِ مَثَلً } [هود‪.]24 :‬‬
‫لصَ ّم وَالْ َبصِي ِر وَال ّ‬
‫عمَىا وَا َ‬
‫{ مَ َثلُ ا ْلفَرِيقَيْنِ كَالَ ْ‬
‫ولن يشك كل من العمى أو الصم أن من يرى أو من يسمع هو خير منه‪ ،‬ول يمكن أن يستوي‬
‫العمى بالبصير‪ ،‬أو الصم بمن يسمع‪.‬‬
‫وهكذا جاء الحق سبحانه وتعالى بالشياء المتناقضة‪ ،‬ليحكم النسان السامع أو القارىء لهذه الية‪،‬‬
‫وليفصل بحكم يُذكّره بالفارق بين الذي يرى ومن هو أعمى‪ ،‬وكذلك بين من يسمع ومن هو أصم‪،‬‬
‫ومن الطبيعي أل يستويان‪.‬‬
‫لذلك يُنهي الحق سبحانه الية بقوله تعالى‪:‬‬
‫{ َأفَلَ َت َذكّرُونَ } أي‪ :‬أل تعتبرون بوجود هذه الشياء‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ونحن نعلم أن ال سبحانه وتعالى قد قال لنا‪:‬‬
‫{ فَإِ ّنهَا لَ َت ْعمَى الَ ْبصَا ُر وَلَـاكِن َت ْعمَىا ا ْلقُلُوبُ الّتِي فِي الصّدُورِ }[الحج‪.]46 :‬‬
‫أي‪ :‬أن النسان قد يكون مبصرا‪ ،‬أو له أذن تسمع‪ ،‬لكنه ل يستخدم حاسة البصار أو حاسة‬
‫السمع فيما خلقت من أجله في التقاط مجاهيل الشياء‪.‬‬
‫وبعد أن بيّن الحق سبحانه َوصْفَ كل طرف وصراعه مع الخر‪ ،‬واختلف كل منهما في الغاية‪،‬‬
‫والصراع الذي بينهما تشرحه قصص الرسل عليهم السلم‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه في بعض من مواضع القرآن الكريم‪ ،‬وفي كل موضع لقطات من قصة أي‬
‫رسول‪ ،‬واللقطة التي توجد في سورة قد تختلف عن اللقطة التي في سورة أخرى‪.‬‬
‫ومثال ذلك‪ :‬أن الحق سبحانه قد تكلم في سورة يونس عن نوح وموسى وهارون ويونس عليهم‬
‫السلم‪ ،‬وهنا ـ في سورة هود ـ تأتي مرة أخرى قصة نوح عليه السلم‪ ،‬فيقول سبحانه وتعالى‪:‬‬
‫{ وََلقَدْ أَ ْرسَلْنَا نُوحا إِلَىا َق ْومِهِ }‬

‫(‪)1484 /‬‬
‫وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى َق ْومِهِ إِنّي َل ُكمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (‪)25‬‬

‫والية توضّح مسألة إرسال نوح عليه السلم كرسول لقومه‪ ،‬وعلى نوح الرسول أن يمارس‬
‫مهمته وهي البلغ‪ ،‬فيقول‪:‬‬
‫{ إِنّي َلكُمْ نَذِيرٌ مّبِينٌ } [هود‪.]25 :‬‬
‫ونحن نلحظ أن همزة (إن) في إحدى قِرَاءَتَى الية تكون مكسورة‪ ،‬وفي قراءة أخرى تكون‬
‫مفتوحة‪ ،‬أما في القراءة بالكسر فتعني أن نوحا عليه السلم قد جاء بالرسالة فبلغ قومه وقال‪:‬‬
‫{ إِنّي َلكُمْ نَذِيرٌ مّبِينٌ } [هود‪.]25 :‬‬
‫وأما في القراءة الخرى بالفتح فتعني أن الرسالة هي‪:‬‬
‫{ إِنّي َلكُمْ نَذِيرٌ مّبِينٌ } [هود‪.]25 :‬‬
‫فكأن القراءة الولى تعني الرواية عن قصة البلغ‪ ،‬والقراءة الثانية تحدد مضمون الرسالة‪ { :‬إِنّي‬
‫َلكُمْ َنذِيرٌ مّبِينٌ } [هود‪.]25 :‬‬
‫والقراءة الولى فيها حذف القول‪ ،‬وحذف القول كثير في القرآن‪ ،‬مثل قوله تعالى‪:‬‬
‫{ وَالمَلَ ِئكَةُ َيدْخُلُونَ عَلَ ْيهِمْ مّن ُكلّ بَابٍ * سَلَمٌ عَلَ ْيكُم ِبمَا صَبَرْتُمْ }[الرعد‪23 :‬ـ ‪.]24‬‬
‫وهذا يعني أن الملئكة يدخلون على المؤمنين في الجنة من كل باب‪ ،‬وساعة الدخول يقول‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الملئكة‪:‬‬
‫{ سَلَمٌ عَلَ ْيكُم ِبمَا صَبَرْتُمْ }[الرعد‪.]24 :‬‬
‫وقول نحو عليه السلم‪ { :‬إِنّي َلكُمْ نَذِيرٌ مّبِينٌ } [هود‪.]25 :‬‬
‫نعلم منه أن النذير ـ كما قلنا من قبل ـ هو من يخبر بشرّ لم يأت وقته بعد‪ ،‬حتى يستعد السامع‬
‫لملقاته‪ ،‬وما دام أن نبي ال نوحا قد جاء نذيرا‪ ،‬فالسياق مستمر؛ لن الحق سبحانه قال في الية‬
‫التي قبلها‪:‬‬
‫{ مَ َثلُ ا ْلفَرِيقَيْنِ }[هود‪.]24 :‬‬
‫أي‪ :‬أن هناك فريقا عاصيا وكافرا وله نذير‪ ،‬أما الفريق الخر فله بشير‪ ،‬يخبر بخير قادم ليستعد‬
‫السامع أيضا لستقباله بنفس مطمئنة‪.‬‬
‫والفريق الكافر الذي يستحق النذار‪ ،‬يأتي لهم الحق سبحانه بنص النذار في قوله تعالى‪ { :‬أَن لّ‬
‫َتعْبُدُواْ ِإلّ اللّهَ }‬

‫(‪)1485 /‬‬
‫عذَابَ َي ْومٍ أَلِيمٍ (‪)26‬‬
‫أَنْ لَا َتعْبُدُوا ِإلّا اللّهَ إِنّي َأخَافُ عَلَ ْيكُمْ َ‬

‫ونحن نعلم أن نوحا عليه السلم محسوب على قومه‪ ،‬وهم محسوبون عليه؛ ولذلك نجده خائفا‬
‫عليهم؛ لن الرباط الذي يربطه بهم رباط جامع قوي‪.‬‬
‫وكذلك نجد الحق سبحانه يُحنّن قلوب الرسل إليهم لعلهم يحسنون استقبال الرسول‪.‬‬
‫ومثال ذلك‪ :‬قول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ وَإِلَىا عَادٍ أَخَاهُمْ هُودا }[العراف‪.]65 :‬‬
‫ولن الرسول أخ لهم فلن يغشّهم أو يخدعهم‪.‬‬
‫واستقبل المل من قوم نوح المر بما يقوله الحق سبحانه عنهم‪َ { :‬فقَالَ ا ْلمَلُ الّذِينَ َكفَرُواْ مِن ِقوْمِهِ‬
‫}‬

‫(‪)1486 /‬‬
‫َفقَالَ ا ْلمَلَأُ الّذِينَ َكفَرُوا مِنْ َق ْومِهِ مَا نَرَاكَ إِلّا بَشَرًا مِثْلَنَا َومَا نَرَاكَ اتّ َب َعكَ إِلّا الّذِينَ ُهمْ أَرَاذِلُنَا بَا ِديَ‬
‫ضلٍ َبلْ نَظُّنكُمْ كَاذِبِينَ (‪)27‬‬
‫ي َومَا نَرَى َلكُمْ عَلَيْنَا مِنْ َف ْ‬
‫الرّ ْأ ِ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والمل ـ كما نعلم ـ هم وجوه القوم‪ ،‬وهم السادة الذين يملون العيون مهابة‪ ،‬ويتصدرون أي‬
‫مجلس‪.‬‬
‫وهناك مثل شعبي في بلدنا يوضح ذلك المعنى حين نقول‪ " :‬فلن يمل العين "‪.‬‬
‫أي‪ :‬أن العين حين تنظر إليه ل تكون فارغة‪ ،‬فل جزء في العين يرى غيره‪.‬‬
‫ويقال أيضا‪ " :‬فلن قَيْد النواظر " أي‪ :‬أنه إذا ظهر تقيّدت به كل النواظر‪ ،‬فل تلتفت إلى سواه‪،‬‬
‫ول يمكن أن يكون كذلك إل إذا كانت فيه مزايا تجذب العيون إليه بحيث ل تتحول عنه‪.‬‬
‫حوْل كل مركز هناك‬
‫والمراد بذلك هو الحاشية المقربة‪ ،‬أو الدائرة الولى التي حول المركز‪ ،‬فَ َ‬
‫دوائر‪ ،‬والمل هم الدائرة الولى‪ ،‬ثم تليهم دائرة ثانية‪ ،‬ثم ثالثة وهكذا‪ ،‬والرتباك إنما ينشأ حين‬
‫يكون للدائرة أكثر من مركز‪ ،‬فتتشتت الدوائر‪.‬‬
‫وردّ الذين يكوّنون المل على سيدنا نوح قائلين‪:‬‬
‫{ مَا نَرَاكَ ِإلّ َبشَرا مّثْلَنَا } [هود‪.]27 :‬‬
‫أي‪ :‬أنه ل توجد لك ميزة تجعلك متفوقا علينا‪ ،‬فما الذي سوّدك علينا لتكون أنت الرسول؟‬
‫وقولهم هذا دليل غباء؛ لن الرسول ما دام قد جاء من البشر‪ ،‬فسلوكه يكون أسوة‪ ،‬وقوله يصلح‬
‫للتباع‪ ،‬ولو كان الرسول من غيرِ البشر لكان من حق القوم أن يعترضوا؛ لنهم لن يستطيعوا‬
‫اتخاذ الملك أسوة لهم‪.‬‬
‫ولذلك بيّن الحق سبحانه هذه المسألة في قوله تعالى‪:‬‬
‫{ َومَا مَنَعَ النّاسَ أَن ُي ْؤمِنُواْ ِإذْ جَآءَ ُهمُ ا ْلهُدَىا ِإلّ أَن قَالُواْ أَ َب َعثَ اللّهُ بَشَرا رّسُولً }[السراء‪.]94 :‬‬
‫وجاء الرد منه سبحانه بأن ُقلْ لهم‪:‬‬
‫سمَآءِ مَلَكا رّسُولً }[السراء‪:‬‬
‫طمَئِنّينَ لَنَزّلْنَا عَلَ ْيهِم مّنَ ال ّ‬
‫{ َلوْ كَانَ فِي الَ ْرضِ مَل ِئكَةٌ َيمْشُونَ مُ ْ‬
‫‪.]95‬‬
‫إذن‪ :‬فالرسول إنما يجيء مُبلّغ منهج وأسوة سلوك‪ ،‬فإذا لم يكن من جنس البشر‪ ،‬فالسوة لن‬
‫تصلح‪ ،‬ولن يستطيع إل البلغ فقط‪.‬‬
‫ومثال ذلك‪ :‬أنت حين ترى السد في أي حديقة من حدائق الحيوان‪ ،‬يصول ويجول‪ ،‬ويأكل اللحم‬
‫النّيء المقدم له من الحارس‪ ،‬أتحدثك نفسك أن تفعل مثله؟‪ ..‬طبعا ل‪ ،‬لكنك إن رأيت فارسا على‬
‫جواد ومعه سيفه‪ ،‬فنفسك قد تحدثك أن تكون مثله‪.‬‬
‫وهكذا نجد أن السوة تتطلب اتحاد الجنس؛ ولذلك قلنا‪ :‬إن السوة هي الدليل على إبطال من‬
‫يدّعي اللوهية لعزير أو لعيسى عليهما السلم‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه وتعالى ما جاء على لسان المل الكافر من قوم نوح‪:‬‬
‫{ َومَا نَرَاكَ اتّ َب َعكَ ِإلّ الّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا } [هود‪.]27 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والراذل جمع " أرذل " ‪ ،‬مثل قولنا‪ " :‬أفاضل قوم " ‪ ،‬وهي جمع " أفضل "‪.‬‬
‫والرذل هو الخسيس الدنيء في أعين الناس‪ .‬ورذال المال أي‪ :‬رديئه‪ .‬ورذال كل شيء هو‬
‫نفايته‪.‬‬
‫ونرى في الريف أثناء مواسم جمع " القطن " عملية " فرز " القطن‪ ،‬يقوم بها صغار البنين‬
‫والبنات‪ ،‬فيفصلون القطن النظيف‪ ،‬عن اللوز الذي لم يتفتح بالشكل المناسب؛ لن اللوزة المصابة‬
‫عادة ما تعاني من ضمور‪ ،‬ولم تنضج النضج الصحيح‪.‬‬
‫وكذلك يفعل الفلحون في موسم جمع " البلح " ‪ ،‬فيفصلون البلح الجيد عن البلح المعيب‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فرذال كل شيء هو نفايته‪.‬‬
‫وقد قال المل من الكفار من قوم نوح‪:‬‬
‫} َومَا نَرَاكَ اتّ َب َعكَ ِإلّ الّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا { [هود‪.]27 :‬‬
‫أي‪ :‬أنهم وصفوا من آمنوا بنوح عليه السلم بأنهم نفاية المجتمع‪.‬‬
‫وجاء الحق على ألسنتهم بقولهم في موضع آخر‪:‬‬
‫ك الَرْذَلُونَ }[الشعراء‪.]111 :‬‬
‫{ وَاتّ َب َع َ‬
‫ف نوح عليه السلم ذلك؛ لن الذين اتبعوه قد يكونون من الضعاف‪ ،‬وهَم ضحايا الفساد؛‬
‫ولم يَ ْن ِ‬
‫لن القوى في المجتمع ل يقربه أحد؛ ولذلك فإنه ل يعاني من ضغوط المفسدين‪ ،‬أما الضعاف فهم‬
‫الذين يعانون من المفسدين؛ فما إن يظهر المُخلّص لهم من المفسدين فل بد أن يتمسكوا به‪.‬‬
‫ولكن ذلك ل يعني أن اليمان ل يلمس قلوب القوياء‪ ،‬بدليل أن البعض من سادة وأغنياء مكة‬
‫استجابوا للدعوة المحمدية مثل‪ :‬أبي بكر الصديق‪ ،‬وعمر بن الخطاب‪ ،‬وعثمان بن عفان‪ ،‬وعبد‬
‫الرحمن بن عوف‪ ،‬رضي ال عنهم‪.‬‬
‫ولكن الغالب في دعوات الصلح أنه يستجيب لها المطحونون بالفساد‪ ،‬هؤلء الذين يشعرون‬
‫بالغليان في مراجل اللم بسبب الفساد‪ ،‬وما إن يظهر داعية الصلح ويريد أن يزحزح الفساد‪،‬‬
‫فيلتفّون حوله ويتعاطفون معه‪ ،‬وإن كانوا غير عبيد‪ ،‬لكن محكومين بالغير‪ ،‬فهم يؤمنون علنا‬
‫برجل الصلح‪ ،‬وإن كانوا عبيدا مملوكين للسادة؛ فهم يؤمنون خفية‪ ،‬ويتحمل القوي منهم‬
‫الضطهاد والتعذيب‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فكل رسول يأتي إنما يأتي في زمن فساد‪ ،‬وهذا الفساد ينتفع به بعض الناس؛ وطغيان يعاني‬
‫منه الكثيرون الواقع عليهم الفساد والطغيان‪.‬‬
‫ويأتي الرسول وكأنه ثورة على الطغيان والفساد؛ لذلك يتمسك به الضعفاء ويفرحون به‪ ،‬وتلتف‬
‫قلوبهم حوله‪.‬‬
‫طعْن في الرسول‪ ،‬لكنهم‬
‫أما المنتفعون بالفساد فيقولون‪ :‬إن أتباعك هم أراذلنا‪ .‬وكأن هذا القول َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أغبياء؛ لن هذا القول دليل على ضرورة مجيء الرسول؛ ليخلص هؤلء الضعاف‪ ،‬ويجيء‬
‫الرسول ليقود غضبة على فساد الرض‪ ،‬ولينهي هذا الفساد‪.‬‬
‫وهي غضبة تختلف عن غضبة الثائر العادي من الناس‪ ،‬فالثائر من الناس يرى من يصفق له من‬
‫المطحونين بالفساد‪.‬‬
‫لكن آفة الثائر من البشر شيء واحد‪ ،‬هي أنه يريد أن يستمر ثائرا‪ ،‬ولكن الثائر الحق هو الذي‬
‫يثور ليهدم الفساد‪ ،‬ثم يهدأ ليبني المجاد‪ ،‬فل يسلط السيف على الكل‪ ،‬ول يفضّل قوما على قوم‪،‬‬
‫طغِي عليهم‪ ،‬ويظلم مَنْ طغوا‪.‬‬
‫ول يدلل مَنْ ُ‬
‫بل عليه أن يحكم بين الناس بالعدل والرحمة؛ لتستقيم المور‪ ،‬وتذهب الحقاد‪ ،‬ويعلم الناس كلهم‬
‫أن الثائر ما جاء ضد طائفة بعينها‪ ،‬وإنما جاء ضد ظلم طائفة لغيرها‪ ،‬فإذا أخذ من الظالم وأعطى‬
‫المظلوم؛ فليجعل الثنين سواء أمام عينيه‪.‬‬
‫ومن هنا يجيء الهدوء والستقرار في المجتمع‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فقد كان قول الكافرين من مل قوم نوح‪.‬‬
‫} َومَا نَرَاكَ اتّ َب َعكَ ِإلّ الّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا { [هود‪.]27 :‬‬
‫هو قول يؤكد وجود الفساد في هذا المجتمع‪ ،‬وأن الضعاف المطحونين من الفساد قد اتبعوا نوحا‬
‫عليه السلم‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫} بَا ِديَ الرّ ْأيِ { [هود‪.]27 :‬‬
‫والبادي هو الظاهر؛ ضد المستتر‪.‬‬
‫وهناك قراءة أخرى هي } بَادِيءَ الرّ ْأيِ {؟‬
‫أي‪ :‬بعد بدء الرأي‪.‬‬
‫والية هنا تقول‪:‬‬
‫} بَا ِديَ الرّ ْأيِ { [هود‪.]27 :‬‬
‫أي‪ :‬ظاهر المر‪ ،‬فساعة ما يُلْقى إلى النسان أيّ شيء فهو ينظر له نظرة سطحية‪ ،‬ثم يفكر‬
‫بإمعان في هذا الشيء‪.‬‬
‫وساعة يسمع النسان دعوى أو قضية‪ ،‬فعليه أل يحكم عليها بظاهر المر‪ ،‬بل ل بد أن يبحث‬
‫القضية أو الدعوى بتروّ وهدوء‪.‬‬
‫وهم قد قالوا لنوح عليه السلم‪ :‬أنت بشر مثلنا‪ ،‬وقد اتبعك أراذلنا؛ لنهم نظروا إلى دعوتك نظرة‬
‫ظاهرية‪ ،‬ولو تعقّبوا دعوتك وتأمّلوها ونظروا في عواقبها بتدبّر لما آمنوا بها‪.‬‬
‫ويكشف الحق سبحانه هذا الغباء فيهم‪ ،‬فقول المل بأن الضعفاء كان يجب عليهم أن يتدبروا المر‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ويتمعنوا في دعوة نوح قبل اليمان به‪ ،‬ينقضه إصرار الضعفاء على اليمان؛ لنه يؤكد أن‬
‫جوهر الحكم عندهم جوهر سليم؛ لن الواحد من هؤلء الضعفاء ل يقيس المر بمقياس من يملك‬
‫المال‪ ،‬ول بمقياس من يملك الجاه‪ ،‬ول بمقياس من له سيادة‪،‬بل قاس الضعيف من هؤلء المر‬
‫بالقلب‪ ،‬الذي تعقّل وتبصّر‪ ،‬وباللسان الذي أعلن اليمان؛ لن النسان بأصغريه‪ :‬قلبه ولسانه‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فهذا المل الكافر من قوم نوح ـ عليه السلم ‪ ،‬قد حكم بأن الضعاف أراذل بالمقاييس‬
‫الهابطة‪ ،‬ل بالمقاييس الصحيحة‪.‬‬
‫ولو امتنع هؤلء الذي يُقال عنهم " أراذل " عن خدمة من يقال لهم " سادة " لذاق السادة المرّين‪،‬‬
‫فهم الذين يقدّمون الخدمة‪ ،‬ولو لم يصنع النجار أثاث البيت لما كانت هناك بيوت مؤثثة‪.‬‬
‫ولو امتنع العمال عن الحفر والبناء لما كانت هناك قصور مشيدة‪.‬‬
‫ولو امتنع الطاهي عن طهي الطعام لما كانت هناك موائد ممتدة‪ ،‬وكل خدمات هؤل ء الضعاف‬
‫تصب عند الغني أو صاحب المال أو صاحب الجاه‪.‬‬
‫وهكذا نرى أن الكون يحتاج إلى من يملك الثورة ـ ولو عن طريق الميراث ـ ليصرف على من‬
‫يحتاجه المجتمع أيضا‪ ،‬وهم الضعاف الذين يعطون الخير من كدّهم وإنتاجهم‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالضعفاء هم تتمة السيادة‪.‬‬
‫وحين نمعن النظر لوجدنا أن سيادة الثّريّ أو صاحب الجاه إنما تأتي نتيجة لمجهودات من يقال‬
‫عنهم‪ :‬إنهم أراذل‪.‬‬
‫ولو أنهم تخلّوا عن الثرى أو صاحب الجاه‪ ،‬لما استطاع أن يكون سيدا‪ .‬ويذكر لنا الحق سبحانه‬
‫بقية ما قاله المل الكافر من قوم نوح‪:‬‬
‫ضلٍ َبلْ َنظُّنكُمْ كَاذِبِينَ { [هود‪.]27 :‬‬
‫علَيْنَا مِن َف ْ‬
‫} َومَا نَرَىا َلكُمْ َ‬
‫وهم ـ بهذا القول ـ قد أنكروا أن سيادتكم إنما نشأت بجهد من قالوا عنهم إنهم أراذل‪ ،‬وأنكروا‬
‫فضل هؤلء الناس‪.‬‬
‫ويُلفتنا الحق سبحانه وتعالى إلى الفة الي تنتاب بعض المجتمعات حين يذكر لنا ما قاله الكافرون‪:‬‬
‫ح َمتَ رَ ّبكَ َنحْنُ‬
‫سمُونَ َر ْ‬
‫عظِيمٍ * أَهُمْ َيقْ ِ‬
‫جلٍ مّنَ ا ْلقَرْيَتَيْنِ َ‬
‫{ َوقَالُواْ َل ْولَ نُ ّزلَ هَـاذَا ا ْلقُرْآنُ عَلَىا َر ُ‬
‫ضهُم َبعْضا‬
‫سمْنَا بَيْ َنهُمْ ّمعِيشَ َت ُهمْ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَ َر َفعْنَا َب ْعضَهُمْ َفوْقَ َب ْعضٍ دَرَجَاتٍ لّيَتّخِذَ َب ْع ُ‬
‫قَ َ‬
‫سخْرِيّا }[الزخرف‪31 :‬ـ ‪.]32‬‬
‫ُ‬
‫إذن‪ :‬فالحق سبحانه هو الذي قسم المعيشة‪ ،‬وآفة الحكم أن ننظر إلى المرفوع على أنه الغنى‪ ،‬ل‪،‬‬
‫فليس المرفوع هو الغنى‪ ،‬بل هو كل ذي موهبة ليست في سواه‪.‬‬
‫وما دام مرفوعا في مجال فهو سيخدم غيره فيه‪ ،‬وغيره سيخدمونه فيما رُفعوا فيه؛ لن المسألة‬
‫أساسها التكامل‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لذلك ل يُديم ال سبحانه غِنَى أحدٍ أبد الدهر‪ ،‬بل جعل الدنيا ُد َولً بين الناس‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فلو عرف هذا المل الكافر من قوم نوح ـ عليه السلم ـ معنى كلمة الفضل لما قالوها؛‬
‫لن الفضل هو الزائد عن المطلوب للكائن‪ ،‬في المحسوسات أو المعاني والفضل يقتضي وجود‬
‫فاضل ومفضول‪.‬‬
‫ولينظر كل طاغية في حياته ليرى ما الفاضل فيها؟‬
‫إنه بعض من المال أو الجاه‪ ،‬وكل مَنْ يخدم هذا الطاغية هم أصحاب الفضل؛ لن سيادة الطاغية‬
‫مبنية على عطائهم‪.‬‬
‫فهم أصحاب الفضل‪ ،‬ما دام الفضل هو المر الزائد عن الضروري‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فحقيقة ارتباط العالم بعضه ببعض‪ ،‬هو ارتباط الحاجة ل ارتباط السيطرة‪ ،‬ولذلك حين نرى‬
‫مسيطرا يطغى‪ ،‬فنحن نقول له‪ :‬تعقّل المر؛ لنك ما سيطرت إل بأناس من الراذل‪ ،‬فإظهار قوته‬
‫تكون بمن يُجيدون تصويب السلح‪ ،‬أو بمن تدربوا على إيذاء البشر‪ ،‬فهو يبني سيادته ببعض‬
‫الراذل‪ ،‬كوسائل لتحقيق سيطرته‪.‬‬
‫وقول الكافرين من مل نوح ـ عليه السلم ـ‪:‬‬
‫ضلٍ { [هود‪.]27 :‬‬
‫علَيْنَا مِن َف ْ‬
‫} َومَا نَرَىا َلكُمْ َ‬
‫يكشف أنهم قد فهموا الفضل على أنه الغِنَى‪ ،‬والجاه والمناصب‪ ،‬وهم قد أخطأوا الفهم‪.‬‬
‫ويُنهي الحق سبحانه الية بقوله‪:‬‬
‫} َبلْ َنظُّنكُمْ كَاذِبِينَ { [هود‪.]27 :‬‬
‫والظن هو الراجح‪ ،‬والمرجوح هو الوهم؛ وهذا يثبت أن في النسان فطرة تستيقظ في النفس‬
‫كومضات فالمتكبر يمضي في كبره إلى أن تأتي له ومضة من فطرته‪ ،‬فيعرف أن الحق حق‪،‬‬
‫وأن الباطل باطل‪.‬‬
‫وحين جاءت هذه الومضة في نفوس هذا المل الكافر‪ ،‬قالوا‪:‬‬
‫} َبلْ َنظُّنكُمْ كَاذِبِينَ { [هود‪.]27 :‬‬
‫ولم يقولوا‪ " :‬نعتقد أنكم كاذبون "‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه بعد ذلك‪ } :‬قَالَ يا َقوْمِ أَ َرأَيْتُمْ {‪.‬‬

‫(‪)1487 /‬‬
‫حمَةً مِنْ عِ ْن ِدهِ َف ُعمّيَتْ عَلَ ْيكُمْ أَنُلْ ِز ُم ُكمُوهَا‬
‫علَى بَيّ َنةٍ مِنْ رَبّي وَآَتَانِي َر ْ‬
‫قَالَ يَا َقوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُ ْنتُ َ‬
‫وَأَنْتُمْ َلهَا كَارِهُونَ (‪)28‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وقول نوح عليه السلم‪ { :‬أَرَأَيْتُمْ } أي‪ :‬أخبروني إن كنت على بين موهوبة من ال تعالى ونور‬
‫حمَةً } أي‪ :‬رسالة‪ ،‬بينما خفيت هذه المسألة‬
‫وبصيرة وفطرة بالهداية‪ ،‬وآتاني الحق سبحانه‪َ { :‬ر ْ‬
‫عنكم‪ ،‬فهل أجبركم على ذلك؟ ل؛ لن اليمان ل بد أن يأتي طواعية بعد إقناع ملموس‪ ،‬وانفعال‬
‫مأنوس‪ ،‬واختيار بيقين‪.‬‬
‫وحين ننظر في قوله‪:‬‬
‫{ أَنُلْ ِز ُم ُكمُوهَا وَأَنتُمْ َلهَا كَا ِرهُونَ } [هود‪.]28 :‬‬
‫نجد الهمزة الستفهامية ثم الفعل " نلزم " ثم كاف المخاطبة‪ ،‬وهنا نكون أمام استفهام‪ ،‬وفعل‪،‬‬
‫وفاعل مطمور في الفعل‪ ،‬ومفعول أو هو كاف المخاطبة‪ ،‬ومفعول ثان هو الرحمة‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فل إلزام من الرسول لقومه بأن يؤمنوا؛ لن اليمان يحتاج إلى قلوب‪ ،‬ل قوالب‪ ،‬وإكراه‬
‫القوالب ل يزرع اليمان في القلوب‪.‬‬
‫والحق سبحانه يريد من خلقه قلوبا تخشع‪ ،‬ل قوالب تخضع‪ ،‬ولو شاء سبحانه لرغمهم وأخضعهم‬
‫كما أخضع الكون كله له‪ ،‬سبحانه القائل‪:‬‬
‫سمَآءُ }[النازعات‪.]27 :‬‬
‫شدّ خَلْقا َأمِ ال ّ‬
‫{ أَأَن ُتمْ أَ َ‬
‫فالحق سبحانه وتعالى أخضع السماء والشمس والقمر‪ ،‬وكلّ الكون‪ ،‬وهو سبحانه يقول لنا‪:‬‬
‫سمَاوَاتِ وَالَ ْرضِ َأكْـبَرُ مِنْ خَ ْلقِ النّاسِ }[غافر‪.]57 :‬‬
‫{ َلخَلْقُ ال ّ‬
‫والكون كله يخضع لمشيئة ال سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫وقد خلق الحق سبحانه الملئكة وهم جنس أعلى من البشر‪ ،‬وقال سبحانه عنهم‪:‬‬
‫{ لّ َي ْعصُونَ اللّهَ مَآ َأمَرَ ُه ْم وَ َيفْعَلُونَ مَا ُي ْؤمَرُونَ }[التحريم‪.]6 :‬‬
‫إذن‪ :‬فالحق سبحانه وتعالى لو أراد قوالب لخضع الخلق كلهم لعبادته‪ ،‬ولكنه سبحانه وتعالى يريد‬
‫قلوبا تخشع؛ ولذلك يقول تبارك وتعالى‪:‬‬
‫سمَآءِ آ َيةً فَظَّلتْ أَعْنَا ُقهُمْ َلهَا‬
‫سكَ َألّ َيكُونُواْ ُم ْؤمِنِينَ * إِن نّشَأْ نُنَ ّزلْ عَلَ ْيهِمْ مّنَ ال ّ‬
‫{ َلعَّلكَ بَاخِعٌ ّنفْ َ‬
‫ضعِينَ }[الشعراء‪3 :‬ـ ‪.]4‬‬
‫خَا ِ‬
‫وهكذا نعلم أن الحق سبحانه مُنَ ّزهٌ عن رغبة أخضاع القوالب البشرية‪ ،‬بل شاء سبحانه أن يجعل‬
‫النسان مختارا؛ ولذلك ل ُيكْ ِرهُ ال سبحانه أحدا على اليمان‪.‬‬
‫والدّين ل يكون بالكراه‪ ،‬بل بالطواعية والرضا‪.‬‬
‫والحق سبحانه وتعالى هو القائل‪:‬‬
‫{ لَ ِإكْرَاهَ فِي الدّينِ قَد تّبَيّنَ الرّشْدُ مِنَ ا ْل َغيّ }[البقرة‪.]256 :‬‬
‫وهكذا يطلب الحق سبحانه من الخلق أن يعرضوا أمر اليمان على العقل‪ ،‬فالعقل بالدراك ينفعل‬
‫متعجبا لبداع المبدع‪ ،‬وعند العجاب ينزع إلى اختياره بيقين المؤمن‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يقول الحق‪:‬‬
‫لوْلِي الَلْبَابِ }[آل عمران‪:‬‬
‫ت ُ‬
‫لفِ الّ ْيلِ وَال ّنهَارِ ليَا ٍ‬
‫سمَاوَاتِ وَالَ ْرضِ وَاخْتِ َ‬
‫{ إِنّ فِي خَلْقِ ال ّ‬
‫‪.]190‬‬
‫والكراه إنما يكون على أمر غير مُتَبَيّن‪ ،‬أما الدّين فأمر يتبيّن فيه الرشد؛ لن المنهج حين يطلب‬
‫منك أل تسرق غيرك‪ ،‬فهو يضمن لك أل يسرقك الغير‪ ،‬وحين يأمرك أل تنظر إلى محارم‬
‫غيرك‪ ،‬فهو يحمي محارمك‪ ،‬وحين يأمرك أل تغتاب أحدا‪ ،‬وأل تحقد على أحد‪ ،‬ففي هذا كله‬
‫راحة للنسان‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فما يطلبه المنهج هو كل أمر مريح للنسان‪ ،‬وأنت إن نظرت في مطلوبات المنهج فلن‬
‫تجدها مطلوبة منك وحدك‪ ،‬ولكن مطلوبة من الناس لك أيضا‪.‬‬
‫وهو تبادل مراد من ال لعمار الكون أخذا وعطاء‪.‬‬
‫ولذلك ل يحتاج مثل هذا الرشد إلى إكراه عليه‪ ،‬بل تجد فيه البينة واضحة فاصلة بينه وبين ال َغيّ‪.‬‬
‫والفة أن بعضا من الناس يستخدمون هذه الية في غير موضعها‪ ،‬فحين تطلب من مسلم أن‬
‫يصلّي تجده يقول لك‪:‬‬
‫{ لَ ِإكْرَاهَ فِي الدّينِ }[البقرة‪.]256 :‬‬
‫حمْل على الدّين واليمان به‪ ،‬لكنك إذا آمنت بالدّين فإياك أن‬
‫ولك أن تقول له‪ :‬ل إكراه في ال َ‬
‫تكسره‪ ،‬بتعطيل منهجه أو العراض عنه‪.‬‬
‫ولذلك يشدّد الحق سبحانه عقوبة الخروج من الدين؛ لن الحق سبحانه لم يُكرِه أحدا على الدخول‬
‫في الدين‪ ،‬بل للنسان أن يفكر ويتدبر؛ لنه إن دخَل في الدين وارتكب ذنبا فسيلقى عقاب الذنب؛‬
‫لنه دخل برغبته واختاره بيقينه‪ ،‬فالمخالفة لها عقابها‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالدخول إلى اليمان ل إكراه فيه‪ ،‬ولكن الخروج من الدين يقتضي إقامة الحد على المرتدّ‬
‫ومعاقبة العاصي على عصيانه‪.‬‬
‫وعندما يعلم الجميع هذا المر فهم يعلمون أن الحق سبحانه وتعالى قد جعل الصعوبة في الدخول‬
‫إلى الدين عن طريق تصعيب آثار الخروج منه‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه بعد ذلك على لسان نوح عليه السلم‪ } :‬وَيا َقوْمِ ل أَسْأَُل ُكمْ عَلَيْهِ مَالً {‬

‫(‪)1488 /‬‬
‫وَيَا َقوْمِ لَا أَسْأَُل ُكمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْ ِريَ ِإلّا عَلَى اللّ ِه َومَا أَنَا ِبطَارِدِ الّذِينَ َآمَنُوا إِ ّن ُهمْ مُلَاقُو رَ ّب ِهمْ‬
‫جهَلُونَ (‪)29‬‬
‫وََلكِنّي أَرَاكُمْ َق ْومًا َت ْ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ومثل هذا القول بمعناه جاء مع كل رسول‪ ،‬ففي مواضع أخرى يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ قُل لّ أَسْأَُل ُكمْ عَلَيْهِ َأجْرا }[النعام‪.]90 :‬‬
‫لن ال ِعوَض في التبادل قد ل يكون مالً‪ ،‬بل قد يكون تمرا‪ ،‬أو شعيرا أو قطنا أو غير ذلك‪،‬‬
‫والجر ـ كما نعلم ـ هو أعم من أن يكون مالً أو غير مال؛ لذلك يقول الحق سبحانه هنا‪:‬‬
‫{ ل أَسَْأُلكُمْ عَلَيْهِ مَالً إِنْ َأجْ ِريَ ِإلّ عَلَى اللّهِ } [هود‪.]29 :‬‬
‫وهكذا نجد أن الحق سبحانه قد أغْلَى المر‪.‬‬
‫وقول الرسول‪:‬‬
‫{ إِنْ أَجْ ِريَ ِإلّ عَلَى اللّهِ } [هود‪.]29 :‬‬
‫هو قول يدل على أن المر الذي جاء به الرسول هو أمر نافع؛ لن الجرة ل تستحق إل مقابل‬
‫المنفعة‪.‬‬
‫ونحن نعلم أن مبادلة الشيء بعينه أو ما يساويه؛ تُسمّى شراء‪ ،‬أما أن يأخذ النسان المنفعة من‬
‫العين‪ ،‬وتظل العين ملكا لصاحبها‪ ،‬فمن يأخذ هذه المنفعة يدفع عنها إيجارا‪ ،‬فكان نوحا عليه‬
‫السلم يقول‪ :‬لقد كنت أستحق أجرا لنني أقدّم لكم منفعة‪ ،‬لكنني لن آخذ منكم شيئا‪ ،‬ل زُهْدا في‬
‫الجر‪ ،‬ولكني أطمع في الجر ممن هو أفضل منكم وأعظم وأكبر‪.‬‬
‫ولن هذا المل الكافر قد وصف من اتبع نوحا بأنهم أراذل؛ لذلك ياتي الرد من نوح عليه السلم‪:‬‬
‫{ َومَآ أَنَاْ ِبطَارِدِ الّذِينَ آمَنُواْ } [هود‪.]29 :‬‬
‫ويوضح هذا الرد أن نوحا عليه السلم ل يمكن أن يطرد إنسانا من حظيرة اليمان لنه فقير‪،‬‬
‫فاليقين اليماني ل علقة له بالثروة أو الجاه أو الفقر والحاجة‪.‬‬
‫ول ُيخْلِي رسولٌ مكانا من أتباعه الفقراء ليأتي الغنياء‪ ،‬بل الكلّ سواسية أمام ال سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫والحق سبحانه يقول‪:‬‬
‫شيْ ٍء َومَا‬
‫جهَهُ مَا عَلَ ْيكَ مِنْ حِسَا ِبهِم مّن َ‬
‫ن وَ ْ‬
‫شيّ يُرِيدُو َ‬
‫{ َولَ تَطْ ُردِ الّذِينَ يَدْعُونَ رَ ّبهُمْ بِا ْل َغدَا ِة وَا ْلعَ ِ‬
‫شيْءٍ فَ َتطْرُ َدهُمْ فَ َتكُونَ مِنَ الظّاِلمِينَ }[النعام‪.]52 :‬‬
‫حسَا ِبكَ عَلَ ْيهِمْ مّن َ‬
‫مِنْ ِ‬
‫وقد جعل الحق سبحانه هؤلء الذين يطلق عليهم كلمة " أراذل " فتنة‪ ،‬فمن تكبّر بسبب فقر‬
‫وضعف أتباع الرسل‪ ،‬فليغرق في كِبْره‪.‬‬
‫لذلك يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫ضهُمْ بِ َب ْعضٍ لّ َيقُولواْ أَهَـاؤُلءِ مَنّ اللّهُ عَلَ ْيهِم مّن بَيْنِنَآ أَلَيْسَ اللّهُ بِأَعَْلمَ‬
‫{ َوكَذاِلكَ فَتَنّا َب ْع َ‬
‫بِالشّاكِرِينَ }[النعام‪.]53 :‬‬
‫وأيضا يأمر الحق سبحانه رسوله بأن يضع عينه على هؤلء الضعاف‪ ،‬وأل ينصرف عنهم أو‬
‫عن أي واحد منهم‪ ،‬فيقول الحق سبحانه‪:‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫جهَ ُه َولَ َتعْدُ عَيْنَاكَ عَ ْن ُهمْ }‬
‫ن وَ ْ‬
‫شيّ يُرِيدُو َ‬
‫سكَ مَعَ الّذِينَ يَدْعُونَ رَ ّبهُم بِا ْلغَدَا ِة وَا ْلعَ ِ‬
‫{ وَاصْبِرْ َنفْ َ‬
‫[الكهف‪.]28 :‬‬
‫جاء هذا القول حتى ل ينشأ فساد أو عداء بين المؤمنين برسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ول‬
‫يقال‪ " :‬فلن ُمقَرّبٌ منه "؛ ولذلك كان صلى ال عليه وسلم إذا جلس؛ يوزع نظره على كل‬
‫جلسائه‪ ،‬حتى يظن كل جالس أن نظره ل يتحول عنه‪.‬‬
‫وفي هذه الية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق سحبانه وتعالى على لسان‬
‫سيدنا نوح ـ عليه السلم ـ وصفا لهؤلء الضعاف الذين آمنوا‪:‬‬
‫لقُواْ رَ ّب ِهمْ { [هود‪.]29 :‬‬
‫} إِ ّن ُهمْ مّ َ‬
‫وفي هذا بيانٌ أن نوحا ـ عليه السلم ـ لن يطرد هؤلء الضعاف المؤمنين‪ ،‬فلو طردهم وهم‬
‫الذين سيلقون ال تعالى‪ ،‬أيسمح نوح عليه السلم أن يقال عنه أمام الحق ـ تبارك وتعالى ـ إنه‬
‫قد طرد قوما آمنوا رسالته؟ طبعا ل‪.‬‬
‫ونحن نعلم أن الحق سبحانه يحاسب رسله‪ ،‬والمرسَل إليهم‪ ،‬فهو سبحانه القائل‪:‬‬
‫سلَ إِلَ ْيهِ ْم وَلَ َنسْأَلَنّ ا ْلمُرْسَلِينَ }[العراف‪.]6 :‬‬
‫{ فَلَ َنسْأَلَنّ الّذِينَ أُرْ ِ‬
‫إذن‪ :‬فنوح ـ عليه السلم ـ يعلم أنه مسئول أمام ربه‪ ،‬ولكن هذا المل الكافر من قومه يجهلون؛‬
‫ولذلك يقول الحق سبحانه في نهاية هذه الية الكريمة على لسان نوح عليه السلم‪:‬‬
‫جهَلُونَ { [هود‪.]29 :‬‬
‫} وَلَـاكِنّي أَرَاكُمْ َقوْما تَ ْ‬
‫أي‪ :‬أنهم ل يفهمون مهمة نوح عليه السلم‪ ،‬وأنه مسئول أمام ربه‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك‪ } :‬وَيا َقوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ اللّهِ {‬

‫(‪)1489 /‬‬
‫وَيَا َقوْمِ مَنْ يَ ْنصُرُنِي مِنَ اللّهِ إِنْ طَرَدْ ُتهُمْ َأفَلَا تَ َذكّرُونَ (‪)30‬‬

‫وهنا يوضّح نوح عليه السلم أنه ل يقدر على مواجهة ال إن طرد هؤلء الضعاف؛ لن أحدا لن‬
‫ينصر نوحا على ال ـ عز وجل ـ لحظة الحساب‪ ،‬فهناك يوم ل ملك فيه لحد إل ل‪ ،‬ول أحد‬
‫يشفع إل بإذنه سبحانه‪ ،‬ول أحد بقادر على أن ينصر أحدا على ال تعالى؛ لنه القاهر فوق كل‬
‫خلقه‪،‬‬
‫والنصر ـ كما نعلم ـ يكون بالغلبة‪ ،‬أما الشفاعة فهي بالخضوع‪ ،‬والحق سبحانه ل يأذن لحد أن‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يشفع في طرد مؤمن من حظيرة اليمان‪.‬‬
‫وفي هذا القول تذكير من نوح عليه السلم لقومه؛ ولذلك قال الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ َأفَلَ َت َذكّرُونَ } [هود‪]30 :‬‬
‫أي‪ :‬يجب ألّ تأخذكم الغفلة‪ ،‬وتُنسيكم ما يجب أن تتذكروه‪.‬‬
‫وكما جاء الحق سبحانه بالتذكّر‪ ،‬وهو المر الذي بدوامه يبعد النسان الغفلة‪ ،‬جاء الحق سبحانه‬
‫أيضا بالتفكّر‪ ،‬وهو التأمل لستنباط شيء جديد عن طريق إعمال العقل بالتفكر‪ ،‬الذي يجعل‬
‫النسان في تأمل يقوده إلى تقديس وتنزيه الخالق‪ ،‬وبهذا يصل النسان إلى الحقائق التي تكشف له‬
‫معالم الطريق‪.‬‬
‫وجاء الحق ـ سبحانه ـ أيضا بالتدبر‪ ،‬أي‪ :‬أل يأخذ النسان المور بظواهرها‪ ،‬أو أن ينخدع‬
‫بتلك الظواهر‪ ،‬بل ل بد من البحث في حقائق الشياء‪.‬‬
‫جلّ وعَلَ‪:‬‬
‫لذلك يقول الحق َ‬
‫{ َأفَلَ يَ َتدَبّرُونَ ا ْلقُرْآنَ }[النساء‪.]82 :‬‬
‫أي‪ :‬أفل يبحثون عن الكنوز الموجودة في المعطيات الخلفية للقرآن‪.‬‬
‫والتدبر هو الذي يكشف المعاني الخفية خلف ظواهر اليات‪ ،‬والناس يتفاضلون في تعرضهم‬
‫لسرار كتاب ال حين ينظرون خلف ظواهر المعاني‪.‬‬
‫ولذلك نجد عبد ال بن مسعود رضي ال عنه يقول‪َ " :‬ثوّروا القرآن " أي‪ :‬قَلّبوا معاني اليات‬
‫لتجدوا ما فيها من كنوز‪ ،‬ول تأخذوا اليات بظواهرها‪ ،‬فعجائب القرآن ل تنقضي‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه وتعالى مواصلً ما جاء على لسان سيدنا نوح‪َ { :‬ولَ َأقُولُ َل ُكمْ عِندِي خَزَآئِنُ‬
‫اللّهِ }‬

‫(‪)1490 /‬‬
‫ك وَلَا َأقُولُ لِلّذِينَ تَ ْزدَرِي أَعْيُ ُنكُمْ‬
‫ب وَلَا َأقُولُ إِنّي مََل ٌ‬
‫وَلَا َأقُولُ َلكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللّهِ وَلَا أَعْلَمُ ا ْلغَ ْي َ‬
‫سهِمْ إِنّي إِذًا َلمِنَ الظّاِلمِينَ (‪)31‬‬
‫لَنْ ُيؤْتِ َيهُمُ اللّهُ خَيْرًا اللّهُ أَعَْلمُ ِبمَا فِي أَ ْنفُ ِ‬

‫سدّ نوح ـ عليه السلم ـ على هذا المل الكافر كل أسباب إعراضهم عن اليمان‪ ،‬فإن‬
‫وهكذا يَ ُ‬
‫ظنوا أن اليمان يتطلب ثراءً‪ ،‬فنوح ل يملك خزائن ل‪ ،‬وهو ل يملك أكثر من هذا المل‪ ،‬وإن‬
‫طلبوا أن يكشف لهم الغيب‪ ،‬فالغيب علمه عند ال تعالى وحده‪.‬‬
‫ولم يَ ّدعِ نوح أنه من جنس آخر غير البشر‪ ،‬إنما هو بشر مثلهم‪ ،‬ل يملك ما يجبرهم به على‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الطاعة‪ ،‬ثراءً‪ ،‬أو جاها‪ ،‬أو علم غيب‪.‬‬
‫ولن يطرد نوح عليه السلم مَنْ آمن مِنَ الضّعاف الذين تزدريهم وتحتقرهم وتتهكّم عليهم عيون‬
‫جلّ ـ له إن سَ ّد في وجوه الضعاف أبواب‬
‫هذا المل الكافر؛ لن نوحا يخشى سؤال ال ـ عَزّ و َ‬
‫اليمان‪.‬‬
‫ول بد من وقفة هنا عند قول الحق سبحانه‪:‬‬
‫ب َولَ َأقُولُ إِنّي مََلكٌ وَلَ َأقُولُ لِلّذِينَ تَ ْزدَرِي‬
‫علَمُ ا ْلغَ ْي َ‬
‫{ َولَ َأقُولُ َل ُكمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّ ِه َولَ أَ ْ‬
‫أَعْيُ ُنكُمْ لَن ُيؤْتِ َيهُمُ اللّهُ خَيْرا } [هود‪.]31 :‬‬
‫حوّل إلى الغَيبة‪ ،‬فلم يخاطب نوح عليه السلم الضعاف ويقول لهم‪ :‬إن‬
‫ونلحظ هنا أن الخطاب قد ُ‬
‫ال سيمنع عنكم الخير‪ ،‬ذلك لن ال سبحانه وتعالى هو العليم بما في نفوسهم‪ ،‬ولو قال نوح لهم‬
‫مثل هذا القول لكان من الظالمين‪.‬‬
‫واللم في كلمة { لِلّذِينَ } تعني الحديث عن الضعاف‪ ،‬ل حديثا إلى الضعاف‪.‬‬
‫ومجيء " اللم " بمعنى " عن " له نظائر‪ ،‬مثل قول الحق سبحانه‪:‬‬
‫سحْرٌ مّبِينٌ }[سبأ‪.]43 :‬‬
‫حقّ َلمّا جَآءَ ُهمْ إِنْ هَـاذَآ ِإلّ ِ‬
‫{ َوقَالَ الّذِينَ َكفَرُواْ لِلْ َ‬
‫وهم هنا ل يقولون للحق‪ ،‬ولكنهم يقولون عن الحق‪ ،‬وهكذا جاءت " اللم " بمعنى " عن "‪.‬‬
‫وهكذا أوضح نوح ـ عليه السلم ـ أنه لو طرد من يقال عنهم " أراذل " ‪ ،‬لكان معنى ذلك أنه‬
‫يعلم النوايا‪ ،‬ونوح ـ عليه السلم ـ يعلم يقينا أن ال هو العلم بما في النفوس؛ لذلك ل يضع‬
‫نوح نفسه في موضع الظلم ل لنفسه ول لغيره‪.‬‬
‫يقول الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك‪ { :‬قَالُواْ يانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فََأكْثَرْتَ جِدَالَنَا }‬

‫(‪)1491 /‬‬
‫جدَالَنَا فَأْتِنَا ِبمَا َتعِدُنَا إِنْ كُ ْنتَ مِنَ الصّا ِدقِينَ (‪)32‬‬
‫قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فََأكْثَ ْرتَ ِ‬

‫والجدال هو قول كلم يقابل كلما آخر‪ ،‬والقصد عند كل طرف متكلم أن يزحزح الطرف الخر‬
‫عن مذهبه بحجة أو بشبهة‪ ،‬بهدف إسقاط المذهب‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالجدال هو مناقشة طرفين‪ ،‬يتقاسمان الكلم بهدف أن يقنع أحدهما الخر بأن ينصرف عن‬
‫مذهبه هو إلى مذهب القائل‪.‬‬
‫وكلمة " الجدال " مأخوذة من " الجَدْل " أي‪ :‬الفَتْل‪ ،‬وفتل الحبل إنما يأتي من أخذ شعرات من‬
‫ف كل‬
‫ضمّ شعرتين إلى بعضهما‪ ،‬ثم القيام بَِل ّ‬
‫الكتان أو الحرير أو أي مادة مثل هذا أو ذاك‪ ،‬ثم َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫شعرتين أخريين‪ ،‬وهكذا حتى يتم اكتمال الحبل‪.‬‬
‫ويقال للرجل القوي‪ " :‬مفتول العضلت " ‪ ،‬أي‪ :‬أن عضلته ليست رخوة أو ضعيفة‪ ،‬بل مفتولة‪،‬‬
‫أي‪ :‬متداخلة ومشدودة‪.‬‬
‫وحين تنظر إلى الجهاز العضلي فأنت تندهش لقدرة الحق سبحانه وتعالى الذي خلق كل عضلة‬
‫بشكل وأسلوب معين‪ ،‬يتيح لها أن تتآزر وتتعاون مع غيرها من العضلت لداء الحركات‬
‫المطلوبة منها‪.‬‬
‫فحين يرفع النسان رأسه فهو يحتاج لحركة أكثر من عضلة‪ ،‬وحين تعمل اليد فهي تحرك أكثر‬
‫من عضلة‪ ،‬ولو تعطلت حركة عضلة واحدة‪ ،‬لمتنعت الحركة المقابلة لها‪.‬‬
‫وهم قد قالوا لنوح عليه السلم‪:‬‬
‫{ َقدْ جَادَلْتَنَا فََأكْثَ ْرتَ جِدَالَنَا } [هود‪.]32 :‬‬
‫ونحن نعلم أن نوحا عليه السلم عاش ألف عام إل خمسين عاما‪ ،‬ومعنى ذلك أن جداله معهم أخذ‬
‫وقتا طويلً‪.‬‬
‫والجدال يختلف عن المِرَاء‪ ،‬لن الجدال إنما يكون لحقّ‪ ،‬والمراء‪ ،‬يكون بعد ظهور الحق‪.‬‬
‫الجدال ـ إذن ـ مطلوب‪ ،‬والحق سبحانه هو القائل‪:‬‬
‫{ وَجَادِ ْلهُم بِالّتِي ِهيَ َأحْسَنُ }[النحل‪.]125 :‬‬
‫وكذلك يقول سبحانه وتعالى‪:‬‬
‫جهَا وَتَشْ َتكِي إِلَى اللّهِ }[المجادلة‪.]1 :‬‬
‫سمِعَ اللّهُ َق ْولَ الّتِي ُتجَادُِلكَ فِي َزوْ ِ‬
‫{ َقدْ َ‬
‫إذن‪ :‬فالجدال مطلوب لنصل إلى الحق‪ ،‬شرط أن يكون جدلً حسنا‪ ،‬ل احتكاك فيه ول إيذاء‪.‬‬
‫وهناك فارق بين احتكاك الراء‪ ،‬وتحكّك الراء‪ ،‬فالتحكك كالتلكّك‪ ،‬وهو الرغبة في عدم الوصول‬
‫إلى الحق‪ ،‬لكن الحتكاك هو الذي يوصل إلى الحق‪ ،‬مثلما نحكّ الزناد بقطعة من حديد فتولد‬
‫الشرر لنرى الحق‪ ،‬أما التحكّك فهو يواري ويطمس الحقيقة‪.‬‬
‫والمِرَاء هو الجدَال بعد أن يظهر الحق‪ ،‬وهو مأخوذ من مَرَى الضّرع‪ ،‬فحينَ يقومون بإنزال اللبن‬
‫من ضرع الناقة أو البقرة‪ ،‬فالضرع يكون ملن‪ ،‬وينزل منه اللبن بشدة وقوة‪ ،‬وبعد أن ينتهي‬
‫حَ ْلبُ الضرع‪ ،‬يظل مَنْ يحلبها ُممْسِكا بحَلَمات الناقة أو الجاموسة‪ ،‬ويستحلب ما بقى من اللبن‪،‬‬
‫ويُقال لهذا الجزء الخير " المريى "‪.‬‬
‫ولذلك أخذوا من هذه العملية كلمة " المراء " ‪ ،‬وهو ما بعد ظهور الحق‪.‬‬
‫حجَاج؛ والمراد بالحجاج هو إظهار حجة‬
‫وهناك بجانب الجدال والمراء‪ ،‬والحتكاك‪ ،‬والتحكّك‪ ،‬وال ِ‬
‫الخصم على الخصم‪.‬‬
‫وبعد أن مَلّوا من جدال نوح ـ عليه السلم ـ طلبوا أن ينزل بهم العذاب الذي أنذرهم به‪ ،‬وقد‬
‫استبطأوا مجيء هذا العذاب؛ لن نوحا عليه السلم عاش بينهم ألف سنة إل خمسين‪ ،‬وقالوا‪:‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫{ فَأْتِنَا ِبمَا َت ِعدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ الصّا ِدقِينَ } [هود‪.]32 :‬‬
‫وكأنهم ـ بهذا القول ـ قد أخرجوا نوحا مَخْرج من بيده أن يأتي بالعذاب‪ ،‬أو يمنع العذاب‪ ،‬وهذه‬
‫مسألة ل يملكها نوح‪ ،‬بل هي مِلْك ل سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫ولذلك يُنبههم نوح عليه السلم‪ { :‬قَالَ إِ ّنمَا يَأْتِيكُمْ ِبهِ اللّهُ }‬

‫(‪)1492 /‬‬
‫قَالَ إِ ّنمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللّهُ إِنْ شَا َء َومَا أَنْتُمْ ِب ُمعْجِزِينَ (‪)33‬‬

‫جلُ ال بعجلة‬
‫لن الحق سبحانه هو الذي يقدّر للعذاب أوانا‪ ،‬ويقدّر لكل تعذيب ميلدا‪ ،‬ول َي ْع َ‬
‫العباد حتى تبلغ المور ما أراد‪.‬‬
‫وهم لن يعجزوا ال تعالى ولن يفلتوا منه؛ لنه ل توجد قوة في الكون يمكن أن تمنع مشيئة ال‬
‫تعالى‪ ،‬أو أن تتأبّى عليه‪.‬‬
‫صحِي إِنْ أَرَ ْدتّ أَنْ‬
‫ويقول الحق سبحانه بعد ذلك على لسان نوح عليه السلم‪َ { :‬ولَ يَن َفعُكُمْ ُن ْ‬
‫أَنصَحَ َلكُمَْ }‬

‫(‪)1493 /‬‬
‫جعُونَ (‬
‫صحِي إِنْ أَرَ ْدتُ أَنْ أَ ْنصَحَ َل ُكمْ إِنْ كَانَ اللّهُ يُرِيدُ أَنْ ُي ْغوِيَكُمْ ُهوَ رَ ّبكُ ْم وَإِلَيْهِ تُ ْر َ‬
‫وَلَا يَ ْنفَ ُعكُمْ ُن ْ‬
‫‪)34‬‬

‫والمعنى هنا‪ :‬إن كان ال سبحانه يريد أن يغويكم فلن تنتفعوا بالنصيحة إن أردت أن أنصحكم؛‬
‫لن الية بها تعدّد الشرطين‪.‬‬
‫ومثال ذلك من حياتنا‪ :‬حين يطرد ناظر المدرسة طالبا‪ ،‬عقابا له على خطأ معين‪ ،‬فالطالب قد‬
‫يستعطف الناظر‪ ،‬فيقول الناظر‪ " :‬إن جئتني غدا أقبل اعتذارك إنْ كان معك والدك "‪.‬‬
‫وقول الناظر‪ " :‬إن كان معك والدك " هو شرط متأخّر‪ ،‬ولكنه كان يجب أن يتقدّم‪.‬‬
‫وفي الية الكريمة ـ التي نحن بصددها ـ جاء الشرط الول متأخّرا‪ ،‬ولكن هل يغوي ال‬
‫سبحانه عِبادَه؟‬
‫ل‪ ،‬إنه سبحانه يهديهم‪ ،‬والغواية هي الضلل والبعد عن الطريق المستقيم‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والحق سبحانه يقول عن محمد صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫غوَىا }[النجم‪.]2 :‬‬
‫ل صَاحِ ُبكُمْ َومَا َ‬
‫ضّ‬
‫{ مَا َ‬
‫وقال سبحانه عن آدم عليه السلم حين أكل من الشجرة‪:‬‬
‫عصَىا ءَادَمُ رَبّهُ َف َغوَىا }[طه‪.]121 :‬‬
‫{ وَ َ‬
‫ونحن يجب ألّ نقع في الفة التي يخطىء البعض بها‪ ،‬حين يستقبلون ألفاظ العقائد على أساس ما‬
‫ن متعددة‪.‬‬
‫اشتهر به اللفظ من معنى؛ فاللفاظ لها معا ٍ‬
‫لذلك ل بد أن نعرض كل معاني اللفظ لنأخذ اللفظ المناسب للسّياق‪.‬‬
‫ومثال ذلك هو قول الحق سبحانه‪:‬‬
‫س ْوفَ يَ ْلقُونَ غَيّا }[مريم‪.]59 :‬‬
‫ش َهوَاتِ فَ َ‬
‫لةَ وَاتّ َبعُواْ ال ّ‬
‫{ َفخََلفَ مِن َبعْدِهِمْ خَ ْلفٌ َأضَاعُواْ الصّ َ‬
‫س ْوفَ َي ْلقُونَ غَيّا }‪.‬‬
‫وقوله سبحانه هنا‪ { :‬فَ َ‬
‫أي‪ :‬سوف يلقون عذابا‪ ،‬لن غَيّهم كان سببا في تعذيبهم‪ ،‬فسمّى العذاب باسم مُسبّبه‪.‬‬
‫ومثل قول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ وَجَزَآءُ سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثُْلهَا }[الشورى‪.]40 :‬‬
‫والحق سبحانه ل يُسيء لعباده ‪ ،‬ولكنهم هم الذين يُسيئون لنفسهم‪ ،‬فسمّى ما يلقاهم من العذاب‬
‫سيئةً‪.‬‬
‫وكذلك " ال َغيّ " يرد بمعنى " الغواء " ‪ ،‬ويرد بمعنى الثر الذي يترتب عن الغي من العذاب‪.‬‬
‫وقد عرض الحق سبحانه وتعالى في كتابه صورا متعددة للغواء‪ ،‬فآدم عليه السلم حين تَن ّكبَ‬
‫ل يقربها‪ ،‬قال الحق‬
‫عن الطريق‪ ،‬وأكل من الشجرة المحرّمة رغم تحذير الحق سبحانه له أ ّ‬
‫سبحانه وتعالى في هذا الموقف‪:‬‬
‫عصَىا ءَادَمُ رَبّهُ َف َغوَىا }[طه‪.]121 :‬‬
‫{ وَ َ‬
‫وقد فعل آدم عليه السلم ذلك بحكم طبيعته البشرية‪ ،‬فأراد ال تعالى أن يعلمه أنه إذا خالف‬
‫المنهج في " افعل " و " ل تفعل " ستظهر عورته وتبدو له سوءاته‪.‬‬
‫وهكذا أخذ آدم عليه السلم التجربة ليكون مُستعِدا لستقبال المنهج والوَحْي‪.‬‬
‫وقد ذكر لنا الحق سبحانه كلمات الشيطان بقوله‪:‬‬
‫ج َمعِينَ }[الحجر‪.]39 :‬‬
‫ض َولُغْوِيَ ّنهُمْ َأ ْ‬
‫غوَيْتَنِي لُزَيّنَنّ َلهُمْ فِي الَ ْر ِ‬
‫{ قَالَ َربّ ِبمَآ أَ ْ‬
‫ولكن هل أغوى ال ـ سبحانه ـ الشيطان؟‬
‫عصَى‪.‬‬
‫إن الحق سبحانه ل ُي ْغوِي‪ ،‬ولكنه يترك الخيار للمكلّف إن شاء أطاع‪ ،‬وإن شاء َ‬
‫ولو أنه سبحانه وتعالى جعلنا مؤمنين لما كان لنا اختيار‪ ،‬فإن أطاع النسان نال عطاء ال‪ ،‬وإن‬
‫ضلّ‪ ،‬فقد جعل ال له الختيار‪ ،‬ووَجّهه لغير المراد مع صلحيته للمراد‪.‬‬
‫َ‬
‫إذن‪ :‬فالختيار ليس مقصورا على الغواء بل فيه الهداية أيضا‪ ،‬والنسان قادر على أن يهتدي‪،‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وقادر على أن يضلّ‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه بعد ذلك‪ { :‬أَمْ َيقُولُونَ افْتَرَاهُ ُقلْ إِنِ افْتَرَيُْتهُ }‬

‫(‪)1494 /‬‬
‫أَمْ َيقُولُونَ افْتَرَاهُ ُقلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ َفعََليّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ ِممّا ُتجْ ِرمُونَ (‪)35‬‬

‫جاء هذا القول في صُلْب قصة نوح ـ عليه السلم ـ وقد يكون مما أوحى به ال سبحانه لنوح‬
‫عليه السلم‪ ،‬أو يكون المراد به أنهم قالوا لرسول ال صلى ال عليه وسلم هذا الكلم‪.‬‬
‫والفتراء ـ كما نعلم ـ هو الكذب المتعمّد الذي يناقض واقعا‪.‬‬
‫وانظروا إلى كل ما جاء بالمنهج ليلتزم به الفرد‪ ،‬ستجدون أنه مُلْ ِزمٌ للجميع‪ ،‬وستكون الفائدة التي‬
‫تعود عليك بالتزام الجميع ـ بما فيهم أنت ـ فائدة كبيرة‪ ،‬فإن قال لك المنهج‪ :‬ل تسرقْ؛ فهذا‬
‫أمانٌ لك من أن يسرقك الناس‪.‬‬
‫ولذلك فساعة تسمع للمنهج‪ ،‬ل تنظرْ إلى المأخوذ منك‪ ،‬بل التفتْ إلى المأخوذ لك‪.‬‬
‫وعلى ذلك ل يمكن أن يكون المنهج افتراء‪.‬‬
‫ونحن نعلم أن المنهج يؤسّس في المجتمعات مقاييس عادلة للستقامة‪ ،‬وحين يُشَرّع الحق سبحانه‬
‫تشريعا‪ ،‬قد يبدو لك أنه ُيحِدّ من حريتك‪ ،‬ولكنه في الواقع يُحقّق لك منافع متعدّدة‪ ،‬ويحميك من أن‬
‫يعتدي الخرين عليك‪.‬‬
‫وكان الردّ على التهام بالفتراء يتمثّل في أمرين‪ :‬إما أن يفتروا مثله‪ ،‬أو أن يتحمّل هو وِزْرُ‬
‫إجرام الفتراء‪.‬‬
‫وإن لم يكن قد افتراه‪ ،‬فعليهم يقع وِزْرُ إجرامهم باتّهامه أنه قد افترى‪.‬‬
‫وأسلوب الية الكريمة يحذف عنهم البراءة في الشطر الول منها‪ ،‬ولو جاء بالقول دون احتباك‪،‬‬
‫لقال سبحانه‪ :‬قل إن افتريته فعليّ إجرامي وأنتم براءه منه‪ ،‬وإنْ لم أفْتَرِ فعليكم إجرامكم وأنا‬
‫برىء‪.‬‬
‫ق المقابل من شِقّ آخر‪ ،‬وهذا ما يسمّى في اللغة " الحتباك "‪.‬‬
‫وجاء الحذف من شِ ّ‬
‫والحق سبحانه وتعالى يقول‪:‬‬
‫{ كَم مّن فِئَةٍ قَلِيَلةٍ غَلَ َبتْ فِئَةً كَثِي َرةً بِإِذْنِ اللّهِ }[البقرة‪.]249 :‬‬
‫والفئة القليلة تكون قلّتُها في الفراد والعَتَاد وكلّ لوازم الحرب‪ ،‬والفئة الكثيرة‪ ،‬تظهر كثرَتها في‬
‫العُدّة والعَدَد وكلّ لوازم الحرب‪ ،‬والفئة القليلة إنما َتغْلِب بإذن ال تعالى‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وهكذا يوضّح الحق سبحانه أن السباب تقضي بغلبة الفئة الكثيرة‪ ،‬لكن مشيئته سبحانه تغلب‬
‫السباب وتصل إلى ما شاءه ال تعالى‪.‬‬
‫ولذلك يقول الحق سبحانه في آية أخرى‪:‬‬
‫{ َقدْ كَانَ َلكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْ َتقَتَا فِئَةٌ ُتقَا ِتلُ فِي سَبِيلِ اللّ ِه وَأُخْرَىا كَافِ َرةٌ }[آل عمران‪.]13 :‬‬
‫وحذف سبحانه صفة اليمان عن الفئة الولى‪ ،‬كما حذف عن الفئة الثانية صفة أنها تقاتل في‬
‫سبيل الطاغوت والشيطان‪ ،‬وهذا يسمّى " الحتباك "‪.‬‬
‫وهنا في الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها قال الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ ُقلْ إِنِ افْتَرَيُْتهُ َفعََليّ ِإجْرَامِي وَأَنَاْ بَرِيءٌ ّممّا تُجْ ِرمُونَ } [هود‪.]35 :‬‬
‫ولكن الحق سبحانه وتعالى شاء أن يبين لنا قول رسول ال محمد صلى ال عليه وسلم حين‬
‫خاطب قومه‪ ،‬فقال سبحانه‪:‬‬
‫عمّا َت ْعمَلُونَ }[سبأ‪.]25 :‬‬
‫عمّآ َأجْ َرمْنَا وَلَ نُسَْألُ َ‬
‫{ قُل لّ تُسْأَلُونَ َ‬
‫عمّا تُجرمون "‪ .‬فلم يقابل إيذاءهم القوليّ والما ّديّ له بإيذاء قوليّ‪.‬‬
‫فلم َي ُقلْ‪َ " :‬‬
‫وكذلك ذكر الحق سبحانه ما جاء على لسان محمد صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫للٍ مّبِينٍ }[سبأ‪.]24 :‬‬
‫{ وَإِنّآ َأوْ إِيّاكُمْ َلعَلَىا هُدًى َأوْ فِي ضَ َ‬
‫وهذا ارتقاء في الجدل يناسب رحمة رسول ال صلى ال عليه وسلم التي أنزلها ال على العالم‬
‫كله‪.‬‬
‫وبعد ألف عام إل خمسين من جدال نوح عليه السلم لقومه‪ ،‬قال له الحق سبحانه وتعالى‪:‬‬
‫حيَ إِلَىا نُوحٍ أَنّهُ لَن ُي ْؤمِنَ }‬
‫{ وَأُو ِ‬

‫(‪)1495 /‬‬
‫حيَ ِإلَى نُوحٍ أَنّهُ لَنْ ُي ْؤمِنَ مِنْ َق ْومِكَ إِلّا مَنْ َقدْ َآمَنَ فَلَا تَبْتَ ِئسْ ِبمَا كَانُوا َيفْعَلُونَ (‪)36‬‬
‫وَأُو ِ‬

‫ومجيء " إل " هنا ليس للستثناء‪ ،‬ولكنها اسم بمعنى " غير " أي‪ :‬لن يؤمن من قومك غير الذي‬
‫آمن‪.‬‬
‫ولهذا نظير في قمة العقائد حين قال الحق سبحانه‪:‬‬
‫سدَتَا }[النبياء‪.]22 :‬‬
‫{ َلوْ كَانَ فِي ِهمَآ آِل َهةٌ ِإلّ اللّهُ َلفَ َ‬
‫و " إل " هنا أيضا بمعنى " غير " ‪ ،‬ولو كانت " إل " بمعنى الستثناء لعنى ذلك أن ال سبحانه ـ‬
‫معاذ ال ـ سيكون ضمن آلهة آخرين‪ ،‬لذلك ل يصلح هنا أن تكون " إل " للستثناء‪ ،‬بل هي‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ل وتَفرّده باللوهية‪.‬‬
‫جّ‬
‫بمعنى " غير " ‪ ،‬وتفيد معنى الوحدانية ل عَزّ و َ‬
‫والية التي نتناولها بخواطرنا تؤكد أنه ل يوجد غير من آمن بنوح ـ عليه السلم ـ من قومه‪،‬‬
‫سوف يؤمن؛ فقد ختم ال المسألة‪.‬‬
‫وهذا يعطينا تبريرا لجتراء نوح ـ عليه السلم ـ على الدعاء على الذين لم يؤمنوا من قومه‬
‫بقوله‪:‬‬
‫علَى الَ ْرضِ مِنَ ا ْلكَافِرِينَ دَيّارا * إِ ّنكَ إِن َتذَرْهُمْ ُيضِلّواْ عِبَا َدكَ وَلَ يَلِدُواْ ِإلّ فَاجِرا‬
‫ب لَ تَذَرْ َ‬
‫{ ّر ّ‬
‫َكفّارا }[نوح‪26 :‬ـ ‪.]27‬‬
‫وكان تبرير ذلك أنه عليه السلم قد دعاهم إلى اليمان زمانا طويلً فلم يستجيبوا‪ ،‬وأوحى له ال‬
‫تعالى أنهم لن يؤمنوا‪ ،‬وقال له سبحانه‪:‬‬
‫{ فَلَ تَبْتَئِسْ ِبمَا كَانُواْ َي ْفعَلُونَ } [هود‪.]36 :‬‬
‫والبتئاس هو الحزن المحبط‪ ،‬وهم قد كفروا وليس بعد الكفر ذنب‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه بعد ذلك‪ { :‬وَاصْنَعِ ا ْلفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا َووَحْيِنَا }‬

‫(‪)1496 /‬‬
‫وَاصْنَعِ ا ْلفُ ْلكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا ُتخَاطِبْنِي فِي الّذِينَ ظََلمُوا إِ ّنهُمْ ُمغْ َرقُونَ (‪)37‬‬

‫وهكذا علم نوح بمسألة الغراق من خلل الوحي له بصنع السفينة‪ .‬ومعنى " أصنع " أي‪ :‬اعمل‬
‫الصنعة‪ ،‬وهناك فرق بين الصنعة والحرفة‪ ،‬فالصنعة أنْ تُوجِدَ معدوما‪ ،‬كصانع الكواب‪ ،‬أو‬
‫جفَ‪ ،‬أو صانع الكراسي‪ ،‬أما الذي يقوم على صيانة الصنعة فهو‬
‫صانع الحذية‪ ،‬أو صانع النّ َ‬
‫الحرفيّ‪.‬‬
‫حبّ‬
‫وهناك عملية أخرى للستنباطات مثل مهنة الزارع الذي يحرث الرض ويبذر فيها ال َ‬
‫ويرويها ليستنبط منها النباتات‪ ،‬ويسمّى صاحب هذه المهنة " زارع " أو " فلّح "؛ لن اقتيات‬
‫الحياة المباشر يأتي من الزراعة‪.‬‬
‫أما الصانع فيأتي بشيء من متطلبات الحياة‪ ،‬في تطورها ويوجد آلةً أو يصنع جهازا لم يكن‬
‫موجودا‪ ،‬و الحرفيّ هو الذي يصون تلك اللة‪ ،‬أما التاجر فهو الذي يقوم بعمليةٍ تجمع كل ذلك‪،‬‬
‫ويكون هو الوسيلة بين منتج الشيء والمستهلك‪ ،‬فالتاجر يكون لعرض الشياء بغية البيع والشراء‪.‬‬
‫والحق سبحانه وتعالى يقول هنا لنوح عليه السلم‪:‬‬
‫{ وَاصْنَعِ ا ْلفُ ْلكَ } [هود‪.]37 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أي‪ :‬أوجد شيئا من عدم‪ ،‬إل أن هذا الشيء سيصنع من شيء آخر موجود‪ ،‬لن نوحا عليه السلم‬
‫قد زرع من قبل شجرة وعاشت معه كل هذه المدة الطويلة‪ ،‬وتضخّمت في الجذع والفروع‪.‬‬
‫وبدأ نوح عليه السلم في عملية شقّ الشجرة ليصنع منها السفينة التي بلغ طولها ـ كما قيل ـ‬
‫ثلثمائة ذراع وبلغ عرضها خمسين ذراعا‪ ،‬وبلغ ارتفاعها ثلثين ذراعا ومكوّنة من ثلثة أدوار‬
‫لتسع المؤمنين‪ ،‬وزوجين من كل نوع من حيوانات الرض ودوابّها وهوامها وسباعها ووحوشها‪.‬‬
‫ونحن قد علمنا أن الشجرة التي زرعها نوح عليه السلم قد تضخّمت جدا لطول المدّة التي قضاها‬
‫نوح في دعوته لقومه؛ ونعلم أيضا أن جذع الشجرة ينمو دائريا بمقدار دائرة كل عام‪ .‬وحين نقطع‬
‫جذع الشجرة نجد أن قطر الجذع مكوّن من دوائر‪ ،‬وكل دائرة تمثّل عاما من عمرها‪.‬‬
‫وهكذا بلغ حجم الشجرة ما يساعد نوحا عليه السلم على أن يصنع السفينة‪.‬‬
‫وقد علّمه الحق سبحانه بالوحي وإلهام الخواطر كيف يصنع السفينة‪ ،‬ألمْ يُلهِم ال سبحانه نبيّه داود‬
‫عليه السلم في مسألة الحديد؟ وقال لنا سبحانه أنه ـ جلّ وعَل ـ قد أمر الجبال أو ُت َؤوّب معه‪،‬‬
‫وكذلك الطير‪ ،‬فألن له الحديد دون نار‪:‬‬
‫ع َملْ سَا ِبغَاتٍ }[سبأ‪10 :‬ـ ‪.]11‬‬
‫{ ياجِبَالُ َأوّبِي َمعَ ُه وَالطّيْ َر وَأَلَنّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ ا ْ‬
‫هكذا أخبرنا الحق سبحانه أن الحديد صار ليّنًا دون نار ـ بإذنه سبحانه ـ ليصنع منه داود‬
‫دروعا كبير مستوفية للظهور والصدر‪ ،‬لتحمي معاطب النسان‪.‬‬
‫وقد أوحى الحق سبحانه لداود عليه السلم أن يصنع تلك الدروع بطريقة عجيبة‪ ،‬بأن يجعلها‬
‫سابغات‪.‬‬
‫والسابغة هي المسرودة‪ ،‬مثل الحصير‪ ،‬حيث يُوضع العُود بجانب العود‪ ،‬ويربط العواد كلها‬
‫بطريقة تسهل من فَرْد الحصير أو َلفّه‪.‬‬
‫وفي نفس الية يبيّن لنا الحق سبحانه كيفية الوحي لداود عليه السلم بتلك الصناعة الدقيقة‪ ،‬فيقول‬
‫سبحانه‪:‬‬
‫{ َوقَدّرْ فِي السّرْدِ }[سبأ‪.]11 :‬‬
‫أي‪ :‬أنك يا داود حين تنسج الحديد الليّن ـ بإذن ال تعالى ـ لتجعله دروعا عليك أن تصنع تلك‬
‫الدروع بتقدير دقيق كي ل تكون الدّرع ضيّقة على صدر المقاتل فتضيق حركته‪ ،‬وتقلّل من قدرته‬
‫على التنفس‪ ،‬فيلهث بسرعة‪ ،‬ول يستطيع مواصلة القتال‪.‬‬
‫ل تكون الدّرع واسعة على صدر المقاتل؛ حتى ل تساعد سعة الدّرع سيف الخصم‪،‬‬
‫وكذلك يجب أ ّ‬
‫فيضرب الدّرع نفسه صدر المقاتل‪ ،‬وتكون قوة الدّرع مضافة إلى قوة سيف الخصم‪ ،‬ولكن حين‬
‫تكون الدّرع قادرة على الحاطة بالجسم دون أن يُكبّل الحركة‪ ،‬فهذه الدّرع المناسبة للقتال‪.‬‬
‫وقد أتقن داود عليه السلم صناعة تلك الدّروع بتلك الهندسة الدقيقة التي أوحى الحق سبحانه بها‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إليه‪ ،‬فقد صنعها بأمر الحق العلى سبحانه حين قال له‪َ {:‬وقَدّرْ }[سبأ‪ ]11 :‬وكلمة قدر تعطي‬
‫معنى التقدير والتقان‪.‬‬
‫فعلى الذين يصنعون الشياء عليهم أن يعلموا أن القرآن الكريم لحظة يوجّه إلى التقان في الداء‬
‫والعمل‪ ،‬فإنه يعلمنا طريقة التقدير والتقان في العمل والبداع فيه‪ ،‬لتتخذ من هذا التوجيه نبراسا‬
‫نسير عليه؛ ليكون العمل صالحا‪ ،‬وأنت ترى من يتقن صنعته وهو يقول‪ " :‬ال " ‪ ،‬وكأن هذا‬
‫القول اعتراف الفطرة الولى بقدرة الحق سبحانه على أن َي َهبَ النسانَ طاقة التقان والبداع‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه أيضا في تعليمه لداود عليه السلم‪:‬‬
‫{ وَعَّلمْنَا ُه صَ ْنعَةَ لَبُوسٍ }[النبياء‪.]80 :‬‬
‫وهكذا يلقي ال تعالى الخاطر في قلب الرسول أو النبي أن " افعل كذا "؛ فيفعل‪.‬‬
‫ل علومها وفنونها في التحنيط واللوان والنّحت‪،‬‬
‫وحين ننظر إلى حضارة مصر القديمة‪ ،‬نجد ك ّ‬
‫كانت من اختصاص الكهنة الذين يُمثّلون السلطة الدينية‪ ،‬ولم يكتب هؤلء الكهنة أسرار تلك‬
‫العلوم‪ ،‬فلم يستطع أحد من المعاصرين أن يتعرف عليها‪.‬‬
‫وهكذا نجد أن كل أمر في أصوله؛ مصدره السماء‪.‬‬
‫وفي قصة نوح عليه السلم نجد الحق سبحانه يقول‪:‬‬
‫} وَاصْنَعِ ا ْلفُ ْلكَ بِأَعْيُنِنَا َووَحْيِنَا َولَ تُخَاطِبْنِي فِي الّذِينَ ظََلمُواْ إِ ّنهُمْ ّمغْ َرقُونَ { [هود‪.]37 :‬‬
‫ومعنى " بأعيننا " هو بحفظنا وبرعايتنا‪ .‬وكلمة " بأعيننا " تفيد شمول الحفظ وكمال الرعاية‪.‬‬
‫ألم يقل الحق سبحانه في مسألة تخصّ رسول ال محمد صلى ال عليه وسلم؟‬
‫حكْمِ رَ ّبكَ فَإِ ّنكَ بِأَعْيُنِنَا }[الطور‪.]48 :‬‬
‫{ وَاصْبِرْ ِل ُ‬
‫وكذلك قال سبحانه في قصة سيدنا موسى عليه السلم‪:‬‬
‫{ وَلِ ُتصْنَعَ عَلَىا عَيْنِي }[طه‪.]39 :‬‬
‫وأنقذ الحق سبحانه موسى عليه السلم من الفرعون الذي كان يقتل أطفال بني إسرائيل‪ ،‬وألقى ال‬
‫تعالى المحبة لموسى في قلب زوجة الفرعون‪ ،‬وقال سبحانه‪:‬‬
‫علَ ْيكَ مَحَبّةً مّنّي }[طه‪.]39 :‬‬
‫{ وَأَ ْلقَ ْيتُ َ‬
‫لن موسى عليه السلم حين كان طفلً رضيعا قد ألقىَ في اليَمّ‪ ،‬والتقطه رجال الفرعون‪ ،‬لكن‬
‫زوجة الفرعون قالت لزوجها طالبة لموسى الحياة‪:‬‬

‫{ قُ ّرةُ عَيْنٍ لّي وََلكَ }[القصص‪.]9 :‬‬
‫ع ُدوّ موسى وقومه‪ ،‬يلتقط موسى ليعيش في كنفه ورعايته‪ ،‬وكأن ال سبحانه يقول‬
‫ونحن نجد أن َ‬
‫لهم‪ :‬سأجعلكم تُربّون مَنْ يتولّى قهركم‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫} وَاصْنَعِ ا ْلفُ ْلكَ بِأَعْيُنِنَا { [هود‪.]37 :‬‬
‫أي‪ :‬إنك إن توقّفتَ لية عقبة‪ ،‬فسوف نُلهمك بما تُواجه به تلك العقبة‪.‬‬
‫وحين صنع نوح عليه السلم الفُلْك احتاج للواح خشبية‪ ،‬ول بد أن تتماسك تلك اللواح‪ ،‬ولم تكن‬
‫مسامير قد اختُرعتْ َبعْدُ‪ ،‬فأوحى له ال تعالى أن يربط اللواح بالحبال المجدولة‪ ،‬وقد فعل هذا‬
‫أحد مكتشفي أمريكا في العصر الحديث‪ ،‬حين صنع سفينة من نبات البَرْدِى وربطها بالحبال‬
‫المجدولة القوية‪.‬‬
‫وقال الحق سبحانه في طريقة صنع سفينة نوح عليه السلم‪:‬‬
‫ح وَدُسُرٍ }[القمر‪.]13 :‬‬
‫علَىا ذَاتِ أَ ْلوَا ٍ‬
‫حمَلْنَاهُ َ‬
‫{ وَ َ‬
‫ح َكمَ الرّبط بقدر مقتدر‬
‫أي‪ :‬أن نوحا عليه السلم قد أحضر من الخشب وربطها بحبال مجدولة‪ ،‬وأ ْ‬
‫بما ل يسمح بتسرب الماء إلى داخل السفينة‪.‬‬
‫مثلما تصنع البراميل الخشبية في عصرنا‪ ،‬حيث يصنعها الصانع من قطع خشبية مستطيلة‪،‬‬
‫ويرتّبها ثم يُحْكم رَبْطَها بإطار قويّ‪ ،‬وحين يوضع فيها أي سائل‪ ،‬فالخشب يتشرّب من هذا السائل‬
‫ويتمدّد ليسدّ المسَام‪ ،‬فل ينضح السائل من البرميل؛ لن الخشب هو المادة الوحيدة التي تتمدّد‬
‫بالبرودة على العكس من كل المواد التي تتمدّد بالحرارة‪.‬‬
‫ولذلك نجد النّجّار الحاذق في صنعته هو مَنْ يصنع الثاث أو البواب أو الشبابيك في الفصول‬
‫الرتيبة؛ لنه إن صنعها في الصيف‪ ،‬سنجد الخشب وهو منكمش؛ فإذا ما جاء الشتاء تمدّد ذلك‬
‫الخشب وسبّب عدم إحكام إغلق البواب والنوافذ‪ ،‬وكذلك إن صنعها في الشتاء والخشب متمدّد‬
‫سيأتي الصيف وتنكمش البواب‪ ،‬وتكون لها متاعبها‪ ،‬فل يسهل ضبط إغلق البواب أو ضبط‬
‫أي صندوق أو شبّاك بإحكام‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫} َولَ تُخَاطِبْنِي فِي الّذِينَ ظََلمُواْ إِ ّن ُهمْ ّمغْ َرقُونَ { [هود‪.]37 :‬‬
‫أي‪ :‬ل تحدّثني في أمر المغفرة لمن ظلموا أنفسهم بالكفر‪ ،‬وهم مَن ارتكبوا الظلم العظيم‪ ،‬وهو‬
‫الكفر في القمة العقدية‪ ،‬وهي اليمان بال تعالى واحدا أحدا ل شريك له؛ لذلك استحقوا العقاب‪،‬‬
‫وهو الغراق‪.‬‬
‫ن صُنْعِ السفينة مرتبط بلون العقاب الذي سيقع على مَنْ كفروا‬
‫وهكذا عَِل َم نوح عليه السلم أ ّ‬
‫برسالته‪ ،‬فهو ومَنْ آمنوا معه سوف ينجون‪ ،‬أما مَنْ كفر فلسوف يغرق‪.‬‬
‫ويبيّن الحق سبحانه وتعالى حين يقول‪ } :‬وَ َيصْنَعُ ا ْلفُ ْلكَ َوكُّلمَا مَرّ عَلَيْهِ مَلٌ مّن َق ْومِهِ {‬

‫(‪)1497 /‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وَ َيصْنَعُ ا ْلفُ ْلكَ َوكُّلمَا مَرّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ َقوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإِنّا َنسْخَرُ مِ ْنكُمْ َكمَا‬
‫سخَرُونَ (‪)38‬‬
‫تَ ْ‬

‫وكان السادة والكبراء من مل نوح يمرون عليه وهو يصنع السفينة يسخرون منه‪ ،‬بما يعني‪ :‬ها‬
‫هو بعد أن ادّعى النبوة يتحوّل إلى نجّار‪ ،‬ثم يتساءلون‪ :‬كيف تصل هذه السفينة من " الموصل "‬
‫إلى البحر؟‬
‫ولم يكونوا قد علموا ما علمه نوح عليه السلم من أن الماء هو الذي سوف يأتي ليحمل السفينة‪.‬‬
‫ونحن نلحظ في قول الحق سبحانه وتعالى‪:‬‬
‫{ وَ َيصْنَعُ ا ْلفُ ْلكَ } [هود‪.]38 :‬‬
‫تنفيذ المر الذي صدر من ال سبحانه وتعالى إلى نوح عليه السلم حين قال سبحانه‪:‬‬
‫{ وَاصْنَعِ ا ْلفُ ْلكَ بِأَعْيُنِنَا َووَحْيِنَا َولَ تُخَاطِبْنِي فِي الّذِينَ ظََلمُواْ إِ ّنهُمْ ّمغْ َرقُونَ }[هود‪.]37 :‬‬
‫عذَابٌ ُيخْزِيهِ }‬
‫سوْفَ َتعَْلمُونَ مَن يَأْتِيهِ َ‬
‫ثم يقول الحق سبحانه بعد ذلك‪َ { :‬ف َ‬

‫(‪)1498 /‬‬
‫عذَابٌ ُمقِيمٌ (‪)39‬‬
‫حلّ عَلَيْهِ َ‬
‫عذَابٌ يُخْزِي ِه وَيَ ِ‬
‫س ْوفَ َتعَْلمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ َ‬
‫فَ َ‬

‫س ْوفَ } { َتعَْلمُونَ } أن الفعل الذي يعلمه نوح عليه السلم وهو‬
‫ونلحظ في قول الحق سبحانه‪ { :‬فَ َ‬
‫أمر الغراق سيحدث مستقبلً؛ لن أي حدث ـ كما نعلم ـ له أكثر من صورة‪ ،‬فإن جاء الكلم‬
‫عن الحدث بعد وقوعه؛ كان الفعل ماضيا‪ ،‬وإن جاء الكلم وقت الحدث كان الفعل مضارعا‪.‬‬
‫وإن جاء الكلم عن حدث لم يأت زمنه فالمر يقتضي أن نسبق الكلم عن الحدث بحرف " السين‬
‫" كأن نقول‪ " :‬سيعلمون " وهذا عن الستقبال القريب‪ ،‬أما عن الستقبال البعيد فتأتي كلمة " سوف‬
‫"‪.‬‬
‫ونحن نعلم أن نوحا عليه السلم قضى العديد من السنين وهو يصنع السفينة؛ ولذلك جاء بـ "‬
‫سوف " لتدل على أوسع مَدًى زمنيّ‪.‬‬
‫وما الذي سوف يعلمونه؟ إن العذاب‪ ،‬أيأتي لنوح ومن معه أم يأتي للذين كفروا من مل نوح‪.‬‬
‫لذلك يقول الحق سبحانه على لسان نوح عليه السلم‪:‬‬
‫سوْفَ َتعَْلمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ ُيخْزِيهِ } [هود‪.]39 :‬‬
‫{ َف َ‬
‫وفي هذا القول ما يؤكّد أن نوحا عليه السلم يعلم أن العذاب سوف يأتيهم؛ لنهم كفروا وسَخِروا‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وقالوا‪:‬‬
‫{ فَأْتِنَا ِبمَا َت ِعدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ الصّا ِدقِينَ }[هود‪.]32 :‬‬
‫وقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫حلّ عَلَ ْيهِ عَذَابٌ ّمقِيمٌ } هود‪.]39 :‬‬
‫{ وَيَ ِ‬
‫حلّ بالمكان‪،‬‬
‫حلّ } وهي ضِدّ الرحيل‪ ،‬وتفيد النزول من أعلى إلى مكان القامة‪َ ،‬ف َ‬
‫نجد فيه كلمة { َي ِ‬
‫أي‪ :‬نزلَ ليقيم به‪ ،‬والضّدّ هو الرحيل أو الترحال‪.‬‬
‫حلّ بهم عذاب دائم‪.‬‬
‫وقول الحق سبحانه‪ّ { :‬مقِيمٌ } يعني أن العذاب الذي سي ِ‬
‫ويقول الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك‪ { :‬حَتّىا ِإذَا جَآءَ َأمْرُنَا َوفَارَ التّنّورُ }‬

‫(‪)1499 /‬‬
‫ن وَأَهَْلكَ إِلّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ‬
‫ح ِملْ فِيهَا مِنْ ُكلّ َزوْجَيْنِ اثْنَيْ ِ‬
‫حَتّى إِذَا جَاءَ َأمْرُنَا َوفَارَ التّنّورُ قُلْنَا ا ْ‬
‫ن َومَا َآمَنَ َمعَهُ إِلّا قَلِيلٌ (‪)40‬‬
‫ل َومَنْ َآمَ َ‬
‫ا ْل َقوْ ُ‬

‫وكلمة { حَتّىا } تدل على الغاية وكلمة { َأمْرُنَا } تدل على الطوفان‪ ،‬ثم المر من الحق سبحانه‬
‫بأن يحمل فيها من كل زوجين اثنين‪ ،‬ومَنْ آمن معه وكانوا قِلّة قليلة‪.‬‬
‫إذن‪ :‬ففي قصة نوح عليه السلم أكثر من مرحلة‪ ،‬أمر من ال تعالى بقوله‪:‬‬
‫{ وَاصْنَعِ ا ْلفُ ْلكَ }[هود‪.]37 :‬‬
‫وعمل من نوح عليه السلم بأن يصنع‪ ،‬وقد استغرق هذا الفعل وقتا طويلً من نوح عليه السلم‬
‫إلى أن جاء أمر الطوفان الذي يدل عليه قول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ َوفَارَ التّنّورُ } [هود‪.]40 :‬‬
‫ومعنى كلمة { فَارَ } أي‪ :‬أن الماء قد وصل إلى درجة الغليان‪.‬‬
‫فالماء يحتوي على هواء بدليل أن السمك يتنفس من الماء‪ ،‬وحين نغلي الماء نرى فقاقيع الهواء‬
‫وهي تخرج من الماء‪ ،‬ثم يثقل الماء إلى أن تشتد سخونة الغليان‪ ،‬فيفور الماء منثورا خارج إناء‬
‫الغليان‪.‬‬
‫و " التنور " هو المكان الذي تتم فيه عملية الخبز‪ ،‬وخروج الماء من التنور هو علمة مميزة‬
‫يعلمها نوح عليه السلم ليحمل من يريد نجاتهم‪ ،‬من المؤمنين‪ ،‬ومن متاع الدنيا كله‪.‬‬
‫وكانت العلمة هي خروج الماء من غير َمظَانّه وهو التنور‪.‬‬
‫واختلف العلماء في تفسير كلمة " التنور " فمنهم من قال‪ :‬إن التنور هو المكان الذي كان آدم عليه‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫السلم يخبز فيه‪ ،‬أو هو المكان الذي كانت تعمل فيه حواء‪ ،‬أو هو بيت نوح‪ ،‬أو هو بيت سيدة‬
‫عجوز‪.‬‬
‫وكل تلك التفسيرات ل تفيد ول تضرّ‪ ،‬المهم أن فوران التنور كان علمة بين نوح عليه السلم‬
‫وربه‪ ،‬وأنه إذا ما فار التنور فعَلَى نوح أن يحمل من كل زوجين اثنين‪.‬‬
‫وقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫ح ِملْ فِيهَا مِن ُكلّ َزوْجَيْنِ اثْنَيْنِ } [هود‪.]40 :‬‬
‫{اْ‬
‫تعني‪ :‬أن يحمل من كل الكائنات‪ ،‬وتدل على ذلك كلمة { ُكلّ } المنونة ـ وتفيد التعميم ـ أي‪:‬‬
‫احمل في السفينة من كل شيء‪ ،‬تطلبه حياة الناجين من جميع أصناف النباتات والحيوانات‪ ،‬حتى‬
‫الخنزير كان ضمن ما حمله نوح عليه السلم‪.‬‬
‫والذين يقولون إن تحريم الخنزير جاء؛ لن نوحا عليه السلم لم يحمله معه‪ ،‬لم يفطنوا إلى أهمية‬
‫الخنزير كحيوان يأكل القاذورات وينظف الرض منها؛ لن كل كائن له مهمة‪ ،‬وليست مهمة‬
‫الكائنات فقط أن يأكلها النسان‪.‬‬
‫وكلمة‪:‬‬
‫{ َزوْجَيْنِ اثْنَيْنِ } [هود‪.]40 :‬‬
‫تدل على أن كلمة " َزوْجٍ " هي مفرد؛ بدليل قول الحق سبحانه‪:‬‬
‫جهَا }[النساء‪.]1 :‬‬
‫خلَقَ مِ ْنهَا َزوْ َ‬
‫{ وَ َ‬
‫إذن‪ :‬كلمة " َزوْجٍ " تعني مفرد معه مثله‪ ،‬كزوج من الحذية مثلً‪.‬‬
‫أقول ذلك حتى ل نأخذ كلمة " الزوج " على أنها اثنان؛ ولذلك نجد الحق سبحانه يقول في آية‬
‫أخرى‪.‬‬
‫ن َومِنَ ا ْل َمعْزِ اثْنَيْنِ ُقلْ ءَآل ّذكَرَيْنِ حَرّمَ أَمِ الُنثَيَيْنِ َأمّا اشْ َتمََلتْ عَلَيْهِ‬
‫{ َثمَانِيَةَ أَ ْزوَاجٍ مّنَ الضّأْنِ اثْنَيْ ِ‬
‫ن َومِنَ الْ َبقَرِ اثْنَيْنِ }‬
‫أَرْحَا ُم الُنثَيَيْنِ نَبّئُونِي ِبعِلْمٍ إِن كُنتُ ْم صَا ِدقِينَ * َومِنَ الِ ْبلِ اثْنَيْ ِ‬
‫[النعام‪143 :‬ـ ‪.]144‬‬
‫وحين نجمع العدد سنجده ثمانية‪ ،‬ولو كانت كلمة " زوج " تطلق على الثنين لصار العدد في تلك‬
‫الية الكريمة ستة عشر‪.‬‬
‫ويوضّح القرآن الكريم أن كلمة " زوج " مفرد في قول الحق سبحانه‪:‬‬
‫ج َعلَ مِنْهُ ال ّزوْجَيْنِ ال ّذكَرَ‬
‫سوّىا * فَ َ‬
‫طفَةً مّن مّنِيّ ُيمْنَىا * ُثمّ كَانَ عََلقَةً فَخََلقَ فَ َ‬
‫{ أََلمْ َيكُ ُن ْ‬
‫وَالُنثَىا }[القيامة‪37 :‬ـ ‪.]39‬‬
‫إذن‪ :‬فالذكر زوج‪ ،‬والنثى زوج أيضا‪.‬‬
‫وواصل نوح عليه السلم تنفيذ أمر الحق سبحانه‪:‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ن َومَآ آمَنَ َمعَهُ ِإلّ قَلِيلٌ‬
‫ن وَأَهَْلكَ ِإلّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ا ْل َق ْولُ َومَنْ آمَ َ‬
‫ح ِملْ فِيهَا مِن ُكلّ َزوْجَيْنِ اثْنَيْ ِ‬
‫}اْ‬
‫{ [هود‪.]40 :‬‬
‫وهكذا شاء الحق سبحانه أن يستبقي الحياة بنجاة كل ما تحتاجه الحياة بالسفينة‪ ،‬ويقال‪ :‬إنهم عاشوا‬
‫في تلك السفينة عامين‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه بعد ذلك‪َ } :‬وقَالَ ا ْركَبُواْ فِيهَا بِسْمِ اللّهِ َمجْرياهَا َومُرْسَاهَا {‬

‫(‪)1500 /‬‬
‫سمِ اللّهِ مَجْرَاهَا َومُرْسَاهَا إِنّ رَبّي َل َغفُورٌ رَحِيمٌ (‪)41‬‬
‫َوقَالَ ا ْركَبُوا فِيهَا بِ ْ‬

‫هذه هي المرحلة الخيرة في قصة السفينة‪ ،‬وبدأت القصة بأمر من ال سبحانه لنوح عليه السلم‬
‫أن اصنع الفلك‪ ،‬ثم تمهيد من نوح لقومه‪ ،‬ثم ظل يصنع الفلك حتى جاءت إشارة البدء بعلمة‪:‬‬
‫{ َوفَارَ التّنّورُ }[هود‪]40 :‬‬
‫ح َملَ نوح عليه السلم في الفُلْك ـ بأمر من ال تعالى ـ من كل شيء زوجين اثنين‪ ،‬وأهله‬
‫وَ‬
‫ومَنْ آمن معه‪.‬‬
‫وقال نوح عليه السلم لمن آمن‪:‬‬
‫سمِ اللّهِ مَجْرياهَا َومُرْسَاهَا } [هود‪.]41 :‬‬
‫{ ا ْركَبُواْ فِيهَا بِ ْ‬
‫وهذا القول منسوب لنوح عليه السلم؛ لنه أضاف‪:‬‬
‫{ إِنّ رَبّي َل َغفُورٌ رّحِيمٌ } [هود‪.]41 :‬‬
‫والركوب يقتضي أن يكون الراكب على المركوب‪ ،‬ومستعلٍ عليه‪ .‬والستعلء يقتضي أن يكون‬
‫الشيء المُستعلَى عليه في خدمة المُستعلِي‪ ،‬فكأن تسخير ال سبحانه للسفينة إنما جاء ليخدم‬
‫المستعلِي‪.‬‬
‫ولكن ال تعالى يقول هنا‪:‬‬
‫{ ا ْركَبُواْ فِيهَا } [هود‪.]41 :‬‬
‫ولم يقل‪ " :‬اركبوا عليها "‪.‬‬
‫قال الحق سبحانه وتعالى ذلك؛ ليعطينا لقطة عن طريق صنع السفينة‪ ،‬فقد صنعها نوح عليه‬
‫السلم بوحي من ال تعالى على أفضل نظام في البواخر‪ ،‬ولم يصنعها بطريقة بدائية‪ ،‬فهم ـ إذن‬
‫ـ لم يركبوها على سطحها‪ ،‬بل تم بناؤها بما يتيح لهم السكن فيها‪ ،‬خصوصا وأن تلك السفينة‬
‫تحمل وحوشا وهواما وحيوانات بجانب البشر‪ ،‬لذلك كان ل بد من بنائها على هيئة طبقات‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وأدوار‪.‬‬
‫وقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ ِبسْمِ اللّهِ مَجْرياهَا َومُرْسَاهَا } [هود‪.]41 :‬‬
‫يُبيّن لنا أنها قد صُنعت لتُنجي من الغرق؛ لذلك ل بد أن تسير بالراكبين فيها إلى مكان ل يصله‬
‫سوّ‪ ،‬كما أتاح الفيضان عملية الجريان‪.‬‬
‫الماء‪ ،‬ول بد أن يكون هذا المكان عاليا؛ ليتيح الرّ ُ‬
‫سوّها بإذنه سبحانه‪.‬‬
‫وهكذا كان جريانها باسم ال‪ ،‬ورُ ُ‬
‫وقول نوح عليه السلم‪:‬‬
‫{ ِبسْمِ اللّهِ مَجْرياهَا َومُرْسَاهَا } [هود‪.]41 :‬‬
‫يعلّمنا أن جريانها إنما يتمّ بمشيئة ال تعالى وأنهم يركبون فيها‪ ،‬ل لمكانتهم الشخصية‪ ،‬ولكن‬
‫ليمانهم بال تعالى‪.‬‬
‫ومثال ذلك من حياتنا ـ ول المثل العلى ـ‪ :‬نجد القاضي يقول مفتتحا الحكم‪ " :‬باسم الدستور‬
‫والقانون " أي‪ :‬أنه ل يحكم بذاته كقاضٍ‪ ،‬لكنه يحكم باسم الدستور والقانون‪.‬‬
‫ونوح عليه السلم يقول‪:‬‬
‫{ ِبسْمِ اللّهِ مَجْرياهَا َومُرْسَاهَا } [هود‪,]41 :‬‬
‫لن السفينة ل أمر‪ ،‬ولرسوله صناعة‪.‬‬
‫ولذلك يقال‪ " :‬كل شيء ل يبدأ باسم ال فهو أبْتر "‪.‬‬
‫لنك حين تُقبل على فعل شيء‪ ،‬فالفعال أو الحداث تحتاج إلى طاقات متعددة‪ ،‬فإن كان الفعل‬
‫عضليّا‪ ،‬فهو يحتاج لقوة‪ ،‬وإن كان الفعل عقليّا فهو يحتاج لفكر ورويّة وأناة‪ ،‬وإن كان فعلً فيه‬
‫مواجهة لهل الجاه فهو يحتاج إلى شجاعة‪ ،‬وإن كان من أجل تصفية نفوس فهو يحتاج إلى الحِلْم؟‬
‫إذن‪ :‬فاحتياجات الحداث كثيرة ومختلفة‪ ،‬ومن أجل أن تحصل على القوة فقد تقول‪ " :‬باسم القوي‬
‫القادر " ولكي تحصل على علم؛ تقول‪ " :‬باسم العليم " ‪ ،‬وتريد الغني؛ فتقول‪ " :‬باسم الغنيّ "‬
‫وحين تحتاج إلى الحلم تقول‪ " :‬باسم الحليم " ‪ ،‬وعندما تحتاج إلى الشجاعة؛ تقول‪ " :‬باسم القهار‬
‫"‪.‬‬
‫وقد يحتاج الفعل الواحد لشياء كثيرة‪ ،‬والذي ُيغْنِي عن كل ذلك أن تنادي ربك وتتبرّك باسم واجد‬
‫الوجود وهو ال سبحانه وتعالى‪ ،‬ففيه تنطوي كل صفات الكمال والجلل‪.‬‬
‫وإياك أن تتهيّب أو تستحي‪ ،‬بل ادخل على كل أمر باسم ال‪ ،‬حتى لو كنت عاصيا؛ لن الحق‬
‫سبحانه رحمن رحيم‪.‬‬
‫وقول الحق سبحانه على لسان نوح عليه السلم‪:‬‬
‫} إِنّ رَبّي َل َغفُورٌ رّحِيمٌ { [هود‪.]41 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إنما يقصد أن هؤلء المؤمنين برسالة نوح كانوا من البشر‪ ،‬ولم يطبّقوا ـ كغالبية البشر ـ كل‬
‫التكاليف؛ لنهم ليسوا ملئكة‪.‬‬
‫لذلك َقدّر الحق سبحانه وتعالى إيمانهم وعفا عن بعض الذنوب التي ارتكبوها ولم يؤاخذهم بها‪.‬‬
‫هذه هي الميزة في قول‪ " :‬بسم ال الرحمن الرحيم "‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه بعد ذلك يَصفُ السفينة و ُركّابها‪ } :‬وَ ِهيَ تَجْرِي ِبهِمْ فِي َموْجٍ كَالْجِبَالِ {‬

‫(‪)1501 /‬‬
‫ل وَنَادَى نُوحٌ ابْنَ ُه َوكَانَ فِي َمعْ ِزلٍ يَا بُ َنيّ ا ْر َكبْ َمعَنَا وَلَا َتكُنْ مَعَ‬
‫وَ ِهيَ َتجْرِي ِبهِمْ فِي َموْجٍ كَالْجِبَا ِ‬
‫ا ْلكَافِرِينَ (‪)42‬‬

‫وجرت بهم السفينة‪ ،‬ل بين موج هائج فحسب‪ ،‬ولكن كان الموج كالجبال‪ ،‬وهذا يدل على أنها‬
‫مُسيّرة بقوة عالية ل تؤثر فيها المواج‪ ،‬ثم يجيء الحديث عن عاطفة البوة حين ينادي نوح ابنه‪:‬‬
‫{ وَنَادَىا نُوحٌ ابْ َن ُه َوكَانَ فِي َمعْ ِزلٍ يابُ َنيّ ا ْر َكبَ ّمعَنَا َولَ َتكُن مّعَ ا ْلكَافِرِينَ } [نوح‪.]42 :‬‬
‫ورفض البن مطلب أبيه معتمدا على أن الجبل يحميه‪.‬‬
‫وفي هذا يقول الحق سبحانه مبينا مُراد البن في مُخالفة مراد أبيه‪ { :‬قَالَ سَآوِي ِإلَىا جَ َبلٍ‬
‫صمُنِي مِنَ ا ْلمَآءِ }‬
‫َي ْع ِ‬

‫(‪)1502 /‬‬
‫صمَ الْ َيوْمَ مِنْ َأمْرِ اللّهِ إِلّا مَنْ َرحِ َم َوحَالَ بَيْ َن ُهمَا‬
‫صمُنِي مِنَ ا ْلمَاءِ قَالَ لَا عَا ِ‬
‫قَالَ سََآوِي إِلَى جَ َبلٍ َي ْع ِ‬
‫ا ْل َموْجُ َفكَانَ مِنَ ا ْل ُمغْ َرقِينَ (‪)43‬‬

‫هكذا ظن ابن نوح أنه سينجو إن آوى إلى جبل‪ ،‬لعل ارتفاع الجبل يعصمه من الغرق‪ ،‬لكن نوحا‬
‫عليه السلم يعلم أن ل نجاة لكافر‪ ،‬بل النجاة فقط هي لمن رحمه ال باليمان‪.‬‬
‫وهكذا فرّق الموج بين نوح وابنه؛ وغرق البن‪.‬‬
‫وأراد الحق سبحانه أن يُنهى الكلم عن نوح عليه السلم‪ ،‬فجاء بلقطة استواء السفينة على‬
‫الجودي‪.‬‬
‫ويقال‪ :‬إن جبل الجودي يوجد في الموصل ويقال‪ :‬إنه ناحية الكوفة‪ ،‬وإن كان هذا القول مجرد‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫علم ل ينفع‪ ،‬والجهل به ل يضر‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه‪َ { :‬وقِيلَ ياأَ ْرضُ ابَْلعِي مَآ َءكِ }‬

‫(‪)1503 /‬‬
‫ضيَ الَْأمْ ُر وَاسْ َت َوتْ عَلَى ا ْلجُو ِديّ‬
‫سمَاءُ َأقِْلعِي وَغِيضَ ا ْلمَا ُء َو ُق ِ‬
‫ك وَيَا َ‬
‫َوقِيلَ يَا أَ ْرضُ ابَْلعِي مَا َء ِ‬
‫َوقِيلَ ُبعْدًا لِ ْلقَوْمِ الظّاِلمِينَ (‪)44‬‬

‫والبلع هو مرور الشيء من الحَلْق ليسقط في الجوف‪ ،‬وساعة أن يأتي في القرآن أمر من ال‬
‫تعالى مثل‪:‬‬
‫{ َوقِيلَ ياأَ ْرضُ ابَْلعِي مَآ َءكِ } [هود‪.]44 :‬‬
‫فافهم أن القائل هو من تَ ْنصَاع له الرض‪.‬‬
‫ولم َيقُل ال سبحانه‪ " :‬قال ال يا أرض ابلعي ماءك "؛ لن هناك أصلً متعيّنا وإنْ لم يقُله‪ ،‬والحق‬
‫سبحانه يريد أن ينمّي فينا غريزة وفطنة اليمان؛ لن أحدا غير ال تعالى ليس بقادر على أن‬
‫يأمر الرض بأن تبلع الماء‪.‬‬
‫سمَآءُ َأقِْلعِي } أي‪ :‬أن توقف المطر‪.‬‬
‫ويكون أمره سبحانه للسماء‪ { :‬وَيا َ‬
‫وهكذا يُنهي الحق سبحانه الطوفان الذي أغرق الدنيا بأن أوقف المصبّ‪ ،‬وأعطى المر للمصرف‬
‫أن يسحب الماء‪.‬‬
‫ونحن نلحظ عند سقوط المطر أن شبكة الصرف الصحيّ تطفح إن كان هناك ما يسدّ تصريف‬
‫الماء؛ لن أرض المدن حاليا صارت من السفلت الذي ل يمتص المياه؛ ولذلك نجد الجهات‬
‫المختصة تجنّد طاقاتها لصلح مواسير الصرف الصحي لتمتص مياه المطر حتى ل تتعطل‬
‫حركة الحياة‪.‬‬
‫وأقول هنا‪ :‬إن حُسن استخدام الماء من حُسن اليمان؛ لني ألحظ أن الناس حين يتوضأون فهم‬
‫يفتحون صنابير الماء بما يزيد كثيرا عن حاجتهم للوضوء الشرعي‪ ،‬فيجب أل نرتكب إثم ترك‬
‫الماء النقيّ ليضيع دون جدوى‪.‬‬
‫وعلى الناس أن يدّخروا الماء‪ ،‬ول يُسيئوا استغلله؛ لن الماء حين يتوفّر فهو يُحيي الموات‪،‬‬
‫ونحن نحتاج الماء لستزراع الصحاري‪ ،‬ونحتاج لتخفيف العبء على شبكات الصرف الصحيّ‪.‬‬
‫باختصار؛ نحن نحتاج إلى حُسن استقبال ِنعَمِ ال تعالى وحُسن التصرّف فيها؛ لننعم بها‪ ،‬ونسعد‬
‫بخيرها‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫سمَآءُ َأقِْلعِي } [هود‪.]44 :‬‬
‫{ وَيا َ‬
‫أي‪ :‬اتركي المطر‪ ..‬ومن ذلك أخذنا كلمة " قِلْع " الذي يوضع فوق السفن الشراعية الصغيرة‪،‬‬
‫وهو الشّراع‪.‬‬
‫ويُقال‪ " :‬أقلعت المركب " أي‪ :‬تركت السكون الذي كانت عليه وهي واقفة على الشاطىء‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ وَغِيضَ ا ْلمَآءُ } [هود‪.]44 :‬‬
‫وبناها الحق سبحانه هنا للمجهول؛ لنعلم أن ال تعالى هو الذي أمر الماء بأن يغيض‪.‬‬
‫ومادة " غاض " تُستعمل لزمةً‪ ،‬وتُستعمل متعديةً‪.‬‬
‫ثم يقول سبحانه‪:‬‬
‫{ وَاسْ َت َوتْ عَلَى الْجُو ِديّ } [هود‪.]44 :‬‬
‫أي‪ :‬استقرت السفينة على جبل الجودي‪.‬‬
‫ويُنهي الحق سبحانه الية الكريمة بقوله‪:‬‬
‫{ َوقِيلَ ُبعْدا لّ ْل َقوْمِ الظّاِلمِينَ } [هود‪.]44 :‬‬
‫وهو بع ٌد نهائيّ إلى يوم القيامة‪.‬‬
‫وتتحرك عاطفة البوة في نوح عليه السلم‪ ،‬ويظهرها قول الحق سبحانه‪ { :‬وَنَادَى نُوحٌ رّبّهُ َفقَالَ‬
‫َربّ إِنّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي }‬

‫(‪)1504 /‬‬
‫حكَمُ الْحَا ِكمِينَ (‪)45‬‬
‫ق وَأَ ْنتَ َأ ْ‬
‫حّ‬
‫ن وَعْ َدكَ الْ َ‬
‫وَنَادَى نُوحٌ رَبّهُ َفقَالَ َربّ إِنّ ابْنِي مِنْ َأهْلِي وَإِ ّ‬

‫وعاطفة البوة عاطفة محمودة‪ ،‬والحق سبحانه يشحن بها قلب الب على قَدْر حاجة البنوة‪ ،‬ولو لم‬
‫تكن تلك العاطفة موجودة‪ ،‬لما تحمّل أيّ أبٍ أو أيّ أمّ متاعب تربية البناء‪.‬‬
‫وحتى نعلم أن النبياء ل بنوة لهم إل بنوة التّباع نجد المثل في إبراهيم خليل الرحمن عليه وعلى‬
‫نبينا أفضل الصلة والسلم‪ ،‬حين قال فيه الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ وَإِذِ ابْتَلَىا إِبْرَاهِيمَ رَبّهُ ِبكَِلمَاتٍ فَأَ َت ّمهُنّ }[البقرة‪.]124 :‬‬
‫أي‪ :‬أن أداء إبراهيم عليه السلم للتكاليف كان على وجه التمام‪ ،‬مثلما أراد أن يرفع القواعد من‬
‫البيت‪ ،‬فرفعها فوق قامته بالحتيال‪ ،‬فاحضر حجرا ووقف عليه ليُعلي جدار الكعبة‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وقال له ال تعالى‪:‬‬
‫{ إِنّي جَاعُِلكَ لِلنّاسِ ِإمَاما }[البقرة‪.]124 :‬‬
‫لنك مأمون على منهج ال وقادر على أن تنفّذه بدقة‪ ،‬فقال إبراهيم عليه السلم‪:‬‬
‫{ َومِن ذُرّيّتِي }[البقرة‪.]124 :‬‬
‫فقال الحق سبحانه‪:‬‬
‫عهْدِي الظّاِلمِينَ }[البقرة‪.]124 :‬‬
‫{ لَ يَنَالُ َ‬
‫من هذا نعلم أن النبوّة ليس لها بنوّة‪ ،‬بل النبوّة لها أتباع‪.‬‬
‫ويتضح ذلك أيضا في قول إبراهيم عليه السلم بعد أن استقرّ في ذهنه قول الحق سبحانه‪:‬‬
‫عهْدِي الظّاِلمِينَ }[البقرة‪.]124 :‬‬
‫{ لَ يَنَالُ َ‬
‫قال إبراهيم لربه سبحانه طلبا للرزق لمكة وأهلها‪:‬‬
‫ج َعلْ هَـاذَا بَلَدا آمِنا وَارْ ُزقْ أَهَْلهُ مِنَ ال ّثمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِ ْنهُمْ بِاللّ ِه وَالْ َيوْمِ‬
‫{ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ َربّ ا ْ‬
‫الخِرِ }[البقرة‪.]126 :‬‬
‫هكذا طلب إبراهيم عليه السلم الرزق للمؤمنين‪ ،‬لكن الحق سبحانه يبيّن له أنه نقل المسألة إلى‬
‫غير مكانها؛ فالرزق عطاء ربوبية للمؤمن والكافر‪ ،‬لكن تكليفات اللوهية هي للمؤمن فقط؛ لذلك‬
‫قال الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ َومَن َكفَرَ }[البقرة‪.]126 :‬‬
‫أي‪ :‬أن الرزق يشمل المؤمن والكافر‪ ،‬عطاء من الربوبية‪.‬‬
‫ونريد أن نقول إنّ عاطفة البوة والمومة إنما تتناسب مع حاجة البن تناسبا عكسيّا‪ ،‬فإن كان‬
‫البن قوّيا فعاطفة البوة والمومة تقلّ‪.‬‬
‫ومثال ذلك‪ :‬أننا نجد شقيقين أحدهما غني قائم بأمر البوين ويتكفّل بهما‪ ،‬بينما البن الخر فقير ل‬
‫يقدر على رعاية البوين‪.‬‬
‫وسنلحظ أن قلب الب والم يكون مع الفقير‪ ،‬ل مع الغَنيّ‪ ،‬فعاطفة البوة والمومة تكون مع‬
‫الضعيف والمريض والغائب‪ ،‬وكلما كان البن في حاجة؛ كانت العاطفة معه‪.‬‬
‫وفي نداء نوح عليه السلم لربه سبحانه نلحظ أن نوحا كان يملك المبرّر طلبا لنجاة البن؛ لن‬
‫الحق سبحانه أمره بأن يحمل في السفينة من كلّ زوجين اثنين وكذلك أهله‪ ،‬فأراد نوح عليه‬
‫السلم أن يطلب النجاة لبنه من أهله‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫حكَمُ ا ْلحَا ِكمِينَ } [هود‪.]45 :‬‬
‫ق وَأَنتَ َأ ْ‬
‫حّ‬
‫ن وَعْ َدكَ الْ َ‬
‫{ َربّ إِنّ ابْنِي مِنْ َأهْلِي وَإِ ّ‬
‫إذن‪ :‬فنوح عليه السلم يملك حق الدعاء؛ لنه يطلب تحقيق وعد ال تعالى بأن يحمل أهله معه‬
‫للنجاة‪.‬‬
‫حكَمُ ا ْلحَا ِكمِينَ } هو إقرار بأن ال سبحانه ل يخطىء؛ لن البن قد‬
‫وحين يقول نوح‪ { :‬وَأَنتَ َأ ْ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫غرق‪ ،‬بل ل بد أن ذلك الغرق كان لحكمة‪.‬‬
‫ع َملٌ غَيْ ُر صَالِحٍ }‬
‫ويقول الحق سبحانه‪ { :‬قَالَ يانُوحُ إِنّهُ لَيْسَ مِنْ أَ ْهِلكَ إِنّهُ َ‬

‫(‪)1505 /‬‬
‫ظكَ أَنْ‬
‫ع َملٌ غَيْ ُر صَالِحٍ فَلَا َتسْأَلْنِ مَا لَيْسَ َلكَ بِهِ عِ ْلمٌ إِنّي أَعِ ُ‬
‫قَالَ يَا نُوحُ إِنّهُ لَيْسَ مِنْ أَهِْلكَ إِنّهُ َ‬
‫َتكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (‪)46‬‬

‫ويريد الحق سبحانه هنا أن يلفتَ نبيّه نوحا إلى أن أهليّة النبياء ليست أهلية الدم واللحم‪ ،‬ولكنها‬
‫أهلية المنهج والتّباع‪ ،‬وإذا قاس نوح ـ عليه السلم ـ ابنه على هذا القانون‪ ،‬فلن يجده ابنا له‪.‬‬
‫ألم يقل نبينا صلى ال عليه وسلم عن سلمان الفارسي‪ " :‬سلمان منّا آل البيت "‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالبنوة بالنسبة للنبياء هي بنوة اتّباع‪ ،‬ل بنوة َنسَب‪.‬‬
‫وانظر إلى دقة الداء في قول ال تعالى‪:‬‬
‫{ إِنّهُ لَيْسَ مِنْ َأهِْلكَ } [هود‪.]46 :‬‬
‫ثم يأتي سبحانه بالعلة والحيثية لذلك بقوله‪:‬‬
‫ع َملٌ غَيْ ُر صَالِحٍ } [هود‪.]46 :‬‬
‫{ إِنّهُ َ‬
‫فكأن البنوة هنا عمل‪ ،‬وليست ذاتا‪ ،‬فالذات منكورة هنا‪ ،‬والمذكور هو العمل‪ ،‬فعمل ابن نوح جعله‬
‫غير صالح أن يكون ابنا لنوح‪.‬‬
‫وهكذا نجد أن المحكوم عليه في البنوة للنبياء ليس الدم‪ ،‬وليس الشحم‪ ،‬وليس اللحم‪ ،‬إنما هو‬
‫ع َملٌ غَيْ ُر صَالِحٍ } ولو كان‬
‫التّباع بدليل أن الحق سبحانه وصف ابن نوح بقوله تعالى‪ { :‬إِنّهُ َ‬
‫عملً صالحا لكان ابنه‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫ظكَ أَن َتكُونَ مِنَ ا ْلجَاهِلِينَ } [هود‪.]46 :‬‬
‫عُ‬
‫{ فَلَ َتسْئَلْنِ مَا لَيْسَ َلكَ ِبهِ عِلْمٌ إِنّي أَ ِ‬
‫والحق سبحانه يطلب من نوح هنا أن يفكّر جيّدا قبل أن يسأل‪ ،‬فل غبار على النبياء حين يربيّهم‬
‫ربّهم‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه بعد ذلك‪ { :‬قَالَ َربّ إِنّي أَعُوذُ ِبكَ أَنْ أَسْأََلكَ }‬

‫(‪)1506 /‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫حمْنِي َأكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (‬
‫قَالَ َربّ إِنّي أَعُوذُ ِبكَ أَنْ أَسْأََلكَ مَا لَيْسَ لِي ِبهِ عِلْمٌ وَإِلّا َتغْفِرْ لِي وَتَرْ َ‬
‫‪)47‬‬

‫وهنا يدعو نوح عليه السلم ربه سبحانه وتعالى أن يغفر له ما قاله‪ ،‬وهو هنا يقرّ بأنه لما أحبّ‬
‫أن يسأل نجاة ابنه لم يستطع أن يكتم سؤاله‪ ،‬ولكن الحق سبحانه وتعالى وحده هو القادر على أن‬
‫يمنع من قبله مثل هذا السؤال‪ ،‬وهذه قمة التسليم ل تعالى‪.‬‬
‫وقول نوح عليه السلم‪:‬‬
‫{ إِنّي أَعُوذُ ِبكَ } [هود‪.]47 :‬‬
‫يوضّح لنا أن النسان ل يعوذ من شيء بشيء إل إن كانت قوته ل تقدر على أن تمتنع عنه‪.‬‬
‫ولذلك يستعيذ نوح عليه السلم من أن يسأل ما ليس له به علم‪ ،‬ويرجو مغفرة ال سبحانه وتعالى‬
‫ورحمته حتى ل يكون من الخاسرين‪.‬‬
‫لمٍ }‬
‫ويقول الحق سبحانه بعد ذلك‪ { :‬قِيلَ يانُوحُ اهْ ِبطْ بِسَ َ‬

‫(‪)1507 /‬‬
‫عذَابٌ‬
‫سهُمْ مِنّا َ‬
‫ك وَعَلَى ُأ َممٍ ِممّنْ َم َعكَ وَُأمَمٌ سَ ُنمَ ّت ُعهُمْ ثُمّ َيمَ ّ‬
‫قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ ِبسَلَامٍ مِنّا وَبَ َركَاتٍ عَلَ ْي َ‬
‫أَلِيمٌ (‪)48‬‬

‫وقوله الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ اهْبِطْ ِبسَلَمٍ مّنّا } [يونس‪.]48 :‬‬
‫يدل على أن نوحا عليه السلم قد تلقّى المر بالنزول من السفينة ليباشر مهمته اليمانية في أرض‬
‫فيها مقومات الحياة‪ ،‬مما حمل في تلك السفينة من كلّ زوجين اثنين‪ ،‬ومن معه من المؤمنين الذين‬
‫أنجاهم ال تعالى‪ ،‬وأغرق مَنْ قالوا عليهم إنهم أراذل‪.‬‬
‫وقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ ُأ َممٍ ّممّن ّم َعكَ } [هود‪.]48 :‬‬
‫تضمّن أهل نوح عليه السلم ومَنْ آمن به‪ ،‬وكذلك أمم الوحوش والطيور والحيوانات والدواب‪.‬‬
‫أي‪ :‬أنها إشارة إلى المة الساسية‪ ،‬وهي أمة النسان وإلى المم الخادمة للنسان‪ ،‬وهكذا توفرت‬
‫مقومات الحياة للمؤمنين‪ ،‬ويتفرّغ نوح وقومه إلى المهمة اليمانية في الرض‪.‬‬
‫وقول الحق سبحانه‪:‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫{ اهْبِطْ ِبسَلَمٍ مّنّا } [هود‪.]48 :‬‬
‫والمقصود بالسلم هو المن والطمئنان‪ ،‬فلم َيعُدْ هناك من الكافرين ما ينغّص على نوح ـ عليه‬
‫السلم ـ أمره‪ ،‬ولن يجد من يكدّر عليه بالقول‪:‬‬
‫{ جَادَلْتَنَا فََأكْثَ ْرتَ جِدَالَنَا }[هود‪.]32 :‬‬
‫ولن يجد مَنْ يتهمه بالفتراء‪.‬‬
‫ومَنْ بقي مع نوح هم كلهم من المؤمنين‪ ،‬وهم قد شهدوا أن نجاتهم من الغرق قد تمت بفضل‬
‫المنهج الذي بلّغهم به نوح عن ال تعالى‪.‬‬
‫وقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ وَبَركَاتٍ } [هود‪.]48 :‬‬
‫يعني أن الحق سبحانه يبارك في القليل ليجعله كثيرا‪.‬‬
‫ويقال‪ " :‬إن هذا الشيء مبارك " كالطعام الذي يأتي به النسان ليكفي اثنين‪ ،‬ولكنه فوجىء بخمسة‬
‫من الضيوف‪ ،‬فيكفي هذا الجميع‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالشيء المبارك هو القليل الذي يؤدّي ما يؤدّيه الكثير‪ ،‬مع مظنّة أنه ل يفي‪.‬‬
‫وكان يجب أن تأتي هنا كلمة { وَبَركَاتٍ } لن ما يحمله نوح ـ عليه السلم ـ من كلّ زوجين‬
‫اثنين إنما يحتاج إلى بركات الحق سبحانه وتعالى ليتكاثر ويكفي‪.‬‬
‫وقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫س ُهمْ مّنّا عَذَابٌ أَلِيمٌ } [هود‪.]48 :‬‬
‫ك وَُأمَمٌ سَ ُنمَ ّت ُعهُمْ ثُمّ َيمَ ّ‬
‫{ وَعَلَىا ُأمَمٍ ّممّن ّم َع َ‬
‫هذا القول يناسب الطبيعة النسانية‪ ،‬فقد كان المؤمنون مع نوح ـ عليه السلم ـ هم الصفوة‪،‬‬
‫وبمضيّ الزمن طرأت الغفلة على بعضٍ منهم‪ ،‬ويأتي جيل من بعدهم فل يجد السوة أو القدوة‪ ،‬ثم‬
‫تحيط بالجيال التالية مؤثرات تفصلهم تماما عن المنهج‪.‬‬
‫وفي هذا يقول الرسول صلى ال عليه وسلم‪ " :‬ينام الرجل النومة فتُقبض المانة من قلبه‪ ،‬فيظل‬
‫أثرها مثل أثر ال َوكْت‪ ،‬ثم ينام النومة فتُقبض المانة من قلبه فيظل أثرها كأثر المَجْل‪ ،‬كجمر‬
‫دحرجته على رجلك فنفط‪ ،‬فتراه مُنتبرا‪ ،‬وليس فيه شيء‪ ،‬ثم أخذ حصى فدحرجه على رجله‪،‬‬
‫فيصبح الناس يتبايعون‪ ،‬ل يكاد أحد يؤدّي المانة‪ ،‬حتى يقال‪ :‬إن في بني فلن رجلً أمينا‪ ،‬حتى‬
‫يقال للرجل‪ :‬ما أجلده! ما أظرفه! ما أعقله! وما في قلبه مثقال حبة من خَرْدلٍ من إيمان "‪.‬‬

‫وهكذا تطرأ الغفلة على أصحاب المنهج‪ ،‬ويقول صلى ال عليه وسلم‪ " :‬تُعرض الفِتَن على القلوب‬
‫كالحصير عودا عودا‪ ،‬فأيّما قلب أشْرِبَها نُكتت فيه نكتة سوداء‪ ،‬وأيما قلب أنكرها نكتت فيه نكتة‬
‫بيضاء‪ ،‬حتى تصير على قلبين‪ ،‬على أبيض مثل الصفا ل تضرّه فتنة ما دامت السموات‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والرض‪ ،‬والخر أسود مُرْبادا كالكوز مُجَخّيا ل يعرف معروفا‪ ،‬ول ينكر منكرا إل ما أشْ ِربَ‬
‫مِنْ هَواه "‪.‬‬
‫وأعوذ بال تعالى من طروء فتنة الغفلة على القلوب‪.‬‬
‫والحق سبحانه يتحدث في هذه الية عن الذين بقوا مع نوح عليه السلم وهم صفوة من المؤمنين‪،‬‬
‫لكن منهم من ستطرأ عليه الغفلة‪ ،‬وسيمتّعهم ال سبحانه وتعالى أيضا بمتاع الدنيا‪ ،‬ولن يضنّ‬
‫عليهم‪ ،‬ولكن سَيَلحقُهم العذاب‪.‬‬
‫فإذا ما جاء جيل على الغافلين فهو يخضع لمؤثّرين اثنين‪:‬‬
‫المؤثر الول‪ :‬غفلته هو‪.‬‬
‫المؤثر الثاني‪ :‬أسوة الغافلين من السابقين عليه‪.‬‬
‫ونحن نعلم أن مِنْ ذرية نوح عليه السلم " قوم عادٍ " الذين أرسل الحق سبحانه إليهم هودا عليه‬
‫السلم‪ ،‬وكذلك " قوم ثمود " الذين أرسل إليهم أخاهم صالحا عليه السلم‪ ،‬وقوم لوطٍ‪ ،‬وهؤلء‬
‫جميعا رَا َنتِ الغفلة على قلوبهم‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه بعد ذلك‪ِ } :‬ت ْلكَ مِنْ أَنْبَآءِ ا ْلغَ ْيبِ نُوحِيهَآ إِلَ ْيكَ {‬

‫(‪)1508 /‬‬
‫ت وَلَا َق ْو ُمكَ مِنْ قَ ْبلِ َهذَا فَاصْبِرْ إِنّ ا ْلعَاقِبَةَ‬
‫تِ ْلكَ مِنْ أَنْبَاءِ ا ْلغَ ْيبِ نُوحِيهَا ِإلَ ْيكَ مَا كُ ْنتَ َتعَْل ُمهَا أَ ْن َ‬
‫لِ ْلمُ ّتقِينَ (‪)49‬‬

‫وكلمة " تلك " إشارة وخطاب‪ ،‬والمخاطب هو رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬و " التاء " إشارة‬
‫إلى السفينة وما تبعها من أنباء الغيب‪ ،‬ولم يكن رسول ال صلى ال عليه وسلم معاصرا لها ول‬
‫يعلمها هو‪ ،‬ول يعلمها أحد من قومه‪.‬‬
‫وأنت يا رسول ال لم يُعلَم عنك إنك جلستَ إلى معلّم‪ ،‬ولم يذكر عنك أنك قرأت في كتاب؛ ولذلك‬
‫يأتي في القرآن‪:‬‬
‫لمْرَ }[القصص‪.]44 :‬‬
‫{ َومَا كُنتَ بِجَا ِنبِ ا ْلغَرْ ِبيّ إِذْ َقضَيْنَآ إِلَىا مُوسَى ا َ‬
‫وجاء‪:‬‬
‫صمُونَ }[آل عمران‪:‬‬
‫ل َمهُمْ أَ ّيهُمْ َي ْك ُفلُ مَرْ َي َم َومَا كُ ْنتَ َلدَ ْيهِمْ ِإذْ يَخْ َت ِ‬
‫{ َومَا كُنتَ لَدَ ْيهِمْ إِذْ يُ ْلقُون َأقْ َ‬
‫‪.]44‬‬
‫إذن‪ :‬فما دمتَ يا محمد لم تقرأ ولم تتعلّم عن معلّم فمَن علّمك؟‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إنما عَلّمك ال سبحانه‪.‬‬
‫وكأن ال سبحانه وتعالى علّم رسوله صلى ال عليه وسلم قصة نوح عليه السلم وأراد بها إلقاء‬
‫السوة وإلقاء العبرة لرسول ال صلى ال عليه وسلم حتى يثق بأن كل رسول إنما يصنع حركته‬
‫اليمانية المنهجية بعين من ال‪ ،‬وأنه سبحانه لن يسلّمه إلى خصومة ول أعدائه‪.‬‬
‫ولذلك يأتي القول الكريم‪ { :‬فَاصْبِرْ }؛ لنك قد عرفت الن نتيجة صبر نوح عليه السلم الذي‬
‫استمر ألف سنة إل خمسين‪ ،‬ويأتي بعدها قوله سبحانه‪:‬‬
‫{ إِنّ ا ْلعَاقِبَةَ لِ ْلمُ ّتقِينَ } [هود‪.]49 :‬‬
‫تأتي بعد ذلك قصة قوم عاد بعد قصة نوح‪ ،‬ونحن نعلم أن الحق سبحانه وتعالى ل يُرسل رسولً‬
‫عمّ الفساد‪.‬‬
‫إل إذا َ‬
‫إذن‪ :‬فقد حصلت الغفلة من بعد نوح‪ ،‬وانضمّت لها أسوة البناء بالباء فانطمس المنهج‪ ،‬وعزّ‬
‫على الموجودين أن يقيموه‪.‬‬
‫وال سبحانه وتعالى ل يبعث برسلٍ جُددٍ إل إذا لم يوجد في المة من يرفع كلمة ال؛ لننا نعلم أن‬
‫المناعة اليمانية في النفس النسانية قد تكون مناعة ذاتية‪ ،‬بمعنى أن النسان قد تُحدّثه نفسه‬
‫بالنحراف عن منهج ال‪ ،‬لكن النفس اللوّامة تردعه وتردّه إلى اليمان‪.‬‬
‫أما إذا تصلّبتْ ذاتُه‪ ،‬ولم توجد لديه نفس لوّامة‪ ،‬فالمناعة الذاتية تختفي‪ ،‬ولكن قد يقوم المجتمع‬
‫المحيط بَِل ْومِهِ‪.‬‬
‫ولكن إذا اختفت المناعة الذاتية‪ ،‬والمناعة من المجتمع فل بد أن يبعث ربّ العزة سبحانه برسولٍ‬
‫جديدٍ‪ ،‬وبيّنة جديدة‪ ،‬وبرهان جديد‪.‬‬
‫هكذا حدث من بعد نوح عليه السلم‪.‬‬
‫ولذلك يأتي قول الحق سبحانه‪ { :‬وَإِلَىا عَادٍ أَخَاهُمْ هُودا }‬

‫(‪)1509 /‬‬
‫وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا َقوْمِ اعْبُدُوا اللّهَ مَا َلكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْ ُرهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلّا مُفْتَرُونَ (‪)50‬‬

‫يفتتح الحق سبحانه الية بتحنينهم ومؤانستهم بالمرسَل إليهم‪ ،‬فيُخبرهم أنه أخوهم‪ ،‬ول يمكن للخ‬
‫أن يريد لهم العَ َنتَ‪ ،‬بل هو ناصح‪ ،‬مأمون عليهم‪ ،‬وعلى ما يبلغهم به‪.‬‬
‫وحين يقول لهم‪:‬‬
‫{ يا َقوْمِ } [هود‪.]50 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فهذا لليناس أيضا‪.‬‬
‫ثم يدعوهم إلى عبادة ال تعالى وحده؛ لنهم اتخذوا غير ال إلها‪ ،‬وهذا قمة الفتراء‪.‬‬
‫وال سبحانه لم يقل‪:‬‬
‫{ إِنْ أَنتُمْ ِإلّ ُمفْتَرُونَ } [هود‪.]50 :‬‬
‫إل لن الفساد قد طَمّ‪.‬‬
‫ويقول سبحانه بعد ذلك ما جاء على لسان هود‪ { :‬يا َقوْمِ ل أَسْأَُل ُكمْ عَلَيْهِ أَجْرا }‬

‫(‪)1510 /‬‬
‫يَا َقوْمِ لَا َأسْأَُلكُمْ عَلَ ْيهِ أَجْرًا إِنْ أَجْ ِريَ إِلّا عَلَى الّذِي َفطَرَنِي َأفَلَا َتعْقِلُونَ (‪)51‬‬

‫وكأن هودا عليه السلم يقول لهم‪ :‬ما الذي يشقّ عليكم فيما آمركم به وأدعوكم إليه‪ ،‬إنني أقدّم لكم‬
‫هذا البلغ من ال تعالى‪ ،‬ول أسألكم عليه أجرا‪ ،‬فليس من المعقول أن أنقلكم مما ألفتم‪ ،‬ثم آخذ‬
‫منكم مالً مقابل ذلك‪ ،‬ول يمكن أن أجمع عليكم مشقة تَرْك ما تَعوّدْتُم عليه وكذلك أجر تلك‬
‫الدعوة‪.‬‬
‫وما ُد ْمتُ لن آخذ منكم أجرا‪ ،‬إذن‪ :‬فل مشقة أكلّفكم بها‪ ،‬كما أنني في غِنًى عن ذلك الجر؛ لن‬
‫أجري على من أرسلني‪.‬‬
‫{ إِنْ أَجْ ِريَ ِإلّ عَلَى الّذِي َفطَرَنِي َأفَلَ َتعْقِلُونَ } [هود‪.]51 :‬‬
‫أي‪ :‬أنّ أجري على مَنْ خَلَقني ُمعَدّا لهذه الرسالة؛ لن الفطرة تعني التكوين الساسي للنسان‪.‬‬
‫والحق سبحانه قد أعدّ هودا عليه السلم ليكون رسولً‪ ،‬ونحن نعلم ـ أيضا أن الجر يكون عادة‬
‫مقابلً للمنفعة‪.‬‬
‫وسبق أن ضربنا المثل بمن يشتري بيتا‪ ،‬فهو يدفع ثمن البيت لصاحبه‪ ،‬وتُسمّى هذه العملية بيعا‬
‫وشراءً‪.‬‬
‫أما إذا استأجر النسان بيتا فهو يدفع إيجارا مقابل انتفاعه بالسكن فيه‪.‬‬
‫وقول هود عليه السلم‪:‬‬
‫{ ل أَسَْأُلكُمْ عَلَيْهِ أَجْرا } [هود‪.]51 :‬‬
‫يفيد أنه كان من الواجب أن يدفعوا أجرا كبيرا مقابل منفعتهم بما يدعوهم إليه؛ لن الجر الذي‬
‫تدفعونه في المستأجرات العامة لكم إنما يكون مقابلً لمنافع موقوتة‪ ،‬لكن ما يقدمه لهم هود عليه‬
‫السلم هو منفعة غير موقوتة!‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ولذلك ترك هود عليه السلم الجر لمن يقدر عليه‪ ،‬وهو ال سبحانه وتعالى‪ .‬فهو القادر على كل‬
‫شيء‪.‬‬
‫وقد أوضحنا من قبل أن كل مواكب الرسل جاءت بهذه العبارة‪:‬‬
‫{ ل أَسَْأُلكُمْ عَلَيْهِ أَجْرا } [هود‪.]51 :‬‬
‫إل إبراهيم وموسى عليهما السلم؛ فسيدنا إبراهيم لم َيقُلْها بسبب أبيه‪ ،‬وسيدنا موسى لم يقلها؛ لن‬
‫فرعون قال له‪:‬‬
‫{ أََلمْ نُرَ ّبكَ فِينَا وَلِيدا }[الشعراء‪.]18 :‬‬
‫جمّة‪ ،‬وهي المنهج الرّسالي الذي جاء به هود‬
‫إذن‪ :‬كان يجب على قوم هود أن يعقلوا الفائدة ال َ‬
‫عليه السلم‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه ما جاء على لسان هود عليه السلم مخاطبا قومه‪ { :‬وَيا َقوْمِ اسْ َت ْغفِرُواْ‬
‫رَ ّبكُمْ }‬

‫(‪)1511 /‬‬
‫سمَاءَ عَلَ ْيكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِ ْدكُمْ ُق ّوةً إِلَى ُقوّ ِتكُ ْم وَلَا تَ َتوَّلوْا‬
‫سلِ ال ّ‬
‫وَيَا َقوْمِ اسْ َت ْغفِرُوا رَ ّب ُكمْ ثُمّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْ ِ‬
‫مُجْ ِرمِينَ (‪)52‬‬

‫وهكذا نعلم أن الستغفار هو إقرار بالتقصير وارتكاب الذنوب‪ ،‬فنقول يارب اغفر لنا‪.‬‬
‫وساعة تطلب المغفرة من ال تعالى‪ ،‬فهذا إعلن منك باليمان‪ ،‬واعتراف بأن تكليف الحق لك هو‬
‫تكليف حق‪.‬‬
‫وما دام النسان قد طلب من ال تعالى أن يغفر له الذي فات من ذنوب‪ ،‬فعليه أل يرتكب ذنوبا‬
‫جديدة‪ ،‬وبعد التوبة على العبد أن يحرص على تجنب المعاصي‪.‬‬
‫وعلى النسان أن يتذكّر أن ما به من نعمة فمن ال‪ ،‬وأن الكائنات المسخرة هي مسخرة بأمر ال‬
‫تعالى؛ فل تنسيك رتابة الحياة عن مسببها الواهب لكل النعم‪.‬‬
‫والحق سبحانه وتعالى حين يرسل رسولً‪ ،‬فأول ما ينزل به الرسول إلى المة هو أن يصحّح‬
‫العقيدة في قمتها‪ ،‬ويدعوهم إلى اليمان بإله واحد يتلقّون عنه " افعل " و " ل تفعل "‪.‬‬
‫وهنا يكون الكلم من هود عليه السلم إلى قومه " قوم عاد " ‪ ،‬والدعوة إلى اليمان بإله واحد‬
‫وعبادته‪ ،‬والخذ بمنهجه ل يمكن أن يقتصر على الطقوس فقط من الشهادة بوحدانية ال تعالى‪،‬‬
‫والصلة‪ ،‬والصيام‪ ،‬والزكاة‪ ،‬والحج‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ولكن عبادة ال تعالى هي أن تؤدّي الشعائر والعبادات‪ ،‬وتتقن كل عمل في ضوء منهج ال‪ ،‬فل‬
‫تعزل الدين عن حركة الحياة‪.‬‬
‫والذين يخافون من دخول السلم في حركة الحياة‪ ،‬يريدون منّا أن نقصر الدين على الطقوس‪،‬‬
‫ونقول لهم‪ :‬إن السلم حينما دخل في حركة الحياة غزا الدنيا كلها‪ ،‬وحارب حضارتين عريقتين؛‬
‫حضارة الفرس في الشرق‪ ،‬وحضارة الرومان في الغرب‪.‬‬
‫وهؤلء كانوا أمما لها حضارات قديمة وقوية‪ ،‬وثقافات وقوانين‪ ،‬ومع ذلك جاء قوم من البدو‬
‫المّيين؛ يقود عقيدتهم رجلٌ أ ّميّ أرسله ال سبحانه وتعالى؛ فيطيح بكل هؤلء؛ نظما وثقافات‬
‫وارتقاءات بمستوى الحياة إلى مستوى طموح العقل‪.‬‬
‫يريد هؤلء ـ إذن ـ أن يقوقعوا السلم في الركان الخمسة فقط؛ ليعزلوه عن حركة الحياة‪.‬‬
‫ونقول لهم‪ :‬ل‪ ،‬ل يمكنكم أن تقصروا العبادات على الركان الخمسة فقط؛ لن العبادة معناها أن‬
‫يوجد عابد لمعبود حقّ‪ ،‬وأن يطيع العابد أوامر المعبود؛ وتتمثّل أوامر المعبود في " افعل " و " ل‬
‫تفعل "؛ وما لم يَردْ فيه " افعل " و " ل تفعل "؛ فهو مباح؛ إن شئت فعلته وإن شئت لم تفعله؛‬
‫وبفعله أو عدم فعله ل يفسد الكون‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالعبادة هي كل أمر صادر من ال تعالى؛ فل تعزلوها في الطقوس؛ لن رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم أبلغنا؛ وأوضح لنا أن أركان السلم الخمس هي التي بني عليها السلم؛ وليست‬
‫هي كل السلم‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالسلم بناء يقوم على أركان؛ لذلك ل يمكن أن نحصر السلم في أركانه فقط؛ فالسلم‬
‫هو كل حركة في الحياة‪ ،‬ول بد أن تنتظم حركات البشر تبعا لمنهج ال‪ ،‬لتنتظم الحياة كما انتظم‬
‫الكون من حولنا‪.‬‬
‫فالعبادة تستوعب كل حركة في الحياة‪ ،‬وقد فهم البعض خطأ أن العبادة تنحصر في باب العبادات‬
‫في تقسيم الفقهاء‪ ،‬وأغفلوا أن باب المعاملت هو من العبادة أيضا‪ ،‬واستقامة الناس في المعاملت‬
‫تؤدي إلى انتظام حياة الناس‪.‬‬
‫وفي الية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫} وَيا َقوْمِ اسْ َتغْفِرُواْ رَ ّبكُمْ { [هود‪.]52 :‬‬
‫والستغفار ل يكون إل عن ذنوب سبقت؛ وإذا كان هذا هو أول ما قاله هود عليه السلم لقومه؛‬
‫إذن‪ :‬فالستغفار هنا عن الذنوب التي ارتكبوها مخالفة لمنهج الرسول الذي جاء من قبله‪ ،‬أو هي‬
‫الذنوب التي ارتكبوها بالفطرة‪.‬‬
‫ثم يدعوهم بقوله‪ُ } :‬ثمّ تُوبُواْ إِلَيْهِ { [هود‪.]52 :‬‬
‫والتوبة تقتضي العزم على أل تُنشئوا ذنوبا جديدة‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ثم يقول الحق سبحانه في نفس الية‪:‬‬
‫سمَآءَ عَلَ ْي ُكمْ مّدْرَارا وَيَزِ ْد ُكمْ ُق ّوةً إِلَىا ُقوّ ِتكُمْ { [هود‪.]52 :‬‬
‫سلِ ال ّ‬
‫} يُ ْر ِ‬
‫ولقائل أن يقول‪ :‬وما صلة الستغفار بهذه المسألة الكونية؟‬
‫ونقول‪ :‬إن للكون مالكا لكلّ ما فيه؛ جماده ونباته وحيوانه؛ وهو سبحانه قادر‪ ،‬ول يقدر كائن أن‬
‫يعصي له أمرا؛ وهو القادر أن يخرج الشياء عن طبيعتها؛ فإذا جاءت غيمة وتحسب أنها‬
‫ممطرة؛ قد يأمرها الحق سبحانه فل تمطر‪.‬‬
‫مثلما قال سبحانه في موضع آخر من كتابه الكريم‪:‬‬
‫{ فََلمّا رََأ ْوهُ عَارِضا مّسْ َتقْ ِبلَ َأوْدِيَ ِتهِمْ قَالُواْ هَـاذَا عَا ِرضٌ ّممْطِرُنَا َبلْ ُهوَ مَا اسْ َت ْعجَلْتُم ِبهِ رِيحٌ فِيهَا‬
‫عَذَابٌ أَلِيمٌ }[الحقاف‪.]24 :‬‬
‫إذن‪ :‬فل تأخذ السباب على أنها رتابة؛ إنما ربّ السباب يملكها؛ فإن شاء فعل ما يشاء‪.‬‬
‫وإذا ما عبدتَ ال تعالى العبادة التي تنتظم بها كل حركة في الحياة؛ فأنت تُقبل على عمارة‬
‫الرض؛ وتوفّر لنفسك القُ ْوتَ باستنباطه من السباب التي طمرها ال سبحانه وتعالى في الرض‪.‬‬
‫والقوت ـ كما نعلم ـ من جنس الرض؛ لذلك ل بد أن نزرع الرض؛ و َتمُدّ البذور جذورها‬
‫الضارعة المسبّحة الساجدة ل تعالى؛ فيُمطر الحقّ سبحانه السماءَ؛ فتأخذ البذور حاجتها من الماء‬
‫المتسرّب إليها عبر الرض؛ ونأخذ نحن أيضا حاجتنا من هذا الماء‪.‬‬
‫والسماء هي كل ما عَلكَ فأظّلكَ؛ أما السماء العليا فهذا موضوع آخر‪ ،‬وكل الشياء دونها‪.‬‬
‫وانظروا قول الحق سبحانه‪:‬‬
‫سمَآءِ ُثمّ لْ َيقْطَعْ فَلْيَ ْنظُرْ َهلْ‬
‫{ مَن كَانَ َيظُنّ أَن لّن يَنصُ َرهُ اللّهُ فِي الدّنْيَا وَالخِ َرةِ فَلْ َي ْمدُدْ ِبسَ َببٍ ِإلَى ال ّ‬
‫يُذْهِبَنّ كَيْ ُدهُ مَا َيغِيظُ }[الحج‪.]15 :‬‬
‫أي‪ :‬من كان يظن أن ال تعالى لن ينصر رسوله فليأت بحبل أو أي شيء ويربطه فيما عله‬
‫ويعلّق نفسه فيه؛ ولسوف يموت‪ ،‬وغيظه لن يرحل عنه‪.‬‬
‫سمَآءَ عَلَ ْي ُكمْ مّدْرَارا { [هود‪.]52 :‬‬
‫سلِ ال ّ‬
‫} يُ ْر ِ‬
‫والمدرار‪ :‬هو الذي يُدِرّ بتتابع ل ضرر فيه؛ لن المطر قد يهطل بطغيان ضارّ‪ ،‬كما فتح ال‬
‫سبحانه أبواب السماء بماء منهمر‪.‬‬
‫إذن‪ :‬المدرار هو المطر الذي يتوالى تواليا مُصلحا ل مُفسدا‪.‬‬
‫ولذلك كان صلى ال عليه وسلم يقول حين ينزل المطر‪ " :‬اللهم حوالينا ول علينا "‪.‬‬
‫ومتى أرسِل المطر مدرارا متتابعا مصلحا؛ فالرض تخضرّ؛ وتعمر الدنيا؛ ونزداد قوة إلى قوتنا‪.‬‬
‫أما مَنْ يتولّى؛ فهو يُجرم في حقّ نفسه؛ لن إجرام العبد إنما يعود على نفسه؛ ل تظنّ أن إجرام‬
‫َأيّ عبدٍ بالمعصية يؤذي غيره‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والحق سبحانه يقول‪:‬‬
‫س ُهمْ يَظِْلمُونَ }[يونس‪.]44 :‬‬
‫{ وَلَـاكِنّ النّاسَ أَنفُ َ‬
‫ويأتي الحق سبحانه من بعد ذلك بالردّ الذي قاله قوم عاد‪ } :‬قَالُواْ ياهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيّنَةٍ {‬

‫(‪)1512 /‬‬
‫ك َومَا َنحْنُ َلكَ ِب ُم ْؤمِنِينَ (‪)53‬‬
‫قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيّنَ ٍة َومَا َنحْنُ بِتَا ِركِي آَِلهَتِنَا عَنْ َقوِْل َ‬

‫وهم هنا ينكرون أن هودا قد أتاهم بِبَيّنة أو مُعجزةٍ‪.‬‬
‫والبيّنة ـ كما نعلم ـ هي المارة الدالة على صدق الرسول‪.‬‬
‫وصحيح أن هودا هنا لم يذكر معجزته؛ وتناسوا أن جوهر أي معجزة هو التحدي؛ فمعجزة نوح‬
‫عليه السلم هي الطوفان‪ ،‬ومعجزة إبراهيم عليه السلم أن النار صارت بردا وسلما عليه حين‬
‫ألقوه فيها‪.‬‬
‫ونحن نلحظ أن المعجزة العامة لكل رسول يمثلها قول نوح عليه السلم‪:‬‬
‫ج ِمعُواْ َأمْ َر ُك ْم وَشُ َركَآ َءكُمْ‬
‫{ يا َقوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَ ْيكُمْ ّمقَامِي وَتَ ْذكِيرِي بِآيَاتِ اللّهِ َفعَلَى اللّهِ َت َوكّ ْلتُ فََأ ْ‬
‫غمّةً ُثمّ ا ْقضُواْ إَِليّ َولَ تُنظِرُونَ }[يونس‪.]71 :‬‬
‫ثُ ّم لَ َيكُنْ َأمْ ُركُمْ عَلَ ْي ُكمْ ُ‬
‫أي‪ :‬إن كنتم أهلً للتحدي‪ ،‬فها أنا ذا أمامكم أحارب الفساد‪ ،‬وأنتم أهل سيطرة وقوة وجبروت‬
‫وطغيان‪.‬‬
‫حكِموا كيدكم؛ لكنكم لن تستطيعوا قتل المنهج الرباني؛ لن أحدا لن يستطيعَ إطفاء نور ال في‬
‫وأ ْ‬
‫يد رسول من رسله؛ أو أن يخلّصوا الدنيا منه بقتله‪ ..‬ما حدث هذا أبدا‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالبيّنة التي جاء بها هود عليه السلم أنه وقف أمامهم ودعاهم إلى ترك الكفر؛ وهو تحدي‬
‫القادرين عليه؛ لنهم أهل طغيان؛ وأهل بطش؛ ومع ذلك لم يقدروا عليه؛ مثلما لم يقدر كفار‬
‫قريش على رسولنا صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫ونحن نعلم أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قد جاء ومعه المعجزة الجامعة الشاملة وهي القرآن‬
‫الكريم؛ وسيظل القرآن معجزة إلى أن تقوم الساعة‪.‬‬
‫ونعلم أن غالبية الرسل ـ عليهم جميعا السلم ـ قد جاءوا بمعجزات حسية كونية؛ انتهى أمدها‬
‫بوقوعها‪ ،‬ولول أن القرآن يخبرنا بها ما صدّقناها‪ ،‬مثلها مثل عود الثقاب يشتعل مرة ثم ينطفىء‪.‬‬
‫فمثلً شفى عيسى ـ عليه السلم ـ الكمه والبرص ـ بإذن ربه ـ فمَنْ رآه آمن به‪ ،‬ومَنْ لم‬
‫يَرَه قد ل يؤمن‪ ،‬وكذلك موسى ـ عليه السلم ـ ضرب البحر بالعصا فانفلق أمامه؛ ومن رآه‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫آمن به‪ ،‬وانتهت تلك المعجزات؛ لكن القرآن الكريم باقٍ إلى أن تقوم الساعة‪.‬‬
‫ويستطيع أي واحد من أمة محمد صلى ال عليه وسلم قبل قيام الساعة أن يقول‪ :‬محمد رسول ال‬
‫ومعجزته القرآن؛ لن محمدا صلى ال عليه وسلم جاء رسولً عامّا؛ ول رسول من بعده؛ لذلك‬
‫كان ل بد أن تكون معجزته من الجنس الباقي؛ ومع ذلك قالوا له‪:‬‬
‫ن الَ ْرضِ يَنْبُوعا * َأوْ َتكُونَ َلكَ جَنّةٌ مّن نّخِيلٍ وَعِ َنبٍ‬
‫{ َوقَالُواْ لَن ّن ْؤمِنَ َلكَ حَتّىا َتفْجُرَ لَنَا مِ َ‬
‫ع ْمتَ عَلَيْنَا ِكسَفا َأوْ تَأْ ِتيَ بِاللّهِ وَا ْلمَلئِكَةِ‬
‫سمَآءَ َكمَا زَ َ‬
‫سقِطَ ال ّ‬
‫فَ ُتفَجّ َر الَ ْنهَارَ خِلَلهَا َتفْجِيرا * َأوْ ُت ْ‬
‫قَبِيلً }[السراء‪90 :‬ـ ‪.]92‬‬
‫وكل ما طلبوه مسائل حسية؛ لذلك يأتي الرد‪:‬‬
‫{ َأوََلمْ َي ْكفِهِمْ أَنّآ أَنزَلْنَا عَلَ ْيكَ ا ْلكِتَابَ يُتْلَىا عَلَ ْيهِمْ }‬
‫[العنكبوت‪.]51 :‬‬
‫ومع ذلك كذّبوا‪.‬‬
‫وأضاف قوم عاد‪:‬‬
‫} َومَا نَحْنُ بِتَا ِركِي آِلهَتِنَا عَن َقوِْلكَ َومَا َنحْنُ َلكَ ِب ُم ْؤمِنِينَ { [هود‪.]53 :‬‬
‫هم ـ إذن ـ قد خدعوا أنفسهم بتسميتهم لتلك الصنام " آلهة "؛ لن الله مَنْ يُنزل منهجا يحدّد‬
‫من خلله كيف ُيعْبَد؛ ولم َتقُل الصنام لهم شيئا؛ ولم تُبلغهم منهجا‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالقياس المنطقي يُلغي تَصوّر تلك الصنام كآلهة؛ فلماذا عبدوها؟‬
‫لقد عبدوها؛ لن الفطرة تنادي كل إنسان بأن تكون له قوة مألوه لها؛ والقوة المألوه لها إن كان لها‬
‫أوامر تحدّ من شهوات النفس‪ ،‬فهذه الوامر قد تكون صعبة على النفس‪ ،‬أما إن كانت تلك اللهة‬
‫بل أوامر أو نواهي فهذه آلهة مريحة لمن يخدع نفسه بها‪ ،‬ويعبدها مظنة أنها تنفع أو تضر‪.‬‬
‫وهذه هي حُجّة كل ادّعاء نبوة أو ادّعاء مَهديّة في هذا العصر‪ ،‬فيدّعي النبيّ الكاذب النبوّة‪ ،‬ويدعو‬
‫للختلط مع النساء‪ ،‬وشرب الخمر‪ ،‬وارتكاب الموبقات‪ ،‬ويسمّى ذلك دينا‪.‬‬
‫وتجد مثل هذه الدّعاوَي في البهائية والقاديانية؛ وغيرها من المعتقدات الزائفة‪.‬‬
‫وقولهم‪:‬‬
‫} َومَا نَحْنُ بِتَا ِركِي آِلهَتِنَا عَن َقوِْلكَ { [هود‪.]53 :‬‬
‫يعني‪ :‬وما نحن بتاركي آلهتنا بسبب قولك‪.‬‬
‫وقولهم‪َ } :‬ومَا نَحْنُ َلكَ ِب ُم ْؤمِنِينَ { [هود‪.]53 :‬‬
‫أي‪ :‬وما نحن لك بمصدّقين‪ ،‬لن (آمن) تأتي بمعاني متعددة‪.‬‬
‫فإنْ عدّيتها بنفسها مثل قول الحق سبحانه‪:‬‬
‫خ ْوفٍ }[قريش‪.]4 :‬‬
‫{ وَآمَ َنهُم مّنْ َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وإنْ عدّيتها بحرف " الباء " مثل قول الحق سبحانه‪:‬‬
‫ل صَالِحا فََلهُمْ َأجْرُهُمْ }[البقرة‪.]62 :‬‬
‫عمِ َ‬
‫{ مَنْ آمَنَ بِاللّ ِه وَالْ َيوْ ِم الخِ ِر وَ َ‬
‫فالمعنى يتعلّق باعتقاد اللوهية‪.‬‬
‫وإن عدّيتها بحرف " اللم "؛ مثل قول الحق سبحانه‪:‬‬
‫ن َومَلَ ِئهِمْ أَن َيفْتِ َنهُمْ }[يونس‪.]83 :‬‬
‫عوْ َ‬
‫خ ْوفٍ مّن فِرْ َ‬
‫{ َفمَآ آمَنَ ِلمُوسَىا ِإلّ ذُرّيّةٌ مّن َق ْومِهِ عَلَىا َ‬
‫تكون بمعنى التصديق‪.‬‬
‫يقول الحق سبحانه بعد ذلك‪ } :‬إِن ّنقُولُ ِإلّ اعْتَرَاكَ َب ْعضُ آِلهَتِنَا ِبسُوءٍ {‬

‫(‪)1513 /‬‬
‫ش َهدُوا أَنّي بَرِيءٌ ِممّا تُشْ ِركُونَ (‪)54‬‬
‫شهِدُ اللّ َه وَا ْ‬
‫إِنْ َنقُولُ إِلّا اعْتَرَاكَ َب ْعضُ آَِلهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنّي أُ ْ‬

‫و " إن " التي تُفتتح بها الية الكريمة أداة شرطية‪ ،‬وأداة " إن " الشرطية يأتي بعدها جملة شرط‪،‬‬
‫وجواب شرط‪ ،‬فإن لم تكن كذلك فهي تكون بمعنى النفي؛ مثل قول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ إِنْ ُأ ّمهَا ُتهُمْ ِإلّ اللّئِي وََلدْ َنهُمْ }[المجادلة‪.]2 :‬‬
‫وهنا يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ إِن ّنقُولُ ِإلّ اعْتَرَاكَ } [هود‪.]54 :‬‬
‫أي‪ " :‬ما نقول إل اعتراك "‪.‬‬
‫وهكذا نعلم أن كلمة " إنْ " هنا جاءت بمعنى النفي‪.‬‬
‫و " إل " هي أداة استثناء‪ ،‬وقبلها فعل هو " نقول " ‪ ،‬وإذا وجدت أداة استثناء‪ ،‬ولم يذكر المستثنى‬
‫منه صراحة‪ ،‬فاعلم أنه واحد من ثلثة‪ :‬إما أن يكون مصدر الفعل‪ ،‬وإما أن يكون ظرف الفعل‪،‬‬
‫وإما أن يكون حال الفعل‪.‬‬
‫وعلى ذلك فمعنى الية الكريمة‪:‬‬
‫سفّهتهم وأبْطَلتَ ألوهيّتهم‪ ،‬وجئتَ بإلهٍ جديدٍ من‬
‫وما نقول لك إل أنّ آلهتنا أصابتك بسوء؛ لنك َ‬
‫عندك‪ ،‬فأصابتك اللهة بسوء ـ يراد به الجنون ـ فأخذتَ تخلط في الكلم الذي ليس له معنى‪.‬‬
‫ويردّ عليهم هود عليه السلم بما جاء في نفس الية‪:‬‬
‫شهَدُواْ أَنّي بَرِيءٌ ّممّا تُشْ ِركُونَ } [هود‪.]54 :‬‬
‫ش ِهدُ اللّ َه وَا ْ‬
‫{ قَالَ إِنّي أُ ْ‬
‫وهو يُشهِد ال الذي يثق أنه أرسله‪ ،‬ويحمي ذاته‪ ،‬ويحمي عقله؛ لن عقل الرسول هو الذي يدير‬
‫كيفية أداء البلغ عن ال‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والحق سبحانه وتعالى ل يمكن أن يرسل رسولً ول يحميه‪.‬‬
‫وقد قال الكافرون عن سيدنا رسول ال محمد صلى ال عليه وسلم أنه مجنون؛ فأنزل الحق‬
‫سبحانه وتعالى قوله الكريم‪:‬‬
‫ك لَجْرا غَيْرَ َممْنُونٍ * وَإِ ّنكَ َلعَلَىا خُُلقٍ عَظِيمٍ }[القلم‪2 :‬ـ‬
‫{ مَآ أَنتَ بِ ِن ْعمَةِ رَ ّبكَ ِب َمجْنُونٍ * وَإِنّ َل َ‬
‫‪.]4‬‬
‫ونحن نعلم أن المجنون ل خُلُق له‪ ،‬وفي هذا البيان أن رسول ال صلى ال عليه وسلم في قمة‬
‫العقل؛ لنه في قمة الخُلُق الطيّب‪.‬‬
‫وهنا يُشهد هود عليه السلم قومه ويطالبهم أن يرجعوا إلى الفطرة السليمة‪ ،‬ويحكموا‪ :‬أهو مجنون‬
‫أم ل‪ ،‬ويشهدهم أيضا أنه بريء من تلك اللهة التي يُشركون بعبادتها من دون ال تعالى‪.‬‬
‫جمِيعا ُث ّم لَ‬
‫ثم يقول الحق سبحانه ما جاء على لسان هود عليه السلم‪ { :‬مِن دُونِهِ َفكِيدُونِي َ‬
‫تُنظِرُونِ }‬

‫(‪)1514 /‬‬
‫جمِيعًا ُثمّ لَا تُ ْنظِرُونِ (‪)55‬‬
‫مِنْ دُونِهِ َفكِيدُونِي َ‬

‫وقوله‪ { :‬مِن دُونِهِ } أي‪ :‬من دون ال‪ ،‬فهم قد عبدوا أصناما من دون ال سبحانه‪ ،‬ومطلب هود‬
‫عليه السلم منهم أن يكيدوا له جميعا‪ ،‬وهم كثرة طاغية‪ ،‬وهو فرد واحد؛ وإن كادت الكثرة‬
‫المتجبّرة لواحد‪ ،‬فمن المتوقع أن يغلبوه‪ ،‬وهو ـ عليه السلم ـ هنا يتحداهم ويطلب منهم أن‬
‫يعملوا كل مكرهم وكيدهم‪ ،‬وأن يقتلوه لو استطاعوا‪ ،‬وهذه قمة التحدي‪.‬‬
‫والتحدي هنا معجزة؛ لنه ساعة يتحداهم فهو يعلم أن ال سبحانه وتعالى ينصره‪ ،‬وهو ـ عليه‬
‫السلم ـ متأكد من قوله‪:‬‬
‫شهِدُ اللّهَ }[هود‪.]54 :‬‬
‫{ ُأ ْ‬
‫الذي قاله في الية السابقة‪ ،‬ول يمكن أن يرمي مثل هذا التحدي جزافا‪ ،‬لن النسان ل يجازف‬
‫بحياته في كلمة‪.‬‬
‫جمِيعا ثُ ّم لَ تُنظِرُونِ } [يونس‪ ]55 :‬إل إذا كان قد آوى إلى ركن شديد‪،‬‬
‫وهو لم َي ُقلْ‪َ { :‬فكِيدُونِي َ‬
‫وإنه ينطق بالكلمة عن إيمان بأن الحق سبحانه سيهبه قدرة على نفاذ الكلمة‪.‬‬
‫وهو قد أشهد ال تعالى‪ ،‬وال سبحانه هو أول من شهد لنفسه‪ ،‬يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫شهِدَ اللّهُ أَنّ ُه لَ إِلَـاهَ ِإلّ ُهوَ }[آل عمران‪.]18 :‬‬
‫{ َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وكذلك شهدت الملئكة وأولو العلم‪ ،‬وال سبحانه وتعالى حين شهد لنفسه فإنما يطمئننا أنه إذا ألقى‬
‫أمرا علم أنه مُنفّذ ل محالة‪.‬‬
‫وقد أشهد هود عليه السلم ربّه سبحانه‪ ،‬وهو واثق من حمايته له وما كان الحق سبحانه ليرسل‬
‫رسولً ليُمكّن منه قوما يُزيحوه من حركة الرسالة‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه وتعالى ما جاء على لسان هود عليه السلم‪ { :‬إِنّي َت َوكّ ْلتُ عَلَى اللّهِ رَبّي‬
‫وَرَ ّبكُمْ }‬

‫(‪)1515 /‬‬
‫إِنّي َت َوكّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبّي وَرَ ّبكُمْ مَا مِنْ دَابّةٍ ِإلّا ُهوَ َآخِذٌ بِنَاصِيَ ِتهَا إِنّ رَبّي عَلَى صِرَاطٍ ُمسْ َتقِيمٍ (‬
‫‪)56‬‬

‫يعلن لهم هود عليه السلم حقيقة أنه يتوكّل على ال تعالى الذي ل يعلوهم فقط‪ ،‬ول يرزقهم‬
‫وحدهم‪ ،‬بل هو الخذ بناصية كل دابّة تدّب في الرض ولها حرية وحركة‪ ،‬والناصية هي مقدّم‬
‫الرأس‪ ،‬وبها خصلة من الشعر‪.‬‬
‫وحين تريد إهانة واحد فأنت تمسكه من خصلة الشعر هذه وتشدّه منها‪.‬‬
‫والحق سبحانه وتعالى يقول‪:‬‬
‫لقْدَامِ }[الرحمن‪.]41 :‬‬
‫خذُ بِال ّنوَاصِي وَا َ‬
‫{ ُيعْ َرفُ ا ْلمُجْ ِرمُونَ بِسِيمَا ُهمْ فَ ُيؤْ َ‬
‫وفي آية أخرى يقول ال سبحانه‪:‬‬
‫سفَعا بِالنّاصِيَةِ }[العلق‪.]15 :‬‬
‫{ كَلّ لَئِن لّمْ يَنتَهِ لَنَ ْ‬
‫إذن‪ :‬فكيف لم يجرؤ قوم عاد على أن يسلّطوا مجموعة ثعابين‪ ،‬وأعدادا من الكلب المتوحشة ـ‬
‫مثلً ـ على سيدنا هود عليه السلم‪.‬‬
‫لم يستطيعوا ذلك‪ ،‬وقد أعلن لهم سبب عجزهم عن الضرار به حين قال لهم‪:‬‬
‫خذٌ بِنَاصِيَ ِتهَآ إِنّ رَبّي عَلَىا صِرَاطٍ مّسْ َتقِيمٍ } [هود‪.]56 :‬‬
‫{ مّا مِن دَآبّةٍ ِإلّ ُهوَ آ ِ‬
‫ونحن نلحظ أنه عليه السلم قال في صدر الية‪:‬‬
‫{ رَبّي وَرَ ّبكُمْ } [هود‪ ،]56 :‬وفي عَجزُ الية قال‪ { :‬إِنّ رَبّي } [هود‪ ،]56 :‬والسبب في قوله‪:‬‬
‫{ رَبّي وَرَ ّبكُمْ } [هود‪ ]56 :‬أنهم كانوا قادحين في مسألة ربوبية الحق سبحانه‪.‬‬
‫لذلك قال عليه السلم في مجال السيطرة‪ { :‬رَبّي وَرَ ّبكُمْ } أما في عجز الية فقال‪:‬‬
‫{ إِنّ رَبّي عَلَىا صِرَاطٍ مّسْ َتقِيمٍ } [هود‪.]56 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أي‪ :‬أن الله الواحد سبحانه له مطلق العدالة‪ ،‬ولم يأتِ هنا بشيء يخصّ أربابهم؛ لنه هنا يتحدث‬
‫عن مطلق عدالة الحق سبحانه‪.‬‬
‫والحق سبحانه وتعالى على صراط مستقيم في منتهى قُدرته‪ ،‬و َقهْره وسيطرته‪ ،‬ول شيء يُفلت‬
‫منه‪ ،‬ومع كل قدرة ال تعالى اللمتناهية فهو ل يستعمل قهره في الظلم‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه بعد ذلك‪ { :‬فَإِن َتوَلّوْاْ َفقَدْ أَبَْلغْ ُتكُمْ مّآ أُرْسِ ْلتُ بِهِ إِلَ ْيكُمْ }‬

‫(‪)1516 /‬‬
‫فَإِنْ َتوَّلوْا َفقَدْ أَبَْلغْ ُتكُمْ مَا أُرْسِ ْلتُ ِبهِ إِلَ ْيكُ ْم وَيَسْ َتخِْلفُ رَبّي َق ْومًا غَيْ َركُ ْم وَلَا َتضُرّونَهُ شَيْئًا إِنّ رَبّي‬
‫حفِيظٌ (‪)57‬‬
‫شيْءٍ َ‬
‫عَلَى ُكلّ َ‬

‫الفعل " تولّوا " أصله‪ " :‬تتولّوا " ‪ ،‬وفي اللغة‪ :‬إذا ابتدأ فعل بتاءين يُقتصَر على تاء واحدة‪.‬‬
‫وهكذا يكون المعنى‪:‬‬
‫إن تتولّوا فقد أبلغتكم المنهج الذي أرسلت به إليكم‪ ،‬ول عُذر لكم عندي؛ لن الحق سبحانه ل‬
‫يعذّب قوما وهم غافلون؛ لذلك أرسلني إليكم‪.‬‬
‫أو أن الخطاب من ال سبحانه لهود عليه السلم ليبّين له‪ :‬فإن تولّوا فقل لهم‪ { :‬أَبَْلغْ ُتكُمْ مّآ أُ ْرسِ ْلتُ‬
‫بِهِ إِلَ ْي ُك ْم وَيَسْتَخِْلفُ رَبّي َقوْما غَيْ َر ُكمْ } [هود‪.]57 :‬‬
‫والستخلف أن يوجد قوم خلفاء لقوم‪ ،‬إما أن يكونوا عادلين؛ فل يقفوا من المناهج ول من‬
‫الرسالت مثلما وقف قوم عاد‪.‬‬
‫وإما أن يكونوا غير عادلين‪ ،‬مثل من قال فيهم الحق سبحانه‪:‬‬
‫ش َهوَاتِ }[مريم‪.]59 :‬‬
‫لةَ وَاتّ َبعُواْ ال ّ‬
‫{ َفخََلفَ مِن َبعْدِهِمْ خَ ْلفٌ َأضَاعُواْ الصّ َ‬
‫والحق سبحانه قد وعد المؤمنين وعدا طيّبا‪:‬‬
‫عمِلُواْ الصّالِحَاتِ لَ َيسْتَخِْلفَ ّنهُمْ فِي الَ ْرضِ َكمَا اسْتَخَْلفَ الّذِينَ مِن‬
‫{ وَعَدَ اللّهُ الّذِينَ آمَنُواْ مِ ْنكُ ْم وَ َ‬
‫قَبِْلهِمْ }[النور‪.]55 :‬‬
‫إذن‪ :‬فالستخلف إما أن يكون الخلف فيه صاحب عمل صالح‪ ،‬أو أن يبدد المنهج فل يتبعه‪ ،‬بل‬
‫يتبع الشهوات‪.‬‬
‫وفي آية أخرى يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫خلُ عَن ّنفْسِهِ‬
‫خلْ فَإِ ّنمَا يَ ْب َ‬
‫خلُ َومَن يَ ْب َ‬
‫عوْنَ لِتُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ َفمِنكُم مّن يَ ْب َ‬
‫{ هَا أَنتُمْ هَـاؤُلَءِ ُتدْ َ‬
‫ي وَأَنتُمُ ا ْل ُفقَرَآ ُء وَإِن تَ َتوَّلوْاْ يَسْتَ ْب ِدلْ َقوْما غَيْ َركُمْ ُث ّم لَ َيكُونُواْ َأمْثَاَلكُم }[محمد‪.]38 :‬‬
‫وَاللّهُ ا ْلغَ ِن ّ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وهنا يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ َولَ َتضُرّونَهُ شَيْئا } [هود‪.]57 :‬‬
‫لن المنهج الذي نزل على الخَلْق‪ ،‬أنزله الحق سبحانه وتعالى لصلح العباد‪ ،‬وهو سبحانه خَلَق‬
‫أولً بكل صفات الكمال فيه‪ ،‬ولن يزيده العباد وصفا من الوصاف‪ ،‬ولن يسلبه أحد وصفا من‬
‫الوصاف‪.‬‬
‫ولذلك نقول للمتمردين على عبوديتهم ل كفرا‪ ،‬وللمتمردين على المنهج بالمعصية‪:‬‬
‫أنتم ألفتم التمرد؛ إما التمرد في القمة وهو الكفر بال‪ ،‬وإما التمرد على أحكام ال بمخالفتها‪ ،‬فلماذا‬
‫ل يتمرد أحدكم على المرض‪ ،‬ويقول‪ " :‬لن أمرض "؟ ولماذا ل يتمرد أحدكم على الموت‬
‫ويرفض أن يموت؟‬
‫إذن‪ :‬فما ُد ْمتَ قد عرفت التمرد فيما لك فيه اختيار‪ ،‬فهل تستطيع التمرد على أحكام ال القهرية‬
‫فيك؟‬
‫إنك لن تستطيع؛ لنك مأخوذ بناصيتك‪ .‬والحق سبحانه إن شاء أن يوقف القلب‪ ،‬فلن تستطيع أن‬
‫تأمر قلبك بعدم التوقف‪.‬‬
‫لذلك قال هود عليه السلم‪:‬‬
‫حفِيظٌ } [هود‪.]57 :‬‬
‫شيْءٍ َ‬
‫{ َولَ َتضُرّونَهُ شَيْئا إِنّ رَبّي عَلَىا ُكلّ َ‬
‫فال سبحانه رقيب؛ لنه قيوم قائم على كل أمور كونه‪.‬‬
‫وبعض الفلسفة قالوا‪ :‬إن ال قد خلق الكون‪ ،‬وخلق النواميس والقوانين‪ ،‬ثم تركها تقوم بعملها‪.‬‬
‫ولهؤلء نقول‪ :‬ل؛ فأنتم أقررتم بصفات الخالق القادر‪ ،‬فأين صفات القيومية ل القائم على كل‬
‫نفس بما كسبت‪ ،‬وهو سبحانه القائل لعبيده عن نفسه‪:‬‬
‫{ لَ تَ ْأخُ ُذهُ سِ َن ٌة َولَ َنوْمٌ }[البقرة‪.]255 :‬‬
‫وهو سبحانه حين يقول هذا إنما يطمئن العباد؛ ليناموا ويرتاحوا؛ لنه سبحانه مُنزّه عن ال َغفْلة أو‬
‫النوم‪ ،‬بل هو سبحانه قيوم‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه بعد ذلك‪ { :‬وََلمّا جَآءَ َأمْرُنَا َنجّيْنَا هُودا وَالّذِينَ آمَنُواْ َمعَهُ }‬

‫(‪)1517 /‬‬
‫عذَابٍ غَلِيظٍ (‪)58‬‬
‫حمَةٍ مِنّا وَ َنجّيْنَاهُمْ مِنْ َ‬
‫وََلمّا جَاءَ َأمْرُنَا نَجّيْنَا هُودًا وَالّذِينَ َآمَنُوا َمعَهُ بِرَ ْ‬

‫وساعة تسمع { وََلمّا جَآءَ َأمْرُنَا } فأنت تعرف أن هناك آمرا وأمرا مُطاعا‪ ،‬وبمجرد صدور المر‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫من المر سبحانه يكون التنفيذ؛ لنه يأمر مَنْ له قدرة على التنفيذ‪:‬‬
‫ولذلك يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫ح ّقتْ }[النشقاق‪1 :‬ـ ‪.]2‬‬
‫ش ّقتْ * وَأَذِ َنتْ لِرَ ّبهَا وَ ُ‬
‫سمَآءُ ان َ‬
‫{ ِإذَا ال ّ‬
‫إذن‪ :‬فهي بمجرد السمع َنفّذت أمر الحق سبحانه‪.‬‬
‫وحين شاء الحق سبحانه أن يُنجي موسى عليه السلم من الذبح الذي أمر به فرعون؛ أوحى ال‬
‫سبحانه لمّ موسى قائلً‪:‬‬
‫ك وَجَاعِلُوهُ مِنَ ا ْلمُرْسَلِينَ }‬
‫خ ْفتِ عَلَيْهِ فَأَ ْلقِيهِ فِي ال َي ّم وَلَ َتخَافِي َولَ تَحْزَنِي إِنّا رَآدّوهُ إِلَ ْي ِ‬
‫{ فَِإذَا ِ‬
‫[القصص‪.]7 :‬‬
‫وكيف تفعل أمّ ذلك‪.‬‬
‫إن كل أمّ إنما تحرص على ابنها؛ والذبح لموسى أمر مظنون‪ ،‬واللقاء في البحر موت محقّق‪،‬‬
‫لكن أم موسى استقبلت الوحي؛ ولم تتردد؛ مما يدل على أنها تُناقش المر بمقاييس البشر‪ ،‬بل‬
‫شكّ أو شيطان‪.‬‬
‫بتنفيذ إلها ٍم واردٍ إليها من ال سبحانه؛ إلهام ل ينازعه َ‬
‫وبعد ذلك يأمر ال سبحانه البحر‪:‬‬
‫حلِ }[طه‪.]39 :‬‬
‫{ فَلْيُ ْلقِهِ الْيَمّ بِالسّا ِ‬
‫وقد استقبل البح ُر الم َر اللهي؛ لنه أمر من قادر على النفاذ‪ ،‬كما قام بتنفيذ الضد‪.‬‬
‫في قصة نوح عليه السلم قال الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ حَتّىا إِذَا جَآءَ َأمْرُنَا َوفَارَ التّنّورُ }[هود‪.]40 :‬‬
‫وحدث الطوفان؛ ليغرق الكافرين‪.‬‬
‫وهنا يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ وََلمّا جَآءَ َأمْرُنَا } [هود‪.]58 :‬‬
‫يعني‪ :‬مجيء المر بالعذاب للمخالفين لدعوة هود عليه السلم‪ ،‬وقد تحقّق هذا العذاب بطريقة‬
‫خاصة ودقيقة؛ تتناسب في دقتها مع عظمة المر بها سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫ح صَ ْرصَ ٌر أو صَيحةٌ طاغيةٌ‪ ،‬فهذا العذاب من خارجهم‪ ،‬وما دام العذاب من‬
‫فحين تأتي رِي ٌ‬
‫الخارج‪ ،‬وبقوة من قوى الطبيعة الصادرة بتوجيه ال؛ فقد َيعُمّ المكذّبين لسيدنا هود‪ ،‬ومعهم‬
‫المصدّقون به وبرسالته‪ ،‬فكيف يتأتّى أن تذهب الصيحة إلى آذان المكذّبين فقط‪ ،‬وتخرق تلك‬
‫الذان؛ وتترك آذان المؤمنين؟‬
‫إنها قدرة التقدير ل قوة التدمير‪ .‬إن مُوجّه الصيحة قد حدّد لها مَنْ تُصيب ومن تترك‪ ،‬وهي‬
‫صيحة موجّهة‪ ،‬مثلها مثل حجارة سِجّيل التي رمتها طير أبابيل على أبرهة الحبشي وجنوده؛ مع‬
‫نجاةَ جنود قريش بنفس الحجارة؛ ولم تكن إصابة بالطاعون كما ادّعى بعضٌ من المتفلسفين‪.‬‬
‫وهذه من أسرار عظمة الحق سبحانه فهو يأخذ بشيء واحد؛ ولكنه يُنجي المؤمن؛ ويعذّب الكافر؛‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فل يوجد ناموس يحكم الكون بدون قدرة مسيطرة عليه‪.‬‬
‫حكْمِ‬
‫ن والّل َم ِم َوكَانَ حَاُلهُما فِي ال ُ‬
‫جهِنا َومَا تُسوّدُ بِيضَ العَي ِ‬
‫شمْسُ مِنّا بِيضَ أو ُ‬
‫سوّدُ ال ّ‬
‫يقول المتنبي‪:‬تُ َ‬
‫ح َكمِوهكذا يضرب المتنبي المثل بأن جلوس الواحد منا في‬
‫واحِ َدةً لَو احْ َت َكمْنَا مِنَ الدّنْيَا إلَى َ‬
‫الشمس؛ يجعل بشرة البيض تميل إلى السمرة ول تسود بياض الشعر‪ ،‬لكن إن تركت شيئا أسود‬
‫في الشمس فترة لوجدته يميل إلى البيض؛ ويحدث ذلك رغم أن الفاعل واحد؛ لكن القابل مختلف‪.‬‬
‫والحق سبحانه يقول هنا‪:‬‬
‫حمَةٍ مّنّا { [هود‪.]58 :‬‬
‫} وََلمّا جَآءَ َأمْرُنَا َنجّيْنَا هُودا وَالّذِينَ آمَنُواْ َمعَهُ بِ َر ْ‬
‫فل تقل كيف نجوا من العذاب الجامع والعذاب العام؛ لن هذه هي الرحمة‪.‬‬
‫والرحمة ـ كما نعلم ـ هي أل يمس الداء النسان من أول المر؛ أما الشفاء فهو يعالج الداء‪.‬‬
‫ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى‪:‬‬
‫حمَةٌ لّ ْل ُم ْؤمِنِينَ }[السراء‪.]82 :‬‬
‫شفَآ ٌء وَ َر ْ‬
‫{ وَنُنَ ّزلُ مِنَ ا ْلقُرْآنِ مَا ُهوَ ِ‬
‫ونحن نلحظ هنا أن الحق سبحانه يذكر في نفس الية الكريمة نجاتين‪:‬‬
‫النجاة الولى‪ :‬من العذاب الجامع؛ الريح الصرصر؛ من الصيحة؛ من الطاغية‪ ،‬يقول سبحانه‪:‬‬
‫غلِيظٍ { [هود‪.]58 :‬‬
‫عذَابٍ َ‬
‫حمَةٍ مّنّا وَنَجّيْنَاهُمْ مّنْ َ‬
‫} َنجّيْنَا هُودا وَالّذِينَ آمَنُواْ َمعَهُ بِ َر ْ‬
‫والنجاة الثانية‪ :‬هي نجاة من عذاب الخرة الغليظ‪ ،‬فعذاب الدنيا رغم قسوته‪ ،‬إل أنه موقوت بعمر‬
‫الدنيا‪.‬‬
‫أما عذاب الخرة فهو عذاب بل نهاية‪ ،‬ووصفه الحق سبحانه بالغلظة‪.‬‬
‫وغلظ الشيء يعطي له القوة والمتانة‪ ،‬وهو عذاب غليظ على قدر ما يستوعب الحكم‪.‬‬
‫ولذلك حينما يُملّك الحقّ سبحانه رجلً ُبضْع امرأة بعقد الزواج‪ ،‬ويصف ذلك بالميثاق الغليظ‪،‬‬
‫والنفعية هنا متصلة بالعفة والعِرْض‪ ،‬ولم يُملّك الرجل النفعية المطلقة من المرأة التي يتزوجها؛‬
‫فالزوج يُمكّن من عورة زوجته بعقد الزواج‪.‬‬
‫يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ وََأخَذْنَ مِنكُم مّيثَاقا غَلِيظا }[النساء‪.]21 :‬‬
‫وكانت نجاة هود عليه السلم والمؤمنين معه من العذاب الول مقدمة للنجاة من العذاب الغليظ‪.‬‬
‫جحَدُواْ بِآيَاتِ رَ ّبهِمْ {‬
‫ويقول الحق سبحانه بعد ذلك‪ } :‬وَتِ ْلكَ عَادٌ َ‬

‫(‪)1518 /‬‬
‫عصَوْا رُسَُل ُه وَاتّ َبعُوا َأمْرَ ُكلّ جَبّارٍ عَنِيدٍ (‪)59‬‬
‫وَتِ ْلكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآَيَاتِ رَ ّبهِمْ وَ َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫و " تلك " إشارة إلى المكان الذي عاش فيه قوم عاد؛ لن الشارة هنا لمؤنث‪ ،‬ولنتذكر أن المتكلم‬
‫هنا هو ال سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫وهكذا فصل بين " عاد " المكان‪ ،‬و " عاد " المكين‪ ،‬وهم قوم عاد؛ لذلك قال سبحانه { جَحَدُواْ‬
‫بِآيَاتِ رَ ّبهِمْ } [هود‪ ]59 :‬فهم قد ذهبوا وبقيت آثارهم‪.‬‬
‫و " عاد " إما أن تطلق على المكان والمحل‪ ،‬وإما أن تطلق على الذوات التي عاشت في المكان‪،‬‬
‫فإذا أشار سبحانه بـ { تِ ْلكَ } فهي إشارة إلى الديار‪ ،‬والديار لم تجحد بآيات ال؛ ولذلك جاء بعدها‬
‫بقوله تعالى‪:‬‬
‫حدُواْ بِآيَاتِ رَ ّب ِهمْ } [هود‪.]59 :‬‬
‫{ جَ َ‬
‫والجحود هو النكران مع قوة الحجة والبرهان‪.‬‬
‫واليات ـ كما نعلم ـ جمع آية‪ ،‬وهي المور العجيبة الملفتة للنظر التفاتا يوحي بإيمان بما تنص‬
‫عليه‪.‬‬
‫ومن اليات ما يدل على قمة العقيدة‪ ،‬وهو اليمان بواجب الوجود؛ بال الرب الخالق الحكيم القادر‬
‫سبحانه وتعالى‪ ،‬مثل آيات الليل والنهار والشمس والقمر‪ ،‬ورؤية الرض خاشعة إلى آخر تلك‬
‫اليات التي في القمة‪.‬‬
‫وكذلك هناك آيات أخرى تأتي مصدقة لمن يخبر أنه جاء رسولً من عند ال تعالى‪ ،‬وهي‬
‫المعجزات‪.‬‬
‫وآيات أخرى فيها الحكام التي يريدها ال سبحانه بمنهجه لضمان صحة حركة الحياة في خلقه‪.‬‬
‫وقوم عاد جحدوا بكل هذه اليات؛ جحدوا اليمان‪ ،‬وجحدوا تصديق الرسول بالمعجزة‪ ،‬وأهملوا‬
‫وتركوا منهج ال جحودا بإعراض‪.‬‬
‫لذلك يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫صوْاْ رُسُلَهُ } [هود‪.]59 :‬‬
‫ع َ‬
‫{ وَ َ‬
‫وهود عليه السلم هو الذي أرسله الحق سبحانه إلى قوم عاد‪ ،‬فهل هو المعنيّ بالعصيان هنا؟‬
‫نقول‪ :‬ل؛ لن ال عز وجل قال‪:‬‬
‫ح ْكمَةٍ ُثمّ جَآ َءكُمْ رَسُولٌ ّمصَدّقٌ ّلمَا َم َعكُمْ لَ ُت ْؤمِنُنّ‬
‫ب وَ ِ‬
‫خذَ اللّهُ مِيثَاقَ النّبِيّيْنَ َلمَآ آتَيْ ُتكُم مّن كِتَا ٍ‬
‫{ وَإِذْ أَ َ‬
‫بِ ِه وَلَتَنصُرُنّهُ }[آل عمران‪.]81 :‬‬
‫إذن‪ :‬فكل أمة من المم عندها بلغ من رسولها بأن تصدق أخبار كل رسول يُرسَل‪.‬‬
‫ولذلك قال الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ ُكلّ آمَنَ بِاللّ ِه َومَل ِئكَتِ ِه َوكُتُبِ ِه وَرُسُلِ ِه لَ ُنفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رّسُلِهِ }[البقرة‪.]285 :‬‬
‫فهم قد انقسموا إلى قسمين؛ لن الحق سبحانه يقول‪:‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫صوْاْ رُسُلَهُ وَاتّ َبعُواْ َأمْرَ ُكلّ جَبّارٍ عَنِيدٍ } [هود‪.]59 :‬‬
‫ع َ‬
‫{ وَ َ‬
‫أي‪ :‬أن هناك مُتّبِعا‪ ،‬ومُتّبَعا‪.‬‬
‫والمقصود بالجبار العنيد هم قمم المجتمع‪ ،‬سادة الطغيان والصنف الثاني هم من اتبعوا الجبابرة‪.‬‬
‫ومن رحمته سبحانه أنه حين يتكلم عن الفِرَق الضالة‪ ،‬فهو يتكلم أيضا عن الفرق المضلة‪ ،‬فهناك‬
‫ضلّ لغيره‪.‬‬
‫ضالّ في ذاته‪ ،‬وهناك ُم ِ‬
‫والمضل لغيره عليه وزران‪ :‬وزر ضللة في ذاته‪ ،‬ووزر إضلل غيره‪.‬‬
‫أما الذين اتّبعوا فلهم بعض العذر؛ لنهم اتّبعوا بالجبروت والقهر‪ ،‬ل بالقناع والبينة‪.‬‬
‫وانظر إلى القرآن الكريم حين يعالج هذه القضية‪ ،‬فيتحدث عن الفئة التي ضلت في ذاتها ويقول‪:‬‬
‫ي وَإِنْ هُمْ ِإلّ َيظُنّونَ }[البقرة‪.]78 :‬‬
‫ن لَ َيعَْلمُونَ ا ْلكِتَابَ ِإلّ َأمَا ِن ّ‬
‫{ َومِ ْنهُمْ ُأمّيّو َ‬
‫ويتحدث الحق سبحانه بعد ذلك عن الفئة المضلة فيقول‪:‬‬
‫{ َفوَ ْيلٌ لّلّذِينَ َيكْتُبُونَ ا ْلكِتَابَ بِأَيْدِي ِهمْ ثُمّ َيقُولُونَ هَـاذَا مِنْ عِ ْندِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ َثمَنا قَلِيلً }[البقرة‪:‬‬
‫‪.]79‬‬
‫ويقول الحق سبحانه بعد ذلك‪ { :‬وَأُتْ ِبعُواْ فِي هَـا ِذهِ الدّنْيَا َلعْنَةً }‬

‫(‪)1519 /‬‬
‫وَأُتْ ِبعُوا فِي َه ِذهِ الدّنْيَا َلعْ َن ًة وَ َيوْمَ ا ْلقِيَامَةِ أَلَا إِنّ عَادًا َكفَرُوا رَ ّبهُمْ أَلَا ُبعْدًا ِلعَادٍ َقوْمِ هُودٍ (‪)60‬‬

‫والزمان بالنسبة للخلق ثلثة أقسام‪ :‬حياتهم زمن أول‪ ،‬ومن لحظة الموت إلى أن تقوم الساعة زمن‬
‫ثان وهو زمن البرزخ‪ ،‬وساعة يبعثون هي الزمن الثالث‪.‬‬
‫والحياة الولى فيها العمل‪ ،‬وحياة البرزخ فيها عرض الجزاء‪ ،‬مجرد العرض‪ ،‬والحياة الثالثة هي‬
‫الخرة إما إلى الجنة وإما إلى النار‪.‬‬
‫يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫جعُونَ }[البقرة‪.]28 :‬‬
‫{ كَ ْيفَ َت ْكفُرُونَ بِاللّ ِه َوكُنْتُمْ َأ ْموَاتا فَأَحْيَاكُمْ ُثمّ ُيمِي ُتكُمْ ُثمّ يُحْيِي ُكمْ ثُمّ ِإلَيْهِ تُ ْر َ‬
‫هذه هي الزمنة الثلثة ـ حياة‪ ،‬وبرزخ‪ ،‬وبعث ـ وكل وقت منها له ظرف‪.‬‬
‫ويعبر القرآن عن هذا‪ ،‬فيقول عن عذاب آل فرعون منذ أن أغرقهم ال سبحانه في البحر‪:‬‬
‫عوْنَ َأشَدّ ا ْل َعذَابِ }[غافر‪:‬‬
‫غ ُدوّا وَعَشِيّا وَيَوْمَ َتقُومُ السّاعَةُ َأدْخِلُواْ آلَ فِرْ َ‬
‫{ النّارُ ُيعْ َرضُونَ عَلَ ْيهَا ُ‬
‫‪.]46‬‬
‫وفي هذا دليل على عرض الجزاء في البرزخ مصداقا لقول رسول ال صلى ال عليه وسلم "‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫القبر إما روضة من رياض الجنة‪ ،‬وإما حفرة من حفر النار "‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فهنا زمنان‪ :‬زمن عرضهم على النار غدوّا وعشيّا‪ ،‬وزمن دخولهم النار‪.‬‬
‫وهذا يثبت عذاب البرزخ؛ لن النسان الكافر يرى فيه موقعه من النار‪ ،‬ويرى نصيبه من‬
‫العذاب‪ ،‬ثم تقوم الساعة ليأخذ نصيبه من العذاب‪.‬‬
‫وبالنسبة لقوم عاد‪ ،‬أذاقهم ال سبحانه العذاب في الدنيا‪ ،‬ثم يدخلهم النار يوم القيامة‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه في نفس الية‪:‬‬
‫{ أَل إِنّ عَادا َكفَرُواْ رَ ّب ُهمْ َألَ ُبعْدا ّلعَادٍ َقوْمِ هُودٍ } [هود‪.]60 :‬‬
‫وكلمة " أل " هي أداة تنبيه ـ كما قلنا من قبل ـ تنبه السامع إلى أهمية ما يلقيه المتكلم حتى ل‬
‫يجابه السامع بالكلم وهو غافل‪ ،‬ولن المتكلم هو الذي يقود زمام الكلم‪ ،‬فيجب أل يستقبله‬
‫السامع غافلً‪ ،‬فتأتي كلمة " أل " كجرس ينبه إلى ما بعدها من كلم‪.‬‬
‫والكلم عن قوم عاد الذين نالوا عذابا في الدنيا بالريح العقيم‪ ،‬ثم أتبعوا لعنة من البرزخ‪ ،‬وسوف‬
‫يُستقبلون يوم القيامة باللعنات؛ فهذه لعنات ثلث‪.‬‬
‫وجاء الحق سبحانه وتعالى بحيثية هذه اللعنات مخافة أن يرى قلب السامع من كثرة ما يقع عليهم‬
‫من لعن‪ ،‬فبيّن بكلمة " أل " أي‪ :‬تنبهوا إلى أن قوم عاد كفروا ربهم‪.‬‬
‫وللجريمة زمن‪ ،‬وللعقوبة عليها زمن‪ ،‬وكفرهم بربهم حدث في الدنيا‪ ،‬وهو كفر في القمة؛ لذلك‬
‫نالوا عقابا في الدنيا‪.‬‬
‫والخطر كل الخطر أن يتأخر زمن العقوبة عن زمن الجريمة‪ ،‬فل تأخذكم بهم الرحمة الحمقاء‪،‬‬
‫لن كفرهم هو الكفر بالقمة العقدية؛ لذلك تواصل لعنهم في البرزخ‪ ،‬ثم تأتي لهم لعنة الخرة‪.‬‬
‫وهم لم يكفروا بنعمة ربهم‪ ،‬بل كفروا بربهم‪.‬‬
‫والحق سبحانه لم يطلب من أحد عبادته قبل سن التكليف‪ ،‬وقدم لهم كما يقدم لكل الخلق نعمه التي‬
‫ل تعد ول تحصى؛ ولذلك فهم يستحقون اللعنات وهي الجزاء العادل‪.‬‬
‫وقد أوضح لهم هود عليه السلم‪:‬‬
‫علَىا صِرَاطٍ مّسْ َتقِيمٍ‬
‫خذٌ بِنَاصِيَ ِتهَآ إِنّ رَبّي َ‬
‫{ إِنّي َت َوكّ ْلتُ عَلَى اللّهِ رَبّي وَرَ ّبكُمْ مّا مِن دَآبّةٍ ِإلّ ُهوَ آ ِ‬
‫}[هود‪.]56 :‬‬
‫أي‪ :‬أن الحق سبحانه عادل‪.‬‬
‫وأنت حين تسمع جريمتهم؛ تنفعل وتطلب أقصى العقاب لهم؛ ولذلك يأتي قول الحق سبحانه‪:‬‬
‫} أَل إِنّ عَادا َكفَرُواْ رَ ّب ُهمْ َألَ ُبعْدا ّلعَادٍ َقوْمِ هُودٍ { [هود‪.]60 :‬‬
‫فأنت ل تكتفي بلعنتهم الولى‪ ،‬بل تلعنهم مرة أخرى‪.‬‬
‫ولسائل أن يقول‪ :‬ولماذا يقول الحق سبحانه هنا‪:‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫} َألَ ُبعْدا ّلعَادٍ َقوْمِ هُودٍ { [هود‪.]60 :‬‬
‫ونقول‪ :‬لقد قال الحق سبحانه وتعالى في موضع آخر من القرآن‪:‬‬
‫{ وَأَنّهُ أَهَْلكَ عَادا الُولَىا }[النجم‪.]50 :‬‬
‫وهذا يوضح لنا أن " عادا " كانت اثنتين‪ :‬عادا الولى‪ ،‬وهم قوم عاشوا وضَلّوا فأهلكهم ال‪،‬‬
‫وهناك عاد الثانية‪.‬‬
‫وبعد ذلك يقول الحق سبحانه‪ } :‬وَإِلَىا َثمُودَ َأخَا ُه ْم صَالِحا {‬

‫(‪)1520 /‬‬
‫وَإِلَى َثمُودَ َأخَا ُه ْم صَالِحًا قَالَ يَا َقوْمِ اعْ ُبدُوا اللّهَ مَا َلكُمْ مِنْ إَِلهٍ غَيْ ُرهُ ُهوَ أَنْشََأ ُكمْ مِنَ الْأَ ْرضِ‬
‫وَاسْ َت ْعمَ َركُمْ فِيهَا فَاسْ َت ْغفِرُوهُ ُثمّ تُوبُوا إِلَ ْيهِ إِنّ رَبّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (‪)61‬‬

‫ونحن نلحظ أن الحق سبحانه يبيّن لنا هنا أنه أرسل إلى ثمود واحدا منهم هو صالح عليه السلم‪.‬‬
‫وجاء الحق سبحانه بلفظ { أَخَاهُمْ } ليبين العلقة التي بين صالح ـ عليه السلم ـ وقومه‪ ،‬فهو قد‬
‫نشأ بينهم‪ ،‬وعرفوه وخبروه‪ ،‬فإذا ما جاءهم بدعوة ـ وقد لمسوا صدقه ـ فل بد أن يؤمنوا بما‬
‫جاء به من منهج‪.‬‬
‫وناداهم صالح عليه السلم‪ { :‬يا َقوْمِ } ‪ ،‬وهي من القيام‪ ،‬يعني‪ :‬يا من تقومون للمور‪ .‬والذي يقوم‬
‫على المر عادة هم الرجال؛ لن أمر النساء مستور ـ دائما ـ في طي الرجال‪ ،‬فليس كل حكم‬
‫من أحكام الدين يأتي فيه ذكر المرأة‪ ،‬بل نجد كثيرا من الحكام تنزل للرجال‪ ،‬والنساء مطويات‬
‫سكْنى وتربية الولد‪.‬‬
‫على الستر في ظل الرجال‪ ،‬والرجل يشقى ويكدح‪ ،‬والمرأة تدير حياة ال ُ‬
‫ونحن نجد من النساء ومن الرجال من يتراضون عند الزواج على أل تخرج المرأة للعمل‪.‬‬
‫إن للمرأة حق العمل إن احتاجت ولم تجد من يعولها‪ ،‬ولكن إن وجدت من يقوم عليها‪ ،‬فلماذا ل‬
‫تلتفت إلى عمل ل يقل أهمية عن عمل الرجل‪ ،‬وهو رعاية السرة؟‬
‫وكذلك يجد من يقوم باسم الحرية بالهجوم على الحجاب‪ ،‬ونقول لمن يفعل ذلك‪ :‬إذا كنت لم تنتقد‬
‫صفْتَهُ بأنه " حرية " ‪ ،‬فلماذا تتدخل في أمر الحجاب‪ ،‬ول تعتبره " حرية "‬
‫التهتك في الملبس‪ ،‬و َو َ‬
‫أيضا‪.‬‬
‫ونعود إلى الية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها { اعْبُدُواْ اللّهَ مَا َلكُمْ مّنْ ِإلَـاهٍ غَيْ ُرهُ }‬
‫[هود‪ ]61 :‬والعبادة تقتضي تلقي أوامر الله المعبود بـ " افعل " و " ل تفعل " في كل حركة من‬
‫حركات الحياة‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فكان أول شيء طلبه صالح من قومه ثمود { اعْ ُبدُواْ اللّهَ } وأمر عبادة ال وحده مطلوب من كل‬
‫أحد‪ ،‬ول يسع أحدا مخالفته‪.‬‬
‫{ مَا َل ُكمْ مّنْ إِلَـاهٍ غَيْ ُرهُ } [هود‪.]61 :‬‬
‫تقرير واقع ل تستطيعون تغييره‪ ،‬فليس لكم إله آخر غير ال‪ ،‬مهما حاولتم ادعاء آلهة أخرى‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫ض وَاسْ َت ْعمَ َركُمْ فِيهَا } [هود‪.]61 :‬‬
‫ن الَ ْر ِ‬
‫{ ُهوَ أَنشََأكُمْ مّ َ‬
‫والنشاء هو اليجاد ابتداء من غير واسطة شيء‪ ،‬ويقال‪ :‬أنشأ‪ ،‬أي‪ :‬أوجد وجودا ابتداءً من غير‬
‫الستعانة بشيء آخر‪.‬‬
‫لذلك ل نقول لمن اخترع‪ :‬إنه " أنشأ " لنه استعان بأشياء كثيرة ليصل إلى اختراعه؛ فقد يكون‬
‫مستعينا بمادة أخذها من الجبال‪ ،‬وبخبره تجارب صنعها من سبقوه‪ ،‬ولكن الحق سبحانه وتعالى‬
‫هو الذي ينشيء من عدم‪.‬‬
‫والوجود من العدم قسمان‪ :‬قسم أوجدته باستعانة بموجود‪ ،‬وقسم أوجدته من عدم محض‪ ،‬وهذا‬
‫الخير هو النشاء ول يقدر عليه إل ال سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫والحق سبحانه جلّت مشيئته في النشاء‪ ،‬فهو ينشيء النسان من التقاء الزوج والزوجة‪ ،‬وإن‬
‫أرجعت هذا النشاء إلى البداية الولى في آدم عليه السلم‪ ،‬فستجد أن الحق سبحانه وتعالى قد‬
‫خلقه من نفس مادة الرض‪ ،‬والرض مخلوق من مخلوقات ال‪.‬‬
‫فمنيّ الزوج وبويضة الزوجة يتكونان من خلصة الدم‪ ،‬الذي هو خلصة الغذية وهي تأتي من‬
‫الرض‪ ،‬فسواء رمزت لدم بإنشائه من الرض‪ ،‬أو أبقيتها في ذريته‪ ،‬فكل شيء مَردّه إلى‬
‫الرض‪.‬‬
‫وقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫ض وَاسْ َت ْعمَ َركُمْ فِيهَا { [هود‪.]61 :‬‬
‫ن الَ ْر ِ‬
‫} أَنشََأكُمْ مّ َ‬
‫نجد فيه كلمة } اسْ َت ْعمَ َركُمْ { وساعة ترى اللف والسين والتاء فاعلم أنها للطلب‪ ،‬وهكذا يكون‬
‫معنى كلمة " استعمر " هو طلب التعمير‪.‬‬
‫ومن الخطأ الشائع تسمية البلد التي تحتل بلدا أخرى‪ " :‬دول الستعمار "‪.‬‬
‫أقول‪ :‬إن ذلك خطأ‪ ،‬لنهم لو كانوا دول استعمار‪ ،‬فهذا يعني أنهم يرغبون في عمارة الرض‪،‬‬
‫ولكنهم في حقيقة المر كانوا يخربون في الرض؛ ولذلك كان يجب أن تسمى " دول الستخراب‬
‫"‪.‬‬
‫} وَاسْ َت ْعمَ َركُمْ فِيهَا { أي‪ :‬طلب منكم عمارتها‪ ،‬وهذا يتطلب أمرين اثنين‪ :‬أن يبقي الناس المر‬
‫الصالح على صلحه‪ ،‬أو يزيدوه صلحا‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وكما ضربت المثل من قبل بتحسين وسائل وصول المياه إلى المنازل بعد اكتشاف نظرية الواني‬
‫المستطرقة‪ ،‬فقد كان الناس يشربون الماء من الترع‪ ،‬ثم تم اختراع كيفية تكرير المياه‪ ،‬ثم جاءت‬
‫نظرية الواني المستطرقة‪ ،‬فاستغلها الناس في بناء خزانات عالية‪ ،‬وتوصيل الماء بواسطة‬
‫مواسير تدخل لكل بيت‪.‬‬
‫وهكذا تصل المياه النقية لكل منزل‪ ،‬وهكذا يزداد في المر الصالح صلحا‪.‬‬
‫وأيضا إن استصلحنا الرض البور‪ ،‬فنحن نزيد الرض رقعة صالحة لنتاج الغذاء لمقابلة الزيادة‬
‫في عدد السكان‪.‬‬
‫وما دام عدد السكان في زيادة فل بد من زيادة رقعة الرض بالستصلح؛ لن الزمة التي نعاني‬
‫منها الن‪ ،‬هي نتيجة للغفلة التي مرت علينا‪ ،‬فزاد التكاثر عن الستصلح‪ ،‬وكان الواجب يقتضي‬
‫أن نزيد من الستصلح بما يتناسب مع الزيادة في السكان‪.‬‬
‫وهكذا نفهم معنى استعمار الرض‪.‬‬
‫ومن عظمة الحق سبحانه وتعالى أنه تجلّى على الخَلْق بصفات من صفاته‪ ،‬فالقويّ يعين‬
‫الضعيف‪ ،‬والحق سبحانه له مطلق القوة‪ ،‬و َي َهبُ الخلق من حكمته حكمة‪ ،‬ومن قبضه قبضا‪ ،‬ومن‬
‫بسطه بسطا‪ ،‬ومن غناه غنىً؛ ولكن الصفات الحسنى كلها ذاتية فيه وموهوبة منه لنا‪.‬‬
‫والدليل على ذلك أن القوي فينا يصير إلى ضعف‪ ،‬والغني منا قد يصيبه الفقر؛ حتى ل نفهم أن‬
‫هذه الصفات ذاتية فينا‪ ،‬وأن الحق سبحانه وتعالى قد أعطانا من صفاته قدرة لنفعل‪.‬‬
‫ومن أعطاه ال تعالى قدرة ليفعل؛ عليه أن يلحظ أنه انتفع بفعل من سبقه‪ ،‬فإن أكل اليوم تمرا ـ‬
‫على سبيل المثال ـ فعليه أن يتذكر أن الذي زرع له النخلة هو من سبقه‪ ،‬فليزرع من يأكل البلح‬
‫الن نخلة لتفيده بعد سبع سنين ـ وهو الزمن اللزم لتطرح النخلة بلحا ـ وليستفيد بها من يأتي‬
‫من بعده‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه وتعالى ما جاء على لسان صالح عليه السلم لقومه " ثمود " في الية التي‬
‫نحن بصدد خواطرنا عنها‪:‬‬
‫} فَاسْ َتغْفِرُوهُ ثُمّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنّ رَبّي قَرِيبٌ مّجِيبٌ { [هود‪.]61 :‬‬
‫فإن استغفر النسان‪ ،‬فالحق سبحانه قريب من كل عبد يستغفر عن ذنوب ل تمثل حقوقا للناس‪،‬‬
‫وال سبحانه وتعالى يجيب لطالب المغفرة‪.‬‬
‫فماذا كان الرد من قوم ثمود؟‬
‫جوّا قَ ْبلَ هَـاذَا {‬
‫يقول الحق عز وجل ما جاء على ألسنتهم‪ } :‬قَالُواْ ياصَالِحُ َقدْ كُنتَ فِينَا مَرْ ُ‬

‫(‪)1521 /‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫شكّ ِممّا تَدْعُونَا‬
‫جوّا قَ ْبلَ َهذَا أَتَ ْنهَانَا أَنْ َنعْ ُبدَ مَا َيعْبُدُ آَبَاؤُنَا وَإِنّنَا َلفِي َ‬
‫قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُ ْنتَ فِينَا مَرْ ُ‬
‫إِلَيْهِ مُرِيبٍ (‪)62‬‬

‫كانوا ينظرون إلى صالح ـ عليه السلم ـ بتقدير ورجاء قبل أن يدعوهم لعبادة ال تعالى وحده‪،‬‬
‫ول إله غيره‪.‬‬
‫والمرجوّ هو النسان المؤمّل فيه الخير‪ ،‬ذكاءً‪ ،‬وطموحا‪ ،‬وأمانة‪ ،‬وأية خصلة من الخصال التي‬
‫تبشر بأنه له مستقبلً حسنا‪.‬‬
‫ولكن ما إن دعاهم صالح ـ عليه السلم ـ إلى عبادة ال سبحانه وتعالى أعلنوا أنه ـ بتلك‬
‫الدعوة ـ إنما يفسد رجاءهم فيه وما كانوا يأملون فيه‪.‬‬
‫وقد أوضح لهم صالح ـ عليه السلم ـ ما أوضحه الرسل من قبله ومن بعده‪ ،‬أن اتخاذ الصنام‬
‫أو الشجار أو الشمس آلهة ُتعْبد هو أمر خاطىء؛ لن العبادة تقتضي أوامر ونواهي ينزل بها‬
‫منهج؛ يتبعه من يعبدون‪ ،‬وتلك الكائنات المعبودة ل منهج لها‪ ،‬ول عبادة دون منهج‪.‬‬
‫وأضاف قوم ثمود‪:‬‬
‫شكّ ّممّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ } [هود‪.]62 :‬‬
‫{ وَإِنّنَا َلفِي َ‬
‫والشك هو استواء الطرفين‪ :‬النفي والثبات‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فهم ليسوا على يقين أن عبادتهم لما عبد آباؤهم هي عبادة صادقة‪ ،‬ودعوة صالح عليه السلم‬
‫لهم جعلتهم يترددون في أمر تلك العبادة؛ وهذا يُظهر أن خصال الخير في صالح عليه السلم‬
‫جعلتهم يترددون في أمر عبادتهم‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه وتعالى ما جاء على لسان صالح عليه السلم لثمود‪ { :‬قَالَ يا َقوْمِ أَرَأَيْ ُتمْ إِن‬
‫كُنتُ عَلَىا بَيّ َنةً مّن رّبّي }‬

‫(‪)1522 /‬‬
‫عصَيْتُهُ‬
‫حمَةً َفمَنْ يَ ْنصُرُنِي مِنَ اللّهِ إِنْ َ‬
‫علَى بَيّ َنةٍ مِنْ رَبّي وَآَتَانِي مِ ْنهُ رَ ْ‬
‫قَالَ يَا َقوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُ ْنتُ َ‬
‫َفمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (‪)63‬‬

‫وكأن صالحا قد ارتضاهم حكما فقال‪ :‬أخبروني إذا كنت أنا على بينة من ربي ويقين بأنه أرسلني‬
‫وأيّدني‪ ،‬وأنا إن خدعت الناس جميعا فلن أخدع نفسي‪ ،‬فهل أترك ما أكرمني به ربي وأنزل إليّ‬
‫منهجا أدعوكم إليه؟ هل أترك ذلك وأستمع لكلمكم؟ هل أترك يقيني بأنه أرسلني بهذه الرسالة‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫حمَةً } [هود‪ ]63 :‬وهي النبوة؟‬
‫{ وَآتَانِي مِنْهُ َر ْ‬
‫عصَيْتُهُ } [هود‪.]63 :‬‬
‫{ َفمَن يَنصُرُنِي مِنَ اللّهِ إِنْ َ‬
‫وساعة يستفهم إنسان عن شيء في مثل هذا الموقف فهو ل يستفهم إل عن شيء يثق أن الجابة‬
‫ستكون بما يرضيه‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه وتعالى على لسان صالح عليه السلم‪:‬‬
‫{ َفمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ َتخْسِيرٍ } [هود‪.]63 :‬‬
‫ونحن نعلم أن الخسارة ضد المكسب‪ ،‬ومعنى الخسارة أن يقل رأس المال‪ .‬فهل التخسير واقع منه‬
‫عليهم أم واقع منهم عليه‪.‬‬
‫إن ثراء السلوب القرآني هنا يوضح لنا هذه المعاني كلها‪ ،‬فإن أطاعهم صالح ـ عليه السلم ـ‬
‫وعصى ربه‪ ،‬فهو قد أزاد في خسارته‪ ،‬أو أنه ينسبهم إلى الخسران أكثر‪ ،‬لنهم غير مهديين‪،‬‬
‫ويريدون له أن يضل ويتبع ما يعبدون من دون ال تعالى‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالتخسير إما أن يكون واقعا عليهم من صالح ـ عليه السلم ـ وإما أن يكون واقعا منهم‬
‫على صالح‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه بعد ذلك على لسان صالح عليه السلم‪ { :‬وَيا َقوْمِ هَـا ِذهِ نَاقَةُ اللّهِ َلكُمْ آيَةً }‬

‫(‪)1523 /‬‬
‫عذَابٌ قَرِيبٌ‬
‫وَيَا َقوْمِ هَ ِذهِ نَا َقةُ اللّهِ َلكُمْ آَيَةً فَذَرُوهَا تَ ْأ ُكلْ فِي أَ ْرضِ اللّهِ وَلَا َت َمسّوهَا بِسُوءٍ فَيَ ْأخُ َذكُمْ َ‬
‫(‪)64‬‬

‫وكان قوم صالح قد طلبوا آية‪ ،‬فقالوا له‪ :‬إن كنت نبيّا فأخرج لنا ناقة من تلك الصخرة‪ ،‬وأشاروا‬
‫إلى صخرة ما‪ ،‬وهم قوم كانوا نابغين في نحتن بيوتهم في الجبال‪ .‬ومن يَزُورْ المنطقة الواقعة بين‬
‫الشام والمدينة‪ ،‬يمكنه أن يشاهد مدائن صالح‪ ،‬وهي منحوتة في الجبال‪.‬‬
‫وقد قال فيهم الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ وَتَنْحِتُونَ مِنَ ا ْلجِبَالِ بُيُوتا فَارِهِينَ }[الشعراء‪.]149 :‬‬
‫هم ـ إذن ـ قد حددوا الية‪ ،‬وهي خروج ناقة من صخرة أشاروا إليها‪ ،‬فخرجت الناقة وهي‬
‫حامل‪.‬‬
‫وبعد أن وُجدت الناقة على وفق ما طلبوها لم يطيقوا أن يعلنوا التصديق‪ ،‬وقد قال لهم صالح عليه‬
‫السلم‪:‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫{ وَيا َقوْمِ هَـا ِذهِ نَاقَةُ اللّهِ } [هود‪.]64 :‬‬
‫وساعة تسمع شيئا مضافا إلى ال تعالى‪ ،‬فاعلم أن له عظمة بعظمة المضاف إليه‪.‬‬
‫مثلما نقول‪ " :‬بيت ال " ‪ ،‬وهذا القول إن أُطلق فالمقصود به الكعبة المشرفة‪ ،‬وإن حددنا موقعا‬
‫وقلنا عنه‪ " :‬بيت ال " فنحن نبني عليه مسجدا‪ ،‬وتكون أرضه قد حُكرت لتكون ُمصَلّى‪ ،‬ول‬
‫يُزاوَل فيها أي عمل آخر‪.‬‬
‫هكذا تكون الكعبة هي بيت ال باختيار ال تعالى‪ ،‬وتكون هناك مساجد أخرى هي بيوت ل‬
‫باختيار خَلْق ال‪.‬‬
‫ولذلك فبيت ال ـ باختيار ال ـ هو قبلة لبيوت ال باختيار خلق ال‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فإن أضيف شيء ل تعالى‪ ،‬فهو يأخذ عظمة الحق سبحانه وتعالى‪ ،‬وقد قال لهم صالح‪:‬‬
‫{ هَـا ِذهِ نَاقَةُ اللّهِ } [هود‪ ]64 :‬وهي ليست ناقة زيد أو ناقة عمرو‪.‬‬
‫ولم يلتفت قوم صالح إلى ما قاله صالح عليه السلم‪ ،‬ولم يلحظوا أن الشيء المنسوب ل تعالى له‬
‫عظمة من المضاف إليه‪.‬‬
‫ومثال ذلك‪ " :‬ابن أبي لهب‪ ،‬وكان قد تزوج ابنة لرسول ال صلى ال عليه وسلم وحين اشتد عناد‬
‫أبي لهب للرسول صلى ال عليه وسلم‪ ،‬قال أبو لهب لبنه‪ :‬طلق بنت محمد‪ ،‬فطلقها‪ ،‬وفعل فعلً‬
‫يدل على الزدراء‪ ،‬فدعا عليه رسول ال صلى ال عليه وسلم وقال‪ " :‬أما إني أسأل ال أن يسلط‬
‫عليه كلبه "‪.‬‬
‫فقال أبو لهب‪ :‬إني لتوجس شرّا من دعوة محمد‪.‬‬
‫ثم سافر ابن أبي لهب مع بعض قومه في رحلة‪ ،‬وكانوا إذا ناموا طلب أبو لهب مكانا في وسط‬
‫رحال الركب كله خوفا على ابنه من دعوة رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وإذا بأسد يقفز من‬
‫الرحال ويأكل الولد " ‪ ،‬فهنا نسب رسول ال صلى ال عليه وسلم المر إلى ال فقال‪ " :‬أكلك كلب‬
‫من كلب ال " فكان كلب ال أسدا‪.‬‬
‫وهنا في الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يوضح لهم صالح عليه السلم‪ :‬هذه الناقة هي الية‬
‫التي طلبتموها وقد جاءت من الصخر‪.‬‬
‫وكان يقدر أن يأتي لهم بالجنس الرقى من الجماد‪ ،‬وهو النبات‪ ،‬ولكن الحق سبحانه استجاب‬
‫للية التي طلبوها وهي من جنس الحيوان‪.‬‬
‫ونحن نعلم أن الكائنات الرضية إما أن تكون جمادا‪ ،‬وإما أن يأخذ الجماد صفة النمو فيصير‬
‫نباتا‪ ،‬وإما أن يأخذ صفة الحس والحركة فيصير حيوانا‪ ،‬وإما أن يأخذ صفة الحس والحركة‬
‫والفكر فيصير إنسانا‪.‬‬
‫وكان من الممكن أن يأتي لهم صالح عليه السلم بشجرة من الصخر‪ ،‬وهذا أمر فيه إعجاز أيضا‪،‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ولكن الحق سبحانه أرسل الية كما طلبوها؛ ناقة من جنس الحيوان‪ ،‬وحامل في الوقت نفسه‪.‬‬
‫وطالبهم صالح عليه السلم أن يحافظوا عليها؛ لنها معجزة‪ ،‬عليهم أل يتعرضوا لها‪ .‬وقال لهم‪:‬‬
‫عذَابٌ قَرِيبٌ { [هود‪.]64 :‬‬
‫خ َذكُمْ َ‬
‫} َفذَرُوهَا تَ ْأ ُكلْ فِي أَ ْرضِ اللّ ِه َولَ َتمَسّوهَا ِبسُوءٍ فَيَأْ ُ‬
‫وهكذا وعظهم‪ ،‬وطلب منهم أن يتركوها تأكل في أرض ال‪ ،‬وإن مسّوها بسوء ولم يأخذهم‬
‫عذاب‪ ،‬فمن آمن به ل بد أن يكفر‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فل بد أن يأتي العذاب القريب إن هم مسّوها‪.‬‬
‫وهم قد مسّوها بالفعل‪ ،‬وهو ما تبينه الية الكريمة التالية‪َ } :‬ف َعقَرُوهَا َفقَالَ َتمَ ّتعُواْ فِي دَا ِر ُكمْ ثَلَثَةَ‬
‫أَيّامٍ {‬

‫(‪)1524 /‬‬
‫ك وَعْدٌ غَيْرُ َمكْذُوبٍ (‪)65‬‬
‫َفعَقَرُوهَا َفقَالَ َتمَ ّتعُوا فِي دَا ِركُمْ َثلَاثَةَ أَيّامٍ ذَِل َ‬

‫وجلسوا في منازلهم ثلثة أيام ثم جاءهم العذاب‪.‬‬
‫ولقائل أن يقول‪ :‬ول َم المهال بثلثة أيام؟‬
‫ونقول‪ :‬إن العذاب إذا جاء فاللم الحسّي ينقطع من المعذّب‪ ،‬ويشاء ال تعالى أن يعيشوا في ذلك‬
‫حسّيًا‪ ،‬وكل يوم يمرّ عليهم تزداد آلمهم من قرب الوعيد الذي‬
‫اللم طوال تلك ال ُمدّة حتى يتألموا ِ‬
‫قال فيه ال تعالى‪:‬‬
‫{ وَعْدٌ غَيْرُ َمكْذُوبٍ } [هود‪.]65 :‬‬
‫الحق سبحانه هو الذي َيعِدُ ‪ ،‬وهو القادر على إنفاذ الوعد‪ ،‬ول تقوم قوة أمامه؛ لذلك فهو وعد‬
‫صادق غير مكذوب‪.‬‬
‫على عكس النسان منا حين َيعِدُ بشيء‪ ،‬فمن الممكن أن يأتي وقت تنفيذ الوعد ول يستطيع‪.‬‬
‫لذلك يقول لنا الحق سبحانه‪:‬‬
‫علٌ ذاِلكَ غَدا * ِإلّ أَن يَشَآءَ اللّهُ }[الكهف‪23 :‬ـ ‪.]24‬‬
‫{ َولَ َتقْولَنّ ِلشَاْىءٍ إِنّي فَا ِ‬
‫لنك إن قلت‪ " :‬أفعل ذلك غدا " ‪ ،‬وتعد إنسانا بلقائه لكذا وكذا؛ فقل‪ " :‬إن شاء ال "؛ لن ال‬
‫تعالى ل يمنع ترتيب أمور لزمن يأتي‪ ،‬وإنما يجب أن يردف من يرتب المور " بمشيئة القوي‬
‫القادر " حتى إذا لم ينجز ما وعد به؛ يكون قد خرج عن الكذب‪ ،‬لن ال تعالى لم يشأ‪ ،‬لن‬
‫النسان إذا وعد‪ ،‬فهو ل يعتمد على إرادته‪ ،‬ولكن مشيئة ال تعالى تعلو كل شيء‪.‬‬
‫والفعل ـ كما نعلم ـ يقتضي فاعلً‪ ،‬ومفعولً‪ ،‬وزمنا‪ ،‬وسببا دافعا‪ ،‬وقدرة تمكّن النسان من‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الفعل‪ ،‬فهل يملك أحدٌ شيئا من كل هذا؟‬
‫إن النسان ل يملك نفسه أن يعيش إلى الغد‪ ،‬ول يملك من يعده أن يوجد غدا حتى يلقاه‪ ،‬ول يملك‬
‫أن يظل السبب سببا للّقاء؛ فربما انتهى السبب‪ ،‬ول يملك حين تجتمع السباب كلها أن توجد له‬
‫قدرة وقوة على إنفاذ السبب‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فإذا قال‪ " :‬أفعل ذلك غدا مع فلن "؛ يكون قد جازم وتكلم في شيء ل يملك عنصرا واحدا‬
‫من عناصره‪ ،‬فقل‪ " :‬إن شاء ال " ‪ ،‬أي‪ :‬أنك تستعين بمشيئة من يملك كل هذه العناصر‪.‬‬
‫ويعطي الحق سبحانه في كل لقطة إيمانية من اللقطات‪ ،‬قدرته على خلقه فهو سبحانه القائل‪:‬‬
‫ك وَعْدٌ غَيْرُ َمكْذُوبٍ } [هود‪.]65 :‬‬
‫{ َف َعقَرُوهَا َفقَالَ َتمَ ّتعُواْ فِي دَا ِركُمْ ثَلَثَةَ أَيّامٍ ذاِل َ‬
‫وقوله‪ { :‬فِي دَا ِركُمْ } لن من هؤلء الذين كفروا قوما في مكان يختلف عن مكان آخر يوجد به‬
‫أيضا قوم كافرون‪ ،‬ومنهم المسافر‪ ،‬ومنهم العائد من سفر‪ ،‬فتتبعهم العذاب حيثما كانوا‪ ،‬فلم ينزل‬
‫على مكان واحد‪ ،‬إنما نزل على المكين منهم في أي مكان‪.‬‬
‫ولم يَنْجُ من هذه المسألة إل واحد اسمه " أبو رغال " ‪ ،‬وكان يحج إلى بيت ال‪ ،‬فلم يتبعه عذابه‬
‫في بيت ال؛ لن ال سبحانه طلب منا نحن عباده أن نؤمّن من دخل بيته‪ ،‬فهو سبحانه وتعالى‬
‫أوْلى بأن يؤمّن من دخل البيت الحرام‪ ،‬وظل الحجر الذي سيُضرب به‪ ،‬أو الصيحة التي كان‬
‫عليها أن تأخذه‪ ،‬ظلت إلى أن خرج من الحرم فوقعت عليه‪.‬‬
‫‪ .‬وعَمّ العذابُ الكافرين من قوم صالح‪ ،‬وتتبع من في الديار إل هذا الرجل‪ ،‬وما إن خرج من‬
‫البيت الحرام حتى وقع عليه العذاب‪.‬‬
‫ولذلك كان قاتل الب أو النسان الذي عليه دم نتيجة أنه ارتكب جريمة قتل‪ ،‬إذا ما دخل البيت‬
‫الحرام فهو يُؤمّن إلى أن يخرج‪ ،‬وكانوا يُضيّقون عليه‪ ،‬فل يطعمه أحد‪ ،‬ول يسقيه أحد ليضطر‬
‫إلى الخروج‪ ،‬فيتم القصاص منه بعد خروجه من البيت الحرام‪ ،‬ولتظل حرمة البيت الحرام‬
‫ُمصَانة‪.‬‬
‫ونحن نعلم أن الحق سبحانه أراد من تحريم القتال في البيت الحرام‪ ،‬صيانة وتكريما للكرامة‬
‫النسانية‪.‬‬
‫ونحن نعلم أيضا أن كل حدث من الحداث يقتضي زمانا‪ ،‬ويقتضي مكانا‪.‬‬
‫وكان العرب دائمي الغارات على بعضهم البعض‪ ،‬فأراد الحق سبحانه أن يوجد مكان يحرم فيه‬
‫القتال؛ فخصّ البيت الحرام بذلك‪ ،‬وأراد سبحانه أن يوجد زمان يحرم فيه القتال؛ فكانت الشهر‬
‫الحرم؛ لن الحرب قد تكون سجالً بين الناس وتوقظ فيهم الحمية والنفة والعزة‪.‬‬
‫وكل واحد منهم يحب في ذاته أن ينتهي من الحرب‪ ،‬ولكنه ل يحب أن يجبن أمام الناس‪ ،‬فأراد‬
‫الحق سبحانه أن يجعل لهم شيئا يتوارون فيه من الزمان ومن المكان‪ ،‬فحرم القتال في الشهر‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الحرم‪.‬‬
‫وما إن تأتي الشهر الحرم حتى يعلن المقاتل من هؤلء‪ :‬لول الشهر الحرم لكنت قد أنزلت‬
‫بخصمي الهزيمة الساحقة‪ ،‬وهو يقول ذلك ليداري كبرياءه؛ لنه في أعماقه يتمنى انتهاء الحرب‪.‬‬
‫وكذلك حين يدخل مقاتل إلى البيت الحرام‪ ،‬هنا يقول مَنْ كان يحاربه‪ :‬لو لم يدخل الحرم؛ لذقته‬
‫عذاب الهزيمة‪.‬‬
‫وبمضيّ الزمان وبالمكث في المكان ينعم الناس بالمن والسلم‪ ،‬وربما عشقوه فانتهوا من‬
‫الحرب‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ } :‬فََلمّا جَآءَ َأمْرُنَا نَجّيْنَا صَالِحا وَالّذِينَ آمَنُواْ َمعَهُ {‬

‫(‪)1525 /‬‬
‫حمَةٍ مِنّا َومِنْ خِ ْزيِ َي ْومِئِذٍ إِنّ رَ ّبكَ ُهوَ ا ْل َق ِويّ‬
‫فََلمّا جَاءَ َأمْرُنَا نَجّيْنَا صَاِلحًا وَالّذِينَ َآمَنُوا َمعَهُ بِرَ ْ‬
‫ا ْلعَزِيزُ (‪)66‬‬

‫فحين شاء الحق أن يُنزل العذاب بثمود‪ ،‬بعد مُضيّ المدة التي أنذروا بنزول العذاب بعدها‪ ،‬نجّى‬
‫الحق صالحا عليه السلم والذين آمنوا برسالته من الهلك‪ ،‬فحفظتهم رحمة ال؛ لنهم آمنوا بما‬
‫نزل على صالح من منهج‪ ،‬ولم ُيعَانِ المؤمنون برسالة صالح ما عانى منه قوم ثمود من الذل‬
‫والفضيحة‪.‬‬
‫هذا الذل وتلك الفضيحة التي حاقت بثمود‪.‬‬
‫ويذيل الحق سبحانه الية الكريمة بقوله‪:‬‬
‫{ إِنّ رَ ّبكَ ُهوَ ا ْلقَ ِويّ ا ْلعَزِيزُ } [هود‪.]66 :‬‬
‫هذا خطاب لمحمد صلى ال عليه وسلم تسلية وتسرية عنه وتقوية لعزمه‪ ،‬فالحق سبحانه مقتدر‬
‫يأخذ كل كافر‪ ،‬ول يغلبه أحد ول يعجزه شيء‪ ،‬وفي هذا إنذار لمن كفروا برسالة رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه بعد ذلك‪ { :‬وََأخَذَ الّذِينَ ظََلمُواْ الصّيْحَةُ }‬

‫(‪)1526 /‬‬
‫وَأَخَذَ الّذِينَ ظََلمُوا الصّيْحَةُ فََأصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَا ِثمِينَ (‪)67‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ويسمي الحق سبحانه هنا العذاب الذي نزل على ثمود " الصيحة " وسمّاه في موضع آخر "‬
‫الطاغية "‪:‬‬
‫{ فََأمّا َثمُودُ فَأُ ْهِلكُواْ بِالطّاغِيَةِ }[الحاقة‪.]5 :‬‬
‫وسمّاه في موضع آخر " صاعقة " فقال سبحانه‪:‬‬
‫ل صَاعِقَةِ عَا ٍد وَ َثمُودَ }[فصلت‪.]13 :‬‬
‫عقَةً مّ ْث َ‬
‫{ فَإِنْ أَعْ َرضُواْ َف ُقلْ أَنذَرْ ُتكُ ْم صَا ِ‬
‫وفي سورة العراف سمّاه " الرجفة " ‪ ،‬وكل من الصاعقة والصيحة والرجفة تؤدي معنى الحدث‬
‫الذي َيدْهَمُ‪ ،‬ول يمكن الفكاك منه‪.‬‬
‫ولقائل أن يقول‪ :‬لماذا لم يقل الحق سبحانه هنا‪ " :‬وأخذت الذين ظلموا الصيحة "؟ لماذا اختفت تاء‬
‫التأنيث من الفعل‪ ،‬وقال سبحانه‪:‬‬
‫{ وََأخَذَ الّذِينَ ظََلمُواْ الصّ ْيحَةُ } [هود‪.]67 :‬‬
‫ونقول‪ :‬إن الذي يتكلم هنا هو رب العباد سبحانه‪ ،‬ول يصح أن نفهم الصيحة على أنها جاءت‬
‫لتعبر عن صيحة واحدة‪ ،‬فتاء التأنيث تعبر عن الصيحة لمرة واحدة‪ ،‬أما إذا تكررت وصارت‬
‫صياحا كثيرا تأخذهم كل صيحة من الصياح‪.‬‬
‫وهنا نلمح أن الصيحة فيها ضعف النوثة‪ ،‬أما الصياح ففيه عزيمة وقوة الرجولة‪ ،‬فأراد الحق‬
‫سبحانه أن يجمع المرين‪ ،‬فقال‪ " :‬أخذ " ولم يقل‪ " :‬أخذت "‪.‬‬
‫ثم قال سبحانه‪:‬‬
‫{ فََأصْبَحُواْ فِي دِيَا ِرهِمْ جَا ِثمِينَ } [هود‪.]67 :‬‬
‫أي‪ :‬مُلْقون على ُركَبهم وعلى جباههم بل حركة‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه بعد ذلك‪ { :‬كَأَن لّمْ َيغْ َنوْاْ فِيهَآ }‬

‫(‪)1527 /‬‬
‫كَأَنْ لَمْ َيغْ َنوْا فِيهَا أَلَا إِنّ َثمُودَ َكفَرُوا رَ ّبهُمْ َألَا ُبعْدًا لِ َثمُودَ (‪)68‬‬

‫ومادة " غَ ِنيَ "‪ " ..‬غِنىً " ‪ ،‬أو " غَنَاءً " كلها متساوية؛ لن الغَنَاء هو الوجود؛ وجود شيء ُيغَنِي‬
‫عن شيء‪ ،‬فالغِنَى هو وجود مال يغنيك عن غيرك‪ ،‬والغناء هو ما نسمعه من ال ُمغَنّين‪ ،‬والغنية‬
‫التي يعجب النسان من كلماتها ولحنها‪ ،‬فهو يقيم معها إقامة تطرد ما سواها مما سمع من الكلم‬
‫على كثرة ما سمع أو قرأ‪ ،‬والغَناء هو للقامة‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والحق سبحانه يقول‪:‬‬
‫ت الَ ْرضُ ُزخْ ُر َفهَا وَازّيّ َنتْ وَظَنّ أَهُْلهَآ أَ ّنهُمْ قَادِرُونَ عَلَ ْيهَآ أَتَاهَآ َأمْرُنَا لَيْلً َأوْ‬
‫خ َذ ِ‬
‫{ حَتّىا إِذَآ أَ َ‬
‫لمْسِ }[يونس‪.]24 :‬‬
‫حصِيدا كَأَن لّمْ َتغْنَ بِا َ‬
‫جعَلْنَاهَا َ‬
‫َنهَارا فَ َ‬
‫أي‪ :‬كأنها لم توجد من قبل‪.‬‬
‫وهنا يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ كَأَن لّمْ َيغْ َنوْاْ فِيهَآ } [هود‪.]68 :‬‬
‫أي‪ :‬لم يقيموا فيها‪ ،‬لنها صارت حصيدا‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه في نفس الية‪َ { :‬ألَ إِنّ َثمُودَاْ كَفرُواْ رَ ّبهُمْ } [هود‪ ،]68 :‬وهذه هي حيثية‬
‫العذاب الذي نزل بهم‪.‬‬
‫وعادة ما تتعدى كلمة " كفر " بالباء‪ ،‬ويقال‪ :‬كفروا بربهم‪ ،‬ولكن الحق سبحانه يقول هنا‪:‬‬
‫{ َألَ إِنّ َثمُودَاْ كَفرُواْ رَ ّبهُمْ } [هود‪.]68 :‬‬
‫والفارق كبير بين المعنيين‪ ،‬فمعنى { كَفرُواْ رَ ّبهُمْ } أي‪ :‬ستروا وجوده‪ ،‬فل وجود له‪ ،‬ولكن معنى‬
‫" كفروا بربهم " هو اعتراف بال الموجود‪ ،‬لكنهم لم يؤمنوا به‪.‬‬
‫وقول الحق سبحانه‪ { :‬كَفرُواْ رَ ّبهُمْ } يرد على الملحدة الذين ل يقرون بوجود ال‪ ،‬لن ذنب‬
‫إنكار وجود ال ليس بعده ذنب‪ ،‬ول يوجد ما هو أكثر منه في الذنوب‪.‬‬
‫لذلك يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ َألَ ُبعْدا لّ َثمُودَ } [هود‪.]68 :‬‬
‫أي‪ :‬أنهم‪ :‬يستحقون ما وقع عليهم من إهلك وطرد من رحمة ال‪ ،‬ولن يعطف عليهم أحد‬
‫لضخامة ذنبهم‪.‬‬
‫ويأتي الحق سبحانه في الية التالية بقصة جديدة من قصص النبياء‪ ،‬وهي جزء من قصة أبي‬
‫النبياء إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلة والسلم‪ ،‬يقول سبحانه‪ { :‬وََلقَدْ جَآ َءتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ‬
‫بِالْبُـشْرَىا }‬

‫(‪)1528 /‬‬
‫جلٍ حَنِيذٍ (‪)69‬‬
‫سلَامًا قَالَ سَلَامٌ َفمَا لَ ِبثَ أَنْ جَاءَ ِب ِع ْ‬
‫وَلَقَدْ جَا َءتْ ُرسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا َ‬

‫وكلمة " رسل " جمع " رسول " ‪ ،‬والرسول هو المرسَل من جهة إلى جهة‪ ،‬وأي إنسان تبعثه إلى‬
‫جهة ما؛ اسمه رسول‪ ،‬ولكن المعنى الشرعي للرسول‪ :‬أن يكون مُرسَلً من ال‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ويقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫ل َومِنَ النّاسِ }[الحج‪.]75 :‬‬
‫طفِي مِنَ ا ْلمَلَ ِئكَةِ رُسُ ً‬
‫{ اللّهُ َيصْ َ‬
‫واصطفاء الملئكة كرسل لتيسير التلقّي عن الخالق سبحانه؛ لن القوة التي تتلقى عن الخالق‬
‫سبحانه وتعالى ل بد أن تكون قوة عالية‪ ،‬والنسان منا ل يقدر على أن يتلقى مباشرة عن الحق‬
‫سبحانه‪.‬‬
‫جلّ عُلَه بالرسل‪ ،‬فيصطفي من الملئكة المخصوصين القادرين على التلقي‬
‫لذلك يأتي لنا ال َ‬
‫لينزلوا على المصطفى من البشر القادر على حمل الرسالة‪.‬‬
‫وهكذا نعلم أن الملئكة ليست كلها قادرة على التلقي من ال تعالى‪ ،‬ول كل البشر بقادرين على‬
‫التلقي عن ال أو عن الملئكة‪.‬‬
‫وهذه الحلقات في البلغ أرادها الحق سبحانه‪ ،‬لتؤهل للضعيف أن يأخذ من القوى؛ والبشر‬
‫يلجأون إلى ذلك في حياتهم‪.‬‬
‫وسبق أن ضربت المثل‪ ،‬بأننا أثناء الليل نطفىء نور المنزل‪ ،‬لكننا نترك ضوءا خافتا يوضح لنا‬
‫ملمح البيت‪ ،‬فإن قمنا ليلً من النوم؛ ل نصطدم بمتاع البيت‪ ،‬فيتحطم ما نصطدم به إن كان‬
‫أضعف منا‪ ،‬أو ُنصَاب نحن إن اصطدمنا بما هو أقوى منا‪.‬‬
‫والنور الضعيف يتيح لنا أن نرى مكان مفتاح الضوء القوي‪.‬‬
‫وكذلك يفعل ال سبحانه وتعالى‪ ،‬فيأتي بمصطفى من الملئكة‪ ،‬يتلقى عن الحق سبحانه ويبلغ‬
‫المََلكُ من هؤلء الرسولَ المصطفى من البشر‪.‬‬
‫والحق سبحانه هو القائل‪:‬‬
‫حيَ بِإِذْ ِنهِ مَا يَشَآءُ‬
‫سلَ َرسُولً فَيُو ِ‬
‫ل وَحْيا َأوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ َأوْ يُ ْر ِ‬
‫{ َومَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن ُيكَّلمَهُ اللّهُ ِإ ّ‬
‫}[الشورى‪.]51 :‬‬
‫وهنا يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ وََلقَدْ جَآ َءتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بِالْبُـشْرَىا } [هود‪.]69 :‬‬
‫والبشرى هي الخبار بشيء يسرّ قبل أوان وقوعه‪ ،‬وهي عكس النذار الذي يعني الخبار بشيء‬
‫محزن قبل أوانه‪.‬‬
‫وقبل أن يوضح الرسل لبراهيم ـ عليه السلم ـ البشارة التي جاءوا من أجلها‪ ،‬يعلمنا الحق‬
‫سبحانه المقدمات اللزمة للدخول إلى الماكن‪ ،‬فمن أدب الدخول إلى أي مكان أن نسلّم على أهل‬
‫هذا المكان‪ ،‬والحق سبحانه القائل‪:‬‬
‫{ ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُو ْا لَ تَ ْدخُلُواْ بُيُوتا غَيْرَ بُيُو ِتكُمْ حَتّىا تَسْتَأْنِسُو ْا وَتُسَّلمُواْ عَلَىا أَهِْلهَا }[النور‪.]27 :‬‬
‫ولذلك يأتي الحق سبحانه هنا بما قالته الملئكة من قبل إبلغ البشرى‪:‬‬
‫{ قَالُواْ سَلَما } [هود‪.]69 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وجاء سبحانه بردّ إبراهيم عليه السلم‪:‬‬
‫لمٌ } [هود‪.]69 :‬‬
‫{ قَالَ سَ َ‬
‫ونحن نلحظ أن السلم جاء على ألسنتهم بالنصب‪ ،‬والرد بالسلم جاء بالرفع‪ ،‬وقولهم‪ { :‬سَلَما }‬
‫دل على فعل يوضح التجدد‪ ،‬والرد جاء بكلمة { سَلَمٌ } بالرفع؛ ليدل على الثبات والصرار‪.‬‬
‫والحق سبحانه هو القائل‪:‬‬
‫{ وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيّةٍ فَحَيّواْ بَِأحْسَنَ مِ ْنهَآ َأوْ رُدّوهَآ }‬
‫[النساء‪.]86 :‬‬
‫هكذا استقبل إبراهيم عليه السلم رسل الحق سبحانه‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫جلٍ حَنِيذٍ { [هود‪.]69 :‬‬
‫} َفمَا لَ ِبثَ أَن جَآءَ ِب ِع ْ‬
‫والعجل هو ولد البقر‪.‬‬
‫وهناك آيات كثيرة في القرآن تعرضت لقصة إبراهيم عليه السلم في أكثر من موضع من‬
‫مواضع القرآن‪ ،‬ل بقصد التكرار‪ ،‬ولكن لن كل لقطة في أي موضع هي لقطة مقصودة لها‬
‫ج ِم َعتْ اللقطات فسوف تكتمل لك قصة إبراهيم عليه السلم في شمول‬
‫دلئلها وأسرارها‪ ،‬فإذا ُ‬
‫متكامل‪.‬‬
‫وعلى سبيل المثال‪ :‬يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫سمَاوَاتِ وَالَ ْرضِ }[النعام‪.]75 :‬‬
‫{ َوكَذَِلكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مََلكُوتَ ال ّ‬
‫وفي موضع آخر يتعرض الحق سبحانه للتربية اليقينية التي أرادها لبراهيم‪ ،‬فيقول سبحانه‪:‬‬
‫ب الفِلِينَ * فََلمّآ رَأَى ا ْل َقمَرَ‬
‫ح ّ‬
‫{ فََلمّا جَنّ عَلَيْهِ الّ ْيلُ رَأَى َكوْكَبا قَالَ هَـاذَا رَبّي فََلمّآ َأ َفلَ قَالَ ل أُ ِ‬
‫لكُونَنّ مِنَ ا ْلقَوْمِ الضّالّينَ * فَلَماّ رَأَى‬
‫بَازِغا قَالَ هَـاذَا رَبّي فََلمّآ َأ َفلَ قَالَ لَئِن لّمْ َيهْدِنِي رَبّي َ‬
‫غةً قَالَ هَـاذَا رَبّي هَـاذَآ َأكْبَرُ فََلمّآ َأفََلتْ قَالَ يا َقوْمِ إِنّي بَرِيءٌ ّممّا تُشْ ِركُونَ * إِنّي‬
‫شمْسَ بَازِ َ‬
‫ال ّ‬
‫سمَاوَاتِ وَالَ ْرضَ حَنِيفا َومَآ أَنَاْ مِنَ ا ْلمُشْ ِركِينَ }[النعام‪76 :‬ـ ‪.]79‬‬
‫ج ِهيَ لِلّذِي فَطَرَ ال ّ‬
‫ج ْهتُ وَ ْ‬
‫وَ ّ‬
‫إن هذه اليات تبين وظيفة الحواس إدراكا‪ ،‬ووظيفة الوجدان انفعالً‪ ،‬ووظيفة الختيار توحيدا‬
‫وإذعانا بيقين‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه في موضع آخر على لسان إبراهيم عليه السلم فخاطب عمه باحترام‬
‫لمكانته التي تساوي منزلة الب‪.‬‬
‫يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫سمَعُ وَلَ‬
‫ل لَبِيهِ ياأَ َبتِ ِلمَ َتعْبُدُ مَا لَ يَ ْ‬
‫{ وَا ْذكُرْ فِي ا ْلكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنّهُ كَانَ صِدّيقا نّبِيّا * إِذْ قَا َ‬
‫ك صِرَاطا‬
‫يُ ْبصِرُ وَلَ ُيغْنِي عَنكَ شَيْئا * ياأَ َبتِ إِنّي قَدْ جَآءَنِي مِنَ ا ْلعِ ْلمِ مَا لَمْ يَأْ ِتكَ فَاتّ ِبعْنِي أَ ْه ِد َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫سكَ‬
‫عصِيّا * ياأَ َبتِ إِنّي َأخَافُ أَن َيمَ ّ‬
‫حمَـانِ َ‬
‫ت لَ َتعْبُدِ الشّيْطَانَ إِنّ الشّ ْيطَانَ كَانَ لِلرّ ْ‬
‫سوِيّا * ياأَ َب ِ‬
‫َ‬
‫ن وَلِيّا }[مريم‪41 :‬ـ ‪.]45‬‬
‫حمَـانِ فَ َتكُونَ لِلشّيْطَا ِ‬
‫عَذَابٌ مّنَ الرّ ْ‬
‫فهذه الية تبين رفق الداعي مع جمال العرض‪.‬‬
‫فأصرّ العَمّ على الشرك‪ ،‬فقال إبراهيم عليه السلم‪:‬‬
‫{ سَأَسْ َت ْغفِرُ َلكَ رَبّي }[مريم‪.]47 :‬‬
‫وبعد ذلك يتبرأ منه لصراره على الكفر‪.‬‬
‫ثم هناك لقطة من يُحاجِج إبراهيم في ربه‪:‬‬
‫{ أََلمْ تَرَ إِلَى الّذِي حَآجّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ ا ْلمُ ْلكَ ِإذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَ ّبيَ الّذِي يُحْيِـي وَ ُيمِيتُ‬
‫قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَُأمِيتُ }[البقرة‪.]258 :‬‬
‫وكانت تلك سفسطة في القول ناتجة عن عجز في التعبير‪ ،‬فليس إصدار حكم بالقتل على إنسان‪،‬‬
‫ثم العفو عنه‪ ،‬هو إحياء وإماتة‪ ،‬فأخذه إبراهيم عليه السلم إلى منطقة ل يجرؤ عليها أحد‪ ،‬وقال‪:‬‬
‫شمْسِ مِنَ ا ْلمَشْرِقِ فَ ْأتِ ِبهَا مِنَ ا ْل َمغْ ِربِ }[البقرة‪.]258 :‬‬
‫{ فَإِنّ اللّهَ يَأْتِي بِال ّ‬
‫وهذه الية تبين منطق الحق أمام زيف الباطل‪ ،‬ثم يأتي في موضع آخر من القرآن ليبين المقارنة‬
‫بين فكرة الكفر‪ ،‬وفكرة اليمان‪ ،‬فيقول سبحانه‪:‬‬
‫ظلّ َلهَا عَاكِفِينَ‬
‫ل لَبِي ِه َو َق ْومِهِ مَا َتعْبُدُونَ * قَالُواْ َنعْبُدُ َأصْنَاما فَ َن َ‬
‫{ وَا ْتلُ عَلَ ْيهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَا َ‬
‫س َمعُو َنكُمْ إِذْ َتدْعُونَ * َأوْ يَن َفعُو َنكُمْ َأوْ َيضُرّونَ * قَالُواْ َبلْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا َكذَِلكَ َيفْعَلُونَ }‬
‫* قَالَ َهلْ يَ ْ‬
‫[الشعراء‪69 :‬ـ ‪.]74‬‬
‫وفي هذه الية أمثلة تحمل جواب السكات‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ ،‬على لسان إبراهيم عليه السلم‪:‬‬
‫شفِينِ * وَالّذِي‬
‫ضتُ َف ُهوَ َي ْ‬
‫سقِينِ * وَإِذَا مَ ِر ْ‬
‫ط ِعمُنِي وَيَ ْ‬
‫{ الّذِي خََلقَنِي َف ُهوَ َي ْهدِينِ * وَالّذِي ُهوَ ُي ْ‬
‫طمَعُ أَن َي ْغفِرَ لِي خَطِيئَتِي َيوْمَ الدّينِ }[الشعراء‪78 :‬ـ ‪.]82‬‬
‫ُيمِيتُنِي ُثمّ يُحْيِينِ * وَالّذِي َأ ْ‬
‫يقول رب العزة سبحانه في سورة النبياء‪:‬‬
‫ل لَبِي ِه َو َق ْومِهِ مَا هَـا ِذهِ ال ّتمَاثِيلُ الّتِي‬
‫{ وََلقَدْ آتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ رُشْ َدهُ مِن قَ ْبلُ َوكُنّا بِهِ عَاِلمِينَ * إِذْ قَا َ‬
‫للٍ مّبِينٍ *‬
‫أَنتُمْ َلهَا عَا ِكفُونَ * قَالُو ْا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا َلهَا عَا ِبدِينَ * قَالَ َلقَدْ كُنتُمْ أَنتُ ْم وَآبَآ ُؤكُمْ فِي ضَ َ‬
‫ن وَأَنَاْ‬
‫سمَاوَاتِ وَالَ ْرضِ الّذِي فطَرَهُ ّ‬
‫قَالُواْ أَجِئْتَنَا بِا ْلحَقّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللّعِبِينَ * قَالَ بَل رّ ّبكُمْ َربّ ال ّ‬
‫عَلَىا ذاِل ُكمْ مّنَ الشّاهِدِينَ }[النبياء‪51 :‬ـ ‪.]56‬‬
‫هذه هي التربية اليقينية التي أرادها الحق سبحانه لبراهيم عليه السلم ليعلمنا كيف يكون اليمان؟‬
‫خلَقه‬
‫وكان قوم إبراهيم يعبدون آلهة غير ال‪ ،‬لكن إبراهيم عليه السلم توصّل إلى عبادة مَنْ َ‬
‫وخَلَق الكون‪ ،‬وهو الصانع الذي يضع قانون صيانة ما يصنع سبحانه وتعالى‪:‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ولذلك نلحظ قوله‪:‬‬
‫{ الّذِي خََلقَنِي َف ُهوَ َي ْهدِينِ }[الشعراء‪.]78 :‬‬
‫فلم يقل‪ " :‬الذي خلقني يهديني " لن هذه دعوى؛ ستُدّعى‪ ،‬وسيضع الناس قوانين لنفسهم‪ ،‬فبيّن‬
‫الحق سبحانه أن الذي خَلَق هو الذي َيهْدِي‪.‬‬
‫وجاء الحق سبحانه بكلمة " هو " لحصر المر حتى ل يشارك الخلق خالقهم فيه‪ ،‬لكن المر الذي‬
‫لم ُي ّدعَ‪ ،‬لم يأت فيه بكلمة " هو " كقوله‪:‬‬
‫{ وَالّذِي ُيمِيتُنِي ُثمّ يُحْيِينِ }[الشعراء‪.]81 :‬‬
‫فما ل شركة فيه عند الخَلْق يأتي به القرآن من غير تأكيد الضمير‪ ،‬ولكن في المر الخر يأتي‬
‫بتأكيد الضمير كقوله‪:‬‬
‫شفِينِ }[الشعراء‪.]80 :‬‬
‫{ وَإِذَا مَ ِرضْتُ َف ُهوَ يَ ْ‬
‫فقد قال‪ " :‬إن الطبيب هو الذي يشفيني " ‪ ،‬ولكن ذلك غير حقيقي؛ لن ال سبحانه هو الذي يضع‬
‫العلم‪ ،‬وهو الذي خلق الداء وخلق الدواء‪.‬‬
‫ثم بعد ذلك يقول الحق سبحانه في قصة إبراهيم عليه السلم‪:‬‬
‫{ وَإِذْ يَ ْرفَعُ إِبْرَاهِيمُ ا ْل َقوَاعِدَ مِنَ الْبَ ْيتِ }[البقرة‪.]127 :‬‬
‫إذن‪ :‬فكل مناسبة تأتي لتأكيد معنى من معاني اليمان تأتي معها لقطة من لقطات قصة إبراهيم‬
‫جمِعت اللقطات كلها تجد قصة إبراهيم كاملة‪.‬‬
‫عليه السلم‪ ،‬وإذا ُ‬
‫وإذا كان ال سبحانه وتعالى يريد أن يقص على نبيه محمد صلى ال عليه وسلم القصص‪ ،‬فذلك‬
‫لتثبيت فؤاده صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫سلِ مَا نُثَ ّبتُ بِهِ ُفؤَا َدكَ }[هود‪.]120 :‬‬
‫{ َوكُـلّ ّنقُصّ عَلَ ْيكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرّ ُ‬
‫لن النبي صلى ال عليه وسلم يتعرض لكثير من الحداث فيذكّره ال سبحانه بما حدث للرسل‬
‫عليهم السلم ويأتي باللقطات اليمانية ليثبت فؤاد الرسول صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫وهنا يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫جلٍ حَنِيذٍ { [هود‪.]69 :‬‬
‫} قَالُواْ سَلَما قَالَ سَلَمٌ َفمَا لَ ِبثَ أَن جَآءَ ِبعِ ْ‬
‫وفي موضع آخر يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ ِإذْ َدخَلُواْ عَلَيْهِ َفقَالُواْ سَلما قَالَ إِنّا مِ ْنكُ ْم َوجِلُونَ }[الحجر‪.]52 :‬‬
‫وفي آية أخرى يقول الحق سبحانه هذا الموقف‪:‬‬
‫علَيمٍ }[الذاريات‪.]28 :‬‬
‫خفْ وَبَشّرُوهُ ِبغُلَمٍ َ‬
‫جسَ مِ ْنهُمْ خِيفَةً قَالُو ْا لَ َت َ‬
‫{ فََأوْ َ‬
‫أي‪ :‬أحس في نفسه الخوف‪ ،‬وهذا من أمر المواجيد؛ لن كل فعل من الفعال له مقدمات تبدأ‬
‫بالدراك‪ ،‬ثم النزوع‪ ،‬ثم الفعل؛ فحين رآهم إبراهيم عليه السلم أوجس في نفسه خيفة‪ ،‬ثم نزع‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إلى فعل هو السلم‪.‬‬
‫والشرع ل يتدخل في الدراك أو المواجيد‪ ،‬ولكنه يتدخل في النزوع‪ ،‬إل في أمر واحد من‬
‫مدركات النسان‪ ،‬وهو إدراك الجمال في المرأة‪.‬‬
‫لذلك أمر الشرع بغض البصر؛ حتى ل يدرك النسان ذلك فينزع إلى سلوك ليس له حق فيه‪،‬‬
‫حسْن المرأة قد يدفع الغرائز إلى السلوك الفوري؛ لن الغرائز ل تفصل النزوع عن‬
‫ولن إدراك ُ‬
‫الوجدان والدراك‪.‬‬
‫وهنا بيّن الحق مواجيد إبراهيم عليه السلم حين قال‪:‬‬
‫خفْ }[هود‪.]70 :‬‬
‫{ وََأوْجَسَ مِ ْنهُمْ خِيفَةً قَالُو ْا لَ تَ َ‬
‫وجاء بالمعنى النزوعي حين قال‪:‬‬
‫} قَالُواْ سَلَما قَالَ سَلَمٌ { [هود‪.]69 :‬‬
‫وهو حين التأكيد والتثبيت‪.‬‬
‫وقال الحق سبحانه‪:‬‬
‫جلٍ حَنِيذٍ { [هود‪.]69 :‬‬
‫} َفمَا لَ ِبثَ أَن جَآءَ ِب ِع ْ‬
‫وهو‪ :‬العجل السمين المشوي على الحجارة؛ لن الشواء ـ كما نعلم ـ قد يكون على اللهب أو‬
‫على الفحم‪ ،‬أو على الحجارة‪.‬‬
‫ومثل ذلك يحدث في البلد العربية حين يأتون بحجر رقيق جدّا‪ ،‬ويحمّونه على النار‪ ،‬ثم يشوون‬
‫عليه اللحم‪ ،‬وهذا ما يضمن عدم حدوث تفاعلت بين اللحم والحجر؛ لن هناك تفاعلت تحدث‬
‫من الحديد أو من الفحم؛ ولذلك فهذه أنظف طريقة للشواء‪.‬‬
‫جلٍ حَنِيذٍ { [هود‪.]69 :‬‬
‫أو أن كلمة‪ِ } :‬بعِ ْ‬
‫أي‪ :‬ينزل منه الدهن بعد الشواء‪.‬‬
‫وقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫جلٍ حَنِيذٍ { [هود‪.]69 :‬‬
‫} َفمَا لَ ِبثَ أَن جَآءَ ِب ِع ْ‬
‫لن طبيعة سيدنا إبراهيم عليه السلم هي محبة الضيوف وإكرامهم‪.‬‬
‫ومن عادة الكرام أن يُعجّلوا بإكرام الضيف‪ ،‬وتقديم الطعام له‪ ،‬والكريم هو من يفعل ذلك؛ لنه ل‬
‫يعلم ما قد مر على الضيف دون طعام‪ ،‬فإن كان الضيف جائعا؛ أكل‪ ،‬وإن كان شبعان فهو يعلن‬
‫ذلك‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه ما حدث بعد أن جاء لهم إبراهيم عليه السلم بالعجل المشوي‪ } :‬فََلمّا رَأَى‬
‫صلُ إِلَيْهِ َنكِرَهُمْ {‬
‫أَيْدِ َيهُمْ لَ َت ِ‬

‫(‪)1529 /‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫خفْ إِنّا أُرْسِلْنَا إِلَى َقوْمِ لُوطٍ (‬
‫صلُ إِلَيْهِ َنكِرَ ُه ْم وََأوْجَسَ مِ ْنهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا َت َ‬
‫فََلمّا رَأَى أَيْدِ َي ُهمْ لَا َت ِ‬
‫‪)70‬‬

‫وحين رأى إبراهيم أن أيديهم ل تصل إلى الطعام توجس من ذلك شرّا ونكرهم‪ ،‬أي‪ :‬استنكر أنهم‬
‫لم يأكلوا من طعام قدّمه لهم‪ ،‬فهل علم إبراهيم أنهم ملئكة؟‬
‫لقد علم إبراهيم عليه السلم أنهم ملئكة من كلمهم‪.‬‬
‫وقد بيّن ذلك قول الحق سبحانه في موضع آخر من القرآن‪:‬‬
‫جلْ إِنّا نُبَشّ ُركَ ِبغُلمٍ عَلِيمٍ * قَالَ‬
‫{ ِإذْ َدخَلُواْ عَلَيْهِ َفقَالُواْ سَلما قَالَ إِنّا مِ ْنكُ ْم َوجِلُونَ * قَالُواْ لَ َتوْ َ‬
‫حقّ فَلَ َتكُن مّنَ ا ْلقَانِطِينَ * قَالَ‬
‫أَبَشّرْ ُتمُونِي عَلَىا أَن مّسّ ِنيَ ا ْلكِبَرُ فَبِمَ تُ َبشّرُونَ * قَالُواْ بَشّرْنَاكَ بِالْ َ‬
‫حمَةِ رَبّهِ ِإلّ الضّآلّونَ * قَالَ َفمَا خَطْ ُب ُكمْ أَ ّيهَا ا ْلمُرْسَلُونَ * قَالُواْ إِنّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىا‬
‫َومَن َيقْنَطُ مِن رّ ْ‬
‫َقوْمٍ مّجْ ِرمِينَ }[الحجر‪52 :‬ـ ‪.]58‬‬
‫إذن‪ :‬فهم لم يقولوا له مثلما قالوا للوط عليه السلم‪:‬‬
‫سلُ رَ ّبكَ }[هود‪.]81 :‬‬
‫{ إِنّا رُ ُ‬
‫وهنا حين قالوا لبراهيم عليه السلم‪:‬‬
‫خفْ إِنّا أُرْسِلْنَا إِلَىا َقوْمِ لُوطٍ } [هود‪.]70 :‬‬
‫{ لَ َت َ‬
‫أي‪ :‬أنهم فهموا أن إبراهيم عليه السلم يعلم أنهم ملئكة؛ لن المَلك قد يتشكل في هيئة إنسان‪،‬‬
‫مثلما تشكّل جبريل عليه السلم أمام سيدنا محمد صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫وكذلك الجن لهم قدرة على التشكل‪ ،‬إل أن هناك فارقا بين تشكل الملك وتشكل الجن‪ ،‬فالجن إن‬
‫تشكل تحكمه الصورة‪ ،‬فإن تشكل في صورة رجل فيمكنك أن تمسك به وتؤذيه‪.‬‬
‫ألم َي ُقلْ رسول ال صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫" إن عفريتا من الجن تفلّت البارحة ليقطع عليّ صلتي‪ ،‬فأمكنني ال منه‪ ،‬فأخذته‪ ،‬فأردت أن‬
‫أربطه على سارية من سواري المسجد‪ ،‬حتى تنظروا إليه كلكم‪ ،‬فذكرت دعوة أخي سليمان‪:‬‬
‫حدٍ مّن َبعْدِي إِ ّنكَ أَنتَ ا ْلوَهّابُ } [ص‪.]35 :‬‬
‫غفِرْ لِي وَ َهبْ لِي مُلْكا لّ يَن َبغِي لَ َ‬
‫{ قَالَ َربّ ا ْ‬
‫فرددته خاسئا "‪.‬‬
‫إذن‪ :‬إذا تشكل الجن حكمته الصورة‪ ،‬ويمكن أن نضربه مثلً‪ ،‬أما الملك إذا تشكل فالصورة ل‬
‫تحكمه‪.‬‬
‫حكْم الصورة عند تشكل الجني هي التي تحمينا من مخاوفنا‪ ،‬وهو أيضا يخاف منا مثلما نخاف‬
‫وُ‬
‫منه‪ ،‬ولذلك ل يظهر الجني متشكلً في صورة إل لحظة قصيرة ليختفي على الفور؛ لنه يخاف‬
‫أن تكون قد علمتم أن الصورة التي تشكل عليها تحكمه وتستطيع أن تفتك به؛ لذلك فالجن يخافون‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫من البشر‪.‬‬
‫وشاء الحق سبحانه ذلك المر حتى ل يفزع الجنّ الناسَ‪.‬‬
‫وهنا يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫صلُ إِلَيْهِ َنكِرَ ُهمْ } [هود‪.]70 :‬‬
‫{ فََلمّا رَأَى أَ ْيدِ َيهُ ْم لَ َت ِ‬
‫وكلمة { َنكِرَ ُهمْ } تقتضي أن ننظر في مادة " النون والكاف والراء " وكلمة " نكر " وكلمة " أنكر‬
‫" كلتاهما مستعملة في القرآن‪.‬‬
‫ب والصّلَعاوالستعمال اللغوي‬
‫والشاعر يقول‪:‬وَأ ْنكَرتَنِي ومَا كَانَ الّذِي َنكِ َرتْ مِنَ الحَوادِث إلّ الشّي َ‬
‫يدل على أن المقابح من ألوان السلوك تسمى منكرات‪ ،‬أي‪ :‬ينكرها النسان بفطرته‪.‬‬
‫وهنا حين رأى إبراهيم عليه السلم أن أيديهم ل تصل إلى العجل الحنيذ نكرهم‪ ،‬وأوجس في نفسه‬
‫خيفة‪ ،‬فلحَظوا ذلك‪ ،‬وقالوا‪:‬‬
‫خفْ إِنّا أُرْسِلْنَا إِلَىا َقوْمِ لُوطٍ { [هود‪.]70 :‬‬
‫} لَ َت َ‬
‫وهكذا عرف لمن جاءوا‪ ،‬واطمأن أن قومه لم يأتوا بفعل يستحقون عليه العذاب‪ ،‬وخصوصا أن‬
‫كتب التاريخ تقول‪ :‬إن إمرأة إبراهيم عليه السلم قالت له‪ :‬أل تضم ابن أخيك إلى كنفك هنا؛ لن‬
‫قومه يوشك أن يعمهم ال بالعذاب‪.‬‬
‫وحين سمعت أن الرسل إنما جاءت إلى قوم لوط سُ ّرتْ من فراستها‪ ،‬وتبسّمت لنها تنبهت إلى‬
‫هذه المسألة‪.‬‬
‫وفي آية أخرى يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫س ّومَةً عِندَ رَ ّبكَ‬
‫حجَا َرةً مّن طِينٍ * مّ َ‬
‫سلَ عَلَ ْي ِهمْ ِ‬
‫{ قَالُواْ إِنّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىا َقوْمٍ مّجْ ِرمِينَ * لِنُرْ ِ‬
‫لِ ْلمُسْ ِرفِينَ }[الذاريات‪32 :‬ـ ‪.]34‬‬
‫ح َكتْ فَبَشّرْنَاهَا بِِإسْحَاقَ {‬
‫ويقول الحق سبحانه بعد ذلك‪ } :‬وَامْرَأَتُهُ قَآ ِئمَةٌ َفضَ ِ‬

‫(‪)1530 /‬‬
‫سحَاقَ َيعْقُوبَ (‪)71‬‬
‫ن وَرَاءِ إِ ْ‬
‫ق َومِ ْ‬
‫ح َكتْ فَبَشّرْنَاهَا بِإِسْحَا َ‬
‫وَامْرَأَتُهُ قَا ِئمَةٌ َفضَ ِ‬

‫فعندما كانت أمرأته قائمة على خدمة الضيوف‪ ،‬وسمعت كلم الملئكة اطمأنت على أنه ل عذاب‬
‫على قومهم‪ ،‬وتحققت فراستها فضحكت فأزادها ال سرورا‪ ،‬وبشّرتها الملئكة بإسحق‪ ،‬ومن وراء‬
‫إسحق يعقوب‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فبعد دفع العذاب‪ ،‬وبيان أمر العذاب لقوم آخرين مجرمين‪ ،‬تأتي البشارة بتحقيق ما كان إبراهيم‬
‫عليه السلم وزوجه يصبوان إليه‪ ،‬وإن كان أوانها قد فات؛ لن زوجة إبراهيم كانت قد بلغت‬
‫التسعين من عمرها‪ ،‬وبلغ هو المائة والعشرين عاما‪ .‬وفي هذا امتنان على إبراهيم بمجيء ابن‬
‫البن أيضا‪ ،‬وكذلك يمتن ال سبحانه على عباده حين يقول‪:‬‬
‫حفَ َدةً }[النحل‪.]72 :‬‬
‫ن َو َ‬
‫جكُم بَنِي َ‬
‫ج َعلَ َلكُمْ مّنْ أَ ْزوَا ِ‬
‫س ُكمْ أَ ْزوَاجا وَ َ‬
‫ج َعلَ َلكُمْ مّنْ أَ ْنفُ ِ‬
‫{ وَاللّهُ َ‬
‫ولذلك قال الحق سبحانه‪:‬‬
‫سحَاقَ َي ْعقُوبَ } [هود‪.]71 :‬‬
‫ق َومِن وَرَآءِ إِ ْ‬
‫سحَا َ‬
‫{ فَ َبشّرْنَاهَا بِإِ ْ‬
‫فالنسان يحب أن يكون له ابن‪ ،‬ويحب أكثر أن يرى ابن ابنه‪ ،‬لن هذا يمثل امتدادا له‪.‬‬
‫وهكذا توالت البشارات‪ ،‬فقد أعلنت الملئكة أنها جاءت لتعذب قوم لوط‪ ،‬هؤلء الذين اختلف معهم‬
‫إبراهيم عليه السلم؛ لما جاءوا به من الفواحش‪،‬وكذلك لن إبراهيم عليه السلم وامرأته قد علما‬
‫أنهما لم يأتيا بأي أمر يغضب ال تعالى‪.‬‬
‫والثالثة من البشارات هي الغلم‪ ،‬وكان ذلك حُلْما قديما عند امرأة إبراهيم عليه السلم لنها عاقر‪،‬‬
‫واستقبلت امرأة إبراهيم البشارة الولى بالضحك‪ ،‬واستقبلت البشارة بالبن بالدهشة‪.‬‬
‫عجُوزٌ }‬
‫وهذا ما يقول فيه الحق سبحانه‪ { :‬قَاَلتْ يَاوَيْلَتَىا أَأَلِ ُد وَأَنَاْ َ‬

‫(‪)1531 /‬‬
‫شيْءٌ عَجِيبٌ (‪)72‬‬
‫عجُو ٌز وَهَذَا َبعْلِي شَ ْيخًا إِنّ َهذَا َل َ‬
‫قَاَلتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِ ُد وَأَنَا َ‬

‫والشيء العجيب هو الذي يخالف نواميس الكون المعتادة‪ ،‬ولكن هناك فرقا بين النواميس وخالق‬
‫النواميس‪ ،‬الذي هو قادر على أن يخرق النواميس‪.‬‬
‫وها هو سيدنا إبراهيم يقول في موضع آخر‪:‬‬
‫{ أَ َبشّرْ ُتمُونِي عَلَىا أَن مّسّ ِنيَ ا ْلكِبَرُ }[الحجر‪.]54 :‬‬
‫ولم يأت هنا بقول امرأة إبراهيم التي قالت‪:‬‬
‫{ يَاوَيْلَتَىا أَأَِل ُد وَأَنَاْ عَجُو ٌز وَهَـاذَا َبعْلِي شَيْخا } [هود‪.]72 :‬‬
‫وتسمية الزوج بعلً فيها دقة شديدة؛ لن البعل هو الذي يقوم بأمر المبعول ول يحوجه لحد‪.‬‬
‫كذلك الزوج يقوم بأمر زوجته فيما ل يستطيع أبوها ول أخوها أن يقوما به‪ ،‬وهو الحساس‬
‫بالنوثة والخصاب‪ ،‬وهو أهم ما تطلبه المرأة‪.‬‬
‫سمّي النخل بالبعل‪ ،‬لنه ل يطلب من زارعة أن يسقيه‪ ،‬وإنما يكتفي النخل بما يمتصه من‬
‫وأيضا ُ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الرض‪ ،‬وما ينزل له من مطر السماء‪.‬‬
‫سمّي نوع من الفول " بالفول البعلي " ‪ ،‬وهو الذي ل يحتاج إلى إرواء‪.‬‬
‫وكذلك ُ‬
‫إذن‪ :‬فالبعل هو الزوج الذي يقوم على أمر زوجته فل يُحوجها إلى غيره في أي شيء من‬
‫الشياء‪.‬‬
‫وهنا تتعجب زوجة إبراهيم عليه السلم من أمر النجاب؛ لن هذا شيء عجيب يقع على غير‬
‫انتظار؛ ولذلك يرد الملئكة عليها‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه عن ذلك‪ { :‬قَالُواْ أَ َت ْعجَبِينَ مِنْ َأمْرِ اللّهِ }‬

‫(‪)1532 /‬‬
‫حمِيدٌ مَجِيدٌ (‪)73‬‬
‫حمَةُ اللّهِ وَبَ َركَاتُهُ عَلَ ْيكُمْ أَ ْهلَ الْبَ ْيتِ إِنّهُ َ‬
‫قَالُوا أَ َتعْجَبِينَ مِنْ َأمْرِ اللّهِ َر ْ‬

‫والعجب ـ إذن ـ إنما يكون من قانون بشري‪ ،‬وإنما القادر العلى سبحانه له طلقة القدرة في‬
‫أن يخرق الناموس‪ ..‬ومن خرق النواميس جاءت المعجزات لتثبت صدق البلغ عن ال تعالى‪،‬‬
‫فالمعجزات أمر خارق للعادة الكونية‪.‬‬
‫والقصة التي حدثت لبراهيم عليه السلم وامرأته تكررت في قصة زكريا عليه السلم‪ ،‬والحق‬
‫سبحانه هو الذي أعطى مريم عليها السلم بشارة التذكير لزكريا عليه السلم حين سألها‪:‬‬
‫{ أَنّىا َلكِ هَـاذَا }[آل عمران‪.]37 :‬‬
‫فقالت مريم‪:‬‬
‫{ ُهوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إِنّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن َيشَآءُ ِبغَيْرِ حِسَابٍ }[آل عمران‪.]37 :‬‬
‫إذن‪ :‬فالحساب يكون بين الخلق وبعضهم‪ ،‬ل بين الخالق ـ سبحانه ـ وخَلْقه‪.‬‬
‫ولذلك ياتي قول الحق عز وجل‪:‬‬
‫{ هُنَاِلكَ دَعَا َزكَرِيّا رَبّهُ }[آل عمران‪.]38 :‬‬
‫وما دام زكريا عليه السلم قد تذكّر بقول مريم‪:‬‬
‫حسَابٍ }[آل عمران‪.]37 :‬‬
‫{ إِنّ اللّهَ يَرْ ُزقُ مَن يَشَآءُ ِبغَيْرِ ِ‬
‫فمن حقه أن يدعو‪:‬‬
‫{ قَالَ َربّ َهبْ لِي مِن لّدُ ْنكَ ذُرّيّةً }[آل عمران‪.]38 :‬‬
‫فأوحى له ال سبحانه وتعالى‪:‬‬
‫سمِيّا }[مريم‪.]7 :‬‬
‫جعَل لّهُ مِن قَ ْبلُ َ‬
‫سمُهُ يَحْيَىا لَمْ َن ْ‬
‫{ يا َزكَرِيّآ إِنّا نُبَشّ ُركَ ِبغُلَمٍ ا ْ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أي‪ :‬أن الحق سبحانه لم يرزقه البن فقط‪ ،‬بل وسماه له أيضا باسمٍ لم يسبقه إليه أحد‪.‬‬
‫وتسمية ال تعالى غير تسمية البشر‪ ،‬فإن كان بعض البشر قد سموا من بعد ذلك بعض أبنائهم‬
‫باسم " يحيى " فقد فعلوا ذلك من باب الفأل الحسن في أن يعيش البن‪.‬‬
‫لكن الحق سبحانه حين يسمي اسما‪ ،‬فقد سماه " يحيى " ليحيا بالفعل‪ ،‬ويبلغ سن الرشد‪ ،‬ثم ل يأتي‬
‫الموت؛ لذلك قُتِل يحيى وصار شهيدا‪ ،‬والشهيد حيّ عند ربه ل يأتي إليه موتٌ أبدا‪.‬‬
‫وهذا عكس تسمية البشر؛ لن النسان قد يسمي ابنه " سعيد " ويعيش البن حياته في منتهى‬
‫الشقاء‪.‬‬
‫سمّيْتُهُ يَحْيَى لِ َيحْيَا فَلَمْ َيكُنْ لِ َردّ َقضَاءِ ال‬
‫والشاعر يقول عن النسان الذي سمى ابنه " يحيى "‪:‬وَ َ‬
‫فيهِ سَبِيلُوحين نرجع إلى أن مريم عليها السلم هي التي نبهت إلى قضية الرزق من ال‪ ،‬نجد أن‬
‫زكريا عليه السلم قد دعا‪ ،‬وذكر أنه كبير السن وأن زوجه عاقر‪.‬‬
‫ول بد أن زكريا عليه السلم يعرف أن الحق سبحانه وتعالى يعلم كل شيء أزلً‪ ،‬ولذلك شاء ال‬
‫سبحانه أن يطمئن زكريا عليه السلم بأنه سيرزقه الولد ويسميه‪ ،‬ويأتي قول الحق سبحانه‬
‫وتعالى‪:‬‬
‫{ كَذاِلكَ قَالَ رَ ّبكَ }[مريم‪.]9 :‬‬
‫وما دام الحق سبحانه وتعالى هو الذي قرّر‪ ،‬فل رادّ لما أراده‪ ،‬ولذلك يقول سبحانه‪:‬‬
‫{ ُهوَ عََليّ هَيّنٌ َوقَدْ خََلقْ ُتكَ مِن قَ ْبلُ وَلَمْ َتكُ شَيْئا }[مريم‪.]9 :‬‬
‫وهكذا توالت الحداث بعد أن نبهت مريم زكريا عليه السلم إلى قضية خَرْق النواميس التي‬
‫تعرضت هي لها بعد ذلك‪ ،‬حينما تمثّل لها المَلك بشرا‪ ،‬وبشّرها بغلم اسمه المسيح عيسى ابن‬
‫مريم ـ عليه السلم‪.‬‬
‫وتساءلت مريم عن كيفية حدوث ذلك ـ وهي التي لم يمسسها بشر ـ فيذكّرها الملك بأنها هي‬
‫التي أجرى ال سبحانه وتعالى على لسانها قوله الحق في أثناء كلمها مع زكريا عليه السلم‪:‬‬
‫حسَابٍ }[آل عمران‪.]37 :‬‬
‫{ إِنّ اللّهَ يَرْ ُزقُ مَن يَشَآءُ ِبغَيْرِ ِ‬
‫وكان ل بد من طمأنتها؛ لن إنجابها للمسيح عيسى ـ عليه السلم ـ دون أب هي مسألة عرض‪،‬‬
‫ويجب أن تُقبل عليها وهي آمنة‪ ،‬غير مرتابٍ فيها ول متهمة‪.‬‬
‫والية التي نحن بصددها هنا تتعرض لمرأة إبراهيم عليه السلم حين جاءتها البشارة بالطفل‪،‬‬
‫وكيف أوضحت لها الملئكة أنه ل عجب مما قدّره ال تعالى وأراده‪ ،‬خلفا للناموس الغالب في‬
‫خلقه؛ لن رحمة ال تبارك وتعالى بكل خير فيها قد وسعت أهل بيت النبوة‪ ،‬ومن تلك الرحمة‬
‫والبركات هبة البناء في غير الوان المعتاد‪.‬‬
‫ولهذا قال الحق سبحانه هنا‪:‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫حمَةُ اللّ ِه وَبَ َركَاتُهُ عَلَ ْيكُمْ َأ ْهلَ الْبَ ْيتِ { [هود‪.]73 :‬‬
‫} َر ْ‬
‫وينهي الحق سبحانه الية بقوله تعالى‪:‬‬
‫حمِيدٌ مّجِيدٌ { [هود‪.]73 :‬‬
‫} إِنّهُ َ‬
‫أي‪ :‬أنه سبحانه يستحق الحمد لذاته‪ ،‬وكل ما يصدر عنه يستوجب الحمد له من عباده‪ ،‬فل حد‬
‫ق صفات المجد‪.‬‬
‫لخيره وإحسانه‪ ،‬وال تعالى مُطَْل ُ‬
‫وكلمة " حميد " ـ في اللغة ـ من " َفعِيل " وتَرِدُ على معنيين‪ :‬إما أن تكون بمعنى فاعل مثل‬
‫قولنا‪ " :‬ال رحيم " بمعنى أنه راحم خلقه‪ .‬وإما أن تكون بمعنى مفعول؛ كقولنا‪ " :‬قتيل " بمعنى "‬
‫مقتول "‪.‬‬
‫وكلمة " حميد " هنا تأتي بالمعنيين معا‪ " :‬حامدٌ " و " محمودٌ " ‪ ،‬مثل قول الحق سبحانه عن نفسه‬
‫أنه " الشكور "؛ لنه سبحانه يشكر من يشكره على نعمه بطاعته‪ .‬وال سبحانه " حميدٌ "؛ لنه‬
‫حامدٌ لمن يطيعه طاعة نابعة من اليمان‪ ،‬وال سبحانه " محمودٌ " ممن أنعم عليهم نعمه السابغة‪.‬‬
‫وال سبحانه هو المجيد الذي يعطي قبل أن يُسأل‪.‬‬
‫ولذلك نجد عارفا بال تعالى قد جاءه سائل‪ ،‬فأخرج كيسا ووضعه في يده‪ ،‬ثم رجع إلى أهله يبكي‪،‬‬
‫فقالت له امرأته‪ :‬وما يبكيك وقد أديت له حق سؤاله؟ قال‪ :‬أنا أبكي لني تركته ليسأل‪ ،‬وكان‬
‫المفروض أل أجعله يقف موقف السائل‪.‬‬
‫والحق سبحانه وتعالى أعطانا‪ ،‬حتى قبل أن نعرف كيف نسأل‪ ،‬ومثال ذلك‪ :‬هو عطاء الحق‬
‫سبحانه وتعالى للجنين في بطن أمه‪ ،‬والجنين لم يتعلم الكلم والسؤال‪.‬‬
‫والحق سبحانه وتعالى في كل لقطة من لقطات القرآن يعطي فكرة اجتماعية مأخوذة من الدين‪،‬‬
‫فها هو ذا سيدنا إبراهيم عليه السلم يقدم العجل الحنيذ للضيوف‪ ،‬ليعلمنا أنه إذا جاء لك ضيف‪،‬‬
‫وعرضت عليه الطعام‪ ،‬ولم يأكل‪ ،‬فل ترفع الطعام من أمامه‪ ،‬بل عليك أن تسأله أن يأكل‪ ،‬فإن رد‬
‫بعزيمة‪ ،‬وقال‪ :‬لقد أكلت قبل أن أحضر إليك‪ ،‬فََلكَ أن ترفع الطعام من أمامه بعد أن أكدت عليه‬
‫في تناول الطعام‪.‬‬
‫ويروي بعض العارفين أن سيدنا إبراهيم عليه السلم حينما قال‪ :‬أل تأكلون؟ قالت الملئكة‪ :‬ل‬
‫نأكل إل إذا دفعنا ثمن الطعام‪ .‬فقال إبراهيم‪ ،‬بما آتاه ال من حكمة النبوة ووحي اللهام‪ :‬ثمنه أن‬
‫تُسمّوا ال أوله‪ ،‬وتحمدوه آخره‪.‬‬
‫وأنت إذا أقبلت على طعام وقلت في أوله‪ " :‬بسم ال الرحمن الرحيم " وإذا انتهيت منه وقلت‪" :‬‬
‫الحمد ل "؛ تكون قد أديت حق الطعام مصداقا لقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ ُثمّ لَتُسْأَلُنّ َي ْومَئِذٍ عَنِ ال ّنعِيمِ }[التكاثر‪.]8 :‬‬
‫وهكذا بيّن لنا الحق سبحانه أن إبراهيم عليه السلم وزوجه قد أطمأنا على أن الملئكة قد جاءت‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لهما بالبشرى‪ ،‬وأنها ل تريد بإبراهيم أو بقومه سوءا‪ ،‬بل هي مكلفة بتعذيب قوم لوط‪.‬‬
‫وهنا يقول الحق سبحانه‪ } :‬فََلمّا َذ َهبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ ال ّر ْوعُ {‬

‫(‪)1533 /‬‬
‫ع وَجَاءَ ْتهُ الْبُشْرَى ُيجَادِلُنَا فِي َقوْمِ لُوطٍ (‪)74‬‬
‫فََلمّا ذَ َهبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ ال ّروْ ُ‬

‫حجّة؛ لتصل إلى حق‪ .‬والجدل يختلف عن المراء‬
‫حجّة من مقابل؛ وتعطيه ُ‬
‫والجدل هو أن تأخذ ُ‬
‫فالمراء يعني أنك تعرف الحقيقة وتجادل بالباطل لنك ل تريد أن تصل إلى الحق‪.‬‬
‫وقد نهانا الحق سبحانه عن المراء‪ ،‬وأمرنا بأن نجادل بشرط أن يكون الجدال بالتي هي أحسن‪.‬‬
‫وهنا يبيّن لنا الحق سبحانه أن إبراهيم بعد أن ذهب عنه الروع وجاءته البشرى بأن ال تعالى‬
‫سيرزقه بغلم‪ ،‬وعلم إبراهيم من الملئكة أنهم ذاهبون لتعذيب قوم لوط‪:‬‬
‫س ّومَةً عِندَ رَ ّبكَ }‬
‫حجَا َرةً مّن طِينٍ * مّ َ‬
‫سلَ عَلَ ْي ِهمْ ِ‬
‫{ قَالُواْ إِنّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىا َقوْمٍ مّجْ ِرمِينَ * لِنُرْ ِ‬
‫[الذاريات‪32 :‬ـ ‪.]34‬‬
‫ومجادلة سيدنا إبراهيم في عقاب قوم لوط‪ ،‬لم تكن ردّا لمر ال‪ ،‬ولكن طلبا للمهال لعلهم‬
‫يؤمنون؛ ذلك أن قلب إبراهيم عليه السلم؛ قلب رحيم‪.‬‬
‫ولذلك يأتي الحق سبحانه بالعلة في المجادلة في قوله تعالى‪ { :‬إِنّ إِبْرَاهِيمَ َلحَلِيمٌ َأوّاهٌ مّنِيبٌ }‬

‫(‪)1534 /‬‬
‫إِنّ إِبْرَاهِيمَ َلحَلِيمٌ َأوّاهٌ مُنِيبٌ (‪)75‬‬

‫إذن‪ :‬فالعلة في الجدال أنه حليم ل يُعجّل بالعقوبة‪ ،‬وأوّاه؛ أي‪ :‬يتأوه من القلب‪ ،‬والتأوه رقة في‬
‫القلب‪ ،‬وإن كان التأوه من العلى فهذا يعني الخوف من أل يكون قد أدى حق ال تعالى‪ ،‬وإن كان‬
‫التأوه للقل فهو رحمة ورأفة‪.‬‬
‫ولذلك فقد طلب إبراهيم عليه السلم من ال تعالى تأجيل العذاب لقوم لوط لعلهم يؤمنون‪ ،‬وتأوّههُ‬
‫هنا ل تعالى‪ ،‬وعلى هؤلء الجهلة بما ينتظرهم من عذاب أليم‪.‬‬
‫وقال الحق سبحانه في صفات إبراهيم أنه " منيب " أي‪ :‬يرجع إلى الحكم وإلى الحق في قضاياه‪.‬‬
‫ألم َي ُقلْ الحق سبحانه في موضع آخر من كتابه العزيز‪:‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫{ َومَا كَانَ اسْ ِت ْغفَارُ إِبْرَاهِي َم لَبِيهِ ِإلّ عَن ّموْعِ َد ٍة وَعَدَهَآ إِيّاهُ }[التوبة‪.]114 :‬‬
‫وبعد أن بحث إبراهيم عليه السلم عن الحق‪ ،‬وأناب إليه‪ ،‬يبين لنا ال سبحانه وتعالى مظهرية‬
‫النابة في قوله تعالى‪:‬‬
‫{ فََلمّا تَبَيّنَ لَهُ أَنّهُ عَ ُدوّ للّهِ تَبَرّأَ مِنْهُ }[التوبة‪.]114 :‬‬
‫وهنا في الية التي نحن بصدد خوطرنا عنها والتي أوضحت تأوه إبراهيم ل عز وجل وتأوهه‬
‫رحمة بهؤلء الذين لم يؤمنوا‪ ،‬وهم قوم لوط‪ ،‬وأيضا كانت حجة إبراهيم ـ عليه السلم ـ في‬
‫الجدال ما قاله الحق سبحانه في سورة العنكبوت‪:‬‬
‫{ وََلمّا جَآ َءتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بِالْ ُبشْرَىا قَالُواْ إِنّا ُمهِْلكُواْ َأ ْهلِ هَـا ِذهِ ا ْلقَرْيَةِ إِنّ أَهَْلهَا كَانُواْ ظَاِلمِينَ *‬
‫قَالَ إِنّ فِيهَا لُوطا }[العنكبوت‪31 :‬ـ ‪.]32‬‬
‫وكان سؤال إبراهيم للملئكة‪ :‬كيف تُهلكون أهل هذه القرية وفيهم من هو يؤمن بال وعلى رأسهم‬
‫نبي من ال هو لوط عليه السلم‪ ،‬وردت عليه الملئكة‪:‬‬
‫{ َنحْنُ أَعَْلمُ ِبمَن فِيهَا لَنُنَجّيَنّ ُه وَأَهْلَهُ ِإلّ امْرَأَتَهُ كَا َنتْ مِنَ ا ْلغَابِرِينَ }[العنكبوت‪.]32 :‬‬
‫وكأن إبراهيم خليل الرحمن يعلم أن وجود مؤمنين مع الكافرين في قرية واحدة‪ ،‬يبيح له الجدال‬
‫عن أهل القرية جميعا‪.‬‬
‫ويتلقى إبراهيم الرد هنا في سورة هود في الية التالية‪ { :‬يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْ ِرضْ عَنْ هَـاذَآ }‬

‫(‪)1535 /‬‬
‫عذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (‪)76‬‬
‫ك وَإِ ّنهُمْ آَتِيهِمْ َ‬
‫يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْ ِرضْ عَنْ َهذَا إِنّهُ قَدْ جَاءَ َأمْرُ رَ ّب َ‬

‫وقول الملئكة‪:‬‬
‫{ يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْ ِرضْ عَنْ هَـاذَآ } [هود‪.]76 :‬‬
‫يعني إبلغ إبراهيم أن مسألة تعذيب من لم يؤمن من قوم لوط أمرٌ مُنت ٍه ومحسوم‪ ،‬فهم قد جاءوا‬
‫لينفذوا‪ ،‬ل ليهدّدوا؛ وأبلغوا إبراهيم‪:‬‬
‫{ إِنّهُ قَدْ جَآءَ َأمْرُ رَ ّبكَ } [هود‪.]76 :‬‬
‫وإذا ما كان المر قد جاء من ال‪ ،‬فإبراهيم عليه السلم لنه { مّنِيبٌ } يعلم أن أي أمر من ال‬
‫تعالى ل بد أن يُنفّذ‪ ،‬فل بد أن يَتقبّل ـ أمرَ الحق سبحانه‪:‬‬
‫عذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ } [هود‪.]76 :‬‬
‫{ وَإِ ّنهُمْ آتِيهِمْ َ‬
‫أي‪ :‬ل أحد بقادر على أن يرد عذاب ال‪ .‬وكما أن هناك وعدا من ال تعالى غير مكذوب‪ ،‬فهناك‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أيضا عذاب غير مردود‪.‬‬
‫ويُروى أن إبراهيم عليه السلم في جداله قال للملئكة‪ :‬إذا كان في قوم لوط خمسون قد آمنوا بال‬
‫تعالى‪ ،‬أتعذبونهم؟ قالوا‪ :‬ل‪ .‬قال‪ :‬وإن كان فيهم عشرة يؤمنون بال‪ ،‬أتعذبونهم؟ قالوا‪ :‬ل‪ .‬قال وإن‬
‫كان فيهم واحد هو لوط؟ فردّت الملئكة‪:‬‬
‫{ َنحْنُ أَعَْلمُ ِبمَن فِيهَا لَنُنَجّيَنّ ُه وَأَهْلَهُ ِإلّ امْرَأَتَهُ }[العنكبوت‪.]32 :‬‬
‫وانتهى الجدال‪ ،‬وذهبت الملئكة إلى مهمتها التي هي إيقاع العذاب بقوم لوط‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه‪ { :‬وََلمّا جَآ َءتْ رُسُلُنَا لُوطا سِيءَ ِب ِهمْ }‬

‫(‪)1536 /‬‬
‫عصِيبٌ (‪)77‬‬
‫سلُنَا لُوطًا سِيءَ ِبهِ ْم َوضَاقَ ِبهِمْ ذَرْعًا َوقَالَ هَذَا َيوْمٌ َ‬
‫وََلمّا جَا َءتْ رُ ُ‬

‫أي‪ :‬أن لوطا شعر بالسوء‪ ،‬وضاق بهم ذرعا‪ ،‬والذرع مأخوذ من الذراع التي فيها الكف‬
‫والصابع وندفع بها الشياء‪ ،‬وأي شيء تستطيع أن تمد إليه ذراعك لتدفع به‪ ،‬وإن لم َتطُله‬
‫ذراعك؛ قلت‪ " :‬ضقت به ذرعا " أي‪ :‬أن يدي لم تطله‪ ،‬وهو أمر فوق قوتي وطاقتي‪ ،‬وفوق ما‬
‫آتاني ال من اللت ومن الحيل‪.‬‬
‫وما الذي يسيء لوطا في مجيء الملئكة؟‬
‫قيل‪ :‬لن الملئكة قد جاءوا على الشكل المعروف من الجمال‪ ،‬فحين يُقال‪ " :‬فلن ملك " ‪ ،‬أي‪:‬‬
‫شكله جميل‪.‬‬
‫ولوط ـ عليه السلم ـ يعلم أن آفة قومه هي إتيان الذكور‪ ،‬وامرأته تعلم هذه الفة‪ ،‬لكن موقفها‬
‫من ذلك غير موقف لوط‪ ،‬فهي ترحب بتلك الفة‪.‬‬
‫ويُقال‪ :‬إنها تنبهت لمجيء الرجال الحِسان ـ ولم تعرف أنهم ملئكة العذاب ـ وصعدت إلى‬
‫سطح المنزل‪ ،‬وصفقت لعل القوم ينتبهون لها‪ ،‬فلم يلتفت لها أحد‪ ،‬فأشعلت نارا فانتبه لها القوم‪،‬‬
‫وأشارت لهم بما يعبر عن مجيء ضيوف يتميزون بالجمال‪.‬‬
‫وهنا قال لوط عليه السلم‪:‬‬
‫عصِيبٌ } [هود‪.]77 :‬‬
‫{ هَـاذَا َيوْمٌ َ‬
‫أي‪ :‬يوم شديد المتاعب‪.‬‬
‫ويقال‪ " :‬يوم عصيب " و " يوم عصبصب " ‪ ،‬ومنه " ال ُعصْبَة " وهم جماعة يتكاتفون على شيء‪،‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ويقوى الفرد بمجموعهم‪ ،‬وقد صدق ظن لوط‪.‬‬
‫وفي هذا يقول الحق سبحانه عن ذلك‪ { :‬وَجَآ َءهُ َق ْومُهُ ُيهْرَعُونَ إِلَيْهِ َومِن قَ ْبلُ كَانُواْ َي ْعمَلُونَ }‬

‫(‪)1537 /‬‬
‫طهَرُ َلكُمْ‬
‫وَجَا َءهُ َق ْومُهُ ُيهْرَعُونَ إِلَيْهِ َومِنْ قَ ْبلُ كَانُوا َي ْعمَلُونَ السّيّئَاتِ قَالَ يَا َقوْمِ َهؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنّ َأ ْ‬
‫جلٌ رَشِيدٌ (‪)78‬‬
‫فَا ّتقُوا اللّ َه وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِ ْنكُمْ َر ُ‬

‫وقول الحق سبحانه‪ { :‬وَجَآ َءهُ َقوْمُهُ ُيهْرَعُونَ إِلَ ْيهِ } [هود‪.]78 :‬‬
‫أي‪ :‬يسرعون إليه في تدافق‪ ،‬والنسان إذا لم يكن قد مرن على الشر وله به دُربة‪ ،‬يكون مترددا‬
‫خائفا‪ ،‬أما من له دربة فهو يقبل على الشر بجرأة ونشاط‪.‬‬
‫وكلمة " يهرعون " هي من اللفاظ العجيبة في اللغة العربية‪ ،‬وألفاظ اللغة تجد فيها فعلً له فاعل‪،‬‬
‫عمْرا " أي‪ :‬أن الضارب هو " زيد " والمضروب هو " عمرو " ‪ ،‬ونقول‪" :‬‬
‫كقولنا‪ " :‬يضربُ زيدٌ َ‬
‫سمّي عمرو " نائب فاعل "‪.‬‬
‫ُيضْ َربُ عمرو " أي‪ :‬أننا بنينا الفعل للمجهول‪ ،‬و ُ‬
‫أما في الفعل " ُيهْ َرعُ " فل نجد أحدا يقول‪ " :‬يُهرع " إل ويكون بعدها فاعل وليس نائب فاعل‪،‬‬
‫مثلها مثل الفعل " جُنّ " فهل هناك من يأتي لنفسه بالجنون‪ ،‬أم أن الجنون هو الذي جاءه؟ ل أحد‬
‫يعرف سبب الجنون؛ ولذلك بُنيت الكلمة للمجهول‪ ،‬ولكن ما يأتي بعدها يكون فاعلً‪ .‬وهذا من‬
‫إعجاز البيان القرآني‪.‬‬
‫وكذلك نقول‪ُ " :‬زكِمَ فلن " فمن الذي أصابه بالزكام؟ ل نعرف سببا ظاهرا للزكام‪.‬‬
‫ج ِهلَ الفاعل فنحن نبني الفعل للمجهول‪ ،‬ولكن ما يأتي بعده يكون فاعلً‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فإذا ُ‬
‫وقول تعالى‪:‬‬
‫{ ُيهْرَعُونَ إِلَيْهِ } [هود‪.]78 :‬‬
‫يبيّن أنهم أقبلوا باندفاع‪ ،‬كأنهم يعشقون ما يذهبون إليه؛ لن كلً منهم له دربة على ذلك الفعل‬
‫المشين‪ ،‬أو أن كلً منهم ذاهب إلى ما يحب دون تَهيّب‪ ،‬باندفاع من نفسه و َدفْع من غيره‪ ،‬مثلما‬
‫تقول‪ " :‬سنوزع تموينا بالمجان "؛ هنا تجد الناس يتدافعون‪ ،‬كل منهم من تلقاء نفسه‪ ،‬وغيره يدفعه‬
‫ليرتد إلى الوراء‪.‬‬
‫وقوم لوط كانوا على دُرْبة بتلك الفاحشة‪.‬‬
‫يقول الحق سبحانه عنهم‪:‬‬
‫{ َومِن قَ ْبلُ كَانُواْ َي ْعمَلُونَ السّيّئَاتِ } [هود‪.]78 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أي‪ :‬أن هذه المسألة عندهم كانت محببة‪ ،‬ولهم دربة عليها وخفيفة على قلوبهم‪ ،‬ول حياء يمنعهم‬
‫عنها‪.‬‬
‫فالحياء يعني أن بعض الناس يعمل السيئة ويخشى الخرون أن يفعلوها‪ ،‬لكن إذا ما كانوا يحبون‬
‫تلك السيئة‪ ،‬فلن يخجل أحد من الخر‪.‬‬
‫وماذا يكون موقف لوط ـ عليه السلم ـ في هذا اليوم العصيب؟ لقد أقبلوا عليه بسرعة‪ ،‬وفي‬
‫كوكبة واندفاع‪ ،‬وهو يعلم نياتهم ويعلم سوابقهم‪ ،‬وفكّر لوط ـ عليه السلم ـ في أن يصرفهم‬
‫انصرافا من جنس اندفاعهم‪.‬‬
‫يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫طهَرُ َلكُمْ } [هود‪.]78 :‬‬
‫{ قَالَ يا َقوْمِ هَـاؤُلءِ بَنَاتِي هُنّ َأ ْ‬
‫وقد قال ذلك لن المرأة مخلوقة لذلك‪ ،‬ومن الممكن أن يتزوجوا من بناته‪.‬‬
‫وكان العُرْف في أيام لوط عليه السلم ل يمنع أن يزوّج المؤمن ابنته لغير المؤمن؟ وقد َزوّجَ‬
‫رسولُ ال صلى ال عليه وسلم إحدى بناته لعُتبة بن أبي لهب‪ ،‬وأخرى لبي العاص بن الربيع؟‬
‫قبل تحريم الحق سبحانه تزويج المؤمنة لغير المؤمن‪.‬‬
‫فهل كان المقصود‪ :‬بناته من صُلبه أم بنات أمته‪ ،‬أم بنات المؤمنين به؟ وقد قيل‪ :‬إنه لم يؤمن بال‬
‫إل لوط وابنتاه‪ ،‬فكيف يكون الزواج لبنتين من كل هذا العدد من الرجال المتدافعين؟‬
‫وقيل‪ :‬إنه بحث عن السادة القوياء الذين بيدهم القرار‪ ،‬وأراد أن يراضيهم بهذا الزواج؛ لعلهم‬
‫يرجعون عن الفواحش والسيئات‪ ،‬وفي هذا طهر لهم‪ ،‬وبذلك يحفظون كرامته أمام ضيوفه‪.‬‬
‫يقول لوط عليه السلم‪:‬‬
‫} فَا ّتقُواْ اللّ َه َولَ تُخْزُونِ فِي ضَ ْيفِي { هود‪.]78 :‬‬
‫وكلمة " ضيف " ـ كما نعلم ـ جاءت هنا مفردة‪ ،‬ولكنها تطلق أيضا على الجمع‪ ،‬والمثنى‪،‬‬
‫وتصلح للدللة على المذكر وعلى المؤنث أيضا‪ ،‬فإن جاء ضيف واحد تقول‪ " :‬هذا ضيفي " ‪،‬‬
‫وإن جاء اثنان تقول‪ " :‬هذان ضيفي " ‪ ،‬وإن كانت امرأة تقول‪ " :‬هذه ضيفي " ‪ ،‬وإن كانتا‬
‫امرأتين تقول‪ " :‬هاتان ضيفي " ‪ ،‬وإن جاءت جماعة تقول‪ " :‬هؤلء ضيفي "‪.‬‬
‫والحق سبحانه يقول‪:‬‬
‫ث ضَ ْيفِ إِبْرَاهِيمَ ا ْل ُمكْ َرمِينَ }[الذاريات‪.]24 :‬‬
‫{ َهلْ أَتَاكَ حَدِي ُ‬
‫وهناك ألفاظ أخرى كذلك في اللغة مثل‪ :‬كلمة " طفل " فهي مفرد؛ ولكنها قد تطلق على الجماعة‪،‬‬
‫إل أن كلمة " طفل " وُجِد لها جمع هو " أطفال "‪.‬‬
‫والحق سبحانه يقول‪:‬‬
‫ن َولَ يُبْدِينَ زِينَ َتهُنّ ِإلّ‬
‫خمُرِهِنّ عَلَىا جُيُو ِبهِ ّ‬
‫ظهَرَ مِ ْنهَا وَلْ َيضْرِبْنَ ِب ُ‬
‫{ َولَ يُبْدِينَ زِينَ َتهُنّ ِإلّ مَا َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫خوَا ِنهِنّ َأوْ‬
‫خوَا ِنهِنّ َأوْ بَنِي ِإ ْ‬
‫لِ ُبعُولَ ِتهِنّ َأوْ آبَآ ِئهِنّ َأوْ آبَآءِ ُبعُولَتِهِنّ َأوْ أَبْنَآ ِئهِنّ َأوْ أَبْنَآءِ ُبعُولَ ِتهِنّ َأوْ ِإ ْ‬
‫طفْلِ‬
‫خوَا ِتهِنّ َأوْ نِسَآ ِئهِنّ َأوْ مَا مََل َكتْ أَ ْيمَا ُنهُنّ َأوِ التّا ِبعِينَ غَيْرِ ُأوْلِي الِرْبَةِ مِنَ الرّجَالِ َأوِ ال ّ‬
‫بَنِي أَ َ‬
‫عوْرَاتِ النّسَآءِ }[النور‪.]31 :‬‬
‫ظهَرُواْ عَلَىا َ‬
‫الّذِينَ لَمْ َي ْ‬
‫إذن‪ :‬فكلمة " طفل " تطلق أيضا‪ ،‬ويراد بها الجماعة‪.‬‬
‫وهنا يطلب لوط عليه السلم من قومه أل يخزوه في ضيفه‪ ،‬والخزي فضيحة أمام النفس وأمام‬
‫الناس‪.‬‬
‫والنسان قد تهون عليه نفسه ويُقبل على العمل السيىء ما لم يره أحد‪ ،‬أما أن يراه الناس‪ ،‬ففي‬
‫هذا فضح له؛ فالفضيحة تكون بين جمهرة الناس‪ ،‬والهوان أن يكون العمل السيىء بينه وبين‬
‫نفسه‪.‬‬
‫ويتساءل لوط عليه السلم‪:‬‬
‫جلٌ رّشِيدٌ { [هود‪.]78 :‬‬
‫} أَلَ ْيسَ مِ ْنكُمْ َر ُ‬
‫أي‪ :‬أل يوجد بينكم رجل له عقل ومروءة وكرامة‪ ،‬يمنع هذه المسألة‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه بعد ذلك‪ } :‬قَالُواْ َلقَدْ عَِل ْمتَ مَا لَنَا فِي بَنَا ِتكَ {‬

‫(‪)1538 /‬‬
‫قَالُوا َلقَدْ عَِل ْمتَ مَا لَنَا فِي بَنَا ِتكَ مِنْ حَقّ وَإِ ّنكَ لَ َتعَْلمُ مَا نُرِيدُ (‪)79‬‬

‫هذه الية تحمل رد المتدافعين طلبا للفحشاء من قوم لوط؛ فقد قالوا له‪ :‬أنت تعلم مقصدنا‪ ،‬وليس‬
‫لنا في بناتك أية حاجة نعتبرها غاية لمجيئنا‪.‬‬
‫وكان هذا يعني العراض عن قبول نصحه لهم بالتزوج من بناته بدلً من طلب فعل الفاحشة مع‬
‫ضيوف لوط‪ ،‬وهم الملئكة الذين جاءوا في هيئة رجال بلغوا مبلغ الكمال في الجمال‪.‬‬
‫ويأتي الحق سبحانه برد لوط عليه السلم‪ { :‬قَالَ َلوْ أَنّ لِي ِبكُمْ ُق ّوةً }‬

‫(‪)1539 /‬‬
‫قَالَ َلوْ أَنّ لِي ِب ُكمْ ُق ّوةً َأوْ َآوِي إِلَى ُركْنٍ شَدِيدٍ (‪)80‬‬

‫وساعة تقرأ كلمة " لو " فهذا هو التمني‪ ،‬أي‪ :‬رجاء أن يكون له قوة يستطيع أن يدفع بها هؤلء‪،‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وكان ل بد من وجود شرط‪ ،‬مثل قولنا‪ " :‬لو أن زيدا عندك لجئت " ‪ ،‬لكن نجد هنا شرطا ول‬
‫جواب‪ ،‬كأن يقال‪ " :‬لو أن لي بكم قوة لفعلت كذا وكذا "‪.‬‬
‫ولذلك يقال إن الملئكة قالت له‪ :‬إن ركنك لشديد؛ ولذلك قال‪:‬‬
‫{ َأوْ آوِي إِلَىا ُركْنٍ شَدِيدٍ } [هود‪.]80 :‬‬
‫والشيء الشديد هو المتجمّع تجمّعا يصعب َفصْلُه‪ ،‬أو المختلط اختلطا بمزجٍ يصعب تحلّله؛ لنك‬
‫حين تجمع الشياء؛ فإما أن تجمع أشياء أجناسها منفصّلة‪ ،‬ولكنك تربطها ربطا قويا‪ ،‬مثل أن‬
‫تربط المصلوب على شجرة برباط قوي‪ ،‬لكن كليهما ـ المصلوب والشجرة ‪ ،‬منفصل عن الخر‬
‫وله ذاته‪ ،‬وهناك ما يُسمّى خلطا‪ ،‬وهناك ما يُسمّى مزجا‪ ،‬والخلط هو أن تخلط أشياء‪ ،‬وكل شيء‬
‫منها متميز عن غيره بحيث تستطيع أن تفصله‪ ،‬أما المزج فل يمكن فصل الشياء الممتزجة‬
‫ببعضها‪.‬‬
‫ومثال ذلك‪ :‬أنك قد تخلط فول التدميس مثلً مع حبات من الفول السوداني‪ ،‬وتستطيع أن تفصل‬
‫الثنين بعضهما عن بعض؛ لنك جمعتهما على استقلل‪ .‬ولكن إن ُق ْمتَ بعصر ليمون على كوب‬
‫من الماء المحلى بالسكر؛ فهذا مزج يصعب حَلّه‪.‬‬
‫وقد قال لوط عليه السلم ذلك لنه لم يكن في مَنعةٍ من قومه‪ ،‬أهل " سدوم " ويقال‪ :‬إنها خمس‬
‫قرى قريبة من " حمص "‪.‬‬
‫وقد تعجّب رسول ال صلى ال عليه وسلم من قول لوط‪ ،‬فقال ـ فيما رواه البخاري ـ‪:‬‬
‫" رحم ال أخي لوطا كان يأوي إلى ركن شديد "‪.‬‬
‫فَلِهوْل ما عانى لوط عليه السلم من كرب المفاجأة قال ذلك‪ ،‬وهو يعلم أنه ل يوجد سند أو ركن‬
‫أشد من الحق سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫سلُ رَ ّبكَ لَن‬
‫ويقول الحق سبحانه بعد ذلك ما قالته الملئكة للوط عليه السلم‪ { :‬قَالُواْ يالُوطُ إِنّا رُ ُ‬
‫َيصِلُواْ إِلَ ْيكَ }‬

‫(‪)1540 /‬‬
‫حدٌ إِلّا‬
‫ل وَلَا يَلْ َت ِفتْ مِ ْنكُمْ أَ َ‬
‫سلُ رَ ّبكَ لَنْ َيصِلُوا إِلَ ْيكَ فَأَسْرِ بِأَ ْهِلكَ ِبقِطْعٍ مِنَ اللّ ْي ِ‬
‫قَالُوا يَا لُوطُ إِنّا ُر ُ‬
‫امْرَأَ َتكَ إِنّهُ ُمصِي ُبهَا مَا َأصَا َبهُمْ إِنّ َموْعِ َدهُمُ الصّبْحُ أَلَ ْيسَ الصّبْحُ ِبقَرِيبٍ (‪)81‬‬

‫وهكذا علم لوط ـ لول مرة ـ أنهم رسل من ال تعالى‪ ،‬رغم أنهم حين تكلموا مع إبراهيم لم‬
‫يقولوا أنهم رسل من ال؛ ليدلنا على أن إبراهيم عليه السلم كان يعلم أنهم رسل من الحق‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫سبحانه‪ ،‬لكنه لم يكن يعلم سبب مجيئهم‪.‬‬
‫سلُ رَ ّبكَ لَن َيصِلُواْ إِلَ ْيكَ } [هود‪ ]81 :‬فمن باب أولى أل يصلوا‬
‫وهم حين أخبروا لوطا‪ { :‬إِنّا رُ ُ‬
‫إليهم‪ ،‬وتخبر الملئكة لوطا أن يسري بأهله ليلً أي‪ :‬أخرج بأهلك في جزء من الليل‪ ،‬وقد‬
‫أوضحت الملئكة أن موعد النكال بقوم لوط هو الصبح‪:‬‬
‫{ إِنّ َموْعِدَهُمُ الصّبْحُ َألَيْسَ الصّبْحُ ِبقَرِيبٍ } [هود‪.]81 :‬‬
‫لذلك قالوا‪:‬‬
‫{ فََأسْرِ بِأَهِْلكَ ِبقِطْعٍ مّنَ الّ ْيلِ } [هود‪.]81 :‬‬
‫والمقصود أن يترك ربع الليل الول‪ ،‬وربعه الخر‪ ،‬وأن يسير في نصف الليل الذي بعد ربع‬
‫الليل الول وينتهي عند ربع الليل الخير‪ ،‬وقيل‪ :‬إن أليق ما يكون بالقطع هو النصف‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ َولَ يَلْ َتفِتْ مِنكُمْ َأحَدٌ } [هود‪.]81 :‬‬
‫واللتفات‪ :‬هو النصراف عن الشيء الموجود قبالتك‪ ،‬ويسمى النصراف عن المقابل‪ .‬فهل‬
‫المقصود هو اللتفات الحسي أم اللتفات المعنوي؟‬
‫نحن نعلم أن لوطا سيصحب المؤمنين معه؛ من ديارهم وأموالهم‪ ،‬وما ألفوه من مقام ومن حياة؛‬
‫لذلك تنبههم الملئكة أل تتجه قلوبهم إلى ما تركوه‪ ،‬وعليهم أن ينقذوا أنفسهم‪ ،‬وسيعوضهم ال‬
‫سبحانه خيرا مما فاتهم‪.‬‬
‫هذا هو المقصود بعد اللتفات المعنوي‪ ،‬وأيضا مقصود به عدم اللتفات الحسي‪.‬‬
‫وتوصي الملئكة لوطا عليه السلم أل يصحب امرأته معه؛ لنها خانته بموالتها للقوم المفسدين‪،‬‬
‫وإفشائها للسرار‪ ،‬وعليه أن يتركها مع الذين يصيبهم العذاب‪.‬‬
‫ولكنها لحظة الخروج ادعت أنها مخلصة للوط‪ ،‬وقالت‪ :‬سأخرج حيث تخرج‪ ،‬ثم نظرت إلى القوم‬
‫وقالت‪ :‬وا قوماه ورجعت لتمكث معهم‪ ،‬ولينالها العذاب الذي نالهم في الموعد الذي حددته‬
‫الملئكة وهو الصبح‪:‬‬
‫{ إِنّ َموْعِدَهُمُ الصّبْحُ َألَيْسَ الصّبْحُ ِبقَرِيبٍ } [هود‪.]81 :‬‬
‫وقد تحدد الصبح لهلكهم؛ لنه وقت الدعة والهدوء فيكون العذاب أشد نكالً‪.‬‬
‫جعَلْنَا عَالِ َيهَا سَافَِلهَا }‬
‫ويقول الحق سبحانه‪ { :‬فََلمّا جَآءَ َأمْرُنَا َ‬

‫(‪)1541 /‬‬
‫جعَلْنَا عَالِ َيهَا سَافَِلهَا وََأمْطَرْنَا عَلَ ْيهَا حِجَا َرةً مِنْ سِجّيلٍ مَ ْنضُودٍ (‪)82‬‬
‫فََلمّا جَاءَ َأمْرُنَا َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والحق سبحانه يبين لنا هنا أن المر بالعذاب حين يصدر‪ ،‬فالمأمور يستجيب قهرا‪ ،‬ويقال إن قرى‬
‫قوم لوط خمس‪ :‬قرية " سدوم " وقرية " دادوما " وقرية " ضعوه " ‪ ،‬وقرية " عامورا " وقرية "‬
‫قتم "‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪:‬‬
‫جعَلْنَا عَالِ َيهَا سَافَِلهَا } [هود‪.]82 :‬‬
‫{ َ‬
‫أي‪ :‬انقلبت انقلبا تامّا‪.‬‬
‫ويقول القرآن في موضع آخر‪:‬‬
‫{ وَا ْل ُمؤْ َتفِكَةَ أَ ْهوَىا }[النجم‪.]53 :‬‬
‫والمؤتفكة من الفك وهو الكذب المتعمّد‪ ،‬أي‪ :‬قول نسبة كلمية تخالف الواقع‪ ،‬ولن من يقول‬
‫الفك إنما يقلب الحقيقة إلى غير الحقيقة زعما‪ ،‬ويقلب غير الحقيقة إلى ما يشبه الحقيقة‪.‬‬
‫كذلك المؤتفكة‪ ،‬أي‪ :‬القرى التي جعل عاليها سافلها فانقلبت فيها الوضاع‪.‬‬
‫ونفذ أمر ال بأن أمطر عليهم حجارة من سجيل منضود‪ ،‬وهو طين قد تحجّر‪.‬‬
‫حجَا َرةً مّن طِينٍ }[الذرايات‪.]33 :‬‬
‫والحق سبحانه يقول في آية أخرى{ ِ‬
‫وكلمة " حجارة " تعطي الحساس بالصلبة‪ ،‬أما كلمة " طين " فتعطي إحساسا بالليونة‪ ،‬ولكن‬
‫الطين الذي نزل قد تحجر بأمر من ال تعالى‪ ،‬وهو قد نزل منضودا‪ ..‬أي‪ :‬يتتابع في نظام‪ ،‬وكأن‬
‫س ّومَةً عِندَ رَ ّبكَ }‬
‫كل حجر يعرف صاحبه‪ ،‬لن الحق سبحانه يقول بعد ذلك‪ { :‬مّ َ‬

‫(‪)1542 /‬‬
‫ك َومَا ِهيَ مِنَ الظّاِلمِينَ بِ َبعِيدٍ (‪)83‬‬
‫س ّومَةً عِنْدَ رَ ّب َ‬
‫مُ َ‬

‫وكلمة " مسوّمة " أي‪ :‬مُعلّمة‪ ،‬وكأن كل حجر قد تم توجيهه إلى صاحبه‪ ،‬فهذا الحجر يذهب إلى‬
‫فلن‪ ،‬وذلك إلى فلن‪ ،‬مثل الصواريخ الموجهة إلى البلد‪ ،‬ولكن الدقة في هذه الحجارة أن كل‬
‫حجر يعرف على من بالتحديد سوف ينزل بالعذاب‪ ،‬وقد جعلها الحق سبحانه لتعذيب المكين‪ ،‬أي‪:‬‬
‫النسان‪ ،‬ول تدمر البلد‪.‬‬
‫وهي مُرتّبة؛ لن الحق سبحانه قال‪:‬‬
‫{ سِجّيلٍ مّ ْنضُودٍ }[هود‪.]82 :‬‬
‫ووردت كلمة (سجيل) أيضا في قول الحق سبحانه‪:‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫{ طَيْرا أَبَابِيلَ * تَ ْرمِيهِم ِبحِجَا َرةٍ مّن سِجّيلٍ }[الفيل‪3 :‬ـ ‪.]4‬‬
‫ويُنهي الحق سبحانه الية بقوله‪:‬‬
‫{ َومَا ِهيَ مِنَ الظّاِلمِينَ بِ َبعِيدٍ } [هود‪.]83 :‬‬
‫والظالمون هنا مقصود بهم الكافرون برسالة الحق ـ سبحانه وتعالى ـ التي تتابعت في الموكب‬
‫الرسالي وخاتمها هو محمد صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫ونحن نعلم أن القصص القرآني قد نزل تسلية وثباتا بيقين لرسول ال صلى ال عليه وسلم وتذكرة‬
‫بالسوة‪:‬‬
‫سلِ مَا نُثَ ّبتُ بِهِ ُفؤَا َدكَ }[هود‪.]120 :‬‬
‫{ َوكُـلّ ّنقُصّ عَلَ ْيكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرّ ُ‬
‫وتحكي القصص المعارك التي قامت بين كل رسول مُؤيّد بمعجزة من ال‪ ،‬وبين المنكرين له‬
‫والكافرين به‪ ،‬وقد انتهت كل هذه المعارك بنصرة الرسول على الكافرين‪ ،‬إل أن الرسل السابقين‬
‫لم يُكلّفوا أن يقاتلوا من أجل اليمان‪ ،‬بل كان عليهم أن يعلنوا الحجة اليمانية فقط‪ ،‬وأن يبلغوا‬
‫المنهج‪ ،‬فإن عصى القوم؛ فالسماء هي التي تتدخل لتأديب المخالفين‪.‬‬
‫والحق سبحانه يقول‪:‬‬
‫{ أََلمْ تَرَ كَ ْيفَ َف َعلَ رَ ّبكَ ِبعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ ا ْل ِعمَادِ * الّتِي لَمْ ُيخْلَقْ مِثُْلهَا فِي الْبِلَدِ * وَ َثمُودَ الّذِينَ‬
‫ط َغوْاْ فِي الْبِلَدِ * فََأكْثَرُواْ فِيهَا ا ْلفَسَادَ *‬
‫لوْتَادِ * الّذِينَ َ‬
‫عوْنَ ذِى ا َ‬
‫جَابُواْ الصّخْرَ بِا ْلوَادِ * َوفِرْ َ‬
‫عذَابٍ * إِنّ رَ ّبكَ لَبِا ْلمِ ْرصَادِ }[الفجر‪6 :‬ـ ‪.]14‬‬
‫سوْطَ َ‬
‫صبّ عَلَ ْي ِهمْ رَ ّبكَ َ‬
‫َف َ‬
‫ولكن المر اختلف بمجيء محمد صلى ال عليه وسلم‪ ،‬لن دين محمد صلى ال عليه وسلم هو‬
‫الدين الذي تقوم عليه الساعة‪ ،‬وقومه مأمونون على البلغ عن ال تعالى خلفة للرسول صلى ال‬
‫عليه وسلم‪.‬‬
‫وعلى كل واحد من أمة محمد صلى ال عليه وسلم يعلم حكما من أحكام ال تعالى أن يبلغه؛ لنه‬
‫قائم مقام الرسول صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫والحق سبحانه يقول‪:‬‬
‫شهِيدا }[البقرة‪:‬‬
‫شهَدَآءَ عَلَى النّاسِ وَ َيكُونَ الرّسُولُ عَلَ ْيكُمْ َ‬
‫جعَلْنَاكُمْ ُأمّةً وَسَطا لّ َتكُونُواْ ُ‬
‫{ َوكَذَِلكَ َ‬
‫‪.]143‬‬
‫إذن‪ :‬فكل واحد من أمته صلى ال عليه وسلم هو امتداد لرسالة السلم‪ ،‬وبدلً من أن السماء‬
‫كانت تتدخل لتأديب الكافرين‪ ،‬جعل ال سبحانه لمة محمد صلى ال عليه وسلم أن يقفوا بالقوة‬
‫أمام الكافرين‪ ،‬ل لفرض اليمان؛ لن اليمان ل يُفرض‪ ،‬ول يُكره عليه؛ لنك قد تُكره إنسانا في‬
‫المور الحسية‪ ،‬لكنك ل تستطيع أن تملك قلبه‪ ،‬والحق سبحانه يريد اليمان الغيبي الذي يملك‬
‫القلوب‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ولذلك يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫سمَآءِ آ َيةً فَظَّلتْ أَعْنَا ُقهُمْ َلهَا‬
‫سكَ َألّ َيكُونُواْ ُم ْؤمِنِينَ * إِن نّشَأْ نُنَ ّزلْ عَلَ ْيهِمْ مّنَ ال ّ‬
‫{ َلعَّلكَ بَاخِعٌ ّنفْ َ‬
‫ضعِينَ }[الشعراء‪3 :‬ـ ‪.]4‬‬
‫خَا ِ‬
‫إذن‪ :‬فالحق سبحانه يريد قلوبا تخشع‪ ،‬ل أعناقا تخضع‪.‬‬
‫ضتْ في نقل رسالة محمد صلى ال‬
‫ضتْ أمة محمد صلى ال عليه وسلم تفويضين‪ُ :‬ف ّو َ‬
‫وهكذا ُف ّو َ‬
‫عليه وسلم إلى الجيال‪ ،‬وكل جيل ينقلها إلى الجيل الذي يليه‪.‬‬
‫وها هو صلى ال عليه وسلم يقول‪َ " :‬نضّر ال امرأ سمع مقاتلي فوعاها وأداها إلى من لم‬
‫يسمعها‪ ،‬ف ُربّ مُبلغٍ أوعى من سامع "‪.‬‬
‫ضتْ أمة محمد صلى ال عليه وسلم في أن تقف من الكافرين موقف تأديب‪ ،‬ل لتفرض الدين‬
‫وفُ ّو َ‬
‫ولكن لتحمي حق اختيار الدين‪ ،‬فلم يحدث أن رُفع سيفٌ في السلم ليفرض دينا؛ بل رفع السيف‬
‫ليحمي حرية اختيار النسان للدين‪.‬‬
‫يقول سبحانه‪:‬‬
‫{ َفمَن شَآءَ فَلْ ُي ْؤمِن َومَن شَآءَ فَلْ َي ْكفُرْ }[الكهف‪.]29 :‬‬
‫فإذا آمن فعليه اللتزام باليمان‪ ،‬فل يكسر حكما من أحكام اليمان‪ ،‬وهذا تصعيب للدخول في‬
‫السلم‪ ،‬فمن أين يأتي ادعاء فرض الدين على المخالفين؟!‬
‫إذن‪ :‬فقد آمن المؤمن من أمة محمد صلى ال عليه وسلم إيمانين‪ :‬اليمان الول هو أن يؤمن‬
‫بالسلم‪ ،‬واليمان الثاني أن يبلغ الدعوة‪.‬‬
‫ولذلك قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ " :‬علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل "‪.‬‬
‫فهل المقصود بالعلماء هم من يعلمون العلم فقط؛ ل‪ ،‬بل يقصد كل من يعرف قضية من قضايا‬
‫اليمان معرفة سليمة وصحيحة وينساح بالدعوة في الرض ليعلّم غير المؤمنين ويترك الناس‬
‫أحرارا في اختيار الدين‪.‬‬
‫وكذلك يقف المؤمنون برسالة رسول ال صلى ال عليه وسلم لية قوة تحارب حرية اختيار‬
‫الدين‪.‬‬
‫وهكذا جاءت قصص القرآن لتثبيت فؤاده صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫ونحن نعلم أن الحق سبحانه قد بعث المصطفى صلى ال عليه وسلم وهو في مكة‪ ،‬فصرخ‬
‫بالدعوة‪ ،‬ل في آذان القبائل الواهية في أطراف الجزيرة‪ ،‬ولكن في آذان سادة الجزيرة‪ ،‬حتى ل‬
‫يقال‪ :‬إنه استضعف قوما فناداهم إلى اليمان به‪ ،‬ولم يجرؤ على السادة‪ ،‬وهم قريش‪ ،‬التي أخذت‬
‫السيادة بحكم إقامتها في مكان البيت العتيق‪ ،‬وكان كل العرب يحجون إلى البيت الحرام‪ ،‬فإذا ما‬
‫تعرضت قبيلة لقريش بسوء‪ ،‬فقريش قادرة على أن تنال من أبناء تلك القبيلة حين يحجون إلى‬
‫البيت الحرام‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وهكذا أخذت قريش هيبتها من وجودها حول البيت‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالبيت هو الذي صنع السيادة لقريش‪ ،‬وهو الذي صنع السيادة لللهة المدّعاة من الصنام‬
‫حين يأتي كل قوم بإلههم من الحجر؛ ليضعوه في البيت؛ ليكتسب الحجر قداسة من قداسة البيت‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فقد أخذت قريش السيادة من البيت الحرام‪ ،‬وجاء رسول ال صلى ال عليه وسلم فأعلن‬
‫سفّه أحلمهم‪ ،‬ولم يُبَالِ بجبروتهم وسيادتهم على الجزيرة‪.‬‬
‫الدعوة على أسماع السادة‪ ،‬و َ‬
‫لكن الحق سبحانه قد شاء أل يكون انتصار السلم على يد السادة من قريش في مكة‪ ،‬بل جاء‬
‫انطلق السلم من المدينة؛ لن ال سبحانه أراد أن يُعلّم الدنيا كلها أن العصبية لمحمد لم تخلق‬
‫اليمان بمحمد‪.‬‬
‫ولكن ال تعالى قد شاء أن يكون المستضعفون من أطراف الجزيرة هم الذين نصروا الدعوة؛‬
‫فكأن اليمان بمحمد صلى ال عليه وسلم هو الذي خلق العصبية لمحمد للحق الممثّل في رسالة‬
‫محمد‪ ،‬ولم تخلق العصبية لمحمد إيمانا به وبرسالته‪.‬‬
‫وإذا كان الحق سبحانه قد نعتهم بالظالمين‪ ،‬وبيّن لهم أن المكان الذي قُِلبَ عاليه أسفله‪ ،‬ليس ببعيد‬
‫عنهم‪ ،‬فهل لهم أن يتخذوا من ذلك عبرة؟‬
‫والظلم ـ كما نعلم ـ هو مجاوزة الحق للغير‪ ،‬أي‪ :‬أن تأخذ حق الغير وتعطيه لغير ذي حق‪ ،‬فإذا‬
‫كان ظلما في اللوهية‪ ،‬فهذا هو الشرك العظيم‪ ،‬وإن كان ظلما في إعطاء حق من حقوق الدنيا‬
‫للغير‪ ،‬فهو ظلم للنسانية‪ ،‬والظلم درجات بحسب الجريمة‪.‬‬
‫وقد ظلمت قريش نفسها ظلما عظيما؛ لنها أشركت بال؛ وجعلت له شركاء في اللوهية؛ وهذا‬
‫أقصى أنواع الظلم‪.‬‬
‫وال سبحانه يريد أن يذكّر هؤلء الظالمين بأن عذاب ال حين يجيء‪ ،‬أو أمر ال حين يأتي؛ ل‬
‫يمكن أن يقوم أمامه قائم يمنعه‪ ،‬فتنبهوا جيدا إلى أنكم عُرْضة أن يُنزل ال تعالى بكم العذاب كما‬
‫أنزل بهذه القرى؛ وهي غير بعيدة عنكم‪ ،‬فالمسافة بين المدينة والشام قد تبدو مسافة طويلة إل أن‬
‫ال تعالى قد جعلهم يمرون عليها في كل رحلة من رحلت الصيف إلى الشام‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فهي قرى تقع على طريق مسلوكة؛ ولذلك يقول الحق سبحانه عن موقعها‪:‬‬
‫{ وَإِ ّنهَا لَبِسَبِيلٍ ّمقِيمٍ }[الحجر‪.]76 :‬‬
‫أي‪ :‬بطريق تمرون عليها‪ ،‬ل يجرفها سيل‪ ،‬ول يغير معالمها ريح‪.‬‬
‫بل هي طريق ثابتة مقيمة تمرون عليها حينما تذهبون في رحلة الصيف إلى الشام‪ ،‬فكان من‬
‫الواجب أن تأخذوا في كل مرور لقطة وعبرة؛ حتى ل تقعوا في ظلم آخر‪.‬‬
‫وقد نبهكم ال سبحانه أيضا بمروركم على ديار قوم صالح الذين خاطبهم الحق سبحانه بقوله‪:‬‬
‫طشْتُمْ جَبّارِينَ }‬
‫خذُونَ َمصَانِعَ َلعَّلكُمْ تَخُْلدُونَ * وَإِذَا َبطَشْ ُتمْ بَ َ‬
‫{ أَتَبْنُونَ ِب ُكلّ رِيعٍ آيَةً َتعْبَثُونَ * وَتَتّ ِ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫[الشعراء‪128 :‬ـ ‪.]130‬‬
‫هكذا ترون ديار ثمود وديار عاد وديار لوط وهي خاوية‪ ،‬وكان من الواجب ـ معشر قريش ـ‬
‫أل تبالغوا في الظلم‪ ،‬وأن تنتبهوا بالعبرة إلى مصير كل من يشرك بال تعالى‪.‬‬
‫ويلفتهم الحق سبحانه إلى أنهم لم يكفروا بحق اللوهية فقط‪ ،‬ولكنهم ـ ايضا ـ كفروا بشكر‬
‫النعمة‪ ،‬وظلموا؛ لن ال سبحانه هو الذي أنعم عليهم برحلة الشتاء إلى اليمن‪ ،‬وبرحلة الصيف‬
‫إلى الشام‪ ،‬والرحلتان للتجارة التي تأتي بالزيادة لقريش؛ لنهم يخرجون بالموال ويعودون‬
‫بالبضائع التي يبيعونها لهل مكة‪ ،‬ولزوار بيت ال الحرام‪.‬‬
‫وقد أخذت قريش مهابتها عند كل قوم يمرون عليهم أثناء الرحلتين‪ ،‬من أنهم يعيشون حول البيت‬
‫الحرام‪ ،‬لذلك يمتن ال سبحانه على قريش في قوله سبحانه‪:‬‬
‫سلَ عَلَ ْيهِمْ طَيْرا‬
‫ج َعلْ كَيْ َدهُمْ فِي َتضْلِيلٍ * وَأَرْ َ‬
‫صحَابِ ا ْلفِيلِ * أََلمْ يَ ْ‬
‫{ أََلمْ تَرَ كَ ْيفَ َف َعلَ رَ ّبكَ بَِأ ْ‬
‫جعََل ُهمْ َك َعصْفٍ مّ ْأكُولٍ }[الفيل‪1 :‬ـ ‪.]5‬‬
‫سجّيلٍ * فَ َ‬
‫أَبَابِيلَ * تَ ْرمِيهِم ِبحِجَا َرةٍ مّن ِ‬
‫فالقوم الذين جاءوا ليهدموا البيت الحرام ـ وهو رمز السيادة ـ لو هدم وتحوّل الحجيج إلى‬
‫صنعاء‪ ،‬لسقطت مهابة قريش‪ ،‬ولكن ال تعالى حمى البيت وأرسل عليهم طيرا أبابيل‪ ،‬وجعل‬
‫الذين قصدوه بسوء كعصف مأكول‪.‬‬
‫لماذا صنع ال تعالى ذلك؟‬
‫تأتي الجابة في السورة التالية لسورة الفيل حيث يقول الحق سبحانه في سورة قريش‪:‬‬
‫ط َع َمهُم مّن‬
‫حلَةَ الشّتَآ ِء وَالصّ ْيفِ * فَلْ َيعْبُدُواْ َربّ هَـاذَا الْبَ ْيتِ * الّذِي َأ ْ‬
‫لفِ قُرَيْشٍ * إِل ِفهِمْ رِ ْ‬
‫{ لِي َ‬
‫خ ْوفٍ }[قريش‪1 :‬ـ ‪.]4‬‬
‫جُوعٍ وَآمَ َنهُم مّنْ َ‬
‫إذن‪ :‬كان من الواجب حين يمرون على هذه الديار أن يأخذوا منها عبرة‪ ،‬وأنهم ـ وإن كانوا‬
‫يمرون على هذه الديار بقصد التجارة وهي سر معاشهم ـ إذا لم يأخذوا من هؤلء العبرة فهم‬
‫يقترفون ظلما جديدا آخر‪.‬‬
‫لذلك يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫} َومَا ِهيَ مِنَ الظّاِلمِينَ بِ َبعِيدٍ { [هود‪.]83 :‬‬
‫أو‪ :‬أن ال سبحانه وتعالى أراد أن ينبه قريشا إلى أن الهلك الذي نزل بهؤلء القوم المشركين‪،‬‬
‫ليس ببعيد أن يصيب قريشا‪ ،‬وأن يرسل ال سبحانه على كل واحد من الكافرين به حجرا مسوّما‬
‫يصيبه في مكانه الذي يكون فيه‪.‬‬
‫والسطحيّون ـ في اللغة ـ يخطئون فيأخذون على القرآن مآخذ‪ ،‬ل تلتفت إليها الملكة الصحيحة‬
‫في اللغة‪ ،‬ويقولون‪ :‬كيف يقول ال‪:‬‬
‫} َومَا ِهيَ مِنَ الظّاِلمِينَ بِ َبعِيدٍ { [هود‪.]83 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وكلمة " ما هي " مؤنثة‪ ،‬وتقتضي أن يقول‪ " :‬بعيدة " بدلً من كلمة " بعيد " ‪ ،‬أي‪ :‬أن يكون‬
‫القول‪ " :‬وما هي من الظالمين ببعيدة " ونسوا أن المتكلم هو ال تعالى‪ ،‬وأنهم لم يدرسوا اللغة‬
‫دراسة صحيحة؛ لن " فعيل " إن جاءت بمعنى " مفعول " ‪ ،‬فهنا يستوي المذكر والمؤنث‪.‬‬
‫ومثال ذلك من القرآن الكريم أيضا هو قول الحق سبحانه‪:‬‬
‫ظهِيرٌ }[التحريم‪.]4 :‬‬
‫{ وَا ْلمَلَ ِئكَةُ َبعْدَ ذَِلكَ َ‬
‫وقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫ح َمتَ اللّهِ قَرِيبٌ مّنَ ا ْل ُمحْسِنِينَ }[العراف‪.]56 :‬‬
‫{ إِنّ رَ ْ‬
‫إذن‪ :‬فعدم درايتهم باللغة هو الذي جعلهم يخطئون مثل هذا الخطأ‪.‬‬
‫ويأتي الحق سبحانه بعد ذلك بقصة أخرى من القصص التي جاء بها ال في هذه السورة لموكب‬
‫شعَيْبا {‬
‫الرسل‪ ،‬فيأتي بقصة شعيب عليه السلم‪ ،‬ويقول سبحانه‪ } :‬وَإِلَىا مَدْيَنَ أَخَا ُهمْ ُ‬

‫(‪)1543 /‬‬
‫ل وَا ْلمِيزَانَ‬
‫شعَيْبًا قَالَ يَا َقوْمِ اعْبُدُوا اللّهَ مَا َلكُمْ مِنْ إَِلهٍ غَيْ ُر ُه وَلَا تَ ْن ُقصُوا ا ْل ِمكْيَا َ‬
‫وَإِلَى َمدْيَنَ أَخَاهُمْ ُ‬
‫عذَابَ َي ْومٍ مُحِيطٍ (‪)84‬‬
‫إِنّي أَرَاكُمْ ِبخَيْ ٍر وَإِنّي َأخَافُ عَلَ ْيكُمْ َ‬

‫و " مدين " هو اسم ابن إبراهيم عليه السلم‪ ،‬ولم يكن هذا البن موجودا وقت بعثة شعيب‪ ،‬لكن‬
‫سمّيت باسمه‪ ،‬وكذلك القرية التي أقامت فيها القبيلة سميت باسمه‪ ،‬فإن‬
‫القبيلة التي تناسلت منه ُ‬
‫قلت إن شعيبا أرسل لقبيلة مدين‪ ،‬فهذا قول سليم‪ ،‬وإن قلت إنه أرسل لقرية مدين‪ ،‬فهذا قول سليم‬
‫أيضا؛ لن القرية ل بد لها من سكان‪.‬‬
‫والحق سبحانه يقول على لسان إخوة يوسف عليه السلم‪:‬‬
‫{ وَسْ َئلِ ا ْلقَرْيَةَ الّتِي كُنّا فِيهَا }[يوسف‪.]82 :‬‬
‫والمقصود " أسأل أهل القرية "‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فمرة يطلب السم على المكان‪ ،‬ومرة يطلق المكان ويراد به المكين‪.‬‬
‫وقد بدأ شعيب رسالته مع قومه من حيث بدأ كل الرسل بالدعوة إلى قمة التدين‪ ،‬وهو أن يعبدوا‬
‫ال وحده ل شريك له ول إله غيره‪ ،‬وهذا هو القدر المشترك في كل الرسالت‪.‬‬
‫والحق سبحانه يقول‪:‬‬
‫ك َومَا َوصّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِي َم َومُوسَىا‬
‫{ شَ َرعَ َلكُم مّنَ الدّينِ مَا َوصّىا بِهِ نُوحا وَالّذِي َأوْحَيْنَآ إِلَ ْي َ‬
‫ن َولَ تَ َتفَ ّرقُواْ فِيهِ كَبُرَ عَلَى ا ْلمُشْ ِركِينَ مَا تَدْعُو ُهمْ إِلَيْهِ اللّهُ َيجْتَبِي ِإلَيْهِ مَن‬
‫وَعِيسَىا أَنْ َأقِيمُواْ الدّي َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يَشَآءُ وَ َيهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ }[الشورى‪.]13 :‬‬
‫إذن‪ :‬فقمة الدين قي قضية العقيدة اليمانية‪ ،‬وهي عبادة ال تعالى وحده ول إله غيره‪ ،‬لن الحق‬
‫سبحانه حين يوجه الوامر التكليفية " افعل " و " ل تفعل " فال سبحانه ل يوجهها إل لمن آمن به‬
‫إلها واحدا‪ ،‬أما الذي ل يؤمن به‪ ،‬فال سبحانه ل يوجه إليه أي حكم‪.‬‬
‫ولذلك تجد حيثية كل حكم تكليفي في القرآن ُمصَدّرا بقوله تعالى‪:‬‬
‫{ ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ }[البقرة‪.]178 :‬‬
‫سواء أكان المر صياما‪ ،‬أم قصاصا‪ ،‬ففي كل تكليف يُصدّر بهذا القول‪ ،‬ل بد أن يأتي المعنى‪ :‬يا‬
‫من آمنت بي إلها قادرا حكيما‪ ،‬اسمع مني التكليف‪.‬‬
‫ولذلك أقول دائما‪:‬‬
‫إن علة كل تكليف هي اليمان بالمكلّف‪ ،‬ول داعي للبحث عن علة أخرى‪.‬‬
‫فمثلً حيث ُيقَال‪ :‬إن علة الوضوء النظافة‪ ،‬نقول‪ :‬وإن لم يوجد ماء‪ ،‬فنحن نلمس التراب أو الحجر‬
‫ثم نمسح وجوهنا في التيمم‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالمقصد هو أن نتهيأ للصلة بأي شكل يحقق مقصود العبادة وهو الطاعة للخالق سبحانه‬
‫وتعالى‪.‬‬
‫وإياك أن تؤخر تنفيذ الحكم إلى أن تبرره؛ لن مبرره هو صدوره عن ال سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫وكذلك كل شيء يقوله رسول ال صلى ال عليه وسلم فنحن نتبعه‪ ،‬ول نبحث عن علة له‪ ،‬وإل لو‬
‫كنا نؤجل الحكام إلى أن تثبت تبريراتها العلمية مثل فساد لحم الخنزير بما يحمله من أمراض‪،‬‬
‫ومثل قدرة الخمر على إهلك المخ وتدمير خلياه‪ ،‬فضلً عن تدمير خليا الكبد‪ ،‬فنحن لو كنا قد‬
‫أجلنا تلك الحكام‪ ،‬فماذا كان الموقف؟‬
‫لقد طبّق المسلمون هذه الحكام فور نزولها؛ ليمانهم بالمنهج وحبهم في القرب من ال‪ ،‬ثم أثبتت‬
‫اليام صدق ال تعالى في تكليفه‪.‬‬
‫وهنا يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫شعَيْبا قَالَ يا َقوْمِ اعْ ُبدُواْ اللّهَ مَا َل ُكمْ مّنْ إِلَـاهٍ غَيْ ُرهُ { [هود‪.]84 :‬‬
‫} وَإِلَىا مَدْيَنَ أَخَا ُهمْ ُ‬
‫وعرفنا أن العبادة ليست محصورة في الصلة أو الصوم أو الزكاة أو الحج؛ لن هذه هي الركان‬
‫الساسية التي يقوم عليها السلم؛ ولكن السلم أيضا هو عمارة الرض بتنفيذ كل التكاليف‪،‬‬
‫وكل ما ل يتم الواجب إل به فهو واجب‪.‬‬
‫فإقبال النسان على مهنة ما يحتاجها المجتمع هو عبادة‪ ،‬وإذا خلتْ صنعة من صانع فعلى ولي‬
‫المر أن يكلف ويرغم بعض الناس على تعلمها؛ وأيضا إتقان الصنعة عبادة‪.‬‬
‫وقول الحق سبحانه على لسان شعيب عليه السلم‪:‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫} مَا َل ُكمْ مّنْ إِلَـاهٍ غَيْ ُرهُ { [هود‪.]84 :‬‬
‫أي‪ :‬إياك أن تأخذ حكما تكليفيا من أحد آخر غير ال سبحانه وتعالى‪ ،‬لنه ل إله إل ال وحده ل‬
‫شريك له‪.‬‬
‫وإياك أن تستدرك من البشر حكما على ال سبحانه وتعالى‪ ،‬وتظلم نفسك وتقول‪ " :‬لقد فات ال أن‬
‫يقول لنا هذا الحكم‪ ،‬ولنأتي لنفسنا بحكم جديد "‪.‬‬
‫إياك أن تستدرك حكما على ال‪ .‬افهم الحكم أولً‪ ،‬فإن جاء حكما محكما فخذه‪ ،‬وإنْ كان غير‬
‫محكم بأن جاء مجملً‪ ،‬أو غير مبيّن‪ ،‬فانظر باجتهادك إلى أية جهة تصل‪.‬‬
‫ولذلك " نجد رسول ال صلى ال عليه وسلم يسأل من أرسله مبعوثا إلى اليمن فقال‪ " :‬كيف تصنع‬
‫إن عرض لك قضاء؟ قال‪ :‬أقضي بما في كتاب ال‪ .‬قال فإن لم يكن في كتاب ال؟ قال‪ :‬فبسنة‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ .‬قال‪ :‬فإن لم يكن في سنة رسول ال صلى ال عليه وسلم؟ قال‪:‬‬
‫أجتهد رأيي ول آلو‪ ،‬قال‪ :‬فضرب رسول ال صلى ال عليه وسلم على صدري ثم قال‪ :‬الحمد ل‬
‫الذي وفق رسول رسول ال صلى ال عليه وسلم لما يرضي رسول ال صلى ال عليه وسلم "‪.‬‬
‫وبعد أن دعا شعيب ـ عليه السلم ـ آل مدين لعبادة ال سبحانه وحده‪ ،‬وهذا هو المر المشترك‬
‫بين جميع الرسل ـ عليه السلم ـ تأتي الحكام الخرى‪ ،‬فمن يعمل فاحشة له علجه‪ ،‬ومن‬
‫ينقص في الكيل والميزان‪ ،‬فالرسول يعالج هذا المر‪.‬‬
‫لن العالم القديم كان عالم انعزال‪ ،‬ل التحام فيه أو مواصلة؛ فقد يوجد عيب وآفة في مكان‪ ،‬ول‬
‫يوجد هذا العيب أو تلك الفة في مكان آخر‪.‬‬
‫وكل رسول يأتي ليعالج عيبا محددا في المكان الذي أرسله ال إليه‪ ،‬ولكن رسول ال محمدا صلى‬
‫ال عليه وسلم جاء ـ وهو الرحمة المهداة للجميع وخاتم النبياء والمرسلين ـ جاء صلى ال‬
‫عليه وسلم والدنيا على ميعاد باللتقاء اليماني‪ ،‬فلما تقاربت البلد عن طريق سرعة التصالت‪،‬‬
‫وما يحدث في عصرنا الن بقارة أمريكا نجده عندنا في نفس اليوم أو غدا‪ ،‬فالعالم الن عالم‬
‫التقاء‪ ،‬وتعددت الداءات فيه وتوحدت بسبب سرعة اللتقاء عن طريق عدم التمييز بين الخبيث‬
‫والطيب‪.‬‬
‫ولذلك شاء الحق سبحانه أن يكون محمد صلى ال عليه وسلم هو خاتم الرسل‪.‬‬
‫وكانت خيبة آل مدين هي عدم عبادة ال وحده‪ ،‬وكذلك كانت فيهم خسيسة التطفيف في الكيل‬
‫والميزان‪ ،‬لذلك يقول الحق سبحانه على لسان شعيب عليه السلم‪:‬‬
‫} َولَ تَنقُصُواْ ا ْل ِمكْيَالَ وَا ْلمِيزَانَ إِنّي أَرَا ُكمْ بِخَيْرٍ { [هود‪.]84 :‬‬
‫وحين قرأ العلماء هذا القول الكريم لم يلتفتوا إلى أن المراد ليس نقص المكيل والموزون‪ ،‬لنه لو‬
‫شاء لقال‪ " :‬ول تنقصوا المكيل أو الموزون " هذا إذا نظرنا إلى المر من وجهة ما يريد البائع‪،‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ولكن القول هنا يقصد أن يأخذ كل ذي حق حقه‪ ،‬أن يأخذ المشتري حقه من السلعة‪ ،‬وأن يأخذ‬
‫البائع حقه في الربح‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فهذا القول الكريم يشمل البائع والمشتري معا‪.‬‬
‫والكيل ـ كما نعرف ـ هو تعديل شيء بشيء‪ ،‬فإن كان في الخفة والثقل؛ فالمر يحتاج إلى‬
‫ميزان‪ ،‬وإن كان تعديل شيء بشيء في الكم‪ ،‬فهذا يحتاج إلى الكيل‪ ،‬وهذا هو المر المشهور في‬
‫الكيل والميزان‪ ،‬وأي تعديل شيء بشيء يحتاج إلى ما يناسبه؛ فالقماش مثلً ـ يتم تعديله بالمتر‪،‬‬
‫والرض يتم تعديلها بالمساحة؛ أي‪ :‬قياس الطول والعرض‪ ،‬وبعض الشياء تُباع بالحجم‪ ،‬وهذا‬
‫يعني قياس الطول والعرض والرتفاع واستخراج الناتج بعملية ضرب كل منهم في الخر‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالمر المهم هو أن يأخذ كل إنسان حقه‪ ،‬حتى وإن كان تأجير قوة عامل لينجز عملً‪ ،‬فأنت‬
‫تعدل زمن وقوة العمل بالجر الملئم‪ ،‬والمر المشهور هو الكيل والميزان‪ ،‬لكن بقية التقييمات‬
‫موجودة؛ ليأخذ كل ذي حق حقه‪.‬‬
‫لن النسان لو أخذ غير حقه لستمرأ أن يأخذ حقوق الناس‪ ،‬ولو أكل بعض الناس حقوق البعض‬
‫الخر؛ لَزهدَ من أكلتْ حقوقهم في العمل‪.‬‬
‫وأنت حين تعطي للنسان أقل مما يستحق‪ ،‬أو تأخذ من جهده فوق ما تدفع له من أجر‪ ،‬تجده‬
‫يبطىء في العمل‪ ،‬ول ينجز المطلوب منه على تمام الدقة‪ ،‬ومن هنا يحدث الخلل‪.‬‬
‫ولذلك أقول‪ :‬إن إعطاء كل ذي حق حقه يزيد من جودة الداء في العمل‪.‬‬
‫وعلينا أن نترك صاحب الطموح ليعمل؛ بدلً من أن يخزن ماله أو يكنزه؛ لن صاحب الطموح‬
‫حين يقيم مشروعا أو بناءً؛ فهو يفيد الفقراء وينفعهم ـ حتى وإن كان ل يفكر في ذلك ـ فالذي‬
‫يبني عمارة سكنية ينفع الصناع والعمال ومنتجي المواد اللزمة للبناء ـ دون أن يقصد ـ‬
‫وسينتفع العامل الفقير ـ دون أن يقصد صاحب العمل ـ وربما انتفع كل الفقراء مما يصنعه‬
‫صاحب العمل‪ ،‬قبله فيما يفعل‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فمن المهم أن يأخذ كل إنسان حقه قبل أن يجف عرقه؛ مصداقا لقول رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم‪ " :‬أعطوا الجير أجره قبل أن يجف عرقه "‪.‬‬
‫وهكذا نعلم أن الدين في ظاهر المر يحض على اليثار‪ ،‬وفي واقع المر‪ ،‬هو يحرص على تأكيد‬
‫ثواب النسان عند ربه؛ لن الذي يؤثر غيره على نفسه ـ ولو كان به خصاصة ـ لو كان معه‬
‫مال قليل وأعطاه لخر عنده ضائقة‪ ،‬وليس عند هذا الخر مال‪ ،‬هنا يكون صاحب المال القليل قد‬
‫آثر الخر على نفسه في ظاهر المر‪،‬ـ ولكنه سيأخذ أضعاف هذا المال ثوابا من عند ال تعالى‪.‬‬
‫وهكذا يعلمنا الدين النفعية الراقية‪ ،‬وهي النفعية التي يعاملنا بها ال سبحانه؛ وحين نترك قانون‬
‫النفعية ليسيطر على حركة الناس‪ ،‬فنحن نوفر سيولة النتفاع في المجتمع‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وهنا في الية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها عرفنا أن شعيبا قال لهل مدين‪:‬‬
‫} َولَ تَنقُصُواْ ا ْل ِمكْيَالَ وَا ْلمِيزَانَ إِنّي أَرَا ُكمْ بِخَيْرٍ { [هود‪.]84 :‬‬
‫أي‪ :‬أنكم يا أهل مدين غير مضطرين لذلك؛ لن من يبيع منكم عنده سلع‪ ،‬ومن يشتري إنما يملك‬
‫نقودا‪ ،‬فاكتفوا بالخير الذي عندكم‪ ،‬وليأخذ كل ذي حق حقه‪ ،‬وهذه قضية يغفل عنها كثير من‬
‫الناس؛ فالذي يبيع قد يبيع صنفا واحدا‪ ،‬فإن غش في الكيل أو الميزان‪ ،‬فسوف يغشه ويخدعه‬
‫غيره في الصناف الخرى التي تلزمه لحياته‪.‬‬
‫وإن اشتغل واحد في إنقاص الكيل والميزان‪ ،‬فالخرون سيفعلون مثل ذلك في كل ما يخص‬
‫حياته؛ لن المخادع الواحد‪ ،‬سيلقي مخادعين كثيرين‪ ،‬وهنا يقول شعيب عليه السلم‪ :‬ما الذي‬
‫يضطركم إلى ذلك وأنتم بخير؟‬
‫ثم يقول محذرا‪:‬‬
‫} وَإِنّي أَخَافُ عَلَ ْيكُمْ عَذَابَ َيوْمٍ مّحِيطٍ { [هود‪.]84 :‬‬
‫لنك حين تنقص شيئا وأنت تبيع أو تزيد شيئا حين تشتري‪ ،‬فأنت ل تخدع من تتعامل معه‪ ،‬وإنما‬
‫تخدع نفسك‪.‬‬
‫وكلنا يعلم أن الغفلة قد تطرأ على البائع‪ ،‬وقد تطرأ على المشتري‪ ،‬وقد يحاول بائع أن يستغل‬
‫غفلة المشتري فيزيد من ثقل الميزان بإصبعه‪ ،‬وقد يحاول المشتري أن يستغل غفلة البائع بأن‬
‫يرفع كفة الميزان بإصبعه من غير أن يراه البائع‪ ،‬فيأخذ غير حقه‪ ،‬وهذا نوع من خداع النفس؛‬
‫لن الحق سبحانه إنما يأمر بالستقامة في البيع والشراء؛ لن النتفاع بأي شيء مهما كَثُر‪ ،‬فهو‬
‫موقوت بعمر النسان في الدنيا‪ ،‬وعمر النسان موقوت‪ ،‬ولكن الذي يغش ويخدع إنما يُعرّض‬
‫نفسه لعذاب ال سبحانه في الخرة‪ ،‬وهو عذاب بل أمد ول نهاية‪.‬‬
‫وهكذا يسلّم النسان نفسه لفائدة قليلة في الدنيا الزائلة‪ ،‬ثم يلقى عذابا ل ينتهي في آخرة غير‬
‫زائلة‪.‬‬
‫والعذاب في الخرة عذاب محيط‪ ،‬بمعنى أن المعذّب ل يستطيع أن يفلت منه‪ ،‬فأنت في الدنيا‬
‫بإمكانك أن تحتال في النجاة من العذاب‪ ،‬وقد تلجأ إلى من هو أقوى منك ليحميك‪ ،‬ولكنك في‬
‫الخرة تواجه يوما ل بيع فيه ول خُلّة ول شفاعة‪ ،‬إن كنت من أهل النار‪.‬‬
‫يقول الحق سبحانه بعد ذلك ما جاء على لسان شعيب مواصلً الحديث إلى أهل مدين‪ } :‬وَيا َقوْمِ‬
‫ل وَا ْلمِيزَانَ بِا ْلقِسْطِ {‬
‫َأ ْوفُواْ ا ْل ِمكْيَا َ‬

‫(‪)1544 /‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫سدِينَ (‬
‫ط وَلَا تَ ْبخَسُوا النّاسَ أَشْيَا َءهُ ْم وَلَا َتعْ َثوْا فِي الْأَ ْرضِ مُفْ ِ‬
‫ل وَا ْلمِيزَانَ بِا ْلقِسْ ِ‬
‫وَيَا َقوْمِ َأ ْوفُوا ا ْل ِمكْيَا َ‬
‫‪)85‬‬

‫وفي الية الكريمة السابقة قال الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ َولَ تَنقُصُواْ ا ْل ِمكْيَالَ وَا ْلمِيزَانَ }[هود‪.]84 :‬‬
‫وهكذا نعلم أن عدم النقاص في الكيل والميزان مطلوب‪ ،‬وكذلك توفية المكيال والميزان مطلوبة؛‬
‫لنهما أمر واحد‪ ،‬والحق سبحانه ل يتكلم عن المكيل ول عن الموزون إل بإطلقهما‪ ،‬وهو كل‬
‫عمل فيه واسطة بين البائع والمشتري‪.‬‬
‫وفي موضع آخر من القرآن الكريم يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫ط ّففِينَ * الّذِينَ ِإذَا اكْتَالُواْ عَلَى النّاسِ َيسْ َت ْوفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ َأ ْو وّزَنُوهُمْ ُيخْسِرُونَ }‬
‫{ وَ ْيلٌ لّ ْلمُ َ‬
‫[المطفيين‪1 :‬ـ ‪.]3‬‬
‫ذلك لن البائع قد يقول لك‪ :‬أنت مأمون فزِنْ أنت لنفسك أو ِكلْ أنت لنفسك‪ ،‬وقد تخدع البائع‬
‫فتأخذ أكثر من حقك؛ وقد يفعل البائع عكس ذلك‪ ،‬وفي مثل هذا بؤس للثنين‪.‬‬
‫وهنا يقول شعيب عليه السلم‪:‬‬
‫سطِ } [هود‪.]85 :‬‬
‫{ وَيا َقوْمِ َأ ْوفُواْ ا ْل ِمكْيَالَ وَا ْلمِيزَانَ بِا ْلقِ ْ‬
‫والحق سبحانه هنا تكلم عن النقص وعن اليفاء‪.‬‬
‫ثم يقول سبحانه‪:‬‬
‫خسُواْ النّاسَ أَشْيَآءَهُمْ } [هود‪.]85 :‬‬
‫{ َولَ تَبْ َ‬
‫وهذا كلم عام ل ينحصر في مكيل أو موزون‪ ،‬فقد يأتي مشترٍ ليبخس من قيمة سلعة ما‪ ،‬أو أن‬
‫يأخذ رشوة لقضاء مصلحة‪ ،‬أو يخطف ما ليس حقّا له‪ ،‬أو يغتصب‪ ،‬أو يختلس‪ ،‬وكلها أمور تعني‪:‬‬
‫أخذ غير حق بوسائل متعددة‪.‬‬
‫ونحن نعلم أن الخطف إنما يعني أن يمد إنسان يده إلى ما يملكه آخر ويأخذه ويجري‪ ،‬أما‬
‫الغصب‪ ،‬فهو أن يمد إنسان يده ليأخذ شيئا‪ ،‬فيقاومه صاحب الشيء‪ ،‬لكن المغتصب يأخذ الشيء‬
‫عنوة‪ ،‬أما المختلس فهو المأمون على شيء فاختلسه‪ ،‬والمرتشي هو من أخذ مالً أو شيئا مقابل‬
‫خدمة هي حق لمن يطلبها‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فقول الحق سبحانه وتعالى‪:‬‬
‫خسُواْ النّاسَ أَشْيَآءَهُمْ } [هود‪.]85 :‬‬
‫{ َولَ تَبْ َ‬
‫تضم أشياء متعددة‪.‬‬
‫والبخس هو أن تضر غيرك ضررا‪ ،‬بإنقاص حقه‪ ،‬سواء أكان له حجم‪ ،‬أو ميزان‪ ،‬أو كَمّ‪ ،‬أو‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫كَ ْيفٌ‪.‬‬
‫وكلمة " أشياء " مفردها‪ " :‬شيء " ‪ ،‬ويقولون عن الشيء‪ " :‬جنس الجناس " فالثمرة يقال لها‪" :‬‬
‫شيء " ‪ ،‬وكل الثمر يقال له‪ " :‬شيء "‪.‬‬
‫والحق سبحانه وتعالى يوصينا أل يغرنا أي شيء مهما كان قليلً‪.‬‬
‫ونحن نلحظ هنا أن كلمة " الناس " جمع‪ ،‬وكلمة " أشياءهم " جمع أيضا‪ ،‬وإذا قوبل جمع بجمع‬
‫اقتضت القسمة آحادا‪ .‬أي‪ :‬ل تبخس الفرد شيئا‪ ،‬وإنْ َقلّ‪.‬‬
‫ونجد واحدا من العارفين بال قد استأجر مطيّة من خان ليذهب بها من مكان إلى مكان آخر‪ ،‬فلما‬
‫ركب المطية وقع منه السوط الذي يحركها به‪ ،‬فأوقف الدابة مكانها وعاد ماشيا على قدميه إلى‬
‫موقع سقوط السوط ليأخذه‪ ،‬ثم رجع ماشيا إلى مكان الدابة ليركبها‪ ،‬فقال له واحد من الناس‪ :‬لماذا‬
‫لم ترجع بالدابة إلى موقع السوط لتأخذه وتعود؛ فأجاب العارف بال‪ :‬لقد استأجرتها لصِلَ بها إلى‬
‫مكان في اتجاه معين‪ ،‬ولم يتضمن اتفاقي مع صاحبها أن أبحث بها عن السوط‪.‬‬
‫ونجد عارفا آخر جلس يكتب كتابا‪ ،‬وكان الناس في ذلك الزمان يجففون الحبر الزائد بوضع قليل‬
‫من الرمال فوق الصفحات المكتوبة‪ ،‬ولم يجد العارف بال ما يجفف به المكتوب‪ ،‬فأخذ حفنة من‬
‫تراب بجانب جدار‪ ،‬ثم ذهب إلى صاحب الجدار وقال له‪ :‬أنا أخذت ترابا من جانب جدارك فقوّمه‬
‫فقال صاحب الجدار‪ :‬وال لِورَعِك ل أقوّم‪ ،‬أي‪ :‬أنه قد تسامح في هذا المر‪.‬‬
‫ويُنهي الحق سبحانه الية الكريمة بقوله‪:‬‬
‫} َولَ َتعْ َثوْاْ فِي الَ ْرضِ ُمفْسِدِينَ { [هود‪.]85 :‬‬
‫وكلمة عثا‪َ ،‬يعْثي‪ ،‬ويعثوا‪ ،‬وعثى‪ .‬يعثي؛ كلها تعني‪ :‬زاول فسادا‪ ،‬أي‪ :‬أن يعمد النسان إلى‬
‫طمْر بئر ماء‪ ،‬أو حفر طريق يسير فيه الناس‪ ،‬وهو كل أمر يخرج‬
‫الصالح في ذاته فيفسده‪ ،‬مثل َ‬
‫الصالح ـ في ذاته ـ عن صلحه‪.‬‬
‫والمجتمع كله ـ بكل فرد فيه ـ مأمور بعدم مزاولة الفساد‪ ،‬ولو طبّق كل واحدٍ ذلك لصار‬
‫المجتمع كله صالحا‪ ،‬ولكن الفة أن بعض الناس يحب أن يكون غيره غير مفسد‪ ،‬ولكنه هو نفسه‬
‫يفسد‪ ،‬ول يريد من أحد أن يعترض عليه‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه بعد ذلك‪َ } :‬بقِيّةُ اللّهِ خَيْرٌ ّلكُمْ {‬

‫(‪)1545 /‬‬
‫حفِيظٍ (‪)86‬‬
‫ن َومَا أَنَا عَلَ ْيكُمْ ِب َ‬
‫َبقِيّةُ اللّهِ خَيْرٌ َلكُمْ إِنْ كُنْتُمْ ُم ْؤمِنِي َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أي‪ :‬ما يبقى لكم من المر الحلل خير لكم؛ لن من يأخذ غير حقه يخطىء؛ لنه يزيل البركة‬
‫عن الحلل بالحرام؛ فمن يأخذ غير حقه يسلط ال عليه أبوابا تنهب منه الزائد عن حقه‪.‬‬
‫وأنت تسمع من يقول‪ " :‬فلن هذا إنما يحيا في بركة " ‪ ،‬أي‪ :‬أن دخله قليل‪ ،‬ولكن حالته طيبة‪،‬‬
‫ويربي أولده بيسر‪ ،‬على عكس إنسان آخر قد يكون غنيّا من غير حلل‪ ،‬لكنه يحيا في ضنك‬
‫العيش‪.‬‬
‫وقد تجد هذا النسان قد انفتحت عليه مصارف الدنيا فل يكفي ماله لصد همومه‪ ،‬لن ال سبحانه‬
‫قد جَرّأ عليه مصارف سوء متعددة‪.‬‬
‫وقد يستطيع النسان أن يخدع غيره من الناس‪ ،‬ولكنه لن يستطيع أن يخدع ربه أبدا‪.‬‬
‫وقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ َبقِيّةُ اللّهِ خَيْرٌ ّلكُمْ } [هود‪.]86 :‬‬
‫أي‪ :‬أن ال تعالى يُذهِب ـ عمن يراعي حقوق غيره ـ مصارف السوء‪.‬‬
‫وسبق أن قلنا قديما‪ :‬فلننظر إلى رزق السلب ل إلى رزق اليجاب؛ لن الناس في غالبيتها تنظر‬
‫إلى رزق اليجاب‪ ،‬بمعنى البحث عن المال الكثير‪ ،‬وينسون أن الحق سبحانه وتعالى قد يسلط‬
‫مصارف السوء على صاحب المال الكثير الذي جمعه من غير حق‪ ،‬بينما يسلب عن الذي يرعى‬
‫حقوق الناس تلك المصارف من السوء‪.‬‬
‫سحْت أو حرام‪ ،‬ل يبارك ال فيهم؛ لن هناك في تكوينهم شيئا حراما‪.‬‬
‫ومن يُربّون أولدهم من ُ‬
‫فنجد ـ على سبيل المثال ـ ابن المرتشي يأخذ دروسا خصوصية ويرسب‪ ،‬بينما ابن المنضبط‬
‫والملتزم بتحصيل الكسب الحلل مقبل على العلم وناجح‪ .‬أو قد يرزق ال تعالى صاحب المال‬
‫الحرام زوجة ل يرضيها أي شيء‪ ،‬بل تطمع في المزيد دائما‪ ،‬بينما يعطي ال سبحانه من يرعى‬
‫حقوق الناس زوجة تقدر كل ما يفعله‪.‬‬
‫يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ َبقِيّةُ اللّهِ خَيْرٌ ّلكُمْ إِن كُنتُم ّم ْؤمِنِينَ } [هود‪.]86 :‬‬
‫أي‪ :‬إن كنتم مؤمنين بأن ال تعالى رقيب‪ ،‬وأنه سبحانه قيّوم؛ فل تأخذ حقّا غير حقك؛ لنك لن‬
‫تستغل إل نفسك؛ لن ال سبحانه وتعالى رقيب عليك‪.‬‬
‫ويُنهي الحق سبحانه الية بقوله‪:‬‬
‫حفِيظٍ } [هود‪.]86 :‬‬
‫{ َومَآ أَنَاْ عَلَ ْي ُكمْ بِ َ‬
‫أي‪ :‬أن شعيبا عليه السلم قد أوضح لهل مدين‪ :‬أنا لن أقف على رأس كل مفسد لمنعه من‬
‫الفساد؛ لن كل إنسان عليه أن يكون رقيبا على نفسه ما دام قد آمن بال سبحانه‪ ،‬وما دام قد‬
‫عرف أن الحق سبحانه قد قال‪:‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫{ َبقِيّةُ اللّهِ } [هود‪.]86 :‬‬
‫أي‪ :‬أن ما يبقى إنما تشيع فيه البركة‪.‬‬
‫وهذه هي فائدة اليمان‪ :‬ما يأمر به وما ينهي عنه‪.‬‬
‫وهذا أمر يختلف عن القانون الوضعي؛ لن عين القانون الوضعي قاصرة عما يخفى من أمور‬
‫الناس فكأنها تحميهم من الوقوع تحت طائلته‪.‬‬
‫‪ .‬أما القانون اللهي فهو محيط بأحوال الناس المعلنة‪ ،‬والخافية‪.‬‬
‫ومن يتأمل اليات الثلث‪:‬‬
‫شعَيْبا قَالَ يا َقوْمِ اعْ ُبدُواْ اللّهَ مَا َل ُكمْ مّنْ إِلَـاهٍ غَيْ ُر ُه َولَ تَن ُقصُواْ ا ْل ِمكْيَالَ‬
‫{ وَإِلَىا مَدْيَنَ أَخَا ُهمْ ُ‬
‫ل وَا ْلمِيزَانَ‬
‫وَا ْلمِيزَانَ إِنّي أَرَاكُمْ ِبخَيْ ٍر وَإِنّي َأخَافُ عَلَ ْيكُمْ عَذَابَ َيوْمٍ مّحِيطٍ * وَيا َقوْمِ َأ ْوفُواْ ا ْل ِمكْيَا َ‬
‫خسُواْ النّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلَ َتعْ َثوْاْ فِي الَ ْرضِ ُمفْسِدِينَ * َبقِيّةُ اللّهِ خَيْرٌ ّلكُمْ إِن كُنتُم‬
‫ط َولَ تَبْ َ‬
‫بِا ْلقِسْ ِ‬
‫حفِيظٍ }[هود‪84 :‬ـ ‪.]86‬‬
‫ّم ْؤمِنِينَ َومَآ أَنَاْ عَلَ ْيكُمْ بِ َ‬
‫من يتأمل هذه اليات يجد عناصر الصيانة للحركة في المجتمع كله‪ ،‬والمجتمع إن لم ُتصَنْ حركته‬
‫يفسد؛ لن حركة المجتمع أرادها الحق سبحانه حركة تكاملية‪ ،‬ل تكرار فيها؛ ولو تكررت‬
‫المواهب لما احتاج أحد إلى مواهب غيره‪.‬‬
‫والمصلحة العامة تقتضي أن يحتاج كل إنسان إلى موهبة الخر‪ ،‬فمن يدرس الدكتوراه فهو يحتاج‬
‫إلى من يكنس الشارع‪ ،‬ومن يعالج الناس ليشفيهم ال نجده يحتاج إلى من يقوم بإصلح المجاري‪.‬‬
‫وماذا كان رد أهل مدين على قول شعيب؟‬
‫شعَ ْيبُ َأصَلَاو ُتكَ تَ ْأمُ ُركَ {‬
‫يقول الحق سبحانه‪ } :‬قَالُواْ يا ُ‬

‫(‪)1546 /‬‬
‫شعَ ْيبُ َأصَلَا ُتكَ تَ ْأمُ ُركَ أَنْ نَتْ ُركَ مَا َيعْبُدُ آَبَاؤُنَا َأوْ أَنْ َنفْ َعلَ فِي َأ ْموَالِنَا مَا َنشَاءُ إِ ّنكَ لَأَ ْنتَ‬
‫قَالُوا يَا ُ‬
‫الْحَلِيمُ الرّشِيدُ (‪)87‬‬

‫أي‪ :‬أيأمرك إلهك ودينك أن نترك ما يعبد آباؤنا؟‬
‫ولقائل أن يقول‪ :‬ولماذا قالوا‪ " :‬أصلتك "؟‬
‫نقول‪ :‬لن السلم بُ ِنيَ على خمس‪ :‬أولها شهادة ألّ إله إل ال وأن محمدا رسول ال؛ ويكفي أن‬
‫يقولها النسان مرة واحدة في حياته كلها‪ ،‬ثم إقامة الصلة‪ ،‬وبعد ذلك إيتاء الزكاة‪ ،‬ثم صوم‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫رمضان‪ ،‬ثم حج البيت لمن استطاع إليه سبيلً‪.‬‬
‫وأنت إن نظرت إلى هذه الركان فقد تجد إنسانا ل يملك ما يزكّى به أو ما يحج به‪ ،‬وقد يكون‬
‫مريضا فل صوم عليه‪ ،‬وهو ينطق بالشهادة مرة واحدة في حياته‪ ،‬ول يبقى في أركان الدين إل‬
‫الصلة؛ ولذلك يقال عنها‪ " :‬عماد الدين من أقامها فقد أقام الدين‪ ،‬ومن تركها فقد هدم الدين "‬
‫لنها الركن الوحيد الذي يعلن العبد فيه الولء لربه كل يوم خمس مرات‪ ،‬دواما في الولء ل‪.‬‬
‫ول تسقط الصلة أبدا عن أي إنسان مهما كانت ظروفه‪ ،‬فإن عجز عن الحركة؛ فله أن يصلي‬
‫برموش عينيه‪ ،‬وإن عجز عن تحريك رموش عينيه فَلْيُجْرِ الصلة على قلبه‪ ،‬حتى في حالة‬
‫الحرب والمسايفة فالنسان المسلم يصلي صلة الخوف‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالصلة هي الركن الذي ل يسقط أبدا‪ ،‬ويُكرّر في اليوم خمس مرات‪ ،‬وقد أعطاها الحق‬
‫سبحانه في التشريع ما يناسبها من الهمية‪.‬‬
‫وكل تكليفات السلم جاءت بوحي من ال سبحانه وتعالى‪ ،‬فجبريل عليه السلم يحمل الوحي إلى‬
‫الرسول صلى ال عليه وسلم؛ ويبلغنا الرسول صلى ال عليه وسلم إياه‪ ،‬وتميزت الصلة وحدها‬
‫بأن الحق سبحانه قد كلّف بها النبي صلى ال عليه وسلم في أثناء وجوده في المل العلى؛ عند‬
‫سدرة المنتهى‪ ،‬وذلك لفرط أهميتها‪.‬‬
‫ومثال ذلك من حياتنا ـ ول المثل العلى ـ نجد الرئيس في أي موقع من مواقع العمل؛ وهو‬
‫يستقبل البريد اليومي المتعلق بالعمل‪ ،‬ويحول كل خطاب إلى الموظف المختص ليدرسه أو ليقترح‬
‫بخصوصه اقتراحا‪ ،‬وإذا وجد الرئيس أمرا مهمّا قادما من أعلى المستويات؛ فهو يستدعي‬
‫الموظف المختص؛ ويرتب معه الجراءات والترتيبات الواجب اتخاذها؛ وإذا كان هذا يحدث في‬
‫المور البشرية‪ ،‬فما بالنا بالتكليف من ال سبحانه وتعالى للرسول؟‬
‫وقد شاء الحق سبحانه أن يكون تكليف الصلة ـ لهميته ـ هو التكليف الوحيد الذي نال تلك‬
‫المنزلة؛ لنها الركن الذي يتكرر خمس مرات في اليوم الواحد؛ ول مناص منه‪.‬‬
‫فأنت قد ل تنطق الشهادة إل مرة واحدة؛ لكنك تقولها في كل صلة‪.‬‬
‫وفي الزكاة تضحّي ببعض المال؛ وأنت لم تولد ومعك المال؛ إل إن كنت قد ورثت وأنت في بطن‬
‫أمك؛ ول بد أن تزكّي من مالك؛ والمال ل يأتي إل من العمل؛ والعمل فرع من الوقت؛ وأنت في‬
‫الصلة تضحّي بالوقت نفسه؛ والوقت أوسع من دائرة الزكاة‪.‬‬
‫وفي الصيام أنت تمتنع عن شهوتي البطن والفرج؛ من الفجر إلى المغرب؛ لكنك تمارس كل‬
‫أنشطة الحياة؛ أما في الصلة فأنت تصوم عن شهوتي الفرج والطعام؛ وتصوم أكثر عن أشياء‬
‫مباحة لك في الصيام‪.‬‬
‫وفي الحج أنت تتوجه إلى بيت ال الحرام؛ وأنت في كل صلة تتوجه إلى بيت ال الحرام‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وهكذا تجتمع كل أركان السلم في الصلة‪.‬‬
‫وأهل مدين هنا ـ في الية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها ـ قد هزءوا برسولهم شعيب‬
‫عليه السلم‪ ،‬وصلته؛ مثلما فعل كفار قريش مع رسول ال صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫وقال أهل مدين لشعيب عليه السلم‪:‬‬
‫} َأصَلَاو ُتكَ تَ ْأمُ ُركَ { [هود‪.]87 :‬‬
‫وظنوا أنهم بهذا القول إنما يتهكمون عليه؛ لن شعيبا كان كثير الصلة؛ وهم ـ ككفار قريش ـ‬
‫يجهلون أن الصلة تأمر وتنهى‪.‬‬
‫والحق سبحانه يقول‪:‬‬
‫لةَ تَ ْنهَىا عَنِ ا ْلفَحْشَآ ِء وَا ْلمُ ْنكَرِ }[العنكبوت‪.]45 :‬‬
‫{ إِنّ الصّ َ‬
‫إذن‪ :‬فللصلة أمر‪ ،‬وللصلة نهي‪ ،‬وما دام قد ثبت لشيء حكم؛ يثبت له مقابله‪ ،‬وأنت تسمع من‬
‫يقول لخر‪ :‬أنت تصلي لذلك فأنا أثق في أمانتك وتسمع إنسانا آخر ينصح صديقا بقوله‪ :‬كيف‬
‫تسمح لنفسك أن ترتكب هذا الثم وأنت خارج من الصلة؟‬
‫وكثير من الناس يغفلون عن أن التقابل في الجهات إنما يحل مشاكل متعددة؛ فيأخذون جهة‬
‫ويتركون الخرى‪.‬‬
‫ولذلك أقول‪ :‬ما دام الحق سبحانه قد قال إن الصلة تنهى عن الفحشاء والمنكر‪ ،‬فل بد أنها تأمر‬
‫بالبر والخير‪.‬‬
‫ومثال آخر‪ :‬نجده في قول الحق سبحانه عن غرق قوم فرعون‪:‬‬
‫سمَآ ُء وَالَ ْرضُ }[الدخان‪.]29 :‬‬
‫{ َفمَا َب َكتْ عَلَ ْيهِمُ ال ّ‬
‫وما دام الحق سبحانه وتعالى قد نفى بكاء السموات والرض على قوم فرعون؛ ففي المقابل فل‬
‫بد أنها تبكي على قوم آخرين؛ لن السموات والرض من المسخّرات للتسبيح ‪ ،‬وقال الحق‬
‫سبحانه عنهما‪:‬‬
‫حمِلْ َنهَا }[الحزاب‪.]72 :‬‬
‫سمَاوَاتِ وَالَ ْرضِ وَا ْلجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَ ْ‬
‫علَى ال ّ‬
‫لمَانَةَ َ‬
‫{ إِنّا عَ َرضْنَا ا َ‬
‫وبهذا القول اختارت كل من السموات والرض مكانة الكائنات المسبّحة‪ ،‬مصداقا لقول الحق‬
‫سبحانه‪:‬‬
‫ح ْم ِدهِ }[السراء‪.]44 :‬‬
‫شيْءٍ ِإلّ ُيسَبّحُ بِ َ‬
‫{ وَإِن مّن َ‬
‫فإذا رأت السموات والرض إنسانا مُسبّحا؛ فل بد أن تحبه‪ ،‬وإن رأت إنسانا كافرا‪ ،‬معاندا؛ فل بد‬
‫أن تكرهه‪.‬‬
‫وما دامت السموات والرض لم تبكِ على قوم فرعون؛ فذلك لنهم ضالون؛ لنها ل تبكي إل‬
‫على المهديين‪.‬‬
‫وقد حلّ لنا المام علي بن أبي طالب ـ كرم ال وجهه ـ هذه المسألة؛ فقال‪ " :‬إذا مات المؤمن‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫بكى عليه موضعان‪ :‬موضع في الرض‪ ،‬وموضع في السماء‪ ،‬أما موضعه الذي في الرض؛‬
‫فمصلّه‪ ،‬وأما موضعه في السماء فمصعد عمله "‪.‬‬
‫لن موضعه الذي كان يصلي فيه؛ يُحرم من أن واحدا كان يصلي فيه‪ ،‬وأما موضعه الذي كان‬
‫يصعد منه عمله؛ فيفتقد رائحة عبور العمل الصالح‪.‬‬
‫فإن أردت بالصلة الدين؛ وهي رمز الدين؛ فللصلة أمر هو نفس أمر الدين‪ ،‬وهي المر باليمان‬
‫الحق‪ ،‬لن اليمان المقلد ل نفع له‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فقد أراد أهل مدين التهكم على دعوة شعيب لهم؛ وتساءلوا‪:‬‬
‫} َأصَلَاو ُتكَ تَ ْأمُ ُركَ أَن نّتْ ُركَ مَا َيعْبُدُ ءابَاؤُنَآ { [هود‪.]87 :‬‬
‫وهذا القول يحمل أيضا ردهم على دعوته لهم ألّ يعبدوا غير ال؛ فل إله غيره؛ وردوا كذلك على‬
‫دعوته لهم ألّ ينقصوا الكيل والميزان؛ وألّ يبخسوا الناس أشياءهم؛ وأن يتيقنوا أن ما يبقى عند‬
‫ال هو الخير لهم‪ ،‬وأل يعثوا في الرض مفسدين‪.‬‬
‫وقالوا‪ :‬أتنهانا أيضا عن أن نفعل بأموالنا ما نشاء؟ وكأنهم قد عميت بصيرتهم؛ لنهم إن أباحوا‬
‫لنفسهم أن يفعلوا بأموالهم ما يشاءون؛ فغيرهم سيبيحون لنفسهم أن يفعلوا بأموالهم ما يشاءون؛‬
‫وستصطدم المصالح‪ ،‬ويخسر الجميع‪.‬‬
‫ك لَنتَ الْحَلِيمُ الرّشِيدُ { [هود‪.]87 :‬‬
‫وقولهم‪ } :‬إِ ّن َ‬
‫استمرار في التهكم الذي بدءوه بقولهم‪:‬‬
‫} َأصَلَاو ُتكَ تَ ْأمُ ُركَ أَن نّتْ ُركَ مَا َيعْبُدُ ءابَاؤُنَآ { [هود‪.]87 :‬‬
‫مثلهم في ذلك مثل منافقي المدينة الذين قالوا للنصار‪:‬‬
‫{ لَ تُن ِفقُواْ عَلَىا مَنْ عِندَ رَسُولِ اللّهِ حَتّىا يَنفَضّواْ }[المنافقون‪.]7 :‬‬
‫وكانوا يريدون أن يضربوا المؤاخاة بين المهاجرين والنصار؛ وقد قالوا‪ } :‬رَسُولِ اللّهِ { تهكما؛‬
‫وهم يحرضون أثرياء المدينة على تجويع المهاجرين‪.‬‬
‫ومثلهم ـ أيضا ـ مثل قوم لوط حين نهاهم عن فعل تلك الفحشاء؛ فقالوا تهكما منه وممن آمن‬
‫معه‪:‬‬
‫طهّرُونَ }[العراف‪.]82 :‬‬
‫{ َأخْرِجُو ُهمْ مّن قَرْيَ ِتكُمْ إِ ّن ُهمْ أُنَاسٌ يَ َت َ‬
‫فهل تطهرهم علة للخراج من القرية‪ ،‬ولكنهم قالوا هذا لنهم ل يريدون أن يكون بينهم من يعكر‬
‫ما هم فيه‪.‬‬
‫وهذا مثلما نسمع في حياتنا من يقول‪ " :‬ل تستعن بفلن لنه حنبلي "‪.‬‬
‫هم ـ إذن ـ قد قالوا‪:‬‬
‫حلِيمُ الرّشِيدُ { [هود‪.]87 :‬‬
‫ك لَنتَ الْ َ‬
‫} إِ ّن َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وهذا منطق السخرية منه؛ لنه لم يوافقهم على عبادة غير ال؛ ولم يوافقهم على إنقاص الكيل‬
‫والميزان؛ ونهاهم عن َبخْس الناس أشياءهم‪.‬‬
‫ح ْكمٌ وهو حقّ؛ ويقوله من ل يؤمن به؛ فهو يقصد به الهُزْء والسخرية‪.‬‬
‫وإذا قيل ُ‬
‫وهو لون من التهكم جاء في القرآن الكريم في مواضع متعددة؛ فنجد الحق سبحانه يقول لمن تجبر‬
‫وطغى في الدنيا؛ ويلقى عذاب السعير في الخرة‪:‬‬
‫{ ذُقْ إِ ّنكَ أَنتَ ا ْلعَزِيزُ ا ْلكَرِيمُ }[الدخان‪.]49 :‬‬
‫وكذلك يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫شوِي الْوجُوهَ }[الكهف‪.]29 :‬‬
‫{ وَإِن َيسْ َتغِيثُواْ ُيغَاثُواْ ِبمَآءٍ كَا ْل ُم ْهلِ يَ ْ‬
‫ل من القولين تهكم وسخرية‪ ،‬وكذلك قولهم في الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها‪:‬‬
‫وفي ُك ّ‬
‫} َأصَلَاو ُتكَ تَ ْأمُ ُركَ { [هود‪.]87 :‬‬
‫وهذا قول يحمل التهكم بصلته‪.‬‬
‫وكذلك قولهم‪:‬‬
‫حلِيمُ الرّشِيدُ { [هود‪.]87 :‬‬
‫ك لَنتَ الْ َ‬
‫} إِ ّن َ‬
‫يعني التساؤل‪ :‬كيف يصح لك وأنت العاقل الحليم أن تتورط وتقول لنا‪:‬‬
‫{ اعْ ُبدُواْ اللّهَ مَا َلكُمْ مّنْ إِلَـاهٍ غَيْ ُرهُ }[هود‪.]84 :‬‬
‫وقد قالوا ذلك لنهم قد ألفوا عبادة الصنام‪ ،‬وكذلك تهكموا على دعوته لهم بعدم إنقاص الكيل‬
‫والميزان‪.‬‬
‫سفَه أن‬
‫وأيضا لم يقبلوا منه قوله بأن يحسنوا التصرف في المال‪ ،‬والعلة التي برروا بها كل هذا ال ّ‬
‫شعيبا حليم رشيد؛ فيكف يدعوهم إلى ما يخالف أهواءهم؟‬
‫جلّ شأنه‪ } :‬قَالَ يا َقوْمِ أَ َرأَيْتُمْ إِن كُنتُ‬
‫ويأتي الحق سبحانه بما قاله شعيب ـ عليه السلم ـ فيقول َ‬
‫عَلَىا بَيّنَةٍ مّن رّبّي {‬

‫(‪)1547 /‬‬
‫علَى بَيّ َنةٍ مِنْ رَبّي وَرَ َزقَنِي مِنْهُ رِ ْزقًا حَسَنًا َومَا أُرِيدُ أَنْ أُخَاِلفَكُمْ إِلَى مَا‬
‫قَالَ يَا َقوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُ ْنتُ َ‬
‫ت وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (‪)88‬‬
‫ط ْعتُ َومَا َت ْوفِيقِي إِلّا بِاللّهِ عَلَيْهِ َت َوكّلْ ُ‬
‫أَ ْنهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلّا الِْإصْلَاحَ مَا اسْ َت َ‬

‫وهنا يعلن لهم شعيب ـ عليه السلم ـ أنه على يقين من أن ال سبحانه وتعالى قد أعطاه حجة‬
‫ومنهجا‪ ،‬وقد رزقه الرزق الحسن الذي ل يحتاج معه إلى أحد؛ فامور حياته ميسورة‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وقد يكون المقصود بالرزق الحسن رحمة النبوة‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه ما جاء على لسان شعيب عليه السلم‪:‬‬
‫{ َومَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَاِلفَكُمْ إِلَىا مَآ أَ ْنهَاكُمْ عَنْهُ } [هود‪.]88 :‬‬
‫خسِر ميزانا‪ ،‬ول أبخس أحدا‬
‫أي‪ :‬أنني أطبق ما أدعوكم إليه على نفسي؛ فل أنقص كيلً أو أ ْ‬
‫أشياءه؛ لني ل أعبد غير ال‪.‬‬
‫وكلمة " أخالف " تدل على اتجاهين متضادين‪ ،‬فإن كان قولك بهدف صرف إنسان عن فعل لكي‬
‫تفعله أنت؛ تكون قد خالفته " إلى " كذا‪ ،‬وإن كنت تريده أن يفعل فعلً كيل تفعله أنت؛ تكون قد‬
‫خالفته " عن " كذا‪.‬‬
‫فشعيب ـ عليه السلم ـ يوضح لهم أنه ل ينهاهم عن أفعال؛ ليفعلها هو؛ بل ينهاهم عن الذي ل‬
‫يفعله؛ لن الحق سبحانه قد أمره بأل يفعل تلك الفعال‪ ،‬فالحق سبحانه هو الذي أوحى له بالمنهج‪،‬‬
‫وهو الذي أنزل عليه الرسالة‪.‬‬
‫وشعيب ـ عليه السلم ـ ل ينهاهم عن أفعال يفعلها هو؛ لنه ل يستأثر لنفسه بما يرونه خيرا؛‬
‫فليس في نقص الكيل والميزان؛ أو الشرك بال أدنى خير‪ ،‬فكل تلك الفعال هي الشر نفسه‪.‬‬
‫ويوضح لهم شعيب ـ عليه السلم ـ مهمة النبوة؛ فيقول‪:‬‬
‫ط ْعتُ } [هود‪.]88 :‬‬
‫لصْلَحَ مَا اسْتَ َ‬
‫لاِ‬
‫{ إِنْ أُرِيدُ ِإ ّ‬
‫فالنبوات كلها ل يرسلها ال تعالى إل حين يطم الفساد‪ ،‬ويأتي النبي المُرسَل بمنهج يدل الناس إلى‬
‫ما يصلح أحوالهم؛ من خلل " افعل " و " ل تفعل " ويكون النبي المُرسَل هو السوة لتطبيق‬
‫المنهج؛ فل يأمر أمرا هو عنه ب َنجْوةٍ؛ ويطبق على نفسه أولً كل ما يدعو إليه‪.‬‬
‫ولذلك قال شعيب ـ عليه السلم ـ‪:‬‬
‫ط ْعتُ } [هود‪.]88 :‬‬
‫لصْلَحَ مَا اسْتَ َ‬
‫لاِ‬
‫{ إِنْ أُرِيدُ ِإ ّ‬
‫لن ال سبحانه وتعالى ل يكلف نفسا إل وسعها‪ ،‬وما يدخل في طوعها‪.‬‬
‫ويقول شعيب ـ عليه السلم ـ بعد ذلك‪:‬‬
‫{ َومَا َت ْوفِيقِي ِإلّ بِاللّهِ عَلَ ْيهِ َت َوكّ ْلتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ } [هود‪.]88 :‬‬
‫وهكذا نعلم أن هناك فرقا بين العمل؛ وبين التوفيق في العمل؛ لن جوارحك قد تنشغل بالعمل؛‬
‫ولكن النية قد تكون غير خالصة؛ عندئذ ل يأتي التوفيق من ال‪.‬‬
‫أما إن أقبلت على العمل؛ وفي نيتك أن يوفقك ال سبحانه لتؤدي هذا العمل بإخلص؛ فستجد ال‬
‫تعالى وهو يصوّب لك أيّ خطأ تقع فيه؛ وستنجز العمل بإتقان وتشعر بجمال التقان‪ ،‬وفي الجمال‬
‫جلل‪.‬‬
‫والحق سبحانه وتعالى يقول هنا ما جاء على لسان شعيب عليه السلم‪ { :‬عَلَ ْيهِ َت َوكّ ْلتُ }؛ أي‪ :‬أنه‬
‫ل يتوكل إل على ال؛ ول يصح أن تعطف على هذا القول شيئا؛ لنك إن عطفت على هذا القول‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وقلت " على ال توكلت وعليك "؛ فتوقع أل يوفقك ال‪ ،‬لنك أشركت أحدا غير ال‪.‬‬
‫ونجد في القرآن الكريم قول الحق سبحانه على لسان هود عليه السلم‪:‬‬
‫{ َت َوكّ ْلتُ عَلَى اللّهِ }[هود‪.]56 :‬‬
‫ويجوز لك هنا أن تعطف‪.‬‬
‫ولك أن تتذكر قول أحد العارفين‪ " :‬اللهم إني أستغفرك من كل عملٍ قصدتُ به وجهك فخالفني‬
‫فيه ما ليس لك "‪.‬‬
‫فل تترك شيئا يزحف على توكلك على ال تعالى؛ لنك إليه تنيب؛ وترجع؛ كما قال شعيب عليه‬
‫السلم‪ } :‬وَإِلَيْهِ أُنِيبُ {‪.‬‬
‫شقَاقِي {‬
‫ويقول الحق سبحانه وتعالى من بعد ذلك‪ } :‬وَيا َقوْمِ لَ َيجْ ِرمَ ّنكُمْ ِ‬

‫(‪)1548 /‬‬
‫شقَاقِي أَنْ ُيصِي َبكُمْ مِ ْثلُ مَا َأصَابَ َقوْمَ نُوحٍ َأوْ َقوْمَ هُودٍ َأوْ َقوْمَ صَالِحٍ َومَا َقوْمُ‬
‫وَيَا َقوْمِ لَا يَجْ ِرمَ ّن ُكمْ ِ‬
‫لُوطٍ مِ ْنكُمْ بِ َبعِيدٍ (‪)89‬‬

‫يقول لهم شعيب عليه السلم‪ :‬أرجو أل تحملكم عداوتكم لي على أن تُجرموا جُرْما؛ يكون سببا في‬
‫أن ينزل الحق سبحانه بكم عقابا‪ ،‬مثلما أصاب القوم الذين سبقوكم؛ من الذين خالفوا رسلهم؛ فأنزل‬
‫ال ـ عز وجل ـ عليهم العذاب كالغرق‪ ،‬و الرجفة‪ ،‬والصيحة‪ ،‬والصاعقة‪ ،‬فاحذروا ذلك‪.‬‬
‫وشعيب عليه السلم ينصحهم هنا حرصا منه عليهم‪ ،‬على الرغم من علمه أنهم يكنون له العداء؛‬
‫لنه دعاهم إلى ترك عبادة الصنام التي عبدوها آباءهم؛ ونهاهم عن إنقاص الكيل والميزان‪ ،‬وأل‬
‫يبخسوا الناس أشياءهم؛ وسبق أن عذّب الحق سبحانه المخالفين لشرع ال من المم السابقة؛‬
‫ويذكرهم شعيب ـ عليه السلم ـ بأقرب من عُذّبوا زمانا ومكانا؛ وهم قوم لوط‪.‬‬
‫يقول الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك‪ { :‬وَاسْ َت ْغفِرُواْ رَ ّب ُكمْ ثُمّ تُوبُواْ إِلَ ْيهِ }‬

‫(‪)1549 /‬‬
‫وَاسْ َت ْغفِرُوا رَ ّبكُمْ ُثمّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنّ رَبّي َرحِي ٌم وَدُودٌ (‪)90‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وهذه الية تبين لنا أن الحق سبحانه ل يغلق أمام العاصي ـ حتى ال ُمصِرّ على شيء من‬
‫المعصية ـ باب التوبة‪.‬‬
‫ويقول رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ " :‬ال أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره وقد‬
‫أضله في أرض فلة "‪.‬‬
‫ولنا أن نتخيل بماذا يشعر من فقد بعيره؛ وهذا البعير يحمل زاد صاحبه ورَحْله؛ ثم يعثر الرجل‬
‫على بعيره هذا‪.‬‬
‫ل بد ـ إذن ـ أن يفرح صاحب البعير بالعثور عليه‪.‬‬
‫والحق سبحانه يقول هنا ما جاء على لسان شعيب ـ عليه السلم ـ لقومه‪:‬‬
‫{ وَاسْ َت ْغفِرُواْ رَ ّبكُمْ ثُمّ تُوبُواْ إِلَ ْيهِ } [هود‪.]90 :‬‬
‫وما دمتم ستستغفرونه عن الذنوب الماضية؛ وتتوبون إليه؛ بأل تعودوا إلى ارتكابها مرة أخرى؛‬
‫فالحق سبحانه ل يرد مَنْ قصد بابه‪ { :‬إِنّ رَبّي رَحِي ٌم وَدُودٌ } [هود‪ ]90 :‬لن مغفرته تستر‬
‫العذاب‪ ،‬ورحمته تمنع العذاب‪.‬‬
‫وجاء الحق سبحانه هنا بأوسع المعاني‪ :‬المغفرة‪ ،‬والرحمة‪ ،‬ومعهما صفته " الودود "؛ وهي من‬
‫الود؛ والود هو الحب؛ والحب يقتضي العطف على قدر حاجة المعطوف عليه‪.‬‬
‫ول المثل العلى‪ :‬نرى الم ولها ولدان‪ :‬أولهما قادر ثري يأتي لها بما تريد؛ وثانيهما ضعيف‬
‫فقير؛ فنجد قلب الم ـ دائما ـ مع هذا الضعيف الفقير؛ وتحنّن قلب القويّ القادر على الفقير‬
‫الضعيف‪.‬‬
‫ونجد المرأة العربية القديمة تجيب على من سألها‪ :‬أي أبنائك أحب إليك؟ فتقول‪ :‬الصغير حتى‬
‫يكبر؛ والغائب حتى يعود؛ والمريض حتى يشفى‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالحب يقتضي العطف على قدر الحاجة‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه في الحديث القدسي‪:‬‬
‫" يا بن آدم؛ ل َتخَافنّ من ذي سلطان؛ ما دام سلطاني باقيا؛ وسلطاني ل ينفد أبدا‪ .‬يا بن آدم ل‬
‫تَخْشَ من ضيق رزق؛ وخزائني ملنة‪ ،‬وخزائني ل تنفد أبدا‪ .‬يا بن آدم خلقتك للعبادة؛ فل تلعب‪،‬‬
‫وضمنت لك رزقك فل تتعب‪َ ،‬فوَعِزّتي وجللي إن رضيت بما قسمتُه لك أرحتُ قلبك وبدنك؛‬
‫وكنتَ عندي محمودا؛ وإن أنت لم ترض بما قسمتُه لك؛ فوعزتي وجللي لسلّطنّ عليك الدنيا‪،‬‬
‫تركض فيها ركض الوحوش في البرية؛ ثم ل يكون لك منها إل ما قسمته لك‪ .‬يا بن آدم خلقت‬
‫عيَ بخلقهنّ؛ أيعييني رغيف عيش أسوقه لك؟ يا بن آدم ل تسألني رزق‬
‫السموات والرض ولم أ ْ‬
‫حبّ؛ فبحقي عليك كنْ لي ُمحِبّا "‪.‬‬
‫غد كما أطلب منك عمل غدٍ‪ .‬يا بن آدم أنا لك مُ ِ‬
‫وهذا الحديث الكريم يبيّن مدى مودة ال سبحانه لخلقه؛ تلك المودة التي ل تستوعبها القلوب‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫المشركة‪.‬‬
‫ويأتي الحق ـ سبحانه وتعالى ـ بعد ذلك بقول أهل مدين رَدّا على شعيب عليه السلم ـ‪:‬‬
‫شعَ ْيبُ مَا َن ْفقَهُ كَثِيرا }‬
‫{ قَالُواْ يا ُ‬

‫(‪)1550 /‬‬
‫جمْنَاكَ َومَا أَ ْنتَ عَلَيْنَا‬
‫طكَ لَ َر َ‬
‫ضعِيفًا وََلوْلَا َرهْ ُ‬
‫شعَ ْيبُ مَا َنفْقَهُ كَثِيرًا ِممّا َتقُولُ وَإِنّا لَنَرَاكَ فِينَا َ‬
‫قَالُوا يَا ُ‬
‫ِبعَزِيزٍ (‪)91‬‬

‫وهذا يُظاهي قول مشركي قريش لرسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فقد قالوا‪:‬‬
‫حجَابٌ }[فصلت‪.]5 :‬‬
‫{ قُلُوبُنَا فِي َأكِنّةٍ ِممّا تَدْعُونَا إِلَ ْي ِه َوفِي آذانِنَا َوقْ ٌر َومِن بَيْنِنَا وَبَيْ ِنكَ ِ‬
‫واليمان يتطلب قلبا غير ممتلىء بالباطل؛ ليُحسن استقباله؛ أما القلوب الممتلئة بالباطل‪ ،‬فهي غير‬
‫قادرة على استقبال اليمان؛ إل إذا أخلت العقولُ تلك القلوبَ من الباطل‪ ،‬وناقشت العقول كُلً من‬
‫الحق والباطل‪ ،‬ثم تأذن لما اقتنعت به أن يدخل القلوب‪.‬‬
‫ولذلك نجد الحق سبحانه وتعالى يطبع ويختم على القلوب الممتلئة بالكفر؛ فل يخرج منها الكفر‬
‫ول يدخل فيها اليمان‪.‬‬
‫ولم يكتف أهل مدين بإعلن الكفر؛ بل هددوا شعيبا وقالوا‪:‬‬
‫ك َومَآ أَنتَ عَلَيْنَا ِبعَزِيزٍ } [هود‪.]91 :‬‬
‫جمْنَا َ‬
‫طكَ لَرَ َ‬
‫ضعِيفا وََلوْلَ رَ ْه ُ‬
‫{ وَإِنّا لَنَرَاكَ فِينَا َ‬
‫وهذا التهديد يحمل تحدّيا‪ ،‬وكأنهم ظنوا أن بقدرتهم الفتك به؛ لنهم يبغضون حياته؛ وأعلنوا حجة‬
‫واهية؛ وهي أن رهطه ـ أي‪ :‬قومه وأهله؛ لن الرهط هم الجماعة التي يتراوح عدد أفرادها بين‬
‫ثلثة وعشرة أفراد ـ ما زالوا على عبادة الصنام؛ وأن هذا الرهط سيغضب لي ضرر يصيب‬
‫شعيبا؛ وتناسوا أن الذي أرسل شعيبا ـ عليه السلم ـ ل بد أن يحميه‪ ،‬وهم ـ بتناسيهم هذا ـ‬
‫حققوا مشيئة ال ـ عز وجل ـ بأن يُسخّر الكفر لخدمة اليمان‪.‬‬
‫ومثال ذلك‪ :‬هو بقاء عم النبي صلى ال عليه وسلم أبي طالب على دين قومه؛ وقد ساهم هذا‬
‫المر في حماية محمد صلى ال عليه وسلم في ظاهر السباب‬
‫ثم يأتي الحق سبحانه من بعد ذلك بردّ شعيب عليه السلم على قومه؛ فيقول‪ { :‬قَالَ يا َقوْمِ أَرَ ْهطِي‬
‫أَعَزّ عَلَ ْيكُم مّنَ اللّهِ }‬

‫(‪)1551 /‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ظهْرِيّا إِنّ رَبّي ِبمَا َت ْعمَلُونَ مُحِيطٌ (‪)92‬‬
‫خذْ ُتمُو ُه وَرَا َءكُمْ ِ‬
‫قَالَ يَا َقوْمِ أَرَ ْهطِي أَعَزّ عَلَ ْيكُمْ مِنَ اللّ ِه وَاتّ َ‬

‫وهنا يتساءل شعيب عليه السلم باستنكار‪ :‬أوضعتم رهطي في كفة؛ ومعزّة ال تعالى في كفة؟‬
‫وغلّبتم خوفكم من رهطي على خوفكم من ال؟! ولم يأبه شعيب عليه السلم باعتزازهم برهطه‬
‫أمام اعتزازه بربه؛ لنه أعلن ـ من قبل ـ توكله على ال؛ ولنه يعلم أن العزة ل تعالى أولً‬
‫وأخيرا‪.‬‬
‫ولم يكتفوا بذلك العتزاز بالرهط عن العتزاز بال؛ بل طرحوا التفكير في اليمان بال وراء‬
‫ظهورهم؛ لن شعيبا عليه السلم يقول لهم‪:‬‬
‫ظهْرِيّا } [هود‪.]92 :‬‬
‫{ وَاتّخَذْ ُتمُوهُ وَرَآ َءكُمْ ِ‬
‫أي‪ :‬لم يجعلوا ال سبحانه ـ أمامهم‪ ،‬فلم يأبهوا بعزة ال؛ ول بحماية ال؛ وجعلوا لبعض خلقه‬
‫معزّة فوق معزّة ال‪.‬‬
‫ظهْرِيّا) نسبة إلى (الظهر)‪ ،‬فعندما ننسب تحدث تغييرات‪ ،‬فعندما ننسب إلى اليمن‬
‫ولم يقل‪ِ ( :‬‬
‫نقول‪ :‬يمنيّ‪ .‬ونقول‪ :‬يمانيّ‪ ،‬فالنسب هنا إلى الظهري‪ ،‬وهي المنسي والمتروك‪ ،‬فأنت ساعة تقول‪:‬‬
‫أنت طرحت فلنا وراء ظهرك‪ ،‬يعني جعلته بعيدا عن الصورة بالنسبة للحداث‪ ،‬ولم تحسب له‬
‫حسابا‪ .‬إذن‪ :‬فهناك تغييرات تحدث في باب النسب‪.‬‬
‫ويذكّرهم شعيب عليه السلم بقوله‪:‬‬
‫{ إِنّ رَبّي ِبمَا َت ْعمَلُونَ مُحِيطٌ } [هود‪.]92 :‬‬
‫أي‪ :‬أن كل ما تقولونه أو تفعلونه محسوب عليكم؛ لن الحق سبحانه ل تخفَى عليه خافية‪ ،‬وقد‬
‫سبق أن عرفنا أن القول يدخل في نطاق العمل؛ فكلّ حدث يقال لهم‪ " :‬عمل "؛ وعمل اللسان هو‬
‫القول؛ وعمل بقية الجوارح هو الفعال‪.‬‬
‫وقد شرّف الحق سبحانه القول لنه وسيلة العلم الولى عنه سبحانه‪.‬‬
‫عمَلُواْ عَلَىا‬
‫يقول الحق سبحانه من بعد ذلك ما جاء على لسان شعيب عليه السلم‪ { :‬وَيا َقوْمِ ا ْ‬
‫َمكَانَ ِتكُمْ }‬

‫(‪)1552 /‬‬
‫س ْوفَ َتعَْلمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ ُيخْزِي ِه َومَنْ ُهوَ كَا ِذبٌ‬
‫عمَلُوا عَلَى َمكَانَ ِتكُمْ إِنّي عَا ِملٌ َ‬
‫وَيَا َقوْمِ ا ْ‬
‫وَارْتَقِبُوا إِنّي َم َعكُمْ َرقِيبٌ (‪)93‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إذن‪ :‬فشعيب عليه السلم عنده القضية المخالفة؛ لن ال تعالى عنده أعزّ من رهطه؛ وباعتزازه‬
‫بربه قد آوى إلى ركن شديد‪ ،‬وبهذا اليمان يعلن لهم‪ :‬افعلوا ما في وُسْعكم‪ ،‬وما في ُمكْنتكم هو ما‬
‫في ُمكْنة البشر‪ ،‬وسأعمل ما في ُمكْنتي‪ ،‬ولست وحدي‪ ،‬بل معي ال سبحانه وتعالى؛ ولن تتسامى‬
‫قوتكم الحادثة على قدرة ال المطلقة‪.‬‬
‫ومهما فعلتم لمعارضة هذا الصلح الذي أدعوكم إليه؛ فلن يخذلني الذي أرسلني؛ وما دمتم‬
‫تريدون الوقوف في نفس موقف المم السابقة التي تصدت لموجات الصلح السماوية؛ فهزمهم‬
‫ال سبحانه بالصيحة‪ ،‬وبالرجفة‪ ،‬وبالريح الصرصر‪ ،‬وبالقذف بأي شيء من هذه الشياء‪ ،‬وقال‬
‫لهم‪ :‬اعملوا على مكانتكم‪ ،‬وإياكم أن تتوهموا أني أتودد إليكم؛ فأنا على بينة من ربي‪ ،‬ولكني أحب‬
‫الخير لكم‪ ،‬وأريد لكم الصلح‪.‬‬
‫ولم َي ُقلْ شعيب عليه السلم هذا القول عن ضعف‪ ،‬ولكن قاله ردّا على قولهم‪:‬‬
‫جمْنَاكَ }[هود‪.]91 :‬‬
‫طكَ لَرَ َ‬
‫ضعِيفا وََلوْلَ رَ ْه ُ‬
‫{ وَإِنّا لَنَرَاكَ فِينَا َ‬
‫وأبرز لهم مكانته المستمدة من قوة مَنْ أرسله سبحانه وتعالى‪ ،‬وقال‪:‬‬
‫عمَلُواْ عَلَىا َمكَانَ ِتكُمْ إِنّي عَا ِملٌ } [هود‪.]93 :‬‬
‫{اْ‬
‫س ْوفَ َتعَْلمُونَ مَن‬
‫وهكذا أوضح لهم‪ :‬أنا لن أقف مكتوف اليدي‪ ،‬لني سأعمل على مكانتي‪ ،‬و { َ‬
‫عذَابٌ يُخْزِيهِ َومَنْ ُهوَ كَا ِذبٌ وَارْ َتقِبُواْ إِنّي َم َعكُمْ َرقِيبٌ } [هود‪.]93 :‬‬
‫يَأْتِيهِ َ‬
‫أي‪ :‬أن المستقبل سوف يبيّن مَنْ مِنّا على الحق ومَنْ مِنّا على الضلل‪ ،‬ولم سيكون النصر‬
‫والغلبة‪ ،‬ومن الذي يأتيه الخزي؛ أي‪ :‬أن يشعر باحتقار نفسه وهوانها؛ ويعاني من الفضيحة أمام‬
‫الخلق؛ ومَنْ مِنّا الكاذب‪ ،‬ومَنْ على الحق‪.‬‬
‫شعَيْبا وَالّذِينَ آمَنُواْ َمعَهُ }‬
‫وكان ل بد أن تأتي الية التالية‪ { :‬وََلمّا جَآءَ َأمْرُنَا نَجّيْنَا ُ‬

‫(‪)1553 /‬‬
‫خ َذتِ الّذِينَ ظََلمُوا الصّيْحَةُ فََأصْبَحُوا‬
‫حمَةٍ مِنّا وَأَ َ‬
‫شعَيْبًا وَالّذِينَ َآمَنُوا َمعَهُ بِ َر ْ‬
‫وََلمّا جَاءَ َأمْرُنَا نَجّيْنَا ُ‬
‫فِي دِيَارِهِمْ جَا ِثمِينَ (‪)94‬‬

‫ونلحظ أن الحق سبحانه قد أورد في هذه السورة‪ :‬أسلوبين منطوقين أحدهما بالواو‪ ،‬والخر بالفاء‪.‬‬
‫الول‪ { :‬وََلمّا جَآءَ َأمْرُنَا } [هود‪ ،]94 :‬في قصة اثنين آخرين من الرسل‪.‬‬
‫الثاني‪ {:‬فََلمّا جَآءَ َأمْرُنَا }[هود‪.]66 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫في قصة اثنين من الرسل‪.‬‬
‫وقصة شعيب هي إحدى القصتين اللتين جاء فيهما { وََلمّا جَآءَ َأمْرُنَا } ولم يأت بـ " الفاء " لنها‬
‫ـ كما نعلم ـ تقتضي التعقيب بسرعة‪ ،‬وبدون مسافة زمنية؛ وتسمى في اللغة " فاء التعقيب " ‪،‬‬
‫مثل قول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ ُثمّ َأمَاتَهُ فََأقْبَ َرهُ }[عبس‪.]21 :‬‬
‫أما " ثم " فتأتي لتعقيب مختلف؛ وهو التعقيب بعد مسافة زمنية؛ مثل قول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ ُثمّ إِذَا شَآءَ أَنشَ َرهُ }[عبس‪.]22 :‬‬
‫وقد جاءت " الفاء " مرة في قصة قوم لوط؛ لن الحق سبحانه قد حدد الموعد الذي ينزل فيه‬
‫العذاب‪ ،‬وقال‪:‬‬
‫{ إِنّ َموْعِدَهُمُ الصّبْحُ َألَيْسَ الصّبْحُ ِبقَرِيبٍ }[هود‪.]81 :‬‬
‫فكان ل بد أن تسبق " الفاء " هذا الحديث عن عذابهم‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫سجّيلٍ مّ ْنضُودٍ }[هود‪.]82 :‬‬
‫حجَا َرةً مّن ِ‬
‫جعَلْنَا عَالِ َيهَا سَافَِلهَا وََأمْطَرْنَا عَلَ ْيهَا ِ‬
‫{ فََلمّا جَآءَ َأمْرُنَا َ‬
‫أما هنا في الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها‪ ،‬فقد قال الحق سبحانه‪:‬‬
‫شعَيْبا وَالّذِينَ آمَنُواْ َمعَهُ } [هود‪.]94 :‬‬
‫{ وََلمّا جَآءَ َأمْرُنَا َنجّيْنَا ُ‬
‫ولم يذكر وعدا ولم يحدد موعد العذاب‪.‬‬
‫والحق سبحانه يقول‪:‬‬
‫{ وََلمّا جَآءَ َأمْرُنَا } [هود‪.]94 :‬‬
‫وكل أمر يقتضي آمرا؛ ويقتضي مأمورا؛ ويقتضي مأمورا به‪.‬‬
‫والمر هنا هو ال سبحانه؛ وهو القادر على إنفاذ ما يأمر به‪ ،‬ول يجرؤ مأمور ما على مخالفة ما‬
‫يأمر به الحق سبحانه؛ فالكون كله يأتمر بأمر خالقه‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فحين يخبرنا الحق سبحانه وتعالى أن العذاب قد جاء لقوم؛ فمعنى ذلك أن المر قد صدر؛‬
‫ولم يتخلف العذاب عن المجيء؛ لن التخلف إنما ينشأ من مجازفة أمر لمأمور قد ل يطيعه‪ ،‬ول‬
‫يجرؤ العذاب على المخالفة لنه مُسخّر‪ ،‬ل اختيار له‪.‬‬
‫والقائل هنا هو ال سبحانه صاحب المر الكوني والمر التشريعي؛ فإذا قال الحق سبحانه حكما‬
‫من الحكام وسجله في القرآن؛ فتيقن من أنه حادث ل محالة؛ لن القضية الكونية هي من الحق‬
‫سبحانه وتعالى‪ ،‬ول تتخلف أو تختلف مع مشيئته سبحانه‪ ،‬والحكم التشريعي يسعد به مَنْ يُطّبقه؛‬
‫ويشقى من يخالفه‪.‬‬
‫جلّ شأنه‪:‬‬
‫والحق سبحانه يعطينا مثالً لهذا في قصة أم موسى‪ ..‬يقول َ‬
‫خفْتِ عَلَيْهِ فَأَ ْلقِيهِ فِي ال َيمّ }[القصص‪.]7 :‬‬
‫ضعِيهِ فَِإذَا ِ‬
‫{ وََأوْحَيْنَآ ِإلَىا أُمّ مُوسَىا أَنْ أَ ْر ِ‬
‫خفْتِ على ابنك ألقيه في البحر؟ كيف ننجيه من موت‬
‫فمنطق البشر يقول‪ :‬كيف نقول لمرأة‪ :‬إذا ِ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫مظنون إلى موت محقق؟‬
‫هذا وإن كان مخالفا لسنن العادة إل أن أم موسى سارعت لتنفيذ أمر ال سبحانه؛ لن أوامر ال‬
‫باللهام للمقربين‪ ،‬ل يأتي لها معارض في الذهن‪.‬‬
‫والحق سبحانه كما أمرها بإلقاء وليدها في اليم ‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫{ ِإذْ َأوْحَيْنَآ ِإلَىا ُأ ّمكَ مَا يُوحَىا * أَنِ اقْ ِذفِيهِ فِي التّابُوتِ فَاقْ ِذفِيهِ فِي الْيَمّ }[طه‪38 :‬ـ ‪.]39‬‬
‫كذلك أمر الحق ـ سبحانه وتعالى ـ اليمّ بإلقاء التابوت ‪ ،‬وفي داخله موسى ـ للساحل‪ ،‬ولذلك‬
‫فيقين أم موسى في أن أوامر ال ل تتخلف‪ ،‬جعلها تسارع في تنفيذ ما أمرها ال به‪.‬‬
‫والحق سبحانه يريد أن يُر ّببَ اليمان‪ ،‬أي‪ :‬يزيده في قلوب عباده‪َ ،‬ف َهبْ أن ال قضى بقضية أو‬
‫أمر بأمر‪ ،‬ثم لم يأت الكون على وفق ما أمر ال‪ ،‬فماذا يكون موقف الناس؟‬
‫فما دام رب العزة سبحانه قد قال فل بد أن يحدث ما أمر به‪ ،‬فعندما يقول الحق سبحانه‪ {:‬وَإِنّ‬
‫جُندَنَا َلهُمُ ا ْلغَالِبُونَ }[الصافات‪.]173 :‬‬
‫فل بد أن تكون الغلبة لجنود ال‪ ،‬فإذا ما غُلبوا فافهموا أن شرط الجندية ل قد تخلّف‪ ،‬وأن عنصرا‬
‫من عناصر الجندية قد تخلف وهو الطاعة‪.‬‬
‫ومثال هذا‪ :‬الذين خالفوا أمر رسول ال صلى ال عليه وسلم في البقاء على الجبل يوم أحد‪ ،‬إنهم‬
‫خالفوا أمر الرسول صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فماذا يحدث لو أنهم انتصروا مع هذه المخالفة؟‬
‫إذن‪ :‬فقد انهزم المسلمون الذين اختلت فيهم صفة من صفات جنديتهم ل‪.‬‬
‫ول بد أن تلتقي القضيتان‪ :‬القرآنية والكونية؛ لن قائل القرآن هو صاحب سنن الكون سبحانه‬
‫وتعالى‪.‬‬
‫ولن أهل مدين هنا قد أعلنوا الكفر؛ فل بد أن يأتيهم العذاب‪.‬‬
‫وسمّى الحق سبحانه هنا العذاب بالصيحة؛ وقال‪:‬‬
‫حةُ فََأصْبَحُواْ فِي دِيَارِ ِهمْ جَا ِثمِينَ { [هود‪.]94 :‬‬
‫} وََأخَ َذتِ الّذِينَ ظََلمُواْ الصّيْ َ‬
‫وسمّى الحق سبحانه في سورة العراف العذاب الذي لحق بهم‪ " :‬الرجفة "؛ فقال‪:‬‬
‫جفَةُ فََأصْبَحُواْ فِي دَا ِرهِمْ جَا ِثمِينَ }[العراف‪.]91 :‬‬
‫{ فََأخَذَ ْتهُمُ الرّ ْ‬
‫وسماه في قصة قوم عاد‪:‬‬
‫ح صَ ْرصَرٍ عَاتِيَةٍ }[الحاقة‪.]6 :‬‬
‫{ بِرِي ٍ‬
‫وسمّاه بالخسف في عذاب قارون‪.‬‬
‫ومن عظمة التوجيه اللهي أن العذاب كان ينتقي القوم الكافرين فقط؛ ول يصيب الذين آمنوا‪،‬‬
‫بدليل قول الحق سبحانه‪:‬‬
‫شعَيْبا وَالّذِينَ آمَنُواْ َمعَهُ { [هود‪.]94 :‬‬
‫} َنجّيْنَا ُ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ول يقدر على ذلك إل إله قادر مقتدر؛ يُصرّف المور كما يشاء سبحانه‪.‬‬
‫وكلمة " نجينا "‪ :‬من النجاة؛ أي‪ :‬أن يوجد بنجوة؛ وهي المكان العالي‪ ،‬والعرب قد عرفوا مبكرا‬
‫طغيان الماء؛ فقد كانوا يقيمون في اليمن ثم بعثرهم السيل مصداقا لقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫شكُرُواْ َلهُ بَلْ َدةٌ طَيّبَةٌ‬
‫شمَالٍ كُلُواْ مِن رّ ْزقِ رَ ّبكُ ْم وَا ْ‬
‫ن وَ ِ‬
‫سكَ ِنهِمْ آيَةٌ جَنّتَانِ عَن َيمِي ٍ‬
‫{ َلقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَ ْ‬
‫ط وَأَ ْثلٍ‬
‫خمْ ٍ‬
‫غفُورٌ * فَأَعْ َرضُواْ فَأَ ْرسَلْنَا عَلَ ْيهِمْ سَ ْيلَ ا ْلعَرِ ِم وَبَدّلْنَا ُهمْ ِبجَنّتَ ْيهِمْ جَنّتَيْنِ َذوَا َتىْ ُأ ُكلٍ َ‬
‫وَ َربّ َ‬
‫سدْرٍ قَلِيلٍ }[سبأ‪15 :‬ـ ‪.]16‬‬
‫شيْءٍ مّن ِ‬
‫وَ َ‬
‫هكذا تفرق العرب من اليمن؛ وانتشروا في الجزيرة العربية‪ ،‬وكانوا يخافون من الماء ـ رغم أنه‬
‫سر الحياة؛ وفضّلوا التعب في البحث عن الماء للشرب لهم ولنعامهم؛ بدلً من الوجود بجانب‬
‫الماء‪ ،‬ومن عداوة الماء جاءت كلمة " نجا " أي‪ :‬صعد إلى مكان مرتفع‪.‬‬
‫واستخدمت كلمة " نجا " في كل موقف ينجو فيه النسان من الخطر الداهم‪ ،‬فيقال‪ " :‬نجا من النار‬
‫"؛ " ونجا من العدو "؛ " ونجا من الحيوان المفترس "؛ وكلها مأخوذة من النجوة‪ ،‬أي‪ :‬المكان‬
‫المرتفع‪ .‬ويقال في الفعل (نجا)‪ :‬نجا فلن‪ ،‬إذا كانت قوته تسعفه ليخلص نفسه من العذاب‪.‬‬
‫أما إذا كانت قوته غير قادرة على تخليصه من العذاب‪ ،‬فهو يحتاج إلى مَنْ يُنجيه‪ ،‬ويُقال‪ " :‬أنجاه‬
‫" ‪ ،‬إذا كانت المسألة تحتاج إلى جهد ومعالجة صعبة ليتحقق الفوز‪.‬‬
‫ونسب الفعل فيها إلى ال؛ فقال " نجينا "‪.‬‬
‫ويأتي الحق سبحانه في مثل هذا المر بضمير الجمع‪ ،‬كقوله تعالى‪:‬‬
‫{ إِنّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ا ْلقَدْرِ }[القدر‪.]1 :‬‬
‫فكل شيء فيه فعل من الحق سبحانه وتعالى يأتي ال فيه بضمير الجمع‪ :‬إنّا‪.‬‬
‫أما إذا كان الشيء متعلقا بصفة من صفات الذات اللهية‪ ،‬فإن الحق سبحانه يأتي بضمير الفراد‬
‫(أنا) مثل قوله تعالى‪:‬‬
‫{ إِنّنِي أَنَا اللّهُ }[طه‪.]14 :‬‬
‫وقد أنجى الحق سبحانه شعيبا والذين آمنوا معه؛ لن شعيبا عليه السلم قال لقومه‪:‬‬
‫عمَلُواْ عَلَىا َمكَانَ ِتكُمْ إِنّي عَا ِملٌ }[هود‪.]93 :‬‬
‫{اْ‬
‫وكان عمل شعيب عليه السلم فيه صحة وعزيمة التوكل؛ لذلك أنجاه ال تعالى والذين آمنوا معه‪،‬‬
‫فهو سبحانه ل يريد من عباده إل التوجه بالنية الخالصة الصادقة إليه‪ ،‬فإذا توجّه العبد بالنية‬
‫الصادقة إلى ال‪ ،‬فالحق سبحانه يريح العبد‪ ،‬ويُعينه بالطمئنان على أداء أي عمل‪.‬‬
‫ومجرد اليمان بال تعالى والتجاه إليه بصدق وإخلص؛ يفتح أمام العبد آفاقا من النجاح‬
‫والرفعة‪ ..‬والمفتاح في يد العبد؛ لن الحق سبحانه قد قال في الحديث القدسي‪:‬‬
‫" من ذكرني في نفسه ذكرته في مل خير منه "‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إذن‪ :‬فالمفتاح في يد العبد‪.‬‬
‫والحق سبحانه هو القائل‪:‬‬
‫" ومن تقرّب إليّ شبرا تقرّبتُ إليه ذراعا "‪.‬‬
‫وهكذا يترك الحق سبحانه أمر التقرب إليه للعبد‪ ،‬وعندما يتقرب العبد من ال تعالى‪ ،‬فإنه سبحانه‬
‫يتقرّب إلى العبد أكثر وأكثر‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه في حديثه القدسي‪:‬‬
‫" ومن جاءني يمشي أتيته هرولة " لن المشي قد يُتعب العبد‪ ،‬لكن ل شيء يُتعب الحق سبحانه‬
‫أبدا؛ لنه مُن ّزهٌ عن ذلك‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالحق سبحانه يريد منا أن نُخلص النية في اللتحام بمعية ال تعالى‪ ،‬ليضفي علينا ربنا‬
‫سبحانه من صفات جلله وصفات جماله‪.‬‬
‫وانظروا إلى سيدنا رسول ال صلى ال عليه وسلم ومعه أبو بكر الصديق رضي ال عنه في‬
‫الغار‪ ..‬يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ ِإذْ َيقُولُ ِلصَاحِ ِب ِه لَ تَحْزَنْ إِنّ اللّهَ َمعَنَا }‬
‫[التوبة‪.]40 :‬‬
‫أي‪ :‬أن رسول ال صلى ال عليه وسلم ينهى صاحبه عن الحزن بعلة معية ال سبحانه وتعالى‪،‬‬
‫ول بد أن أبا بكر الصديق قد قال كلما يفيد الحزن؛ لن الحزن لم يأت له من تلقاء نفسه‪ ،‬بل من‬
‫قانونٍ كوني‪ ،‬حين قال لرسول ال صلى ال عليه وسلم‪ " :‬لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا " لكن‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم ل يتكلم عن القانون الكوني‪ ،‬لكنه يتكلم عن طلقة قدرة المكوّن‬
‫سبحانه‪ ،‬فقال‪ " :‬ما ظنك باثنين ال ثالثهما؟ "‪.‬‬
‫فمعية ال أضفت عليهما شيئا من جلله وجماله‪ ،‬وال سبحانه ل تدركه البصار‪ ،‬وهو يدرك‬
‫البصار‪.‬‬
‫وقد أنجى الحق سبحانه شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منه سبحانه‪ ،‬والرحمة أل يصيبك شيء‪.‬‬
‫ومثال ذلك‪ :‬إن النسان يعالج فيشفى‪ ،‬ومرة أخرى يحميه ال من الداء‪.‬‬
‫ولذلك انتبهوا إلى حقيقة أن القرآن قد جاء بأمرين‪ :‬شفاء‪ ،‬ورحمة‪ ،‬فإذا كان هناك داء وترجعه‬
‫إلى منهج ال؛ فالحق سبحانه يشفيه‪ ،‬والرحمة أل يصيبك الداء من البداية‪.‬‬
‫وأما الذين ظلموا فقد أخذتهم الصيحة‪ ،‬وفي آية أخرى يقول سبحانه‪:‬‬
‫{ وََأخَذَ الّذِينَ ظََلمُواْ الصّ ْيحَةُ }[هود‪.]67 :‬‬
‫وفي هذه الية يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫حةُ { [هود‪.]94 :‬‬
‫} وََأخَ َذتِ الّذِينَ ظََلمُواْ الصّيْ َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لن القرآن على جمهرته جاء على لغة قريش‪ ،‬ل ل ُيعْلي قريشا؛ ولكن لن لغة قريش كانت مُصفّاة‬
‫من جميع القبائل العربية‪ ،‬فهي تملك صفوة لغة كل القبائل‪ ،‬ولكن لم يكن ذلك يعني أن نطمس بقية‬
‫القبائل‪.‬‬
‫ولذلك جاء في القرآن بعض من لغات القبائل الخرى‪ ،‬حتى ل يعطي لقريش سيادة في السلم‬
‫كما كان لها سيادة في الجاهلية‪ ،‬لذلك يأتي بلغات القبائل الخرى‪ ،‬فمرة ياتي بتاء التأنيث ومرة ل‬
‫يأتي بها‪.‬‬
‫والتأنيث إما أن يكون حقيقيا أو مجازيا‪ .‬والتأنيث الحقيقي هو المقابل للمذكر‪ ،‬مثل‪ :‬المرأة‪.‬‬
‫والتأنيث المجازي مثل‪ " :‬الصيحة " و " الحجرة "‪ .‬وكانت القبائل العربية تتجاوز في المؤنث‬
‫المجازي؛ فمرة تأتي " التاء " ومرة ل تأتي‪.‬‬
‫وإن كان هناك َفصْل بين الفعل والفاعل‪ ،‬فالفاصل قائم مقام التأنيث فيقول سبحانه‪:‬‬
‫{ وََأخَذَ الّذِينَ ظََلمُواْ الصّ ْيحَةُ }[هود‪.]67 :‬‬
‫فكأن الصيحة لها مقدرة على أن تأخذ بما أودعه فيها مُرسِل الصيحة من قوة الخذ‪ ،‬وأخذه أليم‬
‫شديد‪.‬‬
‫ويُنهي الحق سبحانه الية الكريمة بقوله تعالى‪:‬‬
‫} فََأصْبَحُواْ فِي دِيَا ِرهِمْ جَا ِثمِينَ { [هود‪.]94 :‬‬
‫ونلحظ أن كل عذاب إنما يحدد له الحق سبحانه موعدا هو الصبح‪ ،‬مثل قوله تعالى‪:‬‬
‫{ إِنّ َموْعِدَهُمُ الصّبْحُ َألَيْسَ الصّبْحُ ِبقَرِيبٍ }[هود‪.]81 :‬‬
‫ومثل قوله الحق‪:‬‬
‫{ َفسَآ َء صَبَاحُ ا ْلمُنْذَرِينَ }[الصافات‪.]177 :‬‬
‫والصبح هو وقت الهجمة على الغافل الذي لم يغادره النوم بعد‪ ،‬مثل ُزوّار الفجر الذين يقبضون‬
‫على الناس قبيل النهار‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫} فََأصْبَحُواْ فِي دِيَا ِرهِمْ جَا ِثمِينَ { [هود‪.]94 :‬‬
‫ولم يقل سبحانه‪ " :‬فأصبحوا في دارهم جاثمين "؛ لن بعضهم قد ل يكون في بيته‪ ،‬بل في مكان‬
‫آخر لزيارة أو تجارة‪.‬‬
‫ومثال ذلك‪ :‬قصة أبي رغال‪ ،‬وكان في مكة‪ ،‬لكن الحجر الذي قتله بإرادة ال سبحانه نزل عليه‬
‫في البقاع ولم ينزل عليه الحجر في مكة؛ لن ال سبحانه قد شاء أل ينزل عليه الحجر في البيت‬
‫الحرام‪ ،‬المن‪ ،‬وكأن الحجر قد تتّبعه‪ ،‬مثلما تتبعت الصيحة الكفار من أهل مدين‪.‬‬
‫ونلحظ في الكلمة الخيرة من هذه الية الكريمة وهي " جاثمين " أن حرفي " الجيم " و " الثاء "‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫حين يجتمعان معا ـ بصرف النظر عن الحرف الثالث ‪ ،‬ففيهما شيء من الهلك‪ ،‬وشيء من‬
‫الغنائية‪ .‬ومعنى " جاثمين " أي‪ :‬مُلقَون على بطونهم بل حراك‪.‬‬
‫والحق سبحانه يقول‪:‬‬
‫{ وَتَرَىا ُكلّ ُأمّةٍ جَاثِيَةً }[الجاثية‪.]28 :‬‬
‫أي‪ :‬يركع كل مَنْ فيها على ركبتيه‪ .‬ويقال عن الميت‪ " :‬الجثة "‪.‬‬
‫وانظروا إلى عظمة الحق سبحانه حين يجعل الناس تنطق لفظ " الجثة " تعبيرا عن أي " ميت "‬
‫عظيما كان أم وضيعا‪ ،‬ثم توضع جثته في القبر‪ ،‬لتحتضنه أمه الولى؛ الرض‪.‬‬
‫ومن يرغب في تهدئة إنسان ملتاع وغاضب لموت عزيز عليه‪ ،‬فَلْي ُقلْ له‪ :‬هل تتحمل جثمانه‬
‫أسبوعا؟ وسوف يجيب‪ " :‬ل "‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فبمجرد أن ينزع ال سبحانه السر الذي به كان النسان إنسانا‪ ،‬وهو الروح‪ ،‬يصبح النسان‬
‫جثة ثم يتخشب‪ ،‬ثم يَ ِرمّ‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه بعد ذلك وصفا لمن أخذتهم الصيحة من أهل " مدين "‪ } :‬كَأَن لّمْ َيغْ َنوْاْ فِيهَآ {‬

‫(‪)1554 /‬‬
‫كَأَنْ لَمْ َيغْ َنوْا فِيهَا أَلَا ُب ْعدًا ِلمَدْيَنَ َكمَا َبعِ َدتْ َثمُودُ (‪)95‬‬

‫أي‪ :‬أن من يمر على أهل " مدين " بعد ذلك كأنهم لم يكن لهم وجود‪.‬‬
‫والحق سبحانه يقول‪:‬‬
‫ت الَ ْرضُ ُزخْ ُر َفهَا وَازّيّ َنتْ وَظَنّ أَهُْلهَآ أَ ّنهُمْ قَادِرُونَ عَلَ ْيهَآ أَتَاهَآ َأمْرُنَا }[يونس‪:‬‬
‫خ َذ ِ‬
‫{ حَتّىا إِذَآ أَ َ‬
‫‪.]24‬‬
‫فالنسان الذي ارتقى حتى وصل إلى الحضارات المتعددة‪ ،‬إلى حد أنه قد يطلب القهوة بالضغط‬
‫على زر آلة‪ ،‬فإذا شاء ال سبحانه أزال كل ذلك في لمح البصر‪.‬‬
‫هذه الحياة المرفهة يستمتع فيها النسان كمخدوم‪ ،‬وهي غير الجنة التي ينال فيها النسان ما‬
‫يشتهي بمجرد أن يخطر المر بباله‪.‬‬
‫وهنا يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ كَأَن لّمْ َيغْ َنوْاْ فِيهَآ } [هود‪.]95 :‬‬
‫ومادة " الغنى " منها‪ :‬الغناء ـ بكسر الغين ـ وهو ما يغنيه المطربون‪ ،‬ومنها الغناء ـ بفتح‬
‫الغين ـ وهو يؤدي إلى الشيء الذي يغنيك عن شيء آخر‪ ،‬فالغنى بالمال يكتفي عما في أيدي‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الناس‪.‬‬
‫وهكذا الغناء؛ لن الذن تسمع كثيرا‪ ،‬والعين تقرأ كثيرا‪ ،‬لكن النسان ل يردد إل الكلم الذي‬
‫يعجبه‪ ،‬والملحّن بطريقة تعجبه؛ فالغناء هو اللحن المستطاب الذي يغنيك عن غيره‪.‬‬
‫والغَناء‪ ،‬أي‪ :‬القامة في مكان إقامةً تغنيك عن الذهاب إلى مكان آخر‪ ،‬وتتوطن في هذا المكان‬
‫الذي يغنيك عن بقية الماكن‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ كَأَن لّمْ َيغْ َنوْاْ فِيهَآ } [هود‪.]95 :‬‬
‫أي‪ :‬كأنهم لم يقيموا هنا‪ ،‬ويستغنوا بهذا المكان عن أي مكان سواه‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه في موضع آخر من القرآن الكريم‪:‬‬
‫حصِيدٌ }[هود‪.]100 :‬‬
‫{ مِ ْنهَا قَآئِمٌ وَ َ‬
‫أي‪ :‬أن الطلل قائمة بما تحتويه من أحجار ورسوم‪ ،‬مثل معابد قدماء المصريين‪ ،‬وأنت حين‬
‫تزورها ل تجد المعابد كلها سليمة‪ ،‬بل تجد عمودا منتصبا‪ ،‬وآخر مُلْقىً على الرض‪،‬ـ وبابا غير‬
‫سليم‪ ،‬ولو كانت كلها حصيدا؛ لختفت تماما‪ ،‬ولكنها بقايا قائمة‪ ،‬ومنها ما اندثر‪.‬‬
‫وهذا يثبت لنا صدق الداء القرآني بأنه كانت هناك حضارات‪ ،‬لنها لو ذهبت كلها؛ لما عرفنا أن‬
‫هناك حضارات قد سبقت‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ َألَ ُبعْدا ّلمَدْيَنَ َكمَا َبعِ َدتْ َثمُودُ } [هود‪.]95 :‬‬
‫وكلمة " أل " ـ كما عرفنا من قبل ـ هي " أداة استفتاح " ليلتفت السامع وينصت‪،‬فل تأخذه غفلة‬
‫عن المر المهم الذي يتكلم به المتكلم‪ ،‬وليستقبل السامع الكلم كله استقبال المستفيد‪.‬‬
‫وكلمة " ُبعْدا " ليست دعاءً على أهل مدين بالبعد؛ لنها هلكت بالفعل‪ ،‬ومادة كلمة " ُبعْدا " هي‪" :‬‬
‫الباء " و " العين " و " الدال " وتستعمل استعمالين‪ :‬مرة تريد منها الفراق؛ والفراق بينونة إلى لقاء‬
‫مظنون‪ ،‬إما إذا كانت إلى بينونة متيقنة أل تكون‪ ،‬ولذلك جاء بعدها‪:‬‬
‫{ َكمَا َبعِ َدتْ َثمُودُ } [هود‪.]95 :‬‬
‫وهي تدل على أنه بعدٌ ل لقاء بعده إل حين يجمع الحق سبحانه الناس يوم القيامة‪.‬‬
‫والشاعر يقول‪َ :‬يقُولُون ل تبعدْ وهُمْ يَدفِنُونَني وأينَ َمكَانُ البُعدِ إل مَكانِيَافهذا هو البعد الذي يذهب‬
‫إليه النسان ول يعود‪.‬‬
‫خصّ الحق سبحانه ثمود بالذكر هنا‪ ،‬وقد سبق أن قال سبحانه عن أقوام آخرين‪ " :‬أل بعدا "؟‬
‫ولما َ‬
‫لن الصيحة قد جاءت لثمود‪ ،‬وبذلك اتفقوا في طريقة العذاب‪.‬‬
‫وتنتهي هنا قصة شعيب عليه السلم مع مدين‪ ،‬ونلحظ أن لها مساسا برسلٍ مثل موسى عليه‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫السلم‪ ،‬مثلما كان لقوم لوط مساس بإبراهيم عليه السلم‪.‬‬
‫وهكذا نعلم أن هناك رسلً قد تعاصرت‪ ،‬أي‪ :‬أن كل واحد منهم أرسل إلى بيئة معينة ومكان‬
‫معين‪ .‬ولن المرسل إليهم هم عبيد ال كلهم؛ لذلك أرسل لكل بيئة رسولً يناسب منهجه عيوب‬
‫هذه البيئة‪.‬‬
‫وإبراهيم عليه السلم هو عم لوط عليه السلم‪ ،‬وموسى عليه السلم هو صهر شعيب عليه‬
‫السلم‪ .‬وقد ذهب موسى إلى أهل مدين قبل أن يرسله ال إلى فرعون‪.‬‬
‫ونحن نعلم أن الماكن في الزمنة القديمة كانت منعزلة‪ ،‬ويصعب بينها التصال‪ ،‬وكل جماعة‬
‫تعيش في موقع قد ل يدرون عن بقية المواقع شيئا‪ ،‬وكل جماعة قد يختلف داؤها عن الخرى‪.‬‬
‫لكن حين أراد الحق سبحانه بعثة محمد صلى ال عليه وسلم كرسولٍ خاتمٍ‪ ،‬فقد علم الحق سبحانه‬
‫أزلً أن رسول ال صلى ال عليه وسلم على ميعاد مع ارتقاء البشرية‪ ،‬وقد توحدت الداءات‪.‬‬
‫فما يحدث الن في أي مكان في العالم‪ ،‬ينتقل إلينا عبر القمار الصناعية في ثوانٍ معدودة‪ ،‬لذلك‬
‫كان ل بد من الرسول الخاتم صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫أما تعدد الرسل اللقطات لكل رسول بالقرآن‪ ،‬فليست تكرارا كما يظن السطحيون؛ لن الصل في‬
‫القصص القرآني أن الحق سبحانه قد أنزله لتثبيت الرسول صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فقد كانت اليات‬
‫تنزل من السماء الدنيا بالوحي لتناسب الموقف الذي يحتاج فيه الرسول صلى ال عليه وسلم إلى‬
‫تثبيت للفؤاد‪.‬‬
‫ويبيّن الحق سبحانه لرسوله صلى ال عليه وسلم أن يتذكر إخوانه من الرسل وما حدث لهم مع‬
‫أقوامهم وانتصار ال لهم في النهاية‪ ،‬وحين أراد الحق سبحانه أن يقص قصة محبوكة جاء بسورة‬
‫يوسف‪.‬‬
‫وهكذا فليس في القرآن تكرار‪ ،‬بل كل لقطة إنما جاءت لتناسب موقعها في تثبيت الرسول صلى‬
‫ال عليه وسلم‪.‬‬
‫ولنا أن نلحظ أن قصة شعيب عليه السلم مع قومه‪ ،‬ما كان يجب أن تنتهي إل بأن تأتي فيها لقطة‬
‫من قصة موسى عليه السلم‪ ،‬وهو صهر شعيب عليه السلم‪.‬‬
‫والملحظ أن الحق سبحانه قد ذكر هنا من قصة موسى عليه السلم لقطتين‪:‬‬
‫اللقطة الولى‪ :‬هي الرسال باليات إلى فرعون‪.‬‬
‫واللقطة الثانية‪ :‬هي خاتمة فرعون ل مع موسى عليه السلم‪ ،‬ولكن مع الحق سبحانه يوم القيامة‪،‬‬
‫يقول تعالى‪:‬‬

‫{ َيقْ ُدمُ َق ْومَهُ َيوْمَ ا ْلقِيَامَةِ فََأوْرَدَ ُهمُ النّا َر وَبِئْسَ ا ْلوِرْدُ ا ْل َموْرُودُ * وَأُتْ ِبعُواْ فِي هَـا ِذهِ َلعْ َن ًة وَ َيوْمَ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ا ْلقِيَامَةِ بِئْسَ ال ّر ْفدُ ا ْلمَ ْرفُودُ }[هود‪98 :‬ـ ‪.]99‬‬
‫وكان لشعيب عليه السلم مهمة تثبيت قلب موسى عليه السلم من الهلع‪ ،‬حين أعلن له أنه خائف‬
‫من أن يقتله قوم فرعون لنه قتل رجلً منهم‪ ،‬فقال له شعيب عليه السلم ما ذكره الحق سبحانه‬
‫في قوله‪:‬‬
‫ج ْوتَ مِنَ ا ْل َقوْمِ الظّاِلمِينَ }[القصص‪.]25 :‬‬
‫{ َن َ‬
‫وهكذا ثبّته وهيّأ له حياة يعيش فيها آمنا لمدة ثماني حجج أو أن يتمها عشر حجج‪ ،‬مصداقا لقول‬
‫الحق سبحانه‪:‬‬
‫عشْرا َفمِنْ‬
‫حجَجٍ فَإِنْ أَ ْت َم ْمتَ َ‬
‫علَىا أَن تَأْجُرَنِي َثمَا ِنيَ ِ‬
‫حكَ ِإحْدَى ابْنَ َتيّ هَاتَيْنِ َ‬
‫{ قَالَ إِنّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِ َ‬
‫شقّ عَلَ ْيكَ سَ َتجِدُنِي إِن شَاءَ اللّهُ مِنَ الصّالِحِينَ * قَالَ ذَِلكَ بَيْنِي وَبَيْ َنكَ أَ ّيمَا‬
‫ك َومَآ أُرِيدُ أَنْ أَ ُ‬
‫عِن ِد َ‬
‫ي وَاللّهُ عَلَىا مَا َنقُولُ َوكِيلٌ }[القصص‪27 :‬ـ ‪.]28‬‬
‫الَجَلَيْنِ َقضَ ْيتُ فَلَ عُ ْدوَانَ عََل ّ‬
‫وهكذا باشر شعيب عليه السلم مهمة في قصة موسى عليه السلم‪.‬‬
‫ومن هذا ومن ذلك يعطينا الحق سبحانه الدرس بأن الفطرة السليمة لها تقنينات قد تلتقي مع قانون‬
‫السماء؛ لن الحق سبحانه ل يمنع عقول البشر أن تصل إلى الحقيقة‪ ،‬لكن العقول قد تصل إلى‬
‫الحقيقة بعد مرارة من التجربة‪ ،‬مثلما قنّن الحق سبحانه الطلق في السلم‪ ،‬ثم أخذت به بلد‬
‫أخرى غير مسلمة بعد أن عانت مُرّ المعاناة‪.‬‬
‫ومثلما حرّم الحق سبحانه الخمر‪ ،‬ثم أثبت العلم مضارها على الصحة‪ ،‬فهل كنا مطالبين بأن‬
‫نؤجل حكم ال تعالى إلى أن يهتدي العقل إلى تلك النتائج؟‬
‫ل؛ لن الحق سبحانه قد أنزل في القرآن قانون السماء الذي يقي النسان شر التجربة؛ لن الذي‬
‫أنزل القرآن سبحانه هو الذي خلقنا وهو مأمون علينا‪ ،‬وقد أثبتت اليام صدق حكم ال تعالى في‬
‫كل ما قال بدليل أن غير المؤمنين بالقرآن يذهبون إلى ما نزل به القرآن ليطبقوه‪.‬‬
‫وفي قصة موسى عليه السلم مثل واضح على مشيئة الحق سبحانه‪ ،‬فها هو فرعون الكافر قد قام‬
‫بتربية موسى بعد أن التقطه لعله يكون قرة عين له‪ ،‬رغم أن فرعون كان يُقتّل أطفال تلك‬
‫الطائفة‪.‬‬
‫ثم تلحظ أخت موسى أخاها‪ ،‬ويرد الحق سبحانه موسى عليه السلم إلى أمه‪.‬‬
‫وقد صوّر الشاعر هذا الموقف بقوله‪:‬إذا لَمْ تُصا ِدفْ في بَنِيكَ عِنَايةً مِنَ الِ فقدْ كَذبَ الرّاجِي‬
‫سلُوقد جاءت قصة‬
‫وخَابَ المأمُلفَمُوسَى الذي رَبّاهُ جِبريلُ كافرٌ ومُوسَى الذي ربّاه فِرْعونُ مُر َ‬
‫موسى عليه السلم هنا موجزة‪ ،‬في البداية وفي النهاية؛ ليبيّن لنا الحق سبحانه أن لشعيب دورا‬
‫مع واحد من أولي العزم من الرسل‪ ،‬وهو موسى عليه السلم‪،‬‬
‫وكان مقصود موسى عليه السلم قبل أن يبعث ـ هو ماء مدين‪ ،‬فحدث ما يمكن أن نجد فيه حلً‬
‫لمشاكل الجنسين ـ الرجل والمرأة ـ وهي رأس الحربة التي تُوجّه إلى المجتمعات السلمية؛‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لن البعض يريد أن تتبذل المرأة في مفاتنها‪ ،‬لغواء الشباب في أعز أوقات شراسة المراهقة‪.‬‬
‫حلّ هذه المسألة في رحلة بسيطة‪ ،‬ولنقرأ قول الحق سبحانه عن موسى‪:‬‬
‫لكن القرآن َ‬
‫ن َووَجَدَ مِن دُو ِنهِمُ امْرَأَتَينِ تَذُودَانِ }‬
‫سقُو َ‬
‫جدَ عَلَيْهِ ُأمّةً مّنَ النّاسِ َي ْ‬
‫ن وَ َ‬
‫{ وََلمّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَ َ‬
‫[القصص‪.]23 :‬‬
‫أي‪ :‬تمنعان الماشية من القتراب من المياه‪ ،‬وكان هذا المشهد مُلْفتا لموسى عليه السلم‪ ،‬وكان من‬
‫الطبيعي أن يتساءل‪ :‬ألم تأتيا إلى هنا لتسقيا الماشية؟! وقال القرآن السؤال الطبيعي‪:‬‬
‫{ مَا خَطْ ُب ُكمَا }[القصص‪.]23 :‬‬
‫فتأتيه الجابة من المرأتين‪:‬‬
‫سقِي حَتّىا ُيصْدِرَ الرّعَآ ُء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ }[القصص‪.]23 :‬‬
‫{ قَالَتَا لَ َن ْ‬
‫وهكذا نعلم أن خروج المرأة له علة أن الب شيخ كبير‪ ،‬وأن خروج المرأتين لم يكن بغرض‬
‫المزاحمة على الماء‪ ،‬ولكن بسبب الضرورة‪ ،‬وانتظرتا إلى أن يسقي الرعاة‪ ،‬بل ظلّتا محتجبتين‬
‫بعيدا؛ لذلك تقدم موسى عليه السلم ليمارس مهمة الرجل‪:‬‬
‫سقَىا َل ُهمَا }[القصص‪.]24 :‬‬
‫{ َف َ‬
‫وهذه خصوصية المجتمع اليماني العام‪ ،‬ل خصوصية قوم‪ ،‬ول خصوصية قربى‪ ،‬ول خصوصية‬
‫أهل‪ ،‬بل خصوصية المجتمع اليماني العام‪.‬‬
‫فساعة يرى النسان امرأة قد خرجت إلى العمل‪ ،‬فيعرف أن هناك ضرورة ألجأتها إلى ذلك‪،‬‬
‫فيقضي الرجل المسلم لها حاجتها‪.‬‬
‫وأذكر حين ذهبت إلى مكة في عام ‪1950‬م أن نزل صديقي من سيارته أمام باب منزلٍ‪ ،‬وكان‬
‫يوجد أمام الباب لوح من الخشب عليه أرغفة من العجين التي لم تخبز بعد‪ ،‬وذهب به إلى‬
‫المخبز‪ ،‬ثم عاد به بعد خبزه إلى نفس الباب‪ .‬وقال لي‪ :‬إن هذه هي عادة أهل مكة‪ ،‬إن وجد إنسان‬
‫لوحا من العجين غير المخبوز؛ فعليه أن يفعل ذلك؛ لن وجود هذا اللوح أمام الباب إنما يعني أن‬
‫الرجل رب البيت غائب‪.‬‬
‫وهذا كله مأخوذ من كلمة‪:‬‬
‫سقَىا َل ُهمَا }[القصص‪.]24 :‬‬
‫{ َف َ‬
‫وعمر بن الخطاب رضي ال عنه كان يأمر الجنود أن تدق البواب لتسأل أهل البيوت عن‬
‫حاجاتهم‪.‬‬
‫والمر الثالث والمهم هو أن المرأة التي تخرج إلى مهمة عليها أل تستمرىء ذلك‪ ،‬بل تأخذها‬
‫على قدر الضرورة‪ ،‬فإذا وجدت منفذا لهذه الضرورة‪ ،‬فعليها أن تسارع إلى هذا المنفذ‪ ،‬ولذلك‬
‫قالت الفتاة لبيها شعيب‪:‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لمِينُ }[القصص‪.]26 :‬‬
‫{ ياأَ َبتِ اسْتَأْجِ ْرهُ إِنّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَ ْرتَ ا ْل َق ِويّ ا َ‬
‫ويُنهي شعيب عليه السلم هذا الموقف إنهاءً إيمانيا حكيما حازما‪ ،‬فيقول لموسى‪:‬‬
‫عشْرا َفمِنْ‬
‫حجَجٍ فَإِنْ أَ ْت َم ْمتَ َ‬
‫علَىا أَن تَأْجُرَنِي َثمَا ِنيَ ِ‬
‫حكَ ِإحْدَى ابْنَ َتيّ هَاتَيْنِ َ‬
‫{ قَالَ إِنّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِ َ‬
‫عِن ِدكَ }[القصص‪.]27 :‬‬
‫وهكذا يعلم موسى ـ عليه السلم ـ أن شعيبا ل يُلقي بابنته هكذا دون مهر‪ ،‬ل‪ ..‬بل ل بد أن‬
‫يكون لها مهر‪ ،‬وأيضا تصبح أختها محرمة عليه‪.‬‬
‫وهذه القصة وضعت لنا مبادىء تحل كل المشكلت التي يتشدق بها خصوم السلم‪.‬‬
‫وهنا نحن نجد في الغرب صيحات معاصرة تطالب بأن تقوم المرأة بالبقاء في المنزل لرعاية‬
‫السرة والولد؛ ليس لن المرأة ناقصة‪ ،‬ولكن لن كمال المرأة في أداء أسمى مهمة توكل إليها‪،‬‬
‫وهي تربية البناء‪.‬‬
‫ونحن نعلم أن طفولة النسان هي أطول أعمار الطفولة في كل الكائنات‪ ،‬والبناء الذين ينشأون‬
‫برعاية أم متفرغة يكونون أفضل من غيرهم‪.‬‬
‫وهكذا نتعلم من قصة شعيب عليه السلم مع موسى عليه السلم‪.‬‬
‫وهنا يقول الحق سبحانه‪ } :‬وََلقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىا بِآيَاتِنَا {‬

‫(‪)1555 /‬‬
‫وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا وَسُ ْلطَانٍ مُبِينٍ (‪)96‬‬

‫ونحن نعلم أن اليات إذا وردت في القرآن إنما تنصرف إلى ثلثة أشياء‪:‬‬
‫آيات كونية تعاصر كل الناس ويراها كل واحد‪ ،‬مثل آيات الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم‬
‫والرض الخاشعة إذا ما نزل عليها الماء اهتزت وربت‪ ،‬وكلها آيات كونية تلفت العقل إلى النظر‬
‫في أن وراء هذا الكون الدقيق تكوينا هندسيا أقامه إله قادر‪.‬‬
‫وهناك آيات تأتي لبيان صدق الرسول في البلغ عن ال‪ ،‬وهي المعجزات مثل‪ :‬ناقة ثمود‬
‫المبصرة‪ ،‬وشفاء عيسى عليه السلم للكمه والبرص بإذن ال‪.‬‬
‫ثم آيات الحكام التي تبيّن مطلوبات المنهج بـ " افعل " و " ل تفعل "‪.‬‬
‫وهنا قال الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ وََلقَدْ أَ ْرسَلْنَا مُوسَىا بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مّبِينٍ } [هود‪.]96 :‬‬
‫فهناك آيات تدل على صدقه‪ ،‬وفوق ذلك سلطان ظاهر‪ ،‬إما أن يكون سلطانا يقهر الغالب‪ ،‬أو‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫سلطان حجة تقنع العقل‪.‬‬
‫وسلطان القوة قد يقهر الغالب‪ ،‬لكنه ل يقهر القلب‪ ،‬وال سبحانه يريد قلوبا‪ ،‬ل قوالب؛ لذلك قال‬
‫سبحانه لرسوله صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫سمَآءِ آ َيةً فَظَّلتْ أَعْنَا ُقهُمْ َلهَا‬
‫سكَ َألّ َيكُونُواْ ُم ْؤمِنِينَ * إِن نّشَأْ نُنَ ّزلْ عَلَ ْيهِمْ مّنَ ال ّ‬
‫{ َلعَّلكَ بَاخِعٌ ّنفْ َ‬
‫ضعِينَ }[الشعراء‪3 :‬ـ ‪.]4‬‬
‫خَا ِ‬
‫إذن‪ :‬فالحق سبحانه يطلب القلوب ل القوالب‪ ،‬قلوب تأتي إلى ال تعالى طواعية بدون إكراه‪.‬‬
‫لذلك فالسطان الهم هو سلطان الحجة؛ لنه يقنع النسان أن يفعل‪ ..‬ولم يكن لموسى عليه السلم‬
‫ن من القوة ليظهر‪ ،‬بل كان له سلطان الحجة‪ ،‬وهو قول الحق سبحانه‪:‬‬
‫سلطا ٌ‬
‫حقّ‬
‫ن لّ َأقُولَ عَلَى اللّهِ ِإلّ الْ َ‬
‫حقِيقٌ عَلَى أَ ْ‬
‫عوْنُ إِنّي رَسُولٌ مّن ّربّ ا ْلعَاَلمِينَ * َ‬
‫{ َوقَالَ مُوسَىا يافِرْ َ‬
‫سلْ َم ِعيَ بَنِي ِإسْرَائِيلَ }[العراف‪104 :‬ـ ‪.]105‬‬
‫قَدْ جِئْ ُتكُمْ بِبَيّنَةٍ مّن رّ ّبكُمْ فَأَرْ ِ‬
‫فيرد عليه فرعون‪:‬‬
‫عصَاهُ فَِإذَا ِهيَ ُثعْبَانٌ مّبِينٌ *‬
‫{ قَالَ إِن كُنتَ جِ ْئتَ بِآ َيةٍ فَ ْأتِ ِبهَآ إِن كُنتَ مِنَ الصّا ِدقِينَ * فَأَ ْلقَىا َ‬
‫وَنَزَعَ َي َدهُ فَإِذَا ِهيَ بَ ْيضَآءُ لِلنّاظِرِينَ }[العراف‪106 :‬ـ ‪.]108‬‬
‫وبياض اليد مسألة ذاتية في موسى عليه السلم‪ ،‬وطارئة أيضا‪ ،‬فلم تكن مرضا كالبهاق مثلً‪،‬‬
‫بدليل الحتياط في قوله تعالى‪:‬‬
‫حكَ تَخْرُجْ بَ ْيضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ }[طه‪.]22 :‬‬
‫ضمُمْ َي َدكَ إِلَىا جَنَا ِ‬
‫{ وَا ْ‬
‫أما العصا فهي الحجة التي دفعت فرعون إلى أن يأتي بالسحرة‪ ،‬ليغلبهم موسى أمام فرعون‬
‫والمل‪ ،‬فيتبع السحرة موسى ويؤمنوا برب موسى وهارون‪.‬‬
‫ونحن نعلم أن الحق سبحانه قد أرسل موسى عليه السلم بتسع آيات هي‪ :‬العصا التي تصير ثعبانا‬
‫يلقف ما صنع السحرة‪ ،‬واليد البيضاء من غير سوء‪ ،‬ثم أخذ آل فرعون بالسنين‪ ،‬ونقص في‬
‫النفس والثمرات‪ ،‬لن الجدب يمنع الزرع‪ ،‬ونقص الموال يحقق المجاعة‪ ،‬وكذلك أرسل الحق‬
‫سبحانه على قوم فرعون الطوفان والجراد وال ُقمّل والضفادع‪ ،‬هذه هي اليات التسع التي أرسلها‬
‫الحق سبحانه على آل فرعون‪ ،‬بسبب عدم إيمانهم برسالة موسى عليه السلم‪.‬‬
‫وهناك آيات آخرى أرسلها الحق سبحانه لقوم موسى بواسطة موسى عليه السلم؛ هي نتق الجبل‪،‬‬
‫وضرب البحر بالعصا‪ ،‬ثم ضرب الحجر بالعصا لتتفجر اثنتا عشرة عينا‪ ،‬وكذلك نزول التوراة‬
‫في ألواح‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالكلم في اليات التسع المقصود بها اليات التي أرسل بها موسى إلى فرعون‪ ،‬أما هذه‬
‫اليات فقد كانت بعد الخروج من مصر أو مصاحبة له كضرب البحر بالعصا‪.‬‬
‫والدليل على أن قصة موسى مع فرعون خاصة‪ ،‬أن موسى كانت له رسالتان‪ :‬الرسالة الولى مع‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فرعون‪ ،‬والرسالة الثانية مع بني إسرائيل‪.‬‬
‫ولذلك نلحظ أن الحق سبحانه وتعالى يخبرنا في آخر السورة بالخلف بين موسى عليه السلم‬
‫وبني إسرائيل‪:‬‬
‫{ وََلقَدْ آتَيْنَا مُوسَىا ا ْلكِتَابَ فَاخْتُِلفَ فِيهِ }[هود‪.]110 :‬‬
‫إذن‪ :‬فقصته مع بني إسرائيل تأتي بعد إيتائه الكتاب‪ ،‬أي‪ :‬التوراة‪.‬‬
‫وهنا يتكلم الحق سبحانه عن آيات موسى عليه السلم مع فرعون فيقول‪:‬‬
‫} وََلقَدْ أَ ْرسَلْنَا مُوسَىا بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مّبِينٍ { [هود‪.]96 :‬‬
‫أي‪ :‬سلطان محيط ل يدع للخصم مكانا أو فكاكا‪.‬‬
‫عوْنَ َومَلَئِهِ {‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ } :‬إِلَىا فِرْ َ‬

‫(‪)1556 /‬‬
‫عوْنَ بِ َرشِيدٍ (‪)97‬‬
‫ن َومَا َأمْرُ فِرْ َ‬
‫عوْ َ‬
‫عوْنَ َومَلَئِهِ فَاتّ َبعُوا َأمْرَ فِرْ َ‬
‫إِلَى فِرْ َ‬

‫والمل‪ :‬هم القوم الذين يملون العيون‪ ،‬ويتصدرون المجالس‪ .‬ويقال‪ " :‬فلن ملء العين " أي‪ :‬ل‬
‫تقتحمه العيون؛ لنه واضح ظاهر‪.‬‬
‫فالمل ـ إذن ـ هم أشراف القوم‪ ،‬وهم ـ عادة ـ الذين يزينون للطاغية الستخفاف بالرعية‪.‬‬
‫والحق سبحانه يقول‪:‬‬
‫سقِينَ }[الزخرف‪.]54 :‬‬
‫خفّ َق ْومَهُ فَأَطَاعُوهُ إِ ّنهُمْ كَانُواْ َقوْما فَا ِ‬
‫{ فَاسْتَ َ‬
‫وحين يتكلم الحق سبحانه عن فرعون والمل والقوم‪ ،‬نجده يبيّن ويفصل بين المل من جهة‪،‬‬
‫وفرعون من جهة أخرى‪ ،‬وكذلك يفصل بين الفرعون والمل من جهة‪ ،‬والقوم من جهة أخرى‪..‬‬
‫فلكل طرف من تلك الطراف الثلثة أسلوب يعامله الحق سبحانه به‪.‬‬
‫وهنا يبيّن لنا ال سبحانه أن المل قد اتبعوا أمر فرعون‪ ،‬هذا المر الذي يصفه الحق سبحانه‬
‫بقوله‪:‬‬
‫عوْنَ بِرَشِيدٍ } [هود‪.]97 :‬‬
‫{ َومَآ َأمْرُ فِرْ َ‬
‫والرشد يقابله الغيّ‪ ،‬وهذا القول يدلنا على أن المل من قوم فرعون لم يتدارسوا أمر فرعون بتأنّ‪،‬‬
‫ولم تستقبله عقولهم بالبحث‪ ،‬وهم لو فعلوا ذلك لما اتبعوا أمر فرعون‪.‬‬
‫ويبيّن الحق سبحانه لنا عدم رشد أمر فرعون‪ ،‬فهو يذكر لنا ما يحدث له يوم القيامة هو وقومه‪،‬‬
‫فيقول تعالى‪َ { :‬يقْدُمُ َق ْومَهُ َيوْمَ ا ْلقِيَامَةِ }‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫(‪)1557 /‬‬
‫َيقْدُمُ َق ْومَهُ َيوْمَ ا ْلقِيَامَةِ فََأوْرَ َدهُمُ النّارَ وَبِئْسَ ا ْلوِرْدُ ا ْل َموْرُودُ (‪)98‬‬

‫وكلمة " يقدم " هي من مادة " القاف " و " الدال " و " الميم "‪ .‬وعند استخدام هذه المادة في التعبير‬
‫قولً أو كتابة‪ ،‬فهي تدل على القبال بالمواجهة؛ فيقال‪ " :‬قدم فلن " دليل إقباله عليك مواجهة‪.‬‬
‫وإذا قيل‪ " :‬أقبل فلن " فهذا يعني القبال بشيءٍ من العزم‪ .‬و " قدم القوم يقدمهم " أي‪ :‬أنهم‬
‫يتقدمون في اتجاه واحد‪ ،‬ومن يقودهم يتقدمهم‪.‬‬
‫ويُفهم من هذا أن فرعون اتبعه المل‪ ،‬والقوم اتبعوا المل وفرعون‪ ،‬وما داموا قد اتّبعوه في‬
‫الولى؛ فل بد أن يتبعوه في الخرة‪.‬‬
‫ويأتي القرآن بآيات ويُبيّنها‪ ،‬مثل قول الحق سبحانه‪:‬‬
‫شدّ‬
‫جهَنّمَ جِثِيّا * ُثمّ لَنَنزِعَنّ مِن ُكلّ شِيعَةٍ أَ ّي ُهمْ أَ َ‬
‫ح ْولَ َ‬
‫حضِرَ ّنهُمْ َ‬
‫حشُرَ ّنهُ ْم وَالشّيَاطِينَ ثُمّ لَنُ ْ‬
‫{ َفوَرَ ّبكَ لَنَ ْ‬
‫حمَـانِ عِتِيّا * ُثمّ لَ َنحْنُ أَعْلَمُ بِالّذِينَ ُهمْ َأوْلَىا ِبهَا صِلِيّا }[مريم‪68 :‬ـ ‪.]70‬‬
‫عَلَى الرّ ْ‬
‫فالحق سبحانه ينزع من كل جماعة الشد فتوة وسطوة‪ ،‬ويلقيه في النار‪ ،‬لنه أعلم بمن يجب أن‬
‫َيصْلَى السعير‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ وَإِن مّنكُمْ ِإلّ وَارِ ُدهَا كَانَ عَلَىا رَ ّبكَ حَتْما ّم ْقضِيّا * ثُمّ نُ َنجّي الّذِينَ ا ّتقَو ْا وّنَذَرُ الظّاِلمِينَ فِيهَا‬
‫جِثِيّا }[مريم‪71 :‬ـ ‪.]72‬‬
‫ولم يقل الحق سبحانه‪ " :‬وإنْ منهم إلّ واردُها "‪.‬‬
‫ل وَارِدُهَا }[مريم‪.]71 :‬‬
‫وإنما قال‪ {:‬وَإِن مّن ُكمْ ِإ ّ‬
‫وبذلك عمّم الخطاب للكل‪ ،‬أو أنه يستحضر الكفار ويترك المؤمنين بمعزل‪.‬‬
‫وهنا يقول الحق سبحانه عن قوم فرعون‪:‬‬
‫{ فََأوْرَ َدهُمُ النّا َر وَبِئْسَ ا ْلوِرْدُ ا ْل َموْرُودُ } [هود‪.]98 :‬‬
‫وحين تكلم كتاب ال الكريم عن " الورود " ‪ ،‬وهو الكتاب الذي نزل بلسان عربي مبين‪ ،‬نجد أن‬
‫الورود يأتي بمعنى الذهاب إلى الماء دون شرب من الماء‪ ،‬قلت‪ " :‬وردَ يردُ ورودا " ‪ ،‬وإن أردت‬
‫التعبير عن شرب الماء مع الورود‪ ،‬فقل‪ " :‬وردَ ير ُد وِرْدا " بدليل أن الحق سبحانه يقول هنا‪:‬‬
‫{ وَبِئْسَ ا ْلوِ ْردُ ا ْل َموْرُودُ } [هود‪.]98 :‬‬
‫أي‪ :‬إنهم يشعرون بالبؤس لحظة أن يروا ماء جهنم ويشربون منه‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فكلمة " الوِرْد " تطلق على عملية الشرب من الماء‪ ،‬وقد تطلق على ذات الورادين مثل قوله‪:‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫جهَنّ َم وِرْدا }[مريم‪.]86 :‬‬
‫{ وَنَسُوقُ ا ْلمُجْ ِرمِينَ إِلَىا َ‬
‫ضعْنَ‬
‫جمَامُ ُه َو َ‬
‫وقد قال الشاعر الجاهلي زهير بن أبي سلمى في معلقته‪:‬فَلمّا وَرَدْنَ الماءَ زُرقا ِ‬
‫صيّ الحاضِرِ اُلمَتَخ ّيمِوالشاعر هنا يصف ال ّركْب ساعة يرى المياه الزرقاء الخالية من أي شيء‬
‫ع ِ‬
‫ِ‬
‫يعكرها أو يُكدّرها‪ ،‬فوضع القوم عصا الترحال‪.‬‬
‫وكان الغالب قديما أن يحمل كل من يسير عصا في يده‪ ،‬مثل موسى عليه السلم حين قال‪:‬‬
‫عصَايَ أَ َت َوكّأُ عَلَ ْيهَا وَأَهُشّ ِبهَا عَلَىا غَ َنمِي وَِليَ فِيهَا مَآ ِربُ ُأخْرَىا }[طه‪.]18 :‬‬
‫{ ِهيَ َ‬
‫ويقول الشاعر‪:‬فألقتْ عصَاها واستقرّ بها ال ّنوَى كمَا قَرّ عينا بالياب المُسَافرُ‬
‫فساعة رأى الركب المياه زرقاء‪ ،‬فهذا يعني أنها مياه غير مكدّرة‪.‬‬
‫ونحن نعلم أن المياه ل لون لها‪ ،‬ولكنها توصف بالزّرْقة إن كانت خالية من الشوائب‪ ،‬شديدة‬
‫الصفاء‪ ،‬فتنعكس عليها صورة السماء الزرقاء‪.‬‬
‫والشاعر يصف قومه ساعة أن وصلوا إلى الماء الصافي وتوقفوا وأقاموا في المكان‪.‬‬
‫وهكذا نجد أن الورود يعني الذهاب إلى الماء دون الشرب منه‪ .‬والورد للماء يُفرح النفس أولً‪ ،‬ثم‬
‫يورده ويرويه ما يشربه منها‪ ،‬ومن يرد الماء ل شك أنه يعاني من ظمأ يريد أن يرويه‪ ،‬وحرارة‬
‫كبد يريد أن يبردها‪.‬‬
‫وهنا يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫} وَبِئْسَ ا ْلوِ ْردُ ا ْل َموْرُودُ { [هود‪.]98 :‬‬
‫وفي هذا تهكم شديد‪ ،‬لنهم ـ قوم فرعون ـ ساعة يرون الماء يشعرون بقرب ري الظمأ وإبراد‬
‫الحرارة‪ ،‬ولكنهم يشربون من ماء جهنم‪ ،‬فبئس ما يشربون‪ ،‬فهو يُطمعهم أولً‪ ،‬ثم يؤيسهم بعد‬
‫ذلك‪.‬‬
‫كما في قوله سبحانه‪:‬‬
‫شوِي الْوجُوهَ }[الكهف‪.]29 :‬‬
‫{ وَإِن َيسْ َتغِيثُواْ ُيغَاثُواْ ِبمَآءٍ كَا ْل ُم ْهلِ يَ ْ‬
‫فهم ساعة يسمعون كلمة " يغاثوا " يفهمون أن هناك فرجا قادما لهم‪ ،‬فإذا ما علموا أنه ماء كالمهل‬
‫يشوي الوجوه‪ ،‬عانوا من مرارة التهكم‪.‬‬
‫ول المثل العلى‪ :‬فأنت تجد من يدعوك لطايب الطعام‪ ،‬وبعد ذلك تغسل يديك‪ ،‬فيلح عليك من‬
‫دعاك إلى تناول الحلوى‪ ،‬فتستشرف نفسك إلى تناول الحلوى‪ ،‬بينما يكون من دعاك قد أوصى‬
‫الطباخ أن يخلط الحلوى بنبات " الشطة " فيلتهب جوفك؛ أليس في هذا تهكم شديد؟!‬
‫والحق سبحانه يبيّن لهم أن الورد إنما جاء لترطيب الكبد‪ ،‬لكن أكبادهم ستشتعل بما تشربونه من‬
‫هذا الماء‪ ،‬وكذلك الطعام الذي يأكله أهل النار‪.‬‬
‫والحق سبحانه يقول‪:‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫غسْلِينٍ }[الحاقة‪.]36 :‬‬
‫طعَامٌ ِإلّ مِنْ ِ‬
‫{ َولَ َ‬
‫وهكذا تصير النكبة نكبتين‪.‬‬
‫وبعض الناس قد فهم قول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ وَإِن مّنكُمْ ِإلّ وَارِ ُدهَا }[مريم‪.]71 :‬‬
‫بمعنىأنهم جميعا سوف يَرِدون جهنم‪.‬‬
‫ولكن الحق سبحانه يقول أيضا‪:‬‬
‫{ ُثمّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالّذِينَ ُهمْ َأوْلَىا ِبهَا صِلِيّا }[مريم‪.]70 :‬‬
‫إذن‪ :‬فالحق سبحانه يعطي لكل الناس صورة للنار‪ ،‬فإذا رأى المؤمنون النار وتسعّرها‪ ،‬ولم‬
‫يدخلوها‪ ،‬عرفوا كيف نجّتهم كلمة اليمان منها فيحمدون ال سبحانه وتعالى على النجاة‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه بعد ذلك‪ } :‬وَأُتْ ِبعُواْ فِي هَـا ِذهِ َلعْنَةً وَيَوْمَ ا ْلقِيَامَةِ {‬

‫(‪)1558 /‬‬
‫وَأُتْ ِبعُوا فِي َه ِذهِ َلعْنَ ًة وَ َيوْمَ ا ْلقِيَامَةِ بِئْسَ ال ّر ْفدُ ا ْلمَ ْرفُودُ (‪)99‬‬

‫أي‪ :‬أن اللعنة قد بقيت لهم‪ ،‬وما زلنا نحن المسلمين نلعنهم إلى الن‪ ،‬ثم يصيرون إلى اللعنة‬
‫الكبرى‪ ،‬وهي لعنة يوم القيامة‪ { :‬بِ ْئسَ ال ّرفْدُ ا ْلمَ ْرفُودُ } [هود‪ ]99 :‬والرفد‪ :‬هو الغطاء‪ ،‬فهل تعد‬
‫اللعنة في الخرة عطاءً؟‬
‫إن هذا تهكم منهم أيضا‪ ،‬مثلها مثل قول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ وَبِئْسَ ا ْلوِ ْردُ ا ْل َموْرُودُ }[هود‪.]98 :‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪ { :‬ذَِلكَ مِنْ أَنْبَآءِ ا ْلقُرَىا }‬

‫(‪)1559 /‬‬
‫حصِيدٌ (‪)100‬‬
‫ذَِلكَ مِنْ أَنْبَاءِ ا ْلقُرَى َن ُقصّهُ عَلَ ْيكَ مِ ْنهَا قَائِمٌ وَ َ‬

‫وقد أهلك الحق سبحانه تلك القرى بالعذاب؛ لنها كذّبت أنبياءها‪ .‬والخطاب موجّه لرسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم لتثبيت فؤاده‪ ،‬والحق سبحانه إنما يبيّن له أن الكافرين لن يكونوا بمنجىً من‬
‫العذاب؛ كما أخذ ال سبحانه المم السابقة الكافرة بالعذاب‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ َن ُقصّهُ عَلَ ْيكَ } [هود‪.]100 :‬‬
‫يتطلب أن نفرّق بين المعنى الشائع عن القصة‪ ،‬والمعنى الحقيقي لها‪ ،‬فبعض الناس يقول‪ :‬إن‬
‫القرآن فيه قصص‪ ،‬والقصص عادة تمتلىء بالتوسع‪ ،‬وتوضع فيها أحداث خيالية من أجل الحبكة‪.‬‬
‫ولهؤلء نقول‪ :‬أنتم لم تفهموا معنى كلمة " القصة " في اللغة العربية‪ ،‬لنها تعني ـ في لغتنا ـ‬
‫اللتزام الحرفي بما كان فيها من أحداث‪ ،‬فهي مأخوذة من كلمة‪ " :‬قصّ الثر " ‪ ،‬ومن يقص الثر‬
‫إنما يتتبع مواقع القدام إلى أن يصل إلى الشيء المراد‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فقصص القرآن يتقصى الحقائق ول يقول غيرها‪ ،‬أما ما اصطُلح عليه من عرف العامة أنه‬
‫قصص‪ ،‬بما في تلك القصص من خيالت وعناصر مشوقة‪ ،‬فهذا ما يُسمّى ـ لغويا ـ بالروايات‪،‬‬
‫ول يُعتبر قصصا‪.‬‬
‫وقصص الهلك للمم التي كفرت إنما هو عبرة لمن ل يعتبر‪ ،‬والناس تعلم أن ما رواه القرآن‬
‫من قصص هو واقع تدل عليه آثار الحضارات التي اندثرت‪ ،‬وبقيت منها بقايا أحجار ونقوش‬
‫على المقابر‪.‬‬
‫ونحن نجد في آثار الحضارات السابقة ما هو قائم من بقايا أعمدة ونقوش‪ ،‬ومنها ما هو مُحطّم‪.‬‬
‫ولذلك يقول الحق سبحانه في موضع آخر من القرآن‪:‬‬
‫{ وَإِ ّنكُمْ لّ َتمُرّونَ عَلَ ْي ِهمْ ّمصْبِحِينَ * وَبِالّ ْيلِ َأفَلَ َت ْعقِلُونَ }[الصافات‪137 :‬ـ ‪.]138‬‬
‫أي‪ :‬أنكم تشاهدون من الثار ما هو قائم وما هو حطيم‪.‬‬
‫سهُمْ }‬
‫ظَلمُواْ أَنفُ َ‬
‫ويقول الحق سبحانه عن تلك القرى‪َ { :‬ومَا ظََلمْنَاهُ ْم وَلَـاكِن َ‬

‫(‪)1560 /‬‬
‫شيْءٍ َلمّا‬
‫سهُمْ َفمَا أَغْ َنتْ عَ ْنهُمْ آَِلهَ ُتهُمُ الّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ مِنْ َ‬
‫َومَا ظََلمْنَاهُمْ وََلكِنْ ظََلمُوا أَ ْنفُ َ‬
‫ك َومَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (‪)101‬‬
‫جَاءَ َأمْرُ رَ ّب َ‬

‫ويبيّن الحق سبحانه هنا أنه حين أخذ تلك القوام بالعذاب لم يظلمهم؛ لن معنى الظلم أن يكون‬
‫لنسانٍ الحق‪ ،‬فتسلبه هذا الحق‪.‬‬
‫وفي واقع المر أن تلك المم التي كفرت وأخذها ال بالعذاب‪ ،‬هي التي ظلمت نفسها بالشرك‪،‬‬
‫وكذّبت تلك القوام الرسل الذين جاءوا وفي يد كل منهم دليل الصدق وأمارات الرسالة‪.‬‬
‫وهكذا ظلم هؤلء الكفار أنفسهم؛ لذلك ل بد أن نعلم أن الحق سبحانه مُنزّه عن أن يظلم أحدا‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وهم حين أشركوا بال ـ تعالى ـ آلهة أخرى‪ ،‬لماذا لم تتحرك تلك اللهة المزعومة وتتدخل‬
‫لتحمي مَنْ آمنوا بها؟!‬
‫ويخبرنا الحق سبحانه أن الحجارة التي عبدوها تلعنهم‪ ،‬وهم في النار‪ ،‬وهذه الحجار تكون وقودا‬
‫للنار‪.‬‬
‫والحق سبحانه يقول عن النار‪:‬‬
‫س وَا ْلحِجَا َرةُ }[البقرة‪.]24 :‬‬
‫{ فَا ّتقُواْ النّارَ الّتِي َوقُودُهَا النّا ُ‬
‫وهؤلء الذين عبدوا واحدا من الناس أو بعضا من الصنام‪ ،‬إنما تجنّوا‪ ،‬بالجهل على هذا النسان‬
‫الذي عبدوه أو تلك الحجار التي صلّوا لها أو قدّسوها‪.‬‬
‫والشاعر المسلم تأمل غار حراء وغار ثور ـ وكلمها من الحجار ـ فوجد أن غار حراء قد‬
‫شهد نزول الوحي على الرسول صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وغار ثور حمى رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم حين اختفى فيه ومعه الصديق أبو بكر في أثناء الهجرة من مكة إلى المدينة‪،‬ـ فتخيل‬
‫سدْنَا حِراءً حينَ يَرى الرّوحَ أمينا َيغْزُوكَ‬
‫الشاعر أن غار ثور قد حسد غار حراء وقال‪:‬كَمْ حَ َ‬
‫حجَارِفغار حراء شهد جبريل عليه السلم‬
‫بالنْوَا ِرفَحِرَا ٌء و َثوْرٌ صَارَا سَواءً بِهما تَشفّ ْع لمّةِ ال ْ‬
‫وهو يهبط بالنور على محمد صلى ال عليه وسلم‪ ،‬لكن غار ثور نال أيضا الشرف لحمايته‬
‫الرسول في الهجرة‪.‬‬
‫ل كمَا‬
‫جهْ ً‬
‫ويقول الشاعر على لسان الحجار‪:‬عَبَدُونا ونَحْنُ أعْبَدُ لِ مِنَ القائِمينَ بالسْحَا ِر َقدْ تَجنّوا َ‬
‫ح َمةُ ال َغفّارِوهكذا ل تُغني‬
‫قَدْ تجَنّوا علَى ابنِ مَرْيَمَ والحوَارِيلِل ُمغَالِي جَزَاؤ ُه وال ُمغَالَى فيهِ تُنْجِيهِ رَ ْ‬
‫عنهم آلهتهم المعبودة شيئا سواء أكانت بشرا أم حجارة‪ ،‬لم تُغنِ عنهم شيئا ولم ترفع عنهم العذاب‬
‫الذي تلقوه عقابا في الدنيا وسعيرا في الخرة‪ ،‬وإذا كانوا قد دعوهم من دون ال في الدنيا‪ ،‬فحين‬
‫جاء العذاب لم تتقدم تلك اللهة لتحميهم من العذاب‪.‬‬
‫ويُنهي الحق سبحانه الية الكريمة بقوله‪:‬‬
‫{ َومَا زَادُو ُهمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ } [هود‪.]101 :‬‬
‫أي‪ :‬أن تخلّي تلك اللهة التي أشركوها مع ال تعالى أو عبدوها من دون ال‪ ..‬هذا التخلي يزيدهم‬
‫ألما وإهلكا نفسيا وتخسيرا‪ ،‬لن التتبيب هو القطع والهلك‪.‬‬
‫والحق سبحانه يقول‪:‬‬
‫ب وَ َتبّ }[المسد‪.]1 :‬‬
‫{ تَ ّبتْ َيدَآ أَبِي َل َه ٍ‬
‫كذلك الخذ الذي أخذ ال به القرى التي كذّبت أنبياءها‪.‬‬
‫لذلك يقول الحق سبحانه بعد ذلك‪َ { :‬وكَذاِلكَ أَخْذُ رَ ّبكَ }‬

‫(‪)1561 /‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫شدِيدٌ (‪)102‬‬
‫خذَ ا ْلقُرَى وَ ِهيَ ظَاِلمَةٌ إِنّ َأخْ َذهُ َألِيمٌ َ‬
‫خذُ رَ ّبكَ إِذَا أَ َ‬
‫َوكَذَِلكَ أَ ْ‬

‫أي‪ :‬أن الخذ الذي أخذ به ال القرى الكافرة‪ ،‬إنما هو مثل حي لكل من يكفر‪.‬‬
‫والحق سبحانه يقول‪:‬‬
‫سمٌ لّذِى حِجْرٍ }‬
‫شفْ ِع وَا ْلوَتْرِ * وَالّ ْيلِ ِإذَا يَسْرِ * َهلْ فِي ذَِلكَ قَ َ‬
‫{ وَا ْلفَجْرِ * وَلَيالٍ عَشْرٍ * وَال ّ‬
‫[الفجر‪1 :‬ـ ‪.]5‬‬
‫أي‪ :‬أن الحق سبحانه يقسم لعل كل صاحب عقلٍ يستوعب ضرورة اليمان‪ ،‬ويضرب المثلة‬
‫بالقوم الذين جاءهم الخذ بالعذاب‪ ،‬فيقول سبحانه‪:‬‬
‫{ أََلمْ تَرَ كَ ْيفَ َف َعلَ رَ ّبكَ ِبعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ ا ْل ِعمَادِ * الّتِي لَمْ ُيخْلَقْ مِثُْلهَا فِي الْبِلَدِ * وَ َثمُودَ الّذِينَ‬
‫ط َغوْاْ فِي الْبِلَدِ * فََأكْثَرُواْ فِيهَا ا ْلفَسَادَ *‬
‫لوْتَادِ * الّذِينَ َ‬
‫عوْنَ ذِى ا َ‬
‫جَابُواْ الصّخْرَ بِا ْلوَادِ * َوفِرْ َ‬
‫عذَابٍ * إِنّ رَ ّبكَ لَبِا ْلمِ ْرصَادِ }[الفجر‪6 :‬ـ ‪.]14‬‬
‫سوْطَ َ‬
‫صبّ عَلَ ْي ِهمْ رَ ّبكَ َ‬
‫َف َ‬
‫فهو سبحانه قد أخذ كل هؤلء أخذ العزيز المقتدر‪.‬‬
‫وقوله سبحانه هنا‪:‬‬
‫{ َوكَذاِلكَ } [هود‪.]102 :‬‬
‫خ َذتْ به القرى التي كذّبت رسلها‪ ،‬فظلمت نفسها‪.‬‬
‫أي‪ :‬مثل الخذ الذي أ ِ‬
‫والخذ هنا عقاب على العمل‪ ،‬بدليل أنه أنجى شعيبا عليه السلم وأخذ قومه بسبب ظلمهم‪ ،‬فالذات‬
‫النسانية بريئة‪ ،‬ولكن الفعل هو الذي يستحق العقاب‪.‬‬
‫ومثال ذلك‪ :‬نجده في قصة نوح عليه السلم حين قال له الحق سبحانه‪:‬‬
‫ع َملٌ غَيْ ُر صَالِحٍ }[هود‪.]46 :‬‬
‫{ إِنّهُ لَيْسَ مِنْ َأهِْلكَ إِنّهُ َ‬
‫فالذي وضع ابن نوح في هذا الموضع هو أن عمله غير صالح؛ لذلك فل يقولن نوح‪ :‬إنه ابني‪.‬‬
‫فليس الهلك بعلّة الذات والدم والقرابة‪ ،‬بل الهلك بعلة العمل‪ ،‬فأنت ل تكره شخصا يشرب‬
‫الخمر لذاته‪ ،‬وإنما تكرهه لعمله‪ ،‬ونحن نعلم أن البنوة للنبياء ليست بنوة الذوات‪ ،‬وإنما بنوة‬
‫العمال‪.‬‬
‫وكذلك نجد الحق سبحانه ينبه إبراهيم عليه السلم أل يدعو لكل ذريته‪ ،‬فحين كرّم الحق سبحانه‬
‫إبراهيم عليه السلم وقال‪:‬‬
‫{ إِنّي جَاعُِلكَ لِلنّاسِ ِإمَاما }[البقرة‪.]124 :‬‬
‫جاء الطلب والدعاء من إبراهيم عليه السلم ل تعالى‪:‬‬
‫{ َومِن ذُرّيّتِي }[البقرة‪.]124 :‬‬
‫لن إبراهيم عليه السلم أراد أن تمتد المامة إلى ذريته أيضا‪ ،‬فجاء الرد من ال سبحانه‪:‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫عهْدِي الظّاِلمِينَ }[البقرة‪.]124 :‬‬
‫{ لَ يَنَالُ َ‬
‫وظلت هذه القضية في بؤرة شعور إبراهيم عليه السلم‪ ،‬وعلم تماما أن البنوّة للنبياء ليست بنوة‬
‫ذوات‪ ،‬بل هي بنوة أعمال‪.‬‬
‫ولذلك نجد دعاء إبراهيم عليه السلم حين نزل بأهله في وادٍ غير ذي زرع‪ ،‬وقال‪:‬‬
‫ج َعلْ هَـاذَا بَلَدا آمِنا وَارْ ُزقْ أَهْلَهُ مِنَ ال ّثمَرَاتِ }[البقرة‪.]126 :‬‬
‫{ َربّ ا ْ‬
‫وهنا انتبه إبراهيم عليه السلم وأضاف‪:‬‬
‫{ مَنْ آمَنَ مِ ْنهُمْ }[البقرة‪.]126 :‬‬
‫فجاء الرد من الحق سبحانه موضحا خطأ القياس؛ لن الرزق عطاء ربوبية يستوي فيه المؤمن‬
‫والكافر‪ ،‬والطائع والعاصي؛ فل تخلط بين عطاء الربوبية وعطاء اللوهية؛ لن عطاء اللوهية‬
‫تكليف‪ ،‬وعطاء الربوبية رزق‪ ،‬لذلك قال الحق سبحانه‪:‬‬
‫ضطَ ّرهُ إِلَىا عَذَابِ النّا ِر وَبِئْسَ ا ْل َمصِيرُ }‬
‫{ َومَن َكفَرَ فَُأمَ ّتعُهُ قَلِيلً ثُمّ َأ ْ‬
‫[البقرة‪.]126 :‬‬
‫فأنت يا إبراهيم دعوتَ برزق الهل بالثمرات لمن آمن‪ ،‬لن بؤرة شعورك تعي الدرس‪ ،‬لكن‬
‫هناك فرقا بين عطاء اللوهية في التكليف‪ ،‬وعطاء الربوبية في الرزق‪ ،‬فمن كفر سيرزقه ربه‪،‬‬
‫ويمتعه قليلً ثم يكون له حساب آخر‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فأخْذُ الحق سبحانه للظالمين بكفرهم هو عنف التناول لمخالفٍ‪ ،‬وتختلف قوة الخذ بقوة‬
‫الخذ‪ ،‬فإذا كان الخذ هو ال سبحانه‪ ،‬فهو أخْذ عزيز مقتدر‪.‬‬
‫وهو أخذ لمن ظلموا أنفسهم بقمة الظلم وهو الكفر‪ ،‬وإن كان الظلم لحقوق الخرين فهو فسق‪،‬‬
‫وأيضا ظلم النفس فسق؛ لن الحق سبحانه حين يُحرّم عليك أن تظلم غيرك فهو قد حرّم عليك‬
‫أيضا ظلم نفسك‪.‬‬
‫ويصف الحق سبحانه أخذه للظالمين بقوله‪:‬‬
‫خ َذهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ { [هود‪.]102 :‬‬
‫} إِنّ أَ ْ‬
‫أي‪ :‬أن أخذه موجع على قدر طلقة قدرته سبحانه‪.‬‬
‫و َهبْ أن إنسانا أساء إلى إنسان‪ ،‬فالحق سبحانه أعطى هذا النسان أن يرد السيئة بسيئة‪ ،‬حتى ل‬
‫تتراكم النفعالت وتزداد‪.‬‬
‫لذلك يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ وَإِنْ عَاقَبْ ُتمْ َفعَاقِبُواْ ِبمِ ْثلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ }[النحل‪.]126 :‬‬
‫حتى ل تبيت انفعالتك عندك قهرا‪ ،‬ولكن من كان لديه قوة ضبط النزوع فعليه أن ينظر في قول‬
‫الحق سبحانه‪:‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ظمِينَ ا ْلغَيْظَ }[آل عمران‪.]134 :‬‬
‫{ وَا ْلكَا ِ‬
‫إذن‪ :‬فإما أن ترد السيئة بعقاب مماثل لها‪ ،‬وإما أن تكظم غيظك‪ ،‬أي‪ :‬ل تُترجم غيظك إلى عمل‬
‫نزوعي‪ ،‬وإما أن ترتقي إلى الدرجة العلى وهي أن تعفو؛ لن ال تعالى يحب من يحسن بالعفو‪.‬‬
‫ولذلك حين سألوا الحسن البصري‪ :‬كيف يُحسِن النسان إلى من أساء إليه؟‬
‫أجاب‪ :‬إذا أساء إليك عبد‪ ،‬ألَ يُغضب ذلك ربه منه؟ قالوا‪ :‬نعم‪ .‬قال‪ :‬وحين يغضب ال من الذي‬
‫أساء إليك؛ أل يقف إلى جانبك؛ أفل تحُسِن إلى من جعل ال يقف إلى جانبك؟‬
‫ولهذا السبب يُروى عن أحد الصالحين أنه سمع أن شخصا اغتابه؛ فأهدى إليه ـ مع خادمه ـ‬
‫طبقا من بواكير الرطب‪ ،‬وتعجب الخادم متسائلً‪ :‬لماذا تهديه الرطب وقد اغتابك؟‬
‫قال العارف بال‪ :‬بَّلغْهُ شكري وامتناني لنه تصدّق عليّ بحسناته عندما اغتابني‪ ،‬وحسناته ـ بل‬
‫شك ـ أنفَسُ من هذا الرطب‪.‬‬
‫ولذلك يقال‪ :‬إن الذي يعفو أذكى فهما ممن عاقب‪ ،‬لن الذي يعاقب إنما يعاقب بقوته؛ والذي يعفو‬
‫فهو الذي يترك العقاب لقوة ال تعالى‪ ،‬وهي قوة ل متناهية‪.‬‬
‫وهكذا نفهم قول الحق سبحانه‪:‬‬
‫شدِيدٌ { [هود‪.]102 :‬‬
‫} َوكَذاِلكَ َأخْذُ رَ ّبكَ إِذَا َأخَذَ ا ْلقُرَىا وَ ِهيَ ظَاِل َمةٌ إِنّ َأخْ َذهُ أَلِيمٌ َ‬
‫أي‪ :‬أخذٌ موجعٌ على قدر قوة ال سبحانه؛ وهو أخذ شديد؛ لن الشدة تعني‪ :‬جمع الشيء إلى‬
‫الشيء بحيث يصعب انفكاكه؛ أو أن تجمع شيئين معا وتقبضهما بحيث يصعب تحلل أي منهما‬
‫عن الخر‪.‬‬
‫وهذه أقوى غاية القوة‪.‬‬
‫عذَابَ الخِ َرةِ {‬
‫ك ليَةً ّلمَنْ خَافَ َ‬
‫ويقول الحق سبحانه بعد ذلك‪ } :‬إِنّ فِي ذاِل َ‬

‫(‪)1562 /‬‬
‫شهُودٌ (‪)103‬‬
‫جمُوعٌ لَهُ النّاسُ وَذَِلكَ َيوْمٌ مَ ْ‬
‫إِنّ فِي ذَِلكَ لَآَ َيةً ِلمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآَخِ َرةِ ذَِلكَ َيوْمٌ مَ ْ‬

‫من يخاف عذاب الخرة‪ ،‬فإن هذه اليات التي تخبر عن الذي حدث للمم السابقة‪ ،‬إنما تلفته إلى‬
‫ضرورة اليمان بأن ال سبحانه يحاسب كل إنسان على اليمان وعلى العمل‪.‬‬
‫ومن يسمع لقصص القوام السابقة؛ ويعتبر بما جاء فيها؛ وينتفع بالخبرة التي جاءت منها؛ فهو‬
‫صاحب بصيرة نافذة؛ فكل ما حدث للقوام السابقة آيات ملفتة‪.‬‬
‫ولذلك يقال‪ " :‬إن لكل آية من مواليد؛ هي العبر باليات " ومن ل يؤمن فهو لن يعتبر؛ مصداقا‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫سمَاوَاتِ وَالَ ْرضِ َيمُرّونَ عَلَ ْيهَا وَ ُهمْ عَ ْنهَا ُمعْ ِرضُونَ }[يوسف‪.]105 :‬‬
‫{ َوكَأَيّن مّن آ َيةٍ فِي ال ّ‬
‫إذن‪ :‬فقد شاء الحق سبحانه أن يلفتنا باليات لنعتبر بها ونكون من أولي اللباب؛ فل ندخل في‬
‫دائرة من ل يخافون العذاب؛ أولئك الذي يتلقّون العذاب خزيا في الدنيا وجحيما في الخرة؛‬
‫وعذاب الخرة ل نهاية له؛ والفضيحة فيه أمام كل الخلق‪.‬‬
‫لذلك قال الحق سبحانه‪:‬‬
‫شهُودٌ } [هود‪.]103 :‬‬
‫س وَذَِلكَ َيوْمٌ مّ ْ‬
‫جمُوعٌ لّهُ النّا ُ‬
‫{ ذاِلكَ َيوْمٌ مّ ْ‬
‫أي‪ :‬أن الفضيحة في هذا اليوم تكون مشهودة من كل البشر؛ من لدن آدم إلى آخر البشر؛ لذلك‬
‫تكون فضيحة مدوية أمام من يعرفهم النسان؛ وأمام من ل يعرفهم‪.‬‬
‫وقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫جمُوعٌ لّهُ النّاسُ } [هود‪.]103 :‬‬
‫{ ذاِلكَ َيوْمٌ مّ ْ‬
‫وكلمة " مجموع " تقتضي وجود " جامع "؛ و " المجموع " يتناسب مع قدرة " الجامع "؛ فما بالنا‬
‫والجامع هو الحق الخالق لكل الخلق سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫ول يجتمع الخلق يومها عن غفلة؛ بل يجتمعون وكلهم انتباه؛ فالحق سبحانه يقول‪:‬‬
‫خصُ فِي ِه الَ ْبصَارُ }[إبراهيم‪.]42 :‬‬
‫شَ‬
‫{ إِ ّنمَا ُي َؤخّرُهُمْ لِ َي ْومٍ تَ ْ‬
‫ويقول الحق سبحانه أيضا‪:‬‬
‫خصَةٌ أَ ْبصَارُ الّذِينَ َكفَرُواْ }[النبياء‪.]97 :‬‬
‫{ وَاقْتَ َربَ ا ْلوَعْدُ ا ْلحَقّ فَإِذَا ِهيَ شَا ِ‬
‫وهنا يقول سبحانه‪:‬‬
‫شهُودٌ } [هود‪.]103 :‬‬
‫{ وَذَِلكَ َي ْومٌ مّ ْ‬
‫أي‪ :‬أن الخلق سيشهدون هذا الفضح المخزي لمن لم يعتبر باليات‪.‬‬
‫جلٍ ّمعْدُودٍ }‬
‫لَ‬
‫ويقول الحق سبحانه بعد ذلك في ميعاد هذا اليوم‪َ { .‬ومَا ُن َؤخّ ُرهُ ِإلّ َ‬

‫(‪)1563 /‬‬
‫جلٍ َمعْدُودٍ (‪)104‬‬
‫َومَا ُن َؤخّ ُرهُ إِلّا لَِأ َ‬

‫وهكذا نعلم أن تأخر مجيء يوم القيامة؛ ل يعني أنه لن يأتي؛ بل سوف يأتي ـ ل محالة ـ ولكن‬
‫لكل حدث ميعاد ميلد‪ ،‬ولكم في تتابع مواليدكم ما يجعلكم تثقون بأن مواليد الحداث إنما يحددها‬
‫ال‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫جلٍ } [هود‪.]104 :‬‬
‫ل لَ َ‬
‫{ َومَا ُنؤَخّ ُرهُ ِإ ّ‬
‫يتطلب أن نعرف أن كلمة " الجل " تطلق مرة على مدة عمر الكائن من لحظة ميلده إلى لحظة‬
‫نهايته‪.‬‬
‫والحق سبحانه يقول‪:‬‬
‫جلٍ كِتَابٌ }[الرعد‪.]38 :‬‬
‫{ ِل ُكلّ َأ َ‬
‫وتطلق كلمة " الجل " مرة أخرى على لحظة النهاية وحدها‪ ،‬مصداقا لقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫جُلهُ ْم لَ يَسْتَ ْأخِرُونَ سَاعَ ًة َولَ يَسْ َتقْ ِدمُونَ }[العراف‪.]34 :‬‬
‫{ فَِإذَا جَآءَ أَ َ‬
‫ولنعرف جميعا أن كل أجل ـ وإن طال ـ فهو معدود‪ ،‬وكل معدود قليل مهما بدا كثيرا؛ لذلك‬
‫فَلْنقُلْ أن كل معدود قليل‪ .‬ما ُدمْنَا قادرين على إحصائه‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك‪َ { :‬ي ْومَ يَ ْأتِ لَ َتكَلّمُ َنفْسٌ ِإلّ بِِإذْنِهِ }‬

‫(‪)1564 /‬‬
‫سعِيدٌ (‪)105‬‬
‫ش ِقيّ وَ َ‬
‫َيوْمَ يَ ْأتِ لَا َتكَلّمُ َنفْسٌ ِإلّا بِإِذْنِهِ َفمِ ْنهُمْ َ‬

‫وهنا جمع الحق سبحانه جماعة في حكم واحد‪ ،‬فقوله تعالى‪:‬‬
‫{ لَ َتكَلّمُ َنفْسٌ } [هود‪.]105 :‬‬
‫يعني‪ :‬ل تتكلم أي نفس إل بإذن ال‪ ،‬وقد كانوا يتكلمون في الحياة الدنيا بطلقة القدرة التي منحهم‬
‫أياها ال سبحانه حين أخضع لهم جوارحهم‪.‬‬
‫وجعل الحق سبحانه الجوارح مؤتمرة بأمر النسان؛ وشاء سبحانه أن يجعل بعضا من خلقه نماذج‬
‫لقدرته على سلب بعض تلك الجوارح؛ فتجد الخرس الذي ل يستطيع الكلم؛ وتجد المشلول الذي‬
‫ل يستطيع الحركة؛ وتجد العمى الذي ل يبصر‪ ،‬وغير ذلك‪..‬‬
‫وبتلك النماذج يتعرف البشر على حقيقة واضحة هي أن ما يتمتعون به من سيطرة على جوارحهم‬
‫هو أمر موهوب لهم من ال تعالى؛ وليست مسألة ذاتية فيهم‪.‬‬
‫وقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ َيوْمَ يَ ْأتِ لَ َتكَلّمُ َنفْسٌ ِإلّ بِِإذْنِهِ } [هود‪.]105 :‬‬
‫يبيّن لنا سبحانه حقيقة تسخير الجوارح لطاعتنا في الدنيا‪ ،‬فهي ترضخ لرادتنا؛ لنه سبحانه شاء‬
‫أن يسخرها لوامرنا ولنفعالتنا‪ ،‬ول أحد فينا يتكلم إل في إطار الذن العام للرادة أن تنفعل لها‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الجوارح‪.‬‬
‫وقد يسلب ال سبحانه هذا الذن فل تنفعل الجوارح للرادة‪ ،‬فتجد الحق سبحانه يقول في آية‬
‫أخرى‪.‬‬
‫صوَابا }[النبأ‪.]38 :‬‬
‫ن َوقَالَ َ‬
‫حمَـا ُ‬
‫{ لّ يَ َتكَّلمُونَ ِإلّ مَنْ أَذِنَ َلهُ الرّ ْ‬
‫ويقول الحق عز وجل في آية أخرى‪:‬‬
‫ضهُمْ عَلَىا َب ْعضٍ يَتَسَآءَلُونَ }[الصافات‪.]27 :‬‬
‫{ وََأقْ َبلَ َب ْع ُ‬
‫وهناك آية أخرى يقول فيها الحق سبحانه‪:‬‬
‫طقُونَ * َولَ ُي ْؤذَنُ َلهُمْ فَ َيعْتَذِرُونَ }[المرسلت‪35 :‬ـ ‪.]36‬‬
‫{ هَـاذَا َيوْ ُم لَ يَن ِ‬
‫ويقول الحق سبحانه أيضا‪:‬‬
‫سهَا }[النحل‪.]111 :‬‬
‫{ َيوْمَ تَأْتِي ُكلّ َنفْسٍ تُجَا ِدلُ عَن ّنفْ ِ‬
‫وفي موضع آخر يقول سبحانه‪:‬‬
‫{ َو ِقفُوهُمْ إِ ّنهُمْ مّسْئُولُونَ }[الصافات‪.]24 :‬‬
‫وهكذا قد يُخيّل للبعض أن هناك آيات تناقض بعضها؛ فهناك آيات تسمح بالكلم‪ ،‬وهناك آيات‬
‫تنفي القدرة على الكلم‪.‬‬
‫وأقول‪ :‬يجب أن نفهم أن الكلم الذي سيعجز الشقياء عن نطقه يوم القيامة هو الكلم المجدي‬
‫النافع‪ ،‬وسيتكلم البعض كلم السفسطة الذي ل يفيد‪ ،‬مثل لومهم بعضهم البعض؛ وذكره لنا القرآن‬
‫في قوله سبحانه‪:‬‬
‫حتَ َأقْدَامِنَا }[فصلت‪.]29 :‬‬
‫جعَ ْل ُهمَا تَ ْ‬
‫{ َوقَال الّذِينَ َكفَرُواْ رَبّنَآ أَرِنَا الّذَيْنِ َأضَلّنَا مِنَ الْجِنّ وَالِنسِ َن ْ‬
‫وهذا كلم ل يشفع لصاحبه ول يجدي‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالممنوع هو الكلم المجدي المفيد‪ ،‬أو أن مقامات القيامة متفاوتة؛ فوقت يتكلمون فيه؛ ووقت‬
‫يؤخذون فيه‪ ،‬فينبهرون ول يتكلمون‪ ،‬ويأمر الحق سبحانه الجوارح المنفعلة أن تتكلم وتشهد‬
‫عليهم‪.‬‬
‫ويقسّم الحق سبحانه أحوال الناس قسمين‪ ،‬كما في قوله تعالى في آخر الية‪:‬‬
‫سعِيدٌ } [هود‪.]105 :‬‬
‫ي وَ َ‬
‫شقِ ّ‬
‫{ َفمِ ْنهُمْ َ‬
‫وجاء بالسم المحدد لكل من القسمين‪ " :‬شقي " و " سعيد "؛ لن السم يدل على الثبوت‪ ،‬فالشقاء‬
‫ثابت لمن نُعت بالشقي؛ والسعادة ثابتة لمن نُعت بالسعيد‪.‬‬
‫سعِدوا؛ ولذلك يعدل عن استخدام السم إلى‬
‫شقُوا‪ ،‬ومنازل مَنْ ُ‬
‫ثم يبيّن لنا الحق سبحانه منازل مَنْ َ‬
‫شقُواْ َففِي النّارِ }‬
‫استخدام الفعل‪ ،‬فيقول سبحانه‪ { :‬فََأمّا الّذِينَ َ‬

‫(‪)1565 /‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫شهِيقٌ (‪)106‬‬
‫شقُوا َففِي النّارِ َلهُمْ فِيهَا َزفِي ٌر وَ َ‬
‫فََأمّا الّذِينَ َ‬

‫والذين حكموا على أنفسهم بالشقاء لخروجهم عن منهج ال؛ يجمعهم الشقاء؛ لكنهم يدخلون النار‬
‫أفرادا و ُزمَرا‪.‬‬
‫والحق سبحانه يقول‪:‬‬
‫جهَنّمَ ُزمَرا }[الزمر‪.]71 :‬‬
‫{ وَسِيقَ الّذِينَ كَـفَرُواْ إِلَىا َ‬
‫وفي آية أخرى يقول سبحانه‪:‬‬
‫{ كُّلمَا دَخََلتْ ُأمّةٌ ّلعَ َنتْ ُأخْ َتهَا }[العراف‪.]38 :‬‬
‫وهكذا نفهم أن الكافرين ـ في الوصف الثابت ـ أشقياء‪ ،‬لكنهم لحظة دخول النار إنما يدخلونها‬
‫أفرادا؛ بل ويدخل معهم بعض من المسلمين العصاة‪ ،‬ويتلقى كل واحد منهم عقابه المناسب لما‬
‫ارتكب من الذنوب والمعاصي؛ ويعاني كل منهم من شقاء يتناسب مع آثامه؛ وبذلك يجتمعون في‬
‫الشقاء ويختلفون في نوع وكمية العذاب؛ كلّ حسب ذنوبه‪ ،‬ول يظلم ربك أحدا‪.‬‬
‫وجاء الحق سبحانه هنا بالفعل " شقوا " ليبيّن لنا أنهم هم الذين اختاروا الشقاء؛ وأتوا به لنفسهم؛‬
‫لن الحق سبحانه خلق عباده وترك لكل منهم حق الختيار؛ وأنزل لهم المنهج؛ ليصونوا أنفسهم؛‬
‫وأعان ـ من اختار اليمان ـ على الطاعة‪.‬‬
‫ثم يذكر الحق سبحانه في نفس الية موقف مَنْ أدخلوا على أنفسهم الشقاء‪ ،‬فيقول عنهم‪:‬‬
‫شهِيقٌ } [هود‪.]106 :‬‬
‫{ َففِي النّارِ َلهُمْ فِيهَا َزفِي ٌر وَ َ‬
‫ونحن نعلم أن الذي يتنفس في النار سيخرج الهواء من صدره ساخنا مثلما يأخذ الشهيق ساخنا‪.‬‬
‫ويواصل الحق سبحانه وتعالى َوصْفَ ما يتلقاه أهل الشقاء في النار‪ ،‬فيقول سبحانه‪ { :‬خَاِلدِينَ فِيهَا‬
‫ت وَالَرْضُ }‬
‫سمَاوَا ُ‬
‫مَا دَا َمتِ ال ّ‬

‫(‪)1566 /‬‬
‫ت وَالْأَ ْرضُ إِلّا مَا شَاءَ رَ ّبكَ إِنّ رَ ّبكَ َفعّالٌ ِلمَا يُرِيدُ (‪)107‬‬
‫س َموَا ُ‬
‫خَاِلدِينَ فِيهَا مَا دَا َمتِ ال ّ‬

‫وكلمة " الخلود " تفيد المكث طويلً؛ مكوثا له ابتداء ول نهاية له؛ وإذا أبّد فهو تأكيد للخلود‪.‬‬
‫والذين شقوا إنما يدخلون النار؛ بدءا من لحظة‪:‬‬
‫{ َيوْمَ يَ ْأتِ لَ َتكَلّمُ َنفْسٌ ِإلّ بِِإذْنِهِ }[هود‪.]105 :‬‬
‫وهو عذاب ل نهاية له بالنسبة للكافرين‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وأما عذاب المسلم العاصي على ما ارتكب من آثام؛ فبدايته من لحظة انتهاء الحساب إلى أن‬
‫تنتهي فترة عذابه المناسبة لمعاصيه؛ ويدخل الجنة من بعد ذلك‪.‬‬
‫ولهذا قال الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ ِإلّ مَا شَآءَ رَ ّبكَ } [هود‪.]107 :‬‬
‫وهكذا ينقص الحق سبحانه الخلود في النار بالنسبة لنصاف المؤمنين‪ ،‬فالحق سبحانه { َفعّالٌ ّلمَا‬
‫يُرِيدُ } [هود‪ ]107 :‬ول يحكمه أي شيء‪.‬‬
‫وإياكم أن تظنوا أن قدر ال يحكمه؛ فالقدر ِفعْلُه‪ ،‬ول أحد يسأل ال سبحانه عمّا يفعل؛ لن ذات‬
‫ال هي الفاعلة؛ فإن شاء سبحانه أن ينقص خلود مسلم عاصٍ في النار؛ فالنقص يكون في النهاية؛‬
‫وبذلك يتحقق أيضا نقص خلوده في الجنة‪ ،‬لنه ل يدخلها إل بعد أن يستوفي عقابه‪.‬‬
‫وبهذا التصور ينتهي الشكال الذي اختلف حوله مائة وخمسون عالما؛ فقد ظن بعضهم أن الحق‬
‫سبحانه يغلق أبواب النار على من أدخلهم إياها‪ ،‬ويستمر ذلك إلى ما ل نهاية‪ ،‬وكذلك من دخل‬
‫الجنة من البداية سيظل فيها أبدا‪ ،‬ولن يُلحق ال أصحاب الكبائر بالجنة‪ ،‬ومن قال بذلك الرأي إنما‬
‫يُسوّي بين من ارتكب الكبيرة وبين الكافر بال‪ ،‬وهذا أمر غير متصور‪ ،‬وهو بعيد عن رحمة ال‪.‬‬
‫وإذا كان هذا البعض من العلماء قد استدل على رأيه بالية الكريمة التي جاءت في سورة الجن‪،‬‬
‫والتي يقول فيها الحق سبحانه‪:‬‬
‫جهَنّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَدا }[الجن‪:‬‬
‫{ ِإلّ بَلَغا مّنَ اللّ ِه وَرِسَالَتِ ِه َومَن َي ْعصِ اللّ َه وَرَسُولَهُ فَإِنّ لَهُ نَارَ َ‬
‫‪.]23‬‬
‫فنحن نقول‪ :‬إن الحق سبحانه يربّب لطفه للكافر حتى يؤمن‪ ،‬وللعاصي حتى يتوب‪ ،‬وهذا من‬
‫رحمة ال سبحانه‪ ،‬فتأبيد الخلود في العذاب لم يرد إل في آيتين‪ ،‬وهذا دليل على عظيم رحمة ال‬
‫سعَة عفوه سبحانه‪.‬‬
‫وِ‬
‫ولذلك قيل عن رسول ال صلى ال عليه وسلم إنه رحمة ال للعالمين؛ وكلمة " العالمين " جمع "‬
‫عالَم " والعالَم هو ما سِوى ال تعالى‪.‬‬
‫ولذلك هناك رحمة للكافر؛ هي عطاء ال له في الدنيا‪.‬‬
‫وهكذا نعلم أن ال سبحانه هو الذي يملك نواميس الكون‪ ،‬ولم يتركها تفعل وحدها‪ ،‬بل يزاول‬
‫سبحانه سلطانه عليها‪ ،‬وما دام القدر هو فعله سبحانه؛ فهو يغيّر فيه كما يشاء‪.‬‬
‫فهو سبحانه رب الزمان والمكان والحركة‪ ،‬وما دام هو رب كل شيء فإنه فعال لما يريد‪ ،‬وهنا‬
‫تخضع أبدية الزمان لمراده ومشيئته‪.‬‬
‫وقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫سمَاوَاتُ وَالَ ْرضُ } [هود‪.]107 :‬‬
‫{ مَا دَا َمتِ ال ّ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫نفهم منه أن الجنة أو النار ل بد أن يوجد لهما ما يعلوهما ويظللهما‪ ،‬ول بد أن يوجدا فوق أرض‬
‫ما‪.‬‬
‫وإذا قال قائل‪ :‬إن الحق سبحانه قد ذكر في القرآن أن السماء سوف تمور وتنفطر‪.‬‬
‫نقول ردا عليه‪ :‬ل تأخذ آية في القرآن إل بضميمة مثيلتها‪.‬‬
‫ولذلك قال الحق سبحانه‪:‬‬
‫سمَاوَاتُ }[إبراهيم‪.]48 :‬‬
‫ض وَال ّ‬
‫ل الَ ْرضُ غَيْرَ الَرْ ِ‬
‫{ َيوْمَ تُبَ ّد ُ‬
‫والحق سبحانه يورث أرض الجنة لمن يشاء؛ لنه سبحانه هو القائل على لسان المؤمنين يوم‬
‫القيامة‪:‬‬
‫{ وََأوْرَثَنَا الَ ْرضَ نَتَ َبوّأُ مِنَ الْجَنّةِ حَ ْيثُ نَشَآءُ }[الزمر‪.]74 :‬‬
‫أو لن النسان له أغيار‪ ،‬وما حوله له أغيار‪.‬‬
‫ومن العجيب أن النسان المخدوم بالمادة الجامدة؛ وبالنبات النامي؛ وبالحيوان الذي يحس‬
‫ويتحرك؛ هذا النسان قد يكون أطول عمرا من بعض المخلوقات المسخّرة لخدمته؛ لكنه أقل‬
‫عمرا من الشمس ومن القمر‪.‬‬
‫لكن الحق سبحانه هنا يصور عمر النسان في الخرة؛ فكأنه سبحانه يعطي المد على أطول ما‬
‫عرفنا من العمار؛ ولذلك قال سبحانه‪:‬‬
‫سمَاوَاتُ وَالَ ْرضُ { [هود‪.]107 :‬‬
‫} مَا دَا َمتِ ال ّ‬
‫وإذا علّق ال سبحانه شيئا على شيء‪ ،‬فل بد أن يوجد هذا التعليق‪.‬‬
‫والحق سبحانه يتكلم عن أهل النار من الكفار‪ ،‬فيقول تعالى‪:‬‬
‫ج َملُ فِي سَمّ الْخِيَاطِ }[العراف‪.]40 :‬‬
‫{ َولَ يَ ْدخُلُونَ الْجَنّةَ حَتّىا يَلِجَ الْ َ‬
‫سمّ الخِياط؟ إن ذلك محال‪.‬‬
‫فهل سيلج الجمل في َ‬
‫ولذلك أقول‪ :‬فلنأخذ التعليقات في نطاق أنه سبحانه‪:‬‬
‫} َفعّالٌ ّلمَا يُرِيدُ { [هود‪.]107 :‬‬
‫وقد جاء في الكتاب قول سيدنا عيسى عليه السلم‪:‬‬
‫حكِيمُ }[المائدة‪.]118 :‬‬
‫ك وَإِن َت ْغفِرْ َل ُهمْ فَإِ ّنكَ أَنتَ ا ْلعَزِيزُ ا ْل َ‬
‫{ إِن ُتعَذّ ْبهُمْ فَإِ ّنهُمْ عِبَا ُد َ‬
‫فكان مقتضى السياق أن يقول سبحانه‪ :‬وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم‪.‬‬
‫وهذه نظرة سطحية لمدلولت القرآن‪ ،‬بعقول البشر‪ ،‬أما ببلغة الحق سبحانه فيكون المر مخالفا‪،‬‬
‫فأمر التعذيب أو الغفران موكول ل سبحانه بيده وحده‪ ،‬وليس لحد أن يسأله لِمَ فعل هذا؟ ولِمَ‬
‫ترك هذا؟‬
‫لذلك كان هذا هو معنى العزة؛ ولذلك كان سبحانه عزيزا‪ ،‬وهو سبحانه أيضا حكيم في أي أمر‬
‫يحكم فيه سواء أكان بالتعذيب أو المغفرة‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لذلك جاء سبحانه بالخاتمة التي تثبت للحق سبحانه التعذيب أو المغفرة‪.‬‬
‫ففي تعذيب الكافرين قال سبحانه‪َ } :‬فعّالٌ ّلمَا يُرِيدُ { [هود‪.]107 :‬‬
‫سعِدُواْ َففِي ا ْلجَنّةِ {‬
‫وفي الكلم عن الطائعين الذين أدخلوا الجنة قال سبحانه‪ } :‬وََأمّا الّذِينَ ُ‬

‫(‪)1567 /‬‬
‫عطَاءً غَيْرَ‬
‫س َموَاتُ وَالْأَ ْرضُ إِلّا مَا شَاءَ رَ ّبكَ َ‬
‫سعِدُوا َففِي ا ْلجَنّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَا َمتِ ال ّ‬
‫وََأمّا الّذِينَ ُ‬
‫مَجْذُوذٍ (‪)108‬‬

‫فالحق سبحانه يعطي المؤمنين ما شاء‪ ،‬ويؤكد خلودهم في الجنة‪ ،‬وعطاؤه لهم ل مقطوع ول‬
‫ممنوع‪.‬‬
‫وبعد ذلك يقول الحق سبحانه‪ { :‬فَلَ َتكُ فِي مِرْيَةٍ ّممّا َيعْ ُبدُ هَـاؤُلءِ }‬

‫(‪)1568 /‬‬
‫ل وَإِنّا َل ُم َوفّوهُمْ َنصِي َبهُمْ غَيْرَ‬
‫فَلَا َتكُ فِي مِرْيَةٍ ِممّا َيعْبُدُ َهؤُلَاءِ مَا َيعْبُدُونَ إِلّا َكمَا َيعْبُدُ آَبَاؤُهُمْ مِنْ قَ ْب ُ‬
‫مَ ْنقُوصٍ (‪)109‬‬

‫فهل كان الرسول صلى ال عليه وسلم في مرية؟‬
‫هل كان الرسول صلى ال عليه وسلم في شك؟‬
‫ل‪ ،‬ولكنه قول المر العلى سبحانه للدنى‪ ،‬ورسول ال صلى ال عليه وسلم في صدد هذا‬
‫المر؛ وبذلك ينصرف أمر الحق سبحانه إلى الدوام‪.‬‬
‫مثلما قال الحق سبحانه للنبي صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫لةَ }[السراء‪.]78 :‬‬
‫{ َأ ِقمِ الصّ َ‬
‫وكان الرسول صلى ال عليه وسلم يقيم الصلة قبلها‪ ،‬ولكن قول الحق سبحانه هنا إنما يمثل بداية‬
‫التشريع‪.‬‬
‫ومثل هذا أيضا قول الحق سبحانه في خطاب النبي صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫ن وَا ْلمُنَا ِفقِينَ }[الحزاب‪.]1 :‬‬
‫{ يَاأَ ّيهَا النّ ِبيّ اتّقِ اللّ َه َولَ ُتطِعِ ا ْلكَافِرِي َ‬
‫فهل كان رسول ال صلى ال عليه وسلم ل يتقي ال؟‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫نقول‪ :‬ل‪ ،‬إنما هو لدامة التقوى‪ ،‬فإنه إذا أمر العلى الدنى بأمر هو بصدد فعله‪ ،‬انصرف هذا‬
‫المر إلى الدوام‪ ،‬واتباع أمته للتقوى والعراض عن النفاق والكفر‪ ،‬وهو خطاب للرسول وأمته‪،‬‬
‫فللرسول الدوام والترقي والحصانة‪ ،‬ولمته التباع لمنهج ال‪.‬‬
‫ومثل هذا قوله تعالى‪:‬‬
‫{ يَآأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ }[البقرة‪.]153 :‬‬
‫وهو سبحانه يناديهم باليمان؛ لنهم اعتقدوا اعتقاد اللوهية الواحدة‪ ،‬ومن يسمع منهم هذا الخطاب‬
‫عليه أن يداوم على اليمان‪.‬‬
‫وما دام قد آمن بالله الواحد قبل الخطاب‪ ،‬فقد استحق أن ينال التكريم من الحق سبحانه بأن‬
‫يخاطبه ويصفه بأنه من المؤمنين‪ ،‬فإذا نُودِي عليهم بهذه الصفة فهي علمة السمو المقبول‪.‬‬
‫وإذا طُلبت الصفة ممن توجد الصفة فيه‪ ،‬فاعلم أنه سبحانه يطلب دوام الصفة فيه واستمرارها‪،‬‬
‫وفي الستمرارية ارتقاء‪.‬‬
‫وقول الحق سبحانه هنا‪:‬‬
‫{ ّممّا َيعْبُدُ هَـاؤُلءِ } [هود‪.]109 :‬‬
‫نجد أن التحقيق ل يثبت لهم عبادة؛ لن معنى العبادة ائتمار عابدٍ بأمر معبود‪ .‬وهؤلء إنما‬
‫يعبدون الصنام‪ ،‬وليس للصنام منهج يسير عليه من آمنوا بها‪.‬‬
‫ولكن الحق سبحانه أثبت لهم هنا أنهم عبدوا الصنام‪ ،‬وهم قد قالوا من قبل‪:‬‬
‫{ مَا َنعْ ُبدُهُمْ ِإلّ لِ ُيقَرّبُونَآ إِلَى اللّهِ زُ ْلفَى }[الزمر‪.]3 :‬‬
‫وهو إيمان فقد حجية التعقل اليماني‪ ،‬أي‪ :‬أن تستقبل أنت بذاتك القضية اليمانية وتناقشها لتدخل‬
‫عليها باقتناع ذاتك‪.‬‬
‫وهم قد دخلوا إلى اليمان بعبادة الصنام باقتناع الغير‪ ،‬وهم الباء‪ ،‬فإيمانهم إيمان تقليد‪ ،‬وفي‬
‫التقليد جفاف الفطرة السليمة وهو ل ينفع‪.‬‬
‫ونحن نعلم أن الحق سبحانه وتعالى قد جعل النّسَب في الكون إما ليثبت نسبة إيجابية‪ ،‬أو نسبة‬
‫سلبية‪.‬‬
‫{ مَا َيعْ ُبدُونَ } [هود‪.]109 :‬‬
‫أي‪ :‬على ما قالوا إنه عبادة‪ ،‬ولكنه ليس عبادة‪ ،‬لن العبادة تقتضي أمرا ونهيا‪ ،‬وليس للصنام‬
‫أوامر أو نواهٍ‪ ،‬وعبادتهم هي عبادة تقليدية للباء؛ ولذلك قالوا‪:‬‬
‫{ َبلْ نَتّبِعُ مَآ أَ ْلفَيْنَا عَلَ ْيهِ آبَآءَنَآ }[البقرة‪.]170 :‬‬
‫ولذلك يقرر الحق سبحانه هنا جزاءهم‪ ،‬فيقول تعالى‪:‬‬
‫{ وَإِنّا َل ُم َوفّوهُمْ َنصِي َبهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ } [هود‪.]109 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أي‪ :‬سنعطيهم جزاءهم كاملً؛ لنهم يفسدون في الكون‪ ،‬رغم أن الحق سبحانه قد جعل لكل منهم‬
‫حق الختيار في أن يفعل الشيء أو ل يفعله‪ ،‬وإن لم تنضبط حركة الختيار‪ ،‬فالتوازن الجتماعي‬
‫يصير إلى اختلل‪.‬‬
‫وما دام للنسان حق الختيار؛ فقد أنزل الحق سبحانه له المنهج الذي يضم التكاليف اليمانية‪.‬‬
‫وهم حين قلدوا الباء قد ساروا في طريق إفساد الكون؛ لذلك يُوفّيهم الحق سبحانه نصيبهم من‬
‫العذاب‪.‬‬
‫والمفهوم من كلمة " النصيب " أنها للرزق‪ ،‬ويذكرها الحق سبحانه هنا لتقرير نصيب من العذاب‪،‬‬
‫وفي هذا تهكم عليهم‪ ،‬وسخرية منهم‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه بعد ذلك‪ } :‬وََلقَدْ آتَيْنَا مُوسَىا ا ْلكِتَابَ فَاخْتُِلفَ فِيهِ {‬

‫(‪)1569 /‬‬
‫شكّ مِنْهُ‬
‫وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى ا ْلكِتَابَ فَاخْتُِلفَ فِي ِه وََلوْلَا كَِلمَةٌ سَ َب َقتْ مِنْ رَ ّبكَ َل ُقضِيَ بَيْ َنهُ ْم وَإِ ّنهُمْ َلفِي َ‬
‫مُرِيبٍ (‪)110‬‬

‫وسورة هود هي السورة الوحيدة في القرآن التي جاء فيها ذكر رسول واحد مرتين‪ ،‬فقد ذكر الحق‬
‫سبحانه أنه أمر موسى عليه السلم بأن يذهب إلى فرعون‪ ،‬وأن يريه اليات‪ ،‬ولم يزد‪ ،‬ثم انتقل‬
‫من ذلك البلغ فقال سبحانه‪:‬‬
‫{ َيقْ ُدمُ َق ْومَهُ َيوْمَ ا ْلقِيَامَةِ }[هود‪.]98 :‬‬
‫أي‪ :‬أنه أعقب أولية البلغ بالختام الذي انتهى إليه فرعون يوم القيامة‪ ،‬فيُورِد قومه النار‪.‬‬
‫ثم يأتي الحق سبحانه هنا إلى موسى عليه السلم بعد ابتداء رسالته؛ ولذلك يقول تعالى‪:‬‬
‫{ وََلقَدْ آتَيْنَا مُوسَىا ا ْلكِتَابَ } [هود‪.]110 :‬‬
‫ونحن نعلم أن ِذكْر موسى عليه السلم في البداية كان بمناسبة ِذكْر ما له علقة بشعيب عليه‬
‫السلم حين ورد موسى ماء مدين‪ ،‬ولكن العجيب أنه عند ِذكْر شعيب لم يذكر قصة موسى معه‪،‬‬
‫وإنما ذكر قصة موسى مع فرعون‪.‬‬
‫وقد علمنا أن موسى عليه السلم لم يكن آتيا إلى فرعون إل لمهمة واحدة‪ ،‬هي أن يرسل معه بني‬
‫إسرائيل ول يعذبهم‪.‬‬
‫وأما ما يتأتى بعد ذلك من اليمان بال فقد جاء كأمر تبعيّ‪ ،‬لن رسالة موسى عليه السلم لم تكن‬
‫إل لبني إسرائيل؛ ولذلك جاء هنا بالكتاب ليبلغه إلى بني إسرائيل منهجا‪ ،‬أما في الموضع الول‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فقد ذكر سبحانه اليات التي أرسل بها موسى إلى فرعون‪.‬‬
‫ونحن نعلم أن سورة هود عرضت لمواكب الرسل‪ :‬نوح‪ ،‬وهود‪ ،‬وصالح‪ ،‬وشعيب‪ ،‬وإبراهيم ـ‬
‫عليهم جميعا السلم ـ وجاء الحديث فيها عن موسى عليه السلم مرتين‪ :‬مرة في علقته‬
‫بفرعون‪ ،‬ومرة في علقته ببني إسرائيل‪.‬‬
‫وفي كل لقطة من اللقطات مهمة أساسية من مهمات المنهج اللهي للناس عموما‪ ،‬من أول آدم‬
‫عليه السلم إلى أن تقوم الساعة؛ إل أنه عند ذكر كل رسول يأتي باللقطة التي تعالج دا ًء موقوتا‬
‫عند القوم‪.‬‬
‫فالقَدْر المشترك في دعوات كل الرسل هو قوله سبحانه‪:‬‬
‫{ اعْ ُبدُواْ اللّهَ مَا َلكُمْ مّنْ إِلَـاهٍ غَيْ ُرهُ }[العراف‪.]59 :‬‬
‫ثم يختلف المر بعد ذلك من رسول لخر‪ ،‬فمنهم من يأمر قومه أل يعبدوا الصنام؛ ومنهم من‬
‫يأمر قومه أل ينقصوا الكيل والميزان‪.‬‬
‫وهكذا نجد في كل لقطة مع كل رسول علج داء من داءات تلك المة‪ ،‬أما السلم فقد جاء ليعالج‬
‫داءات البشرية كلها؛ لذلك جمعت كل القيم الفاضلة في القرآن كمنهج للبشرية‪.‬‬
‫لذلك فالحق سبحانه ل يقص علينا القصص القرآني للتسلية‪ ،‬أو لقتل الوقت‪ ،‬أو لتعلم التاريخ؛‬
‫ولكن لنلتقط العبرة من رسالة كل رسول إلى أمته التي بعث إليها ليعالج داءها‪.‬‬
‫وبما أن أمة محمد صلى ال عليه وسلم ستكون آخر عهدٍ للتقاء البشر بالبشر‪ ،‬وستكون فيها كل‬
‫أجواء وداءات الدنيا‪ ،‬لذلك فعليهم التقاط تلك العبر؛ لن رسالتهم تستوعب الزمان كله‪ ،‬والمكان‬
‫كله‪.‬‬
‫والحق سبحانه هنا يقول‪:‬‬
‫} وََلقَدْ آتَيْنَا مُوسَىا ا ْلكِتَابَ فَاخْتُِلفَ فِيهِ { [هود‪.]110 :‬‬
‫ونحن نعلم أنه إذا تقدم أمران على ضمير الغيبة؛ فيصح أن يعود الضمير إلى كل أمر منهما‪.‬‬
‫وقوله سبحانه‪ } :‬فَاخْتُِلفَ فِيهِ { [هود‪.]110 :‬‬
‫يصح أن يكون الختلف في أمر موسى‪ ،‬ويصح أن يكون الختلف في أمر الكتاب‪ ،‬والخلف‬
‫في واحد منهما يؤدي إلى الخلف في الخر؛ لنه ل انفصال بين موسى عليه السلم‪ ،‬والكتاب‬
‫الذي أنزله ال عليه‪.‬‬
‫وهكذا فالمران يلتقيان‪ :‬أمر الرسالة في الكتاب‪ ،‬وأمر الرسول في الصطفاء؛ ولذلك لم يجعلهما‬
‫الحق سبحانه أمرين‪ ،‬بل هما أمر واحد؛ لن الرسول ل ينفصل عن منهجه‪.‬‬
‫وقوله الحق‪ } :‬آتَيْنَا مُوسَىا ا ْلكِتَابَ { [هود‪ ]110 :‬أمر يتعلق بفعل الحق سبحانه‪ ،‬ول ذات‪ ،‬ول‬
‫صفات‪ ،‬ول أفعال‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وهو سبحانه مُنزّه في ذاته عن أي تشبيه‪ ،‬ول صفات‪ ،‬وهي ليست ككل الصفات‪ ،‬فالحق سبحانه‬
‫موجود‪ ،‬وأنت موجود‪ ،‬لكن وجوده قديم أزليّ ل ينعدم‪ ،‬وأنت موجود طارىء ينعدم‪.‬‬
‫ونحن نأخذ كل ما يتعلق بال سبحانه في إطار‪:‬‬
‫شيْءٌ }[الشورى‪.]11 :‬‬
‫{ لَ ْيسَ َكمِثْلِهِ َ‬
‫فإذا تكلم الحق سبحانه عن الفعل فخذ كل فعلٍ صدر عنه بقوته سبحانه غير النهائية‪.‬‬
‫وقوله سبحانه هنا‪:‬‬
‫} آتَيْنَا مُوسَىا ا ْلكِتَابَ { [هود‪.]110 :‬‬
‫نفهم منه أن هذا الفعل قد استلزم صفات متكاملة‪ ،‬علما وحكما‪ ،‬وقدرةً‪ ،‬وعفوا‪ ،‬وجبروتا‪ ،‬وقهرا‪،‬‬
‫فهناك أشياء كثرة تتكاتف لتحقيق هذا التيان‪.‬‬
‫وقد يسأل سائل‪ :‬وما دام موسى عليه السلم قد أوتي الكتاب‪ ،‬واختُلف فيه‪ ،‬فلماذا لم يأخذ الحق‬
‫سبحانه قوم موسى كما أخذ قوم نوح‪ ،‬أو قوم عاد‪ ،‬أو قوم ثمود‪ ،‬أو بقية القوام الذين أخذهم ال‬
‫بالعذاب؟‬
‫ونقول‪ :‬ما نجوا من عذاب ال بقدرتهم؛ بل لن الحق سبحانه قد جعل عذابهم آجلً‪ ،‬وهو يوم‬
‫الحساب‪.‬‬
‫ولذلك قال سبحانه في الية نفسها‪:‬‬
‫ضيَ بَيْ َن ُهمْ { [هود‪.]110 :‬‬
‫} وََل ْولَ كَِل َمةٌ سَ َب َقتْ مِن رّ ّبكَ َل ُق ِ‬
‫وبذلك حكم الحق حكما فاصلً‪ ،‬كما حكم على المم السابقة التي كانت مهمة رسلهم هي البلغ‪،‬‬
‫ولم تكن مهمة رسلهم أن يحاربوا من أجل إرساء دعوة أو تثبيت حق؛ ولذلك كانت السماء هي‬
‫التي تتدخل بالمر النهائي‪.‬‬
‫لكن اختلف المر في رسالة موسى عليه السلم‪ ،‬فقد سبق فيه قول ال تعالى بالتأجيل للحساب إلى‬
‫يوم القيامة‪.‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه هنا‪:‬‬
‫شكّ مّنْهُ مُرِيبٍ { [هود‪.]110 :‬‬
‫} وَإِ ّنهُمْ َلفِي َ‬
‫كأنهم في شك من يوم القيامة‪ ،‬وفي شك من الحساب‪ ،‬مثل قوله سبحانه في أول الية عن‬
‫الختلف في الكتاب وموسى عليه السلم‪.‬‬
‫عمَاَل ُهمْ {‬
‫ويقول الحق سبحانه بعد ذلك‪ } :‬وَإِنّ كُـلّ ّلمّا لَ ُي َوفّيَ ّنهُمْ رَ ّبكَ أَ ْ‬

‫(‪)1570 /‬‬
‫عمَاَلهُمْ إِنّهُ ِبمَا َي ْعمَلُونَ خَبِيرٌ (‪)111‬‬
‫وَإِنّ كُلّا َلمّا لَ ُي َوفّيَ ّنهُمْ رَ ّبكَ أَ ْ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إذن‪ :‬فالحق سبحانه قد أخذ قوم الرسل السابقين على موسى بالعذاب‪ ،‬أما في بدء رسالة موسى‬
‫عليه السلم فقد تم تأجيل العذاب ليوم القيامة‪.‬‬
‫ويبيّن الحق سبحانه‪ :‬ل تعتقدوا أن تأجيل العذاب ليوم القيامة يعني الفلت من العذاب‪ ،‬بل كل‬
‫واحد سيوفّى جزاء عمله؛ بالثواب لمن أطاع‪ ،‬وبالعقاب لمن عصا‪ ،‬فأمر ال سبحانه آت ـ ل‬
‫محالة ـ وتوفية الجزاء إنما تكون على قدر العمال‪ ،‬كفرا أو إيمانا‪ ،‬صلحا أو فسادا‪ ،‬وميعاد‬
‫ذلك هو يوم القيامة‪.‬‬
‫وهنا وقفة في أسلوب النص القرآني‪ ،‬حتى يستوعب الذين ل يفهمون اللغة العربية كمَلَكة‪ ،‬كما‬
‫فهمها العرب القدمون‪.‬‬
‫ونحن نعلم أن العربي القديم لم يجلس إلى معلم‪ ،‬لكنه فهم اللغة ونطق بها صحيحة؛ لنه من أمة‬
‫مفطورة على الداء البياني الدقيق‪ ،‬الرقيق‪ ،‬الرائع‪.‬‬
‫فاللغة ـ كما نعلم ـ ليست جنسا‪ ،‬وليست دما‪ ،‬بل هي ظاهرة اجتماعية‪ ،‬فالمجتمع الذي ينشأ فيه‬
‫الطفل هو الذي يحدد لغته‪ ،‬فالطفل الذي ينشأ في مجتمع يتحدث العربية‪ ،‬سوف ينطق بالعربية‪،‬‬
‫والطفل الذي يوجد في مجتمع يتحدث اللغة النجليزية‪ ،‬سينطق بالنجليزية؛ لن اللغة هي ما‬
‫ينطق به اللسان حسبما تسمع الذن‪.‬‬
‫وكانت غالبية البيئة العربية في الزمن القديم بيئة منعزلة‪ ،‬وكان من ينشأ فيها إنما يتكلم اللغة‬
‫السليمة‪.‬‬
‫أما العربي الذي عاش في حاضرة مثل مكة‪ ،‬ومكة ـ بما لها من مكانة ـ كانت تستقبل أغرابا‬
‫كثيرين؛ ولذلك كان أهل مكة يأخذون الوليد فيها لينقلوه إلى البادية؛ حتى ل يسمع إل اللغة العربية‬
‫الفصيحة‪ ،‬وحتى ل يحتاج إلى من يضبط لسانه على لغة العرب الصافية‪.‬‬
‫ولنق ّربْ هذا المر‪ ،‬ولننظر إلى أن هناك في حياتنا الن لغتين‪ :‬لغة نتعلمها في المنازل والشوارع‬
‫ونتخاطب بها‪ ،‬وتسمى " اللغة العامية " ‪ ،‬ولغة أخرى نتعلمها في المدارس‪ ،‬وهي اللغة المصقولة‬
‫المميزة بالفصاحة والضبط‪.‬‬
‫وكان أهل مكة يرسلون أبناءهم إلى البادية لتلتقط الذن الفصاحة‪ ،‬وكانت اللغة الفصيحة هي "‬
‫العامية " في البادية‪ ،‬ولم يكن الطفل في البادية يحتاج إلى معلم ليتعلمها؛ لن أذنه ل تسمع إل‬
‫الفصاحة‪.‬‬
‫وكانت هذه هي اللغة التي يتفوق فيه إنسان ذلك الزمان كملكة‪ ،‬وهي تختلف عن اللغة التي‬
‫نكتسبها الن‪ ،‬ونصقلها في مدارسنا‪ ،‬وهي لغة تكاد تكون مصنوعة‪ ،‬فما بالنا بالذين لم يتعلموا‬
‫العربية من قبل من المستشرقين‪ ،‬ويتعلمون اللغة على كِبَر‪.‬‬
‫وهؤلء لم يمتلكوا صفاء اللغة‪ ،‬لذلك حاولوا أن يطعنوا في القرآن‪ ،‬وادعى بعض أغبيائهم أن في‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫القرآن لحنا‪ ،‬قالوا ذلك وهم الذين تعلموا اللغة المصنوعة‪ ،‬رغم أن من استقبلوا القرآن من رسول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم وهم أهل الفصاحة‪ ،‬لم يجدوا في القرآن لحنا‪ ،‬ولو أنهم أخذوا لحنا على‬
‫القرآن في زمن نزوله؛ لعلنوا هذا اللحن؛ لن القرآن نزل باللغة الفصيحة على أمة فصيحة‪،‬‬
‫بليغة صناعتها الكلم‪.‬‬
‫ولمرٍ ما أبق ال سبحانه صناديد قريش وصناديد العرب على كفرهم لفترة‪ ،‬ولو أن أحدا منهم‬
‫اكتشف لحنا في القرآن لعلنه‪.‬‬
‫وذلك حتى ل يقولن أحد أنهم قد آمنوا فستروا على القرآن عيوبا فيه‪ .‬ولو كان عند أحدهم َم ْهمَزٌ‬
‫لما منعه كفره أن يبين ذلك‪ ،‬فهل يمكن لهؤلء المستشرقين الذين عاشوا في القرن العشرين أن‬
‫يجدوا لحنا في القرآن‪ ،‬وهم لم يمتلكوا ناصية اللغة ملكة‪ ،‬بل تعلموها صناعة‪ ،‬والصنعة عديمة‬
‫الحساس الذوقي‪.‬‬
‫ومثال ذلك‪ :‬عدم فهم هؤلء لسرار اللغة في الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها‪ ،‬فالحق سبحانه‬
‫يقول‪:‬‬
‫عمَاَلهُمْ إِنّهُ ِبمَا َي ْعمَلُونَ خَبِيرٌ { [هود‪.]111 :‬‬
‫} وَإِنّ كُـلّ ّلمّا لَ ُي َوفّيَ ّنهُمْ رَ ّبكَ أَ ْ‬
‫أي‪ :‬أن كل واحد من الذين صدّقوا أو من الذين كذّبوا‪ ،‬له توفية في الجزاء‪ ،‬للطائع الثواب؛‬
‫وللعاصي العقوبة‪.‬‬
‫وكلمة " إنّ " ـ كما نعلم ـ هي في اللغة " حرف توكيد " في مقابلة مَنْ ينكر ما يجيء بعدها‪.‬‬
‫والنكار ـ كما نعلم ـ مراحل‪ ،‬فإذا أردت أن تخبر واحدا بخبر ل يعلمه‪ ،‬فأنت تقول له مثلً‪" :‬‬
‫زارني فلن بالمس "‪.‬‬
‫وهكذا يصادف الخبر ذهن المستمع الخالي‪ ،‬فإن قال لك‪ " :‬لكن فلنا كان بالمس في مكان آخر "‬
‫‪ ،‬فأنت تقول له‪ " :‬إن فلنا زارني بالمس "‪.‬‬
‫وحين يرد عليك السامع‪ " :‬لكنني قابلت فلنا الذي تتحدث عنه أمس في المكان الفلني "‪.‬‬
‫وهنا قد تؤكد قولك‪ " :‬وال لقد زارني فلن بالمس "‪.‬‬
‫حسْب درجة النكار‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فأنت تأتي بالتوكيد على َ‬
‫وحين يؤجل الحق سبحانه العذاب لبعض الناس في الدنيا‪ ،‬قد يقول غافل‪ :‬لعل ال لم يعد يعذّب‬
‫أحدا‪.‬‬
‫ولذلك بيّن الحق سبحانه مؤكدا أن الحساب قادم‪ ،‬لكل من الطائع والمصدّق‪ ،‬والعاصي المكذّب‪،‬‬
‫فقال سبحانه‪:‬‬
‫عمَاَلهُمْ { [هود‪.]111 :‬‬
‫} وَإِنّ كُـلّ ّلمّا لَ ُي َوفّيَ ّنهُمْ رَ ّبكَ أَ ْ‬
‫والذين لم تستقم لهم اللغة كملكة‪ ،‬كالمستشرقين‪ ،‬وأخذوها صناعة‪ ،‬توقفوا عند هذه الية وقالوا‪:‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لماذا جاء بالتنوين في كلمة " كلً "؟‬
‫ع َوضٌ عن‬
‫وهم لم يعرفوا أن التنوين يغني عن جملة‪ ،‬فساعة تسمع أو تقرأ التنوين‪ ،‬فاعلم أنه ِ‬
‫جملة‪ ،‬مثل قول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ فََل ْولَ إِذَا َبَل َغتِ ا ْلحُ ْلقُومَ * وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ }[الواقعة‪83 :‬ـ ‪.]84‬‬
‫و " كلً " في الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها توجز أن كلً من الطائع المؤمن‪ ،‬والعاصي‬
‫الكافر‪ ،‬سوف يلقى جزاءه ثوابا أو عقابا‪.‬‬
‫أما قوله سبحانه‪ّ } :‬لمّا { في نفس الية‪ ،‬فنحن نعلم أن " لما " تستعمل في اللغة بمعنى " الحين " و‬
‫" الزمان " مثل قول الحق سبحانه‪:‬‬

‫{ وََلمّا جَآءَ مُوسَىا ِلمِيقَاتِنَا َوكَّلمَهُ رَبّهُ }[العراف‪.]143 :‬‬
‫ومثل قوله سبحانه‪:‬‬
‫سفَ }[يوسف‪.]94 :‬‬
‫{ وََلمّا َفصََلتِ ا ْلعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنّي لَجِدُ رِيحَ يُو ُ‬
‫سفَ }[يوسف‪.]94 :‬‬
‫أي حين فصلت العير وخرجت من مصر قال أبوهم‪ {:‬إِنّي لَجِدُ رِيحَ يُو ُ‬
‫و " لما " تأتي أيضا للنفي مثل قوله سبحانه‪:‬‬
‫ل الِيمَانُ فِي قُلُو ِبكُمْ }‬
‫خِ‬
‫ت الَعْرَابُ آمَنّا قُل لّمْ ُت ْؤمِنُو ْا وَلَـاكِن قُولُواْ َأسَْلمْنَا وََلمّا َيدْ ُ‬
‫{ قَاَل ِ‬
‫[الحجرات‪.]14 :‬‬
‫أي‪ :‬أن اليمان لم يدخل قلوبهم بعد‪ ،‬وتحمل كلمة " لما " الذن بأن اليمان سوف يدخل قلوبهم‬
‫بعد ذلك‪.‬‬
‫وحين تستخدم كلمة " لما " في النفي تكون " حرفا " مثلها مثل كلمة " لم " ‪ ،‬ولكنها تختلف عن "‬
‫لم " لن " لم " تجزم الفعل المضارع‪ ،‬ول يتصل نفيها بساعة الكلم‪ ،‬بل بما مضى‪ ،‬وقد يتغير‬
‫الموقف‪ .‬أما " لما " فيتصل نفيها إلى وقت الكلم‪ ،‬وفيها إيذان بأن يحدث ما تنفيه‪.‬‬
‫وهكذا نفهم أن قول الحق سبحانه‪:‬‬
‫عمَاَلهُمْ إِنّهُ ِبمَا َي ْعمَلُونَ خَبِيرٌ { [هود‪.]111 :‬‬
‫} وَإِنّ كُـلّ ّلمّا لَ ُي َوفّيَ ّنهُمْ رَ ّبكَ أَ ْ‬
‫أي‪ :‬أن كلً من الطائع والعاصي سيوفّى حسابه وجزاؤه ثوابا أو عقابا‪ ،‬حين يأتي أجل التوفية‪،‬‬
‫وهو يوم القيامة‪.‬‬
‫وقد جاءت " لما " لتخدم فكرة العقوبة التي كانت تأتي في الدنيا‪ ،‬وشاء ال سبحانه أن يؤجل‬
‫العقوبة للكافرين إلى الخرة‪ ،‬وأنسب حرف للتعبير عن ذلك هو " لما "‪.‬‬
‫وحين تقرأ } لَ ُي َوفّيَ ّنهُمْ { تجد اللم‪ ،‬وهي لم القسم بأن الحق سبحانه سيوفيهم حسابهم إن ثوابا أو‬
‫عقابا‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وال سبحانه بما يفعل العباد خبير‪ ،‬هو سبحانه يعلم أفعال العبد قبل أن تقع‪ ،‬ولكنها حين تقع ل‬
‫يمكن أن تُنسَى أو تذهب أدراج الرياح؛ لن من يعلمها هو " الخبير " صاحب العلم الدقيق‪،‬‬
‫والخبير يختلف عن العالِم الذي قد يعلم الجماليات‪ ،‬لكن الخبير هو المدرّب على التخصص‪.‬‬
‫ولذلك غالبا ما تأتي كلمتا " اللطيف والخبير " معا؛ لن الخبير هو من يعلم مواقع الشياء‪،‬‬
‫واللطيف هو من يعرف الوصول إلى مواقع تلك الشياء‪.‬‬
‫ومثال هذا‪ :‬أنك قد تعرف مكان اختباء رجل في جبل مثلً‪ ،‬هذه المعرفة وهذه الخبرة ل تكفيان‬
‫للوصول والنفاذ إلى مكانه‪ ،‬بل إن هذا يحتاج إلى ما هو أكثر‪ ،‬وهو الدقة واللطف‪.‬‬
‫والحق سبحانه جاء بهذا الحديث عن موسى عليه السلم ليسلّي رسوله صلى ال عليه وسلم‪ ،‬لن‬
‫بعضا من الكافرين برسالة محمد عليه الصلة والسلم قالوا‪ :‬ما دام ال يأتي بالعذاب ليبيد من‬
‫يكفرون برسله‪ ،‬فلماذا ل يأتي لنا العذاب؟‬
‫ولهذا جاء ما يخبر هؤلء بأن الحق سبحانه سيوقع العقوبة على الكافرين‪ ،‬ل محالة‪ ،‬فإياك أن‬
‫يخادعوك ـ يا رسول ال ـ في شيء‪ ،‬أو يساوموك على شيء‪ ،‬مثلما قالوا‪ :‬نعبد إلهك سنة‪،‬‬
‫وتعبد آلهتنا سنة‪.‬‬
‫وقد سبق أن قطع الحق سبحانه هذا المر بأن أنزل‪:‬‬
‫{ ُقلْ ياأَ ّيهَا ا ْلكَافِرُونَ * لَ أَعْبُدُ مَا َتعْ ُبدُونَ * وَلَ أَن ُتمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْ ُبدُ * َولَ أَنَآ عَابِدٌ مّا عَبَدتّمْ }‬
‫[الكافرون‪1 :‬ـ ‪.]4‬‬
‫وهذا هو قطع العلقات التام في تلك المسألة التي ل تقبل المساومة‪ ،‬وهي العبادة‪.‬‬
‫ونحن نعلم أن العبادة أمر قلبي‪ ،‬ل يمكن المساومة فيه‪ ،‬وقطع العلقات في مثل هذا المر أمر‬
‫واجب؛ لنه ل يمكن التفاوض حوله؛ فهي ليست علقات ظرف سياسي‪ ،‬ولكنه أمر ربّاني‪،‬‬
‫يحكمه الحق سبحانه وحده‪.‬‬
‫وقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ لَ أَعْ ُبدُ مَا َتعْبُدُونَ * َولَ أَن ُتمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْ ُبدُ * َولَ أَنَآ عَابِدٌ مّا عَبَدتّمْ }[الكافرون‪2 :‬ـ ‪.]4‬‬
‫هذا القول الكريم يشعر من يسمعه ويقرؤه أنهم سيظلون على عبادة غير ال‪ ،‬وأن محمدا سيظل‬
‫على عبادة ال‪ ،‬وأن كلمة " ال " ستعلو؛ لن الحق سبحانه يأتي بعد سورة " الكافرين " بقوله‬
‫تعالى‪:‬‬
‫حمْدِ رَ ّبكَ‬
‫{ ِإذَا جَآءَ َنصْرُ اللّ ِه وَا ْلفَتْحُ * وَرَأَ ْيتَ النّاسَ َيدْخُلُونَ فِي دِينِ اللّهِ َأ ْفوَاجا * فَسَبّحْ ِب َ‬
‫وَاسْ َت ْغفِ ْرهُ إِنّهُ كَانَ َتوّابا }[النصر‪1 :‬ـ ‪.]3‬‬
‫وهنا يقول الحق سبحانه‪ } :‬فَاسْ َتقِمْ َكمَآ ُأمِ ْرتَ {‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫(‪)1571 /‬‬
‫ط َغوْا إِنّهُ ِبمَا َت ْعمَلُونَ َبصِيرٌ (‪)112‬‬
‫ك وَلَا تَ ْ‬
‫فَاسْ َتقِمْ َكمَا ُأمِ ْرتَ َومَنْ تَابَ َم َع َ‬

‫والستقامة معناها‪ :‬عدم الميل أو النحراف ـ ولو قيد شعر ٍة ـ وهذا أمر يصعب تحقيقه؛ لن‬
‫الفاصل بين الضدين‪ ،‬أو بين المتقابلين هو أدق من الشعرة في بعض الحيان‪.‬‬
‫ومثال ذلك‪ :‬حين ترى الظل والضوء‪ ،‬فأحيانا يصعد الظل على الضوء‪ ،‬وأحيانا يصعد الضوء‬
‫على الظل‪ ،‬وسنجد صعوبة في تحديد الفاصل بين الظل والنور‪ ،‬مهما دقت المقاييس‪.‬‬
‫وهكذا يصبح فصل الشيء عن نقيضه صعبا‪ ،‬ولذلك فالستقامة أمر شاق للغاية‪.‬‬
‫وساعة أن نزلت هذه الية قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ " :‬شيبتني هود وأخواتها "‪.‬‬
‫ولول أن قال الحق سبحانه في كتابه الكريم‪:‬‬
‫طعْ ُتمْ }[التغابن‪.]16 :‬‬
‫{ فَا ّتقُواْ اللّهَ مَا اسْتَ َ‬
‫فلول نزول هذه الية لتعب المسلمون تماما‪ ،‬وقد أنزل الحق سبحانه هذا القول بعد أن قال‪:‬‬
‫حقّ ُتقَاتِهِ }[آل عمران‪.]102 :‬‬
‫{ ا ّتقُواْ اللّهَ َ‬
‫وعزّ ذلك على صحابة رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فأنزل الحق سبحانه ما يخفف به عن أمة‬
‫محمد صلى ال عليه وسلم بأن قال سبحانه‪:‬‬
‫طعْ ُتمْ }[التغابن‪.]16 :‬‬
‫{ فَا ّتقُواْ اللّهَ مَا اسْتَ َ‬
‫إذن‪ :‬فالمر بالستقامة هو أمر بدقة الداء المطلوب ل أمرا ونهيا‪ ،‬بحيث ل نميل إلى جهة دون‬
‫جهة‪.‬‬
‫وهكذا تطلب الستقامة كامل اليقظة وعدم الغفلة‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ فَاسْ َتقِمْ َكمَآ ُأمِ ْرتَ َومَن تَابَ َم َعكَ } [هود‪.]112 :‬‬
‫وهذا إيذان بألّ ييأس رسول ال صلى ال عليه وسلم من وقوف صناديد قريش أمام دعوته صلى‬
‫ال عليه وسلم؛ لنهم سيتساقطون يوما بعد يوم‪.‬‬
‫وقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫ط َغوْاْ إِنّهُ ِبمَا َت ْعمَلُونَ َبصِيرٌ } [هود‪.]112 :‬‬
‫{ َولَ تَ ْ‬
‫يعني أل نتجاوز الحد‪ ،‬فالطغيان هو مجاوزة الحد‪.‬‬
‫وهكذا نعلم أن اليمان قد جعل لكل شيء حدّا‪ ،‬إل أن حدود الوامر غير حدود النواهي؛ فالحق‬
‫سبحانه إن أمرك بشيء‪ ،‬فهو يطلب منك أن تلتزمه ول تتعده‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وقال الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ تِ ْلكَ حُدُودُ اللّهِ فَلَ َتعْ َتدُوهَا }[البقرة‪.]229 :‬‬
‫وهذا القول في الوامر‪ ،‬أما في النواهي فقد قال سبحانه‪:‬‬
‫{ تِ ْلكَ حُدُودُ اللّهِ فَلَ َتقْرَبُوهَا }[البقرة‪.]187 :‬‬
‫أي‪ :‬أن تبتعد عنها تماما‪.‬‬
‫ويقول رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ " :‬من وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى‬
‫حول الحمى يوشك أن يرتع فيه‪ ،‬أل وإن لكل ملكٍ حمى‪ ،‬أل وإن حمى ال محارمه "‪.‬‬
‫وحين ينهانا الحق سبحانه عن القتراب من شيء فهذه هي استقامة الحتياط‪ ،‬وهي قد تسمح لك‬
‫بأن تدخل في التحريم ما ليس داخلً فيه‪ ،‬فمثلً عند تحريم الخمر‪ ،‬جاء المر باجتنابها أي‪:‬‬
‫البتعاد عن كل ما يتعلق بالخمر حتى ل يجتمع المسلم هو والخمر في مكان‪.‬‬
‫وجعل الحق سبحانه أيضا الستقامة في مسائل الطاعة‪ ،‬وهو سبحانه يقول‪:‬‬
‫حصَا ِد ِه َولَ ُتسْ ِرفُواْ }‬
‫حقّهُ َيوْمَ َ‬
‫{ وَآتُواْ َ‬
‫[النعام‪.]141 :‬‬
‫والنهي عن السراف هنا؛ ليعصمنا الحق سبحانه من لحظة نتذكر فيها كثرة ما حصدنا‪ ،‬ولكننا ل‬
‫نجد ما نقيم به الود فقد يسرف النسان لحظة الحصاد لكثرة ما عنده‪ ،‬ثم تأتي له ظروف صعبة‬
‫عطِ "‪ .‬وهكذا يعصمنا الحق سبحانه من هذا الموقف‪.‬‬
‫فيقول‪ " :‬يا ليتني لم أُ ْ‬
‫ويقول رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ " :‬سدّدوا وقاربوا واعلموا أنه لن يدخل أحدكم عمله الجنة‪،‬‬
‫وأن أحب العمال أدومها إلى ال وإن قل "؛ لن الدين قوي متين‪ ،‬و " لن يشاد الدين أحد إل غلبه‬
‫"‪.‬‬
‫وهكذا نجد الحق سبحانه ونجد رسوله صلى ال عليه وسلم أعلم بنا‪ ،‬وال ل يريد منا عدم‬
‫الطغيان من ناحية المحرمات فقط‪ ،‬بل من ناحية الحلّ أيضا‪ ،‬فيوصينا سبحانه بالرفق واللين‬
‫والهوادة ‪ ،‬وأن يجعل النسان لنفسه ُمكْنة الختيار‪.‬‬
‫ومثال ذلك‪ :‬أن يلزم النسان نفسه بعشرين ركعة كل ليلة‪ ،‬وهو يلزم نفسه بذلك نذرا ل تعالى في‬
‫ساعة صفاء‪ ،‬لكنه حين يبدأ في مزوالة ذلك القدر يكتشف صعوبته‪ ،‬فتكرهه نفسه‪.‬‬
‫ولذلك يأمرنا الحق سبحانه بالستقامة وعدم الطغيان؛ استقامة في تحديد المأمور به والمنهي عنه؛‬
‫ولذلك كان الحتياط في أمر العبادات أوسع لمن يطلب الستقامة‪.‬‬
‫ويقول رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ " :‬الحلل بيّن‪ ،‬والحرام بين‪ ،‬وبينهما أمور مشتبهات ل‬
‫يعلمهن كثير من الناس‪ ،‬فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه "‪.‬‬
‫ولذلك يطلب الشارع الحكيم سبحانه منا في الحتياط أن نحتاط مرة بالزيادة‪ ،‬وأن نحتاط بمرة‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫بالنقص‪ ،‬فحين تصلي خارج المسجد الحرام‪ ،‬يكفيك أن تكون جهتك الكعبة‪ ،‬أما حين تصلي في‬
‫المسجد الحرام‪ ،‬فأنت تعلم أن الكعبة قسمان‪ :‬قسم بنايته عالية‪ ،‬وقسم اسمه " الحطيم " وهو جزء‬
‫من الكعبة‪ ،‬لكن نفقتهم أيام رسول ال صلى ال عليه وسلم قد قصرت؛ فلم يبنوه‪.‬‬
‫لذلك فأنت تتجه ببصرك إلى البناء العالي المقطوع بكعبيته‪ ،‬وهذا هو الحتياط بالنقص‪.‬‬
‫أما الحتياط بالزيادة‪ ،‬فمثال ذلك‪ :‬هو الطواف‪ ،‬وقد يزدحم البشر حول الكعبة‪ ،‬ول تسمح ظروفك‬
‫إل بالطواف حول المسجد‪.‬‬
‫وهكذا يطول عليك الطواف‪ ،‬لكنه طواف بالزيادة فعند الصلة يكون الحتياط بالنقص‪ ،‬أما عند‬
‫الطواف فيكون الحتياط بالزيادة‪.‬‬
‫وهكذا نجد الحتياط هو الذي يحدد معنى الستقامة‪.‬‬
‫ويُنهي الحق سبحانه الية بقوله تعالى‪:‬‬
‫} إِنّهُ ِبمَا َت ْعمَلُونَ َبصِيرٌ { [هود‪.]112 :‬‬
‫وفي الية السابقة قال سبحانه‪ {:‬إِنّهُ ِبمَا َي ْعمَلُونَ خَبِيرٌ }[هود‪.]111 :‬‬
‫وعلمنا معنى الخبير‪ ،‬أما المقصود بالبصير هنا فهو أنه سبحانه يعلم حركة العبادة؛ لن حركة‬
‫العبادة مرئية‪.‬‬
‫سكُمُ {‬
‫ويقول الحق سبحانه بعد ذلك‪َ } :‬ولَ تَ ْركَنُواْ إِلَى الّذِينَ ظََلمُواْ فَ َتمَ ّ‬

‫(‪)1572 /‬‬
‫س ُكمُ النّا ُر َومَا َلكُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ مِنْ َأوْلِيَاءَ ثُمّ لَا تُ ْنصَرُونَ (‪)113‬‬
‫وَلَا تَ ْركَنُوا ِإلَى الّذِينَ ظََلمُوا فَ َتمَ ّ‬

‫والكافرون ـ كما نعلم ـ قد عرضوا على رسول ال صلى ال عليه وسلم أن يعبد آلهتهم سنة‪،‬‬
‫وأن يعبدوا هم ال سنة‪ ،‬ولكن الحق سبحانه قطع وفصل في هذا المر‪.‬‬
‫ويأتي هنا توكيد هذا المر؛ فيقول سبحانه‪:‬‬
‫{ َولَ تَ ْركَنُواْ إِلَى الّذِينَ ظََلمُواْ } [هود‪.]113 :‬‬
‫والركون هو الميل والسكون والمودة والرحمة‪ ،‬وأنت إذا ركنت للظالم؛ أدخلت في نفسه أن لقوته‬
‫شأنا في دعوتك‪.‬‬
‫والركون أيضا يعني‪ :‬المجاملة‪ ،‬وإعانة هذا الظالم على ظلمه‪ ،‬وأن تزّين للناس ما فعله هذا‬
‫الظالم‪.‬‬
‫وآفة الدنيا هي الركون للظالمين؛ لن الركون إليهم إنما يشجعهم على التمادي في الظلم‪،‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والستشراء فيه‪ .‬وأدنى مراتب الركون إلى الظالم أل تمنعه من ظلم غيره‪ ،‬وأعلى مراتب الركون‬
‫إلى الظالم أن تزين له هذا الظلم؛ وأن تزين للناس هذا الظلم‪.‬‬
‫وأنت إذا استقرأت وضع الظلم في العالم كله لوجدت آن آفات المجتمعات النسانية إنما تنشأ من‬
‫الركون إلى الظالم؛ لكنك حين تبتعد عن الظالم‪ ،‬وتقاطعه أنت ومن معك؛ فلسوف يظن أنك لم‬
‫تُعرْض عنه إل لنك واثق بركن شديد آخر؛ فيتزلزل في نفسه؛ حاسبا حساب القوة التي تركن‬
‫إليها؛ وفي هذا إضعاف لنفوذه؛ وفي هذا عزلة له وردع؛ لعله يرتدع عن ظلمه‪.‬‬
‫والركون للظالم إنما يجعل النسان عرضة لن تمسه النار بقدر آثار هذا الركون؛ لن الحق‬
‫سبحانه يقول‪:‬‬
‫سكُمُ النّا ُر َومَا َلكُمْ مّن دُونِ اللّهِ مِنْ َأوْلِيَآءَ ثُ ّم لَ تُنصَرُونَ }‬
‫{ َولَ تَ ْركَنُواْ إِلَى الّذِينَ ظََلمُواْ فَ َت َم ّ‬
‫[هود‪.]113 :‬‬
‫فأنتم حين تركنون إلى ظالم إنما تقعون في عداء مع منهج ال؛ فيتخلى ال عنكم ول ينصركم‬
‫ي ول ناصر إل ال تعالى‪.‬‬
‫أحد؛ لنه ل ول ّ‬
‫لةَ طَ َر َفيِ ال ّنهَارِ }‬
‫ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك‪ { :‬وََأ ِقمِ الصّ َ‬

‫(‪)1573 /‬‬
‫وََأقِمِ الصّلَاةَ طَ َر َفيِ ال ّنهَا ِر وَزَُلفًا مِنَ اللّ ْيلِ إِنّ ا ْلحَسَنَاتِ يُ ْذهِبْنَ السّيّئَاتِ ذَِلكَ ِذكْرَى لِلذّاكِرِينَ (‪)114‬‬

‫وهذا أمر بالخير؛ يوجهه ال سبحانه إلى رسوله صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫ونحن نلحظ في هذه اليات من سورة هود أنها تحمل أوامر ونواهي؛ الوامر بالخير دائما؛‬
‫والنواهي عن الشر دائما‪.‬‬
‫ونلحظ أن الحق سبحانه قال‪:‬‬
‫{ فَاسْ َتقِمْ َكمَآ ُأمِ ْرتَ َومَن تَابَ َم َعكَ }[هود‪.]112 :‬‬
‫ط َغوْاْ }[هود‪ ]112 :‬ولم يقل‪ " :‬فاستقم ول تطغي " لن المر‬
‫ثم وَجّه النهي للمة كلها‪َ {:‬ولَ تَ ْ‬
‫بالخير يأتي للنبي صلى ال عليه وسلم وأمته معه؛ وفي النهي عن الشر يكون الخطاب موجها إلى‬
‫المة‪ ،‬وفي هذا تأكيد لرفعة مكانة النبي صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫ونرى نفس المر حين يوجه الحق سبحانه الحديث إلى أمة محمد صلى ال عليه وسلم فيقول‬
‫سبحانه وتعالى‪:‬‬
‫{ َولَ تَ ْركَنُواْ إِلَى الّذِينَ ظََلمُواْ }[هود‪.]113 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ولم يقل‪ " :‬ول تركن إلى الذين ظلموا "‪.‬‬
‫وهنا في الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق سبحانه لرسوله صلى ال عليه وسلم‬
‫ولمته‪:‬‬
‫لةَ } [هود‪.]114 :‬‬
‫{ وََأقِمِ الصّ َ‬
‫والقامة تعني‪ :‬أداء المطلوب على الوجه الكمل‪ ،‬مثل إقامة البنيان؛ وأن تجعله مؤديا للغرض‬
‫المطلوب منه‪.‬‬
‫ويقال‪ " :‬أقام الشيء " أي‪ :‬جعله قائما على المر الذي يؤدي به مهمته‪.‬‬
‫وقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫لةَ طَ َر َفيِ ال ّنهَارِ } [هود‪.]114 :‬‬
‫{ وََأقِمِ الصّ َ‬
‫أي‪ :‬نهايته من ناحية‪ ،‬ونهايته من الناحية الخرى؛ لن طرف الشيء هو نهايته‪.‬‬
‫وتتحدد نهاية الطرفين من منطقة وسط الشيء‪ ،‬فالوسط هو الفاصل بين الطرفين؛ فما على يمين‬
‫الوسط يعد طرفا؛ وما على يسار الوسط يعد طرفا آخر؛ وكل جزء بعد الوسط طرف‪.‬‬
‫وعادةً ما يعد الوسط هو نقطة المنتصف تماما‪ ،‬وما على يمينها يقسم إلى عشرة أجزاء‪ ،‬وما على‬
‫يسارها يقسم إلى عشرة أجزاء أخرى‪ ،‬وكل قسم بين تلك الجزاء التي على اليمين و التي على‬
‫اليسار يعد طرفا‪.‬‬
‫وقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫لةَ طَ َر َفيِ ال ّنهَارِ } [هود‪.]114 :‬‬
‫{ وََأقِمِ الصّ َ‬
‫يقتضي أن تعرف أن النهار عندنا إنما نتعرف عليه من بواكير الفجر الصادق‪ ،‬وهذا هو أول‬
‫طرف نقيم فيه صلة الفجر‪ ،‬ثم يأتي الظهر؛ فإن وقع الظهر قبل الزوال حسبناه من منطقة ما قبل‬
‫الوسط‪ ،‬وإن كان بعد الزوال حسبناه من منطقة ما بعد الوسط‪.‬‬
‫وبعد الظهر هناك العصر‪ ،‬وهو طرف آخر‪.‬‬
‫وقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ وَزُلَفا مّنَ الّ ْيلِ } [هود‪.]114 :‬‬
‫يقتضي منا أن نفهم أن كلمة { زُلَفا } هي جمع؛ زلفة‪ ،‬وهي مأخوذة من‪ :‬أزلفه‪ ،‬إذا قرّبه‪.‬‬
‫والجمع أقله ثلثة؛ ونحن نعلم أن لنا في الليل صلة المغرب‪ ،‬وصلة العشاء‪ ،‬ولذلك نجد المام‬
‫أبا حنيفة يعتبر الوتر واجبا‪ ،‬فقال‪ :‬إن صلة العشاء فرض‪ ،‬وصلة الوتر واجب؛ وهناك فرق بين‬
‫الفرض والواجب‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه بعد ذلك مباشرة‪:‬‬
‫حسَنَاتِ ُيذْهِبْنَ السّـيّئَاتِ } [هود‪.]114 :‬‬
‫{ إِنّ الْ َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وهذا التعقيب يضع الصلة في قمة الحسنات‪ ،‬وقد أوضح رسول ال صلى ال عليه وسلم هذا بأن‬
‫قال‪ " :‬الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن ما لم ُتغْشَ الكبائر "‪.‬‬
‫واختلف العلماء في معنى السيئات والحسنات‪ ،‬وقال بعضهم‪ :‬الحسنة هي ما جعل ال سبحانه على‬
‫عملها ثوابا‪ ،‬والسيئة هي ما جعل ال على عملها عقابا‪.‬‬
‫وأول الحسنات في اليمان أن تشهد أن ل إله إل ال‪ ،‬وهذه حسنة أذهبت الكفر؛ لن الحسنات‬
‫يذهبن السيئات‪.‬‬
‫ولذلك قال بعض العلماء‪ :‬إن المسلم الذي ارتكب معصية أو كبيرة من الكبائر‪ ،‬ل يخلد في النار؛‬
‫لنه إذا كانت حسنة اليمان قد أذهبت سيئة الكفر‪ ،‬أفل تذهب ما دون الكفر؟‪.‬‬
‫وهكذا يخفّف العقاب على المسلم فينال عقابه من النار‪ ،‬ولكنه ل يخلد فيها؛ لننا ل يمكن أن‬
‫نساوي بين من آمن بال ومن لم يؤمن بال‪.‬‬
‫واليمان بال هو أكبر حسنة‪ ،‬وهذه الحسنة تذهب الكفر‪ ،‬ومن باب أولى أن تذهب ما دون الكفر‪.‬‬
‫وتساءل بعض العلماء‪ :‬هل الفرائض هي الحسنات التي تذهب السيئات؟‬
‫وأجاب بعضهم‪ :‬هناك أحاديث صحيحة قد وردت عن رسول ال صلى ال عليه وسلم عن حسنات‬
‫في غير الفرائض‪ ،‬ألم يقل رسول ال صلى ال عليه وسلم " إن صوم يوم عرفة إلى صوم يوم‬
‫عرفة يذهب السيئات "‪.‬‬
‫ألم يقل رسول ال صلى ال عليه وسلم " إن النسان الذي يستقبل نعمة ال بقوله‪ :‬الحمد ل الذي‬
‫ل مني ول قوة "‪ .‬وهذا‬
‫ل مني ول قوة‪ ،‬والحمد ل الذي كساني من غير حو ٍ‬
‫رزقنيه من غير حو ٍ‬
‫القول يكفّر السيئات‪.‬‬
‫ألم يقل صلى ال عليه وسلم " إنك إذا قلت‪ :‬سبحان ال‪ ،‬والحمد ل‪ ،‬ول إله إل ال‪ ،‬وال أكبر ول‬
‫حول ول قوة إل بال العليّ العظيم " فهذا القول كفارة؟‬
‫إذن‪ :‬فالحسنات مطلقة سواء أكانت فرضا أم غير فرضٍ‪ ،‬وهي تذهب السيئات‪ .‬والسيئة هي عمل‬
‫توعد ال ـ سبحانه ـ من يفعله بالعقوبة‪.‬‬
‫وتساءل أيضا بعض العلماء‪ :‬إن السيئة عمل‪ ،‬والعمل إذا وقع يُرفع ويُسجّل‪ ،‬فكيف تُذهبها‬
‫الحسنة؟‬
‫وأجابوا‪ :‬إن ذهاب السيئة يكون إما عن طريق مَنْ يحفظ العمل‪ ،‬ويكتبه عليك‪ ،‬فيمحوه ال من‬
‫كتاب سيئاتك‪ ،‬أو أن يعفو ال سبحانه وتعالى عنك؛ فل يعاقبك عليه‪ ،‬أو يكون ذهاب العمل في‬
‫ذاته فل يتأتى‪ ،‬وما وقع ل يرتفع؛ أو يحفظها ال إن وقعت؛ لنه هو سبحانه القائل‪:‬‬
‫{ مّا يَ ْلفِظُ مِن َقوْلٍ ِإلّ لَدَ ْيهِ َرقِيبٌ عَتِيدٌ }[ق‪.]18 :‬‬
‫ويقول سبحانه‪:‬‬
‫{ وَإِنّ عَلَ ْي ُكمْ لَحَا ِفظِينَ * كِرَاما كَاتِبِينَ }[النفطار‪10 :‬ـ ‪.]11‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وهكذا يكون إذهاب السيئة‪ ،‬إما محوها من الكتاب‪ ،‬وإما أن تظل في الكتاب‪ ،‬ويذهب ال سبحانه‬
‫عقوبتها بالمغفرة‪.‬‬
‫والحق سبحانه يقول‪:‬‬
‫سعُ ا ْل َم ْغفِ َرةِ }[النجم‪.]32 :‬‬
‫ك وَا ِ‬
‫{ الّذِينَ َيجْتَنِبُونَ كَبَائِ َر الِثْمِ وَالْ َفوَاحِشَ ِإلّ الّلمَمَ إِنّ رَ ّب َ‬
‫واجتناب الكبائر ل يمنع من وقوع الصغائر‪.‬‬
‫والحق سبحانه يقول‪:‬‬
‫لةَ تَ ْنهَىا عَنِ ا ْلفَحْشَآ ِء وَا ْلمُ ْنكَرِ }[العنكبوت‪.]45 :‬‬
‫{ إِنّ الصّ َ‬
‫وحين ننظر إلى مواقيت الصلة‪ ،‬نجدها خمسة مواقيت‪ ،‬فمن تعلّق قلبه بالصلة‪ ،‬إنما ينشغل قلبه‬
‫طوال وقت حركته بإقامة الصلة‪ ،‬ثم يأتي وقت الليل لينام‪ ،‬وكل من يرتكب معصية سينشغل‬
‫فكره بها لمدةٍ‪ ،‬ولو لم يأت له وقت صلة لحسّ بالضياع‪ ،‬أما إذا ما جاء وقت الصلة فقلبه يتجه‬
‫ل سبحانه طالبا المغفرة‪.‬‬
‫وإن وقعت منه المعصية مرة‪ ،‬فقد ل تقع مرة أخرى‪ ،‬أو أن الصلة تنهى عن الفحشاء والمنكر‬
‫في وقت الستعداد لها‪ ،‬فمن جلس لينمّ على غيره‪ ،‬أو يظلم الناس‪ ،‬إذا ما سمع أذان الصلة وقام‬
‫وتوضأ؛ فقد رحم الناس في وقت وضوئه ووقت صلته ووقت ختمه للصلة‪.‬‬
‫وهناك أعمال كثيرة من الفروض والحسنات وهي تمحو السيئات‪ ،‬وعلى المسلم أن ينشغل بزيادة‬
‫الحسنات‪ ،‬وأل ينشغل بمحو السيئات؛ لن الحسنة الواحدة بشعرة أمثالها وقد يضاعفها ال‬
‫سبحانه‪ ،‬أما السيئة فإنما تكتب واحدة‪.‬‬
‫ويُنهي الحق سبحانه هذه الية الكريمة بقوله‪:‬‬
‫} ذاِلكَ ِذكْرَىا لِلذّاكِرِينَ { [هود‪.]114 :‬‬
‫أي‪ :‬إن إقامة الصلة طرفي النهار‪ ،‬وزلفا من الليل هي حسنات تذهب السيئات؛ وفي ذلك ذكرى‬
‫غفِل عنه‪ ،‬أي‪ :‬أن هذا الشيء كان موجودا من قبل‪ ،‬ولكن جاءت الغفلة‬
‫وتنبيه للنفس إلى شيء ُ‬
‫لتنسيه‪ ،‬والخبار الول أزال الجهل بهذا الشيء‪ ،‬والخبار الثاني يذكّرك بالحكم؛ لن آفة النسان‬
‫أن المور التي تمر به من المرائي والمدركات‪ ،‬تتوالى وتصير الشياء التي في بؤرة الشعور إلى‬
‫حاشية الشعور‪ ،‬فيغفل النسان عما صار في حاشية الشعور‪ ،‬ول بد من مجيء معنى جديد ليذكّر‬
‫بما غاب في حاشية الشعور‪.‬‬
‫ومثال ذلك‪ :‬إنك إذا ألقيت حجرا في بحر‪ ،‬فهذا الحجر يستقر في بؤرة تصنع حولها دوائر من‬
‫المياه‪ ،‬وتذهب هذه الدوائر إلى أن تختفي من رؤية النسان‪ ،‬ودليل ذلك أنك قد تتذكر أحداثا مرت‬
‫عليك من عشرين عاما أو أكثر‪ ،‬هذه الحداث كانت موجودة في حاشية الشعور‪ ،‬ثم جاء لك ما‬
‫ينبهك إليها‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والمخ كآلة التصوير الفوتوغرافية يلتقط أحيانا من مرة واحدة‪ ،‬وأحيانا من مرتين‪ ،‬أو أكثر‪،‬‬
‫واللتقاط من أول مرة إنما يتم لن المخ في تلك اللحظة كان خاليا من الخواطر‪.‬‬
‫ونحن نجد أن من فقدوا أبصارهم إنما ينعم ال سبحانه عليهم بنعمة أخرى‪ ،‬هي قدرتهم الكبيرة‬
‫على حفظ العلم؛ لنه حين يسمع الكفيف العلم ل تشغله الخواطر المرئية التي تسرق انتباه بؤرة‬
‫الشعور‪ ،‬أما المبصر‪ ،‬فقد تسرق بؤرة شعوره ما يمر أمامه‪ ،‬فيسمع العلم لكثر من مرة إلى أن‬
‫يصادف العلم بؤرة الشعور خالية فيستقر فيها‪.‬‬
‫وهكذا تفعل الذكرى؛ لنها تستدعي ما في حاشية الشعور إلى بؤرة الشعور‪ ،‬فإذا انشغلت عن‬
‫طاعة وذهبت إلى معصية‪ ،‬فالذكرى توضح لك آفاق المسئولية التي تتبع المعصية‪ ،‬وهي العقاب‪.‬‬
‫ولذلك يقال‪ " :‬ل خير في خيرٍ بعده النار‪ ،‬ول شر في شر بعده الجنة "‪.‬‬
‫والحق سبحانه يقول هنا في الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها‪:‬‬
‫لةَ طَ َر َفيِ ال ّنهَا ِر وَزُلَفا مّنَ الّ ْيلِ { [هود‪.]114 :‬‬
‫} وََأقِمِ الصّ َ‬
‫وأنت حين تنظر إلى أركان السلم‪ ،‬ستجد أنك تشهد أل إله إل ال‪ ،‬وأن محمدا رسول ال مرة‬
‫واحدة في العمر‪ ،‬والركن الثاني‪ ،‬وهو الصلة‪ ،‬وهو ركن ل يسقط أبدا‪ ،‬فهي كل يوم خمس‬
‫مرات‪ ،‬فيها تنطق بالشهادة‪ ،‬وتزكّي ببعض الوقت ليبارك لك ال ـ سبحانه وتعالى ـ فيما بقي‬
‫لك من وقتٍ‪ ،‬وفيها تصوم عن الطعام والشراب وكل ما يفسد الصيام‪ ،‬وأنت تتجه لحظة قيام‬
‫الصلة إلى البيت الحرام‪.‬‬
‫ففي الصلة تتضح العبادات الخرى‪ ،‬ففيها من أركان السلم الخمس‪.‬‬
‫ولذلك ل تسقط الصلة أبدا؛ لنك إن لم تستطع الصلة واقفا؛ فََلكَ أن تصلي قاعدا‪ ،‬وإن لم تكن‬
‫تستطيع الحركة فََلكَ أن تحرك رموش عينيك‪ ،‬وأنت تصلي‪.‬‬
‫وهكذا تجد في الصلة كل أركان الدين‪ ،‬ولهميتها نجد أنها تبقى مع النسان إلى آخر رمقٍ في‬
‫حياته‪ ،‬وهي قد أخذت أهميتها في التشريع على قدر أهميتها في التكليف‪ ،‬وكل تكاليف السلم قد‬
‫جاءت بواسطة الوحي إل الصلة‪ ،‬فقد جاءت مباشرة من ال تعالى‪ ،‬فقد استدعى ال سبحانه‬
‫رسوله صلى ال عليه وسلم إليه ليفرض عليه الصلة وهي تحية لمة محمد صلى ال عليه وسلم؛‬
‫نظرا لنها شرعت في قرب محمد صلى ال عليه وسلم من ربه سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫لذلك جعل الحق سبحانه الصلة المفروضة في القرب وسيلة لقرب أمة رسوله صلى ال عليه‬
‫وسلم جميعا؛ ولذلك فهي الباقية‪.‬‬
‫ويُحكَى أن المام عليا ـ كرم ال وجهه ورضي عنه ـ أقبل على قوم وقال لهم‪ :‬أي آي ٍة في‬
‫كتاب ال أَرْجَى عندكم؟‬
‫أي‪ :‬ما هي الية التي تعطي الرجاء والطمأنينة والبشرى بأن الحق سبحانه يقبلنا ويغفر لنا‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ويرحمنا‪ ،‬فقال بعضهم‪ :‬هي قول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ إِنّ اللّ َه لَ َي ْغفِرُ أَن يُشْ َركَ بِهِ وَ َيغْفِرُ مَا دُونَ ذاِلكَ ِلمَن يَشَآءُ }[النساء‪.]116 :‬‬
‫فقال المام علي‪ :‬حسنة‪ ،‬وليست إياها؟ أي‪ :‬أنها آية تحقق ما طلبه‪ ،‬لكنها ليست الية التي يعنيها‪.‬‬
‫فقال بعض القوم إنها قول الحق سبحانه‪:‬‬
‫غفُورا رّحِيما }[النساء‪.]110 :‬‬
‫جدِ اللّهَ َ‬
‫ظلِمْ َنفْسَهُ ُثمّ يَسْ َت ْغفِرِ اللّهَ يَ ِ‬
‫{ َومَن َي ْع َملْ سُوءا َأوْ يَ ْ‬
‫فكرر المام علي‪ :‬حسنة‪ ،‬وليست إياها‪.‬‬
‫فقال بعض القوم‪ :‬هي قول الحق سبحانه‪:‬‬
‫جمِيعا }‬
‫حمَةِ اللّهِ إِنّ اللّهَ َي ْغفِرُ الذّنُوبَ َ‬
‫سهِ ْم لَ َتقْنَطُواْ مِن رّ ْ‬
‫علَىا أَنفُ ِ‬
‫{ ُقلْ ياعِبَا ِديَ الّذِينَ َأسْ َرفُواْ َ‬
‫[الزمر‪.]53 :‬‬
‫فقال المام علي‪ :‬حسنة‪ ،‬وليست إياها‪:‬‬
‫فقال بعضهم‪ :‬هي قوله سبحانه‪:‬‬
‫سهُمْ َذكَرُواْ اللّهَ فَاسْ َت ْغفَرُواْ لِذُنُو ِبهِ ْم َومَن َي ْغفِرُ الذّنُوبَ ِإلّ اللّهُ‬
‫{ وَالّذِينَ إِذَا َفعَلُواْ فَاحِشَةً َأوْ ظََلمُواْ أَ ْنفُ َ‬
‫}[آل عمران‪.]135 :‬‬
‫فقال المام علي‪ :‬حسنة‪ ،‬وليست إياها‪.‬‬
‫وصمت القوم وأحجموا‪ ،‬فقال المام علي كرّم ال وجهه‪ :‬ما بالكم يا معشر المسلمين؟ وكأنه‬
‫يسألهم‪ :‬لماذا سكتم؟‪ ..‬فقالوا‪ :‬ل شيء‪.‬‬
‫وهكذا جعل المام علي التشويق أساسا يبني عليه ما سوف يقول لهم‪ :‬واشرأبت أعناقهم‪ ،‬وأرهفوا‬
‫السمع‪ ،‬فقال لهم المام علي‪ :‬سمعت حبيبي رسول ال صلى ال عليه وسلم يقول‪ " :‬أَرْجَى آية في‬
‫كتاب ال هي قول الحق سبحانه‪:‬‬
‫لةَ طَ َر َفيِ ال ّنهَا ِر وَزُلَفا مّنَ الّ ْيلِ إِنّ الْحَسَنَاتِ ُيذْهِبْنَ السّـيّئَاتِ ذاِلكَ ِذكْرَىا لِلذّاكِرِينَ‬
‫} وََأقِمِ الصّ َ‬
‫{ [هود‪.]114 :‬‬
‫يا علي إن أحدكم ليقوم من وضوئه فتتساقط عن جوارحه ذنوبه‪ ،‬فإذا أقبل على ال بوجهه وقلبه‬
‫ل ينفتل ـ أي‪ :‬ل يلتفت ـ إل وقد غفر ال له كل ذنوبه كيوم ولدته أمه؛ فإذا أحدث شيئا بين‬
‫الصلتين فله ذلك‪ ،‬ثم ع ّد الصلوات الخمس واحدة واحدة‪ ،‬فقال بين الصبح والظهر‪ ،‬وبين الظهر‬
‫والعصر‪ ،‬وبين العصر والمغرب‪ ،‬وبين المغرب والعشاء‪ ،‬وبين العشاء والفجر‪ ،‬ثم قال صلى ال‬
‫عليه وسلم‪ " :‬يا علي إنما الصلوات الخمس لمتي كنهر جارٍ بباب أحدكم‪ ،‬أو لو كان على جسد‬
‫واحد منكم درن ثم اغتسل في البحر‪ ،‬أيبقى على جسده شيء من الدرن؟ قال‪ :‬فذلكم وال‬
‫الصلوات لمتي "‪.‬‬
‫ولذلك لو نظرنا إلى العمال لوجدنا كل عمل له مجاله في عمره إل مجال الصلة‪ ،‬فمجالها كل‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫عمر النسان‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه بعد ذلك‪ } :‬وَاصْبِرْ فَإِنّ اللّ َه لَ ُيضِيعُ أَجْرَ ا ْلمُحْسِنِينَ {‬

‫(‪)1574 /‬‬
‫وَاصْبِرْ فَإِنّ اللّهَ لَا ُيضِيعُ أَجْرَ ا ْلمُحْسِنِينَ (‪)115‬‬

‫وجاءت كلمة " اصبر " لتخدم كل عمليات الستقامة‪.‬‬
‫وكذلك يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫علَ ْيهَا }[طه‪.]132 :‬‬
‫لةِ وَاصْطَبِرْ َ‬
‫{ وَ ْأمُرْ أَهَْلكَ بِالصّ َ‬
‫والصبر نوعان‪ :‬صبر " على " ‪ ،‬وصبر " عن " وفي الطاعات يكون الصبر على مشقة الطاعة‪،‬‬
‫مثل صبرك على أن تقوم من النوم لتصلي الفجر‪ ،‬وفي اتقاء المعاصي يكون الصبر عن‬
‫الشهوات‪.‬‬
‫وهكذا نعلم أن الصبر على إطلقه مطلوب في المرين‪ :‬في اليجاب للطاعة‪ ،‬وفي السلب عن‬
‫المعصية‪.‬‬
‫ح ّفتِ النار بالشهوات؛ فاصبر عنها‪.‬‬
‫ح ّقتْ بالمكاره؛ فاصبر على المكاره‪ ،‬و ُ‬
‫ونحن نعلم أن الجنة ٌ‬
‫وافرض أن واحدا يرغب في أكل اللحم‪ ،‬ولكنه ل يملك ثمنها‪ ،‬فهو يصبر عنها؛ ول يستدين‪.‬‬
‫ولذلك يقول الزهاد‪ :‬ليس هناك شيء اسمه غلء‪ ،‬ولكن هناك شيء اسمه رخص النفس‪.‬‬
‫ولذلك نجد من يقول‪ :‬إذا غل شيء عليّ تركته‪ ،‬وسيكون أرخص ما يكون إذا غل‪.‬‬
‫والحق سبحانه يقول‪:‬‬
‫{ وَاصْبِرْ عَلَىا مَآ َأصَا َبكَ }[لقمان‪.]17 :‬‬
‫وهنا يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ وَاصْبِرْ فَإِنّ اللّ َه لَ ُيضِيعُ أَجْرَ ا ْلمُحْسِنِينَ } [هود‪.]115 :‬‬
‫وهم الذين أدخلوا أنفسهم في مقام الحسان‪ ،‬وهو أن يلزم الواحد منهم نفسه بجنس ما فرض ال‬
‫فوق ما فرق ال‪ ،‬من صلة أو صيام‪ ،‬أو زكاة‪ ،‬أو حج لبيت ال؛ لن العبادة ليست اقتراحا من‬
‫عابدٍ لمعبود‪ ،‬بل المعبود هو الذي يحدد ما يقربك إليه‪.‬‬
‫وحاول ألّ تدخل في مقام الحسان َنذْرا؛ لنه قد يشق عليك أن تقوم بما نذرته‪ ،‬واجعل زمان‬
‫الختيار والتطوع في يدك؛ حتى ل تدخل مع ال في ودّ إحساني ثم تفتر عنه‪ ،‬وكأنك ـ والعياذ‬
‫بال ـ قد جرّبت مودة ال تعالى‪ ،‬فلم تجده أهلً لها‪ ،‬وفي هذا طغيان منك‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وإذا رأيت إشراقات فيوضات على مَنْ دخل مقام الحسان فل تنكرها عليه‪ ،‬وإل لسويت بين من‬
‫وقف عند ما فُ ِرضَ عليه‪ ،‬وبين من تجاوز ما فُ ِرضَ عليه من جنس ما فَ َرضَ ال‪.‬‬
‫وجرب ذلك في نفسك‪ ،‬والتزم أمر ال باحترام مواقيت الصلة‪ ،‬وقم لتصلي الفجر في المسجد‪ ،‬ثم‬
‫احرص على أن تتقن عملك‪ ،‬وحين يجيء الظهر قم إلى الصلة في المسجد‪ ،‬وحاول أن تزيد من‬
‫ت في أعماقك‪ ،‬وامتلتَ بإشراقات نوارينة تفوق‬
‫ركعات السنة‪ ،‬وستجد أن كثافة الظلمانية قد َر ّق ْ‬
‫إدراكات الحواس‪ ،‬ولذلك ل تستكثر على مَنْ يرتاض هذه الرياضة الروحية‪ ،‬حين تجد الحق‬
‫سبحانه قد أنار بصيرته بتجليات من وسائل إدراك وشفافية‪.‬‬
‫ولذلك ل نجد واحدا من أهل النور والشراق يدّعي ما ليس له‪ ،‬والواحد منهم قد يعلم أشياء عن‬
‫خصّه بأشياء وصفات ل يجب‬
‫إنسان آخر غير ملتزم‪ ،‬ول يعلنها له؛ لن ال سبحانه وتعالى قد َ‬
‫أن يضعها موضع التباهي والمراءاة‪.‬‬
‫وحين عرض الحق سبحانه هذه القضية أراد أن يضع حدودا للمرتاض ولغير المرتاض‪ ،‬في قصة‬
‫موسى عليه السلم حينما وجد موسى وفتاة عبدا صالحا‪ ،‬ووصف الحق سبحانه العبد الصالح‬
‫بقوله تعالى‪:‬‬
‫حمَةً مّنْ عِندِنَا وَعَّلمْنَاهُ مِن لّدُنّا عِلْما }[الكهف‪.]65 :‬‬
‫{ عَبْدا مّنْ عِبَادِنَآ آتَيْنَاهُ َر ْ‬
‫وقال العبد الصالح لموسى عليه السلم‪:‬‬
‫{ إِ ّنكَ لَن تَسْتَطِيعَ َم ِعيَ صَبْرا }[الكهف‪.]67 :‬‬
‫وبيّن العبد الصالح لموسى ـ بمنتهى الدب ـ عذره في عدم الصبر‪ ،‬وقال له‪:‬‬
‫علَىا مَا لَمْ ُتحِطْ ِبهِ خُبْرا }[الكهف‪.]68 :‬‬
‫{ َوكَ ْيفَ َتصْبِرُ َ‬
‫وردّ موسى عليه السلم‪:‬‬
‫عصِي َلكَ أمْرا }[الكهف‪.]69 :‬‬
‫جدُنِي إِن شَآءَ اللّ ُه صَابِرا َولَ أَ ْ‬
‫{ سَتَ ِ‬
‫فقال العبد الصالح‪:‬‬
‫{ فَإِنِ اتّ َبعْتَنِي فَلَ تَسْأَلْني عَن شَيءٍ حَتّىا ُأحْ ِدثَ َلكَ مِنْهُ ِذكْرا }[الكهف‪.]70 :‬‬
‫ولكن الحداث توالت؛ فلم يصبر موسى؛ فقال له العبد الصالح‪:‬‬
‫{ هَـاذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْ ِنكَ }[الكهف‪.]78 :‬‬
‫وهذا حكم أزلي بأن المرتاض للرياضة الروحية‪ ،‬ودخل مقام الحسان ل يمكن أن يلتقي مع غير‬
‫المرتاض على ذلك‪ ،‬وليلزم غير المرتاض الدب مثلما يلتزم المرتاض الدب‪ ،‬ويقدم العذر في‬
‫أن ينكر عليه غير المرتاض معرفة ما ل يعرفه‪.‬‬
‫ولو أن المرتاض قد عذر غير المرتاض‪ ،‬ولو أن غير المرتاض تأدب مع المرتاض لستقرّ‬
‫ميزان الكون‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والحق سبحانه يبيّن لنا مقام الحسان وأجر المحسنين‪ ،‬في قوله تعالى‪:‬‬
‫ت وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَ ّبهُمْ إِ ّنهُمْ كَانُواْ قَ ْبلَ َذِلكَ مُحْسِنِينَ }[الذاريات‪:‬‬
‫{ إِنّ ا ْلمُ ّتقِينَ فِي جَنّا ٍ‬
‫‪15‬ـ ‪.]16‬‬
‫ويبيّن الحق سبحانه لنا مدارج الحسان‪ ،‬وأنها من جنس ما فرض ال تعالى‪ ،‬في قوله سبحانه‪:‬‬
‫جعُونَ }[الذاريات‪.]17 :‬‬
‫{ كَانُواْ قَلِيلً مّن الّ ْيلِ مَا َيهْ َ‬
‫والحق سبحانه لم يكلف في السلم أل يهجع المسلم إل قليلً من الليل‪ ،‬وللمسلم أن يصلي العشاء‪،‬‬
‫وينام إلى الفجر‪.‬‬
‫وتستمر مدارج الحسان‪ ،‬فيقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ وَبِالَسْحَارِ هُمْ َيسْ َت ْغفِرُونَ }[الذاريات‪.]18 :‬‬
‫والحق سبحانه لم يكلّف المسلم بذلك‪ ،‬ولكن الذي يرغب في الرتقاء إلى مقام الحسان يفعل ذلك‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه أيضا‪:‬‬
‫ل وَا ْلمَحْرُومِ }[الذاريات‪.]19 :‬‬
‫حقّ لّلسّآ ِئ ِ‬
‫{ َوفِي َأ ْموَاِلهِمْ َ‬
‫ولم يحدد الحق سبحانه هنا هذا الحق بأنه حق معلوم‪ ،‬بل جعله حقا غير معلوم أو محددٍ‪ ،‬وال‬
‫سبحانه لم يفرض على المسلم إل الزكاة‪ ،‬ولكن من يرغب في مقام الحسان فهو يبذل من ماله‬
‫للسائل والمحروم‪.‬‬
‫وهكذا يدخل المؤمن إلى مقام الحسان‪ ،‬ليودّ الحق سبحانه‪.‬‬
‫ول المثل العلى‪ :‬نحن نجد النسان حين يوده غيره؛ فهو يعطيه من خصوصياته‪ ،‬ويفيض عليه‬
‫من مواهبه الفائضة‪ ،‬علما‪ ،‬أو مالً‪ ،‬فما بالنا بمن يدخل في ودّ مع ال سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه بعد ذلك‪ } :‬فََل ْولَ كَانَ مِنَ ا ْلقُرُونِ مِن قَبِْل ُكمْ {‪.‬‬

‫(‪)1575 /‬‬
‫فََلوْلَا كَانَ مِنَ ا ْلقُرُونِ مِنْ قَبِْلكُمْ أُولُو َبقِيّةٍ يَ ْن َهوْنَ عَنِ ا ْلفَسَادِ فِي الْأَ ْرضِ ِإلّا قَلِيلًا ِممّنْ أَنْجَيْنَا مِ ْنهُمْ‬
‫وَاتّبَعَ الّذِينَ ظََلمُوا مَا أُتْ ِرفُوا فِي ِه َوكَانُوا مُجْ ِرمِينَ (‪)116‬‬

‫وكلمة " لول " هنا تحضيضية‪ ،‬والتحضيض إنما يكون حثا لعفلٍ لم يأت زمنه‪ ،‬فإن كان الزمن قد‬
‫انتهى ول يمكن استدراك الفعل فيه‪ ،‬تكون " لول " للتحسر والتأسف‪.‬‬
‫وفي سورة يونس يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ فََل ْولَ كَا َنتْ قَرْ َيةٌ آمَ َنتْ فَ َن َفعَهَآ إِيمَا ُنهَا ِإلّ َقوْمَ يُونُسَ }[يونس‪.]98 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وذكّرهم باليات‪ .‬ونحن قد علمنا أن " لول " لها استعمالن في اللغة‪ ،‬فهي إن دخلت على جملة‬
‫اسمية‪ ،‬فهي تدل على امتناع لوجود‪ ،‬كقول إنسان لخر‪ " :‬لول أن أباك فلنا لضربتك على ما‬
‫أذنبت " وتسمى " لول " في هذه الحالة " حرف امتناع لوجود "‪.‬‬
‫وإذا دخلت " لول " على جملة فعلية‪ ،‬فهي أداة تحضيض‪ ،‬وتحميس‪ ،‬وحث المخاطب على أن‬
‫يفعل شيئا‪ ،‬مثلما تشجّع طالبا على المذاكرة‪ ،‬فتقول له‪ " :‬لول ذاكرت بجد واجتهاد في العام‬
‫الماضي لما نجحت ووصلت إلى هذه السنة الدراسية "‪.‬‬
‫وفي هذا تحميس له على بذل مزيد من الجهد‪ ،‬أما إذا قلت لراسب‪ " :‬لول ذاكرت لما رسبت "‬
‫فهذا توبيخ وتأسيف له على ما فات‪ ،‬وشحن طاقته لما هو آت؛ لن الزمن قد فات وانتهى وقت‬
‫المذاكرة؛ لذلك تكون " لول " ـ هنا ـ للتقريع والتوبيخ‪.‬‬
‫والحق سبحانه وتعالى يرشدنا إلى أن بقية الشياء هي التي ثبتت أمام أحداث الزمن‪ ،‬فأحداث‬
‫الزمن تأتي لتطوح بالشيء التافه أولً‪ ،‬ثم بما دونه ثم بما دونه‪ ،‬ويبقى الشيء القوي؛ لنه ثابت‬
‫على أحداث الزمن؛ وبقية الشياء دائما خيرها‪.‬‬
‫والحق سبحانه قد بيّن لنا أنه قد أهلك المم التي سبقت؛ لنه لم توجد فئة منهم تنهى عن الفساد‬
‫في الرض‪ ،‬وجاء الهلك لمتناع من يقاوم الفساد بالمر بالمعروف‪ ،‬والنهي عن المنكر‪.‬‬
‫وضرب الحق سبحانه لنا المثل بالبقية في كل شيء‪ ،‬وأنها هي التي تبقى أمام الحداث‪ ،‬ففي قصة‬
‫شعيب عليه السلم يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ يا َقوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا َلكُمْ مّنْ إِلَـاهٍ غَيْ ُر ُه َولَ تَنقُصُواْ ا ْل ِمكْيَالَ وَا ْلمِيزَانَ إِنّي أَرَا ُكمْ بِخَيْرٍ وَإِنّي‬
‫ط َولَ تَ ْبخَسُواْ النّاسَ أَشْيَآ َءهُمْ‬
‫سِ‬
‫أَخَافُ عَلَ ْيكُمْ عَذَابَ َيوْمٍ مّحِيطٍ * وَيا َقوْمِ َأ ْوفُواْ ا ْل ِمكْيَالَ وَا ْلمِيزَانَ بِا ْلقِ ْ‬
‫وَلَ َتعْ َثوْاْ فِي الَرْضِ ُمفْسِدِينَ * َبقِيّةُ اللّهِ خَيْرٌ ّلكُمْ إِن كُنتُم ّم ْؤمِنِينَ }[هود‪84 :‬ـ ‪.]86‬‬
‫ومعنى ذلك أن نقص المكيال أو الميزان قد يزيد التاجر ما عنده‪ ،‬ولكنه ل يلتفت إلى ماهو‬
‫مدخور‪.‬‬
‫ولذلك قال شعيب عليه السلم‪:‬‬
‫ط َولَ تَ ْبخَسُواْ النّاسَ أَشْيَآ َءهُمْ }[هود‪.]85 :‬‬
‫سِ‬
‫{ وَيا َقوْمِ َأ ْوفُواْ ا ْل ِمكْيَالَ وَا ْلمِيزَانَ بِا ْلقِ ْ‬
‫فأنت إن نظرت إلى شيء قد ذهب‪ ،‬فامتلك القدرة على أن تحقق فيه بالفهم‪ ،‬لتجده مدخرا لك باقيا‪.‬‬
‫ولنا المثل في موقف رسول ال صلى ال عليه وسلم مع أم المؤمنين عائشة ـ رضي ال عنها ـ‬
‫حينما سألها عن شاة أُهديت له‪ ،‬وكانت تعرف أن رسول ال صلى ال عليه وسلم يحب من الشاة‬
‫كتفها‪ ،‬فتصدقت بكل الشاة إل جزءا من كتفها‪ ،‬فلمّا سألها‪ :‬ما فعلت بالشاةّ قالت‪ :‬ذهبت كلها إل‬
‫كتفها‪.‬‬
‫هكذا نظرت عائشة ـ رضي ال عنها ـ هذا المنظور الواقعي؛ بأن الباقي من الشاة هو كتفها‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فقط‪ ،‬وأنها تصدقت بباقي الشاة‪ ،‬ويلفتها رسول ال صلى ال عليه وسلم لفتة إيمان ويقين‪ ،‬ويقول‬
‫لها‪ " :‬بقى كلها إل كتفها "‪.‬‬
‫هكذا نظر رسول ال صلى ال عليه وسلم إلى ما بقي من الشاة من خير‪.‬‬
‫ويؤيد ذلك حديث قاله صلى ال عليه وسلم‪ " :‬وهل لك يابن آدم من مالك إل ما أكلت فأفنيت‪ ،‬أو‬
‫لبست فأبليت‪ ،‬أو تصدقت فأمضيت "‪.‬‬
‫ويلفتنا القرآن الكريم إلى المنظور‪ ،‬وإلى المدخور‪ ،‬فيقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫ل وَالْبَنُونَ زِينَةُ ا ْلحَيَاةِ الدّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَ ّبكَ َثوَابا }[الكهف‪.]46 :‬‬
‫{ ا ْلمَا ُ‬
‫ويصف الحق سبحانه هذا المدخور بقوله‪:‬‬
‫{ َثوَابا وَخَيْرٌ َأمَلً }[الكهف‪.]46 :‬‬
‫وفي آية أخرى يقول سبحانه‪:‬‬
‫{ وَالْبَاقِيَاتُ الصّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَ ّبكَ َثوَابا َوخَيْرٌ مّرَدّا }[مريم‪.]76 :‬‬
‫إذن‪ :‬ل بد أن تنظر إلى الباقيات في الشياء؛ لنها هي التي يُعوّل عليها‪.‬‬
‫ويلفتنا الحق سبحانه إلى ذلك في أكثر من موضع من القرآن الكريم‪ ،‬فيقول تعالى‪:‬‬
‫{ وَالخِ َرةُ خَيْ ٌر وَأَ ْبقَىا }[العلى‪.]17 :‬‬
‫ويقول سبحانه‪:‬‬
‫{ َومَا عِندَ اللّهِ خَيْ ٌر وَأَ ْبقَىا }[القصص‪.]60 :‬‬
‫إذن‪ :‬فإياك أن تنظر إلى الذاهب‪ ،‬ولكن انظر إلى الباقي‪.‬‬
‫ضتِ النسان الحداث في أي شيء‪ ،‬نجد أن سطحي اليمان يفزع مما ذهب‪ ،‬ونجد راسخ‬
‫وإذا ع ّ‬
‫اليمان شاكرا ل تعالى على ما بقي‪.‬‬
‫وها هو ذا سيدنا عبد ال بن جعفر ـ رضي ال عنه ـ حينما جُرحت ساقه جرحا شديدا‪ ،‬وهو‬
‫في الطريق إلى الشام‪ ،‬ولحظة أن وصل إلى قصر الخلفة قال الطباء‪ :‬ل بد من التخدير لنقطع‬
‫الساق المريضة‪ ،‬فقال‪ :‬وال ما أحب أن أغفل عن ربي طرفة عين‪.‬‬
‫وكان هذا القول يعني أن تجرى له جراحة بتر الساق دون مخدر‪ ،‬فلمّا قُطعت الساق‪ ،‬وأرادوا أن‬
‫يأخذوها ليدفنوها؛ لتسبقه إلى الجنة إن شاء ال؛ قال‪ :‬ابعثوا بها‪ ،‬فجاءوا بها إليه‪ ،‬فأمسكها بيده‬
‫وقال‪ :‬اللهم إن كنت قد ابتليت في عضو؛ فقد عافيت في أعضاء‪.‬‬
‫هكذا نظر المؤمن إلى ما بقي‪.‬‬
‫وحين يتكلم القرآن الكريم عن مراتب ومراقي اليمان يقول مرة‪:‬‬
‫{ فَُأوْلَـا ِئكَ يَ ْدخُلُونَ الْجَنّةَ }[غافر‪.]40 :‬‬
‫ويقول عن أناس آخرين‪:‬‬
‫{ أُولَـا ِئكَ عَلَ ْيهِ ْم صََلوَاتٌ مّن رّ ّبهِمْ }[البقرة‪.]157 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والجنة باقية بإبقاء ال لها‪ ،‬ولكن رحمة ال باقية ببقاء ال‪ ،‬وهكذا تكون درجة الرحمة أرقى من‬
‫درجة الجنة‪.‬‬
‫وهكذا تجد في كل أمر ما يسمى بالباقيات‪.‬‬
‫وهنا يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫} فََل ْولَ كَانَ مِنَ ا ْلقُرُونِ مِن قَبِْلكُمْ ُأوْلُواْ َبقِيّةٍ يَ ْن َهوْنَ عَنِ ا ْلفَسَادِ فِي الَ ْرضِ ِإلّ قَلِيلً ّممّنْ أَنجَيْنَا‬
‫مِ ْنهُمْ { [هود‪.]116 :‬‬
‫أي‪ :‬لول أن كان في الناس بقية من الخير وبقية من اليمان‪ ،‬وبقية من اليقين‪ ،‬وكانوا ينهون عن‬
‫الفساد في الرض‪ ،‬لول هم لخسف ال الرض بمن عليها‪.‬‬
‫والبقايا في كل الشياء هي نتيجة الختيار‪ ،‬والختبار؛ مصداقا لقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫جفَآ ًء وََأمّا مَا يَنفَعُ النّاسَ فَ َي ْم ُكثُ فِي الَ ْرضِ }[الرعد‪.]17 :‬‬
‫{ فََأمّا الزّ َبدُ فَيَ ْذ َهبُ ُ‬
‫وفي العصر الحديث نقول‪ " :‬البقاء للصلح "‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالحق سبحانه إنما يحفظ الحياة بهؤلء الذين ينهون عن الفساد في الرض؛ لنهم يعملون‬
‫على ضوء منهج ال‪ ،‬وهذا المنهج ل يزيد ملكا ل‪ ،‬ول يزيد صفة من صفات الكمال ل‪ ،‬لنه‬
‫سبحانه خلق الكون بكل صفات الكمال فيه‪ ،‬ومنهجه سبحانه إنما يُصلح حركة الحياة‪ ،‬وحركة‬
‫الحياء‪.‬‬
‫وهكذا يعود منهج السماء بالخير على مخلوقات ال‪ ،‬ل على ال الذي كوّن الكون بكماله‪.‬‬
‫واقرأ إن شئت قول الحق سبحانه‪:‬‬
‫ط َغوْاْ فِي ا ْلمِيزَانِ }[الرحمن‪7 :‬ـ ‪.]8‬‬
‫سمَآءَ َر َف َعهَا وَ َوضَعَ ا ْلمِيزَانَ * َألّ َت ْ‬
‫{ وَال ّ‬
‫فكما رفع الحق سبحانه السماء بل عمد‪ ،‬وجعل المور مستقرة متوازنة؛ فلكم أن تعدلوا في الكون‬
‫في المور الختيارية بميزان دقيق؛ لن اعوجاج الميزان إنما يفسد حركة الحياة‪.‬‬
‫ومن اعوجاج الميزان أن يأخذ العاطل خير الكادح‪ ،‬ويرى الناس العاطل‪ ،‬وهو يحيا في ترفٍ من‬
‫سرقة خير الكادح‪ ،‬فيفعلون مثله‪ ،‬فيصير المر إلى انتشار الفساد‪.‬‬
‫وينزوي أصحاب المواهب‪ ،‬فل يعمل الواحد منهم أكثر من قدر حاجته؛ لن ثمرة عمله إن زادت‬
‫فهي غير مصونة بالعدالة‪.‬‬
‫وهكذا تفسد حركة الحياة‪ ،‬وتختل الموازين‪ ،‬وتتخلف المجتمعات عن ركب الحياة‪.‬‬
‫والحق سبحانه وتعالى يقول‪:‬‬
‫} فََل ْولَ كَانَ مِنَ ا ْلقُرُونِ مِن قَبِْلكُمْ ُأوْلُواْ َبقِيّةٍ يَ ْن َهوْنَ عَنِ ا ْلفَسَادِ فِي الَ ْرضِ { [هود‪.]116 :‬‬
‫وشاء الحق سبحانه أن يجعل أمة محمد صلى ال عليه وسلم خير المم بشرط أن يأمورا‬
‫بالمعروف‪ ،‬وينهوا عن المنكر‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫قال ال تعالى‪:‬‬
‫ف وَتَ ْن َهوْنَ عَنِ ا ْلمُ ْنكَرِ }[آل عمران‪.]110 :‬‬
‫جتْ لِلنّاسِ تَ ْأمُرُونَ بِا ْل َمعْرُو ِ‬
‫{ كُنْ ُتمْ خَيْرَ ُأمّةٍ أُخْ ِر َ‬
‫وجعلها الحق سبحانه المة الخاتمة‪ ،‬لنه ل رسالة بعد رسالة محمد صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وقد‬
‫كانت الرسالت قبلها تأتي بعد أن يتقلص الخير في المجتمعات‪ ،‬وفي النفوس‪.‬‬
‫فقد وضع الحق سبحانه المنهج لول الخلق في النفس النسانية‪ ،‬وكانت المناعة ذاتية في النسان‪،‬‬
‫إن ارتكب ذنبا فهو يتوب ويرجع بعد أن يلوم نفسه‪ ،‬ولكن قد يستقر أمره على المعصية‪ ،‬وتختفي‬
‫منه " النفس اللوّامة " ‪ ،‬ويستسلم للنفس المّارة بالسوء‪ ،‬فيجد من المجتمع من يقوّمه‪ ،‬فإذا ما فسد‬
‫المجتمع‪ ،‬فالسماء تتدخل بإرسال الرسل‪ ،‬إل أمة محمد صلى ال عليه وسلم فقد أمّنها الحق‬
‫سبحانه أنه سيظل فيها إلى أن تقوم الساعة من يدعو إلى الخير‪ ،‬ومن يأمر بالمعروف‪ ،‬ومن ينهى‬
‫عن المنكر؛ ولذلك لن يوجد أنبياء بعد رسول ال صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫ولذلك يقول رسول ال صلى ال عليه وسلم تأكيدا لهذا المعنى‪ " :‬علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل‬
‫"‪.‬‬
‫والعَالِم‪ :‬هو كل من يعلم حكما من أحكام ال سبحانه‪ ،‬وعليه أن يبلغه إلى الناس‪.‬‬
‫ورسول ال صلى ال عليه وسلم يقول‪ " :‬نضّر ال وجه امرىءٍ سمع مقاتلي فوعاها‪ ،‬وأدّاها إلى‬
‫من لم يسمعها‪ ،‬ف ُربّ مُبلّغ أوعى من سامِع "‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫} ُأوْلُواْ َبقِيّةٍ يَ ْن َهوْنَ عَنِ ا ْلفَسَادِ فِي الَ ْرضِ ِإلّ قَلِيلً ّممّنْ أَنجَيْنَا مِ ْنهُ ْم وَاتّبَعَ الّذِينَ ظََلمُواْ مَآ أُتْ ِرفُواْ‬
‫فِي ِه َوكَانُواْ مُجْ ِرمِينَ { [هود‪.]116 :‬‬
‫وقد أنجى الحق سبحانه بعضا ممن نهوا عن الفساد في الرض‪.‬‬
‫ونرى أمثلة على ذلك في القرية التي كانت حاضرة البحر‪ ،‬وكانت تأتيهم حيتانهم شُرعا يوم‬
‫السبت الذي حرموا فيه الصيد على أنفسهم‪ ،‬ويوم ل يسبتون ل تأتيهم‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ وَإِذَا قَاَلتْ ُأمّةٌ مّ ْنهُمْ ِلمَ َتعِظُونَ َقوْما اللّهُ ُمهِْل ُكهُمْ َأوْ ُمعَذّ ُب ُهمْ عَذَابا شَدِيدا قَالُواْ َمعْذِ َرةً إِلَىا رَ ّبكُمْ‬
‫خذْنَا الّذِينَ ظََلمُواْ ِبعَذَابٍ‬
‫وََلعَّلهُمْ يَ ّتقُونَ * فَلَماّ َنسُواْ مَا ُذكّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الّذِينَ يَ ْن َهوْنَ عَنِ السُو ِء وَأَ َ‬
‫سقُونَ }[العراف‪164 :‬ـ ‪.]165‬‬
‫بَئِيسٍ ِبمَا كَانُواْ َيفْ ُ‬
‫هكذا أنجى ال سبحانه الذي نهوا عن السوء في تلك القرية‪ ،‬وقد نرى في بعض المجتمعات‬
‫عنصرين‪:‬‬
‫الول‪ :‬أنه ل يوجد طائفة تنهى عن الفساد‪.‬‬
‫والعنصر الثاني‪ :‬أن ينفتح على المجتمع باب الترف على مصراعيه‪ ،‬وفي انفتاح باب الترف على‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫مصراعيه مذلّة للبشر؛ لنك قد تجد إنسانا ل تترفه إمكاناته؛ فيزيد هذه المكانات بالرشوة‬
‫والسرقة والغصب‪.‬‬
‫وكل ذلك إنما ينشأ لن النسان يرى مترفين يتنعمون بنعيم ل تؤهله إمكاناته أن يتنعم به‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه وتعالى عن إهلك مثل هذه المجتمعات‪:‬‬
‫سقُواْ فِيهَا }[السراء‪.]16 :‬‬
‫{ وَإِذَآ أَ َردْنَآ أَن ّنهِْلكَ قَرْيَةً َأمَرْنَا مُتْ َرفِيهَا َففَ َ‬
‫وبعض الناس يفهمون هذه الية الكريمة على غير وجهها؛ فهم يفهمون الفسق على أنه نتيجة‬
‫لمر من ال ـ سبحانه وتعالى ـ والحقيقة أنهم إنما قد خالفوا أمر ال؛ لن الحق سبحانه يقول‪:‬‬
‫{ َومَآ ُأمِرُواْ ِإلّ لِ َيعْبُدُواْ اللّهَ مُخِْلصِينَ لَهُ الدّينَ }[البينة‪.]5 :‬‬
‫أي‪ :‬أن الحق سبحانه أمر المترفين أن يتبعوا منهج ال‪ ،‬لكنهم خالفوا المنهج اللهي مختارين؛‬
‫ففسقوا عن أمر ربهم‪.‬‬
‫وفي الية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها‪:‬‬
‫} وَاتّبَعَ الّذِينَ ظََلمُواْ مَآ أُتْ ِرفُواْ فِيهِ { [هود‪.]116 :‬‬
‫وقوله سبحانه‪( :‬ظلموا) تبين أن مادة الترف التي عاشوا فيها جاءت من الظلم‪ ،‬وأخذ حقوق الناس‬
‫وامتصاص دماء الكادحين‪.‬‬
‫ومادة (ترف) تعني النعمة يتنعم بها النسان‪ .‬ومنها‪ :‬أَترف‪ ،‬وأُترف‪ ،‬وكلمة " أترف " أي‪ :‬أطغته‬
‫النعمة‪ ،‬وأنسته المنعم سبحانه‪ .‬وأترف‪ ،‬أي‪ :‬مد ال له في النعمة ليأخذه أخذ عزيز مقتدر‪.‬‬
‫والحق سبحانه يقول‪:‬‬
‫شيْءٍ حَتّىا إِذَا فَ ِرحُواْ ِبمَآ أُوتُواْ َأخَذْنَاهُمْ َبغْتَةً }‬
‫{ فََلمّا َنسُواْ مَا ُذكّرُواْ بِهِ فَ َتحْنَا عَلَ ْيهِمْ أَ ْبوَابَ ُكلّ َ‬
‫[النعام‪.]44 :‬‬
‫فمن يمسك عدوه ليرفعه؛ فل يظنن أنه يدلّله‪ ،‬ولكنه يرفعه ليلقيه من علٍ‪ ،‬فيزداد ويعظم ألمه‪.‬‬
‫وكان ال سبحانه قد أعطى أمثال هؤلء نعمة؛ ليطغوا‪.‬‬
‫ولنا أن ننتبه إلى كلمة " الفتح " التي تجعل النفس منشرحة‪ ،‬وعلينا أن ننتبه إلى المتعلق بها‪ ،‬أهو‬
‫فتح عليك‪ ،‬أم فتح لك؟‬
‫إن فُتح عليك؛ فافهم أن النعمة جاءت لتطغيك‪ ،‬ولكن إن فُتح لك‪ ،‬فهذا تيسير منه سبحانه‪ ،‬فهو‬
‫القائل‪:‬‬
‫{ إِنّا فَتَحْنَا َلكَ فَتْحا مّبِينا }[الفتح‪.]1 :‬‬
‫وهؤلء الذين يحدثنا الحق سبحانه عنهم في هذه الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها؛ قد فتح ال‬
‫سبحانه عليهم أبواب الضر؛ لنهم غفلوا عنه‪.‬‬
‫ويُنهي الحق سبحانه الية الكريمة بقوله‪:‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫} َوكَانُواْ مُجْ ِرمِينَ { [هود‪.]116 :‬‬
‫أي‪ :‬كانوا يقطعون ما كان يجب أن يوصل؛ وهو اتباع منهج السماء؛ لن كلمة (مجرمين) مأخوذة‬
‫من مادة " جرم " وتعني‪ " :‬قطع " ‪ ،‬وقطع اتباع منهج السماء؛ والغفلة عن اليمان بالخالق‬
‫سبحانه‪ ،‬والستغراق في الترف الذي حققوه لنفسهم بظلم الغير‪ ،‬وأخذ نتيجة عرق وجهد الغير‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك‪َ } :‬ومَا كَانَ رَ ّبكَ لِ ُيهِْلكَ ا ْلقُرَىا {‪.‬‬

‫(‪)1576 /‬‬
‫َومَا كَانَ رَ ّبكَ لِ ُيهِْلكَ ا ْلقُرَى ِبظُلْ ٍم وَأَهُْلهَا ُمصْلِحُونَ (‪)117‬‬

‫وساعة تقرأ أو تسمع (ما كان) يتطرق إلى ذهنك‪ :‬ما كان ينبغي‪.‬‬
‫ومثال ذلك‪ :‬هو قولنا‪ " :‬ما كان يصح لفلن أن يفعل كذا "‪ .‬وقولنا هذا يعني أن فلنا قد فعل أمرا‬
‫ل ينبغي أن يصدر منه‪.‬‬
‫وهناك فرق بين نفي الوجود؛ ونفي انبغاء الوجود‪.‬‬
‫والحق سبحانه يقول‪:‬‬
‫شعْ َر َومَا يَن َبغِي لَهُ }[يس‪.]69 :‬‬
‫{ َومَا عَّلمْنَاهُ ال ّ‬
‫وهذا ل يعني أن طبيعة الرسول صلى ال عليه وسلم جامدة‪ ،‬ول يستطيع ـ معاذ ال ـ أن‬
‫يتذوق المعاني الجميلة؛ لنه صلى ال عليه وسلم جُبل على الرحمة؛ وقد قال فيه الحق سبحانه‪:‬‬
‫حوِْلكَ }[آل عمران‪.]159 :‬‬
‫حمَةٍ مّنَ اللّهِ لِنتَ َلهُ ْم وََلوْ كُ ْنتَ َفظّا غَلِيظَ ا ْلقَ ْلبِ لَ ْن َفضّواْ مِنْ َ‬
‫{ فَ ِبمَا َر ْ‬
‫ولهذا نفهم قوله الحق‪:‬‬
‫شعْ َر َومَا يَن َبغِي لَهُ }[يس‪.]69 :‬‬
‫{ َومَا عَّلمْنَاهُ ال ّ‬
‫أي‪ :‬أن الحق سبحانه لم يشأ له ان يكون شاعرا‪.‬‬
‫وهكذا نفهم أن هناك فرقا بين " نفي الوجود " وبين " نفي انبغاء الوجود "‪.‬‬
‫والحق سبحانه يقول هنا‪:‬‬
‫{ َومَا كَانَ رَ ّبكَ لِ ُيهِْلكَ ا ْلقُرَىا بِظُ ْلمٍ } [هود‪.]117 :‬‬
‫أي‪ :‬ل يتأتى‪ ،‬ويستحيل أن يهلك ال القرى بظلم؛ لن مراد الظالم أن يأخذ حق الغير لينتفع به؛‬
‫ول يوجد عند الناس ما يزيد ال شيئا؛ لنه سبحانه واهب كل شيء؛ لذلك فالظلم غير وارد على‬
‫الطلق في العلقة بين الخالق سبحانه وبين البشر‪.‬‬
‫وحين يورد الحق سبحانه كلمة " القرى " ـ وهي أماكن السكن ـ فلنعلم أن المراد هو " المكين "‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫‪ ،‬مثل قول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ وَسْئَ ْل ُهمْ عَنِ ا ْلقَرْيَةِ الّتِي كَا َنتْ حَاضِ َرةَ الْ َبحْرِ }[العراف‪.]163 :‬‬
‫وقوله الحق أيضا‪:‬‬
‫{ وَسْ َئلِ ا ْلقَرْيَةَ الّتِي كُنّا فِيهَا }[يوسف‪.]82 :‬‬
‫والحق سبحانه في مثل هاتين اليتين؛ وكذلك الية التي نتناولها الن بهذه الخواطر إنما يسأل عن‬
‫المكين‪.‬‬
‫وال سبحانه يقول هنا‪:‬‬
‫{ َومَا كَانَ رَ ّبكَ لِ ُيهِْلكَ ا ْلقُرَىا بِظُ ْلمٍ } [هود‪.]117 :‬‬
‫حدّ‪ ،‬لكن له أن يهلكهم بعدل؛ لن العدل ميزان‪ ،‬فإن كان‬
‫أي‪ :‬أنه مُنزّه عن أن يهلكهم بمجاوزة َ‬
‫الوزن ناقصا كان الخسران‪ ،‬ومن العدل العقاب‪ ،‬وإن كان الوزن مستوفيا كان الثواب‪.‬‬
‫وفي مجالنا البشرى؛ لحظة أن نأخذ الظالم بالعقوبة؛ فنحن نتبعه فعلً؛ لكننا نريح كل المظلومين؛‬
‫وهذه هي العدالة فعلً‪.‬‬
‫ومن خطأ التقنينات الوضعية البشرية هو ذلك التراخي في إنفاذ الحقوق في التقاضي؛ فقد تحدث‬
‫الجريمة اليوم؛ ول يصدر الحكم بعقاب المجرم إل بعد عشر سنوات‪ ،‬واتساع المسافة بين ارتكاب‬
‫الجريمة وبين توقيع العقوبة؛ إنما هو واحد من أخطاء التقنينات الوضعية؛ ففي هذا تراخٍ في إنفاذ‬
‫حقوق التقاضي؛ لن اتساع المسافة بين ارتكاب الجريمة وبين توقيع العقوبة؛ إنما يضعف‬
‫الحساس ببشاعة الجريمة‪.‬‬
‫ولذلك حرص المشرع السلمي على أل تطول المسافة الزمنية بين وقوع الجريمة وبين إنزال‬
‫ح ُموّة وجود الثر النفسي عند المجتمع؛ يجعل المجتمع راضيا بعقاب‬
‫العقوبة‪ ،‬فعقاب المجرم في ُ‬
‫المجرم‪ ،‬ويذكّر الجميع ببشاعة ما ارتكب؛ ويوازن بين الجريمة وبين عقوبتها‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه هنا‪:‬‬
‫} َومَا كَانَ رَ ّبكَ لِ ُيهِْلكَ ا ْلقُرَىا بِظُ ْل ٍم وَأَهُْلهَا ُمصْلِحُونَ { [هود‪.]117 :‬‬
‫وفي آية أخرى يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ لّمْ َيكُنْ رّ ّبكَ ُمهِْلكَ ا ْلقُرَىا ِبظُلْمٍ وَأَهُْلهَا غَافِلُونَ }[النعام‪.]131 :‬‬
‫إذن‪ :‬ل بد من إزاحة الغفلة أولً‪ ،‬وقد أزاح ال سبحانه الغفلة عنا بإرسال الرسل وبالبيان وبالنذر؛‬
‫حتى ل تكون هناك عقوبة إل على جريمة سبق التشريع لها‪.‬‬
‫وهكذا أعطانا ال سبحانه وتعالى البيان اللزم لدارة الحياة‪ ،‬ثم جاء من بعد ذلك المر بضرورة‬
‫الصلح‪:‬‬
‫} َومَا كَانَ رَ ّبكَ لِ ُيهِْلكَ ا ْلقُرَىا بِظُ ْل ٍم وَأَهُْلهَا ُمصْلِحُونَ { [هود‪.]117 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والصلح في الكون هو استقبال ما خلق ال سبحانه لنا في الكون من ضروريات لننتفع بها‪ ،‬وقد‬
‫كفانا ال ضروريات الحياة؛ وأمرنا أن نأخذ بالسباب لنطور بالبتكارات وسائل الترف في‬
‫الحياة‪.‬‬
‫وضروريات الحياة من طعام وماء وهواء موجودة في الكون‪ ،‬والتزاوج متاح بوجود الذكر‬
‫والنثى في الكائنات المخلوقة‪ ،‬أما ما نصنعه نحن من تجويد لساليب الحياة ورفاهيتها فهذا هو‬
‫الصلح المطلوب منا‪.‬‬
‫وسبق أن قلنا‪ :‬إن المصلح هو الذي يترك الصالح على صلحه‪ ،‬أو يزيده صلحا يؤدي إلى ترفه‬
‫وإلى راحته‪ ،‬وإلى الوصول إلى الغاية بأقل مجهود في أقل وقت‪.‬‬
‫والقرى التي يصلح أهلها؛ ل يهلكها ال؛ لن الصلح إما أن يكون قد جاء نتيجة اتباع منهج نزل‬
‫من ال تعالى؛ فتوازنت به حركة النسان مع حركة الكون‪ ،‬ولم تتعاند الحركات؛ بل تتساند‬
‫وتتعاضد‪ ،‬ويتواجد المجتمع المنشود‪.‬‬
‫وإما أن هؤلء الناس لم يؤمنوا بمنهج سماوي‪ ،‬ولكنهم اهتدوا إلى أسلوب عمل يريحهم‪ ،‬مثل المم‬
‫الملحدة التي اهتدت إلى شيء ينظم حياتهم؛ لن ال سبحانه وتعالى لم يمنع العقل البشري أن‬
‫يصل إلى وضع قانون يريح الناس‪.‬‬
‫لكن هذا العقل ل يصل إلى هذا القانون إل بعد أن يرهق البشر من المتاعب والمصاعب‪ ،‬أما‬
‫المنهج السماوي فقد شاء به ال سبحانه أن يقي الناس أنفسهم من التعب‪ ،‬فل تعضهم الحداث‪.‬‬
‫وهكذا نجد القوانين الوضعية وهي تعالج بعض الداءات التي يعاني منها البشر‪ ،‬ل تعطي عائد‬
‫الكمال الجتماعي‪ ،‬أما قوانين السماء فهي تقي البشر من البداية فل يقعون فيما يؤلمهم‪.‬‬
‫وهكذا نفهم قول الحق سبحانه‪:‬‬
‫} وَأَهُْلهَا ُمصِْلحُونَ { [هود‪.]117 :‬‬
‫لنهم إما أن يكونوا متبعين لمنهج سماوي‪ ،‬وإما أن يكونوا غير متبعين لمنهج سماوي‪ ،‬لكنهم‬
‫يصلحون أنفسهم‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالحق سبحانه وتعالى ل يهلك القرى لنها كافرة؛ بل يبقيها كافرة ما دامت تضع القوانين‬
‫التي تنظم حقوق وواجبات أفرادها؛ وإن دفعت ثمن ذلك من تعاسة وآلم‪.‬‬
‫ولكن على المؤمن أن يعلن لهم منهج ال؛ فإن أقبلوا عليه ففي ذلك سعادتهم‪ ،‬وإن لم يقبلوا؛ فعلى‬
‫المؤمنين أن يكتفوا من هؤلء الكافرين بعدم معارضة المنهج اليماني‪.‬‬
‫ولذلك نجد ـ في البلد التي فتحها السلم ـ أناسا َبقَوْا على دينهم؛ لن السلم لم يدخل أي بلد‬
‫لحمل الناس على أن يكونوا مسلمين‪ ،‬بل جاء السلم بالدليل المقنع مع القوة التي تحمي حق‬
‫النسان في اختيار عقيدته‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫جلّ عله‪:‬‬
‫يقول ال َ‬
‫سطُواْ‬
‫ن وَلَمْ ُيخْرِجُوكُمْ مّن دِيَا ِركُمْ أَن تَبَرّو ُه ْم وَتُقْ ِ‬
‫{ لّ يَ ْنهَاكُمُ اللّهُ عَنِ الّذِينَ لَمْ ُيقَاتِلُوكُمْ فِي الدّي ِ‬
‫حبّ ا ْل ُمقْسِطِينَ }[الممتحنة‪.]8 :‬‬
‫إِلَ ْيهِمْ إِنّ اللّهَ ُي ِ‬
‫فإذا كانت بعض المجتمعات غير مؤمنة بال‪ ،‬ومُصْلِحة؛ فالحق سبحانه ل يهلكها بل يعطيهم ما‬
‫يستحقونه في الحياة الدنيا؛ لنه سبحانه القائل‪:‬‬
‫{ مَن كَانَ يُرِيدُ حَ ْرثَ الخِ َرةِ نَ ِزدْ لَهُ فِي حَرْثِ ِه َومَن كَانَ يُرِيدُ حَ ْرثَ الدّنْيَا ُنؤْتِهِ مِ ْنهَا َومَا َلهُ فِي‬
‫الخِ َرةِ مِن ّنصِيبٍ }[الشورى‪.]20 :‬‬
‫ح َدةً {‪.‬‬
‫ج َعلَ النّاسَ ُأمّ ًة وَا ِ‬
‫ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك‪ } :‬وََلوْ شَآءَ رَ ّبكَ لَ َ‬

‫(‪)1577 /‬‬
‫ج َعلَ النّاسَ ُأمّ ًة وَاحِ َد ًة وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَِلفِينَ (‪)118‬‬
‫وََلوْ شَاءَ رَ ّبكَ َل َ‬

‫ونحن نعلم أن النسان قد طرأ على هذا الكون بعد أن خلق ال ـ سبحانه ـ في هذا الكون كل‬
‫مقومات الحياة؛ المسخرة بأمر ال لهذا النسان؛ ليمارس مهمة الخلفة في الرض؛ ولم تتأبّ تلك‬
‫الكائنات على خدمة النسان‪ ،‬سواء أكان مؤمنا أم كافرا؛ لن الحق ـ سبحانه ـ هو الذي‬
‫استدعى النسان إلى الوجود‪ ،‬وما دام قد استدعاه؛ فهو ـ سبحانه ـ لن يضن عليه بمقومات هذا‬
‫الوجود؛ من بقاء حياة‪ ،‬وبقاء نوع‪.‬‬
‫وهذا هو عطاء الربوبية الذي كفله ال ـ سبحانه ـ لكل البشر‪ :‬مؤمنهم وكافرهم‪ ،‬وهو عطاء‬
‫يختلف عن عطاء اللوهية المتمثل في المنهج اليماني‪ " :‬افعل " و " ل تفعل "‪.‬‬
‫ومن يأخذ عطاء اللوهية مع عطاء الربوبية فهو من سعداء الدنيا والخرة‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فقدرة ال ـ سبحانه ـ قد أرغمت الكون ـ دون النسان ـ أن يؤدي مهمته‪ ،‬وكان من‬
‫الممكن أن يجعل البشر أمة واحدة مهتدية ل تخرج عن نظام أرادة ال ـ سبحانه وتعالى ـ كما‬
‫لم تخرج الشمس أو القمر أو الهواء أو أي من الكائنات الخرى المسخّرة عن إرادته‪.‬‬
‫لن الحق ـ تبارك وتعالى ـ أثبت لنفسه طلقة القدرة في تسخير أجناس لمراده؛ بحيث ل تخرج‬
‫عنه‪ ،‬وذلك يثبت ل ـ سبحانه ـ القدرة ول يثبت له المحبوبية‪.‬‬
‫أما الذي يثبت له المحبوبية فهو أن يخلق خَلْقا؛ ويعطيهم في تكوينهم اختيارا‪.‬‬
‫ويجعل هذا الختيار كلّ واحدٍ فيهم صالحا أن يطيع‪ ،‬وصالحا أن يعصي‪ ،‬فل يذهب إلى اليمان‬
‫والطاعة إل لمحبوبية ال ـ تعالى‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وهكذا نعلم أن الكون المسخّر المقهور قد كشف لنا سَيّال القدرة‪ ،‬والجنس الذي وهبه ال الختيار‬
‫إن أطاع فهو يكشف لنا سيال المحبوبية‪.‬‬
‫والحق ـ سبحانه ـ هو القائل‪:‬‬
‫{ َفمَن شَآءَ فَلْ ُي ْؤمِن َومَن شَآءَ فَلْ َي ْكفُرْ }[الكهف‪.]29 :‬‬
‫ولكن أيُترك النسان حتى يأتي له الغرور في أنه يملك الختيار دائما؟‬
‫ل‪ ..‬فمع كونك مختارا إياك أن تغتر بهذا الختيار؛ لن في طيّك قهرا‪ ،‬وما دام في طيك قهر‬
‫فعليك أن تتأدب؛ ول تتوهّم أنك مختار في أن تؤمن بال أو ل تؤمن؛ ول تتوهم أنك مُنفلت من‬
‫قبضة ال ـ تعالى ـ فهو يملك زمامك في القهريات التي تحفظ لك حياتك مثل‪ :‬الحيوان والنبات‬
‫والجماد‪ ،‬ولكنه ـ سبحانه ـ ميّزك بالعقل‪.‬‬
‫وخطأ النسان دائما أنه قد يعطي السماء معاني ضد مسمياتها‪ ،‬فكلمة " العقل " مأخوذة من " عقل‬
‫" وتعني‪ " :‬ربط "؛ فل تجمح بعقلك في غير المطلوب منه؛ لن مهمة العقل أن يكبح جماحك‪.‬‬
‫وتذكر دائما‪ :‬في قبضة من أنت؛ وفي زمام من أنت؛ وفي أي المور أنت مقهور؟‬
‫وما ُد ْمتَ مقهورا في أشياء فاختر أن تكون مقهورا لمنهج ال سبحانه واحفظ أدبك مع ال‪ ،‬واعلم‬
‫أنه قد وهبك كل وجودك سواء ما أنت مختار فيه أو مقهور عليه‪.‬‬
‫وانظر إلى من سلبهم الحق ـ سبحانه ـ بعض ما كانوا يظنون أنها أمور ذاتية فيهم‪ ،‬فتجد من‬
‫كان يحرك قدمه غير قادر على تحريكها‪ ،‬أو يحاول أن يرفع يده فل يستطيع‪.‬‬
‫عصَتْه‪ ،‬وهذا دليل على أنها أمور موهوبة من‬
‫ولو كانت مثل هذه المور ذاتية في النسان لما َ‬
‫ال‪ ،‬وإنْ شاء أخذها‪ ،‬فهو ـ سبحانه ـ يأخذها ليؤدّب صاحبها‪.‬‬
‫وما دام النسان بهذا الشكل‪ ،‬فليقُل لنفسه‪ :‬إياك أن تَغترّ بأن ال جعل فيك زاوية اختيار‪ ،‬وتذكّر‬
‫أنك على أساس من هذه الزاوية تتلقّى التكليف من ال بـ " افعل " ‪ ،‬و " ل تفعل "؛ لن معنى "‬
‫ل تفعل؛ ومعنى " ل تفعل كذا "‪ :‬أنك صالحٌ أنْ تفعل؛ لن لديك منطقة‬
‫حأّ‬
‫افعل كذا "‪ :‬أنك صال ٌ‬
‫اختيار؛ ولكن لديك في زواياك الخرى منطقة َقهْرٍ وتسخير‪ ،‬فتأ ّدبْ في منطقة الختيار‪ ،‬كما‬
‫تأدبت في منطقة الضطرار والقهر‪.‬‬
‫وقد وصف الحق ـ سبحانه ـ النسان بأنه كنود‪ ،‬قال تعالى‪:‬‬
‫{ إِنّ الِنسَانَ لِرَبّهِ َلكَنُودٌ }[العاديات‪.]6 :‬‬
‫لن النسان ل يتذكر أحيانا أن مهمة عقله الولى هي أن يعقل حدوده‪ ،‬وأن يقول لنفسه‪ :‬ما دامت‬
‫ي مقهورة؛ فَلكُنْ مؤدبا مع ربي‪ ،‬وأجعل منطقة‬
‫الحيوانية فيّ مقهورة‪ ،‬وما دامت الجمادية ف ّ‬
‫الختيار على مراد منهج ال‪.‬‬
‫وأنت إنْ أردتَ أن تضع إحصائية لـ " افعل " ول " تفعل " لوجدت ما لم يَرِدْ فيه تكليف بـ "‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫افعل " و " ل تفعل " ل يقل عن خمسة وتسعين في المائة من حركة الحياة‪ ،‬وهو المباح‪.‬‬
‫وأنزل ال ـ سبحانه ـ التكليف لتنضبط به حركة حياتك كلها ـ إنْ جعلت التكليف هو مرادك ـ‬
‫وهو لن يأخذ أكثر من خمسة في المائة من حركة الحياة‪ ،‬ويعود خير ذلك عليك‪.‬‬
‫فساعة يقول لك التكليف‪ :‬عليك أن تزكّي عن مالك‪ ،‬فل بد لك من أن تقدّر المقابل‪ ،‬لنك إن‬
‫جتَ؛ سيأتيك من زكاة الخرين ما يلبّي احتياجاتك‪ ،‬فمن " أفعل " التي تلتزم بها‬
‫افتقرتَ واحت ْ‬
‫ويلتزم بها غيرك تأتي الثمرة التي تسدّ عجز أي ضعف في المجتمع اليماني بالتراحم المتبادل‬
‫النابع عن اليقين بالمنهج‪.‬‬
‫وحين يقول لك التكليف‪ :‬ل تعتدِ على حُرمات الغير‪ ،‬فهو يقيّد حريتك في ظاهر المر‪ ،‬لكنه‬
‫يحمي حُرماتك من أن يعتدي عليها الغير‪ ،‬وحين تتعقل أوامر التكليف كلها ستجدها لصالحك؛‬
‫سواء أكان المر بـ " افعل " أو " ل تفعل "‪.‬‬
‫ج َعلَ النّاسَ ُأمّةً وَاحِ َدةً { [هود‪.]118 :‬‬
‫وهنا يقول الحق ـ سبحانه‪ } :‬وََلوْ شَآءَ رَ ّبكَ َل َ‬
‫و " لو " تفيد المتناع‪ .‬أي‪ :‬أن ال ـ تعالى ـ لم يجعل الناس أمة واحدة‪ ،‬بل جعلهم مختلفين‪.‬‬
‫وقد حاول بعض من الذين يريدون أن يدخلوا على السلم بنقد ما‪ ،‬فقالوا‪ :‬ألَ تتعارض هذه الية‬
‫مع قول ال‪ {:‬كَانَ النّاسُ ُأمّ ًة وَاحِ َدةً فَ َب َعثَ اللّهُ النّبِيّينَ }[البقرة‪.]213 :‬‬
‫وظن أصحاب هذا القول أن البشر لم يلتفتوا إلى خالقهم من البداية؛ ثم بعث ال النبياء ليلفتهم إلى‬
‫المنهج‪.‬‬
‫ونقول لهؤلء‪ :‬ل‪ ،‬فقد ضمن الحق ـ سبحانه ـ للناس قُوتَهم وقوام حياتهم‪ ،‬وكذلك ضمن لهم‬
‫المنهج اليماني منذ أن أمر آدم وزوجه بالهبوط إلى الرض لممارسة مهمة الخلفة فيها‪ ،‬وقال‬
‫شقَىا }[طه‪.]123 :‬‬
‫ضلّ َولَ يَ ْ‬
‫ال ـ سبحانه‪َ {:‬فمَنِ اتّ َبعَ ُهدَايَ فَلَ َي ِ‬
‫ولو استقصى هؤلء اليات التي تعالج هذا المر‪ ،‬وهي ثلث آيات؛ فهنا يقول الحق ـ سبحانه‪} :‬‬
‫ج َعلَ النّاسَ ُأمّ ًة وَاحِ َدةً { [هود‪.]118 :‬‬
‫وََلوْ شَآءَ رَ ّبكَ َل َ‬
‫وفي الية التي ظنوا أنها تتعارض مع الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول ـ سبحانه‪:‬‬
‫ح ُكمَ بَيْنَ‬
‫حقّ لِيَ ْ‬
‫ن وَأَن َزلَ َم َعهُمُ ا ْلكِتَابَ بِالْ َ‬
‫ن َومُنذِرِي َ‬
‫ح َدةً فَ َب َعثَ اللّهُ النّبِيّينَ مُبَشّرِي َ‬
‫{ كَانَ النّاسُ ُأمّ ًة وَا ِ‬
‫النّاسِ فِيمَا اخْتََلفُواْ فِيهِ َومَا اخْتََلفَ فِيهِ ِإلّ الّذِينَ أُوتُوهُ مِن َبعْدِ مَا جَآءَ ْت ُهمُ الْبَيّنَاتُ َبغْيا بَيْ َنهُمْ َفهَدَى‬
‫اللّهُ الّذِينَ آمَنُواْ ِلمَا اخْتََلفُواْ فِيهِ مِنَ ا ْلحَقّ بِِإذْنِ ِه وَاللّهُ َيهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىا صِرَاطٍ مّسْ َتقِيمٍ }[البقرة‪:‬‬
‫‪.]213‬‬
‫وهكذا نعرف أن الحق سبحانه وتعالى أنزل المنهج مع آدم ـ عليه السلم ـ ثم طرأتْ الغفلة؛‬
‫فاختلف الناس‪ ،‬فبعث ال النبياء ليحكموا فيما اختلف فيه الناس‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فقول ال ـ تعالى‪:‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ح َدةً { [هود‪.]118 :‬‬
‫ج َعلَ النّاسَ ُأمّ ًة وَا ِ‬
‫} وََلوْ شَآءَ رَ ّبكَ لَ َ‬
‫يعني أنه ـ سبحانه ـ لو شاء لجعل الناس كلهم على هداية؛ لنه بعد أن خلقهم؛ وأنزلهم إلى‬
‫الرض؛ وأنزل لهم المنهج؛ كانوا على هداية‪ ،‬ولكن بحكم خاصية الختيار التي منحها ال لهم‪،‬‬
‫اختلفوا‪.‬‬
‫ثم يقول الحق ـ سبحانه‪َ } :‬ولَ يَزَالُونَ مُخْتَِلفِينَ { [هود‪.]118 :‬‬
‫أي‪ :‬أنهم سيظلون على الخلف‪.‬‬
‫ك وَلِذاِلكَ‬
‫ويأتي الحق ـ سبحانه وتعالى ـ في الية التالية بالستثناء فيقول‪ِ } :‬إلّ مَن رّحِمَ رَ ّب َ‬
‫خََل َقهُ ْم وَ َت ّمتْ كَِلمَةُ رَ ّبكَ {‪.‬‬

‫(‪)1578 /‬‬
‫ج َمعِينَ (‪)119‬‬
‫جهَنّمَ مِنَ الْجِنّ ِة وَالنّاسِ أَ ْ‬
‫ك وَلِذَِلكَ خََل َقهُ ْم وَ َت ّمتْ كَِلمَةُ رَ ّبكَ لََأمْلَأَنّ َ‬
‫إِلّا مَنْ َرحِمَ رَ ّب َ‬

‫أي‪ :‬أن الحق ـ سبحانه ـ قد خَلَقَ الخَلْق للرحمة والختلف‪.‬‬
‫وساعة نرى " اسم إشارة " أو " ضميرا " عائدا على كلم متقدّم‪ ،‬فنحن ننظر ماذا تقدم‪ .‬والمتقدم‬
‫حمَ رَ ّبكَ }[هود‪118 :‬ـ ‪.]119‬‬
‫هنا‪َ {:‬ولَ يَزَالُونَ مُخْتَِلفِينَ * ِإلّ مَن رّ ِ‬
‫والحق ـ سبحانه وتعالى ـ حين تكلم عن خلق النسان قال‪:‬‬
‫ن وَالِنسَ ِإلّ لِ َيعْ ُبدُونِ }[الذاريات‪.]56 :‬‬
‫خَلقْتُ ا ْلجِ ّ‬
‫{ َومَا َ‬
‫ومعنى العبادة هو طاعة ال ـ سبحانه ـ في " افعل " و " ل تفعل " وهذا هو المراد الشرعي من‬
‫العبادة؛ ولكن المرادات الجتماعية تحكّمتْ فيها خاصية الختيار‪ ،‬فحدث الختلف‪ ،‬ونشأ هذا‬
‫الختلف عن تعدّد الهواء‪.‬‬
‫فلو أن َهوَانَا كان واحدا؛ لما اختلفنا‪ ،‬ولكنّا نختلف نتيجة لختلف الهواء‪ ،‬فهذا هواه يميني؛‬
‫وذاك هواه يساري؛ وثالث هواه شيوعيّ؛ ورابع هواه رأسماليّ؛ وخامس هواه وجوديّ‪ ،‬وكل‬
‫واحد لهم هوى‪.‬‬
‫ت وَالَرْضُ }[المؤمنون‪.]71 :‬‬
‫سمَاوَا ُ‬
‫حقّ أَ ْهوَآءَ ُهمْ َلفَسَ َدتِ ال ّ‬
‫ولذلك قال الحق سبحانه‪ {:‬وََلوِ اتّ َبعَ الْ َ‬
‫ولم يكن العالم ليستقيم؛ لو اتبع ال ـ سبحانه ـ أهواء البشر المختلفة‪ ،‬ولكن أحوال هذا العالم‬
‫يمكن أن تستقيم؛ إذا صدرتْ حركته الختيارية عن هوًى واحد؛ ولذلك قال النبي صلى ال عليه‬
‫وسلم‪:‬‬
‫" ل يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئتُ به "‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وفي حياتنا اليومية نلحظ أن العمال التي تسير بها حركة الحياة وبدون أن ينزل تكليف فيها؛‬
‫نجد فيها اختلفا ل محالة؛ لن الحق سبحانه وتعالى لو شاء لخلقنا كلنا عباقرة في كل مناحي‬
‫الحياة؛ أو يخلقنا كلنا شعراء أو أطباء أو فلسفة‪.‬‬
‫ولو شاء ـ سبحانه ـ ذلك فمن سيقوم بالعمال الخرى؟ فلو أننا كنا كلنا أطباء فمن يقوم بأعمال‬
‫الزراعة وغيرها؟ ولو كنا جميعا مهندسين؛ فمن يقوم بأعمال التجارة وغيرها؟‬
‫وقد شاء الحق ـ سبحانه ـ أن يجعل مواهبنا مختلفة ليرتبط العالم ببعضه ارتباط تكاملٍ‬
‫وضرورة؛ ل ارتباط تفضّل‪.‬‬
‫ولذلك يقول الحق ـ سبحانه‪:‬‬
‫ضهُمْ َفوْقَ َب ْعضٍ‬
‫سمْنَا بَيْ َنهُمْ ّمعِيشَ َتهُمْ فِي ا ْلحَيَاةِ الدّنْيَا وَ َر َفعْنَا َب ْع َ‬
‫ح َمتَ رَ ّبكَ نَحْنُ قَ َ‬
‫سمُونَ رَ ْ‬
‫{ َأهُمْ َيقْ ِ‬
‫ضهُم َبعْضا سُخْرِيّا }[الزخرف‪.]32 :‬‬
‫دَ َرجَاتٍ لّيَتّخِذَ َب ْع ُ‬
‫وهكذا نعرف أن رفع الدرجات ل يعني تلك النظرة الحمقاء الرعناء‪ ،‬والتي تدعي أن في ذلك‬
‫التقسيم رفعة للغنى وتقليلً لشأن الفقير؛ لن الواقع يؤكد أن كل إنسان هو مرفوع في جهة بسبب‬
‫ما يُحسنه فيها؛ ومرفوع عليه في جهة أخرى بسبب ما ل يُحسنه ويُحسنه غيره‪ ،‬وغيره مكمل له‪.‬‬
‫وهكذا يتبادل البشر ما يحققه اختلف مواهبهم‪ ،‬واختلف المواهب هي مقومات التلحم‪.‬‬
‫ولذلك قلنا‪ :‬إن مجموع سمات ومواهب كل إنسان إنما يتساوى مع مجموع سمات ومواهب كل‬
‫إنسان آخر‪ ،‬ول تفاضل إل بالتقوى؛ وقيمة كل امرىء ما يُحسنه‪.‬‬
‫وقد ترى صاحب السيارة الفارهة وهو يرجو عامل إصلح السيارات الذي يرتدي ملبس رثة‬
‫ح صاحب‬
‫ومتسخة؛ ليصلح له سيارته؛ فيقول له العامل‪ :‬ل وقت عندي لصلح سيارتك؛ فيل ّ‬
‫السيارة الفارهة بالرجاء؛ فيرضى العامل ويرق قلبه لحال هذا الرجل صاحب السيارة الفارهة‬
‫ويذهب لصلحها‪.‬‬
‫لذلك أقول‪ :‬إذا نظرتَ لمن هو دونك في أي مظهر من مظاهر الحياة؛ فل تغترّ بما تفوقتَ‬
‫وتميزتَ به عليه؛ ولكن ُقلْ لنفسك‪ :‬ل بد أن هذا النسان متفوق في مجال ما‪.‬‬
‫ونحن نعلم أن ال ـ سبحانه وتعالى ـ ليس له أبناء ليميز واحدا بكامل المواهب‪ ،‬ويترك آخر‬
‫دون موهبة‪.‬‬
‫ك وَلِذاِلكَ خََل َقهُمْ }‬
‫حمَ رَ ّب َ‬
‫ولذلك يقول الحق ـ سبحانه ـ هنا‪َ {:‬ولَ يَزَالُونَ مُخْتَِلفِينَ * ِإلّ مَن رّ ِ‬
‫[هود‪118 :‬ـ ‪.]119‬‬
‫وإن كان الختلف في المقدرات والمنهج؛ فهذا ما يولّد الكفر أو اليمان‪ ،‬ولنا أن نعرف أن الكفر‬
‫له رسالة؛ بل هو لزم ليستشعر المؤمن حلوة اليمان‪ .‬ولو لم يكن للكفر وظيفة لما خلقه ال‪.‬‬
‫وقد قلت قديما‪ :‬إن الكفر يعاون اليمان؛ مثلما يعاوِن اللم العافية‪ ،‬فلول اللم لما جئنا بالطبيب‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ليشخّص الداء‪ ،‬ويصفَ الدواء الشافي بإذن ال‪.‬‬
‫ولذلك نقول‪ :‬اللم رسول العافية‪.‬‬
‫والحق سبحانه يقول هنا‪َ {:‬ولَ يَزَالُونَ ُمخْتَِلفِينَ * ِإلّ مَن رّحِمَ رَ ّبكَ }[هود‪118 :‬ـ ‪.]119‬‬
‫وأنت إن دقّقت النظر في الختلف لوجدته عين الوفاق‪.‬‬
‫ومثال ذلك‪ :‬اختلف أبنائك فيما يحبونه من ألوان الطعام‪ ،‬فتجد ابنا يفضّل صدر الدجاجة‪ ،‬وآخر‬
‫يفضل الجزء السفل منها " الوَرِك " ‪ ،‬وتضحك أنت لهذا الختلف‪ ،‬لنه اختلف في ظاهر‬
‫المر‪ ،‬ولكن باطنه ِوفَاق‪ ،‬لو اتفقنا جميعا في المزجة لوجدنا التعاند والتعارض؛ وهذا ما ينتشر‬
‫بين أبناء المهنة الواحدة‪.‬‬
‫ولمن يسأل‪ :‬هل الخلق للختلف أم الخلق للرحمة؟‬
‫نقول‪ :‬إن الخلق للختلف والرحمة معا‪ ،‬لن الجهة مُنفكّة‪.‬‬
‫ج َمعِينَ {‬
‫جهَنّمَ مِنَ الْجِنّ ِة وَالنّاسِ َأ ْ‬
‫لمْلَنّ َ‬
‫ك َ‬
‫ثم يقول ـ سبحانه ـ في نفس الية‪ } :‬وَ َتمّتْ كَِلمَةُ رَ ّب َ‬
‫[هود‪.]119 :‬‬
‫والحق سبحانه قد علم أزلً بمن يختار اليمان ومن يختار الكفر‪ ،‬وهذا من صفات العلم الزليّ ل‬
‫ـ سبحانه وتعالى ـ ولذلك قال ـ سبحانه‪ } :‬وَ َت ّمتْ كَِلمَةُ رَ ّبكَ { أي‪ :‬علم ـ سبحانه ـ مَنْ مِنْ‬
‫عباده سيختار أن يعمل في الدنيا عملَ أهل النار‪ ،‬ومن سيختار أن يعمل عملَ أهل الجنة؛ لسبْق‬
‫علمه الزليّ بمرادات عباده واختياراتهم‪.‬‬
‫وسبق أن ضربنا مثلً ـ ول المثل العلى ـ بعميد الكلية الذي يعلن للساتذة ضرورة ترشيح‬
‫المتفوقين في كل قسم؛ لن هناك جوائز في انتظارهم‪ ،‬فيرشح كل أستاذ أسماء المتفوقين الذين‬
‫لمسَ فيهم النبوغ والخلص للعلم‪ ،‬ويطلب العميد من أساتذة من خارج جامعته أن يضعوا‬
‫امتحانات مفاجئة لمجموع الطلب؛ ويُفاجأ العميد بتفوق الطلبة الذين لمس فيهم أساتذتهم النبوغ‬
‫والخلص للعلم‪ ،‬وهنا يتحقق العميد من صدق تنبؤ الساتذة الذين يعملون تحت قيادته‪.‬‬
‫ولكن قد تحدث مفاجأة‪ :‬أن يتخلف واحد من هؤلء الطلبة لمرض أصابه أو طارىء يطرأ عليه‬
‫من تعب أعصاب أو إرهاق أو غير ذلك؛ وبهذا يختلّ تقدير أستاذه؛ لكن تقدير الحق ـ سبحانه ـ‬
‫ل فهو مُحقّق ل محالة؛ لذلك بيّن لنا أنه عِلْم أزليّ‪ ،‬ويتحدى الكافر‬
‫مُنزّه عن الخطأ‪ ،‬وما عَلِمه أز ً‬
‫به أن يغيره‪.‬‬
‫وكلنا يعرف أن الحق ـ سبحانه ـ أنزل قوله الكريم‪:‬‬
‫ب وَ َتبّ }[المسد‪.]1 :‬‬
‫{ تَ ّبتْ َيدَآ أَبِي َل َه ٍ‬
‫وسمعها أبو لهب ولم يتحدها بإعلن اليمان ـ ولو نفاقا‪.‬‬
‫وقول الحق‪ } :‬وَ َتمّتْ كَِلمَةُ رَ ّبكَ { تبيّن لنا أن الحق ـ سبحانه ـ إنْ قال شيئا فهو قد تَ ّم بالفعل؛‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فل رادّ لمشيئته‪ ،‬أما نحن فعلينا أن نسبق كل وعد بعمل سنقوم به بقول‪ِ {:‬إلّ أَن َيشَآءَ اللّهُ }‬
‫[الكهف‪.]24 :‬‬
‫علٌ ذاِلكَ غَدا * ِإلّ أَن يَشَآءَ اللّهُ }[الكهف‪23 :‬ـ‬
‫لن الحق يقول لنا‪َ {:‬ولَ َتقْولَنّ ِلشَاْىءٍ إِنّي فَا ِ‬
‫‪.]24‬‬
‫وفي هذا احترامٌ لوضعنا البشري‪ ،‬وإيمانٌ بغلبة القهر‪ ،‬ومعرفة لحقيقة أننا من الغيار؛ لن كل‬
‫حدث من الحداث يتطلب فاعلً؛ ومفعولً يقع عليه الفعل؛ ومكانا؛ وزمانا؛ وسببا؛ ول أحدَ مِنّا‬
‫يملك أيّ واحد من تلك العناصر‪.‬‬
‫فإن قُ ْلتَ‪ِ } :‬إلّ أَن َيشَآءَ اللّهُ { تكون قد عصمتَ نفسك من أن تكون كاذبا‪ ،‬أو أن َتعِدَ بما ل‬
‫عمّا قال‪ ،‬فهو وحده القادر‬
‫تستطيع‪ ،‬لكن إذا كان مَنْ يقول هو مالك كل شيء‪ ،‬ول قوة تخرجه َ‬
‫على أن ينفّذ ما يقول‪.‬‬
‫ولذلك قلنا‪ :‬إن كل فعل يُنسب إلى ال ـ تعالى ـ يتجرد عن الزمن؛ فل نقول‪ " :‬فعل ماضٍ " أو‬
‫" فعل سيحدث في المستقبل " أو " فعل مضارع "؛ لن تلك المور إنما تُقاسُ بها أفعال البشر‪،‬‬
‫لكن أفعال ال ـ سبحانه ـ ل تقاس بنفس المقياس‪ ،‬فسبحانه حين يقرر أمرا فنحن نأخذه على‬
‫أساس أنه قد وقع بالفعل‪.‬‬
‫والحق ـ سبحانه ـ يقول‪:‬‬
‫{ أَتَىا َأمْرُ اللّهِ فَلَ َتسْ َتعْجِلُوهُ }[النحل‪.]1 :‬‬
‫وقوله سبحانه‪ } :‬أَتَىا { بمعنى‪ :‬تَقرّر المر ولم يُنفّذ ـ بعد ـ فل تتعجّلوه؛ وهذا هو تحدّي‬
‫القيومية القاهرة‪ ،‬ول توجد قوة قادرة على أن تمنع وقوع أمر شاءه ال ـ سبحانه وتعالى ـ فهو‬
‫يحكم فيما يملك‪ ،‬ول مُنَازِع له سبحانه‪.‬‬
‫ج َمعِينَ { [هود‪.]119 :‬‬
‫جهَنّمَ مِنَ الْجِنّ ِة وَالنّاسِ َأ ْ‬
‫لمْلَنّ َ‬
‫وقوله الحق‪َ } :‬‬
‫فسببه أن النس والجن هما الثقلن المكلّفان‪.‬‬
‫سلِ {‪.‬‬
‫ويقول الحق ـ سبحانه ـ بعد ذلك‪َ } :‬وكُـلّ ّن ُقصّ عَلَ ْيكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرّ ُ‬

‫(‪)1579 /‬‬
‫ظ ٌة وَ ِذكْرَى‬
‫ك وَجَا َءكَ فِي هَ ِذهِ ا ْلحَقّ َومَوْعِ َ‬
‫سلِ مَا نُثَ ّبتُ بِهِ ُفؤَا َد َ‬
‫َوكُلّا َن ُقصّ عَلَ ْيكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرّ ُ‬
‫لِ ْل ُم ْؤمِنِينَ (‪)120‬‬

‫وساعة ترى التنوين في قوله الحق { َوكُـلّ } فاعلمْ أن المقصود هو قصة كل رسول جاء بها‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الحق ـ سبحانه ـ في القرآن الكريم‪.‬‬
‫وحين يتكلم الحق ـ سبحانه وتعالى ـ عن فعل قد أحدثه؛ فلنا أنْ ننظر‪ :‬هل هذا الفعل مأخوذ من‬
‫صفة له ـ سبحانه ـ أم مأخوذ من اسم موجود؟ فيحقّ لنا أن نأخذ السم ونأخذ الفعل مثل قوله‬
‫ـ تعالى‪ {:‬خََل َقكُمْ }[النحل‪.]70 :‬‬
‫نعلم منه أنه ـ سبحانه ـ خالق‪ ،‬ولكن إنْ جاء فعل ليس له أصل في أسماء ال الحسنى‪ ،‬فإياك‬
‫ق من الفعل اسما ل‪.‬‬
‫أنْ تشت ّ‬
‫ومثال ذلك قوله ـ سبحانه‪َ { :‬وكُـلّ ّن ُقصّ } [هود‪.]120 :‬‬
‫والذي يقصّ هنا هو ال ـ سبحانه ـ لكن ل أحد في إمكانه أن يقول‪ :‬إن ال قصّاص‪ ،‬مثلما ل‬
‫ن وَ َي ْمكُرُ اللّ ُه وَاللّهُ‬
‫يحق لحد أن يقول‪ :‬إن ال ماكر‪ ،‬رغم أن ال ـ سبحانه ـ قد قال‪ {:‬وَ َيمْكُرُو َ‬
‫خَيْرُ ا ْلمَاكِرِينَ }[النفال‪.]30 :‬‬
‫وكذلك ل يصح لحد أن يقول‪ :‬ال المخادع‪ ،‬رغم أن الحق ـ سبحانه قد قال‪ {:‬إِنّ ا ْلمُنَا ِفقِينَ‬
‫عهُمْ }[النساء‪.]142 :‬‬
‫يُخَادِعُونَ اللّ َه وَ ُهوَ خَادِ ُ‬
‫وهكذا نتعلم أدب الحديث عن ال المتصف بكل صفات الكمال والجلل؛ وأن نكتفي بقول‪ :‬إن مثل‬
‫هذا الفعل جاء للمشاكلة ما دام ليس له وجود ضمن أسماء ال الحسنى‪.‬‬
‫وهنا يقول الحق ـ سبحانه‪:‬‬
‫سلِ } [هود‪.]120 :‬‬
‫{ َوكُـلّ ّنقُصّ عَلَ ْيكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرّ ُ‬
‫و " أنباء " جمع " نبأ " ‪ ،‬وهو الخبر العظيم الذي له أهمية‪ ،‬والذي يختلف به الحال عند العلم به‪،‬‬
‫وأخبار الرسل ـ عليهم السلم ـ تتناثر لقَطاتٍ مختلفة عَبْرَ سور القرآن الكريم‪ ،‬موضحة ما جاء‬
‫به كل رسول معالجا الداء الذي عانى منه قومه‪ ،‬وكذلك ما عاناه كل رسول من عَنَت القوم‬
‫المبعوث لهم‪ ،‬وجاء ذكر تلك النباء في القرآن لتثبيت فؤاد الرسول صلى ال عليه وسلم؛ لن‬
‫الرسول سيصادف في الدعوة المتاعب والصعاب‪.‬‬
‫وقد ذكر القرآن بعضا من تلك المواقف‪ ،‬يقول الحق ـ سبحانه‪:‬‬
‫{ وَزُلْزِلُواْ حَتّىا َيقُولَ الرّسُولُ وَالّذِينَ آمَنُواْ َمعَهُ مَتَىا َنصْرُ اللّهِ }[البقرة‪.]214 :‬‬
‫ويقول الحق ـ سبحانه ـ مصوّرا حال المؤمنين‪:‬‬
‫ت الَ ْبصَارُ وَبََل َغتِ ا ْلقُلُوبُ ا ْلحَنَاجِ َر وَتَظُنّونَ بِاللّهِ‬
‫غ ِ‬
‫س َفلَ مِنكُ ْم وَِإذْ زَا َ‬
‫{ ِإذْ جَآءُوكُمْ مّن َف ْو ِقكُ ْم َومِنْ أَ ْ‬
‫الظّنُونَاْ }[الحزاب‪.]10 :‬‬
‫ومثل هذه المواقف تقتضي تثبيت الفؤاد؛ بمعنى تسكينه على منطق اليقين اليماني بربّ أرسله‬
‫رسولً ليبلّغ منهجا‪ ،‬وما كان ال سبحانه ليرسل رسولً ليبلّغ منهجا ثم يُسلمه لعدائه‪.‬‬
‫فإذا ما ذكر له أخبار الرسل والصعاب التي تعرضوا لها تهون عليه المصاعب التي يتعرض لها‪،‬‬
‫ويثبت فؤاده‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫و " الفؤاد " هو ما نقول عنه‪ " :‬القلب " ‪ ،‬وهو وعاء العقائد‪ ،‬بمعنى أن المخ يستقبل من الحواس‬
‫ـ وسائل الدراكات من عين ترى‪ ،‬ومن أذن تسمع‪ ،‬ومن أنف يشُم‪ ،‬ومن َفمٍ يستطعم‪ ،‬ومن كفّ‬
‫تلمس ـ فتتولد المعلومات التي يصنفها المخ‪ ،‬ويرتبها كقضايا عقلية‪.‬‬
‫ويناقش المخ تلك القضايا العقلية إلى أن تصح القضية العقلية صحة ل يأتي بعدها ما ينقضها‪،‬‬
‫فيسقطها المخ في الفؤاد لتصير عقيدة؛ ل تطفو بعدها إلى العقل لتُناقش من جديد؛ ولذلك يسمونها‬
‫" عقيدة " ـ من العقدة ـ فل تتذبذب بعد ذلك‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالفؤاد هو الوعاء القابل للقضايا التي انتهى المخ من تمحيصها تمحيصا وصل فيه إلى‬
‫الحق‪ ،‬وأسقطها على القلب ليدير حركة الحياة على مُقْتضاها‪.‬‬
‫وعلى سبيل المثال‪ :‬نجد الشاب الذي يفكر في مستقبله‪ ،‬فيدرس مزايا وعيوب المهن المختلفة‬
‫ليختار منها التخصص الذي يتناسب مع مواهبه؛ وأحلمه‪ ،‬ثم يدرس المحسّات التي استقبلها‬
‫بحواسه ليُمحّصها بعقله؛ وما ينتهي إليه عقله يسقطه في قلبه؛ ليصير عقيدة يدير بها حركة‬
‫حياته‪.‬‬
‫مثال هذا‪ :‬أنه قد استقر في وجدان الناس وعقولهم أن النار ُمحْرقة‪ ،‬ولكن من أين جاء هذا اليقين‬
‫في أن النار محرقة؟ نقول‪ :‬جاء من أمر حسي بأن شاهد الناس أن مَنْ مسّته النار أحرقته‪.‬‬
‫ل بد ـ إذن ـ أن يكون القلب ثابتا؛ غير مذبذب‪.‬‬
‫ولذلك يقول الحق ـ سبحانه‪:‬‬
‫سلِ مَا نُثَ ّبتُ بِهِ ُفؤَا َدكَ { [هود‪.]120 :‬‬
‫} َوكُـلّ ّنقُصّ عَلَ ْيكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرّ ُ‬
‫لن الفؤاد هو الوعاء الذي من مهمته أن يكون مستعدا لستقبال كلمة الحق؛ وليقبل تنبيه الذكرى‪،‬‬
‫وجلل الموعظة‪ ،‬وكمال الوارد من الحق ـ سبحانه ـ وما يأتي من الحق ـ سبحانه ـ هو‬
‫الحق أيضا‪ ،‬والحق هو الشيء الثابت الذي ل يطرأ عليه تغيير‪.‬‬
‫وحق الحق ينبوع العقيدة الذي ستصدر عنه طاعة التكليف‪ ،‬ول بد أن يكون النسان على ثقة من‬
‫حكمه المكلّف قبل أن يُق ِبلَ على التكليف؛ لذلك لزم أن يأتي الدليل على وجود الحق ـ سبحانه ـ‬
‫وهو قمة الوجود العلى ـ قبل أن تأتي الموعظة‪ ،‬ويكون اليمان بالوجود العلى الذي ل يتغير‬
‫ول تطرأ عليه الغيار هو السابق لمجيء تلك الموعظة‪.‬‬
‫لن الموعظة قد تتطلب من النسان شيئا يكره أن يلتزم به‪ ،‬وهي هنا صادرة من الحق ـ سبحانه‬
‫‪ ،‬الذي خلق‪ ،‬ول يمكن أن يغش أو يخدع مخلوقاته‪ ،‬ويحملها لك رسول منه ـ سبحانه‪.‬‬
‫وقد تكره الموعظة إن صدرت عن إنسان مثلك؛ لنه لن َيعِظك إل بكمال يتميز به ليعدد نقصا‬
‫فيك‪ ،‬وإن لم يكن الواعظ يتمتع بالكمال الذي يعظ به؛ بالموعوظ سيردّ على الواعظ قائلً‪ :‬فَلْت ِعظْ‬
‫نفسك أولً‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ولذلك نجد قول الحق ـ سبحانه‪:‬‬
‫{ كَبُرَ َمقْتا عِندَ اللّهِ أَن َتقُولُواْ مَا لَ َت ْفعَلُونَ }‬
‫[الصف‪.]3 :‬‬
‫لن الواعظ الذي َيعِظُ بما ل يطبقه على نفسه يعطي الحجة للموعوظ ليرفض الموعظة؛ وليقول‬
‫لنفسه‪ " :‬لو كان في هذا المر خير لطبّقه على نفسه "‪.‬‬
‫وهكذا بيّنت الية الكريمة موقف الرسول صلى ال عليه وسلم كمُثَبّتٍ‪ ،‬وأيضا موقف المؤمنين‬
‫برسالته كمذكّرين من الرسول بأنهم سيتعرضون للمتاعب؛ متاعب مشقة التكليف التي سيعاني‬
‫منها مَنْ ل يأخذ التكليف بعمق الفهم‪.‬‬
‫فقد يرى بعض المكلّفين ـ مثلً ـ أن المر ب َغضّ الطّرْف حرمانٌ من شهوة طارئة ول يَسْبر‬
‫غضّ الطّرْف أمرا لكافة المؤمنين أن يغضوا الطرف عن محارمه‪ ،‬وقد يرى في‬
‫غورَ الفهم بأن َ‬
‫خذٌ من ماله‪ ،‬ول يَسْبر غور الفهم بأن في الزكاة تأمينا له إنْ مرّت عليه الغيار‬
‫الزكاة أنها أ ْ‬
‫وصار فقيرا؛ عندئذ سيقدم له المجتمع اليماني التأمين الجتماعي الذي يحميه وعياله من مَغبّة‬
‫السؤال‪.‬‬
‫وعمق الفهم أمر مطلوب؛ لن الحق ـ سبحانه ـ هو القائل‪:‬‬
‫{ َأفَلَ يَ َتدَبّرُونَ ا ْلقُرْآنَ }[النساء‪.]82 :‬‬
‫لنك حين تتدبر المعاني ستعلم أن التكليف هو تشريف لك؛ وستقول لنفسك‪ " :‬ما كلفني ال إل‬
‫لخير نفسي؛ وإن ظهر أنه لخير الناس "‪.‬‬
‫ومن المتاعب أيضا ما يلقاه المؤمنون من عنت المستفيدين من الفساد؛ هؤلء الذين يعيشون على‬
‫النتفاع من المفاسد‪ ،‬ويواجهون كل من يريد أن يقضي على الفساد؛ لن الفساد في الرض ل‬
‫ل مقاومٍ له‪.‬‬
‫يعيش إل إذا ُوجِد منتفعٌ بهذا الفساد؛ والمنتفع بالفساد يكره ويعلن الخصومة لك ّ‬
‫إذن‪ :‬فموقف خصوم النبي صلى ال عليه وسلم موقف طبيعي لصالحهم‪ ،‬ولكنهم ـ لحمقهم ـ‬
‫حددوا الصالح بمصالحهم النية في الحياة الدنيا؛ ولم ينظروا إلى عاقبة ما يؤول إليه أمرهم في‬
‫الخرة نعيما أو عذابا‪.‬‬
‫ولو أنهم امتلكوا البصيرة؛ لعرفوا أن من مصلحتهم أن يوجد مَنْ يُقوّمهم حتى ل يقدموا لنفسهم‬
‫شرا يوجد لهم في الخرة‪.‬‬
‫ولو أنهم فَطِنوا؛ لعلموا أن الرسول كما جاء لصلح المستضعفين المستغلين بالفساد؛ جاء أيضا‬
‫لصالحهم‪ ،‬ولو أنهم كانوا على شيء من التعقل؛ لكانوا من أنصار رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم؛ ولكان من الواجب عليهم كلما حدثتهم أنفسهم بالسعي إلى الفساد؛ وسمعوا من الرسول‬
‫صلى ال عليه وسلم ما ينتظرهم نتيجة لهذا الفساد؛ أن يتبعوه وأن يشكروه؛ لنه خلّصهم من‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫طاقة الشر الموجودة فيهم‪.‬‬
‫وهنا يوضح الحق ـ سبحانه ـ لرسوله‪ :‬أنت لست بدعا من الرسل‪ ،‬وكل رسول تعرّض‬
‫للمتاعب مثلما تتعرض أنت لمثلها‪ ،‬وأنت الرسول الخاتم‪ ،‬ولن الدين الذي جئتَ به لن يأتي بعده‬
‫دين آخر؛ لذلك ل بد أن تتركز المتاعب كلها معك؛ فكُنْ على ثقة تماما أنك مُصا ِدفٌ للمتاعب‪.‬‬
‫ولذلك نثبّت فؤادك بما نقصّه عليك من أنباء الرسل؛ لن هذا الفؤاد هو الذي سيستقبل الحقائق‬
‫اليمانية من قمة " ل إله إل ال " إلى أن يكون ذكرى تذكّرك والمؤمنين معك‪.‬‬
‫وهكذا بيّنتْ الية موقف الرسول صلى ال عليه وسلم كمثّبت؛ وموقف المؤمنين كمذكّرين من‬
‫الرسول؛ لنهم سيتعرضون للمتاعب أيضا‪.‬‬
‫ونحن نعرف جميعا ما قاله رسول ال صلى ال عليه وسلم للنصار حين بايعوه في العقبة على‬
‫نصرته‪ ،‬وقالوا‪ :‬إنْ نحن وفينا بما عاهدناك عليه؛ فماذا يكون لنا؟ ولم َيقُلْ لهم صلى ال عليه‬
‫وسلم‪ " :‬ستملكون الدنيا‪ ،‬وستصبحون سادة الفُرْس والروم " ‪ ،‬بل قال لهم‪ " :‬لكم الجنة "‪.‬‬
‫لنه صلى ال عليه وسلم يعلم أن منهم مَنْ سيموت قبل أن تتحقق تلك النتصارات؛ لذلك وعدهم‬
‫ن يموت بعد إعلنه لليمان‪ ،‬وبين مَنْ سيعيش ليشهد تلك‬
‫بالقَدْر المشترك الذي يتساوى فيه مَ ْ‬
‫النتصارات‪.‬‬
‫وهكذا تبينا كيف تضمّنت الية الكريمة تثبيت فؤاد الرسول صلى ال عليه وسلم؛ وكيفية إعداد‬
‫هذا الفؤاد لستقبال الحق والموعظة وذكرى المؤمنين معه‪.‬‬
‫هذا هو الطرف الول‪ ،‬فماذا عن الطرف الثاني؛ الطرف المكذّب للرسول؟‬
‫كان ول بد أن يتكلم الحق ـ سبحانه ـ هنا عن المكذّبين للرسول؛ لن استدعاء المعاني يجعل‬
‫النفس قابلة للسماع عن الطرف الخر‪.‬‬
‫وما دام الحق ـ سبحانه ـ قد تكلم عن تثبيت وعاء الستقبال‪ ،‬والموعظة‪ ،‬وتذكير المؤمنين؛‬
‫لحظة أن تخور منهم العزائم‪ ،‬فل بُدّ ـ إذن ـ أن يتكلم ـ سبحانه ـ عن القسم الخر؛ وهو‬
‫القسم المكذّب‪ ،‬فيوضح ـ سبحانه ـ لرسوله أن له أن يتحداهم ول يتهيّب‪.‬‬
‫عمَلُواْ {‪.‬‬
‫ن لَ ُي ْؤمِنُونَ ا ْ‬
‫يقول الحق ـ سبحانه‪َ } :‬وقُل لّلّذِي َ‬

‫(‪)1580 /‬‬
‫عمَلُوا عَلَى َمكَانَ ِتكُمْ إِنّا عَامِلُونَ (‪)121‬‬
‫َوقُلْ لِلّذِينَ لَا ُي ْؤمِنُونَ ا ْ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أي‪ :‬اصنعوا ما شئتم‪ ،‬ومعنى ذلك أنه صلى ال عليه وسلم مستندٌ إلى رصيد قويّ من اليمان بإلهٍ‬
‫ل يهوله أن يستعد له الخصم؛ فهو صلى ال عليه وسلم والذين معه ل يواجهون الخصم بذواتهم؛‬
‫ول بعدَدهم وعُددهم؛ وإنما يواجهونه بالركن الركين الذي يستندون إليه‪ ،‬وهو الحق سبحانه‬
‫وتعالى‪.‬‬
‫ونحن نرى في حياتنا اليومية أن أي قائد في معركة إنما يشعر بالثقة حين يصل إلى علمه أن‬
‫مددا سوف يصله من الوطن الذي يحارب من أجله؛ لنه سيعزز من قوته‪ ،‬فما بالنا بالمدد الذي‬
‫يأتي ممن ل ينفد ما عنده؛ وممن ل يُجير عليه أحدٌ؛ فهو يُجير ول يُجَار عليه‪.‬‬
‫ولذلك نلحظ أن النبياء استظلوا بتلك المظلة‪ ،‬فموسى ـ عليه السلم ـ حين كاد الفرعون أن‬
‫يلحق به؛ ورأى قومه أنْ ل نجاة لهم؛ فالبحر أمامهم والعدو وراءهم؛ صرخوا‪:‬‬
‫{ إِنّا َلمُدْ َركُونَ }[الشعراء‪.]61 :‬‬
‫لكن موسى ـ عليه السلم ـ يطمئنهم‪:‬‬
‫{ كَلّ إِنّ َم ِعيَ رَبّي سَ َيهْدِينِ }[الشعراء‪.]62 :‬‬
‫فموسى ـ عليه السلم ـ يعلم أنه مُستند بقوة ال ل بقوة قومه‪ ،‬وأمدّه ال ـ سبحانه ـ بمعجزة‬
‫جديدة‪:‬‬
‫{ اضْرِب ّب َعصَاكَ الْبَحْرَ }[الشعراء‪.]63 :‬‬
‫فينفلق البحر؛ ليفسح بين مياهه طريقا يابسة؛ وسار موسى عليه السلم وقومه‪ ،‬وفكر موسى في‬
‫قطع السبيل على عدوه حتى ل يسير في نفس الطريق المشقوق بأمر ال عبر معجزة ضرب‬
‫البحر بالعصا‪ ،‬وأراد موسى ـ عليه السلم ـ أن يضرب البحر ضربة ثانية ليعود البحر إلى‬
‫حالة السيولة مرة أخرى‪ ،‬فيقول له ال ـ سبحانه‪ {:‬وَاتْ ُركِ الْ َبحْرَ رَهْوا إِ ّنهُمْ جُندٌ ّمغْ َرقُونَ }‬
‫[الدخان‪.]24 :‬‬
‫أي‪ :‬أتركه على ما هو عليه؛ لينخدع فرعون ويسير في الطريق اليابسة‪ ،‬ثم يعيد الحق ـ سبحانه‬
‫ـ البحر كما كان‪ ،‬وبذلك أنْجَى الحق ـ سبحانه ـ وأ ْهَلكَ بالشيء الواحد؛ وهذه ل يقدر عليها‬
‫غير ال ـ سبحانه وتعالى وحده‪.‬‬
‫وهكذا َي َهبُ الحق ـ سبحانه ـ المؤمنين به القدرة على تحدي الكافرين‪ .‬واليمان كله معركة من‬
‫التحدي؛ تحدّ في صدق الرسول كمبلّغ عن ال‪ ،‬ومعه معجزة تدل على رسالته‪ ،‬وتح ّد في نصرة‬
‫الرسول ومَنْ معه من قلة مؤمنة؛ فيغلبون الكثرة الكافرة‪.‬‬
‫والحق ـ سبحانه يقول‪ {:‬كَم مّن فِئَةٍ قَلِيَلةٍ غَلَ َبتْ فِئَةً كَثِي َرةً بِإِذْنِ اللّ ِه وَاللّهُ مَعَ الصّابِرِينَ }[البقرة‪:‬‬
‫‪.]249‬‬
‫وهكذا يشيع التحدي في معارك اليمان‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وقد تميّز كل رسول بمعجزة يتحدى بها أولً؛ ثم ينتهي دورها؛ لينزل له بعدها منهج من السماء؛‬
‫ليبشّر به قومه‪ ،‬لكن رسول ال صلى ال عليه وسلم تميّز بمعجزة ل تنتهي‪ ،‬وهي عَيْنُ منهجه؛‬
‫لنه رسول إلى كل الزمان وإلى كل المكنة؛ فكان ل بد من معجزة تصاحب المنهج إلى يوم‬
‫القيامة‪.‬‬
‫ولذلك نجد كل مؤمن بالرسالة المحمدية يقول‪ :‬محمد رسول ال والقرآن معجزته إلى أن تقوم‬
‫الساعة‪.‬‬
‫عمَلُواْ عَلَىا َمكَانَ ِتكُمْ { [هود‪.]121 :‬‬
‫ن لَ ُي ْؤمِنُونَ ا ْ‬
‫والحق ـ سبحانه ـ يقول هنا‪َ } :‬وقُل لّلّذِي َ‬
‫ونحن نعلم أن كل كائن منّا له مكان‪ ،‬أي‪ :‬له حَيّز وجِرْم‪ .‬ويقال‪ :‬فلن له مكانة في القوم‪ ،‬أي‪ :‬له‬
‫مركز مرموق؛ إذا خل منه ل يستطيع غيره أنْ يشغله‪ ،‬وهو مكان يدلّ على الشرف والعظمة‬
‫والسيادة والوجاهة ونباهة الشأن‪.‬‬
‫عمَلُواْ عَلَىا َمكَانَ ِتكُمْ { [هود‪.]121 :‬‬
‫فقول الحق‪ } :‬ا ْ‬
‫أي‪ :‬اعلموا على َقدْر طاقتكم من عُدة ومن عَدد‪ ،‬فإن لمحمدٍ صلى ال عليه وسلم ربا سيهديه‬
‫وينصره‪ ،‬وفي هذا تهديد لهم؛ وليس أمرا لهم؛ لنهم ككفار لن يمتثلوا لمر مِنْ عَدوّهم‪.‬‬
‫ولو أنهم امتثلوا لمر محمد وربّ محمد َلمَا كانوا كافرين؛ بل لصبحوا من الطائعين‪.‬‬
‫وحين يقول لهم ـ سبحانه ـ في آخر الية‪:‬‬
‫} إِنّا عَامِلُونَ { [هود‪.]121 :‬‬
‫فمعنى ذلك أن كل ما في قدراتكم هو محدود لنكم من الغيار الحداث؛ أما فعل ال ـ تعالى ـ‬
‫ي ل تحده حدود‪ ،‬ولن يناقض عمل المُحدَث الحادث‬
‫فهو غير محدود؛ لنه ـ سبحانه ـ قديمٌ أزل ّ‬
‫عمل القديم الزلي‪ ،‬فقوة الحادث المُحدَث موهوبة له من غيره‪ ،‬أما قوة الحق ـ سبحانه ـ فهي‬
‫ذاتية فيه‪.‬‬
‫ونحن نعلم أن أيّ عمل إنما ُيقَاس بقوة فاعله‪ ،‬وخطأ المستقبلين لمنهج ال أنهم إذا جاء عمل؛‬
‫ع ِملَ العمل‪ ،‬ولو كان العمل من فعل البشر لَحقّ للنسان أن يتكلم‪ ،‬لكن إذا ما كان‬
‫نَسَوا مَنِ الذي َ‬
‫العمل من ال ـ تعالى ـ فليلزمِ النسان حدوده‪.‬‬
‫ومثال ذلك‪ :‬هؤلء الذين جادلوا في مسألة السراء التي قال فيها الحق ـ تبارك وتعالى‪ {:‬سُ ْبحَانَ‬
‫حوْلَهُ }[السراء‪.]1 :‬‬
‫لقْصَى الّذِي بَا َركْنَا َ‬
‫سجِدِ ا َ‬
‫الّذِي َأسْرَىا ِبعَبْ ِدهِ لَيْلً مّنَ ا ْل َمسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَىا ا ْلمَ ْ‬
‫وقالوا‪ :‬إننا نضرب إليها أكباد البل شهرا‪ ،‬فكيف يقول إنه أتاها في ليلة؟‬
‫وكان الرد عليهم‪ :‬إن محمدا لم َي ُقلْ إنه سَرَى من البيت الحرام إلى المسجد القصى بقوته هو‪ ،‬بل‬
‫أُسْ ِريَ به‪ ،‬والذي عمل ذلك هو ال ـ سبحانه ـ وليس محمدا‪ ،‬فقيسوا هذا العمل بقوة ال تعالى‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وليس بقوة محمد‪.‬‬
‫ويقول الحق ـ سبحانه ـ بعد ذلك‪ } :‬وَانْ َتظِرُواْ إِنّا مُنتَظِرُونَ {‪.‬‬

‫(‪)1581 /‬‬
‫وَانْتَظِرُوا إِنّا مُنْتَظِرُونَ (‪)122‬‬

‫في هذه الية نلمس الوعيد والتهديد؛ فالكافرون ينتظرون وعد الشيطان لهم‪ ،‬والمؤمنون ينتظرون‬
‫وعد الرحمن لهم‪.‬‬
‫ل وَجَدتّم مّا وَعَدَ‬
‫حقّا َف َه ْ‬
‫جدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبّنَا َ‬
‫ولذلك سيقول المؤمنون للكافرين يوم القيامة‪ {:‬أَن قَ ْد وَ َ‬
‫حقّا }[العراف‪.]44 :‬‬
‫رَ ّبكُمْ َ‬
‫ت الحداث المستقبلة‬
‫وفي انتظار الكفار تهديد لهم‪ ،‬وفي انتظار المؤمنين تثبيت لقلوبهم‪ ،‬ولو لم تَ ْأ ِ‬
‫كما قالها القرآن لتشكك المؤمنون‪ ،‬ولكن المؤمنين لم يتشككوا‪ ،‬وهكذا نتأكد أن القول بالنتظار لم‬
‫يكن ليصدر إل مِنْ واثقٍ بأن ما في هذا القول سوف يتحقق‪.‬‬
‫وقد جاء الواقع بما يؤيد بعض الحداث التي جاءت في القرآن‪.‬‬
‫ألم ينزل قول الحق ـ سبحانه‪:‬‬
‫جمْ ُع وَ ُيوَلّونَ الدّبُرَ }[القمر‪.]45 :‬‬
‫{ سَ ُيهْزَمُ ا ْل َ‬
‫وكان وقت نزول هذا القول الحكيم إبان ضعف البداية‪ ،‬حتى قال عمر ـ رضي ال عنه ـ أيّ‬
‫جمْعٍ يهزم؟ لن عمر حينئذ كان يلمس ضعف حال المؤمنين‪ ،‬وعدم قدرة بعض المؤمنين على‬
‫َ‬
‫حماية نفسه‪ ،‬ثم تأتي غزوة بدر؛ ليرى المؤمنون صدق ما تنبأ به رسول ال صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫ومن العجيب أنه صلى ال عليه وسلم خطط على الرض مواقع مصرع بعض كبار الكافرين‪ ،‬بل‬
‫س ُمهُ عَلَى‬
‫وأماكن إصاباتهم‪ ،‬وجاء ذلك قرآنا يُتلى على مر العصور‪ ،‬مثل قوله الحق‪ {:‬سَنَ ِ‬
‫الْخُ ْرطُومِ }[القلم‪.]16 :‬‬
‫وهكذا شاء الحق ـ سبحانه ـ أن يأتي الواقع بما يؤيد صدق الرسول صلى ال عليه وسلم‪ ،‬كما‬
‫شاء ـ سبحانه ـ أن يُنزل على الرسول لقطاتٍ من قصص الرسل الذين سبقوه لشد أَزْره‪،‬‬
‫وليثبّت فؤاده‪ ،‬ويذكّر المؤمنين فيزدادوا إيمانا‪.‬‬
‫سمَاوَاتِ وَالَ ْرضِ }‬
‫ثم يختتم الحق ـ سبحانه ـ سورة هود بقوله الكريم‪ { :‬وَللّهِ غَ ْيبُ ال ّ‬

‫(‪)1582 /‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫عمّا‬
‫جعُ الَْأمْرُ كُلّهُ فَاعْ ُب ْد ُه وَ َتوَ ّكلْ عَلَيْ ِه َومَا رَ ّبكَ ِبغَا ِفلٍ َ‬
‫ت وَالْأَ ْرضِ وَإِلَيْهِ يُرْ َ‬
‫سمَاوَا ِ‬
‫وَلِلّهِ غَ ْيبُ ال ّ‬
‫َت ْعمَلُونَ (‪)123‬‬

‫أي‪ :‬أن ما جاء من ذكر حكيم هو أمر غائب عنكم‪ ،‬يخبركم به ال ـ سبحانه ـ من خلل ما‬
‫يُنزله على رسوله صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫وقد شاء الحق ـ سبحانه ـ أن يحفظ هذا ال ّذكْر الحكيم‪ ،‬ثقة منه ـ سبحانه ـ أنه إذا أخبرنا في‬
‫القرآن بخبر لم يجيء أوانه‪ ،‬فَلْنفهم أنه قد أخبر بما له من أزلية علم بالكون وما يجري فيه‪ ،‬وبما‬
‫له من قدرة مطلقة تتحكم فيما يؤول إليه أمر المُختار من الكائنات ـ مؤمنهم وكافرهم ـ فإذا‬
‫حدثنا القرآن بشيء مما يغيب عن النسان‪ ،‬فلنعلم أنه إخبار بصدق مطلق‪.‬‬
‫وهناك الكثير مما يغيب عن النسان‪ ،‬وهناك حجاب بين وسائل إدراك النسان وبين بعض‬
‫المُدْركات‪ ،‬ومرة يكون الحجاب حجابَ زمنٍ‪ ،‬فإذا أخبر ال ـ تعالى ـ عن أمر لم نشهده من‬
‫غلَ في الزمن‪ ،‬ولم يقرأه النبي صلى ال عليه وسلم في كتاب ولم يسمعه من معلّم؛ فهذا‬
‫قديم قد َأوْ َ‬
‫كَشْف لحجاب الماضي‪.‬‬
‫ولذلك فبعض سور القرآن الكريم يسميها العلماء " ماكُنات القرآن " مثل قوله الحق‪َ {:‬ومَا كُنتَ‬
‫صمُونَ }[آل عمران‪.]44 :‬‬
‫ل َمهُمْ أَ ّيهُمْ َي ْك ُفلُ مَرْيَ َم َومَا كُ ْنتَ َلدَ ْيهِمْ ِإذْ يَخْ َت ِ‬
‫لَدَ ْيهِمْ إِذْ يُ ْلقُون َأقْ َ‬
‫وغير ذلك من اليات التي تبدأ بقوله الحق‪ { :‬مَا كُ ْنتَ }‪.‬‬
‫وقد كان هناك أناس في ذلك الماضي يدركون ما صار غيبا عن الرسول ومَنْ معه؛ لكن الحق ـ‬
‫سبحانه ـ أظهر هذا الغيب للرسول الذي لم يجلس إلى مُعلّم بشهادة أعدائه‪ ،‬وكذلك كشف الحق‬
‫ـ سبحانه ـ لرسوله حجاب الزمان وحجاب المكان‪.‬‬
‫ومَنْ ينكشف له حجاب الزمان وحجاب المكان؛ إنما ينكشف له حجاب المستقبل أيضا‪ ،‬والذي‬
‫كشف هذا هو الحق ـ سبحانه ـ الذي قدّر مجيء هذا العالم‪ ،‬وما سوف يحدث فيه إلى أن تقوم‬
‫الساعة‪.‬‬
‫وقد طمر الحق ـ سبحانه ـ في القرآن أمورا لو كُشف عنها في زمن َبعْثة الرسول؛ لكان‬
‫الحديث عنها فوق مستوى العقول والدراك؛ وتحدث ـ سبحانه ـ عن وقائع مستقبلية بالنسبة‬
‫للمعاصرين لرسول ال صلى عليه وسلم؛ لم يكن أحد يتوقعها‪.‬‬
‫وكانت هناك معركة بين أرقى حضارتين معاصرتين للسلم؛ حضارة فارس وحضارة الروم‪،‬‬
‫وكانت الحضارتان تتنازعان السيطرة وتوسيع مناطق النفوذ‪ .‬وهَ َز َمتْ فارس ـ التي ل تؤمن بإله‬
‫ـ امبراطورية الروم التي تعتنق المسيحية‪ ،‬ول تؤمن برسالة محمد الخاتمة‪.‬‬
‫لذلك حزن رسول ال صلى ال عليه وسلم لهزيمة الذين يؤمنون بإله في السماء؛ فَيُسرّي ال ـ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫سبحانه ـ المر على رسوله‪ ،‬ويُنزِل الحق ـ سبحانه ـ قرآنا يُتلَى على مَرّ العصور وكل‬
‫الزمان؛ يحمل نبوءة انتصار الروم بعد هزيمتهم من الفرس‪.‬‬
‫ض وَهُم مّن َب ْعدِ غَلَ ِبهِمْ سَ َيغْلِبُونَ * فِي ِبضْعِ‬
‫ويقول سبحانه‪ {:‬الـم * غُلِ َبتِ الرّومُ * فِي أَدْنَى الَ ْر ِ‬
‫لمْرُ مِن قَ ْبلُ َومِن َبعْ ُد وَ َي ْومَئِذٍ َيفْرَحُ ا ْل ُم ْؤمِنُونَ * بِ َنصْرِ اللّهِ يَنصُرُ مَن يَشَآ ُء وَ ُهوَ‬
‫سِنِينَ لِلّ ِه ا َ‬
‫ا ْلعَزِيزُ الرّحِيمُ }[الروم‪1 :‬ـ ‪.]5‬‬
‫هكذا تأتي النبوءة في القرآن تحمل التحديد لميعاد نصر الروم في بضع سنين؛ و " ال ِبضْع " يقصد‬
‫به من ثلث لتسع سنوات‪.‬‬
‫وإنْ قيل‪ :‬تلك نبوءة محمد‪ ،‬نقول‪ :‬ما عِلْم محمد بأخبار المعسكرين ول بأسرار السياسة الداخلية‬
‫لهما؟‬
‫وقد جاء نصر الروم كما حدد القرآن‪ ،‬وكان هذا هَتْكا للحجب‪ ،‬حجاب الزمان‪ ،‬وحجاب المكان‪،‬‬
‫وحجاب الناس‪ ،‬وأوحى به الحق سبحانه عالم الغيب المطلق لرسوله صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫والغيب المطلق هو الذي ل يعرفه إل الحق ـ تبارك وتعالى ـ وليس له مقدمات‪ ،‬ويكشفه ال‬
‫ظهِرُ عَلَىا غَيْبِهِ َأحَدا * ِإلّ مَنِ‬
‫لمن يرتضيه‪ ،‬مصداقا لقوله ـ سبحانه‪ {:‬عَالِمُ ا ْلغَ ْيبِ فَلَ ُي ْ‬
‫ارْ َتضَىا مِن رّسُولٍ }[الجن‪26 :‬ـ ‪.]27‬‬
‫وهذا الغيب المطلق يختلف عن الغيب المقيّد الذي له مقدمات؛ ما إن يأخذ بها النسان ويرتبها‬
‫حتى يصل إلى اكتشاف سرّ من أسرار الكون‪.‬‬
‫والحق ـ سبحانه ـ هو القائل‪:‬‬
‫ع ْلمِهِ ِإلّ‬
‫شيْءٍ مّنْ ِ‬
‫شفَعُ عِنْ َدهُ ِإلّ بِِإذْنِهِ َيعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ َومَا خَ ْل َفهُ ْم َولَ ُيحِيطُونَ بِ َ‬
‫{ مَن ذَا الّذِي يَ ْ‬
‫ِبمَا شَآءَ }[البقرة‪.]255 :‬‬
‫وهكذا نعلم أن كل المكتشفات كانت موجودة في الكون ومطمورة فيه؛ وجعل ال ـ تعالى لكل‬
‫مستور منها ميلدا‪ ،‬فالبخار واستخدامه في الحركات كان له ميلد؛ والكهرباء كان لها ميلد؛‬
‫واكتشاف الذرة كقوة ومصدر للطاقة كان له ميلد‪ ،‬وكل ُمكْتَشف ومُخْتَرع له ميلد‪ ،‬وتتوالى‬
‫مواليد الغيب مستقبلً‪ ،‬وفي ميلدها إيمان اليقين بمن أخفاه وأظهره‪ ،‬وهو ال الحكيم‪.‬‬
‫وقد يأتي هذا الميلد بكشف وبحث؛ وقد يُظهره ال بدون بَحْث؛ أو يُظهره صدفة؛ مثلما أظهر‬
‫قانون الطفو النابع من قاعدة " أرشميدس " ومثلما أظهر الحق ـ سبحانه ـ قانون الجاذبية‬
‫صدفة؛ أي‪ :‬أنه سبب من السباب جعل عبدا من عباده يبحث في شيء‪ ،‬فيظهر له شيء لم يكن‬
‫يبحث عنه؛ ولذلك نسب الحق ـ سبحانه ـ الحاطة له ـ سبحانه‪.‬‬
‫لمْرُ كُلّهُ { [هود‪:‬‬
‫ت وَالَ ْرضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ا َ‬
‫سمَاوَا ِ‬
‫وهنا يقول الحق ـ سبحانه‪ } :‬وَللّهِ غَ ْيبُ ال ّ‬
‫‪.]123‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ولم يقل‪ " :‬إليه يَرْجع المر كله " ‪ ،‬لنه سبحانه ضبط كل مخلوق على قدر‪.‬‬
‫ول المثل العلى‪ :‬كما تضبط أنت المنبه على ميقات معين‪ ،‬وكما يضبط المقاتل القنبلة لتنفجر في‬
‫توقيت معين‪ ،‬والكون كله مُرتّب على هذا الترتيب‪.‬‬
‫وال ـ سبحانه ـ القائل‪:‬‬
‫{ إِ ّنمَآ َأمْ ُرهُ ِإذَآ أَرَادَ شَيْئا أَن َيقُولَ لَهُ كُن فَ َيكُونُ }[يس‪.]82 :‬‬
‫فكل شيء إما يرجع إلى ال في التوقيت الذي شاءه ال‪.‬‬
‫أو‪ :‬أن المر هو كل ما يتعلق بكائن حي؛ لن الحق ـ سبحانه ـ قد خلق في الكون أشياء وترك‬
‫ملكيتها له ـ سبحانه ـ والحق ـ سبحانه ـ ل ينتفع بها‪ ،‬أما النسان فينتفع بها‪ ،‬وإن كان ل‬
‫يقربها ول يملكها‪ ،‬مثل‪ :‬الشمس التي ترسل أشعتها‪ ،‬ويستفيد النسان بضوئها وحرارتها‪ ،‬وهي ل‬
‫خصّه ال‬
‫تدخل في ملكية النسان؛ لنها من أساسيات الحياة؛ لذلك لم يجعل للنسان الذي َ‬
‫بخاصية الختيار حق ملكيتها أو القتراب منها؛ حتى ل يعبث بها‪.‬‬
‫وكذلك كل أساسيات الحياة جعلها الحق ـ سبحانه ـ في سلطته وحده‪ ،‬ولم يَ ْأمَنْ أحدا من خلقه‬
‫عليها‪ ،‬مثل الرض بعناصرها‪ ،‬وكذلك الماء والهواء حتى ل يعبث أحد بأنفاس الهواء لحد آخر‪.‬‬
‫شاء الحق سبحانه أن يجعل الساسيات في يده دون أن يُملّكها لحد؛ رحمةً منه بنا‪ ،‬ذلك أنه ـ‬
‫سبحانه ـ عَِلمَ أن النسان بما تعتريه من أغيار قد يسيء استخدام تلك الساسيات‪.‬‬
‫وسَخّر ال هذه الساسيات لخدمة كل المخلوقات‪ ،‬وسخّر بعض المخلوقات ليسُوسها النسان‪،‬‬
‫وبعض المخلوقات الخر لم يستطع النسان تسخيره‪ ،‬وحتى قوة النسان نفسه؛ شاء الحق ـ‬
‫ضعْف‪ ،‬والفقير قد يصبح غنيا‪.‬‬
‫سبحانه ـ أن يجعلها أغيارا؛ فالقوي يسير إلى ال ّ‬
‫وهكذا يَثْبت لنا أن كل ما نملك موهوب لنا من ال ـ تعالى وليس هناك ما هو ذاتيّ فِينا‪ ،‬وما‬
‫نملكه اليوم ل يخرج عن الملكية الموقوتة‪ ،‬فإذا جاء يوم القيامة؛ رجع كل ما نملك ل ـ سبحانه‬
‫وتعالى‪.‬‬
‫ولذلك يقول الحق ـ سبحانه‪:‬‬
‫{ ّلمَنِ ا ْلمُ ْلكُ الْ َيوْمَ لِلّهِ ا ْلوَاحِدِ ا ْل َقهّارِ }[غافر‪.]16 :‬‬
‫ولذلك أيضا تشهد الجوارح على النسان؛ لنها تخرج عن التسخير الذي كانت عليه في الدنيا‪.‬‬
‫وإذا كان الحق ـ سبحانه ـ يقول هنا‪:‬‬
‫سمَاوَاتِ وَالَ ْرضِ { [هود‪.]123 :‬‬
‫} وَللّهِ غَ ْيبُ ال ّ‬
‫حتَ‬
‫سمَاوَاتِ َومَا فِي الَ ْرضِ َومَا بَيْ َن ُهمَا َومَا َت ْ‬
‫فهو ـ سبحانه ـ يقول في آية أخرى‪َ {:‬لهُ مَا فِي ال ّ‬
‫الثّرَىا }[طه‪.]6 :‬‬
‫وكأن الحق ـ سبحانه ـ ينبه البشر منذ نزول القرآن إلى أهمية ما تحت الثرى من كنوز يمتنّ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ال ـ تعالى ـ بها على عباده أنه يملكها‪.‬‬
‫ونحن نعيش الن باستخراج المكنوز الذي تحت الثرى‪.‬‬
‫وحين يقول الحق ـ سبحانه هنا ـ في الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها ـ‪ } :‬وَإِلَيْهِ يُ ْرجَعُ‬
‫لمْرُ كُلّهُ { [هود‪.]123 :‬‬
‫اَ‬
‫ففي ذلك تنبيه لكل إنسان‪ ،‬ليعمل مُسْتهدفا النجاة حين ل يكون لنفسه على نفسه سبيل يوم القيامة‪.‬‬
‫وليعلم كل إنسان أن كل ما يستمتع به هو من فيوضات الحق العلى الذي أعطى النسان قدرة‬
‫من باطن قوته ـ سبحانه ـ وأعطاه غِنًى من باطن غِنَاه ـ سبحانه ـ وأعطاه حكمة من باطن‬
‫حكمته ـ سبحانه ـ وأعطاه قبضا وبسطا من باطن قدرته ـ سبحانه ـ وكذلك أعطى لعبيده من‬
‫كل صفة بعضا من فَيْضها‪ ،‬ثم تظل الفيوضات للحق ـ سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫وحين يشاء فهو يسلب كل الفيوضات ويعود المر إليه‪ ،‬لن المر كله له سبحانه‪.‬‬
‫حدّثتَ في القرآن بأمر تغيب عنك مقدماتُه‪ ،‬فاعلمْ أن الذي أنزل هذا الكتاب ل يعزب عن‬
‫فإنْ ُ‬
‫علمه مثقال ذرة في السماوات ول في الرض‪.‬‬
‫ولذلك كان الرسول صلى ال عليه وسلم على ثقة أن الحق ـ سبحانه ـ حين أمره أن يتوعد‬
‫أعداء الدين فهو يُطمئنه أن المرجع في كل المور إليه ـ سبحانه‪.‬‬
‫واطمأن الرسول صلى ال عليه وسلم والذين معه أن أعداء الدين إنْ لم يُجا َزوْا في الدنيا‪ ،‬فغدا‬
‫ترجع المور كلها إلى ال‪ ،‬وإن كان الحق قد مَلّكهم أشياء؛ فسيسلُبهم هذه الملكية في الخرة‪ ،‬وإنْ‬
‫ن يكفروا ويعصوا؛ فهذا الختيار‬
‫ن يؤمنوا ويطيعوا‪ ،‬أو أ ْ‬
‫كان قد أعطاهم الخِيَار في الدنيا؛ خِيَار أ ْ‬
‫سيزول عنهم في الخرة‪ ،‬وكل مالك لمُلْك يصير مُلْكه بعده إلى ال‪.‬‬
‫وما دام المرُ كذلك فلنعبد ال وحده ـ سبحانه ـ لنه صاحبُ المر فيما مضى؛ وله المر الن؛‬
‫وله المر فيما يأتي‪.‬‬
‫وهو ـ سبحانه ـ الذي شاء‪ ،‬فجعل للنسان ثلثةَ أزمان‪ :‬زمان سَبقَ وجود آدم؛ وزمان من بعد‬
‫آدم إلى وجود أيّ منا؛ ثم زمان مستقبل إلى ما ل نهاية؛ وبذلك يكون لكل منا زمان ماضٍ؛‬
‫وزمان حاضر وزمان مستقبل‪ ،‬وكل منا يدور في فلك الحداث‪.‬‬
‫ومن المنطقي بعد أن تستمتع بوجودك في الحياة؛ وتنضج عقليا أن تتساءل عن ماضيك‪ ،‬وتاريخ‬
‫الجنس البشري‪.‬‬
‫وأنت ـ في هذه الحالة ـ تكون رَهْنا بثقة المحدّث‪ :‬هل يقول الصدق أم يقول الكذب؟ خُصوصا‬
‫ن تقول لنفسك‪ :‬ل يمكن أن يُحدّثني عن ذلك إل‬
‫إذا كان الحديث عن تاريخ ما قبل آدم‪ ،‬ول بد أ ْ‬
‫مَنْ خلقني‪.‬‬
‫وساعة يُبّل ُغكَ رسول ال صلى ال عليه وسلم عن بداية الخلق قائلً‪ " :‬كان ال‪ ،‬ولم يكُنْ شيء‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫غيره "‪.‬‬
‫ومعنى ذلك أن الصادق الوحيد الذي يمكن أن نقبل منه كلما عمّا فاتَ قبل آدم هو ال ـ سبحانه‬
‫وتعالى‪.‬‬
‫وإنْ سألتَ‪ :‬لماذا ُوجِدتُ في زمني هذا‪ ،‬ولم أوجد في زمن آخر؟ هنا ستقول لنفسك إنْ كنت‬
‫مؤمنا‪ " :‬إن مشيئة وإرادة مَنْ أوجدني هي التي رجّحتْ وجودي في هذا الزمن عن أي زمن آخر‬
‫"‪.‬‬
‫ول بد أن تسأل نفسك‪ :‬وما المطلوب مني؟‬
‫وستجد أن المطلوب منك هو حركة الحياة؛ لن تلك الحركة هي الفاصل بين الحياة والموت‪،‬‬
‫ن الَ ْرضِ وَاسْ َت ْعمَ َركُمْ فِيهَا }[هود‪.]61 :‬‬
‫والحق يقول‪ُ {:‬هوَ أَنشََأكُمْ مّ َ‬
‫فقد أعطاك الحق ـ سبحانه ـ العقل لتفكر‪ ،‬وأعطاك الطاقة لتفعل‪ ،‬وسخّر لك الكون بالمطمور‬
‫فيه من الرزق؛ لتستخرجه وتتعيش منه‪.‬‬
‫وهكذا يتضح لك أن كل شيء يحتاج منك أن تتحرك‪ ،‬وأنت في حركتك تحتاج لطاقة تأخذها من‬
‫العلى منك وتعطي للدنى منك؛ لذلك أنت تأخذ طاقة من العلى منك‪ ،‬وتُعطي للدنى منك‪.‬‬
‫وأنت تعلم أن قمة المطلوب منك أن تُصلي بين يدي ال خمس مرات كل يوم؛ لتشحن طاقتك‬
‫وتخرج للحياة بعد أن تُجدّد ولءك لمن خلقك وخلق الكوان كلها‪ ،‬وإنْ أحسنتَ الوقوف بين يدي‬
‫ال سيأتي مستقبلك مبنيا على هذا الحسان‪.‬‬
‫والحق ـ سبحانه ـ يعطينا مثلً لهاتين الحركتين‪ ،‬فيقول‪:‬‬
‫س َعوْاْ إِلَىا ِذكْرِ اللّ ِه َوذَرُواْ الْبَيْعَ }[الجمعة‪:‬‬
‫ج ُمعَةِ فَا ْ‬
‫لةِ مِن َيوْمِ ا ْل ُ‬
‫{ ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ ِإذَا نُو ِديَ لِلصّ َ‬
‫‪.]9‬‬
‫هذه حركة يأخذ فيها النسان طاقة من العلى‪ ،‬فالسعي إلى ذكر ال وترك البيع من أجل ذلك‬
‫يعطي النسان طاقة إيمانية‪ ،‬يظهر أثرها في الحركة الثانية من حركات النسان‪.‬‬
‫ولذلك يقول الحق ـ سبحانه ـ بعد هذا‪:‬‬
‫ضلِ اللّ ِه وَا ْذكُرُواْ اللّهَ كَثِيرا ّلعَّلكُمْ ُتفْلِحُونَ‬
‫ض وَابْ َتغُواْ مِن َف ْ‬
‫لةُ فَان َتشِرُواْ فِي الَ ْر ِ‬
‫{ فَِإذَا ُقضِ َيتِ الصّ َ‬
‫}[الجمعة‪.]10 :‬‬
‫ولذلك يقول الحق ـ سبحانه ـ في هذه الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها‪:‬‬
‫عمّا َت ْعمَلُونَ { [هود‪.]123 :‬‬
‫} فَاعْ ُب ْد ُه وَ َتوَ ّكلْ عَلَيْ ِه َومَا رَ ّبكَ ِبغَا ِفلٍ َ‬
‫أي‪ :‬أطِع ال في أمره؛ لنه ـ سبحانه ـ العلى منك‪ ،‬بأن تؤدي المطلوب العبادي من‪ :‬صلة‪،‬‬
‫وزكاة‪ ،‬وصيام‪ ،‬وحج إنِ استطعتَ لذلك سبيلً‪ ،‬لتأخذ من المدد العلى ما يعينك في حركتك الثانية‬
‫التي تتحركها في الكون‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ومن العجيب أن حركتك في الكون الدنى تُعينك على حركتك لستمداد الطاقة من مُكوّن الكون‬
‫ـ سبحانه‪.‬‬
‫فأنت حين تصلي تحتاج ِلسَتْر عورتك بثوب‪ ،‬وحتى تأتي بالثوب ل بد لك من أن تعتمد على‬
‫حركة الفلح في الزراعة‪ ،‬وحركة العامل في النَسْج‪ ،‬وحركة التاجر في البيع‪ ،‬وحركتك في عملك‬
‫الذي يتيح لك أجرا تشتري منه الثوب‪.‬‬
‫وبذلك تكون قد أخذتَ كل علوم الحياة؛ لكي تذهب للصلة لتأخذ المدد من المدد العلى‪.‬‬
‫وهكذا تجد أنك في حركة دائرة؛ تأخذ المدد من العلى لتعطي الكون الدنى‪ ،‬وتأخذ من الدنى ما‬
‫يتيح لك الوقوف بين يدي صاحب المدد العلى‪.‬‬
‫وبهذا يثبت لك أن الحركة في الحياة الحاضرة لكل إنسان بالنسبة لعمره في الحياة‪ ،‬هي استقبال‬
‫من المدد العلى‪ ،‬وانفعال مع المدد الدنى‪ ،‬وكل منهما يعين على الخر؛ لذلك فعليك أن تعبد ال‬
‫بأن تنظّم حركة حياتك على ضوء منهجه ـ سبحانه‪.‬‬
‫واعلم أنه ستصادفك المصاعب فإن صادفتك فتوكل على ال‪ ،‬وتلك فائدة من فوائد استمرار ولئك‬
‫ل الذي تأخذ منه المدد‪.‬‬
‫ولذلك " كان رسول ال صلى ال عليه وسلم إذا حزبه أمر قام إلى الصلة "‪.‬‬
‫ومعنى " حزبة " أي خرج عن أسبابه‪ ،‬لذلك فهو يذهب إلى المسبب العلى‪ ،‬فإنْ عبدتَ ال‬
‫وتوكلتَ عليه؛ فهو يعينك؛ لنه ـ سبحانه ل يغفل عما نعمل‪.‬‬
‫وهذه الية تدلّك على السعادة في الحاضر والمستقبل؛ لنك إن كنت ترعى ال فسبحانه يكتب لك‬
‫الحسنة بعشرة أمثالها‪ ،‬وقد يضاعف عن ذلك‪ ،‬وتُكتب السيئة بمثلها‪.‬‬
‫وبذلك تكون هذه الية قد استوعبت وانتظمت حال النسان‪ :‬قبل حياته‪ ،‬وحاضر حياته‪ ،‬ومستقبل‬
‫حياته إلى أن تقوم الساعة‪.‬‬
‫يقول الحق ـ سبحانه‪:‬‬
‫{ ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ للّ ِه وَلِلرّسُولِ إِذَا دَعَاكُم ِلمَا ُيحْيِيكُمْ }[النفال‪.]24 :‬‬
‫فدعوة ال بالطاعة‪ ،‬ودعوة الرسول بالسلوك السّويّ يعطي للمؤمن حياة الحياة‪ ،‬وهي حياة تعيش‬
‫في معية ال‪.‬‬

‫(‪)1583 /‬‬
‫الر تِ ْلكَ آَيَاتُ ا ْلكِتَابِ ا ْلمُبِينِ (‪)1‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لقد تعرضنا من قبل لفواتح السور؛ من أول سورة البقرة‪ ،‬وسورة آل عمران‪ ،‬وقلنا‪ :‬إن فواتح‬
‫بعض من سور القرآن تبدأ بحروف مُقطّعة؛ ننطقها ونحن نقرؤها بأسماء الحروف‪ ،‬ل بمسميات‬
‫الحروف‪.‬‬
‫فإن لكل حرف اسما ومُسمّى‪ ،‬واسم الحرف يعرفه الخاصة الذين يعرفون القراءة والكتابة‪ ،‬أما‬
‫العامة الذين ل يعرفون القراءة أو الكتابة؛ فهم يتكلمون بمسميات الحروف‪ ،‬ول يعرفون أسماءها‪.‬‬
‫فإن المي إذا سُئل أن يتهجى أيّ كلمة ينطقها‪ ،‬وأن يفصل حروفها نطقا؛ لما عرف‪ ،‬وسبب ذلك‬
‫أنه لم يتعلم القراءة والكتابة‪ ،‬أما المتعلم فهو يعرف أسماء الحروف ومُسمّياتها‪.‬‬
‫ونحن نعلم أن القرآن قد نزل مسموعا‪ ،‬ولذلك أقول‪ :‬إياك أن تقرأ كتاب ال إل أن تكون قد سمعته‬
‫أولً؛ فإنك إذا قرأته قبل أن تسمعه فسيستوي عندك حين تقرأ في أول سورة البقرة‪ {:‬الم }[البقرة‪:‬‬
‫‪.]1‬‬
‫مثلما تقول في أول سورة الشرح‪ {:‬أََلمْ }[الشرح‪.]1 :‬‬
‫أما حين تسمع القرآن فأنت تقرأ أول سورة البقرة كما سمعها رسول ال صلى ال عليه وسلم من‬
‫جبريل ـ عليه السلم ـ " ألف لم ميم " ‪ ،‬وتقرأ أول سورة الشرح " ألم "‪.‬‬
‫وأقول ذلك لن القرآن ـ كما نعلم ـ ليس كأي كتاب تُقبِل عليه لتقرأه من غير سماع‪ ،‬ل‪ .‬بل هو‬
‫كتاب تقرؤه بعد أن تسمعه وتصحح قراءتك على قارئ؛ لتعرف كيف تنطق كل َقوْل كريم‪ ،‬ثم من‬
‫ت على كيفية القراءة؛ لن كل حرف في الكتاب الكريم موضوع‬
‫بعد ذلك لك أن تقرأ بعد أن تعرف َ‬
‫بميزان وبقدر‪.‬‬
‫ونحن نعلم أيضا أن آيات القرآن منها آياتٌ ُمحْكمات وأُخَر مُتَشابهات‪ .‬واليات المُحْكماتُ تضم‬
‫الحكام التي عليك أن تفعلها لِتُثاب عليها‪ ،‬وإنْ لم تفعلها تُعاقب‪ ،‬وكل ما في اليات المُحْكمات‬
‫وَاضح‪.‬‬
‫أما اليات المُتَشابهات إنما جاءت متشابهة لختلف الدراك من إنسان لخر‪ ،‬ومن مرحلة عُمرية‬
‫لخرى‪ ،‬ومن مجتمع لخر‪ ،‬والدراكات لها وسائل يتشابه فيها الناس‪ ،‬مثل‪ :‬العين‪ ،‬والذن‪،‬‬
‫والنف‪ ،‬واللسان‪ ،‬واليد‪.‬‬
‫ووسائل الدراك هذه؛ لها قوانين تحكمها‪:‬‬
‫فعيْنُك يحكمها قانون إبصارك‪ ،‬الذي يمتد إلى أن تلتقي خطوط الشعة عند بؤرة تمتنع رؤيتُك‬
‫عندها؛ ولذلك تصغُر الشياء تدريجيا كلما ابتعدت عنها إلى أن تتلشى من حدود رؤيتك‪.‬‬
‫وصوتُك له قانون؛ تحكمه ذبذبات الهواء التي تصل إلى أدوات السمع داخل أذنك‪.‬‬
‫شمّ وردة موجودة في بلد بعيدة‪.‬‬
‫وكذلك الشّمّ له حدود؛ لنك ل تستطيع َ‬
‫وكذلك العقل البشري له حدود يُدرك بها‪ ،‬وقد علم ال كيف يدرك النسان المور‪ ،‬فلم يمنع تأمل‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وردة جميلة‪ ،‬لكنه أمر بغضّ البصر عند رؤية أي امرأة‪.‬‬
‫وهكذا يُحدّد لكَ الحق الحلل الذي تراه‪ ،‬ويُحدّد لك الحرام الذي يجب أن تمتنع عن رؤيته‪.‬‬
‫وكذلك في العقل؛ قد يفهم أمرا وقد ل يفهم أمرا آخر‪ ،‬وعدم َفهْمك لذلك المر هو َلوْن من الفهم‬
‫ت كيف؟‬
‫أيضا‪ ،‬وإنْ تساءل َ‬
‫انظر إلى موقف تلميذ في العدادية؛ وجاء له أستاذه بتمرين هندسي مما يدرسه طلبة الجامعة؛‬
‫هنا سيقول التلميذ الذكي لستاذه‪ :‬نحن لم نأخذ السس اللزمة لحلّ مثل هذا التمرين الهندسي‪،‬‬
‫هذا القول يعني أن التلميذ قد فهم حدوده‪.‬‬
‫وهكذا يعلمنا ال الدب في استخدام وسائل الدراك؛ فهناك أمر لك أن تفهمه؛ وهناك أمر تسمعه‬
‫من ربك وتطيعه‪ ،‬وليس لك أن تفهمه قبل تنفيذه؛ لنه فوق مستوى إدراكك‪.‬‬
‫ودائما أقول هذا المثل ـ ول المثل العلى ـ إنك حين تنزل في فندق كبير‪ ،‬تجد أن لكل غرفة‬
‫مفتاحا خاصا بها‪ ،‬ل يفتح أي غرفة أخرى‪ ،‬وفي كل َدوْر من أدوار الفندق يوجد مفتاح يصلح‬
‫لفتْح كل الدوار‪ ،‬ول يفهم هذا المر إل المتخصص في تصميم مثل تلك المفاتيح‪.‬‬
‫فما بالنا بكتاب ال تعالى‪ ،‬وهو الكتاب الجامع في تصميم مثل تلك المفاتيح‪.‬‬
‫فما بالنا بكتاب ال ـ تعالى ـ وهو الكتاب الجامع الذي يقول فيه الحق ـ تبارك وتعالى‪ {:‬مِنْهُ‬
‫ب وَأُخَرُ مُتَشَا ِبهَاتٌ فََأمّا الّذِينَ في قُلُو ِبهِمْ زَ ْيغٌ فَيَتّ ِبعُونَ مَا َتشَابَهَ مِنْهُ‬
‫ح َكمَاتٌ هُنّ ُأمّ ا ْلكِتَا ِ‬
‫آيَاتٌ مّ ْ‬
‫ابْ ِتغَاءَ ا ْلفِتْنَ ِة وَابْ ِتغَاءَ تَ ْأوِيلِهِ َومَا َيعَْلمُ تَ ْأوِيلَهُ ِإلّ اللّهُ وَالرّاسِخُونَ فِي ا ْلعِلْمِ َيقُولُونَ آمَنّا بِهِ ُكلّ مّنْ‬
‫عِندِ رَبّنَا َومَا َي ّذكّرُ ِإلّ ُأوْلُو ْا الَلْبَابِ }[آل عمران‪.]7 :‬‬
‫إذن‪ :‬فهذا المتشابه يعتبره أهل الزيغ فرصة لتحقيق مَأْربهم‪ ،‬وهو إبطال الدين بأيّ وسيلة وبأي‬
‫طريقة‪ ،‬ويحاولون ممارسة التكبر على كتاب ال‪.‬‬
‫ولهؤلء نقول‪ :‬لقد أراد ال أن يكون بعضٌ من سور الكتاب الكريم مُبْتدئةً بحروف تنطق بأسمائها‬
‫ل بمُسمّياتها‪.‬‬
‫وقد أرادها الحق ـ سبحانه ـ كذلك ليختبر العقول؛ فكما أطلق ـ سبحانه ـ للعقل البشري‬
‫التفكير في أمور كثيرة؛ فهناك بعض من المور يخيب فيها التفكير‪ ،‬فل يستطيع العقل إدراك‬
‫الشياء التي تفوق حدود عقله‪.‬‬
‫والحق ـ سبحانه وتعالى ـ يصنع للنسان ابتلءات في وسائل إدراكه؛ وجعل لكل وسيلة إدراك‬
‫حدودا‪ ،‬وشاء أن يأتي بالمتشابه ليختبر النسان‪ ،‬ويرى‪ :‬ماذا يفعل المؤمن؟‬
‫وقوله الحق ـ سبحانه‪َ {:‬ومَا َيعَْلمُ تَ ْأوِيلَهُ ِإلّ اللّهُ وَالرّاسِخُونَ فِي ا ْلعِلْمِ‪[} ..‬آل عمران‪.]7 :‬‬
‫قد ُيفْهم منه أنه عطف؛ بمعنى أن الراسخين في العلم يعلمون تأويله؛ وبالتالي سيُعلّمون الناس ما‬
‫ينتهون إليه من علم بالتأويل‪ .‬ولكن تأويل الراسخين في العلم هو قولهم‪ُ {:‬كلّ مّنْ عِندِ رَبّنَا‪[} ...‬آل‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫عمران‪.]7 :‬‬
‫إذن‪ :‬فنهاية تأويلهم‪ :‬هو من عند ربنا‪ ،‬وقد آمنا به‪.‬‬
‫وجاء لنا قوله صلى ال عليه وسلم لِيَحُل لنا إشكال المُتَشابَه‪:‬‬
‫" ما تشابه منه فآمنوا به "‪.‬‬
‫لن المتشابه من ابتلءات اليمان‪.‬‬
‫والمثل الذي أضربه هنا هو أمره صلى ال عليه وسلم لنا أن نستلم الحجر السود وأن نُقبّله‪ ،‬وأن‬
‫نَرْجُم الحجر الذي يمثل إبليس‪ ،‬وكلهما حجر‪ ،‬لكننا نمتثل باليمان لما أمرنا به صلى ال عليه‬
‫وسلم‪.‬‬
‫ت عقلك‪،‬‬
‫حكْم عقلك‪ ،‬وأردتَ أن تعرف الحكمة وراء كل أمر‪ ،‬لَعب ْد َ‬
‫وأنت لو أقبلتَ على كل أمر ب ُ‬
‫ح ْكمِه هو ـ سبحانه‪.‬‬
‫والحق ـ سبحانه ـ يريد أن تُقبِل على المور ِب ُ‬
‫وأنت إن قلتَ لواحد‪ :‬إن الخمر تهري الكبد‪ .‬ووضعت على كبده جهاز الموجات فوق الصوتية‬
‫الذي يكشف صورة الكبد‪ ،‬ثم ناولتَ الرجل كأس خمر؛ فرأى ما يفعله كأس الخمر في الكبد‪،‬‬
‫ورَاعَه ذلك؛ فقال‪ :‬وال لن أشربها أبدا‪.‬‬
‫هل هو يفعل ذلك لنه مؤمن؟ أم أنه ربط سلوكه بالتجربة؟‬
‫لقد ربط سلوكه بالتجربة‪ ،‬وهو يختلف عن المؤمن الذي نفّذ تعاليم السماء فامتنع عن الخمر لن‬
‫ال أمر بذلك‪ ،‬فل يمكن أن نؤجل تعاليم السماء إلى أن تظهر لنا الحكمة منها‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فعِلّة المُتَشابه؛ اليمان به‪ .‬وقد يكون للمُتَشابه حكمة؛ لكِنّا لن نُؤجّل اليمان حتى نعرف‬
‫الحكمة‪.‬‬
‫وأقول دائما‪ :‬يجب أن يعامل النسانُ إيمانَه بربه معاملته لطبيبه‪ ،‬فالمريض يذهب إلى طبيبه‬
‫ليعرض عليه شكواه من مرض يؤلمه؛ ليصفَ الطبيب له الدواء‪ ،‬كذلك عمل عقلك؛ عليه أن‬
‫ينتهي عند عتبة إيمانك بال‪.‬‬
‫ن يقول‪ :‬إن العقل كالمطيّة‪ ،‬يُوصّلك إلى باب السلطان‪ ،‬لكنه ل‬
‫ونجد من أقوال أهل المعرفة بال مَ ْ‬
‫يدخل معك‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالذي يناقش في عِلَل الشياء هو مَنْ يرغب في الحديث مع مُسَاوٍ له في الحكمة‪ ،‬وهل يوجد‬
‫مُسَاوٍ ل؟‬
‫طبعا ل‪ ،‬لذلك خُذْ افتتاحيات السور التي جاءت بالحروف المقطعة كما جاءت‪ ،‬واختلفنا على‬
‫معانيها يؤكد على أنها كَنْز ل ينفذ من العطاء إلى أن تُحل إنْ ـ شاء ال ـ من ال‪.‬‬
‫ومن العجيب أن آيات القرآن كلها مبنيةٌ على ال َوصْل‪ ،‬ففي آخر سورة هود نجد قول الحق ـ‬
‫عمّا َت ْعمَلُونَ }[هود‪.]123 :‬‬
‫سبحانه‪َ {:‬ومَا رَ ّبكَ ِبغَا ِفلٍ َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وكان من المفترض أن نقف عليها فننطق كلمة " تعملون " ساكنة النون‪ ،‬لكنها موصولة بـ " بسم‬
‫ال الرحمن الرحيم "؛ لذلك جاءت النون مفتوحة‪.‬‬
‫وأيضا ما دامت اليات مبنية على الوصل‪ ،‬كان من المفروض أن ننطق بدء سورة يوسف " ألفٌ‬
‫لمٌ رَاءٌ " لكن الرسول صلى ال عليه وسلم علّمنَا أن نقرأها " ألفْ لمْ راءْ " وننطقها ساكنة‪.‬‬
‫وهذا دليل على أنها كلمة مبنية على الوقف‪ ،‬ودليل على أن ل ـ سبحانه ـ حكمة في هذا وفي‬
‫ذاك‪.‬‬
‫ونحن نعلم أن الرسول صلى ال عليه وسلم كان يراجع القرآن مرة كل رمضان مع جبريل ـ‬
‫عليه السلم ـ وراجعه مرتين في رمضان الذي سبق وفاته صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫وهكذا وصلنا القرآن كما أنزله الحق ـ سبحانه ـ على رسوله الكريم صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫وهنا يقول الحق‪ } :‬الر تِ ْلكَ آيَاتُ ا ْلكِتَابِ ا ْلمُبِينِ { [يوسف‪.]1 :‬‬
‫و " تلك " إشارة لما َبعْدَ (الر)‪ ،‬وهي آيات الكتاب‪.‬‬
‫أي‪ :‬خذوا منها أن آيات القرآن مُكوّنة من مثل هذه الحروف‪ ،‬وهذا َفهْم البعض لمعنى‪ } :‬الر‪{ ...‬‬
‫[يوسف‪ ]1 :‬لكنه ليس كل الفهم‪.‬‬
‫مثل‪ :‬صانع الثياب الذي يضع في واجهة المحل بعضا من الخيوط التي تم نَسْج القماش منها؛‬
‫ليدلنا على ِدقّة الصنعة‪.‬‬
‫فكأنّ ال ـ سبحانه ـ يُبيّن لنا أن } الر‪[ { ...‬يوسف‪ ]1 :‬أسماء لحروف هي من أسماء الحروف‬
‫التي نتكلم بها‪ ،‬والقرآن تكوّنت ألفاظه من مثل تلك الحروف‪ ،‬ولكن آيات القرآن معجزة‪ ،‬ل‬
‫يستطيع البشر ـ ولو عاونهم الجن ـ أن يأتوا بمثله‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالسّمو ليس من ناحية الخامة التي تُكوّن الكلم‪ ،‬ولكن المعجزة أن المتكلم هو الحق ـ‬
‫سبحانه ـ فل بد أن يكون كلمه مُعجزا؛ وإن كان مُكوّنا من نفس الحروف التي نستخدمها نحن‬
‫البشر‪.‬‬
‫وهناك معنى آخر‪ :‬فهذا رسول ال صلى ال عليه وسلم ينطق أسماء الحروف " أِلفْ لم رَاء " ‪،‬‬
‫وهو صلى ال عليه وسلم المي بشهادة المعاصرين له بما فيهم خصومه‪ ،‬رغم أن القادر على‬
‫نُطْق أسماء الحروف ل ُبدّ أن يكون مُتعلّما‪ ،‬ذلك أن المي ينطق مُسمّيات الحروف ول يعرف‬
‫أسماءها‪ ،‬وفي هذا النطق شهادة بأن مَنْ علّمه ذلك هو ربه العلى‪.‬‬
‫ويقول الحق ـ سبحانه‪ } :‬الر تِ ْلكَ آيَاتُ ا ْلكِتَابِ ا ْلمُبِينِ { [يوسف‪.]1 :‬‬
‫كلمة " الكتاب " عندما تُطلق فمعناها ينصرف إلى القرآن الكريم‪.‬‬
‫ونجد كلمة " المبين " ‪ ،‬أي‪ :‬الذي يُبيّن كل شيء تحتاجه حركة النسانِ الخليف ِة في الرض‪ ،‬فإن‬
‫بانَ لك شيء وظننتَ أن القرآن لم يتعرّض له‪ ،‬فل بد أن تبحث عن مادة أو آية تلفتك إلى ما يبين‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لك ما غابَ عنك‪.‬‬
‫ل إلى‬
‫ويُروى عن المام محمد عبده أنه قابل أحد المستشرقين في باريس؛ ووجّه المستشرق سؤا ً‬
‫المام فقال‪:‬‬
‫شيْءٍ‪[} ...‬النعام‪ ]38 :‬فَدعْنِي‬
‫مادامتْ هناك آية في القرآن تقول‪ {:‬مّا فَرّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن َ‬
‫ب القمح؟‬
‫أسألك‪ :‬كم رغيفا ينتجه أرد ّ‬
‫فقال المام للمستشرق‪ :‬انتظر‪ .‬واستدعى المام خبازا‪ ،‬وسأله‪ :‬كم رغيفا يمكن أن نصنعه من‬
‫أردب القمح؟ فأجاب الخباز على السؤال‪.‬‬
‫هنا قال المستشرق‪ :‬لقد طلبتُ منك إجابة من القرآن‪ ،‬ل من الخباز‪ .‬فردّ المامُ‪ :‬إذا كان القرآن قد‬
‫شيْءٍ‪[} ...‬النعام‪ ]38 :‬فالقرآن قال أيضا‪ {:‬فَاسْأَلُواْ أَ ْهلَ ال ّذكْرِ إِن‬
‫قال‪ {:‬مّا فَرّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن َ‬
‫كُنْتُم لَ َتعَْلمُونَ }[النحل‪.]43 :‬‬
‫لقد فَطِن المام محمد عبده إلى أن العقل البشري أضيق من أن يسع كل المعلومات التي تتطلبها‬
‫الحياة؛ لذلك شاء الحق ـ سبحانه ـ أن يوزّع المواهب بين البشر؛ ليصبح كل متفوق في مجال‬
‫ما‪ ،‬هو من أهل الذكر في مجاله‪.‬‬
‫ونحن ـ على سبيل المثال ـ عندما نتعرض لمسألة ميراث؛ فنحن نلجأ إلى مَنْ تخصص في‬
‫المواريث‪ ،‬ليدلنا على دقة توزيع أنصبة هذا الميراث‪.‬‬
‫وحين يؤدي المسلم من العامة فريضة الحج‪ ،‬فيكفيه أن يعلم أن الحج فريضة؛ ويبحث عند بَدْء‬
‫الحج عمّنْ يُعلّمه خُطوات الحج كما أدّاها صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫وهذا سؤال لهل الذكر‪ ،‬مثلما نستدعي مهندسا ليصمم لنا بيتا حين نشرع في بناء بيت‪ ،‬بعد أن‬
‫نمتلك المكانات اللزمة لذلك‪.‬‬
‫وهكذا نرى أن علوم الحياة وحركتها أوسع من أن يتسع لها رأس؛ ولذلك وزّع ال أسباب فضله‬
‫على عباده‪ ،‬ليتكاملوا تكاملَ الحتياج‪ ،‬ل تكامل التفضّل‪ ،‬ويصير كل منهم مُلْتحما بالخرين غَصبْا‬
‫عنه‪.‬‬
‫وبعد ذلك يقول الحق ـ سبحانه‪ } :‬إِنّآ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنا عَرَبِيّا‪.{ ...‬‬

‫(‪)1584 /‬‬
‫إِنّا أَنْزَلْنَاهُ قُ ْرآَنًا عَرَبِيّا َلعَّلكُمْ َت ْعقِلُونَ (‪)2‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لمِينُ }[الشعراء‪.]193 :‬‬
‫حاَ‬
‫وبالنسبة للقرآن نجد الحق ـ سبحانه ـ يقول‪ {:‬نَ َزلَ ِبهِ الرّو ُ‬
‫فنسب النزول مرة لجبريل كحامل للقرآن ليبلغ به رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ .‬ومرة يقول‪{:‬‬
‫نُ ّزلَ‪[} ...‬محمد‪ ،]2 :‬والنزول في هذه الحالة منسوب ل وجبريل والملئكة‪.‬‬
‫أما قول الحق ـ سبحانه‪ {:‬أُنْ ِزلَ‪[} ...‬البقرة‪ ،]91 :‬فهو القول الذي يعني أن القرآن قد تعدى كونه‬
‫َمكْنونا في اللوح المحفوظ ليباشر مهمته في الوجود ببعث رسول ال صلى ال صلى ال عليه‬
‫وسلم‪.‬‬
‫هذا هو معنى النزال للقرآن جمل ًة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا‪ ،‬ثم نزل من بعد‬
‫ذلك نجوما متفرقة؛ ليعالج كل المسائل التي تعرّض لها المسلمون‪.‬‬
‫وهكذا يؤول المر إلى أن القرآن نزل أو نزل به الروح المين‪.‬‬
‫والحق ـ سبحانه ـ يقول‪ {:‬وَبِا ْلحَقّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقّ نَ َزلَ‪[} ..‬السراء‪ ]105 :‬أي‪ :‬أن الحق ـ‬
‫سبحانه ـ أنزله من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا‪ ،‬ثم أنزله مفرقا ليعالج الحداث ويباشر‬
‫مهمته في الوجود الواقعي‪.‬‬
‫وفي هذه الية يقول ـ سبحانه‪:‬‬
‫{ إِنّآ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنا عَرَبِيّا‪[ } ...‬يوسف‪.]2 :‬‬
‫وفي الية السابقة قال‪ {:‬تِ ْلكَ آيَاتُ ا ْلكِتَابِ‪[} ...‬يوسف‪.]1 :‬‬
‫فمرّة َيصِفه بأنه قرآن بمعنى المقروء‪ ،‬ومرّة َيصِفه بأنه كتاب؛ لنه مسطور‪ ،‬وهذه من معجزات‬
‫التسمية‪.‬‬
‫جمِع ليكتب؛ كان كاتب القرآن ل يكتب إل ما يجده مكتوبا‪ ،‬ويشهد‬
‫ونحن نعلم أن القرآن حين ُ‬
‫عليه اثنان من الحافظين‪.‬‬
‫ونحن نعلم أن الصدور قد تختلف بالهواء‪ ،‬أما السطور فمُثْبتة ل لَبْسَ فيها‪.‬‬
‫وهو قرآن عربي؛ لن الرسول صلى ال عليه وسلم سيجاهر بالدعوة في أمة عربية‪ ،‬وكان لبد‬
‫من وجود معجزة تدل على صدق بلغه عن ال‪ ،‬وأن تكون ِممّا نبغ فيه العرب؛ لن المعجزة‬
‫مشروطة بالتحدي‪ ،‬ول يمكن أن يتحداهم في أمر ل ريادة لهم فيه ول لهم به صلة؛ حتى ل يقولن‬
‫أحد‪ :‬نحن لم نتعلم هذا؛ ولو تعلمناه لجئنا بأفضل منه‪.‬‬
‫وكان العرب أهل بيان وأدب ونبوغ في الفصاحة والشعر‪ ،‬وكانوا يجتمعون في السواق‪ ،‬وتتفاخر‬
‫كل قبيلة بشعرائها وخطبائها المُفوّهين‪ ،‬وكانت المباريات الدائية ُتقَام‪ ،‬وكانت التحديات تجرى في‬
‫هذا المجال‪ ،‬ويُنصَب لها الحكام‪.‬‬
‫أي‪ :‬أن الدّرْبَة على اللغة كانت صناعة متواترة ومتواردة‪ ،‬محكوم عليها من الناس في السواق‪،‬‬
‫فهم أمة بيان وبلغة وفصاحة‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لذلك شاء الحق ـ سبحانه ـ أن يكون القرآن معجزة من جنس ما نبغ فيه العرب‪ ،‬وهم أول قوم‬
‫نزل فيهم القرآن‪ ،‬وحين يؤمن هؤلء لن يكون التحدي بفصاحة اللفاظ ونسق الكلم‪ ،‬بل‬
‫بالمبادىء التي تطغى على مبادىء الفرس والروم‪.‬‬
‫وهي مبادىء قد نزلت في أمة مبتدّية ليس لها قانون يجمعها‪ ،‬ول وطن يضمهم يكون الولء له‪،‬‬
‫بل كل قبيلة لها قانون‪ ،‬وكلهم َبدْو يرحلون من مكان إلى مكان‪.‬‬
‫علِم أهل فارس والروم أن تلك المة المُبتدّية قد امتلكتْ ما يبني حضَارة‬
‫وحين نزل فيهم القرآن َ‬
‫ليس لها مثل من قَبْل‪ ،‬رغم أن النبي أ ِميّ وأن المة التي نزل فيها القرآن كانت أمية‪.‬‬
‫وفارس والروم يعلمون أن الرسول الذي نزل في تلك المة تحدّاهم بما نبغُوا فيه‪ ،‬وما استطاع‬
‫واحد منهم أن يقوم أمام التحدي‪ ،‬ومن هنا شعروا أنهم أمام تحد حضاري من نوع آخر لم‬
‫يعرفوه‪.‬‬
‫ويشاء الحق ـ سبحانه ـ أن ينزل القرآن عربيا؛ لن الحق لم يكن ليرسل رسولً إل بلسان‬
‫قومه‪ ،‬فهو القائل‪َ {:‬ومَآ أَرْسَلْنَا مِن رّسُولٍ ِإلّ بِلِسَانِ َقوْمِهِ لِيُبَيّنَ َلهُمْ‪[} ...‬إبراهيم‪.]4 :‬‬
‫سلَ محمد صلى ال عليه وسلم بالقرآن‪ ،‬الذي تميّز عن سائر كتب الرسل الذين سبقوه؛ بأنه‬
‫وأُر ِ‬
‫كتاب ومعجزة في آنٍ واحد‪ ،‬بينما كانت معجزات الرسل السابقين عليه صلى ال عليه وسلم‬
‫مُنْفصلةً عن كُتب الحكام التي أُنزَِلتْ إليهم‪.‬‬
‫ويظلّ القرآن معجزة تحمل منهجا إلى أنْ تقومَ الساعة‪ ،‬ومادام قد آمنَ به الوائل وانساحوا في‬
‫العالم‪ ،‬فتحقق بذلك ما وعد به ال أن يكون هذا الكتابُ شاملً‪ ،‬يجذب كل مَنْ لم يؤمن به إلى‬
‫النبهار بما فيه من أحكام‪.‬‬
‫ولذلك حين يبحثون عن أسباب انتشار السلم في تلك المدة الوجيزة‪ ،‬يجدون أن السلم قد انتشر‬
‫شدُوهِين بما فيه من ُنظُمٍ تُخلّصهم من متاعبهم‪.‬‬
‫ل بقوة مَنْ آمنوا به؛ بل بقوة مَنْ انجذبوا إليه مَ ْ‬
‫ففي القرآن قوانين تُسعِد النسانَ حقا‪ ،‬وفيه من الستنباءات بما سوف يحدث في الكون؛ ما يجعل‬
‫المؤمنين به يذكرون بالخشوع أن الكتاب الذي أنزله ال على رسولهم لم يفرط في شيء‪.‬‬
‫وإذا قال قائل من المستشرقين‪ :‬كيف تقولون‪ :‬إن القرآن قد نزل بلسان عربي مبين؛ رغم وجود‬
‫ألفاظ أجنبية مثل كلمة " آمين " التي تُؤمّنُون بها على دعاء المام؛ كما توجد ألفاظ رومية‪،‬‬
‫وأخرى فارسية؟‬
‫وهؤلء المستشرقون لم يلتفتوا إلى أن العربي استقبل ألفاظا مختلفة من أمم متعددة نتيجة اختلطه‬
‫بتلك المم‪ ،‬ثم دارتْ هذه اللفاظ على لسانه‪ ،‬وصارت تلك اللفاظ عربية‪ ،‬ونحن في عصورنا‬
‫الحديثة نقوم بتعريب اللفاظ‪ ،‬وندخل في لغتنا أيّ لفظ نستعمله ويدور على ألسنتنا‪ ،‬ما ُدمْنا نفهم‬
‫المقصود به‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ويُذيّل الحق ـ سبحانه ـ الية الكريمة بقوله‪:‬‬
‫} ّلعَّل ُكمْ َت ْعقِلُونَ { [يوسف‪.]2 :‬‬
‫ليستنهض همة العقل‪ ،‬ليفكر في المر‪ ،‬والمُنْصف بالحق ُيهِمه أن يستقبل الناس ما يعرضه عليهم‬
‫بالعقل‪ ،‬عكس المدلس الذي يهمه أن يستر العقل جانبا؛ لينفُذَ من وراء العقل‪.‬‬
‫وفي حياتنا اليومية حين ينبهك التاجر لسلعة ما‪ ،‬ويستعرض معك مَتَانتها ومحاسنها؛ فهو يفعل‬
‫ذلك كدليل على أنه واثق من جودة بضاعته‪.‬‬
‫ك المر‬
‫أما لو كانت الصّنْعة غير جيدة‪ ،‬فهو لن يدعوك للتفكير بعقلك؛ لنك حين تتدبر بعقل َ‬
‫تكتشف المُدلس وغير المُدلس؛ لذلك فهو يدلس عليك‪ ،‬ويُعمّي عليك‪ ،‬ول يدع لك فرصة للتفكير‪.‬‬
‫ويقول الحق ـ سبحانه ـ من بعد ذلك‪َ } :‬نحْنُ َن ُقصّ عَلَ ْيكَ‪.{ ...‬‬

‫(‪)1585 /‬‬
‫ن وَإِنْ كُ ْنتَ مِنْ قَبْلِهِ َلمِنَ ا ْلغَافِلِينَ (‪)3‬‬
‫صصِ ِبمَا َأ ْوحَيْنَا إِلَ ْيكَ َهذَا ا ْلقُرْآَ َ‬
‫حسَنَ ا ْل َق َ‬
‫نَحْنُ َن ُقصّ عَلَ ْيكَ أَ ْ‬

‫حين يتحدث الحق ـ سبحانه ـ عن فعل من أفعاله؛ ويأتي بضمير الجمع؛ فسبب ذلك أن كل فعل‬
‫من أفعاله يتطلب وجو َد صفات متعددة؛ يتطلب‪ :‬علما؛ حكمة؛ قدرة؛ إمكانات‪.‬‬
‫ومَنْ غيره ـ سبحانه ـ له كل الصفات التي تفعل ما تشاء و ْقتَ أن تشاء؟‬
‫ل أحد سواه قادر على ذلك؛ لنه ـ سبحانه ـ وحده صاحب الصفات التي تقوم بكل مطلوب في‬
‫الحياة ومُقدّر‪.‬‬
‫لكن حين يتكلم ـ سبحانه ـ عن الذات؛ فهو يؤكد التوحيد فل تأتي بصيغة الجمع‪ ،‬يقول تعالى‪{:‬‬
‫لةَ لِ ِذكْرِي }[طه‪.]14 :‬‬
‫إِنّنِي أَنَا اللّهُ ل إِلَـاهَ إِل أَنَاْ فَاعْ ُبدْنِي وََأقِمِ الصّ َ‬
‫وهنا يتكلم ـ سبحانه ـ بأسلوب يعبر عن أفعال ل َيقْدر عليها غيره؛ بالدقة التي شاءها هو ـ‬
‫سبحانه ـ فيقول‪:‬‬
‫صصِ‪[ } ...‬يوسف‪.]3 :‬‬
‫{ َنحْنُ َن ُقصّ عَلَ ْيكَ أَحْسَنَ ا ْلقَ َ‬
‫وحدد ـ سبحانه ـ أنه هو الذي يقصّ‪ ،‬وإذا وُجِد فعل ل؛ فنحن نأخذ الفعل بذاته وخصوصه؛ ول‬
‫نحاول أن نشتق منه اسما نطلقه على ال؛ إل إذا كان الفعل له صفة من صفاته التي عَِلمْناها في‬
‫أسمائه الحسنى؛ لنه الذات القدس‪.‬‬
‫وفي كل ما يتعلق به ذاتا وصفاتٍ وأفعالً إنما نلتزم الدب؛ لننا ل نعرف شيئا عن ذات ال إل‬
‫ما أخبرنا ال عن نفسه‪ ،‬لذلك ل يصح أن نقول عن ال أنه قصّاص‪ ،‬بل نأخذ الفعل كما أخبرنا‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫به‪ ،‬ول نشتق منه اسما ل؛ لنه لم يصف نفسه في أسمائه الحسنى بذلك‪.‬‬
‫والواجب أن ما أطلقه ـ سبحانه ـ اسما نأخذه اسما‪ ،‬وما أطلقه فعلً نأخذه فعلً‪.‬‬
‫وهنا يقول ـ سبحانه‪:‬‬
‫صصِ‪[ } ....‬يوسف‪.]3 :‬‬
‫{ َنحْنُ َن ُقصّ عَلَ ْيكَ أَحْسَنَ ا ْلقَ َ‬
‫ونعلم أن كلمة " قص " تعني التباع‪ ،‬وقال بعض العلماء‪ :‬إن القصة تُسمّى كذلك لن كل كلمة‬
‫تتبع كلمة‪ ،‬ومأخوذة من َقصّ الثر‪ ،‬وهو تتبع أثر السائر على الرض‪ ،‬حتى يعرف النسان‬
‫مصير مَنْ يتتبعه ول ينحرف بعيدا عن التجاه الذي سار فيه مَنْ يبحث عنه‪.‬‬
‫شعُرُونَ }‬
‫ب وَهُ ْم لَ يَ ْ‬
‫واقرأ قول الحق ـ سبحانه ـ‪َ {:‬وقَاَلتْ لُخْتِهِ ُقصّيهِ فَ َبصُ َرتْ بِهِ عَن جُ ُن ٍ‬
‫[القصص‪.]11 :‬‬
‫و{ ُقصّيهِ‪[} ...‬القصص‪ ]11 :‬أي‪ :‬تتبعي أثره‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فال َقصّ ليس هو الكلمة التي تتبع كلمة‪ ،‬إنما ال َقصّ هو تتبّع ما حدث بالفعل‪.‬‬
‫ويعطينا الحق سبحانه مثلً من قصة موسى عليه السلم مع فتاه‪ {:‬قَالَ أَرَأَ ْيتَ ِإذْ َأوَيْنَآ إِلَى‬
‫الصّخْ َرةِ فَإِنّي نَسِيتُ ا ْلحُوتَ َومَآ أَنْسَانِيهُ ِإلّ الشّ ْيطَانُ أَنْ َأ ْذكُ َرهُ وَاتّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْ َبحْرِ عَجَبا * قَالَ‬
‫ذَِلكَ مَا كُنّا نَبْغِ فَارْتَدّا عَلَىا آثَارِ ِهمَا َقصَصا }[الكهف‪63 :‬ـ ‪ ،]64‬أي‪ :‬تَابَعا الخطوات‪.‬‬
‫وهكذا نعلم أن القص هو تتبّع ما حدث بالفعل‪ ،‬فتكون كل كلمة مُصوّرة لواقع‪ ،‬ل لَبْسَ فيه أو‬
‫خيال؛ ول تزيّد‪ ،‬وليس كما يحدث في القصص الفنيّ الحديث؛ حيث يضيف القصّاص لقطاتِ‬
‫خيالية من أجل الحَبْكة الفنية والثارة وجَذْب النتباه‪.‬‬
‫ضعُه مختلف تماما‪ ،‬فكلّ قَصص القرآن إنما يتتبع ما حدث فعلً؛ لنأخذ منها‬
‫أما قصص القرآن فو ْ‬
‫العبرة؛ لن القصة نوع من التاريخ‪.‬‬
‫والقصة في القرآن مرةً تكون للحدث‪ ،‬ومرّة تكون لتثبيت فؤاد الرسول صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فلم‬
‫تَ ْأتِ قصة رسول في القرآن كاملة‪ ،‬إل قصة يوسف ـ عليه السلم‪.‬‬
‫أما بقية الرسل ف َقصَصهم جاءت لقطات في مناسبات لتثبيت فؤاد الرسول محمد صلى ال عليه‬
‫وسلم‪ ،‬فتأتي لقطة من حياة رسول‪ ،‬ولقطة من حياة رسول آخر‪ ،‬وهكذا‪.‬‬
‫ول يقولن أحد‪ :‬إن القرآن لم يستطع أن يأتي بقصة كاملة مستوفية؛ فقد شاء الحق ـ سبحانه ـ‬
‫أن يأتي بقصة يوسف من أولها إلى آخرها‪ ،‬مُسْتوفية‪ ،‬ففيها الحدث الذي دارتْ حوله أشخاصٌ‪،‬‬
‫وفيها شخصٌ دارتْ حوله الحداث‪.‬‬
‫عيْ القصة‪،‬‬
‫فقصة يوسف ـ عليه السلم ـ في القرآن ل تتميز بالحَبْكة فقط؛ بل جمعتْ نَو َ‬
‫بالحدث الذي تدور حوله الشخصيات‪ ،‬وبالشخص الذي تدور حوله الحداث‪.‬‬
‫جاءتْ قصة يوسف بيوسف‪ ،‬وما مَرّ عليه من أحداث؛ بَ ْدءً من الرّؤيا‪ ،‬ومرورا بحقد الخوة‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وكيدهم‪ ،‬ثم محاولة الغواية له من امرأة العزيز‪ ،‬ثم السجن‪ ،‬ثم القدرة على تأويل الحلم‪ ،‬ثم تولّي‬
‫السلطة‪ ،‬ولقاء الخوة والحسان إليهم‪ ،‬وأخيرا لقاء الب من جديد‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فقول الحق ـ سبحانه‪:‬‬
‫صصِ‪[ { ...‬يوسف‪.]3 :‬‬
‫} َنحْنُ َن ُقصّ عَلَ ْيكَ أَحْسَنَ ا ْلقَ َ‬
‫يبيّن لنا أن الحُسْن أتى لها من أن الكتب السابقة تحدثت عن قصة يوسف‪ ،‬لكن أحبار اليهود حين‬
‫قرأوا القصة كما جاءتْ بالقرآن ترك بعضهم كتابه‪ ،‬واعتمد على القرآن في روايتها‪ ،‬فالقصة‬
‫أحداثها واحدة‪ ،‬إل صياغة الداء؛ وتلمّسات المواجيد النفسية؛ وإبراز المواقف المطْويّة في النفس‬
‫البشرية؛ وتحقيق الرّؤى الغيبية ُكلّ ذلك جاء في حَبْكة ذات أداء بياني ُمعْجز جعلها أحسنَ‬
‫ال َقصَص‪.‬‬
‫أو‪ :‬هي أحسن القصص بما اشتملتْ عليه من عِبَر متعددة‪ ،‬عِبَر في الطفولة في مواجهة‬
‫الشيخوخة‪ ،‬والحقد الحاسد بين الخوة‪ ،‬والتمرد‪ ،‬وإلقائه في الجبّ والكيد له‪ ،‬ووضعه سجينا بظلم‪،‬‬
‫وموقف يوسف عليه السلم من الفتراء الكاذب‪ ،‬والعتزاز بالحق حتى تمّ له النصر والتمكين‪.‬‬
‫وكيف ألقى ال على يوسف ـ عليه السلم ـ محبّة منه؛ ليجعل كل مَنْ يلتقي به يحب خدمته‪.‬‬
‫وكيف صانَ يوسف إرثَ النبوة‪ ،‬بما فيها من سماحة وقدرة على العفو عند المقدرة؛ فعفَا عن‬
‫حمِينَ }[يوسف‪:‬‬
‫ل لَ تَثْرِيبَ عَلَ ْيكُمُ الْ َيوْمَ َي ْغفِرُ اللّهُ َلكُ ْم وَ ُهوَ أَ ْرحَمُ الرّا ِ‬
‫إخوته بما روتْه السورة‪ {:‬قَا َ‬
‫‪.]92‬‬
‫وقالها سيد البشر محمد صلى ال عليه وسلم لهله يوم فتح مكة‪ " :‬اذهبوا فأنتم الطلقاء "‪.‬‬
‫وهكذا تمتليء سورة يوسف ِبعِبَر متناهية‪ ،‬يتجلّى بعضٌ منها في قضية دخوله السجنَ مظلوما‪ ،‬ثم‬
‫يأتيه العفو والحكم؛ لذلك فهي أحسنُ القَصص؛ إما لنها جمعتْ حادثة ومَنْ دار حولها من‬
‫أشخاص‪ ،‬أو جاء بالشخص وما دار حوله من أحداث‪.‬‬
‫ن القصص في أنها أ ّدتْ المُتّحد والمتفق عليه في كل الكتب السابقة‪ ،‬وجاء على لسان‬
‫أو‪ :‬أنها أحس ُ‬
‫ض الموضوع بأسلوب جذّاب مُسْتمِيل‬
‫محمد المي‪ ،‬الذي ل خبرة له بتلك الكتب؛ لكن جاء عَ ْر ُ‬
‫ُمقْنع ُممْتع‪.‬‬
‫أو‪ :‬أنها أحسن القصص؛ لن سورة يوسف هي السورة التي شملت لقطاتٍ متعددةٍ تساير‪ :‬العمر‬
‫الزمني؛ والعمر العقلي؛ والعمر العاطفي للنسان في كل أطواره؛ ضعيفا؛ مغلوبا على أمره؛‬
‫وقويا مسيطرا‪ ،‬مُمكّنا من كل شيء‪.‬‬
‫بينما نجد أنباء الرسل السابقين جاءت كلقطات مُوزّعة كآيات ضمن سُور أخرى؛ وكل آية جاءت‬
‫في موقعها المناسب لها‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالحُسْن البالغ قد جاء من أسلوب القرآن المعجز الذي ل يستطيع واحد من البشر أن يأتي‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫بمثله‪.‬‬
‫ن وَإِن كُنتَ‬
‫صصِ ِبمَآ َأوْحَيْنَآ إِلَ ْيكَ هَـاذَا ا ْلقُرْآ َ‬
‫يقول الحق سبحانه‪ } :‬نَحْنُ َنقُصّ عَلَ ْيكَ َأحْسَنَ ا ْل َق َ‬
‫مِن قَبْلِهِ َلمِنَ ا ْلغَافِلِينَ { [يوسف‪.]3 :‬‬
‫والمقصود بالغفلة هنا أنه صلى ال عليه وسلم كان ُأمّيا‪ ،‬ولم يعرف عنه أح ٌد قبل نزول القرآن أنه‬
‫خطيب أو شاعر‪ ،‬وكل ما عُرِف عنه فقط هو الصفات الخُلقية العالية من صدق وأمانة؛ وهي‬
‫صفات مطلوبة في المُبلّغ عن ال؛ فما دام لم يكذب من قبل على بشر فكيف يكذب وهو يُبلّغ عن‬
‫السماء رسالتها لهل الرض؟‬
‫إن الكذب أمر مُسْتبعد تماما في رسول ال صلى ال عليه وسلم قبل البعثة وبعدها‪.‬‬
‫والمثال على تصديق الغير لرسول ال هو تصديق أبي بكر رضي ال عنه له حين أبلغه رسول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم أن الوحي قد نزل عليه‪ ،‬لم َيقُلْ له أكثر من أنه رسول من عند ال‪ ،‬فقال‬
‫أبو بكر ـ رضي ال عنه ـ‪ :‬صد ْقتَ‪.‬‬
‫وحين حدثتْ رحلة السراء؛ وكذّبها البعض متسائلين‪ :‬كيف نضرب إليها أكباد البل شهرا ويقول‬
‫محمد إنه قطعها في ليلة؟ فسألهم أبو بكر‪ :‬أقال ذلك؟ قالوا‪ :‬نعم‪ .‬فقال أبو بكر‪ :‬ما دام قد قال فقد‬
‫صدق‪.‬‬
‫وهكذا نجد أن حيثية الصّدْق قبل الرسالة هي التي دَّلتْ على صدقه حين أبلغ بما نزل عليه من‬
‫وحي‪.‬‬
‫مثال ذلك‪ :‬تصديق خديجة رضي ال عنها وأرضاها له؛ حين أبلغها بنزول الوحي‪ ،‬فقالت له‪" :‬‬
‫صلُ الرّحِم‪ ،‬وتحمل ال َكلّ‪ ،‬وتُكسِب ال َمعْدُوم‪ ،‬و َتقْري الضّيف‪ ،‬وتعين‬
‫وال ل يخزيك ال أبدا‪ ،‬إنك ل َت ِ‬
‫على نوائب الحق "‪.‬‬
‫وكان في صدق بصيرتها‪ ،‬وعميق حساسية فطرتها أسبابٌ تؤيد تصديقها له صلى ال عليه وسلم‬
‫في نبوته‪.‬‬
‫وحين وقعت بعض المور التي ل تتفق مع منطق المقدمات والنتائج‪ ،‬والسباب والمسببات؛ كانت‬
‫بعض العقول المعاصرة لرسول ال تقف متسائلة‪ :‬كيف؟ فيوضح لهم أبو بكر‪ " :‬انتبهوا إنه رسول‬
‫ال "‪.‬‬
‫مثال هذا‪ :‬ما حدث في صلح الحديبية‪ ،‬حين يقول عمر بن الخطاب ـ رضي ال عنه ـ متسائلً‬
‫ـ ويكاد أن يكون رافضا لشروط هذا الصلح ـ‪ :‬ألسْنا على الحق؟ عَلم نعطي الدّنية في ديننا؟‬
‫ويرد عليه أبو بكر ـ رضي ال عنه ـ‪ :‬استمسك ِبغَرْزِه يا عمر‪ ،‬إنه رسول ال‪.‬‬
‫أي‪ :‬انتبه واعلم أنك تتكلم مع رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وليس في ذلك انصياعٌ أعمى؛ بل‬
‫هي طاعة عن بصيرة مؤمنة‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والحق سبحانه يقول هنا‪:‬‬
‫} وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ َلمِنَ ا ْلغَافِلِينَ { [يوسف‪.]3 :‬‬
‫والغافل‪ :‬هو الذي ل يعلم ـ ل عن جهل‪ ،‬أو قصور عقل ـ ولكن لن ما غفل عنه هو أمر ل‬
‫يشغل باله‪.‬‬
‫أو‪ :‬أن يكون المقصود بقوله‪:‬‬
‫} َلمِنَ ا ْلغَافِلِينَ { [يوسف‪.]3 :‬‬
‫أي‪ :‬أنك يا محمد لم تكن ممّنْ يعرفون قصة يوسف؛ لنك لم تتعلم القراءة فتقرأها من كتاب‪ ،‬ولم‬
‫تجلس إلى مُعلّم يروي لك تلك القصة‪ ،‬ولم تجمع بعضا من أطراف القصة من هنا أو هناك‪.‬‬
‫بل أنت لم تَتَلقّ الوحي بها إل بعد أن قال بعض من أهل الكتاب لبعض من أهل مكة‪ :‬اسألوه عن‬
‫أبناء يعقوب وأخوة يوسف؛ لماذا خرجوا من الشام وذهبوا إلى مصر؟‬
‫وكان ضَرْبا من العجاز أن ينزل إليك يا رسول ال هذا البيان العالي بكل تفاصيل القصة‪ ،‬كدليل‬
‫عمليّ على أن مُعلّم محمدٍ صلى ال عليه وسلم هو ال‪ ،‬وأنه سبحانه هو مَنْ أَوحى بها إليه‪.‬‬
‫والوَحْي ـ كما نعلم ـ هو العلم بخفاء‪ ،‬وسبحانه يوحي للملئكة فيقول‪ {:‬إِذْ يُوحِي رَ ّبكَ إِلَى‬
‫ا ْلمَل ِئكَةِ أَنّي َم َعكُمْ فَثَبّتُواْ الّذِينَ آمَنُواْ‪[} ...‬النفال‪.]12 :‬‬
‫وسبحانه يوحي إلى مَنْ يصطفي من البشر إلى صفوتهم؛ مصداقا لقوله سبحانه‪ {:‬وَإِذْ َأوْحَ ْيتُ إِلَى‬
‫ش َهدْ بِأَنّنَا مُسِْلمُونَ }[المائدة‪.]111 :‬‬
‫حوَارِيّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُواْ آمَنّا وَا ْ‬
‫الْ َ‬
‫ويقذف الحق سبحانه باللهام وحيا ل يستطيع النسان َدفْعا له‪ ،‬مثل الوحي لم موسى بأن تلقي‬
‫طفلها الرضيع موسى في اليَمّ‪ {:‬إِذْ َأوْحَيْنَآ إِلَىا ُأ ّمكَ مَا يُوحَىا * أَنِ ا ْق ِذفِيهِ فِي التّابُوتِ فَا ْق ِذفِيهِ فِي‬
‫حلِ يَ ْأخُ ْذهُ عَ ُدوّ لّي وَعَ ُدوّ لّهُ وَأَلْقَ ْيتُ عَلَ ْيكَ مَحَبّةً مّنّي وَلِ ُتصْنَعَ عَلَىا عَيْنِي }‬
‫الْيَمّ فَلُْي ْلقِهِ الْيَمّ بِالسّا ِ‬
‫[طه‪.]39-38 :‬‬
‫ويوحي سبحانه إلى الرض وهي الجماد‪ ،‬مثل قوله الحق‪ {:‬بِأَنّ رَ ّبكَ َأوْحَىا َلهَا }[الزلزلة‪.]5 :‬‬
‫خذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتا َومِنَ‬
‫حلِ أَنِ اتّ ِ‬
‫وأوحى سبحانه إلى النحل‪ ،‬فقال الحق‪ {:‬وََأوْحَىا رَ ّبكَ إِلَىا النّ ْ‬
‫الشّجَ ِر َو ِممّا َيعْ ِرشُونَ * ثُمّ كُلِي مِن ُكلّ ال ّثمَرَاتِ فَاسُْلكِي سُ ُبلَ رَ ّبكِ ذُلُلً }[النحل‪.]69-68 :‬‬
‫والحق سبحانه يوحي لمن شاء بما شاء‪ ،‬فالكل؛ جماد ونبات وحيوان وإنسان؛ من خَلْقه‪ ،‬وهو‬
‫سبحانه يخاطبهم ِبسِرّ خلقه لهم‪ ،‬واختلف وسائل استيعابهم لذلك‪.‬‬
‫سفُ لَبِيهِ‪.{ ...‬‬
‫ويقول الحق سبحانه بعد ذلك‪ } :‬إِذْ قَالَ يُو ُ‬

‫(‪)1586 /‬‬
‫جدِينَ (‪)4‬‬
‫س وَا ْلقَمَرَ رَأَيْ ُتهُمْ لِي سَا ِ‬
‫شمْ َ‬
‫عشَرَ َك ْوكَبًا وَال ّ‬
‫سفُ لِأَبِيهِ يَا أَ َبتِ إِنّي رَأَ ْيتُ َأحَدَ َ‬
‫إِذْ قَالَ يُو ُ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وهكذا تبدأ قصة يوسف‪ ،‬حين يقول لبيه يعقوب عليهما السلم " يا أبت " ‪ ،‬وأصل الكلمة " يا أبي‬
‫" ‪ ،‬ونجد في اللغة العربية كلمات " أبي " و " أبتِ " و " أبتَاهُ " و " أَبَة " وكلها تؤدي معنى البوة‪،‬‬
‫وإن كان لكل منها مَلْحظ لغوي‪.‬‬
‫ويستمر يوسف في قوله‪:‬‬
‫س وَا ْل َقمَرَ رَأَيْ ُتهُمْ لِي سَاجِدِينَ } [يوسف‪.]4 :‬‬
‫شمْ َ‬
‫{ ياأَبتِ إِنّي رَأَ ْيتُ َأحَدَ عَشَرَ َكوْكَبا وَال ّ‬
‫وكلنا رأينا الشمس والقمر؛ ُكلّ في وقت ظهوره؛ لكن حلُم يوسف يُبيّن أنه رآهما معا‪ ،‬وكلنا رأينا‬
‫حصْرَ لها‪ ،‬فكيف يرى يوسف أحد عشر كوكبا فقط؟‬
‫الكواكب متناثرة في السماء آلفا ل َ‬
‫ل ُبدّ أنهم اتصفوا بصفات خاصة ميّزتهم عن غيرهم من الكواكب الخرى؛ وأنه قام بعدّهِم‪.‬‬
‫ورؤيا يوسف عليه السلم تبيّن أنه رآهم شمسا وقمرا وأحد عشر كوكبا؛ ثم رآهم بعد ذلك‬
‫ساجدين‪.‬‬
‫وهذا يعني أنه رآهم أولً بصفاتهم التي نرى بها الشمس والقمر والنجوم بدون سجود؛ ثم رآهم‬
‫وهم ساجدون له؛ بملمح الخضوع لمر من ال‪ ،‬ولذلك تكررت كلمة " رأيت " وهو ليس تكرارا‪،‬‬
‫بل ليضاح المر‪.‬‬
‫جمْع المذكر السالم إل‬
‫جدِينَ } [يوسف‪ ]4 :‬وهي جمع مذكر سالم؛ ول يُجمع َ‬
‫ونجد أن كلمة‪ { :‬سَا ِ‬
‫إذا كان المفرد عاقلً‪ ،‬والعقل يتميز بقدرة الختيار بين البدائل؛ والعاقل المؤمن هو مَنْ يجعل‬
‫سمَى ما في الخضوع للدين هو السجود ل‪.‬‬
‫اختياراته في الدنيا في إطار منهج الدين‪ ،‬وأ ْ‬
‫ومَنْ سجدوا ليوسف إنما سجدوا بأمر من ال‪َ ،‬فهُم إذن يعقلون أمر الحق سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫حقّتْ }‬
‫ش ّقتْ * وََأذِ َنتْ لِرَ ّبهَا وَ ُ‬
‫سمَآءُ ان َ‬
‫مثلهم في ذلك مَ َثلْ ما جاء في قول الحق سبحانه‪ {:‬إِذَا ال ّ‬
‫[النشقاق‪ ]2-1 :‬هذه السماء تعقل أمر ربها الذي بناها‪.‬‬
‫سمَآءِ َف ْو َقهُمْ كَ ْيفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيّنّاهَا َومَا َلهَا مِن‬
‫وقال عنها أنها بل فُرُوجٍ‪َ {:‬أفََلمْ يَنظُرُواْ إِلَى ال ّ‬
‫حقّتْ }‬
‫فُرُوجٍ }[ق‪ ]6 :‬وهي أيضا تسمع أمر ربها‪ ،‬مصداقا لقوله سبحانه‪ {:‬وَأَذِ َنتْ لِرَ ّبهَا وَ ُ‬
‫[النشقاق‪.]2 :‬‬
‫أي‪ :‬أنها امتلكت حاسة السمع؛ لن " أذنت " من الذن؛ وكأنها بمجرد سماعها لمر ال؛ تنفعل‬
‫وتنشق‪.‬‬
‫وهكذا نجد أن كل عَالَم من عوالم الكون ُأمَم مثل أمة البشر‪ ،‬ويتفاهم النسان مع غيره من البشر‬
‫ممّن يشتركون معه في اللغة‪ ،‬وقد يتفاهم مع البشر أمثاله ممن ل يعرف لغتهم بالشارة‪ ،‬أو من‬
‫خلل مُترجم‪ ،‬أو من خلل تعلّم اللغة نفسها‪.‬‬
‫ولكن النسان ل يفهم لغة الجماد‪ ،‬أو لغة النبات‪ ،‬أو لغة الحيوان؛ إل إذا أنعم ال على عبد بأن‬
‫يفهم عن الجماد‪ ،‬أو أن يفهم الجماد عنه‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والمثل‪ :‬هو تسبيح الجبال مع داود‪ ،‬ويُشكّل تسبيحه مع تسبيحها " جُوقة " من النسجام ُم َكوّن من‬
‫إنسان مُسبّح؛ هو أعلى الكائنات‪ ،‬والمُردّد للتسبيح هي الجبال‪ ،‬وهي من الجماد أدنى الكائنات‪.‬‬
‫ونحن نعلم أن كل الكائنات تُسبّح‪ ،‬لكننا ل نفقه تسبيحها‪ ،‬ولكن الحق سبحانه يختار من عباده مَنْ‬
‫يُعلّمه مَنْطِق الكائنات الخرى‪ ،‬مثلما قال سبحانه عن سليمان‪َ {:‬ووَرِثَ سُلَ ْيمَانُ دَاوُو َد َوقَالَ ياأَ ّيهَا‬
‫النّاسُ عُّلمْنَا مَنطِقَ الطّيْرِ‪[} ..‬النمل‪ ]16 :‬وهكذا عَِلمْنا أن للطير منطقا‪ .‬وعلّم الحقّ سبحانه‬
‫علَىا وَادِ ال ّن ْملِ قَاَلتْ َنمْلَةٌ ياأَ ّيهَا ال ّن ْملُ‬
‫سليمان لغة النمل؛ لننا نقرأ قول الحق‪ {:‬حَتّىا ِإذَآ أَ َتوْا َ‬
‫شعُرُونَ * فَتَ َبسّ َم ضَاحِكا مّن َقوِْلهَا َوقَالَ َربّ‬
‫سلَ ْيمَانُ وَجُنُو ُد ُه وَهُ ْم لَ يَ ْ‬
‫طمَ ّنكُمْ ُ‬
‫حِ‬
‫ا ْدخُلُواْ مَسَاكِ َنكُ ْم لَ يَ ْ‬
‫ع َملَ صَالِحا تَ ْرضَا ُه وَأَ ْدخِلْنِي‬
‫ي وَأَنْ أَ ْ‬
‫ي وَعَلَىا وَالِ َد ّ‬
‫شكُرَ ِن ْعمَ َتكَ الّتِي أَ ْن َعمْتَ عََل ّ‬
‫َأوْزِعْنِي أَنْ أَ ْ‬
‫حمَ ِتكَ فِي عِبَا ِدكَ الصّاِلحِينَ }[النمل‪.]19-18 :‬‬
‫بِرَ ْ‬
‫إذن‪ :‬فل ُكلّ ُأمّة من الكائنات لغة‪ ،‬وهي تفهم عن خالقها‪ ،‬أو مَنْ أراد له ال سبحانه وتعالى أن يفهم‬
‫عنها‪ ،‬وبهذا نعلم أن الشمس والقمر والنجوم حين سجدتْ بأمر ربها ليوسف في رؤياه؛ إنما فهمتْ‬
‫عن أمر ربها‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه بعد ذلك‪ } :‬قَالَ يابُ َنيّ‪.{ ...‬‬

‫(‪)1587 /‬‬
‫ع ُدوّ مُبِينٌ (‪)5‬‬
‫خوَ ِتكَ فَ َيكِيدُوا َلكَ كَيْدًا إِنّ الشّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ َ‬
‫علَى ِإ ْ‬
‫صصْ ُرؤْيَاكَ َ‬
‫قَالَ يَا بُ َنيّ لَا َتقْ ُ‬

‫وحين يُورِد القرآن خطاب أب لبن ل نجد قوله { يابُ َنيّ } وهو خطابُ تحنينٍ‪ ،‬ويدل على القرب‬
‫من القلب‪ ،‬و " بُني " تصغير " ابن "‪.‬‬
‫أما حين يأتي القرآن بحديث أب عن ابنه فهو يقول " ابني " مثل قول الحق سبحانه عن نوح‬
‫يتحدث عن ابنه الذي اختار الكفر على اليمان‪ {:‬إِنّ ابْنِي مِنْ أَ ْهلِي‪[} ...‬هود‪.]45 :‬‬
‫وكلمة " يا بني " بما فيها من حنان وعطف؛ ستفيدنا كثيرا فيما سوف يأتي من مواقف يوسف؛‬
‫ومواقف أبيه منه‪.‬‬
‫وقول يعقوب ليوسف " يا بني " ُيفْهم منه أن يوسف عليه السلم ما زال صغيرا‪ ،‬فيعقوب هو‬
‫الصل‪ ،‬ويوسف هو الفرع‪ ،‬والصل دائما يمتلئ بالحنان على الفرع‪ ،‬وفي نفس الوقت نجد أيّ‬
‫أب يقول‪ :‬مَنْ يأكل لقمتي عليه أن يسمع كلمتي‪.‬‬
‫وقول الب‪ :‬يا بني‪ ،‬يفهم منه أن البن ما زال صغيرا‪ ،‬ليست له ذاتية منفصلة عن الب ليقرر‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫بها ما هو المناسب‪ ،‬وما هو غير المناسب‪.‬‬
‫وحين يفزع يوسف مما يُزعِجه أو يُسيء إليه؛ أو أي أمر ُم ْعضَل؛ فهو يلجأ إلى مَنْ يحبه؛ وهو‬
‫الب؛ لن الب هو ـ القدر في نظر البن ‪ -‬على مواجهة المور الصعبة‪.‬‬
‫وحين روى يوسف عليه السلم الرؤيا لبيه؛ قال يعقوب عليه السلم‪:‬‬
‫خوَ ِتكَ } [يوسف‪.]5 :‬‬
‫صصْ ُرؤْيَاكَ عَلَىا إِ ْ‬
‫ي لَ َتقْ ُ‬
‫{ قَالَ يابُ َن ّ‬
‫ونفهم من كلمة " رؤيا " أنها رؤيا منامية؛ لن الشمس والقمر والنجوم ل يسجدون لحد‪ ،‬وهذا ما‬
‫يوضح لنا دقة اللغة العربية‪ ،‬فكلمة واحدة هي " رأى " قد يختلف المعنى لها باختلف ما رُؤيَ؛‬
‫فرؤيتك وأنت يقظانُ يُقال عنها " رؤية "؛ ورؤيتك وأنت نائم يُقال عنها " رؤيا "‪.‬‬
‫والرؤية مصدر مُتفق عليه من الجميع‪ :‬فأنت ترى ما يراه غيرك؛ وأما " الرؤيا " فهي تأتي للنائم‪.‬‬
‫وهكذا نجد اللتقاء في " رأى " والختلف في الحالة؛ هل هي حالة النوم أو حالة اليقظة‪ .‬وفي‬
‫العراب كلهما مؤنث؛ لن علمة التأنيث إما‪ " :‬تاء " ‪ ،‬أو " ألف ممدودة " ‪ ،‬أو " ألف مقصورة‬
‫"‪.‬‬
‫وأخذت الرؤية الحقيقية التي تحدث في اليقظة " التاء " وهي عمدة التأنيث؛ أما الرؤيا المنامية فقد‬
‫أخذت ألف التأنيث‪.‬‬
‫ول يقدح في كلمة " رؤيا " أنها منامية إل آية واحدة في القرآن حيث تحدث الحق سبحانه عن‬
‫جعَلْنَا الرّؤيَا الّتِي أَرَيْنَاكَ ِإلّ فِتْنَةً لّلنّاسِ }‬
‫لحظة أن عُرِجَ به صلى ال عليه وسلم؛ فقال‪َ {:‬ومَا َ‬
‫[السراء‪.]60 :‬‬
‫ولكن من يقولون‪ " :‬إنها رؤيا منامية " لم يفقهوا المعنى وراء هذا القول؛ فالمعنى هو‪ :‬إن ما حدث‬
‫شيء عجيب ل يحدث إل في الحلم‪ ،‬ولكنه حدث في الواقع؛ بدليل أنه قال عنها‪ :‬أنها " فتنة‬
‫للناس "‪.‬‬
‫فالرسول صلى ال عليه وسلم لو كان قد قال إنها رؤيا منامية لما كذّبه أحد فيما قال‪ :‬لكنه أعلن‬
‫أنها رؤيا حقيقية؛ لذلك عَبّر عنها القرآن بأنها فتنة للناس‪.‬‬
‫وهنا يقول يعقوب عليه السلم‪:‬‬
‫خوَ ِتكَ‪[ { ..‬يوسف‪.]5 :‬‬
‫صصْ ُرؤْيَاكَ عَلَىا إِ ْ‬
‫ي لَ َتقْ ُ‬
‫} قَالَ يابُ َن ّ‬
‫لن يعقوب عليه السلم كأب مأمونٌ على ابنه يوسف؛ أما إخوة يوسف فهم غير مأمونين عليه‪،‬‬
‫وحين يقصّ يوسف رؤياه على أبيه‪ ،‬فهو سينظر إلى الصالح ليوسف ويدلّه عليه‪.‬‬
‫أما إن قصّ الرؤيا على إخوته؛ فقد تجعلهم الغيار البشرية يحسدون أخاهم‪ ،‬وقد كان‪.‬‬
‫وإن تساءل أحد‪ :‬ولماذا يحسدونه على رؤيا منامية‪ ،‬رأى فيها الشمس والقمر وأحدَ عش َر كوكبا‬
‫يسجدون له؟‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫نقول‪ :‬ل ُبدّ أن يعقوب عليه السلم قد عَلِم تأويل الرّؤيا‪ :‬وأنها نبوءة لحداث سوف تقع؛ ول ُبدّ‬
‫أن يعقوب عليه السلم قد علم أيضا قدرة إخوة يوسف على تأويل تلك الرؤيا‪ ،‬ولو قالها يوسف‬
‫لهم لَفهِموا المقصود منها‪ ،‬ول بُدّ حينئذ أن يكيدوا له كيدا يُصيبه بمكروه‪.‬‬
‫فهم قد أصابهم الضيق من يوسف وهو ما زال طفلً‪ ،‬فما باله بضيقهم إنْ عَلِموا مثل هذه الرؤيا‬
‫التي سيجد له فيها الب والم مع الخوة‪.‬‬
‫ول يعني ذلك أن نعتبر إخوة يوسف من الشرار؛ فهم السباط؛ وما يصيبهم من ضيق بسبب عُلُو‬
‫عاطفة الب تجاه يوسف هو من الغيار التي تصيب البشر‪ ،‬فهم ليسوا أشرارا بالسّليقة؛ لن‬
‫الشرير بالسّليقة تتصاعد لديه حوادثُ السوء‪ ،‬أما الخيّر فتتنزّل عنده حوادث السوء‪.‬‬
‫والمثال على ذلك‪ :‬أنك قد تجد الشرير يرغب في أن يصفع إنسانا آخر صفعة على الخَدّ؛ ولكنه‬
‫بعد قليل يفكر في تصعيد العدوان على ذلك النسان‪ ،‬فيفكر أن يصفعه صفعتين بدلً من صفعة‬
‫واحدة؛ ثم يرى أن الصفعتين ل تكفيان؛ فيرغب أن يُزيد العدوان بأن يصوّب عليه مسدسا؛ وهكذا‬
‫يُصعّد الشرير تفكيره الجرامي‪.‬‬
‫أما الخَيّر فهو قد يفكر في ضرب إنسان أساء إليه " علقة "؛ ولكنه يُقلّل من التفكير في َردّ‬
‫عمّنْ أساء‬
‫ل ويعفو َ‬
‫العتداء بأن يكتفي بالتفكير في ضربة صفعتين بدلً من " العلقة " ‪ ،‬ثم يهدأ قلي ً‬
‫إليه‪.‬‬
‫وإخوة يوسف ـ وهم السباط ـ بدءوا في التفكير بانتقام كبير من يوسف‪ ،‬فقالوا لبعضهم‪ {:‬اقْتُلُواْ‬
‫سفَ‪[} ...‬يوسف‪.]9 :‬‬
‫يُو ُ‬
‫ثم هبطوا عن هذه الدرجة ال ُمؤْلمة من تعبيرهم عن الغيرة من زيادةِ محبة أبيهم ليوسف‪ ،‬فقالوا‪{:‬‬
‫جهُ أَبِيكُمْ }[يوسف‪.]9 :‬‬
‫خلُ َلكُ ْم وَ ْ‬
‫َأوِ اطْ َرحُوهُ أَرْضا َي ْ‬
‫جبّ لعل أن يلتقطه بعض‬
‫وحينما أرادوا أن يطرحوه أرضا ترددوا؛ واستبدلوا ذلك بإلقائه في ال ُ‬
‫جبّ يَلْ َتقِطْهُ َب ْعضُ السّيّا َرةِ‪} ...‬‬
‫السيّارة‪ .‬فقالوا‪ {:‬وَأَ ْلقُوهُ فِي غَيَا َبتِ الْ ُ‬
‫[يوسف‪.]10 :‬‬
‫وهذا يدل على أنهم تنزّلوا عن النتقام الشديد بسبب الغيرة؛ بل إنهم فكروا في نجاته‪.‬‬
‫وفي الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫خوَ ِتكَ فَ َيكِيدُواْ َلكَ كَيْدا‪[ { ...‬يوسف‪.]5 :‬‬
‫صصْ ُرؤْيَاكَ عَلَىا ِإ ْ‬
‫} لَ َت ْق ُ‬
‫ن ل تقوى على مُجَابهته‪ ،‬ول يكيد إل الضعيف؛ لن القوي يقدر على‬
‫والكيد‪ :‬احتيال مستور لمَ ْ‬
‫المواجهة‪.‬‬
‫ولذلك ُيقَال‪ :‬إن كيد النساء عظيم؛ لن ضعفهن أعظم‪.‬‬
‫ويُذيّل الحق سبحانه الية الكريمة بقوله‪:‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ع ُدوّ مّبِينٌ { [يوسف‪.]5 :‬‬
‫} إِنّ الشّ ْيطَانَ لِلِنْسَانِ َ‬
‫وهذه العداوة معروفة لنا تماما؛ لنه خرج من الجنة ملعونا مطرودا؛ عكس آدم الذي قَبِل ال‬
‫توبته؛ وقد أقسم الشيطان بعزة ال لَ ُي ْغوِينّ ال ُكلّ‪ ،‬واستثنى عبادَ الِ المخلصين‪.‬‬
‫ولذلك يقول صلى ال عليه وسلم‪ " :‬لقد أعانني ال على شيطاني فأسلم "‪.‬‬
‫ويصف الحق سبحانه عداوة الشيطان للنسان أنها عداوةٌ مُبينة‪ .‬أي‪ :‬محيطة‪ .‬وحين نقرأ القرآن‬
‫نجد إحاطة الشيطان للنسان فيها يقظة‪ {:‬ثُ ّم لتِيَ ّنهُمْ مّن بَيْنِ أَيْدِيهِ ْم َومِنْ خَ ْل ِفهِمْ وَعَنْ أَ ْيمَا ِنهِ ْم وَعَن‬
‫شمَآئِِلهِمْ‪[} ...‬العراف‪ ]17 :‬ولم يأت ِذكْر للمجيء من الفوقية أو من التحتية؛ لن مَنْ يحيا في‬
‫َ‬
‫عبودية تَحتية؛ وعبادية فوقية؛ ل يأتيه الشيطان أبدا‪.‬‬
‫ونلحظ أن الحق سبحانه جاء بقول يعقوب عليه السلم مخاطبا يوسف عليه السلم في هذه الية‪:‬‬
‫} فَ َيكِيدُواْ َلكَ كَيْدا { [يوسف‪ ،]5 :‬ولم يقل‪ :‬فيكيدوك‪ ،‬وهذا من َنضْح نبوة يعقوب عليه السلم على‬
‫لسانه؛ لن هناك فارقا بين العبارتين‪ ،‬فقول‪ " :‬يكيدوك " يعني أن الشرّ المستور الذي يدبرونه‬
‫ضدك سوف يصيبك بأذى‪ .‬أما } فَ َيكِيدُواْ َلكَ‪[ { ...‬يوسف‪ ]5 :‬فتعني أن كيدهم الذي أرادوا به‬
‫إلحاق الشر بك سيكون لحسابك‪ ،‬ويأتي بالخير لك‪.‬‬
‫سفَ‪[} ...‬يوسف‪ ]76 :‬أي‪:‬‬
‫ولذل