‫تفسير الشعراوي‬

‫عصْبَةٌ إِنّا إِذًا َلخَاسِرُونَ (‪)14‬‬
‫ب وَنَحْنُ ُ‬
‫قَالُوا لَئِنْ َأكَلَهُ الذّ ْئ ُ‬

‫وهنا يكشف لنا الحق سبحانه محاولتهم لطمأنة أبيهم؛ كي يأذن في خروج يوسف معهم؛ ولهذا‬
‫استنكروا أن يأكله الذئب وهم ُمحِيطون به ك ُعصْبة‪ ،‬وأعلنوا أنه إنْ حدث ذلك فهم سيخسرون‬
‫كرامتهم أمام أنفسهم وأمام قومهم‪ ،‬وهم ل يقبلون على أنفسهم هذا الهوان‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه بعد ذلك‪ { :‬فََلمّا ذَهَبُواْ بِهِ‪.} ...‬‬

‫(‪)1597 /‬‬
‫ب وََأوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبّئَ ّنهُمْ بَِأمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا‬
‫ج ّ‬
‫جعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ ا ْل ُ‬
‫ج َمعُوا أَنْ يَ ْ‬
‫فََلمّا ذَهَبُوا ِب ِه وَأَ ْ‬
‫شعُرُونَ (‪)15‬‬
‫يَ ْ‬

‫وقوله الحق‪:‬‬
‫جبّ‪[ } ...‬يوسف‪ ]15 :‬يدلنا على أن تلك المسألة أخذتْ منهم‬
‫جعَلُوهُ فِي غَيَا َبتِ ا ْل ُ‬
‫ج َمعُواْ أَن َي ْ‬
‫{ وََأ ْ‬
‫مناقشة‪ ،‬فيها َأخْذٌ ورَدّ‪ ،‬إلى أن استقروا عليها‪.‬‬
‫وألهم الحق سبحانه يوسف عليه السلم بما سوف يفعلونه‪ ،‬والوحي كما نعلم هو إعلم بخفاء‪.‬‬
‫وسوف يأتي في القصة أن يوسف عليه السلم بعد أن تولى الوزارة في مصر ودخلوا عليه أمسك‬
‫بقدح ونقر عليه بأصابعه‪ ،‬وقال لهم‪ :‬اسمعوا ما يقوله القدح؛ إنه يقول‪ :‬إن لكم أخا وقد فعلتم به‬
‫كذا وكذا‪.‬‬
‫وبعض المفسرين قال‪ :‬إن الحق سبحانه أوحى له‪ ،‬ولم يَلْحَظ إخوته هذا الوحي‪.‬‬
‫ونقول‪ :‬إن الوَحْي إعلم بخفاء‪ ،‬ول يمكن أن يشعر به غير المُوحَى إليه‪ ،‬وعلى ذلك نرى أنهم لم‬
‫يعلموا هذا المر إل بعد أن تولى يوسف مقاليد الوزارة في مصر؛ بل إنهم لم يعرفوا أن يوسف‬
‫أخوهم؛ لنهم قالوا له لحظتها‪ {:‬إِن يَسْ ِرقْ َفقَدْ سَ َرقَ أَخٌ لّهُ مِن قَ ْبلُ }[يوسف‪.]77 :‬‬
‫والمقصود بالوحي في هذه الية ـ التي نحن بصدد خواطرنا عنها ـ هو إيناس ال َوحْشة؛ وهو‬
‫وارد إلهي ل يرده وارد الشيطان؛ واللهام وارد بالنسبة لمَنْ هم غير أنبياء؛ مثلما أوضحنا المر‬
‫الذي حدث مع أم موسى حين أوحى لها ال أن تلقيه في اليم‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫س وحشته‬
‫والوارد اللهي ل يجد له معارضة في النفس البشرية‪ ،‬وقد أوحى ال ليوسف ما يُؤنِ ُ‬
‫جبّ الذي ابتعد فيه عن حنان أبيه وأنسه بأخيه‪ ،‬ومفارقته لبلده التي درج‬
‫حين ألقاه إخوته في ال ُ‬
‫فيها وأُنْسه بالبيئة التي اعتاد عليها‪.‬‬
‫جفْوة لك يا يوسف؛ ولكنه إعداد لك‬
‫فكان ل ُبدّ أن تعطيه السماء دليلً على أن ما حدث له ليس َ‬
‫لتقابل أمرا أهمّ من الذي كنت فيه؛ وأن غُرمَاءك ـ وهم إخوتك ـ سوف يُضطّرون لدقّ بابك‬
‫عوْنك‪ ،‬ويطلبون منك أقواتهم‪ ،‬وستعرفهم أنت دون أن يعرفوك‪.‬‬
‫ذات يوم يطلبون َ‬
‫جبّ الذي ألقوْه فيه‪ ،‬وبقي أن تعالج القصة أمر الخوة مع الب‪،‬‬
‫هذا من جهة يوسف؛ وجهة ال ُ‬
‫فيقول الحق سبحانه بعد ذلك‪ { :‬وَجَآءُو أَبَا ُهمْ‪.} ...‬‬

‫(‪)1598 /‬‬
‫وَجَاءُوا أَبَا ُهمْ عِشَاءً يَ ْبكُونَ (‪)16‬‬

‫وهنا تتجلى لنا قدرة أداء القرآن أداء دقيقا معبرا عن النفعالت التي توجد في النفس النسانية‪،‬‬
‫جبّ مع أنهم يعلمون أن أباه يحبه‪،‬‬
‫فها هم إخوة خدعوا أباهم ومكروا بأخيهم‪ ،‬وأخذوه وألقوْه في ال ُ‬
‫وكان ضنينا أن يأتمنهم عليه‪ ،‬فكيف يواجهون هذا الب؟‬
‫هذا هو النفعال النفسي الذي ل تستطيع فطرة أن تثبته؛ فقالوا‪ :‬نؤخر اللقاء لبينا إلى العشاء‪:‬‬
‫حلّ الظلمة‪ ،‬وهو ستر للنفعالت التي توجد على الوجوه من الضطراب؛ ومن‬
‫والعشاء َم َ‬
‫مناقضة كذب ألسنتهم؛ لنهم لن يخبروا الب بالواقع الذي حدث؛ بل بحديث مُخْتلق‪.‬‬
‫خفَى‬
‫وقد تخدعهم حركاتهم‪ ،‬ويفضحهم تلجلجهم‪ ،‬وتنكشف سيماهم الكاذبة أمام أبيهم؛ فقالوا‪ :‬الليل أ ْ‬
‫للوجه من النهار‪ ،‬وأستَر للفضائح؛ وحين ندخل على أبينا عِشَاءً؛ فلن تكشفنا انفعالتنا‪.‬‬
‫وبذلك اختاروا الظرف الزمني الذي يتوارون فيه من أحداثهم‪:‬‬
‫{ وَجَآءُو أَبَاهُمْ عِشَآءً يَ ْبكُونَ } [يوسف‪.]16 :‬‬
‫والبكاء انفعال طبيعي غريزي فطريّ؛ ليس للنسان فيه مجال اختيار؛ ومَنْ يريد أن يفتعله فهو‬
‫يتباكى‪ ،‬بأن َيفْرُك عينيه‪ ،‬أو يأتي ببعض ريقه ويُقرّبه من عينيه‪ ،‬ول يستر ذلك إل أن يكون‬
‫الضوء خافتا؛ لذلك جاءوا أباهم عشاء يُمثّلون البكاء‪.‬‬
‫والحق سبحانه حينما تكلم عن الخصائص التي أعطاها لذاته‪ ،‬ولم ُيعْطِها لحد من خلقه؛ أعلمنا أنه‬
‫سبحانه هو الذي يميت ويحي‪ ،‬وهو الذي يُضحك ويُبْكي‪.‬‬
‫حكَ وَأَ ْبكَىا * وَأَنّهُ ُهوَ َأمَاتَ وََأحْيَا }[النجم‪.]44-43 :‬‬
‫ضَ‬
‫والحق سبحانه هو القائل‪ {:‬وَأَنّهُ ُهوَ َأ ْ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ول يوجد فَرْق بين ضحك أو بكاء إنسان إنجليزي وآخر عربي؛ ول يوجد فرق بين موت أو‬
‫ميلد إنسان صيني وآخر عربي أو فرنسي؛ فهذه خصائص مشتركة بين كل البشر‪.‬‬
‫وإذا ما افتعل النسان الضحك؛ فهو يتضاحك؛ وإذا ما افتعل النسان البكاء فهو يتباكى؛ أي‪:‬‬
‫يفتعل الضحك أو البكاء‪ .‬والذي يفضح كل ذلك هو النهار‪.‬‬
‫والتاريخ يحمل لنا الكثير من الحكايات عن اتخاذ الليل كستار للمواقف؛ والمثل في سيدنا الحسين‬
‫رضي ال عنه وأرضاه؛ حين جاءت موقعة كربلء‪ ،‬ورأى العدو وقد أحاط به؛ ورأى الناس وقد‬
‫ع ْوهُ ليبايعوه‪ ،‬ولم يَ ْبقَ معه إل قلة؛ وعَ ّزتْ عليه نفسه؛ وعَزّ عليه أن يقتل‬
‫انفضوا عنه بعد أن دَ َ‬
‫هؤلء في معركة غير متكافئة صمم هو على دخولها‪.‬‬
‫فلما أقبل الليل دعا أصحابه وقال لهم‪:‬‬
‫" إن كنتم قد استحييتم أن تفروا عني نهارا‪ ،‬فالليل جاء وقد ستركم‪ ،‬فمَنْ شاء فليذهب واتركوني "‪.‬‬
‫يقص الحق سبحانه ما بدر منهم َفوْرَ أنْ دخلوا على أبيهم‪ { :‬قَالُواْ يَاأَبَانَآ‪.} ...‬‬

‫(‪)1599 /‬‬
‫ب َومَا أَ ْنتَ ِب ُم ْؤمِنٍ لَنَا وََلوْ كُنّا‬
‫سفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فََأكَلَهُ الذّ ْئ ُ‬
‫ق وَتَ َركْنَا يُو ُ‬
‫قَالُوا يَا أَبَانَا إِنّا ذَهَبْنَا نَسْتَ ِب ُ‬
‫صَا ِدقِينَ (‪)17‬‬

‫كلمة‪َ { :‬نسْتَبِقُ } [يوسف‪ ]17 :‬تعبر عن بيان تفوّق ذات على ذات في حركة ما؛ لنرى من‬
‫سيسبق الخر؛ فحين يتسابق اثنان في الجري نرى مَنْ فيهما سبق الخر؛ وهذا هو الستباق‪.‬‬
‫وقد يكون الستباق في حركة بآلة؛ كان يمسك إنسان ببندقية ويُصوّبها إلى الهدف؛ ويأتي آخر‬
‫ويمسك ببندقية أخرى ويحاول أن يصيب الهدف؛ ومَنْ يسبق منهما في إصابة الهدف يكون هو‬
‫المتفوق في هذا المجال‪.‬‬
‫غصْن مَرنٍ‪،‬‬
‫وقد يكون الستباق في الرمي بالسهام؛ ونحن نعرف شكل السهم؛ فهو عبارة عن ُ‬
‫يلتوي دون أن ينكسر؛ ومُثبّت عليه وتر‪ ،‬ويوضع السهم في منتصف الوتر‪ ،‬ليشده الرامي فينطلق‬
‫السهم إلى الهدف‪.‬‬
‫وتُقَاسُ دقة إصابة الهدف حسب شدة السهم وقوة الرمي‪ ،‬ويسمى ذلك " تحديد الهدف "‪.‬‬
‫أما إذا كان التسابق من ناحية طول المسافة التي يقطعها السهم؛ فهذا لقياس قوة الرامي‪.‬‬
‫وهكذا نجد الستباق له مجالت متعددة؛ وكل ذلك حلل؛ فهم أسباط وأولد يعقوب‪ ،‬ول مانع أن‬
‫جدّ من أمور؛ فإذا التقى بعدو نفعه‬
‫يلعب النسان ُلعْبة ل تُلهِيه عن واجبه؛ وقد تنفعه فيما يَ ِ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫التدريب على استخدام السهم أو الرمح أو أداة قتال؛ واللعب الذي ل يَنْهي عن طاعة‪ ،‬وينفع وقت‬
‫الجد هو َلعِب حلل‪.‬‬
‫وهناك ألعاب قد ل يدرك الناس لها غاية مثل كرة القدم‪.‬‬
‫وأقول‪ :‬قد يوجد عَدوّانِ؛ وبينهما قنبلة موقوتة؛ ويحاول كل طرف أن يبعدها عن موقعه‪ ،‬والقوة‬
‫والحكمة تظهر في محاولة كل فريق في إبعاد الكرة عن مرماه‪.‬‬
‫ولكن ل بد أل يُ ْلهِي لعب الكرة عن واجب؛ فمثلً حين يؤذن المؤذن للصلة‪ ،‬والوَاجب علينا أل‬
‫نهمل الصلة ونواصل اللعب‪ ،‬وعلى اللعبين أن يُراعُوا عدم ارتداء ملبس تكشف عن‬
‫عوراتهم‪.‬‬
‫وأبناء يعقوب قالوا‪:‬‬
‫سفَ عِندَ مَتَاعِنَا‪[ } ...‬يوسف‪.]17 :‬‬
‫{ وَتَ َركْنَا يُو ُ‬
‫وفي هذا إخلل بشروط التعاقد مع الب الذي أذِنَ بخروج يوسف بعد أن قالوا‪ {:‬أَرْسِلْهُ َمعَنَا غَدا‬
‫يَرْتَ ْع وَيَ ْل َعبْ }[يوسف‪.]12 :‬‬
‫وقالوا‪ {:‬وَإِنّا لَهُ لَنَاصِحُونَ }[يوسف‪.]11 :‬‬
‫وقالوا‪ {:‬وَإِنّا لَهُ َلحَافِظُونَ }[يوسف‪.]12 :‬‬
‫فهل أخذتموه معكم ليرتع ويلعب‪ ،‬ويأكل من ثمار الشجار والفاكهة؛ وتحفظونه‪ ،‬أم ليحفظ لكم‬
‫متاعكم وأنتم تستبقون‪ .‬وهذا أول الكذب الذي كذبوه؛ وهذه أول مخالفة لشرط إذن والده له‬
‫بالخروج معكم؛ ولن " المريب يكاد يقول خذوني " نجدهم قد قالوا‪:‬‬
‫ب َومَآ أَنتَ ِب ُمؤْمِنٍ لّنَا وََلوْ كُنّا صَا ِدقِينَ } [يوسف‪.]17 :‬‬
‫{ فََأكَلَهُ الذّ ْئ ُ‬
‫أو‪ :‬أنهم قالوا ذلك لنهم يعلمون أن والدهم لن يُصدّقهم مهما قالوا‪ .‬ونعلم أن " آمن " إما أن تتعدى‬
‫خوْفٍ }[قريش‪.]4 :‬‬
‫إلى المفعول بنفسها مثل " آمنه ال من الجوع " ‪ ،‬أو قوله الحق‪ {:‬وَآمَ َنهُم مّنْ َ‬
‫أو‪ :‬تجئ بالباء‪ ،‬ويُقال " آمن به " أي‪ :‬صدّق واعتقد‪.‬‬
‫أو‪ُ :‬يقَال " آمن له " أي‪ :‬صدّقه فيما يقول‪.‬‬
‫وهم هنا يتهمون أباهم أنه مُتحَدّ لهم‪ ،‬حتى ولو كانوا صادقين‪ ،‬وهم يعلمون أنهم غير صادقين؛‬
‫ولكن جاءوا بكلمة الصدق ليداروا كذبهم‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه بعد ذلك‪َ { :‬وجَآءُو عَلَىا َقمِيصِهِ‪.} ....‬‬

‫(‪)1600 /‬‬
‫جمِيلٌ وَاللّهُ ا ْلمُسْ َتعَانُ عَلَى مَا‬
‫سكُمْ َأمْرًا َفصَبْرٌ َ‬
‫سوَّلتْ َلكُمْ أَ ْنفُ ُ‬
‫وَجَاءُوا عَلَى َقمِيصِهِ بِ َدمٍ كَ ِذبٍ قَالَ َبلْ َ‬
‫َتصِفُونَ (‪)18‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫كأن قميص يوسف كان معهم‪ .‬ويُقال‪ :‬إن يعقوب علّق على مجيء القميص وعليه الدم الكذب بأن‬
‫الذئب كان رحيما‪ ،‬فأكل لحم يوسف ولم يُمزّق قميصه؛ وكأنه قد عرف أن هناك مؤامرة سيكشفها‬
‫ال له‪.‬‬
‫ويصف بعض العلماء قصة يوسف بقصة القميص‪:‬‬
‫فهنا جاء إخوته بقميصه وعليه دم كذب‪.‬‬
‫شقّ من دُبُرٍ لحظة أنْ جذبتْه امرأة‬
‫وفي أواسط السورة تأتي مسألة قميص يوسف إن كان قد ُ‬
‫العزيز لتراوده عن نفسه‪.‬‬
‫وفي آخر السورة يرسل إخوته بقميصه إلى والده فيرتد بصره‪.‬‬
‫ولهذا أخذ العلماء والدباء كلمة القميص كرمز لبعض الشياء؛ والمثل هو قول الناس عن الحرب‬
‫بين علي رضي ال عنه ومعاوية رضي ال عنه أن معاوية أمسك بقميص عثمان بن عفان طلبا‬
‫للثأر من علي‪ ،‬فقيل " قميص عثمان " رمزا لخفاء الهدف عن العيون‪ ،‬وكان هدف معاوية أن‬
‫يحكم بدلً من علي بن أبي طالب رضي ال عنهم أجمعين‪.‬‬
‫وهنا يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ وَجَآءُو عَلَىا َقمِيصِهِ بِ َدمٍ كَ ِذبٍ } [يوسف‪ ،]18 :‬وكأن القميص كان معهم‪ ،‬ووضعوا عليه دما‬
‫مكذوبا‪ ،‬لن الدم ل يكذب‪ ،‬إنما كذب من جاء بدم الشاة ووضعه على القميص‪.‬‬
‫وشاء الحق سبحانه هنا أن يُعطي الوصف المصدري للمبالغة؛ وكأن الدم نفسه هو الذي كذب؛‬
‫مثلما تقول " فلن عادل " ويمكنك أن تصف إنسانا بقولك " فلن عَدْل " أي‪ :‬كأن العدل تجسّد‬
‫فيه‪ ،‬أو قد تقول " فلن ذو شر " ‪ ،‬فيرد عليك آخر " بل هو الشر بعينه " ‪ ،‬وهذه مبالغة في‬
‫الحديث‪.‬‬
‫وهل كان يمكن أن يُوصف الدم بأنه صادق؟‬
‫نقول‪ :‬نعم‪ ،‬لو كان الذئب قد أكل يوسف بالفعل؛ وتلوّث قميص يوسف بدم يوسف وتمزق‪ .‬ولكن‬
‫ذلك لم يحدث‪ ،‬بل إن الكذب يكاد يصرخ في تلك الواقعة ويقول " أنا كذب "‪.‬‬
‫فلو كان قد أكله الذئب فعلً؛ كان الدم قد نشع من داخل القميص لخارجه؛ ولكنهم جاءوا بدم الشاة‬
‫ولطخوا به القميص من الخارج‪.‬‬
‫ت القميص؟‬
‫وبال‪ ،‬لو أن الذئب قد أكله فعلً‪ ،‬ألم تكُنْ أنيابه قد م ّز َق ْ‬
‫وحين انكشف أمرهم أمام أبيهم؛ أشار أحدهم خفية للباقين وقال لهم همسا‪ :‬قولوا لبيكم‪ :‬إن‬
‫اللصوص قد خرجوا عليه وقتلوه؛ فسمع يعقوب الهمس فقال‪ :‬اللصوص أحوَجُ لقميصه من دمه؛‬
‫وهذا ما تقوله كتب السير‪.‬‬
‫وهذا ما يؤكد فراسة يعقوب‪ ،‬هذه الفراسة التي يتحلى بها أيّ محقق في قضية قتل؛ حين يُقلّب‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أسئلته للمتهم وللشهود؛ لن المحقق يعلم أن الكاذب لن يستوحي أقواله من واقع؛ بل يستوحي‬
‫أقواله من خيال مضطرب‪.‬‬
‫ولذلك يقال‪ " :‬إن كنت كذوبا فكُنْ َذكُورا "‪.‬‬
‫ويأتي هنا الحق سبحانه بما جاء على لسان يعقوب‪:‬‬
‫صفُونَ { [يوسف‪.]18 :‬‬
‫ل وَاللّهُ ا ْلمُسْ َتعَانُ عَلَىا مَا َت ِ‬
‫جمِي ٌ‬
‫سكُمْ َأمْرا َفصَبْرٌ َ‬
‫سوَّلتْ َلكُمْ أَنفُ ُ‬
‫} َبلْ َ‬
‫سوَل "‪ :‬هو السترخاء؛ لن النسان حين تكون أعصابه مشدودة؛ ثم يحب أن يسترخي‪،‬‬
‫" وال ّ‬
‫فيستريح قليلً‪ ،‬وبعد ذلك يجد في نفسه شيئا من ال ُيسْر في بدنه ونبضه‪.‬‬
‫سوَّلتْ‪[ { ...‬يوسف‪ ]18 :‬هنا بمعنى َيسّرت وسهّلتْ‪ ،‬وما دامت قد سوّلتْ لكم أنفسكم هذا‬
‫ونأخذ } َ‬
‫المر فسوف أستقبله بما يليق بهذا الوضع‪ ،‬وهو الصبر‪.‬‬
‫جمِيلٌ‪[ { ...‬يوسف‪.]18 :‬‬
‫} َفصَبْرٌ َ‬
‫والذين يحاولون اصطياد خطأ في القرآن يقولون " وهل يمكن أن يكون الصبر جميلً؟ "‪.‬‬
‫نقول‪ :‬هم ل يعرفون أن الصبر يُقال فيه " اصبر عن كذا " إذا كان المر عن شهوة قد تُورِث‬
‫إيلما؛ كأن يُقال " اصبر عن الخمر " أو " اصبر عن الميسر " أو " اصبر عن الربا "‪.‬‬
‫ويُقال " اصبر عن كذا " إذا كان الصبر فيه إيلم لك‪ .‬والصبر يكون جميلً حينما ل تكون فيه‬
‫شكوى أو جزع‪.‬‬
‫جمِيلً }[المزمل‪.]10 :‬‬
‫والحق سبحانه يقول لرسوله صلى ال عليه وسلم‪ {:‬وَاهْجُ ْرهُمْ هَجْرا َ‬
‫وهؤلء الذين يبحثون عن تناقض أو تضارب في القرآن إنما هم قوم ل يعرفون كيفية استقباله‬
‫وفهمه؛ وقد بيّن لنا يعقوب عليه السلم أن الصبر الجميل هو الصبر الذي ل شكوى فيه‪ ،‬وهو‬
‫شكُو بَثّي َوحُزْنِي ِإلَى اللّهِ‪[} ...‬يوسف‪.]86 :‬‬
‫القائل‪ {:‬إِ ّنمَآ أَ ْ‬
‫وهكذا نعلم أن هناك فارقا بين الشكوى للربّ؛ وشكوى من قدر الربّ‪.‬‬
‫ولذلك يقول يعقوب عليه السلم هنا‪:‬‬
‫صفُونَ { [يوسف‪،]18 :‬‬
‫جمِيلٌ‪[ { ..‬يوسف‪ ،]18 :‬ويتبعها‪ } :‬وَاللّهُ ا ْلمُسْ َتعَانُ عَلَىا مَا َت ِ‬
‫} َفصَبْرٌ َ‬
‫ن يعقوب قادرا على أن يُصدّق ما قاله‬
‫كأن الصبر الجميل أمر شاقّ على النفس البشرية‪ ،‬ولم يكُ ْ‬
‫أبناؤه له؛ فكيف يُصدّق الكذب؟ وكيف يمكن أن يواجه أبناءه بما حدث منهم؟ وهم أيضا أبناؤه؛‬
‫لكنه كان غير قادر على أن يكشف لهم كذبهم‪.‬‬
‫والمثل لذلك ما جاء في التراث العربي حين قِيلَ لرجل‪ :‬إن ابنك قد قتل أخاك‪ ،‬فقال‪:‬أقـولُ‬
‫لنفـسِي تأسـاء وتعـزيةً إحـدى يـديّ أصَـابتْنِي ولم تُر ِدكِل ُهمَا خـلف عَـن َفقْدِ صـاحبِه‬
‫هـذا أخي حـين أدعُـوه وذَا ولدِيومثل هذه المواقف تكون صعبة وتتطلب الشفقة؛ لن مَنْ يمر‬
‫بها يحتار بين أمر يتطلب القسوة وموقف يتطلب الرحمة؛ وكيف يجمع إنسان بين المرين؟‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إنها مسألة تعزّ على خَلْق ال؛ ولبد أن يفزع فيها النسان إلى ال؛ ولذلك علّمنا صلى ال عليه‬
‫وسلم أنه إذا حزبه أمر قام إلى الصلة؛ وحزبه أمر ما يعني‪ :‬أن مواجهة هذا المر تفوق أسباب‬
‫النسان؛ فيلجأ إلى المُس ّببِ العلى؛ ولذلك قال يعقوب عليه السلم‪:‬‬
‫صفُونَ { [يوسف‪.]18 :‬‬
‫} وَاللّهُ ا ْلمُسْ َتعَانُ عَلَىا مَا َت ِ‬
‫وقوله‪ " :‬تصفون " يعني‪ :‬أنكم ل تقولون الحقيقة‪ ،‬بل تصفون شيئا ل يصادف الواقع‪ ،‬مثل قوله‬
‫تعالى‪:‬‬
‫للٌ وَهَـاذَا حَرَامٌ‪[} ...‬النحل‪.]116 :‬‬
‫صفُ أَلْسِنَ ُتكُمُ ا ْلكَ ِذبَ هَـاذَا حَ َ‬
‫{ َولَ َتقُولُواْ ِلمَا َت ِ‬
‫صفُ الكلم أنه كذب‪.‬‬
‫أي‪ :‬أن ألسنتكم نفسها َت ِ‬
‫صفُونَ }[الصافات‪.]180 :‬‬
‫عمّا َي ِ‬
‫والحق سبحانه يقول‪ {:‬سُبْحَانَ رَ ّبكَ َربّ ا ْلعِ ّزةِ َ‬
‫وتعني أن هؤلء الذين قالوا ما قيل عنه أنه وصف قد كذبوا فيما قالوا؛ وكان مصير كذبهم‬
‫مفضوحا‪.‬‬
‫صفُونَ { [يوسف‪.]18 :‬‬
‫جمِيلٌ وَاللّهُ ا ْلمُسْ َتعَانُ عَلَىا مَا َت ِ‬
‫} َفصَبْرٌ َ‬
‫وهكذا عبّر يعقوب عليه السلم عن نفسه؛ فالجوارح قد تكون ساكنة؛ لكن القلب قد يزدحم بالهموم‬
‫ويفتقد السكون؛ لذلك ل بد من الستعانة بال‪.‬‬
‫وقد علّمنا الحق سبحانه أن نقول في فاتحة الكتاب‪ {:‬إِيّاكَ َنعْبُ ُد وَإِيّاكَ نَسْ َتعِينُ }[الفاتحة‪.]5 :‬‬
‫فأنت تقف لعبادة ال وبين يديه؛ لكن الدنيا قد تشغلك عن العبادة أثناء أداء العبادة نفسها‪ :‬لذلك‬
‫تستعين بخالقك لتُخلِص في عبادتك‪.‬‬
‫جبّ‪.‬‬
‫وبعد أن عرض الحق سبحانه لموقف الب مع أولده‪ ،‬نأتي لموقف يوسف عليه السلم في ال ُ‬
‫يقول سبحانه‪ } :‬وَجَا َءتْ سَيّا َرةٌ‪.{ ..‬‬

‫(‪)1601 /‬‬
‫علِيمٌ ِبمَا‬
‫وَجَا َءتْ سَيّا َرةٌ فَأَ ْرسَلُوا وَارِدَ ُهمْ فَأَدْلَى دَ ْل َوهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلَا ٌم وَأَسَرّوهُ ِبضَاعَ ًة وَاللّهُ َ‬
‫َي ْعمَلُونَ (‪)19‬‬

‫ولم َي ُقلِ الحق سبحانه من أين جاء السيارة؟ أو إلى أين كانوا ذاهبين؟‬
‫والمقصود بالسيارة هم القوم المحترفون للسير‪ ،‬مثل مَنْ كانوا يرحلون في رحلة الشتاء والصيف؛‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫بهدف التجارة وجَلْب البضائع‪.‬‬
‫وكانت السيارة ل تنتقل بكامل أفرادها إلى البئر‪ ،‬بل يذهب واحد منهم إلى البئر؛ ليأتي لهم بالمياه‬
‫ويُسمّى الوارد‪ ،‬وذهب هذا الوارد إلى البئر ليُحضِر لبقية السيارة الماء وألقى دَلْوه في البئر؛‬
‫ويسمى حبل الدلو الرشاء‪.‬‬
‫وحين نزل الدلو إلى مستوى يوسف عليه السلم تعلق يوسف في الحبل؛ فأحسّ الوارد بثقل ما‬
‫حمله الرشاء؛ ونظر إلى أسفل؛ فوجد غلما يتعلق بالدلو فنادى‪:‬‬
‫لمٌ } [يوسف‪.]19 :‬‬
‫{ يا ُبشْرَىا هَـاذَا غُ َ‬
‫أي‪ :‬أنه يقول يا بشرى هذا أوانك؛ وكأنه يبشر قومه بشيء طيب؛ فلم يحمل الدلو ماء فقط‪ ،‬بل‬
‫حمل غلما أيضا‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه‪ { :‬وَأَسَرّوهُ ِبضَاعَةً } [يوسف‪.]19 :‬‬
‫أي‪ :‬أنهم أخفوْه وعاملوه كأنه بضاعة‪ ،‬ولم يتركوه يمشي بجانبهم؛ خشية أن يكون عبدا آبقا‬
‫ويبحث عنه سيده؛ وهم يريدون بيعه‪.‬‬
‫ويذيل الحق سبحانه الية بقوله‪:‬‬
‫{ وَاللّهُ عَلِيمٌ ِبمَا َي ْعمَلُونَ } [يوسف‪.]19 :‬‬
‫وهذا قول يعود على مَنْ أسرّوه بضاعة؛ وهم الذين عرضوه للبيع‪ .‬ثم يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ وَشَ َر ْوهُ بِ َثمَنٍ َبخْسٍ‪.} ...‬‬

‫(‪)1602 /‬‬
‫وَشَ َر ْوهُ بِ َثمَنٍ َبخْسٍ دَرَاهِمَ َمعْدُو َد ٍة َوكَانُوا فِيهِ مِنَ الزّا ِهدِينَ (‪)20‬‬

‫ونعلم أنهم لم يشتروه بل عثروا عليه؛ ونعلم أن كلمة شراء تدل على البيع أيضا‪ ،‬أي‪ :‬أنهم باعوه‬
‫بثمن بخس؛ أي‪ :‬بثمن زهيد‪ ،‬وكانت العبيد أيامها مُقوّمة بالنقود‪.‬‬
‫والبخس أي‪ :‬النقص‪ ،‬وهو إما في الكم أو في الكَيْف؛ فهو يساوي مثلً مائة درهم وهم باعوه‬
‫بعشرين درهما فقط؛ وكان العبد في عُمر يوسف يُقوّم بالنقد؛ وهم باعوه بالبخْس‪ ،‬وبثمن أقل قيمة‬
‫إما َكمّا وإما كَيْفا‪.‬‬
‫ثم أراد الحق سبحانه أن يوضح المر أكثر فقال‪:‬‬
‫{ دَرَاهِمَ َمعْدُو َد ٍة َوكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزّا ِهدِينَ } [يوسف‪ ،]20 :‬والزهد هنا هو حيثية الثمن ال َبخْس؛ فهُم‬
‫قد خافوا أن يبحث عنه أبوه أو صاحبه؛ وكأنهم قالوا لنفسهم‪ :‬أي شيء يأتي من ورائه فهو فائدة‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لنا‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه بعد ذلك‪َ { :‬وقَالَ الّذِي اشْتَرَاهُ‪.} ...‬‬

‫(‪)1603 /‬‬
‫َوقَالَ الّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ ِمصْرَ لِامْرَأَتِهِ َأكْ ِرمِي مَ ْثوَاهُ عَسَى أَنْ يَ ْن َفعَنَا َأوْ نَتّخِ َذ ُه وََلدًا َوكَذَِلكَ َمكّنّا‬
‫ث وَاللّهُ غَاِلبٌ عَلَى َأمْ ِر ِه وََلكِنّ َأكْثَرَ النّاسِ لَا َيعَْلمُونَ‬
‫ض وَلِ ُنعَّلمَهُ مِنْ تَ ْأوِيلِ الْأَحَادِي ِ‬
‫سفَ فِي الْأَ ْر ِ‬
‫لِيُو ُ‬
‫(‪)21‬‬

‫علّة؛ فهو قد اشتراه لمرأته ليقوم بخدمتها‪ ،‬وكانت ل تنجب وتكثر في اللحاح عليه‬
‫وكان للشراء ِ‬
‫في طلب العلج‪ ،‬وتقول أغلب السير‪ :‬إن من اشتراه كان ضعيفا من ناحية رغبته في النساء‪.‬‬
‫وهذه اللقطة تبين لنا الفساد الذي ينشأ في البيوت التي تتبنى طفلً‪ ،‬لكنهم ل يحسبون حساب‬
‫المسألة حين يبلغ هذا الطفل مبلغ الرجال‪ ،‬وقد تعوّد أن تحمله ربة البيت وتُقبّله‪ ،‬وتغدق عليه من‬
‫التدليل ما يصعب عليها أن تمتنع عنه؛ ولن الطفل يكبر انسيابيا؛ فقد يقع المحظور وندخل في‬
‫متاهة الخطيئة‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫خ َذ ُه وَلَدا } [يوسف‪:‬‬
‫لمْرَأَتِهِ َأكْ ِرمِي مَ ْثوَاهُ عَسَىا أَن يَن َفعَنَآ َأوْ نَتّ ِ‬
‫{ َوقَالَ الّذِي اشْتَرَاهُ مِن ّمصْرَ ِ‬
‫‪.]21‬‬
‫وهذا يعني أن تعتني بالمكان الذي سيقيم فيه‪ ،‬وبطبيعة الحال فهذا القول يقتضي أن تعتني بالولد‬
‫نفسه؛ على رجاء أن ينتفع به الرجل وزوجته‪.‬‬
‫ولسائل أن يقول‪ :‬كيف ينتفع به الرجل؛ وهو عزيز مصر‪ ،‬وال ُكلّ في خدمته؟‬
‫ونقول‪ :‬إن النفع المقصود هنا هو النفْع الموصول بعاطفة مَنْ ينفع؛ وهو غير نفع الموظفين‬
‫العاملين تحت قيادة وإمرة عزيز مصر‪ ،‬فعندما ينشأ يوسف كابن للرجل و َزوْجه؛ وكإنسان تربّى‬
‫حمّلً بالعاطفة التي قال عنها الرجل‪:‬‬
‫في بيت الرجل؛ هنا ستختلف المسألة‪ ،‬ويكون النفع مُ َ‬
‫{ َأوْ نَتّخِ َذ ُه وَلَدا } [يوسف‪.]21 :‬‬
‫وقد عَلِمنا من السّيَر أنهما لم يُرزَقا بأولد‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه في نفس الية‪:‬‬
‫ث وَاللّهُ غَاِلبٌ عَلَىا َأمْ ِرهِ وَلَـاكِنّ‬
‫ل الَحَادِي ِ‬
‫سفَ فِي الَ ْرضِ وَلِ ُنعَّلمَهُ مِن تَ ْأوِي ِ‬
‫{ َوكَذاِلكَ َمكّنّا لِيُو ُ‬
‫س لَ َيعَْلمُونَ } [يوسف‪.]21 :‬‬
‫َأكْثَرَ النّا ِ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وقد بدأ التمكين في الرض من لحظة دخوله إلى بيت عزيز مصر ليحيا حياة طيبة؛ وليعلمه ال‬
‫تأويل الحديث؛ بأن يهبه القدرة على تفسير الرّؤى والحلم؛ وليغلب ال على أمره‪.‬‬
‫ولو نظر إخوته إلى ما آل إليه يوسف عليه السلم فسيعرفون أن مرادهم قد خاب؛ وأن مراد ال‬
‫جبّ‪ ،‬وهذا شأن الظالمين‬
‫قد غلب؛ بإكرام يوسف؛ وهم لو علموا ذلك َلضَنّوا عليه باللقاء في ال ُ‬
‫جميعا‪.‬‬
‫ولذلك نقول‪ :‬إن الظالم لو عَلِم ما أعدّه ال للمظلوم َلضَنّ عليه بالظلم‪.‬‬
‫وساعة يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ وَاللّهُ غَاِلبٌ عَلَىا َأمْ ِرهِ‪[ } ...‬يوسف‪.]21 :‬‬
‫فهذا قول نافذ؛ لنه وحده القادر على أن يقول للشيء كُنْ فيكون؛ ول يوجد إله غيره ليرد على‬
‫مراده‪.‬‬
‫ولذلك قلنا قديما‪ :‬إن ال سبحانه وتعالى قد شهد لنفسه أنه ل إله إل هو؛ وهو يملك الرصيد‬
‫المطلق المؤكد بأنه ل إله غيره؛ فهو وحده الذي له المُلْك‪ ،‬وهو وحده القادر على كل شيء‪.‬‬
‫ولكن خيبة بعض من الخلق الذين يتوهمون أنهم قادرون على أن يُخطّطوا ويمكروا؛ متناسين أو‬
‫ناسين أن فوقهم قَيّوم؛ ل تأخذه سنة ول نوم‪ ،‬ولو انتبه هؤلء لَعِلمُوا أن ال يُملّك بحق مَنْ يُظلم‬
‫فوق إلى ظَلمه‪.‬‬
‫ورأينا في حياتنا وتاريخنا ظالمين اجتمعوا على ظُلْم الناس؛ وكان مصيرهم أسوأ من الخيال؛‬
‫وأشد َهوْلً من مصيرهم لو تحكم فيهم مَنْ ظلموهم‪.‬‬
‫ش ّدهُ‪.} ...‬‬
‫ويقول الحق سبحانه بعد ذلك‪ { :‬وََلمّا بََلغَ أَ ُ‬

‫(‪)1604 /‬‬
‫حسِنِينَ (‪)22‬‬
‫ح ْكمًا وَعِ ْلمًا َوكَذَِلكَ َنجْزِي ا ْلمُ ْ‬
‫ش ّدهُ آَتَيْنَاهُ ُ‬
‫وََلمّا َبلَغَ أَ ُ‬

‫والبلوغ هو الوصول إلى الغاية‪ ،‬وقوله تعالى‪:‬‬
‫{ وََلمّا بَلَغَ أَشُ ّدهُ } [يوسف‪ ]22 :‬أي‪ :‬وصل إلى غايته في الّنضْج والستواء؛ ومن كلمة " بلغ "‬
‫أخذ مصطلح البلوغ؛ فتكليف النسان يبدأ َفوْرَ أن يبلغ أشده؛ ويصير في قدرة أن ينجب إنسانا‬
‫مثله‪.‬‬
‫وحين يبلغ إنسانٌ مثل يوسف أشده‪ ،‬وهو قد عاش في بيت ممتليء بالخيرات؛ فهذا البلوغ إنْ لم‬
‫يكُنْ محروسا بالحكمة والعلم؛ ستتولد فيه رعونة؛ ولهذا فقد حرسه الحق بالحكمة والعلم‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫حكْم‪،‬‬
‫حكْم هو الفيصل بين قضيتين متعاندتين متعارضتين؛ حق وباطل؛ وما دام قد أعطاه ال ال ُ‬
‫وال ُ‬
‫فهو قادر على أن يفصل بين الصواب والخطأ‪.‬‬
‫وقد أعطاه ال العلم الذي يستطيع أن ينقله إلى الغير‪ ،‬والذي سيكون منه تأويل الرؤى‪ ،‬وغير ذلك‬
‫من العلم الذي سوف يظهر حين يولى على خزانة مصر‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فهنا بلغ يوسف أشده وحرسه الحق بالحكمة والعلم‪ .‬ويُذيّل الحق سبحانه هذه الية بقوله‪:‬‬
‫حسِنِينَ } [يوسف‪.]22 :‬‬
‫{ َوكَذاِلكَ َنجْزِي ا ْلمُ ْ‬
‫حسْن‪ ،‬والمثل‪ :‬حين ل يتأبى فقير‬
‫وكل إنسان يُحسِن القامة ِلمَا هو فيه؛ يعطيه ال ثمرة هذا ال ُ‬
‫على قَدَرِ ال أن جعله فقيرا‪ ،‬ويحاول أن يُحسن ويُتقِن ما يعمل‪ ،‬فيوضح ال بحُسْن الجزاء‪ :‬أنت‬
‫خذْ الجزاء الطيب‪ .‬وهذا حال عظماء الدنيا كلهم‪.‬‬
‫قبلت قدري‪ ،‬وأحسنت عملك؛ ف ُ‬
‫وهكذا نجد قول الحق سبحانه‪:‬‬
‫حسِنِينَ } [يوسف‪.]22 :‬‬
‫{ َوكَذاِلكَ َنجْزِي ا ْلمُ ْ‬
‫ل ينطبق على يوسف وحده؛ بل على كل مَنْ يحسن استقبال قَدَرِ ال؛ لنه سبحانه ساعة يأتي‬
‫حكْم من الحكام؛ وبعد ذلك يعمّم الحكم؛ فهذا يعني أن هذا الحكم ليس خاصا بل هو عام‪.‬‬
‫بُ‬
‫وإذا كان الحق سبحانه يورد هذا في مناسبة بعينها‪ ،‬فإنه يقرر بعدها أن كل مُحْسِن يعطيه ال‬
‫حكْم والعلم‪.‬‬
‫ال ُ‬
‫وقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ وََلمّا بَلَغَ أَشُ ّدهُ‪[ } ..‬يوسف‪.]22 :‬‬
‫يوحي لنا أن يوسف عليه السلم كان قد بلغ مرحلة الفتوة‪ ،‬وهنا بدأت متاعبه في ال َقصْر‪ ،‬ففي‬
‫طفولته نظرتْ إليه امرأة العزيز كطفل جميل؛ فلم يكُنْ يملك ملمح الرجولة التي تهيج أنوثتها‪.‬‬
‫أما بعد البلوغ فنجد حالها قد تغيّر‪ ،‬فقد بدأت تدرك مفاتنه؛ وأخذ خيالها يسرح فيما هو أكثر من‬
‫الدراك‪ ،‬وهو التهاب الوجدان بالعاطفة المشبوبة‪ ،‬وما بعد الدراك والوجدان يأتي النزوع‪.‬‬
‫ولو كانت محجوبة عنه؛ لما حدثت الغواية بالدراك والوجدان‪.‬‬
‫غضّ البصر عن المثيرات الجنسية؛ لنك إنْ لم تغضّ البصر أدرَكتَ‪ ،‬وإن‬
‫وهذا يعطينا عِلّة َ‬
‫أدركتَ وجدتَ‪ ،‬وإن وجدتَ نزعتَ إلى الزواج أو التعفف بالكبْت في النفس‪ ،‬وتعيش اضطراب‬
‫القلق والتوتر‪ ،‬وإن لم تتعفف عربدتَ في أعراض الناس‪.‬‬
‫وكذلك أمرنا الحق سبحانه أل تُبدِي النساء زينتهن إل لناس حددهم الحق سبحانه في قوله‬
‫ن وَلَ يُبْدِينَ زِينَ َتهُنّ‬
‫خمُرِهِنّ عَلَىا جُيُو ِبهِ ّ‬
‫ظهَرَ مِ ْنهَا وَلْ َيضْرِبْنَ بِ ُ‬
‫تعالى‪ {:‬وَلَ يُ ْبدِينَ زِينَ َتهُنّ ِإلّ مَا َ‬
‫خوَا ِنهِنّ َأوْ‬
‫خوَا ِنهِنّ َأوْ بَنِي ِإ ْ‬
‫ِإلّ لِ ُبعُولَ ِتهِنّ َأوْ آبَآ ِئهِنّ َأوْ آبَآءِ ُبعُولَ ِتهِنّ َأوْ أَبْنَآ ِئهِنّ َأوْ أَبْنَآءِ ُبعُولَ ِتهِنّ َأوْ ِإ ْ‬
‫طفْلِ‬
‫خوَا ِتهِنّ َأوْ نِسَآ ِئهِنّ َأوْ مَا مََل َكتْ أَ ْيمَا ُنهُنّ َأوِ التّا ِبعِينَ غَيْرِ ُأوْلِي الِرْبَةِ مِنَ الرّجَالِ َأوِ ال ّ‬
‫بَنِي أَ َ‬
‫عوْرَاتِ النّسَآءِ‪[} ..‬النور‪.]31 :‬‬
‫ظهَرُواْ عَلَىا َ‬
‫الّذِينَ لَمْ َي ْ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أي‪ :‬الذي بلغ من العمر والشيخوخة حدا ل يجعله يفكر في الرغبة في النساء‪.‬‬
‫شدّه نظرةً مختلفة‪،‬‬
‫وكانت نظرة امرأة العزيز إلى يوسف عليه السلم وهو في فتوته‪ ،‬بعد أن بلغ أَ ُ‬
‫يوضحها ال تعالى في قوله‪ { :‬وَرَاوَدَتْهُ الّتِي ُهوَ‪.} ...‬‬

‫(‪)1605 /‬‬
‫حسَنَ‬
‫ب َوقَاَلتْ هَ ْيتَ َلكَ قَالَ َمعَاذَ اللّهِ إِنّهُ رَبّي أَ ْ‬
‫وَرَاوَدَتْهُ الّتِي ُهوَ فِي بَيْ ِتهَا عَنْ َنفْسِ ِه وَغَّل َقتِ الْأَ ْبوَا َ‬
‫مَ ْثوَايَ إِنّهُ لَا ُيفْلِحُ الظّاِلمُونَ (‪)23‬‬

‫وساعة تسمع " راود " فافهم أن المر فيه منازعة مثل‪ " :‬فَاعَل " أو " تَفاعل " ومثل‪ " :‬شارك‬
‫محمد عليا " أي‪ :‬أن عليا شارك محمدا؛ ومحمد شارك عليا؛ فكل منهم مفعول مرة‪ ،‬وفاعل مرة‬
‫أخرى‪.‬‬
‫والمُرَاودة مطالبةٌ برفق ولين بستر ما تريده ِممّنْ تريده؛ فإنْ كان المر مُسهّلً‪ ،‬فالمُراودة تنتهي‬
‫إلى شيء ما‪ ،‬وإنْ تأبّى الطرف الثاني بعد أن عرفَ المراد؛ فلن تنتهي المراودة إلى الشيء الذي‬
‫كنت تصبو إليه‪.‬‬
‫وهكذا راودتْ امرأة العزيز يوسف عليه السلم‪ ،‬أي‪ :‬طالبته برفق ولين في أسلوب يخدعه‬
‫لِيُخرِجه عمّا هو فيه إلى ما تطلبه‪.‬‬
‫ومن قبْل كان يوسف يخدمها‪ ،‬وكانت تنظر إليه كطفل‪ ،‬أما بعد أن بلغ أَشُده فقد اختلف المر‪،‬‬
‫ولنفرض أنها طالبته أن يُحضر لها شيئا؛ وحين يقدمه لها تقول له " لماذا تقف بعيدا؟ " وتَدعوه‬
‫ليجلس إلى جوارها‪ ،‬وهو لن يستطيع الفكاك؛ لنه في بيتها؛ وهي مُتمكّنة منه؛ فهي سيدة القصر‪.‬‬
‫وهكذا نجد أن المسألة مجموعة عليه من عدة جهات؛ فهو قد تربّى في بيتها؛ وهي التي تتلطف‬
‫وترقّ معه‪ ،‬و َفهِم هو مرادها‪.‬‬
‫وهكذا شرح الحق سبحانه المسألة من أولها إلى آخرها بأدب رَاقٍ غير مكشوف‪ ،‬فقال تعالى‪:‬‬
‫ت الَ ْبوَابَ‪[ } ...‬يوسف‪.]23 :‬‬
‫س ِه وَغَّلقَ ِ‬
‫{ وَرَاوَدَتْهُ الّتِي ُهوَ فِي بَيْ ِتهَا عَن ّنفْ ِ‬
‫وكلمة‪ { :‬وَغَّل َقتِ الَ ْبوَابَ‪[ } ...‬يوسف‪.]23 :‬‬
‫توضح المبالغة في الحدث؛ أو لتكرار الحَدث‪ ،‬فهي قد أغلقت أكثرَ من باب‪ .‬ونحن حين نحرك‬
‫المزلج لنؤكد غَلْق الباب‪ ،‬ونحرك المفتاح‪ ،‬ونديره لتأكيد غَلْق الباب‪.‬‬
‫غلْق الباب؛ وإذا أضفنا مِزْلجا جديدا نكون قد أكثرنا الغلق لباب واحد؛‬
‫فهذه عملية أكبر من َ‬
‫صفَ ما فعلنا أننا غلّقنا الباب‪.‬‬
‫وهكذا يمكن أن َن ِ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وامرأة العزيز قامت بأكثر من إغلق لكثر من باب‪َ ،‬فقُصور العظماء بها أكثر من باب‪ ،‬وأنت ل‬
‫تدخل على العظيم من هؤلء في بيته لتجده في استقبالك بعد أول باب‪ ،‬بل يجتاز النسان أكثر من‬
‫باب لِيَلقى العظيم الذي جاء ليقابله‪.‬‬
‫يحمل لنا التاريخ قصة ذلك الرجل الذي رفض أن يبايع معاوية في المدينة‪ ،‬فأمر معاوية‬
‫باستدعائه إلى قصر الحكم في دمشق‪.‬‬
‫هذا القصر الذي سبق أن زاره عمر بن الخطاب؛ ووجد فيه أبهة زائدة بررها له معاوية بحيلة‬
‫الريب أنها أُبهة ضرورية لبراز مكانة العرب أمام الدولة الرومانية المجاورة‪ ،‬فسكتَ عنها‬
‫عمر‪.‬‬
‫وحين استدعى معاوية الرجل‪ ،‬دخل بصحبة الحرس من باب‪ ،‬وظن أنه سوف يلقى معاوية َفوْر‬
‫الدخول؛ لكن الحرس اصطحبه عبر أكثر من باب؛ فلم ينخلع قلب الرجل‪ ،‬بل دخل بثبات على‬
‫معاوية وضَنّ عليه بمناداته كأمير المؤمنين‪ ،‬وقال بصوت عال‪:‬‬
‫" السلم على رسول ال صلى ال عليه وسلم "‪.‬‬
‫ففطن معاوية إلى أن الرجل يرفض مبايعته‪.‬‬
‫ت البواب؛ لن مَنْ‬
‫ونعود إلى الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها؛ فنجد أن امرأة العزيز قد غلّق ْ‬
‫يفعل المر القبيح يعلم قُبْح ما يفعل‪ ،‬ويحاول أن يستر ِفعْله‪ ،‬وهي قد حاولتْ ذلك بعيدا عن مَنْ‬
‫جبْ لها‪.‬‬
‫يعملون أو يعيشون في القصر‪ ،‬وحدثتْ المراودة وأخذتْ وقتا‪ ،‬لكنه فيما يبدو لم يَست ِ‬
‫} َوقَاَلتْ هَ ْيتَ َلكَ‪[ { ...‬يوسف‪ ]23 :‬أي‪ :‬أنها انتقلتْ من مرحلة المُراودة إلى مرحلة الوضوح في‬
‫ت لك؛ وكان ردّه‪:‬‬
‫طلب الفعل؛ بأن قالت‪ :‬تهيأ ُ‬
‫} قَالَ َمعَاذَ اللّهِ‪[ { ...‬يوسف‪.]23 :‬‬
‫وال َمعَاذ هو مَنْ تستعيذ به‪ ،‬وأنت ل تستعيذ إل إذا خارتْ أسبابك أمام الحدث الذي تمرّ به عَلّك‬
‫تجد مَنْ ينجدك؛ فكأن المسألة قد عَ ّزتْ عليه؛ فلم يجد َمعَاذا إل ال‪.‬‬
‫ول أحد قادر على أن يتصرف هكذا إل مَنْ حرسه ال بما أعطاه له من الحكمة والعلم؛ وجعله‬
‫قادرا على التمييز بين الحلل والحرام‪.‬‬
‫ولبيان خطورة وقوة الستعاذة نذكر ما ترويه كتب السيرة من " أن النبي صلى ال عليه وسلم‬
‫عقد على ابنة ملكٍ؛ كانت شديدة الجاذبية‪ ،‬وشعرت بعض من نساء النبي بالغيرةَ منها‪ ،‬وقالت‬
‫واحدة منهن لعلها عائشة رضي ال عنها‪ :‬إن تزوجها ودخل بها قد يفضلها عنّا‪ .‬وقالت للعروس‪:‬‬
‫ن يقولها‪ .‬فسألت الفتاة عن الكلمة‪ ،‬فقالت لها عائشة‪ :‬إن اقترب‬
‫إن النبي يحب كلمة ما‪ ،‬ويحب مَ ْ‬
‫منك قولي " أعوذ بال منكِ "‪.‬‬
‫فغادرها رسول ال صلى ال عليه وسلم وقال‪ " :‬قد عُ ْذتِ بمعاذ " وسرّحها السراح الجميل "‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وهناك في قضية السيدة مريم عليها السلم‪ ،‬نجدها قد قالت لحظة أن تمثّل لها الملك بشرا سويا‪{:‬‬
‫حمَـانِ مِنكَ إِن كُنتَ َتقِيّا }[مريم‪.]18 :‬‬
‫إِنّي أَعُوذُ بِالرّ ْ‬
‫فهي استعاذت بمَنْ يقدر على إنقاذها‪.‬‬
‫وهنا في الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها‪:‬‬
‫} قَالَ َمعَاذَ اللّهِ إِنّهُ رَبّي َأحْسَنَ مَ ْثوَايَ إِنّهُ لَ ُيفْلِحُ الظّاِلمُونَ { [يوسف‪ ،]23 :‬وأعطانا هذا القول‬
‫معنيين اثنين‪:‬‬
‫الول‪ :‬أنه لم يوافق على طلبها بعد أن أوضحتْ ما تريد‪.‬‬
‫جبّ؛‬
‫والمعنى الثاني‪ :‬أنه طلب المعونة من ال‪ ،‬وهو سبحانه مَنْ أنجاه من كيد إخوته؛ ونجّاه من ال ُ‬
‫شدّه‪ .‬وبعد كل هذا‬
‫وهيّأ له أفضل مكان في مصر‪ ،‬ليحيا فيه ومنحه العلم والحكمة مع بلوغه ل ُ‬
‫أيستقبل كل هذا الكرم بالمعصية؟ طبعا ل‪.‬‬
‫أو‪ :‬أنه قال‪َ } :‬أحْسَنَ مَ ْثوَايَ { [يوسف‪.]23 :‬‬
‫ليُذكّر امرأة العزيز بأن لها زوجا‪ ،‬وأن هذا الزوج قد أحسن ليوسف حين قال لها‪َ {:‬أكْ ِرمِي مَ ْثوَاهُ‬
‫خ َذ ُه وَلَدا }[يوسف‪.]21 :‬‬
‫عَسَىا أَن يَن َفعَنَآ َأوْ نَتّ ِ‬
‫فالصعوبة ل تأتي فقط من أنها تدعوه لنفسها؛ بل الصعوبة تزداد سوء لن لها زوجا فليست‬
‫خالية‪ ،‬وهذا الزوج قد طلب منها أن تُكرِم يوسف‪ ،‬وتختار له مكانَ إقامةٍ يليق بابن‪ ،‬ول يمكن أن‬
‫يُستَقبل ذلك بالجحود والخيانة‪.‬‬
‫وهكذا يصبح قول يوسف‪ } :‬إِنّهُ رَبّي َأحْسَنَ مَ ْثوَايَ { [يوسف‪.]23 :‬‬
‫قد يعود على ال سبحانه؛ وقد يعود على عزيز مصر‪.‬‬
‫وتلك مَيْزة أسلوب القرآن؛ فهو يأتي بعبارة تتسع لكل مناطات الفهم‪ ،‬فما دام ال هو الذي يُجازي‬
‫على الحسان‪ ،‬وهو مَنْ قال في نفس الموقف‪َ {:‬وكَذاِلكَ نَجْزِي ا ْلمُحْسِنِينَ }[يوسف‪ ]22 :‬فمعنى‬
‫ذلك أن مَنْ يسيء يأتي ال بالضد؛ فل يُفلح؛ لن القضيتين متقابلتان‪َ {:‬وكَذاِلكَ َنجْزِي ا ْلمُحْسِنِينَ }‬
‫[يوسف‪.]22 :‬‬
‫و } لَ ُيفْلِحُ الظّاِلمُونَ { [يوسف‪.]23 :‬‬
‫ويقول الحق سبحانه بعد ذلك‪ } :‬وََلقَدْ َه ّمتْ ِبهِ‪.{ ...‬‬

‫(‪)1606 /‬‬
‫وَلَقَدْ َه ّمتْ ِب ِه وَهَمّ ِبهَا َلوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبّهِ كَذَِلكَ لِ َنصْ ِرفَ عَنْهُ السّو َء وَا ْلفَحْشَاءَ إِنّهُ مِنْ عِبَادِنَا‬
‫ا ْلمُخَْلصِينَ (‪)24‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والهَمّ هو حديث النفس بالشيء؛ إما أن يأتيه النسان أو ل يأتيه‪ .‬ومن رحمة ربنا بخلْقه أن مَنْ هَمّ‬
‫بسيئة وحدّثتْه نفسه أن يفعلها؛ ولم يفعلها كُتِبتْ له حسنة‪.‬‬
‫وقد جاءت العبارة هنا في أمر المراودة التي كانت منها‪ ،‬والمتناع الذي كان منه‪ ،‬واقتضى ذلك‬
‫المر مفاعلة بين اثنين يصطرعان في شيء‪.‬‬
‫فأحد الثنين امرأة العزيز يقول ال في حقها‪:‬‬
‫{ وََلقَدْ َه ّمتْ بِهِ } [يوسف‪.]24 :‬‬
‫وسبق أن أعلن لنا الحق سبحانه في الية السابقة موقفها حين قالت‪ " :‬هيت لك " وكذلك بيّن‬
‫موقف يوسف عليه السلم حين قال يوسف " معاذ ال "‪.‬‬
‫وهنا يبين لنا أن نفسه قد حدثته أيضا؛ وتساوى في حديث النفس؛ لكن يوسف حدث له أن رأى‬
‫برهان ربه‪.‬‬
‫ويكون َف ْهمُنا للعبارة‪ :‬ولول أن رأى برهان ربه َل َهمّ بها؛ لننا نعلم أن " لول " حرف امتناع‬
‫لوجود؛ مثلما نقول‪ :‬لول زيد عندك لتيتك‪.‬‬
‫ولقائل أن يقول‪ :‬كيف غابت قضية الشرط في اليجاد والمتناع عن الذين يقولون؛ إن الهم قد‬
‫وُجِد منه؟‬
‫ولماذا لم َيقُل الحق‪ :‬لقد ه ّمتْ به ولم يهم بها؛ حتى نخرج من تلك القضية الصعبة؟‬
‫ونقول‪ :‬لو قال الحق ذلك لما أعطانا هذا القولُ اللقطةَ المطلوبة؛ لن امرأة العزيز َه ّمتْ به لن‬
‫خصَاه موقف أنها سيدته‬
‫عندها نوازع العمل؛ وإنْ لم َي ُقلْ لنا أنه قد َهمّ بها لظننا أنه عِنّين أو َ‬
‫ت قواه‪.‬‬
‫فخار ْ‬
‫إذن‪ :‬لو قال الحق سبحانه‪ :‬إنه لم َيهِمّ بها؛ لكان المانع من الهَمّ إما أمر طبيعي فيه‪ ،‬أو أمر‬
‫طاريء لنها سيدته فقد يمنعه الحياء عن الهَمّ بها‪.‬‬
‫شدّه و ُنضْجه؛ ولول أن‬
‫ولكن الحق سبحانه يريد أن يوضح لنا أن يوسف كان طبيعيا وهو قد بلغ أ ُ‬
‫رأى برهان ربه َلهَمّ بها‪.‬‬
‫وهكذا لم َيقُمْ يوسف عليه السلم بما يتطلبه ذلك لنقص فيه؛ ول لن الموقف كان مفاجأة ضَ ّي َعتْ‬
‫رجولته بغتة؛ مثل ما يحدث لبعض الشباب في ليلة الزفاف‪ ،‬حين ل يستطيع أن يَقربَ عروسه؛‬
‫وتمر أيام إلى أن يستعيد توازنه‪ .‬ويقرب عروسه‪.‬‬
‫إذن‪ :‬لو أن القرآن يريد عدم ال َهمّ على الطلق؛ ومن غير شيء‪َ ،‬لقَال‪ :‬ولقد َه ّمتْ به ولم َيهِم‬
‫بها‪.‬‬
‫ولكن مثل هذا القول هو َن ْفيٌ للحدث بما ل يستلزم العفة والعصمة‪ ،‬لجواز أن يكون عدم ال َهمّ‬
‫راجعا إلى نقص ما؛ وحتى ل يتطرق إلينا تشبيهه ببعض الخدم؛ حيث يستحي الخادم أن ينظر‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إلى البنات الجميلت للسرة التي يعمل عندها؛ ويتجه نظره إلى الخادمة التي تعمل في المنزل‬
‫المجاور‪ ،‬لن للعواطف التقاءات‪.‬‬
‫طفِ ال بالخلق أنه يُوجِد اللتقاءات التفاعلية في المتساويات‪ ،‬فل تأتي عاطفة الخادم في‬
‫ومن ُل ْ‬
‫بعض الحيان ناحية بنات البيت الذي يعمل عنده؛ وقد يطلب من أهل البيت أن يخرج لشراء أي‬
‫شيء من خارج المنزل‪ ،‬لعله يحظى بلقاء عابر من خادمة الجيران‪.‬‬
‫ويجوز أن الخادم قد فكر في أنه لو َهمّ بواحدة من بنات السرة التي يعمل لديها؛ فقد تطرده‬
‫السرة من العمل؛ بينما هو يحيا سعيدا مع تلك السرة‪.‬‬
‫وهكذا يشاء الحق سبحانه أن يوزع تلك المسائل بنظام وتكافؤات في كثير من الحيان‪.‬‬
‫وهنا في الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها قال الحق سبحانه‪:‬‬
‫} وََلقَدْ َه ّمتْ بِهِ وَهَمّ ِبهَا َلوْل أَن رّأَى بُرْهَانَ رَبّهِ { [يوسف‪.]24 :‬‬
‫إذن‪ :‬فبرهان ربه سابق على الهَمّ‪ ،‬فواحد َهمّ ولم يرتكب ما يتطلبه الهمّ؛ لن برهان ربه في قلبه‪،‬‬
‫وقد عرف يوسف برهان ربه من البداية‪.‬‬
‫وبذلك تنتهي المسألة‪ ،‬ولذلك فل داعي أن يدخل الناس في متاهات أنه هَ ّم وجلس بين شعبتيها‪،‬‬
‫ولم يرتعد إل عندما تمثّل له وجه والده يعقوب ونهاه عن هذا الفعل؛ فأفسقُ الفُسّاق ولو تمثّل له‬
‫أبوه وهو في مثل هذا الموقف لصيب بالغماء‪.‬‬
‫وحين تناقش مَنْ رأى هذا الرأي؛ يردّ بأن هدفه أن يثبت فحولة يوسف؛ لن اله ّم وجد وأنه قد‬
‫نازع الهمّ‪.‬‬
‫ونقول لصاحب هذا الرأي‪ :‬أتتكلم عن ال‪ ،‬أم عن الشيطان؟‪.‬‬
‫أنت لو نظرتَ إلى أبطال القصة تجدهم‪ :‬امرأة العزيز؛ ويوسف والعزيز نفسه؛ والشاهد على أن‬
‫يوسف قد حاول ال ِفكَاك من ذلك الموقف‪ ،‬ثم النسوة اللتي دَع ْتهُنّ امرأة العزيز ليشاهدوا جماله؛‬
‫وال قد كتب له العصمة‪.‬‬
‫ف ُكلّ هؤلء تضافروا على أن يوسف لم يحدث منه شيء‪.‬‬
‫وقال يوسف نفسه‪ِ {:‬هيَ رَاوَدَتْنِي عَن ّنفْسِي }[يوسف‪ ]26 :‬وامرأة العزيز نفسها قالت مُصدّقة ِلمَا‬
‫سهِ فَاسَ َت ْعصَمَ }[يوسف‪.]32 :‬‬
‫قال‪ {:‬وََلقَدْ رَاوَدتّهُ عَن ّنفْ ِ‬
‫س ِه وَإِنّهُ َلمِنَ الصّا ِدقِينَ * ذاِلكَ لِ َيعَْلمَ أَنّي لَمْ َأخُنْهُ‬
‫حصَ ا ْلحَقّ أَنَاْ رَاوَدْتّهُ عَن ّنفْ ِ‬
‫حصْ َ‬
‫وقالت‪ {:‬النَ َ‬
‫بِا ْلغَ ْيبِ }[يوسف‪.]52-51 :‬‬
‫طعْنَ أَيْدِ َيهُنّ إِنّ رَبّي ِبكَ ْيدِهِنّ عَلِيمٌ }[يوسف‪:‬‬
‫س َوةِ اللّتِي قَ ّ‬
‫وعن النسوة قال يوسف‪ {:‬مَا بَالُ النّ ْ‬
‫‪.]50‬‬
‫ن وََأكُن مّنَ ا ْلجَاهِلِينَ }[يوسف‪.]33 :‬‬
‫صبُ ِإلَ ْيهِ ّ‬
‫وقال يوسف لحظتها‪ {:‬وَِإلّ َتصْ ِرفْ عَنّي كَيْ َدهُنّ َأ ْ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والصّبْوة هي حديث النفس بالشيء؛ وهو ما يثبت قدرة يوسف عليه السلم على الفعل‪ ،‬وحماه ال‬
‫من الصبوة؛ لن الحق سبحانه قد قال‪َ {:‬فصَ َرفَ عَنْهُ كَيْ َدهُنّ }[يوسف‪.]34 :‬‬
‫وانظر إلى لقطة النسوة اللتي تهامسْنَ بالنميمة عن امرأة العزيز وحكايتها مع يوسف‪ ،‬ألم َيقُلْنَ‪{:‬‬
‫مَا هَـاذَا َبشَرا إِنْ هَـاذَآ ِإلّ مََلكٌ كَرِيمٌ }[يوسف‪ ،]31 :‬فحين دخل عليهن اتجهت العيون له‪،‬‬
‫وللعيون لغات؛ وللنفعال لغات؛ وإل لماذا قال يوسف‪ {:‬وَِإلّ َتصْ ِرفْ عَنّي كَيْ َدهُنّ }[يوسف‪.]33 :‬‬
‫وهكذا نعلم أنه قد حدثت مُقدّمات تدل على أن النسوة نَويْنَ له مثل ما َنوَتْه امرأة العزيز؛ وظَننّ‬
‫أن امرأة العزيز سوف تطرده؛ فيتلقفنه هُنّ؛ وهذا دَأب البيوت الفاسدة‪.‬‬
‫وهل هناك أفسد من بيت العزيز نفسه‪ ،‬بعد أن حكم الشاهد أنها هي التي راودتْ يوسف عن‬
‫سفُ أَعْ ِرضْ عَنْ هَـاذَا وَاسْ َت ْغفِرِي ِلذَن ِبكِ إِ ّنكِ كُنتِ‬
‫نفسه؛ فيدمدم العزيز على الحكاية‪ ،‬ويقول‪ {:‬يُو ُ‬
‫مِنَ الْخَاطِئِينَ }[يوسف‪.]29 :‬‬
‫وكان هدف العزيز أن يحفظ مكانته من القيل والقال‪.‬‬
‫وحين سأل الشاهد النسوة‪ ،‬بماذا أَجبْنَ؟‬
‫علَيْهِ مِن سُوءٍ }[يوسف‪.]51 :‬‬
‫يقول الحق سبحانه أن النسوة قُلْنَ‪ {:‬مَا عَِلمْنَا َ‬
‫وقد صرف ال عنه الشيطان الذي يتكفل دائما بالغُواية‪ ،‬وهو ل يدخل أبدا في معركة مع ال؛‬
‫ج َمعِينَ *‬
‫غوِيَ ّنهُمْ َأ ْ‬
‫ولكنه يدخل مع خَلْق ال؛ لن الحق سبحانه يورد على لسانه‪ {:‬قَالَ فَ ِبعِزّ ِتكَ لُ ْ‬
‫ِإلّ عِبَا َدكَ مِ ْنهُمُ ا ْل ُمخَْلصِينَ }[ص‪.]83-82 :‬‬
‫فالشيطان نفسه ُيقِرّ أن مَنْ يستخلصه ال لنفسه من العباد إنما يعجز ـ هو كشيطان ـ عَن‬
‫غوايته‪ ،‬ول يجرؤ على القتراب منه‪.‬‬
‫والشاهد الذي من أهل امرأة العزيز‪ ،‬واستدعاه العزيز ليتعرف على الحقيقة قال‪ {:‬وَإِنْ كَانَ‬
‫ت وَ ُهوَ مِن الصّا ِدقِينَ }[يوسف‪.]27 :‬‬
‫َقمِيصُهُ قُدّ مِن دُبُرٍ َفكَذَ َب ْ‬
‫وبعد كل هذه الدلة فليس من حَقّ أحد أن يتساءل‪ :‬هل هَمّ يوسف بامرأة العزيز‪ ،‬أم لم َي ِهمّ؟‬
‫وفي الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها‪ ،‬يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫} َلوْل أَن رّأَى بُرْهَانَ رَبّهِ { [يوسف‪.]24 :‬‬
‫والبرهان هو الحجة على الحكم‪ .‬والحق سبحانه هو القائل‪َ {:‬ومَا كُنّا ُم َعذّبِينَ حَتّىا نَ ْب َعثَ رَسُولً }‬
‫[السراء‪.]15 :‬‬
‫ن َومُنذِرِينَ لِئَلّ َيكُونَ لِلنّاسِ عَلَى اللّهِ حُجّةٌ َبعْدَ‬
‫وفي آية أخرى يقول الحق سبحانه‪ {:‬رّسُلً مّبَشّرِي َ‬
‫سلِ }[النساء‪.]165 :‬‬
‫الرّ ُ‬
‫أي‪ :‬ل ُبدّ أن يبعث الحقّ رسولً للناس مُؤيدا بمعجزة تجعلهم يُصدّقون المنهج الذي يسيرون‬
‫عليه؛ كي يعيشوا حياتهم بانسجام إيماني‪ ،‬ول يعذبهم ال في الخرة‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ويُذيّل الحق سبحانه الية بقوله‪:‬‬
‫حشَآءَ إِنّهُ مِنْ عِبَادِنَا ا ْل ُمخَْلصِينَ { [يوسف‪.]24 :‬‬
‫} َكذَِلكَ لِ َنصْ ِرفَ عَ ْنهُ السّو َء وَا ْلفَ ْ‬
‫والفحشاء هي الزنا والتيان؛ والسوء هي فكرة ال َهمّ‪ ،‬وبعض المعتدلين قالوا‪ :‬إنها بعد أن راودتْه‬
‫سعَار لحظة أن سبقها إلى الباب؛ فكّرتْ في أن تقتله؛‬
‫عن نفسه؛ وخرجت بالفعل إلى مرحلة ال ّ‬
‫وحاول هو أن يدافع عن نفسه وأن يقتلها‪ ،‬ولو قتلها فلسوف يُجازى كقاتل‪.‬‬
‫فصرف الحق عنه فكرة القتل؛ وعنى بها هنا قوله الحق " السوء "؛ ولكني اطمئن إلى أن السوء‬
‫هو فكرة الهَمّ‪ ،‬وهي مُقدّمات الفعل‪.‬‬
‫ويقرر الحق سبحانه أن يوسف عليه السلم من عباده المُخْلصين‪ ،‬وفي هذا رد على الشيطان؛ لن‬
‫الشيطان قال‪ِ {:‬إلّ عِبَا َدكَ مِ ْنهُمُ ا ْلمُخَْلصِينَ }[ص‪.]83 :‬‬
‫وقوله الحق هنا‪:‬‬
‫} إِنّهُ مِنْ عِبَادِنَا ا ْلمُخَْلصِينَ { [يوسف‪ ]24 :‬يؤكد إقرار الشيطان أنه لن َيقْرب عباد ال المخلصين‪.‬‬
‫وهناك " مُخِْلصِين "‪ .‬و " مُخَْلصِين " والمخلِص هو مَنْ جاهد فكسب طاعة ال‪ ،‬وَالمُخْلَص هو مَنْ‬
‫كسَب فجاهد وأَخلصه ال لنفسه‪.‬‬
‫وهناك أُناس َيصِلُون بطاعة ال إلى كرامة ال‪ ،‬وهناك أُناس يكرمهم ال فيطيعون ال ـ ول‬
‫المثل العلى ـ مُنزّه عن كل تشبيه‪ ،‬أنت قد يطرق بابك واحد يسألك من فضل ال عليك؛‬
‫فتستضيفه وتُكرمه‪ ،‬ومرة أخرى قد تمشي في الشارع وتدعو واحدا لتعطيه من فضل ال عليك‪،‬‬
‫أي‪ :‬أن هناك مَنْ يطلب فتأذن له‪ ،‬وهناك مَنْ تطلبه أنت لتعطيه‪.‬‬
‫وبعد الحديث عن المراودة بما فيها من لين وَأخْذٍ ورَد؛ ينتقل بنا الحق سبحانه إلى ما حدث من‬
‫حركة‪ ،‬فيقول تعالى‪ } :‬وَاسْتَ َبقَا الْبَابَ‪.{ ...‬‬

‫(‪)1607 /‬‬
‫وَاسْتَ َبقَا الْبَابَ َوقَ ّدتْ َقمِيصَهُ مِنْ دُبُ ٍر وَأَ ْلفَيَا سَيّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَاَلتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهِْلكَ سُوءًا‬
‫عذَابٌ أَلِيمٌ (‪)25‬‬
‫إِلّا أَنْ ُيسْجَنَ َأوْ َ‬

‫وعرفنا أن كلهما حاول الوصول إلى الباب قبل الخر؛ وتسابقا في هذا الستباق‪ ،‬ونلحظ أن‬
‫الحق سبحانه يذكر هنا بابا واحدا؛ وكانت امرأة العزيز قد غّل َقتْ من قبل أكثر من باب‪.‬‬
‫لكن قول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ وَأَ ْلفَيَا سَيّدَهَا لَدَا الْبَابِ } [يوسف‪.]25 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يدلنا على أنها لحقتْ بيوسف عند الباب الخير؛ وهي قد استبقتْ مع يوسف إلى البواب كلها‬
‫حتى الباب الخير؛ لنها تريد أن تغلق الباب لتسد أمامه المنفذ الخير‪ ،‬وهذا الستباق يختلف‬
‫باختلف الفاعل فهي تريده عن نفسه‪ ،‬وهو يريد الفرار من الموقف‪ ،‬ثم ق ّدتْ قميصه من دُبر‪.‬‬
‫هذا دليل على أنه قد سبقها إلى الباب؛ فشدّته من قميصه من الخلف‪ ،‬وتمزّق القميص في يدها‪،‬‬
‫وقد محّص الشاهد ـ الذي هو من أهلها ـ تلك المسألة ليستنبط من الحداث حقيقة ما حدث‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪:‬‬
‫{ وَأَ ْلفَيَا سَيّدَهَا لَدَا الْبَابِ } [يوسف‪.]25 :‬‬
‫أي‪ :‬حدثت لهما المفاجأة‪ ،‬وهي ظهور عزيز مصر أمامهما؛ وصار المشهد ثلثيا‪ :‬امرأة العزيز؛‬
‫ويوسف؛ وزوجها‪.‬‬
‫وهنا ألقت المرأة التهام على يوسف عليه السلم في شكل سؤال تبريري للهروب من تبعية‬
‫الطلب‪ ،‬وإلقاء التهم على يوسف‪:‬‬
‫{ قَاَلتْ مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بَِأهِْلكَ سُوءًا } [يوسف‪.]25 :‬‬
‫ثم حددت العقاب‪:‬‬
‫عذَابٌ أَلِيمٌ } [يوسف‪.]25 :‬‬
‫{ ِإلّ أَن ُيسْجَنَ َأوْ َ‬
‫شهِدَ شَاهِدٌ مّنْ أَهِْلهَآ‬
‫ويأتي الحق سبحانه بقول يوسف عليه السلم‪ {:‬قَالَ ِهيَ رَاوَدَتْنِي عَن ّنفْسِي وَ َ‬
‫ت وَ ُهوَ مِنَ الكَاذِبِينَ }[يوسف‪.]26 :‬‬
‫إِن كَانَ َقمِيصُهُ قُدّ مِن قُ ُبلٍ َفصَ َد َق ْ‬
‫وهنا وجد عزيز مصر نفسه بين قوليْنِ مختلفين؛ قولها هي باتهام يوسف؛ وقوله هو باتهامها‪ ،‬ول‬
‫بُدّ أن يأتي بمَن يفصِل بين القولين‪ ،‬وأن يكون له ِدقّة استقبال و َفهْم الحداث‪.‬‬
‫ويتابع الحق سبحانه‪ { :‬قَالَ ِهيَ رَاوَدَتْنِي‪.} ...‬‬

‫(‪)1608 /‬‬
‫شهِدَ شَا ِهدٌ مِنْ أَهِْلهَا إِنْ كَانَ َقمِيصُهُ ُقدّ مِنْ قُ ُبلٍ َفصَ َد َقتْ وَ ُهوَ مِنَ‬
‫قَالَ ِهيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ َنفْسِي وَ َ‬
‫ا ْلكَاذِبِينَ (‪)26‬‬

‫ن متعددة‪.‬‬
‫وتأتي كلمة " شاهد " في القرآن بمعا ٍ‬
‫عذَا َب ُهمَا طَآ ِئفَةٌ مّنَ ا ْل ُم ْؤمِنِينَ }‬
‫شهَدْ َ‬
‫فهي مرّة تكون بمعنى " حضر " ‪ ،‬مثل قول الحق سبحانه‪ {:‬وَلْيَ ْ‬
‫[النور‪.]2 :‬‬
‫شهِدْنَآ ِإلّ ِبمَا عَِلمْنَا }[يوسف‪.]81 :‬‬
‫وتأتي مرّة بمعنى " علم " ‪ ،‬مثل قوله سبحانه‪َ {:‬ومَا َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وتأتي " شهد " بمعنى " حكم وقضى " أي‪ :‬رجّح كلما على كلم لستنباط حق في أحد‬
‫التجاهين‪ .‬والشاهد في هذه الحالة وَثّق القرآنُ أن قرابته من ناحية المحكوم عليه‪ ،‬وهو امرأة‬
‫العزيز‪ ،‬فلو كان من طرف المحكوم له لَ ُر ّدتْ شهادته‪.‬‬
‫وهكذا صار الموقف رباعيا‪ :‬امرأة العزيز‪ ،‬ويوسف‪ ،‬وعزيز مصر‪ ،‬والشاهد‪ ،‬وحملت الية‬
‫نصف قول الشاهد‪:‬‬
‫{ إِن كَانَ َقمِيصُهُ قُدّ مِن قُ ُبلٍ َفصَ َد َقتْ وَ ُهوَ مِنَ الكَاذِبِينَ } [يوسف‪.]26 :‬‬
‫لن معنى هذا ـ والواقع لم يكن كذلك ـ أن يوسف عليه السلم وهو مَنْ أقبل عليها؛ تدلّى منه‬
‫ثوبه على الرض‪ ،‬فتعثر فيه‪ ،‬فتمزّق القميص‪ .‬ويتابع ال قول الشاهد‪ { :‬وَإِنْ كَانَ َقمِيصُهُ‪.} ..‬‬

‫(‪)1609 /‬‬
‫ت وَ ُهوَ مِنَ الصّا ِدقِينَ (‪)27‬‬
‫وَإِنْ كَانَ َقمِيصُهُ قُدّ مِنْ دُبُرٍ َفكَذَ َب ْ‬

‫أي‪ :‬أن قميص يوسف عليه السلم إن كان ُقدّ من الخلف؛ فيوسف صادق‪ ،‬وامرأة العزيز كاذبة‪.‬‬
‫ونلحظ أن الشاهد هنا قال هذا الرأي قبل أن يشاهد القميص؛ بل وضع في كلماته الساس الذي‬
‫سينظر به إلى المر‪ ،‬وهو إطار دليل الثبات‪.‬‬
‫وهذا ما تشرحه الية التالية‪ ،‬فيقول سبحانه‪ { :‬فََلمّا رَأَى َقمِيصَهُ‪.} ...‬‬

‫(‪)1610 /‬‬
‫فََلمّا رَأَى َقمِيصَهُ قُدّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنّهُ مِنْ كَيْ ِدكُنّ إِنّ كَيْ َدكُنّ عَظِيمٌ (‪)28‬‬

‫وقول الحق سبحانه عن الشاهد القاضى‪ { :‬فََلمّا رَأَى َقمِيصَهُ‪[ } ...‬يوسف‪ ،]28 :‬يدلّ على أنه‬
‫رتّب الحكم قبل أن يرى القميص‪ ،‬وقرر المبدأ أولً في غيبة رؤية القميص‪ ،‬ثم رآه بعدها‪ ،‬وهكذا‬
‫جعل الحيثية الغائبة هي الحكم في القضية الشاغلة‪.‬‬
‫لذلك تابع قوله بما يدين امرأة العزيز‪:‬‬
‫عظِيمٌ } [يوسف‪.]28 :‬‬
‫{ قَالَ إِنّهُ مِن كَيْ ِدكُنّ إِنّ كَيْ َدكُنّ َ‬
‫والكيد كما نعلم هو الحتيال على إيقاع السوء بخفاء‪ ،‬ويقوم به مَنْ ل يملك القدرة على المواجهة‪،‬‬
‫وكَيْد المرأة عظيم؛ لن ضعفها أعظم‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وتعود آيات السورة بعد ذلك إلى موقف عزيز مصر‪ ،‬فيقول الحق سبحانه ما جاء على لسان‬
‫سفُ أَعْ ِرضْ‪.} ...‬‬
‫الزوج‪ { :‬يُو ُ‬

‫(‪)1611 /‬‬
‫سفُ أَعْ ِرضْ عَنْ هَذَا وَاسْ َتغْفِرِي لِذَنْ ِبكِ إِ ّنكِ كُ ْنتِ مِنَ ا ْلخَاطِئِينَ (‪)29‬‬
‫يُو ُ‬

‫وبهذا القول من الزوج أنهى الحقّ سبحانه هذا الموقف الرّباعي عند هذا الحد‪ ،‬الذي جعل عزيز‬
‫مصر ُيقِرّ أن امرأته قد أخطأت‪ ،‬ويطلب من يوسف أن يعرض عن هذا المر لِيَكتمه‪.‬‬
‫وهذا يبين لنا سياسة بعض أهل الجاه مع بيوتهم‪ ،‬وهو أمر نشاهده في عصرنا أيضا؛ فنجد الرجل‬
‫ذا الجاه وهو يتأبّى أن يرى أهله في خطيئة‪ ،‬ويتأبى أكثر من ذلك فيرفض أن يرى الغيرُ أهله في‬
‫مثل هذه القضية‪ ،‬ويحاول كتمان المر في نفسه؛ فيكفيه ما حدث له من مهانة الموقف‪ ،‬ول يريد‬
‫أن يشمتَ به خصومه أو أعداؤه‪.‬‬
‫وهنا مَلْحظ يجب أن نتوقف عنده‪ ،‬وهو قضية اليمان‪ ،‬وهي ل تزال متغلغلة حتى في المنحرفين‬
‫والمتسترين على المنحرفين‪ ،‬فعزيز مصر يقول ليوسف‪:‬‬
‫{ أَعْ ِرضْ عَنْ هَـاذَا‪[ } ...‬يوسف‪.]29 :‬‬
‫ويقول لزوجته‪:‬‬
‫{ وَاسْ َت ْغفِرِي لِذَن ِبكِ إِ ّنكِ كُنتِ مِنَ ا ْلخَاطِئِينَ } [يوسف‪.]29 :‬‬
‫وهو في قوله هذا ُيقِرّ بأن ذنبا قد وقع؛ وهو لن ُيقِرّ بذلك إل إذا كان قد عرف عن ال منهجا‬
‫سماويا‪ ،‬وهو في موقف لَ يسعه فيه إل أن يطلب منها أن تستغفر ال‪.‬‬
‫وبعد أن كان المشهد رباعيا‪ :‬فيه يوسف‪ ،‬وامرأة العزيز‪ ،‬والعزيز نفسه‪ ،‬ثم الشاهد الذي فحص‬
‫القضية وحكم فيها‪ ،‬ينتقل بنا الحق سبحانه إلى موقف أوسع؛ وهو دائرة المجتمع الذي وقعتْ فيه‬
‫القضية‪.‬‬
‫وهذا يدل على أن القصور ل أسرار لها؛ لن لسرار القصور عيونا تتعسس عليها‪ ،‬وألسنة تتكلم‬
‫ن سوف يكشفها مهما‬
‫بها؛ حتى ل يظن ظان أنه يستطيع أن يحمي نفسه من الجريمة؛ لن هناك مَ ْ‬
‫بلغتْ قدرة صاحبها على التستّر والكتمان‪.‬‬
‫وقد تلصص البعض من خدم القصر؛ إلى أن صارت الحكاية على ألسنة النسوة‪.‬‬
‫س َوةٌ‪.} ..‬‬
‫ويحكي القرآن الموقف قائلً‪َ { :‬وقَالَ نِ ْ‬

‫(‪)1612 /‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ش َغ َفهَا حُبّا إِنّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ‬
‫س َوةٌ فِي ا ْلمَدِي َنةِ امْرََأةُ ا ْلعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ َنفْسِهِ َقدْ َ‬
‫َوقَالَ نِ ْ‬
‫(‪)30‬‬

‫وكلمة " النسوة " ‪ ،‬وكلمة " نساء " تدلّ على الجماعة‪ ،‬لكن مفر َد كلّ منهما ساقط في اللغة‪ ،‬فمفرد‬
‫" نسوة " امرأة؛ ومفرد " نساء " أيضا هو " امرأة "‪.‬‬
‫ومن العجيب أن المفرد‪ ،‬وهو كلمة " امرأة " له مثنى هو " امرأتان " ‪ ،‬لكن في صيغة الجمع ل‬
‫توجد " امراءات " ‪ ،‬وتوجد كلمة نسوة اسم لجماعة الناث‪ ،‬واحدتها امرأة‪ ،‬وجمعها نساء‪.‬‬
‫وقد قالت النسوة‪ { :‬امْرََأةُ ا ْلعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن ّنفْسِهِ } [يوسف‪.]30 :‬‬
‫وما قُلْنَه هو الحق؛ لكنهن لم َيقُلْنَ ذلك تعصبا للحق‪ ،‬أو تعصبا للفضيلة‪.‬‬
‫وشاء سبحانه أن يدفع هذه المقالة عنهن‪ ،‬ففضح الهدف المختفي وراء هذا القول في الية التالية‬
‫سكّينا‬
‫ن وَأَعْتَ َدتْ َلهُنّ مُ ّتكَئا وَآ َتتْ ُكلّ وَاحِ َدةٍ مّ ْنهُنّ ِ‬
‫س ِم َعتْ ِب َمكْرِهِنّ أَ ْرسََلتْ إِلَ ْيهِ ّ‬
‫حين قال‪ {:‬فََلمّا َ‬
‫ن َوقُلْنَ حَاشَ للّهِ مَا هَـاذَا بَشَرا إِنْ هَـاذَآ ِإلّ‬
‫طعْنَ أَ ْيدِ َيهُ ّ‬
‫َوقَاَلتِ اخْرُجْ عَلَ ْيهِنّ فََلمّا رَأَيْنَهُ َأكْبَرْنَ ُه َوقَ ّ‬
‫مََلكٌ كَرِيمٌ * قَاَلتْ فَذاِلكُنّ الّذِي ُلمْتُنّنِي فِيهِ‪[} ...‬يوسف‪.]32-31 :‬‬
‫والمكر هو سَتْر شيء خلف شيء‪ ،‬وكأن الحق يُنبّهنا إلى أن قول النسوة لم يكن غضبةً للحق؛ ول‬
‫تعصبا للفضيلة‪ ،‬ولكنه الرغبة للنّكاية بامرأة العزيز‪ ،‬و َفضْحا للضلل الذي أقامت فيه امرأة‬
‫العزيز‪.‬‬
‫وأردْن ـ أيضا ـ شيئا آخر؛ أن يُنزِلْنَ امرأة العزيز عن كبريائها‪ ،‬وينشرن فضيحتها‪ ،‬فَأتيْنَ‬
‫بنقيضين؛ ل يمكن أن يتعدى الموقف فيهما إل خسيس المنهج‪.‬‬
‫فهي امرأة العزيز‪ ،‬أي‪ :‬أرفع شخصية نسائية في المجتمع‪ ،‬قد نزلت عن كبريائها كزوجة لرجل‬
‫يُوصَفُ بأنه الغالب الذي ل يُغلب؛ لن كلمة " العزيز " مأخوذة من المعاني الحسية‪.‬‬
‫فيُقال‪ " :‬الرض العَزَاز " أي‪ :‬الرض الصخرية التي يصعب المشي عليها‪ ،‬ول يقدر أحد أنْ‬
‫يطأها؛ ومن هذا المعنى جاءت كلمة " العزيز "‪.‬‬
‫فكيف بامرأة العزيز حين تصير ُمضْغة في الفواه؛ لنها راودتْ فتاها وخادمها عن نفسه؛ وهو‬
‫بالنسبة لها في أدنى منزلة‪ ،‬وتلك فضيحة مزرية مشينة‪.‬‬
‫وقالت النسوة أيضا‪:‬‬
‫ش َغ َفهَا حُبّا } [يوسف‪]30 :‬‬
‫{ َقدْ َ‬
‫والحب منازل؛ وأول هذه المنازل " الهوى " مثل‪ :‬شقشقة النبات‪ ،‬ويُقال‪ " :‬رأى شيئا فهواه "‪.‬‬
‫وقد ينتهي هذا ال َهوَى بلحظة الرؤية‪ ،‬فإذا تعلّق النسان بما رأى؛ انتقل من الهوى إلى العَلقة‪.‬‬
‫وبعد ذلك يأتي الكلف؛ أي‪ :‬تكلّف أن يصل إلى ما يطلبه من هذه العَلقة‪ .‬ثم ينتقل بعد ذلك إلى‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫مرتبة فيها التقاء وهي العشق‪ ،‬ويحدث فيها تبادل للمشاعر‪ ،‬ويعلن كل طرف كَلَفه؛ ولذلك يسمونه‬
‫" عاشق ومعشوق "‪.‬‬
‫ثم ينتقل إلى مرحلة اسمها " التدليه "؛ أي‪ :‬يكاد أن يفقد عقله‪ .‬ثم يصير الجسم إلى هُزَال ويقال "‬
‫تبلت الفؤاد " أي‪ :‬تاه النسان في المر‪.‬‬
‫ثم تأتي بعد ذلك مرحلة الهُيَام‪ ،‬أي‪ :‬يهيم النسان على وجهه؛ فل يعرف له هدفا‪ ،‬فإن تبع ذلك‬
‫جرم صار اسمه " جوى "‪.‬‬
‫تلك هي مراحل الحب التي تمر بالقلب‪ ،‬والقلب ـ كما نعلم ـ هو الجهاز الصنوبري‪ ،‬ويسمونه‬
‫َمقَرّ العقائد المنتهية‪ ،‬والتي بحثها النسان واعتقدها بالفعل‪.‬‬
‫فالنسان منا يدرك الشياء بحواسه الظاهرة‪ ،‬يرى ويشُمّ ويسمع ويذوق ويلمس‪ ،‬فإذا أدرك بعضا‬
‫من المور؛ فهو يعرضها على العقل ليوازن بينها؛ ويختار الكثر قبولً منه‪ ،‬وبعد ذلك تذهب تلك‬
‫المور المقبولة إلى القلب؛ لتستقر عقيدة فيه ل يحيد عنها‪.‬‬
‫أما المسائل العقلية؛ فقد تأتي مسائل أخرى تزحزحها؛ ولذلك يُقال للمور التي استقرت في القلب‬
‫" عقائد " ‪ ،‬أي‪ :‬شيء معقود ل ينحل أبدا‪.‬‬
‫وما يصل إلى هذه المرتبة يظهر أثره في إخضاع سلوك حركة الحياة عليه‪ ،‬وإذا ما استقر المبدأ‬
‫في نفس النسان؛ فهو يجعل كل حركته في ظل هذا المبدأ الذي اعتقده‪.‬‬
‫وهكذا نعرف‪ :‬كيف تمرّ العقيدة بعدّة مراحل قبل أن تستقر في النفس‪ ،‬فالدراك يحدث أولً؛ ثم‬
‫التعقّل ثانيا؛ وبعد ذلك يعتقد النسان المر‪ ،‬ويصبح كل سلوك من بعد ذلك ِوفْقا لما اعتقده‬
‫النسان‪.‬‬
‫ش َغ َفهَا حُبّا‪[ { ..‬يوسف‪.]30 :‬‬
‫وكلمة‪َ } :‬‬
‫تعني أن المشاعر انتقلتْ من إدراكها إلى عقلها إلى قلبها‪ ،‬والشغاف هو الغِشَاء الرقيق الذي يستر‬
‫القلب؛ أي‪ :‬أن الحب تمكّن تماما من قلبها‪.‬‬
‫وقولهن‪:‬‬
‫للٍ مّبِينٍ { [يوسف‪.]30 :‬‬
‫} إِنّا لَنَرَاهَا فِي ضَ َ‬
‫هو قول حَقّ أُريد به باطل‪.‬‬
‫س ِم َعتْ ِب َمكْرِهِنّ‪.{ ...‬‬
‫ولذلك يقول الحق سبحانه بعد ذلك ما يفضح َم ْقصِدهن‪ } :‬فََلمّا َ‬

‫(‪)1613 /‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫سكّينًا َوقَالَتِ اخْرُجْ‬
‫ل وَاحِ َدةٍ مِ ْنهُنّ ِ‬
‫ن وَأَعْتَ َدتْ َلهُنّ مُ ّتكًَأ وَآَ َتتْ ُك ّ‬
‫س ِم َعتْ ِب َمكْرِهِنّ أَرْسََلتْ إِلَ ْيهِ ّ‬
‫فََلمّا َ‬
‫ن َوقُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا ِإلّا مََلكٌ كَرِيمٌ (‪)31‬‬
‫طعْنَ أَيْدِ َيهُ ّ‬
‫عَلَ ْيهِنّ فََلمّا رَأَيْنَهُ َأكْبَرْ َن ُه َوقَ ّ‬

‫ولسائل أن يقول‪ :‬وكيف انتقل َلهُنّ الكلم عن الذي حدث بينها وبين يوسف؟‬
‫ل ُبدّ أن هناك مرحلة بين ما حدث في القصر؛ وكان أبطاله أربعة هم‪ :‬العزيز‪ ،‬وامرأته‪،‬‬
‫ن نقل الكلم إلى خارج القصر؛ إنسان له علقتان؛ علقة‬
‫ويوسف‪ ،‬والشاهد‪ ،‬ول بد أن يكون مَ ْ‬
‫بالقصر فسمع ورأى وأدرك؛ ونقل ما علم إلى مَنْ له به علقة خارج القصر‪.‬‬
‫وبحث العلماء عن علقة النسوة اللتي ثرثرن بالمر‪ ،‬وقال العلماء‪ :‬هُنّ خمسة نساء‪ :‬امرأة‬
‫الساقي‪ ،‬وامرأة الخباز‪ ،‬وامرأة الحاجب‪ ،‬وامرأة صاحب الدواب (أي‪ :‬سائس الخيل)‪ ،‬وامرأة‬
‫السجان‪.‬‬
‫وهؤلء النسوة َيعِشْنَ داخل بيوتهن؛ فمَنِ الذي نقل َلهُنّ أسرار القصر؟‬
‫ل ُبدّ أن أحدا من أزواجهن قد أراد أن يُسلّي أهله‪ ،‬فنقل خبر امرأة العزيز مع يوسف عليه‬
‫السلم؛ ثم نقلتْ زوجته الخبر إلى غيرها من النسوة‪.‬‬
‫وحين وصل إلى امرأة العزيز الخبر؛ وكيف يمكرن بها؛ أرسلت إليهن‪:‬‬
‫سكّينا‪[ } ..‬يوسف‪.]31 :‬‬
‫ل وَاحِ َدةٍ مّ ْنهُنّ ِ‬
‫{ وَأَعْتَ َدتْ َلهُنّ مُ ّتكَئا وَآ َتتْ ُك ّ‬
‫والمتكأ هو الشيء الذي يستند إليه النسان حتى ل يطول به مََللٌ من كيفية جِلْسته‪ ،‬والمقصود‬
‫بالقول هو أن الجلسة سيطول وقتها‪ ،‬وقد خططتْ لتكشف َوقْعَ رؤية يوسف عليهن‪ ،‬فقدّمتْ لكل‬
‫منهن سكينا؛ وهو ما يوحي بأن هناك طعاما سوف يؤكل‪.‬‬
‫ويتابع الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ َوقَاَلتِ اخْرُجْ عَلَ ْيهِنّ فََلمّا رَأَيْنَهُ َأكْبَرْنَهُ‪[ } ...‬يوسف‪.]31 :‬‬
‫ويُقال‪ :‬أكب ْرتَ الشيء‪ ،‬كأنك قد تخيّلته قبل أن تراه على حقيقته؛ وقد يكون خيالك قد رسم له‬
‫صورة جميلة‪ ،‬إل أنك حين ترى الشيء واقعا؛ تكبر المرائي عن التخيّل‪.‬‬
‫والمثل أن إنسانا قد يُحدّثك بخير عن آخر؛ ولكنك حين ترى هذا الخر تُفاجأ بأنه أفضل مما‬
‫سمعتَ عنه‪.‬‬
‫جعْفرِ بنِ حبيبٍ أصدقَ القيمحتّى التقيْنَا فَل والِ‬
‫والشاعر يقول‪:‬كَا َدتْ مُسَاءلةُ ال ّركْبانِ تُخبِرني عن َ‬
‫سمِعتْ أُذني بأطيبَ ِممّا قَدْ رأى َبصَرِيويقولون في المقابل‪ :‬سماعك بالمعيدي خير من أن‬
‫مَا َ‬
‫تراه‪ .‬أي‪ :‬يا ليتك قد ظللتَ تسمع عنه دون أن تراه؛ لن رؤيتك له ستُنقِص من قدر ما سمعت‪.‬‬
‫وهُنّ حين آذيْنَ امرأة العزيز بتداول خبر مُراودتها له عن نفسه‪ ،‬تخيّلْنَ له صورةً ما من الحُسْن‪،‬‬
‫لكنهُنّ حين رأَيْ َن ُه فاقتْ حقيقته المرئية كل صورة تخيّلْنَها عنه؛ فحدث لهُنّ انبهار‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وأول مراحل النبهار هي الذهول الذي يجعل الشيء الذي طرأ عليك يذهلك عما تكون بصدده؛‬
‫فإن كان في يدك شيء قد يقع منك‪.‬‬
‫ت كلٌ منهن يدها بالسكين التي أعطتها لها امرأة العزيز لتقطيع الفاكهة‪ ،‬أو الطعام المُقدّم‬
‫وقد قطع ْ‬
‫َلهُنّ‪.‬‬
‫وقال الحق سبحانه في ذلك‪:‬‬
‫طعْنَ أَ ْيدِ َيهُنّ } [يوسف‪.]31 :‬‬
‫{ فََلمّا رَأَيْ َنهُ َأكْبَرْنَ ُه َوقَ ّ‬
‫وهل هناك تصوير يوضح ما حدث َلهُنّ من ذهول أدقّ من هذا القول؟‬
‫ويتابع سبحانه‪:‬‬
‫{ َوقُلْنَ حَاشَ للّهِ مَا هَـاذَا َبشَرا إِنْ هَـاذَآ ِإلّ مََلكٌ كَرِيمٌ } [يوسف‪.]31 :‬‬
‫وكلمة‪ } :‬حَاشَ‪[ { ...‬يوسف‪.]31 :‬‬
‫هي تنزيه ل سبحانه عن العجز عن خَلْق هذا الجمال المثالي‪ ،‬أو‪ :‬أنهُنّ قد نَزّهْنَ صاحب تلك‬
‫الصورة عن حدوث منكر أو فاحشة بينه وبين امرأة العزيز‪ ،‬أو‪ :‬أن يوسف عليه السلم ل بد أن‬
‫يكون قد خرج عن صورة أرقى من صورة النس التي يعرفنها؛ فقُلْنَ‪ :‬ل بدّ أنه مََلكٌ كريم‪.‬‬
‫وصورة الملك كما نعلم هي صورة مُتخيّلة؛ والنسان يحكم على الشياء المُتَخيّلة بما يناسب‬
‫صورتها في خياله‪ ،‬مثلما نتخيل الشيطان كأبشع ما تكون الصورة‪.‬‬
‫والبشاعة نفسها تختلف من واحد إلى آخر؛ فما تراه َبشِعا قد ل يراه غيرك كذلك؛ لن مقاييس‬
‫القبح أو الجمال تختلف من أمة إلى أخرى‪.‬‬
‫فالمرأة الجميلة في أواسط أفريقيا في نظر الرجل هي ذات الشفاه الغليظة جدا؛ أو صاحبة الشعر‬
‫المُجعّد والمُتموج‪.‬‬
‫وأكدت الحضارة الحديثة أن هذا لونٌ من الجمال ينجذب إليه الرجل في بعض الحالت؛ بدليل أن‬
‫ن منها تجعيد‬
‫بعضا من السيدات ذوات الشعر الناعم للغاية يذهبْن إلى مُصفّفة الشعر‪ ،‬ويطلبْ َ‬
‫شعورهن‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالجمال يُقاس بالذواق؛ هذا يرى جمالً قد يراه غيره غير هذا؛ وذاك يرى جمالً ل يراه‬
‫غيره كذلك‪.‬‬
‫والحق سبحانه يقذف معايير الجمال في النفس النسانية على قَدْر مُقوّمات اللتقاء في النسجام‪.‬‬
‫ولذلك يُقال في الريف المصري هذا المثل " كل فُولة ولها كَيّال "‪.‬‬
‫ونجد شابا يتقدم لفتاة يرغب في الزواج منها؛ وما أنْ يراها حتى ينفر منها‪ ،‬ويتقدم لها شاب آخر‬
‫فيقع في هَواها‪ ،‬ويتعجّل الزواج منها‪ ،‬وهذا يعني أن مقاييس الول تختلف عن مقاييس الثاني‪.‬‬
‫وحين يشاء الحق سبحانه أن يجمع بين اثنين فل أحدَ بقادر على أن يمنع القبول من كل طرف‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫للطرف الخر؛ وهذه مسألة لها من السرار ما ل نعرفه نحن؛ لنه سبحانه الذي يكتب القبول؛‬
‫ويُظهِر في المرأة جمالً قد يجذب رجلً ول يجذب رجلً آخر‪ ،‬ونفسَ المسألة تحدث في نفسية‬
‫المرأة‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فحين رأت النسوة يوسف عليه السلم؛ قُلْنَ‪:‬‬
‫} مَا هَـاذَا بَشَرا إِنْ هَـاذَآ ِإلّ مََلكٌ كَرِيمٌ { [يوسف‪.]31 :‬‬
‫وهذا يعني أن يوسف هو الصورة العليا في الجمال التي ل يوجد لها مثيل في البشر‪.‬‬
‫وبعد ذلك يقول الحق سبحانه ما جاء على لسان امرأة العزيز ردا عليهن‪ } :‬قَاَلتْ فَذاِلكُنّ‪.{ ....‬‬

‫(‪)1614 /‬‬
‫قَاَلتْ فَذَِلكُنّ الّذِي ُلمْتُنّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ َنفْسِهِ فَاسْ َت ْعصَ َم وَلَئِنْ لَمْ َيفْ َعلْ مَا َآمُ ُرهُ لَ ُيسْجَنَنّ‬
‫وَلَ َيكُونَنْ مِنَ الصّاغِرِينَ (‪)32‬‬

‫وكأنها وجدت الفرصة لتثبت لنفسها العذر في مراودتها له‪ ،‬فيوسف باعترافهن قد بلغ من الجمال‬
‫ما ل يوجد مثله في البشر‪.‬‬
‫وقولها‪ { :‬فَذاِلكُنّ } [يوسف‪ ،]32 :‬مُكوّن من " ذا " إشارة ليوسف‪ ،‬و " ذِلكُنّ " خطاب للنسوة‪،‬‬
‫والشارة تختلف عن الخطاب‪.‬‬
‫وهنا موقف أسلوبي؛ لن الكلم حين يُنطق به‪ ،‬أو حين يُكتب لِ ُيقْرأ؛ له ألوان متعددة‪ ،‬فمرة يكون‬
‫نثرا ل يجمعه وزن أو قافية؛ وقد يكون نثرا مسجوعا أو مُرْسَلً‪ ،‬ومرة يكون الكلم شعرا‬
‫محكوما بوزن وقافية‪.‬‬
‫والمثل على النثر المسجوع هو قول الحق سبحانه‪ {:‬وَالطّورِ * َوكِتَابٍ مّسْطُورٍ * فِي َرقّ مّنْشُورٍ‬
‫* وَالْبَ ْيتِ ا ْل َم ْعمُورِ }[الطور‪.]4-1 :‬‬
‫س ُموّ‬
‫وهذا نثر مسجوع بل تكلّف‪ ،‬وأنت إذا سمعت أو قرأت كلما؛ فأذنك تأخذ منه على قدر ُ‬
‫أسلوبه‪ ،‬لكنك إن انتقلت من أسلوب إلى أسلوب‪ ،‬فأذنك تلتقط الفارق بين السلوبين‪.‬‬
‫والمثل نجده في الرسالة التي كتبها ابن زيدون مُسْتعطفا ابن جهور‪ " :‬هذا العَتْب محمودٌ عواقبه‪،‬‬
‫وهذه ال َغمْرة نَبْوة ثم تنجلي‪ ،‬ولن يريبني من سيدي إنْ أبطأ سببه أو تأخر‪ ،‬غير ضنين ضناه‪،‬‬
‫فأبطأ الدّلء قَبْضا أملؤها‪ ،‬وأثقلُ السحابِ مشيا أعقلها‪ ،‬ومع اليوم غد‪ .‬ولكل أجل كتاب‪ ،‬له الحمد‬
‫على اهتباله‪ ،‬ول عَتْب عليه في اغتفاله‪.‬فإنْ َيكُن الفعلُ الذي سَاء واحدا فَأفْعالُه اللتي سَرَرْنَ‬
‫أُلوفُوهكذا تشعر انتقال ابن زيدون من النثر إلى الشعر‪ ،‬ولكنك وأنت تقرأ القرآن‪ ،‬تنتقل من النثر‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫المُرْسل إلى النثر المسجوع إلى النظم الشعري على وزن بحور الشعر‪ ،‬فل تكاد تفرق في‬
‫السلوب بين شعر أو نثر‪.‬‬
‫والمثل نجده في الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها‪:‬‬
‫{ فَذاِلكُنّ الّذِي ُلمْتُنّنِي } [يوسف‪.]32 :‬‬
‫فهي موزونه من بحر البسيط‪ ،‬ولكنك ل تشعر أنك انتقلت من نثر إلى شعر‪.‬‬
‫وكذلك قوله الحق‪ {:‬وَاللّهُ َيهْدِي مَن َيشَآءُ إِلَىا صِرَاطٍ مّسْ َتقِيمٍ }[النور‪.]46 :‬‬
‫وأيضا قوله الحق‪ {:‬نَبّىءْ عِبَادِي أَنّي أَنَا ا ْل َغفُورُ الرّحِيمُ }[الحجر‪.]49 :‬‬
‫وتأتي تلك اليات في مواقع قد يكون ما قبلها نثرا‪ ،‬مما يدلّ على أن النغم الذي قاله ال نَظْما أو‬
‫ل واحدا‪.‬‬
‫شعرا أو نثرا ل نشاز فيه‪ ،‬ويكاد أن يكون سَيْ ً‬
‫وهذا ل يتأتّى إل من كلم الحق تبارك وتعالى‪ ،‬وأنت لن تشعر بهذا المر لو لم يُن ّبهْك أحد ِلمَا‬
‫في بعض اليات من وزن شعري‪.‬‬
‫ستْ أُذنك بهذا النتقال؛ ونفس‬
‫أما كلم البشر؛ فأنت إنْ قرأتَ الموزون؛ ثم انتقلت إلى المنثور؛ أح ّ‬
‫المسألة تشعر بها حين تقرأ المنثور‪ ،‬ثم تنتقل إلى الموزون؛ وستشعر أذنك بهذا النتقال‪.‬‬
‫{ قَاَلتْ فَذاِلكُنّ الّذِي ُلمْتُنّنِي فِي ِه وََلقَدْ رَاوَدتّهُ عَن ّنفْسِهِ فَاسَ َت ْعصَمَ } [يوسف‪.]32 :‬‬
‫قالت ذلك بجراءة مَنْ رأت تأثير رؤيتهن ليوسف‪ ،‬وأعلنت أنه " استعصم " ‪ ،‬وهذا يعني أنه قد‬
‫تكلّف المشقة في حجز نفسه عن الفعل‪ ،‬وهو قول يثبت أن رجولة يوسف غير ناقصة‪ ،‬فقد جاهد‬
‫نفسه لِيكبتَها عن الفعل‪.‬‬
‫ويتابع الحق سبحانه ما جاء على لسان امرأة العزيز‪:‬‬
‫ن وَلَ َيكُونا مّن الصّاغِرِينَ { [يوسف‪.]32 :‬‬
‫} وَلَئِن لّمْ َي ْفعَلْ مَآ آمُ ُرهُ لَ ُيسْجَنَ ّ‬
‫قالت ذلك وكأنها هي التي تُصدِر الحكام‪ ،‬والسامعات لها هُنّ من أكبرْنَ يوسف لحظة رؤيته؛‬
‫طعْها فيما تريد؛ فلسوف تسجنه وتُصغّر من شأنه لذلله وإهانته‪.‬‬
‫تعلن لهُنّ أنه إن لم ُي ِ‬
‫س ِمعْنَها؛ فقد طمعتْ كل منهن أن تطرد امرأة العزيز يوسف من القصر؛ حتى‬
‫أما النّسْوة اللتي َ‬
‫تنفرد أي منهن به‪.‬‬
‫ولذلك يُورِد لنا الحق سبحانه قول يوسف عليه السلم‪ } :‬قَالَ َربّ‪.{ ...‬‬

‫(‪)1615 /‬‬
‫ن وََأكُنْ مِنَ‬
‫صبُ إِلَ ْيهِ ّ‬
‫حبّ إَِليّ ِممّا يَدْعُونَنِي إِلَيْ ِه وَإِلّا َتصْ ِرفْ عَنّي كَ ْيدَهُنّ َأ ْ‬
‫قَالَ َربّ السّجْنُ أَ َ‬
‫الْجَاهِلِينَ (‪)33‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ولسائل أن يقول‪ :‬ولماذا جاء قول يوسف بالجمع‪ ،‬وقال‪:‬‬
‫حبّ إَِليّ ِممّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ } [يوسف‪.]33 :‬‬
‫{ السّجْنُ أَ َ‬
‫سجَنَنّ }[يوسف‪.]32 :‬‬
‫على الرغم من أن امرأة العزيز هي التي قالت‪ {:‬وَلَئِن لّمْ َي ْف َعلْ مَآ آمُ ُرهُ لَيُ ْ‬
‫ونقول‪ :‬ل بُدّ أن يوسف عليه السلم قد رأى منهن إشاراتٍ أو غمزات تُوحي له بألّ يُعرض نفسه‬
‫لتلك الورطة التي ستؤدي به إلى السجن؛ لذلك أدخل يوسف عليه السلم في قوله المفرد ـ امرأة‬
‫غمْزا أو إشارة أن‬
‫العزيز ـ في جمع النسوة اللتي جمعتُهنّ امرأة العزيز‪ ،‬وهُنّ اللتي طلبْنَ منه َ‬
‫يُخرج نفسه من هذا الموقف‪.‬‬
‫ولعل أكثر من واحدة منهن قد نظرت إليه في محاولة لستمالته‪ ،‬وللعيون والنفعالت وقَسَمات‬
‫الوجه تعبير أبلغ من تعبير العبارات‪ ،‬وقد تكون إشارات عُيونهن قد دَّلتْ يوسف على المراد الذي‬
‫تطلبه كل واحدة منهن‪ ،‬وفي مثل هذه الجتماعات تلعب لغة العيون دورا هاما‪.‬‬
‫وها هو ذا أبو دلمة الشاعر وقد جلس في مجلس الخليفة‪ ،‬وكان أبو دلمة مشهورا بقدرة كبيرة‬
‫على الهجاء‪ .‬وأراد الخليفة أن يداعبه فقال له‪ :‬عزمتُ عليك إل هجوتَ واحدا منا‪.‬‬
‫ودارت عيون في المجلس‪ ،‬وأشار له كل مَنْ حضر المجلس خُفيةً بأنه سيُجزل له العطاء إن ابتعد‬
‫أبو دلمة عن هجائه؛ ولن أبا دلمة معروفٌ بالطمع‪ ،‬وخشي أن يضيع منه أيّ شيء من‬
‫العطايا؛ لذلك قام بهجاء نفسه؛ وقال‪:‬أل أبـلغْ لدَيْك أباَ دلمة فليسَ منَ الكِرا ِم ولَ كرامهإذَا لَبِسَ‬
‫ال ِعمَامةَ كان قِردا وخِنْزِيرا إذا خـلَع ال ِعمَامهوهكذا خرج من قسم المير؛ وكسب العطايا التي‬
‫وعده بها من حضروا المجلس‪.‬‬
‫وهنا في الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها نجد يوسف عليه السلم قد جمع امرأة العزيز مع‬
‫النسوة؛ فقال‪:‬‬
‫حبّ إَِليّ ِممّا َيدْعُونَنِي إِلَ ْيهِ } [يوسف‪.]33 :‬‬
‫{ َربّ السّجْنُ َأ َ‬
‫أي‪ :‬أن السجن أفضل لديه من أن يوافق امرأة العزيز على فعل الفحشاء‪ ،‬أو يوافق النسوة على‬
‫دعوتهن له أن يُحرّر نفسه من السجن بأن يستجيب لها‪ ،‬ثم يخرج إليهن من القصر من بعد ذلك‪.‬‬
‫ولكن يوسف عليه السلم دعا ربه‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫ن وََأكُن مّنَ ا ْلجَاهِلِينَ } [يوسف‪.]33 :‬‬
‫صبُ ِإلَ ْيهِ ّ‬
‫{ وَِإلّ َتصْ ِرفْ عَنّي كَيْ َدهُنّ َأ ْ‬
‫ولسائل أن يقول‪ :‬ولماذا لم َيقُلْ يوسف " يا إلهي " وهو يعلم أن مناط التكليف في اللوهية بـ "‬
‫افعل " و " ل تفعل "؟‬
‫جلّ وعل مَنْ ربّاه‬
‫نقول‪ :‬أراد يوسف أن يدعو ربه باسم الربوبية اعترافا بفضله سبحانه؛ لنه هو َ‬
‫وتعهّده؛ وهو هنا يدعوه باسم الربوبية ألّ يتخلى عنه في هذا الموقف‪.‬‬
‫فيوسف عليه السلم يعرف أنه من البشر؛ وإنْ لم يصرف ال عنه كيدهُنّ؛ لستجاب لغوايتهن‪،‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ولصبح من الجاهلين الذين ل يلتفون إلى عواقب المور‪.‬‬
‫وعلى الرغم من أن السجن أمر كريه؛ إل أنه قد فضّله على معصية خالقه‪ ،‬ولنه لجأ إلى المُربّي‬
‫الول‪ .‬لتأتي الستجابة منه سبحانه‪.‬‬
‫يقول الحق‪ { :‬فَاسْتَجَابَ َلهُ‪.} ...‬‬

‫(‪)1616 /‬‬
‫سمِيعُ ا ْلعَلِيمُ (‪)34‬‬
‫فَاسْتَجَابَ َلهُ رَبّهُ َفصَ َرفَ عَنْهُ كَ ْيدَهُنّ إِنّهُ ُهوَ ال ّ‬

‫وهكذا تفضّل عليه ال الذي خلقه وتولّى تربيته وحمايته‪ ،‬فصرف عنه كيدهُنّ؛ الذي تمثل في‬
‫دَعْوتِهنّ له أن يستسلم ِلمَا دَعتْه إليه امرأة العزيز‪ ،‬ثم غُوايتهن له بالتلميح دون التصريح‪.‬‬
‫سفَ عَن ّنفْسِهِ‬
‫خطْ ُبكُنّ إِذْ رَاوَدتّنّ يُو ُ‬
‫تلك الغواية التي تمثلت في قول الملك من بعد ذلك‪ {:‬قَالَ مَا َ‬
‫علَيْهِ مِن سُوءٍ‪[} ...‬يوسف‪.]51 :‬‬
‫قُلْنَ حَاشَ للّهِ مَا عَِلمْنَا َ‬
‫جلّ وعَل له ُمطْلق السمع ومُطْلق العلم‪ ،‬ول يخفى عليه‬
‫وهكذا أنجاه ال من َمكْر النسوة؛ وهو َ‬
‫شيء‪ ،‬ويستجيب لهل الصدق في الدعاء‪ .‬ويقول الحق سبحانه بعد ذلك‪ُ { :‬ثمّ بَدَا َلهُمْ‪.} ...‬‬

‫(‪)1617 /‬‬
‫سجُنُنّهُ حَتّى حِينٍ (‪)35‬‬
‫ثُمّ َبدَا َلهُمْ مِنْ َب ْعدِ مَا رََأوُا الْآَيَاتِ لَيَ ْ‬

‫وبعد أن ظهرتْ العلمات الشاهدة على براءة يوسف عليه السلم أمام العزيز وأهل مشورته‪،‬‬
‫وانكشف لهم انحرافُ امرأة العزيز وإصرارها على أن تُوقِع بيوسف في الفعل الفاضح معها‪،‬‬
‫دون خجل أو خوف من الفضيحة‪.‬‬
‫صلٌ‬
‫لذلك رأى العزيز وأهل مشورته أن يُوضَع يوسف عليه السلم في السجن؛ ليكون في ذلك َف ْ‬
‫بينه وبينها؛ حتى تهدأ ضجة الفضيحة؛ وليظهر للناس أنه مسئول عن كل هذا السوء الذي ظهر‬
‫في بيت العزيز‪.‬‬
‫كما أن كلمة‪ { :‬لَيَسْجُنُنّهُ } [يوسف‪.]35 :‬‬
‫فيها نوع من استبقاء الحب الذي ُيكِنّه العزيز ليوسف‪ ،‬فهو لم يأمر بقتله أو نفيه بعيدا؛ بل احتفظ‬
‫به بعيدا عن الزوجة ال ُمصِرّة على الخيانة‪ ،‬وعن المجتمع الذي يَلُوكُ تلك الوقائع‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والسجن ـ كما نعلم ـ هو حَبْس المسجون لتقييد حركته في الوجود؛ وهو إجراء يتخذه القاضي‬
‫أو الحاكم كعقوبة يُراد بها إذلل المسجون‪ ،‬أو وقاية المجتمع من شرّه‪.‬‬
‫ونعلم أن النسان ل يجتريء على الحكام إل حين يظن أو يعلم أن له قدرة؛ وله غلبة؛ فيعلن له‬
‫القاضي أو الحاكم نهاية تلك الغلبة والقدرة‪ ،‬ويأمر بدخوله إلى السجن ويحرس تقييد حريته‬
‫سجّان؛ وقد يتعرض للضرب أو الهانة‪.‬‬
‫َ‬
‫هذا هو السجن المتعارف عليه في العصور القديمة والحديثة‪ ،‬حين تعزل المسجون عن المجتمع‪،‬‬
‫وقد يعطف عليه بعض من أبناء المجتمع‪ ،‬ويزوره بعضٌ من أقاربه؛ ومعهم المأكولت؛‬
‫والمطلوبات‪.‬‬
‫ولكن هناك سجن ديني أسسه رسول ال صلى ال عليه وسلم؛ حين عزل المجتمع اليماني عن‬
‫السجين‪ ،‬وقد أمر رسول ال صلى ال عليه وسلم أل يُكلّم أحد الثلثة الذين تخلفوا عن الخروج‬
‫معه للقتال بحجج واهية؛ بل وتسامى هذا العزل إلى أن صار عَ ْزلً عن الهل‪ ،‬إلى أن أمر صلى‬
‫ال عليه وسلم بإنهاء هذا العزل بعد أن تحقق الغرض منه‪.‬‬
‫وماذا عن حال يوسف في السجن؟‬
‫خلَ َمعَهُ السّجْنَ‪.} ....‬‬
‫يقول الحق سبحانه‪ { :‬وَدَ َ‬

‫(‪)1618 /‬‬
‫ح ِملُ َفوْقَ‬
‫خمْرًا َوقَالَ الَْآخَرُ إِنّي أَرَانِي أَ ْ‬
‫عصِرُ َ‬
‫خلَ َمعَهُ السّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ َأحَ ُد ُهمَا إِنّي أَرَانِي أَ ْ‬
‫وَدَ َ‬
‫رَأْسِي خُبْزًا تَ ْأ ُكلُ الطّيْرُ مِنْهُ نَبّئْنَا بِتَ ْأوِيلِهِ إِنّا نَرَاكَ مِنَ ا ْل ُمحْسِنِينَ (‪)36‬‬

‫المعية التي دخل فيها اثنان من الفتية معه السجن هي معية ذات‪ ،‬وقِيلَ‪ :‬إنهما الخبّاز والساقي‪،‬‬
‫وقيل‪ :‬إن سبب دخولهما هو رغبة بِطَانة عزيز مصر في التشويش على ما حدث من فضيحة‬
‫كبرى؛ هي فَضيحة مراودة امرأة العزيز ليوسف؛ ورفض يوسف لذلك‪.‬‬
‫وكان التشويش هو إذاعة خبر مؤامرة على العزيز؛ وأن الساقي والخباز قد تم ضبطهما بمحاولة‬
‫وضع السّمّ للعزيز‪.‬‬
‫وبعد فترة من حياة الثنين مع يوسف داخل السجن‪ ،‬وبعد معايشة يومية له تكشّف لهما سلوك‬
‫يوسف كواحد من المحسنين‪.‬‬
‫وحدث أن رأى كل منهما حُلْما‪ ،‬فقررا أن يطلبا منه تأويل هذين الحُلْمين‪ ،‬والسجين غالبا ما يكون‬
‫كثير الوساوس‪ ،‬وغير آمن على غَدِه؛ ولذلك اتجها إليه في المر الذي ُيهِمهم‪:‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ح ِملُ َفوْقَ رَأْسِي خُبْزا تَ ْأ ُكلُ الطّيْرُ‬
‫خمْرا َوقَالَ الخَرُ إِنّي أَرَانِي َأ ْ‬
‫عصِرُ َ‬
‫{ قَالَ َأحَدُ ُهمَآ إِنّي أَرَانِي أَ ْ‬
‫حسِنِينَ } [يوسف‪.]36 :‬‬
‫مِنْهُ نَبّئْنَا بِتَ ْأوِيلِهِ إِنّا نَرَاكَ مِنَ ا ْلمُ ْ‬
‫ومن سياق الكلم نعرف أننا أمام حُلْمين؛ فواحد منهما رأى في منامه أنه يعصر خمرا‪ ،‬ورأى‬
‫حدَة ـ‬
‫الثاني أنه يحمل خُبْزا فوق رأسه تأكل منه الطير‪ ،‬واتجه كلهما ـ أو ُكلّ منهما على ِ‬
‫يطلبان ـ تأويل الرؤيتين المناميتيْنِ‪ ،‬أو أنهما قد طلبا نبأ تَأويل هذا المر الذي رأياه‪.‬‬
‫وحيثية لجوئهما إليه هو قولهما‪:‬‬
‫{ إِنّا نَرَاكَ مِنَ ا ْلمُحْسِنِينَ } [يوسف‪.]36 :‬‬
‫وهذا يدل على أن الحسان أمر معلوم لكل البشر‪ ،‬حتى أصحاب النفوس المنحرفة‪ ،‬فل أحد يمكن‬
‫س الحسان في ذهن مَنْ يصدر هذا الحكم‪.‬‬
‫أن يحكم على آخر أنه محسن إل إذا وافق عملُه مقايي َ‬
‫فكل نفس تعرف السوء‪ ،‬وكل نفس تعرف الحسان‪ ،‬ولكن الناس ينظرون إلى الحسان وإلى‬
‫السوء بذاتية أنفسهم‪ ،‬ولكنهم لو نظروا إلى مجموع حركة المتحركين في الكون‪ ،‬ونظروا إلى أيّ‬
‫أمر يتعلق بالغير كما يتعلق بهم؛ لَعرفوا أن الحسان قَدْر مشترك بين الجميع‪.‬‬
‫ونجد اللص ـ على سبيل المثال ـ ل يسيئه أن يسرق أحدا‪ ،‬لكن يسيئه لو أن أحدا قام بسرقته‪،‬‬
‫وهكذا نرى الحسان وقد انتفض في أعماقه حين يتوجه السوء إليه‪ ،‬ويعرف حينئذ مقام الحسان‪،‬‬
‫ولكنه حين يمارس السرقة؛ ويكون السوء متوجها منه إلى الغير؛ فهو يغفل عن مقام الحسان‪.‬‬
‫ت أن تعرف مقام الحسان في مقاييس الفضائل والخلق؛ فافهم المر بالنسبة لك‬
‫إذن‪ :‬إنْ أَرد َ‬
‫سلْبا‪.‬‬
‫إيجابا و َ‬
‫والمثال الذي أضربه دائما هو‪ :‬قبل أن َتمُدّ عينيك إلى محارم غيرك‪ ،‬وتعتبر أن هذا ليس سوءً‪،‬‬
‫هنا عليك أن تعرف مقياسه من الحُسْن إن نقلتَ المر إلى الصورة العكسية؛ حين تتجه عيون‬
‫الغير إلى محارمك‪.‬‬
‫هنا ستجد الميزان ـ ميزانك للمور ـ وقد اعتدل‪.‬‬
‫وإذا أردتَ اعتدال الميزان في كل فعل؛ فانظر إلى الفعل يقع منك على غيرك؛ وانظر إلى الفعل‬
‫يقع من الغير عليك؛ وانظر إلى الراجح في نفسك من المرين ستجد قب الميزان منضبطا‪.‬‬
‫وأقول دائما‪ :‬إن الحق سبحانه حين حرّم عليك أن تسرق غيرك‪ ،‬لم يُضيّق حريتك؛ بل ضيّق‬
‫حرية المليين كي ل يسرقوك‪ ،‬وهذا مكسب لك‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالذي يعرف مقام الحسان؛ ل ينسب الفعل الصادر منه على الغير؛ والفعل الصادر من‬
‫الغير عليه؛ بل ينظر إليهما معا؛ فما استقبحه من الغير عليه؛ فليستقبحه منه على الغير‪.‬‬
‫وقد حكم السجينان على يوسف أنه من المحسنين‪ ،‬وعَلِم يوسف عليه السلم من حكمهما عليه أن‬
‫مقاييس الحسان موجودة عندهما؛ ولذلك نظر إلى المر الذي جاءاه من أجله‪ ،‬واستغل هذه‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫المسألة؛ ل لقضاء حاجتهما منه؛ ولكن لقضاء حاجته منهما‪.‬‬
‫فقد رأى فيهما شبهة اليمان بالحسان؛ واليمان بالمحسنين‪ ،‬فلماذا ل ينتهز الفرصة فيأخذ حاجته‬
‫منهما؛ قبل أن يعطيهما حاجتهما منه؟‬
‫ل منكما قد رأى‬
‫وكأنه قال لهما‪ :‬ماذا رأيتُما من إحساني؟ هل رأيتم حُسْن معاملتي لكم؟ أم أن ك ً‬
‫دقة اختياري للحَسَن من القول؟ وأنتما قد ل تعرفان أن عندي ـ بفضل ال ـ ما هو أكثر‪ ،‬وهو‬
‫ل لَ يَأْتِي ُكمَا‪.{ ...‬‬
‫ما يقوله الحق سبحانه بعد ذلك في الية التالية‪ } :‬قَا َ‬

‫(‪)1619 /‬‬
‫طعَامٌ تُرْ َزقَا ِنهِ إِلّا نَبّأْ ُت ُكمَا بِتَ ْأوِيلِهِ قَ ْبلَ أَنْ يَأْتِ َي ُكمَا ذَِل ُكمَا ِممّا عَّلمَنِي رَبّي إِنّي تَ َر ْكتُ مِلّةَ‬
‫قَالَ لَا يَأْتِي ُكمَا َ‬
‫َقوْمٍ لَا ُي ْؤمِنُونَ بِاللّ ِه وَهُمْ بِالْآَخِ َرةِ هُمْ كَافِرُونَ (‪)37‬‬

‫وبذلك أوضح لهما أنهما ل يريان منه إل الظاهر من السلوك‪ ،‬ولكن هناك أمور مخفية‪ ،‬وكأنه‬
‫يُنمي فيهما شعورهما بمنزلته وبإحسانه وبقدرته على أن يخبرهما بأوصاف ونوع أيّ طعام‬
‫يُرزَقانِه قبل أن يأتي هذا الطعام‪.‬‬
‫وهذه ليست خصوصية في يوسف أو من عِنْدياته‪ ،‬ولكنها من علم تلقّاه عن ال‪ ،‬وهو أمر يُعلّمه‬
‫ال لعباده المحسنين؛ فيكشف ال لهم بعضا من السرار‪.‬‬
‫وهما ـ السجينان ـ يستطيعان أن يكونا مثله إنْ أحسنا اليمان بال‪ .‬ولذلك يتابع الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ ذاِل ُكمَا ِممّا عَّلمَنِي رَبّي إِنّي تَ َر ْكتُ مِلّةَ َقوْ ٍم لّ ُي ْؤمِنُونَ بِاللّ ِه وَهُمْ بِالخِ َرةِ هُمْ كَافِرُونَ } [يوسف‪:‬‬
‫‪.]37‬‬
‫وكأنه بذلك يهديهما إلى الطريق الذي يجعلهما من المحسنين الذين يعطيهم ال بعضا من هِبَات‬
‫الخير‪ ،‬فيعلمون أشياء تَخْفى على غيرهم‪.‬‬
‫وهذا يدلّنا على أن المؤمن إذا رأى في إنسان ما مَخِيلَة خير فَلْينمي هذه المخيلة فيه ليصل إلى‬
‫خير أكبر؛ وبذلك ل يحتجز الخصوصية لنفسه حتى ل يقطع السوة الحسنة؛ ولكي يُطمِع العباد‬
‫في تجليات ال عليهم وإشراقاته‪.‬‬
‫ولذلك أوضح يوسف عليه السلم للسجينين أنه ترك مِلّة قوم ل يؤمنون بال بما يليق اليمان به‬
‫سبحانه‪ ،‬ول يؤمنون بالبعث والحساب ثوابا بالجنة‪ ،‬أو عقابا في النار‪.‬‬
‫ويتابع الحق سبحانه ما جاء على لسان يوسف عليه السلم‪ { :‬وَاتّ َبعْتُ مِلّةَ‪.} ...‬‬

‫(‪)1620 /‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ضلِ‬
‫شيْءٍ ذَِلكَ مِنْ َف ْ‬
‫ق وَ َيعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْ ِركَ بِاللّهِ مِنْ َ‬
‫وَاتّ َبعْتُ مِلّةَ آَبَائِي إِبْرَاهِي َم وَإِسْحَا َ‬
‫شكُرُونَ (‪)38‬‬
‫س وََلكِنّ َأكْثَرَ النّاسِ لَا َي ْ‬
‫علَيْنَا وَعَلَى النّا ِ‬
‫اللّهِ َ‬

‫وبذلك أوضح يوسف عليه السلم أنه ترك مِلّة القوم الذين ل يعبدون ال حَقّ عبادته‪ ،‬ول يؤمنون‬
‫بالخرة‪ ،‬واتبع ملة آبائه إبراهيم ثم إسحق ثم يعقوب‪ ،‬وهم مَنْ أرسلهم ال لهداية الخلق إلى‬
‫التوحيد‪ ،‬وإلى اليمان بالخرة ثوابا بالجنة وعذابا بالنار‪.‬‬
‫وذلك من فضل ال بإنزاله المنهج الهادي‪ ،‬وفضله سبحانه قد شمل آباء يوسف بشرف التبليغ عنه‬
‫سبحانه؛ ولذلك ما كان ِلمَنْ يعرف ذلك أنْ يشرك بال‪ ،‬فالشرك بال يعني اللجوء إلى آلهة متعددة‪.‬‬
‫ضهُمْ عَلَىا‬
‫ق وََلعَلَ َب ْع ُ‬
‫يقول الحق سبحانه‪َ {:‬ومَا كَانَ َمعَهُ مِنْ إِلَـهٍ إِذا لّ َذ َهبَ ُكلّ إِلَـاهٍ ِبمَا خَلَ َ‬
‫صفُونَ }[المؤمنون‪.]91 :‬‬
‫عمّا َي ِ‬
‫َب ْعضٍ سُبْحَانَ اللّهِ َ‬
‫فلو أن هناك آلهة غير ال سبحانه لصنع كلّ إله شيئا ل يقدر على صُنْعه الله الخر؛ ولصبح‬
‫المر صراعا بين آلهة متنافرة‪.‬‬
‫ومن فضل ال ـ هكذا أوضح يوسف عليه السلم ـ أن أنزل منهجه على النبياء؛ ومنهم آباؤه‬
‫إبراهيم وإسحق ويعقوب؛ لِيُبلغوا منهجه إلى خَلْقه‪ ،‬وهم لم يحبسوا هذا الفضل القادم من ال‪ ،‬بل‬
‫أبلغوه للناس‪.‬‬
‫شكُرُونَ } [يوسف‪.]38 :‬‬
‫س لَ َي ْ‬
‫{ وَلَـاكِنّ َأكْثَرَ النّا ِ‬
‫شكُرُونَ } [يوسف‪ ]38 :‬اعلم أن المر الذي أنت بصدده هو في‬
‫وساعة تقرأ أو تسمع كلمة‪ { :‬لَ يَ ْ‬
‫شكْر إل على النعمة‪.‬‬
‫مقاييس العقل والفطرة السليمة يستحق الشكر‪ ،‬ول ُ‬
‫ولو َفطِنَ الناس لَشكروا النبياء والرسل على المنهج الذي بلّغوه عن ال؛ لنه يهديهم إلى حُسْن‬
‫إدارة الدنيا‪ ،‬وفوق ذلك يهديهم إلى الجنة‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه بعد ذلك ما واصله يوسف من حديثه للسجينين‪ { :‬ياصَاحِ َبيِ السّجْنِ‪.} ....‬‬

‫(‪)1621 /‬‬
‫يَا صَاحِ َبيِ السّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُ َتفَ ّرقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ ا ْلوَاحِدُ ا ْل َقهّارُ (‪)39‬‬

‫وكلمة " صاحب " معناها ملزم؛ والجامع بين يوسف والسجينين هو السجن‪ ،‬ونحن نقول " فلن‬
‫صاحب الدراسة " أو " صاحب حج " ‪ ،‬الشيء الذي يربط بين اثنين أو أكثر‪ ،‬إما أن تنسبه‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫للمكان‪ ،‬أو تنسبه إلى الظرف الذي جمع بين تلك المجموعة من الصحبة‪.‬‬
‫وطرح يوسف السؤال‪:‬‬
‫حدُ ا ْل َقهّارُ } [يوسف‪ ]39 :‬وحين تطرح سؤالً عبر مقابل لك‪،‬‬
‫{ ءَأَرْبَابٌ مّتّفَ ّرقُونَ خَيْرٌ َأمِ اللّهُ ا ْلوَا ِ‬
‫فأنت تعلم مُقدّما أنه يفهم أن أربابا متفرقون ليسوا خيرا من إله واحد‪ ،‬وكأن يوسف قد وَثِق من أن‬
‫إجابتهما لن تكون إل بقولهم " بل عبادة إله واحد خير "‪.‬‬
‫وهو لم يكُنْ ليسأل إلّ إذا عرف أنهما سيُديرانِ كل الجوبة؛ فل يجدان جوابا إل الجواب الذي‬
‫أراده‪.‬‬
‫فهما قد عبدا آلهة متعددة؛ وكان المفروض في مقاييس الشياء أن تُغنِيكم تلك اللهة عن اللجوء‬
‫لمن يعبد الله الواحد‪.‬‬
‫إذن‪ :‬في ُقوَى البشر نجد التعدد يُثْرِي ويُضخّم العمل‪ ،‬لكن في اللوهية نجد الشرك يُضعِف‬
‫العمل‪.‬‬
‫ولذلك نجد الصوفي يقول‪ :‬اعمل لوجه واحد يكفيك كل الوجه‪ .‬ولذلك قال يوسف عليه السلم‬
‫لصاحبي السجن‪:‬‬
‫{ ءَأَرْبَابٌ مّتّفَ ّرقُونَ خَيْرٌ‪[ } ...‬يوسف‪.]39 :‬‬
‫ولو كان تفرّقهم تفرّقَ ذواتٍ لكانوا بل كمال يستحقون من أجله العبادة‪ ،‬ولو كان تفرّقهم تفرّقَ‬
‫تَكرار لما كان لهذا التكرار لزوم‪ ،‬ولو كان تفرّقهم تفرّق اختصاصات‪ ،‬فهذا يعني أن لكل منهم‬
‫ط ضعف؛ وتفرّقهم هذا دليل نقص‪.‬‬
‫نقط َة قوة ونقا َ‬
‫ولذلك رحمنا الحق نحن المؤمنين به لنعبد إلها واحدا‪ ،‬فقال‪ {:‬ضَ َربَ اللّهُ مَثَلً رّجُلً فِيهِ شُ َركَآءُ‬
‫حمْدُ للّهِ َبلْ َأكْثَرُهُ ْم لَ َيعَْلمُونَ }[الزمر‪.]29 :‬‬
‫جلٍ َهلْ يَسْ َتوِيَانِ مَثَلً ا ْل َ‬
‫سلَما لّرَ ُ‬
‫ن وَرَجُلً َ‬
‫مُتَشَاكِسُو َ‬
‫وقد حاول يوسف عليه السلم أن يهديهم إلى عباد الله الواحد‪ ،‬وقال لهم من بعد ذلك ما جاء به‬
‫الحق سبحانه‪ { :‬مَا َتعْبُدُونَ مِن دُونِهِ‪.} ...‬‬

‫(‪)1622 /‬‬
‫حكْمُ إِلّا لِلّهِ‬
‫سمّيْ ُتمُوهَا أَنْتُ ْم وَآَبَا ُؤكُمْ مَا أَنْ َزلَ اللّهُ ِبهَا مِنْ سُ ْلطَانٍ إِنِ الْ ُ‬
‫سمَاءً َ‬
‫مَا َتعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ ِإلّا أَ ْ‬
‫َأمَرَ أَلّا َتعْبُدُوا إِلّا إِيّاهُ ذَِلكَ الدّينُ ا ْلقَيّ ُم وََلكِنّ َأكْثَرَ النّاسِ لَا َيعَْلمُونَ (‪)40‬‬

‫ونلحظ أن يوسف ـ عليه السلم ـ لم يتكلم حتى الن مع السجينين عن مطلوبهما منه‪ ،‬وهو‬
‫تأويل الرّؤيَتَيْنِ‪ ،‬وهو لو تكلم في المطلوب منه أولً؛ لنصرف ِذهْن وانتباه ُكلّ من السجينين إلى‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫قضاء حاجتهما منه؛ ولن يلتفتا بعد ذلك إلى ما يدعو إليه؛ ولن الذي يدعو إليه هو المر البْقى‪،‬‬
‫وهو المر العام الذي يتعلق بكل حركة من حركات الحياة‪.‬‬
‫وبذلك كان يوسف عليه السلم يؤثر السجينين؛ فقد أراد أن يلفتهما إلى المر الجوهري قبل أن‬
‫يتحدث عن الجزئية الصغيرة التي يسألنِ فيها؛ وأراد أن يُصحّح نصرة الثنين إلى المنهج العام‬
‫الذي يدير به النسان كل تفاصيل الحياة وجزئياتها؛ وفي هذا إيثار ل أثرة‪.‬‬
‫وهنا قال الحق سبحانه على لسان يوسف عليه السلم‪:‬‬
‫سمّيْ ُتمُوهَآ أَنتُ ْم وَآبَآ ُؤكُمْ‪[ } ...‬يوسف‪.]40 :‬‬
‫سمَآءً َ‬
‫{ مَا َتعْ ُبدُونَ مِن دُونِهِ ِإلّ أَ ْ‬
‫أي‪ :‬أن ما تعبدونه من آلهة مُتعدّدة هو مُجرّد عبادة لسماء بل معنى ول وجود؛ أسماء ورثتموها‬
‫عن آبائكم أو أنشأتموها أنتم‪ ،‬فكفرتُمْ بإنشاء أسماء للهة غير موجودة‪ ،‬كما كفر آباؤكم ُكفْر نسيان‬
‫التكليف أو إنكار التكليف‪.‬‬
‫وتُوضع السماء عادةً للدللة على المُسمّى؛ فإذا نطقنا السم تجيء صورة المسمى إلى الذّهْن؛‬
‫ولذلك نسمي المولود بعد ولدته باسم يُميّزه عن بقية إخوته؛ بحيث إذا أُطلِق السم انصرف إلى‬
‫الذات المشخصة‪.‬‬
‫وإذا أُطلق اسم واحد على متعددين؛ فل بد أن يوضح واضع السم ما يميز كل ذات عن الخرى‪.‬‬
‫والمَثل من الريف المصري؛ حين يتفاءل أب باسم " محمد "؛ فيسمّي كل أولده بهذا السم‪ ،‬ولكنه‬
‫يُميّز بينهم بأن يقول‪ " :‬محمد الكبير " و " محمد الوسط " و " محمد الصغير "‪.‬‬
‫أما إذا وُضِع اسم لمُسمّى غير موجود؛ فهذا أمر غير مقبول أو معقول‪ ،‬وهم قد وضعوا أسماء‬
‫للهة غير موجودة؛ فصارت هناك أسماء على غير مُسمّى‪.‬‬
‫ويأتي هؤلء يوم القيامة؛ لِيُسألوا لحظة الحساب‪ُ {:‬ثمّ قِيلَ َلهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْ ِركُونَ * مِن دُونِ اللّهِ‬
‫ضلّ اللّهُ ا ْلكَافِرِينَ }[غافر‪.]74-73 :‬‬
‫قَـالُواْ ضَـلّواْ عَنّا بَل لّمْ َنكُنْ نّدْعُواْ مِن قَ ْبلُ شَيْئا َكذَِلكَ ُي ِ‬
‫وهكذا يعترف هؤلء بأنه لم َتكُنْ هناك آلهة؛ بل كان هنا أسماء بل مُسمّيات‪.‬‬
‫ولذلك يقول الحق سبحانه هنا‪:‬‬
‫سمّيْ ُتمُوهَآ أَنتُ ْم وَآبَآ ُؤكُمْ } [يوسف‪ .]40 :‬وكأن يوسف يتساءل‪:‬‬
‫سمَآءً َ‬
‫{ مَا َتعْ ُبدُونَ مِن دُونِهِ ِإلّ أَ ْ‬
‫ءَإذا كانت لكم حاجة تطلبونها من السماء‪ ،‬هل ستسألون السم الذي ل مُسمّى له؟‬
‫وهل يسعفكم السم بدون مُسمّى؟‬
‫ويوسف عليه السلم يعلم أن المعبود ل يمكن أن يكون اسما بل مُسمّى‪ ،‬وهو يعلم أن المعبود‬
‫الحق له اسم يبلغه لرسله‪ ،‬ويُنزِل معهم المنهج الذي يوجز في " افعل " و " ل تفعل "‪.‬‬
‫وهم قد سموا أسماء ل مُسمّى لها‪ ،‬ول يستطيع غير الموجود أن يُنزِل منهجا‪ ،‬أو يُجيب مضطرا‪.‬‬
‫ولذلك يتابع القرآن ما جاء على لسان يوسف عليه السلم في َوصْف تلك السماء التي بل‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫مُسمّيات‪ ،‬فيقول‪:‬‬
‫سلْطَانٍ { [يوسف‪:‬‬
‫سمّيْ ُتمُوهَآ أَنتُ ْم وَآبَآ ُؤكُمْ مّآ أَن َزلَ اللّهُ ِبهَا مِن ُ‬
‫سمَآءً َ‬
‫} مَا َتعْ ُبدُونَ مِن دُونِهِ ِإلّ أَ ْ‬
‫‪.]40‬‬
‫أي‪ :‬ما أنزل ال بها من حجة‪.‬‬
‫وتتابع الية الكريمة ما جاء على لسان يوسف‪:‬‬
‫حكْمُ ِإلّ للّهِ َأمَرَ َألّ َتعْبُدُواْ ِإلّ إِيّاهُ‪[ { ...‬يوسف‪.]40 :‬‬
‫} إِنِ الْ ُ‬
‫أي‪ :‬إنني ـ والكلم ليوسف ـ إن قلتُ شيئا فلنّي ناقلٌ للحكم عن ال‪ ،‬ل عن ذاتي؛ ول من‬
‫عندي؛ ول عن هواي؛ لنه هو سبحانه الذي أمر أل تعبدوا إل إياه‪ ،‬أي‪ :‬ل تطيعوا أمرا أو نهيا‬
‫إل ما أنزله ال في منهجه الهادي للحق والخير‪.‬‬
‫ويُذيّل الحق سبحانه الية الكريمة‪:‬‬
‫س لَ َيعَْلمُونَ { [يوسف‪.]40 :‬‬
‫} ذاِلكَ الدّينُ ا ْلقَيّ ُم وَلَـاكِنّ َأكْثَرَ النّا ِ‬
‫أي‪ :‬أن هذا هو الدين المستقيم دون سواه‪ ،‬ولكن أكثر الناس ل يعلمون‪ ،‬بمعنى‪ :‬أن الرسل قد‬
‫بلّغتهم بالمنهج‪ ،‬ولكنهم لم يُوظّفوا هذا العلم في أعمالهم‪.‬‬
‫ثم بدأ يوسف عليه السلم في تأويل المطلوب لهما‪.‬‬
‫يقول الحق سبحانه‪ } :‬ياصَاحِ َبيِ السّجْنِ‪.{ ...‬‬

‫(‪)1623 /‬‬
‫ضيَ‬
‫خمْرًا وََأمّا الَْآخَرُ فَ ُيصَْلبُ فَتَ ْأ ُكلُ الطّيْرُ مِنْ رَ ْأسِهِ ُق ِ‬
‫سقِي رَبّهُ َ‬
‫يَا صَاحِ َبيِ السّجْنِ َأمّا َأحَ ُد ُكمَا فَيَ ْ‬
‫الَْأمْرُ الّذِي فِيهِ تَسْ َتفْتِيَانِ (‪)41‬‬

‫وهكذا رجع يوسف عليه السلم إلى مطلب السجينين‪ ،‬وفسّر رؤيا مَنْ يسقي الخمر بأنه سيخرج‬
‫من السجن ويعود ليسقي سيده‪ ،‬وأما الخر فلسوف يُصَلبُ وتأكل الطير من رأسه‪ ،‬لن رمزية‬
‫الرؤيا تقول‪ :‬إن الطير سيأكل من رأسه؛ وهذا يعني أن رأسه ستكون طعاما للطير‪.‬‬
‫شفْرة‬
‫وتأويل الرؤيا علم يقذفه ال في قلوب مَنْ علّمهم تأويل الحاديث‪ ،‬وهي قدرة على َفكّ َ‬
‫الحُلْم‪ ،‬ويعطيها ال لمَنْ يشاء من عباده‪.‬‬
‫خمْرا }[يوسف‪.]36 :‬‬
‫عصِرُ َ‬
‫وقد قال يوسف لمَنْ قال‪ {:‬إِنّي أَرَانِي أَ ْ‬
‫أنه سوف ينال العفو ما أظهرته الرؤيا التي قالها‪ ،‬وأما الخر فسيأكل من رأسه الطير‪ .‬أي‪:‬‬
‫سيُصلب كما أوحتْ بذلك رموز الرّؤيا‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ونلحظ أن يوسف عليه السلم قد انشغل بالحكم الذي أوضحته الرؤييان عن الثنين صاحبي‬
‫الرؤييين‪.‬‬
‫وهذا دليل على أن القاضي يجب أن يكون ذهنه مُنصبّا على الحكم؛ ل على المحكوم عليه‪ ،‬فقد‬
‫سمع يوسف منهما؛ وهو ل يعرف مَنْ سينال البراءة‪ ،‬ومَنْ الذي سوف يُعاقب‪.‬‬
‫فنزع يوسف ذاته من المر‪ ،‬ولم يسمح لنفسه بدخول الهوى إلى قلبه؛ لن الهوى يُلوّن الحكم‪ ،‬ول‬
‫أحد بقادر على أن يسيطر على عاطفته‪ ،‬ول بد للقاضي لحظة أن يصدر حكما أن يتجرد تماما‬
‫من الهوى والذاتيات‪.‬‬
‫ويُعلّمنا الحق سبحانه ذلك حين أنزل لنا في قرآنه قصة سيدنا داود عليه السلم‪ {:‬وَ َهلْ أَتَاكَ نَبَأُ‬
‫صمَانِ َبغَىا‬
‫خ ْ‬
‫خفْ َ‬
‫علَىا دَاوُودَ َففَزِعَ مِ ْنهُمْ قَالُو ْا لَ َت َ‬
‫خلُواْ َ‬
‫سوّرُواْ ا ْل ِمحْرَابَ * إِذْ دَ َ‬
‫صمِ إِذْ َت َ‬
‫خ ْ‬
‫الْ َ‬
‫سوَآءِ الصّرَاطِ * إِنّ َهذَآ أَخِي لَهُ‬
‫ط وَا ْهدِنَآ إِلَىا َ‬
‫شطِ ْ‬
‫حكُمْ بَيْنَنَا بِا ْلحَقّ وَلَ تُ ْ‬
‫علَىا َب ْعضٍ فَا ْ‬
‫َب ْعضُنَا َ‬
‫سؤَالِ‬
‫ظَل َمكَ ِب ُ‬
‫ج ًة وَلِي َن ْعجَ ٌة وَاحِ َدةٌ َفقَالَ َأ ْكفِلْنِيهَا وَعَزّنِي فِي ا ْلخِطَابِ * قَالَ َلقَدْ َ‬
‫سعُونَ َنعْ َ‬
‫تِسْ ٌع وَتِ ْ‬
‫عمِلُواْ‬
‫علَىا َب ْعضٍ ِإلّ الّذِينَ آمَنُو ْا وَ َ‬
‫ضهُمْ َ‬
‫َنعْجَ ِتكَ إِلَىا ِنعَاجِ ِه وَإِنّ كَثِيرا مّنَ ا ْلخُلَطَآءِ لَيَ ْبغِي َب ْع ُ‬
‫ت َوقَلِيلٌ مّا هُ ْم َوظَنّ دَاوُودُ أَ ّنمَا فَتَنّاهُ فَاسْ َت ْغفَرَ رَبّ ُه َوخَرّ رَاكِعا وَأَنَابَ }[ص‪.]24-21 :‬‬
‫الصّالِحَا ِ‬
‫وكان من ذكر عدد ِنعَاج أخيه أنه إنما أراد أن يستميل داود عليه السلم لِصفّه؛ وكان يريد أن‬
‫يُصوّر الظلم الذي وقع عليه‪ ،‬وحكم داود بأن مَنْ أخذ النعجة ليضمها لنعاجه هو الذي ظلم؛ وشعر‬
‫داود أنه لم يُوفّق في الحكم؛ لنه ذكر في حيثية الحكم نعاج الذي أراد أن يأخذ نعجة أخيه‪.‬‬
‫فالخذ وحده كان هو المبرر عند داود لدانة الذي أراد الستيلء على ما ليس من حقه؛ ولذلك‬
‫اعتبر أن هذا المر كله فتنة لم يُوفّق فيها‪ ،‬واستغفر ال بالركوع والتوبة‪.‬‬
‫وقد كان يوسف عليه السلم حكيما حين قال تأويل الرّؤيا متجردا من الذاتية‪ ،‬وأنهى التأويل‬
‫بالقول‪:‬‬
‫لمْرُ الّذِي فِيهِ َتسْ َتفْتِيَانِ } [يوسف‪.]41 :‬‬
‫ياَ‬
‫ضَ‬
‫{ ُق ِ‬
‫أي‪ :‬أنه ل مجال للرجوع أو العدول عن حدوث ذلك الذي وصل إليه من تأويل؛ فقد جاء التأويل‬
‫وفقا لما علّمه ال له‪.‬‬
‫ب وقبل السجن‪ ،‬وقيل‪ :‬إن عمته‬
‫ج ّ‬
‫وهناك الكثير من الروايات عما تحمّله يوسف من صعاب قبل ال ُ‬
‫ابنة إسحق‪ ،‬وهي أكبر أولده؛ قد استقبلته بعد أن ماتت أمه لترعاه فتعلقت به؛ ولم تحب أحدا قَدْر‬
‫محبتها له‪.‬‬
‫وتاقت نفس يعقوب إلى ولده؛ فذهب إليها وقال لها‪ :‬سلّمي إليّ يوسف‪ .‬لكنها قالت‪ :‬وال ما أقدر‬
‫أن يغيب عني ساعة‪ ،‬ولن أتركه‪.‬‬
‫فلما خرج يعقوب عليه السلم من عندها‪ ،‬عمدتْ إلى شيء من ميراث إبراهيم عليه السلم‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يتوارثه اكبر البناء‪ ،‬ووضعته تحت ملبس يوسف‪.‬‬
‫وكان العُرفُ الجاري أنه إذا سرق أحد شيئا وتَمّ ضبطه؛ تحول من حرّ إلى عبد‪ ،‬وحين كاد‬
‫يعقوب أن يخرج مع ابنه يوسف عائدا إلى بيته؛ أعلنت العمة فقدان الشيء الذي أعطاه لها والدها‬
‫إسحق؛ وفتشوا يوسف فوجدوا الشيء المفقود‪.‬‬
‫فقالت عمته‪ :‬وال إنه لَسَلْم ـ أي عبد ـ وكان العرف أن مَنْ يسرق شيئا يتحول إلى عبد عند‬
‫صاحب الشيء‪.‬‬
‫وهكذا بقي يوسف مع عمته محروما من أبيه لفترة‪ ،‬ولم يستطع الب استرداده إل بعد أن ماتت‬
‫العمّة‪.‬‬
‫جبّ‪ ،‬ومن بعدها محاولة امرأة العزيز ِلغُوايته‪ ،‬ورغم تيقّن العزيز من براءته‬
‫ثم جاءت حادثة ال ُ‬
‫إل أنه أُودِع السجن؛ ويقول الرواة‪:‬‬
‫حسْن السمت‪،‬‬
‫" إن يوسف عليه السلم قد عُرف في السجن بالجود‪ ،‬والمانة‪ ،‬وصدق الحديث‪ ،‬و ُ‬
‫وكثرة العبادة‪ ،‬ومعرفة التعبير ـ أي تأويل الرؤيا ـ والحسان إلى أهل السجن‪.‬‬
‫ولما دخل هذان الفَتيانِ معه السجن؛ تآلفا به وأحبّاه حُبّا شديدا وقال له‪ :‬وال لقد أحببناك حبا‬
‫زائدا‪ .‬قال‪ :‬بارك ال فيكما؛ إنه ما من أحد أحبّني إل دخل عليّ من محبته ضررٌ‪ ،‬أحبتني عمّتي‬
‫فدخل الضرر بسببها‪ ،‬وأحبّني أبي فأوذيتُ بسببه‪ ،‬وأحبّتني امرأة العزيز فكذلك‪.‬‬
‫أي‪ :‬أنه دخل السجن وصار معهما دون ذنب جَنَاه‪.‬‬
‫قال السجينان‪ :‬إنا ل نستطيع غير ذلك "‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه بعد ذلك ما قاله يوسف لمن ظَنّ أنه سينجو من السجن‪َ } :‬وقَالَ لِلّذِي ظَنّ‪...‬‬
‫{‪.‬‬

‫(‪)1624 /‬‬
‫َوقَالَ لِلّذِي ظَنّ أَنّهُ نَاجٍ مِ ْن ُهمَا ا ْذكُرْنِي عِنْدَ رَ ّبكَ فَأَ ْنسَاهُ الشّ ْيطَانُ ِذكْرَ رَبّهِ فَلَ ِبثَ فِي السّجْنِ ِبضْعَ‬
‫سِنِينَ (‪)42‬‬

‫والمقصود هنا هو السجين الذي رأى حُلْما يعصر فيه العنب‪ ،‬فهو الذي فسر له يوسف رؤياه بأنه‬
‫سينجو؛ ويواصل مهمته في صناعة الخمر لسيده‪.‬‬
‫وقوله سبحانه‪:‬‬
‫{ َوقَالَ لِلّذِي ظَنّ‪[ } ..‬يوسف‪.]42 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يعني أن المر بالنجاة لم يتيقن بعد‪ ،‬ولم يصبح علما‪.‬‬
‫وقد أوصاه يوسف عليه السلم‪:‬‬
‫{ ا ْذكُرْنِي عِندَ رَ ّبكَ‪[ } ...‬يوسف‪.]42 :‬‬
‫والذكر هو حضور شيء بالبال؛ وكان له بالبال صِلَة استقبال‪ ،‬مثل أي قضية عرفتَها من قبل ثم‬
‫تركتَها‪ ،‬ونسي َتهَا لفترة‪ ،‬ثم تذكرتَها من جديد‪.‬‬
‫وهكذا نعلم أن للنسان استقبالت للدراكات‪ ،‬وهي ل تظل في ُبؤْرة الشعور كل الوقت؛ لن‬
‫الذهن ل يستطيع أن يكون مشغولً إل بشيء واحد‪ ،‬فإن جاء شيء آخر فهو يزحزح المر الول‬
‫إلى حافة الشعور‪ ،‬ليستقر المر الجديد في بؤرة الشعور‪.‬‬
‫والمثل الذي أضربه دائما هو إلقاء حجر في الماء‪ ،‬فيصنع الحجر دوائر تكبر ويتتابع اتساع‬
‫أقطارها‪ ،‬وهكذا بؤرة الشعور‪ ،‬حين تستقبل أمرا أو خاطرا جديدا‪.‬‬
‫فالخاطر الجديد يُبعد كل الخواطر الخرى من المركز إلى الحاشية‪ ،‬ثم يأتي ما يُذكّرك بما في‬
‫حاشية الشعور؛ ليعود لك الخاطر أو المر الذي كنت قد نسيتَه وتتذكره بكل تفاصيله؛ لن ذاكرة‬
‫النسان تعمل على مُسْتويين؛ فهي تحفظ المعلومات؛ وتسترجع المعلومات أيضا‪.‬‬
‫وقد قال يوسف لمن ظن أنه نَاجٍ‪:‬‬
‫{ ا ْذكُرْنِي عِندَ رَ ّبكَ‪[ } ..‬يوسف‪.]42 :‬‬
‫أي‪ :‬اذكر ما وجدته عندي من خير أمام سيدك‪.‬‬
‫وقال بعض المفسرين‪ :‬إن يوسف عليه السلم حين نطق هذا القول؛ شاء له ال أن يمكث في‬
‫السجن بضع سنين؛ فما كان ينبغي له كرسول أن يُوسّط الغير في مسألة ِذكْره بالخير عند سيد‬
‫ذلك السجين‪.‬‬
‫فيوسف كرسول إنما يتلقى عن ال بواسطة الوحي؛ وهو قد قال لذلك السجين وزميله‪ {:‬لَ يَأْتِي ُكمَا‬
‫طعَامٌ تُرْ َزقَانِهِ ِإلّ نَبّأْ ُت ُكمَا بِتَ ْأوِيلِهِ قَ ْبلَ أَن يَأْتِ َي ُكمَا ذاِل ُكمَا ِممّا عَّلمَنِي رَبّي }[يوسف‪.]37 :‬‬
‫َ‬
‫وهذا يعني أنه يستقبل عن ال مباشرة‪ ،‬وكان عليه أن يظل موصولً بالمصدر الذي يفيض عليه‪.‬‬
‫ويتابع الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ فَأَ ْنسَاهُ الشّ ْيطَانُ ِذكْرَ رَبّهِ فَلَ ِبثَ فِي السّجْنِ ِبضْعَ سِنِينَ } [يوسف‪.]42 :‬‬
‫ونسيان ذكر ال فيه نوع من العقوبة‪ ،‬أو يحمل شيئا من التأديب ليوسف‪ ،‬وهكذا نرى أن الشيطان‬
‫نفسه إنما ُيعِين الحق على مُرَاداته من خَلْقه‪.‬‬
‫وهذا ما يشرح لنا بقاء يوسف في السجن بضع سنين؛ ونعرف أن ال ِبضْع من السنين يعني من‬
‫عشْر سنوات‪ ،‬وبعض العلماء حَدّده بسبع سنين‪.‬‬
‫ثلث سنوات إلى َ‬
‫ويقول الحق سبحانه بعد ذلك‪َ { :‬وقَالَ ا ْلمَِلكُ‪.} ...‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫(‪)1625 /‬‬
‫خضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا‬
‫عجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ ُ‬
‫سمَانٍ يَ ْأكُُلهُنّ سَبْعٌ ِ‬
‫َوقَالَ ا ْلمَِلكُ إِنّي أَرَى سَ ْبعَ َبقَرَاتٍ ِ‬
‫أَ ّيهَا ا ْلمَلَأُ َأفْتُونِي فِي ُرؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِل ّرؤْيَا َتعْبُرُونَ (‪)43‬‬

‫ت فوقها تلك القصة هي مصر‪ ،‬وسبق أن عرفنا ذلك حين قال‬
‫والرض التي وقعتْ عليها‪ ،‬وجَ َر ْ‬
‫الحق سبحانه‪َ {:‬وقَالَ الّذِي اشْتَرَاهُ مِن ّمصْرَ }[يوسف‪.]21 :‬‬
‫وهكذا نعرف أن هناك " ملك " ‪ ،‬وهناك " عزيز "‪.‬‬
‫شفَ " حجر رشيد " ‪ ،‬وتم‬
‫ونحن نعلم أن حكام مصر القديمة كانوا يُس ّموْنَ الفراعنة‪ ،‬وبعد أن اكتُ ِ‬
‫َفكّ ألغاز اللغة الهيروغليفية؛ عرفنا أن حكم الفراعنة قد اختفى لفترة؛ حين استعمر مص َر ملوكُ‬
‫الرّعاة‪ ،‬وهم الذين يُس ّموْنَ الهكسوس‪.‬‬
‫وكانت هذه هي الفترة التي ظهر فيها يوسف‪ ،‬وعمل يوسف وأخوه معهم‪ ،‬فلما استرجع الفراعنة‬
‫ن كانوا يُوالونهم‪.‬‬
‫حكم مصر طردوا الهكسوس‪ ،‬وقتلوا مَ ْ‬
‫وحديث القرآن عن وجود مَلِك في مصر أثناء قصة يوسف عليه السلم هو من إعجاز التنبؤ في‬
‫القرآن‪.‬‬
‫وساعة تقرأ‪:‬‬
‫سمَانٍ يَ ْأكُُلهُنّ سَ ْبعٌ عِجَافٌ } [يوسف‪.]43 :‬‬
‫{ َوقَالَ ا ْلمَِلكُ إِنّي أَرَىا سَبْعَ َبقَرَاتٍ ِ‬
‫ثم يطلب تأويل رؤياه؛ فهذا يعني أنها رُؤيا منامية‪.‬‬
‫سمَانٍ } [يوسف‪.]43 :‬‬
‫وكلمة‪ِ { :‬‬
‫أي‪ُ :‬ممْتلئة اللحم والعافية‪ .‬وكلمة { عجاف } أي‪ :‬الهزيلة؛ كما يُقال عند العامة " جلدها على‬
‫عظمها "؛ فكيف تأكل العجاف السمان؛ مع أن العكس قد يكون مقبولً؟‬
‫وأضاف الملك‪:‬‬
‫خضْ ٍر وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ‪[ } ...‬يوسف‪.]43 :‬‬
‫لتٍ ُ‬
‫{ وَسَ ْبعَ سُنْبُ َ‬
‫ي فعل يصدر عن السنابل‪ ،‬ثم سأل مَنْ حوله من أعيان القوم الذين يتصدرون‬
‫ولم َيصِف الملك أ ّ‬
‫صُدور المجالس‪ ،‬ويملون العيون‪:‬‬
‫{ َأفْتُونِي فِي ُرؤْيَايَ إِن كُن ُتمْ لِل ّرؤْيَا َتعْبُرُونَ } [يوسف‪.]43 :‬‬
‫وكلمة (تعبرون) مأخوذة من " عبر النهر " أي‪ :‬انتقل من شاطئ إلى شاطئ‪ ،‬وكأنه يطلب منهم‬
‫المراد المَطْوي في الرّؤيا‪.‬‬
‫ومن هذا المعنى أخذنا كلمة " العبْرة " ‪ ،‬وهي التجربة التي نستفيد منها‪ ،‬ومنه أيضا " العبارَة "‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وهو أن يكون هناك شيء مكتوم في النفس‪ ،‬ونُؤدّيه‪ ،‬ونُظهِره بالعبارة‪.‬‬
‫ومنه " العَبْرة " ‪ ،‬وهو الدّمعْة التي تسقط من العين تعبيرا عن مشاعر ما؛ سواء كانت مشاعر‬
‫حُزْن أو فرح‪ ،‬والمادة كلها تدور حول تعريف مجهول بمعلوم‪.‬‬
‫وهكذا يفعل مُفسّر ال ّرؤْيا حين يَعبُر ـ من خلل رموزها ـ من الخيال إلى الحقيقة‪.‬‬
‫ولم يعرف المل الذين حول المَلِك تفسيرا للرّؤيا التي رآها في منامه‪.‬‬
‫ضغَاثُ‪.} ...‬‬
‫ويقول الحق سبحانه ما جاء على ألسنتهم‪ { :‬قَالُواْ َأ ْ‬

‫(‪)1626 /‬‬
‫ضغَاثُ َأحْلَا ٍم َومَا َنحْنُ بِتَ ْأوِيلِ الَْأحْلَامِ ِبعَاِلمِينَ (‪)44‬‬
‫قَالُوا َأ ْ‬

‫ضغْث " هو حِزْمة من‬
‫وهكذا أعلن المل أن رؤيا الملك ليست سوى أخلط أحلم بل معنى‪ .‬و " ال ّ‬
‫الحشائش مختلفة الجناس؛ فكأن ُرؤْيا الملك ل تأويلَ لها عندهم؛ لنهم ليسوا من أهل التمييز في‬
‫التأويل‪.‬‬
‫وهذا صِدْق من البطانة في ألّ يخبر أحدهم بشيء‪ ،‬إل إذا كان على علم به؛ ول يضير أحدهم أن‬
‫يعلن جهله بأمر ما ل يعلمه‪.‬‬
‫والذي يعلن جهله بأمر لسائله ـ ويكون قد علمه ـ يجعله يسأل غيره‪ ،‬أما إن أجاب بجواب؛‬
‫فربما جعله يَثْ ُبتُ على هذا الجواب‪.‬‬
‫ولذلك قال العلماء ليفسحوا مجال الصّدْق في الفُتْيا‪ " :‬مَنْ قال ل أدري فقد أفتى "؛ لنه حين يقول‬
‫" ل أدري "؛ سيضطرك إلى أن تسأل غيره‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه بعد ذلك‪َ { :‬وقَالَ الّذِي‪.} ...‬‬

‫(‪)1627 /‬‬
‫َوقَالَ الّذِي نَجَا مِ ْن ُهمَا وَا ّدكَرَ َبعْدَ ُأمّةٍ أَنَا أُنَبّ ُئ ُكمْ بِتَ ْأوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (‪)45‬‬

‫وكان الذي نجا من السجينين يسمع مقالة الملك وردّ المل؛ فاسترجع بذاكرته ما مَرّ عليه في‬
‫السجن‪ ،‬وكيف رأى الرّؤيا‪ ،‬وكيف قام يوسف بتأويلها‪.‬‬
‫وقوله‪ { :‬وَا ّدكَرَ َبعْدَ ُأمّةٍ‪[ } ..‬يوسف‪.]45 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يعني‪ :‬أنه أجهد عقله وذهْنه؛ وافتعل التذكّر لن فترة ل بأس بها من الزمن قد مَ ّرتْ‪ ،‬وكلمة " أمة‬
‫" تعني فترة من الزمن؛ كما في قول الحق تبارك وتعالى‪ {:‬وَلَئِنْ َأخّرْنَا عَ ْنهُمُ ا ْلعَذَابَ إِلَىا ُأمّةٍ‬
‫سهُ َألَ َيوْمَ يَأْتِيهِمْ لَ ْيسَ َمصْرُوفا عَ ْنهُ ْم َوحَاقَ ِبهِم مّا كَانُواْ ِبهِ يَسْ َتهْزِءُونَ }‬
‫ّمعْدُو َدةٍ لّ َيقُولُنّ مَا َيحْبِ ُ‬
‫[هود‪.]8 :‬‬
‫و " المة " قد يُراد بها الجماعة من الناس‪ ،‬ويُراد بها أيضا الرجل الجامع لكل صفات الخير‪ ،‬كما‬
‫قال الحق سبحانه في وصف إبراهيم عليه السلم‪ {:‬إِنّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ ُأمّةً قَانِتا لِلّهِ حَنِيفا وََلمْ َيكُ مِنَ‬
‫ا ْلمُشْ ِركِينَ }[النحل‪.]120 :‬‬
‫أي‪ :‬أن كل خصال الخير مجموعة في إبراهيم عليه وعلى نبينا السلم‪ ،‬وبعد أن افتعل ساقي‬
‫الملك واجتهد ليتذكر ما حدث له منذ فترة هي بضع سنين؛ أيام أنْ كان سجينا ورأى رُؤيا منامية‬
‫أوّلَها له يوسف‪ ،‬قال الساقي للمل وللملك عن تلك الرؤيا‪:‬‬
‫{ أَنَاْ أُنَبّ ُئكُمْ بِتَ ْأوِيلِهِ فَأَ ْرسِلُونِ } [يوسف‪.]45 :‬‬
‫وبذلك استأذن ليذهب إلى مَنْ يُؤوّل له رُؤيا الملك‪.‬‬
‫وقوله‪ { :‬فَأَرْسِلُونِ } [يوسف‪.]45 :‬‬
‫يعني أن التأويل ليس من عنده؛ بل هو يعرف مَنْ يستطيع تأويل الرّؤى‪.‬‬
‫ونلحظ أن القرآن لم يحمل على لسان هذا الرجل‪ :‬إلى من سوف يذهب؛ لن ذلك معلوم بالنسبة له‬
‫ولنا‪ ،‬نحن الذين نقرأ السورة‪.‬‬
‫وانتقل القرآن من طلب الرسال إلى لقاء يوسف عليه السلم؛ فيقول الحق سبحانه ما جاء على‬
‫سفُ أَ ّيهَا‪.} ...‬‬
‫لسان ساقي الملك‪ { :‬يُو ُ‬

‫(‪)1628 /‬‬
‫خضْ ٍر وَأُخَرَ‬
‫ف وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ ُ‬
‫سمَانٍ يَ ْأكُُلهُنّ سَبْعٌ عِجَا ٌ‬
‫سفُ أَ ّيهَا الصّدّيقُ َأفْتِنَا فِي سَبْعِ َبقَرَاتٍ ِ‬
‫يُو ُ‬
‫يَابِسَاتٍ َلعَلّي أَرْجِعُ إِلَى النّاسِ َلعَّلهُمْ َيعَْلمُونَ (‪)46‬‬

‫وقوله‪ { :‬أَ ّيهَا الصّدّيقُ } [يوسف‪.]46 :‬‬
‫يدل على أنه قد جرّبه في مسائل متعددة‪ ،‬وثبت صدقه‪.‬‬
‫و " صِدّيق " ل يقتصر معناها على أنه صادق في كل أقواله؛ وصادق في كل أفعاله‪ ،‬وصادق في‬
‫كل أحواله‪ ،‬ولكن معناها يتسع لِيدُلّنا على أن الصدق ملزم له دائما في القول وفي الفعل‪.‬‬
‫أما في القوال فصدقه واضح؛ لنه يقول القضية الكلمية ولها واقع من الخارج يدلّ عليها‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وأما صدق الفعال فهو ألّ تُجرّب عليه كلما‪ ،‬ثم يأتي فعله مخالفا لهذا الكلم؛ وهذا هو مَنْ نطلق‬
‫عليه " صِدّيق "‪.‬‬
‫ونحن نعلم أن حركات النسان في الحياة تنقسم قسمين؛ إما قول وإما فعل؛ والقول أداته اللسان‪،‬‬
‫والفعل أداته كل الجوارح‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فهناك قول‪ ،‬وهناك فعل؛ وكلهما عمل؛ فالقول عمل؛ والرؤية بالعين عمل؛ والسمع بالذن‬
‫عمل‪ ،‬والمسّ باليد عمل‪.‬‬
‫لكن القول اختصّ باللسان‪ ،‬وأخذتْ بقية الجوارح الفعل؛ لن الفعل هو الوسيلة العلمية بين‬
‫متكلم وبين مخاطب‪ ،‬وأخذ شق الفعل‪.‬‬
‫وهكذا نعلم أن الفعل قسمان‪ :‬إما قول؛ وإما فعل‪.‬‬
‫والصّدّيق هو الذي يصدُق في قوله‪ ،‬بأن تطابق النسبة الكلمية الواقع‪ ،‬وصادق في فعله بألّ يقول‬
‫ما ل يفعل‪.‬‬
‫ولذلك قال الحق سبحانه‪ {:‬كَبُرَ َمقْتا عِندَ اللّهِ أَن َتقُولُواْ مَا لَ َت ْفعَلُونَ }[الصف‪.]3 :‬‬
‫ونعلم أن ساقي الملك كانت له مع يوسف تجربتان‪:‬‬
‫التجربة الولى‪ :‬تجربة ُمعَايشته في السجن هو وزميله الخباز‪ ،‬وقولهما له‪ {:‬إِنّا نَرَاكَ مِنَ‬
‫حسِنِينَ }[يوسف‪.]36 :‬‬
‫ا ْلمُ ْ‬
‫خلَ َمعَهُ السّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ‬
‫وكان قولهما هذا هو حيثية سؤالهم له أن يُؤوّل لهما الرؤييين‪ {:‬وَدَ َ‬
‫ح ِملُ َفوْقَ رَ ْأسِي خُبْزا تَ ْأ ُكلُ الطّيْرُ مِنْهُ‬
‫خمْرا َوقَالَ الخَرُ إِنّي أَرَانِي أَ ْ‬
‫عصِرُ َ‬
‫حدُ ُهمَآ إِنّي أَرَانِي أَ ْ‬
‫أَ َ‬
‫نَبّئْنَا بِتَ ْأوِيلِهِ إِنّا نَرَاكَ مِنَ ا ْلمُحْسِنِينَ }[يوسف‪.]36 :‬‬
‫والتجربة الثانية‪ :‬هي مجيء واقع حركة الحياة بعد ذلك مطابقا لتأويله للرؤييين‪ .‬ولذلك يقول له‬
‫هنا‪:‬‬
‫خضْ ٍر وَُأخَرَ‬
‫لتٍ ُ‬
‫عجَافٌ وَسَ ْبعِ سُنبُ َ‬
‫سمَانٍ يَ ْأكُُلهُنّ سَبْعٌ ِ‬
‫سفُ أَ ّيهَا الصّدّيقُ َأفْتِنَا فِي سَ ْبعِ َبقَرَاتٍ ِ‬
‫{ يُو ُ‬
‫يَابِسَاتٍ ّلعَلّي أَرْجِعُ إِلَى النّاسِ َلعَّلهُمْ َيعَْلمُونَ } [يوسف‪.]46 :‬‬
‫خضْر‪،‬‬
‫سمَان؛ يأكلهن سبعُ بقرات شديد الهُزَال‪ ،‬وسبع سُنْبلت ُ‬
‫أي‪ :‬أفتِنَا في رُؤيا سبع بقرات ِ‬
‫وسبع أُخر يابسات‪ ،‬لَعلّي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون‪.‬‬
‫وقوله‪َ { :‬أفْتِنَا } [يوسف‪.]46 :‬‬
‫يوضح أنه ل يسأل عن رؤيا تخصّه؛ بل هي تخص رائيا لم يُحدده‪ ،‬وإنْ كنا قد عرفنا أنها رُؤيا‬
‫الملك‪.‬‬
‫جعُ إِلَى النّاسِ } [يوسف‪.]46 :‬‬
‫وقوله‪ّ { :‬لعَلّي أَرْ ِ‬
‫هو تحرّز واحتياط في قضية ل يجزم بها؛ وهو احتياط في واقع قدر ال مع النسان‪ ،‬والسائل قد‬
‫أخذ أسلوب الحتياط؛ ليخرجه من أن يكون كاذبا‪ ،‬فهو يعلم أن أمر عودته ليس في يده؛ ولذلك‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يُعلمنا ال‪:‬‬
‫علٌ ذاِلكَ غَدا * ِإلّ أَن يَشَآءَ اللّهُ وَا ْذكُر رّ ّبكَ إِذَا َنسِيتَ َوقُلْ عَسَىا أَن‬
‫{ َولَ َتقْولَنّ ِلشَاْىءٍ إِنّي فَا ِ‬
‫لقْ َربَ مِنْ هَـاذَا رَشَدا }[الكهف‪23 :‬ـ ‪.]24‬‬
‫َيهْدِيَنِ رَبّي َ‬
‫وساعة تقول‪ " :‬إن شاء ال " تكون قد أخرجتَ نفسك من دائرة الكذب؛ وما ُد ْمتَ قد ذكرتَ ال‬
‫فهو سبحانه قادر على أن يَهديك إلى الختيار المناسب في كل أمر تواجه فيه الختيار‪.‬‬
‫فكأن ال يُعلّم عباده أن يحافظوا على أنفسهم‪ ،‬بأن يكونوا صادقين في أقوالهم وأفعالهم؛ لنك مهما‬
‫صغُر‬
‫ي فعل مهما َ‬
‫ي فعل؛ فأ ّ‬
‫خططتَ فأنت تخطط بعقل موهوب لك من ال؛ وحين تُقدِم على أ ّ‬
‫يحتاج إلى عوامل متعددة وكثيرَة‪ ،‬ل تملك منها شيئا؛ لذلك فعليك أنْ تر ّد كلّ شيء إلى مَنْ يملكه‪.‬‬
‫وهنا قال الساقي‪:‬‬
‫} ّلعَلّي أَ ْرجِعُ إِلَى النّاسِ { [يوسف‪.]46 :‬‬
‫وبذلك يُعلّمنا الحق سبحانه الحتياط‪.‬‬
‫وأضاف الحق سبحانه على لسان الرجل‪:‬‬
‫} َلعَّل ُهمْ َيعَْلمُونَ { [يوسف‪.]46 :‬‬
‫وكأن الرجل قد عرف أنه حين يأخذ التأويل من يوسف عليه السلم؛ ويعود به إلى الناس؛ فهو ل‬
‫يعلم كيف يستقبلون هذا التأويل؟‬
‫أيستقبلونه بالقبول‪ ،‬أم بالمُحاجّة فيه؟ أو يستقبلون التأويل بتصديق‪ ،‬ويعلمون قَدْرك ومنزلتك يا‬
‫يوسف؛ فيُخلّصوك مما أنت فيه من بلء السجن‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪ّ } :‬لعَلّي أَرْجِعُ إِلَى النّاسِ‪[ { ....‬يوسف‪.]46 :‬‬
‫قد يدفع سائلً أن يقول‪ :‬مَنِ الذي كلّف الساقي بالذّهاب إلى يوسف؛ أهو الملك أم الحاشية؟‬
‫ونقول‪ :‬لقد نسبها الساقي إلى الكل؛ للحتياط الدائي‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك‪ } :‬قَالَ تَزْرَعُونَ‪.{ ...‬‬

‫(‪)1629 /‬‬
‫حصَدْتُمْ َفذَرُوهُ فِي سُنُْبلِهِ إِلّا قَلِيلًا ِممّا تَ ْأكُلُونَ (‪)47‬‬
‫قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا َفمَا َ‬

‫وهذه بداية تأويل ُرؤْيا الملك‪.‬‬
‫والدّأْب معناه‪ :‬المُواظبة؛ فكأن يوسف عليه السلم قد طلب أن يزرع أهل مصر بدأبٍ وبدون‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫كسل‪.‬‬
‫حصَدتّمْ َفذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ ِإلّ قَلِيلً ّممّا تَ ْأكُلُونَ } [يوسف‪.]47 :‬‬
‫ويتابع‪َ { :‬فمَا َ‬
‫ن تأكلوا القليل منه‪ ،‬وتتركوا بقيته محفوظا في‬
‫أي‪ :‬ما تحصدونه نتيجة الزرع بجِدّ واجتهاد؛ فلكم أ ْ‬
‫سنَابله‪.‬‬
‫والحفظ في السنابل يُعلّمنا قَدْر القرآن‪ ،‬وقدرة مَنْ أنزل القرآن سبحانه‪ ،‬وما آتاه ال جل عله‬
‫ليوسف عليه السلم من علم في كل نواحي الحياة‪ ،‬من اقتصاد ومقومات التخزين‪ ،‬وغير ذلك من‬
‫عطاءات ال‪ ،‬فقد أثبت العلم الحديث أن القمح إذا خُزّن في سنابله؛ فتلك حماية ووقاية له من‬
‫السوس‪.‬‬
‫وبعض العلماء قال في تفسير هذه الية؛ إن المقصود هو تخزين القمح في سنابله وعيدانه‪.‬‬
‫وأقول‪ :‬إن المقصود هو تَرْك القمح في سنابله فقط؛ لن العيدان هي طعام الحيوانات‪.‬‬
‫ونحن نعلم أن حبة القمح لها وعاءان؛ وعاء يحميها؛ وهو ينفصل عن القمحة أثناء عملية " الدّرْس‬
‫"؛ ثم يطير أثناء عملية " التذرية " مُنفصِلً عن حبوب القمح‪.‬‬
‫ولحبة القمح وعاء ملزم لها‪ ،‬وهو القشرة التي تنفصل عن الحبة حين نطحن القمح‪ ،‬ونسميها "‬
‫الردة " وهي نوعان‪ " :‬ردة خشنة " و " ردة ناعمة "‪.‬‬
‫ومن عادة البعض أن يَفصِلوا الدقيق النقي عن " الردة " ‪ ،‬وهؤلء يتجاهلون ـ أو ل يعرفون ـ‬
‫الحقيقة العلمية التي أكدت أن تناول الخبز المصنوع من الدقيق البيض الخالي من " الردة "‬
‫يصيب المعدة بالتلبّك‪.‬‬
‫فهذه القشرة الملزمة لحبة القمح ليست لحماية الحبة فقط؛ بل تحتوي على قيمة غذائية كبيرة‪.‬‬
‫وكان أغنياء الريف في مصر يقومون بتنقية الدقيق المطحون من " الردة " ويسمّونه " الدقيقة‬
‫ن وضعت ملعقة منه في فمك؛ تشعر بالتلَبّك؛ أما إذا وضعت ملعقة من الدقيق‬
‫العلمة "؛ الذي إ ْ‬
‫الطبيعي الممتزج بما تحتويه الحبة من " ردة "؛ فلن تشعر بهذا التلبّك‪.‬‬
‫ف وَالرّيْحَانُ }[الرحمن‪.]12 :‬‬
‫ص ِ‬
‫حبّ ذُو ا ْل َع ْ‬
‫ويمتنّ ال على عباده بذلك في قوله الحق‪ {:‬وَالْ َ‬
‫طحْن القمح‪ ،‬مع الحفاظ على ما فيه من قشر‬
‫وقد اهتدى علماء هذا العصر إلى القيمة الفاعلة في َ‬
‫القمح‪ ،‬وثبت لهم أن مَنْ يتناول الخبز المصنوع من الدقيق النقي للغاية؛ يعاني من ارتباك غذائي‬
‫يُلجِئه إلى تناول خبز مصنوع من قِشْر القمح فقط‪ ،‬وهو ما يسمى " الخبز السّن "؛ ليعوض في‬
‫غذائه ما فقده من قيمة غذائية‪.‬‬
‫وهنا يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫حصَدتّمْ َفذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ ِإلّ قَلِيلً ّممّا تَ ْأكُلُونَ } [يوسف‪.]47 :‬‬
‫{ َفمَا َ‬
‫وهكذا أخبر يوسف الساقي الذي جاء يطلب منه تأويل ُرؤْيا الملك؛ بما يجب أن يفعلوه تحسّبا‬
‫خضْرة والعطاء‪ ،‬فل يأكلوا ِملْء‬
‫للسنوات السبع العجاف التي تلي السبع سنوات المزدهرة بال ُ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫البطون؛ بل يتناولوا من القمح على قَدْر الكفاف‪:‬‬
‫{ ِإلّ قَلِيلً ّممّا تَ ْأكُلُونَ } [يوسف‪.]47 :‬‬
‫حلْم الملك‪ { :‬ثُمّ يَأْتِي‬
‫ويتابع الحق سبحانه ما جاء على لسان يوسف عليه السلم من بقية التأويل ل ُ‬
‫مِن‪.} ...‬‬

‫(‪)1630 /‬‬
‫حصِنُونَ (‪)48‬‬
‫ثُمّ يَأْتِي مِنْ َبعْدِ ذَِلكَ سَ ْبعٌ شِدَادٌ يَ ْأكُلْنَ مَا َق ّدمْتُمْ َلهُنّ إِلّا قَلِيلًا ِممّا ُت ْ‬

‫وهكذا أوضح يوسف عليه السلم ما سوف يحدث في مصر من جَدْب يستمر سبع سنوات عجاف‬
‫بعد سبع سنوات من الزرع الذي يتطلب ِهمّة ل تفتر‪.‬‬
‫وقوله سبحانه في وصف السبع " سنوات " بأنها‪:‬‬
‫{ شِدَادٌ‪[ } ..‬يوسف‪.]48 :‬‬
‫جدْب فيها سوف يُجهِد الناس؛ فإنْ لم تكُنْ هناك حصيلة َتمّ تخزينها من محصول السبع‬
‫يعني‪ :‬أن ال َ‬
‫السنوات السابقة‪ ،‬فقد تحدُث المجاعة‪ ،‬وليعصم الناسُ بطونهم في السنوات السبع الولى‪ ،‬وليأكلوا‬
‫جدْب‪.‬‬
‫على قَدْر الضرورة؛ ليضمنوا مواجهة سنوات ال َ‬
‫ونحن نعلم أن النسان يستبقي حياته بالتنفس والطعام والشراب؛ والطعام إنما َيمْري على النسان‪،‬‬
‫ويعطيه قوة يواجه بها الحياة‪.‬‬
‫ولكن أغلب طعامنا ل نهدف منه القوة فقط؛ بل نبغي منه المتعة أيضا‪ ،‬ولو كان النسان يبغي سَدّ‬
‫غائلة الجوع فقط‪ ،‬لكتفى بالطعام المسلوق‪ ،‬أو بالخبز والدام فقط‪ ،‬لكننا نأكل للستمتاع‪.‬‬
‫ويتكلم الحق سبحانه عن ذلك فيقول‪َ {:‬فكُلُوهُ هَنِيئا مّرِيئا }[النساء‪.]4 :‬‬
‫أي‪ :‬بدون أن يضرك‪ ،‬ودون أن يُلجِئك هذا الطعام إلى ال ُم ْهضِمات من العقاقير‪.‬‬
‫وهذا هو المقصود من قول الحق سبحانه‪ {:‬هَنِيئا‪[} ...‬النساء‪ ،]4 :‬أما المقصود بقوله‪ {:‬مّرِيئا }‬
‫[النساء‪.]4 :‬‬
‫فهو الطعام الذي يفيد ويمدّ الجسم بالطاقة فقط؛ وقد ل يُستساغ طعمه‪.‬‬
‫وهنا قال الحق سبحانه‪:‬‬
‫حصِنُونَ } [يوسف‪.]48 :‬‬
‫{ ُثمّ يَأْتِي مِن َبعْدِ ذاِلكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَ ْأكُلْنَ مَا قَ ّدمْتُمْ َلهُنّ ِإلّ قَلِيلً ّممّا ُت ْ‬
‫وبطبيعة الحال نفهم أن السنوات ليست هي التي تأكل؛ بل البشر الذين يعيشون في تلك السنوات‬
‫هم الذين يأكلون‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ونحن نفهم ذلك؛ لننا نعلم أن أي حدث يحتاج لزمان ولمكان؛ ومرة يُنسب الحَدث للزمان؛ ومرة‬
‫يُنسب الحَدث للمكان‪.‬‬
‫والمثال على نسبة الحَدث للمكان هو قول الحق سبحانه‪ {:‬وَسْ َئلِ ا ْلقَرْيَةَ الّتِي كُنّا فِيهَا وَاّلعِيْرَ‪} ...‬‬
‫[يوسف‪.]82 :‬‬
‫وطبعا نفهم أن المقصود هو سؤال أهل القرية التي كانوا فيها‪ ،‬وأصحاب القوافل التي كانت معهم‪.‬‬
‫وهنا في الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها؛ نجد الحدث منسوبا للزمان؛ وهم سيأكلون مما‬
‫أحصنوا إل قليلً؛ لنهم بعد أن يأكلوا ل بد لهم من الحتفاظ بكمية من الحبوب والبُذُور‬
‫لستخدامها كتقاوي في العام التالي لسبع سنوات موصوفة بالجدب‪.‬‬
‫وقوله تعالى‪:‬‬
‫حصِنُونَ } [يوسف‪.]48 :‬‬
‫{ ّممّا ُت ْ‬
‫نجده من مادة " حصن " وتفيد المتناع؛ ويقال‪ " :‬أقاموا في داخل الحصن " أي‪ :‬أنهم إنْ هاجمهم‬
‫العداء؛ يمتنعون عليهم؛ ول يستطيعون الوصول إليهم‪.‬‬
‫حصَنَاتُ مِنَ النّسَآءِ‪[} ...‬النساء‪.]24 :‬‬
‫ويقول الحق سبحانه‪ {:‬وَا ْل ُم ْ‬
‫أي‪ :‬ال ُممْتنعات عن عملية الفجور؛ وهُنّ الحرائر‪.‬‬
‫جهَا }[النبياء‪.]91 :‬‬
‫حصَنَتْ فَ ْر َ‬
‫وأيضا يقول الحق سبحانه‪ {:‬وَالّتِي َأ ْ‬
‫عفّتها‪ ،‬وهي السيدة مريم البتول عليها السلم‪ ،‬وهكذا نجد مادة " حصَن "‬
‫أي‪ :‬التي أحكمتْ صيانة ِ‬
‫تفيد المتناع‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه بعد ذلك‪ُ { :‬ثمّ يَأْتِي مِن َبعْدِ‪.} ...‬‬

‫(‪)1631 /‬‬
‫س َوفِيهِ َي ْعصِرُونَ (‪)49‬‬
‫ثُمّ يَأْتِي مِنْ َبعْدِ ذَِلكَ عَامٌ فِيهِ ُيغَاثُ النّا ُ‬

‫ونلحظ أن هذا المر الذي تحدث عنه يوسف عليه السلم خارج عن تأويل الرّؤيا؛ لن ما احتوته‬
‫خضْر وأُخَر يابسات‪.‬‬
‫سمَانٍ؛ وسبع سُنبلت ُ‬
‫رُؤيا الملك هو سبع بقرات عجاف يأكلن سبع بقرات ِ‬
‫وأنهى يوسف عليه السلم تأويل الرّؤيا‪ ،‬وبعد ذلك جاء بحكم العقل على المور؛ حيث يعود‬
‫خصْب العادي ليعطيهم مثلما كان يعطيهم من قبل ذلك‪.‬‬
‫ال ِ‬
‫غثْ فلنا " أي‪ :‬أَعِنْ فلنا‪ :‬لنه في حاجة‬
‫غوْث "؛ لننا نقول " أ ِ‬
‫وهذا يمكن أن يطلق عليه " َ‬
‫للعون‪ ،‬والغيث ينزل من السماء لِيُنهِي الجَدْب‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وقوله‪ُ { :‬يغَاثُ النّاسُ‪[ } ...‬يوسف‪.]49 :‬‬
‫أي‪ :‬يُعانون بما يأتيهم من فضل ال بالضروري من قوت يمسك عليهم الحياة‪.‬‬
‫ويُذيّل الحق سبحانه الية بقوله‪َ { :‬وفِيهِ َي ْعصِرُونَ } [يوسف‪.]49 :‬‬
‫عصْره من حبوب أو ثمار؛ مثل‪ :‬السمسم‪ ،‬والزيتون‪ ،‬والعنب‪ ،‬والقصب‪ ،‬أو البلح‪،‬‬
‫أي‪ :‬ما يمكن َ‬
‫وأنت لن تعصر تلك الحبوب أو الثمار إل إذا كان عندك ما يفيض عن قوت ذاتك وقوت من‬
‫تعول‪.‬‬
‫وهكذا أوضح لنا الحق سبحانه أنهم سوف يُر َزقُونَ بخير يفيض عن الغاثة؛ ولهم أن يدخروه‪،‬‬
‫وما سبق في آيات الرؤيا وتأويلها هو حوار بين يوسف الصديق ـ عليه السلم ـ وبين ساقي‬
‫الملك‪.‬‬
‫ولحظنا كيف انتقل القرآن من لقطة عجز الحاشية عن الفتاء في أمر الرؤيا‪ ،‬وتقديم الساقي طلبا‬
‫لن يرسلوه كي يُحضِر لهم تأويل الرؤيا‪ ،‬ثم جاء مباشرة بالحوار بين يوسف والساقي‪.‬‬
‫هنا ينتقل القرآن إلى ما حدث‪ ،‬بعد أن عَلِم الملك بتأويل الرّؤيا‪ ،‬فيقول سبحانه‪َ { :‬وقَالَ‬
‫ا ْلمَِلكُ‪.} ...‬‬

‫(‪)1632 /‬‬
‫طعْنَ‬
‫س َوةِ اللّاتِي قَ ّ‬
‫جعْ إِلَى رَ ّبكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النّ ْ‬
‫َوقَالَ ا ْلمَِلكُ ائْتُونِي بِهِ فََلمّا جَا َءهُ الرّسُولُ قَالَ ارْ ِ‬
‫أَيْدِ َيهُنّ إِنّ رَبّي ِبكَيْ ِدهِنّ عَلِيمٌ (‪)50‬‬

‫ومعنى ذلك أن الساقي ذهب إلى مجلس الملك مباشرة‪ ،‬ونقل له تأويل الرّؤيا‪ ،‬وأصرّ الملك أنْ‬
‫يأتوا له بهذا الرجل؛ فقد اقتنع بأنه يجب الستفادة منه؛ وعاد الساقي ليُخرِج يوسف من السجن‬
‫الذي هو فيه‪.‬‬
‫لكنه فُوجِيء برفض يوسف للخروج من السجن‪ ،‬وقوله لمن جاء يصحبه إلى مجلس الملك‪:‬‬
‫طعْنَ أَيْدِ َيهُنّ إِنّ رَبّي ِبكَيْ ِدهِنّ عَلِيمٌ } [يوسف‪:‬‬
‫س َوةِ اللّتِي َق ّ‬
‫{ ا ْرجِعْ إِلَىا رَ ّبكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النّ ْ‬
‫‪.]50‬‬
‫وهكذا حرص يوسف على ألّ يستجيب لمَنْ جاء يُخلّصه من عذاب السجن الذي هو فيه؛ إل إذا‬
‫برئتْ ساحته براءةً يعرفها الملك؛ فقد يكون من المحتمل أنهم ستروها عن أذن الملك‪.‬‬
‫طعْنَ‬
‫وأراد يوسف عليه السلم بذلك أن يُحقق المَلِك في ذلك المر مع هؤلء النسوة اللتي َق ّ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫عوْنَهُ إلى الفحشاء‪.‬‬
‫أيديهن؛ ودَ َ‬
‫واكتفى يوسف بالشارة إلى ذلك بقوله‪:‬‬
‫{ إِنّ رَبّي ِبكَ ْيدِهِنّ عَلِيمٌ } [يوسف‪.]50 :‬‬
‫ويُخفي هذا القول في طيّاته ما قالته النسوة من قبل ليوسف بضرورة طاعة امرأة العزيز في‬
‫طلبها للفحشاء‪.‬‬
‫وهكذا نجد القصص القرآني وهو يعطينا العِبْرة التي تخدمنا في واقع الحياة؛ فليست تلك القصص‬
‫للتسلية‪ ،‬بل هي للعبرة التي تخدمنا في قضايا الحياة‪.‬‬
‫وبراءة ساحة أي إنسان هو أمر ُمهِمٌ؛ كي تزول أيّ ريبة من النسان قبل أن يُسند إليه أي عمل‪.‬‬
‫وهكذا طلب يوسف عليه السلم إبراء ساحته‪ ،‬حتى ل َيقُولَنّ قائل في وشاية أو إشاعة " همزا أو‬
‫َلمْزا "‪ :‬أليس هذا يوسف صاحب الحكاية مع امرأة العزيز‪ ،‬وهو مَنْ راودته عن نفسه؟‬
‫وها هو رسولنا صلى ال عليه وسلم يقول‪ " :‬عجبت لصبر أخي يوسف وكرمه ـ وال يغفر له‬
‫ـ حيث أُرْسِل إليه ليُستفتى في الرؤيا‪ ،‬وإن كنت أنا لم أفعل حتى أخرج‪ ،‬وعجبت من صبره‬
‫وكرمه ـ وال يغفر له ـ أُتِي ليخرج فلم يخرج حتى أخبرهم بعذره‪ ،‬ولو كنت أنا لبادرت الباب‪،‬‬
‫ولكنه أحب أن يكون له العذر "‪.‬‬
‫وشاء نبينا صلى ال عليه وسلم أن يُوضّح لنا مكانة يوسف من الصبر وعزة النفس والنزاهة‬
‫والكرامة فقال صلى ال عليه وسلم‪ " :‬إن الكريم‪ ،‬ابن الكريم‪ ،‬ابن الكريم‪ ،‬ابن الكريم يوسف بن‬
‫يعقوب بن إسحق بن إبراهيم‪ .‬قال ـ لو لبثتُ في السجن ما لبثَ‪ ،‬ثم جاءني الرسول أجبتُ ثم قرأ‬
‫س َوةِ اللّتِي‬
‫جعْ إِلَىا رَ ّبكَ فَاسْأَ ْلهُ مَا بَالُ النّ ْ‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ { :-‬فََلمّا جَآ َءهُ الرّسُولُ قَالَ ارْ ِ‬
‫طعْنَ أَ ْيدِ َيهُنّ‪[ } ..‬يوسف‪." ]50 :‬‬
‫قَ ّ‬
‫وهكذا بيّنَ لنا الرسول صلى ال عليه وسلم مكانة يوسف من الصبر والنزاهة‪ ،‬وخشيته أن يخرج‬
‫من السجن فَيُشَار إليه‪ :‬هذا مَنْ راود امرأة سيده‪.‬‬
‫وفي قول الرسول صلى ال عليه وسلم إشارة إلى مبالغة يوسف في ذلك المر‪ ،‬وكان من الحوط‬
‫أن يخرج من السجن‪ ،‬ثم يعمل على كشف براءته‪.‬‬
‫ومعنى ذلك أن الكريم ل يستغل المواقف استغللً أحمق‪ ،‬بل يأخذ كل موقف بقدْره ويُرتّب له؛‬
‫وكان يوسف واثقا من براءته‪ ،‬ولكنه أراد ألّ يكون الملك آخر مَنْ يعلم‪.‬‬
‫وصدق رسولنا صلى ال عليه وسلم حين قال‪َ " :‬دعْ ما يَرِيبُك إلى ما ل يَرِيبك‪ ،‬فإن الصدقَ‬
‫طُمأنينة‪ ،‬وإن الكذبَ ريبة "‪.‬‬
‫ل يقف المؤمن موقفَ الرّيبة؛ لن بعض‬
‫وكان صلى ال عليه وسلم يرى أن اليمان بال يقتضي أ ّ‬
‫الناس حين يَ َروْنَ نَابِها‪ ،‬قد تثير الغيرةُ من نباهته البعضَ؛ فيتقوّلون عليه‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ل تقف موقف الرّيبة‪ ،‬والمر الذي تأتيك منه الرّيبة؛ عليك أن‬
‫لذلك فعليك أن تحتاطَ لنفسك؛ بأ ّ‬
‫تبتعد عنه‪.‬‬
‫ولنا في رسول ال صلى ال عليه وسلم أسوة حسنة‪ " ،‬فقد جاءته َزوْجه صفية بن حُيي تزوره‬
‫وهو معتكف في العشر الواخر من رمضان‪ ،‬فتحدثت عنده ساعة من العشاء‪ ،‬ثم قامتْ تنقلب ـ‬
‫أي‪ :‬تعود إلى حجرتها ـ فقام معها رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬حتى إذا بلغت باب المسجد‬
‫الذي عند مسكن أم سلمة زوج رسول ال صلى ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬م ّر بهما رجلن من‬
‫النصار فسلّما على رسول ال صلى ال عليه وسلم ثم نفذا‪ ،‬فقال لهما رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم‪ " :‬على رِسْلكما‪ ،‬إنما هي صفية بنت حُيي‪ .‬قال‪ :‬سبحان ال يا رسول ال‪ ،‬وكبر عليهما ما‬
‫قال‪ .‬قال‪ :‬إن الشيطان يجري من ابن آدم مبلغ الدم‪ ،‬وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما "‪.‬‬
‫وهنا في الموقف الذي نتناوله بالخواطر‪ ،‬نجد الملك وهو يستدعي النسوة اللتي قطّعن أيديهن‪،‬‬
‫خطْ ُبكُنّ‪.{ ...‬‬
‫ورَاودْنَ يوسف عن نفسه‪ ،‬وهو ما يذكره الحق سبحانه‪ } :‬قَالَ مَا َ‬

‫(‪)1633 /‬‬
‫علَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَاَلتِ امْرََأةُ‬
‫سهِ قُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا عَِلمْنَا َ‬
‫سفَ عَنْ َنفْ ِ‬
‫قَالَ مَا خَطْ ُبكُنّ إِذْ رَاوَدْتُنّ يُو ُ‬
‫حصَ ا ْلحَقّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ َنفْسِهِ وَإِنّهُ َلمِنَ الصّا ِدقِينَ (‪)51‬‬
‫حصْ َ‬
‫ا ْلعَزِيزِ الْآَنَ َ‬

‫عتْ هي النسوة‬
‫ونعلم أن المُرَاودة الولى ليوسف كانت من امرأة العزيز؛ واستعصم يوسف‪ ،‬ثم دَ َ‬
‫طعْنَ أيديهن حين فُوجئْنَ بجمال يوسف عليه السلم‪ ،‬وصدرت منهن إشارات‪،‬‬
‫إلى مجلسها؛ وق ّ‬
‫ودعوات إثارة وانفعال‪.‬‬
‫ن وََأكُن مّنَ‬
‫صبُ إِلَ ْيهِ ّ‬
‫قال عنها يوسف ما أورد الحق سبحانه‪ {:‬وَإِلّ َتصْ ِرفْ عَنّي كَ ْيدَهُنّ َأ ْ‬
‫الْجَاهِلِينَ }[يوسف‪.]33 :‬‬
‫واستدعاهن الملك‪ ،‬وسألهن‪ { :‬مَا خَطْ ُبكُنّ } [يوسف‪.]51 :‬‬
‫خطْب‪ :‬هو الحَ َدثْ الجَلَل‪ ،‬فهو حدث غير عادي يتكلم به الناس؛ فهو ليس حديثا بينهم وبين‬
‫وال َ‬
‫أنفسهم؛ بل يتكلمون عنه بحديث يصل إلى درجة تهتز لها المدينة؛ لن مثل هذا الحادث قد وقع‪.‬‬
‫سلُونَ *‬
‫خطْ ُبكُمْ أَ ّيهَا ا ْلمُرْ َ‬
‫ولذلك نجد إبراهيم عليه السلم‪ ،‬وقد قال لجماعة من الملئكة‪ {:‬قَالَ َفمَا َ‬
‫قَالُواْ إِنّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىا َقوْمٍ مّجْ ِرمِينَ }[الذاريات‪.]32-31 :‬‬
‫أي‪ :‬أن الملئكة طمأنتْ إبراهيم عليه السلم؛ فهي في مهمة لعقاب قوم مجرمين‪.‬‬
‫عجْلً من الذهب الذي‬
‫وموسى عليه السلم حين عاد إلى قومه‪ ،‬ووجد السامري قد صنع لهم ِ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫خطْ ُبكَ ياسَامِ ِريّ }[طه‪.]95 :‬‬
‫أخذوه من قوم فرعون نجده يقول للسامري‪ {:‬قَالَ َفمَا َ‬
‫وقَوْل الملك هنا في الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها‪:‬‬
‫سفَ عَن ّنفْسِهِ } [يوسف‪.]51 :‬‬
‫{ قَالَ مَا خَطْ ُبكُنّ ِإذْ رَاوَدتّنّ يُو ُ‬
‫يدلّ على أنه قد سمع الحكاية بتفاصيلها فاهتزّ لها؛ واعتبرها خَطْبا؛ مما يوضح لنا أن القيم هي‬
‫القيم في كل زمان أو مكان‪.‬‬
‫وبدأ النسوة الكلم‪ ،‬فقُلْنَ‪:‬‬
‫{ حَاشَ للّهِ مَا عَِلمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ } [يوسف‪.]51 :‬‬
‫ولم يذكُرْنَ مسألة مُرَاودتهِنّ له‪ ،‬وكان المر المهم هو إبراء ساحة يوسف عند المَلِك‪.‬‬
‫وقولهن‪ { :‬حَاشَ للّهِ‪[ } ...‬يوسف‪ ]51 :‬أي‪ :‬نُنزّه يوسف عن هذا‪ ،‬وتنزيهُنَا ليوسف أمْرٌ من ال‪.‬‬
‫وهنا تدخلتْ امرأة العزيز‪:‬‬
‫حقّ‪[ } ...‬يوسف‪.]51 :‬‬
‫حصَ الْ َ‬
‫صَ‬
‫ح ْ‬
‫{ قَاَلتِ امْرََأتُ ا ْلعَزِيزِ النَ َ‬
‫حصّة الحق من‬
‫أي‪ :‬أنها أق ّرتْ بأنه لم َيعُدْ هناك مجال للستر‪ ،‬ووضح الحقّ بعد خفاء‪ ،‬وظهرتْ ِ‬
‫حصّة الباطل‪ ،‬ول ُبدّ من العتراف بما حدث‪:‬‬
‫ِ‬
‫س ِه وَإِنّهُ َلمِنَ الصّا ِدقِينَ } [يوسف‪.]51 :‬‬
‫{ أَنَاْ رَاوَدْتّهُ عَن ّنفْ ِ‬
‫وواصلت امرأة العزيز العتراف في الية التالية‪ { :‬ذاِلكَ لِ َيعَْلمَ‪.} ..‬‬

‫(‪)1634 /‬‬
‫ب وَأَنّ اللّهَ لَا َيهْدِي كَ ْيدَ الْخَائِنِينَ (‪)52‬‬
‫ذَِلكَ لِ َيعَْلمَ أَنّي لَمْ َأخُنْهُ بِا ْلغَ ْي ِ‬

‫قالت ذلك حتى تُعلِنَ براءة يوسف عليه السلم‪ ،‬وأنها لم تنتهز فرصة غيابه في السجن وتنتقم‬
‫جبْ لمُراودتها له‪ ،‬ولم تنسج له أثناء غيابه المؤامرات‪ ،‬والدسائس‪ ،‬والمكائد‪.‬‬
‫منه؛ لنه لم يست ِ‬
‫وهذا يدلّنا على أن شِ ّرةَ النسان قد تتوهج لغرض خاص‪ ،‬وحين يهدأ الغرض ويذهب‪ ،‬يعود‬
‫النسان إلى توازنه الكمالي في نفسه‪ ،‬وقد يجعل من الزّلة الولى في خاطره وسيلة إلى الحسان‬
‫فيما ليس له فيه ضعف‪ ،‬كي تستر الحسنةُ السيئة‪ ،‬مصداقا لقول الحق سبحانه‪ {:‬إِنّ ا ْلحَسَنَاتِ‬
‫يُذْهِبْنَ السّـيّئَاتِ ذاِلكَ ِذكْرَىا لِلذّاكِرِينَ }[هود‪.]114 :‬‬
‫ولو أن إنسانا عمل سيئة وفضحه آخر عليها؛ فالفاضح لتلك السيئة إنما يحرم المجتمع من حسنات‬
‫صاحب السيئة‪.‬‬
‫ولذلك أقول‪ :‬استروا سيئات المسيء؛ لنها قد تلهمه أن يقدم من الخير ما يمحو به سيئاته‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ولذلك قالوا‪ :‬إذا استقرأتَ تاريخ الناس‪ ،‬أصحاب النفس القوية في الخلق والقيم؛ قد تجد لهم من‬
‫سقَطات؛ ويحاولون أن يعملوا الحسنات كي تُذهِب عنهم السيئات؛ لن بالَ الواحد‬
‫الضعف هنات و َ‬
‫منهم مشغولٌ بضعفه الذي يُلهِبه؛ فيندفع لفعل الخيرات‪.‬‬
‫وبعد أن اعترفتْ امرأة العزيز بما فعلت؛ قالت‪:‬‬
‫{ وَأَنّ اللّ َه لَ َيهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ } [يوسف‪.]52 :‬‬
‫أي‪ :‬أنها أق ّرتْ بأنه سبحانه وتعالى ل يُنفِذ كيد الخائنين‪ ،‬ول يُوصّله إلى غايته‪.‬‬
‫وتواصل امرأة العزيز فتقول‪َ { :‬ومَآ أُبَرّىءُ َنفْسِي‪.} ...‬‬

‫(‪)1635 /‬‬
‫غفُورٌ َرحِيمٌ (‪)53‬‬
‫َومَا أُبَ ّرئُ َنفْسِي إِنّ ال ّنفْسَ لََأمّا َرةٌ بِالسّوءِ إِلّا مَا َرحِمَ رَبّي إِنّ رَبّي َ‬

‫هذا القول من تمام كلم امرأة العزيز؛ وكأنها توضح سبب حضورها لهذا المجلس؛ فهي لم‬
‫تحضر لتبرىء نفسها‪:‬‬
‫{ إِنّ ال ّنفْسَ لَمّا َرةٌ‪[ } ...‬يوسف‪.]53 :‬‬
‫ومجيء قول الحق سبحانه المؤكّد أن النفس على إطلقها أمّارة بالسوء؛ يجعلنا نقول‪ :‬إن يوسف‬
‫أيضا نفس بشرية‪.‬‬
‫وقد قال بعض العلماء‪ :‬إن هذا القول من كلم يوسف‪ ،‬كردّ عليها حين قالت‪ {:‬أَنَاْ رَاوَدْتّهُ عَن‬
‫ّنفْسِ ِه وَإِنّهُ َلمِنَ الصّا ِدقِينَ * ذاِلكَ لِ َيعْلَمَ أَنّي لَمْ أَخُ ْنهُ بِا ْلغَ ْيبِ وَأَنّ اللّ َه لَ َيهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ }‬
‫[يوسف‪.]52-51 :‬‬
‫وكان من المناسب أن يرد يوسف عليه السلم بالقول‪:‬‬
‫لمّا َرةٌ بِالسّوءِ ِإلّ مَا َرحِمَ رَبّي } [يوسف‪.]53 :‬‬
‫س َ‬
‫{ َومَآ أُبَرّىءُ َنفْسِي إِنّ ال ّنفْ َ‬
‫ويمكن أن يُنسب هذا القول إلى يوسف كََلوْنٍ من الحرص على ألّ يلمسه غرور اليمان‪ ،‬فهو‬
‫كرسول من ال يعلم أن ال سبحانه هو الذي صرف كيدهُنّ عنه‪.‬‬
‫وهذا َلوْن من رحمة ال به؛ فهو كبشر مُجرّد عن العصمة والمنهج من الممكن أن تحدث له‬
‫الغواية؛ لكن الحق سبحانه عصمه من الزّلَل‪.‬‬
‫ومن ُلطْف ال أن قال عن النفس‪ :‬إنها أمّارة بالسوء؛ وفي هذا توضيح كافٍ لطبيعة عمل النفس؛‬
‫فهي ليستْ آمرةً بالسوء‪ ،‬بمعنى أنها تأمر النسان لتقع منه المعصية مرة واحدة وينتهي المر‪.‬‬
‫ل‪ ،‬بل انتبه أيها النسان إلى حقيقة عمل النفس‪ ،‬فهي دائما أمّارة بالسوء‪ ،‬وأنت تعلم أن التكليفات‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫اللهية كلها إمّا أوامر أو َنوَاهٍ‪ ،‬وقد تستقبِل الوامر كتكليف يشقّ على نفسك‪ ،‬وأنت تعلم أن‬
‫النواهي تمنعك من أفعال قد تكون مرغوبة لك‪ ،‬لنها في ظاهرها ممتعة‪ ،‬وتلبي نداء غرائز‬
‫النسان‪.‬‬
‫ح ّفتْ النار بالشهوات "‪.‬‬
‫حفّتْ الجنة بالمكاره‪ ،‬و ُ‬
‫ولذلك يقول المصطفى صلى ال عليه وسلم‪ُ " :‬‬
‫أي‪ :‬أن المعاصي قد تُغريك‪ ،‬ولكن العاقل هو من يملك زمام نفسه‪ ،‬ويُقدّر العواقب البعيدة‪ ،‬ول‬
‫ينظر إلى اللذة العارضة الوقتية؛ إل إذا نظر معها إلى الغاية التي توصله إليها تلك اللذة؛ لن شيئا‬
‫قد تستلِذّ به لحظة قد تَشْقى به زمنا طويلً‪.‬‬
‫ولذلك قلنا‪ :‬إن الذي يُسرف على نفسه غافل عن ثواب الطاعة وعن عذاب العقوبة‪ ،‬ولو استحضر‬
‫الثواب على الطاعة‪ ،‬والعذاب على المعصية؛ لمتنع عن السراف على نفسه‪.‬‬
‫ولذلك يقول النبي صلى ال عليه وسلم‪ " :‬ل يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن‪ ،‬ول يسرق‬
‫السارق حين يسرق وهو مؤمن‪ ،‬ول يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن "‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فلحظة ارتكاب المعصية نجد النسان وهو يستر إيمانه؛ ول يضع في باله أنه قد يموت قبل‬
‫أن يتوبَ عن معصيته‪ ،‬أو قبل أن يُكفّر عنها‪.‬‬
‫ويخطيء النسان في حساب عمره؛ لن أحدا ل يعلم ميعاد أجله؛ أو الوقت الذي يفصل بينه وبين‬
‫جلّ ـ له على المعاصي‪.‬‬
‫حساب الموْلَى ـ عَزّ و َ‬
‫وكل مِنّا مُطَالب بأن يضع في حُسْبانه حديث الرسول صلى ال عليه وسلم‪ " :‬الموت القيامة‪ ،‬فمَنْ‬
‫مات فقد قامت قيامته "‪.‬‬
‫ولنا أسوة طيبة في عثمان بن عفان ـ رضي ال عنه ـ وهو الخليفة الثالث لرسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم‪ ،‬الذي كان إذا وقف على قبر بكى حتى تبتلّ لحيته‪ ،‬فسُئِل عن ذلك؛ وقيل له‪ :‬تذكر‬
‫الجنة والنار فل تبكي‪ ،‬وتبكي إذا وقفتَ على قبر؟ فقال‪ :‬سمعت رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫يقول‪ " :‬إن القبر أول منازل الخرة‪ ،‬فإنْ نجا منه صاحبه فما بعده أيسر منه‪ ،‬وإن لم يَنْجُ منه‪ ،‬فما‬
‫بعده أشد "‪.‬‬
‫لذلك فل يستبعد أحد ميعاد لقائه بالموت‪.‬‬
‫غفُورٌ رّحِيمٌ { [يوسف‪.]53 :‬‬
‫وتستمر الية‪ِ } :‬إلّ مَا َرحِمَ رَبّي إِنّ رَبّي َ‬
‫ونعلم أن هناك ما يشفي من الداء‪ ،‬وهناك ما يُحصّن النسان‪ ،‬ويعطيه مناعة أن يصيبه الداء‪،‬‬
‫والحق سبحانه غفور‪ ،‬بمعنى أنه يغفر الذنوب‪ ،‬ويمحوها‪ ،‬والحق سبحانه رحيم‪ ،‬بمعنى أنه يمنح‬
‫النسان مناعة‪ ،‬فل يصيبه الداء‪ ،‬فل يقع في زلة أخرى‪.‬‬
‫حمَةٌ لّ ْل ُم ْؤمِنِينَ }[السراء‪.]82 :‬‬
‫شفَآ ٌء وَرَ ْ‬
‫والحق سبحانه هو القائل‪ {:‬وَنُنَ ّزلُ مِنَ ا ْلقُرْآنِ مَا ُهوَ ِ‬
‫فساعةَ تسمع القرآن فهو يشفيك من الداء الذي تعاني منه نفسيا ويُقويّ قدرتك على مقاومة الداء؛‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ويُفجّر طاقات الشفاء الكامنة في أعماقك‪ .‬وهو رحمة لك حين تتخذه منهجا‪ ،‬وتُطبّقه في حياتك؛‬
‫ن واحد‪.‬‬
‫طبّ علجيّ وطبّ وقائيّ في آ ٍ‬
‫فيمنحك مناعة تحميك من المرض‪ ،‬فهو ِ‬
‫ويقول الحق سبحانه بعد ذلك‪َ } :‬وقَالَ ا ْلمَِلكُ‪.{ ...‬‬

‫(‪)1636 /‬‬
‫َوقَالَ ا ْلمَِلكُ ائْتُونِي بِهِ َأسْتَخِْلصْهُ لِ َنفْسِي فََلمّا كَّلمَهُ قَالَ إِ ّنكَ الْ َيوْمَ لَدَيْنَا َمكِينٌ َأمِينٌ (‪)54‬‬

‫ونلحظ أن الملك قد قال‪ { :‬ائْتُونِي ِبهِ } [يوسف‪.]54 :‬‬
‫مرتين‪ ،‬مرة‪ :‬بعد أن سمع تأويل الرؤيا؛ لكن يوسف رفض الخروج من السجن إل بعد أن تثبت‬
‫براءته؛ أو‪ :‬أنه خرج وحضر المواجهة مع النسوة بما فيهنّ امرأة العزيز‪.‬‬
‫سعَة عِلْم‪.‬‬
‫ورأى الملك في يوسف أخلقا رفيعة؛ و ِ‬
‫وانتهى اللقاء الول ليتدبر الملك‪ ،‬ويُفكر في صفات هذا الرجل؛ والراحة النفسية التي ملتْ نفس‬
‫الملك؛ وكيف دخل هذا الرجل قلبه‪.‬‬
‫والمرة الثانية عندما أراد الملك أن يستخلصه لنفسه ويجعله مستشارا له‪.‬‬
‫ويورد الحق سبحانه هذا المعنى في قوله‪:‬‬
‫{ ائْتُونِي بِهِ َأسْتَخِْلصْهُ لِ َنفْسِي فََلمّا كَّلمَهُ قَالَ إِ ّنكَ الْ َي ْومَ لَدَيْنَا َمكِينٌ َأمِينٌ } [يوسف‪.]54 :‬‬
‫وهذا الستخلص قد جاء بعد أن تكلم الملك مع يوسف‪ ،‬وبعد أن استشفّ خفّة يوسف على نفسه؛‬
‫وتيقّن الملك من بعد الحوار مع يوسف أنه رجل قد حفظ نفسه من أعنف الغرائز؛ غريزة الجنس‪.‬‬
‫وتيقن من أن يوسف تقبّل السجن‪ ،‬وعاش فيه لفترة طالتْ؛ وهو صاحب عِلْم‪ ،‬وقد ثبت ذلك بتأويل‬
‫الرّؤيا؛ وقد فعل ذلك وهو سجين‪ ،‬ولم يقبل الخروج من السجن إل لثبات براءته‪ ،‬أو بعد إثبات‬
‫البراءة‪.‬‬
‫ولكلّ ذلك صار من أهل الثقة عند الملك‪ ،‬الذي أعلن المر بقوله‪:‬‬
‫{ إِ ّنكَ الْ َيوْمَ لَدَيْنَا َمكِينٌ َأمِينٌ } [يوسف‪.]54 :‬‬
‫سدّ باب الوِشَاية به‪ ،‬أو التآمر عليه‪ .‬ومكانة " المكين " هي المكانة التي ل ينال منها أيّ‬
‫وذلك لي ُ‬
‫أحد‪.‬‬
‫ولذلك نجد الحق ـ سبحانه وتعالى ـ حينما تكلّم عن الوحي من جبريل عليه السلم قال‪ {:‬إِنّهُ‬
‫َلقَ ْولُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي ُق ّوةٍ عِندَ ذِي ا ْلعَرْشِ َمكِينٍ }[التكوير‪.]20-19 :‬‬
‫فالمعنى‪ :‬أن يوسف عليه السلم أَهْل ٌللثقة عند الحاكم؛ وهو الذي سيُنفذ المور‪ ،‬وله صِلَة‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫بالمحكومين‪ ،‬وإذا كان هو ال ُم َمكّن من عند الحاكم؛ فهو أيضا أمين مع المحكومين‪.‬‬
‫والمشكلة في مجتمعاتنا المعاصرة إنما تحدث عندما يُرجّح الحاكمُ من يراهم أهلَ الثقة على أهل‬
‫الخبرة والمانة‪ ،‬فتختل موازين العدل‪.‬‬
‫وعلى الحاكم الذكيّ أن يختار الذين يتمتعون بالمرين معا‪ :‬أمانة على المحكوم؛ وثقة عند الحاكم‪.‬‬
‫وبهذا تعتدل الحياة على منهج ال‪.‬‬
‫وحين سمع يوسف عليه السلم هذا الكلم من الحاكم‪:‬‬
‫{ إِ ّنكَ الْ َيوْمَ لَدَيْنَا َمكِينٌ َأمِينٌ } [يوسف‪.]54 :‬‬
‫قرر أن يطلب منه شيئا يتعلق بتعبيره ل ُرؤْياه‪ ،‬التي سبق أن أوّلها يوسف‪ {:‬قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعُ‬
‫حصَدتّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُِلهِ ِإلّ قَلِيلً ّممّا تَ ْأكُلُونَ * ُثمّ يَأْتِي مِن َبعْدِ ذاِلكَ سَبْعٌ شِدَادٌ‬
‫سِنِينَ دَأَبا َفمَا َ‬
‫س َوفِيهِ‬
‫حصِنُونَ * ثُمّ يَأْتِي مِن َبعْدِ ذاِلكَ عَامٌ فِيهِ ُيغَاثُ النّا ُ‬
‫يَ ْأكُلْنَ مَا قَ ّدمْتُمْ َلهُنّ ِإلّ قَلِيلً ّممّا ُت ْ‬
‫َي ْعصِرُونَ }[يوسف‪.]49-47 :‬‬
‫حسْن تدبير وحزم وعِلْم‪.‬‬
‫وهذه عملية اقتصادية تحتاج إلى تخطيط وتطبيق ومتابعة و ُ‬
‫لذلك كان مطلب يوسف عليه السلم فيه تأكيد على أن الواقع القادم سيأتي وفقا لتأويله للرؤيا‪،‬‬
‫جعَلْنِي‪.} ...‬‬
‫فتقول اليات‪ { :‬قَالَ ا ْ‬

‫(‪)1637 /‬‬
‫حفِيظٌ عَلِيمٌ (‪)55‬‬
‫جعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَ ْرضِ إِنّي َ‬
‫قَالَ ا ْ‬

‫وهذا القول تأكيد لثقة يوسف أن القادم في هذا البلد يحتاج لحكمة إدارة‪ ،‬ل تبعثر ما سوف يأتي‬
‫في سنين الخصب؛ لتضمن الطمئنان في سنين الشدة‪ ،‬وتلك مهمة تتطلب الحفظ والعلم‪.‬‬
‫وقد تقدم ما يثبت أن هاتين الصفتين يتحلّى بهما يوسف عليه السلم‪.‬‬
‫وقد يقول قائل‪ :‬أليس في قول يوسف شبهة طلب الولية؟ والقاعدة تقول‪ :‬إن طالب الولية ل‬
‫يولّى‪.‬‬
‫فيوسف عليه السلم لم يطلب ولية‪ ،‬وإنما طلب الصلح ليتخذ من إصلحه سبيلً لدعوته‬
‫وتحقيقا لرسالته‪ ،‬حيث أنه كان آمرا فيستجاب‪ ،‬ولم يكن مأمورا لليجاب حيث أنه كان واثقا‬
‫باليمان ومؤمنا بوثوق‪.‬‬
‫وقد تأتي ظروف ل تحتمل التجربة مع الناس‪ ،‬فمن يثق بنفسه أنه قادر على القيام بالمهمة فله أن‬
‫يعرض نفسه‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ومثال ذلك‪ :‬لنفترض أن قوما قد ركبوا سفينة؛ ثم هاجتْ الرياح وه ّبتْ العاصفة؛ وتعقّدت المور؛‬
‫وارتبك القبطان‪ ،‬وجاءه مَنْ يخبره أنه قادر على أن يحل له هذا المر‪ ،‬ويُحسن إدارة قيادة‬
‫المركب‪ ،‬وسبق للقبطان أن علم عنه ذلك‪.‬‬
‫هنا يجب على القبطان أن يسمح لهذا الخبير بقيادة السفينة؛ وبعد أن ينتهي الموقف؛ على القبطان‬
‫أن يُوجّه الشكر لهذا الخبير؛ ويعود لقيادة السفينة‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فمن حقّ النسان أن يطلب الولية إذا تعيّن عليه ذلك‪ ،‬بأن يرى أمرا يتعرض له غير ذي‬
‫خبرة يُفسد هذا المر‪ ،‬وهو يعلم َوجْه الصلح فيه‪ .‬وهنا يكون التدخل فرض عين من أجل إنقاذ‬
‫المجتمع‪.‬‬
‫وفي مثل هذه الحالة نجد مَنْ طلب الولية وهو يملك شجاعتين‪:‬‬
‫الشجاعة الولى‪ :‬أنه طلب الولية لنفسه؛ لثقته في إنجاح المهمة‪.‬‬
‫والشجاعة الثانية‪ :‬إنه حجب من ليس له خبرة أن يتولى منصبا ل يعلم إدارته‪ ،‬وبهذا يصير‬
‫الباطل متصرفا‪.‬‬
‫وبذلك يُظهر َوجْه الحق؛ ويُزيل سيطرة الباطل‪.‬‬
‫ولذلك نجد يوسف عليه السلم يقول للملك‪:‬‬
‫حفِيظٌ عَلِيمٌ } [يوسف‪.]55 :‬‬
‫ن الَ ْرضِ إِنّي َ‬
‫جعَلْنِي عَلَىا خَزَآئِ ِ‬
‫{اْ‬
‫والخزائن يوجد فيها ما يُمكّن المسيطر عليها من قيادة القتصاد‪.‬‬
‫وقالوا‪ :‬إن يوسف طلب من الملك أن يجعله على خزائن الرض‪ ،‬لوضع سياسة اقتصادية‬
‫حفْظا وعِلْما‪.‬‬
‫يواجهون بها سبع سنين من الجَدْب‪ ،‬وتلك مسألة تتطلب حكمة و ِ‬
‫ن ل يملك‬
‫وكان يوسف عليه السلم يأخذ من كل راغبٍ في المَيْرة الثمان من ذهب وفضة‪ ،‬ومَ ْ‬
‫ذهبا وفضة كان يُحضر الجواهر من الحجار الكريمة؛ أو يأتي بالدواب ليأخذ مقابلها طعاما‪.‬‬
‫خذْ هذا الولد‬
‫ومَنْ ل يملك كان يُحضر بعضا من أبنائه للسترقاق‪ ،‬أي‪ :‬يقول َربّ السرة الفقيرة‪ُ :‬‬
‫ليكون عبدا لقاء أن آخذ طعاما لبقية أفراد السرة‪.‬‬
‫جدْب ليشُد كل إنسان الحزام على‬
‫وكان يوسف عليه السلم يُحسِن إدارة المر في سنوات ال َ‬
‫البطن‪ ،‬فل يأكل الواحد في سبعة أمعاء بل يأكل في مِعىً واحد‪ ،‬كما يقول رسولنا صلى ال عليه‬
‫وسلم في الحديث الشريف‪:‬‬
‫ي واحد‪ ،‬والكافر يأكل في سبعة أمعاء "‪.‬‬
‫ل في مِع ّ‬
‫" المؤمن يأك َ‬
‫جدْب يقتضي ِدقّة التخطيط‪ ،‬ول يحتمل أيّ إسراف‪.‬‬
‫وكان التموين في سنوات ال َ‬
‫وما دام لكل شيء ثمن يجب أن يُدفع‪ ،‬فكل إنسان سيأخذ على َقدْر ما معه‪ ،‬وبعد أن انتهت سنوات‬
‫جدْب‪ ،‬وجاءت سنوات الرخاء؛ أعاد يوسف لكل إنسان ما أخذه منه‪.‬‬
‫ال َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وحين سُئِل‪ :‬ولماذا أخذتَ منهم ما ُد ْمتَ قد قررت أن تردّ لهم ما أخذته؟‬
‫أجاب‪ :‬كي يأخذ كل إنسان في أقلّ الحدود التي تكفيه في سنوات الجدب‪.‬‬
‫ومثل هذا يحدث عندنا حين نجد البعض‪ ،‬وهو يشتري الخبز المُدعّم ليُطعِم به الماشية‪ ،‬وحين‬
‫يرتفع ثمن الخبز نجد كل إنسان يشتري في حدود ما معه من نقود‪ ،‬ويحرص على ألّ يُلقِي مما‬
‫اشترى شيئا‪.‬‬
‫وكانت قدرة الدولة أيام الجفاف محدودة؛ لذلك وجب على كل فرد أن يعمل لنفسه‪.‬‬
‫ونحن نرى ذلك المر‪ ،‬وهو يتكرر في حياتنا؛ فحين ل يجد أحد ثمن اللحم فقد ل تهفو نفسه إلى‬
‫اللحم‪ ،‬وقد يعلن في كبرياء‪ " :‬إن معدتي لم َتعُدْ تتحمل اللحم "‪.‬‬
‫وقد يعلن الفقير حُبّه للسمك الصغير؛ لن لحمه طيّب‪ ،‬عكس السمك الكبير الذي يكون لحمه "‬
‫مِتفّلً " ‪ ،‬أو يعلن إعجابه بالفجل الطازج‪ ،‬لنه لذيذ الطعم‪.‬‬
‫وقديما في بدايات العمر كنا حين ندخل إلى المنزل‪ ،‬ونحن نعيش بعيدا عن بيوت الهل في‬
‫سنوات الدراسة‪ ،‬ول نجد إل قرصا واحدا من " الطعمية " ‪ ،‬كنا نقسم هذا القرص ليكفي آخر لقمة‬
‫في الرغيف‪ ،‬أما إذا دخلنا ووجدنا خمسة أقراص من الطعمية‪ ،‬فكان الواحد منا يأكل نصف‬
‫قرص من الطعمية مع لقمة واحدة‪.‬‬
‫وهكذا يتحمل كل واحد على قَدْر حركته وقدرته‪.‬‬
‫والشاعر يقول‪:‬والنفسُ راغبةٌ إذَا رغّبتَها وإذَا تُ َردّ إلى قَليلٍ َتقْنَعُويقول الحق سبحانه بعد ذلك‪} :‬‬
‫َوكَذاِلكَ َمكّنّا‪.{ ...‬‬

‫(‪)1638 /‬‬
‫حمَتِنَا مَنْ نَشَا ُء وَلَا ُنضِيعُ َأجْرَ‬
‫سفَ فِي الْأَ ْرضِ يَتَ َبوّأُ مِ ْنهَا حَ ْيثُ َيشَاءُ ُنصِيبُ بِرَ ْ‬
‫َوكَذَِلكَ َمكّنّا لِيُو ُ‬
‫حسِنِينَ (‪)56‬‬
‫ا ْلمُ ْ‬

‫وهكذا كان تمكين ال ليوسف عليه السلم في الرض‪ ،‬بحيث أدار شئون مصر بصورة حازمة؛‬
‫عادلة؛ فلما جاء الجدب؛ لم يَأ ِتهَا وحدها؛ بل عَمّ البلد التي حولها‪.‬‬
‫بدليل أن هناك أُنَاسا من بلد أخرى لجئوا يطلبون رزقهم منها؛ والمثل‪ :‬إخوة يوسف الذين جاءوا‬
‫من الشام يطلبون طعاما لهم ولمن ينتظرهم في بلدهم‪ ،‬فهذا دليل على أن ُرقْعة الشدة كانت‬
‫شاسعة‪.‬‬
‫وقول الحق سبحانه‪:‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫سفَ فِي الَ ْرضِ يَتَ َبوّأُ مِ ْنهَا حَ ْيثُ َيشَآءُ } [يوسف‪.]56 :‬‬
‫{ َوكَذاِلكَ َمكّنّا لِيُو ُ‬
‫نفهم منه أنه جعل لنفسه بيتا في أكثر من مكان؛ ول َيظُنّن ظَانّ أن هذا َلوْنٌ من اتساع أماكن‬
‫التّرَف‪.‬‬
‫لكن‪ :‬لماذا ل ننظر إليها بعيون تكشف حقيقة رجال الدارة في بعض البلد؛ فما أنْ يعلموا بوجود‬
‫بيت للحاكم في منطقة ما؛ وقد يزوره؛ فهم يعتنون بكل المنطقة التي يقع فيها هذا البيت‪.‬‬
‫وهذا ما نراه في حياتنا المعاصرة‪ ،‬فحين يزور الحاكم منطقة ما َفهُمْ يُعيدون َرصْف الشوارع؛‬
‫ويصلحون المرافق؛ وقد يُحضِرون ُأصَص الزرع ليُجمّلوا المكان‪.‬‬
‫فما بَالُك إنْ عَلِموا بوجود بيت للحاكم في مكان ما؟ ل ُبدّ أنهم سَيُوالون العناية بكل التفاصيل‬
‫المتعلقة بالمرافق في هذا الموقع‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فقول الحق سبحانه هنا عن يوسف عليه السلم‪:‬‬
‫{ يَتَ َبوّأُ مِ ْنهَا حَ ْيثُ َيشَآءُ‪[ } ..‬يوسف‪.]56 :‬‬
‫يعني‪ :‬شُيوع العناية بالخدمات لكل الذين يسكنون في هذا البلد؛ فل تأخذ المر على أنه تَرَف‬
‫وشَرَف‪ ،‬بل خُذْ هذا القول على أنه تكليف سينتفع به المُحيطون‪ ،‬سواء كانوا مقصودين به أو غير‬
‫مقصودين‪.‬‬
‫وتلك لقطة توضح أن التبّوء حيث يشاء ليس رحمةً به فقط؛ ولكنه رحمةٌ بالناس أيضا‪.‬‬
‫ولذلك يقول الحق سبحانه في نفس الية‪:‬‬
‫حمَتِنَا مَن َنشَآءُ } [يوسف‪.]56 :‬‬
‫{ ُنصِيبُ بِرَ ْ‬
‫َفمَنْ كان يحيا بل مياه صالحة للشرب ستصله المياه النقية؛ ومَنْ كان يشقى من أجل أن يعيش في‬
‫مكان مُريح ستتحول المنطقة التي يسكن فيها إلى مكان مُريح به كل مُستلزمات العصر الذي يحيا‬
‫فيه‪.‬‬
‫فيوسف المُمكّن في الرض له مسكن مجاور له؛ وسيجد العناية من قِبَل الجهاز الداري حيثما‬
‫ذهب‪ ،‬وتغمر العناية الجميع‪ ،‬رحمة من ال له‪ ،‬وللناس من حوله‪.‬‬
‫ويُنهي الحق سبحانه الية الكريمة بقوله‪:‬‬
‫{ َولَ ُنضِيعُ أَجْرَ ا ْلمُحْسِنِينَ } [يوسف‪.]56 :‬‬
‫والمُحْسِن هو الذي يصنع شيئا فوق ما طُلب منه‪.‬‬
‫وهنا سنجد الحسان يُنسب ليوسف؛ لنه حين أقام لنفسه بيتا في أكثر من مكان؛ فقد أحسن إلى‬
‫أهل المكنة التي له فيها بيوت؛ بارتفاع مستوى الخدمة في المرافق وغيرها‪.‬‬
‫وسبحانه يجازي المحسنين بكمال وتمام الجر‪ ،‬وقد كافأ يوسف عليه السلم بالتمكين مع محبة من‬
‫تولّى أمرهم‪.‬‬
‫ويتابع الحق سبحانه‪َ { :‬ولَجْرُ الخِ َرةِ‪.} ..‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫(‪)1639 /‬‬
‫وَلَأَجْرُ الَْآخِ َرةِ خَيْرٌ لِلّذِينَ َآمَنُوا َوكَانُوا يَ ّتقُونَ (‪)57‬‬

‫ويوضح ـ هنا ـ سبحانه أنه ل يجزي المحسنين في الدنيا فقط؛ ولكن يجازيهم بخير أبقى في‬
‫الخرة‪ .‬وكلمة " خير " تستعمل استعمالين‪:‬‬
‫الول‪ :‬هو أن شيئا خير من شيء آخر؛ أي‪ :‬أنهما شركاء في الخير‪ ،‬وهو المعنى المقصود هنا‪،‬‬
‫ب إلى ال من المؤمن‬
‫والمثال‪ :‬هو قول الرسول صلى ال عليه وسلم‪ " :‬المؤمن القويّ خير وأح ّ‬
‫الضعيف‪ ،‬وفي ُكلّ خير‪ .‬احرص على ما ينفعك‪ ،‬واستعِنْ بال ول تعجز‪ ،‬وإنْ أصابك شيء فل‬
‫َتقُلْ‪ :‬لو أنّي فعلتُ كذا وكذا‪ ،‬ولكن ُقلْ‪ :‬قدّر ال وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان "‪.‬‬
‫والستعمال الثاني لكلمة " خير "‪ :‬هو خير مقابله شرّ‪ ،‬والمثال‪ :‬هو قول الحق تبارك وتعالى‪{:‬‬
‫َفمَن َي ْعمَلْ مِ ْثقَالَ ذَ ّرةٍ خَيْرا يَ َرهُ * َومَن َيعْـ َملْ مِ ْثقَالَ ذَ ّرةٍ شَرّا يَ َرهُ }[الزلزلة‪ ،]8-7 :‬والحق‬
‫سبحانه يريد أن يعتدل ميزان حركة الحياة‪ ،‬لن يعتدل ميزان حركة الحياة بأن نقول للنسان على‬
‫إطلقه‪ :‬سوف تأخذ أجر عملك الطيب في الخرة؛ لن المؤمن وحده هو الذي سيصدق ذلك‪.‬‬
‫أما الكافر فقد يظلم ويسفك الدماء‪ ،‬ويسرق ويستشري الفساد في الرض‪.‬‬
‫ولذلك شاء الحق سبحانه أن يجعل الجزاءَ نوعين‪ :‬جزاء في الدنيا لمَنْ يُحسِن‪ ،‬سواء أكان مؤمنا‬
‫أو كافرا؛ وجزاءً في الخر يختصّ به الحقّ سبحانه المؤمنين به‪.‬‬
‫والحق سبحانه يقول هنا‪:‬‬
‫{ َولَجْرُ الخِ َرةِ خَيْرٌ لّلّذِينَ آمَنُو ْا َوكَانُواْ يَ ّتقُونَ } [يوسف‪.]57 :‬‬
‫أي‪ :‬أنه أكثر خيرا من جزاء الدنيا؛ لن جزاء الخرة يدوم أبدا‪ ،‬على عكس خير الدنيا الذي قد‬
‫حكْم أن الدنيا موقوتة بالنسبة لك بعمرك فيها؛ ولكن الخرة لها الدّيْمومة التي‬
‫تفوتُه أو يفوتُك‪ ،‬ب ُ‬
‫شاءها ال سبحانه‪.‬‬
‫خ َوةُ‪.} ...‬‬
‫ويقول الحق سبحانه بعد ذلك عن إخوة يوسف‪ { :‬وَجَآءَ ِإ ْ‬

‫(‪)1640 /‬‬
‫سفَ َفدَخَلُوا عَلَ ْيهِ َفعَ َر َفهُ ْم وَهُمْ لَهُ مُ ْنكِرُونَ (‪)58‬‬
‫خ َوةُ يُو ُ‬
‫وَجَاءَ ِإ ْ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫جبّ صغيرا؛ ومرّتْ رحلته في الحياة بعد أن‬
‫وقد عرفهم يوسف؛ لكنهم لم يعرفوه‪ ،‬فقد أل َق ْوهُ في ال ُ‬
‫عثر عليه بعض السيّارة؛ وباعوه لعزيز مصر‪ ،‬لتمر به الحداث المتتابعة بما فيها من ُنضْج‬
‫جسدي وحُسْن فائق‪ ،‬ومُراودة من امرأة العزيز‪ ،‬ثم سنوات السجن السبع‪.‬‬
‫ولكل حدث من تلك الحداث أثر على ملمح النسان؛ فضلً عن أنهم جاءوه وهو في منصبه‬
‫العالي‪ ،‬بما يفرضه عليه من وجاهة في الهيئة والملبس‪.‬‬
‫أما هو فقد عرفهم؛ لنه قد تركهم وهم كبار‪ ،‬وقد تحددت ملمحهم‪ ،‬ونعلم أن النسان حين يمر‬
‫عقْد من الزمان؛ فهذا الزمن قد يزيد من تحديد ملمحه‪ ،‬إذا ما كانَ كبيرا ناضجا‪ ،‬لكنه ل‬
‫عليه ِ‬
‫يغيرها مثلما يُغيّر الزمنُ ملمح الطفل حين يكبر ويصل إلى النضج‪.‬‬
‫والذي دفعهم إلى المجيء هو القحط الذي لم يُؤثّر على مصر وحدها؛ بل أثّر أيضا على المناطق‬
‫المجاورة لها‪.‬‬
‫وذاع أمر يوسف عليه السلم الذي اختزن القوات تحسّبا لذلك القحط؛ وقد أرسلهم أبوهم ليطلبوا‬
‫جبّ‪.‬‬
‫منه الَميْرة والطعام‪ ،‬ولم يتخيّلوا بأي حال أن يكون مَنْ أمامهم هو أخوهم الذي ألقوْه في ال ُ‬
‫جهّزَهُم‪.} ....‬‬
‫ويقول الحق سبحانه‪ { :‬وََلمّا َ‬

‫(‪)1641 /‬‬
‫جهَازِ ِهمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ َل ُكمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَ َروْنَ أَنّي أُوفِي ا ْلكَ ْيلَ وَأَنَا خَيْرُ ا ْلمُنْزِلِينَ (‬
‫جهّزَهُمْ بِ َ‬
‫وََلمّا َ‬
‫‪)59‬‬

‫حكُونَ له عن أبيهم وأخيهم‪ ،‬وأنهم قد طلبوا المَيْرة؛‬
‫ول ُبدّ أنه قد تكلم معهم عن أحوالهم‪ ،‬وتركهم َي ْ‬
‫وأمر بتجهيزها لهم‪.‬‬
‫وكلمة " الجهاز " تُطلق هنا على ما تسبّب في انتقالهم من موطنهم إلى لقاء يوسف طلبا للميرة‪.‬‬
‫وطلب منهم ـ من بعد ذلك ـ أن يأتوا بأخيهم " بنيامين " معهم‪ ،‬وقال لهم‪:‬‬
‫ل وَأَنَاْ خَيْرُ ا ْلمُنْزِلِينَ } [يوسف‪.]59 :‬‬
‫{ َألَ تَ َروْنَ أَنّي أُوفِي ا ْلكَ ْي َ‬
‫وفي هذا تذكير لهم بأنه يُوفِي الكيل تماما‪ ،‬وفيما يبدو أنهم طلبوا منه زيادة في المَيْرة؛ بدَعوى أن‬
‫لهم أخا تركوه مع أبيهم الشيخ العجوز‪ ،‬فطلب منهم يوسف أن يُحضِروا أخاهم كي يزيد لهم كيلً‬
‫إضافيا؛ لنه ل يحب أن يعطي أحدا دون دليل واضح؛ التزاما منه بالعدل‪.‬‬
‫وكان كل منهم قد أتى على بعير‪ ،‬عليه بضائع يدفعونها كأثمان ِلمَا يأخذونه‪ ،‬وحين يحضرون‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ومعهم أخوهم سيأخذون كَيْل بعير فَوق ما أخذوه هذه المرّة‪.‬‬
‫وهم قد قالوا لبيهم هذا القول‪ ،‬حينما سألوه عن إرسال أخيهم معهم لمصاحبتهم في الرحلة حسب‬
‫طلب يوسف عليه السلم؛ لذلك تقول الية‪ {:‬وَنَ ْزدَادُ كَ ْيلَ َبعِيرٍ }[يوسف‪.]65 :‬‬
‫وقوله‪:‬‬
‫{ وَأَنَاْ خَيْرُ ا ْلمُنْزِلِينَ } [يوسف‪.]59 :‬‬
‫يعني‪ :‬أنه يرحب بالضيوف؛ وقد لمسوا ذلك بحُسْن المكان الذي نزلوا فيه‪ .‬بما فيه من راحة‬
‫وطيب الستقبال‪ ،‬ووجود كل ما يحتاجه الضيف في إقامته‪.‬‬
‫وكلمة " مُنْزِل " في ظاهر المر أنها ضدّ ُمعْلِي‪ ،‬وحقيقة المعنى هو‪ :‬مُنزِل مِنَ الذي ينزل بالمكان‬
‫الموجود به كل مطلوبات حياته‪.‬‬
‫غفُورٍ رّحِيمٍ }[فصلت‪.]32 :‬‬
‫والحق سبحانه يقول عن الجنة‪ {:‬نُ ُزلً مّنْ َ‬
‫أي‪ :‬أنه سبحانه قد أعدّ الجنة بما يفوق خيال البشر؛ وبمُطْلق صفات المغفرة والرحمة‪ ،‬وإذا كان‬
‫جلّ هو الذي يعدّ؛ فل ُبدّ أن يكون ما أعدّه فوق خيال البشر‪.‬‬
‫ال َموْلى عَزّ و َ‬
‫وقلت لخواني الذين بُهروا بفندق رَاقٍ في سان فرانسيسكو‪ :‬إن النسان حين يرى أمرا طيبا‪ ،‬أو‬
‫شيئا رَاقِيا‪ ،‬أو جميلً عند إنسان آخر سيستقبلها بواحد من استقبالين‪ :‬تظهر نَفسه فيه؛ فإن كان‬
‫حقُودا فسينظر للشياء بكراهية وبحقد‪ ،‬وإنْ كان مؤمنا يفرح ويقول‪:‬‬
‫َ‬
‫هذه النعمة التي أراها تزيد من عِشْقي في الجنة؛ لن تلك النعمة التي أراها قد صنعها بشر لبشر؛‬
‫فماذا عن صُنْع ال للجنة؟ وهو مَنْ خلق الكون كله بما فيه من بشر؟‬
‫ودائما أقول‪ :‬ما رأيتُ نعيما عند أحد إل ازداد إيماني‪ ،‬بأن الذي أراه من نعمة قد أعدّه البشر‬
‫للبشر؛ فما بالنا بما أعدّه خالق البشر للمؤمنين من البشر؟‬
‫حقْد إلى النعمة عند الغير؛ فهو يحرم نفسه من صَبابة النعمة عند الغير؛ لن‬
‫أما مَنْ ينظر نظرةَ ِ‬
‫النعمة لها صَبابة عند صاحبها‪ ،‬وتتعلق به‪ ،‬وإن فرحتَ بالنعمة عند إنسان؛ ف ِثقْ أن النعمة‬
‫ستطرق بابك‪ ،‬وإن كرهتها عند غيرك؛ كرهتْ النعمة أن تأتي إليك‪.‬‬
‫فإنْ أردتَ الخير الذي عند غيرك؛ عليك أن تحب النعمة التي عند هذا الغير؛ لتسعى النعمة إليك؛‬
‫دون أن تتكلف عبء إدارة هذه النعمة أو صيانتها؛ لنها ستأتي إليك بقدرة الحق سبحانه‪.‬‬
‫وقَوْل يوسف عليه السلم في هذه الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها‪:‬‬
‫} وَأَنَاْ خَيْرُ ا ْلمُنْزِلِينَ { [يوسف‪.]59 :‬‬
‫هو إخبار منه يؤكد ما استقبلهم به من عدل‪ ،‬وتوفية للكيل‪ ،‬وحُسْن الضيافة‪ ،‬ول شك أنهم حين‬
‫يُحضِرون أخاهم سيجدون نفس الستقبال‪.‬‬
‫ويواصل الحق سبحانه ما جاء على لسان يوسف‪ } :‬فَإِن لّمْ تَأْتُونِي‪.{ ...‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫(‪)1642 /‬‬
‫فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَ ْيلَ َل ُكمْ عِنْدِي وَلَا َتقْرَبُونِ (‪)60‬‬

‫ويوسف يعلم مُقدّما صعوبة أن يأمنهم أبوهم على أخيهم؛ لذلك وجّه إليهم هذا النذار‪:‬‬
‫{ فَإِن لّمْ تَأْتُونِي ِبهِ فَلَ كَ ْيلَ َلكُمْ عِندِي‪[ } ..‬يوسف‪.]60 :‬‬
‫قال لهم ذلك‪ ،‬وهو يعلم أن ال َمعَاد َمعَادُ قَحْط وجَدْب ومجاعة‪.‬‬
‫وأضاف يوسف‪:‬‬
‫{ َولَ َتقْرَبُونِ } [يوسف‪.]60 :‬‬
‫أي‪ :‬ل تأتوا ناحية هذا البلد الذي أحكمه؛ ولذلك سنجدهم يقولون لبيهم من بعد ذلك‪ {:‬اأَبَانَا مُنِعَ‬
‫ل وَإِنّا لَهُ َلحَافِظُونَ }[يوسف‪.]63 :‬‬
‫سلْ َمعَنَآ أَخَانَا َنكْ َت ْ‬
‫مِنّا ا ْلكَ ْيلُ فَأَرْ ِ‬
‫وتل ّقوْا النذار من يوسف‪ ،‬وقالوا ما أورده القرآن هنا‪ { :‬قَالُواْ سَنُرَاوِدُ‪.} ....‬‬

‫(‪)1643 /‬‬
‫قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَ ْنهُ أَبَا ُه وَإِنّا َلفَاعِلُونَ (‪)61‬‬

‫وقولهم‪:‬‬
‫{ سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ‪[ } ...‬يوسف‪.]61 :‬‬
‫يعني‪ :‬أن المر ليس سهلً؛ وهم يعرفون ماذا فعلوا من قبل مع يوسف‪ ،‬والمُرَاودة تعني أخْذ‬
‫وردّ‪ ،‬وتحتاج إلى احتيال؛ وسبق المعنى في قوله الحق سبحانه‪ {:‬وَرَاوَدَ ْتهُ الّتِي ُهوَ فِي بَيْ ِتهَا عَن‬
‫ّنفْسِهِ‪[} ...‬يوسف‪.]23 :‬‬
‫وأكدوا قولهم‪:‬‬
‫{ وَإِنّا َلفَاعِلُونَ } [يوسف‪.]61 :‬‬
‫أي‪ :‬أنهم سيبذلون ُكلّ جهودهم؛ كي يقبل والدهم إرسالَ أخيهم معهم‪ ،‬وهم يعلمون أن هذا مطلبٌ‬
‫صعْب المَنال‪ ،‬عسير التحقيق‪.‬‬
‫َ‬
‫ويقول الحق سبحانه بعد ذلك‪َ { :‬وقَالَ ِلفِتْيَانِهِ‪.} ...‬‬

‫(‪)1644 /‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫جعُونَ (‪)62‬‬
‫جعَلُوا ِبضَاعَ َتهُمْ فِي ِرحَاِلهِمْ َلعَّلهُمْ َيعْ ِرفُو َنهَا ِإذَا ا ْنقَلَبُوا إِلَى أَهِْلهِمْ َلعَّل ُهمْ يَرْ ِ‬
‫َوقَالَ ِلفِتْيَانِهِ ا ْ‬

‫أي‪ :‬أن يوسف عليه السلم أمر مساعديه أنْ يُعيدوا البضائع التي أحضرها هؤلء معهم ليقايضوا‬
‫بها ما أخذوه من قمح وطعام‪ ،‬وكان على مساعدي يوسف عليه السلم أن يُنفّذوا أمره بوضع هذه‬
‫البضائع بشكل مُسْتتر في الرّحال التي أَ َتوْا عليها‪ ،‬وفي هذا تشجيع لهم كي يعودوا مرة أخرى‪.‬‬
‫جعُوا‪.} ...‬‬
‫ويقول الحق سبحانه بعد ذلك‪ { :‬فََلمّا َر َ‬

‫(‪)1645 /‬‬
‫ل وَإِنّا لَهُ لَحَا ِفظُونَ (‪)63‬‬
‫سلْ َمعَنَا أَخَانَا َنكْ َت ْ‬
‫جعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنّا ا ْلكَ ْيلُ فَأَرْ ِ‬
‫فََلمّا رَ َ‬

‫وكان قولهم هذا هو أول خبر قالوه لبيهم‪ ،‬فور عودتهم ومعهم المَيْرة‪ ،‬وكأنهم أرادوا أن يُوضّحوا‬
‫للب أنهم مُنِعوا مستقبلً من أنْ يذهبوا إلى مصر‪ ،‬ما لم يكن معهم أخوهم‪.‬‬
‫ح َكوْا لبيهم قصتهم مع عزيز مصر‪ ،‬وإن وافق الب على إرسال أخيهم " بنيامين " معهم؛‬
‫وَ‬
‫فلسوف يكتالون‪ ،‬ولسوف يحفظون أخاهم الصغير‪.‬‬
‫عمّا حدث ليوسف من قبل‪.‬‬
‫وهم في قولهم هذا يحاولون أن يُبعِدوا رِيب َة الب َ‬
‫وهنا يأتي الحق سبحانه بما قاله أبوهم يعقوب عليه السلم‪ { :‬قَالَ َهلْ آمَ ُن ُكمْ‪.} ....‬‬

‫(‪)1646 /‬‬
‫حمِينَ (‪)64‬‬
‫قَالَ َهلْ َآمَ ُنكُمْ عَلَ ْيهِ إِلّا َكمَا َأمِنْ ُتكُمْ عَلَى َأخِيهِ مِنْ قَ ْبلُ فَاللّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَ ُهوَ أَ ْرحَمُ الرّا ِ‬

‫وهنا يُذكّرهم أبوهم بأنهم لم يُقدّموا من قبل ما يُطمئِنه على ذلك؛ فقد أضاعوا أخاهم يوسف‬
‫وقالوا‪ :‬إن الذئب قد أكله‪.‬‬
‫حمِينَ } [يوسف‪.]64 :‬‬
‫حمُ الرّا ِ‬
‫وأضاف‪ { :‬فَاللّهُ خَيْرٌ حَافِظا وَ ُهوَ أَرْ َ‬
‫وهو َقوْل نتنسّم فيه أنه قد وافق على ذهاب بنيامين معهم‪ ،‬وأنه يدعو الحق ليحفظ ابنه‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وبدأ أبناء يعقوب في فتح متاعهم بعد الرحلة‪ ،‬وبعد الحوار مع أبيهم‪.‬‬
‫عهُمْ‪.} ....‬‬
‫ويقول الحق سبحانه‪ { :‬وََلمّا فَ َتحُواْ مَتَا َ‬

‫(‪)1647 /‬‬
‫جدُوا ِبضَاعَ َتهُمْ رُ ّدتْ إِلَ ْيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَ ْبغِي هَ ِذهِ ِبضَاعَتُنَا ُر ّدتْ ِإلَيْنَا‬
‫عهُ ْم وَ َ‬
‫وََلمّا فَ َتحُوا مَتَا َ‬
‫حفَظُ َأخَانَا وَنَزْدَادُ كَ ْيلَ َبعِيرٍ ذَِلكَ كَ ْيلٌ يَسِيرٌ (‪)65‬‬
‫وَ َنمِيرُ َأهْلَنَا وَنَ ْ‬

‫وهكذا اكتشفوا أن بضائعهم التي حملوها معم في رحلتهم إلى مصر ليقايضوا بها ويدفعوها ثمنا‬
‫ِلمَا أرادوا الحصول عليه من طعام ومَيْرة قد رُ ّدتْ إليهم؛ وأعلنوا لبيهم أنهم ل يرغبون أكثر من‬
‫ذلك؛ فهم قد حصلوا على المَيْرة التي يتغ ّذوْنَ بها هم وأهاليهم‪.‬‬
‫ول ُبدّ أن يصحبوا أخاهم في المرة القادمة‪ ،‬ولسوف يحفظونه‪ ،‬ولسوف يعودون ومعهم كيْل زائد‬
‫فوق بعير‪ ،‬وهذا أمر هَيّن على عزيز مصر‪.‬‬
‫ولكن والدهم يعقوب عليه السلم قال ما أورده الحق سبحانه هنا‪ { :‬قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ‪.} ...‬‬

‫(‪)1648 /‬‬
‫قَالَ لَنْ أُرْسَِلهُ َم َعكُمْ حَتّى ُتؤْتُونِ َموْثِقًا مِنَ اللّهِ لَتَأْتُنّنِي ِبهِ إِلّا أَنْ ُيحَاطَ ِبكُمْ فََلمّا آَ َت ْوهُ َموْ ِثقَهُمْ قَالَ اللّهُ‬
‫عَلَى مَا َنقُولُ َوكِيلٌ (‪)66‬‬

‫ونلحظ هنا ِرقّة قلب يعقوب وقُرْب موافقته على إرسال ابنه " بنيامين " معهم إلى مصر‪ ،‬هذه‬
‫حمِينَ }[يوسف‪.]64 :‬‬
‫ال ّرقّة التي َب َدتْ من قبل في قوله‪ {:‬فَاللّهُ خَيْرٌ حَافِظا وَ ُهوَ أَرْحَمُ الرّا ِ‬
‫وطلب منهم أن يحلفوا بيمين مُوثقة أن يعودوا من رحلتهم إلى مصر‪ ،‬ومعهم أخوهم " بنيامين "‬
‫حطْ بهم أمر خارج عن الرادة البشرية‪ ،‬كأن يحاصرهم أعداء‬
‫إذا ما ذهب معهم؛ ما لم يُ ِ‬
‫يُضيّعونهم ويُضيّعون بنيامين معهم؛ وهذا من احتياط النبوة؛ لذلك قال‪:‬‬
‫{ ِإلّ أَن ُيحَاطَ ِبكُمْ‪[ } ...‬يوسف‪.]66 :‬‬
‫طوْا أباهم اليمين والعهد على َردّ بنيامين‪ ،‬وليكون ال شهيدا‬
‫وأقسم أبناء يعقوب على ذلك‪ ،‬وأع َ‬
‫عليهم‪.‬‬
‫قال يعقوب‪:‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ل َوكِيلٌ } [يوسف‪.]66 :‬‬
‫{ اللّهُ عَلَىا مَا َنقُو ُ‬
‫أي‪ :‬أنه سبحانه مُطلع ورقيب‪ ،‬فإن خُنْتم فسبحانه المنتقم‪.‬‬
‫ويُوصِي يعقوب أولده السباط‪َ { :‬وقَالَ يابَ ِنيّ‪.} ....‬‬

‫(‪)1649 /‬‬
‫شيْءٍ‬
‫ح ٍد وَا ْدخُلُوا مِنْ أَ ْبوَابٍ مُ َتفَ ّرقَ ٍة َومَا أُغْنِي عَ ْن ُكمْ مِنَ اللّهِ مِنْ َ‬
‫ب وَا ِ‬
‫َوقَالَ يَا بَ ِنيّ لَا َتدْخُلُوا مِنْ بَا ٍ‬
‫ت وَعَلَيْهِ فَلْيَ َت َو ّكلِ ا ْلمُ َت َوكّلُونَ (‪)67‬‬
‫حكْمُ إِلّا ِللّهِ عَلَيْهِ َت َوكّلْ ُ‬
‫إِنِ ا ْل ُ‬

‫وقد قال يعقوب عليه السلم ذلك الكلم في المرة الثانية لذهابهم إلى مصر‪ ،‬بعد أن عَلِم بحُسْن‬
‫حظْوة عند عزيز‬
‫استقبال يوسف لهم‪ ،‬وأن بضاعتهم رُ ّدتْ إليهم‪ ،‬وعلم بذلك أنهم صاروا أصحاب َ‬
‫مصر‪.‬‬
‫وساعةَ ترى إنسانا له شأن؛ فترقب أن يُعادى‪ ،‬لذلك توجّس يعقوب خِيفة أن يُدبّر لهم أحد مكيدة؛‬
‫لنهم أغراب‪.‬‬
‫ومن هنا أمرهم أن يدخلوا مصر من أبواب متفرقة‪ ،‬وكانت المدن قديما لها أبواب؛ تُفتح وتقفل في‬
‫مواعيد محددة‪ ،‬وحين يدخلون فُرادى فلن ينتبه أحد أنهم جماعة‪.‬‬
‫وقد خاف يعقوب على أبنائه من الحسد‪ ،‬ونعلم أن الحسد موجود‪.‬‬
‫وقد علّمنا سبحانه أن نستعيد به سبحانه من الحسد؛ لنه سبحانه قد عَلِم أزلً أن الحسد أمر فوق‬
‫سقٍ إِذَا‬
‫طاقة َدفْع البشر له‪ ،‬وهو القائل‪ُ {:‬قلْ أَعُوذُ بِ َربّ ا ْلفَلَقِ * مِن شَرّ مَا خَلَقَ * َومِن شَرّ غَا ِ‬
‫َوقَبَ * َومِن شَرّ ال ّنفّاثَاتِ فِي ا ْل ُعقَدِ * َومِن شَرّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ }[الفلق‪.]5-1 :‬‬
‫وفي أمر الحسد أنت ل تستطيع أن تستعيذ بواحد ُمسَاوٍ لك؛ لن الحسد يأتي من مجهول غير‬
‫مُدْرَك‪ ،‬فالشعاع الخارج من العين قد يتأجج بالحقد على كل ذي نعمة‪ ،‬وإذا كان عصرنا‪ ،‬وهو‬
‫عصر الرتقاءات المادية قد توصّل إلى استخدام الشعاع في تفتيت الشياء‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فمن الممكن أن يكون الحسدُ مثل تلك الشعاعات؛ والتي قد يجعلها ال في عيون بعض‬
‫خلقه‪ ،‬وتكون النظرة مثل السهم النافذ‪ ،‬أو الرصاصة الفتاكة‪.‬‬
‫والحق سبحانه هو القائل‪َ {:‬ومَا َيعْلَمُ جُنُودَ رَ ّبكَ ِإلّ ُهوَ }[المدثر‪.]31 :‬‬
‫وإنْ قال قائل‪ :‬ولماذا يُعطي الحق سبحانه بعضا من خلقه تلك الخواص؟‬
‫أقول‪ :‬إنه سبحانه يعطي من المكانات لبعض من خلقه‪ ،‬فيستخدمونها في غير موضعها‪ ،‬وكلّ‬
‫إنسان بشكل ما عنده إمكانية النظرة‪ ،‬ولكن الحقد هو الذي يولد الشرارة ال ُمؤْذية‪ ،‬ويمكنك أن تنظر‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫دون حسد إنْ قُ ْلتَ‪ :‬ما شاء ال ل حول ول قوة إل بال‪ ،‬اللهم بارك‪.‬‬
‫بذلك ل تتحقق الثارة اللزمة لتأجّج الشرارة المؤذية‪ ،‬ويمكنك أن تستعيذ بال خالق البشر وخالق‬
‫السرار‪ ،‬وتقرأ قول الحق سبحانه‪ُ {:‬قلْ أَعُوذُ بِ َربّ ا ْلفَلَقِ * مِن شَرّ مَا خََلقَ * َومِن شَرّ غَاسِقٍ ِإذَا‬
‫َوقَبَ * َومِن شَرّ ال ّنفّاثَاتِ فِي ا ْل ُعقَدِ * َومِن شَرّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ }[الفلق‪.]5-1 :‬‬
‫وأن تقول كلمات رسول ال صلى ال عليه وسلم حين كان يُعوّذ الحسن والحسين رضي ال‬
‫عنهما‪ ،‬ويقول‪ " :‬أعيذكما بكلمات ال التامة من كل شيطان وهامة‪ ،‬ومن كل عين لمّة "‪.‬‬
‫وقال صلى ال عليه وسلم‪ " :‬كان أبوكما ـ إبراهيم ـ يُعوّذ بها إسماعيل وإسحاق عليهم السلم‬
‫"‪.‬‬
‫كما " أنه صلى ال عليه وسلم‪ " :‬كان إذا حَزَ َبهُ أمر قام وصلى "‬
‫‪ ،‬لن معنى حَزْب أمر للرسول صلى ال عليه وسلم‪ ،‬أو لواحد من اتباع الرسول صلى ال عليه‬
‫وسلم أن هذا المر يخرج عن قدرة البشر‪.‬‬
‫وهنا على النسان أن يأوي إلى المُسبّب‪ ،‬فهو الركن الشديد‪ ،‬بعد أن أخذتَ أنت بالسباب الممدودة‬
‫لك من يد ال‪ ،‬وبذلك يكون ذهابك إلى الحق هو ذهاب المُضطر؛ ل ذهاب الكسول عن الخذ‬
‫بالسباب‪.‬‬
‫شفُ السّوءَ }[النمل‪.]62 :‬‬
‫والحق سبحانه يقول‪َ {:‬أمّن ُيجِيبُ ا ْل ُمضْطَرّ ِإذَا دَعَا ُه وَ َيكْ ِ‬
‫والمضطر هو من استنفد كل أسبابه‪ ،‬ولم َي ْدعُ ربه إل بعد أن أخذ بكل السباب الممدودة‪ ،‬فل‬
‫تطلب من ذات ال قبل أن تأخذ ما قدمه لك بيده سبحانه من أسباب‪.‬‬
‫وهنا في الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها؛ نجد يعقوب عليه السلم وقد أوصى أبناءه ألّ‬
‫يدخلوا مصر من باب واحد؛ بل من أبواب متفرقة خشية الحسد‪ ،‬وتنبهت قضية اليمان بما‬
‫يقتضيه من تسلم لمشيئة ال‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫شيْءٍ‪[ { ..‬يوسف‪.]67 :‬‬
‫} َومَآ أُغْنِي عَنكُمْ مّنَ اللّهِ مِن َ‬
‫أي‪ :‬لست أُغْني عنكم بحذري هذا من قدر ال‪ ،‬فهو مجرد حرص‪ ،‬أما النفع من ذلك الحرص‬
‫والتدبير فهو من أمر ال‪ ،‬ولذلك قال‪:‬‬
‫ت وَعَلَيْهِ فَلْيَ َت َو ّكلِ ا ْلمُ َت َوكّلُونَ { [يوسف‪.]67 :‬‬
‫حكْمُ ِإلّ للّهِ عَلَ ْيهِ َت َوكّلْ ُ‬
‫} إِنِ الْ ُ‬
‫فكل الخَلْق أمرهم راجع إلى ال‪ ،‬وعليه يعتمد يعقوب‪ ،‬وعليه يعتمد كل مؤمن‪.‬‬
‫ونفّذَ أبنا ُء يعقوب ما أمرهم به أبوهم‪ ،‬يقول سبحانه‪ } :‬وََلمّا دَخَلُواْ‪.{ ...‬‬

‫(‪)1650 /‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫شيْءٍ إِلّا حَاجَةً فِي َنفْسِ َيعْقُوبَ‬
‫وََلمّا دَخَلُوا مِنْ حَ ْيثُ َأمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ ُيغْنِي عَ ْنهُمْ مِنَ اللّهِ مِنْ َ‬
‫َقضَاهَا وَإِنّهُ َلذُو عِ ْلمٍ ِلمَا عَّلمْنَا ُه وََلكِنّ َأكْثَرَ النّاسِ لَا َيعَْلمُونَ (‪)68‬‬

‫أي‪ :‬ما كان دخولهم من حيث أمرهم أبوهم يردّ عنهم أمرا أراده سبحانه‪ ،‬فل شيء يردّ قضاء ال‪،‬‬
‫ولعل أباهم قد أراد أنْ يردّ عنهم حسد الحاسدين‪ ،‬أو‪ :‬أن يُدسّ لهم أو يتشككوا فيهم‪ ،‬ولكن أي‬
‫شيء لن يمنع قضاء ال‪.‬‬
‫ولذلك قال سبحانه‪:‬‬
‫{ ِإلّ حَاجَةً فِي َنفْسِ َي ْعقُوبَ َقضَاهَا‪[ } ...‬يوسف‪ ]68 :‬ويعقوب يعلم أن أيّ شيء لن يردّ قدر ال‪،‬‬
‫وسبحانه لم ُي ْعطِ الحتياطات الولئية ليمنع الناس بها قدرَ ال‪.‬‬
‫ويقول سبحانه هنا عن يعقوب‪:‬‬
‫{ وَإِنّهُ لَذُو عِلْمٍ ّلمَا عَّلمْنَاهُ‪[ } ...‬يوسف‪.]68 :‬‬
‫أي‪ :‬أنه يعرف موقع المُسبّب وموقع السباب‪ ،‬ويعلم أن الخذ بالسباب ل ينافي التوكل على ال؛‬
‫لنه سبحانه قد خلق السباب رحمةً بعباده‪:‬‬
‫س لَ َيعَْلمُونَ } [يوسف‪.]68 :‬‬
‫{ وَلَـاكِنّ َأكْثَرَ النّا ِ‬
‫أي‪ :‬يعزلون السباب عن المُسبّب‪ ،‬وهذا ما يُتعِب الدنيا‪.‬‬
‫ويقول سبحانه بعد ذلك‪ { :‬وََلمّا َدخَلُواْ‪.} ...‬‬

‫(‪)1651 /‬‬
‫سفَ َآوَى إِلَ ْيهِ أَخَاهُ قَالَ إِنّي أَنَا َأخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ ِبمَا كَانُوا َي ْعمَلُونَ (‪)69‬‬
‫وََلمّا دَخَلُوا عَلَى يُو ُ‬

‫أي‪ :‬أنهم حين دخلوا على يوسف أحسن استقبالهم؛ وأكرم وفادتهم؛ بعد أن َو ّفوْا بوعدهم معه‪،‬‬
‫وأحضروا أخاهم وشقيقه بنيامين معهم‪ ،‬وكان يوسف عليه السلم مُشْتاقا لشقيقه بنيامين‪.‬‬
‫وقد عرفنا من قبل أنه الشقيق الوحيد ليوسف؛ فهما من أم واحدة؛ أما بقية الخوة فهم من أمهات‬
‫أخريات‪.‬‬
‫وقول الحق سبحانه عن يوسف‪:‬‬
‫{ آوَى ِإلَيْهِ َأخَاهُ } [يوسف‪.]69 :‬‬
‫يدلّ على أن يوسف كان مُتشوّقا لرؤية شقيقه‪.‬‬
‫وقوله‪:‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫{ قَالَ إِنّي أَنَاْ َأخُوكَ فَلَ تَبْتَ ِئسْ ِبمَا كَانُواْ َي ْعمَلُونَ } [يوسف‪.]69 :‬‬
‫يوضح لنا أن إخوة يوسف قد استفردوا لفترة ببنيامين‪ ،‬ولم يُحْسِنوا معاملته‪ ،‬وحاول يوسف أن‬
‫يُسرّي عن أخيه‪ ،‬وأن يُزيل عنه الكَدَر بسبب ما كان إخوته يفعلونه‪.‬‬
‫جهّزَهُمْ‪.} ...‬‬
‫ويقول الحق سبحانه بعد ذلك‪ { :‬فََلمّا َ‬

‫(‪)1652 /‬‬
‫حلِ أَخِيهِ ثُمّ َأذّنَ ُمؤَذّنٌ أَيّ ُتهَا ا ْلعِيرُ إِ ّن ُكمْ لَسَا ِرقُونَ (‪)70‬‬
‫سقَايَةَ فِي َر ْ‬
‫ج َعلَ ال ّ‬
‫جهَازِ ِهمْ َ‬
‫جهّزَ ُهمْ بِ َ‬
‫فََلمّا َ‬

‫جهّزهم‬
‫أي‪ :‬أن يوسف عليه السلم قد قام بصرف المَيْرة لهم‪ ،‬كما سبق أن وعدهم‪ ،‬وكما سبق أن َ‬
‫في المرّة السابقة؛ وأراد أن يُبِقي أخاه معه في مصر؛ ولكن كيف يأخذه من إخوته لِيُبقِيه معه؛ وقد‬
‫أخذ أبوهم ميثاقا عليهم ألّ يضيعوه‪ ،‬وأل يُفرّطوا فيه‪ ،‬كما فعلوا مع أخيه من قبل؟‬
‫إذن‪ :‬ل بُدّ من حيلة يستطيع بها أن يستبقي بها أخاه معه‪ ،‬وقد جَنّد ال له فيها إخوته الذين كانوا‬
‫ُيعَادونه‪ ،‬وكانوا يحقدون عليه وعلى أخيه‪.‬‬
‫صوَاع الملك‪ ،‬التي يشرب فيها الملك‪ ،‬وتُستخدم كمكيال‪ ،‬وجعلها في َرحْل‬
‫وجاءت هنا حكاية ُ‬
‫أخيه‪.‬‬
‫وكلمة " السقاية " تُطلق إطلقات متعددة من مادة " سقى " أي‪ " :‬السين " و " القاف " و " الياء " ‪،‬‬
‫فتُطلق على إسقاء الناس والحجيج الماء‪.‬‬
‫جدِ الْحَرَامِ َكمَنْ آمَنَ بِاللّ ِه وَالْ َيوْمِ الخِرِ }‬
‫عمَا َرةَ ا ْلمَسْ ِ‬
‫ج وَ ِ‬
‫سقَايَةَ ا ْلحَا ّ‬
‫جعَلْتُمْ ِ‬
‫والقرآن الكريم يقول‪ {:‬أَ َ‬
‫[التوبة‪.]19 :‬‬
‫فكان معنى السقاية أيضا هو المكان الذي يُوضَع فيه الماء ليشرب منه الناس‪.‬‬
‫أو‪ :‬تُطلق " السقاية " على اللة التي يُخرج بها الماء للشاربين‪.‬‬
‫وهنا تُطلق كلمة " السقاية " على الناء الذي كان يشرب به الملك‪ ،‬ويُستخدم كمكيال‪ ،‬وهذا دليلٌ‬
‫على َنفَاسة ال َمكِيل‪.‬‬
‫وتُطلق أيضا كلمة " صواع " على مثل هذه الداة التي يُشرب منها‪ ،‬أو يُرفع بها الماء من المكان‬
‫إلى فَمِ الشارب؛ وأيضا ُيكَال بها؛ ومفردها " صاع "‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه هنا عن حيلة يوسف لستبقاء أخيه معه‪:‬‬
‫حلِ َأخِيهِ } [يوسف‪.]70 :‬‬
‫سقَايَةَ فِي رَ ْ‬
‫ج َعلَ ال ّ‬
‫{ َ‬
‫أي‪ :‬أمر بعضا من أعوانه أن َيضَعوا " السقاية " في رَحْل أخيه‪ ،‬و " الرّحْل "‪ :‬هو ما يوضع على‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫البعير‪ ،‬وفيه متاع المسافر كله‪ .‬وبعد أن ركب إخوة يوسف جِمالهم استعدادا للعودة إلى الشام؛‬
‫وقعت المفاجأة لهم؛ والتي يقول عنها الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ ُثمّ أَذّنَ ُمؤَذّنٌ أَيّ ُتهَا ا ْلعِيرُ إِ ّنكُمْ َلسَا ِرقُونَ } [يوسف‪.]70 :‬‬
‫أي‪ :‬يا أصحاب تلك العير أنتم سارقون‪ .‬والسرقة فعل قبيح حينما يتر ّتبُ عليها جزاء يُوقّع على‬
‫السارق‪ ،‬والمسروق هو شيء ثمين‪.‬‬
‫وفيما يبدو أن هذه الحيلة ت ّمتْ بموافقة من " بنيامين " ليمكث مع أخيه يوسف حتى يحضر أبواه‬
‫إلى مصر‪.‬‬
‫ولسائل أن يقول‪ :‬وكيف َرضِى بنيامين بذلك‪ ،‬وهو أمر يُزِيد من حُزْن يعقوب؟ وكيف يتهم يوسف‬
‫إخوته بسرقة لم يرتكبوها؟‬
‫أقول‪ :‬انظروا إلى ِدقّة القرآن‪ ،‬ولنُحْسِنَ الفهم عنه؛ لنرى أن حزن يعقوب على َفقْد يوسف قد‬
‫غلبه؛ فلَن يُؤثّر فيه كثيرا َفقْد بنيامين‪.‬‬
‫ودليل ذلك أن يعقوب عليه السلم حين عاد أبناؤه وأخبروه بحكاية السرقة؛ واستبقاء بنيامين في‬
‫سفَ }[يوسف‪.]84 :‬‬
‫علَى يُو ُ‬
‫سفَىا َ‬
‫مصر قال‪ {:‬يَاأَ َ‬
‫ولم يذكر يعقوب بنيامين‪.‬‬
‫وأما عن اتهامهم بالسرقة؛ فالية هنا ل تُحدّد ماذا سرقوا بالضبط‪ ،‬وهم في نظر يوسف قد سَرَقوه‬
‫جبّ‪.‬‬
‫من أبيه‪ ،‬وألقوْه في ال ُ‬
‫وهنا يأتي الحق سبحانه بموقف إخوة يوسف عليه السلم‪ { :‬قَالُواْ وََأقْبَلُواْ عَلَ ْيهِمْ مّاذَا َت ْفقِدُونَ‪.} ..‬‬

‫(‪)1653 /‬‬
‫قَالُوا وََأقْبَلُوا عَلَ ْي ِهمْ مَاذَا َت ْفقِدُونَ (‪)71‬‬

‫ن يتهمونهم بالسرقة مُتسائِلين‪ :‬ماذا فقدتم؟ ولماذا تتهموننا؟‬
‫أي‪ :‬أن إخوة يوسف أقبلوا على مَ ْ‬
‫وهنا يقول الحق سبحانه ما قاله من اتهموهم‪ { :‬قَالُواْ َنفْقِدُ‪.} ...‬‬

‫(‪)1654 /‬‬
‫ح ْملُ َبعِي ٍر وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (‪)72‬‬
‫صوَاعَ ا ْلمَِلكِ وَِلمَنْ جَاءَ ِبهِ ِ‬
‫قَالُوا َنفْقِ ُد ُ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أي‪ :‬أن الذين أعلنوهم بالسرقة قالوا لهم‪ :‬لقد ضاعت سقاية الملك؛ ويُقَال لها " صواع " ‪ ،‬ومَنْ‬
‫حمْل بعير؛ فلعل صُواع الملك قد‬
‫سيُخرجها من المكان المختفية به سوف ينال مكافأة قدرها وَزْن ِ‬
‫حمْل أحدكم دون قصد‪.‬‬
‫خُبئت في ِ‬
‫وأكد رئيس المنادين أنه الضامن لمن يُخرج صواع الملك‪ ،‬ويحضرها دون تفتيش أن ينال‬
‫حمْل بعير من المَيْرة والغذاء‪.‬‬
‫جائزته‪ ،‬وهي ِ‬
‫وهنا قال إخوة يوسف عليه السلم‪ { :‬قَالُواْ تَاللّهِ‪.} ...‬‬

‫(‪)1655 /‬‬
‫ض َومَا كُنّا سَا ِرقِينَ (‪)73‬‬
‫عِلمْتُمْ مَا جِئْنَا لِ ُنفْسِدَ فِي الْأَ ْر ِ‬
‫قَالُوا تَاللّهِ َلقَدْ َ‬

‫وقولهم { تَاللّهِ } هو قسم‪ ،‬وعادةً تدخل " التاء " على لفظ الجللة عند القَسَم المقصود به التعجّب‪،‬‬
‫أي‪ :‬أن إخوة يوسف أقسموا مُندهشين لتهامهم بأنهم لم يسرقوا؛ وأن ال ُكلّ قد علم عنهم أنهم لم‬
‫يأتوا بغرض الفساد بسرقة أو غير ذلك‪ ،‬لم يسبق أن اتهمهم أحد بمثل هذا التهام‪.‬‬
‫وهنا يأتي الحق سبحانه بما جاء على ألسنة مَنْ أعلنوا عن وجود سرقة‪ ،‬وأن المسروق هو‬
‫صوَاع الملك‪.‬‬
‫ُ‬
‫ويقول الحق سبحانه ما جاء على ألسنتهم‪ { :‬قَالُواْ َفمَا جَزَآ ُؤهُ‪.} ....‬‬

‫(‪)1656 /‬‬
‫قَالُوا َفمَا جَزَا ُؤهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (‪)74‬‬

‫وهذا سؤال من مُسَاعدي يوسف لخوة يوسف عن العقوبة المقررة في شريعتهم لمن يسرق؟‬
‫وماذا نفعل بمن نجد في رَحْله صُواع الملك؛ وثبت كذبكم بأنكم لم تسرقوه؟‬
‫وكان المعروف أن مَنْ يُضبط بسرقة في شريعة آل يعقوب أن يُسترقّ أو يظل في خدمة مَنْ‬
‫سرقهم‪ ،‬كما فعلت عمة يوسف التي أحبته وعاش معها بعد وفاة أمه؛ وحين أراد والده أن يسترده‬
‫أخ َفتْ في ثياب يوسف شيئا عزيزا ورثته عن أبيها إسحاق‪ ،‬وبذلك استبقتْ يوسف معها‪ ،‬ولم‬
‫يأخذه أبوه إل بعد أن ماتت عمّته‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وكان هدف يوسف عليه السلم إذن أن يستبقي أخاه معه؛ وهو قد علم من قبل هذا الحكم‪ ،‬وهكذا‬
‫تركهم يوسف عليه السلم يحكمون بأنفسهم الحكم الذي َيصْبُو إليه‪ ،‬وهو بقاء أخيه معه‪.‬‬
‫ويُورِد الحق سبحانه قولهم‪ { :‬قَالُواْ جَزَآ ُؤهُ‪.} ...‬‬

‫(‪)1657 /‬‬
‫جدَ فِي َرحْلِهِ َف ُهوَ جَزَا ُؤهُ َكذَِلكَ نَجْزِي الظّاِلمِينَ (‪)75‬‬
‫ن وُ ِ‬
‫قَالُوا جَزَا ُؤهُ مَ ْ‬

‫حكْم هم أنفسهم‪ ،‬وأكّدُوه بقولهم‪:‬‬
‫وهكذا نطقوا بال ُ‬
‫{ كَذاِلكَ نَجْزِي الظّاِلمِينَ } [يوسف‪.]75 :‬‬
‫وهكذا أعانوا هم يوسف لتحقيق مَأْربه ببقاء شقيقه معه‪ ،‬وأمر يوسفُ بتفتيش العير‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه‪ { :‬فَبَدَأَ بَِأوْعِيَ ِتهِمْ‪.} ...‬‬

‫(‪)1658 /‬‬
‫سفَ مَا كَانَ لِيَ ْأخُذَ َأخَاهُ‬
‫ن وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَِلكَ كِدْنَا لِيُو ُ‬
‫جهَا مِ ْ‬
‫ل وِعَاءِ َأخِيهِ ُثمّ اسْ َتخْرَ َ‬
‫فَبَدَأَ بَِأوْعِيَ ِتهِمْ قَ ْب َ‬
‫فِي دِينِ ا ْلمَِلكِ إِلّا أَنْ يَشَاءَ اللّهُ نَ ْرفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ َنشَا ُء َو َفوْقَ ُكلّ ذِي عِ ْلمٍ عَلِيمٌ (‪)76‬‬

‫وكان الهدف من البَدْء بتفتيش أوعيتهم؛ وهم عشرة؛ قبل وعاء شقيقه‪ ،‬كي ينفي احتمال ظنّهم بأنه‬
‫طلب منهم أن يأتوا بأخيهم معهم ليدبر هو هذا المر‪ ،‬وفتش وعاء شقيقه من بعد ذلك؛ ليستخرج‬
‫صوَاع الملك؛ وليُطبّق عليه قانون شريعة آل يعقوب؛ فيستبقي شقيقه معه‪ .‬وهذا دليل على‬
‫منه ُ‬
‫الذكاء الحكيم‪.‬‬
‫وهكذا جعل الحق سبحانه الكيد مُحْكما لصالح يوسف‪ ،‬وهو الحق القائل‪:‬‬
‫سفَ } [يوسف‪.]76 :‬‬
‫{ كَذاِلكَ كِدْنَا لِيُو ُ‬
‫أي‪ :‬كان الكيد لصالحه‪.‬‬
‫ويتابع سبحانه‪:‬‬
‫{ مَا كَانَ لِيَ ْأخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ ا ْلمَِلكِ ِإلّ أَن يَشَآءَ اللّهُ } [يوسف‪.]76 :‬‬
‫أي‪ :‬ما كان يوسف ليأخذ أخاه في دين الملك الذي يحكم مصر؛ لول فتوى الخوة بأن شريعتهم‬
‫تحكم بذلك‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ويتابع سبحانه‪:‬‬
‫{ نَ ْرفَعُ دَ َرجَاتٍ مّن نّشَآ ُء َو َفوْقَ ُكلّ ذِي عِ ْلمٍ عَلِيمٌ } [يوسف‪.]76 :‬‬
‫وهكذا رفع ال من شأن يوسف‪ ،‬وكَادَ له‪ ،‬وحقّق له أمله‪ ،‬وهو يستحق كل ذلك؛ ورفعه سبحانه‬
‫درجاتٍ عالية من العلم والحكمة‪.‬‬
‫ولم يكُنْ الكيد بسبب أن يُنزِل بشقيقه عذابا أو ضياعا‪ ،‬بل نريد ليوسف ولخيه ال ّرفْعة‪ ،‬فكأن كثيرا‬
‫من المصائب تحدث للناس‪ ،‬وهم ل يَدْرون ما في المحنة من المِنَح‪.‬‬
‫ي أمر صعب يقع عليه من غير رأي منه؛ ل ُبدّ وأن يشعر أن فيه من‬
‫وعلى المؤمن أن يعلم أن أ ّ‬
‫ال نفعا للنسان‪.‬‬
‫وإخوة يوسف سبق أنْ كَادوا له‪ ،‬فماذا كانت نتيجة كَيْدهم؟‬
‫لقد شاء الحق سبحانه أن يجعل الكيد كله لصالح يوسف‪ ،‬وجعله سبحانه ذَا علم‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫{ َو َفوْقَ ُكلّ ذِي عِ ْلمٍ عَلِيمٌ } [يوسف‪.]76 :‬‬
‫و(ذي علم) أي‪ :‬صاحب علم‪ .‬وكلهما مُنْفِصل‪ ،‬أي‪ :‬هناك " صاحب " ‪ ،‬وهناك " علم " ‪،‬‬
‫والصاحب يوجد أولً؛ وبعد ذلك يطرأ عليه العلم؛ فيصير صاحبَ عِلْم‪ ،‬ولكن فوقه‪:‬‬
‫{ عَلِيمٌ } [يوسف‪.]76 :‬‬
‫أي‪ :‬أن العلم ذاتيّ فيه‪ ،‬وهو الحق سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫فماذا كان موقف أخوة يوسف؟‬
‫بطبيعة الحال لبد أنهم قد ُبهِتوا‪ ،‬أول تصرف منهم كان ل بُدّ أن ينصرف إلى الخ الذي وُجدت‬
‫السقاية في رَحْله؛ وأخذوا يُوبّخونه؛ لنه أحرجهم وفضحهم‪ ،‬وبحثوا عن أسباب عندهم للحفيظة‬
‫عليه؛ ل للرفق به‪.‬‬
‫عصْبَةٌ }‬
‫حبّ إِلَىا أَبِينَا مِنّا وَنَحْنُ ُ‬
‫ف وَأَخُوهُ َأ َ‬
‫س ُ‬
‫وموقفهم المُسْبق منه معروف في قولهم‪ {:‬لَيُو ُ‬
‫[يوسف‪.]8 :‬‬
‫وهم يعلمون أن يوسف وأخاه من امرأة أخرى هي " راحيل " ‪ ،‬ولو كان شقيقا لهم لَتلّطفوا به‪.‬‬
‫وأوضح لهم‪ :‬إن مَنْ جعل البضاعة في رِحَالي هو مَنْ جعل البضاعة في رِحَالكم‪.‬‬
‫وهنا قال أحد الخوة‪ :‬تال‪ ،‬يا أبناء راحيل‪ ،‬ما أكثر ما نزل علينا من البلء منكم‪ ،‬فَ َردّ بنيامين‪:‬‬
‫بنو راحيل نزل عليهم من البلء منكم فوق ما نزل عليكم من البلء منهم‪.‬‬
‫ويورد الحق سبحانه هنا قولهم‪ { :‬قَالُواْ إِن َيسْرِقْ‪.} ...‬‬

‫(‪)1659 /‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫سفُ فِي َنفْسِ ِه وَلَمْ يُ ْبدِهَا َلهُمْ قَالَ أَنْ ُتمْ شَرّ َمكَانًا‬
‫قَالُوا إِنْ يَسْ ِرقْ َفقَدْ سَ َرقَ أَخٌ َلهُ مِنْ قَ ْبلُ فََأسَرّهَا يُو ُ‬
‫صفُونَ (‪)77‬‬
‫وَاللّهُ أَعَْلمُ ِبمَا َت ِ‬

‫عوْا أن داء السرقة في بنيامين قد سبقه إليه شقيق له من قبل‪ ،‬وقالوا ذلك في مجال تبرئة‬
‫وهكذا ادّ َ‬
‫حتْ ملمح العداوة منهم تجاه يوسف وأخيه‪.‬‬
‫أنفسهم‪ ،‬وهكذا َوضُ َ‬
‫وقولهم‪:‬‬
‫{ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لّهُ مِن قَ ْبلُ‪[ } ..‬يوسف‪.]77 :‬‬
‫يُسمّى في اللغة قضية شرطية‪ .‬ومعنى القضية الشرطية؛ أن حدثا يقع بسبب حَدَث وقع قبله‪،‬‬
‫فهناك حَدَث يحدث وحده‪ ،‬وهناك حَدَث يحدث بشرط أن يحدث قبله حدث آخر‪.‬‬
‫مثال هذا هو قولك لتلميذ‪ :‬إنْ تذاكر دروسك تنجحْ‪ ،‬وهنا حَدَثان‪ ،‬المذاكرة والنجاح‪ ،‬فكأن حدوثَ‬
‫النجاح الشرط فيه حدوث المذاكرة‪ ،‬ول ُبدّ أن يحدث الشرط أولً؛ ثم يحدث الحدث الثاني‪ ،‬وهو‬
‫هنا قولهم‪:‬‬
‫{ َفقَدْ سَرَقَ أَخٌ لّهُ مِن قَ ْبلُ } [يوسف‪ .]77 :‬كتعليل لسرقة بنيامين‪.‬‬
‫سلٌ مّن قَبِْلكَ }[آل عمران‪.]184 :‬‬
‫والمثل من القرآن أيضا‪ {:‬فَإِن كَذّبُوكَ َفقَدْ كُ ّذبَ رُ ُ‬
‫فكأن ال يوضح للرسول صلى ال عليه وسلم‪ :‬إنْ كذّبوك الن فيما تنقل لهم من أخبار السماء؛‬
‫فل تحزن ول تبتئس؛ فهذا التكذيب ظاهرة عَانَى منها كل الرسل السابقين لك؛ لنهم يجيئون بما‬
‫يُنكره المرسل إليهم أولً‪ ،‬فل بد أن يكذبوا‪ ،‬وهكذا يستقيم الشرط‪ ،‬لن الحق سبحانه هنا قد عدل‬
‫بالشيء عن سببه‪ ،‬فكان جواب الشرط بعد الزمان الذي حدث فيه الشرط‪.‬‬
‫وهنا قال الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لّهُ مِن قَ ْبلُ‪[ } ..‬يوسف‪.]77 :‬‬
‫أي‪ :‬ل تعجب يا عزيز مصر؛ لن هذه خصلة في أولد راحيل‪ ،‬قالوا ذلك وهم يجهلون أنهم‬
‫يتحدثون إلى يوسف ابن راحيل!!‬
‫وكل حدث يحدث للمَلَكات المستقيمة؛ ل ُبدّ أن يُخرج تلك المَلَكات عن وضعها‪ ،‬ونرى ذلك لحظة‬
‫أن يتفوّه واحد بكلمة تُخرج إنسانا مستقيما عن حاله وتُنغّصه‪ ،‬ويدرك بها النسان المستقيم ما‬
‫يؤلمه؛ وينفعل انفعالً يجعله ينزع للردّ‪.‬‬
‫ولذلك يوصينا صلى ال عليه وسلم‪ " :‬إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس؛ فإن ذهب عنه‬
‫الغضب؛ وإل فليضطجع "‪.‬‬
‫كي يساعد نفسه على َكظْم ضيقه وغضبه‪ ،‬ولِيُسرّب جزءا من الطاقة التي تشحنه بالنفعال‪.‬‬
‫ولكن يوسف عليه السلم لم ينزع إلى الرد‪ ،‬لذلك قال الحق سبحانه‪:‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫سهِ‪[ } ...‬يوسف‪.]77 :‬‬
‫سفُ فِي َنفْ ِ‬
‫{ فََأسَرّهَا يُو ُ‬
‫وكان يستطيع أن يقول لهم ما حدث له من عمّته التي اتهمته بالباطل أنه سرق؛ لتحتفظ به في‬
‫حضانتها من فَرْط حُبّها له‪ ،‬لكن يوسف عليه السلم أراد أن يظل مجهولً بالنسبة لهم‪ ،‬لتأخذ‬
‫المور مجراها‪:‬‬
‫س ِه وَلَمْ يُبْ ِدهَا َلهُمْ‪[ } ..‬يوسف‪.]77 :‬‬
‫سفُ فِي َنفْ ِ‬
‫{ فََأسَرّهَا يُو ُ‬
‫حدث ذلك رغم أن قولهم قد أثّر فيه‪ ،‬ولكن قال رأيه فيهم لنفسه‪:‬‬
‫صفُونَ } [يوسف‪.]77 :‬‬
‫{ أَنْ ُتمْ شَرّ ّمكَانا وَاللّهُ أَعْلَمْ ِبمَا َت ِ‬
‫ل للعب؛ ثم ألقيتموني في الجب؛ وتركتم أبي بل موانسة‪.‬‬
‫لنكم أنتم مَنْ أخذتموني طف ً‬
‫‪ .‬وأنا لم أسرق بل سُرِقت‪ ،‬وهكذا سرقتم ابنا من أبيه‪.‬‬
‫وهو إنْ قال هذا في نفسه فل ُبدّ أن انفعاله بهذا القول قد ظهر على ملمحه‪ ،‬وقد يظهر المعنى‬
‫صلَ إليهم المعنى‪ ،‬والقول ليس إل ألفاظا يصل به مدلول الكلم إلى مُسْتمع‪.‬‬
‫على الملمح‪ ،‬لي ِ‬
‫وقد وصل المعنى من خلل انفعال يوسف‪.‬‬
‫صفُونَ { [يوسف‪.]77 :‬‬
‫وقوله‪ } :‬وَاللّهُ أَعْلَمْ ِبمَا َت ِ‬
‫أي‪ :‬أنه سبحانه أعلم بما تنعتون‪ ،‬وتظهرون العلمات والسّمات‪ ،‬وغلبت كلمة " تصفون " على‬
‫الكلم‪.‬‬
‫ل وَهَـاذَا‬
‫لٌ‬
‫صفُ أَلْسِنَ ُتكُمُ ا ْلكَ ِذبَ هَـاذَا حَ َ‬
‫ومثال هذا هو قول الحق سبحانه‪َ {:‬ولَ َتقُولُواْ ِلمَا َت ِ‬
‫حَرَامٌ }[النحل‪.]116 :‬‬
‫أي‪ :‬أن ما تقولونه يُوحي من تلقاء نفسه أنه َكذِب‪ ،‬وهكذا نعرف أن كلمة " َتصِف " وكلمة "‬
‫تصفون " غلب في استعمالهما للكلم الذي يحمل معه دليلَ كَذِبه‪.‬‬
‫ويأتي الحق سبحانه بما جاء على ألسنتهم بعد ذلك‪ } :‬قَالُواْ ياأَ ّيهَا‪.{ ...‬‬

‫(‪)1660 /‬‬
‫حسِنِينَ (‪)78‬‬
‫قَالُوا يَا أَ ّيهَا ا ْلعَزِيزُ إِنّ َلهُ أَبًا شَ ْيخًا كَبِيرًا َفخُذْ َأحَدَنَا َمكَانَهُ إِنّا نَرَاكَ مِنَ ا ْلمُ ْ‬

‫وهكذا دخلوا مع يوسف في نقاش‪ ،‬وبدأوا في الستعطاف؛ بقولهم‪:‬‬
‫{ إِنّ لَهُ أَبا شَيْخا كَبِيرا‪[ } ...‬يوسف‪.]78 :‬‬
‫ونلحظ أن كلمة " كبير " تُطلق إطلقات متعددة‪ ،‬إنْ أردتَ الكِبَر في السنّ تكون من " كَبرَ َيكْبَر‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫" ‪ ،‬وإنْ أردتَ الكِبَرَ في المقام تقول‪ " :‬كَبُرَ يَكبُر "‪.‬‬
‫والحق سبحانه يقول‪ {:‬كَبُ َرتْ كَِلمَةً َتخْرُجُ مِنْ َأ ْفوَا ِههِمْ إِن َيقُولُونَ ِإلّ كَذِبا }[الكهف‪.]5 :‬‬
‫والكِبَر واحد من معاني العظمة‪ ،‬أما الكِبَرُ في السّنّ فهو مختلف؛ وهنا قالوا‪:‬‬
‫{ إِنّ لَهُ أَبا شَيْخا كَبِيرا‪[ } ...‬يوسف‪.]78 :‬‬
‫قد تكون ترقيقا بالعزة‪ ،‬أو ترقيقا بالضعف‪.‬‬
‫أي‪ :‬إن له أبا شيخا كبيرا عظيما في قومه؛ وحين يُبلغه أن ابنه قد احتُجز من أجل سرقة‪ ،‬فهذا‬
‫أمر مؤلم؛ ولك أن تُقدّر ذلك وأنت عزيز مصر؛ ونرجو أن تحفظ للب شرفه ومَجْده وعظمته‪،‬‬
‫واسْتُرْ ذلك المر من أجل خاطر ومكانة والده‪.‬‬
‫أو‪ :‬أن يكون قولهم مقصودا به‪ ،‬أن الب شيخ مُهدّم‪ ،‬ل يحتمل الصدمة‪ ،‬وخصوصا أن له ابنا قد‬
‫ُفقِد‪.‬‬
‫ثم يعرضون عَرْضا آخر‪ ،‬فيقولون‪:‬‬
‫حسِنِينَ } [يوسف‪.]78:‬‬
‫{ َفخُذْ َأحَدَنَا َمكَانَهُ إِنّا نَرَاكَ مِنَ ا ْلمُ ْ‬
‫أي‪ :‬أنهم سألوه أن يُتمّمَ إحسانه عليهم‪ ،‬فقد أحسن استقبالهم؛ وسبق أن أنزلهم منزلً كريما‪،‬‬
‫وأعطاهم المَيْرة‪ ،‬ولم يأخذ بضائعهم ثمنا لها‪.‬‬
‫ومَنْ يفعل ذلك؛ ل يضِنّ عليهم بأن يستجيب لرجائهم‪ ،‬بأن يأخذ واحدا منهم بدلً من أخيهم‬
‫الصغير‪.‬‬
‫كل هذه ترقيقات منهم لقلبه‪ ،‬ولكن القاعدة هي ألّ يُؤاخذ بالذنب إل صاحبه؛ ولذلك لم َي ُفتْ هذا‬
‫المر على يوسف‪ ،‬فجاء الحق سبحانه بما يوضح ذلك‪ { :‬قَالَ َمعَاذَ اللّهِ‪.} ...‬‬

‫(‪)1661 /‬‬
‫جدْنَا مَتَاعَنَا عِنْ َدهُ إِنّا إِذًا َلظَاِلمُونَ (‪)79‬‬
‫ن وَ َ‬
‫خذَ إِلّا مَ ْ‬
‫قَالَ َمعَاذَ اللّهِ أَنْ نَأْ ُ‬

‫صوَاع الملك‪ ،‬فما ذنبه‬
‫ن وُجِد في متاعه ُ‬
‫ل ممّ ْ‬
‫ويستعيذ يوسف عليه السلم بال أن يأخذ أحدا بد ً‬
‫في هذا المر؟ ول أحد يمكن أن ينال عقابا على ذنب ارتكبه غيره‪.‬‬
‫وساعةَ تقرأ " إذا " مُنوّنة؛ فاعرف أن هناك جملةً محذوفةً‪ ،‬أي‪ :‬أن يوسف قال‪ :‬إنْ أخذنا غير مَنْ‬
‫وجدنا متاعنا عنده نكون من الظالمين‪.‬‬
‫وجاء " التنوين " بدلً من الجملة المحذوفة التي ذكرناها‪.‬‬
‫ومثال آخر من القرآن هو قول الحق سبحانه‪ {:‬وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ }[الواقعة‪.]84 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫عوَضا عن الجملة كلها‪.‬‬
‫ويحدث ذلك حين تبلغ الرّوح الحلقوم‪ ،‬وجاء " التنوين " ِ‬
‫وهكذا أراد يوسف أن يُذكّرهم أنه ل يحِقّ له أن يأخذ أخا منهم بدلً من بنيامين؛ لنه هو مَنْ وُجِد‬
‫صوَاع الملك؛ ول يصح له أن يظلم أحدا‪ ،‬أو يأخذ أحدا بجريرة أحد آخر‪.‬‬
‫في متاعه ُ‬
‫وهنا علم أبناء يعقوب أن المسألة ل يُ َبتّ فيها بسهولة؛ لنها تتعلق بأمر خطير‪.‬‬
‫ويصور الحق سبحانه حالتهم هذه فيقول‪ { :‬فََلمّا اسْتَيَْأسُواْ مِ ْنهُ‪.} ..‬‬

‫(‪)1662 /‬‬
‫خذَ عَلَ ْيكُمْ َموْ ِثقًا مِنَ اللّ ِه َومِنْ‬
‫فََلمّا اسْتَيْئَسُوا مِ ْنهُ خََلصُوا نَجِيّا قَالَ كَبِيرُ ُهمْ أََلمْ َتعَْلمُوا أَنّ أَبَاكُمْ َقدْ أَ َ‬
‫ح ُكمَ اللّهُ لِي وَ ُهوَ خَيْرُ الْحَا ِكمِينَ‬
‫سفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَ ْرضَ حَتّى يَأْذَنَ لِي أَبِي َأوْ يَ ْ‬
‫قَ ْبلُ مَا فَرّطْتُمْ فِي يُو ُ‬
‫(‪)80‬‬

‫ويقال‪ " :‬يئس " أي‪ :‬قطع المل من الشيء‪ ،‬وهم لم يقطعوا المل فقط‪ ،‬بل استيأسوا‪ ،‬وهو أمر‬
‫فوق اليأس‪.‬‬
‫فهم قد أخذوا يُرقّقون كل ألوان المُرقّقات؛ ول فائدة؛ وكلما أوردوا مُرقّقا؛ يجدون الباب أمامهم‬
‫مُوصَدا‪.‬‬
‫وكأنهم بذلك يُِلحّون على اليأس أن يأتيهم؛ لن الظروف المحيطة والجو المحيط ل يحمل أي‬
‫بارقة أملٍ‪ ،‬وكلما تبدو بارق ُة أملٍ ويطلبونها يجدون الطريق مُوصَدا؛ فكأنهم يطلبون اليأس من أن‬
‫يأذن يوسف بسفر أخيهم بنيامين معهم في رحلة العودة إلى أبيهم‪.‬‬
‫وهنا‪ { :‬خََلصُواْ نَجِيّا‪[ } ..‬يوسف‪.]80 :‬‬
‫أي‪ :‬أنهم انفردوا عنه‪ ،‬وعن أعين الحاضرين؛ العزيز يوسف‪ ،‬ومَنْ حوله من ال ُمعَاونِين له‪،‬‬
‫وأخيهم موضع الخلف‪ ،‬وانفردوا بأنفسهم‪.‬‬
‫والنفراد هو المناجاة؛ والمناجاة مَسرّة؛ والمَسرّة ل تكون إل في أمر ل تحب لغيرك أن يطلع‬
‫عليه‪.‬‬
‫ونلحظ أن‪ { :‬خََلصُواْ‪[ } ...‬يوسف‪ ]80 :‬هي جمع‪ ،‬و‪َ { :‬نجِيّا } [يوسف‪ ]80 :‬مفرد‪ ،‬وهذا من‬
‫ن ل يملكون مَلَكةً عربية‪ :‬كيف يأتي القرآن بمفرد بعد الجمع؟‬
‫ضمن المواقع التي يتساءل فيها مَ ْ‬
‫ونقول دائما‪ :‬لو أنهم امتلكوا اللغة كمَلكَة لَعرفوا أن ذلك جائز جدا‪ .‬ومثال هذا هو قول الحق‬
‫ظهِيرٌ }[التحريم‪.]4 :‬‬
‫سبحانه‪ {:‬وَا ْلمَلَ ِئكَةُ َب ْعدَ ذَِلكَ َ‬
‫وهم ل يفهمون أن اللغة فيها ألفاظ يستوي فيها المفرد والجمع‪ ،‬كأن الملئكة يجمعون قوة كل‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫واحد منهم لتكون قوة واحدة‪.‬‬
‫لقْ َدمُونَ‬
‫ومثال آخر‪ :‬هو قول إبراهيم خليل الرحمن‪ {:‬قَالَ َأفَرَأَيْتُمْ مّا كُنْ ُتمْ َتعْبُدُونَ * أَن ُت ْم وَآبَآ ُؤكُ ُم ا َ‬
‫ع ُدوّ لِي ِإلّ َربّ ا ْلعَاَلمِينَ }[الشعراء‪.]77-75 :‬‬
‫* فَإِ ّنهُمْ َ‬
‫أي‪ :‬أن إبراهيم عليه السلم جمع اللهة المتعددة التي يعبدونها وجعلها عدوا واحدا له‪.‬‬
‫وكذلك يمكن أن نفعل مع كلمة " صديق " ‪ ،‬وكذلك كلمة " عَدْل " فحين ينظر القضاء في أمر‬
‫قضية ما؛ فالقاضي ل يُصدِر الحكم وحده؛ بل ُيصِدره بعد التشاور مع المُستَشارين؛ ويصدر‬
‫الحكم من الثلثة‪ :‬رئيس المحكمة‪ ،‬وعضو اليمين‪ ،‬وعضو اليسار وكلهما بدرجة مستشار‪.‬‬
‫ل "‪ .‬ول يقال‪ :‬إن كل مستشار أو قاض له عدل‪.‬‬
‫ويُقَال‪ " :‬حكم القضاة عَ ْد ً‬
‫وكذلك‪َ { :‬نجِيّا } [يوسف‪ ]80 :‬في الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها‪ ،‬فهم حين استيأسوا من‬
‫يوسف انفردوا بأنفسهم ليتناجوا‪.‬‬
‫وعادة يكون الرأي الول للخ الكبر‪ ،‬الذي عادة ما يكون له من الخبرة والحكمة ما يتيح له أن‬
‫يُبدِي الرأي الصواب‪.‬‬
‫وهنا يقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫سفَ فَلَنْ‬
‫{ قَالَ كَبِيرُ ُهمْ أَلَمْ َتعَْلمُواْ أَنّ أَبَا ُكمْ قَدْ َأخَذَ عَلَ ْيكُمْ ّموْثِقا مّنَ اللّ ِه َومِن قَ ْبلُ مَا فَرّطتُمْ فِي يُو ُ‬
‫حكُمَ اللّهُ لِي وَ ُهوَ خَيْرُ ا ْلحَا ِكمِينَ } [يوسف‪.]80 :‬‬
‫ح الَ ْرضَ حَتّىا يَأْذَنَ لِي أَبِي َأوْ َي ْ‬
‫أَبْرَ َ‬
‫وقد يكون كبيرهم هو أكبرهم عمرا؛ أو هو رئيس الرحلة‪ ،‬وحين رآهم قد قَبِلوا فكرة العودة دون‬
‫ن يغفلوا عن أن أباهم قد أخذ‬
‫أخيهم الذي احتجزه عزيز مصر؛ قال لهم رأيه الذي حذرهم فيه أ ْ‬
‫منهم موثقا من ال إل أنْ ُيحَاط بهم؛ كما يجب أل ينسوا أن لهم سابقة حين أخذوا يوسف‬
‫وضيّعوه‪.‬‬
‫وبناءً على ذلك استقر قراره ألّ يبرحَ المكان‪ ،‬ولن يعود إلى أبيه إل إنْ أذِنَ له بذلك؛ أو أن يحكمَ‬
‫ال له بأن يُسلّمه عزيزُ مصر أخاه‪ ،‬أو أن يموت هنا في نفس البلد‪.‬‬
‫وهذا القول في ظاهره دفاع عن النفس؛ وخجل من أن يعود إلى أبيه بدون بنيامين؛ ولذلك ترك‬
‫أخوته يتحملّون تلك المواجهة مع الب‪.‬‬
‫وتبدو هذه المسألة أكثر قسوة على الب؛ لنه فقد في الرحلة الولى يوسف‪ ،‬وفي الرحلة الثانية‬
‫يفقد ابنه بنيامين‪ ،‬وكذلك البن الكبير الذي يرأس الرحلة‪.‬‬
‫وفي هذا تصعيد للقسوة على الب‪ ،‬وكان المفروض أن تدور ُمدَاولَة بين الخوة في تلك المُنَاجاة‪،‬‬
‫ولكن الخ الكبير أو رئيس الرحلة حسم المر‪.‬‬
‫جعُواْ إِلَىا أَبِي ُكمْ‪.{ ...‬‬
‫وحين سألوه‪ :‬ماذا نفعل يا كبيرنا؟ جاء قوله الذي أوردته الية التالية‪ } :‬ارْ ِ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫(‪)1663 /‬‬
‫ش ِهدْنَا إِلّا ِبمَا عَِلمْنَا َومَا كُنّا لِ ْلغَ ْيبِ حَا ِفظِينَ (‬
‫ق َومَا َ‬
‫جعُوا إِلَى أَبِيكُمْ َفقُولُوا يَا أَبَانَا إِنّ ابْ َنكَ سَرَ َ‬
‫ارْ ِ‬
‫‪)81‬‬

‫وهكذا أمر الخ الكبر أو رئيس الرحلة إخوته أن يرجعوا إلى أبيهم‪ ،‬ويقولوا له ما حدث‬
‫صوَاع‬
‫بالضبط‪ ،‬فقد اتّهم ابنه بالسرقة‪ ،‬ونحن ل نقول هذا الكلم إل بعد أن وجد فِتيان العزيز ُ‬
‫الملك في َرحْلِه‪ ،‬ول نعلم هل دَسّها أحد له؟ وهل هي حِيلة ومكيدة؟‬
‫ونحن ل نقول لك يا أبانا إل ما وصل إلينا من معلومات‪ ،‬وقد أخذه العزيز طبقا لشريعتنا‪ ،‬ونحن‬
‫بخبرتنا بأخينا ل نشهد عليه بالسرقة‪ ،‬إل أن ثبوتَ وجود صُواع الملك في رَحْله هو السبب في‬
‫كل ذلك‪.‬‬
‫ويعلم الخ الكبر أن يعقوب عليه السلم قد يُكذّب أولده؛ لن هناك سوابقَ لهم؛ لذلك أوصاهم‬
‫الخ الكبر أو رئيس الرحلة أن يقولوا لبيهم ـ إنْ َكذّبهم ـ ما جاء به الحق على ألسنتهم‪:‬‬
‫{ وَسْ َئلِ ا ْلقَرْيَةَ‪.} ...‬‬

‫(‪)1664 /‬‬
‫وَاسَْألِ ا ْلقَرْيَةَ الّتِي كُنّا فِيهَا وَا ْلعِيرَ الّتِي َأقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنّا َلصَا ِدقُونَ (‪)82‬‬

‫ن كنتَ تشك في أقوالنا؛ يمكنك أن تطلب أدلة أخرى من المكان الذي كنا فيه؛‬
‫أي‪ :‬أنك يا أبانا إ ْ‬
‫لن هذا الموضوع قد أحدث ضجّة وحدث أمام جمع كبير من الناس‪ ،‬والقوافل التي كانت معنا‬
‫شهدتْ الواقعة؛ فقد أذّن مُؤذّن بالحادث‪ ،‬وتَمّ تفتيش العِير علنا‪.‬‬
‫فإذا أردتَ أن تتأكد من صدق أقوالنا‪ ،‬فاسأل العِير التي كانت تسير معنا في الطريق‪ ،‬وهم‬
‫يعرفون هذه القضية كما نعرفها‪ ،‬أو اسأل أهل القرية التي جئنا منها‪.‬‬
‫ونلحظ هنا أن الحق سبحانه أورد كلم أخوة يوسف لبيهم يعقوب‪:‬‬
‫{ وَسْ َئلِ ا ْلقَرْيَةَ الّتِي كُنّا فِيهَا‪[ } ..‬يوسف‪.]82 :‬‬
‫ونحن نعلم أن كل حَ َدثٍ من الحداث ل ُبدّ له من فاعل‪ ،‬ومن مفعول يقع عليه‪ ،‬ومن مكان يقع‬
‫فيه‪ ،‬ومن زمان يقع فيه؛ ومن سبب يُوجِبه‪ ،‬ومن قوة تنهض به‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وفي بعض الحالت نجد أن المكان هو المر الظاهر والقوي في الحدث‪ ،‬فننسبه إليه‪ ،‬فيُقال‪:‬‬
‫{ وَسْ َئلِ ا ْلقَرْيَةَ } [يوسف‪.]82 :‬‬
‫والمراد بطبيعة الحال أن يَسأل أهل القرية‪ ،‬أو‪ :‬أن المسألة كانت واضحة تماما لدرجة أن الجماد‬
‫يعرف تفاصيلها‪ ،‬أو‪ :‬أنك نبيّ ويوحي لك ال فَسَ ْلهُ أن يجعل الرض تخبرك بما وقع عليها‪.‬‬
‫وكذلك قولهم‪:‬‬
‫{ وَسْ َئلِ ا ْلقَرْيَةَ الّتِي كُنّا فِيهَا وَاّلعِيْرَ } [يوسف‪.]82 :‬‬
‫ونعلم أن العير هي المَطايا؛ سواء أكانت نِياقا أو كانت من الجمال أو الحمير أو ال ِبغَال التي تحمل‬
‫البضائع‪.‬‬
‫وحين ُيقَال‪:‬‬
‫{ وَسْ َئلِ ا ْلقَرْيَةَ الّتِي كُنّا فِيهَا وَاّلعِيْرَ‪[ } ...‬يوسف‪.]82 :‬‬
‫أي‪ :‬أن العير كان لها في المر شيء فوق المُلَبسات كلها‪.‬‬
‫ومثال هذا ما كان في موقعة بدر؛ فقد خرج رسول ال صلى ال عليه وسلم ليلقَى العير القادمة‬
‫من الشام وهي مُحمّلة بالبضائع؛ ليصادرها إيفاء ما استولى عليه الكافرون من أموال المهاجرين‬
‫التي كانت بمكة‪ ،‬ولم يكن مع هذه العير إل قليل من الحرس والرعاة‪.‬‬
‫ولكن حين تكلم عن المقاتلين الذين َقدِموا من مكة؛ وصفهم بالنفير‪ ،‬أي‪ :‬الجماعة الذين نفروا‬
‫لمواجهة معسكر اليمان‪.‬‬
‫حدَث يأخذ المر البارز فيه‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فكل َ‬
‫وهنا يورد الحق سبحانه ما جاء على ألسنة إخوة يوسف حينما عادوا ليلقَوْا أباهم‪ ،‬وليس معهم‬
‫أخوهم بنيامين؛ وكذلك تَخَلّف أخيهم الكبير أو رئيس الرحلة‪.‬‬
‫يقول الحق سبحانه‪ { :‬وَسْ َئلِ ا ْلقَرْيَةَ الّتِي كُنّا فِيهَا‪[ } ...‬يوسف‪.]82 :‬‬
‫ويجوز أن تفتيشهم قد تَمّ في مكان بعيد قليلً عن ال ُعمْران؛ وفحص جنود أو مساعدو يوسف‬
‫أمتعتهم التي عثروا فيها على صواع الملك‪.‬‬
‫وسُمى المكان " قرية " ‪ ،‬مثلما نفعل نحن حاليا حين نخصص مكانا للجمارك؛ نفحص فيه البضائع‬
‫الخارجة أو الداخلة إلى البلد‪ ،‬فقولهم‪:‬‬
‫{ وَسْ َئلِ ا ْلقَرْيَةَ الّتِي كُنّا فِيهَا‪[ } ...‬يوسف‪.]82 :‬‬
‫أي‪ :‬اسأل أهل الموقع الذي حدث فيه التفتيش‪.‬‬
‫وكذلك قولهم‪ } :‬وَاّلعِيْرَ الّتِي َأقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنّا َلصَا ِدقُونَ { [يوسف‪.]82 :‬‬
‫ن كانوا معنا‪ ،‬وجِئْنا بصحبتهم من أصحاب القوافل الخرى‪.‬‬
‫أي‪ :‬اسأل مَ ْ‬
‫وكرر قولهم‪:‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫} وَإِنّا َلصَا ِدقُونَ { [يوسف‪.]82 :‬‬
‫لنهم علموا سابق كذبهم من قبل ذلك؛ لذلك أرادوا هنا أن يُثبتوا صدقهم؛ وحين يسأل أبوهم‬
‫يعقوب؛ سيجد أنهم صادقون فعلً‪ ،‬وهم لم يطلبوا شهادة الغير إل لنهم واثقون من صدقهم هذه‬
‫المرة‪.‬‬
‫وجاء الحق سبحانه بهذه الجملة السمية‪:‬‬
‫} وَإِنّا َلصَا ِدقُونَ { [يوسف‪.]82 :‬‬
‫شكّ فيهم من قبل‪ ،‬حين جاءوا بدم كذبٍ‪ ،‬وادّعوا أنه قميص يوسف‪،‬‬
‫لنهم قد فهموا أن والدهم قد َ‬
‫وأن الذئب قد أكله‪.‬‬
‫سوَّلتْ‪.{ ...‬‬
‫ويأتي الحق سبحانه بما جاء على لسان يعقوب‪ } :‬قَالَ َبلْ َ‬

‫(‪)1665 /‬‬
‫حكِيمُ (‬
‫جمِيعًا إِنّهُ ُهوَ ا ْلعَلِيمُ ا ْل َ‬
‫عسَى اللّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي ِبهِمْ َ‬
‫جمِيلٌ َ‬
‫سكُمْ َأمْرًا َفصَبْرٌ َ‬
‫سوَّلتْ َل ُكمْ أَ ْنفُ ُ‬
‫قَالَ َبلْ َ‬
‫‪)83‬‬

‫المور التي تخالف الضمير؛ ويُستحى منها؛ ويُخشى مَغبّتها؛ هي أمور تستعصي على النفس؛‬
‫وتحتاج النفس إلى علج حتى تبرزها‪ ،‬وتحتاج إلى مَنْ يُيسّر لها‪ ،‬ما أن تُقدِم على فعل المر‬
‫سوّل "‪.‬‬
‫المستهجن‪ ،‬وهذا ما يُقال له‪َ " :‬‬
‫وقول الحق سبحانه على لسان يعقوب‪:‬‬
‫سكُمْ َأمْرا‪[ } ...‬يوسف‪.]83 :‬‬
‫سوَّلتْ َلكُمْ أَنفُ ُ‬
‫{ َبلْ َ‬
‫أي‪ :‬يسّرتْ لكم أنفسكم أمرا يصعب أن تقبله النفوس المستقيمة‪ ،‬وسبق أن قال يعقوب لحظةَ أنْ‬
‫ل وَاللّهُ‬
‫جمِي ٌ‬
‫سكُمْ َأمْرا َفصَبْرٌ َ‬
‫سوَّلتْ َلكُمْ أَنفُ ُ‬
‫جاءوا له بقميص يوسف وعليه الدم الكاذب‪َ {:‬بلْ َ‬
‫صفُونَ }[يوسف‪.]18 :‬‬
‫ا ْلمُسْ َتعَانُ عَلَىا مَا َت ِ‬
‫وهنا طلب يعقوب عليه السلم العون مما يدل على أن ما قالوه‪ ،‬وكذلك أحداث القصة لن تقف‬
‫عند هذا الحّدّ‪ ،‬بل ستأتي من بعد ما قالوه أحداث تتطلب تجنيد قوى الصبر في النفس‪ ،‬وتتطلب‬
‫معونة ال‪.‬‬
‫ويختلف المر هنا في الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها ما جاء بعد الحديث عن تسويل‬
‫النفس‪ ،‬واستلهام الصبر من ال‪َ ،‬فهِبَات الفرج قد اقتربتْ‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫جمِيعا‪[ } ...‬يوسف‪.]83 :‬‬
‫عسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَنِي ِبهِمْ َ‬
‫{ َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫في هذه الية طلب المل الذي يوحي بالفرج‪ ،‬وقد كان‪.‬‬
‫وبعض من الذين تأخذهم الغفلة يتساءلون‪:‬‬
‫لماذا قال يعقوب‪:‬‬
‫جمِيعا‪[ } ..‬يوسف‪.]83 :‬‬
‫عسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَنِي ِبهِمْ َ‬
‫{ َ‬
‫والغائب عنه هما يوسف وأخوه؟‬
‫ونقول‪ :‬ولماذا تنسوْنَ كبير الخوة الذي رفض أن يبرحَ مصر‪ ،‬إل بعد أن يأذن له يعقوب‪ ،‬أو‬
‫يفرج عنه ال؟‬
‫لقد غاب عن يعقوب ثلثة من أولده‪ :‬يوسف وبنيامين وشمعون؛ لذلك قال‪:‬‬
‫جمِيعا‪[ } ..‬يوسف‪.]83 :‬‬
‫عسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَنِي ِبهِمْ َ‬
‫{ َ‬
‫ولم َي ُقلْ‪ :‬يأتيني بهما‪.‬‬
‫ويُذيّل الحق سبحانه الية الكريمة بقوله‪:‬‬
‫حكِيمُ } [يوسف‪.]83 :‬‬
‫{ إِنّهُ ُهوَ ا ْلعَلِيمُ الْ َ‬
‫فال سبحانه يعلم أين هم؛ لنه العليم بكل شيء‪ ،‬وهو سبحانه حكيم فيما يُجريه علينا من‬
‫تصرّفات‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه بعد ذلك‪ { :‬وَ َتوَلّىا عَ ْنهُمْ‪.} ...‬‬

‫(‪)1666 /‬‬
‫ضتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ َف ُهوَ كَظِيمٌ (‪)84‬‬
‫ف وَابْ َي ّ‬
‫س َ‬
‫سفَى عَلَى يُو ُ‬
‫وَ َتوَلّى عَ ْنهُ ْم َوقَالَ يَا أَ َ‬

‫وأعرض يعقوب عليه السلم عنهم؛ فما جاءوا به هو خبر أحزنه‪ ،‬وخَلَ بنفسه؛ لنه ببشريته‬
‫تحسّر على يوسف‪ ،‬فقد كانت قاعدة المصائب هي افتقاده يوسفَ‪.‬‬
‫وساعةَ تسمع نداءً لشيء محزن‪ ،‬مثل‪ " :‬وا حُزْناه " أو " وا أسفاه " أو " وا مُصيبتاه "؛ فهذا يعني‬
‫أن النفس تضيق بالحداث وتقول " يا همّ‪ ،‬هذا أوانك‪ ،‬فاحضر "‪ .‬أو أنه قال‪:‬‬
‫سفَ‪[ } ...‬يوسف‪.]84 :‬‬
‫سفَىا عَلَى يُو ُ‬
‫{ يَاَأ َ‬
‫لن أخاه بنيامين كان أشبهَ الناس به؛ فكان حُزْنه على يوسف طاقة من الهَمّ نزلتْ به‪ ،‬وتبعتها‬
‫طاقة هَمّ أخرى‪ ،‬وهي افتقاد بنيامين‪.‬‬
‫وقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫ضتْ عَيْنَاهُ } [يوسف‪.]84 :‬‬
‫{ وَابْ َي ّ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أي‪ :‬أن دموع يعقوب كثُرتْ حتى بَدا الجزء السود في العين وكأنه أبيض‪ .‬أو‪ :‬ابيضتْ عيناه من‬
‫فَرْط حُزنه‪ ،‬الذي ل يبثّه لحد ويكظمه‪.‬‬
‫وهو قد يكظم غيظه من كل ما حدث‪ ،‬أما النفعالت فل أحد بقادر على أن يتحكم فيها‪ " .‬ونجد‬
‫رسولنا صلى ال عليه وسلم يبكي؛ وتذرف عيناه حُزْنا على موت ابنه إبراهيم‪ ،‬فقال له عبد‬
‫الرحمن بن عوف ـ رضي ال عنه ـ‪ :‬أتبكي؟ أو لم تكن نه ْيتَ عن البكاء؟ قال‪ " :‬ل‪ ،‬ولكن‬
‫نهيتُ عن صوتين أحْمقيْنِ فاجرين‪ :‬صوت عند مصيبة‪ ،‬خمش وجوه‪ ،‬وشق جيوب‪ ،‬ورنة شيطان‬
‫"‪.‬‬
‫وقد قال رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ " :‬إن العين تدمع‪ ،‬والقلب يحزن‪ ،‬ول نقول إل ما يُرضي‬
‫ربنا‪ ،‬وإنّا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون "‪.‬‬
‫وهكذا نعلم أن الحق سبحانه ل يريد من النسان أن يكون جلمودا أو يكون صخرا ل ينفعل‬
‫للحداث‪ ،‬بل يريده مُنفعلً للحداث؛ لن هذا َلوْنٌ يجب أن يكون في إنسانيته‪ ،‬وهذه عاطفة يريد‬
‫ال أن يُبقيها‪ ،‬وعلى المؤمن أن يُعلِيها‪.‬‬
‫فسبحانه هو الذي خلق العاطفة‪ ،‬والغريزة في النسان‪ ،‬ولو أراد ال النسانَ بل عاطفة أو غريزة‬
‫لَفعلَ ما شاء‪ ،‬لكنه أراد العاطفة والغريزة في النسان لمهمة‪.‬‬
‫ولحظة أن تخرج العاطفة أو الغريزة عن مُهمتها‪ ،‬يقول لك المنهج‪ :‬ل‪ .‬لن مهمة المنهج أن‬
‫يُهذّب لك النفعال‪.‬‬
‫حبّ النسان للستمتاع بالطعام‪ ،‬يقول له المنهج‪ُ :‬كلْ ما يفيدك ول‬
‫والمثل الذي أضربه هنا هو ُ‬
‫َتكُنْ شَرِها‪.‬‬
‫والمثل الخر‪ :‬غريزة حب الستطلع‪ ،‬يقول لك المنهج‪ :‬اعرف ما يفيدك؛ ول تستخدم هذه‬
‫الغريزة في التجسّس على الناس‪.‬‬
‫وغريزة الجنس أرادها ال لبقاء النوع‪ ،‬ولتأتي بالولد والذرية‪ ،‬لكن ل تستعملها كانطلقات‬
‫وحشية‪ .‬وهكذا يحرس المنهجُ الغرائ َز والعواطفَ لتبقى في إطار مهمتها‪.‬‬
‫والعاطفة ـ على سبيل المثال ـ هي التي تجعل الب يَحنُو على ابنه الصغير ويرعاه‪ ،‬وعلى ذلك‬
‫فالمؤمن عليه أن ُيعْلِي غرائزه وعواطفه‪.‬‬
‫وقول الحق سبحانه عن يعقوب‪:‬‬
‫{ َف ُهوَ كَظِيمٌ } [يوسف‪.]84 :‬‬
‫أي‪ :‬أنه أخذ النزوع على قَدْره‪ .‬وكلمة " كظيم " مأخوذة من " كظمت القربة " أي‪ :‬أحكمنا غَلْق‬
‫فوهة القِرْبة‪ ،‬بما يمنع تسرّب الماء منها‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك‪ { :‬قَالُواْ تَال‪.} ...‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫(‪)1667 /‬‬
‫سفَ حَتّى َتكُونَ حَ َرضًا َأوْ َتكُونَ مِنَ ا ْلهَاِلكِينَ (‪)85‬‬
‫قَالُوا تَاللّهِ َتفْتَأُ تَ ْذكُرُ يُو ُ‬

‫ولقائل أن يسأل‪ :‬ومَنِ الذين قالوا ليعقوب ذلك‪ ،‬وقد ذكرت الية السابقة أنه تولّى عنهم؟‬
‫نقول‪ :‬لقد عاش يعقوب مع أبنائه وأحفاده‪ ،‬و ُيقَال في الثر‪ :‬إن يعقوب دخل عليه بعض الناس‪،‬‬
‫فقالوا له " تال انهشمت يا يعقوب‪ ،‬ولم تبلغ سِنّ أبيك إسحاق "‪.‬‬
‫والمعنى‪ :‬أنك صِرْت عجوزا عاجزا‪ ،‬مهشما‪ .‬قال‪ :‬إنما هشّمني يوسف‪ .‬فعتب عليه ال في هذه‬
‫ال َقوْلة‪ ،‬وأوضح له‪ :‬أتشكو ربك لخلقه؟ فرفع يده وقال‪ :‬خطيئة أخطأتها يا رب فاغفرها لي‪ .‬قال‪:‬‬
‫غفرتُها لك‪.‬‬
‫وقد نبّهه بعض أبنائه أو أحفاده فقالوا‪:‬‬
‫سفَ حَتّىا َتكُونَ حَرَضا َأوْ َتكُونَ مِنَ ا ْلهَاِلكِينَ } [يوسف‪.]85 :‬‬
‫{ تَال َتفْ َتؤُاْ تَ ْذكُرُ يُو ُ‬
‫أي‪ :‬ل تزال تذكر يوسف وما حدث له‪ ،‬حتى تُشرف على الهلك‪ .‬و " الحَرَض " كما نعلم هو‬
‫المُشْرِف على الهلك‪ ،‬أو يهلك بالفعل‪.‬‬
‫شكُواْ‪.} ...‬‬
‫وجاء الرد من يعقوب عليه السلم‪ ،‬وأورده الحق سبحانه‪ { :‬قَالَ إِ ّنمَآ َأ ْ‬

‫(‪)1668 /‬‬
‫شكُو بَثّي َوحُزْنِي إِلَى اللّ ِه وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لَا َتعَْلمُونَ (‪)86‬‬
‫قَالَ إِ ّنمَا أَ ْ‬

‫وشكاية المر إلى ال َلوْن من العبادة ل‪ ،‬وال َبثّ‪ :‬هي المصيبة التي ل قُدرة لحد على كتمانها؛‬
‫فينشرها‪ ،‬وإذا أصاب العلى الدنى بما يراه الدنى سوءً‪ ،‬يتفرع الدنى إلى نوعين‪ :‬نوع يتودد‬
‫إلى القوى‪ ،‬ويتعطفه ويلين له‪ ،‬ويستغفره ويستميحه‪ ،‬ونوع آخر يتأبى على المُبْتَلى‪ .‬ويتمرد‪،‬‬
‫ولسان حاله يقول‪ " :‬فليفعل ما يريد "‪.‬‬
‫والحق تبارك وتعالى يقول في كتابه‪ {:‬فََلوْل إِذْ جَآ َءهُمْ بَأْسُنَا َتضَرّعُواْ }[النعام‪.]43 :‬‬
‫س ونتضرع إلى ال؛ يكون البأس قد غسلنا من الذنوب ونسيان ال ّذكْر؛ وأعادنا إلى‬
‫فساعة يأتي الب ْأ ُ‬
‫ال الذي لن يزيل البأس إل هو‪.‬‬
‫أما الذي يتمرد ويستعلي على الحداث‪ ،‬فويل له من ذلك التمرد‪ .‬والحق سبحانه حين يصيب‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إنسانا بمصيبة‪ ،‬فهو يلطف ِبمَنْ يدعوه‪.‬‬
‫ل يعقوب ما علّمنا إياه رسولنا صلى ال عليه وسلم‪ {:‬الّذِينَ ِإذَآ‬
‫وتساءَل بعضهم‪ :‬ولماذا لم َيقُ ْ‬
‫جعُونَ }[البقرة‪.]156 :‬‬
‫َأصَابَ ْتهُم ّمصِيبَةٌ قَالُواْ إِنّا للّ ِه وَإِنّـآ إِلَيْهِ رَا ِ‬
‫ونقول‪ :‬إن هذا من النعم التي اختصّ بها الحق سبحانه أمةَ محمد صلى ال عليه وسلم؛ وحين‬
‫دخل بعضهم على عليّ بن أبي طالب ـ كرّم ال وجهه وأرضاه ـ وكان يعاني من وَعْكة‪ ،‬وكان‬
‫يتأوه‪ ،‬فقالوا له‪ :‬يا أبا الحسن أتتوجّع؟ قال‪ :‬أنا ل أشجع على ال‪.‬‬
‫وهنا في الية ـ التي نحن بصدد خواطرنا عنها ـ يعلن يعقوب عليه السلم أنه ل يشكو حُزْنه‬
‫و َهمّه إل إلى ال‪ ،‬فهو القادر على كشف الضّرّ؛ لن يعقوب عليه السلم يعلم من ال ما ل يعلم‬
‫أبناؤه أو أحفاده‪.‬‬
‫فقد كان يشعر بوجدانه‪ ،‬وبما كان لديه من شكوك لحظة إبلغهم له بحكاية الذئب المكذوبة أن‬
‫يوسف ما زال حيا‪ ،‬وأن الرّؤيا التي حكى يوسف عنها لبيه‪ ،‬سوف يأذن الحق بتحقيقها‪.‬‬
‫ويذكر الحق سبحانه ما جاء على لسان يعقوب فيقول‪ { :‬يابَ ِنىّ ا ْذهَبُواْ‪.} ...‬‬

‫(‪)1669 /‬‬
‫ف وَأَخِي ِه وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ َروْحِ اللّهِ إِنّهُ لَا يَيْ َئسُ مِنْ َروْحِ اللّهِ إِلّا‬
‫س َ‬
‫يَا بَ ِنيّ اذْهَبُوا فَ َتحَسّسُوا مِنْ يُو ُ‬
‫ا ْل َقوْمُ ا ْلكَافِرُونَ (‪)87‬‬

‫ونلحظ أن الذين غابوا هم ثلثة‪ :‬يوسف‪ ،‬وبنيامين‪ ،‬والخ الكبر الذي أصرّ على ألّ يبرح مصر‬
‫ن أبوه‪ ،‬أو يأتي فرج من ال‪.‬‬
‫إل بعد أن يأذ َ‬
‫وهنا في هذه الية جاء ِذكْر يوسف وأخيه‪ ،‬ولم يَ ْأتِ ِذكْر الخ الكبير أو رئيس الرحلة‪ .‬ونقول‪ :‬إن‬
‫يوسف وأخاه هما المعسكر الضعيف الذي عانى من مناهضة بقية الخوة‪ ،‬وهما قد فارقا الب‬
‫صغارا‪ ،‬أما الخ الكبر فيستطيع أن يحتال‪ ،‬وأن يعود في الوقت الذي يريد‪.‬‬
‫وقول يعقوب‪:‬‬
‫ف وَأَخِيهِ‪[ } ..‬يوسف‪.]87 :‬‬
‫س َ‬
‫حسّسُواْ مِن يُو ُ‬
‫{ اذْهَبُواْ فَتَ َ‬
‫نجد فيه كلمة (تحسسوا)‪ ،‬وهي من الحسّ‪ ،‬والحسّ يُجمع على " حواس " ‪ ،‬والحواس هي منافذ‬
‫إدراك المعلومات للنفس البشرية‪ ،‬فالمعلومات تنشأ عندنا من المور المُحسّة‪ ،‬وتدركها حواسنا‬
‫لتصير قضايا عقلية‪.‬‬
‫وهكذا نعلم أن الحواس هي قنواتُ المعرفة‪ ،‬وهي غير مقصورة على الحواس الخمس الظاهرة؛‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫بل اكتشف العلماء أن هناك حواسّ أخرى غير ظاهرة‪ ،‬وسبق أن تعرضنا لهذا المر في مراتٍ‬
‫كثيرة سابقة‪.‬‬
‫وقوله‪:‬‬
‫ف وَأَخِيهِ‪[ } ..‬يوسف‪.]87 :‬‬
‫س َ‬
‫{ فَ َتحَسّسُواْ مِن يُو ُ‬
‫يعني أعملوا حواسكم‪ ،‬بكل ما فيها من طاقة‪ ،‬كي تصلوا إلى الحقيقة‪.‬‬
‫صتْ ويرى ويشُمّ رائحة الخبار والتحرّكات‬
‫ونعلم أن كلمة " الجاسوس " قد أُطِلقَتْ على مَنْ يتن ّ‬
‫عند معسكر العداء؛ ويقال له " عين " أيضا‪.‬‬
‫وفي عُرْفنا العام نقول لمن يحترف التقاط الخبار " شَمْ شِمْ لنا على حكاية المر الفلني "‪.‬‬
‫وتابع يعقوب القول‪:‬‬
‫{ َولَ تَيْأَسُواْ مِن ّروْحِ اللّهِ إِنّ ُه لَ يَيْأَسُ مِن ّروْحِ اللّهِ ِإلّ ا ْلقَوْمُ ا ْلكَافِرُونَ } [يوسف‪.]87 :‬‬
‫أي‪ :‬إياكم أن تقولوا أننا ذهبنا وتعبنا وتحايلنا؛ ولم نجد حلً‪ ،‬لن ال موجود‪ ،‬ول يزال ل رحمة‪.‬‬
‫والثر يقول‪ " :‬ل كَ ْربَ وأنت َربّ "‪.‬‬
‫وما َيعِزّ عليك بقانونك الجأ فيه إلى ال‪.‬‬
‫وقد علّمنا رسول ال صلى ال عليه وسلم " أنه كلما حَزَبه أمر قام وصلى "‪.‬‬
‫وبهذا لجأ إلى ربّ السباب‪ ،‬وسبحانه فوق كل السباب‪ ،‬وجَرّبوا ذلك في أيّ أمر يُعضِلكم‪ ،‬ولن‬
‫ينتهي الواحد منكم إلى نهاية الصلة إل ويجد حَلّ ِلمَا أعضلَه‪.‬‬
‫وكلمة " َروْح " نجدها تُنطَق على طريقتين " َروْح " و " رُوح " ‪ ،‬و " ال ّروْح " هي الرائحة التي‬
‫تهبّ على النسان فيستروح بها‪ ،‬مثلما يجلس إنسان في يوم قَيْظ؛ ثم تهبّ نسمة رقيقة ينتعش بها‪.‬‬
‫ن َوجَ ّنتُ َنعِيمٍ }[الواقعة‪.]89 :‬‬
‫ح وَرَيْحَا ٌ‬
‫والحق سبحانه يقول‪ {:‬فَ َروْ ٌ‬
‫ونأخذ لهذه الروح مثلً من المُحسّات حين يشتد القيظ‪ ،‬ونجلس في بستان‪ ،‬وتهبّ نسمة هواء؛‬
‫فيتعطر الجو بما في البستان من زهور‪.‬‬
‫والرّوح هي التي ينفخها الحقّ سبحانه في الجماد فيتحرك‪.‬‬
‫ويأتي هنا يعقوب عليه السلم بالقضية والمبدأ الذي يسير عليه كل مؤمن‪ ،‬فيقول‪:‬‬
‫} إِنّ ُه لَ يَيْأَسُ مِن ّروْحِ اللّهِ ِإلّ ا ْلقَوْمُ ا ْلكَافِرُونَ { [يوسف‪.]87 :‬‬
‫لن الذي ليس له َربّ هو مَنْ ييأس‪ ،‬ولذلك نجد نسبة المنتحرين بين الملحدة كبيرة‪ ،‬لكن المؤمن‬
‫ل يفعل ذلك؛ لنه يعلم أن له ربا يساعد عباده‪.‬‬
‫وما دام المؤمن قد أخذ بالسباب؛ فسبحانه يَهبُه ممّا فوق السباب‪.‬‬
‫ب َومَن يَ َت َوكّلْ عَلَى‬
‫س ُ‬
‫جعَل لّهُ مَخْرَجا * وَيَرْ ُزقْهُ مِنْ حَ ْيثُ لَ َيحْتَ ِ‬
‫وسبحانه يقول‪َ {:‬ومَن يَتّقِ اللّهَ َي ْ‬
‫شيْءٍ َقدْرا }[الطلق‪.]3-2 :‬‬
‫ج َعلَ اللّهُ ِل ُكلّ َ‬
‫اللّهِ َف ُهوَ حَسْبُهُ إِنّ اللّهَ بَاِلغُ َأمْ ِرهِ قَدْ َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وهذه مسألة تحدث لمن يتقي ال‪ .‬أتحدى أن يوجد مؤمن ليس في حياته مثل هذه المور‪ ،‬ما دام‬
‫يأخذ بالسباب ويتقي ال‪ ،‬وسوف يجد في لحظة من لحظات الكرب أن الفرج قد جاء من حيث ل‬
‫يحتسب؛ لن ال هو الرصيد النهائي للمؤمن‪.‬‬
‫و َهبْ أنك سائر في الطريق‪ ،‬وفي جيبك جنيه واحد‪ ،‬وليس عندك غيره وضاع منك؛ هل تحزن؟‬
‫نعم سوف تحزن‪ ،‬ولكن إن كان في بيتك عشرة جنيهات فحزنك يكون خفيفا لضياع الجنيه‪ ،‬ولو‬
‫كان رصيدك في البنك ألف من الجنيهات‪ ،‬فلن تحزن على الجنيه الذي ضاع‪.‬‬
‫جهْد في الخذ بالسباب؛ سيجد الحل والفرج من أيّ كرب ِممّا هو فوق‬
‫ومَنْ له َربّ‪ ،‬يبذل ال َ‬
‫السباب‪.‬‬
‫ولماذا ييأس النسان؟‬
‫إن المُلحِد هو الذي ييأس؛ لنه ل يؤمن بإله‪ ،‬ولو كان يؤمن بإله‪ ،‬وهذا الله ل يعلم بما فيه هذا‬
‫الكافر من كَرْب‪ ،‬أو هو إله يعلم ول يساعد مَنْ يعبده؛ إما عجزا أو بُخْلً‪ ،‬فهو في كل هذه‬
‫الحالت ليس إلها‪ ،‬ول يستحق أن يُؤمَن به‪.‬‬
‫أما المؤمن الحق فهو يعلم أنه يعبد إلها قادرا‪ ،‬يعطي بالسباب‪ ،‬وبما فوق السباب؛ وهو حين‬
‫يمنع؛ فهذا المَنْع هو عَيْنُ العطاء؛ لنه قد يأخذ ما يضره ول ينفعه‪.‬‬
‫وينقلنا الحق سبحانه إلى َنقْلة أخرى؛ وهي لحظة أنْ دخلوا على يوسف عليه السلم في مقرّه‬
‫بمصر؛ ونقرأ قوله الحق‪ } :‬فََلمّا َدخَلُواْ‪.{ ...‬‬

‫(‪)1670 /‬‬
‫فََلمّا َدخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَ ّيهَا ا ْلعَزِيزُ مَسّنَا وَأَهْلَنَا الضّ ّر وَجِئْنَا بِ ِبضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فََأ ْوفِ لَنَا ا ْلكَ ْيلَ‬
‫وَ َتصَدّقْ عَلَيْنَا إِنّ اللّهَ َيجْزِي ا ْلمُ َتصَ ّدقِينَ (‪)88‬‬

‫ولم يذكر الحق سبحانه اسم مَنْ دخلوا عليه‪ ،‬لنه بطل القصة‪ ،‬والضمير في " عليه " ل ُبدّ أن‬
‫يعود إلى معلوم‪ ،‬ونادوه بالتفخيم قائلين‪:‬‬
‫{ ياأَ ّيهَا ا ْلعَزِيزُ مَسّنَا وَأَهْلَنَا الضّرّ } [يوسف‪.]88 :‬‬
‫أي‪ :‬أن الجوع صَيّرنا إلى هُزَال‪ ،‬وبدأوا بترقيق قلب مَنْ يسمعهم؛ بعد تفخيمهم له؛ فهو العلى‬
‫وهُم الدنى‪.‬‬
‫ويستمر قولهم‪:‬‬
‫ل وَ َتصَدّقْ عَلَيْنَآ إِنّ اللّهَ َيجْزِي ا ْلمُ َتصَ ّدقِينَ } [يوسف‪.]88 :‬‬
‫{ وَجِئْنَا بِ ِبضَاعَةٍ مّزْجَاةٍ فََأ ْوفِ لَنَا ا ْلكَ ْي َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ونعلم أنهم قد جاءوا ليتحسسوا أمر يوسف وأخيه‪ ،‬وقد اختاروا مَدْخل الترقيق والتفخيم كََلوْن من‬
‫ال َمكْر‪ ،‬فالتفخيم بندائه بلقب العزيز؛ أي‪ :‬المالك المُتمكّن؛ ويعني هذا النداء أن ما سوف يطلبونه‬
‫منه هو أمر في متناول سلطته‪.‬‬
‫والترقيق بشكوى الحال من جوع صار بهم إلى هُزال‪ ،‬وأعلنوا قدومهم ومعهم بضاعة مزجاة‪،‬‬
‫أي‪ :‬بضاعة تُستخدم كأثمان ِلمَا سوف يأخذونه من سِلَع‪.‬‬
‫وكلمة‪ { :‬مّزْجَاةٍ } [يوسف‪.]88 :‬‬
‫أي‪ :‬مدفوعة من الذي يشتري أو يبيع‪.‬‬
‫جعَلُهُ ُركَاما }[النور‪.]43 :‬‬
‫والحق سبحانه يقول‪َ {:‬ألَمْ تَرَ أَنّ اللّهَ يُ ْزجِي سَحَابا ثُمّ ُيؤَّلفُ بَيْنَهُ ُثمّ يَ ْ‬
‫وكلمة " يزجي " بمعنى‪ :‬يدفع‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فما معنى قول الحق سبحانه‪:‬‬
‫{ بِ ِبضَاعَةٍ مّزْجَاةٍ } [يوسف‪.]88 :‬‬
‫ولكي تعرف المعنى بإحساسك؛ جَرّب هذا المر في نفسك‪ ،‬وراقب كيف تدفع ثمن أيّ شيء‬
‫تشتريه؛ فإنْ كان معك نقود قديمة ونقود جديدة؛ ستجد أنك تدفع قيمة ما تشتريه من النقود القديمة؛‬
‫وسوف تجد نفسك مرتاحا لحتفاظك بالنقود الجديدة لنفسك‪.‬‬
‫وقد يقول لك مَنْ تشتري منه‪ " :‬خذ هذه الورقة النقدية القديمة التي تدفعها لي‪ ،‬واستبدلها لي‬
‫بورقة جديدة "‪.‬‬
‫فما دامت النقود سوف تُدفع؛ فأنت تريد أن تتخلص من النقود القديمة؛ وتفعل ذلك وأنت مُرتاح‪،‬‬
‫وبذلك يمكننا أن نفهم معنى‪:‬‬
‫{ بِ ِبضَاعَةٍ مّزْجَاةٍ } [يوسف‪.]88 :‬‬
‫على أنها ِبضَاعة رديئة‪.‬‬
‫فكأن الضّرّ الذي أصابهم جعلهم عاجزين عن دفع الثمان للمَيْرة التي سوف يأخذونها‪ ،‬مثل‬
‫الثمان السابقة التي تميزت بالجودة‪.‬‬
‫ويتابع الحق سبحانه ما جاء على ألسنتهم‪:‬‬
‫ل وَ َتصَدّقْ عَلَيْنَآ إِنّ اللّهَ َيجْزِي ا ْلمُ َتصَ ّدقِينَ } [يوسف‪.]88 :‬‬
‫{ فََأ ْوفِ لَنَا ا ْلكَ ْي َ‬
‫أي‪ :‬أنهم يرجونه أن يُوفّي لهم الكيل ول ينقصه؛ إنْ كان ما جاءوا به من أثمان ل يُوفى ما‬
‫تساويه المَيْرة‪ ،‬وطالبوه أن يعتبر تلك ال ّت ْوفِية في الكَيْل صدقة‪.‬‬
‫وبذلك رَدّوه إلى ثمن أعلى مما حملوه من أثمان‪ ،‬وفوق قدرة البشر على ال ّدفْع؛ لن الصدقة إنما‬
‫يُثيب عليها الحق سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫ولقائل أن يسأل‪ :‬أليسوا أبناء نبوة‪ ،‬ول تجوز عليهم الصدقة؟‬
‫نقول‪ :‬إن عدم جواز الصدقة هو أمر اختصّ به الحق سبحانه آل محمد صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وهو‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أمر خاص بأمة محمد صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فقد قال صلى ال عليه وسلم‪ " :‬إن الصدقة ل تنبغي‬
‫لل محمد‪ ،‬إنما هي أوساخ الناس "‪.‬‬
‫وانظر إلى ما فعلته الترقيقات التي قالوها؛ نظر إليهم يوسف عليه السلم وتبسم‪ ،‬ولما تبسّم‬
‫ظهرت ثناياه‪ ،‬وهي ثنايا مميزة عن ثنايا جميع مَنْ رأوه‪.‬‬
‫وجاء الحق سبحانه بما قاله‪ { :‬قَالَ َهلْ عَِلمْتُمْ‪.} ...‬‬

‫(‪)1671 /‬‬
‫ف وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (‪)89‬‬
‫س َ‬
‫قَالَ َهلْ عَِلمْتُمْ مَا َفعَلْتُمْ بِيُو ُ‬

‫ومجيء هذا القول في صيغة السؤال؛ يدفعهم إلى التأمل والتدقيق؛ لمعرفة شخصية المُتحدّث‪.‬‬
‫ثم يأتي التلطّف الجميل منه حين يضيف‪:‬‬
‫سفَ وََأخِيهِ ِإذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ } [يوسف‪.]89 :‬‬
‫{ مّا َفعَلْتُم بِيُو ُ‬
‫وفي هذا القول ما يلتمس لهم به العُذْر بالجهل‪ ،‬ولم يتحدث إليهم بعِزّة الكبرياء‪ ،‬وغرور المكانة‬
‫التي وصل إليها‪ ،‬وهدفه أن يخفف عَنهم صَدْمة المفاجأة‪ ،‬فذكر لهم أنهم فعلوا ذلك أيام جهلهم‪.‬‬
‫وهذا مثلما يكون أحدهم قد أخطأ في حقّك قديما بسلوك غير مقبول‪ ،‬ولكن اليام أزالتْ مرارتك‬
‫من سلوكه‪ ،‬فتُذكّره بما فعله قديما وأنت تقول له‪ :‬إن فعلك هذا قد صدر منك أيام طَيْشك‪ ،‬لكنك‬
‫الن قد وصلت إلى درجة التعقّل و َفهْم المور‪.‬‬
‫وقول يوسف عليه السلم لهم هذا المر بهذه الصيغة من التلطّف‪ ،‬إنما يعبر أيضا عن تأثّره‬
‫بشكواهم‪ ،‬ثم تبسّمه لهم‪ ،‬وظهور ثناياه دفعهم إلى تذكّره‪ ،‬ودار بينهم وبينه الحوار الذي جاء في‬
‫سفُ‪.} ...‬‬
‫ك لَنتَ يُو ُ‬
‫الية التالية‪ { :‬قَالُواْ أَءِ ّن َ‬

‫(‪)1672 /‬‬
‫ق وَ َيصْبِرْ فَإِنّ اللّهَ لَا‬
‫ف وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنّ اللّهُ عَلَيْنَا إِنّهُ مَنْ يَتّ ِ‬
‫س ُ‬
‫سفُ قَالَ أَنَا يُو ُ‬
‫قَالُوا أَئِ ّنكَ لَأَ ْنتَ يُو ُ‬
‫ُيضِيعُ أَجْرَ ا ْلمُحْسِنِينَ (‪)90‬‬

‫وهكذا انتبهوا إلى شخصية يوسف وتعرّفوا عليه‪ ،‬وقالوا‪:‬‬
‫سفُ‪[ } ...‬يوسف‪.]90 :‬‬
‫ك لَنتَ يُو ُ‬
‫{ َأءِ ّن َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وجاء قولهم بأسلوب الستفهام التقريريّ الذي أكّدوه بـ " إنْ " و " اللم " ‪ ،‬وقد قالوا ذلك بلهجة‬
‫مُمتلئة بالفرح والتعجّب بنجاحهم في التحسّس الذي أوصاهم به أبوهم‪.‬‬
‫فرد عليهم‪:‬‬
‫سفُ وَهَـاذَا أَخِي } [يوسف‪.]90 :‬‬
‫{ أَنَاْ يُو ُ‬
‫وبطبيعة الحال هم يعرفون أخَ يوسف " بنيامين " ‪ ،‬وجاء ذكْر يوسف له هنا دليلً على أن بنيامين‬
‫قد دخل معه في النعمة‪ ،‬وأن الحق سبحانه قد أعزّ الثنين‪.‬‬
‫شكْر يوسف ل على نعمته في قوله‪:‬‬
‫ويجيء ُ‬
‫ق وَ َيِصْبِرْ فَإِنّ اللّ َه لَ ُيضِيعُ َأجْرَ ا ْل ُمحْسِنِينَ } [يوسف‪.]90 :‬‬
‫{ َقدْ مَنّ اللّهُ عَلَيْنَآ إِنّهُ مَن يَتّ ِ‬
‫وجاء يوسف بهذا القول الذي يعرض القضية العامة التي تنفعهم كإخوة له‪ ،‬وتنفع أيّ سامع لها‬
‫وكل مَنْ يتلوها‪ ،‬وقد قالها يوسف عليه السلم بعد بيّنة من واقع أحداث م ّرتْ به بَدْءً من الرّؤيا‬
‫إلى هذا الموقف‪.‬‬
‫فهو كلم عليه دليل من واقع ُمعَاش‪ ،‬فقد مَنّ ال على يوسف وأخيه مما ابْتُلِيا به واجتمعا من بعد‬
‫الفُرْقة‪ ،‬وعَلّل يوسف ذلك بالقول‪:‬‬
‫{ إِنّهُ مَن يَتّقِ } [يوسف‪.]90 :‬‬
‫أي‪ :‬مَنْ يجعل بينه وبين معصية ال وقاية‪ ،‬ويخشى صفات الجلل‪ ،‬ويتبع منهجه سبحانه‪ ،‬ويصبر‬
‫على ما أصابه‪ ،‬ول تفتُر ِهمّته عن عبادة ال طاعة‪ ،‬ويتجنب كل المعاصي مهما زُيّ َنتْ له‪.‬‬
‫فسبحانه وتعالى ل يُضيع أجر المحسنين الذين يتقونه‪ ،‬وصاروا بتقواهم مُستحقّين لرحمته‪،‬‬
‫وإحسانه في الدنيا والخرة‪.‬‬
‫ويأتي قول الحق سبحانه بعد ذلك ليحمل لنا ما قاله أخوة يوسف في هذا الموقف‪ { :‬قَالُواْ‬
‫تَاللّهِ‪.} ...‬‬

‫(‪)1673 /‬‬
‫قَالُوا تَاللّهِ َلقَدْ آَثَ َركَ اللّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنّا لَخَاطِئِينَ (‪)91‬‬

‫و " تال " قَسَم بال‪.‬‬
‫و { آثَ َركَ اللّهُ عَلَيْنَا‪[ } ..‬يوسف‪.]91 :‬‬
‫خصّ به الخرين‪ ،‬وهو لم يُؤثِرْك بظلم لغيرك‪ ،‬ولكنك كنت تستحق ما‬
‫أي‪ :‬خصّك بشيء فوق ما َ‬
‫آثرك به من المُلْك وعلو الشَأن والمكانة‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وهكذا صدّق إخوة يوسف على ما قاله يوسف‪ ،‬واعترفوا بخطيئتهم‪ ،‬حين حاولوا أن يكونوا‬
‫مُقرّبين مثله عند أبيهم‪ ،‬ولكنك يا يوسف وصلت إلى أن تصير مُقربا مُقدّما عند ربّ أبينا وربّ‬
‫العالمين‪.‬‬
‫والشأن والحال التي كنا فيها تؤكد أننا كنا خاطئين‪ ،‬ول بُدّ أن ننتبه إلى الفَرْق بين " خاطئين " و "‬
‫مخطئين "‪.‬‬
‫والعزيز قد قال لزوجته‪ {:‬وَاسْ َت ْغفِرِي ِلذَن ِبكِ إِ ّنكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ }[يوسف‪.]29 :‬‬
‫ولم َي ُقلْ لها " كنت من المخطئين " فالمادة واحدة هي‪ " :‬الخاء " و " الطاء " و " الهمزة " ‪ ،‬ولكن‬
‫المعنى يختلف‪ ،‬فالخاطئ هو مَنْ يعلم منطقة الصواب ويتعدّاها‪ ،‬أما المّخْطئ فهو مَنْ لم يذهب إلى‬
‫الصواب؛ لنه ل يعرف مكانه أو طريقه إليه‪.‬‬
‫ل لَ‬
‫ويقول الحق سبحانه ما جاء على لسان يوسف عليه السلم لخوته بعد أن أقرّوا بالخطأ‪ { :‬قَا َ‬
‫تَثْرِيبَ‪.} ...‬‬

‫(‪)1674 /‬‬
‫حمِينَ (‪)92‬‬
‫قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَ ْيكُمُ الْ َيوْمَ َي ْغفِرُ اللّهُ َلكُ ْم وَ ُهوَ أَ ْرحَمُ الرّا ِ‬

‫والتثريب هو اللوم العنيف‪ ،‬وهو مأخوذ من الثّرْب؛ فحين يذبحون ذبيحة‪ ،‬ويُخرِجون أمعاءها‬
‫يجدون حول المعاء دُهْنا كثيفا؛ هذا الدّهْن يُسمّى ثَرْب‪.‬‬
‫أما إن كانت هزيلة‪ ،‬ولم تتغذّ جيدا‪ ،‬فأمعاؤها تخرج وقد ذاب من عليه هذا الثّرْب‪.‬‬
‫والتثريب يعني‪ :‬أن اللوم العنيف قد أذابَ الشحم من لحمه‪ ،‬وجعل دمه ينزّ‪ ،‬ويكاد أن يصل‬
‫بالنسان إلى أن ينزل به ويسلّه‪.‬‬
‫وفي الحديث عن رسول ال صلى ال عليه وسلم أنه قال‪ " :‬إذا زنت َأمَةُ أحدكم فتبيّن زناها‬
‫فليجلدها الحدّ‪ ،‬ول يُثرّب عليها‪ ،‬ثم إن زنت فليجلدها الحد‪ ،‬ول يُثرّب عليها‪ ،‬ثم إنْ زنت الثالثة‬
‫فتبيّن زِنَاها فَلي ِبعْها‪ ،‬ولو بحبل من شعر "‪.‬‬
‫أي‪ :‬ل يقولن لها‪ :‬يا مَنْ فعلت كذا وكذا‪ ،‬بل فليعاقبها بالعقاب الذي أنزله ال لمثل هذه الجريمة؛‬
‫فإن لم ترتدع عن الفعل فَلْي ِبعْها‪ ،‬وهكذا نفهم أن التثريب أو اللوم العنيف قد يُولّد العِناد‪.‬‬
‫وقال يوسف عليه السلم‪:‬‬
‫حمِينَ } [يوسف‪.]92 :‬‬
‫{ الْ َي ْومَ َي ْغفِرُ اللّهُ َلكُ ْم وَ ُهوَ أَ ْرحَمُ الرّا ِ‬
‫ولقائل أن يتساءل‪ :‬ولماذا قال يوسف ذلك؛ وقد يكونون قد استغفروا ال من قبل؟‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ونقول‪ :‬إن دعوة يوسف بالمغفرة لهم جاءت في حدود معرفته ولتصفية النفوس مما شابها بهذا‬
‫اللقاء‪.‬‬
‫وقوله‪:‬‬
‫حمِينَ } [يوسف‪.]92 :‬‬
‫{ وَ ُهوَ أَ ْرحَمُ الرّا ِ‬
‫هو َفهْمٌ لحقيقة أن أيّ رحمة في العالم‪ ،‬أو من أي أحد إنما هي مُستمدّة من رحمته سبحانه‪.‬‬
‫عفَا عنهم؛ وال‬
‫وقد قال يوسف ذلك وهو واثق من إجابة دعوته‪ ،‬لنه قد غفر لهم خطأهم القديم و َ‬
‫َأوْلَى منه بالعفو عنهم‪.‬‬
‫ثم يعود الحديث بينه وبينهم إلى والدهم‪ ،‬فيقول الحق سبحانه ما جاء على لسان يوسف لخوته‪،‬‬
‫وهو الذي عَلِم ما حدث لبيه بعد فراقه له‪ { :‬اذْهَبُواْ ِب َقمِيصِي‪.} ...‬‬

‫(‪)1675 /‬‬
‫ج َمعِينَ (‪)93‬‬
‫جهِ أَبِي يَ ْأتِ َبصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهِْلكُمْ أَ ْ‬
‫اذْهَبُوا ِب َقمِيصِي َهذَا فَأَ ْلقُوهُ عَلَى وَ ْ‬

‫وكان يوسف عليه السلم‪ ،‬قد عَلِم أن أباه يربط عينيه من الحزن‪ ،‬وكاد أن يفقد بصره‪ ،‬فأمر‬
‫أخوته أن يذهبوا بقميصه الذي كان يلبسه إلى أبيه‪.‬‬
‫ح الَ ْرضَ حَتّىا‬
‫وتقول كتب السّير أن أخاه الكبر الذي رفض أن يبرح مصر‪ ،‬وقال‪ {:‬فَلَنْ أَبْرَ َ‬
‫ح ُكمَ اللّهُ لِي وَ ُهوَ خَيْرُ الْحَا ِكمِينَ }[يوسف‪.]80 :‬‬
‫يَأْذَنَ لِي أَبِي َأوْ يَ ْ‬
‫قد قال ليوسف‪:‬‬
‫ت القميص بدم كذب إلى أبي‪ ،‬فدعْني احمل هذا القميص لبي‪،‬‬
‫" يا أيها العزيز إنني أنا الذي حمل ُ‬
‫كي تمحو هذه تلك "‪.‬‬
‫وقال يوسف عن فعل القميص مع الب‪:‬‬
‫{ فَأَ ْلقُوهُ عَلَىا وَجْهِ أَبِي يَ ْأتِ َبصِيرا } [يوسف‪.]93 :‬‬
‫ونلحظ أنه لم َي ُقلْ‪ " :‬وجه أبيكم "‪.‬‬
‫وفي قوله‪:‬‬
‫جهِ أَبِي } [يوسف‪.]93 :‬‬
‫{ وَ ْ‬
‫إشارة إلى الحنان البوي الذي فقدوه منذ أن غاب يوسف‪ ،‬فغرق والده في الحزن‪.‬‬
‫و { يَ ْأتِ َبصِيرا } [يوسف‪ ]93 :‬أي‪ :‬يرتدّ إليه بصره‪ ،‬أو يراه أمامه سليما‪.‬‬
‫ويضيف يوسف‪:‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ج َمعِينَ } [يوسف‪.]93 :‬‬
‫{ وَأْتُونِي بَِأهِْلكُمْ َأ ْ‬
‫هذا تعبير قُرآني دقيق‪ ،‬أن يُحضروا معهم كل مَنْ َي ُمتّ بصلة قرابة لهم أو يعمل معهم‪ ،‬ولم َيقُلْ‬
‫يوسف " بآلكم " حتى ل يأتوا بالعيان فقط‪.‬‬
‫ونلحظ أنه لم يذكر والده في أمر يوسف لخوته أن يأتوه بكل مَنْ ي ُمتّ لهم بصلة قُرْبى؛ لن في‬
‫جلّ أباه عن ذلك‪.‬‬
‫مثل هذا المر ـ من موقع عزيز مصر ـ إجبارا للب على المجيء‪ ،‬وهو ُي ِ‬
‫ويقول الحق سبحانه بعد ذلك‪ { :‬وََلمّا َفصََلتِ‪.} ...‬‬

‫(‪)1676 /‬‬
‫سفَ َلوْلَا أَنْ ُتفَنّدُونِ (‪)94‬‬
‫وََلمّا َفصََلتِ ا ْلعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنّي لََأجِدُ رِيحَ يُو ُ‬

‫و " فصلت " تدل على شيء كان مُلْتصقا بشيء آخر وانفصل عنه‪ ،‬و َفصِلت العِيرُ‪ .‬أي‪ :‬خرجتْ‬
‫من المدينة وتجاوزتْها؛ لتسير في رحلتها‪ ،‬والمقصود خروج القافلة من حدود مصر قاصدةً مكان‬
‫يعقوب عليه السلم‪.‬‬
‫وهنا قال يعقوب لمن كانوا حاضرين معه من الحفاد وأبناء البناء‪:‬‬
‫سفَ } [يوسف‪.]94 :‬‬
‫جدُ رِيحَ يُو ُ‬
‫{ إِنّي لَ ِ‬
‫والمعروف أن القميص الذي أرسله مع أخيه الكبر يحمل رائحة يوسف‪ ،‬لكن الذين حول يعقوب‬
‫من أقربائه لم يُصدّقوا قوله‪ ،‬فأضاف‪:‬‬
‫{ َل ْولَ أَن ُتفَنّدُونِ } [يوسف‪.]94 :‬‬
‫أي‪ :‬لول اتهامكم لي بالخَرف‪ ،‬لن التفنيد هو الخرف‪.‬‬
‫ومن العجيب أننا في أيامنا هذه نجد العلم وقد أثبت أن صُو َر المرائي والصوات‪ ،‬توجد لها آثار‬
‫في الجو‪ ،‬رغم ما يُخيّل للنسان أنها تلشتْ‪.‬‬
‫ويحاول العلم بوسائل من الشعة أن يكشف صورة أيّ جماعة كانت تجلس في مكان ما‪ ،‬ثم‬
‫رحلتْ عنه منذ ساعة أو ساعتين‪ ،‬ممّا يدلّ على أن الصور لها نضح من شعاع وظلل يظل‬
‫بالمكان لفترة قبل أن يضيع‪.‬‬
‫وكذلك الصوات؛ فالعلماء يحاولون استرداد أصوات مَنْ رحلوا؛ ويقولون‪ :‬ل شيءَ يضيع في‬
‫الكون‪ ،‬بل كل ما وُجِد فيه محفوظ بشكل أو بآخر‪.‬‬
‫شمّ الريح من على مسافات بعيدة‪ ،‬ويميز الن‬
‫والرائحة أيضا ل تضيع‪ ،‬بدليل أن الكلب ي ُ‬
‫المخدرات من رائحتها؛ ولذلك تنتشر الكلب المدرّبة في المطارات وعلى الحدود؛ لتكشف أيّ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫محاولة لتهريب المخدرات‪.‬‬
‫وإذا كان الحيوان المخلوق بقدرة ال قادرا على التقاط الرائحة من بين آلف الروائح‪ ،‬وإذا كان‬
‫العلم الموهوب من ال للبشر؛ يبحث الن في كيفية استحضار الصورة واسترداد الصوت من‬
‫الفضاء المحيط بالنسان؛ فعلينا أن ندرك أن العِيرَ عندما خرجتْ من أسوار المدينة؛ وأخذتْ‬
‫شمّ رائحة‬
‫طريقها إلى الموقع الذي يعيش فيه يعقوب عليه السلم؛ استطاع يعقوبُ بقدرة ال أن يَ ُ‬
‫يوسف؛ تلك التي يحملها قميصه القادم مع القافلة‪.‬‬
‫ولسائل أن يقول‪ :‬ولماذا ارتبط تنسّم يعقوب لرائحة يوسف بخروج العِير من مصر‪ ،‬وتواجدها‬
‫على الطريق إلى موطن يعقوب؟‬
‫نقول‪ :‬لن العِيرَ لحظة تواجدها في المدينة تكون رائحة قميص يوسف مُخْتلطة بغيرها من‬
‫الروائح؛ فهناك الكثير من الروائح الخرى داخل أي مدينة‪ ،‬ويصعب نفاذ رائحة بعينها لتغلب‬
‫على كل الروائح؛ ويختلف المر في الخلء؛ حيث يمكن أن تمشي هَبّة الرائحة دون أن يعترضها‬
‫شيء‪.‬‬
‫وبذلك نؤمن أن كل شيء في الكون محفوظ ول يضيع؛ مصداقا لقوله تعالى‪ {:‬وَإِنّ عَلَ ْيكُمْ لَحَافِظِينَ‬
‫* كِرَاما كَاتِبِينَ }[النفطار‪.]11-10 :‬‬
‫وكل ما يصدر منك مُسجّل عليك؛ ولذلك يأتيك كتابك يوم القيامة لتقرأه‪ ،‬وتكون على نفسك‬
‫حسيبا‪.‬‬
‫ن بقِي من أهل يعقوب معه على قوله بأنه يجد رِيحَ يوسف‪ { :‬قَالُواْ تَاللّهِ‪.} ...‬‬
‫ويردّ مَ ْ‬

‫(‪)1677 /‬‬
‫قَالُوا تَاللّهِ إِ ّنكَ َلفِي ضَلَاِلكَ ا ْلقَدِيمِ (‪)95‬‬

‫وكأنهم قد مَلّوا حديثه عن يوسف؛ وأعرضوا عن كلمه قائلين له‪ :‬إلى متى ستظل على ضللك‪،‬‬
‫وهم ل يعنُون الضلل بمعنى الخروج عن المنهج‪ ،‬ولكنهم يعنُونَ الضلل بمعنى الجزئيات التي‬
‫ل علقة لها بالتديّن من محبة شديدة ليوسف‪ ،‬وتعلّق به‪ ،‬والتمنّي لعودته‪ ،‬وكثرة الحديث عنه‪،‬‬
‫وتوقّع لقائه‪ ،‬وهم الذين ظَنّوا أن يوسف قد مات‪.‬‬
‫ويأتي البشير ليعقوب‪ ،‬يقول الحق سبحانه‪ { :‬فََلمّآ أَن جَآءَ الْ َبشِيرُ‪.} ..‬‬

‫(‪)1678 /‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ج ِههِ فَارْتَدّ َبصِيرًا قَالَ أََلمْ َأ ُقلْ َلكُمْ إِنّي أَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لَا َتعَْلمُونَ (‬
‫فََلمّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَ ْلقَاهُ عَلَى وَ ْ‬
‫‪)96‬‬

‫وحين حضر البشير‪ ،‬وهو كما تقول الروايات كبير الخوة؛ ويُقال أيضا‪ :‬إنه يهوذا؛ وهو مَنْ‬
‫حلّ من السماء لمشكلة بقاء بنيامين في‬
‫رفض أن يغادر مصر إل بعد أن يأذن له والده‪ ،‬أو يأتي َ‬
‫مصر‪ ،‬بعد اتهام أعوان العزيز له بالسرقة‪ ،‬طبقا لما أراده يوسف ليستبقي شقيقه معه‪.‬‬
‫ولما جاء هذا البشير ومعه قميص يوسف؛ فألقاه على وجه الب تنفيذا لمر يوسف عليه السلم‪.‬‬
‫وبذلك زال سبب بكاء يعقوب‪ ،‬وفَرِح يعقوب فرحا شديدا؛ لنه في أيام حزنه على يوسف‪،‬‬
‫وابيضاض عينيه من كثرة البكاء حدّثه قلبه باللهام من ال أن يوسف ما زال حيا؛ وكان البكاء‬
‫عليه من بعد ذلك هو بكاء من فَرْط الشوق لرؤية ابنه‪.‬‬
‫وكذلك قد يكون يوسف قد علم بالوحي من ال أن إلقاء القميص على وجه أبيه يردّ إليه بصره‪،‬‬
‫بإذن من الحق سبحانه وتعالى‪ ،‬فضلً عن أن الفرح له آثار نفسية تنعكس على الحالة الصحية‪،‬‬
‫وهكذا تجّلتْ انتصارات الحقّ والنبوة‪.‬‬
‫وقال يعقوب عليه السلم‪:‬‬
‫{ أََلمْ َأ ُقلْ ّلكُمْ إِنّي أَعَْلمُ مِنَ اللّهِ مَا لَ َتعَْلمُونَ } [يوسف‪.]96 :‬‬
‫ولم َي ُقلْ ذلك إذللً لهم‪ ،‬بل ليعطي الثقة والتوثيق لخبار كل نبي‪ ،‬وأن الواقع قد أيّد الكلم الذي‬
‫ف وَأَخِي ِه َولَ تَيَْأسُواْ مِن ّروْحِ اللّهِ إِنّ ُه لَ يَيْأَسُ مِن ّروْحِ‬
‫س َ‬
‫قاله لهم‪ {:‬يابَ ِنيّ ا ْذهَبُواْ فَ َتحَسّسُواْ مِن يُو ُ‬
‫اللّهِ ِإلّ ا ْل َقوْمُ ا ْلكَافِرُونَ }[يوسف‪.]87 :‬‬
‫فإذا جاءكم خبر من معصوم؛ إياكم أن تقفوا بعقولكم فيه؛ لن العقول تأخذ مُدْركات الشياء على‬
‫قَدْرها‪ ،‬وهناك أشياء فوق ُمدْركات العقول‪.‬‬
‫وحين يُحدّثكم معصوم عن ما فوق ُمدْركات عقولكم إياكم أن تُكذّبوه؛ سواء فهمتم ما حدّثكم عنه‪،‬‬
‫عمّا فوق مُدْركات العقول‪.‬‬
‫أو لم تستوعبوا حديثه َ‬
‫وهنا يقرّ أخوة يوسف بذنوبهم فيقول الحق سبحانه‪ { :‬قَالُواْ ياأَبَانَا اسْ َت ْغفِرْ‪.} ...‬‬

‫(‪)1679 /‬‬
‫قَالُوا يَا أَبَانَا اسْ َت ْغفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنّا كُنّا خَاطِئِينَ (‪)97‬‬

‫وهم هنا ُيقِرّون بالذنب‪ ،‬ويُحدّثون والدهم بنداء البوة كي يستغفر لهم ما ارتكبوه من ذنوب كثيرة‪،‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فقد آ َذوْا أباهم وجعلوه حزينا‪ ،‬ول يسقط مثل هذا الذنب إل بأن ُيقِرّ به مَنْ فعله‪ ،‬ونلحظ أنهم قالوا‪:‬‬
‫{ إِنّا كُنّا خَاطِئِينَ } [يوسف‪]97 :‬‬
‫أي‪ :‬أنهم كانوا يعلمون الصواب‪ ،‬ولم يفعلوه‪.‬‬
‫سوْفَ َأسْ َتغْفِرُ َلكُمْ رَبّي‪} ...‬‬
‫ويأتي الحق سبحانه بما قاله يعقوب‪ { :‬قَالَ َ‬

‫(‪)1680 /‬‬
‫س ْوفَ َأسْ َتغْفِرُ َلكُمْ رَبّي إِنّهُ ُهوَ ا ْل َغفُورُ الرّحِيمُ (‪)98‬‬
‫قَالَ َ‬

‫حمِينَ }‬
‫ونلحظ أن يوسف قد قال لهم من قبل‪ {:‬لَ تَثْرِيبَ عَلَ ْيكُمُ الْ َيوْمَ َي ْغفِرُ اللّهُ َل ُك ْم وَ ُهوَ أَرْحَمُ الرّا ِ‬
‫[يوسف‪]92 :‬‬
‫س ْوفَ أَسْ َت ْغفِرُ َلكُمْ رَبّي‪} ...‬‬
‫لكن والدهم هنا في الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول‪َ { :‬‬
‫[يوسف‪]98 :‬‬
‫ولم يقل‪ " :‬سأستغفر لكم ربي " ‪ ،‬وهذا يدل على أن الكبار يحتاجون لوقت أكبر من وقت الشباب؛‬
‫لذلك أجّل يعقوب الستغفار لما بعد‪.‬‬
‫والشيخ اللوسي في تفسيره يقول‪ " :‬إنما كان ذلك لن مطلوبات البر من الخ لخوته غير‬
‫مطلوبات البر من ابن لبيه؛ لن الخ ليس له نفس حق الب؛ لذلك يكون غضب الب أشدّ من‬
‫غضب الخ "‪.‬‬
‫ثم إن ذنوبهم هنا هي من الذنوب الكبيرة التي مرّ عليها وعلى تأثيرها على الب زمن طويل‪.‬‬
‫ويقال‪ :‬إن يعقوب عليه السلم قد أخّر الستغفار لهم إلى السّحَر‪ ،‬لن الدعاء فيه مُستجَاب‪.‬‬
‫وينقلنا الحق سبحانه من بعد ذلك إلى لحظة اللقاء بين يوسف عليه السلم وأهله كلهم‪ ،‬بعد أن‬
‫انتقلوا إلى حيث يعيش يوسف‪ ،‬فيقول سبحانه‪:‬‬
‫سفَ‪} ...‬‬
‫{ فََلمّا دَخَلُواْ عَلَىا يُو ُ‬

‫(‪)1681 /‬‬
‫سفَ َآوَى إِلَ ْيهِ أَ َبوَيْ ِه َوقَالَ ا ْدخُلُوا ِمصْرَ إِنْ شَاءَ اللّهُ َآمِنِينَ (‪)99‬‬
‫فََلمّا َدخَلُوا عَلَى يُو ُ‬

‫ونعلم أن الجَدّ إسحق لم يكُنْ موجودا‪ ،‬وكانوا يُغلّبون جهة البوة على جهة المومة‪ ،‬ودخلت معهم‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الخالة؛ لن الم كانت غير موجودة‪.‬‬
‫ويبدو أن يوسف قد استقبلهم عند دخولهم إلى مصر استقبال العظماء‪ ،‬فاستقبلهم خارج البلد مرة‬
‫ليريحهم من عناء السفر ويستقبلهم وجهاء البلد وأعيانهم؛ وهذا هو الدخول الول الذي آوى فيه‬
‫أبويْه‪.‬‬
‫خلُواْ ِمصْرَ إِن شَآءَ اللّهُ آمِنِينَ } [يوسف‪:‬‬
‫ثم دخل بهم الدخول الثاني إلى البلد بدليل أنه قال‪...{ :‬ادْ ُ‬
‫‪]99‬‬
‫ففي الية دخولن‪.‬‬
‫وقول الحق سبحانه‪ { :‬آوَىا إِلَ ْيهِ أَ َبوَيْهِ‪[ } ...‬يوسف‪]99 :‬‬
‫يدل على حرارة اللقاء لمغتربين يجمعهم حنان‪ ،‬فالب كان يشتاق لرؤية ابنه‪ ،‬ولبُدّ أنه قد سمع‬
‫من أخوته عن مكانته ومنزلته‪ ،‬والبن كان مُتشوّقا للقاء أبيه‪.‬‬
‫وانفعالت اللقاء عادة تُترك لعواطف البشر‪ ،‬ول تقنينَ لها‪ ،‬فهي انفعالت خاصة تكون مزيجا من‬
‫الود‪ ،‬ومن المحبة‪ ،‬ومن الحترام‪ ،‬ومن غير ذلك‪.‬‬
‫فهناك مَنْ تلقاه وتكتفي بأن تسلم عليه ُمصَافحة‪ ،‬وآخر تلتقي به ويغلبُك شوقك فتحتضنه‪ ،‬وتقول‬
‫ما شِئتَ من ألفاظ الترحيب‪.‬‬
‫كل تلك النفعالت بل تقنين عباديّ‪ ،‬بدليل أن يوسف عليه السلم آوى إليه أبويه‪ ،‬وأخذهما في‬
‫حضنه‪.‬‬
‫" والمثل من حياة رسولنا صلى ال عليه وسلم في سياق غزوة بدر حيث كان يستعرض المقاتلين‪،‬‬
‫وكان في يده صلى ال عليه وسلم قدح يعدل به الصفوف‪ ،‬فمَرّ بسواد بن غزية من بني عدي بن‬
‫النجار‪ ،‬وهو مستنصل عن الصف ـ أي خارج عنه‪ ،‬مما جعل الصف على غير استواء ـ فطعن‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم في بطنه بالقدح وقال له‪ " :‬اسْ َتوِ يا سواد "‪.‬‬
‫فقال سواد‪ :‬أوجعتني‪ ،‬وقد بعثك ال بالحق والعدل فأقدني‪.‬‬
‫فكشف رسول ال صلى ال عليه وسلم عن بطنه وقال صلى ال عليه وسلم‪ " :‬استقد "‪ .‬فاعتنقه‬
‫سَواد وقَبّل بطنه‪.‬‬
‫فقال صلى ال عليه وسلم‪ " :‬ما حملك على هذا يا سواد؟ "‪.‬‬
‫قال‪ :‬يا رسولَ ال‪ ،‬قد حضر ما ترى ـ يقصد الحرب ـ فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمسّ‬
‫جِلْدي جلدك‪ .‬فدعا له رسول ال صلى ال عليه وسلم بالخير "‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه بعد ذلك‪:‬‬
‫{ وَ َرفَعَ أَ َبوَيْهِ عَلَى ا ْلعَرْشِ‪} ...‬‬

‫(‪)1682 /‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫جعََلهَا رَبّي‬
‫سجّدًا َوقَالَ يَا أَ َبتِ هَذَا تَ ْأوِيلُ ُرؤْيَايَ مِنْ قَ ْبلُ قَدْ َ‬
‫ش وَخَرّوا َلهُ ُ‬
‫وَ َرفَعَ أَ َبوَيْهِ عَلَى ا ْلعَرْ ِ‬
‫حقّا َوقَدْ َأحْسَنَ بِي إِذْ أَخْ َرجَنِي مِنَ السّجْنِ وَجَاءَ ِبكُمْ مِنَ الْبَ ْدوِ مِنْ َبعْدِ أَنْ نَ َزغَ الشّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ‬
‫َ‬
‫حكِيمُ (‪)100‬‬
‫خوَتِي إِنّ رَبّي لَطِيفٌ ِلمَا يَشَاءُ إِنّهُ ُهوَ ا ْلعَلِيمُ ا ْل َ‬
‫إِ ْ‬

‫وقد رفع يوسف أبويه على العرش لنه لم يحب التميّز عنهم؛ وهذا سلوك يدل على المحبة‬
‫والتقدير والكرام‪.‬‬
‫سجّدا ل من أجل جمع‬
‫والعرش هو سرير الملك الذي يدير منه الحاكم أمور الحكم‪ .‬وهم قد خَرّوا ُ‬
‫سجّدا ليوسف‪ ،‬بل خَرّوا سُجّدا لمن ُيخَرّ سجودا إليه‪ ،‬وهو ال‪.‬‬
‫شمل العائلة‪ ،‬ولم يخروا ُ‬
‫وللذين حاولوا نقاش أمر سجود آل يعقوب ليوسف أقول‪ :‬هل أنتم أكثر غَيْرةً على ال منه‬
‫سبحانه؟‬
‫إنه هو سبحانه الذي قال ذلك‪ ،‬وهو سبحانه الذي أمر الملئكة من قَبْل بالسجود لدم فلماذا تأخذوا‬
‫هذا القول على أنه سجود لدم؟‬
‫والمؤمن الحق يأخذ مسألة سجود الملئكة لدم؛ على أنه تنفيذ لمر الحق سبحانه لهم بالسجود‬
‫لدم‪ ،‬فآدم خلقه ال من طين‪ ،‬ونفخ فيه من روحه؛ وأمر الملئكة أن تسجد لدم شكرا ل الذي‬
‫خلق هذا الخَلْق‪.‬‬
‫وكذلك سجود آل يعقوب ليوسف هو شكر ل الذي جمع شملهم‪ ،‬وهو سبحانه الذي قال هذا القول‪،‬‬
‫ولم يُجرّم سبحانه هذا الفعل منهم‪ ،‬بدليل أنهم قَدّموا تحية ليوسف هو قادر أن يردّها بمثلها‪.‬‬
‫ولم يكن سجودهم له بغرض العبادة؛ لن العبادة هي المور التي تُفعل من الدنى تقربا للعلى‪،‬‬
‫ول يقابلها المعبود بمثلها؛ فإنْ كانت عبادة لغير ال فال سبحانه يُعاقب عليها؛ وتلك هي المور‬
‫المُحرّمة‪.‬‬
‫أما العبادة ل فهي اتباع أوامره وتجنب نواهيه؛ إذن‪ :‬فالسجود هنا استجابة لنداء الشكر من الكل‬
‫أمام الفراج عن الهم والحزن وسبحانه يُثيب عليها‪ .‬أما التحية يقدمها العبد‪ ،‬ويستطيع العبد الخر‬
‫أن يردّ بمثلها أو خَيْرٍ منها‪ ،‬فهذا أمر ل يحرمه ال‪ ،‬ول دَخْل للعبادة به‪.‬‬
‫لذلك يجب أن نفطن إلى أن هذه المسألة يجب أن تُحرّر تحريرا منطقيّا يتفق مع معطيات اللغة‬
‫ومقتضى الحال‪ ،‬ولو نظرنا إلى وضع يعقوب عليه السلم‪ ،‬وما كان فيه من أحزان وموقف‬
‫إخوته بين عذاب الضمير على ما فعلوا وما لقوه من متاعب ليقنا أن السجود المراد به شكر من‬
‫بيده مقاليد المور بدلً من خلق فجوات بل مبرر وَهُمْ حين سجدوا ليوسف؛ هل فعلوا ذلك بدون‬
‫علم ال؟ طبعا ل‪.‬‬
‫جعََلهَا رَبّي‬
‫ومن بعد ذلك نجد قول يوسف لبيه‪َ { :‬وقَالَ ياأَ َبتِ هَـاذَا تَ ْأوِيلُ ُرؤْيَايَ مِن قَ ْبلُ قَدْ َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫حقّا‪[ } ...‬يوسف‪]100 :‬‬
‫َ‬
‫وقد كانت الرّؤيا هي أول َلقْطة في قصة يوسف عليه السلم حيث قال الحق ما جاء على لسان‬
‫جدِينَ }[يوسف‪]4 :‬‬
‫س وَا ْل َقمَرَ رَأَيْ ُت ُهمْ لِي سَا ِ‬
‫شمْ َ‬
‫يوسف لبيه‪... {:‬إِنّي َرأَ ْيتُ َأحَدَ عَشَرَ َك ْوكَبا وَال ّ‬
‫حقّا‪[ } ...‬يوسف‪ ]100 :‬أي‪:‬‬
‫جعََلهَا رَبّي َ‬
‫وقوله في الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها‪ { :‬قَدْ َ‬
‫أمرا واقعا‪ ،‬وقد رآه والد يوسف وأخوته لحظة أنْ سجدوا ليوسف سجودَ الشكر والتحية ل سجود‬
‫عبادة‪ ،‬وقد سجد الخوة الحد عشر والب والخالة التي تقوم مقام الم‪ ،‬ورؤيا النبياء كما نعلم‬
‫لبُدّ أن تصير واقعا‪.‬‬
‫ولقائل أن يقول‪ :‬وماذا عن ُرؤْيا إبراهيم عليه السلم التي أمره فيها الحق سبحانه أن يذبح ابنه؛‬
‫فقام إلى تنفيذها؛ واستسلم إسماعيل لمر ال ّرؤْيا‪.‬‬
‫نقول‪ :‬إن النبياء وحدهم هم الملتزمون شرعا بتنفيذ رؤاهم؛ لن الشيطان ل يُخايلهم؛ فهم‬
‫معصومون من مخايلة الشيطان‪.‬‬
‫أما إنْ جاء إنسان وقال‪ :‬لقد جاءتني رؤيا تقول لي َنفّذ كذا‪ .‬نقول له‪ :‬أنت غير مُلْزم بتنفيذ ما تراه‬
‫في منامك من ُرؤَى؛ فليس عليك حكم شرعي يلزمك بذلك؛ فضلً عن أن الشيطان يستطيع أن‬
‫يُخايلك‪.‬‬
‫أما تنفيذ إبراهيم عليه السلم لما رآه في المنام بأن عليه أن يذبح ابنه‪ ،‬وقيام إبراهيم بمحاولة تنفيذ‬
‫ذلك؛ فسببه أنه يعلم بالتزامه الشرعي بتنفيذ الرّؤيا‪.‬‬
‫عظَم البتلءات التي م ّرتْ على إبراهيم‪،‬‬
‫وقد جاء لنا الحق سبحانه بهذا الذي حدث ليبين لنا ِ‬
‫وكيف حاول أن يتم كل ما توجهه له السماء من أوامر‪ ،‬وأن ينفذ ذلك بدقّة‪.‬‬
‫وقال الحق سبحانه مُصوّرا ذلك‪ {:‬وَإِذِ ابْتَلَىا إِبْرَاهِيمَ رَبّهُ ِبكَِلمَاتٍ فَأَ َت ّمهُنّ قَالَ إِنّي جَاعُِلكَ لِلنّاسِ‬
‫ِإمَاما‪[} ...‬البقرة‪]124 :‬‬
‫وكانت قمة البتلءات هي أن يُنفّذ بيديه عملية ذبح البن؛ ولذلك أؤكد دائما على أن النبياء‬
‫وحدهم هم المُلْزمون بتنفيذ رُؤاهم‪ ،‬أما أي إنسان آخر إنْ جاءته ُرؤْيا تخالف المنهج؛ فعليه أن‬
‫يعتبرها من نزغ الشيطان‪.‬‬
‫ويتابع الحق سبحانه ما جاء على لسان يوسف‪َ } :‬وقَدْ َأحْسَنَ بَي ِإذْ أَخْ َرجَنِي مِنَ السّجْنِ‪...‬‬
‫{ [يوسف‪]100 :‬‬
‫جسَام التي م ّرتْ به في تَسَلسُلها؛ مثل إلقاء‬
‫ولقائل أن يسأل‪ :‬ولماذا لم يذكر يوسف الحداثَ ال ِ‬
‫جبّ؟‬
‫أخوته له في ال ُ‬
‫نقول‪ :‬لم يُ ِردْ يوسف أن يذكر ما يُكدّر صَفْو اللقاء بين العائلة من بعد طول فراق‪ .‬ولكنه جاء بما‬
‫مرّ به من بعد ذلك‪ ،‬من أنه صار عبدا‪ ،‬وكيف دخل السجن؛ لنه لم يستسلم ِلغُواية امرأة العزيز‪،‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وكيف مَنّ ال عليه بإخراجه من السجن‪ ،‬وما أن خرج من السجن حتى ظهرت النعمة‪ ،‬ويكفي أنه‬
‫صار حاكما‪.‬‬
‫وقد يقول قائل‪ :‬إن القصة هنا غير مُنْسجمة مع بعضها‪ ،‬لن بعضا من المواقف تُذكر؛ وبعضها ل‬
‫يُذْكر‪.‬‬
‫نقول‪ :‬إن القصة مُنْسجمة تماما‪ ،‬وهناك فارق بين قصص التاريخ كتاريخ؛ وبين قَصص يوضح‬
‫المواقف الهامة في التاريخ‪.‬‬
‫والمناسبة في هذه الية هي اجتماع الخوة والب والخالة‪ ،‬ول داعي لذكر ما يُنغّص هذا اللقاء؛‬
‫ل لَ تَثْرِيبَ عَلَ ْيكُمُ الْ َي ْومَ َي ْغفِرُ اللّهُ َلكُ ْم وَ ُهوَ أَ ْرحَمُ‬
‫خصوصا؛ وأن يوسف قد قال من قبل‪ {:‬قَا َ‬
‫حمِينَ }[يوسف‪]92 :‬‬
‫الرّا ِ‬
‫سفَ وَأَخِيهِ ِإذْ‬
‫وسبق أن قال لهم بلطف من يلتمس لهم العذر بالجهل‪َ ... {:‬هلْ عَِلمْتُمْ مّا َفعَلْتُم بِيُو ُ‬
‫أَنتُمْ جَاهِلُونَ }[يوسف‪]89 :‬‬
‫وهو هنا في الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يذكر إحسان الحق سبحانه له فيقول‪ } :‬هَـاذَا‬
‫حقّا‪.‬‬
‫جعََلهَا رَبّي َ‬
‫تَ ْأوِيلُ ُرؤْيَايَ مِن قَ ْبلُ قَدْ َ‬
‫‪[ { ..‬يوسف‪]100 :‬‬
‫ويُثني على ال شاكرا إحسانه فيقول‪َ } :‬وقَدْ أَحْسَنَ بَي ِإذْ َأخْرَجَنِي مِنَ السّجْنِ‪[ { ...‬يوسف‪]100 :‬‬
‫وهو إحسان له في ذاته‪ ،‬ثم يذكر إحسان ال إلى بقية أهله‪ } :‬وَجَآءَ ِبكُمْ مّنَ الْ َب ْدوِ‪[ { ...‬يوسف‪:‬‬
‫‪]100‬‬
‫وكلمة " أحسن " ـ كما نعلم ـ مرة تتعدى بـ إلى‪ ،‬فتقول‪ " :‬أحسن إليه " ‪ ،‬ومرة تتعدى بالباء‪،‬‬
‫فنقول‪ " :‬أحسن به " ‪ ،‬وهو هنا في مجال " أحسن بي "‪.‬‬
‫أي‪ :‬أن الحسان بسببه قد تعلّق بكل ما اتصل به؛ فجعله حاكما‪ ،‬وجاء بأهله من البدو؛ أما‬
‫الحسان إليه فيكون محصورا في ذاته ل يتعداه‪.‬‬
‫وجعل الحق سبحانه الحسان هنا قسمين‪ :‬قسم لذاته؛ وقسم للغير‪ ،‬واعتبر مجيء الهل من البدو‬
‫إحسانا إليه‪ ،‬لن ال َبدْو قوم يعيشون على الفطرة والنعزالت السرية‪ ،‬ول تَوطّن لهم في مكان‪،‬‬
‫ول يضمّهم مجتمع‪ ،‬وليس لهم بيوتٌ مبنية يستقِرّون فيها‪ ،‬ولكنهم يتبعون أرزاقهم من منابت الكل‬
‫ومساقط المياه‪ ،‬ويحملون ِرحَالهم إلى ظهر الجمال متنقلين من مكان لخر‪.‬‬
‫وتخلو حياتهم من ِنعَم الحضارة‪ .‬ففي الحضارة يحضر إليك كل ما تطلب‪ ،‬ولكن الحياة في البدو‬
‫تُحتّم أن يذهب النسان إلى حيث يجد الخير؛ ولذلك تستقر الحياة في الحضر عنها في البادية‪.‬‬
‫ويعطينا الشاعر أحمد شوقي ـ رحمة ال عليه ـ صورة تبين الفارق بين البدو والحضر‪ ،‬حين‬
‫صنع مناظرة بين واحدة تتعصب للبدو‪ ،‬وأخرى تتعصب للحضر‪ .‬فقال‪:‬فأنا مِنَ البِيدِ يا ابن جُرَيج‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ومن هذه العِيشَة الجَافِيهومن حَالبِ الشاة في موض ٍع ومن مُوقِد النارِ في نَاحِيه ُمغَنّيكُمو معبدٌ‬
‫ط َهتِ المَاشِيهفابن جريج‬
‫والغَريق وقَيْنتنا الضبع العَاوِيههُمْ يأكلونَ فُنونَ الطهاةِ ونحن نأكل ما َ‬
‫يشكو السّأَم من حياة البادية‪ ،‬حيث ل يرى إل المناظر ال ُمعَادة من حَ ْلبٍ لشاة‪ ،‬أو إشعال نار‪ ،‬ول‬
‫يسمع كأهل الحضر صوت المُغنّين المشهورين في ذلك الزمن؛ بل يسمع صوت الضّبَاع العاوية‪،‬‬
‫طهْيهِ الطّهاة؛ بل يأكل اللبن وهو ما تقدمه لهم الماشية‪.‬‬
‫ول يأكل مثل أهل الحضر ما قام بِ َ‬
‫وتر ّد ليلى المتعصّبة للبادية‪:‬قد اعتسفتْ هِ ْندُ يا ابنَ جرَيج وكانت على َمهْدِها قَاسيه َفمَا البِيِد إلّ‬
‫دِيَارُ الكِرَام ومنزِلةُ ال ّذمَ ِم الوَاقِيهلها قِبْلةُ الشمسِ عند البُزُوغِ وللحضر القبلة الثانيهونحنُ الرّياحِين‬
‫شقُ والحَاضِراتُ َي ُقمْنَ مـن العِـشق في‬
‫ِملْء الفضاءِ وهُنّ الرّياحِينُ في آنِيهويَقْتُلنا العِ ْ‬
‫غَامِيهوقولها " اعتسفت " يعني " ظلمت " ‪ ،‬أي‪ :‬أن هندا ظلمت البيد يا ابن جريج‪ ،‬ثم جاءت‬
‫بميزات البدو؛ فأوضحت أن بنات البادية كالرياحين المزروعة في الفضاء الواسع‪ ،‬عكس بنات‬
‫حضَر التي تشبه الواحدة منهن الريحانة المزروعة في أُصص الزرع‪ ،‬أو أي آنية أخرى‪.‬‬
‫ال َ‬
‫ثم تأتي إلى القيم؛ فتفخر أن بنت البادية يقتلها العِشْق‪ ،‬ول تنال ممّنْ تعشق شيئا؛ فتنس ّل وتموت‪،‬‬
‫أما بنت الحضر؛ فصحتها تأتي على الحب‪.‬‬
‫وهنا في الية ـ التي نحن بصدد خواطرنا عنها ـ يشكر يوسف ما مَنّ به ال عليه‪ ،‬وعلى أهله‬
‫الذين جاء بهم سبحانه من البادية‪ ،‬ليعيشوا في مصر ذات الحضارة الواسعة؛ وبذلك يكون قد‬
‫ضخّم الفرق بين ما كانوا يعيشون فيه من شَظَف العيش إلى حياة اللين والدّعة‪.‬‬
‫خوَتِي‪...‬‬
‫ثم يلمس ما كان من إخوته تجاهه فيقول‪ } :‬مِن َبعْدِ أَن نّزغَ الشّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ ِإ ْ‬
‫{ [يوسف‪]100 :‬‬
‫صوّره على أنه " نَزْغ "‪.‬‬
‫وهذا مَسّ لطيف لما حدث‪ ،‬وقد نسبه يوسف للشيطان؛ و َ‬
‫أي‪ :‬أنه لم يكن أمرا مستقرا على درجة واحدة من السوء‪ .‬أي‪ :‬أن ما فعله الشيطان هو مجرد‬
‫وَخْزة تُنبّه إلى الشيء الضار فيندفع له النسان‪ ،‬وهي مأخوذة من ال ِمهْماز الذي يُروّض به مدرب‬
‫الخيل أيّ حصان‪ ،‬فهو ينغزه بال ِمهْماز نزغة خفيفة‪ ،‬فيستمع وينفذ ما أمره به‪ ،‬فال ّنغْز تنبيه لمهمة‪،‬‬
‫طعْن‪.‬‬
‫ويختلف عن ال ّ‬
‫والحق سبحانه ينبهنا إلى ما يفعله الشيطان؛ فيقول لنا‪ {:‬وَإِماّ يَنَزَغَ ّنكَ مِنَ الشّيْطَانِ نَ ْزغٌ فَاسْ َت ِعذْ‬
‫بِاللّهِ‪[} ...‬العراف‪]200 :‬‬
‫وكُلّ منا يعلم أن الشيطان عدوّ له عداوة مُسبقة‪ ،‬وحين تستعيذ بال من الشيطان‪ ،‬فأنت تكتسب‬
‫حصَانه من الشيطان‪.‬‬
‫َ‬
‫سهُمْ طَا ِئفٌ مّنَ الشّ ْيطَانِ تَ َذكّرُواْ فَِإذَا هُم مّ ْبصِرُونَ }[العراف‪]201 :‬‬
‫وسبحانه القائل‪... {:‬إِذَا مَ ّ‬
‫أي‪ :‬أن النسان حين يتذكر العداوة بينه وبين الشيطان؛ فعليه أن يشحن نفسه بالمناعة اليمانية‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ضد هذا النّزْغ‪.‬‬
‫حكِيمُ‬
‫ويُذيّل الحق سبحانه الية الكريمة بقول يوسف‪...} :‬إِنّ رَبّي لَطِيفٌ ّلمَا يَشَآءُ إِنّهُ ُهوَ ا ْلعَلِيمُ ا ْل َ‬
‫{ [يوسف‪]100 :‬‬
‫فسبحانه هو المدير الذي ل تَخْفى عليه خافية أبدا‪ ،‬وكلمة " لُطْف " ضد كلمة " كثافة " فاللطيف‬
‫هو الذي له جِرْم دقيق‪ ،‬والشيء كلما َلطُف عَ ُنفَ؛ لنه ل توجد عوائق تمنعه‪.‬‬
‫ول شيء يعوق ال أبدا‪ ،‬وهو العليم بموقع وموضع كل شيء‪ ،‬فهو يجمع بين اللطف والخبرة‪،‬‬
‫فلُطْفه ل يقف أمامه أي شيء‪ ،‬ول يوجد ما هو مستور عنه‪ ،‬ول يقوم أمام مراده شيء‪ ،‬وسبحانه‬
‫حدَث بمراد دقيق‪ ،‬ول‬
‫خبير بمواضع الشياء‪ ،‬وعلْمه سبحانه مُطْلق‪ ،‬وهو حكيم يُجرِي كل َ‬
‫يضيف إليه أحد أيّ شيء‪ ،‬فهو صاحب الكمال المطلق‪.‬‬
‫ويذكر الحق سبحانه بعد ذلك مناجاة يوسف ل سبحانه‪:‬‬
‫} َربّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ ا ْلمُ ْلكِ‪{ ...‬‬

‫(‪)1683 /‬‬
‫ت وَلِيّي فِي‬
‫سمَاوَاتِ وَالْأَ ْرضِ أَ ْن َ‬
‫ك وَعَّلمْتَنِي مِنْ تَ ْأوِيلِ الَْأحَادِيثِ فَاطِرَ ال ّ‬
‫َربّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ ا ْلمُ ْل ِ‬
‫حقْنِي بِالصّالِحِينَ (‪)101‬‬
‫الدّنْيَا وَالَْآخِ َرةِ َت َوفّنِي مُسِْلمًا وَأَ ْل ِ‬

‫ونعلم أن الربوبية تعني الخَلْق من عدم‪ ،‬والمداد من عدم؛ والقاتة لستبقاء الحياة‪ ،‬والتزاوج‬
‫لستباق النسل‪ ،‬وتسير كل هذه العمليات في تناسق كبير‪.‬‬
‫فالحق سبحانه أوجد من عدم‪ ،‬واستبقى الحياة الذاتية بالقوت‪ ،‬واستبقى الحياة النوعية بما أباح من‬
‫تزاوج وتكاثر‪.‬‬
‫وكل مخلوق له حَظّ في عطاء الربوبية‪ ،‬مؤمنا كان أم كافرا‪ ،‬وكل مخلوقات الكون مُسخّرة لكل‬
‫الخلق‪ ،‬فسبحانه هو الذي استدعى الخَلْق إلى الوجود؛ ولذلك تكفل بما يحقق لهم الحياة‪.‬‬
‫ويختص الحق سبحانه عباده المؤمنين بعطاء آخر بالضافة لعطاء الربوبية؛ وهو عطاء اللوهية‬
‫المتمثل في المنهج‪.‬‬
‫يقول يوسف عليه السلم مناجيا ربه‪َ { :‬ربّ َقدْ آتَيْتَنِي مِنَ ا ْلمُ ْلكِ‪[ } ...‬يوسف‪]101 :‬‬
‫أي‪ :‬أنه سبحانه هو الذي أعطاه تلك السيادة‪ ،‬وهذا النفوذ والسلطان؛ فل أحد يملك َقهْرا عن ال‪،‬‬
‫وحتى الظالم ل يملك قهرا عن ال؛ ولذلك يقول الحق سبحانه في آية أخرى من القرآن‪ُ {:‬قلِ الّل ُهمّ‬
‫مَاِلكَ ا ْلمُ ْلكِ ُتؤْتِي ا ْلمُ ْلكَ مَن َتشَآ ُء وَتَن ِزعُ ا ْلمُ ْلكَ ِممّنْ َتشَآ ُء وَ ُتعِزّ مَن تَشَآ ُء وَتُ ِذلّ مَن تَشَآءُ بِ َي ِدكَ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫شيْءٍ قَدِيرٌ }[آل عمران‪]26 :‬‬
‫الْخَيْرُ إِ ّنكَ عَلَىا ُكلّ َ‬
‫ن يملك؛ ولكن نَزْع المُلْك هو الذي يقاومه المنزوع منه‪.‬‬
‫وإتيان المُلْك ل توجد فيه مقاومة ممّ ْ‬
‫والحق سبحانه هو أيضا الذي ُيعِز مَنْ يشاء‪ ،‬وهو الذي يُذل مَنْ يشاء‪.‬‬
‫وحين تتغلغل هذه الية في نفس المؤمن؛ فهو يُوقِن أنه ل مفرّ من القدر‪ ،‬وأن إيتاء المُلْك خير‪،‬‬
‫وأن نزع الملك خير‪ ،‬وأن العزاز خير والذلل خير؛ كي ل يطغى النسان‪ ،‬ول يتكبر‪ ،‬ول‬
‫يُعدّل في إيمان غيره‪.‬‬
‫وكان بعض الناس يقولون‪ :‬لبد أن تُقدر محذوفا في الية‪.‬‬
‫وهم قد قالوا ذلك بدعوى الظن أن هناك خيرين في الية وشَرّيْن محذوفين‪.‬‬
‫وأقول‪ :‬ل‪ ،‬إن ما تظنه أيها النسان أنه شر إنما هو خير يريده ال؛ فكل ما يُجريه ال خير‪.‬‬
‫وقول يوسف عليه السلم‪ { :‬آتَيْتَنِي مِنَ ا ْلمُ ْلكِ‪[ } ...‬يوسف‪]101 :‬‬
‫يقتضي أن نفهم معنى " المُلْك "؛ ومعنى " المِلْك " ‪ ،‬ولنا أن نعرف أن كل إنسان له شيء يملكه؛‬
‫مثل ملبسه أو قلمه أو أثاث بيته‪ ،‬ومثل ذلك من أشياء‪ ،‬وهذا ما يُسمّى‪ " :‬المِلْك "‪ .‬أما " المُلْك "‬
‫فهو أن تملك مَنْ يملك‪.‬‬
‫وقد ملّك ال بعضا من خَلْقه لخلقه‪ ،‬ملّكهم أولً ما في حوزتهم‪ ،‬وملّكهم غيرهم‪ ،‬وسبحانه ينزع‬
‫المُلْك من واحد ويهبه لخر‪ ،‬كي ل تصبح المسألة رَتَابة ذات‪.‬‬
‫طوْعه‬
‫ومثال هذا‪ :‬هو ما حدث لشاه إيران‪ ،‬وكان له المُلْك‪ ،‬وعنده كل أسباب الحضارة‪ ،‬وفي َ‬
‫جيش قوي‪ ،‬ثم شاء الحق سبحانه أن ينزع منه المُلْك‪ ،‬فقام غيره بتفكيك المسامير غير المرئية‬
‫التي كان الشاه يُثبّت بها عرشه؛ فزال عنه المُلْك‪.‬‬
‫وأنت في هذه الدنيا تملك السيطرة على جوارحك؛ تقول لليد " إضربي فلن " فتضرب يدُك فلنا‪،‬‬
‫إلى أن يأتي اليوم الخر فل يملك النسان السيطرة على جوارحه؛ لن المُلْك يومها يكون ل‬
‫وحده‪ ،‬فسبحانه القائل‪ّ... {:‬لمَنِ ا ْلمُ ْلكُ الْ َي ْومَ لِلّهِ ا ْلوَاحِدِ ا ْلقَهّارِ }[غافر‪]16 :‬‬
‫ففي اليوم الخر تنتفي كل الوليات‪ ،‬وتكون الولية ل وحده‪.‬‬
‫وبجانب " المُلْك " و " المِلْك "؛ هناك الملكوت‪ ،‬وهو ما ل تراه بأجهزة الحواس‪.‬‬
‫سمَاوَاتِ وَالَ ْرضِ‪[} ...‬النعام‪]75 :‬‬
‫وسبحانه يقول‪َ {:‬وكَذَِلكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مََلكُوتَ ال ّ‬
‫أي‪ :‬أن الحق سبحانه قد كشف لبراهيم أسرار العالم الخفية من المخلوقات‪ ،‬وأنت ترى العلماء‬
‫وهم يتتبعون أسرار ممالك النباتات والحيوانات؛ فتتعجب من ِدقّة خَلْق ال‪.‬‬
‫ومَنْ وهبه ال ِدقّة العلم وبصيرة العلماء‪ ،‬يرى بإشعاعات البصر والعلم عالم الملكوت‪ ،‬ويستخرج‬
‫السرار‪ ،‬ويستنبط الحقائق‪.‬‬
‫ويضيف يوسف عليه السلم في مناجاته لربه‪ } :‬وَعَّلمْتَنِي مِن تَ ْأوِيلِ الَحَادِيثِ‪[ { ...‬يوسف‪:‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫‪]101‬‬
‫وهو يعترف بفضل ال عليه حين اختصّه بالقدرة على تأويل الحاديث؛ تلك التي أوّل بها ُرؤْيا‬
‫الفتييْنِ اللذين كانا معه في السجن؛ وأوّل رؤيا المِلَك؛ هذا التأويل الذي قاده إلى الحكم‪ ،‬وليس هذا‬
‫غريبا أو عجيبا بالنسبة لقدرة ال سبحانه‪.‬‬
‫سمَاوَاتِ وَالَ ْرضِ‪[ { ...‬يوسف‪]101 :‬‬
‫ويقول يوسف شاكرا ل‪ } :‬فَاطِرَ ال ّ‬
‫ومادام سبحانه هو خالق كل شيء؛ فليس غريبا أن يُعلّمه سبحانه ما شاء‪ ،‬وكأن إيمان يوسف قد‬
‫ق وَ ُهوَ اللّطِيفُ الْخَبِيرُ }[الملك‪]14 :‬‬
‫خلَ َ‬
‫وصل به إلى أن يعلم ما قاله الحق سبحانه‪َ {:‬ألَ َيعَْلمُ مَنْ َ‬
‫ونحن في حياتنا نجد الذي صنع جهازا يستفيد منه غيره؛ يوضح مواصفات استعمال الجهاز أو‬
‫سوِيّة التي يؤدي بها‬
‫الداة‪ ،‬حتى ولو كانت نورجا أو مِحْراثا؛ وذلك ليضمن للجهاز الحركة ال ّ‬
‫الجهاز عمله‪.‬‬
‫والواحد منا إن تعطلت منه السيارة يستدعي الميكانيكي الذي ينظر ما فيها؛ فإن كان أمينا‪ ،‬فهو‬
‫يُشخّص ب ِدقّة ما تحتاجه السيارة‪ ،‬ويُصلِحها‪ ،‬وإن كان غير أمين ستجده يُفسد الصالح‪ ،‬ويزيد من‬
‫العمال التي ل تحتاجها السيارة‪.‬‬
‫وهكذا نرى أن كل صانع في مجاله يعلم أسرار صنعته‪ ،‬فما بالنا بالخالق العظم سبحانه وتعالى؟‬
‫إنه خبير عليم بكل شيء‪.‬‬
‫سمَاوَاتِ وَالَ ْرضِ‪[ { ...‬يوسف‪]101 :‬‬
‫ولماذا قال يوسف عن الحق سبحانه‪ } :‬فَاطِرَ ال ّ‬
‫لنه يعلم أن الحق سبحانه قد خلق النسان؛ والنسان له بداية ونهاية‪ ،‬ل يعلمها أحد غير ال‬
‫سبحانه‪ ،‬فقد يموت النسان وعمره يوم‪ ،‬أو يموت في بطن أمه‪ ،‬أو بعد مائة سنة‪ ،‬وتمر على‬
‫النسان الغيار‪.‬‬
‫أما السماوات والرض فهي مخلوقات ثابتة‪ ،‬فالشمس ل تحتاج إلى قطعة غيار‪ ،‬ولم تقع‪ ،‬وتعطي‬
‫الدفء للرض‪ ،‬وهي مرفوعة عن الرض؛ ل تقع عليها بمشيئة ال‪.‬‬
‫سمَآءَ أَن َتقَعَ عَلَى الَ ْرضِ ِإلّ بِإِذْ ِنهِ إِنّ اللّهَ بِالنّاسِ لَ َرءُوفٌ‬
‫سكُ ال ّ‬
‫والحق سبحانه هو القائل‪... {:‬وَ ُيمْ ِ‬
‫رّحِيمٌ }‬
‫[الحج‪]65 :‬‬
‫س لَ‬
‫س وَلَـاكِنّ َأكْـثَرَ النّا ِ‬
‫ت وَالَ ْرضِ َأكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ النّا ِ‬
‫سمَاوَا ِ‬
‫خلْقُ ال ّ‬
‫واسمع قوله الحق‪ {:‬لَ َ‬
‫َيعَْلمُونَ }[غافر‪]57 :‬‬
‫فالنسان يتغير ويموت؛ أما السماوات والرض فثابتة إلى ما شاء ال‪.‬‬
‫ت وَلِيّي فِي الدّنُيَا وَالخِ َرةِ‪[ { ...‬يوسف‪:‬‬
‫ويقول يوسف عليه السلم مواصلً المناجاة ل‪ } :‬أَن َ‬
‫‪]101‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وصحيح أن الحق سبحانه وليّ ليوسف في الدنيا‪ ،‬وقد نصره وقرّبه وأعانه؛ بدليل كل ما مَرّ به‬
‫من عقبات‪ ،‬ويرجو يوسف ويدعو ألّ يقتصر عطاء ال له في الدنيا الفانية‪ ،‬وأن يثيبه أيضا في‬
‫الباقية‪ ،‬والخرة‪.‬‬
‫حقْنِي بِالصّاِلحِينَ‬
‫ومادام سبحانه وليّه في الدنيا والخرة؛ فيوسف يدعوه‪َ ...} :‬ت َوفّنِي ُمسْلِما وَأَلْ ِ‬
‫{ [يوسف‪]101 :‬‬
‫وقوله‪َ } :‬ت َوفّنِي ُمسْلِما‪[ { ...‬يوسف‪]101 :‬‬
‫إنما بسبب أن يكون أهلً لعطاء ال له في الخرة؛ فقد أخذ يوسف عطاء الدنيا واستمتع به‪ ،‬ومَتّع‬
‫به‪ ،‬ومشى فيه بما يُرضِى ال‪.‬‬
‫وعند تمنّي يوسف للوفاة وقف العلماء‪ ،‬وقالوا‪ :‬ما تمناها أحد إل يوسف‪.‬‬
‫فالنسان إن كان مُوفّقا في الدنيا‪ ،‬تجده دائم الطموح‪ ،‬وتوّاقا إلى المزيد من الخير‪.‬‬
‫وتحمل لنا ذاكرة التاريخ عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز أنه قَبِل المارة‪ ،‬حينما كانوا‬
‫يجيئون له بثوب ناعم؛ كان يطلب الكثر منه نعومة‪ ،‬وإذا جِيءَ له بطعام ليّن؛ كان يطلب الكثر‬
‫لُيونة‪.‬‬
‫وحين صار خليفة؛ كانوا يأتونه بالثوب؛ فيطلب الكثر خشونة وظن مَنْ حوله أنه لم َيعُدْ منطقيا‬
‫ق إلى‬
‫مع نفسه‪ ،‬ولم يفهموا أن له نفسا توّاقة إلى الفضل؛ تستشرف العلى دائما‪ ،‬فحينما تَا َ‬
‫المارة جاءتْه؛ وحين تاق إلى الخلفة جاءتْه‪ ،‬ولم يَ ْبقَ بعدها إل الجنة‪.‬‬
‫ونجد ميمون بن مهران وكان ملزما له؛ رضي ال عنهما؛ دخل عليه مرة فوجده يسأل ربّه‬
‫الموت‪ .‬فقال‪ :‬يا أمير المؤمنين‪ ،‬أتسأل ربك الموت وقد صنع ال على يديك خيرا كثيرا؛ فأحيَ ْيتَ‬
‫سُننا وَأ َمتّ بِدعا؛ وبقاؤك خير للمسلمين؟‬
‫فقال عمر بن عبد العزيز‪ :‬أل أكون كالعبد الصالح حينما أتمّ ال عليه نعمته قال‪َ ...} :‬ت َوفّنِي مُسْلِما‬
‫حقْنِي بِالصّاِلحِينَ { [يوسف‪]101 :‬‬
‫وَأَلْ ِ‬
‫وقوله‪َ } :‬ت َوفّنِي ُمسْلِما‪[ { ...‬يوسف‪]101 :‬‬
‫شقّين‪:‬‬
‫مكونة من ِ‬
‫الشق الول‪ :‬طلب الموت‪.‬‬
‫والشق الثاني‪ :‬أن يموت مسلما‪.‬‬
‫وكُلّنا يُتوفّى دون أن يطلب‪ ،‬وعلى ذلك يكون الشق الول غير مطلوب في ذاته؛ لنه واقع ل‬
‫محالة‪ ،‬ويصبح المطلوب ـ إذن ـ هو الشق الثاني‪ ،‬وهو أن يتوفاه ال مسلما؛ ولذلك حين نأتي‬
‫إلى القبور نقول‪ :‬السلم عليكم ديار قوم مؤمنين‪ ،‬أنتم السابقون‪ ،‬وإنّا إنْ شاء ال بكم لحقون‪.‬‬
‫وإنْ قال سائل‪ :‬ولماذا نقول إن شاء ال بكم لحقون‪ ،‬رغم أننا سنموت حَتْما؟‬
‫نقول‪ :‬إن قولنا " إن شاء ال " سببه هو رغبتنا أن نلحق بهم كمؤمنين‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫حقْنِي بِالصّالِحِينَ { [يوسف‪]101 :‬‬
‫وأيضا قد يسأل سائل‪ :‬لماذا يقول نبي لربه‪...} :‬وَأَلْ ِ‬
‫وهل هناك صالح يأتي إلى هذا العالم دون أن يهتدي بمنهج نبي مرسل؟‬
‫نقول‪ :‬إن كلمة " الصالحين " تضم النبياء وغيرهم من الذين آمنوا برسالة السماء‪.‬‬
‫وهكذا انتهت قصة يوسف عليه السلم؛ ولذلك يتجه الحق سبحانه من بعد تلك النهاية إلى المُرَاد‬
‫ي منها في‬
‫من القصة التي جاءتْ مكتملة في سورة كاملة‪ ،‬غير بقية َقصَص القرآن التي تتناثر أ ّ‬
‫لقطات متفرقة بمواقع مختلفة من القرآن الكريم‪.‬‬
‫وذلك باستثناء قصة نوح التي جاءت مكتملة أيضا‪ ،‬لدرجة أن بعض السطحيين قالوا " إن هذا‬
‫تكرار للقصة في لقطات مختلفة " ودائما أقول ردا على ذلك‪ :‬إنه تأسيس للقطات؛ إن اجتمعت‬
‫جاءت القصة كاملة‪.‬‬
‫وشاء الحق سبحانه أن تأتي اللقطات متفرقة؛ لن كل َلقْطة إنما جاءت لمناسبة ما‪ ،‬وكل القَصَص‬
‫القرآني قد جاء لتثبيت فؤاد رسول ال صلى ال عليه وسلم؛ لنه خلل عمره الرّسالي الذي‬
‫جسَام‪ .‬وكل لحظة كانت تحتاج لتثبيت‪ ،‬فيُنزِل الحق‬
‫استمر ثلثة وعشرين عاما تعرّض لحداث ِ‬
‫سبحانه ما يُثبّت به فؤاد رسوله صلى ال عليه وسلم فيوضح له في موقع ما‪ :‬ل تحزن؛ لن مَنْ‬
‫سبقك من الرسل حدث معهم كذا‪.‬‬
‫بل قد تجد في الواقعة الواحدة لقطتيْن‪ ،‬مثلما جاء في العداوة بين موسى وفرعون‪.‬‬
‫ع ُدوّا وَحَزَنا‪[} ...‬القصص‪]8 :‬‬
‫عوْنَ لِ َيكُونَ َلهُمْ َ‬
‫طهُ آلُ فِرْ َ‬
‫قال الحق سبحانه‪ {:‬فَالْ َتقَ َ‬
‫وهنا تكون العداوة من طرف موسى‪.‬‬
‫ع ُدوّ لّي وَعَ ُدوّ لّهُ‪[} ...‬طه‪]39 :‬‬
‫ويقول في نفس المسألة أيضا‪ {:‬يَ ْأخُ ْذهُ َ‬
‫وهنا تكون العداوة من جهتين؛ لن العداوة تتفاعل حين تكون من جهتين‪ ،‬فل يمكن أن يستمر‬
‫عداءٌ من طرف واحد‪ ،‬وتقوم من أجل هذا العداء معركة‪ ،‬لكن حين تكون العداوة من جهتين فهذا‬
‫يُطيل َأمَد المعركة‪.‬‬
‫والمثل الثاني هو قول الحق سبحانه في نفس قصة موسى؛ وهي لقطة متقدمة حدثتْ في اليام‬
‫الولى من حياة موسى‪ ،‬وقبل أن تُلقيه أمه في اليَمّ؛ فقد مهّد ال لها المر‪.‬‬
‫خ ْفتِ عَلَيْهِ فَأَ ْلقِيهِ فِي ال َي ّم َولَ َتخَافِي َولَ تَحْزَنِي‪[} ...‬القصص‪:‬‬
‫يقول الحق سبحانه عن ذلك‪ {:‬فَِإذَا ِ‬
‫‪]7‬‬
‫حذٌ لِهمّتها قبل الحادث‪ ،‬وتنبيه لها من قبل أن يقع‪ ،‬ولحظةَ أن جاء الحادث نفسه أوحى لها‬
‫وهذا شَ ْ‬
‫خ ْذهُ عَ ُدوّ لّي وَعَ ُدوّ‬
‫حلِ يَأْ ُ‬
‫الحق سبحانه‪ {:‬أَنِ اقْ ِذفِيهِ فِي التّابُوتِ فَاقْ ِذفِيهِ فِي الْيَمّ فَلْيُ ْلقِهِ الْ َيمّ بِالسّا ِ‬
‫لّهُ‪[} ...‬طه‪]39 :‬‬
‫والذين قالوا‪ :‬إن قَصص القرآن جاء مُبعثرا‪ ،‬قد نسوا أن قصة نوح جاءت في موقع واحد‪،‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫شمْل العائلة‪.‬‬
‫وجاءت سورة يوسف مَحْبوكة من أول الرؤيا إلى تولي المُلْك‪ ،‬وجمع َ‬
‫ونزلت القصة في سورة واحدة بعد أن سألوا عنها؛ وهم يعلمون أن محمدا صلى ال عليه وسلم لم‬
‫يجلس إلى مُعلّم‪ ،‬ولم يقرأ في كتاب‪ ،‬وتاريخه معروف بالنسبة لهم‪ ،‬وحين يأتي لهم مُوضّحا أن‬
‫عوْا أنه يسمع لقطة من هنا؛ ولقطة من هناك‪ .‬حين سألوه‬
‫الحق سبحانه قد أنزل عليه‪ ،‬فكذّبوه؛ وادّ َ‬
‫أن يأتي بقصة يوسف جاء بها كاملة؛ من أولها إلى آخرها‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه في نهاية القصة‪:‬‬
‫} ذَِلكَ مِنْ أَنْبَآءِ ا ْلغَ ْيبِ‪{ ...‬‬

‫(‪)1684 /‬‬
‫ج َمعُوا َأمْرَهُ ْم وَ ُهمْ َي ْمكُرُونَ (‪)102‬‬
‫ك َومَا كُ ْنتَ لَدَ ْي ِهمْ إِذْ َأ ْ‬
‫ذَِلكَ مِنْ أَنْبَاءِ ا ْلغَ ْيبِ نُوحِيهِ إِلَ ْي َ‬

‫و " ذلك " إشارة إلى هذه القصة‪ ،‬والخطاب مُوجّه إلى محمد صلى ال عليه وسلم أي‪ :‬أنك يا‬
‫حبّ ِإلَىا أَبِينَا مِنّا‪[} ...‬يوسف‪]8 :‬‬
‫ف وَأَخُوهُ َأ َ‬
‫س ُ‬
‫محمد لم َتكُنْ معهم حين قالوا‪ {:‬لَيُو ُ‬
‫فالحق سبحانه أخبرك بأنباء لم تكن حاضرا لحداثها‪ ،‬والغيب ـ كما عَلِمنا من قبل ـ هو ما‬
‫غاب عنك‪ ،‬ولم َي ِغبْ عن غيرك‪ ،‬وهو غيب نسبيّ؛ وهناك الغيب المُطْلق‪ ،‬وهو الذي يغيب عنك‬
‫وعن أمثالك من البشر‪.‬‬
‫والغيب كما نعلم له ثلثة حواجز‪:‬‬
‫الول‪ :‬هو حاجز الزمن الماضي الذي لم تشهده؛ أو حاجز الزمن المستقبل الذي لم يَ ْأتِ َبعْد‪.‬‬
‫والثاني‪ :‬هو حاجز المكان‪.‬‬
‫والثالث‪ :‬هو حاجز الحاضر‪ ،‬بمعنى أن هناك أشياء تحدثُ في مكان أنت ل توجد فيه‪ ،‬فل تعرف‬
‫من أحداثه شيئا‪ .‬و { نُوحِيهِ إِلَ ْيكَ‪[ } ...‬يوسف‪]102 :‬‬
‫أي نُعلِمك به بطَ ْرفٍ خَفيّ‪ ،‬حين اجتمعوا ليتفقوا‪ ،‬إما أن يقتلوا يوسف‪ ،‬أو يُلْقوه في غيابة الجب‪.‬‬
‫وكشف لك الحق سبحانه حجاب الماضي في أمر لم يُعلمه لرسول ال؛ ولم يشهد صلى ال عليه‬
‫وسلم ما دار بين الخوة مباشرة‪ ،‬أو سماعا من مُعلّم‪ ،‬ولم يقرأ عنه؛ لنه صلى ال عليه وسلم‬
‫ُأ ِميّ لم يتعلم القراءة أو الكتابة‪.‬‬
‫خطّهُ‬
‫وسبحانه يقول عن رسوله صلى ال عليه وسلم‪َ {:‬ومَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ َولَ تَ ُ‬
‫بِ َيمِي ِنكَ إِذا لّرْتَابَ ا ْلمُبْطِلُونَ }[العنكبوت‪]48 :‬‬
‫وهم بشهادتهم يعلمون كل حركة لرسول ال صلى ال عليه وسلم قبل أن يُبعث؛ إقامة وتِرْحالً‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والتقاءً بأيّ أحد‪.‬‬
‫فلو عَلموا أنه قرأ كتابا لكانت لهم حُجّة‪ ،‬وحتى المر الذي غابتْ عنهم ِفطْنتهم فيه؛ وقالوا‪ {:‬إِ ّنمَا‬
‫ُيعَّلمُهُ بَشَرٌ‪[} ...‬النحل‪]103 :‬‬
‫ج ِميّ وَهَـاذَا لِسَانٌ عَرَ ِبيّ مّبِينٌ }[النحل‪:‬‬
‫عَ‬
‫حدُونَ إِلَيْهِ أَ ْ‬
‫فرد عليهم الحق سبحانه‪... {:‬لّسَانُ الّذِي يُلْ ِ‬
‫‪]103‬‬
‫وأبطل الحق سبحانه هذه الحجة‪ ،‬وقد َقصّ الحق سبحانه على رسوله الكثير من أنباء الغيب‪،‬‬
‫وسبق أن قلنا الكثير عن‪ " :‬ما كُنّات القرآن " ‪ ،‬مثل قوله تعالى‪َ ... {:‬ومَا كُنتَ لَدَ ْي ِهمْ إِذْ يُ ْلقُون‬
‫صمُونَ }[آل عمران‪]44 :‬‬
‫ل َمهُمْ أَ ّيهُمْ َي ْك ُفلُ مَرْيَ َم َومَا كُ ْنتَ َلدَ ْيهِمْ ِإذْ يَخْ َت ِ‬
‫َأقْ َ‬
‫لمْرَ َومَا كنتَ مِنَ الشّاهِدِينَ }‬
‫وقوله الحق‪َ {:‬ومَا كُنتَ بِجَا ِنبِ ا ْلغَرْ ِبيّ إِذْ َقضَيْنَآ إِلَىا مُوسَى ا َ‬
‫[القصص‪]44 :‬‬
‫فكأن مصدر علم الرسول بكل ذلك هو من إخبار ال له‪.‬‬
‫وقد استقبل أهل الكهف ما طلبوا أن يعرفوه من قصة يوسف باللدد والجحود ـ وهم قد طلبوا‬
‫مطلبهم هذا بتأسيس من اليهود ـ وهو صلى ال عليه وسلم جاء لهم بقصة يوسف في مكان‬
‫واحد‪ ،‬ودفعة واحدة‪ ،‬وفي سورة واحدة‪ ،‬ل في لقطات متعددة منثورة كأغلب قصص القرآن‪.‬‬
‫وقد جاء لهم بها كاملة؛ لنهم لم يطلبوا جزئية منها؛ وإنما سألوه عن القصة بتمامها‪ ،‬وتوقعوا أن‬
‫يعزف عن ذلك‪ ،‬لكنه لم يعزف‪ ،‬بل جاء لهم بما طلبوه‪.‬‬
‫وكان يجب أن يلتفتوا إلى أن ال هو الذي أرسله‪ ،‬وهو الذي علّمه؛ وهو الذي أنبأه‪ ،‬لكنهم لم‬
‫يؤمنوا‪ ،‬وعَزّ ذلك على رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فأوضح له سبحانه‪ :‬ل تبتئس ول تيأس‪{:‬‬
‫سكَ َألّ َيكُونُواْ ُم ْؤمِنِينَ }[الشعراء‪]3 :‬‬
‫َلعَّلكَ بَاخِعٌ ّنفْ َ‬
‫سكَ عَلَىا آثَارِهِمْ إِن لّمْ ُي ْؤمِنُواْ ِبهَـاذَا ا ْلحَدِيثِ َأسَفا }[الكهف‪]6 :‬‬
‫ويقول له سبحانه‪ {:‬فََلعَّلكَ بَاخِعٌ ّنفْ َ‬
‫فأنت يا رسول ال عليك البلغ فقط‪ ،‬ويذكر الحق ذلك لِيُسلّي رسوله صلى ال عليه وسلم حين‬
‫سهُمْ ظُلْما‬
‫رأى لدد الكافرين؛ بعد أن جاء لهم بما طلبوه‪ ،‬ثم جحدوه‪َ {:‬وجَحَدُواْ ِبهَا وَاسْتَ ْيقَنَ ْتهَآ أَنفُ ُ‬
‫وَعُُلوّا‪[} ...‬النمل‪]14 :‬‬
‫وهم قد جحدوا ما جاء به رسول ال صلى ال عليه وسلم؛ لنهم حرصوا على السلطة الزمنية‬
‫فقط‪ ،‬وكان من الواجب أن يؤمنوا بما جاءهم به‪ ،‬لكن العناد هو الذي وقف بينهم وبين حقيقة‬
‫اليقين وحقيقة اليمان‪.‬‬
‫وأنت ل تستطيع أن تواجه ال ُمعَاند بحجة أو بمنطق‪ ،‬فهم يريدون أن يظل الضعفاء عبيدا‪ ،‬وأن‬
‫خلْق بجبروتهم‪ ،‬والدين سيُسوّي بين الناس جميعا‪ ،‬وهم يكرهون تلك‬
‫يكونوا مسيطرين على ال َ‬
‫المسألة‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ويأتي الحق سبحانه بعد ذلك بقضية كونية‪ ،‬فيقول‪:‬‬
‫} َومَآ َأكْثَرُ النّاسِ‪{ ...‬‬

‫(‪)1685 /‬‬
‫صتَ ِب ُمؤْمِنِينَ (‪)103‬‬
‫س وََلوْ حَ َر ْ‬
‫َومَا َأكْثَرُ النّا ِ‬

‫فأنت يا محمد لن تجعل كل الناس مؤمنين؛ ولو حرصت على ذلك‪ ،‬وكان صلى ال عليه وسلم‬
‫شديد الحرص على أن يؤمن قومه‪ ،‬فهو منهم‪.‬‬
‫سكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتّمْ حَرِيصٌ عَلَ ْيكُمْ‬
‫ويقول فيه الحق سبحانه‪َ {:‬لقَدْ جَآ َءكُمْ َرسُولٌ مّنْ أَنفُ ِ‬
‫بِا ْل ُم ْؤمِنِينَ َرءُوفٌ رّحِيمٌ }[التوبة‪]128 :‬‬
‫لكنهم جحدوا ما جاءهم به؛ وقد أحزنه ذلك المر‪ .‬وفي الحرص نجد آية خاصة باليهود؛ هؤلء‬
‫الذين دفعوا أهل مكة أن يسألوا الرسول صلى ال عليه وسلم عن قصة يوسف؛ يقول الحق‬
‫علَىا حَيَاةٍ‪[} ...‬البقرة‪]96 :‬‬
‫سبحانه‪ {:‬وَلَ َتجِدَ ّنهُمْ أَحْ َرصَ النّاسِ َ‬
‫وكان على أهل مكة أن يؤمنوا مادام قد ثبت لهم بالبينات أنه رسول من ال‪.‬‬
‫صتَ ِب ُمؤْمِنِينَ } [يوسف‪]103 :‬‬
‫س وََلوْ حَ َر ْ‬
‫وجاء قول الحق‪َ { :‬ومَآ َأكْثَرُ النّا ِ‬
‫جاء ذلك القولُ تسليةً من الحق سبحانه لرسوله‪ ،‬وليؤكد له أن ذلك ليس حال أهل مكة فقط‪ ،‬ولكن‬
‫هذه هي طبيعة معظم الناس‪ .‬لماذا؟‬
‫لن أغلبهم ل يُحسن قياس ما يعطيه له منهج ال في الدنيا والخرة‪ ،‬والنسان حين يُقبل على‬
‫منهج ال‪ ،‬يقيس القبال على هذا المنهج بما يُعطِيه له في الخرة؛ فلسوف يعلم أنه مهما أعطى‬
‫لنفسه من مُتَع الدنيا ف ُعمْره فيها َم ْوقُوت بالقَدْر الذي قدّره له ال‪ ،‬والحياة يمكن أن تنتهي عند أية‬
‫لحظة‪.‬‬
‫والحق سبحانه حين خبأ عن الناس أعمارهم في الدنيا‪ ،‬لم َيكُنْ هذا الخفاء إبهاما كما يظن‬
‫البعض‪ ،‬وهذا البهام هو في حقيقته عَيْن البيان‪ ،‬فإشاعة حدوث الموت في أي زمن يجعل النسان‬
‫في حالة ترقّب‪.‬‬
‫حدّ‬
‫ولذلك فميتات الفُجَاءة لها حكمة أن يعرف كل إنسان أن الموت ل سببِ له‪ ،‬بل هو سبب في َ‬
‫ذاته؛ سواء كان الموت في حادثة أو بسبب مرض أو فجأة‪ ،‬فالنسان يتمتع في الدنيا على حسب‬
‫عمره المحدد الموقوت عند ال‪ ،‬أما في الخرة فإنه يتمتع على قدر إمدادات الخالق سبحانه‪.‬‬
‫والنسان المؤمن يقيس استمتاعه في الخرة بقدرة ال على العطاء‪ ،‬وبإمكانات الحق ل إمكانات‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الخَلْق‪.‬‬
‫و َهبْ أن إنسانا معزولً عن أمر الخرة‪ ،‬أي‪ :‬أنه كافر بالخرة وأخذها على أساس الدنيا فقط‪،‬‬
‫نقول له‪ :‬انظر إلى ما يُطلب منك نهيا؛ وما يُطلب منك أمرا‪ ،‬ول تجعله لذاتك فقط‪ ،‬بل اجعله‬
‫للمقابل لك من المليين غيرك‪.‬‬
‫سوف تجد أن نواهي المنهج إن منعتْك عن شر تفعله بغيرك؛ فقد منعتْ الغير أن يفعل بك الشر‪،‬‬
‫في هذا مصلحة لك بالمقاييس المادية التي ل دَخْل للدين بها‪.‬‬
‫ويجب أن نأخذ هذه المسألة في إطار قضية هي " دَرْء المفسدة مُقدّم على جَلْب المصلحة "‪.‬‬
‫و َهبْ أن إنسانا مُحبا لك أمسك بتفاحة وأراد أن يقذفها لك‪ ،‬بينما يوجد آخر كاره لك‪ ،‬ويحاول أن‬
‫يقذفك في نفس اللحظة بحجر‪ ،‬وأطلق الثنان ما في أيديهما تجاهك‪ ،‬هنا يجب أن تردّ الحجر قبل‬
‫أن تلتقط التفاحة‪ ،‬وهكذا يكون دَرْء المفسدة مُقدّما على جَلْب المصلحة‪.‬‬
‫وعلى النسان أن يقيس ذلك في كل أمر من المور؛ لن كثيرا من أدوات الحضارات أو‬
‫ابتكارات المدنية أو المخترعات العلمية قد تعطينا بعضا من النفع‪ ،‬ولكن يثبت أن لها ـ من بعد‬
‫ذلك ـ الكثير من الضرر‪.‬‬
‫مثال هذا‪ :‬هو اختراع مادة " د‪ .‬د‪ .‬ت " التي قتلت بعض الحشرات‪ ،‬وقتلت معها الكثير من‬
‫الطيور المفيدة‪.‬‬
‫ولذلك يقول الحق سبحانه‪َ {:‬ولَ َت ْقفُ مَا لَيْسَ َلكَ بِهِ عِلْمٌ‪[} ...‬السراء‪]36 :‬‬
‫وعليك أن تدرس أيّ مُخْتَرع قبل استعماله؛ لترى نفعه وضرره قبل أن تستعمله‪.‬‬
‫وقد رأينا مَنْ يُدخِلون الكهرباء إلى بيوتهم‪ ،‬يحاولون أن يرفعوا موقع " فِيَش " الكهرباء عن‬
‫مستوى تناول الطفال؛ كي ل يضيع طفل أصابعه في تلك الفتحات فتصعقهم الكهرباء‪ ،‬ووجدنا‬
‫صمّموا أجهزة تفصل الكهرباء آليا إنْ لمستْها َيدُ بشر‪.‬‬
‫بعضا من المهندسين قد َ‬
‫جلْب المنفعة‪ ،‬وعلينا أن نحتاط لمثل هذه المور‪.‬‬
‫وهذا هو دَرْء المفسدة المُقدّم على َ‬
‫صتَ‬
‫س وََلوْ حَ َر ْ‬
‫وفي الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها نجد الحق سبحانه يقول‪َ } :‬ومَآ َأكْثَرُ النّا ِ‬
‫ِب ُم ْؤمِنِينَ { [يوسف‪]103 :‬‬
‫وهل قوله‪َ } :‬أكْثَرُ النّاسِ‪[ { ...‬يوسف‪]103 :‬‬
‫نسبة للذين ل يؤمنون‪ ،‬يعني أن المؤمنين قلة؟‬
‫نقول‪ :‬ل؛ لن " أكثر " قد يقابله " أقل " ‪ ،‬وقد يقابله " الكثير "‪.‬‬
‫س وَا ْل َقمَرُ‬
‫شمْ ُ‬
‫ض وَال ّ‬
‫ت َومَن فِي الَ ْر ِ‬
‫سمَاوَا ِ‬
‫جدُ لَهُ مَن فِي ال ّ‬
‫ويقول الحق سبحانه‪َ {:‬ألَمْ تَرَ أَنّ اللّهَ َيسْ ُ‬
‫علَيْهِ ا ْلعَذَابُ‪[} ...‬الحج‪]18 :‬‬
‫وَالنّجُو ُم وَا ْلجِبَالُ وَالشّجَ ُر وَال ّدوَآبّ َوكَثِيرٌ مّنَ النّاسِ َوكَثِيرٌ حَقّ َ‬
‫وهكذا نجد أن كلمة " كثير " قد يقابلها أيضا كلمة " كثير "‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وقد أوضح الحق سبحانه لرسوله صلى ال عليه وسلم أنه لو حرص ما استطاع أن يجعل أكثر‬
‫الناس مؤمنين‪ ،‬والحِرْص هو تعلّق النفس وتعبئة مجهود للحتفاظ بشيء نرى أنه يجلب لنا نفعا‬
‫أو يذهب بضُرّ‪ ،‬وهو استمساك يتطلب جهدا‪.‬‬
‫ولذلك يوضح له الحق سبحانه‪ :‬أنت لن تهدي مَنْ تحرص على هدايته‪.‬‬
‫ضلّ‪[} ...‬النحل‪]37 :‬‬
‫ويقول سبحانه‪ {:‬إِن َتحْ ِرصْ عَلَىا هُدَاهُمْ فَإِنّ اللّ َه لَ َيهْدِي مَن ُي ِ‬
‫ومن هذه الية نستفيد أن كل رسول عليه أن يوطن نفسه على أن الناس سيعقدون مقارناتٍ بين‬
‫البدائل النفعية؛ وسيقعون في أخطاء اختيار غير الملئم لفائدتهم على المدى الطويل؛ فوطّنْ نفسك‬
‫يا محمد على ذلك‪.‬‬
‫وإذا كنتَ يا رسول ال قد حملتَ الرسالة وتسألهم اليمان لفائدتهم‪ ،‬فأنت تفعل ذلك دون أجر؛‬
‫رغم أنهم لو فَطِنوا إلى المر لكان يجب أن يقدروا أجرا لمن يهديهم سواء السبيل‪ ،‬لن الجر‬
‫ُيعْطَى لمن يقدم لك منفعة‪.‬‬
‫والنسان حريص على أن يدفع الجر لمن يُعينه على منفعة؛ والمنفعة إما أن تكون موقوتة بزمن‬
‫دنيوي ينتهي‪ ،‬وإما أن تكون منفعة ممتدة إلى ما ل نهاية؛ راحة في الدنيا وسعادة في الخرة‪.‬‬
‫ويأتي القرآن بقول الرسل‪ {:‬لّ أَسْأَُل ُكمْ عَلَيْهِ َأجْرا‪[} ...‬النعام‪]90 :‬‬
‫ولم َي ُقلْ ذلك اثنان هما‪ :‬إبراهيم عليه السلم‪ ،‬وموسى عليه السلم‪.‬‬
‫وكان العقل يقول‪ :‬كان يجب على الناس لو أنها تُقدّر التقدير السليم؛ أن تدفع أجرا للرسول الذي‬
‫يُفسّر لهم أحوال الكون‪ ،‬ويُطمئنهم على مصيرهم بعد الموت‪ ،‬ويشرح لهم منهج الحق‪ ،‬ويكون لهم‬
‫أُسْوة حسنة‪.‬‬
‫ونحن نجد في عالمنا المعاصر أن السرة تدفع الكثير للمدرس الخصوصي الذي يُلقّن البن مبادئ‬
‫القراءة والكتابة‪ ،‬فما بالنا بمَنْ يضيء البصر والبصيرة بالهداية؟‬
‫ومقتضى المر أن الرسول صلى ال عليه وسلم يقدم نفعا أبديا لمن يتبعه‪ ،‬لكنه لم يطلب أجرا‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫} َومَا تَسْأَُل ُهمْ عَلَيْهِ مِنْ َأجْرٍ‪{ ...‬‬

‫(‪)1686 /‬‬
‫َومَا َتسْأَُلهُمْ عَلَ ْيهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ ُهوَ إِلّا ِذكْرٌ لِ ْلعَاَلمِينَ (‪)104‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وفي هذا القول الكريم ما يوضح أن النبي صلى ال عليه وسلم ل يسأل قومه أجرا على هدايته‬
‫لهم؛ لن أجره على ال وحده‪.‬‬
‫والحق سبحانه هو القائل‪ {:‬أَمْ تَسْأَُلهُمْ أَجْرا َفهُم مّن ّمغْرَمٍ مّ ْثقَلُونَ }[الطور‪]40 :‬‬
‫والحق سبحانه يقول على لسان رسوله في موقع آخر‪ُ {:‬قلْ مَا سَأَلْ ُتكُم مّن أَجْرٍ َف ُهوَ َلكُمْ إِنْ أَجْ ِريَ‬
‫ِإلّ عَلَى اللّهِ‪[} ...‬سبأ‪]47 :‬‬
‫وهو هنا يُعلِي الجر‪ ،‬فبدلً من أن يأخذ الجر من محدود القدرة على ال ّدفْع‪ ،‬فهو يطلبها من الذي‬
‫ل ُتحَدّ قدرته في إعطاء الجر؛ فكأن العمل الذي يقوم به ل يمكن أن يُجَازى عليه إل من ال؛‬
‫لن العمل الذي يؤديه بمنهج ال ومن ال‪ ،‬فل يمكن إل أن يكون الجر عليه من أحد غير ال‪.‬‬
‫ولذلك يقول سبحانه‪...{ :‬إِنْ ُهوَ ِإلّ ِذكْرٌ لّ ْلعَاَلمِينَ } [يوسف‪]104 :‬‬
‫طلَق إطلقات متعددة‪ ،‬ومادة " ذال " و " كاف " و " راء " مأخوذة من الذاكرة‪ .‬وعرفنا‬
‫والذكر يُ ْ‬
‫من قبل أن النسان له آلت استقبال هي الحواس النسانية‪ ،‬وتنتقل المعلومات أو الخبرات منها‬
‫إلى العمليات العقلية‪ ،‬وتم ّر تلك المعلومات ببؤرة الشعور‪ ،‬لِتُحفظ لفترة في هذه البؤرة‪ ،‬ثم تنتقل‬
‫إلى حاشية الشعور‪ ،‬إلى أن تستدعيها الحداث‪ ،‬فتعود مرة أخرى إلى ُبؤْرة الشعور‪.‬‬
‫ولذلك أنت تقول حين تتذكر معلومة قديمة " لقد تذكرتها "؛ كأن المعلومة كانت موجودة في مكان‬
‫ما في نفسك؛ لكنها لم َتكُنْ في بؤرة الشعور‪ .‬وحين جاءت عملية الستدعاء‪ ،‬فهي تنتقل من‬
‫حاشية الشعور إلى ُبؤْرة الشعور‪.‬‬
‫والتذكّر هو‪ :‬استدعاء المعلومة من حاشية الشعور إلى بؤرة الشعور‪.‬‬
‫والحق سبحانه يقول‪ {:‬وَ َذكّ ْرهُمْ بِأَيّامِ اللّهِ‪[} ...‬إبراهيم‪]5 :‬‬
‫أي‪ :‬ذكّرهم بما مَرّ عليهم من أحداث أجراها ال؛ وهي غير موجودة الن في ُبؤْرة شعورهم‪.‬‬
‫سمّي القرآن ذكرا؛ لنه يُذكّر كل مؤمن به بال الذي تفضّل علينا بالمنهج الذي تسير به حياتنا‬
‫وُ‬
‫إلى خير الدنيا والخرة‪.‬‬
‫فالذكر ـ إذن ـ يكون للعاقل معونة له‪ ،‬وهو من ضمن رحمة ال بالخَلْق‪ ،‬فلم يترك الخلقَ‬
‫منشغلين بالنعمة عن مَنْ أنعمها عليهم‪ ،‬فهذا الكون منظم بِدقّة بديعة‪ ،‬وفي كل مُقوّمات حياة‬
‫البشر‪.‬‬
‫ومن فضل ال عليهم أنه أرسل الرسل مُذكّرين لهم بهذا العطاء الرباني‪.‬‬
‫وكلمة " ذكر " تدل على أن الفطرة في النسان كان يجب أن تظل واعية ذاكرة ل‪ ،‬وقد قَدّر ال‬
‫غفلة الحداث‪ ،‬فجعل لهم الذكر كله في القرآن الكريم‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه بعد ذلك‪:‬‬
‫سمَاوَاتِ‪} ...‬‬
‫{ َوكَأَيّن مّن آ َيةٍ فِي ال ّ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫(‪)1687 /‬‬
‫ت وَالْأَ ْرضِ َيمُرّونَ عَلَ ْيهَا وَ ُهمْ عَ ْنهَا ُمعْ ِرضُونَ (‪)105‬‬
‫سمَاوَا ِ‬
‫َوكَأَيّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي ال ّ‬

‫حصْر‪ ،‬ومثل " كأين " كلمة " كم‬
‫وإذا سمعتَ " كأين " افهم أن معناها كثير كثير كثير؛ بما يفوق ال َ‬
‫" ‪ ،‬والعَدّ هو مظنة الحصر‪ ،‬والشيء الذي فوق الحصر؛ تنصرف عن عَدّه‪ ،‬ول أحد يحصر‬
‫رمال الصحراء مثلً‪ ،‬لكن كلً منا يعُدّ النقود التي يردّها لنا البائع‪ ،‬بعد أن يأخذ ثمن ما اشتريناه‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالنصراف عن العَدّ معناه أن المر الذي نريد أن نتوجه ِلعّده فوق الحصر‪ ،‬ول أحد يعُدّ‬
‫النجوم أو يحصيها‪.‬‬
‫ولذلك نجد الحق سبحانه يُنبّهنا إلى هذه القضية‪ ،‬لسباغ نعمه على خلقه‪ ،‬ويقول‪ {:‬وَإِن َت ُعدّواْ‬
‫حصُوهَا‪[} ...‬إبراهيم‪]34 :‬‬
‫ِن ْع َمتَ اللّ ِه لَ تُ ْ‬
‫و " إنْ " هي للمر المشوك فيه‪ ،‬وأنتم لن تعدّوا نعمة ال؛ لنها فوق الحصر‪ ،‬والمعدود دائما‬
‫يكون ُمكَررا‪ ،‬و َذكَر الحق هنا نعمة واحدة‪ ،‬ولم يحددها؛ لن أيّ نعمة تستقبلها من ال لو‬
‫استقصيتها لوجدتَ فيها ِنعَما ل تُحصَر ول ُتعَدّ‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فكلمة " كأين " تعني " كم " ‪ ،‬وأنت تقول للولد الذي لم يستذكر دروسه‪ :‬كم نصحتك؟ وأنت‬
‫ل تقولها إل بعد أن يفيض بك الكيل‪.‬‬
‫وتأتي " كم " ويُراد بها تضخيم العدد‪ ،‬ل منك أنت المتكلم‪ ،‬ولكن ممّنْ تُوجّه إليه الكلم‪ ،‬وكأنك‬
‫تستأمنه على أنه لن ينطق إل صِدْقا‪ ،‬أو كأنك استحضرتَ النصائح‪ ،‬فوجدتها كثيرة جدا‪.‬‬
‫والسؤال عن الكمية إما أنْ يُ ْلقَى من المتكلم‪ ،‬وإما أن يُطلب من المخاطب؛ وطلبُه من المخاطب‬
‫دليل على أنه سَ ِيقُرّ على نفسه‪ ،‬والقرار سيد الدلة‪.‬‬
‫وحين يقول سبحانه‪َ { :‬وكَأَيّن‪[ } ...‬يوسف‪]105 :‬‬
‫فمعناها أن ما يأتي بعدها كثير‪.‬‬
‫وسبحان القائل‪َ {:‬وكَأَيّن مّن نّ ِبيّ قَا َتلَ َمعَهُ رِبّيّونَ كَثِيرٌ َفمَا وَهَنُواْ ِلمَآ َأصَا َبهُمْ فِي سَبِيلِ اللّ ِه َومَا‬
‫حبّ الصّابِرِينَ }[آل عمران‪]146 :‬‬
‫ضعُفُو ْا َومَا اسْ َتكَانُواْ وَاللّهُ يُ ِ‬
‫َ‬
‫وهكذا نفهم أن (كأين) تعني الكثير جدا؛ الذي بلغ من الكثرة مبلغا يُبرر لنا العذر أمام الغير إنْ لم‬
‫حصِه‪.‬‬
‫نُ ْ‬
‫واليات هي جمع " آية "؛ وهي الشيء العجيب‪ ،‬المُ ْلفِت للنظر ويُقال‪ :‬فلن آية في الذكاء‪ .‬أي‪ :‬أن‬
‫ذكاءه مضرب المثل‪ ،‬كأمر عجيب يفوق ذكاء الخرين‪.‬‬
‫ويُقال‪ :‬فلن آية في الشجاعة؛ وهكذا‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ومعنى الشيء العجيب أنه هو الخارج عن المألوف‪ ،‬ول يُنسَى‪.‬‬
‫وقد نثر الحق سبحانه في الكون آياتٍ عجيبة‪ ،‬ولكل منثور في الكون حكمة‪ .‬وتنقسم معنى اليات‬
‫إلى ثلث‪:‬‬
‫الول‪ :‬هو اليات الكونية التي تحدثنا عنها‪ ،‬وهي عجائب؛ وهي حُجّة للمتأمل أن يؤمن بال الذي‬
‫أوجدها؛ وهي تلفِتُك إلى أن مَنْ خلقها لبُدّ أن تكون له منتهى الحكمة ومنتهى الدّقة‪ ،‬وهذه اليات‬
‫تلفتنا إلى صدق توحيد ال والعقيدة فيه‪.‬‬
‫وقد نثر الحق سبحانه هذه اليات في الكون‪.‬‬
‫وحينما أعلن ال بواسطة رسله أنه سبحانه الذي خلقها‪ ،‬ولم َي ُقلْ أحد غيره‪ " :‬أنا الذي خلقت "‬
‫فهذه المسألة ـ مسألة الخلق ـ تثبُت له سبحانه‪ ،‬فهو الخالق وما سواه مخلوق‪ ،‬وهذه اليات قد‬
‫خُلِقت من أجل هدف وغاية‪.‬‬
‫وفي سورة الروم نجد آيات تجمع أغلب آيات الكون؛ فيقول الحق سبحانه‪ {:‬فَسُبْحَانَ اللّهِ حِينَ‬
‫ظهِرُونَ * ُيخْرِجُ‬
‫سمَاوَاتِ وَالَ ْرضِ وَعَشِيّا وَحِينَ تُ ْ‬
‫حمْدُ فِي ال ّ‬
‫ن وَحِينَ ُتصْبِحُونَ * وَلَهُ الْ َ‬
‫ُتمْسُو َ‬
‫ي وَيُحْي الَ ْرضَ َبعْدَ َموْ ِتهَا َوكَذَِلكَ تُخْ َرجُونَ * َومِنْ آيَاتِهِ‬
‫حّ‬
‫ت وَيُخْرِجُ ا ْلمَ ّيتَ مِنَ ا ْل َ‬
‫حيّ مِنَ ا ْلمَ ّي ِ‬
‫الْ َ‬
‫سكُنُواْ‬
‫سكُمْ أَ ْزوَاجا لّتَ ْ‬
‫خَلقَكُمْ مّن تُرَابٍ ُثمّ إِذَآ أَن ُتمْ بَشَرٌ تَن َتشِرُونَ * َومِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ َلكُم مّنْ أَنفُ ِ‬
‫أَنْ َ‬
‫سمَاوَاتِ‬
‫ك ليَاتٍ ّلقَوْمٍ يَ َت َفكّرُونَ * َومِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ ال ّ‬
‫حمَةً إِنّ فِي ذَِل َ‬
‫ج َعلَ بَيْ َنكُم ّموَ ّد ًة وَرَ ْ‬
‫إِلَ ْيهَا وَ َ‬
‫ك ليَاتٍ لّ ْلعَاَلمِينَ * َومِنْ آيَاتِهِ مَنَا ُمكُم بِالّيلِ وَال ّنهَارِ‬
‫لفُ أَلْسِنَ ِت ُك ْم وَأَ ْلوَا ِنكُمْ إِنّ فِي ذاِل َ‬
‫ض وَاخْتِ َ‬
‫وَالَرْ ِ‬
‫طمَعا‬
‫خوْفا َو َ‬
‫س َمعُونَ * َومِنْ آيَا ِتهِ يُرِيكُمُ الْبَ ْرقَ َ‬
‫ك ليَاتٍ ّلقَوْمٍ َي ْ‬
‫وَابْ ِتغَآ ُؤكُمْ مّن َفضْلِهِ إِنّ فِي ذَِل َ‬
‫ك ليَاتٍ ّل َقوْمٍ َي ْعقِلُونَ * َومِنْ آيَاتِهِ‬
‫سمَآءِ مَآءً فَ ُيحْيِي بِ ِه الَ ْرضَ َبعْدَ َموْ ِتهَا إِنّ فِي ذَِل َ‬
‫وَيُنَ ّزلُ مِنَ ال ّ‬
‫ن الَ ْرضِ إِذَآ أَنتُمْ َتخْرُجُونَ }[الروم‪-17 :‬‬
‫ع َوةً مّ َ‬
‫سمَآءُ وَالَ ْرضُ بَِأمْ ِرهِ ثُمّ ِإذَا دَعَا ُكمْ دَ ْ‬
‫أَن َتقُومَ ال ّ‬
‫‪]25‬‬
‫كل هذه آيات تنبه النسان الموجود في الكون أنه يتمتع فيه طبقا لنواميس عليا؛ فيها سِرّ بقاء‬
‫حياته؛ فيجب أن ينتبه إلى مَنْ أوجدها‪.‬‬
‫وبعد أن ينتبه إلى وجود واحد أعلى؛ كان عليه أن يسأل‪ :‬ماذا يريد منه هذا الخالق العلى؟‬
‫هذه اليات تفرض علينا عقليا أن يوجد مَنْ يبلغنا مطلوبَ الواجد العلى‪ ،‬وحينما يأتي رسول‬
‫يقول لنا‪ :‬إن مَنْ تبحثون عنه اسمه ال؛ وهو قد بعثني لبلغكم بمطلوبه منكم أن تعبدوه؛ فتتبعوا‬
‫أوامره وتتجنبوا نواهيه‪.‬‬
‫والنوع الثاني من اليات هي آيات إعجازية‪ ،‬والمراد منها تثبيت دعوة الرسل‪ ،‬فكان ولبُدّ أن‬
‫يأتي كل رسول ومعه آية؛ لتثبت صِدْق بلغه عن ال؛ لن كل رسول هو من البشر‪ ،‬ولبد له‬
‫من آية تخرق النواميس‪ ،‬وهي المعجزات التي جاءت مع الرسل‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫حكْمية‪ ،‬وهي النوع الثالث‪ ،‬وهي الفواصل التي تحمل جُملً‪ ،‬فيها أحكام القرآن‬
‫وهناك آيات ُ‬
‫الكريم؛ وهو المنهج الخاتم‪.‬‬
‫حكْما من أحكام الدين إل ويمسّ منطقيا حاجة من حاجات‬
‫وهي آياتٌ عجيبة أيضا؛ لنك ل تجد ُ‬
‫ن كفروا سيُضطرون إلى كثير من القضايا التي كانوا ينكرونها‪ ،‬ولكن‬
‫النفس النسانية‪ ،‬والبشر وإ ْ‬
‫حلّ إل بها‪.‬‬
‫حلّ للمشكلت التي يواجهونها‪ ،‬ول تُ َ‬
‫ل َ‬
‫والمثل الواضح هو الطلق‪ ،‬وهم قد عَابُوا مجيء السلم به؛ وقالوا‪ :‬إن مثل هذا الحل للعلقة‬
‫بين الرجل والمرأة قد يحمل الكثير من القسوة على السرة‪ ،‬لكنهم لجأوا إليه بعد أن عضّتهم‬
‫أحداث الحياة‪ ،‬وهكذا اهتدى العقل البشري إلى حكم كان يناقضه‪.‬‬
‫وكذلك أمر الربا الذي يحاولون الن َوضْع نظام ليتحللوا من الربا كله‪ ،‬ويقولون‪ :‬ل شيء يمنع‬
‫العقل البشري من التوصّل إلى ما يفيد‪.‬‬
‫وهكذا نجد اليات الكونية هي عجائب بكل المقاييس‪ ،‬واليات المصاحبة للرسل هي معجزات‬
‫خَرَقتْ النواميس‪ ،‬وآياتُ القرآن بما فيها من أحكام َتقِي النسان من الداء قبل أن يقع‪ ،‬وتُجبرهم‬
‫معضلت الحياة أن يعودوا إلى أحكام القرآن ليأخذوا بها‪.‬‬
‫وهم يُعرضون عن كل اليات‪ ،‬يُعرضون عن آيات الكون التي إنْ َدقّقوا فيها لَثبتَ لهم وجود إله‬
‫خالق؛ ولخذوا عطاءً من عطاءات ال ليسري تربية وتنمية‪ ،‬وكل الكتشافات الحديثة إنما جاءت‬
‫نتيجةً لملحظاتِ ظاهر ٍة ما في الكون‪.‬‬
‫وسبق أن ضربتُ المثل بالرجل الذي جلس ليطهو في قِدرْ؛ ثم رأى غطاء القِدْر يعلو؛ ففكّر‬
‫وتساءل‪ :‬لماذا يعلو غطاء القدر؟ ولم يُعرِض الرجل عن تأمّل ذلك‪ ،‬واستنباط حقيقة تحوّل الماء‬
‫إلى بخار؛ واستطاع عن طريق ذلك أن يكتشف أن الماء حين يتبخر يتمدد؛ ويحتاج إلى حَيّزٍ اكبر‬
‫من الحَيّز الذي كان فيه قبل التمدد‪.‬‬
‫سمّى‬
‫وكان هذا التأمّل وراء اكتشاف طاقة البخار التي عملتْ بها البواخر والقطارات‪ ،‬وبدأ عصر ُ‬
‫ط ْفوَ طبقٍ على سطح الماء وتأمّل تلك الظاهرة‪ ،‬ووضع قاعدة‬
‫" عصر البخار "‪ .‬وهذا الذي رأى َ‬
‫باسمه‪ ،‬وهي " قاعدة أرشميدس "‪.‬‬
‫وهكذا نجد أن أي إنسان يتأمل الكون بِ ِدقّة سيجد في ظواهره ما يفيد في الدنيا؛ كما استفاد العالم‬
‫من تأملت أرشميدس وغيره؛ ممّنْ قدّموا تأملتهم كملحظات‪ ،‬تتبعها العلماء ليصلوا إلى‬
‫اختراعات تفيد البشرية‪.‬‬
‫وهكذا نرى أن الحق سبحانه ل يضِنّ على الكافر بما يفيد العالم مادام يتأمل ظواهر الكون‪،‬‬
‫ويستنبط منها ما يفيد البشرية‪.‬‬
‫سمَاوَاتِ وَالَ ْرضِ َيمُرّونَ عَلَ ْيهَا‪[ { ...‬يوسف‪]105 :‬‬
‫إذن فقوله تعالى‪َ } :‬وكَأَيّن مّن آ َيةٍ فِي ال ّ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إنْ أردتها وسيلة لليمان بإله؛ فهي تقودك إلى اليمان؛ وإنْ أردتها لفائدة الدنيا فالحقّ لم يبخل‬
‫على كافر بأن يُعطَيه نتيجة ما يبذل من جهد‪.‬‬
‫فكل المطلوب ألّ تمُرّ على آيات ال وأنت مُعرِض عنها؛ بل على النسان أن يُقبِل إقبال الدارس‪،‬‬
‫إما لتنتهي إلى قضية إيمانية تُثرِي حياتك؛ وتعطيك حياة ل نهايةَ لها‪ ،‬وهي حياة الخرة‪ ،‬أو تُسعِد‬
‫حياتك وحياة غيرك‪ ،‬بأن تبتكر أشياء تفيدك‪ ،‬وتفيد البشرية‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه بعد ذلك‪:‬‬
‫} َومَا ُي ْؤمِنُ َأكْثَرُهُمْ بِاللّهِ‪{ ...‬‬

‫(‪)1688 /‬‬
‫َومَا ُي ْؤمِنُ َأكْثَرُ ُهمْ بِاللّهِ إِلّا وَهُمْ مُشْ ِركُونَ (‪)106‬‬

‫وهكذا نرى المصافي التي يمر بها البشر ليصلوا إلى اليمان‪.‬‬
‫صتَ ِب ُم ْؤمِنِينَ }[يوسف‪]103 :‬‬
‫س وََلوْ حَ َر ْ‬
‫المصفى الول‪ :‬قوله تعالى‪َ {:‬ومَآ َأكْثَرُ النّا ِ‬
‫أي‪ :‬أن الكثير من الناس لن َيصِلوا إلى اليمان‪ ،‬حتى ولو حرص الرسول صلى ال عليه وسلم‬
‫أن يكونوا مؤمنين‪.‬‬
‫وقلنا‪ :‬إن مقابل " كثير " قد يكون " قليل " ‪ ،‬وقد يكون " كثير " ‪ ،‬وبعض المؤمنين قد يشوب‬
‫إيمانهم شبهةٌ من الشرك‪ ،‬صحيح أنهم مؤمنون بالله الواحد‪ ،‬ولكن إيمانهم ليس يقينيا‪ ،‬بل إيمان‬
‫متذبذب‪ ،‬ويُشرِكون به غيره‪.‬‬
‫ل وَهُمْ مّشْ ِركُونَ } [يوسف‪]106 :‬‬
‫والمصفى الثاني‪ :‬قوله تعالى‪َ { :‬ومَا ُي ْؤمِنُ َأكْثَرُهُمْ بِاللّهِ ِإ ّ‬
‫ومثال هذا‪ :‬كفار قريش الذين قال فيهم الحق سبحانه‪ {:‬وَلَئِن سَأَلْ َتهُم مّنْ خََل َقهُمْ لَ َيقُولُنّ اللّهُ‪} ...‬‬
‫[الزخرف‪]87 :‬‬
‫ت وَالَ ْرضَ لَ َيقُولُنّ اللّهُ‪[} ...‬لقمان‪]25 :‬‬
‫سمَاوَا ِ‬
‫ويقول فيهم أيضا‪ {:‬وَلَئِن سَأَلْ َت ُهمْ مّنْ خََلقَ ال ّ‬
‫ورغم قولهم هذا إل أنهم جعلوا شفعاء لهم عند ال‪ ،‬وقالوا‪ :‬إن الملئكة بنات ال‪ ،‬وهكذا جعلوا ل‬
‫شركاء‪ .‬ومعهم كل مَنْ ادعى أن ل ابنا من أهل الكتاب‪.‬‬
‫وأيضا مع هؤلء يوجد بعض من المسلمين الذي يخصّون قوما أقوياء بالخضوع لهم خضوعا ل‬
‫يمكن أن يُسمّى في العرف مودة؛ لنه تَقرّب ممتلئ بالذلة؛ لنهم يعتقدون أن لهم تأثيرا في النفع‬
‫والضر؛ وفي هذا لون من الشرك‪.‬‬
‫ويأتي الواحد من هؤلء ليقول ِلمَنْ يتقرب منه‪ :‬أرجو أن تقضي لي المر الفلني‪ .‬ويرد صاحب‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫النفوذ‪ :‬اعتمد على ال‪ ،‬وإن شاء ال سيقضي ال لك حاجتك‪.‬‬
‫لكن صاحب الطلب يتمادى في الذّلة‪ ،‬ليقول‪ :‬وأنا اعتمد عليك أيضا‪ ،‬لتقضي لي هذه الحاجة‪.‬‬
‫أو يرد صاحب النفوذ ويقول‪ :‬أنا سوف افعل لك الشيء الفلني؛ والباقي على ال‪.‬‬
‫وحين أسمع ذلك فأنا أتساءل‪ :‬وماذا عن الذي ليس باقيا‪ ،‬أليس على ال أيضا؟‬
‫حكَما في أشياء تمنّاها أصحابها؛ َف ُقضِيتْ؛ ثم تبين أن فيها شرا‪ ،‬وهناك أشياء تمناها‬
‫وينثر ال ِ‬
‫أصحابها؛ فلم ُتقْضَ؛ ثم تبين أن عدم قضائها كان فيه الخير كل الخير‪.‬‬
‫ن الُمورَ تَجْرِي بِمقَادِيروربما منعك هذا فكرهته‪،‬‬
‫نجد الثر يقول‪:‬وَاطلبُوا الشياءَ بِع ّز ِة النفُسِ فَإِ ّ‬
‫وكان المنع لك خيرا من قضائه لك‪ ،‬فإن المنع عَيْن العطاء‪ ،‬ولذلك فعلى النسان أن يعرف دائما‬
‫أن ال هو الفاعل‪ ،‬وهو المسبب‪ ،‬وأن السبب شيء آخر‪.‬‬
‫ج أو نعتمر نسعى بين الصفا والمروة لنتذكر ما فعلتْه سيدتنا هاجر التي‬
‫ودائما أذكّر بأننا حين نح ّ‬
‫س َعتْ بين الصفا والمروة؛ لتطلب الماء لوليدها بعد استنفدت أسبابها؛ ثم وجدت الماء تحت ِرجْل‬
‫َ‬
‫وليدها إسماعيل‪.‬‬
‫فقد أخذتْ هي بالسباب‪ ،‬فجاء لها رب السباب بما سألت عنه‪ .‬ولم يأت لها الحق سبحانه بالماء‬
‫في جهة الصفا أو المروة؛ ليثبت لها القضية الولى التي سألت عنها إبراهيم عليه السلم حين‬
‫أنزلها في هذا المكان‪.‬‬
‫فقد قالت له‪ :‬ءأنزلتنا هنا برأيك؟ أم أن ال أمرك بهذا؟ قال‪ :‬نعم أمرني رَبّي‪ .‬قالت‪ :‬إذن ل‬
‫يضيعنا‪.‬‬
‫س َعتْ هي بحثا عن الماء أخذا بالسباب‪ ،‬وعثرتْ على الماء بقدرة المسبّب العلى‪.‬‬
‫وقد َ‬
‫ل وَهُمْ مّشْ ِركُونَ { [يوسف‪]106 :‬‬
‫وقول الحق سبحانه‪َ } :‬ومَا ُي ْؤمِنُ َأكْثَرُ ُهمْ بِاللّهِ ِإ ّ‬
‫يتطلب منا أن نعرف كيف يتسرّب الشرك إلى اليمان‪ ،‬ولنا أن نتساءل‪ :‬مادام يوجد اليمان؛ فمن‬
‫أين تأتي لحظة الشرك؟‬
‫خِلصِينَ لَهُ الدّينَ فََلمّا‬
‫عوُاْ اللّهَ مُ ْ‬
‫ويشرح الحق سبحانه لنا ذلك حين يقول‪ {:‬فَِإذَا َركِبُواْ فِي ا ْلفُ ْلكِ دَ َ‬
‫س ْوفَ يَعَلمُونَ }[العنكبوت‪-65 :‬‬
‫نَجّا ُهمْ إِلَى الْبَرّ ِإذَا ُهمْ يُشْ ِركُونَ * لِ َي ْكفُرُواْ ِبمَآ آتَيْنَاهُمْ وَلِيَ َتمَ ّتعُواْ فَ َ‬
‫‪]66‬‬
‫هم إذن قد آمنوا وهم في الفُلْك‪ ،‬وأخذوا يدعُون ال حين واجهتهم أزمة في البحر؛ لكنهم ما أن‬
‫وصلوا إلى الشاطئ حتى ظهر بينهم الشرك‪.‬‬
‫حين يسألهم السائل‪ :‬ماذا حدث؟‬
‫سوْا أن ال هو الذي أنقذهم‬
‫فيجيبون‪ :‬أنهم كانوا قد أخذوا حذرهم‪ ،‬واستعدوا بقوارب النجاة‪ .‬ونَ َ‬
‫جعَلُواْ للّهِ أَندَادا لّ ُيضِلّواْ عَن سَبِيلِهِ ُقلْ َتمَ ّتعُواْ فَإِنّ َمصِي َركُمْ‬
‫فانطبق عليهم قول الحق سبحانه‪ {:‬وَ َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إِلَى النّارِ }[إبراهيم‪]30 :‬‬
‫سهّل لك ال قضاء تلك الحاجة؛‬
‫وفي حياتنا اليومية قد تذهب لتقضي حاجة لنسان؛ وبعد أن يُ َ‬
‫تلتفت فل تجده‪ ،‬ول يفكر في أن يُوجّه لك كلمة الشكر‪.‬‬
‫وحين تلقاه يقول لك‪ :‬كل ما طلبته منك وجدته مقضيا‪ ،‬لقد كّل ْمتُ فلنا فقضاها‪.‬‬
‫وهو يقول لك ذلك ليُبعد عنك ما أسبغه ال عليك من فضل قضائك لحاجته؛ وذلك لنه لحظة أن‬
‫طلب منك مساعدته في قضاء تلك الحاجة تذلّل وخضع‪ ،‬وبعد أن تنقضي يتصرف كفرعون‬
‫ويتناسى‪.‬‬
‫ول ينزعه من فرعنته إل رؤياك؛ لنه يعلم أنك صاحب جميل عليه‪ ،‬بل قد يريد بك الشر؛ رغم‬
‫أنك أنت مَنْ أحسنتَ إليه‪ ،‬لماذا؟ لن هذه هي طبيعة النسان‪.‬‬
‫طغَىا * أَن رّآهُ اسْ َتغْنَىا }[العلق‪]7-6 :‬‬
‫ن الِنسَانَ لَ َي ْ‬
‫يقول تعالى‪ {:‬كَلّ إِ ّ‬
‫ولذلك يقول في المثل‪ " :‬اتّقِ شَرّ من أحسنت إليه "‪.‬‬
‫وأنت تتقي شره‪ ،‬بأن تحذر أن تمُنّ عليه بالحسان؛ كي ل تنمي فيه غريزة الكره لك‪.‬‬
‫والناصح يحتسب أيّ مساعدة منه لغيره عند ال؛ فيأخذ جزاءه من خالقه لحظة أداء فعل الخير‪،‬‬
‫ول ينتظر شيئا ممّنْ فعل الخير له؛ لنك ل تعلم ماذا فكّر لحظة أن أدّ ْيتَ له الخدمة‪ ،‬فحين يجد‬
‫ترحيبَ الناس بك في الجهة التي تُؤدّي له الخدمة فيها؛ قد يتساءل‪ :‬لماذا يحترمونك أكثر منه؟‬
‫وهو يسأل هذا السؤال لنفسه على الرغم من أنك مُتواجِد معه في هذا المكان لتخدمه‪.‬‬
‫ولذلك يقول العامة هذا المثل‪ " :‬اعمل الخير وارْمه في البحر "؛ لن ال هو الذي يجازيك وليس‬
‫ت معروفا لحد‪.‬‬
‫البشر؛ فاجعل كل عملك مُوجّها ل‪ ،‬وانْسَ أنك فع ْل َ‬
‫والمعروف المنكُور هو أجْدى أنواع المعروف عليك؛ لن الذي يُجازِي عليه هو ال؛ وهو سبحانه‬
‫مَنْ سيناولك أجره وثوابه بيده؛ ولذلك عليك أن تنسى مَنْ أحسنتَ إليه؛ كي يُعوّضك ال بالخير‬
‫على ما فعلت‪.‬‬
‫ويُقال في الثر‪ :‬إن موسى عليه السلم قال‪ :‬يا ربّ‪ ،‬إني أسألك ألّ يُقال فيّ ما ليس فيّ‪ .‬فأوضح‬
‫له ال‪ :‬يا موسى لم أصنعها لنفسي؛ فكيف أصنعها لك‪.‬‬
‫ن ضُرّ‬
‫ويعرض الحق سبحانه هذه المسألة في القرآن بشكل آخر فيقول سبحانه‪ {:‬وَإِذَا مَسّ الِنسَا َ‬
‫ضلّ‬
‫ج َعلَ لِلّهِ أَندَادا لّ ُي ِ‬
‫ل وَ َ‬
‫سيَ مَا كَانَ َيدْعُو ِإلَيْهِ مِن قَ ْب ُ‬
‫خوّلَهُ ِن ْعمَةً مّنْهُ نَ ِ‬
‫دَعَا رَبّهُ مُنِيبا إِلَيْهِ ُثمّ ِإذَا َ‬
‫صحَابِ النّارِ }[الزمر‪]8 :‬‬
‫عَن سَبِيِلهِ ُقلْ َتمَتّعْ ِب ُكفْرِكَ قَلِيلً إِ ّنكَ مِنْ َأ ْ‬
‫والنسان لحظةَ أن يمسّه الضّر؛ فهو يدعو الربوبية المتكفّلة بمصالحه‪ :‬يا ربّ أنت الذي خلقتني‪،‬‬
‫وأنت المتكفّل بتربيتي؛ وأنا أتوكل عليك في مصالحي‪ ،‬فأنقذني ممّا أنا فيه‪.‬‬
‫ومثل هذا النسان كمثل الرّبان الذي ينقذه ال بأعجوبة من العاصفة؛ لكنه بعد النجاة يحاول أن‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ينسب نجاة السفينة من الغرق لنفسه‪.‬‬
‫سوْا المُنعِم المُسبّب في كل شيء‪ ،‬وإياكم أن ُتفْتنوا‬
‫ولذلك أقول دائما‪ :‬احذروا أيها المؤمنون أن تن َ‬
‫بالسباب؛ فتغفلوا عن المُسبّب؛ وهو سبحانه ُمعْطي السباب‪.‬‬
‫وأقول ذلك حتى ل تقعوا في ظلم أنفسكم بالشرك بال؛ فسبحانه القائل‪ {:‬الّذِينَ آمَنُو ْا وَلَمْ َيلْبِسُواْ‬
‫ن وَهُمْ ّمهْتَدُونَ }[النعام‪]82 :‬‬
‫لمْ ُ‬
‫إِيمَا َنهُمْ ِبظُلْمٍ ُأوْلَـا ِئكَ َلهُ ُم ا َ‬
‫والظلم ـ كما نعلم ـ هو أن تُعطِي الحق لغيره صاحبه؛ فكيف يَجْرؤ أحد على أن يتجاهل َفضْل‬
‫ال عليه؟ فيقع في الشرك الخفي‪ ،‬والظلم الكبر هو الشرك‪.‬‬
‫عظِيمٌ }[لقمان‪]13 :‬‬
‫وسبحانه القائل‪... {:‬إِنّ الشّ ْركَ َلظُلْمٌ َ‬
‫ويقول الحق سبحانه بعد ذلك‪:‬‬
‫} َأفََأمِنُواْ أَن تَأْتِ َي ُهمْ غَاشِيَةٌ‪{ ...‬‬

‫(‪)1689 /‬‬
‫شعُرُونَ (‪)107‬‬
‫َأفََأمِنُوا أَنْ تَأْتِ َيهُمْ غَاشِ َيةٌ مِنْ عَذَابِ اللّهِ َأوْ تَأْتِ َيهُمُ السّاعَةُ َبغْ َت ًة وَهُمْ لَا َي ْ‬

‫ألم يحسب هؤلء حساب انتقام ال منهم بعذاب الدنيا الذي َيعُمّ؛ لن الغاشية هي العقاب الذي َيعُمّ‬
‫ويُغطّي الجميع؛ أم أنهم استبطئوا الموت‪ ،‬واستبطئوا القيامة وعذابها؛ رغم أن الموت مُعلّق على‬
‫رقاب الجميع‪ ،‬ول أحد يعلم ميعاد موته‪.‬‬
‫فالرسول صلى ال عليه وسلم يقول‪ " :‬من مات قامت قيامته "‪.‬‬
‫فما الذي يُبطئهم عن اليمان بال والخلص التوحيدي ل‪ ،‬بدون أنْ يمسّهم شرك؛ قبل أن تقوم‬
‫قيامتهم بغتةً؛ أي‪ :‬بدون جرس تمهيدي‪.‬‬
‫ن سبقونا إلى الموت ل يطول عليهم الحساس بالزمن إلى أن تقومَ قيامة ُكلّ الخَلْق؛‬
‫ونعلم أن مَ ْ‬
‫لن الزمن ل يطول إل على مُتتبع أحداثه‪.‬‬
‫والنائم مثلً ل يعرف َكمْ ساعةً قد نام؛ لن وَعْيَه مفقود فل يعرف الزمن‪ ،‬والذي يوضح لنا أن‬
‫عشِيّةً َأوْ‬
‫الذين سبقونا ل يشعرون بمرور الزمن هو قوله الحق‪ {:‬كَأَ ّنهُمْ َيوْمَ يَ َروْ َنهَا لَمْ َيلْبَثُواْ ِإلّ َ‬
‫ضُحَاهَا }[النازعات‪]46 :‬‬
‫ويأتي قول الحق سبحانه من بعد ذلك‪:‬‬
‫{ ُقلْ هَـا ِذهِ سَبِيلِي أَدْعُو‪} ...‬‬

‫(‪)1690 /‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ُقلْ هَ ِذهِ سَبِيلِي َأدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى َبصِي َرةٍ أَنَا َومَنِ اتّ َبعَنِي وَسُبْحَانَ اللّ ِه َومَا أَنَا مِنَ ا ْلمُشْ ِركِينَ (‬
‫‪)108‬‬

‫أي‪ :‬قل يا محمد هذا هو منهجي‪ .‬والسبيل كما نعلم هو الطريق‪ ،‬وقوله الحق‪ { :‬هَـا ِذهِ سَبِيلِي‪} ...‬‬
‫[يوسف‪]108 :‬‬
‫يدل على أن كلمة السبيل تأتي مرة مُؤنّثة‪ ،‬كما في هذه الية‪ ،‬وتأتي مرة مُذكّرة؛ كما في قوله‬
‫ل وَإِن يَ َروْاْ سَبِيلَ ا ْل َغيّ يَتّخِذُوهُ سَبِيلً‪[} ...‬العراف‪:‬‬
‫الحق‪ {:‬وَإِن يَ َروْاْ سَبِيلَ الرّشْ ِد لَ يَتّخِذُوهُ سَبِي ً‬
‫‪]146‬‬
‫وأعْلِنْ يا محمد أن هذه الدعوة التي جِ ْئتَ بها هي لليمان بال الواحد؛ وسبحانه ل ينتفع بالمنهج‬
‫الذي نزل عليك لِيُطبّقه العباد‪ ،‬بل فيه صلح حياتهم‪ ،‬وسبحانه هو ال؛ فهو الول قبل كل شيء‬
‫بل بداية‪ ،‬والباقي بعد كل موجود بل نهاية؛ ومع خَلْق الخَلْق الذين آمنوا هو ال؛ وإن كفروا‬
‫جميعا هو ال‪ ،‬والمسألة التكليفية بالمنهج عائدة إليكم أنتم‪ ،‬فمَنْ شاء فَلْيؤمن‪ ،‬ومَنْ شاء فَلْيكفر‪.‬‬
‫ح ّقتْ }[النشقاق‪]2-1 :‬‬
‫ش ّقتْ * وَأَذِ َنتْ لِرَ ّبهَا وَ ُ‬
‫سمَآءُ ان َ‬
‫ولنقرأ قول الحق‪ِ {:‬إذَا ال ّ‬
‫فهي تنشقّ َفوْرَ سماعها لمر ال‪ ،‬وتأتي لحظة الحساب‪.‬‬
‫وقوله الحق‪ُ { :‬قلْ هَـا ِذهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَىا اللّهِ عَلَىا َبصِي َرةٍ‪[ } ...‬يوسف‪]108 :‬‬
‫أي‪ :‬أدعو بالطريق المُوصّل إلى ال إيمانا به وتَقبّلً لمنهجه‪ ،‬وطلبا لما عنده من جزاء الخرة؛‬
‫وأنا على بصيرة مما أدعو إليه‪.‬‬
‫والبصر ـ كما نعلم ـ للمُحسّات‪ ،‬والبصيرة للمعنويات‪.‬‬
‫والبصر الحسيّ ل يُؤدّي نفس عمل البصيرة؛ لن البصيرة هي يقينٌ مصحوب بنور يُقنِع النفس‬
‫ن المور الظاهرة مُلجئة إلى القناع‪.‬‬
‫البشرية‪ ،‬وإنْ لم َتكُ ْ‬
‫ستْ هي هذا المر بعقلها‬
‫ومثال هذا‪ :‬أم موسى حين أوحى ال لها أن تقذف ابنها في اليَمّ‪ ،‬ولو قا َ‬
‫لما قَبِلَتْه‪ ،‬لكنها بالبصيرة قَبِلَتْه؛ لنه وارد من ال ل مُعانِدَ له من النفس البشرية‪.‬‬
‫فالبصيرة إذن‪ :‬هي يقين ونور مبني على برهان من القلب؛ فيطيعه العبد طاعة بتفويض‪ ،‬ويُقال‪:‬‬
‫إن اليمان طاعة بصيرة‪.‬‬
‫ويمكن أن نقرأ قوله الحق‪ُ { :‬قلْ هَـا ِذهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَىا اللّهِ عَلَىا َبصِي َرةٍ‪[ } ...‬يوسف‪]108 :‬‬
‫وهنا جملة كاملة؛ ونقرأ بعدها‪ { :‬أَنَ ْا َومَنِ اتّ َبعَنِي‪[ } ...‬يوسف‪]108 :‬‬
‫أو نقرأها كاملة‪ُ { :‬قلْ هَـا ِذهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَىا اللّهِ عَلَىا َبصِي َرةٍ أَنَ ْا َومَنِ اتّ َبعَنِي وَسُبْحَانَ اللّ ِه َومَآ‬
‫أَنَاْ مِنَ ا ْلمُشْ ِركِينَ } [يوسف‪]108 :‬‬
‫وقول الحق‪ { :‬وَسُبْحَانَ اللّهِ‪[ } ...‬يوسف‪]108 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أي‪ :‬أنه سبحانه مُنزّه تنزيها مطلقا في الذات‪ ،‬فل ذاتَ تُشبِهه؛ فذاته ليست محصورة في القالب‬
‫المادي مثلك‪ ،‬والمنفوخة فيه الروح‪ ،‬وسبحانه مُنزّه تنزيها مُطْلقا في الفعال‪ ،‬فل فعلَ يشبه فِعله؛‬
‫خذْ ذلك في نطاق‪ {:‬لَيْسَ‬
‫وكذلك صفاته ليست كصفات البشر‪ ،‬فحين تعلم أن ال يسمع ويرى‪ ،‬ف ُ‬
‫شيْءٌ‪[} ...‬الشورى‪]11 :‬‬
‫َكمِثْلِهِ َ‬
‫وكذلك وجوده سبحانه ليس كوجودك؛ لن وجوده وجود واجد أزليّ‪ ،‬وأنت حَ َدثٌ طارئ على‬
‫الكون الذي خلقه سبحانه‪.‬‬
‫ولذلك قاس بعض الناس رحلة السراء والمعراج على قدرة رسول ال صلى ال عليه وسلم؛ ولم‬
‫ينتبهوا إلى أن رسول ال صلى ال عليه وسلم قال‪ " :‬لقد أُسري بي "‪.‬‬
‫ل ْقصَى‬
‫سجِ ِد ا َ‬
‫سجِدِ الْحَرَامِ إِلَىا ا ْلمَ ْ‬
‫ونزل قول الحق سبحانه‪ {:‬سُبْحَانَ الّذِي َأسْرَىا ِبعَبْ ِدهِ لَيْلً مّنَ ا ْلمَ ْ‬
‫سمِيعُ ال َبصِيرُ }[السراء‪]1 :‬‬
‫حوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ إِنّهُ ُهوَ ال ّ‬
‫الّذِي بَا َركْنَا َ‬
‫وهكذا تعلم أن الفعل لم يكن بقوة محمد صلى ال عليه وسلم؛ ولكن بقوة من خلق الكون كله‪،‬‬
‫القادر على كل شيء‪ ،‬والذي ل يمكن لمؤمن حق أن يشرك به‪ ،‬أمام هذا البرهان‪ .‬ويقول الحق‬
‫سبحانه من بعد ذلك‪:‬‬
‫{ َومَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبِْلكَ ِإلّ ِرجَالً‪} ...‬‬

‫(‪)1691 /‬‬
‫َومَا أَ ْرسَلْنَا مِنْ قَبِْلكَ إِلّا ِرجَالًا نُوحِي إِلَ ْيهِمْ مِنْ أَ ْهلِ ا ْلقُرَى َأفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَ ْرضِ فَيَ ْنظُرُوا كَ ْيفَ‬
‫كَانَ عَاقِبَةُ الّذِينَ مِنْ قَبِْلهِ ْم وَلَدَارُ الْآَخِ َرةِ خَيْرٌ لِلّذِينَ ا ّت َقوْا َأفَلَا َتعْقِلُونَ (‪)109‬‬

‫وينتقل الحق سبحانه هنا إلى الرسل الذين سبقوا محمدا صلى ال عليه وسلم؛ فالحق سبحانه‬
‫يقول‪َ {:‬ومَا مَنَعَ النّاسَ أَن ُي ْؤمِنُواْ ِإذْ جَآءَهُمُ ا ْلهُدَىا ِإلّ أَن قَالُواْ أَ َب َعثَ اللّهُ َبشَرا رّسُولً }[السراء‪:‬‬
‫‪]94‬‬
‫أي‪ :‬أنهم كانوا يطلبون رسولً من غير البشر‪ ،‬وتلك مسألة لم تحدث من قبل‪ ،‬ولو كانت قد حدثتْ‬
‫من قَبْل؛ لقالوا‪ " :‬ولماذا فعلها ال مع غيرنا؟ "‪.‬‬
‫ولذلك أراد سبحانه أن يَ ُردّ لهم عقولهم؛ فقال تعالى‪ {:‬قُل َلوْ كَانَ فِي الَرْضِ مَل ِئكَةٌ َيمْشُونَ‬
‫سمَآءِ مَلَكا رّسُولً }[السراء‪]95 :‬‬
‫طمَئِنّينَ لَنَزّلْنَا عَلَ ْيهِم مّنَ ال ّ‬
‫مُ ْ‬
‫والملئكة بطبيعتها ل تستطيع أن تحيا على الرض‪ ،‬كما أنها ل تصلح لنْ تكون ُقدْوة أو ُأسْوة‬
‫سلوكية للبشر‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فالحق سبحانه يقول عن الملئكة‪... {:‬لّ َي ْعصُونَ اللّهَ مَآ َأمَرَهُ ْم وَ َي ْفعَلُونَ مَا ُي ْؤمَرُونَ }[التحريم‪:‬‬
‫‪]6‬‬
‫حسّ من البشر؛ ولو‬
‫والملك ل يصلح أن يكون أُسْوة للنسان؛ لن المَلَك مخلوق غيبيّ غير مُ َ‬
‫أراده ال رسولً لَجسّده بشرا؛ ولو جعله بشرا لبقيتْ الشبهةُ قائم ًة كما هي‪.‬‬
‫أو‪ :‬أن الية جاءت لِتسُدّ على الناس ذرائع انفتحت بعد ذلك على الناس في حروب الرّدة حين‬
‫عتْ سجاح أنها نبية مُرْسَلة‪.‬‬
‫ادّ َ‬
‫لذلك جاء الحق سبحانه من البداية بالقول‪َ { :‬ومَآ أَ ْرسَلْنَا مِن قَبِْلكَ ِإلّ رِجَالً نّوحِي إِلَ ْيهِمْ مّنْ أَ ْهلِ‬
‫ا ْلقُرَىا‪[ } ...‬يوسف‪]109 :‬‬
‫ليوضح لنا أن المرأة ل تكون رسولً منه سبحانه؛ لن مهمة الرسول أن يلتحم بالعالم التحامَ‬
‫بلغٍ‪ ،‬والمرأة مطلوب منها أن تكون سكنا‪.‬‬
‫ي في أي وقت من الوقات؛ والمرأة يسقط‬
‫كما أن الرسول يُفترض فيه ألّ يسقط عنه تكليف تعبد ّ‬
‫عنها التكليف التعبدي أثناء الطمث‪ ،‬ومهمة الرسول تقتضي أن يكون ُمسْتوفي الداء التكليفي في‬
‫ي وقتٍ‪.‬‬
‫أ ّ‬
‫ثم كيف يطلبون ذلك ولَمْ تَ ْأتِ في مهام الرسل من قبل ذلك إل رجالً‪ ،‬ولم يسأل الحق أيّا منهم‪،‬‬
‫ي واحد من الرسل السابقين ليتولى مهمته؛ بل تلقّى التكليف من ال دون اختيار‬
‫ولم يستأذن من أ ّ‬
‫منه‪ ،‬ويتلقى ما يؤمر أن يبلغه للناس‪ ،‬ويكون المر بواسطة الوحي‪.‬‬
‫والوحي كما نعلم إعلم بخفاء‪ ،‬ول ينصرف على إطلقه إل للبلغ عن ال‪ .‬ولم يوجد رسول‬
‫مُفوّض ليبلغ ما يحب أو يُشرّع؛ لكن كل رسول مُكلّف بأن ينقل ما يُبَلغ به‪ ،‬إل محمد صلى ال‬
‫خذُوهُ‬
‫عليه وسلم‪ ،‬فقد فوّضه الحق سبحانه في أن يُشرّع‪ ،‬ونزل في القرآن‪ {:‬مَآ آتَا ُكمُ الرّسُولُ فَ ُ‬
‫َومَا َنهَاكُمْ عَنْهُ فَان َتهُواْ‪[} ...‬الحشر‪]7 :‬‬
‫ويقول الحق سبحانه عن هؤلء الرسل السابقين أنهم‪ { :‬مّنْ أَ ْهلِ ا ْلقُرَىا‪[ } ...‬يوسف‪]109 :‬‬
‫والقرية كانت تأخذ نفس مكانة المدينة في عالمنا المعاصر‪ .‬وأنت حين تزور أهل المدينة تجد‬
‫عندهم الخير عكس أهل البادية‪ ،‬فالبدويّ من هؤلء قد ل يجد ما يُقدّمه لك‪ ،‬فقد يكون ضرع‬
‫جفّ؛ أو ل يجد ما يذبحه لك من الغنام‪.‬‬
‫الماشية قد َ‬
‫والفارق بين أهل القرية وأهل البادية أن أهل القرية لهم توطّن؛ ويملكون قدرة التعايش مع الغير‪،‬‬
‫وترتبط مصالحهم ببعضهم البعض‪ ،‬وت ِرقّ حاشية كل منهم للخر‪ ،‬وتتسع مداركهم بمعارف‬
‫متعددة‪ ،‬وليس فيهم غِلْظة أهل البادية‪.‬‬
‫فالبدويّ من هؤلء ل يملك إل الرّحْل على ظهر جَمله؛ ويطلب مساقط المياه‪ ،‬وأماكن الكل لما‬
‫يرعاه من أغنام‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ب تناولٍ وتعاملٍ؛ ولذلك لم يَ ْأتِ رسول من البدو كي ل‬
‫وهكذا تكون في أهل القرى ِرقّة وعِلْم وأد ُ‬
‫تكون معلوماته قاصرة‪ ،‬ويكون جافا‪ ،‬به غِلْظة ق ْولٍ وسلوك‪.‬‬
‫والرسول يُفترض فيه أن يستقبل كل مَنْ يلتقي به بالرّفق واللّين وحُسْن المعاشرة؛ لذلك يكون من‬
‫أهل القرى غالبا؛ لنهم ليسوا قُسَاة؛ وليسوا على جهل بأمور التعايش الجتماعي‪.‬‬
‫ويتابع الحق سبحانه‪َ } :‬أفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَ ْيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الّذِينَ مِن قَبِْلهِمْ‪...‬‬
‫{ [يوسف‪]109 :‬‬
‫أي‪ :‬أنهم إنْ كانوا غير مؤمنين بآخرة يعودون إليها؛ ول يعلمون متى يعودون؛ فليأخذوا الدنيا‬
‫ِمقْياسا؛ وَلْينظروا في ُرقْعة الرض؛ وينظروا ماذا حدث للمُكذّبين بالرسل‪ ،‬إنهم سيجدون أن‬
‫الهلك والعذاب قد حاقا بكل مُكذّب‪.‬‬
‫ولو أنهم ساروا في الرض ونظروا نظرة اعتبار‪ ،‬لرأوا قُرَى مَنْ نحتوا بيوتهم في الجبال وقد‬
‫سوْط العذاب على قوم عاد وآل فرعون‪ ،‬فإن‬
‫صبّ َ‬
‫عصف بها الحق سبحانه‪ ،‬ولَرأوْا أن الحق قد َ‬
‫خفْ من الخرة؛ فعليك بالخوف من عذاب الدنيا‪.‬‬
‫لم َت َ‬
‫وقول الحق سبحانه‪َ } :‬أفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَ ْيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الّذِينَ مِن قَبِْلهِمْ‪...‬‬
‫{ [يوسف‪]109 :‬‬
‫وهذا القول هو من لَفتاتِ الكونيات في القرآن‪ ،‬فقديما كنا ل نعرف أن هناك غلفا جويا يحيط‬
‫بالرض‪ ،‬ولم َنكُنْ نعرف أن هذا الغلف الجوي به الكسوجين الذي نحتاجه للتنفس‪.‬‬
‫ولم َنكُنْ نعرف أن هذا الغلف الجوي من ضمن تمام الرض‪ ،‬وأنك حين تسير على اليابسة‪،‬‬
‫فالغلف الجوي يكون فوقك؛ وبذلك فأنت تسير في الرض؛ لن ما فوقك من غلف جوي هو‬
‫من مُلْحقات الرض‪.‬‬
‫والسَيْر في الرض هو للسياحة فيها‪ ،‬والسياحة في الرض نوعان‪ :‬سياحة اعتبار‪ ،‬وسياحة‬
‫استثمار‪.‬‬
‫ويُعبّر الحق سبحانه عن سياحة العتبار بقوله‪َ {:‬أوَلَمْ يَسيرُواْ فِي الَ ْرضِ فَيَنظُرُواْ كَ ْيفَ كَانَ عَاقِ َبةُ‬
‫الّذِينَ مِن قَبِْل ِهمْ‪[} ...‬الروم‪]9 :‬‬
‫ويعبر سبحانه عن سياحة الستثمار بقوله‪ُ {:‬قلْ سِيرُواْ فِي الَ ْرضِ فَانظُرُواْ كَ ْيفَ َبدَأَ ا ْلخَلْقَ ثُمّ اللّهُ‬
‫يُنشِىءُ النّشَْأةَ الخِ َرةَ‪[} ...‬العنكبوت‪]20 :‬‬
‫إذن‪ :‬فالسياحة العتبار هي التي تَلْفتك لقدرة ال سبحانه‪ ،‬وسياحة الستثمار هي من عمارة‬
‫جدْ فِي الَ ْرضِ مُرَاغَما كَثِيرا‬
‫الرض‪ ،‬يقول الحق سبحانه‪َ {:‬ومَن ُيهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَ ِ‬
‫سعَةً‪[} ...‬النساء‪]100 :‬‬
‫وَ َ‬
‫وأنت ُمكّلف بهذه المهمة‪ ،‬بل إن ضاق عليك مكان في الرض فابحث عن مكان آخر‪ ،‬بحسب‬
‫سعَةً فَ ُتهَاجِرُواْ فِيهَا‪} ...‬‬
‫قول الحق سبحانه‪ {:‬أََلمْ َتكُنْ أَ ْرضُ اللّهِ وَا ِ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫[النساء‪]97 :‬‬
‫ط ألّ يُلهِيك الستثمار عن العتبار‪.‬‬
‫ولك أن تستثمر كما تريد‪ ،‬شر َ‬
‫ويتابع الحق سبحانه‪ } :‬كَ ْيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الّذِينَ مِن قَبِْلهِمْ‪[ { ...‬يوسف‪]109 :‬‬
‫ويا لَ ْيتَ المر قد اقتصر على النكال الذي حدث لهم في الدنيا؛ بل هناك َنكَالٌ أش ّد وَطْأة في‬
‫انتظارهم في الخرة‪.‬‬
‫يقول الحق سبحانه‪...} :‬وَلَدَارُ الخِ َرةِ خَيْرٌ لّلّذِينَ ا ّتقَواْ َأفَلَ َت ْعقِلُونَ { [يوسف‪]109 :‬‬
‫وحديث الحق سبحانه عن مصير الذين َكذّبوا؛ يَظهر لنا كمقابل لما ينتظر المؤمنين‪ ،‬ولم تذكر‬
‫الية مصير هؤلء المُكذّبين بالتعبير المباشر‪ ،‬ويُسمّون ذلك في اللغة بالحتباك‪.‬‬
‫صهَا مِنْ أَطْرَا ِفهَا‪[} ...‬الرعد‪ ]41 :‬وكل يوم‬
‫مثل ذلك قوله الحق‪َ {:‬أوَلَمْ يَ َروْاْ أَنّا نَأْتِي الَ ْرضَ نَنقُ ُ‬
‫تنقص أرض الكفر‪ ،‬وتزيد رقعة اليمان‪.‬‬
‫وهكذا يأتي العقاب من جانب ال‪ ،‬ونأخذ المقابل له في الدنيا؛ ومرة يأتي بالثواب المقيم للمؤمنين‪،‬‬
‫ونأخذ المقابل في الخرة‪.‬‬
‫ولقائل أن يقول‪ :‬ولماذا لم َي ُقلِ الحق سبحانه أنه سوف يأتي لهم بما هو أشد شرا من عذاب الدنيا‬
‫في اليوم الخر؟‬
‫وأقول‪ :‬إن السياق العقلي السطحي الذي ليس من ال؛ هو الذي يمكن أن يُذكّرهم بأن عذاب‬
‫الخرة هو أشدّ شرا من عذاب الدنيا‪.‬‬
‫ولكن الحق سبحانه ل يقول ذلك؛ بل عَدل عن هذا إلى المقابل في المؤمنين؛ فقال‪...} :‬وَلَدَارُ‬
‫الخِ َرةِ خَيْرٌ لّلّذِينَ ا ّتقَواْ َأفَلَ َت ْعقِلُونَ { [يوسف‪]109 :‬‬
‫فإذا جاء في الدنيا بالعذاب للكافرين؛ ثم جاء في الخرة بالثواب لِلمُتقين؛ أخذ من هذا المقابل أن‬
‫غير المؤمنين سيكون لهم حسابٌ عسير‪ ،‬وقد حذف من هنا ما يدل عليه هناك؛ كي نعرف كيف‬
‫يُحْبَك النظم القرآني‪.‬‬
‫ويقول سبحانه من بعد ذلك‪:‬‬
‫سلُ‪{ ...‬‬
‫} حَتّىا إِذَا اسْتَيْأَسَ الرّ ُ‬

‫(‪)1692 /‬‬
‫جيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدّ بَأْسُنَا عَنِ‬
‫ل وَظَنّوا أَ ّنهُمْ َقدْ كُذِبُوا جَاءَ ُهمْ َنصْرُنَا فَنُ ّ‬
‫سُ‬
‫حَتّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرّ ُ‬
‫ا ْل َقوْمِ ا ْلمُجْ ِرمِينَ (‪)110‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وكلمة‪ { :‬حَتّىا } [يوسف‪]110 :‬‬
‫تدل على أن هناك غاية‪ ،‬ومادامتْ هناك غاية فلبُدّ أن بداية ما قد سبقتْها‪ ،‬ونقول‪ " :‬أكلتُ السمكة‬
‫حتى رأسها "‪ .‬أي‪ :‬أن البداية كانت َأكْل السمكة‪ ،‬والنهاية هي رأسها‪.‬‬
‫سلُ‪[ } ...‬يوسف‪]110 :‬‬
‫والبداية التي تسبق‪ { :‬اسْتَيَْأسَ الرّ ُ‬
‫هي قوله الحق‪َ {:‬ومَآ أَ ْرسَلْنَا مِن قَبِْلكَ ِإلّ رِجَالً نّوحِي إِلَ ْيهِمْ‪[} ...‬يوسف‪]109 :‬‬
‫ضمِنوا النصر‪ ،‬ولكن النصر أبطأ؛ فاستيأس الرسل‪ ،‬وكان‬
‫ومادام الحقّ سبحانه قد أرسلهم؛ فهم قد َ‬
‫هذا البطاء مقصودا من الحق سبحانه؛ لنه يريد أن يُحمّل المؤمنين مهمة هداية حركة الحياة في‬
‫الرض إلى أن تقوم الساعة‪ ،‬فيجب أل يضطلع بها إل المُخْتَبر اختبارا دقيقا‪.‬‬
‫ولبُدّ أن يمر الرسول ـ الُسْوة لمَنْ معه ـ ومن يتبعه من بعد بمحن كثيرة‪ ،‬ومَنْ صبر على‬
‫المِحَن وخرج منها ناجحا؛ فهو َأ ْهلٌ لن يحمل المهمة‪.‬‬
‫خَلوْاْ مِن قَبِْلكُم مّسّ ْتهُمُ‬
‫وهو الحق سبحانه القائل‪ {:‬أَمْ حَسِبْ ُتمْ أَن َتدْخُلُواْ ا ْلجَنّ َة وََلمّا يَأْ ِتكُم مّ َثلُ الّذِينَ َ‬
‫الْبَأْسَآ ُء وَالضّرّآ ُء وَزُلْزِلُواْ حَتّىا َيقُولَ الرّسُولُ وَالّذِينَ آمَنُواْ َمعَهُ مَتَىا َنصْرُ اللّهِ‪[} ...‬البقرة‪:‬‬
‫‪]214‬‬
‫إذن‪ :‬لبُدّ من اختبار يُمحّص‪ .‬ونحن في حركة حياتنا نُؤهّل التلميذ دراسيا؛ ليتقدم إلى شهادة إتمام‬
‫الدراسة البتدائية‪ ،‬ثم نُؤهّله لِنَيْل شهادة إتمام الدراسة العدادية؛ ثم نؤهله لنيل شهادة إتمام‬
‫الدراسة الثانوية‪ ،‬ثم يلتحق بالجامعة‪ ،‬ويتم اختباره سنويا إلى أن يتخرج من الجامعة‪.‬‬
‫جهْد‪.‬‬
‫وإنْ أراد استكمال دراسته لنيل الماجستير والدكتوراه‪ ،‬فهو يبذل المزيد من ال َ‬
‫وكل تلك الرحلة من أجل أن يذهب لتوليّ مسئولية العمل الذي يُسند إليه وهو جدير بها‪ ،‬فما بَالُنا‬
‫بعملية َبعْث رسول إلى قوم ما؟‬
‫لبُدّ إذن من تمحيصه هو ومَنْ يتبعونه‪ ،‬وكي ل يبقى على العهد إل المُوقِن تمام اليقين بأن ما‬
‫يفوته من خير الدنيا؛ سيجد خيرا افضل منه عند ال في الخرة‪.‬‬
‫ولقائل أن يقول‪ :‬وهل من المعقول أن يستيئس الرسل؟‬
‫ل معنى " استيأس "؛ وهناك فرق بين " يأس " و " استيأس " ‪ ،‬فـ " يأس " تعني‬
‫نقول‪ :‬فَلنفهم أو ً‬
‫قطع المل من شيء‪ .‬و " استيأس " تعني‪ :‬أنه يُلِحّ على قَطع المل‪.‬‬
‫أي‪ :‬أن المل لم ينقطع بعد‪ .‬ومَنْ قطع المل هو مَنْ ليس له منفذ إلى الرجاء‪ ،‬ول ينقطع أمل‬
‫إنسان إل إنْ كان مؤمنا بأسبابه المعزولة عن مُسبّبه العلى‪.‬‬
‫صلْ به إلى نتيجة‪ ،‬فالمؤمن بال‬
‫لكن إذا كان ال قد أعطى له السباب‪ ،‬ثم انتهت السباب‪ ،‬ولم َت ِ‬
‫هو مَنْ يقول‪ :‬أنا ل تُهمّني السباب؛ لن معي المُسبّب‪.‬‬
‫ولذلك يقول الحق سبحانه‪... {:‬وَلَ تَيْأَسُواْ مِن ّروْحِ اللّهِ إِنّهُ لَ يَيْأَسُ مِن ّروْحِ اللّهِ ِإلّ ا ْل َقوْمُ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ا ْلكَافِرُونَ }‬
‫[يوسف‪]87 :‬‬
‫ولذلك نجد أن أعلى نسبة انتحار إنما تُوجَد بين الملحدة الكافرين؛ لنهم ل يملكون رصيدا‬
‫إيمانيا‪ ،‬يجعلهم يؤمنون أن لهم ربا فوق كل السباب؛ وقادر على أن يَخْرِق النواميس‪.‬‬
‫أما المؤمن فهو يأوي إلى ُركْن شديد‪ ،‬هو قدرة الحق سبحانه مُسبّب كل السباب‪ ،‬والقادر على أن‬
‫يَخْرِق السباب‪.‬‬
‫ولماذا يستيئس الرسل؟‬
‫لن حرصهم على تعجّل النصر دفع البعض منهم أن يسأل مثلما سأل المؤمنون‪ {:‬مَتَىا َنصْرُ‬
‫اللّهِ‪[} ...‬البقرة‪]214 :‬‬
‫فضلً عن ظَنّهم أنهم كُذّبوا‪ ،‬والحق سبحانه يقول هنا‪َ } :‬وظَنّواْ أَ ّنهُمْ قَدْ ُكذِبُواْ‪[ { ...‬يوسف‪]110 :‬‬
‫ومادة " الكاف " ‪ ،‬و " الذال " و " الباء " منها " كَ َذبَ " ‪ ،‬و " كُ ِذبَ عليه " و " كُذّب "‪ .‬والكذب هو‬
‫القول المخالف للواقع‪ ،‬والعاقل هو من يُورِد كلمه على ِذهْنه قبل أن ينطق به‪.‬‬
‫أما فاقد الرشد الذي ل يمتلك القدرة على التدبّر؛ فينطق الكلم على عَواهِنه؛ ول يمرر الكلم على‬
‫ذهنه؛ ولذلك يقال عنه " مخرف "‪.‬‬
‫وقد سبق لنا أن شرحنا الصدق‪ ،‬وقلنا‪ :‬إنه تطابق النسبة الكلمية مع الواقع‪ ،‬والكذب هو ألّ‬
‫تتطابق النسبة الكلمية مع الواقع‪.‬‬
‫ومَنْ يقول كلما يعلم أنه ل يطابق الواقع؛ يقال عنه‪ :‬إنه مُتعمّد الكذب‪ ،‬ومَنْ يقول كلما بغالبية‬
‫الظن أنه ل يطابق الواقع‪ ،‬ونقله عن غيره؛ فهو يكذب دون أن يُحسب كَذبه افتراءً‪ ،‬والنسان‬
‫الذي يتوخّى الدّقة ينقل الكلم منسوبا إلى مَنْ قاله له؛ فيقول " أخبرني فلن " فل ُيعَدّ كاذبا‪.‬‬
‫ولذلك أقول دائما‪ :‬يجب أن يُفرّق العلماء بين كذب ال ُمفْتين‪ ،‬وكذب الخبر؛ وكذب ال ُمخْبر‪ .‬فالخبر‬
‫ن تعمّد الكذب‪ ،‬أما الناقل للخبر مادام قد نسبه إلى مَنْ قاله‪ ،‬فموقفه مختلف‪.‬‬
‫الكاذب مسئول عنه مَ ْ‬
‫وفي الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها نجد لها قراءتين؛ قراءة هي‪ " :‬وظنوا أنهم قد كُذبوا "‬
‫أي‪ :‬حدّثهم غيرهم كَذِبا؛ وقراءة ثانية هي‪ " :‬وظنوا أنهم قد كُذّبوا " وهي تعني‪ :‬أنهم قد ظنّوا أن‬
‫ما قيل لهم من كلم عن النصر هو كذب‪.‬‬
‫ولقائل أن يسأل‪ :‬كيف يظن الرسل ذلك؟‬
‫وأقول‪ :‬إن الرسول حين يطلب من قومه اليمان؛ يعلم أن ما يُؤكّد صدق رسالته هو مجيء‬
‫النصر؛ وتمرّ عليه بعض من الخواطر خوفا أن يقول المقاتلون الذين معه‪ " :‬لقد كذب علينا "؛‬
‫لن الظن إخبار بالراجح‪.‬‬
‫ول يخطر على بال الرسل أن ال سبحانه وتعالى ـ معاذ ال ـ قد كَذَبهم وعده‪ ،‬ولكنهم ظَنّوا أن‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫النصر سيأتيهم بسرعة؛ وأخذوا بطء مجيء النصر دليلً على أن النصر لن يأتي‪.‬‬
‫أو‪ :‬أنهم خافوا أن يُكذّبهم الغير‪.‬‬
‫ولذلك نجد الحق سبحانه ُيعْلِم رسله أن النصر سيأتي في الموعد الذي يحدده سبحانه‪ ،‬ول يعرفه‬
‫جلُ بعجلة العبادة حتى تبلغ المور ما أراد‪.‬‬
‫أحد‪ ،‬فسبحانه ل َيعْ َ‬
‫ويقول سبحانه‪ } :‬وَظَنّواْ أَ ّن ُهمْ قَدْ ُكذِبُواْ جَآ َءهُمْ َنصْرُنَا‪[ { ...‬يوسف‪]110 :‬‬
‫وهكذا يأتي النصر بعد الزلزلة الشديدة؛ فيكون َوقْعه كوقع الماء على ذي الغُلّة الصّادي‪ ،‬ولنا أن‬
‫شوْق العطشان لكوب الماء‪.‬‬
‫نتخيل َ‬
‫وأيضا فإن إبطاء النصر يعطي غرورا للكافرين يجعلهم يتمادون في الغرور‪ ،‬وحين يأتي النصر‬
‫تتضاعف فرحة المؤمنين بالرسول‪ ،‬وأيضا يتضاعف غَمّ الكافرين به‪.‬‬
‫ومجيء النصر للمؤمنين يقتضي وقوع هزيمة للكافرين؛ لن تلك هي مشيئة ال الذي يقع بَأْسه‬
‫وعذابه على الكافرين به‪.‬‬
‫ويقول سبحانه من بعد ذلك‪:‬‬
‫لوْلِي الَلْبَابِ‪{ ...‬‬
‫صهِمْ عِبْ َر ٌة ُ‬
‫ص ِ‬
‫} َلقَدْ كَانَ فِي َق َ‬

‫(‪)1693 /‬‬
‫صدِيقَ الّذِي بَيْنَ يَدَ ْيهِ‬
‫صهِمْ عِبْ َرةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا ُيفْتَرَى وََلكِنْ َت ْ‬
‫َلقَدْ كَانَ فِي َقصَ ِ‬
‫حمَةً ِل َقوْمٍ ُي ْؤمِنُونَ (‪)111‬‬
‫شيْءٍ وَهُدًى وَرَ ْ‬
‫وَتَ ْفصِيلَ ُكلّ َ‬

‫ونلحظ أن هذه الية جاءت في سورة يوسف؛ أي‪ :‬إنْ أردتَ قصة يوسف وإخوته؛ ففي السورة‬
‫عظَتها‪ ،‬أو المهم في كل قصص النبياء‪.‬‬
‫كل القصة بمَراميها وأهدافها و ِ‬
‫سلِ مَا نُثَ ّبتُ ِبهِ ُفؤَا َدكَ‪[} ...‬هود‪]120 :‬‬
‫يقول الحق سبحانه‪َ {:‬وكُـلّ ّن ُقصّ عَلَ ْيكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرّ ُ‬
‫ونعلم أن معنى القَصَص مأخوذ من َقصّ الثر؛ وتتبّعه بل زيادة أو نقصان‪.‬‬
‫صهِمْ عِبْ َر ٌة لُوْلِي الَلْبَابِ‪[ } ...‬يوسف‪]111 :‬‬
‫ص ِ‬
‫ويقول الحق سبحانه هنا‪َ { :‬لقَدْ كَانَ فِي َق َ‬
‫وفي أول السورة قال الحق‪... {:‬إِن كُن ُتمْ لِل ّرؤْيَا َتعْبُرُونَ }[يوسف‪]43 :‬‬
‫ونعرف أن مادة " العين " و " الباء " و " الراء " تفيد التعدية من جَليّ إلى خَفيّ‪.‬‬
‫والعِبْرة في هذه القصة ـ قصة يوسف ـ وكذلك قصص القرآن كلها؛ نأخذ منها عِبْرة من الجَليّ‬
‫فيها إلى الخَفيّ الذي نواجهه؛ فل نفعل المور السيئة؛ ونُقدِم على المور الطيبة‪.‬‬
‫وحين نقبل على العمل الطيّب الذي جاء في أيّ قصة قرآنية؛ وحين نبتعد عن العمل السيئ الذي‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫جاء خَبرُه في القصة القرآنية؛ بذلك نكون قد أحسنّا الفهم عن تلك القصص‪.‬‬
‫وعلى سبيل المثال‪ :‬نحن نجد الظالم في القصَص القرآني؛ وفي قصة يوسف تحديدا؛ وهو ينتكس‪،‬‬
‫فيأخذ الواحد مِنّا العبرة‪ ،‬ويبني حياته على ألّ يظلم أحدا‪ .‬وحين يرى النسان منا المظلو َم وهو‬
‫ينتصر؛فهو ل يحزن إنْ تعرّض لظلم؛ لنه أخذ العبرة لما ينتصر؛ فهو ل يحزن إن تعرض‬
‫لظلم؛ لنه أخذ العبرة لما ينتظره من نصر بإذن ال‪.‬‬
‫ونحن نقول‪ " :‬عبر النهر " أي‪ :‬انتقل من شاطئ إلى شاطئ‪.‬‬
‫وكذلك قولنا " تعبر ال ّرؤْيا " أي‪ :‬تؤوّلها؛ لن ال ّرؤْيا تأتي رمزية؛ وتعبرها أي‪ :‬تشرحها وتنقلها‬
‫من خفيّ إلى جليّ؛ وإيضاح المطلوب منها‪.‬‬
‫و َنصِفُ ال ّدمْعة بأنها " عَبْرة "؛ والحزن المدفون في النفس البشرية تدل عليه ال ّدمْعة‪.‬‬
‫لوْلِي الَلْبَابِ‪[ } ...‬يوسف‪]111 :‬‬
‫صهِمْ عِبْ َر ٌة ُ‬
‫وهنا قال الحق سبحانه‪َ { :‬لقَدْ كَانَ فِي َقصَ ِ‬
‫والعِبْرة قد تمرّ‪ ،‬ولكن ل يلتفت إليها إل العاقل الذي يُمحّص الشياء‪ ،‬أما الذي يمرّ عليها مُرور‬
‫الكرام؛ فهو ل يستفيد منها‪.‬‬
‫و " أولو اللباب " هم أصحاب العقول الراجحة‪ ،‬و " اللباب " جمع " ُلبّ "‪ .‬واللب‪ :‬هو جوهر‬
‫سمّي العقل " لُبّا " لنه ينثرُ القشور بعيدا‪،‬‬
‫الشيء المطلوب؛ والقَِشْر موجود لصيانة الّلبّ‪ ،‬و ُ‬
‫ويعطينا جوهر الشياء وخيرها‪.‬‬
‫حدِيثا ُيفْتَرَىا وَلَـاكِن َتصْدِيقَ الّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ‪[ } ...‬يوسف‪]111 :‬‬
‫ويتابع الحق سبحانه‪ { :‬مَا كَانَ َ‬
‫أي‪ :‬أن ما جاء على لسانك يا محمد وأنزله الحق وَحْيا عليك ليس حديث كَذبٍ مُتعمّد؛ بل هو‬
‫الحق الذي يطابق الكتب التي سبقتْه‪.‬‬
‫ويُقال‪ " :‬بين يديك " أي‪ :‬سبقك؛ فإذا كنت تسير في طابور؛ َفمَنْ أمامك يُقال له " بين يديك " ‪،‬‬
‫ومَنْ وراءك يُقال له " مَنْ خلفك "‪.‬‬
‫والقرآن قد جاء ليصدق الكتب التي سبقتْه؛ وليست هي التي تُصدّق عليه؛ لنه الكتاب المهيمن‪،‬‬
‫والحق سبحانه هو القائل‪ {:‬وَأَنزَلْنَآ إِلَ ْيكَ ا ْلكِتَابَ بِا ْلحَقّ ُمصَدّقا ّلمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ا ْلكِتَابِ َو ُمهَ ْيمِنا‬
‫عَلَيْهِ‪[} ...‬المائدة‪]48 :‬‬
‫شيْءٍ‪...‬‬
‫ويضيف الحق سبحانه في نفس الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها‪ } :‬وَ َتفْصِيلَ ُكلّ َ‬
‫{ [يوسف‪]111 :‬‬
‫حكْمها في‬
‫فالقرآن يُصدّق الكتب السابقة‪ ،‬ويُفصّل كل شيء؛ أي‪ :‬يعطي كل جزئية من المر ُ‬
‫حكْم بما يناسب أيّ أمر من‬
‫جزئية مناسبة لها‪ .‬فهو ليس كلما مُجْملً‪ ،‬بل يجري تفصيل كل ُ‬
‫أمور البشر‪.‬‬
‫وفي أعرافنا اليومية نقول‪ " :‬فلن قام بشراء بذلة تفصيل "‪ .‬أي‪ :‬أن مقاساتها مناسبة له تماما؛‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ومُحْكمة عليه حين يرتديها‪.‬‬
‫ن يقول‪ :‬إنه ل يوجد إله على الطلق‪ ،‬ويقابله مَنْ‬
‫وفي المور العقدية نجد ـ والعياذ بال ـ مَ ْ‬
‫يقول‪ :‬إن اللهة مُتعددة؛ لن كل الكائنات الموجودة في الكون من الصعب أن يخلقها إله واحد؛‬
‫فهناك إله للسماء‪ ،‬وإله للرض؛ وإله للنبات؛ وإله للحيوان‪.‬‬
‫ونقول لهم‪ :‬كيف يوجد إله يقدر على شيء‪ ،‬ويعجز عن شيء آخر؟‬
‫وإنْ قال هؤلء‪ " :‬إن تلك اللهة تتكاتف مع بعضها "‪.‬‬
‫نرد عليهم‪ :‬ليست تلك هي اللوهية أبدا‪ ،‬ولذلك نجد الحق سبحانه وتعالى يقول‪ {:‬ضَرَبَ اللّهُ مَثَلً‬
‫ح ْمدُ للّهِ َبلْ َأكْثَ ُرهُ ْم لَ َيعَْلمُونَ‬
‫جلٍ َهلْ يَسْ َتوِيَانِ مَثَلً الْ َ‬
‫رّجُلً فِيهِ شُ َركَآءُ مُ َتشَاكِسُونَ وَرَجُلً سَلَما لّ َر ُ‬
‫}[الزمر‪]29 :‬‬
‫وحين يكون الشركاء مختلفين؛ فحال هذا العبد المملوك لهم يعيش في ضَنْك وعذاب؛ أما الرجل‬
‫المملوك لرجل واحد فحاله يختلف؛ لنه يأتمر بأمر واحد؛ لذلك يحيا مرتاحا‪.‬‬
‫ونجد الحق سبحانه يقول عن اللهة المتعددة‪ {:‬مَا اتّخَذَ اللّهُ مِن وََل ٍد َومَا كَانَ َمعَهُ مِنْ إِلَـهٍ إِذا‬
‫عمّا َيصِفُونَ }[المؤمنون‪]91 :‬‬
‫ضهُمْ عَلَىا َب ْعضٍ سُ ْبحَانَ اللّهِ َ‬
‫ق وََلعَلَ َب ْع ُ‬
‫لّذَ َهبَ ُكلّ إِلَـاهٍ ِبمَا خَلَ َ‬
‫أما مَنْ يقول بأنه ل يوجد إله في الكون‪ ،‬فنقول له‪ :‬وهل يُعقل أن كل هذا الكون الدقيق ال ُمحْكم بل‬
‫صانع‪.‬‬
‫صلَ هذا المر ليؤكد أنه ل يوجد سوى إله واحد في الكون‪ ،‬ونجد‬
‫ولذلك شاء الحق سبحانه أن ُيفَ ّ‬
‫حكْم من مجال إلى آخر‪.‬‬
‫حكْما مناسبا لها؛ فل ينتقل ُ‬
‫القرآن يُفصّل لنا الحكام؛ ويُنزِل لكل مسألة ُ‬
‫وكذلك تفصيل اليات‪ ،‬فهناك المُحْكم والمُتَشابه؛ والمَثَل هو قول الحق سبحانه‪ {.‬وَيُسَارِعُونَ فِي‬
‫الْخَيْرَاتِ‪[} ...‬آل عمران‪]114 :‬‬
‫ويقول في موقع آخر‪ {:‬وَسَارِعُواْ إِلَىا َم ْغفِ َرةٍ مّن رّ ّبكُمْ‪[} ...‬آل عمران‪]133 :‬‬
‫جاء مرة بقول " إلى " ‪ ،‬ومرة بقول " في "؛ لن كلً منها مناسبة ومُفصّلة حَسْب موقعها‪.‬‬
‫فالمُسَارعة إلى المغفرة تعني أن مَنْ يسارع إليها موجود خارجها‪ ،‬وهي الغاية التي سيصل إليها‪،‬‬
‫أما مَنْ يسارع في الخيرات؛ فهو يحيا في الخير الن‪ ،‬ونطلب منه أن يزيد في الخير‪.‬‬
‫لمُورِ }[لقمان‪]17 :‬‬
‫وأيضا نجد قوله الحق‪... {:‬وَاصْبِرْ عَلَىا مَآ َأصَا َبكَ إِنّ ذَِلكَ مِنْ عَ ْز ِم ا ُ‬
‫لمُورِ }[الشورى‪]43 :‬‬
‫غفَرَ إِنّ ذَِلكَ َلمِنْ عَ ْز ِم ا ُ‬
‫ونجد قوله الحق‪ {:‬وََلمَن صَبَ َر وَ َ‬
‫وواحدة منهما وردتْ في المصائب التي لها غَرِيم‪ ،‬والخرى قد وردتْ في المصائب التي ل‬
‫غريم فيها؛ مثل المرض حيث ل غَرِيم ول خُصومة‪.‬‬
‫أما إذا ضربني أحد؛ أو اعتدى على أحد أبنائي؛ فهو غريمي وتوجد خصومة؛ فوجوده أمامي‬
‫َيهِيج الشر في نفسي؛ وأحتاج لضبط النفس بعزيمة قوية‪ ،‬وهذا هو تفصيل الكتاب‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والحق سبحانه يقول‪ {:‬كِتَابٌ ُفصَّلتْ آيَاتُهُ‪[} ...‬فصلت‪]3 :‬‬
‫أي‪ :‬أن كل جزئية فيه مناسبة للمر الذي نزلتْ في مناسبته‪.‬‬
‫خشْيَةَ ِإمْلقٍ نّحْنُ نَرْ ُز ُق ُه ْم وَإِيّاكُم‪[} ...‬السراء‪:‬‬
‫ومثال هذا هو قوله سبحانه‪َ {:‬ولَ َتقْتُلُواْ َأوْل َدكُمْ َ‬
‫‪]31‬‬
‫لقٍ نّحْنُ نَرْ ُز ُق ُك ْم وَإِيّاهُمْ‪[} ...‬النعام‪]151 :‬‬
‫وقوله الحق‪َ {:‬ولَ َتقْتُلُواْ َأ ْولَ َدكُمْ مّنْ إمْ َ‬
‫وكل آية تناسب موقعها‪ ،‬ومعناها مُتّسق في داخلها‪ ،‬وتَ ّم تفصيلها بما يناسب ما جاءت له‪ ،‬فقوله‪{:‬‬
‫وَلَ َتقْتُلُواْ َأوْلَ َد ُكمْ مّنْ إمْلَقٍ‪[} ...‬النعام‪]151 :‬‬
‫يعني أن الفقر موجود‪ ،‬والنسان مُنْشغل برزقه عن رزق ابنه‪.‬‬
‫أما قوله‪ {:‬خَشْيَةَ ِإمْلقٍ‪[} ...‬السراء‪]31 :‬‬
‫خوْف أن يأتي إلى النسان؛ وهو خوف من أمر لم يَطْرأ بعد‪.‬‬
‫أي‪ :‬أن الفقر غير موجود‪ ،‬وهناك َ‬
‫وهكذا نجد في القرآن تفصيلً لكل شيء تحتاجونه في أمر دنياكم وآخرتكم‪ ،‬وهو تفصيل لكل‬
‫شيْءٍ‪[} ...‬النمل‪]23 :‬‬
‫شيء ليس عندك؛ وقد قال الهدهد عن ملكة سبأ بلقيس‪ {:‬وَأُوتِ َيتْ مِن ُكلّ َ‬
‫وليس معنى هذا أنها أوتيت من كل شيء في هذه الدنيا‪ ،‬بل هي قد أُوتيَت من كل شيء تملكه‪ ،‬أو‬
‫يُمكِن أن تملكه في الدنيا‪.‬‬
‫شيْءٍ‪[ { ...‬يوسف‪]111 :‬‬
‫وقول الحق سبحانه‪ } :‬وَ َتفْصِيلَ ُكلّ َ‬
‫ل يعني أن نسأل مثلً‪ " :‬كم رغيفا في كيلة القمح؟ "‪.‬‬
‫وقد حدث أن سأل واحد المام محمد عبده هذا السؤال؛ فجاء بخباز‪ ،‬وسأله هذا السؤال؛ فأجاب‬
‫الخباز؛ فقال السائل‪ :‬ولكنك لم تَ ْأتِ بالجابة من القرآن؟ فقال المام محمد عبده‪ :‬لماذا ل تذكر‬
‫قوله الحق‪... {:‬فَاسْأَلُواْ أَ ْهلَ ال ّذكْرِ إِن كُنْتُم لَ َتعَْلمُونَ }[النحل‪]43 :‬‬
‫وهكذا نعلم أنه سبحانه لم يُفرّط في الكتاب من شيء‪.‬‬
‫حمَةً ّل َقوْمٍ ُي ْؤمِنُونَ‬
‫شيْ ٍء وَ ُهدًى وَرَ ْ‬
‫ويُذيّل الحق سبحانه الية الكريمة بقوله‪...} :‬وَتَ ْفصِيلَ ُكلّ َ‬
‫{ [يوسف‪]111 :‬‬
‫ونعلم أن الهُدى هو الطريق المُؤدي إلى الخير‪ ،‬وهذا الطريق المؤدي إلى الخير ينقسم إلى‬
‫قسمين‪:‬‬
‫القسم الول‪ :‬الوقاية من الشر لمن لم يقع فيه‪.‬‬
‫والقسم الثاني‪ :‬علج لمَنْ وقع في المعصية‪.‬‬
‫وإليك المثال‪َ :‬هبْ أن أُناسا يعلمون الشر؛ فنردهم عنه ونشفيهم منه؛ لنه مرض‪ ،‬وهو رحمة‬
‫ل يقعوا في المرض بداية‪.‬‬
‫بمعنى أ ّ‬
‫إذن‪ :‬فهناك ملحظتان يشيران إلى القسمين‪:‬‬
‫الملحظة الولى‪ :‬أن المنهج القرآني قد نزل وقايةً لمن لم يقع في المعصية‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والملحظة الثانية‪ :‬أن المنهج يتضمن العلج ِلمَنْ وقع في المعصية‪.‬‬
‫حمَةً‬
‫ويُحدّد الحق سبحانه مَنْ يستفيدون من المنهج القرآني وقاية وعلجا‪ ،‬فيقول‪...} :‬وَهُدًى وَرَ ْ‬
‫ّلقَوْمٍ ُي ْؤمِنُونَ { [يوسف‪]111 :‬‬
‫أي‪ :‬هؤلء الذين يؤمنون بإله واحد خلقهم وخلق الكون‪ ،‬ووضع للبشر قوانين صيانة حياتهم‪ ،‬ومن‬
‫المنطقيّ أن يسمع المؤمن كلمه ويُنفذه؛ لنه وضع المنهج الذي يمكنك أن تعود إليه في كل ما‬
‫يصون حياتك‪ ،‬فإنْ كنت مؤمنا بال؛ فُخُذ الهدى‪ ،‬وخُذ الرحمة‪.‬‬
‫ونسأل ال أن نُعطَي هذا كله‪.‬‬

‫(‪)1694 /‬‬
‫ق وََلكِنّ َأكْثَرَ النّاسِ لَا ُي ْؤمِنُونَ (‪)1‬‬
‫حّ‬
‫ب وَالّذِي أُنْ ِزلَ إِلَ ْيكَ مِنْ رَ ّبكَ الْ َ‬
‫المر تِ ْلكَ آَيَاتُ ا ْلكِتَا ِ‬

‫وقد سبق لنا أن تكلمنا طويلً في خواطرنا عن الحروف التي تبدأ بها بعض من سور القرآن‬
‫الكريم‪ :‬مثل قوله الحق‪ {:‬الم }[ البقرة‪]1 :‬‬
‫وقوله‪ { :‬المر‪[ } ...‬الرعد‪]1 :‬‬
‫ومثل قوله‪ {:‬المص }[العراف‪]1 :‬‬
‫وغير ذلك من الحروف التوقيفية التي جاءتْ في أول بعض من فَواتِح السّور‪.‬‬
‫ولكن الذي أُحب أن أؤكد عليه هنا هو أن آيات القرآن كلها مَبْنية على ال َوصْل؛ ل على ال َوقْف؛‬
‫شكُولة؛ لنها َم ْوصُولة بما بعدها‪.‬‬
‫ولذلك تجدها مَ ْ‬
‫وكان من المفروض ـ لو ط ّبقْنَا هذه القاعدة ـ أن نقرأ " المر " فننطقها‪ " :‬ألفٌ " " لمٌ " " ميمٌ " "‬
‫راءٌ " ‪ ،‬ولكن شاء الحق سبحانه هنا أن تأتي هذه الحروف في أول سورة الرعد مَبْنية على‬
‫الوقف‪ ،‬فنقول‪ " :‬ألفْ " " لمْ " " ميمْ " " راءْ "‪.‬‬
‫وهكذا قرأها جبريل عليه السلم على محمد بن عبد ال صلى ال عليه وسلم؛ وهكذا نقرأها نحن‪.‬‬
‫ويتابع سبحانه‪ { :‬تِ ْلكَ آيَاتُ ا ْلكِتَابِ‪[ } ...‬الرعد‪]1 :‬‬
‫أي‪ :‬أن السورة القادمة إليك هي من آيات الكتاب الكريم ـ القرآن ـ وهي إضافة إلى ما سبق‬
‫وأُنْزِل إليك‪ ،‬فالكتاب كله يشمل من أول{ بسم ال الرّحْمانِ الرّحِيـمِ }[الفاتحة‪]1 :‬‬
‫في أول القرآن‪ ،‬إلى نهاية سورة الناس‪.‬‬
‫ونعلم أن الضافة تأتي على ثلث َمعَانٍ؛ فمرّة تأتي الضافة بمعنى " من " مثل قولنا " أردب قمح‬
‫" والمقصود‪ :‬أردب من القمح‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ومرة تأتي الضافة بمعنى " في " مثل قولنا‪ " :‬مذاكرة المنزل " والمقصود‪ :‬مذاكرة في المنزل‪.‬‬
‫شكْليْنِ‪.‬‬
‫ومرة ثالثة تأتي الضافة بمعنى " اللم " وهي تتخذ َ‬
‫إمّا أن تكون تعبيرا عن ملكية‪ ،‬كقولنا " مالُ زيدٍ لزيد "‪.‬‬
‫والشكل الثاني أن تكون اللم للختصاص كقولنا " لجام الفرس " أي‪ :‬أن اللجام يخص الفرس؛‬
‫فليس معقولً أن يملك الفرس لِجَاما‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فقول الحق سبحانه هنا‪ { :‬تِ ْلكَ آيَاتُ ا ْلكِتَابِ‪[ } ...‬الرعد‪]1 :‬‬
‫يعني تلك آياتٌ من القرآن؛ لن كلمة " الكتاب " إذا أُطلِقتْ؛ فهي تنصرف إلى القرآن الكريم‪.‬‬
‫والمثل هو القول " فلنٌ الرجل " أي‪ :‬أنه رجل حقا؛ وكأن سُلوكه هو ِمعْيار الرجولة‪ ،‬وكأن‬
‫خصَال الرجولة في غيره ليست ُمكْتملة كاكتمالها فيه‪ ،‬أو كقولك " فلن الشاعر " أي‪ :‬أنه شاعر‬
‫ِ‬
‫مُتميّز للغاية‪.‬‬
‫وهكذا نعلم أن كلمة " الكتاب " إذا أُطْلِقتْ ينصرف في العقائد إلى القرآن الكريم‪ ،‬وكلمة الكتاب إذا‬
‫أُطِلقت في النحو انصرفتْ إلى كتاب سيبويه الذي يضم قواعد النحو‪.‬‬
‫ويتابع سبحانه في وصف القرآن الكريم‪...{ :‬وَالّذِي أُن ِزلَ إِلَ ْيكَ مِن رّ ّبكَ ا ْلحَقّ وَلَـاكِنّ َأكْثَرَ النّاسِ‬
‫لَ ُي ْؤمِنُونَ } [ الرعد‪]1 :‬‬
‫ونعلم أن مراد الذي يخالف الحق هو أن يكسب شيئا من وراء تلك المخالفة‪.‬‬
‫صتَ ِب ُم ْؤمِنِينَ }[يوسف‪]103 :‬‬
‫وقد قال سبحانه في أواخر سورة يوسف‪َ {:‬ومَآ َأكْثَرُ النّاسِ وَلَوْ حَ َر ْ‬
‫صدِيقَ الّذِي بَيْنَ يَدَ ْيهِ‬
‫ثم وصف القرآن الكريم‪ ،‬فقال تعالى‪... {:‬مَا كَانَ حَدِيثا ُيفْتَرَىا وَلَـاكِن َت ْ‬
‫حمَةً ّل َقوْمٍ ُي ْؤمِنُونَ }[يوسف‪]111 :‬‬
‫شيْءٍ وَهُدًى وَرَ ْ‬
‫وَتَ ْفصِيلَ ُكلّ َ‬
‫وهكذا نرى أن الحق سبحانه ل يريد الكَسْب منكم‪ ،‬لكنه شاء أن يُنزِل هذا الكتاب لتكسبوا أنتم‪:‬‬
‫س لَ ُي ْؤمِنُونَ { [الرعد‪]1 :‬‬
‫}‪...‬وَلَـاكِنّ َأكْثَرَ النّا ِ‬
‫أي‪ :‬أن أكثر مَنْ دعو َتهُم إلى اليمان بهذا الكتاب الحق ل يؤمنون بأنه نزل إليك من ربك؛ لنهم‬
‫لم يُحسِنوا تأمّل ما جاء فيه؛ واستسلموا لل َهوَى‪ .‬وأرادوا السلطة الزمنية‪ ،‬ولم يلتفتوا إلى أن ما‬
‫جاء بهذا الكتاب هو الذي يعطيهم خير الدنيا والخرة‪.‬‬
‫ويقول سبحانه بعد ذلك‪:‬‬
‫سمَاوَاتِ‪{ ...‬‬
‫} اللّهُ الّذِي َرفَعَ ال ّ‬

‫(‪)1695 /‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫شمْسَ وَالْ َقمَرَ ُكلّ‬
‫سخّرَ ال ّ‬
‫ش وَ َ‬
‫ع َمدٍ تَ َروْ َنهَا ُثمّ اسْ َتوَى عَلَى ا ْلعَرْ ِ‬
‫سمَاوَاتِ ِبغَيْرِ َ‬
‫اللّهُ الّذِي َرفَعَ ال ّ‬
‫صلُ الْآَيَاتِ َلعَّلكُمْ بِِلقَاءِ رَ ّبكُمْ تُوقِنُونَ (‪)2‬‬
‫سمّى ُيدَبّرُ الَْأمْرَ ُي َف ّ‬
‫جلٍ مُ َ‬
‫يَجْرِي لَِأ َ‬

‫ن تقول " ال "‬
‫ل صفات الكمال؛ ولحظةَ أ ْ‬
‫وكلمة " ال " عَلَمٌ على واجب الوجود؛ مَطمورة فيه ُك ّ‬
‫كأنك قُ ْلتَ " القادر " " الضار " " النافع " " السميع " " البصير " " ال ُمعْطي " إلى آخر أسماء ال‬
‫الحسنى‪.‬‬
‫ولذلك قال صلى ال عليه وسلم‪ُ " :‬كلّ عمل ل يبدأ باسم ال هو أبتر "‪.‬‬
‫لن كل عمل ل يبدأ باسمه سبحانه؛ ل تستحضر فيه أنه سبحانه قد سَخّر لك ُكلّ الشياء‪ ،‬ولم‬
‫تُسخّرْ أنت الشياء بقدرتك‪.‬‬
‫ولذلك‪ ،‬فالمؤمن هو مَنْ يدخل على أيّ عمل بحيثية " بسم ال الرحمن الرحيم "؛ لنه سبحانه هو‬
‫الذي ذّللَ للنسان كل شيء‪ ،‬ولو لم يُذلّلها َلمَا استجابتْ لك أيها النسان‪.‬‬
‫وقد أوضح الحق سبحانه ذلك في أمثلة بسيطة؛ فنجد الطفل الصغير يُمسِك بحبل ويربطه في عنق‬
‫الجمل‪ ،‬ويأمره بأن " ينخّ " ويركع على أربع؛ فيمتثل الجمل لذلك‪.‬‬
‫ونجد البرغوث الصغير؛ يجعل النسان ساهرا الليل كُلّه عندما يتسلل إلى ملبسه؛ ويبذل هذا‬
‫جهِيد لِيُمسِك به؛ وقد يستطيع ذلك؛ وقد ل يستطيع‪.‬‬
‫جهْدَ ال َ‬
‫النسان ال َ‬
‫وهكذا نعرف أن أحدا لم يُسخّر أي شيء بإرادته أو مشيئته‪ ،‬ولكن الحق سبحانه هو الذي يذلّل ُكلّ‬
‫الكائنات لخدمة النسان‪.‬‬
‫والحق سبحانه هو القائل‪ {:‬وَذَلّلْنَاهَا َلهُمْ َفمِ ْنهَا َركُو ُبهُ ْم َومِ ْنهَا يَ ْأكُلُونَ }[يس‪]72 :‬‬
‫وأنت حين تُقبِل على أيّ عمل يحتاج إلى قدرة فتقول‪ " :‬باسم القادر الذي أعطاني بعض القدرة "‪.‬‬
‫وإنْ أقبلتَ على عمل يحتاج مالً؛ تقول‪ " :‬باسم الغني الذي وَهَبنِي بعضا من مال أقضي به‬
‫حاجتي "‪.‬‬
‫وفي كل عمل من العمال التي تُقبِل عليها تحتاج إلى قدرة؛ وحكمة؛ وغِنىً‪ ،‬وبَسْط؛ وغير ذلك‬
‫سهّل لنا أن‬
‫من صفات الحق التي يُسخّر بها سبحانه لك ُكلّ شيء؛ فشاءتْ رحمتُه سبحانه أنْ َ‬
‫نفتتح أيّ عمل باسمه الجامع لكل صفات الجمال والكمال " بسم ال الرحمن الرحيم "‪.‬‬
‫سمّونه " عََلمٌ على واجب الوجود "‪.‬‬
‫ولذلك يُ َ‬
‫وبقية السماء الحسنى صفات ل توجد بكمالها المُطْلق إلّ فيه؛ فصارتْ كالسم‪.‬‬
‫فالعزيز على إطلقه هو ال‪ .‬ولكِنّا نقول عن إنسان ما " عزي ُز قومِه " ‪ ،‬ونقول " الغَنيّ " على‬
‫إطلقه هو ال‪ ،‬ولكِنْ نقول " فلن غنيّ " و " فلن فقير "‪.‬‬
‫وهكذا نرى أنها صفاتٌ أخذتْ مرتبة السماء؛ وهي إذا ُأطِلقَتْ إنما تشير إليه سبحانه‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وعرفنا من قَبْل أن أسماء ال؛ إما أن تكون أسماءَ ذات؛ وإما أن تكون أسماءَ صفات؛ فإنْ كان‬
‫السم ل مقابل له فهو اسمُ ذاتٍ؛ مثل‪ " :‬العزيز "‪.‬‬
‫أما إنْ كان السم صفةَ الصفة والفعل‪ ،‬مثل " ال ُمعِز " فلبُدّ أن له مقابلً‪ ،‬وهو هنا " المُ ِذلّ "‪.‬‬
‫ولو كان يقدر أنْ ُيعِزّ فقط؛ ول يقدر أن ُي ِذلّ لما صار إلها‪ ،‬ولو كان يضر فقط‪ ،‬ول ينفع أحدا َلمَا‬
‫استطاع أن يكون إلها‪ ،‬ولو كان يقدر أنْ يَبسُطَ‪ ،‬ول يقدر أن يقبض لما استطاع أنْ يكون إلها‪.‬‬
‫وكل هذه صفات لها ُمقَابِلها؛ ويظهر فعْلُها في الغير؛ فسبحانه ـ على سبيل المثال ـ عزي ٌز في‬
‫ذاته؛ ومُعِ ّز لغيره‪ ،‬ومُ ِذلّ لغيره‪.‬‬
‫وكلمة " ال " هي السم الجامع لكل صفات الكمال‪ ،‬وهناك أسماء أخرى علّمها ال لبعض من‬
‫خلقه‪ ،‬وهناك أسماء ثالثة سنعرفها إنْ شاء ال حين نلقاه‪ُ {:‬وجُوهٌ َي ْومَئِذٍ نّاضِ َرةٌ * ِإلَىا رَ ّبهَا نَاظِ َرةٌ‬
‫}[القيامة‪]23-22 :‬‬
‫ونلحظُ أن الحق سبحانه بدأ هذه الية بالحديث عن العالم العُلْوي أولً؛ ولم يتحدث عن الرض؛‬
‫سمَاوَاتِ‪[ { ...‬الرعد‪]2 :‬‬
‫فقال‪ } :‬اللّهُ الّذِي َرفَعَ ال ّ‬
‫وكلمة " رفع " إذا استعملتَها استعمالً بشريا؛ تدلّ أن شيئا كان في َوضْع ثم رفعتَه عن موضعه‬
‫إلى أعلى؛ مثل قول الحق سبحانه‪ {:‬وَ َرفَعَ أَ َبوَيْهِ عَلَى ا ْلعَرْشِ‪[} ...‬يوسف‪]100 :‬‬
‫فقد كان أَبَوا يوسف في موضع أقلّ؛ ثم رفعهما يوسف إلى موضع أعلى مما كَانَا فيه‪ ،‬فهل كانت‬
‫السماء موضوعة في موضع أقلّ؛ ثم رفعها ال؟ ل‪ ،‬بل خلقها ال مرفوعة‪.‬‬
‫ورَحِم ال شيخنا عبد الجليل عيسى الذي قال‪ " :‬لو قلت‪ :‬سبحان ال الذي كبّر الفيل؛ فهل كان‬
‫الفيل صغيرا ثم كبّره ال؛ أم خلقه كبيرا؟ لقد خلقه ال كبيرا‪ .‬وإنْ قلت‪ :‬سبحان ال الذي صغّر‬
‫صغّرها ال؟ ل بل خلقها ال صغيرة "‪.‬‬
‫البعوضة؛ فهل كانت كبيرة ثم َ‬
‫ع َمدٍ‪[ { ...‬الرعد‪]2 :‬‬
‫سمَاوَاتِ ِبغَيْرِ َ‬
‫وحين يقول سبحانه‪ } :‬اللّهُ الّذِي َرفَعَ ال ّ‬
‫فهذا يعني أنه خلقها مرفوعة‪ ،‬وفي العُرْف البشري نعرف أن مُقْتضى َرفْع أيّ شيء أَنْ تُوجَد من‬
‫تحته أعمدة ترفعه‪.‬‬
‫ولكن خلقَ ال يختلف؛ فنحن نرى السماء مرفوعة على امتداد الفق؛ ويظهر لنا أن السماء تنطبق‬
‫على الرض؛ ولكنها ل تنطبق بالفعل‪.‬‬
‫ولم نجد إنسانا يسير في أيّ اتجاه ويصطدم بأعمدة أو بعمود واحد يُظَنّ أنه من أعمدة َرفْع‬
‫السماء؛ وهي مَرْئية هكذا؛ فهل هناك أعمدة غير مَرْئية؛ أم ل توجد أعمدة أصلً؟‪.‬‬
‫وقد يكون وراء هذا ال ّرفْع أمر آخر؛ فقد قلنا‪ :‬إن الشيء إذا رُفع؛ فذلك بسبب وجود ما يُمسكه أو‬
‫سمَآءَ أَن َتقَعَ عَلَى الَ ْرضِ ِإلّ بِإِذْنِهِ‬
‫سكُ ال ّ‬
‫ما يَحْمله؛ وسبحانه يقول في أمر رفع السماء‪... {:‬وَ ُيمْ ِ‬
‫إِنّ اللّهَ بِالنّاسِ لَ َرءُوفٌ رّحِيمٌ }[الحج‪]65 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫عمَد‪ ،‬وقوله الحق‪( :‬يمسك) يعني أنه سبحانه قد‬
‫فإذا كانت َممْسُوكة من أعلى؛ فهي ل تحتاج إلى َ‬
‫وضع لها قوانينها الخاصة التي لم نعرفها َبعْدُ‪.‬‬
‫وقد قام العلماء المعاصرون بمَسْح الرض والفضاء بواسطة القمار الصناعية وغيرها‪ ،‬ولم‬
‫عمَدا ترفع السماوات أو ُتمْسِكها‪.‬‬
‫يجدوا َ‬
‫عمَدٍ؛ لكنهم حتى الن؛ مازالوا يعتمدون‬
‫س ُقفَ بغير َ‬
‫والمهندسون يتبا َروْنَ في عصرنا لِيرفعوا ال ْ‬
‫على الحوائط الحاملة‪.‬‬
‫وهكذا نعلم أنه سبحانه إمّا أنه حمل السماء على أعمدة أدقّ وألطفَ من أن تراها أعيننا؛ ولذلك‬
‫نراها بغير أعمدة‪ ،‬أو أنها مرفوعة بل أعمدة على الطلق‪.‬‬
‫عمَاد " وقد جاءتْ هذه الية بمثابة‬
‫عمَد " اسم جمع ـ ل جمع ـ ومفردها " عمود " أو " ِ‬
‫و" َ‬
‫ت وَالَ ْرضِ‬
‫سمَاوَا ِ‬
‫التفسير ِلمَا أُجمِل في قول الحق سبحانه في سورة يوسف‪َ {:‬وكَأَيّن مّن آيَةٍ فِي ال ّ‬
‫َيمُرّونَ عَلَ ْيهَا وَ ُهمْ عَ ْنهَا ُمعْ ِرضُونَ }[يوسف‪]105 :‬‬
‫ع َمدٍ تَ َروْ َنهَا‪[ { ...‬الرعد‪]2 :‬‬
‫سمَاوَاتِ ِبغَيْرِ َ‬
‫وجاء سبحانه هنا بالتفصيل؛ فأوضح لنا أنه‪َ } :‬رفَعَ ال ّ‬
‫حكْم قانون إبصاركم‪ .‬ول تعجب من أنْ يوجد مخلوق ل تراه؛ لن العينَ‬
‫أي‪ :‬ل ترونها أنتم بِ ُ‬
‫وسيلة من وسائل الدراك‪ ،‬ولها قانون خاص؛ فهي ترى أشياء ول ترى أشياء أخرى‪.‬‬
‫صغُر تدريجيا إلى أن‬
‫هذا بدليل أنك إذا نظرتَ إلى إنسان طوله مِتْران يتحرك مُبْتعدا عنك؛ تجد َي ْ‬
‫يتلشى من مجال رؤيتك؛ لكنه ل يتلشى بالفعل‪.‬‬
‫وهذا معناه أن قانون إبصارك مَحْكوم بقانون؛ له مدىً مُحدّد‪.‬‬
‫وهناك قوانين أخرى مثل‪ :‬قانون السمع؛ وقانون الجاذبية؛ وقانون الكهرباء؛ وكلها ظواهر نستفيد‬
‫بآثارها‪ ،‬ولكِنّا ل نراها‪ ،‬فل تعجب من أن يوجد شيء ل تدركه؛ لن ُقوَى إدراكك لها قوانين‬
‫خاصة‪.‬‬
‫ويشاء الحق سبحانه أن يُدلّل على صدق ذلك بأن يجعل ما يكتشفه العلماء في الكون من أشياء‬
‫وقُوىً لم تكُنْ معروفة من قبل؛ ولكننا كنا نستفيد منها دون أن ندري؛ مما يدلّ على أن إدراك‬
‫النسان غَيْرَ قادر على إدراك كل شيء‪.‬‬
‫عمَد نراها؛ قد يعني وجود أعمدة مصنوعة‬
‫وذلك يوضح لنا أن رؤيتنا للسماء مرفوعة بغير َ‬
‫عمَدٍ على الطلق‪.‬‬
‫بطريقة غير معروفة لنا؛ أو هي مرفوعة بغير َ‬
‫عمَدٍ تَ َروْ َنهَا‪[ { ...‬الرعد‪]2 :‬‬
‫وقول الحق سبحانه‪ِ } :‬بغَيْرِ َ‬
‫هو كلم خبري‪ ،‬والمثل من حياتنا حين تقول لبنك‪ " :‬أنا خارج إلى العمل؛ وذاكر أنت دروسك "‬
‫‪ ،‬وبذلك تكون قد أوضحت له‪ " :‬ذاكر دروسك " وهذا كلم خبريّ؛ لكن المراد به إنشائيّ‪.‬‬
‫وإبراز الكلم النشائي في مَقَام الكلم الخبري له مَلْحظ‪ ،‬مثلما تقول‪ " :‬فلن مات رحمه ال "‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وقولك " رحمه ال " كلم خبريّ؛ فأنت تخبر أن ال قد رحمه‪.‬‬
‫على الرغم من أنك ل تدري‪ :‬هل رحمه ال أم ل؛ ولكنك قلت ذلك تفاؤلً أن تكون الرحمةُ واقعة‬
‫به‪ ،‬وكان من الممكن أن تقول‪ " :‬مات فلن يا ربي ارحمه " ‪ ،‬وأنت بذلك تطلب له الرحمة‪.‬‬
‫عمَدٍ تَ َروْ َنهَا‪.‬‬
‫كذلك قول الحق سبحانه‪ِ } :‬بغَيْرِ َ‬
‫‪[ { ..‬الرعد‪]2 :‬‬
‫أي‪َ :‬دقّقوا وأمعِنُوا النظر إليها‪ ،‬وابحثوا فيما يعنيكم على ذلك إن استطعتم‪ ،‬وإذا لف َتكَ المتكلم إلى‬
‫شيء لِيُحرّك فيك حواسّ إدراكك فمعنى ذلك أنه واثقٌ من صَنْعته‪.‬‬
‫والمثل من حياتنا ـ ول المثل العلى‪ ،‬وسبحانه مُنزّه عن أن يكون له مثل ـ حين تدخل لتشتري‬
‫صُوفا؛ فيقدم لك البائع قماشا؛ فتسأله‪ :‬هل هذا صوف مائة في المائة؟ " فيقول لك البائع‪ " :‬نعم إنه‬
‫صوف مائة في المائة‪ ،‬وهاتِ كبريتا لنشعل فتلة منه لترى بنفسك "‪.‬‬
‫عمَدٍ‪ ،‬وانظروا أنتم؛ بمَدّ البصر‪ ،‬ولن‬
‫ويوضّح الحق سبحانه هنا‪ :‬أن السماوات مرفوعة بغير َ‬
‫تجدوا أعمدة على هذا المتداد‪ ،‬وضمان عدم وجود أعمدة مُتحقّق لك ولغيرك على مدى أفُق أيّ‬
‫منكم‪.‬‬
‫ولكُلّ إنسان ُأفُقه الخاص على حسب قدرة بصره‪ ،‬فهناك من تنطبق السماء على الرض أمام‬
‫عيونه؛ فنقول له‪ :‬أنت تحتاج إلى نظارة طبية تعالج هذا المر‪.‬‬
‫فالفاق تختلف من إنسان إلى آخر‪ ،‬وفي التعبير اليومي الشائع يقال‪ " :‬فلن ضَيّق الفق ل يرى‬
‫إل ما تحت قدميْه "‪.‬‬
‫ولقائل أن يقول‪ :‬إن هذا يحدث معي ومع مَنْ يعيشون الن ول أحد يرى أعمدة ترفع السماوات؛‬
‫فهل سيحدث ذلك مع من سيأتون مَنْ بعدنا؟‬
‫ت القمار الصناعية من الفضاء الخارجي كل مساحات الرض؛ ولم يجد أحدٌ أية‬
‫ونقول‪ :‬لقد مسح ْ‬
‫أعمدة ترفع السماء عن الرض‪.‬‬
‫سمَاوَاتِ ِبغَيْرِ‬
‫وهذا دليل صدق القضية التي قالها الحق سبحانه في هذه الية‪ } :‬اللّهُ الّذِي َر َفعَ ال ّ‬
‫عمَدٍ تَ َروْ َنهَا‪[ { ...‬الرعد‪]2 :‬‬
‫َ‬
‫والسماوات جمع " سماء " وهي كل ما عَلَك فأظلّك‪ ،‬والحق سبحانه يقول‪ {:‬وَأَن َزلَ مِنَ‬
‫سمَآءِ‪[} ...‬البقرة‪]22 :‬‬
‫ال ّ‬
‫ونعلم أن المطر إنما نزل من السّحُب التي تعلو النسان‪ ،‬وتبدو مُعلّقة في السماء‪ ،‬وإذا أُطِلقتْ‬
‫السماء انصرفت إلى السماء العليا التي تُظلّل كل ما تحتها‪.‬‬
‫وحين أراد الناس معرفة كُنْه السماء‪ ،‬وهل لها جِرْم أم ليس لها جِرْم؛ وهل هي امتداد أجواء‬
‫وهواء؟ لم يتفق العلماء على إجابة‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وقد نَثَر الحقّ سبحانه أدلة وجوده‪ ،‬وأدلة قدرته‪ ،‬وأدلة حكمته وأدلة صَنْعته في الكون؛ ثم أعطاك‬
‫سكُمْ َأفَلَ تُ ْبصِرُونَ‪} ...‬‬
‫أيها النسان الدلة في نفسك أيضا؛ وهو القائل سبحانه‪َ {:‬وفِي أَنفُ ِ‬
‫[الذاريات‪]21 :‬‬
‫وانظر إلى نفسك تجد العلماء وهم يكتشفون في كل يوم شيئا جديدا وسِرّا عجيبا‪ ،‬سواء في‬
‫التشريح أو علم وظائف العضاء‪.‬‬
‫وسوف تعجب من أمر نفسك‪ ،‬وأنت ترى تلك الكتشافات التي كانت العقول السابقة تعجز عن‬
‫إدراكها‪ ،‬وقد يُدرَك بعضها الن‪ ،‬ويُدرَك بعضها لحقا‪.‬‬
‫وإدراكُ البعض للمجهول في الماضي يُؤذِن بأنك سوف تدرك في المستقبل أشياء جديدة‪.‬‬
‫سهِمْ حَتّىا‬
‫وإن نظرت خارج نفسك ستجد قول الحق سبحانه‪ {:‬سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الفَاقِ َوفِي أَنفُ ِ‬
‫يَتَبَيّنَ َلهُمْ أَنّهُ ا ْلحَقّ‪[} ...‬فصلت‪ ]53 :‬ومعنى{ سَنُرِي ِهمْ‪[} ...‬فصلت‪ ]53 :‬أن الرؤية ل تنتهي؛ لن‬
‫" السين " تعني الستقبال‪ ،‬ومَنْ نزل فيهم القرآن قرءوها هكذا‪ ،‬ونحن نقرؤها هكذا‪ ،‬وستظل هناك‬
‫آيات جديدة وعطاء جديد من ال سبحانه إلى أن تقوم الساعة‪.‬‬
‫س لَ‬
‫س وَلَـاكِنّ َأكْـثَرَ النّا ِ‬
‫خلْقِ النّا ِ‬
‫ت وَالَرْضِ َأكْـبَرُ مِنْ َ‬
‫سمَاوَا ِ‬
‫وسبحانه القائل‪ {:‬لَخَ ْلقُ ال ّ‬
‫َيعَْلمُونَ }[غافر‪]57 :‬‬
‫وأنت حين تفكر في خَلْق السماوات والرض ستجده مسألة غايةً في الضخامة؛ ويكفيك أن تتحيّر‬
‫في مسألة خَلْقك وتكوينك؛ وأنت مجرد فرد محدود بحيّز‪ ،‬ولك عمر محدود ببداية ونهاية‪ ،‬فما‬
‫جدَت من قَبْلك‪ ،‬وستستمر من بعدك إلى أن تنشقّ بأمر ال‪،‬‬
‫بَِالُك بخَلْق السماوات والرض التي وُ ِ‬
‫وتتكسر لحظتها النجوم‪.‬‬
‫ولبُدّ أن خَلْق السماوات والرض أكبر من خلق الناس‪ ،‬فالسماوات والرض تشمل الكون كله‪.‬‬
‫وحين تُحدّث عنها إياك أن تخلط فيها بوهمك؛ أو بتخمينك؛ لن هذه مسألة ل تُدرك في المعامل‪،‬‬
‫ول تستطيع أن تُجرِي تحليلت لمعرفة كيفية خَلْق السماوات والرض‪.‬‬
‫ن تكتفي بمعرفة ما يطلبه منك مَنْ خلقها؛ وماذا قال عنها‪ ،‬وتذكر قول الحق‬
‫ولذلك عليك أ ْ‬
‫سبحانه‪َ {:‬ولَ َتقْفُ مَا لَيْسَ َلكَ بِهِ عِ ْلمٌ‪ [} ...‬السراء‪]36 :‬‬
‫وقد حجز الحق سبحانه عن العقول المتطفلة أمرين؛ فل داعي أن تُرهِق نفسك فيهما‪:‬‬
‫المر الول‪ :‬هو كيفية خَلْق النسان؛ وهل كان قردا في البداية ثم تطوّر؟ تلك مسألة ل تخصّك‪،‬‬
‫فل تتدخل فيها بافتراضات تؤدي بك إلى الضلل‪.‬‬
‫والمر الثاني‪ :‬هو مسألة خَلْق السماوات والرض فتقول‪ :‬إن الرض كانت جزءا من الشمس‪،‬‬
‫ومثل هذا الكلم ل يستند إلى وقائع‪.‬‬
‫س ِهمْ‪[} ...‬الكهف‪:‬‬
‫ض وَلَ خَلْقَ أَ ْنفُ ِ‬
‫سمَاوَاتِ وَالَ ْر ِ‬
‫شهَدّتهُمْ خَلْقَ ال ّ‬
‫وتذكر قول الحق سبحانه‪ {:‬مّآ َأ ْ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫‪]51‬‬
‫ولو كان الحق سبحانه قد أراد أن تعلم شيئا عن تفاصيل هذين المرين لشهد خلقهما لبعض من‬
‫حلّ أنت هذا الّلغْز‬
‫البشر‪ ،‬لكنه سبحانه نفى هذا الشهاد؛ لذلك ستظل هذه المسألة ُلغْزا للبد؛ ولن َت ُ‬
‫أبدا؛ بل يحلّه لك البلغ عن الحقّ الذي خلق‪.‬‬
‫وقد أوضح لك أنه قد خلقك من طين‪ ،‬ونفخَ فيك من روحه‪ ،‬فاسمع منه كيفية خَلْقك وخَلْق الكون‬
‫كله‪.‬‬
‫ويدل العجاز البياني في القرآن على أن بعضا ِممّنْ يملكون الطموح العقلي أرادوا أن يأخذوا من‬
‫القرآن أدلة على صِحّة تلك النظريات التي افترضها بعض من العلماء عن خَلْق النسان وخَلْق‬
‫الرض‪ ،‬فيبلغنا الحق سبحانه مقدّما ألّ نصدقهم‪.‬‬
‫خذَ ا ْل ُمضِلّينَ‬
‫سهِ ْم َومَا كُنتُ مُتّ ِ‬
‫سمَاوَاتِ وَالَ ْرضِ َولَ خَ ْلقَ أَ ْنفُ ِ‬
‫شهَدّتهُمْ خَلْقَ ال ّ‬
‫ويقول لنا‪ {:‬مّآ أَ ْ‬
‫عضُدا }[الكهف‪]51 :‬‬
‫َ‬
‫وال ُمضِلّ هو مَنْ ُيضِلّك في المعلومات‪ ،‬هكذا أثبت لنا الحق سبحانه أن هناك مُضلّين سيأتون‬
‫ليقولوا كلما افتراضيا ل أساسَ له من الصّحة‪.‬‬
‫صصْ عليه‪ ،‬ليعرف كيفية خَلْق الشمس أو الرض‪ ،‬ومَنْ يدعي‬
‫وأوضح لنا سبحانه أن أحدا لم يتل ّ‬
‫معرفة ذلك فهو من المُضلّين؛ لنهم َقفَوْا ما ليس لهم به علم‪.‬‬
‫ومادام الحق سبحانه قد قال ذلك‪ ،‬فنحن نُصدّق ما قال‪.‬‬
‫وقد أثبتت التحليلت صِدْق ما قاله سبحانه عن خَلْق النسان‪ ،‬فسبحانه قد خلق الكون أولً‪ ،‬ثم‬
‫خلق السيد لهذا الكون وهو النسان‪ ،‬وكل الكون مُسخّر للنسان ويخدم هذا الخليفة في الرض‪،‬‬
‫وكل ما في الكون يسير بنظام وانتظام‪.‬‬
‫والمُتمرد الوحيد في الكون هو النسان‪ ،‬فيأتي الحقّ سبحانه إلى هذا المتمرّد؛ ليجعل الية فيه؛‬
‫وليثبت صِدْق الغيب في الرض‪.‬‬
‫سوّاه ال‪ ،‬ونفخ فيه من‬
‫وأوضح سبحانه أنه خلق آدم من الطين؛ والنسان من نسل آدم الذي َ‬
‫حفَظة؛ أنْ تسجدَ للنسان‪.‬‬
‫روحه‪ ،‬وبعد ذلك أمر الملئكة؛ من المُدبّرات أمرا ومن ال َ‬
‫وهذا السجود هو إعلن الطاعة لمر ال بخدمة النسان‪ .‬هذا الذي بدأت حكاية خَلْقه من تراب‪،‬‬
‫حمَأً مَسْنونا؛ ثم يجفّ الحَمأ ليصير‬
‫ثم خُلط التراب بالماء؛ ليصير طينا؛ ثم تُ ِركَ قليلً ليصير َ‬
‫صَلْصالً كالفخّار؛ ثم ينفخ فيه الحق بالروح‪.‬‬
‫فإذا ما انتهى الجل؛ فأول ما يُنقض هو خروج الروح؛ ثم يتصلّب الجثمان‪ ،‬وبعد أن يُوارَى‬
‫التراب يصير الجثمان ِرمّة؛ ثم يتسرّب الماء الموجود في الجثة إلى الرض‪ ،‬وتبقى العظام إلى‬
‫أن تتحول هي الخرى إلى تراب‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وهكذا يتحقق َن ْقضُ كل بناء؛ فما يُبني في نهاية أيّ بناء هو ما يُنقض أولً‪ ،‬وهكذا يتأكد لنا صدق‬
‫الحق سبحانه حين نرى صدق المقابل فيما أخبرنا به سبحانه عن كيفية الخلق‪.‬‬
‫وعندما يُخبِرنا الحق سبحانه أن كيفية خَلْق السماوات والرض ليست في مُتَناولنا؛ فقد أعطانا من‬
‫قبل الدليل على صِدْق ما جاء به‪ ،‬فيما أخبرنا به عن أنفسنا‪.‬‬
‫عمَدٍ‪...‬‬
‫سمَاوَاتِ ِبغَيْرِ َ‬
‫وفي الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول سبحانه‪ } :‬اللّهُ الّذِي َرفَعَ ال ّ‬
‫{ [الرعد‪]2 :‬‬
‫سمَاوَاتٍ فِي‬
‫وكلمة " السماوات " في اللغة جمع‪ ،‬وفي آية أخرى‪ ،‬يقول سبحانه‪َ {:‬ف َقضَاهُنّ سَبْعَ َ‬
‫سمَآءٍ َأمْرَهَا‪[} ...‬فصلت‪]12 :‬‬
‫َي ْومَيْنِ وََأوْحَىا فِي ُكلّ َ‬
‫وقديما كانوا يقولون‪ :‬إن المقصود بالسبع سماوات هو الكواكب السبعة‪ :‬الشمس‪ ،‬والقمر‪،‬‬
‫وعطارد‪ ،‬والزهرة‪ ،‬والمريخ‪ ،‬والمشترى‪.‬‬
‫وشاء سبحانه أن يُكذّب هذا القول وأصحابُه أحياء؛ فرأى علماء الفلك كواكبَ أخرى مثل‪ :‬نبتون‬
‫وبلوتو؛ وكان في ذلك َلفْتة سماوية ِلمَنْ قالوا‪ :‬إن المقصود بالسماوات السبع هو الكواكب السبعة‪.‬‬
‫حسْن نية وبرغبة في رَبْط القرآن بالعلم؛ لكنهم نَسُوا أن يُدقّقوا الفهم ِلمَا في‬
‫وقد قالوا هذا القول ب ُ‬
‫كتاب ال‪ ،‬فسبحانه قد أوضح أن الشمس والقمر والكواكب زينة السماء الدنيا‪ ،‬فما بالُنَا بطبيعة‬
‫وزينة بقية السماوات؟‬
‫ويتابع سبحانه‪ } :‬ثُمّ اسْ َتوَىا عَلَى ا ْلعَرْشِ‪[ { ...‬الرعد‪]2 :‬‬
‫وهذه قضية هي أهمّ قضية كلمية ناقشها علماء الكلم؛ قضية الستواء والعرش‪ ،‬وحتى نفهم أيّ‬
‫ق على معانيها‪ ،‬ثم نبحثها جملة واحدة‪ ،‬لكن أن نجلس لنتجادل‬
‫قضية لبُدّ أن نُحلّل ألفاظها لنتف َ‬
‫ونحن غير مُتوارِدين ومتفقين على َفهْم واحد؛ فهذا أمرٌ ل يليق‪.‬‬
‫ولننظر الن معنى " الستواء " ومعنى " العرش " ‪ ،‬ونحن حين نستقرئ كلمة " استوى " في‬
‫القرآن نجدها قد وردتْ في آيات متعددة‪.‬‬
‫ش ّدهُ وَاسْ َتوَىا‬
‫وجاءت مرّة واحدة بمعنى الستواء أي‪ :‬النضج‪ ،‬في قول الحق سبحانه‪ {:‬وََلمّا بََلغَ أَ ُ‬
‫حكْما وَعِلْما‪[} ...‬القصص‪]14 :‬‬
‫آتَيْنَاهُ ُ‬
‫أي‪ :‬أنه قد بلغ ُنضْجه الكماليّ‪ ،‬ويستطيع أن يكون رجلً صالحا لممارسة ما يُبقِي نوعه‪ ،‬وإنْ‬
‫تزوج فسلوف يُنجِب مثله؛ وهذا استواء لمخلوق هو النسان‪.‬‬
‫لفُقِ الَعْلَىا }[النجم‪]7-6 :‬‬
‫ومرة أخرى يقول القرآن‪ {:‬ذُو مِ ّرةٍ فَاسْ َتوَىا * وَ ُهوَ بِا ُ‬
‫والمعنى هنا هو‪ :‬صعد؛ والمقصود هو صعود محمد وجبريل عليهما السلم إلى الفق العلى‪.‬‬
‫سمَاوَاتٍ‪[} ...‬البقرة‪]29 :‬‬
‫سوّاهُنّ سَبْعَ َ‬
‫سمَآءِ فَ َ‬
‫وهناك قوله الحق‪ُ {:‬ثمّ اسْ َتوَىا إِلَى ال ّ‬
‫أي‪ :‬أنه سبحانه قد استوى إلى السماء؛ وإياك أن تظن أن استواءه سبحانه إلى السماء مساو‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لستواء البشر؛ لننا قلنا من قبل‪ :‬إن كل شيء بالنسبة ل إنما نأخذه في إطار‪ {:‬لَيْسَ َكمِثْلِهِ‬
‫شيْءٌ‪[} ...‬الشورى‪]11 :‬‬
‫َ‬
‫وبذلك يكون استواؤه سبحانه إلى السماء هو استواء يليق بذاته‪ ،‬والستواء المطلق شيء مختلف‬
‫عن الستواء على العرش‪.‬‬
‫وهكذا نجد استواءً لغير ال من إنسان؛ وهناك استواء لغير ال من إنسان ومن ملك؛ وهناك‬
‫استواء من ال إلى غير العرش‪ .‬وبجانب ذلك هناك استواء على العرش‪.‬‬
‫وقد وردَ الستواء على العرش في سبعة مواقع بالقرآن؛ في‪ :‬سورة العراف؛ وسورة يوسف؛‬
‫والرعد‪ ،‬وطه‪ ،‬والفرقان‪ ،‬والسجدة‪ ،‬والحديد‪.‬‬
‫وورد ذكر العرش في القرآن بالنسبة ل واحدا وعشرين مرّة‪ ،‬وورد بالنسبة لبلقيس أربع مرات؛‬
‫عظِيمٌ }[النمل‪]23 :‬‬
‫فهو القائل سبحانه‪... {:‬وََلهَا عَرْشٌ َ‬
‫شهَا‪[} ...‬النمل‪]38 :‬‬
‫وقال‪ {:‬أَ ّيكُمْ يَأْتِينِي ِبعَرْ ِ‬
‫شهَا‪[} ...‬النمل‪]41 :‬‬
‫ثم قال‪َ {:‬نكّرُواْ َلهَا عَ ْر َ‬
‫شكِ‪[} ...‬النمل‪]41 :‬‬
‫وقال‪ {:‬أَ َهكَذَا عَ ْر ُ‬
‫وبالنسبة ليوسف قال سبحانه‪ {:‬وَ َرفَعَ أَ َبوَيْهِ عَلَى ا ْلعَرْشِ‪[} ...‬يوسف‪]100 :‬‬
‫وإيّاك أن تأخذ الستواء بالنسبة ل على أن معناه " الّنضْج "؛ لن الّنضْجَ إشعا ٌر بكمالٍ سَبقه‬
‫َنقْصٌ‪.‬‬
‫ولذلك نجد العلماء المُدقّقين قد عَِلمُوا أن ِذكْر استواء ال على العرش قد ورد في سبعة مواضع‬
‫بالقرآن الكريم وقالوا‪:‬وَ ِذكْرُ اسْتواءِ الِ فِي كَِلمَاتِه عَلى العَرْشِ في سَبْعِ َموَاضِع فَاعْ ُد ِد َففِي سُو َرةِ‬
‫العْرَافِ ُثمّةَ يُونُسَ َوفِي الرّعْدِ مع طَه فَلِ ْلعَدّ َأكّ ِد َوفِي سُو َر ِة الفُْرقَانِ ُثمّة سَجْدة كَذَا في الحدِيدِ‬
‫طعّا ِنوَهي اسْتقرّ‬
‫حصَّلتْ لِلْفارسِ ال ّ‬
‫افْهمْهُ َفهْم مُؤيّدِوقالوا في المعنى‪:‬فََلهُمْ مَقالتٌ عَل ْيهَا أَرْبعة قَدْ ُ‬
‫حمَى‬
‫صعَد الذِي ُهوَ رَابِعٌ بِتمَامِ أمْرٍ مِنْ ِ‬
‫ل وَكذِلكَ ار َتفَع مَا فِيهِ مِنْ ُنكْرا ِن َوكَذاكَ َق ْد َ‬
‫وقَدْ عَ َ‬
‫الرّحمَانِوالصعود إلى العرش هو حركة انتقال من وضع إلى وضع لم َيكُنْ فيه‪.‬‬
‫وهكذا نجد أن المعاني التي تتمشّى مع الستواء في عُرْفنا البشري ل تتناسب مع كمال ال‪.‬‬
‫واختلف العلماء‪ :‬قال واحد منهم‪ " :‬سآخذ اللفظ كما قاله ال "‪.‬‬
‫شيْءٌ‪[} ...‬الشورى‪]11 :‬‬
‫ونردّ على هذا بسؤال‪ :‬وهل يمكنك أن ُتغَ ّيبَ‪ {:‬لَيْسَ َكمِثْلِهِ َ‬
‫طبعا‪ ،‬ل أحدَ يستطيع ذلك‪ ،‬وعليك أن تأخذ كل َف ْهمٍ لشيء يخصّ الذات العَلية في إطار‪:‬‬
‫شيْءٌ‪[} ...‬الشورى‪]11 :‬‬
‫{ لَ ْيسَ َكمِثْلِهِ َ‬
‫ولذلك نجد أهل الدّقة يقولون‪ " :‬الستواء معلوم‪ ،‬والكَيْف مجهول‪ ،‬والسؤال عنه الكيفية بدعة؛ لن‬
‫المعاصرين لرسول ال صلى ال عليه وسلم لم يسألوا عن تلك الكيفية‪ ،‬رغم أنهم سألوا عن كثير‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫من المور‪.‬‬
‫وهناك آيات متعددة تبدأ بقول الحق سبحانه‪ {:‬يَسَْألُو َنكَ‪[} ...‬البقرة‪]189 :‬‬
‫وكان السؤال واردا بالنسبة لهم؛ لكنهم بملكتهم العربية الفطرية قد َفهِموا الستواء كشيء يناسب‬
‫ال‪ ،‬فلم يسألوا عنه‪.‬‬
‫وجاء السؤال من المتأخرين الذين تمحّكوا‪ ،‬فقال واحد‪ :‬سآخذ اللفاظ بمعناها؛ فإن قال‪ :‬إن له‬
‫صعودا؛ فهو يصعد‪ ،‬وإنْ قال‪ :‬إن له استواء فهو يستوي‪.‬‬
‫وِلمَنْ قال ذلك نردّ عليه‪ :‬إن ما تقوله صالحٌ للغيار‪ ،‬ول يليق أن تقول ذلك عن الذي يُغيّر ول‬
‫يتغيّر‪ .‬وإذا سألتَ عن معنى كلمة " استواء " فهو " استتب له المر "‪ .‬وهل كان المر غير‬
‫مستتب له سبحانه؟‬
‫ونقول‪ :‬نحن نعلم أن ل سبحانه وتعالى صفات متعددة‪ ،‬وهذه الصفات كانت موجودة قبل أن يخلق‬
‫خلْق والكون؛ فسبحانه موصوفٌ أنه خالق قبل أنْ يخلق الخَلْق‪ ،‬و ُمعِزّ قبل أن يخلق مَنْ‬
‫ال ال َ‬
‫ت الكمال المُطْلق‪.‬‬
‫يُعزّه‪ ،‬ومُ ِذلّ قبل أنْ يخلق مَنْ يُذِلّه‪ ،‬وله سبحانه صفا ُ‬
‫وبهذه الصفات خلق الخلق‪ ،‬يقول الحق‪... {:‬رَبّنَا الّذِي أَعْطَىا ُكلّ شَيءٍ خَ ْلقَهُ ثُمّ هَدَىا }[طه‪]50 :‬‬
‫وكذا نؤمن بأن صفة الخَلْق كانت في ذاته قبل أن يخلق خَلْقه‪ ،‬وحين خلق سبحانه السماوات‬
‫والرض أبرز الصفة التي كانت موجودة فيه وليس لها مُتعلّق؛ فأوجد هو سبحانه المُتعلّق‪ ،‬وهكذا‬
‫استتبّ له المر سبحانه‪.‬‬
‫إذن‪ :‬إذا ُذكِر استواءُ ال‪ ،‬فهذا يعني تمامَ المُرَاد له‪ ،‬فصار للصفات التي كانت فيه‪ ،‬وليس لها‬
‫مُتعلّق أو َمقْدُور؛ مُتعلّق ومَقْدور‪.‬‬
‫عظِيمٌ }[النمل‪:‬‬
‫ج َدتْ هذه الصفة في البشر مثل بلقيس التي وصفها سبحانه‪... {:‬وَلَهَا عَرْشٌ َ‬
‫وإذا وُ ِ‬
‫‪]23‬‬
‫فهي تختلف عن صِفَة ال؛ لنها لم تجلس على العرش إل بعد أن خلقها ال‪ ،‬ول يستتب المر‬
‫لملك أو ملكة إل بمتاعب ومعارك‪ ،‬وقد ينشغل هذا الشخص في معارك وحروب‪ ،‬ثم يستتبّ له‬
‫المر‪.‬‬
‫وهكذا يختلف استواءُ ال عن استواءِ خَلْق ال‪ ،‬وإذا ذُكر استواء ال على العرش؛ فنحن نُنزّه ال‬
‫شيْءٌ‪[} ...‬الشورى‪]11 :‬‬
‫عن كل استواء يناسب البشر‪ ،‬ونقول‪ {:‬لَيْسَ َكمِثْلِهِ َ‬
‫واستواؤه هو تمام المر له‪ ،‬لن أمره صادر‪ ،‬وعند تحقيق أمره في توقيته المراد له يكون تمام‬
‫المر‪ ،‬وتمام المر استواؤه‪ ،‬أما كلمة " العرش " فنحن نجدها في القرآن بالنسبة ل‪.‬‬
‫ح ِملُ عَرْشَ رَ ّبكَ‪[} ...‬الحاقة‪]17 :‬‬
‫إما ُمضَافا لسم ظاهر‪ {:‬وَيَ ْ‬
‫علَى ا ْلمَآءِ‪[} ...‬هود‪]7 :‬‬
‫وإما ُمضَافا للضمير المخاطب أو الغائب‪َ {:‬وكَانَ عَرْشُهُ َ‬
‫صفُونَ }[النبياء‪]7 :‬‬
‫عمّا َي ِ‬
‫وإما مضافا للتنسيب‪... {:‬فَسُبْحَانَ اللّهِ َربّ ا ْلعَرْشِ َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫س وَا ْلقَمَرَ‪.‬‬
‫شمْ َ‬
‫سخّرَ ال ّ‬
‫ويقول الحق سبحانه في نفس الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها‪ } :‬وَ َ‬
‫‪[ { ..‬الرعد‪]2 :‬‬
‫والتسخير هو طلب المُسخّر أن يكون كما أراده تسخيرا‪ ،‬بحيث ل تكون له رغبة‪ ،‬ول رَأْي‪ ،‬ول‬
‫ضدّه الختيار‪.‬‬
‫َهوَى‪ ،‬والتسخير ِ‬
‫والكائن المُسخّر ل اختيارَ له‪ ،‬أما الكائن الذي له اختيار فهو إنْ شاء فعل‪ ،‬وإنْ شاء لم يفعل‪.‬‬
‫سمَاوَاتِ وَالَ ْرضِ‬
‫لمَانَةَ عَلَى ال ّ‬
‫وقُلْنا قديما‪ :‬إن الحق سبحانه قد خَيّرَ النسان‪ {:‬إِنّا عَ َرضْنَا ا َ‬
‫جهُولً }[الحزاب‪]72 :‬‬
‫حمََلهَا الِنْسَانُ إِنّهُ كَانَ ظَلُوما َ‬
‫شفَقْنَ مِ ْنهَا وَ َ‬
‫حمِلْ َنهَا وَأَ ْ‬
‫وَالْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن َي ْ‬
‫وبذلك قَبِل النسان أداء المانة َو ْقتَ أدائها؛ ل َوقْتَ تحمّلها‪ ،‬ووقت الداء غير وقت التحمّل‪،‬‬
‫وضربتُ المَثَل بمَنْ يقول لصديقه " عندي ألف جنيه؛ وأخاف أنْ يضيعوا مِنّي؛ فاحفظهم لي معك؛‬
‫وحين أحتاجهم اعْطِهمْ لي "‪.‬‬
‫ويقول الصديق‪ " :‬هَاتِ النقود وسأُعطِيها لك وقت أنْ تطلبها "‪.‬‬
‫ق وقت تحمّل المانة؛ لكن ظروفا تمرّ عليه‪ ،‬فيتصرّف في هذه المانة؛ وحين‬
‫والصديق صاد ٌ‬
‫ضمِنَ نفسه وقت التحمّل؛ لكنه لم‬
‫يطلبها صاحبها؛ قد يعجز حامل المانة عن رَدّها‪ ،‬وهو بذلك َ‬
‫يضمن نفسه وقت الداء‪.‬‬
‫وكان من الواجب عليه أن يقول لصديقه لحظةَ أنْ طلب منه ذلك‪ " :‬أرجوك‪ ،‬ابتعد عنّي لنّي ل‬
‫أضمن نفسي َوقْت الداء "‪.‬‬
‫وقد أَ َبتِ السماء والرض والجبال تحمّل المانة َوقْت عَ ْرضِها؛ وقَبِلتْ كل منهم التسخير؛ فل‬
‫الجبال ول السماوات ول الرض لها قدرة الختيار‪ ،‬ول هَوى ليّ منها في هذه القدرة؛ مثلها في‬
‫ذلك مثل كل أجناس الكون ما عدا النسان؛ ولم نجد فسادا في الرض قد نشأ من ناحية‬
‫المُسخّرات‪.‬‬
‫أما النسان فقد قَبِل تحمّل المانة؛ لن له عقلً يُفكّر ويختار؛ ومن الختيار ونتيجة للهوى جاء‬
‫الفساد في الكون‪ ،‬ولو أقبل النسان على العمل وكأنه مُسخّر خاضع لمنهج ال؛ لستقام عمل‬
‫ع َملُ كل الكائنات المُسخّرة بأمر ال‪.‬‬
‫النسان مِثْلما يستقيم َ‬
‫ط َغوْاْ فِي‬
‫فإن أردتم أن تستقيمَ أموركم فيما لكم فيه اختيار‪ ،‬فطبّقوا قول الحق سبحانه‪َ {:‬ألّ َت ْ‬
‫ط َولَ ُتخْسِرُواْ ا ْلمِيزَانَ }[الرحمن‪]9-8 :‬‬
‫سِ‬
‫ا ْلمِيزَانِ *وََأقِيمُواْ ا ْلوَزْنَ بِا ْلقِ ْ‬
‫ن نفّذتم المنهج َتسْتقِمْ أموركم‪ ،‬كما استقامتْ الكائنات‬
‫وانظروا ماذا يطلب الحق منكم في منهجه‪ ،‬فإ ْ‬
‫المُسخّرة‪.‬‬
‫ول يأتي الخَلَل إل من أننا نحن البشر نقوم ببعض العمال باختيارنا‪ ،‬وتكون مخالفة لمنهج‬
‫ط َغوْاْ فِي‬
‫المُشرّع‪ ،‬أما إذا كنا نؤدي أعمالنا ونضع ُنصْب أعيننا قول الحق سبحانه‪َ {:‬ألّ تَ ْ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ا ْلمِيزَانِ }[الرحمن‪]8 :‬‬
‫فلسوف تكون أعمالنا مُطابِقة لمنهج ال‪ ،‬وسنجد في أعمالنا ما يَسرّنا مثل سرورنا حين نجد‬
‫الفلك منتظمة بدقة وحساب‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالفساد ل يأتي إل من الختيار غير المُرْتجي لمنهج مَنْ خلق فينا الختيار‪ ،‬وإن كنت تريد‬
‫أن تكون مختارا؛ فعليك أن تلتزم بمنهج مَنْ خيّرك‪.‬‬
‫ولذلك نجد الصالحين من خَلْق ال قد ساروا على منهج ربهم؛ والتزموا باختيار مراد ربهم فيما‬
‫لهم فيه اختيار؛ فصاروا وكأنهم مُسخّرون لمُرَادات ال‪.‬‬
‫وهؤلء يسمّونهم " العباد " ل " العبيد "؛ فكل مملوك ل من العبيد؛ آمن به أو كفر؛ أطاع أو‬
‫حمَـانِ الّذِينَ‬
‫عصى؛ أما العباد َفهُمْ مَنْ جعلوا مرادات ال هي اختيارهم‪ ،‬يقول تعالى‪ {:‬وَعِبَادُ الرّ ْ‬
‫َيمْشُونَ عَلَىا الَ ْرضِ َهوْنا وَِإذَا خَاطَ َبهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلَما }[الفرقان‪]63 :‬‬
‫هؤلء هم مَنِ اتجهوا بالختيار إلى ما يختاره لهم ال‪.‬‬
‫ونجد الحق سبحانه يقول في الملئكة‪ {:‬عِبَادٌ ّمكْ َرمُونَ * لَ َيسْ ِبقُونَهُ بِا ْل َق ْولِ وَ ُهمْ بَِأمْ ِرهِ َي ْعمَلُونَ }‬
‫[النبياء‪]27-26 :‬‬
‫وإذا ما التزم العبد بمنهج ربه في حال الختيار؛ فهو ل يتساوى مع الملئكة فقط‪ ،‬بل قد يسمو‬
‫عنهم؛ لنهم َمقْهورون بالتسخير؛ بينما تتمتع أنت بالختيار؛ وآث ْرتَ منهج ربك‪.‬‬
‫س وَا ْل َقمَرَ ُكلّ‬
‫شمْ َ‬
‫ويقول الحق سبحانه هنا في الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها‪ {:‬وَسَخّرَ ال ّ‬
‫سمّى‪[} ...‬لقمان‪]29 :‬‬
‫جلٍ مّ َ‬
‫يَجْرِي إِلَىا َأ َ‬
‫ولحظةَ تجد التنوين مثل " كلّ " فهذه يعني كُلّ من السابق‪ .‬أي‪ :‬الشمس والقمر‪ .‬أما الجَرْي إلى‬
‫جلٍ مُسمّى؛ فيقتضي مِنّا أن نفهم معنى الجَرْي؛ وهو تقليل الزمن عن المسافة‪.‬‬
‫أَ َ‬
‫صلَ في ساعة زمن‪ ،‬وقد تجري لتقطع‬
‫فحين تريد الوصول إلى مكان مُعيّن فقد تمشي ال ُهوَيْنا؛ لِ َت ِ‬
‫نفس المسافة في نصف ساعة؛ والجَرْي بطبيعة الحال ملحوظ ِممّن يراك‪.‬‬
‫لكن‪ :‬هل يرى أحدنا الشمس وهي تجري؟‬
‫ل‪ ،‬لنها تجري في ذاتها؛ ويُسمّى هذا النوع من الجري " جري انسيابي "‪ .‬أي‪ :‬ل تدركه بالعين‬
‫المجردة‪ ،‬وهناك ما يُسمّى " انتقال قفزي " ‪ ،‬وهناك ما يُسمّى " انتقال انسيابي "‪.‬‬
‫وانظر إلى عقارب الساعة؛ ستجد عقربَ الثّواني أسرعَ من عقرب الدقائق الذي يبدو ساكنا رغم‬
‫أنه يتحرك؛ وأنت ترى حركة عقرب الثواني؛ لنها تتم َقفْزا؛ بينما ل ترى حركة عقرب الدقائق؛‬
‫لنه يتحرك تِبَعا لدورة هادئة من التروس داخل الساعة؛ وكل جزئية في حركة التّرْس الخاص‬
‫بعقرب الدقائق تتأثر بحركة تُرْس عقرب الثّواني؛ والحركة القفزية لعقرب الثواني تتحول إلى‬
‫حركة انسيابية في عقرب الدقائق‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وحركة كل من العقربين تتحول إلى حركة أكثر انسيابية في عقرب الساعات‪ ،‬وهذا يعني أن كل‬
‫جزئية من الزمن فيها جزئية من الحركة‪.‬‬
‫وحتى في النمو بالنسبة للنسان أو الحيوان أو النبات‪ ،‬تجد عملية النمو غير ظاهرة لك؛ لن‬
‫الكائن الذي ينمو إنما ينمو بقدر بسيط غير ملحوظ‪ ،‬وهذا القدر البسيط شائع في اليوم كله‪.‬‬
‫وإن أردتَ أن تعرف هذه المسألة أكثر‪ ،‬انظر إلى الظل‪ ،‬وأنت ترى الظل واضحا ساعةَ سطوع‬
‫الشمس‪ ،‬ثم ينحسر الظل بانحسار الشمس‪.‬‬
‫جعَلَهُ سَاكِنا }[الفرقان‪]45 :‬‬
‫ل وََلوْ شَآءَ َل َ‬
‫ظّ‬
‫واقرأ قول الحق سبحانه‪ {:‬أََلمْ تَرَ إِلَىا رَ ّبكَ كَ ْيفَ مَدّ ال ّ‬
‫أي‪ :‬أن الظل متحرك وغير ثابت‪ ،‬وكل جزئية من الزمن تؤثر في حركة الشمس‪ ،‬فيتأثر بها‬
‫الظل‪.‬‬
‫وهكذا يجب أن نُفرّق بين الحركة القفزية والحركة النسيابية‪ ،‬وحين تقدمنا في العلم نجدهم‬
‫يقولون‪ :‬سنزيد من الحركة النسيابية عن الحركات القفزية "‪.‬‬
‫سمّـى‪[ { ...‬الرعد‪]2 :‬‬
‫جلٍ مّ َ‬
‫س وَا ْل َقمَرَ ُكلّ َيجْرِي لَ َ‬
‫شمْ َ‬
‫وهنا يقول الحق سبحانه‪ } :‬وَسَخّرَ ال ّ‬
‫والجل هو المدة المحدودة للشيء؛ وهي محدودة زمنا إنْ أردنا ظرف الزمان؛ أو محدودة‬
‫بالمسافة إن أردنا المكان‪.‬‬
‫والمقصود هنا بالجل؛ إما الجل النهائي لوجود الشمس والقمر؛ ثم إذا انشقتْ السماء ُكوّرتْ‬
‫الشمس‪ ،‬وانكدرت النجوم‪.‬‬
‫أو‪ :‬أن المقصود هنا بالجل هو للتعبير عن عملها اليومي‪.‬‬
‫وقد عرفنا أن هناك مطالع متعددة للشمس‪ ،‬وعلى الرغم من أن المشرق له جهة عامة واحدة؛ لكن‬
‫المطالع مختلفة‪ ،‬بدليل أن قدماء المصريين أقاموا في بعض المعابد طاقاتٍ وفتحاتٍ في البناء‪.‬‬
‫فتطلع الشمس ُكلّ يوم من أحد هذه الطاقات؛ فكل يوم توجد لها منزلة مختلفة عن اليوم السابق‪،‬‬
‫وتظل تقطعها‪ ،‬ثم تعود مرة أخرى‪ ،‬وتفعل ذلك إلى أجل مُسمّى أي يوميا‪.‬‬
‫حمَل؛ والجَدي؛ والثور؛ والسد؛ والسنبلة؛ والقوس؛‬
‫ونُسمّي نحن تلك المنازل " البروج " كبرج ال َ‬
‫والحوت؛ ونحن نرصد هذه البراج كوسيلة لمعرفة أحوال الطقس من حرارة‪ ،‬وبرودة‪ ،‬ومطر‪،‬‬
‫وغير ذلك‪ ،‬ذلك أن ُكلّ برج له زمن‪ ،‬ويمكن تعريف أحوال الجو خلل هذا الزمن بدقة‪.‬‬
‫ولكن بعضا من تصرفات النسان تفسد عملية التحديد الدقيق في الكون‪ ،‬مثلما يشعل البعض‬
‫الحرائق في الغابات؛ فتحرق النار الكسوجين الذي يحتاجه البشر والحيوانات للتنفس‪ ،‬ويحاول‬
‫الغلف الجوي أن يتوازن‪ ،‬فيشُدّ كميات من الهواء من منطقة أخرى‪ ،‬فيختلّ ميزان الطقس ليام‪.‬‬
‫وكذلك يفسد الجو من التجارب الذرية التي تُجريها الدول أعضاء النادي الذري؛ تلك التجارب‬
‫التي تقوم بتفريغ الهواء‪ ،‬فتجعل الطقس غَيْرَ مُسْتقر وغير منضبط؛ وهذا ما يفسد استخدامنا‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫للبراج كوسيلة لمعرفة تقلّبات الطقس‪.‬‬
‫جوْزةَ السّرطَانِ ورعى الليث سنبل‬
‫وقد أوجز الشاعر تلك البراج في قوله‪:‬حَملَ الثورُ َ‬
‫جدْي دَلْو وحُوت مَا عَرفْنَا مِنْ أُمةِ السّرْيَانِويتابع الحق سبحانه في نفس الية‬
‫الميزان َعقْرب ال َقوْس َ‬
‫صلُ اليَاتِ َلعَّلكُمْ بِِلقَآءِ رَ ّب ُكمْ تُوقِنُونَ { [الرعد‪:‬‬
‫لمْرَ ُي َف ّ‬
‫التي نحن بصدد خواطرنا عنها‪...} :‬يُدَبّرُ ا َ‬
‫‪]2‬‬
‫عمَدٍ‪ ،‬واستوائه على العرش‪،‬‬
‫وسبحانه قد أوضح من أول الية مسألة َرفْع السماوات بغير َ‬
‫وتسخير الشمس والقمر‪ ،‬وكيف يجري ُكلّ شيء لجل مُسمّى‪.‬‬
‫وكُلّ ذلك يتطلب تدبيرا للمر بعد أن أبرز القدرة؛ ثم يصون ذلك كله‪ ،‬فكما َقدّر فخلق‪ ،‬فهو يُدبّر‬
‫بقيوميته‪ ،‬فهو القائم على كل شيء‪ ،‬وسبحانه كل يوم هو في شَأْن‪.‬‬
‫وأقول هذا المثل لوضح ـ ل لُشبّه فسبحانه مُنَزّه عن التشبيه ـ ونحن نقول‪ :‬فلن فكّر أولً ثم‬
‫دبّر‪ ،‬والتفكير هو العملية التي تبحث فيها عن الشيء لخراج المطلوب منه؛ كأن تأتي بقليل من‬
‫حبوب القمح لتفركه بيدك لتخرج القمحة من قشرته‪.‬‬
‫هذا هو التفكير الذي يطلب منك أن تبحث وتُنقّب إلى أن تصل إلى ُلبّ الشياء‪.‬‬
‫والتدبّر يقتضي ألّ تقتنع بما هداك إليه فكرك في نفس اللحظة‪ ،‬ولكن أن تُمحّص المر لترى ماذا‬
‫سينتج عن تنفيذ ما وصل إليه فكرك؟‬
‫طبٍ بعد قليل‪.‬‬
‫فربما ما فكرتَ فيه يُسعِفك ويُعينك في لحظ ِتكَ الحالية؛ لكنه سيأتي لك ب َع َ‬
‫والمَ َثلُ الذي أضربه على مثل هذه الحالة دائما هو اختراع المُبيدات الحشرية؛ ولم َيفْطِنوا إلى أن‬
‫هذه المبيدات ل تقتل الحشرات الضارة وحدها‪ ،‬بل تُسمّم الطيور التي كانت تفيد الفلح‪.‬‬
‫ووصل المر إلى حَدّ تحريم استخدام هذه المبيدات؛ وجاء هذا التحريم ممن تفاخروا من قَبْل على‬
‫كل شعوب الرض باختراعهم لتلك المبيدات‪ ،‬فقد فَطِنوا إلى أنّ ما جاءهم من خَير عن طريق‬
‫تلك المبيدات هو أقلّ بكثير من الضّرّ الذي وقع بسببها‪.‬‬
‫وهذا يعني أنهم لم يتدبروا اختراعهم لتلك المبيدات؛ فقاموا بتصنيعها لفائدة عاجلة‪ ،‬دون أن يتلفتوا‬
‫إلى الخطورة الجلة‪ ،‬وكان لبُدّ لهم أن يتدبروا المر‪ ،‬لن التدبّر معناه النظر في دُبُر الشياء‪.‬‬
‫والحق سبحانه هو القائل‪َ {:‬أفَلَ يَتَدَبّرُونَ ا ْلقُرْآنَ أَمْ عَلَىا قُلُوبٍ َأ ْقفَاُلهَآ }[محمد‪]24 :‬‬
‫أي‪ :‬ل تنظر إلى واجهة الية فقط‪ ،‬بل انظر في أعماقها‪ ،‬ولذلك يقول لنا سيدنا عبد ال بن مسعود‬
‫رضي ال عنه‪َ " :‬ثوّروا القرآن "‪.‬‬
‫أي‪ :‬استخرجوا منه الكنوز بالتدبّر؛ لن التدبر يحمي من حماقة التفكير‪ ،‬والمثل البسيط المتكرر‬
‫في بيوتنا هو أننا نغسل أفواهنا بعد تناول الطعام ونتمضمض ِممّا َبقِي في الفم من بقايا‪.‬‬
‫ونجد من بين هذه البقايا بعضا من " الفتافيت الصلبة بعض الشيء " ‪ ،‬ثم نغسل حوض المياه‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫بتيار متدفق من ماء الصنبور‪ ،‬ونُفَاجأ بعد فترة من الزمن بانسداد ماسورة الصرف الخاصة‬
‫بالحوض؛ وحين يفتح السباك ماسورة الصرف هذه يجدها مليئة برواسب من بقايا الطعمة‪.‬‬
‫وأنت حين تمضمضتَ لم تلتفت إل لنظافة الفَمِ من البقايا‪ ،‬ولم تتدبر أمر تلك البقايا‪ ،‬ولو أنك‬
‫تدبرتَ ذلك َلقُ ْمتَ بتركيب ماسورة صرف للحوض أكبر من الماسورة التقليدية الضيقة؛ ولَجع ْلتَ‬
‫صندوق الطرد الخاص بالحوض أكبر من الحجم المعتاد والمُجهّز لصرف المياه فقط‪.‬‬
‫وهكذا نرى أن الفكر يحثّك على أن تبحث عن مطلوب لك؛ ولكن عليك أن تنظر وتُدقّق‪ :‬هل‬
‫يحقق لك ما يقترحه عليك فكرك؛ ما يفيدك أم ما يضرك؟‬
‫هذا هو التدبّر‪ ،‬وهو ما نُسمّيه صيانة الشياء‪.‬‬
‫صلُ اليَاتِ َلعَّلكُمْ بِِلقَآءِ رَ ّب ُكمْ تُوقِنُونَ { [الرعد‪]2 :‬‬
‫ويتابع الحق سبحانه في نفس الية‪ُ ...} :‬ي َف ّ‬
‫حكْما مناسبا له‪ .‬ودائما أقول لمن يسألني عن فتوى؛ ويُلِحّ‬
‫وتفصيل اليات يعني أنه جعل لكل أمر ُ‬
‫أن تتوافق الفتوى مع مراده‪ " :‬نحن ل نُفصّل الفتوى من أجل هواك؛ لن ما عندي هي فتاوى‬
‫جاهزة؛ وعليك أن تضبط مقاسك أنت على الفتوى‪ ،‬ل أن نُفصّل لك الفتوى على هواك "‪.‬‬
‫أقول ذلك؛ لن المسألة ليست حياة تنتهي إلى العَدَم‪ ،‬ولكن هناك حياة أخرى تُحاسب فيها على كل‬
‫جعَلْنَاهُ هَبَآءً مّنثُورا }[الفرقان‪:‬‬
‫ع َملٍ َف َ‬
‫عمِلُواْ مِنْ َ‬
‫تصرّف‪ ،‬فالحق سبحانه هو القائل‪َ {:‬وقَ ِدمْنَآ إِلَىا مَا َ‬
‫‪]23‬‬
‫ف لّ َيقْدِرُونَ ِممّا‬
‫ص ٍ‬
‫جلّ وعل‪ {:‬كَ َرمَادٍ اشْ َت ّدتْ بِهِ الرّيحُ فِي َيوْمٍ عَا ِ‬
‫وهو القائل سبحانه أيضا َ‬
‫شيْءٍ‪[} ...‬إبراهيم‪]18 :‬‬
‫كَسَبُواْ عَلَىا َ‬
‫ولذلك فعليك أن تُقبِل على كل عمل وأنت مُوقِن بأن هذا العمل ل ينتهي بتركك للحياة الدنيا‪ ،‬ولكن‬
‫لكل عمل آثاره في حياة باقية‪ ،‬وإذا كانت الدنيا تحمل لك راحة موقوتة أو تعبا موقوتا‪ ،‬فالراحة‬
‫في الخرة باقية أبدا؛ والتعب فيها غير َموْقوت‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه بعد ذلك‪:‬‬
‫} وَ ُهوَ الّذِي مَ ّد الَ ْرضَ‪{ ...‬‬

‫(‪)1696 /‬‬
‫ج َعلَ فِيهَا َزوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ُيغْشِي‬
‫ي وَأَ ْنهَارًا َومِنْ ُكلّ ال ّثمَرَاتِ َ‬
‫سَ‬
‫ج َعلَ فِيهَا َروَا ِ‬
‫وَ ُهوَ الّذِي مَدّ الْأَ ْرضَ وَ َ‬
‫اللّ ْيلَ ال ّنهَارَ إِنّ فِي ذَِلكَ لَآَيَاتٍ ِل َقوْمٍ يَ َت َفكّرُونَ (‪)3‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ويتابع الحق سبحانه سَرْد آياته الكونية في هذه الية‪ { :‬مَ ّد الَ ْرضَ‪[ } ...‬الرعد‪]3 :‬‬
‫سطَ تابع‬
‫يعني أنها موجودة أمامك و ُممْتدة‪ ،‬وبعض الناس يفهمون المَدّ بمعنى البسط‪ ،‬ونقول‪ :‬إن البَ ْ‬
‫للمَدّ‪.‬‬
‫ولذلك وقف بعض العلماء وقالوا‪ :‬ومن قال إن الرض كُرَويّة؟‬
‫إن الحق سبحانه قال‪ :‬إنها مبسوطة‪ ،‬وهو سبحانه الذي قال‪ :‬إنه قد مَ ّد الرض‪.‬‬
‫وقلتُ لهؤلء العلماء‪ :‬فَلْنفهم كلمة المَ ّد أولً‪ ،‬وَلنْفهَمْ أيضا كلمة " الرض " وهي التي تقف عليها‬
‫ل إلى القُطْب الشمالي‪ ،‬وجنوبا إلى القُطْب‬
‫أنت وغيرك‪ ،‬وتعيش عليها الكائنات‪ ،‬وتمتد شما ً‬
‫ي موقع فهي َممْدودة شرقا وغربا‪.‬‬
‫الجنوبي‪ ،‬أيّا ما كُنْت في أ ّ‬
‫ومعنى‪َ { :‬م ّد الَ ْرضَ‪[ } ...‬الرعد‪]3 :‬‬
‫تعني أنك إنْ وقفتَ في مكان وتقدمتَ منه؛ تجد الرض ممدودة أمامك؛ ول توجد حَافّة تنتهي لها‪،‬‬
‫ولو أنها كانت مبسوطة لَكانَ لها نهاية‪ ،‬ولكانت على شكل مُثلّث أو مُربع أو مستطيل؛ ولكانَ لها‬
‫حافة؛ ولوجدنا مَنْ يسير إلى تلك الحافة‪ ،‬هو يقول‪ " :‬لقد وصلتُ لحافة الرض؛ وأمامي الفراغ "‬
‫ولم يحدث أنْ قال ذلك واحد من البشر‪.‬‬
‫وإذا ما سار إنسان على خط الستواء مثلً؛ فسيظل ماشيا على اليابسة أو راكبا لمركب تقطع به‬
‫البحر أو المحيط ليصل إلى نفس النقطة التي بدأ منها سَيْره‪.‬‬
‫وهكذا نجد الرض ممدودة غير محدودة‪ ،‬ول يكون ذلك إل إذا كانت الرض مُكوّرة‪ ،‬بحيث إذا‬
‫مشيت مُتتبّعا أيّ خط من خطوط العرض أو خطوط الطول لنتهتْ إلى النقطة التي بدأت منها‬
‫سَيْركَ‪.‬‬
‫وكان هذا هو الدليل الذي يقدمه العلماء على كروية الرض؛ قبل أن يخترعوا فكرة التصوير من‬
‫خارج الغلف الجوي‪.‬‬
‫ونأخذ من قول الحق سبحانه‪ { :‬وَ ُهوَ الّذِي َم ّد الَ ْرضَ‪[ } ...‬الرعد‪]3 :‬‬
‫معنى آخر هو ضرورة أن ينظر النسانُ في هذا المتداد؛ ومَنْ تضيق به الحياة في مكان يُمكنه‬
‫أن يرحلَ إلى مكان آخر‪ ،‬فأرضُ ال واسعة‪ ،‬والحق سبحانه هو القائل‪ {:‬أَلَمْ َتكُنْ أَ ْرضُ اللّهِ‬
‫سعَةً فَ ُتهَاجِرُواْ فِيهَا‪[} ...‬النساء‪]97 :‬‬
‫وَا ِ‬
‫ونعلم أن فساد العالم في زمننا إنما نشأ من فساد السياسات وزيادة الضطرابات‪ ،‬وذلك واحد من‬
‫نتائج تعوق مَدّ الرض فساعة يحاول إنسان أن يترك حدود موطنه؛ يجد الحراسات والعوائق عند‬
‫ض َعهَا لِلَنَامِ }[الرحمن‪:‬‬
‫ض َو َ‬
‫حدود البلد المجاورة‪ ،‬وتناسَى الجميع َقوْل الحق سبحانه‪ {:‬وَالَرْ َ‬
‫‪]10‬‬
‫فسبحانه قد سَخّر الرض وأخضعها للنام كل النام‪ ،‬وإذا لم يتحقق هذا المبدأ القرآني؛ سيظل‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫العالم في صراع؛ وستظلّ بعض من البلد في حاجة للبشر وبعض من البلد في ضِيق من‬
‫الرزق؛ لزيادة السكان عن إمكانات الرض التي يعيشون عليها‪.‬‬
‫وستظل هناك أرض بل رجال؛ ورجال بل أرض‪ ،‬نتيجة للحواجز المصطنعة بين البلد‪.‬‬
‫وحتى تُحل هذه القضية ـ كما قلنا في المم المتحدة ـ لبد من تطبيق المبدأ القرآني‪:‬‬
‫ض َعهَا لِلَنَامِ }[الرحمن‪]10 :‬‬
‫{ وَالَ ْرضَ وَ َ‬
‫ومَنْ تضيق به الرض التي نشأ فيها فليسمح له بالهجرة‪.‬‬
‫ي وَأَ ْنهَارا‪[ { ...‬الرعد‪]3 :‬‬
‫سَ‬
‫ج َعلَ فِيهَا َروَا ِ‬
‫ويتابع سبحانه في نفس الية‪ } :‬وَ َ‬
‫والرواسي هي جمع " رَاسٍ " وهو الشيء الثابت‪.‬‬
‫وسبحانه يقول‪ {:‬وَالْجِبَالَ أَ ْرسَاهَا }[النازعات‪]32 :‬‬
‫وهكذا جاء الحق بالحكم الذي شاء أن تكون عليه الجبال‪ ،‬وفي آية أخرى يأتينا ال بعلة كونها‬
‫سيَ أَن َتمِيدَ ِبهِمْ‪[} ...‬النبياء‪]31 :‬‬
‫جعَلْنَا فِي الَ ْرضِ َروَا ِ‬
‫رواسي؛ فيقول‪ {:‬وَ َ‬
‫أي‪ :‬ل تضطرب بكم الرض‪ ،‬ولو كانت الرض مخلوقة على هيئة الثبات؛ لما احتجْنَا إلى الجبال‬
‫الرواسي كي تُثبّتها‪ ،‬ولكن الرض مخلوقة متحركة‪ ،‬وهي عُرْضة للضطراب‪ ،‬ولول الجبال‬
‫ت الرض‪.‬‬
‫الرواسي َلمَاد ْ‬
‫ولسائل أن يقول‪ :‬ولكننا نقطع الن الجبال‪ ،‬ونأخذ الجرانيت من جبل لِنُزيّن به أرضية بعض‬
‫المناطق؛ ونقطع الرخام من جبل آخر لنصنع منه حماماتٍ وأحواضا ودرجات السللم‪ ،‬ونقتطع‬
‫بعض أحجار أنواع معينة من الجبال؛ لنستخلص اليورانيوم منها؟‬
‫ونقول‪ :‬انظر إلى حكمة الحق تبارك وتعالى حين خلق؛ وحكمته حين دَبّر‪ ،‬فهذه الرض لها‬
‫محيط؛ ولها مركز؛ ولها أقطار‪ ،‬وكلما اقتربتْ من مركز الرض فالقطر َي ِقلّ‪.‬‬
‫ومثال هذا هو البطيخة؛ فأنت إن استخلصتَ القشرة الخارجية لها يكون لد ْيكَ كرة من القشرة‬
‫الخضراء؛ وكرة أخرى من مُكوّنات البطيخة التي نأكلها‪ ،‬ولو استخلصتَ كرة أخرى من مكونات‬
‫اللياف الحمراء التي تتكون منها البطيخة‪ ،‬لصار عندك كرة أخرى‪ ،‬ولصار قُطْر الكرة الجديدة‬
‫أصغر بطبيعة الحال من الكرة الخضراء‪.‬‬
‫صغُ َرتْ القطار؛ لنك تقترب من مركز‬
‫وكلما استخلصتَ كُريّات أخرى من مُكوّنات البطيخة؛ َ‬
‫الدائرة‪ ،‬والمحيط الخضر الذي يحيط بالبطيخة وهو القشرة؛ يشبه المحيط الذي يوجد على الكرة‬
‫جوْفها؛‬
‫الرضية؛ وهذه القشرة التي توجد حول الكرة الرضية صُلْبة؛ أما ما بداخل الرض و َ‬
‫فهو مُكوّن من أشياء ومواد متعددة‪ ،‬منها ما هو سائل ومنها ما هو صَلْب‪.‬‬
‫حمَم‬
‫وكلما اقتربنا من مركز الرض؛ وجدنا ارتفاعا في درجة الحرارة؛ وتدلّنا على ذلك كُتَل ال ُ‬
‫حمَم مُحْرِقة‪.‬‬
‫حمَم ذات حرارة مرتفعة للغاية؛ وهي ُ‬
‫التي تخرج فوّارة من ُفوّهات البراكين؛ وهي ُ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وقد شاء الحق سبحانه أن يجعل بطن الرض سائلً‪ ،‬رحمةً بنا؛ ذلك أننا حين نبني بيوتا؛ أو‬
‫نقتطع أحجارا من الجبال؛ أو نستخدم مُكوّنات الجبال في أي غرض؛ إنما ننقل بعضا من مُكوّنات‬
‫الرض من موقع إلى آخر‪.‬‬
‫وحين ينتقل ثقل من مكان على سطح الرض إلى مكان آخر؛ فالسائل الذي في باطن الرض‬
‫خفّ من فوقها الثقل ليتحقق التوازن‪ ،‬ولو‬
‫ينتقل من المنطقة التي زاد عليها الثقل إلى المنطقة التي َ‬
‫لم يحدث ذلك لَتسَاقطتْ العمارات الشاهقة التي نراها أثناء دوران الرض‪.‬‬
‫والمَ َثلُ الذي يُوضّح ذلك أنك لو وضعتَ قطعة من العجين على سطح بطيخة أو كرة‪ ،‬وجعلت‬
‫البطيخة أو الكرة في حالة دوران لَطردتْ الكرة أو البطيخة قطعة العجين من على سطحها‪.‬‬
‫وقد شرح العلماء في " علم الحركة " ذلك فقالوا‪ :‬إن كل شيء مستدير يتحرك؛ إنما تنشأ عن‬
‫حركته عملية اسمها الطرد الذاتي؛ لن قطعة العجين أو أيّ شيء نضعه على شيء مستدير‬
‫يتحرك تكون له كثافة وثقل على المنطقة التي يوجد فيها‪ ،‬ويصل هذا الثقل إلى المركز‪ ،‬ولكي‬
‫تستمر الحركة الدائرية متوازنة لبد أن يطرد الشيء المستدير ما فوقه من ُثقْل زائد‪.‬‬
‫ولذلك شاء الحق سبحانه أن يجعل ِنصْفي الكرة الرضية من أي موقع تتخيله‪ ،‬متساويا في الوزن‬
‫مع النصف الخر‪ ،‬ومهما أخذتَ من مواد ونقلتَها من موقع إلى آخر‪ ،‬فالوزن يتعادل نتيجة لحركة‬
‫السوائل التي في بطن الرض‪.‬‬
‫وهذا يدلّ على عظمة الخالق الذي خلق بتدبير دقيق‪ ،‬ويكفي أن ننظر إلى عظمة الحق الذي لم‬
‫يجعل الجبال رواسيَ ليمنع الرض من أنْ تميدَ بنا‪ ،‬بل جعل في الجبال والصحاري ما استنجدنا‬
‫به حين ضاقت الرض بنا؛ فذهبنا إلى الجبال؛ لنستخرج منها المواد الخام؛ ونُصدّرها؛ ثم نشتري‬
‫بثمنها القمح‪.‬‬
‫ونرى من حولنا الصحاري حيث كان المقيمون فيها يلهثون قديما من العطش‪ ،‬ول يجدون شجرة‬
‫يستظلون بها؛ فيُفجّر فيها الحق آبار البترول‪.‬‬
‫وهكذا نرى أن كل قطاع من الرض فيه خير مُسَا ٍو لي قطاع آخر من الرض‪ ،‬وجعل ال لكل‬
‫أمر زمنا يمكن للبشر أن يستفيدوا من هذا المر في ذلك الزمن‪.‬‬
‫ولذلك نجد الحق سبحانه يقول في الجبال‪ُ {:‬قلْ أَإِ ّنكُمْ لَ َتكْفُرُونَ بِالّذِي خَلَقَ الَرْضَ فِي َي ْومَيْنِ‬
‫سيَ مِن َف ْوقِهَا وَبَا َركَ فِيهَا َوقَدّرَ فِيهَآ‬
‫ج َعلَ فِيهَا َروَا ِ‬
‫جعَلُونَ لَهُ أَندَادا ذَِلكَ َربّ ا ْلعَاَلمِينَ * وَ َ‬
‫وَتَ ْ‬
‫سوَآءً لّلسّآئِلِينَ }[فصلت‪]10-9 :‬‬
‫َأ ْقوَا َتهَا فِي أَرْ َبعَةِ أَيّامٍ َ‬
‫أي‪ :‬أنه سبحانه بارك في الجبال‪ ، ،‬وهي جزء من الرض‪ ،‬وشاء أن يُقدّر القواتَ في الجبال‬
‫والرض؛ ويكفي أن نعلم أن المطر حين يتساقط من السماء على الجبال؛ فيحمل المطر بعضا من‬
‫طمْي من على أسطُح تلك الجبال‪ ،‬فتتجدد خُصوبة الرض‪.‬‬
‫ال ّ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ولو كانت الجبال هشة لذابت الجبال من عدد قليل من مرات سقوط المطر‪ ،‬ولذابت القشرة‬
‫الخصبة التي تغذي النبات حين نزرعه في الرض‪.‬‬
‫ولكنه سبحانه شاء أنْ تمُرّ الظروف الجوية باختلفها وتنوّعها في تتابع يُوفّر من الحرارة‬
‫والرطوبة ما يجعل الرض تتشقق؛ فيصير سطح الجبال الصّلْبة َهشّا لينزل مع المطر؛ ولِيُغذّي‬
‫الرض بالخُصوبة من أجل أن يستمر استبقاء الحياة بإنتاج ما نحتاجه من نباتات مزروعة‪.‬‬
‫ي وَأَ ْنهَارا‪[ { ...‬الرعد‪]3 :‬‬
‫سَ‬
‫ج َعلَ فِيهَا َروَا ِ‬
‫ونلحظ قوله سبحانه في نفس الية‪ } :‬وَ َ‬
‫وهنا يجمع الحق بين الرواسي وهي الثوابت‪ ،‬وبين النهار وهي التي تحمل الماء السائل‪ ،‬وهذا‬
‫جمْعٌ بين الضداد‪.‬‬
‫َ‬
‫والنهر يُطلق على ما يحمل المياه العَذْبة؛ أما البحر فهو المُكوّن من الماء المالح‪ ،‬وأنت إذا‬
‫استعرضت أنهار الدنيا كلها؛ ستجد أن مجاريها تصبّ في البحار‪ ،‬وهذا دليل على أن منسوب‬
‫النهر أعلى دائما من منسوب البحر‪ ،‬ولو كان المر بالعكس؛ َلطَغى ماء البحر على مياه النهر‪،‬‬
‫وَلمَا استطعنا أن نشرب أو نزرع‪.‬‬
‫ب في‬
‫ولذلك شاء الحق سبحانه أن يجعل الماء العذب هو العلى؛ لن له مهمة يُؤدّيها قبل أن يصُ ّ‬
‫خ لّ يَ ْبغِيَانِ }[الرحمن‪]20 :‬‬
‫البحر‪ .‬أقول ذلك حتى نعلم الحكمة في قول الحق سبحانه‪ {:‬بَيْ َن ُهمَا بَرْزَ ٌ‬
‫ومن العجيب أن البرزخ الذي يفصل بين النهر والبحر يكون انسيابيا‪ ،‬يتدرج نزول مياه النهر في‬
‫مياه البحر بما يُحقّق سهولة في هذا النتقال‪ ،‬ومن العجيب أيضا أنك إنْ حفرتَ عند شاطئ البحر‬
‫قد تعثر على الماء العذب‪.‬‬
‫ولذلك حين نزور العريش نجد شاطئا باسم شاطئ النخيل؛ ونحن نعلم أن النخيل يحتاج إلى الماء‬
‫العَذْب‪ ،‬وكأن الحق سبحانه قد جعل في هذا النخيل خاصية استخلص الماء العَذْب من هذا المكان‬
‫الذي يوجد على البحر؛ وقد تكون له جداول عذبة‪.‬‬
‫سمَآءِ مَآءً فَسََلكَهُ يَنَابِيعَ فِي الَرْضِ‪[} ...‬الزمر‪]21 :‬‬
‫فسبحانه القائل‪ {:‬أَلَمْ تَرَ أَنّ اللّهَ أَن َزلَ مِنَ ال ّ‬
‫ونحن في الريف نجد من يحفر بئرا ويكون ماؤه عَذْبا؛ وآخر يحفر بئرا ويكون ماؤه مالحا‪ .‬وهذا‬
‫دليل على أن الماء في بطن الرض غير مختلط‪ ،‬بل لكل ماء مسارب تختلف باختلف نوعية‬
‫المياه‪.‬‬
‫ويُرتّب الحق سبحانه في نفس الية مجيء الثمرات كنتيجة على وجود الثابت ـ الجبال ـ‬
‫كمصدر للغِرْيَن وخصوبة الرض‪ ،‬وعلى وجود النهار التي تحمل الماء اللزم للري‪ ،‬وهكذا‬
‫يكون مجيء الثمرات أمرا طبيعيا‪.‬‬
‫والثمرة كما نعلم هي الغاية من أي زرع‪.‬‬
‫ج َعلَ فِيهَا َزوْجَيْنِ‬
‫وفي نفس الية يواصل الحق ذكر عطائه‪ ،‬فيقول سبحانه‪َ } :‬ومِن ُكلّ ال ّثمَرَاتِ َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫اثْنَيْنِ‪[ { ...‬الرعد‪]3 :‬‬
‫ويستعمل البعض كلمة " زوج " ويراد به شيئان كقولنا " زوج أحذية " مع أن التعبير الدقيق‬
‫يقتضي أن نقول " زوجان من الحذية " كتوصيف لفردة حذاء ُيمْنى وفردة حذاء يسرى؛ لن كلمة‬
‫" زوج " مرد‪ ،‬وتستخدم في الشيء الذي له مثْل؛ ولذلك نجد العدد الفردي والعدد الزوجي؛ والعدد‬
‫الزوجي ُمفْرد له مثيل؛ وفي النسان هو الذكر والنثى‪.‬‬
‫شيْءٍ خََلقْنَا َزوْجَيْنِ }[الذاريات‪]49 :‬‬
‫وسبحانه القائل‪َ {:‬ومِن ُكلّ َ‬
‫ويخطئ الناس أيضا في فهم كلمة التوأم‪ ،‬ويظنون أنها تعني الثنين اللذين يولدان معا‪ ،‬ولكن‬
‫المعنى الدقيق للتوأم وهو الفرد الذي يُولَد مع آخر‪ ،‬ويقال لثنين معا " التوأمان "‪.‬‬
‫ي وَأَ ْنهَارا َومِن ُكلّ ال ّثمَرَاتِ‬
‫سَ‬
‫ج َعلَ فِيهَا َروَا ِ‬
‫وهنا يقول الحق سبحانه‪ } :‬وَ ُهوَ الّذِي َم ّد الَ ْرضَ وَ َ‬
‫ج َعلَ فِيهَا َزوْجَيْنِ اثْنَيْنِ‪[ { ...‬الرعد‪]3 :‬‬
‫َ‬
‫ولم يخلق الحق سبحانه أيّ شيء إل وشاء له أن يتكاثر‪ ،‬مصداقا لقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫سهِ ْم َو ِممّا لَ َيعَْلمُونَ }[يس‪]36 :‬‬
‫ض َومِنْ أَنفُ ِ‬
‫ت الَ ْر ُ‬
‫{ سُبْحَانَ الّذِي خَلَق الَ ْزوَاجَ كُّلهَا ِممّا تُن ِب ُ‬
‫وكُلّ تكاثر إنما يحتاج إلى زوجين‪ ،‬وكنا نعتقد قديما أن التكاثر يحدث فقط في النبات؛ مثلما نُلقّح‬
‫النخلة بال ّذكَر‪ ،‬وفي الحيوان يخصب الفَحْل النثى‪ ،‬ثم كشف لنا العلم بعد ذلك أن الكهرباء ـ على‬
‫سبيل المثال ل الحصر ـ تتكون من سالب وموجب وغير ذلك كثير‪ ،‬وكل ما قدمه العلم من‬
‫كشوف يؤيد صِدْقه سبحانه‪ {:‬سُ ْبحَانَ الّذِي خَلَق الَزْوَاجَ كُّلهَا‪[} ...‬يس‪]36 :‬‬
‫ويتابع سبحانه في نفس الية‪ُ } :‬يغْشِي الّيلَ ال ّنهَارَ‪[ { ...‬الرعد‪]3 :‬‬
‫حوْنَآ آ َيةَ الّيلِ‬
‫أي‪ :‬أن تأتي الظّلْمة على النهار فتُغطيه؛ وهو القائل في موقع آخر من القرآن‪َ {:‬فمَ َ‬
‫جعَلْنَآ آ َيةَ ال ّنهَارِ مُ ْبصِ َرةً‪[} ...‬السراء‪]12 :‬‬
‫وَ َ‬
‫ل وَال ّنهَارَ خِ ْلفَةً‪[} ...‬الفرقان‪]62 :‬‬
‫ج َعلَ الّي َ‬
‫وذلك تحقيقا لمشيئته التي قالها‪ {:‬وَ ُهوَ الّذِي َ‬
‫ق أولً أم النهار؟‬
‫وإن سأل سائل‪ :‬هل الليل هو الذي خُِل َ‬
‫أقول‪ :‬نحن نرى الن الليل والنهار‪ُ ،‬كلّ منهما يُؤدّي ُم ِهمّته في نصفٍ ما في الكرة الرضية‪،‬‬
‫وكل منهما يخلف الخر‪ ،‬ولبد أن المر كذلك من أول الخلق‪.‬‬
‫فإنْ كان سبحانه قد أوجد الرض مبسوطة وفي مواجهتها الشمس‪ ،‬لَكان النهار هو السبق في‬
‫الخَلْق‪ ،‬وإنْ كان قد خلق الشمس غير مواجهة للرض؛ يكون الليل هو الذي سبق النهار في‬
‫الخَلْق‪.‬‬
‫شمْسُ يَن َبغِي َلهَآ أَن تدْ ِركَ‬
‫ويوضح الحق سبحانه هذا المر قليلً في سورة يس حين يقول‪ {:‬لَ ال ّ‬
‫ال َقمَرَ َولَ الّيلُ سَا ِبقُ ال ّنهَا ِر َو ُكلّ فِي فََلكٍ يَسْ َبحُونَ }[يس‪]40 :‬‬
‫وكان العرب قديما يظنّون أن الليل هو الذي سبق النهار في الخَلْق؛ لنهم كانوا يُؤرّخون الشهور‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫بالقمر؛ فيدخل الشهر بليله ل بنهاره‪ ،‬ونحن نعلم أن رمضان يأتينا بأول ليلة فيه‪.‬‬
‫وقد أوضح الحق سبحانه لهم على قَدْر معارفهم‪ ،‬ثم ثبت لنا أن الليل والنهار قد وُجِدا في وقت‬
‫واحد بعد أن وضحتْ لنا أن صورة الرض كروية‪ ،‬وأنه سبحانه قد خلقها كذلك‪ ،‬فما واجه‬
‫الشمس كان نهارا؛ وما غابتْ عنه الشمس كان ليلً‪ ،‬ويخلف كل منهما الخر‪.‬‬
‫ن واحد‪.‬‬
‫وهكذا وضّح لنا أنهما موجودان في آ ٍ‬
‫ك ليَاتٍ ّلقَوْمٍ يَ َت َفكّرُونَ { [الرعد‪]3 :‬‬
‫ويُذيّل الحق سبحانه الية الكريمة بقوله‪...} :‬إِنّ فِي ذاِل َ‬
‫أي‪ :‬أن على النسان مسئولية التفكّر فيما يراه من حوله ليصل إلى ُلبّ الحقائق‪.‬‬
‫ويقول سبحانه بعد ذلك‪:‬‬
‫} َوفِي الَ ْرضِ ِقطَعٌ مّتَجَاوِرَاتٌ‪{ ...‬‬

‫(‪)1697 /‬‬
‫سقَى ِبمَاءٍ‬
‫ن وَغَيْ ُر صِ ْنوَانٍ ُي ْ‬
‫ل صِ ْنوَا ٌ‬
‫ب وَزَ ْرعٌ وَنَخِي ٌ‬
‫ت وَجَنّاتٌ مِنْ أَعْنَا ٍ‬
‫َوفِي الْأَ ْرضِ ِقطَعٌ مُتَجَاوِرَا ٌ‬
‫ضهَا عَلَى َب ْعضٍ فِي الُْأ ُكلِ إِنّ فِي ذَِلكَ لَآَيَاتٍ ِل َقوْمٍ َي ْعقِلُونَ (‪)4‬‬
‫ضلُ َب ْع َ‬
‫وَاحِدٍ وَنُ َف ّ‬

‫هذه الية جاءت بشيء من التفصيل لقول الحق سبحانه في أواخر سورة يوسف‪َ {:‬وكَأَيّن مّن آيَةٍ‬
‫سمَاوَاتِ وَالَ ْرضِ َيمُرّونَ عَلَ ْيهَا وَ ُهمْ عَ ْنهَا ُمعْ ِرضُونَ }[يوسف‪]105 :‬‬
‫فِي ال ّ‬
‫عمَدٍ تَ َروْ َنهَا‪[} ...‬الرعد‪]2 :‬‬
‫سمَاوَاتِ ِبغَيْرِ َ‬
‫وتلك آية تنضم إلى قوله تعالى‪َ {:‬رفَعَ ال ّ‬
‫صلُ اليَاتِ‪[} ...‬الرعد‪]2 :‬‬
‫لمْرَ ُي َف ّ‬
‫وتنضم إلى‪ {:‬يُدَبّرُ ا َ‬
‫سيَ وَأَ ْنهَارا َومِن ُكلّ ال ّثمَرَاتِ‬
‫ج َعلَ فِيهَا َروَا ِ‬
‫ض وَ َ‬
‫وتنضم إلى قوله سبحانه‪ {:‬وَ ُهوَ الّذِي مَ ّد الَ ْر َ‬
‫ج َعلَ فِيهَا َزوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ُي ْغشِي الّيلَ ال ّنهَارَ‪[} ...‬الرعد‪]3 :‬‬
‫َ‬
‫وحين نتأمل قول الحق سبحانه‪َ { :‬وفِي الَ ْرضِ ِقطَعٌ مّتَجَاوِرَاتٌ‪[ } ...‬الرعد‪]4 :‬‬
‫نجد أننا ل نستطيع أن نعرفها بأنها التي يعيش عليها أمثالنا؛ تلك هي الرض‪ ،‬ولو أردنا تعريفها‬
‫لبهمناها‪ ،‬فهي أوضح من أن ُتعَرّف‪.‬‬
‫ل أول ما تدلّ على " كل " ينقسم إلى أجزاء‪ ،‬وهذا ال ُكلّ هو جنس جامع للكلية؛‬
‫وكلمة " قِطَع " تد ّ‬
‫وفيه خصوصية تمييز قطع عن قطع‪.‬‬
‫وأنت تسمع كلم العلماء عن وجود مناطق من الرض تُسمّى حزام القمح‪ ،‬ومناطق أخرى تُسمّى‬
‫حزام الموز؛ ومناطق حارة؛ وأخرى باردة‪.‬‬
‫طعٌ مّتَجَاوِرَاتٌ‪[ } ...‬الرعد‪]4 :‬‬
‫وقول الحق سبحانه‪ { :‬قِ َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫هو قول يدل على العجاز؛ فعلى الرغم من أنها متجاورات إل أن كلً منها تناسب الطقس الذي‬
‫توجد فيه؛ فزراعة الذرة تحتاج مناخا مُعينا؛ وكذلك زراعة الموز‪.‬‬
‫وهكذا تجد كل منطقة مناسبة لما تنتجه‪ ،‬فالرض ليست عجينة واحدة استطراقية‪ ،‬ل بل هي تربة‬
‫مناسبة للجو الذي توجد به‪.‬‬
‫ومن العجيب أن فيها السرار التي يحتاجها النسان؛ هذا السيد الذي تخدمه كل الكائنات‪ ،‬فليست‬
‫الرض سائلة في التماثل؛ بل تختلف بما يناسب الظروف‪ ،‬فهناك قطعة سبخة ل تنبت؛ وأخرى‬
‫خصبة تنبت‪.‬‬
‫بل وتختلف الخصوبة من موقع إلى آخر؛ ومن قطعة إلى أخرى؛ فثمرة الجوافة من شجرة معينة‬
‫في منطقة معينة تختلف عن ثمرة الجوافة من شجرة في منطقة أخرى؛ والقمح في منطقة معينة‬
‫يختلف عن القمح في منطقة أخرى؛ ويقال لك " إنه قمح فلن "‪.‬‬
‫سقَى بماء واحد‪.‬‬
‫ويحدث ذلك رغم أن الرض تُ ْ‬
‫ويقول العلماء البعيدون عن منطق السماء‪ " :‬إن السبب في الختلف هو عملية الختيار‬
‫والنتخاب "‪ .‬وكأنهم ل يعرفون أن الختيار يتطلب مُخْتارا‪ ،‬وأن يكون له عقل يُفكّر به ليختار‪،‬‬
‫وكذلك النتخاب فهل ال ُبذَيْرات تملك عقلً تُفكّر به وتختار؟ طبعا ل‪.‬‬
‫ويقولون‪ :‬إن النبات يتغذّى بالخاصية الشعرية‪ ،‬ونعلم أن النابيب الشعرية التي نراها في المعامل‬
‫تكون من الزجاج الرفيع؛ وإذا وضعناها في حوض ماء‪ ،‬فالماء يرتفع فيها على مستوى الناء‪.‬‬
‫وإنْ ص ّدقْنا العلماء في ذلك‪ ،‬فُكيف نصدّقهم في أن شجرة ما تأخذ ماءً من الشجرة الخرى؛ وتنتج‬
‫طعْم؟‬
‫كل منهما نفس الثمار؛ لكن ثمار شجرة تختلف عن الخرى في ال ّ‬
‫ونقول‪ :‬إن كل شجرة تأخذ من الرض ما ينفعها؛ ولذلك تختلف النباتات‪ ،‬ويحدث كل ذلك بقدرة‬
‫الذي َقدّر فهدى‪.‬‬
‫وهكذا نرى الرض قطعا متجاورات؛ منها ما يصلح لزراعة تختلف عن زراعة الرض‬
‫الخرى‪.‬‬
‫وقد يقول بعض من الملحدة‪ :‬إن هذا الختلف بسبب الطبيعة والبيئة‪.‬‬
‫وهؤلء يتجاهلون أن الطبيعة في مجموعها هي الشمس التي تعطي الضوء والحرارة والشعاع‪،‬‬
‫والقمر أيضا يعكس بعضا مَنْ الضوء‪ ،‬والنجوم تهدي من يسير في الفَلَة‪ ،‬وتيارات الهواء تتناوب‬
‫ولها مسارات ومواعيد‪.‬‬
‫خصْبة تنتج‪ ،‬وأرض سبخة ل تنتج‪ ،‬وأرض حمراء؛ وأخرى سوداء‪،‬‬
‫ورغم كل ذلك فهناك أرض ِ‬
‫وثالثة رملية‪ ،‬وكلها متجاورة‪.‬‬
‫لبد إذن من وجود فاعل مختار يأمر هذه أمرا مختلفا عن تلك‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ل صِ ْنوَانٌ وَغَيْرُ صِ ْنوَانٍ‪...‬‬
‫ع وَنَخِي ٌ‬
‫ويتابع الحق سبحانه في نفس الية‪ } :‬وَجَنّاتٌ مّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْ ٌ‬
‫{ [الرعد‪]4 :‬‬
‫ت أولً؛ فتحدث عن الفاكهة؛ ثم تحدث عن الزرع الذي منه‬
‫وجاء الحق سبحانه هنا بالمُرفّها ِ‬
‫القُوت الساسي‪ ،‬ونحن في حياتنا نفعل ذلك؛ فحين تدخل على مائدة أحد الكبار؛ تجد الفاكهة مُعدّة‬
‫على أطباق بجانب المائدة الرئيسية التي يُقدّم عليها الطعام‪.‬‬
‫ويأتي الحق سبحانه بعد العناب والزّرْع الذي منه القُوت الضروري بالنخيل‪ ،‬وهو الذي ينتج‬
‫غذاء‪ ،‬وقد يكون التمر الذي ينتجه تَرَفا يتناوله النسان بعد تناول الطعام الضروري‪.‬‬
‫وقول الحق سبحانه‪ } :‬صِ ْنوَانٌ وَغَيْرُ صِ ْنوَانٍ‪[ { ...‬الرعد‪]4 :‬‬
‫يتطلب مِنّا أن نعرف ما الصنوان؟ ونجد الرسول صلى ال عليه وسلم يقول‪ " :‬العم صنو أبيك "‬
‫أي‪ :‬أن الصّنْو هو المِثْل‪.‬‬
‫ل واحدا‬
‫وبهذا يكون معنى الصّنْوان هو المِثْلن‪ .‬ونرى ذلك واضحا في النخيل؛ فنرى أحيانا أص ً‬
‫تخرج منه نخلتان؛ أو ثلث نخلت؛ وأحيانا يخرج من الصل الواحد أربع أو خمس نخلت‪.‬‬
‫ويُطلق لقب " الصنوان " على الصل الواحد الذي يتفرع إلى نخلتين أو أكثر؛ فكلمة " صنوان "‬
‫تصلح للمثنى وللجمع‪ ،‬ولكنها في حالة المثنى تعامل في العراب كالمثنى؛ فيقال " أثمرتْ صنوان‬
‫" و " رأيت صنوين " أما في حالة الجمع فيقال " رأيت صنوانا " و " مر ْرتُ بصنوان "‪ .‬والمفرد‬
‫طبعا هو " صِنْو "‪.‬‬
‫ع وَنَخِيلٌ‬
‫ويقول سبحانه هنا في الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها‪ } :‬وَجَنّاتٌ مّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْ ٌ‬
‫لكُلِ‪[ { ...‬الرعد‪]4 :‬‬
‫ضهَا عَلَىا َب ْعضٍ فِي ا ُ‬
‫ضلُ َب ْع َ‬
‫ح ٍد وَ ُنفَ ّ‬
‫سقَىا ِبمَآ ٍء وَا ِ‬
‫صِ ْنوَانٌ وَغَيْ ُر صِ ْنوَانٍ يُ ْ‬
‫ومن العجيب أن كل شجرة تأخذ عَبْر جذورها كمية من الماء والغذاء اللزم لنتاج ثمارٍ ذات‬
‫طعْم مختلف‪.‬‬
‫شكل و َ‬
‫وهذا ما جعلنا نقول من قَبْل‪ :‬إن افتراضات العلماء المتخصصين في علوم النبات عن أن النباتات‬
‫تتغذّى بخاصية النابيب الشعرية هو افتراض غير دقيق‪.‬‬
‫فلو كان المر كذلك لخذت النابيب الشعرية الخاصية بنبات المواد التي أخذتها النابيب الشعرية‬
‫الخاصة بنبات آخر‪.‬‬
‫والمر ليس كذلك‪ ،‬فكل نبات يأخذ من الرض ما يخصه فقط‪ ،‬ويترك ما عدا ذلك‪.‬‬
‫ذلك أن الثمار لكل نبات تختلف ول تتشابه؛ بل إن الشجرة الواحدة تختلف ثمارها من واحدة إلى‬
‫أخرى‪.‬‬
‫مثال هذا‪ :‬هو شجرة المانجو أو النخلة المثمرة‪ ،‬ويمكنك أن تلحظ نفسك‪ ،‬وسترى أنك تنتقي من‬
‫ثمار المانجو القادمة من شجرة واحدة ما يعجبك‪ ،‬وترفض غيرها من الثمار‪ ،‬وسترى أنك تنتقي‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫من ثمار البلح القادم من نخلة واحدة ما يروقُ لك؛ وترفض بعضا من ثمار نفس النخلة‪.‬‬
‫ن كنتَ تحب الدخار‬
‫وحين تذهب لشراء الفاكهة؛ فأنت تشتري حسب موقفك في الدخار؛ فإ ْ‬
‫فسوف تشتري الفاكهة التي من الدرجة الثانية؛ وإذا كنت تحب أن تستمتع بالطيب من تلك الفاكهة‬
‫فسوف تشتري من الفاكهة المتميزة‪.‬‬
‫وأتحدى أنْ يقف واحد أمام قفص للفاكهة‪ ،‬وينتقي الثمار غير الجميلة الشكل وال ّروْنق‪ ،‬بل يحاول‬
‫كل إنسان أن يأخذ الجميل والطيب من تلك الفاكهة‪ ،‬وحين يدفع ثمن ما اشترى سنجده يدفع النقود‬
‫الورقية القديمة التي تُوجد في جيبه‪ ،‬وسيحتفظ لنفسه بالنقود الجديدة‪.‬‬
‫وهذا الموقف يغلب على مواقف أي إنسان‪ ،‬فهو مُقبِل دائما على َرفْض أخذ السيئ؛ وخائف دائما‬
‫حسَن‪.‬‬
‫من التفريط في ال َ‬
‫خشْيَ َة الِ ْنفَاقِ‪} ...‬‬
‫سكْتُمْ َ‬
‫حمَةِ رَبّي إِذا لمْ َ‬
‫والحق سبحانه يقول‪ {:‬قُل ّلوْ أَنْ ُتمْ َتمِْلكُونَ خَزَآئِنَ َر ْ‬
‫[السراء‪]100 :‬‬
‫طعْم من نوع إلى نوع؛ كذلك تجد اختلفا في‬
‫وأنت ل تجد في الثمار تشابها‪ ،‬بل اختلفا في ال ّ‬
‫طريقة تناولها؛ فل أحد مِنّا يأكل البلحة بكاملها‪ ،‬بل نأكل ثمرة البلحة بعد أن نُخرِج منها النواة؛‬
‫ونأكل ثمرة التين بأكملها‪ ،‬ونخرج ما في قلب حَبّة المشمش من بذرة جامدة‪ ،‬ثم نأكل المشمشة من‬
‫بعد ذلك‪.‬‬
‫فكل ثمرة لها نظام خاص؛ وليست مسألة ميكانيكية في عطاء ال لثمار متشابهة؛ بل هناك‬
‫ق التفاصيل؛ لدرجة أنك حين تتناول قِطْفا من العنب تجد‬
‫اختلف‪ ،‬ويمتد هذا الختلف إلى أد ّ‬
‫اختلفا لبعض من حبّات العنب عن غيرها‪.‬‬
‫لكُل فقط‪ ،‬بل نُفضّل في الصنف‬
‫ونحن ل نُفضّل بعضا من الفاكهة على البعض الخر في ا ُ‬
‫الواحد بعضا من ثماره عن البعض الخر‪.‬‬
‫ل ُكلِ‪[ { ...‬الرعد‪]4 :‬‬
‫ضهَا عَلَىا َب ْعضٍ فِي ا ُ‬
‫وحين تقرأ‪ } :‬وَ ُن َفضّلُ َب ْع َ‬
‫فاعلم أنه ل يوجد شيء أو أمر مُفضّل على إطلقه‪ ،‬وأمر آخر مفضول على إطلقه‪ ،‬فما ُدمْنَا‬
‫ل منهما مُفضّل في ناحية‪ ،‬ومفضول عليه في‬
‫نُفضّل بعضه على البعض الخر؛ فهذا يعني أن ك ً‬
‫ناحية أخرى‪.‬‬
‫والمثل الواضح أمامنا جميعا أننا حين نجلس إلى مائدة عليها ديك رومي قد تجد يدك تتجه إلى‬
‫طبق " المخلل " قبل أن تمتدّ يدك إلى الديك الرومي؛ لن " نفسك " قد طلبتْه أولً‪ ،‬فل َتقُلْ‪ :‬إن‬
‫هناك شيئا مفضولً عليه طوال الوقت‪ ،‬أو شيئا مفضلً كل الوقت‪.‬‬
‫وكذلك الناس؛ إياك أن تظن أن هناك إنسانا فاضلً على إطلقه؛ وآخر مفضولً على إطلقه؛ بل‬
‫هناك إنسان فاضل في ناحية ومفضول عليه في ناحية أخرى‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والمَثَل‪ :‬هو صاحب السيارة الفارهة؛ ثم ينفجر إطار سيارته؛ فيتمنى أن يرزقه ال بمَنْ يمرّ عليه‬
‫ليقوم بتغيير إطار السيارة؛ فيمرّ عليه هذا النسان صاحب الملبس غير النظيفة بما عليها من‬
‫شحوم؛ فيكون هذا النسان أفضل منه في قدرته على َفكّ الطار المنفجر بالطار السليم‬
‫الحتياطي‪.‬‬
‫وهكذا نشر ال الفضل على الناس ليحتاج بعضهم لبعض؛ ولذلك أقول‪ :‬حين تجد نفسك فاضلً في‬
‫ناحية إياك أنْ تقعَ في الغرور؛ واسأل نفسك‪ :‬ما الذي َيفْضُل عليك فيه غيرك؟‬
‫عسَىا أَن َيكُونُواْ خَيْرا مّ ْنهُ ْم َولَ نِسَآءٌ مّن نّسَآءٍ‬
‫سخَرْ َقوْمٌ مّن َقوْمٍ َ‬
‫وتذكر قول الحق سبحانه‪ {:‬لَ يَ ْ‬
‫عَسَىا أَن َيكُنّ خَيْرا مّ ْنهُنّ‪[} ...‬الحجرات‪]11 :‬‬
‫وهكذا شاء الحق سبحانه أن يُوزّع الفضل بين الناس‪ ،‬ليحتاج كل منهم الخر‪ ،‬وليتكامل المجتمع‪.‬‬
‫وكذلك وَزّع سبحانه الفضل في الطعمة والفواكه والثمار‪ ،‬وانظر إلى نفسك لحظة أنْ تُقدّم لك‬
‫أصناف متعددة من الفاكهة؛ فقد تأخذ ثمرة من الجميز قبل أن تأخذ ثمرة من التفاح؛ فساعة طلبتْ‬
‫نفسك ثمرة الجميز صارت في تقدير الموازين والتبادل هي الفضل‪ ،‬وكل إنسان يمكن أن يجد‬
‫ذلك فيما يَخصّه أو يُحبه‪.‬‬
‫شيْءٍ عِن َدهُ ِب ِمقْدَارٍ }[الرعد‪]8 :‬‬
‫والحق سبحانه هو القائل‪َ ... {:‬وكُلّ َ‬
‫ولذلك نجد النسان وهو يُلوّن ويتفنّن في صناعة الطعام‪ ،‬ويختلف إقبال الفراد على الطعمة‬
‫المُنوّعة‪ ،‬وقد تجد اثنين يُقبِلن على لحم الدجاج؛ لكن أحدهما يُفضّل لحم الصدر؛ والخر ُي َفضّل‬
‫لحم " الوَرِك " ‪ ،‬وتجد ثالثا يُفضّل لحم الحمام؛ وتجد رابعا يفضل تناول السمك‪.‬‬
‫بل إنك تجد اختلفا في طريقة تناول مَنْ يحبون السمك؛ فمنهم مَنْ يحب أكل رأس السمكة‪ ،‬ومنهم‬
‫مَنْ يحب لحم السمكة نفسها‪ ،‬ول أحد يملك معرفة السبب في اختلف المزجة في النجذاب إلى‬
‫اللوان المختلفة من الطعمة‪.‬‬
‫وحين تتأمل تلك المسألة قد يأتي إلى خاطرك قول الحق سبحانه‪ {:‬كَ ْيفَ َت ْكفُرُونَ بِاللّهِ‪[} ...‬البقرة‪:‬‬
‫‪]28‬‬
‫خفَى سبب على ال‬
‫خفِي سببه‪ ،‬فهل يَ ْ‬
‫والسؤال هنا من ال للتعجّب؛ والتعجّب عادة يكون من شيء َ‬
‫ليتعجب؟‬
‫طبعا ل‪ ،‬فسبحانه مُنّزه عن ذلك‪ ،‬وسبحانه يعلم سبب كفر الكافرين؛ لكنه ينكر عليهم أسباب‬
‫الكفر‪.‬‬
‫سبّ أباك؟ "‬
‫والم َثلُ من حياتنا ـ ول المَ َثلُ العلى ـ فأنت تجد نفسك وأنت تنطق بكلمة " كيف ت ُ‬
‫لنسان يوجه كلمات جارحة لوالده؛ فتتعجب لتنكر ما فعله هذا النسان‪.‬‬
‫وكذلك القول‪ :‬كيف تكفرون بال؟ لن الكفر شيء ل يتأتى من عاقل‪ .‬وكان لنا شيخ هو فضيلة‬
‫العالم أحمد الطويل؛ وكان يحدثنا عن شيخ له حين كان يقرأ قول الحق سبحانه‪ {:‬كَ ْيفَ َت ْكفُرُونَ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫بِاللّهِ‪[} ...‬البقرة‪]28 :‬‬
‫كان يقول‪ :‬إن الخطاب هنا عام لكل إنسان؛ لن الحق بعدها يأتي بالقضية العامة‪:‬‬
‫{ َوكُنْتُمْ َأ ْموَاتا فََأحْيَاكُمْ‪[} ...‬البقرة‪]28 :‬‬
‫وهذا القول للعموم‪ .‬وكان شيخنا يحكي عن شيخه أنه حدّثهم أن إنسانا كان مُسرِفا على نفسه؛ ثم‬
‫انص ّبتْ عليه الهداية مرة واحدة؛ ورآه كل مَنْ حوله وهو ُمقْبِل على ال؛ فسألوه عن سبب الهداية‪،‬‬
‫فقال‪:‬‬
‫كنت أجلس في بستان‪ ،‬ثم رَاقَ لي عنقود من العنب؛ فقطفتُ العنقود‪ ،‬وأخذتُ أتأمل فيه؛ فوجدت‬
‫شفّ عما تحته من لحم العنبة الممتلئ بالعصير‪.‬‬
‫غِشاءً رقيقا شفافا ـ وهو قشرة حبة العنب ـ ي ِ‬
‫وحين وضعتُ حبة العنب في فمي؛ صارت ماء رطبا‪ ،‬وأخذني العجب من احتفاظ حبة العنب‬
‫طعْم المِسْك؛ فلما‬
‫جوّ شهر بؤونة؛ ثم وجدت بذرة الحبة ولها َ‬
‫ببرودتها ورطوبتها رغم حرارة َ‬
‫طعْم وجمال العنب سمعت هاتفا يهتف بي‪ " :‬كيف تكفر بال وهو خالق‬
‫غمرني السرور من َ‬
‫العنب؟ " فهتفت‪ :‬آن يا رب أن أُومن بك‪.‬‬
‫وكل مِنّا له أن ينظر إلى شيء يعجبه؛ وسيجد الشيء كأنه يقول له‪ :‬كيف تكفر بال وهو خالقي؟‬
‫وهكذا سنجد كل إنسان وهو مُخاطب بهذه العبارة‪ ،‬لنه ما من كائن إل وله شيء يعجبه في‬
‫الكون‪.‬‬
‫ل ُكلِ‪[ { ...‬الرعد‪]4 :‬‬
‫ضهَا عَلَىا َب ْعضٍ فِي ا ُ‬
‫ضلُ َب ْع َ‬
‫وهكذا نفهم معنى قول الحق سبحانه‪ } :‬وَ ُنفَ ّ‬
‫ونجد أي شيء هو فاضل في وقت الحاجة إليه وطلبه؛ وكل شيء َم ْفضُول عليه في وقت ما؛ وإنْ‬
‫لكْل‪.‬‬
‫كان فاضلً عند مَنْ يحتاجه‪ .‬ونجد أن التفضيل هنا عند ا َ‬
‫والُكل هو ما يُؤكَل؛ ل الن فقط إنما ما يؤكل الن أو بعد ذلك وسبحانه القائل‪َ {:‬كمَثَلِ جَنّةٍ بِرَ ْب َوةٍ‬
‫طلّ‪[} ...‬البقرة‪]265 :‬‬
‫ضعْفَيْنِ فَإِن لّمْ ُيصِ ْبهَا وَا ِبلٌ َف َ‬
‫َأصَا َبهَا وَابِلٌ فَآ َتتْ ُأكَُلهَا ِ‬
‫وسبحانه يقول أيضا‪ُ {:‬أكُُلهَا دَآئِمٌ‪[} ...‬الرعد‪]35 :‬‬
‫وكذلك قال‪ُ {:‬تؤْتِي ُأكَُلهَا ُكلّ حِينٍ بِإِذْنِ رَ ّبهَا‪[} ...‬إبراهيم‪]25 :‬‬
‫وهكذا نجد أن الُكل مقصود به ما يُؤكل الن‪ ،‬وما بعد الكل أيضا‪.‬‬
‫ك ليَاتٍ ّلقَوْمٍ َي ْعقِلُونَ { [الرعد‪]4 :‬‬
‫ويُذيل الحق سبحانه الية الكريمة بقوله‪...} :‬إِنّ فِي ذاِل َ‬
‫وبعض الناس يظنون أن العقل يعني أنْ يمرحَ النسان في الشياء‪ ،‬وأنه يعطي النسان الحرية‬
‫ن بعواقب ُكلّ فعل ونتائجه‪ ،‬فيقول‬
‫المطلقة‪ ،‬ومثل هذا الظن خاطئ؛ لن العقل جاء لِيُبصّر النسا َ‬
‫للنسان‪ " :‬إياكَ أنْ يستهويك المر الفلني لن عاقبته وخيمة "‪ .‬ومن مادة العين والقاف واللم‬
‫عقل‪ .‬ويقال‪ :‬عق ْلتُ البعير‪.‬‬
‫ن يفكر فيها ليستخرج المطلوب‪ ،‬وأنْ يتدبر كل أمر‪،‬‬
‫ومن مهام العقل أنْ يُفرِز الشياء‪ ،‬وأ ْ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فعمليات العقل هي الستقبال الدراكي والبحث فيه لستخلص الحقائق والنتائج‪ ،‬وأن يتدبر‬
‫النسان كل أمر كي يتجنب ما فيه من ضرر‪.‬‬
‫والمثل‪ :‬هو ما توصّل إليه بعضٌ من العلماء من اكتشاف لدوية يستخدمونها لفترة ما‪ ،‬ثم يعلنون‬
‫عن الستغناء عنها؛ لن آثارها الجانبية ضارة جدا؛ وهذا يعني أنهم لم يتدبروا المر جيدا؛‬
‫طوْا خطوات إلى ما ليس لهم به كامل العلم‪.‬‬
‫وخَ َ‬
‫ك ليَاتٍ ّلقَوْمٍ َي ْعقِلُونَ { [الرعد‪]4 :‬‬
‫وقول الحق سبحانه‪...} :‬إِنّ فِي ذاِل َ‬
‫نلحظ فيه توجيها بالتعاون بين العقول‪ ،‬لتبحث في آيات َربّ العقول؛ فل يأخذ أحد قرارا بعقله‬
‫فقط؛ بل يسمع أيّ مِنّا لرأي عقل ثانٍ وعقل ثالث ورابع؛ ليستطيع النسان تدبّر ما يمكن أنْ يقع؛‬
‫ولتتكاتف العقول في استنباط الحقائق النافعة التي ل يتأتّى منها ضرر فيما بعد؛ لن من استبد‬
‫برأيه هلك‪ ،‬ومن شاور الرجال شاركهم في عقولهم‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه بعد ذلك‪:‬‬
‫جبٌ َقوُْلهُمْ‪{ ...‬‬
‫جبْ َف َع َ‬
‫} وَإِن َت ْع َ‬

‫(‪)1698 /‬‬
‫جدِيدٍ أُولَ ِئكَ الّذِينَ َكفَرُوا بِرَ ّبهِمْ وَأُولَ ِئكَ الْأَغْلَالُ‬
‫جبٌ َقوُْلهُمْ أَئِذَا كُنّا تُرَابًا أَئِنّا َلفِي خَ ْلقٍ َ‬
‫جبْ َفعَ َ‬
‫وَإِنْ َتعْ َ‬
‫صحَابُ النّارِ هُمْ فِيهَا خَاِلدُونَ (‪)5‬‬
‫فِي أَعْنَا ِق ِه ْم وَأُولَ ِئكَ َأ ْ‬

‫والعجب هو أن تُبدي دهشة من شيء ل تعرف سببه‪ ،‬وهذا التعجب ل يتأتّى من ال؛ لنه سبحانه‬
‫يعلم كل شيء‪ ،‬فإذا صدر عجب من ال مثل قوله الحق‪ {:‬كَ ْيفَ َتكْفُرُونَ بِاللّهِ‪[} ...‬البقرة‪]28 :‬‬
‫فمعنى هذا أنه سبحانه يُنكِر أن يكفر النسان مع قيام الدلة على اليمان؛ لكن بعضا من الناس ـ‬
‫رغم ذلك ـ يكفر بال‪.‬‬
‫جبْ‪[ } ...‬الرعد‪]5 :‬‬
‫وقول الحق سبحانه‪ { :‬وَإِن َتعْ َ‬
‫هو خطاب مُوجّه لرسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وكان رسول ال صلى ال عليه وسلم يتعجّب‬
‫من أنهم كانوا يُسمّونه قبل أن يبعثه ال رسولً بالصادق المين؛ وبعد ما جاءت الرسالة قالوا‪ :‬إنه‬
‫ساحر كذاب‪.‬‬
‫فكيف يكون صادقا أمينا ببشريته وذاتيته؛ ثم إذا أمدّه الحق سبحانه بالمَدَد الرّسَالي تتهمونه‬
‫بالكذب؟ ألم َيكُنْ من الجدر أنْ تقولوا إنه صار أكثر صِدْقا؟ وهل من ال ُممْكن أن يكون صادقا‬
‫عندكم‪ ،‬ثم يكذب على ال؟‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والتعجّب أيضا من أنهم أنكروا البعث من بعد الموت‪ ،‬رغم أنه سبحانه أوضح الدلة على ذلك؛‬
‫ولكن المؤمنين وحدهم هم الذين استقبلوا أمر ال َبحْث بالتصديق؛ بمجرد أن أبلغهم به رسول ال‬
‫مُبلّغا عن ربّه‪.‬‬
‫صبَ الدلة‬
‫ونجد الحقّ سبحانه وتعالى قد احترم ُفضُول العقل البشري‪ ،‬فأوضح سبحانه ذلك و َن َ‬
‫عليه؛ وأبلغنا أنه لم يعجز عن الخَلْق الول؛ لذلك لن يعجز عن البعث‪.‬‬
‫فقد جاء بنا سبحانه من عدم‪ ،‬وفي البعث سيأتي بنا من موجود‪ ،‬ومن الغباء إذنْ أن يتشكّك أحد‬
‫في البعث‪ ،‬والمُسْرِف على نفسه إنما يُنكِر البعث؛ لنه ل يقدر على ضبْط النفس؛ ويظن أنه‬
‫بإنكار البعث لن يَ ْلقَى المصير السود الذي سيلقاه في الخرة‪.‬‬
‫ولذلك تجد المسرفين على أنفسهم يحاولون التشكيك في البعث ويأتي الحق سبحانه بتشكيكهم هذا‬
‫ت وَنَحْيَا َومَا ُيهِْلكُنَآ ِإلّ الدّهْرُ‪} ...‬‬
‫في َقوْل الحق سبحانه‪َ {:‬وقَالُواْ مَا ِهيَ ِإلّ حَيَاتُنَا الدّنْيَا َنمُو ُ‬
‫[الجاثية‪]24 :‬‬
‫ولو أن الواحد منهم وضع مسألة ال َبعْث في يقينه لنصرف عن شهواته‪ ،‬بينما هو يريد أن ينطلق‬
‫بالشهوات؛ ولذلك نجدهم يقولون‪ {:‬أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الَ ْرضِ‪[} ...‬السجدة‪]10 :‬‬
‫وهم يقصدون بذلك أنهم بعد الموت سيصيرون ترابا‪ ،‬ويعودون إلى الرض كعناصر وتراب‬
‫تَذْروه الرياح‪ ،‬فكيف سيأتي بهم ال للبعث‪ ،‬ويُنشئهم من جديد؟‬
‫سيَ خَ ْلقَهُ قَالَ مَن يُحيِي ا ْلعِظَا َم وَ ِهيَ َرمِيمٌ * ُقلْ يُحْيِيهَا الّذِي‬
‫ويقول سبحانه‪َ {:‬وضَ َربَ لَنَا مَثَلً وَنَ ِ‬
‫أَنشَأَهَآ َأوّلَ مَ ّر ٍة وَ ُهوَ ِب ُكلّ خَ ْلقٍ عَلِيمٌ }[يس‪]79-78 :‬‬
‫ومن الكافرين مَنْ قال‪ :‬سنصير ترابا‪ ،‬ثم نختلط بالتربة‪ ،‬ويتم زراعة هذه التربة‪ ،‬فتمتزج‬
‫عناصرنا بما تنبته الرض من فواكه وخُضر وأشجار؛ ثم يأكل طفل من الثمرة التي تغ ّذتْ‬
‫بعناصرنا؛ فيصير بعضٌ مِنّا في مكونات هذا الطفل؛ والقياس يُوضّح أننا سوف نتناثر؛ فكيف‬
‫يأتي بنا ال؟‬
‫كل ذلك بطبيعة الحال من وسوسة الشيطان ووحيه‪ {:‬وَإِنّ الشّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى َأوْلِيَآ ِئهِمْ‪} ...‬‬
‫[النعام‪]121 :‬‬
‫وأقول‪ :‬لنفترض أن إنسانا قد مرض؛ وأصابه هُزَال‪ ،‬وفقد ثلثين كيلوجراما من وزنه‪ ،‬وما نزل‬
‫من هذا الوزن لبُدّ أنه قد ذهب إلى الرض كعناصر اختلطتْ بها‪ ،‬ثم جاء طبيب قام بتشخيص‬
‫الداء وكتب الدواء‪ ،‬وشاء ال لهذا المريض الشفاء واستردّ وزنه‪ ،‬وعاد مرة أخرى لحالته‬
‫الطبيعية؛ فهل الثلثين كيلو جراما التي استردّها هي هي نفس الكمية بنوعيتها وخصوصيتها التي‬
‫سبق أنْ فقدها؟ طبعا ل‪.‬‬
‫وهكذا نفهم أن التكوين هو تكوين نسبيّ للعناصر‪ ،‬كذا من الحديد؛ كذا من الصوديوم؛ كذا من‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫المغنسيوم؛ وهكذا‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالجزاء في اليوم الخر عملية عقلية لزمة‪ ،‬يقول الحق‪ {:‬كَ ْيفَ َت ْكفُرُونَ بِاللّ ِه َوكُنْتُمْ َأ ْموَاتا‬
‫جعُونَ }[البقرة‪]28 :‬‬
‫فَأَحْيَاكُمْ ثُمّ ُيمِي ُتكُمْ ُثمّ يُحْيِي ُكمْ ثُمّ إِلَيْهِ تُ ْر َ‬
‫مادام هناك أمر؛ وهناك نهي؛ وهناك نهي؛ وهناك منهج واضح يُبيّن كل شيء‪ .‬وإنْ كنت تعجبُ‬
‫يا محمد من الكفار وما يثيرونه من أقضية‪ ،‬فََلكَ أنْ تعجب لنها أمور تستحق العجب‪.‬‬
‫والحق سبحانه حين يخاطب الخَلْق فهو يخاطبهم إمّا في أمر يشكّون فيه‪ ،‬أو في أمر ل يشكّ فيه‬
‫أحد‪.‬‬
‫شكّ هو فيه؛ فأنت‬
‫والمَثَل من حياتنا ـ ول المَ َثلُ العلى ـ حين تخاطب أنت واحدا في أمر يَ ُ‬
‫تحاول أن تؤكد هذا المر بكل الطرق‪ ،‬وهكذا وجدنا بعضا من الناس ينكرون البعث والحساب؛‬
‫ووجدنا الحق سبحانه وتعالى يُذكّرهم به عبر رسوله ويؤكده لهم‪.‬‬
‫وأيضا خاطبهم الحق سبحانه فيما لم يَشكّوا فيه؛ وهو الموت؛ وقال‪ُ {:‬كلّ َنفْسٍ ذَآ ِئقَةُ ا ْل َم ْوتِ‪} ...‬‬
‫[آل عمران‪]185 :‬‬
‫ويقول الرسول صلى ال عليه وسلم‪ " :‬ما رأيت يقينا أشبه بالشك من يقين الناس بالموت "‪.‬‬
‫فالموت يقين‪ ،‬ولكن ل أحد يحاول التفكير في أنه قادم‪ ،‬وسبحانه يقول‪ُ {:‬ثمّ إِ ّنكُمْ َب ْعدَ ذاِلكَ َلمَيّتُونَ }‬
‫[المؤمنون‪]15 :‬‬
‫وهذا تأكيد لمر يُجمع الناس على أنه واقع‪ ،‬لكنهم لغفلتهم عنه بَ َدوْا كالمنكرين له‪ ،‬لذلك خاطبهم‬
‫خطابَ المنكرين‪ ،‬ثم قال بعد ذلك‪ {:‬ثُمّ إِ ّنكُمْ َيوْمَ ا ْلقِيَامَةِ تُ ْبعَثُونَ }[المؤمنون‪]16 :‬‬
‫ولم َيقُل‪ " :‬ولتبعثون " لن البعث مسألة ل تحتاج إلى تأكيد‪ ،‬وعدم التأكيد هنا آكد من التأكيد‪ ،‬لن‬
‫أمر الموت واضح جدا رغم الغفلة عنه‪ ،‬أما البعث فهو واقع ل محالة بحيث ل يحتاج إلى تأكيد‪.‬‬
‫والمثل من حياتنا ـ ول المثل العلى ـ يذهب النسان إلى الطبيب؛ فيقول له الطبيب بعد‬
‫الكشف عليه " اذهب فلن أكتب لك دواء "‪ .‬وهذا القول يعني أن هذا النسان في تمام الصحة؛‬
‫وكأن كتابة الدواء يحمل شبهة أن هناك مرضا‪.‬‬
‫وكذلك الحق سبحانه يخاطب الخَلْق في الشيء الذي ينكرونه وعليه دليل واضح؛ فيأتي خطابه لهم‬
‫بل تأكيد؛ وهو يوضح بتلك الطريقة أنهم على غير حق في النكار‪ ،‬أما الشيء الذي يتأكدون منه‬
‫وهم غافلون عنه؛ فهو يؤكده لهم؛ كي ل يغفلوا عنه‪.‬‬
‫وكذلك في القَسَم؛ فنجده سبحانه قد أقسم بالتين والزيتون؛ وأقسم بالقرآن الحكيم؛ وأقسم بغير ذلك‪،‬‬
‫حلّ ِبهَـاذَا الْبََلدِ * َووَالِ ٍد َومَا وَلَدَ }‬
‫ونجده في مواقع أخرى يقول‪ {:‬لَ ُأقْسِمُ ِبهَـاذَا الْبََلدِ * وَأَنتَ ِ‬
‫[البلد‪]3-1 :‬‬
‫والعجيب أنه يأتي بجواب القسم‪ ،‬فيقول‪َ {:‬لقَدْ خََلقْنَا الِنسَانَ فِي كَبَدٍ }[البلد‪]4 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وقد يقول قائل‪ :‬كيف يقول‪ {:‬لَ ُأ ْقسِمُ‪[} ...‬البلد‪]1 :‬‬
‫ثم يأتي بجواب القسم؟‬
‫وأقول‪ :‬لقد جاء هنا بقوله‪ {:‬لَ ُأ ْقسِمُ‪[} ...‬البلد‪]1 :‬‬
‫وكأنه يُوضّح ألّ حقّ لكم في النكار؛ ولذلك ما كان يصحّ أنْ أقسم لكم‪ ،‬ولو كنت ُمقْسِما؛ لقسمتُ‬
‫بكذا وكذا وكذا‪.‬‬
‫جبٌ َقوُْلهُمْ أَإِذَا كُنّا تُرَابا‬
‫جبْ َف َع َ‬
‫وسبحانه يقول في الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها‪ } :‬وَإِن َت ْع َ‬
‫جدِيدٍ‪[ { ...‬الرعد‪]5 :‬‬
‫أَإِنّا َلفِي خَلْقٍ َ‬
‫جلّ وعل يُذكّرهم بما كان يجب ألّ ينسوه؛ فقد خلقهم من تراب؛ وخلق التراب من عدم‪،‬‬
‫وهو َ‬
‫جدِيدٍ }[ق‪]15 :‬‬
‫وهو القائل‪َ {:‬أ َفعَيِينَا بِا ْلخَلْقِ الَ ّولِ َبلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مّنْ خَ ْلقٍ َ‬
‫إذن‪ :‬فسبحانه يتعجب من أمر هؤلء؛ ويزيد من العجب أنهم كذّبوا محمدا صلى ال عليه وسلم‬
‫بعد أن جرّبوا فيه الصدق‪ ،‬ولمسوا منه المانة؛ وقالوا عنه ذلك من قبل أن يُبعث؛ وفوق ذلك‬
‫أنكروا البعث مع قيام الدليل عليه‪.‬‬
‫ويصفهم الحق سبحانه‪ُ } :‬أوْلَـا ِئكَ الّذِينَ كَفَرُواْ بِرَ ّبهِمْ‪[ { ...‬الرعد‪]5 :‬‬
‫أي‪ :‬أن هؤلء المكذبين لك يا محمد والمنكرين للبعث لم يكفروا فقط بال الذي أوجب التكليف‬
‫العبادي؛ بل هم يكفرون بالربوبية التي تعطي المؤمن والكافر؛ والطائع والعاصي‪ ،‬وتأتمر بأمرها‬
‫السباب لتستجيب لي مجتهد يتبع قوانين الجتهاد‪ ،‬فيأخذ من عطاءات الربوبية؛ وهي عطاءات‬
‫التشريف التي تضمن الرزق‪ ،‬بينما عطاءات اللوهية؛ هي تكليفات بالطاعة للوامر التعبدية؛‬
‫الممثلة في " افعل " و " ل تفعل "‪ .‬وسبحانه ل يكلف النسان إل بعد أن يبلغ النسان درجة‬
‫النضج التي تؤهله؛ لن ينجب مثيلً له؛ وقد ترك الحق سبحانه كل إنسان يرتع في خير النعم التي‬
‫أسبغها سبحانه على البشر‪ ،‬وكان على النسان أن يسعى إلى اليمان فور أن تصله الدعوة من‬
‫الرسول المبلغ عن ال؛ هذا الرسول المشهود له بالصدق والمانة‪ .‬ولذلك نجد الحق سبحانه وهو‬
‫يصف المنكرين لليمان‪ُ } :‬أوْلَـا ِئكَ الّذِينَ َكفَرُواْ بِرَ ّب ِهمْ‪[ { ...‬الرعد‪]5 :‬‬
‫صحَابُ النّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدونَ { [الرعد‪]5 :‬‬
‫للُ فِي أَعْنَا ِقهِ ْم وَُأوْلَـا ِئكَ َأ ْ‬
‫ويضيف‪...} :‬وَُأوْلَ ِئكَ الَغْ َ‬
‫طوْق الحديد الذي له طرف في كل يد لِيُقيدها؛ وطرف مُعلّق في الرقبة لِيُقلل من‬
‫وال ّغلّ‪ :‬هو َ‬
‫مساحة حركة اليدين‪ ،‬ولمزيد من الذلل‪.‬‬
‫وهم أصحاب النار؛ وكلمة " صاحب " تُطلق على مَنْ تعرفه معرفةً تروق كيانك وذاتك؛ فهناك‬
‫مَنْ تصاحبه؛ وهناك من تصادقه؛ وهناك من تؤاخيه؛ وهناك من تعرفه معرفة سطحية‪ ،‬ول تقيم‬
‫علقة عميقة معه‪.‬‬
‫إن المعرفة مراتب‪ ،‬والصحبة تآلف وتجاذب بين اثنين؛ ومَنْ يصاحب النار فهو مَنْ تعشقه النار‪،‬‬
‫ل تقول النار لربها يوم القيامة‪َ ... {:‬هلْ مِن‬
‫ويعشق هو النار‪ ،‬ويجب كل منهما ملزمة الخر أ َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫مّزِيدٍ }[ق‪]30 :‬‬
‫ل إلى العاصي‪.‬‬
‫ن يص َ‬
‫أي‪ :‬أن العذاب نفسه يكون مَشُوقا أ ْ‬
‫ويقول الحق سبحانه بعد ذلك‪:‬‬
‫} وَيَسْ َت ْعجِلُو َنكَ بِالسّيّئَةِ قَ ْبلَ ا ْلحَسَنَةِ‪{ ...‬‬

‫(‪)1699 /‬‬
‫ت وَإِنّ رَ ّبكَ لَذُو َم ْغفِ َرةٍ لِلنّاسِ عَلَى‬
‫وَيَسْ َتعْجِلُو َنكَ بِالسّيّ َئةِ قَ ْبلَ الْحَسَ َن ِة َوقَدْ خََلتْ مِنْ قَبِْلهِمُ ا ْلمَثُلَا ُ‬
‫ظُ ْل ِمهِمْ وَإِنّ رَ ّبكَ لَشَدِيدُ ا ْل ِعقَابِ (‪)6‬‬

‫والستعجال أن تطلب الشيء قبل زمنه‪ ،‬وتقصير الزمن عن الغاية‪ ،‬فأنت حين تريد غاية ما؛‬
‫فأنت تحتاج لزمن يختلف من غاية لخرى‪ ،‬وحين تتعجل غايةً‪ ،‬فأنت تريد أنْ تصل إليها قبل‬
‫زمنها‪.‬‬
‫وكل اختيار للتعجّل أو الستبطاء له مميزاته وعيوبه‪ ،‬فهل الستعجال هنا لمصلحة أمر مطلوب؟‬
‫إنهم هنا يستعجلون بالسيئة قبل الحسنة‪ ،‬وهذا دليل على اختلل وخُلْف موازين تفكيرهم‪ ،‬وقد سبق‬
‫ن الَ ْرضِ يَنْبُوعا * َأوْ َتكُونَ َلكَ جَنّةٌ مّن‬
‫لهم أن قالوا‪َ {:‬وقَالُواْ لَن ّن ْؤمِنَ َلكَ حَتّىا َتفْجُرَ لَنَا مِ َ‬
‫ع ْمتَ عَلَيْنَا كِسَفا‪[} ...‬السراء‪:‬‬
‫سمَآءَ َكمَا زَ َ‬
‫سقِطَ ال ّ‬
‫ل وَعِ َنبٍ فَتُفَجّرَ الَ ْنهَارَ خِلَلهَا َتفْجِيرا * َأوْ تُ ْ‬
‫نّخِي ٍ‬
‫‪]92-90‬‬
‫وهكذا نجد هؤلء الكافرين وهم يستعجلون بالسيئة قبل الحسنة‪ ،‬كما استعجلوا أنْ تنزل عليهم‬
‫الحجارة‪ ،‬وهم ل يعرفون أنْ كل عذاب له مدة‪ ،‬وله ميعاد موقوت‪ .‬ولم يفكروا في أنْ يقولوا‪" :‬‬
‫اللهم إنْ كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه "‪.‬‬
‫سمَآءِ َأوِ ائْتِنَا‬
‫حقّ مِنْ عِن ِدكَ فََأمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَا َرةً مّنَ ال ّ‬
‫بل إنهم قالوا‪... {:‬الّل ُهمّ إِن كَانَ هَـاذَا ُهوَ الْ َ‬
‫ِبعَذَابٍ أَلِيمٍ }[النفال‪]32 :‬‬
‫وهكذا أوضح لنا الحق سبحانه ما وصلوا إليه من خَلل في نفوسهم وفسادها؛ ذلك أن مقاييسهم‬
‫انتهت إلى الكفر‪ ،‬وليس أدلّ على فساد المقاييس إل استعجالهم للسيئة قبل الحسنة؛ لن العاقل حين‬
‫يُخيّر بين أمرين؛ فهو يستعجل الحسنة؛ لنها تنفع‪ ،‬ويستبعد السيئة‪.‬‬
‫ومادامت نفوس هؤلء الكافرين فاسدة؛ ومادامت مقاييسهم ُمخْتلة‪ ،‬فلبد أن السبب في ذلك هو‬
‫الكفر‪.‬‬
‫حمْق الختيار في البدائل؛‬
‫إذن‪ :‬فاستعجال السيئة قبل الحسنة بالنسبة للشخص أو للجماعة؛ دليلُ ُ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فلو أنهم أرادوا الستعجال الحقيقي للنافع لهم؛ لستعجلوا الحسنة ولم يستعجلوا السيئة‪.‬‬
‫لتُ‪} ...‬‬
‫حسَنَ ِة َوقَدْ خََلتْ مِن قَبِْلهِمُ ا ْلمَثُ َ‬
‫وهنا يقول الحق سبحانه‪ { :‬وَيَسْ َتعْجِلُو َنكَ بِالسّيّ َئةِ قَ ْبلَ الْ َ‬
‫[الرعد‪]6 :‬‬
‫فلماذا يستعجلون العذاب؟ ألم ينظروا ما الذي حاق بالذين كذّبوا الرسل من قبلهم؟‬
‫وحين يقول الرسول‪ :‬احذروا أن يصيبكم عذاب‪ ،‬أو احذروا أنْ كذا وكذا؛ فهل في ذلك كذب؟‬
‫ولماذا لم ينظروا للعِبَر التي حدثتْ عَبْر التاريخ للقوام التي كذبتْ الرسل من قبلهم؟‬
‫و " المَثُلت " جمع " مُثْلة "؛ وفي قول آخر " مَثُلَة "‪ .‬والحق سبحانه يقول لنا‪ {:‬وَإِنْ عَاقَبْ ُتمْ َفعَاقِبُواْ‬
‫ِبمِ ْثلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ‪[} ...‬النحل‪]126 :‬‬
‫ويقول أيضا‪ {:‬وَجَزَآءُ سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثُْلهَا‪[} ...‬الشورى‪]40 :‬‬
‫وهكذا تكون " مَثُلت " من المثل؛ أي‪ :‬أن تكون العقوبة ُممَاثلة للفعل‪.‬‬
‫لتُ‪[ } ...‬الرعد‪]6 :‬‬
‫وقول الحق سبحانه‪َ { :‬وقَدْ خََلتْ مِن قَبِْلهِمُ ا ْلمَثُ َ‬
‫يعني‪ :‬أنه سبحانه سبق وأنزل العذاب بالمثيل لهم من المم السابقة التي كذبتْ الرسل؛ إما بالبادة‬
‫إن كان ميئوسا من إيمانهم‪ ،‬وإما بالقهر والنصر عليهم‪.‬‬
‫ويتابع سبحانه في نفس الية‪ { :‬وَإِنّ رَ ّبكَ َلذُو َمغْفِ َرةٍ لّلنّاسِ عَلَىا ظُ ْل ِمهِمْ‪.‬‬
‫‪[ { ..‬الرعد‪]6 :‬‬
‫ن يكفرون؛ لعل رجلً صالحا يوجد فيهم‪ ،‬وقد صبر سبحانه‬
‫أي‪ :‬أنه سبحانه ل يُعجّل العذاب ِلمَ ْ‬
‫على أبي جهل؛ فخرج منه عكرمة بن أبي جهل؛ وهو الصحابي الصالح؛ وصبر على خالد بن‬
‫الوليد فصار سيفَ ال المسلول‪ ،‬بعد أن كان أحد المقاتلين الشداء في معسكر الكفر‪.‬‬
‫وتحمل لنا أخبار الصحابة كيف قاتل عكرمة بن أبي جهل؛ إلى أن أصيب إصابة بالغة‪ ،‬فينظر‬
‫إلى خالد بن الوليد قائلً‪ :‬أهذه ميتة تُرضِي عني رسول ال؟‬
‫وتحمل لنا أخبار الصحابة كيف حزن واحد من المقاتلين المسلمين لحظة أنْ أفلتَ من خالد بن‬
‫الوليد أيام أنْ كان على الكفر؛ وهو ل يعلم أن الحق سبحانه قد ادخر خالدا ليكون سيف ال‬
‫المسلول من بعد إسلمه‪.‬‬
‫ن كانوا على الكفر‪ ،‬كي يكونوا‬
‫وهكذا شاء الحق أن يُفلت بعض من صناديد قريش من القتل أيام أ ْ‬
‫من خيرة أهل السلم بعد ذلك‪.‬‬
‫ويتابع سبحانه‪ } :‬وَإِنّ رَ ّبكَ لَذُو َم ْغفِرَةٍ لّلنّاسِ عَلَىا ظُ ْل ِمهِمْ‪[ { ...‬الرعد‪]6 :‬‬
‫فمع أن الناس ظالمون؛ فسبحانه يغفر لهم؛ لنه سبحانه أفرح بعبده التائب المؤمن من أحدكم‪ ،‬وقد‬
‫وقع على بعيره‪ ،‬وقد أضلّه في فلة‪.‬‬
‫ولذلك أرى أن مَنْ يُعيّر عبدا بذنب استغفر منه ال؛ هو إنسان آثم؛ ذلك أن العبد قد استغفر ال؛‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فل يجب أنْ يحشر أحد أنفه في هذا المر‪.‬‬
‫ونلحظ هنا قول الحق سبحانه‪ } :‬عَلَىا ظُ ْل ِمهِمْ‪[ { ...‬الرعد‪]6 :‬‬
‫وفي هذا القول يجد بعض العلماء أن ال قد استعمل حرفا بدلً من حرف آخر؛ فجاءت " على "‬
‫بدلً من " مع "‪.‬‬
‫ونلحظ أن " على " هي ثلثة حروف؛ و " مع " مكونة من حرفين؛ فلماذا حذف الحق سبحانه‬
‫ف وأتى بـ " على "؟ لبد أن وراء ذلك غاية‪.‬‬
‫الخ ّ‬
‫أقول‪ :‬جاء الحق سبحانه بـ " على " في قوله‪ } :‬وَإِنّ رَ ّبكَ لَذُو َم ْغفِ َرةٍ لّلنّاسِ عَلَىا ظُ ْل ِمهِمْ‪...‬‬
‫{ [الرعد‪]6 :‬‬
‫ليؤكد لنا أن ظلم الناس كان يقتضي العقوبة؛ ولكن رحمته سبحانه تسيطر على العقوبة‪.‬‬
‫وهكذا أدت كلمة " على " معنى " مع " ‪ ،‬وأضافت لنا أن الحق سبحانه هو المسيطر على العقوبة؛‬
‫طغَى على ظلم العباد‪.‬‬
‫وأن رحمة ال تَ ْ‬
‫طعَامَ عَلَىا حُبّهِ‪[} ...‬النسان‪]8 :‬‬
‫ط ِعمُونَ ال ّ‬
‫ومِثْل ذلك قوله سبحانه‪ {:‬وَ ُي ْ‬
‫حبّ الطعام‪.‬‬
‫جمّا؛ لكن إرادة الحفاوة والكرم تَطْغى على ُ‬
‫أي‪ :‬أنهم ُيحِبون الطعام حَبّا َ‬
‫ولكن ل يجب أن يظن الناس أن رحمة ال تطغى على عقابه دائما؛ فلو ظن البعض من‬
‫المجترئين هذا الظن؛ وتوهموا أنها قضية عامة؛ لَفسد الكون؛ ولذلك يُنِهي الحق سبحانه الية‬
‫شدِيدُ ا ْل ِعقَابِ { [الرعد‪]6 :‬‬
‫الكريمة بقوله‪...} :‬وَإِنّ رَ ّبكَ لَ َ‬
‫أي‪ :‬أنه سبحانه قادر على العقاب العظيم‪ ،‬وهكذا جمعت الية بين الرجاء والتخويف‪.‬‬
‫ويقول سبحانه بعد ذلك‪:‬‬
‫} وَ َيقُولُ الّذِينَ َكفَرُواْ‪{ ...‬‬

‫(‪)1700 /‬‬
‫وَيَقُولُ الّذِينَ َكفَرُوا َلوْلَا أُنْ ِزلَ عَلَ ْيهِ آَ َيةٌ مِنْ رَبّهِ إِ ّنمَا أَ ْنتَ مُ ْنذِ ٌر وَِلكُلّ َقوْمٍ هَادٍ (‪)7‬‬

‫ونحن نعلم أن " لول " إنْ دخلت على جملة اسمية تكون حرف امتناع لوجود؛ مثل قولك " لول‬
‫زيد عندك لَزُرْتك " ‪ ،‬أي‪ :‬أن الذي يمنعك من زيارة فلن هو وجود زيد‪.‬‬
‫ت " لول " على جملة فعلية؛ فالناطق بها يحب أنْ يحدث ما بعدها؛ مثل قولك " لول‬
‫ولو دخل ْ‬
‫حضّا على أنْ يحدث ما‬
‫عطفتَ على فلن " أو " لول صفحتَ عن ولدك " ‪ ،‬أي‪ :‬أن في ذلك َ‬
‫بعدها‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وظاهر كلم الكفار في هذه الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها أنهم يطلبون آية لتأييد صدق‬
‫الرسول صلى ال عليه وسلم في البيان الذي يحمله من الحق لهم‪ ،‬وكأنهم بهذا القول يُنكِرون‬
‫المعجزة التي جاء بها صلى ال عليه وسلم وهي القرآن الكريم‪ ،‬رغم أنهم أمةَ بلغة وأدب وبيان‪،‬‬
‫وأداء لُغوي رائع؛ وأقاموا أسواقا للدب‪ ،‬وخصصوا الجوائز للنبوغ الدبي؛ وعلّقوا القصائد على‬
‫جدران الكعبة‪ ،‬وتفاخرت القبائل بمَنْ أنجبتهم من الشعراء ورجال الخطابة‪.‬‬
‫فلما نزل القرآن من جنس نبوغكم؛ وتفوّق على بلغتكم؛ ولم تستطيعوا أن تأتوا بآية مثل آياته؛‬
‫كيف لم تعتبروه معجزة؛ وتطالبون بمعجزة أخرى كمعجزة موسى عليه السلم؛ أو كمعجزة‬
‫عيسى عليه السلم؟‬
‫لقد كان عليكم أن تفخروا بالمعجزة الكاملة التي تحمل المنهج إلى قيام الساعة‪.‬‬
‫حمْق جعلهم يطلبون معجزة غير القرآن‪ ،‬ولم يلتفتوا إلى المعجزات الخرى التي صاحبتْ‬
‫ولكن ال ُ‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬لم يلتفتوا إلى أن الماء قد نبع من أصابعه صلى ال عليه وسلم؛‬
‫ن بصوت مسموع‬
‫والطعام القليل أشبع القوم وفاض منه‪ ،‬والغمامة قد ظللته‪ ،‬وجذع النخلة قد أَ ّ‬
‫عندما نقل رسول ال منبره؛ بعد أنْ كان صلى ال عليه وسلم يخطب من فوق الجذع‪.‬‬
‫عذْر في ذلك؛ لنهم لم يَرَوا تلك المعجزات الحِسّية؛ بحكم أنهم كافرون؛‬
‫وقد يكونون أصحاب ُ‬
‫واقتصرت ُرؤْياهم على مَنْ آمنوا برسالته صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫وهكذا نعلم أن الرسول صلى ال عليه وسلم لم يُحرم من المعجزات الكونية؛ تلك التي تحدث مرة‬
‫واحدة وتنتهي؛ وهي حُجّة على مَنْ يراها؛ وقد جاءتْ لتثبت إيمان القِلّة المضطهدة؛ فحين يروْنَ‬
‫الماء مُتفجِرا بين أصابعه‪ ،‬وَهُمْ مَزلْزلون بالضطهاد؛ هنا يزداد تمسّكهم بالرسول صلى ال عليه‬
‫وسلم‪.‬‬
‫ولكن الكافرين لم يَ َروْا تلك المعجزات‪ .‬وكان عليهم الكتفاء بالمعجزة التي قال عنها رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ " :‬القرآن كافيني "‪.‬‬
‫والقرآن معجزة من جنس ما نبغتُم فيه أيها العرب‪ ،‬ومحمّد رسول من أنفسكم‪ ،‬لم يَ ْأتِ من قبيلة‬
‫غير قبيلتكم‪ ،‬ولسانه من لسانكم‪ ،‬وتعلمون أنه لم يجلس إلى معلم؛ ول عِلُمِ عنه أنه خطب فيكم من‬
‫قبل‪ ،‬ولم َيقْرِض الشعر‪ ،‬ولم يُعرف عنه أنه خطيب من خطباء العرب‪.‬‬
‫ولذلك جاء الحق سبحانه بالقول على لسانه‪ {:‬قُل ّلوْ شَآءَ اللّهُ مَا تََلوْتُهُ عَلَ ْي ُك ْم َولَ َأدْرَاكُمْ ِبهِ َفقَدْ‬
‫عمُرا مّن قَبْلِهِ َأفَلَ َتعْقِلُونَ }[يونس‪]16 :‬‬
‫لَبِ ْثتُ فِيكُمْ ُ‬
‫شعْرِ؛ وكان يجب أن تؤمنوا أنه‬
‫شتُ بينكم ولم أتكلّم بالبلغة؛ ولم أنافس في أسواق ال ّ‬
‫أي‪ :‬أنني عِ ْ‬
‫قول من َلدُنْ حكيم عليم‪.‬‬
‫ن قال‪ " :‬لقد كان يكتم موهبته وقام بتأجيلها "‪.‬‬
‫ولكن منهم مَ ْ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وهؤلء نقول لهم‪ :‬هل يمكن أن يعيش طفل يتيم الب وهو في بطن أمه؛ ثم يتيم الم وهو صغير‪،‬‬
‫جدّه وهو أيضا صغير‪ ،‬ورأى تساقط الكبار من حوله بل نظام في التساقط؛ فقد ماتوا‬
‫ويموت َ‬
‫دون مرض أو سبب ظاهر؛ أكان مثل هذا النسان يأمنُ على نفسه أن يعيش إلى عمر الربعين‬
‫ليعلن عن موهبته؟‬
‫ثم من قال‪ :‬إن العبقرية تنتظر إلى الربعين لتظهر؟ وكلنا يعلم أن العبقريات تظهر في أواخر‬
‫العقد الثاني وأوائل العقد الثالث‪.‬‬
‫ورغم عدم اعترافكم بمعجزة القرآن؛ هاهو الحق سبحانه يُجري على ألسنتكم ما أخفيتموه في‬
‫جلٍ مّنَ ا ْلقَرْيَتَيْنِ‬
‫قلوبكم؛ ويُظهره الناس في مُحكم كتابه‪َ {:‬وقَالُواْ َل ْولَ نُ ّزلَ هَـاذَا ا ْلقُرْآنُ عَلَىا َر ُ‬
‫عَظِيمٍ }[الزخرف‪]31 :‬‬
‫وهكذا اعترفتُم بعظمة القرآن؛ وحاولتُم أن تغالطوا في قيمة المنزل عليه القرآن‪.‬‬
‫ويقول سبحانه هنا في الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها‪ } :‬وَيَقُولُ الّذِينَ َكفَرُواْ َلوْل أُن ِزلَ عَلَيْهِ‬
‫آيَةٌ مّن رّبّهِ‪[ { ...‬الرعد‪]7 :‬‬
‫فلماذا إذنْ قُلْتم واعترفتم أنّ له ربا؟ أمَا كان يجب أن تعترفوا برسالته وتُعلنون إيمانكم به‬
‫وبالرسالة‪ ،‬وقد سبق أنْ قالوا‪ :‬إن ربّ محمد قد قَلَه‪.‬‬
‫وهذا القول يعني أنهم اعترفوا بأن له ربا؛ فلماذا اعترفوا به في الهَجْر وأنكروه في ال َوصْل‪.‬‬
‫وإذا كانوا يطلبون منك معجزة غير القرآن فاعلم يا محمد أن ربك هو الذي يرسل المعجزات؛‬
‫وهو الذي يُحدّد المعجزة بكل رسول حسب ما نبغ فيه القوم المُرْسَل إليهم الرسول‪ ،‬وأنت يا محمد‬
‫مُنْذر فقط؛ أي مُحذّر‪...} :‬إِ ّنمَآ أَنتَ مُنذِرٌ وَِلكُلّ َقوْمٍ هَادٍ { [الرعد‪]7 :‬‬
‫فكل قوم لهم هَادٍ‪ ،‬يهديهم باليات التي تناسب القوم؛ فبنو إسرائيل كانوا مُتفوّقين في السحر؛ لذلك‬
‫جاءت معجزة موسى من َلوْنِ ما نبغوا فيه؛ وقوم عيسى كانوا مُتفوقين في الطب؛ لذلك كانت‬
‫معجزة عيسى من نوع ما نبغوا فيه‪.‬‬
‫وهكذا نرى أن لكل قوم هاديا‪ ،‬ومعه معجزة تناسب قومه؛ ولذلك َردّ ال عليهم الرد ال ُمفْحم حين‬
‫ل وَعِ َنبٍ‬
‫ن الَ ْرضِ يَنْبُوعا * َأوْ َتكُونَ َلكَ جَنّةٌ مّن نّخِي ٍ‬
‫قالوا‪َ {:‬وقَالُواْ لَن ّن ْؤمِنَ َلكَ حَتّىا َتفْجُرَ لَنَا مِ َ‬
‫ع ْمتَ عَلَيْنَا ِكسَفا َأوْ تَأْ ِتيَ بِاللّهِ وَا ْلمَلئِكَةِ‬
‫سمَآءَ َكمَا زَ َ‬
‫سقِطَ ال ّ‬
‫فَ ُتفَجّ َر الَ ْنهَارَ خِلَلهَا َتفْجِيرا * َأوْ ُت ْ‬
‫سمَآ ِء وَلَن ّن ْؤمِنَ لِ ُرقِ ّيكَ حَتّى تُنَ ّزلَ عَلَيْنَا كِتَابا‬
‫قَبِيلً * َأوْ َيكُونَ َلكَ بَ ْيتٌ مّن ُزخْ ُرفٍ َأوْ تَ ْرقَىا فِي ال ّ‬
‫ّنقْرَ ُؤهُ‪} ...‬‬
‫[السراء‪]93-90 :‬‬
‫فيقول الحق سبحانه‪... {:‬قُلْ سُ ْبحَانَ رَبّي َهلْ كُنتُ ِإلّ َبشَرا رّسُولً * َومَا مَنَعَ النّاسَ أَن ُي ْؤمِنُواْ ِإذْ‬
‫جَآءَهُمُ ا ْلهُدَىا ِإلّ أَن قَالُواْ أَ َب َعثَ اللّهُ َبشَرا رّسُولً * قُل َلوْ كَانَ فِي الَ ْرضِ مَل ِئكَةٌ َيمْشُونَ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫سمَآءِ مَلَكا رّسُولً }[السراء‪]95-93 :‬‬
‫طمَئِنّينَ لَنَزّلْنَا عَلَ ْيهِم مّنَ ال ّ‬
‫مُ ْ‬
‫لوّلُونَ‪[} ...‬السراء‪:‬‬
‫سلَ بِاليَاتِ ِإلّ أَن َك ّذبَ ِبهَا ا َ‬
‫ويأتي الرد من الحق سبحانه‪َ {:‬ومَا مَ َنعَنَآ أَن نّرْ ِ‬
‫‪]59‬‬
‫أي‪ :‬أن قوما قبلكم طلبوا ما أرادوا من اليات؛ وأرسلها لهم ال؛ ومع ذلك كفروا؛ لن الكفر يخلع‬
‫صمّم على الكفر‪.‬‬
‫ثوب العِنَاد على الكافر؛ لن الكافر ُم َ‬
‫ويقول الحق سبحانه بعد ذلك‪:‬‬
‫ح ِملُ‪{ ...‬‬
‫} اللّهُ َيعْلَمُ مَا تَ ْ‬

‫(‪)1701 /‬‬
‫شيْءٍ عِنْ َدهُ ِب ِمقْدَارٍ (‪)8‬‬
‫ح ِملُ ُكلّ أُنْثَى َومَا َتغِيضُ الْأَ ْرحَا ُم َومَا تَزْدَا ُد َو ُكلّ َ‬
‫اللّهُ َيعَْلمُ مَا تَ ْ‬

‫وما المناسبة التي يقول فيها الحق ذلك؟‬
‫لقد شاء الحق سبحانه أن يؤكد مسألة أن لكل قوم هاديا‪ ،‬وأن رسوله صلى ال عليه وسلم هو‬
‫منذر‪ ،‬وأن طلبهم لليات المعجزة هو ابنٌ لرغبتهم في تعجيز الرسول صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫ولو جاء لهم الرسول بآية مما طلبوا لصرّوا على الكفر‪ ،‬فهو سبحانه العَالِم بما سوف يفعلون‪،‬‬
‫لنه يعلم ما هو أخفى من ذلك؛ يعلم ـ على سبيل المثال ـ ما تحمل كل أنثى وما تغيض‬
‫الرحام وما تزداد‪.‬‬
‫ونحن نعلم أن ُكلّ أنثى حين يشاء ال لها أن تحبل؛ فهي تحمل الجنين في رحمها؛ لن الرحم هو‬
‫مُسْتقرّ الجنين في بطن الم‪.‬‬
‫ض الَرْحَا ُم َومَا تَزْدَادُ‪[ } ...‬الرعد‪]8 :‬‬
‫وقوله تعالى‪َ { :‬ومَا َتغِي ُ‬
‫سقْط في أي إجهاض‪ ،‬أو ما ينقص من المواليد بالموت؛ فغاضت‬
‫أي‪ :‬ما تُنقص وما تُذهب من ال ّ‬
‫ت المواليد قبل أن تكتمل خِلْقتها؛ كأن ينقص المولود عينا أو إصبعا؛ أو تحمل‬
‫الرحام‪ ،‬أي‪ :‬نزل ْ‬
‫الخِلْقة زيادة تختلف عما نألفه من الخَلْق الطبيعي؛ كأن يزيد إصبع أو أن يكون برأسين‪.‬‬
‫أو أن تكون الزيادة في العدد؛ أي‪ :‬أن تلد المرأة َتوْأما أو أكثر‪ ،‬أو أن تكون الزيادة متعلقة بزمن‬
‫حمْل‪.‬‬
‫ال َ‬
‫وهكذا نعلم أنه سبحانه يعلم ما تغيض الرحام‪ .‬أي‪ :‬ما تنقصه في التكوين العادي أو تزيده‪ ،‬أو‬
‫يكون النظر إلى الزمن؛ كأن يحدث إجهاض للجنين وعمره يوم أو شهر أو شهران‪ ،‬ثم إلى ستة‬
‫أشهر؛ وعند ذلك ل يقال إجهاض؛ بل يقال ولدة‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وهناك مَنْ يولد بعد ستة شهور من الحمل أو بعد سبعة شهور أو ثمانية شهور؛ وقد يمتد الميلد‬
‫لسنتين عند أبي حنيفة؛ وإلى أربع سنوات عند الشافعي؛ أو لخمس سنين عند المام مالك‪ ،‬ذلك أن‬
‫مدة الحمل قد تنقص أو تزيد‪.‬‬
‫ويُقال‪ :‬إن الضحاك وُلِد لسنتين في بطن أمه‪ ،‬وهرم بن حيان وُلِد لربع سنين؛ وظل أهل أمه‬
‫طمْث الشهري طوال تلك المدة؛ ثم ولدتْ صاحبنا؛ ولذلك سموه "‬
‫يلحظون كِبَر بطنها؛ واختفاء ال ّ‬
‫هرم " أي‪ :‬شاب وهو في بطنها‪.‬‬
‫وهكذا نفهم معنى " تغيض " َنقْصا أو زيادة؛ سواء في الخِلْقة أو للمدة الزمنية‪.‬‬
‫شيْءٍ عِن َدهُ ِب ِمقْدَارٍ } [الرعد‪]8 :‬‬
‫ويقول الحق سبحانه‪َ ...{ :‬و ُكلّ َ‬
‫والمقدار هو الكمية أو الكيف؛ زمانا أو مكانا‪ ،‬أو مواهب ومؤهلت‪.‬‬
‫وقد عَدّد الحق سبحانه مفاتيح الغيب الخمس حين قال‪ {:‬إِنّ اللّهَ عِن َدهُ عِلْمُ السّاعَةِ وَيُنَزّلُ ا ْلغَ ْيثَ‬
‫وَ َيعْلَمُ مَا فِي الَرْحَامِ‪[} ...‬لقمان‪]34 :‬‬
‫وقد حاول البعض أن يقيموا إشكالً هنا‪ ،‬ونسبوه إلى الحضارة والتقدم العلمي‪ ،‬وهذا التقدم يتطرق‬
‫إليه الحتمال‪ ،‬وكل شيء يتطرق إليه الحتمال يبطل به الستدلل‪ ،‬وذلك بمعرفة نوعية الجنين‬
‫سوْا أن العلم لم يعرف أهو طويل أم قصير؟ ذكي أم غبي؟‬
‫قبل الميلد‪ ،‬أهو ذكر أم أنثى؟ وتنا َ‬
‫شقي أم سعيد؟ وهذا ما أعجز الطباء والباحثين إلى اليوم وما بعد اليوم‪.‬‬
‫ثم إنْ سألتَ كيف عرف الطبيب ذلك؟‬
‫حمْل؛ ويأخذ عينة من السائل المحيط بالجنين‪ ،‬ثم يقوم‬
‫إنه يعرف هذا المر من بعد أن يحدث ال َ‬
‫بتحليلها‪ ،‬لكن ال يعلم دون أخذ عينة‪ ،‬وهو سبحانه الذي قال لواحد من عباده‪ {:‬يا َزكَرِيّآ إِنّا نُ َبشّ ُركَ‬
‫س ُمهُ يَحْيَىا‪[} ...‬مريم‪]7 :‬‬
‫ِبغُلَمٍ ا ْ‬
‫وهكذا نعلم أن عِلْم ال ل ينتظر عيّنة أو تجربة‪ ،‬فعِلْمه سبحانه أزليّ؛ منزه عن القصور‪ ،‬وهو‬
‫يعلم ما في الرحام على أي شكل هو أو لون أو جنس أو ذكاء أو سعادة أو شقاء أو عدد‪.‬‬
‫وشاء سبحانه أن يجلي طلقة قدرته في أنْ تحمل امرأة زكريا عليه السلم في يحيى عليه السلم‪،‬‬
‫وهو الذي خلق آدم بل أب أو أم؛ ثم خلق حواء من أب دون أم؛ وخلق عيسى من أم دون أب‪،‬‬
‫وخلقنا كلنا من أب وأم‪ ،‬وحين تشاء طلقة القدرة؛ يقول سبحانه‪... {:‬كُن فَ َيكُونُ }[يس‪]82 :‬‬
‫والمثل ـ كما قلت ـ هو في دخول زكريا المحرابَ على مريم عليها السلم؛ فوجد عندها رزقا؛‬
‫فسألها‪ {:‬أَنّىا َلكِ هَـاذَا‪[} ...‬آل عمران‪]37 :‬‬
‫قالت‪ُ ... {:‬هوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إِنّ اللّهَ يَرْ ُزقُ مَن يَشَآءُ ِبغَيْرِ حِسَابٍ }[آل عمران‪]37 :‬‬
‫وكان زكريا يعلم أن ال يرزق مَنْ يشاء بغير حساب؛ ولكن هذا العلم كان في حاشية شعوره؛‬
‫واستدعاه قول مريم إلى ُبؤْرة الشعور‪ ،‬فزكريا يعلم عِلْم اليقين أن ال هو وحده مَنْ يرزق بغير‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫حساب‪.‬‬
‫وما أنْ يأتي هذا القول مُحرّكا لتلك الحقيقة اليمانية من حافة الشعور إلى ُبؤْرة الشعور؛ حتى‬
‫يدعو زكريا ربه في نفس المكان ليرزقه بالولد؛ فيبشره الحق بالولد‪.‬‬
‫وحين يتذكر زكريا أنه قد بلغ من الكبر عتيا‪ ،‬وأن امرأته عاقر؛ فيُذكّره الحق سبحانه بأن عطاء‬
‫ل وَلَمْ َتكُ شَيْئا }‬
‫ن َوقَدْ خََلقْ ُتكَ مِن قَ ْب ُ‬
‫الولد أمر هَيّن عليه سبحانه‪ {:‬قَالَ كَذاِلكَ قَالَ رَ ّبكَ ُهوَ عََليّ هَيّ ٌ‬
‫[مريم‪]9 :‬‬
‫ويقول سبحانه من بعد ذلك‪:‬‬
‫شهَا َدةِ‪{ ...‬‬
‫ب وَال ّ‬
‫} عَاِلمُ ا ْلغَ ْي ِ‬

‫(‪)1702 /‬‬
‫شهَا َدةِ ا ْلكَبِيرُ ا ْلمُ َتعَالِ (‪)9‬‬
‫عَالِمُ ا ْلغَ ْيبِ وَال ّ‬

‫ومَنْ ُكلّ شيء عنده بمقدار؛ ل يغيب عنه شيء أبدا‪ ،‬وما يحدث ليّ إنسان في المستقبل بعد أن‬
‫يُولَد هو غيب؛ لكن المُطّلع عليه وحده هو ال‪.‬‬
‫صغّرا يعلمه ال أولً؛ وإن اطلع عليه النسان في أواخر العمر؛ لوجده‬
‫وكأن هناك " نموذجا " ُم َ‬
‫مطابقا ِلمَا أراده وعلمه ال أولً؛ فل شيء يتأبّى عليه سبحانه؛ ف ُكلّ شيء عنده بمقدار‪.‬‬
‫خفِي من حجاب الماضي أو المستقبل‪ ،‬و ُكلّ ما غاب عن‬
‫وهو عالم الغيب والشهادة؛ يعلمُ ما َ‬
‫النسان‪ ،‬ويعلم ـ من باب َأوْلَى ـ المشهودَ من النسان‪ ،‬فلم يقتصر علمه على الغيب‪ ،‬وترك‬
‫شهَا َدةِ ا ْلكَبِيرُ‬
‫المشهود بغير علم منه؛ ل بل هو يعلم الغيب ويعلم المشهود‪ { :‬عَاِلمُ ا ْلغَ ْيبِ وَال ّ‬
‫ا ْلمُ َتعَالِ } [الرعد‪]9 :‬‬
‫والكبير اسم من أسماء ال الحسنى؛ وهناك مَنْ تساءل‪ :‬ولماذا ل يوجد " الكبر " ضمن أسماء ال‬
‫الحسنى؛ ويوجد فقط قولنا " ال اكبر " في شعائر الصلة؟‬
‫وأقول‪ :‬لن مقابل الكبير الصغير‪ ،‬وكل شيء بالنسبة لمُوجِده هو صغير‪ .‬ونحن نقول في أذان‬
‫الصلة " ال اكبر "؛ لنه يُخرِجك من عملك الذي أوكله إليك‪ ،‬وهو عمارة الكون؛ لتستعين به‬
‫خلل عبادتك له وتطبيق منهجه‪ ،‬فيمدّك بالقوة التي تمارس بها إنتاج ما تحتاجه في حياتك من‬
‫مأكل‪ ،‬ومَلْبس‪ ،‬وسَتْر عورة‪.‬‬
‫ل العمال مطلوبة حتى لقامة العبادة‪ ،‬فإياك أن تقول‪ :‬إن ال كبير والباقي صغير‪ ،‬لن‬
‫إذن‪ :‬فك ّ‬
‫الباقي فيه من المور ما هو كبير من منظور أنها نعم من المنعم الكبر؛ ولكن ال أكبرُ مِنّا؛‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ونقولها حين يُطلَب منا أن نخرج من أعمالنا لنستعين بعبادته سبحانه‪.‬‬
‫ونعلم أن العمل مطلوب لعمارة الكون‪ ،‬ومطلوب حتى لقامة العبادة‪ ،‬ولن توجد لك قوة لتعبد ربك‬
‫لو لم يُقوّك ربّك على عبادته؛ فهو الذي يستبقي لك قُوتَك بالطعام والشراب‪ ،‬ولن تطعم أو تشرب؛‬
‫لو لم تح ُرثْ وتبذر وتصنع‪ ،‬وكل ذلك يتيح لك قوة لِتُصلي وتُزكي وتحُج؛ وكل ما ل يتم الواجب‬
‫إل به فهو واجب‪.‬‬
‫وسبق أنْ قُلت‪ :‬إن الحق سبحانه حينما نادانا لصلة الجمعة قال‪ {:‬ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ ِإذَا نُو ِديَ‬
‫س َعوْاْ إِلَىا ِذكْرِ اللّ ِه وَذَرُواْ الْبَيْعَ ذَِلكُمْ خَيْرٌ ّل ُكمْ إِن كُنتُمْ َتعَْلمُونَ }[الجمعة‪:‬‬
‫ج ُمعَةِ فَا ْ‬
‫لةِ مِن َيوْمِ ا ْل ُ‬
‫لِلصّ َ‬
‫‪]9‬‬
‫وهكذا يُخرِجنا الحق سبحانه من أعمالنا إلى الصلة الموقوتة؛ ثم يأتي قول الحق سبحانه‪ {:‬فَِإذَا‬
‫ضلِ اللّ ِه وَا ْذكُرُواْ اللّهَ كَثِيرا ّلعَّلكُمْ ُتفِْلحُونَ }‬
‫لةُ فَانتَشِرُواْ فِي الَ ْرضِ وَابْ َتغُواْ مِن َف ْ‬
‫ُقضِ َيتِ الصّ َ‬
‫[الجمعة‪]10 :‬‬
‫وهكذا أخرجنا سبحانه من العمل‪ ،‬وهو أمر كبير إلى ما هو أكبر؛ وهو أداء الصلة‪.‬‬
‫وقول الحق سبحانه في وصف نفسه (المتعال) يعني أنه المُنزّه ذاتا وصفاتا وأفعالً؛ فل ذات‬
‫كذاته؛ ول صفة كصفاته‪ ،‬ول فعل كفعله‪ ،‬وكل ما له سبحانه يليق به وحده‪ ،‬ول يتشابه أبدا مع‬
‫غيره‪.‬‬
‫ويقول سبحانه من بعد ذلك‪:‬‬
‫سوَآءٌ مّ ْنكُمْ مّنْ أَسَرّ ا ْل َق ْولَ‪} ...‬‬
‫{ َ‬

‫(‪)1703 /‬‬
‫ل وَسَا ِربٌ بِال ّنهَارِ (‪)10‬‬
‫خفٍ بِاللّ ْي ِ‬
‫جهَرَ ِب ِه َومَنْ ُهوَ مُسْتَ ْ‬
‫سوَاءٌ مِ ْنكُمْ مَنْ أَسَرّ ا ْل َق ْولَ َومَنْ َ‬
‫َ‬

‫وساعة تسمع كلمة " سواء " فالمقصود بها عدد ل يقل عن اثنين‪ ،‬فنقول " سواء زيد وعمرو " أو‬
‫" سواء زيد وعمر وبكر وخالد "‪.‬‬
‫والمقصود هنا أنه مادام الحق سبحانه عالم الغيب والشهادة؛ فأي سر يوجد لبد أن يعلمه سبحانه‪،‬‬
‫ت َومَا فِي الَ ْرضِ َومَا‬
‫سمَاوَا ِ‬
‫حمَـانُ عَلَى ا ْلعَرْشِ اسْ َتوَىا * لَهُ مَا فِي ال ّ‬
‫وهو سبحانه القائل‪ {:‬الرّ ْ‬
‫خفَى }[طه‪]7-5 :‬‬
‫جهَرْ بِا ْل َق ْولِ فَإِنّهُ َيعْلَمُ السّ ّر وَأَ ْ‬
‫حتَ الثّرَىا * وَإِن تَ ْ‬
‫بَيْ َن ُهمَا َومَا َت ْ‬
‫خفَى هو ما َبقِى عندك‪ ،‬وإنْ كان‬
‫وهل السر هو ما ائتمنتَ عليه غيرك؟ إذا كان السر هو ذلك؛ فال ْ‬
‫السر بمعنى ما يوجد عندك ولم َتقُلْه لحد؛ فسبحانه يعلمه قبل أن يكون سرا‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫خفٍ بِالّيلِ وَسَا ِربٌ بِال ّنهَارِ } [الرعد‪]10 :‬‬
‫ويتابع سبحانه‪ُ ...{ :‬هوَ مُسْ َت ْ‬
‫وهكذا جمع الحق سبحانه هنا كل أنواع العمل؛ فالعمل كما نعلم هو شغل الجوارح بمتعلقاتها؛‬
‫فعمل اللسان أن يقول وأن يذوق‪ ،‬وعمل اليدي أن تفعل‪ ،‬وعمل الذن أن تسمع‪ ،‬وعمل القلب هو‬
‫النية‪ ،‬والعمل كما نعلم يكون مرّة َقوْلً‪ ،‬ومرّة يكون ِفعْلً‪.‬‬
‫وهكذا نجد " القول " وقد أخذ مساحة نصف " العمل " ‪ ،‬لن البلغ عن ال قول‪ ،‬وعمل الجوارح‬
‫خاضعِ ِل َمقُول القول من الحق سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫ولذلك أوضح لنا الحق سبحانه أن العمل هو ُكلّ فعل متعلق بالجوارح؛ وأخذ القول شِقا بمفرده؛‬
‫وأخذتْ أفعال الجوارح الشّقّ الخر؛ لن عمل بقية الجوارح يدخل في إطار ما سمع من منهج‬
‫ال‪.‬‬
‫سوَآءٌ مّ ْنكُمْ مّنْ أَسَرّ‬
‫ولذلك تجمع الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها كل العمل من قَوْل وفعل‪َ { :‬‬
‫خفٍ بِالّيلِ وَسَا ِربٌ بِال ّنهَارِ } [الرعد‪]10 :‬‬
‫جهَرَ بِهِ َومَنْ ُهوَ مُسْ َت ْ‬
‫ل َومَنْ َ‬
‫ا ْل َقوْ َ‬
‫ومَنْ يستخفي بالليل لبد أنه يُدبّر أمرا؛ كأن يريد أن يتسمّع ما وراء كل حركة؛ أو ينظر ما يمكن‬
‫أنْ يشاهده‪ ،‬وكذلك مَنْ يبرز ويظهر في النهار فال عالم به‪.‬‬
‫وكان على الكفار أن ينتبهوا لمر عجيب كانوا يُسِرّونه في أنفسهم؛ لحظة أنْ حكى ال؛ فقال‪{:‬‬
‫سهِمْ َلوْلَ ُيعَذّبُنَا اللّهُ ِبمَا َنقُولُ‪[} ...‬المجادلة‪]8 :‬‬
‫وَيَقُولُونَ فِي أَنفُ ِ‬
‫خفَي؟‬
‫فكيف عَِلمَ ال ذلك لول أنه يعلم السّرّ وأ ْ‬
‫ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك‪:‬‬
‫{ َلهُ ُم َعقّبَاتٌ مّن بَيْنِ يَدَ ْيهِ‪} ...‬‬

‫(‪)1704 /‬‬
‫حفَظُونَهُ مِنْ َأمْرِ اللّهِ إِنّ اللّهَ لَا ُيغَيّرُ مَا ِب َقوْمٍ حَتّى ُيغَيّرُوا مَا‬
‫لَهُ ُم َعقّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ َيدَيْ ِه َومِنْ خَ ْلفِهِ يَ ْ‬
‫ن وَالٍ (‪)11‬‬
‫سهِ ْم وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ ِب َقوْمٍ سُوءًا فَلَا مَ َردّ لَ ُه َومَا َلهُمْ مِنْ دُونِهِ مِ ْ‬
‫بِأَ ْنفُ ِ‬

‫وكلمة (له) تفيد النفعية‪ ،‬فإذا قلت " لك كذا " فهي عكس أن نقول " عليك كذا "‪ .‬وحين يقول‬
‫سبحانه‪ { :‬لَهُ ُم َعقّبَاتٌ‪[ } ...‬الرعد‪]11 :‬‬
‫فكأنّ المُعقّبات لصالح النسان‪ .‬و " مُعقّبات " جمع مؤنث‪ ،‬والمفرد " مُعقّبة " ‪ ،‬أي‪ :‬أن للحق‬
‫حفْظه ليلً ونهارا من الشياء التي ل يمكن‬
‫سبحانه وتعالى ملئكة يتناوبون على حراسة النسان و ِ‬
‫الحتراز منها‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والمَ َثلُ هو تلك الحصاءات التي خرجت عن البشر الذين تلدغهم الثعابين‪ ،‬فقد ثبت أنها ل تلدغهم‬
‫وهم نائمون؛ بل في أثناء صَحْوتهم؛ أي‪ :‬ساع َة يكونون في ستْر النوم فهناك ما يحفظهم؛ أما في‬
‫غفْلة فتلدغه الفعى‪.‬‬
‫اليقظة فقد يتصرّف النسان بطَيْشٍ و َ‬
‫ونحن نقول في أمثالنا الشعبية‪ " :‬العين عليها حارس "؛ ونلحظ كثيرا من الحداث التي تبدو لنا‬
‫غريبة كأنْ يسقط طفل من نافذة دور علوي؛ فل ُيصَاب بسوء؛ لن الحق سبحانه شاء أن تحفظه‬
‫حفَظة أن يحفظوا النسان من ُكلّ سوء‪.‬‬
‫الملئكة المُعقّبات من السّوء؛ لن مهمة ال َ‬
‫وهكذا نرى أن الحق سبحانه قد أعدّ للنسان الكونَ قبل أن يخلقه ليستخلفه فيه؛ أعدّ السماوات‬
‫وأع ّد الرض؛ وسَخّر الشمس والقمر؛ وأخرج الثمراتِ؛ وجعل الليل َيغْشَى النهارَ‪.‬‬
‫وكُلّ ذلك أعدّه سبحانه للخليفة قبل أن يوجد الخليفة؛ وهو سبحانه قَيّوم على هذا الخليفة؛ فيصونه‬
‫أيضا بعد الخَلْق‪ ،‬ول يَدَعُه لمقومات نفسه ليدافع عنها فيما ل يستطيع الدفاع عنها‪ ،‬ويُكلّف ال‬
‫الملئكة المُعقّبات بذلك‪.‬‬
‫وقد ينصرف معنى المُعقّبات إلى الملئكة الذين يتعقّبون أفعال النسان وكتابة حسناته وكتابة‬
‫حفْظه وكتابة أعماله‪ ،‬فإن كتبوا له الحسنات فهذا لصالحه‪.‬‬
‫سيئاته‪ ،‬ويمكن أن يقوما بالعملين معا؛ ِ‬
‫ولقائل أن يقول‪ :‬ولكنهم سيكتبون السيئات؛ وهذه على النسان وليست له‪.‬‬
‫وأقول‪ :‬ل؛ و َيحْسُن أن نفهم جيدا عن المُشرّع العلى؛ ونعلم أن النسان إذا ما عرف أن السيئة‬
‫س ُتحْسب عليه وتُحْصى؛ وتُكتب؛ يمسك كتابه ليقرأه؛ فلسوف يبتعد عن فعل السيئات‪.‬‬
‫وهكذا يكون المر في مصلحته‪ ،‬مَثَلُه مَ َثلُ الطالب الذي يرى المراقب في لجنة المتحان‪ ،‬فل‬
‫حقّه في الحصول على التقدير الصحيح؛ بدلً من أن يِغُشّ غيره‪ ،‬فيأخذ فرصة‬
‫يكرهه؛ لنه يحمي َ‬
‫أكبر منه في التقدير والنجاح؛ فضلً عن أن كل الطلبة يعلمون أن وجود المراقب ال َيقِظ هو دافعٌ‬
‫لهم لِل ُمذَاكرة‪.‬‬
‫ولذلك أقول دائما‪ :‬إياك أنْ تكره أن يكون لك أعداء؛ لن الذي َيغُرّ النسانَ في سلوكه هو نفاقُ‬
‫أصحابه له‪ ،‬أما عدوك فهو يفتح عينيه عليك طوال الوقت؛ ولذلك فأنت تحذر أن تقع في الخطأ‪.‬‬
‫وفي هذا المعنى يقول الشاعر‪:‬عِدَاي َلهُمْ َفضْل عليّ فتعدّى لهم شكر على نفعهم ليافَهم كَالدّواءِ‬
‫حمَانُ عنّي العَادِيَاهُمْ بَحثُوا عَنْ زَلّتي فاجتْنبْ ُتهَا فَأصْبَحتُ ِممّا ذله‬
‫شفَاءِ ِلمُزْمنٍ فَل أبعدَ الر ْ‬
‫وال ّ‬
‫العربُ خَاليَا‬
‫إذن‪ :‬فكتابة الحسنات والسيئات هي مسألةٌ لصالح النسان؛ وحين يتَعاقبُونَ على النسان؛ فكأنهم‬
‫يصنعون َدوْريّاتٍ لحماية الفرد؛ ولذلك نجد رسول ال صلى ال عليه وسلم يقول‪ " :‬يتعاقبون فيكم‬
‫ملئكة بالليل وملئكة بالنهار‪ ،‬ويجتمعون في صلة الصبح وصلة العصر؛ فيصعد إليه الذين‬
‫باتوا فيكم‪ ،‬فيسألهم ـ وهو أعلم بكم ـ‪ :‬كيف تركتُم عبادي؟ فيقولون‪ :‬أتيناهم وهُ ْم يصلون‪،‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وتركناهم وهُمْ يُصلّون "‪.‬‬
‫وكأن الملئكة دوريات‪.‬‬
‫شهُودا }[السراء‪]78 :‬‬
‫ويقول الحق سبحانه‪... {:‬إِنّ قُرْآنَ ا ْلفَجْرِ كَانَ مَ ْ‬
‫أي‪ :‬أن ملئكة الليل يشهدون؛ ومعهم ملئكة النهار‪.‬‬
‫وحديث رسول ال صلى ال عليه وسلم ملحوظ فيه الوقت الزمني للحركة النسانية؛ َف ُكلّ حركات‬
‫النسان وعمله يكون من الصبح إلى العصر‪ ،‬ثم يرتاح النسان غالبا من بعد ذلك؛ ثم ينام‪.‬‬
‫والمُعقّبات َيكُنّ من بين يدي النسان ومن خلفه؛ و (من بين يديه) من أجل الرصد‪ ،‬ولذلك وجدنا‬
‫أبا بكر الصديق ـ رضي ال عنه ـ أثناء الهجرة النبوية كان يسير بعض الوقت أمام النبي صلى‬
‫ال عليه وسلم؛ وكان يسير البعض الخر خلف النبي صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫كان أبو بكر ـ رضي ال عنه ـ يتقدم ليرقب‪ :‬هل هناك مَنْ يرصد الرسول أم ل؟ ثم يتراجع‬
‫ن يتتبعهما؟ وهكذا حرص أبو بكر على أنْ‬
‫إلى الخلف ليمسح كل المكان بنظره ليرقب‪ :‬أهناك مَ ْ‬
‫يحمي الرسول صلى ال عليه وسلم من الرّصد أو التربّص‪.‬‬
‫حفَظُونَهُ مِنْ َأمْرِ اللّهِ‪[ { ...‬الرعد‪]11 :‬‬
‫ويقول الحق سبحانه‪ } :‬لَهُ ُم َعقّبَاتٌ مّن بَيْنِ َيدَيْ ِه َومِنْ خَ ْلفِهِ َي ْ‬
‫والسطحيّ يقول‪ :‬إن تلك الملئكة يحفظون النسان من المر المراد به من ال‪.‬‬
‫ونقول‪ :‬إن ال لم يُنزِل الملئكة ليعارضوا قَدَره؛ وهذا الحفظ ل يكون من ذات النسان لنفسه‪ ،‬أو‬
‫من الملئكة ضد َقدَر ال؛ والمعنى هنا ينصرف إلى أن الملئكة إنما يحفظون النسان بأمر ال‪.‬‬
‫ولذلك نجد في القرآن قول الحق سبحانه‪ّ {:‬ممّا خَطِيئَا ِتهِمْ أُغْ ِرقُواْ‪[} ...‬نوح‪]25 :‬‬
‫أي‪ :‬بسبب خطيئتهم أغرقوا‪ ،‬فإياك أنْ تظن أنّ الملئكة يحفظون النسان من قَدَر ال؛ لننا نعلم‬
‫أن الحق سبحانه إذا أراد أمرا فل رَادّ له‪.‬‬
‫سهِمْ‪[ { ...‬الرعد‪]11 :‬‬
‫ويتابع سبحانه‪ } :‬إِنّ اللّهَ لَ ُيغَيّرُ مَا ِب َقوْمٍ حَتّىا ُيغَيّرُواْ مَا بِأَ ْنفُ ِ‬
‫وهو سبحانه الذي خلق الكون الواسع بكل أجناسه؛ جمادا ونباتا وحيوانا وأفلكا وأملكا؛ وجعل‬
‫كل ذلك مُسخّرا للنسان؛ ثم يحفظ الحق سبحانه النسان ويصونه بقيوميته‪.‬‬
‫وقد يقول قائل‪ :‬ولماذا إذن تحدث البتلءات لبعض من الناس؛ رغم أنه سبحانه قد قال إنه‬
‫يحفظهم؟‬
‫ونقول‪ :‬إن تلك البتلءات إنما تجري إذا ما غَيّر البشر من منهج ال؛ لن الصيانة تُقوّم ما قام‬
‫بالمنهج‪.‬‬
‫طمَئِنّةً يَأْتِيهَا رِ ْز ُقهَا رَغَدا مّن ُكلّ‬
‫واقرءوا َقوْل الحق سبحانه‪َ {:‬وضَ َربَ اللّهُ مَثَلً قَرْيَةً كَا َنتْ آمِ َنةً مّ ْ‬
‫خوْفِ ِبمَا كَانُواْ َيصْ َنعُونَ }‬
‫َمكَانٍ َفكَفَ َرتْ بِأَ ْنعُمِ اللّهِ فَأَذَا َقهَا اللّهُ لِبَاسَ ا ْلجُوعِ وَا ْل َ‬
‫[النحل‪]112 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وهكذا نعلم أن الصيانة للنسان والحفظ له والمداد له من قبل أن يُولَد؛ ُكلّ ذلك لن يرجع عنه ال‬
‫مادام النسان يمشي على صراط مستقيم؛ لكن إذا ما حَادَ النسان عن الصراط المستقيم؛ فيلفته ال‬
‫ببعض من العِبَر والعظات ليعود إلى الصراط المستقيم‪.‬‬
‫والتغيير الذي يُجرِيه ال على البشر حتى يُغيّروا ما بأنفسهم؛ يشمل المدادات الفرعية؛ أما‬
‫المدادات الصلية فل يمنعها عنهم مثل الشمس والقمر والنجوم والهواء؛ ولم يمنع الرض أن‬
‫تُخرِج لهم المياه‪.‬‬
‫ويصيبهم في الشياء التي من الممكن أن يسير الكون في انتظامه رغم حدوثها؛ كالمصيبة في‬
‫المال أو المصيبة في النفس؛ ويظل الكون على مسيرته المنتظمة‪.‬‬
‫ولهذا نجد أحد الفلسفة وقد قال‪ " :‬إن ال ل يتغير من أجلكم؛ ولكن يجب أن تتغيروا أنتم من أجل‬
‫ال "‪.‬‬
‫شقَىا }[طه‪]123 :‬‬
‫ل َولَ َي ْ‬
‫ضّ‬
‫وسبق أن قال الحق سبحانه‪َ ... {:‬فمَنِ اتّبَعَ هُدَايَ فَلَ َي ِ‬
‫ش ًة ضَنكا‪[} ...‬طه‪]124 :‬‬
‫وهو القائل سبحانه‪َ {:‬ومَنْ أَعْ َرضَ عَن ِذكْرِي فَإِنّ لَهُ َمعِي َ‬
‫وأنت ترى في عالمنا المعاصر مجتمعاتٍ مُتْرَفة؛ نستورد منهم أدوات الحضارة المعاصرة؛ لكنهم‬
‫يعيشون في الضّنْك النفسي البالغ؛ وهذا ما يُثبت أن الثراءَ المادي بالنقود أو أدوات الحضارة؛ ل‬
‫يُحقّق للنسان التوازن النفسي أو السعادة؛ وينطبق عليهم ما قاله أمير الشعراء أحمد شوقي رحمه‬
‫ظهْرُ مَا الح ْملُ إلّ مَا وَعَاهُ الصّدْرفقد يكون الثراء المادي في ظَنّ‬
‫ال‪:‬ليسَ الح ْملَ مَا َأطَاقَ ال ّ‬
‫البعض هو الحُلْم؛ فيجنح النسان إلى الطريق غير السّوي بما فيه من عُمولت؛ وعدم أمانة؛‬
‫ورغم النقود التي قد يكتنزها هذا النسان‪ ،‬إل أن المراض النفسية أو المراض العضوية تف ِتكُ‬
‫به‪.‬‬
‫وهكذا نجد الحق سبحانه وهو يُغيّر ول يتغيّر؛ فهو المُغيّر ل المُتغيّر‪.‬‬
‫سهِمْ‪[ { ...‬الرعد‪]11 :‬‬
‫وقول الحق سبحانه‪ } :‬إِنّ اللّ َه لَ ُيغَيّرُ مَا ِبقَوْمٍ حَتّىا ُيغَيّرُواْ مَا بِأَ ْنفُ ِ‬
‫يُوضّح لنا أن أعمال الجوارح ناشئةٌ من نَبْعِ نفس تُحرّك الجوارح؛ وحين تصلح النفس؛ تصبح‬
‫الجوارح مستقيمة؛ وحين تفسد النفس تصير الجوارح غير مستقيمة‪.‬‬
‫فالحق سبحانه وتعالى أخضع كل الجوارح ِلمُرادَات النفس‪ ،‬فلو كانت النفسُ مخالف ًة لمنهج ال؛‬
‫فاللسان خاضع لها؛ ول ينطق رغم إرادته بالتوحيد؛ لن النفسَ التي تديره مخالفةٌ لليمان‪.‬‬
‫عوْا أنهم أبناءُ ال؛ وسبحانه مُن ّزهٌ عن‬
‫والمَثَل‪ :‬هم هؤلء الذين نسبوا الرسل الذين اختارهم ال؛ فادّ َ‬
‫ذلك؛ أما إذا كانت النفس مؤمن ًة فهي تأمرُ اللسان أن يقول كلمة التوحيد؛ ويسعد هو بذلك؛ لكنه‬
‫في الحالتين ل يعصي النفس التي سَخّره لها ال‪.‬‬
‫وهكذا تكون الجوارح مُنفعِلَة لرادة صاحبها‪ ،‬ول تنحلّ الرادة البشرية عن الجوارح إل حين‬
‫يشاء ال ذلك في اليوم الخر‪ ،‬وفي الموقف الحق‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ولحظتَها لن يستطيع أحد أنْ يسيطر على جوارحه؛ لن المُلْك يومئذ للواحد القهار؛ وسقطتْ ولية‬
‫الفَرْد على جوارحه؛ وتشهد هذه الجوارح على صاحبها بما فعلتْه َو ْقتَ أنْ كانت مقهورة لرادته‪.‬‬
‫وهكذا نعلم أن التغيير كل في النفس التي تدير الجوارح‪.‬‬
‫وقول الحق سبحانه‪ } :‬إِنّ اللّ َه لَ ُيغَيّرُ مَا ِبقَوْمٍ‪[ { ...‬الرعد‪]11 :‬‬
‫يَدلّنا أنه سبحانه ل يتدخّل إل إذا عَنّت المور؛ وفسد كل المجتمع؛ واختفتْ النفس اللوّامة من هذا‬
‫المجتمع؛ واختفى مَنْ َيقْدِرون على الرّدْع ـ ولو بالكلمة ـ من هذا المجتمع؛ هنا يتدخل الحق‬
‫سبحانه‪.‬‬
‫وحين يُغيّر الناس ما بأنفسهم‪ ،‬ويُصحّحون إطلق الرادة على الجوارح؛ فتنصلح أعمالهم؛ وإياكم‬
‫أنْ تظنوا أنّ هناك شيئا يتأبّى على ال‪.‬‬
‫ولذلك يتابع سبحانه في نفس الية‪ } :‬إِذَا أَرَادَ اللّهُ ِب َقوْمٍ سُوءًا فَلَ مَ َردّ لَهُ‪[ { ...‬الرعد‪]11 :‬‬
‫سهِمْ‪[ { ...‬الرعد‪:‬‬
‫وعليكم أن تأخذوا المرين معا‪ } :‬إِنّ اللّ َه لَ ُيغَيّرُ مَا ِبقَوْمٍ حَتّىا ُيغَيّرُواْ مَا بِأَ ْنفُ ِ‬
‫‪]11‬‬
‫و } وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ ِب َقوْمٍ سُوءًا فَلَ مَ َردّ لَهُ‪[ { ...‬الرعد‪]11 :‬‬
‫ثم يقول الحق سبحانه‪َ ...} :‬ومَا َلهُمْ مّن دُونِهِ مِن وَالٍ { [الرعد‪]11 :‬‬
‫إياك أن تفهم أن هناك سلطة تحُول دون أن يُغيّر ال ما يريد تغييره؛ ولن يجدوا صَدْرا حَنُونا آخر‬
‫يُربّت عليهم إذا ما أراد ال بهم السّوء‪ ،‬فليس هناك وَالٍ آخر يأخذهم من ال ويتولّى شئونهم‬
‫وأمورهم من جَ ْلبِ الخير و َدفْعِ الشر‪.‬‬
‫ولذلك يقول الحق سبحانه‪َ ...} :‬ومَا َل ُهمْ مّن دُونِهِ مِن وَالٍ { [الرعد‪]11 :‬‬
‫وبعد ذلك يتكلم الحق سبحانه عن ظاهرة في الكون لها وجهان وتُسْتقبل استقبالين؛ أحدهما‪ :‬سَارّ‪،‬‬
‫والخر‪ :‬مُزْعِج؛ سواء في النفس الواحدة أو في الجماعة الواحدة‪.‬‬
‫فيقول الحق سبحانه‪:‬‬
‫} ُهوَ الّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ‪{ ...‬‬

‫(‪)1705 /‬‬
‫شئُ السّحَابَ ال ّثقَالَ (‪)12‬‬
‫ط َمعًا وَيُنْ ِ‬
‫خ ْوفًا وَ َ‬
‫ُهوَ الّذِي يُرِي ُكمُ الْبَرْقَ َ‬

‫ب ويُرْغَب‪ ،‬فساعةَ يأتي‬
‫ح ّ‬
‫وكُلّنا يعرف البَرْق‪ ،‬ونحن نستقبله بالخوف مما يُزعِج وبالطمع فيما يُ َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫البرق فنحن نخاف من الصواعق؛ لن الصواعقَ عادة تأتي بعد البَرْق؛ أو تأتي السحابات‬
‫ال ُممْطِرة‪.‬‬
‫طمَع من الظاهرة الواحدة‪ .‬أو‪ :‬أنْ يكون الخوف لقوم؛ والرجاء والطمع‬
‫خوْف وال ّ‬
‫وهكذا يأتي ال َ‬
‫لقوم آخرين‪.‬‬
‫والمثل الذي أضربه لذلك دائما هو قول أحد المقاتلين العرب وصف سيفه بأنه " فَتْح لحبابه‪،‬‬
‫وحَ ْتفٌ لعدائه "‪.‬‬
‫والمثل الخر الذي أضربه ما رواه لنا أمير بلدة اسمها " الشريعة " وهي تقع بين الطائف ومكة؛‬
‫وقد حدثنا أمير الشريعة عام ‪ 1953‬عن امرأة صالحة تحفظ القرآن؛ اسمها " آمنة "‪.‬‬
‫حلّ إقامته؛ وكان أحدُ َزوْجَي‬
‫هذه المرأة كان لها بنتان؛ تزوّجتا؛ وأخذ ُكلّ َزوْجٍ زوجته إلى مَ َ‬
‫البنتين يعمل في الزراعة؛ والخر يعمل بصناعة " الشّرُك "‪ .‬وقالت آمنة لزوجها‪ :‬ألَ تذهب‬
‫ن لقي في رحلته هي ابنته‬
‫لمعرفة أحوال البنتين؟ فذهب الرجل لمعرفة أحوال البنتين‪ ،‬فكان أول مَ ْ‬
‫المتزوجة ِممّنْ يحرث ويبذر‪ ،‬فقال لها‪ :‬كيف حالك وحال زوجك وحال الدنيا معك أنت وزوجك؟‬
‫قالت‪ :‬يا أَبتِ‪ ،‬أنا معه على خير‪ ،‬وهو معي على خير‪ ،‬وأما حال الدنيا؛ فَا ْدعُ لنا ال أنْ يُنزِل‬
‫المطر؛ لننا حرثنا الرض وبذرْنَا البذور؛ وفي انتظار َريّ السماء‪.‬‬
‫فرفع الب يديه إلى السماء وقال‪ :‬اللهم إنّي أسألك الغَيْث لها‪.‬‬
‫وذهب إلى الخرى؛ وقال لها‪ :‬ما حالك؟ وما حال زوجك؟ فقالت‪ :‬خير‪ ،‬وأرجوك يا أبي أن تدعوَ‬
‫لنا ال أنْ يمنع المطر؛ لننا قد صنعنا الشّرَاك من الطين؛ ولو أمطرتْ لَفسدتِ الشّرُك‪ ،‬فَدَعا لها‪.‬‬
‫وعاد إلى امرأته التي سألته عن حال البنتين؛ فبدا عليه الضيق وقال‪ :‬هي سَنة سيئة على واحدة‬
‫منهما‪ ،‬وروى لها حال البنتين؛ وأضاف‪ :‬ستكون سنة مُرْهِقة لواحدة منهما‪.‬‬
‫فقالت له آمنة‪ :‬لو صبرت؛ َلقُ ْلتُ لك‪ :‬إن ما تقوله قد ل يتحقق؛ وسبحانه قادر على ذلك‪.‬‬
‫قال لها‪ :‬ونعم بال‪ ،‬قولي لي كيف؟ فقال آمنة‪ :‬ألم تقرأ قول ال‪ {:‬أَلَمْ تَرَ أَنّ اللّهَ يُ ْزجِي سَحَابا ثُمّ‬
‫سمَآءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَ َردٍ‬
‫جعَلُهُ ُركَاما فَتَرَى ا ْلوَ ْدقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَلِهِ وَيُنَزّلُ مِنَ ال ّ‬
‫ُيؤَّلفُ بَيْ َنهُ ثُمّ َي ْ‬
‫فَ ُيصِيبُ ِبهِ مَن يَشَآءُ وَيَصْ ِرفُهُ عَن مّن يَشَآءُ‪[} ...‬النور‪]43 :‬‬
‫فسجد الرجل ل شكرا أن رزقه بزوج تُعينه على أمر دينه‪ ،‬ودعا‪ :‬اللهم اصْرِف عن صاحب‬
‫الشّراكِ المطر؛ وأ ِفضْ بالمطر على صاحب الحَرْث‪ .‬وقد كان‪.‬‬
‫خوْفا‬
‫وهذا المثل يوضح جيدا معنى الخوف والطمع عند رؤية الرعد‪ُ { :‬هوَ الّذِي يُرِيكُمُ الْبَ ْرقَ َ‬
‫طمَعا‪[ } ...‬الرعد‪]12 :‬‬
‫وَ َ‬
‫إما من النفس الواحدة بأن يخافَ النسانُ من الصواعق‪ ،‬ويطمع في نزول المطر‪ ،‬أو من‬
‫متقابلين؛ واحد ينفعه هذا؛ وواحد يضره هذا‪.‬‬
‫ويضيف الحق سبحانه‪...{ :‬وَيُنْشِىءُ السّحَابَ ال ّثقَالَ } [الرعد‪]12 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ونحن نعلم أن السحاب هو الغَيْم المُتَراكم؛ ويكون ثقيلً حين يكون ُمعَبئا؛ وهو عكس السحاب‬
‫الخفيف الذي يبدو كَنُ َتفِ القطن‪.‬‬
‫ويُقال عند العرب‪ " :‬ل تستبطئ الخَيْل؛ لن أبطأَ الدلء فَيْضا أملؤها‪ ،‬وأثقلَ السحابِ مَشْيا َأحْفُلهَا‬
‫"‪.‬‬
‫فحين تنزل الدّلْو في البئر؛ وترفعه؛ فالدّلْو المَلن هو الذي يُرهقك حين تشدّه من البئر؛ أما الدلو‬
‫الفارغ فهو خفيفٌ لحظة جَذْبه خارج البئر؛ وكذلك السحاب ال ّثقَال تكون بطيئة ِلمَا تحمله من ماء‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه بعد ذلك‪:‬‬
‫حمْ ِدهِ‪} ...‬‬
‫{ وَيُسَبّحُ الرّعْدُ ِب َ‬

‫(‪)1706 /‬‬
‫صوَاعِقَ فَ ُيصِيبُ ِبهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ ُيجَادِلُونَ فِي‬
‫سلُ ال ّ‬
‫حمْ ِد ِه وَا ْلمَلَا ِئكَةُ مِنْ خِيفَتِ ِه وَيُرْ ِ‬
‫وَيُسَبّحُ الرّعْدُ بِ َ‬
‫اللّ ِه وَ ُهوَ شَدِيدُ ا ْلمِحَالِ (‪)13‬‬

‫وسبق أن جاء الحق سبحانه بذكر البرق وهو ضوئيّ؛ وهنا يأتي بالرعد وهو صوتيّ‪ ،‬ونحن‬
‫نعرف أن سرعة الضوء أسرع من سرعة الصوت؛ ولذلك جاء بالبرق أولً‪ ،‬ثم جاء بالرعد من‬
‫بعد ذلك‪.‬‬
‫وحين يسمع أحدُ العام ِة واحدا ل يعجبه كلمه؛ يقول له " سمعت الرعد "؛ أي‪ :‬يطلب له أنْ يسمع‬
‫الصوت المزعج الذي يُتعِب مَنْ يسمعه‪ .‬ولنا أن ننتبه أن المُزْعِجات في الكون إذا ما ذكرت‬
‫مُسَبّحة لربها فل تنزعج منها أبدا‪ ،‬ول تظن أنها نغمة نَشّازٌ في الكون‪ ،‬بل هي نغمة تمتزج ببقية‬
‫أنغام الكون‪.‬‬
‫ونحن نفهم أن التسبيح للعاقل القادر على الكلم‪ ،‬ولكن هذا عند النسان؛ لن الذي خلق الكائنات‬
‫كلها علّمها كيف تتفاهم‪ ،‬مثلما عَلّم النسان كيف يتفاهم مع بني جنسه؛ وكذلك عَلّم كل جنس لغته‪.‬‬
‫طمَ ّنكُمْ‬
‫وكلنا نقرأ في القرآن ماذا قالت النملة حين رأتْ جنودَ سليمان‪ {:‬ادْخُلُواْ مَسَاكِ َنكُمْ لَ َيحْ ِ‬
‫شعُرُونَ }[النمل‪]18 :‬‬
‫ن وَجُنُو ُد ُه وَ ُه ْم لَ يَ ْ‬
‫سُلَ ْيمَا ُ‬
‫وقد سمعها سليمان عليه السلم؛ لن ال علّمه مَنْطِق تلك اللغات‪ ،‬ونحن نعلم أن الحق سبحانه عَلّم‬
‫طقَ الطّيْرِ‪[} ...‬النمل‪]16 :‬‬
‫سليمان منطق الطير‪ ،‬قال تعالى‪ {:‬عُّلمْنَا مَن ِ‬
‫شفْرة‬
‫ألم يتخاطب سليمان عليه السلم مع الهدهد وتكلّم معه؟ بعد أن َفكّ سليمان بتعليم ال له َ‬
‫حطْ بِ ِه َوجِئْ ُتكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ َيقِينٍ * إِنّي‬
‫حديث الهدهد؛ وقال الهدهد لسليمان‪َ {:‬أحَطتُ ِبمَا َلمْ تُ ِ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫شيْ ٍء وََلهَا عَ ْرشٌ عَظِيمٌ }[النمل‪]23-22 :‬‬
‫وَجَدتّ امْرََأةً َتمِْل ُكهُ ْم وَأُوتِ َيتْ مِن ُكلّ َ‬
‫سمِعه‬
‫ن يفيض ال عليه من أسرار خَلْقه يُ ْ‬
‫إذن‪ :‬ف ُكلّ شيء له لغة يتفاهم بها لقضاء مصالحه‪ ،‬ومَ ْ‬
‫هذه اللغات‪ ،‬وقد فاض الحقّ سبحانه على سليمان بذلك‪ ،‬ففهم لغةَ الطير وتكلّم بها مع الهدهد؛‬
‫جعُونَ }[النمل‪]28 :‬‬
‫وقال له‪ {:‬اذْهَب ّبكِتَابِي هَـاذَا فَأَ ْلقِهْ إِلَ ْيهِمْ ثُمّ َت َولّ عَ ْنهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَ ْر ِ‬
‫وهكذا عرفنا بقصة سليمان وبلقيس؛ وكيف فَهم سليمان مَنْطِق الطير وتكلّم بها مع الهدهد؟ وهكذا‬
‫عَلِمنا كيف يتعلّم النسان لغاتٍ متعددةً؛ فحين يذهب إنسان إلى مجتمع آخر ويبقى به مُدّة؛ فهو‬
‫يتعلم لغة ذلك المجتمع‪ ،‬ويمكن للنسان أن يتعلم أكثر من لغة‪.‬‬
‫وقد عرض الحق سبحانه مسألة وجود لغاتٍ للكائنات في قصة النملة وقصة الهدهد مع سليمان؛‬
‫وهما من المرتبة التالية للبشر‪ ،‬ويعرض الحق سبحانه أيضا قضية وجود لغة لكل كائن من‬
‫ن وَالطّيْ َر َوكُنّا فَاعِلِينَ }[النبياء‪]79 :‬‬
‫سخّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبّحْ َ‬
‫مخلوقاته في قوله‪... {:‬وَ َ‬
‫وكأن الجبال تفهم تسبيح داود وتُردّده من خلفه‪.‬‬
‫ي وَالِشْرَاقِ * وَالطّيْرَ مَحْشُو َرةً‬
‫شّ‬
‫سخّرْنَا الجِبَالَ َمعَهُ يُسَبّحْنَ بِا ْلعَ ِ‬
‫أيضا يقول الحق سبحانه‪ {:‬إِنّا َ‬
‫ُكلّ لّهُ َأوّابٌ }[ص‪]19-18 :‬‬
‫طوْعا َأوْ كَرْها‪} ...‬‬
‫وكذلك يخاطب ال الرض والسماء‪ ،‬فيقول‪َ {:‬فقَالَ َلهَا وَلِلَ ْرضِ ائْتِيَا َ‬
‫[ فصلت‪]11 :‬‬
‫فيمتثلن لمره‪... {:‬قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآ ِئعِينَ }‬
‫[فصلت‪]11 :‬‬
‫صوْتا يختلف من‬
‫وهكذا نعلم أن لكل جنس لغةً يتفاهم بها‪ ،‬ونحن نلحظ أن لكل نوع من الحيوانات َ‬
‫ن يضعوا لها ُمعْجما‪.‬‬
‫نوع إلى آخر‪ ،‬ويدرس العلماء الن لُغةَ السماك‪ ،‬ويحاولون أ ْ‬
‫شيْءٍ ِإلّ يُسَبّحُ‬
‫ن وَإِن مّن َ‬
‫ض َومَن فِيهِ ّ‬
‫سمَاوَاتُ السّ ْب ُع وَالَرْ ُ‬
‫إذن‪ :‬فساعة تسمع‪ {:‬تُسَبّحُ لَهُ ال ّ‬
‫حمْ ِدهِ‪[} ...‬السراء‪]44 :‬‬
‫بِ َ‬
‫فافهم أن ما من كائن إل وله لغة‪ ،‬وهو يُسبّح بها الخالق الكرم‪.‬‬
‫حهُمْ‪[} ...‬السراء‪]44 :‬‬
‫ثم يقول تعالى‪ {:‬وَلَـاكِن لّ َتفْ َقهُونَ َتسْبِي َ‬
‫مثلما ل يفقه جاهل بالنجليزية لغة النجليز‪.‬‬
‫وقال البعض‪ :‬إن المُرَاد هنا هو تسبيح الدللة على الخالق؛ وقد حكم سبحانه بأننا ل نستطيع َفهْم‬
‫تسبيح الدللة‪.‬‬
‫ولكني أقول‪ :‬إن العلم المعاصر قد توصّل إلى دراسة لغات الكائنات وأثبتها؛ وعلى ذلك يكون‬
‫التسبيح من الكائنات بالنطق والتفاهم بين مُتكلّم وسامع‪ ،‬بل ولتلك الكائنات عواطف أيضا‪.‬‬
‫ونحن نرى العلماء في عصرنا يدرسون عواطف الشجر تجاه مَنْ يسقيه من البشر‪ ،‬وهنا تجربة‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫تتحدث عن قياس العلماء لذبذبة النبات أثناء رَيّه بواسطة مُزارِع مسئول عنه؛ ثم مات للرجل؛‬
‫فقاسوا ذبذبة تلك النباتات؛ فوجدوها ذبذبة مضطربة؛ وكأن تلك النباتات قد حزنتْ على مَنْ كان‬
‫يعتني بها؛ وهكذا توصّل العلماء إلى معرفة أن النباتات لها عواطف‪.‬‬
‫وقد بين لنا الحق سبحانه أن الجمادات لها أيضا عواطف؛ بدليل قوله عن قوم فرعون‪َ {:‬فمَا َب َكتْ‬
‫سمَآ ُء وَالَ ْرضُ‪[} ...‬الدخان‪]29 :‬‬
‫عَلَ ْيهِمُ ال ّ‬
‫فالسماء والرض قد استراحتا لذهاب هؤلء الشرار عن الرض‪ ،‬فالسماوات والرض ملتزمتان‬
‫مع الكون التزاما ل تخرج به عن مُرادات ال‪ ،‬وحين يأتي كافر ليصنع بكفره نشازا مع الكون؛‬
‫فهي تفرح عند اختفائه ول تحزن عليه‪.‬‬
‫ومادامت السماء والرض ل تبكيان على الكافر عند رحيله؛ فلبد أنها تفرحان عند هذا الرحيل؛‬
‫ولبد أنهما تبكيان عند رحيل المؤمن‪.‬‬
‫ولذلك نجد َقوْل المام علي كرم ال وجهه‪ :‬إذا مات ابن آدم بكى عليه موضعان؛ موضع في‬
‫السماء‪ ،‬وموضع في الرض؛ وأما موضعه في الرض فَموضِع ُمصَلّه؛ وأما موضعه في السماء‬
‫فَمصَعدُ عمله "‪.‬‬
‫حمْ ِدهِ‪[ { ...‬الرعد‪]13 :‬‬
‫وهكذا نجد أن معنى قول الحق سبحانه‪ } :‬وَيُسَبّحُ الرّعْدُ ِب َ‬
‫أي‪ :‬يُنزّه الرعد ويُمجّد اسم الحق ـ تبارك وتعالى ـ تسبيحا مصحوبا بالحمد‪.‬‬
‫ونحن حين نُنزّه ذات ال عن أن تكون مثل بقية الذوات‪ ،‬وحين ننزه ِفعْل ال عن أن يكون كأفعال‬
‫غيره سبحانه‪ ،‬وحين ننزه صفات ال عن أن تكون كالصفات‪ ،‬فلبد أن يكون ذلك مصحوبا‬
‫بالحمد له سبحانه؛ لنه مُنزّه عن كل تلك الغيار‪ ،‬وعلينا أنْ ُنسَرّ من أنه مُنزّه‪.‬‬
‫حمْ ِد ِه وَا ْلمَلَ ِئكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ‪[ { ...‬الرعد‪]13 :‬‬
‫ويقول تعالى‪ } :‬وَيُسَبّحُ الرّعْدُ ِب َ‬
‫ولقائل أنْ يتساءل‪ :‬كيف تخاف الملئكة من ال؟ وهم الذين قال فيهم الحق سبحانه‪... {:‬لّ‬
‫َي ْعصُونَ اللّهَ مَآ َأمَرَهُمْ وَيَ ْفعَلُونَ مَا ُي ْؤمَرُونَ }[التحريم‪]6 :‬‬
‫وأقول‪ :‬إن الملئكة يخافون ال خِيفة المَهابة‪ ،‬وخيفة الجلل‪.‬‬
‫ونحن نرى في حياتنا مَنْ يحب رئيسه أو قائده؛ فيكون خوفه َمهَابة؛ فما بالنا بالحق سبحانه‬
‫وتعالى الذي تُحبه ملئكته وتَهاب جلله وكماله‪ ،‬صحيح أن الملئكة مقهورون‪ ،‬لكنهم يخافون‬
‫ربّهم من فوقهم‪.‬‬
‫وساعة تسمع الملئكةُ الرعدَ فهم ل يخافون على أنفسهم؛ ولكنهم يخافون على الناس؛ لنهم حفظة‬
‫عليهم؛ فالملئكة تعي مهمتها كحفظة على البشر؛ وتخشى أن يربكهم أيّ أمر؛ وهم يستغفرون‬
‫ِلمَنْ في الرض‪.‬‬
‫حمْ ِد ِه وَا ْلمَلَ ِئكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ‪[ { ...‬الرعد‪]13 :‬‬
‫إذن‪ :‬فقوله‪ } :‬وَيُسَبّحُ الرّعْدُ ِب َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يُبيّن لنا أن الملئكة تخاف على البشر من الرعد؛ َفهُمْ مُكلّفون بحمايتهم‪ ،‬مع خوفهم من ال مهابة‬
‫وإجللً‪.‬‬
‫ويقول رسول ال صلى ال عليه وسلم في الحديث الشريف‪ " :‬ما من يوم يصبح العباد فيه إل‬
‫ملكان ينزلن فيقول أحدهما‪ :‬ال أعط منفقا خلفا‪ .‬ويقول الخر‪ :‬اللهم أعط ممسكا تلفا "‪.‬‬
‫وقد يظُنّ ظَانّ أن هذه دعوة ضد ال ُممْسِك؛ ولكني أقول‪ :‬لماذا ل تأخذها على أنها دعوة خَيْر؟‬
‫فالمُنفِق قد أخذ ثوابا على ما أدّى من حسنات؛ أما ال ُممْسِك فحين يبتليه ال بتلفِ بعضٍ من ماله؛‬
‫ويصبر على ذلك؛ فهو يأخذ جزاء الصبر‪.‬‬
‫صوَاعِقَ فَ ُيصِيبُ ِبهَا مَن يَشَآ ُء وَ ُهمْ يُجَادِلُونَ فِي اللّهِ‬
‫سلُ ال ّ‬
‫ويتابع سبحانه في نفس الية‪...} :‬وَيُرْ ِ‬
‫وَ ُهوَ شَدِيدُ ا ْلمِحَالِ { [الرعد‪]13 :‬‬
‫ح َدثٍ أليم في الكون لينتبه هؤلء الناس من غفلتهم؛ وها هو ذا رسول ال صلى‬
‫ولبُدّ من وجود َ‬
‫ال عليه وسلم؛ وقد جاءه اثنان من المعاندين الكبار أربد بن ربيعة؛ أخو لبيد بن ربيعة‪ ،‬وعامر‬
‫طفَيْل؛ لِيُجادله بهدف التلكّؤ والبحث عن َهفْوة فيما يقوله أو عَجْزٍ في معرفته‪ ،‬والمثل ما قاله‬
‫بن ال ّ‬
‫مجادلون مثلهم‪ ،‬وأورده القرآن الكريم‪... {:‬أَإِذَا مِتْنَا َوكُنّا تُرَابا وَعِظَاما َأإِنّا َلمَ ْبعُوثُونَ }[المؤمنون‪:‬‬
‫‪]82‬‬
‫وكذلك استعجال بعض من المجادلين للعذاب‪.‬‬
‫وجاء هذان الثنان وقال لرسول ال صلى ال عليه وسلم‪ :‬هل ربنا مصنوع من الحديد أم من‬
‫النحاس؟ وهما قد قال ذلك لنهما من عَبَدة الصنام المصنوعة من الحجارة‪ ،‬والقوى من الحجارة‬
‫هو الحديد أو النحاس؛ فدعا رسول ال صلى ال عليه وسلم؛ فنزلت صاعقة؛ فأحرقتهما‪.‬‬
‫وإرسال الصواعق هنا آية قرآنية‪ ،‬ولبد وأن تأتي آية كونية تصدقها؛ وقد حدثت تلك الية‬
‫الكونية‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه‪ } :‬وَهُمْ ُيجَادِلُونَ فِي اللّهِ‪[ { ...‬الرعد‪]13 :‬‬
‫والجدال في ال أنواع متعددة؛ جدال في ذاته؛ وجدال في صفاته‪ ،‬أو جدال في الحسنة والسيئة‪،‬‬
‫وقد جادلوا أيضا في إنزال آية مادية عليه؛ لنهم لم يكتفوا بالقرآن كآية؛ على الرغم من أن‬
‫القرآن آية معجزة ومن جنس ما برعوا فيه‪ ،‬وهو اللغة‪.‬‬
‫عقْل لِيُسبح؛ والملئكة ل تكليفَ لها؛ فكيف‬
‫وقد جادلوا أيضا في الرعد؛ وقالوا‪ :‬إن الرعد ليس له َ‬
‫تُسبّح؟‬
‫ولكن الحق سبحانه قال‪ :‬إنه قادر على أن يُرسِل الصواعق ويصيب بها مَنْ يشاء؛ فيأتي بالخير‬
‫ِلمَنْ يشاء؛ ويصيب بالضر مَنْ يشاء‪.‬‬
‫فهل هُ ْم يملكون كل الوقت لهذا الجدل؛ بعد أن خلق كل هذا الكون؟‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫هل لديكم الوقت لكل تلك ال ُممَاراة بقصد الجَدَل والعناد المذموم؟‬
‫حسُن استخدامه وقد يُسَاء استخدامه؛ والحق سبحانه قال لنا‪َ {:‬ولَ ُتجَادِلُواْ‬
‫فالجدل في حَدّ ذاته قد يَ ْ‬
‫أَ ْهلَ ا ْلكِتَابِ ِإلّ بِالّتِي ِهيَ َأحْسَنُ‪[} ...‬العنكبوت‪]46 :‬‬
‫جهَا وَتَشْ َتكِي إِلَى اللّهِ‪[} ...‬المجادلة‪]1 :‬‬
‫سمِعَ اللّهُ َق ْولَ الّتِي تُجَادُِلكَ فِي َزوْ ِ‬
‫وقال أيضا‪َ {:‬قدْ َ‬
‫وهذا جَ َدلٌ المراد منه الوصول إلى الحق‪.‬‬
‫شدِيدُ ا ْلمِحَالِ { [الرعد‪]13 :‬‬
‫ويُذيّل ال آية سورة الرعد بقوله‪...} :‬وَ ُهوَ َ‬
‫ويقال‪ " :‬محل فلن بفلن " أي‪ :‬كَادَ له كيدا خفيا ومكر به‪ ،‬والمحَال هو الكَيْد والتدبير الخفيّ‪،‬‬
‫خصْم علنية‪ ،‬فيبُيّتون له‬
‫ومَنْ يلجأون إليه من البشر هُم الضّعاف الذين يعجزون عن مواجهة ال َ‬
‫بإخفاء وسائل اليلم‪.‬‬
‫وهذا يحدث بين البشر وبعضهم البعض؛ لن البشر ل يعلمون الغيب؛ لكن حين يكيد ال؛ فل أحدَ‬
‫بقادر على كَيْده‪ ،‬وهو القائل سبحانه‪ {:‬إِ ّنهُمْ َيكِيدُونَ كَيْدا * وََأكِيدُ كَيْدا * َف َم ّهلِ ا ْلكَافِرِينَ َأ ْمهِ ْلهُمْ‬
‫ُروَيْدا }[الطارق‪]17-15 :‬‬
‫ن وَ َي ْمكُرُ اللّهُ‬
‫لن كيد ال ل غالب له؛ وهو كَيْد غير مفضوح لحد‪ ،‬ولذلك قال تعالى‪... {:‬وَ َي ْمكُرُو َ‬
‫وَاللّهُ خَيْرُ ا ْلمَاكِرِينَ }[النفال‪]30 :‬‬
‫هُمْ أرادوا أن يُبيّتوا لرسوله صلى ال عليه وسلم؛ وأرادوا قَتْله؛ وجاءوا بشاب من كل قبيلة‬
‫ليمسك سيفا كي يتوزع َدمُه بين القبائل‪ ،‬وترصدوا له المرصاد؛ ولكن رسول ال صلى ال عليه‬
‫غشَيْنَاهُمْ َف ُه ْم لَ يُ ْبصِرُونَ }[يس‪]9 :‬‬
‫وسلم كانت تصاحبه العناية فخرج عليهم ملهما قوله تعالى‪ {:‬فَأ ْ‬
‫وبذلك أوضح لهم أنهم لن يستطيعوا َدفْع دعوة السلم؛ ل ُمجَابهة ومُجَاهرة؛ ول كَيْدا وتبييتا؛‬
‫حتى ولو استعنتُم بالجنّ؛ فالنسان قد يمكر ويواجه‪ ،‬وحين يفشل قد يحاول الستعانة بقوة من‬
‫جنس آخر له سلطان كسلطان الجن‪ ،‬وحتى ذلك لم يفلح معه صلى ال عليه وسلم؛ فقد حاولوا‬
‫بالسحر؛ فكشف ال له بالرؤيا موقع َوضْع السحر‪.‬‬
‫وذهب بعض من صحابته ليستخرجوا السّحر من الموقع الذي حدده رسول ال لهم‪.‬‬
‫وهكذا أوضح لهم الحق سبحانه أن كل ما يفعلونه لن يَحِيق برسوله صلى ال عليه وسلم؛‬
‫فسبحانه‪ {:‬غَاِلبٌ عَلَىا َأمْ ِرهِ‪[} ...‬يوسف‪]21 :‬‬
‫ض ومَنْ عليها‪ ،‬وهو شديد المحال‪.‬‬
‫وهكذا كان الحق سبحانه ومازال وسيظل إلى أنْ يرِث الر َ‬
‫ويقول سبحانه من بعد ذلك‪:‬‬
‫ق وَالّذِينَ يَدْعُونَ‪{ ...‬‬
‫ع َوةُ ا ْلحَ ّ‬
‫} َلهُ دَ ْ‬

‫(‪)1707 /‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫سطِ َكفّيْهِ إِلَى ا ْلمَاءِ لِيَبُْلغَ فَاهُ‬
‫شيْءٍ إِلّا كَبَا ِ‬
‫ق وَالّذِينَ َيدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا َيسْتَجِيبُونَ َلهُمْ ِب َ‬
‫حّ‬
‫ع َوةُ الْ َ‬
‫لَهُ دَ ْ‬
‫َومَا ُهوَ بِبَاِلغِ ِه َومَا دُعَاءُ ا ْلكَافِرِينَ إِلّا فِي ضَلَالٍ (‪)14‬‬

‫ن تؤمن بإله واحد وهي دعوة حق‪ ،‬والذين من دونه يدعون لله غير حق‪.‬‬
‫وسبحانه قد دعانا إلى أ ْ‬
‫والضمير هنا قد يعود إلى ال فكأن ال قد دعا خَلْقه إلى كلمة الحق وهي " ل إله إل ال " ‪ ،‬وهو‬
‫شهِد بها أولو العلم شهادة‬
‫سبحانه قد شهد بأنه ل إله إل هو؛ وشهدتْ الملئكة شهادةَ المشْهد‪ ،‬و َ‬
‫الستدلل؛ تلك هي دعوة الحق‪.‬‬
‫أو " له " أي‪ :‬للنسان الذي يدعو إلى الحق‪ ،‬وحين يدعو النسان فهذا يدلّ على أن أمرا قد خرج‬
‫عن نطاق أسبابه؛ لذلك يدعو مَنْ يعينه على هذا المر‪.‬‬
‫والدعاء َلوْنٌ من الطلب‪ ،‬إل أن الطلب يختلف باختلف الطالب والمطلوب منه؛ فإنْ كان الطالبُ‬
‫أدنى من المطلوب منه ل يُقال له فعل أمر؛ كقولك " اغفر لي يا رب " وهذا ل يقال له فعل أمر؛‬
‫بل يقال له دعاء‪.‬‬
‫وهكذا نرى أنه إن كان فعل المر من الدنى للعلى؛ ل نسميه ِفعْل أمر بل نسميه دعاءً‪،‬‬
‫والطالب الذكيّ هو مَنْ يلحظ أثناء العراب إنْ كان المطلوب هو من الدْنى إلى العلى؛ فهو ل‬
‫يقول " ِفعْل أمر " بل يقول " فعل دعاء " مثل قول العبد ل‪ :‬يا رب اغفر لي‪ ،‬وإن كان المطلوب‬
‫من مُسَاوٍ؛ فهو يقول " التماس "‪ .‬وإنْ كان المطلوب قد صدر من العلى للدنى فهو " فعل أمر "‪.‬‬
‫وحين يدعو النسان ربه؛ فهذا يعني أن أسبابَ العبد قد نفِدتْ؛ وهو يلجأ إلى مَنْ يعلو الكون‬
‫ويملك كل السباب‪ ،‬ولذلك ف ُكلّ مِنّا يدعو ال؛ لنه سبحانه القادر على إنفاذ مطلوب العباد؛ ول‬
‫ُيعْجِزه شيء‪.‬‬
‫ولكنْ إنْ دعوتَ مَنْ ل يستطيع؛ فهو دعوةٌ ل تنفع العبد‪ ،‬وهم كانوا يدعُونَ الصنام؛ والصنام ل‬
‫تضرّ ول تنفع؛ فالصنم مِنْ هؤلء ل يقدر على نفسه أو لنفسه؛ فقد كان من الحجر‪.‬‬
‫وبطبيعة الحال فالدعاء لمثل تلك الصنام ل تحقق شيئا؛ لنها ل تقدر على أي شيء‪.‬‬
‫وهكذا يتأكد لنا أن دعوة الحقّ هي أن تدعوَ القادر؛ أما الذين يدعون المعبودات الباطلة فإنها‬
‫ع َوةُ ا ْلحَقّ وَالّذِينَ يَدْعُونَ مِن‬
‫تخيب من يدعوها في مقصده‪ ،‬ولذلك يقول الحق سبحانه هنا‪ { :‬لَهُ دَ ْ‬
‫شيْءٍ‪[ } ...‬الرعد‪]14 :‬‬
‫دُونِ ِه لَ يَسْ َتجِيبُونَ َلهُم ِب َ‬
‫لنهم ل يملكون شيئا فالصنم من هؤلء ل يسمع فكيف يستجيب؟‬
‫شيْءٍ ِإلّ‬
‫ثم يضرب الحق سبحانه المَثَل بشيء مُحَسّ؛ نفعله كلنا؛ فيقول‪ { :‬لَ َيسْتَجِيبُونَ َلهُم بِ َ‬
‫كَبَاسِطِ كَفّيْهِ ِإلَى ا ْلمَآءِ لِيَبْلُغَ فَا ُه َومَا ُهوَ بِبَاِلغِهِ‪[ } ...‬الرعد‪]14 :‬‬
‫فالعطشان ما أنْ يرى ماءً حتى َي ُمدّ يده إليه ليغترف منه؛ لكن يده ل تصل إلى الماء؛ هذا هو‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫الحال مَنْ يدعو غير ال؛ فقد سأل غير القادر على إنفاذ مطلبه‪ ،‬وهكذا يكون دعاء غير ال؛ وهو‬
‫دعاء في ضلل وفي غير متاهة‪.‬‬
‫ويقول سبحانه من بعد ذلك‪:‬‬
‫سمَاوَاتِ وَالَ ْرضِ‪} ...‬‬
‫جدُ مَن فِي ال ّ‬
‫{ وَللّهِ يَسْ ُ‬

‫(‪)1708 /‬‬
‫طوْعًا َوكَرْهًا وَظِلَاُل ُهمْ بِا ْلغُ ُد ّو وَالَْآصَالِ (‪)15‬‬
‫ت وَالْأَ ْرضِ َ‬
‫سمَاوَا ِ‬
‫سجُدُ مَنْ فِي ال ّ‬
‫وَلِلّهِ يَ ْ‬

‫والسجود كما نعرفه حركة من حركات الصلة‪ ،‬والصلة هي َوقْفة العبد بين يدي ربه بعد ندائه‬
‫له‪ ،‬والصلة أقوال وأفعال مُبْتدأة بالتكبير ومُخْتتمة بالسلم؛ بفرائض وسنن ومستحبات‬
‫مخصوصة‪.‬‬
‫والسجود هو الحركة التي تُبرِز كاملَ الخضوع ل؛ فالسجود َوضْع لعلى ما في النسان في‬
‫مُسْتوى الدنى وهو قَدَم النسان؛ ونجد العامة و ُهمْ يقولون‪ " :‬ل ترفع رأسك عليّ " أي‪ :‬ل تتعالى‬
‫عليّ‪ ،‬لن َرفْع الرأس معناه التعالي‪ ،‬وتخفيضها بالركوع أو السجود هو إظهارٌ للخضوع‪ ،‬فإذا قال‬
‫سمَاوَاتِ وَالَ ْرضِ‪[ } ...‬الرعد‪]15 :‬‬
‫جدُ مَن فِي ال ّ‬
‫ال‪ { :‬وَللّهِ يَسْ ُ‬
‫عليك أن تفهم أن هذا ما يحدث فعلً؛ وإنْ لم يتسع ِذهْنك إلى َفهْم السجود كما يحدث منك؛ فليتسع‬
‫ظنّك على أنه مُنْتهى الخضوع والذّلة ل المر‪.‬‬
‫وأنت تعلم أن الكون كله مُسخّر بأمر ال ولمر ال‪ ،‬والكون خاضع له سبحانه؛ فإن استجاب‬
‫النسان لمر ال باليمان به فهذا خير‪ .‬وإنْ لم يستجب النسان ـ مثلما يفعل الكافر ـ فعليه‬
‫سُوء عمله‪.‬‬
‫ولو استقصيتَ المسألة بدقّة ال َفهْم؛ لوجدتَ أن الكافر إنما يتمرد بإرادته المُسَيطرة على جوارحه؛‬
‫لكن بقية أبعاضه مُسخرة؛ وكلها تؤدي عملها بتسخير ال لها‪ ،‬وكلها تُنفّذ الوامر الصادرة من ال‬
‫لها؛ وهكذا يكون الكافر مُتمردا ببعضه ومُسخّرا ببعضه الخر‪ ،‬فحين يُمرِضه ال؛ أيستطيع أنْ‬
‫يعصي؟‬
‫طبعا ل‪ .‬وحين يشاء ال أن يُوقِف قلبه أيقدر أن يجعل قلبه يخالف مشيئة ال؟ طبعا ل‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فالذي يتعوّد على التمرد على ال في العبادة؛ وله دُرْبة على هذا التمرد؛ عليه أن يُجرّب‬
‫التمرد على مرادات ال فيما ل اختيار له فيه؛ وسيقابل العجز عن ذلك‪.‬‬
‫وعليه أنْ يعرف أنه لم يتمرد بالكفر إل بما أوسع ال له من اختيار؛ بدليل أن تسعة وتسعين‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫بالمائة من قُدراته محكوم بالقهر؛ وواحد بالمائة من قدراته متروك للختيار‪ ،‬وهكذا يتأكد‬
‫التسخير‪.‬‬
‫وخضوع الكافر في أغلب الحيان؛ وتمرّده في البعض الخر؛ هو مُنْتهى العظمة ل؛ فهو ل‬
‫يجرؤ على التمرد بما أراده ال مُسخّرا منه‪.‬‬
‫سمَاوَاتِ وَالَ ْرضِ‪[ } ...‬الرعد‪]15 :‬‬
‫جدُ مَن فِي ال ّ‬
‫ولقائل أن يقول‪ :‬ولماذا قال ال هنا‪ { :‬وَللّهِ َيسْ ُ‬
‫ولم ي ُقلْ‪ " :‬ما في السماوات وما في الرض "؟‬
‫وأقول‪ :‬مادام في المر هنا سجود؛ فهو دليل على ِقمّة العقل؛ وسبحانه قد جعل السجود هنا دليلً‬
‫على أنّ كافة الكائنات تعقل حقيقة اللوهية؛ وتعبد الحق سبحانه‪.‬‬
‫طوْعا َوكَرْها‪[ } ...‬الرعد‪]15 :‬‬
‫ت وَالَرْضِ َ‬
‫سمَاوَا ِ‬
‫سجُدُ مَن فِي ال ّ‬
‫وهو هنا يقول‪ { :‬وَللّهِ يَ ْ‬
‫سخّر؛ أو حتى أبعاض‬
‫وهنا يُعلمنا الحق سبحانه أن كل الكائنات ترضخ ل سجودا؛ سواء المُ َ‬
‫الكافر التي يستخدمها بإرادته في الكفر بال؛ هذه البعاض تسجد ل‪.‬‬
‫ويتابع الحق سبحانه‪...} :‬وَظِلُلهُم بِا ْلغُ ُد ّو وَالصَالِ { [الرعد‪]15 :‬‬
‫ن يقول‪ " :‬فلن يَتْبع فلنا َكظِله "؛ أي‪ :‬ل يتأبّى عليه أبدا مطلقا‪،‬‬
‫ونحن في حياتنا اليومية نسمع مَ ْ‬
‫ظلّ النسان تابعٌ لحركته‪.‬‬
‫ويلزمه كأنه الظل؛ ونعلم أن ِ‬
‫وهكذا نعلم أن الظّلل نفسها خاضعة ل؛ لن أصحابها خاضعون ل؛ فالظل يتبع حركته؛ وإياك‬
‫أنْ تظنّ أنه خاضع لك؛ بل هو خاضع ل سبحانه‪.‬‬
‫وسبحانه هنا يُحدّد تلك المسألة بالغُد ّو والصال؛ و " الغدو " جمع " غداة " وهو أول النهار‪،‬‬
‫والصال هو المسافة الزمنية بين العصر والمغرب‪.‬‬
‫وأنت حين تقيس ظِلّك في الصباح ستجد الظّل طويلً‪ ،‬وكلما اقتربت من الشمس طال الظل‪،‬‬
‫وكلما اقترب الزوال يقصرُ الظلّ إلى أنْ يتلشى؛ وأبزر ما يتمايل الظل بتمايل صاحبه هو في‬
‫الصبح وبعد العصر‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه بعد ذلك‪:‬‬
‫ت وَالَرْضِ‪{ ...‬‬
‫سمَاوَا ِ‬
‫} ُقلْ مَن ّربّ ال ّ‬

‫(‪)1709 /‬‬
‫سهِمْ َن ْفعًا وَلَا‬
‫سمَاوَاتِ وَالْأَ ْرضِ ُقلِ اللّهُ ُقلْ َأفَاتّخَذْ ُتمْ مِنْ دُونِهِ َأوْلِيَاءَ لَا َيمِْلكُونَ لِأَ ْنفُ ِ‬
‫ُقلْ مَنْ َربّ ال ّ‬
‫جعَلُوا لِلّهِ شُ َركَاءَ خََلقُوا‬
‫عمَى وَالْ َبصِيرُ َأمْ َهلْ تَسْ َتوِي الظُّلمَاتُ وَالنّورُ أَمْ َ‬
‫ضَرّا ُقلْ َهلْ يَسْ َتوِي الْأَ ْ‬
‫شيْءٍ وَ ُهوَ ا ْلوَاحِدُ ا ْلقَهّارُ (‪)16‬‬
‫كَخَ ْلقِهِ فَتَشَا َبهَ ا ْلخَلْقُ عَلَ ْي ِهمْ ُقلِ اللّهُ خَالِقُ ُكلّ َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫و " قل " هي أمر للرسول أنْ يقول للكافرين‪ ،‬وهناك في آيات أخرى يقول سبحانه‪ {:‬وَلَئِن سَأَلْ َتهُم‬
‫مّنْ خََل َقهُمْ لَ َيقُولُنّ اللّهُ فَأَنّىا ُي ْؤ َفكُونَ }[الزخرف‪]87 :‬‬
‫ولقائل أن يسأل‪ :‬لماذا جاء الحق سبحانه هنا بالجابة؛ ولم يتركْها لتأتي منهم؟‬
‫ونقول‪ :‬إن مجيء الجابة من الحق هنا عن الذي خلق السماوات والرض أقوى ِممّا لو جاءت‬
‫الجابة منهم‪.‬‬
‫والمثل من حياتنا؛ ول المَثَل العلى؛ قد تقول لبنك الصغير المُتَشاحِن مع أخيه الكبير‪ :‬مَنِ الذي‬
‫جاء لك بالحُلّة الجديدة؟ فيرتبك خجلً؛ لنه يعلم أن مَنْ جاء له بالحلة الجديدة هو أخوه الكبر‬
‫الذي تشاحن معه؛ فتقول أنت‪ :‬جاء لك بها أخوك الكبر الذي تشاحنتَ معه‪.‬‬
‫وهنا لحظة أن يقول رسول ال صلى ال عليه وسلم لهم ما أمره ال أن يقول‪ُ { :‬قلْ مَن ّربّ‬
‫سمَاوَاتِ وَالَ ْرضِ‪[ } ...‬الرعد‪]16 :‬‬
‫ال ّ‬
‫فسوف يرتكبون؛ فيؤكد لهم بعد ذلك ما أمره ال أن يقول‪ُ { :‬قلِ اللّهُ‪[ } ...‬الرعد‪]16 :‬‬
‫خذْتُمْ مّن دُونِهِ‬
‫ويتتابع أمر ال لرسوله صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فيقول له الحق سبحانه‪ُ { :‬قلْ َأفَاتّ َ‬
‫ل ضَرّا‪[ } ...‬الرعد‪]16 :‬‬
‫سهِمْ َنفْعا وَ َ‬
‫َأوْلِيَآ َء لَ َيمِْلكُونَ لَ ْنفُ ِ‬
‫وهكذا يكشف لهم الرسول ببلغ الحق سبحانه مدى جهلهم؛ وهم مَنْ سبق لهم العتراف بأن ال‬
‫هو خالق السماوات والرض؛ ولم يجرؤ واحد منهم على أن ينسب خَلْق السماوات والرض‬
‫للصنام‪.‬‬
‫وهنا يوضح لهم الرسول صلى ال عليه وسلم ما أمر الحقّ سبحانه بإيضاحه‪ :‬لقد خلق ال‬
‫السماوات والرض أفبعد ذلك تتخذون من دونه أولياء ل يملكون لنفسهم نفعا؛ ول ضرا؟ بدليل‬
‫أن الصنم من هؤلء ل يقدر لهم على شيء‪.‬‬
‫جعَلُواْ‬
‫عمَىا وَالْ َبصِيرُ َأمْ َهلْ تَسْ َتوِي الظُّلمَاتُ وَالنّورُ أَمْ َ‬
‫ويتابع الحق سبحانه‪ُ { :‬قلْ َهلْ يَسْ َتوِي الَ ْ‬
‫للّهِ شُ َركَآءَ‪[ } ...‬الرعد‪]16 :‬‬
‫وبطبيعة الحال ل يمكن أن يستوي العمى بالمبصر‪.‬‬
‫وساعة ترى " َأمْ " اعلم أنها ضَرْب انتقالي‪ ،‬وهكذا يستنكر الحق ما فعلوه بالستفهام عنه؛ لنه‬
‫خلْقُ عَلَ ْي ِهمْ‪[ } ...‬الرعد‪]16 :‬‬
‫جعَلُواْ للّهِ شُ َركَآءَ خََلقُواْ كَخَ ْلقِهِ فَتَشَا َبهَ الْ َ‬
‫شيء مُنْكر فعلً‪َ { :‬أمْ َ‬
‫أي‪ :‬لو كان هؤلء الشركاء قد خلقوا شيئا مثل خَلْق ال؛ َلكَان لهم أنْ يعقدوا مقارنة بين خَلْق ال‬
‫وخَلْق هؤلء الشركاء؛ ولكن هؤلء الشركاء الذين جعلوا مشاركين ل في اللوهية ل َيقْدرون‬
‫على خَلْق شيء؛ فكيف يختارونهم شركاء ل؟‬
‫شيْ ٍء وَ ُهوَ ا ْلوَاحِدُ ا ْل َقهّارُ } [الرعد‪]16 :‬‬
‫ويأتي المر من الحق سبحانه‪ُ ...{ :‬قلِ اللّهُ خَالِقُ ُكلّ َ‬
‫خُلقُواْ‬
‫وفي آية أخرى يُقدّم الحق سبحانه تفسيرا لتلك الية‪ {:‬إِنّ الّذِينَ َتدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ لَن يَ ْ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ذُبَابا وََلوِ اجْ َت َمعُواْ لَهُ‪[} ...‬الحج‪]73 :‬‬
‫خلْق‪،‬‬
‫فهؤلء الشركاء لم يخلقوا شيئا‪ ،‬ولن يستطيع أحد الدعاء بأن هؤلء الشركاء عندهم نية ال َ‬
‫ولكن مجيء " لن " هنا يُؤكد أنهم حتى بتنبيههم لتلك المسألة؛ فَلَسوف يعجزون عنها؛ لن َنفْي‬
‫المستقبل يستدعي التحدّي؛ رغم أنهم آلهة متعددة؛ ولو اجتمعوا فلن يخلقوا شيئا‪.‬‬
‫ض ُعفَ الطّاِلبُ‬
‫يستمر التحدي في قوله سبحانه‪... {:‬وَإِن َيسْلُ ْبهُمُ الذّبَابُ شَيْئا لّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْ ُه َ‬
‫وَا ْلمَطْلُوبُ }[الحج‪]73 :‬‬
‫أي‪ :‬لو أخذ الذباب بساقه الرفيعة شيئا ِممّا يملكون َلمَا استطاعوا أن يستخلصوه منه‪.‬‬
‫وهكذا يتضح أن الحق سبحانه وحده هو الخالق ل ُكلّ شيء؛ وتلزم عبادته وحده ل شريكَ له؛ وهو‬
‫جلّ وعَل المتفرّد بالربوبية واللوهية؛ وهو القهار المتكبر؛ والغالب على أمره أبدا‪ ،‬فكيف يكون‬
‫َ‬
‫مَنْ دونه مساويا له؟‬
‫لذلك ل شريك له أبدا‪.‬‬
‫ويقول سبحانه من بعد ذلك‪:‬‬
‫سمَآءِ مَآءً‪{ ...‬‬
‫} أَنَ َزلَ مِنَ ال ّ‬

‫(‪)1710 /‬‬
‫سمَاءِ مَاءً فَسَاَلتْ َأوْدِيَةٌ ِبقَدَرِهَا فَاحْ َت َملَ السّ ْيلُ زَ َبدًا رَابِيًا َو ِممّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النّارِ‬
‫أَنْ َزلَ مِنَ ال ّ‬
‫جفَا ًء وََأمّا مَا يَ ْنفَعُ‬
‫طلَ فََأمّا الزّبَدُ فَيَذْ َهبُ ُ‬
‫ق وَالْبَا ِ‬
‫حّ‬
‫ابْ ِتغَاءَ حِلْيَةٍ َأوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثُْلهُ كَذَِلكَ َيضْ ِربُ اللّهُ الْ َ‬
‫النّاسَ فَ َي ْم ُكثُ فِي الْأَ ْرضِ َكذَِلكَ َيضْ ِربُ اللّهُ الَْأمْثَالَ (‪)17‬‬

‫وهو سبحانه يُنزِل الماء من جهة العُلو وهو السماء‪ ،‬ونعلم أن الماء يتبخّر من البحار والنهار‬
‫والرض التي تتفجّر فيها العيون ليتجمع كسحاب؛ ثم يتراكم السحاب بعضُه على بعض؛ ويمرّ‬
‫بمنطقة باردة فيتساقط المطر‪.‬‬
‫سمَآءِ مَآءً فَسَاَلتْ َأوْدِيَةٌ ِبقَدَ ِرهَا‪[ } ...‬الرعد‪]17 :‬‬
‫ويقول الحق سبحانه‪ { :‬أَنَ َزلَ مِنَ ال ّ‬
‫والوادي هو المُنْخفض بين الجبلين؛ وساعةَ ينزل المطر على الجبال فهو يسيل على الودية؛ وكل‬
‫وَادٍ يستوعب من المياه على اتساعه‪.‬‬
‫ولنا أن نلحظ أن حكمة ال شاءتْ ذلك كَيْل يتحول الماء إلى طوفان‪ ،‬فلو زاد الماء في تلك‬
‫الودية لَغرقتْ نتيجة ذلك القرى‪ ،‬ولَخرِبت الزراعات‪ ،‬وتهدمتْ البيوت‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والمَثَل على ذلك هو فيضان النيل حين كان يأتي مناسبا في الكمية لحجم المَجْرى؛ وكان مثل هذا‬
‫القَدْر من الفيضان هو الذي يُسعد أهل مصر؛ أما إذا زاد فهو يُمثّل خطرا يَدْهَم القرى ويخربها‪.‬‬
‫وهكذا نجد أن من رحمة الحق سبحانه أن الماء يسيل من السماء مطرا على قدر اتساع الودية؛‬
‫اللهم إل إذا شاء غير ذلك‪.‬‬
‫ن يضرب مثلً على ما ينفع الناس؛ لذلك جاء بجزئية نزول الماء على‬
‫والحق سبحانه هنا يريد أ ْ‬
‫قَدْر اتساع الودية‪.‬‬
‫ومَنْ رأى مشهد نزول المطر على هذا القَدْر يمكنه أنْ يلحظ أن نزول السّيْل إنما يكنس كل القَشّ‬
‫والقاذورات؛ فتصنع تلك الزوائد رَغْوةً على سطح الماء الذي يجري في النهر‪ ،‬ثم يندفع الماء إلى‬
‫سمَآءِ‬
‫المَجْرى؛ لِيُزيح تلك الرّغاوى جانبا؛ ليسير الماء من بعد ذلك صَافِيا َرقْراقا‪ { .‬أَنَ َزلَ مِنَ ال ّ‬
‫مَآءً فَسَاَلتْ َأوْدِ َيةٌ ِبقَدَرِهَا فَاحْ َت َملَ السّ ْيلُ زَبَدا رّابِيا‪[ } ...‬الرعد‪]17 :‬‬
‫وهذا المَثَل يدركه أهل البادية؛ لنها صحراء وجبال ووديان؛ فماذا عن مَ َثلٍ يناسب أهل الحضر؟‬
‫علَيْهِ فِي النّارِ ابْ ِتغَآءَ حِلْيَةٍ َأوْ‬
‫ويأتي الحق سبحانه بهذا المثل المناسب لهم؛ فيقول‪َ { :‬و ِممّا يُوقِدُونَ َ‬
‫مَتَاعٍ زَ َبدٌ مّثْلُهُ‪[ } ...‬الرعد‪]17 :‬‬
‫وأنت حين تذهب إلى موقع عمل الحداد أو صائغ الذهب والفضة؛ تجده يُوقِد النار ليتحول المعدن‬
‫إلى سائل َمصْهور؛ ويطفو فوق هذا السائل الزّبَد وهو الشياء التي دخلت إلى المعدن‪ ،‬وليست‬
‫منه في الصل؛ ويبقى المعدن صافيا من بعد ذلك‪.‬‬
‫والصّانع يضع الذهب في النار لِيُخلّصه من الشوائب؛ ثم يضيف إليه من المواد ما يُقوّي صلبته؛‬
‫أو ينقله من حالة النقاء إلى درجة أقل نقاءً‪ ،‬وحالة النقاء في الذهب هي ما نطلق عليه " عيار ‪24‬‬
‫" ‪ ،‬والقل درجة هو الذهب من " عيار ‪ ، " 21‬والقل من ذلك هو الذهب من " عيار ‪." 18‬‬
‫والذهب الخالص النقاء يكون ليّنا؛ لذلك يُضيفون إليه ما يزيد من صلبته‪ ،‬ويصنع الصائغ من هذا‬
‫الذهب الحُلي‪.‬‬
‫وهذا هو المَ َثلُ المناسب لهل الحضر؛ حين يصنعون الحلي‪ ،‬وهم أيضا يصنعون أدواتٍ أخرى‬
‫يستعملونها ويستعملها مثلهم أهل البادية كالسيوف مثلً‪ ،‬وهي لبُدّ أن تكون من الحديد الصّلْب؛‬
‫ذلك أن كل أداة تصنع منه لها ما يناسبها من الصّلبة؛ فإنْ أراد الحدّاد أن يصنع سيفا فلبد أنْ‬
‫يختار له من الحديد نوعيةً تتناسب مع وظائف السيف‪.‬‬
‫والزّبَد في الماء النازل من السماء إنما يأتي إليه نتيجة مرور المطر أثناء نزوله على سطح‬
‫الجبال؛ فضلً عن غسيل َمجْرى النهر الذي ينزل فيه؛ وعادة ما يتراكم هذا الزّبَد على الحَوافّ؛‬
‫ليبقى الماء صافيا من بعد ذلك‪.‬‬
‫وحين تنظر إلى النيل ـ مثلً ـ فأنت تجد الشوائب‪ ،‬وقد ترسبتْ على جانبي النهر وحَوافّه‪،‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وكذلك حين تنظر إلى مياه البحر؛ فأنت تجد ما تلقيه المركب‪ ،‬وهو طافٍ فوق المواج؛ لِتُلقيه‬
‫المواج على الشاطئ‪.‬‬
‫وهكذا ضرب ال المَثَل لهل البدو ولهل الحضر بما يفيدهم في حياتهم؛ سواء حلية يلبسونها‪ ،‬أو‬
‫أداة يقاتلون بها‪ ،‬أو أداة أخرى يستخدمونها في َأ ْوجُه أعمالهم الحياتية؛ وهم في كل ذلك يلجئون‬
‫إلى تصفية المعادن التي يصنعون منها تلك الحلي أو الدوات الحياتية ليستخلصوا المعادن من‬
‫الخَبَث أو الزّبَد‪.‬‬
‫جفَآ ًء وََأمّا مَا‬
‫طلَ فََأمّا الزّ َبدُ فَيَ ْذ َهبُ ُ‬
‫ق وَالْبَا ِ‬
‫حّ‬
‫وكذلك يفعل الحق سبحانه‪ } :‬كَذاِلكَ َيضْ ِربُ اللّهُ الْ َ‬
‫يَنفَعُ النّاسَ فَ َي ْم ُكثُ فِي الَ ْرضِ‪[ { ...‬الرعد‪]17 :‬‬
‫وحين يضرب ال الحقّ والباطل؛ فهو يستخلص ما يفيد الناس؛ ويُذهب ما يضرّهم‪ ،‬وقوله‪} :‬‬
‫جفَآءً‪[ { ...‬الرعد‪]17 :‬‬
‫فَيَذْ َهبُ ُ‬
‫جفَا فلنا " أي‪ :‬أبعده عنه‪.‬‬
‫جفْوة؛ ويُقال‪ " :‬فلن َ‬
‫جفَاء " يعني " مَطْرودا "؛ من ال َ‬
‫أي‪ :‬يبعده؛ فـ " ُ‬
‫لمْثَالَ { [الرعد‪]17 :‬‬
‫ويُذيّل الحق سبحانه الية الكريمة بقوله‪...} :‬كَذاِلكَ َيضْ ِربُ اللّ ُه ا َ‬
‫وشاء سبحانه أن يُبيّن لنا بالمور الحِسّية؛ ما يساوي المور المعنوية؛ كي يعلمَ النسانُ أن الظّ ْلمَ‬
‫طمِس الحق‪ ،‬فهو إلى َزوَال؛ مثله مثل الزّبد‪.‬‬
‫حين يستشري و َيعْلو و َي ْ‬
‫ويقول سبحانه من بعد ذلك‪:‬‬
‫} لِلّذِينَ اسْ َتجَابُواْ لِرَ ّبهِمُ الْحُسْنَىا‪{ ...‬‬

‫(‪)1711 /‬‬
‫جمِيعًا َومِثْلَهُ َمعَهُ‬
‫حسْنَى وَالّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا َلهُ َلوْ أَنّ َلهُمْ مَا فِي الْأَ ْرضِ َ‬
‫لِلّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَ ّب ِهمُ الْ ُ‬
‫جهَنّ ُم وَبِئْسَ ا ْل ِمهَادُ (‪)18‬‬
‫ب َومَ ْأوَاهُمْ َ‬
‫لَافْتَ َدوْا بِهِ أُولَ ِئكَ َل ُهمْ سُوءُ الْحِسَا ِ‬

‫والذين يستجيبون للرب الذي خلق من عَدَم‪ ،‬وأوجد لهم مُقومّات الحياة واستبقاء النوع بالزواج‬
‫والتكاثر؛ فإذا دعاهم لشيء فليعلموا أن ما يطلبه منهم مُتمّم لصالحهم؛ الذي بدأه بإيجاد كل شيء‬
‫لهم من البداية‪.‬‬
‫وهؤلء الذين يستجيبون لهم الحُسْنى؛ فسبحانه جعل الدنيا مزرعة للخرة‪ ،‬وأنت في الدنيا َم ْوكُول‬
‫لقدرتك على الَخْذ بالسباب؛ ولكنك في الخرة َم ْوكُول إلى المُسبّب‪.‬‬
‫ففي الدنيا أنت تبذُر وتحرُث وتروي وتحصد‪ ،‬وقد تختلف حياتك شَظفا وتَرفا بقدرتك على‬
‫السباب‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ت ل واتبعتَ منهجه؛ فأنت تنتقل إلى حياة أخرى؛ تحيا فيها مع المسبب؛ ل السباب؛‬
‫فإذا استج ْب َ‬
‫فإذا خطر ببالك الشيء َتجِ ْد ُه أمامك؛ لنك في الحياة الخرى ل يكِلك ال إلى السباب‪ ،‬بل أنت‬
‫َم ْوكُول لذات ال‪ ،‬والموكول إلى الذّاتِ بَاقٍ ببقاء الذات‪.‬‬
‫حمَةٍ مّ ْنهُ‪} ...‬‬
‫خُلهُمْ فِي رَ ْ‬
‫ولذلك نجد الحق سبحانه يقول‪ {:‬فََأمّا الّذِينَ آمَنُواْ بِاللّهِ وَاعْ َتصَمُواْ بِهِ َفسَيُدْ ِ‬
‫[النساء‪]175 :‬‬
‫وبعض المُفسّرين يقولون " إنها الجنة " وأقول‪ :‬هذا تفسير مقبول؛ لن الجنة من رحمة ال؛ ولكن‬
‫الجنة باقية بإبقاء ال لها؛ ولكن رحمة ال باقية ببقاء ال‪.‬‬
‫وهنا يقول الحق سبحانه‪ { :‬لِلّذِينَ اسْ َتجَابُواْ لِرَ ّبهِمُ ا ْلحُسْنَىا‪[ } ...‬الرعد‪]18 :‬‬
‫ويقول تعالى في آية أخرى‪ {:‬لّلّذِينَ َأحْسَنُواْ ا ْلحُسْنَىا وَزِيَا َدةٌ‪[} ...‬يونس‪]26 :‬‬
‫والحسنى هي المر الحسن؛ وسبحانه خلق لك في الدنيا السباب التي تكدح فيها؛ ولكنك في‬
‫الخرة تحيا بكل ما تتمنى دون كدح‪ ،‬وهذا هو الحسن‪.‬‬
‫و َهبْ أن الدنيا ارتقتْ؛ والذين يسافرون إلى الدول المُتقدمة؛ وينزلون في الفنادق الفاخرة؛ يُقال‬
‫لهم اضغط على هذا الزر تنزل لك القهوة؛ والزّر الخر ينزل لك الشاي‪.‬‬
‫وكل شيء يمكن أن تحصل عليه َفوْر أن تطلبه من المطعم حيث يُعدّه لك آخرون؛ ولكن مهما‬
‫ارتقتْ الدنيا فلن تصل إلى أنْ يأتي لك ما يمرّ على خاطرك َفوْر أنْ تتمناه؛ وهذا لن يحدث إل‬
‫في الخرة‪.‬‬
‫حسْنى "؛ وفي المذكر ُيقَال " حسن‬
‫وكلمة " الحسنى " مُؤنّثة وأفعل تفضيل؛ ويُقَال " حسنة و ُ‬
‫وأحسن "‪ .‬والمقابل لمن لم يستجيبوا معروف‪.‬‬
‫جمِيعا َومِثْلَهُ َمعَهُ‬
‫والحق سبحانه يقول هنا‪ { :‬وَالّذِينَ َلمْ يَسْ َتجِيبُواْ لَهُ َلوْ أَنّ َلهُمْ مّا فِي الَ ْرضِ َ‬
‫لفْتَ َدوْاْ بِهِ‪[ } ...‬الرعد‪]18 :‬‬
‫َ‬
‫أي‪ :‬يقول خذوا ما أملك كله واعتقوني‪ ،‬لكن ل يُستجاب له‪.‬‬
‫جهَنّمُ وَبِئْسَ ا ْل ِمهَادُ } [الرعد‪]18 :‬‬
‫حسَابِ َومَأْوَا ُهمْ َ‬
‫ويقول الحق سبحانه‪ُ...{ :‬أوْلَـا ِئكَ َلهُمْ سُوءُ الْ ِ‬
‫لن الحساب يترتب عليه مرة خَيْر؛ ويترتب عليه مرة أخرى شَرّ؛ وجاء الحق سبحانه بكلمة‪:‬‬
‫{ وَبِئْسَ ا ْل ِمهَادُ } [الرعد‪]18 :‬‬
‫هنا؛ لن الواحد من هؤلء والعياذ بال لن يستطيع أن يتصرف لحظة َوضْعه في النار‪ ،‬كما ل‬
‫يستطيع الطفل الوليد أن يتصرف في ِمهَاده؛ ومن المؤكد أن النار بِئْس المهاد‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه بعد ذلك‪:‬‬
‫{ َأ َفمَن َيعَْلمُ أَ ّنمَآ أُن ِزلَ إِلَ ْيكَ‪} ...‬‬

‫(‪)1712 /‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫عمَى إِ ّنمَا يَ َت َذكّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (‪)19‬‬
‫حقّ َكمَنْ ُهوَ أَ ْ‬
‫َأ َفمَنْ َيعْلَمُ أَ ّنمَا أُنْ ِزلَ إِلَ ْيكَ مِنْ رَ ّبكَ الْ َ‬

‫والمؤمن هو مَنْ يعلم أن القرآن الحامل للمنهج هو الذي أنزله سبحانه على رسوله؛ ول يمكن‬
‫عمَىا‪[ } ...‬الرعد‪]19 :‬‬
‫مقارنته بالكافر وهو الموصوف هنا من الحق سبحانه‪َ { :‬كمَنْ ُهوَ أَ ْ‬
‫وجاء هنا بـ " علم " و " عمى "؛ لن اليات الدالة على القدرة من المرئيات‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه‪...{ :‬إِ ّنمَا يَ َت َذكّرُ ُأوْلُواْ الَلْبَابِ } [الرعد‪]19 :‬‬
‫أي‪ :‬أصحاب العقول القادرة على التدبّر والتفكّر والتمييز‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك عن أولي اللباب‪:‬‬
‫{ الّذِينَ يُوفُونَ ِب َع ْهدِ اللّهِ‪} ...‬‬

‫(‪)1713 /‬‬
‫الّذِينَ يُوفُونَ ِب َعهْدِ اللّ ِه وَلَا يَ ْن ُقضُونَ ا ْلمِيثَاقَ (‪)20‬‬

‫والواحد من أولي اللباب ساعة آمن بال؛ فهو يعلم أنه قد تعاهد مع ال عهدا بألّ يعبد غيره؛ وألّ‬
‫يخضع لغيره؛ وألّ يتقرّب لغيره؛ وألّ ينظر أو ينتظر من غيره؛ وهذا هو العهد الول اليماني‪.‬‬
‫ويتفرّع من هذا العهد العقدي الول ُكلّ عهد يُقطع سواء بالنسبة ل‪ ،‬أو بالنسبة لخَلْق ال؛ لن‬
‫الناشئ من عهد ال مثله مثل عهد ال؛ فإذا كنتَ قد آمنتَ بال؛ فأنت تؤمن بالمنهج الذي أنزله‬
‫على رسوله؛ وإذا أوفيتَ بالمنهج؛ تكون قد أوفيت بالعهد الول‪.‬‬
‫ولذلك نجد كل التكليفات المهمة البارزة القوية في حياة المؤمنين نجد الحق سبحانه يأتي بها في‬
‫علَ ْيكُمُ الصّيَامُ‪[} ...‬البقرة‪]183 :‬‬
‫صيغة البناء؛ فيما يسمى " البناء للمجهول "؛ مثل قوله‪ {:‬كُ ِتبَ َ‬
‫وقوله‪ {:‬كُ ِتبَ عَلَ ْيكُمُ ا ْل ِقصَاصُ فِي ا ْلقَتْلَى‪[} ...‬البقرة‪]178 :‬‬
‫وقوله‪ {:‬كُ ِتبَ عَلَ ْيكُمُ ا ْلقِتَالُ وَ ُهوَ كُ ْرهٌ ّل ُكمْ‪[} ...‬البقرة‪]216 :‬‬
‫وكُلّ التكليفات تأتي مَسْبوقة بكلمة " كُتِب " والذي كتب هو ال؛ وسبحانه لم يُكلّف إل من آمن به؛‬
‫فساعةَ إعلن إيمانك بال؛ هي ساعة تعاقدك مع ال على أن تُنفّذ ما يُكلّفك به‪.‬‬
‫ن تؤمن أو ل تؤمن؛ لكنك لحظةَ إيمانك بال تدخل إلى اللتزام بما يُكلّفك به‪،‬‬
‫وأنت حُرّ في أ ْ‬
‫وتكون قد دخلت في كتابة التعاقد اليماني بينك وبين ال‪.‬‬
‫ولذلك قال الحق سبحانه " كُتِب " ولم َي ُقلْ‪ " :‬كت ْبتُ "؛ لن العهد بينك وبين ال يقتضي أن تدخلَ‬
‫أنت شريكا فيه‪ ،‬وهو سبحانه لم يُكلّف إل مَنْ آمن به‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وسبحانه هنا يقول‪ { :‬الّذِينَ يُوفُونَ ِب َعهْدِ اللّ ِه َولَ يَن ُقضُونَ ا ْلمِيثَاقَ } [الرعد‪]20 :‬‬
‫أي‪ :‬أن العهد اليماني مُوثّق بما أخذْتَه على نفسك من التزام‪.‬‬
‫صفَ هؤلء بقوله‪:‬‬
‫ويواصل سبحانه َو ْ‬
‫{ وَالّذِينَ َيصِلُونَ مَآ َأمَرَ اللّهُ‪} ...‬‬

‫(‪)1714 /‬‬
‫حسَابِ (‪)21‬‬
‫شوْنَ رَ ّبهُ ْم وَ َيخَافُونَ سُوءَ الْ ِ‬
‫صلَ وَيَخْ َ‬
‫وَالّذِينَ َيصِلُونَ مَا َأمَرَ اللّهُ بِهِ أَنْ يُو َ‬

‫سبٌ‪ .‬والمؤمن‬
‫وأوّل ما أمر به ال أَنْ يُوصَل هو صِلَة الرّحم؛ أي‪ :‬أن تَصل ما يربطك بهم َن َ‬
‫ل المؤمنين في صِلَة الرّحم؛ لن كل المؤمنين رَحِم مُتداخِل؛‬
‫الحقّ إذا سَ ْلسَل النساب؛ فسيدخل ُك ّ‬
‫عشْرة من المؤمنين َتصِلهم بحكم الرّحِم؛ وكل مؤمن يَصل عشرة مثلك‪ ،‬انظر إلى‬
‫فإذا كان لك َ‬
‫تداخل الدوائر وانتظامها؛ ستجد أن كل المؤمنين يدخلون فيها‪.‬‬
‫ولذلك نجد الحق سبحانه يقول في الحديث القدسي‪ " :‬أنا الرحمن؛ خلقت الرحم‪ ،‬واشتققت لها اسما‬
‫من اسمي؛ فمن وصلها وصلته؛ ومن قطعها قطعته "‪.‬‬
‫وقد رَو ْيتُ من قَبْل قصةً عن معاوية رضي ال عنه؛ فقد جاء حاجبه ليعلن له أن رجلً بالباب‬
‫يقول‪ :‬إنه أخوك يا أمير المؤمنين‪.‬‬
‫ولبد أن حاجبَ معاوية كان يعلم أن معاوية بن أبي سفيان ل إخوةَ له‪ ،‬لكنه لم يَشَأْ أنْ يتدخّل فيما‬
‫يقوله الرجل؛ وقال معاوية لحاجبه‪ :‬ألَ تعرف إخوتي؟ فقال الحاجب‪ :‬هكذا يقول الرجل‪ .‬فأذِنَ‬
‫معاويةُ للرجل بالدخول؛ وسأله‪ :‬أي إخوتي أنت؟ أجاب الرجل‪ :‬أخوك في آدم‪ .‬قال معاوية‪َ :‬رحِم‬
‫مقطوعة؛ وال لكون أ ّولَ من يَصلها‪.‬‬
‫والتقى الفضيل بن عياض بجماعة لهم عنده حاجة؛ وقال لهم‪ :‬من أين أنتم؟ قالوا‪ :‬من خُراسان‪.‬‬
‫قال‪ :‬اتقوا ال‪ ،‬وكونوا من حيث شِئْتم‪.‬‬
‫ل الهل أولً؛ ثم القارب؛ ثم الدوائر البعد فالبعد؛ ثم الجار‪ ،‬وكُلّ ذلك‬
‫وقد أمرنا سبحانه أن َنصِ َ‬
‫لنه سبحانه يريد اللتحام بين الخلق؛ ليستطرق النافع لغير النافع‪ ،‬والقادر لغير القادر‪ ،‬فهناك‬
‫ن وصلْتَه وصلَك ال‪.‬‬
‫جارك وقريبك الفقير إ ْ‬
‫ولذلك يأمر الحق سبحانه رسوله صلى ال عليه وسلم ومِنْ خلله يأمر كل مؤمن برسالته‪ {:‬قُل لّ‬
‫أَسْأَُلكُمْ عَلَيْهِ َأجْرا ِإلّ ا ْل َموَ ّدةَ فِي ا ْلقُرْبَىا‪[} ...‬الشورى‪]23 :‬‬
‫وقال بعض مَنْ سمعوا هذه الية‪ :‬قُرْباك أنت في قُرْباك‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وقال البعض الخر‪ :‬ل‪ ،‬القربى تكون في الرسول صلى ال عليه وسلم؛ لن القرآن قال في محمد‬
‫سهِمْ‪[} ...‬الحزاب‪]6 :‬‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ {:‬النّ ِبيّ َأوْلَىا بِا ْل ُم ْؤمِنِينَ مِنْ أَ ْنفُ ِ‬
‫وهكذا تكون قرابة الرسول أولى لكل مؤمن من قرابته الخاصة‪.‬‬
‫شوْنَ رَ ّبهُ ْم وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ }‬
‫خَ‬
‫يستمر قول الحق سبحانه في وصف أُولِي اللباب‪...{ :‬وَيَ ْ‬
‫[الرعد‪]21 :‬‬
‫والخشية تكون من الذي يمكن أن يُصيب بمكروه؛ ولذلك جعل الحق هنا الخشية منه سبحانه؛ أي‪:‬‬
‫أنهم يخافون ال مالكهم وخالقهم ومُربّيهم؛ خوف إجلل وتعظيم‪.‬‬
‫خ ْفتُ المرض‪ ،‬ففيه‬
‫خ ْفتُ زيدا‪ ،‬وتقول‪ِ :‬‬
‫وجعل سبحانه المخاف من سوء العذاب؛ وأنت تقول‪ِ :‬‬
‫شيء تخافه؛ وشيء ُي َوقِع عليك ما تخافه‪.‬‬
‫وأولو اللباب يخافون سُوء حساب الحق سبحانه لهم؛ فيدعهم هذا الخوف على أَنْ َيصِلوا ما أمر‬
‫به سبحانه أنْ يُوصَل‪ ،‬وأنْ يبتعدوا عن أي شيء يغضبه‪.‬‬
‫ونحن نعلم أن سوء الحساب يكون بالمناقشة واستيفاء العبد لكل حقوقه؛ فسبحانه مُنزّه عن ظلم‬
‫أحد‪ ،‬ولكن مَنْ يُناقش الحسابَ فهو مَنْ يَلْقى العذاب؛ ونعوذ بال من ذلك‪ ،‬فل أحد بقادر على أن‬
‫يتحمل عذابَ الحق له‪.‬‬
‫ويواصل الحق سبحانه َوصْف أُولي اللباب فيقول‪:‬‬
‫ن صَبَرُواْ ابْ ِتغَا َء وَجْهِ رَ ّب ِهمْ‪} ...‬‬
‫{ وَالّذِي َ‬

‫(‪)1715 /‬‬
‫جهِ رَ ّبهِ ْم وََأقَامُوا الصّلَا َة وَأَ ْنفَقُوا ِممّا رَ َزقْنَا ُهمْ سِرّا وَعَلَانِيَ ًة وَيَدْرَءُونَ‬
‫ن صَبَرُوا ابْ ِتغَا َء وَ ْ‬
‫وَالّذِي َ‬
‫عقْبَى الدّارِ (‪)22‬‬
‫حسَنَةِ السّيّئَةَ أُولَ ِئكَ َلهُمْ ُ‬
‫بِالْ َ‬

‫ونجد هذه الية معطوفة على ما سبقها من صفات أولي اللباب الذين يتذكّرون ويعرفون مَواطن‬
‫الحق بعقولهم اهتداءً بالدليل؛ الذين يُوفون بالعهد اليماني بمجرد إيمانهم بال في كُلّيات العقيدة‬
‫الوحدانية‪ ،‬ومُقْتضيات التشريع الذي تأتي به تلك العقيدة‪.‬‬
‫سهُمْ‬
‫ولذلك جعلها سبحانه صفقة أوضحها في قوله تعالى‪ {:‬إِنّ اللّهَ اشْتَرَىا مِنَ ا ْل ُم ْؤمِنِينَ أَنفُ َ‬
‫حقّا‪[} ...‬التوبة‪]111 :‬‬
‫ن وَعْدا عَلَ ْيهِ َ‬
‫ن وَيُقْتَلُو َ‬
‫وََأمْوَاَلهُمْ بِأَنّ َلهُمُ اّلجَنّةَ ُيقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَ َيقْتُلُو َ‬
‫وهي صفقة إيجاب وقَبُول‪ ،‬والعهد إيجاب وقبول؛ وهو ميثاق مُؤكّد بالدلة الفِطْرية أولً‪ ،‬والدلة‬
‫العقلية ثانيا‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ن صبروا ابتغاءَ وجه ربهم‪ ،‬والصبر هو تحمّل متاعب تطرأ على النفس‬
‫وهُمْ في هذه الية مَ ْ‬
‫النسانية لتخريجها عن وقار استقامتها ونعيمها وسعادتها‪ ،‬وكل ما يُخرِج النفس النسانية عن‬
‫صياغة النسجام في النفس يحتاج صبرا‪.‬‬
‫والصبر يحتاج صابرا هو النسان المؤمن‪ ،‬ويحتاج َمصْبورا عليه؛ وال َمصْبور عليه في الحداث‬
‫قد يكون في ذات النفس؛ كأنْ يصبر النسان على مشقّة التكليف الذي يقول " افعل " و " ل تفعل‬
‫"‪.‬‬
‫فالتكليف يأمرك بت ْركِ ما تحب‪ ،‬وأنْ تنفذ بعض ما يصعب عليك‪ ،‬وأن تمتثل بالبتعاد عما ينهاك‬
‫ق التكليف‪.‬‬
‫عنه‪ ،‬و ُكلّ هذا يقتضي ُمجَاهدة من النفس‪ ،‬والصبر الذاتي على مشَا ّ‬
‫شعِينَ }[البقرة‪]45 :‬‬
‫ولذلك يقول الحق سبحانه عن الصلة مثلً‪... {:‬وَإِ ّنهَا َلكَبِي َرةٌ ِإلّ عَلَى ا ْلخَا ِ‬
‫وهذا صَبْر الذّات على الذات‪ .‬ولكن هناك صَبْر آخر؛ صبر منك على شيء يقع من غيرك؛‬
‫ويُخرِجك هذا الشيء عن استقامة نفسك وسعادتها‪.‬‬
‫وهو ينقسم إلى قسمين‪ :‬قسم تجد فيه غريما لك؛ وقسم ل تجد فيه غريما لك‪.‬‬
‫فالمرض الذي يُخرِج النسان عن حَيّز الستقامة الصّحية ويُسبّب لك اللم؛ ليس لك فيه غريم؛‬
‫لكنك تجد الغريم حين يعتدي عليك إنسانٌ بالضرب مثلً؛ ويكون هذا الذي يعتدي عليك هو الغريم‬
‫لك‪.‬‬
‫وكل صبر له طاقة إيمانية تحتمله؛ فالذي َيقْدر على شيء ليس فيه غريم؛ يكون صَبْره معقولً‬
‫بعض الشيء؛ لنه ل يوجد له غريم يهيج مشاعره‪.‬‬
‫أما صبر النسان على أَلم أوقعه به مَنْ يراه أمامه؛ فهذا يحتاج إلى قوة ضَبْط كبيرة؛ كي ل يهيج‬
‫النسان ويُفكّر في النتقام‪.‬‬
‫ولذلك تجد الحق يفصل بين المرين؛ يفصل بين شيء أصابك ول تجد لك غريما فيه‪ ،‬وشيء‬
‫أصابك ولك من مثلك غريمٌ فيه‪.‬‬
‫ويقول سبحانه عن الصبر ليس لك غريم فيه‪... {:‬وَاصْبِرْ عَلَىا مَآ َأصَا َبكَ إِنّ ذَِلكَ مِنْ عَزْمِ‬
‫لمُورِ }[لقمان‪]17 :‬‬
‫اُ‬
‫ويقول عن الصبر الذي لك فيه غريم‪ ،‬ويحتاج إلى َكظْم الغيظ‪ ،‬وضبط الغضب‪ {:‬وََلمَن صَبَرَ‬
‫لمُورِ }[الشورى‪]43 :‬‬
‫وَغَفَرَ إِنّ ذَِلكَ َلمِنْ عَزْ ِم ا ُ‬
‫وحينما يريد الحق سبحانه منك أن تصبر؛ فهو ل يطلب ذلك منك وحدك؛ ولكن يطلب من‬
‫المقابلين لك جميعا أنْ يصبروا على إيذائك لهم؛ فكأنه طلب منك أنْ تصبر على اليذاء الواقع من‬
‫الغير عليك؛ وأنت فرد واحد‪.‬‬
‫وطلب من الغير أيضا أنْ يصبر على إيذائك‪ ،‬وهذا هو قمة التأمين الجتماعي لحياة النفس‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫النسانية‪ ،‬فإذا كان سبحانه قد طلب منك أن تصبر على من آذاك؛ فقد طلب مَنْ الناس جميعا أن‬
‫يصبروا على آذاك لهم‪.‬‬
‫فإذا بدرتْ منك بادرة من الغيار؛ وتخطئ في حق إنسان آخر وتؤلمه؛ فإن لك رصيدا من صبر‬
‫الخرين عليك؛ لن الحق سبحانه طلب من المقابل لك أن يصبر عليك وأنْ يعفو‪.‬‬
‫وإذا كان لك غريم؛ فالصبر يحتاج منك إلى ثلث مراحل‪ :‬أن تصبر صبرا أوليا بأن تكظم في‬
‫نفسك؛ ولكن الغيظ يبقى‪ ،‬وإن منعت الحركة النّزوعية من التعبير عن هذا الغيظ؛ فلم تضرب ولم‬
‫ظمِينَ ا ْلغَيْظَ‪[} ...‬آل عمران‪]134 :‬‬
‫سبّ؛ ويسمى ذلك‪ {:‬ا ْلكَا ِ‬
‫تَ ُ‬
‫حكِم ربطها انسكب منها‬
‫والكَظْم مأخوذ من عملية رَبْط القِرْبة التي نحمل فيها الماء؛ فإنْ لم ُن ْ‬
‫الماء؛ ويُقال " كظم القربة " أي‪ :‬أحكم ربطها‪.‬‬
‫ثم يأتي الحق سبحانه بالمرحلة الثانية بعد كظم الغيظ فيقول‪ {:‬وَا ْلعَافِينَ عَنِ النّاسِ‪[} ...‬آل عمران‪:‬‬
‫‪]134‬‬
‫وهنا تظهر المسألة الَرْقى‪ ،‬وهي إخراج الغيظ من الصدر؛ ثم التسامي في مرتبة الصّديقين؛ فل‬
‫ينظر إلى مَنْ كظم غيظه عنه أولً؛ بل يعفو عنه‪ ،‬ول ينظر له بعداء‪ ،‬بل بنظرة إيمانية‪.‬‬
‫والنظرة اليمانية هي أن مَنْ آذاك إنما يعتدي على حَقّ ال فيك؛ وبذلك جعل ال في صَفّك‬
‫وجانبك؛ وهكذا تجد أن مَنْ ظلمك وأساء إليك قد جعلك في معية ال وحمايته؛ وعليك أن تُحسِن‬
‫له‪.‬‬
‫والصبر له دوافع؛ فهناك من يصبر كي يُقال عنه‪ :‬إنه يملك الجَلَد والصبر؛ وليبين أنه فوق‬
‫الحداث؛ وهذا صبر ليس ابتغاء لوجه ال؛ بل صبر كيل يَشْمت فيه أعداؤه‪.‬‬
‫وصبر لنه قد توصل بعقله أن جزعه لن ينفعه‪ ،‬ولو كان حصيفا لَصبر لوجه ال‪ ،‬لن الصبر‬
‫لوجه ال يخفف من َقدَر ال‪.‬‬
‫ومَنْ يصبر لوجه ال إنما يعلم أن ل حكمة أعلى من الموضوع الذي صبر عليه؛ ولو خُيّر بين ما‬
‫كان يجب أن يقع وبين ما وقع؛ لختار الذي وقع‪.‬‬
‫والذي يصبر لوجه ال إنما ينظر الحكمة في َموْرد القضاء الذي وقع عليه‪ ،‬ويقول‪ :‬أحم ُدكَ ربي‬
‫ح ْمدَ الرضى بحكمك لليقين بحكمتك‪.‬‬
‫على كل قضائك وجميل قَدَرتك؛ َ‬
‫فمَنْ يصبر على الفاقة؛ ويقول لنفسك‪ " :‬اصبري إلى أن يفرجها ال " ول يسأل أحدا؛ سيجد الفرج‬
‫قد أتى له من ال‪.‬‬
‫شهَواتِ النفْسِ في َزمَنِ‬
‫ج المالَ مُنْفقا عَلى َ‬
‫انظر إلى الشاعر وهو يقول‪:‬إذَا ُر ْمتَ أنْ تستخرِ َ‬
‫سكَ النفاقَ مِنْ كَن ِز صَبْرِها عل ْيكَ وإنذارا إلى سَاعةِ ال ُيسْ ِرفَإنْ فع ْلتَ كنتَ الغنيّ وإنْ‬
‫سلْ نف َ‬
‫العُسْ ِرفَ َ‬
‫أب ْيتَ فَكلّ مُنوّع بعدَها وَاسِعُ العُذْرِ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ل لتنفقه على شهوات النفس‪ ،‬ورفضتَ تلك المُرَاودة‪ ،‬وطلبت‬
‫أي‪ :‬إنْ راودتْك نفسك لتقترض ما ً‬
‫ن فعلتَ ذلك كنت الغنيّ‪ ،‬لنك قدرتَ على‬
‫من نفسك أنْ تعطيك من كَنْز الصبر الذي تملكه؛ وإ ْ‬
‫نفسك‪.‬‬
‫والذي يلفت إلى الحَدَث وحده يتعب؛ والذي يلتفت إلى الحدث مقرونا بواقعه من ربه؛ ويقول‪" :‬‬
‫خصّ‬
‫لبد أن هناك حكمة من ال وراء ذلك " فهو الذي يصبر ابتغاء وجهه ال‪ .‬ويريد ال أنْ ي ُ‬
‫مَنْ يصبر ابتغاء وجهه بمنزلة عالية؛ لنه يعلم أن ال له حكمة فيما يُجريه من أقدار‪.‬‬
‫لةَ وَأَ ْن َفقُواْ ِممّا رَ َزقْنَاهُمْ سِرّا وَعَلَنِيَةً‪...‬‬
‫ويتابع سبحانه َوصْف أُولي اللباب‪ } :‬وََأقَامُواْ الصّ َ‬
‫{ [الرعد‪]22 :‬‬
‫وسبق أن قلنا في الصلة أقوالً كثيرة؛ وأن مَنْ يؤديها على مطلوبها؛ فهو مَنْ يعلم أنها جَلْوة بين‬
‫العبد وربه‪ ،‬ويكون العبد في ضيافة ربه‪.‬‬
‫وحين ُتعْرَض الصّنْعة على صانعها خمس مرات في اليوم فلبد أنْ تنال الصّنْعة رعاية وعناية‬
‫ن صمّمها وخلقها‪ ،‬وكما أن ال غَ ْيبٌ عنك؛ فكذلك أسباب شفائك من الكروب يكون غيبا عنك‪.‬‬
‫مَ ْ‬
‫وقد علّمنا رسول ال صلى ال عليه وسلم ذلك " فكان إذا حزبه أمر قام إلى الصلة "‪ .‬ومن‬
‫ي وقت‬
‫عظمة اليمان أن ال هو الذي يدعوك إلى الصلة؛ وهو سبحانه ل يمنع عنك القُرْب في أ ّ‬
‫تشاء؛ وأنت الذي تُحدّد متى تقف بين يديه في أي وقت بعد أن تُلبّي دعوته بالفروض؛ لتؤدي ما‬
‫تحب من النوافل؛ ول يُنهِي سبحانه المقابلة معك كما يفعل عظماء الدنيا؛ بل تُنهِي أنت اللقاء و َقتَ‬
‫أنْ تريد‪.‬‬
‫ولقد تأدّب رسول ال صلى ال عليه وسلم بأدب ربه؛ وتخلّق بالخلُق السامي؛ فكان إذا وضع أحد‬
‫يده في يد الرسول صلى ال عليه وسلم؛ فهو ل ينزع يده من يد مَنْ يُسلّم عليه؛ إل أنْ يكون هو‬
‫النازع‪.‬‬
‫وقول الحق سبحانه‪ } :‬وَأَ ْنفَقُواْ ِممّا رَ َزقْنَاهُمْ‪[ { ...‬الرعد‪]22 :‬‬
‫ن وصلتَ إلى أن تحتاج من‬
‫يعني‪ :‬أنك ل يجب أن تنظر إلى ما يؤخذ منك‪ ،‬ولكن انظر إلى أنك إ ْ‬
‫الغير سيؤخذ لك‪ ،‬وهذا هو التأمين الفعال‪ ،‬ومَنْ يخاف أن يترك عيالً دون قدرة‪ ،‬ولو كان هذا‬
‫النسان يحيا في مجتمع إيماني‪ ،‬لوجد قول الحق مُطبّقا‪ {:‬وَلْ َيخْشَ الّذِينَ َلوْ تَ َركُواْ مِنْ خَ ْل ِفهِمْ ذُرّيّةً‬
‫ضعَافا خَافُواْ عَلَ ْيهِمْ فَلْيَ ّتقُواّ اللّ َه وَلْ َيقُولُواْ َق ْولً سَدِيدا }[النساء‪]9 :‬‬
‫ِ‬
‫وبذلك ل يشعر اليتيم باليُتْم؛ ول يخاف أحد على عياله‪ ،‬ول يسخط أحد على َقدَر ال فيه‪.‬‬
‫وسبحانه يضع الميزان القتصادي حين يطلب منا النفاق‪ ،‬والنفاق يكون من مال زائد؛ أو مال‬
‫بلغ النصاب‪ ،‬ولذلك فعليك أنْ تتحرك حركة نافعة للحياة‪ ،‬ويستفيد منها الغير‪ ،‬كي يكون لك مال‬
‫سعَ غيرك‪.‬‬
‫تُنفِق منه‪ ،‬وعلى حركتك أن تَس َعكَ وت َ‬
‫وهناك مَنْ ينفق ِممّا رزقه ال بأن يأخذ لنفسه ما يكفيها‪ ،‬وينفق الباقي لوجه ال؛ لنه يضمن أن له‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إلها قادرا على أن يرزقه‪ ،‬والمضمون عند ال أكثر مما في يده‪.‬‬
‫" وها هو رسول ال صلى ال عليه وسلم يسأل أبا بكر فيما ناله من غنائم ويقول له‪ :‬ماذا صنعتَ‬
‫بها يا أبا بكر؟ فيقول أبو بكر الصديق رضي ال عنه وأرضاه‪ :‬تص ّد ْقتُ بها كلها‪ .‬فيقول الرسول‪:‬‬
‫وماذا أبقيت؟ يقول أبو بكر‪ :‬أبقيت ال ورسوله‪.‬‬
‫وسأل رسول ال عمر بن الخطاب رضي ال عنه‪ :‬وماذا فعلتَ يا عمر؟ فيقول ابن الخطاب‪:‬‬
‫تصد ْقتُ بنصفها ول عندي نصفها‪.‬‬
‫وكأنه يقول للرسول‪ " :‬إن كان هناك مصرف تريدني أن أصرف فيه النصف الباقي ل عندي؛‬
‫فلسوف أفعل "‪.‬‬
‫ن يصرف ِممّا رزقه ال؛ بكل ما رزقه سبحانه‪ ،‬وهو أبو بكر الصديق؛ ونجد مَنْ‬
‫وهكذا رأينا مَ ْ‬
‫ينفق ِممّا رزقه ال ومستعد لن ينفق الباقي إن رأى رسول ال مصرفا يتطلب النفاق‪.‬‬
‫ونجد من توجيهات السلم أن مَنْ يراعى يتيما؛ فليستعفف فل يأخذ شيئا من مال اليتيم إنْ كان‬
‫الوليّ على اليتيم له مال؛ وإن كان الولي فقيرا فليأكل بالمعروف‪.‬‬
‫ولقائل أنْ يسأل‪ :‬ولماذا نأتي بالفقير لتكون له ولية على مال اليتيم؟‬
‫وأقول‪ :‬كي ل يحرم المجتمع من خبرة قادرة على الرعاية؛ فيأتي الفقير صاحب الخبرة؛ وليأْكل‬
‫بالمعروف‪.‬‬
‫ونلحظ أن الحق سبحانه قال‪ {:‬وَارْ ُزقُو ُهمْ فِيهَا‪[} ...‬النساء‪]5 :‬‬
‫ولم َي ُقلْ " ارزقوهم منها " أي‪ :‬خُذوا الرزق من المَطْمور فيها يملكون بالحركة في هذا المال‪.‬‬
‫وهكذا نفهم كيف يُنفق النسان المؤمن ِممّا رزقه ال؛ فهناك مَنْ ينفق كل ما عنده؛ لنه واثق من‬
‫رصيده عند ربه‪ ،‬وهناك مَنْ ينفق البعض مما رزقه ال؛ وقد تأخذه الريحية والكرم فيعطي كل‬
‫مَنْ يسأله‪ ،‬وقد ينفق كل ما عنده؛ مثل مَنْ يجلس في جُرْن القمح ويريد أن يُزكّي يوم الحصاد؛‬
‫فيعطي كل مَنْ يسأله؛ إلى أن يفرغ ما عنده‪.‬‬
‫حبّ ا ْلمُسْ ِرفِينَ }‬
‫حصَا ِد ِه َولَ تُسْ ِرفُواْ إِنّ ُه لَ ُي ِ‬
‫حقّهُ َيوْمَ َ‬
‫ولذلك نجد الحق سبحانه يقول‪... {:‬وَآتُواْ َ‬
‫[النعام‪]141 :‬‬
‫لةَ وَأَنْ َفقُواْ ِممّا رَ َزقْنَا ُهمْ‬
‫وهنا نجد الحق سبحانه يصف هؤلء المُ ْنفِقين في سبيله‪ } :‬وََأقَامُواْ الصّ َ‬
‫سِرّا وَعَلَنِيَةً‪[ { ...‬الرعد‪]22 :‬‬
‫والسر هو الصّدقة المندوبة‪ ،‬أما النفاق في العلنية؛ فهي الصّدقة الواضحة؛ لن الناس قد تراك‬
‫غنيا أو يُشَاع عنك ذلك‪ ،‬ول يرونك وأنت تُخرِج الزكاة‪ ،‬فتنالك ألسنتهم بالسوء؛ وحين يَ َروْنكَ‬
‫وأنت تنفق وتتصدّق؛ فهم يعرفون أنك تؤدي حقّ ال‪ ،‬وتشجعهم أنت بأن يُنفِقوا مما رزقهم ال‪.‬‬
‫وصدقة السّر وصدقة العَلَن أمرها متروك لتقدير النسان؛ فهناك مَنْ يعطي الصدقة للدولة‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لتتصرف فيها هي؛ ويعطي من بعد ذلك للفقراء سرا؛ وهذا إنفاق في العَلَن وفي السر؛ وجاء‬
‫الحق بالسر والعلنية؛ لنه ل يريد أنْ يحجب الخير عن أيّ أحد بأي سبب‪.‬‬
‫وقد يقول قائل‪ :‬إن فلنا يُخرِج الصدقة رياءً‪.‬‬
‫ن يتفوّه بمثل هذا القول‪ :‬أَلَمْ يَسْتفِد الفقير من الصدقة؟ إنه يستفيد‪ ،‬ول أحدَ يدخل في‬
‫وأقول ِلمَ ْ‬
‫النوايا‪.‬‬
‫حسَنَةِ السّيّئَةَ‪[ { ...‬الرعد‪]22 :‬‬
‫ويتابع سبحانه‪ } :‬وَيَدْرَءُونَ بِالْ َ‬
‫والدّرْء‪ :‬هو ال ّدفْع بشدة؛ أي‪ :‬يدفعون بالحسنة السيئة بشدة‪ .‬وأول حسنة إيمانية هي أنْ تؤمن بال؛‬
‫وبذلك تدفع سيئة الشرك‪ ،‬أو دفعتَ السيئة‪ .‬أي‪ :‬دفعتَ الذنب الذي ارتكبته وذلك بالتوبة عنه؛ لن‬
‫التوبة حسنة‪ ،‬وحين ترى مُنْكرا‪ ،‬وهو سيئة‪ ،‬فأنت تدفعه بحسنة الّنصْح‪.‬‬
‫حسَنَةِ السّيّئَةَ‪[ { ...‬الرعد‪]22 :‬‬
‫أو‪ :‬أن يكون معنى‪ } :‬وَيَدْ َرءُونَ بِالْ َ‬
‫ن فعلتَ سيئة فأنت تتبعها بحسنة‪ ،‬والكمال المطلق ل وحده ولرسوله؛ لنفترض أن واحدا لديه‬
‫هو إ ْ‬
‫سيئة مُلِحّة في ناحية من النواحي؛ فالحقّ سبحانه يأمره أن يدفع السيئة بأن يفعل بجانبها حسنة‪.‬‬
‫حسَنَاتِ ُيذْهِبْنَ السّـيّئَاتِ‪[} ...‬هود‪]114 :‬‬
‫يقول سبحانه‪ {:‬إِنّ الْ َ‬
‫وها هو رسول ال صلى ال عليه وسلم يقول لمعاذ رضي ال عنه‪ " :‬اتق ال أينما تكون‪ ،‬وأتبع‬
‫السيئة حسنة َتمْحُها‪ ،‬وخالق الناس بخلق حسن "‪.‬‬
‫ولذلك‪ ،‬فأنت تجد أغلب أعمال الخير في المجتمع ل تصدر من أيّ رجل رقيق ل يرتكب‬
‫السيئات؛ فل سيئةَ تطارده كي يفعل الحسنة التي يرجو أنْ تمحو السيئة‪.‬‬
‫فالسيئة ساعةَ تُلهِب ضمير مَن ارتكبها؛ ول يستطيع أن يدفعها؛ لنه ارتكبها؛ فهو يقول لنفسه "‬
‫فَلبنِ مدرسة " أو " أبني مسجدا " أو " أقيم مستشفى " أو " أتصدق على الفقراء "‪.‬‬
‫وهكذا نجد أن أغلب حركات الحسان قد تكون من أصحاب السيئات‪ ،‬فل أحدَ بقادر على أنْ يأخذ‬
‫شيئا من وراء ال؛ فمَنْ يرتكب سيئة لبُدّ أنْ تُلِحّ عليه بأحاسيس الذّنْب؛ لتجده مدفوعا من بعد‬
‫ذلك إلى فعل الحسنات؛ لعلّ الحسنات تُعوّض السيئات‪.‬‬
‫ومن دَرْء الحسنة بالسيئة أيضا؛ أنه إذا أساء إليك إنسان فأنت َت ْكظِم غيظك وتعفو؛ وبذلك فأنت‬
‫تحسن إليه‪.‬‬
‫حمِيمٌ }‬
‫عدَا َوةٌ كَأَنّ ُه وَِليّ َ‬
‫ك وَبَيْنَهُ َ‬
‫حسَنُ فَإِذَا الّذِي بَيْ َن َ‬
‫وتجد الحق سبحانه يقول‪... {:‬ا ْدفَعْ بِالّتِي ِهيَ أَ ْ‬
‫[فصلت‪]34 :‬‬
‫صتَ المودة لمن دخل في العداوة معك؛ ستجد أنه يستجيب لتلك‬
‫وإذا أنت جرّبْتَها في حياتك؛ وأخل ْ‬
‫المودة ويصبح صديقا حميما لك‪.‬‬
‫ولكن هناك مَنْ يقول‪ :‬جرّ ْبتُ ذلك ولم تنفع تلك المسألة‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وأقول لمن يقول ذلك‪ :‬لقد ظننتَ أنك قد دفعتَ بالتي هي أحسن‪ ،‬لكنك في واقع الحال كنت‬
‫تتربص بما يحدث منك تجاه مَنْ دخلتَ معه في عداوة‪ ،‬ولم تُخلص في الدفع بالتي هي أحسن‪،‬‬
‫وأخذت تُجرّب اختبار قول ال؛ فذهبتْ منك طاقة الخلص فيما تفعل؛ وظل الخر العدو على‬
‫عداوته‪.‬‬
‫لكنك لو دفعتَ بالتي هي احسن ستجد أن الية القرآنية فيها كل الصّدْق؛ لن ال ل يقول قضية‬
‫قرآنية ثم تأتي ظاهرة كونية تُكذّب القرآن‪.‬‬
‫ولذلك يقول الشاعر‪:‬يَا مَنْ تُضايِقه ال ِفعَالُ مِنَ التي ومِنَ الذي دفع فِدْيتك بالتي حتّى نَرى فإذَا‬
‫الذِيأي‪ :‬يا مَنْ تضايقه أفعال الذي بينك وبين عداوة؛ عليك أن تُحسن ال ّدفْع التي هي أحسن‪ ،‬حتى‬
‫ك وَبَيْنَهُ‬
‫ترى أن العداوة التي كانت بينك وبين ما ذكره الحق سبحانه في قوله‪... {:‬فَإِذَا الّذِي بَيْ َن َ‬
‫حمِيمٌ }[فصلت‪]34 :‬‬
‫عَدَا َوةٌ كَأَنّ ُه وَِليّ َ‬
‫عقْبَىا الدّارِ { [الرعد‪]22 :‬‬
‫ويتابع الحق سبحانه‪ُ...} :‬أوْلَـا ِئكَ َل ُهمْ ُ‬
‫أي‪ :‬أن المتقدمين أولي اللباب الذين اجتمعت لهم تلك الصفات التِسعة؛ بدايةً من أنهم يُوفُون بعهد‬
‫ال؛ ول ينقضون الميثاق؛ و َيصِلون ما أمر ال أنْ يُوصَل ويخشوْن ربهم؛ ويخافون سُوء‬
‫الحساب؛ وصبروا ابتغاء وجه ربهم؛ وأقاموا الصلة؛ وأنفقوا مما رزقهم ال سرا وعلنية؛‬
‫عقْبى الدار‪.‬‬
‫ويَدْرءون بالحسنة السيئةَ‪ ،‬هؤلء هم الذين لهم ُ‬
‫عقِب‪ ،‬وعقب هو ما يعقب الشيء‪ ،‬ونقول في‬
‫وعُقْبى مأخوذة من العقب؛ فالقدم له مقدم وله َ‬
‫أفراحنا " والعافية عندكم في المسرات " أي‪ :‬أننا نتمنى أن تتحقق لكم مَسرّة مثل التي عندنا‪،‬‬
‫وتكون عقب المَسرّة التي فرحنا نحن بها‪.‬‬
‫وهكذا تكون العقبى هي الشيء الذي يعقب غيره‪ ،‬والذي يعقب الدار الدنيا هي الدار الخرة‪.‬‬
‫ولذلك يقول الحق سبحانه في الية التالية مُوضّحا العاقبة لهؤلء‪:‬‬
‫} جَنّاتُ عَدْنٍ َيدْخُلُو َنهَا َومَنْ صَلَحَ مِنْ‪{ ...‬‬

‫(‪)1716 /‬‬
‫جهِ ْم وَذُرّيّا ِت ِه ْم وَا ْلمَلَا ِئكَةُ يَ ْدخُلُونَ عَلَ ْيهِمْ مِنْ ُكلّ‬
‫ن صَلَحَ مِنْ آَبَا ِئ ِه ْم وَأَ ْزوَا ِ‬
‫جَنّاتُ عَدْنٍ يَ ْدخُلُو َنهَا َومَ ْ‬
‫بَابٍ (‪)23‬‬

‫إذن‪ :‬فالدار الخرة التي تعقب الدنيا بالنسبة لولِي اللباب هي جنات عَدْن‪ .‬و " ال َعدْن " هو‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫القامة الدائمة؛ وجنات عدن هي جنات القامة الدائمة‪ ،‬لن الدنيا ليست دار إقامة‪.‬‬
‫وكل نعيم في الدنيا إما أن تفوته بالموت أو يفوتك بأغيار الحياة‪ .‬أما جنات عَدْن فهي دار إقامة‬
‫دائمة؛ بما أن " عدن " تعني مرافقة دائمة للجنات‪.‬‬
‫والجنات معناها كما نفهم هي البساتين التي فيها أشجار وفيها ثمار؛ وكل ما تشتهي النفس‪ ،‬مع‬
‫ملحظة أن هذه الجنّات ليست هي المساكن؛ بل في تلك الجنات مسكن بدليل قول الحق سبحانه‪{:‬‬
‫َومَسَاكِنَ طَيّبَةً فِي جَنّاتِ عَدْنٍ‪[} ...‬التوبة‪]72 :‬‬
‫فالجنات هي الحدائق؛ وفيها مساكن‪ ،‬ونحن في حياتنا الدنيا نجد الفيلت في وسط الحدائق‪ ،‬فما‬
‫بالنا بما َيعِد به ال من طيب المساكن وسط الجنات؟‬
‫لبد أن ينطبق عليه وصف الرسول صلى ال عليه وسلم للجنة في الحديث القدسي عن رب العزة‬
‫سبحانه‪:‬‬
‫" أعددت لعبادي الصالحين ما ل عين رأت‪ ،‬ول أذن سمعت‪ ،‬ول خطر على قلب بشر "‪.‬‬
‫جهِمْ‬
‫ن صَلَحَ مِنْ آبَا ِئ ِه ْم وَأَ ْزوَا ِ‬
‫وهكذا بيّن ال سبحانه عقبى الدار؛ فهي‪ { :‬جَنّاتُ عَدْنٍ يَ ْدخُلُو َنهَا َومَ ْ‬
‫وَذُرّيّا ِتهِمْ‪[ } ...‬الرعد‪]23 :‬‬
‫وآباء جمع " أب " أي‪ :‬يدخلها مع أولي اللباب مَنْ كان صالحا من الباء مُتبعا لمنهج ال‪.‬‬
‫وإنْ سأل سائل‪ :‬وأين المهات؟‬
‫أقول‪ :‬نحن ساعة نثني المتماثلين نُغلّب الذّكر دائما‪ ،‬ولذلك فآباؤهم تعني الب والم‪ ،‬ألَمْ يقُلِ الحق‬
‫سبحانه في سورة يوسف‪ {:‬وَ َرفَعَ أَ َبوَيْهِ عَلَى ا ْلعَرْشِ‪[} ...‬يوسف‪]100 :‬‬
‫وهؤلء هم الذين يدخلون الجنة من أُولِي الَلْباب الذين استو َفوْا الشروط التسعة التي تحدّثنا عنها؛‬
‫فهل استوفى الباء والزواج والبناء الشروط التسعة؟‬
‫ونقول‪ :‬إن الحقّ سبحانه وتعالى يعامل خَلْقه في الدنيا بمقتضى العواطف الموجودة في الذّرية؛‬
‫فالواحد مِنّا يُحِب أولده وأزواجه وآباءه؛ ومادام يحبهم وقد صلحوا ُكلّ حَسْب طاقته؛ فالحق‬
‫سبحانه يُلحقهم به‪.‬‬
‫حقْنَا ِبهِمْ‬
‫ولذلك تأتي آية أخرى يقول فيها الحق سبحانه‪ {:‬وَالّذِينَ آمَنُو ْا وَاتّ َبعَ ْتهُمْ ذُرّيّ ُتهُم بِإِيمَانٍ أَلْ َ‬
‫سبَ رَهَينٌ }[الطور‪]21 :‬‬
‫شيْءٍ ُكلّ امْرِىءٍ ِبمَا كَ َ‬
‫عمَِلهِم مّن َ‬
‫ذُرّيّ َتهُمْ َومَآ أَلَتْنَاهُمْ مّنْ َ‬
‫وهنا يمسك القرآن القضية العقلية في اللحاق بمعنى أنْ تُلحِق ناقصا بكامل‪ ،‬فلو كان مُساويا له‬
‫حقّه؛ وقد اشترط الحق سبحانه شرطا واحدا في إلحاق‬
‫سمّي إلحاقا‪ ،‬فكل إنسان يأخذ َ‬
‫في العمل ما ُ‬
‫الذرية بالباء‪ ،‬أو إلحاق الباء بالذرية في الجنة‪ ،‬وهو اليمان فقط‪.‬‬
‫عمَِلهِم مّن‬
‫وأوضح لنا هنا أن الباء قد تميّزوا بعمل إيماني بدليل قوله تعالى‪َ {:‬ومَآ أَلَتْنَا ُهمْ مّنْ َ‬
‫شيْءٍ‪[} ...‬الطور‪]21 :‬‬
‫َ‬
‫فلم يأخذ سبحانه عمل الب الذي عمل؛ البن الذي لم يعمل‪ ،‬ومزج الثنين‪ ،‬ليأخذ المتوسط‪ ،‬ل‪،‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وذلك كي ل يظلم مَنْ عمل من الباء أو البناء‪.‬‬
‫ثم إن ذلك لو حدث؛ لما اعتُبِِر تواجدُ الباء مع البناء في الجنة إلحاقا؛ لن اللحاق يقتضي أن‬
‫ن عمل؛ ثم يتكرم سبحانه من بعد ذلك بعملية اللحاق؛ بشرط واحد هو أن يكون‬
‫ق كل مَ ْ‬
‫حّ‬
‫يبقى َ‬
‫الشخص المُلْحق مؤمنا‪.‬‬
‫وهكذا نفهم قول الحق سبحانه‪ {:‬وَالّذِينَ آمَنُو ْا وَاتّ َبعَ ْتهُمْ ذُرّيّ ُتهُم بِإِيمَانٍ‪[} ...‬الطور‪]21 :‬‬
‫أي‪ :‬أن الذرية مؤمنة؛ والزواج مؤمنون؛ والهل مؤمنون؛ والبوين مؤمنان‪ ،‬ولكن الذي يلحق‬
‫به هو مَنْ يُكرِمه ال بهذا اللحاق كي يُدخِل الفرح على قَلْب المؤمن حين يرى أولده معه في‬
‫الجنة ماداموا مؤمنين؛ وهذه قمة في العدالة‪ ،‬لماذا؟‬
‫والمَثل الذي أضربه على ذلك‪َ :‬هبْ أن أبا قد حرص على أنْ يطعَم أهله من حلل؛ فقد يعيش‬
‫أولده في ضيق وشَظَف؛ بينما نجد أبناء المنحرف يعيشون في ُبحْبُوحَة من العيش؛ وهكذا يتنعّم‬
‫أبناء المنحرف الذي يأكل ويطعم أولده من حرام؛ بينما يعاني أبناء المين الذي قد يعتبره البعض‬
‫مُتزمتا؛ لنه يَرْعى حق ال‪ ،‬ويرفض أكل الحرام‪.‬‬
‫ومادام أولده الذين يأكلون من حلل قد يُعانون معه من عدم التنعّم؛ فالحق سبحانه يلحقهم في‬
‫الجنة بنعيم يعيشه الب؛ ل يفوتهم فيه شيء؛ ول يفوته شيء‪.‬‬
‫وبذلك تسعد الذرية؛ لنها جاءت من صُلْب رجل مؤمن قضى حياته على جَادة الصواب؛ رغم أن‬
‫بعض الناس قد اتهمتْه في الدنيا بأنه مُتزمّت‪.‬‬
‫ن يقول‪ :‬ألَ يوجد تناقض بين هذا اللحاق وبين قول الحق سبحانه‪ {:‬لّ َيجْزِي وَالِدٌ عَن‬
‫ولقائل أ ْ‬
‫وَلَ ِد ِه َولَ َموْلُودٌ ُهوَ جَازٍ عَن وَالِ ِدهِ شَيْئا‪[} ...‬لقمان‪]33 :‬‬
‫ن تصل‬
‫وأقول‪ :‬ل يوجد تناقض؛ لننا نصلي على الميت صلة شرّعها المُشرّع؛ وفائدتها أ ْ‬
‫الرحمة للميت المؤمن؛ واليمان من عمله‪.‬‬
‫ولذلك يضيف له الحقّ سبحانه فوق رصيد اليمان ما يشاؤه هو سبحانه من الرحمة بصلة‬
‫ج ِهمْ‬
‫الجنازة التي أقامها المسلمون عليه‪ } :‬جَنّاتُ عَدْنٍ َيدْخُلُو َنهَا َومَنْ صَلَحَ مِنْ آبَا ِئهِ ْم وَأَ ْزوَا ِ‬
‫وَذُرّيّا ِتهِ ْم وَالمَلَ ِئكَةُ َيدْخُلُونَ عَلَ ْيهِمْ مّن ُكلّ بَابٍ { [الرعد‪]23 :‬‬
‫وكلمة " زوج " تعني المرأة التي يتزوجها الرجل؛ وتعني الرجل الذي تتزوجه المرأة‪ ،‬ونحن‬
‫نخطئ خطأ شائعا حين نقول " زوجة "؛ بل الصحيح أن نقول " زوج " عن المرأة المنسوبة لرجل‬
‫بعلقة الزواج‪.‬‬
‫وسبحانه يقول‪ {:‬وَأَ ْزوَاجُهُ ُأ ّمهَا ُتهُمْ‪[} ...‬الحزاب‪]6 :‬‬
‫ن هي مكان ينتظم كل شيء؛ ولهذا المكان أبواب متعددة؛ هي أبواب‬
‫عدْ ٍ‬
‫وهكذا نعلم أن جنات َ‬
‫الطاعات التي َأ ّدتْ إلى خير الجَزَاءات؛ فباب الصلة يدخله أُناس؛ وباب الزكاة يدخله أُناس؛‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وباب الصبر يدخله أُناس؛ وهكذا تتعدد البواب؛ وهي إمّا أبواب الطاعات أو أبواب الجزاءات‬
‫التي تدخل منها الطيبات‪ {:‬كُّلمَا رُ ِزقُواْ مِ ْنهَا مِن َثمَ َرةٍ رّزْقا قَالُواْ هَـاذَا الّذِي رُ ِزقْنَا مِن قَ ْبلُ‪} ...‬‬
‫[البقرة‪]25 :‬‬
‫فالبابُ يكون مفتوحا؛ تأتي منه الفاكهة وال ّثمَرات والخيرات على اختلف ألوانها؛ فم ّرةً تأتي ثمار‬
‫المانجو من باب؛ وبعد ذلك تأتي ثمار التفاح‪.‬‬
‫وتلك البواب كما قلت هي إمّا للجزاءات؛ أو هي أبواب الطاعات التي أدّت إلى الجزاءات‪،‬‬
‫وتدخل عليهم الملئكة من ُكلّ باب؛ فماذا تقول الملئكة؟‬
‫يقول الملئكة لهل الجنة‪:‬‬
‫} سَلَمٌ عَلَ ْيكُم ِبمَا صَبَرْتُمْ‪{ ...‬‬

‫(‪)1717 /‬‬
‫عقْبَى الدّارِ (‪)24‬‬
‫سَلَامٌ عَلَ ْيكُمْ ِبمَا صَبَرْتُمْ فَ ِنعْمَ ُ‬

‫والسلم يعني الطمئنان والرضا الذي ل تأتي بعده الغيار؛ لن السلم في الدنيا قد تُعكّر َأمْنه‬
‫أغيارُ الحياة؛ فأنتم أيها المؤمنون الذين دخلتم الجنة بريئون من الغيار‪.‬‬
‫وقال صلى ال عليه وسلم عن لحظات ما بعد الحساب‪ " :‬الجنة أبدا‪ ،‬أو النار أبدا "‪.‬‬
‫ولذلك يقول سبحانه عن خيرات الجنة‪ {:‬لّ َمقْطُوعَ ٍة َولَ َممْنُوعَةٍ }[الواقعة‪]33 :‬‬
‫والملئكة كما نعلم نوعان‪:‬‬
‫الملئكة المهيمون الذين يشغلهم ذكر ال تعالى عن أيّ شيء ول يدرون بِنَا؛ ول يعلمون قصة‬
‫الخَلْق؛ وليس لهم شَأنٌ ب ُكلّ ما يجري؛ فليس في بالهم إل ال وهم الملئكة العَالُون؛ الذين جاء‬
‫ذكرهم في قصة السجود لدم حين سأل الحق سبحانه الشيطان‪ {:‬أَسْ َتكْبَ ْرتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ا ْلعَالِينَ }‬
‫[ص‪]75 :‬‬
‫ل مهمتهم ذكر ال‬
‫أي‪ :‬أن العالين هنا هم مَنْ لم يشملهم َأمْرُ السجود‪ ،‬وليس لهم علقة بالخلق‪ ،‬و ُك ّ‬
‫فقط‪.‬‬
‫أما النوع الثاني فهم الملئكة المُدبّرات أمرا‪ ،‬ونعلم أن الحق سبحانه وتعالى قد استدعى آدم إلى‬
‫الوجود هو وذريته‪ ،‬وأعدّ له كل شيء في الوجود قبل أن يجئ؛ الرض مخلوقة والسماء‬
‫مرفوعة؛ والجبال الرّواسي بما فيها من قُوتٍ؛ والشمس والقمر والنجوم والمياه والسحاب‪.‬‬
‫والملئكة المُدبّرات هم مَنْ لهم علقة بالنسان الخليفة‪ ،‬وهم مَنْ قال لهم الحق سبحانه‪ {:‬اسْجُدُواْ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫لَدَمَ‪[} ...‬البقرة‪]34 :‬‬
‫وهم الذين يتوّلوْن أمر النسان تنفيذا لوامر الحق سبحانه لهم‪ ،‬ومنهم الحفظة الذين قال فيهم الحق‬
‫حفَظُونَهُ مِنْ َأمْرِ اللّهِ‪[} ...‬الرعد‪]11 :‬‬
‫سبحانه‪َ {:‬لهُ ُم َعقّبَاتٌ مّن بَيْنِ َيدَيْ ِه َومِنْ خَ ْلفِهِ َي ْ‬
‫أي‪ :‬أن المر صادر من ال سبحانه‪ ،‬وهم َبعْد أنْ يفرغوا من مهمتهم كحفظة من رقيب وعتيد‬
‫على كل إنسان‪ ،‬ولن يوجد ما يكتبونه من بعد الحساب وتقرير الجزاء؛ وهنا سيدخل هؤلء‬
‫الملئكة على أهل الجنة ليحملوا ألطاف ال والهدايا؛ فهم مَنُوط بهم النسان الخليفة‪.‬‬
‫وسبحانه حين يُورِد كلمة في القرآن بموقعها البياني العرابي؛ فهي تُؤدّي المعنى الذي أراده‬
‫سبحانه‪ .‬والمَثَل هو كلمة " سلم "؛ فضيف إبراهيم من الملئكة‪ {:‬قَالُواْ سَلَما قَالَ سَلَمٌ‪[} ...‬هود‪:‬‬
‫‪]69‬‬
‫وكان القياس يقتضي أن يقول هو " سلما " ‪ ،‬ولكنها قضية إيمانية‪ ،‬لذلك قال‪ {:‬سَلَمٌ‪[} ...‬هود‪:‬‬
‫‪]69‬‬
‫ت منصوبا؛ بل جاء مرفوعا؛ لن السلم للملئكة أمرٌ ثابت لهم؛ وبذلك حَيّاهم‬
‫فالسلم هنا يَ ْأ ِ‬
‫إبراهيم بتحية هي احسن من التحية التي حَيّوه بها‪.‬‬
‫فنحن نُسلّم سلما؛ وهو يعني أن نتمنى حدوث الفعل‪ ،‬ولكن إبراهيم عليه السلم فَطِنَ إلى أن‬
‫السلم أمرٌ ثابت لهم‪.‬‬
‫وهكذا الحال هنا حين تدخل الملئكة على العباد المكرمين بدخول الجنة‪َ ،‬ف ُهمْ يقولون‪ { :‬سَلَمٌ‪} ...‬‬
‫[الرعد‪ ]24 :‬وهي مرفوعة إعرابيا؛ لن السلم أمر ثابت مُستِقر في الجنة‪ ،‬وهم قالوا ذلك؛ لنهم‬
‫يعلمون أن السلم أمر ثابت هناك؛ ل يتغير بتغيّر الغيار؛ كما في أمر الدنيا‪.‬‬
‫والسلم في الجنة لهؤلء بسبب صبرهم‪ ،‬كما قال الحق سبحانه على ألسنة الملئكة‪ } :‬سَلَمٌ عَلَ ْيكُم‬
‫ِبمَا صَبَرْتُمْ‪[ ]...‬الرعد‪]24 :‬‬
‫وجاء الصبر في صيغة الماضي‪ ،‬وهي صيغة صادقة؛ فهم قد صبروا في الدنيا؛ وانتهى زمن‬
‫الصبر بانتهاء التكليف‪.‬‬
‫وهم هنا في دار جزاء؛ ولذلك يأتي التعبير بالماضي في موقعه؛ لنهم قد صبروا في دار التكليف‬
‫على مشقّات التكليف؛ صبروا على اليذاء؛ وعلى القدار التي أجراها الحقّ سبحانه عليهم‪.‬‬
‫وهكذا يكون قول الحق سبحانه‪ } :‬سَلَمٌ عَلَ ْيكُم ِبمَا صَبَرْتُمْ‪[ ]...‬الرعد‪]24 :‬‬
‫في موقعه تماما‪.‬‬
‫ن توفّرت فيهم التسع صفات‪ ،‬وهم في الدنيا‪ {:‬وَالّذِينَ صَبَرُواْ ابْ ِتغَاءَ وَجْهِ‬
‫وكذلك قوله الحق عمّ ْ‬
‫رَ ّبهِمْ‪[} ...‬الرعد‪]22 :‬‬
‫وجاء بالصبر هنا في الزمن الماضي؛ رغم أنهم مازالوا في دار التكليف؛ والذي جعل هذا المعنى‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫مُتّسعا هو مَجِىء كل ما أمر به ال بصيغة المضارع؛ مثل قوله تعالى‪ {:‬الّذِينَ يُوفُونَ ِب َعهْدِ اللّهِ‪...‬‬
‫}[الرعد‪]20 :‬‬
‫وهذه مسألة تحتاج إلى تجديد دائم؛ وقوله‪َ ... {:‬ولَ يَن ُقضُونَ ا ْلمِيثَاقَ }[الرعد‪]20 :‬‬
‫صلَ‪[} ...‬الرعد‪]21 :‬‬
‫وقوله‪ {:‬وَالّذِينَ َيصِلُونَ مَآ َأمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُو َ‬
‫شوْنَ‪[} ...‬الرعد‪ {،]21 :‬وَيَخَافُونَ‪[} ...‬الرعد‪]21 :‬‬
‫و{ وَيَخْ َ‬
‫هكذا نرى كل تلك الفعال تأتي في صيغة المضارع‪ ،‬ثم تختلف الصيغة إلى الماضي في قوله‪{:‬‬
‫ن صَبَرُواْ‪[} ...‬الرعد‪]22 :‬‬
‫وَالّذِي َ‬
‫والمتأمل لكل ذلك يعلم أن كل تلك المور تقتضي الصبر؛ وكأن الصبر يسبق كل هذه الشياء‪،‬‬
‫وهو القاسم المشترك في كل عهد من العهود السابقة‪.‬‬
‫وقد عبر الحق سبحانه ـ لجل هذه اللفْتة ـ بالماضي حين جاء حديث الملئكة لهم وهم في‬
‫الجنة‪.‬‬
‫وهكذا تقع كلمة الصبر في موقعها؛ لن الملئكة تخاطبهم بهذا القول وهم في دار البقاء؛ ولن‬
‫المتكلم هو ال؛ فهو يُوضّح لنا جمال ما يعيش فيه هؤلء المؤمنون في الدار الخرة‪.‬‬
‫عقْبَىا الدّارِ { [الرعد‪]24 :‬‬
‫ويُذيّل الحق سبحانه الية الكريمة بقوله‪...} :‬فَ ِنعْمَ ُ‬
‫عقْبى " تعني المر الذي يجيء في ال َعقِب‪ ،‬وحين يعرض سبحانه القضية اليمانية‬
‫وعلمنا أن " ُ‬
‫وصفات المؤمنين المعايشين للقيم اليمانية؛ فذلك بهدف أن تستشرفَ النفس أن تكون منهم‪ ،‬ولبُدّ‬
‫أن تنفِرَ النفس من الجانب المقابل لهم‪.‬‬
‫ن الَبْرَارَ َلفِي َنعِيمٍ }[النفطار‪]13 :‬‬
‫والمثل هو قول الحق سبحانه‪ {:‬إِ ّ‬
‫ويأتي بمقابلها بعدها‪ {:‬وَإِنّ ا ْلفُجّارَ َلفِي جَحِيمٍ }[النفطار‪]14 :‬‬
‫وساعة تقارن بأنهم لو لم يكونوا أبرارا؛ َلكَانوا في جحيم؛ هنا نعرف قَدْر نعمة توجيه الحق لهم‪،‬‬
‫ليكونوا من أهل اليمان‪.‬‬
‫وهكذا نجد أنفسنا أمام أمرين‪ :‬سلب مَضرّة؛ وجَلْب منفعة‪ ،‬ولذلك يقول الحق سبحانه أيضا عن‬
‫النار‪ {:‬وَإِن مّنكُمْ ِإلّ وَا ِردُهَا كَانَ عَلَىا رَ ّبكَ حَتْما مّ ْقضِيّا }[مريم‪]71 :‬‬
‫أي‪ :‬كلنا سنرى النار‪.‬‬
‫ويقول سبحانه‪ {:‬ثُمّ لَتَ َروُ ّنهَا عَيْنَ الْ َيقِينِ }[التكاثر‪]7 :‬‬
‫وذلك لكي يعرف كل مسلم ماذا صنعتْ به نعمة اليمان؛ قبل أن يدخل الجنة‪ ،‬وبذلك يعلم أن ال‬
‫سلب منه مَضرّة؛ وأنعم عليه بمنفعة‪ ،‬سلب منه ما يُشقِى؛ وأعطاه ما يُفيد‪.‬‬
‫خلَ الْجَنّةَ َفقَدْ فَازَ‪[} ...‬آل عمران‪]185 :‬‬
‫ولذلك يقول الحق سبحانه‪َ {:‬فمَن زُحْزِحَ عَنِ النّا ِر وَأُ ْد ِ‬
‫وإذا كان الحق سبحانه قد وصف أُولي اللباب بالوصاف المذكورة من قبل؛ فهو يُبيّن لنا أيضا‬
‫خيبة المقابلين لهم؛ فيقول سبحانه‪:‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫عهْدَ اللّهِ‪{ ...‬‬
‫} وَالّذِينَ يَنقُضُونَ َ‬

‫(‪)1718 /‬‬
‫صلَ وَ ُيفْسِدُونَ فِي الْأَ ْرضِ‬
‫طعُونَ مَا َأمَرَ اللّهُ ِبهِ أَنْ يُو َ‬
‫عهْدَ اللّهِ مِنْ َب ْعدِ مِيثَاقِ ِه وَ َيقْ َ‬
‫وَالّذِينَ يَ ْن ُقضُونَ َ‬
‫أُولَ ِئكَ َلهُمُ الّلعْنَةُ وََلهُمْ سُوءُ الدّارِ (‪)25‬‬

‫ولقائل أنْ يسأل‪ :‬وهل آمن هؤلء وكان بينهم وبين ال عهد ونقضوه؟‬
‫ونقول‪ :‬يصح أنهم قد آمنوا ثم كفروا‪ ،‬أو‪ :‬أن الكلم هنا ينصرف إلى عهد ال الزلي‪.‬‬
‫ستُ‬
‫سهِمْ أََل ْ‬
‫شهَدَ ُهمْ عَلَىا أَنفُ ِ‬
‫ظهُورِهِمْ ذُرّيّ َت ُه ْم وَأَ ْ‬
‫خذَ رَ ّبكَ مِن بَنِي ءَا َدمَ مِن ُ‬
‫يقول سبحانه‪ {:‬وَِإذْ أَ َ‬
‫بِرَ ّبكُمْ قَالُواْ بَلَىا‪[} ...‬العراف‪]172 :‬‬
‫ن ينقضون عهد ال من بعد ميثاقه وتأكيده باليات الكونية التي تدل على‬
‫وهنا يوضح سبحانه أن مَ ْ‬
‫صلَ‪[ } ...‬الرعد‪]25 :‬‬
‫طعُونَ مَآ َأمَرَ اللّهُ ِبهِ أَن يُو َ‬
‫وجود الخالق الواحد‪ { :‬وَ َيقْ َ‬
‫والمقابل لهم هم أُولو اللباب الذين كانوا َيصِلون ما أمر سبحانه أن يُوصل ـ وهؤلء الكفرة‬
‫نقضة العهد‪ { :‬وَ ُيفْسِدُونَ فِي الَ ْرضِ‪[ } ...‬الرعد‪]25 :‬‬
‫ولم يَ ْأتِ الحق سبحانه بالمقابل ل ُكلّ عمل أدّاه أولو اللباب؛ فلم َيقُل‪ " :‬ول يخشون ربهم "؛ لنهم‬
‫ل يؤمنون بإله؛ ولم َيقُلْ‪ " :‬ل يخافون سوء الحساب " لنهم ل يؤمنون بالبعث‪.‬‬
‫وهكذا يتضح لنا أن كل شيء في القرآن جاء ِبقَدرٍ‪ ،‬وفي تمام موقعه‪.‬‬
‫ونحن نعلم أن الفساد في الرض هو إخراجُ الصّالح عن صلحه‪ ،‬فأنت قد أقبلتَ على الكون‪،‬‬
‫وهو ُم َعدّ لستقبالك بكل مُقوّمات الحياة من مأكل ومَشْرب وتنفس؛ وغير ذلك من الرزق‪،‬‬
‫واستبقاء النوع بأن أحلّ لنا سبحانه أن نتزاوج ذكرا وأنثى‪.‬‬
‫والفساد في الكون أن تأتي إلى صالح في ذاته فتفسده؛ ونقول دائما‪ :‬إن كنت ل تعرف كيف تزيد‬
‫الصالح صلحا؛ فاتركه على حاله؛ واسمع قول الحق سبحانه‪َ {:‬ولَ َت ْقفُ مَا لَيْسَ َلكَ بِهِ عِلْمٌ‪} ...‬‬
‫[السراء‪]36 :‬‬
‫فل تنظر في أيّ أمر إلى الخير العاجل منه؛ بل انظر إلى ما يؤول إليه المر من بعد ذلك؛ أيضرّ‬
‫أم ينفع؟‬
‫لن الضّرّ الجل قد يتلصص ويتسلل ببطء وأنَاة؛ فل تستطيع له َدفْعا من بعد ذلك‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه في آخر الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها‪ُ...{ :‬أوْلَـا ِئكَ َلهُمُ الّلعْنَ ُة وََلهُمْ‬
‫سُوءُ الدّارِ } [الرعد‪]25 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ونلحظ أن التعبير هنا جاء باللم ِممّا يدل على أن اللعنة عشقتهم عِشْق المال للملوك‪...{ :‬وََلهُمْ‬
‫سُوءُ الدّارِ } [الرعد‪]25 :‬‬
‫أي‪ :‬عذابها‪ ،‬وهي النار والعياذ بال‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك‪:‬‬
‫سطُ الرّ ْزقَ‪} ...‬‬
‫{ اللّهُ يَبْ ُ‬

‫(‪)1719 /‬‬
‫اللّهُ يَ ْبسُطُ الرّزْقَ ِلمَنْ َيشَا ُء وَ َيقْدِ ُر َوفَرِحُوا بِا ْلحَيَاةِ الدّنْيَا َومَا ا ْلحَيَاةُ الدّنْيَا فِي الَْآخِ َرةِ إِلّا مَتَاعٌ (‪)26‬‬

‫والبَسْط هو مَدّ الشيء‪.‬‬
‫وقد أقام العلماء معركة عند تحديد ما هو الرزق‪ ،‬فهل الرزق هو ما أحله ال فقط؟ أم أن الرزق‬
‫هو كل ما ينتفع به النسان سواء أكان حللً أم حراما؟‬
‫فمن العلماء مَنْ قال‪ :‬إن الرزق هو الحلل فقط؛ ومنهم من قال‪ :‬إن الرزق هو كل ما يُنتفع به‬
‫ن كفر بال‬
‫سواء أكان حللً أم حراما؛ لنك إن قُ ْلتَ إن الرزق محصور في الحلل فقط؛ إذن‪ :‬فَم ْ‬
‫من أين يأكل؟‬
‫سمَآ ِء وَالَ ْرضِ‪[} ...‬يونس‪]31 :‬‬
‫أم يخاطب الحق سبحانه المكابرين قائلً‪ُ {:‬قلْ مَن يَرْ ُز ُقكُم مّنَ ال ّ‬
‫وقال سبحانه‪ {:‬إِنّ اللّهَ ُهوَ الرّزّاقُ ذُو ا ْل ُق ّوةِ ا ْلمَتِينُ }[الذاريات‪]58 :‬‬
‫حقّ مّ ْثلَ مَآ أَ ّنكُمْ‬
‫سمَآ ِء وَالَرْضِ إِنّهُ لَ َ‬
‫سمَآءِ رِ ْز ُقكُ ْم َومَا تُوعَدُونَ * َفوَرَبّ ال ّ‬
‫ويقول تعالى‪َ {:‬وفِي ال ّ‬
‫طقُونَ }[الذاريات‪]23-22 :‬‬
‫تَن ِ‬
‫إذن‪ :‬فالرزق هو من ال؛ ومن بعد ذلك يأمر " افعل كذا " و " ل تفعل كذا "‪.‬‬
‫سطُ الرّزْقَ ِلمَنْ يَشَآ ُء وَ َيقَدِرُ‪[ } ...‬الرعد‪]26 :‬‬
‫وقول الحق سبحانه‪ { :‬اللّهُ يَبْ ُ‬
‫أي‪ :‬أنه سبحانه يمُد الرزق ِلمَن يشاء‪ { :‬وَ َيقَدِرُ‪[ } ...‬الرعد‪]26 :‬‬
‫من القَدْر‪ .‬أي‪ :‬في حالة إقداره على ال ُمقَدّر عليه؛ وهو مَنْ يعطيه سبحانه على َقدْر احتياجه؛ لن‬
‫القَدْر هو قَطْع شيء على مساحة شيء‪ ،‬كأنْ يعطي الفقير ويبسط له الرزق على قَدْر احتياجه‪.‬‬
‫والحق سبحانه أمرنا أنْ نُعطِي الزكاة للفقير؛ ويظل الفقير عائشا على فقره؛ لنه يعيش على‬
‫الكفاف‪.‬‬
‫أو‪ :‬يقدر بمعنى يُضيّق؛ وساعة يحدث ذلك إياك أنْ تظن أنّ التضييق على الفقير ليس لصالحه‪،‬‬
‫فقد يكون رزقه بالمال الوفير دافعا للمعصية؛ ومن العفة أل يجد‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫سعَتِ ِه َومَن قُدِرَ عَلَ ْيهِ‬
‫سعَةٍ مّن َ‬
‫أو‪ :‬يقدر بمعنى يُضيّق على إطلقها‪ ،‬يقول سبحانه‪ {:‬لِيُنفِقْ ذُو َ‬
‫ج َعلُ اللّهُ َب ْعدَ عُسْرٍ ُيسْرا }[الطلق‪]7 :‬‬
‫رِ ْزقُهُ فَلْيُنفِقْ ِممّآ آتَاهُ اللّ ُه لَ ُيكَّلفُ اللّهُ َنفْسا ِإلّ مَآ آتَاهَا سَيَ ْ‬
‫ولن ال قد آتاه فهذا يعني أنه بَسَط له بقدره‪.‬‬
‫ويتابع سبحانه‪َ { :‬وفَرِحُواْ بِالْحَيَاةِ الدّنْيَا‪[ } ...‬الرعد‪]26 :‬‬
‫وطبعا سيفرح بها مَنْ كان رزقه واسعا؛ والمؤمن هو مَنْ ينظر إلى الرزق ويقول‪ :‬هو زينة‬
‫الحياة الدنيا؛ ولكن ما عند ال خَيْر وأبقى‪.‬‬
‫عظِيمٍ }[الزخرف‪:‬‬
‫جلٍ مّنَ ا ْلقَرْيَتَيْنِ َ‬
‫أما أهل الكفر فقد قالوا‪َ... {:‬لوْلَ نُ ّزلَ هَـاذَا ا ْلقُرْآنُ عَلَىا َر ُ‬
‫‪]31‬‬
‫سمْنَا بَيْ َنهُمْ ّمعِيشَ َت ُهمْ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا‬
‫ح َمتَ رَ ّبكَ َنحْنُ قَ َ‬
‫سمُونَ رَ ْ‬
‫ويردّ الحق سبحانه عليهم‪ {:‬أَهُمْ َيقْ ِ‬
‫ضهُمْ َفوْقَ َب ْعضٍ دَرَجَاتٍ‪[} ...‬الزخرف‪]32 :‬‬
‫وَ َر َفعْنَا َب ْع َ‬
‫وساعةَ تبحث في تحديد هذا البعض المبسوط له الرزق؛ والبعض المُقدّر عليه في الرزق؛ لن تجد‬
‫ثباتا في هذا المر؛ لن الغيار قد تأخذ من الغنيّ فتجعله فقيرا؛ وقد تنتقل الثروة من الغنيّ إلى‬
‫الفقير‪.‬‬
‫وسبحانه قد ضمن أسبابا عُلْيا في الرزق؛ لكل من المؤمن والكافر؛ والطائع والعاصي؛ وكلنا قد‬
‫ن قصّر واحد؛ فليس لهذا المَرْء من سبب سوى أنه‬
‫دخل الحياة ليأخذ بيده من عطاء الربوبية؛ فإ ْ‬
‫لم يأخذ بأسباب الربوبية وينتفع بها‪.‬‬
‫وقد يأخذ بها الكافر وينتفع بها‪.‬‬
‫والحق سبحانه هو القائل‪ {:‬مَن كَانَ يُرِيدُ حَ ْرثَ الخِ َرةِ نَ ِزدْ لَهُ فِي حَرْ ِث ِه َومَن كَانَ يُرِيدُ حَ ْرثَ‬
‫الدّنْيَا ُنؤْتِهِ مِ ْنهَا َومَا َلهُ فِي الخِ َرةِ مِن ّنصِيبٍ }[الشورى‪]20 :‬‬
‫إذن‪ :‬فليس هناك تضييق إل في الحدود التي يشاؤها ال‪ ،‬مثل أن يزرع النسان الرضَ‪ ،‬ويتعب‬
‫في الريّ والحَرْث؛ ثم تأتي صاعقة أو برد مصحوب بصقيع فيأكل الزرع ويُميته‪.‬‬
‫وفي هذا َل ْفتٌ للنسان؛ بأنه سبحانه قد أخذ هذا النسان من رزقه؛ وهو العطاء منه؛ كي ل ُيفْتَنَ‬
‫سطُ‬
‫النسان بالسباب‪ ،‬وقد يأتي رزقه من بعد ذلك من منطقة أخرى‪ ،‬وبسبب آخر‪ } .‬اللّهُ يَبْ ُ‬
‫الرّزْقَ ِلمَنْ يَشَآ ُء وَ َيقَدِ ُر َوفَرِحُواْ بِا ْلحَيَاةِ الدّنْيَا‪[ { ...‬الرعد‪]26 :‬‬
‫حدّ ذاته ليس ممنوعا ول مُحرّما‪ ،‬ولكن الممنوع هو فرح البطر كفرح قارون‪ {:‬إِنّ‬
‫والفرح في َ‬
‫قَارُونَ كَانَ مِن َقوْمِ مُوسَىا فَ َبغَىا عَلَ ْي ِه ْم وَآتَيْنَاهُ مِنَ ا ْلكُنُوزِ مَآ إِنّ َمفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِا ْل ُعصْبَةِ ُأوْلِي‬
‫ا ْل ُقوّةِ ِإذْ قَالَ لَهُ َق ْومُ ُه لَ َتفْرَحْ‪[} ...‬القصص‪]76 :‬‬
‫حبّ ا ْلفَرِحِينَ }[القصص‪]76 :‬‬
‫والحق سبحانه قد قال‪... {:‬إِنّ اللّ َه لَ ُي ِ‬
‫حمَ ِتهِ‬
‫ضلِ اللّ ِه وَبِرَ ْ‬
‫وهذا هو فرح البطر الذي ل يحبه ال؛ لنه سبحانه قال في موقع آخر‪ُ {:‬قلْ ِب َف ْ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ج َمعُونَ }[يونس‪]58 :‬‬
‫فَبِذَِلكَ فَلْ َيفْرَحُواْ ُهوَ خَيْرٌ ّممّا يَ ْ‬
‫وهنا في الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يأتي بفرحهم؛ وبسبب هذا الفرح وهو الحياة الدنيا؛‬
‫أي‪ :‬أنه سبب تافه للفرح‪ ،‬لنها قد تُؤخذ منهم وقد يُؤخَذون منها‪ ،‬ولكن الفرح بالخرة مختلف‪،‬‬
‫وهو الفرح الحق‪.‬‬
‫ج َمعُونَ }[يونس‪]58 :‬‬
‫ولذلك يقول فيه الحق سبحانه‪... {:‬فَبِ َذِلكَ فَلْ َيفْرَحُواْ ُهوَ خَيْرٌ ّممّا َي ْ‬
‫ويقيس الحق سبحانه أمامنا فرح الحياة الدنيا بالخرة‪ ،‬فيقول‪...} :‬وَمَا ا ْلحَيَاةُ الدّنْيَا فِي الخِ َرةِ ِإلّ‬
‫مَتَاعٌ { [الرعد‪]26 :‬‬
‫ومتاع الرجل هو ما يعده إعدادا يُنفِقه في سفر قصير‪ ،‬كالحقيقة الصغيرة التي تضع فيها بعضا‬
‫من الملبس والدوات التي تخصّك لسفر قصير‪.‬‬
‫ن يصل إلى‬
‫والعاقل هو مَنْ ينظر إلى أقصى ما يمكن أنْ يفعله النسان في الحياة؛ فقد يتعلم إلى أ ْ‬
‫سعْي؛ ثم أخيرا يموت‪.‬‬
‫أرْقى درجات العلم؛ ويسعى في الرض ما وَسِعه ال ّ‬
‫والمؤمن هو مَن يَصل عمل دُنْياه بالخرة؛ ليصلَ إلى النعيم الحقيقي‪ ،‬والمؤمن هو مَنْ يبذل الجهد‬
‫صلَ نفسه برحمة ال؛ لنها باقية ببقاء ال‪ ،‬ولن المؤمن الحق يعلم أن كل غاية لها َبعْد؛ ل‬
‫لِي ِ‬
‫تعتبر غاية‪.‬‬
‫حقّة هي‪ :‬إمّا الجنة أبدا‪ ،‬أو النار‬
‫ولذلك فالدنيا في حَدّ ذاتها ل تصلح غاي ًة للمؤمن‪ ،‬ولكن الغاية ال َ‬
‫أبدا‪.‬‬
‫يقول الحق سبحانه بعد ذلك‪:‬‬
‫} وَ َيقُولُ الّذِينَ َكفَرُواْ َل ْولَ‪{ ...‬‬

‫(‪)1720 /‬‬
‫ضلّ مَنْ يَشَا ُء وَ َيهْدِي ِإلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (‬
‫وَيَقُولُ الّذِينَ َكفَرُوا َلوْلَا أُنْ ِزلَ عَلَ ْيهِ آَ َيةٌ مِنْ رَبّهِ ُقلْ إِنّ اللّهَ ُي ِ‬
‫‪)27‬‬

‫ونعلم أن " لول " إذا دخلت على جملة اسمية فلها َوضْع يختلف عنه َوضْعها إذا دخلتْ على جملة‬
‫فعلية‪ ،‬فحين نقول‪ " :‬لول زيد عندك لَزُرْ ُتكَ " يعني امتناع حدوث شيء لوجود شيء آخر‪ .‬وحين‬
‫نقول‪ :‬لول تُذاكِر دروسك‪ .‬فهذا يعني حضا على الفعل‪.‬‬
‫شهَدَآءِ فَُأوْلَـا ِئكَ عِندَ اللّهِ هُمُ‬
‫شهَدَآءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِال ّ‬
‫والحق سبحانه يقول‪ّ {:‬ل ْولَ جَآءُوا عَلَيْهِ بِأَرْ َبعَةِ ُ‬
‫ا ْلكَاذِبُونَ }[النور‪]13 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والجملة التي دخلت عليها " لول " في هذه الية هي جملة فعلية‪ ،‬وكأن الحق سبحانه يحضّنا هنا‬
‫على أن نلتفتَ إلى الية الكبرى التي نزلت عليه صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وهي القرآن‪.‬‬
‫وقد تساءل الكافرون ـ كَذِبا ـ عن مجيء آية؛ وكان تساؤلهم بعد مجيء القرآن‪ ،‬وهذا كذب‬
‫جلٍ مّنَ ا ْلقَرْيَتَيْنِ‬
‫واقع؛ يناقضون به أنفسهم؛ فقد قالوا‪َ {:‬وقَالُواْ َل ْولَ نُ ّزلَ هَـاذَا ا ْلقُرْآنُ عَلَىا َر ُ‬
‫عَظِيمٍ }[الزخرف‪]31 :‬‬
‫وهم بذلك قد اعترفوا أن القرآن بلغ حَدّ العجاز وتمنّوْا لو أنه نزل على واحد من عظماء‬
‫القريتين ـ مكة أو الطائف‪.‬‬
‫وهم مَنْ قالوا أيضا‪َ {:‬وقَالُواْ ياأَ ّيهَا الّذِي نُ ّزلَ عَلَيْهِ ال ّذكْرُ إِ ّنكَ َلمَجْنُونٌ }[الحجر‪]6 :‬‬
‫ثم يعودون هنا لينكروا العتراف بالقرآن كمعجزة‪ ،‬على الرغم من أنه قد جاء من جنس ما نبغوا‬
‫فيه‪ ،‬فهم يتذوقون الدب‪ ،‬ويتذوقون البيان‪ ،‬ويتذوقون الفصاحة؛ ويقيمون السواق ليعرضوا‬
‫إنتاجهم في البلغة والقصائد‪ ،‬فهم أمة تط َربُ فيها الذن لما ينطقه اللسان‪.‬‬
‫ولكنهم هنا يطلبون آية كونية كالتي نزلت على الرسل السابقين عليهم السلم‪ ،‬ونَسُوا أن الية‬
‫الكونية عمرها َمقْصور على وقت حدوثها؛ ومَنْ رآها هو مَنْ يصدقها‪ ،‬أو يصدقها مَنْ يُخبره بها‬
‫مصدر موثوق به‪.‬‬
‫ولكن رسول ال صلى ال عليه وسلم هو المبعوث لتنظيم حركة الحياة في دنيا الناس إلى أنْ تقوم‬
‫الساعة؛ ولو أنه قد جاء بآية كونية؛ لخذتْ زمانها فقط‪.‬‬
‫ولذلك شاء الحق سبحانه أنْ يأتي بآية معجزة باقية إلى أنْ تقومَ الساعةُ‪ ،‬فضلً عن أنه صلى ال‬
‫عليه وسلم قد جاءتْ له معجزات حِسيّة؛ كتفجّر الماء من بين أصابعه؛ وحفنة الطعام التي أشبعتْ‬
‫جيشا؛ وأظلّتْه السحابة؛ وحَنّ جِذْع الشجرة حنينا إليه ليقف من فوقه خطيبا وجاءه الضّبّ مسلما‪.‬‬
‫حجّة على مَنْ رآها‪ ،‬وكذلك معجزات الرّسل السابقين‪ ،‬ولول أنّ رواها‬
‫كل تلك آيات كونية هي ُ‬
‫لنا القرآن َلمَا آمنّا بها‪ ،‬وكانت اليات الكونية التي جاءت مع الرسل هي مجرد إثبات ِلمَنْ عاشوا‬
‫في أزمان الرسل السابقين على أن هؤلء الرسل مُبلّغون عن ال‪.‬‬
‫وقد شرح الحق سبحانه هذا المر بالنسبة لرسول ال صلى ال عليه وسلم حين قال‪َ {:‬ومَا مَ َنعَنَآ‬
‫لوّلُونَ‪[} ...‬السراء‪]59 :‬‬
‫سلَ بِاليَاتِ ِإلّ أَن كَ ّذبَ ِبهَا ا َ‬
‫أَن نّرْ ِ‬
‫أي‪ :‬أن الرسل السابقين الذين نزلوا في أقوامهم وصحبتْهم الياتُ الكونية قابلوا أيضا المُكذّبين‬
‫بتلك اليات‪ ،‬وقوم رسول ال صلى ال عليه وسلم قالوا أيضا‪:‬‬
‫ن الَ ْرضِ يَنْبُوعا * َأوْ َتكُونَ َلكَ جَنّةٌ مّن نّخِيلٍ وَعِ َنبٍ‬
‫{ َوقَالُواْ لَن ّن ْؤمِنَ َلكَ حَتّىا َتفْجُرَ لَنَا مِ َ‬
‫ع ْمتَ عَلَيْنَا ِكسَفا َأوْ تَأْ ِتيَ بِاللّهِ وَا ْلمَلئِكَةِ‬
‫سمَآءَ َكمَا زَ َ‬
‫سقِطَ ال ّ‬
‫فَ ُتفَجّ َر الَ ْنهَارَ خِلَلهَا َتفْجِيرا * َأوْ ُت ْ‬
‫قَبِيلً }[السراء‪]92-90 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ويقول الحق سبحانه في موقع آخر‪ {:‬وََلوْ أَنّنَا نَزّلْنَآ إِلَ ْيهِمُ ا ْلمَل ِئكَ َة َوكَّل َمهُمُ ا ْل َموْتَىا َوحَشَرْنَا عَلَ ْيهِمْ‬
‫شيْءٍ قُبُلً مّا كَانُواْ لِ ُي ْؤمِنُواْ‪[} ...‬النعام‪]111 :‬‬
‫ُكلّ َ‬
‫وهكذا يُبيّن لنا الحق سبحانه أنهم غارقون في العِنَاد ولن يؤمنوا‪ ،‬وأن أقوالهم تلك هي مجرد حُجَج‬
‫يتلكأون بها‪.‬‬
‫وهم هنا في الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقولون‪َ } :‬ل ْولَ أُن ِزلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مّن رّبّهِ‪...‬‬
‫{ [الرعد‪]27 :‬‬
‫وهكذا نجد أنهم يعترفون أن له ربا؛ على الرغم من أنهم قد اتهموه من قبل أنه ساحر‪ ،‬وأنه ـ‬
‫والعياذ بال ـ كاذب‪ ،‬وحين فَتَر عنه الوحي قالوا‪ " :‬إن ربّ محمد قد قَلَه "‪.‬‬
‫س ْوفَ‬
‫ن الُولَىا * وَلَ َ‬
‫ك َومَا قَلَىا * وَلَلخِ َرةُ خَيْرٌ ّلكَ مِ َ‬
‫عكَ رَ ّب َ‬
‫وأنزل الحق سبحانه الوحي‪ {:‬مَا وَدّ َ‬
‫ُيعْطِيكَ رَ ّبكَ فَتَ ْرضَىا }[الضحى‪]5-3 :‬‬
‫أي‪ :‬أن الوَحْي سوف يستمر‪ ،‬وهكذا فضح ال َكذِبهم على مَرّ سنوات الرسالة المحمدية‪.‬‬
‫حسّية الكونية؛ وكلمة آية كما عرفنا من قبل هي‪ :‬إما آية كونية‬
‫وهم هنا يتعنتون في طَلبِ الية ال ِ‬
‫تُلفِت إلى وجود الخالق‪.‬‬
‫أو‪ :‬آية من القرآن فيها تفصيلٌ للحكام؛ وليستْ تلك هي الية التي كانوا يطلبونها‪.‬‬
‫أو‪ :‬آية معجزة تدلّ على صِدقْ الرسالة‪.‬‬
‫وكأنّ طلبَ اليات إنما جاء لنهم لم يقتنعوا بآية القرآن؛ وهذا دليل غبائهم في استقبال أدلّة اليقين‬
‫بصدق الرسول صلى ال عليه وسلم؛ لن القرآن جاء معجزةً‪ ،‬وجاء منهجا‪.‬‬
‫والمعجزة ـ كما أوضحنا ـ إنما تأتي من جنس ما نبغ فيه القوم‪ ،‬ول يأتي سبحانه بمعجزة لقوم‬
‫لم ُيحْسِنوا شيئا مثلها ولم ينبغُوا فيه‪.‬‬
‫فالذين كانوا يمارسون السّحْر جاءتْ المعجزة مع الرسول المرْسَل إليهم من نفس النوع‪ ،‬والذين‬
‫كانوا يعرفون الطبّ‪ ،‬جاء لهم رسول‪ ،‬ومعه معجزة مما نبغُوا فيه‪.‬‬
‫وقد جاءت معجزة رسول ال صلى ال عليه وسلم من جنس ما نبغُوا فيه؛ فضلً عن أن القرآن‬
‫معجزة ومنهج في آنٍ واحد‪ ،‬بخلف معجزة التوقيت والتقيد في زمن‪.‬‬
‫ومع ذلك‪ ،‬فإن كفار مكة تعنتُوا‪ ،‬ولم يكتفُوا بالقرآن معجزةً وآيات تدلّهم إلى سواء السبيل؛ بل‬
‫اقترحوا هم الية حسب أهوائهم؛ ولذلك نجدهم قد ضَلّوا‪.‬‬
‫ضلّ مَن َيشَآ ُء وَ َيهْدِي إِلَ ْيهِ مَنْ أَنَابَ { [الرعد‪:‬‬
‫ونجد الحق سبحانه يقول بعد ذلك‪ُ ...} :‬قلْ إِنّ اللّهَ ُي ِ‬
‫‪]27‬‬
‫وهنا نقف َوقْفة؛ لن البعض يحاول أن يُسقِط عن النسان مسئولية التكليف؛ ويدّعي أن ال هو‬
‫الذي يمنع هداية هؤلء الكافرين‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ونقول‪ :‬إننا إن استقرأنا آياتِ القرآن؛ سنجد َقوْل الحق سبحانه‪... {:‬وَاللّ ُه لَ َيهْدِي ا ْلقَوْمَ ا ْلكَافِرِينَ }‬
‫[البقرة‪]264 :‬‬
‫ونجد قول الحق سبحانه‪... {:‬إِنّ اللّهَ لَ َي ْهدِي ا ْلقَوْمَ الظّاِلمِينَ }[المائدة‪]51 :‬‬
‫سقِينَ }[المائدة‪]108 :‬‬
‫ويقول سبحانه أيضا‪... {:‬وَاللّ ُه لَ َيهْدِي ا ْل َقوْمَ ا ْلفَا ِ‬
‫ومن كل ذلك نفهم أن العمل السابق منهم هو الذي يجعله سبحانه ل يهديهم‪ ،‬لن النسان مادام قد‬
‫حكْم أعلى‪ ،‬ويؤمن بمصدر الحكم؛ فمن أنزل هذا الحكم يُعطِي للنسان معونة‪ ،‬لكن مَنْ‬
‫جاء له ُ‬
‫حكْم العلى فسبحانه يتركه بل معونة‪.‬‬
‫يكذب بمصدر ال ُ‬
‫أما مَنْ يرجع إلى ال؛ فسبحانه يهديه ويدلّه ويعينه بكل المَدَد‪.‬‬
‫ويواصل الحق ما يمنحه سبحانه من اطمئنان لمن يُنيب إليه‪ ،‬فيقول‪:‬‬
‫طمَئِنّ‪{ ...‬‬
‫} الّذِينَ آمَنُو ْا وَتَ ْ‬

‫(‪)1721 /‬‬
‫طمَئِنّ ا ْلقُلُوبُ (‪)28‬‬
‫طمَئِنّ قُلُو ُبهُمْ بِ ِذكْرِ اللّهِ أَلَا ِب ِذكْرِ اللّهِ تَ ْ‬
‫الّذِينَ َآمَنُوا وَتَ ْ‬

‫ن القلب واستقراره وأُنْسُه إلى عقيدة ل تطفو إلى العقل ليناقشها من جديد‪.‬‬
‫ومعنى الطمئنان سكو ُ‬
‫ونعلم أن النسانَ له حواسّ إدراكية يستقبل بها المُحسّات؛ وله عقل يأخذ هذه الشياء ويهضمها؛‬
‫بعد إدراكها؛ ويفحصها جيدا‪ ،‬ويتلمس مدى صِدْقها أو كَذِبها؛ ويستخرج من كل ذلك قضية‬
‫واضحة يُبقِيها في قلبه لتصبح عقيدة‪ ،‬لنها وصلت إلى مرحلة الوجدان المحب لختيار المحبوب‪.‬‬
‫وهكذا تمرّ العقيدة بعدة مراحلَ؛ فهي أولً إدراك حِسّي؛ ثم مرحلة التفكّر العقلي؛ ثم مرحلة‬
‫الستجلء للحقيقة؛ ثم الستقرار في القلب لتصبح عقيدة‪.‬‬
‫طمَئِنّ قُلُو ُبهُمْ‪[ } ...‬الرعد‪]28 :‬‬
‫ولذلك يقول سبحانه‪ { :‬وَتَ ْ‬
‫فاطمئنان القلب هو النتيجة لليمان بالعقيدة؛ وقد يمرّ على القلب بعضٌ من الغيار التي تزلزل‬
‫اليمان‪ ،‬ونقول لمن تمرّ به تلك الهواجس من الغيار‪ :‬أنت لم ُتعْطِ الربوبية حقها؛ لنك أنت‬
‫الملوم في أي شيء يَنَاُلكَ‪.‬‬
‫فلو أحسنتَ استقبال القدر فيما يمرّ بك من أحداث‪ ،‬لَعِل ْمتَ تقصيرك فيما لك فيه دَخْل بأيّ حادث‬
‫وقع عليك نتيجة لعملك‪ ،‬أما مَا وقع عليك ول دَخْل لك فيه؛ فهذا من أمر القَدَر الذي أراده الحقّ‬
‫لك لحكمة قد ل تعلمها‪ ،‬وهي خير لك‪.‬‬
‫إذن‪ :‬استقبال القدر إن كان من خارج النفس فهو لك‪ ،‬وإن كان من داخل النفس فهو عليك‪ .‬ولو‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ُق ْمتَ بإحصاء ما ينفعك من وقوع القدر عليك لَوجدتّه أكثرَ بكثير مما سَلَبه منك‪ .‬والمَثَل هو‬
‫الشاب الذي استذكر دروسه واستعدّ للمتحان؛ لكن مرضا داهمه قبل المتحان ومنعه من أدائه‪.‬‬
‫هذا الشاب فعلَ ما عليه؛ وشاءَ ال أن ينزل عليه هذا القدر لحكمة ما؛ كأنْ يمنع عنه حسَد‬
‫جيرانه؛ أو حسدَ مَنْ يكرهون أًمه أو أباه‪ ،‬أو يحميه من الغرور والفتنة في أنه مُعتمِد على‬
‫السباب ل على المُسبّب‪ .‬أو تأخير مرادك أمام مطلوب ال يكون خيرا‪.‬‬
‫وهكذا َفعَلى النسان المؤمن أن يكون موصولً بالمُسبّب العلى‪ ،‬وأنْ يتوكل عليه سبحانه وحده‪،‬‬
‫ل قلبي‪،‬‬
‫وأن يعلم أنْ التوكل على ال يعني أن تعمل الجوارح‪ ،‬وأنْ تتوكّل القلوب؛ لن التوكل عم ٌ‬
‫وليس عملَ القوالب‪.‬‬
‫ولينتبه ُكلّ مِنّا إلى أن ال قد يُغيب السباب كي ل نغتر بها‪ ،‬وبذلك يعتدل إيمانك به؛ ويعتدل‬
‫إيمان غيرك‪.‬‬
‫وقد ترى شابا ذكيا قادرا على الستيعاب‪ ،‬ولكنه ل ينال المجموع المناسب للكلية التي كان‬
‫يرغبها؛ فيسجد ل شكرا؛ مُتقبّلً قضاء ال وقَدَره؛ فَيُوفّقه ال إلى كلية أخرى وينبغ فيها؛ ليكون‬
‫أحدَ البارزين في المجال الجديد‪.‬‬
‫ولهذا يقول الحق سبحانه‪ {:‬وَعَسَىا أَن َتكْرَهُواْ شَيْئا وَ ُهوَ خَيْرٌ ّلكُمْ وَعَسَىا أَن تُحِبّواْ شَيْئا وَ ُهوَ‬
‫شَرّ ّل ُك ْم وَاللّهُ َيعْلَمُ وَأَنْتُ ْم لَ َتعَْلمُونَ }[البقرة‪]216 :‬‬
‫ن يقبل قَدر ال فيه‪ ،‬ويذكر أن له ربا فوق كل السباب؛ فالطمئنان يغمرُ قلبه‬
‫وهكذا نجد أن مَ ْ‬
‫ث م ْهمَا كان‪.‬‬
‫أمام أيّ ح َد ٍ‬
‫وهكذا يطمئن القلب بذكر ال؛ وتهون ُكلّ السباب؛ لن السباب إنْ عجزتْ؛ فلن يعجز المُسبّب‪.‬‬
‫وقد جاء الحق سبحانه بهذه الية في مَعرِض حديثه عن التشكيك الذي يُثيره الكافرون‪ ،‬وحين‬
‫يسمع المسلمون هذا التشكيك؛ فقد توجد بعض الخواطر والتساؤلت‪ :‬لماذا لم يَ ْأتِ لنا رسول ال‬
‫حسّية مثل الرّسُل السابقين لتنفضّ هذه المشكلة‪ ،‬وينتهي هذا العناد؟‬
‫صلى ال عليه وسلم بمعجزة ِ‬
‫ولكن تلك الخواطر ل تنزع من المؤمنين إيمانهم؛ ولذلك يُنزِل الحق سبحانه قوله الذي يُطمئِن‪} :‬‬
‫طمَئِنّ قُلُو ُبهُمْ بِ ِذكْرِ اللّهِ‪[ { ...‬الرعد‪]28 :‬‬
‫الّذِينَ آمَنُواْ وَتَ ْ‬
‫وال ّذكْر في اللغة جاء ِل َمعَانٍ شتّى؛ فمرّة يُطلق الذّكر‪ ،‬ويُرَاد به الكتاب أي‪ :‬القرآن‪ {:‬إِنّا َنحْنُ نَزّلْنَا‬
‫ال ّذكْ َر وَإِنّا َلهُ لَحَا ِفظُونَ }[الحجر‪]9 :‬‬
‫ويأتي الذكر مرّة‪ ،‬ويُرَاد به الصّيت والشهرة والنباهة‪ ،‬يقول تعالى‪ {:‬وَإِنّهُ لَ ِذكْرٌ ّلكَ وَلِ َق ْو ِمكَ‬
‫سوْفَ تُسَْألُونَ }[الزخرف‪]44 :‬‬
‫وَ َ‬
‫أي‪ :‬أنه شَ َرفٌ عظيم لك في التاريخ‪ ،‬وكذلك لقومك أنْ تأتي المعجزة القرآنية من جنس لغتهم التي‬
‫يتكلمون بها‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وقد يطلق الذكر على العتبار؛ والحق سبحانه يقول‪... {:‬وَلَـاكِن مّ ّتعْ َتهُ ْم وَآبَآءَهُمْ حَتّىا نَسُواْ‬
‫ال ّذكْ َر َوكَانُواْ َقوْما بُورا }[الفرقان‪]18 :‬‬
‫أي‪ :‬نسوا العِبَر التي وقعتْ للمم التي عاشتْ من قبلهم؛ فنصَر ال الدينَ رغم عناد هؤلء‪.‬‬
‫وقد يطلق الذكر على ُكلّ ما يبعثه الحق سبحانه على لسان أيّ رسول‪... {:‬فَاسْأَلُواْ أَ ْهلَ ال ّذكْرِ إِن‬
‫كُنْتُم لَ َتعَْلمُونَ }[النحل‪]43 :‬‬
‫وقد يُطلق ال ّذكْر على العطاء الخيّر من ال‪.‬‬
‫ويُطْلق ال ّذكْر على تذكر ال دائما؛ وهو سبحانه القائل‪ {:‬فَا ْذكُرُونِي أَ ْذكُ ْركُمْ‪[} ...‬البقرة‪]152 :‬‬
‫أي‪ :‬اذكروني بالطاعة أذك ْركُم بالخير والتجليّات‪ ،‬فإذا كان ال ّذكْر بهذه المعاني؛ فنحن نجد‬
‫ي منها‪ ،‬فالذكر بمعنى القرآن يُورثِ الطمئنان‪.‬‬
‫الطمئنان في أ ّ‬
‫ويقول الحق سبحانه‪ {:‬ياأَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ ا ْذكُرُواْ اللّهَ ِذكْرا كَثِيرا * وَسَبّحُوهُ ُبكْ َر ًة وََأصِيلً * ُهوَ‬
‫جكُمْ مّنَ الظُّلمَاتِ إِلَى النّو ِر َوكَانَ بِا ْل ُم ْؤمِنِينَ َرحِيما }[الحزاب‪:‬‬
‫الّذِي ُيصَلّي عَلَ ْيكُ ْم َومَلَ ِئكَتُهُ لِ ُيخْرِ َ‬
‫‪41‬ـ ‪]43‬‬
‫ف ُكلّ آية تأتي من القرآن كانت تُطمئِنُ الرسول صلى ال عليه وسلم أنه صادقُ البلغِ عن ال؛ فقد‬
‫كان المسلمون قلة مُضطهدة‪ ،‬ول يقدرون على حماية أنفسهم‪ ،‬ول على حماية َذوِيهم‪.‬‬
‫جمْ ُع وَ ُيوَلّونَ الدّبُرَ }[القمر‪]45 :‬‬
‫ويقول الحق سبحانه في هذا الظرف‪ {:‬سَ ُيهْزَمُ ا ْل َ‬
‫ويتساءل عمر رضي ال عنه‪ :‬أيّ جمع هذا‪ ،‬ونحن ل نستطيع الدفاع عن أنفسنا؛ وقد هاجر‬
‫بعضنا إلى الحبشة خوفا من الضطهاد؟‬
‫ولكن رسول ال صلى ال عليه وسلم يسير إلى بدر‪ ،‬ويُحدّد أماكن مصارع كبار رموز الكفر من‬
‫صناديد قريش؛ ويقول‪ " :‬هذا مصرع فلن‪ ،‬وهذا مصرع فلن "؛ بل ويأتي بالكيفية التي يقع بها‬
‫سمُهُ عَلَى الْخُ ْرطُومِ }[القلم‪]16 :‬‬
‫القتل على صناديد قريش؛ ويتلو قول الحق سبحانه‪ {:‬سَ َن ِ‬
‫وبعد ذلك يأتون برأْس الرجل الذي قال عنه رسول ال ذلك؛ فيجدون الضربة قد جاءت على أنفه‪.‬‬
‫فمنْ ذَا الذي يتحكم في مواقع الموت؟‬
‫إن ذلك ل يتأتى إلّ من إله هو ال؛ وهو الذي أخبر محمدا صلى ال عليه وسلم بهذا الخبر‪{:‬‬
‫جمْ ُع وَ ُيوَلّونَ الدّبُرَ }[القمر‪]45 :‬‬
‫سَ ُيهْزَمُ الْ َ‬
‫وقد طمأنَ هذا القولُ القومَ الذين اتبعوا رسول ال صلى ال عليه وسلم الذي ل يعلم الغيب‪ ،‬ول‬
‫يعلم الكيفية التي يموت عليها أيّ كافر وأيّ جبار؛ وهو صلى ال عليه وسلم يخبرهم بها وهُ ْم في‬
‫ضعْف‪.‬‬
‫منتهى ال ّ‬
‫وهذا الخبار دليل على أن رصيده قويّ عند علّم الغيوب‪.‬‬
‫طمَئِنّ ا ْلقُلُوبُ { [الرعد‪]28 :‬‬
‫إذن‪ :‬فقول الحق سبحانه‪َ...} :‬ألَ بِ ِذكْرِ اللّهِ تَ ْ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يعني‪ :‬أن القلوب تطمئن بالقرآن وما فيه من أخبار صادقة تمام الصدق‪ ،‬لتؤكد أن محمدا صلى‬
‫ال عليه وسلم مُبلّغ عن ربّه؛ وأن القرآن ليس من عند محمد صلى ال عليه وسلم بل هو من عند‬
‫ال‪.‬‬
‫وهكذا استقبل المؤمنون محمدا صلى ال عليه وسلم وصَدّقوا ما جاء به؛ فها هي خديجة ـ رضي‬
‫ال عنها وأرضاها ـ لم تكُنْ قد سمعت القرآن؛ وما أنْ أخبرها رسول ال صلى ال عليه وسلم‬
‫صلُ الرّحِم‪ ،‬وتحمل ال َكلّ‪ ،‬وتَكسِب المعدوم‪،‬‬
‫بمخاوفه من أنّ ما يأتيه قد يكون جنا‪ ،‬فقالت‪ " :‬إنك ل َت ِ‬
‫وتَقْري الضّيْف‪ ،‬وتُعينَ على نوائب الحق‪ ،‬والِ ما يخزَيك ال أبدا "‪.‬‬
‫وهاهو أبو بكر ـ رضي ال عنه وأرضاه ـ يصدق أن محمدا رسول من ال‪َ ،‬فوْرَ أن يخبره‬
‫بذلك‪.‬‬
‫سمَاتا؛ وقد صاغ ال لرسوله أخلقا‪ ،‬تجعل مَنْ حوله‬
‫وهكذا نجده صلى ال عليه وسلم قد امتلك ِ‬
‫يُصدّقون ُكلّ ما يقول َفوْر أنْ ينطق‪.‬‬
‫ونلحظ أن الذين آمنوا برسالته صلى ال عليه وسلم؛ لم يؤمنوا لن القرآن أخذهم؛ ولكنهم آمنوا‬
‫لن محمدا صلى ال عليه وسلم ل يمكن أن َيكْذِبهم القول‪ ،‬وسيرته قبل البعثة معجزة في حَدّ‬
‫ذاتها‪ ،‬وهي التي أ ّدتْ إلى تصديق الوّلين لرسول ال صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫أما الكفار فقد أخذهم القرآن؛ واستمال قلوبهم‪ ،‬وتمنّوا لو نزل على واحد آخر غير محمد صلى ال‬
‫عليه وسلم‪.‬‬
‫وحين يرى المؤمنون أن القرآن يُخبرهم بالمواقف التي يعيشونها‪ ،‬ول يعرفون لها تفسيرا؛‬
‫ويخبرهم أيضا بالحداث التي سوف تقع‪ ،‬ثم يجدون المستقبل وقد جاء بها ِوفْقا لما جاء بالقرآن‪،‬‬
‫هنا يتأكد لهم أن القرآنَ ليس من عند محمد‪ ،‬بل هو من عند َربّ محمد صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫طمْئِنا‬
‫ولذلك فحين يُثير الكفار خزعبلتهم للتشكيك في محمد صلى ال عليه وسلم يأتي القرآن مُ َ‬
‫للمؤمنين؛ فل تؤثر فيهم خزعبلت الكفار‪.‬‬
‫والمؤمن يذكر ال بالخيرات؛ ويعتبر من كل ما يمرّ به‪ ،‬وبكل ما جاء بكتاب ال؛ وحين يقرأ‬
‫ن صِ ْدقٍ‪.‬‬
‫القرآن فقلبه يطمئِنّ بذكر ال؛ لنه قد آمن إيما َ‬
‫وقد لمس المؤمنون أن أخبار النبي التي يقولها لهم قد تع ّدتْ محيطهم البيئيّ المحدود إلى العالم‬
‫الواسع بجناحَيْه الشرقي في فارس‪ ،‬والغربي في الروم‪.‬‬
‫وقد أعلن لهم رسول ال صلى ال عليه وسلم ـ على سبيل المثال ـ خبر انتصار الروم على‬
‫ض وَهُم مّن َبعْدِ‬
‫الفرس‪ ،‬حين أنزل الحق سبحانه قوله‪ {:‬الـم * غُلِ َبتِ الرّومُ * فِي َأدْنَى الَرْ ِ‬
‫غَلَ ِبهِمْ سَ َيغْلِبُونَ * فِي ِبضْعِ سِنِينَ‪[} ..‬الروم‪]4-1 :‬‬
‫فأروني أيّ عبقرية في العالم تستطيع أن تتحكم في نتيجة معركة بين قوتين تصطرعان وتقتتلن؛‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫خمْس إلى‬
‫وبعد ذلك يحدد مِنَ الذي سينتصر‪ ،‬ومنِ الذي سَيُهزم بعد فترة من الزمن تتراوح من َ‬
‫تِسَع سنوات؟‬
‫وأيضا تأتي الحداث العالمية التي ل يعلم عنها رسول ال صلى ال عليه وسلم شيئا‪ ،‬وتوافق ما‬
‫جاء بالقرآن‪.‬‬
‫وكُلّ ذلك يجعل المؤمنين بالقرآن في حالة اطمئنان إلى أن هذا القرآن صادق‪ ،‬وأنه من عند ال‪،‬‬
‫طمَئِنّ‬
‫طمَئِنّ قُلُو ُبهُمْ بِ ِذكْرِ اللّهِ َألَ بِ ِذكْرِ اللّهِ َت ْ‬
‫ويُصدّق هذا قول الحق سبحانه‪ } :‬الّذِينَ آمَنُواْ وَتَ ْ‬
‫ا ْلقُلُوبُ { [الرعد‪]28 :‬‬
‫ونعلم أن الكون قد استقبل النسان الول ـ وهو آدم عليه السلم ـ استقبالً‪ ،‬وقد هُيّئ له فيه ُكلّ‬
‫شيء من مُقوّمات الحياة؛ وصار النسانُ يعيش في أسباب ال‪ ،‬تلك السباب ال َممْدودة من يَدِ ال؛‬
‫جهْد‪.‬‬
‫فنأخذ بها وتترقّى حياتنا ِبقَدْر ما نبذل من َ‬
‫صلَ إلى أرْقى حياة؛ إنْ كان عملُنا صالحا وحَسُنَ إيماننا بال؛ فبعد أنْ كُنّا‬
‫وما أنْ نموتَ حتى ن ِ‬
‫نعيش في الدنيا بأسباب ال الممدودة؛ فنحن نعيش في الخرة بالمُسبّب في جنته التي أعدّها‬
‫للمتقين‪.‬‬
‫طمَئِنّ ا ْلقُلُوبُ { [الرعد‪]28 :‬‬
‫وقول الحق سبحانه‪َ...} :‬ألَ ِب ِذكْرِ اللّهِ تَ ْ‬
‫يعني‪ :‬أن الطمئنان مُستْوعِب لكل القلوب؛ فكل إنسان له زاوية يضطرب فيها قلبه؛ وما أنْ يذكر‬
‫ال حتى يجِدَ الطمئنان ويتثبتَ قلبه‪.‬‬
‫طمَئِنّ ا ْلقُلُوبُ‬
‫وقد حاول المستشرقون أن يقيموا ضَجّة حول قوله تعالى‪َ...} :‬ألَ ِب ِذكْرِ اللّهِ َت ْ‬
‫{ [الرعد‪]28 :‬‬
‫وتساءلوا‪ :‬كيف يقول القرآن هنا أن ال ّذكْر يُطمئِن القلب؛ ويقول في آية أخرى‪ {:‬إِ ّنمَا ا ْل ُم ْؤمِنُونَ‬
‫الّذِينَ إِذَا ُذكِرَ اللّ ُه َوجَِلتْ قُلُو ُبهُمْ‪[} ...‬النفال‪]2 :‬‬
‫فأيّ المعنيَيْنِ هو المراد؟‬
‫ولو أن المستشرقين قد استقبلوا القرآن بالمَلَكة العربية الصحيحة لَعلِموا الفارق بين‪َ...} :‬ألَ ِب ِذكْرِ‬
‫طمَئِنّ ا ْلقُلُوبُ { [الرعد‪]28 :‬‬
‫اللّهِ َت ْ‬
‫وبين قول الحق سبحانه‪ {:‬إِ ّنمَا ا ْل ُم ْؤمِنُونَ الّذِينَ ِإذَا ُذكِرَ اللّ ُه وَجَِلتْ قُلُو ُبهُمْ‪[} ...‬النفال‪]2 :‬‬
‫جلٍ‪.‬‬
‫غفْلة عن ال؛ هنا ينتبه النسان بِو َ‬
‫فكأنه إذا ُذكِر ال أمام الناس؛ وكان النسان في َ‬
‫أو‪ :‬أن الحق سبحانه يخاطب الخَلْق جميعا بما فيهم من غرائز وعواطف ومواجيد؛ فل يوجد‬
‫إنسان كامل؛ ولكُلّ إنسان هفوة إل مَنْ عصم ال‪.‬‬
‫عفْو ال وتوبته ومغفرته‬
‫وحين يتذكر النسانُ إسرافه من جهة سيئة؛ فهو َيوْجَل؛ وحين يتذكر َ‬
‫يطمئن‪.‬‬
‫ويقول سبحانه بعد ذلك‪:‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫عمِلُواْ‪{ ...‬‬
‫} الّذِينَ آمَنُو ْا وَ َ‬

‫(‪)1722 /‬‬
‫عمِلُوا الصّاِلحَاتِ طُوبَى َل ُه ْم وَحُسْنُ مََآبٍ (‪)29‬‬
‫الّذِينَ َآمَنُوا وَ َ‬

‫طعْما ومزاجا‬
‫وطُوبَى من الشيء الطيّب؛ أي‪ :‬سيُلقُونَ شيئا طيبا في ُكلّ مظاهره‪ :‬شكلً وَلوْنا و َ‬
‫وشهوة‪ ،‬ف ُكلّ ما يشتهيه الواحد منهم سيجده طيبا؛ وكأن المر الطيب موجودا لهم‪.‬‬
‫وقول الحق سبحانه‪ { :‬وَحُسْنُ مَآبٍ } [الرعد‪]29 :‬‬
‫حسْنُ مرجعهم إلى مَنْ خلقهم أولً‪ ،‬وأعاشهم بالسباب؛ ثم أخذهم ليعيشوا بالمُسبّب العلى؛‬
‫أي‪ُ :‬‬
‫وبإمكانية " كُنْ فيكون "‪.‬‬
‫ويريد الحق سبحانه من بعد ذلك أنْ يُوضّح لرسوله صلى ال عليه وسلم أنه رسول من الرّسُل؛‬
‫وكان كل رسول إلى أيّ أمة يصحب معه معجزة من صِنْف ما نبغ فيه قومه‪.‬‬
‫وقد أرسل الحق سبحانه محمدا صلى ال عليه وسلم ومعه المعجزة التي تناسب قومه؛ َفهُمْ قد‬
‫نبغوا في البلغة والبيان وصناعة الكلم‪ ،‬و َقوْل القصائد الطويلة وأشهرها المُعلّقات السبع؛ ولهم‬
‫أسواقٌ أدبية مثل‪ :‬سوق عكاظ‪ ،‬وسوق ذي المجاز‪.‬‬
‫ولذلك جاءت معجزته صلى ال عليه وسلم من جنس ما نبغُوا فيه؛ كي تأتيهم الحُجّة والتعجيز‪.‬‬
‫ولو كانت المعجزة في مجال لم ينبغوا فيه؛ لقالوا‪ " :‬لم نعالج أمرا مثل هذا من قبل؛ ولو كُنّا قد‬
‫عالجناه لَنبغْنَا فيه "‪.‬‬
‫وهكذا يتضح لنا أن إرسالَ الرسولِ بمعجزة في مجال نبغَ فيه قومه هو َنوْعٌ من إثبات التحدّي‬
‫وإظهار تفوّق المعجزة التي جاء بها الرسول‪.‬‬
‫وهكذا نرى أن إرسال محمد صلى ال عليه وسلم بالقرآن ـ وإنْ لم يُقنِع الكفار ـ إنما كان‬
‫مُطَابقا لمنطق الوحي من السماء للرسالت كلها‪.‬‬
‫ولذلك يقول الحق سبحانه هنا‪:‬‬
‫{ َكذَِلكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي ُأمّةٍ َقدْ خََلتْ‪} ...‬‬

‫(‪)1723 /‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫حمَنِ‬
‫ك وَهُمْ َي ْكفُرُونَ بِالرّ ْ‬
‫سلْنَاكَ فِي ُأمّةٍ قَدْ خََلتْ مِنْ قَبِْلهَا ُأمَمٌ لِتَتُْلوَ عَلَ ْيهِمُ الّذِي َأوْحَيْنَا إِلَ ْي َ‬
‫كَذَِلكَ أَرْ َ‬
‫ُقلْ ُهوَ رَبّي لَا إِلَهَ إِلّا ُهوَ عَلَيْهِ َت َوكّ ْلتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ (‪)30‬‬

‫فكما أرسلك ال إلى أمتك؛ فقد سبق أنْ أرسل سبحانه رُسُلً إلى المم التي سبقتْ؛ ولم يُرسِل مع‬
‫ل واحدٌ أن المعجزة التي جاءتْ مع الرسول‬
‫أيّ منهم معجزة تناقض ما نبغَ فيه قومُه؛ َكيْ ل يقو َ‬
‫تتناولُ ضَرْبا لم يَأْلفوه؛ ولو كانوا قد أَلِفوه َلمَا تفوّق عليهم الرسول‪.‬‬
‫وقول الحق‪ { :‬كَذَِلكَ‪[ } ...‬الرعد‪ ]30 :‬يعني‪ :‬كهذا الرسال السابق للرسل جاء َبعْ ُثكَ إلى أمتِك‪،‬‬
‫كتلك المم السابقة‪.‬‬
‫حقّ قَدْره وهو " الرحمن " فلم َي ُقلْ‪ :‬وهم‬
‫ويأتي الحق سبحانه هنا بالسم الذي كان يجب أن َيقْدروه َ‬
‫حمَـانِ‪[ } ...‬الرعد‪]30 :‬‬
‫يكفرون بال بل قال‪ { :‬وَهُمْ َي ْكفُرُونَ بِالرّ ْ‬
‫فهم يعيشون ـ رغم كُفْرهم ـ في رزق من ال الرحمن‪ ،‬وكُل ما حولهم وما يُقيتهم وما‬
‫يَسْتمتعون به من ِنعَم عطاءاتٌ من ال‪.‬‬
‫وهم ل يقومون بأداء أيّ من تكاليف ال؛ فكان من اللياقة أن يذكروا َفضْل ال عليهم؛ وأنْ يؤمنوا‬
‫به؛ لن مطلوب اللوهية هو القيام بالعبادة‪.‬‬
‫وهو سبحانه هنا يأتي باسمه " الرحمان "؛ والذي يفيد التطوع بالخير؛ وكان من الواجب أن‬
‫ل أو قوة‪.‬‬
‫ح ْو ٌ‬
‫يقدرُوا هذا الخيْر الذي قدّمه لهم سبحانه‪ ،‬دون أن يكون لهم َ‬
‫وكان يجب أن يعتبروا ويعلنوا أنهم يتجهون إليه سبحانه بالعبادة؛ وأنْ يُنفّذوا التكليف العباديّ‪.‬‬
‫ت المفاوضات بين المسلمين وكفار قريش الذين منعوا رسول ال صلى ال‬
‫وفي صُلْح الحديبية دار ْ‬
‫عليه وسلم من دخول مكة‪ ،‬ولكنهم قَبِلوا التعاهد معه‪ ،‬فكان ذلك اعترافا منهم بمحمد صلى ال‬
‫عليه وسلم وصَحْبه الذين صاروا قوة تُعاهِدُ؛ تأخذ وتعطي‪.‬‬
‫ولذلك نجد سيدنا أبا بكر ـ رضي ال عنه ـ يقول‪ " :‬ما كان في السلم نصرٌ أعظم من َنصْر‬
‫الحديبية "‪.‬‬
‫فقد بدأتْ قريش في الحديبية العترافَ برسول ال وأمة السلم؛ وأخذوا ُهدْنة طويلة تمكّن‬
‫خللها محمد صلى ال عليه وسلم وصحابته من أنْ يغزُوا القبائل التي تعيش حول قريش؛ حيث‬
‫كانت تذهب سَرِية ومعها مُبشّر بدين ال؛ فتُسلِم القبائل قبيلة من َبعْد قبيلة‪.‬‬
‫وهكذا كانت الحديبية هي أعظم نصْر في السلم؛ فقد سكنتْ قريش؛ وتفرّغ رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم ومَنْ معه لدعوة القبائل المحيطة بها للسلم‪.‬‬
‫ولكن الناس لم يتسع ظنّهم لما بين محمد وربّه‪ .‬والعباد دائما َيعْجلون‪ ،‬وال ل َيعْجل بعَجلةِ العباد‬
‫حتّى تبل َغ المورُ ما أراد‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫" وحين جاءت لحظة التعاقد بين رسول ال صلى ال عليه وسلم وبين قريش في الحُديْبية‪ ،‬وبدأ‬
‫عليّ بن أبي طالب في كتابة صيغة المعاهدة‪ ،‬كتب " هذا ما صَالح عليه محمد رسول ال "‬
‫فاعترض سهيل بن عمرو وقال‪ :‬لو شهدتُ أنك رسول ال لم أقاتلك‪ ،‬ولكن اكتب‪ " :‬هذا ما صالح‬
‫عليه محمد بن عبد ال وسهيل بن عمرو "‪.‬‬
‫وأصر صحابة رسول ال صلى ال عليه وسلم على أن تُكتب صفة محمد كرسول‪ ،‬لكن النبي‬
‫صلى ال عليه وسلم قال‪ " :‬وال إني لرسول ال وإن كذبتموني‪ .‬اكتب محمد بن عبد ال "‪.‬‬
‫ولكن عليا ـ كرّم ال وجهه ـ ُيصِرّ على أن يكتب صفة محمد كرسول من ال؛ فيُنطق الحق‬
‫سبحانه رسوله صلى ال عليه وسلم ليقول لعليّ‪ " :‬ستسام مثلها فتقبل‬
‫"‪ .‬ولما تولّى عليّ ـ كرم ال وجهه ـ بعد أبي بكر وعمر وعثمان رضي ال عنهم أجمعين‪،‬‬
‫عقْد معاهدة؛ وكتب الكاتب " هذا ما‬
‫وقامت المعركة بين علي ومعاوية؛ ثم اتفق الطرفان على َ‬
‫قاضى عليه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب " فقال عمرو بن العاص مندوب معاوية‪ " :‬اكتب‬
‫اسمه واسم أبيه‪ ،‬هو أميركم وليس أميرنا "‪.‬‬
‫وهنا تذكّر علي ـ كرم ال وجهه ـ ما قاله سيدنا رسول ال صلى ال عليه وسلم‪ " :‬سَتُسَام مثلها‬
‫فتقبّل " وقَبِلها فقال‪ " :‬امْحُ أمير المؤمنين‪ ،‬واكتب هذا ما قاضى عليه علي بن أبي طالب " "‪.‬‬
‫وتحققت مقولة الرسول صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫ومن الوقائع التي تُث ّبتُ اليمانَ؛ نجد قصة عمار بن ياسر‪ ،‬وكان ضمن صُفوف علي ـ كرّم ال‬
‫وجهه وأرضاه ـ في المواجهة مع معاوية؛ وقتله جُنود معاوية؛ فصرخ المسلمون وقالوا‪ " :‬ويح‬
‫عمار‪ ،‬تقتله الفئة الباغية‪ .‬وهكذا كان رسول ال صلى ال عليه وسلم قد قال‪.‬‬
‫وبذلك َفهِم المسلمون أن الفئة الباغية هي فئة معاوية‪ ،‬وانتقل كثير من المسلمين الذين كانوا في‬
‫صفّ علي بن أبي طالب؛ فذهب عمرو بن العاص إلى معاوية وقال‪ :‬تفشّت في‬
‫صفّ معاوية إلى َ‬
‫َ‬
‫الجيش فَاشِية‪ ،‬إن استمرتْ لن يبقى معنا أحد؛ فقد قتلنا عمار بن ياسر؛ وذكر صحابة رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم قوله‪ " :‬وَيْحَ عمار‪ ،‬تقتله الفِئة البَاغِية " وقد َفهِم المقاتلون معنا أن الفئة‬
‫الباغية هي فئتنا‪.‬‬
‫سعَ في الجيش وقُلْ‪ " :‬إنما قتله مَنْ أخرجه " ويعني عليّا‪.‬‬
‫وكان معاوية من الدهاء بمنزلة؛ فقال‪ :‬ا ْ‬
‫ي قال‪ :‬ومَنْ قتل حمزة بن عبد المطلب‪ ،‬وقد أخرجه للقتال محمد صلى‬
‫ولما وصل هذا القول لعل ّ‬
‫ال عليه وسلم؟!‬
‫‍ وهنا في قول الحق سبحانه‪ } :‬كَ َذِلكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي ُأمّةٍ قَدْ خََلتْ مِن قَبِْلهَآ ُأمَمٌ‪[ { ...‬الرعد‪]30 :‬‬
‫جهْل‬
‫إنما يعني أن الحق قد أرسلك يا محمد بمعجزة تُناسب ما نبغَ فيه قومك‪ ،‬وطََلبُ غير ذلك هو َ‬
‫بواقع الرسالت وتعَنّتٌ يُقصَد منه مزيدٌ من ابتعادهم عن اليمان‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫حمَـانِ ُقلْ ُهوَ رَبّي‪.‬‬
‫وقول الحق سبحانه‪ } :‬وَهُمْ َي ْكفُرُونَ بِالرّ ْ‬
‫‪[ { ..‬الرعد‪]30 :‬‬
‫أي‪ :‬أنهم حين يُعلنون الكفر فأنت تصادمهم بإعلن اليمان‪ ،‬وتقول‪ُ } :‬هوَ رَبّي ل إِلَـاهَ ِإلّ ُهوَ‪...‬‬
‫{ [الرعد‪]30 :‬‬
‫وكلمة " ربي " تنسجم مع كلمة " الرحمان " الذي يُنعِم بالنعم كلها؛ وهو المُتولّي تربيتي؛ ولو لم‬
‫ن يكفي ذلك لعبده وحده ول أشرك به‬
‫سوَى خَلْقي وتربيتي ومَدّي بالحياة ومُقوّماتها؛ لَكا َ‬
‫يفعل ِ‬
‫أحدا‪.‬‬
‫ولو أن النسان قد أشرك بال؛ للتفتَ مرة لذلك الله؛ ومرة أخرى للله الخر؛ ومرة ثالثة للله‬
‫الثالث وهكذا‪ ،‬وشاء ال سبحانه أن يريح النسان من هذا التشتت بعقيدة التوحيد‪.‬‬
‫ن وَرَجُلً‬
‫ويأتي القرآن ليُطمئن القلوب أيضا وليذكر‪ {:‬ضَ َربَ اللّهُ مَثَلً رّجُلً فِيهِ شُ َركَآءُ مُتَشَاكِسُو َ‬
‫ح ْمدُ للّهِ َبلْ َأكْثَرُ ُه ْم لَ َيعَْلمُونَ }[الزمر‪]29 :‬‬
‫جلٍ َهلْ يَسْ َتوِيَانِ مَثَلً الْ َ‬
‫سَلَما لّ َر ُ‬
‫وهكذا يعرض لنا القرآن صورتين‪:‬‬
‫الصورة الولى‪ :‬لرجل يملكه أكثر من سيد‪ ،‬يعارضون بعضهم البعض‪.‬‬
‫والصورة الثانية‪ :‬لرجل آخر‪ ،‬يملكه سيد واحد‪.‬‬
‫ولبُدّ للعقل أن يعلمَ أن السيد الواحد افضل من السياد المتعددين؛ لن تعدّد السياد فساد وإفساد‪،‬‬
‫صفُونَ }‬
‫عمّا َي ِ‬
‫يقول الحق سبحانه‪َ {:‬لوْ كَانَ فِي ِهمَآ آِلهَةٌ ِإلّ اللّهُ َلفَسَدَتَا َفسُبْحَانَ اللّهِ َربّ ا ْلعَرْشِ َ‬
‫[النبياء‪]22 :‬‬
‫والعاقل هو مَنْ ل يُسلّم نفسه إل لسيّد واحد يثق أنه أمين عليه‪ ،‬ونحن في حياتنا نقول‪ :‬ما يحكم به‬
‫فلن أنا أرضى به؛ وقد َوكَلْته في كذا‪ .‬ول أحد مِنّا يُسلّم نفسه إل لمَنْ يرى أنه أمين على هذا‬
‫السلم‪ ،‬ولبُدّ أن يكون أمينا وقويا‪ ،‬ويقدر على تنفيذ مطلوبه‪.‬‬
‫والرسول صلى ال عليه وسلم في المعركة العنيفة مع صناديد قريش قال‪ " :‬إنّي متوكل على ال "‬
‫‪ ،‬وهذه شهادة منه على أنه توكل على القوي المين الحكيم؛ والرسول لم َي ُقلْ توكلت عليه؛ ولكنه‬
‫قال‪ } :‬عَلَيْهِ َت َوكّلْتُ‪[ { ...‬الرعد‪]30 :‬‬
‫والفارق بين ال َقوْلَيْنِ كبير‪ ،‬فحين تقول " عليه توكلت " فأنت َتقْصر التوكّل عليه وحده؛ ولكن إنْ‬
‫ن يمكنك التوكل عليهم‪.‬‬
‫قُلت‪ " :‬توكلت عليه "‪ .‬فأنت تستطيع أن تضيف وتعطف عددا آخر ِممّ ْ‬
‫ولذلك نقول‪ {:‬إِيّاكَ َنعْ ُبدُ‪[} ...‬الفاتحة‪]5 :‬‬
‫ونحصر العبادة فيه وله وحده سبحانه؛ فل تتعداه إلى غيره؛ ولو أنها أُخِ ّرتْ لَجازَ أن يعطف‬
‫عليه‪ .‬و ُيقَال في ذلك " اسم قصر " أي‪ :‬أن العبادة َمقْصورة عليه؛ وكذلك التوكّل‪ُ } .‬قلْ ُهوَ رَبّي‬
‫علَيْهِ َت َوكّ ْلتُ‪[ { ...‬الرعد‪]30 :‬‬
‫ل إِلَـاهَ ِإلّ ُهوَ َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أي‪ :‬أنني ل آخذ أوامري من أحد غيره ومرجعي إليه‪.‬‬
‫ويقول سبحانه من بعد ذلك‪:‬‬
‫} وََلوْ أَنّ قُرْآنا سُيّ َرتْ بِهِ ا ْلجِبَالُ‪{ ...‬‬

‫(‪)1724 /‬‬
‫جمِيعًا َأفََلمْ‬
‫ط َعتْ ِبهِ الْأَ ْرضُ َأوْ كُلّمَ ِبهِ ا ْل َموْتَى َبلْ لِلّهِ الَْأمْرُ َ‬
‫وََلوْ أَنّ قُرْآَنًا سُيّ َرتْ ِبهِ الْجِبَالُ َأوْ ُق ّ‬
‫جمِيعًا وَلَا يَزَالُ الّذِينَ َكفَرُوا ُتصِي ُبهُمْ ِبمَا صَ َنعُوا‬
‫يَيْئَسِ الّذِينَ َآمَنُوا أَنْ َلوْ يَشَاءُ اللّهُ َلهَدَى النّاسَ َ‬
‫ي وَعْدُ اللّهِ إِنّ اللّهَ لَا ُيخِْلفُ ا ْلمِيعَادَ (‪)31‬‬
‫حلّ قَرِيبًا مِنْ دَارِ ِهمْ حَتّى يَأْ ِت َ‬
‫قَارِعَةٌ َأوْ َت ُ‬

‫و (لو) حَرْف شَرْط يلزم لها جوابُ شَرْطٍ‪ ،‬وقد ترك الحق سبحانه جواب الشّرْط هنا اعتمادا على‬
‫يقظة ال ُمسْتمع‪ .‬وإنْ كان مثل هذا القول ناقصا حين ننطق نحن به‪ ،‬فهو ليس كذلك حين يأتي من‬
‫َقوْل ال سبحانه؛ فهو كامل فيمن تكلّم‪ ،‬وقد تركها ليقظة المُسْتمِع للقرآن الذي يبتدر المعاني‪،‬‬
‫ويتذكّر مع هذه الية قوله الحق‪ {:‬وََلوْ نَزّلْنَا عَلَ ْيكَ كِتَابا فِي قِ ْرطَاسٍ فََلمَسُوهُ بِأَيْدِي ِهمْ َلقَالَ الّذِينَ‬
‫سحْرٌ مّبِينٌ }[النعام‪]7 :‬‬
‫َكفَرُواْ إِنْ هَـاذَآ ِإلّ ِ‬
‫شيْءٍ‬
‫وكذلك قول الحق سبحانه‪ {:‬وََلوْ أَنّنَا نَزّلْنَآ إِلَ ْي ِهمُ ا ْلمَل ِئكَ َة َوكَّل َمهُمُ ا ْل َموْتَىا وَحَشَرْنَا عَلَ ْي ِهمْ ُكلّ َ‬
‫جهَلُونَ }[النعام‪]111 :‬‬
‫قُبُلً مّا كَانُواْ لِ ُي ْؤمِنُواْ ِإلّ أَن يَشَآءَ اللّهُ وَلَـاكِنّ َأكْثَرَ ُهمْ يَ ْ‬
‫إذن‪ :‬من كل نظائر تلك الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها نأخذ جواب الشرط المناسب لها من‬
‫ط َعتْ به الرض‪ ،‬أو كُلّمَ به ال ُموْتى‬
‫تلك اليات؛ فيكون المعنى‪ :‬لو أن قُرْآنا سُيّرتْ به الجبال‪ ،‬أو قُ ّ‬
‫َلمَا آمنوا‪.‬‬
‫ويُ ْروَى أن بعضا من مُشْرِكي قريش مثل‪ :‬أبي جهل وعبد ال ابن أبي أمية جَلَسَا خلف الكعبة‬
‫وأرسل إلى رسول ال صلى ال عليه وسلم؛ وقال له عبد ال‪ :‬إن سَرّك أن نتبعك فَسَيّر لنا جبال‬
‫مكة بالقرآن‪ ،‬فأذهبها عَنّا حتى تنفسح‪ ،‬فإنها أرض ضيّقة‪ ،‬واجعل لنا فيها عيونا وأنهارا‪ ،‬حتى‬
‫نغرس ونزرع‪ ،‬فلستَ ـ كما زع ْمتَ ـ بأهْونَ على ربّك من داود حين سخّر له الجبال تسير‬
‫معه‪ ،‬وسَخّر لنا الرّيح فنركبها إلى الشام نقضي عليها مَيْرتنا وحوائجنا‪ ،‬ثم نرجع من يومنا‪ ،‬فقد‬
‫جدّك‪ ،‬أو‬
‫صبَ َ‬
‫ستَ بأهونَ على ربّك من سليمان‪ ،‬وأحْيي لنا َق َ‬
‫سخّ َرتْ الريحُ لسليمانَ بن داود‪ ،‬ول ْ‬
‫مَنْ شئتَ أنت من موتانا نسأله‪ ،‬أحقّ ما تقول أنت أم باطل؟ فإن عيسى كان يُحيي ال ُموْتَى‪ ،‬ولستَ‬
‫بأهونَ على ال منه‪ ،‬فأنزل الحق سبحانه هذه الية وما قبلها للرد عليهم‪.‬‬
‫وكانت تلك كلها مسائل يتل ّككُونَ بها ليبتعدوا عن اليمان؛ فالرسول صلى ال عليه وسلم قد جاء‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫حمِل منهج السماء إلى أنْ تقومَ الساعة‪.‬‬
‫بمعجزة من جِنْس ما نَ ِبغُوا فيه؛ وجاء القرآن يَ ْ‬
‫وقد طلبوا أنْ تبتعد جبال مكة ليكونَ الوادي فسيحا؛ ليزرعوا ويحصدوا؛ وطلبوا تقطيع الرض‪،‬‬
‫حفْر جداول من المياه‪ ،‬وقد قال الكافرون‪ {:‬لَن ّن ْؤمِنَ‬
‫أي‪َ :‬فصْل بقعة عن بقعة؛ وكان هذا يحدث ِب َ‬
‫ن الَ ْرضِ يَنْبُوعا }[السراء‪]90 :‬‬
‫َلكَ حَتّىا َتفْجُرَ لَنَا مِ َ‬
‫والمراد من تقطيع الرض ـ حسب مطلوبهم ـ أن تقصُرَ المسافة بين مكان وآخر‪ ،‬بحيث‬
‫يستطيع السائر أنْ يستريح كل فَتْرة؛ فالمسافر يترك في كل خطوة من خطواته أرضا؛ ويصل إلى‬
‫أرض أخرى‪ ،‬و ُكلّ يقطع الرض على حَسْب قدرته ووسيلة المواصلت التي يستخدمها‪.‬‬
‫فالمُتْرَف يريد أن يكون المسافة كبيرة بين قطعة الرض والخرى؛ لنه يملك الجِيَاد التي يمكن‬
‫أن يقطع بها المسافة بسهولة‪ ،‬أما مَنْ ليس لديه مطية؛ فهو يحب أن تكون المسافات قريبة‬
‫ليستطيع أنْ يستريح‪.‬‬
‫ونلحظ أن ذلك في زماننا المعاصر‪ ،‬فحين زادَ الترف صارتْ السيارات تقطَع المسافة من القاهرة‬
‫عكْس ما كان يحدث قديما حين كانت السيارات تحتاج إلى راحة‬
‫إلى السكندرية دون توقّف؛ َ‬
‫ومعها المسافرون بها‪ ،‬فيتوقفون في مُنتصَفِ الطريق‪.‬‬
‫سفَارِنَا َوظََلمُواْ‬
‫ومثل ذلك قد حدث في مملكة سبأ‪ ،‬يقول الحق سبحانه‪َ {:‬فقَالُواْ رَبّنَا بَاعِدْ بَيْنَ َأ ْ‬
‫سهُمْ‪[} ...‬سبأ‪]19 :‬‬
‫أَنفُ َ‬
‫أي‪ :‬اجعل المسافة بين مكان وآخر بعيدة‪ ،‬كي يتمتع المُسافِر القادرُ بالمناظر الطيبة‪.‬‬
‫ولحظنا أيضا تمادي المشركين من قريش في طلب المعجزات الخارقة؛ بأنْ طلبوا إحياء ال َموْتى‬
‫في قول الحق سبحانه‪َ } :‬أوْ كُلّمَ ِبهِ ا ْل َموْتَىا‪[ { ...‬الرعد‪]31 :‬‬
‫حقّ ما جاء به‬
‫وبعضهم طلب إحياء قصي بن كلب الجد الكبر لرسول ال ولقريش؛ ليسألوه‪ :‬أ َ‬
‫محمد؟ ولكن القرآن لم يَ ْأتِ لِمثْل تلك المور؛ وحتى لو كان قد جاء بها َلمَا آمنوا‪.‬‬
‫ومهمة القرآن تتركز في أنه منهج خَا َتمٌ صالح لكل عصر؛ وتلك معجزته‪.‬‬
‫جمِيعا‪[ { ...‬الرعد‪]31 :‬‬
‫لمْرُ َ‬
‫ويقول سبحانه‪ } :‬بَل للّ ِه ا َ‬
‫وكلمة " أمر " تدلّ على أنه شيء واحد‪ ،‬وكلمة " جميعا " تدل على مُتعدّد‪ ،‬وهكذا نجد أن تعدّد‬
‫الرسالت وال ُمعْجِزات إنما يدلّ على أن ُكلّ من أمر تلك الرسالت إنما صدرَ عن الحق سبحانه؛‬
‫وهو الذي اختار كلّ ُمعْجزة لتناسب القومَ الذين ينزل فيهم الرسول‪.‬‬
‫جمِيعا‪[ { ...‬الرعد‪]31 :‬‬
‫ويتابع سبحانه‪َ } :‬أفَلَمْ يَيْأَسِ الّذِينَ آمَنُواْ أَن ّلوْ يَشَآءُ اللّهُ َل َهدَى النّاسَ َ‬
‫وكلمة " ييأس " ُيقَال إنها هنا بمعنى " يعلم "؛ فهي لغة بلهجة قريش‪ ،‬أي‪ :‬ألم يعلم الذين آمنوا أن‬
‫هؤلء الكفار لم يهتدوا؛ لن ال لم يَشَأ هدايتهم‪.‬‬
‫خفّ الجهد عن الفئة المسلمة؛ فل‬
‫وكان المؤمنون يودّون أن يؤمنَ صناديدُ قريش كي َي ِ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يضطهدونهم‪ ،‬ول يضايقونهم في أرزاقهم ول في عيالهم‪.‬‬
‫ويوضح الحق سبحانه هنا أن تلك المسألةَ ليست مُرتبطة برغبة المؤمن من هؤلء؛ بل اليمان‬
‫مسألة تتطلب أنْ يُخرِج النسان ما في قلبه من عقيدة‪ ،‬وينظر إلى القضايا بتجرّد‪ ،‬وما يقتنع به‬
‫يُدخِله في قلبه‪.‬‬
‫وبذلك يمتلئ الوعَاء العقديّ بما يُفيد؛ كي ل تدخل في قلبك عقيدة‪ ،‬ول تأتي عقيدة أخرى تطردُ‬
‫ج ْوفِهِ‪} ...‬‬
‫جلٍ مّن قَلْبَيْنِ فِي َ‬
‫ج َعلَ اللّهُ لِرَ ُ‬
‫عمّا تعتقد‪ ،‬يقول تعالى‪ {:‬مّا َ‬
‫العقيدة‪ ،‬أو تُزيغ قلبك َ‬
‫[الحزاب‪]4 :‬‬
‫فالوعاء القلبي كالوعاء الماديّ تماما؛ ل يقبل أنْ يتداخل فيه جِ ْرمَان أبدا‪ ،‬فإنْ دخل جِرْم على‬
‫جِرْم؛ إنْ كان أقوى فهو يطرد من القلب الَدْنى منه‪.‬‬
‫والم َثلُ على ذلك‪ :‬لنفترض أن عندنا إناءً ممتلئا عن آخره؛ ويحاول واحدٌ منا أنْ يضعَ فيه كُرةً‬
‫صغيرة من الحديد؛ هنا سيجد أن الماءَ يفيضُ من حَوافّ الناء بما يُوازِي حجم كرة الحديد‪ ،‬وهذا‬
‫ما يحدث في الناء الماديّ‪ ،‬وكذلك الحال في الناء ال َعقَديّ‪.‬‬
‫ولذلك يقول الحق سبحانه في الحديث القدسي‪:‬‬
‫" ل يجتمع حبي وحب الدنيا في قلب "‪.‬‬
‫وهكذا نرى أن هناك حَيّزا للمعاني أيضا مثلما يوجد حَيّز للمادة‪ ،‬فإذا كنتَ تريد ـ حقيقةَ ـ أن‬
‫تُدخِل المعاني ال َعقَدية الصحيحة في قلبك؛ فل ُبدّ لك من أنْ تطر َد أولً المعاني المناقضة من حَيّز‬
‫حثْ بالدلة عن مدى صلحية أيّ من المعنيين؛ وما تجده قويّ الدليل؛ صحيحَ‬
‫القلب‪ ،‬ثم اب َ‬
‫المنطق؛ موفو َر القوة والحُجّة؛ فَأدخِلْه في قلبك‪.‬‬
‫ولم يفعل الكفار هكذا؛ بل تما َدوْا في ال َغيّ إصرارا على ما يعتقدون من عقيدة فاسدة؛ أما مَنْ أسلم‬
‫منهم فقد أخرج من قلبه العقيدة القديمة؛ ولم ُيصِر على ال ُمعْتَنق القديم؛ بل درسَ وقارنَ؛ فأسرع‬
‫إلى السلم‪.‬‬
‫أما مَنْ كان قلبه مشغولً بالعقيدة السابقة؛ ويريد أنْ يُدخِل العقيدة السلمية في قلبه؛ فهو لم ينجح‬
‫في ذلك؛ لن قلبه مشغولٌ بالعقيدة القديمة‪.‬‬
‫وإذا كنت يا رسول ال صلى ال عليه وسلم تريد من هؤلء أن يؤمنوا؛ فلبد أن يعتمد ذلك على‬
‫ح والفضل بين العقيدتين‪.‬‬
‫إرادتهم‪ ،‬وأنْ يُخرِجوا من قلوبهم العقيدة الفاسدة؛ وأنْ يبحثوا عن الص ّ‬
‫ولذلك يعلمنا الحق سبحانه كيف نصل إلى الحقائق بسهولة‪ ،‬فيقول لرسوله صلى ال عليه وسلم‪{:‬‬
‫ظكُمْ ِبوَاحِ َدةٍ أَن َتقُومُواْ لِلّهِ مَثْنَىا َوفُرَادَىا ثُمّ تَ َتفَكّرُواْ مَا ِبصَاحِ ِبكُمْ مّن جِنّةٍ‪[} ...‬سبأ‪:‬‬
‫ُقلْ إِ ّنمَآ أَعِ ُ‬
‫‪]46‬‬
‫أي‪ُ :‬قلْ يا محمد ِلمَنْ كفر بك‪ :‬إنّي أعظكم عِظَة‪ ،‬وأنت ل َتعِظ إل مَنْ تحب أن يكون على الحق؛‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫علَيْهِ مَا عَنِتّمْ حَرِيصٌ عَلَ ْيكُمْ‬
‫سكُمْ عَزِيزٌ َ‬
‫وهذا يُفسر قول الحق سبحانه‪َ {:‬لقَدْ جَآ َءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُ ِ‬
‫بِا ْل ُم ْؤمِنِينَ َرءُوفٌ رّحِيمٌ }[التوبة‪]128 :‬‬
‫ولهذا يريد صلى ال عليه وسلم أن تكونوا مؤمنين؛ لذلك يدعوكم أن تقوموا ل؛ ل لِجَاهِ أحد‬
‫غيره؛ لن جاه أيّ كائن سيزول َم ْهمَا كان هذا الواحد‪ ،‬ول تقولن لنفسك‪ :‬إن العبيد سيتساوون‬
‫معك‪.‬‬
‫بل قُمْ ل إما مثنى أي أن تكون قائما ومعك آخر؛ أو يقوم غيرك اثنين اثنين ليناقش كل منكم مع‬
‫من يجلس معه؛ ول يتحيز أحد منكم لِفكْر مُسْبق بل يُوجّه فكره كله متجردا ل‪.‬‬
‫وليتساءل كل واحد‪ :‬محمد هذا‪ ،‬صفته كذا وكذا‪ ،‬وقد فعل كذا‪ ،‬والقرآن الذي جاء به يقول كذا‪،‬‬
‫وسيجد الواحد منكم نفسه وقد اهتدى للحق بينه وبين نفسه‪ ،‬وبينه وبين مَنْ جلس معه ليناقشه‬
‫فيستعرضان معه تاريخ محمد صلى ال عليه وسلم وما جاء به‪.‬‬
‫وحين يتناقش اثنان لن يخاف أيّ منهما أن يهزمه الخر‪ ،‬لكن لو انضمّ إليهما ثالثٌ؛ فكل واحد‬
‫يريد أن يعتز برأيه؛ ويرفض أن يقبل رَأْي إنسان غيره‪ ،‬ويخشى أن يُعتبر مهزوما في المناقشة؛‬
‫ويرفض لنفسه احتمال أنْ يستصغره أحد‪.‬‬
‫ولذلك قال الحق سبحانه‪ {:‬مَثْنَىا َوفُرَادَىا ثُمّ تَ َت َفكّرُواْ مَا ِبصَاحِ ِبكُمْ مّن جِنّةٍ‪[} ...‬سبأ‪]46 :‬‬
‫و " الجِنّة " هي اختلل العقل؛ أي‪ :‬أن مَنْ به جِنّة إنما يتصرف ويسلُك بأعمال ل يرتضيها العقل‪.‬‬
‫ويقرن الحق سبحانه بين العقل وبين الخُلُق‪ ،‬فيقول‪ {:‬وَإِ ّنكَ َلعَلَىا خُلُقٍ عَظِيمٍ }[القلم‪]4 :‬‬
‫ويُقَال‪ :‬فلن على خُلق‪ .‬أي‪ :‬يملك من الصفات ما يجعله على الجَادّة من الفضائل؛ مثل الصّدْق‬
‫والمانة؛ وهذه صفاتٌ يَنْظِمها في مواقفها ال ِفكْر العقليّ؛ وهو الذي يُميّز لنا أيّ المواقف تحتاج‬
‫إلى شِدّة؛ أو لِينٍ؛ أو حكمة‪ ،‬وكلّ هذه أمور يُرتّبها العقل‪.‬‬
‫والخُلُق الرفيع ل يصدر عن مجنون؛ لنه ل يعرف كيف يختار بين البدائل؛ لذلك ل نحاسبه‬
‫نحن؛ ول يحاسبه ال أيضا‪.‬‬
‫وحين يأمرهم الحق سبحانه أن يبحثوا‪ :‬هل محمد يعاني من جِنّة؟ فالحق سبحانه يعلم مُقدّما أن‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم بشهادتهم يتمتّع بكمال الخلق؛ بدليل أن أه ّم ما كانوا يملكونه كانوا‬
‫يستأمنون عليه رسول ال صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫وبدليل أنه صلى ال عليه وسلم حينما دخل عليهم وكانوا مختلفين في أمر بناء الكعبة؛ ارتضوه‬
‫حكَما‪.‬‬
‫َ‬
‫ولذلك يقول سبحانه‪ {:‬ن وَا ْلقَلَ ِم َومَا َيسْطُرُونَ * مَآ أَنتَ بِ ِن ْعمَةِ رَ ّبكَ ِب َمجْنُونٍ }[القلم‪]2-1 :‬‬
‫وهكذا رأينا أن هؤلء الكفار ما كانوا ليؤمنوا؛ ولم َيكُنِ الُ لِيهدِيَهم؛ لنهم كانوا ل يملكون أَدْنى‬
‫استعداد للهداية؛ وكأنهم أدمنُوا الكفر والعياذ بال؛ وقد طبع ال على قلوبهم فزادهم كفرا؛ فما في‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫تلك القلوب من كفر ل يخرج منها؛ وما بخارجها ل يدخل فيها‪.‬‬
‫وقد ظَنّ بعض من المسلمين أن ُكفْر هؤلء قد يُشقِي المؤمنين بزيادة العَنتِ من الكافرين ضدهم؛‬
‫لذلك يوضح الحق سبحانه لهل اليمان أن َنصْره قريب‪ ،‬فيقول سبحانه‪َ ...} :‬ولَ يَزَالُ الّذِينَ‬
‫ي وَعْدُ اللّهِ إِنّ اللّ َه لَ يُخِْلفُ‬
‫حلّ قَرِيبا مّن دَارِ ِهمْ حَتّىا يَأْ ِت َ‬
‫َكفَرُواْ ُتصِي ُبهُم ِبمَا صَ َنعُواْ قَارِعَةٌ َأوْ تَ ُ‬
‫ا ْلمِيعَادَ { [الرعد‪]31 :‬‬
‫أي‪ :‬اطمئنوا يا أهل اليمان؛ فلن يظلّ حال أهل الكفر على ما هو عليه؛ بل ستصيبهم الكوارث‬
‫وهم في أماكنهم‪ ،‬وسيشاهدون بأعينهم كيف ينتشر اليمان في المواقع التي يسودونها؛ وتتسع‬
‫ق في‬
‫رقعةُ أرض اليمان‪ ،‬وتضيق رقعة أهل الكفر؛ ثم يأتي َنصْر ال وقد جاء َنصْر ال ولم يَ ْب َ‬
‫الجزيرة العربية إل مَنْ يقول‪ " :‬ل إله إل ال‪ ،‬محمد رسول ال "‪.‬‬
‫وهكذا تنبأتْ الية بمجيء المل بعد اليأس‪ ،‬كي ل يظلّ اليأس مُسَيْطرا على حركة المسلمين‬
‫وعلى نفوسهم‪ ،‬واستجاب الحق سبحانه لدعوته صلى ال عليه وسلم حين دعاه قائلً‪ " :‬اللهم‬
‫اجعلها عليهم سنين كسنين يوسف "‪.‬‬
‫وقُتِل صناديدُهم واحدا وراء الخر؛ ولكن عنادهم استمر؛ وبلغ العناد حَدّ أن ابن َتيْ رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم كانتا مُتزوّجتيْنِ من ابنيْ أبي َل َهبٍ؛ فلما أعلن النبي صلى ال عليه وسلم‬
‫رسالته؛ قال أبو لهب وزوجته‪ :‬لبد أن يُطلّق أبناؤنا بنات محمد؛ فلما طلّق أوّلهما بنت رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم دعا رسول ال صلى ال عليه وسلم قائلً‪:‬‬
‫" أما إني أسأل ال أن يسلط عليه كلبه "‪.‬‬
‫وها هو أبو لهب الكافر يقول‪ " :‬ل تزال دعوة محمد على ابني تشغل بَالي وتُقلِقني‪ ،‬وأخاف أن‬
‫أبعث بولدي إلى رحلة الشام كي ل تستجيب السماءُ لدعوة محمد "‪.‬‬
‫وكان من المناسب ألّ يخاف‪ ،‬وجاء ميعاد السفر لقافلة الشام‪ .‬وسافر أبو َل َهبٍ مع ولديه‪ ،‬وحين‬
‫جاء ميعاد النوم أمر أبو لهب الرجال أن يقيموا سياجا حول ولده ـ وكأن الرجال حوله كخط‬
‫بارليف الذي بنتْه إسرائيل على قناة السويس ليمنع عنها صَيْحة النصر التي حملت صرخة ال‬
‫أكبر ـ ثم أصبح الصبح فوجدوا أن وحشا قد نهش ابن أبي َلهَب‪.‬‬
‫وقال الناس‪ :‬كان أبو َلهَب يخشى دعوة محمد؛ ورغم ذلك فقد تحققت‪ .‬فقال واحد‪ :‬ولكن محمدا‬
‫شكَ سبع‪ ،‬فرد عليه مَنْ‬
‫دعا أن ينهشَه كلب وقال له " أكلك كلب من كلب ال " ولم َيقُلْ فلينه ْ‬
‫سمعه‪ :‬وهل إذا نُسب كلب ال أيكون كلبا؟ لبد أن يكون الكائن المنسوب ل كبيرا‪.‬‬
‫وهكذا َد ّقتْ القارعة بيت الرجل الذي أصرّ على الكفر‪ ،‬وتحقق قول ال‪َ } :‬ولَ يَزَالُ الّذِينَ َكفَرُواْ‬
‫حلّ قَرِيبا مّن دَارِهِمْ‪[ { ...‬الرعد‪]31 :‬‬
‫عةٌ َأوْ تَ ُ‬
‫ُتصِي ُبهُم ِبمَا صَ َنعُواْ قَارِ َ‬
‫نعم‪ ،‬فهم قد أسرفوا في ال ُكفْر والعِناد؛ فجاءتْهم القارعة؛ والقارعة هي الشيء الذي يطرق بعنف‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫على هادئ ساكن‪ ،‬ومنها نأخذ قَرْع الباب‪ ،‬وهناك فَرْق بين " َنقْر البابِ " و " قَرْع الباب "‪.‬‬
‫حلّ قَرِيبا مّن دَارِهِمْ‪[ { ...‬الرعد‪]31 :‬‬
‫وقَوْل الحق سبحانه‪َ } :‬أوْ تَ ُ‬
‫يُوضّحه أمْر صُلْح الحديبية الذي جاء بشارةً للمسلمين؛ فقد صار كفار قريش يفاوضون رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وكان النبي صلى ال عليه وسلم يبعث بالسرايا إلى المناطق المحيطة بمكة؛‬
‫فتأتي القبائل أفواجا وهي تعلن إسلمها؛ ويبلغ ذلك قريشا بأن السلم يواصل َزحْفه؛ ثم تأتيهم‬
‫القارعة بأن يدخل الرسول صلى ال عليه وسلم مكة؛ ويتحقق وعد ال بأن يدخلوا هم أيضا إلى‬
‫حظيرة السلم‪.‬‬
‫ي وَعْدُ اللّهِ‪[ { ...‬الرعد‪]31 :‬‬
‫أو‪ :‬أن يكون المقصود بـ‪ } :‬حَتّىا يَأْ ِت َ‬
‫حلّ عليهم ما يستحقونه من عذاب‪.‬‬
‫هو مجيء يوم القيامة الذي يحمل وَعْد ال بأن ي ُ‬
‫وفي هذا القول تطمين ِلمَنْ قال الحق سبحانه في أول هذه الية‪َ } :‬أفَلَمْ يَيَْأسِ‪[ { ...‬الرعد‪]31 :‬‬
‫ذلك أن ال ل يُخلِف وعده‪ ،‬وهو القائل في تذييل هذه الية‪...} :‬إِنّ اللّ َه لَ يُخِْلفُ ا ْلمِيعَادَ { [الرعد‪:‬‬
‫‪]31‬‬
‫ونعلم أن كلمة " وَعْد " عادة تأتي في الخير‪ ،‬أما كلمة " وعيد " فيه فتأتي غالبا في الشر‪.‬‬
‫والشاعر يقول‪:‬وَإنّي إذَا َأوْعدْتُه َأوْ وْعدْتُه َلمُنجِزٌ مِيعَادِي ومُخِلفٌ َموْعِديفاليعاد دائما يكون ِبشَرّ؛‬
‫والوَعْد يعني الخير‪ ،‬إل أن بعض العرب يستعمل الثنين‪ .‬أو نستطيع أن نقول‪ :‬إن المسألة بتعبير‬
‫حوْل ديارهم‪ ،‬وفي‬
‫المؤمنين؛ أن ال سينصر المؤمنين بالقارعة التي تصيب أهل الكفر؛ أو تأتي َ‬
‫ذلك وَعْد يُصبّر به سبحانه المؤمنين؛ وهو في نفس الوقت وعيدٌ بالنسبة للكافرين‪.‬‬
‫وقوله سبحانه‪...} :‬إِنّ اللّ َه لَ يُخِْلفُ ا ْلمِيعَادَ { [الرعد‪]31 :‬‬
‫هو قضية قرآنية ستتحقق حَتْما؛ في كل عصر وأوان‪ ،‬إذا ما أخذ المسلمون بأسباب اليمان؛ وهي‬
‫كقضية تختلف عن وَعْد أو وَعِيد البشر؛ لن النسان قد َيعِد أو يتوعّد؛ لكن أغيار الحياة ُتصِيبه؛‬
‫فتُعطل قدرته على إنفاذ الوَعْد أو الوعيد‪.‬‬
‫أما حين َي ِع ُد ال فالمر يختلف؛ لن وَعْده هو وَعْد مُطْلق؛ وهذا هو معنى‪...} :‬إِنّ اللّ َه لَ يُخِْلفُ‬
‫ا ْلمِيعَادَ { [الرعد‪]31 :‬‬
‫يقول الحق سبحانه بعد ذلك‪:‬‬
‫سلٍ مّن‪{ ...‬‬
‫} وََلقَدِ اسْ ُتهْ ِزئَ بِ ُر ُ‬

‫(‪)1725 /‬‬
‫عقَابِ (‪)32‬‬
‫سلٍ مِنْ قَبِْلكَ فََأمْلَ ْيتُ لِلّذِينَ َكفَرُوا ثُمّ َأخَذْ ُتهُمْ َفكَيْفَ كَانَ ِ‬
‫وَلَقَدِ اسْ ُتهْ ِزئَ بِرُ ُ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫طلِب من الغير أنْ يهزأ بشخص‬
‫ويقال " هَزَأ بفلن " أي‪ :‬سخر منه‪ ،‬أما " اسْتُهزِئ بفلن " أي‪ُ :‬‬
‫معين‪ ،‬وهذا عليه إثمه وإثم مَنْ أوعز له بالسخرية من هذا الشخص‪.‬‬
‫سلٍ مّن قَبِْلكَ‪[ } ...‬الرعد‪]32 :‬‬
‫وقول الحق سبحانه‪ { :‬وََلقَدِ اسْ ُتهْ ِزئَ بِرُ ُ‬
‫حكَم بين أبي‬
‫أي‪ :‬لستَ بِدعا يا محمد في أن يقف بعض الكافرين منك هذا الموقف‪ .‬والم َثلُ هو ال َ‬
‫العاص أبو مروان الذي كان يُقلّد مشية النبي صلى ال عليه وسلم؛ وكان رسول ال يمشي كأنما‬
‫يتحدّر من صبب؛ وكان بصره دائما في الرض‪.‬‬
‫" ولم يكن الناس ُمعْتادين على تلك المِشْية الخاشعة؛ فقد كانوا يسيرون بغرور مستعرضين‬
‫مناكبهم‪.‬‬
‫ح َكمُ رسول ال رآه صلى ال عليه وسلم بنور البصيرة‪ ،‬فقال له صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫وحين قَلّد ال َ‬
‫" كُنْ على هذا " ‪ ،‬فصارت مِشْيته عاهة‪ ،‬بينما كانت مِشْية رسول ال تطامنا إلى ربه‪ ،‬وتواضعا‬
‫منه صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫حكَم إلى الطائف؛ وراح يَرْعى الغنم هناك‪ ،‬ولم َيعْفُ النبي‬
‫ونفَى رسول ال صلى ال عليه وسلم ال َ‬
‫صلى ال عليه وسلم عنه؛ وكذلك أبو بكر في خلفته؛ ول عمر بن الخطاب؛ ولكن الذي عفا عنه‬
‫هو عثمان بن عفان‪ ،‬وكان قريبا له‪.‬‬
‫وشهد عثمان بن عفان وقال‪ " :‬وال لقد استأذنتُ رسول ال فيه فقال لي‪ :‬إن استطعت أن تعفوَ‬
‫ع َف ْوتُ عنه "‪.‬‬
‫عفُ‪ ،‬وحين وَلِيتُ أمرَ المسلمين َ‬
‫عنه فَا ْ‬
‫وحدث من بعد ذلك أن تولّى عبد الملك بن مروان أمر المسلمين؛ وكان لبنه الوليد خَيْل تتنافس‬
‫مع خيل أولد يزيد بن معاوية؛ واحتال أولد يزيد بالغش‪ ،‬ووضعوا ما يُعرقِل خَيْل الوليد‪.‬‬
‫وحدث خلف بين الفريقين فشتم الوليدُ أبناء يزيد؛ فذهب أولد يزيد إلى عبد الملك يشكُون له‬
‫ولده؛ وكان الذي يشكو ل يتقن نُطْق العربية دون أخطأ؛ فقال له عبد الملك‪ :‬مَا َلكَ ل تقيم لسانك‬
‫من اللحْن؟ فردّ الذي يشكو ساخرا‪ " :‬وال لقد أعجبتْنِي فصاحةُ الوليد "‪ .‬ويعني‪ :‬أن حال لسان ابن‬
‫عبد الملك ل يختلف عن حال لسان مَنْ يشكو؛ فكلهما ل ينطق ِبسَلسَة‪ ،‬ويكثر اللحْنَ في النّطْق‬
‫بالعربية‪.‬‬
‫فقال عبد الملك‪ :‬أَتُعيّرني بعبد ال ابني الذي ل يُتقِن العربية دون َلحْن؟ إن أخاه خالدا ل يلحن‪.‬‬
‫ت في العِير ول في ال ّنفِير‪.‬‬
‫وتبع ذلك بقوله‪ :‬اس ُكتْ يا هذا‪ ،‬فلس َ‬
‫وهذا مَ َثلٌ نقوله حاليا‪ ،‬وقد جاء إلينا عَبْر قريش؛ حيث كانت السلطةُ فيها ذات َمصْدرين؛ مصدر‬
‫العِير؛ أي‪ :‬التجارة التي تأتي من القوافل عَبْر الشام وقائدها أبو سفيان؛ وال ّنفِير؛ وهم ال َقوْم الذين‬
‫َنفَرُوا لِنجْد ِة أبي سفيان في موقعة بدر؛ وكان يقودهم عتبة‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫فقال ابن يزيد‪ :‬ومَنْ َأوْلَى بالعِير وال ّنفِير منّي؟ ويعني أنه حفيدُ أبي سفيان من ناحية الب؛ وحفيدُ‬
‫عُتْبة من ناحية الم‪.‬‬
‫شوَيْهات وغُنَيْمات وذكرت الطائف لكنتَ على حق؛ ورَحِم ال عثمان الذي‬
‫وأضاف‪ :‬لكن لو قُلْت ُ‬
‫عفَا عن جَدّك‪ ،‬وأرجعه من المَنْفى‪.‬‬
‫ونعلم أن الحق سبحانه وتعالى قال لرسوله صلى ال عليه وسلم‪ {:‬إِنّا َكفَيْنَاكَ ا ْلمُسْ َتهْزِئِينَ }[الحجر‪:‬‬
‫‪]95‬‬
‫وكان أيّ إنسان يسخر من رسول ال صلى ال عليه وسلم يَ ْلقَى عقابا إلهيا‪.‬‬
‫سلٍ مّن قَبِْلكَ فََأمْلَ ْيتُ لِلّذِينَ كَفَرُواْ ثُمّ أَخَذْ ُت ُهمْ َفكَ ْيفَ‬
‫وهنا يقول الحق سبحانه‪ } :‬وََلقَدِ اسْ ُتهْ ِزئَ بِرُ ُ‬
‫عقَابِ { [الرعد‪]32 :‬‬
‫كَانَ ِ‬
‫فأنت يا رسول ال لستَ بِدْعا في الرسالة‪ ،‬ولك أسوة في الرسالة‪ ،‬والحق سبحانه َيعِ ُدكَ هنا في‬
‫حكَم كتابه‪ } :‬فََأمْلَ ْيتُ لِلّذِينَ َكفَرُواْ‪[ { ...‬الرعد‪]32 :‬‬
‫مُ ْ‬
‫أي‪ :‬أمهلتُ الذين كفروا‪ ،‬والملء بمعنى المهال ليس معناه تَرْك العقوبة على الذّنْب‪ ،‬وإنما تأخير‬
‫العقوبة لذنب قادم‪ ،‬والمَثَل هو أن تترك مخطئا ارتكبَ َهفْوة؛ إلى أنْ يرتكب َهفْوة ثانية؛ ثم ثالثة‪،‬‬
‫ثم تُنْزِل به العقاب من حيثُ ل يتوقع‪.‬‬
‫وإذا كان هذا ما يحدث في عالم البشر؛ فما بَالُنا بقوة الحق سبحانه اللمتناهية‪ ،‬وهو القائل‪{:‬‬
‫ث لَ َيعَْلمُونَ }[العراف‪]182 :‬‬
‫ج ُهمْ مّنْ حَ ْي ُ‬
‫سَنَسْ َتدْرِ ُ‬
‫سهِمْ إِ ّنمَا ُنمْلِي َل ُهمْ لِيَزْدَادُواْ إِ ْثمَا‬
‫حسَبَنّ الّذِينَ كَفَرُواْ أَ ّنمَا ُنمْلِي َلهُمْ خَيْ ٌر لَنْفُ ِ‬
‫ويقول تعالى‪َ {:‬ولَ يَ ْ‬
‫وََلهْمُ عَذَابٌ ّمهِينٌ }[آل عمران‪]178 :‬‬
‫تماما مِثْلما نجد مَنْ يصنع فَخّا لعدوه‪.‬‬
‫سلٍ مّن قَبِْلكَ فََأمْلَ ْيتُ لِلّذِينَ كَفَرُواْ ثُمّ أَخَذْ ُت ُهمْ َفكَ ْيفَ‬
‫وهنا يقول الحق سبحانه‪ } :‬وََلقَدِ اسْ ُتهْ ِزئَ بِرُ ُ‬
‫عقَابِ { [الرعد‪]32 :‬‬
‫كَانَ ِ‬
‫عقَابِ { [الرعد‪]32 :‬‬
‫وكلمة‪َ ...} :‬فكَ ْيفَ كَانَ ِ‬
‫توضح أنه كان عقابا صارما؛ ولذلك يقول الحق سبحانه في موقع آخر‪ {:‬إِنّ الّذِينَ َأجْ َرمُواْ كَانُواْ‬
‫حكُونَ * وَإِذَا مَرّواْ ِبهِمْ يَ َتغَامَزُونَ * وَإِذَا انقَلَبُواْ إِلَىا أَ ْهِلهِ ُم انقَلَبُواْ َف ِكهِينَ *‬
‫مِنَ الّذِينَ آمَنُواْ َيضْ َ‬
‫وَإِذَا رََأوْ ُهمْ قَالُواْ إِنّ هَـا ُؤلَءِ َلضَالّونَ * َومَآ أُ ْرسِلُواْ عَلَ ْيهِمْ حَافِظِينَ * فَالْ َي ْومَ الّذِينَ آمَنُواْ مِنَ‬
‫علَى الَرَآ ِئكِ يَنظُرُونَ * َهلْ ُث ّوبَ ا ْلكُفّارُ مَا كَانُواْ َي ْفعَلُونَ }[المطففين‪29 :‬ـ‬
‫حكُونَ * َ‬
‫ضَ‬
‫ا ْل ُكفّارِ َي ْ‬
‫‪]36‬‬
‫إذن‪ :‬فلسوْفَ يَ ْلقَى الذين استهزءوا بالرسل العقاب الشديد‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك‪:‬‬
‫} َأ َفمَنْ ُهوَ قَآ ِئمٌ عَلَىا ُكلّ َنفْسٍ‪{ ...‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫(‪)1726 /‬‬
‫سمّوهُمْ َأمْ تُنَبّئُونَهُ ِبمَا لَا َيعَْلمُ فِي‬
‫جعَلُوا لِلّهِ شُ َركَاءَ ُقلْ َ‬
‫َأ َفمَنْ ُهوَ قَائِمٌ عَلَى ُكلّ َنفْسٍ ِبمَا كَسَ َبتْ وَ َ‬
‫ل َومَنْ ُيضِْللِ اللّهُ َفمَا‬
‫الْأَ ْرضِ أَمْ ِبظَاهِرٍ مِنَ ا ْلقَ ْولِ َبلْ زُيّنَ لِلّذِينَ َكفَرُوا َمكْرُهُ ْم َوصُدّوا عَنِ السّبِي ِ‬
‫لَهُ مِنْ هَادٍ (‪)33‬‬

‫ولقائل أنْ يتساءل‪ :‬أَلَمْ يكُنْ من الواجب ما دام قد قال‪َ { :‬أ َفمَنْ ُهوَ قَآ ِئمٌ عَلَىا ُكلّ َنفْسٍ ِبمَا‬
‫كَسَ َبتْ‪[ } ...‬الرعد‪]33 :‬‬
‫أن يأتي بالمقابل‪ ،‬ويقول‪ :‬كمَنْ ليس قائما على كل نفس بما كسبت؟‬
‫ولمثل هذا السائل نقول‪ :‬إنها عظمة القرآن الذي يترك للعقل ما يمكن أن يستنبطه؛ فيأتي بأشياء‬
‫تتطلّب التفكير والستنباط‪ ،‬كي يتنبّه النسان أنه يستقبل كلم َربّ حكيم؛ وعليه أن يبحث فيه‪.‬‬
‫ولذلك يقول سيدنا عبد ال بن مسعود‪َ " :‬ثوّروا القرآن " أي‪ :‬أثيروه‪ ،‬كي تكتشفوا ما فيه من‬
‫كنوز‪.‬‬
‫خفَى عليه خافية‪.‬‬
‫ونحن نعلم أن كلمة " قائم على المر " تعني أنه هو الذي يُدِيره ويُدبّره‪ ،‬ول تَ ْ‬
‫وجاء الحق سبحانه هنا بصيغة القيام؛ كي نعلم أن الحق سبحانه ل يدير المر من حالة قعود؛ بل‬
‫يديره وهو قائم عليه‪ ،‬فكل أمر هو واضح عنده غير خَفيّ‪.‬‬
‫وهو سبحانه قائم على كل نفس بما كسبتْ إن خيرا فخيْر؛ وإنْ شرا فشرّ‪ ،‬ولكنكم أيها الكافرون‬
‫المشركون ل تملكون لنفسكم ضرا ول َنفْعا؛ فهل يمكن لعاقل أنْ يساوي بين الذي يقوم على أمر‬
‫كل نفس‪ ،‬بغيره ِممّن ليس كذلك؟‬
‫جعَلُواْ للّهِ شُ َركَآءَ‪[ } ...‬الرعد‪]33 :‬‬
‫ولكن هناك مَنْ قال فيهم الحق سبحانه في نفس الية‪ { :‬وَ َ‬
‫أي‪ :‬جعلوا للقائم على أمر ُكلّ نفس شركاء ل يقدر الواحد فيهم على أمر َنفْسه؛ وبالتالي ل يقدر‬
‫على أمر غيره؛ بل قد ُيصَابُ الصّنم من هؤلء بشَرْخ؛ فيأتي مَنْ يعبدونه ليقوموا على أمره‬
‫صارخين بأن إلههم قدْ انشرخَ؛ ويحتاج إلى مسمارين لتثبيته‪ ،‬فكيف يُسوّونَ ذلك الصنم بال الذي‬
‫ل يحدّه شيء ول يحُدّ قدرته شيء؟‬
‫جعَلُواْ للّهِ شُ َركَآءَ‪[ } ...‬الرعد‪]33 :‬‬
‫وقَوْل الحق سبحانه‪ { :‬وَ َ‬
‫دليل على النص المحذوف‪ " :‬كمن هو غير قائم على كل نفس " ‪ ،‬فسبحانه ليس كهذه الصنام‬
‫العاجزة؛ لنه سبحانه قائم على كل نفس؛ نفسك ونفس غيرك ونفس كل إنسان عاش أو سيعيش‪.‬‬
‫سمّوهُمْ أَمْ تُنَبّئُونَهُ ِبمَا لَ َيعَْلمُ فِي الَ ْرضِ أَم بِظَاهِرٍ مّنَ‬
‫ولذلك يقول سبحانه بعدها‪ُ { :‬قلْ َ‬
‫ا ْل َقوْلِ‪[ } ...‬الرعد‪]33 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وهنا يأمر الحق سبحانه رسوله أن يقول للكافرين بال‪ :‬قُولوا أسماء مَنْ تعبدونهم من غير ال؛‬
‫س ّموْا الصنام بأسماء كاللّت والعُزّى وهُبَل؛ وهي‬
‫وهي أحجار‪ ،‬والحجار ل أسماءَ لها؛ وهم قد َ‬
‫حيّ‪،‬‬
‫س ّموْهَا لُنسِبت لعمرو بن لُ َ‬
‫ضفْ لتلك الصنام شيئا‪ ،‬فهي ل تقدر على شيء؛ ولو َ‬
‫أسماء لم ُت ِ‬
‫س ّموْها ساعة أنْ نحتُوها‪.‬‬
‫الذي أوجدهم؛ وهُمْ َ‬
‫والله الحق ل يسميه أحد‪ ،‬بل يُسمّي هو نفسه‪ ،‬ولكن بما أن المسألة َكذِب في كَذِب‪ ،‬لذلك يسألهم‬
‫رسول ال صلى ال عليه وسلم عن أسماء تلك اللهة‪.‬‬
‫ويقول لهم‪ :‬هل تنبئون أنتم ال خالق كل الكون بما ل يعلم في كونه الذي أوجده من عدم؟‬
‫سبحانه يعلم كل ما خلق؛ وأنتم ل تعبدون إل أصناما ينطبق عليها أنها من ظاهر القول؛ أي‪ :‬قول‬
‫ل معنى له؛ لنهم أطلقوا أسماء على أشياء ل باطنَ لها ول قدرة تستطيعها‪ ،‬وهم اكت َفوْا بالظاهر‬
‫والمُسمّى غير موجود‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه‪َ } :‬بلْ زُيّنَ لِلّذِينَ َكفَرُواْ َمكْرُهُ ْم َوصُدّواْ عَنِ السّبِيلِ‪[ { ...‬الرعد‪]33 :‬‬
‫أي‪ :‬أنهم ظنوا أنهم يمكرون على ال‪ ،‬ويقولون إن تلك الصنام آلهة‪ ،‬وهي ليست كذلك‪.‬‬
‫ثم يقول سبحانه‪َ ...} :‬ومَن ُيضِْللِ اللّهُ َفمَا لَهُ مِنْ هَادٍ { [الرعد‪]33 :‬‬
‫أي‪ :‬أن العذاب الذي يَلْقوْنَه في الحياة الدنيا هو لصيانة حركة المجتمع من الفساد‪ ،‬ولبد أنْ يقعَ‬
‫لهم عذابٌ في الحياة الدنيا؛ ولن مَنْ يؤجّل عذابه للخرة؛ لبد أن يرى في نفسه آية العذاب قبل‬
‫أن يَلْقى عذابه في الخرة‪.‬‬
‫إذن‪ :‬فعذاب الدنيا هو لحماية حركة الحياة؛ ولذلك نجد القوانين وهي ُتسَنّ لِتُطبق على المنحرف؛‬
‫ومَنْ يرتكب الجُرْم يخاف أن تقع عليه العين؛ وإن رآه أحد فهو يبلغ عنه ليلقى عقابه؛ وبذلك‬
‫تستقيم حركة الحياة‪.‬‬
‫ولذلك نجد الحق سبحانه يقول في سورة الكهف‪ {:‬وَيَسْأَلُو َنكَ عَن ذِي ا ْلقَرْنَيْنِ ُقلْ سَأَتْلُواْ عَلَ ْيكُم مّنْهُ‬
‫شيْءٍ سَبَبا * فَأَتْبَعَ سَبَبا * حَتّىا إِذَا َبلَغَ َمغْ ِربَ‬
‫ِذكْرا * إِنّا َمكّنّا لَهُ فِي الَ ْرضِ وَآتَيْنَاهُ مِن ُكلّ َ‬
‫خذَ‬
‫حمِ َئ ٍة َووَجَدَ عِندَهَا َقوْما قُلْنَا ياذَا ا ْلقَرْنَيْنِ ِإمّآ أَن ُتعَ ّذبَ وَِإمّآ أَن تَتّ ِ‬
‫س َوجَدَهَا َتغْ ُربُ فِي عَيْنٍ َ‬
‫شمْ ِ‬
‫ال ّ‬
‫عذَابا ّنكْرا }[الكهف‪]87-83 :‬‬
‫س ْوفَ ُنعَذّبُهُ ثُمّ يُ َردّ إِلَىا رَبّهِ فَ ُي َعذّبُهُ َ‬
‫فِيهِمْ حُسْنا * قَالَ َأمّا مَن ظَلَمَ فَ َ‬
‫أي‪ :‬أنه قد أخذ تفويضا بأن يقيم المر في هؤلء الناس‪ ،‬فأقامه على أساسٍ من الثواب والعقاب؛‬
‫فمَنْ أحسنَ فَلَهُ الجزاء الحسن؛ ومَنْ أساء يَلْقى العقاب‪ ،‬وهكذا نجد عذاب الدنيا ضروريا لسلمة‬
‫ن ل يؤمنون بال‪.‬‬
‫حركة الحياة من َبطْش مَ ْ‬
‫ولذلك نجد الحق سبحانه يقول بعد ذلك‪:‬‬
‫} ّل ُهمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا‪{ ...‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫(‪)1727 /‬‬
‫ن وَاقٍ (‪)34‬‬
‫ق َومَا َلهُمْ مِنَ اللّهِ مِ ْ‬
‫عذَابٌ فِي ا ْلحَيَاةِ الدّنْيَا وََلعَذَابُ الْآَخِ َرةِ َأشَ ّ‬
‫َلهُمْ َ‬

‫ولهؤلء المشركين الذين ل يؤمنون بالخرة عذابٌ في الدنيا بالقتل والَسْر والمصائب والكوارث‬
‫التي ل يقدرون عليها‪ ،‬و َفوْق ذلك لهم عذاب في الخرة أكثر شدةً من عذابِ الدنيا؛ فليس لهم مَنْ‬
‫عصْمة‪.‬‬
‫يحميهم‪ ،‬أو يُقيم بينهم وبين عذاب ال وقاية أو ِ‬
‫وفي المقابل يقول سبحانه بعد ذلك‪:‬‬
‫{ مّ َثلُ ا ْلجَنّةِ الّتِي وُعِدَ ا ْلمُ ّتقُونَ‪} ...‬‬

‫(‪)1728 /‬‬
‫عقْبَى الّذِينَ ا ّتقَوْا‬
‫ظّلهَا تِ ْلكَ ُ‬
‫عدَ ا ْلمُ ّتقُونَ َتجْرِي مِنْ تَحْ ِتهَا الْأَ ْنهَارُ ُأكُُلهَا دَائِ ٌم وَ ِ‬
‫مَ َثلُ الْجَنّةِ الّتِي وُ ِ‬
‫وَعُقْبَى ا ْلكَافِرِينَ النّارُ (‪)35‬‬

‫والمصدر الساسي الذي وعد المتقين بالجنة هنا هو ال‪ ،‬وقد بلّغ عنه الرسل ـ عليهم السلم ـ‬
‫هذا الوعد‪ ،‬وتَلهُمُ العلماء المُبلّغون عن الرسل‪.‬‬
‫وأنت حين تنظر إلى فعل يشيع بين عدد من المصادر‪ ،‬تستطيع أن تبحث عن المصدر الساسي‪،‬‬
‫والمَثَل هو قول الحق سبحانه‪ {:‬اللّهُ يَ َت َوفّى الَنفُسَ حِينَ َموْتِـهَا‪[} ...‬الزمر‪]42 :‬‬
‫ويقول في موقع آخر من القرآن‪ُ {:‬قلْ يَ َت َوفّاكُم مَّلكُ ا ْل َم ْوتِ الّذِي ُو ّكلَ ِبكُمْ‪[} ...‬السجدة‪]11 :‬‬
‫ك الموْت مسئولية التّوفية‬
‫ت إلى مََلكِ الموت‪ ،‬وقد أخذ مََل َ‬
‫وهكذا تكون ال ّتوْفية قد آلتْ إلى ال؛ وآل ْ‬
‫من إسناد الحق له تلك المهمة؛ ويكون نسبتها لِمَلكِ الموت هو نوع من إيضاح الطرف الذي يُوكّل‬
‫له الحق سبحانه تنفيذ المهمة‪.‬‬
‫ك الموْت بمباشرة مهمته‪.‬‬
‫ومرة يأتي الحق سبحانه بالمصدر الصلي الذي يُصدِر المر لِمَل ِ‬
‫وهنا في الية الكريمة نجد قول الحق سبحانه‪ { :‬وُعِدَ ا ْلمُ ّتقُونَ‪[ } ...‬الرعد‪]35 :‬‬
‫وهي مَبْنية ِلمَا لم ُيسَمّ فاعله؛ فالوعد منه سبحانه‪ " .‬ونعلم أن الرسول صلى ال عليه وسلم َيعِد‬
‫خذْ لنفسك‪،‬‬
‫أيضا‪ ،‬فها نحن قد جاء إلينا خبر بيعة العقبة؛ حين أخذ البيعة من النصار‪ ،‬وقالوا له‪ُ :‬‬
‫فأخذ لنفسه ما أراد‪ ،‬ثم قالوا له‪ :‬وماذا نأخذ نحن إنْ أدّيْنَا هذا؟ فقال لهم‪ " :‬لكم الجنة "‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وقال صلى ال عليه وسلم ذلك؛ لن العمل الذي فعلوه؛ ل يكفيه أجرا إل الجنة‪ ،‬ومن المعقول أن‬
‫أيّ واحد من الذين حضروا العقبة قد يتعرض للموت من بعد معاهدة رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم‪ ،‬فلو أنه وعدهم ِبمَا في الدنيا من متاع قد يأخذه البعض فيما بعد؛ فالذي يموت قبل هذا لبُدّ‬
‫أن يدرك شيئا ِممّا وعد الرسول مَنْ عاهدوه؛ ولذلك أعطاهم ما ل ينفد‪ ،‬وهو الوَعْد بالجنة‪.‬‬
‫والحق سبحانه هنا ـ في الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها ـ يقول‪ { :‬مّ َثلُ الْجَنّةِ‪[ } ...‬الرعد‪:‬‬
‫‪]35‬‬
‫طبُ بها نحن قد وُضِعتْ ِلمَعان نعرفها؛ وإذا‬
‫أي‪ :‬أنه يضرب لنا المَثَل فقط؛ لن اللفاظ التي نتخا َ‬
‫ن ولم تسمعها أُذنٌ‪ ،‬ولم تخطر على بال بشر؛ فمنَ ال ُم ْمكِن أن‬
‫كانت في الجنة أشياء لم تَرَها عَيْ ٌ‬
‫نقول إنه ل توجد ألفاظ عندنا تؤدي معنى ما هناك‪ ،‬فيضرب ال المثال لنا بما نراه من الملذّات؛‬
‫ولكن يأخذ منها المُكدّرات والمُعكّرات‪.‬‬
‫وهكذا نعرف أن هناك فارقا بين " مثل الجنة " وبين " الجنة " ‪ ،‬فالمَثَل يعطيني صورة أسمعها‬
‫عن واقع ل أعلمه؛ لن معنى التمثيل أن تُلحِق مجهولً بمعلوم لِتأخذَ منه الحكم‪.‬‬
‫مثلما تقول لصديق‪ :‬أتعرف فلنا؛ فيقول لك‪ " :‬ل "‪ .‬فتقول له‪ " :‬إنه يشبه فلنا الذي تعرفه "‪.‬‬
‫وأنت تفعل ذلك كي تشبه مجهولً بمعلوم؛ لتأتي الصورة في ِذهْن سامعك‪.‬‬
‫س وَتَلَذّ‬
‫ويقول الرسول صلى ال عليه وسلم شرحا لما أجمْله القرآن‪َ {:‬وفِيهَا مَا تَشْ َتهِي ِه الَ ْنفُ ُ‬
‫الَعْيُنُ‪[} ...‬الزخرف‪]71 :‬‬
‫ويضيف صلى ال عليه وسلم‪ " :‬فيها مَا لَ عَيْن رأتْ‪ ،‬ول أُذن سمعتْ‪ ،‬ول خَطر على قَلْب بشرٍ‬
‫"‪.‬‬
‫وحين تُدقّق في هذا القول النبويّ الكريم تجد الترقّي كاملً؛ فقوله‪ " :‬ما ل أُذن سمعتْ " جاء لنه‬
‫يعلم أن ُمدْركَاتِ العيْنِ محدودة بالنسبة ِلمَا تعلمُ الذن؛ لن الذن تسمع ما ل تدركه العين؛ فهي‬
‫تسمع ما يراه غيرُك بالضافة إلى ما تراه أنت‪.‬‬
‫فالذن تسمع القريب وتسمع البعيد وتنقل صوته وتستحضره ثم تميزه‪ ،‬بخلف العين فهي محدودة‬
‫المسافة حسب قوة البصار‪ ،‬ومع كل فنعيم الجنة فوق كل هذا الفوق‪.‬‬
‫ثم يأتي الترقّي الكبر في قوله‪ " :‬ول خطر على قلب بشر "‪ .‬والخواطر أوسَعُ من قدرة الذن‬
‫وقُدْرة العين؛ فالخواطر تتخيّل أشياء قد تكون غيرَ موجودة‪.‬‬
‫عجْز اللغة عن أنْ تُوجد بها ألفاظ تعبر عن معنى ما هو موجود بالجنة‪ ،‬ول أحدَ فينا‬
‫وهكذا نرى َ‬
‫يعلم ما هي الشياء الموجودة بالجنة‪ ،‬وما دام أحد منا لم يَرَ الجنة؛ وما دام الرسول صلى ال‬
‫عليه وسلم قال‪ " :‬فيها ما ل عين رأت‪ ،‬ول أذن سمعت‪ ،‬ول خطر على قلب بشر "‪.‬‬
‫عمّا فيها؛ فهو‬
‫عمّا في الجنة‪ ،‬فإذا أراد ال أنْ يُعبّر َ‬
‫عجْز اللغة عن التعبير َ‬
‫فلبُدّ أنْ نعلم قَدْر َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫يُوضّح لنا بالم َثلِ؛ ل بالوصف‪ ،‬لنه يعلم أن لغتنا تضع اللفاظ ِلمَا هو موجود في حياتنا؛ ول‬
‫توجد ألفاظ في لغتنا تُؤدّي معاني ما في الجنة‪.‬‬
‫ن وَأَ ْنهَارٌ‬
‫ولذلك قال لنا الحق سبحانه‪ {:‬مّ َثلُ الْجَنّةِ الّتِي وُعِدَ ا ْلمُ ّتقُونَ فِيهَآ أَ ْنهَارٌ مّن مّآءٍ غَيْرِ آسِ ٍ‬
‫سلٍ ّمصَفّى‪[} ...‬محمد‪]15 :‬‬
‫ن وَأَ ْنهَارٌ مّنْ عَ َ‬
‫خمْرٍ لّ ّذةٍ لّلشّارِبِي َ‬
‫ط ْعمُ ُه وَأَ ْنهَارٌ مّنْ َ‬
‫مّن لّبَنٍ لّمْ يَ َتغَيّرْ َ‬
‫ومع أن الحق سبحانه يضرب مثلً‪ ،‬إل أنه خلّص المَثَل من شوائبه التي نعرفها في الدنيا‪ ،‬فالمياه‬
‫عطِنة‪.‬‬
‫ن وتكون َ‬
‫ت فهي تأسُ ُ‬
‫عندما تجري؛ تكون حُلْوة ورائقة وصَافية؛ وإنْ ركد ْ‬
‫ولذلك يُوضّح لنا الحق سبحانه أن المياه في الجنة غير آسنة؛ وأنها تكون أنهارا منزوعا من‬
‫مياهها ما ُيكّدرها‪.‬‬
‫طعْمه‪ .‬واللبن كما نعرف هو غذاء البدو؛ َفهُمْ يحلبون‬
‫وكذلك المثل بأنهار من لبن لم يتغير َ‬
‫طعْم اللبن؛ ولذلك يضرب لهم المثَل‬
‫الماشية‪ ،‬ويحتفظون بألبانها في قِ َربٍ ِلمُدةٍ طويلة؛ فيتغير َ‬
‫طعْمه‪.‬‬
‫بوجود أنهار من لبن لم يتغير َ‬
‫عسَل مُصفّى‪ ،‬والعسل ـ كما نعرف ـ كان في الصل‬
‫وأيضا يضرب المثل بوجود أنهار من َ‬
‫يأتي من النحْل الذي كان يسكن الجبال قبل استئناسه؛ و َوضْعه في مناحل في الحدائق‪.‬‬
‫حلِ أَنِ اتّخِذِي مِنَ ا ْلجِبَالِ بُيُوتا‬
‫والحق ـ سبحانه وتعالى ـ هو القائل‪ {:‬وََأوْحَىا رَ ّبكَ إِلَىا النّ ْ‬
‫َومِنَ الشّجَرِ َومِمّا َيعْرِشُونَ }‬
‫[النحل‪]68 :‬‬
‫وحين بحث علماء الحشرات عن تاريخ النحل‪ ،‬وجدوا أن أقدمَ عسل في العالم هو الذي كان‬
‫موجودا في الكهوف الجبليّة؛ ثم يليه في العمر العسل الذي جاء من خليا النحل؛ تلك الخليا التي‬
‫أقامها النحل بعد استئناسه؛ ومن بعد ذلك يأتي العسل الذي أقمْنَا نحن له المنَاحل‪.‬‬
‫وقد ميّزوا العسل القديم عن المتوسط عن الجديد‪ ،‬بأن أحرقوا بعضا من كل نوع من أنواع‬
‫العسل‪ ،‬فنتج من الحتراق عنصر الكربون؛ ومن هذا العنصر اكتشفوا عمر كل نوع من الثلثة‪.‬‬
‫ويوضح الحق سبحانه أن بالجنة أنهارا من عَسَل مُصفّى‪ ،‬وبذلك يُقدّم لنا خَيْر ما كنا نُحِبه من‬
‫عسل الدنيا‪ ،‬ولكن بدون ما يُكدّره‪.‬‬
‫خمْر تختلف عن خمر الدنيا؛ فهي ل‬
‫ويوضّح سبحانه أيضا أن في الجنة أنهارا من خمر‪ ،‬ولكنها َ‬
‫تؤثر على التكوين العضْوي للعقل‪ ،‬كما أن خمر الدنيا ليس فيها لذةٌ للشاربين؛ لنها من كحول‬
‫َيكْوي الفم ويَلْسعه؛ ولذلك تجد مَنْ يشربها وهو يسكْبها في فمه لِتمُرّ بسرعة فل يشعر بلسعها في‬
‫فمه‪ ،‬فتذهب إلى معدته مباشرة فتلهبها‪.‬‬
‫ويختلف الحال لو كان المشروب هو شراب عصير المانجو أو البرتقال أو القصب؛ حيث‬
‫تستطيب النفس مذاقَ تلك الفواكه؛ فنجد مَنْ يشربها يتمهّل ليستبقى أثرها في فمه‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫غ ْولٌ‪[} ...‬الصافات‪]47 :‬‬
‫ويقول الحق سبحانه عن خمر أنهار الجنة‪ {:‬لَ فِيهَا َ‬
‫خمْر أنهار الجنة ُكلّ المُكدّرات التي توجد في خمر الدنيا‪.‬‬
‫أي‪ :‬أنه سبحانه ينفي عن َ‬
‫إذن‪ :‬فساعةَ تسمع مثلً عن الجنة؛ فاعلم أنه مَ َثلٌ تقريبيّ؛ لنه ل يمكن أن تأتي الحقيقة‪ ،‬حيث ل‬
‫يوجد لفظ يُعبّر عنها؛ وهي لم توجد عندنا؛ وسبحانه ل يخاطبنا إل بما نعلم من اللغة؛ لذلك يأتي‬
‫لنا بالم َثلِ المضروب لنأخذ منه صورة تقريبية‪.‬‬
‫وهنا في الية التي نحن بصدد خواطرنا عنها‪ ،‬يقول الحق سبحانه‪ } :‬مّ َثلُ الْجَنّةِ الّتِي وُعِدَ ا ْلمُ ّتقُونَ‬
‫تَجْرِي مِن َتحْ ِتهَا الَ ْنهَارُ‪[ { ...‬الرعد‪]35 :‬‬
‫عصَب حياة العرب أيام نزول القرآن كان هو الماء؛ ألم يطلبوا من الرسول أن يُفجّر لهم‬
‫ونعلم أن َ‬
‫النهار تفجيرا؟‬
‫نجد الحق سبحانه قد جاء بالتعبير القرآني عن أنهار الجنة بصورتين مختلفتين‪:‬‬
‫أولهما‪ } :‬تَجْرِي مِن َتحْ ِتهَا الَ ْنهَارُ‪[ { ...‬الرعد‪]35 :‬‬
‫مثلما قال في الية التي نحن بصَددِ خواطرنا عنها‪.‬‬
‫ومرّة يقول سبحانه‪ {:‬تَجْرِي َتحْ َتهَا الَ ْنهَارُ‪[} ...‬التوبة‪]100 :‬‬
‫والفارق بين العبارتين هو استيعاب الكمالية في النص‪ ،‬بمعنى أن‪َ } :‬تجْرِي مِن تَحْ ِتهَا الَ ْنهَارُ‪{ ...‬‬
‫[الرعد‪]35 :‬‬
‫تُوضّح أن منابع تلك النهار تأتي من تحت تلك الجنة مباشرة؛ فل َي ِقلّ الماء في تلك النهار أبدا‪.‬‬
‫ويُقال‪ :‬إن الفارق بين أنهار الدنيا وأنهار الجنة أن أنهار الدنيا عبارة عن شقوق في الرض لها‬
‫شواطئ تحتضنها؛ أما أنهار الخرة فهي تسير على الرض دون شواطئ تحجزها‪.‬‬
‫ونجد أنهار الخمر تسير أيضا في الرض‪ ،‬ول تتداخل مع أنهار الماء‪ ،‬وكذلك أنهار اللبن‪ ،‬و ُكلّ‬
‫ذلك من صَنْعة َربّ حكيم قادر‪.‬‬
‫أما قوله‪َ {:‬تجْرِي تَحْ َتهَا الَ ْنهَارُ‪[} ...‬التوبة‪]100 :‬‬
‫أي‪ :‬أن منابعها ليست من تحتها مباشرة؛ ولكنها تأتي دون َن ْقصٍ من جهة أنت ل تعلمها؛ وهو‬
‫سبحانه قادر على كل شيء‪.‬‬
‫ويتابع سبحانه‪ ،‬فيقول عن تلك الجنة‪ُ } :‬أكُُلهَا دَآئِمٌ‪[ { ...‬الرعد‪]35 :‬‬
‫والكل هو ما يُؤكَل‪ ،‬وسبحانه القائل‪ُ {:‬تؤْتِي ُأكَُلهَا ُكلّ حِينٍ بِإِذْنِ رَ ّبهَا‪[} ...‬إبراهيم‪]25 :‬‬
‫وقوله‪ُ } :‬أكُُلهَا دَآئِمٌ‪[ { ...‬الرعد‪]35 :‬‬
‫أي‪ :‬ل ينقطع‪ ،‬ونعلم أن النسان حين يأكل؛ فهو يفعل ذلك بهدف إشباع جُوعه؛ وبعد أن يُشبِع‬
‫جُوعَه؛ قد يطلب أن يُرفعَ الطعام من أمامه‪ ،‬إلى أنْ يجوع‪ ،‬فيطلب الطعام من جديد‪.‬‬
‫ومنْ يحبون الطعام في حياتنا الدنيا نرى الواحد منهم وهو يقول‪ " :‬أشعر ببعض الضيق لني‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫شبعتُ " ‪ ،‬فهو في عراك بين نفس تشتهي وبين بطن ل تشبع‪ ،‬وكأنه كان يريد أنْ يستمر في‬
‫تناول الطعام طوال الوقت‪.‬‬
‫وقول الحق سبحانه‪ُ } :‬أكُُلهَا دَآئِمٌ‪[ { ...‬الرعد‪]35 :‬‬
‫شغل هذا القول الرومان الذين كانوا أصحاب إمبراطورية عُظْمى زَلْزلها السلم بحضارته‬
‫الوليدة‪ ،‬وأرسل إمبراطورهم مَنْ يطلب من أحد الخلفاء إرسال رجل قادر على شرح قول‬
‫الحق‪ُ } :‬أكُُلهَا دَآ ِئمٌ‪[ { ...‬الرعد‪]35 :‬‬
‫فأرسل لهم أحدَ العلماء؛ وسألوه‪ :‬يقول قرآنكم إن ُأكُل الجنة دائم؛ ونحن وأنتم تعلمون أن كل شيء‬
‫يُؤخذ منه لبُدّ له أن ينقص؛ فكيف يكون ُأكُل الجنةِ دائما؟‬
‫ت كل‬
‫قال العالم لهم‪ :‬هاتوا مصباحا‪ .‬فأحضروا له المصباح وأشعله أمامهم‪ .‬وقال لكل منهم‪ :‬فَلي ْأ ِ‬
‫منكم بمصباحه‪ .‬فأحضر كل منهم مصباحه‪ .‬وقال لهم‪ :‬فَلْيُشعِل كل منكم مِصبْاحه‪.‬‬
‫وهنا سألهم‪ :‬ما الذي أنقصه إشعال مصابيحكم من هذا المصباح؟ قالوا‪ :‬ل شيء‪ .‬فقال لهم‪ :‬هكذا‬
‫ضرب ال لنا المثَل بُأكُل الجنة‪.‬‬
‫وبطبيعة الحال كان يجب أن يلتفتوا إلى أن المصباح يعتمد في اشتعاله على الزيت المخزون فيه‪،‬‬
‫ويأتيه منه المدد‪ ،‬أما الجنة فمدَدُها من ال‪.‬‬
‫وهناك مَنْ قال‪ :‬هل نتغوّط في الجنة؟ فَردّ عليه واحد من العارفين‪ :‬ل‪ .‬فتساءل‪ :‬وأين تذهب بقايا‬
‫ما نأكل من طعام الجنة؟‬
‫فقال العارف بال‪ :‬مثلما تذهب بقايا ما يتغذى عليه الطفل في بطن أمه؛ حيث يحترق هذا الفائض‬
‫في َمشِيمة الطفل؛ والطفل في بطن أمه إنما ينمو بشكل مستمر‪ ،‬مُعتمِدا على غذاء يأتيه من أمه‬
‫عَبْر الحَبْل السّريّ‪.‬‬
‫وكل تلك المور تقريبية تجعلنا نعبر الفجوة بين ما نشهده في حياتنا اليومية‪ ،‬وبين ما أعدّه ال‬
‫للمتقين‪ ،‬وهو القيّوم على ُكلّ أمْرٍ‪.‬‬
‫وقد قال الحق سبحانه‪ُ } :‬أكُُلهَا دَآئِمٌ‪[ { ...‬الرعد‪]35 :‬‬
‫حجْب‬
‫يعني‪ :‬أن الطعام موجود ول ينتهي وكذلك الظل‪ .‬والظل حَجْب المضيء من مكان؛ أو َ‬
‫مكان عن المضيء‪ ،‬ول أحد يعلم أنه ستوجد هناك شمس أم ل؛ والعقل البشري قاصر عن تخيّل‬
‫ذلك؛ فهو من فعل ال‪ ،‬وهو سبحانه قادر على كل شيء‪.‬‬
‫عمِلُواْ الصّالِحَاتِ سَ ُندْخُِل ُهمْ جَنّاتٍ َتجْرِي مِن تَحْ ِتهَا الَ ْنهَارُ‬
‫وهو القائل سبحانه‪ {:‬وَالّذِينَ آمَنُو ْا وَ َ‬
‫طهّ َر ٌة وَنُ ْدخُِلهُمْ ظِـلّ ظَلِيلً }[النساء‪]57 :‬‬
‫خَاِلدِينَ فِيهَآ أَبَدا ّلهُمْ فِيهَآ أَ ْزوَاجٌ مّ َ‬
‫ظلّ ّممْدُودٍ }[الواقعة‪]30 :‬‬
‫وهو القائل سبحانه‪ {:‬وَ ِ‬
‫عقْبَى ا ْلكَافِرِينَ النّارُ { [الرعد‪]35 :‬‬
‫عقْبَىا الّذِينَ ا ّتقَو ْا وّ ُ‬
‫ويتابع سبحانه‪...} :‬تِ ْلكَ ُ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أي‪ :‬يا متقي ال؛ وضعتَ بينك وبين صفات جلله وقاية‪ ،‬ولم تقربْ محارمه واتبعتَ منهجه؛‬
‫ستجد أنه سبحانه يُجازِيك بصفات كَماله وجَماله؛ فينزِلك الجنة التي وعدكَ بها‪.‬‬
‫لذلك إن وجدت مشقّة في التكليف فعليك أن تعلمَ أن جزاء تلك المشقّة هو الجزاء الجميل؛ لنك‬
‫ص ّد ْقتَ رسولك صلى ال عليه وسلم حين قال‪ " :‬حفت الجنة بالمكاره؛ وحفت النار بالشهوات "‪.‬‬
‫والعاقل ساعةَ يرى تكليفا يحُدّ من حريته؛ فهو يستحضر الجزاء على تلك المشقّة‪ ،‬وهو أيضا حين‬
‫يرى أمرا يبدو في ظاهره شهوة عاجلة؛ فهو يستحضر العقاب على تلك الشهوة العاجلة‬
‫فيستبعدها‪.‬‬
‫وأي من الجزاء الطيب أو العقاب قد يأتي فجأة؛ لن الموتَ ل ميعادَ له؛ ونحن نُصدّق قول‬
‫رسولنا صلى ال عليه وسلم‪ " :‬الموت القيامة‪ ،‬فمن مات فقد قامت قيامته "‪.‬‬
‫وهكذا يُضخّم الحق سبحانه من جزاء المؤمن المُتقي فيعشق العمل‪ ،‬ويتحمل مشاقّ التكليف ليكون‬
‫عقْبى العمل الحسن في الدنيا‪ ،‬فالغاية الحقيقية من كل‬
‫َموْصُولً بالجزاء الطيب‪ ،‬فهذا الجزاء هو ُ‬
‫مراحل الوجود هي ألّ يوجد َبعْد للغاية؛ لنها غاية الخلود ل تعرف البعدية‪.‬‬
‫ومادامت الجنة تضمن الخلود أبدا‪ ،‬فهي تستحق أن تكون غايةَ المؤمن وعاقبةَ عمله‪ ،‬والتزامِه‬
‫بالتكاليف اليمانية‪.‬‬
‫تماما كما تكون النار هي عاقبة الكافرين المُكذّبين؛ حيث يروْنَ الخير مصير المؤمنين؛ ويروْنَ‬
‫الش ّر مصيرهم؛ فيُجمع عليهم التنغيصُ؛ مرة بوجود الخير عند أهل اليمان؛ ومرة بأن يَ َروْا ما‬
‫أُعِدّ لهم من شَرّ‪.‬‬
‫لذلك قال سبحانه‪...} :‬وّعُقْبَى ا ْلكَافِرِينَ النّارُ { [الرعد‪]35 :‬‬
‫ويقول سبحانه بعد ذلك‪:‬‬
‫} وَالّذِينَ آتَيْنَا ُهمُ ا ْلكِتَابَ‪{ ...‬‬

‫(‪)1729 /‬‬
‫ك َومِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُ ْنكِرُ َب ْعضَهُ ُقلْ إِ ّنمَا ُأمِ ْرتُ أَنْ‬
‫وَالّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ ا ْلكِتَابَ َيفْرَحُونَ ِبمَا أُنْ ِزلَ إِلَ ْي َ‬
‫أَعْبُدَ اللّ َه وَلَا أُشْ ِركَ ِبهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مََآبِ (‪)36‬‬

‫ونعلم أن السلم قد سُبِق بدينين؛ دين النصارى َقوْم عيسى عليه السلم؛ ومن قبله دين اليهود قوم‬
‫موسى عليه السلم؛ وكِلَ الدينين له كتاب؛ النجيل كتاب المسيحية؛ والتوراة كتاب اليهودية؛‬
‫والقرآن هو كتاب ال المهيمن الخاتم؛ كتاب السلم‪ ،‬وهناك كتب سماوية أخرى مثل‪ :‬صحف‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫إبراهيم؛ وزبور داود‪ ،‬وغير ذلك‪.‬‬
‫وكان على مَنْ نزل عليهم التوراة والنجيل أن يواصلوا اليمان بمَدَدِ السماء‪ ،‬والخير القادم منها‬
‫إلى الرض‪ ،‬وقد سبق أن أخذ ال من أنبيائهم الميثاق على ذلك‪ ،‬وقال تعالى‪ {:‬وَإِذْ َأخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ‬
‫ح ْكمَةٍ ثُمّ جَآ َء ُكمْ رَسُولٌ ّمصَدّقٌ ّلمَا َم َعكُمْ لَ ُت ْؤمِنُنّ ِب ِه وَلَتَنصُرُنّهُ قَالَ‬
‫النّبِيّيْنَ َلمَآ آتَيْ ُتكُم مّن كِتَابٍ وَ ِ‬
‫شهَدُو ْا وَأَنَاْ َم َعكُمْ مّنَ الشّاهِدِينَ }[آل عمران‪:‬‬
‫أََأقْرَرْتُ ْم وََأخَذْتُمْ عَلَىا ذاِل ُكمْ ِإصْرِي قَالُواْ َأقْرَرْنَا قَالَ فَا ْ‬
‫‪]81‬‬
‫وهكذا نعلم أن الحق سبحانه قد شاء أن يستقبل ُكلّ دين سابق الدينَ الذي يليه باليمان به؛ وفي‬
‫كل دين سابق لخر كانت النصوص تؤكد ضرورة اليمان بالرسول القادر‪ ،‬كي ل يحدث اقتراع‬
‫بين الديان الناسخة والديان المنسوخة‪.‬‬
‫فمِنْ صميم مواد أيّ دين سابق أن ينتظر الدين الذي يليه‪ ،‬وإذا ما جاء الدين الجديد فهو يستقبله‬
‫فْرَعا وتكملة‪ ،‬ول يستقبله كدين يُضادّ الدين السابق‪.‬‬
‫وإذا كان السلم هو الدين الذي تُختم به مواكب الرّسُل؛ فلبُدّ أن الديان السابقة عليه قد بَشّ َرتْ‬
‫به‪ ،‬وكل مؤمن بالديان السابقة مُوصى بضرورة اليمان به‪.‬‬
‫ك َومَا َوصّيْنَا بِهِ‬
‫ويقول الحق سبحانه‪ {:‬شَ َرعَ َلكُم مّنَ الدّينِ مَا َوصّىا بِهِ نُوحا وَالّذِي َأوْحَيْنَآ إِلَ ْي َ‬
‫ن َولَ تَ َتفَ ّرقُواْ فِيهِ‪[} ...‬الشورى‪]13 :‬‬
‫إِبْرَاهِي َم َومُوسَىا وَعِيسَىا أَنْ َأقِيمُواْ الدّي َ‬
‫ويقول الحق سبحانه‪ { :‬وَالّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ا ْلكِتَابَ َيفْرَحُونَ ِبمَآ أُن ِزلَ إِلَ ْيكَ‪[ } ...‬الرعد‪]36 :‬‬
‫أي‪ :‬أن أهل التوراة والنجيل يفرحون بما جاء يا محمد من القرآن‪ ،‬والنسان ل يفرح بشيء إل‬
‫سعِده‪ ،‬ولبُدّ أن تكون هذه الغاية منشورة ومعروفة‪.‬‬
‫إذا حقّق له غايةً ُت ْ‬
‫وهم قد فرحوا بما نزل إلى رسول ال صلى ال عليه وسلم؛ لنه حقق لهم ما جاء في كتبهم من‬
‫نبوءة به‪.‬‬
‫ومعنى ذلك أن كتبهم قد صدقتْ‪ ،‬ومَنْ جاء بالرسالة الخاتم صادق‪ ،‬وكان عليهم أن يكونوا أول‬
‫المُبَادرين إلى اليمان به‪.‬‬
‫ذلك أن الفرحة هي العملية التعبيرية أو النّزوعية من مواجيد الحب‪ ،‬والنسان إنما يفرح بتحقيق‬
‫أمر طيّب كان ينتظره‪.‬‬
‫ولذلك كان يجب أن يُهروِلوا لليمان بالدين الجديد‪ ،‬وأنْ يعلنوا اليمان به مثلما فعل كعب‬
‫الحبار‪ ،‬وعبد ال بن سلم‪ ،‬وسلمان الفارسي الذي جاب أغلب البلد باحثا عن الدين الحق‪.‬‬
‫وهؤلء هم مجرد أمثلة ِلمَنْ أرادوا أنْ يُعبّروا بالفرحة واستقبال مَ َددِ السماء عَبْر مجيء النبي‬
‫الخاتم محمد بن عبد ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وأعلنوا البيعة للرسول الجديد كما بشّ َرتْ به الكتب‬
‫السماوية السابقة على بعثته‪ ،‬ثم وقفوا موقف العداء من الذين لم يفرحوا بِمقْدمِ الرسول‪ ،‬ثم غيّروا‬
‫ما جاء في كتبهم السماوية طمعا في السلطة الزمنية‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وعرف مَنْ آمنوا برسالة رسول ال صلى ال عليه وسلم أن الذين أنكروا نبوة محمد بن عبد ال‬
‫قد دَلّسوا على أنفسهم وعلى غيرهم‪ ،‬وأتوْا بأشياء لم تكن موجودة في كتبهم المُنزّلة على رسلهم‬
‫كادعائهم أن ل أبناء‪ ،‬وسبحانه مُنزّه عن ذلك‪.‬‬
‫ك َومِنَ الَحْزَابِ مَن‬
‫ولذلك جاء قول الحق سبحانه‪ } :‬وَالّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ا ْلكِتَابَ َيفْرَحُونَ ِبمَآ أُن ِزلَ إِلَ ْي َ‬
‫يُنكِرُ َب ْعضَهُ ُقلْ إِ ّنمَآ ُأمِ ْرتُ أَنْ أَعْبُدَ اللّ َه وَل أُشْ ِركَ بِهِ ِإلَيْهِ َأدْعُو وَإِلَ ْيهِ مَآبِ { [الرعد‪]36 :‬‬
‫تلك عدالة من القرآن؛ لن القرآن لم ينكر الكتب السماوية السابقة بأصولها‪ ،‬لكنه أنكر التحريف‬
‫في العقائد‪ ،‬وأنكر مواقف مَنْ حرّفوا وادّعوْا كذبا أن هناك بنوة ل‪.‬‬
‫هذا التحريف لم يَ َنلْ من القرآن إنكارا لكل ما جاء بالكتب السابقة على القرآن؛ ولكنه أنكر‬
‫التحريف فقط‪.‬‬
‫وقد أثبتَ القرآن ما ل وما للرسول‪ ،‬وأنكر التحريف الذي أرادوا به السلطة الزمنية؛ وادعاء‬
‫القداسة‪ ،‬والتجارة بصكوك الغفران وبيع الجنة‪ ،‬وتلقّي العترافات‪ ،‬وغير ذلك مما لم ينزل به‬
‫كتاب سماوي‪.‬‬
‫وحين جاء السلم لِيُحرّم ذلك دافعوا عن سلطتهم التي يتاجرون بها في أمور الدين‪ ،‬وهي ليست‬
‫من الدين‪.‬‬
‫وانظر إلى قول الحق سبحانه‪ُ } :‬قلْ إِ ّنمَآ ُأمِ ْرتُ أَنْ أَعْبُدَ اللّ َه وَل ُأشْ ِركَ بِهِ‪[ { ...‬الرعد‪]36 :‬‬
‫وهذا القول دليلٌ على أن هؤلء المُغيّرين في الكتب السماوية أو الذين أنكروا وحدانية ال؛ هؤلء‬
‫جاء لهم بالقول ال َفصْل‪ } :‬إِ ّنمَآ ُأمِ ْرتُ أَنْ أَعْ ُبدَ اللّهَ‪[ { ...‬الرعد‪]36 :‬‬
‫أي‪ :‬أنه ُيقِر بأن هناك دينا قد اُختِير له من قِبَل مُ َربّ؛ ولم يَختَرْ محمد شيئا أعجبه ليعبده‪ ،‬ولكنه‬
‫كرسول من ال َيشْرُف بالنتماء لما جاءه المر به من السماء‪ ،‬وهو ل يشرك به أحد‪.‬‬
‫ونجد الرسول صلى ال عليه وسلم يتعصّب ِلمَا يتعلق بربه؛ وقد يتهاون بما يتعلق بشخصه‪.‬‬
‫ولذلك وجدنا بعض الملحدة وقد قالوا له‪ :‬نحن نؤمن بال وبالسماء والوحي وبكل شيء‪َ ،‬لكِنّا ل‬
‫نؤمن بك أنت‪ ،‬ولم يغضب رسول ال عليه الصلة والسلم‪ ،‬ولو كان يُدخِل ذاته أو أنانيته في‬
‫المر لَغضِب‪ ،‬ولكنه لم يغضب‪.‬‬
‫والدليل على هذا هو أن مواجيده صلى ال عليه وسلم كانت مع الروم المؤمنين بكتاب سماوي‬
‫ضد المشركين الذين ل يؤمنون بدين سماوي وهم الفُرْس؛ وحزن صلى ال عليه وسلم حين غُلبت‬
‫الروم‪ ،‬فنزل إليه القول الحق بنبأ النصر القادم في ِبضْع سنين؛ تسليةً له صلى ال عليه وسلم‪{:‬‬
‫لمْرُ‬
‫غلِ َبتِ الرّومُ * فِي أَدْنَى الَ ْرضِ وَهُم مّن َبعْدِ غَلَ ِب ِهمْ سَ َيغْلِبُونَ * فِي ِبضْعِ سِنِينَ لِلّ ِه ا َ‬
‫الـم * ُ‬
‫مِن قَ ْبلُ َومِن َبعْدُ وَيَ ْومَئِذٍ َيفْرَحُ ا ْل ُم ْؤمِنُونَ * بِ َنصْرِ اللّهِ يَنصُرُ مَن يَشَآ ُء وَ ُهوَ ا ْلعَزِيزُ الرّحِيمُ }‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫[الروم‪]5-1 :‬‬
‫وهؤلء في قلب رسول ال كانوا أقربَ من غيرهم؛ لنهم يتبعون دينا سماويا؛ وساعة يرى رائحة‬
‫صاحب خير يرجحه على صاحب الشر؛ فهو يطلب لهم النصر ويُبشّره ال بخير نصرهم في‬
‫ِبضْع سنين‪ ،‬وهم يحملون رائحة الخير‪ ،‬رغم أنهم لم يؤمنوا برسول ال صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫ومعنى‪ُ } :‬قلْ إِ ّنمَآ ُأمِ ْرتُ أَنْ أَعْ ُبدَ اللّهَ وَل أُشْ ِركَ ِبهِ‪[ { ...‬الرعد‪]36 :‬‬
‫أي‪ :‬أنني سأعبد ال وحده‪ ،‬ولن أعطف على عبادته شيئا؛ ويدعو لعبادته وحده؛ لنه يعلم أنه‬
‫سيؤوب إليه‪ ،‬كما سيؤوب إليه ُكلّ إنسان؛ فل أحدَ ينفِلتُ من ربه وخالقه‪ ،‬ولبُدّ لكل إنسان أن ُيعِد‬
‫عُدّته لهذا المآب‪.‬‬
‫ويقول سبحانه من بعد ذلك‪:‬‬
‫حكْما عَرَبِيّا‪{ ...‬‬
‫} َوكَذاِلكَ أَن َزلْنَاهُ ُ‬

‫(‪)1730 /‬‬
‫ن وَِليّ وَلَا‬
‫ح ْكمًا عَرَبِيّا وَلَئِنِ اتّ َب ْعتَ أَ ْهوَاءَهُمْ َب ْع َدمَا جَا َءكَ مِنَ ا ْلعِلْمِ مَا َلكَ مِنَ اللّهِ مِ ْ‬
‫َوكَذَِلكَ أَنْزَلْنَاهُ ُ‬
‫وَاقٍ (‪)37‬‬

‫والمقصود بـ " كذلك " إشارة إلى إرسال الرسل المُتقدّمين بمعجزات شاءها الحق سبحانه‪ ،‬ولم‬
‫يقترحها أحد‪.‬‬
‫وقوله‪ { :‬أَنزَلْنَاهُ‪[ } ...‬الرعد‪]37 :‬‬
‫ساعةَ نسمعه نرى أن هناك مكانة عَلِيّة يُنزِل منها شيئا لمكانة أدْنَى‪ ،‬ومثل ذلك أمر معروف في‬
‫حسّيات‪ ،‬وهو معروف أيضا في المعنويات‪.‬‬
‫ال ِ‬
‫بل وقد يكون هذا الشيء لم َيصِل إلى السماء؛ ولكنه في الرض‪ ،‬ومع ذلك يقول فيه الحق‬
‫شدِي ٌد َومَنَافِعُ لِلنّاسِ‪[} ...‬الحديد‪]25 :‬‬
‫سبحانه‪ {:‬وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَ ْأسٌ َ‬
‫حكْما‬
‫ن كان في الرض‪َ { :‬وكَذاِلكَ أَنزَلْنَاهُ ُ‬
‫وهو إنزالٌ‪ ،‬لنه أمر من تدبير السماء‪ ،‬حتى وإ ْ‬
‫عَرَبِيّا‪[ } ...‬الرعد‪]37 :‬‬
‫والحكم هو ال ُمعْنى‪ ،‬والمقصود بالنزال هنا هو القرآن‪ ،‬وهو كتاب؛ والكتاب مَبْنى و َمعْنى‪ ،‬وشاء‬
‫الحق سبحانه هنا أن يأتي بوصف المبالغة ليأتي الوصف وكأنه الذات‪ ،‬أي‪ :‬أنه أنزل القرآن‬
‫حكْما؛ وهذا يعني أن القرآن في حَدّ ذاته حكم‪.‬‬
‫ُ‬
‫عدْل " أي‪:‬‬
‫وأنت حين تصف قاضيا يحكم تمام العدل؛ ل تقول " قَاضٍ عادلٌ " بل تقول " قََاضٍ َ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫كأن العدل قد تجسم في القاضي؛ وكأن كل تكوينه عدل‪ .‬والحق سبحانه هنا يوضح أن القرآن هو‬
‫حكْما عَرَبِيّا‪[ } ...‬الرعد‪]37 :‬‬
‫الحكم العدل‪ ،‬ويصفه بأنه‪ُ { :‬‬
‫لن اللسان الذي يخاطب به الرسول القوم الذين يستقبلون بآذانهم ما يقوله لهم لبد أن يكون‬
‫س ْوفَ تُسْأَلُونَ }[الزخرف‪]44 :‬‬
‫ك وَ َ‬
‫ك وَِل َق ْومِ َ‬
‫عربيا‪ .‬ولذلك يقول في آية أخرى‪ {.‬وَإِنّهُ لَ ِذكْرٌ ّل َ‬
‫أي‪ :‬أنه شرفٌ كبير لك ولقومك‪ ،‬أن نزل القرآن بلغة العرب‪.‬‬
‫وقد حفظ القرآن لنا اللغة العربية سليمة صافيةً؛ بينما نجد كل لغات العالم قد تشعّبتْ إلى لهجات‬
‫أولً‪ ،‬ثم استقلتْ كل لهجة فصارتْ لغة‪ ،‬مثل اللغة اللتينية التي خرجتْ منها أغلب لغات أوربا‬
‫المعاصر من‪ :‬إنجليزية وفرنسية وإيطالية‪ ،‬ووجدنا تلك اللغات تتفرّق إلى لغات استقللية‪ ،‬وصار‬
‫لكل منها قواعد مختلفة‪.‬‬
‫بل إن اللغة النجليزية على سبيل المثال صارت " إنجليزية ـ إنجليزية " يتكلم بها أهل بريطانيا؛‬
‫و " إنجليزية ـ أمريكية " يتكلم بها أهل الوليات المتحدة‪.‬‬
‫ولو تركنا ـ نحن ـ لغة التخاطب بيننا كمسلمين وعرب إلى لغة التخاطب الدارجة في مختلف‬
‫بلدنا؛ فلن يفهم بعضنا البعض‪ ،‬ومرجع تفاهمنا مع بعضنا البعض ـ حين نتكلم ـ هو اللغة‬
‫الفصحى‪.‬‬
‫جمْعا بين‬
‫ودليلنا ما رأينا في مغربنا العربي‪ ،‬فنجد إنسانا تربّى على اللغة الفرنسية‪ ،‬أو تكون لغة َ‬
‫لهجات متعددة من البربرية والفرنسية وبقايا لغة عربية‪ ،‬فإذا حدثته باللغة العامية ل يفهم منك‬
‫شيئا‪ ،‬وإن تحدثت معه باللغة العربية استجاب وأجاب؛ لن فطرته تستقبل الفصحى فهما وإدراكا‪.‬‬
‫وهكذا رأينا كيف صان القرآن الكريم اللغة العربية واللسان العربي‪.‬‬
‫حكْما عَرَبِيّا‪.‬‬
‫ومن ضمن معاني قول الحق سبحانه‪ُ { :‬‬
‫‪[ { ..‬الرعد‪]37 :‬‬
‫أي‪ :‬أن الذي يصُون ويعصِم هذا اللسان العربي هو القرآن الكريم‪.‬‬
‫ي َولَ‬
‫ويتابع سبحانه بقوله‪...} :‬وَلَئِنِ اتّ َب ْعتَ أَ ْهوَاءَهُم َبعْدَ مَا جَآ َءكَ مِنَ ا ْلعِ ْلمِ مَا َلكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِ ّ‬
‫وَاقٍ { [الرعد‪]37 :‬‬
‫وهذا خطاب مُوجّه منه سبحانه لرسوله صلى ال عليه وسلم يكشف فيه الحق سبحانه أمام رسوله‬
‫صلى ال عليه وسلم مَضارّ وخطورة اتباع الهوى؛ وهو خطاب يدل على أن الدين الذي نزل على‬
‫موسى ثم عيسى‪ ،‬وهما السابقان لرسول ال؛ لم َيعُدْ كما كان على عهد الرسولين السابقين؛ بل‬
‫تدخّل فيه الهوى؛ ولم َيعُدْ الدين متماسكا كما نزل من السماء‪.‬‬
‫ت وَالَرْضُ‪} ...‬‬
‫سمَاوَا ُ‬
‫ولذلك يقول سبحانه في آية أخرى‪ {:‬وََلوِ اتّ َبعَ ا ْلحَقّ َأ ْهوَآءَ ُهمْ َلفَسَ َدتِ ال ّ‬
‫[المؤمنون‪]71 :‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫ذلك أنه سبحانه لو اتبع أهواءهم َلضَاع نظام الكون؛ ألم يقولوا لرسول ال صلى ال عليه وسلم‪{:‬‬
‫علَيْنَا كِسَفا‪[} ...‬السراء‪]92 :‬‬
‫ع ْمتَ َ‬
‫سمَآءَ َكمَا زَ َ‬
‫سقِطَ ال ّ‬
‫َأوْ تُ ْ‬
‫ولو استجاب الحق مثلً لهذه الدعوة‪ ،‬ألم تكن السماء لتفسد؟‬
‫إذن‪ :‬فبعد أن نزل القرآن من السماء حكما وعلما ومنهجا يسهل عليهم فهمه‪ ،‬لنه بلُغتِهم‪ ،‬وهم‬
‫يحمل كامل المنهج إلى أن تقوم الساعة‪ ،‬وفيه دليل السعادة في الدنيا والخرة‪.‬‬
‫لذلك فليس لحد أن يتبع هواه؛ فالهوى ـ كما نعلم ـ يختلف من إنسان لخر‪ ،‬والخطاب المُوجّه‬
‫لرسول ال صلى ال عليه وسلم يتضمن في طيّاته الخطاب لمته صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫ومن يفعل ذلك فليس له من دون ال وليّ يؤازره أو ينصره‪ ،‬أو يقيه عذاب الحق‪ :‬شقاءً في الدنيا‪،‬‬
‫وإلقاءً في الجحيم في الخرة‪.‬‬
‫ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك‪:‬‬
‫} وََلقَدْ أَ ْرسَلْنَا رُسُلً مّن قَبِْلكَ‪{ ...‬‬

‫(‪)1731 /‬‬
‫جعَلْنَا َلهُمْ أَ ْزوَاجًا وَذُرّيّةً َومَا كَانَ لِ َرسُولٍ أَنْ يَأْ ِتيَ بِآَ َيةٍ إِلّا بِإِذْنِ اللّهِ‬
‫ك وَ َ‬
‫وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا ُرسُلًا مِنْ قَبِْل َ‬
‫جلٍ كِتَابٌ (‪)38‬‬
‫ِل ُكلّ أَ َ‬

‫وأنت يا محمد لست ِبدْعا من الرسل في مسألة الزواج والنجاب‪ .‬وهي تحمل الرد على مَنْ‬
‫سوَاقِ‪[} ...‬الفرقان‪]7 :‬‬
‫طعَا َم وَ َيمْشِي فِي الَ ْ‬
‫قالوا‪ {:‬مَالِ هَـاذَا الرّسُولِ يَ ْأ ُكلُ ال ّ‬
‫ومنهم مَنْ قال‪ :‬ما لهذا الرسول يتزوج النساء؟ ألم يكن من اللئق أن يتفرغ لدعوته؟‬
‫وهؤلء الذين قالوا ذلك لم يستقرئوا الموكب الرسالي‪ ،‬لنهم لو فعلوا لوجدوا أن أغلب الرسل قد‬
‫تزوّجوا وأنجبوا‪.‬‬
‫وحين تكون حياة الرسول قريبةً ـ كمثال واضح ـ من حياة الناس الذين أُرسل إليهم؛ ليكون‬
‫سوَة تتأتّى بالجنس القابل للمقارنة؛ وحين تكون حياة الرسول كحياة غيره من البشر‬
‫أُسْوة لهم؛ فالُ ْ‬
‫في إطارها العام؛ كأبٍ وزوجٍ‪ ،‬فالسوة تكون واضحة للناس‪.‬‬
‫ونعلم أن هناك مَنْ جاء إلى رسول ال؛ ليطلب الذن بالتفرّغ التامّ للعبادة من‪ :‬صوم وصلة‬
‫وزُهْد عن النساء‪ ،‬فنهى الرسول صلى ال عليه وسلم عن ذلك وقال في حديث شريف‪ " :‬إني‬
‫لخشاكم ل‪ ،‬وأتقاكم له‪ ،‬لكني أصوم وأفطر‪ ،‬وأصلي وأرقد‪ ،‬وأتزوج النساء‪ ،‬فمن رغب عن‬
‫سنتي فليس مني "‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫جلٍ كِتَابٌ } [الرعد‪:‬‬
‫ويتابع الحق سبحانه‪َ ...{ :‬ومَا كَانَ لِ َرسُولٍ أَن يَأْ ِتيَ بِآيَةٍ ِإلّ بِِإذْنِ اللّهِ ِل ُكلّ أَ َ‬
‫‪]38‬‬
‫ن ليّ‬
‫أي‪ :‬ما كان لحد أن يقترح على ال الية التي تأتي مع أيّ رسول من الرسل‪ ،‬ولم يكُ ْ‬
‫رسول حق في اختيار الية المصاحبة له‪.‬‬
‫وبهذا القول حسم الحق سبحانه قضية طلب المشركين ليات الرسول صلى ال عليه وسلم؛ لن‬
‫كل رسول جاء لزمنه ولقومه؛ وكل معجزة كانت من اختيار ال‪ ،‬وكل رسول يؤدي ما يُكلّفه به‬
‫ال؛ وليس للرسول أن يقترح على ال آيةً ما؛ لن الخالق العلى هو العلم بما يصلح في هذه‬
‫البيئة على لسان هذا الرسول‪.‬‬
‫جلٍ كِتَابٌ } [الرعد‪]38 :‬‬
‫ونأخذ من قوله الحق‪ِ...{ :‬ل ُكلّ أَ َ‬
‫أن لكل رسالة رسولها‪ ،‬ولكل رسالة مكانها‪ ،‬ولكل رسالة معجزتها‪ ،‬فإذا كان المر كذلك فدعوا‬
‫محمد صلى ال عليه وسلم وما اختاره ال له؛ في المكان الذي شاءه سبحانه‪ ،‬وفي الزمان؛ وفي‬
‫المعجزة المصاحبة له صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫جلٍ كِتَابٌ } [الرعد‪]38 :‬‬
‫ولكن‪ ،‬أهناك تغيير بعد أن يقول الحق سبحانه‪ِ...{ :‬ل ُكلّ أَ َ‬
‫نعم هناك تغيير‪ ،‬وانظروا إلى قول الحق سبحانه من بعد ذلك‪:‬‬
‫{ َي ْمحُواْ اللّهُ مَا َيشَآءُ‪} ...‬‬

‫(‪)1732 /‬‬
‫ت وَعِنْ َدهُ ُأمّ ا ْلكِتَابِ (‪)39‬‬
‫َيمْحُوا اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِ ُ‬

‫والمَحْو كما نعلم هو الزالة‪ ،‬والتثبيت أي‪ :‬أن يُبقِي الحق ما يراه ثابتا‪.‬‬
‫حكْم في القرآن قد جاء ليث ُبتَ وسيظلّ هكذا أبدَ الدهر؛‬
‫وقد فهم بعض الناس ـ خطأ ـ أن كل ُ‬
‫ولكن عند التطبيق ظهر أن بعض الحكام يقتضي تغييرها يغيرها ال لحكمة فيها خير البشرية‪.‬‬
‫ونقول‪ :‬ل‪ ،‬لم يحدث ذلك‪ ،‬ولكن كانت هناك أحكام مَرْحلية؛ ولها مُدّة مُحدّدة؛ ولذلك جاء قول‬
‫الحق سبحانه‪...{ :‬وَعِن َدهُ أُمّ ا ْلكِتَابِ } [الرعد‪]39 :‬‬
‫أي‪ :‬عنده اللوح المحفوظ الذي تحدّدتْ فيه الحكام التي لها ُمدّة مُحدّدة؛ وما أن تنتهي إل وينزل‬
‫حكْم آخر مكانها‪ ،‬وعلى هذا المعنى يمكن أن نقول‪ :‬إنه لم يوجد َنسْخٌ للحكام‪ ،‬لن معنى النّسْخ‬
‫ُ‬
‫ت بوقت‬
‫حكْم موقو ٌ‬
‫حكْما يتزحزحُ عن زمانه؛ لن كل ُ‬
‫حكْما عن زمانه؛ وهنا لم نجد ُ‬
‫أن يُزحزِحَ ُ‬
‫حكْم جديد‪.‬‬
‫محدود؛ وما أن ينتهي الوقت حتى يبدأ ُ‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫أقول ذلك كي أنبّه العلماء إلى ضرورة أنْ يجلسوا معا لدراسة ذلك‪ ،‬حتى ل يختلف العلماء‪:‬‬
‫أهناك نَسْخ أم ل‪ ،‬وأقول‪ :‬فَلْنُحدد النّسْخ أولً‪ ،‬لن البعض يظن أن هناك حكما كان يجب أن‬
‫حكْم آخر ليحل محله لحكمة تقتضيها مصلحة البشرية والمراد‬
‫ينسحب على كل الزمنة‪ ،‬ثم جاء ُ‬
‫ل منها‪.‬‬
‫حكْما وطرأ عليه ساعة النهاء؛ بل كل الحكام كانت مُقدّرة أَزلً؛ وعلى ذلك‬
‫حكْم أنهى ُ‬
‫ول يوجد ُ‬
‫حكْم سبق‬
‫حكْم‪ ،‬ولكن هناك أحكام ينتهي وقتها الذي قدّره ال لها؛ ويأتي ُ‬
‫فل يوجد َنسْخ ليّ ُ‬
‫س الخذ به؛ وما دام المر كذلك فل يوجد نسخ‪.‬‬
‫تقديره أزلً ليواصل النا ُ‬
‫سهَا نَ ْأتِ بِخَيْرٍ مّ ْنهَا َأوْ مِثِْلهَا‪[} ...‬البقرة‪:‬‬
‫ولنَنْظُر إلى قول الحق سبحانه‪ {:‬مَا نَنسَخْ مِنْ آ َيةٍ َأوْ نُن ِ‬
‫‪]106‬‬
‫ويتضح من منطوق الية ومفهومها أن عند نسخ حكم يأتي ال بمثله أو خير منه‪ .‬إذن‪ :‬ليس هناك‬
‫نسخ وإنما هناك أحكام تؤدي مهمتها في زمن ثم يأتي زمن يحتاج إلى حكم خير منه أو مثله في‬
‫الحكم‪ ،‬ولكنه يوافق المصالح المرسلة مع مراد ال‪.‬‬
‫ن يقول‪ :‬مادام سيأتي بخير من الية المنسوخة أو المُنْسَأة فذلك افضل‪ ،‬ولكن لماذا يأتي‬
‫ولقائل أ ْ‬
‫بالمِثْل؟‬
‫وأقول‪ :‬لنك إنْ جاءك ما هو خَيْر منها قد تَسْتسِيغه‪ ،‬ولكن حين ننتقل إلى مِثْل ما جاءْت به الية؛‬
‫حكّ اليمان‪.‬‬
‫فهذا مَ َ‬
‫والمثل هو التوجّه في الصلة إلى بيت المقدس في أول الدعوة؛ ثم مَجِيء المر بتحويل القبلة إلى‬
‫الكعبة؛ فل مشقّة في ذلك‪.‬‬
‫ولكن هنا يتم اختبار اللتزام اليماني بالتكليف‪ ،‬وهنا النصياعُ للحكم الذي يُنزِله ال‪ ،‬وهو حُكم‬
‫مقّدر أ َزلً؛ وفي هذا اختبار لليقين اليمانيّ في إدارة توجيه المُدبّر لهذا السير‪.‬‬
‫وكذلك في الحج يأتي الرسول صلى ال عليه وسلم لِيُقبّل الحجر السود؛ ثم يرجم الحجر الذي‬
‫يرمز لبليس‪ ،‬ونحن نفعل ذلك أُسْوة برسول ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬وكلهما حجر‪ ،‬ولكِنّنا‬
‫نمتثل لمره صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫فتقبيل الحجر السود ورجم الحجر الذي يشير إلى رمزية إبليس‪ ،‬كل هذا استجابة لمر المر‪.‬‬
‫وحين يقول الحق سبحانه‪َ } :‬ي ْمحُواْ اللّهُ مَا َيشَآ ُء وَيُثْ ِبتُ وَعِن َدهُ أُمّ ا ْلكِتَابِ { [الرعد‪]39 :‬‬
‫فهو يعني أنه سبحانه يُنهِي زمن الحكم السابق الذي ينتهي زمنه في أُمّ الكتاب أي اللوح المحفوظ؛‬
‫ثم يأتي الحكم الجديد‪.‬‬
‫والمثال‪ :‬هو حكم الخمر؛ وقد عالجها الحق سبحانه أولً بما يتفق مع قدرة المجتمع؛ وكان‬
‫المطلوب الول هو تثبيت العقيدة؛ ثم تجيء الحكام من بعد ذلك‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫وهناك فرق بين العقيدة ـ وهي الصل ـ وبين الحكام‪ ،‬وهي تحمل أسلوب اللتزام العقديّ‪،‬‬
‫وكان الحكم في أمر العقيدة ملزما ومستمرا‪.‬‬
‫أما الحكام مثل حكم الخمر فقد تدرج في تحريمها بما يتناسب مع إلْف الناس؛ واعتيادهم؛ فقلّل‬
‫صحْبة الخمر؛ ثم جاء التحريم والمر بالجتناب‪ ،‬وعدم القُرْب منها‪.‬‬
‫الحق سبحانه زمن ُ‬
‫والمثل في حياتنا؛ حيث نجد مَنْ يريد أن يمتنع عن التدخين وهو يُوسّع من الفجوة الزمنية بين‬
‫سيجارة وأخرى‪ ،‬إلى أن يقلع عنها بلطف‪ ،‬وينفيها من حياته تماما‪.‬‬
‫حسَنا‪} ...‬‬
‫سكَرا وَرِزْقا َ‬
‫ل وَالَعْنَابِ تَتّخِذُونَ مِنْهُ َ‬
‫ونجد القرآن يقول في الخمر‪َ {:‬ومِن َثمَرَاتِ النّخِي ِ‬
‫[النحل‪]67 :‬‬
‫وهنا يمتنّ ال عليهم بما رزقهم به؛ ولكن أهل ال ّذوْق يلتفتون إلى أنه لم َيصِف الخمر بأنها من‬
‫الرزق الحسن؛ ووصف البلح والعنب بأنه رزق حسن؛ لن النسان يتناوله دون أن يفسده‪.‬‬
‫وهكذا يلتفت أهل الذوق إلى أن الخمر قد يأتي لها حكم من بعد ذلك‪ ،‬ثم يُنزِل الحق سبحانه عظة‬
‫خمْ ِر وَا ْلمَيْسِرِ ُقلْ فِي ِهمَآ إِثْمٌ كَبِي ٌر َومَنَافِعُ لِلنّاسِ وَإِ ْث ُمهُمَآ َأكْبَرُ مِن ّن ْف ِع ِهمَا‪} ...‬‬
‫تقول‪ {:‬يَسْأَلُو َنكَ عَنِ ا ْل َ‬
‫[البقرة‪]219 :‬‬
‫وهكذا أوضح الحق سبحانه ميْل الخمر والميسر إلى الثم أكثر من مَيْلهما إلى النفع‪ ،‬ثم جاء من‬
‫سكَارَىا حَتّىا َتعَْلمُواْ مَا َتقُولُونَ‪[} ...‬النساء‪:‬‬
‫ل َة وَأَنْتُمْ ُ‬
‫بعد ذلك قوله بحكم مبدئي‪ {:‬لَ َتقْرَبُواْ الصّ َ‬
‫‪]43‬‬
‫ومعنى ذلك أن تتباعد الفترات بين تناول الخمر‪ ،‬فل يحتسي أحد الخمر طوال النهار وجزء من‬
‫الليل‪ ،‬وفي ذلك تدريب على البتعاد عن الخمر‪.‬‬
‫ب وَالَزْلَمُ رِجْسٌ‬
‫خمْ ُر وَا ْلمَيْسِ ُر وَالَنصَا ُ‬
‫ثم يأتي التحريم الكامل للخمر في قوله تعالى‪... {:‬إِ ّنمَا ا ْل َ‬
‫ع َملِ الشّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ َلعَّلكُمْ ُتفْلِحُونَ }[المائدة‪]90 :‬‬
‫مّنْ َ‬
‫وهكذا أخذ الحكم بتحريم الخمر تدرّجه المناسب لعادات الناس‪ ،‬وتمّ تحريم الخمر بهوادة وعلى‬
‫مراحل‪.‬‬
‫وهكذا نفهم النّسْخ على أنه انتهاء الحكم السابق زمنا وبداية الحكم الجديد‪ ،‬وهذا يعني أن الحكم‬
‫الول لم يكن مُنْسحِبا على كل الزمن ثم أزلناه وجئنا بحكم آخر؛ ولكن توقيت الحكم الول ـ أزلً‬
‫ـ قد انتهى؛ وبدأ الحكم الجديد‪.‬‬
‫وهكذا ل يوجد مجال للختلف على معنى النسخ‪ ،‬ذلك أن الحق سبحانه أرجع ال َمحْو والثبات‬
‫إلى أم الكتاب؛ ففيها يتحدد ميعاد كل حكم وتوقيته؛ وميعاد مجيء الحكم التالي له‪.‬‬
‫ن يقولون أن ال َبدَاء محرم على ال أن ينتبهوا إلى أن هذا‬
‫وما دام كل أمر مرسوم أزلً؛ فعلى مَ ْ‬
‫المحو والثبات ليس بَداءً؛ لن البداء يعني أن تفعل شيئا‪ ،‬ثم يبدو لك فسادُه فتُغيّره‪.‬‬

‫‪/http://www.daardesign.com/forum‬‬
‫منتدى دارنا‬

‫والحق سبحانه لم يظهر له فساد ما أنزل من أحكام أو آيات؛ بل هو قدّر كل شيء أزلً في أم‬
‫الكتاب‪ ،‬وجعل لكل حكم ميقاتا وميلدا ونهاية‪.‬‬
‫ويصح أن يتسع معنى قول الحق سبحانه‪َ } :‬ي ْمحُواْ اللّهُ مَا َيشَآ ُء وَيُثْ ِبتُ وَعِن َدهُ أُمّ ا ْلكِتَابِ { [الرعد‪:‬‬
‫‪]39‬‬
‫ليشمل نسخ رسالة برسالة أخرى؛ فيكون قد محا شيئا وأثبت شيئا آخر‪ ،‬وكل شيء فيه تغيير إلى‬
‫الخير ويصِحَ فيه المَحْو والثبات‪ ،‬وهو من عند الرقيب العتيد‪ {:‬مّا يَ ْ